Page 1

‫ﻣﺎذا ﺗﻌﺮف ﻋﻦ اﻟﺸﻬﻴﺪ اﳌﻬﻨﺪس ﻣﺮوان ﺣﺪﻳﺪ ؟‬

‫‪1‬‬


‫مروان حديد‬ ‫ولد مروان حديد في مدينة حماه عام ‪ 1934‬ألبوين مسلمين محافظين أشد المحافظة‪ ،‬والده الحاج خالد حديد‬ ‫يعمل تاجرا ً في أحد أسواق حماة التجارية ووالدته الحاجة رئيفة البارودي رحمھا ﷲ ربة منزل ذات شھرة‬ ‫واسعة في كرمھا وسخائھا‪ ،‬فكم تصدقت حتى بأثاث البيت والثياب وربما حتى ببعض ما ترتديه عليھا فھي ال‬ ‫تطيق أن تسمع كلمة نجدة أو استغاثة حتى تكون لھا ملبية بما تملك وربما فوق ما تملك‪ ،‬والشھيد مروان حديد‬ ‫أملس أحمر‪ ،‬حليق الشارب واللحية‪،‬‬ ‫كان شابا طويالً ممشوق القامة قوي البنُية عريض المنكبين‪ ،‬له شع ٌر‬ ‫ٌ‬ ‫ثاقب النظرة‪ ،‬له لياقته ولباسه األنيق الذي يلفت النظر ‪.‬‬ ‫مروان حديد رحمه ﷲ من أسرة عريقة معروفة في حماه وتتميز بما أتاھا ﷲ من بسطةٍ في الجسم وميزات‬ ‫قيادية وإن اختلفت مشاربھم واتجاھاتھم الفكرية‪ ،‬وھو الرابع من خمسة أشقاء وله أربع أخوات‪ ،‬فشقيقه‬ ‫األكبر واسمه ) أحمد ( محا ٍم مشھور ومزارع كبير آثر العمل خارج حماه في منطقة الجزيرة وھو أحد‬ ‫األعضاء البارزين في الحزب االشتراكي الذي ينتمي إلى أكرم الحوراني‪ ،‬وكان مسؤوالً عن منطقة الجزيرة‬ ‫شمال سوريا بأكملھا‪ ،‬وشقيقه الثاني ( عدنان ( يحم ُل شھادة الدكتوراة في الصيدلة والمخابر وله نفس اتجاه‬ ‫أخيه أحمد مع صبغة تحريرية واضحة عاش وال زال يعيش في أوروبا بعد أن تزوج من فتاة دانمركية‪ ،‬وأخوه‬ ‫سرح له نفس االنتماء‪ ،‬قام عبد الناصر بتسريحه من الجيش وھو برتبة رائد أيام‬ ‫الثالث ) كنعان ( ضابط كبير ُم ّ‬ ‫الوحدة بعد خصام مع ضابط مصري كبير أدى إلى إشھار السالح‪ ،‬ويأتي الرابع )مروان( عليه الرحمة‬ ‫والرضوان بكل ما في ھذه األسرة من ميزات شخصية تؤھلھا للتقدم‪ ،‬إنما يتميزون بذكاء ربما يفوق غيرھم‬ ‫من األقران مع صالبة المواقف‪ ،‬وكرم وسخاء جعل ھذه األسرة رغم مشاريعھا الضخمة وتجارتھا الواسعة‬ ‫مستورة‬

‫الحال‬

‫كغيرھا‬

‫من‬

‫أسر‬

‫الطبقة‬

‫المتوسطة‪،‬‬

‫وخامسھم‬

‫كان‬

‫شقيقه‬

‫رضوان‬

‫نشأ مروان في وسط مثقف متطلع للمستقبل‪ ،‬في مرحلة من أھم وأخطر المراحل التي مرت بھا أمتنا‪ ،‬أال وھي‬ ‫درس وتدرج في مدارس‬ ‫مرحلة الكفاح ضد االستعمار وغرس إسرائيل في قلب األمة العربية واإلسالمية‪،‬‬ ‫َ‬ ‫حماه االبتدائية واالعدادية والثانوية وحصل على الثانوية العامة الفرع العلمي عام ‪ ،1955‬وتسجل في كلية‬ ‫الزراعة جامعة عين شمس ‪ 1956‬في مصر وتخرج منھا في ‪ ،1964‬طالت مدة دراسته بسبب كثرة اعتقاله‬ ‫من قبل المخابرات المصرية‪ ،‬التحق بكلية اآلداب جامعة دمشق قسم الفلسفة وحصل على البكالوريوس عام‬ ‫‪.1970‬‬ ‫نشأ مروان في بيئة حزبية اشتراكية وكان مسؤوالً ماليا ً عن التنظيم االشتراكي في ثانوية ابن رشد في الفترة‬ ‫التي سبقت التحاقه بجماعة األخوان المسلمين‪ ،‬ونتركه ليتحدث لنا عن أول سببٍ دعاه إلى االنتماء الفكري ثم‬ ‫العضوي إلى جماعة اإلخوان المسلمين فيقول‪:‬‬ ‫) لقد كنت اشتراكيا ً بدافع البيئة التي أعيشھا بين أشقائي وبدافعٍ من واقع األمة المرير الذي يبحث عن طريق‬ ‫الخالص من االستبداد ال ُمسلّط على اإلنسان البسيط‪ ،‬وفي يوم من األيام دخلتُ البيت وإذ بأخي الكبير أحمد‬

‫‪2‬‬


‫يقول‪ ":‬قتل اليوم أخطر رجل على األمة العربية " وكا َل لھذا الرجل الشتائم والسباب بأقذع العبارات المعروفة‪،‬‬ ‫فقلت له‪ :‬من ھو ھذا الرجل‪ ،‬قال‪ ":‬حسن البنا شيخ اإلخوان في مصر"‪ ،‬فوقع ھذا الخبر وقع الصاعقة في‬ ‫نفسي وثارت في نفسي تساؤالت كثيرة عن طبيعة ھذا الرجل وفكره ودوره الذي أخاف ھؤالء القوم وكان‬ ‫وجوده خط ٌر على األمة العربية‪ ،‬فقررت البحث عن أجوبة لھذه التساؤالت وتتبعت الخبر أوالً من الراديو‬ ‫وتيقنتُه‪ ،‬ثم بحثتُ عن كتبه فقرأتُ من رسائله ما أمكنني يومھا أن أ ّ‬ ‫طلع عليه‪ ،‬وسألتُ عنه من يعرفه ألسمع‬ ‫منھم ما يعرفونه عنه‪ ،‬وكان بعدھا بفضل ﷲ ورحمته التحول من العماية إلى الھدى ومن الضالل إلى الرشاد‬ ‫ومن الجندية للباطل إلى الجندية للحق (‪ ،‬وكان ذلك بفضل ﷲ ومساعي أخيه نافع علواني ومن بعدھا ُع ِرفَ‬ ‫مروان بين األخوان بأنه من أكثرھم تمسكا بالدعوة إلى اإلسالم وبتعاليم اإلسالم وبشريعة اإلسالم‪ ،‬ومروان‬ ‫ب إلخوانه‪ ،‬وكانت المرحلة التي انخرط فيھا في صفوف‬ ‫جدّي جداً فيما يعتقد ويؤمن به‬ ‫ي و ُم ِح ﱞ‬ ‫ٌ‬ ‫ومخلص وف ﱞ‬ ‫اإلخوان مرحلة انقالبات في سورية ومضايقات للحركة اإلسالمية من قبل الحكومات االنقالبية المتعاقبة‪ ،‬وكان‬ ‫العمل في تلك الحقبة سريّا ً ويرتكز في جامع النوري الشھير في حماه‪ ،‬وكان زاھداً في الدنيا مستغرقا ً في‬ ‫اآلخرة‪ ،‬وكان كثير الصالة والبكاء والدعاء في خلواته‪ ،‬وكان البعض من إخوانه يستغرب منه كثرة صالته‬ ‫وطول سجوده‪ ،‬حتى إذا صار إذا أطال واحد من إخوانه السجود في صالته قيل له إنك تصن ُع كما يصنع مروان؟‬ ‫شارك مروان في نشاطات الجماعة في صحبة إخوانه الذين أحبھم وأحبوه والذين كانوا طليعة الجھاد‬ ‫والتضحية‪ ،‬فساھم في أعمال الخير والبر في المجتمع إلى جانب الدعوة والتربية‪ ،‬وساھم مع أخيه الشيخ سعيد‬ ‫حوى رحمه ﷲ في العمل بالحملة االنتخابية ومحاولة كسب التأييد للدكتور السباعي أثناء االنتخابات التكميلية‬ ‫بين الدكتور السباعي رحمه ﷲ مراقب الجماعة وبين رياض المالكي االشتراكي التقدمي‪ ،‬وشھد كيف يتم‬ ‫تزيف الحقائق وتتد خل الدول وتُباع وتشترى الضمائر من قبل بعض الذين يلبسون لباس العلم والمشيخة ‪.‬‬ ‫و أدب َر مروان عن الدنيا بقلبه وسلوكه فكان من طالئع الربانيين من اإلخوان المسلمين الذين اكتووا بنار‬ ‫المحنة في عام ‪ ،1954‬فمنھم الشھداء ومنھم األبطال ومنھم من بقي على قيد الحياة وفيا ً بعھده ثابتا ً على دينه‬ ‫مخلصا لربه ‪ ،‬لم تفت في أعضادھم صليل السالسل وال عواء السياط وال تمزيق األجساد وتحريقھا ‪.‬‬ ‫وكم كنتُ أتھيب حين أرى ذلك الشيخ المھيب الممشوق القامة‪ ،‬بھي الطلعة‪ ،‬باسم الثغر‪ ،‬ذو اللحية الحمراء‬ ‫الطويلة‪ ،‬والعمامة البيضاء واللباس األبيض‪ ،‬وھو يمشي في شوارع حماة ُملقيا ً السالم على ُك ﱢل من القاه في‬ ‫طريقه‪ ،‬وكم كنتُ معجبا ً ببيانه وحجته حين أستم ُع إلى خطبه ومحاضراته‪ ،‬ترى فيه العزيمة والصدق والصالبة‬ ‫والثبات ‪.‬‬ ‫سافر مروان إل مصر بھذه الروح فلم يفتر ولم ينقطع عن الدعوة إلى ﷲ‪ ،‬والتقى بتالميذ الشيخ حسن البنا‬ ‫شطَ كثيراً في الدعوة ونصرتھا في‬ ‫رحمه ﷲ الذي طالما أحبه ولم يعرفه‪ ،‬والتقى بسيد قطب وإخوانه‪ ،‬ون ِ‬ ‫أوساط الشباب الذين عمل على تربيتھم على معاني العزة واإلباء‪ ،‬واستخلص الخوف والرھبة من قلوب من‬ ‫حوله من الشباب حتى تربى ونشأ بقربه جي ٌل من الشباب المصري الذي أحب الموت و االستشھاد في سبيل‬ ‫ﷲ‪ ،‬والمرحلة التي عاشھا في مصر كانت مرحلة دعوة وجھاد‪ ،‬فكان يقضي ُج ﱠل وقته ومعظم أيامه إ ّما في‬ ‫صراع فعل ّي مع رجال المباحث تدرب فيھا على مصاولتھم‬ ‫الدعوة إلى ﷲ وشرح العقيدة والمبدأ‪ ،‬أو في‬ ‫ٍ‬ ‫‪3‬‬


‫ب عليھا إخوانه السوريين والمصريين الذين معه‪ ،‬وب ّين لھم كيف ينظرون إلى ھؤالء األدوات‬ ‫ومصارعتھم ود ﱠر َ‬ ‫السيئة مرةً باالزدراء ومرةً بالمرحمة واإلشفاق‪ ،‬فكثيراً ما كان يفتح باب بيته ليُدخل المخبر السري المكلف‬ ‫بمراقبته إلى البيت ليحميه من المطر وشدة البرد القارس‪ ،‬فيكر ُمه بتقديم الطعام والشاي وزيادةً على ذلك كان‬ ‫ُب تقريره األمني إلدارته‪ ،‬لذلك كانت إدارة األمن تستبدل العناصر المكلفة بمراقبة مروان‬ ‫يُعطيه ورقةً وقلماً ليكت َ‬ ‫أسبوعيا ً ‪.‬‬ ‫وكان لمحنة اإلخوان واضطھادھم وإعدامھم في مصر بالغ األثر وأعمقه في قلبه وحسه المرھف‪ ،‬فأعلن‬ ‫عداءه لعبد الناصر الذي خان وعوده وعھوده وحاربه في كل مكان‪ ،‬وكان أشد ما يكون له مجاھرةً في العداء‬ ‫والمحاربة عندما سافر إلى مصر ليتلقى علومه فيھا‪ ،‬وعبد الناصر يومھا كان زعيم العرب وبطلھا‪ ،‬وفي‬ ‫الداخل كان جالد مصر ومرعبھا ‪ .‬ولكن ھيھات أن يتطرق إلى قلب مروان خوف من بشر كائنا من كان‪ ،‬حاكما‬ ‫أو محكوما ً صغيراً أو كبيراً‪ ،‬فقد امتأل قلبه بحب ﷲ والخوف منه فلم يعد لسواه في قلبه نصيب‪ ،‬كيف ال وقد‬ ‫لقّنَ الدنيا درسا ً لم تعرفه إال من أمثاله من المؤمنين الصادقين‪ ،‬لقّنھا كيف تكون ذليلة حقيرة تافھة أمام‬ ‫األھداف السامية الرفيعة وأمام رضى ﷲ تعالى‪ ،‬فما رأيتُ رجالً داسھا بقدميه مترفعا ً عليھا بإبا ٍء وشمم عنھا‬ ‫وھو قادر عليھا مثله ‪..‬‬ ‫وعاد مروان رحمه ﷲ في أوائل شھر آذار ‪ 1964/3‬من مصر بعد حصوله على بكالوريوس الھندسة شعبة‬ ‫محاصيل من كلية الزراعة – جامعة عين شمس‪ ،‬وھو الذي لم ينقطع مروان عن متابعة أخبار بلده سوريا أو‬ ‫زيارتھا في كل صيف‪ ،‬وخصوصا ً متابعة أخبار البالد بعد انقالب ‪ 1963‬الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة‬ ‫وبدأت العناصر الباطنية المتسلطة على ھذا الحزب الملحد تمد أعناقھا وتحكم قبضتھا على مقاليد الحكم من‬ ‫وراء ستار دون أن تسفر عالنية عن وجھھا الكريه‪ ،‬وسرعان ما أحس بالخطر الذي يكمن وراء ھذا الحزب‬ ‫الملحد فقام يدعو الناس ويح ّذ َرھم وينذ َرھم ويبينُ لھم بحسه المرھف وشفافيته لألمور أن ھؤالء القوم ال‬ ‫يھا ِدنون في ما صنعوا‪ ،‬وأن وراءھم ما وراءھم‪ ،‬والبد من مجابھتھم من اللحظة األولى قبل أن يتمكنوا من‬ ‫الحكم‪ ،‬وإال استشرى خطرھم وقويت قبضتھم وعندئذ سيدوسون المقدسات وينتھكون الحرمات ولن يجدي بعد‬ ‫ي البارودية‪ ،‬وأقام المحاضرات والدروس في‬ ‫ذلك معھم عالج‪ ،‬فعقد الندوات في بيته ومسجده الصغير في ح ّ‬ ‫ألھب حماس الشباب وغ ّذاه بروحه التي تستھين‬ ‫المساجد فكشف نوايا البعثيين الطائفيين وع ّرى مخططاتھم و‬ ‫َ‬ ‫وتحب الموتَ كما يحب غيره الحياة ‪.‬‬ ‫بالطواغيت وال تخشى إال ﷲ‬ ‫ﱡ‬ ‫وكان ال بد لھذه الدفعة اإليمانية العارمة ولھذه الروح المتصلة با† أن تصطدم بالكفر واإللحاد للتباين الواضح‬ ‫والمفارقة الكبيرة المعروفة‪ ،‬وبوصفه مسؤوالً عن قطاع الطالب في حركة اإلخوان المسلمين فقد شارك في‬ ‫احتجاجات طالب ثانوية عثمان الحوراني بمنطقة الحاضر في مدينة حماة بتاريخ ‪ ،1964/4/7‬يوم أن خرج‬ ‫الطالب في مظاھرة احتجاجا ً على اعتقال السلطة أحد الطالب الذي كتب على السبّورة ) اللوح في الصف ( آية‬ ‫قرآنية وھي ‪ ) :‬ومن لم يحكم بما أنزل ﷲ فأولئك ھم الكافرون (‪ ،‬فاحت ﱠج الطالب البعثيين ودارت مصادمات‬ ‫فيما بين الطلبة اإلسالميين والبعثيين تدخلت المخابرات على إثرھا واعتقلت الطالب وقدمته لمحكمة أمن الدولة‬ ‫التي حكمت عليه بالسجن لمدة عام مع تغريمه مبلغا ً من المال‪ ،‬وطالب الطالب في مظاھرتھم مدينة حماة‬ ‫التجار وأبناء الشعب وأغلقوا محالتھم‪ ،‬وتدخل الجيش لرفع حالة اإلضراب فرفض أھالي‬ ‫باإلضراب فاستجاب ّ‬ ‫‪4‬‬


‫حماة ھذا الطلب وتقدموا بمطالب لمحافظ المدينة المجرم الطائفي عبد الحليم خدّام الذي رفض ھذه المطالب‪،‬‬ ‫فاعتصم المصلين في مسجد السلطان وقرروا اإلبقاء على حالة اإلضراب حتى تنفيذ مطالبھم‪ ،‬وحدَث أن قُتِ َل‬ ‫ي أثناء المظاھرات فاستدعى عبد الحليم خدّام الجيش الذي حاصر المسجد الذي كان يتواجد فيه‬ ‫ٌ‬ ‫طالب بعث ّ‬ ‫أثناءھا حوالي تسعين مصلياً‪ ،‬وكان ھناك بعض عناصر اإلخوان وال يزيدون عن أربعة أو خمسة أشخاص‬ ‫يحملون مسدسات صغيرة عيار ‪ 6‬مم‪ ،‬وأسلحة بسيطة أخرى عبارة عن زجاجات مولوتوف ال يتجاوز عددھا‬ ‫سبعة أو ثمانية زجاجات وبدون أية ذخائر أو إمدادات أخرى كما ادّعت السلطة آنذاك‪ ،‬فشارك الشيخ مروان في‬ ‫االعتصام السلمي القائم في جامع السلطان ولم يخرج من المسجد حتى تتحقق ھذه المطالب‪ ،‬وتفاجأ الجميع‬ ‫بإقدام الطائفيين بقيادة الدرزي العقيد حمد عبيد قائد ق ّوات المغاوير‪ ،‬والعقيد الدرزي سليم حاطوم ومن ورائھم‬ ‫النصيري حافظ أسد وصالح جديد وعزت جديد بقصف المسجد بالمدفعية والدبابات ودارت اشتباكات بين‬ ‫الجانبين انتھت باستشھاد بعض المعتصمين ودارت اشتباكات بين الجانبين انتھت باستشھاد أربعة من‬ ‫المعتصمين‪ ،‬ھم األخوة ‪ :‬منقذ صيادي‪ ،‬ومحمود نعيم‪ ،‬وتوفيق مدني‪ ،‬وعبد ﷲ المصري الذي توفي وھو في‬ ‫طريقه إلى المستشفى متأثراً بجراحه‪ ،‬وتم اعتقال اآلخرين الذين سيقوا إلى سجن حماة المدني‪ ،‬بينما حاصر‬ ‫الجنود الشيخ مروان داخل المسجد وراحوا يطلقون عليه النار بشكل عشوائي وكثيف تريد قتله ولكن † ُمراداً‬ ‫آخر‪ ،‬وعندما تأكدوا بأنه أعزل من السالح دخلوا عليه وكبلوه وانھالوا عليه ضرباً بكل ما وصلت إليه أيديھم‬ ‫من أدوات‪ ،‬عصي وخيزرانات وبأعقاب البنادق وبأسالك معدنية وغيرھا‪ ،‬ثم حملوه في دبابة إلى منى دار‬ ‫الحكومة ) السرايا ) حيث كان الرئيس أمين الحافظ موجود ومعه مجموعة من الضباط اآلخرين ‪.‬‬ ‫وكان وفاحش اللسان‪ ،‬فعندما رأى الشيخ مروان شتمه ُ•معروفا ً عن أمين الحافظ بأنه بذي ٌء وسبّه ‪.‬‬ ‫فقال له مروان‪ :‬ل ِتَ ُك ْن خصومتُ َك يا أمينُ شريفة ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تدخل المقدم عزت جديد أمسك المقدم النصيري بلحية الشيخ مروان وكانت طويلة‪ ،‬وقال له ‪:‬‬ ‫وعندما‬ ‫ھذه المكنسة ال أريد أن أراھا ثانية ً ‪.‬‬ ‫فزجره الشيخ مروان وضربه ضربةً قو ّيةً برجله أسقطه فيھا من فوق درج مبنى السرايا إلى األرض ‪.‬‬ ‫وتم إقامة محكمة عسكرية من محاكم أمن الدولة برئاسة المجرم مصطفى طالس في حمص قُ ﱢد َم إليھا الشيخ‬ ‫مروان وإخوانه من المعتقلين‪ ،‬وتمت محاكمتھم محاكمة صورية‪ ،‬وتم إصدار أحكامھا المقررة سلفاً‪ ،‬وقد دار‬ ‫حوار جريء جداً بين الشيخ مروان وبين قاضيه وخصمه العسكري مصطفى طالس في بعض الجلسات التي‬ ‫كانت علنية وتُنقَل على الھواء مباشرةً جاء فيه ما يلي ‪:‬‬ ‫قال طالس للشيخ مروان‪ :‬أنت عميل ‪.‬‬ ‫قال مروان لطالس‪ :‬أنا عمي ٌل † ‪.‬‬ ‫قال طالس‪ :‬أنت مأجور ‪.‬‬ ‫قال مروان‪ :‬أنا مأجو ٌر من ﷲ ‪.‬‬

‫‪5‬‬


‫قال طالس‪ :‬حكمت عليك المحكمة باإلعدام شنقا ً حتى الموت ‪.‬‬ ‫فرد مروان بابتسامة ساخرة‪ :‬وﷲ يا مسكين لو عرفتُ أنّ بيدك الموت والحياة لعبد ﱡت َك من دون ﷲ ‪.‬‬ ‫فضجت الصالة بالتصفيق الحاد والصراخ واالستھزاء بالمحكمة‪ ،‬ھنا قاموا فوراً بقطع الكھرباء عن صالة‬ ‫المحكمة‪ ،‬وتم إيقاف البث اإلذاعي المباشر ‪.‬‬ ‫وحكموا عليه باإلعدام في محكمة صورية برئاسة المجرم الطائفي المقدم مصطفى طالس‪ ،‬ولكن الحكم لم يُنفذ‬ ‫ق سراح مروان والمسجونين بعدما تدخل الشيخ محمد الحامد وعلماء حماة عند رئيس الجمھورية أمين‬ ‫وأُطلِ َ‬ ‫الحافظ آنذاك‪ ،‬وأثبتت المحاكمة للجميع بما فيھم ال ُ‬ ‫طغمة ُ الحاكمة أنه كما كانت أھداف مروان و إخوانه نبيلة‪،‬‬ ‫فإنّ خصومته مع أعدائه كذلك رغم وقاحة الطائفيين ونذالتھم كانت شريفة ‪.‬‬ ‫وبعد أن ألقى الشيخ محمد الحامد رحمه ﷲ بثقله إللغاء أحكام اإلعدام بشباب اإلخوان واستجاب رئيس الدولة‬ ‫ق ھذا التصرف الذي قام به أمين الحافظ للنصيري المقدم عزت‬ ‫أمين الحافظ لھذا المطلب من الشيخ‪ ،‬لم يَ ُر ْ‬ ‫جديد ومن خلفه من الضباط الطائفيين وكان ضابطا ً متنفذاً‪ ،‬فاقتحم السجن بمجموعة كبيرة من الجنود‬ ‫س جناء المحكوم عليھم باإلعدام أن يتھيؤوا لتنفيذ ُحكم اإلعدا ِم فيھم وأمام ك ﱢل واح ٍد‬ ‫المدججين بالسالح وأمر ال ُ‬ ‫منھم خمس دقائق ليكتب وصيته‪ ،‬ولكن ُمرا َد ھذا اللعين لم ينفذ ومضى أمر ﷲ وأُف ِر َج عنھم جميعا ً ‪.‬‬ ‫مروان كان يعرفُ جيدا من ھو حزب البعث ؟ وما ھي مبادئه ؟ وما ھي أھدافه ؟ ومن ھم مؤسسوه ؟ ومن ھم‬ ‫أنصاره ؟ وفوق كل ذلك كان يعرف جيداً أنھا الطائفية الحاقدة اللئيمة المستترة وراء شعارات الحزب المغفل‪،‬‬ ‫لذلك لم يفتر لحظة واحدة عن األعداد النفسي والحركي لمجابھته بشتى الوسائل ‪.‬‬ ‫وبعد أن خرج مروان من السجن مع إخوانه في أحداث ‪ 1964‬تابع مسيرته كالمعتاد بدون توا ٍن أو تأخير‪ ،‬وقام‬ ‫قادة انقالب ‪ 1966‬جديد وأسد النصيريين باعتقاله إلى حرب ‪ 5‬حزيران ‪ 1967‬مع مجموعة كبيرة من األخوان‬ ‫والعلماء في سوريا ثم أفرج عنه ومن معه أثناء الحرب ‪ .‬ولكن مروان ھو كما ھو يُدرك بتوفيق ﷲ أن األمور‬ ‫كما توقع لھا من قبل‪ ،‬أخذت تتطور من خطر إلى أخطر خاصة بعد تسليم الجوالن الحصين‪ ،‬ولم يكن األمر‬ ‫مفاجئا ً بل كان متوقعا ً ‪.‬‬ ‫بعد ھزيمة ‪ 67‬شارك مع العمل الفدائي ضد إسرائيل‪ ،‬وكانت مناسبة كبيرة لدفع العديد من الشباب للمشاركة‬ ‫وللتدريب على القتال والسالح‪ ،‬وربما خالف بذلك رأي الكثيرين من األخوان ولكنه كان دائما ً ينظر لألمور من‬ ‫زاوية أُخرى‪ ،‬وتخرج على يديه مجموعات جيدة من المقاتلين الذين شاركوا في العمل الفدائي وكونوا فيما بعد‬ ‫نواة االعمل العسكري في المقاومة المسلحة ضد النظام الطائفي في سوريا‪ ،‬ولم تكن السلطة الغاشمة بغافلة أو‬ ‫متغافلة عن تحركاته ونشاطه بل كان ھمھا الوحيد أن تالحقه وتراقبه في كل مكان وزمان‪ ،‬ومروان ھو مروان‬ ‫لم يتوانى لحظة واحدة عن االستمرار في الطريق الذي نذر له روحه وحياته ودائما ً ما كانَ يُردد كلمته‬ ‫المشھورة المقتبسة من الحديث الشريف‪ ) :‬لموتٌ في طاعة ﷲ خي ٌر من حيا ٍة في معصيته (‪ ،‬وكانت أحاديثه‬ ‫ش ُ‬ ‫ط بأمشاط‬ ‫تدور كلھا تدو ُر حول الصبر والمصابرة ومقارعة األعداء‪ ،‬وأنّ من كانوا قبلنا يؤتى بأحدھم فيم ﱠ‬

‫‪6‬‬


‫الحديد ما بين لحمه وعظمه ويوضع المنشار على مفرق رأسه حتى يكون نصفين ما يصدھم ذلك عن دينھم‪،‬‬ ‫ش ُر بالنصر ويعتق ُد أن النص َر مع اإليمان‪ ،‬ويستشھد باآلية الكريمة ) وأعدوا لھم ما استطعتم من قوة(‪،‬‬ ‫وكان يب ﱢ‬ ‫أي بالممكن منھا حتى ولو كانت عصا فقط فا† تكفﱠ َل بالنصر إذا صدق العب ُد ربﱠه ‪.‬‬ ‫ف نفسه ولم يتحرك وراء الكواليس إنما كان واضحا في منھجه في تحركه‪ ،‬وفي معتقده‪ ،‬وفي‬ ‫ومروان لم ي ُخ ِ‬ ‫مجابھته للسلطة‪ ،‬وحتى في فكره في حياته البسيطة المتواضعة ‪ .‬مروان وأقولھا بصراحة كان أح ُد الذين‬ ‫تصدروا مواقع قيادية في الدعوة بإخالصھم وتفانيھم‪ ،‬ونَسوا أنفسھم نسيانا ً كامالً أو ما نسميه نحن فناء‬ ‫النفس أمام الدعوة حتى لم يبق منھا إال الحق‪ ،‬وقد كنت أقو ُل له مرةً ‪ ) :‬أنه اليوم غي َرهُ باألمس ‪ ،‬وأنه اليوم‬ ‫فيجيب بابتسامته المعھودة دون كالم‪،‬‬ ‫ليس لنفسه فقط إنما ھو اآلن إلخوانه جميعا ً ‪ ..‬لبلدته ‪..‬لوطنه ‪ ..‬ألمته (‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ق له‪ ،‬وأقولھا بصراحة كذلك أنه أحد القلة الذين اجتذبوا الشباب إلى الدعوة بدماثة‬ ‫فأفھم منه أن ھذا ال يرو ُ‬ ‫ق عمله وقولُه لذلك ك ﱠونَ في أي مكان ح ﱠل به‬ ‫ُخلقِه‪ ،‬وكرم نفسه‪ ،‬وتواضعه ودعابته التي ال تفارقه‪ ،‬ولقد تواف َ‬ ‫نُسخا ً عن ذاته لھا تقريبا ً نفس المواصفات و السمات ‪.‬‬ ‫وقد يكون مروان بعيدا عن أحداث الدستور في أول عام ‪ 1973‬وربما فوجئ بھا كغيره من إخوانه‪ ،‬ولكن‬ ‫ھيھاتَ للسلطة الباغية أن تباشر اضطھادھا لألخوان وتنسى مروان أو تدعه حراً طليقاً‪ ،‬فقد ح ِرصت في كل‬ ‫مرة على قتله والتخلص منه‪ ،‬ولكن األجل ھو الذي ف ّوتَ عليھم ذلك كله‪ ،‬فقد حرصوا على قتله علم ‪ 1964‬في‬ ‫مسجد السلطان أو حتى أن يعدموا شنقا ً لوال قبوا الرئيس أمين الحافظ بمبادرة العلماء‪ ،‬وأرادوا قتله عام‬ ‫‪ 1966‬ليلة أن قتلوا المرحوم الشھيد عثمان األمين في بيته‪ ،‬وقتلوا الشھيد حسن عصفور تحت التعذيب‪ ،‬إذ‬ ‫اعتقل مروان في نفس الليلة و أرادوا اعتقاله في أوائل شھر آذار ‪ 1973‬في منزله الكائن في حي البارودية‬ ‫وكادوا يقتلون ابن أخته لو ال أن ح ﱠذرھم أحد المباحث أن ھذا غير مروان‪.‬‬ ‫وشاء ﷲ لمروان أن يختفي بعد ھذه المرحلة وأن يعمل بالخفاء ليُ ِع ﱠد العدة ليوم توا َجه ُ به السلطة الباغية بقوة‬ ‫السالح‪ ،‬وشاء ﷲ أن يكون مكانَ تواجده دمشق وليس حماة‪ ،‬وتنقّ َل بين عدة بيوت لمدة سنتين ونصف تقريبا ً‪،‬‬ ‫وقد دفعت السلطة النصيرية بكل قوتھا وحيلتھا وتجسسھا للتعرف على مكان تواجده وإلقاء القبض عليه‬ ‫وقتله‪ ،‬وكان مروان قد عقد مروان على فتاة مؤمنة تعلم حياته وتدرك نوع العيش الذي يمكن أن تحياه معه‬ ‫وذلك في أواخر عام ‪ ،1972‬وللظروف التي أحاطت به لم يدخل بھا وحاول أن يدفع بھا إلى أھلھا في آخر أيامه‬ ‫دفعاً وھي ترفض لتبقى بجانبه وتقوم على خدمته‪ ،‬إال أن الرجل النبيل الذي بدأ يدرك بمرھف إحساسه النھاية‬ ‫تعيش أرملة وھي في ريعان شبابھا‪ ،‬فتسامى‬ ‫التي تنتظره أبى أن يدخل بھا لكي يوفر لھا مستقبلھا من بعده وال‬ ‫ُ‬ ‫وتسامى وھي بجانبه إلى أن داھمته قوة المخابرات في صبيحة يوم ‪ 30‬حزيران ‪ 1975‬بعد أن خرج أحد‬ ‫إخوانه ليأتيھم بمستلزمات البيت وحاجياته‪ ،‬ول ّما قُ ِر َع الباب وظنﱠ أنه ذلك األخ فتح الباب ليرى نفسه مطوقا‬ ‫بقوة من رجال األمن الذين حاولوا إلقاء القبض عليه بعد أن أطلقوا عليه الرصاص وأصيب بكتفه‪ ،‬إال أن بعض‬ ‫ت عديدة حتى استشھد‬ ‫األخوة الذين كانوا معه وزوجته وزوجة أخ آخر باشروا المقاومة المسلحة ولساعا ٍ‬ ‫وج ٍرح اآلخر وتمكنت السلطة من إلقاء القبض على أخوين آخرين ال زاال في السجن لم تُصرح السلطة‬ ‫أحدھم ُ‬ ‫ق سراح الزوجتين بعد حوالي الشھر ‪.‬‬ ‫عن مصيرھُما حتى الساعة‪ ،‬وأُطل ِ َ‬

‫‪7‬‬


‫ولم يكن ھناك محاكمةٌ سريةٌ أو علنية ٌ لمروان وإنما كان التحقيق المعروف لدى رجال المباحث والمختصين‬ ‫صعب المنال ال يبالي أن يقاوم حتى لو‬ ‫ي البنية والشكيمة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫بشئون التعذيب والتصفية الجسدية‪ ،‬ومروان قو ﱡ‬ ‫كانت يديه في القيود فاتبعوا معه أسلوبا ً جديداً في التعذيب النفسي والجسدي‪ ،‬أما النفسي فكانوا يُسمعونَه‬ ‫أصواتا ً كصوت زوجته وھي تعذب وكأنما يُرا َد اغتصابھا حتى أنھكوه ‪.‬‬ ‫أخس ما اتبعوه معه من‬ ‫تعرض مروان للتعذيب باألضواء المبُ ِھرة وكان أعظ َم وأَش ﱠد تعذيبا على نفسه‪ ،‬وإن‬ ‫ﱠ‬ ‫وسائل قذرة واستطاعوا أن يكبلوا به قواه ويحدوا من مقاومته ھو كشف قُبُلِهِ ودبُ ِره‪ ،‬ومروان معروف بشدة‬ ‫حيائه وخجله فإذا دخلوا عليه الزنزانة انكمش على نفسه ليتستر عورته التي أرادوا كشفھا وأراد ﷲ سترھا‪،‬‬ ‫ويستغلوا ھذه الحالة ليكيلوا له صنوف التعذيب‪ ،‬بھذه الطريقة تمكنوا من السيطرة على مروان وإال ليكيل لھم‬ ‫الكلمة بكلمة والصاع بصاعين‪ ،‬ثم قطعوا عنه الطعام وأجاعوه حتى خارت قواه‪ ،‬وأحيانا ً كانوا يقدمون له‬ ‫الطعام بعد أن يمزجوه أمام ناظريه باألقذار‪ ،‬فصار يأبى أن يأكل من ھذا الطعام القذر ‪.‬‬ ‫مروان صاحب الطول الفارع والجسد الممتلئ والقبضة الحديدية ينقُ ُل عنه أحد الذين شاھدوه أخيراً وھو بحالة‬ ‫ھو فيھا أقرب إلى الھيكل العظمي منه إلى الجسد العادي‪ ،‬ويقول مروان لھذا بعد أن سقاه لبنا ً بيده فتقيأه ألن‬ ‫معدته لم تعد تحتم ُل حتى اللبن‪ ،‬وكان يغيب عن الوعي لفترات متقطعة ويصحو‪ ،‬وبعد أن صحا قليالً من‬ ‫غيبوبته قال لھذا األخ ‪ ) :‬انقل ع ّني وقل للناس أن ھؤالء الكالب "ويعني بھم المحققين" أنھم لم يحصلوا مني‬ ‫على كلمة واحدة ت ُشفى بھا صدورھم (‪.‬‬ ‫ثم بعد ذلك ساءت حالته الصحية إلى درجة يئست السلطة منه فأرادت أن ت ُخفي جريمتھا‪ ،‬فنقلوا مروان إلى‬ ‫مستشفى حرستا العسكري وطلب أسد منھم أن يأتوا بأخيه الدبلوماسي كنعان ليكون كما أراد األشرار شاھداً‬ ‫من أھله أنه كان مضربا ً عن الطعام‪ ،‬وأنه حالته تردت بسبب امتناعه عن الطعام‪ ،‬ومروان قد أعياه الجوع‬ ‫وأضناه الجھد وھبط ضغطه‪ ،‬فكان أخوه يتوسل إليه أن يأكل ويشرب فيرفض لكثرة ما رأى من تلويث الطعام‬ ‫والماء بالبول والغائط وقد أخبره مروان بذلك‪ ،‬ومع ذلك وافق مروان على طلب أخيه بأن يأكل بشرط‪ ،‬فقال ‪:‬‬ ‫يا أخي أشرب وآكل بشرطين‪ ،‬أحدھما أن يكون الماء من حماه والثاني تعدني أن تصلي ‪ ،‬وكان كنعان ال‬‫يُصلّي ‪.‬‬ ‫صلّي ‪ ..‬وأكل مروان وشرب ماء حماة‪ ،‬ووفّى كنعان بوعده وصار مصليا ً عابدا ً †‬ ‫فقال له أخوه كنعان ‪ُ :‬ك ْل وأُ َ‬ ‫بعدما رأى ما رأى من حال أخيه ‪.‬‬ ‫وبدأت صحة مروان في التحسن‪ ،‬وبدأ ضغطه يعود إلى الوضع الطبيعي‪ ،‬وعاد إلى الحديث مع أھله الذين‬ ‫استبشروا خيراً ‪.‬‬ ‫وفي مساء أحد األيام عاد إليه أھله ليجدوه يجود بروحه الطاھرة وقد أشار إليھم بإصبعه إلى رقبته وأنه قد‬ ‫أعطي حقنة في عنقه‪ ،‬وإذ باألجھزة الطبية تشير إلى أن ضغطه أخذ يھبط من جديد وأن حالته صارت تسوء‬ ‫‪8‬‬


‫وتسوء‪ ،‬ثم فاضت روحه طاھرة زكيه إلى بارئھا لتلتقي مع ركب الشھداء الذين سبقوه ويستبشرون بقدومه‬ ‫كما ھو يستبشر بقدوم إخوانه من خلفه وال حول وال قوة إال با† ‪.‬‬ ‫ترج َل ھذا الفارس من على صھوة فرسه أخيراً‪ ،‬واسلم الروح لخالقھا بغدر الغادرين وحقد الحاقدين‪ ،‬وكان‬ ‫لقد ّ‬ ‫ذلك على يد الطاغية المجرم حافظ أسد ونظامه األسود النتن‪ ،‬وأسلم الروح لبارئھا في سجن المزّة العسكري‬ ‫في شھر ‪1976/6‬‬ ‫استشھد مروان ولم يُسمح ألھله بدفنه في حماة‪ ،‬ف ُدفِنَ في دمشق في مقبرة الباب الصغير تحت حراسة األمن‬ ‫المشددة التي أحاطت بالمكان‪ ،‬وبعد دفنه بقيت الحراسة على القبر شھوراً حيث كانوا يعتقلون كل من يزور‬ ‫القبر ‪.‬‬ ‫لقد عاش مروان حديد حميداً‪ ،‬ومات شھيداً‪ ،‬وبلَ َغ أسمى أمانيه‪ ،‬فكثيراً ما يسمعه تالمذته يُردد مقولة بال ٍل‬ ‫رضي ﷲ عنه ( غداً نلقى األحبة‪ ،‬محمداً وصحبه (‪ ،‬لقد أرعب مروان جميع الطغاة حيّا ً وميتا ً ‪.‬‬ ‫مضى مروانُ إلى ربه راضيا ً مرضياً إن شاء ﷲ‪ ،‬ولكنه بق َي شوكة في حلوق الطائفيين المجرمين‪ ،‬وفي نفوس‬ ‫إخوانه قدوةً ومثالً حيّا ً للجھاد والتضحية والصبر والثبات ‪.‬‬ ‫لقد كان مروان " وال ُنز ّكي على ﷲ أحداً " أھالً لمقام الشھادة‪ ،‬فأنع َم ﷲُ بھا عليه‪ ،‬نسأل ﷲ أن يتقبلَهُ شھيداً‬ ‫سنَ أولئك رفيقا ً ‪.‬‬ ‫ويحشره مع النبيين والصديقين والشھداء والصالحين‪ ،‬وح ُ‬ ‫رحمه ﷲ رحمةً واسعة‪ ،‬وأسكنه فسيح جناته ‪ ..‬آميـــن‬

‫‪9‬‬

سيرة البطل المجاهد الشهيد مروان حديد  

سيرة مختصرة عن ابن حماة البطل المجاهد الشهيد مروان حديد

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you