Issuu on Google+

‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬ ‫اليسار الفلسطيني يحاور نفسه ويتأمل مصيره‬

‫جميل هالل‬ ‫شارك في البحث‬ ‫طالل عوكل وزياد عثمان‬

‫مؤسسة روزا لوكسمبورغ‬ ‫‪2009‬‬


‫?‪The Palestinian Left: Where to‬‬ ‫‪The Palestinian Left Rethinks its Future‬‬ ‫‪by‬‬ ‫‪Jamil Hilal‬‬

‫‪© Copyright: Rosa Luxemburg Foundation‬‬ ‫‪www.rosaluxemburg.ps‬‬ ‫‪2009‬‬

‫جميع احلقوق محفوظة‬ ‫مؤسسة روزا لوكسمبورغ‬

‫البريد اإللكتروني‪www.rosaluxemburg.ps :‬‬

‫‪2009‬‬

‫تصميم وتنفيذ مؤسسة ناديـ ــا للطباعة والنشر واإلعالن والتوزيع‬ ‫رام اللـه ‪ -‬هاتف ‪02 - 296 0919‬‬ ‫ما يرد في هذا الكتاب من آراء وأفكار يعبر عن وجهة نظر املؤلف‬ ‫وال يعكس بالضرورة موقف مؤسسة روزا لوكسمبورغ‪.‬‬


‫وجهة نظر‬ ‫مؤسسة روزا لوكسمبورغ كمنظمة دولية‬ ‫في العام ‪ 1988‬أقرت منظمة التحرير الفلسطينية أسس بناء الدولة الفلسطينية عبر وثيقة‬ ‫االستقالل‪ .‬وشملت هذه األسس رؤية ملجتمع يرتكز على قيم تقدمية تصان وتتطور‬ ‫عبر أحزاب وتنظيمات منظمة التحرير نفسها‪ .‬لكننا جند اليوم أن الشلل قد أصاب‬ ‫معظم تنظيمات م‪.‬ت‪.‬ف وتبددت مع هذا الشلل الروح اجلمعية لوثيقة االستقالل‪ .‬كما‬ ‫بات يجري التعامل مع املنظمات غير احلكومية‪ ،‬الصغيرة والكبيرة ‪ -‬على االقل من‬ ‫قّبل املجتمع الدولي‪ -‬باعتبارها حا ّرسة ملبادئ املشاركة الدميقراطية‪ ،‬واملساواة بني‬ ‫اجلنسني‪ ،‬والتعددية احلزبية وحرية ممارسة الشعائر الدينية‪ ...‬وغير ذلك‪.‬‬ ‫العديد من املنظمات غير احلكومية الفلسطينية احلالية نشأ وتطور عبر األحزاب‬ ‫اليسارية الفلسطينية‪ ،‬وبات بعضها اليوم أقوى من أحزابها األم‪ .‬فهو يستفيد من‬ ‫صالت دولية متمكنة‪ ،‬ومن متويل واسع‪ ،‬وحتى يستحوذ على تأثير سياسي أكثر‬ ‫من احلزب الذي أسسه‪ .‬وهذا وضع إشكالي ألنه من املشكوك فيه أن تكون القيم التي‬ ‫نصت عليها وثيقة االستقالل‪ ،‬قد أحرزت‪ ،‬في األراضي الفلسطينية احملتلة ‪ ،1967‬أي‬ ‫تقدم خالل العقدين األخيرين خصوصا إذا ما أخذنا بعني االعتبار ما حدث في هذه‬ ‫الفترة من توترات وانقسامات داخلية متعددة‪ .‬فاملنظمات غير احلكومية تعمل‪ ،‬بشكل‬ ‫انفرادي وتنافسي‪ ،‬وفق ‪ -‬كما تشتكي هذه املنظمات نفسها‪ -‬برامج لم تصاغ متاما‬ ‫مبا يتواءم مع األجندة الوطنية الفلسطينية‪.‬‬ ‫تتواجد مئات املؤسسات الدولية في الضفة الغربية وقطاع غزة‪ ،‬ويتعاقد الكثير منها مع‬ ‫منظمات غير حكومية فلسطينية محلية لتنفيذ أهدافها‪ .‬وهذه املنظمات يسهل إيجادها‪،‬‬ ‫حيث أن عملها صار فرديا وتعمل في بعض األحيان بدوافع مالية‪ ،‬كما هو حال شركات‬ ‫من القطاع اخلاص‪ .‬وفي الوقت ذاته‪ ،‬يعمل كثيرون من ذوي التعليم العالي مع القطاع‬ ‫غير احلكومي‪ ،‬وهم أصحاب خبرات عالية ومستوى معرفي ممتاز‪ ،‬ويقومون بعمل‬ ‫هام‪ ،‬غالبا في قطاع اخلدمات‪.‬‬ ‫لكن الوضع الفلسطيني املعاصر يقدم أصدق دليل للجميع – للممولني الدوليني‬ ‫وللمنظمات الفلسطينية على حد سواء‪ -‬على ان العمل "االغاثي" الفردي غير كاف‬ ‫وغير قادر على تقدمي وسائل ومعطيات كافية للوصول الى االستقالل الوطني‪ .‬فعلى‬ ‫املنظمات الفلسطينية غير احلكومية أن تكون وسائل للتنمية االقتصادية واالجتماعية‬ ‫والسياسية‪ ،‬ال أن تكون العبا أساسيا وال صانعة قرار‪ .‬فمن يتولى‪ ،‬بشكل رئيسي‪،‬‬


‫طرح البدائل واملقترحات وخوض صراع للتخلص من النظم االستبدادية واملعتدية‪ ،‬هي‬ ‫األحزاب واحلركات السياسية التقدمية‪ .‬وفي فلسطني‪ ،‬كغيرها من املجتمعات‪ ،‬األحزاب‬ ‫التقدمية هي األقدر على حتديد وتفعيل مقومات النشاط السياسي وتنظيم عمل وادوار‬ ‫منظمات املجتمع املدني األخرى‪ ،‬في سياق العمل الوطني‪ ،‬وعبر التوجيه السياسي‬ ‫املنظم يستطيع الفلسطينيون أن يكونوا أسياد املساعدات الدولية‪ ،‬وليس العكس!‬ ‫تعاني أحزاب اليسار الفلسطينية‪ ،‬لألسف‪ ،‬من الضعف‪ ،‬ويتمثل واحد من أسباب‬ ‫هذا الضعف في الدعم الدولي للمنظمات غير احلكومية (‪ .)NGOs‬ونحن نعتقد أن‬ ‫الفلسطينيني لن يحققوا أهدافهم الوطنية سوى عبر أحزاب سياسية ناشطة وقوية‬ ‫وملتزمة متاما بهذه االهداف‪ ،‬كما نعتقد أن املجتمع القائم على العدالة واملساواة‬ ‫االجتماعية ميكن ان يتحقق فقط عبر مشاركة قوية وفاعلة من قّبل أحزاب اليسار‪.‬‬ ‫لهذا سعدنا عندما اقترح علينا جميل هالل فكرة هذا الكتاب‪ ،‬كما ان ناجت عمله امل ّكثف‬ ‫سوف يكون مفيدا للغاية للنقاشات‪ ،‬الضرورية‪ ،‬داخل اليسار حول‪" :‬كيف وماذا‬ ‫نحتاج حتى نستطيع أن نساهم بشكل ف ّعال في النضال نحو حتقيق أهدافنا الوطنية‪،‬‬ ‫ونحو بناء مجتمع حر وعادل؟" ونحن نشعر اليوم ‪ -‬متاما مثل كثير من اليساريني‬ ‫الفلسطينيني الذين يسعون بشتى الوسائل الحياء احلركة اليسارية‪ -‬أن هذا الكتاب‬ ‫يأتي في الوقت املناسب ليشكل مساهمة مفيدة‪.‬‬ ‫بيتر شيفر‪ ،‬كانون اول ‪2009‬‬

‫مؤسسة روزا لوكسمبورغ ترتبط مع حزب اليسار األملاني بصلة وثيقة‪ ،‬وتدعم ‪،‬‬ ‫بناءا عليه‪ ،‬القيم واملؤسسات التقدمية‪ .‬كما ونتقدم بأصدق امنياتنا لكل من يلتزم بهذا‬ ‫الت ّوجه‪.‬‬


‫الـمـحـ ـت ـ ــويـات‬ ‫الفصل األول‪ :‬بدل املقدمة‬

‫‪9‬‬

‫أ ‪ .‬الظروف احمليطة بنشوء ودور اليسار الفلسطيني‬

‫‪9‬‬

‫ب ‪ .‬احلقل السياسي الفلسطيني يدخل حالة انكشاف تام‬ ‫ج ‪ .‬حاجة اليسار الفلسطيني إلى رؤية جديدة‬ ‫د ‪ .‬حول منهجية البحث‬

‫‪17‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪28‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬في تعريف اليسار ملفهوم "اليسار"‬

‫‪31‬‬

‫أ ‪ .‬حول نشأة وسمات اليسار الفلسطيني‬

‫‪32‬‬

‫ب ‪" .‬اليسار" يتحدد في تبني املنهج املادي اجلدلي واالشتراكية العلمية‬ ‫ج ‪ .‬اليسار يعني تبني قيم الدميقراطية والعلمانية والعدالة‬ ‫االجتماعية واملساواة بني الرجل واملرأة‬ ‫د ‪.‬ال وجود ألحزاب يسارية فلسطينية أو هي من دون هوية فكرية‬ ‫وشخصية اجتماعية‬

‫‪40‬‬ ‫‪43‬‬ ‫‪49‬‬

‫‪ -‬قراءة في فهم اليسار ملفهوم "اليسار"‬

‫‪53‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬تشخيص اليسار للعوامل "الذاتية" التي‬ ‫ساهمت في تراجعه‬

‫‪57‬‬

‫أ ‪ .‬حول مشكالت البنية الداخلية‬

‫‪58‬‬

‫ب ‪ .‬مداخالت حول التكوين الفكري واملفاهيمي لليسار‬ ‫ج ‪ .‬حول العالقات بني قوى اليسار‬

‫د ‪ .‬مداخالت حول ضعف الدور االجتماعي لليسار‬

‫هـ ‪ .‬حول تعامل اليسار مع اتفاق أوسلو وتداعياته‬

‫و ‪ .‬حول شح املوارد املالية لليسار وغياب املنابر اإلعالمية‬ ‫ز ‪ .‬مالحظات عامة‬

‫‪77‬‬ ‫‪89‬‬ ‫‪95‬‬ ‫‪111‬‬ ‫‪116‬‬ ‫‪118‬‬


‫‪ -‬قراءة في تشخيص اليسار للعوامل الذاتية التي ساهمت في تراجعه‬

‫‪120‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬تشخيص اليسار للعوامل "املوضوعية"‬ ‫التي ساهمت في تراجعه‬

‫‪125‬‬

‫أ ‪ .‬تداعيات املتغيرات الدولية واإلقليمية‬

‫‪126‬‬

‫أوال‪ :‬وقع املتغيرات الدولية‪ ،‬وبخاصة انهيار االحتاد السوفيتي‬ ‫واملنظومة االشتراكية‬ ‫ثانيا‪ :‬وقع التحوالت اإلقليمية على تنظيمات اليسار‬ ‫‪ .1‬وقع الثورة اإليرانية‬

‫‪ .2‬تداعيات خروج منظمة التحرير من بيروت‬

‫‪ .3‬تداعيات حرب اخلليج األولى والثانية‬ ‫ب‪ .‬حتوالت مفصلية في احلقل السياسي الفلسطيني‬

‫أوال‪ :‬ظهور اإلسالم السياسي حلظة حتوالت دولية وإقليمية كبرى‬

‫ثانيا‪ :‬استحقاقات اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية‬ ‫ثالثا‪ :‬تداعيات االنتفاضتني على أوضاع اليسار‬

‫رابعا‪ :‬تداعيات االنتخابات التشريعية األولى والثانية‬

‫خامسا‪ :‬حت ّول املنظمات غير احلكومية من أدوات لليسار‬ ‫إلى عبء عليه‬ ‫سادسا‪ :‬جتفيف املوارد املالية لليسار‬

‫‪126‬‬ ‫‪136‬‬ ‫‪136‬‬ ‫‪138‬‬ ‫‪140‬‬ ‫‪140‬‬ ‫‪140‬‬ ‫‪148‬‬ ‫‪158‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪173‬‬ ‫‪177‬‬

‫‪ -‬قراءة في تشخيص اليسار لتأثير العوامل املوضوعية على دوره ونفوذه ‪183‬‬

‫الفصل اخلامس‪ :‬تقييم اليسار لدوره في الصراع بني "فتح" و"حماس"‬

‫‪189‬‬

‫‪ -‬قرأءة في تقييم اليسار لدوره إزاء الصراع بني "فتح" و"حماس"‬

‫‪216‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬توقعات ومتنيات واقتراحات‬

‫‪219‬‬

‫‪ . 1‬الدعوة ملراجعة نقدية لتجربة اليسار‬

‫‪219‬‬

‫‪. 2‬آراء حول ضرورة وإمكانية وشروط توحيد اليسار‬

‫‪223‬‬


‫‪ . 3‬مقترحات إجرائية وعملية ألحزاب اليسار‬

‫‪ . 4‬اليسار وضرورة خوض نضاالت اجتماعية ودميقراطية‬ ‫‪ . 5‬نحو حتديد مفهوم للمقاومة‬

‫‪ . 6‬املوقف من حل الدولتني‪ ،‬ومن حل الدولة الواحدة‬ ‫الدميقراطية على أرض فلسطني‬ ‫‪ . 7‬حول مستقبل السلطة الفلسطينية وحدود مهماتها‬ ‫‪ . 8‬في واقع ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية‬ ‫‪ . 9‬في حاجة اليسار لتطوير موارده املالية‬

‫‪255‬‬ ‫‪264‬‬ ‫‪272‬‬ ‫‪279‬‬ ‫‪286‬‬ ‫‪292‬‬ ‫‪299‬‬

‫‪ .10‬دعوة اليسار لتنمية عالقاته اإلقليمية والدولية‬

‫‪301‬‬

‫‪ -‬قراءة في أفكار اليسار حول متطلبات استنهاض دوره‬

‫‪302‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬بدل اخلامتة‬

‫‪311‬‬

‫أ ‪ .‬تأمل في متطلبات تشييد الهوية الفكرية والبنية التنظيمية لليسار‬

‫‪311‬‬

‫ب ‪ .‬تدقيق في العوامل الذاتية املولدة لتراجع اليسار‬

‫ج ‪ .‬نظرة مجددة على العوامل "املوضوعية" لتراجع اليسار‬ ‫د ‪ .‬في موقف اليسار من الصراع بني "فتح" و"حماس"‬

‫‪318‬‬ ‫‪320‬‬ ‫‪323‬‬

‫هـ ‪ .‬ما بني رؤية اليسار ملستلزمات استنهاضه وجاهزيته للمبادرة‬

‫‪324‬‬

‫املالحق‬

‫‪331‬‬

‫ملحق ا ‪:‬‬

‫‪331‬‬ ‫‪331‬‬

‫أ ‪ .‬مالحظات واستخالصات‪ .‬الزميل زياد عثمان‬

‫ب‪ .‬استخالصات ومالحظات‪ .‬الزميل طالل عوكل‬

‫ج‪ .‬تكثيف لآلراء التي وردت في ثالثة لقاءات حوارية‬ ‫في قطاع غزة تولى إدارتها الزميل طالل عوكل‬ ‫ملحق ‪ :2‬أسماء الذين التقاهم فريق البحث خالل الربيع وبداية‬ ‫صيف العام ‪2009‬‬

‫‪339‬‬ ‫‪345‬‬

‫‪353‬‬


‫الفصل األول‪ :‬بدل املقدمة‬ ‫"تبلور اليسار الفلسطيني كتيار سياسي في مجتمعنا في أوج املرحلة التي أصاب فيها‬ ‫الفكر املاركسي اجلمود والصيغة الرسمية التي اتخذتها االشتراكية في التطبيق؛ مما‬ ‫جعل هذا التطبيق مختلفا ً في نتائجه عن املبادئ املعلنة التي قام على أساسها‪ .‬ورغم‬ ‫النجاحات الهامة التي حققها اليسار الفلسطيني في البداية‪ ،‬ورغم التأثير التاريخي‬ ‫لليسار في مسار الثورة الوطنية الفلسطينية‪ ،‬إال أن الصيغة احملققة من اليسار خسرت‬ ‫السباق أمام القوى الوطنية األخرى‪ ،‬وكشفت عن خلل كبير في اآلونة األخيرة جعلها‬ ‫غير قابلة لالستمرار‪( "...‬صالح عبد العاطي‪ ،‬غزة‪ ،2007 ،‬من ورقة لم تنشر)‪.‬‬ ‫أ‪ .‬الظروف احمليطة بنشوء ودور اليسار الفلسطيني‬ ‫يستوجب احلديث عن األحزاب والتنظيمات اليسارية الفلسطينية االلت��ات لعدد من‬ ‫خصوصيات هذه األحزاب والتنظيمات‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬من السمات البارزة لليسار الفلسطيني انخراطه في احلركة الوطنية الفلسطينية‬ ‫منذ بداياتها‪ .‬كان أول األحزاب التي تأسست في فلسطني في فترة االنتداب احلزب‬ ‫الشيوعي الفلسطيني الذي ظهر في مطلع العشرينيات بني صفوف التجمع االستيطاني‬ ‫اليهودي‪ .‬ومع بداية عقد الثالثينيات‪ ،‬وبتأثير من هبة البراق‪ ،‬في العام ‪ 1929‬برز توجه‬ ‫عربي للحزب تبنى مواقف تنسجم مع االجتاه الغالب داخل احلركة الوطنية الفلسطينية‬ ‫خالل انتفاضة عام ‪ .1936‬وفي عام ‪ ،1943‬شكل األعضاء العرب‪ ،‬بعد انفصالهم عن‬ ‫احلزب الشيوعي عصبة التحرر الوطني في فلسطني‪ 1.‬وربطت العصبة بني هدف‬ ‫التحرر واالستقالل وتقرير املصير‪ ،‬وبني الدميقراطية ومطالب العمال والفالحني‪.‬‬ ‫‪ 1‬أنظر‪/‬ي‪ :‬عودة األشهب ونعيم األشهب‪ ،‬اليسار العربي الفلسطيني ‪ ،1948-1943‬املركز الفلسطيني‬ ‫لقضايا السالم والدميقراطية ودار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع‪.2008 ،‬‬

‫‪9‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫وشكل احلزب الشيوعي الفلسطيني‪ ،‬والحقا عصبة التحرر الوطني منوذجا للبنية‬ ‫احلزبية احلديثة‪ ،‬وينطبق هذا بدرجة ملموسة على حزب االستقالل الذي أعلن عن‬ ‫تشكيله في آب ‪ 1932‬على يد مجموعة من نشطاء اجلمعيات املناهضة للحكم العثماني‬ ‫‪2‬‬ ‫ونادوا باالستقالل عنه‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬تعرض الشعب الفلسطيني وجتمعاته الرئيسة على مدار ستة عقود بعد النكبة وما‬ ‫ترتب عليها من حالة تشظي للمجتمع الفلسطيني وتشرد وشتات الشعب الفلسطيني وما‬ ‫تضمنته من تعرضه للتطهير العرقي – تعرض لسلسلة من الهزات العنيفة املتتالية كان‬ ‫آخرها احلرب على قطاع غزة في نهاية العام ‪ 2008‬وبداية العام ‪ .2009‬فبعد النكبة وضم‬ ‫الضفة الغربية لألردن‪ ،‬ووضع غزة حتت احلكم املصري‪ ،‬جاءت حرب ‪ 1967‬لتضع‬ ‫كلتيهما حتت االحتالل ولبدء عملية ضم واستيطان استعماري ما زالت جارية‪ .‬كما هيأت‬ ‫هزمية ‪ 1967‬لتأسيس حقل وطني فلسطيني جسدته منظمة التحرير الفلسطينية التي‬ ‫هيمنت على احلقل حتى تشكيل سلطة فلسطينية محدودة الصالحيات على أجزاء من‬ ‫الضفة الغربية وقطاع غزة عام ‪ .1994‬وجاءت االنتفاضة األولى والثانية وما واجهتاه‬ ‫من إجراءات قمعية (أمنية وعسكرية اقتصادية وإدارية) من قبل إسرائيل لتضيف لهذه‬ ‫الهزات‪ .‬وشملت الهزات التجمعات الفلسطينية في اخلارج ومن ذلك أحداث األردن في‬ ‫العامني ‪ 1970‬و‪ 1971‬واحلرب األهلية في لبنان وحصار بيروت في العام ‪ ،1982‬وحرب‬ ‫املخيمات في لبنان خالل الثمانينيات‪ ،‬وتهجير الفلسطينيني من الكويت على أثر حرب‬ ‫اخلليج‪ ،‬وتعرض اجلاليتني الفلسطينيتني في ليبيا والعراق إلجراءات جماعية ظاملة‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬برزت‪ ،‬خالل االنتفاضة األولى‪ ،‬قوى سياسية من خارج منظمة التحرير أخذت‬ ‫تطرح نفسها بديال ومنافسا للمنظمة على الصعيد البرنامجي واملنطلقات واملرجعيات‬ ‫األيديولوجية؛ كما كان لتفجر االنتفاضة مدلوالت سياسية هامة‪ ،‬وبخاصة ألنها جاءت‬ ‫بعد خمس سنوات من خروج منظمة التحرير من لبنان بعد حصار دام قرابة ثالثة أشهر‬ ‫في صيف ‪ .1982‬من أبرز هذه املدلوالت انتقال مركز ثقل احلقل السياسي الوطني إلى‬ ‫األرض الفلسطينية احملتلة عام ‪.1967‬‬ ‫رابعا‪ :‬ترك انهيار االحتاد السوفييتي وما ترتب عليه من تغيير حاد في ميزان القوى‬ ‫اإلقليمي والدولي‪ ،‬وفقدان منظمة التحرير حليفا دوليا رئيسا مقابل تقوية احلليف‬ ‫االستراتيجي لدولة إسرائيل (الواليات املتحدة) الذي بات يتربع على رأس نظام دولي‬ ‫جديد ـ ترك تأثيرا مباشرا ومدويا على أحزاب اليسار العربي‪ ،‬ومنها تنظيمات اليسار‬ ‫الفلسطيني‪ .‬فقد شكل االحتاد السوفييتي لليسار الفلسطيني املرجع الفكري والتنظيمي‬ ‫وإلى حد ملموس محددا للموقف السياسي من بداية عقد السبعينيات وحتى حلظة‬ ‫‪2‬‬

‫أنظر‪/‬ي‪ :‬جميل هالل‪ ،‬التنظيمات واألحزاب السياسية الفلسطينية‪ ،‬رام الله‪ ،‬مواطن‪.2006 ،‬‬

‫‪10‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫انهياره‪ ،‬كما شكل مصدرا هاما للسالح والتدريب واملنح الدراسية واحلزبية‪ .‬لكن‬ ‫انهيار التجربة السوفييتية ساهم في توليد وعي نقدي للبناء احلزبي لتنظيمات اليسار‬ ‫املاركسي حتت مسمى املركزية الدميقراطية‪ 3‬وإزاء املضمون األيديولوجي التي تناقلته‬ ‫أحزاب اليسار من األجهزة األيديولوجية السوفييتية بتأثيراتها الستالينية أو مبيزاتها‬ ‫السوفييتية اخلاصة التي مثلتها اللينينية‪ .‬من هنا شهدت األحزاب الشيوعية واملاركسية‬ ‫مناقشات طالت حول الدميقراطية الداخلية وشكل احلزب اجلماهيري وأساليب عمله‬ ‫فلسطينيا وعربيا ودوليا‪ .‬وميكن القول إن فشل التجربة السوفييتية ساهم في توليد‬ ‫اهتمام بقضية الدميقراطية الداخلية لم يكن حاضرا قبل ذلك‪ ،‬وهو اهتمام نهض حتت‬ ‫ضغط اإلحساس بالضعف وفقدان التوازن‪ ،‬وليس بتأثير الثقة بالنفس أو في مرحلة‬ ‫‪4‬‬ ‫صعود نفوذ اليسار‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬شهد عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات عدة متغيرات ذات وقع مباشر‬ ‫وغير مباشر على وضع احلركة الوطنية الفلسطينية ومن ذلك وضع اليسار‪ .‬وكانت‬ ‫الثورة اإليرانية قد سبقت انهيار املعسكر االشتراكي بعقد من الزمن (‪ )1979‬وبدا‬ ‫وكأنها تطرح اإلسالم السياسي كبديل عن التوجه القومي الذي ساد في اخلمسينيات‬ ‫والستينيات‪ ،‬وبديل عن املاركسية والتوجه االشتراكي اللذين اهتزا مع انهيار التجربة‬ ‫السوفييتية‪ .‬وشهدت الثمانينيات خروج منظمة التحرير من لبنان حتت وطأة احتالل‬ ‫وحصار إسرائيلي عسكري مدعوم محليا‪ ،‬تاله صراع داخل حركة "فتح" مدعوم‬ ‫من عواصم عربية‪ ،‬شهد مبادرة من قوى اليسار الحتواء الصراع‪ ،‬ثم للضغط على‬ ‫قيادة حركة "فتح" لفرملة االجنرار نحو محور "االعتدال" العربي (املنحاز لسياسة‬ ‫الواليات املتحدة واملتطلع إلى إضعاف الصفة التمثيلية ملنظمة التحرير)‪ .‬وشهد عقد‬ ‫الثمانينيات احلرب العراقية‪-‬اإليرانية‪ ،‬وإعالن البيريسترويكا عام ‪ 1986‬من قبل الرئيس‬ ‫غورباتشوف التي أثارت نقاشا واسعا حول مستقبل النظام الدولي القائم‪ ،‬وحول‬ ‫مستقبل األحزاب اليسارية‪ ،‬كما أنتجت فلسطينيا‪ ،‬بالترافق مع االنتفاضة الشعبية في‬ ‫الضفة والقطاع‪ ،‬وغزو الكويت من قبل العراق‪ ،‬حركية واسعة داخل األحزاب اليسارية‬ ‫خلفت انشقاقات في بعض هذه األحزاب‪ ،‬وحاالت انفضاض في بعضها األخر‪ .‬وكان‬ ‫لهذه األحداث تداعياتها على توازن القوى السياسية في املجتمع الفلسطيني‪ .‬احلرب‬ ‫على العراق (‪ )1990‬بعد احتالل النظام القائم آنذاك الكويت‪ ،‬ألقت بظالل سياسية‬ ‫‪3‬‬

‫اعتماد "املركزية الدميقراطية" ليس محصورا في التنظيمات اليسارية‪ ،‬فالنظام األساسي حلركة‬ ‫"فتح" نص على "أن املركزية الدميقراطية هي األساس في ممارسة املسؤوليات وتتضمن وحدة‬ ‫العمل والتنظيم واالنسجام الفكري والتفاعل السياسي في احلركة"‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫أنظر‪/‬ي‪ :‬عبد املجيد حمدان‪ ،‬عن الدميقراطية ‪ 100‬سؤال وجواب‪ ،‬املركز الفلسطيني لقضايا السالم‬ ‫والدميقراطية‪ ،‬رام الله‪.2008 ،‬‬

‫‪11‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ومالية وبشرية قاسية على الوضع الفلسطيني برمته ترجمت بعقد مؤمتر مدريد الذي‬ ‫فتح الباب أمام مفاوضات عربية إسرائيلية‪ ،‬وأخرى فلسطينية إسرائيلية‪ .‬وباتفاق‬ ‫أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية محدودة الصالحيات ومجزأة اإلقليم ولد حقل‬ ‫سياسي فلسطيني جديد له مؤسسته التشريعية والقضائية والتنفيذية (على حساب‬ ‫دور مؤسسات منظمة التحرير)‪ ،‬وجرت أول انتخابات تشريعية فلسطينية عام ‪1996‬‬ ‫تالها انتخابات أخرى بعد عشر سنوات‪ .‬خالل هذه الفترة دخلت قوى سياسية‬ ‫جديدة على احلقل الوطني الفلسطيني‪ .‬كما وقع احلقل حتت تأثيرات مباشرة لقوى‬ ‫ومراكز سياسية أبرزها‪ ،‬إذا ما استثنيت إسرائيل‪ ،‬الواليات املتحدة ومصر والسعودية‬ ‫واألردن‪ ،‬وسوريا وإيران‪ .‬إن قيام السلطة الفلسطينية لم يأت ليعلن انتهاء مرحلة‬ ‫التحرر الوطني بل ليضيف مهمات جديدة للقوى واألحزاب السياسية الفلسطينية‪.‬‬ ‫لقد أربك هذا الوضع قوى اليسار الفلسطيني أكثر من غيرها من القوى األخرى كما‬ ‫سيتضح الحقا‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬لم يؤد اتفاق أوسلو بني منظمة التحرير وإسرائيل ‪ -‬كما اعتقد من وقعوه‬ ‫من الفلسطينيني ‪ -‬إلى الدولة الفلسطينية املستقلة وعاصمتها القدس وال إلى حل‬ ‫لقضية الالجئني الفلسطينيني وفق قرارات األمم املتحدة ذات الشأن‪ .‬فقد استمر‬ ‫االستيطان وجتزئة األرض احملتلة (إلى مناطق أ‪ ،‬و ب‪ ،‬وج وفصل الضفة عن القطاع‪،‬‬ ‫والقدس عن باقي أجزاء الضفة وعن غزة)‪ ،‬وخلق املعازل السكانية‪ ،‬وفرض القيود‬ ‫على االقتصاد وعلى حرية احلركة وعلى املعابر‪ ،‬واستمرت السيطرة على املوارد‬ ‫الطبيعية (األرض واملياه بشكل خاص)‪ .‬وقاد فشل االتفاق على الوضع النهائي في‬ ‫قمة كمب ديفيد في متوز ‪ ،2000‬إلى تفجر االنتفاضة الثانية‪ ،‬التي استخدمتها إسرائيل‬ ‫إلضعاف السلطة إلى احلد األعلى املمكن دون إنهاء وجودها؛ فقامت بإعادة احتالل‬ ‫مدن الضفة ومحاصرة رئيس السلطة الفلسطينية‪ ،‬وتشديد القيود التي ترهن حركة‬ ‫االقتصاد الفلسطيني بإرادتها‪ ،‬وتسريع حركة االستيطان وتهويد القدس واالعتقاالت‬ ‫باآلالف واغتياالت الكوادر والقيادات السياسية والعسكرية‪ 5.‬كما وضعت قطاع غزة‬ ‫حتت احلصار وباشرت في بناء اجلدار العازل (جدار الفصل العنصري) حتت شعار‬ ‫مكافحة "اإلرهاب" الذي تبنته اإلدارة األمريكية برئاسة جورج بوش واحملافظني‬ ‫اجلدد على أثر أحداث ‪ 11‬أيلول ‪ .2001‬هذه التحوالت لم جتد اليسار الفلسطيني في‬ ‫حالة استعداد وتأهب‪ ،‬وتركته وقد تداعت شبكة العالقات احلاضنة التي حمته في‬ ‫السبعينيات والثمانينيات (أبرزها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية)‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫الدور الذي لعبته السجون خالل السبعينات والثمانينات في نشر وتعميق الثقافة التقدمية عبر ما‬ ‫أتاحته من وقت وفرص للتثقيف اجلماعي والفردي‪ ،‬يستحق االنتباه أنظر‪/‬ي إشارة إلى ذلك في‪:‬‬ ‫يزيد الصايغ‪ ،‬الكفاح املسلح والبحث عن الدولة‪ ،‬احلركة الوطنية الفلسطينية ‪ ،1993-1949‬مؤسسة‬ ‫الدراسات الفلسطينية‪ ،‬بيروت‪( 2002 ،‬صفحة ‪.)673‬‬

‫‪12‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫سابعا‪ :‬كان من نتائج انسداد األفق السياسي أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات‬ ‫سيادة‪ ،‬وتفاقم األوضاع املعيشية في مناطق السلطة الفلسطينية – التي جتلت في معدالت‬ ‫قياسية من البطالة والفقر‪ ،‬واملترافقة مع رؤية لدى اجلمهور الفلسطيني باستشراء الفساد‬ ‫وسوء اإلدارة ��ي مؤسسات وأجهزة هذه السلطة وحزبها احلاكم ‪ -‬اتساع جماهيرية‬ ‫"حماس"‪ ،‬من جهة‪ ،‬وتواصل ترهل حركة "فتح" من جهة ثانية‪ ،‬وانحسار تأثير اليسار‬ ‫الفلسطيني إلى حدوده الدنيا من جهة ثالثة‪ .‬حصيلة كل هذا كانت نتائج االنتخابات‬ ‫التشريعية في كانون الثاني عام ‪ ،2006‬حيث فازت حركة حماس بأغلبية مقاعد املجلس‬ ‫لتشريعي الفلسطيني‪ .‬وهو األمر الذي ترك تداعيات ما زالت مستمرة لكنها أوقعت احلقل‬ ‫السياسي الفلسطيني في حالة من االستقطاب احلاد ولّد انقساما جغرافيا‪ -‬سياسيا‪ ،‬أو‬ ‫سلطتني إحداهما في الضفة الغربية تقودها حركة "فتح" وأخرى في قطاع غزة تقودها‬ ‫"حماس"‪ .‬لقد بات احلقل السياسي الوطني مستباحا داخليا وخارجيا‪ ،‬يعيش مأزقا حادا بعد أن بات من دون‬ ‫مؤسسات وطنية ودون قيادة موحدة وتتصارع داخله رؤى وسياسات متنافرة في مواجهة احتالل‬ ‫استعماري تقوده حكومة إسرائيلية يغلب عليها اليمني املتطرف بعد صعود الليكود مجددا‬ ‫إلى سدة احلكم في إسرائيل عام ‪.2009‬‬ ‫ثامنا‪ :‬املأزق القائم هو مأزق وطني بامتياز‪ ،‬أي ال يخص اليسار وحده‪ .‬لكن هذا ال يعفي‬ ‫اليسار من مسؤولية غياب الدور والتأثير‪ ،‬وحتديدا أن يلعب دور البوصلة التي تؤشر‬ ‫إلى املخرج من املأزق‪ .‬صحيح أنه ال يجب التقليل من أثر التحوالت التي شهدها العالم‬ ‫واملنطقة والتي شملت األصعدة االقتصادية واالجتماعية والسياسية واأليديولوجية؛‬ ‫لكن الصحيح أنه مضى أكثر من عقدين من الزمن على انهيار جتربة االحتاد السوفييتي‪،‬‬ ‫وجابهت سياسة الواليات املتحدة (ومعها إسرائيل) في العقد األخير استعصاءات في‬ ‫املنطقة وفي العالم يصعب التقليل من شأنها‪ .‬ومن ذلك تزعزع مكانتها االقتصادية‬ ‫وفشل السياسيات الليبرالية اجلديدة؛ وبالتالي‪ ،‬كان يكفي لليسار الفلسطيني (والعربي)‬ ‫أن يراجع مبوضوعية وجدية جتربته وأن يعيد بناء نفسه وصياغة برامجه كي يستطيع‬ ‫االشتباك املؤثر مع األوضاع احمللية واإلقليمية والدولية‪.‬‬ ‫تاسعا‪ :‬مع قيام سلطة فلسطينية محدودة الصالحيات‪ ،‬وتعتمد انتخابات عامة حرة‬ ‫ونزيهة (دون جتاهل تأثير االحتالل االستيطاني على مزاج الناخب وقضاياه) في‬ ‫تغيير رئيسها ومجلسها التشريعي‪ ،‬ومع جتميد مؤسسات منظمة التحرير ووجود‬ ‫تنظيمات سياسية (ممثلة باإلسالم السياسي) ترفض مرجعية هذه املؤسسات إلى حني‬ ‫تغييرها‪ ،‬دخل احلقل السياسي الوطني حالة جديدة حتيل إلى قوانني "لعبة سياسية"‬ ‫جديدة حتددها قوى محلية بالتوافق والتنسيق مع قوى إقليمية؛ وهو ما استدعى من‬ ‫اليسار‪ ،‬وما زال‪ ،‬استراتيجيات وخططا وبرامج وحتالفات أكثر انسجاما مع التداخل‬ ‫الذي بات حاصال بني مهمات التحرر الوطني وإعادة بناء املؤسسات الوطنية على‬ ‫أسس املشاركة والدميقراطية‪ ،‬وبني مهمات الدفاع عن حقوق ومصالح مجموع الفئات‬ ‫الكادحة والالجئة واملضطهدة من الشعب الفلسطيني في جتمعاته املختلفة‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫عاشرا‪ :‬يتحدد دور اليسار في املجال السياسي (يتصل بتغيير ميزان القوى لصالح‬ ‫برنامج اليسار)‪ :‬أوال مبا هو اجتماعي وقيمي (كما يجسده البرنامج االجتماعي)؛ وثانيا‪،‬‬ ‫مبا هو أيديولوجي (أو منهجي‪ -‬فلسفي أي أسس املفاهيمية املعتمدة في حتليل الواقع‬ ‫ورؤية صيرورته واستنباط مهماته) منه؛ وثالثا‪ ،‬من الصعب احلديث عن يسار ال ينطلق‬ ‫من احلديث عن الصراع مع االحتالل والهيمنة اخلارجية ومن الصراع مع ما تولّده‬ ‫الرأسمالية من استالب لفرص التنمية ومن استغالل وإفقار وبطالة واستثناء لفئات‬ ‫واسعة من الشعب‪ .‬إن أي تعريف لليسار ال بد من أن ينطلق من النضال من أجل إجناز‬ ‫االستقالل في مواجهة قوى االحتالل والهيمنة والتمييز والتشريد؛ وال بد أن يدافع عن‬ ‫الطبقات املفقرة‪ ،‬وأن يحول إلى خطط تفصيلية نضالية قيم التحرر واملساواة واحلداثة‬ ‫والعدالة االجتماعية التي يشكل النظام االشتراكي جتسيدها األفضل واألضمن‪.‬‬ ‫هذه مهمات عامة لليسار‪ ،‬ليس يساريا ً من يتجاهلها‪ .‬وهي قيم ميكن أن جندها في‬ ‫أيديولوجيات متعددة‪ ،‬ماركسية وقومية ودميقراطية‪ .‬بتعبير آخر ليس مهما ً االسم الذي‬ ‫يعطيه احلزب لنفسه‪ ،‬ألن املهم هو ما يطرحه من تصورات وقيم وبرامج وما ميليه من‬ ‫سياسات وما ميارسه يوميا بني ومع اجلمهور الذي يسعى ألن يكسب ثقته ومتثيله‪.‬‬ ‫اليسار املاركسي أو اجلذري يتميز مبوقفه املساند واملنخرط في عملية التحرر الوطني‬ ‫ومقاومة االحتالل والسيطرة األجنبية‪ ،‬وفي مواقفه من آليات اقتصاد السوق الرأسمالية‬ ‫والعوملة الرأسمالية وفي موقفه من دور الدولة االقتصادي واالجتماعي‪ ،‬ومن رؤيته‬ ‫للصراع الطبقي واالجتماعي والثقافي‪ ،‬ودور هذا الصراع في التحول االجتماعي‬ ‫والسياسي‪ ،‬وتأييده حلقوق املرأة واملستخدمني وللمساواة التامة بني املواطنني أمام‬ ‫القانون‪ .‬اليسار هو تعبير عن قيم ومواقف وأفعال جتمعها منظومة واحدة‪.‬‬ ‫حادي عشر‪ :‬ليس من الواضح متاما متى بدأ تراجع اليسار الفلسطيني (كما يقدم نفسه)‪.‬‬ ‫البعض يربط تراجع اليسار الفلسطيني مع بدء تراجع الطابع الشعبي املنظم لالنتفاضة‬ ‫األولى (أي في العام ‪ ،)1990‬والبعض يشير إلى ترافق هذا التراجع مع انهيار االحتاد‬ ‫السوفييتي‪ ،‬والبعض يشير إلى عام ‪( 1994‬أي مع تأسيس السلطة الفلسطينية) كمحدد‬ ‫رئيس‪ .‬ما ميكن قوله هو إن اليسار الفلسطيني‪ ،‬ممثال بقوى تنظيماته في الضفة الغربية‬ ‫وقطاع غزة‪ ،‬دخل االنتفاضة األولى بقوى منظمة لها وزنها وثقلها اجلماهيري‪ ،‬عبر‬ ‫األطر القطاعية الدميقراطية النسائية والعمالية والشبابية واملهنية التي كان قد بدأ في‬ ‫تشييدها في أواخر عقد السبعينيات (‪ .)1978‬وتنظيمات اليسار كانت في صلب قيادة‬ ‫االنتفاضة حيث شكلت قواه الرئيسة الثالث (الشعبية والدميقراطية واحلزب الشيوعي)‬ ‫مع حركة "فتح" القيادة املوحدة لالنتفاضة‪ .‬وهي الفترة التي شهدت تصاعد نفوذ‬ ‫اليسار داخل حركة "فتح" و تنامي نفوذ تيار يساري قيادي في احلركة‪ ،‬وبروز تأثير‬ ‫اليسار على مؤمتر حركة "فتح" الذي عقد في أيار ‪ .61980‬وما ميكن قوله كذلك هو‬ ‫‪6‬‬

‫أنظر‪/‬ي‪ :‬يزيد الصايغ‪ ،‬الكفاح املسلح والبحث عن الدولة‪ ،‬احلركة الوطنية الفلسطينية ‪،1993-1949‬‬ ‫املرجع السابق‪ ،‬صفحة ‪.692‬‬

‫‪14‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫أن استطالعات الرأي (كونها أقرب ما لدينا من مؤشرات لها مستندات موضوعية) التي‬ ‫بدأت في تشرين الثاني‪ -‬نوفمبر عام ‪ 1993‬في الضفة والقطاع تشير إلى تراجع شبه‬ ‫منتظم في نفوذ قوى اليسار حتى االنتفاضة الثانية‪ 7‬حيث استقر حجم تأييد اليسار‬ ‫‪8‬‬ ‫إلى ما هو عليه في العام ‪ ،2009‬أي يتراوح ما بني ‪ %5‬و ‪ %7.5‬من حجم املستطلعني‪.‬‬ ‫في تشرين الثاني عام ‪ 1993‬بلغت نسبة املؤيدين لقوى اليسار (املسجلة في االستطالع‬ ‫وهي‪ :‬اجلبهة الشعبية (‪ ،)%9‬وحزب الشعب (‪ ،)%3‬وفدا (‪ ،)%3‬والدميقراطية (‪،))%2.3‬‬ ‫أي ما يتجاوز ‪.%17‬‬ ‫بتعبير آخر‪ ،‬كانت نسبة مؤيدي اليسار في نوفمبر ‪ 1993‬تتفوق على نسبة مؤيدي‬ ‫حركة "حماس" (‪ %71.3‬مقابل ‪ )%41.6‬وفي بداية عام ‪ 1994‬كان حجم التأييد لليسار‬ ‫(التنظيمات األربعة) يعادل حجم تأييد حركة حماس‪ ،9‬لكنه تراجع في آذار ‪ 1996‬إلى‬ ‫‪ ،%9.7‬مقابل ارتفاع نسبة تأييد حركة حماس إلى ‪ 10.%61.6‬هذه األرقام ال تشير إلى‬ ‫أن تاريخ تراجع اليسار يرتبط بانهيار االحتاد السوفييتي‪ ،‬بل يرتبط بعوامل أخرى تعود‪،‬‬ ‫‪7‬‬

‫جميل هالل‪ ،‬املرجع السابق‪ ،‬جدول رقم ‪ 3‬في احمللق رقم ‪.)1‬‬

‫‪8‬‬

‫في استطالع جلامعة النجاح (شباط‪-‬فبراير ‪ )2009‬حصل اليسار (التنظيمات األربعة املسجلة في‬ ‫االستطالع دون املبادرة الوطنية) على تأييد ‪ %5.5‬من اجلمهور (مقابل ‪ %30.3‬حلركة فتح‪ ،‬و‬ ‫‪ %21.5‬حلركة حماس)‪ ،‬وحصل على تأييد ‪ %4.1‬من اجلمهور في استطالع (أيار ‪ )2009‬قام‬ ‫به املركز الفلسطيني للبحوث السياسية واملسحية‪-‬رام الله (استطالع رقم ‪ ،)32‬مقابل ‪%40.5‬‬ ‫حلركة فتح‪ ،‬و‪ %32.6‬حلماس (كتلة التغيير واإلصالح)‪ .‬وحصلت تنظيمات اليسار (األربعة‬ ‫وآخرون من اليسار) على ‪ %4.6‬من تأييد اجلمهور في الضفة والقطاع وفق منسح قام به في‬ ‫نيسان ‪ 2009‬مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت (مقابل ‪ %26.5‬حلركة فتح‪ ،‬و ‪%12.2‬‬ ‫حلركة حماس‪ ،‬وذكر ‪ %41.2‬أنهم ال يؤيدون أي مكن األحزاب والتنظيمات السياسية)‪ .‬وحصل‬ ‫التنظيمات األربعة على تأييد (فيما لو حصلت انتخابات عامة) ‪ %7.6‬من اجلمهور (‪ %5.6‬منها‬ ‫للجبهة الشعبية)‪ ،‬في استطالع ملركز القدس اإلعالم واالتصال (رقم ‪ )68‬في حزيران ‪2009‬‬ ‫(مقابل ‪ %38.5‬حلركة "فتح"‪ ،‬و ‪ %18.8‬حلركة "حماس"‪ ،‬و ‪ %2.3‬للجهاد اإلسالمي‪ ،‬و‬ ‫‪ %2.2‬للمبادرة الوطنية‪ ،‬وذكر ‪ %26.5‬أنهم لن ينتخبوا)‪.‬‬

‫‪ 9‬السؤال الذي وجه للجمهور آنذاك كان التالي‪" :‬لو جرت انتخابات اليوم فأي من األحزاب التالية‬ ‫ستنتخب؟"‪ .‬أنظر‪/‬ي‪ :‬مركز البحوث والدراسات الفلسطينية‪ ،‬نابلس‪ ،‬استطالع رقم ‪ ،3‬نوفمبر‬ ‫‪ .1993‬باملقارنة كان حجم التأييد حلركة فتح ‪ ،%41‬وحلركة حماس ‪ %3.3 ،%15‬للجهاد‬ ‫اإلسالمي‪ .‬وانخفضت النسبة (في استطالع رقم ‪ 5‬للمركز نفسه) في العام ‪ ( 1994‬مقابل‬ ‫‪ %35‬حلركة فتح‪ ،‬و ‪ %14.7‬حلركة حماس‪ ،‬و ‪ %3.8‬للجهاد اإلسالمي‪ ،‬و ‪ %11.8‬ملستقلون‬ ‫وطنيون‪ ،‬و ‪ %4.8‬إلسالميني مستقلني‪ ،‬و ‪ %4.3‬ألحزاب وتنظيمات أخرى‪ ،‬و‪ %11.1‬ال يؤيدون‬ ‫أي من التنظيمات واألحزاب السياسية)‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫أنظر‪/‬ي‪ :‬مركز البحوث والدراسات الفلسطينية‪ ،‬نابلس‪ ،‬استطالع رقم ‪ ،22‬آذار ‪ .1996‬باملقارنة‬ ‫حصلت حركة فتح على تأييد ‪ %43‬من اجلمهور وحماس على تأييد ‪ %17‬من اجلمهور‪.‬‬

‫‪15‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫بشكل رئيس‪ ،‬إلى التحوالت التي شهدها احلقل السياسي الفلسطيني‪ ،‬وخصوصا تراجع دور‬ ‫املؤسسات الوطنية التي شكل اليسار جزءا فاعال فيها‪ ،‬ومن أهمها مؤسسات منظمة التحرير‬ ‫ومنها احتاداتها الشعبية واملهنية‪ .‬بتعبير آخر‪ ،‬تراجع دور اليسار مع تراجع دور مؤسسات‬ ‫واحتادات منظمة التحرير الفلسطينية والضعف الذي أصابها مع تراجع الدعم اخلارجي العربي‬ ‫والدولي لها‪ 11.‬وهي الفترة التي تراجعت فيها احلركة اجلماهيرية التي بنتها باألساس‬

‫تنظيمات اليسار وأرفقتها بشبكة خدمات اجتماعية ساهمت في تخفيف املعاناة اليومية‬ ‫للفلسطينيني في الضفة الغربية وقطاع غزة‪ .‬كان أبرز جناحات اليسار تشكيل أطر‬ ‫منفتحة مشكلة قطاعيا لفئات اجتماعية حيوية‪ :‬العمال‪ ،‬واملرأة‪ ،‬والشباب‪ 12.‬ويضاف‬ ‫إلى شلل مؤسسات منظمة التحرير بقاء اليسار خارج مؤسسات السلطة الفلسطينية‬ ‫التي لم يشارك فيها إال جزئيا وبشكل محدود جدا‪.‬‬ ‫ثاني عشر‪ :‬ما مييز حال اليسار الفلسطيني عن حال اليسار العربي هو شراكته‬ ‫(وإن غير املتكافئة) في إدارة وتقرير سياسة منظمة التحرير الفلسطينية منذ أواخر‬ ‫الستينيات وحتى نهاية الثمانينيات‪ .‬كما ميكن القول إن اليسار الفلسطيني جنح إلى‬ ‫حد كبير في فرض هيمنة ثقافية على احلقل الثقافي الفلسطيني حتى بداية التسعينيات‪،‬‬ ‫أي حتى بروز تيار اإلسالم السياسي وتراجع الدور الفكري والثقافي العلماني حلركة‬ ‫"فتح"‪ .‬كما ميكن القول‪ ،‬كما الحظ البعض‪ ،‬إن انهيار التجربة السوفييتية وفشل‬ ‫جتربة بناء االشتراكية في دول أوروبا الشرقية‪ ،‬كان أشد وقعا على اليسار العربي في‬ ‫البلدان األخرى مما كان على اليسار الفلسطيني بحكم غلبة الطابع الوطني التحرري‬ ‫على مهمات اليسار الفلسطيني‪ .‬لكن اختفاء االحتاد السوفييتي والتحوالت في الوضع‬ ‫اإلقليمي تركا تأثيرات مباشرة على واقع ومكانة منظمة التحرير‪ ،‬وأثر هذا بدوره على‬ ‫دور ومكانة قوى اليسار‪.‬‬ ‫لكن هيمنة اليسار الفلسطيني الثقافية‪ ،‬بقيت محصورة في "الثقافة العليا" (في مجال‬ ‫الشعر والرواية والقصة‪ ،‬والفنون التشكيلية واملسرح واملوسيقى)؛ مما جعل اجلمهور‬ ‫الواسع من دون مقاومة أمام الهجوم الكاسح للثقافة الدينية السلفية‪ ،‬وحتديدا أن هذه‬ ‫‪ 11‬مبا فيه الدعم من سوريا وليبيا ومن اجلزائر واليمن الدميقراطي إضافة إلى الدعم من االحتاد‬ ‫السوفيتي والدول االشتراكية األخرى‪.‬‬ ‫‪ 12‬ملزيد من التفاصيل راجع‪ :‬مواطن‪-‬املؤسسة الفلسطينية لدراسة الدميقراطية‪ ،‬احلركة النسائية‬ ‫الفلسطينية‪ :‬إشكاليات التحول الدميقراطي واستراتيجيات مستقبلية‪ -‬وقائع املؤمتر السنوي اخلامس ملؤسسة‬ ‫مواطن ‪ 18-17‬كانون أول ‪ .1999‬رام الله‪ .2000 ،‬وكذلك؛ مواطن‪-‬املؤسسة الفلسطينية لدراسة‬ ‫الدميقراطية‪ .‬ما بعد األزمة‪ :‬التغيرات البنيوية في احلياة السياسية الفلسطينية وآفاق املستقبل‪ -‬وقائع‬ ‫املؤمتر السنوي الرابع ملؤسسة مواطن ‪ 23-22‬تشرين أول ‪ ،1998‬رام الله ‪ .1999‬وقد شخصت هذه األوراق‬

‫واقع العالقة امللتبس ما بني األحزاب السياسية وامتداداتها اجلماهيرية‪ ،‬ومؤسساتها اخلدماتية‪.‬‬

‫‪16‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫استخدمت أدوات جماعية تعتمد على السمع والرؤية شملت اجلوامع والفضائيات التي‬ ‫تكاثرت بسرعة فائقة في العقدين األخيرين‪ ،‬بتمويل من عائدات البترول‪ ،‬التي ترافقت‬ ‫مع تسويق ثقافة سطحية استهالكية عبر فضائيات مت ّولها اجلهات نفسها التي متول‬ ‫الفضائيات السلفية‪ .‬هذه الثقافة أوجدت بيئة غير صديقة للتوجهات العلمانية وقيم‬ ‫اليسار الدميقراطية التقدمية واإلنسانية‪.‬‬ ‫لقد ترك االنتشار الواسع للجامعات الفلسطينية تأثيرا مزدوجا على وضع قوى اليسار‪ .‬فمن‬ ‫جهة أدت دمقرطة التعليم إلى تسييس فئات من الطبقات والفئات الفقيرة والعمالية‬ ‫والكادحة‪ ،‬شملت القرى واملخيمات؛ والتحق أعداد من أبناء وبنات هؤالء في صفوف‬ ‫التنظيمات اليسارية وتأثروا بأفكارها وأطروحاتها‪ .‬لكن التوسع الكبير للجامعات‬ ‫الفلسطينية واعتمادها‪ ،‬إلى حد كبير‪ ،‬على التمويل اخلارجي وضعف االستثمار في‬ ‫هيئاتها األكادميية ومرافقها اجلامعية والبحثية جعلها أقرب إلى تكوين املدارس الثانوية‬ ‫منها إلى اجلامعات؛ وبالتالي سهل منو اإلسالم السياسي والسلفي داخل أحرام هذه‬ ‫اجلامعات‪ ،‬إضافة إلى ما يوفره االنتماء إلى منظمات اإلسالم السياسي (وإلى حركة‬ ‫"فتح") من رعاية مالية وفرص عمل وحماية سياسية‪ .‬وقد ساهم هذا في تراجع‬ ‫نفوذ اليسار في اجلامعات عما كان عليه خالل عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ كما‬ ‫أن وضع اجلامعات الفلسطينية الراهن ال يساهم في توليد ثقافة علمانية تقدمية في‬ ‫مواجهة تيار الثقافة السلفية وهجوم الثقافة املسطحة عبر الفضائيات والفيديو والنقال‬ ‫(فيديو كليب وأفالم امليلودراما واألفالم البوليسية وتشييد ثقافة بداوة حتت شعار‬ ‫العودة لألصالة)‪.‬‬ ‫ب‪ .‬احلقل السياسي الفلسطيني يدخل حالة انكشاف تام‬ ‫يسكن اليسار الفلسطيني في حقل سياسي فلسطيني له سماته اخلاصة (مقارنة‬ ‫باحلقول السياسية األخرى في املنطقة)‪ ،‬أبرزها‪:‬‬ ‫أ‪ .‬افتقار احلقل الفلسطيني إلى دولة وطنية مستقلة أو ذات سيادة‪ ،‬فما زالت السمة‬ ‫الغالبة هي التحرر من االحتالل واالستعمار االستيطاني ونظام الفصل والتمييز‬ ‫العنصري‪ .‬وبات واضحا أن سياسة املؤسسة احلاكمة في إسرائيل لن متكن من‬ ‫قيام دولة فلسطينية ذات سيادة في املدى املنظور‪ .‬هذا يعني أن احلقل السياسي‬ ‫الفلسطيني سيبقى مشدودا إلى مهمة التحرر الوطني وتقرير املصير‪ .‬لكن وجود‬ ‫سلطة وطنية يولّد تداخال بني مهمة الوطني واملهمات االجتماعية والدميقراطية‬ ‫والثقافية‪ .‬إن بقاء القضية الوطنية دون حل ينعكس في درجة التجانس العالية في‬ ‫سمات القاعدة االجتماعية املؤيدة للتنظيمات السياسية الفلسطينية حيث التكوين‬ ‫املهني والتعليمي‪ ،‬وإن ظهرت تباينات في التوزع وفق النوع االجتماعي (النسبة‬ ‫‪17‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األكبر من قاعدة "حماس" هي من النساء)‪ 13.‬غياب الدولة ذات السيادة واحلاجة‬ ‫واستمرار االحتالل كانا املسوغني الرئيسني اللذين استخدما لتأجيل إقرار قانون‬ ‫لألحزاب السياسية‪ ،‬رغم أن القانون األساسي للسلطة الوطنية أقر بحرية تشكيل‬ ‫‪14‬‬ ‫األحزاب والنقابات‪ ،‬واالجتماعات العامة‪ ،‬واملنظمات غير احلكومية‪.‬‬ ‫ب‪ .‬التعددية السياسية واأليديولوجية واحلزبية‪ ،‬وهي سمة عرفها احلقل السياسي‬ ‫الفلسطيني قبل النكبة وتكرست بعد سيطرة منظمات املقاومة الفلسطينية على‬ ‫منظمة التحرير الفلسطينية في عام ‪ ،1969‬واستمرت بعد قيام السلطة الفلسطينية‪.‬‬ ‫غير أن تصاعد حدة االستقطاب واالحتراب بني حركتي "فتح"‪ ،‬و "حماس" بات‬ ‫يهدد بتخلع احلقل بعد أن تصدع وبعد أن شلت مؤسسات السلطة الوطنية التنفيذية‬ ‫والتشريعية والقضائية ‪ ،‬عمليا منذ عام ‪ ،2006‬ومع بقاء الشلل في مؤسسات منظمة‬ ‫التحرير التمثيلية واحتاداتها الشعبية واملهنية منذ قيام السلطة الفلسطينية منذ‬ ‫منتصف التسعينيات‪ .‬وشهدت الفترة املمتدة من أواخر الثمانينيات وحتى نهاية‬ ‫عقد التسعينيات طفرة في بناء املنظمات غير احلكومية في األراضي احملتلة عام‬ ‫‪1967‬؛ وقد ساعد في هذا توافر فرص التمويل األوروبي وغير األوروبي‪ .‬وقد‬ ‫تشكل معظم موظفي ومديري هذه املنظمات غير احلكومية من كوادر وقيادات‬ ‫يسارية؛ األمر الذي س ّرع في املنظمات اجلماهيرية التابعة لألحزاب اليسارية‬ ‫واختفاء ظاهرة العمل التطوعي تقريبا‪ .‬وبهذا فقدت األحزاب السياسية اليسارية‬ ‫إحدى أبرز أدواتها التنظيمية والتعبوية‪ .‬صحيح أن بعض هذه املنظمات وفّر الدعم‬ ‫املادي (ورمبا التنظيمي) للحزب‪ ،‬لكن أعدادا أكبر استقلت عن احلزب املؤسس‪ .‬ومن‬ ‫املمكن مالحظة أن صعود اليسار الفلسطيني ارتبط أوال بانخراطه في بناء منظمات‬ ‫جماهيرية قطاعية منفتحة‪ ،‬وارتبط ثانيا‪ ،‬برفع اليسار شعار اإلصالح ملؤسسات‬ ‫منظمة التحرير‪ ،‬وإن بقي محكوما بنظام "الكوتا" الذي استخدم من قبل قيادة‬ ‫"فتح" لتغذية التنافس بني أطراف اليسار‪ .‬وارتبط ثالثا بنجاح اليسار في نسج‬ ‫عالقات واسعة مع قوى اليسار العربي والدولي‪ ،‬ومنها الدول االشتراكية‪ .‬لكن‬ ‫توافر املساعدات املالية والعسكرية واملنح التعليمية لليسار وتورطه‪ ،‬مع حركة‬ ‫"فتح"‪ ،‬في احلرب األهلية في لبنان هيأ للعسكرة املتسارعة للتنظيم وإلى االجنرار‬ ‫نحو البقرطة عبر إغراق التنظيم باملتفرغني واعتماد اقتصاد ريعي (يعتمد على الريع‬ ‫اخلارجي وعلى الدعم املتوافر من الصندوق القومي الفلسطيني)‪ ،‬جعل تسديد‬

‫‪ 13‬جميل هالل ‪ ،‬املرجع السابق (جدول رقم ‪ 10‬و ‪ 11‬في ملحق رقم واحد)‪.‬‬ ‫‪ 14‬من مسودة دراسة غير منشورة جلبريل محمد عن أساليب إدارة األحزاب السياسية الفلسطينية‬ ‫حلياتها الداخلية‪ .‬بدون تاريخ‪.‬‬

‫‪18‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫االشتراكات احلزبية وجمع التبرعات إجراءات شكلية‪ ،‬كما أغلق الباب أمام العمل‬ ‫التطوعي‪ .‬التف ّرغ احلزبي‪ ،‬كما قال أحد املثقفني اليساريني اللبنانيني‪ ،‬في نهاية‬ ‫‪15‬‬ ‫املطاف‪ ،‬يفرغ العقول واجليوب‪ ،‬مع استثناءات حيث يؤدي إلى انتفاخها‪.‬‬ ‫ج‪ .‬لالعتبارين السابقني ما زال احلقل الوطني الفلسطيني يتمتع بدرجة عالية من التسييس‪،‬‬ ‫تبرز في نسب املشاركة العالية في االنتخابات العامة واحمللية وانتخابات املجالس‬ ‫الطالبية في اجلامعات‪ ،‬كما في نسب االنتماء إلى أحزاب أو تنظيمات سياسية‬ ‫(تصل إلى ‪ %20‬في الضفة الغربية وقطاع غزة)‪ 16.‬كما تبرز في املعدالت العالية‬ ‫في تصويت اجلمهور إلحدى الكتل االنتخابية كما تشكلت في انتخابات املجلس‬ ‫التشريعي عام ‪ 17 .2006‬وإن برزت مؤشرات ميل للسير في اجتاه معاكس في‬ ‫الفترة األخيرة بعد استفحال االنقسام واتخاذ كل من السلطتني إجراءات قمعية‬ ‫‪18‬‬ ‫جتاه مؤيدي السلطة األخرى‪.‬‬ ‫د‪ .‬اعتماد السلطة الفلسطينية (سواء "حكومة تسيير األعمال" في الضفة الغربية أو‬ ‫"حكومة األمر الواقع" في قطاع غزة) بشكل كبير وحاسم على املعونات واملساعدات‬ ‫اخلارجية‪ .‬وسعيهما املتواصل بحثا عن الريع (الدخل العائد عن نشاط غير اقتصادي‬ ‫خارج السوق أو خارج منافسة اقتصادية‪ ،‬باإلضافة إلى الدخل العائد من املوارد‬ ‫الطبيعية التي متلكها الدولة أو حتصل عليها من ضرائب وجمارك ومساعدات‬ ‫ورسوم‪ ،‬واملساعدات اخليرية التي يقدمها املواطنون أو مؤسسات)‪ .19‬ينطبق هذا‬

‫‪ 15‬أنظر فواز طرابلسي‪ ،‬صورة الفتى باألحمر؛ أيام في السلم واحلرب‪ ،‬رياض الريس للكتب والنشر‪،‬‬ ‫بيروت‪.1997 ،‬‬ ‫‪ 16‬أنظر‪/‬ي‪ :‬جامعة بيرزيت‪ ،‬مركز دراسات التنمية؛ نتائج مسح الرأي العام الفلسطيني حول األحوال‬ ‫املعيشية والتوجهات السياسية واالنتخابات‪ ،‬رام الله‪ ،‬نيسان ‪.2009‬‬ ‫‪ 17‬أنظر‪/‬ي‪ :‬املركز الفلسطيني للبحوث السياسية واملسحية (‪ ،)PSR‬استطالع رقم ‪( 32‬أيار ‪ ،)2009‬رام الله‪.‬‬ ‫‪ 18‬نالت األحزاب والتنظيمات السياسية النسبة األدنى من ثقة اجلمهور من بني ‪ 20‬مؤسسة من‬ ‫مؤسسات املجتمع املدني واحلكومي والدولي‪ ،‬فنالت أقل من نصف معدل الثقة للجهات املانحة‬ ‫واألجهزة األمنية‪ .‬نالت اجلامعات النسبة األولى من الثقة من جمهور الضفة والقطاع تالها األنروا‪،‬‬ ‫ثم اخلدمات التعليمية والصحية للسلطة الفلسطينية‪ .‬كما ارتفعت نسبة الذين قالوا أنهم ال يؤيدون‬ ‫أي من األحزاب السياسية القائمة إلى ‪ .%41‬أنظر‪/‬ي‪ :‬جامعة بيرزيت‪ ،‬مركز دراسات التنمية؛ نتائج‬ ‫مسح الرأي العام الفلسطيني حول األحوال املعيشية والتوجهات السياسية واالنتخابات‪ ،‬رام الله‪،‬‬ ‫نيسان ‪.2009‬‬ ‫‪ 19‬حول ريعية النظام السياسي الفلسطيني أنظر‪/‬ي‪ :‬سامر إرشيد‪ ،‬حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية‬ ‫تداعيات أوسلو واالنتفاضة الثانية‪ ،‬مواطن‪ ،‬املؤسسة الفلسطينية لدراسة الدميقراطية‪ ،‬رام الله‪.2007 ،‬‬

‫‪19‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫على األحزاب السياسية‪ ،‬ومنها أحزاب اليسار‪ ،‬وعلى معظم املنظمات غير احلكومية‪.‬‬ ‫هذه االعتمادية العالية هي أحد مظاهر انكشاف احلقل السياسي للتأثيرات اخلارجية‬ ‫(إضافة ملا تقوم به إسرائيل من ممارسات استعمارية ‪ -‬استيطانية وضغوط‬ ‫مختلفة)‪ ،‬وأحد مظاهر ضعف وتقطع أوصال االقتصاد الفلسطيني‪ ،‬ويرتبط كذلك‬ ‫بتجزئة املجتمع الفلسطيني إلى معازل وبانتوستانات بتخطيط إسرائيلي كما يرتبط‬ ‫بغياب مؤسسات منظمة التحرير‪ ،‬في تكويناته الرئيسة ملؤسسات وطنية قادرة على‬ ‫صياغة إستراتيجية جتمع بني الدفاع عن حقوقه ومصاحله الراهنة في كل جتمع‬ ‫وبني النضال من أجل احلقوق الوطنية‪.‬‬ ‫ ‬

‫لقد منيت بالفشل كل املبادرات الدولية والعربية واحمللية قبل االنتفاضة الثانية‬ ‫وخاللها وما بعدها في إقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة‪ .‬وال يلوح في املرحلة‬ ‫الراهنة ما يدعو لالعتقاد بأن املتغيرات في السياسة الدولية كافية لدفع إسرائيل‬ ‫لالعتراف بحق الفلسطينيني في تقرير املصير والدولة املستقلة‪ ،‬ناهيك عن اإلقرار‬ ‫بحقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها قسرا‪ .‬هذا يستدعي من اليسار‬ ‫التفكير في إستراتيجية متكن الشعب الفلسطيني‪ ،‬كشعب محتل ومشتت وخاضع‬ ‫للتمييز العنصري والقومي‪ ،‬من امتالك مقومات الصمود ومواجهة إسرائيل كدولة‬ ‫احتالل واستيطان واستعمار‪ .‬أي إستراتيجية ال تعتمد خيارا واحدا هو املفاوضات‬ ‫في كل األحوال والشروط‪ ،‬وال إستراتيجية تختزل املقاومة إلى شكل واحد وحيد‬ ‫يحول غالبية فئات الشعب إلى عاطلني عن النضال في عملية التحرير‪ .‬وهذا يطرح‬ ‫على اليسار‪ ،‬التدقيق في موقع السلطة الفلسطينية في هذه اإلستراجتية‪ ،‬واملهمات‬ ‫املطلوبة من منظمة التحرير‪ ،‬كحركة حترر وطني متثل شعبا‪ ،‬بكامل آليات إعادة‬ ‫النظر في بنيتها وبرنامجها ومؤسساتها وفي أسلوب عملها كممثل وحيد للشعب‬ ‫لفلسطيني املعني بحقوقه ومصاحله‪.‬‬ ‫هـ‪ .‬شهدت التسعينيات والعقد األول من القرن احلالي‪ ،‬محاوالت عدة لبلورة جتمعات‬ ‫وتكتالت وتنظيمات سياسية جديدة استهدفت باألساس إعادة توحيد اليسار‪ ،‬ومن‬ ‫ذلك األعداد غير القليلة التي انفضت عن األحزاب والتنظيمات اليسارية‪ 20.‬هذا فضال‬ ‫عن محاوالت لتشكيل مجموعات ضغط مختلفة‪ .‬هذه احملاوالت كما هي محاوالت‬ ‫توحيد أو تكتيل قوى من اليسار (كان آخرها تشكيل جبهة اليسار الفلسطيني‪،‬‬ ‫وقبلها كتلة البديل) لم تنجح حتى اآلن في إدخال العب سياسي قادر على التأثير‬ ‫على مجريات احلقل السياسي الفلسطيني‪ .‬فقد بقيت تشكيالت اليسار‪ ،‬عمليا‪،‬‬ ‫على ما كانت عليه في بداية التسعينيات‪ ،‬لكن ميزان القوى داخل احلقل شهد حتوال‬

‫‪ 20‬من هذه‪ :‬حركة البناء الدميقراطي‪ ،‬التجمع الوطني الدميقراطي‪ ،‬التيار الوطني التقدمي‪.‬‬

‫‪20‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫باجتاهني رئيسني‪ .‬أولهما حت ّول من حقل تعددي يخضع لسيطرة تنظيم كبير واحد‬ ‫("فتح") في إطار مؤسسات منظمة التحرير‪ ،‬إلى حقل بقى تعدديا حتى اللحظة‪،‬‬ ‫لكنه بات حقال يتنافس في السيطرة عليه تنظيمان جماهيريان ("فتح" وحماس")‪،‬‬ ‫مع تراجع وزن وتأثير أحزاب اليسار‪ .‬والتحول الثاني الذي دخل احلقل فضال‬ ‫عن منو اإلسالم السياسي‪ ،‬متثل في حضور فاعل لتيار ليبرالي مثّله في املجلس‬ ‫التشريعي أربعة نواب (قائمة فلسطني املستقلة‪ ،‬وقائمة الطريق الثالث)‪ ،‬لعل املمثل‬ ‫األبرز لهذا التيار هو املبادرة الوطنية‪ ،‬والتيار الذي مثله رئيس وزراء احلكومة‬ ‫االنتقالية (د‪ .‬سالم فياض) ومثله في القطاع اخلاص منيب املصري‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫مجموعات تطرح نفسها كتيار ميثل "املستقلني"‪ .‬ويبدو أن التيار الليبرالي يلقى‬ ‫االستحسان‪ ،‬ورمبا الدعم املادي والسياسي‪ ،‬من املراكز السياسية األوروبية‪،‬‬ ‫وهو تيار ال يجد معارضة في فكره االقتصادي أو االجتماعي من حركة "فتح"‬ ‫وال يجد معارضة من حركة "حماس" في الشق االقتصادي من أطروحاته‪ .‬أما‬ ‫‪21‬‬ ‫تشكيل ائتالف لقوى اليسار الفلسطيني فيبقى بانتظار التحقق‪.‬‬ ‫و‪ .‬دخل تعبير "اليسار" في التداول عربيا مع بداية عقد التسعينيات مترافقا مع‬ ‫اإلحساس "بخطورة التغير التاريخي الذي أصاب النظام الرأسمالي الدولي بعد‬ ‫انهيار االحتاد السوفييتي السابق في تلك اللحظة االنتقالية‪ ،‬طوى مفهوم "اليسار"‬ ‫رغبة غامضة في جتاوز اخلالفات احلزبية القدمية بني األحزاب والتنظيمات‬ ‫الشيوعية‪ :‬املاركسية و"املتمركسة"‪ ،‬ناهيك عن جتاوز اخلالفات األيديولوجية‬ ‫مع بعض القوى القومية وحتى اإلسالمية أيضا‪ .‬لكن أيا من جتمعات "اليساريني"‬ ‫السالفني لم يكن بقادر على ادعاء تصور عن خطوط برنامج املستقبل‪ .‬إن قسطا‬ ‫من ذاك الغموض كان حميدا بالفعل‪ ،‬فقد نشب اجلدل الفكري‪-‬السياسي في أوجه‬ ‫الرؤية "اليسارية" كافة‪ ،‬مبا فيها احملظورات "الصنمية" املعروفة‪ .‬في هذا اجلدل‪،‬‬ ‫كان ثمة من رأى أن الشيوعية‪ ،‬بخالف االشتراكية‪ ،‬هي مجرد نظرة خالصية ال متت‬

‫‪ 21‬يرى البعض أن سبب جناح حركتي "فتح" و"حماس" كتنظيمني جماهيريني يعود إلى التالي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬شكلت املقاومة الرافعة الكبرى لنهوض كل من التنظيمني‪ .‬ثانيا‪ :‬استخدمت احلركتان الدين‬ ‫بشكل واسع‪ ،‬باعتبار أن الدين اإلسالمي له تأثير واسع في صفوف الشعب الفلسطيني‪ .‬ثالثا‪:‬‬ ‫أقامت حركة "فتح" ومن ثم حركة "حماس" شبكة اجتماعية – اقتصادية قدمت مساعدات طارئة‬ ‫أو منتظمة ألعداد كبيرة من املواطنني الفلسطينيني‪ ،‬إضافة طبعا للوظائف في املنظمة والسلطة التي‬ ‫لعبت دورا كبيرا في إيجاد قاعدة تأييد لهما‪ .‬رابعا‪ :‬استخدمت "فتح" و"حماس" املال واألمن‬ ‫واإلعالم بشكل واسع ومؤثر‪.‬خامسا‪ :‬تلقى التنظيمان دعما عربيا وإقليميا ودوليا واسعا‪ ،‬ولهذا‬ ‫أهمية خاصة ألن التدخالت والتداخالت العربية واإلقليمية والدولية بالقضية الفلسطينية مهمة‬ ‫جدا‪ ،‬وفي أحيان كثيرة كانت حاسمة (أنظر‪/‬ي‪ :‬ورقة مقدمة من هاني املصري‪ ،‬بعنوان "قراءة‬ ‫أولية في التجارب إليجاد طريق ثالث" مؤرخة ‪.2009/6/17‬‬

‫‪21‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫بصلة إلى الفكر املادي التاريخي‪ ،‬وال ميكن أن تشكل مشروعا تاريخيا ميكن بلوغه‪.‬‬ ‫باملقابل‪ ،‬ثمة من متسك بـ"التمذهب" املألوف‪ ،‬حتى عجز عن اتخاذ صفة يطلقها على‬ ‫‪22‬‬ ‫تنظيمه احلزبي‪ ،‬غير الصفة الشيوعية"‪.‬‬ ‫ ‬

‫لكن الالفت أنه بعد انهيار التجربة السوفييتية‪ ،‬لم يعد البناء أو التحول نحو‬ ‫االشتراكية يرد في صدارة مهمات اليسار العربي التي باتت تعطي األولوية لقضايا أخرى‪.‬‬

‫ ‬

‫لكن انهيار التجربة السوفييتية لم يدفع قوى اليسار العربي للتخلي عن قناعتها بأن‬

‫هذا ال يعني‪ ،‬بالضرورة‪ ،‬أنه جرى التخلي عن هدف بناء االشتراكية بل جرى تبني‬ ‫صيغة تطرح االشتراكية باعتبارها "احلل األفضل ملشاكل اإلنسان واملجتمع"‬ ‫على املدى األبعد‪ .‬أما القضايا األبرز في إستراتيجيات اليسار العربي فباتت تتمثل‬ ‫في قضية التحرر الوطني (بناء الدولة الوطنية املستقلة بكل ما يستدعيه ذلك‬ ‫من النضال ضد االحتالل األجنبي واالستعمار والسيطرة اإلمبريالية)‪ ،‬وقضية‬ ‫الدميقراطية (بأبعادها الدوالنية واملؤسساتية وبالعالقة مع منظمات املجتمع املدني‬ ‫املختلفة)‪ ،‬وقضية العدالة االجتماعية (كعنوان لتمثيل مصالح العمال والكادحني‬ ‫والفقراء واملستغلني)‪ ،‬وقضية املساواة (في حقوق واستحقاقات املواطنة‪ ،‬وما‬ ‫إلى ذلك)‪ ،‬وقضية املرأة‪ .‬وتقدمت مهمة بناء الدولة الدميقراطية مهمات قوى‬ ‫اليسار أمام افتقادها عربيا‪ .‬بعض املؤرخني املاركسيني يشير إلى أن اجنذاب‬ ‫األحزاب الشيوعية العربية منذ ظهورها إلى املاركسية السوفييتية جعلها مستلبة‬ ‫لأليديولوجية املنغلقة على نفسها التي حملت منذ ‪ 1924‬اسم املاركسية‪-‬اللينينية؛‬ ‫ولذا فإنها لم تقدم إسهامات ذات شأن في حقل الفكر املاركسي‪ .‬وهذا القصور‬ ‫جعل وقع انهيار التجربة السوفييتية على تلك األحزاب أعظم بكثير من وقعها على‬ ‫األحزاب الشيوعية األخرى في العالم‪ .‬وبالتالي فإن غياب املرجعية السوفييتية قد‬ ‫حرر الفكر اليساري العربي من قيوده السابقة وسهل انفتاحه على الفكر التنويري‬ ‫‪23‬‬ ‫والنهضوي العربي واإلسالمي وعلى الواقع العربي بخصوصياته‪.‬‬

‫الرأسمالية هي املولد الرئيس للتناقضات االجتماعية‪ ،‬وبالتالي العجز عن حلها‪ .‬لكنه‬ ‫في الوقت نفسه دفع هذه القوى للبحث عن قواسم مشتركة مع احلركة اإلسالمية‬ ‫العربية‪ .‬كما أنه لم يقلل من التمسك بالروابط القومية العربية في مواجهة‬ ‫املشاريع املطروحة من قبل املراكز الدولية (مثل مشروع "شرق أوسط جديد")‪.‬‬

‫‪ 22‬أنظر‪ :‬علي نصار "اليسار الدميقراطي العربي وبيارق الثورات امللونة"‪( ،‬التجمع اليسار نحو التغيير‪،‬‬ ‫مقدم بواسطة ‪ cheikhlenin11‬فى ‪ 28‬يناير‪)http://www.tymat.org/?q=node/168( .2006 ,‬‬ ‫‪23‬‬

‫أنظر‪/‬ي‪ :‬د‪ .‬ماهر الشريف‪" ،‬اجتهادات في جتديد الفكر املاركسي العربي"‪ ،‬في كتاب؛ عبد الغفار‬ ‫شكر (محرر)‪ ،‬اليسار العربي وقضايا املستقبل‪ ،‬القاهرة‪ ،‬مكتبة املتبولي‪ .1998 ،‬أنظر‪/‬ي كذلك في‬ ‫الكتاب نفسه مقال كرمي مروة "اليسار العربي ومهمات املستقبل"‪.‬‬

‫‪22‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫كما استمر التصميم على رفض التطبيع مع إسرائيل‪ ،‬واملوقف الداعم للنضال‬ ‫الوطني الفلسطيني‪ .‬وهناك من رأى أن "اليسار" العربي استفاد من "خاصتني‬ ‫وسمتا االجتماع السياسي العربي‪ ،‬وعبرت عنهما احلركة القومية العربية‪ ،‬آنذاك‪،‬‬ ‫وهما‪ :‬إرادة التحرر الوطني وإرادة التحديث االجتماعي‪ .‬وهاتان اخلاصتان هما‬ ‫اللتان جعلتا من أحزاب وتنظيمات "اليسار" قوة حتديث اجتماعي‪-‬دولتي على‬ ‫املستويني الوطني والقومي"‪ .‬ولذا فإنه "من قبيل التبسيط الساذج تفسير‬ ‫االزدهار أو االنحسار السياسي‪-‬األيديولوجي "اليساري" في تلك املرحلة‪،‬‬ ‫بالعالقة أو "العمالة" التي جمعت "اليسار" العربي باالحتاد السوفييتي السابق‪.‬‬ ‫بهذا املعنى‪ ،‬كان "اليسار" العربي في تلك املرحلة وطنيا دميقراطيا‪ ،‬إذ كانت مهمات‬ ‫التحرر الوطني ‪ -‬وما تزال ‪ -‬موثقة إلى مهمات التحديث االجتماعي‪-‬الدولتي‪.‬‬ ‫وفي هذه العالقة اجلدلية (الديالكتيكية) بني "التحرر" و"التحديث"‪ ،‬حتدد‪ ،‬دائما‪،‬‬ ‫جوهر البرنامج "اليساري" العربي‪ ،‬بغض النظر عن األداء الهامشي لدى أحزاب‬ ‫‪24‬‬ ‫وتنظيمات "اليسار" وارتباطها الدوني باملرجعية السوفييتية السابقة"‪.‬‬ ‫ز‪ .‬أوجد النظام الدولي اجلديد املتولد عن انهيار االحتاد السوفييتي‪ ،‬وتسارع وتيرة‬ ‫العوملة الرأسمالية‪ ،‬ظاهرة "اندماج النخب "اليسارية" النشطة في ثنايا املنظمات غير‬ ‫احلكومية‪ ،‬الدولية أو احمللية ذات البرنامج الدولي‪ ،‬وأن هذه النخب قد دخلت في‬ ‫سياق سياسي‪-‬أيديولوجي‪ ،‬مؤسسي‪ ،‬ينحصر "برنامجها" في تخفيف آثار‬ ‫العوملة العسكرية والسياسية واالقتصادية‪ ،‬وبخاصة بعد تبني برامج التكييف‬ ‫الهيكلي والليبرالية اجلديدة التي كانت تنفذها معظم احلكومات العربية‪ ،‬وغير‬ ‫العربية‪ ،‬في ذلك احلني بالتوافق مع‪ ،‬أو باإلذعان ملؤسسات العوملة املالية الدولية‪.‬‬ ‫ونتيجة هذا التحويل تكف تلك النخب "اليسارية" السابقة عن كونها عناصر تغيير‬ ‫لهذا النظام وتفرعاته؛ إذ إنها تنقطع عن دورها في إجناز مهمات التحرر الوطني‬ ‫ومهمات التحديث االجتماعي‪-‬الدولتي‪ ،‬وتصبح "شريكا نقديا" في املؤسسات‬ ‫املختلفة لقوى العوملة الرأسمالية‪ .‬وسط هذا السياق التكويني اجلديد‪ ،‬الذي‬ ‫تضافرت إلطالقه قوى دولية وقوى عابرة للدول جبارة وهائلة‪ ،‬ظهر البرنامج‬ ‫"اليساري الدميقراطي" العربي‪ .‬من ناحية اجلوهر في هذا البرنامج حل محل‬ ‫"اإلميان" الشيوعي "اإلميان" الدميقراطي‪ ،‬من دون حتييث القطيعة العبثية التي‬ ‫‪25‬‬ ‫حدثت مع برنامج املرحلة السابقة"‪.‬‬

‫‪ 24‬علي نصار "اليسار الدميقراطي العربي وبيارق الثورات امللونة"‪ ،‬مرجع سابق‪.‬‬ ‫‪ 25‬املرجع السابق‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ ‬

‫احليثيات السابقة تساهم في فهم حركة اليسار العربي وتوافر خلفية واعية‬ ‫لتحديث عالقات اليسار الفلسطيني مع قوى اليسار العربي في مساعيهما لتوليد‬ ‫مرجعية فكرية جديدة واخلروج من مأزق العمل بحلقيّة واالنغالق النخبوي‪.‬‬ ‫ج‪ .‬حاجة اليسار الفلسطيني إلى رؤية جديدة ‬ ‫يسود جو عام بأن قوى اليسار الفلسطيني مطالبة بصياغة رؤية جديدة لنفسها انطالقا‬ ‫من احليثيات الرئيسة التالية‪:‬‬

‫أوال‪ :‬احلاجة إلى منظومة مفاهيمية جديدة تأخذ مكان منظومة املفاهيم النظرية‬ ‫والسياسية والتنظيمية التي استندت إلى رؤية حتيل إلى وجود حتالف عاملي كان يضم‬ ‫حركات التحرر الوطني في العالم واألحزاب الشيوعية في العالم الرأسمالي والبلدان‬ ‫االشتراكية‪ ،‬و"على رأسها االحتاد السوفييتي"‪ .‬فقد ولّد انهيار املنظومة االشتراكية‬ ‫تغييرا في قوانني اللعبة يستدعي أشكاال جديدة من النضال ضد أشكال السيطرة اخلارجية‬ ‫(السياسية واالقتصادية والعسكرية) تناسب أشكال الهجوم اجلديدة التي تعتمدها‬ ‫مراكز القوى الدولية واإلقليمية‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬حاجة اليسار بعد قيام سلطة فلسطينية (وما آلت إليه هذه السلطة من سلطة "أمر‬ ‫واقع" في غزة وسلطة "تسيير أعمال" في الضفة) إلى أن يواجه برنامجه النضالي‬ ‫تضاريس وديناميات احلقل السياسي الفلسطيني املستجد واملتجدد‪ .‬فهو حقل بحاجة‬ ‫متصلة إلى أن يتحرر من سيطرة الدولة االستعمارية‪-‬االستيطانية ومن تدخل مراكز‬ ‫القوى اإلقليمية والدولية‪ ،‬كما هو بحاجة ماسة إلى أن يؤسس نظاما دميقراطيا يوسع‬ ‫من فرص املشاركة السياسية في احلياة السياسية واملدنية واحلزبية (عبر فتح املجال‬ ‫ملشاركة أوسع للشباب والنساء)‪ ،‬وألن يؤسس نظاما اجتماعيا على درجة عالية من‬ ‫التكافل االجتماعي يراعي واقع البطالة والفقر واتساع الفجوة بني األغنياء والفقراء‪،‬‬ ‫وحاجة االقتصاد الفلسطيني إلى اخلالص من التبعية والقيود اإلسرائيلية التي حالت‬ ‫وحتول دون تنميته‪ .‬إن مواجهة احلصار واالحتالل االستيطاني ومن أجل حق تقرير‬ ‫املصير‪ ،‬ال يجب أن يحرفا النظر عن حقيقة وجود سلطة فلسطينية ومجالس بلدية ومحلية‬ ‫متلك حيزا من الصالحيات‪ ،‬رغم محدوديتها‪ ،‬تتيح لها صياغة برامج في مجاالت التعليم‬ ‫والصحة والبيئة ومحاربة البطالة والفقر وتوجيه االستثمارات إلى املناطق األكثر حاجة‬ ‫وغير ذلك‪ .‬كما ال ينبغي االستخفاف بتأثير وضع تشريعات متقدمة متس قضايا عدة‪،‬‬ ‫منها األحوال الشخصية‪ ،‬ومنها آليات عمل منظمات املجتمع املدني (ومنها األحزاب‬ ‫السياسية) تدعم دورها واستقالليتها (املالية والبرنامجية والتنظيمية) وفعاليتها‬ ‫في مواجهة االحتالل واحلصار من جانب أول‪ ،‬وتصلب عودها في معاجلة مشكالت‬ ‫املجتمع من جانب ثان‪ ،‬وتطور شبكة عالقاتها الفلسطينية واإلقليمية والدولية في‬ ‫خدمة الهدفني األولني‪ ،‬من جانب ثالث‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫باختصار بات على أحزاب اليسار اجلمع بني مهمات النضال من أجل التحرر الوطني‪ ،‬ومهمات‬ ‫التحرر االقتصادي (إنهاء التبعية لالقتصاد اإلسرائيلي‪ ،‬واالعتماد على املساعدات اخلارجية‬ ‫املشروطة) ومهمات التحرر االجتماعي‪ ،‬ومهمات إشاعة ثقافة تقدمية‪ .‬وهي مطالبة‬

‫باستخالص الدروس من واقع حتول معظم حركات التحرر في العالم الثالث بعد‬ ‫استقاللها السياسي إلى أنظمة استبدادية وقمعية وفاسدة‪ ،‬بل وحتولها إلى أنظمة‬ ‫مستعدة للتفريط بالسيادة الوطنية وتعطيل ما من شأنه توطيد وتعزيز العالقات‬ ‫والروابط القومية الدميقراطية على األصعدة االقتصادية والسياسية على أسس التكامل‬ ‫والتكافل والتكافؤ‪ .‬لقد بات من سمات العديد من احلقول السياسية الدوالنية العربية‬ ‫(والسلطوية كما في احلالة الفلسطينية) استسهال االستقواء بعضها على بعض عبر‬ ‫استجالب تدخالت قوى خارجية إقليمية ودولية بهدف حتسني مواقعها في مؤسسات‬ ‫السلطة‪ ،‬أي التفريط مبقومات هامة من السيادة الوطنية (مبا في ذلك تقويض مفهوم‬ ‫املواطنة وإضعاف للمؤسسات املركزية للدولة أو للسلطة املركزية)‪ ،‬واالستعداد إلدارة‬ ‫اقتتال داخلي وحروب أهلية في سعيها للسيطرة على احلقل السياسي "الوطني" أو‬ ‫تغيير قوانني اللعبة السياسية لصالح تعزيز سلطتها وامتيازاتها‪ .‬ومن هنا خطورة أي‬ ‫نظام سياسي يقوم على "احملاصصة" سواء كانت طائفية أو فصائلية أو جهوية‪ .‬إن‬ ‫أكبر املعوقات في وجه منع قيام نظام قمع واستبداد تتمثل في تكريس دولة دميقراطية‬ ‫تقيدها سلطة القانون‪ ،‬أي سلطة الدولة احلديثة ذات السيادة‪ .‬إن هذا هو الذي يضمن‬ ‫قيام دولة مواطنني‪ ،‬ويكرس فصل احلقل الديني عن احلقل السياسي‪ ،‬باعتبار أن لكل‬ ‫منهما مرجعياته ومؤسساته ولغته ورموزه‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬اليسار الفلسطيني معني بالبت في مسألة إن كان يريد التعامل مع املاركسية‬

‫كمنهج لتحليل الواقع امللموس‪ ،‬أم كعقيدة لها كهنتها وطقوسها ومن هم مخولون باإلفتاء حول‬ ‫نصوصها‪ .‬وهو معني بأن يقرر ما إذا كان يعتبر املاركسية منهجه الوحيد أم يرى أنه‬

‫منهج قابل لالغتناء من تطور العلوم اإلنسانية‪ .‬كما عليه أن يقرر إن كان يريد اعتبار‬ ‫اعتناق املاركسية‪ ،‬شرطا ضروريا والزما للتعاقد بني اليساريني‪ ،‬أم أن اليسار أوسع‬ ‫من املاركسيني؛ وبالتالي ميكن لتحالف اليسار أن يضم في حركته ماركسيني وغير‬ ‫ماركسيني‪" ،‬باعتبار أن املقصود هنا هو إقامة تيار سياسى‪ ،‬وليس جتمعا ميثل‬ ‫مفاهيم أيديولوجية‪ .‬فمهمة قوى اليسار هي أن تغير الواقع‪ ،‬ال أن ّ‬ ‫تنتظر تغييره حني‬ ‫تتوافر الشروط التي ال يتم التفاعل الواقعي إال بدءا منها‪ .‬وهذا هو الفرق بني قوى عالية‬ ‫الشعارات والصوت عاجزة عن تغيير الواقع املادي‪ ،‬وقوى أقل جذرية في شعاراتها‬ ‫لكنها أكثر فاعلية في عملية التغيير"‪ ،‬كما هو رأي الوثيقة التي صدرت عن حركة اليسار‬ ‫الدميقراطي في لبنان‪ 26.‬وهي الوثيقة التي رد عليها آخرون بالقول إن املاركسية هي‬ ‫‪ 26‬أنظر‪/‬انظري الوثيقة (نشرت بتاريخ ‪ )2005‬على موقع البوصلة‪.http://bosla.org/node/92 :‬‬

‫‪25‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫النظرية الوحيدة التي تطرح نظرية متكاملة للتغيير الثوري في املجتمع‪ ،‬وإنها ال تطرح‬ ‫وحدة في اآلراء واألفكار في مختلف األمور( ألن هذا مستحيل بحكم تنوع التجارب‪،‬‬ ‫التأثيرات التي تتدخل في تشكيل وعي األفراد) بل وحدة في منهج التفكير‪ ،‬وباعتبارها‬ ‫‪27‬‬ ‫منهجا يتطور مع العلوم (وليس بديال عنها)‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬لقد بقي اليسار الفلسطيني ألسباب عدة ليس هنا مجال تفصيلها وإن مت التلميح‬ ‫لبعضها (السمات الريعية ملنظمة التحرير ولفصائله مبا فيها اليسار‪ ،‬واعتماد نظام‬ ‫الكوتا‪ ،‬واستسهال إجناز املهمات عبر املتفرغني احلزبيني بدل العمل احلزبي واجلماهيري‬ ‫التطوعي‪ ،‬والتورط في حروب أهلية في األردن ولبنان‪ ،‬وغيرها)‪ ،‬بقي غير معني بالتحليل‬ ‫امللموس للتحوالت الطبقية (االقتصادية‪-‬االجتماعية والثقافية) التي شهدتها التجمعات‬ ‫الفلسطينية الرئيسة؛ ولذا غلب على أطروحاته النزعة اإلرادية الفاقعة وتغييبها احلاجة‬ ‫لفهم معمق ملا يجري على أرض الواقع الفلسطيني املتأثر‪ ،‬في جوانب هامة منه‪ ،‬بالواقع‬ ‫العربي من جهة وبواقع احتالل استيطاني عنصري وجتزيئي‪ ،‬من جانب آخر‪ .‬لقد بات‬ ‫باإلمكان استفادة منظمات اليسار الفلسطيني مما توفره املراكز اإلحصائية والبحثية‬ ‫واالستطالعية والصحية (سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو في مناطق التجمعات‬ ‫الفلسطينية األخرى) من معلومات وحتليالت في وضع خطط عمل تفصيلية تنطلق من‬ ‫الواقع وإليه‪ ،‬والطلب من مؤسسات املجتمع املدني املعنية توفير املواد واملقترحات في‬ ‫صياغة مشاريع أو تعديل قوانني‪ ،‬وفي وضع اخلطط التي متكن من حتسني شروط‬ ‫حياة الناس ومتكينهم من الصمود واملواجهة‪ ،‬وبخاصة ألن املسوح اجلادة تظهر أن ما‬ ‫ال يقل عن ثلث البالغني من الفلسطينيني في الضفة والقطاع على استعداد للهجرة إن‬ ‫توافرت اإلمكانية (وهي أعلى بالطبع بني الشباب املتعلم)‪ .‬لقد ركز اليسار اهتمامه مبا‬ ‫هو سياسي وأغفل عالقة السياسي باملجتمع وباالقتصاد‪ .‬وقد يعود جزء من هذا إلى أن‬ ‫اليسار‪ ،‬مثله مثل حركتي "فتح" و "حماس" انطلق من املخيم‪ ،‬املعزول عن االقتصاد‬ ‫(الدورة االقتصادية تدور خارج املخيم) والواقع على أطراف املدن واملسكون بدافع‬ ‫اخلالص من حالة اللجوء واحلنني للعودة‪ ،‬كنموذج وحيد للمجتمع الفلسطيني‪.‬‬ ‫اليسار أكثر من غيره معني بطرح خطط لبناء اقتصاد صمود وتعزيز التكافل االجتماعي‬ ‫حتى ال تكرر جتارب املاضي وحتديدا في سياسة املنظمة و��صائلها اليسارية جتاه‬ ‫املخيمات في لبنان‪ ،‬وما يجري اآلن في الضفة الغربية وقطاع غزة‪ .‬و اليسار معني قبل‬ ‫غيره بالدفع نحو سياسة قوامها االنفكاك من االقتصاد الريعي القائم على املعونات‬ ‫اخلارجية (وهي مشروطة سياسيا) لصالح توليد اقتصاد إنتاجي باالعتماد على الذات‬ ‫بالقدر األعلى‪.‬‬ ‫‪ 27‬أنظر‪/‬ي‪ :‬محمد علي مقلد‪" ،‬اليسار" بني األنقاض واإلنقاذ؛ قراءة نقدية من أجل جتديد اليسار"‪،‬‬ ‫احلوار املتمدن‪ ،‬العدد ‪ ،1215‬تاريخ ‪.2005/6/1‬‬

‫‪26‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫واليسار معني باستخالص مهماته اليومية من واقع التباين الواسع في التركيبة‬ ‫الطبقية للتجمعات الفلسطينية وفي األوضاع السياسية واألمنية وفي عالقاتها مع‬ ‫أسواق العمل ومع الدولة‪ .‬لقد تشكلت الطبقات الفلسطينية (الطبقة العاملة‪ ،‬والوسطى‬ ‫والبرجوازية)‪ ،‬إلى حد كبير وحاسم‪ ،‬مبعزل بعضها عن بعض‪ ،‬بحكم غياب التشكيلة‬ ‫االقتصادية واالجتماعية والسياسية الواحدة؛ وهو أمر يطرح حتديات تنظيمية‬ ‫وبرنامجية على أحزاب اليسار الفلسطيني‪ .‬ومن املفيد هنا التذكير بأن أكثر من ‪%90‬‬ ‫من املنشآت في الضفة والقطاع توظف أربعة مستخدمني أو أقل‪ ،‬أي يغلب عليها الطابع‬ ‫العائلي واحلرفي الصغير وهيمنة العالقات املباشرة بني صاحب العمل والعامل‪.‬‬ ‫هذا الواقع الفلسطيني مينح "البناء الفوقي" (األحزاب‪ ،‬واالحتادات‪ ،‬والنقابات‪،‬‬ ‫واحلركات االجتماعية) أهمية استثنائية‪ .‬وهنا قد يجد اليسار الفلسطيني فائدة عبر‬ ‫وعي التطويرات التي أدخلها ماركسيون من أمثال غرامشي وألتوسير وغيرهما في‬ ‫إبراز قصور النظرة "االقتصادوية" التي طغت على الفكر السوفييتي‪ ،‬والتأكيد على‬ ‫االستقاللية النسبية للحقل السياسي‪ ،‬وأهمية اللحظة الثقافية في إنتاج قوى التغيير‪،‬‬ ‫وأهمية الدميقراطية (مبا هي إجراءات وتدابير ومبا هي قيم اجتماعية وإنسانية) في‬ ‫التحول إلى االشتراكية مبأسسة املساواة والعدالة االجتماعية‪.‬‬ ‫الصوت الصادر عن اليسار بهذا الكتاب‪ ،‬ذو أهمية ألن فيه شحنات عالية من النقد‬ ‫الذاتي‪ ،‬القائمة على احلرص على مستقبل اليسار وما ميثله من قيم ومبادئ ومن‬ ‫استعداد نضالي ثابت للتحرر الوطني وبناء املجتمع الدميقراطي التقدمي املتآلف مع‬ ‫املساواة واإلنصاف والعدالة االجتماعي‪ ،‬واملتنافر مع االستغالل والتمييز والقمع‬ ‫بكل أشكاله‪ .‬اللقاءات التي أجراها فريق البحث‪ ،‬والتي شملت أكثر من مئة شخص‪،‬‬ ‫جميعهم من الكوادر والقيادات اليسارية املقيمني في الضفة الغربية وقطاع عزة‪ ،‬ال‬ ‫تلغي ضرورة االستماع إلى صوت اليسار الفلسطيني داخل اخلط األخضر ملا يحمله‬ ‫من جتربة خاصة في تنظيم مواجهة دولة التمييز العنصري‪ 28،‬كما أنه ال يلغي احلاجة‬ ‫لالستماع إلى صوت اليسار في مناطق اللجوء والشتات واملهاجر‪ ،‬وبخاصة في‬ ‫‪ 28‬لقي موضوع مشاركة اليسار الفلسطيني مناطق ‪ 1948‬في تداوالت "املؤمتر الدولي‪ ،‬جتارب‬ ‫توحيد وتفعيل اليسار في فلسطني والعالم" (الذي في رام الله ومشاركة قطاع غزة من خالل‬ ‫الفيديو كنفرنس‪ ،‬بتنظيم من التيار الوطني الدميقراطي التقدمي ومؤسسة روزا لكسمبورغ في‬ ‫أواخر حزيران ‪ )2009‬ترحيبا من احملللني السياسيني اليساريني‪ ،‬وبخاصة أن وضع اليسار‬ ‫الفلسطيني في هذه املناطق تأثر بالوضع الفلسطيني العام‪ ،‬إضافة إلى تأثره بالصراع مع‬ ‫االحتالل‪ .‬وكان التفاق أوسلو تأثرات سلبية وخطيرة "على املجتمع الفلسطيني في مناطق ‪،1948‬‬ ‫بشكل عام واليسار بشكل خاص وهي جتربة جديرة بالدراسة ووضعها على األجندة الفلسطينية‪،‬‬ ‫اليسارية على وجه اخلصوص‪ ،‬فهذا اليسار منسي ومغيب رغم أهميته وتأثيره املباشر على مجمل‬ ‫العمل الكفاحي والنضالي لشعبنا الفلسطيني" (أنظر‪/‬ي‪ :‬هاني حبيب‪" ،‬مؤمتر اليسار؛ مترين‬ ‫إضافي"‪ ،‬األيام‪ 28 ،‬حزيران ‪ .)2009‬‬

‫‪27‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫مخيمات األردن وسوريا ولبنان‪ ،‬ومدن املهاجر‪ .‬إن اآلراء التي يوثقها هذا الكتاب غنية‬ ‫وتظهر التداخل الذي يتخطى احلدود التنظيمية وعندما تطرح جانبا التعميمات احلزبية‬ ‫الداخلية‪ .‬ما يجده القارئ في صفحات هذا الكتاب هو أقرب إلى ما ميكن أن يسمعه لو‬ ‫عقد اليسار‪ ،‬املنظم وغير املنظم‪ ،‬مؤمتره األول ملراجعة جتربته ووضع أسس برنامج‬ ‫سياسي ونظام داخلي جديدين‪.‬‬ ‫د‪ .‬حول منهجية البحث‬ ‫استطلع هذا البحث آراء اليسار الفلسطيني بتكوينه احلالي املشكل من تنظيمات وأفراد‬ ‫غير منظمني‪ ،‬ومت اعتماد التنظيمات اليسارية التي تقدم نفسها (في وثائقها الداخلية)‬ ‫كيسار والتي جند في لوائحها الداخلية تبنيا للماركسية كمنهج أو تتبنى "االشتراكية‬ ‫العلمية" وترى في التحول لالشتراكية الطريق الضروري للخالص من االستغالل‬ ‫وبناء املجتمع العادل املجسد لقيم املساواة والعدالة االجتماعية والدميقراطية‪ ،‬التي‬ ‫تلتزم بالنضال من أجل التحرر الوطني وضد الهيمنة اخلارجية والتمييز واالستغالل‬ ‫واالضطهاد‪ .‬واعتمد البحث كيسار األفراد الذين يقدمون أنفسهم بهذه الصفة وإن‬ ‫باتوا خارج تنظيمات سياسية‪ ،‬والغالبية العظمى من هؤالء كانوا أعضاء في تنظيمات‬ ‫وجه فريق البحث ثالثة أسئلة إلى الشخصيات‬ ‫يسارية تركوها العتبارات مختلفة‪ .‬لقد ّ‬ ‫التي قابلها على أن تكون اإلجابة وفق قناعات الفرد ومن جتربته‪ ،‬بغض النظر عن مدى‬ ‫اقترابها أو ابتعادها عن رأي التنظيم إن كان الفرد منتميا لتنظيم‪ .‬وحتى ال ينشغل‬ ‫القارئ برأي هذا الفرد أو ذاك لم نذكر أسماء أصحاب األقوال الواردة ليبقى االهتمام‬ ‫منصبا على اآلراء وليس على أصحابها‪ .‬األسئلة كانت التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬أسباب وعوامل تراجع اليسار الفلسطيني؛‬

‫‪ .2‬مدلوالت دور اليسار في األزمة الراهنة واملتمثلة في حالة االستقطاب احلاد‬ ‫بني حركتي "فتح" و "حماس"؛‬

‫‪ .3‬شروط وعوامل وآفاق استنهاض اليسار‪ .‬وقد جرت اللقاءات في ربيع‬ ‫وبداية صيف ‪.2009‬‬

‫وقد بلغ عدد الذين التقى بهم فريق البحث ‪ 108‬أشخاص‪ ،‬موزعني كالتالي‪:‬‬

‫أ‪ 31 .‬لقاء أجراها الزميل طالل عوكل في غزة‪ ،‬توزعت كالتالي‪ 5 :‬أعضاء مكتب‬ ‫سياسي؛ ‪ 6‬أعضاء جلنة مركزية؛ ‪ 5‬نساء؛ ‪ 10‬مستقلني؛ ‪ 11‬من الشباب؛ ‪5‬‬ ‫أكادمييني (حزبيني ومستقلني مبستوى ماجستير وما فوق)؛ مرأمر تكتيكي تقرره‬ ‫الظروف املساعدة أو أو أو الاة العدد الكلي ‪( 31‬مستقلون‪ ،10 :‬حزبيون ‪.)21‬‬

‫ب‪ 31 .‬لقاء أجراها الزميل زياد عثمان (غالبيتها العظمى في نابلس) توزعت‬ ‫‪28‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫كالتالي‪ 7 :‬نساء؛ ‪ 7‬أعضاء جلنة مركزية (منهم ‪ 3‬غير منتظمني حاليا)؛ ‪6‬‬ ‫أعضاء مكتب سياسي (منهم أمني عام ونائب أمني عام)؛ عدد احلزبيني ‪18‬‬ ‫وعدد املستقلني ‪ . 13‬عدد الشباب ‪( 5‬مجموع اللقاءات ‪.)31‬‬

‫ج‪ 46 .‬لقاء أجراها جميل هالل (عدد من اللقاءات استغرق أكثر من جلسة) ‪،‬‬ ‫توزعت كالتالي‪ :‬غير منتمني ألحزاب أو تنظيمات سياسية‪ 23( 24 :‬منهم كانوا‬ ‫أعضاء حزبيني‪ ،‬و ‪ 6‬منهم كانوا أعضاء مكاتب سياسية في أحزابهم السابقة)‪،‬‬ ‫وبلغ عدد احلزبيني ‪ 22 :‬حزبيا‪ ،‬موزعني كالتالي‪ 5 :‬أعضاء في مكاتب سياسية‪،‬‬ ‫‪ 7‬أعضاء جلان مركزية‪ ،‬و ‪ 10‬كوادر وسطى‪ .‬وبلغ عدد النساء ‪( 9‬موزعات‬ ‫كالتالي‪ :‬ست نساء غير منتميات ألحزاب‪ ،‬واحدة فقط لم تكن عضوا في تنظيم‬ ‫‪ ،‬بل كانت صديقة ألحد التنظيمات‪ ،‬واحدة عضو مكتب سياسي‪ ،‬واثنتان كوادر‬ ‫وسطى)‪ .‬وبلغ عدد الشبان والشابات ‪.21‬‬

‫هذا يعني أن عدد اللقاءات اإلجمالي بلغ ‪( 108‬تنظر األسماء في ملحق ‪ ، )2‬توزعت‬ ‫كالتالي‪ 61 :‬حزبيا‪ ،‬و‪ 47‬غير حزبي‪ .‬وبلغ عدد النساء ‪ ،21‬وعدد الشبان والشابات‬ ‫‪ 37‬إذا اعتبر شابا من هو دون سن ‪ ،35‬ويكون عدد الشباب ‪ ، 27‬إذا ما اعتبر شابا من‬ ‫هو دون سن ‪ . 30‬وبلغ عدد أعضاء املكاتب السياسية احلاليني ‪ ،16‬وعدد أعضاء جلان‬ ‫مركزية ‪ ،20‬وعدد الكوادر الوسطى ‪ .25‬أما املستقلون فالغالبية العظمى منهم أعضاء‬ ‫سابقون في تنظيمات يسارية‪ .‬وفضال عن هذه اللقاءات متت االستفادة من كتابات‬ ‫ومقاالت تناولت جوانب من موضوع البحث من قبل يساريني منتمني أو مستقلني‪،‬‬ ‫وأخذت من بعضها مقتطفات إلبراز تنوع اآلراء املطروحة و تقاطعها‪.‬‬ ‫كانت الفكرة لدى التخطيط األولي للبحث أن يكون مختزال‪ ،‬لكن تنوع اآلراء‬ ‫وأشكال التعبير عنها وتشعب املوضوعات املطروحة دفعت باجتاه السماح للبحث‬ ‫بأخذ مجراه دون وضع قيود على النصوص املنتقاة حتت ضغط تقليص عدد‬ ‫صفحات البحث‪ .‬صحيح أنه باإلمكان اختصار املداخالت باحلد من التكرار أو‬ ‫حجب مداخالت تكرر آلراء مطروحة‪ ،‬وهو اعتبار وجيه لو أن البحث كان من طبيعة‬ ‫أخرى وليس له الهدف الذي حدده لنفسه كمنبر لصوت اليسار في قضية ذات‬ ‫اهتمام مصيري‪ .‬الوارد هنا آراء ألفراد قياديني وكوادر من تنظيمات اليسار التي‬ ‫تؤمن مبستقبل اشتراكي ومن األفراد الذين يحسبون أنفسهم على اليسار وإن لم‬ ‫يعد لهم رابط تنظيمي مع أحزاب اليسار‪ .‬لقد حرص الباحثون على عدم التدخل في‬ ‫الصياغة إال بحدود ضيقة جدا‪ ،‬والعتبارات لغوية فقط وانتقاء املقاطع ذات الصلة‬ ‫باملوضوعات املطروحة (ما ورد من نصوص منتقاة يشكل نحو ثلث املادة التي‬ ‫توافرت عبر اللقاءات)‪ .‬لذا نكرر‪ ،‬أن ما يرد في الفصول اخلمسة (خارج قراءتي‬ ‫ملا يرد في كل فصل)‪ ،‬وخارج املقدمة واخلامتة‪ ،‬وخارج استخالصات الباحثينّ‬ ‫(الواردة في ملحق ‪ )1‬لن يخرج عما سوف يسمع لو عقد اليسار‪ ،‬اآلن‪ ،‬مؤمترا‬ ‫‪29‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫للتداول في أسباب تراجعه‪ ،‬وملناقشة سبل وشروط استنهاضه‪ .‬لقد اكتفيت عند‬ ‫سرد اآلراء باإلشارة إلى االنتماء التنظيمي في حال وجوده‪ ،‬واستخدم احلرف‬ ‫ش للرمز إلى اجلبهة الشعبية واحلرف د للرمز إلى اجلبهة الدميقراطية‪ ،‬واحلرف‬ ‫ح للرمز إلى احلزب الشيوعي‪ ،‬واحلرف ف للرمز إلى "فدا" وذكرت التنظيمات‬ ‫‪29‬‬ ‫األخرى عند ورود منتمني إليها باالسم‪.‬‬ ‫يتشكل الكتاب من الفصول التالية‪:‬‬ ‫ الفصل األول‪ ،‬بدل املقدمة‪ :‬يستهدف البحث في سياقه السياسي‪ -‬االجتماعي–‬‫التاريخي‪ ،‬موضحا الهدف واملنهجية؛‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني‪ :‬في تعريف اليسار ملفهوم "اليسار"؛‬

‫‪ -‬الفصل الثالث‪ :‬رؤية اليسار للعوامل "الذاتية" التي ساهمت في تراجعه؛‬

‫‪ -‬الفصل الرابع‪ :‬رؤية اليسار للعوامل "املوضوعية" التي ساهمت في تراجعه؛‬

‫ الفصل اخلامس‪ :‬تقييم اليسار لدوره إزاء تفاقم حالة االستقطاب والصراع‬‫بني حركتي "فتح" و"حماس"؛‬ ‫‪ -‬الفصل السادس‪ :‬توقعات ومتنيات ورؤى؛‬

‫‪ -‬الفصل السابع‪ ،‬بدل اخلامتة‪ :‬استخالصات مكثفة‪.‬‬

‫ مالحق‪ :‬األول منها مالحظات الباحثني املشاركني بخصوص جتربة ومضامني‬‫اللقاءات التي أجرياها‪ ،‬وامللحق الثاني يستعرض أسماء الذين شاركوا في‬ ‫اللقاءات دون حتديد الهوية التنظيمية لهم‪ .‬‬

‫‪ 29‬استخدم تعبير قيادي للداللة إلى أن صاحب الرأي أو القول هو عضو في القيادة األولى للتنظيم‬ ‫(عضو مكتب سياسي)‪ ،‬وتعبير كادر ملن هم أعضاء من مستويات تنظيمية أخرى (مبا فيها أعضاء‬ ‫جلنة مركزية)‪.‬‬

‫‪30‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الفصل الثاني‪:‬‬ ‫في تعريف اليسار ملفهوم "اليسار"‬ ‫"يجب أن نعيد حتديد معنى اليسار‪ ،‬واملاركسي خصوصاً‪ ،‬ألن فرز اجلبهات أمر‬ ‫ضروري في كل صراع‪ ،‬حيث اخللط يش ّوه ويد ّمر‪ .‬وال أظن أنه ميكن أن يكون‬ ‫هناك يسار ال ينطلق من الصراع مع الرأسمالية املهيمنة التي تقف أمام تطور كل‬ ‫األمم املُتخلّفة‪ ،‬وال ينطلق من حتقيق االستقالل في مواجهة قوى االحتالل‪ ،‬ويقبل‬ ‫بالتكوين املجتمعي الذي تعمل البورجوازيات التابعة على تكريسه‪ ،‬مثل الطائفية‬ ‫والنظام الطائفي‪ ،‬وال يدافع عن الطبقات املفقرة‪ ،‬وال ينشد التطور واحلداثة‪ .‬هذه‬ ‫قيم عامة لليسار‪ ،‬ليس يساريا ً من ال يدافع عنها‪ .‬وهي قيم ميكن أن تتضمن في‬ ‫أيديولوجيات متعددة‪ ،‬ماركسية وقومية ودميقراطية‪ ،‬رغم اختالف اخليارات بني هذه‬ ‫األيديولوجيات‪ .‬وبالتالي‪ ،‬بات من الضروري حتقيق الفرز انطالقا ً منها‪ ،‬ألنها تتيح‬ ‫جتاوز الشكلية التي تقوم على اعتماد التسمية كتحديد لطبيعة القوى‪ .‬فليس مهما ً أن‬ ‫يسمى احلزب بيسار دميقراطي أو اشتراكي دميقراطي أو اجتماعي دميقراطي‪ ،‬بل‬ ‫‪30‬‬ ‫املهم ما يطرحه من تصورات وأفكار"‪.‬‬

‫يقدم هذا اجلزء مما ورد على لسان كوادر وقيادات يسارية (تنظيمات ومستقلني)‬ ‫حول مفهومهم لـ "اليسار" في سياقه الفلسطيني العربي الراهن‪ .‬وما يرد هو آراء‬ ‫ألعضاء في أحزاب تتبنى هوية يسارية‪ ،‬وألفراد هم ليسوا أعضاء في هذه التنظيمات‬ ‫لكنهم يعتبرون أنفسهم من اليسار (يجمعهم تعبير "مستقل"‪ )31‬ومعظمهم‪ ،‬باستثناء‬ ‫حالة واحدة كانت صديقة لتنظيم يساري‪ ،‬انتمى ألحزاب يسارية فترة من الزمن‪.‬‬ ‫‪ 30‬سالمة كيلة‪" ،‬امليل نحو اليسار‪ :‬لكن أي يسار؟"‪ ،‬جريدة "األخبار ‪.2009/1/28 ،‬‬ ‫‪ 31‬استخدم تعبير "مستقل" لإلشارة إلى من ليس عضوا في تنتظم يساري لكنه يعتبر نفسه‪ ،‬فكريا‬ ‫وسياسيا من اليسار‪ .‬جميع التشديدات الواردة في الكتاب مضافة من املؤلف‪.‬‬

‫‪31‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫أ‪ .‬حول نشأة وسمات اليسار الفلسطيني‬ ‫افتقار اليسار إلى قواعد اجتماعية واضحة املعالم وبرامجها االجتماعية لم متتحن على‬ ‫أرض الواقع‬

‫"أدى التدمير التاريخي للنسق االقتصادي واالجتماعي للشعب الفلسطيني من‬ ‫خالل النكبة‪ ،‬إلى عدم تبلور طبقات اجتماعية (غياب اقتصاد وطني)‪ ،‬وبالتالي عدم‬ ‫تبلور مصالح محددة مبا متليه هذه من تشكل وعي سياسي؛ ال طبقة فالحني‪ ،‬وال‬ ‫طبقة عاملة‪ ،‬بل فئات عمالية‪ .‬امليوعة في الهوية االجتماعية‪-‬الطبقية تركت أثرها على‬ ‫احلركة السياسية الفلسطينية مبا هي تكثيف للوجود االجتماعي‪ -‬االقتصادي‪.‬‬ ‫إن غياب فئات اجتماعية محددة املعالم تتضرر من سياسات اقتصادية معينة‬ ‫يعني غياب الضغط على القيادات السياسية لألحزاب‪ ،‬بحكم غياب مصالح قاعدية‬ ‫مبلورة‪ ....‬لم يدخل اليسار الفلسطيني في معارك اجتماعية حادة‪ .‬النقابات‬ ‫واالحتادات الشعبية في احلالة الفلسطينية كانت تابعة للسلطة‪ .‬كل االحتادات‬ ‫الشعبية والنقابات هي احتادات صفراء‪ ،‬مبعنى أنها امتدادات للحزب احلاكم‪،‬‬ ‫وقيادات هذه االحتادات هي امتداد للسلطة وهم موظفون للسلطة‪ .‬أدوات األحزاب‬ ‫السياسية الفلسطينية هي أدوات مبتورة ومفتته ومبعثرة (النقابات‪ ،‬االحتادات‪،‬‬ ‫املنظمات اجلماهيرية واملنظمات غير احلكومية‪ .)...‬األحزاب اليسارية بسبب فقر‬ ‫املوارد املالية وحتت ضغط كتلتها البيروقراطية (موظفيها) دخلت في مساومات‬ ‫مع السلطة للحصول على فتات‪ ،‬وحتولت إلى وسيط بني املشغل واملشغل‪ ،‬وعضو‬ ‫املجلس التشريعي في املجلس السابق لعب دور الوسيط بني الرئيس واجلمهور‬ ‫(أي يكرس جهده للحصول على كتاب من أبو عمار)‪ .‬األحزاب اليسارية بقيت تعوم‬ ‫على فقاعة التحرر الوطني‪ ،‬دون قواعد اجتماعية‪ .‬وهي منقسمة سياسيا ولهذا السبب‬ ‫فإن أحزاب اليسار يصعب توحدّها ألن احملرك الرئيسي للصراع هو القضية الوطنية‬ ‫(الصراع مع إسرائيل)‪ ،‬ومن هنا التباين في املوقف السياسي بني أطراف اليسار‪.‬‬ ‫في املوقف من التسوية جزء من اليسار أقرب إلى "فتح" (السلطة) وجزء آخر‬ ‫أقرب إلى "حماس"‪ .‬البرامج االجتماعية لليسار ال خالف عليها بني التنظيمات‬ ‫اليسارية لكنها بقيت برامج نظرية ولم متتحن على أرض الواقع‪ .‬املوقف السياسي‬ ‫هو محرك التحالفات في الساحة الفلسطينية‪" .‬الدميقراطية" األحزاب اليسارية‬ ‫جعلها أقرب إلى األحزاب الشمولية (الديكتاتورية)‪ .‬أحزاب اليسار ال حتتمل‬ ‫اخلالف داخلها‪ ،‬وإذا ما أخذنا بعني االعتبار استفحال الشخصانية واملركزية‬ ‫الشديدة والفردية‪ ،‬يصبح واضحا سبب ظاهرة التشظي داخل أحزاب اليسار‪.‬‬ ‫الهم الرئيس لألحزاب اليسارية بقي دائما كيف تبقى على قيد احلياة‪ ،‬وباتت أقرب‬ ‫إلى "رجال إصالح"‪ ،‬وغير معنية بطرح بدليل متكامل عن احلزبني املتصارعني‬ ‫(قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪32‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار الفلسطيني نشأ في مجرى الصراع الوطني وليس في مجرى الصراع االجتماعي‬

‫"اليسار الفلسطيني نشأ في مجرى الصراع ضد االحتالل الصهيوني‪ ،‬وجذوره‬ ‫قومية‪ ،‬ولم ينشأ في خضم صراع اجتماعي‪ .‬لذا بقي العامل الوطني هو العامل‬ ‫احلاسم‪ .‬وهذا ينسحب على املمارسة السياسية اليومية لليسار الفلسطيني من حيث‬ ‫طغيان الشأن الوطني‪ ،‬الذي يطغى على الرؤية الفكرية والطبقية‪ ،‬ومن هنا انشداد‬ ‫اليسار في املواقف إلى اليمني احلمساوي واليمني الفتحاوي‪ .‬كل فصائل اليسار‬ ‫تغيرت منذ نشأتها من حيث األطروحات الفكرية والسياسية‪ ،‬ومن حيث موضوعات‬ ‫اخلالف فيما بينها؛ وجند أنه كلما حلت خالفات بني أطراف اليسار نشأت خالفات‬ ‫جديدة‪ .‬خالفات تنتهي لتحل محلها خالفات جديدة‪ .‬تنظيمات اليسار تغيرت في‬ ‫اجلوهر‪ ،‬وبقيت اخلالفات بينها‪ ،‬وهذا يؤكد أهمية العوامل الذاتية‪ :‬حسابات األفراد‬ ‫والهيئات واالعتبارات القيادية‪ .‬والسبب املوضوعي يعود إلى أن السمة الطاغية‬ ‫لليسار هي السمة الوطنية‪ ...‬اليسار الفلسطيني يع ّرف نفسه من مدخل وطني وليس من‬ ‫مدخل اجتماعي‪ .‬التوافق بني قوى اليسار على البرامج االجتماعية ليس دليل صحة‬ ‫لكونه قد يدل على هامشية القضايا االجتماعية بالنسبة لليسار الفلسطيني‪ ...‬اليسار‬ ‫في العالم تغير من حيث البنية واألفكار والبرامج ألن األحزاب في العالم متثل فئات‬ ‫اجتماعية‪ ،‬والطبقة العاملة في الدول املتطورة تغيرت كثيرا‪ ،‬أصبحت أكثر مهارة (فئات‬ ‫منها تعمل في مجاالت التكنولوجيا احلديثة) وال تعمل في وحدات كبيرة‪ ،‬أي أن منط‬ ‫اإلنتاج تغير‪ .‬كما أن األحزاب في العالم الغربي استوعبت في ثقافتها حقوق اإلنسان‬ ‫وحقوق املواطن‪ ،‬وهذا لم يحدث لدينا؛ فليس لدينا قانون أحزاب حتى اآلن ينظم عالقات‬ ‫قيادة هذه األحزاب مع األعضاء ومع اجلمهور‪ ،‬وهناك تأثير املجتمع الدميقراطي على بنية‬ ‫األحزاب نفسها" (كادر‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫هزمية حزيران كانت حاسمة في التحول إلى املاركسية‬

‫"ما يجمع اليسار يتمثل في طبيعة الرؤى االقتصادية واالجتماعية والثقافية‪،‬‬ ‫ال يوجد هوية موحدة‪ .‬اليسار مفهوم جتميعي لقوى متقاربة في الرؤى الفكرية‬ ‫والثقافية واالجتماعية ولكنها ليست متطابقة‪ .‬العديد من حركات التحرر انحاز‬ ‫للفكر االشتراكي‪ .‬حركة القوميني العرب بدأت في احلديث عن التحول إلى‬ ‫االشتراكية في مؤمتر آب ‪ ،1968‬متأثرة بنجاح حركات التحرر في العالم الثالث‬ ‫(كوبا والصني وفيتنام) لكن بداية تقبل الفكر املاركسي برزت في الستينيات‬ ‫قبيل الهزمية‪ .‬هزمية حزيران عام ‪ 1967‬كانت العامل احلاسم في حتول القوميني‬ ‫العرب إلى املاركسية واعتبار األنظمة التي هزمت أنظمة برجوازية صغيرة‪ .‬قبل‬ ‫ذلك كانت حركة القوميني العرب مرتبطة بعبد الناصر واحلديث عن التنمية‬ ‫املستقلة‪ ،‬وتوثيق العالقة مع املعسكر االشتراكي وتصنيع البلد وحترير‬ ‫فلسطني" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪33‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫حتول حركة القوميني العرب لليسار‬

‫"جاءت هزمية حزيران عام ‪ 1967‬لتحسم جدل تبني القوميني العرب للخيار‬ ‫املاركسي‪ ،‬وكانوا قد تأثروا بالغيفارية وبنظريات ماو وجياب حول" حرب التحرير‬ ‫الشعبية" وبنظرية "البؤرة الثورية" التي قدمها دوبريه‪ .‬فأعلنت تنظيمات عديدة‬ ‫عن هويتها اليسارية اجلديدة (مثل الشعبية والدميقراطية في فلسطني‪ ،‬ومنظمة‬ ‫العمل الشيوعي في لبنان‪ ،‬وحزب العمل الشيوعي في سوريا‪ ،‬واجلبهة الشعبية في‬ ‫اخلليج‪ ،‬واحلزب االشتراكي اليمني)‪ .‬بعض القوميني اندفعوا في حقل النظرية إلى‬ ‫"طبقوية" ثورية ال تخلو من مغامرة‪ ،‬فاحلوا الطبقة مكان األمة‪ ،‬لكنهم سرعان ما‬ ‫بدؤوا يتكيفون مع املدرسة السوفييتية‪ ،‬والبعض اآلخر حاول التعمق في النضال‬ ‫املطلبي من داخل الطبقة العاملة‪ ،‬وخاضوا معارك مع العمال الزراعيني والفالحني‬ ‫في لبنان‪ ،‬كانت نتيجتها خاسرة‪ .‬معظم تنظيمات اليسار اجلديد اعتمدت أسلوب‬ ‫الكفاح املسلح لتحقيق األهداف الوطنية واالجتماعية‪ .‬اليسار اجلديد لم يتبع املركز‬ ‫السوفييتي باملعنى التقليدي لكنه بقي يدور في فلكه؛ والسبب يعود لعدم متكن هذه‬ ‫األحزاب من إيجاد بنية فكرية وسياسية وتنظيمية متميزة ومختلفة عن بنية األحزاب‬ ‫الشيوعية التقليدية ومنظومتها الفكرية" (مهند عبد احلميد‪" ،‬احلكيم والتحول نحو‬ ‫اليسار نشرت في نشرة حملت اسم ‪":‬احلكيم" ( د‪ .‬جورج حبش) عام ‪ 2008‬مبناسبة‬ ‫الذكرى األولى على وفاته)‪.‬‬

‫إعادة إنتاج اليسار لنفسه يتم عبر التحرر من البيروقراطية التنظيمية والتأكيد على‬ ‫املاركسية كمنهج‬

‫"حتى يستعيد اليسار دوره‪ ....‬فإن املطلوب يتمثل في‪:‬‬ ‫‪ .1‬إن اليسار يفترض به أن يصنع التاريخ‪ ،‬فهو قوة تغيير ويصارع من أجل‬ ‫التغيير‪ ،‬وإن لم ميتلك أدوات الصراع‪ ،‬والقدرة على التغيير‪َ ،‬ف َق َد مبرر وجوده‬ ‫وجتاوزته األحداث؛ لذلك فإن إعادة النظر في ال ُبنى التنظيمية مبا يحررها من‬ ‫البيروقراطية‪ ،‬ويكرس دميقراطية حقة (والتي هي ��ضال عن دورها في تطوير‬ ‫احلزب واملجتمع‪ ،‬قيمة إنسانية بحد ذاتها وحق سياسي واجتماعي وأخالقي‬ ‫للجماهير)‪ ،‬سواء فيما يتعلق بحق األقلية في التعبير‪ ،‬أو في آلية اتخاذ القرار‪،‬‬ ‫وفي آلية اختيار قيادات احلزب‪ .‬وللقيادة دور رئيسـي في احلـزب (قيادته‬ ‫بالدرجة األولى) وهي العامل احلاسم في بنائه أو هدمه‪ ،‬تعظيمه أو وهنه‪....‬‬ ‫‪ .2‬إن التحدي اآلخر الذي يواجه اليسار هو حتد أيديولوجي‪ ،‬فاحلملة التي‬ ‫تعرضت لها املاركسية حول عدم مالءمتها لظروفنا‪ ،‬واغترابها عن واقعنا‬ ‫االجتماعي والثقافي‪ ،‬جتعل من كيفية التعامل معها مسألة على درجة من‬ ‫األهمية؛ فالتعامل معها كأداة للمعرفة وكمنهج للتحليل‪ ،‬هو األكثر صحة ألنها‬ ‫منهج مادي جدلي‪ .‬ألننا حني تعاملنا معها كنظرية كاملة مكتملة‪ ،‬أصبحنا‬ ‫ملزمني إلى األخذ بها وبكل ما احتوته من أول سطر إلى آخر سطر‪ ،‬فاألخذ‬ ‫‪34‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫بكل ما قاله رواد املاركسية في ظروف معينة‪ ،‬وإعطاؤه صفة اإلطالق النظري‬ ‫خارج حدود الزمان واملكان‪ ،‬مصادرة للمنهج‪( ،‬والفرق هو نقطة االفتراق بني‬ ‫اجلمود العقائدي والتحرر الفكري اخلالّق)‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فإن التعامل مع املاركسية‬ ‫كمنهج معرفي‪ ،‬هو نقطة االنطالق في التجديد الفكري املطلوب‪ ...‬إن علينا‬ ‫مناقشة كل ما له عالقة بالواقع وظروف وجوده‪ ،‬وشروط تغييره‪ ،‬والقيام‬ ‫بتحليل معمق للبّنى االقتصادية واالجتماعية العربية وحتوالتها‪...‬‬ ‫‪ .3‬قد يكون التمزق والتشرذم الذي يعيشه اليسار‪ ،‬سببا ً ونتيجة ألزمته؛‬ ‫من هنا يصبح احلوار املباشر واملفتوح وسيلة لوحدة اليسار‪ ،‬وميكن أن يكون‬ ‫بداية املخرج ليسار تشظى بفعل عوامل ذاتية أو فرضها الواقع املوضوعي‪.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫(د‪ .‬سعيد ذياب‪" ،‬اليسار العربي‪..‬أزمته وآفاقه")‪.‬‬ ‫مفهومان أو ثالثة لليسار‬

‫"هناك مفهومان لليسار في احلقل السياسي الفلسطيني‪:‬‬ ‫األول‪ :‬النموذج املاركسي بتنويعاته املختلفة‪ ،‬والذي ينطلق في حتديده لليسار من‬ ‫اعتبارات صارمة‪ ،‬أهمها االلتزام باملاركسية – اللينينية‪ ،‬ومنهجها املادي اجلدلي في رؤية‬ ‫وحتليل الواقع‪ ،‬ويعتبر "البروليتاريا" [ الطبقة العاملة الصناعية] هي املادة األساسية‬ ‫للثورة والتغيير االجتماعي‪ ،‬وبالتالي يستند إلى التحليل الطبقي (الصراع الطبقي)‬ ‫كأساس للتحليل االجتماعي وصياغة التحالفات‪ .‬املمثل الكالسيكي لهذا اليسار احلزب‬ ‫الشيوعي الفلسطيني بصورته التقليدية‪ ،‬ومرجعيته الفكرية املدرسة السوفييتية (ما‬ ‫قبل التحوالت الواعية وإعادة التأسيس حلزب الشعب)‪ ،‬باإلضافة إلى القوى التي تطلق‬ ‫عليها تسمية "اليسار اجلديد" (حتديدا ً اجلبهتان الشعبية والدميقراطية) والتي كانت في‬ ‫بداياتها متأثرة بالنماذج اآلسيوية (الصينية – الفيتنامية – الكوبية‪ ،)..‬ولكنها لم تلبث أن‬ ‫اندرجت ضمن املرجعية الفكرية للمدرسة السوفييتية‪ ،‬مع اختالفات سياسية تكتيكية‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬النموذج الذي تبلور ما بعد انهيار االحتاد السوفيتي واملنظومة االشتراكية‪،‬‬ ‫والذي طرأت على برامجه ورؤاه الفكرية تغيرات عميقة طالت الثوابت الفكرية والنظرية‬ ‫األساسية للماركسية التقليدية‪ .‬وهو تيار ليبرالي يتقاطع بحدود كبيرة مع التيارات‬ ‫الدميقراطية (العلمانية) في الساحة الفلسطينية‪ ،‬وأبرز جتليات هذا التيار حزب الشعب‬ ‫وفدا والنضال الشعبي‪ ،‬علما ً بأن التنظيمات األخرى (اجلبهة الدميقراطية‪ ،‬والشعبية‬ ‫بدرجة أقل) قد طرأ عليها تغيرات عميقة في هذا املجال‪ ،‬تتجاوز حدود التعديالت‬

‫‪ 32‬أنظر‪/‬ي‪http://www.wihda.org/book/Dr%20Sa%60ed.doc :‬‬

‫‪35‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اجلزئية التي أدخلت على الوثائق األساسية (االسترشاد بدل التبني‪ ،‬االسترشاد‬ ‫باملنهج املادي اجلدلي‪ ،‬بدل النظرية املاركسية‪ ،‬وبكل ما هو إنساني وتقدمي‪..‬إلخ)‪.‬‬ ‫وميكن احلديث عن تيار ثالث‪ ،‬ال يوجد له تعبيرات تنظيمية محددة‪ ،‬ولكنه يتواجد‪،‬‬ ‫ويتسع تدريجيا ً داخل األحزاب والقوى اليسارية‪ ،‬ويتواجد في أوساط مثقفني‬ ‫مستقلني معظمهم كان لهم ارتباطات تنظيمية سابقة مع قوى اليسار‪ .‬هذا التيار يقدم‬ ‫مفهوما واسعا لقوى اليسار‪ ،‬يتجاوز التحديدات النظرية الصارمة‪ ،‬ويقترب أكثر من‬ ‫مفهوم اليسار األوروبي‪ ،‬أو حتى االشتراكية الدولية‪ ...‬أعتقد أن اليسار كمفهوم ينبغي‬ ‫إعادة تعريفه‪ ،‬مبا ينسجم مع محدداته الفكرية والتنظيمية أوالً‪ ،‬ومبا يراعي اخلصوصية‬ ‫الفلسطينية والعربية عموماً‪ ،‬ويستفيد من التجربة السابقة للقوى اليسارية العربية كذلك‪.‬‬

‫هذا التحديد‪ ،‬أو إعادة التعريف بنظري يقع في منطقة تتوسط الصيغة أو التجربة التي‬ ‫جتسدها القوى اليسارية الفلسطينية‪ ،‬ومفاهيم "التيار الثالث" (الليبرالي عموماً)‪،‬‬ ‫الذي يقطع كليا ً مع الفهم األول لليسار في العديد من اجلوانب الفكرية حتديداً‪ ،‬ويقترب‬ ‫أكثر من صيغة التيار الدميقراطي الواسع أو من مفاهيم "التيار الثالث" (الداعم لدولة‬ ‫الرفاه)‪ .‬وإعادة التعريف والصياغة هذه ينبغي أن ترتكز بدرجة أساسية على الدميقراطية‬ ‫مبعناها الواسع‪ ،‬كوسيلة لتنظيم العالقات الداخلية‪ ،‬وحتقيق قيم الشراكة في صنع‬ ‫وتنفيذ القرار‪ ،‬واحترام القانون‪ ،‬واحترام احلقوق واحلريات‪( "...‬كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"يصعب حتديد مفهوم موحد لليسار‪ ،‬ولكن ميكن لنا أن نعرفه بأنه ميثل تيارا فكريا‬ ‫و سياسيا يتراوح من الليبرالية واالشتراكية إلى الشيوعية مرورا بالدميقراطية‬ ‫االجتماعية والليبرالية االشتراكية‪ .‬املنظمات التي ميكن أن نصنفها باملنظمات اليسارية‪:‬‬ ‫اجلبهة الشعبية لتحرير فلسطني وحزب الشعب الفلسطيني (كادر حزبي شبابي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"من الصعب صياغة مفهوم واضح لليسار الفلسطيني بسبب غياب طبقة عاملة‬ ‫فلسطينية في فلسطني أو في الشتات" ( كادر حزبي شاب‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫غياب املعارك االجتماعية لليسار سبب التباس هويته‬

‫"هوية اليسار باتت ملتبسة‪ .‬ليس واضحا دائما ما مييز اليسار فيما يخص املشروع‬ ‫التحرري الوطني واملشروع االجتماعي عن فتح وحماس‪ .‬التنظيمات اليسارية القائمة‬ ‫ال متثلني كامرأة يسارية وال حتمل املشروع الذي أؤيده‪ .‬اليسار في غزة يتمثل في‬ ‫شخوص وحلقات‪ .‬هو يسار نخبوي‪ .‬جانب من التفاف الناس حول "حماس" يعود إلى‬ ‫اقترابها من الفقراء‪ ....‬الناس وجدوا أن حماس حتمل همهم مقارنة بفتح ا(والسلطة)‬ ‫وامتيازاتها‪ .‬اليسار باتت واجهته املنظمات األهلية املهنية وامتيازاتها‪ ...‬وهو فقد بفقدان‬ ‫املنظمات األهلية واألطر اجلماهيرية أذرعه‪ ...‬اليسار لم يطرح بديال ثقافيا وال مشروعا‬ ‫اجتماعيا في مواجهة مشروع "حماس" و"فتح"‪ .‬وهو لم يخض معارك حول قضايا‬ ‫العمال واملرأة وقانون العقوبات؛ وبالتالي لم مييز نفسه عن "حماس" وال عن "فتح"‪،‬‬ ‫لم يبرز كحامل مشروع تنويري‪ .‬املشروع التنويري (التقدمي والتحرري) يحتاج إلى‬ ‫قيادة نضاالت في الشارع" (عضوة سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪36‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار الفلسطيني تك ّيف مع مفاهيم املاركسية السوفييتية وتأقلم مع جتربة "فتح"‬ ‫في الكفاح املسلح‬

‫"وإذا كان احلزب الشيوعي قد تكيّف مع املاركسية السوفييتية والسياسة السوفييتية‬ ‫منذ زمن‪ ،‬فقد أخذ اليسار اجلديد (الدميقراطية والشعبية) دروسه املاركسية الرئيسة‬ ‫من املدرسة السوفييتية ذاتها؛ وبالتالي كان "عبر الوعي" يتكيف مع السياسة‬ ‫السوفييتية‪ .‬وحني مارس الكفاح املسلح قلّد التجربة البائسة حلركة "فتح"‪ ،‬فتحول‬ ‫إلى بنية بيروقراطية خاضعة ملنطق الدول التي تعيش فيها‪ .‬وليس أمامه سوى "احللقة‬ ‫األضعف" في جنوب لبنان لكي يطلق صواريخ أو يحاول دون جدوى اختراق احلدود؛‬ ‫مما أدى إلى االقتراب من حالة التقاطع أو التوافق مع (بعض قوى اليسار) أو التماهي‬ ‫مع (البعض اآلخر) مع اليمني والقيادة البورجوازية املتنفذه في م‪.‬ت‪.‬ف؛ وبالتالي جرى‬ ‫التكيف مع برنامج هذه البرجوازية القائم على الفلسطنة‪ ،‬ثم احلل املرحلي والدولة‬ ‫املستقلة‪ ،‬ثم منط التكوين السياسي القائم على بنية بيروقراطية حولت املناضلني إلى‬ ‫موظفني يعملون في مكاتب‪ ،‬وأصبح جزء كبير منهم هو كادر السلطة؛ األمر الذي بدا‬ ‫متناقضا ً مع أدبيات ووثائق اليسار بدرجات مختلفة بالطبع بني هذا الفصيل أو احلزب‬ ‫أو ذاك‪ .‬وحني انتهى الوضع في لبنان سنة ‪ 1982‬تالشى العمل املسلح تقريباً‪ .‬ثم حني‬ ‫انهار االحتاد السوفييتي انهارت "املاركسية اللينينية"‪ ،‬وبات عرضة للموجة السائدة‬ ‫الليبرالية أو األصولية‪ ،‬حيث سادت مظاهر االرتباك والفوضى الفكرية والتراجع‬ ‫في الهوية اليسارية إلى جانب مظاهر التدين الشكلي‪ ،‬مما يعني أن اليسار اآلن ليس‬ ‫أمامه سوى "التفاصيل"‪ .‬هل يسعى ألن يلعب دورا ً كبيرا في هذه "التفاصيل"؟ أم‬ ‫يهدف إلى أن يصبح يسارا ً حقيقياً‪ ،‬ونعني بذلك ملتزما ً باملاركسية ومنهجها إلى جانب‬ ‫التزامه بأهدافه املستقبلية املرتبطة بحركة ومتغيرات الواقع بوضوح؟ هل يود النظر‬ ‫العميق في جتربته أم سوف يقفز عنها ليلقي اللوم على اليمني؟" (غازي الصوراني‪،‬‬ ‫"هل ميكن لليسار أن يتوحد؟"‪ ،‬موقع النهج الدميقراطي‪.)2009/7/2 ،‬‬ ‫تنظيمات اليسار تنافست بدال من بناء هوية موحدة وتشكيل حتالف يساري‬

‫"سياسيا‪ ،‬طرح اليسار نفسه بديال قياديا لليمني الفلسطيني املتنفذ في مقدرات‬ ‫منظمة التحرير والثورة الفلسطينية‪ ،‬وتوصل إلى أن هذا اليمني ميارس "سياسة‬ ‫انهزامية" متثل مصالح شريحة برجوازية كومبرادورية طفيلية خاضعة متاما ألوامر‬ ‫البنك الدولي ومصالح االحتكارات الغربية التي ارتبطت ارتباطا تابعا وثيقا معها‪...‬‬ ‫وأن الثورة الفلسطينية لن تستطيع االنتصار على أعدائها إال إذا شيدت جبهة وطنية‬ ‫عريضة يقودها اليسار‪ .‬وبدال من أن يضع اليسار برامج لتحقيق هذه األهداف‪ ،‬تورط‬ ‫في معارك تنافسية بني أجزائه على املؤسسات كانت تنتهي إلى حتالفات تضعفه‪.‬‬ ‫حتالف اجلبهة الدميقراطية مع "فتح" ضد حتالف اجلبهة الشعبية مع قوى أخرى‬ ‫مثل "فتح" االنتفاضة أو "حماس" مثال بدال من تشكيل حتالف سياسي يساري‬ ‫‪37‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫يستطيع الوصول إلى القيادة‪ .‬وعندما تشكل مثل هذا التحالف في بعض املنعطفات‬ ‫احلادة كالقيادة املشتركة بني الشعبية والدميقراطية‪ ،‬والتحالف الدميقراطي الرباعي‬ ‫من أربعة فصائل يسارية في أوائل الثمانينيات‪ ،‬جعلهما التنافس احلاد بني اجلبهة‬ ‫الشعبية واجلبهة الدميقراطية مشلولني"‪ .....‬ثم إنه بدال من بناء هوية مستقلة متميزة‬

‫لليسار‪ ،‬انهمك الي��ار في تقليد "فتح" واتضح هذا التقليد في النهج العسكري من القواعد‬ ‫العلنية واالستعراضات وبطريقة خوض انتخابات املؤسسات والنقابات على‬

‫أسس وأرضيات وضعتها "فتح"‪ ،‬فال ميكن للتقليد أن ينافس األصل ألنه تقليد له‪.‬‬ ‫وهكذا استنزف اليسار نفسه وأنهكها‪ ،‬واضطر إلى أن يستكني في موقعه املعارض‬ ‫وخصوصا اجلبهة الشعبية التي قنعت مبا أصبحت توصف به من أنها الفصيل الثاني‬ ‫في منظمة التحرير الفلسطينية‪ .‬اجتماعيا‪ ،‬بقي اليسار محصورا في صفوف الشرائح‬ ‫املثقفة والطالب الذين استهوتهم لغة اليسار وخطابه السياسي‪ ،‬غير أن اليسار لم‬ ‫يستوعب بشكل حقيقي مجتمعه العربي والفلسطيني البسيط الذي كان بحاجة إلى لغة‬ ‫بسيطة واضحة بعيدة عن اللغو واحلشو‪ ،‬لغة معبرة عن مصاحله وأفكاره وعواطفه‪.‬‬ ‫ولم يفهم اليسار اإلنسان العادي‪ ،‬كما عجز عن فهم أهمية اإلسالم في بناء كينونة‬ ‫اإلنسان العربي‪ ،‬وتصرف بشكل مراهق في أحيان كثيرة في هذا الشأن‪ ،‬مما اضعف‬ ‫‪33‬‬ ‫ثقة املواطن العادي به‪ ،‬وبخاصة ألنه كان مفروضا أن يكون هذا اليسار ممثال له"‪.‬‬ ‫"اليسار بالنسبة لي هو ببساطة شديدة تبني قضايا املهمشني والفقراء والشباب واملرأة‬ ‫والنضال من أجل حتقيقها‪ .‬و ذلك يكون باإلدراك الواعي والعلمي للواقع املعيش‪ ،‬والعمل‬

‫بشكل ثوري وجدي من أجل تغيره والسير باجتاه احلداثة‪ ،‬والفصائل التي من املمكن‬ ‫أن توضع في إطار الفصائل اليسارية الفلسطينية هي اجلبهتان الشعبية والدميقراطية‬ ‫وحزب الشعب فقط" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"التيار الثالث" مفهوم مطاط يجمعه رؤية ملجتمع عصري ودميقراطي‬

‫"البعض يعتبر "التيار الثالث" بنية مفتوحة تضم إلى جانب القوى اليسارية أحزابا‬ ‫ومؤسسات ليبرالية‪ ،‬واملجتمع املدني بغض النظر عن أجندته‪ ،‬بل إن النطاق قد يتسع‬ ‫ليضم قوى من "فتح" و "إسالميني متنورين"‪ ،‬لقيامهم مبهام يرونها حيوية بل ملحة‪،‬‬ ‫هي هنا حتقيق الدميقراطية واحلداثة وتوفير ملجأ من عسف "اإلسالم السياسي"‪....‬‬ ‫في املقابل يرفض آخرون هذا املنطق‪ ،‬فـ "التيار الثالث" في نظرهم يجب أن يؤسس‬ ‫بديال تاريخيا يساريا؛ وبالتالي يتم حتديد "التيار الثالث" ضمن خانة اليسار‪...‬‬ ‫اليسار املطلوب هنا‪ ..‬هو يسار جديد راديكالي حساس لقضايا املساواة والتنمية‪...‬‬ ‫بعض العناصر املرشحة للدخول في "التيار الثالث" ال ترى نفسها أصال ضمن هذا‬ ‫‪ 33‬ميشيل شحادة‪ ،‬املعرفة‪ ،‬موقع اجلزيرة االلكتروني‪.‬‬

‫‪38‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫السياق‪ ،‬كحال "الطريق الثالث" الليبرالي التوجه‪ ،‬والذي يقر أحد مؤسسيه‪ ،‬سالم‬ ‫فياض‪ ،‬بصعوبة التمييز ما بني "الطريق الثالث" وحركة "فتح"‪ ،‬والسبب "أننا نتفق‬ ‫معها في فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وفي البرنامج السياسي‪ ،‬لكننا نختلف عنها في مفاهيم‬ ‫احلكم واإلدارة"‪ ،‬وبالتالي فإن استقام حالها ‪ -‬أي "فتح"‪" -‬ال يعود هناك داع‬ ‫لوجودنا"‪ ...‬ال شك بوجود قاعدة مجتمعية عريضة غير مقتنعة بـ "فتح" و "حماس"‬ ‫ولكنها في الوقت ذاته غير راضية عما تطرحه األطراف األخرى من قضايا وحلول‪...‬‬ ‫وبالتالي تستمر هذه املجموعة بانتظار دليل يقدم جديدا يلبي طموحاتها مبجتمع أكثر عصرية‬ ‫ودميقراطية‪ ....‬وبالتالي‪ ،‬ليس بالضرورة أن يتشكل "التيار الثالث" ضمن حزب أو‬

‫إطار‪ ،‬يتفق كل الناس القريبني من أحد عناصره املفترضة أو أكثر (حقوق وحريات‬ ‫ليبرالية‪ ،‬اشتراكية اجتماعية واقتصادية‪ ،‬دميقراطية‪ ،‬علمانية) على شكل تنظيمي ما‪،‬‬ ‫‪34‬‬ ‫فاملساْلة أكثر انفتاحا من حصرها في التجمع على شكل حزب أو حركة مؤطرة"‪.‬‬ ‫" اليسار الفلسطيني هو مجموع القوى السياسية واملجتمعية التي تؤمن بالدميقراطية‬ ‫كمنهج لتفعيل طاقات اجلماهير وتنحاز ملصالح الفئات الفقيرة واملهمشة‪ ،‬وألجل هذه‬ ‫الفئات تسعى لتحقيق العدالة االجتماعية على طريق االشتراكية مع القناعة أن يكون هذا‬

‫اليسار جزءا من اليسار العربي‪ ,‬وكذلك أرى أن اليسار يجب أن يتبنى برنامجا سياسيا‬ ‫يتمسك بحق العودة كما جاء في القرار ‪ 194‬وإقامة الدولة كاملة السيادة على حدود‬ ‫‪( "67‬قيادي‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫"احلزب اليساري حزب يتبنى قضايا الطبقات املسحوقة ويعطي اهتمامه للقضايا‬ ‫املجتمعية‪ ،‬باإلضافة إلى البعد الوطني بطبيعة احلال‪ .‬والنضال الطبقي ال يأخذ األولوية‬ ‫طاملا نحن حتت االحتالل‪ .‬اليسار يتكون من‪ :‬فدا‪ ،‬والشعبية والدميقراطية وحزب الشعب‬ ‫إضافة إلى املثقفني واألكادمييني واألفراد املنحازين للفكر اليساري" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"اليسار لم يع ضرورة توطني املاركسية"‬

‫"اليسار الفلسطيني لم يع ضرورة توطني املاركسية‪ ،‬وأن عليه أن يتكلم بلغة الناس‬ ‫البسطاء‪ .‬طغت اجلملة الثورية على خطابه‪ ،‬وساد جو أنه كلما كان اخلطاب مشبعا‬ ‫باجلمل الثورية كان ثوريا‪ ...‬تنوع مصادر ومدارس من املاوية إلى التروتسكية إلى‬ ‫اجليفارية إلى اليسار اجلديد‪ ،‬ساهم في تنشئة مشوهة‪ .‬كما لم يجد اليسار الوسائل‬ ‫لتحويل املاركسية إلى هوية اجتماعية‪ .‬حتى اآلن ال أفهم كيف تقيم اجلبهة الشعبية‬ ‫حتالفا مع "حماس" في جامعة بيرزيت في الوقت الذي تعتبر فيه "حماس" كل امرأة‬

‫‪ 34‬أنظر‪/‬ي‪ :‬عمران الرشق‪" ،‬التيار الثالث" مؤشرات نحو املستقبل"‪ ،‬في‪ :‬جامعة بيرزيت‪ ،‬برنامج‬ ‫دراسات التنمية ‪ ،‬التيار الثالث في السياق الفلسطيني‪ ،‬حزيران ‪.2007‬‬

‫‪39‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫غير محجبة امرأة ساقطة!‪ .‬على صعيد احلياة الداخلية سادت الصيغة الستالينية‪ .‬لم يكن‬ ‫هناك دميقراطية حقيقة داخل التنظيم‪ .‬لم يكن هناك حراك فكري‪ ...‬كما كان هناك شكل‬ ‫من العالقات الزبائنية في عالقات القيادة األولى مع الكوادر‪ ،‬أي العالقات القائمة على‬ ‫الوالء الشخصي‪ .‬حضور االجتماعات ورفع التقارير كان يشكل جوهر العمل احلزبي‬ ‫وليس العمل مع الناس‪ .‬انحصر العمل احلزبي في العمل داخل املؤسسة احلزبية نفسها‪،‬‬ ‫وال حسابات سياسية قائمة على معرفة الواقع الطبقي؛ واللغة الطبقية كانت لغة شكلية‬ ‫وغابت األبحاث عن الواقع الطبقي ومعرفة الواقع" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"لقد كانت املاركسية‪ ،‬أو ما اصطلح على تسميته باملاركسية‪-‬اللينينية‪ ،‬املرجع الوحيد‬ ‫لليسار الفلسطيني‪ ،‬والذي ظل عاجزا‪ ،‬رغم كل شعاراته‪ ،‬عن استيعاب ما هو جوهري في‬ ‫املاركسية‪ ،‬أي منهجها املادي اجلدلي‪ ،‬وقاصرا عن اإلسهام في تطويرها وتأصيلها في‬ ‫التربة الوطنية‪ .‬وإذا كانت جتربة احلياة قد أطاحت مبصطلح "املاركسية‪-‬اللينينية"‪،‬‬ ‫كمنظومة عقائدية جامدة ومكتملة ومغلقة على ذاتها‪ ،‬فإن املاركسية‪ ،‬كمساهمة نظرية‬ ‫ثورية مفتوحة في مجال التحرر اإلنساني تغتني باملمارسة‪ ،‬وكمنهج علمي لفهم‬ ‫الواقع احملدد في زمانه ومكانه وحتديد اجتاهات تغييره‪ ،‬تبقى‪ ،‬بهذا الفهم لها‪ ،‬مرجعا‬ ‫من مراجع احلزب على املستوى الفكري" (من وثيقة معنونة "منطلقات رئيسة إلقامة‬ ‫حزب موحد لليسار الفلسطيني"‪ ،‬من وثيقة طرحت للنقاش داخل اليسار الفلسطيني‬ ‫في آذار ‪.)1991‬‬ ‫"تبني املاركسية ليس كافيا حتى تكون يساريا؛ إن جوهر املاركسية هو دعوة لدراسة‬ ‫الواقع باألساس وإنتاج فكر يجيب عن كل التساؤالت وفي مختلف املجاالت‪ .‬لم ينتج‬ ‫اليسار الفلسطيني يساريته الفكرية اخلاصة أي لم يوطن النظرية أي إنتاج فكر الواقع‬ ‫املعيش‪ ،‬ومن هنا كان االغتراب واضحا بني النظرية واملمارسة من جهة؛ وبالتالي بني‬ ‫اجلمهور والنظرية من جهة أخرى" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ب‪" .‬اليسار" يتحدد في تبني املنهج املادي اجلدلي‪ ،‬واالشتراكية العلمية‬ ‫"املنظمات واألحزاب والقوى التي ميكن تصنيفها كيسار هي التي تعتمد علي املاركسية‬ ‫واملنهج العلمي اجلدلي في حتليلها للظواهر االجتماعية والسياسية واالجتماعية‪ ،‬وتؤمن بقيم‬ ‫التقدم والتحرر والعدالة والدميقراطية االجتماعية والدولة املدنية العلمانية‪ ،‬وتسعي ملقاومة‬ ‫االستغالل واالحتكار والفساد واالستبداد والظلم واالحتالل واإلمبريالية املتوحشة‪ ...‬وتسعى‬

‫ملساندة وضمان حقوق اإلنسان وعلى رأسها حقوق الفقراء واملهشمني والعمال وكافة‬ ‫الفئات الكادحة؛ وتكون هذه املنظمات مسلحة بإرادة ورغبة في تغيير الواقع من خالل‬ ‫برامج سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية تقوم على حتقيق األهداف واملبادئ التي‬ ‫انطلق أو انبثق من أجلها اليسار ومنظماته املختلفة‪ ....‬وال يكفي أن تسمي املنظمة نفسها‬ ‫أو الشخص نفسه باليساري ليتحول إلى يساري أو يسار‪ ،‬وإمنا األمر مرهون بالفكر‬ ‫‪40‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الذي يحمله الشخص أو املنظمة وممارسات هذا الشخص وبرامج احلزب أو املنظمة التي‬ ‫تؤكد التصاقه بقيم اليسار ومعيارية وهويته" (قيادي سابق في منظمة شبابية‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"من اجلدير بالذكر أن مفهوم اليسار ليس مفهوما ثابتا بل متحركا كرمال الصحراء‪،‬‬ ‫مفهوما نسبيا فضفاضا ال ميثل نظرية متناسقة‪ .‬وعلى ضوء ذلك‪ ،‬ينطلق اليسار‬ ‫الفلسطيني الذي يضم العديد من القوى وفي طليعتها "اجلبهة الدميقراطية واجلبهة‬ ‫الشعبية لتحرير فلسطني وحزب الشعب الفلسطيني و الشخصيات الدميقراطية‬ ‫والتقدمية" في حتديد هويته الفكرية واجتاهاته الطبقية وتبنيه املنهج املادي اجلدلي في‬ ‫تفسيره للظواهر في الطبيعة واملجتمع والتفكير البشري من قيم وأهداف االشتراكية‬ ‫العلمية‪ ،‬وخالصة جتارب القوى التقدمية والدميقراطية في العالم‪ ،‬وبقدرته على ربط‬ ‫النظرية باملمارسة الفعلية (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"اليسار الفلسطيني ورغم تنوع تياراته إال أنه يسار ماركسي بالدرجة األولى لكن‬ ‫توجهاته السياسية تتباين في كل مرحلة من املراحل‪ ،‬إال أن رؤاه االجتماعية والفكرية‬ ‫متقاربة؛ تتراوح جذور اليسار بني اجلذور الشيوعية ومثلها حزب الشعب كامتداد‬ ‫للحزب الشيوعي الفلسطيني‪ ،‬واليسار املمتدة جذوره للقومية التي متثلها كل من‬ ‫اجلبهتني الشعبية والدميقراطية‪ ،‬باإلضافة إلى من تفرع منهما ويتمسك باملنهج املادي‬ ‫اجلدلي‪ ،‬وينتمي لهذا التيار أعداد كبيرة من املثقفني التقدميني والنشطاء الذين ال صلة‬ ‫تنظيمية لهم مع تنظيمات اليسار‪ ،‬وذلك يعود ألزمة اليسار" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"مفهوم اليسار يطلق باألساس على القوى واألحزاب التي تتبنى الفكر املاركسي أو الفكر‬ ‫االشتراكي بشكل عام ويعبّر عن مصالح الطبقة العاملة والقوى االجتماعية التقدمية‬

‫بشكل عام ؛ ثم تطور املفهوم وأصبح يطلق على القوى واألحزاب التي تطرح برامج‬ ‫وأفكارا تقدمية‪ ،‬ويعبر عن مصالح القوى االجتماعية األكثر تقدمية‪ ،‬وينحاز إلى قضايا‬ ‫اجلما��ير‪ ،‬ويتبنى األفكار العلمانية بفصل الدين عن الدولة‪ ،‬ويدعو إلى الدميقراطية والتعددية‪.‬‬ ‫وتقديري أن مفهوم اليسار في الواقع الفلسطيني ال يقتصر على الفصائل واألحزاب‬ ‫فقط‪ ،‬وإمنا ميتد ليشمل بعض املؤسسات االجتماعية العاملة ضمن املجتمع املدني‬ ‫والتي متارس أنشطتها برؤية وفكر يساري عموماً؛ وكذلك ميكن أن يشمل أيضا ً بعض‬ ‫املثقفني الذين يساهمون ويلعبون دورا ً في ترسيخ وعي اجتماعي يساري بشك ٍل عام‬ ‫وشخصيات وطنية أيضا ً ضمن هذا اإلطار‪ .‬الفصائل واألحزاب وقوى اليسار عموما ً‬ ‫في فلسطني هي‪ :‬حزب الشعب‪ ،‬واجلبهة الشعبية لتحرير فلسطني‪ ،‬واجلبهة الدميقراطية‬ ‫لتحرير فلسطني‪ ،‬وحزب فدا‪ ،‬وجبهة النضال الشعبي‪ ،‬واملبادرة الوطنية‪ ،‬ومؤسسات‬ ‫اجتماعية‪ ،‬ومثقفون وشخصيات وطنية يسارية مستقلة" (حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"ال بد من حتديد دقيق ملفهوم اليسار‪ .‬وفى اعتقادي فإن اليسار الذي يجرى احلديث‬ ‫عنه هو اليسار املاركسي الذي حتددت هويته الفكرية وهويته الطبقية‪ ،‬وتبنى املنهج‬ ‫املادي اجلدلي في تفسيره للظواهر في الطبيعة واملجتمع والتفكير البشري‪ .‬ويتكون‬ ‫‪41‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫في أساسه من‪ :‬حزب الشعب الفلسطيني‪ ،‬واجلبهة الشعبية لتحرير فلسطني‪ ،‬واجلبهة‬ ‫الدميقراطية‪ ،‬وحركة فدا‪ ،‬وجبهة النضال الشعبي‪ ،‬والشخصيات الدميقراطية والتقدمية‬ ‫(قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"مفهوم اليسار مفهوم إشكالي‪ ،‬غير أنه ميكن القول إن اليسار يشمل القوى التي تؤمن‬ ‫بالفكر االشتراكي وتستند في رؤيتها للعالم وفي حتليالتها إلى املنهج املادي اجلدلي‪ ،‬وتعبر‬ ‫عن مصالح الفئات االجتماعية احملرومة والفقيرة وتتمسك بقيم العدالة واملساواة‪ .‬وفي احلالة‬

‫الفلسطينية‪ ،‬يضاف التمسك مبهمة التحرر الوطني كأولوية‪ ،‬والنضال من أجل نظام‬ ‫دميقراطي برملاني وفقا ملا جاء في إعالن االستقالل ‪ ،1988‬في ظل دولة دميقراطية‪،‬‬ ‫عصرية‪ ،‬علمانية‪ ،‬وفي الدفاع عن وحدة ووحدانية التمثيل الفلسطيني املستقل‪ ،‬مجسدا ً‬ ‫في منظمة التحرير الفلسطينية املمثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني‪ ،‬والسعي‬ ‫من أجل تطوير عالقات التعاون مع قوى اليسار والتحرر والدميقراطية واالشتراكية‬ ‫والشيوعية والقوى احملبة للسلم والعدل في العالم‪ .‬وعليه‪ ،‬فإن حزب الشعب‬ ‫الفلسطيني واجلبهتني الشعبية والدميقراطية‪ ،‬مع تباينات طفيفة‪ ،‬يشكلون معا ً جبهة‬ ‫اليسار فلسطينيا" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"أقصد باليسار القوى السياسية املنظمة املسترشدة وامللتزمة باالشتراكية العلمية‬ ‫كمنهج للتحليل وأداة ثوريه للتغيير‪ ،‬وبجانبها الفئات االجتماعية املثقفة امللتزمة‬ ‫بذات املنهج دون أن تكتسب العضوية التنظيمية لهذا احلزب أو ذاك أو أن حتتسب‬ ‫في هرمه وهيكليته اإلدارية‪ .‬وبهذا املعني فاليسار امللتزم ميكننا تصنيفه في حركات‬ ‫وأحزاب كاجلبهة الدميقراطية واجلبهة الشعبية وحزب الشعب‪ ،‬وشخصيات وفعاليات‬ ‫مستقلة‪ .‬وإذا ما دار احلديث عن يسار دميقراطي أوسع نطاقا ً فهناك إمكانية إضافة‬ ‫قوى أخرى كجبهة النضال وفدا‪ ،‬وإن كان باإلمكان أن نلمس أن لدى هذه القوى ميالً‬ ‫ليبراليا ً باملعني السياسي للمفهوم (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬

‫"اليسار يتميز بحمل برامج وأفكار تنحاز للطبقة العاملة ومصاحلها‪ ،‬وتدافع عن الفقراء‬ ‫والكادحني‪ ،‬وتتطلع إلى قيام نظام دميقراطي اشتراكي علماني (التنظيمات التي تشكل‬ ‫اليسار هي‪ :‬الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب وفدا‪ ،‬ورمبا جبهة النضال (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"اليسار هو ذلك اإلطار الواسع الذي يضم بداخله أصحاب الفكر التقدمي االشتراكي‪،‬‬ ‫وكل من هو مؤمن بالدميقراطية املجتمعية وباملساواة الكاملة بني الرجل واملرأة‪ ،‬وبقيم التحرر‬ ‫والعدالة االجتماعية‪ .‬املنظمات التي أضعها في خانة اليسار هي املنظمات التي تؤمن‬

‫باملاركسية ‪ ،....‬وكذلك بقيم التحرر والدميقراطية واملساواة‪ ،‬وبرأيي ميكن أن ينضوي‬ ‫في هذا التعريف كل من اجلبهتني الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب الفلسطيني"‬ ‫(كادر شبابي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو احلزب الذي يحمل أفكارا وتوجهات اشتراكية‪ ،‬ويرتبط بالفكر املاركسي‪.‬‬ ‫‪42‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األحزاب اليسارية هي‪ :‬اجلبهة الشعبية واجلبهة الدميقراطية وحزب الشعب" (مستقل)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو احلزب الذي يحمل الفكر املاركسي‪ ،‬ويهتم بالطبقة العاملة‬ ‫ويعطي قيمة للعدالة االجتماعية والنظرة التقدمية نحو املرأة والفئات املهمشة عموما‪.‬‬ ‫أحزاب اليسار هي‪ :‬اجلبهتان‪ ،‬وحزب الشعب‪ ،‬وجبهة النضال" (قيادية نسائية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو احلزب الذي يعتمد في منطلقاته األيديولوجية على النظرية‬

‫املاركسية في نظرته للمجتمع‪ .‬ومن هذا الفهم يستنبط الوسائل الكفيلة بتغيير املجتمع‪.‬‬ ‫والتجارب التقدمية في التاريخ الوطني الفلسطيني املعاصر تشكل مصدر إثراء‬ ‫أليديولوجية احلزب وآلية عمله" (قيادي ‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"هناك من يربط اليسار باملاركسية والشيوعية والالسلطوية واالشتراكية‪ ،‬ويشدد‬ ‫على أن اليساري احلقيقي هو اليساري الثوري الذي يجب أن يكون شيوعيا ً واشتراكيا ً‬ ‫ويعادي الرأسمالية والليبرالية واإلمبريالية‪ ،‬في حني أن هناك بعض احلركات‬ ‫اليسارية في بعض البلدان متثل تيارات ليبرالية اشتراكية‪ ،‬وأخرى تتخذ من العلمانية‬ ‫مرادفا ملفهوم اليسار وتنادي بالعدالة االجتماعية والدميقراطية‪...‬أما بالنسبة لليسار‬ ‫الفلسطيني األكثر وضوحا فهو الذي يتبني املاركسية‪-‬اللينينية والذي يؤكد أنه‬ ‫يسعى إلقامة دولة فلسطني الدميقراطية العلمانية على أرض فلسطني والتي يعيش‬ ‫مواطنوها مبساواة كاملة بدون متييز في احلقوق والواجبات‪ ،‬وهو يناضل من أجل‬ ‫إقامة مجتمع اشتراكي خال من االستغالل‪ ،‬قائم على املبادئ الدميقراطية واإلنسانية على‬ ‫طريق حتقيق مجتمع عربي اشتراكي موحد‪( " ...‬كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"نحن ننطلق في أدبياتنا األساسية من رؤية واضحة تنحاز بالكامل للفكر االشتراكي‬ ‫العلمي – املاركسي – ورغم محدودية اإلجناز في تعميم هذا األمر على الكادر واألعضاء‬ ‫إال أننا نعتبر أنفسنا جزءا أساسيا من اليسار الفلسطيني إضافة للرفاق في اجلبهة‬ ‫الشعبية‪ ،‬واجلبهة الدميقراطية‪ ،‬وحزب الشعب وحزب فدا‪ .‬ولكن أيضا نرى ضرورة‬ ‫فتح اآلفاق أمام الشخصيات الوطنية اليسارية واملنظمات واملؤسسات الفلسطينية التي‬ ‫تنحاز أيضا لهذا الفكر" (قيادي في جبهة النضال الشعبي)‪.‬‬ ‫ج‪ .‬اليسار يعني تبني قيم الدميقراطية‪ ،‬والعلمانية‪ ،‬والعدالة االجتماعية‪ ،‬واملساواة‬ ‫بني الرجل واملرأة‬

‫"اليسار تيار فكري وسياسي يتميز بتبنيه قضايا العدالة االجتماعية والتعددية والعلمانية‬

‫مبفهومها األصيل واملناهضة لكل أشكال التمييز وتعظيم احلريات وحقوق اإلنسان‪ .‬وعليه‬ ‫فاليسار كما أراه هو القادر على االنطالق من مفاهيم العدالة االجتماعية لفضاء واسع يشكل‬

‫بديال لليبرالية اجلديدة ولإلسالم السياسي مبا يؤسس للحداثة والتنوير ومبا يحافظ على حقوق‬ ‫ومصالح الطبقات والفئات الكادحة واحملرومة" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫‪43‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"االلتزام بالتحرر االجتماعي هو احملدد األساس لليسار" (كادر سابق‪ ،‬وصديق ألحد‬ ‫تنظيمات جبهة اليسار")‪.‬‬ ‫"اليسار مرتبط بتمثيل طبقة الفقراء واملهمشني من الشعب‪ ،‬ويدفع باجتاه فصل الدين عن‬ ‫الدولة أي إلقامة نظام علماني‪ ،‬ويسعى لتحقيق قيم العدالة االجتماعية واملساواة" (مستقلة)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو حزب سياسي له برنامج سياسي واجتماعي وهو حزب منحاز‬ ‫للمسحوقني واملهمشني والفقراء وطليعته من العمال والفالحني والطالب‪ .‬اليسار القائم حاليا‬ ‫هو يسار موديل الستينيات والسبعينيات وال يوجد يسار فعلي في الساحة الفلسطينية‪،‬‬ ‫وقيادة اليسار جاءت بحكم الصدفة بعد حرب ‪ 67‬حيث كانوا في حينه شبابا متحمسا‬ ‫لديهم بعض األفكار التقدمية" (كادر سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري يتميز بتبني الفكر اليساري والتركيز على البعد الدميقراطي واالهتمام‬ ‫بالطبقة العاملة وفكرها‪ .‬األحزاب اليسارية‪ :‬الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب"‬

‫(كادر حزبي طالبي‪ ،‬د)‪.‬‬

‫"أهم ما مييز احلزب اليساري هو أيديولوجيا احلزب وسياسياته وانحيازه لصالح‬ ‫املرأة والعمال‪ .‬تنظيمات اليسار هي‪ :‬الشعبية والدميقراطية وجبهة النضال الشعبي"‬

‫(قيادي في جبهة النضال)‪.‬‬

‫"اليسار قوة مجتمعية تهدف إلى إرساء دعائم العدالة االجتماعية في املجتمع (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"مفهومي لليسار هو ذلك اإلطار العريض الذي يضم بني دفتيه كل من آمن بالعدالة‬ ‫االجتماعية واملساواة ومنظومة احلريات اجلماعية والفردية شريطة أال تتماهى مع‬

‫الليبرالية واملذهب الفردي‪ ،‬ومن آمن بإقامة مجتمع اشتراكي‪ ،‬هو بالضرورة مؤمن‬ ‫بالدميقراطية كمنهج حياة" (مستقل)‪.‬‬ ‫"مطلوب توسيع دائرة اليسار لتراعي وجود اجتاهات يسارية داخل حركة فتح‪...‬‬ ‫أزمة اليسار هي من أزمة الساحة الفلسطينية ومن أزمة الوطنية الفلسطينية؛ ولذا ال بد‬ ‫من مشروع يساري يساهم في إيجاد مخرج ألزمة منظمة التحرير باعتبار أن اليسار‬ ‫لن يكون إال جزءا من منظمة التحرير‪ ،‬ومخرج ألزمة الوطنية الفلسطينية" (كادر من‬ ‫جبهة التحرير الفلسطينية)‪.‬‬ ‫"بات مطلوبا ً إعادة صياغة مفهوم اليسار بحيث يصبح واسعا ً ودميقراطيا ً ويتجاوز‬ ‫األحكام القطعية واملطلقة‪ ،‬وذلك باالرتكاز إلى محددي الدميقراطية والعدالة االجتماعية‪،‬‬ ‫وذلك على طريق االستفادة من جتارب عاملية واآلفاق الواعدة التي حتققها وبخاصة‬ ‫‪35‬‬ ‫انتصارات القوى اليسارية وحركاتها االجتماعية في أمريكا الالتينية‪."...‬‬ ‫"أحزاب أو مجموعات اليسار هي تلك التي تتبنى منهجا علميا في قراءتها للواقع‬ ‫‪44‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫وحتليله وتسعى لتغييره من أجل بناء مجتمع تسوده احلرية واملساواة والعدالة االجتماعية‪،‬‬ ‫وهي أحزاب وجماعات تقف في موقع مواجهة ضد كل قوى الرأسمالية واالمبريالية‬ ‫والعوملة لكونها راعية االستغالل واالضطهاد" (كادر حزبي طالبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"يتميز اليسار بالفكر وفي القرارات وثقافة املساواة والعدالة االجتماعية‪ .‬اليسار‬ ‫عموما يجب أن يحمل مشروعا للتغيير ويستند إلى مبادئ وقيم‪ .‬منظمات اليسار هي‪:‬‬ ‫اجلبهة الشعبية‪ ،‬اجلبهة الدميقراطية‪ ،‬حزب الشعب‪ ،‬احلزب الشيوعي‪ ،‬فدا‪ ،‬النضال‬ ‫الشعبي" (كادر‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"اليسار هو حامل األفكار احلرة واملتجددة في رؤيتها وتعاملها مع الواقع بعيدا ً عن‬ ‫الرجعية والغيبيات‪ ،‬لتحقيق العدالة االجتماعية واملساواة‪ .‬وقد تكون النظرية املاركسية‬ ‫هي السبيل الوحيد لتحقيق ذلك" (كادر‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"إن حتديد الهوية الفكرية املتجانسة لقوى اليسار يشكل املدخل باجتاه املساهمة‬ ‫في وحدة اليسار‪ ،‬وعليه فإنني أعتقد أن هذه القاعدة يجب أن تتوسع لتشمل كافة‬ ‫القوى والفعاليات واألطر االجتماعية والشخصيات املستقلة التي تؤمن مبفاهيم‬ ‫العلمانية واملواطنة والدميقراطية والعدالة االجتماعية‪ ،‬حتى يتم تشكيل التيار اليساري‬ ‫والدميقراطي الواسع القادر على حتقيق الفعل والتأثير باملجتمع الفلسطيني في‬ ‫مواجهة القطبية الثنائية السائدة باحلالة الفلسطينية بني كل من حركتي "حماس"‬ ‫و"فتح" اللتني تعبران عن منهجني فكريني وسياسيني واجتماعيني مختلفني‪ .‬إن تبني‬ ‫املنهج العلمي اجلدلي بالتفكير والتحليل ال يعنى بالضرورة أن هناك طبقات اجتماعية‬ ‫متبلورة باملجتمع الفلسطيني‪ ،‬ولكنه يعنى استخدام أداة منهجية وعلمية بالتحليل‬ ‫والتفكير‪ ،‬ويعنى االنتماء ملصالح الفئات األكثر فقرا ً وتضررا ً باملجتمع في إطار رسالة‬ ‫القوى اليسارية اخلاصة بالنضال باجتاه حتقيق التوزيع العادل للثروات أو العدالة‬ ‫االجتماعية" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اليسار فكر إنساني مرتبط باإلنسان واملساواة والعدالة االجتماعية والدفاع عن الفئات‬ ‫املهمشة‪ .‬والتنظيمات اليسارية القائمة ال تدافع عن فكر بل هي قوى تدافع عن ذاتها‪،‬‬

‫وواقعيا ال يوجد فروق فيما بينها فكريا‪ .‬وهذه التنظيمات هي‪ :‬الشعبية‪ ،‬والدميقراطية‪،‬‬ ‫وحزب الشعب‪ ،‬وفدا‪ ،‬والنضال الشعبي‪ ،‬والتحرير الفلسطينية‪ ،‬واحلزب الشيوعي‬ ‫الفلسطيني" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو احلزب الذي يولي القضايا الوطنية اهتمامه دون أن يغفل اجلوانب‬

‫‪ 35‬محسن أبو رمضان‪" ،‬في جتدد أزمة اليسار الفلسطيني"‪ ،‬موقع احلوار املتمدن ‪ -‬العدد‪:‬‬ ‫‪.12/3/2007-1852‬‬

‫‪45‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫املعيشية والطبقية للناس فضال عن انه يجب أن تكون لديه نظرة ثاقبة‪ ،‬ويجمع ما بني‬ ‫البعد الوطني والبعد االجتماعي‪ .‬أحزاب اليسار املعروفة هي‪ " :‬الدميقراطية‪ ،‬والشعبية‬ ‫‪ ،‬وحزب الشعب" (مستقل)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو احلزب الذي يتميّز بالوضوح السياسي‪ ،‬وميتلك نظرية إلدارة‬ ‫املجتمع ودمقرطة النظام السياسي‪ ...‬في الوسط الطالبي يوصف اليسار بأنه األصدق‬ ‫في املواقف‪ ،‬لكن اإلشكالية ليست هنا بل في ترجمة تلك املواقف إلى سياسات وتوجهات‬ ‫وخطط عمل قادرة على استقطاب الطلبة" (كادر طالبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو حزب دميقراطي منتم ومنحاز إلى فكر الطبقات الفقيرة وهو‬ ‫األكثر استعدادا للدفاع عن الناس تاريخيا وهذا منسجم مع تاريخ الشيوعيني‬ ‫الفلسطينيني الذين كانوا األكثر نكرانا للذات في سبيل قضيتهم الوطنية‪ ....‬تنظيمات‬ ‫اليسار هي‪ :‬الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب‪ ،‬ومعها تنظيمات دميقراطية (فدا‬ ‫والنضال الشعبي) وتيارات وشخصيات تقدمية" (مستقل)‪.‬‬ ‫"اليسار رؤية ومضمون سياسي اجتماعي وهو مشروع تغييري في احملصلة النهائية‪.‬‬ ‫الفصائل اليسارية‪ ،‬هي الدميقراطية‪ ،‬والشعبية‪ ،‬وحزب الشعب‪ ،‬واحلزب الشيوعي‪.‬‬ ‫وإذا ما حتدثنا مبفهوم أوسع لليسار فيضم تنظيم فدا واملبادرة والنضال الشعبي"‬ ‫(مستقل)‪.‬‬ ‫"اليسار فكرة ومبدأ ومستقبل؛ واليسار فكر أيديولوجي وسياسي واجتماعي‬ ‫وطبقي‪ ،‬ويعني أيضا دراسة املفاهيم واملنهج [املاركسي] وتوطينه ضمن خصوصيتنا‬ ‫الفلسطينية‪ .‬فصائل اليسار‪ :‬هي حزب الشعب‪،‬والشعبية‪ ،‬والدميقراطية‪ ،‬وفدا"‬ ‫(مسؤولة منظمة نسائية‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"ال نستطيع إعطاء احلزب اليساري توصيفا شامال ينطبق على كافة الفصائل اليسارية‬ ‫ألن هناك حتوالت وتغيرات على مفهوم اليسار اعتمادا على مبدأ العلمانية واملعرفة‬ ‫مقابل الغيبية‪ ،‬ومدى القرب من حتقيق العدالة االجتماعية واملساواة وعدالة مبدآ حق تقرير‬ ‫املصير‪ .‬أحزاب اليسار املتعارف عليها هي‪ :‬الشعبية‪ ،‬والدميقراطية‪ ،‬وحزب الشعب‪،‬‬ ‫وفدا" (ناشطة نسوية‪ ،‬حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو قوة تغيير اجتماعي وفق رؤية للتغيير على أساس العدالة‬ ‫واملساواة ونظام اجتماعي دميقراطي‪ .‬وفي احلالة الفلسطينية قوة سياسية استنادا إلى‬

‫رؤية اليسار لدوره وموقعه في حركة التحرر الوطني والذي من املفترض أن يصوغ‬ ‫رؤاه على أساس احلل الدميقراطي (فلسطني دميقراطية) ضمن احلل املرحلي‪ .‬وهو‬ ‫مرتبط بالرؤية اإلستراتيجية في احلل على أساس الدولة الدميقراطية الواحدة بقيادة‬ ‫الطبقة العاملة في عموم فلسطني" (قيادية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪46‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"اليسار يتشكل من مجموعة االجتاهات والقيم السياسية الدميقراطية التقدمية‪،‬‬ ‫ويهدف إلى إحداث تغيير اجتماعي اقتصادي سياسي بغية الوصول إلى أسمى درجات‬ ‫العدالة االجتماعية والقضاء على كافة أشكال الظلم واالستغالل‪ .‬الفصائل الفلسطينية التي‬ ‫حتتسب ضمن فصائل اليسار‪ :‬اجلبهة الشعبية لتحرير فلسطني‪ ،‬اجلبهة الدميقراطية‬ ‫لتحرير فلسطني‪ ،‬املبادرة الوطنية الفلسطينية‪ ،‬حزب الشعب الفلسطيني‪ ،‬االحتاد‬ ‫الدميقراطي الفلسطيني " فدا "‪ ،‬جبهة التحرير العربية‪ ،‬جبهة النضال الشعبي ‪-‬‬ ‫سمير غوشة" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري يضم أناسا ذوي خبرة وفكر تنويري تقدمي‪ ،‬وهو يشمل صفوة‬ ‫املجتمع ويسعى لقيادة املجتمع" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"احلزب اليساري هو الذي يستند في برنامجه األيديولوجي للنظرية العلمية‬ ‫استرشادا يشتق من خاللها سياسات وتوجهات ويعمل على قاعدة إحداث تغيير في‬ ‫البنى القائمة باجتاه حتقيق العدالة والتحرر واملساواة وحرية املرأة وحرية االعتقاد‬ ‫والفكر‪ .‬تنظيمات اليسار‪ ،‬هي‪ :‬الشعبية‪ ،‬الدميقراطية‪ ،‬حزب الشعب‪ ،‬فدا‪ ،‬واحلزب‬ ‫الشيوعي" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"يوجد معياران لتصنيف اليسار‪ :‬املعيار األول العلمانية‪ ،‬والثاني التفكير العلمي"‬ ‫(مستقل)‪.‬‬ ‫"اليسار هو من يقف مع الطبقة العاملة‪ ،‬ومع قيم املساواة والعدالة والتوزيع العادل‬ ‫للثروة‪( ".‬قيادية نسوية‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫العبرة في املمارسة وليس في رفع الشعارات‬

‫"هل تكفي الشعارات ـ وهي أكثر ما منلك في واقع احلال ـ لتدلل على مصداقية القيم‬ ‫واألخالقيات التي ننادي بها‪ ،‬وأحيانا نفاخر‪ ،‬بها؟ هل يكفي أن نقول إننا تقدميون‬ ‫ألننا مع املساواة احلقيقية التامة بني كافة البشر ومع العدل االجتماعي؟ أال حتمل لنا‬ ‫شعاراتنا الكثير من االلتزامات واألفعال على األرض؟! كيف جنرؤ على الصراخ بشعار‬ ‫املساواة والعدالة في حني نصمت صمت التآمر حني تقتل طفلة صغيرة‪ ،‬ألنها رمبا قامت بفعل‬ ‫أعمى او لم تقم أو حتى تعرضت الغتصاب ـ وغالبا اغتصاب قربى ـ وبالتالي "أخلّت"‬

‫بـ "شرف" العائلة املقدس واحملفوظ والعظيم‪ ،‬الذي ظل ناصعا‪ ،‬رغم كل االنتهاكات‬ ‫واملصاب واإلهانات‪ ،‬حتى مرغته تلك الطفلة "املجرمة"!!!! ملاذا في مختلف القرى‬ ‫واملدن واملخيمات يصمت اليساريون ـ التقدميون احلاضرون؟ ذلك أنها عادات وتقاليد‬ ‫مقدسة؟ إذن ملاذا ترفعون الشعارات؟ وأي تغيير أو تقدم ستجلبون إذا ما حققتم املرجو‬ ‫في االنتخابات؟ عرفنا الكثيرين أيضا الذين كانوا يجاهرون ال بعلمانيتهم فقط بل‪ ،‬أحيانا‬ ‫كثيرة‪ ،‬بإحلادهم وحتى عدم رغبتهم بأن يحضر أبناؤهم حصص الدين‪ .‬وإن هموما‬ ‫‪47‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫كثيرة تصيبنا نتيجة إقحام الدين على احلياة! لنفاجأ بعد ذلك بإصرارهم على تقسيم‬ ‫إرث آبائهم وفق الشريعة اإلسالمية ـ وذلك في أحسن األحوال؛ حيث إن الكثيرين‬ ‫منهم ال يعطون أخواتهم أي نصيب ـ "للذكر مثل حظ األنثيني" ليس فقط في األراضي‬ ‫املزروعة‪ ،‬كما تنص الشريعة اإلسالمية‪ ،‬بل أيضا في األراضي البور والعقارات‬ ‫واألمالك املختلفة! ويا للعجب من الشعارات!! هناك أيضا الكثير من الـ"تقدميني"‬ ‫وأيضا "املاركسيني" الذين ينظرون بدونية شديدة إلى الفقراء والطبقات الدنيا‪ .‬حتى‬ ‫وقع الصوت ولغة اجلسد تتحول أثناء احلديث مع شخص من العالم "األعلى مرتبة ـ‬ ‫مراتب" ومع الشخص من "العالم األدنى مرتبة ـ مراتب"! السلوك البرجوازي جدا‬ ‫‪36‬‬ ‫حاضر بقوة وزخم صادمني لدى نخب "اليساريني"‪.‬‬ ‫هوية اليسار تعني استحقاقات سياسية وكفاحية وتنظيمية‬

‫"الهوية اليسارية ملتبسة للتنظيمات التي تعلن عن نفسها كتنظيمات يسارية من‬ ‫حيث خطابها وممارساتها ومواقفها السياسية واالجتماعية‪ ...‬يبدو لي أن قيادة هذه‬ ‫التنظيمات موافقة منذ مدة على لعب دور تابع وملحق حلركة "فتح" باألساس‪ ،‬وإن‬ ‫كانت االنشدادات تتبدل‪ .‬ممارسة دور اليسار لها استحقاقات برنامجية وتنظيمية‬ ‫وسياسية وكفاحية‪ .‬اليسار اختزل دوره في محاوالت احلفاظ على مواقع متثيلية‬ ‫في مؤسسات منظمة التحرير وفي االحتادات العامة بغض النظر عن تأثير هذه‬ ‫املواقع‪ ...‬دور اليسار ال يخرج عن حتسني الدور التابع‪ .‬التنظيمات اليسارية ممثلة في‬ ‫االحتاديني ‪ ...‬رغم معرفتها أن اخلالف بني االحتاديني خالف على مصالح وحصص"‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"فلسطينيا لم يعد هناك أحزاب يسارية مستقلة‪ ...‬احلزب أصبح تابعا ملنظمات غير‬ ‫حكومية [أوردت أمثلة من تنظيمني يساريني من جبهة اليسار الفلسطيني قالت إنها‬ ‫احتكت بهما]‪ ..‬هناك تعدد اخلطابات في التنظيم اليساري الواحد [أشارت إلى اختالف‬ ‫التصريحات املتعاكسة لقياديني في أحد التنظيمات اليسارية]‪ .‬اليساري بات يعرف نفسه‬ ‫في مواجهة الديني واإلسالمي‪ ،‬وليس في مواجهة القمعي واالستغاللي‪ .‬أنا أفضل تعبير‬ ‫ثوري بدل يساري‪ .‬اخلطاب املستخدم في أوساط اليسار الفلسطيني هو خطاب دميقراطي‬ ‫ليبرالي (استخدام تعبير"املهشمني"‪ ،‬بدل تعبير "املستغلني")‪ .‬املشكلة تكمن في‬ ‫اعتماد اليسار على املنظمات غير احلكومية‪ .‬وهذا ينطبق على اخلطاب النسوي حيث‬ ‫التركيز على رفع الوعي‪ ،‬و "اجلندر"‪ ،‬وتنظيم دورات في حل النزعات‪ )..‬التغاضي‬ ‫عن واقع االحتالل وعالقات القوة في املجتمع‪ .‬هناك فجوة بني القيادة والقاعدة‪ .‬الشباب‬ ‫أقرب إلى حزب الله" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪ 36‬سالم حمدان‪" ،‬ال مصداقية دون ترجمة األفعال إلى أقوال"‪ ،‬األيام‪.2009/7/7 ،‬‬

‫‪48‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"اليسار العربي تبنى املاركسية قوال بسبب الدور واملواقف السوفييتية‪ ،‬وبعد انهيار‬ ‫االحتاد السوفييتي اندفع إلى حضن الليبرالية املقبولة أمريكيا‪ ،‬لكن دون اإلميان‬ ‫بالدميقراطية‪ .‬أي تبنى األيديولوجية الليبرالية منقوصا منها مضمونها الدميقراطي‪...‬‬ ‫بقي اليسار الفلسطيني فهلويا كما هو حال "فتح" ال يطبق أي من فصائله املنهج‬ ‫العلمي" (قيادي متقاعد‪ ،‬ح)‬ ‫"لم يعد تعريف احلزب اليساري حاليا مثلما كان سابقا حيث كنا نربط اليسار بالفكر‬ ‫املاركسي‪-‬اللينيني‪ ،‬ويلتزم بالطبقة العاملة‪ .‬اليوم أصبح املفهوم يعني أي حزب يحمل‬ ‫فكرا علمانيا راديكاليا يؤسس ملراقبة الدولة واحلزب احلاكم أي فكر دميقراطي علماني‪.‬‬ ‫فصائل اليسار‪ :‬هي دميقراطية‪ ،‬وشعبية‪ ،‬وحزب شعب‪ ،‬وفدا" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"املفهوم املتعارف عليه لليسار هو ذلك التيار الفكري الذي يتشكل من مجموعة القوى‬ ‫الفلسطينية التي تبنت النموذج املاركسي‪-‬اللينيني في برامجها النظرية ‪ ....‬واتسع‬ ‫املفهوم ليشمل القوى اجلديدة التي لم تتنب النموذج املاركسي ولكن تقودها شخصيات‬ ‫محسوبة على اليسار مثل "املبادرة الوطنية" ويندرج حتت املفهوم اجلبهة الشعبية‬ ‫لتحرير فلسطني‪ ،‬واجلبهة الدميقراطية لتحرير فلسطني‪ ،‬وحزب الشعب الفلسطيني‪،‬‬ ‫واالحتاد الدميقراطي الفلسطيني (فدا)‪ ،‬واملبادرة الوطنية‪ ،‬وجبهة النضال الشعبي‬ ‫الفلسطيني" (كادر سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫د‪ .‬ال وجود ألحزاب يسارية فلسطينية أو هي بدون هوية فكرية وشخصية اجتماعية‬ ‫"اليسار القائم حاليا هو يسار موديل الستينيات والسبعينيات‪ ،‬وال يوجد يسار فعلي‬ ‫في الساحة الفلسطينية؛ وقيادة اليسار جاءت بحكم الصدفة بعد حرب ‪ 67‬حيث كانوا‬

‫في حينه شبابا متحمسا لديهم بعض األفكار التقدمية‪ .‬اليسار يعني االرتباط بهموم‬ ‫الناس والتعبير عنها في الواقع الفلسطيني ال وجود ألحزاب يسارية‪ ،‬وما يدعى باليسار‬ ‫الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب" (مستقل)‪.‬‬

‫"ال أجد فصيال ميكن أن تنطبق عليه صفة اليساري هذه‪ .‬املاركسي هو اليساري احلقيقي‬

‫(قيادي في احلزب الشيوعي)‪.‬‬

‫"اليسار [الفلسطيني] ال ميلك رؤية فكرية متماسكة في تفسير الظواهر السياسية‬ ‫واالجتماعية واالقتصادية والثقافية وفي رصد املتغيرات وابتداع احللول‪ ،‬وهو ال‬ ‫يقدم للمجتمع جدول أعماله السياسي وال حتى االجتماعي‪ ،‬وهو مشغول بالبحث في‬ ‫وسائل احملافظة على مؤسساته وليس حتويل الوعي االجتماعي والسياسي إلى جدول‬ ‫أعمال للشعب واملجتمع‪ .‬اليسار دون هوية فكرية ودون شخصية اجتماعية وثقافية‬ ‫خاصة‪ ،‬إنه ببساطة دون سمات ودون خصائص ودون أخالقيات تنتمي له وينتمي‬ ‫لها في القول وفي العمل‪ .‬اليسار لو كان يسارا ً فعالً حلول األزمة احلالية في الواقع‬

‫‪49‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الوطني إلى فرصة النطالقة جديدة ودور جديد بأدوات جديدة‪ .‬كيف ميكن البحث عن‬ ‫دور جديد بأدوات متقادمة وكيف ميكن أن تبنى األدوات مبعزل عن جتديد الدور؟‬ ‫اليسار يقتات من تاريخه ‪ -‬وهو تاريخ مشرف على كل حال‪ -‬واليسار بهذا املعنى‬ ‫أصبح ماضويا ً وأصوليا إذا أردمت‪ .‬اليسار ليس حزب املستقبل وإمنا أحزاب األمجاد‬ ‫الغابرة وعندما تتمسك فصائل اليسار مبؤسساتها فهي تعبر عن حقيقتها وعن طابع‬ ‫وعيها وثقافتها‪ .‬اليسار يتراجع في الوقت الذي تفيد فيه استطالعات رصينة بأن ما‬ ‫يزيد على ‪ 52%‬من الشعب ال يثق بأي من القوى الرئيسة في املعادلة الداخلية‪ .‬اليسار‬ ‫‪37‬‬ ‫في بالدنا أيها السادة ليس يساريا ً بعد"‪.‬‬

‫"ال يوجد ما ميكن تسميته باليسار ومجازا نطلق على حزب الشعب والشعبية والدميقراطية‬ ‫واملبادرة أحزابا يسارية‪ .‬تعريف احلزب اليساري‪ :‬احلزب اليساري هو احلزب الذي يهتم‬

‫باحلقوق املدنية واحلريات واألقليات ويتبنى قيم العدالة والبناء الثقافي وفصل الدين عن الدولة‬

‫وفصل السلطات ودولة املؤسسات" (كادر نسائي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫"مفهوم اليسار تغير وأخذ منحى تقهقريا‪ ،‬فلم يعد اليسار يعني القوى التي تتبنى االشتراكية‬ ‫العلمية كمنهاج للتفكير والتحليل وال القوى التي تن ّظر للنظام االقتصادي القائم على‬ ‫االشتراكية‪ ،‬بل أصبحت كل القوى التي تبتعد في رؤيتها وبرنامجها عن املنهج الغيبي‬ ‫في التفكير‪ ...‬وهذا التراجع في املفهوم ال يعود إلى تغيير طال املفهوم وأسسه من الناحية‬ ‫النظرية‪ ،‬بل تراجع فرضته املعطيات على األرض‪ ،‬حيث ال يستطيع أحد أن يجد فروقا ً‬ ‫جدية بني قواعد الفصائل املصنفة يساريا ً بدءا ً من اجلبهة الشعبية ومرورا ً بحزب الشعب‬ ‫وصوالً إلى اجلبهة الدميقراطية‪ ،‬وبني قواعد حركة "فتح" وحركة "حماس" واجلهاد‬ ‫اإلسالمي‪ .‬كما لم يعد منهج إعداد وبناء الكادر قائما على األيديولوجية االشتراكية التي‬ ‫تعمل على تثوير الواقع وتغييره بل أصبحت تساير الواقع بطريقة أذهبت لونها احلقيقي‪.‬‬ ‫وعلى سبيل املثال ال احلصر في االنتخابات البلدية التي شهدها القطاع في العام ‪2005‬‬ ‫رشحت بعض القوى اليسارية مرشحات وضعت بدل صورة املرشحة وردة كما فعلت‬ ‫"حماس"‪ .‬وفي مرة الحقة وضعت "حماس" صورة مرشحتها‪ .‬وبناء على هذا املفهوم‬ ‫تصبح القوى اليسارية في الساحة الفلسطينية هي الشعبية وحزب الشعب و"فتح"‬ ‫واملبادرة وفدا والنضال والتحرير" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"ال وجود ألحزاب يسارية على الساحة الفلسطينية باملعنى الفعلي للكلمة‪ ،‬ولكن اصطالحا‪،‬‬ ‫هي األحزاب التقليدية املتواجدة واملمثلة في الدميقراطية وحزب الشعب والشعبية وفدا‬ ‫والنضال الشعبي‪ .‬اليسار شدد على الشعارات‪ ،‬وإن بدرجات متفاوتة‪ ،‬ولكنه لم يستطع‬ ‫جتسيد تلك الشعارات بشكل كلي بل انتقائي‪ ،‬وبقي احملتوى االجتماعي على السطح‪،‬‬ ‫وعلى سبيل املثال‪ :‬احلريات املدنية‪ ،‬ومساواة املرأة؛ وكان الفهم واملمارسة مغلوطني‬ ‫بسبب االستنساخ عن التجربة االشتراكية" (مستقل)‪.‬‬ ‫‪ 37‬د‪ .‬عبد املجيد سويلم‪"،‬أزمة الدور وأزمة األداة غي اليسار الفلسطيني"‪ ،‬األيام‪.2009/7/2 ،‬‬

‫‪50‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫محاربة "العقلية املتخلفة" في إدارة التنظيم‬

‫"بالنسبة حلزبنا ‪ ،‬فإن نشاطه العلمي ومنطلقاته في هذا اجلانب تتحدد بعاملني‬ ‫أساسيني‪:‬‬

‫أوال‪ :‬فهمنا لقوانني النظرية املاركسية‪-‬اللينينية‪ ،‬أو املادية اجلدلية والتاريخية‬ ‫ومقوالتها‪ ،‬ودورنا في تطبيقها اخلالق على واقعنا املباشر‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬التوجه اجلاد عبر رؤية وبرنامج محددين‪ ،‬نحو إلغاء األساليب أو العقلية‬ ‫التقليدية القدمية أو ما يسمى "بحالة التخلف" التي ما زالت سائدة في العالقات‬ ‫الداخلية حلزبنا‪ ،‬والتي تتجسد تعبيراتها أو رواسبها في كثير من املظاهر‪:‬‬ ‫‪ .1‬الفردية بكل أشكالها في معظم املراتب والهيئات التي تعوق توليد الروح‬ ‫اجلماعية‪.‬‬ ‫‪ .2‬العشوائية في التخطيط والتنفيذ واملتابعة والتقييم‪.‬‬ ‫‪ .3‬االسترخاء الفكري‪ ،‬وأحيانا الفوضى واالنتقائية الفكرية‪.‬‬ ‫‪ .4‬االعتماد على الذاكرة في كثير من القضايا‪.‬‬ ‫‪ .5‬عدم احترام الوقت من جهة‪ ،‬إلى جانب الفراغ الناجت عن غياب املهمات‪.‬‬ ‫إن مجموع هذه السمات‪ ،‬وغيرها‪ ،‬يعكس العقلية املتخلفة أو الريفية في إدارة احلزب‪.‬‬ ‫إن هذه التشوهات في املفاهيم‪ ،‬تشبه املرض اخلطير‪ ،‬وبالتالي فإن الواجب يقتضي‬ ‫متابعة أعراضها ووقفها أوال بأول‪ ،‬وهي أعراض تعبر عن نفسها في عدد من املظاهر‪:‬‬ ‫االنقسامات الداخلية‪ ،‬العلنية أو الكامنة؛ تآكل البنيان التنظيمي والتشتت الفكري‬ ‫والسياسي؛ ضعف أو انقطاع قنوات االتصال باجلماهير؛ ضعف اإلمكانات املادية؛‬ ‫قدسية القيادة‪ ،‬وهو مفهوم ضار‪ ،‬يجب إلغاؤه من وعينا وسلوكنا لصالح املفاهيم‬ ‫احلزبية السليمة القائمة على االحترام الرفاقي املبني على أخالقيات الثورة واجلماهير‬ ‫الشعبية وطموحاتها؛ التوسع الكمي للعضوية دون ترتيب األوضاع احلزبية مبا‬ ‫ميهد الطريق لوالدة كل أشكال العالقات الشخصية أو حتى العشائرية؛ غياب الدفء‬ ‫احلقيقي في العالقات الرفاقية"‪( .‬من تعميم داخلي ألحد تنظيمات جبهة اليسار‬ ‫الفلسطيني (ش)‪ ،‬بدون تاريخ)‬

‫اليسار من وجهة نظر قريبة من حركة "حماس"‬

‫"فإن التوصيف احلقيقي ألزمة اليسار وضعفه التمثيلي بالشارع الفلسطيني‪ ،‬نابع‬ ‫من ضعف املرجعية الفكرية التي يستند إليها‪ ،‬والتي يرفضها السواد األعظم من‬ ‫الشعب الفلسطيني‪ ،‬وحتى املوقف السياسي من االتفاقيات ومناهضتها‪ ،‬كان مائعا ً‬ ‫ولم يكن قاطعا‪ ،‬وهذا أدى الرتباك وإحجام الشارع الفلسطيني عن منح ثقته باليسار‬ ‫بشكل عام‪ ...‬والغريب أن اليسار الفلسطيني‪ ،‬رغم وزنه التمثيلي‪ ،‬كان يطالب بداية‬ ‫‪51‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫حكم "حماس" بدميقراطية توافقية‪ ،‬وهو ال يخفي هذه النوايا‪ ،‬ولعل تشدده في عدم‬ ‫الدخول في حكومة الوحدة احلالية ورفضه للثنائية ("حماس" و"فتح") يستبطن‬ ‫إلزام "حماس" و"فتح"‪ ،‬بأن يكون له صوت معطل‪ ،‬مواز ملا حتوزه "حماس" أو‬ ‫"فتح" ‪ ...‬محاوالً إسقاط التجربة اللبنانية احملكومة بالطائفية على احلالة الفلسطينية‬ ‫املختلفة متاما‪ ،‬واملناقضة التفاق القاهرة‪ ،‬الذي أقر الوزن االنتخابي كمقياس للتمثيل‬ ‫باملنظمة‪ ،‬األمر الذي نقضته "فتح" املهيمنة على املنظمة‪ ،‬ويناقضه اليسار اآلن‪ ،‬الذي‬ ‫‪38‬‬ ‫يريد ابتزاز احلالة الفلسطينية‪ ،‬التي ال حتتمل ضغوطا داخلية فضال عن خارجية"‪.‬‬ ‫اليسار من وجهة نظر قريبة من "فتح"‬

‫"يكفي أوسلو حقا‪ ،‬أنها مكنت السلطة من إدخال أكثر من أربعمئة ألف مواطن فلسطيني‬ ‫من الشتات‪ ،‬إلى ارض الوطن‪ ،‬وأدخلت العشرات من قيادات وكوادر اليسار أيضا‪ ،‬كما‬ ‫أن السلطة الفلسطينية باسم اتفاقية أوسلو بنت‪  ‬مئات املدارس وعشرات املستشفيات‪،‬‬ ‫وشقت وزفتت مئات الكيلومترات من الطرقات بني محافظات وقرى الوطن‪ ،‬وأقامت‬ ‫البنية التحتية للكثير من املؤسسات والوزارات للدولة الفلسطينية املرتقبة وخالفه‪ ...‬مع‬

‫أن اليسار الفلسطيني منذ أكثر من أربعني عاما من االحتالل الصهيوني‪ ،‬ما زال يفكر بكيفية توحيد‬ ‫صفوفه‪ .‬وعلى ضوء ذلك‪ ،‬فان اليسار‪ ،‬أتوقع له أن يتحد بعد مئة عام؛ لذلك كنت ناصحا‬ ‫له باملؤمتر [مؤمتر توحيد اليسار الذي عقد في رام الله في نهاية حزيران ‪ ،]2009‬ومبديا‬

‫له وجهة نظري الشخصية‪ ،‬بأن ينضم إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)‪،‬‬ ‫كتنظيمات أو جماعات‪ ،‬هذا إذا ما قبلت بهم "فتح"! حيث إنهم ال ميثلون إال نسبة قليلة‬ ‫جدا من اجلماهير الفلسطينية ال تتجاوز ‪ %10‬في أحسن الظروف‪ ،‬وهم سيمثلون عبئا‬ ‫ماليا وإداريا على "فتح" إذا ما قبلت بهم‪ ،‬ومبا أن "فتح" متلك املال والسلطة‪ ،‬ومن‬ ‫ملكهما ميلك كل شيء‪ ،‬فأعتقد أن اليسار‪ ،‬ميكنه من خالل اختراق حركة "فتح" سواء‬ ‫أكانوا أفرادا أو جماعات‪ ،‬قيادة هذه احلركة وتصحيح مسارها‪ ،‬ومحاربة ما بها من‬ ‫فساد‪ ،‬وتصحيح أيضا مسار دفتها‪ ،‬مبا يخدم املصالح الفلسطينية الوطنية‪ ،‬بدال من أن‬ ‫‪39‬‬ ‫يستولي اليمني الفلسطيني على السلطة باملرحلة القادمة‪."...‬‬

‫‪ 38‬إبراهيم أبو الهيجاء‪" .‬أزمة اليسار الفلسطيني"‪ ،‬مجلة العصر‪.2007/2/22 ،‬‬ ‫‪ 39‬أحمد محمود القاسم‪ ،‬موقع عرب تاميز‪.2009/6/26 ،‬‬

‫‪52‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫قراءة في فهم اليسار ملفهوم "اليسار"‬ ‫كما هو متوقع‪ ،‬قلة قليلة من اآلراء اعتبرت أن ال وجود في الساحة الفلسطينية ملا‬ ‫يستحق أن يسمى باليسار‪ ،‬وهي إما تعبير عن خيبة أمل وإحباط أو مستمدة من وضع‬ ‫مؤهالت خاصة الستحقاق صفة اليسار‪ .‬غالبية املداخالت حول املفهوم تسير في‬ ‫اجتاهني رئيسني‪ :‬األول يرى أن ما مييز اليسار هو االنتماء الفكري‪ ،‬والثاني يرى أن ما‬ ‫مييز اليسار هو مجموعة القيم التي يحملها التنظيم أو الفرد‪ .‬هذا ال يعني أن ال تداخل‬ ‫بني املفهومني بقدر ما يعني ألي من املعيارين املذكورين متنح األولوية‪ .‬هناك إشارات‬ ‫واعية إلى تداعيات ضعف التبلور الطبقي وغياب تشكيلية اجتماعية اقتصادية فلسطينية‬ ‫موحدة على برامج وبنية ودرجة نضج اليسار الفلسطيني وقدرته على توطني املفاهيم‬ ‫اليسارية والدميقراطية ومتثيل مصالح اجتماعية ملموسة‪ ،‬وعلى درجة انسجامه بني‬ ‫ادعاء حمل قيم وتوجهات معينة وحتويلها إلى ممارسات يومية‪.‬‬ ‫االجتاه األول يركز على ارتباط اليسار بالفكر املاركسي (الربط باللينينية تراجع‬ ‫تدريجيا بعد فشل التجربة السوفييتية)‪ ،‬أو باالشتراكية العلمية (دون توضيح املقصود‬ ‫بالسمة العلمية)‪ ،‬أو باملنهج املادي اجلدلي‪ .‬التركيز بات على تبني املنهج (سابقا كان‬ ‫التركيز على املاركسية كعقيدة شمولية متلك احللول لكل املعضالت بغض النظر عن‬ ‫الزمان واملكان)‪ ،‬وليس كمنهج للتحليل واشتقاق املهمات السياسية واالجتماعية‪ ،‬دون‬ ‫أن يعني ذلك أنه يستثني كل املناهج األخرى أو ال ُيغنى منها)‪ .‬بينما يركز االجتاه الثاني‬ ‫على االلتزام بالدميقراطية والعلمانية (مبفهوم فصل املؤسسات الدينية عن املؤسسات‬ ‫الدوالنية) وبقيم املساواة والتعددية والعدالة االجتماعية (سابقا كان التركيز على‬ ‫االشتراكية وبدرجة أقل على املساواة والعدالة االجتماعية)‪ .‬التركيز هو على املجتمع‬ ‫الذي يسعى اليسار إلقامته‪ .‬هناك ما ميكن اعتباره اجتاها ثالثا يهتم باملمارسة أكثر من‬ ‫مجرد االنتماء الفكري والقيمي‪ ،‬وبالتالي يركز على السياسات واملمارسات الكفاحية‬ ‫واالجتماعية للحزب اليساري ولليساريني‪.‬‬ ‫رمبا كان اخليار االشتراكي هو ما مييز‪ ،‬في نهاية املطاف‪ ،‬اليسار املاركسي عن غيره‬ ‫من اليسار‪ .‬ففي حني ينحاز اليسار املاركسي‪ ،‬وإن على املدى البعيد‪ ،‬إلى إقامة املجتمع‬ ‫االشتراكي (بكل ما يتطلبه ذلك من معرفة واستفادة من جتارب البناء االشتراكي‬ ‫السابقة واحلالية‪ ،‬وأهمية أن تستند إلى الدميقراطية مبفهومها املتعدد األبعاد‬ ‫واإلنساني)‪ ،‬ينحاز اليسار غير املاركسي لهدف تأسيس مجتمع دميقراطي عصري‬ ‫وتضامني (مبعنى أن تتولى الدولة مهام الرعاية االجتماعية) دون االلتزام املسبق‬ ‫باخليار االشتراكي‪.‬‬ ‫تشير الوثائق الرئيسة ألربعة تنظيمات فلسطينية منضوية في إطار منظمة التحرير‬ ‫إلى أنها تتبنى اخليار االشتراكي‪ .‬لكن هذا اخليار يبقى من قبيل إعالن الهوية الفكرية‬ ‫‪53‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫لكون املهمات الراهنة املطروحة على اليسار وعلى مجمل احلركة السياسية الفلسطينية‬ ‫هي مهمات التحرر الوطني‪ ،‬وإن تداخلت مع البناء الدميقراطي بعد قيام السلطة‬ ‫الفلسطينية ذات صالحيات احلكم الذاتي احملدود‪ .‬التنظيمات األربعة هي‪ :‬اجلبهة‬ ‫الشعبية وحزب الشعب واجلبهة الدميقراطية واالحتاد الدميقراطي الفلسطيني (فدا)‪.‬‬ ‫تع ّرف التنظيمات األربعة نفسها كالتالي‪ :‬كحزب دميقراطي ثوري (اجلبهة الدميقراطية‬ ‫لتحرير فلسطني)؛ حزب اشتراكي (حزب الشعب الفلسطيني)‪ ،‬كحزب تقدمي علماني‬ ‫(االحتاد الدميقراطي الفلسطيني ‪-‬فدا) أو كحزب سياسي كفاحي (اجلبهة الشعبية‬ ‫لتحرير فلسطني)‪ .‬هناك تنظيمات صغيرة جدا خارج منظمة التحرير تقدم نفسها‬ ‫كتنظيمات ماركسية أو يسارية‪.‬‬ ‫التنظيمات األربعة املذكورة تلتزم باالسترشاد بالفكر أو املنهج املاركسي أو باملادية‬ ‫اجلدلية التاريخية أو االشتراكية العلمية أو بالفكر االشتراكي‪ ،‬مع احلرص على إضافة‬ ‫ بعد انهيار االحتاد السوفييتي ‪ -‬كونها تسترشد أيضا مبا هو تقدمي ودميقراطي‬‫وإنساني في التراث الفكري والثقافي الفلسطيني والعربي واإلنساني‪ ،‬وباجنازات‬ ‫العلم (التي يخصها حزب الشعب)‪ .‬لكن التنظيمات األربعة تتباين من حيث تعريفها‬ ‫للمبدأ التنظيمي الذي ينظم عالقاتها الداخلية؛ ففي حني تبقى املركزية الدميقراطية‬ ‫املبدأ الناظم للعالقات الداخلية في اجلبهتني الشعبية والدميقراطية‪ ،‬يطرح حزب الشعب‬ ‫الفلسطيني واالحتاد الدميقراطي الفلسطيني (فدا) ناظما مختلفا‪ :‬فحزب الشعب يقيم‬ ‫تنظيمه وفق "األسس الدميقراطية في إطار وحدة احلزب مبا يضمن التوازن بني حرية‬ ‫النقاش والتعبير عن الرأي وبني االلتزام بوحدة العمل وقرارات احلزب"‪ ،‬ويقيم "فدا"‬ ‫تنظيمه "على أساس مبدأ الدميقراطية الذي يصون تعدد اآلراء والتعبير عنها في‬ ‫إطار وحدة العمل للحزب بأسره املستند إلى البرنامج العام والنظام الداخلي وقرارات‬ ‫مؤمتراته الوطنية"‪.‬‬ ‫أما "جبهة اليسار من أجل التحرر والدميقراطية والعدالة االجتماعية" التي أعلن عن‬ ‫تشكيلها بتاريخ ‪ 2008/9/15‬اجلبهتان الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب‪ ،‬فتع ّرف‬ ‫نفسها (في الوثيقة التأسيسية) بأنها "ائتالف وطني دميقراطي يساري يضم كل من‬ ‫يتفق مع أهدافه وآليات عمله من قوى وجتمعات وتيارات وأوساط وشخصيات اليسار‬ ‫الدميقراطي والتقدمي من أبناء الشعب الفلسطيني‪ ،‬رجاال ونساء‪ ،‬داخل الوطن وفي‬ ‫الشتات واملهاجر‪ ،‬ويقوم بناؤه على أساس الدميقراطية والتعددية"‪ .‬وتنطلق اجلبهة‬ ‫من "مبادئ وقيم العدالة االجتماعية واملساواة ووضع حد لكل أشكال االستغالل‬ ‫الطبقي والقومي"‪ ،‬وتعبر عن "تطلعات ومصالح الطبقات الشعبية"‪ ،‬و"تتمتع بآلية‬ ‫عمل دميقراطية متنع الهيمنة أو اإلقصاء‪ ،‬وتضمن العمل املشترك على أساس املشاركة‬ ‫في القرار واحترام مبادئ الدميقراطية‪ ،‬والتعددية في بنيتها الداخلية وفق مبدأ التمثيل‬ ‫النسبي"‪ .‬وتعتبر جبهة اليسار "خطوة تنظيمية ملموسة نحو توحيد قوى وجتمعات‬ ‫وشخصيات اليسار الدميقراطي‪ ،‬مبا يساعد التوجه لبناء حزب موحد لليسار الدميقراطي‬ ‫‪54‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الفلسطيني"‪ .‬وال يشترط االنضمام جلبهة اليسار "تخلي القوى السياسية املكونة لها‬ ‫عن استقاللها الفكري والتنظيمي وحقها في التعبير عن مواقفها السياسية اخلاصة التي‬ ‫ال يشترط أن تتطابق مع مواقف اجلبهة"‪ .‬بتعبير آخر‪ ،‬إن هوية جبهة اليسار كما في‬ ‫الوثيقة التأسيسية هي هوية يسار دميقراطي أكثر من هوية يسار ماركسي‪ ،‬وهوية‬ ‫ائتالف سياسي فضفاض أكثر من هوية حزب موحد أو يسير نحو التوحد‪.‬‬ ‫أما جبهة النضال الشعبي التي تصنف كيسار فتع ّرف نفسها كحزب وطني دميقراطي‪،‬‬ ‫دون اإلشارة إلى اخليار االشتراكي‪ ،‬وتعتمد الدميقراطية "املبدأ األساسي الذي يقوم‬ ‫عليه البناء الداخلي للجبهة وعالقاتها باجلماهير‪ ..‬وتتيح املجال للمبادرة واإلبداع‬ ‫وتعددية اآلراء واألفكار وحرية النقاش والتعبير عن الرأي داخل األطر التنظيمية"‪.‬‬ ‫كما تعتبر جبهة التحرير الفلسطينية نفسها حزبا وطنيا دميقراطيا وتعتمد املركزية‬ ‫الدميقراطية أساسا في تنظيم عالقاتها الداخلية‪ .‬وال تطرح املبادرة الوطنية الفلسطينية‬ ‫نفسها كحزب سياسي له برنامجه املقر ونظامه األساسي‪ ،‬وتعلن أن هدفها هو "بناء‬ ‫دولة فلسطني احلرة والدميقراطية واملزدهرة القادرة على توفير األمن والعدالة‬ ‫واملساواة أمام القانون والعيش الكرمي ملواطنيها"‪ .‬أما األحزاب والتنظيمات األخرى‬ ‫التي خارج منظمة التحرير فلم تشمل بالدراسة بحكم تواجد قياداتها خارج األرض‬ ‫الفلسطينية احملتلة عام ‪ ،1967‬والتنظيم الوحيد الذي استطلع رأيه من اليسار املتشكل‬ ‫خارج منظمة التحرير هو احلزب الشيوعي الفلسطيني‪.‬‬ ‫ال جند في املداخالت عن هوية اليسار إشارات لطبيعة العالقات الداخلية السائدة بني‬ ‫أحزاب اليسار‪ ،‬حيث ترد هذه عند التطرق إلى أسباب تراجع اليسار (الفصلني الثالث‬ ‫والرابع)‪ .‬لكن ال نقص في التأكيد على أهمية سيادة العالقات الدميقراطية داخل أحزاب‬ ‫اليسار سواء املداخالت التي أكدت على اجلانب الفكري‪-‬املنهجي أو الفلسفي في حتديد‬ ‫مفهوم اليسار أو التي أولت االهتمام األكبر إلى اجلانب القيمي في التعريف‪.‬‬ ‫من املالحظات الالفتة اإلشارة في أكثر من مداخلة إلى طغيان الشأن السياسي الراهن‬ ‫على اهتمام التنظيمات اليسارية لكونها نشأت وال تزال تقيم في سياق عملية صراع‬ ‫مستمرة ضد احتالل كولونيالي اقتالعي‪ ،‬وفي سياق واقع فلسطيني يفتقر إلى مجتمع‬ ‫موحد وإلى دولة وطنية‪ .‬وقد عكس هذا نفسه أوال‪ :‬على تدني اهتمام اليسار بالنضال‬ ‫االجتماعي (قضايا العمال‪ ،‬واملرأة‪ ،‬والفقر‪ ،‬البطالة‪ ،‬النقابات واالحتادات‪.)...‬؛ و ثانيا‪ :‬على‬ ‫بقاء "األحزاب اليسارية تعوم على فقاعة التحرر الوطني بدون قواعد اجتماعية" حسب‬ ‫تعبير عضو قيادي في أحد تنظيمات اليسار‪ .‬التداعي السياسي لهذا الوضع يتجسد‪،‬‬ ‫أكثر ما يتجسد‪ ،‬في صعوبة ت ّوحد تنظيمات اليسار ألن "احملرك الرئيس للصراع هو‬ ‫القضية الوطنية" (كما عبر عنه البعض)؛ مما قد يعني استمرار التباين في املوقف‬ ‫السياسي بني أطراف اليسار وبقاء هذا عائقا أمام ت ّوحدها ألن "املوقف السياسي هو‬ ‫محرك التحالفات في الساحة الفلسطينية"‪ .‬ويجد بعض اليساريني أن املوقف السياسي‬ ‫‪55‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫من التسوية لبعض تنظيمات اليسار هو أقرب حلركة "حماس" وبعضه اآلخر أقرب‬ ‫إلى حركة "فتح"؛ وثالثا‪ :‬على تدني دالالت التشابه في البرامج االجتماعية ألحزاب‬ ‫اليسار بسبب هامشية القضايا االجتماعية في اهتمامات هذه األحزاب‪ ،‬مما يعني "أن‬ ‫التقارب في البرامج االجتماعية ليس مؤشرا إيجابيا" (كما أشار كادر حزبي في تنظيم‬ ‫يساري آخر)‪.‬‬ ‫من املهم في إعادة تكوين اليسار الفلسطيني لذاته التخلص من تأثيرات إطالقية وميكانيكية‬ ‫وجبرية املاركسية السوفيتية‪ ،‬والتخلص من صنمية النص والنزعة االختزالية (اختزال‬

‫كل محركات السلوك السياسي واالجتماع�� والثقافي في املوقع الطبقي‪ ،‬على سبيل‬ ‫املثال)‪ ،‬ومن الكف عن التعاطي مع مبدأ املركزية الدميقراطية كآلية للسيطرة البيروقراطية‬ ‫(متأثرا بالنموذج السوفييتي)‪ ،‬ومن استخدام املاركسية كأيديولوجيا للتغطية على اجلمود‬ ‫الفكري وإلعادة إنتاج القيادة ذاتها وملنع حرية تداول اآلراء‪ ،‬ولتبرير منع األقلية من حقها‬ ‫في التعبير عن رأيها بحرية كاملة ومن التمثيل (وفق حجمها) في هيئات احلزب القيادية‪.‬‬ ‫ويجدر االنتباه إلى أن التركيز على البعد الفلسفي أو املنهجي كمكون حاسم في تشكيل‬ ‫الهوية املاركسية لألحزاب اليسارية قد يخفي نزعة نخبوية فكرية‪ ،‬إذ ليس شرطا أن‬ ‫يرتبط فهم البرامج والسياسات التي يطرحها اليسار بفهم املنهج الفكري أو الفلسفي‬ ‫الذي استخدم في إنتاجها (على افتراض أن املنهج املاركسي استخدم في ذلك)‪ .‬فاملهم‬ ‫في دور احلزب اليساري هو التواصل مع اجلمهور وتوضيح سياساته له‪ ،‬وليس في‬ ‫توضيح املنهج الذي عبره مت الوصول إلى هذه السياسات‪ .‬كما قد تخفي نزعة شعبوية‬ ‫(تشكل الوجه اآلخر للنخبوية) تتمثل في اختزال السياسة إلى مجرد شعارات تتغنى‬ ‫بالشعب واجلماهير املجردة‪ ،‬أو تنساق إلى دوامة "النشاط من أجل النشاط"‪.‬‬ ‫من الضروري ليس فقط إدراك أهمية ترسيخ الدميقراطية‪ ،‬كمفهوم وممارسة‪ ،‬في‬ ‫حياة احلزب واملجتمع تعزيزا للتعددية السياسية والفكرية والتنظيمية وككابح لعقلية‬ ‫احتكار معرفة وإنتاج احلقيقة‪ ،‬وتعزيزا للمشاركة املجتمعية‪ ،‬بل وأيضا إبراز أهمية‬ ‫إشاعة احلياة الدميقراطية كشرط في تنمية وتطوير النضال الوطني واالجتماعي‬ ‫والحقا في عمليات البناء االشتراكي‪ .‬لعل العديد من الكوادر والشخصيات اليسارية‬ ‫تتفق مع إقرار أحد القياديني في أحد أحزاب اليسار الفلسطيني بأن "أحزاب اليسار‬ ‫ال حتتمل اخلالف داخلها‪ ،‬وإذا ما أخذنا بعني االعتبار استفحال الشخصانية واملركزية‬ ‫الشديدة والفردية‪ ،‬يصبح واضحا سبب ظاهرة التشظي داخل أحزاب اليسار"‪ .‬وهو‬ ‫السبب ذاته الذي يدفع إلى حتويل احلزب (واحليلولة دون جتديد قيادته) إلى هدف‬ ‫بحد ذاته‪ ،‬معزوال عن دوره كأداة تغيير ومتثيل ونضال وكبوصلة للتغيير االجتماعي‬ ‫والسياسي املطلوب‪.‬‬

‫‪56‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الفصل الثالث‪:‬‬ ‫تشخيص اليسار للعوامل "الذاتية" التي ساهمت في تراجعه‬ ‫"أصيب اليسار الفلسطيني بذات األمراض التي أصابت النموذج الذي انشد إليه‪،‬‬ ‫حيث عانت البنية التنظيمية لفصائله من مركزية مفرطة‪ ،‬غيبت‪ ،‬إلى حد كبير‪،‬‬ ‫العالقات الدميقراطية داخلها‪ ،‬وتركت تأثيرات سلبية على دور اليسار في النضال‬ ‫من أجل تعزيز الدميقراطية في جسم احلركة الوطنية الفلسطينية وعلى مستوى‬ ‫عالقات احلركة مع اجلماهير‪ .‬وعلى صعيد املمارسة بقي بعض تنظيمات اليسار‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬بحفاظه على شكل الفصيل العسكري باعتباره األساس الذي قام‬ ‫عليه بنيان احلركة الوطنية في اخلارج‪ ،‬بقي أسيرا للممارسات البيروقراطية التي‬ ‫توسع منظمة التحرير في إقامة األجهزة واملؤسسات وانتشار‬ ‫تفاقمت كثيرا بعد ّ‬ ‫ظاهرة "التفرغ" على نطاق واسع في صفوفها‪ .‬ومن جهة أخرى لم ينجح اليسار‬ ‫الفلسطيني في االنفتاح كما ينبغي على التيارات الوطنية األخرى‪ ،‬وظل محكوما‬ ‫بنزعة املغاالة في دوره وطليعيته‪ ،‬ولم يقدر‪ ،‬بسبب من جموده الفكري‪ ،‬على ابتداع‬ ‫نظريته اخلاصة للجبهة الوطنية املتحدة‪ ،‬انطالقا من خصائص الواقع الفلسطيني‪".‬‬ ‫(من وثيقة معنونة "منطلقات رئيسة إلقامة حزب موحد لليسار الفلسطيني"‪،‬‬ ‫طرحت للنقاش الداخلي الفلسطيني في آذار ‪.)1991‬‬ ‫"اليسار لم يحدث تغيرا ً في برامجه ونشاطه وحتالفاته‪ ،‬وبخاصة بعد اتفاق‬ ‫أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية ولم يلحظ صعود قوى التيار السياسي‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬وسياسته املتنامية بني اجلماهير‪ ،‬وانعكاس ذلك على موازين القوى‬ ‫الداخلية واحلياة الدميقراطية واالجتماعية‪ ،‬واستمر [اليسار] ينظر لإلسالم‬ ‫السياسي من الزاوية الوطنية فقط‪ ،‬أي كقوة مقاومة لالحتالل على أهمية‬ ‫وأولوية ذلك‪ ،‬وترافق ذلك بهذا القدر أو ذاك‪ ،‬مع ضعف التجديد في احلياة‬ ‫الداخلية لتنظيمات اليسار وفي تكريس الدميقراطية الداخلية‪( "...‬قيادي)‬

‫‪57‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫يتناول هذا اجلزء من البحث تشخيص اليسار (سواء املنظم أو من غير املنظمني) للعوامل‬ ‫واحليثيات والظروف التي ساهمت في تراجعه في العقد األخير من القرن املاضي‬ ‫والعقد األول من القرن احلالي‪ .‬وبسبب أهمية هذا اجلانب في موضوع البحث أُفرد له‬ ‫فصالن (الثالث والرابع)‪ .‬هذا الفصل يركز بشكل رئيس على العوامل "الذاتية"‪ ،‬في‬ ‫حني يركز الفصل الرابع بشكل رئيس على العوامل "املوضوعية"‪.‬‬ ‫أ‪ .‬حول مشكالت البنية الداخلية‬ ‫املسؤولية الرئيسة لتراجع اليسار "التقليدي" و "اجلديد" تعود لعوامل ذاتية‬

‫"العوامل الذاتية هي التي تتحمل املسؤولية الرئيسية [لتراجع اليسار]‪ .‬هذا يسري‬ ‫على جتربة اليسار التقليدي (احلزب الشيوعي)‪ ،‬وانعزاله عن حركة اجلماهير‪ ،‬ألسباب‬ ‫تتعلق بظروف النشأة‪ ،‬وعدم قدرته على صياغة عالقة صائبة ما بني القومي والطبقي‬ ‫(االجتماعي) والوطني‪ ،‬وانضباطه الصارم للمواقف السياسية للمرجعية السوفييتية‪،‬‬ ‫ودخوله في صراعات مع التيارات القومية في حركة التحرر الوطني‪ ،‬وكذلك تأخره‬ ‫أو عدم انخراطه في جتربة املقاومة املسلحة‪ ،‬خصوصا ً بعد العام ‪ ،1967‬األمر الذي‬ ‫أفقده املصداقية وااللتفاف من قبل اجلماهير الكادحة التي يفترض أنه "املمثل الطبقي‬ ‫لها وملصاحلها"‪ ،‬وأخيرا ً في حتوالته الفكرية والتنظيمية والسياسية الدراماتيكية ما‬ ‫بعد انهيار االحتاد السوفييتي‪ ...‬لقد فقد اتزانه عندما فقد مرجعيته الفكرية والسياسية‪ .‬كما‬ ‫يسري على جتربة "اليسار اجلديد"‪ ،‬وظروف حتوالته من القومية إلى مواقع املاركسية‬ ‫بصورة غير ناضجة‪ ،‬وانشداده الرئيس وتقديسه للمقاومة املسلحة والعمل السياسي‪،‬‬ ‫على حساب الدور االجتماعي والعمل اجلماهيري واإلنتاج الفكري‪ ،‬األمر الذي أفقده‬ ‫القدرة على تأطير وتعبئة حالة جماهيرية تتوازى مع حجم التضحيات البطولية التي‬ ‫قدمها‪ ،‬خصوصا ً في حقبة السبعينيات‪ .‬باإلضافة إلى انقسامه‪ ،‬وانشقاقاته املتكررة‪،‬‬ ‫وعدم خوضه ملعارك سياسية وفكرية علنية‪ ،‬واستقواء أطرافه بالقيادة املتنفذة في م‪.‬ت‪.‬ف‬ ‫(وحركة "فتح")‪....،‬وافتقاده القدرة على إجراء التغييرات التنظيمية الالزمة في جسم‬ ‫املنظمة ومؤسساتها‪ ،‬والتأثير في برامجها وتوجهاتها السياسية واالجتماعية‪ .‬فقد‬ ‫افتقر للقدرة على احلفاظ على األطر واملؤسسات الطوعية التي شكلها في األراضي‬ ‫احملتلة‪ ،‬وهو ما أدى إلى انهيارها في حقبة التسعينيات‪ ،‬ودخول حتوالت عميقة على‬ ‫مضمونها‪ ،‬ارتباطا ً بجهة التمويل (أجنبي – سلطة)‪ .‬وأخيرا ً هناك تكتيكاته السياسية‬ ‫اخلاطئة في العالقة مع حركات اإلسالم السياسي‪ ،‬مما أعطى مصداقية وشرعية لهذه‬ ‫لقيادة املعارضة السياسية‪ .‬إحدى املشكالت الرئيسي لقوى اليسار تكمن في عدم قدرتها‬ ‫على بلورة تيار يساري موحد‪ ،‬ألسباب ذاتية غالباً‪ ،‬رغم أن الظروف املوضوعية تدعو‬ ‫اجلميع للتحرك بهذا االجتاه‪ ،‬وبسبب تكلس البنية التنظيمية وال دميقراطيتها‪ ،‬وأبوية‬ ‫ونخبوية القيادات في األحزاب اليسارية" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪58‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تراجع اليسار يعود باألساس ألسباب ذاتية‪ ،‬أبرزها اجلمود في البناء التنظيمي ثم‬ ‫االنفالش التام‬

‫"وفق جتربتي في أحد تنظيمات اليسار فإن تراجع اليسار الفلسطيني يعود إلى‪:‬أوال‪:‬‬ ‫اجلمود في البناء التنظيمي‪ ،‬بسبب استنساخ التجربة السوفييتية‪ ،‬ثانيا‪ :‬تراجع شروط‬ ‫العضوية في التنظيم بحيث أصبح من يشتم "فتح" مستوفيا لهذه الشروط؛ لذا هناك‬ ‫ترهل في احلياة التنظيمية وتباعد في عقد املؤمترات احلزبية‪ .‬اليسار أصبح كالباص الكل‬ ‫يقدر أن يركب وينزل متى شاء‪ ...‬املاركسي اآلن يذهب إلى اجلامع‪ .‬هناك من يصلي‬ ‫ألسباب انتهازية (تزلف للناس)‪ ،‬وهناك من يصلي ألن املاركسية لم ترسخ في ذهنه‪...‬‬ ‫اليسار الفلسطيني انسجم مع اتفاق أوسلو‪ .‬هذا أدى إلى أن يترك البعض التنظيم‪ ،‬والبعض‬ ‫اآلخر أن يكفر بالسياسة‪ .‬وآخرون انخرطوا في املنظمات غير احلكومية‪....‬البعض من التنظيم‬

‫الذي كنت أنتمي له التحق بشهداء األقصى للحصول على قطعة سالح‪ ،‬واستشهد مع من‬ ‫استشهد من كتائب األقصى‪ ،‬كما أن االعتقاالت التي طالت قيادات وكوادر التنظيم جعلت‬ ‫البعض يحس بأن التنظيم ال يوفر احلماية لهم ويقول لنفسه‪ :‬ملاذا ألتحق بهذا التنظيم‬ ‫في حني ميكن أن ألتحق بحركة "حماس" (اليمني) أو بحركة "فتح" (الليبرالية)‪....‬‬ ‫انتخابات عام ‪ 2006‬جاءت في وضع كانت به حالة سخط على "فتح"‪ ،‬لكن اليسار‬ ‫"الغبي" لم يستطع أن يسوق نفسه في االنتخابات؛ ومن هنا كانت النتائج التي عبرت‬ ‫عن سخط على حركة "فتح" أكثر مما كانت تعبيرا عن تأييد حلركة "حماس"‪ ....‬منظمة‬ ‫التحرير لم تعد متثلني‪ ،‬وتنظيمات اليسار ال زالت مع منظمة التحرير‪ .‬أنا لست مع إيجاد‬ ‫بديل ملنظمة التحرير على غرار ما تدعو له "حماس" لكني لست مع أن يبقى اليسار‬ ‫مجرد برغي في منظمة التحرير‪" .‬حماس" متثل تيارا ظالميا خطيرا على املجتمع‪...‬‬ ‫وتنظيمات اليسار في وضع "فالج ال تعالج"‪ .‬فشل تأسيس أطر يسارية جديدة يعود إلى‬ ‫أن من تولوا ذلك هم من رموز وشخصيات اليسار نفسها ويحملون العقلية ذاتها‪ .‬احلزب بات‬ ‫الهدف وليس الوسيلة‪ ...‬على قادة اليسار االعتراف بأنهم قادة فاشلون‪ .‬وأن يقوموا مبراجعة‬ ‫نقدية‪ ...‬أنا من مؤيدي الدولة الواحدة‪( "..‬كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫العوامل املوضوعية ال يجب أن تخفي العوامل الذاتية في تفاقم أزمة اليسار الفلسطيني‬

‫"‪ ...‬هذه األزمة [أزمة اليسار الفلسطيني] ميكن تشخيص مظاهرها في االنقسامات‬ ‫التي تعصف بقوى اليسار‪ ،‬وفي النزيف املتواصل لكوادرها‪ ،‬واألبلغ في ذلك هو تشتت‬ ‫مواقفها السياسية على طول وعرض خارطة املواقف املمكنة على امتداد مسيرة العمل‬ ‫السياسي الفلسطيني‪ ....‬وميكن تلمس األزمة في كافة مجاالت احلياة السياسية‪....‬‬ ‫األزمة إذن شاملة وعميقة‪ ،‬فهي أزمة هوية‪ ،‬وأزمة برامج وبنى تنظيمية‪ ،‬قبل أن تكون أزمة‬ ‫دور وأداء‪ .‬وقد يجد البعض تفسيرا مريحا وصحيحا في القول إنها أزمة موضوعية‬ ‫وعاملية‪ ،‬نشأت بعد انهيار االحتاد السوفييتي‪ ...‬إضافة ملا شهدته منطقتنا العربية‬ ‫بالذات من حتوالت عاصفة على إثر حرب اخلليج الثانية‪ ..‬ثم بدء مسيرة التسوية في��� ‫‪59‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫هذه الشروط املجافية ملصاحلنا العربية والفلسطينية‪ .‬لكن الصحيح في الوقت نفسه هو‬ ‫أن هذه التحوالت لم متنع انبعاث قوى اليسار واستنهاضها في العديد من بلدان العالم‪...‬‬ ‫بل إن سقوط املنظومة االشتراكية شكل عنصر حتد لقوى اليسار في العالم‪ ،‬كي تعيد‬ ‫تكييف أوضاعها وبرامجها وفق شروط العصر اجلديد وعبر التنافس الدميقراطي‬ ‫وآلية التداول السلمي للسلطة‪ ....‬وثمة عوامل وأسباب كثيرة داخل املجتمع الفلسطيني‬ ‫تبرز أزمة اليسار وتدفع إلى تفاقمها‪ ،‬ومنها ارتباط اليسار تاريخيا بإطار منظمة التحرير‬ ‫الفلسطينية التي تراجع دورها وبريقها أمام الشعب بعد اتفاقات أوسلو‪ ،‬ثم جرى تهميشها‬ ‫لصالح السلطة التي تهيمن عليها وعلى مقدراتها حركة "فتح"‪ .‬وفي املقابل تسخير‬ ‫الكثير من مصادر الدعم املادي واملعنوي الذي كان مخصصا للشعب الفلسطيني وحتويله من‬ ‫قبل دول اخلليج في اجتاه حركة "حماس" على امتداد عقد التسعينيات التي شهدت قطيعة‬ ‫ما تزال أثارها ماثلة إلى اآلن بني هذه الدول والقيادة الرسمية ملنظمة التحرير‪ .‬ومن‬ ‫أسباب األزمة أيضا وعوامل تظهيرها وتفاقمها‪ ،‬غياب املمارسة الدميقراطية احلقيقية‬ ‫في املجتمع ومؤسساته الشعبية ونقاباته العمالية على وجه اخلصوص‪ ...‬ومع‬ ‫التسليم بأهمية العوامل اخلارجية واملوضوعية‪ ،‬فإن على اليسار الفلسطيني واليساريني‬ ‫أن ينظروا في العوامل الذاتية ألزمتهم وتأخرهم‪ ،‬وبشكل خاص في التحديات التي تطرحا‬ ‫‪40‬‬ ‫املرحلة اجلديدة‪." ...‬‬ ‫النرجسية التنظيمية والشللية والشعاراتية‪ ،‬وإهمال العمل اجلماهيري‪ ،‬من أبرز‬ ‫أسباب تراجع اليسار‬

‫"أرى أن األسباب التنظيمية لتراجع اليسار تتلخص في‪ :‬عدم قدرة اليسار على توحيد‬ ‫نفسه‪ ،‬فكل حزب وقيادته يعتقد أنه األجدر لقيادة اليسار‪ ،‬ويرفض اآلخر ويقصيه؛‬ ‫واستشراء الشللية واملناطقية في العمل التنظيمي على حساب األكفأ واألنسب؛‬ ‫والتكلس في العمل التنظيمي‪ ،‬وفهم اليساريني له‪ ،‬فأصبح االجتماع هو الهدف‬ ‫والوسيلة‪ ،‬واالجتماع يجر اجتماع من دون حتقيق أي نتائج على األرض؛ انحازت‬ ‫األحزاب اليسارية نحو العمل السياسي‪ ،‬وأهملت العمل االجتماعي‪ ،‬والعالقة مع اجلماهير‬ ‫وقضاياهم اليومية امللحة‪ ،‬وأصبح احلديث عن الكادحني والفقراء مجرد شعارات ال أكثر؛‬ ‫متترس القيادات القدمية في أماكنها‪ ،‬وجتاهلها لضرورة ضخ دماء جديدة‪ ،‬وإفساح‬ ‫املجال لقيادات شابة‪ .‬أما األسباب األيديولوجية والفكرية لتراجع اليسار فتعود‪ ،‬في‬ ‫رأيي‪ ،‬ملا يلي‪ :‬لم تستطع األحزاب اليسارية أن حتسم موقفها األيديولوجي‪ ،‬فأفرغت‬ ‫من محتواها‪ ،‬فلم يرض عنها ال أصحابها االشتراكيون‪ ،‬وال األجيال املسلمة اجلديدة‪،‬‬ ‫وانحصر مدها اجلماهيري في اجلانبني؛ لم يحرص اجليل األول املاركسي على غرس‬ ‫‪ 40‬نهاد أبو غوش‪" ،‬أزمة اليسار الفلسطيني واالستحقاقات املقبلة" مجلة تسامح‪ ،‬العدد العاشر‪،‬‬ ‫السنة الثالثة‪ ،‬تشرين أول ‪ 2005‬صفحة ‪)103-102‬‬

‫‪60‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الفكر املادي اجلدلي في عقول األجيال الالحقة له‪ ،‬حيث لم يعط اجلانب الفكري األهمية‬

‫الكافية لصقل عناصره‪ ،‬فأصبح يبحث عن الكم ال الكيف؛ لدى اليسار فهم واقعي‬ ‫ومنطقي للمجتمع الفلسطيني‪ ،‬وقضاياه املختلفة من نساء وفقراء وعمال وشباب‬ ‫وغيرهم‪ ،‬وكذلك للمرحلة السياسية واالجتماعية واالقتصادية إال أن مشكلته تبدأ في‬ ‫عدم انعكاس هذا الفهم النظري على الواقع نحو اإلسهام في تغييره وتثوير اجلماهير‬ ‫ضده" (حزبية شابة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫غياب الدميقراطية الداخلية دفع املثقفني خلارج أحزاب اليسار‬

‫"تراجع اليسار يعود لتداخل عوامل منها خارجية وأخرى داخلية ذاتية‪ .‬العوامل الذاتية‬ ‫متثلت في؛ فشل قوى اليسار بالت ّوحد؛ ومنها غياب الدميقراطية الداخلية مما جعل الكثير‬ ‫من املثقفني اليساريني واملفكرين يجدون أنفسهم فجأة خارج احلزب ألنهم سمحوا‬ ‫ألنفسهم بالتفكير بشكل مستقل؛ ومنها االنشقاقات التي أنهكت قوى اليسار ‪ ....‬وهذا‬ ‫له عالقة بعجز اليسار عن استيعاب التعارض والرأي اآلخر حيث بدا اليسار كحالة‬ ‫استاتيكية [ساكنة] في ممارسته احلزبية على عكس النظرية التي يسترشد بها مما‬ ‫دفع كثير من كوادر اليسار خلارجها؛ ومنها انعدام التغيير والتدافع لألجيال‪ ....‬على‬ ‫الصعيد الفكري عجز اليسار عن فهم الواقع الفلسطيني بخصوصيته وكان أقرب إلى‬ ‫الناقل النظري منه إلى املبدع‪ .. ..‬لقد فشل في اشتقاق خصوصية التجربة من عمومية‬ ‫النظرية‪ ،‬مثال لم تكن هناك طبقة عاملة متبلورة وبرجوازية مالكة فلسطينيا بل إن‬ ‫الطبقة العاملة كانت تعمل في معامل ومصانع االحتالل والبرجوازية الفلسطينية كانت‬ ‫تعاني أحيانا أكثر من ذلك العامل بفعل برنامج احملتل لتدمير االقتصاد الفلسطيني‪ ،‬ومع‬ ‫ذلك لم يتوقف اليسار عن شعارات الطبقة العاملة ودكتاتورية البروليتاريا‪ ،‬واالبتعاد‬ ‫عن البرجوازية الفلسطينية ‪ ...‬وعلى الصعيد املالي عجز اليسار عن تأمني مصادر‬ ‫مالية واستثمارات خاصة تغطي أنشطته وتعزز عالقته بالفئات الشعبية ‪ ...‬وعجز‬ ‫عن استثمار عالقاته في تأمني موارد مالية‪ ...‬لقد ارتبك اليسار في سلوكه السياسي‬ ‫مرارا سواء بعالقته مع منظمة التحرير أو بالعالقة مع السلطة الفلسطينية‪ ،‬فقد قاطع‬ ‫انتخابات ‪ 96‬وشارك بكل قوة في انتخابات ‪ .2006‬لقد عجز اليسار عن التقاط اللحظة‬ ‫يحضر لها وغاب‬ ‫التاريخية وبدا فعله امليداني في االنتفاضة الثانية ضعيفا حيث لم‬ ‫ّ‬ ‫موقف سياسي مقنع أثناء وقبل االنتفاضة [الثانية] فقد وقف موقف الناقد املتفرج من‬ ‫أوسلو ولم يقدم بديال مقنعا للجمهور‪( "...‬كادر حزبي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫أحزاب اليسار ظلت "متكهفة" في قضاياها الداخلية وأزماتها التنظيمية‬

‫"يعود تراجع اليسار إلى التالي؛ انهيار املعسكر االشتراكي‪ ،‬وظهور اإلسالم السياسي‪،‬‬ ‫واتفاق أوسلو وسيطرة "فتح"‪ ،‬وضعف املوارد املالية لتنظيمات اليسار‪ ،‬ونتائج‬ ‫االنتفاضة الثانية‪ ،‬ونتائج االنتخابات التشريعية الثانية‪ ،‬وسيطرة "حماس" على غزة‪.‬‬ ‫‪61‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫وهنا أود أن أتناول قضيتني تربطهما عالقة جدلية بهذه األسباب؛ القضية األولى تخص‬ ‫القضية األيديولوجية‪ ،‬والتي انعكست في غياب الوحدة الفكرية والوعي الناضج داخل‬ ‫أحزاب اليسار‪ ،‬األمر الذي أدى إلى ضرب مبدأ وحدة اإلرادة والفعل‪ .‬والقضية الثانية‬ ‫هي القضية التنظيمية‪ .‬فالبنية التنظيمية ألحزاب اليسار أصابها الكثير من الضعف والوهن‪،‬‬ ‫وحتديدا بعد قيام السلطة الفلسطينية‪ ،‬حيث طرا تغير نوعي على طبيعة املرحلة‪ .‬فبعد‬ ‫أن كانت توصف على أنها مرحلة حترر وطني‪ ،‬أضيف إليها بعد قدوم السلطة الفلسطينية‬ ‫مهمات التحرر والنضال الدميقراطي‪ ،‬األمر الذي جعل البنية التنظيمية املوجودة أعجز من‬

‫أن حتمل عبء املرحلة اجلديدة مبا حملته من تغير نوعي‪ ،‬فظلت أحزاب اليسار متكهفة‬ ‫في قضاياها الداخلية وأزماتها التنظيمية على حساب مهماتها الرئيسية في النضال‬ ‫الوطني والدميقراطي؛ مما أدى إلى شعور اجلماهير بغربة ملموسة ألحزاب اليسار‬ ‫عن الكثير من القضايا وفي عديد من احملطات‪ .‬وأزعم أن اليسار لم يطرح برامج حقيقية‬ ‫تتناول قضايا هامة (املرأة‪ ،‬الفقر‪،‬العمل‪ ،‬الشباب‪ ،‬التنظيم النقابي‪ ،)...‬وأرى أن ما طرح لم‬ ‫يدخل عتبة البرامج" (كادر طالبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫كلما ضعف التنظيم ازداد وزن العامل الذاتي في حتديد سلوك قيادته‬ ‫"ال يجب إهمال العامل الذاتي في فهم سلوك اليسار‪ ،‬وحتديدا العوامل التي متس‬ ‫مصالح القيادات األولى (أي صانعي القرار في التنظيم)‪ .‬وكلما ضعف التنظيم ازداد‬ ‫دور العوامل الذاتية أو امليل للحفاظ على الذات من قبل أفراد القيادة‪ ،‬ومن ذلك البحث عن‬

‫مصادر خارجية تدعم مساعيها للحفاظ على ذاتها‪ .‬وهذا واضح من سلوك القيادات‬ ‫احلالية‪ .‬منذ أن بدأت مساعي توحيد اليسار وضعت قيادات اليسار مصلحتها الذاتية‬ ‫فوق املصلحة العامة لليسار‪ ،‬ولذا فشلت كل احملاوالت‪ .‬شعار هذه القيادات هو‪" :‬األول‬ ‫في قريتي وال الثاني في روما"‪ .‬نظام الكوتا في مؤسسات منظمة التحرير شكل‬ ‫األساس املادي لهذا السلوك" (قيادي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫ضعف نظام احملاسبة والرقابة اجلدية وقيادات باتت حجر عثرة أمام التطوير‬

‫"تشخيص ألزمة اليسار‪ ·:‬ضعف العمل املؤسساتي واخلدماتي وغياب كثير من األطر‬ ‫التي كانت تقدم خدمات للجماهير سواء أكانت مادية أم معنوية‪ .‬هذا أدى إلى ضعف‬ ‫أو اندثار العالقة العضوية مع اجلماهير؛ غياب أو ضعف الفكر والنشاط األيديولوجي‬ ‫والسياسي؛ حتول القيادات إلى رموز ووجهاء دون تأثير فاعل؛ اللهاث خلف األموال‬ ‫أو املكاسب الشخصية واالمتيازات؛ حتول كثير من القيادات إلى مديرين وموظفني في‬ ‫مؤسسات رسمية أو شعبية‪ ،‬ومنهم من ذهب ألبعد من ذلك لينخرط مع النظام العربي‬ ‫الرسمي ويصبح بوقا ألمريكا وسياستها باملنطقة ناسيا ً تاريخه كيساري؛ لم نلحظ‬ ‫أية عالقة إستراتيجية بني قوى اليسار رغم التقارب والتشابه باألهداف واملبادئ بينهم‪،‬‬ ‫والذي احتكموا إليه هو عالقة املصالح احلزبية وليس الوطنية رغم تقارب الثوابت‬ ‫‪62‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫سواء املدونة واملكتوبة أو املمارسات؛ بعض القوى عمدت بشعاراتها األساسية على‬ ‫املطالبة بوحدة اليسار‪ ...‬اليسار مير بضائقة مالية وفكرية وأيديولوجية وسياسية‬ ‫وذلك تتحمله القيادات التاريخية التي متردت على أي تغيير آو جتديد جدي‪ ...‬ضعف‬ ‫نظام احملاسبة والشفافية والرقابة اجلدية من كافة النواحي سواء السلوك اإلداري‪ ،‬أو‬ ‫التنظيمي‪ ،‬أو السياسي أو املالي؛ هنالك قيادات مكثت وتقوقعت مبواقعها منذ سنوات طوال‪،‬‬ ‫وأصبحت تشعر بأن هذه املواقع امتياز ال ميكن التنازل عنه‪ ،‬لهذا أصبحت تلك القيادات‬ ‫حجر عثرة أمام أي تغيير أو تطوير سواء بالتنظيم أو السياسة أو الفكر أو أي شيء‬ ‫ميكن أن يحرمها تلك االمتيازات‪ ،‬فيما لو مت ضخ الدم اجلديد بهذا التنظيم أو ذاك ‪،‬‬ ‫حيث حرمت الكثير من اجليل اجلديد خلوض هذه التجربة وحتى عملت على استبعاده‬ ‫‪41‬‬ ‫وحتييده"‪.‬‬ ‫غياب النقد الذاتي اجلريء في أدبيات اليسار وحضور عقلية كابحة للكوادر الشابة‬ ‫والكوادر النسائية‬

‫"باستثناء احلزب الشيوعي الفلسطيني‪ ،‬فإن معظم ألوان الطيف اليساري الفلسطيني‬ ‫املاركسي قد وجدت أصولها في حركة القوميني العرب (الفرع الفلسطيني)‪ .‬فقد‬ ‫درجت فصائل اليسار على تسمية نفسها "اليسار اجلديد" أو الفصائل "املاركسية‬ ‫القومية" ��تييزا لها عن األحزاب الشيوعية‪ ،‬ونعني هنا اجلبهة الشعبية لتحرير‬ ‫فلسطني‪ ،‬واجلبهة الدميقراطية لتحرير فلسطني‪ ،‬الفصيلني اليساريني الرئيسني داخل‬ ‫منظمة التحرير الفلسطينية‪ُ .‬ويستثنى أولئك الذين أطلق عليهم لقب "يسار فتح"‬ ‫ألن لهم خصوصيتهم كيسار ضمن حركة يقودها ميني‪ .‬هذا التأرجح األيديولوجي بني‬ ‫القومية واملاوية والستالينية واجليفارية الكوبية‪ ،‬باإلضافة إلى ضغط التأقلم مع مقولة‬ ‫"فلسطنة الثورة" الفتحاوية أدى إلى اختالط فكري لدى بعض القوى اليسارية‬ ‫الفلسطينية خاصة اجلبهة الشعبية ولم يتم حله حتى اللحظة‪ .‬إلى ذلك‪ ،‬فاقمت األزمة‬ ‫الفكرية االنشقاقات التنظيمية التي جنمت عن هذا االرتباك الفكري‪...‬عند مراجعة‬ ‫أدبيات فصائل اليسار الفلسطينية ومقاربة املمارسة منها‪ ،‬جند أن هذه الفصائل كانت‬ ‫تلوي عنق الواقع ليتماشى مع تركيباتها النظرية املنسوخة عن أدبيات األحزاب واحلركات‬ ‫الشيوعية العاملية وإسقاطها على الواقع الفلسطيني‪ .‬وبدال من استنباط املقوالت‬

‫واملفاهيم عن الواقع الذي ينتجها كانت الفصائل تفعل العكس‪ ،‬محاولة مطابقة الواقع‬ ‫للوصفات النظرية اجلاهزة املستوردة‪ ...‬وفي املوضوع السياسي‪ ،‬طرح اليسار‬ ‫نفسه بديال قياديا لليمني الفلسطيني املهيمن على مقدرات منظمة التحرير والثورة‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬وتوصل إلى أن هذا اليمني ميارس "سياسة انهزامية" متثل مصالح‬ ‫‪ 41‬د‪ .‬محمد األسمر‪" ،‬اليسار الفلسطيني ‪ -‬أي حزب نريد ؟"‪ ،‬موقع ملتقى األدباء واملبدعني العرب‪،‬‬ ‫‪.)2009/3/7‬‬

‫‪63‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫شريحة برجوازية كومبرادورية طفيلية خاضعة متاما ألوامر البنك الدولي ومصالح‬ ‫االحتكارات الغربية التي ارتبطت ارتباطا تابعا وثيقا معها؛ وفي الوقت ذاته اعتبر هذا‬ ‫اليسار الفلسطيني أن الثورة الفلسطينية لن تستطيع االنتصار على أعدائها إال إذا‬ ‫شيدت جبهة وطنية عريضة يقودها اليسار‪ .‬وبدال من أن يضع اليسار برامج لتحقيق‬ ‫هذه األهداف‪ ،‬تورط في معارك تنافسية بني أجزائه على املؤسسات كانت تنتهي إلى‬ ‫حتالفات تضعفه‪ ..‬وبهذا كان املستفيد األول من تشرذم اليسار هو حركة "فتح" التي كان‬ ‫يريد اليسار أن يكون بديال عنها‪ ،‬ثم إنه بدال من بناء هوية مستقلة متميزة لليسار‪،‬‬ ‫انهمك اليسار في تقليد "فتح" واتضح هذا التقليد في النهج العسكري من القواعد العلنية‬ ‫واالستعراضات‪ ...‬على الصعيد االجتماعي‪ ،‬بقي اليسار محصورا في صفوف الشرائح‬ ‫املثقفة والطالب الذين استهوتهم لغة اليسار وخطابه السياسي‪ ،‬غير أن اليسار‪ ...‬لم‬ ‫يفهم اإلنسان العادي‪ ،‬كما عجز عن فهم أهمية اإلسالم في بناء كينونة اإلنسان العربي‪،‬‬ ‫وتصرف بشكل مراهق في أحيان كثيرة في هذا الشأن‪ ،‬مما اضعف ثقة املواطن العادي‬ ‫به‪ ،‬وبخاصة ألنه كان مفروضا أن يكون هذا اليسار ممثال له‪ .‬املثير للدهشة أننا قلما جند‬ ‫تقييما ونقدا جادا ذاتيا في هذه تقارير التنظيمات اليسارية الفلسطينية؛ إذ تبدأ معظمها بـ‬ ‫"أن األحداث جاءت لتثبت صحة خطنا وسياساتنا‪ ."...‬هذه املفاخرة بصوابية املوقف‬ ‫السياسي والبرامج "املعصومة عن اخلطأ" أصبحت تقليدا يساريا كئيبا‪ .‬في معظم‬ ‫األحيان كانت األخطاء تعزى إلى الغير‪ ،‬فتارة حتمل قوى االنشقاق واالنحراف في‬ ‫هذه التنظيمات اخلطأ‪ ،‬وأحيانا أخرى تر ّد األخطاء إلى نقص في اإلمكانات املالية‪ ،‬أو إلى‬ ‫املد األصولي وانحراف النخب املثقفة وشيوع الثقافة االستهالكية وانخداع الشارع‬ ‫الفلسطيني العربي بأطروحات اليمني‪ ،‬دون معاجلة العامل الذاتي ودوره في معضالت‬ ‫النضال وتقييم املنهج الذي تدير به هذه الفصائل شؤونها التنظيمية والنقابية وكيفية‬ ‫قراءة الواقع وتنشئة الكوادر‪ ،‬والدكتاتورية البيروقراطية املتأصلة التي كانت تكبح‬ ‫أخالقية الكوادر الشابة وقمع الكوادر واألطر النسائية؛ مما يدفعها إلى االنشقاق والهجرة‬ ‫وعدم قدرتها على تعويض هذه الكوادر وضخ احليوية والتجديد في بنائها التنظيمي‪.‬‬ ‫أما التعامل الفوقي واإلحاللي للفصائل الفلسطينية مع النقابات واألطر املتخصصة‬ ‫فكان من األسباب املرضية في الساحة الفلسطينية‪....‬لم يختلف اليسار في تعامله مع‬ ‫هذه األطر عن تعامل "فتح" معها‪ .‬فكانت تقوم بتفريخ نقابة موازية في كل نقابة لم‬ ‫تفز فيها باالنتخابات‪ ،‬وبذلك تعددت الدكاكني النقابية واألطر النسائية والثقافية والصحية؛‬ ‫وبهذا تشرذمت قطاعات لم يكن أبدا مفروضا لها أن تبنى على أسس فصائلية كالصحة‬ ‫والتعليم وغيرها" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫فشل في إدراك الترابط بني مهمة النضال الدميقراطي ومهمة النضال الوطني التحرري‬

‫"تعيش األحزاب والفصائل اليسارية –موضوعياً‪ -‬ما ميكن تسميته بأزمة القيادة‪،‬‬ ‫بطابعها الذاتي والتاريخي‪ ،‬التراكمي‪ ،‬الذي يعيد إنتاج ومفاقمة األزمة وانعكاساتها‬ ‫‪64‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫السلبية‪ ...‬وفي ضوء ذلك لم يكن مستغربا ً تراكم مظاهر التراجع الفكري‪ ...‬ولم يكن‬ ‫مستغربا ً أيضا ً عجز هذه القيادة وأحزابها عن توجيه عملية البناء والتوسع التنظيمي‪،‬‬ ‫التي تراجعت بدورها بصورة مريعة رغم نضج احلالة اجلماهيرية التي لم جتد ملجأً‬ ‫لها سوى حركات التيار الديني أو االنضواء –بضغط احلاجة‪ -‬في األطر السياسية‬ ‫اليمينية املتنفذة‪ ،‬واألجهزة البيروقراطية املتنوعة‪ .‬وفي هذا اجلانب‪ ،‬نشير إلى أن‬ ‫القاعدة االجتماعية ألحزاب اليسار‪ ،‬كانت – وما زالت ‪ -‬في مساحة كبيرة منها –‬ ‫تتكون أساسا ً من فئات البرجوازية الصغيرة واملتوسطة وبعض املثقفني الذين لم ينسلخ‬ ‫معظمهم عن انتمائه الطبقي أو العشائري أو احلمائلي‪ ...‬الخ‪ .‬هذه االنتماءات املشوهة‪،‬‬ ‫في واقع اجتماعي اقتصادي تابع ومتخلف؛ مما أدى إلى تراجع فكرة تغيير هذا الواقع‬ ‫وجتاوزه‪ ،‬ولهذا السبب – وأسباب عديدة ‪ -‬كان تبني هذه األحزاب والفصائل للمنهج‬ ‫املاركسي اجلدلي والفكر العقالني عموماً‪ ،‬شكلياً ومظهرياً هشاً قابالً لالختراق الليبرالي‪،‬‬ ‫واألصولي‪ ،‬بسبب فشل فصائل وأحزاب اليسار في مراكمة الوعي بالواقع املعيش‬ ‫وتغييره من جهة أو تعميق املنهج العلمي اجلدلي‪ ،‬والفكر العقالني في صفوف أحزابها‬ ‫وكوادرها‪ ،‬من جهة ثانية‪ ...‬وساهم هذا اخللل البنيوي في اغتراب اليسار الفكري‪...‬‬ ‫ولم يستطع أن يدرك الترابط بني مهمة النضال الدميقراطي ومهمة النضال الوطني التحرري‪،‬‬ ‫وهذا اخللل هو الذي أدى باليسار إلى أن يكون عاجزا ً عن جتاوز أزمته حتى بعد تعرفه‬ ‫على أسبابها" (قيادي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫قيادات فردية وطاردة للعقل النقدي‬

‫"وصف ما جرى لليسار بالتراجع ينطوي بتقديري على نوع من املجاملة؛ إذ إن الواقع‬ ‫يقول إن مقارنة وضع القوى اليسارية الرئيسة اليوم مع وضعها نفسها قبل ثالثني‬ ‫عاما ً تبني أنها حتولت إلى قوى ليس لها أي أثر فعلي ال على الشارع وال على صناعة‬ ‫القرار‪ ...‬لقد اتسمت الهياكل التنظيمية لقوى اليسار بغياب اجلوهر الدميقراطي عنها‬ ‫وأن كل ما كان يشاع عن دميقراطية هذه القوى لم يكن سوى ضرب من الدمياغوجيا‪،‬‬ ‫بحيث عززت هذه الهياكل فردية القيادة‪ ....‬وبدالً من تعزيز النقد والنقد الذاتي الذي‬ ‫من شأنه أن يلعب دورا ً جوهريا ً في تطوير األداء وسد الثغرات واالستفادة من سلبيات‬ ‫جتاربها قبل إيجابياتها على مدى عمرها الزمني‪ ،‬أصبح العضو الذي يتمتع بالعقل النقدي‬ ‫منبوذا ما يفتأ أن يلفظه التنظيم أو يجد نفسه خارجه بقوة الطرد املركزية‪ ...‬وفي املقابل‬ ‫أصبح هناك أشخاص يعتنون براحة القادة‪ ...‬فأصبح التسلق للمراكز القيادية في‬ ‫كثير من األحيان لفئة من املتسلقني والسيما في احلقبة التي سبقت انهيار االحتاد‬ ‫السوفييتي‪ ،‬وهو أمر يتبني في ما حدث الحقا ً من انشقاقات داخل بعض هذه القوى‬ ‫التي كان عنوانها وجود محسوبيات‪...‬؛ األمر الذي ما كان له أن يحدث لوال البناء‬ ‫التنظيمي الهش‪ ،‬الذي لم يكن دميقراطيا ً من حيث جوهره‪ ...‬كما أن الطبيعة الطبقية‬ ‫أو االجتماعية لألعضاء لعبت دورا ً مهما ً في تغيير الطابع الطبقي واالجتماعي للقاعدة‬ ‫‪65‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الشعبية‪ ،‬وبدالً من أن جند قواعد اليسار من الفقراء واملهمشني من العاطلني عن العمل كان‬ ‫ما حدث هو العكس‪ ،‬حيث ميزت هذه الصفات الطابع القاعدي حلركة حماس على مدى‬

‫السنوات الثماني املنصرمة‪( "...‬كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫بنية تنظيمية جامدة وتسلط قيادات تاريخية‬

‫"هناك غلبة للنزعة الفئوية واملصالح الفردية لدى قيادات اليسار‪ .‬ال يوجد تباين فعلي‬ ‫على األصعدة الفكرية واأليديولوجية والتنظيمية ‪ -‬وال حتى السياسي إذا ما استثنينا‬ ‫مواقف اجلبهة الشعبية في بعض القضايا‪ -‬بني تنظيمات اليسار‪ ،‬وهذا ينطبق حتديدا‬ ‫على تنظيمات كتلة "البديل"‪ .‬العقدة تكمن في استمرار البنية التنظيمية اجلامدة‪ ،‬وفي‬ ‫تسلط القيادة التاريخية على معظم هذه التنظيمات‪ .‬التجديدات التي أدخلت على األسس‬ ‫التنظيمية والفكرية لهذه التنظيمات ال متارس على أرض الواقع أو هي متارس بأسلوب‬ ‫شكلي‪ .‬ال انتظام للمؤمترات (بحجة األوضاع األمنية والعامة)‪ ،‬وبالتالي ال جتديد فعليا‬ ‫في الهيئات احلزبية وأساليب عملها‪ ،‬وال تغييرات في البرامج مبا يتالءم مع التحوالت‬ ‫السياسية واالجتماعية واالقتصادية‪ .‬علينا وعي أن وحدة تنظيمات اليسار تهدد‬ ‫مواقع القيادات في احلزب أو التشكيل املوحد وفي متثيلها في الهيئات الوطنية (منظمة‬ ‫التحرير) أو في مؤسسات السلطة أو في االحتادات الشعبية" (كادر حزبي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫عجز في بناء دميقراطية داخلية‬

‫"األسباب الرئيسة لتراجع اليسار أعيدها إلى بنية تنظيمات اليسار الذاتية التي بقيت‬ ‫مشدودة لشعارات سياسية عامة ذات طابع وطني دون الدخول في نضال جدي حقيقي‬ ‫يهدف إلحداث تغيير في واقع املجتمع والقطاعات االجتماعية‪ ،‬وفي الوقت نفسه عجزت‬ ‫قوى اليسار عن بناء دميقراطية داخلية حقيقية تشكل منوذجا جذابا جتديديا‪ .‬فهي لم تتمايز‬ ‫في مناذجها القيادية غير القابلة للتغيير عن غيرها‪ .‬فاالعتبارات املصلحية [الفئوية] جعلت‬ ‫قيادات اليسار حتول دون تغيير هذه التنظيمات لبناها الداخلية أو لعالقاتها الفصائلية‪.‬‬ ‫وساعد في ذلك منوذج الشهيد أبو عمار‪ ،‬ولذلك غابت عن الساحة الفلسطينية املناخات‬ ‫الدميقراطية احلقيقية باستثناء بعض الطقوس الشعائرية اخلادعة" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"إن أفضل شكل للعمل احلزبي هو حتويل األحزاب إلى حركات سياسية من طبيعة غير‬ ‫صارمة‪ ،‬وذات طبيعة عنقودية وليست هرمية‪ ،‬واألهم ربط احلركة (احلزب) باإلطار‬ ‫الشعبي" (كادر ��ابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫أحزاب ال تتغير قياداتها األولى وطبقت الشق األول من مبدأ املركزية الدميقراطية‬

‫"حسب ما تعلمنا في بداية عملنا الوطني كانوا في أحزاب اليسار يثقفون األعضاء‬ ‫على أن اليسار يشكل اخليار الثوري في الساحة السياسية‪ ،‬لكن في املمارسة حتول‬ ‫‪66‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار إلى [تنظيم] ملكي‪ ،‬حيث ومنذ انطالق أحزاب اليسار لم تتغير قياداتها األولى‬

‫بل بقيت هي هي‪ ،‬والبعض مضى عليه عقود في موقعه كأمني عام‪ .‬وهذا الثبات في‬ ‫الهيئات القيادية األولى خصوصا يدعونا للقول إن التغيير واجلذرية وكل املصطلحات‬ ‫الثورية ليست أكثر من جمل وشعارات منمقة وزائفة‪ .‬بقناعتي أن الدميقراطية الداخلية‬ ‫في أحزاب اليسار دميقراطية مفصلة تفصيال على القد ومقيدة باملركزية الدميقراطية التي‬ ‫لم يطبق منها إال الشق األول‪ ،‬وبالتالي فان اليسار كرس ذات النموذج االستبدادي‬ ‫املوجود في الساحة السياسية" (مستقل)‪.‬‬ ‫املؤمترات احلزبية محطات إلعادة جتديد القيادات األولى لذاتها بدال من أن تكون‬ ‫محطات مراجعة‬

‫"املؤمترات احلزبية لم تكن محطات مراجعة بل كانت مبثابة إعادة جتديد للقيادة ذاتها‬ ‫واإلشادة بالسياسات القدمية؛ وبالتالي افتقرت أحزاب اليسار لرؤية وطنية متكاملة‪.‬‬ ‫والبرامج التي طرحها اليسار كانت برامج محافظة ولم تلحظ التطورات اجلديدة الناشئة‬ ‫بعد قيام السلطة‪ ،‬ومنها إشكال النضال وثقل البعد املجتمعي‪ .‬البنى التنظيمية لقوى‬ ‫اليسار بقيت بنى متقادمة وشائخة‪ ،‬وهذا بدون شك انعكس على األداء وتسبب في نزف‬ ‫الكادر وخروجه؛ وهو ما قاد إلى تراجع في احلجم والوزن اجلماهيري لتلك األحزاب"‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"يجب أن منيز بني الدميقراطية وبني أن احلزب الثوري ليس تيارا عاما بينما هو قوة‬ ‫قيادية بحاجة إلى أن يعمل بشكل منسجم لتحقيق األهداف التي يحددها‪ .‬من هنا نفهم‬ ‫املركزية الدميقراطية ليس باعتبارها هيمنة القيادة على القاعدة أو منع التعددية في‬ ‫اآلراء‪ ،‬وإمنا باعتبارها توحيدا لقوى احلزب في العمل‪ .‬فكرة نسب التجديد [لقيادات‬

‫احلزب] ليست واقعية ولكن ميكن ضمان التجديد من خالل وضع سقوف زمنية لتولي الهيئات‬ ‫املعينة أو السقف العمري وهذه لم تقر بعد‪( "...‬قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬

‫مع التغيير وفق نسب معينة‪ ،‬واملشكلة ليست في البرامج بل في آليات التنفيذ‬

‫"املؤمترات لم تخلق قيادات شابه جديدة‪ ،‬وأنا لست مع املطالبني بتغيير القيادة بشكل‬ ‫كامل بل التغير الذي يتم وفق نسبة معينة وأيضا يحمل التغيير قيادات جديدة أفضل‬ ‫من حيث الكفاءة‪ .‬على صعيد املرأة لم أحلظ أن هناك مشكلة في وصول املرأة للمواقع‬ ‫القيادية خصوصا إذا كانت كفؤة؛ وأنا شاركت في االنتخابات مع رفيقات أخريات‬ ‫وجميعنا فزنا في تلك االنتخابات‪ .‬بتقديري أن املشكلة ليست في البرامج االجتماعية‬ ‫التي تستهدف املرأة والشباب فقد مت إقرارها ولكن األهداف الرئيسية حتتاج إلى‬ ‫أهداف فرعية وخطط وآليات تنفيذ‪ ،‬وهذا كله مفقود وال اعرف السبب بالضبط ملاذا"‬ ‫(مسؤولة نسائية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪67‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األزمة أزمة قيادة‬ ‫"فتح" ال تطرح برنامجا مقنعا‪ ،‬و "حماس" تطرح برنامجا ظالميا‪ ،‬واليسار لم يستطع‬ ‫طرح بديل عن "فتح" وعن "حماس"‪ .‬أبو عمار جفف متويل اليسار‪ ،‬احلزب الشيوعي‬

‫[حزب الشعب الحقا] بنى قاعدة اقتصادية لنفسه‪ ،‬لكنها انقلبت ضده (اإلغاثة الطبية‬ ‫واإلغاثة الزراعية ومؤسسة القانون‪ .)..‬أزمة اليسار هي أزمة قيادة‪ ،‬وعدم قدرة اليسار على‬ ‫التوحد تعود إلى أن كل أمني عام يريد أن يبقى أمينا عاما إلى األبد‪ .‬ال جتديد في القيادة وال تواصل‬ ‫بني األجيال‪ .‬اجليل الثالث الذي عايش جتربة االنتفاضة األولى (كان في سن الشباب)‬ ‫استقطبته املنظمات غير احلكومية (‪ )NGOs‬عبر الراتب بالدوالر‪ .‬أغلبية شهداء األقصى‬ ‫من مخيم الدهيشة هم باألساس من اجلبهة الشعبية؛ وذلك ألن "فتح" وفرت لهم املجال‬ ‫خالفا للشعبية التي لم تستطع توفير املوارد النضالية الالزمة لهم" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫تأبيد الهيئات القيادية اضعف ثقة األعضاء بأحزابهم‬ ‫"ما يطلق عليه تأبيد الهيئات أدى إلى عزوف أعضاء اليسار عن املساهمة في العمل احلزبي‬ ‫والتنظيمي‪ .‬وهذا أسهم وبشكل كبير في إضعاف ثقة أعضاء اليسار بأحزابهم‪ ،‬وبالتالي‬

‫قدرتهم على ضخ دماء جديدة في هذه األحزاب‪ .‬كما أن ارتباط التنظيم بشخص معني‬ ‫(األمني العام) أدى إلى إضعاف روح االنخراط في العمل والقناعة بإمكانية تطبيق مبدأ‬ ‫لكل مجتهد نصيب داخل احلزب أو داخل البنيان التنظيمي؛ مما أدى أيضا إلى إضعاف‬ ‫احلضور اجلماهيري للحزب" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫ال معايير موحدة في قياس أداء الكادر واليسار واجه حالة من االستنزاف عبر املغادرة‬ ‫واالستنكاف‬

‫"احتجاز التطور كان نهجا في أحزاب اليسار حيث ثبتت الهيئات على قيادات معينة‬ ‫فيما الكادر الشاب بقي في مكانه دون تقدم ‪ ...‬باختصار تصعيد الكادر في السلم‬ ‫القيادي خضع العتبارات العالقة مع الطبقة العليا في احلزب‪ ،‬وهذا ما سبب تناقضات‬ ‫داخلية بني الكادر ألنه كان يشعر أن هناك متييزا‪ ،‬وال يوجد معايير موحدة لقياس‬ ‫األداء ‪ ...‬تتمثل ابرز مشكالت اليسار على املستوى الذاتي في االستنزاف الذي واجهه بسبب‬ ‫االستنكاف وعمليات املغادرة للتنظيم‪ ،‬واملشكلة أن اليسار لم يقف بجدية ملناقشة هذه‬ ‫الظاهرة التي تركت أثرها الكبير على تنظيمات اليسار والناجتة عن السياسات الداخلية‬ ‫لهذه األحزاب‪ ...‬املؤمترات احلزبية لم تكن تنظم حسب اللوائح‪ ،‬وعدم انتظام املؤمترات‬ ‫تسبب في غياب احملاسبة‪ ،‬وتاليا تراكم املصالح للفئة املهيمنة في قيادة احلزب‪ ...‬كنا نفهم‬ ‫املركزية الدميقراطية في إطار قيادة حديدية وحزب متماسك لكن هذا املفهوم ثبت أنه‬ ‫غير صحيح‪ ،‬وبخاصة بعد االنهيار الذي أصاب املنظومة االشتراكية‪ ...‬هناك من أعاد‬ ‫النظر جذريا بهذا املفهوم‪ ،‬وهناك من تخلى عنه مذعورا وليس عن قناعة ألنه تخلى عن‬ ‫املضمون املاركسي للحزب" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪68‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫هيمنة ثقافة تنظيمية فئوية‬

‫"من أسباب تراجع اليسار تعدد املرجعيات والتي شكلت أساسا للشرذمة‪ .‬ثم هناك‬ ‫االختالف في الرؤى السياسية كاملوقف من قرار التقسيم‪ ،‬وقرار ‪، 242‬ومشروع‬ ‫روجرز ومؤمتر مدريد واتفاق أوسلو الخ‪ .‬وهناك االنشقاقات التي شهدها اليسار‬ ‫والتي كانت بسبب التدخالت احمللية واإلقليمية‪ ،‬وبسبب ضعف الدميقراطية الداخلية‪،‬‬ ‫وبسبب تربية األعضاء على ثقافة الكراهية والفئوية‪ ،‬وهذا عقد إمكانية الوحدة‪ .‬كما عزز‬ ‫اليسار السلوك الفاسد للسلطة عبر املطالبة بحصص في التوظيف‪ ،‬وتصارع وتسابق‬ ‫تنظيمات اليسار على فتات احلصص من السلطة؛ وبالتالي ليس من املتوقع أن يأخذ‬ ‫املواطن اليسار على محمل اجلد" (مستقل)‪.‬‬ ‫الدميقراطية الداخلية الزائدة خلقت الشللية‬

‫"الدميقراطية الداخلية الزائدة هي التي دمرت اليسار الفلسطيني ألنها خلقت الشللية‬ ‫داخل التنظيمات؛ وهذا أوصل أناسا إلى الصف القيادي وهم ال يستحقون أن يكونوا‬ ‫فيها" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار والعيش على أمجاد املاضي‪ ،‬واملشكلة سببها القيادات احلزبية‬

‫"أبقت األحزاب اليسارية على حالة االنغالق على الذات ("فوبيا [اخلوف الشديد] من‬ ‫التغيير والتجدد")‪ ،‬وظلت هيئاتها الشعبية والقيادية منغلقة على فئة قليلة ترث احلزب‬ ‫وخصوصا في غياب حالة التثقيف السياسي واحلزبي التي ابتعدت عنها األحزاب‬ ‫اليسارية بشكل خاص؛ مما حتم عليها النتيجة التي وصلت إليها من االنحسار والتهميش‬ ‫ومحدودية املشاركة في احلراك السياسي احلاصل‪ ،‬وعدم القدرة على التأثير ‪ ...‬غالبية‬ ‫أحزاب اليسار تعيش على أطالل تاريخ ازدهارها في املاضي وميراثها النضالي الذي أصبح‬ ‫جزءا من التاريخ‪ .‬املشكلة تكمن في مجملها في القيادات احلزبية التي لم تستطع االستجابة‬ ‫للتغيرات السياسية واإلقليمية احلاصلة ولتطور الفكر السياسي واالجتماعي احلاصل‬ ‫سواء على مستوى الداخل أو اخلارج‪ ،‬وعدم قدرتها على تهيئة بنية حتتية خللق قواعد‬ ‫جديدة تستطيع من خاللها بناء قوتها مرة أخرى ال على الصعيد البرنامجي وال على‬ ‫الصعيد الشعبي" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫حترمي وجود رأي آخر في التنظيم‬

‫"لم يقدم اليسار منوذجا جتديديا لهيئاته‪ ،‬واملؤمترات التي كانت تعقد بشكل غير‬ ‫منتظم كانت شكلية‪ ،‬وكان الترشيح يتم مركزيا‪ ...‬ونسبة جناح القائمة املركزية ‪،%100‬‬ ‫وهو ما يعني أن فكرة وجود رأي آخر في احلزب محرمة متاما‪ ،‬وكانت تصنف باالنتهازية‬ ‫والتحريفية والتآمر على وحدة احلزب‪ ...‬هذا النمط من األحزاب يشكل إلغاء للعقل‬ ‫وحرية الفكر‪ .‬ولذا فمن الطبيعي القول إن االنشقاقات التي حصلت في أحزاب اليسار‬ ‫كان سببها الرئيس غياب احلياة الدميقراطية الداخلية‪( "...‬مستقل)‪.‬‬ ‫‪69‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تغييب الدميقراطية أدى إلى هجرة املثقفني من أحزاب اليسار‬

‫"جرى تغييب الدميقراطية احلقيقية في أحزاب اليسار حيث كان هناك تيار مركزي‬ ‫بقيادة األمني العام وأي فكر يتعارض مع هذا التيار يواجه بالقمع واإلقصاء حتى يجد‬ ‫العضو نفسه خارج احلزب‪ .‬وهذا السلوك أدى إلى هجران املثقفني لهذه األحزاب التي‬ ‫وجدت نفسها غير قادرة على العمل من داخل أحزابها‪ .‬ال تتوافر تربية حقيقية بالثقافة‬ ‫الدميقراطية ولم متتلك قوى اليسار أساسيات العمل الدميقراطي‪ .‬اليسار لم مييز نفسه‬ ‫بالفكر الدميقراطي بسبب محافظته" (مستقل)‪.‬‬ ‫"التركيبة الهرمية ومفهوم املركزية مسيطران في األحزاب اليسارية‪ ،‬وقد ثبت بعد انهيار‬ ‫االحتاد السوفييتي وغيره أنها طريقة نحو الدمار" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫القيادات األولى ال تتجدد‪ ،‬وسيادة الفكر املتزمت واألصولية ومؤمترات متباعدة‬

‫"اإلشكالية الكبرى لدى اليسار على املستوى الذاتي تتمثل بجمود القرار السياسي‬ ‫وسيادة منط من التفكير ميتاز بالتزمت واألصولية السياسية والفكرية؛ مما حال دون‬ ‫قدرة اليسار على التحرك مبرونة والتعاطي مع املستجدات‪ .‬اإلشكالية األخرى على‬ ‫الصعيد الداخلي تتمثل في العقوبات احلزبية القاسية والتي بات ينظر لها على مستوى‬ ‫األعضاء بأنها عقوبات تتسبب في ضعف االنتماء وفي انفضاض األعضاء من هذه‬ ‫األحزاب وبخاصة ألن الهدف من العقوبات هو التربية وليس التحطيم‪ ،‬أو دفع العضو‬ ‫لليأس‪ ...‬ومن إشكاليات اليسار الذاتية غياب تغيير منهجي للقيادات احلزبية خصوصا في‬ ‫الصف القيادي األول‪ ،‬واملؤمترات احلزبية ليست منتظمة بل متباعدة‪ ،‬واألهم في األمر أن‬ ‫الت��يير في املؤمترات شكلي‪ ،‬وال ميس مضمون البعد الفكري آو التنظيمي؛ لهذا ال تؤسس‬ ‫تلك املؤمترات حلالة استنهاض في حياة أحزاب اليسار" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫أحزاب ما زالت حتافظ على قيادات أولى منذ التأسيس‬ ‫"كيف يب ّرر وجود قيادات على رأس أحزابها منذ التأسيس إلى يومنا هذا وال يوجد لديها أية‬ ‫نية في التنحي؟ أعتقد أن التجديد الفعلي يتطلب تغييرا في املقوالت وفي لغة اخلطاب‬

‫واخلروج من دائرة اجلمود التقليدي في القضايا الفكرية والسياسية‪ .‬التجديد يعني‬ ‫اخلروج إلى الشارع ومكاشفته مبا يحصل‪ .‬ويجب في محطات معينة املطالبة مبحاكمة‬ ‫املسؤولني عن األخطاء واخلطايا التي ترتكب باسم الشعب الفلسطيني‪ ...‬يجب مناقشة‬ ‫األمور بوضوح وجرأة‪ ،‬وهذا ما لم يفعله اليسار" (كادر سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫النرجسية الفصائلية هي نتاج التنافس غير الشريف‬

‫"أحد معوقات وحدة اليسار الفلسطيني‪ ،‬كما أشارت أوراق العمل واملداخالت [في‬ ‫املؤمتر الدولي املعنون "جتارب توحيد وتفعيل اليسار في فلسطني والعالم" الذي عقد‬ ‫‪70‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫في رام الله وغزة في أواخر حزيران ‪ ]2009‬هو الفئوية العالية لدى فصائل اليسار‪ ،‬واألمر ال‬ ‫يتوقف على قياداتها‪ ،‬بل كوادرها وقواعدها ورمبا أكثر بكثير مما هو عليه اآلمر لدى بعض‬

‫قيادات اليسار‪ ،‬إال أن ذلك يعود بدرجة أساسية إلى قيادات الفصائل التي ترعى وتربي‬ ‫كادرها على أن "الفصيل" هو قائد مسيرة اليسار وأن الفصائل اليسارية األخرى هي‬ ‫اقل قدرة وعددا ً وتأثيراً‪ ،‬وأن "الفصيل" هو صاحب املوقف األصح دائماً‪ ...‬الفئوية‬ ‫والتعصب احلزبي وكافة مظاهر النرجسية الفصائلية‪ ،‬لم تأت من فراغ بقدر ما هي‬ ‫نتاج التنافس غير الشريف بني هذه الفصائل‪ ،‬وذكر أحد املداخلني أنه في حالة ربح أو‬ ‫خسارة فصيل ما في االنتخابات النقابية‪ ،‬فإن املقارنة تتم بني الفصائل اليسارية نفسها‪،‬‬ ‫وليس مقارنة بني مكاسب أو خسارة اليسار مع قوى اليمني األخرى‪ ،‬وهذا صحيح إلى حد‬ ‫بعيد‪ ،‬إال أن حتالفات فصائل اليسار بشكل عام مع اليمني من دون حتالفات مع اليسار‬ ‫نفسه‪ ،‬جتعل من كال املقارنتني بعيدا ً عن الدقة‪ ،‬وهذا يحيلنا إلى معوق أخر يتعلق برؤية‬ ‫مختلف فصائل اليسار ملفهوم التحالفات‪ ،‬ينطوي على فئوية عالية وانتهازية رخيصة‬ ‫في معظم احلاالت"‪ 42.‬‬ ‫اليسار الفلسطيني لم يعتمد أساسا طبقيا في بنائه احلزبي وغ ّيب النهج الدميقراطي‬ ‫في حياته احلزبية‬

‫"األمر املهم الذي يجب ذكره كسبب من أسباب تراجع اليسار الفلسطيني حتديدا هو‬ ‫عدم قدرته على تشكيل إطار موحد كأداة نضالية ملواجهة التحديات الفلسطينية‪ ،‬في حني كانت‬ ‫االنشقاقات الداخلية السمة األساسية التي متيز بها اليسار وليس الوحدة‪ .‬كما أن املشكلة‬ ‫ليست في الطرح النظري لبرنامج اليسار فيما يخص القضايا االجتماعية بل تكمن في‬ ‫حقيقة أن اليسار الفلسطيني لم يعتمد أساسا طبقيا في بنائه احلزبي قدر اعتماده على‬ ‫نخب مثقفة‪ ...‬إضافة لغياب املنهج الدميقراطي في احلياة احلزبية وسيطرة الزعيم‬ ‫والهيئة التي يقودها على مفاصل العمل الداخلي دون السماح لهامش من االستقاللية‬ ‫أو التجديد الدميقراطي‪ ...‬وأخيرا فإن واقع الشتات الفلسطيني جغرافيا ودميغرافيا‬ ‫أفقد املجتمع إمكانية الفرز الطبقي النموذجي‪ .‬وأيضا من الطبيعي اإلشارة حلقيقة‬ ‫بروز الهم الوطني العام وضرورة مواجهته على حساب الهم االجتماعي‪ ،‬ولكن هذا ال‬ ‫يعفينا من االعتراف بالفشل في القدرة على تكييف البرنامج واألداة قياسا لهذا الواقع‬ ‫االستثنائي" (قيادي في جبهة النضال الوطني)‪.‬‬ ‫لم يحدث تغيير حقيقي في أحزاب اليسار‬

‫"التجديد في الهيئات احلزبية كان محدودا وغير ظاهر‪ ،‬واملؤمترات لم تكن تنعقد‬ ‫في موعدها احملدد وكانت في السابق تساق أسباب لتبرير التأخير منها التشتت في‬ ‫‪ 42‬هاني حبيب‪" ،‬مؤمتر اليسار؛ مترين إضافي"‪ ،‬األيام‪ 28 ،‬حزيران ‪.2009‬‬

‫‪71‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الساحات والعمل السري‪ ،‬ولكن بعد االنتقال إلى العمل العلني ال أعلم كيف تبرر‬ ‫قيادة األحزاب عدم انتظام مؤمتراتها‪ .‬الصراعات الداخلية في أحزاب اليسار نتيجة‬ ‫منو أجنحة واجتاهات متباينة في مواقفها ورؤاها التي تتراوح بني اجتاهات راديكالية‬ ‫وأخرى ليبرالية‪ .‬وهذه االختالفات‪ ،‬وإن كانت أمرا طبيعيا‪ ،‬فإن عدم تنظيمها في أطر‬ ‫معينة يفضي إلى حالة من الشلل الداخلي واالنفالش‪ .‬التغيير لم يكن حقيقيا في أحزاب‬ ‫اليسار بدليل استمرار اعتماد املركزية الدميقراطية في األنظمة الداخلية ألحزاب اليسار أو‬ ‫لبعضها‪ ،‬وال أعلم كيف ستجمع هذه األحزاب بني مطالبتها بنظام دميقراطي تعددي‬ ‫في املجتمع وهي ال تتبع هذا املنهج؟" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫مؤمترات تعيد إنتاج القيادات ذاتها‬ ‫"املؤمترات التي تعقدها األحزاب اليسارية تعيد إنتاج املاضي بصورة جديدة ألنها تعيد‬ ‫القيادات ذاتها وفي القوالب اجلاهزة ذاتها‪ ،‬وهي لم جتر عملية حتديث ألنظمتها الداخلية‪،‬‬

‫ولم تلحظ اجلديد على مستوى األحزاب في العالم واملتمثل بتحديد مدد زمنية للقيادات‬ ‫واملسؤولني‪ ...‬كما أن عليها االنفتاح على كل الفئات ما دمنا في مرحلة حترر وطني‪،‬‬ ‫وعليها أن جتدد برامجها وسياساتها اجلماهيرية على أساس احتياجات اجلمهور أو‬ ‫القطاع املعني" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫من الصعب املناداة باعتماد الدميقراطية في املجتمع وحجبها في الوقت ذاته عن التنظيم‬

‫"غياب الدميقراطية الداخلية من األسباب التي حالت دون تبوء اليسار ملركزه الالئق‬ ‫في العمل الوطني‪ ،‬ويبرز هذا في عدم جتديد اليسار لهيئاته القيادية العليا‪ .‬نحن نحترم‬ ‫هذه الهيئات ونقدر ما بذلته من تضحيات جسام في املاضي وفي املراحل التاريخية‬ ‫الصعبة‪ ،‬لكن املتغيرات التي تعصف بالعالم ومبجتمعنا وتعقيدات األوضاع تستوجب‬ ‫بالضرورة تغييرا في القيادات السابقة أو تطعيما مؤثرا لها‪ .‬وهذه مسالة غاية في‬ ‫الضرورة ‪ .‬فأحزاب اليسار ليست نظاما ملكيا متوارثا‪ ،‬وال ميكن‪ ،‬أومن الصعب‪ ،‬أن‬ ‫ننادي بالدميقراطية متجنبني إحداث تغييرات قيادية في أطر أحزابنا القيادية؛ وذلك حتى‬ ‫يكون بإمكاننا إقناع اآلخرين بخطنا السياسي ومتسكنا بإحداث التغيير في املجتمع"‬ ‫(قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫هيمنة العمل املكتبي وغياب للعناصر الشابة والنسائية‬

‫"تنظيمات اليسار فقدت العديد من الكوادر والقيادات املجربة بسبب خالفات فكرية‬ ‫وسياسية وتنظيمية‪ .‬من أسباب تراجع اليسار غياب الدميقراطية الداخلية وقلة‬ ‫التجديد في الهيئات وارتباط التجديد بلون سياسي واحد‪ ،‬وتباعد املؤمترات‪ ..‬أزمة‬ ‫قيادة لليسار هي تنظيمية وأيديولوجية وسياسية ومالية‪ ....‬العمل القيادي حتول‬ ‫إلى منط حياة و تفكير وتشبث في املواقع‪ ...‬محاولة خلق أطر تنظيمية جديدة قادها‬ ‫‪72‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫أفراد من اليسار تعودوا التقاليد القيادية وأمناط التفكير ذاتها‪ ،‬ومعظمهم من أجيال‬ ‫متقدمة‪ .‬وغابت العناصر الشابة والنسوية عن حمل لواء مشروع يساري‪ .‬كما غابت‬ ‫عنها اإلمكانيات املادية الضرورية مقابل ما هو متوافر لكل من "حماس" و"فتح"‪.‬‬ ‫من أسباب تراجع اليسار ضعف اجلانب الكفاحي‪ .‬فقد سيطر على هذا اجلانب حركة‬ ‫"حماس" عبر كتائب عز الدين القسام‪ ،‬وحركة "فتح" عبر كتائب شهداء األقصى‪،‬‬ ‫ومن هنا كان التسابق بينهما على "العمليات االنتحارية"‪ .‬اليسار لم يطرح مشروعا‬ ‫كفاحيا خاصا به خالل االنتفاضة الثانية‪ ،‬وهذا شكل نقطة ضعف شديدة في دور‬ ‫اليسار‪ .‬وهو لم يستطع اجلمع بني مهمات التحرر الوطني ومهمات البناء الدوالني‪.‬‬ ‫وفي احملصلة اختزل نشاط اليسار إلى التواجد في املكاتب وحضور واجتماعات الفصائل‬ ‫واللجنة التنفيذية‪ .‬بعض اليسار غلب املوقف السياسي على اعتبارات املشروع الوطني‬ ‫الشامل" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫لم جتر مراجعة أو مساءلة على أثر نتائج االنتخابات التشريعية (التي جرت في العام‬ ‫‪)2006‬‬

‫"أزمة اليسار هي أزمة قيادة‪ ،‬وهذه ال تخص اليسار وحده‪ ..‬لقد غابت املواجهة خالل‬ ‫عملية السور الواقي في أواخر آذار ‪ 2002‬في رام الله‪ ،‬وحضرت في مخيم جنني ألن‬ ‫قيادة محلية هناك أخذت قرارا باملواجهة‪ ،‬في حني أن هذا لم يتم في رام الله‪... .‬كما‬ ‫تغيبت اإلستراتيجية الكفاحية الفعلية في مواجهة االحتالل‪ ،‬وهذا يسري على النضال‬ ‫االجتماعي حيث ال تقرن البرامج املمارسة الفعلية‪ .‬اليسار لم يقم بأي نضال من أجل‬ ‫العلمانية ومن أجل قانون أسرة دميقراطي‪ ...‬على اليسار أن يشكل بديال حلركتي "فتح"‬ ‫و "حماس" ال أن يحتل موقعا وسطيا‪ .‬لقد غابت املساءلة واحملاسبة عن تنظيمات‬ ‫اليسار‪ ...‬لم جتر أية مراجعة أو مساءلة بعد نتائج االنتخابات التشريعية األخيرة" (كادر‬ ‫حزبي شاب‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫افتقار اليسار ألشكال مرنة من التواصل مع اجلمهور‬

‫"املؤمترات احلزبية لم يكن مقدرا لها أن حتل مشكلة اليسار ألن قاعدة هذه األحزاب‬ ‫[أحزاب اليسار] ضامرة أصال؛ وبالتالي من أين سيتم التجديد ما دامت ال جتري دماء‬ ‫جديدة؟ اعتقد أن املؤمترات أضحت مصدر أزمات جديدة وحياتها الداخلية أصبحت هي‬ ‫شغلها الشاغل على حساب حياتها اخلارجية؛ وبرأيي أن التباعد بني املؤمترات هدفه‬ ‫تأجيل األزمات وليس ألسباب موضوعية كما تعودنا أن نسمع‪ .‬البنية التنظيمية ألحزاب‬ ‫اليسار ال تناسب املجتمع املنتج‪ .‬فكثرة االجتماعات وغياب الطرق واآلليات التنظيمية‬ ‫التي تتناسب مع اجلمهور والتواصل بطرق غير تقليدية من نوع الفن واملسرح رمبا‬ ‫يحول العضوية إلى تيار عريض‪ ،‬أي أن مشكلة اليسار تتمثل في افتقاره ألشكال عمل‬ ‫مرنه ومتحركة تتناسب مع الواقع واملتغيرات (حزبية سابقة‪ ،‬د) ‪.‬‬ ‫‪73‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫بنية أحزاب اليسار باتت منفلشة والتقييمات تتم على أساس "الطبطبة" بدل احملاسبة‬

‫"برأيي أن اليسار لم يصل إلى مرحلة تقييم أداء الهيئات القيادية على أساس البرامج‪،‬‬ ‫أي أن حتاسب اللجنة املركزية من قبل املؤمتر على أساس برنامج احلزب املقر‪ ،‬وما‬ ‫أجنزته من هذا البرنامج خالل املؤمترين‪ ،‬بل تتم مناقشة القضايا دون أن تؤخذ‬ ‫حتديدات واضحة‪ .‬لم نصل إلى مرحلة نقر فيها أن مؤمتراتنا دميقراطية متاما‪ ،‬وفي‬ ‫حتديد املعايير النتخاب قيادات احلزب؛ وبالتالي تتم العملية بشكل عشوائي‪ .‬وهذا‬ ‫يؤثر على األداء‪ .‬عندما كانت األحزاب اليسارية حتتكم للمركزية الدميقراطية كانت‬ ‫قدرة تلك األحزاب على املراجعة والتقييم أوضح منها اليوم حيث تبدو بنية األحزاب‬ ‫منفلشة‪ ،‬وتتم املراجعات والتقييمات على أساس الطبطبة وليس احملاسبة الصارمة"‬ ‫(قيادية نسائية‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"عاش اليسار تناقضا صارخا بني الفكر واملمارسة خصوصا في اجلوانب االجتماعية‪.‬‬ ‫التغيير كان شكليا في اليسار بدليل ثبات القيادة وإكسابها رمزية جتعل من تغييرها أمرا‬ ‫في منتهى الصعوبة واخلطورة" (مستقل)‪.‬‬ ‫جرى حتسن في ممارسة الدميقراطية الداخلية ومتثيل الشباب في املؤمترات‬

‫"اللوائح الداخلية في أحزاب اليسار تنص على أن تشكيل جميع الهيئات في احلزب يتم‬ ‫على أساس االنتخاب؛ وبالتالي فهي نتاج عملية دميقراطية وهذا شيء مهم‪ .‬أنا مقتنع‬ ‫أن املركزية الدميقراطية تشكل حماية للحزب وحتميه من حالة الرخاوة‪ .‬االنتخابات‬ ‫الداخلية تتم دون تدخل‪ ،‬وأنا كنت في الهيئة املشرفة على أحد الفروع‪ ،‬ولم اشعر أن‬ ‫هناك توجيهات مركزية في االنتخابات بل كانت تتم بكل سالسة‪ .‬املؤمتر الوطني األخير‬ ‫كان متثيل الشباب فيه جيدا علما بأن الشباب غير ممثلني في املكتب السياسي‪ ،‬وعلى مستوى‬ ‫الضفة فإن الشباب يشكلون ‪ 30%‬من القيادة املركزية" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫املؤمترات احلزبية شكلية‬

‫"كانت املؤمترات شكلية يتم فيها فبركة هيئات موالية للقيادة‪ .‬ووصل األمر في القيادة‬ ‫احلزبية أن تتدخل في اختيار القيادات للمنظمات اجلماهيرية‪ ،‬والتي غالبا ما يتم‬ ‫اختيارها من قبل اجلهاز احلزبي‪ ،‬لكي يبقى اجلهاز احلزبي محكما سيطرته على تلك‬ ‫املنظمات‪ .‬كان هناك إحباط في أوساط الكادر بسبب سياسة تطفيش الكادر املتقدم‬ ‫وحصر االمتيازات للقيادات األولى من مكتب سياسي وجلنة مركزية وبعض املوالني‬ ‫لهذه القيادة من اجلهاز احلزبي البيروقراطي‪ .‬كما ساد تفكيك وتركيب الهيئات احلزبية‬ ‫بطريقة غير دميقراطية وبعيدا عن نتائج املؤمترات الدميقراطية‪ .‬وكذلك سادت التكتالت‬ ‫في الهيئات املركزية رغم زعم قيادات اليسار أن ال تكتالت في أحزاب اليسار وأنهم‬ ‫يحاربون التكتالت الالمبدئية في احلزب" (كادر سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫‪74‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫يوجد عند اليسار عصبوية تنظيمية غير عقالنية‬

‫"يوجد عصوبية تنظيمية غير عقالنية لدى اليسار منعت التوحد‪ .‬على مدى السنوات‬ ‫األربع السابقة كان يجري‪ ،‬كل سنة‪ ،‬قبيل االنتخابات‪ ،‬محاولة لتوحيد اليسار في‬ ‫اجلامعة خلوض االنتخابات الطالبية‪ ،‬لكن دون جدوى‪ .‬وهذا العام (‪ )2009‬لم يتم‬ ‫االتفاق على قائمة موحدة‪ .‬من أسباب الفشل‪ ،‬اخلالف على االسم (أي االسم الذي‬ ‫يتوحد حتته الطلبة اليساريون)‪ ،‬هذا قبل مناقشة توزيع احلصص بني أطراف‬ ‫اليسار‪ ...‬محاوالت التوحيد املتكررة جتري بسبب وجود ضغط طالبي واسع من‬ ‫الطلبة املؤيدين لليسار والذين يرغبون في أن يكون هناك قطب يساري موحد‪ .‬لكن‬ ‫التنظيمات اليسارية غير مقتنعة بالتوحد‪ ...‬اليسار ال ميلك قدرات مالية تقارن مبا لدى‬ ‫"فتح" أو "حماس"‪ .‬لذا نطالب بالدعم املعنوي عبر اتخاذ مواقف واضحة‪ .‬اليسار‬ ‫مطالب بتحليل املرحلة ومتطلباتها لكونه أقدر من غيره على ذلك‪ ،‬واألقدر على حتديد سبل‬ ‫اخلروج من املأزق الوطني‪ .‬هذا لم يحصل حتى اللحظة‪ .‬لم نر مبادرة سياسية من‬ ‫اليسار تطرح حال للخروج من املأزق الوطني‪ ...‬لدى الناس نظرة مش ّوهة عن اليسار‬ ‫واليسار لم يوضح مواقفه ال عبر السلوك وال عبر األقوال‪ .‬معظم الشباب اليساريني‬ ‫في رام الله من خريجي املدارس اخلاصة ويركبون السيارات اخلاصة‪ .‬هذا يؤثر على‬ ‫الصورة التي تصل للناس‪ ...‬غالبية الطلبة ينجذبون إما إلى "فتح" أو إلى "حماس" ألن‬ ‫كال من هذين التنظيمني قوي‪ ،‬أي أنه قادر على توفير الدعم للطالب وحلد ما احلماية‪ .‬لكن‬ ‫العضوية في "فتح" وفي "حماس" تختلف عن العضوية في اليسار‪ .‬ويظهر هذا من‬ ‫أن عدد الذين ينشطون (في االنتخابات على سبيل املثال) من القوى الثالث متساوون‬ ‫في العدد (أي أن قلة من "فتح" و"حماس" نشيطة)‪ ....‬أؤيد وحدة اليسار‪ ،‬لكن‬ ‫الشعب يتبع القيادات وعلى القيادات أن تعمل من أجل وحدة اليسار‪ .‬أعتقد أنها [القيادات]‬ ‫ال تقوم بذلك خوفا من فقدان مراكزها من جهة‪ ،‬وخوفا من ردة فعل قواعد التنظيم الذين عبئوا‬ ‫به ضد التنظيمات اليسارية األخرى‪ ،‬من جهة أخرى‪ .‬ومن هنا فإن تهيئة القاعدة للوحدة‬

‫ضرورة‪ ،‬كما أن من الضروري إبراز نقاط االلتقاء وليس التركيز على نقاط اخلالف‬ ‫فقط‪ .‬على اليسار أن ُي ّ‬ ‫نشط العمل التطوعي ألن هذا يبرز الهوية اليسارية ويعطي مصداقية‬ ‫لبرامج اليسار" (كادر طالبي‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫"اعتقد أن هناك مشكلة في بنية اليسار خصوصا في البنية القيادية وإن كانت متفاوتة‪.‬‬ ‫ونحن في اإلطار الطالبي على سبيل املثال نقوم بالتجديد واالنتخاب لقيادة الكتلة دون‬ ‫تدخل أو توجيهات مسبقة" (كادر طالبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫توسع كبير في تنظيمات لليسار لكن لم يستوعب‬ ‫في االنتفاضة األولى حدث ّ‬

‫"من أسباب تراجع التنظيم الذي انتميت إليه طغيان املفهوم الكمي في عملية االستقطاب‬ ‫التنظيمي حيث طرح [في االنتفاضة األولى] حتول التنظيم إلى القوة األولى ‪ ...‬لكن‬

‫‪75‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫التوسع التنظيمي الكبير الذي حصل في الفترة األولى من االنتفاضة األولى لم ميكن‬ ‫من إكساب املنتسبني اجلدد وعيا يساريا (إزاء موضوعات عدة‪ ،‬منها حترر املرأة‪ ،‬توزيع‬

‫الثروة‪ ،‬املقاومة‪ ،‬موضوع الفقر‪ ،‬مفهوم الطبقة‪ ،‬مفهوم مرحلة التحرر الوطني)‪ .‬اليسار‬ ‫اعتقد أن االنتفاضة ستتواصل حتى حتقيق االستقالل‪ ،‬ولهذا جاء تأييده إلعالن الدولة‬ ‫في العام ‪" ...1988‬فتح" أغرقت االنتفاضة األولى باملال‪ ،‬في الوقت الذي كان أعضاء‬ ‫تنظيمات اليسار يقضون معظم أوقاتهم في جمع التبرعات لتنظيماتهم‪ ،‬أما "حماس"‬ ‫فكانت تدير اجتماعها في املساجد وجمهورها كان جمهور املساجد‪ ،‬وهي جنحت بالتدريج‬ ‫في فرض أجندتها على االنتفاضة‪ ...‬وفي حني رأى اليسار أن "حماس" قوة مهددة‬ ‫له‪ ،‬لم تر "فتح" ذلك‪ ....‬ومن أسباب تراجع اليسار حتول منظمات جماهيرية تقودها‬ ‫ومت ّولها أحزاب اليسار إلى منظمات غير حكومية مهنية تعتمد على التمويل اخلارجي‪،‬‬ ‫وهو أمر أدى إلى إفراغ هذه املنظمات اجلماهيرية وحتويلها إلى منظمات أهلية‬ ‫(منظمات غير حكومية)‪ ،‬وهذا أضعف اليسار‪ ...‬األزمة املالية التي دخل فيها اليسار‬ ‫بعد حرب اخلليج [عام ‪ ]1990‬ساهمت في هذا التحول‪ ... .‬االنقسام الذي أعقب اتفاق‬ ‫أوسلو أضعف اليسار‪ ،‬ففي حني كانت حركة "فتح" مستعدة لالتفاق‪ ،‬واستخدمت‬ ‫مؤسسات وأجهزة السلطة الستيعاب أبناء احلركة‪ ،‬لم يكن اليسار مستعدا لذلك‪،‬‬ ‫واملنظمات غير احلكومية شغلّت النخبة وليس أبناء الفقراء وأبناء املخيمات والقرى‪ .‬اليسار‬ ‫لم يكن قادرا على رعاية كوادره‪ ،‬ولم يستطع أن يواجه اتفاق أوسلو سياسيا‪ ،‬وفشل‬ ‫في إيقافه وإحباط ملحقاته‪ ...‬العام ‪ 1992‬شهد انهيار البنى التنظيمية للتنظيم اليساري‬ ‫الذي انتميت إليه لألسباب السابقة‪ ،‬ونتيجة الضربات األمنية التي تعرض لها‪.‬‬ ‫أصدقائي العشرة وكانوا من الرفاق النشيطني معي في التنظيم الطالبي في جامعة‬ ‫بيرزيت خالل السنوات األولى من التسعينيات باتوا اآلن خارج التنظيم‪ ،‬ولهم مواقع‬ ‫متقدمة في مؤسسات مدنية‪ ،‬والسبب يعود للكيفية التي مورس فيها مبدأ املركزية‬ ‫الدميقراطية حتت ظروف العمل السري‪ ...‬كنا في أوائل العشرينات من عمرنا عندما‬ ‫أفقنا على انهيار االحتاد السوفييتي‪ ،‬وعلى ضربة أمنية قاسية توجه للتنظيم وعلى‬ ‫جتفيف مصادره املالية‪ ...‬هناك أزمة ثقة جتاه قيادة اليسار احلالية حيث تبدو هذه وكأنها‬ ‫تهتم برعاية مصاحلها اخلاصة فقط (مكاتب وسيارات ومرافقني وسفر‪ ...‬وعضوية‬ ‫جلنة تنفيذية ومكتب سياسي‪ .)...‬الصف األول في األحزاب السياسية فقد الثقة ألن‬ ‫جزءا منه بات يبحث عن مصاحله اخلاصة واجلزء اآلخر ذو أفق تقليدي غير قادر على‬ ‫توليد تنظيم حيوي‪ .‬العديد من كوادر األحزاب اليسارية جنحوا في مجاالت مختلفة‬ ‫من احلياة العامة وباتوا يحتلون مواقع مؤثرة فيها‪ ،‬وهم بالتالي لن يعودوا إلى حياة‬ ‫حزبية ألنها ستفرض عليهم قيودا لن يتحملوها‪ .‬كما أن القيادة احلالية غير قادرة على‬ ‫خلق تنظيم حيوي‪ .‬ولذا ال أفق لليسار‪ ،‬في ظل القيادة احلالية‪ ،‬وهي قيادة ال تصلح‬ ‫لقيادة يسار جديد‪ .‬حرب غزة كانت فرصة لدور يسار متميز يعيد له احليوية‪ ،‬لكن‬ ‫الفرصة ضاعت" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪76‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ب‪ .‬مداخالت حول التكوين الفكري واملفاهيمي لليسار‬ ‫إهمال التوعية الفكرية‬

‫"من أسباب تراجع اليسار (إذا ما استثنيا املتغيرات الدولية واإلقليمية والعربية)‬ ‫التالي‪ :‬االنقسامات التي تعرض لها اليسار الفلسطيني؛ جلوء النخب اليسارية املثقفة إلى‬

‫املنظمات غير احلكومية (‪ )NGOs‬واملؤسسات الدولية‪ ،‬وابتعادها عن خوض حراك وعراك‬ ‫ونضال من أجل جتديد مفاهيم اليسار ومحاولة حل أزماته‪ ،‬وانتقالها من الطبقة املكافحة‬ ‫واملناهضة للرأسمالية لطبقات برجوازية صغيرة؛ اعتماد اليسار الدميقراطية املركزية‬

‫مما عطل بشكل أو بآخر عملية تطوير اجلانب الدميقراطي في حياة احلزب الداخلية؛‬ ‫عدم حتديد نسب التجديد في األنظمة الداخلية لليسار أو عدم العمل بها إن وجدت‪،‬‬ ‫وغياب دور الشباب واملرأة الفاعلني [في أحزاب اليسار] بنسب متفاوتة بني أحزاب‬ ‫اليسار؛ غياب الوعي الثقافي لدى اجليل الشبابي احلالي وافتقاره ملفاهيم الدميقراطية‬ ‫والتقدمية ومنها أوساط اليسار نفسه‪ ،‬وغياب عمليات التوعية الثقافية [الفكرية] من قبل‬ ‫مراكز التثقيف اليسارية" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ال حتصني فكري لدى تنظيمات اليسار‬

‫"انهيار االحتاد السوفييتي سهّل على اإلسالم السياسي محاصرة اليسار ومهاجمته‪ .‬فاإلسالم‬ ‫السياسي كان منضويا في حلف سياسي مناهض لليسار واالضطراب الذي حصل‬ ‫لليسار جنم عن قراءته ألسباب االنهيار حيث حاول البعض التنكر لعالقته باالحتاد‬ ‫السوفييتي‪ ،‬وتنكر البعض ملواقفه‪ ،‬وذهب البعض باجتاه جلد الذات معتقدا أنه يكفر عن‬ ‫مواقف اتخذها سابقا‪ ،‬وأخذ اجتاه ثالث في التركيز على البعد الوطني بعيدا عن أي بعد‬ ‫أممي‪ ،‬وبرأيي أن أحزاب اليسار أصيبت بحالة من الرعب وواجهت االنهيار مبفاصل‬ ‫حتصن عناصرها بشكل‬ ‫مرخية‪ .‬ومما فاقم من مشكلة أحزاب اليسار الفلسطيني أنها لم تكن‬ ‫ّ‬ ‫جيد على املستوى الثقافي‪ ،‬والسيما املاركسية؛ وهذا س ّهل من اهتزازها وتراجعها أمام‬ ‫ما حصل في االحتاد السوفييتي" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"غياب التعبئة األيديولوجية‪ ،‬مبعنى غياب تأهيل وإعداد الكادر للدفاع عن أفكار‬ ‫اليسار‪ ،‬بل غاب اخلطاب اليساري وبات خطاب اليسار ال يختلف كثيرا عن خطاب‬ ‫"فتح" التي تتبنى اقتصاد السوق احلر وتدافع عن مصالح أصحاب رؤوس األموال‪...‬‬ ‫لذا ال جند إبرازا للخالف البرنامجي‪ -‬الفكري مع حركة "فتح"‪ ،‬وإبراز الهوية الفكرية لليسار‬ ‫الذي باتت منظماته تعتاش على إرث املاضي الذي ال تعرفه األجيال اجلديدة‪ .‬ومن هنا فإن‬ ‫االنتساب لتنظيمات اليسار ال يتم وفق اعتبارات برنامجية فكرية (صداقات وعالقات‬ ‫قرابية)‪ ...‬لقد جرى تغييب التثقيف الفكري لليسار‪ ،‬كما جرى إهمال املنظمات اجلماهيرية‬ ‫الدميقراطية واملهنية‪ ،‬وضعف الدور في االحتادات الشعبية واملهنية التي باتت مسلوبة اإلرادة‬

‫‪77‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ولم جتدد ذاتها‪ ،‬وخاضعة لنظام احملاصصة‪ .‬لذا تراجع الدور الكفاحي والنضالي ألحزاب‬ ‫اليسار‪ .‬في االنتفاضة األولى كانت األحزاب اليسارية في مقدمة الصفوف من توزيع‬

‫البيانات‪ ،‬إلى املظاهرات‪ ،‬إلى الصدامات مع قوات االحتالل‪ ،‬إلى قيادة اإلضرابات‪،‬‬ ‫واألكثر نشاطا في اللجان الشعبية‪ .‬في الوقت احلالي لها دور محدود في التصدي‬ ‫للجدار واالستيطان‪ .‬األغلبية من املشاركني هم من أهالي القر ى واألجانب‪ .‬تنظيمات‬ ‫اليسار لم جتدد هياكلها وهيئاتها بالعناصر الشابة‪ ،‬بسبب غياب الدميقراطية الداخلية‪.‬‬ ‫حماس تفرز قيادات شابة جديدة باستمرار" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫اليسار استعار مقوالت جاهزة‬

‫"أعتقد أن أهم املشكالت التي أ ّدت باليسار العربي إلى أزمته‪ ،‬وبالتالي إلى عدم‬ ‫إنتاج وعي مطابق حلركة الواقع العربي‪ ،‬هي اعتماده بالدرجة األولى على استعارة‬

‫مقوالت نظرية جاهزة‪ ،‬أنتجتها األحزاب املاركسية العاملية‪ ...‬وإسقاطها على واقعنا‪ ،‬دون‬ ‫النظر في متطلبات هذا الواقع وإشكاالته‪ .‬وذلك على اعتبار أن هذه األحزاب قد حققت‬

‫في حينه بعض االنتصارات والتح ّوالت في بلدانها ‪ ،‬ثم تبينّ بعد انهيار االحتاد‬ ‫السوفييتي واملنظومة االشتراكية ‪ ،‬أن هناك ضرورة إلعادة النظر في كل التجربة‬ ‫االشتراكية ودراستها ‪ ،‬وبخاصة ألن أصواتا كثيرة تعالت بعد ذلك معلنة " موت‬ ‫املاركسية "‪ .‬لكن السؤال ‪ :‬أية ماركسية هي التي ماتت ‪ ...‬هل هي ماركسية‬ ‫ماركس وإجنلز ؟! أم املاركسيةـ اللينينية ؟! أم املاركسية الستالينية التي تعبّر‬ ‫عن احلقبة السوفييتية ؟! وما هي العالقة بني األنظمة الشيوعية التي تداعت وبني‬ ‫تنج‬ ‫فكر ماركس ؟! إن السمات السلبية التي رافقت جتربة البلدان االشتراكية ‪ ،‬لم ُ‬ ‫منها أيضا ً بعض األحزاب الشيوعية واليسارية التي لم تصل إلى السلطة ‪ ،‬مبا في‬ ‫ذلك األحزاب اليسارية العربية؛ وبالتالي بات من املشروع السؤال عن عالقة هذه‬ ‫السلبيات التي طبعت األحزاب الشيوعية واليسارية عموما ً بطابعها ‪ ,‬وبني التراث‬ ‫النظري املاركسي باعتباره مرجعية تلك األحزاب" (د‪ .‬جورج حبش‪ ،‬من مقال‬ ‫بعنوان "أزمة اليسار العربي‪ ..‬إلى أين؟" (نشر على موقع مدونة القومي العربي‪،‬‬ ‫بتاريخ ‪ 1‬شباط ‪.)2008‬‬ ‫قصور في اإلطالل على جتارب اليسار في العالم‬

‫"ما يجري اآلن [من نقاشات حول مأزق اليسار] يشبه نقاشات جرت بعد اخلروج‬ ‫من بيروت في بدايات الثمانينات‪ ،‬وبعد انهيار االحتاد السوفيتي‪ ،‬وبعد انهيار احلركة‬ ‫الشيوعية التقليدية‪ ،‬وبعد انهيار الدميقراطيات الثورية (اليمن اجلنوبي وأفغانستان)‬ ‫في أواخر الثمانينيات (‪ 1987‬و‪ .)1989‬في السبعينيات عندما جرى البحث عن هوية‬ ‫تقدمية لليسار الفلسطيني كان منوذج االحتاد السوفييتي هو الذي فرض نفسه‪ .‬غياب‬ ‫االنفتاح على جتارب األحزاب اليسارية في أوروبا‪ ،‬وحتديدا إيطاليا‪ ،‬واحلركة الطالبية‪،‬‬ ‫‪78‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫أضعف من اليسار الفلسطيني‪ .‬قصور االطالع على جتارب اليسار األوروبي واليسار خارج‬ ‫فلك االحتاد السوفيتي جعل اليسار الفلسطيني متخلفا‪ .‬صبيحة انهيار االحتاد السوفيتي‪،‬‬

‫اكتشف اليسار أنه لم يعمل على إنتاج خط فكري يساري فلسطيني حيث كانت معظم‬ ‫الكراسات التثقيفية ترجمة لكراسات احلزب الشيوعي السوفييتي‪ ،‬وباالعتماد على‬ ‫التراث الفكري السوفييتي الستاليني (ومنه مفهوم املركزية الدميقراطية)‪ .‬أزمة اليسار‬ ‫هي جزء من أزمة احلركة الوطنية الفلسطينية‪ .‬ميدان التنافس الرئيس داخل احلركة‬ ‫الوطنية هو امليدان الكفاحي وليس امليدان األيديولوجي أو االجتماعي‪ .‬لذا لم تهتم الناس‬ ‫بالفروق بني التنظيمات‪ .‬من يتقدم الصفوف في ميدان الكفاح الوطني هو من يكسب‬ ‫تنظيميا‪ ،‬وفي غياب الدولة باتت الفروق األيديولوجية و حتى النضاالت االجتماعية‬ ‫‪43‬‬ ‫قليلة األهمية" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ميل إلى املظاهر الشكلية في حتديد االنتماء بسبب ضعف التكوين الفكري‬

‫"يسار اجليل اجلديد مييل إلى الشعاراتية أكثر من إملامه بالفكر والقيم واملمارسة‬ ‫اليسارية‪ :‬اللفحة احلمراء وصورة جيفارا ومع شعارات املساواة والعدالة االجتماعية‬ ‫واحلرية‪ .‬املضمون الفكري ضعيف‪ .‬القطب الدميقراطي الطالبي في جامعة بيرزيت‬ ‫(‪ )1996-1995‬حمل مضمونا فكريا يساريا‪ ،‬لم يستمر كقطب دميقراطي يساري‬ ‫موحد ألن للموقف السياسي تأثيرا أعمق من املوقف الفكري واالجتماعي‪ .‬املوقف‬ ‫السياسي له األولوية؛ ولذا شهدنا حتالفا بني اجلبهة الشعبية و"حماس" في فترات‬ ‫معينة‪ ،‬على سبيل املثال‪ .‬القطب الدميقراطي ُش ّكل دون الرجوع إلى القيادات السياسية‬ ‫وعندما تدخلت القيادات السياسية انفرط القطب" (كادر طالبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"لم تأخذ األحزاب اليسارية الفلسطينية بعني االعتبار التحوالت داخل األحزاب اليسارية‬ ‫في العالم ومنها داخل أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية وأمريكا الالتينية‪ ،‬فيما يخص‬

‫البناء الداخلي‪ .‬وبعد اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية وإجراء االنتخابات‬ ‫التشريعية في العام ‪ 1996‬بقيت البنى التنظيمية على حالها (من اخللية الصغيرة إلى‬ ‫املكتب السياسي) كما استمر العمل وفق األشكال القدمية ذاتها" (كادر سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫استخدام مصطلحات عصية على فهم اجلمهور وخارج اهتمامه‬

‫"انهيار املعسكر االشتراكي‪ ،‬أثر على تراجع اليسار فانهيار التطبيق األول للنظرية‪ ،‬قلل‬ ‫من اندفاع اجلمهور واقتناعه بها‪ ،‬ومثل نقطة ضعف لليساريني في مواجهة خصومهم‪،‬‬

‫‪ 43‬لإلضالع على بعض جوانب جتارب اليسار في أمريكا الالتينية وأوروبا‪ ،‬راجع‪/‬ي‪ :‬داود تلحمي‪ ،‬اليسار‬ ‫واخليار االشتراكي‪ ،‬قراءة في جتارب املاضي وفي احتماالت احلاضر‪ ،‬مواطن‪ ،‬رام الله‪.2008 ،‬‬

‫‪79‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الذين دأبوا على استغالل هذه النقطة بالقول‪" :‬إذا كانت االشتراكية فشلت في بالدها‬ ‫وفي منشئها‪ ،‬فكيف ستنجح هنا في ظروف وبنية ثقافية واقتصادية واجتماعية مختلفة‬ ‫في كثير من جوانبها"‪ .‬انهيار املعسكر االشتراكي أغنى انتصار املعسكر الليبرالي‪-‬‬ ‫الرأسمالي‪ ،‬وعلى رأسه أميركا‪ ،‬حيث أصبح العالم قطبا واحدا‪ ،‬دارت معظم الكيانات‬ ‫السياسية الرسمية حوله‪ ،‬خصوصا ً الدول العربية‪ .‬كما تقلص الدعم املادي واملعنوي‬ ‫لألحزاب اليسارية مع انهيار االحتاد السوفييتي‪ ،‬الداعم األكبر لها‪ .‬باإلضافة إلى ذلك‬ ‫فإن برامج اليسار السياسية التي لم تقترن بقوة أفعال على األرض حولتها إلى شعارات‬ ‫ال تأثير لها في أذهان اجلماهير‪ .‬املد اإلسالمي وجد الساحة شاغرة له ليستحوذ على عقول‬ ‫وعواطف اجلماهير التي ابتعد عنها اليسار الفلسطيني‪ .‬كما أن انتصار الثورة اإليرانية‬ ‫وجتربة حزب الله املنتصرة في لبنان أثرا بشدة على اجلماهير العربية والفلسطينية‪،‬‬ ‫وجعلتها تقتنع أكثر باألحزاب واحلركات التي تعمل باسم اإلسالم‪ .‬على الصعيد‬ ‫الفلسطيني مثل اتفاق أوسلو‪ ....‬عنصرا إضافيا في تراجع اليسار الفلسطيني ومكانته‬ ‫ودوره‪ ،‬حيث لم يستطع أن يحافظ على موقعه كمعارض لالتفاق‪ ،‬في الوقت الذي‬ ‫انخرط في مؤسسات السلطة رويدا ً رويداً‪ .‬االنتفاضة الثانية ونتائج االنتخابات البلدية‬ ‫والتشريعية كشفت تراجع اليسار وحجمه احلقيقي‪ .‬كما يطرح اليسار في املجاالت الفكرية‬ ‫واالجتماعية واالقتصادية شعارات ومصطلحات عصية على الفهم من قبل اجلمهور العادي‪،‬‬ ‫مثل اإلمبريالية‪ ،‬والرأسمالية والعوملة واملواطنة وغيرها‪ ،‬وهي مصطلحات خارج اهتمام‬ ‫املواطن العادي" (حزبية‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"العوامل الذاتية لتراجع اليسار تتلخص بالتالي‪ :‬عوامل أيديولوجية؛ إذ بقي اليسار‬ ‫أسير تصورات عفا عليها الزمن‪ ،‬ولم يلحظ التطويرات في النظرية املاركسية‪...‬‬ ‫ولم يستفد مثال من جتربة أحزاب اليسار في أمريكا الالتينية‪ .‬وهناك عوامل لها عالقة‬ ‫بالبرامج السياسية واالجتماعية لليسار‪ ،‬وهنا برأيي يتماهى السياسي فيه مع‬ ‫التنظيمي؛ حيث إن العديد من املواقف النظرية لبعض قوى اليسار صحيحة ولكنها‬ ‫أكبر بكثير من أن حتملها البنى التنظيمية القائمة‪ .‬ثم هناك ضعف املوارد املالية"‬ ‫(مستقل)‪.‬‬ ‫تراجع قيم ومفاهيم قوى اليسار لصالح قيم ومفاهيم القوى األصولية‬ ‫"النخب اليسارية في العالم العربي والفلسطيني لم تكن مهيأة الستشراف الوضع‬ ‫املستقبلي والعمل على تأصيل الفكر االشتراكي محليا‪ .‬لذا جرى التعاطي مع انهيار االحتاد‬

‫السوفيتي إما باإلنكار‪ ،‬أو االرتداد (إلى الفكر القومي أو الليبرالي) والبعض حاول‬ ‫االجتهاد بحثا عن مرجعية‪ .‬الصدمة التي تلقاها اليسار ترافقت مع صعود القوى‬ ‫األصولية التي استفادت من غياب املرجعية التي استند إليها اليسار للترويج ملشروعها‬ ‫األصولي‪ ....‬انتصار الثورة اإليرانية أحدث تغييرا مهما من حيث سحبه لقطاعات‬ ‫واسعة من املجتمع لصالح املشروع األصولي‪ ،‬وتوليد حالة اصطفاف جديدة داخل‬ ‫‪80‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫القطاعات الشعبية التي شكلت اإلطار الرئيسي لليسار (الذي طرح مشروعا إلخراجها‬ ‫من حالة البؤس والفقر واحلرمان واالستغالل‪ ،‬أي طرح مجتمعا اشتراكيا يوفر العمل‬ ‫واملسكن والتعليم والعالج املجانيني) وبات مالذها أو خالصها من هذه احلالة يتم في‬ ‫العالم اآلخر‪ ...‬خطاب "حماس" يستند إلى سلوى الدين كبديل عن تغيير الواقع لصالح‬ ‫املنكوبني والفقراء‪ .‬لقد تراجعت مجموعة من القيم واملفاهيم لصالح مفاهيم وقيم القوى‬ ‫األصولية‪ .‬في االنتفاضة األولى والثانية رغم ما فيهما من إيجابيات على الصعيد الكفاحي‬ ‫حدث تراجع لقيم التحرر واالنفتاح والتقدم‪ ،‬وحل محلها توجهات محافظة على الصعيدين‬ ‫السياسي واالجتماعي ‪ ...‬اليسار في ظل املستجدات لم يقم بطرح برامج تالمس هموم‬

‫الناس واحتياجاتهم وتقدمي شيء ملموس للفئات الفلسطينية احملتاجة‪ ....‬لقد جرت‬ ���مغاالة في رفع شعار الدمقرطة لصالح فقدان اليسار لدوره الريادي في املجتمع‪ ..‬ال‬ ‫بد من اإلقرار بأن الضحالة الفكرية للقيادة هي من أسباب افتقار اليسار للقدرة على‬ ‫التعاطي مع املستجدات‪ ،‬وبخاصة التي أوجدها صعود القوى األصولية احملافظة خالل‬ ‫االنتفاضتني األولى والثانية‪ .‬القيادة السياسية لليسار لم تطرح رؤية سياسية جديدة‬ ‫الستقطاب جماهير كانت مشدودة لليسار وشكلت مربعها الرئيس‪ .‬ومتكنت القوى‬ ‫األصولية من سحب البساط من حتت أقدام اليسار وحركة "فتح" عبر تنبني املقاومة‬ ‫ضد االحتالل‪ .‬واستطاعت "حماس" توسيع قاعدتها وهيمنتها على املجتمع عبر‬ ‫استغالل حالتي التدين واإلحباط السياسي‪ .‬ال يوجد لدينا أحزاب إسالمية سياسية كما‬ ‫هو احلال في أوروبا (أحزاب سياسية مسيحية) وحتى في تركيا تقبل بالعلمانية‪ ...‬وتولت‬ ‫إسرائيل (مدعومة من أمريكا) صد الطريق أمام الرؤية الواقعية الوطنية‪ .‬من الواضح‬ ‫أن مأسسة املنظمات غير احلكومية لعبت دورا في إضعاف اليسار‪ .‬في بعض املواقع‬ ‫كانت املساعدات التي تقدمها هذه املنظمات جتيرها "حماس" لصاحلها‪ .‬هناك فقدان ثقة‬ ‫باملشروع الوطني‪ .‬قبل وخالل االنتفاضة األولى حولت مبالغ كبيرة من اخلارج للداخل‬ ‫لكنها لم تستثمر في بناء مؤسسات‪ ...‬ولم يتم االستثمار األفضل لإلمكانيات التي‬ ‫توافرت خلدمة الفئات احملتاجة‪ .‬االستقاللية املالية للحزب ذات أهمية كبيرة حلفاظ احلزب‬ ‫على استقالليته السياسية بدءا من متويل حمالته االنتخابية إلى توفير ضروريات‬ ‫عمل احلزب" (قيادي سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫بعد أوسلو تخلى اليسار عن االضطالع بدوره التنويري وتقاعس عن مواجهة‬ ‫مشروع "حماس"‬ ‫"جوهر مشكلة اليسار منذ العودة إلى الوطن تتمثل في التخلي عن دوره االجتماعي والفكري‬ ‫التنويري وفي تقاعسه عن مواجهة مشروع "حماس" فكريا وسياسيا و اجتماعيا‪ .‬لقد جرى‬

‫تضخيم الصراع مع السلطة (وحتديدا من قبل الرفاق في اجلبهة الشعبية) للتغطية عن‬ ‫التخاذل في مواجهة مشروع "حماس"‪ ،‬ولتصفية احلساب في صراعهم التاريخي‬ ‫مع "فتح"‪ .‬لذا لم يقوموا مبهمتهم التنويرية ‪ ...‬وحدة اليسار ضرورية ملواجهة‬ ‫‪81‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫حالة التردي والالمباالة والتراجع عند حركة "فتح" وملواجهة مشروع "حماس"‪...‬‬ ‫وإذا لم يتوحد اليسار في هذه املرحلة فلن تقوم قائمة له حتى إشعار آخر‪ ..‬ال خالف‬ ‫على البرنامج االجتماعي بني القوى األربعة أو اخلمسة [اجلبهة الشعبية‪ ،‬واجلبهة‬ ‫الدميقراطية‪ ،‬وحزب الشعب‪ ،‬وفدا‪ ،‬وجبهة النضال الشعبي]‪ .‬هناك خالف على البرنامج‬ ‫السياسي‪ .‬اجلبهة الشعبية في خالف مع القوى األخرى في املوقف والرؤية السياسية‪.‬‬ ‫كما بان في حوارات القاهرة ‪ ...‬املشكلة الرئيسة تكمن في االعتبارات الذاتية‪ :‬من يكون‬ ‫الزعيم‪ !..‬ال مستقبل لليسار إن لم يتخل عن النزعة الفئوية وميسك بدوره التاريخي‬ ‫في مواجهة مشروع حماس الظالمي والنزعة العدمية (عند بعض قوى اليسار)‬ ‫وحالة الضياع والالمباالة الوطنية عند "فتح"‪ .‬وعلى اليسار مهمة النهوض باملجتمع‬ ‫وترسيخ القيم الدميقراطية العلمانية والتقدمية (أي إبراز هويته كيسار)‪ .‬والعمل على‬ ‫تأمني استقالليته املالية (بعض تنظيمات اليسار حتاول ذلك)" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫احلركات األصولية هي حركات سياسية بامتياز وعلى اليسار التعامل معها كذلك‬

‫"استحضر املاركسيون من ماركس حليته الكثيفة وجعلوا منها إحدى عالمات‬ ‫يساريتهم‪ ،‬أما احلركات اإلسالمية فقد استحضرت الصحراء كلها برملها وبداوتها‬ ‫وأزيائها‪ .‬وإذا كان املاركسيون قد أذعنوا لتواضع فرضته عليهم آليات في بنية الفكر‬ ‫املاركسي‪ ،‬فاإلسالميون أعفوا أنفسهم من املتطلبات املرهقة في حقل املعرفة ومنحوا‬ ‫أنفسهم األلقاب‪ ،‬وغدا واحدهم جاهزا للفتاوى واألحكام في كل شأن عام وخاص‪،‬‬ ‫من التب ُول حتى علوم الفضاء‪ ،‬مرورا باألحوال الشخصية والوضوء وأمور النكاح ‪,‬‬ ‫ناهيك عن علم اليقني بشؤون اآلخرة ‪...‬من هذه العدة املعرفية يخرج إلى الناس في‬ ‫صورة املبشر‪ ،‬الصورة التي تتماهى باألنبياء واألولياء واملعصومني‪ ،‬ومن خالل هذه‬ ‫الصورة يخلط بني الدين والسياسة‪ ،‬ويستحضر من التاريخ الفقهي ما يدعم موقفه‬ ‫السياسي‪ .‬من هنا بالضبط نشأت احلاجة في احلضارة احلديثة إلى التمييز بني الدين‬ ‫والسياسة باعتبارهما حقلني مختلفني في الهموم وآليات العمل والتفكير؛ وقد جرت‬ ‫صياغة هذا التمييز بدقة في شعار الفصل بني سلطة رجال الدين (اإلكليروس في‬ ‫املسيحية) وسلطة الدولة؛ وقد جرى حتوير هذا الشعار فلم يعد يقصد من الفصل‪،‬‬ ‫الفصل بني سلطة وسلطة أو بني رجال ورجال‪ ،‬بل حتول الشعار على أيدي خصومه‪،‬‬ ‫إلى فصل بني الدين والدولة‪ ،‬جاعال بينهما تناقضا كالتناقض الذي افتعله بعض رجال‬ ‫الدين العاملني في السياسة بني الدين والعلم‪ .‬عملية الفصل هذه بني السلطتني متت ملنع‬ ‫ازدواجية السلطة‪ ،‬أي لتسهيل قيام الدولة احلديثة‪ ،‬دولة السيادة والقانون واحلق‪،‬‬ ‫على أن يبقى للمثقف‪ ،‬املعمم أو خريج اجلامعة‪ ،‬دوره‪ ،‬حتت سقف الدولة ورعايتها؛‬ ‫وكم هو بالغ الداللة أن يجمع األصوليون على مواجهة الدولة احلديثة وعلى القانون‪،‬‬ ‫كل قانون‪ .‬إن عقل األصوليات مصر على منع قيام الدولة احلديثة‪ ،‬والوقوف بالتالي‬ ‫في وجه كل حداثة‪ ،‬مبا في ذلك حتديث الدين‪ .‬إذا كان على اليسار أن يجدد في خطابه‬ ‫‪82‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫السياسي فإن عليه‪ ،‬في هذا املجال بالذات‪ ،‬أن يتعامل مع احلركات األصولية بصفتها حركات‬ ‫سياسية بامتياز‪ ،‬وأن ينأى بنفسه عن االستدراج إلى نقاش فقهي‪ ،‬بل أن يشد النقاش والسجال‬ ‫معها إلى حقل السياسة‪ ،‬حيث مجال اختصاصهما‪ ،‬وأن يترك لسواه اخلوض في حقل الفقه‬ ‫والفلسفة وامليتافيزيقا‪ ،‬وأهم ما في هذا احلقل السياسي الدميقراطية والوحدة الوطنية‬

‫وبناء الدولة"‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫اليسار لم يتصدر الدفاع عن العلمانية وقيمها اإلنسانية‬ ‫"هروب قوى اليسار من التعامل مع موضوعة الدين‪ ..‬هذه القوى لم تدافع عن علمانيتها‬ ‫ولم تظهر القيم اإلنسانية وااليجابية في العلمانية أمام تشويهات األصوليني والشعبويني‬ ‫الذين يصفون العلمانية باإلحلاد‪ .‬وفي مراحل سابقة كان تعامل املاركسيني والشيوعيني‬

‫عموما مع الدين يتم بطريقة منفرة ومستفزة للجمهور وهذا أيضا عاد بنتائج سلبية‬ ‫عليهما‪ .‬مطلوب قراءة ناضجة للدين وكيفية التعامل مع املد األصولي الذي هيمن على‬ ‫املجتمع دون مواجهة أو ممانعة من القوى املفترض أنها موضوعيا في مواجهته‪.‬‬ ‫برامج اليسار االجتماعية جيدة من الناحية النظرية‪ ،‬لكن اإلشكالية الكبرى هي في التطبيق‬ ‫والقدرة على ترجمتها والوصول إلى الناس‪ .‬وميكن مالحظة ذلك في الهوة الفاصلة بني‬ ‫اليسار الذي يحصل على نسبة ‪ %5‬في االستطالعات لكن القضايا التي يتبناها ضمن‬ ‫برامجه حتصل على تأييد يصل إلى ‪ %70‬وهذا التناقض سببه عدم وجود رابط وثيق‬ ‫بني البعدين" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار أدرك متأخرا خلصوصية الوطنية الفلسطينية وأحجم عن قراءة خطورة‬ ‫اإلسالم السياسي‬

‫"أزمة اليسار الفلسطيني تبدأ منذ النشأة وخصوصا نشأة اجلبهتني الشعبية‬ ‫والدميقراطية‪ .‬فاملوقف من الوطنية الفلسطينية الذي صبغ هذه النشأة عكس نفسه‬ ‫على مستوى انتشار وتعميم الظاهرة اليسارية في مواجهة حركة "فتح" التي برعت‬ ‫في تبني الوطنية الفلسطينية؛ وبالتالي السيطرة على ممثل هذه الوطنية‪ ،‬وهي منظمة‬ ‫التحرير الفلسطينية‪ .‬لم يدرك اليساريون الفلسطينيون خصوصية الوطنية الفلسطينية إال‬ ‫في وقت متأخر‪ ،‬وبشكل متدرج حيث جاء املوقف منها في سياق تطور اليسار الفلسطيني‬ ‫باجتاه الوطنية‪ ،‬ولكن بقي املوقف ملتبسا ومتعرجا‪ ،‬يحكمه اخلالف السياسي‪ ،‬أكثر‬ ‫من اخلالف حول القضايا الفكرية واأليدلوجية التي لها عالقة ببنية القوى اليسارية‬ ‫وطبيعة عملها وبرامجها املختلفة‪ .‬فالصراع السياسي حول برنامج الوطنية الفلسطينينة‬

‫‪ 44‬محمد علي مقلد‪" ،‬اليسار بني األنقاض واإلنقاذ؛ قراءة نقدية من أجل جتديد اليسار"‪ ،‬احلوار املتمدن‪،‬‬ ‫ ‬ ‫العدد‪ ،1215 ،‬تاريخ ‪.)2005/6/1‬‬

‫‪83‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫بقي هو الشكل الرئيس في الصراع واالختالف بدون إعطاء هذا االختالف بعده الفكري‬ ‫األيديولوجي الذي مييز هذا اليسار‪ ....‬نالحظ ذلك املوقف من م‪ .‬ت‪ .‬ف رغم التسليم بها‬ ‫كممثل وحاضن للشعب الفلسطيني؛ ولكن كان االهتمام بها يأتي من خالل احملافظة على‬ ‫الشكل وليس على االنخراط في بناها التنظيمية والسياسية واالجتماعية واالقتصادية‬ ‫والنقابيه ومختلف نشاطاتها‪ .‬نخلص إلى ذلك بالرغم من دعوات اإلصالح و التطوير التي‬ ‫بقيت مجرد أفكار بدون إرفاقها بنشاط متواصل على األرض‪ .‬ولكن‪ ،‬إذا كان املوقف من الوطنية‬ ‫قد شابه بعض التراجعات واملواقف اآلنية اخلاطئة‪ ،‬إال أن اليسار الفلسطيني فعال يشكل‬ ‫اآلن جوهر هذه الوطنية في مختلف املجاالت وبخاصة بعد مسيرة أوسلو واملفاوضات‬ ‫مع إسرائيل وصعود اإلسالم السياسي األصولي وسيطرته على قطاع غزة‪ .‬شكل تبني‬ ‫برنامج النقاط العشر والبرنامج املرحلي لـ م‪ .‬ت‪ .‬ف ذروة النضج السياسي لليسار‬ ‫الفلسطيني وللنضال الوطني الفلسطيني برمته‪ .‬ولكن هذا البرنامج الذي أسهم اليسار‬ ‫بشكل مباشر في تعميمه ليصبح برامج الوطنية الفلسطينية‪ ،‬لم تتمكن فصائل م ت‬ ‫ف من إجنازه ألسباب عديدة‪ ...‬وأمام هذا اإلخفاق الذي يجب عدم إنكاره وجب على‬ ‫اليسار الفلسطيني هنا أن يجيب عن سؤال صعب وهو‪ :‬هل برنامج حل الدولتني برنامج‬ ‫واقعي ويستجيب لتطلعات شعبنا؟ على قوى اليسار أن حتدث صدمة سياسية في‬ ‫هذا املوضوع وجتيب عن التساؤل حول األسباب التي حالت دون إجناز هذا البرنامج‬ ‫‪ .‬اإلخفاق في إجناز البرنامج املرحلي للوطنية الفلسطينية كان أحد أهم األسباب في صعود‬ ‫و انتشار اإلسالم السياسي األصولي الذي بات يتحكم مبصير نضالنا الوطني وأصبحت‬ ‫القضية برمتها رهينة لديه‪ .‬كما أن إخفاق الوطنية الفلسطينية أيضا في تقدمي منوذج جيد‬ ‫للحكم في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة شكل فرصة لهذا االجتاه األصولي لالنقضاض‬ ‫على السلطة عبر انتخابات يحكمها قانون متخلف ساعد اإلسالم السياسي في اإلمساك‬

‫بالسلطة؛ ومن ثم باالنقالب على الوطنية الفلسطينية بهدف إزاحتها عن احلكم‪ .‬لم‬ ‫يشتغل اليساريون الفلسطينيون كفاية بدراسة الواقع الفلسطيني السياسي واالجتماعي‬ ‫واالقتصادي‪ ،‬باستثناءات بسيطة قام بها الشيوعيون الفلسطينيون‪ ،‬وبشكل آخر لم‬ ‫ينتج اليسار فكرا وتأصيال فكريا للحالة الف��سطينية والعربية‪ .‬كان اإلنشداد ملمارسة‬ ‫الكفاح املسلح بأشكاله املتنوعة واعتباره الشكل الوحيد في مراحل مختلفة وصلت إلى‬ ‫حد تقديس هذه الظاهرة دون ربطها مبشروع وهدف سياسي آني ومرحلي‪ ...‬لم يقرأ‬ ‫اليسار الفلسطيني‪ ،‬ولألسف حتى هذه اللحظة خطورة اإلسالم السياسي األصولي‬ ‫متمثال بحركة حماس وغيرها‪ ...‬إن ظهور األصولية اإلسالمية و انتشارها الواسع في‬ ‫فلسطني ظاهرة ينبغي دراستها من مختلف اجلوانب وذلك لعدة أسباب‪ ،‬أبرزها‪ :‬أنها‬ ‫نقيض للوطنية الفلسطينية‪ ،‬وكابحة لنشاطها ونضالها ولبرنامجها؛ أبعادها االجتماعية‬ ‫اخلطرة املعادية بشكل صارم لكل قيم االنفتاح والتطور واحلداثة والعدالة االجتماعية‬ ‫وحقوق اإلنسان وحرية املرأة ومنوذج حكمها في قطاع غزه خير مثال‪ .‬وفي اجلانب‬ ‫السياسي تكمن خطورتها في تديينها للقضية أي في تغليب البعد الديني للقضية على‬ ‫حساب البعد الوطني التحرري‪ .‬إن تديني القضية يدفع األمور إلى أن يكون الصراع في‬ ‫‪84‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫السماء بدل األرض‪ ،‬و بالتالي الركون إلى املسلمات الدينية الغيبية‪ .‬وهنا يدخل عنصر‬ ‫اإلعداد املجتمعي اإلسالموي ليصبح هو األساس على حساب القضايا الوطنية الكبرى‪،‬‬ ‫هنا يفتح املجال للمساومة السياسية الصغيرة واملشبوهة مع االحتالل محكومة بهاجس‬ ‫السيطرة واحلكم على حساب الوطن ومتثيالته السياسية‪ .‬وهذا شبيه مبشاريع لفظها‬ ‫شعبنا مثل روابط القرى واإلدارة املدنية‪ .‬ولم يقرأ اليسار الفلسطيني الصراع بني حركتي‬ ‫"حماس" و "فتح" قراءة فكريه نظرية لها عالقة بطبيعة وخصائص وسمات اإلسالم‬ ‫السياسي األصولي‪ ،‬بل قرأه قراءة سياسية فحسب‪ ،‬لدرجة أنه في أحيان كثيرة كان‬ ‫يضع نفسه على مسافة متساوية بني االجتاهني املتصارعني‪ .‬وبالرغم من االنتقادات‬ ‫التي نتفق في معظمها على سلوك حركة "فتح" وجتربتها الرديئة في احلكم إال أنها‬ ‫مازالت تشكل اجلزء الرئيس ملكونات الوطنية الفلسطينية‪ .‬ومن هنا كان على اليسار‬ ‫أن يخوض الصراع مع حركة "حماس" بصرامة فكرية سياسية واضحة دفاعا عن‬ ‫الوطنية الفلسطينية‪ .‬هناك أصولية سياسية تصبغ بعض مواقف اليسار الفلسطيني‪،‬‬ ‫وبخاصة لدى الرفاق في اجلبهة الشعبية‪ ،‬واألخطر أن هذه األصولية السياسية تقترب‬ ‫أحيانا من برنامج األصولية اإلسالموية السياسي‪ .‬كما أن بنى أحزاب اليسار بنى نابذة‬ ‫للعضوية ال تستوعب االختالف‪ ،‬إضافة إلى عدم انتظام عقد املؤمترات وغياب التجديد‬ ‫وظاهرة القيادة التاريخية" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫تردد اليسار في طرح رؤيته ألسس بناء النظام السياسي الفلسطيني‬

‫"منذ قيام السلطة وحتى اللحظة ما زالت كل فصائل اليسار تخشى من طرح رؤيتها‬ ‫ألسس بناء النظام السياسي واالجتماعي (على أسس العلمانية واملساواة والعدالة‬ ‫االجتماعية) بحجة أولوية النضال الوطني على النضال االجتماعي‪ .‬هذا في الوقت الذي كانت‬ ‫"حماس" تطرح رؤيتها إزاء النظام االجتماعي والسياسي بالكامل‪ .‬بعض قادة اليسار‬ ‫يرى أن املجتمع الفلسطيني ال يتحمل طرح موضوعة العلمانية‪ ،‬لكن السبب احلقيقي يعود‬ ‫إلى اخلشية من فتح صراع مع حركة "حماس"‪ ...‬املجتمع الفلسطيني يريد التغيير‪،‬‬ ‫لكنه يريد قوى يستطيع أن يع ّول عليها إلجناز هذا التغيير‪ .‬جزء من التصويت لصالح‬ ‫"حماس" في العام ‪ 2006‬كان نكاية بحركة "فتح" والسلطة اللتني لم حتدثا التغيير‬ ‫املطلوب‪ .‬ال بد من إطار يجمع قوى اليسار‪ .‬ال فرق يذكر بني حزب الشعب وفدا‪ ،‬وال بني‬ ‫هذين واجلبهة الدميقراطية حيث باتت مواقف القوى الثالثة متقاربة فكريا وسياسيا‬ ‫في الفترة األخيرة‪ ،‬لكن ال خطوات توحيدية‪...‬العامل الرئيسي الذي أحبط احملاوالت‬ ‫التوحيدية املختلفة يتمثل في االعتبارات الفئوية والشخصية‪ ،‬وهي اعتبارات ما زالت‬ ‫قائمة حتى اآلن‪ .‬جرى القفز عن اللقاءات اخلماسية لصالح اإلعالن عن جبهة اليسار‬ ‫الفلسطيني من القوى الثالث التي أصدرت وثيقة‪ ،‬عرضت على "فدا"‪ ،‬ووافق عليها‪ ،‬مع‬ ‫وجود بعض املالحظات‪ ... ،‬كما وافقت عليها جبهة النضال الشعبي‪ ...‬واملبادرة الوطنية‬ ‫اعتذرت باعتبار أنها ال تعتبر نفسها من اليسار" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫‪85‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫إتاحة الفرصة لـ "أسلمة" الثقافة أوجدت بيئة معادية لليسار‪ ،‬والتنظيم حتول إلى‬ ‫مؤسسة ول ّدت مصالح خاصة‬

‫"إغالق مصر لفرص التعليم أمام الفلسطينيني (حيث كانت مصر تستقبل ثالثة أالف‬ ‫طالب فلسطيني في السنة من قطاع غزة) بعد اغتيال يوسف السباعي في العام ‪ 1978‬في‬ ‫قبرص أنعش اجلامعة اإلسالمية التي كان يشرف عليها اإلخوان املسلمني (والحقا حركة‬ ‫"حماس")‪ ،‬مما أسهم في عملية "أسلمة" الثقافة في القطاع (دراسة الشريعة ملدة سنة‬ ‫كان إجباريا لكل الطلبة في اجلامعة)‪ .‬أسلمة الثقافة أوجد بيئة معادية لليسار‪ .‬كما ساهمت‬ ‫جامعة األزهر في خلق ثقافة معادية لليسار‪ .‬قوى اليسار كانت القوى األولى أو متكافئة‬ ‫مع "فتح" في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات‪ .‬تو ّلت "حماس" (كسياسة)‪ ،‬وبدرجة‬

‫أقل حركة "فتح" (دون أن يكون ذلك سياسة) شن حمالت تشويه سمعة اليسار (تناولت اجلنس‬ ‫والدين) بهدف تنفير املجتمع من االلتحاق باليسار‪ ،‬وجرى تداول هذا في خطب اجلمعة‬ ‫في قطاع غزة‪ .‬لم يكن هناك وضوح لدى قواعد التنظيم الذي كنت أنتمي إليه بقيم اليسار‪،‬‬

‫ماذا تعني‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬املساواة بني الرجل واملرأة‪ ،‬فاألعضاء الذكور احلزبيني‬ ‫لم يكونوا ميارسون هذا‪ ،‬وهو أمر لم يكن مطلوبا ال من أعضاء "فتح" وال من أعضاء‬ ‫"حماس"‪ .‬أنا لم أفهم قيم اليسار إال بعد أن تركت التنظيم وبدأت أقرا على راحتي‪ ،‬وبعد‬ ‫أن اتضح لي أن الكفاح املسلح وصل إلى طريق مسدود‪ .‬اليسار لم يضع على رأس جدول‬ ‫أعماله احلقوق املدنية وحقوق املرأة وقضايا العمال وحقوق اإلنسان‪ .‬أبطالنا امليدانيون في‬ ‫التنظيم كانت سماتهم األبرز الصالبة والشدة والقسوة في مواجهة األعداء (وديع حداد‬ ‫كان أحد النماذج)‪ .‬في مرحلة الحقة حت ّول هؤالء إلى عبء على التنظيم وحدث أن جروا‬ ‫التنظيم إلى معارك ال يريدها‪ ....‬كان هناك تنميط إلى حد ما في تصنيف القوى األخرى‬ ‫من اليسار‪ .‬والتنظيم حتول إلى مؤسسة تديرها مكاتب ومتفرغون ولدت مصالح فردية بات‬ ‫مطلوبا الدفاع عنها‪ .‬وجود املنظمات األهلية أو غير احلكومية‪ ،‬رغم ما قدمته وتقدمه‬ ‫من خدمات‪ ،‬أفقد اليسار الكثير‪ ،‬أكثر من االعتقاالت والضربات األمنية‪ ...‬املؤسسات‬ ‫األهلية ال تتمتع بالتواصل في عملها بحكم ارتباطها بالتمويل ذي املدى القصير‪ ،‬وبحكم االلتزام‬ ‫بنشاطات معنية وفق املشروع الذي ال يتم التواصل معه بعد انتهاء متويله‪ ....‬معظم قيادات‬ ‫وكوادر اليسار تركت تنظيماتها‪ ،‬في حني جند أن قلة قليلة جدا من قيادات وكوادر "فتح" قامت‬ ‫بذلك‪ .‬الكثير ممن تركوا اليسار التحقوا مبنظمات أهلية" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫اجلذور القومية جلزء هام من اليسار وظروف العمل السري ومحاكاة النموذج‬ ‫السوفييتي وكثافة "التفريغ"‪ ،‬ساهمت في توليد نظام بيروقراطي أوامري داخل‬ ‫التنظيم‪ ،‬واليسار لم يؤسس مفاهيم تقدمية حول الصحة والتعليم ومكافحة الفقر‪ ،‬وال‬ ‫حول احلقوق املدنية‪...‬‬

‫"اليسار لم ينتج فكره اخلاص كيسار فلسطيني‪ .‬امليل السائد كان محاكاة النموذج‬ ‫السوفييتي‪ .‬اليسار‪ ،‬أو جزء مهم منه‪ ،‬انتقل لليسار من مواقع قومية وجلب معه النزعة‬ ‫‪86‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫التسلطية السائدة في التيار القومي آنذاك‪ .‬املركزية الدميقراطية حتولت في التطبيق‬ ‫إلى مركزية بيروقراطية‪ ،‬وهي نزعة سادت في الشتات وتعمقت في املناطق احملتلة‬

‫حتت ظروف العمل السري حيث ساد نظام أوامري (مسؤول الهيئة األدنى يعني من‬ ‫الهينة األعلى واملسؤول يحل محل الهيئة‪ .‬كما أن صغر حجم اخللية العتبارات أمنية‬ ‫قلص تنوع اآلراء‪ .‬في املناطق احملتلة عزلت املناطق بعضها عن بعض‪ .‬كل هيئة منطقية‬ ‫ارتبطت مباشرة مع مسؤول األرض احملتلة في اخلارج)‪ .‬هذا يعني ندرة في املعلومات‬ ‫التي تصل إلى العضو القاعدي ألن املعلومات في يد القيادة األعلى تعتبر مصدر قوة‪.‬‬ ‫القيادات الوسيطة ال متلك املعلومات التي بيد القيادة األعلى‪ ....‬سياسة "التفريغ" التي‬ ‫كانت سائدة حتى حرب اخلليج عام ‪ 1990‬أوجدت جيشا من املتفرغني‪ .‬الناس العاديون لم‬ ‫يكونوا يفهمون معنى "التفرغ" ؛ بل كانوا يفهمون أن يكون لكل شخص عمل (صنعة)‪،‬‬ ‫ولم يكونوا يفهمون ماذا يعني أن يكون شخص متفرغا في تنظيم عندما تسأل ماذا‬ ‫يعمل فالن؟ وضع "املتفرغ" احلزبي‪ ،‬لدى الناس‪ ،‬كان أقرب إلى وضع املختار‪ .‬كثافة التفريغ‬ ‫أنتجت بيروقراطية داخل التنظيم‪ .‬بعد قيام السلطة ومع انتشار املنظمات غير احلكومية‬ ‫املمولة خارجيا وذات اخلطاب الليبرالي‪ ،‬اجنذب العديد من الكوادر اليسارية للعمل‬ ‫فيها‪ .‬لقد تراجع العمل التطوعي‪ ،‬وتعززت النزعة الفردية‪ .‬السلطة توظف واملنظمات غير‬ ‫احلكومية توظف‪ ...‬اليسار لم يطرح خطابا اجتماعيا مميزا بعد قيام السلطة الفلسطينية وال‬ ‫باشر نشاطات تخاطب هموم املجتمع (قيادة مظاهرات ضد الفساد‪ ،‬والفاسدين على‬ ‫سبيل املثال)‪ .‬مقاطعة اليسار للمجلس التشريعي [عام ‪ ]1996‬أضاعت فرصة ملنبر مهم‪.‬‬ ‫اليسار تك ّيف مع الواقع االجتماعي العشائري بدال من العمل على تغييره وبخاصة عندما‬ ‫مالت العشائر أو "احلمايل" لتنظيمات معينة‪ .‬بات االنتماء العشائري (وأحيانا الطائفي‪،‬‬ ‫مثال مسيحيو رام الله مالوا للجبهة الشعبية وإسالميوها حلركة "فتح") يحدد السلوك‬ ‫التنظيمي‪ ،‬وليس العكس ‪ ....‬والبرامج االجتماعية لليسار بقيت شعارات ولم تتحول إلى‬ ‫برامج وإلى آليات عمل‪ .‬مثال‪ ،‬اعتماد االقتصاد احلر في القانون األساسي‪ .‬لم يجر تدخل‬ ‫اليسار في صياغة البرامج الصحية والزراعية وشكل التأمني الصحي‪ ،‬ومكانة اجلامعات‬ ‫القانونية‪ ،‬والبرامج التعليمية‪ .‬كان من املفترض أن تتولى جلان حزبية في اليسار وضع‬ ‫توصيات لبرامج وحتويلها إلى مطالب جماهيرية (قضايا عمال‪ ،‬وطالب ونساء‪ ،‬وغالء‬ ‫معيشة‪ ،‬واقتصاد)‪ .‬برامج اليسار كانت توضع على ورق (رفع عتب)‪ .‬لقد أهمل اليسار‬ ‫دوره داخل املنظمات الشعبية والنقابات واعتمد "نظام الكوتا" بدل الصرع لدمقرطة املنظمات‬ ‫الشعبية والنقابات املهنية‪ ،‬وبقيت العضوية سياسية بدل أن تكون عضوية مصالح قطاعية‬

‫أ ّوال‪ .‬اليسار قبل بدور هامشي؛ إذ سلم حلركة "فتح" بصيغة "النصف ‪ +‬واحد" في‬ ‫التمثيل في االحتادات الشعبية والنقابات العمالية واملهنية‪ .‬اليسار لم يؤسس مفاهيم تقدمية‬ ‫حول الصحة والتعليم ومكافحة الفقر‪ ،‬وال حول احلقوق املدنية‪ .‬حتى على الصعيد الكفاحي لم‬ ‫يطرح نهجا مميزا عن "فتح" و"حماس"‪ .‬اليسار لم يطرح بديال في مواجهة االحتالل‪.‬‬ ‫ولم يتول صياغة مشروع لإلجماع الوطني‪ .‬وحاليا يتقمص اليسار احلالي دور الصليب‬ ‫األحمر في الصراع بني "فتح" و"حماس" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪87‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫لم يقدر اليسار على استيعاب التوسع التنظيمي الذي حتقق خالل االنتفاضة األولى ونظر‬ ‫إلى نفسه ودوره من منظور سياسي فقط‪ ،‬وليس من منظور يساري شمولي‬

‫"باملعنى احلقيقي لم يكن هناك يسار فلسطيني‪ ،‬مبعنى أن الصفة اليسارية كانت لفظية‪،‬‬ ‫ويغلب على أصول قادة التنظيم اليساري الذي انتميت إليه‪ ...‬األصول الفالحية أو هي‬ ‫قيادة ذات أفق محلي‪ .‬اليسار انسلخ عن مجتمعه‪ ،‬واستسلم للدوغمائية مما حيّد فئات‬ ‫واسعة من املجتمع‪ ....‬اليسار لم يستطع دمج النساء بشكل متكافئ في أطره وتعامل مع النساء‬ ‫بدونية‪ .‬ونظر إلى نفسه ودوره من منظور سياسي فقط‪ ،‬وليس من منظور يساري‬ ‫شمولي‪ .‬فهو لم يستطع أن يعبر عما هو تقدمي‪ ،‬لم يكن هناك تكامل بني السياسي‬ ‫وبني االجتماعي‪ .‬وهذا تعبير عن عجز‪ .‬لقد سادت الدوغمائية تفسيره للماركسية‪-‬‬ ‫اللينينية‪ ،‬ولم يستطع التعامل مع املستجدات‪ .‬برز هذا بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة‬ ‫عام ‪ ،1994‬فهو لم يطرح برنامجا سياسيا جديدا؛ بل تعامل مع الوضع اجلديد بردة‬ ‫الفعل‪ .‬اجلمود الفكري والتنظيمي مما يقف وراء تراجع اليسار بعد أوسلو‪ ...‬خالل‬ ‫االنتفاضة األولى عندما جرت محاوالت لفرض احلجاب على النساء في غزة‪ ،‬اجلبهة‬ ‫الشعبية لم تأخذ قرارا بالتصدي حلركة "حماس" بحجة جتنب حرب أهلية‪ .‬لكن في‬ ‫اخلليل قام شباب اجلبهة الشعبية بالتصدي حملاولة حركة "حماس" فرض التحجب‬ ‫على النساء في اخلليل وجنحوا في ذلك‪ ...‬هنا مارس اليسار دوره في حماية حرية‬ ‫املرأة في رفض التحجب‪ ،‬خالفا لغزة‪ .‬في القدس لم تستطع اجلبهة الشعبية القيام‬ ‫بذلك بسبب طبيعة االحتالل اإلسرائيلي للمدينة‪ .‬أي أن ردود الفعل كانت تتباين من‬ ‫مكان إلى آخر‪ ......‬التوسع التنظيمي لقوى اليسار خالل املرحلة األولى من االنتفاضة األولى‬ ‫لم يتم استيعابه‪ ،‬وبقي توسعا كميا سرعان ما تراجع بسبب غياب البرنامج الستيعاب‬ ‫الكم اجلديد‪ .‬هذا التوسع الكبير دفع الشعبية لرفع شعار التحول إلى القوة السياسية‬ ‫األولى خالل االنتفاضة األولى‪ ...‬ميكن القول إن دور اليسار في املرحلة األولى من‬ ‫االنتفاضة األولى كان حاسما ومؤثرا في القيادة املوحدة‪ ،‬لكن هيمنة قيادة اخلارج‬ ‫(وحتديدا "فتح") واالعتقاالت اإلسرائيلية الواسعة للقيادات والكوادر التنظيمية والسياسية‬ ‫أضعف اليسار‪ .‬وارتبط هذا بضعف االعتماد على الذات في متويل نشاطات وفعاليات اليسار‪،‬‬

‫وهيمنة "فتح" املالية التي انعكست على املواقف السياسية حلاجة تنظيمات اليسار‬ ‫للتمويل من السلطة (م‪.‬ت‪.‬ف)‪ .‬غياب الدميقراطية الداخلية (حتت مسمى املركزية‬ ‫الدميقراطية) وشروط العمل السري ساهما في تكريس املمارسة املركزية‪ ،‬رمبا بشكل‬ ‫مفتعل‪ .‬اليسار ما زال فئويا ونخبويا‪ ،‬وهذا ما يقف وراء فشل محاوالت اليسار تشكيل‬ ‫إطار يساري دميقراطي‪ ...‬املنظمات غير احلكومية أفسدت اليسار من زاوية حتديد‬ ‫البرامج واملوضوعات باالعتماد على التمويل اخلارجي‪ ،‬ومن زاوية تلقي مفاهيم من‬ ‫املنظمات الدولية دون توطينها‪ ،‬األمر الذي قاد إلى اغتراب املنظمات غير احلكومية عن‬ ‫شرائح واسعة من املجتمع الفلسطيني‪ ...‬هناك العديد من األمثلة على حت ّول منظمات غير‬ ‫حكومية من منظمات أسست خلدمة برامج تنظيمات يسارية إلى مؤسسات خاصة"‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪88‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫االفتقار لطبقة عاملة فلسطينية متبلورة حرم اليسار من أرضية صلبة‬

‫"برأيي أن سبب تراجع اليسار يعود إلى القيادة التي ادعت أنها حتمل فكر الطبقة‬ ‫العاملة‪ ،‬ولكنها في الواقع لم تستطع أن تعكس هذا التوجه بشكل منهجي في السياسات‬ ‫احلزبية والبرامج املوجهة للفئات االجتماعية املختلفة‪ .‬املسألة الثانية هي عدم تبلور طبقة‬ ‫عاملة فلسطينية‪ ،‬األمر الذي جعل اليسار يقف على أرضية غير صلبة‪ .‬واملسألة الثالثة‬ ‫تتمثل في بعد قيادات اليسار عن ممارسة الدميقراطية احلقيقية داخل أحزابها؛ وهو‬ ‫ما أدى في النهاية إلى عدم االحتكام للمنهج الدميقراطي في اختيار القيادات احلزبية‬ ‫والتدخل في االختيار على أساس انتقائي غير مبدئي" (كادر سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫ج‪ .‬حول العالقات بني قوى اليسار‬ ‫تغليب التنافس بني تنظيمات اليسار‬

‫"لم يشهد اليسار الفلسطيني على مدار أربعني عاما أي جتربة وحدوية‪ .‬ما ساد كان التشرذم‪،‬‬ ‫وهذا ما شهدته الشعبية (انشقاق الدميقراطية)‪ ،‬والدميقراطية (فدا)‪ ،‬وحزب الشعب‬ ‫(مجموعة عربي عواد)‪ .‬كما بقي عنصر التنافس هو السائد بني اليسار الفلسطيني‪....‬‬ ‫يسود بني تنظيمات اليسار منطق الصراع (مثال الصراع بني الدميقراطية والشعبية‬ ‫على من تكون القوة الثانية بعد "فتح")‪ .‬في االنتفاضة األولى رفعت الشعبية شعار‬ ‫نحو التحول إلى التنظيم األول‪ .‬جتارب العمل املشترك بني قوى اليسار لم "تضاين"‬ ‫(لم تشهد استدامة)‪ .‬األسباب تعود إلى ضيق األفق‪ .‬و مفهوم املركزية الدميقراطية‬ ‫املعتمد‪ ،‬ورفض تعدد اآلراء‪ .‬وال شك أن غياب الدميقراطية داخل أحزاب اليسار وفي‬ ‫عالقاتها مع جمهورها وبينها كقوى يسارية من أسباب تراجع اليسار‪ .‬كان هناك خلل‬ ‫في القواعد التي حتكم حل اخلالفات الداخلية‪ .‬غياب الدميقراطية الداخلية هو من أسباب‬ ‫ترك العديد من الكوادر للتنظيمات اليسارية‪ .‬البنية الفكرية السياسية اتسمت في مرحلة‬ ‫من املراحل باجلمود مما منع من اشتقاق سياسات واقعية تعزز من مكانة اليسار بني‬ ‫اجلمهور‪ .‬الشعبية اختطت سياسة متايز تقوم على أين يكون أبو عمار نكون في املوقع‬ ‫املقابل‪ .‬والدميقراطية خسرت موقعها السياسي املتميز بعد انشقاق "فدا"‪ ...‬ال يجب‬ ‫إنكار التضحيات التي قدمها اليسار على مدار أربعني عاما‪ ،‬وال الدور الذي لعبه اليسار‬ ‫أو أطراف من اليسار على الصعيد السياسي‪ ،‬وعلى صعيد احلفاظ على وحدة منظمة‬ ‫التحرير‪ ،‬وفي الدفاع عن القرار الوطني املستقل‪ .‬التوحد لليسار يجلب جمهورا أوسع‪،‬‬ ‫والتشرذم يقلص اجلمهور الذي ينش ّد لليسار‪ ...‬السبب الرئيس لتراجع اليسار يكمن‬ ‫في البنية الفكرية والسياسية والتنظيمية التي حتكم العالقات بني هذه القوى وعالقتها‬ ‫بالقوى األخرى‪( "...‬قيادي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪89‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫التنافس على الكعكة الصغيرة ذاتها هو ما أنهك اليسار‬

‫"تنافس اليسار على نفس الكعكة الصغيرة وهو ما أنهك اليسار في معارك صغيرة ووهمية‪.‬‬ ‫األحزاب اليسارية هي أحزاب ديكتاتورية وإن زاودت في الدميقراطية‪ .‬القيادات ال‬ ‫تتغير‪ .‬حدث بعض احلراك احملدود أخيرا‪ .‬اليسار كان يهاجم التفرد في منظمة التحرير‬ ‫ولكنه في ممارسته الداخلية لم يكن يختلف عن سلوك عرفات‪ ،‬وبالتالي انتقاده‬ ‫كان شكليا‪ .‬لقد ضاع اخليط الذي مييز اليسار عن غيره فالعمل اإلغاثي أصبح لعبة‬ ‫"حماس" و"فتح" وتراجع مع الوقت التأثير النقابي لليسار" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"بعثرة قوى اليسار كانت أحد األسباب التي حالت دون تبوئه دورا قياديا حيث نتحدث عن‬ ‫عدة حلقات من اليسار والقوى الدميقراطية غير قادرة على التوصل إلى بيان مشترك‬ ‫أو اتفاق نقابي‪ .‬وقوى بهذا الوضع‪ ،‬من الصعب تصور أنها ميكن أن ت ّوحد الشارع‪.‬‬ ‫اليسار استمرأ الكذب‪ ،‬فهو يتحدث عن املقاومة وال يقاوم‪ ،‬و يتحدث عن حماية احلقوق‬ ‫العامة وهو ال يحترمها وال يحترم علمانيته‪ .‬وهو اختار دور الوساطة [بني "فتح"‬ ‫و"حماس"] لكي ينأى بنفسه عن املشكلة" (مستقل)‪.‬‬ ‫اليسار يفتقر إلى شخصية قيادية ذات "كارزما" تقوده للوحدة‬

‫"األسباب التنظيمية لتراجع اليسار تعود إلى تعدد أحزابه‪ .‬وهنا نعود ملا قاله الرفيق‬ ‫لينني‪ :‬إذا رأيت حزبني يساريني فاعلم أن أحدهما انتهازي‪ .‬أعتقد أن اليسار الفلسطيني‬ ‫يفتقر لشخصيات يسارية قيادية تستطيع أن تنهض باليسار‪ .‬هناك أسباب تتعلق بشح‬ ‫املوارد املالية لليسار‪ ،‬وعدم مقدرة اليسار على توفير موارد مالية تلبي احتياجاته‬ ‫وطموحاته وفق برامجه املطروحة‪ ،‬وغياب شخصية قيادية يسارية ذات كارزما عالية تقود‬ ‫اليسار نحو الوحدة‪ .‬ال مشكلة في برامج اليسار ألنها واقعية‪ ،‬ولكن ال يوجد آليات عمل‬ ‫لتفعيل هذه البرامج‪ .‬انهيار املعسكر االشتراكي وظهور اإلسالم السياسي وضعف‬ ‫دور وأداء منظمة التحرير بعد اتفاقيات أوسلو‪ ،‬كلها عوامل أدت إلى تراجع اليسار‬ ‫الفلسطيني بشكل كبير‪ .‬األسباب األخرى تعود إلى أن املجتمع ال يتقبل أفكار اليسار؛‬ ‫إذ إنها مرتبطة ـ بحسب اجلمهور بالشيوعيني واملاركسية ‪ -‬ومجتمعنا مسلم وظهور‬ ‫التيارات اإلسالمية وتقدمها جعل من الصعب على اليسار أن يتقدم بسبب ضعف‬ ‫التعبئة عنده‪ ،‬وغياب مدارس تنظيمية فكرية قادرة على إبراز شخصيات قيادية شابه‪.‬‬ ‫الضعف التنظيمي يعكس نفسه على التنظيم النقابي‪ ،‬اليسار يطرح أفكارا ً رائعة وحتليالت‬ ‫جوهرية ولكنه يفتقر آلليات التنفيذ والتأثير والضغط" (كادر شاب‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫‪90‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫االنقسامات داخل تنظيمات اليسار أضعفته‬

‫"اليسار الفلسطيني لم يصل يوما إلى مرحلة ميكن القول إنه كان يشكل فيها قوة رئيسة‪،‬‬ ‫بل كان على الدوام يحظى بتأييد جماهيري غير واسع‪ .‬أول عوامل تراجع اليسار هو‬ ‫انقسامه واالنشقاقات التي حصلت داخل أحزاب اليسار" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"في كل احملطات الهامة التي عاشتها الساحة الفلسطينية ومنظمة التحرير لم يكن‬ ‫لليسار موقف م ّوحد‪ ،‬وهذا كان له أثر بشكل سلبي" (مستقل)‪.‬‬ ‫العقدة في توحيد القوائم االنتخابية لليسار تتمثل في حصص التمثيل‬

‫"في اجلامعة دار التنافس في القطب الدميقراطي التقدمي حول حصص التمثيل داخل القطب‪،‬‬ ‫وهذا قاد إلى انسحاب األطراف األخرى وبقيت اجلبهة الشعبية ومستقلون‪ .‬في كل مرة‬ ‫يناقش التحالف بني أطراف اليسار تكون العقدة حصص التمثيل في القائمة املوحدة‪،‬‬ ‫كما هو احلال حول حصص املساهمة املالية في احلملة االنتخابية‪ .‬حاليا موضوع‬ ‫التحالفات يعود إلى القيادة احلزبية (خارج اجلامعة)‪ ،‬الطالب غير مخيرين‪ .‬القيادة‬ ‫احلزبية هي التي تقرر وهي التي تضع الشروط التي عادة ما تستفز األطراف األخرى‬ ‫من اليسار‪ ...‬اجلميع ينادي بالوحدة [وحدة اليسار] لكن في الواقع ال يتم ذلك‪ .���املشكلة‬ ‫هي في التنشئة احلزبية التي تغذي النزعة احلزبية الفئوية" (حزبية شابة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫أسباب فشل جتربة التجمع الدميقراطي الفلسطيني‪ :‬شح املوارد والنظرة االستخدامية‬ ‫وإجازة ازدواجية العضوية‬

‫"يعود فشل التجمع الدميقراطي الفلسطيني إلى انعدام املوارد املالية‪ ،‬واالعتماد كان على‬ ‫االشتراكات‪ ،‬وهو ما لم يتم االلتزام به‪ ،‬ويعود كذلك إلى غياب اإلرادة السياسية لدى قوى‬ ‫اليسار املشاركة‪ .‬لم يجر اندماج تنظيمي ونظر البعض إلى التجمع نظرة استخداميه‪.‬‬

‫كما كان هناك إصرار من بعض التنظيمات على اجلمع بني عضوية التنظيم وعضوية التجمع‬

‫وهذا خلق إشكالية تخص املرجعية للعضو‪ .‬معظم أعضاء التجمع املؤسسني من املتفرغني‬ ‫إما في السلطة أو في أحزاب سياسية أو في مهن حرة تأخذ معظم أوقاتهم‪ .‬لم يكن هناك‬ ‫متفرغون ملهمات التجمع‪ .‬كان هناك هروب من األشكال االندماجية عند التطبيق العملي‬ ‫بسبب طغيان النزعة الفئوية التنظيمية في العمل املشترك‪ .‬وهذا يعود إلى االمتيازات‬ ‫التي يحصل عليها التنظيم من عضوية منظمة التحرير‪ ...‬املشكلة ليست في البرنامج‬ ‫االجتماعي ألحزاب اليسار‪ ،‬فهناك تقارب شديد في البرنامج واخلطاب االجتماعي‪.‬‬ ‫املشكلة تكمن في املواقف السياسية‪ .‬كما أن هناك تباينا في النظرة إلى التحالفات والتكتيكات‬

‫‪91‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫املطلوبة مع القوى السياسية الفلسطينية ومع القوى العربية‪ .‬على سبيل املثال احلزب‬ ‫والنضال و"فدا" أخذوا مواقف ذيلية للمنظمة وحلركة "فتح"‪ .‬تقارب اخلطاب الفكري‬ ‫واالجتماعي بني شعارات فتح واليسار (األمن واألمان واحلكم الصالح ومكافحة الفقر‬ ‫‪45‬‬ ‫والبطالة)‪ .‬اليسار ال ميلك رؤية متبلورة متميزة عن فتح" (قيادي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫منافسات مصلحية بني أطراف اليسار‬

‫"أول قضية بنظري تركت أثرا سلبيا على األحزاب اليسارية متثلت في بنيتها الداخلية‬ ‫وغياب النهج الدميقراطي؛ مما أدى إلى اجنرار أحزاب اليسار في منافسات مصلحية‪ .‬كل‬ ‫أحزاب اليسار تطرح وحدة اليسار من باب املناورة وجس النبض‪ .‬ال يوجد قناعات لدى قيادات‬ ‫اليسار ولوال اخلوف ألصبحت أحزاب اليسار عشرات التنظيمات بسبب االنشقاقات‬ ‫املصلحية‪ .‬التحوالت الدولية أثرت علينا وخصوصا انهيار االحتاد السوفييتي باعتباره‬ ‫ركيزة مهمة ورئيسة لليسار وحلركات التحرر‪ ،‬والفصائل اليسارية كافة غيرت من‬ ‫برامجها بعد االنهيار؛ وهذا ما ترك أثرا سلبيا عليها‪ .‬بخصوص أوسلو لم يكن لليسار‬ ‫موقف واضح وبعضه كان يجامل أبو عمار وبعضه بحاجة إلى أموال املنظمة‪ ،‬وفريق‬ ‫ثالث اعتبر أوسلو خطأ تاريخيا؛ وبالتالي كان موقف اليسار خليطا غير متجانس من‬ ‫املواقف‪ .‬وما زال اليسار يواجه ذات اإلشكالية حتى اآلن" (قيادي في جبهة النضال‬ ‫الشعبي)‪.‬‬ ‫اجنذاب أطراف اليسار إلى قطبي السياسة الفلسطينية‬

‫"ملاذا فشل اليسار في االنتخابات؟" هذا سؤال مهم‪ .‬أعطي أهمية للسؤال من زاوية‬ ‫مختلفة‪ :‬أهميته أنه من املرات النادرة التي يجبر فيها اليسار أن يعترف أنه فشل‪.‬‬ ‫ولسوء حظ اليسار الفلسطيني قيام انتخابات ألنها كشفت عورته‪ .‬لم يعد يستطيع‬ ‫أن يزاود أو يبالغ في قدراته‪ .‬لسوء حظ هذا اليسار توجب عليه أن يقول إننا فشلنا‪،‬‬ ‫وحلسن احلظ أنه لديه اجلرأة أن يسال مثل هذا السؤال‪ ...‬أعتبر هذا تقدما ملموسا‬ ‫بأن يبدأ االعتراف بأن هناك فشال‪ .‬برأيي أن دور اليسار الفلسطيني والتيار‬

‫‪ 45‬ألخد فكرة عن مشروع التجمع الدميقراطي الفلسطيني‪ ،‬أنظر‪/‬ي الوثيقة التي صدرت عنه في‬ ‫العام ‪ 2001‬حتت عنوان "مشروع الوثائق البرنامجية للحوار العلني واملفتوح"‪ .‬وتنطلق الوثائق‬ ‫من موضوعة تداخل النضال الوطني مع املهام الدميقراطية واالجتماعية واالقتصادية‪ ،‬وأنه ال‬ ‫يطرح نفسه كحزب سياسي جديد على الساحة الفلسطينية‪ ،‬بل كإطار "دميقراطي تقدمي واسع‬ ‫يضم أحزابا وقوى سياسية وممثلي فئات اجتماعية ومنظمات جماهيرية وكتل نقابية وشخصيات‬ ‫وأوساط دميقراطية مستقلة‪ .‬يهدف إلى إنهاء االحتالل اإلسرائيلي وبناء دولة عربية فلسطينية‬ ‫تعددية برملانية علمانية عصرية‪ ،‬تقوم على وثيقة إعالن االستقالل الفلسطيني"‪.‬‬

‫‪92‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫االشتراكي واألحزاب والفصائل والشخصيات واألفراد تراجع ألسباب عديدة‬ ‫جدا أهمها انشقاق التيار بني فصائل وضعت نفسها حتت بسطار السلطة‪ ،‬وفصائل‬

‫أخرى خصوصا بعد االنتفاضة [الثانية] وضعت نفسها حتت إبط اجلماعات اإلسالمية"‬

‫(مستقل)‪.‬‬

‫مصالح ذاتية ال خالفات برنامجية تتحكم بالعالقات بني قوى اليسار‬

‫توحد اليسار أسباب ذاتية بحتة‪ ،‬ومعطل الوحدة هو العامل الذاتي‬ ‫"أسباب عدم ّ‬ ‫املتجسد في وجود مصالح ذاتية‪ ...‬ال خالفات برنامجية في اجلوانب االجتماعية‬ ‫والفكرية‪ ،‬والفروق السياسية بني أطراف اليسار تكتيكية في أغلبها‪ .‬وقد تكون عامال‬ ‫توحد اليسار]‪ .‬كما أن التيار اليساري أوسع بكثير من التنظيمات‪.‬‬ ‫منشطا [في حال ّ‬ ‫هناك جيش يساري مس ّرح ال ناظم له‪ ...‬والثمن يدفع من تراجع قضايا املجتمع‪" .‬فتح"‬ ‫دخلت مرحلة التفتت التدريجي بعد أن تبيّنت استحالة اجلمع بني السلطة واملقاومة‪"...‬‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫التناقضات بني املواقف السياسية لتنظيمات اليسار أضاع لون اليسار وهويته‬ ‫"تنظيمات اليسار الفلسطيني تتفق على البرامج االقتصادية واالجتماعية‪ ،‬ولكنها تختلف في‬ ‫السياسة إلى حد التناقض في املواقف‪ .‬هذه املواقف املتناقضة لليسار تؤثر على جمهوره‪،‬‬

‫كما هو حال حتالفات اليسار املتناقضة‪ :‬جزء يقترب من "حماس"‪ ،‬وجزء يقترب من‬ ‫حركة "فتح"‪ .‬هذا أضاع لون اليسار وهويته‪ .‬في االنتخابات التشريعية للعام ‪1996‬‬ ‫شارك كل من حزب الشعب و"فدا"‪ ،‬لكنهما لم يتقنا املشاركة (التنافس بني أعضاء‬ ‫التنظيم نفسه على مقاعد في الدائرة الواحدة كما حدث مع حزب الشعب)‪ ،‬والشعبية‬ ‫والدميقراطية قاطعتا االنتخابات لكنهما لم تتقنا املقاطعة‪ .‬املشاركون في االنتخابات‬ ‫فشلوا إذ لم يجر التركيز على مرشح واحد في كل محافظة‪ ،‬واملقاطعون فشلوا ألنهم‬ ‫لم يحولوا املقاطعة إلى عمل جماهيري‪ ،‬وفي الوقت نفسه خسروا فرصة املشاركة في‬ ‫املجلس التشريعي‪ ...‬كما أن األحزاب اليسارية التي شاركت والتي قاطعت لم تتعامل‬ ‫مع املجلس التشريعي للتأثير على األداء وعلى مشاريع القوانني‪ ،‬وعلى الرقابة على‬ ‫السلطة التنفيذية" (حزبي سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫فشل عمليات التوحيد بني أطراف اليسار زاد من إحباط جمهوره‬

‫"جرت محاوالت لتوحيد اجلبهتني [الشعبية والدميقراطية] على أثر أوسلو‬ ‫واستمرت حتى نهاية العام ‪ .1996‬وفشل عملية التوحيد كان له أثر معنوي سلبي على‬ ‫عناصر اجلبهتني وعلى اليسار عموما‪ .‬الفشل يعود إلى تباين النهج أو التكتيك السياسي‬ ‫لكل من التنظيمني‪ ،‬ويعود كذلك ملصالح آنية لهذا القائد أو ذاك‪ ...‬لكن السبب الرئيس‬ ‫كان في التباينات في املواقف السياسية‪ .‬وهذا استمر حتى ما بعد تشكيل جبهة‬ ‫‪93‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار حيث استمر التباين في املواقف السياسية‪ ...‬أحد التنظيميني [ش] يتحمل‬ ‫املسؤولية األولى في إفشال عملية التوحيد بسبب نظرته الفوقية حيث يعتبر نفسه‬ ‫اليسار‪ ،‬وأنه كل اليسار‪ .‬بالنسبة للتنظيم اآلخر [د] فإن اللجنة املركزية وما دون‬ ‫اللجنة املركزية كانوا جادين في توحيد اليسار ككل‪ ،‬لكن هذا ال ينطبق متاما على التنظيم‬ ‫اآلخر‪ ...‬وهذا برز في رفض املشاركة في قائمة انتخابية واحدة في االنتخابات‬ ‫التشريعية األخيرة‪ ...‬وفي إمساكه العصا من الوسط في الصراع اجلاري بني‬ ‫"فتح" و "حماس"‪ ،‬وفي تلقيه مساعدات من إيران‪ ...‬نحن نتهم باالنحياز للسلطة‬ ‫وهذا غير صحيح ألننا لم نسكت عن أخطاء السلطة‪ ...‬املوقف العام بني قوى اليسار‬ ‫هو مع وحدة اليسار‪ ،‬املشكلة تكمن في اخلطوات العملية" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫تباين في املسيرة السياسية والتنظيمية ألحزاب اليسار‬

‫"اليسار الفلسطيني قدمي ويعود إلى تأسيس احلزب الشيوعي الفلسطيني تأسس عام‬ ‫‪ ...1919‬احلزب الشيوعي تعامل مع احلركة الصهيونية كحركة عمالية ومن منطلق‬ ‫تضامن العمال (من فلسطينيني عرب ومن يهود) ضد الرأسمال (العربي واليهودي)‪.‬‬ ‫هذا املوقف استغل من قبل الرجعية ملهاجمة اليسار والشيوعية‪ .‬اقترف اليسار‬ ‫الفلسطيني خطأ تكتيكيا في اصطدامه مع عبد الناصر‪ ،‬هذا أدخل اليسار واحلركة‬ ‫الشيوعية في عزلة‪ ،‬ألن الشارع كان مع عبد الناصر‪...‬اليسار نقل برامجه عن برامج‬ ‫ناجحة في أماكن أخرى من العالم (االحتاد السوفييتي‪ ،‬الصني‪ ،‬الخ)‪ .‬لكنها لم تكن‬ ‫برامج مالئمة للوضع في البالد العربية‪ .‬األحزاب اليسارية لم تقبل بالتعددية‪ ،‬وسيطر‬ ‫عليها الفكر الشمولي‪ ،‬مما عنى تخوين من ليس مع املوقف الرسمي للحزب‪ .‬احلزب‬ ‫الشيوعي األردني نظر إلى فصائل اليسار الفلسطيني (اجلبهتني) باعتبارهما تهدفان‬ ‫إلى حتطيم األحزاب الشيوعية‪ ،‬ولم ينظر إليهما باعتبارهما روافد للجبهة التقدمية‪ ،‬الحقا‬ ‫اضطر احلزب الشيوعي األردني لتشكيل حركة األنصار لاللتحاق بالفصائل‪ .‬أعتقد أن‬ ‫فشل التجربة السوفييتية أربك اجلبهة الدميقراطية‪ ،‬ورغم الترحيب بالبروسترويكا‬ ‫إال أن التمسك باملركزية الشديدة استمر‪ .‬وبقيت الدميقراطية الداخلية غائبة‪ ،‬ومعها‬ ‫غاب جتديد الهيئات‪ ،‬وبقيت نزعة تقديس الفرد القائد‪ .‬اجلبهة الشعبية جمعت بني الفكر‬ ‫القومي والفكر االشتراكي‪ ،‬ولذا جندها طالعة نازلة في املوقف السياسي‪ .‬وهي حافظت‬ ‫على هويتها كتنظيم قومي اشتراكي‪ .‬اجلبهة الدميقراطية شهدت مرحلة نهوض نوعي‬ ‫بني ‪ 1969‬وحتى ‪ ،1982‬لكنها بدأت تضعف مع ضعف منظمة التحرير‪ .‬وجاء اخلالف‬ ‫الداخلي ليفقدها جزءا كبيرا من قوتها‪ .‬وتراجعت إمكانية تطوير اجلبهة الدميقراطية‬ ‫بحكم اخلوف من الدميقراطية الداخلية‪ ،‬وهذا اخلوف هو الذي قاد إلى االنشقاق‪ .‬وبعد‬ ‫االنشقاق كان يجب قراءة ما جرى مبزيد من النظرة الدميقراطية‪ ،‬لكن جرى التمسك‬ ‫باملزيد من املركزية (املركزية فوق كل شيء)‪ .‬ويالحظ سيادة العالقات الزبائنية في‬ ‫التنظيمات اليسارية (ظاهرة الوالء الشخصي للقيادة) وظاهرة عدم جتديد الهيئات‬ ‫وعدم التمدد القاعدي اجلماهيري‪ .‬اليسار أصبح جزءا من احلالة البيروقراطية‪ .‬أعضاء‬ ‫‪94‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األمانات العامة للنقابات واالحتادات الشعبية باتوا موظفني في السلطة‪ .‬كل التجارب‬ ‫الوحدوية لليسار فشلت‪ .‬أسباب فشل التجمع الدميقراطي كان انسحاب الشعبية (بعد‬ ‫استشهاد ال��فيق أبو علي مصطفى) ووضع قيادتها بالسجن‪ .‬ثم قرار الدميقراطية‬ ‫باالنسحاب بعد انسحاب الشعبية وهذا أنهى املشروع رغم الشوط املتقدم الذي قطعه‪.‬‬ ‫بالنسبة إلى جبهة اليسار الدميقراطي الطرف اجلدي هو حزب الشعب‪ .‬ليس هناك‬ ‫إخالص لوحدة اليسار" (قيادي سابق‪ ،‬د‪-‬ف)‪.‬‬ ‫د‪ .‬مداخالت حول ضعف الدور االجتماعي لليسار‬ ‫ضعف الدور االجتماعي ألحزاب اليسار الفلسطيني ناجت عن‪ :‬التباس في الهوية‬ ‫االجتماعية‪ ،‬غياب اجلرأة في مواجهة األصولية واإلسالم السياسي‪ ،‬االعتماد على‬ ‫موارد ريعية‪ ،‬وعزلة إقليمية ودولية‬

‫"من موقع قناعتي باليسار وبقدرته على ممارسة دور تقدمي اجتماعي وتنويري‪ ،‬أرى‬ ‫أن مشكلة اليسار [يحدده بأطره الفصائلية التالية‪ :‬جبهة شعبية‪ ،‬جبهة دميقراطية‪،‬‬ ‫حزب شعب‪ ،‬وفدا] تكمن في ضعف املستوى الفكري والنظري مقارنة باليسار املصري‬ ‫واللبناني والعراقي‪ ،‬وحتديدا لدى القيادات األولى‪ .‬لقد جرى االختباء (إلخفاء هذا‬ ‫الضعف) وراء نظرية التحول من تنظيم "دميقراطي ثوري" إلى حزب ماركسي‪-‬‬ ‫لينيني دون وضع آلية للتحول وال حتديد مدى زمني له‪ ....‬وجرى استخدام "نظرية‬ ‫التحول" لتعطيل التحول اجلدي وتبرير إبعاد احلاالت املتقدمة‪ ،‬ولرفض استيعاب‬ ‫من هو خارج القيادة األولى‪ .‬أعتقد أن املشكلة لم تكن في اجلهد النضالي لليسار الذي كان‬ ‫متقدما‪ ،‬لكن في املستوى الفكري الذي لم يختلف عن مستوى حركة "فتح"‪ .‬أذكر أنني طرحت‬ ‫هذه املالحظة على أحد أبرز قادة اليسار الفلسطيني [ذكر اسمه] فأجابني‪" :‬ليس‬ ‫لدينا وقت للقراءة‪ ،‬اعملوا لنا تلخيصات"‪ ...‬لقد أخذت أحزاب اليسار فكرا جاهزا من‬ ‫السوفييت‪ ،‬وعندما انهار االحتاد السوفييتي دخلت هذه األحزاب في حالة من التفكك‬ ‫أو االرتداد القومي وفي حالة من االرتباك في حتديد الهوية الفكرية‪ .‬وترافق اجلمود‬ ‫الفكري والتنظيمي مع تغيب الرقابة واحملاسبة‪ ،‬واستمرت الهيئات العليا تصنع الهيئات‬ ‫الدنيا‪ ،‬واألعلى ميثل وينوب عن األدنى‪ ،‬من بيده القرار (السلطة التنظيمية واملال) كان‬ ‫قادرا على منع الدميقراطية‪ ...‬يعود ضعف النضال االجتماعي لدى أحزاب اليسار الفلسطيني‬ ‫إلى التباس الهوية االجتماعية‪ ،‬ويالحظ أنه في حني أن حزب الرفاه التركي يع ّرف نفسه‬ ‫كحزب إسالمي علماني‪ ،‬جند أن اليسار الفلسطيني ال يجرؤ على مواجهة األصولية واإلسالم‬ ‫السياسي‪ .‬لقد تراجع دور املنظمات النسائية‪ ،‬وتراجعت قضية حترر املرأة وغاب دور‬ ‫اليسار (مبا فيها املنظمات النسائية لليسار) ضد جرائم الشرف أو من أجل حقوق املرأة‬ ‫العاملة‪ ،‬وتغييب امللكية عن النساء‪ ،‬بل هناك أزواج يستولون على رواتب زوجاتهم عبر‬ ‫كرت سحب الراتب‪ .‬كما لم يخض اليسار معركة ضد فرض احلجاب‪ ،‬ومعركة التراث‬ ‫‪95‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الفلسطيني (الثوب‪ ،‬والرموز الوطنية)‪ ،‬وال معركة الفصل بني اجلنسني‪ .‬كما يالحظ‬ ‫غياب دور للنقابات العمالية ‪ ،..‬وحتول اجلامعات إلى أوكار لإلسالميني‪ ...‬اليسار لم‬ ‫يطور موارده املالية لتعزيز استقالليته خالفا لإلسالم السياسي الذي بنى اقتصاده اخلاص‪.‬‬ ‫فاالقتصاد السياسي يخلق قاعدة اجتماعية مهما كانت طبيعة التنظيم أو احلركة‬ ‫السياسية‪ .‬إن بعض تنظيمات اليسار الفلسطيني تتلقى دعما من "حماس" ومن‬ ‫إيران وأخرى تعتمد على املنظمة ومصادر خاصة‪ ،‬وثالثة اعتمدت على املنظمات غير‬ ‫احلكومية إلى أن حتولت مشاريع عدد من هذه إلى مشاريع ألفراد‪..‬واعتماد اليسار على‬ ‫اقتصاد ريعي يجعله مرتهنا‪ ،‬في حني أن "حماس" لها بعض املشاريع املنتجة‪ .‬كما انقطع‬ ‫اليسار عما يدور في العالم‪ ،‬وال يعمل جادا للتعرف على جتارب خارجية لليسار (أوربا‬ ‫وأمريكا اجلنوبية‪ ،‬وبعض دول آسيا)‪ ...‬لم يخض ال اليسار املشارك في السلطة وال‬ ‫املعارض لها معارك ضد الفساد وملنع بناء مؤسسات طفيلية وضد املس باحلريات‪ ،‬وال‬ ‫لتصليب املفاوضات‪ .‬باختصار اتسم اليسار بضعف النضال الدميقراطي‪ .‬من الناحية‬ ‫املوضوعية فإن تشكيل التيار الثالث (اليساري) هو املخرج‪ .‬لكن في الوضع القائم فإن‬ ‫االستقطاب وزع اليسار بني القطبني وهذا يق ّوض مبرر وجود اليسار؛ فهو بحاجة إلى مشروع‬ ‫حترري بجانب مشروعه اإلنقاذي‪ ،‬أي أن يكون له مشروع بديل‪ .‬وعليه أن يكف عن‬ ‫أن يكون ملحقا‪ ،‬وأن يعمل على خلق عناصر استقالله؛ وعلى قواعد اليسار أن تقرر أشكال‬ ‫الوحدة وأشكال التحالف بني أطراف اليسار ال أن تترك للقيادة" (كادر سابق‪ ،‬د‪-‬ف)‪.‬‬ ‫"لم يلحظ اليسار املتغيرات االجتماعية االقتصادية التي نشأت مع قدوم السلطة‪ .‬فمثال‬ ‫لم يقف اليسار في مجابهة النزوع للعائلية واجلهوية بعد قدوم السلطة‪ ،‬ولم يدافع‬ ‫أيضا عن حقوق املواطنني في االستفادة من مقدرات السلطة‪ .‬كذلك لم يواجه اليسار‬ ‫السلطة كمشغل بالطريقة التي متت بها عمليات التوظيف من عشوائية وعشائرية‬ ‫ومحسوبية" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار حاكى "فتح" في عالقته مع اجلماهير‬

‫"أسباب تراجع اليسار تعود إلى العوامل التالية‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬انهيار املعسكر االشتراكي وما عناه ذلك من فشل النموذج الشيوعي في العالم‪،‬‬ ‫وفي الوقت ذاته فإن النظام الرأسمالي حقق العديد من النجاحات ومتكن بديناميكية‬ ‫من تخطي كثير من املصاعب التي واجهها‪ .‬وفي هذا السياق ميكن اإلشارة إلى جناح‬ ‫النظام اإلمبريالي في إضعاف اليسار في العالم العربي من خالل عمل متواصل منذ‬ ‫بداية اخلمسينيات حتى أنه استغل اإلسالم السياسي في حتقيق ذلك‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬عدم قدرة قوى اليسار على النزول إلى األرض ببرامج حتاكي هموم اجلماهير احلقيقية‬ ‫وتقنعها وحتشدها حول هذه البرامج في شتى املجاالت الوطنية التحررية‪ ،‬واملجتمعية‬ ‫الدميقراطية‪.‬‬ ‫‪96‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ثالثا‪ :‬عدم قدرة اليسار على جتديد املوارد املالية واإلمكانات الضرورية لتسهيل العمل‪،‬‬ ‫وهنا من املفيد اإلشارة إلى أن اليسار إلى حد ما حاكى "فتح" في التعامل مع اجلماهير من‬ ‫زاوية أن الثورة تنفق على اجلماهير وليس العكس‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬عدم قدرة اليسار على إيجاد صيغ تنظيمية تزاوج بني ضرورات الشكل التنظيمي‬ ‫الصارم الذي يستجيب لطبيعة مرحلة التحرر الوطني‪ ،‬وفي الوقت ذاته إيجاد صيغ‬ ‫تنظيمية أكثر فضفاضية تستقطب العدد الواسع من املؤيدين لليسار‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬الدور السلبي الذي لعبته قيادة "فتح" في محاربة اليسار سواء أكان ذلك في‬ ‫الداخل أم اخلارج‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬بروز تيار اإلسالم السياسي وارتباط ذلك بحالة التخلف في املجتمع الفلسطيني‪،‬‬ ‫وعدم مواجهة ميكانزمات إعادة إنتاج التخلف التي ُشجعت من قبل اإلخوان املسلمني‬ ‫والنظام اإلمبريالي العاملي وحتى جزء من أطراف اليمني الفلسطيني‪.‬‬ ‫سابعا‪ :‬عدم حتقيق نتائج ملموسة على صعيد الشعارات الوطنية التحررية واملجتمعية‬ ‫الدميقراطية وعدم القدرة على رفع شعارات مرحلية ميكن حتقيقها‪ ،‬تعزز ثقة‬ ‫اجلماهير‪.‬‬ ‫ثامنا‪ :‬عدم قدرة اليسار على التوحد كقوى سياسية ومجتمعية" (قيادي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫اليسار لم يالحظ ماذا يحدث حلركة "فتح" ليستخلص ما عليه عمله‬

‫"في النصف األول من الثمانينيات متيز اليسار بالسلوك واالنضباط كما هيمن‬ ‫حينئذ اخلطاب اليساري على الشارع‪ .‬والطالب اجلامعي كان أمام "فتح" أو اليسار‪.‬‬ ‫"حماس" لم تكن قطبا مهما في الصراع مع االحتالل‪ .‬حاليا اليسار لم يعد متميزا ال في‬ ‫السلوك وال في الثقافة ولم يعد قطبا أساسيا في الصراع مع االحتالل‪ .‬في السابق كان‬ ‫اخلطاب الكفاحي مصدر استقطاب لليسار (باستثناء احلزب الشيوعي)‪ ....‬لقد خرج‬

‫اليسار ضعيفا من االنتفاضة األولى وتواصل خط انحداره بعد قيام السلطة الفلسطينية عام‬

‫‪ .1994‬قيام السلطة أدخل اليسار في أزمة انعكست في نفوذها بني القوى الطالبية‪ .‬حركة‬ ‫"فتح" عبر إمساكها السلطة وف ّرت مكاسب وامتيازات‪ .‬حركة "حماس" مثلت القطب‬ ‫الكفاحي‪ ،‬وكفاحية كتائب األقصى وازت كفاحية عزالدين القسام حتى ‪( 2004‬وفاة‬ ‫عرفات وتسلم أبو مازن رئاسة السلطة)‪ ،‬وانتهاج خيار املفاوضات‪" .‬حماس" أبقت على‬ ‫خطاب املقاومة وادعت أن أية تنازالت تقدمها فإنها تقدمها هي حلماية خيار املقاومة‪ .‬في حني‬ ‫نصف حركة "فتح" يقول عن النصف اآلخر جواسيس وهذا يقول عن النصف اآلخر‬ ‫مغامرون وملحقون بقوى خارجية‪ .‬ال وضوح رؤية لدى "فتح"‪ .‬ما زالت تتصرف‬ ‫وكأنها احلزب احلاكم‪ .‬البرنامج املطروح على املؤمتر السادس حلركة "فتح" يتحدث‬ ‫عن إجنازات السلطة ويطرح برنامج عمل لقطاع التعليم والصحة واإلسكان [حلزب‬ ‫‪97‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫حاكم]‪ ...‬حماس استطاعت أن تفلت من احملاسبة عبر خطاب املقاومة واحلصار‪ .‬اليسار‬ ‫ملّا ير أن "فتح" تنظيم يتفكك وأن بإمكانه أن يرث "فتح" بديال من حركة "حماس"‪ .‬وهذا‬

‫يتطلب رؤية متكاملة سياسية واجتماعية وثقافية ودرجة من الثبات في املواقف تطرح‬ ‫ضرورة احلفاظ وتعزيز املجتمع التعددي واملنفتح في مواجهة احلملة التي شنتها‬ ‫"حماس" ضد العلمانية باعتبارها مرادفة للكفر واإلحلاد‪ .‬والتعددية تعني كذلك شرعية‬ ‫التعددية الكفاحية‪ ،‬واحترام حق اجلميع في العمل السياسي (والفكري والثقافي) بديل‬ ‫عن خطاب "حماس" اإلقصائي‪ .‬يحتاج اليسار إلى قناعة أنه قادر على أن يشكل البديل‪.‬‬ ‫ومطلوب من اليسار أن يوضح أنه إذا كان مع حل الدولتني فكيف يتميز طرحه عن طرح‬ ‫أبو مازن‪ .‬بالنسبة حلركة "حماس"‪ ،‬ليس من أولوياتها قيام دولة فلسطينية‪ .‬أولوية‬ ‫اإلخوان املسلمني هي أسلمة املجتمع‪ .‬كما على اليسار أن يطرح رؤية ملموسة لتشكيل‬ ‫وإحياء منظمة التحرير ولدورها‪ ،‬وأن يطرح إجراءات حملاربة الفساد وإلحقاق اإلصالح‪.‬‬ ‫الفساد قائم في سلطة "حماس" كما في سلطة فتح" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫التحول من املنظمات اجلماهيرية إلى منظمات مهنية قاد إلى تراجع العمل التطوعي‬

‫"اليسار الفلسطيني ارتبط عضويا بالتجربة السوفييتية بحيث بات يقال‪" :‬إن شتّت‬ ‫في موسكو الناس عندنا حتمل الشماسي"‪ .‬املراجع التي كان بتداولها احلزب كانت من‬ ‫منشورات دار التقدم‪ .‬مع انهيار التجربة "اتلخبطت" هوية وخطاب اليسار‪ ...‬في الداخل‬ ‫هيمنت السرية في العمل التنظيمي‪ ،‬وبعد أوسلو باتت العلنية هي السائدة وهذا ش ّكل قفزة واسعة‬ ‫أدت إلى فوضى‪ .‬في العمل السري ساد املبدأ التنظيمي "نفذ ثم ناقش"‪ .‬هذا لم يعد هو‬

‫السائد‪ .‬وميكن القول إن التنظيم انهار باملعنى املعهود (اجتماعات دورية للوحدات احلزبية‬ ‫وتقارير تنظيمية من أدنى إلى أعلى‪ ،‬الخ) وبات االنفالش التنظيمي هو الوضع السائد‪ .‬لم‬ ‫يعد هناك موقف سياسي وفكري م ّوحد لألعضاء احلزبيني‪ ،‬وهذا أضعف تأثيرهم على‬ ‫الناس‪ .‬ومن هنا بتنا جند تصريحات متناقضة لقياديني من احلزب نفسه‪ ...‬في املؤمتر‬ ‫األخير اتخذ قرار بإعادة بناء التنظيم‪ .‬اليسار لم يقدم رؤية خاصة به‪ ...‬أنا واحدة من‬ ‫اآلالف من الطلبة الفلسطينيني من اليسار الذين درسوا في الدول االشتراكية وشاهدوا‬ ‫حجم املشاكل في هذه الدول‪ ،‬وأنها ال تصلح كنموذج للنقل إلى فلسطني‪ .‬كنا عندما ننقل‬ ‫لقياداتنا مالحظاتنا عما يجري في هذه البلدان‪ ،‬يقال لنا إن هذا دعاية إمبريالية‪ .‬قياداتنا‬ ‫رفضت رؤية الواقع في هذه الدول‪ ،‬ومدى القمع الذي ميارس على املواطن‪ .‬املالحظة‬ ‫الثالثة فيما يخص أسباب تراجع اليسار تعود إلى دور املنظمات غير احلكومية التي ت ّولت‬ ‫استقطاب الكوادر اليسارية‪ ،‬مما أفرغ األحزاب من داخلها‪ ،‬وأصبح القائمون على هذه املنظمات‬ ‫يحسون بالقوة وعدم احلاجة إلى منظماتهم احلزبية‪ ،‬بل يشعرون أن هذه األحزاب باتت‬ ‫تشكل عبئا عليهم‪ ...‬في السابق الكوادر احلزبية كانت أكثر عددا من اآلن‪ ،‬وكان جزء من‬ ‫مهماتنا كأعضاء حزبيني ل ّم التبرعات‪ .‬كان الشعار هو االعتماد املالي على الذات‪ .‬وكنا نقوم‬ ‫بالعديد من النشاطات التطوعية‪ .‬جرى حتول في فهم االنتماء احلزبي من انتماء للعطاء‬ ‫والنضال إلى انتماء ملا يجلبه هذا من مصلحة للفرد‪ .‬تنظيمات اليسار لها ارتباط وثيق‬ ‫‪98‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫مالي بالسلطة وعدد أكبر من املتفرغني اآلن مما كان عليه الوضع هنا [قي الضفة الغربية‬ ‫والقطاع]‪ .‬هذا االعتماد املالي على السلطة جعل األحزاب اليسارية غير قادرة على االختالف‬ ‫اجلدي مع السلطة [وهذه كانت من النقاط التي ذكرها الكادر اليساري فيلقاءات جرت‬ ‫في املناطق‪ .)46‬كما أن غياب االشتراكات احلزبية أو عدم انتظامها يقلص من سلطة أو تأثير‬ ‫القاعدة على القيادة‪ ،‬ألن القيادة ال تعتمد على االشتراكات من أعضائها العاملني في املجتمع‬ ‫والتي يكون من حقها معرفة كيف صرفت هذه األموال‪ .‬في اللقاءات مع الكوادر اليسارية‬ ‫كان احلديث أن القيادة غير معنية بضمان انتظام االشتراكات‪ ...‬وميكن القول إنه لم تعد‬ ‫عالقات دولية لألحزاب اليسارية قائمة؛ ويبدو أن الكوادر والقيادات الراهنة ليس لها اخلبرة‬ ‫ورمبا القدرة على التواصل مع القوى اليسارية في العالم‪ .‬هذا مع ضرورة مالحظة أن‬ ‫العالقات التي أقامها اليسار مع الدول االشتراكية سابقا لم تكن عالقات نقدية‪ ،‬ومطلوب‬ ‫أن ال متتنع األحزاب اليسارية احلالية عن توجيه انتقادات لسياسات األحزاب اليسارية‬ ‫جتاه القضية الفلسطينية أو املنطقة" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫العمل التطوعي انتهى في االنتفاضة األولى‬

‫"اليسار يعيش أزمة بنيوية مزمنة‪ ،‬البنية الراهنة لم تعد تلبي احتياجات املرحلة من‬ ‫العمل النضالي واجلماهيري واملجتمعي‪ .‬األولوية هي ملهمات حركة التحرر الوطني مع‬ ‫توافر مشروع مجتمعي‪ .‬على اليسار أن يناقش مشروعا ملقاومة االحتالل وللتصدي‬ ‫لألوضاع االجتماعية‪ ..‬حتى االنتفاضة األولى النضال االجتماعي كان طابعه يساريا‬ ‫عبر األطر اجلماهيرية (للمرأة والشباب والعمال واملعلمني‪ ،‬الخ) التي شكلها اليسار‪...‬‬

‫العمل التطوعي الذي شكل حالة كفاحية خالل السبعينيات والثمانينيات انتهى في االنتفاضة‬ ‫األولى عندما بات يدفع ملن يرمي حجرا على احملتل‪ .‬املشروع السلفي يتناقض مع التجربة‬

‫التاريخية الفلسطينية ومع التراث التقدمي للشعب الفلسطيني‪ .‬مشروع "فتح" نخره‬ ‫الفساد‪ .‬مطلوب من قوى اليسار والشخصيات اليسارية‪ ،‬وحتديدا في الريف واملخيمات‬ ‫بحكم حق العودة ومناهضة اجلدار‪ ،‬أن تبلور برنامجا ملشروع يساري‪ ،‬وأن تضع بنية‬ ‫داخلية لتوحيد اليسار في جبهة أو احتاد أو حزب‪ ...‬الظرف املوضوعي مالئم لتوحيد قوى‬ ‫اليسار‪ ،‬لكن القيادات تقف ضد التوحيد ألنه يعني اختفاء بعضها على األقل‪ ...‬لكن ال خيار إال‬ ‫السير باجتاه املشروع اليساري التقدمي" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫‪ 46‬اإلشارة هنا إلى اللقاءات التي نظمتها مركز السالم والدميقراطية مع كوادر من اليسار الفلسطيني‬ ‫في عدد من مناطق الضفة الغربية الستجالء آرائهم حول وحدة اليسار وقضايا أخرى‪ .‬في‬ ‫هذه االجتماعات برز اتفاق عام على ضرورة وحدة اليسار‪ .‬لم يكن هناك مشكلة حول البرامج‬ ‫االجتماعية فهي وافية وكافية على الورق‪ ،‬املشكلة هي في تطبيقها على األرض‪ .‬املالحظة حول هذه‬ ‫اللقاءات كنت في تدني نسبة مشاركة النساء في لقاءات الكوادر (ال تتعدى ‪ ،)%5‬كما أن مستوى‬ ‫مشاركتهن متدنية‪ .‬برز في اللقاءات قلق لدى الشباب من وضع اليسار ومن الوضع العام‪.‬‬

‫‪99‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫البرامج االجتماعية لليسار هي أقرب إلى الدعوات التبشيرية‬

‫"ليس هناك أدنى شك في أن أسباب تراجع اليسار مترابطة ومتداخلة من حيث مقدمتها‬ ‫ونتائجها‪ .‬وكل منها لعب دورا ً في التراكمات التي أضعفت اليسار وإن كان باإلمكان‬ ‫تخفيف حدة تأثير املتغيرات العاملية واإلقليمية لو استطاع اليسار أن يثري ويغني‬ ‫برامجه السياسية واالجتماعية‪ .‬وعلى الرغم من ضرورة تغليب الوطني علي االجتماعي‬ ‫وذلك بحكم ضرورات القضية الفلسطينية كقضية حترر وطني وحق تقرير مصير‬ ‫باألساس‪ ،‬إال أن البرنامج االجتماعي لقوى اليسار بقي محصورا ً إلى حد كبير في فئة اجتماعية‬ ‫محدودة‪ ،‬وكان أقرب إلى الدعوة التبشيرية‪ ...‬وفي أحسن أحواله حمل شعارات اعتراضية‬ ‫في مواجهة برامج السلطة الفلسطينية الوليدة والقائمة علي مفاهيم مشوهة القتصاد‬ ‫السوق والليبرالية املتوحشة‪ ...‬ومما سارع في وتيرة أزمة اليسار بروز قضايا اخلالف‬ ‫البرنامجي بني قوى اليسار منذ العام ‪ 1974‬وذلك لدى طرح البرنامج املرحلي الفلسطيني‪،‬‬ ‫فخرجت إحدى مكونات اليسار لتنضم إلى جبهة الرفض والتي احتضنتها العراق آنذاك؛‬ ‫وبعد االجتياح اإلسرائيلي عام ‪ 1982‬واالنقسام في حركة "فتح" وتوقيع اتفاق عمان‪،‬‬ ‫غادر من جديد الطرف نفسه التحالف الدميقراطي عندئذ واملك ّون من اجلبهة الدميقراطية‬ ‫واجلبهة الشعبية واحلزب الشيوعي لينضم من جديد إلى جبهة اإلنقاذ الفلسطيني التي‬ ‫احتضنتها سوريا‪ .‬وفي مراحل االنعطاف الكبرى تشكلت مناذج لوحدة اليسار سواء عبر‬ ‫صيغة القيادة املشتركة أو القيادة املوحدة بني اجلبهتني الدميقراطية والشعبية‪ ،‬ولكنها‬ ‫لم تتطور إلي صيغ جبهوية احتادية كمقدمة على طريق حتولها إلى صيغ وحدوية‪...‬‬ ‫وتتواصل اجلهود لتأسيس التيار الثالث اليساري الدميقراطي املوحد‪ .‬وفي املجال ذاته‬ ‫ميكن القول إن التفاوت في التطور والنضج ال يزال يعكس نفسه في امليدان األيديولوجي‬ ‫والسياسي على السواء ‪ ...‬فرغم أن القوى الثالث [الشعبية والدميقراطية وحزب الشعب]‬ ‫تتبنى نظرياً أيديولوجيا واحدة‪ ،‬فإنها بني حني وآخر تشهد خالفات برنامجية سياسية‪ ،‬وهذا‬ ‫يعني أن هناك استقالالً نسبيا ً للبرامج السياسية عن أصولها األيديولوجية‪ .‬ويضاف لكل‬ ‫ما سبق امتناع اليسار عن جتديد بنيته التنظيمية في الوقت املناسب‪ ،‬ومن خالل حتليل نقدي‬ ‫مستند للتراث الثري والتاريخي للفكر االشتراكي العلمي‪ ...‬فهذا الفكر في جوهره ثوري‬ ‫ودميقراطي وعلماني وعصري ومناصر لتحرر املرآة وحقوق اإلنسان وينتصر لقيم‬ ‫العدالة االجتماعية واإلنسانية‪ .‬وفي هذا املجال ‪ ...‬نالحظ وبال موارية انحدار التثقيف‬ ‫باالشتراكية العلمية ومكوناتها الرئيسة إلى أدني احلدود‪ ،‬وأصبح املهم محاولة تنظيم ما‬ ‫ميكن تنظيمه ألغراض انتخابية عاجلة ومؤقتة دون االستناد إلى حلقات تأهيل وتثقيف‬ ‫فكري عصري وتنويري ‪....‬تضافرت العوامل السالفة الذكر لتترك بصماتها على تراجع‬ ‫اليسار إال أن هذه العوامل ال يجوز أن تعفي اليسار من مسؤوليته‪ ،‬وبخاصة ألن اليسار‬ ‫رغم لقاءاته الدورية لم يستطع إقرار برنامج سياسي واجتماعي موحد وواضح املعالم في‬ ‫مواجهة االستقطاب واالنقسام اجليو‪ -‬سياسي‪ ,‬ناهيك عن عدم القدرة بل وعدم اجلدية‬ ‫في تشكيل جبهة يسار موحدة قادرة على لعب دور رئيس وفاعل في الواقع السياسي‬ ‫الفلسطيني" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪100‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تدني االهتمام بالقضايا االجتماعية‬

‫"اليسار لم يعر القضايا االجتماعية االهتمام املطلوب‪ ،‬وبقى خاضعا ملفهوم ومبدأ أولوية‬ ‫الصراع الوطني على الصراع االجتماعي الدميقراطي‪ ،‬رغم أن قوى اليسار نظريا أدركت‬ ‫حقيقة هذا التداخل في املهمات إال إنها لم تعط النضال االجتماعي والدميقراطي األهمية‬ ‫التي يستحقها‪ ،‬وبقيت مواقفها من الصراع أو التحالف السياسي محكومة باالستعالء‬ ‫أو االستخفاف بالنضال االجتماعي الدميقراطي‪ .‬ولم يقدم اليسار أية معاجلة ملموسة‬ ‫للقضايا املجتمعية املتنوعة؛ بل أن منظماته اجلماهيرية وأطره النقابية أفرغت من‬ ‫محتواها‪ ،‬فإما حتولت إلى منظمات غير حكومية ‪ ،NGOs‬أو إلى أطر نقابية مرتبطة‬ ‫بالسلطة‪ .‬وبذلك فقد أخلى اليسار دوره في هذه العملية‪ ،‬إما حلركة حماس التي استغلت‬ ‫هذا الفراغ بشكل جيد‪ ،‬أو ملنظمات حقوقية أخرى‪ ،‬أو في املراهنة على السلطة ذاتها في‬ ‫تصويب أدائها؛ وبذلك فإن أداء اليسار هذا بكل قياداته لم يكن مقنعا للجمهور سواء‬ ‫عندما حتالف مع السلطة أو حني قام مبعارضتها‪ .‬واستمر دور اليسار في املراوحة‬ ‫حينا والتراجع حينا آخر" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫"مهمة اليسار تتمثل في فصل الدين عن السياسة وترويج قيم احلداثة والعصرنة بديال للتقيد‬ ‫بالتراث‪ .‬وهذا يعني ضمنا أن مظاهر التدين الشخصي محتملة‪ ،‬ولكن عندما توجد قوة‬ ‫دينية تطغى القيم الدينية‪ ،‬وهناك عامل ضعف احلصانة الداخلية في صفوف اليسار‪.‬‬ ‫اآلن بدأنا بإطالق حملة مضادة ولكنها حتتاج إلى تدرج في اإلجراءات" (قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اليسار لم يأخذ موقفا حاسما من قضايا املرأة‬

‫"لم تكن القضايا االجتماعية تشكل أولوية ألحزاب اليسار وكانت القضايا السياسية‬ ‫هي التي حتل أوال في سلم أولويات اليسار بينما القضايا األخرى تأتي الحقا‪ .‬ويجب‬ ‫القول إن اليسار لم يقف موقفا حاسما من قضايا املرأة حيث عارضت بعض قوى اليسار‬ ‫الكوتا النسائية‪ ،‬ولم يشكل منوذجا في التصدي للقضايا االجتماعية كقضايا العمال أو‬ ‫املوظفني آو النقابات" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ال خطط تعنى بقضايا املرأة‬

‫"قيادة اإلطار النسوي [الذي كنت أنشط فيه] كانت تتم من خالل القائمة املركزية‬ ‫[بالتعيني]؛ واللوائيات التي تنتشر في كل احملافظات كانت هي األخرى تخضع‬ ‫للتأثيرات املركزية وإن كانت أقل نسبيا من الهيئة املركزية لإلطار النسوي‪ ...‬التنظيم‪،‬‬ ‫كتنظيم يساري��� ،‬لم يكن لديه خطة لالهتمام باملرأة من حيث السياسات التمكينية‬ ‫وتعزيز مشاركة املرأة السياسية‪ .‬وكانت منظمات املرأة في التنظيم تقاد من رجال‪ ،‬أي‬ ‫أن النساء كان سقفهن ال يتعدى الكادر الوسيط‪ ،‬واحلجج لذلك كانت أمنية‪ ...‬واخلطاب‬ ‫الوطني كان هو املهيمن على حساب اخلطاب املجتمعي الذي بقي ثانويا‪ ...‬لكن جتربة اليسار‬ ‫لم تكن متجانسة على صعيد املرأة‪ ،‬فاجلبهة الدميقراطية كانت أكثر تقدما وجناحا في‬ ‫التجربة النسائية" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪101‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫" البرامج االجتماعية لليسار كانت مجرد شعارات‪ ،‬واملفارقة أن اليسار أسس للعمل‬ ‫اجلماهيري لكنه لم يستثمر هذا التوج أو ميأسسه لكي تستمر" (مستقل)‪.‬‬ ‫لم تستطع أحزاب اليسار أن تقنع الفئات االجتماعية التي يفترض في اليسار متثيلها‬ ‫بأنها تدافع عن مصاحلها‬

‫"ال يقتضي البحث عن أزمة اليسار النظر فقط إلى تأثير العوامل الدولية واإلقليمية‬ ‫والعربية (مثل سقوط االحتاد السوفييتي‪ ،‬وانتصار الثورة اإليرانية‪ ،‬وحرب اخلليج‪،‬‬ ‫وضعف النظام الرسمي العربي‪ ،‬وصعود تيار اإلسالم السياسي ‪ ....‬إلخ )‪ ،‬بل يقتضى‬ ‫أيضا البحث في بنية النظام السياسي الفلسطيني املتشكل بعد أوسلو من حيث ارتباط‬ ‫معظم فصائل اليسار بالتركيبة اإلدارية واملالية للقيادة املتنفذة في منظمة التحرير‬ ‫الفلسطينية‪ ....‬وقد انعكس هذا النظام "الزبائني" على دور تنظيمات اليسار في األطر‬ ‫النقابية واالجتماعية‪ ،‬حيث أصبحت جزءا من مكونات البنية القيادية للنقابات واألطر‬ ‫االجتماعية املختلفة‪ ،‬وذلك على حساب تبنى مصالح القطاعات والفئات االجتماعية‬

‫التي من املفترض أن تتبناها قوى اليسار‪ .‬لقد حتركت األغلبية املتضررة من مظاهر‬ ‫الفساد والنظام الزبائني باجتاه حركة "حماس" وقوى اإلسالم السياسي‪ ،‬حيث‬ ‫لم تستطع قوى اليسار أن تلعب دور البديل أو تقنع تلك القطاعات االجتماعية بأنها‬ ‫تدافع عن مصاحلها الطبقية عبر خوض النضاالت املطلبية في مجاالت مختلفة لتحسني‬ ‫مستوى املعيشة وللتصدي ملظاهر الفساد ولضمان مصالح العمال واملزارعني‪،‬‬ ‫والطلبة والشباب‪ ...‬الخ‪ .‬على قوى اليسار إذا أرادت أن تلعب دور البديل أن تعمل‬ ‫على قطع الروابط البيروقراطية واملالية مع البنية القيادية النافذة بالسلطة أو املنظمة وأن‬ ‫تتجنب في نفس الوقت تأثيرات اجلغرافية السياسية‪ ،‬وذلك فيما يتعلق ببعض القيادات‬ ‫املوجودة باخلارج‪ ...‬وعليها أن تربط عالقاتها التحالفية مع القوى األممية العاملية التي‬ ‫تنتصر لقضايا العدالة والدميقراطية والتقدم االجتماعي‪ .‬إن القطع اإلداري واملالي مع‬ ‫البنية القيادية للمنظمة ال يعنى القطع التحالفي املطلوب في مرحلة التحرر الوطني ولكنه‬ ‫يعنى القدرة على اختطاط منهج من االستقاللية في صياغة املوقف الوطني واالجتماعي‬

‫واالقتصادي" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫اليسار لم يعط أولوية لقضية املرأة‬

‫"البرنامج االجتماعي لليسار لم يرتق إلى مستوى املساواة والشفافية والدميقراطية‬ ‫وحقوق اإلنسان‪ ،‬وبقيت رؤياه تقليدية خصوصا في برامج الشباب واملرأة‪ ،‬علما أن‬ ‫اليسار لم يعتبر قضية املرأة أولوية‪ ،‬أي أنه لم يتمايز برؤية تقدمية بل كان جزءا من‬ ‫الرؤية العامة‪ ،‬والفهم العام املشدود للبعد الوطني‪ .‬لكن يسجل لليسار أنه بادر إلى‬ ‫إنشاء املنظمات اجلماهيرية احمليطة باحلزب وإن لم يستطع احلفاظ عليها بل حولها‬ ‫إلى واجهات سياسية" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪102‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫غياب قضايا الفقراء والكادحني والشباب واملرأة وذوي الشهداء واملعتقلني‬ ‫"شكل غياب البرنامج االجتماعي الشامل الذي يعنى بالفقراء والكادحني والشباب واملرأة‬ ‫وذوي الشهداء واملعتقلني وذويهم عامالً حاسما في إضعاف قوى اليسار التي بدأت تفتقر‬ ‫للقواعد الشعبية من عموم الفقراء والكادحني‪ .‬وساهم في هذا غياب االستقالل املالي الذي‬

‫لعب دورا ً محوريا ً في غياب القدرة على العمل االجتماعي والسيما رعاية أسر شهداء‬ ‫اليسار وأسراه‪ .‬ولم تظهر قوى اليسار مجتمعة اهتماما على هذا الصعيد ما خال االهتمام‬ ‫بإنشاء مؤسسات أهلية ذات طابع غوثي وخدمي‪ .‬وأصبحت قوى اليسار أمام خيارين‪:‬‬ ‫إما أن تبقي الهيمنة احلزبية على املؤسسة مما يضعف من مهنيتها وقدرتها على التطور‬ ‫وتعظيم الدور‪ ،‬أو أن تهتم باملهنية فتبتعد املؤسسة شيئا ً فشيئا ً إلى أن تخرج عن إطار‬ ‫أي سيطرة حزبية‪ .‬وهنا من املفيد اإلشارة إلى دور اإلسالميني وجناحهم على هذا الصعيد‬ ‫بحيث سلبوا اليسار قواعده الطبيعية‪ ،‬وتركوا لليسار قاعدة من البرجوازية الصغيرة‬ ‫واملثقفني ممن خبت روح الثورة فيهم مع الوقت" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫فجوة بني البرامج وتطبيقها‬

‫"البرامج القطاعية برأيي برامج متقدمة لكن املشكلة في آليات التنفيذ ووجود منوذج‬ ‫داخل التنظيم‪ .‬فجميع قوى اليسار تتحدث عن املساواة بني اجلنسني‪ ،‬ولكن بالكاد‬ ‫تصل امرأة إلى الهيئات القيادية من دون "الكوتا"‪ ،‬ويقال األمر ذاته مع الشباب"‬ ‫(قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"احلزب جزء من املجتمع وأحزاب اليسار تتعامل مع املرأة على أساس الثقافة السائدة‪،‬‬ ‫أي على أساس تقسيم األدوار ال تبديلها [تغييرها]‪ ،‬وهذا يجعل تقدم املرأة أمرا غير‬ ‫سهل" (قيادية في إطار نسوي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫منظمات نسائية بعقلية أبوية ومصالح فصائلية وليست نسوية‬ ‫"املنظمات النسائية غير احلكومية واألطر النسائية اكتسبت العقلية األبوية السائدة‬ ‫في أحزابها والتي تقوم بتعيني مسؤولة اإلطار النسوي‪ ،‬وهي التي شكلت باألساس‬ ‫بهدف التوسع أو االنتشار التنظيمي‪ ،‬وليس للدفاع عن قضية املرأة‪ .‬والنساء في املواقع‬ ‫القيادية في هذه األطر تقمصن العقلية الذكورية ألحزابهن‪ ،‬ومصالح هذه األطر هي‬ ‫مصالح فصائلية وليست مصالح نسوية‪ .‬وأصبحن [القيادات النسائية] مستهلكات‬

‫(عجايز)‪ ،‬وهن لسن مفكرات وال ميلكن مواصفات القيادة من حيث املعرفة أو الفكر‬ ‫املاركسي‪ .‬كما أن الكوادر النسائية األفضل استقطنب من املنظمات غير احلكومية‬ ‫(‪ )NGOs‬وهذه منظمات ذات أجندات ليبرالية وليست يسارية‪ .‬األطر النسائية تقدم‬ ‫مناذج ألحزابهن‪ ،‬الفكر السائد بني النساء في الضفة والقطاع فكر محافظ جدا"‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪103‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تبعية اإلطار اجلماهيري الدميقراطي باحلزب السياسي اليساري‬

‫"‪ ...‬وحقيقة األمر أن جميع األطر النسائية تؤطرها عالقة تبعية شبه كاملة للحزب‬ ‫السياسي‪ ،‬تتناسب عكسيا مع نفوذه على الصعيد السياسي‪ ،‬وحجمه على الصعيد‬ ‫التنظيمي‪ ،‬أما على الصعيد البرنامجي املختص فهي تترجم توجهات احلزب‬ ‫البرنامجية على صعيد القطاع؛ وعليه فإن احلزب السياسي يقوم بعملية رسم‬ ‫التوجهات‪ ،‬سواء املباشرة وغير املباشرة‪ ،‬عبر عضواته احلزبيات املنخرطات في‬ ‫عضوية اإلطار واملمسكات بقيادة اإلطار النسوي‪ ،‬الذي نادرا ما تكون في عضوية‬ ‫هيئاتها القيادية عضوات غير محزّبات‪ ،‬من اللواتي يكتسنب عضويتهن على أساس‬ ‫التوافق واملوافقة على برنامج اإلطار النسائي‪ ...‬وفي معظم األطر جند تطابقا أكيدا‬ ‫ما بني عضوية احلزب السياسي وإطاره النسائي‪ ،‬مما يجعل التبعية التنظيمية أمرا‬ ‫محتوما‪ ،‬ويحول اإلطار إلى واجهة سياسية للفصيل‪...‬واقع احلال عمليا في هذه‬ ‫احلقبة‪ ...‬يشير إلى أن اخلطاب اليساري في قضايا حقوق املرأة االجتماعية بقي‬ ‫خطابا خجوال ومترددا‪ ،‬وشكل العالقة ما بني احلزب وإطاره النسائي بقي ميثل‬ ‫‪47‬‬ ‫عالقة أحادية اجلانب"‪.‬‬ ‫حتسن في متثيل للمرأة والشباب‬

‫"نحن قمنا بتحديد فترة األمني العام بدورتني فقط‪ ،‬وأعطينا اهتماما للشباب‪ ،‬واملرأة‬ ‫في هيئات احلزب األولى (‪ %20‬من املكتب السياسي نساء‪ ،‬والشباب تصل نسبتهم‬ ‫في اللجنة املركزية إلى ‪ .) %27‬كما ال يوجد تعيني في احلزب من اخللية حتى أعلى‬ ‫هيئة‪ .‬املؤمتر منتظم بانعقاده كل أربع سنوات‪ ،‬وفي الفترة األخيرة تأخر بسبب‬ ‫االنتفاضة‪ ،‬ونحن ش ّرعنا التيارات داخل احلزب وأقررنا التمثيل النسبي في هيئاته"‬ ‫(قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫إهمال العمل اجلماهيري وعدم االستثمار في القيادات الشابة‬

‫"تراجع اليسار يعود إلى‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬ابتعاده عن العمل اجلماهيري ‪ -‬الذي متثل في تشكيل جلان املرأة‪ ،‬والنقابات‬ ‫العمالية‪ ،‬واالحتادات الطالبية واللجان التطوعية ومنها اللجنة العليا للعمل التطوعي‬ ‫التي عقدت مؤمترا في جامعة بيرزيت ‪ ،1982-1981‬جلان الدفاع عن األراضي وغير‬ ‫ذلك ‪ -‬لصالح العمل املؤسساتي البعيد عن العمل التطوعي والعمل اجلماهيري‪.‬‬ ‫املأسسة متت عبر التحول من منظمات جماهيرية إلى منظمات غير حكومية ‪ ...‬وهذا قاد‬ ‫‪ 47‬رميا كتانة نزال "انعكاس أزمة اليسار الفلسطيني على األطر النسائية الدميقراطية ودورها"‪،‬‬ ‫مجلة تسامح‪ ،‬العدد العاشر‪ ،‬السنة الثالثة‪-‬تشرين أول ‪(.205‬صفحة ‪.)109-108‬‬

‫‪104‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫إلى االعتماد على التمويل اخلارجي بدل التمويل احلزبي‪ .‬احلزب كان ميول العمل‬ ‫اجلماهيري في السابق‪ ،‬لتصبح املؤسسات غير احلكومية هي التي متول احلزب‬ ‫إلى حد ما‪ ،‬متويل املؤسسات للحزب بدأ يؤثر على سياساته واملؤسسات حتولت إلى‬ ‫ملك أفراد واستخدمت للوصول إلى قيادة احلزب‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬غياب االستقالل املالي‪ ،‬ويبدو أن ارتباط األحزاب السياسية املالي مبنظمة‬ ‫التحرير جعلها مرهونة لياسر عرفات‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬التحوالت في الدول االشتراكية والتي قادت إلى تغيير اسم احلزب الشيوعي‬ ‫(بإصرار من قيادة احلزب) إلى حزب الشعب‪ ،‬واخلروج من منهج واضح إلى منهج‬ ‫ضبابي انعكس على العمل اجلماهيري‪ .‬جرت توصيات من املناطق تطالب بعدم‬ ‫تغيير اسم احلزب لكن اإلصرار كان من قيادة احلزب بتغيير االسم‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬البنية التنظيمية التي اعتمدت القاعدة احلزبية كقاعدة تنفيذية‪ .‬قرارات املنظمة‬ ‫الطالبية كانت تأتي من القيادة السياسية‪ ،‬والقيادة السياسية كانت تتحكم مبوازنة‬ ‫التنظيم الطالبي‪ .‬كانت العالقة بني القيادة والقاعدة عالقة سلطة‪ .‬في أوائل التسعينيات‬ ‫كان للتنظيم ‪ 35‬عضوا في جامعة النجاح‪ ،‬لم يبق في التنظيم منهم سوى خمسة‬ ‫أعضاء‪ .‬لقد غابت احملاسبة للقيادة احلزبية‪ .‬لم يستثمر اليسار في الكوادر الشبابية؛ ولذا‬

‫ال جتد قيادات شابة حاليا (بعض القيادات الشبابية وضعت العتبارات عشائرية‪.‬‬ ‫القيادات الشابة كان بوسعها أن تقود وحتدث تغييرات لصالح لليسار؛ وبدل ذلك‬ ‫أصبحت قيادات في املنظمات غير احلكومية ‪ NGOs‬أو في مؤس��ات دولية‪ ...‬كما‬ ‫جند ميال للشخصنة والصراعات داخل القيادة األولى‪ :‬بشير البرغوثي أصر على‬ ‫االحتفاظ مبوقعه كأمني عام حتى بعد شلله‪ ،‬أمني عام اجلبهة الدميقراطية له أربعة‬ ‫عقود‪ ،‬وجورج حبش اعتزل بسبب املرض‪( " ...‬كادر شبابي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار لم ينجح في تغيير واقع املرأة ولم مينح رعاية كافية للشباب‬

‫"القوى اليسارية لم تستطع على أرض الواقع تقدمي ممارسة كفاحية قياسا بحركتي‬ ‫"حماس" و"فتح"‪ .‬على األرض كانت املمارسة باهتة رغم خطاب اجلبهة الشعبية‪.‬‬ ‫اليسار لم يستطع أن يغير واقع املرأة املعيش‪ .‬ولم يستطع أن يغير في الواقع االقتصادي‬ ‫واالجتماعي‪ ،‬بل جند أن الفوارق الطبقية تفاقمت منذ قيام السلطة‪ .‬ال نالحظ دورا متميزا‬ ‫للنقابات اليسارية‪ .‬ما هو موجود هو منظمات غير حكومية محسوبة على اليسار لكن‬ ‫ال تقوم بدور حقيقي داخل املجتمع وإن وفر بعضها خدمات لفئات اجتماعية‪ .‬الناس‬ ‫احملتاجة جتد أمامها إما "حماس" أو "فتح"‪ ..‬اليسار يكاد ينحصر في مجموعة من النخب‬ ‫التي جتتمع وتناقش‪ .‬واليسار يسعى حاليا للتعايش مع ما هو قائم‪ .‬ال مناقشة من قبل‬ ‫مفكري اليسار لقضايا املجتمع ومنها الدين‪ .‬السلفية تضرب جذورها في املجتمع دون‬ ‫مقاومة من اليسار‪ ...‬االنتماء للجبهة لم يعد قائما على قناعات فكرية (بل يعود النتماء‬ ‫‪105‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫عائلي أو عبر صالت صداقة ومعرفة)‪ ،‬ويعود للنفور من كل من "حماس" و"فتح"‪.‬‬ ‫جزء من الشباب في فرع املنظمة الشبابية التي أنتمي إليها محافظ؛ أعرف شابا فسخ‬ ‫خطبته ألن خطيبته أصرت على العمل بعد الزواج وهو ال يريد لها العمل‪ ،‬والشاب املعني‬ ‫ي ّدعي لنفسه املاركسية والعلمانية‪ .‬هناك ازدواجية بني الفكر (اخلطاب) وبني املمارسة‪...‬‬ ‫اجلبهة ال تولي االهتمام أو الرعاية الضروريني للشباب‪ .‬والتنظيم بات إطارا فضفاضا‬ ‫تغيب عنه الهيئات القيادية واملتابعة التنظيمية‪ .‬أنا عضو في تنظيم اجلبهة ألنني على‬ ‫عالقة صداقة مع اثنني أو ثالثة من هذا التنظيم‪ .‬إن غاب هؤالء فأنا لن أعرف هويتي‬ ‫السياسية وما أعمل‪ .‬فأنا لست عضوا في هيئة‪ ،‬الهيئات الوسيطة غير موجودة‪ .‬ما هو‬ ‫سائد هو عالقات شخصية وليست عالقات تنظيمية‪ .‬ال متابعة حلاجات الكادر‪ ..‬وال‬ ‫املجتمع‪ .‬ال أحد من الشباب يعرف النظام الداخلي" (كادر حزبي شاب‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫البرامج االجتماعية لليسار لم تتحول إلى أداة خللق توازن قوى جديد‬

‫"لم يتم التعامل مع البرنامج االجتماعي لألحزاب اليسارية بشكل حقيقي وجا ّد خللق‬ ‫توازن جديد في موازين القوة على الصعيد السياسي‪ .‬وذلك يؤكد قبول األحزاب‬ ‫اليسارية بحالة التهميش واإلقصاء التي زجت نفسها بها‪ .‬وخير دليل على ذلك أن‬ ‫األحزاب اليسارية لم تكن لها برامج اجتماعية وطنية ملموسة على األرض فيما يتعلق بقضايا‬ ‫الفئات التي ينبغي أن تناضل من أجلها وبخاصة العمال واملرأة واملع ّوقني والشباب‪،‬‬ ‫وذلك ال يعني أنها لم تكن مشاركة وإمنا لم تقدم مبادرات جدية لصالح قضايا هذه‬ ‫الفئات" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫أحزاب اليسار فشلت في فهم احتياجات النساء وتخشى الكشف عن هويتها العلمانية‪،‬‬ ‫وصوت اليسار االحتجاجي بات يخفت بشكل ّ‬ ‫مطرد‬

‫"كنت أقرب سياسيا للجبهة الشعبية واجتماعيا وفكريا للجبهة الدميقراطية بسبب دور‬ ‫التنظيم النسائي لألخيرة‪ ،‬بوجود زهيرة وسهام والرفيقات األخريات‪ ،‬أحسست أن‬ ‫املرأة أخذت دورا في التنظيم‪ .‬لكن‪ ،‬بشكل عام اليسار لم يحدث نقلة نوعية في دور املرأة‬ ‫في التنظيم‪ .‬اليسار ال يأخذ بعني االعتبار أن للنساء حاجات مختلفة وبالتالي لها مسؤوليات‬ ‫مختلفة‪ .‬في األحزاب هناك مساواة بني الرجل واملرأة في املسؤوليات والواجبات‪ ،‬وليس أن هناك‬ ‫واجبات ومسؤوليات مختلفة للرجال والنساء‪ .‬لم يظهر اليسار قلقا جديا من أجل استقطاب‬ ‫املرأة وإشراكها في صناعة القرار‪ .‬في حماس النساء ميلكن مسافة أوسع ألن الفصل‬

‫بني الرجال والنساء يولد حيزا أكبر للمرأة لتتفهم التزامات املرأة وحاجاتها في سياق‬ ‫البيئة االجتماعية‪ .‬فهيكلة األحزاب العلمانية ال تأخذ بعني االعتبار حاجات والتزامات‬ ‫النساء‪ ...‬من هنا جرى نقاش في مناسبات عن تأسيس حزب للنساء؛ بالطبع هذا لم يتم‬ ‫ألن حزبا كهذا يعزز الفصل‪" .‬في لقاء في املركز مع األحزاب الفلسطينية [عام ‪]2000‬‬ ‫وقف الرفيق أبو علي مصطفى مع املساواة التامة في امليراث واألجور ومع مطالب‬ ‫‪106‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫احلركة النسائية وضد تعدد الزوجات‪ .‬لكن لم تأخذ كل أطراف اليسار موقفا ضد تعدد‬ ‫الزوجات وإمنا اكتفى البعض بوضع قيود على تعدد الزوجات‪ ،‬معلال ذلك باحلاجة إلى جتنب‬ ‫إثارة حساسيات املجتمع‪ .‬حركة "فتح" وقفت ضد أي تغيير في الوضع القائم‪ ...‬خوف‬

‫اليسار‪ ،‬أو بعض فصائله‪ ،‬من أن يستفز املجتمع فيقف عائقا أمام قيامه بدوره املجتمعي‬ ‫الكامل عبر اإلعالن بوضوح تام أن هناك قوى تؤمن بالعلمانية‪ ،‬بدال من التراجع أمام‬ ‫املد اإلسالمي‪ ،‬كما حصل‪ .‬في االنتفاضة الثانية طرحت بيانات باسم احلركة الوطنية‬ ‫واإلسالمية‪ ،‬بدال من احلركة العلمانية واإلسالمية‪ ،‬لم اخلوف من أن تكشف األحزاب‬ ‫اليسارية عن هويتها؟‪ ....‬كأن ال أصالة في الفكر اليساري أو كأن ال قناعة بالفكر اليساري‪...‬‬ ‫خالل احلرب األخيرة على قطاع غزة اتبع اليسار طريقة تقليدية في التنظيم خلت من أي إبداع‬ ‫وال جتديد إزاء تنظيم االحتجاجات ضد إسرائيل‪ ،‬وجتاه مجابهة قمع السلطة للمظاهرات‬ ‫االحتجاجية ضد إسرائيل والتضامنية مع غزة‪ ...‬كما بان في قمع هذه االحتجاجات تدريب‬

‫جديد قمعي متشدد للشرطة‪ .‬صوت اليسار االحتجاجي يضعف أكثر فأكثر‪ ...‬لقد‬ ‫أضاع اليسار فرصا عديدة وما قد يبقى من اليسار هو أفراد يقودون معركتهم كأفراد‬ ‫في التاكسي في الشارع‪( "...‬حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫برامج اليسار االجتماعية لم تتغير بعد قيام السلطة‬

‫"بقيت برامج اليسار االجتماعية أسيرة ملا كانت عليه قبل قيام السلطة الفلسطينية‪،‬‬ ‫وهي لم تخضع للتطبيق‪ .‬إذا أخذنا وجود املرأة (بحكم نظام "الكوتا" النسائية) في‬ ‫القوائم االنتخابية‪ ،‬جند أنه لم يؤثر على تطوير برامج األحزاب اليسارية بخصوص قضايا‬ ‫املرأة في انتخابات العام ‪ .2006‬فقد بقي البرنامج االنتخابي منفصال عن تكوين القوائم‬ ‫االنتخابية‪ .‬واملالحظ أن كل البرامج (ومنها برنامجا "فتح" و"حماس") لم تأت على‬ ‫ذكر االتفاقية الدولية إللغاء جميع أشكال التمييز ضد املرأة (سيداو)‪ .‬ورئيس السلطة‬ ‫الفلسطينية صادق على االتفاقية في ‪ 8‬آذار ‪ ،2009‬وقبل أن يحمل لواءها اليسار ‪.2009‬‬ ‫برامح اليسار أوردت املساواة بني الرجل واملرأة لكنها لم تشر إلى االتفاقية‪ ....‬ويبدو‬ ‫أن املرأة لم تشارك في صياغة البرامج االنتخابية لليسار وال في برامج غيرها‪ ،‬أو أن‬ ‫مشاركتها كانت ضعيفة‪ .‬كما لم يتمايز اليسار في هذا اجلانب عن برنامج الطريق‬ ‫الثالث (الليبرالي)‪ ..‬متايز اليسار في التركيز على االقتصاد اإلنتاجي‪ ،‬مبا في ذلك دعم‬ ‫الزراعة‪ ،‬وطرح العدالة االجتماعية‪ .‬لم يطرح أي من تنظيمات اليسار بناء اقتصاد اشتراكي‪.‬‬ ‫القانون األساسي يتبنى االقتصاد احلر‪ ،‬اليسار لم يطرح تعديل القانون األساسي"‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"اليسار لم يكن مبادرا في تبني قضايا املرأة والفساد واحلكم الصالح‪ ،‬بل إن املؤسسات‬ ‫غير احلكومية هي التي تبنت هذه الشعارات‪ .‬وهي مؤسسات إما إنها خرجت من‬ ‫اليسار أو افتقدها اليسار‪ ،‬ألنه لم يستطيع التواؤم معها بسبب مواقفه احلادة‬ ‫جتاهها" (حزبية سابقة‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪107‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫القطاعات األساسية من املجتمع الفلسطيني ُتركت لسيطرة حركتي "فتح" و"حماس"‬

‫"تراوحت مواقف اليسار بني الدوران في فلك "فتح" في مواقفه‪ ،‬وعدم امتالك اجلرأة في‬ ‫نقد تصرفات رجاالت السلطة الوطنية‪ ،‬وعدم الدفاع بصوت عال عن حقوق‪ ‬املواطنني ضد‬ ‫جتاوزات أجهزة األمن وما رافقها من فساد مالي وإداري وسياسي‪ ،‬وبني التساوق مع بعض‬ ‫أطروحات حركة "حماس" رغم االختالف اجلوهري في القضايا االجتماعية والدميقراطية‬ ‫مما أفقده االستقاللية‪ .‬كما غاب اليسار عن النضال اجلماهيري واالجتماعي‪ ،‬وترك القطاعات‬ ‫األساسية في املجتمع وقواه احملركة الرئيسة للنضال الوطني واالجتماعي وفى مقدمتها‬ ‫الطبقة العاملة الفلسطينية وكافة املسحوقني وكذلك القطاع النسوي وقطاع الطالب‬ ‫فرائس‪ ،‬إما لسيطرة حركة "فتح" أو لسيطرة حركة "حماس"" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"ضعف اليسار هو وراء غياب التحرك للدفاع عن الناس ومصاحلهم؛ والتصدي لقضايا الفساد‬ ‫والغالء والتوظيف القائم على الوالء السياسي غير ملموس" (قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫انسالخ اليسار عن الطبقات االجتماعية التي يفترض أن يتولى متثيلها‬

‫"أرتب أسباب تراجع اليسار الفلسطيني كالتالي‪ :‬انهيار املعسكر االشتراكي السوفييتي‬ ‫والتحول نحو القطب الواحد‪ ،‬والسيطرة األمريكية على الرأسمالية العاملية؛ وتراجع‬ ‫قوى اليسار على املستوى العاملي؛ وهيمنة أنظمة القمع العربية وغياب الدميقراطية؛‬ ‫واملد غير العادي لتيار اإلسالم السياسي بزعامة اإلخوان املسلمني؛ واتفاقية كامب ديفيد‬ ‫األولى‪ .‬أما على الصعيد الفلسطيني واليساري الذاتي‪ ،‬فالعوامل التي قادت إلى‬ ‫تراجع اليسار تتلخص في‪ :‬سيطرة حركة "فتح" على املنظمة (م‪.‬ت‪.‬ف) وتهميش‬ ‫بناها و مؤسساتها؛ والدخول في مسار التسوية السياسية مع إسرائيل؛ وضعف‬ ‫وانحسار موارد اليسار؛ واالنشقاقات املتتالية في صفوف اليسار؛ وغياب الوحدة‬ ‫الفكرية ألحزاب اليسار؛ وتفكك البنية التنظيمية وغياب الوحدة في املواقف السياسية‬ ‫ألحزاب اليسار؛ والتباين في تعريف "اليسار" بالنسبة لفصائل وأحزاب اليساريني‬ ‫الفلسطينيني؛ وانسالخ األحزاب اليسارية عن الطبقات التي يفترض أنها متثل مصاحلها؛‬ ‫وعدم قبول وعي الناس العفوي للخطاب اليساري وسهولة تقبل اخلطاب الديني لقربه‬ ‫من فهمهم ووعيهم البسيط وتراثهم وعاداتهم؛ والفجوة الكبيرة بني النظرية واملمارسة‬ ‫لقادة فصائل اليسار؛ وتراجع الفعل الكفاحي لليسار وتعطيل العملية الدميقراطية‬ ‫لفترات طويلة داخل أحزاب اليسار" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫تقاعس أحزاب اليسار عن البحث عن وتبني قيادات طبيعية في املجتمع وعن بناء‬ ‫النقابات واألطر اجلماهيرية‬

‫‪ .1‬غياب الوعي بالواقع وبالنظرية‪ ....‬أشعر أن الكثيرين من أعضاء اجلبهة الشعبية‬ ‫واجلبهة الدميقراطية وحزب الشعب لم يعد لديهم فعال تالزم بني الشعار املعلن‬ ‫‪108‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫لهذه التنظيمات ��بني قناعات األعضاء فيها‪ ...‬والدليل على ذلك االنحرافات‬ ‫باملعنى اليميني السياسي أو باملعنى الديني أو الليبرالي الهابط ‪ ...‬ال داعي لتكرار‬ ‫جملة "ال يوجد إمكانية ألي حركة ثورية بدون نظرية ثورية"‪...‬‬

‫‪ .2‬فشل أحزاب اليسار عموما في حتويل أي قضية من القضايا التي تتبناها في وثائقها‪,‬‬ ‫وفي برامجها‪ ,‬إلى قضية عامة يؤمن بها الناس التي تزعم وتؤكد هذه الفصائل‬

‫أنها تعبر عن مصاحلها وجتسد أمانيها‪...‬‬

‫‪ .3‬العجز عن التصدي ملظاهر الفساد واخللل والفساد املالي‪ ...‬والسؤال هو‪ :‬هل دور‬ ‫الوعي الطليعي أن يستمر في احلديث عن هذه املظاهر وتناولها في خطابه‬ ‫السياسي أم إن هناك دعوة للجمهور للخروج لنبدأ في عملية التغيير أم إن‬ ‫هناك مواجهة دميقراطية لهذه املظاهر؟ ‪ ...‬لقد عجزت أحزاب اليسار أن‬ ‫حتول الرفض اجلماهيري لهذه املظاهر املتعددة إلى قوة جماهيرية في محيط‬ ‫احلزب‪ ...‬أنا ازعم أنه لا وجود لقوة جماهيرية باملعنى النسبي محيطة بأي من‬ ‫أحزاب اليسار يستطيع أن يعتمد عليها في حركته وفي توسعه التنظيمي‪...‬‬

‫‪ .4‬عجز اليسار عن تنظيم أو اكتشاف قيادات طبيعية من املجتمع الفلسطيني‪ .....‬أين‬ ‫هي القيادات الشعبية النابعة من وسط الناس التي يجعل منها احلزب اليساري‬ ‫كادرا أو قائدا ً على املستوى الشعبي يستطيع أن يعتمد عليها في االنتخابات‬ ‫البلدية أو التشريعية‪ ...‬لو قلت ألحزاب اليسار تعالوا لنرشح عشرين في غزة‬ ‫لهم سمة جماهيرية لكانت النتيجة‪ ،‬لألسف الشديد‪ ،‬أن كل أحزاب اليسار‬ ‫لن تستطيع أن جتمع عشرين شخصية لها هذه السمة اجلماهيرية كقيادة‬ ‫جماهيرية حتترم من اجلمهور‪.‬‬

‫‪ .5‬هناك إدارة "ريفية" للعمل اجلماهيري في أحزاب اليسار‪ ،‬أي منطق متخلف‪ ،‬منطق‬ ‫يبتعد عن املنهجية العلمية في متابعة العمل اجلماهيري وخلق وتفعيل وجتديد‬ ‫مؤسسات العمل اجلماهيري‪.‬‬

‫‪ .6‬فشل اليسار في بلورة فكرة مركزية واضحة ملا هو التيار الدميقراطي؟ هل‬ ‫هو يساري بالضرورة أو يجب أن يقوده حزب ماركسي؟ هل هو دميقراطي‬ ‫على طريقة املنظمات غير احلكومية (‪)NGOs‬؟‪ ...‬هل يضم كل أولئك الناس وكل‬ ‫ما يتحدث عن الليبرالية واحلكم الصالح؟ ‪ ...‬انهارت الفكرة املركزية في منظمة‬ ‫التحرير وانهارت قبلها الفكرة املركزية املرتبطة بالفكرة القومية‪ ،‬وانهارت كل‬ ‫األفكار الوطنية واألفكار الدميقراطية واألفكار القومية واألفكار اليسارية‪...‬‬ ‫‪ .7‬فشل اليسار في أن يكون له حضور فعال في األطر النقابية‪ ...‬احلزب الذي يقول‬ ‫انه ينتمي لليسار ويخاطب العمال والفالحني لكن ليس عنده نقابات يطرح‬ ‫إشكالية كبيرة‪ .‬باإلضافة للنقابات‪ ،‬لم يعد ألي من أحزاب اليسار سيطرة‬ ‫فعلية على املنظمات غير احلكومية واحلركات االجتماعية والنوادي‪....‬‬ ‫‪109‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫‪ .8‬أحجم اليسار عن تطوير أشكال نضالية سياسية في العمل النقابي والعمل‬ ‫اجلماهيري‪ ...‬قبل شهر طلع ناس على املجلس التشريعي ليطالبوا باخلبز‬ ‫والعمل‪ ،‬و قبل أسبوع جلس أطباء على باب التشريعي [في غزة]‪ .‬لم يذهبوا‬ ‫ألحزاب اليسار التي يفترض أن يلتف حولها العمال ‪ ...‬ملاذا لم تلتقط أحزاب‬ ‫اليسار الفكرة؟ السبب يعود للقصور والعجز الداخلي في بنية أحزاب اليسار‪.‬‬ ‫‪ .9‬ضعف العمل اجلماهيري بني النساء ‪( "...‬قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫اليسار كان من بادر إلى تنظيم النساء‬

‫"تشكلت جلنة العمل النسائي كامتداد لتجربة جلان العمل التطوعي في العام ‪.1978‬‬ ‫كان شعارنا الرئيس "نحو حركة نسائية جماهيرية م ّوحدة"‪ .‬وجهت الدعوة آنذاك‬ ‫لكل التنظيمات لتشكيل حركة جماهيرية نسائية تختلف نوعيا عن املنظمات اخليرية‪.‬‬ ‫نشطنا بني النساء ودون ترخيص‪ ،‬القيادة كانت‪ ،‬حينئذ‪ ،‬من تنظيم اجلبهة الدميقراطية‪،‬‬ ‫طرحت شعارات تقدمية حول حقوق املرأة (املساواة في األجور بني النساء والرجال‪،‬‬ ‫واعتبار ‪ 8‬آذار يوم عطلة‪ ،) ...‬ووجدت جتاوبا لدى النساء العاديات‪ .‬األهداف التقدمية‬ ‫ترافقت مع برامج خدماتية موجهة للنساء (رياض أطفال‪ ،‬برامج محو أمية‪ ،‬برامج‬ ‫تشغيلية‪ .)...‬التوجه للنساء مت في مواقع السكن والعمل‪ ...‬العمل الوطني الوحدوي‬ ‫استمر حتى العام ‪ .1982‬احلزب الشيوعي انسحب في السنة األولى‪ ،‬وبقيت ثالثة‬ ‫تنظيمات (الشعبية‪ ،‬و الدميقراطية‪ ،‬وحركة "فتح")‪ ،‬الشعبية انسحبت في أواخر العام‬ ‫‪ ،1981‬وفتح في العام ‪ .1982‬االنسحابات استهدفت تشكيل جلان نسائية خاصة بكل‬ ‫من التنظيمات التي شاركت في جلنة العمل النسائي‪ ،‬لكن القاعدة األساسية بقيت مع‬ ‫اللجنة األصلية‪ .‬احتاد جلان العمل النسائي تشكل في العام ‪( 1986‬املؤمتر الرابع للجان‬ ‫العمل النسائي)‪ .‬في هذا املؤمتر بلغ عدد العضوات نحو ‪ ،6000‬منهن نحو ألف حزبيات‪.‬‬ ‫لكن لدى عامة الناس جلان العمل النسائي كانت تعرف بأنها للجبهة الدميقراطية‪.‬‬ ‫اجلبهة الشعبية شكلت احتاد جلان املرأة الفلسطينية واحلزب الشيوعي شكل احتاد‬ ‫جلان املرأة العاملة‪ ،‬بدأ بني أوساط النقابات العمالية ثم أعقبه توسع عام‪" .‬فتح"‬ ‫شكلت احتاد جلان املرأة للعمل اجلماهيري‪ .‬اليسار شق طريقا جديدا في العمل اجلماهيري‬ ‫بني أوساط النساء‪ .‬كما شكل أطرا صديقة بني العمال‪ ،‬والطالب‪ .‬في االنتفاضة [األولى]‪،‬‬ ‫بات العمل احلزبي عمال علنيا؛ ولذا بات التنسيّب احلزبي أسهل‪ ...‬املنظمات النسائية‬ ‫ما زالت قائمة حتى اآلن وحصلت على ترخيص من السلطة‪ ...‬لكن بتنا منيّز بني عضو‪،‬‬ ‫وعضو منتفع إشارة إلى من يتلقى مساعدات أو تشغيل‪ ،‬وتتراوح نسبة احلزبيات بني‬ ‫‪ %30‬و ‪ %50‬حسب الفرع‪ .‬ويطرح على احلزبيات رفع وعي العضو املنتفع‪ .‬أغلبية‬ ‫العضوات هن ربات بيوت‪ ،‬وهذا طبيعي نظرا لتدني نسبة النساء املنخرطات في سوق‬ ‫العمل" (قيادية‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫‪110‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫هـ‪ .‬حول تعامل اليسار مع اتفاق أوسلو وتداعياته‬ ‫عجز عن اجلمع بني مهمات التحرر الوطني واملهمات االجتماعية والدميقراطية‬

‫"عجزت تنظيمات اليسار عن اجلمع الناجح بني املهمات االجتماعية والدميقراطية وبني‬ ‫املهمات اخلاصة مبرحلة التحرر الوطني‪ ...‬وعلى اليسار أن يعيد جتديد نفسه تنظيميا‬ ‫وفكريا ويجيد اجلمع الناجح بني ما هو اجتماعي وما هو وطني" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫تراجع فعالية اليسار النضالية ضد إسرائيل وتدني قدرته على إيجاد حلول وسط بني‬ ‫التيارات السياسية املتعارضة داخل التنظيم‬

‫"حتى بداية التسعينيات كانت هناك هيمنة لليسار الفلسطيني [في األراضي احملتلة عام‬ ‫‪ .]1967‬التيار اإلسالمي بقي خارج الصراع الوطني‪ ،‬ودخوله على الصراع الوطني‬ ‫حتت اسم "حماس"‪ ،‬أضعف من فاعلية اخلطاب السياسي لليسار‪ ،‬فقد كان في الذهن‬ ‫اجلماهيري أن اليسار والعلمانيني هم من يحارب إسرائيل‪ ،‬وأن التيار اإلسالمي‬ ‫مهادن وال يحارب االحتالل‪ .‬جماعة اإلخوان املسلمني شيدّت بنية خدماتية واسعة في‬ ‫الضفة وقطاع غزة‪ ،‬مثل‪ :‬اجلمعية اخليرية اإلسالمية في اخلليل‪ ،‬وجمعية الشبان‬ ‫املسلمني‪ ،‬وجمعية اإلحسان في اخلليل‪ .‬شكل اإلخوان املسلمون شبكة خدماتيه شملت‬ ‫كل مدينة‪ .‬لكن النقلة النوعية جاءت مع تشكيل "حماس" (حركة املقاومة اإلسالمية)‬ ‫القسام‪ .‬قبل بروز‬ ‫واالنخراط في النضال الوطني‪ .‬ما صنع مجد "حماس" كان كتائب ّ‬ ‫القسام كانت نسبة من يؤيد "حماس" محدودة‪ .‬أحد أسباب تراجع اليسار‬ ‫كتائب‬ ‫ّ‬ ‫يعود إلى تراجع فعاليته النضالية ضد إسرائيل‪ .‬كما أن اليسار لم يعرف كيف يتعامل مع‬

‫استحقاقات اتفاقيات أوسلو واالنتخابات العامة‪ .‬قيادة اليسار بقيت أسيرة للقاعدة احلزبية‬ ‫نتيجة تعبئتها السابقة لهذه القاعدة‪ .‬بعد االنتخابات التشريعية في العام ‪ 1966‬غاب اليسار‬ ‫عن الفعل‪ .‬واعتمد تكتيكات قاتلة أدت إلى خسارته العديد من قواعده‪ .‬لقد ساد سلوك نزق‬ ‫للقيادة مع الكوادر والقواعد (الرغبة في االشتراك باالنتخابات اعتبرت خيانة للتنظيم‪...‬‬ ‫اجلبهة الشعبية صوتت لصالح مصطفى برغوثي في انتخابات العام ‪ 1996‬وليس‬

‫لصالح أبو جابر القيادي في اجلبهة آنذاك‪ ...‬هناك من رشح نفسه للمجلس التشريعي‬ ‫واضطر إلى سحب ترشيحه‪ .)...‬لم يكن هناك رؤى واضحة للعمل من قبل مركز القرار‬ ‫في التنظيم‪ .‬كانت تصدر قرارات متعارضة في فترات متقاربة‪ .‬هذا أدى إلى تقلص القاعدة‬ ‫احلزبية‪ .‬كان القرار يتغير كل أسبوعني أحيانا‪ .‬لم تظهر قيادة التنظيم قدرة على البحث عن‬ ‫حلول وسط بني التيارات السياسية املتعارضة‪ .‬وتبع عدم املشاركة في مؤسسات السلطة‬ ‫موقف يطلب من السلطة توظيف كوادر وقيادات لها في مؤسساتها وأجهزتها‪ .‬أي أن‬ ‫االمتناع عن املشاركة في السلطة مت دون أن يكون هناك بدائل واضحة في التعامل مع‬ ‫الوضع املستجد" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪111‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تنظيمات اليسار لم تتعامل مع أوسلو كواقع يستدعي إستراتيجية جديدة‪ ،‬االنتقال من‬ ‫السر إلى العلن كشف عيوب القيادة‪ ،‬عودة القيادات قادت إلى تراجع االهتمام بقضايا‬ ‫التنظيم‪ ،‬غياب آليات توفير موارد جديدة للتنظيم‬

‫" أسباب تراجع اليسار هي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬انهيار االحتاد السوفييتي واملنظومة االشتراكية‪ ،‬وانقطاع الدعم الذي كانت‬ ‫تقدمه هذه لفصائل لليسار‪ .‬وترافق هذا مع تراجع الدعم املادي من الصندوق القومي‬ ‫الفلسطيني بعد حرب اخلليج (‪ )1990‬واتفاق أوسلو‪ .‬بعد اتفاق أوسلو الدعم املالي بات‬ ‫يقدم للسلطة وليس ملنظمة التحرير (للصندوق القومي)‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬إعطاء تنظيمات اليسار األولوية للقضايا الوطنية على حساب القضايا االجتماعية‬ ‫والطبقية‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬تراجع القيم الوطنية وتعزز القيم الفردية‪ .‬وبروز شريحة ذات امتيازات ظاهرية‬ ‫(وظائف وفيالت)‪ ،‬وغياب خطاب يساري عن املجتمع بعد أوسلو وهو خطاب كان‬ ‫ضعيفا في األساس‪ .‬االنتفاضة األولى عززت القيم اجلماعية والتعاونية والتضامنية‪ ،‬كما‬ ‫عززت دور املرأة والشباب‪ .‬وجاء أوسلو ليوجه ضربة قاسية ألهداف وقيم االنتفاضة‬ ‫(األولى)‪ ،‬وأحدث ردة فعل في اجتاه االنتباه للذات (للمصالح الذاتية)‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬تنظيمات اليسار لم تتعامل مع أوسلو كواقع يستدعي إستراتيجية جديدة‪.‬‬ ‫أوسلو نقل التنظيم من السر إلى العلن‪ ،‬والتنظيمات التي رفضت أوسلو‪ ،‬قبلت به‬ ‫ضمنيا على أرض الواقع‪ ،‬من حيث القبول بشيء من احملاصصة‪ ،‬والوظائف في‬ ‫مؤسسات السلطة‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬عودة القيادات من اخلارج إلى الضفة والقطاع ساهمت في تفكيك بنية التنظيم‬ ‫حيث جرى التركيز على السلطة وتراجع االهتمام بقضايا التنظيم‪ .‬كما أن االنت��ال من السر‬ ‫إلى العلن كشف عيوب القيادة من حيث برزت إلى السطح صراعات علنية على املواقع‬ ‫والنفوذ‪ .‬كان هناك مدرستان مختلفتان بني الداخل واخلارج‪ :‬في اخلارج القيادة‬ ‫معروفة ولها مكاتبها (العمل العلني)‪ ،‬وفي الداخل لم تكن معروفة (العمل السري)؛ لذا‬ ‫جرى صراع بني منطني من العمل التنظيمي (العمل السري والعمل العلني) وكذلك بني‬ ‫منطني من التفكير‪ .‬اخلطاب بقي يساريا لكن الفعل واملمارسة لم يبقيا كذلك‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬العمل األهلي املنظم (خارج اجلمعيات اخليرية) شكل أذرع وأدوات لألحزاب‬ ‫اليسارية‪ .‬لكن العمل األهلي واألطر اجلماهيرية التي شكلها اليسار تراجعت‪،‬‬ ‫ومؤسسات العمل األهلي ابتعدت عن أحزابها‪ ،‬وباتت األحزاب تتبع هذه املنظمات‪...‬‬ ‫بعض أحزاب اليسار بات يتشكل من مجموعة من املنظمات األهلية‪.‬‬ ‫‪112‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫سابعا‪ :‬أزمة اليسار احلقيقية تعود إلى جمود الفكر التنظيمي؛ إذ لم ينتج التنظيم آليات‬ ‫جديدة لتوفير موارد جديدة (اقتصاد سياسي ينمي موارد أحزاب اليسار) بل جرى‬

‫تكيّف سلبي مع الواقع‪.‬‬

‫ثامنا‪ :‬فقد اليسار عالقاته بتنظيماته وبقوى اليسار وقوى الدعم في اخلارج وحتديدا‬ ‫في األمريكيتني‪ ،‬وما كان اخلارج يوفر له من دعم مادي وسياسي وإعالمي‪ .‬كما أن‬ ‫انتقال القيادة من اخلارج إلى الداخل أضعف العالقة مع اجلاليات الفلسطينية واألحزاب‬ ‫الصديقة‪ ،‬وأصبح االهتمام منصبا على الداخل (الضفة وغزة)‪ .‬وبعد انهيار االحتاد‬ ‫السوفييتي واملنظومة االشتراكية لم تبحث أحزاب اليسار عن وسائل لتمتني عالقاتها‬ ‫األممية‪ .‬حتى اللحظة "فتح" هي التي تشارك في مؤمترات االشتراكية الدولية‪ ،‬واليسار‬ ‫يسلم بهذا احلال‪ .‬والعالقات القائمة هي باألساس عالقات بادرت إليها أحزاب اليسار‬ ‫األوروبي‪ .‬لم ينسج اليسار عالقة مع احلزب الشيوعي القبرصي (الذي أصبح حاكما)‪.‬‬ ‫تاسعا‪ :‬هروب غالبية الكادر الوسيط (نحو ‪ )%70‬من تنظيمات اليسار بسبب جتاوز‬ ‫وعي هذا الكادر وعي قياداته‪ .‬وهو كادر لم يتح له التمثيل في الهيئات القيادية املختلفة‬ ‫بسبب متسك القيادات مبواقعها (حتى مستوى املنطقة)‪ ،‬وألن العمل العلني يجعل‬ ‫القيادات أقل قابلية لتقبل التغيير (العمل السري يعرض احلزبي في املواقع القيادي‬ ‫لالعتقال واالعتقاالت جتبر على فرز قيادات جديدة)‪.‬‬ ‫عاشرا‪ :‬هناك حاجة لتغيير بنية التمثيل في املؤمترات احلزبية‪ ،‬املطلوب أن تنتخب املنظمات‬ ‫اجلماهيرية مندوبيها بشكل مباشر إلى املؤمترات احلزبية‪ .‬ضمن اآللية احلالية للتمثيل‬

‫في املؤمترات احلزبية‪ ،‬القيادات األعلى هي التي تختار من يرشح نفسه من الهيئات‬ ‫األدنى" (كادر حزبي شاب‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫التأرجح بني املعارضة والسلطة‬

‫"بات على اليسار بعد أوسلو أن يختار بني أن يكون قوة معارضة وبالتالي التميّز بهذا‬ ‫الدور‪ ،‬ومن ذلك تغيير أساليب عمله‪ ،‬أو أن يواصل بشكل أو بآخر التعاطي على أنه‬ ‫جزء من النظام السياسي الفلسطيني له انتقادات ولكن سقف هذه االنتقادات يبقى في‬ ‫إطار سقف النظام‪ ...‬اخليار الثاني جعل تنظيمات اليسار واسطة بني السلطة وأعضائها‪.‬‬ ‫فبدل أن تخوض قوى اليسار معركتها لوضع أسس عادلة للعملية السياسية اختارت‬ ‫الطريق األسهل‪ ،‬وبالتالي فقدت القدرة الفعلية على املعارضة الرتباطها بالسقف الذي‬ ‫وضعته السلطة" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اتفاق أوسلو كان من نتائج ضعف اليسار وزاد من هذا الضعف‬

‫"أبرز العوامل الفلسطينية التي ساهمت في تراجع اليسار‪ ،‬هي‪ :‬اخلروج من بيروت‪،‬‬ ‫واتفاق أوسلو‪ ،‬وقلة املوارد املالية‪ .‬ومن نتائج تراجع اليسار الفلسطيني‪ ،‬اتفاق أوسلو‬ ‫‪113‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫واستمرار سيطرة حركة "فتح" على السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬وتراجع‬ ‫التمثيل النسبي لليسار وفقا لنتائج االنتخابات التشريعية األولى واألخيرة‪ ،‬وسيطرة‬ ‫"حماس" على السلطة وبخاصة في قطاع غزة‪ ،‬وهيمنتها على قطاعات شعبية متزايدة‬ ‫في الضفة الغربية‪ ،‬وتزايد تأثيرها في الشتات الفلسطيني‪ ،‬وارتباط برامجها السياسية‬ ‫بشكل وثيق بالكفاح املسلح‪ .‬وعلى الصعيد التنظيمي يعود التراجع إلى تبني منوذج‬ ‫احلزب الشيوعي السوفييتي واحلزب الشيوعي الصيني في املنطلقات التنظيمية‪...‬‬

‫مبدأ املركزية الدميقراطية عزز من وحدة احلزب‪ ،‬لكنه في الوقت نفسه صادر حق األقلية في أن‬ ‫يكون لها منابرها للدفاع عن مواقفها وآرائها دون أن يؤثر على التزاماتها باملوقف الرسمي‬

‫للحزب‪ .‬وعوضا من أن يشكل الكفاح املسلح وأدوات النضال األخرى‪ ،‬وسيلة للوصول‬ ‫إلى الهدف السياسي‪ ،‬بات هدفا بحد ذاته‪ ،‬والتقى اليسار واليمني الفلسطيني في هذه‬ ‫الزاوية‪ .‬كما لم يجر حتليل طبيعة املجتمع الفلسطيني أو طبيعة الفئات االجتماعية في‬ ‫فلسطني‪ ،‬ومستويات الفقر ودور الشباب‪ ...‬أما أبرز عوامل تراجع اليسار األخرى‬ ‫فتتمثل في‪ :‬تراجع اليسار العربي‪ ،‬وانهيار املعسكر االشتراكي‪ ،‬والثورة اإليرانية"‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫فشل املشروع الوطني من أسباب تراجع اليسار‬

‫"في بلدان عدة‪ ،‬ومنها الدول االشتراكية سابقا استطاع اليسار إعادة صياغة نفسه‬ ‫ليعيش‪ ،‬وهذا لم يحث عندنا‪ .‬ال اجلبهة الدميقراطية وال اجلبهة الشعبية استطاعتا جتديد‬ ‫أنفسهما‪ ،‬وقام حزب الشعب مبحاولة لكن يبدو أن التغيير لم يكن جذريا‪ .‬السبب يعود إلى‬ ‫بنية هذه األحزاب البيروقراطية واملالية‪ .‬في اجلبهة الدميقراطية سادت بنية شديدة‬ ‫املركزية بحيث ال تتيح التغيير‪ ،‬واملركزية الشديدة ال تسمح لليسار بالتجديد الذاتي‪.‬‬ ‫في العالم العربي حتدث موجات سياسية قومية‪ ،‬ويسارية‪ ،‬وإسالمية‪ ،‬وكل موجة أو‬ ‫تيار ينهض على خسارة التيار اآلخر‪ .‬بعد فشل التيار القومي وهزميته(‪ ،)1967‬برز‬ ‫فلسطينيا تيار الوطنية وتيار يساري كرد فعل على فشل التيار القومي‪ ،‬هذا التيار‬ ‫(الوطني واليساري) سحق في العام ‪ 1982‬واكتملت هزميته باتفاق أوسلو‪ .‬على هزمية‬ ‫التيار الوطني واليساري الفلسطيني نهض التيار اإلسالمي‪ .‬هذا حدث في املنطقة‬ ‫ككل‪ ...‬نحن اآلن في مرحلة هيمنة التيار الديني بعد هزمية التيار القومي (‪ ،)1967‬وبعد‬ ‫حتطيم العراق‪ ...‬باحلديد والنار هزمت القومية وكذلك الوطنية الفلسطينية واليسار‬ ‫(أي عبر انهيار منظمة التحرير من خالل اتفاق أوسلو)‪ .‬التيار اإلسالمي ينهض على‬ ‫مناهضة األطماع الغربية ومواجهة إسرائيل وهي قضايا لم تتغير في املنطقة منذ‬ ‫اشتبك عبد الناصر مع أمريكا‪ ...‬التيار اإلسالمي منا وينمو بسبب فشل التيار الوطني‬ ‫الذي مثله عرفات والذي جسده شعار إقامة الدولة الوطنية‪ ،‬وهو املشروع الذي قاده‬ ‫اتفاق أوسلو إلى الكارثة‪ .‬القوى اليسارية التي تبنت هذا املنطق ضعفت والقوى التي‬ ‫أبقت على توجه قومي كان ضعفها أقل (اجلبهة الشعبية)‪ ...‬سبب انهيار "فتح"‬ ‫ومنظمة التحرير يعود إلى الفشل في إقامة الدولة الفلسطينية‪ ،‬أي فشل البرنامج‬ ‫‪114‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الوطني الفلسطيني الذي طرحته املنظمة‪ .‬اآلن‪ ،‬بقي وهم الدولة املستقلة بعد أن دمرت‬ ‫اإلمكانية املادية لقيامها؛ وتبقى املصالح التي تشكلت بعد أوسلو لفئات محددة‪ ،‬وهي‬ ‫التي تغذي هذا الوهم‪ ....‬برنامج "حماس" يقوم على إدارة صراع طويل مع إسرائيل‬ ‫واعتبار أنه صراع على كل فلسطني‪ ،‬وهو صراع طرحته "حماس" في سياق عربي‪-‬‬ ‫إسالمي‪ .‬مأزق "حماس" متثل في أنها تورطت مع السلطة وفي تشكيل حكومة‪.‬‬ ‫مزاج اإلخوان املسلمني هو رفض االعتراف بإسرائيل‪ ،‬و"حماس" تدرك أنها مبجرد‬ ‫أن تعترف بإسرائيل فإنها تصبح "فتح" أخرى" (كادر حزبي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫فشل إجناز املشروع الوطني وراء تراجع اليسار‬

‫"العامل األساس الذي أضعف اليسار‪ ،‬بعد انهيار املعسكر االشتراكي‪ ،‬هو فشل العمل‬ ‫الفلسطيني ككل (بقيادة حركة "فتح") في حتقيق املشروع الوطني‪ ...‬فقد تعرض‬ ‫لسلسلة من الهزائم متثلت في االتفاقيات املختلفة التي متت مع إسرائيل‪ .‬واليسار‬ ‫حت ّمل جريرة العمل الفلسطيني بقيادة "فتح"‪ .‬وقيادة "فتح" عمقت املشكلة عبر أسلوب‬ ‫قيادتها للمفاوضات‪ .‬كان مطلوبا من اليسار أن يصحح أو أن يضع البديل كما فعل في‬ ‫االنتفاضة األولى (قبل أن تقوم قيادة "فتح" في تونس بقتل هذا البديل)‪ .‬لم ُيسمع‬ ‫لليسار صوت بعد قيام السلطة في قضايا هامة كالدميقراطية‪ ،‬واإلصالح‪ ،‬ومواجهة‬ ‫سياسة "حماس"‪ .‬وسياسيا كانت بعض أطراف اليسار تبدو أقرب إلى "حماس"‬ ‫من أطراف اليسار األخرى‪ .‬املفاوضات التي طرحتها "فتح" فشلت وكذلك مقاومة‬ ‫"حماس"‪( "...‬قيادي متقاعد‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫تراجع عملية التثقيف الفكري لدى اليسار‬

‫"سبب آخر مهم لتراجع اليسار يتمثل في البعد الثقافي حيث كانت أحزاب اليسار‪ ،‬حترص‬ ‫على تثقيف األعضاء بشكل منهجي‪ ،‬وكانت هناك توجهات منظمة للتثقيف الداخلي من‬ ‫خالل الكتب الفكرية والثقافية‪ ،‬وكانت تلك التوجهات متيّز اليسار وتوجهاته الطليعية‪،‬‬ ‫لكن اليسار افتقد هذه امليزة املهمة عقب االنهيار الذي أصاب االحتاد السوفييتي‪ .‬وهذا‬ ‫يعني أن أحزاب اليسار الفلسطيني فقدت الهوية الفكرية والثقافية او أنها غ ّيبتها إلى حدود لم‬ ‫تعد واضحة املعالم‪ ،‬واغلب أحزاب اليسار اآلن يعتمد على املنظمات غير احلكومية‪ .‬ومن‬ ‫املالحظ أن تنظيمات اليسار الفلسطيني أصبحت أشبه مبنظمات عمل أهلي فضال عن‬ ‫أن قياداتها لم تعد على صلة بالناس كما هو مفترض‪ ،‬بل ابتعدت وتبقرطت؛ وهذا أدى إلى‬ ‫ضعف صورة اليسار أكثر فأكثر" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"من األسباب الرئيسة لتراجع أحزاب اليسار غياب التمايز السياسي أو األيديولوجي‬ ‫لليسار‪ ،‬ألن غياب منوذج مغاير لنموذج "فتح" ثم "حماس" الحقا أ ّثر على املستوى‬ ‫السياسي واجلماهيري‪ .‬لقد ساهم غياب منوذج جذاب وجتديدي لليسار في التراجع؛‬ ‫ألن الناس لم جتد أن هناك فروقا جدية بني مختلف املسميات احلزبية" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫و‪ .‬حول شح املوارد املالية لليسار وغياب املنابر اإلعالمية‬ ‫"أرى أن أبرز العوامل الداخلية والذاتية هي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬تفكك وشرذمة اليسار‪ ،‬وال أعتقد أن هناك أي مبرر ُيعتد به لهذا غير املصالح الشخصية‬ ‫الضيقة لبعض قياداته‪ .‬فالساحة الفلسطينية عطشى لطرف ثالث‪ ...‬وال يستطيع أي فصيل‬ ‫يساري مبفرده أن ميأل هذا الفراغ؛ لذلك كان املطلوب وحدة كل اليسار حتى يستطيع أن‬ ‫يشكل قوى ثالثة يحسب حسابها‪ ....‬وهذا العامل رمبا يعتبر من أهم أسباب تراجع دور‬ ‫اليسار في الساحة الفلسطينية‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬عدم وجود قيا��ة مؤهلة أو معترف بها لقوى اليسار وبخاصة في غياب القادة التاريخيني‬ ‫لليسار‪ ،‬إضافة إلى بيئة تنظيمية غير مرنة أو مغلقة إلى حد ما‪ ،‬ال تتيح املجال لتب ّوء الكفاءات‬ ‫فيها املواقع املؤثرة؛ مما أدى إلى خروج الكفاءات منها؛ وهذه الكفاءات مازالت تعمل ضمن‬ ‫اإلطار الوطني العام‪ ،‬وبعضها أقام مؤسسات اجتماعية وخدماتية ناجحة جداً‪ ،‬ورغم ذلك‬ ‫لم تبذل هذه الفصائل اجلهد إليجاد األطر املناسبة والفعاليات لالستفادة من هذه الكفاءات‬ ‫ومؤسساتها االجتماعية ‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬الوقوع في أخطاء برنامجية سياسية‪ ،‬مثل‪ :‬طرحها لشعارات سياسية غير واقعية‬

‫وأحيانا ً غير قادرة على حتقيقها مثل إسقاط أوسلو؛ الدخول في تشكيالت تنظيمية‬

‫ال متلك مصداقية عالية لدى اجلمهور الفلسطيني‪ ،‬مثل الفصائل العشرة أو املشاركة في‬ ‫مؤمترات دمشق؛ اإلحجام عن الدخول في السلطة الفلسطينية والعمل على تفعيل وتطوير‬ ‫املؤسسات احلكومية ومحاربة الفساد من داخلها؛ ضعف االنخراط في األطر الوطنية‬ ‫الفلسطينية القيادية وعدم بذل اجلهد الكافي لتطوير ودمقرطة وتفعيل مؤسسات‬ ‫يتوان عن الدخول في‬ ‫العمل الوطني املركزية‪ ...‬بل جند أن اليسار‪ ،‬وهو تيار علماني‪ ،‬لم‬ ‫َ‬ ‫حتالفات سياسية ونقابية مع التيار اإلسالمي املعارض للعلمانية والدميقراطية مما ساهم‬ ‫في تقوية اجتاه اإلٍسالم السياسي ثقافيا ً وإعطائه شرعية وطنية على حساب املوقف‬ ‫الذي يفترض أن ميثله اليسار‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬لليسار مصلحة في دعم احلركة النقابية واحلركة النسوية ومساندتهما وترسيخ‬ ‫االستقاللية فيهما وهذا لم يتم‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬لليسار مصلحة أيضا في ترسيخ الدميقراطية وانتقاد التوظيف الديني في السياسة‬ ‫بالنسبة للحركات اإلسالمية‪ ،‬رغم ذلك فإنه لم يبذل اجلهد الكافي في هذه احملاور‪ ،‬بل لم‬ ‫يستطع توفير وسيلة إعالمية مؤثرة لدعم مواقفه وسياساته‪ ،‬فال يوجد لليسار مجلة أو‬ ‫صحيفة يومية أو تليفزيون محلي أو فضائية أو إذاعة قوية" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪116‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تغ ّير احلقل السياسي الفلسطيني‪ ،‬تهميش املنظمة وشح املوارد املالية الثابتة‬ ‫ألحزاب اليسار‬

‫"هناك أسباب تتعلق مبتغيرات دولية وعربية ومحلية‪ ،‬أبرزها‪ :‬انهيار املعسكر‬ ‫االشتراكي بقيادة االحتاد السوفييتي‪ ،‬مما أدى إلى تراجع األحزاب اليسارية في‬ ‫مختلف دول العالم‪ ،‬وبخاصة اليسار الفلسطيني الذي خسر حليفا رئيسا داعما‬ ‫للقضية الوطنية الفلسطينية‪...‬؛ سقوط نظام الشاه في إيران وانتصار الثورة اإليرانية‬ ‫مما شكل دعما للتيارات اإلسالمية في العالم اإلسالمي والعربي والفلسطيني خاصة‬ ‫وظهور حركتي حماس واجلهاد اإلسالمي في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية‪،‬‬ ‫وبخاصة قوى اليسار فيها؛ التغيرات في احلقل السياسي الفلسطيني التي بدأت مع خروج‬ ‫منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها من بيروت بعد احلرب اإلسرائيلية الفلسطينية‬ ‫عام ‪ 1982‬إلى الدول العربية؛ حرب اخلليج األولى والثانية واحتالل العراق من قبل‬ ‫القوات األمريكية وحلفائها أدت إلى إضعاف اجلبهة الشرقية‪ ،‬مما أضعف القوى‬ ‫املناهضة لالحتالل اإلسرائيلي والعالم العربي؛ اتفاقية أوسلو وسيطرة "فتح" على‬ ‫السلطة وتهميش منظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬وعدم مشاركة جميع فصائل اليسار‬ ‫الفلسطيني في االنتخابات التشريعية عام ‪ 1996‬وخسارة من شارك فيها؛ االنتفاضة‬ ‫الثانية وحتولها من عمل جماهيري وشعبي إلي استخدام العمل املسلح كشكل رئيس‬ ‫مما أدى إلى إضعاف املشاركة الشعبية؛ عدم مشاركة بعض الفصائل اليسارية في‬ ‫االنتخابات التشريعية األولى وعدم جناح من شارك فيها‪ ،‬األمر الذي أدى إلى مزيد‬ ‫من سيطرة حركة "فتح" على املجلس التشريعي والسلطة الفلسطينية؛ جناح حركة‬ ‫"حماس" في االنتخابات التشريعية الثانية وسيطرتها على املجلس التشريعي‪ ،‬في ظل‬ ‫عدم مشاركة مجموع فصائل اليسار الفلسطيني في قائمة واحدة‪ ،‬مما قلص من حجم‬ ‫اليسار في املجلس التشريعي؛ وجلوء حركة "حماس" بعد وصولها إلى السلطة‬ ‫وتشكيل حكومة وحدة وطنية إلى االنقالب على السلطة في غزة‪ ،‬ومصادرتها حرية‬ ‫األحزاب والتعبير عن الرأي‪ ،‬وتأثير هذا على النظام السياسي الفلسطيني‪ ،‬وتشكيل‬ ‫حكومة فلسطينية في رام الله وأخرى في غزة وعدم قيام املجلس التشريعي بدوره؛‬ ‫عدم توافر موارد مالية ثابتة لفصائل اليسار" (حزبية‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫املشكلة ليست باملال‪ ،‬بل باإلرادة‬

‫"املال قوة‪ ،‬ولكن كيف ميكن توظيف هذا املال في خدمة السياسة؟ وضوح الهدف مهم‪،‬‬ ‫وغياب البرامج يعني أن املال ليس عامل قوة‪ .‬املؤسسات اجلماهيرية كان من املمكن أن‬ ‫متول نفسها‪ .‬ملاذا لم تكن هناك أهداف واضحة؟ واليسار الالتيني الذي حقق انتصارات في‬ ‫زمن الهزمية يعني أن اإلشكالية ليست موضوعية‪ ،‬بل مرتبطة باإلرادة" (مستقل)‪.‬‬ ‫‪117‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ز‪ .‬مالحظات عامة‬ ‫حول تنظيمات اليسار‬

‫"احلضور األفضل لقوى اليسار هو للشعبية بسبب ما متثله اجلبهة الشعبية من اجتاه‬ ‫قومي مترافق مع تطرف يساري (أي املزج بني القومي والثوري)؛ ولذا يغلب على‬ ‫شعارات الشعبية التطرف أو االنحياز للموقف السياسي املتطرف أكثر من االنحياز‬ ‫للمضمون االجتماعي الذي ميثله اليسار‪ .‬اجلبهة الدميقراطية حكمها العالقة بني الداخل‬ ‫واخلارج منذ العام ‪ 1988‬وحتى العام ‪ ،1998‬وخالل هذه الفترة تخلت اجلبهة عن مبرر‬ ‫وجودها كممثل للتيار الواقعي الوطني‪ ،‬وعندما عادت إلى الواقعية الوطنية في أواخر‬ ‫التسعينيات بقيت محكومة بعقدة الداخل واخلارج (وهي باألساس مشكلة قيادة‪ ،‬أي‬ ‫مشكلة من يتحكم بالقرار واملال)‪ .‬وهذه العقدة حتول دون حتولها إلى رافعة وطنية‪.‬‬ ‫حزب الشعب عاش حالة لم تكن سماتها التوتر بني الداخل واخلارج‪ ،‬واتخذ خطوات‬ ‫جريئة في تعديل نظامه الداخلي‪ .‬التأثير األكبر كان للمصالح التي تكونت عبر املنظمات‬ ‫غير احلكومية (اإلغاثة الطبية واإلغاثة الزراعية والقانون‪ .)...‬كما أن مشاركته املتأخرة‬ ‫في احلكومة (السلطة) كانت أقرب إلى متثيل السلطة في احلزب‪ ،‬من متثيل احلزب‬ ‫في احلكومة‪" .‬فدا" امتلك مشروعا كان ميكن أن ميثل البديل الدميقراطي الفعلي في‬ ‫الساحة ومثل ذلك لفترة محدودة في مطلع التسعينيات حيث قدم رؤية سياسية‬ ‫وتنظيمية متقدمة قادرة على مخاطبة هموم الناس وأن تستقطب اليسار‪ .‬لكن التنظيم‬ ‫ُ‬ ‫ضرب من خالل قيادته األولى‪ ،‬ولم يعد يشكل حزب الداخل بسبب دور قيادته األولى؛‬ ‫ولم يتم مواجهة هذه القيادة‪ ،‬وعندما متت كانت مواجهة خجولة بسبب اعتماد "فدا"‬ ‫على دعم منظمة التحرير املالي‪ .‬ولذا ارتضى أن يكون تنظيما صغيرا ينتظر استحقاقه‬ ‫من الصندوق القومي آخر كل شهر" (قيادي سابق‪ ،‬د‪-‬ف)‪.‬‬ ‫ال مستقبل لليسار إن بقي على وضعه الراهن‪ ،‬وقياداته احلالية عقبة في وجه‬ ‫استنهاضه‬

‫"ال مستقبل لليسار إن بقي على حاله حتى ولو تراجع التأييد حلماس وفتح؛ الذي يكسب‬ ‫هو احلركات السلفية مثل حزب التحرير والسلفيني والدعوة‪ ،‬وهذه القوى هي التي‬ ‫تنشط في منطقة القدس‪ ...‬حزب التحرير بات نشيطا في عدة مواقع منها القدس‬ ‫واخلليل وطولكرم‪ ،‬املسيرة الذي أقامها حزب التحرير (عام ‪ )2007‬في ملعب الفرندز‬ ‫في رام الله ضمت نحو عشرة أالف شخص‪ .‬حزب التحرير يدعمه التجار األثرياء‪ .‬كما‬ ‫ال يجب أن ننسى تأثير الفضائيات‪ ...‬اليساري بات يعيش حالة اغتراب عن املجتمع‪،‬‬ ‫وبات "معزوال"‪ .‬السؤال األول في منطقة القدس للشخص‪ ،‬هو "هل تصلي؟"‬

‫‪118‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫واملفهوم السائد أن اليسار هو الشخص اخلارج عن العادات والتقاليد‪ ...‬في جامعة‬ ‫بيرزيت الهوية اليسارية غير واضحة؛ هل هي هوية يسارية (مبعنى حتمل الدعوة‬ ‫إلى حقوق اجتماعية واقتصادية‪ )...‬أم هوية ليبرالية (تركز على احلريات الفردية‬ ‫وعدم التقيد بالعادات والتقاليد)‪ .‬ال نضال ملموسا من الطلبة اليساريني‪ ،‬ومعظمهم‬ ‫من الطبقة الوسطى‪ .‬من هي قاعدة اليسار؟ الطبقات الفقيرة تذهب باجتاه التنظيمات‬ ‫اإلسالمية أو "فتح"‪ .‬اليسار يتشكل من مجموعات حلقية تتبادل األفكار فيما بينها وال‬ ‫تقوم باحتكاك مع املجتمع‪ .‬وهناك خوف من التصادم مع املجتمع بسبب هيمنة األفكار‬ ‫اإلسالمية‪ .‬حتى يكون هناك أفق لليسار هناك شروط‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن يعمل على توحيد قواه توحيدا فاعال‪ ...‬واحتالل مواقع داخل املجتمع على الصعيد‬ ‫االقتصادي عبر الدفاع عن حقوق العمال وعبر تشكيل نقابات فاعلة‪ ،‬وأن يخوض‬ ‫نضاال حقيقيا من أجل العدالة االجتماعية لتقليص الفجوة بني الفقراء واألغنياء‪،‬‬ ‫والنضال من أجل حد أدنى لألجور‪ .‬ويجب أن يسري هذا على املنظمات غير‬ ‫احلكومية التي ترتدي وجها يساريا‪ ،‬بحيث ال يكون الفارق بني راتب املدير‬ ‫وبقية املوظفني بالسعة التي نشهدها اآلن‪ .‬وعلى اليسار أن يقود توجه السلطة‬ ‫لتكون سلطة رعاية عبر ما توفره من ضمانات صحية وتأمينات اجتماعية‪...‬‬

‫‪ .2‬أطراف اليسار تبدو مشدودة بني برنامج "فتح" (املفاوضات) وبني برنامج‬ ‫"حماس" (املقاومة)‪ ...‬وما هو ظاهر للناس هو أن اليسار غير قادر على‬ ‫التأثير على "فتح" وال على "حماس"‪ .‬وبالتالي على اليسار أن مييز نفسه‬ ‫عن التنظيمني اآلخرين على الصعيد السياسي‪ ...‬لكن ال يكفي القول أننا ضد االقتتال‬

‫الداخلي وفي الوقت نفسه نحجم عن التوحد ولتوسيع دائرة الفعل في وجه حماس‬ ‫وفتح‪.‬‬

‫‪ .3‬مطلوب من اليسار صياغة خطط تربوية والنضال من أجل توسيع مشاركة‬ ‫املرأة في صنع القرار والقضاء على كل أشكال التمييز ضدها والعمل على متكينها‬ ‫من املشاركة في العمل‪ .‬إستراتيجية املشاريع الصغيرة غير كافية واملطلوب‬ ‫هو ابتداع أفكار جديدة‪.‬‬

‫‪ .4‬اليسار مطالب باملشاركة في مقاومة االحتالل واالستيطان واجلدار وإعادة‬ ‫االعتبار للفعل الشعبي واملقاومة الشعبية والعمل التطوعي‪ ،‬وإحياء اللجان الشعبية‬ ‫ومقاطعة البضائع اإلسرائيلية‪.‬‬

‫‪ .5‬القيادات احلالية لليسار عقبة في وجه استنهاضه كونها قيادات تعمل لصاحلها‬ ‫اخلاص‪ ،‬وهي قيادات مهادنة وغائبة عن قواعدها التنظيمية" (حزبي شاب‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫‪119‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫قراءة في تشخيص اليسار للعوامل الذاتية التي ساهمت في تراجعه‬ ‫متركزت اآلراء املوجهة لتشخيص العوامل واحليثيات الذاتية لتراجع دور ونفوذ اليسار‬ ‫الفلسطيني في العقدين األخيرين حول عناوين محددة سأتطرق إليها‪ ،‬مع مالحظة أن‬ ‫فصل العوامل الذاتية (التي تتصل ببنية اليسار وبرنامجه وعالقاته وسياساته ومواقفه)‬ ‫عن العوامل املوضوعية (املتعلقة بالتحوالت اإلقليمية والدولية ووضع وواقع سياسات‬ ‫األطراف الفلسطينية األخرى وسياسية وإجراءات االستعمار االستيطاني اإلسرائيلي)‬ ‫مت العتبارات منهجية تتعلق بتسهيل عملية العرض والتحليل‪ .‬كما مت كالهما‪ ،‬إلى حد‬ ‫ما‪ ،‬خارج سياق التحوالت االقتصادية والسياسية والثقافية التي شهدتها التجمعات‬ ‫واجلاليات الفلسطينية الرئيسة‪ ،‬وما ما سعت املقدمة لتوفيره بخطوط عامة‪ .‬كما أن ما‬ ‫ورد في املداخالت حول العوامل الذاتية التي ساهمت في تراجع اليسار خص ما اعتبر‬ ‫مشتركا بني تنظيمات اليسار الرئيسة‪ ،‬دون إغفال إشكاالت وضعها في سلة واحدة‪.‬‬ ‫وفيما يلي قراءة في تشخيص اليسار لعوامل تراجعه الذاتية‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬تشير النبرة العالية من النقد الذاتي ألوضاع اليسار من قبل الغالبية العظمى ممن‬ ‫إلتقى معهم فريق البحث إلى إحساس باملخاطر التي باتت تهدد أحزاب اليسار ودورها‬ ‫وما حتمله من قيم وتطلعات‪ ،‬واإلحساس بالتالي بضرورة أن تبادر هذه األحزاب إلى‬ ‫مراجعة موضوعية وشاملة لتجربتها وأوضاعها وسياساتها وتوجهاتها وعالقاتها‪ .‬وحتى‬ ‫يكون لهذه املراجعة الوظيفة املطلوبة‪ ،‬من الضروري إشراك أوسع األطر احلزبية‬ ‫وبخاصة من األطر احلزبية الكادرية (التي على احتكاك مباشر باملجتمع)‪ .‬وقد يكون‬ ‫من احلكمة إشراك عدد من الكوادر التي تركت تنظيمات اليسار في هذه املراجعات؛‬ ‫فهناك تشخيص واسع االنتشار يعزو للعوامل الذاتية الدور احلاسم في تراجع اليسار وفي‬ ‫العجز عن توحيد جهود فصائله‪ .‬وعاب البعض على اليسار إحجامه عن االستفادة من‬ ‫جتارب اليسار في العالم بعد انهيار جتربة االحتاد السوفييتي‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬من الطبيعي أن تكثر اإلشارة في تشخيص عوامل تراجع اليسار إلى تكلس‬ ‫أو تشوه أو اختناق البنية التنظيمية ألحزاب اليسار وافتقارها إلى املرونة واحليوية‬ ‫والتواصل بني القاعدة والقيادة وبني مجمل تنظيمات احلزب واجلمهور احمليط به‪.‬‬ ‫وبرز هذا حتديدا‪ ،‬بعد املرحلة األولى من االنتفاضة األولى‪ ،‬وبعد اتفاق أوسلو‪ ،‬و‬ ‫قيام السلطة الفلسطينية‪ ،‬حيث طرا تغير نوعي على طبيعة املرحلة‪ ،‬ودخل تغيير نوعي‬ ‫على مكونات احلقل السياسي الفلسطيني‪ .‬لقد تكررت مالحظة أن أحزاب اليسار لم‬ ‫تتمكن من اجلمع بني مهمات التحرر الوطني ومهمات النضال االجتماعي والدميقراطي‪ .‬كما‬ ‫جرت اإلشارة إلى حقيقة أن اتفاق أوسلو مت‪ ،‬بالصيغة إياها‪ ،‬نتيجة ضعف اليسار‪،‬‬ ‫وأنه‪ ،‬في الوقت ذاته‪ ،‬زاد من ضعف اليسار‪ .‬آراء عدة اعتبرت أن البنى التنظيمية‬ ‫ألحزاب اليسار كانت أعجز من أن حتمل عبء املرحلة اجلديدة؛ من هنا بقيت‪ ،‬حسب‬ ‫تعبير أحد الكوادر احلزبية الشابة‪" ،‬متكهفة في قضاياها الداخلية وأزماتها التنظيمية‬ ‫‪120‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫على حساب مهماتها الرئيسية في النضال الوطني والدميقراطي"‪ .‬البعض رأى أن‬ ‫تنظيمات اليسار لم تتعامل مع تداعيات أوسلو كواقع يستدعي إستراتيجية جديدة‪ ،‬كما‬ ‫طرح أن انتقال التنظيم من العمل السري إلى العمل العلني كشف عيوب القيادة (كونها‬ ‫باتت حتت الرقابة التنظيمية والشعبية) وأن عودة القيادات من اخلارج ساهمت في‬ ‫تراجع االهتمام بقضايا التنظيم بسب افتقار تلك القيادات إلى معرفة دقيقة بالواقع في‬ ‫الضفة والقطاع‪ .‬وربط البعض بني عودة القيادات والكوادر اليسارية إلى الوطن وتخلى‬ ‫تنظيمات اليسار عن االضطالع بدورها التنويري‪.‬‬ ‫بعض اآلراء أشارت إلى افتقار تنظيمات اليسار إلى الوضوح في هويتها االجتماعية‪ ،‬والذي‬ ‫برز أكثر ما برز في ضعف النضال االجتماعي لصالح الطبقات والفئات االجتماعية التي‬ ‫يفترض باليسار متثيلها (العمال والفالحني والفئات الفقيرة واحملرومة والكادحة)‪،‬‬ ‫وفي قيادة نضال جماهيري ضد الفساد واإلفساد‪ ،‬وسوء اإلدارة‪ ،‬ومن أجل دمقرطة‬ ‫احلياة العامة‪ ،‬وصياغة قوانني وسياسات تقدمية‪ ،‬تصون حقوق املرأة والعمال والفئات‬ ‫احملرومة واملضطهدة واملستغلة‪ .‬وركزت بعض املالحظات على الفجوة الفاصلة بني النظرية‬ ‫واملمارسة عند فصائل اليسار‪ ،‬وعلى تغليب عنصر التنافس على التقارب الفكري والسياسي‬ ‫والتنظيمي بني هذه الفصائل‪ .‬وتردد رأي مفاده أن اليسار الفلسطيني اعتمد على املقوالت‬ ‫اجلاهزة (من مركز احلركة الشيوعية في العالم) في تعاطيه مع الواقع الفلسطيني‬ ‫بامتداده العربي‪ ،‬وأن انهيار التجربة السوفييتية أفقد اليسار مرجعيته الفكرية‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬لم يرافق مالحظة تقاعس اليسار في مجال النضال االجتماعي‪ ،‬وحتديدا فيما‬ ‫يخص املرأة والعمال والفئات احملرومة‪ ،‬إشادة بالدور الكفاحي لليسار خالل العقدين‬ ‫األخيرين‪ ،‬بل العكس من ذلك إذ تكررت مالحظة أن الدور الكفاحي لليسار تراجع‬ ‫كثيرا‪ ،‬وأن اليسار ارتبك في مواجهة شعار املقاومة املسلحة الذي رفعته "حماس"‬ ‫كإستراتيجية ال بديل عنها‪ ،‬وفي مواجهة شعار املفاوضات التي تبنته "فتح"‬ ‫إستراتيجية ال غنى عنها‪ .‬ولم يقدم اليسار رؤية وممارسة كفاحية بديلة إلستراتيجية‬ ‫"فتح" و إستراتيجية "حماس"‪.‬‬ ‫البعض اهتم بتسجيل مالحظة أن االنقسام السياسي‪-‬اجلغرافي بني حركي "فتح" و‬ ‫"حماس" انعكس سلبا على أحزاب اليسار لكونه ساهم في توليد شرخ بينها عبر شد‬ ‫بعضها باجتاه "فتح" والبعض اآلخر باجتاه "حماس"‪ .‬أي لم تدفع حالة االستقطاب‬ ‫السياسي في احلقل الوطني إلى بلورة رؤية خاصة باليسار موجهة نحو إخراج احلركة‬ ‫السياسية الفلسطينية من مأزقها‪ .‬آراء أخرى رأت أن اليسار لم يواجه ما متثله "حماس"‬ ‫سياسيا وفكريا واجتماعيا‪ ،‬وأنها تأخرت في إدراك خصوصية الوطنية الفلسطينية‬ ‫وأحجمت عن قراءة خطورة اإلسالم السياسي األصولي‪ .‬وأخذت آراء أخرى على‬ ‫تنظيمات اليسار تقصيرها في خوض صراع ضد أداء السلطة (بقيادة حركة "فتح")‬ ‫على صعيد املفاوضات وعلى صعيد بناء املؤسسات ولتهميشها مؤسسات منظمة‬ ‫‪121‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫التحرير‪ ،‬منوهة بأن ما يقف وراء ذلك هو اعتماد تنظيمات اليسار على ما تتلقاه من‬ ‫دعم مالي من السلطة (باألساس من الصندوق القومي الفلسطيني)‪ .‬كما جند من اعتبر‬ ‫أن اليسار الفلسطيني لم يقرأ الصراع بني حركتي "حماس" و "فتح" قراءه فكريه ثقافية لها‬ ‫عالقة بطبيعة وخصائص وسمات اإلسالم السياسي األصولي‪ ،‬بل قرأه قراءه سياسية‬ ‫فقط‪ ،‬لدرجة أنه في أحيان كثيرة كان يضع نفسه على مسافة متساوية بني احلركتني‬ ‫املتصارعتني‪ .‬ومن املنطلق ذاته انتقد البعض إحجام اليسار عن طرح موضوع العلمانية‬ ‫خشية من التصادم مع "حماس"‪ ،‬في حني جرى حتميل اليسار تبعات االنخراط في‬ ‫منظمة التحرير بقيادة حركة "فتح" وتبعات سياستها ومواقفها وسلوكها‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬أشارت مالحظات عدة إلى عزلة تنظيمات اليسار (وقياداتها) عن العمل والنضال‬ ‫اجلماهيري واستبدال منظمات مهنية باملنظمات اجلماهيرية الدميقراطية؛ وهذه املنظمات‬

‫املهنية (منظمات غير حكومية) تعتمد على التمويل اخلارجي وأجندات ال تنسجم‬ ‫أولوياتها بالضرورة مع رؤية اليسار لألولويات الوطنية‪ ،‬مع مالحظة أن هذه املنظمات‬ ‫أفرغت األحزاب اليسارية من العديد من الكوادر املجربة‪ .‬وربط هذا بغياب الدميقراطية‬ ‫الداخلية (سبب االنشقاقات داخل تنظيمات اليسار وهجرة الكوادر منها) وإلى أنه‬ ‫مت استبدال املركزية الدميقراطية (بتطبيقاتها البيروقراطية) باالنقالش التنظيمي‪،‬‬ ‫واإلحجام عن اعتماد شروط عضوية وغياب التثقيف الفكري‪ ،‬والتردد في إدماج‬ ‫املرأة في قيادة منظمات احلزب وتراجع االهتمام بتنظيم املرأة والشباب في أطر دميقراطية‬ ‫جماهيرية‪ ،‬كما حصل في نهاية عقد السبعينيات وفي عقد الثمانينيات‪ .‬وأخذت بعض‬ ‫اآلراء على قيادة اليسار (واملكونة في غالبها من الكهول) تعطيل جتديد الهيئات وحجب‬ ‫الفرص عن القيادات الشابة (من اجلنسني) لتولي مسؤوليات قيادية‪ ،‬وتفضيل العمل‬ ‫املكتبي واحللقي على العمل اجلماهيري والتنظيمي والتثقيفي‪.‬‬ ‫بعض اآلراء أشارت إلى أن التنظيم بات يدار كمؤسسة تو ّلد مصالح خاصة حتجب وظيفة‬ ‫احلزب السياسية‪ .‬العديد من اآلراء اعتبر أن القيادات احلالية لليسار هي من يتحمل‬ ‫وزر تراجع اليسار‪ ،‬وهي عنوان األزمة‪ ،‬وهي التي تعطل وحدة اليسار التي ترى فيها‬ ‫ما يضر مبواقعها وامتيازاتها‪ .‬وأخذ البعض على تنظيمات اليسار غياب أو تغييب‬ ‫احملاسبة السياسية والتنظيمية واإلدارية واملالية (ومن ذلك ما بعد االنتخابات التشريعية‬ ‫األخيرة)‪ .‬وربطت بعض اآلراء بني اجلذور القومية جلزء هام من اليسار وظروف‬ ‫العمل السري ومحاكاة النموذج السوفييتي وكثافة "التفريغ"‪ ،‬وبني سيادة نهج‬ ‫بيروقراطي أوامري داخل تنظيمات اليسار من جانب‪ ،‬واالفتقار للقدرة على اكتشاف‬ ‫وتبني "قيادات طبيعية" في املجتمع تدفع بها للنقابات واالحتادات واملجالس البلدية‬ ‫واحمللية والهيئات الوطنية األخرى‪ ،‬من جانب آخر‪ .‬وأخذ البعض على خطاب اليسار‬ ‫طرحه شعارات ومصطلحات عصية على الفهم من قبل اجلمهور العادي‪ ،‬مثل اإلمبريالية‪،‬‬ ‫والرأسمالية والعوملة واملواطنة وغيرها‪ ،‬وجتاهل مشاغل واهتمامات املواطن العادي‪.‬‬ ‫‪122‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫خامسا‪ :‬أشار العديد من اآلراء إلى تأثير شح املوارد املالية ألحزاب اليسار على دورها‪.‬‬ ‫في هذا العامل يتداخل املوضوعي مع الذاتي‪ .‬فمن جانب‪ ،‬ساهمت التطورات التي حدثت‬ ‫على الصعيدين الدولي والعربي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات في جتفيف‬ ‫عدة مصادر متويل أو استثمار لقوى اليسار‪ ،‬وزاد من اعتمادها هذا على مصادر‬ ‫املنظمة (السلطة في واقع األمر) والتي تتحكم بها قيادة املنظمة (السلطة) دون أن يحكم‬ ‫العالقة قانون مقر وموافق عليه من هذه القوى‪ ،‬باعتبار أن هذا الدعم حق لكل تنظيم‬ ‫سياسي في املنظمة‪ ،‬بدل أن يكون عنصر ضغط بيد قيادة املنظمة (السلطة)‪ ،‬التي هي‬ ‫بدورها تعرضت إلى جتفيف ملواردها (اخلليجية خاصة) بعد سيطرة القوات العراقية‬ ‫على الكويت عام ‪ 1990‬وموقف قيادة املنظمة آنذاك‪ .‬لكن هناك جانبا يتعلق بقلة اهتمام‬ ‫ووعي ودراية قيادات اليسار بتوليد مصادر ذاتية لتمويل نشاطات وفعاليات تنظيماتها‪ ،‬بدءا‬ ‫من االشتراكات إلى االستثمارات املدروسة‪ ،‬إلى التبرعات غير املشروطة والشفافة‪ ،‬إلى‬ ‫االنتباه املبكر ملخاطر تفشي ظاهرة "التفريغ" وبناء األجهزة ونشر املكاتب‪ ،‬والتعاطي‬ ‫مع اجلمهور الفلسطيني بنفس "ريعي" (التنظيم يصرف على الشعب‪ ،‬وليس الشعب‬ ‫يدعم التنظيم) مجاراة ألسلوب "فتح" (واملعتمد اآلن كما يبدو من حركة "حماس")‪.‬‬ ‫املالحظة األبرز في هذا السياق تخص تراجع العمل الت��وعي الذي برز بقوة خالل‬ ‫السبعينيات وعقد الثمانينيات في الضفة والقطاع وجتسد في أشكاله الرئيسة في‬ ‫نشاط املنظمات اجلماهيرية الدميقراطية‪ .‬وتراجع دور ونشاط وأحجام هذه املنظمات‬ ‫وتشرذمها هما اللذان دفعا البعض إلى القول إن البرامج االجتماعية لليسار باتت مجرد‬ ‫شعارات‪ ،‬بدال من أن تكون محددات خلطط عمل‪ .‬والواقع أن العمل التطوعي ارتبط ببناء‬ ‫األحزاب اليسارية ملنظمات جماهيرية دميقراطية قطاعية (نساء‪ ،‬شباب‪ ،‬معلمني‪ ،‬أطباء‪،‬طباء‬ ‫الخ)‪ ،‬وتراجع العمل التطوعي بتراجع حجم ودور هذه األطر اجلماهيرية‪،‬؛ ويعود جزء من‬ ‫هذا التراجع للعالقة غير املتوازنة التي أقامها احلزب مع هذه األطر والتي فرضت عليها‬ ‫نوعا من الوصاية الفوقية اعتمدت على السيطرة اإلدارية باألساس‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬اعتبر البعض أن من أسباب ضمور اليسار وضعف حضوره السياسي‬ ‫والفكري افتقاره ملنابر إعالمية واسعة االنتشار (جريدة‪ ،‬مجلة‪ ،‬إذاعة‪ ،‬محطة أو فضائية‬ ‫تلفزيونية)‪ .‬ويرتبط هذا بقضيتني‪ :‬األولى‪ ،‬ضعف املوارد املالية لليسار‪ ،‬وحتديدا في‬ ‫ظل الشرذمة القائمة‪ ،‬والقضية الثانية‪ ،‬واألهم‪ ،‬هي‪ :‬غياب إستراتيجية سياسية موحدة‬ ‫لليسار والتباينات الواسعة في مواقف فصائله السياسية‪ .‬لذا‪ ،‬األفضل أن يناقش هذا‬ ‫املوضوع‪ ،‬باجلدية التي يستحقها‪ ،‬بعد توصل فصائله الرئيسة إلى صيغة ائتالفية أو‬ ‫توحيدية‪.‬‬

‫‪123‬‬


‫الفصل الرابع‪:‬‬ ‫تشخيص اليسار للعوامل "املوضوعية"‬ ‫التي ساهمت في تراجعه‬ ‫"إذا ما عدنا في ذاكرتنا قليال في التاريخ الفلسطيني سنجد‪ ...‬أن اليسار الفلسطيني‪،‬‬ ‫ممثال بأحزابه وقواه‪ ،‬كان العبا رئيسا على مسرح السياسة واملجتمع الفلسطيني‪.‬‬ ‫فهو في ميدان السياسة فاعل رئيس‪ ...‬والقفز عنه أو جتاهله لم يكن أمرا هينا أو عاديا‪.‬‬ ‫أما في ميدان الثقافة والفكر اإلبداعي‪ ،‬فهو مأل فضاء الفكر والثقافة الفلسطينية وأنتج‬ ‫ثقافة إنسانية تقدمية مبضمون تنويري تركت بصماتها على املجتمع الفلسطيني بكل‬ ‫فئاته حينذاك‪ ،‬وكان لها األثر الواضح على مجمل بنية النظام السياسي الفلسطيني"‬ ‫(من افتتاحية مجلة تسامح العدد العاشر (عدد خاص عن اليسار الفلسطيني)‪ ،‬السنة‬ ‫الثالثة‪-‬تشرين األول ‪.)2005‬‬

‫يتناول هذا اجلزء محاور تشخيص اليسار للعوامل واحليثيات التي ساهمت في‬ ‫تراجع نفوذه‪ ،‬وذلك استكماال للفصل السابق (الثالث) الذي تناول تشخيص اليسار‬ ‫ألوضاعه الذاتية التي أنتجت تراجعه‪ .‬الضرورات املنهجية التي استدعت الفصل بني‬ ‫"املوضوعي" و "الذاتي" ال ينبغي أن حتجب التداخل بينها‪ ،‬أي التفاعل بني عالقة‬ ‫البنى التنظيمية والفكرية والسياسات ونوعية ومجال العالقات الداخلية واخلارجية‬ ‫لليسار وبني األوضاع واملتغيرات اإلقليمية والدولية والتحوالت في بنية املجتمع‬ ‫الفلسطيني (والتجمعات الفلسطينية الرئيسة) االقتصادية واالجتماعية والثقافية‪،‬‬ ‫وفي تكوين ومحددات احلقل السياسي الوطني‪ .‬ويكشف السرد الوارد في هذا الفصل‬ ‫الصعوبة ذاتها التي واجهت الفصل السابق لدى محاولة فصل العوامل الذاتية عن‬ ‫العوامل املوضوعية‪ .‬وكما منح الفصل السابق الفرصة ألوسع اآلراء في احلديث عن‬ ‫‪125‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األوضاع الذاتية ألحزاب اليسار‪ ،‬سيكون على الفصل احلالي منح فرصة ألكبر عدد‬ ‫ممكن من اآلراء وبلغة كل فرد للحديث عن العوامل واحملددات املوضوعية لتراجع‬ ‫تنظيمات اليسار‪ ،‬مع احلرص على تقليص ما أمكن من التكرار دون شطبه بالكامل؛‬ ‫وذلك يستهدف منح القارئ قدرة على تشكيل رأي حول ما هو موضع إجماع أو شبه‬ ‫إجماع وما هو رأي أقلي أو فريد‪.‬‬ ‫أ‌‪ .‬تداعيات املتغيرات الدولية واإلقليمية‬ ‫أوال‪ :‬وقع املتغيرات الدولية‪ ،‬وبخاصة انهيار االحتاد السوفييتي واملنظومة االشتراكية‬

‫الغالبية العظمى من مداخالت اليسار حول أسباب تراجع اليسار الفلسطيني‪ ،‬أشارت‬ ‫بشكل مباشر إلى انهيار االحتاد السوفييتي واملعسكر االشتراكي‪ .‬فيما يلي مقتطفات‬ ‫من هذه املداخالت‪ ،‬نضعها إلبراز األهمية التي أعطيت لهذا احلدث من اليسار سواء فيه‬ ‫املنظم و غير املنظم‪:‬‬ ‫التحوالت الدولية واإلقليمية عززت من نفوذ اإلسالم السياسي وأفقدت اليسار‬ ‫الفلسطيني عمقه العربي‬ ‫"من أبرز العوامل اخلارجية لتراجع اليسار احلرب التي قادتها الواليات املتحدة األمريكية‬ ‫على أفغانستان عام ‪ 1979‬حني اعتقدت أن ما يجري هو مسعى للتمدد السوفييتي وصوال‬

‫آلبار النفط في اخلليج العربي مما يشكل خطرا على مصاحلها‪ .‬وكان شعار تلك احلرب‬ ‫"اجلهاد ضد اإلحلاد"‪ .‬وقد روجت الواليات املتحدة لتلك احلرب باعتبارها حرب‬ ‫اإلسالم ضد أعدائه‪ .‬واستدعى ذلك القيام بحملة دعاوية حتريضية ضد الشيوعية‪...‬‬ ‫وقد نشطت اجلمعيات اإلسالمية في الشارع الفلسطيني ومعها خطباء في التحريض ضد اليسار‬ ‫العاملي والفلسطيني‪ .‬و كانت الواليات املتحدة قد رصدت موازنات لطباعة الكتب الدينية‬ ‫في كل أرجاء الوطن العربي ملواجهة الفكر الشيوعي واستمر ذلك بعد الثورة اإليرانية‬ ‫التي أعلنت العداء للواليات املتحدة منذ اليوم األول لنجاحها‪ .‬ووقع اليسار العربي ‪....‬‬ ‫ضحية اصطفاف األنظمة العربية مع أمريكا مما سلب اليسار الفلسطيني من عمقه العربي‬ ‫الذي كان يتأثر سلبا أو إيجابا بانزياح الشارع العربي (االنزياح احلالي نحو التدين منوذج‬ ‫وفر حلركة "حماس" دعما عربيا شعبيا)‪ .‬وساهم اخلروج من بيروت في تراجع اليسار‬ ‫حيث شكلت بيروت احلاضنة الرئيسة التي منا وترعرع فيها اليسار بعيدا عن قمع‬ ‫األنظمة حيث توفر الفضاء املفتوح حلرية الفكر والرأي ونشر الثقافة واملواقع العسكرية‬ ‫واملدارس الفكرية ‪ ....‬اخلروج من بيروت فرض التشتت على مواقعه القيادية‪ ...‬وقد اتهم‬ ‫اليسار بتبعية النظام السوري من قبل أطراف فلسطينية‪.....‬كان لسيطرة حركة فتح على‬ ‫مقدرات منظمة التحرير الفلسطينية وعالقاتها اخلارجية وإبعاد اليسار عن دائرة الفعل‬ ‫والتأثير وغياب الدور والتأثير في القرار السياسي مبا يحمله من قوة ومصالح للكثير‬ ‫‪126‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫من فئات شعبنا جعلت اليسار أشبه بحالة ثقافية اجتماعية إصالحية‪" ...‬أما الضربة‬ ‫الكبرى لليسار فجاءت من انهيار االحتاد السوفييتي الذي لم يكن يشكل النموذج فحسب‬ ‫بل كان يشكل العمود االستراتيجي واحلليف الرئيس الداعم واملؤيد واحلاضن لليسار‬ ‫الفلسطيني مبا يوفره من إمكانات تعليمية ساهمت بصقل جتربة جيل من الشباب نظريا‬ ‫وأكادمييا وعسكريا‪ ،‬وبانهيار االحتاد السوفييتي وجد اليسار الفلسطيني نفسه وحيدا‬ ‫دون حليف‪( "....‬كادر حزبي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫تراجع اليسار وراءه‪ :‬متغيرات دولية وإقليمية وحتوالت في احلقل السياسي الوطني‬ ‫وتكلس تنظيمي‬

‫"أسباب تراجع اليسار مرتبة حسب األهمية هي التالي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬تأثير التغييرات في احلقل السياسي الفلسطيني (اخلروج من بيروت‪ ،‬ظهور‬ ‫اإلسالم السياسي‪ ،‬اتفاق أوسلو وسيطرة "فتح" على السلطة‪ ،‬تهميش منظمة‬ ‫التحرير‪ ،‬االنتفاضة الثانية‪ ،‬االنتخابات التشريعية األولى والثانية‪ ،‬سيطرة "حماس"‬ ‫على قطاع غزة‪ ،‬شح املوارد املالية لتنظيمات اليسار ‪.)...‬‬ ‫ثانيا‪ :‬تأثير التحوالت الدولية (انهيار املعسكر االشتراكي) واإلقليمية (الثورة اإليرانية)‬ ‫والعربية (حرب اخلليج وتراجع اليسار العربي) وحرب اخلليج عام ‪.1990‬‬ ‫ثالثا‪ :‬التحوالت االقتصادية واالجتماعية في املناطق الفلسطينية احملتلة عام ‪1967‬‬

‫بعد قيام السلطة وبعد االنتفاضة الثانية وعلى أثر احلصار على غزة‪ .‬أما األسباب‬ ‫البرنامجية والتنظيمية للتراجع فهي كما يلي‪ :‬تبني أيديولوجيات لم تستقم مع املنطق‬ ‫احلاكم في صيرورة البحث عن هوية وكيانية ظلت تتراوح بني نزعتني‪ :‬قطرية وطنية‬ ‫وإسالمية سياسية في سياق لم يتحقق فيه التمايز السياسي واالجتماعي وأجهضت فيه‬ ‫احلداثة؛ والسقوط املدوي للنموذج املتمثل في الدولة االشتراكية الشمولية‪ ،‬والدولة العربية‬

‫الشمولية‪ .‬وعودة مفهوم املجتمع املدني‪ ،‬والتحول الدميقراطي ومنوذج احلكم الصالح‬ ‫إلى أجندة الفعل السياسي واالجتماعي‪ ،‬وهو ما لم تلحظه معظم هذه القوى‪ ،‬حتى‬ ‫أن بعضها ظل يعارض هذه التوجهات ويتهم أصحابها والداعني إليها بالسعي إلى‬ ‫تقويض هذه التنظيمات؛ واملنافسة القوية من قبل حركة "حماس" على فضاء الهيمنة‬ ‫األيديولوجية من خالل الشبكات االجتماعية وتقدمي منوذج يقوم على االنضباط‬ ‫واملهنية ومالمسة قضايا الناس العاديني؛ واملوقف امللتبس من السلطة والعالقة معها‪.‬‬ ‫فبعض هذه التنظيمات هربت من أزمتها الفكرية والتنظيمية والسياسية إلى السلطة‪،‬‬ ‫إما طلبا ً لإلمساك بها‪ ،‬أو متلقا ً للممسكني بها‪ ،‬أو طمعا ً في بعض منافعها‪ ،‬وبعضها فقد‬ ‫متيزه بالبقاء في منطقة غير واضحة بني السلطة واملعارضة؛ وبقاء العمل التنظيمي‬ ‫بأشكاله التقليدية وأمناطه املعروفة القائمة على التراتبية التنظيمية‪ ،‬إذ لم يجر تطوير‬ ‫أساليب التنظيم بحيث تواكب وتستوعب الطاقات الشعبية املتجددة واإلمكانات‬ ‫‪127‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫املتعددة‪ ،‬فقد تردت العالقات الرأسية بني القيادات والقواعد واجلماهير إلى درجة فقدان‬ ‫بعض القيادات حسها الشعبي واجلماهيري‪ ،‬كما تردت العالقات األفقية بعضها مع بعض‪،‬‬ ‫وجرى تغليب عنصر التناحر والتنافس على التحالفات والتقارب الفكري والسياسي‬

‫والتنظيمي بالرغم من أنها متتلك جذورا ً فكرية متشابهة‪ ،‬كما أورثها أزمة في إدارة‬ ‫العالقة بني األجيال داخلها‪ ،‬وما جنم عن ذلك من تشرذم وترهل وعجز عن املبادرة‬ ‫والتجدد الذاتي" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫غياب منوذج اشتراكي قادر على ملء الفراغ الذي تركه انهيار النموذج السوفيتي‬

‫"ال شك أن انهيار التجربة السوفييتية أوجد إحباطا ً أو تغييبا ً للقناعة مبلموسية‬ ‫اخليار اليساري اجلذري والبديل االشتراكي لدى جمهور القوى اليسارية في الساحة‬ ‫الفلسطينية‪ .‬أما التجارب البعيدة األخرى‪ ،‬مثل‪ :‬الصني وفيتنام وكوريا الشمالية وكوبا‬ ‫والتجارب اجلديدة في أميركا الالتينية‪ ،‬فهي ليست بعد من القوة والقدرة واإلشعاع بحيث‬ ‫متأل الفراغ‪ ،‬إما بسبب البعد اجلغرافي وعدم التماس املباشر مع هذه التجارب وحضور‬

‫دورها امللموس عندنا‪ ،‬أو بسبب تعقيدات هذه التجارب نفسها‪ ،‬كما هو احلال بالنسبة‬ ‫للتجربة الصينية‪ ،‬التي لم تعد تطرح بوضوح‪ ،‬في مظهرها اخلارجي‪ ،‬مشروع التحول‬ ‫االشتراكي‪ ،‬بقدر ما تقدم نفسها كمشروع تنمية اقتصادية استثنائي ومشروع حت ّول‬ ‫إلى قوة كونية‪ .‬وهناك أزمة منظمة التحرير‪ ،‬التي بدأت تتخذ منحى متزايدا ً بعد احلرب‬ ‫اإلسرائيلية على لبنان واملنظمة في العام ‪ 1982‬وخروج قيادات املنظمة من لبنان‪،‬‬ ‫واالنقسامات التي نتجت عن هذه التطورات واحلروب اإلقليمية التي أعقبتها لوراثة‬ ‫أو حتجيم املنظمة‪ .‬والقوى الفلسطينية اليسارية الرئيسية‪ ،‬ومبعزل عن وجود تباينات‬ ‫متفاوتة في االجتهاد واملواقف بينها وبني القيادة املتنفذة في املنظمة اع ُتبرت من قبل اجلمهور‬ ‫الفلسطيني جزءا من املنظمة‪ ،‬التي حتملت بالتالي هي أيضاً‪ ،‬وليس حركة "فتح" وحدها‪،‬‬

‫نتائج هذه السياسة‪ ،‬بدرجات متفاوتة بني تنظيم وآخر‪ ...‬وبالرغم من أن االنتفاضة‬ ‫الكبرى األولى كان بوسعها أن تشكل رافعة إلعادة استنهاض دور املنظمة ومكانتها‪،‬‬ ‫إال أن القيادة املقررة في املنظمة لم تتمكن من االستفادة من املناخات التي أوجدتها‬ ‫االنتفاضة‪ ...‬وانتهت في اتفاق أوسلو إلى صيغة من االستثمار كانت في الواقع فخا ً‬ ‫متكنت من خالله إسرائيل من توريط املنظمة في مهمة ضبط الوضع في األراضي‬ ‫احملتلة دون ضمان أفق للوصول في نهاية املطاف إلى إنهاء االحتالل وحتقق االستقالل‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬وهو ما كان جوهر رهان القيادة الفلسطينية التي أقدمت على توقيع‬ ‫اتفاق أوسلو‪ .‬جملة التطورات التي حدثت على الصعيدين الدولي والعربي في أواخر‬ ‫الثمانينيات وأوائل التسعينيات ساهمت في جتفيف عدة مصادر متويل أو استثمار‬ ‫لقوى اليسار‪ ...‬مما زاد من اعتماد هذه القوى إلى حد كبير على املصدر اآلتي من قيادة‬ ‫املنظمة‪ ،‬والذي هو‪ ،‬نظرياً‪ ،‬حق لكل تنظيم في املنظمة‪ ،‬لكنه‪ ،‬في الواقع‪ ،‬كان عنصر‬ ‫ضغط بيد القيادة املتنفذة‪ ،‬التي هي بدورها تعرضت إلى جتفيف ملواردها (اخلليجية‬ ‫‪128‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫خاصة) بعد سيطرة القوات العراقية على الكويت عام ‪ 1990‬واتخاذ هذه القيادة ملوقف‬ ‫متعاطف مع اجلانب العراقي‪[....‬تشير استطالعات الرأي] إلى أن انحدارا ً قويا ً حصل‬ ‫في نسب قوى اليسار الرئيسية في العام ‪ ،1995‬وخاصة بعد اتفاق طابا (االنسحاب‬ ‫من مدن الضفة)‪ ،‬حيث أعطى خيار أوسلو انطباعا ً بأنه يتقدم‪ ،‬فيما القوى اليسارية لم‬ ‫تكن لديها خيارات بديلة ملموسة ومرئية أمام الناس‪ ...‬كل هذه التطورات ‪...‬أوجدت وضعا ً‬ ‫جديدا ً متاماً‪ ،‬كان يتطلب العمل على إيجاد أشكال جديدة من التعامل معه؛ وبعض‬ ‫أوساط اليسار اختار التحول نحو االعتدال وخيار ما يعرف في البلدان الرأسمالية‬ ‫املتطورة بـ "يسار الوسط"‪ ...‬في حني بقيت أوساط أخرى تتعاطى مع الوضع وكأنه‬ ‫ال يحتاج إلى تغيرات ذات شأن‪ .‬وهو ما حدث مع العديد من القوى اليسارية في العالم‪،‬‬ ‫وكانت النتيجة بشكل عام سلبية‪ .‬باملقابل‪ ،‬نرى جناح التجارب اليسارية اجلديدة في‬ ‫أميركا الالتينية‪ ،‬وثبات جتربة مثل جتربة احلزب الشيوعي الهندي (املاركسي)‪...‬‬ ‫وثبات نسبي لبعض التجارب في أوروبا اجلنوبية ألسباب محلية في كل منها‪ ...‬وبروز‬ ‫جتارب جديدة حتتاج إلى متابعة مثل جتربة حزب "اليسار" في أملانيا‪ ،‬ورمبا أحزاب‬ ‫اليسار اجلديدة في فرنسا‪ ،‬وفي آسيا‪ ...‬وإلى حد ما تطور اجلناح اليساري من حزب‬ ‫املؤمتر الوطني في جنوب إفريقيا‪ ،‬واحلزب الشيوعي هناك" (قيادي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"انهيار االحتاد السوفيتي أثر على اليسار من خالل سقوط النموذج‪ ...‬فقد بات من‬ ‫الصعب تسويق تيار أو حزب يساري في ضوء هذا االنهيار" (مستقل)‪.‬‬ ‫انهيار املنظومة االشتراكية عزز من سطوة الرأسمال‪ ،‬ومن نفوذ القوى اإلقليمية غير‬ ‫العربية‪ ،‬وساهم في نهوض احلركة األصولية في املنطقة‬

‫"تتمثل األسباب املوضوعية لتراجع اليسار في التح ّوالت العاملية وانفالت الرأسمال‬ ‫وسعيه للهيمنة على العالم بعد انهيار املنظومة االشتراكية‪ ...‬فالعالم بات يخضع أكثر‬ ‫أي وقت مضى لسطوة اإلمبريالية ولهيمنة الشركات االحتكارية اإلمبريالية‪،‬‬ ‫من ّ‬ ‫ولهمجيّة العسكرية اإلمبريالية‪ ،‬ولعنف التنافس االقتصادي‪ ....‬إخضاع العالم ملنطق‬ ‫الربح األعلى على حساب البشر‪ ...‬وبالتالي نعاني من احتجاز التط ّور‪ ...‬ومن أخطار‬ ‫كبيرة باتت ته ِّدد بعودة االستعمار‪ ،‬وتفكيك الوطن العربي من جديد إلى دويالت ذات‬ ‫قبلي‪ ،‬تكون قابلة للخضوع للسيطرة املباشرة‪ .‬وهناك‬ ‫طائفي أو‬ ‫طابع‬ ‫إثني أو ّ‬ ‫ديني أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫انهيار املشروع القومي العربي‪ ،‬بعد أن فشل في حتقيق الوحدة القومية واالستقالل و‬ ‫الدميقراطية والتط ّور واحلداثة‪...‬وطبيعة التركيب االجتماعي املشوهة في املجتمع‬ ‫العربي‪ ،‬وانتشار مظاهر الفقر وارتفاع مديونية الدول العربية في ظل تزايد التبعية‬ ‫االقتصادية لدول املركز اإلمبريالي‪ ...‬وزيادة التبعية األمنية الناجمة من حالة التمزق‬ ‫والتشرذم العربيني‪ ...‬وتزايد نفوذ القوى اإلقليمية غير العربية في النظام العربي‪،‬‬ ‫كتركيا وإيران في حني يزداد ضعف وانقسام النظام العربي وظهور الصراعات اإلثنية‬ ‫‪129‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫والطائفية‪ ...‬وتراجع اليسار العربي‪ ،‬ونهوض احلركة األصول ّية كبديل عنها رغم ظالميته‪،‬‬ ‫حيث إنه يقدّم املاضي كح ٍّل للمستقبل من خالل احللول احملافظة في املستوى االجتماعي‪ ،‬وعبر‬ ‫تكريس االقتصاد الريعي بديالً عن االقتصاد املنتج‪ ،‬والسلطة الفاش ّية بديالً عن الدميقراطية‪،‬‬ ‫سلفي وعلى‬ ‫ولتبدو أنها املقاوم لـ "اإلمبريالية " و لالحتالل‪ .‬وهي تقوم بذلك‪ ،‬ولكن من منطلق‬ ‫ّ‬ ‫أسس دين ّية‪ ،‬ومن أجل حتقيق انتصار ديني وتكوين محافظ" (قيادي شبابي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫انهيار االحتاد السوفيتي انعكس سلبا على مصداقية فكر اليسار الفلسطيني‬

‫"انهيار املعسكر االشتراكي هو من أهم أسباب تراجع اليسار الدولي والفلسطيني؛‬ ‫وذلك ألن األساس األيديولوجي للمنظومة االشتراكية‪ ،‬سواء الفكري أو االقتصادي‬ ‫أو االجتماعي‪ ،‬أصبح عنوانا للتساؤل‪ ...‬انعكس هذا األمر بشكل كبير على مصداقية الطرح‬ ‫األيديولوجي لليسار الفلسطيني‪ ،‬إضافة لكون اليسار قد فقد حليفا استراتيجيا مهما وخسر‬ ‫مواقع كانت توفر له مجاال للحركة السياسية وللدعم املادي والعسكري والتعليمي‪ .‬وفي املقابل‬ ‫استفاد اليمني الفلسطيني من الترويج لفكره البرغماتي في عالقاته العربية والدولية حيث‬ ‫انفرد متاما باحلركة السياسية سواء في اإلقليم العربي أو املنظومة الدولية الرأسمالية‬

‫التي ترفض التعامل السياسي مع أطراف اليسار الفلسطيني‪ .‬هذا األمر ال يعني أن‬ ‫األحداث التي مرت على املنطقة لم تترك آثارا على اليسار الفلسطيني‪...‬فالثورة اإليرانية‬ ‫مثال والتي كان لليسار اإليراني الدور الطليعي في تفجيرها سرعان ما سيطر عليها‬ ‫التيار اإلسالمي بعد أن غدر برفاق املسيرة – يساريني وليبراليني – وطرح منوذجا‬ ‫للقوى اإلسالمية في فلسطني ووفر حليفا إسالميا قادرا ماديا‪ ،‬ويصطف في خندق‬ ‫معاداة إسرائيل وأمريكا‪ ،‬إضافة لتراث أيديولوجي إسالمي ومساجد منتشرة توفر لهم‬ ‫سهولة احلركة والدعوة‪ .‬هذه العوامل أفقدت اليسار الفلسطيني القدرة على التقدم إلى‬ ‫األمام‪( " ...‬قيادي في جبهة النضال الوطني)‪.‬‬ ‫انهيار االحتاد السوفيتي فاقم من أزمة اليسار في العالم ككل‬

‫"شكل انهيار التجربة االشتراكية ممثلة باالحتاد السوفيتي وبلدان املعسكر االشتراكي‬ ‫األخرى أحد أهم العوامل التي فاقمت من أزمة اليسار الفلسطيني إن كان جلهة ما‬ ‫أحدثته من زلزال في منظومة حتالفات اليسار‪ ،‬أو ملا خلفته من انهيار ما تبناه اليسار من‬ ‫نظريات انبرى للدفاع عنها رغم ما متيزت به من جمود‪ ،‬وهي التي صبغت برامجه‬ ‫وبناه التنظيمية وخلقتها على شاكلته إلى حد كبير‪ .... .‬وقد كان النهيار املنظومة‬ ‫االشتراكية آثار كبيرة على مجمل العالقات الدولية وتوغل الرأسمالية بل وتوحشها‬ ‫في ظل استفرادها بعالم أحادي القطب‪ ،‬وهو ما فاقم من أزمة اليسار في العالم وبطبيعة‬ ‫احلال اليسار الفلسطيني‪ ،‬على الرغم من غلبة النضال الوطني التحرري على ما سواه ‪ ....‬رغم‬ ‫ذلك استمر اخلطاب املأزوم وأعيد إنتاجه؛ مما فاقم من األزمة داخليا وأثر على عالقة‬ ‫اليسار باجلماهير" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪130‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫انهيار االحتاد السوفيتي أنعش الفكر الليبرالي والفكر األصولي اإلسالمي والتيار‬ ‫ااحملافظ في الواليات املتحدة‬

‫"مع انهيار االحتاد السوفيتي وبلدان املنظومة االشتراكية انهارت كل العقائد اجلامدة‬ ‫التي ميزت هذه التجربة لسنوات طويلة‪ ،‬وفي ظل ذلك تراجع االهتمام بالفكر االشتراكي‬ ‫التقدمي‪ ،‬وبدأ الفكر الليبرالي يصعد بشكل متسارع‪ ،‬وأخذ هذا الفكر يعمل على تصفية‬ ‫احلساب ليس فقط مع جتربة االحتاد السوفييتي بل مع مجمل تراث الفكر املاركسي‬ ‫واالشتراكي‪ .‬وفي أثناء ذلك بدأ ينتعش بشكل متزايد الفكر األصولي الديني اإلسالمي‪،‬‬ ‫وكذلك نزعة احملافظني املسيحيني في الواليات املتحدة األمريكية وامتداداتها في العالم‪...‬‬ ‫ولم تكن قوى اليسار الفلسطيني مبنأى عن هذه التأثيرات السلبية‪ ....‬وبات خطابها‬ ‫يفتقر للتماسك والثقة مما أثر سلبا عليها وعلى اجلماهير املؤيدة لها‪ ...‬وقد تزامنت هذه‬ ‫التغيرات احلادة مع تغيرات على الصعيد اإلقليمي متثلت بحرب اخلليج األولى والثانية‬ ‫بتراجع لم يقتصر على القوى اليسارية فقط بل والقومية مما أثر أيضا على مكانة اليسار‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬عالوة على ما سبق ذلك من تأثيرات متثلت بخروج املقاومة من بيروت‬ ‫التي كانت تشكل مكانا هاما لنشاط اليسار الفلسطيني سياسيا وفكريا ليس فقط على‬ ‫الصعيد الفلسطيني بل ومن خالل االمتداد العربي والعاملي أيضا" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫انهيار االحتاد السوفيتي وخيار أوسلو أخرجا اليسار من دائرة القرار‬

‫"انهيار االحتاد السوفييتي والبلدان االشتراكية يحتل املرتبة األولى في أسباب تراجع‬ ‫اليسار الفلسطيني ألنه خلق حالة من االضطراب في أوساط األحزاب والقوى املاركسية‬ ‫وجتلى في حركة االنشقاق التي شهدتها األحزاب اليسارية ‪ ...‬وكانت نتائجها أكبر على‬ ‫األحزاب الشيوعية بينما القوى الدميقراطية الثورية تأثرت ولكن الصدمة كانت أخف‬ ‫بحكم وجود هامش أوسع من االستقاللية‪...‬ومما زاد األزمة تعقيدا وعمقها فلسطينيا‬ ‫خيار أوسلو الذي شكل خيارا نقل الساحة الفلسطينية من حالة إلى حالة أخرى‪ ،‬وهذه‬ ‫احلالة أخرجت اليسار من دائرة القرار‪ ...‬بعد تهميش املنظمة وخروج اليسار من‬ ‫بنية السلطة أصبح اليسار معلقا على األحداث من اخلارج‪ ،‬ونتيجة للصدمات لم يكن‬ ‫مبقدوره قيادة التغيير؛ لذا تراجع اليسار بشكل واضح" (قيادية‪ ،‬د)‪.���‬ ‫فقد اليسار سندا سياسيا وأيديولوجيا‬

‫"انهيار االحتاد السوفيتي كان له تأثير قوي على اليسار ألنه فقد سندا سياسيا‬ ‫وأيديولوجيا ووضع اليسار في موقع الدفاع" (كادر حزبي شبابي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"بعد انهيار االحتاد السوفييتي ثار جدل حول أسباب االنهيار‪ ،‬وهل هو بسبب خلل في‬ ‫التطبيق نتيجة اإلرث الستاليني أم خلل في النظرية‪ .‬وهذا النقاش طال اليسار في كل‬ ‫العالم وكانت االجتاهات متباينة داخل األحزاب اليسارية‪ .‬وبتقديري أن الزلزال الذي‬ ‫‪131‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫حصل لم يتوقف أثره السلبي على احلزب الشيوعي الفلسطيني أو األردني بل طال‬ ‫كل اليسار‪ .‬وهناك من فهم التغيير بالهروب أو التخلي عن املاركسية‪-‬اللينينية حتت‬ ‫مسميات مختلفة (قيادي‪ ،‬احلزب الشيوعي الفلسطيني)‪.‬‬ ‫انهيار االحتاد السوفيتي وضع اليسار أمام خيارين‪ :‬االنفتاح أو التقوقع‬

‫"انهيار االحتاد السوفييتي كان من أهم القضايا التي أثرت على وضع اليسار باعتباره‬ ‫شكل منظومة متكاملة وقوة دولية حتمي اليسار في العالم كله‪ .‬واألحزاب اليسارية‬ ‫الضعيفة انهارت على أثر انهيار االحتاد السوفييتي‪ .‬ردة فعل اليسار أخذت اجتاهني‪:‬‬ ‫أحزاب استجابت لالنهيار من خالل إعادة النظر ببناها وبرامجها وسياساتها‪ ،‬واجتاه‬ ‫ثان اتخذ موقفا أصوليا قائما على أساس أن ما حصل ال يعدو أكثر من غمامة صيف‬ ‫ستنتهي‪ .‬وبقناعتي أن األحزاب التي استجابت بشكل إيجابي للمتغيرات هي األحزاب‬ ‫األكثر ديناميكية‪ ...‬وفي تقديري أن هذا احلدث مبا مثله‪ ،‬وضع أحزاب اليسار الفلسطينية‬ ‫وسواها أمام خيارين إما االنفتاح واملعاصرة أو االنغالق والتقوقع‪ .‬والذي يراقب واقع‬ ‫اليسار في العالم يرى النموذجني‪ ،‬ويرى أن أصحاب االجتاه التجديدي استطاعوا‬ ‫اختراق حالة التراجع نحو التعزيز‪ ،‬بينما النمط الثاني ما زال يعيش في إسار املاضي‬ ‫ورد الفعل" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫االنهيار أدى إلى انتعاش االجتاه األصولي‬

‫"انهيار االحتاد السوفييتي أثر على اليسار في العالم وليس على اليسار الفلسطيني‬ ‫فقط‪ .‬وقد أدى انهياره موضوعيا النتعاش االجتاه األصولي حيث تسبب االنهيار في‬ ‫فقدان الثقة باخليار االشتراكي والذهاب نحو الغيبيات‪ .‬كما أن خجل اليسار من علمانيته‬ ‫بعد االنهيار وضعف برامجه ساهما في زيادة وزن قوى اإلسالم السياسي في فلسطني‪،‬‬ ‫وبقناعتي أن ذهاب اليسار في االنتفاضة خلف دعوات العسكر ساهم في رفع أسهم‬ ‫"حماس" على حسابه وعلى حساب خياره الدميقراطي" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"بعد انهيار االحتاد السوفييتي كان من املفترض أن تقف احلركة اليسارية وقفة أكثر‬ ‫جدية وأن تتماسك؛ لكن ما حصل أنها مباشرة انتقلت إلى مواقع أخرى" (قيادية في‬ ‫إطار نسائي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫انهيار االحتاد السوفيتي ق ّوى نفوذ أمريكا والرجعيات العربية والقوى األصولية في‬ ‫املنطقة‬ ‫"أدى انهيار االحتاد السوفييتي إلى اختالل في موازين القوى في العالم لتصبح عصا‬ ‫أمريكا أغلظ في املنطقة‪ ،‬وأصبح صوت األنظمة العربية الرجعية أقوى‪ .‬كما أن انهياره‬ ‫أشاع أجواء إحباطية‪ ،‬وهي أجواء تشكل مناخا مناسبا جدا للقوى األصولية والعدمية‬

‫‪132‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫لكي تنمو وتتمدد في املجتمع‪ .‬لكن أثر االنهيار لم يكن واحدا على أحزاب اليسار بل‬ ‫كان هناك تفاوت في استقبال هذا احلدث؛ فاحلزب الشيوعي الفلسطيني غير اسمه‬ ‫ولم يؤثر إيجابا على جماهيريته بل إنه أثر سلبا وسلخ جزء من احلزب عنه (احلزب‬ ‫الشيوعي)‪ .‬أما القوى اليسارية األخرى فكان التأثير ضمن األثر العام ملا كان ميثله‬ ‫االحتاد السوفييتي من قوة وإسناد‪ .‬وإذا ما ربطنا املتغيرات اخلارجية بالعوامل الذاتية‬ ‫فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن أحزاب اليسار لم تكن متتلك رؤية علمية ثقافية‪،‬‬ ‫والدليل على ذلك أن قناعة األفراد تترك كما هي‪ ،‬والقيادة حتمل ثقافة معينة بينما‬ ‫القاعدة حتمل ثقافة أخرى؛ وبالتالي فإن رؤاها من القضايا االجتماعية كقضية املرأة‬ ‫غير موحدة‪ ،‬وهذا ساهم في تراجع اليسار" (حزبية سابقة‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫تراجع احلركة الوطنية الفلسطينية مع انهيار االحتاد السوفيتي‬

‫"ت ّرتب على انهيار االحتاد السوفيتي تراجع دور احلركة الوطنية الفلسطينية واستفراد‬ ‫أمريكا بالوضع العربي والدولي وفرض وقائع جديدة دون مقاومة فعلية‪ .‬انهيار‬ ‫االحتاد السوفييتي لم يكن بسبب فشل املاركسية؛ بل عكس فشل القائمني على‬ ‫التجربة وعلى تطبيق النظرية ألن املاركسية نظرة متجددة وليست نصا جامدا"‬ ‫(كادر حزبي طالبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"انهيار االحتاد السوفييتي أثر على دور اليسار ألن اليسار املاركسي كان معتمدا‬ ‫بشكل أبوي على االحتاد السوفييتي‪ ...‬اليسار لم يبدع ألن جوهر املاركسية هو املنهاج‪،‬‬ ‫والتطبيق يجب أن يخضع للخصوصية‪ ،‬لكن ما حصل هو أن اليسار الفلسطيني كله‬ ‫استنسخ التجربة السوفييتية‪ ...‬حرب شكلت هزمية للحركة القومية والفكر القومي‬ ‫والتحول إلى الفكر املاركسي جاء أصال ردا على الهزمية" (مستقل)‪.‬‬ ‫"انهيار املنظومة االشتراكية كان سببا رئيسا في تراجع اليسار في العالم كله‪ ،‬وليس في‬ ‫املنطقة العربية فقط ‪ ...‬وقد جتلى تأثير انهيار االحتاد السوفييتي على األحزاب اليسارية‬ ‫في ذهاب بعض األحزاب إلى تغيير االسم كما فعل احلزب الشيوعي الفلسطيني‪ ،‬وانشقاق‬ ‫احلزب الشيوعي عنه‪ ،‬وقيام بعضها بتغيير أنظمتها الداخلية ارتباطا بهذا االنهيار وحذف‬ ‫أي شيء يشير إلى املاركسية‪-‬اللينينية" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫انهيار االحتاد السوفيتي وضع اليسار الفلسطيني أمام أسئلة من الواقع‬

‫"من دون شك أثر انهيار االحتاد السوفييتي على أحزاب اليسار باعتباره قطبا دوليا‪،‬‬ ‫وبالتالي فقد اليسار سندا أيديولوجيا وسياسيا كبيرا‪ ،‬ولكن في نفس الوقت وضع‬ ‫أمام اليسار إجابات مشتقة من أسئلة الواقع‪ ،‬واالجتهادات التي قدمت من [أطراف‬ ‫من اليسار] اجتهادات مفيدة ولكنها لم تغط بشكل نظري متكامل وبفلسفة متنوعة‬ ‫‪133‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫القضايا التي واجهها الواقع الفلسطيني وبخاصة بعد اتفاق أوسلو‪ ،‬في الوقت الذي‬ ‫تداخلت فيه املهمات االجتماعية والسياسية‪ ،‬ولكن في الوعي بقي الوعي السياسي هو‬ ‫الطاغي‪( " ...‬قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"بانهيار االحتاد السوفيتي واملعسكر االشتراكي‪ ،‬أصيبت أحزاب اليسار واليساريون‬ ‫بصدمه كبيرة؛ ألن االنهيار لم يكن متوقعا وتسبب في انتكاسة عميقة له‪ .‬واعتقد أن‬ ‫انهيار النموذج املتحقق من االشتراكية تسبب في هز الفكرة من أساسها وجعل املنتمني‬ ‫لهذا الفكر يعيدون النظر في الكثير من املسلمات" (مستقل)‪.‬‬ ‫كون انهيار االحتاد السوفيتي ودول املعسكر االشتراكي جاء على يد قوى شعبية‬ ‫وبشكل سلمي فاقم من وقعه‬

‫"انهيار االحتاد السوفيتي ودول املعسكر االشتراكي هو أحد األسباب الرئيسة لتراجع‬ ‫اليسار العربي والفلسطيني والتأثير على مجمل حركات التحرر في العالم‪ ،‬ألنه اعتبر‬ ‫هزمية للفكر اليساري وللتجربة التي مثلها املعسكر االشتراكي‪ .‬ومما فاقم من وقع‬ ‫االنهيار أنه مت على يد قوى شعبية وبشكل غير عنيف؛ وبالتالي لم يكن هناك مكان‬ ‫للحديث عن مؤامرة‪ .‬التجربة التي انهارت كان لها إيجابيات وحققت مكاسب‪ ،‬لكن‬ ‫افتقار هذه البلدان للحريات الفردية والعامة وإقصاء املواطن من املشاركة الفاعلة في‬ ‫احلياة السياسية والعامة قاد إلى االنهيار" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"املشكلة لم تكن أصال في التأثيرات املوضوعية بل كانت أساسا في البنية الضعيفة‬ ‫لليسار" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫انهيار التجربة السوفيتية صدم قوى اليسار‬

‫"في االنتفاضة األولى زجت قوى اليسار بكل قواها وعلى كافة املستويات اجلماهيرية‬ ‫والسياسية؛ ولكن انهيار االحتاد السوفييتي أصاب اليسار بصدمة وبدأ بفقدان شعبيته‬ ‫وفقدان أعضائه‪ ،‬خصوصا أن قوى اليسار الفلسطيني تأخرت في إعطاء إجابات بسبب‬ ‫اإلرباك الداخلي‪ ،‬وعجزت تلك األحزاب عن تقدمي قراءات نظرية ملا حدث‪ ،‬والسيما أنها‬ ‫كانت تعتمد اعتمادا كليا على رؤية االحتاد السوفييتي‪( "...‬مستقل)‪.‬‬ ‫إخفاق التجربة السوفيتية كشف عن الضعف الفكري لليسار‬

‫"كان النهيار البلدان االشتراكية واالحتاد السوفييتي أثر بالغ على اليسار؛ إذ وجدت‬ ‫هذه القوى نفسها في العراء‪ ،‬وباتت في حالة تراجع وفي موقف الدفاع‪ ،‬خصوصا‬ ‫ألن قوى اليمني الديني والبرجوازي احملافظة شنت هجوما إعالميا وفكريا لتصوير‬ ‫أن ما جرى ليس انهيارا لنموذج متحقق من االشتراكية بل للخيار االشتراكي ككل‪ .‬االنهيار‬ ‫‪134‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تسبب في تعميق أزمة اليسار وكشفت ضعفه الفكري والثقافي‪ ،‬ألنه كان يردد ما تنتجه‬ ‫البلدان املهيمنة في املنظومة االشتراكية دون أن تبذل تلك القوى عناء اإلنتاج الفكري املتناسب‬ ‫مع خصوصيات مجتمعاتها‪ .‬لقد شعرت الكثير من قوى اليسار بالهزمية بعد االنهيار‬

‫املريع للمنظومة االشتراكية‪ ،‬وقام بعض األحزاب الشيوعية بتغيير اسمه عاكسا حالة‬ ‫االرتباك التي سادت أوساط القوى التي ارتبطت تقليديا بالسياسات الرسمية لالحتاد‬ ‫السوفييتي‪ ،‬فيما القوى املاركسية غير التقليدية كانت ردة فعلها أقل ارتباكا ألنها كانت‬ ‫حتتفظ بهامش أوسع من اخلصوصية" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫تباين وقع االنهيار على تنظيمات اليسار‬

‫"انهيار التجربة االشتراكية في االحتاد السوفييتي ترك ظالله الثقيلة على األحزاب‬ ‫اليسارية‪ ،‬وأثر بشكل سلبي على حركات التحرر ألنه كان يشكل داعما إيجابيا‬ ‫للحركة الوطنية ولليسار بشكل خاص‪ .‬ومن املفيد اإلشارة إلى أن اثر االنهيار لم يكن‬ ‫واحدا على األحزاب اليسارية الفلسطينية‪ ،‬فاحلركات واألحزاب اليسارية التي كانت‬ ‫قريبة من السوفييت تأثرت بقدر أكبر من تلك التي كانت تضع هامشا في عالقتها معهم"‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫االنهيار و ّفر أرضية لنمو اإلسالم السياسي‬ ‫"انهيار االحتاد السوفييتي كان سببا رئيسيا في تراجع اليسار ألنه بات من الصعب‬ ‫أن تقنع الناس أن االنهيار سببه التطبيق اخلاطئ لالشتراكية واملاركسية‪ ،‬وليس النظرية‬

‫ذاتها‪ .‬وترافق هذا التحول مع منو تيار اإلسالم السياسي‪ ،‬الذي أخذ م ّدا من الثورة‬ ‫اإليرانية في البداية وأخذ فرصة ثانية للمد بعد انهيار املنظومة االشتراكية‪ .‬القوى‬ ‫اإلسالمية استفادت من جتربة اليسار في العمل اجلماهيري‪ ،‬ولكنها طورت عليه‬ ‫مبا يتفق وأهدافها‪ .‬اخلروج من بيروت كان له تأثير طفيف برأيي‪ ،‬وإن كانت فصائل‬ ‫اليسار التي كانت جزءا من الظاهرة العلنية بلبنان قد تضررت ألنها كانت عنصر قوة‬ ‫لها" (مستقل)‪.‬‬ ‫صعب من عمليات إقناع اليسار جلمهوره باملاركسية‬ ‫انهيار االحتاد السوفيتي ّ‬

‫"لم يكن من السهل بعد انهيار االحتاد السوفييتي أن تقنع أحزاب اليسار جمهورها‬ ‫أن ما حصل ليس انهيارا للماركسية بل هو انهيار لالحتاد السوفييتي وأن املاركسية‬ ‫ال تزال صاحلة‪ .‬االنهيار أضعف قوى اليسار‪ ،‬وضعها في موقع الدفاع فضال عن أن‬ ‫االنهيار الذي حصل وما رافقه من إرباك مهّد الطريق أمام اليمني الديني لكي يعزز من‬ ‫مكانته ويطرح نفسه أنه كاألصلح" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫‪135‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫االنهيار و ّلد موازين قوى جديدة وترك بلبلة في صفوف اليسار‬

‫"انهيار االحتاد السوفييتي لم يكن فقط عامال من عوامل البلبلة والضياع الفكري الذي‬ ‫أدى إلى انتقال قوى بكاملها من اليسار إلى املوقع الليبرالي‪ ،‬كما حصل مع أحزاب‬ ‫كاملة في أوروبا‪ ،‬بل أحدث االنهيار تغيرا ملموسا في موازين القوى على املستوى‬ ‫الصعد الوطني واحمللي والقومي‪ ،‬مبا في ذلك نظرة اجلماهير‬ ‫الكوني‪ .‬وهذا انعكس على ّ‬ ‫الواسعة إلى اليسار باعتباره قوة تغيير فاعلة محتملة‪ .‬هذا ساهم في تكريس عدم قدرة‬ ‫اليسار بشكل عام على بلورة برنامج عمل جديد ينسجم مع االحتياجات والقضايا اجلديدة بعد‬ ‫اتفاق أوسلو الذي خلق تداخال من منط جديد بني مهمات التحرر الوطني ومهمات البناء‬

‫االجتماعي الدميقراطي‪ .‬وقوى اليسار التي عارضت اتفاق أوسلو بقيت أسيرة لفكرة‬ ‫املقاطعة‪ ،‬وعدم القدرة على التعامل مع الواقع اجلديد‪ ...‬والشق اليساري الذي انخرط‬ ‫في السلطة لم يكن قادرا على أن يفرز متايزا بينه وبني خيار أوسلو‪ .‬وبالتالي كال‬ ‫الشقني وقع في األزمة‪ .‬احلركة اإلسالمية استطاعت أن تتغلب على مفاعيل أوسلو من‬ ‫خالل بنائها بديال مؤسسيا متكامال جاهزا؛ لذلك وقوفها على مساحة من البنية التي‬ ‫ولدها أوسلو لم يؤثر عليها بل ميكن أن يكون قد عزز هذه البنية ألنه شكل قوة اجتذاب‬ ‫للفئات التي طردتها بنية أوسلو" (قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫املشكلة تكمن أساسا في العامل الذاتي رغم تأثير التحوالت الدولية‬

‫"التحوالت الدولية وانهيار احتاد السوفييتي لعبت دورا كبيرا في التراجع الذي‬ ‫أصاب اليسار‪ ،‬لكن بقناعتي إن اإلشكالية لم تكن أصال في التأثيرات املوضوعية بل كانت‬ ‫أساسا في البنية الضعيفة لليسار وفي العامل الذاتي‪ .‬الثورة اإليرانية لم تؤثر على‬ ‫اليسار باملعنى السلبي ألن اليسار آنذاك كان قويا وكانت الثورة اإليرانية معادية‬ ‫ألمريكا" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ثانيا‪ .‬وقع التحوالت اإلقليمية على تنظيمات اليسار‬

‫‪ .1‬وقع الثورة اإليرانية‬ ‫الثورة اإليرانية رغم إسقاطها لنظام رجعي وموال ِألمريكا إال أنها أنعشت احلركات‬ ‫األصولية‬

‫"الثورة اإليرانية شكلت انقضاضا على نظام رجعي موال ألمريكا‪ ...‬على املستوى الفلسطيني‬ ‫أعتقد أنها تركت أثرا سلبيا متثل في إنعاش احلركات األصولية" (مستقل)‪.‬‬ ‫"الثورة اإليرانية عززت القناعة بأنه باإلمكان إقامة منوذج إسالمي في املنطقة مركزه‬ ‫فلسطني" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫‪136‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"بعد الثورة اإليرانية في ‪ 1979‬برز الفكر اإلسالمي في مواجهة الفكر القومي والفكر‬ ‫اليساري‪ ،‬واتسع نفوذ التيار اإلسالمي على أثر تبنيه املقاومة ومعاداة هيمنة وسياسة‬

‫الواليات املتحدة في املنطقة بعد أن تولت قيادة إيران للعداء ضد اإلمبريالية‪ .‬التيار‬ ‫اإلسالمي كان معزوال عندما كان يقف ضد املقاومة أو ال يشارك فيها‪ ،‬في وقت‬ ‫كانت فيه منظمة التحرير تكافح من أجل االستقالل ومتارس املقاومة ضد االحتالل"‬ ‫(قيادية في إطار نسائي‪ ،‬ف)‪.‬‬

‫"شكل انتصار الثورة اإليرانية دفعا للقوى اإلسالمية في املنطقة وغ ّذى فكرة إقامة‬ ‫نظام إسالمي سواء في فلسطني أو في املنطقة العربية" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"جناح الثورة اإليرانية شكل حدثا مهما في املنطقة‪ ،‬وقد بهر الناس ومت ربط النجاح‬ ‫بالدين وليس مبقاومة االستبداد‪ .‬لقد جرى حتالف بني التيار اإلسالمي والثورة اإليرانية‬ ‫التي أمدته باملال والدعم املتعدد األوجه من أجل إنشاء مؤسساته التي منت في األراضي‬ ‫الفلسطينية [حتى االنتفاضة األولى] بعيدا عن االشتباك مع االحتالل بل مبهادنته‬ ‫واالشتباك مع قوى منظمة التحرير الفلسطينية" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"الثورة اإليرانية أعطت اإلسالم السياسي نفسا قويا؛ واإلسالم السني نظر إليها كحركة‬ ‫مباركة‪ ،‬بينما لبسوها اليوم العمامة" (مستقل)‪.‬‬ ‫"الثورة اإليرانية اعتبرت بديال للحركة القومية التي هزمت في عام ‪ ...1967‬و تأثير‬ ‫الثورة اإلسالمية في إيران كان له وقع أكبر على املنطقة ألنه حدث في املنطقة‪ .‬ولو‬ ‫حدث في منطقة أبعد لكان أثره أقل‪ .‬وكان من نتائج الثورة اإلسالمية اإليرانية ما عُ رف‬ ‫بفورة اإلسالم السياسي سواء على مستوى فلسطني أم على مستوى املنطقة العربية‪،‬‬ ‫ومعروف أن تيار اإلخوان املسلمني الذي كان في فلسطني كان معاديا ملنظمة التحرير؛‬ ‫ألنه كان يراها بأنها علمانية‪ ،‬وبالتالي يصفها بامللحدة فما بالك باليسار الفلسطيني؟"‬ ‫(كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"أثر الثورة اإليرانية انحصر في إنعاش الفكر األصولي في املنطقة" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"الثورة اإليرانية شكلت منوذجا متعارضا مع األمريكان‪ ،‬وهو منوذج استفادت منه األحزاب‬ ‫الدينية بالبعد األيديولوجي خصوصا "حماس" واجلهاد اإلسالمي" (حزبية سابقة‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫الثورة اإليرانية طرحت إمكانية مقارعة االستعمار من موقع االلتزام باإلسالم‬ ‫وبتنظيماته السياسية‬

‫"ال شك أن بروز اإلسالم السياسي‪ ،‬املناهض لإلمبريالية وسيطرتها‪ ،‬وسقوط أبرز‬ ‫رموزها في املنطقة (شاه إيران)‪ ،‬لعبا دوراً‪ ،‬يجب عدم إنكاره‪ ،‬فبروز اإلسالم السياسي‬ ‫وإقامته لنظامه في إيران طرح أمام الشعوب‪ ،‬إمكانية مقارعة االستعمار والتحرر الوطني من‬

‫‪137‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫موقع االلتزام باإلسالم وبتنظيماته السياسية‪ ،‬في حني كان هذا فيما سبق مقتصرا ً على التيارات‬ ‫القومية واليسار وأحزابها وحركاتها‪ .‬وترافق بروز اإلسالم السياسي مع حرب اخلليج‬

‫الثانية‪ ،‬واالنقسام العربي‪ ...‬يضاف لذلك أن االحتاد السوفييتي وقف إلى جانب أمريكا‬ ‫في هذه احلرب وإن لم يشارك‪ ....‬وعلى الصعيد الفلسطيني شكل االجتياح اإلسرائيلي‬ ‫للبنان عام ‪ ،1982‬واحتالل بيروت وخروج قيادة وقوات الثورة من بيروت وأجزاء‬ ‫كبيرة من لبنان‪ ،‬وتوزع هذه القوات على الدول العربية من اجلزائر إلى اليمنني‪ ،‬ومن‬ ‫السودان للعراق‪ ،‬ومقرها القيادي إلى تونس‪ ،‬كل هذا ترك أثره السلبي على وزن اليسار‬ ‫ودوره‪ ،‬فهو لم يكن خارج التاريخ واجلغرافيا معاً" ( قيادي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"في احلروب تزداد التوجهات الغيبية‪ ،‬وهذا موضوعيا له أثر سلبي على اليسار‪،‬‬ ‫والثورة اإليرانية لم تكن عامال مهما لكنها أشارت إلى إمكانية إقامة حكم إسالمي في‬ ‫املنطقة" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪ .2‬تداعيات خروج منظمة التحرير من بيروت‬ ‫خروج املنظمة من بيروت أضعفها وأضعف اليسار‬

‫"خروج منظمة التحرير من بيروت كان له تأثير على اليسار الفلسطيني‪ ،‬وحتديدا على‬ ‫اليسار الذي اعتمد العمل العلني والكفاح املسلح الذي فقد‪ ،‬باخلروج من بيروت‪ ،‬ركيزته الرئيسية؛‬ ‫أما اليسار الذي لم يكن أصال من ضمن التجربة فلم يتأثر كثيرا" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اخلروج من بيروت شكل محطة مؤثرة على اليسار ولكنه لم يترك آثارا عميقة عليه‪ ،‬ألن بنية‬ ‫اليسار كانت بخير‪ ،‬وكان اليسار في تلك املرحلة العبا رئيسيا يحسب له حساب وله‬ ‫أثر ملموس في احلياة السياسية‪ .....‬التواجد القيادي لليسار تراجع في لبنان‪ ،‬لكنه‬ ‫عاود النمو من خالل جلان الالجئني وحق العودة وغيرها من اللجان" (قيادية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"اخلروج من بيروت شتت اليسار واملقاومة وأثر على ظاهرة العمل النضالي العلني التي‬ ‫شكلت العمود الفقري للثورة الفلسطينية‪ .‬العمل العلني م ّكن اليسار الفلسطيني من‬ ‫التغطية على نواقصه بالكفاحية املبنية على الظاهرة العلنية؛ والتشتت بعد بيروت كان‬ ‫سببا رئيسا في إضعاف املوقف الفلسطيني" (مستقل)‪.‬‬ ‫"بيروت كانت احلاضنة للقوى اليسارية التي تبنت العمل العسكري‪ ،‬وفقدانها أثر على‬ ‫تلك القوى‪ ،‬وساهم في شرذمة قوى اليسار"‪( .‬كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اخلروج من بيروت واالنقسام الذي حصل في منظمة التحرير الفلسطينية بعد ذلك‬ ‫أثر في سمعة املنظمة وأضعف التيار التقدمي فيها متمثال باليسار" (مستقل)‪.‬‬

‫‪138‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"مغادرة املنظمة لبيروت عام ‪ 1982‬كان لها أثر‪ ،‬خصوصا على القوى اليسارية التي‬ ‫كانت تتخذ من الظاهرة العلنية والكفاح املسلح مركز ثقل لها‪ ...‬ونتيجة للخروج من‬ ‫بيروت افتقدت تلك القوى امليزة التي كانت تتمتع بها" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اخلروج من بيروت كان له أثر كبير على اليسار لفلسطيني؛ ألن لبنان كان مبثابة‬ ‫قاعدة ارتكاز رئيسة لليسار الفلسطيني‪ ،‬وبفقدانها فقد الكثير من عناصر القوة والنفوذ‪.‬‬ ‫اخلروج من بيروت وإنهاء الظاهرة العلنية أربكا اليسار الفلسطيني الذي كانت بنيته القيادية‬ ‫واملؤسساتية متركزة في اخلارج‪ ،‬بينما بناه في الداخل الفلسطيني كانت غير متبلورة‬

‫نتيجة العمل السري‪ .‬وقناعتي أن إخراج املنظمة وقيادتها من لبنان قطع الطريق على‬ ‫أن يتولى اليسار اللبناني قيادة احلركة الوطنية اللبنانية ‪( "...‬كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫" اخلروج من بيروت كان له انعكاسات على مجمل احلركة الوطنية‪ ،‬ونصيب اليسار منه‬ ‫كان األكبر ألنه تشتت في أكثر من بلد؛ وهو ما أدى إلى تراجع دوره" (مستقل)‪.‬‬ ‫"اخلروج من بيروت أدى إلى تغيير طال الكل الفلسطيني ومنه اليسار‪ .‬إال أن تشرذم‬ ‫اليسار وقدرة القيادة املتنفذة على عالج األمور ثنائيا مع كل حزب على حدة عن طريق‬

‫الرشاوى الصغيرة ترتب عليه عدم قدرة قوى اليسار على تقدمي نفسها على أنها قوة‬ ‫تغيير حقيقية في مواجهة سياسات القيادة املتنفذة السياسية واملجتمعية‪ ،‬وحتديدا بعد‬ ‫أوسلو" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫اخلروج من بيروت عزز الدور القيادي للداخل لكنه أفقد اليسار القدرة على التأثير‬ ‫لكونه جعل الساحة أكثر تعقيدا‬

‫"رمبا اخلروج من بيروت كان له فائدة إيجابية متثلت في تعزيز الدور القيادي للداخل [الضفة‬ ‫وقطاع غزة]‪ ،‬و"فتح" لم تكن تشكل أغلبية مطلقة في الداخل‪ .‬خسارة الوجود العلني‬ ‫في لبنان كان لها أثر على اجلبهتني [الشعبية والدميقراطية] ألن تراثهما بني على أساس دورهما‬ ‫العسكري‪ .‬في تلك الفترة كان ينظر لليسار باحترام خصوصا مع اشتداد أزمة منظمة‬ ‫التحرير واالنشقاق ومبادرة اجلبهتني إلعادة توحيد املن��مة‪ .‬بعد اخلروج من بيروت فقدت‬ ‫قوى اليسار القدرة على التأثير ألن الساحة الفلسطينية أصبحت أكثر تعقيدا‪ .‬وهذا الواقع امتد‬ ‫حتى اآلن؛ إذ ما زال اليسار غير قادر على تقدمي مبادرات قادرة على احلياة بسبب دخول‬ ‫مستجدات على اخلارطة ممثلة في تنظيم حماس" (حزبية سابقة‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"اخلروج من بيروت أثر على كل حركة التحرر وليس اليسار فقط‪ ،‬وهو أثر سلبي‬ ‫بالطبع ألنه شتت الفلسطينيني مجددا إلى دول عربية" (قيادية‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫‪139‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫‪ .3‬تداعيات حرب اخلليج األولى والثانية‬

‫"طال أثر حرب اخلليج األولى والثانية الوضع العربي ككل‪ ،‬وعكس نفسه سلبا على‬ ‫الوضع الفلسطيني نتيجة ائتالف قوى اليسار الفلسطيني مع التيار القومي الذي كان‬ ‫ميثله حكم العراق آنذاك‪ .‬والهزمية التي حلقت بالعراق في نهاية األمر حلقت بحلفائه العرب‬ ‫والفلسطينيني‪ ،‬ومن ضمنهم اليسار الفلسطيني وخصوصا أن الهزمية تزامنت مع انهيار‬ ‫البلدان االشتراكية" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"حرب اخلليج أثرت على اليسار العربي والفلسطيني؛ ألنها كانت موجهة ضد دولة‬ ‫كانت تشكل حتى انهيارها حاضنة لليسار العربي والفلسطيني‪ ،‬خصوصا بعد‬ ‫انهيار البلدان االشتراكية وبعد انهيار العراق حيث فقد اليسار آخر مسانديه عربيا"‬ ‫(كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"حرب اخلليج كان لها أثر ولكن ضمن اآلثار العامة واألثر األكبر كان على اليسار"‬ ‫(قيادية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫ب‌‪ .‬حتوالت مفصلية في احلقل السياسي الفلسطيني‬ ‫أوال‪ ،‬ظهور اإلسالم السياسي حلظة حتوالت دولية وإقليمية كبرى‬ ‫"األسباب التي أدت لتراجع اليسار هي‪ :‬انهيار املعسكر االشتراكي‪ ،‬الذي نتج عنه حالة من‬ ‫االنكفاء التنظيمي والترهل الفكري لدى قوى اليسار ‪ ....‬وترافق معه قلة املوارد والدعم املالي‬ ‫لقوى اليسار‪ .‬كما أن ظهور اإلسالم السياسي واالمتداد الواسع له أثر بشكل كبير على‬

‫تراجع اليسار العربي عموما واليسار الفلسطيني بخاصة‪ ...‬بات توجه كثير من الناس‬ ‫يتم نحو فصائل اإلسالم السياسي أو التحشيد لصاحلها‪ ،‬واالبتعاد أو النفور عن قوى‬ ‫اليسار‪ .‬وباإلضافة إلى تأثير الثورة اإليرانية‪ ،‬وحرب اخلليج عام ‪ ،1990‬واخلروج من‬ ‫بيروت‪ ،‬واتفاق أوسلو وسيطرة حركة "فتح" على السلطة وحتجيم منظمة التحرير‪،‬‬ ‫وانحسار دور اليسار وبرنامجه االجتماعي والنقابي‪ ،‬وتأثير االنتفاضة الثانية‪ ،‬ونتائج‬ ‫االنتخابات التشريعية األولى والثانية‪ ،‬وسيطرة حركة "حماس" على غزة‪ ،‬وضعف‬ ‫البنية التنظيمية لقوى اليسار‪...‬لوحظ ضعف البرامج االجتماعية التي يطرحها اليسار‬ ‫وبخاصة قضايا املرأة‪ ،‬والفقر‪ ،‬والشباب‪ ،‬والتنظيم النقابي‪ ،‬كنتيجة تلقائية لألسباب‬ ‫السابقة مجتمعة" (كادر شبابي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫تداخل العوامل اخلارجية والداخلية‬

‫"تراجع اليسار الفلسطيني‪ ،‬يعود لتأثير حتوالت دولية (انهيار املعسكر االشتراكي)‬ ‫وإقليمية (الثورة اإليرانية) وعربية (حرب اخلليج وتراجع اليسار العربي)‪ ،‬وحرب‬ ‫‪140‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اخلليج عام ‪ ،1990‬وتأثير التغييرات في احلقل السياسي الفلسطيني؛ اخلروج من‬ ‫بيروت‪ ،‬ظهور اإلسالم السياسي‪ ،‬اتفاق أوسلو وسيطرة "فتح" على السلطة وتهميش منظمة‬

‫التحرير‪ ،‬وتداعيات االنتفاضة الثانية‪ ،‬واالنتخابات التشريعية األولى والثانية‪ ،‬وسيطرة‬ ‫"حماس" على قطاع غزة‪ ،‬وقلة املوارد املالية لتنظيمات اليسار‪ ،‬باإلضافة إلى التحوالت‬ ‫االقتصادية واالجتماعية في املناطق احملتلة عام ‪ 1967‬بعد قيام السلطة وبعد االنتفاضة‬

‫الثانية وعلى أثر احلصار على غزة‪ .‬هناك أسباب تتعلق ببرامج اليسار‪ ،‬وأسباب تتعلق‬ ‫بالبنية التنظيمية ودور الهيئات القيادية وما إلى ذلك‪ ،‬وأسباب أيديولوجية أو فكرية‬ ‫تتعلق بفهم اليسار للمرحلة وحتليله للمجتمع الفلسطيني وطبيعة البرامج االجتماعية‬ ‫التي يطرحها اليسار (قضايا املرأة‪ ،‬الفقر‪ ،‬العمل‪ ،‬الشباب‪ ،‬التنظيم النقابي ‪" )...‬‬ ‫(حزبية سابقة (شابة)‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫سلسة طويلة من األحداث والتحوالت عطلت من قدرات اليسار‬

‫"إن هزمية األنظمة العربية في حروبها املختلفة مع إسرائيل‪ ،‬وتبعية األغلبية منها‬ ‫ألمريكا‪ ،‬واختالل موازين القوى في العالم‪ ،‬وما أفرزته الثورة اإلسالمية في إيران‬ ‫وحرب اخلليج وما تعرضت له الثورة الفلسطينية وخروجها أوال من األردن وثانيا من‬ ‫لبنان بعد اجتياح إسرائيل لبيروت‪ ،‬وتراجع منظمة التحرير الفلسطينية واالنتفاضة‬ ‫األولى‪ ،‬ومؤمتر مدريد ثم اتفاق أوسلو‪ ،‬وتشكل السلطة الوطنية الفلسطينية‪ ،‬وتضرر‬ ‫اجلماهير الكادحة من فساد السلطة وهيمنتها على القرار السياسي وتفردها بجميع‬ ‫أجهزة احلكم‪ ،‬وامتالكها املوارد‪ ،‬وتعاملها مع القوى األخرى مبنطق الهيمنة‪ ،‬كل هذه‬ ‫العوامل عطلت من قدرات اليسار" (قيادي‪ ،‬ح) ‪.‬‬ ‫بروز اإلسالم السياسي كبديل وحيد للسلطة‬

‫"باإلضافة إلى انهيار املعسكر االشتراكي كقوة وقيام الثورة اإليرانية‪ ،‬وتراجع‬ ‫اليسار العربي‪ ،‬هناك مؤثرات املتغيرات في احلقل السياسي الفلسطيني على اليسار‪.‬‬ ‫أبرز هذه املتغيرات‪ :‬ظهور اإلسالم السياسي‪ ،‬ودور الرجعيات العربية‪ ،‬واتفاق‬ ‫أوسلو وسيطرة "فتح" على السلطة وعدم قيامها بفصل الدين عن املؤسسات‬ ‫الوطنية وعدم بلورة شكل للحكم أو ماهيته‪ ،‬بل تقاربت إلى حد االختالط مع األصولية‪،‬‬ ‫دون أن يبرز أي دور في ذلك ألي من قوى اليسار الفلسطيني؛ وتفشي الفساد وما جنم‬ ‫عنه من افتقاد الشعور باحلرية والعدالة‪ ،‬وانتشار الفقر والتصحر الفكري الذي أدى‬ ‫إلى التخلي عن مفاهيم اليسار والعلمانية وتنامي التيار األصولي وأنصاره كبديل‬ ‫وحيد قوي للسلطة‪ ،‬ثم سيطرة "حماس" على غزة‪ ...‬وهناك أسباب أيديولوجية أو‬ ‫فكرية تتعلق مبدى وشكل فهم اليسار للمرحلة وكيفية طرحه للبرامج االجتماعية‪".‬‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪141‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"‪ ...‬األحداث التالية أثرت على مسيرة الثورة الفلسطينية سواء اخلروج من بيروت أو‬ ‫اتفاق أوسلو أو االنتفاضة الثانية‪ ،‬أو سيطرة "فتح"على سلطة لم يكن لليسار دور‬ ‫مقرر فيها‪ ...‬لقد صبت تلك األحداث باجتاه تآكل مستمر في قدرة فصائل اليسار‬ ‫الفلسطيني‪ ...‬إلى أن وصلت تلك الفصائل إلى استحقاق االنتخابات ممزقة ومنهكة‬ ‫كأداة نضالية‪ ،‬ال تقدم وال تؤخر في القرار الرسمي الفلسطيني (قيادي في جبهة‬ ‫النضال الشعبي)‪.‬‬ ‫"تتحدد أبرز العوامل املوضوعية والذاتية لتراجع اليسار في التالي‪ :‬انهيار االحتاد‬ ‫السوفييتي واملنظومة االشتراكية؛ وتداعيات حرب اخلليج وانهيار النظام الرسمي‬ ‫العربي؛ وضعف وأزمة قوى اليسار العربي؛ وحتوالت احلقل السياسي الفلسطيني‬ ‫ومنها تراجع دور ومكانة م‪.‬ت‪.‬ف‪ ،‬وبروز تيار اإلسالم السياسي األصولي‪ ،‬ودخوله احلقل‬

‫السياسي الفلسطيني من بوابة االنتفاضة األولى وانخراطه في حركة النضال الوطني‪،‬‬ ‫بالتزامن مع اهتزاز وتراجع دور ومكانة م‪.‬ت‪.‬ف وقوى اليسار‪ ،‬ثم دخوله للنظام السياسي‬

‫الفلسطيني من بوابة االنتخابات التشريعية (وفق اتفاق أوسلو الذي يرفضه)‪ ،‬وسعيه‬ ‫[ اإلسالم السياسي] للهيمنة على النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته (خاصة‬ ‫م‪.‬ت‪.‬ف) والسيطرة على قطاع غزة‪ ،‬وتراجع التمويل والدعم لقوى اليسار‪ ...‬وعجز‬ ‫اليسار عن تص ّدر املعارضة السياسية‪ ،‬وعدم قدرة برامجه على االستجابة الفاعلة‬ ‫للمتغيرات" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫تنامي نفوذ اإلسالم السياسي كان نتيجة لتراجع نفوذ اليسار ودعم الدول النفطية‬

‫"ظهور اإلسالم السياسي لم يرتبط بتراجع اليسار ألنه سبق أزمة اليسار‪ ،‬ولكن‬

‫ضعف اليسار خصوصا بعد انهيار االحتاد السوفييتي فسح املجال للقوى األصولية لكي تتمدد‬ ‫أكثر في املجتمع مستفيدة من اإلرباك احلاصل‪ .‬ومما ساهم في منو األصولية الدينية‬

‫أن اليسار لم ينتج فكرا يساريا‪ ،‬فضال عن أن األصوليني استندوا إلى بنية مؤسسات‬ ‫راسخة في املجتمع" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫"صعود اإلسالم السياسي لم يكن سببا في تراجع اليسار بل كان نتيجة لتراجع اليسار‬

‫الذي كان يقوم بدور كبير وانحسر‪ .‬وبالتالي ال بد من وجود قوة ما متأل هذا الفراغ‬ ‫وبخاصة ألن املعسكر القومي فقد دوره منذ الستينيات؛ وبالتالي كان اإلسالم السياسي‬ ‫هو البديل اجلاهز‪ .‬اإلسالم السياسي كان قوة كامنة ولم تكن تعبر عن نفسها سياسيا‬ ‫ولكنه أصبح قوة حلركة اجتماعية دعوية ولديه نفوذه الدائم في صفوف املجتمع وشبكة‬ ‫جمعيات اجتماعية؛ وفي كثير من األحيان استفاد من األنظمة احلاكمة ومن قوى متنفذه‬ ‫دوليا في مواجهة االحتاد السوفييتي‪ .‬وبالتالي ارتكز اإلسالم السياسي إلى قوة كامنة‬ ‫وحولها إلى قوة فاعلة في احلركة السياسية (قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬

‫‪142‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"التيار اإلسالمي بدأ بالنمو بعد أن ضعف اليسار وبعد فقدان بيروت وفقدان املعسكر االشتراكي‪.‬‬ ‫التيار اإلسالمي صعد بقوة في االنتفاضة الثانية‪ ،‬وبدأ ينمو فعليا على حساب اليسار‬ ‫الذي لم ميأل الفراغ الناجت بعد اتفاق أوسلو‪ ،‬وبعد دخول أكبر حزب سياسي [حركة‬ ‫فتح] في خيار سياسي غير مضمون النتائج‪ .‬الذي تصدر صفوف املعارضة كان اإلسالم‬ ‫السياسي ممثال بشكل رئيسي بحركة "حماس"" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اإلسالم السياسي ظهر مع ضعف اليسار‪ ...‬وعندما برز كان مدعوما من أطراف دولية‬ ‫وإقليمية‪ .‬ففي مصر لعب السادات دورا واضحا في إعادة إنتاج اإلخوان املسلمني كقوة‬ ‫تقف في مواجهة القوى القومية وغيرها‪ ،‬وفي املنطقة العربية كانت السعودية توظف‬ ‫عائدات النفط في سبيل تقوية اإلسالم السياسي بدوافع العداء للشيوعية‪ ،‬واملد الشيوعي‬ ‫بالتنسيق مع األمريكان" (مستقل)‪.‬‬ ‫"استطاعت حركة "حماس" ومن خالل املساجد ومخاطبة الناس بفكر ديني ترهيبي‬ ‫وبدعم من اإلخوان املسلمني في أن تبني لها رصيدا شعبيا واسعا‪ ،‬فيما اليسار‬ ‫الفلسطيني فقد الدعم املادي واملعنوي بعد انهيار االحتاد السوفييتي‪ .‬وبعد أوسلو كان‬ ‫اليسار من أشد املعارضني لالتفاق وكذلك "حماس"‪ .‬ولكن ما حصل أن اليسار عارض‬ ‫اتفاقية أوسلو ووضع برامج وأصدر مواقف لكنه لم ينفذ شيئا عمليا منها‪ .‬وهذا له أسبابه‬ ‫وأهمها فقدان اليسار لإلمكانيات املالية وابتزاز املنظمة [م‪.‬ت‪.‬ف] له العتماده عليها‬ ‫ماليا" (كادر حزبي طالبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫توفر شروط مالئمة لنمو التيار اإلسالمي‬

‫"الثقافة اإلسالمية‪ ،‬والدعم اخلارجي املالي والسياسي‪ ،‬وفران ظروفا مالئمة للتيار‬ ‫اإلسالمي‪ .‬وقد ساهم في ا��لجتاه نفسه التحوالت الدولية واإلقليمية‪ ،‬واألوضاع املالية‬ ‫التي برزت في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات وما زالت مستمرة‪ .‬هذه التحوالت‬ ‫جعلت املرأة والشباب القطاعات األكثر تأثرا بالتيار اإلسالمي‪ .‬تراجع التيار اليساري بدأ‬ ‫مع بداية التسعينيات‪ .‬وهي الفترة التي تعمقت فيها السمة االستهالكية للمجتمع من‬ ‫حيث االعتماد على الوظيفة والعمل املأجور‪ ،‬وباتت الناس مضطرة للركض وراء تلبية‬ ‫احتياجاتها اليومية‪ .‬حركة "حماس" استفادت من جتربة اإلخوان املسلمني في مصر وفي‬ ‫األردن حيث وظفت مؤسساتها اخليرية سياسيا‪ .‬ركزت "حماس" على استقطاب‬ ‫النساء والشباب‪ .‬أنا اآلن أكثر إميانا بضرورة تفعيل دور اليسار‪ .‬مرحلة أوسلو‬ ‫أصدرت احلكم لصالح الفكرة اليسارية‪ .‬وكل يوم مير دون وجود تيار يساري قوي‬ ‫منظم يعتبر جرمية بحق املجتمع" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫‪143‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تبعية اليسار للبرجوازية الوطنية‬ ‫"كان لتراجع اليسار وانهزام الفكر القومي األثر امللموس في إعطاء مصداقية للقوى اإلسالمية‬ ‫لكي تتقدم‪ ،‬وترافق هذا مع تبنيها لدور كفاحي زكاها للناس وأكد حضورها اجلماهيري‬

‫الواسع‪ .‬في الوقت ذاته ساد إحباط جماهيري من فصائل منظمة التحرير والسيما‬ ‫"فتح" نتيجة الفساد الذي مارسته‪ ،‬وعدم اهتمامها باملنظمات الشعبية واجلماهيرية‬ ‫وعدم احترامها للطاقات والكفاءات‪ ،‬وانفرادها وتفردها بالعديد من القضايا وأهمها‬ ‫الوظيفة احلكومية‪ .‬هذا مهد الطريق أمام اإلسالم السياسي‪ ،‬إضافة إلى عدم وضوح‬ ‫اخلط السياسي وتبعية اليسار للبرجوازية الوطنية‪ ،‬وتخبط مواقفه حيث ينحاز جزء‬ ‫إلى "حماس" واجلزء الثاني إلى "فتح"‪ .‬هذه املواقف املربكة هي ما م ّكن "حماس"‬ ‫من التسيّد وبخاصة ألنها متتلك برنامجا سياسيا وعسكريا وجماهيريا واضحا‬ ‫خصوصا في االنتفاضة الثانية حيث استطاعت استقطاب الناس ودافعت عن‬ ‫مصاحلهم" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫دعم من دورها‬ ‫انتهاج حماس خلط كفاحي ّ‬

‫"اإلسالم السياسي ظهر في مرحلة تراجع اليسار‪ ،‬واستفاد من مرحلة مد وطني عام‬ ‫(االنتفاضة األولى)‪ ،‬ومن املناخ الدولي واحلالة التي تولدت بعد انهيار االحتاد السوفييتي‬

‫والتي خدمت األصولية على حساب القوى العلمانية واملاركسية‪ .‬وعلى املستوى‬ ‫اإلقليمي استفاد من الثورة اإليرانية وما ولدته من دفع للقوى األصولية‪ ،‬باحملصلة كانت‬ ‫هناك مجموعة من العوامل الدافعة واملساندة موضوعيا لتمدد اإلسالم السياسي‪،‬‬ ‫وعلى املستوى الداخلي انتهجت "حماس" خطا كفاحيا وسياسيا ميزت به نفسها عن غيرها‬ ‫وهو أيضا ما دعّ م من دورها" (قيادية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اإلسالم السياسي أوجد مؤسسات في خدمة الناس‬

‫"استطاع اإلسالم السياسي خلق مؤسسات متتلك القدرة على االستجابة الحتياجات الناس‪.‬‬ ‫وقد شكلت تلك املؤسسات سياجا حاميا وأعطته امتدادا جماهيريا كبيرا‪ ،‬بينما اليسار‬ ‫الفلسطيني منذ السبعينيات فقد القدرة على حتديد الهدف‪ ،‬وبعد أوسلو أصبحت‬ ‫شرائح من هذا اليسار مرتبطة بالسلطة‪ ،‬وهذا يتناقض مع املواقف املعلنة لليسار من‬ ‫أوسلو؛ مما أفقده املصداقية أمام الناس" (مستقل)‪.‬‬ ‫اإلسالم السياسي استثمر املال واملؤسسات واملساجد واملقاومة لتعزيز دوره‬ ‫"غياب املعسكر االشتراكي وانتصار الثورة اإليرانية ووجود الفساد في منظمة التحرير‬ ‫الفلسطينية كلها عوامل هيأت لتنامي دور اإلسالم السياسي‪ .‬وشكل تبني اإلسالم‬ ‫السياسي للكفاح املسلح وامتالكه املال واملؤسسات االجتماعية عناصر جذب وقوة استطاع‬

‫‪144‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫من خاللها أن يجند املناصرين لرؤيته وبرنامجه‪ .‬كما أن إحجام اليسار عن طرح برامجه‬ ‫االجتماعية بخصوص التعليم‪ ،‬واملرأة والشباب وغيرها‪ ،‬وجناح األصوليني في بناء‬ ‫مؤسسات باقية وناشطة أهلته أكثر من اليسار‪ .‬كما أننا ال نستطيع أن نغفل دور املسجد‬ ‫الذي شكل ساحة خصبة لإلسالميني لكي ينشطوا ويستفيدوا منه كمنبر حر ومفتوح‬

‫بينما اليسار افتقر لهذه امليزة" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬

‫"اإلسالم السياسي نهض في مرحلة تراجع اليسار وضعفه‪ .‬وكان في سنوات االحتالل وحتى‬ ‫االنتفاضة األولى ال يواجه االحتالل‪" .‬حماس" استخدمت املقاومة من أجل مصالح‬ ‫حزبية ضيقة‪ ،‬وكانت كإخوان مسلمني ضد منظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬واستخدمهم‬ ‫االحتالل للضغط على املنظمة‪ .‬وما حصل في اجلامعات الفلسطينية في الثمانينيات‬ ‫مؤشر على ما أقول‪ .‬حركة "حماس" تبنت العمل املسلح واستثمرت احلالة العاطفية‬ ‫للناس واستثمرت العيوب واألخطاء التي ارتكبتها الفصائل الوطنية وبشكل خاص‬ ‫حركة" فتح"‪ .‬ومع انهيار االحتاد السوفييتي اندفع اإلسالم السياسي أكثر باجتاه طرح‬ ‫شعار أيديولوجي يتمثل في "اإلسالم هو احلل"‪ .‬حركة "حماس" كسبت جماهيرية من‬ ‫خالل العمليات العسكرية‪ ،‬ولو لم يكن االحتالل موجودا ملا حصلت على هذه الشعبية‪.‬‬ ‫ففي بلدان عربية كثيرة صعد اإلخوان املسلمني من جماهيريتهم ولكنهم بدؤوا بالتراجع‬ ‫على مختلف املستويات كما في األردن ومصر وغيرهما" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫األصولية حت َّرض ضد اليسار‬

‫"تولت القوى األصولية تعبئة الرأي العام ضد أحزاب اليسار وضد األفكار اليسارية بشكل‬ ‫عام‪ .‬كان لهذا أثره على املجتمع ثم انتقل للتأثير على النظام السياسي من خالل حركة‬ ‫"حماس" التي كانت جاهزة للعمل على املستوى السياسي واجلماهيري ولديها‬ ‫متويل وإمكانيات كبيرة‪ .‬وأصبحت من خالل العمل العسكري في وضع جماهيري‬ ‫جيد‪ ،‬في املقابل كان اليسار يفقد مواقعه ويتراجع وبخاصة ألنه أخفق في تعبئة الفراغ‬ ‫السياسي الذي نشأ بعد أوسلو‪ ...‬لكنه لم يفعل وترك "حماس" تستولي على تراث غني"‬ ‫(كادر حزبي طالبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"حماس" تصد ّرت دور املعارضة وليس اليسار‬

‫"ملاذا اعتبرت اجلماهير حركة "حماس" معارضة ولم تعتبر اليسار معارضة؟ ألن‬ ‫اليسار كان يعلو صوته على أوسلو ليس كعملية بل كنتائج‪ .‬وحزب الشعب كانت قواعده ضد‬

‫االتفاق ولكن القيادة استمرت مبواقفها املؤيدة ألوسلو؛ وبالنتيجة املواقف املتناقضة‬ ‫لليسار؛ والتمييع في املواقف بسبب حرص اليسار على عدم القطع مع "فتح" ومنظمة‬ ‫التحرير ساهم في النظرة املختلفة جتاه "حماس"‪ ،‬حيث اعتبرت معارضة اليسار ضمن‬ ‫البيت الداخلي للمنظمة بينما "حماس" التي لم تكن أصال ضمن املنظمة أنتجت خطابا‬ ‫يهاجم أوسلو ومنظمة التحرير التي وقع االتفاق باسمها" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪145‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"حماس" تولت تعبئة الفراغ الذي تركته "فتح" بخروجها من املواجهة‬ ‫"اإلسالم السياسي كان قد أسس لبنية متكاملة من املؤسسات التي مكنته من الثبات والتقدم‬

‫ليعبئ الفراغ بعد خروج "فتح" من املواجهة‪ ،‬علما أن من كان له أن يعبئ هذا الفراغ هو‬ ‫اليسار‪ .‬أما ملاذا تألق اإلسالم السياسي بعد أوسلو فألن موقفه كان متماسكا أكثر‬ ‫من اليسار‪ .‬اليسار لم يستطع أن مييز نفسه بني املعارضة واملواالة‪ .‬وهذا املوقف‬ ‫أضعف اليسار ووضعه في سلة واحدة مع البرجوازية املستسلمة بغض النظر عن لغة‬ ‫اخلطاب‪ ،‬وبعض تيارات "فتح" كان لديها حتفظات على أوسلو أكثر من بعض رموز‬ ‫اليسار" (مستقل)‪.‬‬ ‫اإلسالم السياسي تعلم من اليسار‬

‫"استطاع اإلسالم السياسي أن يستوعب خبرة اليسار في بناء املؤسسات االجتماعية‪،‬‬

‫وجتربته في اخلدمات املجتمعية والبناء التنظيمي السري‪ ،‬وبالتالي عندما قرر العمل‬ ‫السياسي انطلق بثبات خصوصا ألن اليسار كان دوره قد بدأ باالنحسار والبحث عن‬ ‫مصالح خاصة" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫بعض اليسار اصطف مع "حماس" والبعض اآلخر شارك في السلطة‬

‫"تنامي قوة اإلسالم السياسي كان له أثر بينّ ألنه يعتبر معركته مفتوحة بشكل أساسي‬ ‫مع أحزاب اليسار‪ .‬واملشكلة أن قوى اليسار ومع صعود اإلسالم السياسي بدأت باالنتقال‬ ‫إلى مواقع الدفاع والتبرير ملعتقداتها بدال من تقدمي رؤى ومواقف تدفع الفئات املعدمة‬ ‫واملهمشة إلى االلتفاف حولها‪ .‬بعض التنظيمات اليسارية بدأت حتت شعارات سياسية‬ ‫الدخول في اصطفاف ساعد قوى اإلسالم السياسي على تقدمي نفسها على حساب تلك‬ ‫القوى وحتديدا في فترة اتفاق أوسلو‪ ،‬حيث فشلت تلك القوى في تقدمي رؤية تساعد‬ ‫املجتمع على مواجهة الفساد واخلراب الذي ساد فيه جراء سيطرة القوى األوسلوية‪.‬‬ ‫وعلى املستوى السياسي لم تستطع قوى اليسار أن جتمع قواها لإلجابة عن التحدي‬ ‫السياسي‪ ،‬وبدأت في تقدمي اجتهادات لتبرير مشاركة بعض اليسار في السلطة طمعا في‬ ‫حتقيق بعض املكاسب الصغيرة‪ ...‬جزء من هذه القوى استطاع التشخيص نظريا ملرحلة‬ ‫أوسلو إال أنها سلكت طريقا آخر معاكسا لتحليالته‪ ،‬وترافق ذلك مع ضعف إمكانياتها‬ ‫املالية وتراجع في عالقاتها اإلسنادية اخلارجية التي كان آخرها نظام صدام حسني"‬ ‫(كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"القوى األصولية منت من خالل استخدام الدين لتمرير برامجها‪ ،‬ومما ساهم في متددها‬ ‫أزمة اليسار وانهيار التجربة االشتراكية" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪146‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ال امتدادات دولية وإقليمية لليسار خالفا لكل من "حماس" و "فتح"‬

‫"اإلسالم السياسي استفاد سياسيا من انهيار االحتاد السوفييتي‪ ،‬ففي الوقت الذي ارتبك‬ ‫فيه اليسار في إدارة عالقاته بالطبقات الفقيرة أوالها اإلسالم السياسي اهتماما اكبر‬ ‫وقدم حلوال لقضايا مادية ومعنوية‪ ...‬أما مؤسسات اليسار فقدمت نفسها كمؤسسات‬ ‫مهنية ولم يكن لديها رؤية سياسية واجتماعية واضحة‪ ،‬بينما كان هناك وضوح‬ ‫لدى اإلسالميني حيث جرى استنهاض واستحضار للطابع الديني للمجتمع‪ ،‬ورمبا‬ ‫استفادوا من وجود حاضنة إقليمية هي األصولية الدينية في إيران‪ ،‬وكذلك النموذج اإليجابي‬ ‫املقدر حلزب الله‪ .‬لقد كان للتيار اإلسالمي امتداد إقليمي ودولي‪ ،‬و حركة "فتح" كان لديها‬ ‫امتداد عربي وإقليمي وحتى دولي‪ .‬كما ظهرت قوى اإلسالم السياسي بخطاب معارض‬

‫للخطاب الرسمي العربي‪ .‬لكن اليسار لم يكن ميلك هذه امليزات لتيار اإلسالم السياسي‬ ‫وال حلركة فتح" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"أسلمة املجتمع الفلسطيني [من قبل حركة "حماس"] متت بطريقة هادئة نتيجة ضعف‬ ‫اليسار وعدم إبدائه أي شكل من إشكال املقاومة لهذه التوجهات أو الدفاع عن‬

‫املجتمع" (كادر طالبي حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫اليسار لم ينجح في شد الناس إلى البعد الوطني‪ ،‬ولم يفلح في البعد املجتمعي‬

‫"استغل اإلسالم السياسي انهيار البلدان االشتراكية ليصعد من هجومه على الفكر‬ ‫املاركسي‪ ،‬وليؤكد صحة خياراته السياسية واإليديولوجية‪ .‬ووفر الدعم اإليراني‬ ‫لهذا االجتاه فرصة إلقا��ة مؤسسات اجتماعية وخيرية واسعة مستفيدا من مهادنته‬ ‫لالحتالل‪ ،‬فيما اليسار كان يفتقر للقدرة على بناء املؤسسات بسبب مالحقة االحتالل له باستمرار‬ ‫نتيجة مقاومته‪ .‬تبنت حركة "حماس" خطا سياسيا معارضا ألوسلو مقترنا بخط كفاحي‬ ‫وعسكري متصاعد‪ ...‬وينبغي اإلقرار أن "حماس" أقنعت الناس بإستراتيجيتها وبالتالي‬ ‫قامت بتعبئة الفراغ الناجم عن انسحاب حركة "فتح"؛ ومما سهل حتولها إلى حركة‬ ‫سياسية فاعلة وجود املؤسسات اجلاهزة ووجود إعالم مساند ومر ّوج لرؤية "حماس"‬ ‫ومواقفها‪ ....‬شكلت السلطة خيارا اقتصاديا وسياسيا إلى احلد الذي جعل اليساريني‬ ‫يتجهون للسلطة للتوظيف بعد أن كانوا رافضني لذلك‪ .‬وبرأيي أن التحوالت التي فرضتها‬ ‫أوسلو جاءت ضد اليسار ألن اليسار لم يراكم خطط عمل ولم ينب استراتيجيات جتاه أي‬ ‫قضية من القضايا االجتماعية آو السياسية‪ ،‬وغابت الرؤية املوحدة لليسار وبالتالي أضحى‬ ‫موقفه ليس أكثر من مجرد موقف شعاري ال يستند إلى مقومات للتنفيذ‪ .‬اليسار لم ينجح‬ ‫في شد الناس إلى البعد الوطني‪ ،‬ولم يفلح في البعد املجتمعي لغياب اخلطة والبرنامج‪.‬‬ ‫قناعتي أن إشكالية اليسار أنه اكتفى باملراهنة على أن أوسلو كاتفاق سوف يفشل دون أن يعمل‬ ‫على طرح بديل أو يساهم فعليا في إفشاله‪ ...‬بتقديري أن مقتل اليسار أنه لم يستطع أن‬ ‫يشكل قوة ضغط من األدنى؛ ألنه ضعيف جماهيريا وهو لم يكن على مستوى املوقف في‬ ‫إطار النخب وصانعي القرار" (قيادية في إطار نسائي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪147‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫مشروع حماس الفعلي لم يكن اإلصالح بل احلكم‬

‫"بعد أوسلو انكسرت الصورة الوردية التي كانت حتيط بالفدائيني‪ ،‬وسقوط هذا‬ ‫النموذج أدى إلى التحول باجتاه منط آخر وأقصد به احلركات اإلسالمية‪ .‬كانت قوى‬ ‫اإلسالم السياسي تقول إن مشروعها إصالحي؛ لكن تبني أن مشروعها هو احلكم‪ ،‬وها هي ذي‬ ‫تدير غزة وتنظر إليها باعتبارها نقطة االنطالق نحو املشروع األممي اإلسالمي في‬ ‫املنطقة‪( ".‬قيادية في إطار نسائي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"حماس" استفادت من أخطاء وخطايا السلطة ومن تشرذم اليسار‬

‫"قدم اإلسالم السياسي نفسه ومنذ البداية كبديل ملنظمة التحرير الفلسطينية وامتلك‬ ‫إمكانيات مادية تفوق كثيرا إمكانيات قوى اليسار‪ ،‬فضال عن أن نظرة االحتالل لقوى‬ ‫اإلسالم السياسي لم تكن‪ ،‬حتى فترة متأخرة‪ ،‬نظرة عدائية ولم تستهدف قياداتهم أو‬ ‫مؤسساتهم أو منظماتهم كما كان حاصال مع اليسار الذي كان مستهدفا على الدوام‬ ‫من االحتالل‪ .‬وبعد العام ‪ 1996‬طرحت حركة "حماس" منوذجا غير مكلف ملعارضة‬ ‫سياسية قوامها عمليات عسكرية في إسرائيل ومعارضة سلوك السلطة واالستفادة‬ ‫من أخطائها وخطاياها؛ األمر الذي م ّكنها من إثبات حضور جماهيري كبير‪ .‬في املقابل‬ ‫فإن قوى اليسار نتيجة حلالة الشرذمة واالرتباط بالسلطة وعدم بلورة منوذجها‬ ‫اخلاص بدأت بالتراجع واالنحسار" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"حماس" تولت زمام املبادرة مع اندالع االنتفاضة الثانية مما زاد من أزمة اليسار‬

‫"شكل بروز "حماس" تعظيما ألزمة اليسار في ظل الدعم املالي الكبير الذي كانت تتلقاه‪،‬‬ ‫وسهولة ويسر حتركها بني أوساط املواطنني الذين ارتفعت معدالت الفقر والبطالة في‬ ‫أوساطهم في ظل فساد السلطة وعدم حتقيقها ألي اختراق سياسي‪ .‬لقد بقي اليسار يراوح‬ ‫مكانه في مواقف هالمية متحالفة مع السلطة وبخجل منتقدة لها دون أي فعل مؤثر‬ ‫في أوساط اجلمهور‪ .‬واستطاعت حركة "حماس" مع اندالع االنتفاضة الثانية أن تأخذ زمام‬ ‫املبادرة‪ ،‬وأن تبادر إلى عمل مقاوم في ظل إمكانيات كبيرة والتفاف جماهيري‪ ،‬لتزيد‬ ‫من أزمة اليسار الذي بقي عاجزا عن اخلروج من أزمته بالرغم من توافر ظروف كانت‬ ‫سوف تساهم في ذلك" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ثانيا‪ ،‬استحقاقات اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية‬

‫بتصدرها املعارضة التفاقات أوسلو أسست "حماس" لتبعية لتغييب دور اليسار‬

‫"جماعة األخوان املسلمني كانت موجودة‪ ...‬لكنها لم تكن تطرح نفسها كحركة سياسية‬ ‫بل كانت أقرب إلى حركة دعاوية كانت تهادن االحتالل‪ ...‬وبالتالي عمل االحتالل على‬ ‫تسهيل حركتها ومتددها على حساب اليسار وقوى منظمة التحرير ‪ ....‬في االنتفاضة‬ ‫‪148‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األولى جاءت التحديات لتضع اإلخوان في وضعية حرجة؛ وهو ما ولّد في النهاية حركة‬ ‫"حماس" التي تشكلت من اإلخوان املسلمني بشكل أساسي مطعمة بكادر من حركة فتح‬ ‫‪ ...‬وطرحت نفسها كحركة مقاومة سياسية ووطنية‪ ،‬لكنها أكدت أنها حركة سياسية‬ ‫موازية ملنظمة التحرير وفصائلها‪ ....‬وقد أثبتت حماس حضورها السياسي والعسكري‬ ‫خالل االنتفاضة األولى وما بعدها؛ وساهم في جناحها استنادها إلى تيار شعبي عريض‬ ‫وبنية مؤسساتية من اجلمعيات اخليرية واالجتماعية التي شكلتها حتت االحتالل وبعيدا عن‬ ‫قمعه‪ ،‬وهذه البنية كانت وما تزال تشكل إسنادا مهما للحركة ومنهال ال ينضب ماديا‬ ‫وبشريا‪ ...‬تعززت مواقع اإلسالم السياسي بعد انهيار النموذج االشتراكي املتحقق‪،‬‬ ‫وهو ما عكس نفسه سلبا على اليسار‪ ،‬ولكن القفزة التي حققتها "حماس" جاءت بعد‬ ‫اتفاقات أوسلو حيث تصدرت حركة "حماس" املعارضة السياسية لهذه االتفاقات وانطوت‬ ‫قوى اليسار املعارضة ألوسلو ضمن اجلبهة التي قادتها "حماس"؛ وهذا أسس لتأكيد تبعية‬

‫اليسار وتغييب دوره في التغيير وقيادة املجتمع وملء الفراغ الذي تركته حركة "فتح"‬ ‫إثر أوسلو‪ .‬ومما زاد في تعقيد وضعية اليسار الفلسطيني أنه جزء من منظمة التحرير‬ ‫واالتفاقات التي وقعت‪ ،‬وقعت باسم املنظمة‪( " ...‬كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار تك ّيف مع اجلغرافيا السياسية ألوسلو بدال من أن يتمرد عليها‬

‫"اتفاق أوسلو ترك تأثيرا هاما على احلركة الوطنية الفلسطينية وليس فقط على‬ ‫اليسار الفلسطيني‪ .‬انتقال مركز ثقل احلركة الوطنية الفلسطينية إلى األرض احملتلة‬ ‫عام ‪ ،1967‬وتوقيع اتفاق أوسلو فرضا واقعا جديدا‪ .‬اليسار تكيّف مع السلطة التي‬ ‫تقودها "فتح"‪ .‬كان على اليسار واحلركة الوطنية الفلسطينية أن تتمرد على اجلغرافيا‬ ‫السياسية التي أوجدها اتفاق أوسلو ال أن يتكيف معها‪ .‬اليسار الفلسطيني لم يخض‬ ‫معركة الدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية التي همشت وعطلت بعد اتفاق أوسلو"‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫اتفاق أوسلو أفقد اليسار مشيته‬

‫"الناس رحبت باتفاق أوسلو ملا بدا أنه يبشر باالستقالل‪ ،‬وباتت ضده عندما أغلق‬ ‫األفق ضد االستقالل والدولة املستقلة‪ .‬جزء من اليسار وقف ضد أوسلو‪ ،‬وجزء أخر وقف‬ ‫مع أوسلو‪ .‬وكان هناك رهان على "عملية السالم" حتى عام ‪( 2000‬قمة كامب ديفيد)‪.‬‬ ‫خالل هذه الفترة جرى التركيز على النضال االجتماعي والدميقراطي بطريقة فوقية (عبر‬ ‫مؤسسات السلطة وعبر املنظمات غير احلكومية)‪ ،‬وليس على منظمات وحركات جماهيرية‪.‬‬ ‫املنظمات غير احلكومية املهنية وذات األطر الضيقة أخذت مكان العمل اجلماهيري‪.‬‬ ‫واحلركة النقابية تراجعت عبر هيمنة احلزب احلاكم عليها‪ ،‬وحتويل العضوية فيه‬ ‫إلى عضوية عامة وليس إلى عضوية في نقابة معينة‪ .‬جزء من أفراد اليسار انسحب من‬ ‫‪149‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫التنظيمات اليسارية لصالح املنظمات غير احلكومية‪ .‬والكادر اليساري اكتسب خبرة في‬ ‫التنظيم وظفها لصالح املنظمات غير احلكومية كمؤسسات مهنية تقدم خدمات وليست‬ ‫معنية بتنظيم الناس‪ .‬كما ساد توجه خالل هذه الفترة [بعد أوسلو وتشكيل السلطة‬ ‫الوطنية[ بأن السلطة هي املعنية بشؤون املواطنني‪ .‬ال يزال العامل الوطني هو األداة الرئيسة‬ ‫لتنظيم الناس‪ .‬ليس لدينا مجتمع مدني مستقر‪ ،‬والهم األكبر ما زال هو الهم الوطني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫التوظف في السلطة والتصرف وكأن االحتالل‬ ‫بعد قيام السلطة بات الهم الرئيس هو‬ ‫انتهى وأن األولوية هي لبناء الدولة‪ ،‬وأنه آن للمناضلني أن يترجلوا‪ .‬واعتبرت كوادر‬ ‫التنظيم أن الوظيفة في السلطة هي حق نضالي لهم قبل غيرهم‪ ...‬بتعبير آخر لقد أضاع اليسار‬

‫مشيته وبات تركيز احلركة الوطنية احلفاظ على السلطة وليس إزالة االحتالل‪ .‬عودة القيادات‬ ‫من اخلارج للداخل أوجدت وضعا حيث ال تواصل مع القاعدة احلزبية‪ ،‬وعدم معرفة بالظروف‬

‫على األرض في الضفة والقطاع حتت االحتالل‪ .‬هذا ساهم في اتخاذ هؤالء مواقف ذيلية‬ ‫للحزب احلاكم‪ .‬جزء من اليسار شارك في مؤسسات السلطة (وزارات‪ ،‬ومتثيل في‬ ‫احلكومة) مثل فدا وحزب الشعب‪ ،‬وجزء بقي خارج السلطة (الشعبية والدميقراطية)‬ ‫وهما بدون جتربة معارضة للسلطة‪ ،‬ومن هنا ملّا يظهر بريق للمعارضة اليسارية"‬ ‫(قيادية حزبية‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫وسع الهوة بني قوى اليسار‬ ‫اتفاق أوسلو ّ‬

‫"شهدت السجون (كنت آنذاك في السجن) حالة نقاش كثيف لتبعات ومدلوالت أوسلو‪،‬‬ ‫حيث طرحت أسئلة من نوع‪" :‬ملاذا نحن في السجون وندفع الثمن؟"‪ .‬وهو سؤال يخص‬ ‫الذات ويخص املجموع الوطني (مبعنى التساؤل اجلدي عما حققت أوسلو للشعب‬ ‫الفلسطيني؟)‪ .‬وطرحت أسئلة عن كيفية التعاطي مع السياسة ومع الوظيفة ومع‬ ‫املؤسسات اجلديدة للسلطة بالنسبة للفرد وبالنسبة للتنظيم‪ .‬أوسلو والسلطة الفلسطينية‬ ‫عم ّقتا الشرذمة الفلسطينية ووسعتا الهوة بني قوى اليسار التي لم تستطع اشتقاق برامج‬

‫ومواقف للمرحلة اجلديدة‪ .‬وهذا حصل حلظة بدأ االجتاه اإلسالمي يحتل حيزا في مواجهة‬ ‫االحتالل اإلسرائيلي في خضم االنتفاضة األولى‪ .‬القوة الصاعدة اجلديدة أخذت من نفوذ‬ ‫"فتح"‪ ،‬وأخذت أكثر من نفوذ اليسار" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫اليسار لم يقدم خدمات للجمهور ولم ميارس مقاومة مسلحة‬

‫"أوسلو كان منعطفا هاما في انحدار اليسار مبا ولدّه من سلطة وأجهزة ومؤسسات‪ .‬القرار‬ ‫والسلطة واإلمكانية بيد "فتح"‪ .‬اليسار لم ينب البنى التحتية االجتماعية (صحية‬ ‫وإغاثية‪ ،‬وتعليمية) وال الكفاح املسلح‪ :‬أي ال خدمات وال كفاح مسلح‪ ،‬خالفا حلركة‬ ‫"حماس" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪150‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫أوسلو والسلطة أربكا كل أحزاب اليسار‬

‫"اتفاق أوسلو أربك كل أطياف اليسار من أيده كما من اختلف معه‪ ...‬واجلميع ارتكب‬ ‫أخطاء‪ .‬اليسار لم يستفد من هذا املتغير ليبرز نفسه كقوة تقدمية وليس كمعارضة‬ ‫سياسية فحسب‪ ،‬بل كان من املفترض أن يركز اليسار على سلوك السلطة على‬ ‫املستوى الداخلي‪ ....‬املتغيرات التي أحدثها أوسلو جاءت في وقت لم تكن فيه لدى‬ ‫اليسار أدوات حتليل أو رؤية فلسفية متعافية من أثر انهيار االحتاد السوفيتي‪،‬‬ ‫لذلك أخذ اليسار وقتا طويال في التعامل مع هذه املتغيرات؛ وهذا كان سبب تخلفه‬ ‫عن تيار اإلسالم السياسي حيث التقط هذا القضايا بأسلوبه اخلاص بحيث أصبح‬ ‫قوة بديلة وأحرج اليسار في مضمون دوره األساسي" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫بعد قيام السلطة اليسار لم يقدم على املوازنة بني االجتماعي والوطني‬

‫"كان لتأسيس السلطة الفلسطينية تأثير كبير على مجمل نضال الشعب الفلسطيني‬ ‫وعلى مشروعه الوطني‪ ،‬وتسبب في حتوالت هامة على الصعيد السياسي واالقتصادي‬ ‫واالجتماعي‪ .‬فالسلطة التي مارست الوالية على صالحيات ومناطق أصبحت أمام‬ ‫مسئوليات جديدة بعالقتها باملواطنني‪ ،‬وأصبح مطلوبا منها وليس من أي طرف آخر‬ ‫والسيما االحتالل توفير متطلبات املواطنني وحمايتهم‪ .‬إن حقيقة الدور اجلديد الناشئ‬

‫للسلطة والتحوالت الكبيرة التي رافقته اجتماعيا وسياسيا لم يدفع اليسار إلى املوازنة بني‬ ‫االجتماعي والوطني بدال من تغليب الوطني السياسي كما هو احلال دائما؛ مما أفقد اليسار‬ ‫أي قدرة على االستجابة لقضايا املواطنني أو ملمارسات السلطة التي شهدت تضخما‬ ‫بيروقراطيا وفسادا وسوء إدارة‪ ،‬بل وتهميشا وإقصاء ملنظمة التحرير وألدوار مؤسسات‬ ‫هي في صلب اهتمام اليسار كالنقابات واملنظمات الشعبية‪ ...‬وترافق ذلك مع حقيقة‬

‫رفضها لالتفاقيات املُنشئة للسلطة ‪-‬اتفاقيات أوسلو ‪ -‬وبالتالي رفضها املشاركة في‬ ‫االنتخابات التشريعية األولى‪ .‬وقد ظهر تخبط اليسار في حقيقة معارضة االتفاقيات‬ ‫ورفض املشاركة في االنتخابات وباملقابل املشاركة في السلطة في املستويات املدنية‬ ‫املتقدمة في جسم السلطة‪ ،‬وهو ما تسبب أيضا في التحاق أفراد وكوادر من اليسار‬ ‫باألجهزة األمنية رغما عن إرادة التنظيمات نفسها" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫قيام السلطة كان العامل الرئيس وراء تراجع اليسار وليس تفكك االحتاد السوفييتي‬

‫"أحدثت السلطة الفلسطينية تغييرات بنيوية عميقة في املجتمع الفلسطيني في الضفة‬ ‫والقطاع على مستوى األخالق وبنية األحزاب والوضع االقتصادي لكونها أصبحت‬ ‫املُشغّل الوظيفي الرئيس في املجتمع‪ ،‬كما أوجدت متايزات اجتماعية جديدة‪ .‬حلظة‬ ‫االنتكاسة الرئيسة لألحزاب جاءت بعد أوسلو ولم تكن مرهونة بتفكك االحتاد السوفييتي؛‬ ‫ألن اليسار الفلسطيني كان يسارا سياسيا وطنيا وليس اجتماعيا‪ ،‬ولم يختبر في معارك‬ ‫اجتماعية‪ .‬أنيطت بالسلطة إدارة املجتمع اقتصاديا وتعليميا وصحيا‪ .‬وهي سلطة‬ ‫‪151‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫افترض فيها أيضا أن تكون رأس حربة في التحرر الوطني‪ .‬مع قيام السلطة تراجعت‬ ‫منظمة التحرير بسبب انتقال كوادر املنظمة للعمل في السلطة‪ .‬لم يعد للمنظمة تأثير‬ ‫على السلطة‪ .‬أين يكون عرفات (كرئيس للمنظمة وحلركة فتح والسلطة) يكون القرار‪ ،‬أي لم‬ ‫يعد هناك دور للمؤسسة‪ ...‬مع قيام السلطة أحيلت أعباء االحتالل إلى السلطة الفلسطينية‬ ‫بتمويل دولي‪ .‬وباتت السلطة أسيرة املكان والدور والتمويل‪ .‬وحتولت إلى عبء على‬ ‫عملية التحرر الوطني ألنها باتت أسيرة االحتياجات التي بات عليها تلبيتها‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى التزاماتها الدولية التي كبلت بها والتي لم تلتزم بها إسرائيل‪ ...‬مع حتول احلركة‬ ‫الوطنية الفلسطينية (وعلى رأسها "فتح") إلى سلطة برزت نخبة عسكرية ومدنية‬ ‫حتولت إلى قوة بيروقراطية تتشكل مصاحلها بعيدا عن مصالح قاعدتها اجلماهيرية‪ .‬لذا‬ ‫انتقلت القوة (غير احلزبية) التي كانت تص ّوت حلركة "فتح" إلى التصويت حلركة‬ ‫"حماس" ألن نخبة "فتح" عزلت نفسها عن هذه القاعدة عبر الفساد‪ ،‬واخلاوات‪،‬‬ ‫واالحتكارات‪ ،‬وغيرها‪" ...‬السلطة أثارت حالة من انفالت الغرائز الذاتية وأوجدت‬ ‫ثقافة الوظيفة والبحث عن املكاسب املباشرة والسريعة ومنت ثقافة االستزالم‬ ‫وحتولت الوظيفة إلى ورشة‪ ...‬جرى إضعاف لليسار من مدخلني‪ :‬األول‪ ،‬االنكفاء إلى‬ ‫العائلية (العشائرية) واملناطقية بعد أن استكملت السلطة تشكيالتها الوظيفية واألمنية‪ ،‬عبر‬ ‫سعي أبو عمار إنتاج نظام مشابه للدول العربية املجاورة (األردن‪ ،‬ومصر وسوريا)‬ ‫من خالل تفتيت املجتمع الفلسطيني عبر التركيز على مكوناته األولية (حيث العالقات‬ ‫اإلرثية واحمللية)‪ ،‬بخالف شروط احلزب السياسي القائم على االنتماء الطوعي‬ ‫والعالقات األفقية‪ .‬ومن هنا جرى تعطيل اإلجراء املعتمد من الصندوق القومي القاضي‬ ‫بتخصيص موازنة شهرية ثابتة لكل تنظيم سياسي من تنظيمات منظمة التحرير‪ .‬وبات األمر‬ ‫مرتبطا بقرار فردي من أبو عمار (من السلطة) وحسب توافر املوازنة‪ .‬وحتت حجة‬ ‫األزمة املالية ال تعطى التنظيمات مبالغ ثابتة و منتظمة‪ ،‬والذي يعطى ال يسد احلاجة‬ ‫للتوسع أو للنشاطات اجلماهيرية‪ .‬أبو عمار ح ّول متويل األحزاب وسيلة لشراء الذمم‬ ‫والوالء وجنح في شراء ذمم العديد من القيادات لتمويل جهازها احلزبي بعيدا عن برامج‬ ‫كفاحية وجماهيرية‪ .‬بل جرى ضرب الروح الكفاحية عبر الوظيفة العامة (الزبائنية)‬ ‫وعبر شراء ذمم فئة صغيرة في حني أن األغلبية باتت حتت وطأة الفقر واحلاجة‪.‬‬ ‫املدخل الثاني‪ ،‬مت من خالل تقويض العمل التطوعي‪ ،‬وهو جوهر عمل أي حزب‬ ‫سياسي‪ .‬فسلوك السلطة وحركة "فتح" جعل من العمل السياسي الفلسطيني عمال‬ ‫مكلفا‪ .‬التمدد اجلماهيري بات مرتبطا بتقدمي مساعدات نقدية وغذائية واقتصادية‬ ‫وخدمية‪ ،‬وهذا ما قامت وتقوم به "حماس" (عبر جمعيات خيرية ومؤسسات خدمية‬ ‫ومشاريع ) بحكم املعونات الكبيرة التي تصلها‪ ...‬كما قامت املنظمات غير احلكومية‬ ‫(‪ )NGOs‬بدور في إضعاف العمل التطوعي بحكم ضخامة التمويل وأجندة املمولني التي لم‬ ‫تكن تتفق دوما مع أولويات املجتمع الفلسطيني‪( " ...‬قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫‪152‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار كله سقط في حفرة أوسلو‬

‫"تغ ّير النظام السياسي الفلسطيني كله بعد أوسلو الن تغييرا حصل في إستراتيجية‬ ‫املقاومة لالحتالل‪ ،‬ودخلنا في فلك النظام العاملي اجلديد‪ .‬وقناعتي أن اليسار كان‬ ‫جزءا من هذا التحول خصوصا بعد أن وافق على االنتخابات وأضحى جزءا من‬ ‫مؤسسات أوسلو‪ .‬وفي كل األحوال أحزاب اليسار املختلفة شهدت تعدد مواقف‬ ‫وسياسات جتاه أوسلو بعضها متشدد ومتحوصل حول نفسه واآلخر منفتح إلى‬ ‫حد فقدان الثوابت‪ ،‬وباحملصلة سقطوا جميعا في حفرة أوسلو‪ .‬اليسار الفلسطيني رفع‬ ‫شعارا سياسيا مناهضا ألوسلو لكنه لم يفلح في جتسيد ما طرحه؛ ألن اليسار لم‬ ‫يقاوم االتفاق أصال‪ ،‬بل كان بغالبيته يطالب بتحسني األداء التفاوضي واجلمهور‬ ‫ما زال مقتنعا أن اليسار جزء من كيان السلطة ولم يكن معارضا حازما ألوسلو"‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫تقهقر املشروع الوطني بعد أوسلو‬

‫"املجتمع املدني الفلسطيني يتأثر بنيويا ً باحلالة الفلسطينية وما أصابها‪ ،‬السيما وقد‬ ‫شهد املشروع الوطني تقهقرا ً راديكاليا ً في مرحلة أوسلو‪ ،‬انطوت ليس على انقسامات‬ ‫عمودية وصوالً إلى إقامة سلطتني في غزة والضفة‪ ،‬وخلق أولويات متناقضة للتجمعات‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬بل وغابت أية خطة تنموية صمودية فاستشرت االستهالكية واالرتهانات‬ ‫للخارج كما انتعشت الوالءات العشائرية اجلغرافية واملنظورات اجلبرية‪ ،‬إضافة للفساد‬ ‫والفلتانات‪ ،‬وراحت تنمو احلسابات النخبوية والزعاماتية على حساب االنتماءات‬ ‫الوطنية ومصالح وحقوق الشعب‪ ،‬واندفعت مراكز نفوذ تكنوقراطية وبيروقراطية ال‬ ‫حتجب تساوقها مع املشروع األمريكي وأولوياته في شطب حق عودة الالجئني إلى‬ ‫‪48‬‬ ‫ديارهم"‪.‬‬ ‫اليسار بقي أسيرا ألفكار وممارسات ما قبل قيام السلطة‬

‫"شكل نشوء السلطة الفلسطينية منعطفا جديدا في تاريخ احلركة الوطنية الفلسطينية‪،‬‬ ‫وفشل اليسار في التعامل مع هذا املتغير وبقي أسيرا في تفكيره وممارساته حلالة‬ ‫ما قبل هذا املنعطف‪ .‬فنشوء السلطة الوطنية فرض حتوالت هامة على الصعيد السياسي‬ ‫واالقتصادي واالجتماعي‪ .‬وباتت متطلبات أداء السلطة جتاه اجلماهير تشابه إلى حد‬ ‫كبير متطلبات األداء في الدول املستقرة املستقلة‪ ،‬كما أن متطلبات املجتمع وخدماته‬ ‫وقضاياه باتت مطلوبة من السلطة وليس من االحتالل" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪ 48‬د‪ .‬أحمد املسلماني‪ ،‬مدير مؤسسة جلان العمل الصحي‪" ،‬املجتمع املدني الفلسطيني؛ إشكاليات‬ ‫املفهوم واخلصوصية "‪( 2007/11/22 ،‬غير منشورة)‪.‬‬

‫‪153‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫أوسلو د ّمر اليسار‬

‫"أوسلو هو الذي د ّمر اليسار ود ّمر املشروع الوطني ألن اليسار لم يتخذ موقفا حاسما‬ ‫منه‪ .‬أما كيف أثر أوسلو فبرأيي أن معظم الفصائل واألحزاب اليسارية لها جذور‬ ‫وانتماءات برجوازية‪ ،‬والبرجوازية متذبذبة حسب التوصيف املاركسي حتى ياسر‬ ‫عرفات لم يوقع على أوسلو إال بعد توقيع بشير [البرغوثي] عليه‪ .‬أوسلو كان الفخ‬ ‫الذي وقعت فيه كل األحزاب والفصائل قصيرة النظر‪ .‬وما نعانيه اآلن من إشكاالت‬ ‫وصوال إلى هبوط السقف السياسي سببه أوسلو‪ ،‬أما احلزب الشيوعي فقد أعلن أنه ال‬ ‫يعترف بأوسلو ولكنه يتعامل مع مفرزاته‪... .‬قلنا إننا ضد االتفاق ألننا نعتقد أنه خطأ‬ ‫كبير‪ ،‬ملاذا؟ ألنه تخلى عن قرارات الشرعية الدولية التي كان من املفترض أن يتمسك بها"‬ ‫(قيادي في احلزب الشيوعي الفلسطيني)‪.‬‬ ‫اليسار الذي شارك بالسلطة لم يؤثر على مسارها والذي لم يشارك لم يترك آثارا أيضا‬

‫"انقسم اليسار على نفسه في املوقف من اتفاق أوسلو‪ .‬فدا وحزب الشعب التحقا بالسلطة‬ ‫بينما اجلبهتان قاطعتا‪ .‬تعاملنا مع السلطة منذ احلكومة األولى ولكننا لم نؤثر في مسارها‬ ‫على اإلطالق؛ تعاملنا مع االتفاق باعتبار أنه سيوصلنا إلى الدولة رغم ثغراته ومآخذنا‬ ‫عليه‪ .‬بالنسبة لبقية اليسار فرض املشاركة لم يترك آثارا كذلك‪ ،‬وكالهما عاد وتعامل مع‬ ‫السلطة من خالل الوظائف واالنتخابات‪ .‬لو أن اليسار دخل موحدا في أوسلو منذ البداية‬ ‫لكان له أثره على السلطة ولكان قد ح ّد من استفراد "فتح"‪ ،‬وكان من املمكن أن يحسن‬ ‫في مستوى األداء‪ ،‬والثقافة التي أنتجتها السلطة وهي ثقافة عشائرية" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫اليسار فشل في حشد الشارع حول موقفه في معرضة السلطة‬

‫"اليسار شكل معارضة التفاق أوسلو ولكنها كانت معارضة خجولة‪ ،‬فضال عن أن‬ ‫اليسار كان منقسما في نظرته إلى أوسلو‪ ...‬ال أعتبر أن االختالف حول املشاركة كان‬ ‫هو العامل الرئيسي في التراجع‪ .‬العامل الرئيسي يكمن في جوانب اليسار التنظيمية‬ ‫والفكرية التي لم متكنه من إعادة إنتاج خط سياسي فكري في مواجهة خط السلطة‪...‬‬ ‫إشكالية اليسار أنه كان يقرأ األحداث ويشخص بطريقة صحيحة لكنه كان يواجه‬ ‫مشكلة جدية في ترجمة مواقفه‪ .‬وهذا له سببان‪ :‬األول بناه الفكرية والتنظيمية‪ ،‬والثاني‬ ‫كيف نظر لنفسه ولدوره في معارضة السلطة‪ ...‬فهو لم يشكل معارضة ضاغطة على‬ ‫السلطة ألنه لم ينجح في حتشيد الشارع حول موقفه‪ ،‬بينما "حماس" جنحت حيث أخفق‬ ‫اليسار‪ .‬وهنا ال بد من القول إن الدين واخلطاب الديني يلقيان تأييدا أوسع في أوساط‬ ‫الناس العاديني" (قيادية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"اليسار لم يدافع عن املواطن أمام تشكيل النظام اإلداري للسلطة الذي طغى عليه اللون‬ ‫الواحد في التوظيف واملناصب السياسية" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪154‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"تلكؤ اليسار وعدم املبادرة إلى تعبئة الفراغ الذي نتج عن اتفاق أوسلو وخروج حركة‬ ‫"فتح" من املواجهة‪ ،‬أدت إلى أن يسارع اإلسالم السياسي إلى إشغال تلك الفراغ؛‬ ‫وبالتالي ظهر اإلسالم السياسي بنظر اجلمهور على أنه هو احلامي واملدافع عن املشروع‬ ‫الوطني" (مستقل)‪.‬‬ ‫"ساهمت اتفاقية أوسلو في تهميش اليسار؛ ألنه لم يستطع أن يأخذ مكانة خاصة به‬ ‫في اإلفرازات التي ترتبت على أوسلو‪ ،‬ولم يطرح برنامجا بديال بعد أوسلو‪ ،‬وهذا عامل‬ ‫مهم‪ ،‬وخصوصا ألن اليسار جزء من منظمة التحرير‪ ،‬وبعد إقامة السلطة الوطنية بقي‬ ‫اليسار يتأثر ألنه لم يتميز سياسيا أو اجتماعيا" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‬ ‫اليسار لم يعبئ الفراغ السياسي املتولد بعد أوسلو‬

‫"تباينت الرؤى في أوساط اليسار حول اتفاق أوسلو‪ ...‬وباحملصلة ظهر اليسار أمام‬ ‫املجتمع بحالة مفككة‪ ،‬وهذا احلال في املواقف يتناقض مع دور اليسار والشيوعيني‬

‫الفلسطينيني الذين كانوا من أوائل الذين قادوا النضال الوطني الفلسطيني‪ .‬كان من‬ ‫املعول عليه أن يعبئ اليسار الفراغ السياسي احلاصل بعد أوسلو لكن تردده وغياب‬ ‫الرؤية الواضحة فوت عليه الفرصة" (مستقل)‪.‬‬

‫"قناعتي أن اليسار لم يستغل اتفاق أوسلو وما تاله إلثبات جدارته‪ ،‬بل بقي مترددا بني‬ ‫املشاركة واملعارضة‪ ،‬وهذا أعطى املجتمع املناصر واملؤيد لليسار انطباعا أنه ال ميكن‬

‫االعتماد عليه في القيادة وخلق البديل" (مستقل)‪.‬‬

‫"اليسار الفلسطيني تساوق مع أوسلو رغم موقفه املعلن منه‪ ،‬وسندي فيما أقول أن‬ ‫قوى اليسار دون استثناء وظفت في السلطة ضمن "كوتات" حزبية؛ وبالتالي ميكن‬ ‫القول إن اليسار بشكل أو بآخر سكت عن الفساد واألخطاء التي ارتكبتها السلطة مقابل ضمان‬ ‫مصاحله الشخصية" (قيادية في إطار نسائي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اتفاق أوسلو قسم الساحة الفلسطينية بني معارض وموا ٍل‪ ،‬كما وضع اليسار الفلسطيني‬ ‫أمام فرصة تاريخية ليؤكد جدارته في استالم راية القيادة‪ .‬لكنه فشل في ذلك ألسباب‬ ‫عدة منها أنه انقسم بني مؤيد ومعارض حيث انحاز جزء من اليسار إلى تيار أوسلو فيما‬ ‫القسم اآلخر انحاز أو انطوى حتت معارضة "حماس"‪ ،‬وهذا أظهر أن اليسار غير مؤهل‬ ‫للقيام بدوره التاريخي كبديل سياسي ومجتمعي للبرجوازية بشقيها العلماني والديني‪ .‬لقد ظهر‬ ‫أن قوى اليسار التي عارضت أوسلو لم متيز نفسها في سلوكها العملي عن حزب السلطة‬ ‫كما فعلت "حماس" التي اختطت منهجا متكامال في املعارضة والعمل العسكري‪ ...‬الدور‬ ‫امللتبس للمعارضة السياسية أثر على حركة "فتح" نفسها التي كان بداخلها اجتاهات‬ ‫"تتفق مع رؤى املعارضة‪ ،‬ولو بقيت معارضة اليسار فاعلة ومؤثرة فمن املمكن واملرجح‬ ‫أن يقوى الصوت الفتحاوي املعارض للفساد السياسي واإلداري وسواه من املواضيع مبا‬ ‫في ذلك تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪155‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار تعامل بلغتني‬

‫"مشكلة اليسار أنه تعامل بلغتني مع أوسلو؛ لغة كان يتحدث بها في الصالونات‬ ‫السياسية‪ ،‬وأخرى مختلفة جذريا موجهة إلى قواعده احلزبية‪ .‬وهذا التناقض لم يكن‬ ‫بد من أن يدفع ثمنه‪...‬فضال عن أن اليسار حوسب بصفته من مكونات منظمة التحرير‬ ‫الفلسطينية التي وقعت اتفاق أوسلو" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"اتفاق أوسلو أظهر ارتباك قوى اليسار‪ ،‬وبعد أوسلو اكتشفت هذه القوى أنها معزولة‬ ‫عن احلركة السياسية وعن الشارع في آن معا‪ .‬فهي لم تشكل معارضة حقيقية تقنع‬ ‫الشارع بااللتفاف حولها‪ ،‬وما طرحته شعارات لم تقو على جتسيده‪ .‬كما أن تعاملها‬ ‫مع السلطة أثار الشكوك حول مواقفها؛ إذ تباينت مواقف اليسار بني املشاركة وبني‬ ‫املعارضة‪ ،‬أو القبول في مشاركة ما دون سياسية كما أسموها‪ ،‬أي مشاركة عبر‬ ‫التوظيف في السلطة علما بأن اليسار حصل على الفتات من الوظائف احلكومية‪ ،‬وزحف‬ ‫خلف السلطة؛ وهذا زاد من تهميش اليسار‪ ،‬وتراجع دوره أكثر فأكثر" (مستقل)‪.‬‬ ‫خطاب اليسار بخصوص أوسلو لم يفهمه الشارع‬

‫"خطاب اليسار السياسي بخصوص أوسلو بدا غير مفهوم للشارع حيث انتقل في‬ ‫فترة وجيزة من إسقاط االتفاق إلى مناهضته‪ ،‬وانتقل من رفض االتفاق جملة وتفصيال‬ ‫إلى القبول بالتعامل مع إفرازاته عبر التوظيف والعمل في األجهزة األمنية‪ .‬هذا السلوك‬ ‫املتناقض بدا غير مفهوم للناس‪ .‬وتاليا فإن حديث اليسار عن مناهضة لالتفاق لم‬ ‫يؤخذ على مأخذ اجلد من املواطنني‪ .‬هذا فضال عن أن اليسار نفسه لم يكن يدرك أن اتفاقا‬ ‫بهذا القدر من الدعم واإلسناد الدولي واإلقليمي يصعب إسقاطه‪ .‬باعتقادي أن اليسار اكتشف‬ ‫أنه ال يستطيع إسقاط االتفاق؛ لذا بدأ رويدا رويدا يتخلى عن شعاراته‪ .‬فبعد أن قاطع‬ ‫االنتخابات األولى شارك في الثانية ومشاركته تعني تنصله من املواقف السابقة‪ .‬وهذا‬ ‫سببه الضعف وعدم قراءة الواقع بشكل صحيح‪ ،‬وكأن اليسار بكل تالوينه ما زال‬ ‫رهن السياسة القدمية وعلى ما يبدو أن حنينه للدور القدمي أبقاه أسيرا لقوى أخرى‬ ‫ومعادالت غير واقعية" (حزبية سابقة‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اتفاق أوسلو ه ّمش منظمة التحرير وأبعد اليسار عن مركز القرار‬

‫"اتفاق أوسلو أدخل الساحة لفلسطينية في حالة غير مسبوقة من اخلالف السياسي‪،‬‬ ‫وأربك اليسار الفلسطيني من خالل رفعه شعار إسقاط االتفاق في املرحلة األولى وإثر‬ ‫توقيع االتفاق‪ ،‬وفي مرحلة ثانية انتقل من اإلسقاط إلى املناهضة أي أنه خفض من‬ ‫سقفه السياسي وأظهر للجمهور أنه لم يكن مبستوى الشعار الذي رفعه بداية؛ وفي النهاية‬ ‫اضطر اليسار الذي رفض االتفاق إلى التعامل مع ما س ّمي بإفرازات االتفاق‪ ،‬وهو ما أثار‬ ‫جدال حول الدور املناهض لليسار حيث بدا موقفه بنظر الناس يحمل ازدواجية غير مفهومة‪.‬‬ ‫‪156‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫كما ترك أوسلو تأثيره على اليسار من خالل تهميش املنظمة ودورها وتفعيل السلطة‬ ‫وابتالعها للمنظمة‪ .‬واليسار كان جزءا من املنظمة ومع تهميشها فقد اليسار مرجعية‬ ‫مهمة ألنها كانت مالذه األخير‪ ،‬السيما أنه لم يشارك في السلطة بأغلبيته وقاطع‬ ‫االنتخابات التشريعية األولى وبالتالي أصبح خارج بنية احلكم أو السلطة؛ وبالتالي‬ ‫أضحى اليسار بعيدا عن آلية اتخاذ القرار الفلسطيني ومت إقصاؤه بإرادته من جهة‪ ،‬وبفعل‬ ‫سياسات االستئثار والهيمنة حلزب السلطة من جهة ثانية" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اتفاق أوسلو شكل اختبارا لليسار‪ .‬وهو اختبار سياسي شديد؛ فقد بقي اليسار متمسكا‬ ‫بخيار املقاومة وهو يدرك أن دونه معوقات جدية‪ ،‬وبالتالي لم يستطع االنتقال إلى املقاومة‬ ‫الشعبية‪ ...‬فهو من جهة يرفض اتفاق أوسلو لكنه من جهة ثانية يبحث عن عالقة ما مع‬ ‫حزب السلطة‪ .‬ولذا لم يفلح اليسار في أن يطبق الشعارات التي رفعها بينما حركة "حماس"‬ ‫كانت أذكى وأكثر واقعية حيث رفعت شعارات وقامت بتطبيقها‪( " ...‬مستقل)‪.‬‬ ‫تهميش املنظمة ترافق مع تهميش اليسار‬

‫"فشل اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقات في حتقيق ما كان يصبو إليه املوقعون‬ ‫عليه واملتحمسون له‪ .‬وترتب على هذا أن حتملت فصائل اليسار املعارضة لالتفاق‬ ‫ولسياسة وممارسات السلطة؛ األمر الذي اضعف اليسار عموماً‪ ،‬حيث كان املواطن‬ ‫الفلسطيني ينظر له باعتباره مسؤوالً أو شريكا ً فيما حصل مبعزل عن درجة هذه‬ ‫الشراكة‪ ،‬لكونه لم يلعب الدور املطلوب منه حلماية القضية واملشروع الوطني‬ ‫واملواطن من النتائج السلبية التي ترتبت على االتفاق‪ ...‬وبخاصة ألن التهميش الواعي‬ ‫وغير الواعي ملنظمة التحرير رافقه تهميش اليسار ودوره‪ .‬أقول ذلك ألن بعض املتحمسني‬ ‫ألوسلو واملمسكني مبقود تنفيذه اعتقدوا أن تهميش املنظمة لصالح السلطة ودورها‬ ‫سيقربهم من الدولة الفلسطينية‪ ،‬لذا ح ّولوا املنظمة إلى وظيفة خلدمة هذا وملصاحلهم‬ ‫وسياساتهم‪ .‬ولم يتنبهوا للتناقض الداخلي املتمثل باإلسالم السياسي‪ ،‬والذي‬ ‫عمل ويعمل ليكون بديالً للمنظمة في متثيل الشعب الفلسطيني‪ ،‬أو للسيطرة عليها‬ ‫وقيادتها‪ .‬ويأتي في هذا السياق نتائج االنتخابات التشريعية الثانية وسيطرة حماس‬ ‫على قطاع غزة‪ .... .‬وتنامت مصالح ومواقع فئات اجتماعية وأفراد في السلطة وعلى‬ ‫هامشها‪ ،‬مما ترك أثرا ً سلبيا ً على املنظمة وعلى السلطة وعلى مقاومة االحتالل معاً‪،‬‬ ‫ألن هذه الفئات باتت حترص على ما حققته من مكاسب‪،‬؛ األمر الذي خلق وضعا ً‬ ‫متناقضاً‪ ،‬فهناك فئات تغتني وأفراد تزداد ثروتهم وهناك فئات تصادر أرضهم وتدمر‬ ‫منازلهم‪ ،‬ويزدادون فقرا ً على فقر‪ ،‬كل هذا أوجد وضعا ً متناقضا‪ ،‬في ظل السلطة‬ ‫رئيسا ً وشعبا ً حتت االحتالل‪ ... .‬ترافق كل هذا مع الضعف املتزايد في املوارد املالية‬ ‫لتنظيمات اليسار‪ ،‬في ظل االحتياجات املتزايدة لإلنفاق املالي على كل نشاط‪ .‬هذه‬ ‫األمور مجتمعة أثرت سلبا ً على دور اليسار ووزنه‪ ،‬ولكن هناك أسبابا أخرى خاصة‬ ‫بقوى اليسار نفسها‪ ،‬ومن واجبها معاجلتها" (قيادي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪157‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"أدى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية التي بقي اليسار قابضا على استمرار‬ ‫مشاركته في مؤسساتها املختلفة في ظل عدم القيام بأي فعل مؤثر وملموس إلعادة‬ ‫االعتبار للمنظمة ككيان سياسي ممثل للشعب الفلسطيني‪ ،‬إلى التسبب في تذويب دوره‬ ‫حيث لم يستشر ابتداء بأوسلو الذي نفذ ووقع من قبل منظمة التحرير الفلسطينية‪،‬‬ ‫وبقي عاجزا عن فعل أي شيء أمام محاوالت إضعاف املنظمة أو ما يتخذ من قرارات‬ ‫باسمها‪ ،‬وبقي شاهد زور‪ ...‬في ظل دور فاعل حلركة "حماس" التي استطاعت أن‬ ‫تقدم نفسها بديال للكل الوطني ميينا ويسارا‪ ،‬وحسم األمور فلسطينيا بني طرفني هما‬ ‫"فتح" و"حماس" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫اتفاق أوسلو أربك كل اليسار الفلسطيني‬

‫"اليسار كله بصرف النظر عن املوقف الذي اتخذه من اتفاق أوسلو وقع في حالة‬ ‫من اإلرباك‪ .‬املقاطعون وقعوا في ارتباك كبير وفقدوا املشاركة في التشكيل اجلديد‪،‬‬ ‫واملنخرطون لم مييزوا بني خطهم وبني خط االئتالف العام الذي يدعم اتفاق أوسلو‪.‬‬ ‫اإلسالميون لم يقعوا في نفس املشكلة ألنه كان لهم مجتمعهم اخلاص والقوى األصولية‬ ‫عملت على أساس أنها بديل سياسي واجتماعي" (قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"اليسار لم يكن يحمل برنامجا ً سياسيا ً متجانسا ً ومنسجما ً في أي من احملطات‬ ‫السياسية املهمة‪ ،‬سواء ما قبل أوسلو أو في املوقف من اتفاقيات أوسلو وما تالها‪.‬‬ ‫كما فشل اليسار بقواه املختلفة في اتخاذ مواقف متيزه عن بقية األحزاب‪ .‬وباتت‬ ‫أحزاب اليسار تشبه غيرها فمنها من جتانس مع مواقف األحزاب املعارضة ومنها من‬ ‫جتانس مع مواقف السلطة‪ .‬ولكن القوى اليسارية في املعسكرين لم يكن لها موقف‬ ‫مميز قادرة على إقناع وحتشيد الرأي العام أو على األقل جزء مهم منه‪ .‬وأعتقد‬ ‫أن فشل املواقف السياسية املعارضة ألوسلو واملسار السياسي بعده‪ ،‬كان نتيجة‬ ‫حتمية لعجز قوى اليسار‪ ،‬وبعض تنظيماته بشكل خاص‪ ،‬عن التحليل واتخاذ‬ ‫مواقف صائبة نسبية والسيما املواقف التي حتدد سلوكها‪ .‬وكان املوقف ال يتجاوز‬ ‫حدود النظري وفي بعض األحيان تعبيرا عن التخبط والتشوش‪ ،‬كمعارضة العمل‬ ‫في أجهزة السلطة واستقدام قيادات وتفريغها على مالك السلطة مما دفع الكوادر‬ ‫احلزبية الوسطية إلى البحث عن مصاحلها بعيدا ً عن أحزابها" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ثالثا‪ ،‬تداعيات االنتفاضتني على أوضاع اليسار‬

‫الزخم اجلماهيري في االنتفاضة األولى لم يستوعب تنظيميا‬ ‫"اليسار لم يستطع حتويل الزخم اجلماهيري لالنتفاضة األولى إلى قواعد جماهيرية منظمة‬ ‫ومستقرة‪ ،‬ولم يستطع استعادة قواعد التنظيمات اجلماهيرية السابقة (املنظمات اجلماهيرية‬

‫‪158‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الدميقراطية)‪ .‬كان لليسار وزن جماهيري كاسح في عدد كبير من املواقع في الضفة والقطاع‬ ‫خالل الثمانينيات وحتى عام ‪ .1990‬كان اليسار في حالة صعود‪ ،‬ثم فجأة تراجع‪ .‬السبب‬

‫أن اليسار لم يستطع التعامل مع التغير في مزاج الناس خالل االنتفاضة واستمر في‬ ‫العمل باألساليب ذاتها‪ .‬خالل االنتفاضة األولى تضاعف حجم قوى اليسار وهذا جعل‬ ‫من الضروري تفريغ عدد أكبر من الكوادر ملتابعة اجلسم النامي من التنظيم‪ .‬كما باتت‬ ‫عالقة التنظيمات باجلماهير تتطلب تقدمي دعم مادي للناس في مجاالت عدة (زراعة‪،‬‬ ‫صحة‪ ،‬عائالت أسرى‪ .)...‬شرط توافر التمويل كان ضروريا لليسار كغيره‪ ،‬وإن كان‬ ‫شرطا غير كاف" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"في االنتفاضة األولى نشط اليسار في بدايتها بطريقة واضحة للعيان‪ ،‬خصوصا‬ ‫في العامني األولني لها‪ ،‬وبعض القيادات في اجلبهة الشعبية طرحت شعار التحول‬ ‫إلى القوة األولى؛ وعندما فشلت في ذلك لم يحاسبها أحد‪ ،‬لكنها أحبطت الكادر‪.‬‬ ‫اليسار لم يتعلم من جتربته في االنتفاضة األولى؛ ولذا خرج من االنتفاضة الثانية منهكا‬ ‫ومهلهال بسبب برامجه وسياساته غير املدروسة‪ ،‬حيث عجز عن القيام بدور املوجه‬ ‫واملنظم" (حزبية سابقة‪ ,‬ش)‪.‬‬ ‫"في االنتفاضة األولى بعد التراجع عن املشاركة الشعبية اختزل النضال إلى الضرب‬ ‫باحلجارة والعمل املسلح‪ ،‬وفقد معظم الناس دورهم‪ .‬كما جرى اللجوء إلى العمل‬

‫املسلح من قبل بعض التنظيمات اليسارية قبل أن تكون جاهزة لذلك‪ .‬الضربات األمنية‬ ‫واالعتقاالت ساهمت في انكماش بعض تنظيمات اليسار" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫جرى إفساد للعمل الشعبي والتطوعي خالل االنتفاضة األولى‬

‫"مشكلة البرامج االجتماعية التي وضعت خالل الفترة التي سبقت االنتفاضة األولى‬ ‫أنها كانت مقيدة إذ ال تستطيع مطالبة االحتالل بتغيير األوضاع املعيشية للشعب الواقع‬ ‫حتت االحتالل؛ ولذا كانت احلركة الوطنية تتجنب الذهاب للمحاكم اإلسرائيلية‪ .‬في بعض‬ ‫األمور كانت تطرح قضايا مطلبية (شركة كهرباء القدس) ألن الشركة وطنية‪ ،‬وكانت‬ ‫قضايا األجور بني أصحاب العمل والعمال الفلسطينيني حتل بالتوافق ألنه كان مطلوبا‬

‫جتنب الصراع الطبقي والتركيز على مواجهة االحتالل‪ ،‬لذا بقيت البرامج االجتماعية برامج على‬ ‫الورق‪ .‬فالهم الوطني هو الهم الطاغي‪" .‬فتح" قامت خالل الفترة املاضية بدور احملسن‬

‫املفسد‪ ،‬إذ كانت تقدم املساعدات والتعويضات لكل من يتعرض إلجراءات االحتالل‬ ‫(هدم بيوت‪ ،‬سجون‪ ،‬الخ)‪ .‬وهذا استمر حتى فترة ما بعد قيام السلطة‪ ،‬وجلنة التوجيه‬ ‫الوطني أفسدها أموال "فتح"؛ السنة األولى من االنتفاضة كانت ممتازة بعد ذلك مت إفساد‬ ‫العمل الشعبي والتطوعي وبات يدفع على سبيل املثال ‪ 150‬شيكال لكل من يرمي احلجارة على‬ ‫اجلنود اإلسرائيليني‪ .‬حتت عنوان الوحدة الوطنية حتولت النقابات واالحتادات الشعبية‬

‫إلى أجهزة بيروقراطية‪ ،‬وهذا الوضع استمر بعد قيام السلطة‪" .‬حماس" شكلت أطرها‬ ‫اخلاصة لكونها تريد خلق بديل ملنظمة التحرير (قيادي متقاعد‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫‪159‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫نقابات مستوعبة من السلطة‬

‫"غياب قوى يسارية حقيقية هو السبب في انتشار ثقافة املصلحة واالنتفاع والتسول‪،‬‬ ‫ال ميكن النهوض بحركات مطلبية إال بوجود يسار حقيقي ومن املفروض أن تقوم‬ ‫النقابات بهذا الدور؛ ولكنها ال تقوم بشيء ألنها مستوعبة من قبل السلطة أيضا"‬ ‫(قيادي في احلزب الشيوعي الفلسطيني)‪.‬‬ ‫خالل االنتفاضة األولى توقفت عمليات البناء الفكري اليساري وعمليات تعزيز القيم التقدمية‬

‫"االنتفاضة األولى شكلت ضربة لليسار وغير اليسار من حيث التأثير على الوعي‬ ‫والثقافة والنضج السياسي واملجتمعي‪ ،‬وذلك ألنها أغرقت اجليل الشاب في العمل‬ ‫اليومي النضالي لفترة سنوات‪ ،‬وبعدها جاء اتفاق أوسلو ليشكل شكال من أشكال‬ ‫الصدمة‪ .‬اتفاق أوسلو (بعد انهيار االحتاد السوفييتي) أصاب جيل الشباب (في‬ ‫العشرينات) باإلحباط‪ .‬جيل يعتبر نفسه يساريا وتقدميا لكنه‪ ،‬من الناحية الفكرية‬ ‫والسياسية واالجتماعية‪ ،‬ال يتميز عن غيره في املجتمع‪ .‬هناك جيل يساري بني في‬ ‫السبعينيات والثمانينيات ثم توقف مع االنتفاضة وهذا التوقف استمر إلى هذا اليوم‪...‬‬ ‫بعد أوسلو لم يعد هناك بناء لليسار ولم يعد هذا اليسار يختلف عن اآلخرين‪ .‬هناك أفراد‬ ‫يساريون لكنهم ال يشكلون حالة‪ .‬ما حدث هو انقطاع سببته مجموعة من العوامل‪،‬‬ ‫منها ما هو سياسي‪ ،‬ومنها ما هو مالي حيث أجبرت األزمة املالية لقوى اليسار تسريح‬ ‫جيش من املتفرغني‪ ،‬منهم عدد من الكادر املنتج سياسيا وفكريا التحقوا باملنظمات‬ ‫غير احلكومية (‪ )NGOs‬وباملؤسسات األهلية والتنموية" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫في االنتفاضة الثانية‪ ،‬خالفا لألولى‪ ،‬وقف اليسار على هامش احلركة الكفاحية‬

‫"في االنتفاضة الثانية‪ ،‬خالفا لألولى بقى اليسار على هامش احلركة الكفاحية‪ .‬وهو‬ ‫لم يشكل حالة متميزة‪ .‬عندما جاءت االنتفاضة وجدت قيادات اليسار نائمة (قيادات‬ ‫مكاتب) ال تواصل مع القواعد وال حالة كفاحية إذ اكتفت بالشعارات واخلطابات‪ .‬برز‬ ‫في السنوات األخيرة منط جديد من العمل القيادي‪ ،‬لكنه‪ ،‬لألسف‪ ،‬مييل إلى النخبوية‬ ‫والنرجسية" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫االنتفاضة الثانية‪ ،‬الصراع الداخلي كان بني "فتح" و "حماس" واليسار تولى دور‬ ‫املعلق على األحداث‬

‫"كانت إحدى ميزات اليسار في االنتفاضة األولى إدراكه أن االنتفاضة توفر فرصة‬ ‫له‪ ،‬لكنه لم يحصد نتائج حيث ترك الغنائم حلركة "فتح"‪ .‬االنتفاضة الثانية كانت بقيادة‬ ‫عرفات وهو في الداخل وليس في اخلارج‪ ،‬واليسار لديه مشكلة في مواجهة عرفات‪.‬‬ ‫وفي كل األحوال كان تأثير اليسار محدودا في الشارع والصراع كان أصال بني‬ ‫‪160‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"فتح" و"حماس"‪ ،‬وفي النهاية "فتح" كسبت غضب الشارع بسبب الفلتان األمني‪،‬‬ ‫و"حماس" كسبت الشارع وتأييده وهذا ما جتلى في االنتخابات الثانية‪ .‬اليسار اكتفى‬ ‫بدور املعلق واملشخص بشكل جيد ملسار األحداث لكنه لم يؤثر فيها‪ .‬أملعية "حماس" في‬ ‫نظر اجلمهور نابعة من جرأتها على نقد "فتح" والسلطة‪ ،‬وفي العقد األخير انتشر‬ ‫بني أوساط اجلمهور الفلسطيني أن اليسار يقبض من السلطة و"فتح" وهذا بدون شك ميس‬ ‫مصداقية اليسار‪ .‬أيضا هناك إشكالية تتعلق باليسار وتتمثل في استقواء بعضه على بعض‬ ‫من خالل "فتح" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫"االنتفاضة األولى شهدت توسعا كبيرا في األطر اجلماهيرية لتنظيمات اليسار لكن هذه‬ ‫التنظيمات لم تتمكن من احتواء هذه األطر‪ ،‬ومنذ ذلك احلني واليسار في تراجع وشهد‬ ‫انفضاضا من كوادره بعد ما كانت له دفة القيادة في الداخل" (كادر حزبي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫إسرائيل خلقت الكنتونات في االنتفاضة الثانية واحلركة الوطنية تك ّيفت معها ولم يعد‬ ‫هناك معارك وطنية شاملة‬

‫"االنتفاضة الثانية فرضت جتزئة املجتمع واحلركة الوطنية أخذت تتكيف مع هذه التجزئة‪.‬‬ ‫باتت مجابهة االحتالل تعني "الصمود" داخل "الكنتونات" التي خلقتها إسرائيل‪.‬‬ ‫احلركة الوطنية الفلسطينية تعلن الصمود انتصارا لها وإسرائيل تعتبر التجزئة انتصارا‬ ‫لها‪ .‬استخلص شارون أن الفلسطينيني بعد النكبة تكيفوا مع الواقع اجلديد؛ األقلية‬ ‫العربية الفلسطينية في إسرائيل مع القوانني اإلسرائيلية‪ ،‬كما تكيّف الفلسطينيون في‬ ‫الضفة الغربية مع القوانني األردنية‪ ،‬وفي غزة مع أنظمة احلكم املصري وفي سوريا‬ ‫ولبنان مع قوانني هذين البلدين‪ ،‬وهم تكيفوا مع قوانني السلطة الفلسطينية؛ واستخلص‬ ‫شارون أن الفلسطينيني سوف يتكيفون مع املناطق احملاصرة من إسرائيل‪ ،‬ومع دخول اجليش‬ ‫اإلسرائيلي‪ .‬احلركة الوطنية الفلسطينية‪ ،‬ومنها اليسار‪ ،‬لم تنتبه لذلك‪ .‬وبهذا لم يعد هناك‬ ‫معارك وطنية شاملة بل باتت املعارك محلية والصمود محليا‪ .‬كان‪ ،‬وال يزال‪ ،‬املطلوب كسر‬ ‫احلصار وليس التكيف معه‪ .‬نعلني تخوض معركتها وحيدة‪ ،‬ورام الله خارج الصراع‪.‬‬ ‫اليسار كان يتكيف في إطار احلركة الوطنية‪ .‬ما هو موجود في الداخل هو سلطة وطنية‬ ‫وليس منظمة حترير‪ .‬ركز اليسار نشاطه في املدن (منطقة أ) تكيّفا مع أوسلو‪ .‬تقسيمات‬ ‫أوسلو هشمت املجتمع املدني‪ ،‬ولم ينجح اليسار الفلسطيني في التعامل مع مؤسسات‬ ‫املجتمع املدني كما هي‪ ...‬املجتمع يتهشم ويجزأ واليسار يعتقد أن هناك مجتمعا مدنيا‬ ‫قائما‪ ...‬اليسار فضل الهروب من الواقع" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"في السبعينيات (والثمانينيات) طرح اليسار (بدءا باحلزب الشيوعي‪ ،‬الحقا حزب الشعب)‬ ‫برامج للعمال‪ ،‬ومنا نفوذه بني العمال‪ ،‬ونشط بني الطلبة‪ ،‬ورفع شعار املساواة بني الرجل‬ ‫واملرأة في األجور‪ ،‬وحق املرأة في العمل وشهد التفافا بني أوساط النساء واملعلمني‪ .‬وبرزت‬ ‫طبقة سياسية وطنية لتنظيم الناس على أسس قطاعية‪ .‬اليسار طرح مبادرات وبرامج أجبرت‬ ‫‪161‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"فتح" على العمل على غرارها‪ .‬خالل االنتفاضة األولى سيطر النضال الوطني على النضال‬ ‫االجتماعي وا��نقابي‪ .‬وفرضت مهمات االنتفاضة نفسها على واقع النضال‪ .‬في االنتفاضة‬

‫األولى انصب اجلهد على التنظيم املباشر للناس في مواجهة االحتالل‪ .‬وباتت متطلبات‬ ‫االنتفاضة هي احملدد ألشكال التنظيم والنضال" (حزبية قيادية في إطار نسائي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫االنتفاضة الثانية أثبتت أن اليسار عاجز عن التصدي ملظاهر النخبوية والزعرنة‬

‫"االنتفاضة األولى كانت الرافعة التي كان من املمكن لليسار من خاللها أن يعيد بناء ذاته وأن يعيد‬ ‫االعتبار لنفسه ودوره القيادي وخصوصا ألنه برهن أنه قادر على قيادة الشارع‪ ،‬وعلى‬ ‫ابتكار أساليب تنظيم جديدة ضاعفت فعاليته عشرات املرات‪ .‬االنتفاضة الثانية كانت على‬ ‫النقيض من األولى وأحد الفروق الرئيسة بينهما أن األولى كانت بحق جماهيرية‪ ،‬والثانية‬ ‫كانت نخبوية ومجموعة مسلحني هنا وهناك؛ وبالتالي انتهت إلى أعمال فلتان وزعرنة‪.‬‬ ‫اليسار ساهم في جرمية حرف االنتفاضة األولى بسماحه بالتدخل من اخلارج في صياغة‬ ‫بيانات القيادة الوطنية املوحدة‪ .‬االنتفاضة الثانية بطابعها النخبوي وسيادة الزعرنة أثبتت أن‬ ‫اليسار عاجز عن التصدي لهذه املظاهر" (مستقل)‪.‬‬ ‫بعض اليسار انساق إلى نهج أفرغ االنتفاضة الثانية من جماهيريتها‬

‫"أحزاب اليسار كانت أول من حضر لالنتفاضة [األولى]‪ .‬وأنشأت اللجان الشعبية‬ ‫والتي شكلت بدورها مرجعية شعبية دميقراطية لالنتفاضة ونهجها‪ ،‬فنشأت القيادة‬ ‫الوطنية املوحدة التي ضمت احلزب واجلبهتني و"فتح"‪ .‬واستطاعت هذه اللجان أن‬ ‫تستنهض الشارع الفلسطيني املعبأ أصال ضد االحتالل وإجراءاته وقادت املسيرة‬ ‫النضالية منحية اخلالفات األيديولوجية بني مكونات القيادة املوحدة‪ .‬الطابع السلمي‬

‫لالنتفاضة أعطاها الزخم والتأييد العاملي موسعا من قاعدتها التمثيلية حيث إن شعبنا بأسره‬ ‫كان مشاركا فيها؛ أما عسكرتها فقد ثبت بالوجه القاطع ومن خالل االنتفاضة الثانية أنها أدت‬ ‫إلى عزلتها حيث ج ّرت شعبنا إلى ملعب املواجهة العسكرية وهو ملعب أراده احملتلون‪.‬‬

‫ألنها أظهرت وكأن هناك جيشني يتواجهان بدال من جيش محتل وشعب حتت االحتالل؛‬ ‫ولألسف فقد انساقت بعض أطراف اليسار مع هذا النهج النخبوي فأفرغت االنتفاضة من‬ ‫طابعها الشعبي واجلماهيري مما أدى إلى إضعاف قاعدتها التمثيلية وأضحت أنشطتها‬ ‫مقتصرة على فئاتها املسلحة" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫في االنتفاضة الثانية انساق اليسار لعسكرة االنتفاضة‬

‫"في االنتفاضة الثانية انساقت قوى اليسار مبجموعها وراء القيادة املتنفذة وحركة‬ ‫"حماس" في عسكرة االنتفاضة واملجتمع وتغييب الفعل الشعبي الذي كان من أهم‬ ‫معالم االنتفاضة في مراحلها األولى" (كادر حزبي‪ ,‬ش)"‪.‬‬ ‫‪162‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫االنتفاضة الثانية ولدت درجة عالية من االرتباك واليسار لم يكن قادرا على تقدمي‬ ‫منوذج كفاحي باهر‬

‫"االنتفاضة الثانية بدأت أو أطلقت آلية لتعزيز االستقطاب الثنائي‪ ،‬وكانت آثارها طاحنة‬ ‫على "التيار الثالث"‪ .‬آثارها تنامت مع تطور العملية ليس فقط في اجلانب املتعلق بتوفير‬ ‫مقومات احلياة بحدودها الدنيا‪ ،‬بل بإمكانيات السلطة و " إمكانيات "حماس" الضخمة‬ ‫في وقت كانت فيه بنية املجتمع تتزعزع بسبب املواجهة مع االحتالل والبنية االقتصادية تنهار‬ ‫والعالقة بني املناطق تتقطع‪ ،‬وقضية البقاء على قيد احلياة تصبح قضية بحد ذاتها‪ .‬في‬ ‫االنتفاضة األولى كان بيد اليسار املؤسسات القادرة على التعامل مع هذه احلالة من نقابات‬ ‫وجلان شعبية‪ ،‬وكان لديها اإلمكانيات للتعامل معها أيضا‪ ،‬القرار كان بيد منظمة التحرير‬ ‫في السنوات الثالث األولى لالنتفاضة‪ ،‬ومت توزيع اإلمكانيات املالية بطريقة مشتركة على‬ ‫التنظيمات؛ ولكن هذا النظام اختفى في عام ‪ 1991‬إثر مؤمتر مدريد ومقاطعته من قبل‬ ‫اليسار‪ ،‬حيث حجب املال بقرار سياسي وبتدرج نسبي حتى املخصصات من الصندوق‬ ‫القومي أوقفت‪ ،‬وتراجعت القدرة على تشكيل بديل اجتماعي اقتصادي‪ .‬وفي االنتفاضة‬ ‫األولى كان تأثير التحويالت املالية محدودا بسبب وجود فرص عمل في إسرائيل ومعظم العاملني‬ ‫في إسرائيل كانوا من قوى اليسار‪ .‬في االنتفاضة الثانية القدرة على تأمني بديل اقتصادي‬ ‫اجتماعي لليسار أصبحت اقل مبا ال يقاس‪ ،‬و"فتح" لديها السلطة واملوازنات مبئات املاليني‬

‫واحلركة اإلسالمية استفادت من االنتفاضة من خالل التجنيد املالي الذي يفوق اليسار‬ ‫بعشرات املرات‪ .‬حالة اإلرباك التي شهدها الوضع الذي أعقب أوسلو امتدت إلى االنتفاضة‬ ‫الثانية وبدأت تطرح أسئلة إستراتيجية من نوع عالقة االنتفاضة باملفاوضات‪ ،‬واملوقف‬ ‫من قضايا املفاوضات‪ ،‬وأشكال النضال والعالقة ما بني األشكال العنيفة‪ ،‬واألشكال‬ ‫العنيفة املشروعة واألشكال اإلرهابية‪ .‬بسبب هذه الدرجة العالية من االرتباك لم يكن‬ ‫ممكنا توحيد قوى اليسار بنسق واحد لتعطي بديال لإلسالميني الذين اعتمدوا العمليات‬ ‫االستشهادية كاجتاه رئيس في االنتفاضة‪ ،‬وفي املقام الثاني التمدد اجلماهيري الذي كان‬ ‫يغرف من العمليات‪ .‬تلك العمليات كانت ضارة لكنها على املستوى الذاتي كانت مصدر قوة‬ ‫ألن شعبنا كان يؤيد إيقاع خسائر بشرية في صفوف اإلسرائيليني‪ .‬وانزلقت "فتح" إلى‬ ‫نفس االجتاه مع إمكانيات ذات طبيعة مختلفة حيث عشرات األلوف من املسلحني‪ ،‬وبالتالي‬ ‫قدرة "فتح" على تقدمي منوذج باهر كانت أقوى من اليسار بكثير (قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اليسار متاشى مع عسكرة االنتفاضة‬

‫"لم يقف اليسار ليعبر عن رأيه بعسكرة االنتفاضة‪ ،‬بل اتخذ موقفا متماشيا مع الداعني‬ ‫للعسكرة‪ ...‬وبذا استطاعت "حماس" أن تظهر أمام الشعب الفلسطيني على أنها تقود الفعل‬ ‫العسكري املقاوم ضد االحتالل وأنها أيضا تتصدر املعارضة السياسية ضد أوسلو‪ .‬صحيح‬ ‫أن حركة "فتح" ساهمت ودفعت األمور باجتاه العسكرة‪ ،‬لكنها لم تظهر كما ظهرت‬ ‫"حماس" بأنها صاحبة السالح النظيف" (مستقل)‪.‬‬ ‫‪163‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"االنتفاضة األولى أوصلتنا إلى أوسلو‪ ،‬وتبني أن أوسلو كخيار وصل إلى مأزق؛‬ ‫لذا اندلعت االنتفاضة الثانية كرد على سياسات االحتالل وحتولت بسرعة إلى‬ ‫املقاومة العنيفة‪ ،‬واليسار رغم موافقته على هذا النهج لم يكن قادرا على مجاراة‬ ‫اآلخرين‪ .‬التسابق على ركوب موجة االنتفاضة والسكوت عن هذا النهج االنتهازي‬ ‫أو االستخدامي‪ ،‬وضع اليسار في املسؤولية كغيره من القوى التي عبثت في االنتفاضة"‬ ‫(قيادي في إطار نسائي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اليسار لم مي ّيز في االنتفاضة الثانية بني العمل العسكري والعمل اجلماهيري املنظم‬

‫"في االنتفاضة األولى كان اليسار يحكم السيطرة على الشارع يعمل ضمن عناوين‬ ‫العمل الشعبي وكان عمليا يواجه اإلسالميني و"فتح"‪ .‬لكن في االنتفاضة الثانية لم‬ ‫يكن دور اليسار ملحوظا على اإلطالق‪ ،‬بل كانت "حماس" بدرجة أولى ومن ثم‬ ‫"فتح" وبخاصة بعد أن حتولت االنتفاضة إلى انتفاضة عسكرية‪ .‬وقد استفادت حركة‬ ‫"حماس" من أخطاء السلطة‪ ...‬بينما لم يقم اليسار بأية مراجعة لدوره‪ ،‬األمر الذي‬ ‫حرمه من توظيف االنتفاضة الستنهاض نفسه ‪ ...‬وباعتقادي أن اليسار ع ّرى نفسه‬ ‫وتساوق مع القوى األخرى‪ ،‬ولم يستطع الفصل بني العسكرة والعمل اجلماهيري املنظم"‬ ‫(كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫في االنتفاضة الثانية قدم اليسار برنامجا يربط بني املقاومة والعمل الشعبي ولكن لم‬ ‫يلق هذا أية استجابة من "فتح" أو "حماس"‬

‫"في بداية االنتفاضة الثانية بدأ اليسار يتأهب ألخذ دوره كما في االنتفاضة األولى‪،‬‬ ‫ولكن وجود قوتينّ رئيستني جعل التوجهات في االنتفاضة محكومة بهما وببرنامجيهما‪ ،‬فيما‬ ‫برنامج اليسار كان موجودا لكنه بقي ضعيفا بضعف قوى اليسار‪ .‬منذ بداية االنتفاضة‬ ‫وبعد اجتاهها نحو العسكرة طرح اليسار توحيد اجلهود من خالل قيادة وطنية موحدة‬ ‫‪ ...‬وقدم برنامج عمل متكامل يقوم على أساس الربط بني املقاومة والعمل الشعبي؛ ولكن لم يلق‬ ‫هذا البرنامج أية استجابة من "فتح" أو "حماس"‪ ،‬وبالتالي بقي اليسار متشبثا ببرنامجه‬ ‫وينشط على أساسه‪ .‬حركتا "فتح" و"حماس" استخدمتا العمليات العسكرية‬ ‫للمزايدة واملنافسة ومع ذلك التزمت بعض قوى اليسار بالعمل العسكري بحدود ‪67‬‬ ‫‪ ...‬ولكن االجتاه الطاغي كان عمليات في أراضي ‪ 48‬وهذا خلق واقعا جديدا‪ ،‬استثمرته‬ ‫إسرائيل لفرض نظام احلواجز وتكثيف االستيطان وهجرة عكسية للمستوطنني الذين‬ ‫فروا في بداية االنتفاضة إلى داخل إسرائيل؛ وعموما املناخ العام الشعبي كان متفاعال‬ ‫مع عمليات ‪ 48‬أكثر من ‪ 67‬بسبب القمع اإلسرائيلي وبسبب التهييج اإلعالمي املوجه‪.‬‬ ‫جدار الفصل العنصري واحلواجز وتكثيف االستيطان كلها سياسات فرضتها إسرائيل‬ ‫خالل االنتفاضة" (كادر حزبي‪ ،‬د) ‪.‬‬

‫‪164‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار الذي كان ضد "العمليات االنتحارية" لكونها وضعت النضال الفلسطيني على‬ ‫خط اإلرهاب لم يجاهر مبوقفه‬

‫"العمليات االنتحارية لم تكن مجدية ألنها وضعت النضال الفلسطيني على خط اإلرهاب‪.‬‬ ‫ولو استخدمت العمليات في مناطق ‪ 67‬حلققنا اجنازات سياسية أهم بكثير‪ .‬املشكلة أن‬

‫اليسار آو بعضه الذي له انتقادات على هذا الشكل لم يجاهر في موقفه ألنه كان يخشى "احلرق"‬ ‫اجلماهيري‪ .‬ونحن كان لدينا موقف من عمليات ‪ 48‬ولكننا لم نعلن موقفنا الداخلي جبنا‪.‬‬ ‫وبقناعتي أن هذا التردد في الدفاع عن قناعات اليسار ساهم في تراجعه‪ .‬االنتفاضة كان‬ ‫لها تأثير سلبي على اليسار ألنه كان ملحقا للقوى الظالمية في "حماس" وملحقا أيضا حلركة‬ ‫"فتح" واالجتاه العدمي فيها‪ .‬وهذا عكس نفسه عجزا على اليسار متثل في تغييب رؤيته‬

‫الداعية إلى احلفاظ على املضمون اجلماهيري لالنتفاضة" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬

‫اليسار تساوق مع العمليات العسكرية (داخل مناطق ‪ )48‬انسجاما مع املزاج الشعبي‬

‫"االنتفاضة األولى كانت مبادرة شعبية دميقراطية وكان اليسار جاهزا بأطره‬ ‫[اجلماهيرية] الدميقراطية‪ ،‬وهذه األطر أفرزت قيادات قادرة على إدارة الصراع مع‬ ‫االحتالل بطريقة فعالة‪ .‬اليسار دخل االنتفاضة الثانية وهو في حالة ضعف وتساوق مع‬ ‫العمليات العسكرية لكي يعيد بناء شعبيته وسمعته خصوصا ألن املزاج الشعبي في حلظة‬ ‫معينة كان يؤيد كل من يلحق خسارة بشرية باالحتالل‪ .‬لكن هذه العمليات أرجعت الشعب‬ ‫الفلسطيني إلى الوراء وباحملصلة انتهت االنتفاضة واليسار قد حتجم متاما‪ .‬جاءت نتائج‬ ‫االنتخابات التشريعية [الثانية] تتويجا حلصاد االنتفاضة‪ ...‬كان من املفترض على اليسار‬ ‫أن يقول بشكل واضح وجريء إن العمليات ليست هي التي تخدم البرنامج الوطني‪ ،‬لكنه‬ ‫لم يفعل ألنه بقي يلهث وراء االستقطاب [التوسع التنظيمي] االستخدامي والسريع؛‬ ‫وبالتالي خسر مكانته وخسر فرصة القدرة على التصحيح" (كادر حزبي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫في االنتفاضة الثانية فوت اليسار فرصة تاريخية إلعادة تعاقده مع اجلماهير‬

‫"االنتفاضة الثانية كانت في بداياتها انتفاضة شعبية سلمية‪ ،‬األمر الذي منح القوى‬ ‫الثورية‪ ،‬موضوعيا‪ ،‬فرصة لكي متسك بزمام املبادرة و قيادة هذا الفعل الشعبي اجلبار‬ ‫أو على اقل تقدير التأثير فيه‪ ،‬هذا لم يحدث ألن اليسار وقع أسيرا لشعارات ومواقف لم‬ ‫تختلف في اجلوهر عما طرحته القوى األخرى‪ .‬وبالتالي فوت على نفسه فرصة تاريخية‬ ‫إلعادة صياغة تعاقده مع اجلماهير‪ .‬هذا يعود ألن اليسار لم يعمل على تكتيل نفسه‬ ‫كقوى يسارية ضمن ائتالف معني‪ ،‬مثلما لم ينجح في طرح رؤية بديلة للعمل الشعبي‬ ‫أكثر احتراما وتقديرا للناس من األشكال االستخدامية‪ .‬كما ف ّوت اليسار فرصة توظيف‬ ‫االنتفاضة لتصويب السياسة الفلسطينية باجتاه إخراجها من عنق زجاجة أوسلو" (كادر‬ ‫حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬

‫‪165‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار لم يدافع عن املقاومة الشعبية‬

‫"في االنتفاضة الثانية انساق اليسار إلى دعوات العسكرة دون أن يدافع عن اخليار الشعبي‪،‬‬ ‫وعندما حتولت االنتفاضة إلى عمل مقاوم فقط غاب اليسار عن الساحة‪ .‬وهذا ما اعتبر‬ ‫مأخذا عليه من قبل أنصاره قبل اآلخرين من الناس" (كادر طالبي حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"االنتفاضة الثانية استنهضت كل الشعب في املرحلة األولى وهذا تطور كيفي وعودة‬ ‫إلى العمل الشعبي‪ .‬لكن جرى التخلي السريع عن هذا الشكل باجتاه العمل النخبوي‪.‬‬

‫اليسار لم يستطع الدفاع عن دور اجلماهير في املشاركة الشعبية الواسعة وترجمة ذلك عبر‬ ‫سياسات وأطر قادرة على االستمرار وعدم االنزالق إلى العمل النخبوي املعزول‪ .‬ولهذا‬

‫الفشل ومحدودية العمل العسكري لليسار مقارنة بـحركتي "حماس" و"فتح" بدا‬ ‫اليسار معزوال ومحدود األثر‪ .‬ورغم حالة التهميش التي شهدها اليسار على صعيد‬ ‫القرار الوطني إال أنه بقي مشرذما ومشتتا‪ ،‬ولم يبادر إلى التوحد الذي كان من املكن‬ ‫أن يعيد له بعض الدور الذي فقده" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫عسكرة االنتفاضة الثانية زادت من ضعف اليسار نتيجة انسياقه وراء استراتيجيه‬ ‫العمل العسكري النخبوي‬

‫"في االنتفاضة األولى كان اليسار ينشط بشكل فعال من خالل جلان املقاومة الشعبية‬ ‫وجلان األحياء وغيرها؛ لكن في االنتفاضة الثانية كان أداؤه ضعيفا‪ ،‬وتكشف ضعفه‬ ‫بشكل أكبر عند عسكرة االنتفاضة حيث كان من املفترض وألكثر من اعتبار أن يتم‬ ‫احلفاظ على املضمون الشعبي لها‪ ،‬وأن يعزز هذا اخليار‪ .‬لكن اليسار انساق وراء اآلخرين‪،‬‬ ‫واملصيبة أن قوى اليسار لم تستطع مجاراة اآلخرين وهو ما انعكس سلبا عليها؛ ألنها بنظر‬ ‫أنصارها والشارع عموما كانت شريكا مع الذين عملوا على عزل قوى املجتمع من‬ ‫خالل العمل العسكري النخبوي" (مستقل)‪.‬‬ ‫غاب عن اليسار موقف جريء ضد عسكرة االنتفاضة‬

‫"لم يتميّز اليسار في االنتفاضة الثانية لثالثة أسباب هي ‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬دخل اليسار االنتفاضة وهو ضعيف وغير مواكب للتداعيات واملستجدات من‬ ‫حيث قدرته على تلبية احتياجات الناس بعد التغيرات الدراماتيكية التي حصلت؛‬ ‫وثانيا‪ :‬الفئوية التي طغت على اليسار عكست نفسها عليه بشكل سلبي؛‬ ‫ثالثا‪ :‬التناقضات التي برزت بني مكوناته وداخل التيار الدميقراطي عموما جتلت‬ ‫نتائجها في انتخابات ‪ 2006‬التي لم يستطع اليسار أن يخرج منها بحصيلة وازنة في‬ ‫املجلس التشريعي‪ .‬وهناك أيضا غياب ملوقف جريء لليسار من عسكرة االنتفاضة‬ ‫‪166‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫والعمل الشعبي وابتعاد اليسار عن القاعدة الشعبية مما أضعف قدرته على التأثير‪.‬‬ ‫كما أن استمرار تشرذم اليسار وغياب أية أشكال ائتالفية أضعف اليسار وأثر على عدم‬ ‫بلورة ثقافة عمل وحدوي يساري تساهم في إحداث تغيير جدي في فكر الناس"‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫عسكرة االنتفاضة الثانية كشفت أزمة اليسار‬

‫"االنتفاضة األولى متت بقرار جماهيري‪ ....‬كان دور اليسار ومشاركته واضحني‬ ‫وبارزين‪ .‬وهناك مؤشرات كانت في حينه تعكس حجم املشاركة واألعباء‪ ،‬ومنها عدد‬ ‫اجلرحى والشهداء واملعتقلني‪ ،‬كما جتلى دور اليسار املبادر من خالل األطر الشعبية التي‬ ‫كانت الوعاء احلامي لالنتفاضة في سنواتها األولى‪ .‬لكن االنتفاضة بينّت أن اليسار‬ ‫لم يستنتج أن اللحظة الوطنية كانت تتطلب إقامة سلطة وطنية بديلة لالحتالل‪ ،‬وكانت‬ ‫الفرصة متاحة لذلك اخليار‪ ...‬االنتفاضة الثانية عكس األولى متت بقرار سياسي للتغطية‬ ‫على فشل خيار سياسي؛ وبالتالي كان هدفها االستخدام التكتيكي من قبل عرفات‪ ،‬فدخلنا‬ ‫في انتفاضة دموية‪ .‬السؤال كيف تصرف اليسار وكيف قرأ االنتفاضة [الثانية]؟ الكثير‬ ‫من تصرفات اليسار ومواقفه بينّت أنه يتصرف على أساس ردة الفعل أكثر وليس على‬ ‫أساس سياسة واضحة‪ ،‬ومنها على سبيل املثال أنه حلق بالعسكرة دون أن يسأل نفسه‬ ‫إلى أين ستصل االنتفاضة املسلحة‪ .‬واألهم أن العسكرة بينّت أزمة اليسار‪ ...‬وأنها ليست‬ ‫مجرد أزمة عابرة" (مستقل)‪.‬‬ ‫"في االنتفاضة األولى كان اليسار مميزا خصوصا في حضوره امليداني وفي الفعل العسكري وفي‬ ‫العمل اإلغاثي واالجتماعي‪ ،‬وفي اللجان الشعبية؛ وأما في االنتفاضة الثانية فكان اليسار‬ ‫هامشيا من حيث الفعل‪ ،‬خصوصا بعد أن سارت االنتفاضة بسرعة إلى العمل املسلح وهذا‬ ‫امليدان فضال عن أنه غ ّيب الفعل الشعبي فهو محدود بالنسبة إلى اليسار قياسا بقدرات‬ ‫"حماس" أو "فتح"‪ .‬لذلك ومع استمرار االنتفاضة بدا واضحا ضعف اليسار‪ ...‬وكان‬ ‫ميكن أن يكون عطاؤه أفضل لو كان لديه خطة وبرنامج خاص به" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"حصل عندنا أخطاء قاتلة في االنتفاضة الثانية‪ ،‬وكنا نقول في املعتقالت إن االنتفاضة‬ ‫يجب أن تتوقف بعد أسبوعني من اندالعها ألنها حققت كل األهداف املرجوة منها‬ ‫واستمرارها ال يحمل أي جديد‪ ،‬ولكن لم يعر أحد اهتماما لهذه املواقف‪ .‬كذلك أكدنا أن‬ ‫العمليات العسكرية يجب أن تتم في حدود األراضي احملتلة عام ‪ 67‬ويجب أن تربط العمليات‬ ‫العسكرية باألهداف واإلستراتيجية الوطنية‪ .‬لألسف إن الفصائل اليسارية حلقت‬ ‫باملسميات العسكرية التي أطلقها اآلخرون‪ ،‬وهذا كان نوعا من املزايدة وخطأ في‬ ‫احلسابات" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬

‫‪167‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫وراء عسكرة االنتفاضة اعتبارات فئوية‬

‫"في االنتفاضة الثانية لم يستطع اليسار أن ميارس دورا ملموسا كما كان في االنتفاضة‬ ‫األولى‪ ،‬وكان صوته خافتا ألن االنتفاضة ّ‬ ‫وظفت منذ البداية ضمن لعبة االستخدام‬ ‫السياسي‪ .‬لكن الذي استفاد منها بالنهاية هو "حماس"‪ .‬في االنتفاضة األولى جرى‬ ‫االعتماد على االقتصاد املنزلي كبعد صمودي وعلى املقاومة الشعبية‪ ،‬وبالتالي اليسار أبدع‬ ‫فيها بينما في االنتفاضة الثانية اختلفت األمور ألننا لسنا على متاس مع االحتالل‪،‬‬ ‫وألن قناعات الناس تغيرت جتاه القيادة السياسية وانهيار الرمزية‪ .‬عدم الثقة نابع من‬ ‫استخدام املواطنني ألهداف ومكاسب خاصة‪ .‬عسكرة االنتفاضة متت العتبارات فئوية‬ ‫أو خارجية ومكاسب سياسية فصائلية وقد جنحت فيها "حماس"" (قيادية‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"اإلبداع الذي سطره اليسار في االنتفاضة األولى لم يستطع محاكاته في االنتفاضة الثانية‪ .‬فهو‬ ‫من جهة لم يستطع منع عسكرة االنتفاضة‪ ،‬وترك ساحة للعمل العسكري النخبوي‪ ،‬ومن‬ ‫جهة أخرى لم يستطع مجاراة اآلخرين في العمل العسكري‪ .‬وبالتالي ساهم في عزل‬ ‫نفسه وتقدمي حركة "حماس" كجاذب واحد للجمهور والسيما أن ممارسات حركة‬ ‫"فتح" أو بعض أجنحتها شوشت على دورها الكفاحي في االنتفاضة" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫ال قدرة على العمل العسكري وال بديل ملقاومة شعبية منظمة‬

‫"ميكن رؤية نتائج االنتفاضة الثانية في نتائج االنتخابات التشريعية الثانية‪ .‬كان‬ ‫للمقاومة في االنتفاضة الثانية دور واضح‪ ،‬واليسار عموما لم يكن مميزا أو لم يكن مبقدوره‬

‫مجاراة "حماس" و"فتح" في العمل العسكري‪ ،‬وبذات الوقت لم يكن لديه بديل شعبي أو مقاومة‬ ‫شعبية مؤطرة‪ .‬لم يتمكن اليسار من إثبات حضوره ألنه لم يكن لديه االستعداد واجلاهزية‬

‫كما كان في االنتفاضة األولى حيث شكل اليسار فيها مبادرات‪ ...‬بينما في الثانية قامت‬ ‫السلطة بهذا الدور وقدمته بطريقة لم تخل من فساد‪ ،‬وهو ما زاد من إحباط الناس فيما‬ ‫املقاومة انتهت إلى حالة من الفلتان األمني‪ ...‬اليسار قدم شعارات وعناوين لالنتفاضة‬ ‫الثانية لكنه عجز عن ترجمتها أو حتويلها إلى سياسات فعلية" (قيادية‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫رابعا‪ ،‬تداعيات االنتخابات التشريعية األولى والثانية‬

‫غياب اإلطار املوحد لليسار أفقده أصوات بعض أنصاره‬

‫"الالفت أن نسبة من جمهور اليسار أو املؤيدين له استنكفت عن االنتخاب [في العام‬ ‫‪ ]2006‬بسبب عدم ثقتها مبواقف اليسار وشعاراته‪ .‬إن غياب اإلطار الواحد والبرنامج‬ ‫املوحد وغياب وحدة ميدانية لهذه القوى أبعد اجلماهير عنها‪ ،‬وبالتالي أصبح الناس أمام‬ ‫قوتني رئيستني؛ واملشكلة أن اليسار فشل حتى في أن يشكل بيضة القبان" (كادر‬ ‫حزبي سابق‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫‪168‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار لم يستخلص الدروس من االنتخابات الرئاسية‬

‫"مقاطعة االنتخابات األولى كانت خطأ كبيرا‪ ،‬ومشاركته في االنتخابات الثانية كانت‬ ‫خطأ أيضا ألنه لم يحصد منها إال الفشل‪ ،‬وألنه لم يستخلص الدروس والعبر من‬ ‫االنتخابات الرئاسية‪ .‬سبب الفشل في تشكيل كتلة موحدة هو احلسابات املصلحية‬ ‫الضيقة" (قيادي في جبهة النضال الشعبي)‪.‬‬ ‫اليسار لم يقنع اجلمهور بأنه ميثل البديل‬

‫"مقاطعة اليسار لالنتخابات األولى كانت ألسباب غير التي ساقها‪ .‬وبرأيي أن الضعف‬ ‫واإلرباك الداخلي واخلشية من انكشاف حقيقة حجم اليسار كان السبب الفعلي وراء‬ ‫املقاطعة‪ ،‬وبالتالي لم يكن منسجما مع ما أعلنه‪ ،‬ومهاجمة االتفاق بنظري كانت الشماعة‬ ‫وليس موقفا فعليا‪ .‬في العام ‪ 2006‬قرر اليسار أن أوسلو انتهى كاتفاق وبالتالي أصبحت‬ ‫املشاركة مبررة‪ ،‬والنتائج املتواضعة التي حققها اليسار في االنتخابات جاءت بعد ست‬ ‫سنوات من االنتفاضة وشعبنا دفع ثمنا باهظا؛ وبالتالي اجلمهور حمل "فتح" مسؤولية‬ ‫ما حصل وحمل اليسار أيضا ألنه لم يقنعهم أنه بديل‪ ،‬فضال عن أن اليسار كان يتناقش‬ ‫بعضه مع بعض على جمهور محدود ولم يتوجه إلى الدوائر األوسع‪ ،‬أي إلى جمهور‬ ‫"حماس" و"فتح"؛ وهذا تسبب أيضا في خسارته‪ .‬اليسار لم يستخلص الدروس من‬ ‫تشرذمه الذي تسبب في خسارته بطريقة مخ��ية‪ ،‬واعتقد أنه سيشكل بيضة القبان بني‬ ‫القوتني الرئيسيتني وحتى هذه لم يفلح بها" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫مقاطعة االنتخابات التشريعية األولى كانت صحيحة‬

‫"االنتخابات األولى عام ‪ 96‬كانت بعد أوسلو‪ ،‬وكان موقف املقاطعة من أطراف اليسار‬ ‫موقفا صحيحا في حينه‪ .‬في االنتخابات الثانية شاركت أطراف اليسار التي قاطعت في‬ ‫االنتخابات األولى منطلقة من قراءة سياسية فحواها أن أوسلو فشل بدليل االنتفاضة‪،‬‬ ‫وفي كل األحوال يجب أن ال تترك الساحة حلركة "فتح" وحدها تستفرد باالنتخابات‬ ‫كما حصل سابقا‪ .‬من املؤسف أن تأتي نتائج اليسار بهذا احلجم املتواضع؛ وهذا دلل على‬ ‫أن اليسار ليس لديه قراءة جيدة للواقع اجلماهيري في األراضي الفلسطينية‪ .‬ومما ساهم في‬ ‫تهميش اليسار أنه لم يتفق على املشاركة في االنتخابات ككتلة واحدة بل شارك في ثالث‬ ‫كتل ‪ ،‬وفي انتخابات الرئاسة أيضا كان أكثر من كتلة" (قيادية في إطار نسائي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"كانت مقاطعة أطراف رئيسة من اليسار لالنتخابات التشريعية صحيحة في‬ ‫حينه‪ ،‬ومنسجمة مع قرار رفض االتفاق‪ ،‬لكن املشاركة في االنتخابات الثانية متت على‬ ‫األرضية نفسها وإن جاءت بعد عدة متغيرات؛ والنتيجة كانت متوقعه ألن اليسار كان‬ ‫في أضعف حاالته و"حماس" في أفضل حاالتها‪ ،‬وبالتالي ملت الشارع لصاحلها"‬ ‫(حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪169‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"كان القرار الذي اتخذته بعض قوى اليسار مبقاطعة االنتخابات عام ‪ 96‬قرارا صحيحا‬ ‫ألن املشاركة في حينه كانت ستفهم على أنها موافقة على أوسلو‪ ،‬بينما في عام ‪2006‬‬ ‫كانت املشاركة على قاعدة التصحيح وأن أوسلو أضحى أمرا واقعا‪ .‬أما ملاذا كانت النتائج‬ ‫متواضعة لليسار في االنتخابات فبتقديري أن البعد املادي كان حاضرا خالفا للكتل‬ ‫األخرى التي لم يكن لديها إشكالية على اإلطالق في هذا اجلانب‪ .‬كان من املفترض أن يشارك‬ ‫اليسار في كتلة وباءت كل اللقاءات الهادفة لتشكيل كتلة واحدة لليسار بالفشل بسبب احلسابات‬ ‫الذاتية للكتل‪ .‬وهذا التشرذم أعتبره سببا رئيسا في عدم احلصول على النتائج املتوقعة‪.‬‬

‫كذلك كان لضعف اخلبرة لدى الكادر املسؤول عن إدارة املعركة االنتخابية أثر ملموس في‬ ‫التراجع بينما الكتل األخرى كانت جاهزة ومتحضرة من خالل إعداد كوادر وتأهيلها‪ .‬اعتقد‬ ‫أن اليسار دفع ثمن مواقفه السياسية غير الواضحة من قضايا كثيرة" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫أخطأت فصائل اليسار التي لم تشارك في االنتخابات التشريعية األولى‬ ‫"لو شارك اليسار في االنتخابات التشريعية األولى لكان وضعه أفضل بكثير‪ ،‬وكان مرجحا أن‬ ‫يحصل على نسبة أعلى بكثير من تلك التي حصل عليها في االنتخابات الثانية‪ ،‬والسيما أن حركة‬ ‫"حماس" لم تكن بالقوة التي أصبحت عليها في العام ‪ .2006‬ومشاركتنا االنتخابات‬ ‫الثانية عام ‪ 2006‬بينّت ضعف اليسار بشكل عام‪ ،‬لعدم وجود املال الالزم إلدارة حمالت‬

‫انتخابية جيدة وألخطاء في البرنامج االنتخابي والسياسات التحالفية خصوصا التحالف‬ ‫مع حركة "حماس" في بعض املواقع على صعيد املجالس القروية" (كادر حزبي‪ِ ،‬‬ ‫ش)‪.‬‬ ‫جماهير اليسار عاقبت تنظيماتها في االنتخابات التشريعية الثانية بالتصويت لغيرها‬

‫"كان غياب قوى اليسار عن االنتخابات التشريعية األولى خطيئة كبرى أدى إلى‬ ‫تغييبها عن املؤسسة التشريعية‪ ،‬وتاليا قاد إلى تهميشها على مستوى القرار‬ ‫السياسي‪ ،‬خصوصا ألن املنظمة قد مت تهميشها بعد إقامة السلطة وأصبحت جزءا من‬ ‫أدوات السلطة الفلسطينية‪ .‬في االنتخابات التشريعية الثانية لم تفلح قوى اليسار‬ ‫والعتبارات ضيقة في دخول املعركة االنتخابية بقائمة مشتركة في مواجهة القوتني‬ ‫الرئيستني؛ وهذا أدى بالنتيجة إلى أن جماهير اليسار عاقبت هذه القوى بالتصويت لغيرها‬ ‫أو عدم التصويت ألنها لم تر فيها ندا قويا ومعبرا صادقا عن مصالح الفئات الشعبية‬ ‫املسحوقة والضعيفة‪ .‬وهنا استطاعت "حماس" من خالل شعاراتها املجتمعية‬ ‫التغييرية والسياسية استقطاب هذه اجلماهير وغيرها لصاحلها" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫نتائج انتخابات املجلس التشريعي عام ‪ 2006‬أظهرت مزاجية أحزاب اليسار وعدم‬ ‫احترامها مصالح اجلماهير‬

‫"كان من اخلطأ أن ال تشارك أحزاب اليسار في االنتخابات األولى ألنها عزلت نفسها‬ ‫عن الناس وعن النظام السياسي بقرار‪ .‬كان أمام اليسار فرصة في العام ‪ 96‬أن يحقق‬ ‫‪170‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫نتائج أكبر لو توحد‪ ،‬وخصوصا ألن ثقة الناس به كانت أكبر‪ ،‬ودوره كان ملموسا‬ ‫أكثر‪ ،‬بينما في العام ‪ 2006‬ظهرت أحزاب اليسار على أنها أحزاب مزاجية وال حتترم مصالح‬ ‫اجلماهير‪ .‬وكانت انتخابات ‪ 2006‬كارثية على اليسار من حيث النتائج‪ ،‬والتي ازدادت‬ ‫سوءا بسبب عدم االتفاق على قائمة واحدة باسم اليسار‪ .‬ومشاركة حزب الشعب في‬ ‫االنتخابات عام ‪ 96‬كانت فاشلة ألنه دخلها بطريقة عشوائية واعتمد على االمتدادات‬ ‫العائلية أكثر من االمتداد التنظيمي‪ ،‬وفي العام ‪ 2006‬شارك ضمن قائمة البديل وكان‬ ‫هناك قائمة أخرى لليسار‪ ،‬وهو ما أظهر أن صراع اليسار هو صراع على الكراسي وليس‬ ‫صراعا سياسيا" (كادر‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار لم يستطع أن يلملم صفوفه بعد انتخابات عام ‪2006‬‬

‫"القوى اليسارية التي شاركت في االنتخابات األولى ‪ 1996‬لم تدرك بسبب قلة اخلبرة‬ ‫في االنتخابات العامة حجمها وكيفية إدارة العملية االنتخابية‪ ،‬وبالتالي خسرت في‬ ‫االنتخابات األولى‪ .‬وحزب الشعب لم يستطع بعد ‪ 80‬عاما من النضال إيصال أي‬ ‫عضو إلى املجلس التشريعي [عام ‪ .]1996‬وبقناعتي أن غياب اجلبهتني [الشعبية‬ ‫والدميقراطية] عن مجمل العملية أثر سلبا على قوى اليسار وترك الساحة مفتوحة‬ ‫أمام حركة "فتح" التي استأثرت بها كما تريد‪ ،‬فيما برزت حركة "حماس" كمعارضة‬ ‫منسجمة في مواجهة السلطة‪ .‬كما يجب أن يقال إن سلوك قوى اليسار جتاه سلبيات‬ ‫السلطة أثر على هذه القوى بشكل سلبي‪ ،‬وبرز هذا التأثير بشكل جلي في االنتخابات‬ ‫التشريعية الثانية حيث لم حتصل قوى اليسار مجتمعة على ‪ %5‬من مجموع مقاعد‬ ‫املجلس التشريعي‪ .‬وبعد االنتخابات وما حملته من نتائج عكست فوز "حماس" بنسبة‬ ‫مرتفعة وتدني نسبة اليسار لم تستطع تلك القوى تنظيم صفوفها وتقدمي نفسها كمعبر‬ ‫عن املجتمع أو جمهورها االفتراضي على األقل" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫مقاطعة انتخابات العام ‪ 1996‬كان قرارا ارجتاليا ‬

‫"مقاطعة االنتخابات األولى كان قرارا ارجتاليا ولم يخضع ملنطق حتليلي صحيح بل رد فعل‪.‬‬ ‫وبني االنتخابات األولى والثانية مرت مياه كثيرة‪ ...‬ومن املعروف أن السلطة هي املشّ غل‬ ‫األول؛ وبالتالي فالتنظيم الذي يسعى للتوظيف من خالل السلطة ينظر إليه من قبل‬ ‫الناس على أنه تنظيم بوجهني فإما املشاركة في احلكم أو املعارضة املنسجمة‪ .‬املشاركة‬ ‫في االنتخابات الثانية جاءت بنتيجة متواضعة ألن االنتقال احلاصل في املوقف لم يكن‬ ‫مستوعبا من قواعد اليسار" (مستقل)‪.‬‬ ‫اليسار ال يتوقف أمام سياساته‬

‫"في االنتخابات األولى كان اخللل أن اليسار لم يتوحد في املوقف من أوسلو ولم‬ ‫يتوحد حول االنتخابات‪ .‬في االنتخابات الثانية شارك اليسار الذي قاطع في املرة‬ ‫‪171‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األولى علما أن أوسلو لم يتغير‪ ،‬وهذا من املآخذ املسجلة عليه‪ .‬اإلشكالية األخرى أن‬ ‫اليسار هزم في معركة الرئاسة ألنه لم يتوحد‪ ،‬ومع هذا لم يستفد من هذا الدرس‬ ‫في االنتخابات التشريعية التي متت بعد عام‪ ،‬بل كرر ذات اخلطأ وشارك في ثالث‬ ‫كتل وكانت النتائج مخيبة لآلمال‪ .‬برأيي أن تراجع اليسار الفلسطيني سببه الرئيس‬ ‫أن اليسار ال يتوقف سواء كيسار بكل تكويناته أو كأحزاب أمام سياساته‪ .‬ونحن ناقشنا‬ ‫اإلخفاق في االنتخابات ولكن ضمن املؤمتر ولدى طرح قضية اليسار وحدته"‬ ‫(حزبية قيادية في إطار نسائي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫تعامل اليسار مع االنتخابات من منظور سياسي بحت خطأ‬

‫"عدم مشاركة اليسار في االنتخابات التشريعية األولى كان مثار انتقاد لعدة أسباب؛‬ ‫أولها‪ :‬أن املشاركة في االنتخابات ال تتناقض مع القناعات الوطنية والبعد الوطني‪،‬‬ ‫والتعامل معها فقط مبنظور سياسي بحت خطأ كبير ألن هذه النظرة غ ّيبت البعد‬ ‫الدميقراطي واعتبار االنتخابات فرصة لتعزيز احلياة الدميقراطية؛ وبالتالي توفير روافع‬ ‫أفضل لليسار‪ .‬وما يوضح خطأ اليسار أنه شارك في انتخابات ‪ 2006‬وهي نقطة إيجابية؛‬ ‫ولكن حصول اليسار على نسبة ‪ %5‬مؤشر على أزمة اليسار وضعفه‪ ،‬ومما زاد في‬ ‫حجم اخلسارة تشتت اليسار وعدم مشاركته في قائمة موحدة" (حزبية سابقة‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"لم يكن واضحا دور اليسار جتاه االنتخابات التشريعية األولى حيث قاطعت بعض‬ ‫قوى اليسار (الشعبية‪ ،‬والدميقراطية)‪ ،‬وشاركت أخرى (حزب الشعب‪ ،‬فدا)‪ .‬وقناعتي‬ ‫أن املقاطعة كانت قرارا غير مدروس من اليسار ألنه كان من املمكن أن يشكل من خالل‬ ‫مشاركته مؤشرا على وزنه اجلماهيري‪ ،‬وخصوصا ألنه كان ما زال ميلك رصيدا‬ ‫جماهيريا وقياديا مهما‪ .‬في االنتخابات الثانية شارك في االنتخابات وتبني أنه مبجموع‬ ‫قواه يشكل قوة هامشية ‪( "...‬كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"نتائج االنتخابات األولى والثانية أظهرت التراجع الواضح في حجم اليسار حيث‬ ‫هيمنت حركة "فتح" على معظم مقاعد التشريعي في االنتخابات التشريعية األولى‪،‬‬ ‫مع اإلشارة إلى أن بعض قوى اليسار قاطعت االنتخابات ولكن مقاطعتها لم تكن ذات‬ ‫تأثير‪ .‬وكشفت االنتخابات الثانية أن اليسار قوة هامشية‪ ،‬فهو مجتمعا ومنفردا لم يتجاوز‬ ‫عدد املقاعد التي حصل عليها أصابع اليد الواحدة" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫نتائج غير مفاجئة‬

‫"معروف أن اليسار انقسم حول املشاركة في االنتخابات [التشريعية] األولى؛ فبعضه‬ ‫شارك وبعضه األخر قاطع‪ ،‬وهذا دون شك زاد من ضعفه‪ .‬وهناك اعتقاد أنه امتنع عن‬ ‫املشاركة في االنتخابات لكي ال ينكشف حجمه احلقيقي بينما لو خاض االنتخابات‬ ‫بشكل موحد حلقق مكاسب؛ من هذه املكاسب فرز قيادات سياسية وجماهيرية قادرة‬ ‫‪172‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫على الوصول إلى الناس‪ .‬نتائج االنتخابات [التشريعية] الثانية املتواضعة كانت‬ ‫محصلة للسياسات اخلاطئة ومجمل األزمات التي عاشها اليسار؛ وبالتالي لم تكن‬ ‫مفاجئة بالنسبة لي" (مستقل)‪.‬‬ ‫حتول املنظمات غير احلكومية من أدوات لليسار إلى عبء عليه‬ ‫خامسا‪ّ ،‬‬

‫املنظمات األهلية التي قادها اليسار حت ّولت إلى إقطاعيات ومحميات ألفراد‬

‫"التمويل األجنبي كان له تأثيره على احلياة املدنية في املجتمع الفلسطيني‪ ،‬وحاول‬ ‫اليسار االستفادة من هذا املال لكن دون سياسة واضحة فأ��بح هو رهينة له‪ .‬من‬ ‫احلقائق التي يجب أن تقال إن املؤسسات األهلية وغير احلكومية التي أقامها اليسار عانت‬ ‫وال تزال تعاني من الفساد اإلداري حيث تتربع على رأسها مجموعة من املسؤولني‬ ‫الذين لم يتغيروا منذ عقود‪ ،‬وحت ّولت إلى إقطاعيات ومحميات ألفراد مهيمنني يتحدثون‬ ‫اإلجنليزية بطالقة" (حزبية سابقة‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫املنظمات غير احلكومية استوعبت عددا كبيرا من كوادر اليسار‬

‫"انتقل للعمل في املنظمات غير احلكومية عدد كبير من كوادر اليسار‪ ،‬والهم الرئيس لهذه‬ ‫املنظمات ذات الوظائف املهنية هو إرضاء املمول وتقدمي خدمات ذات طابع زبائني‪ ،‬وليس‬ ‫بناء قواعد حزبية أو جماهيرية‪ .‬أدى هذا إلى تساؤالت عند اجلمهور حول انتقال هذه‬ ‫الكوادر والقيادات إلى العمل في هذه املنظمات برواتب عالية‪ ،‬وما إلى ذلك‪ .‬هذا أثر على‬ ‫مصداقية اليسار‪ .‬في األصل كانت هذه التنظيمات منظمات ذات قواعد جماهيرية وأصبحت‬ ‫تنظيمات مهنية تعتمد على التوظيف براتب‪ ،‬أي ألغت العمل التطوعي‪ .‬في السابق كنا‬ ‫ندفع اشتراكا إلى جلان العمل التطوعي (كل تنظيم كان له جلان عمل تطوعي)‪ ،‬وكانت‬ ‫هذه مدارس للقيادة بالنسبة للشباب‪ .‬هذه استمرت حتى االنتفاضة األولى وتشكيل‬ ‫اللجان الشعبية وتشكيل أطر جماهيرية كفاحية لكل تنظيم مهمتها توزيع بيانات‪ ،‬وكتابة‬ ‫شعارات على احليطان واشتباك مع قوات االحتالل" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫املنظمات غير احلكومية التي رعاها اليسار باتت توجه ضده‬

‫"الدول األوروبية خالل وبعد االنتفاضة األولى‪ ،‬تعاملت مع أطر جماهيرية بتقدمي‬ ‫املساعدات املادية دون أن تضع رقابة أو نظام محاسبة‪ ،‬واستهدفت هذه أفرادا برزوا‬ ‫خالل االنتفاضة األولى عبر احلركة اجلماهيرية‪ .‬لقد جرى جذب قطاعات جماهيرية إلى‬ ‫املنظمات غير احلكومية (‪ ،)NGOs‬وح ّولت كوادر كفاحية متقدمة إلى موظفني‪ .‬كل منظمات‬ ‫العمل الشعبي (وكان هناك منظمة عمل شعبي للصحة على سبيل املثال لكل الفصائل‬ ‫الرئيسة العاملة في الضفة والقطاع) تخلت عن جمهورها عندما حتولت إلى منظمة‬

‫‪173‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫غير حكومية‪ ،‬وربط العاملون فيها بالرواتب وجرى حتويلها إلى منظمات مهنية ذات عالقة‬ ‫إدارية باجلمهور‪ ,‬وحتول العمل التطوعي إلى عمل نفعي‪ .‬كان هذا أحد أسباب أزمة‬

‫اليسار‪ ،‬فقد باتت العالقة مع اجلمهور عالقة نفعية‪ ،‬وضاعت العالقة السياسية بني‬ ‫املنظمة وجمهورها‪ .‬بتعبير آخر املنظمات غير احلكومية اخلاصة باليسار باتت توجه‬ ‫ضد اليسار‪ ،‬وباتت هناك رواتب عالية (أضعاف رواتب أعضاء املكاتب السياسية) تدفع‬ ‫للمديرين واملوظفني مما خلق شريحة دخلها أعلى من متوسط الدخل في البلد‪ ،‬وبدخل‬ ‫مرتبط باخلارج‪ .‬ومن يقدم املال يوجه في السياسة‪ .‬السبب في أن اليسار تأثر أكثر من‬ ‫"فتح" و "حماس" يعود إلى أن موارد اليسار أضعف من موارد التنظيمني الكبيرين اللذين‬ ‫تتدفق عليهما أموال واسعة‪ ،‬وهما قادران على الصرف املالي‪ ،‬وكال التنظيمني يتلقى‬ ‫أمواال ودعما من الدول العربية و"حماس" تتلقى دعما من دول إسالمية؛ وهذه الدول‬ ‫حتمل توجهات ال تتعارض‪ ،‬بل تنسجم‪ ،‬مع توجهات التنظيمني‪" .‬حماس" تتلقى دعما‬ ‫يعادل ‪ 150‬مليون دوالر شهريا‪ ،‬وفتح لديها أموال السلطة‪( "...‬قيادي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار لم يعمل وفق خطينّ مترابطني؛ تقدمي خدمات للجمهور وتنظيمه‬

‫"بعد اتفاق أوسلو حتول العديد من قيادات وكوادر اليسار إلى قيادات ملنظمات غير حكومية‬ ‫(‪ ...)NGOs‬شبكة املنظمات األهلية كلها محسوبة على اليسار‪ .‬لكن اليسار لم يعمل وفق‬

‫خطني مترابطني‪ :‬توفير خدمات للجمهور احملتاج (مبا في ذلك التدريب والتثقيف)‪،‬‬ ‫وتنظيم اجلمهور‪ .‬املهمة األخيرة شهدت تراجعا واسعا من قبل اليسار‪ .‬كما شهد‬ ‫اهتمام اليسار بالشباب (من اجلنسني) تراجعا من حيث التثقيف والتنظيم‪ ...‬في‬ ‫االنتفاضة األولى جرى مد تنظيمي واسع لليسار لكنه لم يترافق مع تأهيل أيديولوجي‬ ‫وتوعية نظرية واجتماعية" (قيادية سابقة‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫املنظمات غير احلكومية ال تجُ ّير خلدمة برامج اليسار‬

‫"تغيرت بيئة العمل السياسي وظروفه بشكل جذري بعد اتفاق أوسلو‪ ،‬فلم يكن بد‬ ‫لفصائل اليسار من أن تتكيف مع الوضع اجلديد وتتواءم معه‪ ،‬ولكن الطريقة التي‬ ‫تالءم بها اليسار كانت كارثية عليه‪ .‬فقد انتقلت من العمل السياسي اجلماهيري النضالي إلى‬ ‫تأسيس اجلمعيات غير احلكومية املدعومة مبال غربي مشروط‪ ،‬بحيث أصبح همها حتصيل‬ ‫املزيد من هذا املال بدل الوجود بني اجلماهير فبهتت وضعفت‪ .‬وبدال من تربية الكادر‬ ‫املسيّس واخلبير بأسس العمل النقابي واجلماهيري والتحريضي الثوري‪ ،‬أصبحت‬ ‫تدربه على كيفية إدارة املشاريع املم ّولة والعالقة مع املمولني وكتابة التقارير وجميع‬ ‫الكفاءات املهنية والتقنية التي تتطلبها املجاالت اجلديدة‪ ،‬إضافة إلى اعتماد النخب على‬ ‫املعاشات الشهرية املرتفعة نسبيا في املجتمع الفلسطيني‪ .‬فانفصلت هذه الكوادر عن‬ ‫مجتمعاتها‪ ،‬ألنها ارتاحت بفتات مأدبة العوملة‪ ،‬بينما ترزح غالبية الشعب حتت وطأة‬ ‫احلاجة والفقر‪ .‬وبذلك عوضا عن أن تكون هذه اخلدمات هي برامج لهذه األحزاب والفصائل‪،‬‬ ‫أصبحت األحزاب والفصائل هي برامج لهذه اجلمعيات" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪174‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫منظمات ذات ثقافة ليبرالية‬

‫"لم تستطع قوى اليسار بناء مؤسسات مجتمعية تقوم من خاللها بتعميق جسور‬ ‫التواصل مع الناس‪ ،‬و تشكيل سياج لهذه األحزاب‪ ،‬بل أصبحت هذه املؤسسات منابر‬ ‫لثقافات وأفكار جديدة ليبرالية تتأثر بسوق العرض والطلب التي يحددها املمول األجنبي‬ ‫ويتغلغل في داخلها الفساد الناجم عن هيمنة صنف من القيادات املستفيدة واملتربعة‬ ‫على عرشها وإداراتها بشكل دائم؛ وبالتالي أصبحت لها مساحة أوسع في قرارات‬ ‫اليسار من خالل نفوذها املالي والتوظيفي" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫دخول املنظمات غير احلكومية إلى مواقع اليسار اجلماهيرية‬

‫"استطاعت املنظمات غير احلكومية تفريغ األحزاب اليسارية من كوادرها وقياداتها‬ ‫التي كانت قد مكنت هذه األحزاب من لعب دور كفاحي وجماهيري‪ .‬لقد أنيط‬ ‫بهذه املنظمات الدور الكالسيكي املتمثل في إيصال اخلدمات للفئات التي ال‬ ‫تستطيع السلطة الوصول إليها‪ .‬لقد جرى تفريغ النخب اليسارية في املنظمات‬ ‫غير احلكومية حتت إغراءات املال والوظيفة‪ .‬كما بدأت بعض هذه املنظمات تتطلع‬ ‫إلى دور سياسي‪ ،‬أي بدأت حتاول لعب دور احلزب السياسي اليساري عبر الدخول‬ ‫إلى مواقعه اجلماهيرية بحكم قدرتها التمويلية (منوذج اإلغاثة الطبية حيث توسعت‬ ‫من القضايا الطبية إلى قضايا الشباب واملرأة إلى طرح املبادرة الوطنية كحزب‬ ‫سياسي‪ ،‬وإلى حد ما اإلغاثة الزراعية)‪ .‬كما أن النضال الشعبي بات‪ ،‬في بعض‬ ‫مظاهره‪ ،‬مموال عبر املنظمات غير احلكومية‪ .‬هذا يع ّود الكفاح الشعبي االعتماد على‬ ‫التمويل‪ ،‬أي إذا توقف التمويل توقف النضال‪ .‬باختصار باتت املنظمات األهلية بعد‬ ‫استقاللها عن األحزاب اليسارية تخدم أهدافا ليست أهداف األحزاب اليسارية‪...‬‬ ‫" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"من أبرز أسباب تراجع اليسار الفلسطيني الدور الذي لعبته املنظمات غير احلكومية‪ .‬وهو‬ ‫دور معروف؛ ولذا لن أفصل أكثر حول هذا املوضوع" (قيادي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫مسعى لتحويل املنظمات غير احلكومية من بديل للسلطة والقوى اإلسالمية لبديل‬ ‫لليسار‬

‫"لم يستطع اليسار أن يوفر بديال مؤسسيّا ملفاعيل أوسلو‪ ،‬بالرغم من أنه ال يفتقد‬ ‫املقومات‪ ،‬خصوصا في االنتفاضة األولى حيث كانت قوى اليسار هي الرئيسة ولكنها‬ ‫لم توظف جهدها بشكل منسق ومهني لبناء بديل دائم‪ .‬ومت التعامل مع املنظمات غير‬ ‫احلكومية كامتدادات حزبية‪ ...‬وهي التي كانت ممزقة في توجهاتها االجتماعية‪،‬‬ ‫ولم تكن تعمل في اجتاه واحد جامع حيث برزت عدة وجهات نظر حول إدارة هذه‬ ‫املؤسسات‪ .‬وكان هناك انزالق لسياسة هذه املؤسسات ليصبح اليسار ضحية متعمدة‬ ‫‪175‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫لتحويل هذه املؤسسات االجتماعية من بديل للسلطة والقوى اإلسالمية إلى بديل لقوى اليسار‪...‬‬ ‫والتجفيف املتعمد للدعم املالي لليسار أثر بشكل واضح‪ .‬اليسار يفكر باحلد األدنى وليس‬ ‫باحلد األقصى؛ وكيسار كنا متنبهني وعملنا على توفير قاعدة مالية توفر احلد األدنى‬ ‫لالستمرار وكان هناك من ضمن ذلك مشاريع واختفت‪ ،‬خصوصا مع التحوالت التي‬ ‫حصلت [في املنطقة والعالم] حيث كانت تلك املشاريع مرتبطة بحكومات معينة ولدى‬ ‫تغييرها انهارت تلك املشاريع‪ ...‬نعم الفارق املالي بني االستقطابني وبني قوى اليسار يلعب‬ ‫دورا في تقويتهما على حساب اليسار‪ .‬مثال "حماس" لديها قدرة للدفع لثالثة آالف طالب‬ ‫في جامعة بيرزيت وكذلك "فتح" التي إضافة إلى الدفع‪ ،‬لديها وعود بالتوظيف"‬ ‫(قيادي‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"هناك أزمة الهوية لليسار وغياب ملرجعية فكرية خالقة بحيث لم يبق له مما تبناه على‬ ‫مدى تشكله سوى بقايا "علمانية" شكلت قاسما مشتركا مع الليبرالية الرأسمالية بعامة‪،‬‬ ‫واألميركية بخاصة‪ ،‬مما تسبب في ترك كثيرين من أعضائه وكوادره له‪ ،‬واالجتاه نحو‬ ‫املنظمات غير احلكومية أو املنظمات الدولية ذات التمويل الغربي‪ .‬بل إن كثيرا من مؤسسات‬ ‫اليسار الصحية والزراعية ومؤسسات املرأة أصبحت تتلقى متويال من نفس جهات‬ ‫التمويل الغربية التي تك ّن لها عداء أو تقف في تعارض معها" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"أخطأ اليسار في التعامل مع املنظمات غير احلكومية التي كان من املفترض أن تعبر عن‬ ‫سياساته وتوجهاته‪ ،‬لكنها ابتعدت عنه ومنت على حسابه وأفرغت الكادر آو اجتذبته‬ ‫للعمل فيها‪ .‬وهذا ال أعتقد أنه عفوي بل مبرمج (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫مطلوب إزالة غبار النخبوية عن مؤسسات العمل األهلي ذات التوجهات الدميقراطية‬

‫"بات من الضروري أن تكون منظمات العمل األهلي أحد الروافد الهامة في سياق‬ ‫العمل على بلورة وبناء التيار الدميقراطي املنشود‪ .‬فلم تعد صاحلة مقولة مهنية وحيادية‬ ‫العمل األهلي وعدم تدخله باألمور السياسية‪ ،‬وبخاصة في ظل حالة االستقطاب السياسي‬ ‫احلاد باملجتمع‪ .‬صحيح أن جهد العمل األهلي مبني على أسس التنمية وتقدمي اخلدمات‬ ‫وتنفيذ املشاريع واحتضان الفئات االجتماعية املهمشة والضعيفة‪ ،‬ولكن الصحيح كذلك‬ ‫يقتضى ربط تلك األنشطة والفعاليات مبا يشمل أنشطة الضغط واملناصرة وتوطني‬ ‫ثقافة احلقوق بدالً من الثقافة اإلغاثية واالتكالية واالرتباط ببوصلة سياسية ناظمة أال‬ ‫وهي التيار الدميقراطي املطلوب‪ .‬وهذا يتطلب إزالة غبار النخبوية عن بعض املؤسسات‬ ‫األهلية املؤمنة باخليار والتوجه الدميقراطي وإعادة صياغة العالقة مع الفئات االجتماعية‬ ‫على أسس من املشاركة والدميقراطية‪ ،‬كما تتطلب ضرورة متكني وتقوية وتوسيع نفوذ‬

‫ورقعة العمل األهلي مبا يشمل منظمات املجتمع املدني التي تلتقي في الرؤية املبنية‬ ‫على إقامة املجتمع املدني الدميقراطي الذي يحترم احلريات وحقوق اإلنسان‪ ،‬في إطار‬ ‫استمرارية التمسك بهدف التحرر الوطني واالستقالل" (كادر‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫‪176‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫سادسا‪ ،‬جتفيف املوارد املالية لليسار‬

‫اليسار فشل في أن يكون شريكا فعليا في مؤسسات منظمة التحرير ‬

‫"فشل اليسار الفلسطيني أن يكون شريكا فعليا في مؤسسات منظمة التحرير حيث ساد التفرد‪،‬‬ ‫وأخضع متويل التنظيمات السياسية الشتراطات سياسية؛ وهو األمر الذي بدأ يعكس‬ ‫أثره السلبي على اليسار على املستويني القيادي والقاعدي‪ ،‬وقد كان بإمكان اليسار أن‬ ‫يجدد كيانه بعد اخلروج من بيروت لكنه عجز عن ذلك‪ .‬صحيح أن االنتفاضة األولى‬ ‫حسنّت من وضعيته لكن انهيار االحتاد السوفييتي جاء ليضع قوى اليسار أمام معضلة‬ ‫جديدة‪ .‬وأحد أسباب جناح حركة "حماس" متثل في اعتمادها على مؤسسة املسجد واملؤسسات‬ ‫اخليرية التي كفلت دميومتها واستمرارها‪ .‬اليسار لم يدرك أهمية هذا األمر وبقي يقتات‬ ‫على ما يأتيه؛ وبالتالي بقي تابعا ألن من ميلك املال ميلك القرار" (مستقل)‪.‬‬ ‫ال ظهر وال موارد مالية لليسار‬

‫"من أسباب تراجع اليسار اضطراره إلى دفع ضريبة سلبيات منظمة التحرير التي‬ ‫شكل ويشكل جزءا منها دون جني ثمار هذه العضوية التي متتعت بها "فتح" (مواقع‬ ‫قيادية ثم الهيمنة على مقدرات السلطة)‪ ،‬ولم يتمتع باملعارضة من خارج املنظمة األمر‬ ‫الذي متتعت به "حماس"‪ .‬ال يوجد اآلن ظهر لليسار بعد أن فقد االحتاد السوفييتي‬ ‫والدول االشتراكية‪ ،‬وال ميلك موارد مالية ضخمة كما هو حال "حماس" و"فتح"‪ ،‬وال‬ ‫تتوافر لدية شخصية "كارزمية" ت ّوحده وتقوده" (كادر حزبي‪ ،‬د)"‪.‬‬ ‫"التمويل [املقصود نقص التمويل] لعب دورا في تراجع اليسار ألن املال عنصر‬ ‫حيوي‪ ،‬ومن دونه يصعب على أي حزب متويل أنشطته وبرامجه وتطبيق سياساته‪.‬‬ ‫وفي الوضع الفلسطيني ونتيجة االحتالل والتوزع في الداخل واخلارج يبدو أن حاجة‬ ‫احلزب للمال أكبر مما هي في الوضع الطبيعي‪ ،‬ومع جتفيف املوارد املالية لليسار بات‬ ‫اليسار يشهد تراجعا وتعثرا ملحوظني" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫شح املال لدى اليسار وهيمنة الفضائيات املؤيدة لإلسالم السياسي من أسباب تراجع‬ ‫التأييد اليسار‬

‫"السبب الرئيس في أزمة اليسار يعود إلى غياب الدعم املالي‪ .‬هذا أثر بشكل سلبي على نشاطات‬ ‫اليسار‪ .‬فعلى سبيل املثال كتلة الشبيبة أو الكتلة اإلسالمية [في اجلامعات] تصرفان أمواال‬ ‫طائلة على احلمالت االنتخابية‪ .‬بينما نحن كنا ندفع املواصالت من جيوبنا اخلاصة وكذلك‬ ‫الدعاية االنتخابية‪ .‬وبالتالي التراجع في التأييد الطالبي أحد أسبابه نقص املال‪ .‬السبب الرئيس‬ ‫الثاني وجود القنوات الفضائية املؤيدة لتيار اإلسالم السياسي‪ ،‬والتي تهاجم التيارات األخرى وهذا‬ ‫يؤثر بشكل أو بآخر على جماهيرية اليسار" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪177‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫جتفيف موارد الدعم اخلارجية لليسار أوقعه في مأزق‬

‫"اعتمد اليسار على املعونات املالية من الدول العربية (اليمن‪ ،‬العراق‪ ،‬اجلزائر‪ ،‬ليبيا)‬ ‫وعلى دفعات الصندوق القومي الفلسطيني‪ .‬في نهاية الثمانينيات كان لدى تنظيم‬ ‫يساري نحو ‪ 12‬ألف متفرغ‪ .‬جتفيف هذه املوارد أوقع اليسار في مأزق ألن مالية‬ ‫اليسار اعتمدت على املعونات وليس على القدرات الذاتية‪ ،‬ومحاوالت التمويل الذاتي‬ ‫فشلت‪ .‬هذا االعتماد ع ّرى هذه التنظيمات بحكم املستحقات التي باتت عليها (أسر‬ ‫الشهداء واجلرحى‪( .) ...‬كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫فشلت تنظيمات اليسار في بناء وضع مالي مستقر لنفسها‬

‫"األحزاب اليسارية فشلت في بناء وضع مالي مستقر مقارنة مع "فتح" و"حماس"‪.‬‬ ‫صرف كل من تيسير خالد وبسام الصاحلي نحو ربع مليون دوالر (غير النشاط‬ ‫التطوعي من أعضاء التنظيم) في معركة االنتخابات الرئاسية (‪ ،)2005‬ولم يحصال‬ ‫فيها معا على أكثر من ‪ %6‬من األصوات أو حوالي ‪ 50‬ألف صوت" (كادر سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اليسار‪ :‬أزمة متويل أم أزمة عالقة مع اجلمهور؟‬

‫"بالنسبة لألحزاب والتنظيمات اليسارية‪ ،‬فهي حتمل تصورا للمجتمع يفترض أن‬ ‫يقوم على إشاعة العدالة االجتماعية ورعاية الفئات املهمشة والضعيفة‪ ،‬وإشاعة‬ ‫االنفتاح الثقافي‪ ،‬والتعددية السياسية‪ .‬مبعنى أنها حتمل‪ ،‬نظريا‪ ،‬مشروعا للمجتمع‬ ‫يتصادم مع املشروع الذي حتمله "حماس"‪ .‬وقد حققت هذه األحزاب جناحات‬ ‫مهمة على صعيد بلورة أدوات فعالة لترجمة رؤيتها إلى برامج ومشاريع خالل فترة‬ ‫الثمانينيات‪ ،‬وبخاصة من خالل بنائها منظمات عمالية ونسائية وشبابية‪ ،‬فاعلة‪ ،‬وبناء‬ ‫شبكة خدمات اجتماعية ذات فاعلية كبيرة‪ ،‬ما زال بعضها فاعال حتى اآلن‪ .‬لكنها‬ ‫واجهت مشاكل جدية الحقا‪ ،‬وتعمقت أزمتها بعد أوسلو‪ .‬وتشخص هذه التنظيمات‬ ‫أزمتها في ضعف مواردها املالية باألساس‪ .‬لكن أزمة متويل هذه التنظيمات هي أحد‬ ‫أوجه أزمتها العامة‪ ،‬والتي تتمظهر في خلل يشوب عالقاتها مع املنظمات الشعبية‪ ،‬ومع‬ ‫امتداداتها اجلماهيرية‪ ،‬وخلل في عالقاتها مع املنظمات غير احلكومية املنشقة عنها‪ ،‬أو التي‬ ‫تتبع لها‪ .‬وقد ساهم االستقطاب السياسي احلاد الذي تعيشه الساحة الفلسطينية في‬ ‫تعميق أزمة هذه األحزاب‪ ،‬فالشارع الفلسطيني أصبح منقسما ما بني مؤيد "حماس"‬ ‫و الغاضب من "فتح" مقابل مؤيد "فتح" واملتشكك من نيات "حماس"‪ .‬أما األطراف‬ ‫األخرى التي تبحث عن موقف متميز فهي تتهمش باطراد‪ .....‬وفي مجال تبرير هذه‬ ‫التنظيمات ضعف فاعليتها ركزت على مسألة ضعف املوارد املالية كسبب رئيس‪ .‬وفي‬ ‫الواقع فإن ضعف املوارد املالية ميكن التعامل معه كسبب لضعف فاعلية احلزب‪ ،‬وفي‬ ‫نفس الوقت كمظهر لهذا الضعف‪ ،‬أو مؤشر له‪ .‬فاحلزب الذي ينجح في بناء أدواته‬ ‫للتواصل مع اجلمهور‪ ،‬يكون حريصا على تطوير موارده املالية من جهة‪ ،‬ويظهر نفوذه‬ ‫‪178‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫نب لنشاطاته من جهة أخرى‪ .‬إن االرتهان إلى‬ ‫اجلماهيري على شكل دعم متزايد له‪ ،‬وت ّ‬ ‫التمويل اخلارجي يجعل من احلزب ومؤسساته رهينة لهذا التمويل‪ ،‬وقد يؤثر على‬ ‫أولوياته‪ ،‬وعلى كيفية إدارته لنشاطاته وفاعلياته‪ .‬وقد نتج عنها‪ ،‬في كثير من احلاالت‪،‬‬ ‫عالقة غير سوية ما بني احلزب واملنظمة غير احلكومية؛ وأحيانا يجد احلزب نفسه‬ ‫في تنافس أو صراع مع منظماته أو بعضها‪ ،‬وأحيانا تكون املنظمة هي الواجهة األهم‬ ‫للحزب‪ ،‬ورمبا أهم من احلزب ذاته‪ .‬ونتج عن ذلك بعد ثالث لتشوه العالقة بني احلزب‬ ‫وجماهيره وقواعده‪ ،‬وهو قيام عالقة نفعية‪ -‬زبائنية أحيانا‪ .‬وبالتالي ينتظر مؤيد احلزب‬ ‫أن ينعكس عليه موقفه السياسي بنفع مادي مباشر‪ ،‬مثل دعم مالي أو وظيفة‪ ،‬أو منحة‬ ‫‪49‬‬ ‫وما إلى ذلك"‪.‬‬ ‫"تراجع الدعم املالي لليسار بعد انهيار البلدان االشتراكية وتوقف الدعم من بعض‬ ‫البلدان العربية أ ّديا إلى أن يعتمد اليسار على أموال منظمة التحرير‪ ،‬وهذا مال مشروط‪.‬‬ ‫إن اإلشكالية في وضعية اليسار على املستوى املالي هي أنه تصرف بقصر نظر ولم‬ ‫يخطط بطريقة إستراتيجية حيث كانت قوى اليسار تصرف كل ما يأتيها من أموال‬ ‫ومساعدات دون أن تدخر شيئا ليومها األسود" (مستقل)‪.‬‬ ‫ضعف التمويل وغياب املشاريع االقتصادية الناجحة من عوامل تراجع اليسار‬

‫"بعد قيام السلطة تسلم عدد كبير من الكادر األول في األحزاب اليسارية (ومنها‬ ‫الشعبية والدميقراطية واحلزب وفدا والنضال) وظائف هامة في السلطة؛ وبالتالي‬ ‫باتت هناك مصلحة شخصية في الوظيفة احلكومية‪ .‬العمل داخل السلطة أدى إلى‬ ‫االبتعاد عن العمل داخل األحزاب السياسية‪ .‬التفريغ في أجهزة السلطة كان دافعه‬ ‫حل مشكلة وظيفية لدى الكادر‪ .‬وبعد قيام السلطة جرى تهميش منظمة التحرير‪،‬‬ ‫وفصائل اليسار شكلت جزءا مهما من منظمة التحرير ورافعة لعملها‪ ،‬كما كان للمنظمة‬ ‫موازنة استفادت منها قوى اليسار وكانت األموال جتمع لصالح منظمة التحرير‪،‬‬ ‫لكن بعد قيام السلطة باتت األموال جتمع للسلطة‪ .‬لذا فإن تهميش املنظمة وعمل الكوادر‬ ‫اليسارية داخل السلطة واعتماد التنظيمات اليسارية على الدعم املالي من السلطة (القرار بيد‬ ‫رئيس السلطة) أضعف دور األحزاب اليسارية وبقية األحزاب املشاركة في منظمة التحرير‪،‬‬ ‫وباتت تعتمد في مواردها وتوظيف كوادرها على السلطة‪ ...‬ولم تشكل األحزاب اليسارية‬

‫مؤسسات خاصة بها لتنفيذ برامجها‪" .‬حماس" لها مؤسساتها االقتصادية واخليرية‬

‫‪ 49‬حسن لدادوة‪" ،‬البرامج االجتماعية لألحزاب والقوى السياسية الفلسطينية في التطبيق"‪ ،‬ورقة‬ ‫مقدمة في ورشة عمل "الدور االجتماعي لألحزاب والقوى السياسية الفلسطينية بني النظرية‬ ‫والتطبيق"‪ ،‬نظمها االئتالف الوطني للنداء العاملي ملكافحة الفقر في فلسطني‪ ،‬قاعة الهالل األحمر‬ ‫الفلسطيني‪ -‬البيرة‪ ،‬بتاريخ ‪.2009/2/18‬‬

‫‪179‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫والصحية والتعليمية والثقافية واإلنتاجية‪ .‬املؤسسات غير احلكومية التي يرأسها‬ ‫كوادر من اليسار باتت مؤسسات تابعة ألفراد‪ ،‬باستثناءات محدودة‪ .‬واملنظمات غير‬ ‫احلكومية تعمل بأجندات املمولني وليس بأجندات األحزاب اليسارية‪ .‬و"فتح" لها‬ ‫مؤسسات وأجهزة السلطة‪ .‬ضعف التمويل وغياب املشاريع االقتصادية الناجحة من‬ ‫أسباب تراجع اليسار" (قيادي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"إن غياب الدميقراطية احلقيقية داخل معظم أحزاب اليسار واعتمادها ماديا على‬ ‫مخصصات السلطة ومنظمة التحرير التي تتحكم بها "فتح" بشكل رئيس جعل مواقف‬

‫أحزاب اليسار أسيرة للمخصصات التي تتلقاها من املنظمة‪ .‬في نفس الوقت فقد دخلت‬ ‫منظمة التحرير الفلسطينية في الصراعات العربية بني املعتدلني واملمانعني؛ وبالتالي‬ ‫فقدت من استقالليتها واستقاللية قراراتها وأضحت جهازا بيروقراطيا يكتنفه الكثير‬ ‫من الفوضى واحملسوبية والبعد عن الشفافية والنهج اإلداري الصحيح الذي يجب أن‬ ‫يسود في هيكلية املنظمة" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫مشكلة في االستثمارات املالية واستسهال االعتماد على السلطة‬

‫"يبدو لي أن اليسار كان لديه مشكلة في التعامل مع االستثمار املالي؛ وبالتالي اعتمد‬ ‫على املال السياسي وتساوق مع النمط اإلغاثي بدال من انتقاده وبناء منط إنتاجي‬ ‫تنموي‪ ،‬وال شك أن شح املال حد من دور ا��يسار ألن املال قوة ومؤسسات ورواتب‬ ‫ومشاريع وكلها كما نعلم استخدمت لكسب التأييد" (كادر حزبي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫"نقص املال كان سببا رئيسا من أسباب تراجع تنظيمات اليسار ألنها لم تستقل ماليا‬ ‫وبقيت تعتمد على الغير" (قيادية في إطار نسائي‪ ،‬د)‪ .‬‬ ‫"ضعف املوارد املالية ألحزاب اليسار كان له أثر على األداء وتطبيق البرامج‪،‬‬ ‫واليسار وقع في هذا املأزق نتيجة سوء سياساته االستثمارية أو غيابها" (قيادية في‬ ‫إطار نسائي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"االرتباك السياسي في التعامل مع نتائج أوسلو استمر في التعامل مع السلطة‪ .‬احلدة‬ ‫في مواقف الشعبية؛ ممنوع املشاركة في السلطة ثم ممنوع املشاركة في موقع يتجاوز‬ ‫رتبة مدير عام‪ .‬عبء التفرغ دفع اليسار إلى إحالة املتفرغني على مالك السلطة‪ .‬غياب‬ ‫البرنامج االقتصادي واالجتماعي لليسار‪ .‬ال ينبغي التقليل من العامل الذاتي‪ ،‬وال من‬ ‫غياب وسائل إعالم خاصة باليسار (غياب تلفزيون خاص باليسار على سبيل املثال)‪.‬‬ ‫اعتماد موازنات اليسار على السلطة ميلي قيودا على اليسار‪ .‬في االنتخابات املقبلة لن يكون‬ ‫لليسار نفس حجم التصويت السابق‪ ،‬بل أقل‪ .‬اجلمهور الذي ص ّوت للشعبية ليس كله‬ ‫جمهورا منظما (أعضاء حزبيني) بل تيار مؤيد تاريخيا للشعبية‪ .‬في االنتخابات املقبلة‬ ‫هذا التيار سيتقلص" (قيادي سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪180‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"حاليا املوارد الرئيسة لليسار تأتي من الصندوق القومي الفلسطيني‪ ،‬وهذا بطبيعة احلال‬ ‫جعل أحزاب اليسار عرضة للضغوط السياسية من قبل حركة "فتح" والسلطة‪ .‬كما أن‬

‫سياسة التوظيف التي اعتمدها اليسار أثرت عليه ببعدين‪ :‬األول أنه تعامل مع أوسلو‬ ‫رغم إعالنه معارضته له‪ ،‬والثاني أن التوظيف أصبح عامل ضغط إضافيا على تلك‬ ‫األحزاب ألن املوظف ال يقوى بالنهاية على معارضة السلطة التي توظفه‪ ،‬وقناعتي أن‬ ‫مجمل هذه السياسات بيّنت أن اليسار أناني بنظر الناس" (كادر حزبي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫"البعد املالي له دور كبير في األزمة التي يعيشها اليسار بسبب اعتماده املالي على‬ ‫إمكانياته الذاتية احملدودة فيما الفصيالن الكبيران يتمتعان بإمكانيات هائلة‪ ،‬وهذا ما حال‬

‫دون متيز اليسار في هذه االنتفاضة [الثانية] وهو ما فتح باب املزايدة عليه وعلى‬ ‫دوره‪ ،‬وهذا بشكل أو بآخر أضعفه جماهيريا" (كادر حزبي‪ ،‬د)‪.‬‬

‫"حماس و "فتح" تتمتعان مبوارد مالية كبيرة واليسار لم يدرك أهمية االستثمار‬ ‫بعيد األمد‬

‫"من أبرز العوامل املوضوعية في تراجع اليسار ضعف املوارد املالية لقوى اليسار‬ ‫الفلسطيني بالقياس للموارد املالية للحركات السياسية املنافسة مثل "فتح" أو‬ ‫"حماس" أو حتى اجلهاد اإلسالمي‪ .‬فـحركة "حماس" مثالً تعتمد على تنظيم دولي‬ ‫لإلخوان املسلمني يقدم لها كل مستلزماتها املالية من خالل أموال الزكاة والتبرعات من‬

‫الشعوب اإلسالمية واملؤسسات اإلسالمية‪ ...‬إضافة إلى دعم دول عربية وإقليمية‬ ‫باملال واألسلحة والتدريب وكل أنواع املساعدات واملستلزمات التي حتتاجها‪ .‬أما‬ ‫"فتح" فهي تستفيد من أموال السلطة ودعم بعض الدول واملؤسسات املانحة إضافة إلى‬ ‫استثماراتها في مشاريع خاصة‪ ...‬فاملساعدات من الدول املانحة أو اجلامعة العربية‬ ‫تأتي للسلطة عبرها حلركة "فتح"‪ ،‬واملساعدات من إيران وقطر والسودان والتنظيم‬ ‫الدولي لإلخوان املسلمني تقدم حلركة "حماس" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫"اليسار لم يتمايز عن سواه في سياسة الصرف‪ ،‬ولم يدرك قيمة االستثمار بعيد األجل؛‬ ‫وبالتالي ليس مقدرا لليسار في حالته هذه أن يؤثر على قيادة املنظمة وسلوكها املالي"‬ ‫(مستقل)‪.‬‬ ‫"األزمة املالية وضعف املوارد املالية لليسار كانا من أهم األسباب‪ ،‬إن لم تكن أهمها على‬ ‫اإلطالق‪ ،‬في تراجع اليسار؛ ألنهما ح ّدتا من قدرته على طرح برامج في مواجهة برامج‬ ‫"فتح" و"حماس" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫األموال التي ج ّندت لدعم اليسار زرعت بذور الفساد‬

‫"ينطلق االستقالل احلقيقي والقدرة على حتمل الضغوط واتخاذ مواقف حاسمة‬ ‫في حلظات تاريخية من قدرة هذا احلزب أو ذاك على تأمني موارد مالية مستدامة‬ ‫‪181‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫من شأنها أن تؤمن له القدرة على العمل‪ .‬وفي واقعنا الفلسطيني فإن القوة املالية‬ ‫لهذا احلزب أو ذاك تعكس نفسها على شعبيته بل وعلى فاعليته النضالية‪ .‬فال يعقل‬ ‫أن يتخلى احلزب عن شهدائه أو معتقليه وأسراه وأسرهم‪ ...‬كما أن أي عمل يتطلب‬ ‫إنفاقا ماليا أيا ً كان هذا العمل اجتماعيا أو ثقافيا أو سياسيا أو حتى إعالميا فهو‬ ‫بحاجة إلى مخصصات مالية‪ .‬فلماذا ال جند في الساحة الفلسطينية حزبا ً يساريا ً متيز‬ ‫باستقاللية مالية في ظروف كانت منوذجية ومهيأة في ظل دعم املنظومة االشتراكية ودعم‬ ‫بعض األنظمة التقدمية أو القومية العربية‪ ،‬وفي ظل التفاف غير مسبوق من فلسطينيي‬ ‫الشتات في أرجاء املعمورة ؟ هل السبب أن هذه األحزاب لم تفكر باألمر؟ أم إن لديها‬

‫قصورا في الرؤية؟‪ ...‬هناك أحزاب فكرت وأنشأت مشاريع اقتصادية ولكنها فشلت‬ ‫رغم توافر سيولة مالية لو توافرت ألي تاجر وليس رجل أعمال لضاعفها مرات‬ ‫عدة‪ ،‬ولكن بحكم عقلية احملسوبية أصبحت إدارة هذه املشاريع ال تخضع للمهنية‪.‬‬ ‫فمن يتو ّل اإلدارة واإلشراف يجب أن يكون حزبيا ً وإن كانت قدراته ال تؤهله لتولي‬ ‫مهمة على هذا النحو من األهمية‪ ،‬كما أن التشغيل واإلدارة خضعتا للمحسوبيات‪،‬‬ ‫فهذا ابن القائد فالن أو شقيقه أو ابن شقيقه‪ ،‬وعندما يحدث الفشل فهناك حماية من‬ ‫أي محاسبة‪ .‬وبالتالي لعبت األموال التي جندت لدعم قوى اليسار في زرع بذور الفساد‬ ‫في هذه األحزاب‪ ،‬بدالً من تعزيز قوتها واستقالليتها السياسية‪ .‬وبعد انهيار املنظومة‬ ‫االشتراكية وتخلي بعض األنظمة العربية الوطنية عن دعم قوى اليسار الفلسطيني‬ ‫وانهيار دولة االشتراكية في عدن‪ ،‬أصبح اليسار الفلسطيني منكشفا ً ماليا ً وغير قادر‬ ‫على الوفاء بالتزاماته مما حوله إلى عبد حلصته من الصندوق القومي الفلسطيني‪"...‬‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫‪182‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫قراءة في تشخيص اليسار لتأثير العوامل املوضوعية على دوره ونفوذه‬ ‫"اليسار كان جزءا من املنظمة‪ ،‬ومع تهميشها فقد اليسار مرجعية مهمة ألنها كانت‬ ‫مالذه األخير‪ ،‬السيما أنه لم يشارك في السلطة بأغلبيته وقاطع االنتخابات التشريعية‬ ‫األولى‪ ،‬وبالتالي أصبح خارج بنية احلكم أو السلطة‪ ،‬وأضحى بعيدا عن آلية اتخاذ‬ ‫القرار الفلسطيني‪ .‬لقد مت إقصاؤه بإرادته من جهة‪ ،‬وبفعل سياسات االستئثار‬ ‫والهيمنة حلزب السلطة من جهة ثانية" (كادر حزبي سابق)‬ ‫"االنتفاضة الثانية فرضت جتزئة املجتمع‪ ،‬واحلركة الوطنية أخذت تتكيف مع هذه‬ ‫التجزئة‪ .‬باتت مجابهة االحتالل تعني "الصمود" داخل "الكنتونات" التي خلقتها‬ ‫إسرائيل‪ ...‬وبهذا لم يعد هناك معارك وطنية شاملة بل باتت املعارك محلية والصمود‬ ‫محلي‪ ...‬اليسار ركز نشاطه في املدن (منطقة أ) ت ّكيّفا مع أوسلو‪ ،‬وتقسيمات اتفاق‬ ‫أوسلو هشمت املجتمع املدني ‪ ....‬املجتمع يتهشم و ُيجزأ واليسار يعتقد أن هناك‬ ‫مجتمعا مدنيا قائما" (قيادي)‬ ‫تشير قراءة تشخيصات اليسار للعوامل املوضوعية لتي ساهمت في تراجعه إلى ما يلي‪:‬‬ ‫‪ .1‬على اليسار الفلسطيني‪ ،‬واحلركة الوطنية الفلسطينية ككل أن ميثال حركة‬ ‫شعب تعيش مكوناته وتشكيالته الرئيسة ضمن األوضاع التالية‪ :‬احتالل‬ ‫عسكري استيطاني استعماري‪ ،‬ونظام متييز عنصري‪ ،‬وقومي‪ ،‬وواقع شتات‬ ‫في تشكيالت دوالنية متباينة البنى والسمات‪ .‬هذا يعني أن على احلركة الوطنية‬ ‫الفلسطينية أن تتولى قيادة نضال الشعب الفلسطيني مبكوناته الرئيسة من أجل‬ ‫إجناز حترره وتقرير مصيره‪ .‬وعلى اليسار أن يثبت جدارته الوطنية واالجتماعية‬ ‫والسياسية أو أن يواصل حضوره الهامشي في حقل سياسي بات يتنافس على‬ ‫الهيمنة عليه قوتان رئيستان‪.‬‬ ‫‪ .2‬لم تبد غالبية آراء اليسار في تشخيصها للعوامل اخلارجية التي ساهمت في‬ ‫تراجعه‪ ،‬نزعة ذرائعية في تضخيم تأثير العوامل املوضوعية للتقليل من مسؤولية‬ ‫العوامل الذاتية؛ وهذا مؤشر على تنامي وعي اليسار مبأزقه الفعلي بعد إفاقته‬ ‫املتأخرة على هامشية موقعه في احلركة السياسية الفلسطينية وبني صفوف الشعب‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬وبخاصة بعد االنتخابات احمللية والتشريعية األخيرة (في العامني ‪2005‬‬ ‫و ‪ .)2006‬ورمبا ساهم في تنمية الوعي النقدي بعوامل اخللل الذاتي حالة النزوح‬ ‫الكادري والقيادي التي شهدتها أحزاب اليسار خالل العقدين األخيرين‪ ،‬وبخاصة‬ ‫أن التنظيمات السياسية الفلسطينية األخرى لم تشهد حالة مماثلة‪ ،‬بل شهد بعضها‬ ‫("حماس") توسعا مطردا‪ ،‬واآلخر أشكاال من االنفالش والترهل ("فتح") وليس‬ ‫من االنكماش كما حصل ألحزاب اليسار‪ .‬بعض هذا النزوح مت باجتاه املنظمات‬ ‫غير احلكومية التي كانت تابعة لليسار كتنظيمات تستهدف تنظيم قطاعات معينة‬ ‫‪183‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫من اجلمهور لتصبح منظمات مهنية تعتمد على التمويل اخلارجي وما يحمله من‬ ‫"أجندات" ولم تعد بالتالي تخدم إستراتيجية اليسار‪ .‬آراء عدة وصفت ما جرى‬ ‫بعملية تفريغ النخب اليسارية في املنظمات غير احلكومية "حتت إغراءات املال‬ ‫والوظيفة"‪ ،‬وميل بعض هذه املنظمات إلى "لعب دور احلزب السياسي اليساري‬ ‫عبر الدخول إلى مواقعه اجلماهيرية بحكم قدرتها التمويلية"‪.‬‬ ‫‪ .3‬معظم اليسار يرى أن فشل التجربة السوفييتية وانهيار منظومة البلدان االشتراكية‬ ‫في بلدان أوروبا الشرقية‪ ،‬عبر انتفاضات ومعارضة شعبية داخلية‪ ،‬ترك تأثيرا‬ ‫سلبيا على أحزاب اليسار الفلسطيني‪ .‬ويدرك معظم اليسار أن انهيار االحتاد‬ ‫السوفيتي‪ ،‬أدخل حتوال نوعيا في ميزان القوى الدولي‪ ،‬لكن لم يأت أحد على ذكر‬ ‫رسملة االقتصاد من قبل احلزب الشيوعي الصيني‪ ،‬بحكم أن الصني الشعبية لم‬ ‫تشكل مرجعا لليسار الفلسطيني‪ .‬املداخالت حول املوضوع الذي نحن بصدده‬ ‫رصدت تأثير التحوالت التي شهدتها املنطقة منذ الثورة اإليرانية وحروب اخلليج في‬ ‫توليد بيئة غير مواتية لليسار واألفكار االشتراكية‪ ،‬بل على العكس من ذلك إذ ولّدت بيئة‬ ‫دفيئة لألفكار الليبرالية ولإلسالم السياسي‪ .‬العديد الحظ تأثير الثورة اإليرانية عبر‬ ‫تقدميها منوذجا لنظام إسالمي أزاح نظاما رجعيا وأوجد نظاما معاديا لهيمنة الغرب‬ ‫والواليات املتحدة ولدور إسرائيل في املنطقة‪ .‬وساهمت في االجتاه ذاته التحوالت‬ ‫اليمينية التي شهدها العديد من األنظمة العربية التي كانت تدعم تنظيمات اليسار‬ ‫ألسباب مختلفة (اليمن واجلزائر ومصر والعراق‪ ،)..‬وبروز اإلسالم السياسي في‬ ‫املنطقة كقوة مواجهة مع االجتاه القومي العلماني والتوجهات اليسارية والتقدمية‪،‬‬ ‫مدعوما (في بعض أشكاله السلفية)‪ ،‬في نشأته‪ ،‬على األقل‪ ،‬من الواليات املتحدة‬ ‫ومن األنظمة والقوى السلفية في اخلليج وخارجه‪.‬‬ ‫ ‬

‫بشكل عام اليسار الفلسطيني يعتبر أنه (ومعه احلركة الوطنية الفلسطينية ممثلة‬ ‫مبنظمة التحرير الفلسطينية) فقد بانهيار االحتاد السوفييتي سندا سياسيا وماديا‬ ‫ومرجعية فكرية‪ .‬لكن عالقة اليسار مع االحتاد السوفيتي لم تكن دون تبعات سياسية؛‬ ‫فقد أخذ اليسار الفلسطيني بعني االعتبار مواقف االحتاد السوفييتي السياسية‪ ،‬وامتنع‬ ‫عن انتقاد سياساته الداخلية وحتديدا تغييبه للدميقراطية السياسية والفكرية‪ .‬كما‬ ‫كان للعالقة تبعات أيديولوجية وفكرية حيث اقتدى اليسار باملقوالت األيديولوجية‬ ‫السوفييتية ومنها نظرية النظم والتنظيمات الدميقراطية الثورية‪ .‬كما كان لها‬ ‫تبعات تنظيمية أبرزها اعتماد اليسار النموذج السوفييتي للحزب املاركسي‪-‬‬ ‫اللينيني‪ ،‬ولتطبيقات املركزية الدميقراطية‪ .‬املشكلة هنا أن اليسار الفلسطيني لم‬ ‫يترك لنفسه هامشا كافيا حلرية احلركة السياسية والفكرية والتنظيمية في عالقته‬ ‫مع االحتاد السوفييتي ومنظومة البلدان االشتراكية‪ ،‬ولم ي ّوسع مبا يكفي عالقاته‬ ‫مع قوى اليسار األخرى في العالم‪ .‬مع ذلك ينبغي احلذر من املبالغة في وقع انهيار‬ ‫‪184‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫التجربة السوفييتية على اليسار الفلسطيني لسبب بسيط وهو أن اجلهد الرئيس‬ ‫لليسار الفلسطيني بقي مشدودا ملهمات التحرر الوطني‪ .‬لقد أضعف انهيار االحتاد‬ ‫السوفييتي منظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬وهذا أضعف بدوره نفوذ وجماهيرية‬ ‫اليسار‪ ،‬وإن كان بإمكانه كذلك أن يحث اليسار على درجة أعلى من االعتماد على‬ ‫النفس‪ ،‬وأن يوفر له حرية حركية أكبر على الصعيدين التنظيمي والفكري وفي‬ ‫مجال العالقات السياسية مع اليسار في العالم‪.‬‬ ‫‪ .4‬معظم العوامل التي ذكرت كعوامل موضوعية ساهمت في تراجع اليسار‪ ،‬هي‬ ‫عوامل كان لها وقع على احلركة الوطنية الفلسطينية ككل‪ ،‬وساهمت في إعادة تشكيل احلقل‬ ‫السياسي الفلسطيني‪ ،‬وفي تهميش دور ونفوذ مؤسسات منظمة التحرير في هذا‬

‫احلقل‪ .‬وقد شملت هذه العوامل‪ :‬انهيار االحتاد السوفييتي (الداعم ملنظمة التحرير)؛‬ ‫والتحوالت اإلقليمية املفصلية والتي كان من ضمنها اتفاقية كمب ديفيد بني مصر‬ ‫وإسرائيل والثورة اإليرانية عام ‪ ،1979‬وإخراج منظمة التحرير من لبنان (‪،)1982‬‬ ‫وحروب اخلليج‪ .‬كان هناك حتوالت ولدتها مبادرات فلسطينية مباشرة تركت‬ ‫تأثيرات متباينة على احلركة الوطنية وعلى اليسار‪ .‬من ضمن هذه‪ :‬االنتفاضة األولى‬ ‫التي دشنت انتقال مركز ثقل احلركة السياسية الوطنية إلى األراضي احملتلة عام‬ ‫‪ 1967‬وشهدت مرحلتها األولى قمة نفوذ اليسار في احلركة الوطنية الفلسطينية‪ ،‬كما‬ ‫شهدت والدة حركة "حماس" كقوة جديدة فاعلة في احلقل السياسي؛ ومفاوضات‬ ‫مدريد واتفاقيات أوسلو وملحقاتها‪ ،‬وقيام سلطة فلسطينية؛ واالنتفاضة الثانية‬ ‫(التي شهدت تراجعا جديدا في نفوذ اليسار)‪ ،‬وما تبعها من إجراءات قمع إسرائيلية‬ ‫ومن إضعاف ملؤسسات السلطة الفلسطينية ومن جتزئة وتوليد معازل سكانية‪ ،‬ومن‬ ‫تكثيف لالستيطان وتهويد للقدس ومحيطها‪ ،‬ومن نشر للحواجز العسكرية ومن إقامة‬ ‫جدار الفصل العنصري‪ .‬حصيلة هذه التحوالت تركت احلقل السياسي الفلسطيني حقال‬ ‫شديد االنكشاف متثل في ضعف القدرة وتردد اإلرادة على مقاومة الضغوط الدولية‬ ‫واإلقليمية والتدخل في تفاصيل الشؤون العامة (السياسية واالقتصادية واألمنية‬ ‫وحتى اإلعالمية)‪ .‬لقد كان من شأن إجراء انتخابات عامة (ومحلية وتشريعية في‬ ‫العامني ‪ 2005‬و‪ )2006‬واحلقل السياسي الذي كان على درجة عالية من االنكشاف‬ ‫(ومن ذلك الوقوع حتت احتالل استيطاني وتبعية اقتصادية عالية وصراع داخلي‬ ‫حاد)‪ ،‬تسريع عملية استقطاب حاد حملت في ثناياها التحول إلى حالة من االنقسام‬ ‫اجليو‪-‬سياسي بني "فتح" و"حماس" ومأسسة سلطتني (واحدة في غزة وأخرى‬ ‫في الضفة) كلتاهما مقيدة بإجراءات احتالل استعماري وحصار خانق‪.‬‬

‫‪ .5‬ميكن تأريخ بدء التراجع في نفوذ وجماهيرية اليسار الفلسطيني في املرحلة الثانية‬ ‫من االنتفاضة األولى‪ ،‬أي في نهاية عقد الثمانينيات من القرن املاضي‪ .‬املالحظ أن‬

‫االنتفاضة األولى بقدر ما متيّز فيها دور ونفوذ اليسار‪ ،‬فإنها أوجدت عوامل‬ ‫‪185‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫تراجعه‪ .‬من هذه العوامل تخلي اليسار عن منظماته اجلماهيرية الدميقراطية التي ذابت‬ ‫في أطر وطنية (جلان شعبية وجلان أحياء وجلان مختصة)‪ ،‬وما لبث أن تراجع دور‬ ‫هذه األطر الوطنية ألسباب عدة‪ ،‬من أبرزها تدخل قيادة منظمة التحرير (وحركة‬ ‫"فتح" بشكل أساسي) في مهمات وعمل االنتفاضة مما أفقدها في احملصلة قواها‬ ‫الشعبية املنظمة وأفسد تكوينها الوطني الطوعي‪ .‬ومنها بروز اإلسالم السياسي‬ ‫كفاعل في احلقل السياسي وكمنافس ملنظمة التحرير سياسيا وأيديولوجيا‬ ‫وتنظيميا‪ ،‬وكقوة متثل‪ ،‬في جوانب عدة نقيض ما ميثله اليسار‪ .‬التحول الثالث الذي‬ ‫حصل في االنتفاضة األولى هو فشل اليسار في استيعاب (تنظيميا وسياسيا وقيم ّيا)‬ ‫التوسع الهائل والسريع في قاعدته خالل السنتني األوليني من االنتفاضة‪ .‬‬ ‫ ‬

‫تزامنت املرحلة الثانية من االنتفاضة األولى مع انهيار التجربة السوفييتية‪ ،‬ومع‬ ‫حرب اخلليج الثانية (‪ )1990‬وكالهما أفقد منظمة التحرير (واليسار بطبيعة‬ ‫احلال) مصادر دعم سياسي ومادي‪ .‬وكان املوقف الذي اتخذته املنظمة من اجتياح‬ ‫اجليش العراقي للكويت العامل الذي برر وقف دول اخلليج مساعداتها ملنظمة‬ ‫التحرير‪ ،‬وترتب على هذا تراجع وتقطع الدعم املالي ألحزاب اليسار من الصندوق‬ ‫القومي الفلسطيني وارتباط هذه املساعدات الحقا بالسلطة الفلسطينية وحتويلها‬ ‫من حق مقر من هيئات املنظمة إلى مساعدة تعطى بقرار شهري من رئيس السلطة‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬مما سهل استخدامها كعامل ضغط سياسي من قبل للتنظيم املهيمن‬ ‫على السلطة واملنظمة‪.‬‬ ‫‪ .6‬أشارت مداخالت عديدة إلى الدور الذي لعبته املنظمات غير احلكومية في إضعاف‬ ‫اليسار من ثالثة مداخل‪:‬‬

‫األول‪ :‬حتويلها األطر اجلماهيرية التي أنشأها اليسار في أواخر السبعينيات‬ ‫إلى منظمات مهنية تعتمد على التمويل اخلارجي وتبني عالقة إدارية مع‬ ‫جمهورها‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬سلبها للعديد من الكوادر والقيادات املجربة لليسار للعمل فيها‪ ،‬وبالتالي‬ ‫فقدان اليسار لكوادر وقيادات مجربة‪ ،‬وبخاصة ألن العديد من هذه املنظمات‬ ‫استقل عن املنظمة احلزبية األم ولم يعد ميارس دور املساند للتنظيم‪ ،‬بل بات‬ ‫أقرب إلى ممارسة دور املنافس‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬ارتباط‪ ،‬وإن بشكل جزئي‪ ،‬فقدان األحزاب اليسارية ألطرها اجلماهيرية‬ ‫بأزمتها املالية وهي أزمة أكد عليها عديدون‪ .‬لكن البعض الحظ أن أزمة املوارد‬ ‫لدى اليسار هي أزمة في جوانب هامة‪ ،‬منها ما هو تعبير عن خلل في عالقة أحزاب‬ ‫اليسار بجمهورها وعن خلل في عالقتها باالحتادات الشعبية وبالنقابات‬

‫باإلضافة إلى املنظمات غير احلكومية‪.‬‬ ‫‪186‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫والرابع‪ :‬اإلشارات املتكررة إلى ظاهرة اضطرار تنظيمات اليسار إلى التوسط‬ ‫لدى السلطة لتوظيف كوادرها في أجهزة ومؤسسات األخيرة حتت‬ ‫ضغط أوضاعها املالية‪ ،‬األمر الذي أضعف من قدرة أحزاب اليسار على‬ ‫محاربة الواسطة واحملسوبية التي طغت على أسلوب التوظيف في أجهزة‬ ‫ومؤسسات السلطة‪.‬‬ ‫‪ .7‬االنحسار في نفوذ اليسار الذي تسارع بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية‪،‬‬ ‫كان ميكن توقعه بعد التحوالت التي دخلت على تكوين ومفردات ومؤسسات‬ ‫وخطاب احلقل السياسي الفلسطيني‪ ،‬والتي كان أحد أبرز جتلياتها تغييب‬ ‫مؤسسات منظمة التحرير‪ ،‬األمر الذي زاد من ضعف اليسار‪ ،‬في وقت تراجعت‬ ‫فيه فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وهو الهدف الذي برر إبرام اتفاق أوسلو‪،‬‬ ‫وبرر القبول بإقامة سلطة فلسطينية منقوصة حتت االحتالل‪ .‬وكما أشارت‬ ‫مداخالت عدة فإن اتفاق أوسلو والسلطة لم يربكا تنظيمات اليسار فحسب بل ساهما‬ ‫موحدة‪ ،‬قادرا أو راغبا في مواجهة‬ ‫في زيادة االنقسام بينها‪ .‬فلم يعد اليسار‪ ،‬كقوى ّ‬ ‫مشروع "حماس" بخطابها وال هو قادر على التأثير في سياسات السلطة بعد‬ ‫أن عزل نفسه عن مؤسساتها التشريعية والتنفيذية‪ ،‬وبعد أن أغلقت مؤسسات‬ ‫منظمة التحرير أبوابها (باستثناء اللجنة التنفيذية التي باتت أقرب إلى هيئة ملحقة‬ ‫بالسلطة)‪ .‬كما لم يعد لليسار من قوى إسناد (مادي وسياسي وإعالمي) إقليمي‬ ‫ودولي خالفا للحركتني املذكورتني‪.‬‬ ‫‪ .8‬مع اتضاح فشل أوسلو وتنامي قوة حركة "حماس" بات احلقل السياسي الوطني‬ ‫أسير قطبني سياسيني دون أن يشكل اليسار قوة وازنة‪ .‬لقد جنحت حماس إلى حد كبير‬

‫في "أسلمة" املجتمع الفلسطيني دون مقاومة تذكر من اليسار الذي لم يدرك‬ ‫املستلزمات النضالية الضرورية املترتبة على وضع حقل ما بعد السلطة وما بعد‬ ‫اقتحامه من قبل "حماس"‪ .‬وهو لذا استمر في إهمال النضال االجتماعي واملطلبي‬ ‫والثقافي ولم يلتفت ملهمة حتصني املجتمع ضد مخاطر "تديني" السياسة أو‬ ‫"تسييس" الدين‪ .‬كما جنحت "حماس" في بناء قوتها اجلماهيرية والعسكرية‬ ‫دون انتباه من حركة "فتح" بعد أن انغمست كوادرها وقياداتها في مؤسسات‬ ‫وأجهزة السلطة وانشغلت بشؤون مناصبها وامتيازاتها وألقابها‪ .‬لقد أحجم‬ ‫اليسار عن التصدي لسياسة وممارسات وأداء "فتح" كتنظيم حاكم وما بات‬ ‫يتداعى عن هذه من تشوهات اجتماعية وقيمية ومن مخاطر سياسية‪ .‬هناك من عبر‬ ‫عن هذه احلالة بالقول إن اليسار"أضاع مشيته ولم يستطع املوازنة بني النضال‬ ‫الوطني والنضال االجتماعي"‪ ،‬ولعل األقرب للدقة هو أن اليسار لم ميارس هذا أو‬ ‫ذاك مبا يضمن حضوره اجلماهيري‪ .‬لقد اتسمت بالدقة مالحظة أن "اليسار الذي‬ ‫شارك بالسلطة لم يؤثر على مسارها‪ ،‬والذي لم يشارك لم يؤثر أيضا"‪.‬‬ ‫‪187‬‬


‫الفصل اخلامس‪:‬‬ ‫تقييم اليسار لدوره في الصراع بني "فتح" و"حماس"‬ ‫"لدى العامة من الناس ميل العتبار التصويت لفصائل اليسار‪ ،‬وحتديدا كأطراف‬ ‫مبعثرة‪ ،‬يعني ضياع هذا الصوت‪ ،‬بعكس التصويت لـ "فتح" و "حماس"‪ ...‬أخشى إن‬ ‫استمر وضع اليسار على ما هو عليه اآلن أن يصبح اليسار شيئا من املاضي" (ناشطة‬ ‫شابة في إحدى األطر النسائية اليسارية)‪.‬‬ ‫تتحدد وظيفة هذا الفصل في توفير فسحة ألطراف وقوى اليسار لتقييم أدائها في ��لفترة‬ ‫التي أعقبت االنتخابات التشريعية عام ‪ 2006‬وحتى حزيران ‪ ،2009‬وبعد سيطرة حماس‬ ‫العسكرية على قطاع غزة‪ .‬لقد وضع الصراع الداخلي احلقل السياسي الفلسطيني في‬ ‫حالة من االنكشاف لم يشهدها من قبل متثلت في‪ :‬الشعب الفلسطيني يعيش أعلى درجة‬ ‫من التجزئة اجلغرافية والسياسية؛ الشعب الفلسطيني دون حركة وطنية وقيادة موحدة‪،‬‬ ‫بل باتت هناك ازدواجية سلطة ممأسسة؛ املفاوضات السياسية وصلت منذ فترة غير‬ ‫قصيرة إلى طريق مسدود؛ املقاومة باتت شعارا أكثر مما هي إستراتيجية واضحة املعالم‬ ‫واألشكال النضالية واآلليات التنظيمية والتعبوية؛ اعتماد كل من السلطتني (في غزة‬ ‫احملاصرة وفي الضفة احملتلة) اعتمادا شبه كلّي على التمويل اخلارجي؛ انتشار البطالة‬ ‫والفقر‪ ،‬ورغبة نسبة عالية من الشباب في الهجرة اخلارجية‪ .‬اليسار‪ ،‬حتى اللحظة لم‬ ‫يشكل بوصلة تشير إلى طريق اخلروج من املأزق الوطني‪.‬‬ ‫احلرص على أن يبدو حياديا في الصراع بني "فتح" و "حماس" شل حركة اليسار‬

‫"السبب الرئيس لعدم قدرة اليسار على أن يكون له دور مؤثر في منع االستقطاب‬ ‫واالنقسام يكمن في ضعف تأثيره على األرض‪ ،‬وقله وزنه السياسي واالجتماعي‬ ‫واالقتصادي‪ .‬عالوة على أن انقسامه على نفسه وتشرذمه أضعف دوره ومكانته على‬ ‫ضعفهما األساسي‪ .‬كما أن تخوف اليسار من أن يحسب على أحد طرفي النزاع‪ ،‬جعله يبدو‬ ‫وكأنه "جهاز دفاع مدني" يهب إلطفاء احلرائق بعد اشتعالها‪ ،‬وال يصارح اجلماهير بأسباب‬ ‫اندالعها‪ ،‬وهوية املتسببني فيها" (حزبية شابة‪ ،‬ش)‪.‬‬

‫‪189‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫"يسار ضاع بني الرجلني"‬

‫"في الوضع الراهن املستقطب اليسار دخل غرفة اإلنعاش‪ ،‬ضاع بني الرجلني‪:‬‬ ‫االستقطاب احلاصل هو استقطاب بني "حماس" واحلاقدين على "فتح" من جهة‪ ،‬و‬ ‫بني "فتح" واخلائفني من "حماس" من جهة ثانية (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫"ما منع اليسار من لعب دور مؤثر في منع االستقطاب واالنقسام والتحول إلى قطب‬ ‫ثالث هو عدم جماهيريته وكونه ما زال "مطبوعا" بصبغة االيدولوجيا‪ ،‬وعدم استناده‬ ‫إلى رافعة اقتصادية وحتى إلى جمهور محدد يدافع عن مصاحله االقتصادية والسياسية‪،‬‬ ‫ثم عزلة منظماته السياسية حتى عن الوسط الذي يفترض فيها أن تنتمي إليه (الكتاب‬ ‫والفنانني‪ ،‬الطبقة الوسطى (من املثقفني الثوريني) عمال وطلبة ونساء)‪ ،‬حيث ال يحيط‬ ‫نفسه بأطر متثل هذه الشرائح)‪ .‬كما أن كونه مقسما على عدة منظمات سياسية يضعف‬ ‫هذا اإلطار؛ حيث إن وحدة اليسار ال تكون بجمع املنظمات السياسية مبعزل عن هذا‬ ‫الوسط وعن أن يكون ملتفا حولها" (كادر سابق د‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫االستقطاب ألهى اليسار عن االهتمام بالقضايا األساسية‬

‫"االستقطاب بني "فتح" و "حماس" قلص االهتمام بالقيم األساسية التي هي من‬ ‫صلب اهتمام اليسار مثل التحرر‪ ،‬واملساواة والعدالة‪ ،‬حيث بات همه معاجلة األزمة‬ ‫الداخلية (الصراع بني "فتح" و"حماس")‪ .‬مع تراجع االهتمام بالقضايا االجتماعية‬ ‫وانحسار تأثيره السياسي على الصعيد الوطني‪ .‬بات اليسار يلحق اجلمهور وال يقوده‪ ،‬ال‬ ‫يتعلم وال يعلم اجلمهور‪ ،‬بل يلحق اجلمهور" (كادر حزبي‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫"سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة فتحت الطريق لليسار بأن يستنهض مكانته‪،‬‬ ‫ويستعيد دوره ويعمل على مغادرة حالة املراوحة‪ ،‬وخصوصا في ظل ما يواجهه املواطن من‬ ‫أداء ينتهك احلريات الدميقراطية كما احلريات العامة واخلاصة‪ .‬هذه احللقة لم يلتقطها اليسار‬ ‫بشكل جيد حتى اآلن‪ ،‬وبالرغم من بعض احملاوالت إال أنها لم تصل للمستوى املطلوب‪ .‬كما‬ ‫لم يلتقط أيضا ما خلفته حالة االنقسام من تداعيات في الضفة الفلسطينية واالجتاه لفرض‬ ‫نظام يقوم على سيطرة أجهزة األمن‪ .‬لم يحسن اليسار التعاطي معها مبا يعيد له دوره في‬ ‫الدفاع عن الناس‪ ،‬وبقي أسيرا لر ّدات الفعل واملراوحة في املكان" (قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫ليس لدى اليسار قاعدة جماهيرية متكنه من الضغط على القطبني املتصارعني‬

‫"اليسار بحكم النشأة والتكوين وفهمه للواقع لم يستطع أن يحدث أي اختراق يذكر في‬ ‫عالقته بجمهور يدعي متثيله وبقي نخبويا متركزا أساسا في أو ساط املثقفني والطالب‬ ‫واملتنورين في املجتمع؛ وبالتالي لم يعد يشكل أداة قادرة على حتريك اجلماهير وجتييشها‬ ‫للوقوف في وجه طرفي االنقسام‪ ،‬وهو األخطر في تاريخه حتت االحتالل‪ .‬كما بقي اليسار‬ ‫على حاله من التشرذم‪ .‬فهو لم يستطع أن يتوحد خلوض انتخابات املجلس التشريعي ولم‬ ‫يتمكن من توحيد نفسه لعله يتمكن من حماية نفسه من الذوبان" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪190‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫غياب املساءلة الشعبية للتنظيمات السياسية‬

‫"وما كل حاالت التجاوز والتعدي على احلريات العامة‪ ،‬من االعتقاالت إلى املضايقات‪،‬‬ ‫إلى القرارات اإلدارية‪ -‬السياسية‪ ،‬دون مس ّوغ أو سند قانوني إال مظهر هذا التسلط الذي‬ ‫استحالت معه السلطة الفلسطينية‪ ،‬هنا وهناك ‪ -‬وان بدرجتني متفاوتتني ‪ -‬من إدارة حلياة‬ ‫الناس‪ ،‬ومن مشروع إلقامة الدولة‪ ،‬إلى حاكم مستب ّد‪ ،‬يقيم "دولة الكنتون" هنا ورمبا‬ ‫دويالت الكنتونات هناك‪ .‬ورغم املسؤولية املباشرة والرئيسة لفصيلي التحكم باملصير‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬اللذين ساهمت حتوالتهما على طريقة عسكرة الفصيل ‪ -‬خالل سنوات ما بعد‬ ‫العام ‪ 2000-‬وحتويله من حركة سياسية إلى قوة ميليشيا‪ ،‬ثم أمن وسلطة‪ ،‬ومن ثم حتويل‬ ‫املجتمع نفسه باجتاه العسكرة‪ ،‬واالبتعاد عن احلياة املدنية املنظمة بالقوانني العامة‪ ،‬إال أن‬ ‫جذور هذا التحول تعود بعيداً‪ ،‬وبالتحديد إلى عدم قدرة النظام السياسي الفلسطيني على الربط‬ ‫اخلالّق بني متطلبات مرحلة التحرر ومرحلة التحول الدميقراطي‪ .‬ولعل االنتكاسة السياسية‪ ،‬في‬ ‫محطة االنقالب‪-‬احلسم العسكري‪ ،‬في غزة‪ ،‬التي تعرض لها نظام الشراكة‪ ،‬ما كانت لتتم‬ ‫لو ظل اخلالف محصورا ً في اإلطار السياسي‪ ،‬أي بني أحزاب سياسية غير مسلحة‪ ،‬ولو‬ ‫أن "املقاومة" ظلّت مبنأى عن الصراع على السلطة‪ ،‬وحتى لو أنها ظلت انتفاضة شعبية‪،‬‬ ‫قوتها الرئيسية شرائح املجتمع‪ ،‬وبخاصة الفقراء من العمال والفالحني‪ .‬اخلروج من املأزق‪،‬‬ ‫يبدو أنه يحتاج أكثر من توافق بني "فتح" و"حماس"‪ ،‬وحتى أبعد من اتفاق بني كل الفصائل‪،‬‬ ‫ألكثر من سبب أولها‪ :‬أن ما حدث لم يغير من واقع الفصائل كلها‪ ،‬والتي تشكل مجمل النظام‬ ‫السياسي ‪ -‬املسؤول وإن بدرجات مختلفة ‪ -‬عن املأزق؛ وثانيها‪ :‬أنه ال يوجد ما يضمن‬ ‫تنفيذ أي اتفاق‪ ،‬نقصد بذلك قوة قانون أو مؤسسات عامة تدافع عن املصلحة العامة‪ ...‬ال‬ ‫بد ‪ -‬وهنا االنتخابات ليس بوصفها حدثا ً فقط‪ ،‬بل آلية إلقامة نظام سياسي جديد ميكن أن‬ ‫تكون مدخالً لترميم الواقع وإقامة مستقبل أفضل‪ ،‬لكن ذلك يجب أن يبدأ‪ ...‬بإخضاع القوة‬ ‫الرئيسية التي تتحكم بحاضر ومستقبل الفلسطينيني ‪ -‬الفصائل بالذات‪ -‬إلى املساءلة الشعبية‪،‬‬ ‫بفتح ميزانياتها‪ ،‬وكشف مصادر متويلها وبنود صرف هذه امليزانيات‪ ،‬وهذا ألف باء الشعوب‬

‫والدول للحفاظ على استقاللها‪ ،‬ثم بعد ذلك مراقبة أدائها‪ ...‬ميكن فقط حتديد مالمحها أوالً‬ ‫باستفتاء الشعب على برنامجها ‪ -‬كما هو حال املفاوضات‪ -‬وذلك عبر االنتخابات‪ ،‬وان لم‬ ‫تكن املقاومة واملفاوضات فعالً عاماً‪ ،‬يشارك فيه كل أفراد الشعب الفلسطيني‪ ،‬فعلى األقل‬ ‫أن يكون فعلها خاضعا ً لقرارات واختيارات هذا الشعب"‪ 50.‬‬ ‫االستقطاب احلاصل يهدد باستبعاد التعددية السياسية والفكرية‬

‫"ال شك أنه [اليسار في ظل االستقطاب الثنائي الراهن] محدود التأثير‪ ،‬وإن كانت قوى‬ ‫اليسار تسعى أحيانا ً للعب دور مساعد إليجاد انفراج بني الطرفني الكبيرين‪ ،‬وبخاصة‬ ‫‪ 50‬رجب أبو سرية‪" ،‬املتسلطون خارج دائرة املساءلة‪ ،‬األيام‪.2009/7/14 ،‬‬

‫‪191‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫في قطاع غزة‪ .‬من الواضح من خالل ما جرى في أثناء حوارات القاهرة وبعدها أن‬ ‫قوى اليسار عام ًة وبقية القوى القومية والوطنية والشخصيات غير املنتمية‪ ،‬املسماة‬ ‫باملستقلني‪ ،‬كان لها دور محدود‪ ،‬وبخاصة ألن هذه احلوارات استمرت الحقا ً بشكل‬ ‫ثنائي‪ ،‬بني "حماس" و"فتح"‪ ،‬وأن احلضور املوسع في مرحلة احلوار األولى في‬ ‫القاهرة كان في بعض احلاالت غطاء حلوارات ثنائية غير معلنة أكثر جدية‪ .‬عموماً‪،‬‬ ‫فإن صيغة الثنائية هذه في الساحة الفلسطينية‪ ،‬وإن كانت تعكس واقعا ً معينا ً ال ميكن‬ ‫جتاهله‪ ،‬إال أنها قد جتعل مسألة التوافق أصعب‪ ،‬كما أنها ميكن أن تش ّكل مدخالً لتهميش‬ ‫قطاعات غير بسيطة من الشعب الفلسطيني‪ ،‬منتمية وغير منتمية لتنظيمات‪ ،‬ال ترى نفسها في‬ ‫أي من التنظيمني الكبيرين‪ ،‬أي أنها تهدد باستبعاد أهمية التعددية السياسية والفكرية التي هي‬ ‫من عالمات النضج لدى أي شعب من شعوب العالم" (قيادي سابق‪ ،‬د)‪.‬‬

‫على اليسار تعميق الهوية الوطنية الدميقراطية في مواجهة "فتح"‪ ،‬وتعميق الهوية‬ ‫العلمانية التقدمية في مواجهة حماس‬

‫"ما قامت به "حماس" في غزة هو االستجابة حلالة فرضتها إسرائيل (كنتون غزة)‪،‬‬ ‫أي االنسحاب وترك القطاع ملن يستطيع السيطرة عليه‪ .‬شارون كان ماضيا في هذا‬ ‫الطريق في الضفة الغربية (إخالء مناطق وتركتها لسيطرة من يستطيع)‪ .‬في غياب‬ ‫سياسة جامعة وقع اليسار في حالة التباس‪ .‬املعارضة األبرز في غزة هي حلركة‬ ‫"فتح" وتتبنى مقوالت "فتح" وهيئة العمل الوطني تقودها حركة "فتح" في مواجهة‬ ‫"حماس"‪ ،‬أي أن "فتح" هي التي تقود اليسار‪ ،‬وفي الضفة املعارضة األبرز هي‬ ‫حلركة "حماس" وليس اليسار‪ .‬كان على اليسار أن يطرح معارضة للطرفني‪ .‬وكان مطالبا‬ ‫بتعميق الهوية الوطنية الدميقراطية في مواجهة "فتح"‪ ،‬وتعميق الهوية العلمانية التقدمية‬ ‫في مواجهة حماس‪ ...‬يعتبر اليسار وضع إستراتيجية كاملة مهمة مشتركة مع "فتح"‬ ‫و"حماس"‪ ،‬وهذا يعني تخلي اليسار عن دوره املبادر واملستقل وهو دور مارسه سابقا‪.‬‬

‫مجمل التحرك لبلورة إستراتيجية فلسطينية ارتبط بالتوافق بني "حماس" و"فتح"‪.‬‬ ‫وكل احملاوالت لتشكيل طريق ثالث انطلقت من مفهوم تشكيل قوة وسيطة بني "فتح"‬ ‫و"حماس" من قبل اليسار وعدد من املستقلني إلى موقع الوسيط‪ ،‬بهدف تقدمي صيغة‬ ‫توافقية بني الطرفني املتصارعني" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫التنازل عن الصراع الفكري مع اإلسالم السياسي والتذ ّيل حلركة "فتح" يفقدان اليسار هويته‬

‫"لم تنجح قوى اليسار الفلسطيني في مواجهة الشعارات واالدعاءات التي طاملا رفعها‬ ‫اإلسالم السياسي في هجومه على القوى اليسارية والدميقراطية والعلمانية‪  ،‬وكأنها��� ‫معادية للدين!! على الرغم من وضوح موقف قوى اليسار‪ ‬من ضرورة التمييز بني‬ ‫الدين (اإلميان) وبني اإلسالم السياسي الذي يستخدم الدين وسيلة لتحقيق أهداف‬ ‫سياسية‪( ‬غير دينية)‪ ،‬وبضرورة فصل الدين عن الدولة وعلى قاعدة الدين لله والوطن‬ ‫‪192‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫للجميع‪ ،‬وأن القيم الدينية الصحيحة التي يستمدها اإلنسان من الدين تشكل قوة دافعة‬ ‫للعمل اإلنساني من أجل حياة أفضل للبشر‪  .‬فأي تنازل من قوى اليسار في صراعها الفكري‪ ‬مع‬

‫أحزاب اإلسالم السياسي هو تراجع وإضعاف لقوته ووحدته‪ ،‬كما أن التذيل حلركة "فتح" أو‬ ‫السلطة الفلسطينية‪ ،‬يفقد اليسار هويته الفكرية والطبقية ومتيزه عن القوتني الكبيرتني في‬ ‫الساحة الفلسطينية‪ .....‬إن مجمل التطورات على الساحة الفلسطينية‪ ،‬وتزايد حجم املعاناة‬

‫للشعب الفلسطيني‪ ،‬وخطورة االستقطاب احلاد‪ ،‬تؤكد من جديد أن اليسار الفلسطيني‬ ‫مبجموع مكوناته احلزبية‪  ،‬والقوى والشخصيات ذات التوجه الدميقراطي والتقدمي هو‬ ‫القوة النامية واملهيأة سياسيا ومجتمعيا لكسر حالة االستقطاب احلاصلة في الساحة‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬وهو القوة احلية في الشعب الفلسطيني‪  ،‬واألكثر متسكا باملشروع الوطني‬ ‫الفلسطيني ومبمثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية لكونها الهوية والكيانية‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬وهو األكثر دفاعا عن القضايا االجتماعية والدميقراطية واالقتصادية جلموع‬ ‫العمال والشغيلة والفقراء واملهمشني ‪ ..‬الخ‪ ،‬والقادر على إخراج شعبنا من حالة التجاذب‬ ‫‪51‬‬ ‫والصراعات الداخلية"‪.‬‬ ‫تغلغل الفكر التكفيري واإلقصائي داخل املجتمع الفلسطيني‬

‫"‪....‬قدمت االنتفاضة األولى درسا تاريخيا ملهما في استخدام العنف ضد االحتالل‪ ،‬كان من‬ ‫نتيجته حتييد غطرسة القوة وفرض نوع من املواجهة يستطيع الشعب من خاللها‬ ‫مواصلة االنتفاضة وانتزاع املكاسب وحتقيق األهداف الوطنية‪ .‬واألهم كان كسب‬ ‫الرأي العام العاملي وجزء مهم من الرأي العام اإلسرائيلي‪ .‬اختلفت املعادلة في االنتفاضة‬ ‫الثانية التي استخدم فيها الدفاع املشروع عن املدنيني الفلسطينيني ملهاجمة املدنيني‬ ‫اإلسرائيليني بشكل قصدي‪ .‬وكانت النتيجة خسارتنا لعناصر التفوق‪ ،‬وجناح دولة‬ ‫االحتالل في دمجنا باإلرهاب‪ ،‬وفرض نوع من العزلة الدولية علينا‪ ،‬واستخدام القمع‬ ‫الدموي واحلصار اخلانق دون اعتراض أو احتجاج النظام الدولي‪ .‬واألسوأ في كل‬ ‫ذلك هو انتقال عدوى هذا النوع من العنف الذي افتقر لضوابط التفوق اإلنساني‬ ‫إلى الداخل الفلسطيني‪ .‬العنف الداخلي الفلسطيني بدأ بالفكر الذي يطرح اإلقصاء‬ ‫والتكفير والتخوين واالنغالق وعدم االعتراف بالتعدد السياسي والثقافي والديني‪.‬‬ ‫وتغلغل تدريجيا ً داخل املجتمع‪ .‬وسعت القوى التي تتبنى هذا الفكر للسيطرة على املجتمع‬ ‫عبر املدارس واملساجد واملؤسسات االقتصادية واالجتماعية‪ .‬وكانت النتيجة فرض احلجاب‬ ‫بالترهيب وبالترغيب‪ ،‬واستبدال رموز إسالمية بالرموز الوطنية ‪-‬العلم النشيد‬ ‫والثوب واألغاني والتراث والزعامات الوطنية والثقافية‪ .‬وبدأ عهد جديد من كبح‬

‫‪ 51‬طلعت الصفدي‪" ،‬جبهة اليسار الفلسطيني ضرورة وحاجة موضوعية"‪،‬‬ ‫االخبارية‪.2009/4/17 ،‬‬

‫‪193‬‬

‫شبكة فلسطني بيتنا‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫احلريات العامة‪ ،‬وذلك في سياق تنفيذ ما أسمي "باملشروع اإلسالمي‪" ...‬حماس"‬ ‫تظهر كإسالم وسطي معتدل في السياسة‪ ،‬فيتبنى قادتها حل الدولتني واملشاركة في‬ ‫مؤمتر السالم وتفرض الهدنة بشكل صارم على فصائل املقاومة‪ .‬لكن "حماس" غير‬ ‫وسطية أبدا ً في تعاملها الداخلي مع املجتمع والقوى السياسية األخرى‪ ،‬فهي مصممة على‬ ‫فرض إمارة إسالمية على قطاع غزة باستخدام أقصى قوة ممكنة‪ ،‬وال هوادة مع كل‬ ‫من يهدد سلطتها‪ ،‬سواء جاء التهديد من "فتح" وفصائل املنظمة "العلمانية" أو من‬ ‫‪52‬‬ ‫السلفية التي خرجت من معطفها "‪.‬‬ ‫بدل التركيز على املصاحلة بني "فتح" و "حماس" على اليسار تنمية قاعدته اجلماهيرية‬

‫"فشل اليسار في استغالل حالة االستقطاب احلالي لتنمية قاعدة جماهيرية‪ .‬هناك قاعدة‬ ‫صامتة‪ .‬وهي ترى أن هذه أحزاب اليسار ال تقوم مبا هو مطلوب منها حتى تنحاز لها‪ .‬لذا‬ ‫نرى مبادرات قاعدية تقوم بها مجموعات صغيرة هنا وهناك (مثل املنارة‪ ،‬نواة‪ ،‬وغزة‬ ‫على بالي‪ ،‬وغيرها)‪ .‬األحزاب اليسارية تركز على اخلروج من حالة الصراع بني "حماس"‬ ‫و"فتح"‪ ،‬وقامت بصب جهدها لصالح إجراء مصاحلة بني الطرفني‪ ،‬بدال من العمل على‬ ‫تنظيم قاعدة جماهيرية عريضة لليسار (جتربة "البديل" في االنتخابات التشريعية عام‬ ‫‪ ،2006‬أظهرت أن كل تنظيم كان يحشد لصالح تنظيمه‪ .‬املشترك الوحيد كان البوستر‬ ‫"امللصق")‪ .‬هناك تأثير واضح حلالة االستقطاب‪ :‬مواقف متباينة للتنظيم نفسه (بني‬ ‫الضفة الغربية وقطاع غزة على سبيل املثال)‪ .‬وما جرى هو انشداد التنظيمات اليسارية‬ ‫ألحد القطبني املتصارعني‪ ،‬إلى أحد القطبني‪ .‬بني الشباب اليساريني جتد من هو أقرب‬ ‫إلى حماس ومن هو أقرب إلى فتح‪ .‬هناك "انفالش" تنظيمي حتى بني أعضاء املكتب‬ ‫السياسي الواحد‪ .‬في الوقت نفسه جترى محاوالت جادة إلعادة سيطرة األحزاب‬ ‫اليسارية على مؤسساتها من املنظمات غير احلكومية" (كادر سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫على اليسار أن ينتج برنامجه اخلاص‬

‫"مطلوب من اليسار طرح مشروع وطني واجتماعي شامل‪ .‬اليسار لم يعارض قانون‬ ‫األحوال الشخصية الذي طرحته "فتح"‪ .‬ال معارك اجتماعية لليسار‪ .‬املواجهة حلظر‬ ‫كتاب "قول يا طير" من قبل "حماس"‪ ،‬قادتها حركة "فتح" ألسباب سياسية وليس‬ ‫العتبارات علمانية كما عند اليسار‪ .‬منذ انهيار االحتاد السوفييتي لم ينتج اليسار‬ ‫برنامجه اخلاص وبقي محكوما بالسياسة واجلانب الكفاحي وهو ما تفوقت به "فتح"‬ ‫و"حماس"‪ .‬اليسار "جوبن" [أصابه الذعر] في غزة‪ .‬لم يخض معركة من أجل‬ ‫احلفاظ على وتنشيط وجتديد منظمة التحرير" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫‪ 52‬مهند عبد احلميد‪"" ،‬حماس"‪ :‬وسطية مع اخلارج!! متطرفة في الداخل"‪،‬األيام‪ .2009/8/18 ،‬‬

‫‪194‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫األحزاب اليسارية ما زالت عاجزة عن حتريك الرأي العام‬

‫"اليسار الفلسطيني لم يتبلور بشكل واضح‪ ،‬ولم يتعمق في القضايا االجتماعية‬ ‫للفئات املهمشة والضعيفة‪ ،‬وهو مشتت‪ ،‬وخالل أكثر من أربعني سنة لم يستطع توحيد‬ ‫صفوفه‪ ،‬وال تزال األحزاب اليسارية عاجزة عن حتريك الرأي العام في قضية تهم اجلماهير؛‬ ‫وذلك لوجود اختالف في وجهات النظر واملنهج السياسي وتأرجح بعض تنظيماته‬ ‫بني السلطة واملعارضة‪ ،‬مما حال دون تشكيل قاعدة تلعب دورا في توحيد وتنظيم‬ ‫التيارات اليسارية الدميقراطية‪ ...‬هناك فئات واسعة من الشعب الفلسطيني تنظر بأمل‬ ‫إلى برنامج اليسار‪ ،‬ألن كال القطبني املوجودين ال يعبر عن طموحاتها‪ ،‬وعلى اليسار أن‬ ‫يعمل على قضايا ملموسة ويدافع عنها دفاع املستميت‪ ،‬وأن تتفاعل برامجه مع هموم‬ ‫الناس‪ ،‬وعليه أن يخرج من عزلته ويفتح أبوابه ألجيال جديدة‪ ...‬إن هناك فئات تطمح‬ ‫إلى تشكيل تيار دميقراطي لكن ليس بقرار إداري فوقي‪ ،‬وإمنا على أساس املشاركة‬ ‫والتقاط املبادرات من القاعدة‪ ،‬وبناء منظمات جماهيرية ذات تأثير ونفوذ في املجتمع"‬ ‫‪53‬‬ ‫(سهام برغوثي)‪.‬‬ ‫ال ثقة بقدرة أحزاب اليسار على التأثير‬

‫"يعود غياب دور اليسار إزاء الصراع بني "فتح" و "حماس‪ :‬إلى ضعف أداء اليسار‬ ‫وخطابه والتجاذبات بني أطرافه‪ ،‬وأزمة الثقة لدى املواطن الفلسطيني بأحزاب اليسار و‬ ‫قدرتها على الفعل املؤثر؛ فاليسار لم يبادر لتحمل املسؤولية والدفاع عن القضايا التي‬ ‫تهم املواطن بشكل يومي مثل غالء األسعار‪ .‬وهناك غلبة للموضوع السياسي بشكل‬ ‫كبير وغير مدروس على العوامل األخرى االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬حتديدا مبا يخص‬ ‫اجلبهة الشعبية التي انتمي إليها" (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫لقد بقيت فكرة "البديل" محصورة باإلطار القيادي للقوى الثالث‬

‫"الضرورة االنتخابية أملت (وفق نسبة احلسم البالغة ‪ )%2‬على القوى اليسارية‬ ‫الدخول في حتالف انتخابي‪ .‬الشعبية قررت خوض االنتخابات وحدها حتت شعار‬ ‫أنها تريد قياس قوتها االنتخابية‪ .‬مصطفى البرغوثي (أمني عام "املبادرة الوطنية")‬ ‫اعتبر أنه األكبر بني القوى معتمدا على عدد األصوات التي حصل عليها في االنتخابات‬ ‫الرئاسية‪ ،‬وجبهة النضال الشعبي لم تشارك بسبب الترتيب الذي طرح عليها في‬ ‫قائمة املرشحني‪ .‬محرك الفكرة لم يكن التوحيد‪ .‬برنامج "البديل" قام على تصور‬ ‫منع أن يقود االستقطاب (بني "فتح" و"حماس") إلى شل املجلس التشريعي عبر خلق قوة‬

‫‪ 53‬عطاف يوسف‪" :‬اليسار الفلسطيني مأزوم أم مهزوم"‪ ،‬احلوار املتمدن ‪.2007./5/17‬‬

‫‪195‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫ثالثة‪ .‬هذه الفكرة لم تصل للجمهور العريض وال حتى للقوى األخرى‪ .‬كما لم جتر‬ ‫تعبئة قواعد القوى الثالث بالبرنامج املوحد وبضرورة االئتالف على صعيد املناطق‪.‬‬ ‫ولم تظهر القوى الثالث كقوى مؤتلفة في املناطق‪ .‬لقد بقيت فكرة "البديل" محصورة‬ ‫باإلطار القيادي‪ ،‬ولم يكن هناك إعداد للقاعدة احلزبية‪ ،‬واملوافقة متت قبل ليلة من تسجيل‬ ‫قوائم االنتخابات (أي قبل شهر من موعد االنتخابات)‪ .‬لم يتشكل في كل احملافظات‬ ‫جلان لدعم قوائم "البديل" في االنتخابات؛ شكلت بعض اللجان لكنها عملت كلجان‬ ‫إدارية لصرف املبالغ للدعاية االنتخابية‪ ،‬وحتى على الصعيد املركزي لم يتم العمل‬ ‫بشكل جدي‪ .‬هناك داخل اجلبهة الدميقراطية‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬أطراف لم تكن راضية عن‬ ‫التحالف مع "فدا" ألسباب تاريخية‪ .‬وبسام الصاحلي [أمني عام حزب الشعب] عمل‬ ‫ملصقا للدعاية له وحده‪ .‬لم يكن هناك خالف سياسي أو في التوجهات االجتماعية‪.‬‬ ‫االئتالف بقي محصورا في إطار القوائم النسبية‪ ،‬ولم ينعكس على الدوائر‪ ،‬حيث‬ ‫حاضت التنظيمات الثالثة انتخابات الدوائر كل بشكل منفرد ‪ ...‬في االنتخابات‬ ‫الرئاسية حصل بسام الصاحلي وتيسير خالد على نحو ‪ 50‬ألف صوت‪ ،‬واعتبر أن‬ ‫ذلك يضمن جناح مرشحي الدميقراطية واحلزب في انتخابات القوائم‪ ،‬ولذا انصب‬ ‫اجلهد على إجناح مرشحي احملافظات (الدوائر)‪ ...‬بعد االنتخابات انتهى العمل بصيغة‬ ‫"البديل"‪ ،‬وألن حزب الشعب والدميقراطية متثال ألول مرة في املجلس التشريعي‬ ‫فهما أرادا استخدام هذا التمثيل لتعزيز نفوذهما احلزبي‪ .‬وال بد من اإلشارة‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫إلى أن التراجع الكبير الذي حصل في األطر الصديقة والدميقراطية لهذه التنظيمات‬ ‫جعل من الصعب عليها التواصل مع الناس‪ ،‬وأفقدها القدرة على التأثير وإبراز الهوية‬ ‫املتميزة لالئتالف" (قيادية‪ ،‬ف)‪.‬‬ ‫فشلت تنظيمات اليسار في احلفاظ على متيزها البرنامجي‬

‫"متيز واقع قوى اليسار في ظل االستقطاب الثنائي بالتالي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬احلضور السياسي الشكلي غالباً‪ ،‬واالكتفاء بعرض املواقف والتحليالت‪ ،‬ولعب‬ ‫دور إطفائية حرائق في األزمات املجتمعية‪ ،‬كما في الصراع العنيف بني حركتي "فتح"‬ ‫و"حماس"‪ .‬شعرت قوى اليسار بالتهميش ورفضت اإلقصاء‪ ،‬غير أنها انقسمت في‬ ‫اقترابها من مركزي الهيمنة داخل النظام‪ .‬فبعضها من الناحية السياسية أقرب إلى‬ ‫موقف "حماس"‪ ،‬بينما في املسألة االجتماعية يقترب من موقف فصائل املنظمة‪ .‬لكن‬

‫فشلت تنظيمات اليسار في احلفاظ على متيزها البرنامجي‪ ،‬ومتاهت إلى هذا احلد أو ذاك في‬ ‫املسألتني الوطنية واالجتماعية مع مركزي الهيمنة‪ ،‬كما لم تستطع أن حتافظ على مساحة‬

‫نفوذها وتأثيرها اجلماهيري‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬فشلت جميع جتاربها الوحدوية أو التنسيقية أو االئتالفية فلم تنجح في بناء‬ ‫جتمع دميقراطي بالرغم من اجلهود الفكرية املضنية التي بذلتها‪ .‬وتعثرت محاوالت‬

‫‪196‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫بناء ائتالف حقيقي في مواجهة تفرد "حماس" و"فتح" واستئثارهما باحلوار‬ ‫والسلطة‪ .‬ولم تستطع أحزاب اليسار أن تشكل حتالفا ً مع مكونات املجتمع املدني‬ ‫األخرى‪ ،‬وما زالت تنظر بعني الريبة إلى القطاع اخلاص الفلسطيني وممثليه وحتجم‬ ‫عن التعاطي اجلاد معه‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬رغم تراجع أحزاب اليسار وضعفها ما زالت العالقة بينها مجاالً للتنافس والتمايز‬ ‫وليس للتقارب واالئتالف‪ .‬فاالختالف في وجهات النظر حول أشكال املقاومة يحضر‬

‫كلما جلس فريق منها إلى طاولة احلوار‪ ،‬وبعضها ميعن في متييز نفسه في هذا‬ ‫املجال ليس فقط باملمارسة وإمنا بتأكيد اختالفه مع اآلخرين‪ ،‬كما أن النشاط‬ ‫االجتماعي والنقابي مازال أيضاً محل تنافس واختالف ولم يشهد اتفاقا ً وتوحدا ً إال ملاماً"‬ ‫(قيادي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫دور الوسيط أضر باليسار‬

‫"في أزمة االنقسام السياسي كان من املفترض أن يتوجه اليسار للناس على أساس‬ ‫برنامجه الوطني اجلامع املشدود للتناقض مع االحتالل‪ ،‬لكن اليسار لم يفعل ذلك‬ ‫والسبب جمود برامجه وغياب رؤية له للتعامل مع املرحلة‪ ،‬إضافة إلى غياب حتالفات‬ ‫لليسار على املستوى اإلقليمي‪ .‬هناك أيضا التخاذل في قول كلمة احلق التي يجب أن‬ ‫يسمعها الناس الذين كانوا ينتظرون من ينقذهم من اجلحيم‪ ،‬ولكن غابت أو غيبت‬ ‫تلك الكلمة حلسابات واعتبارات شخصية لدى بعض قيادات اليسار وخلوفها على‬ ‫مناصبها ومواقعها وامتيازاتها‪ .‬دور الوسيط أضر باليسار ألنه ضيق برنامجه إلى احلد‬ ‫الذي بات يلعب فيه دورا غير مفهوم جلمهوره‪ ،‬علما أنه كان من املؤمل أن يلعب دورا‬ ‫ضاغطا من خالل الشارع وقيادته له على أساس شعارات واضحة ضد االنقسام‬ ‫والصراع املصلحي بني "فتح" و"حماس" " (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫إفالس برنامج القطبني يجعل اليسار القوة املهيأة الستقطاب القوة احلية من الشعب‬

‫"يؤكد هذا االستقطاب املشؤوم‪ ...‬أن اليسار هو القوة املهيأة‪ ،‬واملنوط بها‪ ،‬كسره‪،‬‬ ‫واستقطاب القوة احلية من الشعب الفلسطيني حول املشروع الوطني‪ ،‬بعيدا عن‬ ‫األعمال العبثية – التي تدغدغ املشاعر املقهورة ‪ -‬والتي لم يعد لها من هدف سوى تبرير‬ ‫استمرار سيطرة "حماس" على السلطة في قطاع غزة‪ ،‬وليس "حترير فلسطني!"‪،‬‬ ‫وهو ما تؤكده‪ ،‬اليوم‪ ،‬لهفة "حماس" على حتقيق الهدنة مع االحتالل‪ .‬ويعبر اإلفالس‬ ‫السياسي عن نفسه‪ ،‬في الطرف اآلخر‪ ،‬بالتعلق بأوهام مفاوضات ال تقل عبثية‪ ،‬باعتبارها‬ ‫خيارا يتيما‪ ،‬ترعاها‪ ،‬منفردة‪ ،‬واشنطن املنحازة بال مواربة للمعتدي احملتل‪ ،‬ويتركز‬ ‫همها في إسقاط كل املرجعيات الدولية اخلاصة بالقضية الفلسطينية‪ ...‬فهل تخرج‪،‬‬ ‫أخيرا‪ ،‬مكونات اليسار الفلسطيني املعاصر من شرانقها وتلتقي حول ثوابت احلقوق‬ ‫‪197‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الوطنية الفلسطينية املدعومة بالشرعية الدولية‪ ،‬في إطار وحدة جبهوية‪ ...‬تنطلق من‬ ‫الفهم واإلدراك بأن احلل للنزاع اإلسرائيلي‪-‬الفلسطيني ال يقف خلف الباب‪ ،‬بل ما‬ ‫زال بعيدا‪ ،‬لغياب املقومات األساسية للحل املقبول وأهمها متغيرات في املنطقة بشكل‬ ‫‪54‬‬ ‫خاص‪ ،‬ودولية بشكل عام‪."..‬‬ ‫اليسار لم يستغل اللحظة لتقدمي تيار ثالث‬

‫"اعتقد أن اليسار فقد ثقته بنفسه ارتباطا بانزياح مزاج الشارع وموازين القوى‬ ‫التي عكستها نتائج انتخابات املجلس التشريعي األخيرة [‪ .]2006‬ومع ذلك فإن عالقة‬ ‫اليسار بالشارع والقوى الشعبية يسودها أزمة غياب تلك األحزاب عن التواجد بني‬ ‫اجلماهير‪ ،‬وليس أدل على ذلك من أن الطبقة القيادية األولى في تلك الفصائل حتولت إلى‬ ‫حالة مكتبية مغلقة يندر أن جتدها بني الشعب أو على متاس مباشر معه‪ ،‬على الرغم من أن‬ ‫الشارع الفلسطيني أصبح يعيش حالة من التعقيد واملس مبصاحله وخصوصا بعد‬ ‫حالة االنقسام اجليو‪-‬سياسي باحثا عمن يحمل تلك املصالح ويتحرك باجتاهه‪ .‬وقد‬ ‫يكون اليسار املؤهل الوحيد للعب تلك احلالة ولكنه غائب متاما؛ فهو الوحيد الذي ميكن أن‬ ‫يعمل في الضفة وغزة ملواجهة التجاوزات من سلطتي غزة والضفة مثال ألنه ميلك حرية‬ ‫العمل باعتباره لم ينغمس في الصراع الداخلي‪ ،‬فهذا ميكنه من جتاوز حالة االنقسام‬ ‫والعمل باجتاه مصالح الشعب؛ ولكنه بدل ذلك وقف مشخصا لألخطاء والبعض منه‬ ‫اصطف إلى جانب "فتح" والبعض إلى جانب "حماس" ولم يشكل حالة ثالثة بينهما‪ ..‬ولم‬ ‫يستغل اللحظة لتقدمي تيار ثالث مقنع أمام طرفي اخلالف في الساحة الفلسطينية"‬ ‫(كادر سابق‪ ،‬د)‪.‬‬ ‫اليسار يلعب دور الوسيط بدال من دور قيادي يعيد بناء يسار جديد يهدف إلى‬ ‫الوصول للسلطة‬

‫"هناك أسباب عديدة لعجز اليسار وفشله في اإلمساك بزمام املبادرة أهمها‪ :‬ضيق أفق‬ ‫القيادة السياسية لليسار وذيليّته للقيادة التاريخية ملنظمة التحرير الفلسطينية؛ وغياب‬ ‫األهلية لليسار في إدارة حركة سياسية متكنه من توحيد الشارع؛ وفشل اليسار في‬ ‫توحيد نفسه؛ وأخيرا قبوله بدور الوسيط ألنه ال يفكر بدور قيادي مفتوح‪ .‬اشتراطات‬ ‫لعب دور قيادي في املجتمع هي‪ :‬إعادة بناء اليسار على أساس دميقراطي يفسح املجال‬ ‫فيها للقيادات امليدانية لكي تتبوأ مقاعد في األطر القيادية؛ وأن يسمح بتعدد املنابر‬

‫‪ 54‬عودة األشهب ونعيم األشهب‪ ،‬اليسار العربي الفلسطيني ‪ ،1948-1943‬املركز الفلسطيني لقضايا السالم‬ ‫ ‬ ‫والدميقراطية‪ ،‬ودار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع‪( 2008 ،‬صفحة ‪.)6-5‬‬

‫‪198‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫داخل احلزب والتنظيم؛ وأن تضع أحزاب وقوى اليسار مجتمعة الوصول إلى السلطة على‬ ‫جدول أعمالها؛ وأن تتبنى سياسات واضحة للدفاع عن مجموع الفئات االجتماعية؛ وتبني‬

‫موقف موحد لقوى اليسار من املبادرات املطروحة حتى يكون لها دور وفعل مؤثران؛‬ ‫ ال بد من أن يضع كل حزب على أجندته وحدة قوى اليسار كضرورة ملحة إلنقاذ‬‫الوضع الفلسطيني من كل النواحي" (كادر حزبي سابق‪ ،‬ف) ‪.‬‬ ‫"العوامل التي منعت اليسار من لعب دور مؤثر في منع االستقطاب واالنقسام اجليو‪-‬‬ ‫سياسي‪ ،‬عوامل تتعلق بأجندة خاصة لكل من حركتي "فتح" و"حماس"‪ ،‬واستخدام‬ ‫التمويل اخلارجي لالستقطاب الفصائلى من قبل احلركتني‪ ،‬وعوامل تتعلق بعدم قدرة‬ ‫اليسار على التوحد وفق رؤية موحدة كتيار ثالث مؤثر في الشارع الفلسطيني‪ ،‬وقلة حيلة‬ ‫اليسار في توفير التمويل الالزم لنشاطاته‪ ،‬وضعف عالقاته الدولية وبخاصة مع القوى‬ ‫اليسارية العربية والدولية‪ ،‬وعدم القدرة على حتقيق املصالح التطبيقية للشرائح االجتماعية‬ ‫في املجتمع الفلسطيني‪ ،‬والفشل في تكوين جتمع أو حزب يجمع اليسار" (حزبية‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار قادر على تشكيل قطب ثالث قوي‬

‫"اليسار الفلسطيني قادر على مللمة جمهوره وجسمه التنظيمي املترهل‪ ،‬وعلى تشكيل‬ ‫قطب ثالث مؤثر وقوي ينافس بحق القطبني اآلخرين؛ وبداية ميكن طرح صيغة ائتالفية‬ ‫عبارة عن حتالف واسع ومتنوع –باملعنى الفكري والتنظيمي‪ -‬تنضوي حتتها قوى‬ ‫وشخصيات ومؤسسات أهلية‪ ،‬قاسمها املشترك‪ :‬الدميقراطية بتالزم شقيها السياسي‬ ‫واملجتمعي‪ ،‬ومقاومة االحتالل‪ .‬فمهمة إعادة بناء احلركة اليسارية حتتاج إلى تك ّتل كل‬ ‫اليساريني املعنيني؛ وبالتالي يكون ضروريا ً أن تتفاعل تلك القوى وأن تلتقي‪ ،‬من أجل‬ ‫بلورة اخلطوات الضرورية من أجل التحالف‪ ،‬سوا ًء على مستوى القوى أو املنظمات أو‬ ‫الشخصيات ال كمفاضلة بني أشكال تنظيمية‪ ،‬وإمنا كشرط الزم إلجناز هذه املهمات‪ ،‬فما‬ ‫من حزب مبفرده مؤهل لتحمل هذه املسئولية التاريخية" (قيادي شبابي سابق‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫اليسار لم يتمايز سياسيا وكفاحيا واجتماعيا عن الطرفني املتصارعني‬

‫"من الواضح أن املجتمع الفلسطيني مستقطب بشكل حاد بني حركتي "فتح"‬ ‫و"حماس"‪ .‬وهذا االستقطاب ناجت عن قدرة احلركتني على محاكاة اجلماهير وهمومها‬ ‫والقدرة على التعامل مع احلالة اجلماهيرية في ظل تخلفها‪ ،‬وكذلك اإلمكانات املالية‬ ‫الهائلة للطرفني التي ساهمت إلى حد ما في تكريس الفساد في املجتمع ومؤسساته‪.‬‬ ‫في الوقت ذاته لم تتمكن قوى اليسار من إيجاد صيغ إبداعية للتعامل مع هذا الواقع‪،‬‬ ‫بل وفي معظم األحيان فإن قوى اليسار سارت على نهج القوتني الكبيرتني وبإمكانيات‬ ‫أقل‪ .‬كما أن اليسار لم يتمكن من طرح موقف سياسي وفعل كفاحي ومناذج في التعامل مع‬ ‫القضايا املجتمعية الدميقراطية يتمايز من خاللها عن الطرفني‪ .‬كل ذلك إضافة إلى الذهنية‬ ‫‪199‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫الفئوية التي غلبت على عقلية األحزاب والقوى السياسية اليسارية‪ ،‬وعدم إيجاد صيغة‬ ‫لتوحيد قوى اليسار تتعامل مع هذا الواقع‪ ،‬إضافة إلى الدور املعرقل للقيادات األولى‬ ‫في قوى اليسار للتوحد" (قيادي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫غياب مؤسسات منظمة التحرير من أسباب تخلف اليسار عن لعب دور مؤثر في‬ ‫االنقسام القائم‬

‫"اليسار في وضعه الراهن ضعيف وال ميثل طموحات مؤيديه أو املتطلعني له باعتباره‬ ‫قوى ثالثة قد حتدث تغير في مجتمعنا الفلسطيني حتديدا بعد أن كانت الظروف‬ ‫مهيأة له بعد االنقسام الذي حدث بني غزة والضفة‪ .‬والعوامل التي منعت اليسار‬ ‫من لعب دور مؤثر [في االنقسام احلاصل] هي؛ عدم وضوح مواقف البعض من قوى‬ ‫اليسار‪ ،‬وانتهازية بعض قيادات اليسار‪ ،‬وغياب منظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬وهشاشة‬ ‫مؤسساتها‪ ،‬وغياب قاعدة جماهيرية حتمي اليسار" (كادر شبابي‪ ،‬ح)‪.‬‬ ‫ال أحد يأخذ قوى اليسار عل�� محمل اجلد‬

‫"إن دعوة اليسار وغيره من القوى للحوار [في القاهرة] ما هو إال من باب الديكور حيث‬ ‫يظهر في كل مرة أن املهم موقف كل من الطرفني (أي "فتح" و"حماس")‪ ،‬وأن قوى‬ ‫اليسار وغيرها من قوى املعارضة لو اجتمعت على موقف م ّوحد ‪ -‬وهذا غير ممكن‪-‬‬ ‫فلن يغير شيئا‪ ،‬ألنها ببساطة ال تستطيع أن حترك الشارع على األقل في مسيرات‬ ‫سلمية‪ .‬وعليه ال يأخذ أحد هذه القوى على محمل اجلد‪ ،‬ورمبا كان توصيف د‪ .‬محمود‬ ‫الزهار لقوى اليسار بـ "كسور عشرية" خير شاهد على ذلك‪ .‬كما كانت لبعض رموز‬ ‫حركة "فتح" كمحمد دحالن وأبو علي شاهني تعبيرات شبيهة" (كادر سابق‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫اليسار غير مؤهل ملمارسة دور مؤثر‬

‫"اليسار لم يلعب دورا مؤثرا في منع االستقطاب واالنقسام اجليو‪-‬سياسي‪ ،‬بسبب‬ ‫فقدانه ألبسط املقومات التي تؤهله للعب دور كهذا‪ .‬وأول وأهم هذه املقومات هي قدرة‬ ‫اليسار على قيادة اجلماهير وحتريك الشارع‪ ،‬وغياب هذه القدرة يرجع بتقديري‬ ‫إلى عدة عوامل أبرزها‪ :‬غياب الوحدة بني فصائل اليسار مما أفقدها ثقة اجلماهير‬ ‫وبخاصة ألنها تطرح املوقف ذاته تقريبا من قضية االنقسام؛ غربة أحزاب اليسار عن‬ ‫الطبقات والشرائح االجتماعية األكثر ثورية واستعدادا للنضال والتضحية ضد كل ما‬ ‫من شانه أن يفاقم من ظروف حياتهم (انظر نتائج االنتخابات البلدية والتشريعية‬ ‫والحظ نسب التصويت لليسار في العديد من البلدات واملناطق املهمشة)؛ عدم امتالك‬ ‫اليسار لألدوات والوسائل الفعالة للتواصل مع اجلماهير ‪ ،‬فمثال ال يوجد أي حزب‬ ‫يساري فلسطيني ميتلك جريدة أو مجلة دورية أو إذاعة أو تلفزيون؛ وإن وجد بعضها فهي‬

‫‪200‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫محدودة التأثير وضعيفة الفاعلية وال ترتقي إلى الدور املنوط بها؛ غياب املؤسسات‬ ‫التي متثل البنى التحتية الضرورية وامللحة (مؤسسات تربوية‪-‬اجتماعية‪-‬ثقافية‪-‬‬

‫رياضية‪-‬تعليمية) والتي من املفترض أن تقوم بعملية تغيير وإنتاج القيم والعادات‬ ‫والنظم والوعي الذي يقود اليسار إلى تنظيم وقيادة اجلماهير نحو إجناز مهمات‬ ‫التحرر الوطني والدميقراطي؛ ضعف حيوية الهيئات القيادية العليا في أحزاب اليسار‪،‬‬ ‫وذلك بسبب غياب القيادات الشابة من بعض الهيئات األولى وضعف تأثيرها‪-‬إن وجدت‪-‬‬ ‫في هيئات أدنى‪ ،‬ألن وجودها ال يتعدى بتقديري التمثيل الرمزي؛ تكلس أحزاب‬ ‫اليسار لعدم مواكبتها للتكنولوجيا احلديثة‪ ،‬وعدم امتالك أدوات ومناهج اإلدارة‬ ‫العلمية السليمة وغياب اخلطط والبرامج املبنية على دراسات وأبحاث علمية تغطي‬ ‫كافة املجاالت والقضايا‪ ،‬حتى أن هذه األحزاب‪-‬التي ال متتلك أي مؤسسة أو مركز‬ ‫دراسات وأبحاث علمية ومهنية‪ -‬ال حتاول االستفادة مما تنتجه عشرات املؤسسات‬ ‫الفلسطينية والعربية والدولية (وميكن دراسة احلملة االنتخابية ألحزاب اليسار في‬ ‫االنتخابات التشريعية الثانية مثال ومحاولة التعرف على اخلطط التي وضعت لها‬ ‫وآليات عملها ودراسة تقييمها‪-‬إن وجد‪ -‬فسنجد العجب العجاب)؛ العصبوية والفئوية‬ ‫واملصالح الذاتية جتعل من جناح فكرة "جتمع أو تكتل يساري" أمرا كثير التعقيد والصعوبة‪،‬‬ ‫ألن جناح فكرة كهذه يهدد سلطة ومكانة العديد من املتنفذين في قيادة أحزاب اليسار‪،‬‬ ‫وعلى الرغم من وجود الكثير من احملاوالت في هذا االجتاه إال أنها لم تلق طريقها إلى‬ ‫النجاح حتى اآلن" (كادر حزبي طالبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫ال دورا ً جماهيريا ضاغطا على القطبني لوقف االنقسام‬

‫"ش ّكل تنامي تيار الليبرالية املتمثل في حركة "فتح" منذ توقيع اتفاق أوسلو‪،‬‬ ‫وتنامي تيار اإلسالم السياسي الذي اكتسب قواعد جماهيرية وبخاصة في قطاع‬ ‫غزة‪ ،‬باإلضافة إلى تبنيه للبرامج االجتماعية‪ -‬ش ّكل عامالً مهما ً في اضطراب موقف‬ ‫قوى اليسار‪ ،‬والسيما اجلبهة الشعبية التي وقفت عاجزة منذ بداية عام ‪ 1993‬عن‬ ‫التكيف مع الواقع اجلديد فخسرت الكثير من مكانتها في الشارع الفلسطيني‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى أنها عانت من ضائقة مالية رهيبة أفقدتها جزءا ً أساسيا ً من قوتها‬ ‫ورمزيتها في الشارع الفلسطيني‪ .‬كما أن رفضها التفاق أوسلو‪ ،‬وفي نفس الوقت‬ ‫انخراط جزء كبير من كوادرها وعناصرها في السلطة التي نتجت عن اتفاقية أوسلو‬ ‫أنتج تناقضا ً كبيرا ً وخالفا ً وفجوة بدأت تتسع تدريجيا ً حتى صعود تيار اإلسالم‬ ‫السياسي بقوة‪ ،‬مع التذكير بدورها وحضورها الكبيرين في االنتفاضة األولى‪.‬‬ ‫ولكن في االنتفاضة الثانية تراجع دور اجلبهة في مقابل تنامي دور حركة "حماس"‬ ‫وحركة "فتح" في قيادة االنتفاضة‪ ،‬وحتى فوز حركة "حماس" في االنتخابات‬ ‫التشريعية األخيرة [‪ ،]2006‬إلى احلسم العسكري في قطاع غزة وظهور واضح‬ ‫لتيارين ميينيني ممثل أحدهما بحركة "فتح" واآلخر بحركة "حماس"‪ .‬ووقفت‬ ‫‪201‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اجلبهة وغيرها من قوى اليسار‪ ...‬عاجزة عن خلق طريق ثالث مؤثر في هذه الظروف‪.‬‬ ‫كما فشلت جهودها في حشد اجلماهير للتخلص من هذا االنقسام‪ ،‬وفي ممارسة الضغوط‬

‫على التيارين لوقف االنقسام‪ ،‬مما يدلل بشكل واضح على أن األزمة التي تعاني منها‬ ‫قوى اليسار هي أزمة حقيقية‪ ...‬باإلضافة إلى أن فشل قوى اليسار في تبني برامج‬ ‫اجتماعية تنحاز للعمال واملهمشني والفقراء من أبناء شعبنا‪ ،‬كان له عامل السحر‬ ‫في انتقال التأييد الشعبي للمعسكر اإلسالمي املمثل بحركة "حماس" التي جنحت‬ ‫في استغالل برامجها في توفير بنية اجتماعية ساعدتها على تقوية نفوذها وتنامي‬ ‫شعبيتها بعكس اليسار (كادر حزبي‪ ،‬ش)‪.‬‬ ‫االستقطاب الثنائي ومشروع "التيار الثالث"‬

‫"‪ ...‬يضاف إلى ما سبق‪ ،‬أسئلة حول حدود "التيار الثالث" وهل هو حزبي فقط أم‬ ‫يتسع ليضم شخصيات ومؤسسات املجتمع املدني؟ ومن هي األحزاب واملؤسسات‬ ‫والشخصيات؟ وإن كان املقصود بالتيار الثالث – افتراضا‪ -‬العلمانيني فهل يتسع‬ ‫ليضم عناصر من حركة "فتح"؟‪ ...‬أم إن خالفات أيديولوجية وسياسية واقتصادية‬ ‫واجتماعية عميقة تستدعي تفكيرا مختلفا في طبيعة هذا التيار وحدوده؟ ورمبا البحث‬ ‫عن مكونات ورؤى وطرق عمل جديدة تكون أكثر فعالية كاحلركات االجتماعية‬ ‫والشبابية‪ ...‬أم إن فلسطني متجهة إلى نظام احلزبني وال حاجة وال إمكانية لوجود‬ ‫"التيار الثالث"؟‪ ...‬واآلن‪ ،‬وفي ظل األوضاع املتفاقمة باطراد بني حركتي "حماس" و‬ ‫"فتح"‪ ،‬عادت األصوات التي ترى في وجود "التيار الثالث" حاجة ملحة أنية للظهور‬ ‫مجددا؛ بيد أن هذا الطرح يبقى نظريا ويتقدم الواقع بأشواط‪ ،‬فرؤيته حول "التيار‬ ‫الثالث" غير واضحة وهالمية إلى حد بعيد‪ ،‬تتوقف عند املصطلح دون التدقيق في‬ ‫تفاصيله ومالبساته‪ ،‬وبالتالي فإن التراجع خطوة إلى الوراء‪ ،‬وطرح األسئلة التي‬ ‫أوردناها في البداية وغيرها‪ ،‬قد يساهمان في وضع اليد على إشكاليات بناء هذا التيار‪،‬‬ ‫إن كان بناؤه ضروريا وممكنا أصال‪ ،‬ومن ثم حتديد مكوناته وتخومه‪ ،‬بحيث يحقق‬ ‫الهدف الذي تبتغيه أطرافه منه" (من مقدمة كتاب "التيار الثالث"‪ ،‬الصادر عن مركز‬ ‫دراسات التنمية‪ ،‬جامعة بيرزيت‪ ،‬حزيران ‪.)2007‬‬ ‫االستقطاب يو ّلد آلية لتقوية القطبني ألن القطب الثالث غير مرئي‬

‫"أعتقد انه كان ممكنا بل يجب أن نتفوق كيسار من خالل تقدمي صورة مختلفة تقوم على‬ ‫أولوية املواجهة اجلماهيرية مع االحتالل‪ ،‬وأن تكون املواجهة املسلحة رافدا وليس بديال‬ ‫عنها‪ ،‬وأن تكون املواجهة املسلحة في نطاق التصدي للمستوطنني وقوات االحتالل‪ .‬قسم‬ ‫كبير من اليسار وقع ضحية ابتزاز العمليات العسكرية ووهجها‪ ،‬وكان تيار ال بأس به‬ ‫من اليسار يبشر باملقاومة الشعبية الالعنفية كحزب الشعب‪ ،‬وفي ظل غياب هذا التوافق‬ ‫اليساري فإنه من الصعب أن يشكل بديال بنظر الناس‪ .‬أضف إلى ذلك التمزق في رؤية‬ ‫‪202‬‬


‫اليسار الفلسطيني إلى أين؟‬

‫اليسار‪ .‬لم يحصل في االنتفاضة الثانية إعادة بناء للسلطة الذاتية (التعليم الشعبي جلان‬ ‫األحياء‪ )...‬بسبب وجود سلطة رسمية‪ .‬وتوافرت فرصة كبرى لليسار إلعادة صياغة‬ ‫السلطة بحيث تصبح شكال من أشكال تعزيز صمود املجتمع في مواجهة االحتالل‪.‬‬ ‫االستقطاب الثنائي بحد ذاته يولد آلية لتعميق وزيادة القطبني ألن القطب الثالث غير مرئي‪ ،‬وال‬ ‫يقدم بديال‪ .‬والسبب في ذلك غي