Issuu on Google+

‫‪1913‬‬ ‫والعشقعـام‬ ‫املوتبـاريـس‬ ‫ـى‪...‬فــي‬ ‫األول‬ ‫واألمكنة‬ ‫ـيـيسـ‬ ‫الاـ ـلـشـمـاـؤعـتــرمـرسـ ـالمـعـاءـربع ـ‬ ‫العدد ‪670‬‬ ‫> ذو القعدة‬

‫وزارة اإلعالم‬

‫نستقبل إعالناتكم التجارية‬ ‫على صفحات مجلة‬

‫‪ 1435‬هـ > سبتمبر ‪ 2014‬م‬ ‫‪September 2014‬‬

‫‪8/20/14 9:10:29 AM‬‬

‫العدد ‪ 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬

‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫إدارة اإلعالن التجاري ‪ -‬وزارة اإلعالم‬ ‫بدالة ‪ )00965( 1802002‬داخلي ‪ 114 - 111‬فاكس‪)00965( 24824131 :‬‬

‫َف ُّن ا ُمل َن ْم َن َمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪full cover.indd 2‬‬


‫‪8/20/14 9:09:57 AM‬‬

‫من أرشيف‬

‫حضارات سادت‬ ‫بادت‬ ‫ثم َ‬ ‫َّ‬

‫العدد (‪)39‬‬

‫للحضارة السومرية الشرقية القدمية فضل كبير على سائر احلضارات األوربية بل على املدنية اإلنسانية بأسرها‪ ،‬إذ إن الكتابة اكتشاف‬ ‫سومري صميم‪ ،‬ولوال الكتابة ملا كان هناك تاريخ أو علوم‪ ،‬وملا كانت حضارات أو فنون‪ ،‬فهي كما يقول مثل سومري قدمي‪« :‬سيدة الفنون‬ ‫جميعها بل سيدة كل بالغة وخطابة‪ ،»...‬وما األختام األسطوانية التي تبدو في هذه اللوحة إال األصل الذي انطلقت منه الكتابة‬ ‫املسمارية‪.‬‬

‫اآلن في األسواق مجلة‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‬ ‫تصدر عن وزارة اإلعالم ‪-‬دولة الكويت‬

‫أمل في املستقبل‪ ..‬ونظرة إلى الغد‬

‫سبتمبر‬ ‫‪2014‬‬

‫اقرأ في العدد‬ ‫ شرائط ومغامرات‬‫ قصص وحكايات‬‫ شخصيات ورحالت‬‫ علوم واكتشافات‬‫‪ -‬من القراء وإليهم‬

‫املجلة األولى للطفل العربي‬ ‫واألكثر انتشار ًا وتوزيع ًا في العالم العربي‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪full cover.indd 1‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫تأسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‬ ‫‪Editor in Chief‬‬

‫‪Dr. Adel S. Al-Abdul Jader‬‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 2‬شارع ‪ - 74‬قسيمة ‪ - 105‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬

‫‪Editorial Tel:‬‬

‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫عناوين مراسلة العربي في اخلارج‬ ‫> القاه�� ��رة ‪ -‬اله�� ��رم ‪ 5 -‬ش�� ��ارع ترع�� ��ة املريوطي�� ��ة ‪ -‬عم�� ��ارات اخللي�� ��ج ‪ -‬عم�� ��ارة ‪-3‬‬ ‫ال� � ��دور الثال� � ��ث ‪ -‬ش� � ��قة ‪ - 40‬هــاتـ� � ��ف ‪ > 002039812448‬بي� � ��روت ص‪ .‬ب‬ ‫‪ 70827‬أنطلي� � ��اس‪ /‬لـبـنـ� � ��ان ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 009613408407‬فاك� � ��س ‪009614408448‬‬ ‫> دمش� � ��ق ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 00963114417653‬فاك� � ��س ‪ 00963114449567‬ص‪.‬ب ‪7699‬‬ ‫> الرباط هاتف ‪ 0021237679972‬فاك� � ��س ‪ 0021237778438‬ص‪.‬ب ‪ 7729‬دار احلديث‬ ‫شروط النشر في مجلة العربي‬ ‫> توجه املقاالت إلى رئيس حترير املجلة‪.‬‬ ‫تكتب املقاالت باللغة العربية وبخط واضح (للمقاالت املرسلة بالبريد)‪( ،‬يُفضل أن تكون املقالة مطبوعة‬ ‫على قرص حاسوبي مدمج ‪ ،)C.D‬ومرفقة مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬تعهد خطي من املؤلف أو املترجم بعدم نشر املقالة ساب ًقا في أي مجلة أخرى‪.‬‬ ‫‪ - 2‬سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف أو املترجم‪.‬‬ ‫‪ - 3‬األصل األجنبي للترجمة‪ ،‬إذا كانت املقالة مترجمة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬يفضل أن تكون املقاالت الثقافية مدعمة بصور أصلية عالية النقاء‪ ،‬مع ذكر مصادر هذه الصور‪،‬‬ ‫ومراعاة ترجمة تعليقات وشروح الصور واجلداول إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫> أولوية النشر تكون للمقاالت املدعمة باملصادر واملراجع والصور‪.‬‬ ‫> املوضوعات التي ال تنشر ال تعاد إلى أصحابها‪.‬‬ ‫> يفضل أال تقل املقالة عن ‪ 150‬كلمة وال تزيد على ‪ 1000‬كلمة‪.‬‬ ‫> يحق للمجلة حذف أو تعديل أو إضافة أي فقرة من املقالة متاش ًيا مع سياسة املجلة في النشر‪.‬‬ ‫> اخلرائ� � ��ط التي تنش� � ��ر باملجل� � ��ة مجرد خرائ� � ��ط توضيحي� � ��ة وال تعتب� � ��ر مرجعا للح� � ��دود الدولية‪.‬‬ ‫> ال يجوز إعادة النش� � ��ر بأي وس� � ��يلة ألي مادة نش� � ��رتها العربي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة‬ ‫خطية من اجلهات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬

‫> امل ��واد املنش ��ورة تعب ��ر ع ��ن آراء كتابه ��ا وال تعبر بالض ��رورة ع ��ن رأي املجلة‪,‬‬ ‫ويتحمل كاتب املقال جميع احلقوق الفكرية املترتبة للغير‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬

‫‪8/18/14 10:23:26 AM‬‬

‫‪3‬‬

‫‪sep 4-5.indd 3‬‬


‫العدد ‪ - 670‬ذو القعدة ‪ 1435‬هـ‬ ‫سبتمبر (أيلول) ‪2014‬م‬

‫حديث الشهر‬ ‫‪ 8‬د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‪ ...‬شوقي بني املب ِّرد وابن خلدون‪.‬‬

‫فكر‬ ‫‪ 12‬خليل علي حيدر‪ ...‬ساطع احلصري واللغة العربية‬ ‫‪ 25‬د‪ .‬مالك نصر‪ ...‬جمال االنكس� � ��ار‪ ...‬من الصدق إلى‬ ‫الشفاء‬

‫ملف‪:‬‬ ‫الشاعر العماني سماء عيسى‬ ‫‪ 56‬محمد بن س� � ��يف الرحبي‪ ...‬راصداً املوت والعش� � ��ق‪...‬‬ ‫واألمكنة‪ ...‬الش� � ��اعر سماء عيس� � ��ى إذ يطل من «شرفة‬ ‫على أرواح أمهاتنا»‬ ‫‪ 61‬د‪ .‬محمد زروق‪ ...‬ثالثية املنفى واملرأة والروح‬

‫أدب ونقد ولغة‬ ‫‪20‬‬ ‫‪30‬‬ ‫‪67‬‬ ‫‪70‬‬ ‫‪79‬‬ ‫‪91‬‬ ‫‪94‬‬

‫د‪ .‬ريتا عوض‪ ...‬الصورة الشعرية في منهج عبدالقاهر‬ ‫اجلرجاني النقدي‬ ‫محم� � ��د العنزي‪ ...‬هل اس� � ��تلهم أدونيس كت� � ��اب الناقد‬ ‫خليفة محمد التليسي؟‬ ‫حس� � ��ن عبدالفت� � ��اح ناج� � ��ي‪ ...‬امل� � ��رأة والدي� � ��ن في ش� � ��عر‬ ‫الرصافي‬ ‫د‪ .‬محم� � ��د صاب� � ��ر عبي� � ��د‪ ...‬هوي� � ��ة اللغ� � ��ة العربية‪...‬‬ ‫استيعاب «اآلخر» املفهومي ومتثل رؤيته‬ ‫د‪ .‬ري� � ��اض عثمان‪ ...‬اللغ� � ��ة األم‪ ...‬وانع� � ��دام األمن‬ ‫اللغوي‬ ‫د‪ .‬يوسف بكار‪ ...‬التخلي عن األعمال األولى! أدونيس‬ ‫ومحمود درويش منوذجاً‬ ‫هند عبداحلليم محفوظ‪ ...‬هل اللغة العربية صعبة؟!‬ ‫وكالء توزيع العربي ومطبوعاتها‬

‫لبنان‪ :‬الشركة اللبنانية لتوزيع الصحف ‪00961-1368007‬‬ ‫البريد االلكتروني‪colidi@inco.com.lb :‬‬ ‫البحرين‪ :‬مؤسسة األيام للنشر ‪00973-17617733‬‬ ‫فاكس‪000973-17617744:‬‬ ‫األردن‪ :‬وكالة التوزيع األردنية ‪00962-6535885‬‬ ‫فاكس ‪0096265337733‬‬ ‫قطر‪ :‬شركة دار الشرق ‪00974-44557809/ 11/10‬‬ ‫فاكس ‪00974 44557819‬‬ ‫اإلمارات‪ :‬شركة ابو ظبي لالعالم‬ ‫الهاتف‪ ..971-24145005/6 :‬الفاكس‪00971-24144340 :‬‬ ‫سلطنة عمان‪ :‬مؤسسة العطاء للتوزيع ‪00968-24492936‬‬ ‫‪ -24496748‬فاكس‪00968 24493200 :‬‬ ‫السعودية‪ :‬الشركة الوطنية املوحدة للتوزيع‬

‫‪4‬‬

‫‪8/18/14 10:20:12 AM‬‬

‫‪99‬‬ ‫‪104‬‬ ‫‪112‬‬ ‫‪114‬‬ ‫‪138‬‬ ‫‪142‬‬ ‫‪197‬‬

‫ع������رض واختي������ار د‪ .‬أحم������د عبدالت������واب عوض‪...‬‬ ‫قصص على الهواء‬ ‫س� � ��مير جري� � ��س‪ ...‬معان� � ��اة مترج� � ��م‪ ...‬إش� � ��كاليات‬ ‫اخلصوصية الثقافية عبر اللغة‬ ‫جهاد فاضل‪ ...‬نزار قباني‪ ...‬واألخطاء اللغوية‬ ‫ع� � ��ادل بن زين‪ ...‬رحلة «ش� � ��رق وغرب» حملمد حس� �ي��ن‬ ‫هيكل منوذجاً‬ ‫أمني الباشا‪ ...‬انتظار غروب الشمس‬ ‫د‪ .‬عبداملجيد زراقط‪ ...‬التفاعل اللغوي والقص احلديث‬ ‫محمد وردي‪ ...‬جرار الضوء للشاعر محمد غبريس‬

‫سينما‬ ‫‪ 124‬محمد الفقي‪ ...‬هيتشكوك‪ ...‬اإلنسان بوصفه طريدة‬

‫تاريخ وتراث وشخصيات‬ ‫‪18‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪76‬‬ ‫‪84‬‬ ‫‪88‬‬ ‫‪108‬‬ ‫‪130‬‬ ‫‪132‬‬ ‫‪140‬‬ ‫‪190‬‬

‫حضارات سادت ثم بادت‪ ...‬السومريون‪ ...‬ملحمة اخللود‬ ‫أش� � ��رف أبواليزيد‪ ...‬فن املنمنم� � ��ات‪ ...‬األدب والتاريخ‬ ‫واألسطورة‬ ‫فاضل خلف‪ ...‬الش� � ��اعر الكويتي عبداللطيف إبراهيم‬ ‫النصف‬ ‫فخري صالح‪ ...‬يوس� � ��ف سامي اليوس� � ��ف‪ ...‬ومركزية‬ ‫الشعر اجلاهلي‬ ‫إلياس سحاب‪ ...‬وديع الصافي‪ ...‬كبير املطربني العرب‬ ‫حس� � ��ونة املصباحي‪ ...‬ليونارد سيدار س� � ��نجور‪ ...‬بني‬ ‫السياسة والشعر‬ ‫طرائف عربية‬ ‫د‪ .‬بدر الدين مصطفى‪ ...‬عمارة ما بعد احلداثة‬ ‫طرائف غربية‬ ‫طارق راشد‪ 100 ...‬سنة على احلرب العاملية األولى‪...‬‬ ‫ومازلنا نعيش في قبضتها‬

‫الهاتف‪ 0096614871414 :‬فاكس‪0096614870809 :‬‬ ‫فلسطني‪ :‬شركة رام الله للتوزيع والنشر‬ ‫هاتف‪ 00967 022980800- :‬فاكس‪0097022964133 :‬‬ ‫مصر‪ :‬مؤسسة أخبار اليوم ‪00202-25806400‬‬ ‫‪ -25782701‬فاكس ‪00202 25782540-‬‬ ‫السودان‪ :‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع‬ ‫هاتف‪ 002491 83242702 :‬فاكس‪00249183242703 :‬‬ ‫تونس‪ :‬الشركة التونسية ‪00216-71322499‬‬ ‫فاكس‪00216 71323004 :‬‬ ‫اجلزائر‪ :‬شركة بوقادوم لنقل وتوزيع الصحافة‬ ‫هاتف‪ - 0021331909590 :‬فاكس ‪0021331909328‬‬ ‫املغرب‪ :‬الشركة العربية اإلفريقية ‪00212 - 522249200‬‬ ‫فاكس‪00212 522249214 :‬‬ ‫اليمن‪ :‬القائد للنشر والتوزيع ‪00967 1240883‬‬ ‫فاكس‪00967 1240883 :‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 4-5.indd 4‬‬


‫علوم‬

‫‪ 152‬محمد أحمد علي‪ ...‬نحو ترشيد الطاقة الكهربائية‬ ‫‪ 154‬محمد حسونة‪ ...‬فيروس كورونا‬ ‫‪ 160‬سوس� � ��ن عزت عامر‪ ...‬كيفية تسجيل اللون في الصورة‬ ‫الرقمية‬

‫البيت العربي‬

‫‪163‬‬ ‫‪166‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪172‬‬ ‫‪176‬‬ ‫‪168‬‬

‫محمد محمد مستجاب‪ ...‬احلصيرة‬ ‫أميرة مصطفى‪ ...‬املنتديات النسائية‪ ...‬سحر وفخاخ‬ ‫د‪ .‬بركات محمد مراد‪ ...‬الرقص واملعارضة عند الطفل‬ ‫بني الصحة واملرض‬ ‫نبيل قطيط‪ ...‬تعليم التفكير‬ ‫السامة‬ ‫مهى قمر الدين‪...‬‬ ‫ُ‬ ‫ألعاب األطفال ّ‬ ‫حنان بيروتي‪ ...‬مرض البيت!‬

‫ص ‪36‬‬

‫مكتبة العربي‬

‫‪ 184‬ع� � ��رض‪ :‬عبدالرحمن ح� �ل��اق‪ ...‬القارئ ف� � ��ي النص‪...‬‬ ‫مقاالت في اجلمهور والتأويل (من املكتبة األجنبية)‬

‫مرفأ الذاكرة‬

‫‪ 200‬د‪ .‬أحمد علي اجلارم‪ ...‬بني اجلراح والشاعر‬ ‫‪7‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪147‬‬ ‫‪179‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪188‬‬ ‫‪204‬‬ ‫‪210‬‬

‫أبواب ثابتة‬

‫عزيزي القارئ‬ ‫قالو‬ ‫ثقافة إلكترونية‬ ‫املسابقة الثقافية‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‬ ‫كتب مختارات‬ ‫عزيزي العربي‬ ‫إلى أن نلتقي‬

‫العراق‪ :‬شرك�� الظالل للتوزيع ‪009647704291208 :‬‬ ‫‪80662019 -807742504‬‬‫ليبيا‪ :‬شركة الناشر الليبي هاتف‪:‬‬ ‫‪00218217297779‬‬ ‫فاكس‪00218-217297779 :‬‬ ‫كندا ‪)416(741-7555 SPEED IMPEX‬‬ ‫باكستان‪ :‬براديس يوك ‪0092214314981/2‬‬ ‫أمري ��كا‪-3065 MEDIA MARKETING :‬‬ ‫‪001-718-786‬‬ ‫إيطاليا‪ :‬انتركونتيننتال ‪)39026(707-3227‬‬ ‫موريتانيا‪ :‬ام‪.‬بي‪.‬سي ‪)222(258-6232‬‬ ‫اجنلترا‪ :‬مؤسسة األهرام الدولية‬ ‫‪00442073883130‬‬ ‫;‪ Universal press‬هاتف ‪00442087499828‬‬ ‫فاكس‪00442087493904 :‬‬

‫الفهرس‬

‫‪8/18/14 10:20:18 AM‬‬

‫ص ‪124‬‬

‫ص ‪147‬‬ ‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو مايعادلها بالدوالر االمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم وزارة‬ ‫اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬ ‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـســـــودان ‪,500‬‬ ‫جني�� ��ه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪ ،‬اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـس� � �عـوديـــة ‪ 7‬ريـــاالت‪،‬‬ ‫الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬سلطنـة عمـان ‪ 500‬بيسـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪ ،‬سورية ‪ 30‬لـيرة‪،‬‬ ‫اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬ ‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 ,‬‬ ‫‪France 2‬‬ ‫‪, Austria 2‬‬ ‫‪, Germany 2‬‬ ‫‪, USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬

‫‪5‬‬

‫‪sep 4-5.indd 5‬‬


‫اآلن في األسواق‬

‫‪97‬‬

‫‪AL ARABI BOOK‬‬

‫‪AL ARAB‬‬

‫‪I BOOK‬‬

‫‪97‬‬

‫ة من الكتاب‬

‫مجموع‬

‫يصدر عن وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫‪8/18/14 10:21:54 AM‬‬

‫‪sep AD 6.indd 6‬‬


‫عــزيــزي الـقــارئ‬

‫األدب والفن‪ ...‬وثيقتان للتاريخ‬ ‫ينظر البعض إلى املنتجني األدبي والفني‪ ،‬باعتبارهما تعبيرين ذاتيني‪ ،‬يعكس‬ ‫كل منهما اله� � ��م الفردي للمبدع‪ ،‬لكننا نزعم أنهما جت� � ��اوزا ذلك كله ليكونا‪،‬‬ ‫بفضل تراثهما املمتد منذ فجر اإلبداع‪ ،‬وثيقتني للتاريخ‪.‬‬ ‫يكتب رئيس التحرير في حديثه الش� � ��هري كيف كان أمير الشعراء أحمد شوقي «يوثقِّ‬ ‫في ش� � ��عره ما اس� � ��تند إليه من رأي ورؤية»‪ ،‬وبقدر ما نسج املبدعون على منواله‪ ،‬جندهم‬ ‫يقتربون من تأكيد حضورهم شهودا للحضارة‪ ،‬ومساهمني في صناعتها‪ ،‬سفراء للثقافة‬ ‫ومبدع� �ي��ن في صياغتها‪ .‬ومن هنا تبدو ‪ -‬كذلك ‪ -‬أهمية اس� � ��تعادة صفحات حضارات‬ ‫سادت ثم بادت‪ ،‬كما يؤكد تراث الفن تاريخ السومريني‪ ،‬مثاال‪.‬‬ ‫في هذا العدد من «العربي» يحضر األدب والفن كشاهدين وموثقني‪ ،‬ومؤرخني باملثل‪،‬‬ ‫س� � ��واء كان ذلك تأريخا للفن‪ ،‬كما تؤكد املنمنمات التي بها َح ْك ٌي َ‬ ‫وش ْر ٌح وتوثي ٌق وتشكيل‪،‬‬ ‫كسجل زاخر باملالحم‪ ،‬املرتبطة مبيالد ثقافة‪ ،‬أو نشأة أمة‪ ،‬أو خلق العالم برمته‪ ،‬ويقيم‬ ‫أبطالها في برزخ من احلقيقة واخليال‪ ،‬وفضاء من األساطير والوقائع‪.‬‬ ‫وه� � ��ؤالء األدباء والفنان� � ��ون الذين تزخر صفحات العدد بأس� � ��مائهم هم صناع التاريخ‬ ‫املعاص� � ��رون‪ ،‬وهم كذلك مؤرخوه‪ ،‬وهو ما يدفعن� � ��ا إلعادة قراءة جديدة في أعمال مفكر‬ ‫القومية العربية س� � ��اطع احلصري‪ ،‬وناق� � ��د األدب العربي القدمي‪ ،‬عبدالقادر اجلرجاني‪،‬‬ ‫وش� � ��اعر جزل اشتهر مبناصرته للمرأة‪ ،‬هو معروف الرصافي‪ ،‬ومطرب كبير بقامة وديع‬ ‫ورحالة يعده‬ ‫الصافي‪ ،‬ومناضل إفريقي ومبدع ش� � ��هير بقامة ليوبولد س� � ��يدار س� � ��نجور‪َّ ،‬‬ ‫الكثيرون أبا للرواية العربية‪ ،‬هو محمد حس� �ي��ن هيكل‪ ،‬وس� � ��ينمائي وضع بصمته املثيرة‬ ‫التي ال تغيب على الشاشة الفضية هو ألفريد هيتشكوك‪.‬‬ ‫لقد قدم هؤالء وسواهم ممن أبدعوا في مجاالت كثيرة وثائق ال تقل أهمية عن سواها‬ ‫في قراءة املجتمع‪ ،‬وتفس� � ��ير املاضي‪ ،‬وإضاءة املس� � ��تقبل‪ .‬وهو م� � ��ا يعني أهمية االحتفاء‬ ‫باإلبداع‪ ،‬واالهتمام به‪ ،‬ومن قبل ذلك كله‪ ،‬توفير التربة الالزمة لرعاية مواهبه >‬

‫‪7‬‬

‫‪8/18/14 10:22:10 AM‬‬

‫‪sep 7 .indd 7‬‬


‫ ‬

‫التحرير‬ ‫العبداجلادر‬ ‫عادلرئيس‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫د‪.‬‬

‫شوقي‪ ...‬بني َّ‬ ‫املبرد وابن خلدون‬ ‫رحم الله أحمد شوقي‪ ,‬فقد كان شعره‬ ‫ويعم ��ل‬ ‫منه�ل�ا عذب ��ا‪ُ ،‬يري ��ح النف ��س ُ‬ ‫العقل‪ ،‬وهو القائل‪:‬‬ ‫أنا من ب� ّ�دل بالكتب الصحابا‬ ‫ل��م أج��د ل��ي واف �ي � ًا إال الكتابا‬ ‫ل ��م تك ��ن مكتب ��ة ش ��وقي أو مكتب ��ات‬ ‫مثقف ��ي عص ��ره أفض ��ل وال أجزل من‬ ‫مكتباتنا اليوم‪ ،‬ف�ل�ا تزال الكتب التي‬ ‫قرأه ��ا ه ��و وأقران ��ه ب�ي�ن أيدين ��ا‪ ،‬وقد‬ ‫زادتنا األيام مثيالتها وكتب ًا أكثر منها‬ ‫أق ��دم وأح ��دث‪ .‬مّإن ��ا كان تفوق ��ه على‬ ‫معاصري ��ه ومن تالهم بأنّه كان يختار‬ ‫ماذا يقرأ‪ ،‬ويعرف كيف يقرأ‪:‬‬ ‫�ب على ال�ن�ق� ِ�د كما‬ ‫جت� ُ�د ال� ُ�ك � ْت� َ‬ ‫جت� ُ�د اإلخ� ��وانَ ِص��دق��ا ِوكذَابا‬ ‫َف � � َت� ��خَ � � َّي� � ْ�ره� ��ا ك� �م ��ا ت� �خ� �ت ��اره‬ ‫الص ْح ِب ُ‬ ‫والكت ِْب اللبابا‬ ‫وا ّد ِخر في َّ‬

‫‪8‬‬

‫‪8/18/14 10:22:42 AM‬‬

‫كان يق� � ��رأ ب� � ��روح طالب العل� � ��م واملعرفة‬ ‫وبتذوق الفنان العاش� � ��ق وبصيرة الناقد‬ ‫املنصف‪ ،‬ثم يستند إلى حصيلته الفكرية‪،‬‬ ‫فيكتب بش� � ��عره فنونا لم تخ ُل من العظة واالستذكار‬ ‫واإللهام وتدوين التاريخ بشكل قصيدة تُغنّى أو قصة‬ ‫تُروى أو مس� � ��رحية مُت َّثل‪ .‬كان مفكرا وأديبا وشاعرا‬ ‫فنانا يصب� � ��و بفنّه إل� � ��ى األفضل واألكم� � ��ل‪ ،‬فارتقى‬ ‫بإبداعه مكان� � ��ة األمير «أمير الش� � ��عراء»‪ .‬لقد أيقن‬ ‫ش� � ��وقي أ ّن املعرف� � ��ة بعلم التاريخ أس� � ��اس بناء ثقافة‬ ‫األمة‪ ،‬و َمن ال يعي تاريخه ال يستطيع بناء مستقبله‪:‬‬ ‫َم � � َث� � ُ�ل ال� � � َق� � � ْو ِم َن� � ُ�س� ��وا تاريخَ ُهم‬ ‫ك�ل�ق�ي� ٍ�ط َع� � َّ�ي ف��ي ال��ن��اس انتسابا‬ ‫�رة‬ ‫ذاك� � � � � � � ٍ‬ ‫�وب ع� � �ل � ��ى ِ‬ ‫أو ك� � �م� � �غ� � �ل � � ٍ‬ ‫انقضابا‬ ‫يشتكي م��ن ِص�ل� ِ�ة امل��اض��ي ِ‬ ‫كما دعا إلى التمس� � ��ك باللغة العربية الفصحى‪،‬‬ ‫فبها تتأكد هوي� � ��ة األمة وتنال مكانته� � ��ا الرفيعة بني‬ ‫األمم‪:‬‬ ‫�ام � � ��ا و َي� � � � ً�دا‬ ‫إنّ ل �ل �ف �ص �ح��ى ِز َم � � � ً‬ ‫َ‬ ‫الصعابا‬ ‫د‬ ‫�ا‬ ‫�‬ ‫ت‬ ‫�‬ ‫ق‬ ‫�‬ ‫ت‬ ‫و‬ ‫�ل‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫تجَ � ِ�ن��ب‬ ‫ُ ِّ‬ ‫ل� �غ�� ُ�ة ال� � ��ذِّ ْك� � � ِ�ر ِل� � �س � ��انُ ا ُمل��ج�� َت��ب��ى‬ ‫ك� �ي�� َ‬ ‫�ف ت � ْ�ع� �ي ��ا ب� ��ا ُمل � �ن� ��ادي� ��نَ ج ��واب ��ا‬ ‫ال يزعم شوقي بأ َّنه أول من دعا إلى االهتمام باللغة‬ ‫والتاري� � ��خ‪ ،‬لكنه يذكر أن ه� � ��ذا االهتمام جاء من قراءته‬ ‫لكتاب� � ��ي «الكامل في اللغ� � ��ة واألدب» لل ُم َب� � � ّرد‪ ،‬و«العِ َبر‬ ‫وديوان املبتدأ وا َ‬ ‫خل َبر» الشهير بتاريخ ابن خلدون‪.‬‬ ‫ل� �غ ��ة «ال � �ك� ��ام� ��ل» ف� ��ي استرساله‬ ‫و«اب� � ��ن خ� �ل ��دون» إذا ص� � َّ�ح وصابا‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 8-11.indd 8‬‬


‫هكذا كان ش� � ��وقي يوثق في ش� � ��عره ما استند‬ ‫إلي� � ��ه من رأي ورؤية‪ ،‬ولكن ملاذا اصطفى ش� � ��وقي‬ ‫كتاب «الكامل»‪ ،‬وكت� � ��اب «تاريخ ابن خلدون» دون‬ ‫ك ّل ما توافر لديه من كت� � ��ب األدب والتاريخ؟ هل‬

‫قيل إن ركائز األدب العربي‬ ‫أربعة دواوين‪ ،‬وما سواها‬ ‫ف َت َب ٌع لها وفروع عنها‪:‬‬ ‫«الكامل في اللغة واألدب»‬ ‫للمب ّرد‪ ،‬و«البيان والتبيني»‬ ‫للجاحظ‪ ،‬و«أدب الكاتب»‬ ‫البن قتيبة‪ ،‬و«النوادر»‬ ‫ألبي علي القالي‬ ‫املبرد وابن خلدون‬ ‫شوقي‪ ...‬بني ّ َ‬

‫‪8/18/14 10:22:47 AM‬‬

‫باالثنني أم كان يوجه األجيال لقراءة‬ ‫بُهِ ر ش� � ��وقي‬ ‫ِ‬ ‫الكتابني فأبقى لهما في ِش ْعرِ ِه ذِ ْكرا؟!‬ ‫قيل إن ركائز األدب العربي أربعة دواوين‪ ،‬وما‬ ‫س� � ��واها فتَ َب ٌع لها وفروع عنها‪« :‬الكامل في اللغة‬ ‫واألدب» للمب � � � ّرد‪ ،‬و«البي� � ��ان والتبيني» للجاحظ‪،‬‬ ‫و«أدب الكات� � ��ب» البن قتيبة‪ ،‬و«النوادر» ألبي علي‬ ‫القالي‪ُ .‬عني محمد بن يزيد الشهير باملب ّرد (توفي‬ ‫‪285‬هـ) ف� � ��ي كتابه بجمع ما رآه أفضل النصوص‬ ‫في الش� � ��عر والنثر‪ ،‬وقام بشرح املشكالت اللغوية‬ ‫والنحوية التي تثيرها تلك النصوص‪ .‬وقال املب ّرد‬ ‫في مقدمته للكتاب‪:‬‬ ‫ً‬ ‫«هذا كتاب ألفن� � ��اه يجمع ضروبا من اآلداب‪،‬‬ ‫ما بني كالم منثور‪ ،‬وشعر مرصوف‪ ،‬ومثل سائر‪،‬‬ ‫وموعظة بالغة‪ ،‬واختيار من خطبة شريفة ورسالة‬ ‫بليغة‪ .‬والنية أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب‬ ‫من كالم غريب أو معنى مس� � ��تغلق‪ ،‬وأن نشرح ما‬ ‫يعرض فيه من اإلعراب شرحاً شافياً‪ ،‬حتى يكون‬ ‫الكتاب بنفس� � ��ه مكتفياً‪ ،‬وع� � ��ن أن يُرجع إلى أحد‬ ‫في تفسيره مستغنياً»‪.‬‬ ‫ل� � ��م يك� � ��ن املبرد جامع� � ��ا للنص� � ��وص‪ ،‬بل كان‬ ‫مؤصال مدرس� � ��ة أدبية لقواعد أساسية في أدب‬

‫‪9‬‬

‫‪sep 8-11.indd 9‬‬


‫لم يكن املب ّرد جامعا‬ ‫للنصوص‪ ،‬بل كان مؤصال‬ ‫مدرسة أدبية لقواعد‬ ‫أساسية في أدب الكتابة‬ ‫وكتابة األدب‪ ،‬فاختار مناذجه‬ ‫املنتقاة وقام بشرحها ثم‬ ‫نقدها‪ ،‬ولوال جمعه لها‬ ‫لضاعت صفحات من تراث‬ ‫األدب العربي وتاريخ اإلسالم‬ ‫الكتابة وكتاب� � ��ة األدب‪ ،‬فاخت� � ��ار مناذجه املنتقاة‬ ‫وقام بشرحها ثم نقدها‪ ،‬ولوال جمعه لها لضاعت‬ ‫صفحات من تراث األدب العربي وتاريخ اإلسالم‪.‬‬ ‫ولع� � ��ل ما أعجب ش� � ��وقي بكت� � ��اب «الكامل» قول‬ ‫املب ّرد‪« :‬فزيادة املنطق على األدب خدعة‪ ،‬وزيادة‬ ‫األدب على املنطق هجنة»‪.‬‬ ‫أما إعجاب ش� � ��وقي بابن خلدون (ت ‪ 808‬هـ)‬ ‫أن األخير قد َ‬ ‫وض � � � َع منهجا جديدا‬ ‫فيأت� � ��ي م� � ��ن ّ‬ ‫لكتابة التاريخ يقوم أساس� � ��ا على فحص الرواية‬ ‫واخلبر وحتليلهما ومن ث� � ��م نقدهما‪ ،‬مع التركيز‬ ‫عل� � ��ى ربط األس� � ��باب بالنتائج‪ .‬لق� � ��د بدأ مقدمة‬ ‫كتابه بنقد كثير م� � ��ن الروايات التي ذكرها بعض‬ ‫من املؤرخني في كتبهم‪ ،‬وتناقلها الناس على أنها‬ ‫حقائق تاريخي� � ��ة‪ ،‬فكان أ ّول م� � ��ن صحح التاريخ‬ ‫مبنهج علم� � ��ي دقيق‪ .‬كان ابن خلدون ينبه القارئ‬ ‫مرارا وتكرارا لعدم اإلميان باخلرافات واألكاذيب‬ ‫التي شاعت بني الناس‪ ،‬وكان سبب شيوعها أنها‬ ‫ذُكِ َرت في كتاب‪ .‬كان يشير إلى ذلك بقوله‪« :‬وهذه‬ ‫األخبار كلها بعيدة عن الصحة‪ ،‬عريقة في الوهم‬ ‫والغلط‪ ،‬وأشبه بأحاديث القصص املوضوعة»‪...‬‬ ‫«فال تَ ِثق ََّن مبا يُلقى إليك من ذلك‪ ،‬وتأمل األخبار‬ ‫واعرضها عل� � ��ى القوان� �ي��ن الصحيح� � ��ة يَ َق ْع لك‬

‫‪10‬‬

‫‪8/18/14 10:22:55 AM‬‬

‫متحيصها بأحسنِ وجه»‪ .‬ويَ ُع ُّد ابن خلدون املبالغة‬ ‫ُ‬ ‫في الع� � ��دد َكذِ با‪ ،‬في حني كانت تلك املبالغة عند‬ ‫مؤرخي عصره ضربا م� � ��ن ضروب البالغة‪ ،‬كأن‬ ‫يقول‪« :‬أعطاه ألف ألف دينار»‪ ،‬فالدينار من ذهب‬ ‫وفيه مائة وستة وثالثون درهما‪ ،‬حني كان الدرهم‬ ‫من فضة‪ ،‬فإذا كانت األسرة متوسطة احلال في‬ ‫منتصف املائة الثانية للهجرة تعيش على خمس� � ��ة‬ ‫�إن تلك األعطية‬ ‫وأربعني درهما في الش� � ��هر‪ ،‬ف� � � ّ‬ ‫أو املكاف� � ��أة التي حازها ش� � ��اعر مادح مثال كانت‬ ‫تع� � ��ادل ميزانية جيش آن� � ��ذاك‪ .‬كما كانت املبالغة‬ ‫في عدد الرجال‪ ،‬وخاص� � ��ة في اجليوش‪ ،‬مبالغة‬ ‫فإن املدققني‬ ‫ممجوجة‪ ،‬وعلى زع� � ��م ابن خلدون‪ّ ،‬‬ ‫لتلك األحاديث لو حتقق� � ��وا أكثر من تلك األرقام‬ ‫لوجدوه� � ��ا كذب� � ��ا‪« ...‬فإذا استكش� � ��فت أصحاب‬ ‫الدواوي� � ��ن عن عس� � ��اكرهم‪ ،‬واس� � ��تنبطت أحوال‬ ‫أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم‪ ،‬واس� � ��تجليت‬ ‫عوائد املترفني في نفقاتهم‪ ،‬فلن جتد معش� � ��ار ما‬ ‫يَ ُع ّدونَه»‪ .‬أعاد ابن خلدون كتابة التاريخ على ضوء‬ ‫معطيات عص� � ��ره‪ ،‬وحاول جاه� � ��دا تنقية التاريخ‬ ‫اإلس� �ل��امي من الش� � ��وائب التي علقت به‪ ،‬وحث‬ ‫القارئ على التمحي� � ��ص والتدقيق في النصوص‬ ‫الت� � ��ي تناقلتها الكتب‪ ،‬ووض� � ��ع منهجا علميا لبناء‬ ‫ثقاف� � ��ة الفرد واملجتم� � ��ع والدولة‪ .‬فف� � ��ي مقدمة‬ ‫كتابه‪ ،‬يشرح خطط بناء الدولة‪ :‬اخلالفة والوزارة‬ ‫وديوان املظالم والقضاء واحلسبة وديوان اجلند‬ ‫والشرطة والبريد‪ .‬كما يضع التوصيف الوظيفي‬ ‫ل� � ��كل القائمني عل� � ��ى تلك املؤسس� � ��ات‪ ،‬حقوقهم‬ ‫وواجباتهم‪ ،‬ويورد أمثلة على الفساد اإلداري في‬ ‫وسبل العالج‪ .‬ونراه‬ ‫تلك املؤسسات‪ ،‬كيف يتفشى ُ‬ ‫يناقش الفكر املجتمعي‪ ،‬داحضا البدع واخلرافات‬ ‫التي سادت بني أفراد املجتمع باسم الدين‪ .‬ويشرح‬ ‫ف� � ��ي مقدمته أيضا كيف نش� � ��أت مدرس� � ��ة النَقْل‬ ‫وفصل‬ ‫ومدرس� � ��ة العقل في التاريخ اإلس� �ل��امي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫مزايا ومثالب املدرستني‪ .‬هنا نقف على مقاصد‬ ‫ابن خلدون في طرح مثل هذا املوضوع‪ ،‬فمدرسة‬ ‫النَقْل تعتمد منه� � ��ج «ال اجتهاد مع وجود النص»‪،‬‬ ‫وبذلك تُقدم النص القرآني فاحلديث الش� � ��ريف‬ ‫ث� � ��م االجتهاد بال� � ��رأي؛ إجماعا وقياس� � ��ا‪ ،‬وتؤطر‬ ‫بذل� � ��ك أمور الدنيا والدين في إطار هذا املنظور‪،‬‬ ‫األمر الذي أثقل القيود على اإلبداع وحبس عقل‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 8-11.indd 10‬‬


‫النص‪ .‬ولم يقف األمر‬ ‫العالم واملتعلم داخل إطار‬ ‫ّ‬ ‫احلد‪ ،‬فقد ُع َّد اإلبداع بدعة‪ ،‬وفهم غير‬ ‫عند هذا‬ ‫ّ‬ ‫نصا كفراً وإحلاداً‪ .‬ظهرت هذه اإلشكالية‬ ‫املنقول ًّ‬ ‫أول ما ظهرت ب� �ي��ن احلنابلة واملعتزلة‪ ،‬وتفاقمت‬ ‫في عهد املأمون العباس� � ��ي في ما ُس� � ��مي بقضية‬ ‫َ‬ ‫«خلْق الق� � ��رآن»‪ ،‬فهل القرآن الكرمي «أزلي قدمي»‬ ‫كما يرى علماء مدرسة النقل‪ ،‬أم هو بزعم علماء‬ ‫الكالم وفالس� � ��فة املسلمني «مخلوق» كسائر خلق‬

‫أما إعجاب شوقي بابن‬ ‫خلدون (ت ‪ 808‬هـ) فيأتي من‬ ‫ّأن األخير قد َ‬ ‫وض َع منهجا‬ ‫جديدا لكتابة التاريخ يقوم‬ ‫أساسا على فحص الرواية‬ ‫واخلبر وحتليلهما ومن ثم‬ ‫نقدهما‪ ،‬مع التركيز على‬ ‫ربط األسباب بالنتائج‬ ‫املبرد وابن خلدون‬ ‫شوقي‪ ...‬بني ّ َ‬

‫‪8/18/14 10:23:08 AM‬‬

‫الل� � ��ه؟ وال يعنينا اخلوض في تلك املس� � ��ألة‪ ،‬فقد‬ ‫ُق ِتل� � ��ت بحثا ومتحيصا‪ ،‬ولكن م� � ��ا يعنينا حقا هو‬ ‫النتائ� � ��ج التي أدى إليها ه� � ��ذا اجلدل حتى أصبح‬ ‫صراعا شقّ كيان األمة اإلسالمية عقديا وفكريا‬ ‫وسياسيا‪ ،‬ورمبا فاق هذا التصور فغدا كل فريق‬ ‫يته� � ��م اآلخر بالكف� � ��ر واخلروج ع� � ��ن الدين‪ ،‬وكل‬ ‫فريق مبا لديهم فرحون‪ .‬لقد اس� � ��تغلت الس� � ��لطة‬ ‫ٍ‬ ‫السياس� � ��ية آنذاك هذا الصراع لكس� � ��ب القواعد‬ ‫الش� � ��عبية‪ ،‬فكان� � ��ت ترجح هذا عل� � ��ى ذاك حينا‪،‬‬ ‫وترجح ذاك على ه� � ��ذا حينا آخر‪ .‬لم نفهم حتى‬ ‫ألن‬ ‫اليوم ما هي إش� � ��كالية مسألة «خلق القرآن»‪ّ ،‬‬ ‫ما بأيدين� � ��ا من النصوص واملق� � ��االت ال يعبر إال‬ ‫عن رأي طرف واحد وهو «أهل النَقْل»‪ ،‬فما كتبه‬ ‫املعتزلة في هذه املس� � ��ألة قد أحرقه خصومهم‪،‬‬ ‫ولم يب َق من تراث املعتزلة الفكري إال القليل‪ ،‬هذا‬ ‫القلي� � ��ل ُه ِّر َب ونُقِ َل إلى طبرس� � ��تان‪ ،‬ثم نُقِ ل جزء‬ ‫من� � ��ه إلى اليمن مع ق� � ��دوم اإلمام يحيى بن حمزة‬ ‫مؤسس املذهب الزيدي في اليمن‪.‬‬ ‫أن‬ ‫ويذكر اب������ن خلدون في مقدمت������ه أيضا‪ّ ،‬‬ ‫مدرس������ة توفيقية قامت على آراء أبي احلس������ن‬ ‫األش������عري‪ ،‬جمعت بني النقل والعقل وتوسطت‬ ‫بينهم������ا‪ .‬ف������إذا كان������ت قاع������دة مدرس������ة العقل‬ ‫املعتزلية من نخبة مثقفي عصرهم‪ ،‬ممن درس‬ ‫فإن‬ ‫أو قرأ الفلسفة وأحاط بأصولها وفروعها‪ّ ،‬‬ ‫قاعدة مدرس������ة النقل كانت هي السواد األعظم‬ ‫من األمة آن������ذاك‪ ،‬ممن يطلب اخلير في الدنيا‬ ‫السبُل‪ ،‬سبيل‬ ‫والنجاة في اآلخرة‪ ،‬فيتّبع أس������هل ُ‬ ‫النَقل عن الله ورس������وله (صلى الله عليه وسلم)‬ ‫السل َ ِف لذلك‬ ‫النص‪ .‬وعندما انتشر الفِ ْكرِ‬ ‫ّ‬ ‫و َف ْه ُم َّ‬ ‫األش������عري ج������ذب بأطروحات������ه الفكرية معظم‬ ‫قواعد املدرس������تني واملنتمني لهم������ا عقال ونقال‬ ‫وإبداعا واتباعا‪ .‬لقد حوت مدرس������ة األشاعرة‬ ‫في إطارها جمعاً من املذاهب الفقهية‪ ،‬وشرحت‬ ‫العقيدة الدينية بوسطية روح اإلسالم‪ ،‬وضمت‬ ‫إليها املشارب بحكمة من أجل نصرة الدين‪ .‬وال‬ ‫تزال وسطية هذه املدرس������ة التوفيقية‪ ،‬شامخة‬ ‫بشموخ األزهر الشريف‪ ،‬الذي أخذ على عاتقه‬ ‫مهمة التنوير الديني والدعوة إلى اإلس���ل��ام في‬ ‫مشارق األرض ومغاربها‪ ،‬ورفع راية الكفاح ضد‬ ‫العدوان على أرض العروبة واإلسالم >‬

‫‪11‬‬

‫‪sep 8-11.indd 11‬‬


‫فكر‬

‫ساطع احلصري‪...‬‬

‫واللغة العـربـيـة‬ ‫خليل علي حيدر *‬

‫ِّ‬ ‫ومنظرها الكبير ساطع احلصري‪،‬‬ ‫من أغرب االنطباعات عن مفكر القومية العربية‬ ‫ً‬ ‫الشخصية الثقافية البارزة‪ ،‬والراحل عن ‪ 88‬عاما (‪ )1968 - 1880‬بعد عطاء فكري‬ ‫واسع ونشاط تربوي وسياسي محلي وقومي‪ ،‬ما يطالعه القارئ في كتاب اإلعالمي‬ ‫واملؤلف املصري املعروف وديع فلسطني عن شخصيات عصره‪.‬‬

‫أعجب ما يقوله األستاذ فلسطني عن‬ ‫س� � ��اطع احلصري‪ ،‬أحد أكبر مؤسسي‬ ‫النظرية القومية وجام� � ��ع العروبة‪ ،‬إن‬ ‫لغت� � ��ه العربية لم تكن صافي� � ��ة‪ ،‬بل إن كالمه بهذه‬ ‫اللغة لم يكن مفهوماً!‬ ‫وت� � ��زداد أهمية ه� � ��ذه املالحظ� � ��ة وداللتها إذا‬ ‫أخذنا في االعتب� � ��ار أن نظرية احلصري القومية‬ ‫والوحدة العربية التي كرس حياته لها‪ ،‬تقوم بشكل‬ ‫خاص على ركني اللغة والتاريخ املشترك‪.‬‬ ‫فق� � ��د ُدع� � ��ي وديع فلس� � ��طني إل� � ��ى محاضرة‬ ‫للحصري في القاهرة‪ ،‬مع جمع كبير من املشتغلني‬ ‫بالقضاي� � ��ا العربية من ساس� � ��ة وصحافيني‪ ،‬وقام‬ ‫رئيس جمعية «الوحدة العربية»‪ ،‬األس� � ��تاذ أسعد‬ ‫داغ� � ��ر‪ ،‬املستش� � ��ار باجلامع� � ��ة العربي� � ��ة‪ ،‬بتقدمي‬ ‫احملاض� � ��ر بوصفه «فيلس� � ��وف القومي� � ��ة العربية»‬ ‫ويتحدث األستاذ فلسطني عن احملاضرة فيقول‪:‬‬ ‫* كاتب من الكويت‬

‫‪12‬‬

‫‪8/18/14 10:23:42 AM‬‬

‫«كان� � ��ت هذه هي املرة األولى الت� � ��ي أراه فيها عن‬ ‫ُق� � ��رب‪ .‬ولم يكد احلصري يبدأ في الكالم بصوت‬ ‫خفي� � ��ض ‪ -‬فلم تكن هن� � ��اك مضخمات للصوت ‪-‬‬ ‫حت� � ��ى أخذ احلاضرون يتهامس� � ��ون في ما بينهم‪،‬‬ ‫متس� � ��ائلني‪ :‬بأي لغة يتحدث هذا الرجل؟ فكالمه‬ ‫غير مفهوم‪ ،‬وهو مزيج من لكنات تركية وعراقية‬ ‫وميني� � ��ة ومغاربية ومقدونية ضاع� � ��ت في أثنائها‬ ‫مادة احملاض� � ��رة‪ .‬وإذا كان جانب من احلاضرين‬ ‫قد صب� � ��ر على معاناة االس� � ��تماع‪ ،‬ف� � ��إن الغالبية‬ ‫العظمى منهم أخذت تتس� � ��لل خ� � ��ارج القاعة حتى‬ ‫كادت تفرغ من احلاضرين!»‪.‬‬ ‫ويكمل األستاذ فلسطني كالمه عن احلصري‬ ‫فيق� � ��ول‪« :‬كانت هذه ه� � ��ي الص� � ��ورة األولى التي‬ ‫انطبع� � ��ت في ذهني عن س� � ��اطع احلصري‪ ،‬وهي‬ ‫ص� � ��ورة تنطق بغربة املتحدث ع� � ��ن اللغة العربية‪،‬‬ ‫لعجزه عن التعبير الفصيح بأسلوب واضح مفهوم‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 12-17.indd 12‬‬


‫وعجبت‬ ‫يوصل به رسالته إلى جمهرة السامعني‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫أن يكون هذا هو شأن «فيلسوف القومية العربية»‬ ‫الذي يدعو إلى وحدة ش� � ��املة جامعة مانعة تضم‬ ‫مف� � ��ردات األم� � ��ة العربية في القارتني اآلس� � ��يوية‬ ‫واإلفريقية في كيان واحد»‪.‬‬

‫لغة أعجمية‬

‫والتقى األستاذ فلس� � ��طني ثانية املفكر الكبير‬ ‫ف� � ��ي دع� � ��وة غداء ف� � ��ي ش� � ��قة األمي� � ��ر مصطفى‬ ‫الشهابي‪« ،‬رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق»‪،‬‬ ‫في القاهرة‪« ،‬وملا ب� � ��دأ يتحدث معي لم أفهم منه‬ ‫حرفاً‪ ،‬واستصوبت التحول إلى اللغة اإلجنليزية‪،‬‬ ‫فجاوبني بها بكالم واضح‪ ،‬واستمر احلديث يدور‬ ‫بيننا به� � ��ذه اللغة األعجمية طوال اجللس� � ��ة ومن‬ ‫غير مش� � ��قة»‪( .‬وديع فلسطني يتحدث عن أعالم‬ ‫عصره‪ ،‬جـ ‪ ،1‬دمشق ‪ ،2003‬ص‪.)262‬‬ ‫وكانت املرة األخيرة التي التقى فيها فلسطني‬ ‫س� � ��اطع احلصري في صيف عام ‪ 1956‬بجنيف‪،‬‬ ‫«حي� � ��ث صادفته في الش� � ��ارع مع ابنته‪ ،‬وس� � ��ألني‬ ‫ع� � ��ن الفندق الذي أقيم فيه‪ ،‬وقال إنه س� � ��يزورني‬ ‫فوفى بوع� � ��ده‪ ،‬وكان حديثنا يج� � ��ري دائما باللغة‬ ‫اإلجنليزية» (ص ‪.)264‬‬ ‫وللصحافي والكاتب الفلس� � ��طيني أكرم زعيتر‬ ‫رأي مناقض متاما في مدى إتقان احلصري للغة‬ ‫العربية فهو يقول‪« :‬وكان ساطع ال يعرف العربية‪،‬‬ ‫وإن توق� � ��د في صدره حبها‪ ،‬وغلت عروقه بدمها‪،‬‬ ‫فما أسرع ما اس� � ��تجاب لصارختها‪ ،‬وميم دمشق‬ ‫في عهده� � ��ا الفيصل� � ��ي‪ ،‬وانكفأ ي� � ��درس العربية‬ ‫حت� � ��ى أجادها كاتباً بليغاً‪ ،‬ومحاضراً مبيناً»! وكان‬ ‫امللك فيصل يعلم عن س� � ��اطع كثي� � ��راً وإن لم يكن‬ ‫يعرفه ش� � ��خصياً‪ ،‬فو ّ‬ ‫اله وزارة املعارف فنهض بها‪.‬‬ ‫ع ّرب التعلي� � ��م ووجهه وجهة تربوية حديثة‪ ،‬وعقد‬ ‫مؤمترات لإلص� �ل��اح»‪( .‬العربي‪ ،‬عدد ‪ ،127‬يونيو‬ ‫‪ ،1969‬ص ‪.)50‬‬

‫الرحل‬ ‫حياة البدو ّ‬

‫واحلقيقة‪ ،‬يقول وديع فلس� � ��طني شارحا حياة‬ ‫س� � ��اطع احلصري العجيبة‪ :‬إن الرجل عاش حياة‬ ‫حافل� � ��ة باألعمال واملنجزات‪ ،‬س� � ��واء ف� � ��ي تركيا‬ ‫ساطع احلصري‪ ...‬واللغة العربية‬

‫‪8/18/14 10:23:45 AM‬‬

‫أو ف� � ��ي األقالي� � ��م املقدونية أو في س� � ��ورية أو في‬ ‫الع� � ��راق أو في مص� � ��ر‪ .‬فحياته تكاد تش� � ��به حياة‬ ‫البدو الرحل الذين ال يستقرون في مكان إال لكي‬ ‫يش� � ��دوا الرحال إلى سواه‪ .‬فهو من مواليد «حلج»‬ ‫بحضرم� � ��وت اليمن ألبوين من حلب الش� � ��هباء‪ ،‬إذ‬ ‫كان أبوه محمد هالل احلصري قاضياً في الدولة‬ ‫العثمانية‪ ،‬الت� � ��ي كانت تنقله من مدينة إلى أخرى‬ ‫في أرجاء الدولة املترامي� � ��ة األطراف‪ .‬وملا وصل‬ ‫الصبي إلى سن املدرسة‪ ،‬أوفده أبوه إلى املدرسة‬ ‫امللكية الشاهانية في األستانة ‪ -‬اسطنبول‪ ،‬وبقي‬ ‫هن� � ��اك إلى أن تخ َّرج عام ‪ .1900‬وانتقل بعد ذلك‬ ‫إل� � ��ى دول البلقان التابع� � ��ة للدولة العثمانية‪ ،‬حيث‬ ‫عمل في التدريس ثماني سنوات‪ ،‬وأ َّلف كتباً عدة‬ ‫باللغة التركي� � ��ة‪ .‬كان احلصري متفوقاً في العلوم‬ ‫الطبيعية محباً لها‪ ،‬وكان هذا التفوق «سر التزامه‬ ‫التفكي� � ��ر العلمي طول حيات� � ��ه»‪ ،‬كما يقول زعيتر‪.‬‬ ‫ويضيف أن احلصري بدأ حياته العملية مدرس � � �اً‬ ‫للعل� � ��وم الطبيعية ف� � ��ي مدينة يوناني� � ��ة‪ ،‬وألف في‬ ‫أثناء ذلك في علم النبات كتاباً تقرر تدريس� � ��ه في‬ ‫مدارس الدولة العثمانية‪ .‬وفي عام ‪ 1908‬عاد إلى‬ ‫األس� � ��تانة حيث تولى إدارة مدرسة املعلمني التي‬ ‫قام بتنظيمها على أسس جديدة‪ ،‬ورأس بعد ذلك‬ ‫دائرة املطبوعات التركية‪ .‬وكان س� � ��اطع احلصري‬ ‫قد أب� � ��دى تعاطفاً م� � ��ع حركة القومي� � ��ة العربية‪،‬‬ ‫وش� � ��ارك في جمعياتها الس� � ��رية‪ ،‬فأدى ذلك إلى‬ ‫وقوع خالف بينه وبني املس� � ��ؤولني األتراك‪ ،‬فقرر‬ ‫مغادرة تركيا والقيام بأول رحلة إلى أوربا في عام‬ ‫‪ ،1910‬وزار ع� � ��دداً كبيراً م� � ��ن حواضرها‪ .‬وكان‬ ‫لق� � ��اؤه باألمير فيصل‪ ،‬أو امللك فيصل في ما بعد‪،‬‬ ‫نقط� � ��ة حتول في حيات� � ��ه‪« ،‬إذ ق ّربه منه‪ ،‬ووثق به‪،‬‬ ‫وظل على اتصال ب� � ��ه إلى وفاته‪ .‬وفي عام ‪1919‬‬ ‫توجه ساطع احلصري إلى دمشق‪ ،‬حيث أسندت‬ ‫إليه وظائف ش� � ��تى في أجهزة التعليم الرس� � ��مية‪،‬‬ ‫وأدخل على نظم التعليم إصالحات كثيرة‪ ،‬أهمها‬ ‫تعريبه «فصارت الدروس تُلقن باللغة العربية بدالً‬ ‫من التركية» (فلسطني‪ ،‬ص ‪.)265‬‬ ‫وفي عام ‪ 1921‬دعاه امللك فيصل األول ملك‬ ‫العراق‪ ،‬مستشارا في شؤون املعارف‪ ،‬أي التعليم‪،‬‬ ‫وكان احلص� � ��ري في مصر فحرص على دراس� � ��ة‬

‫‪13‬‬

‫‪sep 12-17.indd 13‬‬


‫نظم التعليم املصرية بعني فاحصة س� � ��تة أش� � ��هر‪،‬‬ ‫قبل ترك مصر إلى العراق‪ .‬وهناك قام بالتدريس‬ ‫في دار املعلمني العالي� � ��ة‪ ،‬ثم ترأس كلية احلقوق‪،‬‬ ‫وتولى مديرية اآلثار القدمية‪ ،‬وكانت له في جميع‬ ‫ه� � ��ذه املناصب آثار إصالحية وتنظيمية واس� � ��عة‪.‬‬ ‫وم� � ��ع ذلك‪ ،‬يقول فلس� � ��طني «فوجئ احلصري في‬ ‫عام ‪ 1941‬بفصل� � ��ه من خدمة احلكومة العراقية‪،‬‬ ‫ث� � ��م جتريده من اجلنس� � ��ية العراقي� � ��ة وإبعاده من‬ ‫البالد»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫والواقع أن احلصري كان متحمس � � �ا للمدرسة‬ ‫القومي� � ��ة األملانية‪ ،‬وبالتالي كان متعاطفاً مثل كثير‬ ‫من املثقفني والساس� � ��ة العرب واملسلمني في هذه‬ ‫املرحلة مع األملان‪ ،‬ومعادي � � �اً لإلجنليز في العراق‬ ‫وللفرنس� � ��يني‪ ،‬ومعادياً في احلرب العاملية الثانية‬ ‫للحلفاء‪ .‬وقد أدى به هذا إلى نفيه من العراق بعد‬ ‫فشل حركة «رشيد عالي الكيالني االنقالبية ضد‬ ‫النظام العراقي واإلجنليز‪ ،‬والذي هرب إلى أملانيا‬ ‫النازية وبقي هناك إل� � ��ى نهاية احلرب‪ ،‬ويقال إن‬ ‫تهمة احلصري كانت أنه قال عن األمير عبداإلله‬ ‫«رصاصة واح� � ��دة كفيلة بتخلي� � ��ص العراق منه»‪.‬‬ ‫(معجم الش� � ��رق األوسط‪ ،‬سعد س� � ��عدي‪ ،‬بيروت‬ ‫‪ ،1998‬ص ‪.)164‬‬

‫العرب إلى أملانيا الهتلرية‬

‫النواب‪ ،‬قال‪ :‬كنا نحن الش� � ��باب مغرورين برشيد‬ ‫عالي‪ ،‬فالتففنا حوله وس� � ��رنا في ركابه حتى ظهر‬ ‫لن� � ��ا بعد ذلك بوجهه الصحي� � ��ح‪ ،‬إذ وجدناه رج ً‬ ‫ال‬ ‫أنانياً طامعاً يستس� � ��يغ كل عمل في سبيل حتقيق‬ ‫مراميه الشخصية‪ .‬وكان استيالؤه على األراضي‬ ‫الزراعي� � ��ة‪ ،‬وقبضه على تولي� � ��ة األوقاف القادرية‬ ‫من الس� � ��يد عاصم نقيب األشراف‪ ،‬واشتراكه مع‬ ‫جورج عابديني اللبناني في محاولة السيطرة على‬ ‫التج� � ��ارة العراقية مع اليابان في مقدمة أس� � ��باب‬ ‫حدوث انقالب بكر صدقي»‪( .‬ص ‪.)150‬‬ ‫كان س� � ��اطع احلصري مفكراً قومياً متحمساً‪،‬‬ ‫إال أنه لم يحاول االس� � ��تفادة م� � ��ن مناصبه ملنافع‬ ‫ش� � ��خصية‪ .‬وقد بنى في العراق وغيره مؤسسات‬ ‫ثقافي� � ��ة بكل تفان وإخ� �ل��اص‪ .‬وعندما تولى إدارة‬ ‫اآلثار العامة بذل مع كوركيس عواد مجهوداً كبيراً‬ ‫في بناء مكتبته� � ��ا حتى أصبحت في ما بعد «أكبر‬ ‫وأنظم مكتبة في العراق»‪ ،‬كما يقول قاسم الرجب‪،‬‬ ‫صاحب «مكتبة املثنى» ف� � ��ي بغداد‪ ،‬في مذكراته‪.‬‬ ‫(ص ‪ .)95‬وعل� � ��ى الرغ� � ��م م� � ��ن أن احلصري كان‬ ‫يش� � ��تري الكتب إلدارة حكومي� � ��ة‪ ،‬فإنه كما يضيف‬ ‫الرج� � ��ب‪ ،‬كان «يفاصل عند ش� � ��راء الكتب من أي‬ ‫كان‪ ...‬وعندما يُع� � ��رض عليه كتاب مث ً‬ ‫ال في اللغة‬ ‫فإنه يكت� � ��ب على املذكرة‪ :‬يؤجل ثالثة أش� � ��هر‪ ،‬إذ‬ ‫يقدم عليه كتابا في التاريخ مث ً‬ ‫ال»‪.‬‬ ‫بني ‪ 1941‬و ‪ 1944‬استقر احلصري في لبنان‪،‬‬ ‫حيث كتب دراس� � ��ة عن ابن خلدون‪ ،‬إذ كان معجباً‬ ‫بهذا املفكر‪ ،‬وقد سمى ابنه البكر «خلدون» فكنّي‬ ‫بأبي خلدون‪ .‬وعمل سنة ‪ 1947‬في سورية‪ ،‬فألغى‬ ‫نظام التعليم الفرنس� � ��ي‪ ،‬كما س� � ��بق ل� � ��ه أن ألغى‬ ‫التعليم اإلجنليزي من الع� � ��راق‪ ،‬منطلقا من فكرة‬ ‫أن النفوذ الثقافي مقدمة للنفوذ السياس� � ��ي‪ ،‬كما‬ ‫ألغى تعلي� � ��م اللغة األجنبية من املدارس االبتدائية‬ ‫وتهميشها في املراحل التالية‪ ،‬وقام بتكثيف دروس‬ ‫اللغة العربية‪ ،‬وعمل على توثيق الصالت الثقافية‪،‬‬ ‫لتكون «ثقافة عربي� � ��ة واحدة تكون مدخ ً‬ ‫ال لوحدة‬ ‫عربية سياسية»‪( .‬معجم الشرق األوسط‪.)165 ،‬‬

‫يق� � ��ول الباح� � ��ث العراقي مير بص� � ��ري‪« :‬كان‬ ‫رش� � ��يد عالي من السياسيني الذين شجعوا عقداء‬ ‫اجليش على املغامرات السياسية‪ ،‬وعندما جاءوا‬ ‫به إلى سدة احلكم وأصبح رئيساً حلكومة الدفاع‬ ‫الوطن� � ��ي‪ ،‬صار ألعوب� � ��ة بيد أولئ� � ��ك ال ُعقداء وبيد‬ ‫املفت� � ��ي احلاج محم� � ��د أمني احلس� � ��يني‪ ،‬ال ميلك‬ ‫من أمره ش� � ��يئا‪ .‬وتتابعت األحداث‪ ،‬فإذا بالعقداء‬ ‫ق� � ��د اعتقلوا وأبع� � ��دوا ثم ارتقوا أعواد املش� � ��انق‪،‬‬ ‫أما هو واملفت� � ��ي فأفلتا إلى أملاني� � ��ا الهتلرية‪ .‬ولم‬ ‫يكادا يبلغان ملجأ األمان في برلني حتى اش� � ��تدت‬ ‫املنافس� � ��ة بينهما على الزعام� � ��ة‪ ،‬وتبادل أعوانهما‬ ‫الدس والش� � ��تيمة»‪( .‬أعالم السياس� � ��ة في العراق‬ ‫احلديث‪ ،‬لندن‪ ،1987 ،‬ص ‪.)151‬‬ ‫ويضي� � ��ف مي� � ��ر بص� � ��ري في الكتاب نفس� � ��ه‪ :‬اهتمامات موسوعية‬ ‫«حدثن� � ��ي عبدال� � ��رزاق الش� � ��يخلي عض� � ��و مجلس‬ ‫كان احلص� � ��ري موس� � ��وعي االهتمامات متنوع‬

‫‪14‬‬

‫‪8/18/14 10:23:49 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 12-17.indd 14‬‬


‫ساطع احلصري‪ ...‬واللغة العربية‬

‫‪8/18/14 10:23:54 AM‬‬

‫‪15‬‬

‫‪sep 12-17.indd 15‬‬


‫االطالع‪ .‬يقول فلسطني‪« :‬كانت لساطع احلصري‬ ‫اهتمام� � ��ات غريبة بالنس� � ��بة لتخصص� � ��ه في علم‬ ‫االجتم� � ��اع‪ ،‬إذ درس العل� � ��وم الطبيعي� � ��ة واش� � ��تغل‬ ‫بتحني� � ��ط احلي� � ��وان وتيبيس النب� � ��ات‪ ،‬ودرس علم‬ ‫وظائف أعضاء اجلسم ووظائف اجلهاز العصبي‪.‬‬ ‫واهت� � ��م بعل� � ��م النفس‪ ،‬كم� � ��ا أنه أص� � ��در عددا من‬ ‫املج� �ل��ات التربوية أثناء عمله ف� � ��ي وزارة املعارف‬ ‫املختلف� � ��ة‪ .‬ول� � ��ه محص� � ��ول وافر من الدراس� � ��ات‬ ‫واملق� � ��االت والكتب باللغتني العربية والتركية‪ .‬ومن‬ ‫أهم كتبه «دراس� � ��ات ع� � ��ن مقدمة اب� � ��ن خلدون»‪.‬‬ ‫ومجموعة كتب في سلسلة «آراء وأحاديث» تناولت‬ ‫التاريخ واالجتماع والعلم واألخالق واللغة واألدب‬ ‫والقومية التربوية والوطنية‪ ،‬وكتب «يوم ميسلون»‬ ‫و«العروب� � ��ة أوالً» و«صفحات من املاضي القريب»‬ ‫و«العروبة ب� �ي��ن دعاتها ومعارضيها» و«محاضرات‬ ‫في نش� � ��وء الفكرة القومي� � ��ة» و«ثقافتنا في جامعة‬ ‫الدول العربية» و«مذكرات� � ��ي في العراق» وهو في‬ ‫جزءين‪ ،‬وغيرها»‪( .‬ص ‪.)267‬‬ ‫وتقول «موسوعة الشرق األوسط» عن أعمال‬ ‫احلصري‪« :‬يغطي مسرد مؤلفات احلصري خمس‬ ‫صفحات‪ ،‬تشمل مجالت أصدرها وكتبا مدرسية‬ ‫ملختلف املراحل التعليمية‪ .‬مؤلفات في القومية هي‪:‬‬ ‫«محاضرات في نش� � ��وء الفكرة القومية»‪)1951( ،‬‬ ‫و«آراء وأحادي� � ��ث في القومي� � ��ة العربية»‪)1951( ،‬‬ ‫و«العروبة بني دعاتها ومعارضيها»‪ )1952( ،‬و«ما‬ ‫هي القومية» (‪ )1959‬و«ح� � ��ول القومية العربية»‪،‬‬ ‫(‪ ،)1961‬و«أبح� � ��اث مختارة في القومية العربية»‪،‬‬ ‫(‪ )1964‬إضافة إلى مؤلف� � ��ات تاريخية ومذكرات‬ ‫شخصية تغطي األحداث التاريخية التي عاصرها‬ ‫أو كان مساهماً فيها‪ .‬أصدر ست حوليات سنوية‬ ‫تغطي الش� � ��ؤون الثقافية للعال� � ��م العربي منذ عام‬ ‫‪ 1945‬حتى ‪( .»1962‬ص ‪.)165‬‬

‫جمعية إخوان األدب‬

‫ولم متنعه مشاغله الفكرية والسياسية الكثيرة‬ ‫في العراق عن نشر الثقافة في األوساط الشعبية‬ ‫وتنمية حب القراءة واالطالع‪ .‬فقام في عام ‪1921‬‬ ‫مع نخب� � ��ة من مثقفي العراق مث� � ��ل جميل صدقي‬ ‫الزهاوي ومعروف الرصافي‪ ،‬وهما أبرز ش� � ��عراء‬

‫‪16‬‬

‫‪8/18/14 10:23:57 AM‬‬

‫العراق آنذاك‪ ،‬وكذلك د‪ .‬أمني معلوف والصحافي‬ ‫إبراهي� � ��م حلمي العمر‪ ،‬بتأس� � ��يس «جمعية إخوان‬ ‫األدب»‪ ،‬وكان من أهدافها «نش� � ��ر األدب العصري‬ ‫والثقافة العربية بني املواطنني‪ ،‬فكانت مقراً للقاء‬ ‫املثقفني واألدباء‪ ،‬واس� � ��تفاد الكثيرون من ندواتها‪.‬‬ ‫(األح� � ��زاب السياس� � ��ية في العراق‪ ،‬هادي حس� � ��ن‬ ‫علي� � ��وي‪ ،‬دار الري� � ��س‪ ،2001 ،‬ص ‪ .)83‬ويلخص‬ ‫أكرم زعيتر منجزات احلصري في العراق فيقول‪:‬‬ ‫إن� � ��ه «أنقذ املعارف من النظ� � ��م املوروثة عن العهد‬ ‫البريطان� � ��ي‪ ،‬ووحد التربي� � ��ة والتعليم في مدارس‬ ‫ووجه‬ ‫احلكومة وامل� � ��دارس األجنبي� � ��ة والطائفية‪َّ ،‬‬ ‫التعليم اجتاها وطنيا‪ ،‬ورفع مس� � ��توى دار املعلمني‬ ‫العلي� � ��ا‪ ،‬ود ّرس فيها علم النفس وأصول التدريس‪،‬‬ ‫وألق� � ��ى محاضرات ف� � ��ي علم االجتماع وفلس� � ��فة‬ ‫العلوم‪ ،‬وأنش� � ��أ مجلة التربي� � ��ة والتعليم‪ ،‬وأ َّلف في‬ ‫أصول التدريس ومواضيع مدرس� � ��ية أخرى حتى‬ ‫في القراءة األلفبائية واسمها «القراءة اخللدونية»‪،‬‬ ‫وأصل� � ��ح التفتيش‪ ،‬ووضع نظ� � ��ام املدارس األهلية‬ ‫واألجنبية‪ ،‬وأصلح كلي� � ��ة احلقوق ودرس هو فيها‬ ‫علم اإلحصاء‪ ،‬ووضع قانون اآلثار‪ .‬وأسس ساطع‬ ‫متحفا لآلثار العربية في بغداد‪ ،‬وآخر لألس� � ��لحة‪،‬‬ ‫وثالثا لألزياء ورابعا في س� � ��امراء‪ ،‬وخامس� � ��ا في‬ ‫بابل‪ ،‬وقطع دابر سرقة اآلثار العراقية»‪.‬‬

‫الوحدة الثقافية أو ًال‬

‫اهت� � ��م احلصري بالغ االهتمام ب� � ��دور الثقافة‬ ‫ف� � ��ي توحيد العال� � ��م العربي‪ ،‬وم� � ��ن أقواله املأثورة‬ ‫«اضمنوا لي وحدة ثقافية‪ ،‬وأنا أضمن لكم كل ما‬ ‫بقي من ضروب الوح� � ��دة»‪ .‬وقد هاجم احلصري‬ ‫املعاجم اللغوية العربية واعتبرها متخلفة وملتزمة‬ ‫باملعاجم القدمية‪ ،‬ألنها ترتب الكلمات وفق جذورها‬ ‫األصلية وال تراعي الترتيب الهجائي بشكل كامل‪.‬‬ ‫ودخ� � ��ل ع� � ��ام ‪ 1938‬في جدل مع د‪ .‬طه حس� �ي��ن‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي عارض الدعوة إلى توحي� � ��د مناهج التعليم‬ ‫ف� � ��ي البل� � ��دان العربية‪ ،‬بل وع� � ��ارض حتى الوحدة‬ ‫السياسية‪ ،‬سواء أكانت تشكل إمبراطورية جامعة‬ ‫أم على طراز احتاد مش� � ��ابه لالحتادين األمريكي‬ ‫والسويس� � ��ري‪ .‬كما دخل في سجال مع إسماعيل‬ ‫قباني بعد نشر محاضرته عام ‪ ،1958‬والتي فند‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 12-17.indd 16‬‬


‫فيها آراء القائلني بوجوب توحيد نظم التعليم‪ ،‬إذ‬ ‫يق� � ��ول‪« :‬إن ذلك ليس ضروري � � �اً فض ً‬ ‫ال عن أنه ذو‬ ‫محاذير عظيمة»‪( .‬مقال‪ :‬أبوخلدون والنضال من‬ ‫أجل الوحدة‪« ،‬العربي» ‪ ،229‬ديسمبر ‪ ،1977‬ص‬ ‫‪ ،35 - 30‬د‪ .‬نبيل صبيح)‪.‬‬ ‫يخصص الباحث الكبير ألبرت حوراني العديد‬ ‫من الصفحات في كتابه «الفكر العربي في عصر‬ ‫النهض� � ��ة»‪ ،‬الذي يعد أهم الكت� � ��ب في مجاله‪ ،‬أي‬ ‫دراسة هذا الفكر ما بني ‪ 1798‬و‪ ،1939‬للحديث‬ ‫عن إس� � ��هام س� � ��اطع احلصري في بلورة النظرية‬ ‫القومي� � ��ة‪ .‬يقول د‪.‬حوراني‪ :‬إنن� � ��ا جند في كتابات‬ ‫احلصري «نظري� � ��ة نقية للقومية»‪ُ ،‬مس� � ��تمدة من‬ ‫الفكر اإلجنليزي والفرنسي واألملاني‪.‬‬ ‫يتس� � ��اءل احلصري‪ :‬ما هي األم� � ��ة؟ املفكرون‬ ‫اإلجنليز والفرنس� � ��يون الذين يخالفهم احلصري‬ ‫يقول� � ��ون إنها أي جماعة تري� � ��د أن تكون أمة! أما‬ ‫احلصري فكان يرى أن األمة ليست كما يحددها‬ ‫الفرنس� � ��ي رينان بقوله‪« :‬األمة هي االشتراك في‬ ‫األمجاد في املاض� � ��ي وإرادة واحدة في احلاضر‬ ‫وإتي� � ��ان األعمال العظيمة معاً والعزم على اإلتيان‬ ‫باملزيد منها»‪ ،‬بل األمة عند احلصري شيء موجود‬ ‫بالفعل‪ .‬فاإلنسان يكون عربياً أو غير عربي‪ ،‬شاء‬ ‫أم أب� � ��ى‪ .‬واألمة تقوم على أس� � ��اس موضوعي هو‬ ‫قبل كل ش� � ��يء اللغة‪ ،‬واألم� � ��ة العربية هي مجموع‬ ‫من كانت لغتهم األصلية اللغة العربية‪ .‬ويلي اللغة‬ ‫في األهمية التاريخ‪ .‬فالتاريخ املشترك أمر مهم‪،‬‬ ‫لكن� � ��ه ثان� � ��وي‪ ،‬إذ إن من ش� � ��أنه أن يقوي الرابطة‬ ‫القومي� � ��ة‪ ،‬لكنه ال ميكنه أن يخلقه� � ��ا‪ .‬أما الدين‪،‬‬

‫فاحلصري ال ينكر تأثيره‪ ،‬فهو يساعد على خلق‬ ‫نوع من الوحدة في مش� � ��اعر األفراد‪ .‬لكن الدين‬ ‫يخلق مش� � ��اعر عاملية أو مشاعر ال قومية‪ ،‬مبعنى‬ ‫متجاوزة للقومية‪( .‬انظ� � ��ر احلوراني‪ ،‬ص ‪- 373‬‬ ‫‪.)374‬‬ ‫ً‬ ‫يقول احلوراني مضيفا‪« :‬ق� � ��د يبدو غريبا أن‬ ‫يتبن� � ��ى احلصري ه� � ��ذه النظ� � ��رة‪ ،‬فيناقض بذلك‬ ‫اختياره الش� � ��خصي‪ .‬فلغته األصلي� � ��ة كانت اللغة‬ ‫التركي� � ��ة‪ ،‬وهو ل� � ��م يص ّمم على التضل� � ��ع من اللغة‬ ‫العربية إال بعد انهيار اإلمبراطورية العثمانية‪ ،‬إذ‬ ‫كان عليه أن يقرر أن يكون إما عربياً أو تركياً»‪.‬‬ ‫ويتن� � ��اول األس� � ��تاذ ط� �ل��ال جمع� � ��ان اجلويعد‬ ‫اجلان� � ��ب اللغوي ف� � ��ي ثقافة احلصري‪ ،‬مس� � ��تعينا‬ ‫مبراجع عربية ع� � ��دة‪ ،‬منها «معجم أعالم املورد»‪،‬‬ ‫و«املوس� � ��وعة السياس� � ��ية» للكيال� � ��ي‪ ،‬فيق� � ��ول عن‬ ‫احلص� � ��ري‪« :‬وبرغم كونه عرب� � ��ي األصل‪ ,‬فإنه لم‬ ‫يك� � ��ن يتكلم العربي� � ��ة إال بعد أن جتاوز العش� � ��رين‬ ‫م� � ��ن عمره‪ ,‬وعانى طوال حيات� � ��ه من عدم إجادته‬ ‫العربية كما ينبغي‪ ،‬فكان يس� � ��تعني مبن يدقق في‬ ‫كتابات� � ��ه تدقيقاً لغوياً»‪( .‬محم� � ��د روحي اخلالدي‬ ‫ونظرته لإلصالح� � ��ات العثمانية‪ ،‬الكويت‪،2012 ،‬‬ ‫ص ‪.)126‬‬ ‫إن املفك� � ��ر س� � ��اطع احلصري كات� � ��ب وباحث‬ ‫ل� � ��ه مكانت� � ��ه في الثقاف� � ��ة العربي� � ��ة احلديثة‪ ،‬وقد‬ ‫عاش ف� � ��ي حياته مراحل صعب� � ��ة وواجه حتوالت‬ ‫مؤملة ع َّق� � ��دت بع� � ��ض جوانب جتربته‪ ،‬وال ش� � ��ك‬ ‫في أن احلصري بحاجة إلى املزيد من الدراسات‬ ‫شخصاً وفكراً‪ ،‬ال مجال لها في هذا املقال >‬

‫كان مقاتل بن حس� � ��ان على قضاء البصرة‪ ،‬فس� � ��أله رجل عن مسألة‪ .‬فقال‪ :‬ال أعرف‬ ‫اجلواب‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬أنت قاض وال حتسن املسألة؟ قال بن حسان‪ :‬نعم! ألن الثور أعظم‬ ‫من احلمار وال يحس� � ��ن أن يركض ركض احلمار‪ .‬فقال الرجل‪ :‬أيها القاضي؛ فهذا مثلك؟‬ ‫قال بن حس� � ��ان‪ :‬بل هذا مثلي ومثلك‪ .‬قال الرجل‪ :‬فأيهما أنت؟ قال بن حس� � ��ان‪ :‬أنبلهما‬ ‫وأعظمهما ‪ -‬يعني الثور‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫‪8/18/14 10:24:01 AM‬‬

‫‪sep 12-17.indd 17‬‬


‫تاريخ‬

‫حضارات سادت ثم بادت‬

‫السومريون‪ ...‬ملحمة اخللود‬ ‫عل� � ��ى الرغم من تقدم علم اآلثار واملعرفة‬ ‫التاريخي� � ��ة يظ� � ��ل الغم� � ��وض محيط� � ��ا‬ ‫بحض� � ��ارات عاملية قدم� � ��ت الكثير لتاريخ‬ ‫البشرية‪ .‬وحديثنا هنا عن واحدة من تلك احلضارات‬ ‫القدمية التي أعي� � ��ت العلماء بحث� � ��ا وتنقيبا وتفكيرا‬ ‫على مدى س� � ��نني طوال امتدت قرون� � ��ا‪ .‬لم يبرز هذا‬ ‫االهتمام كمحض صدفة‪ ،‬ولكنه كان نتيجة إش� � ��ارات‬ ‫مبعث� � ��رة ومتفرقة تش� � ��ير إلى وجود ش� � ��عب عاش في‬ ‫فترة تاريخية سحيقة‪ ،‬واستطاع أن يصل إلى مفاتيح‬ ‫املعرفة التي فتحت له أبواب احلياة واخللود وشرعت‬ ‫للعالم نوافذ س� � ��اعدته على التق� � ��دم العلمي والتطور‬ ‫بعلوم‬ ‫الفكري‪ .‬إنها قصة حضارة حتكي معرفة شعب ٍ‬ ‫ال يتس� � ��نى ملن عاش في تلك الفت� � ��رة الوصول إليها‪،‬‬ ‫حتى إن بعض أوائل املستكشفني لهذه احلضارة ظنوا‬ ‫بأ ّن هذا الشعب نزل من السماء!‬ ‫اتفق الباحثون على أن حضارة عظيمة نشأت في‬ ‫بالد الرافدين وأطلقوا عليها «احلضارة السومرية»‪،‬‬ ‫واختلفوا حول أصول الشعب املؤسس لهذه احلضارة‪.‬‬ ‫في عام ‪1869‬م عثر الباحث الفرنسي يوليوس أوبرت‬ ‫عل� � ��ى ألواح طينية مكتوبة بخط مس� � ��ماري في موقع‬ ‫أثري مبدين� � ��ة نينوى العراقية‪ ،‬لم تك� � ��ن الكتابة على‬ ‫تلك األلواح ش� � ��بيهة بالكتاب� � ��ة العراقية القدمية‪،‬‬ ‫كاآلش� � ��ورية أو الكلداني� � ��ة أو البابلية‪ ،‬وبعد‬ ‫البحث العمي� � ��ق واجلهد الطويل توصل‬ ‫هذا العالم إلى أن تلك األلواح ترجع‬ ‫إلى حضارة عريقة أقدم من حضارة‬ ‫الفراعنة ف� � ��ي مصر‪ .‬ومع مزيد من‬ ‫البحث والتنقيب أش� � ��ارت األبحاث‬ ‫األثري� � ��ة إلى أن تلك احلضارة بدأت‬ ‫قب� � ��ل ‪ 4500‬قبل امليالد‪ .‬اس� � ��تمرت‬ ‫احلفريات لتسفر عن كنز أثري لشعب‬

‫‪18‬‬

‫‪8/18/14 10:24:18 AM‬‬

‫عنى بالفل� � ��ك والرياضيات والط� � ��ب واألدب وتطوير‬ ‫الصناعة والزراعة‪.‬‬ ‫توصل علماء اآلثار إلى أ ّن السومريني قد عرفوا‬ ‫أ ّن الشمس جنم وهي مركز مجموعتها من الكواكب‪.‬‬ ‫ومن النقوش املكتش� � ��فة تبني له� � ��ؤالء الباحثني تطور‬ ‫الزراعة والصناعة لدى هذا الش� � ��عب الذي استخدم‬ ‫احمل� � ��راث وآالت زراعية غير معروفة في ذاك الزمان‬ ‫للري والغ� � ��رس واحلصاد‪ .‬وقد اخترع هذا الش� � ��عب‬ ‫«العجل� � ��ة» أو «الدوالب»‪ ،‬فكان ه� � ��ذا االختراع فتحا‬ ‫لتطور البش� � ��رية والتقدم اإلنساني في شتى امليادين‪.‬‬ ‫أما في الرياضيات والتقومي فقد اعتمدوا على نظام‬ ‫يقوم على العدد (‪ )60‬ومضاعفاته؛ فهم أول من قال‬ ‫إ ّن محيط الدائرة ‪ ،ْ 360‬والسنة ‪ 360‬يوما والدقيقة‬ ‫‪ 60‬ثاني� � ��ة والس� � ��اعة ‪ 60‬دقيقة‪ .‬لقد تط� � ��ورت حياة‬ ‫الس� � ��ومريني فعاش� � ��وا في رخاء وترف‪ ،‬فبدأ الش� � ��عر‬ ‫والغناء وباق� � ��ي فنون األدب تتط� � ��ور لديهم‪ ،‬فأنتجوا‬ ‫أول ملحم� � ��ة أدبية مكتوبة في التاري� � ��خ‪ ،‬إنها ملحمة‬ ‫جلجامش‪ ،‬ملحمة اخللود‪.‬‬

‫ملحمة جلجامش‬

‫تبدأ امللحمة باحلديث عن امللك جلجامش‪ ،‬الذي‬ ‫كان� � ��ت والدته إله� � ��ة خالدة أحبت والده البش� � ��ري‬ ‫الفان� � ��ي‪ ،‬فاقترنت به وأجنب� � ��ت جلجامش‪.‬‬ ‫وص� � ��ار جلجام� � ��ش نص� � ��ف إل� � ��ه‪ ،‬فكره‬ ‫اآللهة وكره البشر‪ ،‬وعاث في األرض‬ ‫فس� � ��ادا‪ .‬ابتهل الش� � ��عب لآللهة بأن‬ ‫جتد لهم مخرجا من ظلم جلجامش‪،‬‬ ‫فاس� � ��تجابت اآللهة بأن سلّطت عليه‬ ‫«أنكيدو»‪ .‬كان أنكيدو رجال بسيطا‬ ‫يعيش على الفط� � ��رة‪ ،‬ال يعتدي على‬ ‫حي� � ��وان أو إنس� � � ٍ�ان أو زرع أو م� � ��ال‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 18-19.indd 18‬‬


‫ولكنه يأب� � ��ى العدوان‬ ‫ويقاتل كل من يعتدي‪،‬‬ ‫فاشتكى منه األغنياء‪،‬‬ ‫ورفع� � ��وا مظلمتهم إلى‬ ‫جلجامش‪ .‬كانت خطة‬ ‫جلجام� � ��ش تدنيس روح‬ ‫أنكي� � ��دو لتضعف نفس� � ��ه‪،‬‬ ‫فأرس� � ��ل «ش� � ��مخات» حارسة‬ ‫ملعبد اإللهة عش� � ��تار لغواية أنكيدو‪.‬‬ ‫حال� � ��ف جلجامش‪ ،‬وبدأت ش� � ��مخات بتعليم‬ ‫أنكيدو احلياة املدنية؛ ككيفية األكل واللبس وش� � ��رب‬ ‫النبي� � ��ذ‪ ،‬فأحبه� � ��ا أنكيدو‪ ،‬ولكنه لم ي� � ��رد جماعها إال‬ ‫بال� � ��زواج‪ .‬لم يدرِ أنكي� � ��دو بأ ّن قانون املدينة يس� � ��مح‬ ‫جللجام� � ��ش بأن يدخل على الع� � ��روس قبل أن يدخل‬ ‫بها زوجها‪ .‬ومل� � ��ا عرف ذلك قرر أن يتحدى امللك في‬ ‫مصارع� � ��ة عامة‪ .‬تصارع االثنان بق� � ��وة‪ ،‬وكانت الغلبة‬ ‫في النهاية جللجامش‪ ،‬الذي أعجب بش� � ��هامة أنكيدو‬ ‫وقوته وكفاحه من أجل املبدأ السامي واملطلب العادل‪.‬‬ ‫يع� � ��رض جلجام� � ��ش صداقت� � ��ه ألنكي� � ��دو‪ ،‬فيصبحان‬ ‫صديقني حميمني‪.‬‬ ‫بع� � ��د أن تهذب� � ��ت نف� � ��س جلجام� � ��ش مبصادقته‬ ‫أنكي� � ��دو‪ ،‬أعجبت به اإللهة عش� � ��تار وحاولت التقرب‬ ‫من� � ��ه بغرض ال� � ��زواج‪ ،‬إال أ ّن رف� � ��ض جلجامش لطلب‬ ‫عش� � ��تار جعلها تكيد له عند كبير اآللهة «آنو» وتطلب‬ ‫منه عقاب من أس� � ��اء إليها‪ .‬انتق� � ��م آنو من جلجامش‬ ‫بأن َقتَ� � ��ل صديقه احلميم أنكي� � ��دو‪ ،‬األمر الذي غير‬ ‫حياة جلجامش وس� � ��خرها في البحث وطلب اخللود‬ ‫لالنتقام من اآللهة‪.‬‬

‫البحث عن اخللود‬

‫بعد أن دفن جلجامش صديقه‪ ،‬انطلق في رحلته‬ ‫باحثا عن احلياة األبدي� � ��ة واخللود‪ .‬التقى جلجامش‬ ‫بأكبر املعمرين على األرض‪ ،‬رجل اسمه «أوتنابشتم»‬ ‫عاش ألف سنة‪ ،‬وسرد على جلجامش قصة الطوفان‬ ‫العظيم الذي حدث بأم� � ��ر اإلله‪ .‬عندما جاءت قصة‬ ‫السومريون‪ ...‬ملحمة اخللود‬

‫‪8/18/14 10:24:23 AM‬‬

‫الطوف� � ��ان ظ� � ��ن كثير‬ ‫م� � ��ن الباحث� �ي��ن أ ّن‬ ‫أوصاف أوتنابش� � ��تم‬ ‫في ملحمة جلجامش‬ ‫تتشابه وشخصية نوح‬ ‫(عليه الس� �ل��ام)‪ .‬الحظ‬ ‫أوتنابشتم إصرار جلجامش‬ ‫عل� � ��ى معرفة احلي� � ��اة األبدية‬ ‫والوصول إلى حتقي� � ��ق هذا األمل‪،‬‬ ‫أمل اخللود‪ ،‬فيدله على عش� � ��بة اخللود‪ ،‬ما‬ ‫إن تُؤ َكل فلس� � ��وف يك� � ��ون اخللود حق� � ��ا آلكلها‪ ،‬وهذه‬ ‫العشبة ال توجد إال في قاع بحر دملون‪ .‬وبعد كثير من‬ ‫الصعاب واألهوال‪ ،‬استطاع جلجامش احلصول على‬ ‫تلك العش� � ��بة‪ .‬لقد عانى الكثير من التعب واالرهاق‪،‬‬ ‫ولم يكن بيده إال أن يرتاح قليال على الساحل فيغفو‪.‬‬ ‫وعندم� � ��ا كان جلجامش نائما جاءته أفعى فأكلت تلك‬ ‫العشبة‪ ،‬فكانت لها احلياة األبدية‪ .‬اعتقدت الشعوب‬ ‫القدمية بخلود األفع� � ��ى لكونها تغير جلدها من حني‬ ‫إلى آخ� � ��ر‪ ،‬حتى العرب القدماء ق� � ��د آمنوا باالعتقاد‬ ‫نفس� � ��ه‪ ،‬لذا أطلقوا عل� � ��ى األفعى اس� � ��م «ح َّية» فهي‬ ‫عنده� � ��م ال متوت! عاد جلجامش إل� � ��ى مدينته خالي‬ ‫الوثاق‪ ،‬وملا وصل إلى دياره‪ ،‬تأمل سورها الرائع‪ ،‬فعلم‬ ‫أ ّن اخللود باألعمال ال باألعوام‪.‬‬ ‫ومبثل الغموض الذي أتي بالس� � ��ومريني‪ ،‬اختفى‬ ‫ش� � ��عب كامل‪ ،‬وال ن� � ��دري أين ص� � ��اروا أو أين ذهبوا‪.‬‬ ‫اختلفت اآلراء‪ ،‬وال يزال االختالف قائما‪ ،‬ولكن الكل‬ ‫متف � � � ٌق على أ ّن حضارة هذا الش� � ��عب كانت بإجنازاته‬ ‫العلمي� � ��ة واألدبي� � ��ة والفني� � ��ة‪ .‬فق� � ��د كان� � ��ت حضارة‬ ‫الس� � ��ومريني منهال حلض� � ��ارة املصري� �ي��ن واليونانيني‬ ‫والرومان‪ ،‬حتى أنهم اس� � ��تعاروا آلهة السومريني في‬ ‫تعدده� � ��ا واختصاصاته� � ��ا‪ ،‬ونهجوا نهجها في س� � ��رد‬ ‫املالحم واألساطير‪ .‬واتخذوا من األفعى رمزا للحياة‪،‬‬ ‫فال تزال عشبة جلجامش س ًرا لترياق اخللود‪ ،‬فنرى‬ ‫ص� � ��ورة األفعى تلتف ماكنة عل� � ��ى وعاء الدواء في كل‬ ‫صيدليات العالم كرمز للحياة والشفاء >‬

‫‪19‬‬

‫‪sep 18-19.indd 19‬‬


‫نقد‬

‫الصورة َّ‬ ‫ُ‬ ‫الشعرية‬ ‫في منهج عبدالقاهر اجلرجاني النَّ قدي‬ ‫د‪ .‬ريتا عوض *‬ ‫لم يكن مصطلح «الصورة الشعرية» غريب ًا عن النقد األدبي العربي القدمي وإن لم يعرفه‬ ‫التراث النقدي الغربي الكالسيكي والنيوكالسيكي‪ .‬ولعل عبارة اجلاحظ (ت ‪255‬هـ)‬ ‫الشهيرة‬ ‫تتضمن أول استخدام معروف ملصطلح «التصوير» في معرض احلديث عن‬ ‫ّ‬ ‫الشعر‪« :‬فإمنا الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير»‪ ،‬وعنه أخذها قدامة‬ ‫بن جعفر (ت حوالي ‪ 326‬هـ)‪ ،‬الذي قال‪« :‬إذا كانت املعاني للشعر مبنزلة املادة املوضوعة‬ ‫بد فيها من شيء موضوع يقبل‬ ‫والشعر فيها كالصورة‪ ،‬كما يوجد في كل صناعة من أنه ال ّ‬ ‫تأثير الصور منها‪ ،‬مثل اخلشب للنجارة والفضة للصياغة»‪ .‬وكان عبدالقاهر اجلرجاني‬ ‫تعرض ملفهوم التصوير والصورة من النقاد العرب‪ .‬وقد استند في ذلك‬ ‫(ت ‪ 471‬هـ) أكثر من َّ‬ ‫إلى اجلاحظ‪ ،‬وأقر باستفادته املصطلح منه بقوله‪« :‬وليست العبارة عن ذلك بالصورة شيئ ًا‬ ‫نحن ابتدأناه فينكره علينا منكر‪ ،‬بل هو مستعمل مشهور في كالم العلماء‪ ،‬ويكفيك قول‬ ‫اجلاحظ‪ :‬وإمنا الشعر صناعة وضرب من التصوير»‪.‬‬ ‫اتخ� � ��ذ مصطل� � ��ح الصورة ف� � ��ي منهج‬ ‫اجلرجاني أبع� � ��ا ًدا جديدة ل� � ��م يبلغها‬ ‫عن� � ��د غي� � ��ره ممن س� � ��بقه م� � ��ن النقاد‬ ‫يعد‬ ‫فوسع دالالته‪ ،‬حتى يبدو أحيا ًنا كأنه ّ‬ ‫العرب‪ّ ،‬‬ ‫الصورة حتدي ًدا للش� � ��عر وتعري ًفا ل� � ��ه‪ .‬فقد وجد‬ ‫عبدالقاهر في مصطلح الصورة اّ‬ ‫حل إلشكاليتني‬ ‫واجههما النقد األدبي العربي قبله‪ ،‬هما املفاضلة‬ ‫بني اللفظ واملعنى وتكرار املعاني عند الش� � ��عراء‪.‬‬ ‫وكان اجلاحظ قد قال إن الش� � ��عر صناعة وجنس‬ ‫من التصوير في إطار تفضيله لفظ الش� � ��عر على‬ ‫معن� � ��اه‪ ،‬ألن املعان� � ��ي‪ ،‬في رأيه‪ ،‬مبتن� � ��اول اجلميع‬ ‫* أكادميية من لبنان‬

‫‪20‬‬

‫‪8/18/14 10:24:53 AM‬‬

‫«مطروحة على الطريق‪ ...‬وإمنا الشأن في إقامة‬ ‫الوزن وتخ ّير اللفظ وس� � ��هولة املخ� � ��رج وكثرة املاء‬ ‫صحة الطبع وجودة السبك»‪ .‬فيكون أساس‬ ‫وفي‬ ‫ّ‬ ‫الشعر‪ ،‬في رأيه‪ ،‬هو الوزن السليم واختيار اللفظ‬ ‫املناسب من حيث سهولة نطقه وطراوته وصياغته‬ ‫وسبكه مع األلفاظ األخرى‪ .‬ورغم أن عبدالقاهر‬ ‫يع� � ��ود إلى قول اجلاحظ ه� � ��ذا ويورده في معرض‬ ‫حديثه عن املفاضلة ب� �ي��ن اللفظ واملعنى‪ ،‬ويوافق‬ ‫َ‬ ‫الغض من شأن املعاني ويستشهد‬ ‫اجلاحظ رأيَه في‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫بقوله‪« :‬فأعلمك أن فضل الشعر بلفظه ال مبعناه‪،‬‬ ‫وأنه إذا عدم احلسن في لفظه ونظمه لم يستحقّ‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 20-24 copy.indd 20‬‬


‫هذا االسم باحلقيقة»‪ ،‬إال أنه ال يقف‬ ‫في هذه املسألة حيث وقف اجلاحظ‪،‬‬ ‫فه� � ��و أوال يب� � ��دو كأنه يح� � � ّ�دد ما يُراد‬ ‫هنا باملعنى املعان� � ��ي املج ّردة‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫«إن كان العمل عل� � ��ى ما يذهبون إليه‬ ‫من أنه ال يجب فض� � ��ل ومز ّية إال من‬ ‫جان� � ��ب املعنى‪ ،‬وحتى يك� � ��ون قد قال‬ ‫حكمة وأدبا واستخرج معنى غريبا»‪،‬‬ ‫وهو من ناحي� � ��ة ثانية يضع «الصورة»‬ ‫و«النظم» بدالً من «تخ ّير اللفظ»‪ .‬وال‬ ‫يكتفي اجلرجاني باملقارنة الش� � ��ائعة‪،‬‬ ‫الت� � ��ي يوردها هو نفس� � ��ه أحيانا‪ ،‬بني‬ ‫الش� � ��اعر والصائغ‪ ،‬ويع� � ��ادل فيها بني‬ ‫املعنى واملادة التي تقع فيها الصياغة‬ ‫كالفض� � ��ة أو الذه� � ��ب‪ ،‬ب� � ��ل يصل إلى‬ ‫املقارن� � ��ة بني املعان� � ��ي واألصباغ التي‬ ‫تُعم� � ��ل منه� � ��ا الصور والنق� � ��وش‪ ،‬فال‬ ‫يعود نظم الش� � ��عر اختي� � ��ا ًرا لأللفاظ‪،‬‬ ‫كما قال اجلاحظ‪ ،‬ب� � ��ل تخ ّي ًرا ونظ ًما‬ ‫للمعاني‪ ،‬كم� � ��ا ينتقي الرجل األصباغ‬ ‫وميزجها ويرتّبها‪ ،‬يقول‪« :‬وإمنا سبيل‬ ‫هذه املعاني سبيل األلفاظ التي تُعمل‬ ‫منه� � ��ا الصور والنقوش‪ ،‬فكما أنك ترى الرجل قد‬ ‫تهدى في الصباغ التي عمل منها الصورة والنقش‬ ‫ّ‬ ‫في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخ ّير والتد ّبر‬ ‫في أنف� � ��س األصباغ‪ ،‬وفي مواقعه� � ��ا ومقاديرها‪،‬‬ ‫يتهد‬ ‫وكيفية مزجه لها وترتيب� � ��ه إياها‪ ،‬إلى ما لم َّ‬ ‫إليه صاحبه‪ ،‬فجاء نقش� � ��ه من أجل ذلك أعجب‪،‬‬ ‫وصورته أغرب‪ ،‬كذلك حال الشاعر والشاعر في‬ ‫علمت أنها‬ ‫توخيهما معاني النح� � ��و ووجوهه التي‬ ‫َ‬ ‫محصول النظم»‪.‬‬

‫صياغة للمعاني‬

‫ويؤك� � ��د عبدالقاه� � ��ر أن النظم لي� � ��س ترتي ًبا‬ ‫لأللف� � ��اظ بل صياغة للمعاني‪ ،‬وهي مادة الش� � ��عر‬ ‫وصورت� � ��ه في الوقت نفس� � ��ه‪ ،‬فنظ � � � ُم الكالم ليس‬ ‫كض ّم احلروف بعضها إلى البعض اآلخر حس� � ��ب‬ ‫تواليها ف� � ��ي النطق فقط‪ ،‬وال يتب� � ��ع علّة منطقية‬ ‫وال يهت� � ��دي بنم� � ��وذج رس� � ��مه العق� � ��ل‪ ،‬ألن للكالم‬ ‫دالالت حت ّت� � ��م كيفية نظمه على صورة خاصة كما‬ ‫الصورة الشعرية في منهج عبدالقاهر اجلرجاني النقدي‬

‫‪8/18/14 10:24:57 AM‬‬

‫تتناسق أجزاء الصناعات األخرى التي يُقصد بها‬ ‫التصوير بعلّة تقتضي وحتتّم كونها حيث ُوضعت‪.‬‬ ‫وهن� � ��ا أيضا يض ّم اجلرجان� � ��ي صناعة الكالم إلى‬ ‫الصناع� � ��ات التي تقوم على التصوير الذي يحدده‬ ‫بصوغ املعاني والدالالت على الوجه الذي يضبطه‬ ‫العقل‪ ،‬يقول‪« :‬والفائدة في معرفة هذا الفرق أنك‬ ‫إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم أن‬ ‫توالت ألفاظها في النطق‪ ،‬بل أن تناسقت دالالتها‪،‬‬ ‫وتالقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل‪،‬‬ ‫وكيف يُتص � � � ّور أن يُقصد به إل� � ��ى توالي األلفاظ‬ ‫في النطق‪ ،‬بعد أن ثب� � ��ت أنه نظم يُعتبر فيه حال‬ ‫املنظ� � ��وم بعضه م� � ��ع بعض‪ ،‬وأنه نظي� � ��ر الصياغة‬ ‫والتحبي� � ��ر والتفويف والنقش وكل م� � ��ا يُقصد به‬ ‫التصوير»‪.‬‬ ‫غي� � ��ر أن عبدالقاه� � ��ر لم يقف ف� � ��ي معاجلته‬ ‫تصدى‬ ‫موض� � ��وع الصورة عند هذا احل� � � ّ�د‪ .‬فحني‬ ‫ّ‬ ‫ملسألة طال النقاش فيها قبله‪ ،‬وهي تكرار املعاني‬ ‫ل� � ��دى الش� � ��عراء وحتديد صاحب احل� � ��قّ باملعنى‪،‬‬

‫‪21‬‬

‫‪sep 20-24 copy.indd 21‬‬


‫اس� � ��تطاع مبا مت ّيز به من د ّقة‪ ،‬أن يتخطى املقارنة‬ ‫ب� �ي��ن نظم الكالم وما أس� � ��ماه باألعمال الصناعية‬ ‫واليدوية‪ .‬هذه املقارنة ش� � ��اعت في النقد األدبي‬ ‫العربي وغدت مألوفة ب� �ي��ن اخلاصة والعامة إلى‬ ‫حد لم يعد من الس� � ��هل مناقشتها أو ر ّدها‪ ،‬وكأنها‬ ‫ّ‬ ‫حد قوله‪ .‬وقد تن ّبه‬ ‫ش� � ��يء مركوز في الطباع على ّ‬ ‫عبدالقاه� � ��ر إلى وجود اختالف ب� �ي��ن الصناعات‬ ‫اليدوية كنس� � ��ج الديباج وصوغ الش� � ��نف والسوار‬ ‫وبني نظم الكالم حس� � ��ب م� � ��ا تقتضيه دالالته من‬ ‫س� � ��ياق يحدده العقل‪ .‬فالصناعات حتدد العني ما‬ ‫بينها من ش� � ��به واختالف‪ ،‬أما الكالم فيُحتكم في‬ ‫شأنه إلى العقل‪.‬‬

‫صورة املعنى‬

‫ي� � ��رى عبدالقاه� � ��ر أن الف� � ��رق ف� � ��ي املعان� � ��ي‪،‬‬ ‫والس� � ��يما في الش� � ��عر بني بيت وآخر يكمن في ما‬ ‫يس� � ��ميه «صورة املعن� � ��ى» التي تنطب� � ��ع في العقل‪،‬‬ ‫ألنها كالصور التي يراه� � ��ا البصر فيلتقط الفارق‬ ‫بني أفراد اجلنس الواحد‪ ،‬ويؤكد أن مادة الش� � ��عر‬ ‫ليس� � ��ت معاني مجردة‪ ،‬ب� � ��ل إن املعنى هو الصورة‬ ‫التي انتفى إمكان الفصل فيها بني مادة وتش � � � ُّكل‪.‬‬ ‫هنا يع � � � ّرف ما يعنيه بالصورة بقول� � ��ه‪« :‬واعلم أن‬ ‫قولن� � ��ا «الصورة» إمنا هو متثي� � ��ل وقياس ملا نعلمه‬ ‫بعقولن� � ��ا على الذي ن� � ��راه بأبصارن� � ��ا‪ ،‬فلما رأينا‬ ‫البينون� � ��ة بني آحاد األجن� � ��اس التي تكون من جهة‬ ‫ني إنس� � ��ان من إنس� � ��ان وفرس من‬ ‫الصورة‪ ،‬فكان ب ُ‬ ‫فرس‪ ،‬بخصوصية تك� � ��ون في صورة هذا ال تكون‬ ‫في صورة ذاك‪ .‬وكذلك كان األمر في املصنوعات‪،‬‬ ‫ني خامت من خامت وس� � ��وار من سوار بذلك‪.‬‬ ‫فكان ب ُ‬ ‫ث� � ��م وجدنا بني املعنى في أح� � ��د البيتني وبينه في‬ ‫اآلخ� � ��ر بينونة في عقولن� � ��ا وفرقا‪ ،‬عبرنا عن ذلك‬ ‫الفرق وتل� � ��ك البينونة بأن قلن� � ��ا‪ :‬للمعنى في هذا‬ ‫صورة غير صورته في ذلك»‪.‬‬

‫أثر الصورة الشعرية‬

‫ني نظم‬ ‫وال يكتف� � ��ي عبدالقاه� � ��ر باملقارن� � ��ة ب َ‬ ‫ني املعاني‬ ‫الكالم وصوغ احللي وصنع الديباج أو ب َ‬ ‫واألصب� � ��اغ الت� � ��ي تُعم� � ��ل منها الص� � ��ور والنقوش‪،‬‬ ‫فيصل إلى املقارنة بني ما تتركه الصور الش� � ��عرية‬ ‫والتخييالت من أثر في نفس السامعني وما تو ّلده‬

‫‪22‬‬

‫‪8/18/14 10:24:59 AM‬‬

‫التصاوي� � ��ر‪ ،‬من تخطيط ونق� � ��ش ونحت ونقر‪ ،‬من‬ ‫فتنة في نفوس املش� � ��اهدين‪ .‬هن� � ��ا أيضا يتخطى‬ ‫اجلرجاني فكرة الصناع� � ��ة إلى مبدأ الفن مبا له‬ ‫من تأثير نفسي يتساوى فيه أثر املسموع باملرئي‪،‬‬ ‫وتتوحد الفنون في ما تتركه في النفس من انطباع‬ ‫ّ‬ ‫يس� � ��مو بها إلى حالة يصفها بالغرابة‪ ,‬ألنها ما لم‬ ‫تألف� � ��ه النفس ف� � ��ي وضعها العادي‪ .‬فالش� � ��عر فن‬ ‫يروق وي� � ��روع ويه ّز النفس ويح ّركه� � ��ا‪ ،‬والتصاوير‬ ‫فنون «تعجب وتخلب وتروق وتؤنق‪ ،‬وتدخل النفس‬ ‫من مش� � ��اهدتها حالة غريبة ل� � ��م تكن قبل رؤيتها‪،‬‬ ‫ويغش� � ��اها ضرب م� � ��ن الفتنة ال يُنك� � ��ر مكانه‪ ،‬وال‬ ‫يخفى شأنه»‪.‬‬ ‫ولع� � ��ل اجلانب األهم للمذه� � ��ب النقدي الذي‬ ‫وضعه عبدالقاه� � ��ر هو ربطه الصورة الش� � ��عرية‬ ‫باملجاز وبالنظم‪ ،‬وحتليله الدقيق واملتم ّيز للمعاني‬ ‫احلقيقية واملجازي� � ��ة واملعاني العقلية والتخييلية‪،‬‬ ‫وحتديده ضمن ذل� � ��ك للصيغ البالغية‪ ،‬وبخاصة‬ ‫االستعارة والتشبيه والتمثيل‪ .‬ومصطلح «املعنى»‬ ‫هو عماد مذهبه وأساس� � ��ه ومفتاح دراسة دقائقه‬ ‫وتف ّرعاته‪ ،‬لكنه ليس املعن� � ��ى الذهني املج ّرد‪ ،‬بل‬ ‫احلس� � ��ي املص ّور الذي يُطلق عليه اس� � ��م «صورة‬ ‫ّ‬ ‫املعنى»‪ ،‬يقول‪« :‬وجمل� � ��ة األمر أن صور املعاني ال‬ ‫تتغ ّير بنقلها من لفظ إلى لفظ‪ ،‬حتى يكون هناك‬ ‫اتس� � ��اع ومجاز‪ ،‬وحتى ال يُراد من األلفاظ ظواهر‬ ‫ما ُوضعت له في اللغة‪ ،‬ولكن يُش� � ��ار مبعانيها إلى‬ ‫أن هذا كذل� � ��ك ما دام النظم‬ ‫ٍ‬ ‫معان أُخ� � ��ر‪ .‬واعل ْم ّ‬ ‫بد حينئذ من‬ ‫واح � � � ًدا‪ ،‬فأما إذا تغ ّير النظم ف� �ل��ا ّ‬ ‫أن يتغ ّير املعنى»‪ .‬وهذا ما أسماه «املعنى» و«معنى‬ ‫املعن� � ��ى»‪ ،‬حي� � ��ث املعنى ه� � ��و «املفهوم م� � ��ن ظاهر‬ ‫اللفظ‪ ،‬وال� � ��ذي تصل إليه بغير واس� � ��طة‪ ،‬ومعنى‬ ‫«املعن� � ��ى» أن تعقل من اللفظ معنى‪ ،‬ثم يفضي بك‬ ‫ذلك املعن� � ��ى إلى معنى آخر»‪ ،‬وبذل� � ��ك يف ّرق بني‬ ‫احلقيق� � ��ة واملجاز‪ .‬أما املجاز ومداره على الكناية‬ ‫واالستعارة والتمثيل‪ ،‬فعبدالقاهر يرفض حتديده‬ ‫البالغ� � ��ي املألوف وهو «كل لفظ نُقل عن موضعه‬ ‫فهو مجاز»‪ ،‬ويس� � ��هب إس� � ��ها ًبا كبي � � � ًرا في تعريفه‬ ‫وحتليل� � ��ه‪ ،‬مؤ ّك ًدا أن املجاز صفة للمعنى ال للفظ؛‬ ‫يق� � ��ول‪« :‬ومما الصفة في للمعن� � ��ى وإن جرى في‬ ‫ظاهر املعامل� � ��ة على اللفظ‪ ...‬وصفُنا اللفظ بأنه‬ ‫مجاز»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 20-24 copy.indd 22‬‬


‫ثورة تكشف ماهية األلفاظ‬ ‫كــــ� � ��ان للـــــــمذه� � ��ب اللــــــغ� � ��وي‬ ‫لعبدالقاه� � ��ر ال� � ��ذي رفع من ش� � ��أن‬ ‫املعنى وع� � � ّ�د اللغة نظ ًم� � ��ا للكالم ال‬ ‫بحس� � ��ب توالي ألفاظها في النطق‪،‬‬ ‫بل حس� � ��ب تناس� � ��ق دالالتها وتالقي‬ ‫معانيه� � ��ا على الوجه ال� � ��ذي اقتضاه‬ ‫العق� � ��ل‪ ،‬كبير األثر ف� � ��ي دفع تعريفه‬ ‫الصي � � � َغ البالغية إل� � ��ى آفاق جديدة‬ ‫في النقد األدبي العربي‪ .‬وقد ش ّكلت‬ ‫آراؤه ثورة حقيقية في كش� � ��ف ماه ّية‬ ‫هذه األلف� � ��اظ بوصفه� � ��ا تعبي ًرا عن‬ ‫مس� � ��ار الفكر اإلنساني في اكتشافه‬ ‫العالق� � ��ات الدقيق� � ��ة بني األش� � ��ياء‬ ‫وقدرت� � ��ه عل� � ��ى الربط في م� � ��ا بينها‬ ‫بأش� � ��كال مختلفة‪ .‬ومن هنا ج� � ��اء رفضه القاطع‬ ‫للتعريفات السابقة عليه لالستعارة التي اعتمدت‬ ‫أساس� � ��ا مبدأ نقل األلف� � ��اظ‪ ،‬وكان تعريفه الدقيق‬ ‫ً‬ ‫واملهم الذي قال فيه إنه «ليس� � ��ت االس� � ��تعارة نقل‬ ‫اسم ش� � ��يء إلى ش� � ��يء ولكنها ادعاء معنى االسم‬ ‫فص� � ��ل القول في م� � ��ا صاغه من‬ ‫للش� � ��يء»‪ .‬وقد ّ‬ ‫تفري� � ��ق واضح وعميق بني احلقيقة واملجاز ليصل‬ ‫إلى حتديد نظرته اخلاصة في االستعارة فينتهي‬ ‫إلى القول‪« :‬وهكذا احلكم في االستعارة وهي وإن‬ ‫كانت ف� � ��ي ظاهر املعاملة من صف� � ��ة اللفظ‪ ،‬وكنا‬ ‫نقول‪ :‬هذه لفظة مس� � ��تعارة وقد اس � � �تُعير له لفظ‬ ‫األسد‪ ،‬فإن مآل األمر أن القصد بها إلى املعنى»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫معارضا ملا هو مألوف في كالم‬ ‫وكان موقف� � ��ه هذا‬ ‫س� � ��ابقيه على املج� � ��از واالس� � ��تعارة‪ ،‬ففتح بوضوح‬ ‫رؤيت� � ��ه ود ّقة تعبيره ع� � ��ن نظراته العميق� � ��ة آفا ًقا‬ ‫جديدة في الدراسات اللغوية والنقدية‪« :‬واعل ْم أنه‬ ‫قد كثر في كالم الناس اس� � ��تعمال لفظ النقل في‬ ‫االس� � ��تعارة فمن ذلك قولهم‪ :‬إن االس� � ��تعارة تعليق‬ ‫للعبارة على غير ما ُوضعت له في أصل اللغة على‬ ‫س� � ��بيل النقل‪ ...‬وإطالقهم في االستعارة أنها نقل‬ ‫يصح األخذ‬ ‫للعب� � ��ارة عما ُوضعت له من ذلك‪ ،‬فال‬ ‫ّ‬ ‫به»‪ .‬ويقول‪« :‬وإن جعلنا االستعارة من صفة اللفظ‬ ‫فقلنا‪ ،‬اس� � ��م مس� � ��تعار‪ ،‬وهذا اللفظ استعارة هنا‬ ‫وحقيقة هناك‪ ،‬فإ ّنا على ذلك نشير بها إلى املعنى‬ ‫أخص‬ ‫من حيث قصدنا باس� � ��تعارة االسم أن نثبت‬ ‫ّ‬ ‫الصورة الشعرية في منهج عبدالقاهر اجلرجاني النقدي‬

‫‪8/18/14 10:25:02 AM‬‬

‫معانيه للمس� � ��تعار ل� � ��ه»‪ .‬ويخلص إلى‬ ‫الق� � ��ول مؤ ّكدا نظريته‪« :‬فقد تبينّ من‬ ‫غير وجه أن االستعارة إمنا هي ادعاء‬ ‫معنى االسم للشيء ال نقل االسم عن‬ ‫الش� � ��يء‪ ،‬وإذا ثبت أنه� � ��ا ادعاء معنى‬ ‫علمت أن الذي قالوه‬ ‫االسم للش� � ��يء‬ ‫َ‬ ‫ع� � ��ن أنها تعليق للعب� � ��ارة على غير ما‬ ‫ُوضعت له في اللغة ونقل عما وضعت‬ ‫له‪ ،‬كالم قد تس� � ��امحوا فيه‪ ،‬ألنه إذا‬ ‫كانت االس� � ��تعارة ادعاء معنى االسم‬ ‫لم يكن االس� � ��م ُمزاال ع ّما ُوضع له بل‬ ‫ُمق ّرا عليه»‪.‬‬

‫ضروب االستعارة‬

‫ويح� ��� ��دد عبدالقاهر لالس� � ��تعارة‬ ‫ً‬ ‫أغراض� � ��ا تُصاغ م� � ��ن أجلها‪ ،‬ومنه� � ��ا إيقاع صورة‬ ‫في نفس الس� � ��امع‪ ،‬باإلضافة إلى قصد التش� � ��بيه‬ ‫الذي يأتي على وج� � ��ه املبالغة‪ ،‬وكذلك االختصار‬ ‫واإليج� � ��از‪ .‬ويأتي التش� � ��بيه في االس� � ��تعارة على‬ ‫وجهني‪ :‬تشبيه يؤخذ من صفة في املستعار نفسه‬ ‫كقولك‪« :‬رأيت أس� � ��دا»‪ ،‬وتشبيه يؤخذ مما يُضاف‬ ‫إلى املس� � ��تعار كقوله‪« :‬إذا أصبحت بيد الش� � ��مال‬ ‫زمامها»‪ ،‬إذ ليس للش� � ��مال ي� � ��د‪ .‬وهذا الضرب ال‬ ‫يُدرك وجه الشبه فيه إال «بعد أن تخرق إليه ِست ًرا‬ ‫وتُعمل تأ ّمال وفك ًرا»‪ .‬هذا الضرب من االس� � ��تعارة‬ ‫حد قول‬ ‫«ال يُتص � � � ّور تقدير النقل فيه البتّة»‪ ،‬على ّ‬ ‫اجلرجان� � ��ي‪ ،‬الذي يؤكد‪« :‬وكم� � ��ا ال ميكنك تقدير‬ ‫النق� � ��ل في لف� � ��ظ اليد كذل� � ��ك ال ميكنك أن جتعل‬ ‫االستعارة فيه من صفة اللفظ‪ .‬أال ترى أنه ُمحال‬ ‫أن تق� � ��ول‪ :‬إنه اس� � ��تعار لفظ اليد للش� � ��مال؟»‪.‬أما‬ ‫وجها التش� � ��بيه فليسا س� � ��واء في رأي عبدالقاهر‬ ‫الذي يكرر في كل مناس� � ��بة تفضيله للوجه الثاني‪.‬‬ ‫ويرى أن االس� � ��تعارة تأتي بأشكال ثالثة‪ :‬األول أن‬ ‫يُرى معنى الكلمة املس� � ��تعارة موجو ًدا في املستعار‬ ‫له من حيث عموم جنس� � ��ه على احلقيقة‪ ،‬والثاني‬ ‫أن يكون الش� � ��به مأخو ًذا من صفة موجودة في كل‬ ‫واحد من املستعار واملس� � ��تعار منه على احلقيقة‪.‬‬ ‫وأما الثالث‪ ،‬فهو ما يسميه الصميم اخلالص من‬ ‫االستعارة‪ ،‬فهو أن يكون الشبه مأخوذا من الصور‬ ‫العقلية‪ ،‬وذلك إما بأخذه من األش� � ��ياء املش� � ��اهدة‬

‫‪23‬‬

‫‪sep 20-24 copy.indd 23‬‬


‫باحل� � ��واس على اجلمل� � ��ة للمعان� � ��ي املعقولة‪ ،‬وإما‬ ‫بأخذه من األشياء احملسوسة ملثلها‪ ،‬إال أن الشبه‬ ‫مع ذلك عقلي‪ ،‬أو يأخذه من املعقول للمعقول‪.‬‬

‫في السياق‬

‫ولع� � ��ل من أب� � ��رز مالمح نظري� � ��ة عبدالقاهر‬ ‫اجتاه� � ��ه إلى حتديد الفوارق الدقيقة بني الصيغ‬ ‫البالغية املختلفة على أس� � ��اس طبيعة العالقات‬ ‫ب� �ي��ن عناصرها وما ُقصد إلي� � ��ه من صياغتها‪ ،‬ال‬ ‫على أس� � ��اس الصيغة اللغوي� � ��ة التي تتخذها‪ .‬من‬ ‫هنا يرى أن االس� � ��تعارة تُس� � ��قِ ط ذكر املش ّبه‪ ،‬ألن‬ ‫القصد هو إخراج وجه الش� � ��به بني املستعار منه‬ ‫واملس� � ��تعار له مخرج � � �اً ما ال يحت� � ��اج إلى إثبات‬ ‫وتقرير مثل «رأيت أس� � ��دا»‪ ،‬فاالس� � ��تعارة تنطوي‬ ‫على إثبات فرط الش� � ��جاعة حتى تجُ عل كالشيء‪،‬‬ ‫الذي يجب ل� � ��ه الثبوت واحلصول‪ ،‬وكاألمر الذي‬ ‫نُصب ل� � ��ه دليل يقطع بوجوده‪ .‬أما في التش� � ��بيه‬ ‫ترجح بني أن‬ ‫فإثبات الشجاعة إثبات الش� � ��يء‪ ،‬يُ َّ‬ ‫يك� � ��ون وبني أن ال يكون‪ ،‬وليس إثبات الش� � ��جاعة‬ ‫من حديث الوجوب بش� � ��يء‪ ،‬فه� � ��و يحتاج إلى أن‬ ‫يعمل في إثبات املش� � ��به به وتزجيته فتُجري اسم‬ ‫املشبه به صراحة على املشبه كقولك «زيد أسد»‬ ‫و«زيد هو األس� � ��د»‪ .‬وهنا يؤك� � ��د عبدالقاهر أمراً‬ ‫مهماً وهو أن التش� � ��بيه ال يكفي أن يُس� � � ّ‬ ‫�تدل عليه‬ ‫ب � � �ـ «ال� � ��كاف» و«مثل» وغيرهم� � ��ا‪ ،‬إذ املوضوع من‬ ‫حيث الصورة هو ما يوجب قصد التشبيه‪ .‬لذلك‬ ‫فقولن� � ��ا «زيد هو األس� � ��د» ليس اس� � ��تعارة وإن لم‬ ‫تُستخدم فيه أداة التشبيه‪ ،‬ألن القياس يقتضي‪،‬‬ ‫من حيث عدم إثبات الش� � ��جاعة على نحو قاطع‪،‬‬ ‫أن يُس� � ��مى ذلك تش� � ��بيها على ح� � � ّ�د املبالغة‪ .‬وال‬ ‫يكتف� � ��ي عبدالقاهر بتحدي� � ��د طبيعة العالقة بني‬ ‫املس� � ��تعار واملستعار له لتعريف االستعارة‪ ،‬فيؤكد‬ ‫أن ما ّ‬ ‫يدل عليها هو الس� � ��ياق الذي ترد فيه‪ ،‬وهو‬ ‫ما يكسبها هو ّيتها بوصفها صورة مجازية‪ .‬فكيف‬ ‫يُعرف أن املقصود بـ «رأيت أس� � ��دا» هو املجاز ما‬ ‫لم يكن الس� � ��ياق مما ّ‬ ‫يدل عل� � ��ى أن املقصود هو‬ ‫رجل شجاع وليس احليوان املعروف بهذا االسم؟‬ ‫من هنا فإن االس� � ��تعارة ال تحُ ّدد من حيث كونها‬ ‫ص� � ��ورة منفردة ومنقطع� � ��ة عما حوله� � ��ا‪ ،‬فيكون‬ ‫ارتباطها بالسياق الذي ترد فيه «بدليل احلال أو‬

‫‪24‬‬

‫‪8/18/14 10:25:05 AM‬‬

‫إفصاح املقال بعد الس� � ��ؤال أو بفحوى الكالم وما‬ ‫يتلوه من أوصاف»‪.‬‬ ‫لعل م������ن أبرز مالم������ح نظري������ة عبدالقاهر‬ ‫في االس������تعارة والتش������بيه أنها تنفي نفيا قاطعا‬ ‫«النظرة اإلبدالية» في االستعارة و«نظرة املقارنة»‬ ‫املرتبطة بها‪ ،‬اللتني سادتا الفكر النقدي الغربي‬ ‫حت������ى القرن العش������رين‪ ،‬وانطلقتا مم������ا جاء به‬ ‫أرسطو عن االس������تعارة‪ .‬وقد رفض عبدالقاهر‬ ‫أصال‪ ،‬تعريف أرسطو لالس������تعارة بأنها مسألة‬ ‫نقل لالس������م‪ .‬وتنطوي «النظ������رة اإلبدالية» على‬ ‫مفهوم مؤداه أن التعبير االس������تعاري يُس������تخدم‬ ‫م������كان تعبي������ر حرفي مع������ادل له‪ ،‬وت������رى «نظرة‬ ‫املقارن������ة» أن إعادة الصياغ������ة احلرفية للتعبير‬ ‫االستعاري هي عبارة تتضمن َش َب ًها ما‪ ،‬وبالتالي‬ ‫تَ ُع ّد كل استعارة تشبي ًها مك ّث ًفا أو مختزلاً ‪ .‬بينما‬ ‫ف ّرق عبدالقاهر بوضوح بني التشبيه واالستعارة‬ ‫حني وضع التش������بيه خارج ح������دود املجاز الذي‬ ‫وأكد أن ليس كل تش������بيه‬ ‫ع������ ّرف به االس������تعارة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ميكن حتويله إلى استعارة‪ .‬كما قال إن االستعارة‬ ‫ليس������ت معادلة للمعنى احلرف������ي الذي ميكن أن‬ ‫يُس������تنتج منها‪ ،‬وبالتالي فإنها تندرج في مستوى‬ ‫آخر من مس������تويات التعبير اللغوي غير املستوى‬ ‫العادي الذي يؤدي معاني ذهنية مج ّردة‪ ،‬وبذلك‬ ‫ينتفي كونه������ا مج ّرد حلية مضاف������ة على الكالم‬ ‫العادي لتزيينه‪ .‬ولعل أفضل مثال ساقه ليثبت أن‬ ‫العبارة املجازية ال ميكن استبدالها بعبارة حرفية‬ ‫معادلة لها حتمل معناها نفسه‪ ،‬جاء في معرض‬ ‫للمفس������ر الفضل‬ ‫إجابته عن التس������اؤل‪ :‬ل َم كان‬ ‫َّ‬ ‫واملفس������ر هنا هو العبارة‬ ‫واملزية على التفس������ير؟‬ ‫َّ‬ ‫املجازية التي تكون الداللة فيها داللة معنى على‬ ‫معنى‪ ،‬بينما التفسير هو العبارة الصريحة حيث‬ ‫الداللة داللة لفظ على معنى‪ .‬فمعنى اللفظ في‬ ‫قولهم هو «كثير رم������اد القِ در» غير معنى اللفظ‬ ‫في قولهم «هو كثير القِ رى»‪ .‬ولو لم يكن كذلك ل ْم‬ ‫يُتص ّور أن توجد داللة معنى على معنى‪ .‬وقد ث ّبت‬ ‫عبدالقاهر بتحليله هذا أم ًرا بالغ األهمية‪ ،‬وهو‬ ‫أن الش������عر إذا تض ّمن الصيغ املجازية خاصة‪ ،‬ال‬ ‫فس������ر بالعبارات احلرفية املختلفة في حقيقتها‬ ‫يُ ّ‬ ‫عن حقيقته‪ ،‬ألن صورة املعنى في الواحدة ليست‬ ‫صورة املعنى في األخرى >‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 20-24 copy.indd 24‬‬


‫قضايا عامة‬

‫في عالم يتظاهر بالعافية‬

‫ُ‬ ‫الصدق إلى الشفاء‬ ‫جمال االنكسار‪ ...‬من‬ ‫ِ‬ ‫د‪ .‬مالك نصر *‬ ‫هل اجلمال يحل مشكلة االنكسار الداخلي‪ ،‬بل االنكسار الذي نعيشه على مستويات كثيرة‬ ‫خارجية؟ وكيف يتقابل اجلمال مع االنكسار؟ أليس املفهوم الشائع والعام عن اجلمال أنه‬ ‫الكمال واإلتقان والتجانس واخللو من العيوب؟‬ ‫الواق� � ��ع يق� � ��ول‪ :‬إننا نعي� � ��ش في عالم‬ ‫ّ‬ ‫محطم مع أن� � ��اس محطمني‬ ‫مكس� � ��ور‬ ‫أو مكسورين‪ ،‬بل في داخلنا‪ ،‬جميعنا‪،‬‬ ‫مناط� � ��ق لالنكس� � ��ار‪ ،‬أح� �ل��ام مكس� � ��ورة‪ ،‬نفوس‬ ‫مكس� � ��ورة‪ ،‬قل� � ��وب محطمة‪ ،‬عالقات مكس� � ��ورة‪،‬‬ ‫بل تقدير للذات مكس� � ��ور‪ ،‬فالقلب املكسور مث ً‬ ‫ال‬ ‫ميكن أن يعطلنا عن الدخول في عالقات مشبعة‬ ‫أصيلة قائمة على احلب‪.‬‬ ‫البد أن ن� � ��درك أن التعامل مع واقع االنكس� � ��ار‬ ‫يحت� � ��اج إلى طلب احلقيقة‪ ،‬والب� � ��د أن نعترف بأننا‬ ‫فقدنا أش� � ��ياء وفقدن� � ��ا التوازن‪ ،‬وفقدنا الس� �ل��امة‬ ‫الكامل� � ��ة‪ ،‬فنحن نلهث من عالق� � ��ة إلى أخرى‪ ،‬ومن‬ ‫ترفي� � ��ه إلى ترفيه‪ ،‬ومن ه� � ��دف إلى هدف ودون أن‬ ‫نسمح ألنفسنا بوقت للراحة والتقاط األنفاس‪ ،‬كي‬ ‫نتساءل‪ :‬أين الشفاء من االنكسار داخلنا وخارجنا؟‬

‫من صورة املكسورة‪ ..‬إلى الصورة اجلميلة‬

‫إن تقدير الذات املكس� � ��ور ميكنه إيقافنا عن‬

‫متثل شخصية إيجابية ومنتجة‪ ،‬والروح احملطمة‬ ‫جتد صعوبة شديدة في الشعور بالفرح احلقيقي‪.‬‬ ‫كما أن التركيز على ه� � ��ذه الذات بقبحها – كما‬ ‫أتخيلها لنفس� � ��ي أو كما أراها ف� � ��ي عيون وردود‬ ‫أفع� � ��ال اآلخري� � ��ن ‪ -‬يجعلني أس� � ��تمر ف� � ��ي حياة‬ ‫محطمة‪ ،‬مليئة باإلحباط والوحدة واالنكسار‪.‬‬ ‫لك� � ��ن دعونا نتأمل كوب � � �اً زجاجياً وقد حتطم‬ ‫إلى قطع صغيرة وشظايا‪ ...‬ببساطة سنلقيه في‬ ‫س� � ��لة املهمالت‪ ،‬بعد أن جنمع ش� � ��ظاياه ‪ ...‬لكن‬ ‫هناك من يأخذ تلك القطع املكسورة والشظايا‪،‬‬ ‫ويجمعها ويضمها معاً بطريقة ال جتعلها تنكسر‬ ‫م� � ��رة أخرى‪ ...‬فقط نحتاج إلى أن نس� � ��مح لتلك‬ ‫الش� � ��ظايا أن تدخل أفران األلم من جديد‪ ،‬فيعاد‬ ‫تذويبها وتتحول إلى س� � ��ائل منصهر بلوري يعاد‬ ‫صبه في أي ش� � ��كل فني جديد وصورة إنس� � ��انية‬ ‫جديدة جميلة‪ .‬وما التجربة اإلنس� � ��انية مع األلم‬ ‫ولكن بوعي وتفاعل ‪ -‬س� � ��وى أفران األلم التي‬‫تعي� � ��د صياغتنا من جديد‪ ،‬وق� � ��د ظننا كل الظن‬

‫* كاتب وأكادميي من مصر‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪8/18/14 10:25:19 AM‬‬

‫‪sep 25-29.indd 25‬‬


‫أننا حتطمنا إلى األبد‪ .‬لذلك‪ ،‬يقول جبران خليل‬ ‫جبران‪« :‬اجلم� � ��ال هو أُلفة بني احلزن والفرح‪...‬‬ ‫ه� � ��و قوة تبتدئ في قدس أق� � ��داس ذاتك وتنتهي‬ ‫ف� � ��ي م� � ��ا وراء تخ ُّيالت� � ��ك ‪ ...‬إن اجلمال نصيب‬ ‫املتأملني»‪.‬‬ ‫لذل� � ��ك يكت� � ��ب باتري� � ��ك ليندر ه� � ��ذه اخلبرة‬ ‫الش� � ��خصية مع اجلمال واالنكس� � ��ار‪ ،‬فيقول‪« :‬لم‬ ‫أكن أفه��� � ��م أن اجلم� � ��ال ينمو بالتحديد بس� � ��بب‬ ‫الكسور والتشققات التي جن ّربها‪ ...‬حياتك التي‬ ‫بيكاسو‪ :‬غير مكسور لكنه متشقّق‪،‬‬ ‫تل ّونها تش� � ��به‬ ‫ّ‬ ‫يُنظر ل� � ��ه بطرق مختلفة بنا ًء عل� � ��ى الزاوية التي‬ ‫نختارها‪ ،‬يبدو مرب ًكا في البداية‪ ،‬ثم جميلاً كلّما‬ ‫بدأنا بتق ّبل فشل الوحدة التي تش ّكله وتبنيه»‪.‬‬

‫اجلمال رغم االنكسار!‬

‫للباحث� � ��ة الفلس� � ��فية والكاتب� � ��ة س� � ��ي‪ .‬جوي‬ ‫ب� � ��ل (‪ )C.Joy Bell‬مقول� � ��ة غني� � ��ة باملعنى‪ ،‬تقول‪:‬‬ ‫«الروح املكس� � ��ورة ليس� � ��ت غيابا للجمال‪ ،‬بل هي‬ ‫روح مجروح� � ��ة ممزق� � ��ة‪ ،‬تعاف الرائح� � ��ة الذكية‬ ‫داخلها»‪.‬‬ ‫لذل� � ��ك‪ ،‬نعتبر أنه م� � ��ن املفارقات الكبرى في‬ ‫احلي� � ��اة‪ ،‬مفارقة «االنكس� � ��ار»‪ ،‬ألنه من خالل كل‬ ‫جتربة انكس� � ��ار‪ ،‬هناك بداية جدي� � ��دة مختلفة‪،‬‬ ‫وجم� � ��ال احلياة يكم� � ��ن في أنها متنحن� � ��ا فرصاً‬ ‫جديدة‪ ،‬وفي كل يوم يستطيع االنكسار أن يتحول‬ ‫إل� � ��ى نوع ما من املعنى واجلم� � ��ال‪ ،‬ولكن من دون‬ ‫خلوه من استس� �ل��ام بسيط‪ .‬فنحن البشر عندما‬ ‫ننكس� � ��ر أو نكون مكسورين‪ ،‬نكون –ويا للغرابة–‬ ‫أمن� � ��اء وحقيقيني‪ ،‬ب� � ��ل وطيع� �ي��ن‪ ،‬وعندما نكون‬ ‫كذلك‪ ،‬نصب� � ��ح في متناول اليد‪ ،‬وميكن التواصل‬ ‫معنا والتغيير فينا‪.‬‬ ‫إن االنكس� � ��ار النفسي أو االجتماعي أو حتى‬ ‫السياس� � ��ي ميكن أن يكون ش� � ��يئاً جمي ً‬ ‫ال‪ ،‬عندما‬ ‫ننظ� � ��ر إليه بعد أن و ّلى‪ ،‬وكأنه كان بداية لش� � ��يء‬ ‫معجزي باحلقيقة‪ ،‬عندما كانت قوى كثيرة حولنا‬ ‫ومن اآلخرين هي مصادر دعمنا ومتضامنة معنا‬ ‫فوق صخ� � ��رة ضعفنا العمي� � ��ق‪ ،‬إن نضجنا يف ّعل‬ ‫بشكل ليس له مثيل من خالل قبولنا بانكسارنا‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬فالكثير من البرامج العالجية النفسية‬

‫‪26‬‬

‫‪8/18/14 10:25:23 AM‬‬

‫لإلدمان أو غيره توصلت إلى احلقيقة القائلة إن‬ ‫في االنكس� � ��ار ثمة قوة مختلف� � ��ة‪ ،‬رمبا واحد من‬ ‫األسباب إمكان حتول الضعف إلى قوة هي أمان‬ ‫االشتراك في الهم والضعف والوجع أنفسها مع‬ ‫اآلخرين‪ ،‬إلى جانب املش� � ��اركة الوجدانية بالطبع‬ ‫والرعاية الداعمة في تلك البرامج العالجية‪.‬‬ ‫وعند الفيلسوف شوبنهور يأتي علم اجلمال‬ ‫ليك� � ��ون وس� � ��يلة من وس� � ��ائل محارب� � ��ة ومقاومة‬ ‫املعاناة‪.‬‬

‫سمو اجلمال‪ ...‬سمو الضعف‬

‫للضعف اإلنس� � ��اني س� � ��مو‪ ،‬ليس على سبيل‬ ‫األخطاء األخالقية‪ ،‬بل على س� � ��بيل احملدودية‪،‬‬ ‫ألن ضعفنا محدوديتن� � ��ا وعجزنا أمام قوى أكبر‬ ‫منا‪ ،‬كلها تقول إننا بش� � ��ر حقيقيون ولسنا أبطاال‬ ‫خارق� �ي��ن ‪ ...‬تلك الطبيعية ه� � ��ي اجلمال بعينه‪،‬‬ ‫وتلك الواقعية هي التناسق واالتساق بني طبيعتنا‬ ‫وبني الواقع‪ ،‬بني بشريتنا والعالم‪.‬‬ ‫فف� � ��ي حاالت اكتئابن� � ��ا (االكتئاب في بعض‬ ‫تعريفاته هو اإلحساس باإلحباط والعجز وعدم‬ ‫القدرة عل� � ��ى التأثير)‪ ،‬وفي ح� � ��االت قلقنا لعدم‬ ‫الق� � ��درة على الس� � ��يطرة على بع� � ��ض األمور في‬ ‫حياتنا‪ ،‬وفي خضم إعيائنا وتداعينا‪ ،‬جند األمل‬ ‫فقط من خالل تسليمنا واستسالم كل مشاعرنا‬ ‫– بأمان� � ��ة وإصرار ‪ -‬ألنه عندم� � ��ا ال يكون لدينا‬ ‫املزيد كي نفقده‪ ،‬يك� � ��ون لدينا الكثير جداً الذي‬ ‫نحصده‪.‬وروي� � ��دا رويدا وبع� � ��د بداية جديدة في‬ ‫البيت أو العم� � ��ل أو العالقات أو حتى االنضمام‬ ‫إل� � ��ى أي خدم� � ��ة اجتماعية لتخفيف االنكس� � ��ار‬ ‫واأللم لدى اآلخرين‪ ،‬سنش� � ��عر باملزيد من األمل‬ ‫والن� � ��ور يلمع داخل نفوس� � ��نا‪ ،‬وفي حياتنا‪ -‬فقط‬ ‫إن اعترفن� � ��ا بالضعف ‪ -‬فإن ذلك س� � ��يؤدي إلى‬ ‫القوة‪ .‬علين� � ��ا أن نعرف أن الطريق إلى القوة هو‬ ‫م� � ��ن خالل بوابات الضعف ش� � ��ديدة اللمعان إلى‬ ‫حد عدم الرؤية‪.‬‬

‫جمال املكسور‪ ...‬في عيون احملبوب‬

‫ننتقل من جمال ذات اإلنسان رغم االنكسار‪،‬‬ ‫إل� � ��ى جمالها في نظر احملبوب ال� � ��ذي يرى فيها‬ ‫اجلمال رغم انكسارها‪ .‬من املعروف أن اجلمال‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 25-29.indd 26‬‬


‫عند أفالطون يرتبط باحل� � ��ق واخلير‪ .‬وهنا‪ ،‬إن‬ ‫كان احلبي� � ��ب ه� � ��و احلقيقة بالنس� � ��بة لي واحلق‬ ‫ال� � ��ذي أفهم� � ��ه‪ ،‬وإن كان ه� � ��و اخلي� � ��ر ل� � ��ي‪ ،‬فأنا‬ ‫أس� � ��تطيع أن أراه جميال بالرغم من انكس� � ��ارات‬ ‫كثي� � ��رة داخل� � ��ه‪ .‬فاحلب عن� � ��د أفالط� � ��ون ليس‬ ‫عاطف� � ��ة عمياء‪ ،‬لكنه يجعل اإلنس� � ��ان يرى ما ال‬ ‫يراه اآلخرون‪ ،‬مبعنى أن اإلنس� � ��ان يس� � ��عى لرؤية‬ ‫الط� � ��رف اآلخر ومينحه الفرصة باحلب والقبول‬ ‫غير املشروط‪ ،‬ألن يحقق إمكانيته الكامنة‪ .‬أيضا‬ ‫احلب عند أفالطون يحمل ش� � ��وقا عقليا شديدا‬ ‫إل� � ��ى املثل‪ ،‬حيث إن العش� � ��ق أو «إي� � ��روس» ‪Eros‬‬ ‫احلقيقي متجه دائم� � ��ا إلى «اللوجوس» أو العقل‬ ‫جمال االنكسار‪ ..‬من الصدق إلى الشفاء‬

‫‪8/18/14 10:25:28 AM‬‬

‫الذي يعني الصدق واحلقيقة‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فاحلب‬ ‫هو ح� � ��ب الصدق واحلقيقة في اآلخر‪ ،‬ومن دون‬ ‫زي� � ��ف ومن دون جتمل‪ ،‬فق� � ��ط اجلمال احلقيقي‬ ‫بكل انكس� � ��ارات النف� � ��س‪ ،‬فجمالها احلقيقي في‬ ‫طبيعيتها وصدقها من دون تكلف أو أقنعة‪.‬‬

‫اجلمال‪ ...‬هوس احلب بني الشكل واملضمون‬

‫أيض� � ��ا العالقة بني اجلمال ف� � ��ي النفس‪ ،‬لها‬ ‫التأثي� � ��ر املباش� � ��ر على اجلمال ف� � ��ي العالم‪ .‬فإن‬ ‫كان اجلمال مرتبطا باملظهر احملس� � ��وس‪ ،‬إال أن‬ ‫سقراط ال يرى في هذا املظهر احملسوس جماالً‬ ‫إال في التعبير عن اجلمال الداخلي للنفس‪ ،‬فقد‬

‫‪27‬‬

‫‪sep 25-29.indd 27‬‬


‫كان س� � ��قراط يعلًم براس� � ��يوس املصور‪ ،‬وكليتون‬ ‫امل ّث� � ��ال الطريق� � ��ة التي بها يتمث� �ل��ان أروع ما في‬ ‫النم� � ��وذج من جم� � ��ال‪ ،‬حني ينق� �ل��ان باإلمياءات‬ ‫احملسوسة اجلمال احلق للنفس‪ .‬ويتبدى ارتباط‬ ‫الفن باحلياة على نح� � ��و أكثر قوة لدى أفالطون‬ ‫ال� � ��ذي طور الش� � ��عور الداخلي باجلم� � ��ال‪ ،‬وجعل‬ ‫منه وس� � ��يلة لبلوغ احلقيقة العليا‪ ،‬بل هو «هوس‬ ‫احلب» الذي يحدث عند رؤية اجلمال األرضي‪،‬‬ ‫فيذكر من يراه باجلمال احلقيقي‪.‬‬ ‫لكن مع األس� � ��ف الش� � ��ديد‪ ،‬أصبح لدينا في‬ ‫زمننا هذا ما يسمى‪« ،‬اغتراب الوعي اجلمالي»‪،‬‬ ‫وه� � ��و مصطل� � ��ح للفيلس� � ��وف جادام� � ��ر قصد به‬ ‫النقد الش� � ��ديد للفلس� � ��فة التي فصلت اجلس� � ��د‬ ‫(اجلمال الظاهري) عن الروح والنفس (اجلمال‬ ‫الداخلي)‪ ،‬وبالتالي فص� � ��ل اجلمال عن القيم أو‬ ‫البع� � ��د اإلنس� � ��اني األصيل‪ ،‬وفص� � ��ل اجلمال عن‬ ‫احلق واخلي� � ��ر‪ .‬فاالغت� � ��راب في أساس� � ��ه يقوم‬ ‫عل� � ��ى «االنفص� � ��ال» بوجه عام‪ :‬انفص� � ��ال الذات‬ ‫عن املوض� � ��وع‪ ،‬انفصال األنا ع� � ��ن اآلخر‪ ،‬الفرد‬ ‫ع� � ��ن املجتمع‪ ،‬الف� � ��ن ع� � ��ن احلياة‪.‬ويفترض هذا‬ ‫«االنفصال» وجود مس� � ��افة بني ال� � ��ذات املغتربة‬ ‫وموضوع االغتراب‪ ،‬وقد تكون هذه املسافة زمنية‬ ‫أو مكانية‪ .‬ولهذا االغتراب اجلمالي نتائج وخيمة‬ ‫على مس� � ��توى التطبيق أو الواقع الذي نعيش� � ��ه‪،‬‬ ‫حي� � ��ث صرنا بفعل التطبيق� � ��ات الثقافية والفنية‬ ‫أكث� � ��ر تفصيال في مس� � ��ألة اجلمال‪ .‬فقد صرنا‬ ‫نعاني حالة من االغتراب التي تعتري الوعي إزاء‬ ‫أنفسنا أو إزاء األعمال الفنية املعاصرة‪ ،‬حيث مت‬ ‫استبعاد الفن من مجال احلقيقة وتقليص املجال‬ ‫اجلمال� � ��ي‪ ،‬لكي يصبح حق� �ل � ً‬ ‫ا للمظهر اجلمالي‬ ‫ً‬ ‫اخلالص‪ ،‬فالفن باعتباره يقول ش� � ��يئا ما ألناس‬ ‫يعيشون في ظرف تاريخي معني‪ ،‬لم يعد له الدور‬ ‫التاريخي نفسه الذي كان لفن املاضي‪ ،‬حيث كان‬ ‫األخير مرتبطاً باألخالق والدين وأشكال احلياة‬ ‫االجتماعية األخرى‪.‬‬ ‫ه� � ��ذه الفك� � ��رة املهمة عن اجلم� � ��ال احلقيقي‬ ‫الذي ينبغي أن يكون‪ ،‬جندها لدى دراس� � ��ة ماهر‬ ‫عبداحملس� � ��ن‪« :‬جادامر مفهوم الوعي اجلمالي»‪.‬‬ ‫في ه� � ��ذه الفكرة املهمة لدى جادامر‪ ،‬جند – مع‬ ‫األس� � ��ف الشديد‪ -‬أن الوعي اجلمالي قد استقل‬

‫‪28‬‬

‫‪8/18/14 10:25:33 AM‬‬

‫بذاته في حياتنا‪ ،‬فأصب� � ��ح اجلميل متركزاً على‬ ‫مقولة الشكل اجلمالي‪ .‬وبالتالي‪ ،‬صارت حياتنا‬ ‫متعلقة فقط بجمال الوجه واجلسد والشكليات‪،‬‬ ‫أكثر بكثير من ارتباط هذا اجلمال بقيمتي احلق‬ ‫واخلير‪ .‬فصرنا نبحث عن اجلمال الشكلي بأي‬ ‫ثمن‪ ،‬وإن حتق� � ��ق‪ ،‬فليس من امله� � ��م إن كان هذا‬ ‫اجلمال حقيقي� � ��ا أو مصطنعا أو إن كان مرتبطا‬ ‫بقيمة وخير ونور لآلخرين‪ ،‬أو مجرد استعراض‬ ‫أمام اآلخرين!‬ ‫ب� � ��ل حتى الفن ف� � ��ي حياتنا فق� � ��د حتول إلى‬ ‫مج� � ��رد ش� � ��كالنية في عص� � ��ر ما بع� � ��د احلداثة‬ ‫واغت� � ��راب فني جمالي‪ ،‬م� � ��ن دون أن يحمل هذا‬ ‫الفن مضمون� � ��ا مرتبطا باحلقيقة واحلق واخلير‬ ‫والتنوير‪ .‬فاالغتراب عن الفن عند جادامر صار‬ ‫في انفص� � ��ال الفن املعاصر ع� � ��ن ظواهر احلياة‬ ‫اإلنس� � ��انية‪ ،‬وهو االنفصال الذي لم يكن موجوداً‬ ‫في فن اليونان القدمي‪ ،‬وتسببت في حدوثه القراءة‬ ‫اخلاطئة جلمالي� � ��ات كانط القائمة على «الذوق»‬ ‫ف� � ��ي العصر احلديث‪ .‬بينما األمر يحتاج منا إلى‬ ‫أن نحتف� � ��ل باجلمال الذي يحتف� � ��ل باحلياة على‬ ‫حقيقتها وطبيعتها حت� � ��ى وإن كانت فيها مالمح‬ ‫أمس‬ ‫انكس� � ��ار وع� � ��دم الكمال‪.‬فنحن صرن� � ��ا في ِّ‬ ‫احلاجة إلعادة تش� � ��كيل وعين� � ��ا اجلمالي ليصبح‬ ‫وعياً بش� � ��يء نألفه‪ ،‬حقيقي � � �اً وليس وعياً مجرداً‬ ‫خالصاً منعزالً عن عاملنا‪ .‬وبالتالي‪ ،‬نتس� � ��اءل مع‬ ‫جادام� � ��ر‪ :‬هل ميكن أن نحص� � ��ر موضوع الوعي‬ ‫اجلمال� � ��ي في إط� � ��ار مفهوم اجلمي� � ��ل في الفن؟‬ ‫وهل مفهوم اجلميل في الفن – كموضوع للوعي‬ ‫اجلمالي –يكون منعزالً عن حياتنا الواقعية بكل‬ ‫جتلياته� � ��ا االجتماعية والديني� � ��ة واألخالقية ‪...‬‬ ‫إلخ؟‬ ‫ب� � ��ل إن اجلمال في الف� � ��ن مدعو لكي يدعونا‬ ‫إل� � ��ى معاجلة االنكس� � ��ار ال� � ��ذي فينا‪ ،‬أي� � ��ا كانت‬ ‫نوعي� � ��ة معانات� � ��ه‪ .‬لذلك فإن الباحث الفلس� � ��في‬ ‫مارك جيمينيز يقول ش� � ��ارحا شوبنهور في كتابه‬ ‫«ما اجلمالي� � ��ة» مبا أن احلياة هوة من الش� � ��قاء‬ ‫والعذاب‪ ،‬فهل يجلب تأمل املثل‪ ،‬بواس� � ��طة الفن‪،‬‬ ‫دواء وعزاء عن ش� � ��رور الوجود؟ نعم‪ ...‬إنه عزاء‬ ‫مؤقت‪ ،‬بالطبع‪ ،‬إال أنه كاف لكي ميدنا مبتعة أكبر‬ ‫بكثير من املتعة اجلمالية البس� � ��يطة‪ ،‬التذاذ يعلو‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 25-29.indd 28‬‬


‫اآلالم والرغبات‪ ،‬ومصلحتنا ‪ -‬لوقت ‪ -‬مع ماهية‬ ‫العالم‪ ،‬ومع اإلرادة يعتقد ش� � ��وبنهور أن الفن هو‬ ‫انعتاق وحلظة س� � ��كينة‪ ،‬وهو جتاوز لإلرادة نحو‬ ‫الرؤيا‪ ،‬وجتاوز للرغبة نحو التأمل‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬فاجلمال في الفن احلقيقي الذي يحمل‬ ‫على جناحي� � ��ه االثنني اخلير واحل� � ��ق‪ ،‬هو دعوة‬ ‫مفتوحة لنا جميعا أن نتعامل مع انكساراتنا –أيا‬ ‫كانت معاناتها‪-‬بكل الص� � ��دق والقبول والتغيير‪.‬‬ ‫فالفن نفس� � ��ه مبا فيه من جم� � ��ال مرتبط باحلق‬ ‫واخلي� � ��ر‪ ،‬ال ميث� � ��ل اجلم� � ��ال الطبيعي املكس� � ��ور‬ ‫أحيانا‪ ،‬بل هو يكرس إلرادة هذا اجلمال‪ ...‬نعم‪،‬‬ ‫فللجمال إرادة أو قدرة على التحفيز نحو اخلير‬ ‫واحلق والص� � ��دق غير عادية‪ .‬لذلك‪ ،‬ليس غريبا‬ ‫أن شوبنهور يطرح فكرة اجلمال في الفن‪ ،‬حيث‬ ‫يبعث ه� � ��ذا الفن اإلرادة من جدي� � ��د‪ .‬فهو يقول‪:‬‬ ‫«لو استطاع اإلنسان ‪ -‬مدفوعاً بقوة العقل ‪ -‬أن‬ ‫يطلق الطريق املألوف في رؤية األشياء… لو توقف‬ ‫عن اعتبار ما في األش� � ��ياء من متى وأين وملاذا‪،‬‬ ‫وتطلّع إليها ببس� � ��اطة كما هي فقط‪ ،‬لو حال بني‬ ‫فكره املجرد وفكر التصورات‪ ،‬وبني متلُّكه لوعيه‬ ‫وأعط� � ��ى بدي ً‬ ‫ال عنه كل طاق� � ��ة العقل ملا فيه من‬ ‫إدراك واس� � ��تغرق ذاته بكامله� � ��ا في ذلك‪ ،‬فترك‬ ‫وعي� � ��ه في تأمل هادئ للموض� � ��وع املتمثل أمامه‪،‬‬ ‫منظراً كان أو ش� � ��جرة أو جب� �ل � ً‬ ‫ا أو بناية‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫فل� � ��و كان له ذلك‪ ،‬ألدرك اإلنس� � ��ان فكرة الصورة‬ ‫السرمدية‪ ،‬والتمثل املباشر لإلرادة في درجة ما‪،‬‬ ‫وفي إدراك كهذا يتخلص اإلنسان من كل فردية‪،‬‬ ‫‪ ...‬فيغدو ذاتاً م� � ��ن املعرفة اخلالصة وأعلى من‬ ‫اإلرادة واألل� � ��م والزم� � ��ن‪ .‬نع� � ��م‪ ،‬ألن جمال بعض‬ ‫األشياء يقوم أحيانا على أن حقيقة الفكرة‪ ،‬التي‬ ‫نتقرب فيها لألش� � ��ياء تلك‪ ،‬تكون جتسيدا عاليا‬ ‫ل� �ل��إرادة‪ ،‬وتك� � ��ون بالتالي كثي� � ��رة األهمية وقوية‬ ‫التعبير‪.‬‬

‫اجلمال الشافي من االنكسار‬

‫هن� � ��اك قص� � ��ة إنس� � ��انية لكتاب حق� � ��ق أعلى‬ ‫املبيعات‪ ،‬يحم� � ��ل صورا ذاتي� � ��ة طبيعية حقيقية‬ ‫صادقة ملشاهد فتاة مكسورة من الداخل‪ .‬الكتاب‬ ‫اس� � ��مه «‪ »God is at Eye Level‬للمؤلف� � ��ة ج� � ��ان‬ ‫فيليب� � ��س‪ ،‬والعنوان الفرعي للكت� � ��اب‪« :‬التصوير‬ ‫جمال االنكسار‪ ..‬من الصدق إلى الشفاء‬

‫‪8/18/14 10:25:36 AM‬‬

‫كفن شاف» (‪.)Photography as a Healing Art‬‬ ‫تقول ف� � ��ي مقدمته‪« :‬صنع ه� � ��ذا األلبوم للصور‬ ‫كان مبنزلة شعائر شفاء من البداية إلى النهاية‪،‬‬ ‫ومبج� � ��رد لصقي لكل صورة داخ� � ��ل هذا األلبوم‬ ‫ف� � ��ي مكانها‪ ،‬كنت أملس قوته� � ��ا وقدرتها على أن‬ ‫تكون صوتاً لصمتي وأن تكون إشعاالً للضوء في‬ ‫ظالمي»‪.‬‬ ‫تب� � ��دأ قصة االنكس� � ��ار ثم اجلم� � ��ال‪ -‬جمال‬ ‫التصوير الت� � ��ي قامت به في كتابها‪ -‬بالعودة إلى‬ ‫ع� � ��ام ‪ 1967‬عندما كانت في عم� � ��ر الـ ‪ 18‬عاماً‪،‬‬ ‫وقد ق� � ��ررت االنضمام إلى دير كاثوليكي‪ ،‬ولكنها‬ ‫وجدت نفس� � ��ها مطرودة منه لنق� � ��ص في تد ُّينها‬ ‫كم� � ��ا أخبروها! فج� � ��اء إليها والده� � ��ا ليأخذها‬ ‫من الدير‪ ،‬ولم يكن مس� � ��موحاً له� � ��ا حتى بتوديع‬ ‫أخواتها بالدير‪ ،‬أو أن تتواصل معهن في ما بعد‪.‬‬ ‫وبعد مرور تس� � ��عة أشهر من تركها أو طردها من‬ ‫الدي� � ��ر‪ ،‬تذكرت ج� � ��ان أن عيد مي� �ل��اد صديقتها‬ ‫الوحيدة لويز في الدير س� � ��يحني قريبا‪ .‬لكنها لم‬ ‫تس� � ��تطع أن تكتب رس� � ��الة أو بطاقة معايدة لها‪،‬‬ ‫لكن ميكنها فقط إرسال هدية إليها‪ ،‬ولكن كيف‬ ‫تقدم إليها هدية شخصية دون التعرض للرقابة‬ ‫الشديدة من مسؤولي الدير؟ هنا‪ ،‬قررت جان أن‬ ‫تصنع ألبوم صور مصحوبا بأش� � ��عار دينية كانتا‬ ‫يتش� � ��اركان فيها‪ ،‬كما اس� � ��تخدمت كاميرا كوداك‬ ‫اللتق� � ��اط الص� � ��ور الت� � ��ي تع ّب� � ��ر – كبدائل – عن‬ ‫كلمات كثيرة لم تستطع كتابتها في ألبوم الصور‪.‬‬ ‫لقد كانت كل صورة مبنزلة شفرة سرية أو رسالة‬ ‫مشفرة حول مشاعرها إلى صديقتها لويز‪ ،‬فقد‬ ‫كانت الصور إشعارات مرئية‪ ،‬كما كانت عالقات‬ ‫تش� � ��ير إلى انفعاالت جان ومش� � ��اعرها وروحها‬ ‫املكس� � ��ورة بس� � ��بب اإلحس� � ��اس العال� � ��ي داخلها‬ ‫بالرفض من اآلخرين‪ .‬وعندما وصل ألبوم صور‬ ‫جان إلى مكتب رئيس� � ��ة الدير‪ ،‬تس � � �لّم لويز ألبوم‬ ‫الصور‪ .‬وس� � ��رعان ما حتول هذا األلبوم إلى ك ّم‬ ‫الصدق في التعبير عن انكس� � ��ارات صاحبته إلى‬ ‫كتاب حقق أعل� � ��ى املبيعات‪ .‬واآلن أصبحت جان‬ ‫فيليبس من الشهيرات في عالم تدريب التطوير‬ ‫الذاتي‪ ،‬وتؤكد في كل محاضراتها أنها ش� � ��فيت‬ ‫من انكس� � ��ارها من خالل كتابها هذا الذي يحمل‬ ‫جمال الطبيعة وجمال نفسها املكسورة >‬

‫‪29‬‬

‫‪sep 25-29.indd 29‬‬


‫قضايا أدبية‬

‫هل استلهم أدونيس كتاب‬ ‫الناقد خليفة محمد الت ّليسي؟‬

‫أو ملاذا ال يقر أدونيس‬ ‫بجهد اآلخرين؟‬ ‫محمد الغزي *‬

‫أصدر أدونيس قبل أشهر كتابا في أربعة أجزاء عنوانه «ديوان البيت الواحد» جمع فيه أبياتا‬ ‫مفردة انتخبها من مدونة الش ��عر العربي القدمي وأجراها مجرى القصائد‪ /‬الومضة التي‬ ‫يصف ��و فيه ��ا اإليجاز‪ ،‬وفق عبارت ��ه‪ ،‬وتتكثف حكمة البداهة وبداه ��ة احلكمة‪ ...‬فالغاية من‬ ‫هذا العمل‪ ،‬كما كتب أدونيس‪ ،‬تتمثل في متكني القارئ العربي الذي يحب السفر في اجتاه‬ ‫الذاكرة والتاريخ واملاضي «من أن يسير خفيفا في دروب الفكر واملخيلة‪ ،‬حيث تتموج ينابيع‬ ‫شاهقة من اللذة والغبطة‪ ...‬غبطة الفكر ولذة احلس واملخيلة»‪.‬‬ ‫أورد أدوني������س أبياتا كثي������رة من نتاج‬ ‫ما ال يقل عن ‪ 290‬شاعرا ابتداء من‬ ‫اجلاهلية‪ ،‬وصوال إلى بضعة ش������عراء‬ ‫من نهاية القرن التاس������ع عشر إلى بداية القرن‬ ‫العشرين‪.‬‬

‫وهذا الكتاب‪ ،‬وإن بدا للبعض رائدا وجديدا‬ ‫وكبيرا «تدعمه ش������عرية رائ������دة مميزة وتخمر‬ ‫فكري عميق»‪ ...‬فإنه بدا لنا رجع صدى لكتاب‬ ‫آخر س������بق كتاب أدونيس بثالثني سنة‪ ،‬وتناول‬ ‫الفكرة نفسها واستخدم املصطلح نفسه ورمبا‬

‫* شاعر وأكادميي من تونس‬

‫‪30‬‬

‫‪8/18/14 10:26:00 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 30-34.indd 30‬‬


‫انتخ������ب عددا كـــبيرا من األبيات نفس������ها‪ ،‬وهو‬ ‫كتاب الش������اعر والناقد الليب������ي الكبير خليفـــة‬ ‫محمد التليس������ي املوس������وم بـ «قصيــــدة البـــــيت‬ ‫الواحد»‪ .‬وكتاب الشاعر الليبي ضم‪ ،‬هو أيضا‪،‬‬ ‫منتخب������ات من األبي������ات املفردة أطلـــ������ق عليها‬ ‫التليس������ي مصطل������ح «قصائد البي������ت الواحد»‬ ‫واصطفاها م������ن التراث» بعد غوص بكل معنى‬ ‫الغ������وص‪ ،‬وعناء ب������كل معني العن������اء‪ ،‬على حد‬ ‫عبارته‪ ...‬ورغم جمعه عدداً هائ ً‬ ‫ال من نصوص‬ ‫التراث في ألفي صفحة تقريبا‪ ,‬فإنه وعد قارئه‬ ‫بأنه سيواصل الغوص في أعماق التراث‪ ،‬باحثا‬ ‫عن هذه اجلواهر «ما امتدت به احلياة واتس������ع‬ ‫له اجلهد»‪.‬‬ ‫كتاب التليس������ي املوس������وم بـ «قصيدة البيت‬ ‫الواحد» صدر س������نة ‪ 1983‬عن سلس������لة كتاب‬ ‫الش������عب الليبية‪ ،‬ثم صدرت ل������ه طبعة ثانية عن‬ ‫دار الش������روق املصرية سنة ‪ ...1991‬وقد لفت‪،‬‬ ‫هل استلهم أدونيس كتاب الناقد خليفة محمد التلّيسي؟‬

‫‪8/18/14 10:26:03 AM‬‬

‫غداة صدوره‪ ،‬انتباه الكثير من الكتاب والنقاد‬ ‫الذين أش������ادوا به‪ ،‬وبالفكرة التي نهضت عليها‬ ‫مقدمته ووجه������ت منتخباته ومختاراته‪ ،‬والقائلة‬ ‫«إن األصل في الشعر القدمي هو البيت الواحد»‬ ‫وما س������واه فهو صناع������ة وابتعاد ع������ن البداهة‬ ‫والعفوي������ة‪ ...‬ومن بني هؤالء النقاد الذين قرأوا‬ ‫الكتاب قراءة متأملة نذكر رجاء النقاش وغادة‬ ‫السمان واملنصف الوهايبي وخالد النجار الذي‬ ‫كتب نصا جميال عنوانه «حماسة خليفة محمد‬ ‫التليسي»‪ ،‬ملوحا ملنتخبات أبي متام التي عرفت‬ ‫باس������م «كتاب احلماس������ة»‪ ،‬كما قرأه عدد آخر‬ ‫كبير من الش������عراء املش������ارقة واملغاربة‪ ...‬وقد‬ ‫أسر لي الش������يخ التليس������ي بأنه أهدى أدونيس‬ ‫نسخة من هذا الكتاب (قصيدة البيت الواحد)‪،‬‬ ‫وأن صاحب ديوان «أغاني مهيار الدمشقي» قد‬ ‫ع َّبر له عن اهتمامه الكبير به واحتفائه مبا جاء‬ ‫فيه من مختارات ش������عرية تنم عن ذائقة شعرية‬ ‫متمرسة بقراءة الشعر‪.‬‬ ‫كل ه������ذا يرج������ح ‪ -‬ف������ي نظرن������ا ‪-‬اط���ل��اع‬ ‫أدوني������س على هذا الكتــاب ال������ذي أعاد‪ ،‬بجرأة‬ ‫فــائــــقة‪ ،‬قراءة تراثنا الشعري في ضوء جديد‪،‬‬ ‫ورؤية جديدة‪ ...‬فالتليس������ي ح������اول أن يثبت ‪-‬‬ ‫م������ن خالله ‪ -‬أن قصي������دة البي������ت الواحد هي‬ ‫اجل������ذر واألص������ل‪ ،‬وأن القصي������دة التي حتتوي‬ ‫عل������ى أبــيات كثـــيرة جاءت ف������ي مرحلة الحقة‪،‬‬ ‫وجاءت معـــها مش������كالتها الت������ي لم يكن يعانيها‬ ‫الش������اعر األول‪ ،‬ش������اعر الفطرة والطبع‪ ...‬وقد‬ ‫ارتد التليس������ي‪ ،‬إلثبات هذا الرأي وتأكيده‪ ،‬إلى‬ ‫املدونة النقدية الت������ي دارت على البيت الواحد‬ ‫تستنطقه وتتأوله‪ ...‬أي أن كتاب التليسي ليس‬ ‫مجرد منتخبات ش������عرية‪ ،‬بل ه������و قراءة جديدة‬ ‫لتراثنا الشعري مفتوحة على أفق معرفي وفني‬ ‫جديد‪ ...‬بعبارة أخرى نقول‪ :‬إن هذه املختارات‬ ‫ليس������ت إال تطبيقا لرؤي������ة نقدية ما فتئ الرجل‬ ‫يبشر بها ويدافع عنها‪.‬‬ ‫كان هذا العمل مشروع حياة التليسي‪ ،‬فقد‬ ‫قضى الرجل في جمع مادته وتبويبه الس������نوات‬ ‫الطوال‪ ،‬باحث������ا في املدونات القدمية واحلديثة‬ ‫عن «اجلواهر الرائعة التي ال تنتظر إال أن متتد‬ ‫إليه������ا األيدي لتعود حية م������ن حيث تركيزها‪...‬‬

‫‪31‬‬

‫‪sep 30-34.indd 31‬‬


‫واعتماده������ا على اللمحة اخلاطف������ة‪ ،‬وااللتفاتة‬ ‫العاب������رة ‪« ...‬لكن ه������ذا العمل ل������م يكن مجرد‬ ‫جم������ع وتبويب‪ ،‬بل ح������اول «أن يتمـــــيز بأصالته‬ ‫وخصائصه ونظرت������ه اخلاصة إلى هذه النماذج‬ ‫اجلميلة من الش������عر العربي»‪ ،‬له������ذا كانت هذه‬ ‫املخت������ارات ‪ -‬كم������ا يق������ر التليس������ي ‪ -‬محكومة‬ ‫بدواف������ع ذاتية ترتد إلى تربيت������ه األدبية والفنية‬ ‫والذوقية‪.‬‬ ‫صدر بها التليسي مختاراته‬ ‫تعد املقدمة التي َّ‬ ‫إض������اءة مهمة ملفه������وم قصيدة البي������ت الواحد‪،‬‬ ‫كما اس������تتبت مقوماته������ا في النقدي������ن القدمي‬ ‫واحلديث‪ .‬فالتلّيس������ي ما فتئ يؤكد أن قصيدة‬ ‫البي������ت الواحد «قصي������دة مكتمل������ة»‪« ،‬خالصة‬ ‫اخلالص������ة»‪ ،‬فال نتوءات فيها وال حواش������ي وال‬ ‫زوائ������د بالغية متهدلة‪ ...‬الكلم������ة فيها «بحجم‬ ‫االنفعال وحجم الصوت الشعري فيها بحجم فم‬ ‫الشاعر وبحجم هواجسه»‪ ...،‬فهذا النص إمنا‬ ‫هو ومضة خاطفة‪ ،‬وحملة عابرة ودفقة وجدانية‬ ‫وحلن ه������ارب وأغنية قصي������رة‪ ...‬يخلق تعبيره‬ ‫املكثف املركز الذي يس������تنفذ اللحظة الش������عرية‬ ‫ويحيط به������ا‪ ...‬وما زاد على ذلك فهو من عمل‬ ‫الصناعة واالحتراف‪ ،‬لذلك كان الشاعر العربي‬ ‫في اعتماده على البيت الواحد أقرب إلى الفطرة‬ ‫الشعرية والسليقة‪ .‬هذه املعاني ستترك ظاللها‬ ‫على مقدم������ة أدونيس ورمبا وجدن������ا العبارات‬ ‫نفسها أو ما يرادفها تتردد فيها‪.‬‬ ‫وف������ي صفح������ات من النق������د الرفيع س������عى‬ ‫التليس������ي إلى تأصيل «قصي������دة البيت الواحد»‬ ‫في الت������راث العربي‪ ،‬فأب������رز املكانة التي حظي‬ ‫بها البيت في املدونة النقدية القدمية «فاحلركة‬ ‫النقدي������ة حول الش������عر‪ ،‬في نظ������ره‪ ،‬إمنا ولدت‬ ‫فج������ره البيت من‬ ‫ونش������أت وتطورت بس������بب ما ّ‬ ‫ص������راع وخص������ام‪ ،‬فاملفاضلة بني الش������عراء في‬ ‫القدمي‪ ،‬إمنا اعتمدت على البيت الواحد‪.‬‬ ‫لكن ارتداد التليس������ي إلى األبي������ات املفردة‬ ‫التي يعتبره������ا «قصائد كاملة مكتملة» ال يخفي‬ ‫أي حنني إلى املاض������ي‪ ...‬فالرجل يقر بأنه كان‬ ‫في كتاب������ه يقرأ التراث انطالق������ا من احلاضر‪،‬‬ ‫من ثقافته الش������عرية احلديثة‪ ...‬فالناقد الليبي‬ ‫افتنت بنم������اذج من التجربة الش������عرية اجلديدة‬

‫‪32‬‬

‫‪8/18/14 10:26:07 AM‬‬

‫التي متيزت بالتركيز والتكثيف وتعقيل التجربة‬ ‫واإليجاز في التعبير عنها‪ ،‬ويقول إنه كان يكتب‬ ‫وديوان الش������اعر اإليطالي الش������هير «انغاريتي»‬ ‫أمامه‪ .‬وهذا الديوان املوسوم بـ «حياة اإلنسان»‬ ‫فيه ضروب من التكثي������ف والتركيز تتفاوت بني‬ ‫الوضوح والغموض‪ .‬بل فيه قصيدة ذات عنوان‬ ‫وتاري������خ تتكون من كلمت���ي��ن فقط‪.‬نعم جملة من‬ ‫كلمت���ي��ن «أس������تضيء بالالنهائ������ي»‪ ،‬فضال عن‬ ‫ش������واهد أخرى تدخل في هذا اإلطار‪ .‬إن هذه‬ ‫الومضات شبهتها فرجينا وولف بأعواد الثقاب‬ ‫التي تش������تعل فجأة في الظالم‪ ...‬فهذا الضرب‬ ‫من الشعر س ّماه عزرا باوند شعر االستنارة‪ ،‬وهو‬ ‫الش������عر الذي ينجح في اقتن������اص صورة واحدة‬ ‫في س������طر أو س������طرين‪ .‬ويتجلى هذا الضرب‬ ‫من الش������عر أقوى ما يتجلى في الشعر الياباني‪،‬‬ ‫وبالتحديد في قصيدتي الهايكو والتانكا‪ ،‬حيث‬ ‫تخف اللغة وتصبح قادرة على التعبير عن املعنى‬ ‫األكثر في اللفظ األقل‪...‬‬ ‫ال أش������ك في أن أدوني������س كان يكتب وكتاب‬ ‫التليسي في ذاكرته أو أمام عينيه‪ ...‬وال نريد ‪-‬‬ ‫لضيق املس������احة ‪ -‬أن نورد فقرات من العملني‪،‬‬ ‫عمل التليسي وأدونيس للمقارنة واملوازنة‪ ...‬كما‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 30-34.indd 32‬‬


‫ال نريد‪ ،‬للس������بب نفسه‪ ،‬أن نورد األبيات املفردة‬ ‫التي ترددت في كال الكتابني‪ ،‬لكن القارئ الذي‬ ‫اطلع على هذين العملني البد من أن يتفطن إلى‬ ‫أن كت������اب أدونيس لم يكن إال رجع صدى لكتاب‬ ‫التليس������ي‪ ...‬بدءا م������ن الفكرة التي ق������ام عليها‬ ‫الكتاب‪ ،‬وصوال إلى املختارات‪.‬‬ ‫ه������ذا التش������ابه ينبغي أال يخف������ي عنا وجوه‬ ‫االخت���ل��اف ب���ي��ن العمل���ي��ن‪ ،‬وم������ن وج������وه هذا‬ ‫االخت���ل��اف‪ :‬أن مختارات التليس������ي كانت أكثر‬ ‫شموال واتساعا‪ ،‬فإذا كان أدونيس جتنب اختيار‬ ‫قصائد من الش������عر احلديث‪ ،‬واكتفى بالوقوف‬ ‫على مشارف القرن العشرين تهيبا أو بحثا عن‬ ‫س���ل��امة موهومة‪ ،‬فإن التليسي أورد مناذج من‬ ‫الش������عر اجلديد واحتفى عل������ى وجه اخلصوص‬ ‫بتجرب������ة أدوني������س‪ ،‬فأورد له بع������ض النصوص‬ ‫التي عدها قصائ������د من بيت واحد كقوله‪ :‬هذا‬ ‫الوطن‪ ...‬زرع‪ /‬واألي������ام جرادة‪ ...‬كما أورد في‬ ‫اجل������زء الثاني من روائعه نصوصا لبدر ش������اكر‬ ‫السياب ونازك املالئكة ونزار قباني‪.‬ومن وجوه‬ ‫االختالف أيضا أن مش������روع التليسي لم يكتف‬ ‫بالقصائ������د املف������ردة‪ ،‬بل جمع أيض������ا الثنائيات‬ ‫(القصائد التي حتتوي عل������ى بيتني اثنني)‪ ،‬كما‬ ‫جمع الثالثي������ات (القصائد الت������ي حتتوي على‬ ‫ثالثة أبي������ات)‪ ،‬والرباعيات واخلماس������يات‪ ،‬ثم‬ ‫القصائ������د التي حتتوي على ع������دد من األبيات‪.‬‬ ‫كان مشروع التليس������ي مشروعا طموحا‪ ...‬وقد‬ ‫بقي إلى آخر أيام حياته منكبا على كتب الشعر‬ ‫القدمي������ة يبحث فيه������ا عن األبي������ات التي تلمع‬

‫كأعواد الثقاب‪ ...‬غير عابئ بأعباء الس������نوات‬ ‫وال بأوزار املرض‪.‬‬ ‫لم يفوت التليس������ي أي فرصة دون أن يشيد‬ ‫باألعمال الس������ابقة التي اس������تصفت من التراث‬ ‫بعض مناذج������ه ويحتفي بقيمته������ا املعرفية‪ ،‬في‬ ‫ح���ي��ن صم������ت أدونيس ع������ن كل األعم������ال التي‬ ‫أتاحت لعمله أن يكون‪.‬‬

‫ملاذا هذا الصمت؟‬

‫ومل������اذا لم يــقر ش������اعرنا الكبي������ر بجهد من‬ ‫س������بقوه وانعطفوا قبله على الت������راث بالتحليل‬ ‫والتأويل؟‬ ‫وكي������ف ال ين������وه ‪ -‬على وج������ه اخلصوص ‪-‬‬ ‫بعمل الشيخ التلــيسي الـــذي أوحى له مبوضوع‬ ‫كتابه؟‬ ‫م������ن األصدقاء من ذهب إلى أن أدونيس قد‬ ‫استلهم هذه الفكرة‪ ،‬فكرة قصيدة البيت الواحد‪،‬‬ ‫من كتاب جورج ش������حادة املوسوم بـ «أنطولوجيا‬ ‫البيت الواح������د»‪ ،‬وكان ترجمه إلى اللغة العربية‬ ‫الش������اعر عصام محفوظ‪ ،‬ومنهم من ذهب إلى‬ ‫أن الش������اعر اس������توحى الفكرة من كتاب غازي‬ ‫القصيب������ي «في خيمة ش������اعر» الصادر س������نة‬ ‫‪ ...1988‬والواق������ع أن هذه املزاعم ال ينهض لها‬ ‫دليل يؤكده������ا ويزكيها‪ ...‬فالكتاب ‪ -‬كل الكتاب‬ ‫ مستلهم من كتاب التليسي‪ ...‬دليلنا على ذلك‬‫ه������ذا االتفاق الغريب في املصطلح وفي األبيات‬ ‫املخت������ارة‪ ،‬وفــــ������ي فه������م طبيعة قصي������دة البيت‬ ‫الواحد >‬

‫قي ��ل حلكي ��م‪ :‬أي األش ��ياء خي ��ر للمرء؟ ق ��ال‪ :‬عقل يعي ��ش به‪ ،‬قي ��ل‪ :‬فإن لم‬ ‫يك ��ن‪ .‬ق ��ال‪ :‬فإخوان يس ��ترون عليه‪ ،‬قيل‪ :‬فإن لم يكن‪ ،‬ق ��ال‪ :‬فمال يتحبب به إلى‬ ‫الناس‪.‬‬ ‫قيل‪ :‬فإن لم يكن‪ ،‬قال‪ :‬فأدب يتحلى به‪ ,‬قيل‪ :‬فإن لم يكن‪ ،‬قال‪ :‬فصمت يسلم‬ ‫به‪ ,‬قيل‪ :‬فإن لم يكن قال‪ :‬فموت يريح منه العباد والبالد‪!!..‬‬

‫هل استلهم أدونيس كتاب الناقد خليفة محمد التلّيسي؟‬

‫‪8/18/14 10:26:10 AM‬‬

‫‪33‬‬

‫‪sep 30-34.indd 33‬‬


‫قــالـوا‬ ‫«م� � ��ن يدم� � ��ر الكت� � ��ب؟ امل� � ��دن‪ ،‬الكنائ� � ��س‪ ،‬الطغاة‪،‬‬ ‫املتعصبون‪ .‬تقيم األصابع محرقة وتش� � ��عل الثقاب‪.‬‬ ‫قب� � ��ل عقود ع� � ��دة جتم� � ��ع الطلبة ليرقص� � ��وا حول‬ ‫محرقة خلمس� � ��ة وعشرين ألف كتاب «غير أملاني»‪.‬‬ ‫أحرق� � ��وا يومها ‪ -‬الطلبة وآخ� � ��رون ‪ -‬كتبا لبرتولد‬ ‫بريخت‪ ،‬وأوتّو ديكس‪ ،‬وهاينرتش هاينه‪ ،‬وإرنس� � ��ت‬ ‫همنجواي‪ ،‬وجيمس جويس‪،‬‬ ‫وإتش جي ويلز‪ .‬قضوا عليها‬ ‫خلطورة احملتوى‪ .‬واآلن‪ ،‬في‬ ‫ش� � ��قة على البح� � ��ر األبيض‬ ‫املتوس� � ��ط‪ ،‬يُر َم� � ��ى املؤلفون‬ ‫أنفسهم ألنه لم يعد ثمة من‬ ‫يريد أن يقرأ لهم»‪.‬‬ ‫ليندا جرانت‪،‬‬ ‫كاتبة بريطانية‪.‬‬ ‫«لو ظ� � ��ل أحد يكتب كل يوم طوال ثالث س� � ��نوات‪،‬‬ ‫فينبغي عليه أن يكون قويا‪ .‬طبعا ينبغي عليه أيضا‬ ‫أن يكون ذا قوة عقلية‪ ،‬ولكنه في املقام األول ينبغي‬ ‫أن يك� � ��ون قويا بدنيا‪ .‬هذا أم� � ��ر بالغ األهمية‪ .‬من‬ ‫الناحيتني البدني� � ��ة والعقلية ينبغ� � ��ي على املرء أن‬ ‫يكون قويا»‪.‬‬ ‫‪ ‬هاروكي موراكامي‪،‬‬ ‫كاتب روائي من اليابان‪.‬‬ ‫«إن الكتب العظيمة حقا هي روايات‪« :‬آ ّنا كارنينا»‪،‬‬ ‫«اإلخوة كارامازوف»‪« ،‬اجلبل الس� � ��حري»‪ ،‬هي مثل‬ ‫«الش� � ��اهنامة» فق� � ��ط‪ .‬أعود‬ ‫إليه� � ��ا م� � ��ن وق� � ��ت آلخر كي‬ ‫أتذ ّك� � ��ر كيف يفع� � ��ل الكتاب‬ ‫العظيم فينا»‪.‬‬ ‫أورهان باموك‪،‬‬ ‫كاتب تركي حاصل‬ ‫على «نوبل» في اآلداب‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫‪8/10/14 9:16:00 AM‬‬

‫«حتول������ت من كاتب������ة تكتب روايات رومانس������ية‬ ‫خفيفة إل������ى مثقفة تكتب عن الثقافة الصينية‪،‬‬ ‫وهذه املرحلة أش������به مبرحلة حتول اليرقة إلى‬ ‫فراش������ة‪ ،‬أو مرحلة تغيير الثعب������ان جلده‪ ،‬فأنا‬ ‫أرغ������ب في أن أمنو مع قرائي في هذه املرحلة‪،‬‬ ‫يض������يء كل منا الطريق لآلخ������ر‪ ،‬ويكون كل منا‬ ‫دليلاً لآلخر‪ ،‬بل ونس������ير م ًعا جتاه أيام مشرقة‬ ‫وعظيمة»‪.‬‬ ‫شويه شياو تشان‪،‬‬ ‫كاتبة روائية من الصني‪.‬‬ ‫«قد تغيم احلدود بني الفن العظيم والفن املتواضع‬ ‫حتى على اخلبراء‪ .‬ولكن هذا‬ ‫هو السبب الذي يدعونا إلى‬ ‫املشاهدة‪ ،‬والقراءة‪ ،‬بأكثر ما‬ ‫نستطيع‪ .‬وكلما ازددنا تعرضا‬ ‫للجيد والرديء‪ ،‬ازددنا قدرة‬ ‫على حتديد الفارق‪ .‬وكذلك‬ ‫هم االنتقائيون»‪.‬‬ ‫إيان ليزلي‪،‬‬ ‫كاتب من بريطانيا‪.‬‬ ‫�����دا فأنت بحاجة إلى‬ ‫«لكي تكون فيلس������و ًفا جي� ً‬ ‫اإلكث������ار من ق������راءة الفلس������فة اجلي������دة‪ .‬ووفق‬ ‫تقديرات أنيدرز إريكس������ن‪ ،‬وه������و خبير في ما‬ ‫يجعل املرء خبيرا‪ ،‬فإن املرء بحاجة إلى عشرة‬ ‫آالف ساعة من املمارسة ليصبح خبيرا حقيقيا‬ ‫في أغلب املجاالت‪ .‬واملمارس������ة في الفلس������فة‬ ‫تتضم������ن (وإن ل������م تقتصر عل������ى) التفاعل مع‬ ‫العق������ول الفلس������فية العظمى‪ .‬وأفضل وس������يلة‬ ‫للقيام بهذا ‪ -‬بل والوس������يلة الوحيدة لدى بعض‬ ‫الفالس������فة ‪ -‬هي قراءة ما أنتجته هذه العقول‬ ‫من كتب»‪.‬‬ ‫إيان رافنسكروفت‪،‬‬ ‫أستاذ في علم الفلسفة من أستراليا‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 34-35.indd 34‬‬


‫«هن� � ��اك فطر يصيب أدمغة النمل احلفار فيحوله إلى‬ ‫عبيد من الزومب� � ��ي ال أكثر وال أقل‪ .‬ما يحدث هو أن‬ ‫النملة تصعد إلى اجلانب الس� � ��فلي من ورقة ش� � ��جرة‬ ‫قريبة من أرض الغابة‪ ،‬فتخبئ نفس� � ��ها هناك‪ ،‬لتموت‬ ‫وقد حتول� � ��ت إلى مص� � ��در غذائي مضم� � ��ون للفطر‪.‬‬ ‫الش� � ��يء الفاتن ل� � ��ي في هذه‬ ‫املسألة هو أن النملة تتصرف‬ ‫ب� �ل��ا عق� � ��ل ض� � ��د مصاحلها‬ ‫ومصال� � ��ح رفاقه� � ��ا بأن تصبح‬ ‫أداة ف� � ��ي ي� � ��د الفط� � ��ر‪ .‬وإنني‬ ‫أتص� � ��ور أن نظاما مماثال قد‬ ‫نشأ في ثقافتنا»‪.‬‬ ‫تشارلي كوفمان‪،‬‬ ‫سينمائي وسينارست أمريكي‪.‬‬ ‫«نح�� ��ن بحاجة إلى فهم تراثنا بعيون جديدة‪ ،‬فنطرح منه‬ ‫الزوائد والقش�� ��ور وال نبقي إال عل�� ��ى اجلوهر والكنوز‪.‬‬ ‫وأقصد باجلوهر هنا القيم األخالقية والروحانية العليا‬ ‫للتراث العربي اإلسالمي العظيم‪ .‬أكرر ذلك مرة أخرى‪،‬‬ ‫ولكن ال�� ��ذي يحصل حاليا هو العك�� ��س‪ ،‬فنحن ال نتعلق‬ ‫إال بالشكليات واحلشويات‪ ،‬وأكاد أقول السخافات التي‬ ‫تعرقل نهضتنا وانطالقتنا التي طال انتظارها»‪.‬‬ ‫هاشم صالح‪ ،‬كاتب ومفكر من سورية‪.‬‬ ‫«نضج� � ��ت موهب� � ��ة التأليف لدي مع م� � ��وت أختي‪.‬‬ ‫لقد أهدتن� � ��ي ثيمات عظيمة‪ ،‬لك� � ��ن هناك املزيد‪.‬‬ ‫كان� � ��ت أختي تري� � ��د أن تصبح كاتبة ً‬ ‫أيضا‪ .‬أش� � ��عر‬ ‫بأن موهبتها في الكتابة قد‬ ‫انتقلت لي بعد موتها‪ ,‬ولهذا‪,‬‬ ‫ولهذا فقط‪ ,‬حققت جناحي‪.‬‬ ‫الناس يقولون‪ :‬ال ميكن ذلك‪,‬‬ ‫ال ميك� � ��ن أن تنتقل موهبتها‬ ‫لك‪ .‬لكني أعرف أن هذا ما‬ ‫حدث بالفعل»‪.‬‬ ‫ريناتا دورستني‪،‬‬ ‫كاتبة من هولندا‪.‬‬

‫«م� � ��ن دون تربية جديدة س� � ��تظل نظرة االس� � ��تهانة‬ ‫باملرأة كامنة في وعي الصغار‪ ،‬فال يرون في املرأة‬ ‫سوى كائن جنس� � ��ي أو كائن خلق للخدمة املنزلية‪،‬‬ ‫ولي� � ��س زميل� � ��ة وأختا وصديقة متض� � ��ي مع الرجل‬ ‫كتف� � ��ا بكتف خللق حي� � ��اة جديدة‪ .‬نح� � ��ن أحوج ما‬ ‫نكون إلعادة تربية أبنائنا‪ ،‬بدءا من املدرس� � ��ة بكتب‬ ‫ومناه� � ��ج وأغنيات وقصائد وروايات وأفالم تغرس‬ ‫الوعي بقيمة املرأة ودورها»‪.‬‬ ‫د‪.‬أحمد اخلميسي‪ ،‬كاتب من مصر‪.‬‬ ‫«حينم� � ��ا تخلين� � ��ا عن التضام� � ��ن االجتماع� � ��ي ملصلحة‬ ‫اخلصخص� � ��ة والرب� � ��ح‪ ،‬ظه� � ��رت احل� � ��روب العرقي� � ��ة‪،‬‬ ‫ويوغوس� �ل��افيا أكبر دليل على ذل� � ��ك‪ .‬وهذه ال تؤدي إال‬ ‫إلى مزيد من الرأسمالية النقية‪ ،‬فكل احلروب األصولية‬ ‫ظهرت كنتيجة له� � ��ذا الوضع‪ .‬كيف ميكننا محاربة هذه‬ ‫القوة األصولية‪ ،‬أيا كان الش� � ��كل ال� � ��ذي تتخذه‪ ،‬والذي‬ ‫يبدو مه� � ��ددا للناس الذين غالب� � ��ا ال يفهمون طبيعة ما‬ ‫يهددهم؟ يجيب الفن «انظروا‪..‬‬ ‫نح� � ��ن نرتبط ببعضن� � ��ا البعض‪،‬‬ ‫هكذا تقول قوانني البيئة»‪ .‬الفن‬ ‫مييل إلى القول‪« ،‬أتعرف؟ نحن‬ ‫نعيش في ك� � ��ون واحد»‪ .‬فالفن‬ ‫يؤكد القي� � ��م الروحية‪ ،‬والتعبير‬ ‫الروحي عن حياة اإلنسان»‪.‬‬ ‫جنوجي وا ثيوجنو‪،‬‬ ‫كاتب روائي وفيلسوف من كينيا‪.‬‬ ‫«حيث صور الدمار‪ ،‬تش ّوه املخيلة‪ ،‬هل ميكن للكتابة‬ ‫أن تكون مال ًذا وبيتًا للكاتب‪ ،‬أو الكاتبة؟ هل ميكن‬ ‫لدفتي الكتاب املطبوع‪ ،‬تعويض الكاتب عن جدران‬ ‫البيت؟ بحي� � ��ث يكون األدب هو البيت واجلنس� � ��ية‬ ‫واالنتماء والوطن‪ ،‬لنقنع أنفس� � ��نا بأنه ليس للكاتب‬ ‫من وطن‪ ،‬سوى الكتابة»‪.‬‬ ‫مها حسن‪،‬‬ ‫كاتبة روائية من سورية‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪8/10/14 9:16:17 AM‬‬

‫‪sep 34-35.indd 35‬‬


‫تاريخ فن‬

‫َف ُّن ا ُمل َن ْم َن َمات‪...‬‬

‫األدب والتاريخ واألسطورة‬ ‫> أشرف أبو اليزيد‬

‫على ورق رسمي حملكمة جيبور الهندية رسم الفنان هذه املنمنمة‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫‪8/10/14 9:17:42 AM‬‬

‫ف ��ي مدرس ��ة للف ��ن أقيم ��ت ملحق ��ة بس ��وق‬ ‫للعادي ��ات‪ ،‬مبدين ��ة س ��مرقند‪ ،‬أجت ��ول عب ��ر‬ ‫البص ��ر آي ��ات الف ��ن املعلق ��ة واملوزع ��ة عل ��ى‬ ‫األركان‪ ،‬حت ��ى أتوق ��ف أم ��ام دكان مفت ��وح‪،‬‬ ‫يجل ��س ف ��ي قلبه رج ��ل غاب عم ��ا حوله وهو‬ ‫ينحني بريش ��ته الدقيقة فوق ورقة متوسطة‬ ‫املس ��احة‪،‬‬ ‫يسكب فيها عصارة الفن‪ ،‬وخالصة‬ ‫ُ‬ ‫األدب‪ ،‬وروح التاري ��خ‪ ،‬وس ��حائب األس ��طورة‪.‬‬ ‫احلرف ��ي حلض ��وري إال‬ ‫ل ��م ينتب ��ه الفن ��ان ِ‬ ‫حني انتهى من لون‪ ،‬واجته ليغس ��ل الريش ��ة‬ ‫فيخت ��ار آخ ��ر‪ .‬نظر إل � َّ�ي بصمت‪ ،‬وأش ��ار إلى‬ ‫كرس ��ي أمام ��ه‪ ،‬ألجل ��س‪ ،‬وكأن ��ه ف ��ي خلوة ال‬ ‫يريد أن يفس ��دها بكالم‪ ،‬وكأنه ينسج قصيدة‬ ‫روحاني ��ة ال يص ��ح أن تدخلها مف ��ردة مادية‪.‬‬ ‫هو األمر نفس ��ه كلما تـأملت هؤالء الفنانني‬ ‫الذي ��ن يحي ��ون ف ��ن املنمنمات ح ��ول العالم‪.‬‬ ‫إنه ��م يفتحون لك بواب ��ات التأمل في دقائق‬ ‫اخلط ��وط الت ��ي تتس ��ع لعظائ ��م احلكايات‪،‬‬ ‫التاريخي منها واألسطوري‪.‬‬ ‫تص ��ف الي ��و َم كلم ��ة «منمنم ��ة»‪ ،‬ف ��ي اللغ ��ة‬ ‫العربية‪َّ ،‬‬ ‫كل ما هو ُمصغَّ ر‪ ،‬ويقابلها في اللغة‬ ‫اإلجنليزي ��ة ‪ miniature‬الت ��ي اس ��تمدت‬ ‫مفردتها من كلمة ‪ minium‬الالتينية‪ ،‬وهي‬ ‫«الصورة الدقيقة املزخرفة في املخطوطات»‪.‬‬ ‫وميكن وصف املنمنمات بأنها «لوحات مصورة‬ ‫ُم َصغَّ رة‪ ،‬تضم رسوما وزخرفة ونصوصا‪ ،‬ذات‬ ‫تفاصيل دقيقة»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 36‬‬


‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:17:52 AM‬‬

‫‪37‬‬

‫‪sep 36-55.indd 37‬‬


‫هكذا تُع ِّبر املنمنمات‪ ،‬في تقاليد الفن‪،‬‬ ‫عن لوحات صغيرة خاصة‪ ،‬ظهرت بقوة‬ ‫في املخطوط� � ��ات البيزنطي� � ��ة الدينية‪،‬‬ ‫غي� � ��ر أن إنت� � ��اج املنمنمات أس� � ��لوب اعتمدته فنون‬ ‫رس� � ��م أخرى ازدهرت في ثقافات مغايرة‪ ،‬وخاصة‬ ‫في آس� � ��يا‪ ،‬كما ظهر بالفنون‪ ،‬الفارسية والعثمانية‬ ‫والهندية‪ ،‬وصمم� � ��ت لتجم� � ��ع لوحاتها ف� � ��ي ألبوم‪،‬‬ ‫يكون مرجعا‪ ،‬أو كتابا‪ ،‬أو موس� � ��وعة‪ ،‬أو ملحمة‪ ،‬أو‬ ‫ديوانا‪.‬‬

‫اإللياذة أو ًال‬

‫مخطوطة فيرجيل احملفوظة بالفاتيكان‪ ،‬التي تعود ألوائل‬ ‫القرن اخلامس امليالدي (شكل رقم‪.)1‬‬

‫أسلوب هذه املنمنمات املبكرة ‪ ...‬توظيف اجلسد البشري‪،‬‬ ‫بجانب املشاهد الطبيعية‪ ،‬والكائنات احلية (شكل رقم ‪.)2‬‬

‫في القرن السادس امليالدي‪ ،‬تظهر مجموعة أخرى من املنمنمات‬ ‫املميزة ومنها اللوحة التي تصور سبعة أطباء احملفوظة باملدرسة‬ ‫البيزنطية (شكل رقم ‪.)3‬‬

‫‪38‬‬

‫‪8/10/14 9:18:01 AM‬‬

‫أما أقدم صور املنمنمات التي تش� � ��به املوجودة‬ ‫حاليا‪ ،‬فهي ما ظهر ضمن سلس� � ��لة من الرسومات‬ ‫امللونة‪ ،‬كأجزاء من املنمنمات‪ ،‬ملش� � ��اهد من ملحمة‬ ‫اإللياذة‪ ،‬وتعود للقرن الثالث امليالدي‪ .‬وتتشابه هذه‬ ‫اللوحات في األسلوب واملعاجلة مع الفن التصويري‬ ‫خالل الفترة الكالسيكية الرومانية الالحقة‪ ،‬حيث‬ ‫تغلب املشاهد الطبيعية على تلك الرسوم‪ ،‬كما في‬ ‫جداري� � ��ات العصر الروماني‪ ،‬وكم� � ��ا في مخطوطة‬ ‫فيرجيل احملفوظ� � ��ة بالفاتيكان‪ ،‬ذات القيمة الفنية‬ ‫العالي� � ��ة‪ ،‬واملعروفة باس� � ��م ‪Vaticanus Vergilius‬‬ ‫الت� � ��ي تعود ألوائل القرن اخلام� � ��س امليالدي‪ ،‬وتبلغ‬ ‫أبعادها ‪ 15.7 × 11.8‬سم (شكل رقم ‪.)1‬‬ ‫وتوفر تلك املنمنمة‪ ،‬وش� � ��قيقاتها في املجموعة‬ ‫نفسها‪ ،‬فرصة لدراسة الطريقة واألسلوب املنتميني‬ ‫للرسم الكالسيكي‪ ،‬حيث يتضح لنا أن املنمنمات هي‬ ‫نسخ مباشر من سلسلة قدمية‪ ،‬بألوان غير شفافة‪.‬‬ ‫كم� � ��ا أن املُراجع ألس� � ��لوب هذه املنمنم� � ��ات املبكرة‬ ‫م��كنه أن يرى بوضوح توظيف اجلس� � ��د البش� � ��ري‪،‬‬ ‫بجانب املشاهد الطبيعية‪ ،‬والكائنات احلية (شكل‬ ‫رق� � ��م ‪ )2‬والطبيعة الصامت� � ��ة‪ ،‬بالطريقة ذاتها التي‬ ‫رسمت بها اللوحات اجلدارية اجلبسية‪.‬‬ ‫بدراس� � ��ة اللوحات في هذه املجموعة‪ ،‬نرى أن‬ ‫اخللفي� � ��ات مت تلوينها بالكامل‪ ،‬لتغطي جميع أجزاء‬ ‫سطح الصفحة‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬وعلى اخللفية املصبوغة‪،‬‬ ‫مت رس� � ��م األش� � ��كال املرغوبة وتلوينها‪ .‬وبعد ذلك‪،‬‬ ‫وكمرحل� � ��ة ثالث� � ��ة‪ ،‬أضيفت تفاصي� � ��ل أصغر وأكثر‬ ‫دق� � ��ة‪ ،‬وبطريقة بارزة‪ .‬وللمحافظة على املنظور في‬ ‫الرسم‪ ،‬كانت األشكال املرسومة أعلى اللوحة تبدو‬ ‫أصغر من تلك املوجودة بأسفل الرسم‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 38‬‬


‫في القرن الس� � ��ادس امليالدي‪ ،‬تظهر مجموعة‬ ‫أخ� � ��رى م� � ��ن املنمنم� � ��ات املمي� � ��زة‪ ،‬وتعرف باس� � ��م‬ ‫‪ Dioscurides Vienna‬ومنه� � ��ا اللوحة التي تصور‬ ‫س� � ��بعة أطباء (ش� � ��كل رقم ‪ ،)3‬احملفوظة باملدرسة‬ ‫البيزنطي� � ��ة‪ ،‬واملنس� � ��وخة من أعمال س� � ��ابقة‪ ،‬وهي‬ ‫اللوحات التي مهدت لظهور تيار الرسوم الشارحة‬ ‫مبنمنمات املخطوطات البيزنطية الدينية‪.‬‬ ‫ش� � ��يء ما يج� � ��ب أن يلحظه ناق � � � ُد الفن‪ ،‬حني‬ ‫يطالع اللوحات الت� � ��ي ظهرت في تلك املخطوطات‬ ‫البيزنطي� � ��ة الديني� � ��ة‪ ،‬التي نف� � ��ذت برعاية وهيمنة‬ ‫كنس� � ��ية؛ ه� � ��و أن اله� � ��واء الطلق في س� � ��ابقاتها قد‬ ‫غاب‪ ،‬وباتت املخطوط� � ��ات البيزنطية تتنفس هواء‬ ‫الدي� � ��ر املغلق برتاج التقالي� � ��د احملافظة‪ ،‬ولعل هذا‬ ‫ما جعل تلك املنمنمات أس� � ��يرة للمزيد من النمطية‬ ‫والتقليدية‪.‬‬ ‫تتس� � ��رب األلوان الت� � ��ي تصور البش� � ��رة بلونها‬ ‫الف� � ��احت‪ ،‬وتطغى الصبغات البنية والزرقاء الرمادية‬ ‫واحملايدة‪ ،‬وتنضج معاجلة تقنية الرسم‪ .‬وفي حني‬ ‫يخض� � ��ع ذلك كله للحس البيزنطي‪ ،‬تظهر على نحو‬

‫الفت استعارة شرقية‪ ،‬تتمثل في استخدام الصبغات‬ ‫الذهبية في التزيني والزخرفة والعناوين‪.‬‬ ‫وقد انتقل تأثي� � ��ر هذا الفن البيزنطي إلى روح‬ ‫املخطوطات واللوح� � ��ات واجلداريات اإليطالية في‬ ‫القرون الوس� � ��طى‪ .‬وكان ذلك على أوضح ما يكون‬ ‫في فسيفس� � ��اء كنائ� � ��س رافينا وفينيس� � ��يا‪ ،‬كما في‬ ‫فسيفس� � ��اء «معجزات اخلبز والس� � ��مك»‪ ،‬بكنيس� � ��ة‬ ‫القدي� � ��س أبوليني� � ��ر اجلديدة‪ ،‬في رافين� � ��ا بإيطاليا‬ ‫(ش� � ��كل رق� � ��م ‪ .)4‬وقد الزم ه� � ��ذا التأثي� � ��ر الفنون‬ ‫األوربية حتى القرن الثاني عشر امليالدي‪.‬‬ ‫ف� � ��ي مدارس الزخرفة احمللي� � ��ة بأوربا الغربية‪،‬‬ ‫كان التزيني هو الدافع األساسي لظهور املنمنمات‪.‬‬ ‫هكذا بدا األمر في مخطوطات عهد امليروفنيجان‬ ‫‪ Merovingian‬الت� � ��ي ظهرت ف� � ��ي منتصف القرن‬ ‫اخلامس امليالدي‪ ،‬حول جغرافيا فرنسا املعاصرة‪.‬‬ ‫وقد ظهر مثيل لتلك املنمنمات شمال إيطاليا‪ ،‬كما‬ ‫برزت االجتاهات نفس� � ��ها في فنون ش� � ��به اجلزيرة‬ ‫األيبيري� � ��ة‪ ،‬وفنون اجل� � ��زر البريطاني� � ��ة؛ حيث ندر‬ ‫اس� � ��تخدام أي متثيل للكائن البش� � ��ري‪ ،‬كما خرجت‬

‫فسيفساء «معجزات اخلبز والسمك»‪ ،‬بكنيسة القديس أبولينير اجلديدة‪ ،‬في رافينا بإيطاليا (شكل رقم ‪.)4‬‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:18:07 AM‬‬

‫‪39‬‬

‫‪sep 36-55.indd 39‬‬


‫في مدارس الزخرفة احمللية بأوربا الغربية‪،‬‬ ‫كان التزيني هو الدافع األساسي لظهور‬ ‫املنمنمات‪ ،‬كما خرجت املنمنمة من إطار‬ ‫الرسم إلى التشكيل‪ ،‬كما يتضح في حليات‬ ‫ثالث محفوظة باملتحف الوطني الفرنسي‬ ‫(شكل رقم ‪.)5‬‬

‫املنمنمة من إطار الرس� � ��م إلى التشكيل‪ ،‬كما يتضح‬ ‫ف� � ��ي حليات ث� �ل��اث محفوظ� � ��ة باملتح� � ��ف الوطني‬ ‫الفرنس� � ��ي (ش� � ��كل رقم ‪ .)5‬أما التطور الكبير‪ ،‬في‬ ‫ج� � ��ذور املنمنمات األوربية‪ ،‬فقد جاء مع املدرس� � ��ة‬ ‫األجنلوسكس� � ��ونية‪ ،‬والس� � ��يما ف� � ��ي كانترب� � ��ري‪،‬‬ ‫ووينشستر‪.‬‬ ‫وقد اس� � ��تمدت تل� � ��ك املنمنمات م� � ��ا تتميز به‬ ‫من رس� � ��م حر‪ ،‬من النماذج الكالسيكية الرومانية‪،‬‬ ‫كم� � ��ا غاب عنه� � ��ا‪ ،‬إلى حد كبير‪ ،‬التأث� � ��ر بالعناصر‬ ‫البيزنطي� � ��ة‪ ،‬بينم� � ��ا ظ� � ��ل الفن األجنلوسكس� � ��وني‬ ‫اجلنوبي مبعزل ع� � ��ن اخلط العام لتطور املنمنمات‬ ‫الغربية في القرون الوسطى‪  .‬‬

‫النموذج البيزنطي‬

‫حتت إمرة ملوك كارولنجي ظهرت مدرسة فنية‬ ‫متقدمة مستمدة من النماذج الكالسيكية‪ ،‬وخاصة‬ ‫النموذج البيزنطي‪ ،‬وتدين بأصولها للملك شارملان‪،‬‬ ‫وق� � ��د ظهرت منمنماتها في ش� � ��كلني؛ ينس� � ��خ األول‬ ‫التقاليد البيزنطية‪ ،‬حيث تستلهم موضوعاته بشكل‬ ‫عام من صور األناجي� � ��ل األربعة‪ ،‬أو صور األباطرة‬ ‫أنفسهم‪ ،‬حيث الصبغة الرس� � ��مية‪ ،‬والتلوين الباذخ‬ ‫للصفحات‪ ،‬والتذهيب البارز للرسم املؤسس ضمن‬

‫‪40‬‬

‫‪8/10/14 9:18:11 AM‬‬

‫عمارة ما ثابتة‪ ،‬وتخلو من املناظر الطبيعية باملعنى‬ ‫احلقيقي للكلمة‪ ،‬ترافق بزخرفة إطارية وافرة‪ ،‬وهو‬ ‫الش� � ��كل املؤسس للمدرس� � ��ة الغربية القارية بشكل‬ ‫عام‪ ،‬كما في لوحة التعميد (‪ 19 × 24‬س� � ��م)‪ ،‬التي‬ ‫تعود للقرن العاش� � ��ر املي� �ل��ادي‪ ،‬واحملفوظة باملكتبة‬ ‫البريطانية (شكل رقم ‪.)6‬‬ ‫أما الش� � ��كل الثان� � ��ي‪ ،‬فقد ابتدع� � ��ت منمنمات‬ ‫حاول� � ��ت أن تكون ذات رس� � ��وم ش� � ��ارحة‪ ،‬بأن تنقل‪،‬‬ ‫مثاال‪ ،‬صورا من وقائع اإلجنيل‪ .‬وقد أصبحت تلك‬ ‫املنمنم� � ��ات اجلديدة أكثر حتررا‪ ،‬وتتصل‪ ،‬إذا أردنا‬ ‫العودة للج� � ��ذور‪ ،‬باألصول الكالس� � ��يكية اليونانية‪،‬‬ ‫متييزا لها عن النماذج البيزنطية‪.‬‬ ‫في آس� � ��يا‪ ،‬ازدهرت مدرسة رس� � ��وم املنمنمات‬ ‫للس� �ل��اجقة في الق� � ��رن احلادي عش� � ��ر‪ ،‬وكان من‬ ‫املعت� � ��اد أن يقال إنه في العصور الوس� � ��طى لم يكن‬ ‫هناك من فن� � ��ون املنمنمات غي� � ��ر منمنمات الكتب‬ ‫املرسومة والرسم الشرقي‪ ،‬ولكن الفنان األوزبكي‪،‬‬ ‫رائد فن املنمنمات جنكيز أحمروف‪ ،‬اعتقد وأتباعه‬ ‫بوجود هذا اجلنس الفني في األزمان القدمية‪ .‬بيد‬ ‫أن األحداث التاريخية الكارثية‪ ،‬من معارك محلية‬ ‫دموي� � ��ة‪ ،‬التي قضت على واحات آس� � ��يا الوس� � ��طى‬ ‫اخلصيبة بعد س� � ��قوط أسرة التيموريني في القرن‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 40‬‬


‫لوحة التعميد التي تعود للقرن العاشر امليالدي‪ ،‬واحملفوظة‬ ‫باملكتبة البريطانية (شكل رقم ‪.)6‬‬

‫الس� � ��ادس عشر‪ ،‬كــانت الس� � ��بب وراء غياب عينات‬ ‫من رس� � ��وم املنمنمات املطلية بالورنيش مـــع رسوم‬ ‫ــاصا‪ .‬وبـالعودة إلى‬ ‫املنمنم� � ��ات التي متث� � ��ل أش � � �خ ً‬ ‫إمكانات تقاليد املنمنمات الشرقية‪ ،‬وباتباع مبادئ‬ ‫لغة الفن احلدي� � ��ث‪ ،‬فإن الفنانني متكنوا من تقدمي‬ ‫تفسيراتهم اخلاصة‪ ،‬ورؤاهم بالكامل في ما يتعلق‬ ‫بالكالسيكيات‪ ،‬وأن يعيدوا تفسير الواقع احلــاضر‬ ‫بأسلوبـــهم اخلاص‪.‬‬ ‫ومن املهم أن نشير إلى أن املنمنمات كانت مرآة‬ ‫العصر ف� � ��ي توثيق احلياة والعمارة‪ ،‬وهو ما نلحظه‬ ‫مثاال في عم� � ��ارة احلديقة باملنمنمات الفارس� � ��ية‪.‬‬ ‫فالفنون الزخرفية الفارس� � ��ية‪ ،‬وصناعة الس� � ��جاد‬ ‫اإليراني‪ ،‬متثل في جوهرها إعادة إنش� � ��اء للحديقة‬ ‫التي يتم تصويرها كخلفية مساندة للحدث‪.‬‬ ‫تب� � ��دو احلدائ� � ��ق الفارس� � ��ية متأنقة مب� � ��ا فيها‬ ‫م� � ��ن زخ� � ��ارف نباتي� � ��ة وتلميحات تق� � ��دم على نحو‬ ‫خاص إش� � ��ارة إلى اجلنة والنعيم في اآلخرة‪ .‬وفي‬ ‫املنمنمات الفارسية تبدو احلديقة باعتبارها حلية‬ ‫تلهم س� � ��واها من أش� � ��كال الفن والش� � ��عر‪ ،‬والرسم‬ ‫خصوصا‪ .‬احلديقة التي تضم شخوصا يتحاورون‬ ‫حول موضوع القصيدة (على س� � ��بيل املثال)‪ ،‬تقدم‬ ‫حينا وصفا للحديقة امللكية‪ ،‬كما اكتش� � ��فها العرب‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:18:19 AM‬‬

‫لدى فتح املدائن‪ ،‬عاصمة الساس� � ��انيني‪ ،‬مع قنوات‬ ‫املياه وأنواع النباتات وفصائل احليوانات‪ ،‬مرصعة‬ ‫باجلواهر ومعقودة بالذهب والفضة‪.‬‬ ‫وقد رس� � ��م الس� � ��جاد الفارس� � ��ي كذلك ليجسد‬ ‫بأش� � ��كاله تصوير احلدائق التي قدمتها املنمنمات‪.‬‬ ‫وم� � ��ع هذا‪ ،‬فلي� � ��س هناك أي دليل الس� � ��تمرار هذا‬ ‫التقلي� � ��د في العصر اإلس� �ل��امي حتى وقت الش� � ��اه‬ ‫عب� � ��اس األول‪ .‬واستنس� � ��خت عناص� � ��ر احلديق� � ��ة‬ ‫الكائنات ثالثية األبعاد‪ ،‬وكان اخللفاء العباس� � ��يون‬ ‫يضع� � ��ون أش� � ��جارا ذهبي� � ��ة ف� � ��ي بــــاح� � ��ات قصور‬ ‫مدينتهم‪ ،‬ورسمت حدائق األجنحة مثمنة األضالع‬ ‫لها شرفات علوية‪.‬‬ ‫تصور املنمنمات بعض األحداث األكثر أهــمــــية‬ ‫في حـــياة الش � � �خــصـــيـــات داخل احلديقة‪ ،‬وتظهر‬ ‫حديقة في لوحة منمنمات فارسية من القرن الرابع‬ ‫عش� � ��ر امليالدي‪ ،‬ولها فناء مس� � ��ور من كل اجلهات‪،‬‬ ‫بينما يجلس األمير على منصة مرتفعة مفروش� � ��ة‬ ‫بالس� � ��جاد في فناء احلديق� � ��ة‪ ،‬وغالبا حتت مظلة‪،‬‬ ‫فيما تطل بغصونها األش� � ��جار املزه� � ��رة والنباتات‬ ‫من وراء السياج‪ .‬وال يفوت املنمنمات أيضا تصوير‬ ‫العم� � ��ال في احلديقة مم� � ��ن يقومون على ش� � ��ؤون‬ ‫البستنة‪.‬‬ ‫وقد اس� � ��توحيت احلدائ� � ��ق املغولية من احلدائق‬ ‫التيمورية في خراس� � ��ان وما وراء النهر‪ ،‬ورمبا يعود‬ ‫ذلك إلى عمليات الترحيل من حدائق املغول لرسامني‬ ‫كثيرين‪ ،‬جاءوا مع أس� � ��اليبهم إل� � ��ى جغرافيا جديدة‪،‬‬ ‫فكتبوا وطنهم في حدائق املنمنمات‪ .‬ولظاهر الدين‬ ‫محمد بابور نفس� � ��ه رسوم توضيحية كثيرة تعود إلى‬ ‫القرن السادس عشر امليالدي‪ ،‬تصور نباتاتها خصب‬ ‫األرض‪ ،‬وثراء الزخرفة املعمارية‪.‬‬ ‫وهكذا ستظل املنمنمات؛ التاريخية واملعاصرة‪،‬‬ ‫صورة للتاريخ واحلياة‪ ،‬ومرادفا لألساطير والوقائع‪،‬‬ ‫ومع� � ��ادال موضوعي� � ��ا حلياة املجتمع� � ��ات وتطورها‪،‬‬ ‫وش� � ��اهدا على أعالمها وأبطاله� � ��ا‪ ،‬وطغاتها أيضا‪،‬‬ ‫وهو ما حتاول الفصول التالية إضاءته‪.‬‬

‫ٌ‬ ‫وتوثيق وتشكيل‬ ‫َحكْ ٌي وشَ ْر ٌح‬

‫يختز ُل ه������ذا العنوان؛ َح ْك ٌي َ‬ ‫وش������ ْر ٌح وتوثي ٌق‬ ‫وتش������كيل‪ ،‬دور املنمنم������ة املرس������ومة عل������ى م ِّر‬ ‫العصور‪ .‬فاملنمنم������ة املصورة واملخطوطة حتكي‬

‫‪41‬‬

‫‪sep 36-55.indd 41‬‬


‫في ملحمة (الشاهنامة) التي تناقلتها الروايات‪،‬‬ ‫مثلما تبادل رسمها املنمنمون‪ ،‬مواقف عصيبة‪،‬‬ ‫حتيي بقوة اشعار الفردوسي اخلالدة‬

‫‪42‬‬

‫‪8/10/14 9:21:57 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 42‬‬


‫وتشرح بينما هي توثق وتتشكل‪.‬‬ ‫ال زاخراً‬ ‫يب� � ��دأ احلكي بك� � ��ون املنمنمات س� � ��ج ً‬ ‫باملالحم‪ ،‬س� � ��واء تلك التي ألفها شعراء مجهولون‪،‬‬ ‫ورواة منس� � ��يون‪ ،‬أو املالح� � ��م التي أع� � ��اد صياغتها‬ ‫ش� � ��عراء عظام على مر العص� � ��ور‪ .‬وترتبط املالحم‬ ‫مبيالد ثقافة‪ ،‬أو نش� � ��أة أمة‪ ،‬أو خلق العالم برمته‪،‬‬ ‫ويقي� � ��م أبطالها ف� � ��ي برزخ من احلقيق� � ��ة واخليال‪،‬‬ ‫وفضاء من األساطير والوقائع‪.‬‬ ‫الي� � ��وم‪ ،‬ونحن نتذكر أبطال املالحم ال ُكبرى في‬ ‫التاريخ اإلنس� � ��اني‪ ،‬نتذاكر دورهم املُلهِ م‪ ،‬وإجنازهم‬ ‫املُل َهم‪ .‬لقد عاش� � ��وا‪ ،‬س� � ��واء كان� � ��وا أبطاال من حلم‬ ‫ودم‪ ،‬أو كائنات أسطورية‪ ،‬ليجسدوا مشاعر احلب‬ ‫واحلقد‪ ،‬وأحاسيس الفوز واالنكسار‪ ،‬ومراحل ألم‬ ‫املعاناة وأمل االرتقاء‪.‬‬ ‫خفف� � ��ت املالحم املروية على البش� � ��ر معاناتهم‪،‬‬ ‫لذلك انتش� � ��رت املرويات بني اجلماعات اإلنسانية‬ ‫برمته� � ��ا‪ ،‬وإذ تعاني املالحم الي� � ��وم ردة قد تقضي‬ ‫عليها‪ ،‬بسبب تنامي تأثير املادة اإلعالمية املتدفقة‪،‬‬ ‫التي أزاحت الرواة الشعبيني والشفاهيني‪ ،‬فالنزال‬ ‫نعق� � ��د األمل على أمرين إلحياء املالحم؛ األول‪ ،‬هو‬ ‫أن تتصدى مؤسس� � ��ات لدعم هذا الفن الشفاهي‪،‬‬ ‫وإدخاله ف� � ��ي املنظوم� � ��ة اإلعالمي� � ��ة الرقمية بكل‬ ‫وس� � ��ائطها‪ ،‬والثاني‪ ،‬هو أن نعيد ق� � ��راءة املنمنمات‬ ‫احلافظة لف� � ��ن املالحم‪ ،‬في كل العصور‪ ،‬ومبختلف‬ ‫اللغات‪ ،‬وفي كل أنحاء العالم‪.‬‬ ‫نختار في الس� � ��طور التالية مناذج من مالحم‪،‬‬ ‫نقلتها ي � � � ُد الفن إل� � ��ى صفحات املنمنم� � ��ات‪ ،‬ولم‬ ‫يقتص� � ��ر ذلك على عصور نش� � ��أتها‪ ،‬ب� � ��ل تواصل‬ ‫توثيقها حتى عصرن� � ��ا احلالي‪ ،‬على أيدي فنانني‬ ‫اس� � ��تلهموا روح املنمنمة‪ ،‬وطوروا شكلها‪ ،‬وأعادوا‬ ‫إحياء أدواتها‪.‬‬

‫الشاهنامة‪ ...‬ملحمة امللوك‬

‫يصف اجل� � ��زء األول م� � ��ن ملحمة الش� � ��اعر‬ ‫الفارس� � ��ي الفردوس� � ��ي (كتاب امللوك)‪ ،‬كيف علّم‬ ‫جمش� � ��يد (ملك إيران)‪ ،‬البشر صناعة األسلحة‬ ‫للحرب‪ ،‬وغزل النس� � ��يج‪ ،‬وبناء املنازل‪ ،‬وتش� � ��ييد‬ ‫السفن‪ .‬هكذا سيتردد اسم جمشيد في الشعر‪،‬‬ ‫وصورت� � ��ه في املنمنم� � ��ات‪ ،‬وهو يلق� � ��ي الدروس‪،‬‬ ‫ويدرب أبناء املجتمع‪.‬‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:18:27 AM‬‬

‫بع� � ��د أكثر من ألف ع� � ��ام على تدوي� � ��ن ملحمة‬ ‫الفردوس� � ��ي‪ ،‬الي� � ��زال اإليرانيون يق� � ��رأون قصيدة‬ ‫الفردوسي املطولة‪ ،‬التي عدوها ملحمتهم القومية‪،‬‬ ‫الس� � ��اردة لتاريخهم الوطني‪ .‬تس� � ��جل «الشاهنامة»‬ ‫تاري� � ��خ إي� � ��ران القدمي‪ ،‬من� � ��ذ أول ملك أس� � ��طوري‬ ‫حك� � ��م تلك الب� �ل��اد‪ ،‬إلى آخر مل� � ��وك اإلمبراطورية‬ ‫الساسانية في القرن السابع امليالدي‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من أن الفردوسي اعترف بأن «ما سأقوله قد رواه‬ ‫اجلميع من قبلي»‪ ،‬بقيت رواية الشاعر التي أخذها‬ ‫مما تناقلته األخبار على لسان سابقيه أسلوبا فذا‬ ‫جديدا وخال ًدا‪.‬‬ ‫بل إن هذه امللحمة توثقها املكتبة العربية‪ ،‬طبعة‬

‫الفردوسي‬

‫بعد أخ� � ��رى‪ ،‬حيث صدرت أحدثها عن دار س� � ��عاد‬ ‫الصباح للنش� � ��ر والتوزيع في دول� � ��ة الكويت‪ .‬ويبلغ‬ ‫طول امللحمة ‪ 50‬ألف بيت من الش� � ��عر‪ ،‬وقد ظهرت‬ ‫في القرن العاشر امليالدي‪ .‬كانت تلك حلظة فاصلة‬ ‫في التاريخ اإليراني‪ ،‬فقد سادت اللغة العربية‪ ،‬بعد‬ ‫أن زالت دولة الساس� � ��انيني‪ ،‬وأصبح اللسان العربي‬ ‫لغة األدب في إيران‪ ،‬أما اللغة الفارسية الوسطى؛‬ ‫الت� � ��ي كانت أداة احلضارة الساس� � ��انية اآلفلة‪ ،‬فقد‬ ‫كانت هي األخرى س� � ��تلحق بحضارتها وتزول‪ .‬في‬

‫‪43‬‬

‫‪sep 36-55.indd 43‬‬


‫تلك اللحظة الفاصلة ظهر الفردوس� � ��ي في خضم‬ ‫أدب ناش� � ��ئ مكت� � ��وب باللغ� � ��ة الفارس� � ��ية‪ ،‬لتصبح‬ ‫ملحمته رائعة ذل� � ��ك األدب اجلديد‪ ،‬والقدمي بلغته‬ ‫ومضمونه‪.‬‬ ‫ال تروي «الش� � ��اهنامة» س� � ��يرة بطل وحيد‪ ،‬وال‬ ‫تق� � ��دم صورة حلياة مل� � ��ك واحد‪ ،‬كما أنها ليس� � ��ت‬ ‫مغام� � ��رة طويلة ذات قصة مرتبط� � ��ة‪ ،‬ولكنها تروي‬ ‫س� � ��يرة ‪ 50‬مل� � ��كا‪ ،‬تقدمها معاجل� � ��ة عبقرية بثالثة‬ ‫مستويات مختلفة‪ ،‬الصوفي‪ ،‬وامللحمي‪ ،‬والتاريخي‪،‬‬ ‫كم� � ��ا تق� � ��ول الباحث� � ��ة اإليراني� � ��ة املتخصص� � ��ة في‬ ‫الدراسات الصينية الدكتورة نهال جتدد‪ ،‬املسؤولة‬ ‫في «اليونسكو» عن مشروع طريق احلرير‪:‬‬ ‫«يركز الفردوسي بقصيدته على قوة القدر الذي‬ ‫ال يُرد‪ ،‬وهو موضوع ملحمي منوذجي‪ ،‬يتفق متاما مع‬ ‫القدري� � ��ة املتأصلة في النفس اإليرانية‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫ميضهم‬ ‫من هذا‪ ،‬فإن أبطال الفردوسي بشر يتعذبون ُّ‬ ‫الش� � ��ك وتنال منهم نكبات الزمن‪ ،‬وهم أخلق بالرثاء‬ ‫منهم باإلدانة»‪ .‬ويتغنى اجلزء األول من الش� � ��اهنامة‬ ‫باألس� � ��اطير‪ ،‬ففي البداية هناك بشداديان‪ ،‬أي أول‬ ‫املخلوقات‪ ،‬الذين علموا البشر كيف يلبسون ويشكلون‬ ‫املع� � ��ادن ويس� � ��خرون الن� � ��ار ويروض� � ��ون احليوانات‪،‬‬ ‫وينظمون أنفسهم في مجتمعات‪.‬‬ ‫بع� � ��د حكم ‪ 700‬س� � ��نة‪ ،‬اضطر امللك جمش� � ��يد‬ ‫ بداف� � ��ع الكبرياء ‪ -‬إلى التنازل ع� � ��ن تاجه لكائن‬‫شيطاني مستبد هو «زهاق» الذي حكم البالد ألف‬ ‫س� � ��نة‪ ،‬ثم جاء حاكم عادل اسمه «فريدون» فقضى‬ ‫على حكم «زهاق» الفاس� � ��د‪ ،‬وهكذا يتبدى الصراع‬ ‫بني قوى الظالم والنور‪ ،‬موفرا مادة خصبة لفناني‬ ‫املنمنمات‪.‬‬ ‫وفي امللحم� � ��ة‪ ،‬التي تناقلته� � ��ا الروايات‪ ،‬مثلما‬ ‫تبادل رسمها املنمنمون‪ ،‬مواقف عصيبة حتيا بقوة‬ ‫أش� � ��عار الفردوس� � ��ي اخلالدة‪ ،‬التي قال هو نفس� � ��ه‬ ‫عنها‪« :‬أضنيت نفس� � ��ي في هذه الس� � ��نني الثالثني‪،‬‬ ‫وبعثت إيران من املوت بفض� � ��ل اللغة‪ ،‬ال‪ ،‬لن أموت‬ ‫أب ًدا‪ ،‬فإني أعيش‪ ،‬بعد أن غرست بذرة الكالم»‪.‬‬

‫درة املالحم الروسية‬

‫نح� � ��ن أم� � ��ام ثالث� � ��ة رج� � ��ال يرت� � ��دون الدروع‬ ‫واخل� � ��وذات ويحملون الس� �ل��اح وميتطون صهوات‬ ‫جيادهم القوية‪ ،‬يقفون حارسني لألرض الروسية‬

‫‪44‬‬

‫‪8/10/14 9:18:30 AM‬‬

‫ضد أعداء البالد‪ ،‬إنه� � ��م إيليا املورومي‪ ،‬ودوبرينا‬ ‫نيكيتيتش وإليوشا بوبوفتش‪ ،‬أبطال «البيليني»‪ ،‬أو‬ ‫املالحم الروسية‪ ،‬الذين ذاع صيتهم‪ ،‬وغنى الناس‬ ‫في أرياف البالد الروس� � ��ية على أنغام الس� � ��يتار‪،‬‬ ‫قصصهم‪.‬‬ ‫وقد ظل هؤالء الشعراء املغنون حتى أوائل القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬في شمال روس� � ��يا‪ ،‬بإقليم أرخاجنلسك‬ ‫وحول بحيرة أونيج� � ��ا‪ .‬كانت األحداث تروى بإيقاع‬ ‫بط� � ��يء من ثالثة أو أربعة أزمن� � ��ة‪ ،‬مبا يضفي على‬ ‫قصص الفرسان هيبة وجالال‪.‬‬ ‫ويع� � ��ود فض� � ��ل جمع ه� � ��ذه القص� � ��ص الغنائية‬ ‫في القرن الثامن عش� � ��ر‪ ،‬والتي متث� � ��ل كنزا تراثيا‬ ‫ش� � ��عبيا للباحث اإلجنليزي ريتش� � ��ارد جيمس‪ .‬وفي‬ ‫الق� � ��رن التالي ظهر تأثير هذه املجموعات امللحمية‬ ‫الش� � ��عبية في أدب ألكس� � ��ندر بوش� � ��كني وجوجول‬ ‫وموسيقى رمس� � ��كي كورس� � ��اكوف ومسورجسكي‪،‬‬ ‫وفنون فاسنتس� � ��وف وفروبل‪ ،‬وس� � ��ينما أيزنش� � ��تني‬ ‫(فيلم ألكسندر نفسكي)‪.‬‬ ‫احتفظ الفرس� � ��ان بقواهم اخلارق� � ��ة‪ ،‬وانتقلت‬ ‫ش� � ��عبيتهم حتى إلى مفردات اللغ� � ��ة الدارجة‪ ،‬وفي‬ ‫كييف تظل ش� � ��خصية إيليا املورومي األكثر شعبية‪،‬‬ ‫وهو الذي ولد ألبوين من الفالحني‪ ،‬وظل مش� � ��لوال‬ ‫ثالثني عاما (‪ 33‬س� � ��نة في رواية أخرى)‪ ،‬حتى زاره‬ ‫ثالثة حج� � ��اج‪ ،‬طلبوا منه أن ينهض ليقدم ش� � ��رابا‬ ‫أو طعام� � ��ا لهم‪ ،‬فلما ع َّبر له� � ��م عن عجزه‪ ،‬وأفصح‬ ‫عن عدم قدرت� � ��ه على حتريك قدمي� � ��ه أو ذراعيه‪،‬‬ ‫س� � ��ألوه للمرة الثالثة فنهض مبعجزة‪ ،‬وأحس بقوة‬ ‫«هرقلية» في جس� � ��ده‪ ،‬وأنبأه احلجاج بأنه سيكون‬ ‫مقاتال عظيما‪ ،‬وأنه لن ميوت في س� � ��احة املعركة‪،‬‬ ‫وهكذا حولت امللحمة الش� � ��عبية إيليا من ش� � ��خص‬ ‫مقعد إلى بطل ال يقهر‪.‬‬ ‫اس� � ��تخدم إيليا املورومي قوته في اس� � ��تصالح‬ ‫الغاب� � ��ة‪ ،‬كما يفعل الفالحون واحلطابون في قريته‪،‬‬ ‫ث� � ��م رحل إلى كييف ليدافع عن روس� � ��يا املقدس� � ��ة‪.‬‬ ‫ويش� � ��تري حيوان� � ��ا يركبه‪ ،‬هو جواد قصير أش� � ��عث‬ ‫الش� � ��عر‪ ،‬لكن� � ��ه يقف� � ��ز به ف� � ��ي كل خطوة فرس� � ��خا‬ ‫(‪ 1006‬أمتار)‪ ،‬ويتصدى لقاطع الطريق س� � ��ولوفاي‬ ‫(عندليب باللغة الروس� � ��ية)‪ ،‬الذي يبني عش� � ��ه فوق‬ ‫س� � ��بع من أش� � ��جار البلوط مبفترق طريق في قلب‬ ‫الغابة‪ .‬برغم صوت العندليب القاهر فال يخش� � ��ى‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 44‬‬


‫إيلي� � ��ا املوروم� � ��ي‪ ،‬ويص� � ��وب‬ ‫س� � ��همه ليفقأ عني سولوفاي‪،‬‬ ‫ويأس� � ��ر الطائر ويأخذه إلى‬ ‫قصر أمير كييف‪.‬‬ ‫هن� � ��اك يصب� � ��ح إيلي� � ��ا‬ ‫املورومي «آتامان»‪ ،‬أي رئيسا‬ ‫للفرسان‪ ،‬أو قائداً للبوجاتير‬ ‫األقوياء باللهج� � ��ة الدارجة‪.‬‬ ‫ويتح� � ��دى أع� � ��داء الوط� � ��ن‪،‬‬ ‫ويتص� � ��دى للخص� � ��وم‪ ،‬وهم‬ ‫التتار الذين يصورهم الشعر‬ ‫والرسم بهيئات كاريكاتورية‪.‬‬ ‫وتب� � ��دو إحدى الس� � ��مات‬ ‫املمي� � ��زة للمقاتل امللحمي إيليا‬ ‫املوروم� � ��ي أن� � ��ه خ� � ��ادم أرض‬ ‫روس� � ��يا‪ ،‬ولكنه ال يضع نفسه‬ ‫أبدا في خدمة ملك طاغ‪ .‬وهو‬ ‫فالح شجاع‪ ،‬براء من اخليالء‪،‬‬ ‫بعيد ع� � ��ن األناني� � ��ة‪ ،‬يصارح‬ ‫األمي� � ��ر برأي� � ��ه حني يس� � ��يء‬ ‫األخي� � ��ر س� � ��لطانه‪ ،‬وهو مليء‬ ‫بالطيبة‪ ،‬ومحب للمزاح‪ ،‬وهما‬ ‫من الصفات التي جعلته بطال‬ ‫قوميا‪ ،‬وجعل� � ��ت ملحمته يعاد‬ ‫تسجل «الشاهنامة» تاريخ فارس منذ أول ملك أسطوري حكم تلك البالد‪ ،‬إلى آخر‬ ‫تصويرها منمنم� � ��ة ومنحوتة‬ ‫ملوك اإلمبراطورية الساسانية في القرن السابع امليالدي‪.‬‬ ‫وزيتية‪ ،‬وسينمائية أيضا‪.‬‬ ‫األخي� � ��ر‪ ،‬وهو األقصر‪ ،‬فقد خص� � ��ص البنه ووريثه‬ ‫التاريخ السري للمغول‪ ...‬ملحمة جنكيز خان أوجوداي (‪ 1241 / 1228‬ميالدية)‪.‬‬ ‫تع� � ��رف امللحم� � ��ة القومي� � ��ة للش� � ��عب املغول� � ��ي‬ ‫البداية اخلرافية ب� � ��أن األب األول للمغول كان‬ ‫بأنه� � ��ا املصدر األساس� � ��ي للتعري� � ��ف بجنكيز خان ذئب� � ��ا‪ ،‬وأن زوجته كان� � ��ت غزالة‪ ،‬ه� � ��ي مفتتح تلك‬ ‫وإمبراطوريت� � ��ه‪ ،‬وه� � ��ي أيضا متزج ب� �ي��ن الفولكلور امللحم� � ��ة‪ ،‬التي متزج اخليال بالواقع‪ .‬وتتردد صورة‬ ‫واألس� � ��اطير‪ ،‬وتنبض بس� � ��يرة مجتمع السهوب في الذئب في األس� � ��اطير لدى الشعوب األوروآسيوية‪،‬‬ ‫ولكن اخليالي واخلراف� � ��ي األول‪ ،‬يتحول إلى توثيق‬ ‫القرنني الثاني عشر والثالث عشر امليالديني‪.‬‬ ‫التاريخ الس� � ��ري للمغول (موجني� � ��ول أون نيوقا ج� � ��دي حني يتعلق األمر بالقبيلة الذهبية‪ ،‬التي تعد‬ ‫طوبقان)‪ ،‬هو االس� � ��م امل� � ��رادف لتلك امللحمة‪ ،‬وهي قاعدة أنس� � ��اب الش� � ��عب املغولي‪ .‬أما القسم الثاني‬ ‫مجهولة املؤلف‪ ،‬ولكن العلماء يتفقون على أنها كتبت فهو ل� � ��ب امللحمة‪ ،‬وهو الذي يس� � ��تغرق ‪ 12‬س� � ��نة‪،‬‬ ‫في العام ‪ 1240‬ميالدية‪ .‬وقد قسم التاريخ السري ويؤرخ للقبائل املغولية‪ ،‬التي توحدت على يد جنكيز‬ ‫إلى أجزاء ثالثة؛ تتناول في اجلزء األول أس� �ل��اف خان‪.‬‬ ‫قدم� � ��ت امللحمة جنكيز خان بطال أس� � ��طوريا‪،‬‬ ‫جنكيز خان وأنس� � ��ابهم‪ ،‬وفي الثاني القصص التي‬ ‫ً‬ ‫ارتبط� � ��ت بحروب جنكيز خ� � ��ان وحياته‪ ،‬أما اجلزء ومحارب� � ��ا كبي� � ��را‪ ،‬ومع� � ��ادال موضوعيا ألس� � ��اطير‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:18:35 AM‬‬

‫‪45‬‬

‫‪sep 36-55.indd 45‬‬


‫الب� � ��راري‪ ،‬ورجال داهية ف� � ��ي إدارة أم� � ��ور الدولة‪ ،‬آس� � ��يا الوس� � ��طى‪ ،‬مثل حكاية الس� � ��هام اخلمس� � ��ة‬ ‫وخاصة حني قرر وضع حد للخالف والش� � ��قاق بني املربوطة في حزمة‪ ،‬والتي تذكرنا بقصص فارسية‬ ‫قدمي� � ��ة‪ ،‬وكذلك بحكاية عن قبائل الصقالبة‪ ،‬وهي‬ ‫القبائل املغولية‪:‬‬ ‫«وكانت السماء بنجومها تدور على غير هدى‪ ،‬القصة الش� � ��هيرة عن السهام التي تنكسر متفرقة‪،‬‬ ‫وكان كثير من الناس في نزاع وشقاق‪ ،‬ال يأوون إلى وتس� � ��تعصي على الكسر مجتمعة‪ ،‬ولهذا توصي بها‬ ‫مضاجعه� � ��م‪ ،‬بل يوقعون اخل� � ��راب بعضهم بالبعض األم التي تقول ألبنائها اخلمسة في امللحمة‪:‬‬ ‫«أنت� � ��م ي� � ��ا أبنائي اخلمس� � ��ة ولدمت م� � ��ن بطن‬ ‫اآلخر‪ .‬وكانت األرض ذات األدمي‪ ،‬تدور إلى األمام‬ ‫واح� � ��دة‪ ،‬فإذا كنتم متفرقني‪ ،‬مثل الس� � ��هام اخلمية‬ ‫وإلى اخللف‪ ،‬وكان الشعب بأجمعه في شقاق»‪.‬‬ ‫وأثبت العلماء أن بع� � ��ض الروايات التي جاءت التي رأيتموها قبل قليل فرادى‪ ،‬أصبح من الس� � ��هل‬ ‫ف� � ��ي التاريخ الس� � ��ري تعود بأصولها إلى أس� � ��اطير ألي أحد أن يكس� � ��ركم واح� � ��دا واحدا‪ .‬أما إذا كنتم‬ ‫عل� � ��ى هدف واحد‪ ،‬مثل هذه‬ ‫في املالحم الروسية نحن أمام ثالثة رجال يرتدون الدروع واخلوذات ويحملون السالح السهام اخلمس� � ��ة احملزومة‬ ‫وميتطون صهوات جيادهم القوية‪ ،‬يقفون حارسني لألرض الروسية ضد أعداء البالد‪،‬‬ ‫ف� � ��ي حزمة واح� � ��دة‪ ،‬فكيف‬ ‫ذاع صيتهم‪ ،‬وغنى الناس في أرياف البالد الروسية‪ ،‬على أنغام السيتار‪ ،‬قصصهم‪.‬‬ ‫ألحد أن يكسركم؟!»‬ ‫وقد بقيت امللحمة مصدر‬ ‫تأريخ للشعوب املجاورة لفترة‬ ‫‪ 750‬سنة‪ ،‬وكانت مرجعا في‬ ‫كتاب جامع التواريخ للمؤلف‬ ‫الفارسي رشيد الدين (‪1247‬‬ ‫‪ 1318/‬ميالدي� � ��ة)‪ ،‬وكان� � ��ت‬ ‫كذل� � ��ك مرجعا لكت� � ��اب يوان‬ ‫ش� � ��يه «تاريخ أس� � ��رة يوان»‪،‬‬ ‫الذي يضم احلوليات الصينية‬ ‫الشهيرة إلمبراطورية املغول‬ ‫ف� � ��ي الص� �ي��ن‪ ،‬م� � ��ن الق� � ��رن‬ ‫الثال� � ��ث عش� � ��ر إل� � ��ى القرن‬ ‫الرابع عش� � ��ر‪ .‬كم� � ��ا تتضمن‬ ‫«أكبر نام� � ��ة»‪ ،‬وهي حوليات‬ ‫اإلمبراطور أكبر وأس� �ل��افه‬ ‫للمؤرخ املغول� � ��ي أبي الفضل‬ ‫(‪ 1602 /1551‬ميالدي� � ��ة)‪،‬‬ ‫نصوص� � ��ا من ذل� � ��ك التاريخ‬ ‫السري‪ .‬واألهم أن املنمنمات‬ ‫الصينية واملغولية والفارسية‬ ‫والهندية كان لها نصيب في‬ ‫أن تنهل من التاريخ السري‪،‬‬ ‫تاريخا وشعراً وفنا باملثل‪.‬‬ ‫وإل� � ��ى جان� � ��ب املالحم‪،‬‬ ‫علين� � ��ا أن نش� � ��ير إل� � ��ى‬ ‫موضوع� � ��ات تاريخية أخرى‪،‬‬

‫‪46‬‬

‫‪8/10/14 9:18:38 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 46‬‬


‫بعضها مستلهم من القرآن الكرمي‪ ،‬مثل قصة نبينا‬ ‫يوس� � ��ف عليه الس� �ل��ام مع امرأة العزيز في مصر‪،‬‬ ‫فضال عن أشعار أدباء عاصروا مرحلة ازدهار فن‬ ‫املنمنمات‪.‬‬

‫امو ا ُملن َْمن ََمات الفارسية‬ ‫َر َّس ُ‬

‫نتعرف في العهد الصفوي على رسام املنمنمات‬ ‫علي نقي‪ ،‬الذي اتبع نهج أبيه الشيخ عباسي‪ ،‬املشهور‬ ‫بلوحاته الس� � ��بع املؤرخ� � ��ة بني عام� � ��ي ‪1684‬و‪1685‬‬ ‫ميالدي� � ��ة‪ ،‬ومثل أبيه‪ ،‬وش� � ��قيقه محم� � ��د نقي‪ ،‬عمل‬ ‫الفنان علي نقي بشكل انتقائي خضع فيه للتأثيرات‬ ‫األسلوبية التي جتمع بني األوربية والهندية‪ ،‬ولم تكن‬ ‫أعمال� � ��ه تقل ج� � ��ودة عن لوحات أبي� � ��ه‪ ،‬إال أنها كانت‬ ‫أكثر جرأة‪.‬‬ ‫كم� � ��ا يع� � ��د عباس� � ��ي أح� � ��د رس� � ��امي املنمنمات‬ ‫الصفوية‪ ،‬وترك سبع عشرة لوحة رسمت بني عامي‬ ‫‪ 1650‬و‪ 1683‬ميالدية‪ .‬كان عباسي يرسم على ورقة‬ ‫صغيرة لها شكل املستطيل غير ملونة اخللفية وضعت‬ ‫داخ� � ��ل إطار مزين بالنبات� � ��ات‪ .‬إن مجموعة األعمال‬ ‫املنس� � ��وبة لعباسي‪ ،‬ومس� � ��اعديه وتالميذه‪ ،‬ميكن أن‬ ‫توصف بأس� � ��لوبها املنم� � ��ق بأنها تقدم ش� � ��خصياتها‬ ‫بنعومة وسالسة‪ ،‬مثل عمل عباسي املبكر عن العب‬ ‫الكروبات والدف‪ ،‬واألعمال التي حتمل وجوها ناعمة‬ ‫ومرقطة‪ ،‬ومثلثة الش� � ��كل‪ ،‬وهناك عيون حزينة‪ ،‬على‬ ‫األغلب‪ ،‬بينما هناك خلفيات ملش� � ��اهد طبيعية (تبدو‬ ‫كأنها مستنس� � ��خة من مثي� �ل��ات إيطالية) وبلدات في‬ ‫األفق نائية‪ .‬وينظر أيضا أسلوبه في حوالي عشرين‬ ‫م� � ��ن اللوحات األخ� � ��رى التي تعزى له أو مس� � ��اعديه‬ ‫وأتباعه‪.‬‬ ‫وخالف� � ��ا ملعاصريه زمان محم� � ��د وعلي‪ ،‬لم يكن‬ ‫عباسي ينسخ مباش� � ��رة املوضوعات األوربية‪ ،‬ورمبا‬ ‫كان انتقال التأثير األوربي إليه تدريجيا عبر النماذج‬ ‫التركية‪ ،‬وه� � ��و ما ظهر باملثل ف� � ��ي محاوالته تصوير‬ ‫املوضوعات الهندية قرب نهاية حياته املهنية‪ ،‬والتي‬ ‫تظهر ألفة مع تفاصيل أزياء الهنود وأمناط التصوير‬ ‫الهن� � ��دي‪ ،‬وتعد محاولته األكث� � ��ر جناحا في الطريقة‬ ‫الهندية رس� � ��مه امللون لألمير يركب الفيل مع املوكب‪،‬‬ ‫ويعود تاريخها إلى عام ‪ 1675‬ميالدية‪.‬‬ ‫وباس� � ��تثناء مجموعة من الرسوم التوضيحية في‬ ‫مخطوطة مجهولة‪ ،‬كان عباس� � ��ي يشتغل على تقدمي‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:18:42 AM‬‬

‫لوحات ألبوم� � ��ات صور احلكام (مثل الش� � ��اه عباس‬ ‫الثاني والش� � ��اه س� � ��ليمان)‪ ،‬بينما ظهرت هناك أيضا‬ ‫أعم� � ��ال موضوعها الفروس� � ��ية والع� � ��ذراء والطفولة‬ ‫والش� � ��باب والنس� � ��اء في املناظر الطبيعي� � ��ة أو التنزه‬ ‫واالس� � ��تماع إلى املوس� � ��يقى‪ ،‬وهو ما ب� � ��رع فيه ولداه‬ ‫الفنانان محمد نقي وعلي نقي‪.‬‬ ‫كما ‪ ‬يُعد فنان احلقبة املغولية الرسام أبواحلسن‬ ‫نادر الزمان‪ ،‬املولود في العام ‪ 1589‬ميالدية‪ ،‬ببالط‬ ‫األمي� � ��ر س� � ��الم (ال� � ��ذي أصب� � ��ح الحق� � ��ا اإلمبراطور‬ ‫جهاجنير)‪ ،‬خير خلف لوال� � ��ده الفنان آغا رضا‪ ،‬ابن‬ ‫ه� � ��رات‪ ،‬فقد عاش وعمل كفن� � ��ان طيلة حياته‪ .‬درب‬ ‫الوال ُد ابنه ليكون فنان بالط مثله‪ ،‬وأعطاه لقبه وهو‬ ‫«نادر الزمان» وعن� � ��ى به كما ندرك أعجوبة العصر‪.‬‬ ‫كان الفن� � ��ان الوالد قد أظهر مهارة كبرى في البالط‬ ‫املغولي‪ ،‬لدى مريد بادش� � ��اه‪ ،‬وتشهد بذلك مجموعته‬ ‫في لوحات ألبوم قصر كلستان‪.‬‬ ‫ع� � ��زز الفنانان‪ ،‬األب واالبن‪ ،‬عبر اس� � ��تخدامهما‬ ‫للون واخلط‪ ،‬وبشكل ملحوظ‪ ،‬العناصر الفارسية في‬ ‫اللوح� � ��ة املغولية في تلك الفترة‪ ،‬وأصبح أبواحلس� � ��ن‬ ‫أفضل رس� � ��ام بورتري� � ��ه في عصره‪ ،‬بفضل دراس� � ��ته‬ ‫لتقنيات الصور والنقوش األوربية ونسخه لكثير منها‪.‬‬ ‫��تشمل موضوعات أبي احلسن صورا رمزية للحكام‬ ‫ومش� � ��اهد جلموع اجلمه� � ��ور العام صورت حاش� � ��ية‬ ‫احلاكم وكذلك الدراويش‪ ،‬فضال عن لوحات األقرباء‬ ‫واملس� � ��ؤولني رفيعي املس� � ��توى من املغول‪ ،‬واش� � ��تهرت‬ ‫لديه ص� � ��ورة يحتفظ بها متحف جيمي� � ��ه في باريس‬ ‫لإلمبراطور جهاجنير وصورة والده أكبر في يديه‪.‬‬ ‫وميكن أن نش� � ��ير في احلقبة نفسها للفنان رضا‬ ‫آغا اله� � ��روي (‪ 1605-1599‬ميالدية)‪ ،‬الذي ارتبط‬ ‫باألمير سليم (اإلمبراطور جهاجنير)‪ ،‬وقد وقع باسم‬ ‫آغا زاد‪ ،‬وكان مثل أبي احلسن رسا ًما للبالط‪،‬‬ ‫كما يعد حبي� � ��ب الله الصفج� � ��ي (‪1628-1587‬‬ ‫ميالدي� � ��ة) أحد الفنان� �ي��ن األكثر حتفظا‪ ،‬ونش� � ��اطا‪،‬‬ ‫في عهد الش� � ��اه عباس األول (حك� � ��م ‪1628-1587‬‬ ‫ميالدي� � ��ة)‪ .‬وللفنان حبيب الل� � ��ه العديد من اللوحات‬ ‫املوقعة‪ ،‬مبا ف� � ��ي ذلك منوذج منمنمات لس� � ��رب من‬ ‫الطيور‪ ،‬إضافة إلى نس� � ��خة من منطق الطير لفريد‬ ‫الدين العط� � ��ار (‪ 1483‬ميالدية)‪ ،‬يحتفظ بها متحف‬ ‫متروبوليت� � ��ان للفنون في نيوي� � ��ورك‪ ،‬وهناك باملتحف‬ ‫نفس� � ��ه عمل آخر للفنان ميثل مزارعا يحرث بصحبة‬

‫‪47‬‬

‫‪sep 36-55.indd 47‬‬


‫يستخدم رسامو املنمنمات أغراض احلياة اليومية ليحولوها إلى قطع من الفن‪.‬‬

‫اثن� �ي��ن من أبنائه‪ ،‬وله ألب� � ��وم «ظفرنامه»‪ ،‬وبه تصوير‬ ‫للجمال م� � ��ع رجل ملتح يحمل املغزل ولوحة لش� � ��اب‬ ‫يحم� � ��ل بندقية (متحف س� � ��تاتليتش اإلس� �ل��امي في‬ ‫برلني)‪ ،‬ورسم المرأة شابة جتلس في حقل للكمثرى‬ ‫(مجموعة جورج باس� � ��يل روبنس� � ��ون‪ ،‬لندن)‪ ،‬ولوحة‬ ‫لصياد ش� � ��اب ومنمنمة لس� � ��يدة جالس� � ��ة ف� � ��ي رداء‬ ‫برتقالي (وكلتاهما في مكتبة سراي توبكابي مبدينة‬ ‫اس� � ��طنبول)‪ ،‬ومنمنمة لقافلة جم� � ��ال عربية (متحف‬ ‫ميدلهافموزيت في ستوكهولم)‪.‬‬ ‫ه� � ��ذه اللوحات تقدم منوذجا لفن الرس� � ��ام الذي‬ ‫متي� � ��ز بتقدمي تفاصي� � ��ل معقدة لألزي� � ��اء واحللي من‬ ‫الذهب والفضة وص� � ��ورة للعصر‪ ،‬وخاصة حني نقرأ‬ ‫ما ب� �ي��ن األلوان‪ ،‬فنرى كي� � ��ف كان الصياد يتودد إلى‬ ‫صقره‪ ،‬بألفة‪ ،‬وكيف تنق� � ��ش خيوط الذهب متوازية‬ ‫عل� � ��ى املالبس‪ ،‬وكيف كان� � ��ت القف� � ��ازات ثرية‪ ،‬تبدو‬ ‫بهرجته� � ��ا ح� �ي��ن يضربها الضوء‪ ،‬وكي� � ��ف كانت تبدو‬ ‫خناجر الزي الرسمي والقلنسوات في ذلك العصر‪.‬‬ ‫أما علي بن س� � ��لطان ميرزا فهو س� � ��يد رس� � ��امي‬

‫‪48‬‬

‫‪8/10/14 9:18:48 AM‬‬

‫العص� � ��ر الصفوي املبكر‪ ،‬وقد ولد‪ ،‬على األرجح‪ ،‬بني‬ ‫عام� � ��ي ‪1500‬و‪ 1510‬ميالدية‪ ،‬وتوف� � ��ي حوالي العام‬ ‫‪ 1575‬ميالدية‪ .‬نال علي بن سلطان تدريبه األساسي‬ ‫كرسام من والده‪ ،‬لكنه تتلمذ أيضا على أيدي فنانني‬ ‫آخرين‪.‬‬ ‫أنت� � ��ج بن س� � ��لطان لوحات� � ��ه حتت رعاية الش� � ��اه‬ ‫طهماسب‪ ،‬وتكش� � ��ف أعماله عن متكنه من التقاليد‬ ‫التفصيلية والتركيبية‪ ،‬ووض� � ��وح اجلمع بني املراقبة‬ ‫املضنية للمشهد املرسوم مع ميل للنظام الكالسيكي‪،‬‬ ‫فضال عن انتباه إلى الف� � ��روق الدقيقة في املالبس‪،‬‬ ‫واإلمي� � ��اءات‪ ،‬مب� � ��ا يجعله� � ��ا مص� � ��درا مهم� � ��ا للحياة‬ ‫االجتماعية في العه� � ��د الصفوي‪ ،‬جنبا إلى جنب مع‬ ‫أعمال العديد من معاصريه مثل مظفر علي والشيخ‬ ‫محمد املدعومني من قبل الش� � ��اه ميرزا​​ابن ش� � ��قيق‬ ‫إبراهيم الذي كان متذوقاً للرس� � ��م واخلط ومحتفيا‬ ‫بهما‪.‬‬ ‫وقد أنتج علي ميرزا في الفترة األخيرة من حياته‬ ‫عددا كبيرا م� � ��ن اللوحات ذات الصفح� � ��ة الواحدة‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 48‬‬


‫واملصممة إلدراجها في ألبومات‪ ،‬تقدم في معظمها‬ ‫«بورتريهات» لشباب ونساء ومشاهد من البالط‪.‬‬ ‫الرس� � ��ام واملزخرف عبدالله‬ ‫كم� � ��ا يجب أال نغفل َّ‬ ‫شيرازي‪ ،‬الذي يعد أحد فنارات رسم املنمنمات في‬ ‫القرن الس� � ��ادس عش� � ��ر‪ ،‬وكان أحد أعضاء محترف‬ ‫رسم املخطوطات لدى أبي الفتح إبراهيم بهرام ملدة‬ ‫عش� � ��رين عاما‪ ،‬باعتباره حاكم مش� � ��هد حتى اغتياله‬ ‫ف� � ��ي قزوين س� � ��نة ‪ 1577‬ميالدية‪ .‬واح� � ��دة من أروع‬ ‫املخطوط� � ��ات التي أنتجتها ورش� � ��ة إبراهي� � ��م ميرزا​​‬ ‫هي نس� � ��خة من لهفت جامي‪ ،‬بعنوان زليخا ويوسف‪،‬‬ ‫ومؤرخ� � ��ة ف� � ��ي ‪ 1565‬ميالدي� � ��ة‪ ،‬وتضمنت الرس� � ��وم‬ ‫املعمارية نقشات مذهبة مؤطرة‪.‬‬

‫َم ْد َر ُ‬ ‫سة ُبخَ ا َرى لفنِّ ا ُملن َْمن ََم ِات‬

‫ميكن أن نقس� � ��م احلدي� � ��ث عن َف� � ��نِّ املُنَ ْمنَ َم ِ‬ ‫ات‬ ‫ف� � ��ي بخ� � ��ارى‪ ،‬بجمهوري� � ��ة أوزبكس� � ��تان املعاصرة‪،‬‬ ‫إلى حقبتيـــ� � ��ن‪ ،‬تـــاريـخــي� � ��ة قـــديـــم� � ��ة‪ ،‬وتأصــيلية‬ ‫معاصرة‪ .‬وقد اشتهرت‬ ‫قدميا م� � ��دارس بخارى‬ ‫وس� � ��مرقــند وطــشقند‪،‬‬ ‫وال ت� � ��زال املخطوطات‬ ‫احملفوظة في أرش� � ��يف‬ ‫هذه امل� � ��دن‪ ،‬أو املنقولة‬ ‫منها إلى متاحف العالم‬ ‫حتكي الكثير‪.‬‬ ‫ومنوذجا للمدارس‬ ‫التاريخي� � ��ة في رس� � ��م‬ ‫املنمنمات‪ ،‬س� � ��نجد أن‬ ‫مدرسة بُخارى تعود بنا‬ ‫إلى بالد ف� � ��ارس‪ ،‬فقد‬ ‫نهضت هذه املدرس� � ��ة‬ ‫عل� � ��ى أكت� � ��اف الفنانني‬ ‫واخلطاطني والنساخني‬ ‫الذي� � ��ن هرب� � ��وا م� � ��ن‬ ‫هرات‪ ،‬بسبب الــغزوات‬ ‫املتك� � ��ررة عل� � ��ى املدينة‬ ‫م� � ��ن قب� � ��ل ُعبيدالل� � ��ه‬ ‫خ� � ��ان (‪1539 1512‬‬ ‫ميالدي� � ��ة)‪ .‬ولذلك من‬ ‫اجلل� � ��ي أن يتض� � ��ح في جنكيز خان‪.‬‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:18:53 AM‬‬

‫منمنمات مدرس� � ��ة بُخارى ذلك التأثير الفارسي‪،‬‬ ‫برغم أن هذه الفترة لم تخلف لنا منمنمات تخص‬ ‫نخبتها احلاكمة‪.‬‬ ‫وم������ع أن املنمنم������ات الت������ي ظه������رت أوائل‬ ‫القرن الس������ادس عش������ر كانت تقلد س������ابقاتها‬ ‫التي ظهرت في منتصف القرن الس������ابق عليها‬ ‫في ب���ل��اط التيموريني‪ ،‬كما توثقه������ا منمنمات‬ ‫سمرقند وطشقند‪ ،‬فإنها لم تبق على منمنمات‬ ‫مماثلة‪ .‬باملقابل لنا أن نعثر على موجتي تأثير‬ ‫حلقتا مبدرس������ة بخارى في رس������م املنمنمات‪،‬‬ ‫وكلتاهما جاءت من ه������رات‪ ،‬كانت األولى على‬ ‫النس������ق التيموري تقدم بالط السلطان حسني‬ ‫(‪ 1506 /140‬ميالدية)‪ ،‬ويحتفظ متحف الفن‬ ‫احلر في واشنطن بإحدى هذه املنمنمات‪ ،‬التي‬ ‫تبني العمارة‪ ،‬واملش������اهد الطبيعي������ة‪ ،‬واألزياء‪،‬‬ ‫وأغطية الرأس بشكل مميز عن رسوم هرات‪.‬‬ ‫وقد اس������تمر هذا األس������لوب قوي������ا في بخارى‬

‫‪49‬‬

‫‪sep 36-55.indd 49‬‬


‫تعرف امللحمة القومية للشعب املغولي بأنها املصدر األساسي للتعريف بجنكيز خان وإمبراطوريته‪ ،‬ومتزج بني الفولكلور واألساطير‪،‬‬ ‫وتنبض بسيرة مجتمع السهوب في القرنني الثاني عشر والثالث عشر امليالديني‪ ،‬وتشرح هذه املنمنمة حصار املغول ملدينة بغداد‬

‫‪50‬‬

‫‪8/10/14 9:19:01 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 50‬‬


‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:19:10 AM‬‬

‫‪51‬‬

‫‪sep 36-55.indd 51‬‬


‫حت������ى منتصف القرن الس������ادس عش������ر‪ .‬ولعل‬ ‫أهم مخطوطة تعود لهذه الفترة هي نسخة من‬ ‫مؤلف سعدي (جلستان)‪ ،‬وحتتفظ بها مؤسسة‬ ‫‪ M. Bodmer‬ف������ي جنيف‪ ،‬وقد أمر بنس������خها‬ ‫الس������لطان علي في ه������رات (‪ 1500‬ميالدية)‪،‬‬ ‫ولكن رس������ومها أضيف������ت ملن خل������ف عبيدالله‬ ‫خان‪ ،‬وهو عبدالعزيز س������لطان (‪1550 /1539‬‬ ‫ميالدية)‪.‬‬ ‫إن البن������اء التركيبي للمنمنمات‪ ،‬واألس������لوب‬ ‫اخلاص برس������ومها‪ ،‬يعودان بش������كل واضح إلى‬ ‫األص������ول اخلاصة مبخطوطة (جلس������تان) التي‬ ‫رسمت للس������لطان حس���ي��ن‪ .‬ومخطوطات بعض‬ ‫هذه السنوات نس������خها خطاطون أمثال سلطان‬ ‫علي مشهد‪ ،‬الذي لم يعش أبدا في بخارى‪.‬‬ ‫مجموعة أخرى من مخطوطات بُخارى ميكن‬ ‫أن تعزى إلى رعاية عبدالعزيز سلطان‪ ،‬وهو أحد‬ ‫أعظم املكتبيني في عهد ما بعد التيموريني‪ ،‬في‬ ‫آسيا الوس������طى‪ .‬ويقول مؤرخو الفن إن لوحات‬ ‫تل������ك الفترة تعود بأس������لوبها وتركيبها إلى تأثير‬ ‫مدرس������ة الفن في عه������د الصفوي���ي��ن‪ ،‬وخاصة‬ ‫الع������ام ‪ 1525‬ميالدية‪ ،‬حي������ث نقلها إلى بخارى‬ ‫شيخ زاده‪ ،‬الذي كان تلميذا لبهزاد‪ .‬وهكذا كان‬ ‫أسلوب بهزاد في هرات‪ ،‬وتأثيره هو وتالميذه‪،‬‬ ‫قد أصبحا عتيقني ف������ي بالط الصفويني‪ ،‬وقد‬ ‫بزه حينئذ األس������لوب التبريزي‪ ،‬للرسام سلطان‬ ‫محمد‪ ،‬وأتباعه‪.‬‬ ‫ثم س������عى شيخ زاده باحثا عن مصدر جديد‬ ‫للرعاية لدى الشهبانيني‪ ،‬فقام بتسطيح الفضاء‬ ‫املعم������اري وزاد م������ن زيناته الزخرفي������ة‪ ،‬وهو ما‬ ‫يتضح في املشهد اجلامع الذي بديوان حافظ‪،‬‬ ‫الذي قدمه للش������اه طهماس������ب شقيق ميرزا​​في‬ ‫حوالي ‪ 1527‬ميالدية‪.‬‬ ‫وم َّث������ل رب������ع األخير م������ن القرن الس������ادس‬ ‫عش������ر فترة انتقالية في مدرسة بخارى لرسوم‬ ‫املنمنم������ات‪ ،‬حي������ث تفكك بش������كل نهائي النمط‬ ‫األساسي للتصميم البخاري‪ ،‬وأضيفت الرسوم‬ ‫التوضيحية للمخطوطات‪ ،‬ولم تبق سوى عالقة‬ ‫ضئيل������ة ت������كاد أحيانا تكون معدوم������ة مع النص‬ ‫املرافق له������ا‪ ،‬ومثاال على ذلك هن������اك أكثر من‬ ‫‪ 300‬منمنمة تنسخ شخصيات واحدة‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫‪8/10/14 9:19:19 AM‬‬

‫ونتيجة لغزو صفويي خراسان ألوزبك بخارى‬ ‫(‪ 1586‬ميالدية)‪ ،‬كانت هناك موجة جديدة من‬ ‫التأثي������رات الفنية من مش������هد وهرات‪ ،‬وظهرت‬ ‫املنمنمات التي رسمها في شبان يرتدون العمائم‬ ‫في خراس������ان األوزبكية‪ ،‬ما يجعلنا نفترض أن‬ ‫الفنان���ي��ن احملليني كانوا يعمل������ون ملصلحة رعاة‬ ‫أوزبكيني جدد‪.‬‬ ‫ومن املهم أن نشير إلى أن وليام موركروفت‪،‬‬ ‫وكان ممثال للحكومة البريطانية في الهند‪ ،‬وقام‬ ‫بدراسة الفنون واحلرف اليدوية في كشمير بني‬ ‫عام������ي ‪1819‬و‪ 1823‬ميالدية‪ ،‬قد أكد أن جتارة‬ ‫املصدرة منشرة بشكل هائل‪ ،‬وكانت‬ ‫املخطوطات‬ ‫َّ‬ ‫املنمنمات الكش������مير تنقل إلى آس������يا الوسطى‬ ‫خالل فترة السلطنة الدورانية بني عامي ‪1752‬‬ ‫و‪ 1819‬ميالدية‪ ،‬وتش������هد مجموعات كشميرية‬ ‫لدى خزائن االحتاد الس������وفييتي الس������ابق على‬ ‫دق������ة تقاري������ر موركروفت‪ ،‬وقد أكد هو نفس������ه‬ ‫ترحي������ل بعض فناني كش������مير إلى مدن آس������يا‬ ‫الوس������طى خالل أوائل القرن التاس������ع عش������ر‪،‬‬ ‫وأن هؤالء ظلوا يحافظون على أس������لوب العمل‬ ‫الوطن������ي اخلاص بهم‪ ،‬وال يوج������د أي دليل على‬ ‫إنت������اج الكت������ب املصورة في بخارى نفس������ها بعد‬ ‫نهاية القرن السابع عشر‪.‬‬ ‫وخ���ل��ال العقود املاضية ج������رى إحياء لتلك‬ ‫املدرسة البخارية‪ ،‬واليوم يتبوأ فن املنمنمات في‬ ‫أوزبكس������تان‪ ،‬التي تضم مدن بخارى وسمرقند‬ ‫وطشقند (العاصمة)‪ ،‬مكانة كبيرة‪.‬‬ ‫اً‬ ‫طويل في‬ ‫لق������د أخذ ف������ن املنمنمات وق ًت������ا‬ ‫تط������وره‪ ،‬حتى حجز لنفس������ه مكا ًنا ش������ َرف ًيا في‬ ‫تاري������خ فن������ون العال������م‪ .‬وق������دم فنانو وأس������اتذة‬ ‫الفنون الش������عبية األوزبكيون الكثير من األعمال‬ ‫الفنية العظيمة في القرنني العش������رين واحلادي‬ ‫والعشرين‪ ،‬والتي ال تعتبر مجرد مثار لإلعجاب‬ ‫لثراء تش������كيلها وخيالها اخلصب فحس������ب‪ ،‬بل‬ ‫اً‬ ‫تُعد ً‬ ‫دليل على التاريخ القدمي‪ ،‬وجتس������د‬ ‫أيضا‬ ‫الش������خصية املتنوعة واملتفردة لثقافة الفن لدى‬ ‫الش������عب األوزبكي‪ ،‬وهي بحق كنو ٌز فنية عاملية‪.‬‬ ‫بي������د أن اإلس������هام األهم واألكبر للفن الش������عبي‬ ‫األوزبكي للثقافة العاملية على مر العصور ولكل‬ ‫األمم‪ ،‬هو فن املنمنمات‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 52‬‬


‫ٌ‬ ‫وتوثيق وتشكيل‪ ،‬دور املنمنمة املرسومة على م ِّر العصور‪.‬‬ ‫َحكْ ٌي وشَ ْر ٌح‬ ‫فاملنمنمة املصورة واملخطوطة حتكي وتشرح بينما هي توثق وتتشكل‬

‫‪53‬‬

‫‪8/10/14 9:19:25 AM‬‬

‫‪sep 36-55.indd 53‬‬


‫تقدمي كتاب سيرة حياة السلطان أكبر (أكبر نامة) في حفل بقلعته القريبة من أجرا‪ ،‬الهند‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫‪8/10/14 9:19:30 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 36-55.indd 54‬‬


‫وم� � ��ن امله� � ��م التأكي� � ��د عل� � ��ى أن قضي� � ��ة الفن‬ ‫الش� � ��عبي في زمن السوفييت كانت متثل عب ًئا اً‬ ‫ثقيل‬ ‫وظاه� � ��رة آخذة في االنقراض‪ .‬ولهذا فإن أس� � ��اتذة‬ ‫الصنوف األساسية للفنون الشعبية صائغي احللي‬ ‫واملجوهرات‪ ،‬وصانعي الفخار واخلزف‪ ،‬والرسامني‬ ‫على القماش‪ ،‬والنقاش� �ي��ن على اجللود‪ ،‬ونس� � ��اجي‬ ‫األبس� � ��طة‪ ،‬وحفاري اخلش� � ��ب‪ ،‬ومركبي اجلص‪ ،‬مت‬ ‫الزج بهم إلى املنفى‪ ،‬وشمل احلظر تداول أعمالهم‬ ‫اإلبداعي� � ��ة‪ .‬تلك األعمال التي ل� � ��م تدعمها الدولة‪،‬‬ ‫ول� � ��م يكن ثمة طلب عليها؛ بس� � ��بب تدني مس� � ��توى‬ ‫معيشة الشعب في ذلك الوقت‪ .‬واملوقف املوصوف‬ ‫في ُمجمله يكاد يتمثل في رس� � ��م تصويري صغير‪،‬‬ ‫وه� � ��و منمنم ٌة من أعمالِ عبقري الش� � ��عر األوزبكي‬ ‫علي ش� � ��ير نواعي‪ ،‬حيث ترى األسد مكبال بأصفاد‬ ‫من النق� � ��وش الغامضة كُتب عليها «األس� � ��د املكبل‬ ‫يس� � ��عى للتحرر»‪ .‬ولهذه الش� � ��خصية معان مختلفة‪،‬‬ ‫وال تعني فقط حرية الفن اإلبداعي ككل‪ ،‬بل ً‬ ‫أيضا‬ ‫فردية كل فنان على حدة‪.‬‬ ‫ومن الوثائق املهمة لعهد التيموريني‪ ،‬الذي رعت‬ ‫مبوجبه الدولة أس� � ��اتذة الفن الشعبي‪ ،‬نتعرف على‬ ‫موض� � ��وع مؤرخي الفن‪ ،‬إذ جند أس� � ��تاذ املنمنمات‪،‬‬ ‫ومدي� � ��ر الكتابخانة (املكتبة) كم� � ��ال الدين جعفري‬ ‫تبري� � ��زي م� � ��ن ِحرات‪ ،‬يخب� � ��ر األمير غي� � ��اث الدين‬ ‫بايس� � ��ونكور (‪ )1434 / 1397‬ف� � ��ي تقريره بالوفاء‬ ‫بـ «أوامر الدولة» املُصممة ملصلحة الرس� � ��وم الفنية‬ ‫للمباني‪ ،‬وتصمي� � ��م املنمنمات للكت� � ��ب‪ ،‬والتصميم‬ ‫الفن� � ��ي واجلرافيكي لدواوين الش� � ��عر‪ .‬وكذلك فإن‬ ‫األمير بايس� � ��ونكور (ابن ش� � ��اه روح) نفسه كان من‬ ‫فناني اخل� � ��ط املوهوبني‪ .‬وفي متح� � ��ف القرآن في‬ ‫مش� � ��هد نرى مناذج كثي� � ��رة من أعمال بايس� � ��ونكور‬ ‫معروضة في مكان بارز‪.‬‬ ‫وف� � ��ي تلك الظ� � ��روف املواتية للف� � ��ن اإلبداعي‬ ‫نشأ أس� � ��تاذ املنمنمات العبقري كمال الدين بهزاد‬ ‫(‪ 1536 – 1455‬ميالدية)‪ .‬ومن اجلدير بالذكر أن‬ ‫الشاعر علي شير نواعي (األمير الكبير في بالط‬ ‫التيموريني في خراس� � ��ان) كان معلم وراعي بهزاد‪.‬‬ ‫أما اآلن‪ ،‬وفي ما يتعلق بالفن الشعبي (الفولكلور)‬ ‫في أوزبكستان‪ ،‬فأود اإلش� � ��ارة إلى بعض النقاط‬ ‫الفارق� � ��ة في عملي� � ��ة ترميم وتأهي� � ��ل وتنمية الفن‬ ‫الشعبي التقليدي‪.‬‬ ‫َف ُّن ا ُملن َْمن ََمات‪ ...‬األدب والتاريخ واألسطورة‬

‫‪8/10/14 9:19:34 AM‬‬

‫وأحد األنواع املنس� � ��ية من الفن الفولكلوري هو‬ ‫الرس� � ��م على املين� � ��ا والذي اس� � ��تعاده ن‪ .‬حوملاتوف‬ ‫بالرس� � ��م على صناديق صغيرة مصنوعة بالطريقة‬ ‫القدمية باستخدام تقنية الصائغني‪ .‬وقدم مجموعة‬ ‫من الصناديق برسوم مينا بإطار من الفضة والنيكل‬ ‫بزخرفة شرقية‪ ،‬وأحيا ًنا بإضافة قطع من الفيروز‬ ‫واألحجار النفيس� � ��ة وقالدات العن� � ��ق‪ .‬وفي العادة‬ ‫فإن شكل الصندوق وطريقة رسمه متتزج بأسلوب‬ ‫متجان� � ��س‪ .‬ويراع� � ��ي ف� � ��ي أعمال� � ��ه كل التفاصيل‪،‬‬ ‫والتركي� � ��ب الكل� � ��ي لدى إدخاله لعناص� � ��ر تصويرية‬ ‫ورسم لشخصيات‪ .‬ودائ ًما ما يبقي في ذهنه مجمل‬ ‫التصميم واللوحة ويحافظ على اتس� � ��اق األسلوب‬ ‫في العمل ككل‪.‬‬ ‫وتقدم سلس� � ��لة من صناديقه‪/‬أعمال� � ��ه الفنية‬ ‫التي يس� � ��تخدم فيها ألوانا باهتة بسخاء‪ ،‬لسيناريو‬ ‫يدور في محيط من املناظر الطبيعية‪ .‬وهي عامرة‬ ‫بالش� � ��عرية وبها نوع من التأمل الفلسفي‪ ،‬ومن هذه‬ ‫األعمال «موس� � ��يقى» و«تأم� � ��ل» و«الطائر»‪ ،‬و«عالم‬ ‫الطبيعة» و«الباقة»‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫وقد استخدم التقنية الفنية في رسم اجلداريات‬ ‫في زخرفة قصر «تركس� � ��تان» وهو مبنى الس� � ��فارة‬ ‫التركية في طشقند‪ ،‬ومسرح الدراما املوسيقية في‬ ‫بلدة جوليس� � ��تان‪ ،‬وترميم مطعم «أوزبكس� � ��تان» في‬ ‫موسكو‪.‬‬ ‫والنهج الزخرفي‪ ،‬واألس� � ��لوب الشعري‪ ،‬واأللق‬ ‫ٍ‬ ‫سمات‬ ‫البالغ‪ ،‬واالنس� � ��جام في الفن‪ ،‬صارت جمي ًعا‬ ‫ِّ‬ ‫وبغض النظر عن مسألة‬ ‫أصيلة في أعماله الفنية‪.‬‬ ‫اإلبقاء على تقاليد الرس� � ��م القدمية واحلفاظ على‬ ‫بناء الصورة ومتاسك األسلوب‪ ،‬وهي من الصفات‬ ‫اللصيق� � ��ة بالنهض� � ��ة الفنية املش� � ��رقية‪ ،‬فإن إدراك‬ ‫الفن� � ��ان لتمثيل الص� � ��ورة في ما يتص� � ��ل بالفنانني‬ ‫املعاصرين في أوزبكستان يستوجب تفسير احلياة‬ ‫اليومية وعالقات البش� � ��ر‪ ،‬وهي قدمية في املنطقة‬ ‫منذ قرون‪ ،‬ولها صلة وثيقة باحلاضر‪.‬‬ ‫إن تناولنا لهذه املنمنمات الشرقية في احلضارة‬ ‫اإلسالمية ال يعني إغفالنا ملدارس فنون املنمنمات‬ ‫الصينية والهندية والعثماني� � ��ة والتأثيرات املتبادلة‬ ‫بينه� � ��ا‪ ،‬لكن لذلك حديثا يطول‪ ،‬ال تتس� � ��ع له مقالة‬ ‫منمنمة تضيء تاري� � ��خ ذلك الفن املغموس في حبر‬ ‫نوستاجليا احلكايات والتاريخ واألدب >‬

‫‪55‬‬

‫‪sep 36-55.indd 55‬‬


‫أعالم الثقافة العربية‬

‫الشاعر سماء عيسى‬ ‫راصدًا الموت والعشق‪ ...‬واألمكنة‬ ‫ُ‬ ‫والروح‬ ‫ثالثية المنفى والمرأةِ‬ ‫ُّ‬ ‫نظ ٌر في ديوان «دم العاشق» لـ «سماء عيسى»‬

‫‪56‬‬

‫‪8/18/14 8:48:04 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 56-66.indd 56‬‬


‫راصد ًا املوت والعشق‪ ...‬واألمكنة‬

‫الشاعر سماء عيسى‬

‫إذ يطل من «شرفة على أرواح أمهاتنا»‬ ‫محمد بن سيف الرحبي*‬ ‫كأنه زاهد ميضي صوب مغارته البعيدة‪ ،‬ال يكتب إال املوت إذ يرصد احلياة‪ ،‬تشعر بدبيب‬ ‫حروفه على صخر جبال أمامه‪ .‬جبال داخلة‪ ،‬صامت لوال تلك الكلمات التي يكتب بها‬ ‫عن املوت مع ّبرا عن العشق‪ ،‬مترادفان في قلبه‪ ،‬كتالزمهما في نصوصه التي (رمبا) ال‬ ‫تباغت قارئها قدر ما تدهشه‪ ،‬ألن صوت اإلنسان فيها يكاد يكون معروفا‪ ،‬إمنا صخب‬ ‫اجلمال في نصوصه كفيل وحده بفلق صخر الشعور ليتدفق اإلحساس بكلماته‪.‬‬ ‫سماء عيس� � ��ى ال يبدو زاهدا فقط في‬ ‫حياته اليومي� � ��ة‪ ،‬أو لنقل حياته بر ّمتها‪،‬‬ ‫بل يكتب زهده عل� � ��ى أبجديات املكان‪،‬‬ ‫حيث حتمل س� � ��ائر نصوصه ذل� � ��ك احلنني العذب‪،‬‬ ‫لكنه املوجع‪ ،‬تذيب احلياة في مقطع شعري‪ ،‬نثري ‪/‬‬ ‫شعري‪ ،‬فتكون بفجيعة احلرائق واالحتراق‪ ،‬فاملوت‬ ‫ليس إال وسيلة أخرى للحب‪ ،‬املعادل الدائم للعشق‪،‬‬ ‫كما يبدو جليا في مجموعته النثرية «ش� � ��رفة على‬ ‫أرواح أمهاتنا» الصادرة عن دار مسعى (‪.)2014‬‬ ‫إطاللة الش� � ��اعر العماني س� � ��ماء عيسى على‬ ‫أرواح األمه� � ��ات تنبجس عبر ثق� � ��وب يصنعها املوت‬ ‫الذي يتحول إلى كائن حس� � ��ي ي� � ��كاد ي ّدعي الكاتب‬ ‫أنه صديقه الذي يحرر به كائناتها األثيرة من وجع‬ ‫احلي� � ��اة‪ ،‬ال يأتي كنهاية صادم� � ��ة‪ ،‬حتى مع احلزن‬ ‫الذي يلف املرء بع� � ��د الفقد‪ ،‬فاملفردات التي يصنع‬ ‫منها سماء عيسى نصوصه كاملوت واحلزن والوجع‬ ‫ال يتعام� � ��ل معه� � ��ا إال باعتبارها بضاع� � ��ة األمهات‬ ‫* كاتب من سلطنة عمان‬

‫التي يجب استحس� � ��ان محبتها‪ ،‬ألنها تذكرنا دوما‬ ‫هن يتح� � ��ررن من هذا‬ ‫بأمهاتن� � ��ا‪ ،‬ه� � � ّ�ن يتوجعن‪ ،‬أو ّ‬ ‫الوجع باملوت‪ ،‬تاركات احلزن لنا لنجلي به أرواحنا‬ ‫كلما صدأت بفعل تقادم األيام‪.‬‬ ‫منذ املفتتح األول يقدم سماء عيسى «شرفته»‬ ‫إلى ثالث أمهات‪ ،‬ثريا وجوخة وأسماء‪ ،‬ومن سطر‬ ‫احلكاية األولى‪ ،‬يرس� � ��م لقارئ� � ��ه حدود العالقة بني‬ ‫املوت واحلب «ألني مدرك أنه كلما عش� � ��قنا اقترب‬ ‫املوت منا»‪ ،‬حيث «كان كل ش� � ��يء في مالمح وجهها‬ ‫ينطق بكل ش� � ��يء‪ ،‬يقودنا إلى االثن� �ي��ن معا‪ :‬احلب‬ ‫واملوت‪ ،‬مص ّرحا «كأن العشق هو املوت‪ ،‬كأن املوت‬ ‫هو العش� � ��ق» ويرى أن االثن� �ي��ن ارتبطا بندم غريب‪،‬‬ ‫«كالهما ارتبطا بخطيئة احلي� � ��اة»‪ ،‬حيث الصدفة‬ ‫هي التي قادتنا إلى هذا الكوكب الغريب‪.‬‬ ‫ه� � ��ذه املعاجلة الدائمة للثنائية ميضي س� � ��ماء‬ ‫عيس� � ��ى لتأكيدها كحالة ال تقبل الشك‪ ،‬رابطا بني‬ ‫ق� � ��درة أمهاتنا عل� � ��ى احلياة‪ ،‬وأيض� � ��ا قدرتهن على‬

‫راصد ًا املوت والعشق‪ ...‬واألمكنة ‪ ...‬الشاعر سماء عيسى إذ يطل من «شرفة على أرواح أمهاتنا»‬

‫‪8/18/14 8:48:10 AM‬‬

‫‪57‬‬

‫‪sep 56-66.indd 57‬‬


‫الشاعر سماء عيسى‬ ‫الس� � ��ير نحو املوت بهدوء كأنه اس� � ��تراحة احملارب‬ ‫بعد طول عناء‪ ،‬ملمحا دوما إلى حالة النضال التي‬ ‫تعرفها األمهات «العماني� � ��ات»‪ ،‬إذ يواجهن املواجع‬ ‫من حولهن بهدوء‪ ،‬كأنهن يترقنب س� � ��اعة اخلالص‬ ‫من كل ذلك‪ ،‬أو ليلحقن بأطفالهن وأزواجهن الذين‬ ‫س� � ��بقوهن‪ ،‬وعليهن مواصلة العشق لتكتمل الرحلة‬ ‫بالرحيل‪ ،‬فهذه األرض «دون عشق تقبلنا»‪ ،‬وعندما‬ ‫جئناها لم تكشف لنا الطفولة «غير تلك االبتسامة‬ ‫التي تفتح لنا أبواب عمر لم نعشه‪ ،‬غير تلك الدموع‬ ‫التي ترحل بنا‪ ،‬إلى ينابيع وأنهار روتها أشجار احلب‬ ‫في قمم اجلبال وفي تراب الصحراء»‪( .‬ص‪.)10‬‬ ‫ميزج سماء عيسى بني رؤيته للموت ومفردات‬ ‫الطبيعة «العمانية» من حوله‪ ،‬ليبدو السارد يخاطب‬ ‫األمه� � ��ات الراح� �ل��ات‪ ،‬امل� � ��وت‪ ،‬اجلب� � ��ال‪ ،‬األودية‪،‬‬ ‫األشجار‪ ،‬بذات احلنني والتوجع‪ ،‬بل في حلظات ما‬ ‫يعتبر املوت هو القادم القريب‪ ،‬بينما س� � ��فح اجلبل‬ ‫بعيد‪ ،‬فاألول يسكن داخلنا‪ ،‬بينما مفردات الطبيعة‬ ‫متخيل� � ��ة في كثير م� � ��ن األحيان‪ ،‬وخاصة لش� � ��اعر‬ ‫يتوحد مع لغته يتحدث بها من زاويته عن هواجسه‬ ‫القلقة‪ ،‬يس� � ��تدعي عش� � ��ق األمهات ومناخات املوت‬ ‫ليبقي على أمله في احللم‪.‬‬ ‫عني الشاعر مأخوذة بالنظر نحو السماء‪ ،‬ترسم‬ ‫أحالمها على بياض سحابة وعلى غصن شجرة يقاوم‬ ‫فعل املوت‪ ،‬األوراق تساقطت فبان العري‪ ،‬يخاطب‬ ‫أمه بتوجع مح� � ��رق‪« ،‬وحيدة في احلب ووحيدة في‬ ‫املوت» في بكائية تنس� � ��اب بلغ� � ��ة صافية وواضحة‪،‬‬ ‫أمه في الس� � ��ماء‪ ،‬ابتعدت بأحالمه� � ��ا عن األرض‪،‬‬ ‫لكنه (املؤلف ‪ /‬السارد) ال يحتاج إلى أقنعة أسلوبية‬ ‫ليتحدث عن توجعه‪ ،‬التشظي بالغ‪ ،‬والروح منهكة‪،‬‬ ‫والعمر الذي يدخل خريفه يذكرنا مبن سبقونا إلى‬ ‫الـ (هن� � ��اك)‪ ،‬تاركني لنا أحزان� � ��ا تكبر مع كل فقد‪،‬‬ ‫ويغدو الفقد صديقا قريبا نستش� � ��عر مروره في كل‬ ‫سانحة‪ ...‬املوت الذي يالحق كل من نحبهم‪ ،‬املوت‬ ‫الذي تأتى يتبع موتا سبقه‪ ،‬واحلنني يقود دوما إلى‬ ‫القري� � ��ة‪ ،‬كأمنا املوت هناك ينتظ� � ��ر‪ ،‬أو هي العودة‬ ‫إل� � ��ى التربة األولى لالندماج معها في أحد قبورها‪،‬‬ ‫وبجمل� � ��ة ال لبس فيه� � ��ا‪ ،‬وهي احململ� � ��ة بالدالالت‪،‬‬

‫‪58‬‬

‫‪8/18/14 8:48:18 AM‬‬

‫لكنه� � ��ا ال حتتمل التعميم‪ ،‬يقول املؤلف‪ /‬الس� � ��ارد‪:‬‬ ‫«مضى من أحب إلى املوت»‪.‬‬ ‫في هذا املعنى يورد املؤلف موت «الغنمة» التي‬ ‫كان� � ��ت مبنزلة أخته بعد أن مات� � ��ت أخته احلقيقية‬ ‫وتبعتها «الغنمة» التي كلما تأخرت عن السرح واتته‬ ‫نوب� � ��ة بكاء وخوف من أن متوت هي األخرى‪ ،‬ويقرر‬ ‫دون حاج� � ��ة إلى تكرار املعنى ال� � ��ذي بدا جليا «إنها‬ ‫األلفة‪ ،‬إنه جتلي العشق»‪ ،‬ويتمثل بحكايات جانبية‬ ‫عن تأثيرات العشق‪ ،‬حكاية الرجل وجمله‪ ،‬والعاشق‬ ‫ضحت بحياتها‪.‬‬ ‫الذي ّ‬ ‫جن‪ ،‬واألم التي ّ‬ ‫يضم سماء عيسى بني دفتي «شرفة على أرواح‬ ‫أمهاتنا» نثريات توزعت على أكثر من مس� � ��ار‪ ،‬فهو‬ ‫الس� � ��ارد «األنا» في القسم األول الذي حمل عنوان‬ ‫الكتاب‪ ،‬يظهر بصفته «سماء عيسى» بصورة واضحة‬ ‫متحدثا عن أمهاته‪ ،‬بصري� � ��ح العبارة «أحتدث عن‬ ‫أم� � ��ي» (ص‪ ،)15‬يقارب بينها وفلس� � ��فته العامة في‬ ‫س� � ��ائر النصوص‪ ،‬كل شيء يعيده إلى احلزن‪ ،‬يكتب‬ ‫عنه� � ��ا بعد أن ماتت‪« :‬لم أجدها يوما ما تضحك أو‬ ‫حتى تبتس� � ��م‪ ،‬إال واحلزن الدفني يغطي في عذوبة‬ ‫نادرة مالمح وجهها الريفي الهادئ»‪ ،‬بهذا التكثيف‬ ‫اللغوي يختصر س� � ��ماء عيس� � ��ى عل� � ��ى قارئه صورة‬ ‫األم‪ ،‬العالقة مع احلزن‪ ،‬عالقتها مع املكان‪ ،‬مرورا‬ ‫على األمكنة التي أغوت الش� � ��اعر كثيرا‪ ،‬فبدت في‬ ‫جتلياته حالة صوفية ت َِس � � � ُم بني� � ��ة نصوصه‪ ،‬مبنى‬ ‫ومعنى‪.‬‬ ‫العشق في ذهنية الش� � ��اعر قادر على التحليق‬ ‫بن� � ��ا واالبتعاد «إلى احللم» لنتح� � ��ول إلى «عصافير‬ ‫أو فراش� � ��ات تعبر األرض خلسة بهدوء وخفة دون‬ ‫ضجيج وصراخ»‪( .‬ص‪.)10‬‬ ‫ال يكف س� � ��ماء عيس� � ��ى عن تتب� � ��ع العالقة بني‬ ‫امل� � ��وت واحل� � ��ب ‪ /‬العش� � ��ق ف� � ��ي أكثر م� � ��ن متاهة‪،‬‬ ‫فجائعي� � ��ة متواصلة تعبر بها النصوص وتع ّبر بالدم‬ ‫النا ّز في عروق جتلياته‪ ،‬إذ يكتب عن أمهاته محاوال‬ ‫اس� � ��تعادتهن عبر بواب� � ��ة املوت‪ ،‬ومن خ� �ل��ال دموع‬ ‫تتكاثر ف� � ��ي نصوصه وتتكاث� � ��ف‪ ،‬يتبتل في حضرة‬ ‫املكان يعيد السيرة مرة إثر أخرى‪ ،‬السارد‪ ،‬الباكي‪،‬‬ ‫املتألم‪ ،‬الفاقد‪ ،‬املسكون باحلنني إلى الطفولة‪ ،‬وما‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 56-66.indd 58‬‬


‫عرفه فيها‪.‬‬ ‫فعل املوت لدى سماء عيسى ليس شكال واحدا‬ ‫يأتي متجردا (يشبه العشق) لينهي أوجاع احلزانى‪،‬‬ ‫بل تتس� � ��ع الدائ� � ��رة‪ ،‬وهو ميضي ف� � ��ي حواريته مع‬ ‫املوت‪ ،‬لتتجلّى مفردات أخرى من نوع القاتل والقتلة‬ ‫واملقابر اجلماعية‪ ،‬خروج من الشخصي إلى العام‪،‬‬ ‫من احلزن الذاتي صوب مدائن للموت أوس� � ��ع‪ ،‬مع‬ ‫شعرية اللغة التي تتفصد حزنا في وصف العالقة‬ ‫بني األمكنة والبش� � ��ر الهائمني ف� � ��ي أوهامهم‪ ،‬رثاء‬ ‫متواتر لألموم� � ��ة‪ ،‬واحلنني إلى الطفولة‪ ،‬باعتبارها‬ ‫حالة احلب اخلالصة في العالقة مع األمهات‪ ،‬قبل‬ ‫أن يكبرن ونكب� � ��ر‪ ،‬ويرحلن ونحزن‪ ،‬يكبر املعنى في‬ ‫نص شجرة في صحراء‪ ،‬إذ يتمنى أن يصبح «وحيدا‬ ‫كش� � ��جرة في صحراء»‪ ،‬وفي النص التالي «رحيل»‬ ‫يصف بكاء شجرة‪ ..‬تلك الوحيدة في الدار‪ ،‬بجوار‬ ‫الطفلة التي تبكي أيضا‪.‬‬ ‫بني أمكنته يتنقل بخفة ال ميكن معها تبينّ رؤى‬ ‫محددة‪ ،‬فالقرية هي العش� � ��ق‪ ،‬لكنه� � ��ا املوت أيضا‪،‬‬ ‫تذك� � ��ره بكل ما هو ‪ /‬من هو مي� � ��ت‪ ،‬وفي حواريات‬ ‫أخ� � ��رى هي احلي� � ��اة التي يريد الع� � ��ودة عبرها إلى‬ ‫النهاي� � ��ات احلتمية‪ ،‬وتبرز املدينة شرس� � ��ة لكنها ال‬ ‫تخلو من قدرة على جذب اإلنسان إليها‪ ،‬وهي خاوية‬ ‫«لم يبق بها إال املوت»‪ ..‬ذاته الساكن قريته القريبة‬ ‫البعيدة‪ ،‬مؤمنا «ل� � ��م يكن عمري غير اجلفاف‪ ،‬ولم‬ ‫يع� � ��د ما بقي لي غير اجلفاف»‪ ،‬تس� � ��توي أمامه في‬ ‫حلظات عدة القرية‪ ،‬املدينة‪ ،‬األرض على اتساعها‬ ‫الكوني‪ ...‬وضيقها أمام عينيه‪ ...‬والصحراء املتسعة‬ ‫عل� � ��ى جفاف هائل «ألنني من الصحراء أتيت‪ ،‬وإلى‬ ‫الصحراء أعود‪ ،‬وفي الصحراء يكون موتي‪ ،‬وقبري‬ ‫هن� � ��اك ينتظرني» ومبقاربة وجودي� � ��ة لها مدلوالتها‬ ‫يكمل احلكاية «ينتظرني الرمل‪ ،‬ينتظرني املجهول‪،‬‬ ‫وينتظرني النكران»‪ ،‬في موقع آخر يقدم الصحراء‬ ‫كمعادل للوحش� � ��ة والهجر‪ ،‬فالصحراء تس� � ��لم إلى‬ ‫صحراء أخرى‪.‬‬ ‫ب� �ي��ن مقارب� � ��ات واضحة املعن� � ��ى‪ ،‬وأخرى تقدم‬ ‫بكائياته الفلس� � ��فية عبر أمكنة متخيلة‪ ،‬ومش� � ��اهد‬ ‫حلمية تختلط فيها املشاهد كما تتخالط الدالالت‪،‬‬

‫الشاعر سماء عيسى في إحدى األمسيات الشعرية‬

‫أو املقاصد‪ ،‬يح ّمل نصه‪ ،‬وإن كان عبر مش� � ��هديات‬ ‫املوت والفقد‪ ،‬رؤاه األخ� � ��رى املختلفة عن مناخات‬ ‫حديثه على ش� � ��رفة أرواح أمهاته‪ ،‬ليتداخل الذاتي‬ ‫بالعام‪ ،‬واإلنساني بالسياسي‪ ،‬كأمنا الغياب كما هو‬ ‫التغييب‪ ،‬فيظهر أحيانا في حديثه عن ش� � ��خصيات‬ ‫حقيقية وفاعلة كس� � ��الم بن سيف الفرعي‪ ،‬وعزان‬ ‫بن قيس‪.‬‬ ‫ين ّوع س� � ��ماء عيسى س� � ��رده بني الكتابة (إلى)‬ ‫والكتاب� � ��ة (عن)‪ ،‬محاوال عب� � ��ر مقطع آخر احلديث‬ ‫عن س� � ��يرة الطفل الذي كانه‪ ،‬إذ يس� � ��ترجع العالقة‬ ‫القدمي� � ��ة‪ ،‬مخاوفها‪ ،‬ولكن ليس ببعيد عن مقارباته‬ ‫األثيرة‪ ،‬إذ إن مرض املالريا يش� � ��رف به على حافة‬ ‫امل� � ��وت‪ ،‬راصدا العالقة بني امل� � ��وت من جهة‪ ،‬واألم‬ ‫من جهة أخ� � ��رى‪ ،‬وهو بينهما‪ ،‬ومعهم� � ��ا‪ ،‬يناور في‬ ‫القري� � ��ة ويخاتل احلب واملوت معا‪ ،‬محتفيا بحضور‬ ‫األم‪ ،‬يطل� � ��ب في االقتراب منها عبر النص مناخاته‬ ‫الروحية والوجودية‪ ،‬كأمنا ال مناص أمام البش� � ��ر‪،‬‬

‫راصد ًا املوت والعشق‪ ...‬واألمكنة ‪ ...‬الشاعر سماء عيسى إذ يطل من «شرفة على أرواح أمهاتنا»‬

‫‪8/18/14 8:48:24 AM‬‬

‫‪59‬‬

‫‪sep 56-66.indd 59‬‬


‫الشاعر سماء عيسى‬ ‫خاصة من نحب‪ ...‬سوى انتظار النهاية‪.‬‬ ‫حتتل تقاسيم القس������م األول املعنونة بـ «شرفة‬ ‫عل������ى أرواح أمهاتنا» نصف الكتاب تقريبا‪ ،‬وميضي‬ ‫بتنويعات������ه‪ ،‬وصوال إل������ى االبن‪ ،‬يه������دي املقطع إلى‬ ‫«ناص������ر املنجي» الكات������ب اآلخر الذي نستش������عره‬ ‫مع������ادال أيض������ا للبن ّوة الت������ي يخاتلها امل������وت بفعله‬ ‫االعتي������ادي‪ ،‬فيما يبدأ القس��������م الثان������ي من الكتاب‬ ‫في عناوين س������ريعة‪ ،‬يعطي «جرار» مساحة أوسع‪،‬‬ ‫وبعده������ا عش������رة نصوص نثرية جتتم������ع حول ذات‬ ‫الثيمة‪ ،‬امل������وت بوصفه غيابا‪ ،‬مع داللة الفخار على‬ ‫اإلنس������ان‪ ،‬من صلصال جاء إلى الدنيا‪ ،‬فيما جتمع‬ ‫عظ������ام املوتى في جرار فخاري������ة أيضا لدى بعض‬ ‫األمم‪ ،‬حترس عظام املوتى أو تسجنها‪.‬‬ ‫في هذه النصوص تبدو قدرة الش������اعر س������ماء‬ ‫عيسى على كتابة النص القصصي بذات علو قدمه‬ ‫في كتابة النص الش������عري‪ ،‬وهي تقدم احلدث بلغة‬ ‫الش������اعر ورؤيته‪ ،‬فتعززت روح احلكاي������ة بجمالية‬ ‫القصي������دة‪ ،‬ورمزي������ة اجل������رة الق������ادرة على حفظ‬ ‫األس������رار «ال جتهر اجلرة بأس������رارها»‪ ...‬مستودع‬ ‫فيها متبقيات األجس������اد فيما الروح ال تتس������ع لها‬ ‫اجلرار‪ ،‬املوت (في نصوصه) أكثر أبدية من احلياة‪،‬‬ ‫ولذلك يأتي االحتفاء به واسعا‪ ،‬على امتداد جميع‬ ‫تفاصيل النصوص‪ ،‬اقتربت من الش������عر‪ ،‬أو وقفت‬ ‫عل������ى حوافه‪ ،‬فاخلالصة أن امل������وت هو اخلالص‪،‬‬ ‫كأمنا احلي������اة ذاتها حتتاج إلى مخلص منها‪ ،‬ورغم‬ ‫الفقد ف������إن احلزن يج ّمل احلياة‪ ،‬خاصة إذا وقعت‬ ‫بني أسطر تتشكل بحروف شاعر‪.‬‬ ‫تتجل������ى قدرة الش������اعر على الق������ص في نص‬ ‫النقاب‪ ،‬كأمنا أراد سماء عيسى أن يرسخ حضوره‬ ‫كقاص أيضا في الذاكرة الثقافية العمانية املعاصرة‪،‬‬ ‫وهو احملسوب على أنه واحد من رواد قصيدة النثر‬ ‫في عم������ان إن لم يكن في منطق������ة اخلليج‪ ،‬كما أن‬ ‫له إس������هاماته املس������رحية‪ ،‬وتض������م مجموعته هذه‬ ‫مجموعة من النص������وص القصصية اجلميلة كضي‬ ‫القناديل والقتيل وغزاة كفافي‪ ،‬يستقر فيها صوت‬ ‫احلكاية على أبعاد فني������ة خاصة بفن القصة‪ ،‬دون‬ ‫ذل������ك احلضور امل������دوي لصوت الس������ارد ‪ /‬املؤلف‬

‫‪60‬‬

‫‪8/18/14 8:48:30 AM‬‬

‫ال������ذي يظهر ف������ي نصوص أخرى كس������ارد لذاتيات‬ ‫وجتليات‪.‬‬ ‫يأتي ن������ص النقاب باذخا باجلم������ال الفني‪ ،‬فهو‬ ‫يبحث ف������ي ما وراء النقاب‪ ،‬كم������ا أن مرتدية النقاب‬ ‫تفت������ش هي األخرى عم������ا وراءه على اجلانب اآلخر‪،‬‬ ‫من خلف السواد تفتش عن نور‪ ،‬والرجالن معها في‬ ‫املطعم يقارعان السياسة‪ ،‬واألوضاع احمللية‪ ،‬محتفيا‬ ‫كعادته في نصوص املجموع������ة باألمهات العمانيات‪،‬‬ ‫جت������وع من أجل أن يش������بع الرجل (ال������زوج ‪ /‬االبن)‪،‬‬ ‫والالئ������ذة بالصمت حتى وهي تعيد اللثام إلى وجهها‬ ‫«ثم تبعتهما منكس������ة الرأس ولرمبا مغمضة العينني‪،‬‬ ‫حتى ال تفت������ح عينيها ثانية إال عل������ى عالم الدواخل‬ ‫الصامت������ة املكبوت������ة حتى امل������وت»‪( .‬ص‪ ،)43‬وبنفس‬ ‫املس������توى يتجلى حضور امل������رأة إزاء الرجل في نص‬ ‫«الراعية التي أجنبت عصفورا» مبخيال سردي هائل‬ ‫الداللة‪ ،‬ينتهي إلى قول املرأة «إنها لفكرة رائعة حقا‬ ‫أن أم������ارس احلب مع طير مينحني عصفورا مالئكيا‬ ‫عوضا أن أمنح جسدي رج ً‬ ‫ال غبياً كهذا»‪( .‬ص‪.)48‬‬ ‫كان الش������اعر ‪ /‬القاص س������ماء عيس������ى متجليا‬ ‫كزاه������د ينظر للحياة مبراس احمل������ارب الذي أنهكته‬ ‫الطواح���ي��ن املتحركة في صحراء موحش������ة‪ ،‬مفتوحة‬ ‫عل������ى اجلفاف والفقد‪ ،‬يطل حكيما في مواقع كثيرة‪،‬‬ ‫حكم������ة لها دالالته������ا «لقد نكس اجلميع رؤوس������هم‪،‬‬ ‫فأخطأت الس������يوف رقابهم وضربت الهواء‪ ،‬وعندما‬ ‫ترف������ع رأس������ك يا بني‪ ،‬س������يقطع الس������ياف رأس������ك‪،‬‬ ‫س������يتدحرج في األرض درسا وعبرة‪ ،‬لكل من يحاول‬ ‫الس������ير مرفوع الرأس مرة أخ������رى» (ص‪ ،)28‬وهو ال‬ ‫يريد اخلروج عن س������ماء عيسى الش������اعر‪ ،‬إذ يكتب‬ ‫نصه (القصصي) األخير على وقع ش������كل القصيدة‬ ‫ولغتها‪ ،‬يقول في نص «الفاشست»‪:‬‬ ‫«تراج ��ع س ��م الثعب ��ان كق ��وة قاتل ��ة ف ��ي الق ��رون‬ ‫األخيرة‬ ‫وحل محله رصاص الفاشست‬ ‫قال الضابط الفاشي مبررا‬ ‫قتله األطفال واألزهار والطيور‬ ‫قررت التخلص منها باكر ًا‬ ‫قبل أن تصل عدوى املظاهرات إليها» >‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 56-66.indd 60‬‬


‫ُ‬ ‫والروح‬ ‫ثالثية املنفى‬ ‫ِ‬ ‫واملرأة ُّ‬

‫نظر في ديوان «دم العاشق» لـ «سماء عيسى»‬ ‫ٌ‬ ‫محمد ز ّروق *‬ ‫د‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ل���ـ «س���م���اء ع��ي��س��ى» جت����ارب في‬ ‫الكتابة م��ت��ن�� ّوع��ة‪ ،‬يتفاعل مع‬ ‫وج���� َده‬ ‫ال���لّ���غ���ة‪ ،‬حت��وي��ه وت���ض ّ���م ْ‬ ‫وش��وق��ه‪ ،‬يحتمي ب��ه��ا فتحمي‬ ‫لهيبه وحت ّوله نار ًا وهدي ًا‪ ،‬يكتب‬ ‫سماء عيسى شعر ًا أشبه بالنثر‬ ‫فيخلص‬ ‫ون��ث��ر ًا أشبه بالشعر‪ُ ،‬‬ ‫أحيان ًا جلوهر ال��ك��ون ولروحه‬ ‫اليافعة‪ ،‬فينطق شعرا‪ ،‬ومييل‬ ‫أح���ي���ان��� ًا إل����ى ال��ع��ق��ل واحلبك‬ ‫ف��ي��ك��ت��ب ن���ث���ر ًا أش���ب���ه م���ا يكون‬ ‫بالقصص‪ ،‬وه��و بني ه��ذا وذاك‬ ‫���د م��ن الشعر م��أخ��ذ ًا ومن‬ ‫واج ٌ‬ ‫ِ‬ ‫النثر نسق ًا وفكراً‪ ،‬فيخرج املعنى‬ ‫من بني جنباته شعر ًا أو نثراً‪ ،‬أو‬ ‫جمع ًا بينهما‪ ،‬فاملعنى يخرج‬ ‫منه بأشكال مختلفة‪ ،‬وال ضرر‬ ‫في ذلك فهو مج ّرب من أمناط‬ ‫الكتابة م��ا ب��ه يكون ويتحقّ ق‪،‬‬ ‫وكيفما خرج املعنى فتلكم هي‬ ‫الواسطة األمثل‪.‬‬

‫سماء عيسى‬

‫‪61‬‬

‫‪8/18/14 8:48:35 AM‬‬

‫‪sep 56-66.indd 61‬‬


‫الشاعر سماء عيسى‬ ‫لـ «سماء عيسى» مسار من التجربة‬ ‫������ري‪ ،‬وله م������ن روح الفنّان‬ ‫متنوع وث ّ‬ ‫ما به يُقي������م عاملا من اخليال‪ ،‬يقلب‬ ‫احلقّ باطال ويقلب الباطل حقّا‪ ،‬وحسب الفنّان‬ ‫أن ميس������ك من اخليال ناصيته وأن يتفاعل مع‬ ‫وج������وده وأن يرى احلقّ في من يتم ّثل احلقّ وأن‬ ‫يخوض م������ن جتارب الواقع وأن يق������رأ التاريخ‬ ‫والتراث وأن يخوض رحلة الروح تسافر فتتع ّمق‬ ‫غربتها‪.‬‬ ‫«القمر أكثر صفاء كحزن األنبياء‬ ‫وروحي التي حملها اللّه‬ ‫على طيف من النار‬ ‫إلي‬ ‫هل تعيدها ّ‬ ‫عصافير البحر‬ ‫أسمعها تناديني‬ ‫كأرملة ذوى الدهر بها في الهجير»‬ ‫ّ‬ ‫تظل أبدا في حال السفر‬ ‫هي روح الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫تظل أبدا‬ ‫والتنقّ������ل‪ ،‬ال تهجع وال يق ّر لها قرار‪،‬‬ ‫هائمة كاملاء يفاعته في حركته فإن استق ّر ركد‬ ‫وفسد‪.‬‬ ‫كتب س������ماء عيس������ى الواقع كما استشعره‬ ‫ٍ‬ ‫وجود انغمس فيه‬ ‫ووقع في نفس������ه‪ ،‬وع ّبر عن‬ ‫بتفاصيله‪ ،‬بحياته وموته‪ ،‬بإرثه وثقل حمولته‪،‬‬ ‫وبواقعه وم������رارة مذاقه‪ ،‬ف������كان واعيا بعمقه‬ ‫احمللّ������ي‪ ،‬منفتـــحـــــ������ا على حداثـــت������ه‪ ،‬ولعمري‬ ‫إ ّنه ملن العس������ير أن يُزاوج ش������اع ّر بني امتالئه‬ ‫مبف������ردات التراث وفك������ره‪ ،‬والوع������ي بالواقع‬ ‫ومحدثاته‪.‬‬ ‫تس������ ّمى س������ماء مب������ا اختاره من األس������ماء‬ ‫لنفس������ه والمت������داده ف������ي الوجود احل������قّ وفي‬ ‫الوجود القولي‪ ،‬واس������تعار اسما يساوق ما هو‬ ‫داخ������ل فيه من حياة قائمة عل������ى املجاز‪ ،‬على‬ ‫التعبير عن األش������ياء بغير م������ا اصطلح العا ّمة‬ ‫على أس������مائها‪ ،‬فاس������مه احلقّ في غير أرضه‬ ‫الشعر ّية هو عيسى بن حمد بن عيسى الطائي‬

‫* ناقد تونسي وأكادميي مقيم في سلطنة عمان‬

‫‪62‬‬

‫‪8/18/14 8:48:40 AM‬‬

‫من مواليد مس������قط سنة ‪ ،1945‬ومنذ بداياته‬ ‫األول������ى اختار أن يكون من العصبة الش������عرية‬ ‫املرفوضة‪ ،‬أن يكتب الش������عر احل ّر‪ ،‬وأن يكتب‬ ‫قصيدة النثر‪ ،‬ولعلّه أ ّول من كــــتب هذا النمـــط‬ ‫من الش������عر في عمان‪ ،‬وخ ّ‬ ‫������ط بصحـــبة نخبـــة‬ ‫ن ّيرة من الشعراء طريقا صعبا وجدته األجيال‬ ‫وخاصة في مواجهــــة أنصــار‬ ‫اللاّ حــقة مم ّهدا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫القصي������دة العمودية وه������م كثر ذائق������ ًة وكتاب ًة‬ ‫َ‬ ‫حلد اليوم‪.‬‬ ‫ومواقف‬ ‫ّ‬ ‫يعيـــــش الــــش������اعر كمـــا أغـــلب الشـــعراء‬ ‫حال������ة املنف������ى‪ ،‬حقيقــــ������ة وتـــج������ ّوزا‪ ،‬و َمن من‬ ‫املثقّفيـــ������ن احلقيقيني ال يعي������ش حالة النفــــي‬ ‫������ي وهو في‬ ‫وح������ال الغرب������ة في أرض������ه‪ ،‬منف ّ‬ ‫وطن������ه‪ ،‬غريب وهو بني أهله‪ ،‬ويع ّبر الش������اعر‬ ‫عن هذا االغتراب الذي نراه في حال الش������وق‬ ‫إل������ى الوطن‪ ،‬وفي البكاء عل������ى الدمـــن‪ ،‬وفـــي‬ ‫التصحر ال أوبة بعــــدها‪،‬‬ ‫الدخول في حال من‬ ‫ّ‬ ‫وفــــي سفر الروح‪ ،‬تفارق مرابضـــها وال جتـــــد‬ ‫ّ‬ ‫ولعل ذلك ما يعلّل دخول الش������اعر‬ ‫لها منتهى‪،‬‬ ‫ف������ي جتربة العرفان‪ ،‬وإثب������ات عجز اللّغة عن‬ ‫حت ّمل جليل املعاني‪ ،‬كما اجلس������د ينوء بحمل‬ ‫الروح‪.‬‬ ‫«عندما في الرمال‬ ‫يواجهنا الالّشيء»‬ ‫الالّشيء‪ :‬وردة املنفى» (دم العاشق‪ .‬ص ‪)7‬‬ ‫فيعانق الش������اعر املطلق‪ ،‬ويبحث عن معنى‬ ‫يتقفّاه الش������عراء وال يدركـــون������ه حياتَهم‪ ،‬يُقلّب‬ ‫في اللّغة عقله وقلبه‪ ،‬يصير ال ّ‬ ‫الش������ــيء ش������يئا‬ ‫ومعنى‪ ،‬هو وردة مبا حتملـــه من دالالت العبق‬ ‫واألمل والتفتّح واإلزهار‪ ،‬اللاّ ش������يء أجمل ما‬ ‫في املنفى‪ .‬فليس������ت الرمال رماال‪ ،‬وليس������ـــت‬ ‫اللّغ������ة لغ ًة مبا تُعــــلن وتبـــوح‪ ،‬يــــح ّول األش������ياء‬ ‫إلى رم������وز‪ ،‬وتفقد اللّغة وضع ّيته������ا وتوافقها‪،‬‬ ‫ليصنع من إجرائه لها أبع������ادا داللية جديـــدة‬ ‫وليدة‪.‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 56-66.indd 62‬‬


‫الشاعر سماء عيسى في أحد امللتقيات األدبية‬

‫املنف������ى يس������تدعي ضديده وه������و الوطن‪ ،‬ويتــباش������ر الرج������ال والول������دان أل ّن������ه حماي������ة‬ ‫وذب ع������ن أحس������ابهم»‪ ،‬وتذ ّكرنا‬ ‫واملنف������ى هو خروج قس������ري وإن كان إراد ّيا من ألعراضه������م‬ ‫ّ‬ ‫وطن ضاق بصاحب������ه‪ ،‬أو من وطن ضاق‬ ‫بحب ببي������ت ألبي الط ّيب ج ّر عليه مــا ج ّر من أقوال‬ ‫ّ‬ ‫صاحبه‪.‬‬ ‫وأفعال‪:‬‬ ‫«ظلّلي‬ ‫يا جنوم املنفى‬ ‫رفات أنبيائنا‬ ‫ظلّلينا»‬ ‫إن التح ّول في إجراء ضمائـــر املخاطبــــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫من مخاطبة الهـــو اآلخر املختلف‪ ،‬إلى مخاطبة‬ ‫األن������ا‪ ،‬يـــش������ ّكل التفاتا مهماً‪ ،‬ف������ي بيان منزلة‬ ‫الش������عراء القريبة من منزلة األنبياء في كونهم‬ ‫مي ّثلــــون ضمائ������ر الوجود وعمق إحســاس������ه‪،‬‬ ‫يذ ّكـــــرنا مبنزلة الش������اعر عن������د العرب‪ ،‬إذ لم‬ ‫يكـــون������وا يحتـــــفـــلون إ ّ‬ ‫ال بنبي يظهر أو ش������اعر‬ ‫ينبغ‪ .‬يقول ابن رشيق في كتاب العمدة «كانـــت‬ ‫القــــبيل������ة من الع������رب إذا نبغ فيــهــــا ش������اعر‬ ‫أتت القـــــبائل فهــــنّأته������ا فصــنـــعت األطعــمـــة‬ ‫ثالثية املنفى واملرأة والروح‬

‫‪8/18/14 8:48:45 AM‬‬

‫«م � � � ��ا م�� �ق� ��ام� ��ي ب � � � � ��أرض ن � �خ � �ل� ��ة إ ّال‬ ‫ك � � �م � � �ق� � ��ام امل � � �س � � �ي� � ��ح ب� �ي� ��ن ال� � �ي� � �ه � ��ود‬ ‫أم�� � � � � ��ة ت � � ��دارك� � � �ه � � ��ا ال� � � ّل� � �ـ‬ ‫أن � � � � ��ا ف� � � ��ي ّ‬ ‫ـ � � ��ه غ� � ��ري� � ��ب ك� � �ص � ��ال � ��ح ف � � ��ي ث� � �م � ��ود»‬ ‫منفى الش������اعر وهو في وطنه اغتراب في‬ ‫وجود يُحس������ن تصويره بقوله «ال ش������يء سوى‬ ‫يتحدثون عن املوتى» (دم العاش������ق‪ .‬ص‬ ‫املوتى‬ ‫ّ‬ ‫‪)24‬‬ ‫للمنفى ولصلة الشاعر بوطنه منزلة رفيعة‬ ‫في ما كتبه سماء عيسى‪ ،‬وجب على الدارسني‬ ‫تت ّبع آثاره ف������ي الصور التي يس������تدعيها‪ ،‬وفي‬ ‫املعج������م الذي يجريه‪ ،‬في إدارة املواضيع عليه‪،‬‬ ‫وكأ ّنه أصل من أصول كتابة الشعر في مسيرته‪.‬‬ ‫الشاعر يرغب في اجلريان‪ ،‬وينفر الركود‪ ،‬إذا‬

‫‪63‬‬

‫‪sep 56-66.indd 63‬‬


‫الشاعر سماء عيسى‬ ‫ما استق ّر واطمأن وهنئ وحسنت إقامته فسد‬ ‫شعره‪.‬‬ ‫«ربا تكون املياه قد جفّ ت‬ ‫مّ‬ ‫فال نستطيع العودة ثانية‬ ‫إلى أكواخنا‬ ‫أما‬ ‫هل كانت األرض لنا ّ‬ ‫حتّى تتّسع الرياح‬ ‫إليواء أراملنا» (‪)29‬‬ ‫والتصحر‬ ‫املوت‪،‬‬ ‫ألفعال‬ ‫ذاك موضوع مو ّلد‬ ‫ّ‬ ‫������ي يُنجــــب‬ ‫والغياب‪ ،‬ومح������ور غرضــــي أصـــــل ّ‬ ‫املوت ال������ذي كثيرا ما كان حاضرا في ش������عر‬ ‫الش������اعر‪ ،‬يُخصب دخ������ول متاه������ة الصحراء‬ ‫املكان املُفْقِ د املميت في ما اختار له الش������اعر‬ ‫من داللة‪.‬‬ ‫«وكما يندلق العمر من الكأس‬

‫يندلق القلب من البني‬ ‫وتكبر أشجار املنفى‪.‬‬ ‫هل كنّا حني نزفنا كأس األ ّيام‬ ‫ما أعطته لنا فيضانات املاء‬ ‫بكينا‪...‬‬ ‫حملتنا الريح إلى صحراء املوتى‬ ‫ذرفنا من أعيننا دم األطفال‬ ‫بكينا كأرامل في العشرين‬ ‫غابت من ولدتنا‪ ،‬أكلتها‬ ‫ْ‬ ‫ن ��ار املوتى وأجراس املنس ��يني» (دم العاشق‪.‬‬ ‫ص ‪)28-27‬‬ ‫يو ّل������د االغتراب املرأة‪ ،‬أ ّما وحبيب ًة وصورةً‬ ‫ترافق متخ ّيل الشاعر يلجأ إليها في ّ‬ ‫كل معنى‬ ‫يتقصده‪ ،‬غير أ ّنها ص������ورة موصولة في أغلب‬ ‫ّ‬ ‫األحيان باأللم واجلرح واألثر الس������لبي للدهر‪،‬‬ ‫فال تتجلّى املرأة في صورتها املش������رقة‪ ،‬مّ‬ ‫وإنا‬ ‫واقع يحمل‬ ‫ه������ي متام اجلرح وعمق األل������م في ٍ‬

‫الشاعر سماء عيسى يتغنى بإحدى قصائده ويجول في ساحات اللغة دون حد أو ضيق‬

‫‪64‬‬

‫‪8/18/14 8:48:50 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 56-66.indd 64‬‬


‫هي الصورة اجلاثمة في متخ ّيل الشاعر‪ ،‬تسوق‬ ‫جروح املاضي‪.‬‬ ‫توصل بالرواء‪ ،‬وكثيرا ما‬ ‫حتضر املرأة في ش������عر سماء عيسى‪ ،‬وفي مس������ار املعنى‪ ،‬حيث َ‬ ‫حضورها نبرة من احلزن‪ ،‬وصدى أللم ضارب اتّصلت صورة املرأة في الشعر العربي بالرواء‪،‬‬ ‫ف������ي التاريخ‪ ،‬املرأة ص������ورة املاضي‪ ،‬واحلاضر واإلخصاب‪.‬‬ ‫تتسربل بهالة من األس������ى تُستَقى من ك ّم األلم‬ ‫«وروتنا‬ ‫الذي حتمله بني جنباتها‪.‬‬ ‫امرأة‬ ‫«ذهب ��ت إل ��ى البر ّي ��ة‪ ،‬لنش ��رب م ��ن ك ��رم‬ ‫مبياه الذكرى» (دم العاشق‪ .‬ص ‪)77‬‬ ‫احلب‪ ....‬لكنّها كانت تقول لي وهي تصعد إلى‬ ‫ّ‬ ‫تتمح������ض للداللة‬ ‫السماء‪ ،‬إنّني امرأة حزينة الروح» (دم العاشق‪.‬‬ ‫أن امل������رأة عموما‬ ‫غي������ر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ص ‪)149‬‬ ‫عل������ى األ ّم احلزينة الفاقدة ألعضائها‪ ،‬الفاقدة‬ ‫ّ‬ ‫هذه امل������رأة الباكية دوم������ا‪،‬‬ ‫املتقطعة أبدا‪ ،‬ألبنائها‪ ،‬وكأ ّنها الوطن الذي يتآكل ويأكل أبناءه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫املكلوم������ة في مختل������ف صوره������ا‪ ،‬املقبلة على اخلل������ص‪ ،‬األ ّم رمز اخلصوبة واإلجناب‪ ،‬تُقطع‬ ‫املؤسس������ة لصور تدخ������ل في حقل األلم أوصالها مُ ِ‬ ‫املوت‪،‬‬ ‫م ّدة احلياة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«وكس������حابة دم تعود بها الري������اح إلينا كل عام‪،‬‬ ‫كنّا نرنو إلى الس������ماء‪ ،‬ومعنا النس������وة الباكيات‬ ‫«وألمهات مقطوعات‬ ‫ّ‬ ‫احلب إلى الصحراء» (دم‬ ‫احلاضنات رعش������ة‬ ‫األثداء‬ ‫ّ‬ ‫ينزفن دما‬ ‫العاشق‪ .‬ص‪)141‬‬ ‫على األرصفة» (دم العاشق‪ .‬ص ‪)78‬‬ ‫أ ّما ثال������ث احملاور الداللية الت������ي يُداخلها‬ ‫«يهيم وحده في األرض‬ ‫املؤسس������ة لفضاء‬ ‫تتبعه امرأة حبلى‬ ‫الش������اعر فه������و جتربة الروح‬ ‫ّ‬ ‫بدم اآللهة‬ ‫�����ب واملوت واإلش������ارة اإلله ّي������ة‪ ،‬هي جتربة‬ ‫�‬ ‫احل‬ ‫ّ‬ ‫في دمه أنثى‬ ‫عرفان ّية تستوعب التراث الصوفي وتعمل على‬ ‫تدفع ��ه إل ��ى املوت» (دم العاش������ق‪ .‬ص ‪ -55‬التواص������ل معه‪ ،‬وقد تب ّينّا ذل������ك في ما يجريه‬ ‫‪)56‬‬ ‫يؤسسه من معجم‬ ‫الش������اعر من صور‪ ،‬وفي ما ّ‬ ‫ق������د تأخ������ذ امل������رأة صورتهــــا احل������قّ التي يُداخل عوالم التص ّوف‪.‬‬ ‫ُوضعـــت لها‪ ،‬وقد تُفارق أص َل وضعها‪ ،‬لتُداخل‬ ‫«متى لروحي أن تشرب روحك‬ ‫مجاالت دالل ّية مجانب������ة لها‪ ،‬لتكون وطنا‪ ،‬وال‬ ‫وتسكب اآللهة‬ ‫ِج ّدة في ذلك فكثيرا ما دعا الشعراء أوطانهم‬ ‫احلب الصافي‬ ‫كأس‬ ‫باأل ّم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫على جسدينا» (دم العاشق‪ .‬ص ‪)66‬‬ ‫فيحتف������ي بال������روح وحت ّولها عن اجلس������د‪،‬‬ ‫«أ ّيتها األ ّم‬ ‫أمه ��ات اللي ��ل والن ��دم والهجع ��ة ويبحث في ك������ون الغيب عن ّ‬ ‫لذة باقية‪ ،‬صافية‬ ‫س ��ليلة ّ‬ ‫األولى‬ ‫ال ك������در فيها‪ ،‬يعمل على وص������ل الروح بأصلها‬ ‫أيقظينا‪ ،‬أيقظي فينا رغبة أن منوت‬ ‫وإعادتها إلى جوهرها احلقّ ‪.‬‬ ‫ب�ي�ن ذراعي ��ك ونبكي‪( »...‬دم العاش������ق‪ .‬ص‬ ‫«خرج من اجلسد‬ ‫‪)138‬‬ ‫إلى فضاء الروح‬ ‫املرأة هي الصورة امللهمة‪ ،‬هي املش������ ّبه به‪،‬‬ ‫ثالثية املنفى واملرأة والروح‬

‫‪8/18/14 8:48:54 AM‬‬

‫‪65‬‬

‫‪sep 56-66.indd 65‬‬


‫الشاعر سماء عيسى‬ ‫نظر إلى خالقه‬ ‫لم يره‬ ‫إذ ذاك‬ ‫أمه‬ ‫رحم‬ ‫تذكّ ر‬ ‫ّ‬ ‫وبكى‪( »...‬دم العاشق‪ .‬ص ‪)127‬‬ ‫يحتفي بالروح وأش������كال فنائها ومعانقتها‬ ‫للمطلق‪ ،‬مستدعيا صورة املسيح في انتشاره‬ ‫بني ُع ّباده واملؤمن���ي��ن به‪ ،‬وصورة احل ّ‬ ‫الج في‬ ‫صلبه‪ ،‬ليعرج إلى الشمس صعودا من األرض‬ ‫إلى السماء‪ ،‬فتح ّوله رمادا يُذرى على األرض‪،‬‬ ‫وتتوزّع روحه على األرواح‪.‬‬ ‫«روحي حتلّق في فضاء األشياء‬ ‫متّجهة من األرض إلى السماء‬ ‫حتّى أقترب من الشمس‬ ‫يجرفني شعاعها‬ ‫ثم يتبعثر رمادي‬ ‫ّ‬ ‫في األرض» (دم العاشق‪ .‬ص ‪)134‬‬ ‫يُدرك س������ماء عيس������ى ما يكت������ب ويتل ّبس‬ ‫�����إن لفظ������ة املنفى وما‬ ‫موضوع������ه‪ ،‬ولذلك ف� ّ‬ ‫يحي������ل عليها م ّثلت موتيفا متعاودا في مجمل‬ ‫قصائد الدي������وان‪ ،‬وكذا األمر بالنس������بة إلى‬ ‫صورة املرأة املقرونة باأللم والدم‪ ،‬وهو األمر‬ ‫نفس������ه في انس������يابه وموتيف الروح املقرون‬ ‫باملوت وباملوروث‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ولعل القصي������دة التي ر ّقاها لتكون عنوان‬ ‫مجموعت������ه الش������عر ّية «دم العاش������ق» تعكس‬ ‫ه������ذه احملاور الداللية التي اقترنت بفعل ندم‬ ‫متعاود‪ ،‬ظاهر‪ ،‬يبني حاال ش������عر ّية ملحوظة‪،‬‬ ‫التحسر وسوء التقدير‬ ‫املبني على‬ ‫فعل الندم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ح ّوله الش������اعر ف������ي حركةِ ع������دول إلى فعل‬ ‫شعري‪.‬‬ ‫إيجابي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يحـــاور الش������اعر في القصي������دة األرض‬ ‫فتعي������ده إل������ى دهش������ة الطفل األول������ى‪ ،‬هي‬ ‫دهش������ة كثيرا ما ع ّبر عنها الفالسفة‪ ،‬دهشة‬ ‫السؤال‪ ،‬ويُعمل الشاعر في قصيدته معانيه‪،‬‬ ‫علي ب������ن أبي طالب‪،‬‬ ‫ومرجع ّيات������ه املتع� ّ‬ ‫�����ددة‪ّ ،‬‬

‫‪66‬‬

‫‪8/18/14 8:48:59 AM‬‬

‫املس������يح‪ ،‬اإلمام عزان بن قيس‪ ،‬اإلمام عزان‬ ‫بن متي������م‪ ،‬ليقيم عامل������ه احلاضر ف������ي اللّغة‬ ‫املوصول باملاضي‪.‬‬ ‫لسماء عيسى أفعا ٌل في اللّغة ومساحات‬ ‫حد أو ضيق‪ ،‬يُد ّون من إرثه‬ ‫يج������ول فيها دون ّ‬ ‫احمللي‪ ،‬ما به يس������عى إلى الس������م ّو‪،‬‬ ‫اللّغ������وي‬ ‫ّ‬ ‫ولعم������ري ما مِ ������ن كون ّية لش������اعر حتقّقت إالّ‬ ‫صدورا عن محل ّيته‪ ،‬ألفاظ وأش������كال وألوان‬ ‫وأ ّمهات ونس������اء وعناصر م������ن املوروث وآالم‬ ‫احلاض������ر واملاض������ي‪ ،‬وح��������االت االغت������راب‪،‬‬ ‫وأشياء يعس������ر حصرها‪ ،‬هي مك ّونات الشعر‬ ‫عند سماء عيسى‪.‬‬ ‫يتواص������ل س������ماء عيس������ى م������ع ماضي������ه‬ ‫بتفاصيله‪ ،‬وآالم������ه‪ ،‬ويُجري معجما يدور في‬ ‫فلك املاضي بعناصره املختلفة‪ .‬ليس للشاعر‬ ‫وجه يرك������ن إليه في ح������ال الفجيعة القادمة‬ ‫س أنبياء الش������عر سوى اللّغة يحتمي بها‬ ‫ّ‬ ‫توج َ‬ ‫وخياالت الشعراء يجيل فيها أوهامه‪.‬‬ ‫«كأنّ كلّ شيء ُينذر بفجيعة ما‬ ‫حشرجات الطير‪ ،‬براكني الكواكب‪ ،‬شجر‬ ‫جف‪ ،‬ذ ُبل‪ ،‬نذير مخلوقات‬ ‫الصمت انحنى‪ّ ،‬‬ ‫بائسة تأتي من رماد الشمس»‪.‬‬ ‫يعس������ر أن نل ّم في وجيز من القول بشعر‬ ‫شاعر‪ ،‬كتب قصيدة التفعيلة‪ ،‬وباشر قصيدة‬ ‫النثر ف������ي بداياتها‪ ،‬وارحتل في تراثه احمللّي‬ ‫والعربي يف ّككه ويعمل على فهمه واستثماره‪،‬‬ ‫وعايش واقعه بعناص������ره املهزومة واملأزومة‪،‬‬ ‫حي������ث ال فــــ������رح يب������دو ف������ي األف������ق‪ ،‬وكتب‬ ‫نثرا خالصا وس������اهم في تش������كيل املش������هد‬ ‫السينمائي‪.‬‬ ‫سماء عيسى رو ٌح ثابتة ومك ّون أساس من‬ ‫مك ّونات الثقاف������ة العمانية‪ ،‬وعتبة وجب على‬ ‫دارس األدب العمان������ي أن يقف عليها مديدا‪،‬‬ ‫ليُ������درك فع������ل املاض������ي في احلاض������ر وفعل‬ ‫احلاضر ف������ي املاضي‪ ،‬وليفقه س������مات هذا‬ ‫وخواصه >‬ ‫األدب‬ ‫ّ‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 56-66.indd 66‬‬


‫أدب‬

‫املرأة والدين في شعر الرصافي‬ ‫حسن عبدالفتاح ناجي*‬ ‫إذا كان أحمد أمني في القرن التاسع عشر أهم مناصر للمرأة نثرا‪ ،‬فإن معروف الرصافي‬ ‫ال يقل عنه أهمية في مناصرته للمرأة شعرا‪ ،‬وإذا ك��ان أحمد أم�ين قد أخ��ذ حظه من‬ ‫االهتمام والبحث والدراسة واالنتشار داخل وخارج حدود مصر‪ ،‬فإن الرصافي قد ُحرم من‬ ‫كل ذلك وبقي صوتا محركا فاعال في املجتمع العراقي فقط‪ ،‬وفي حني وجد أحمد أمني‬ ‫من يناصره ويدافع عنه أمام معارضيه‪ ،‬فإن الرصافي كان وحده في امليدان‪ ،‬ومع ذلك لم‬ ‫ييأس ولم يتوقف وبقي حتى وفاته عام ‪1945‬م مدافعا عن املرأة في كل مناحي احلياة‪.‬‬ ‫الق� � ��ارئ لديوان الرصافي بجزأيه األول‬ ‫والثاني‪ ،‬يجد أن موضوع املرأة والسياسة‬ ‫يطغى على كل قصائده‪ ،‬بل ويجد أن ما‬ ‫كتبه الرصافي في االجتماعيات واملراثي والوصف‬ ‫مزدحم مبوضوع املرأة والسياس� � ��ة‪ ،‬وكأن الش� � ��اعر‬ ‫في ش� � ��عره يوظف ما يقول له� � ��ذا املوضوع وحده‪،‬‬ ‫وهو حني يتحدث في السياس� � ��ة فإمنا ينشد حريته‬ ‫هو واملرأة معا‪ ،‬وحني يتحدث عن املرأة فهو ينش� � ��د‬ ‫حريته� � ��ا املرتبطة أيض� � ��ا بحريته‪ ،‬م� � ��ن هنا كانت‬ ‫املزاوجة عنده بني املرأة والسياسة‪.‬‬ ‫املرأة والرجل عند الرصافي مخلوق إنس� � ��اني‬ ‫واحد‪ ،‬يس� � ��عى حلريته واإلعالن ع� � ��ن وجوده وهو‬ ‫كامل احلق� � ��وق والواجبات يعي ما له وما عليه‪ ،‬من‬ ‫هنا نراه عندما يناص� � ��ر املرأة ال يعادي الرجل‪ ،‬بل‬ ‫يح� � ��اول أن يعيده إلى صوابه وإلى إنس� � ��انيته التي‬ ‫فقدها بسبب مفاهيم اجتماعية أو معتقدات دينية‬

‫أو سياس� � ��ية‪ .‬وه� � ��و يرى أن قيد الرجل هو نفس� � ��ه‬ ‫قي� � ��د املرأة‪ ،‬لذلك فإن ما يحرره يحرر املرأة أيضا‪،‬‬ ‫فكيف يس� � ��تطيع الرجل املقيد واملسلوب احلرية أن‬ ‫مينح املرأة حريتها? فالعبد ال مينح حرية لآلخرين‪،‬‬ ‫ويج� � ��ب أن يكون حرا حتى يس� � ��تطيع أن يعطي ما‬ ‫يبي لنا‬ ‫ميلكه للمرأة‪ .‬من هنا جن� � ��د أن الرصافي نّ‬ ‫في قصائده أن الرجل عب� � ��د للعادة وعبد للمعتقد‬ ‫الديني اخلاطئ وعبد للسياسة املضللّة‪ ،‬لذلك فهو‬ ‫ال يعطي املرأة إ ّال العبودية‪ ،‬يقول الرصافي‪:‬‬ ‫أي �س �ع� ُ�د م �ح � ّي��اك��م ب�غ�ي��ر نسائكم‬ ‫وه� ��ل س��ع��دت أرض ب �غ �ي��ر سماء‬ ‫هذه هي النظرة العليا عند الرصافي للمخلوق‬ ‫اإلنس� � ��اني رج ً‬ ‫ال كان أو امرأة‪ ،‬فهما معا يش� � ��كالن‬ ‫تصحر‬ ‫وتصحر أحدهما يعني‬ ‫كونا رائعا متكامال‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫* كاتب من األردن‬

‫‪67‬‬

‫‪8/10/14 9:22:01 AM‬‬

‫‪sep 67-69.indd 67‬‬


‫اآلخ� � ��ر‪ ،‬وخصب� � ��ه يعني خصبه واخض� � ��راره‪ ،‬يقول‬ ‫الرصافي‪:‬‬ ‫ف��ال �ش��رق ل �ي��س ب �ن��اه��ض إ ّال إذا‬ ‫أدن ��ى ال�ن�س��اء م��ن ال��رج��ال وق ّربا‬ ‫على أس� � ��اس متني يبن� � ��ي الرصافي موقفه من‬ ‫املرأة‪ ،‬وهذا األس� � ��اس هو أن امل� � ��رأة نصف مك ّمل‬ ‫لنصف الرجل‪ ،‬وهما معا يع ّمران كونا واحدا أرضا‬ ‫وسماء‪ ،‬وهو يرى أن ال نهضة إنسانية من دون جهد‬

‫‪68‬‬

‫‪8/10/14 9:22:04 AM‬‬

‫االثنني مع� � ��ا‪ ،‬وهذا اجلهد يج� � ��ب أن يكون بتكافؤ‬ ‫الفرص وحرية العمل معا جنبا إلى جنب‪.‬‬ ‫الرصافي تتبع في ش� � ��عره حركة املجتمع جتاه‬ ‫املرأة ورصد هذه احلركة وحاول تصويبها إذا رأى‬ ‫في ذلك ضرورة‪ ،‬وألن قضاي� � ��ا املرأة التي طرحها‬ ‫في شعره كثيرة‪ ،‬فإنني رأيت أن أب ّوب لهذه القضايا‬ ‫حت� � ��ى أمتكن من دراس� � ��تها والوصول إل� � ��ى ما أراد‬ ‫الشاعر‪.‬‬ ‫إن النظرة الدونية للمرأة قد حرمتها كثيرا من‬ ‫حقوقها واس� � ��تقاللها‪ ،‬وأهم هذه احلقوق‪ ،‬العلم‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 67-69.indd 68‬‬


‫فقد منعت املرأة في زم� � ��ن الرصافي من التعليم‬ ‫مخافة االنحراف‪ ،‬فيتصدى لهم الرصافي‪:‬‬ ‫وق� ��ال� ��وا اجل� ��اه �ل�ات أع� ��ف نفسا‬ ‫ع���ن ال��ف��ح��ش��اء م���ن املتعلمات‬ ‫ن� ��رى ج��ه��ل ال� �ف� �ت ��اة ل��ه��ا عفافا‬ ‫ك � � ��أن اجل� � �ه � ��ل ح � �ص� ��ن للفتاة‬ ‫ل � �ق� ��د ك� � ��ذب� � ��وا ع � �ل� ��ى اإلس � �ل ��ام‬ ‫ك��ذب ��ات ��زول ال� �ش � ّ�م م �ن��ه فزلزالت‬ ‫أل �ي��س ال�ع�ل��م ف��ي اإلس �ل�ام فرضا‬ ‫ع� �ل���ى أب � �ن� ��ائ� ��ه وع � �ل� ��ى ال� �ب� �ن ��ات‬ ‫ولم يتوقف حرمان املرأة على العلم‪ ،‬بل حرمت‬ ‫من امليراث وحرية العمل وحرية اختيار الزوج‪ ،‬وفي‬ ‫ذلك يقول الرصافي‪:‬‬ ‫م � �ن � �ق� ��وص� ��ة ح � �ت� ��ى مب� �ي ��راث� �ه ��ا‬ ‫م� �ح� �ج ��وب ��ة ح� �ت ��ى ع� ��ن املكرمه‬ ‫ع� � � ��اب ع� �ل� �ي� �ه ��ا ق� ��وم � �ه� ��ا ض� � ّل ��ة‬ ‫أن ت �ك �س��ب ال� �ق ��وت وأن تطعمه‬ ‫وك � �ي� ��ف وق� � ��د رأوا ف� ��ي سعيها‬ ‫ف� ��ي ط� �ل ��ب ال� � � ��رزق م� ��ن امل�ل�أم ��ه‬ ‫وك� � � � ��م ف � � �ت� � ��اة ف � � �ق� � ��دت ب� �ع� �ل� �ه ��ا‬ ‫م� ��ن ب��ع��د م� ��ا ق� ��د ول� � ��دت ت��وأم��ه‬ ‫ف��ان�ق�ط�ع��ت ف��ي ال �ع �ي��ش أسبابها‬ ‫وأص� �ب� �ح ��ت ل��ل��ب��ؤس مستسلمه‬ ‫م � ��ا ه � �ك� ��ذا ي � ��ا ق � � ��وم م � ��ا ه� �ك ��ذا‬ ‫ي��أم�ـ�ـ�ـ��رن��ا اإلس �ـ �ـ �ـ �ـ�لام باملـــــسلمه‬ ‫ويقول حني يرى ظاهرة زواج املس� � ��نني بفتيات‬ ‫صغيرات السن إكراها وإجبارا‪:‬‬ ‫ظ �ل �م��وك أي �ت �ه��ا ال �ف �ت��اة بجهلهم‬ ‫إذ أك��ره��وك ع�ل��ى ال� ��زواج بأشيبا‬ ‫طمعوا بوفر امل��ال منه فأخجلوا‬ ‫ب�ف�ض��ول ه��اي�ت��ك امل �ط��ام��ع أشبعا‬ ‫أت� � �ب � ��اع أف� � �ئ � ��دة ال � �ن � �س� ��اء كأنها‬ ‫بعض متاع وه��ن ف��ي عهد الصبا‬ ‫إذا كنا ال نس� � ��تطيع فص� � ��ل الدين عن املجتمع‪،‬‬ ‫فإنن� � ��ا نرى أن هناك أمورا مختلطة يتنازعها الدين‬ ‫واملجتمع مع� � ��ا ويتفقان في طرحه� � ��ا وتقدميها ثم‬

‫ممارستها‪ ،‬وهناك أمور في اجتاهني مختلفني‪ ،‬من‬ ‫هنا وضعت بابا للمجتمع وآخر للدين‪.‬‬ ‫تفش� � ��ت في عصر الرصافي بالع� � ��راق عادات‬ ‫اجتماعي� � ��ة وتقاليد وأعراف نس� � ��بت جميعها إلى‬ ‫الدين مم� � ��ا أثار حفيظة هذا الش� � ��اعر‪ ،‬الذي يرى‬ ‫أن اخلطأ الكبير في كل هذه املمارس� � ��ات اخلاطئة‬ ‫ال ميت إلى الدين بصلة‪ ،‬ولكنه يرى أن أش� � ��خاصا‬ ‫موتورين نس� � ��بوا كل س� � ��لوك من� � ��اف للحقيقة التي‬ ‫يفهمها الرصافي وغي� � ��ره إلى الدين‪ ،‬مبعنى أن ما‬ ‫ميارس� � ��ونه هو من صلب الدين ومن يعترض عليه‬ ‫فإن� � ��ه يعترض عل� � ��ى تعاليم الدين‪ ،‬م� � ��ن هنا كانت‬ ‫هجمة الرصافي عليهم قاس� � ��ية وشديدة‪ ،‬وصرخة‬ ‫حاولت إيقاظ املس� � ��لمني احلقيقيني من س� � ��باتهم‬ ‫ليقف� � ��وا إل� � ��ى جانب� � ��ه مناصرين وداعم� �ي��ن ملواقفه‬ ‫وأفكاره التحررية‪.‬‬ ‫الرصاف� � ��ي ي� � ��رى أن م� � ��ا يحل باألم� � ��ة العربية‬ ‫اإلس� �ل��امية من وي� �ل��ات وم� � ��آس س� � ��ببه التقاليد‬ ‫مدعوها بالدين‬ ‫والعادات الفاس� � ��دة والتي ألصقها ّ‬ ‫زورا وبهتانا‪:‬‬ ‫أال م� � ��ا أله� � � ��ل ال � � �ش� � ��رق ف� � ��ي ب� ��رج� ��اء‬ ‫ي� � �ع� � �ي� � �ش � ��ون ف � � � ��ي ذل ب� � � ��ه وش � � �ق� � ��اء‬ ‫ل �ق��د ح��كّ �م��وا ال� �ع���ادات ح �ت��ى غ���دت لهم‬ ‫مب� � � �ن � � ��زل � � ��ة األق�� � � � � �ي� � � � � ��اد ل � �ل� ��أس � � � ��راء‬ ‫وأق � �ب� ��ح ج� �ه ��ل ف� ��ي ب� �ن ��ي ال � �ش� ��رق أنهم‬ ‫ي� � �س � � ّ�م � ��ون أه� � � ��ل اجل� � �ه � ��ل ب ��ال� �ع� �ل� �م ��اء‬ ‫ل�� �ق� ��د م � � � � ّزق� � � ��وا أح� � � �ك � � ��ام ك � � ��ل دي� ��ان� ��ة‬ ‫وخ� � � ��اط� � � ��وا ل�� �ه� ��م م � �ن � �ه� ��ا ث � � � ��وب ري� � ��اء‬ ‫وم� � � ��ا ج � �ع � �ل� ��وا األدي� � � � � � ��ان إال ذري � �ع� ��ة‬ ‫إل� � � � ��ى ك� � � ��ل ش� � �غ � ��ب ب � �ي � �ن � �ه� ��م وع� � � � ��داء‬ ‫إن الفهم اخلاطئ لتعاليم الدين الس� � ��محة عند‬ ‫بعض األشخاص دعا الرصافي للوقوف إلى جانب‬ ‫مب� � ��ادئ الدين‪ ،‬صارخ� � ��ا بوجههم‪ ،‬أن م� � ��ا يفعلونه‬ ‫يسيء للدين وال يخدم إ ّال مصلحة املتعطشني للنيل‬ ‫منه‪:‬‬ ‫ف �ل �ي��س ب ��دي ��ن ك���ل م���ا يفعلونه‬ ‫ول� � �ك� � �ن � ��ه ج� � �ه � ��ل وس� � � � � ��وء ف��ه��م‬ ‫لئن مألوا األرض الفضاء جرائما‬ ‫فهم أجرموا والدين ليس مجرم >‬

‫‪69‬‬

‫‪8/10/14 9:22:08 AM‬‬

‫‪sep 67-69.indd 69‬‬


‫لغـة‬

‫العربية‪...‬‬ ‫وية اللغة‬ ‫ُه ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫ومتثل رؤيته‬ ‫املفهومي‬ ‫«اآلخر»‬ ‫استيعاب‬ ‫ّ‬ ‫محمد صابر عبيد *‬ ‫د‪.‬‬ ‫ّ‬

‫�امحة ثقافي ًا‪ ،‬وثر ّي ٌة‪ ،‬وط ّي ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مرنة‪ ،‬وموقّ ٌ‬ ‫لغة ٌ‬ ‫اللغ ��ة العربية بطبيعتها التكوينية ٌ‬ ‫عة‪،‬‬ ‫عة‪ ،‬ومتس �‬ ‫بحك ��م ليونته ��ا الوضعية واألدائية والتش ��كيلية‪ ،‬وه ��ي طاملا تفاعلت مع اآلخ ��ر القادم من‬ ‫�توعبت‬ ‫لغ ��ات أخرى على أكثر من مس ��توى‪ ،‬فاس �‬ ‫انطوت عليه‬ ‫ّلت رؤي َت ��ه مبا‬ ‫ْ‬ ‫مفاهيمه ومتث ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫التحكّ‬ ‫من رحابة وثقة وأصالة وقدرة على‬ ‫البنائي‬ ‫م بالوافد‪ ،‬وتكييفه‪ ،‬وتسييره على خطها‬ ‫ّ‬ ‫والصياغ � ّ�ي‪ ،‬والتفاعل معه ��ا وفق تقاليدها اللس ��انية والنحوية والصرفي ��ة الناجزة‪ ،‬حتى‬ ‫أضحت من اللغات املركزية في العالم على هذا الصعيد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لعل مقاربة هذا املوضوع منذ عصور‬ ‫ما قبل اإلس���ل��ام وحتى اآلن تكشف‬ ‫عن قيمة هذه اخلاص ّية النوعية التي‬ ‫حظيت بها اللغة العربية‪ ،‬والس������ ّيما في العصر‬ ‫احلدي������ث‪ ،‬عص������ر النظرية واملنه������ج واملصطلح‬ ‫حصلت ثورةٌ كبيرةٌ على مس������توى‬ ‫�����دي‪ ،‬إذ‬ ‫النق� ّ‬ ‫ْ‬ ‫النقدي‬ ‫ونقلت العمل‬ ‫املناهج النقدية احلديـــثة‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫م������ن عتبة االنطباع والس������ياق وحكم القيمة إلى‬ ‫فضاء االنفت������اح على اإلش������كاليات الكبرى في‬ ‫النص������وص والظواه������ر األدبية ق������راء ًة وحتلي ً‬ ‫ال‬ ‫وتأوي ً‬ ‫ال‪ ،‬في الس������بيل إلى إجناز ق������راءة نقدية‬ ‫حديثــــ������ة ومتكامل������ة ومتماس������كة ترتق������ي إلى‬ ‫ومنصــــت������ه وجوهريتــــه‪ ،‬وجتيب‬ ‫�����ص‬ ‫ّ‬ ‫طبقة الن� ّ‬ ‫ع������ن أس������ئلته اجلمالي������ة والثقافي������ة والفــكرية‬ ‫نقدي‬ ‫إجرائي‬ ‫والفلس������فــية املعقّدة‪ ،‬نحو تطبيق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫* ناقد وأكادميي عراقي‬

‫‪70‬‬

‫‪8/10/14 9:22:48 AM‬‬

‫حي ملنطلق������ات النظري������ة وجتلّياته������ا املنهجية‬ ‫ّ‬ ‫واملفهومية واالصطالحية‪.‬‬

‫النقدي والتباس الرؤية‬ ‫املنهج‬ ‫ّ‬

‫النقدي‬ ‫تع� � � ّ�د إش� � ��كالي ُة املنه� � ��ج في ال� � ��درس‬ ‫ّ‬ ‫احلديث واحد ًة م� � ��ن أخطر إش� � ��كاليات الثقافة‬ ‫املعاصرة وأش� � � ّ�دها التباس � � �اً وغموضاً وتعقيداً‪،‬‬ ‫العربي احلديث‬ ‫النقدي‬ ‫وذلك النغماس ال� � ��درس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫باملناهج النقدية احلديثة التي غزت هذا الدرس‬ ‫غزواً واس� � ��عاً شرساً من دون سابق إنذار‪ ،‬إذ راح‬ ‫الكثي� � ��ر من النقاد الع� � ��رب يغرفون من َمعني هذه‬ ‫املناهج مبختلف أش� � ��كالها ورؤياته� � ��ا ونظرياتها‬ ‫وأدوات عمله� � ��ا وإجراءاته� � ��ا‪ ،‬وكأ ّنه� � ��ا لُقي ٌة نادرةٌ‬ ‫عث� � ��روا عليه� � ��ا على حني غ � � � ّرة‪ ،‬وأصب� � ��ح الناقد‬ ‫العربي الذي ال يُس� � ��اجل وال يتحدث وال يش� � ��تغل‬ ‫ّ‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 70-75.indd 70‬‬


‫على املناه� � ��ج النقدية احلديث� � ��ة يوصم بالتخلف‬ ‫والرجعي� � ��ة املنهجية والتقليدي� � ��ة والبعد عن روح‬ ‫مناص من املغامرة للدخول‬ ‫العصر‪ ،‬ولم يعد ث ّمة‬ ‫ٌ‬ ‫في معترك هذه املناهج مهما كانت اخلسائر‪.‬‬ ‫هك� � ��ذا أضح� � ��ت املناه� � ��ج النقدي� � ��ة احلديثة‬ ‫ودب‪ ،‬وصرنا نق� � ��رأ كالماً‬ ‫�ب ّ‬ ‫مط ّي� � ��ة لك ّل من ه� � � ّ‬ ‫أن‬ ‫أشبه بالطالس� � ��م والتعويذات لكتّاب يعتقدون ّ‬ ‫االشتغال في حقل املناهج النقدية احلديثة ليس‬ ‫َ‬ ‫تهرف مبا ال تعرف» كما يقال‪ ،‬ولع ّل‬ ‫أكثر من «أ ْن‬ ‫أن الصح� � ��ف واملجالت األدبية‬ ‫الكبرى‬ ‫الطام� � ��ة‬ ‫ّ‬ ‫وبع� � ��ض دور النش� � ��ر انطلت عليها ه� � ��ذه احليلة‬ ‫«اجلاهلة»‪ ،‬وبدأت تنشر الكثير من هذا «الهرف»‬ ‫بدعوى احلداثة وخوفاً من التجهيل الذي ميارس‬ ‫الكارثي‬ ‫ض� � � ّ�د ك ّل من يقف في وجه هذا الس� � ��يل‬ ‫ّ‬ ‫املرع� � ��ب من الكتابات الت� � ��ي ال يفهمها أصحابها‬ ‫أص ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫املفهومي ومتثّل رؤيته‬ ‫هُ و ّية اللغة العرب ّية‪ ...‬استيعاب «اآلخر»‬ ‫ّ‬

‫‪8/10/14 9:22:53 AM‬‬

‫وعلى الرغم من خطورة هذا الوضع وصعوبته‬ ‫وتعقيده ألسباب كثيرة‪ ،‬فإننا ال نخشى كثيراً على‬ ‫النقدي‬ ‫مستقبل الدرس‬ ‫واحلقيقي‬ ‫العربي األصيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من فوضى عميمة تضرب بأطنابها في ك ّل حدب‬ ‫إن الكثير من هذه األكاذيب النقدية‬ ‫وص� � ��وب‪ ،‬إذ ّ‬ ‫قد أ ُ‬ ‫هملت وكنس� � ��تها األق� �ل��ام اجلا ّدة التي قادت‬ ‫ْ‬ ‫العربي احلديث ببس� � ��الة‬ ‫النقدي‬ ‫حركة ال� � ��درس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وج� � ��دارة وحققت جناحات باهرة‪ ،‬وكش� � ��فت عن‬ ‫زي� � ��ف اال ّدعاء الفارغ وجهل هذه الكتابات املز ّيفة‬ ‫الت� � ��ي غابت اآلن تقريباً مع من � � � ّو الثقافة النقدية‬ ‫احلقيقي في‬ ‫املنهجية األصيلة وس� � ��طوع جنمها‬ ‫ّ‬ ‫سماء الثقافة العربية‪.‬‬ ‫ثمة مش� � ��كالت منهجية كبيرة في هذا اإلطار‬ ‫تنبغ� � ��ي مراجعتها والنظر املع ّم� � ��ق فيها وحتليلها‪،‬‬ ‫من أجل فهم دقيق للرؤية املنهجية التي أرس� � ��تها‬ ‫طالئع املناه� � ��ج النقدية احلديث� � ��ة‪ ،‬وطبيعة هذه‬

‫‪71‬‬

‫‪sep 70-75.indd 71‬‬


‫املناهج النظرية وحساسية إجراءاتها في ميدان‬ ‫التطبيق على إش� � ��كاليات النص� � ��وص والظواهر‬ ‫حد سواء‪،‬‬ ‫األدبية (القدمية منها واحلديثة) على ّ‬ ‫ألن ع� � ��دم إلقاء الضوء الكافي والكاش� � ��ف عليها‬ ‫ّ‬ ‫طي الغموض والش� � ��كّ‬ ‫يبق� � ��ي الكثير من طبقاتها ّ‬ ‫وااللتب� � ��اس‪ ،‬على نحو يس� � ��تعصي عل� � ��ى القارئ‬ ‫والباحث واملتلقّي العادي‪.‬‬

‫انقطاع النظرية وتواصل اإلجراء‬

‫م� � ��ن األولوي� � ��ات املركزي� � ��ة في مت ّث� � ��ل املنهج‬ ‫النقدي هي القدرة على اس� � ��تظهار‬ ‫داخ� � ��ل العمل‬ ‫ّ‬ ‫العالق� � ��ة اجلدلية بني النظري� � ��ة واإلجراء‪ ،‬فعلى‬ ‫أن النظري َة تنطل ُق من عتبة الفلس� � ��فة‬ ‫الرغم من ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بوصفها نشاطا فلسفيا صرفا‪ ،‬فإنها في امليدان‬ ‫الثقافي واألدبي تتطلّب مس� � ��احة تتح ّول فيها من‬ ‫ّ‬ ‫أن ثمة‬ ‫منص� � ��ة النظرية إلى واقع اإلجراء‪ ،‬مبعنى ّ‬ ‫ّ‬ ‫يحددان ق ّوة النظرية وقدرتها على أن‬ ‫مس� � ��تويني ّ‬ ‫الثقافي‬ ‫تكون فاعلة ومؤ ّثرة ومغ ّي� � ��رة في امليدان‬ ‫ّ‬ ‫واألدبي ذي الطبيعة االجتماعية‪ ،‬هما املس� � ��توى‬ ‫ّ‬ ‫اإلجرائي‬ ‫�ري في الطبقة العليا واملس� � ��توى‬ ‫النظ� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫عل� � ��ى أرضية التفاعل مع النص� � ��وص والظواهر‪،‬‬ ‫وصوالً إلى ش� � ��يوع النظرية شيوعاً إجرائياً يف ّعل‬ ‫التداولي‪.‬‬ ‫حضورها‬ ‫ّ‬ ‫تتش � � � ّكل العالقة بني النظري� � ��ة واإلجراء في‬ ‫س� � ��ياق ثبات النظرية وحي� � ��اة اإلجراء‪ ،‬وإذا كانت‬ ‫عالقة النظرية باإلجراء تتحقّق بوس� � ��اطة الرؤية‬ ‫النقدي� � ��ة املنبثقة من جوه� � ��ر النظرية في جتلّيها‬ ‫النقدي هو‬ ‫فإن املنهج‬ ‫داخل الشخصية النقدية‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫اآلل � � � ُة اإلجرائي ُة الفاعل ُة ف� � ��ي امليدان مبا ينطوي‬ ‫عدة عمل ترتبط بالش� � ��خصية الناقدة‬ ‫علي� � ��ه من ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ارتباطاً وثيق � � �ا‪ ،‬تف ّعل الرؤي � � �ة النقدية على نحو‬ ‫لكن‬ ‫خاص‪ ،‬إذ قد تلتق� � ��ي الرؤية مع نقّاد آخرين ّ‬ ‫ّ‬ ‫االفتراق معهم يكون في املنهج‪.‬‬ ‫م ّرت املنهجية النقدية بثالث مراحل أساسية‬ ‫ف� � ��ي الثقافة العاملية‪ ،‬املرحل� � ��ة األولى هي مرحلة‬ ‫املناهج الس� � ��ياقية‪ ،‬واملرحل� � ��ة الثانية هي مرحلة‬ ‫النصية احلداث ّية (البنيوي� � ��ة)‪ ،‬واملرحلة‬ ‫املناه� � ��ج‬ ‫ّ‬ ‫الثالث� � ��ة ه� � ��ي مرحل� � ��ة املناهج ما بع� � ��د احلداثية‬ ‫(ما بع� � ��د البنيوية)‪ ،‬وميكن وص� � ��ف العالقة بني‬ ‫املناه� � ��ج بأ ّنها عالق ٌة منفصل � � � ٌة ومتصل ٌة في آن‪،‬‬

‫‪72‬‬

‫‪8/10/14 9:22:57 AM‬‬

‫فف� � ��ي االندفاعة األولى يذه� � ��ب املنهج بعيداً في‬ ‫س� � ��ياق االنفصال والدفاع بحماس� � ��ة عن خطاب‬ ‫الرؤي� � ��ة ومرجعية النظرية‪ ،‬س� � ��اعياً إلى التمركز‬ ‫ح� � ��ول الرؤية‪ ،‬س� � ��واء أكانت س� � ��ياقية أم حداثية‬ ‫أن هذا االندفاع‬ ‫بنيوي� � ��ة أم ما بعد حداثي� � ��ة‪ ،‬إلاّ ّ‬ ‫العال� � ��ي الص� � ��وت ما يلبث أن تخ� � � ّ‬ ‫�ف وطأتُ ُه حني‬ ‫تتح � � � ّول اآلل ّيات من منطق النظري� � ��ة إلى فعالية‬ ‫يحجم االندفاع ويس� � ��ير‬ ‫إن اإلجراء‬ ‫اإلج� � ��راء‪ ،‬إذ ّ‬ ‫ّ‬ ‫باجتاه االتصال والتحايث على نحو ما مع املناهج‬ ‫األخرى‪ ،‬وذلك للحاجة اإلجرائية التفصيلية في‬ ‫العملي‪.‬‬ ‫النقدي‬ ‫ميدان الفعل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�ت‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫ر‬ ‫وك‬ ‫ال‬ ‫طوي‬ ‫رت‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫�ياقية‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫املناه� � ��ج‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأغنت جذو َرها األدبي َة في سياق االهتمام‬ ‫قي َمها‬ ‫ْ‬ ‫مبنطقة الناقد الش� � ��خصية (اجتماعية ونفس� � ��ية‬ ‫وانطباعي� � ��ة وتاريخية)‪ ،‬وتدخّ لت بوس� � ��اطتها في‬ ‫تفاصي� � ��ل النص� � ��وص والظواه� � ��ر اعتم� � ��اداً على‬ ‫َ‬ ‫هدف‬ ‫فك� � ��رة الوصول إلى حك� � ��م القيمة‪ ،‬بوصفه‬ ‫النقدي ونتيجتَ� � � ُه املتوخاة م� � ��ن فعالية‬ ‫الرص� � ��د‬ ‫ّ‬ ‫السياقي‪ ،‬مبعنى أ ّنها‬ ‫الطابع‬ ‫ذات‬ ‫النقدية‬ ‫العملية‬ ‫ّ‬ ‫اش� � ��تغلت على النصوص ولم تغفل عن ممكناتها‬ ‫الفني� � ��ة واجلمالية كلّما كان ذلك ممكناً وضرورياً‬ ‫لكن ذل� � ��ك كان ملصلحة حك� � ��م القيمة‬ ‫ومتاح � � �اً‪ّ ،‬‬ ‫�تباقي من‬ ‫املركزي والهدف االس� � �‬ ‫بوصفه املقصد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلجرائي‪.‬‬ ‫العملية النقدية في مستواها‬ ‫ّ‬ ‫املناهج احلداثية‪ ،‬النص ّي� � ��ة‪ ،‬البنيوية‪ ،‬ابتدا ًء‬ ‫م� � ��ن حلق� � ��ة ب� � ��راغ واحللق� � ��ات اللغوي� � ��ة األخرى‬ ‫�ت باجت� � ��اه علمنة‬ ‫والش� � ��كالنيني ال� � ��روس مض� � � ْ‬ ‫النقد وتكريس معطياته الفلس� � ��فية‪ ،‬انطالقاً من‬ ‫الطبيع� � ��ة التكوينية اخلاصة له� � ��ذه املناهج ذات‬ ‫اجلذور الفلسفية العميقة‪ ،‬وجاءت مبقولة «موت‬ ‫نصها‪،‬‬ ‫املؤ ّل� � ��ف» لتفص َل الش� � ��خصي َة املبدع َة عن ّ‬ ‫وتهم َل السيا َق إهماالً تاماً انتصاراً مطلقاً‬ ‫للنص‬ ‫ّ‬ ‫بوصفه بني ًة ألس� � ��ني ًة مغلق ًة عل� � ��ى ذاتها ومكتفي ًة‬ ‫�ري لهذه املناهج‬ ‫بذاته� � ��ا‪ ،‬وإذا كان املنطق النظ� � � ّ‬ ‫فإن‬ ‫يتم ّت� � ��ع بق ّوة رؤيوية عالية على هذا الصعيد‪ّ ،‬‬ ‫فحص اإلجراءات النقدية يقلّ ُل كثيراً من صالدة‬ ‫َ‬ ‫ويعكس شبك ًة من اإلضاءات النقدية‬ ‫هذا املنطق‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الزاحفة من مظلّة املناهج الس� � ��ياقية‪ ،‬حني يجد‬ ‫نفس� � ��ه أمام إش� � ��كال‬ ‫�ي‬ ‫ُّ‬ ‫البنيوي َ‬ ‫الناق � � � ُد احلداث� � � ُّ‬ ‫قرائي ال تس� � ��عفه أدواته املنهجية احلداثية كثيراً‬ ‫ّ‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 70-75.indd 72‬‬


‫في مقاربت� � ��ه والتفاعل معه‪ ،‬عل� � ��ى نحو يح ّرضه‬ ‫الستخدام فعالية منهجية ذات مرجعية سياقية‪،‬‬ ‫يك ّيفه� � ��ا للتفاعل والتعام� � ��ل واحملايثة مع منهجه‬ ‫النص ّي‪ ،‬تساعده في بلوغ أفضل قراءة ممكنة وال‬ ‫ّ‬ ‫احلداثي‬ ‫تسيء في الوقت نفسه إلى صفاء املنهج‬ ‫ّ‬ ‫تهدم من ُجرف كفاءته‪.‬‬ ‫أو تل ّوثُ ُه أو ّ‬ ‫فإن أيس� � ��ر وصف لها‬ ‫أ ّم� � ��ا ما بع� � ��د احلداثة ّ‬ ‫هو أ ّنها ثورة على علمنة األدب وتفكيك األس� � ��س‬ ‫والقي� � ��م التي نهضت عليه� � ��ا احلداثة‪ ،‬واالنطالق‬ ‫نحو حرية الكتابة من دون تقييدها بقيم وأحكام‬ ‫وأس� � ��س ومعايي� � ��ر وثوابت‪ ،‬إذ هي ف� � ��ي حقيقتها‬ ‫اس� � ��تجابة لفلس� � ��فة ما بع� � ��د الكولونيالية متضي‬ ‫باجت� � ��اه ضرب الش� � ��عرية‪ ،‬وتفكيك املؤسس� � ��ات‪،‬‬ ‫وتش� � ��تيت اخلطابات‪ ،‬وتش� � ��ظية النصوص‪ ،‬ودفع‬ ‫الرؤي� � ��ة نحو قراءة وحش � � � ّية للنص� � ��وص ومقاربة‬ ‫ثور ّي� � ��ة للنصوص‪ ،‬ال تكتفي مبا تختزنه النصوص‬ ‫م� � ��ن إمكانات‪ ،‬ب� � ��ل تنفتح على اخل� � ��ارج واحمليط‬ ‫واملاحول‪ ،‬كي تكش� � ��ف عن عمل النصوص فيها‪،‬‬ ‫ودرجة التأثير والتغيير التي ميكن أن تنجزها في‬ ‫األشياء‪ ،‬معتمدة على كفاءة القارئ الفاعل املُنتج‬ ‫النقدي‬ ‫االستثنائي‪ ،‬وفهمه وإميانه بجدوى األداء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النوعي خارج املقاييس واملواضعات املسبقة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫على ه� � ��ذا النح� � ��و متك� � ��ن معاينة املس� � ��توى‬ ‫النظري بوصفه دفاعاً فلسفياً منقطعاً عن رؤيته‬ ‫ّ‬ ‫أن‬ ‫املنهجي� � ��ة قبل دخولها إلى ميدان اإلجراء‪ ،‬أي ّ‬ ‫النظري‬ ‫حاضنة املقوالت النظرية تسمح بالتجلّي‬ ‫ّ‬ ‫أن‬ ‫املتمركز ح� � ��ول ذاته النظرية الص� � ��رف‪ ،‬غير ّ‬ ‫هذا التمركز يته� � � ّ�دد ويفقد قدرتَه على اإلحاطة‬ ‫النظري� � ��ة الرؤيوية املس� � ��تقلّة حني تت � � � ّم مواجهة‬ ‫النصوص والظواه� � ��ر األدبية على أرض امليدان‪،‬‬ ‫اإلجرائي‬ ‫وحني يت ّم االنتقال فعلياً إلى املس� � ��توى‬ ‫ّ‬ ‫بوصفه اش� � ��تغاالً تطبيقاً للنظرية والرؤية واملنهج‬ ‫واملفه� � ��وم واملصطلح في حق� � ��ل العمل‪ ،‬على نحو‬ ‫يتمظهر فيه االضطرار إلى التخفيف من س� � ��لطة‬ ‫النظرية والتس� � ��اهل م� � ��ع قيوده� � ��ا املركزية نحو‬ ‫االتص� � ��ال مع ما هو متاح من قيم منهجــية تعــــود‬ ‫إلــــى حاضنات مناهج أخرى‪ ،‬كانت النظرية قـــبل‬ ‫ذل� � ��ك ال تعترف بها وتُدي� � ��ن التواصل معها بحكم‬ ‫غرورها وتطلّعها إلى الهيمنة واالستعمار وفرض‬ ‫اخلاصة بها‪.‬‬ ‫الهوية‬ ‫ّ‬ ‫املفهومي ومتثّل رؤيته‬ ‫هُ و ّية اللغة العرب ّية‪ ...‬استيعاب «اآلخر»‬ ‫ّ‬

‫‪8/10/14 9:23:01 AM‬‬

‫إنت� � ��اج النظري� � ��ة وم� � ��ا يتض ّمنه ض� � ��رور ًة من‬ ‫إنتاج لفض� � ��اء الرؤية وآل ّي� � ��ات املنهج ومتظهرات‬ ‫ماس� � ��ة حلاضنة‬ ‫املفهوم وحيوية املصطلح بحاجة ّ‬ ‫ثقافي� � ��ة مثالية‪ ،‬تش� � ��هد حت � � � ّوالت حضارية على‬ ‫مختلف املستويات تفرض حلول النظرية واملنهج‬ ‫وحتفظ من ّوهما وتط ّورهما‪ ،‬داخل سياقات لغو ّية‬ ‫(تش� � ��كيلية وتعبيري� � ��ة) تع ّبر ع� � ��ن الهو ّية وتعكس‬ ‫خصوصيتها‪ ،‬لكنّها ال تتحلّى بالصفة العاملية إلاّ‬ ‫اإلجرائي‪ ،‬كي تنتقل‬ ‫حني يُعاد إنتاجها في احلقل‬ ‫ّ‬ ‫من ح� � ��دود االنقطاع والغلق إل� � ��ى فضاء االنفتاح‬ ‫والتواص� � ��ل ح� �ي��ن تتفاعل م� � ��ع ما ه� � ��و متاح من‬ ‫نظريات ورؤيات ومناهج‪ ،‬بحسب طبيعة اإلجراء‬ ‫وحساسيته ومس� � ��احات عمله النابعة أساساً من‬ ‫الظواه� � ��ر والنصوص موضوع الرص� � ��د والقراءة‬ ‫والتحليل والتأويل‪.‬‬

‫الغربي‬ ‫العربي والناقد‬ ‫الناقد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫بأي حال من األحوال معاينة الناقد‬ ‫ال ميك� � ��ن ّ‬ ‫ً‬ ‫الغربي‪ ،‬بس� � ��بب‬ ‫للناقد‬ ‫ا‬ ‫وازي‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫العرب� � � ّ�ي ُمناظراً ُ‬ ‫ّ‬ ‫اختالفات عميقة في اإلعداد والتكوين واحلاضنة‬ ‫الثقافية والفكرية والفلس� � ��فية‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن طبيعة‬ ‫املرجعي� � ��ات الثقافية والفكري� � ��ة واحلضارية لك ّل‬ ‫منهما‪ ،‬وطبيعة املؤ ّث� � ��رات الفضائية (الزمكانية)‬ ‫ذات الطبيع� � ��ة املجتمعي� � ��ة الراهنة ف� � ��ي مجتمع‬ ‫ك ّل منهم� � ��ا‪ ،‬على نح� � ��و يرتبط بطريق� � ��ة التفكير‬ ‫وحساسية التلقّي واملزاج واملمارسة الذوقية جتاه‬ ‫األش� � ��ياء‪ ،‬وحساس� � ��ية الثقافة املك ّونة للشخصية‬ ‫النقدي وداخله‪.‬‬ ‫النقدية خارج العمل‬ ‫ّ‬ ‫وإذا كان� � ��ت النظري� � ��ة مبا متتلكه من س� � ��لطة‬ ‫عابرة للثقافات واخلصوصيات بوسعها أ ْن تسمح‬ ‫للناق� � ��د الغرب� � � ّ�ي والناقد العرب� � � ّ�ي باجللوس على‬ ‫فإن املمارسة اإلجرائية‬ ‫مائدة واحدة مش� � ��تركة‪ّ ،‬‬ ‫تعيد كلاّ منهما إلى حاضنته احلضارية والثقافية‬ ‫الغربي‬ ‫النص‬ ‫أن‬ ‫والفكرية واالجتماعية‪ ،‬والس ّيما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي‬ ‫�ص‬ ‫حي� � ��ث يعمل الناق� � ��د الغرب� � � ّ�ي‪ ،‬والن� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي‪ ،‬يس� � ��همان على نحو‬ ‫حيث يعم� � ��ل الناقد‬ ‫ّ‬ ‫ف ّعال في ف� � ��رض اخلصوصية والل� � ��ون والرائحة‬ ‫والطعم واملزاج والرؤية مبا يُبع ُد مائدةَ ك ّل منهما‬ ‫عن اآلخ� � ��ر‪ ،‬ويحقّق لك ّل منهما الف� � ��رادة والتم ّيز‬ ‫واخلصوصية التي ينشدها ويع ّبر عن شخصيته‬

‫‪73‬‬

‫‪sep 70-75.indd 73‬‬


‫غربي‬ ‫بوس� � ��اطتها‪ ،‬ليكون في النهاية ث ّم� � ��ة ناقد‬ ‫ّ‬ ‫عربي‪.‬‬ ‫غربي وآخر‬ ‫عربي‪ ،‬و ّثمة نقد‬ ‫وآخر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املنظ� � ��رون الغربي� � ��ون اجته� � ��دوا ف� � ��ي ابتكار‬ ‫نظرياتهم النقدية ضمن أفق حاضنات فلس� � ��فية‬ ‫مؤسسة تأسيس � � �اً صحيحاً مستجيباً لطبيعتهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫نظري� � ��ات متصاحل� � ��ة ومتطابق� � ��ة ومتفاعل� � ��ة مع‬ ‫النماذج والس� � ��ياقات الثقافية األخرى ومتفاهمة‬ ‫معها على نحو يقود إلى وصفها بأ ّنها ذات والدة‬ ‫طبيعي� � ��ة‪ ،‬أ ّما النقّاد املش� � ��تغلون في حقل الثقافة‬ ‫واألدب على الظواهر والنصوص َف ُهم مستلهمون‬ ‫�في‪ ،‬لكنه� � ��م يفرضون‬ ‫للتنظي� � ��ر النق� � � ّ‬ ‫�دي الفلس� � � ّ‬ ‫شخصياتهم وهوياتهم في حقول اإلجراء بآل ّيات‬ ‫للنقدي قدر تعلّق األمر بإجناز‬ ‫�في‬ ‫ّ‬ ‫تُخضع الفلس� � � ّ‬ ‫أن‬ ‫أعل� � ��ى وأمثل للقراءة‪ ،‬والس � � � ّيما ح� �ي��ن نعرف ّ‬ ‫الفلسفي هذا ليسوا‬ ‫املنظرين في حقول اشتغالهم‬ ‫ّ‬ ‫واألدبي‪ ،‬لذا ال‬ ‫النقدي‬ ‫بعيدين كثيراً عن الش� � ��أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حتصل انقطاعات عميقة س� � ��لبية في تأس� � ��يس‬ ‫والنظري‬ ‫�في‬ ‫فض� � ��اء العالقة بني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النظري الفلس� � � ّ‬ ‫النقدي في إطار بن� � ��اء النظرية النقدية احلديثة‬ ‫ّ‬ ‫عند النقّاد الغربيني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املنظ� � ��رون الع� � ��رب فه� � ��م مس� � ��تقبلون‬ ‫أ ّم� � ��ا‬ ‫النظري القادم من‬ ‫وملخّ صون وش� � ��ارحون للوافد‬ ‫ّ‬ ‫فضاء اآلخ� � ��ر‪ ،‬النعدام حواضن فلس� � ��فية عربية‬ ‫صحيح� � ��ة متصاحل� � ��ة ومتفاهمة مع الس� � ��ياقات‬ ‫أن لديهم مش� � ��كل ًة فيهما معاً‪،‬‬ ‫والنم� � ��اذج‪ ،‬مبعنى ّ‬ ‫وربمّ ا نستطيع القول استناداً إلى هذه الرؤية أ ّنه‬ ‫ال يوجد ّ‬ ‫منظرون عرب بهذا املعنى‪ ،‬بل يوجد نقاد‬ ‫عرب يتس� � ��اوون مع النقاد الغربيني في اس� � ��تلهام‬ ‫التنظير وفهمه وفرض ش� � ��خصياتهم وهوياتهم‪،‬‬ ‫مع األخذ بنظر االعتبار املس� � ��افة املضاعفة التي‬ ‫الغربي‬ ‫النظري‬ ‫تفصل النقّاد العرب عن املصدر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قياس � � �اً بالنقّاد الغربيني‪ ،‬وهي قضية ذات أهمية‬ ‫كبي� � ��رة وخطورة ف� � ��ي ك ّل مراحل تل ّق� � ��ي النظرية‬ ‫وفهمه� � ��ا وتكييفها وحتويلها إل� � ��ى حقل اإلجراء‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫القرائي من البداية‬ ‫ال عن نتائجها في املسار‬ ‫ّ‬ ‫إلى النهاية‪.‬‬ ‫الثقافي‬ ‫بد م������ن مالحظة أهمية النس������ق‬ ‫ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن‬ ‫وقيمته في بناء املنهج وتأس������يس النظرية‪ ،‬إذ ّ‬ ‫الثقافة الغربية هي ثقافة س������رد‪ ،‬ومرجعية هذه‬ ‫الثقافة في األس������اس هي مرجعية فلسفية تقود‬

‫‪74‬‬

‫‪8/10/14 9:23:05 AM‬‬

‫ضرور ًة إلى النظري������ة‪ ،‬في حني توصف الثقافة‬ ‫العربية بأ ّنها ثقافة شعر ومرجعية هذه الثقافة‬ ‫هي مرجعية أدبية تقود إلى البالغة‪ ،‬وحني تأثر‬ ‫العرب في ما بعد بالفلسفة اليونانية أنتج (علم‬ ‫الكالم) الذي يقوم على اجلدل والسجال‪ ,‬وظلّ ْت‬ ‫أدوات البالغة عاملة وفاعلة في امليدان ولم ينته‬ ‫خاص وتأسيس‬ ‫نقدي‬ ‫هذا التأثير إلى بناء منهج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫البالغي‬ ‫بني‬ ‫د‬ ‫د‬ ‫�����ر‬ ‫�‬ ‫الت‬ ‫ل‬ ‫نظرية صافي������ة‪ ،‬فقد ظ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�����في عام ً‬ ‫ال خطيرا م������ن عوامل احليلولة‬ ‫والفلس� ّ‬ ‫�����وي يتيح إنتاج‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫ثقافي‬ ‫فضاء‬ ‫إلى‬ ‫الوصول‬ ‫دون‬ ‫ّ َ ّ‬ ‫الليبرالي‬ ‫املعرف������ة ضمن مناخ عام م������ن التفكير‬ ‫ّ‬ ‫احل ّر خ������ارج املهيمنات والس������لطات واملركزيات‬ ‫الضاغطة‪.‬‬ ‫ثقافة الس� � ��رد بطبيعتها ثقافة انفتاح التعبير‬ ‫وانطالق� � ��ه ومتظهره‪ ،‬إذ يتم ّي� � ��ز باجلملة الطويلة‬ ‫يؤس� � ��س‬ ‫واالسترس� � ��ال واالس� � ��تطراد على نحو ّ‬ ‫لن� � ��وع من التعبي� � ��ر املو ّلد واملنتج‪ ،‬فض� �ل � ً‬ ‫أن‬ ‫ا عن ّ‬ ‫االس� � ��تغراق في التفاصيل وما ينتج عنه من حوار‬ ‫�ب لنمو الفكرة‬ ‫وجدل وس� � ��جال يو ّفر مجاالً أرح� � � َ‬ ‫وتطورها وصيرورتها وبنائها‪ ،‬على نحو يضاعف‬ ‫من اتس� � ��اع مس� � ��احة التواصل مع مجتمع التلقي‬ ‫ويزيد من حجم إقناع� � ��ه وفاعليته الثقافية على‬ ‫جميع املستويات‪.‬‬ ‫فإن املنهج في منوذجه‬ ‫وفي سياق تلقي املنهج ّ‬ ‫الغربي املس� � ��تورد واملترج� � ��م ال يصمد في حقل‬ ‫العربي‪ ،‬وهو ما يس� � ��تلزم إجراء‬ ‫النقدي‬ ‫اإلجراء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نوعي في ش� � ��بكة املفاهيم واملصطلحات‬ ‫تكييف‬ ‫ّ‬ ‫العربي على هذا‬ ‫النقد‬ ‫يسهم‬ ‫إذ‬ ‫للمنهج‪،‬‬ ‫احلاملة‬ ‫ّ‬ ‫النظري‬ ‫النح� � ��و بتحويل آل ّيات املنهج من مس� � ��اره‬ ‫ّ‬ ‫ف� � ��ي احلاضنة الغربية ليفتحها على مجال جديد‬ ‫داخ� � ��ل حق� � ��ل العمل‪ ،‬وه� � ��و ما يحت� � ��اج إلى جهد‬ ‫ذهني عال ومعرفة وحساس� � ��ية‬ ‫�تثنائي وك� � � ّ�د‬ ‫اس� � �‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وإدراك عمي� � ��ق‪ ،‬بوس� � ��عه أن ينتق� � ��ل م� � ��ن مختبر‬ ‫ألن املناهج‬ ‫احملاول� � ��ة إلى فضاء اإلجناز‪ ،‬وذل� � ��ك ّ‬ ‫الغربي� � ��ة ولدت في حواضن حضارية وفلس� � ��فية‬ ‫العربي‬ ‫وسوس� � ��يوثقافية معق� � ��دة‪ ،‬ق� � ��ام الناق� � ��د‬ ‫ّ‬ ‫باقتطاع ثمرتها الناضجة من س� � ��ياقاتها إلنباتها‬ ‫في أرض مختلفة وتشغيلها في حواضن مغايرة‪،‬‬ ‫ومن هنا حصلت املفارقة ومتظهر اإلش� � ��كال مبا‬ ‫يس� � ��توجب تكييفاً وإعادة إنتاج وتوجيهاً مناس� � ��باً‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 70-75.indd 74‬‬


‫أي خلل‬ ‫للحاضن� � ��ة اجلديدة‪ ،‬م� � ��ن أجل تف� � ��ادي ّ‬ ‫ألن‬ ‫في مستوى التكييف يُفس� � ��د العملية ب ّرمتها‪ّ ،‬‬ ‫القضية بحاجة إل� � ��ى عملية جراحية دقيقة جداً‬ ‫نقدي عالي اخلبرة واملؤهل‬ ‫تستدعي توافر كادر‬ ‫ّ‬ ‫واملعرف� � ��ة‪ ،‬هو في احلقيقة لي� � ��س متوافراً دائما‪ً،‬‬ ‫أن املترجمني لعبوا لعبتهم‬ ‫وميكن االلتفات إل� � ��ى ّ‬ ‫الفادحة رمبا من غير قصد‪ ،‬وجعلوا فرص جناح‬ ‫العملية محدودة للغاية‪ ،‬وهو ما ميكن تل ّمسه في‬ ‫العربي بق ّوة ووضوح‪.‬‬ ‫النقدي‬ ‫املشهد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫النقدي والتجربة الذوقية‬ ‫املزاج‬ ‫ّ‬

‫النقدي والتجربة‬ ‫قد يبدو احلديث عن املزاج‬ ‫ّ‬ ‫الذوقية في ظ � � � ّل هيمنة النظرية والرؤية واملنهج‬ ‫النقدي احلديث غير مناسب على نحو‬ ‫في الدرس‬ ‫ّ‬ ‫ما‪ ،‬وذلك لفرط الهيمنة الثقافية اإلجرائية التي‬ ‫تفرضها معطيات النظرية على فعالية الرؤية‪ ،‬غير‬ ‫أن اخلبرة النقدية مت ّثل املساحة األكثر أهمية في‬ ‫ّ‬ ‫النقدي‪ ،‬وما النظرية‬ ‫الوصول إلى مرحلة الكشف‬ ‫ّ‬ ‫مبختلف اجتاهاته� � ��ا‪ ،‬والرؤية مبختلف مت ّثالتها‪،‬‬ ‫واملنهج مبختلف أشكاله ومتظهراته‪ ،‬سوى وسائل‬ ‫وآل ّيات حتت تص ّرف اخلبرة النقدية وهي تسخّ ر‬ ‫إمكاناتها في خدمة القراءة‪.‬‬ ‫االنصياع واإلذعان واالستسالم لسلطة النظرية‬ ‫برؤياتها ومناهجه� � ��ا مفاهيمها ومصطلحاتها مّ‬ ‫إنا‬ ‫هي مت ّث ٌل أعمى يحرص على قبول جفاف النظرية‪،‬‬ ‫والعمل وفــــق متطلباتها الشديدة احل َرف ّية والقسوة‬ ‫بحي� � ��ث تنت ُج كتاب ًة نقدي ًة بال م� � ��اء‪ ،‬وإذا كان النقّاد‬ ‫العرب القدامى قد وصفوا الشعر اخلالي من املاء‬ ‫بأ ّنه مج � � � ّرد نظم‪ ,‬فقد نضيف إل� � ��ى ذلك لوصف‬ ‫تقاني‬ ‫علمي‬ ‫النقد اخلالي من املاء أ ّنه مج ّرد كالم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ياب� � ��س ال يليق مبقاربة نص� � ��وص أدبية‪ ،‬لها عالقة‬ ‫بالوج� � ��دان والعاطفة واخليال والرؤية اإلنس� � ��انية‬ ‫اخللاّ قة‪.‬‬ ‫وهو ما يس � � � ّبب ضياع ش� � ��خصية الناقد التي‬ ‫مت ّثل أه ّم ش� � ��كل من أشكال احلضور في مساحة‬ ‫وتعال في‬ ‫النقدي‪ ،‬إذ يجب أن يتجلّى بق ّوة‬ ‫العمل‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫جوهر هذه الكتابة‪ ،‬وعند احلديث عن الشخصية‬ ‫بد من حضور ش� � ��بكة م� � ��ن املك ّونات‬ ‫الناق� � ��دة ال ّ‬ ‫مقدمتها ما ميكن أن نصطلح عليه‬ ‫املركزية ف� � ��ي ّ‬ ‫النقدي»‪ ،‬ويتك ّون هذا املزاج من طاقة‬ ‫هنا بـ «املزاج‬ ‫ّ‬ ‫املفهومي ومتثّل رؤيته‬ ‫هُ و ّية اللغة العرب ّية‪ ...‬استيعاب «اآلخر»‬ ‫ّ‬

‫‪8/10/14 9:23:09 AM‬‬

‫النوعي‪ ،‬وإنشاء عالقة‬ ‫الرغبة العالية في العمل‬ ‫ّ‬ ‫والنص‪ ،‬وتوفير فضاء‬ ‫مح ّبة وتفاعل ب� �ي��ن الناقد‬ ‫ّ‬ ‫أمنوذجي يحي� � ��ط بالعالقة‪،‬‬ ‫(زمكاني)‬ ‫�اني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إنس� � � ّ‬ ‫يؤهل الناقد للخوض‬ ‫واستعداد نفس� � � ّ�ي‬ ‫وجسدي ّ‬ ‫ّ‬ ‫النص وجيوب� � ��ه وظالله‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫في طبق� � ��ات‬ ‫ّ‬ ‫النقدي عم ً‬ ‫ال‬ ‫بهج� � ��ة داخــــــلية جتعــل م� � ��ن العمل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لذوي � � �اً يدفع الناقد نح� � ��و االنغماس فيه من أجل‬ ‫مزيد من الكشف واالكتشاف واملتعة‪.‬‬ ‫ك ّل ذلك مّ‬ ‫النقدي»‬ ‫إنا يسهم في تكوين «املزاج‬ ‫ّ‬ ‫�دي للم� � ��زاج بوصفه حالة‬ ‫خ� � ��ارج املفهوم التقلي� � � ّ‬ ‫ألن‬ ‫انفعالي� � ��ة وعاطفية عاب� � ��رة غي� � ��ر‬ ‫مخصبة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫�دي» حتضر فيه‬ ‫«املزاج» هن� � ��ا يرتبط بعمل «نق� � � ّ‬ ‫الذاكرة والعقل والثقافة واملعرفة واملرجعيات‪ ،‬أي‬ ‫فإن‬ ‫ما يش� � ��به منظومة عمل تش� � ��به املختبر‪ ،‬لذا ّ‬ ‫املزاج هنا س� � ��يكون مزاجاً كفوءاً محروس � � �اً بك ّل‬ ‫هذه اإلمكانات وفاع ً‬ ‫ال داخل ش� � ��بكة منظومتها‪،‬‬ ‫عل� � ��ى نح� � ��و يحفظه من الش� � ��طط املتو ّق� � ��ع أوالً‪،‬‬ ‫ويرف� � ��ع طاقت� � ��ه لتكون جدي� � ��ر ًة به� � ��ذا النوع من‬ ‫العم� � ��ل اإلجرائ� � � ّ�ي العالي املس� � ��توى ثانياً‪ ،‬بحيث‬ ‫يتخلّى متاماً ع� � ��ن انفعاليته وعفويته ويدخل في‬ ‫جوهر الفاعلي� � ��ة النقدية على نحو خلاّ ق و ُمنتج‪،‬‬ ‫مسهماً في تكوين الشخصية النقدية‪ ،‬وهي تتمتّع‬ ‫بفرادته� � ��ا وأس� � ��لوبيتها ومنهجيته� � ��ا املتل ّونة بلون‬ ‫الشخصية شك ً‬ ‫ال وروحاً وكتابة‪.‬‬ ‫النقدي على هذا األس� � ��اس هو حصيلة‬ ‫املزاج‬ ‫ّ‬ ‫جتربة ذوقية ثرية عميقة وواس� � ��عة تش� � ��تغل على‬ ‫تربي� � ��ة الذوق وتدريبه ومترين� � ��ه وتهذيبه‪ ،‬ودعمه‬ ‫تيس� � ��ر من حظوظ االرتفاع مبس� � ��تواه كي‬ ‫بك ّل ما ّ‬ ‫يبلغ أعلى ق� � ��درة على الفعل والتأثي� � ��ر واإلنتاج‪،‬‬ ‫ويتع� � � ّ�دى ذلك إلى ابتكار س� � ��بل جدي� � ��دة للتعامل‬ ‫والتفاهم والتفاعل مع اآلل ّيات النقدية القادمة من‬ ‫نسيجي في منطقة‬ ‫حاضنة املنهج‪ ،‬وبناء تضافر‬ ‫ّ‬ ‫النقدي‬ ‫النقدي يتي� � ��ح لك ّل منهما (املزاج‬ ‫اإلجراء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وآل ّي� � ��ات املنه� � ��ج) أرفع قدر ممكن م� � ��ن التعاضد‬ ‫�في‪ ،‬م� � ��ن أجل الوص� � ��ول إلى أبلغ‬ ‫الفعلي الكش� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫قراءة كاش� � ��فة ومكتشفة ومنتجة ومدهشة‪ ،‬تعمل‬ ‫اآلل ّيات فيها بأعلى كفاءتها اإلنتاجية مثلما يعمل‬ ‫حتسس ما يستحيل‬ ‫الذوق بأس� � ��مى طاقته على‬ ‫ّ‬ ‫على اآلل ّيات وحدها اس� � ��تكناهه واكتشاف عمق‬ ‫اجلمال ورهافته فيه >‬

‫‪75‬‬

‫‪sep 70-75.indd 75‬‬


‫شخصيات‬

‫عاش جتربة النهضة الثقافية والسياسية‬ ‫في الكويت وع َّبر عنها بصدق كبير‬

‫الشاعر الكويتي عبداللطيف إبراهيم النصف (‪1971 - 1904‬م)‬

‫فاضل خلف *‬ ‫احل���رك���ة ال �ش �ع��ري��ة ف���ي ال� �ك ��وي ��ت متتد‬ ‫بجذورها عبر سنوات بعيدة‪ ،‬منذ أن بدأ‬ ‫ش �ع��راء ال�ع��ام�ي��ة أو ال�ش�ع��ر ال�ن�ب�ط��ي في‬ ‫تصوير مشــاعـــر القبائــــل ورجال الباديـــة‬ ‫في مواجهة قحــط الطبيعــة الصحراويـــة‬ ‫القـاسيـــة ومتجـــيــد الشجاعة والفروسـيــة‬ ‫وإعـــــالء القيــــم اإلنســـانـــيـــة‪.‬‬ ‫وم �ن��ذ أن ب���دأت ش �م��وس ش�ع��ر الفصحى‬ ‫ت �ش��رق ف��ي آف� ��اق ال �ك��وي��ت‪ ،‬ب��زغ��ت أسماء‬ ‫ش �ع��راء س��اه�م��وا ف��ي التعبير ع��ن وجدان‬ ‫قومهم وهموم وطنهم في عصور مختلفة‬ ‫ص��ورت قصائدهم سماتها ومظاهرها في‬ ‫صدق بالغ‪.‬‬ ‫م�� ��ن أه�� ��م ه�� ��ؤالء الش�� ��عراء عبداللطيف طفولته ونبوغه الشعري‬

‫إبراهي� � ��م النصف‪ ،‬الذي ول� � ��د في الكويت‬ ‫العام ‪1904‬م وس� � ��اهم في تط� � ��ور احلركة‬ ‫الش� � ��عرية من خالل تأثره بالواق� � ��ع وإجنازاته ورحالته‬ ‫خارج الكويت‪ ،‬ومن ثم معاصرته للشيخ عبدالله السالم‬ ‫الصباح‪ ،‬الذي يعتبر املؤسس احلقيقي لنهضة الكويت‬ ‫العلمية والثقافية‪.‬‬

‫في طفولت�� ��ه التحق بال ُكتاب وحف�� ��ظ ودرس القرآن‬ ‫الكرمي وبعضا من النحو واحلس�� ��اب‪ ،‬ثم التحق باملدرسة‬ ‫املباركية ليدرس العلوم واللغة ويطلع على املعارف ويشعر‬ ‫بنهم ش�� ��ديد للقراءة وشغف بحفظ الشعر العربي وقراءة‬ ‫كت�� ��ب األدب من قصص الع�� ��رب وحكاياته�� ��م ونوادرهم‬ ‫وأشعارهم‪.‬‬

‫* كاتب وشاعر من الكويت‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫‪8/10/14 9:24:06 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 76-78.indd 76‬‬


‫ولذل�� ��ك متيز بذاك�� ��رة قوية جتيد احلف�� ��ظ وموهبة‬ ‫في التعبير عن مش�� ��اعر ذاته‪ ،‬من خالل بعض النصوص‬ ‫الش�� ��عرية البس�� ��يطة‪ .‬وكان مغر ًما ً‬ ‫أيضا بالشعر النبطي‬ ‫ال�� ��ذي تأثر به من قبل جده ألمه الش�� ��اعر الكبير حمود‬ ‫بن ناصر آل بدر‪.‬‬ ‫ومن أهم قصائده التي عبر فيها عن مش�� ��اعره بني‬ ‫الفراق والعودة حني يودع أهله وقلبه يتمزق حزنا وأسى‪،‬‬ ‫فيقول‪:‬‬ ‫أرى س��اع��ة ال�ت�ف��ري��ق وال �ب�ين ق��د دنت‬ ‫ف � �ص � �ب� ��ري وأن � � �س� � ��ي آذن� � � � ��ا ب� �ب� �ع ��اد‬ ‫ق� �ف ��وا ق� �ب ��ل ت ��ودي� �ع ��ي ل� �ك ��م ألبثكم‬ ‫�وق ُح� �ك� �م ��ت ب � �ف� ��ؤادي‬ ‫ل � ��واع � ��ج ش� � � � ٍ��� ‫ف � � ��إن � � ��ي إذا ودع� � � �ت� � � �ك � � ��م مل � � � ��ودع‬ ‫ب �ت��ودي �ع �ك��م ع �ي �ش��ي وط� �ي ��ب رق � ��ادي‬ ‫س �ل��ام ع��ل��ى وق � ��ت ب��ق��رب��ك ق� ��د زها‬ ‫وي � �ف� ��دي� ��ه م� �ن ��ي ط � ��ارق � ��ي ورق� � � ��ادي‬ ‫وم� ��ا ع ��ن ه� ��وى م �ن��ي أراك مفارقي‬ ‫وم � ��ا وأب � �ي� ��ك ال� ��ده� ��ر ط � ��وع م � ��رادي‬

‫العودة إلى الكويت‬

‫عاد الش�� ��اعر النصف إلى الكويت‪ ،‬ليش�� ��غل وظيفة‬ ‫س�� ��كرتير ألمير البالد الراحل الش�� ��يخ عبدالله الس�� ��الم‬ ‫الصباح‪ ،‬في فترة تعد من أخصب فترات النضج الثقافي‬ ‫والنهضة االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬حيث حصلت الكويت‬ ‫وعي فيها‬ ‫على اس�� ��تقاللها وأسس�� ��ت وزارة اخلارجي�� ��ة نّ‬ ‫مدي ًرا لإلدارة الصحفية‪.‬‬ ‫ويقول األس�� ��تاذ س�� ��امي النصف‪ ,‬وهو جنل الشاعر‬ ‫عبداللطي�� ��ف النص�� ��ف‪ ,‬في كلم�� ��ة افتتح به�� ��ا احتفالية‬ ‫مهرجان القرين بذكرى والده‪ :‬إن «منارة الشاعر املرحوم‬ ‫عبداللطي�� ��ف النصف تبدد إش�� ��عاعات مقولة إن الكويت‬ ‫واخلليج عامة هما ثروة ونفط ال وعي وثقافة»‪.‬‬ ‫وتط�� ��رق في كلمت�� ��ه إلى جتربته اخلاص�� ��ة مع والده‬ ‫بقول�� ��ه‪« :‬إنه لم يكن يكتفي بتعليمنا فقد كان ميأل البيت‬ ‫لنا بالكتب واملجالت ويقيم املسابقات لنا‪ ،‬كما كان مح ًبا‬ ‫للعمل وكارها للظهور اإلعالمي»‪.‬‬

‫النزعة الوطنية في شعره‬

‫عاش الش�� ��اعر النصف مع بداي�� ��ات نهضة الكويت‬ ‫األدبي�� ��ة والثقافية‪ ،‬وه�� ��و يعد من أوائل الدارس��ي��ن في‬ ‫املدارس النظامية بالكويت‪ ،‬إذ التحق باملدرسة املباركية‬

‫الشاعر الكويتي عبداللطيف إبراهيم النصف (‪1971 - 1904‬م)‬

‫‪8/10/14 9:24:11 AM‬‬

‫بعد إنشائها بفترة قصيرة‪.‬‬ ‫وظهرت ملكة الشعر عنده منذ فترة مبكرة‪ ،‬وعاصر‬ ‫في شبابه جيل املثقفني واألدباء الكويتيني األوائل‪ ،‬أمثال‬ ‫عبدالعزيز الرش�� ��يد الذي أورد صفحات عن ش�� ��اعرية‬ ‫النصف في كتابه الش�� ��هير «تاريخ الكويت»‪ ،‬وبذلك يعتبر‬ ‫الرش�� ��يد أول من كتب وأشار إلى أهمية شاعرنا‪ ،‬وكذلك‬ ‫الشاعر خالد الفرج‪ ،‬كانت له صداقة طويلة مع النصف‪،‬‬ ‫وكتب الفرج بعض املس�� ��اجالت الشعرية مع النصف في‬ ‫كتابه «رجال اخلليج»‪.‬‬ ‫ونبغ الش�� ��اعر النصف في الش�� ��عر العربي الفصيح‪،‬‬ ‫كم�� ��ا كانت له العديد من القصائ�� ��د ذات احلس الوطني‬ ‫والقوم�� ��ي والتي عكس�� ��ت مجموعة من األح�� ��داث التي‬ ‫عاصره�� ��ا خالل س�� ��نوات حياته حتى وافت�� ��ه املنية عام‬ ‫‪.1971‬‬ ‫ومن قصائده التي يعبر فيها عن نزعة وطنية صادقة‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫ف �ي��ا أم� ��ة ق ��د ن� ��اء ب��ال �ع �ص��ر حملها‬ ‫ول�� ��م ت �س �ت �ع��ض ع� ��ن غ��ي��ه��ا ب ��رش ��اد‬ ‫ل��ك ال��وي��ل ه��ل م��ن يقظة بعد نومة؟‬ ‫أل� � ��م ي� ��ؤل� ��م األق � � � � ��وام ط� � ��ول سهاد‬ ‫ف� �ي ��ا وي � ��ح ق ��وم ��ي وامل� �ص���ائ���ب جمة‬ ‫ل� �ق ��د ل �ب �س��ت ث � ��وب ال�� �ه� ��وان ب �ل�ادي‬ ‫ب� �ل��اد ب� �ه ��ا س� � ��وق اخل� � ��راف� � ��ات رائ� ��ج‬ ‫ف� �ل ��م مي � ��ن ي� ��وم� ��ا واح� � � � ��دا بكساد‬ ‫وح��س��ب��ك أن ال��ع��ل��م ف �ي �ه��ا مضيع‬ ‫ف� �ل� �ي ��س ب � �ه� ��ا م� � ��ن م� �ع� �ه ��د مب� �ش ��اد‬ ‫وقد كتب الش�� ��اعر قصائده ونش�� ��رها في الصحف‬ ‫واملجالت ولم يجمعها في ديوان واحد‪ ،‬واجته في أشعاره‬ ‫إلى النقد االجتماعي الذي يتخذ السخرية والهجاء أهم‬ ‫وس�� ��ائل البناء الفن�� ��ي في القصيدة‪ ،‬فيدع�� ��و أبناء وطنه‬ ‫إلى نبذ الوهن والكس�� ��ل واالنطالق نحو األمجاد والعال‬ ‫لتحقيق الغايات النبيلة والقيم العليا لإلنسان‪:‬‬ ‫وي� ��ح ال �ك��وي��ت ووي� ��ح ال �س��اك �ن�ين بها‬ ‫إن ل��م يثيروا وينضوا منهم الهمما‬ ‫راح األدي � ��ب ب �ه��ا ح� �ي ��ران مضطهدا‬ ‫وي��ل أم �ه��ا وغ ��دا ذو اجل �ه��ل محترما‬ ‫أط �ل �ق �ت��م ي ��دك ��م ف ��ي ه� ��دم مجدكم‬ ‫ل � �ل� ��ه م � �ج� ��د ب� �ل��ا ح�� � ��ام ل� � ��ه ه ��دم ��ا‬ ‫ومن قصائده في املدح يتخذ هذا الغرض لالحتفاء‬ ‫برجال الب�� ��ر واإلحس�� ��ان‪ ،‬الذين يس�� ��اهمون في خدمة‬

‫‪77‬‬

‫‪sep 76-78.indd 77‬‬


‫الوطن‪ ،‬س�� ��واء بإنشاء مدارس العلم أو إقامة املشروعات‬ ‫التي تثري العمل واإلنتاج‪ ،‬وليس املدح هنا يقصد صفات‬ ‫املمدوح لشخصه أو ملا يشغله من مركز مرموق أو مكانة‬ ‫عالية‪ ،‬بل إن الشاعر ميدح في األساس القيم األخالقية‬ ‫واإلنس�� ��انية‪ ،‬فيقول عن أحد هؤالء وهو شمالن بن علي‪،‬‬ ‫الذي شيد مدرسة لأليتام‪:‬‬ ‫ب �ن �ي��ت م� ��درس� ��ة أم ش�� ��دت مفخرة‬ ‫أم ن �ل��ت م �ك��رم��ة أم ف� ��زت منقلبا?‬ ‫ل � �ل� ��ه م� � ��درس� � ��ة األي� � � �ت � � ��ام م� ��درس� ��ة‬ ‫ق ��د أب �ه �ج��ت ب �ب �ن��اه��ا ال �ع �ل��م واألدب� ��ا‬

‫النزعة القومية في شعره‬

‫ف�� ��ي عام ‪ 1977‬ص�� ��درت الطبعة األول�� ��ى من كتاب‬ ‫د‪.‬خليفة الوقيان «القضية العربية في الش�� ��عر الكويتي»‪.‬‬ ‫وقد كشفت هذه الدراسة عن عمق موقف شعراء الكويت‬ ‫جتاه القضايا القومية‪ ،‬حيث عبروا جميعا عن تضامنهم‬ ‫مع قضايا الشعوب التي تناضل ضد املستعمر األجنبي‪،‬‬ ‫وكذلك عبر الشعراء عن موقف اإلدانة ضد القهر والظلم‬ ‫والعدوان على الشعوب اآلمنة‪.‬‬ ‫فانش�� ��غل الش�� ��عراء بقضي�� ��ة فلس�� ��طني والع�� ��دوان‬ ‫الثالثي على مص�� ��ر عام ‪1956‬م وهزمية ‪1967‬م وفرحة‬ ‫النصر عام ‪ 1973‬واس�� ��ترداد األرض املصرية املغتصبة‬ ‫من العدو اإلس�� ��رائيلي‪ ,‬وقد استش�� ��هد املؤلف د‪.‬خليفة‬ ‫الوقيان بنماذج شعرية لش�� ��عراء الكويت‪ ،‬ومنهم شاعرنا‬ ‫عبداللطيف النصف‪.‬‬ ‫ويكتب الش�� ��اعر النص�� ��ف عن الزعي�� ��م عبدالكرمي‬

‫اخلطابي الذي حتدى املس�� ��تعمر الفرنس�� ��ي في الريف‬ ‫املغربي وظل يكافح من أجل قضية بالده‪ ،‬ويتأثر الشاعر‬ ‫الكويتي بدور هذا الزعيم فيقول في قصيدته‪:‬‬ ‫أرى ال �ش��رق ب��األغ�ل�ال ي��رس��ف باكيا‬ ‫على ح�ين ب��ات ال �غ��رب ج ��ذالن يبسم‬ ‫ح�ن��ان�ي�ك��م ي��ا س��اس��ة ال �غ��رب حسبكم‬ ‫وال ف � �خ� ��ر ق � ��د ج� ��رب � �ت� ��م وخ � �ب� ��رمت‬ ‫«أال» ال ت �س��وم��ون��ا ال� �ص� �غ ��ار فإننا‬ ‫ف� �ه�ل�ا ف �ع �ل �ت��م م� �ث ��ل ذا إذ ملكتم‬ ‫م� �ل� �ك� �ن ��ا ف� ��واس � �ي � �ن� ��اك� ��م بنفوسنا‬ ‫وع � � ��ودوا إل� ��ى أوط ��ان� �ك ��م ف �ه��و أسلم‬ ‫ت �خ �ل��وا ع ��ن ال ��ري ��ف ال��ع��زي��ز ألهله‬ ‫وأس� � ��د ج� �ي ��اع ف� ��ي اجل � �ب� ��ال تهمهم‬ ‫وفي قصيدة أخرى يشيد الشاعر مبوقف عبدالكرمي‬ ‫اخلطاب�� ��ي في بطولت�� ��ه ودوره الوطني م�� ��ن أجل مبادئ‬ ‫احلرية والعدل فيقول‪:‬‬ ‫ت� �ق ��دم ��ت ال ي �ث �ن �ي��ك ع� �م ��ا ت ��روم ��ه‬ ‫م� ��داف� ��ع ي� ��رت� ��اع ال � � ��ردى ح �ي�ن تهزم‬ ‫إذا س�� ��ددت ف �ه��ي ال� �ق� �ض ��اء مسددا‬ ‫وإن أط��ل��ق��ت ف��ه��ي ال � �ب �ل�اء احملتم‬ ‫وأمتنى أن يق�� ��وم املجلس الوطن�� ��ي للثقافة والفنون‬ ‫واآلداب بالتعاون مع رابطة األدباء بإصدار ديوان شعري‬ ‫يحم�� ��ل كل إبداعات هذا الش�� ��اعر الكبي�� ��ر عبداللطيف‬ ‫إبراهيم النصف ليذكره اجليل اجلديد ويُسجل بعضاً من‬ ‫قصائده في الكتب املدرس�� ��ية ليدرسها الطالب ويتعلموا‬ ‫منها معاني القيم الوطنية واإلنسانية >‬

‫ذك� � ��ر محمد بن عبد املل� � ��ك الهمداني في تاريخه أنه بلغ إل� � ��ى عضد الدولة خبر قوم‬ ‫يقطعون الطريق ويقيمون في جبال ش� � ��اقة فال يقدر عليهم‪ ،‬فاستدعى أحد التجار ودفع‬ ‫إليه بغ ً‬ ‫ال عليه صندوقان كبيران فيهما حلوى قد ش� � ��يبت بالس� � ��م وأكثر طيبها وترك في‬ ‫الظروف الفاخرة وأعطاه دنانير وأمره أن يس� � ��ير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية إلحدى‬ ‫نس� � ��اء أمراء األطراف‪ .‬ففعل التاجر ذلك وسار أمام القافلة‪ ،‬فنزل القوم وأخذوا األمتعة‬ ‫واألموال وانفرد أحدهم بالبغل وصعد به مع جماعتهم إلى اجلبل وبقي املس� � ��افرون عراة‬ ‫وملا فت� � ��ح الصندوقني وجد احللوى يضوع طيبها ويده� � ��ش منظرها ويعجب ريحها‪ ،‬وعلم‬ ‫أنه ال ميكنه االس� � ��تبداد بها‪ ،‬فدعا أصحابه فرأوا ما ل� � ��م يروه أبداً قبل ذلك فأمعنوا في‬ ‫األكل عقي� � ��ب مجاعة فانقلبوا فهلكوا عن آخرهم فبادر التجار إلى أخذ أموالهم وأمتعتهم‬ ‫وس� �ل��احهم واس� � ��تردوا املأخوذ عن آخره‪ ،‬فلم أس� � ��مع بأعجب من هذه املكيدة‪ ،‬محت أثر‬ ‫العاتني شوكة املفسدين‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫‪8/10/14 9:24:15 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 76-78.indd 78‬‬


‫لغة‬

‫اللغة األم‪ ...‬وانعدام األمن اللغوي‬ ‫د‪.‬رياض عثمان *‬ ‫في السابع عشر من شهر نوفمبر ‪ ،1999‬أعلنت «اليونسكو» قرارها باحتفالية «اليوم العاملي‬ ‫للغ ��ة األم»‪ ،‬ومت تنفي ��ذه ف ��ي العام ‪ 2000‬الس ��نة التالية على صدوره‪ ،‬عل ��ى أن يكون الواحد‬ ‫عامليا للغة األم‪ ،‬وكانت االحتفالية قد ُس ��بقت بتخصيص‬ ‫والعش ��رون من ش ��هر فبراير يوما ً‬ ‫يوم عاملي للغة العربية‪ ،‬مبناس ��بة اعتمادها لغة رس ��مية في األمم املتحدة في ‪ 18‬ديس ��مبر‬ ‫‪1973‬م‪ .‬ما يثير إشكاليات عند شعوب األرض الغيورين ‪ -‬وعندنا نحن العرب ‪ -‬على لغاتهم‪:‬‬ ‫م ��ا ه ��ي اللغة األم؟ وم ��ا هي أم اللغ ��ات؟ وملاذا تل ��ك االحتفالية؟ وماذا تخ ��دم اللغات تلك‬ ‫االحتفاليات؟ وملاذا انفصلت العربية عنها؟‬ ‫ل� � ��م تكن اللغة أصوا ًت� � ��ا عابرة‪ ،‬ولم تكن‬ ‫رموزًا صوتية فحس� � ��ب‪ ،‬ثم حت ّولت إلى‬ ‫رم� � ��وز كتابية‪ ،‬ب� � ��ل مجموع� � ��ة أصوات‬ ‫ترتبط مبطالب فكري� � ��ة وذهنية‪ ،‬تنطلق من حاجة‬ ‫ما عند اإلنس� � ��ان واملجتمع لتع ّبر عن رغبة‪ ،‬فتتم ّثل‬ ‫هوية‪.‬‬ ‫ال ج� � ��رم أن معجزة النطق ه� � ��ي امليزة الفريدة‬ ‫التي مت ّيز بها اإلنسان من بني الكائنات احل ّية‪ ،‬وقد‬ ‫يرجعها كثير من الدارس� �ي��ن‪ ،‬مج� � ��ازًا‪ ،‬إلى أعضاء‬ ‫النطق التي ميتلكها الش� � ��خص‪ ،‬عل ًما بأن كثي ًرا من‬ ‫احليوانات تشترك مع اإلنسان في امتالكها لسا ًنا‬ ‫وش� � ��فتني وغيرها‪ ،‬لكن هناك مقومات مخصوصة‬ ‫باإلنسان دون غيره‪ ،‬أولها‪ :‬مرتبط بالدماغ‪ ،‬وثانيها‬ ‫بالعق� � ��ل‪ ،‬وثالثها بالذاكرة‪ ،‬ورابعها‪ ،‬وخامس� � ��ها‪...‬‬ ‫يحده العقل البش� � ��ري من آيات الله سبحانه‬ ‫مما ال ّ‬ ‫في خلقه‪ ،‬من هن� � ��ا كانت (اقرأ) و«في البدء كانت‬ ‫الكلمة»‪ .‬وال شك في أن كالم الفرد وخطابه مصدر‬

‫مت ّي� � ��زه‪« :‬تكلّ ْم أق ْل م ْن أنت»‪ ،‬ففيها مصدر أمنه أو‬ ‫هالكه‪« :‬مقتل اإلنسان من اللسان»‪.‬‬

‫اللغة األم‬

‫وفي أصل نش� � ��أة اللغة آراء وتخمينات كثيرة ال‬ ‫ميك� � ��ن أن يتص ّورها علم أو عقل‪ ،‬ومن الدارس� �ي��ن‬ ‫قسم نشوءها بحسب حياة اإلنسان من غابية‪،‬‬ ‫من َ‬ ‫ً‬ ‫ورعوية‪ ،‬وزراعية‪ .‬فالغابية تتطلب ألفاظا قاس� � ��ية‬ ‫انفجارية‪ ،‬ألن اخلوف من الوحوش وعاديات الزمان‬ ‫التوجع‬ ‫يتطلّ� � ��ب ر ّدات فعل اإلنس� � ��ان‪ ،‬كقول� � ��ه عند‬ ‫ّ‬ ‫واأللم‪( :‬أخ‪ ،‬أي) موقف تناس� � ��به األصوات العالية‪.‬‬ ‫واحلي� � ��اة الرعوية تتطل� � ��ب كذلك زي� � ��ادة حروف‪،‬‬ ‫إلى تل� � ��ك املوجودة بداءة‪ ،‬وبعده� � ��ا جاءت املرحلة‬ ‫الزراعية التي تتطلب بعض املعارف واملتكس� � ��بات‬ ‫احلياتية التي حتتاج إلى لغة أكبر للتواصل‪ .‬فكان‬ ‫أم� � ��ن تلك اللغ� � ��ات متبوعا بجري� � ��رة غيرها‪ ،‬حتى‬ ‫سيطرت الزراعية على الرعوية والغابية م ًعا‪.‬‬

‫* باحث وأكادميي من لبنان‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪8/10/14 9:25:00 AM‬‬

‫‪sep 79-83.indd 79‬‬


‫ومما يش� � ��اع أن الكلمات في تلك املرحلة كانت‬ ‫ثنائية اجلذر‪ ،‬ميكن أن يع ّبر عنها اإلنس� � ��ان عفو ًيا‬ ‫بكل أس� � ��اريره‪ ،‬بيد أن اللغة منذ بداياتها ارتبطت‬ ‫بعاطفة اإلنسان وانفعاالته‪ .‬ففي هذا اإلطار جند‬ ‫تقار ًبا لفظ ًيا كبي ًرا في تش� � ��ارك حروف في ألفاظ‬ ‫أكثر حميمة كلفظة «أ ّم» التي تش� � ��تمل على حرف‬ ‫امليم في كثير من اللغات كالفرنس� � ��ية واإلجنليزية‬ ‫وغيرهما‪.‬‬ ‫صراع� � ��ا أزل ًيا قائ ًم� � ��ا ميثل ذروة‬ ‫لكن هن� � ��اك‬ ‫ً‬ ‫تزعزعها األمني‪ ،‬في التس� � ��اؤل الذي يُطرح دائ ًما‪:‬‬ ‫ما هي أول لغة على األرض؟ وما هي األقدم؟ ففي‬ ‫ذل� � ��ك آراء ومذاهب‪ ،‬إال أني أمي� � ��ل إلى أن العربية‬ ‫ه� � ��ي أول لغة ‪ -‬كما مييل غي� � ��ري إلى أن لغته األم‬ ‫هي األولى ‪ -‬بيد أن دليلي على ذلك ما جاء في آية‬ ‫نشأة اللغات في القرآن الكرمي { َو َع َّل َم آ َد َم أْ َ‬ ‫ال ْس َما َء‬ ‫ُك َّل َه ��ا ُث � َّ�م َع َر َض ُه � ْ�م َع َل ��ى المْ َ اَل ِئ َك � ِ�ة َف َق � َ‬ ‫ُون ��ي‬ ‫�ال أَن ِْبئ ِ‬ ‫�ن} (البقرة‪،)31:‬‬ ‫ِبأَ ْس � َ�ماءِ َه � ُ�ؤ اَلءِ ِإ ْن ُك ْنتُ � ْ�م َص ِاد ِق�ي َ‬ ‫والسؤال املفروض ما هي هذه األسماء؟ وبأي لغة‬ ‫كانت؟ { َقا ُلوا ُس� � ْب َحان ََك اَل ِع ْل َم َل َن ��ا ِإ اَّل َما َع َّل ْم َتنَا‬ ‫ِإ َّن � َ‬ ‫يم حْ َ‬ ‫يم} (البقرة‪ )32 :‬حيث جند‬ ‫ال ِك ُ‬ ‫�ك أَنْتَ ا ْل َع ِل ُ‬ ‫رب العزة سبحانه ومالئكته‬ ‫بني‬ ‫عربيا‬ ‫احلوار‬ ‫هذا‬ ‫ّ‬ ‫{س� � ْب َحان ََك}‬ ‫األطهار‪َ { :‬قا ُلوا ُس� � ْب َحان ََك} وكلمة ُ‬ ‫عربي� � ��ة وتابع اآلية‪ :‬اَ‬ ‫{ل ِع ْل� � َم َلنَا ِإ اَّل َم ��ا َع َّل ْم َتنَا}‪،‬‬ ‫بالله عليك أيها القارئ ما هذه اللغة؟‬ ‫ذهبت إليه صوا ًبا‪،‬‬ ‫ال فرق عندي‪ ،‬إن لم يكن ما‬ ‫ُ‬ ‫أي لغة كانت أقدم؟ لكن املهم أي لغة أدوم‪ ،‬وأي لغة‬ ‫ّ‬ ‫مس� � ��تمرة وأكثر رعاية من قبل الدارسني‪ ،‬على م ّر‬ ‫السنني؟ ومصداق أقدميتها كما يقال‪ :‬العربية هي‬ ‫أقرب اللغات الس� � ��امية إلى «اللغة الس� � ��امية األم»‪،‬‬ ‫فهل هي هذه األم‪ ،‬بل أ ّم اللغات؟ وقد أصبحت هذه‬ ‫النظرية هي أكث� � ��ر النظريات قبوالً لدى الباحثني‪،‬‬ ‫وذلك ألنها احتفظت بعناصر قدمية تعود إلى اللغة‬ ‫السامية األم أكثر من أي لغة سامية أخرى‪ .‬ففيها‬ ‫أي من اللغات السامية‬ ‫أصوات ليست موجودة في ّ‬ ‫األخ� � ��رى‪ ،‬باإلضاف� � ��ة إل� � ��ى وجود نظ� � ��ام اإلعراب‬ ‫والعديد من الصيغ جلموع التكس� � ��ير والعديد من‬ ‫الظواهر اللغوية األخرى الت� � ��ي كانت موجودة في‬ ‫اللغة السامية األم‪.‬‬ ‫وهل نعن� � ��ي باللغة األم ما عن� � ��اه العرب الذين‬ ‫أطلقوا التسمية على العرب األقحاح الذين شربوا‬

‫‪80‬‬

‫‪8/10/14 9:25:03 AM‬‬

‫لغتهم مع حليب األم‪ ،‬فصارت منهم كصبغ احلمض‬ ‫الن� � ��ووي (دي إن أيه) تنطبع بطاب� � ��ع أبنائها؟‪ ،‬وهل‬ ‫تلك هي ميزة لدى كل الش� � ��عوب؟ مع املالحظة بأن‬ ‫العرب� � ��ي الذي يتعلّم لغة أجنبي� � ��ة قد يتقنها بلهجة‬ ‫أهله� � ��ا ول ْكنتهم‪ ،‬ويتحس� � ��س معانيه� � ��ا وانفعاالتها‬ ‫مزاح� � ��ا وجدا‪ ،‬هزال وس� � ��خرية وغي� � ��ر ذلك‪ .‬على‬ ‫عك� � ��س معظم الناطقني بالعربية م� � ��ن غير أبنائها‬ ‫أو أبنائه� � ��ا الذين ولدوا خارج أقطار عربية‪ ،‬الذين‬ ‫تكون لكنتهم األعجمية بادية على لسانهم األعجمي‬ ‫مهم� � ��ا بلغوا من الكمال اللغوي عت ّيا‪ ،‬إال إذا تغ ّيرت‬ ‫بيئة ذريتهم وتط ّعمت باملجتمع الذي يعيشون فيه‪،‬‬ ‫فتصير البيئة اللغوية هي األم‪.‬‬ ‫وهنا ميكنك أن تف ّرق بني «اللغة األم» كتركيب‬ ‫وصفي (صفة وموصوف) وبني «لغة األم» كتركيب‬ ‫إضافي (مضاف ومضاف إليه)‪ .‬فاألول لفظ قدمي‬ ‫مستعار من التراث اجلاهلي‪ ،‬يقصد به نقاوة اللغة‬ ‫مشفوعة بعراقة النسب من الوراثة العرقية (عروبة‬ ‫األم واألب) وش� � � ّ�دة التعصب اجلاهلي لنقاوة اللغة‬ ‫من شوائب الوراثة واالنفتاح أو االستعمار اللغوي‪،‬‬ ‫وه� � ��ذا ما الحظناه عند واضع� � ��ي القاعدة النحوية‬ ‫في مس� � ��ألة اختيارهم الشاهد النحوي القدمي من‬ ‫تخوم البادية‪.‬‬ ‫أما لغ� � ��ة األم فهي اللغة األصيل� � ��ة لألم‪ ،‬مهما‬ ‫كانت جنسيتها دون التعصب لعرق أو بيئة أو لون‪.‬‬ ‫فإن كانت لغة األب غي� � ��ر لغة األم (األب واألم من‬ ‫لغت� �ي��ن متغايرت� �ي��ن‪ ،‬أو اللغة األم ل� �ل��أب غير اللغة‬ ‫األم لألم) فقد يكتس� � ��ب ولدهم� � ��ا لغتني مختلفتني‬ ‫تقوى الواحدة على األخرى بحس� � ��ب قوة تأثير كل‬ ‫من األب واألم فيه‪ ،‬وبالتال� � ��ي تأثير املجتمع الذي‬ ‫يعيش� � ��ون فيه‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن البيئة اللغوية التي ينتمي‬ ‫إليها الولد‪ ،‬فتكون لغة األم غير اللغة األم‪ .‬فيطرأ‬ ‫تساؤل كبير‪ :‬ما هي لغة ذريتهما األم؟ فهذا تداخل‬ ‫اجتماعي ولغوي بامتياز‪ ،‬ليس مدعاة تخ ّوفنا على‬ ‫أمن اللغة‪.‬‬

‫تعدد اللغات واألمن اللغوي‬

‫ما سبق مي ّهد للصراع بني اللغات‪ ،‬وقل للتفاعل‬ ‫والتالق� � ��ح‪ ،‬وه� � ��ذا ‪ -‬وإن كان كحق� � ��ل ألغام ‪ -‬أمر‬ ‫مشروع وطبيعي في مسيرة اللغات اإلنسانية‪ ،‬ألن‬ ‫ذلك مرتهن بتغ ّير جماعات وأمم‪ ،‬أو نفوذ حضاري‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 79-83.indd 80‬‬


‫وغيره‪ .‬غير أن اخت� �ل��اف اللغات آية من آيات الله‬ ‫اخ ِت�َل اََل� ُف‬ ‫���ما َو ِات َوالأَْ ْر ِض َو ْ‬ ‫{ َو ِم ْ‬ ‫الس َ‬ ‫���ن آ َي ِات ِ���ه خَ لْ���قُ َّ‬ ‫آَ‬ ‫َ‬ ‫���م ِإنَّ ِف���ي ِذل َ‬ ‫َ���ات ِل ْل َع مِ ِالنيَ}‬ ‫���ك لي ٍ‬ ‫أَل ِْس���ن َِت ُك ْم َوأ ْل َو ِان ُك ْ‬ ‫(ال���روم‪ ،)22:‬وهو علم يحت� � ��اج إلى مط ّوالت كبيرة‪،‬‬ ‫كعلم الفل� � ��ك والكواكب والنج� � ��وم وعلماء الفضاء‬ ‫الذي� � ��ن مازالوا غارقني في اكتش� � ��افاتهم للمجرات‬ ‫والك� � ��ون والفض� � ��اء اخلارج� � ��ي‪ ،‬كذل� � ��ك اختالف‬ ‫األلسنة‪.‬‬ ‫وما نش� � ��وء االختالف اللغ� � ��وي إال من اختالف‬ ‫طب� � ��اع بني البش� � ��ر‪ ،‬ف� � ��إذا انزعج واح� � ��د من آخر‬ ‫فقد يقول كال ًما انفعال ًيا تتمتمه ش� � ��فتاه بس� � ��رعة‬ ‫وقوة وغض� � ��ب قد ال يفهمها اآلخ� � ��ر‪ ،‬إمنا يعرفها‬ ‫اللغة األم‪ ...‬وانعدام األمن اللغوي‬

‫‪8/10/14 9:25:08 AM‬‬

‫من يس� � ��معها بأنها غضب وانزعاج‪ ،‬واآلخر يبادله‬ ‫مبثلها أو غيرها كذلك فتتبلبل األلسن‪ ،‬فال يتفاهم‬ ‫أحد مع أحد‪ ،‬فتنشأ لغة ضائعة‪.‬‬ ‫مبعن� � ��ى أن االخت� �ل��اف في املواق� � ��ف قد يؤدي‬ ‫إل� � ��ى اختالف ف� � ��ي اللغة انطال ًقا من أحاسيس� � ��ها‬ ‫والتواص� � ��ل وانعدام أمن اللغة‪ ،‬ألجل ذلك قال نزار‬ ‫قباني «إذا انتهت عالقة حب بني رجل وامرأة فهذا‬ ‫يعن� � ��ي أن اللغة التي يتفاهمان بها قد انكس� � ��رت»‪،‬‬ ‫غي� � ��ر أن هذا االختالف في اللغ� � ��ة دليل خير على‬ ‫تن ّوع بني البش� � ��ر‪ ،‬لض� � ��رورة التفاعل ب� �ي��ن اللغات‬ ‫والش� � ��عوب‪ .‬فما بالك إذا كان االختالف اقتصاد ًيا‬ ‫وخصوصا في مناطق‬ ‫وحضار ًي� � ��ا وصراع وج� � ��ود‪،‬‬ ‫ً‬

‫‪81‬‬

‫‪sep 79-83.indd 81‬‬


‫متاخمة ألخرى ذات لغات متنوعة؟‬ ‫وال ش� � ��ك في أن االختالف أمر مشروع‪ ،‬وفيه‬ ‫�خصا ترك ًيا وآخر فرنس � � � ًيا أو‬ ‫إعجاز‪ ،‬قد جند ش� � � ً‬ ‫إجنليز ًي� � ��ا وغيرهم‪ ،‬في اختالف األلس� � ��ن ٌّ‬ ‫كل في‬ ‫بيئته وثقافته ولغته يتواصل مع أبناء جنس� � ��ه‪ ،‬وك ّل‬ ‫واح� � ��د من احلاضرين ال يفه� � ��م إال متتمات وتقلّب‬ ‫الشفاه‪ ،‬وبعد فترة من املعاشرة قد يفهم كل واحد‬ ‫منه� � ��م اآلخر‪ ،‬وتتفاعل اللغ� � ��ات ويتعلّم اجلميع لغة‬ ‫بعضهم البعض في الوس� � ��ط الواحد‪ ،‬أو قد يتعلم‬ ‫أحدهم اللغة التابعة للنفوذ األقوى‪ ،‬لكن اللغة األم‬ ‫تكون لألقدم‪ ،‬ويحدث أال ينساها‪ ،‬بل على العكس‬ ‫فقد يحمل ً‬ ‫بعضا منها إلى عاميته ولهجته احمللية‬ ‫التي متثل اللغة األم أو املتصلة بها‪.‬‬

‫«اليونسكو»‪ ...‬و «العربية» ولغات العالم‬

‫توجه «اليونسكو» إلى االحتفالية باللغة‬ ‫وما ّ‬ ‫األم إال حتسس بخطر انعدام األمن اللغوي‪ ،‬أمام‬ ‫الكم الهائل من االختراعات واملستحدثات التي‬ ‫تغزو العالم‪ ،‬فتحمل غز ًوا لغو ًيا وفكر ًيا وثقاف ًيا‪،‬‬ ‫م������ا يبعد مخاطر التهام لغ������ة للغة‪ ،‬واندماج أمة‬ ‫ف������ي أمة‪ ،‬وحضارة في حضارة‪ ،‬وذلك يرمي إلى‬ ‫الدع������وة إلى أن تتمتع كل أم������ة بحر ّيتها اللغوية��� ‫التي متث������ل كيانها‪ ،‬وتبعد عنه������ا خطر االندثار‬ ‫واالنغماس‪ ،‬لتبقى أكثر من س������تة آالف لغة على‬ ‫وجه األرض غير مع ّرضة أو مندثرة‪ .‬مع اإلشارة‬ ‫إلى أن دعوات بع������ض العرب إلى مطالبة األمم‬ ‫املتحدة بإعالن اليوم العامل������ي للغة العربية قبل‬ ‫ست وعشرين سنة من إعالن اليوم العاملي للغة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫األم‪ ،‬كان استشرافا لقضية األمن اللغوي هذه‪.‬‬ ‫جدير بالذك������ر أن خطر التنوع هنا واختالل‬ ‫أم������ن اللغ������ات‪ ،‬لي������س حاص���ل�� ً‬ ‫ا م������ن املصاهرة‬ ‫بالت������زاوج‪ ،‬أو م������ن املجاورة ف������ي التخوم‪ ،‬وليس‬ ‫م������ن الغزو الثقاف������ي واالقتصادي فحس������ب‪ ،‬بل‬ ‫م������ن الغزو اللغوي عينه في عق������ر الدار‪ ،‬وإنفاق‬ ‫األموال الطائلة في سبيل تعزيز األجنلوفونية أو‬ ‫الفرنكوفونية‪ ،‬داخل كل دار ومدار‪ ،‬بحيث مي ّثل‬ ‫ف������رض الكيان على األهل وامل������كان‪ ،‬في ج ّو يتيم‬ ‫نب رسمي للعربوفونية‪.‬‬ ‫دون ت ٍّ‬ ‫وأمام زحمة ما يساق من مخاوف‪ ،‬يبقى لنا‬ ‫تفاؤل بأن لغتنا العربية تصمد وس������تحافظ على‬

‫‪82‬‬

‫‪8/10/14 9:25:11 AM‬‬

‫كيانها التركيبي والقواعدي األساس املتني الذي‬ ‫بُنيت عليه‪ ،‬ومدى غيرة كثيرين من أبنائها‪ ،‬ومن‬ ‫املقدم���ي��ن عليها‪ ،‬وتزايد مراكز تعلّمها في بلدان‬ ‫غير عربية‪ .‬وال يعني ذلك أن نطمئن ونسلّم‪ ،‬بل‬ ‫علينا أن نس������تحضر ذاتنا‪ ،‬وتاريخنا بنبذ عقدة‬ ‫النق������ص التي حتي������ق مبجتمعاتن������ا‪ ،‬وحتيل إلى‬ ‫االستس���ل��ام للمخاوف واالنبهار بلغات الشعوب‬ ‫دون كنْه أس������رار لغتنا األم‪ ،‬عندما يتم حتصينها‬ ‫في وجدنا ووجداننا‪.‬‬ ‫ثم إن الي������وم العاملي للغة العربية الذي تقرر‬ ‫االحتفال به في ‪ 18‬ديس������مبر‪ ،‬والذي يتقاسمه‬ ‫عدم توازن أمني بني أقطار عربية في تبني سبق‬ ‫الفضل فيه والش������رف في ذلك‪ ،‬لم يضف الكثير‬ ‫إلى حماية أمنها من االستعمار‪ ،‬بقدر ما ع ّبر عن‬ ‫فرح������ة اعتراف املجتمع الدولي بالكيان العربي‪،‬‬ ‫وإصدار ق������رارات األمم املتحدة واضحة األصل‬ ‫العربي م������ن غير لبْس الترجم������ات واملترجمني‪،‬‬ ‫في مصدر القرار الدولي‪ ،‬فتبعدها عن التأويل‬ ‫واالحتم������ال‪ ،‬وبخاص������ة املتعلقة بش������رعة حقوق‬ ‫اإلنس������ان‪ ،‬التي تعتبر أن أه ّم ما ميكن احلفاظ‬ ‫عليه هو اللغة األم‪.‬‬ ‫وللعربية من ه������ذا التفاعل نصيب‪ ،‬حيث إن‬ ‫االفت������راض اللغوي أغنى املعج������م العربي‪ ،‬فهي‬ ‫ً‬ ‫ألفاظا وكلمات‪ ،‬ولها نفس������ها أن تغربل‪،‬‬ ‫تقترض‬ ‫وتتنخّ ل ما يناسبها من ألفاظ اآلخرين ولغاتهم‪،‬‬ ‫طواعية للوزن‪ ،‬وانس������يابية مع الس������ياق واملقام‪.‬‬ ‫ولم يكن ذل������ك غري ًبا في مس������يرتها التاريخية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ألفاظا كثيرة فصارت في عداد‬ ‫فقد اس������تقبلت‬ ‫معجمها‪ :‬كالس������ندس واالس������تبرق والسلس������بيل‬ ‫والزجنبي������ل والطور وغيرها م������ن األلفاظ التي‬ ‫استمر بعض منها مع استمرار احلاجة إليها‪ ،‬ثم‬ ‫انقرضت من االستعمال اليومي لقلّة استخدامها‪،‬‬ ‫وكذلك دأب الكثير من الكلمات العربية األصل‪.‬‬ ‫وال ننس������ى خروج ألفاظ عربية األصل إلى لغات‬ ‫األمم والشعوب‪.‬‬

‫حفظ أمن «العربية»‬

‫أخي ًرا‪ ،‬لم تأت دعوة «اليونس������كو» من فراغ‪،‬‬ ‫بل من ش������عورها بأن العوملة قضت ‪ -‬بالفعل ‪-‬‬ ‫عل������ى كثير م������ن أقل ّيات لغات العال������م أو كادت‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 79-83.indd 82‬‬


‫فانقرضت لغات في ظلّها‪ ،‬بحسب إحصاءاتهم‪.‬‬ ‫لكن العربية أخ������ذت مكانتها العاملية لضرورات‬ ‫اقتصادي������ة جتاري������ة‪ ،‬ودينية‪ ،‬وما له������ا من ح ّيز‬ ‫وجود ونف������وذ‪ ،‬علما بأنها اللغ������ة الوحيدة‪ ،‬بني‬ ‫لغ������ات األمم املتحدة الرس������مية‪ ،‬التي لم متتلك‬ ‫نفو ًذا عس������كر ًيا‪ ،‬فهي باقية ومس������تمرة وعندها‬ ‫إم������كان الدفاع عن نفس������ها‪ ،‬وهي تس������تفيد من‬ ‫وسائل العوملة التي هابها كثيرون‪ ،‬للتعامل معها‬ ‫بسالحها‪.‬‬ ‫بع� � ��د ذلك لم تق� � � ّ�دم تل� � ��ك االحتفالية الدعم‬ ‫الكاف� � ��ي للعربي� � ��ة‪ ،‬في ظل غي� � ��اب منهج متكامل‬ ‫على الس� � ��احة العربية‪ ،‬بقرار رسمي ودعم ٍ‬ ‫واف‬ ‫لتش� � ��جيع البح� � ��ث العلمي بالفصح� � ��ى‪ ،‬ومراقبة‬ ‫إعالمها‪ .‬لذلك تتطلب دع� � ��وة إلى التعامل معها‬ ‫بو ّد وتقدير‪ ،‬من ناحي� � ��ة املطالعة وكتابة األملية‪،‬‬ ‫واالهتمام باخلط العربي الذي ميثل زخرفة فنية‬ ‫ق ّل نظيرها‪.‬‬ ‫فما ب� � ��ال كثيرين من الناش� � ��ئة يلج� � ��أون إلى‬ ‫يقصر عن‬ ‫اس� � ��تخدام اخل� � ��ط الالتين� � ��ي ال� � ��ذي ّ‬ ‫التعبير م� � ��ن طراوة لغتن� � ��ا‪،‬‬ ‫وخصوصا كل حرف‬ ‫ً‬ ‫من حروفها‪ :‬كالتمييز بني الس� �ي��ن والثاء والقاف‬ ‫والضاد والدال والهمزة وغير ذلك من الصوامت‬ ‫والصوائ� � ��ت‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن اعتماد احلرف الالتيني‪،‬‬ ‫إذ حتضرني النقمة التي ص ّبها كثيرون في القرن‬ ‫املاضي على الش� � ��اعر اللبناني سعيد عقل الذي‬ ‫دع� � ��ا إل� � ��ى الكتابة باخل� � ��ط الالتيني‪ ،‬أم� � ��ا اليوم‬

‫فصاروا ‪ -‬الإراد ًيا ‪ -‬يتبنّون دعوته!‬ ‫ش� � ��بابنا الذين غرقوا في اس� � ��تخدام احلرف‬ ‫الالتيني دون بُعد نظ� � ��ر‪ ،‬تنبذهم اللغة‪ ،‬وتنبذهم‬ ‫احلض� � ��ارة العربي� � ��ة ليرميهم التاريخ ف� � ��ي زوايا‬ ‫اإلهمال‪ ،‬بأنهم س � � �لّموا واستسلموا بانحطاطهم‪.‬‬ ‫صحي� � ��ح أن العص� � ��ر األدبي الذي س � � � ّمي عصر‬ ‫االنحطاط صار مدعاة فخ� � ��ر لنا بإبداعاته‪ ،‬أما‬ ‫االنحطاط الذي نشهده‪ ،‬فيجعلنا نحتّم على ذاتنا‬ ‫استعما ًرا مق ّن ًعا‪.‬‬ ‫لذلك أمتنى أال يغرق ش� � ��بابنا وش� � ��ا ّباتنا في‬ ‫عق� � ��دة نقص جتاه احلض� � ��ارات األخرى‪ ،‬ألن في‬ ‫حضارتنا العربية ما يفوق انس� � ��جامها مع لغتنا‪،‬‬ ‫ويكفيها فخ ًرا أن قامت على أس� � ��اس متني قوامه‬ ‫نقاوة اللس� � ��ان وأصالة النس� � ��ب‪ ،‬بكل خصائصها‬ ‫ومزاياه� � ��ا‪ ،‬وس� � ��عتها ومرونتها لغ� � ��ة العلم واألم‬ ‫والتقدم‪.‬‬ ‫والعاطفة واحلزن والتط ّور‬ ‫ّ‬ ‫علينا أن ندي� � ��ر وجوهنا نحو التراث نافضني‬ ‫غب� � ��اره الس� � ��تنهاضه‪ ،‬وأن نبتع� � ��د ع� � ��ن الري� � ��اء‬ ‫باالحتف� � ��االت الفارغة‪ ،‬هذا إن الت� � ��زم أبناء األم‬ ‫بتينك اليومني في الس� � ��نة‪ ،‬إل� � ��ى اعتماد خطوات‬ ‫عملي� � ��ة‪ ،‬فهل تس� � ��تعيد لغتن� � ��ا مج� � ��د حضارتنا‬ ‫وحضورن� � ��ا عل� � ��ى الس� � ��احة العاملية بأم� � ��ن لغوي‬ ‫يضمن سالمة حضورنا الزاهر وماضينا التليد؟‬ ‫وه� � ��ل يكفي أن حتتفل األمة العربية بلغتنا مرتني‬ ‫س� � ��نو ًيا‪ :‬في اليوم العاملي للغة العربية‪ ،‬وفي اليوم‬ ‫العاملي للغة األم؟ >‬

‫كان عب ��د الل ��ه ب ��ن املبارك عاب ��د ًا مجته ��داً‪ ،‬وعامل ًا بالقرآن والس ��نة‪،‬‬ ‫يحض ��ر مجلس ��ه كثير من الن ��اس؛ ليتعلموا من علم ��ه الغزير‪ .‬في يوم‬ ‫م ��ن األيام‪ ،‬كان يس ��ير مع رجل ف ��ي الطريق‪ ،‬فعطس الرج ��ل‪ ،‬ولكنه لم‬ ‫يحم ��د الل ��ه‪ ،‬فنظر إليه ابن املبارك‪ ،‬ليلفت نظره إلى أن حمد الله بعد‬ ‫العطس س ��نة على كل مس ��لم أن يحافظ عليها‪ ،‬ولكن الرجل لم ينتبه‪،‬‬ ‫فأراد ابن املبارك أن يجعله يعمل بهذه الس ��نة دون أن يحرجه‪ ،‬فس ��أله‪:‬‬ ‫أي ش ��يء يق ��ول العاطس إذا عطس؟ فقال الرج ��ل‪ :‬احلمد لله! عندئذ‬ ‫قال له ابن املبارك‪ :‬يرحمك الله‪.‬‬ ‫‪83‬‬

‫‪8/10/14 9:25:15 AM‬‬

‫‪sep 79-83.indd 83‬‬


‫شخصيات‬

‫يوسف سامي اليوسف‬ ‫ـجاهلي‬ ‫ومركزية ال ـ ـشـ ـع ــر ال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فخري صالح*‬

‫ظل ��م تاري ��خ النقد العربي املعاصر اس ��م الناقد الفلس ��طيني يوس ��ف س ��امي اليوس ��ف‬ ‫(‪ ،)2013 -1938‬كم ��ا ظلمت ��ه اجلغرافي ��ا؛ بل رمبا كان ظلم من كتبوا ع ��ن النقد العربي‬ ‫فداحة وجتاه ً‬ ‫ً‬ ‫املعاصر لليوسف أكثر‬ ‫ناقد ميتلك رؤية ونظرة عميقتني‬ ‫ال ونسيان ًا؛ فهو ٌ‬ ‫إلى األدب والثقافة العربيني‪.‬‬ ‫وهو‪ ،‬إضاف ًة إلى عودته لقراءة الشعر‬ ‫العربي القدمي قراء ًة جديدة‪ ،‬لم يتوا َن‬ ‫عن وضع الظواه������ر الثقافية العربية‬ ‫املعاصرة موض َع البحث واملساءلة‪ ،‬جاع ً‬ ‫ال الشع َر‬ ‫العربي في بؤرة تفكيره النقدي‪ ،‬ألن الش������عر من‬ ‫ّ‬ ‫وجهة نظ������ره هو النوع األب������رز واأله ّم في إنتاج‬ ‫العرب قدمي������اً وحديثاً‪ .‬ولعل ذل������ك يدفعنا إلى‬ ‫إعادة االعتبار لناقد دفعته االنكسارات الكبرى‬ ‫إلى االن������زواء بعيداً خالل العقدي������ن املاضيني‪،‬‬ ‫كاتباً مذكرات تش������ر ّده ومنفاه الشخصي والعا ّم‬ ‫كفلسطيني متيد األرض دوماً من حتت قدميه‪.‬‬ ‫* كاتب من األردن‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫‪8/10/14 9:25:54 AM‬‬

‫لقد ظلمت اجلغرافيا اليوس������ف مرتني‪ ،‬األولى‬ ‫عندما ُه ّجر مع عائلته عام ‪ 1948‬إلى لبنان ثم‬ ‫إلى س������ورية‪ ،‬والثانية عندما اضطر إلى مغادرة‬ ‫مخيم اليرموك في دمشق‪ ،‬نتيجة املعارك التي‬ ‫وجد أبناء املخيم أنفس������هم في وس������طها أواخر‬ ‫الس������نة املاضية‪ .‬في امل ّرة األولى كافح اليوسف‬ ‫م������ع عائلته لينجو من كارثة مح������و هو ّيته وهوية‬ ‫شعبه‪.‬‬ ‫لك������ن الرحي������ل الثاني في اجت������اه مخ ّيم نهر‬ ‫البارد في لبنان كسر قلبه‪ .‬لقد أيقن أن الرحيل‬ ‫والتشرد هما قدر الفلسطيني والعالمة الفارقة‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 84-87.indd 84‬‬


‫التي تنطبع على جسده‪ ،‬فآثر مغادرة هذا العالم‬ ‫الظالم شديد القس������وة يوم الثالث من مايو هذا‬ ‫العام‪.‬‬

‫التأسيس ألنثروبولوجيا نقدية عربية‬

‫يسعى يوسف سامي اليوسف‪ ،‬في معظم ما‬ ‫كتبه‪ ،‬إلى صياغة رؤية نقدية عربية جتد أساسا��‬ ‫لها في نوع من األنثروبولوجيا الثقافية التي تقرأ‬ ‫املنجز األدبي العربي‪ ،‬ماضياً وحاضراً‪ ،‬كصورة‬ ‫وتعبير ع ّما يس������ميه اليوس������ف «الروح العربي»‪.‬‬ ‫للتوصل إلى هذه الرؤية‪ ،‬أو لنَ ُق ْل‬ ‫وهو يستخدم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫هذه الق������راءة األنثروبولوجي������ة‪ ،‬أدوات وتقنيات‬ ‫حتليلي������ة وتصورات نظرية مس������تقاة ت������ار ًة من‬ ‫النقد األس������طوري‪ ،‬وتار ًة ثاني������ة من علم النفس‬ ‫الفروي������دي أو اليونغي (نس������ب ًة إلى عالم النفس‬ ‫السويسري كارل جوستاف يوجن)‪ ،‬وتار ًة ثالثة من‬ ‫فلس������فة املفكر األملاني جورج ويلهيلم فريدريش‬ ‫هيج������ل املثال ّي������ة التي تب������دو فاعل ًة ف������ي خلف ّية‬ ‫نصه النقدي‪ ،‬فهو يس������تقي واحد ًة من املقوالت‬ ‫ّ‬ ‫الهيجلي������ة الكبرى‪ ،‬أقصد مقول������ة «الروح» التي‬ ‫يؤس������س عليها اليوسف قراءاته للشعر اجلاهلي‬ ‫العذري والشعر العربي املعاصر‪ ،‬وكذلك‬ ‫والغزل‬ ‫ّ‬ ‫ألدب غسان كنفاني وقصص سميرة عزام وشعر‬ ‫فدوى طوقان‪ .‬كما أنه يرى أن الشعر العظيم ال‬ ‫يك������ون عظيما إال إذا صدر ع������ن روح عظيمة أو‬ ‫نفس تطلب الس������م ّو‪ ،‬فـ «أعمق ما في اإلنسان»‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫كما يقول‪ ،‬هو «وج������دان ال َعليان‪ ،‬وجدان الرفعة‬ ‫والكمال والعيش في احلقيق������ة الكونية الدائمة‬ ‫اخلضرة واالزهرار»‪( .‬ما الش������عر العظيم؟‪ ،‬ص‪:‬‬ ‫‪.)47‬‬ ‫يؤس������س اليوس������ف لرؤيت������ه األنثروبولوجية‬ ‫اخلاصة بالوجود العرب������ي من خالل العودة إلى‬ ‫العصر اجلاهلي‪ ،‬الذي ي������رى أنه من دون فهمه‬ ‫يصع������ب علينا أن نفهم ما تال ه������ذا العصر من‬ ‫حقب وعصور‪ .‬إنه من املتعذر «قيام أنثربولوجيا‬ ‫عربية دون االنطالق من احلقبة اجلاهلية‪ ،‬وذلك‬ ‫بوصف هذه احلقبة جتس������يداً للبدائية العربية‬ ‫الت������ي وصلتنا عنها نصوص مكتوبة‪ .‬فاجلاهلية‪،‬‬ ‫إذن‪ ،‬قطرة ضوء ممتازة تنكش������ف فيها األنْ َسنَة‬ ‫وبدايات الوع������ي املتحضر واملتج������اوز للمرحلة‬ ‫ـجاهلي‬ ‫يوسف سامي اليوسف ومركز ّية ال ـ ـشـ ـع ــر ال‬ ‫ّ‬

‫‪8/10/14 9:25:58 AM‬‬

‫الوحش������ية من مراحل التطور البشري بأشواط‬ ‫مديدة‪ ...‬ولذا بات من املتعذر علينا فهم العصر‬ ‫الراه������ن‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن العص������ور اخلالية‪ ،‬من دون‬ ‫اس������تيعاب احلقبة اجلاهلية اس������تيعاباً شمولياً‬ ‫عميق������اً‪ ،‬وذلك حللول الغابر ف������ي الراهن‪ ،‬وألن‬ ‫كل حلقة من حلقات التح ّول الصاعد حتمل في‬ ‫ذاتها إيجابيات احللقات السابقة لها‪ .‬فاحلاضر‬ ‫ه������و جملة االنطف������اءات الت������ي ال تتر ّمد إال كي‬ ‫تتج������دد‪ .‬صحي ٌح أن املاضي حت ّول إلى رماد‪ ،‬إال‬ ‫أن في منطويات هذا الرماد تكمن جذوةٌ تس������هم‬ ‫ف������ي إضاءة احلاض������ر وحتريك������ه» (مقاالت في‬ ‫الشعر اجلاهلي‪ ،‬ص‪.)17 :‬‬ ‫يتحدد مش������روع اليوس������ف النقدي بوضوح‬ ‫في االقتباس الس������ابق‪ ،‬فهو يس������عى إلى مقاربة‬ ‫الثقافة العربية‪ ،‬في عصورها املختلفة‪ ،‬استناداً‬ ‫إلى هذه الرؤي������ة التي ترى املاض������ي مقيماً في‬ ‫احلاض������ر‪ ،‬مؤثراً بص������ورة عميقة في تش������كيل‬ ‫عربي» يلهم‬ ‫رؤي������ة الذات للعالم‪ ،‬وصانعاً لـ «روح‬ ‫ّ‬ ‫الذات القومية العربي������ة‪ .‬ال غنى ‪ -‬انطالقاً من‬ ‫هذا املنظور ‪ -‬عن إعادة قراءة الش������عر اجلاهلي‬ ‫للتأس������يس لقراءة الش������عر العرب������ي‪ ،‬وغيره من‬ ‫منتوجات «الروح العربي»‪ ،‬في احلقب والعصور‬ ‫الالحقة‪ .‬إن التجربة اجلاهلية ش������ديدة األهم ّية‬ ‫م������ن أجل إمت������ام هذا املش������روع‪ ،‬ب������ل إنها متثل‬ ‫« َم ْح َرقاً» أساسياً تتأس������س فيه الذات العربية‪،‬‬ ‫لكونه������ا وصل������ت إلى «درجة معين������ة من درجات‬ ‫ارتق������اء ال������روح‪ ،‬من جه������ة‪ ،‬ومرحل������ة معينة من‬ ‫مراحل التش������ ّكل االجتماعي ‪ -‬االقتصادي‪ ،‬من‬ ‫جه������ة أخ������رى» (ص‪ .)17 :‬هذا التص������ور هو ما‬ ‫يفتتح به اليوس������ف كتابه املتف ّرد‪ ،‬العميق ونافذ‬ ‫البصيرة‪« ،‬مقاالت في الش������عر اجلاهلي»‪« :‬حني‬ ‫حتاول ال������ذات القومية أن تعي ذاتها وأن تبحث‬ ‫عنها‪ ،‬ال كمعطى تاريخي حتدد مرة وانطفأ‪ ،‬بل‬ ‫كحضور يتشكل على الدوام ويقبل االندراج في‬ ‫صيرورة املستقبل‪ ،‬فإن بحثها ومحاولتها ملعرفة‬ ‫ما ستكونه ال يخ ّوالنها حق التغاضي عن ما كانته‬ ‫ذات ي������وم» (ص‪ .)5 :‬وه������و وإن كان ال يغفل عن‬ ‫ّ‬ ‫تخطى األدب‬ ‫كون الش������عر العربي املعاصر ق������د‬ ‫تكويني‬ ‫كعنصر‬ ‫اجلاهلي‪ ،‬إال أنه يرى هذا األدب‬ ‫ّ‬ ‫مؤس������س في جتربة الشعراء العرب املعاصرين‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫‪sep 84-87.indd 85‬‬


‫�����وع من تهجني‬ ‫إنه يدع������و إلى إحداث ن� ٍ‬ ‫األصال������ة باملعاص������رة‪ ،‬أو بتعبيره األثير‬ ‫إلى نفس������ه‪ ،‬إلى إجناز نوع من « َمل ْ َغ َمة»‬ ‫�����درة م������ن املاضي مع‬ ‫العناص������ر املتح� ّ‬ ‫العناص������ر التي هي نت������ا ُج التفاعل مع‬ ‫اآلخر ومع التجربة الكيان ّية لإلنس������ان‬ ‫العربي في الوقت الراهن‪.‬‬

‫الروح التاريخي‬

‫ما يه ّمنا في هذا السياق من ربط اليوسف بني‬ ‫اجلاهلي واملعاصر هو تشديده على مقولة‬ ‫الش� � ��عر‬ ‫ّ‬ ‫«الروح التاريخي»‪ ،‬التي يرى أنها نتاج اس� � ��تمرارية‬ ‫احلقب� � ��ة اجلاهلية في حاضر الع� � ��رب املعاصرين‪.‬‬ ‫وتقيم هذه االس� � ��تمرارية في كون التطور التاريخي‬ ‫للذات العربية ال يس� � ��تنفد التجربة اجلاهلية ألنها‬ ‫«من نت� � ��اج البدائي� � ��ة‪ ،‬التي تظل‪ ،‬رغ� � ��م كل ارتقاء‪،‬‬ ‫العنص� � ��ر ‪ -‬الن� � ��واة في بنية ال� � ��روح‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن أن‬ ‫الش� � ��عر اجلاهلي ال يتصف بشمولية الواقع فقط‪،‬‬ ‫أعني بشمولية اللحظة اجلاهلية‪ ،‬بل هو يحيط مبا‬ ‫ه� � ��و متأصل في احلياة‪ ،‬كما يش� � ��مل ثوابت الكيان‬ ‫النفسي» (ص‪.)18 :‬‬ ‫هكذا يصبح حتليل الش� � ��عر اجلاهلي وس� � ��يل ًة‬ ‫للكش� � ��ف عن خصائص األنس� � ��نة التي متيز عرب‬ ‫اجلاهلية عن غيرهم من الشعوب واألقوام واألمم‪.‬‬ ‫إن ما يهدف إليه اليوسف هو «الكشف عن ردود فعل‬ ‫النفس البدائية ‪ -‬التي حتاول أن تتخطى البربرية‬ ‫إل� � ��ى احلض� � ��ارة ‪ -‬إزاء ظواهر بيئي� � ��ة مع ّينة‪ ،‬وعن‬ ‫الكيفية التي اس� � ��تطاعت بها هذه البيئة أن تصوغ‬ ‫النف� � ��س وتصنعه� � ��ا» (ص‪ .)18 :‬فاللحظة الطللية‪،‬‬ ‫على س� � ��بيل املثال‪ ،‬هي «توليف اندغامي للحظات‬ ‫ث� �ل��اث‪ :‬الته ّدم احلضاري والقمع اجلنس� � ��ي وقحل‬ ‫الطبيعة» (ص‪ .)19 :‬كذلك هي تراجيد ّية القصيدة‬ ‫يتوحد فيها اإلنس� � ��ان مع الوحش‬ ‫اجلاهلية الت� � ��ي‬ ‫ّ‬ ‫بسبب يباس الطبيعة الصحراوية واالستالب الذي‬ ‫متارس� � ��ه على اإلنسان والوحش معاً (ص‪ .)20 :‬إن‬ ‫«الشاعر اجلاهلي يعيش احلياة كمأساة» (ص‪،)23:‬‬ ‫كما أن اإلنس� � ��ان اجلاهلي «حيوان ميارس مشروع‬ ‫تأ ُّنسه» (ص‪.)43 :‬‬ ‫ميك� � ��ن لن� � ��ا أن نتبينّ م� � ��ن هذه االقتباس� � ��ات‪،‬‬ ‫التي أوردناها للتدليل عل� � ��ى املنهجية التي يتبعها‬

‫‪86‬‬

‫‪8/10/14 9:26:03 AM‬‬

‫اليوس� � ��ف في حتليل الش� � ��عر اجلاهلي‪،‬‬ ‫احملوري‪ ،‬بل الوسواس� � � ّ�ي‪ ،‬الذي‬ ‫ال� � ��دو َر‬ ‫ّ‬ ‫تلعب� � ��ه «الم ّية الع� � ��رب» للش� � ��نفرى في‬ ‫تشكيل وعي اليوسف بالشعر اجلاهلي‪،‬‬ ‫ب� � ��ل إننا قد جناوز ذلك إل� � ��ى القول إنها‬ ‫حت� � ��دد إطار رؤيته‪ ،‬وتفضيالته‪ ،‬للش� � ��عر‬ ‫واألدب العظيم� �ي��ن‪ ،‬ماضياً وحاضراً‪ ،‬في‬ ‫الثقاف� � ��ة العربية كما في جميع الثقافات‪.‬‬ ‫جتل لش� � ��عور‬ ‫فالم ّي� � ��ة العرب متثل «أرقى وأنصع ٍّ‬ ‫الش� � ��اعر مبأس� � ��او ّية احلي� � ��اة» (ص‪ .)46 :‬وه� � ��و‬ ‫يستخدم التصور الرؤيوي ذاته في مقاربته للشعر‬ ‫العرب� � ��ي املعاصر‪ .‬إنه يؤمن إميان � � �اً قاطعاً بأن ما‬ ‫يؤس� � ��س أهمية القصي� � ��دة العربي� � ��ة التفعيل ّية هو‬ ‫قدرتها عل� � ��ى تأمل الفاجعة واس� � ��تغوارِ أعماقها‪.‬‬ ‫وه� � ��و برغم تركي� � ��زه في مواضع كثي� � ��رة من كتابه‬ ‫«الش� � ��عر العرب� � ��ي املعاصر» على أهمي� � ��ة الصورة‬ ‫املكثف� � ��ة املتوترة واللغة الدرام ّية املش� � ��حونة‪ ،‬التي‬ ‫تتم ّيز به� � ��ا القصائد اجلديدة‪ ،‬ف� � ��إن مدا َر حكمه‬ ‫على أهمية الشاعر وعظمته يتجلى في قدرة ذلك‬ ‫الش� � ��اعر على جتس� � ��يد البعد الفجائعي املأساوي‬ ‫الذي يس� � ��مى جتربة الوجود املعاصر‪ .‬لقد «ولدت‬ ‫القصيدة اجلدي� � ��دة‪ ...‬لكيما تتمك� � ��ن من معانقة‬ ‫الذات وش� � ��رطها احملدد ملاهيتها العميقة‪ ،‬ولكيما‬ ‫تتمكن من أن تعكس التحوالت الناشطة في عالم‬ ‫مقلق� � ��ل كالح ومحموم‪ .‬ف� � ��كان النمط اجلديد من‬ ‫الشعر خير نهج للتعبير عن التمزق واالقتالع‪ ،‬عن‬ ‫االنشطار الدرامي» (الشعر العربي املعاصر‪ ،‬ص‪:‬‬ ‫‪ ،)23‬لهذا ال يصمد حتت معول اليوس� � ��ف النقدي‬ ‫سوى عدد محدود من الشعراء العرب املعاصرين‪:‬‬ ‫بدر شاكر السياب وخليل حاوي وأدونيس ومحمود‬ ‫درويش ويوسف اخلال؛ فاألول يعبر في شعره عن‬ ‫اإلحساس بالبؤس والشقاء البشريني‪ ،‬على صعيد‬ ‫التاريخ والوجود‪ ،‬والثاني يحش� � ��د ش� � ��عره بالصور‬ ‫القامتة التي تعكس «الدمار والتقزز وخواء الوجود‬ ‫وقحل املجتمع العربي املهزوم أمام قوى احلضارة‬ ‫العاملي� � ��ة العاتية»‪ ،‬كما ميث� � ��ل «التعبير عن التضاد‬ ‫احلامل حلركة الوالدة الثانية» محو َر عمل الثالث‬ ‫(ص‪ ،)24 - 23 :‬فيما يشخّ ص الرابع «اإلحساس‬ ‫بالفجيعة وتصوير الشعور املأساوي» (ص‪)264 :‬‬ ‫(وهو األمر نفسه الذي يجسده أدب غسان كنفاني‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 84-87.indd 86‬‬


‫الذي صور «القلق والتمزق والضجر وعقدة الذنب‬ ‫والنزق الواقع على تخوم العصاب» (غسان كنفاني‪:‬‬ ‫رعش� � ��ة املأس� � ��اة‪ ،‬ص‪ ،)22 :‬أما اخلامس واألخير‬ ‫ـ«يوحد بني املطلق واحملدود‪ ،‬بني اآلني واألبدي‪،‬‬ ‫ف ّ‬ ‫بني الكائن البش� � ��ري ومشروعه الوجودي» (الشعر‬ ‫العربي املعاصر‪ ،‬ص‪.)58 :‬‬

‫الشعر والفاجعة‬

‫ال يخف� � ��ف من ه� � ��ذا التركيز الوسواس� � ��ي على‬ ‫الفاجع� � ��ة والبع� � ��د املأس� � ��اوي في الش� � ��عر العربي‬ ‫املعاص� � ��ر خاص� � ��ة‪ ،‬واألدب العرب� � ��ي عام� � ��ة‪ ،‬كال ُم‬ ‫اليوس� � ��ف عن البعد التموزي واالنبعاث القومي في‬ ‫ش� � ��عر كبار مج� � ��ددي القصيدة العربي� � ��ة في القرن‬ ‫العشرين‪ .‬صحي ٌح أنه يشير‪ ،‬في مواضع عديدة من‬ ‫كتابه «الشعر العربي املعاصر» وفي بعض مقاالته‪،‬‬ ‫القومي في‬ ‫إلى أثر نكبة فلس� � ��طني وانبعاث الروح‬ ‫ّ‬ ‫حت � � � ّوالت القصي� � ��دة العربية في نهاي� � ��ة أربعينيات‬ ‫الق� � ��رن املاضي‪ .‬لكن� � ��ه ال يرى في هذه الش� � ��روط‬ ‫اخلارجية مؤث� � ��را فعل ّياً وحافزاً على بلوغ الش� � ��عر‬ ‫العربي املعاصر املنزل َة التي بلغها الش� � ��عر األوربي‬ ‫في القرنني التاس� � ��ع عشر والعشرين‪ ،‬فـ «القصيدةُ‬ ‫العربية املعاصرة تفتقر إلى شمولية الرؤية‪ ،‬كل ّيتِها‪،‬‬ ‫كونيتها‪ ،‬تنقصها رؤية املعن� � ��ى الواحد وهو يتنفس‬ ‫في كائنات الوجود برمتها‪ .‬ولهذا ال ميلك شاعرنا‬ ‫ٍ‬ ‫نبوية مطبقة‪،‬‬ ‫بس� � ��كينة‬ ‫أن يُنطق املاه ّي َة اجلوهرية َ‬ ‫وبالتال� � ��ي ال ميلك الرو ُح أن يتع � � � ّرف على ذاته في‬

‫لغته» (الشعر العربي املعاصر‪ ،‬ص‪.)283 -282 :‬‬ ‫ميك� � ��ن الق� � ��ول إن اليوس� � ��ف اجته إل� � ��ى األدب‬ ‫اجلاهل� � ��ي ليرى عناص َر التجربة الكيان ّية الوجودية‬ ‫�س ه� � ��ذه التجربة‬ ‫ف� � ��ي ه� � ��ذا األدب‪ .‬وقد م ّيز أس� � � َ‬ ‫الوجودي� � ��ة الكبرى في معلقات ش� � ��عراء اجلاهلية‪،‬‬ ‫�ذري‪ .‬لكنه لم يكتف‬ ‫والم ّية الش� � ��نفرى‪ ،‬والغزل الع� � � ّ‬ ‫بدراسة الشعر القدمي‪ ،‬بل انطلق في دراسة ظاهرةَ‬ ‫الش� � ��عر العربي املعاص� � ��ر من رؤية كيان ّي� � ��ة‪ ،‬مر ّكزا‬ ‫بصورة أساسية على شعر السياب وأدونيس‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى دراس� � ��ة عن تطور الش� � ��عر الفلسطيني املقاوم‪.‬‬ ‫واملتأمل لهذه الدراسات يجد أنها طالع ٌة من رؤيته‬ ‫الشاملة للش� � ��عر واألدب والثقافة‪ ،‬وال تنفصل عن‬ ‫قراءته للش� � ��عر العربي القدمي‪ .‬فاألدب بالنسبة له‬ ‫ه� � ��و تعبير عميق عن مأس� � ��اة الوجود الكبرى‪ ،‬وهو‬ ‫ما ع ّبر عنه في دراس� � ��ة مك ّثفة عن غس� � ��ان كنفاني‬ ‫معنونا كتابه صغير احلجم بـ «رعشة املأساة»‪.‬‬ ‫الرؤي� � ��ة نفس� � ��ها تقيم ف� � ��ي أس� � ��اس كتابه «ما‬ ‫الش� � ��عر العظيم؟» الذي يؤكد فيه أن الش� � ��عر تعبي ٌر‬ ‫ع� � ��ن التجرب� � ��ة الكل ّية للوجود‪ .‬وهو يش� � � ّ�ن في هذا‬ ‫الكت� � ��اب حمل ًة شرس� � ��ة على ماد ّي� � ��ة العصر ونزعة‬ ‫التسليع واالس� � ��تهالك فيه‪ ،‬داعياً إلى إعادة النظر‬ ‫في نظرية الش� � ��عر ونظرية الفن اللتني تنتميان إلى‬ ‫املادي املعاصر‪ .‬وهو من ث ّم يدعو إلى العودة‬ ‫الغرب‬ ‫ّ‬ ‫والنصوص الكبرى‬ ‫إلى جذور الشعر والفن املركزية‬ ‫ِ‬ ‫نصوص‬ ‫التي تتصل مبنابع الوجود‪ ،‬وعلى رأس� � ��ها‬ ‫ُ‬ ‫املتص ّوفة وأشعا ُرهم >‬

‫دخل أبو دالمة يوماً على املنصور وبني أصبعيه خرقة‪ ،‬فقال له املنصور‪ :‬ما هذا يا أبا‬ ‫دالمة؟ فقال‪ :‬ولدت لي البارحة صبية وقد قلت فيها‪:‬‬ ‫فـ ـ ـمـ ـ ــا ول ـ ـ ـ ـ ــدت ــك م ـ ــري ـ ـ ــم ُأ ّم ع ـ ـ ـيـ ــسى‬ ‫ول����������م ي����ك����ف����ل����ك ل�����ق�����م�����ان احل����ك����ي����م‬ ‫ولـ ـ ـ ـكـ ـ ـ ــن ق ـ ـ ـ ـ ــد ولـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــدت أل ّم س ـ ـ ـ ـ ــوءٍ‬ ‫ي��������ق��������وم ب�������أم�������ره�������ا ب��������ع ٌ‬ ‫��������ل ل���ـ���ئ���ي���م‬ ‫فضحك املنصور وقال‪ :‬ما تريد؟ قال‪ :‬ملء هذه اخلرقة البس� � ��يطة أس� � ��تعني بها على‬ ‫تربيتها‪ .‬فقال املنصور‪ :‬امألوها دراهم‪ ،‬ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير‪ ،‬فمألوه؛ فأخذ‬ ‫عشرة آالف درهم‪.‬‬

‫ـجاهلي‬ ‫يوسف سامي اليوسف ومركز ّية ال ـ ـشـ ـع ــر ال‬ ‫ّ‬

‫‪8/10/14 9:26:07 AM‬‬

‫‪87‬‬

‫‪sep 84-87.indd 87‬‬


‫شخصيات‬

‫وديع الصافي ‪...‬‬

‫كبير املطربني العرب‬ ‫في النصف الثاني من القرن العشرين‬ ‫إلياس سحاب *‬ ‫اسمه احلقيقي وديع فرنسيس‪ ،‬أما اسمه الفني الذي اشتهر به وحمله من بعده‬ ‫أوالده‪ ،‬فقد اقترحه عليه املوسيقار حليم الرومي‪ ،‬عندما كان مسؤو ًال موسيقي ًا في‬ ‫اإلذاعة اللبنانية‪ .‬ولد في قرية نيحا الشوف‪ ،‬وهناك بدأ يعب على يد جده «أبوبشارة»‬ ‫كل فنون الفولكلور اللبناني واملشرقي‪ ،‬مبختلف ألوانه‪ ،‬قبل أي نوع آخر من املوسيقى‬ ‫والغناء‪ .‬ثم تفتحت أذن��اه على املوسيقى الكنسية املشرقية‪ ،‬ذات األص��ول املشتركة‬ ‫موسيقي ًا مع اإلنشاد الديني اإلسالمي‪ ،‬في هذه املنطقة من العالم‪.‬‬ ‫* ناقد فني من لبنان‬

‫‪88‬‬

‫‪8/10/14 9:27:35 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 88-90.indd 88‬‬


‫بعد ذل������ك يصف لنا ودي������ع الصافي‬ ‫بنفس������ه املرحل������ة التالية ف������ي تكونه‬ ‫الس������معي األول‪ ،‬قب������ل أن يتحول إلى‬ ‫احت������راف العزف على العود ث������م الغناء‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫كنت أستمع من املذياع بشغف كبير إلى أغنيات‬ ‫محم������د عبدالوهاب‪ ،‬وأم كلث������وم‪ ،‬ثم يردف بعد‬ ‫صمت قصير‪ :‬وأسمهان‪.‬‬ ‫هكذا اكتملت مراحل التكون السمعي األصيل‬ ‫له������ذا الفنان الذي حباه الله قبل كل ش������يء‪ ،‬أي‬ ‫حتى قب������ل مرحلة التك������ون‪ ،‬حنجرة اس������تثنائية‬ ‫سنكتشف مميزاتها تدريجياً‪ ،‬بعد أن حتول إلى‬ ‫احتراف الغناء مع اقتراب القرن العش������رين من‬ ‫منتصفه‪.‬‬ ‫في بداياته األولى‪ ،‬وقبل أن يصبح مشهورا‪،‬‬ ‫ج َّرب وديع الصافي حظه في االلتحاق مبوس������م‬ ‫الهجرة إلى القاهرة‪ ،‬التي كانت آنذاك عاصمة‬ ‫الفن العربي‪ ،‬غناء ومس������رحا وإذاعة وس������ينما‪،‬‬ ‫ملتحق������ا برفيقاته املهاجرات اللبنانيات مثل لور‬ ‫دكاش وصب������اح ون������ور الهدى‪ ،‬ثم س������عاد محمد‬ ‫وجناح س���ل��ام‪ ،‬ورفيقيه محمد س������لمان ومحمد‬ ‫البكار‪.‬‬ ‫وكان������ت رحل������ة وديع الصافي ف������ي منتصف‬ ‫أربعيني������ات القرن العش������رين‪ ،‬حي������ث ذهب إلى‬ ‫مقابلة مباشرة مع املوسيقار محمد عبدالوهاب‬ ‫وأسمعه مطلع أغنيته الش������هيرة «الفن» (الدنيا‬ ‫لي������ل والنج������وم طالع������ة تنورها)‪ ،‬حي������ث دهش‬ ‫عبدالوهاب مرتني‪ ،‬مرة لسماع اجلرس اجلميل‬ ‫حلنجرة ودي������ع الصافي‪ ،‬ومرة ثانية لبراعته في‬ ‫التصرف بأداء بع������ض اجلمل اللحنية‪ ،‬في هذه‬ ‫األغنية الكالسيكية الرائعة لعبدالوهاب‪.‬‬ ‫وكان أحد أهم مغريات الهجرة إلى القاهرة‬ ‫ف������ي تلك احلقبة بالذات‪ ،‬جتربة احلظ بالظهور‬ ‫ف������ي أفالم الس������ينما الغنائية‪ ،‬الت������ي بدأت على‬ ‫أيدي عبدالوه������اب وأم كلثوم وأس������مهان وليلى‬ ‫مراد وفريد األطرش ومحمد فوزي‪ ،‬تغزو العالم‬ ‫العرب������ي من محيط������ه إلى خليج������ه‪ ،‬وجتلب ملن‬ ‫يسجل جناحا فيها شهرة واسعة وسريعة‪ ،‬تفوق‬ ‫بكثير شهرة االكتفاء بالغناء على إسطوانات‪.‬‬ ‫وم������ع أن كال م������ن صباح ونور اله������دى‪ ،‬كانتا‬ ‫وديع الصافي‪ ...‬كبير املطربني العرب‬

‫‪8/10/14 9:27:38 AM‬‬

‫على رأس من س������جل جناح������ا جماهيريا باهرا‬ ‫في مجال السينما‪ ،‬فإن وديع الصافي كان‪ ،‬على‬ ‫روعة صوته‪ ،‬من الفاشلني سينمائيا‪ ،‬وله تفسير‬ ‫ش������خصي لهذا املصير‪ ،‬فنسبه إلى فشله الذريع‬ ‫في التمثيل‪.‬‬ ‫ويب������دو أن ه������ذا الفش������ل املبكر ف������ي مجال‬ ‫الس������ينما الغنائية (ظهر في مشهد قصير لفيلم‬ ‫واحد فقط)‪ ،‬كان املقدمة التي ستفتح أمام هذا‬ ‫الفن������ان ذي احلنجرة االس������تثنائية‪ ،‬أبواب املجد‬ ‫الغنائي من أوسع أبوابه‪.‬‬ ‫لكن البداية الغنائي������ة األولى لوديع الصافي‬ ‫اتخذت من دنيا املغتربني اللبنانيني مسرحا لها‪،‬‬ ‫حيث ذهب في رحلة طويلة إلى البرازيل بالذات‪،‬‬ ‫وال������دول املجاورة‪ ،‬يغني للمغتربني اللبنانيني عن‬ ‫وطنهم األم لبنان‪ ،‬ويحثهم على الرجوع إليه‪.‬‬ ‫بع������د ذلك ع������اد إل������ى الوط������ن ف������ي مطلع‬ ‫اخلمس������ينيات فوجد حال الغناء العربي عموما‬ ‫قد تغي������رت‪ ،‬حي������ث تراجعت ش������هرة األغنيات‬ ‫الكالس������يكية الطويلة لعبدالوه������اب وأم كلثوم‪،‬‬ ‫وبدأت تروج أغنيات سينمائية خفيفة على منط‬ ‫أغني������ة «يا عواذل فلفل������وا» لفريد األطرش‪ ،‬من‬ ‫فيلم «آخر كذبة»‪ ،‬فانصرف هو اآلخر إلى إطالق‬ ‫أغنيات خفيفة لكنها ذات روح ش������عبية واضحة‪،‬‬ ‫مثل أغنيته الشهيرة «عاللوما» ومثيالتها‪.‬‬ ‫غي������ر أن قدرا فني������ا آخ������ر كان ينتظر هذا‬ ‫املطرب العظيم بعد أن تبلورت إمكاناته الفنية‪،‬‬ ‫حت������ى ذلك الوقت‪ .‬ذلك أن عقد اخلمس������ينيات‬ ‫كان عقد ظه������ور كوكبة املوس������يقيني واملطربني‬ ‫واملطرب������ات الذين تكونت عل������ى أكتافهم نهضة‬ ‫موس������يقية ‪ -‬غنائية عارمة‪ ،‬لتبدأ نهضة لبنانية‬ ‫متث������ل كل أرجاء املش������رق العربي‪ ،‬وتع������م العالم‬ ‫العرب������ي‪ ،‬على أيدي ملحنني مث������ل زكي ناصيف‬ ‫واألخوين رحباني وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي‬ ‫وعفيف رضوان وس������واهم‪ ،‬ومطربني مثل صباح‬ ‫وفيروز ونصري شمس الدين‪ ،‬الذين ما لبث وديع‬ ‫الصافي أن اتخذ له موقعا في طليعتهم‪ ،‬بسبب‬ ‫إمكاناته الهائل������ة‪ ،‬ونضج جتربت������ه الغنائية في‬ ‫مراحله األولى‪ ،‬وقوة تكوينه الفني وصالبته‪.‬‬ ‫هن������ا‪ ،‬بدأت تظهر لدى وديع الصافي‪ - ،‬إلى‬

‫‪89‬‬

‫‪sep 88-90.indd 89‬‬


‫القرن العش������رين‪ .‬لك������ن قيمة هذه املس������احات‬ ‫الصوتية الشاس������عة‪ ،‬ارتفاع������ا وانخفاضا‪ ،‬كانت‬ ‫تصل إلى ذروة فنية عالي������ة‪ ،‬عندما توضع على‬ ‫محك أس������لوب وديع الصافي املذهل في األداء‪.‬‬ ‫فاملعلوم أن الصوت البش������ري‪ ،‬يزداد حدة‪ ،‬كلما‬ ‫ارتفع������ت طبقاته إلى أعل������ى‪ ،‬إال صوت الصافي‬ ‫ال������ذي كان ي������زداد رق������ة وحنانا وعذوب������ة‪ ،‬كلما‬ ‫ارتفعت إل������ى الطبقات الغنائي������ة العليا‪ .‬يضاف‬ ‫إلى ذلك إحس������اس كامل بكل مكونات املوسيقى‬ ‫العربي������ة ومقاماته������ا‪ ،‬بحساس������ية مرهف������ة َّ‬ ‫قل‬ ‫نظيره������ا‪ ،‬حت������ى أن جماهيرية ودي������ع كمطرب‬ ‫متميز قد جتاوزت حدود املس������تمعني العاديني‪،‬‬ ‫فأصبح املطرب املفضل لدى كبار املطربني مثل‬ ‫عبدالوهاب وعبداحلليم حافظ وكبار امللحنني‪.‬‬ ‫وأصبح صوت الصافي مقص������دا لهؤالء‪ ،‬فلحن‬ ‫له رياض الس������نباطي ومحمد عبدالوهاب وبليغ‬ ‫حمدي ورياض البندك وفريد األطرش‪ .‬وهناك‬ ‫قصص ت������روى عن حالة الذه������ول الطربي التي‬ ‫كانت تسيطر على كبار أهل الفن‪ ،‬وهم يستمعون‬ ‫إلى غناء وديع الصافي في جلساتهم اخلاصة‪.‬‬

‫موقعه التاريخي‬

‫الصافي يحمل درع ًا أهديت له‬

‫جان������ب موهب������ة الغناء ‪ -‬موهب������ة التلحني‪ ،‬فبدأ‬ ‫يغني م������ن أحلان كبار امللحن���ي��ن اللبنانيني آنفي‬ ‫الذكر‪ ،‬لكنه انغمس في منافس������تهم في التلحني‬ ‫حلنجرته‪ ،‬بأغنيات كانت تتراوح قيمتها اللحنية‬ ‫بني املمتاز واملتوسط‪.‬‬

‫حنجرته وأداؤه‬

‫متت������ع وديع الصاف������ي مبا حباه ب������ه الله من‬ ‫مواصف������ات اس������تثنائية ف������ي تكوي������ن حنجرته‬ ‫الصوتي������ة‪ .‬تبدأ ه������ذه املزايا بس������عة هائلة في‬ ‫املس������احات الصوتية‪ ،‬من األش������د انخفاضا إلى‬ ‫األشد ارتفاعا‪ ،‬مع معدن صوتي ثبت أنه األجمل‬ ‫ف������ي الغناء العربي قاطبة في النصف الثاني من‬

‫‪90‬‬

‫‪8/10/14 9:27:45 AM‬‬

‫م������ن املتع������ارف علي������ه أن الوط������ن العربي‬ ‫املعاصر قد عرف في القرن العشرين نهضتني‬ ‫موس������يقيتني كبيرتني‪ ،‬أطلق األولى في القاهرة‬ ‫س������يد درويش‪ ،‬استكماال لنهضة القرن التاسع‬ ‫عش������ر‪ ،‬وأكملها من بعده خلف������اؤه من العباقرة‪،‬‬ ‫وقد اس������تمر تدف������ق هذه النهض������ة حتى ثالثة‬ ‫أرباع القرن العشرين‪ .‬أما النهضة الثانية فكان‬ ‫لبنان مس������رحا لها في الرب������ع الثالث من القرن‬ ‫العشرين‪.‬‬ ‫وقد كان صوت الصافي‪ ،‬إلى جانب إسهامه‬ ‫ف������ي التلحني‪ ،‬في موق������ع متميز في طليعة هذه‬ ‫النهضة املوسيقية الغنائية‪ ،‬التي عمت كل أرجاء‬ ‫الوطن العربي‪ .‬أم������ا وديع‪ ،‬فقد كانت له مرتبة‬ ‫متقدمة في هذه النهضة اللبنانية املشرقية‪ ،‬لم‬ ‫تتوقف حدودها عند أهل املش������رق وحدهم‪ ،‬بل‬ ‫أصب������ح كل كبار الفنانني العرب‪ ،‬يش������يرون إليه‬ ‫بال تردد‪ ،‬إذا سألتهم عن مطربهم املفضل >‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 88-90.indd 90‬‬


‫أدب‬

‫التخ ّلي عن األعمال األولى!‬

‫منوذجا‬ ‫ُأدونيس ومحمود درويش‬ ‫ً‬

‫د‪ .‬يوسف بكّ ار *‬

‫يبدو أن العرب مسبوقون في مسألة التخلّي عن األعمال اإلبداع ّية األول��ى؛ فالشاعر‬ ‫الفرنسي رينه شار‪ ،‬مث ًال‪ ،‬حذف أشعاره األولى‪ .‬ومن يتتبع مسيرة املبدعني العرب املعروفني‬ ‫رويدا‪.‬‬ ‫– في األق��لّ – ويتح ّراها ال يعدم أن يجد أمثلة لها‪ ،‬وأنّها جعلت تنشط روي� ً�دا ً‬ ‫فثمة شعراء تخلّوا‪ ،‬بعد أن غدوا مشهورين وذوي أسماء المعة معروفة في دولة الشعر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتنكّ‬ ‫عن أعمالهم الشعر ّية األولى‬ ‫روا لها‪ ،‬في حني أنّها جذر إبداعهم وأساسه‪ ،‬وأنّها التي‬ ‫حملتهم على املواصلة واالستمرار بدافع املوهبة والكفاءة واالستعداد‪ ،‬فولدوا – كما يقول‬ ‫محمود درويش – بـ«التقسيط» وليس «دفعة واحدة» شأن طرفة بن العبد في التراث العربي‪،‬‬ ‫و«رامبو» في التراث العاملي‪.‬‬ ‫أُدونيس (علي أحمد سعيد) جعل يتململ‬ ‫من أعماله األولى ح ّت� � ��ى جتلّى التململ‬ ‫تخل ًّيا من خالل أعماله الشعر ّية الكاملة‬ ‫(الطبعة اخلامس� � ��ة‪ .‬دار الع� � ��ودة – بيروت ‪،)1988‬‬ ‫حيث يق� � ��ول معتر ًفا ومعلّ ً‬ ‫ال في مقدمة اجلزء األول‬ ‫(ص‪« :)5‬ك ّل ما ل� � ��م أثبته في هذه الطبعة اجلديدة‬ ‫من أعمالي الشعر ّية الكاملة أتخلّى عنه‪ .‬إ ّنني أَع ّد‬ ‫نوعا من التهي� � ��ؤ ملا أحاول أن أُحقّقه‪.‬‬ ‫ك ّل م� � ��ا كتبته ً‬ ‫وكما أن الشخص ال يبقى فيه من حياته ذاتها‪ ،‬داخل‬ ‫نفس� � ��ه ذاتها‪ ،‬إ ّال ما يُش ِّكل بنيتها العميقة‪ ،‬فاألحرى‬ ‫أال يبق� � ��ى من نتاجه إ ّال م� � ��ا يرتبط به جوهر ًّيا بهذه‬ ‫البنية»‪ .‬لكنّه احتفظ من القصائد األولى مبا نظمه‬ ‫بني العامني ‪ 1947‬و‪ 1955‬في حني أبقى في طبعة‬

‫(دار املدى – دمش� � ��ق ‪ )1996‬على ما نظم منها بني‬ ‫العامني ‪ 1949‬و‪!1955‬‬ ‫ل� � ��م يقف األمر بأُدونيس عند ه� � ��ذا‪ ،‬مّ‬ ‫إنا جازه‬ ‫إل� � ��ى التّخلي عن الترتيب الزّمني لش� � ��عره في طبعة‬ ‫«دار امل� � ��دى»‪ ،‬حي� � ��ث جعل القصائ� � ��د القصيرة في‬ ‫مجلد‪ ،‬والطويلة في مجلد‪ ،‬والنصوص غير املوزونة‬ ‫في مجلد‪ ،‬بحجة الوفاء «لتتابع البنية واإليقاع‪ .‬إ ّنه‬ ‫الفني الذي‬ ‫�كيلي‬ ‫ترتيب ينحاز إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫الس� � ��ياق التش� � � ّ‬ ‫يتأس� � ��س فيه النّص‪ ،‬وليس إلى تسلسل زمن كتابته‬ ‫ّ‬ ‫أو نش� � ��ره‪ .‬هكذا تقطع (رمبا تتقاطع) هذه الطبعة‬ ‫كل ًّيا مع الطبعات السابقة من هذه األعمال‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى أ ّنها تنسخها‪ ،‬وهي‪ ،‬إذن‪ ،‬املعتمدة وحدها»‪.‬‬ ‫أ ّما محمود درويش‪ ،‬فاعترف بأش� � ��ياء من هذا‬

‫* أكادميي من األردن‬

‫‪91‬‬

‫‪8/10/14 9:30:32 AM‬‬

‫‪sep 91-93.indd 91‬‬


‫القبيل‪ ،‬والس � � � ّيما في حوار عبده وازن الطويل معه‬ ‫في كتابه «محمود درويش‪...‬الغريب يقع على نفسه»‬ ‫(ري� � ��اض ال ّريس للكتب والنش� � ��ر – بيروت ‪،)2006‬‬ ‫حي� � ��ث يق� � ��ول (ص‪« :)62‬ح� �ي��ن أضطر إل� � ��ى قراءة‬ ‫أعمالي األولى من أجل تصحيح األخطاء الطباع ّية‪،‬‬ ‫اس� � ��تعدا ًدا لطبعة جديدة وليس م� � ��ن قبيل تطوري‬ ‫ّ‬ ‫ماضي الشعري‪ ،‬أشعر بكثير من‬ ‫عري أو مراقبة‬ ‫الش ّ‬ ‫ّ‬ ‫ماضي برضا‪ ،‬وأمتنى‬ ‫احلرج‪ .‬أي أ ّنني ال أنظر إلى‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫عندما أقرأ هذه األعمال أ ّال أكون قد نشرتها كلها‪،‬‬ ‫أو ال أكون نشرت جز ًءا كبي ًرا منها»‪.‬‬ ‫لقد تخلّ� � ��ى‪ ،‬لهذا‪ ،‬ع� � ��ن أ ّول دواوينه «عصافير‬ ‫بال أجنح� � ��ة» فحذفه من أعماله الش� � ��عر ّية‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫«مجموعت� � ��ي ّ‬ ‫الش� � ��عر ّية األول� � ��ى حذفته� � ��ا كل ًّيا‪ ،‬وال‬ ‫أعترف بها البتّة!‪ ،‬وكانت صدرت في فلسطني أيام‬ ‫ال ُفت � � � ّوة‪ ،‬وهي عبارة عن قصائد مراهقة ش� � ��خص ّية‬ ‫وش� � ��عر ّية‪ .‬وأنا أمتنى أن أواصل احلذف» (ص‪.)65‬‬ ‫عل ًم� � ��ا بأنه كان – كما يقول – يعيد قراءة ك ّل ديوان‬ ‫قبل طباعته عشرات امل ّرات‪ ،‬وينقّحه عشرات امل ّرات‬

‫‪92‬‬

‫‪8/10/14 9:30:40 AM‬‬

‫إلى أن يشعر بأ ّنه أصبح قاب ً‬ ‫ال للنشر (ص‪ ،)71‬كما‬ ‫أ ّكد أ ّنه ما كان ميكن أن يتط ّور لوال التراكم الشعري‬ ‫الكبير على مدى س� � ��نوات طويلة‪ ،‬ألن الشعر يتطور‬ ‫بتطور مراحل العمر‪.‬‬ ‫مما ال مرية فيه أن من حقّ الشاعر – أي شاعر‬ ‫ّ‬ ‫– بل عليه أن يه ّذب ش� � ��عره وين ّقح� � ��ه ويحذف منه‬ ‫أو يحذفه قبل أن يظه� � ��ره على املأل‪ ،‬كما كان يفعل‬ ‫محمود درويش نفس� � ��ه‪ ،‬وكما فع� � ��ل إبراهيم طوقان‬ ‫الذي تع ّه� � ��د – قبل وفاته – ديوانه بنفس� � ��ه‪ ،‬فع ّدل‬ ‫وح� � ��ذف واصطفى وأبق� � ��ى‪ ،‬فكانت النس� � ��خة التي‬ ‫ميا ج ًّدا أص ّر الش� � ��اعر‬ ‫نش� � ��رها أخوه أحم� � ��د‪ .‬وقد ً‬ ‫الرومان� � ��ي هوراس صاحب القصي� � ��دة النقد ّية «فن‬ ‫ّ‬ ‫الش� � ��عر» عل� � ��ى «ازدروا قصيدة لم تتناوله� � ��ا األ ّيام‬ ‫ّ‬ ‫بالصقل عشرات امل ّرات‪،‬‬ ‫املتوالي‬ ‫واإلصالح‬ ‫وال‬ ‫الط‬ ‫ّ‬ ‫ول� � ��م تُه ّذب ُ‬ ‫قص� � ��ا محك ًما»‪ .‬وهكذا كان‬ ‫قص ًّ‬ ‫كظف ٍْر ّ‬ ‫ش� � ��أن شعرائنا من «عبيد الشعر» في عصر ما قبل‬ ‫اإلسالم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ومن حقّ الش� � ��اعر‪ ،‬أيض � � �ا‪ ،‬أن يفيد من مفهوم‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 91-93.indd 92‬‬


‫«املعاودة» النق� � ��دي‪ ،‬فيعيد النّظر إع� � ��اد ًة ال تخل ًّيا‪،‬‬ ‫يغ ّير ويب ّدل في عناوين القصائد واأللفاظ واألبيات‬ ‫�باب فن ّية وغير فن ّية كما فعل‪ ،‬مث ً‬ ‫ال‪ ،‬عبداملنعم‬ ‫ألس� � � ٍ‬ ‫ال ّرفاعي ف� � ��ي عدد من قصائد ديوانه «املس� � ��افر»‪،‬‬ ‫وإبراهيم ناجي في كثير من ش� � ��عره‪ ،‬وفدوى طوقان‬ ‫في قصائد نشرت في الصحف واملج ّ‬ ‫الت‪ ،‬بد ًءا قبل‬ ‫أن تسلكها في دواوينها‪ ،‬وهو ما يحسب للشاعر في‬ ‫تاريخه الشعري وتطوره شاعر ّي ًة وشعر ّي ًة في آن‪.‬‬ ‫أ ّنى ولد الش� � ��اعر كبي � � � ًرا ومه ًّما م� � ��ر ًة واحدة؟‬ ‫الفن واإلبداع نفسه في احلياة والدة‬ ‫أَوليس هو في ّ‬ ‫ً‬ ‫وحبْ ًوا ثم مش ًيا واكتماال؟ أَوليست أعماله من أ ّولها‬ ‫َ‬ ‫إل� � ��ى آخرها هي التي مت ّثله ف� � ��ي طفولته اإلبداع ّية‬ ‫وتدرجها وتطورها ونضجها؟ أيحقّ له‪ ،‬بعد هذا‪ ،‬أن‬ ‫يهدم األساس الذي لواله ملا نهض البنيان وأُحكم؟!‬ ‫أُدوني� � ��س يع � � � ّد التخلي ح ًّقا أكي � � � ًدا‪ ،‬ألن العمل‬ ‫كان مقدم� � ��ة ملا أراد أن يح ّقق� � ��ه تال ًيا‪ .‬أليس فصل‬ ‫املقد ّمة عن النتيجة بت ًرا ملا بينهما من آصرة وثيقة‬ ‫ال ُع� � ��رى‪ .‬أ ّما التخلي عن ترتيب الدواوين والقصائد‬ ‫منوذجا‬ ‫التخلّي عن األعمال األولى! ُأدونيس ومحمود درويش‬ ‫ً‬

‫‪8/10/14 9:40:38 AM‬‬

‫فت‬ ‫الزّمني بحجة الس� � ��ياق التش� � ��كيلي‬ ‫الفني‪ ،‬فهو ٌّ‬ ‫ّ‬ ‫عضد هذا التش� � ��كيل الذي بُني عل� � ��ى التّدرج‬ ‫ف� � ��ي ُ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫والتجريب وفقا ملقتضيات األحوال الش� � ��عر ّية التي‬ ‫جتابه الش� � ��عراء عادة؛ فلوالها ولوال تتابع األعمال‬ ‫اإلبداع ّية من األلف إلى الياء ملا اهتُدي إلى مسيرة‬ ‫السفح إلى الق ّمة‪.‬‬ ‫الشاعر اإلبداع ّية احلقيق ّية من ّ‬ ‫الدارس� �ي��ن والنّقاد مازال يغمرهم األسف‬ ‫أخال أن ّ‬ ‫لعدم وصول قصائد الشعراء القدامى إلينا مؤرخة‪.‬‬ ‫ولو وصل� � ��ت هكذا الختلفت األمور في دراس� � ��اتهم‬ ‫ونقدهم‪ ،‬وكانت أدقّ في التتبع والنتائج واألحكام‪.‬‬ ‫أ ّم� � ��ا محمود درويش فع� � � ّ�ده ح ًّقا‪ ،‬كذلك‪ ،‬دون‬ ‫ينس رأي‬ ‫أن يزع� � ��م أن رأيه هو ّ‬ ‫الص� � ��واب ألنه لم َ‬ ‫القارئ‪ ،‬متلق ًّيا وناق ًدا‪ ،‬إذ قال‪« :‬من حقّ الش� � ��اعر‬ ‫أن يحذف ما يش� � ��اء من ش� � ��عره‪ .‬لكن السؤال هو‪:‬‬ ‫الصواب أم ال؟ هن� � ��اك رأي القارئ‬ ‫هل رأي� � ��ه هو ّ‬ ‫ً‬ ‫أيض� � ��ا» (ص‪ ،)65‬وقال‪« :‬عندم� � ��ا يصدر الديوان‬ ‫أحت � � � ّرر منه كل ًّيا ويصبح مل� � ��ك غيري‪ ،‬ملك النقد‬ ‫وملك القارئ» (ص‪> )71‬‬

‫‪93‬‬

‫‪sep 91-93.indd 93‬‬


‫لغة‬

‫هل اللغة العربية صعبة؟!‬ ‫هند عبداحلليم محفوظ *‬ ‫كي ��ف نقرأ النصوص العربية بطريقة تتناس ��ب وقواع ��د النحو العربي؟ بعبارة أخرى‪ :‬كيف‬ ‫نستطيع أن نقرأ اللغة العربية ومعنا فقط قدر يسير من املعلومات النحوية؟‬ ‫شغلني هذا السؤال طويال‪ .‬إذ إن الطالب الذي يدرس قواعد النحو رمبا يدرس كل القواعد‪،‬‬ ‫ومع ذلك إذا طلب إليه أن يقرأ نصا مكتوبا فإنه يخطئ‪ ،‬ملاذا؟ رمبا ألن املعلومات النحوية‬ ‫حصله ��ا تتغال ��ب جميعها أمام الكلمة‪ ،‬فال يدري ما إذا كان ��ت هذه الكلمة مرفوعة أم‬ ‫الت ��ي َّ‬ ‫ِّ‬ ‫منصوبة أم مجرورة أم مجزومة‪ ،‬ويظل الطالب يقلب هذه األوجه األربعة حتى يجيئه املدد‬ ‫جرا وما إلى‬ ‫فينطقه ��ا أخي � ً�را وبعناء منصوب ��ة‪ ،‬وقد تكون احلال ��ة ً‬ ‫رفعا‪ ،‬وقد تكون احلال ��ة ً‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫قدميا قالوا‪« :‬س ِّكن تسلم» وهو إن كان‬ ‫اً‬ ‫حل مؤقتًا فإن� � ��ه ال يرضي الراغبني‬ ‫في قراءة نحوية سليمة‪.‬‬ ‫وبالرغ� � ��م من أن حاالت اإلع� � ��راب محدودة‪،‬‬ ‫رفع ونصب وجر وجزم‪ ،‬وبالرغم من أن احلركات‬ ‫األصلي� � ��ة لهذه احل� � ��االت منحصرة أساس� � ��ا في‬ ‫الضمة والفتحة والكسرة والسكون‪ ،‬فإن املسألة‬ ‫كان� � ��ت والتزال متثل حي� � ��رة كبيرة لق� � ��ارئ اللغة‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫والصعوبة ليست في النحو فقط‪ .‬إن الصعوبة‬

‫* كاتبة من مصر‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫‪8/10/14 9:31:30 AM‬‬

‫واضح� � ��ة ف� � ��ي كل املس� � ��تويات اللغوي� � ��ة‪ :‬صوتية‬ ‫وصرفية ونحوية‪ ،‬ونتساءل‪ :‬ملاذا هذه الصعوبة؟‬ ‫أهي م� � ��ن طبيعة اللغة العربي� � ��ة‪ ،‬أم أنها حصيلة‬ ‫ظروف زمانية ومكانية حلقت بها في مس� � ��يرتها‬ ‫انعكاسا ملا جرى ويجري في بيئات أهلها‬ ‫الطويلة‬ ‫ً‬ ‫من أج� � ��واء غائمة محرومة م� � ��ن احليوية وخبرة‬ ‫التفاعل واحل� � ��وار مع أحداث احلي� � ��اة املتجددة‬ ‫املتطورة علم ًيا وثقاف ًيا واجتماع ًيا؟‬ ‫ويقرر الثقات من الدارس� �ي��ن أن ليس هناك‬ ‫لغة تصع� � ��ب بطبيعته� � ��ا على أصحابه� � ��ا‪ ،‬وإمنا‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 94-98.indd 94‬‬


‫هل اللغة العربية صعبة؟!‬

‫‪8/10/14 9:31:50 AM‬‬

‫‪95‬‬

‫‪sep 94-98.indd 95‬‬


‫الصعوب� � ��ة ترجع إلى أس� � ��باب م� � ��ن صنع هؤالء‬ ‫األصح� � ��اب أنفس� � ��هم أو ‪ -‬في أحس� � ��ن تقدير ‪-‬‬ ‫م� � ��ن عدم إدراكهم لها وتغافله� � ��م عن النظر فيها‬ ‫إلزاحتها أو معاجلتها بأسلوب علمي رشيد‪.‬‬ ‫وي� � ��رى العالم اللغوي الدكتور كمال بش� � ��ر أن‬ ‫اللغة ظاهرة اجتماعية‪ ،‬وليس� � ��ت كائنا ح ًّيا‪ ،‬كما‬ ‫يزعم غير العارفني‪ .‬ومعنى ذلك ‪ -‬بكل وضوح ‪-‬‬ ‫أن وضعها من حيث القوة أو الضعف ومن حيث‬ ‫التكامل أو العور والقص� � ��ور يرتبط كل االرتباط‬ ‫وأوثقه بحال أهلها من حيث أوضاعهم احلياتية‬ ‫الت� � ��ي تنعكس بالطب� � ��ع ال بالصنع عل� � ��ى لغتهم‪.‬‬ ‫«فاتهام اللغ� � ��ة بالصعوبة والتعقيد إمنا هو اتهام‬ ‫ظال� � ��م‪ ،‬وينبغ� � ��ي أن‬ ‫يوجه إل� � ��ى أصحابها‬ ‫صانعي ه� � ��ذا الوضع‬ ‫غي� � ��ر املقب� � ��ول‪ .‬إنهم‬ ‫لكل لغة‬ ‫ل� � ��م يدرك� � ��وا أهمي� � ��ة‬ ‫في محيطها العام احتضانها واالئتناس‬ ‫إليها وبه� � ��ا‪ ،‬ومحاولة‬ ‫ظالل هامشية‬ ‫احل� � ��وار معه� � ��ا‪ ،‬وإن‬ ‫تختلف‬ ‫بالتدري� � ��ج‪ ،‬حت� � ��ى‬ ‫يصلوا بها وبأنفسهم‬ ‫في الظواهر‬ ‫إلى موق� � ��ع متميز في‬ ‫اللغوية‬ ‫صفوف العالم الهائج‬ ‫املائ� � ��ج ال� � ��ذي يه� � ��دد‬ ‫بذوبان لغتهم وفقدان‬ ‫شخصيتهم»‪.‬‬ ‫وه� � ��ذا يرج� � ��ع إلى ضع� � ��ف الثقاف� � ��ة اللغوية‬ ‫الصحيحة ألس� � ��باب ثقافية عام� � ��ة واجتماعية‪،‬‬ ‫وضعف االنتماء إلى القومي� � ��ة مبعناها الدقيق‪.‬‬ ‫هجر القوم لغتهم اجلامعة ألفكارهم وتوجهاتهم‪،‬‬ ‫ف� � ��آوت إلى ركن غير رش� � ��يد‪ ،‬واتهموها باجلمود‬ ‫والتخل� � ��ف‪ .‬ولم يدركوا أن اللغ� � ��ة ‪ -‬أي لغة ‪ -‬ال‬ ‫حتيا وال تنمو وال تزدهر بنفس� � ��ها‪ ،‬وإمنا يتحقق‬ ‫ذلك كل� � ��ه بالتعامل به� � ��ا واحلوار معه� � ��ا‪ ،‬ولكننا‬ ‫عزلنا اللغ� � ��ة العربية الفصيح� � ��ة الصحيحة عن‬ ‫توظيفه� � ��ا نط ًقا وكتابة إال ف� � ��ي القليل النادر من‬ ‫املواقف واملناسبات‪ .‬وهذا النادر نفسه إذا حظي‬ ‫بالتوظيف جاء محش � � � ًوا باألغالط والتجاوزات‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫‪8/10/14 9:32:04 AM‬‬

‫وذلك ألنه� � ��م انفضوا من حولها وتفرقوا ش� � ��ي ًعا‬ ‫وتنابزوا في ما بينهم باللّسن النافرة الناشزة في‬ ‫صورة لهجات ورطانات‪.‬‬ ‫ويزيد الشعور بصعوبة اللغة العربية وازدحام‬ ‫مشكالتها بسبب املوروث في جمع اللغة وتقعيد‬ ‫قواعدها‪.‬‬ ‫من املعلوم واملش� � ��كور أيضا أن أس� �ل��افنا من‬ ‫قدام� � ��ى اللغويني كانوا حريصني أش� � ��د احلرص‬ ‫ِّ‬ ‫بغض النظر‬ ‫عل� � ��ى جمع لغتهم من هنا وهن� � ��اك‪،‬‬ ‫عن املستويات والبيئات اللغوية املختلفة‪ ،‬اعتزازًا‬ ‫بلغتهم وتقدي ًرا لكل ما يصدر عن اللسان العربي‬ ‫الذي مييزهم ويصنفهم أمة واحدة‪.‬‬ ‫ومعلوم أيضا لدى الثق� � ��ات العارفني أن لكل‬ ‫لغة في محيطها العام ظاللاً هامشية تختلف في‬ ‫قليل أو كثير في بعض الظواهر اللغوية اخلاصة‬ ‫انعكاسا ألجوائهم احلياتية‪:‬‬ ‫بفصيل دون فصيل‪،‬‬ ‫ً‬ ‫اجتماعي� � ��ة كان� � ��ت أم ثقافية أم عرفي� � ��ة‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫ولي� � ��س هذا فقط‪ ،‬بل لم يكن م� � ��ن النادر انتحاء‬ ‫بعض هؤالء األسالف نحو الرواة لالستماع إليهم‬ ‫واستشارتهم في ما جمعوا من مادة أو لالستزادة‬ ‫واإلضافة‪ ،‬على الرغم من استحالة إتيان الرواة‬ ‫بالصورة احلقيقية ملا يروون‪.‬‬ ‫جمعوا هذا الذي جمعوا من مصادر مختلفة‬ ‫وضم� � ��وا بعضه إلى بع� � ��ض دون حتديد خلواص‬ ‫ونوعي� � ��ات ه� � ��ذه املص� � ��ادر‪ ،‬التي تنتظ� � ��م فرو ًقا‬ ‫واختالف� � ��ات ف� � ��ي جملة امل� � ��ادة الت� � ��ي جمعوها‪.‬‬ ‫وانتقلوا بعد ذلك إلى التقعيد ومحاولة تش� � ��كيل‬ ‫البن� � ��اء العام لقواعد كل ما جمعوا‪ ،‬صوتية كانت‬ ‫هذه القواعد أم صرفية ونحوية‪.‬‬ ‫كم� � ��ا غلب املنه� � ��ج املعياري عل� � ��ى عملهم في‬ ‫التقعيد‪ .‬واملنهج املعي� � ��اري ‪ -‬كما هو معلوم ‪ -‬ال‬ ‫يعنى بوصف الواق� � ��ع‪ ،‬وإمنا يعنى بإخضاع املادة‬ ‫املدروس� � ��ة لنمط واحد من التقعي� � ��د‪ ،‬يرمي إلى‬ ‫بيان املث� � ��ال والنموذج الذي ينبغ� � ��ي اتباعه‪ ،‬وأن‬ ‫جتاوزه أو اخلروج عنه يعد خطأ‪.‬‬ ‫وهنا اصطدم الدارس� � ��ون بوج� � ��ود أمثلة من‬ ‫الظواهر اللغوية التي يصعب إخضاعها ملنهجهم‬ ‫هذا الذي اختاروا‪ ،‬لوجود فروق هامشية أو غير‬ ‫هامش� � ��ية في املادة املجموعة التي لم تس� � ��لم من‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 94-98.indd 96‬‬


‫احتوائها على أمثلة متفقة في شيء ومختلفة في‬ ‫شيء آخر‪ ...‬فماذا فعلوا؟‬ ‫حاول� � ��وا حتليل ه� � ��ذه األمثلة برده� � ��ا إلى ما‬ ‫رس� � ��موه من معايي� � ��ر وضمها إلى نظ� � ��ام واحد‪،‬‬ ‫بطريق التأويل أو االفتراض والتقدير أو اجلواز‬ ‫وعدم اجل� � ��واز‪ ،‬أو الراجح واملرج� � ��وح واألرجح‪،‬‬ ‫ف� � ��ي تس� � ��جيل القاع� � ��دة الواح� � ��دة‪ ،‬متبعني في‬ ‫ذل� � ��ك مبدأ وحدة النظ� � ��ام في التحلي� � ��ل اللغوي‬ ‫‪ monosystemicprinciple‬مس� � ��تعينني في‬ ‫ذلك بخليط من األفكار الفلسفية واملنطقية التي‬ ‫رمبا تساعدهم على حتقيق بغيتهم‪.‬‬ ‫وهكذا اعو ّج الطريق في تقعيد اللغة‪ ،‬ومن ثم‬ ‫ثقل احلمل على مستخدميها ومتعلميها جمي ًعا‪،‬‬ ‫وصاح الناس ‪ -‬عامتهم وخاصتهم ‪ -‬بالش� � ��كوى‬ ‫من صعوبة لغتهم‪ ،‬فتفرقوا من حولها شي ًعا ولوثوا‬ ‫ألسنتهم بأمناط من الكالم يصعب تصنيفه بناء‬ ‫متكاملاً ذا خصوصيات مميزة‪.‬‬ ‫كم� � ��ا أننا نفتق� � ��د القدوة الصاحل� � ��ة التي من‬ ‫ش� � ��أنها أن تزيل احلاجز وتدفعه� � ��م إلى محاولة‬ ‫توظيفه� � ��ا قدر اإلم� � ��كان في مواقعه� � ��ا احلياتية‬ ‫املناسبة‪.‬‬ ‫وقد سبق شاعر النيل حافظ إبراهيم عصره‬ ‫عندما ن ّوه بالدور اخلطير لألم في حياتنا فقال‪:‬‬ ‫م� � ��ن ل� � ��ي ب� �ت���رب� �ي���ة ال�� �ن�� �س� ��اء ف ��إن� �ه ��ا‬ ‫ف � ��ي ال� � �ش � ��رق ع � �ل� ��ة ذل � � ��ك اإلخ�� �ف� ��اق‬ ‫األم مـــــــــــــدرســــــــــــــة إذا أعـــــــــــــــــددتــــــــــــــها‬ ‫أع�� � � � � ��ددت ش � �ع � �ب� ��ا ط� � �ي � ��ب األع � � � � ��راق‬ ‫فال ينكر أحد غياب القدوة الفاعلة في املناخ‬ ‫العربي‪ ،‬في العقود األخيرة من تاريخ «العربية»‪،‬‬ ‫كما يش� � ��هد على ذلك واقع ه� � ��ذه القدوة ودورها‬ ‫ف� � ��ي التثقيف اللغوي في العصر الذي نعيش فيه‬ ‫اآلن‪.‬‬ ‫ولتكن البداية بالقدوة واضعة حجر األساس‬ ‫ف� � ��ي بن� � ��اء اإلنس� � ��ان وإع� � ��داده ملواجه� � ��ة احلياة‬ ���والتكيف مع أحداثها بالوسائل التي حتدد موقعه‬ ‫ومكانته في صفوف مجتمعه‪ .‬هذه القدوة األولى‬ ‫الراس� � ��مة خلطوط املس� � ��يرة احلياتية هي األم‪.‬‬ ‫ومع األس� � ��ف‪ ،‬إن األغلبية من األمهات العربيات‬ ‫لسن في وضع ثقافي يكافئ دورهن في التثقيف‬ ‫هل اللغة العربية صعبة؟!‬

‫‪8/10/14 9:32:08 AM‬‬

‫اللغوي املنشود‪ .‬العربية الفصيحة ‪ -‬أساس البناء‬ ‫القومي ‪ -‬غائبة عن أذهانهن ووجدانهن‪ ،‬ومن ثم‬ ‫انعكاسا على ألسنتهن‪.‬‬ ‫لم جند لها أث ًرا أو‬ ‫ً‬ ‫لس� � ��ان معظم األمه� � ��ات العربيات مش� � ��غول‬ ‫ في أغلب أحواله – بالدردشة احملشوة مادتها‬‫بأخالط من األص� � ��وات عص ّية التكامل مضمو ًنا‬ ‫وعامي‪ ،‬أو عاميات ورطانات‬ ‫ونط ًقا‪ :‬عربي كسيح‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫متباينات يصعب تصنيفها أو حسبانها منطا من‬ ‫الكالم الذي يرشح نفسه قدوة لتثقيف الناشئة‪.‬‬ ‫ويزيد األمر اضطرا ًبا ما تصنعه بعض املثقفات‬ ‫أحيانا م� � ��ن تضمني كالمهن بكلم� � ��ات وعبارات‬ ‫أجنبية ال يقتضيها السياق‪ ،‬مشوبة ‪ -‬في الوقت‬ ‫نفس� � ��ه ‪ -‬باخلطأ في‬ ‫النطق وع� � ��دم إدراك‬ ‫معانيها الدقيقة‪.‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال عن قصور‬ ‫اعوج الطريق‬ ‫ّ‬ ‫النظ� � ��ام التعليمي عن‬ ‫أداء هدف�� ��ه وعج�� ��زه في تقعيد اللغة‪،‬‬ ‫عن التعليم أو التثقيف ومن ثم ثقل‬ ‫اللغ� � ��وي املنش� � ��ود‪.‬‬ ‫فف�� ��ي احلضان�� ��ة احلمل على‬ ‫والتعلي�� ��م االبتدائ�� ��ي مستخدميها‬ ‫جميعا‬ ‫تعوج األلسن وتقذف ومتعلميها‬ ‫ً‬ ‫بأص� � ��وات ال هوي� � ��ة‬ ‫لها‪ ،‬من عربي كسيح‬ ‫محش � � � ّو بالعامي� � ��ات‬ ‫والرطان� � ��ات واللغات‬ ‫األجنبية‪ .‬يح� � ��دث هذا ‪ -‬دون وعي ‪ -‬من مربني‬ ‫ومربيات ليس� � ��ت لديهم اخلبرة الكافية واإلعداد‬ ‫الس� � ��ليم ألداء هذا الدور القوم� � ��ي‪ ،‬ذي األهمية‬ ‫البالغة في تربية الناشئة‪.‬‬ ‫وهناك ف� � ��ي املرحلتني اإلعدادي� � ��ة والثانوية‬ ‫مح� � ��اوالت ج� � ��ادة م� � ��ن بع� � ��ض املعلم� �ي��ن إلنقاذ‬ ‫«العربي� � ��ة» م� � ��ن ورطتها وتقريبه� � ��ا من الطالب‪.‬‬ ‫ولكن هذه احملاوالت ‪ -‬مع األس� � ��ف الش� � ��ديد ‪-‬‬ ‫لم تس� � ��لك الطريق الصائب إلجناح هذا القصد‬ ‫الطيب‪ .‬وذل� � ��ك ألنهم يركزون على تقدمي قواعد‬ ‫اللغ� � ��ة ‪ -‬والنحو بالذات ‪ -‬بصورة ال تغني فتيلاً ‪،‬‬ ‫حي� � ��ث يقدمونها م� � ��ن خالل أمثل� � ��ة منزوعة من‬

‫‪97‬‬

‫‪sep 94-98.indd 97‬‬


‫نزعا عشوائ ًيا‪ ،‬أو‬ ‫سياقاتها ً‬ ‫أمثلة تقليدية جافة مصنوعة‬ ‫صن ًعا خال ًيا من اتساق النظم‬ ‫والتعبي� � ��ر عن مع� � ��ان تالئم‬ ‫ثقافات املتعلمني وأوضاعهم‬ ‫االجتماعية واحلياتية‪ .‬وهم‬ ‫في كل ما يفعلون يس� � ��لكون‬ ‫مسلك التلقني واحلفظ دون‬ ‫مناقش� � ��ة أو حوار أو ع ْود إلى استش� � ��ارة أساليب‬ ‫اللغة صاحبة هذه القواعد‪.‬‬ ‫وتكون النتيج������ة احلتمية له������ذا النهج غير‬ ‫املوفق حفظ القواعد وصبه������ا ص ًبا في أذهان‬ ‫الدارس���ي��ن‪ ،‬كما لو كانت قوالب جامدة معزولة‬ ‫ع������ن البناء الكبي������ر الذي نهدف إل������ى تع ّرفه أو‬ ‫إجادته وإتقانه‪ ،‬وهو اللغة‪ .‬إن الطالب في هذه‬ ‫احلالة يعرفون القواعد وينجحون في امتحانها‪،‬‬ ‫دون أن يدركوا قيمها أو مواقعها في هذا البناء‪،‬‬

‫ألن البن������اء ‪ -‬وهو اللغة ‪-‬‬ ‫حرموا م������ن تع ّ ُرف������ه تع ّ ُر ًفا‬ ‫يرش������دهم إلى ه������ذه القيم‬ ‫واملواقع‪.‬‬ ‫أما ف������ي التعليم العالي‪،‬‬ ‫فاللغ������ة العربي������ة مبعناه������ا‬ ‫القومي ليس لها وجود يعدل‬ ‫أهميته������ا ف������ي الكلي������ات‬ ‫واملعاه������د العليا‪ ،‬ال في اس������تخدامها في تقدمي‬ ‫امل������واد املختلفة‪ ،‬وال في العم������ل على جتويدها‬ ‫أو تنمية وتعميق محص������ول الواردين عليها من‬ ‫املراحل التعليمية السابقة‪.‬ففي معظم الكليات‬ ‫العملية تزحزحها اللغات األجنبية عن مواقعها‪،‬‬ ‫أو تغش������يها بأخ���ل��اط من اللغ������ات األجنبية أو‬ ‫العام ّيات‪ ،‬بحيث تس������يطر البلبل������ة اللغوية التي‬ ‫حترم الطالب من استيعاب املادة‪ ،‬وتقطع حبل‬ ‫الوصل بينهم وبني اللغة القومية >‬

‫يحكى أن اثنني من الفالسفة املعاصرين اختلفا بشدة حول جناعة فلسفة بيركلي املثالية‪.‬‬ ‫ف� � ��رأى أولهما وكان ماديا أن فلس� � ��فة بيركلي املثالية خاطئة متام� � ��ا‪ .‬بينما أصر اآلخر وكان‬ ‫مثاليا على أن بيركلي كان محقا متاما‪ .‬واشتد اخلالف بينهما لدرجة أنهما تخاصما‪.‬‬ ‫لكن بعد أيام‪ ،‬راجع الفيلس� � ��وف املثالي نفسه‪ ،‬وقرر أن يعاود االتصال بصديقه املادي‪.‬‬ ‫لكنه ملا اتصل به‪ ،‬وجد أن من يجيبه هو مجرد رس� � ��الة مس� � ��جلة على املجيب اآللي‪ ،‬تقول‪:‬‬ ‫«هذا منزل الفيلس� � ��وف املادي‪ ،‬ولكني غير موجود اآلن‪ ،‬رجاء اترك رس� � ��التك بعد الصفارة‪،‬‬ ‫لتس� � ��اعدني بذلك على دحض نظرية بيركلي املثالية‪ ،‬التي ترى أن العقل هو منش� � ��ئ املادة‪.‬‬ ‫وأنه لو س� � ��قطت شجرة في مكان ال يتصوره عقل‪ ،‬فهي إذن غير موجودة مادياً‪ ،‬لكونها غير‬ ‫موجودة عقليا»‪.‬‬ ‫وهنا اش� � ��تاط الفيلس� � ��وف املثالي مرة أخرى وقرر أن يترك لصديقه الرس� � ��الة التالية‪:‬‬ ‫«حس� � ��نا يا صديقي‪ .‬ل� � ��ن تفلح حيلتك في دحض فلس� � ��فة بيركلي املثالي� � ��ة‪ .‬وذلك ألن هذه‬ ‫الرسالة التي أقوم بتسجيلها لك حاليا موجودة في عقلي قبل أن توجد في الوجود‪ .‬وكذلك‬ ‫ألن� � ��ك أنت نفس� � ��ك أيضا موجود في عقلي قب� � ��ل أن توجد ماديا‪ .‬وبه� � ��ذا أكون قد دحضت‬ ‫نظريتك املادية مرة أخرى‪ .‬ولو قررت أال ترد على رس� � ��التي هذه‪ ،‬فقد قررت أنت بذلك أن‬ ‫جتعلني غير موجود في حياتك بش� � ��كل مادي‪ .‬وهذا أمر ال أقبله‪ .‬لكن من منظور الفلس� � ��فة‬ ‫املثالية»‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫‪8/10/14 9:32:12 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 94-98.indd 98‬‬


‫قصص على الهواء‬

‫قـصـص عـلـى الـ ـهــواء‬

‫قصص ألصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي‪ .‬بي‪ .‬سي العربية *‬

‫ملــاذا اخ ـتــرت هــذه ال ـق ـصــص?‬ ‫د‪ .‬أحمد عبد التواب عوض**‬

‫ل���و أخذن���ا العناصر الفني���ة واألدبية للقص���ة القصيرة احلديث���ة (مثل العنوان‪ ،‬املوض���وع‪ ،‬الزمان‬ ‫واملكان‪ ،‬احلبكة والعقدة‪ ،‬األس���لوب‪ ،‬وعناصر أخرى مثل املفاجأة في نهاية النص األدبي‪ ،‬وفلس���فة‬ ‫الكاتب أو الكاتبة) بعني االعتبار‪ ،‬لوجدنا أن معظم هذه املعايير سوف تنطبق على واحدة من تلك‬ ‫القص���ص املختارة من بني خمس عش���رة قصة تق���دم بها كتاب وكاتبات إلى مجل���ة العربي الغراء‪.‬‬ ‫أرشح هذه القصة للمقام األول ولألسباب التالية‪:‬‬

‫أرسلت لي مجلة العربي خلمسة عشر كاتبا ست عشرة قصة‪ ،‬وبعد قراءتها وفحصها‪ ،‬وجدت أن بعضها ال‬ ‫يرقى ملستوى القصة القصيرة‪ ،‬ولكنها عبارة عن خاطرة تدور في ذهنه وقد سطرها على الورق‪ ،‬وبعضها‬ ‫اآلخر مستواه اللغوي والفني ال يرقى ملستوى الترشيح‪ ،‬فرشحت خمس قصص ‪ -‬كما طلبت مني املجلة‪-‬‬ ‫ورتبته����ا بحس����ب اجلودة الفني����ة واللغوية لها‪ ،‬واس����تخرجت القصة األولى الفائزة وعلق����ت عليها تعليقا‬ ‫نقديا موجزا‪ ،‬فكانت القصص حسب جودتها كالتالي‪:‬‬ ‫املركز األول‪ :‬قصة «الفستان األبيض» لـ أليس كوراني ‪ -‬لبنان‬ ‫هي قصة جيدة من حيث املستوى اللغوي مقارنة بغيرها من القصص‪ ،‬فقد كتبت بلغة عربية صحيحة‬ ‫ومشكولة بالضبط‪.‬‬ ‫املركز الثاني‪« :‬النهاية» لـ سعد محمد الغامدي ‪ -‬السعودية‬ ‫وهي قصة جيدة ومؤثرة لوال ما فيها من أخطاء إمالئية ونحوية وأسلوبية‪.‬‬ ‫املركز الثالث‪« :‬ظل حائط»‪ ،‬لـ هدى عبداحملسن عبد الهادي محمد ‪ -‬مصر‬ ‫قصة تعتمد على الفلسفة‪ ،‬وهي غامضة‪ ،‬وبها أخطاء إمالئية ونحوية وأسلوبية‪.‬‬ ‫املركز الرابع‪« :‬فك املشاهرة» لـ جالء محمد عزت عبداحلافظ ‪ -‬مصر‬ ‫هي قصة متيل إلى الغموض‪ ،‬وبها أحداث تقريرية لم توظف فنيا‪ ،‬وبها أخطاء نحوية وإمالئية‪.‬‬ ‫املركز اخلامس‪« :‬هكذا» لـ أحمد الوكيلي ‪ -‬املغرب‬ ‫قصة مبهمة بها ألفاظ عامية مختلطة مع األلفاظ الفصحى بال مبرر‪ ،‬وبها أحداث لم توظف فنيا‪.‬‬ ‫«الفستان األبيض» لـ أليس كوراني ‪ -‬لبنان‬ ‫تتكون القصة من حوالي خمس������مائة وخمس���ي��ن كلمة وقعت في صفحتني ‪ ،A4‬وبتحليل هذه القصة نقديا من‬ ‫ناحية‪:‬‬

‫* (القصص األخرى املختارة تنشر جميعها في موقع مجلة العربي اإللكتروني وتبث في إذاعة الـ«بي بي سي»)‪.‬‬ ‫** أستاذ اللغة العربية ‪ -‬كلية اآلداب ‪ -‬جامعة الكويت‬

‫‪99‬‬

‫‪8/10/14 9:33:48 AM‬‬

‫‪sep 99-103.indd 99‬‬


‫‪ -1‬معطي ��ات الن ��ص‪ :‬حتك� � ��ي‬ ‫القص� � ��ة قص� � ��ة ام� � ��رأة ج� � ��اوزت‬ ‫اخلمسني عاما من عمرها‪ ،‬أصيبت‬ ‫مبوت عزيز انتهى احلداد عليه منذ‬ ‫أكثر من ثالث سنوات‪ ،‬وانتهت فترة‬ ‫احلداد عليه‪ ،‬ومؤهلة للزواج برجل‬ ‫يقارب عمره الس� � ��بعني عاما‪ ،‬وقد‬ ‫أرادت أن تش� � ��تري لنفس� � ��ها فستانا‬ ‫أبيض لليل� � ��ة العرس املنتظر‪ ،‬ولكن‬ ‫زوج� � ��ات إخوتها يرفض� � ��ن أن تلبس‬ ‫الفستان األبيض في عرسها‪ ،‬ألنها‬ ‫وزوجه� � ��ا كبي� � ��ران في الس� � ��ن‪ ،‬وأن‬ ‫ع� � ��ادات املجتمع متن� � ��ع عليها ذلك‪،‬‬ ‫ولكن زوجها يشجعها على لبسه في‬ ‫يوم عرسها‪.‬‬ ‫‪ -2‬الش ��خصيات‪ :‬الش� � ��خصية‬ ‫احملورية‪ :‬أمينة‪.‬‬ ‫الشخصيات املرافقة‪ :‬أ ‪ -‬كامل‪:‬‬ ‫زوج أمين� � ��ة املنتظر‪ .‬ب ‪ -‬زوجات‬ ‫إخوة أمينة‪ .‬ج ‪ -‬ابنة أخي أمينة‬ ‫الكب� � ��رى‪ .‬د ‪ -‬س� � ��لمى ابنة املختار‪.‬‬ ‫هـ ‪ -‬البائع‪:‬‬ ‫و ‪ -‬سائق سيارة األجرة‪.‬‬ ‫‪ -3‬توظيف الشخصيات‪:‬‬ ‫وظف� � ��ت الكاتبة الش� � ��خصيات‬ ‫توظيفا متناسبا‪:‬‬ ‫أمين� � ��ة «بطل� � ��ة القص� � ��ة»‪...‬‬ ‫صورتها بأنها فتاة تعدت اخلمسني‬ ‫من العمر وعلى وشك الزواج‪ ،‬وأن‬ ‫جس� � ��مها مثالي للفستان املعروض‪،‬‬ ‫وأنه� � ��ا كانت تتابع أمه� � ��ا التي كانت‬ ‫متتهن مهنة اخلياطة‪ ،‬وس� � ��اعدها‬ ‫ذلك ف� � ��ي معرفة مقاس الفس� ��� ��تان‬ ‫ف� � ��ور نظرها إليه وم� � ��ن دون قياس‬ ‫على جس� � ��مها‪ ،‬وأمينة الكبيرة في‬ ‫السن‪ :‬عروس تس� � ��تعد للزواج‪ ،‬وال‬ ‫يهت� � ��م أحد بالتجهيز لي� � ��وم زفافها‪،‬‬ ‫فتذهب للس� � ��وق وحده� � ��ا‪ ،‬وتختار‬ ‫وحده� � ��ا‪ ،‬عكس ابن� � ��ة املختار التي‬ ‫يتس� � ��ابق اجلمي� � ��ع الختي� � ��ار أفضل‬

‫‪100‬‬

‫‪8/10/14 9:33:52 AM‬‬

‫املالب� � ��س له� � ��ا‪ ،‬لكنها عل� � ��ى الرغم‬ ‫من ع� � ��دم مس� � ��اعدة العائلة لها في‬ ‫اس� � ��تعدادها لي� � ��وم عرس� � ��ها‪ ،‬جند‬ ‫تهكم� � ��ا من زوج� � ��ات إخوتها عندما‬ ‫عرضت عليهن الفس� � ��تان األبيض‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي ستلبس� � ��ه في يوم عرس� � ��ها‪،‬‬ ‫وكذلك ابنة أخيه� � ��ا الكبرى‪ ،‬ولكن‬ ‫زوجها كان له رأي آخر‪.‬‬ ‫كامل «الزوج املنتظ� � ��ر»‪ ...‬زوج‬ ‫أمينة املنتظر‪ ،‬رجل محنك‪ ،‬يعرف‬ ‫كي� � ��ف يعامل النس� � ��اء ويتقبل وجهة‬ ‫نظرهن‪ ،‬فهو يدلل عروسه ويتقبل‬ ‫وجهة نظرها ويشجعها‪.‬‬ ‫ظهر في القصة مشجعا أمينة‬ ‫للبس فس� � ��تانها األبيض‪ ،‬ورافعا من‬ ‫معنوياتها‪ ،‬مخاطبا لها‪« :‬ال عليك يا‬ ‫وص َّورت� � ��ه القصة برجل‬ ‫صغيرتي»‪َ ،‬‬ ‫س� � ��بعيني‪ ،‬يريد الزواج بأمينة التي‬ ‫تقارب اخلمسني من العمر‪.‬‬ ‫البائ� � ��ع‪ ...‬الذي يري� � ��د أن يبيع‬ ‫بضاعته ويحسنها بأي سبيل‪ ،‬وقد‬ ‫قام بدوره كما يجب في احملل الذي‬ ‫يبيع فساتني الزواج‪.‬‬ ‫زوج� � ��ات إخوته� � ��ا‪ ...‬يجتمعن‬ ‫صب� � ��اح كل ي� � ��وم خميس ف� � ��ي منزل‬ ‫العائلة‪ ،‬وينصحن حس� � ��ب العادات‬ ‫والتقاليد الس� � ��ائدة ويخش� �ي��ن كالم‬ ‫الناس‪.‬‬ ‫ابن� � ��ة األخ الكبرى‪ ...‬تلك الفتاة‬ ‫التي هي م� � ��ن أقرب الناس نصيحة‬ ‫لعمته� � ��ا‪ ،‬وتظه� � ��ر في ص� � ��ورة بنت‬ ‫مثقفة‪ ،‬ال تراعي شعور عمتها‪ ،‬وال‬ ‫جتام� � ��ل عمتها‪ ،‬بل جتاري أمها في‬ ‫نقدها لعمتها‪.‬‬ ‫س� � ��لمى ابن� � ��ة املخت� � ��ار‪ ...‬فتاة‪،‬‬ ‫غني� � ��ة‪ ،‬ش� � ��ابة‪ ،‬فتي� � ��ة‪ ،‬اجلمي� � ��ع‬ ‫يرغب ف� � ��ي التقرب منه� � ��ا والتودد‬ ‫له� � ��ا‪ ،‬وتري� � ��د أن تتزي� � ��ن بأجم� � ��ل‬ ‫الزين� � ��ات في عرس� � ��ها‪ ،‬فه� � ��ي فتاة‬ ‫صغيرة الس� � ��ن‪ ،‬مدللة‪ ،‬غنية‪ ،‬على‬

‫وشك الزواج‪ ،‬جميع أهلها يريدون‬ ‫رضاها‪ ،‬يريدون ش� � ��راء أي ش� � ��يء‬ ‫يعجبها اس� � ��تعدادا لزواجها‪ ،‬وتريد‬ ‫أن تش� � ��اركها بنات املنطقة فرحتها‪،‬‬ ‫وتأخذ آراءهن في ما تش� � ��تريه من‬ ‫متاع للزواج‪ ،‬ومن� � ��ه بطبيعة احلال‬ ‫الفستان موضوع القصة التي دعت‬ ‫أمين� � ��ة لكي تقول رأيه� � ��ا فيه عندما‬ ‫ارتدته لكي تقيسه‪.‬‬ ‫سائق السيارة األجرة‪ ...‬اخلائف‬ ‫على سيارته واحلريص على زبائنه‪،‬‬ ‫ويقوم ب� � ��دوره بتوصيل الناس نظير‬ ‫أج� � ��رة معينة‪ ،‬قام ب� � ��دوره الطبيعي‬ ‫في احلي� � ��اة‪ ،‬حيث إن الطريق ليس‬ ‫ممهدا جيدا للمط� � ��ر‪ ،‬يخاف على‬ ‫س� � ��يارته‪ ،‬ولوال توس� � ��ل الراكبني ملا‬ ‫أكمل رحلته خوفا على س� � ��يارته من‬ ‫أذى املطر‪.‬‬ ‫‪ -4‬الزمـ ��ان‪ :‬يظه� � ��ر في القصة‬ ‫أن زمانها لم يك� � ��ن محدودا بل كان‬ ‫متع� � ��ددا‪ ،‬إذ اس� � ��تمرت القصة على‬ ‫مدى أكث� � ��ر من زمانها‪ ،‬ونس� � ��تنبط‬ ‫م� � ��ن القص� � ��ة أن أحداثها وقعت في‬ ‫أي� � ��ام‪ :‬اإلثن� �ي��ن والثالث� � ��اء واألربعاء‬ ‫واخلمي� � ��س‪ ،‬ث� � ��م ي� � ��وم الف� � ��رح بعد‬ ‫ذل� � ��ك‪ ،‬فالزمان قد ح� � ��دد باجتماع‬ ‫زوجات إخوتها صباح يوم اخلميس‬ ‫بعد ثالث� � ��ة أيام من التردد لش� � ��راء‬ ‫الفستان‪ ،‬ثم يوم الزفاف الذي كان‬ ‫بعد ذلك‪ ،‬فه� � ��و مبهم لكنه بعد هذه‬ ‫األيام‪ ،‬فلم يحدد يوم الزفاف على‬ ‫وجه التحديد‪ ،‬وبذلك تفقد القصة‬ ‫سم ًة من السمات التي حددها عدد‬ ‫من النقاد في القصة القصيرة‪ ،‬التي‬ ‫من س� � ��ماتها في الزمان أال تتجاوز‬ ‫‪ 24‬س� � ��اعة أو يوما وليل� � ��ة‪ ،‬ولذلك‬ ‫فهي ليس� � ��ت قصة قصي� � ��رة ولكنها‬ ‫أقصوصة‪ ،‬لفقدها إحدى س� � ��مات‬ ‫القص� � ��ة القصيرة وه� � ��ي محدودية‬ ‫الزم� � ��ن وع� � ��دم تع� � ��دده‪ ،‬بتجاوزها‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 99-103.indd 100‬‬


‫الزمان احمل� � ��دود للقصة القصيرة‪.‬‬ ‫وكان ميك� � ��ن للكاتبة أن تتفادى ذلك‬ ‫في القصة وجتعله� � ��ا قصة قصيرة‬ ‫ببدء القصة بلحظة اجتماع زوجات‬ ‫إخوته� � ��ا في ي� � ��وم اخلميس وتعرض‬ ‫له� � ��ن الفس� � ��تان‪ ،‬وترج� � ��ع بالذاكرة‬ ‫لش� � ��رائه‪ ،‬عندم� � ��ا رأته ث� � ��م عندما‬ ‫أت� � ��ت ابنة املختار ث� � ��م عندما قررت‬ ‫ش� � ��راءه‪ ،‬ثم تكمل تعليق ابنة أخيها‬ ‫الكبرى‪ ،‬ثم تأتي اخلامتة من كامل‬ ‫زوجها‪ ،‬ولو فعلت ذلك لكانت قصة‬ ‫قصيرة فنيا ولم تلغ شيئا من أفكار‬ ‫القصة‪.‬‬ ‫‪ -5‬املكان‪ :‬املكان ش� � ��به محدود‪،‬‬ ‫خلروجه� � ��ا م� � ��ن املنطق� � ��ة التي هي‬ ‫فيها‪ ،‬وركوبها الس� � ��يارة إلى السوق‬ ‫حيث احمل� � ��ل ال� � ��ذي به الفس� � ��تان‪،‬‬ ‫فتعدد املكان‪ ،‬ومن س� � ��مات القصة‬ ‫القصيرة محدودية املكان‪ ،‬أما بيت‬ ‫العائلة‪ ،‬فال نعتب� � ��ره تعدداً للمكان‬ ‫بل رمب� � ��ا يكون في املنطقة نفس� � ��ها‬ ‫التي وقع� � ��ت بها القص� � ��ة‪ ،‬وكذلك‬ ‫من� � ��زل الزوج ال� � ��ذي س� � ��تنتهي إليه‬ ‫القص� � ��ة‪ ،‬فأضعف� � ��ت القصة بهذا‬ ‫التنوع املكاني‪ ،‬وكان يجب أن يكون‬ ‫املكان محدودا‪ ،‬وكانت تس� � ��تطيع أن‬ ‫جتعل املكان محدودا لو أنها عادت‬ ‫بالذاكرة لشراء الفس� � ��تان كما قلنا‬ ‫في الزمان‪ ،‬فالزمان واملكان ينبغي‬ ‫أن يكون� � ��ا محدودي� � ��ن ف� � ��ي القصة‬ ‫القصيرة‪.‬‬ ‫‪ -6‬العق ��دة واحل ��ل‪ :‬العق� � ��دة‬ ‫الكبرى يأتي حلها عن طريق الزوج‪،‬‬ ‫على غرار أكث� � ��ر القصص واألفالم‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬التي تنتهي ب� � ��زواج البطل‬ ‫م� � ��ن البطل� � ��ة‪ ،‬وبالقص� � ��ة أكثر من‬ ‫عق� � ��دة وحل‪ ،‬عق� � ��د صغرى توصل‬ ‫للعق� � ��دة الكب� � ��رى‪ ،‬فكان� � ��ت العقدة‬ ‫األول� � ��ى ش� � ��راء الفس� � ��تان وكان� � ��ت‬ ‫العقب� � ��ات تنتظرها أوال في ترددها‪:‬‬

‫كيف س� � ��يكون ش� � ��كلها بالفس� � ��تان‪،‬‬ ‫ذكريات أمها التي كانت تتمنى هذه‬ ‫اللحظة التي تش� � ��تري فيها فستان‬ ‫الزفاف‪ ،‬فرأت أن احلل في تأجيل‬ ‫الش� � ��راء‪ ،‬بعد أن تأثرت بفقد أمها‪،‬‬ ‫وظه� � ��رت لها من جراء هذا التأجيل‬ ‫عقبات في طريقها أيضا‪ ،‬أصبحت‬ ‫عقدا صغرى ف� � ��ي القصة‪ ،‬وهو ما‬ ‫يزيد العقدة تعقيدا ولكنه سبيل إلى‬ ‫احل� � ��ل‪ ،‬منها‪ :‬حضور س� � ��لمى ابنة‬ ‫املختار لش� � ��راء الفس� � ��تان‪ ،‬فكانت‬ ‫العق� � ��دة الثانية الصغ� � ��رى‪ ،‬وكانت‬ ‫املفاجأة قدري� � ��ة بحتة في حل هذه‬ ‫العق� � ��دة‪ ،‬حي� � ��ث لم يكن الفس� � ��تان‬ ‫مالئما جلس� � ��مها‪ ،‬وكان� � ��ت العقدة‬ ‫الثالثة‪ :‬حضوره� � ��ا في اليوم الثالث‬ ‫في جو ملبد بالغيوم واملطر‪ ،‬ويكاد‬ ‫الس� � ��ائق ال يكمل طريق� � ��ه ويرجع‪،‬‬ ‫ولكن يأتي احلل م� � ��ن قبل الركاب‪،‬‬ ‫فهم من يحل هذه العقبة‪ ،‬فيجعلون‬ ‫السائق يكمل طريقه بالتوسل إليه‪،‬‬ ‫وكان ح� � ��ل عقدة ش� � ��راء الفس� � ��تان‬ ‫سريعا‪ ،‬وغير متوقع‪ ،‬حيث أخذت‬ ‫الفستان من دون قياس له‪ ،‬والبائع‬ ‫يدور في خلده أنها ستشتريه لسلمى‬ ‫ابنة املختار التي قاست الفستان في‬ ‫اليوم الس� � ��ابق‪ ،‬أما أمينة فلم تقسه‬ ‫ومع ذلك اشترته! ورمبا حدث ما ال‬ ‫حتمد عقباه له� � ��ا‪ ،‬ولكنها اعتمدت‬ ‫على خبرته� � ��ا في اخلياطة من أمها‬ ‫وتأك� � ��دت أنه على مقاس� � ��ها‪ .‬ولكن‬ ‫ه� � ��ذه العقدة تس� � ��لمنا إل� � ��ى عقدة‬ ‫أخرى‪ ،‬وهي استش� � ��ارة أقاربها في‬ ‫الفستان‪ ،‬وسماعها كالماً ال ترجو‬ ‫سماعه فيؤثر في نفسيتها‪ ،‬وكانت‬ ‫أشدهم في ذلك ابنة أخيها الكبرى‬ ‫املثقف� � ��ة الت� � ��ي تستش� � ��هد بأبي� � ��ات‬ ‫شعرية‪ ،‬ولكن يأتي حل العقدة على‬ ‫يد ال� � ��زوج‪ ،‬وكان ح� �ل��ا غير متوقع‬ ‫وغير مقنع‪ ،‬وتأت� � ��ي النهاية فجأة‪،‬‬

‫بتدليل زوجها لها ولباسها الفستان‬ ‫في حفل الزفاف‪.‬‬ ‫‪ -7‬الصراع‪ :‬الصراع في القصة‬ ‫كان داخليا وخارجيا‪.‬‬ ‫داخلي� � ��ا‪ :‬متث� � ��ل ف� � ��ي الصراع‬ ‫داخل أمينة‪ ،‬عندم� � ��ا تذكرت أمها‬ ‫ودعواته� � ��ا ف� � ��ي الي� � ��وم األول الذي‬ ‫ذهبت فيه لشراء الفستان‪ ،‬فمنعها‬ ‫تأثرها من شراء الفستان بل ظهرت‬ ‫آثاره عليها بالدموع والبكاء‪.‬‬ ‫واحلوار الداخل� � ��ي الثاني‪ :‬في‬ ‫اليوم الثاني لشراء الفستان‪ ،‬عندما‬ ‫طلبت س� � ��لمى ابنة املختار من أمينة‬ ‫أن تبدي رأيها في اختيار الفستان‪.‬‬ ‫واحل� � ��وار الثالث‪ :‬عندما أبدت‬ ‫زوجات إخوتها وابن� � ��ة أخيها رأيهن‬ ‫في عدم رضاهن عن الفستان‪.‬‬ ‫والصراع اخلارجي‪ :‬بني سلمى‬ ‫وزوجات إخوتها‪ ،‬وإن كان من جانب‬ ‫واحد‪ ،‬وجانب أمينة كان سلبيا‪ ،‬لم‬ ‫تعترض إال بقول حقيقة أن احلداد‬ ‫مرت عليه ثالث سنوات‪.‬‬ ‫‪ -8‬اللغ ��ة‪ :‬اللغة عربية س� � ��هلة‬ ‫وفصيح� � ��ة وجي� � ��دة ومضبوط� � ��ة‬ ‫بالش� � ��كل‪ ،‬وهذا ما مييز كتابة هذه‬ ‫الكاتبة‪ ،‬فلغتها لغة س� � ��ليمة ليست‬ ‫فيه� � ��ا أخط� � ��اء إمالئي� � ��ة وال أخطاء‬ ‫نحوي� � ��ة أو لغوية‪ ،‬واللغة س� � ��ليمة‪،‬‬ ‫فصيحة‪ ،‬سهلة‪ ،‬لم تفضل الكلمات‬ ‫احلوش� � ��ية الغريبة‪ ،‬بل اس� � ��تخدمت‬ ‫األلفاظ القريبة من العامية في لغة‬ ‫يفهمها املجتمع‪،‬‬ ‫كثرت فيه� � ��ا األفع� � ��ال املاضية‬ ‫التي تدل على املاضي السردي مثل‪:‬‬ ‫وقفت‪ ،‬حلمت‪ ،‬شاكست‪ ،‬تساءلت‪،‬‬ ‫تذكرت‪ ،‬عاد‪ ،‬أجهشت‪.‬‬ ‫‪ -9‬احل ��وار والس ��رد‪ :‬اختل� � ��ط‬ ‫احلوار بالسرد في القصة‪ ،‬وإن كان‬ ‫الس� � ��رد يغلب عليها ولكن اعتمدت‬ ‫على احل� � ��وار الذي أعط� � ��ى للقصة‬

‫‪101‬‬

‫‪8/10/14 9:33:55 AM‬‬

‫‪sep 99-103.indd 101‬‬


‫حيوية وحركة مثل حوارها مع نفسها‬ ‫ثم حوارها مع س������لمى‪ ،‬ثم حوارها‬ ‫مع الركاب ومع سائق سيارة األجرة‬ ‫ثم حواره������ا مع البائع‪ ،‬واحلوار مع‬ ‫زوجات إخوتها وابنة أخيها الكبرى‪.‬‬ ‫فقد كان احلوار على قصره معطيا‬ ‫للقصة نوعا من احليوية‪ ،‬وإن كانت‬ ‫القصة في أغلبها قائمة على السرد‬ ‫القصصي‪.‬‬ ‫‪ -10‬أه ��داف القص ��ة‪ :‬للقص������ة‬ ‫أهداف عديدة منها‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أن كالم الزوج له تأثير كبير‬ ‫في نفسية الزوجة‪ ،‬بل تأثيره أكبر‬ ‫من تأثير الواق������ع‪ ،‬حيث إن الواقع‬ ‫أن أمينة كبيرة في الس������ن‪ ،‬ولكن ملا‬ ‫رضي كامل بلبسها الفستان ودللها‬ ‫بكلمة‪ ،‬ش������عرت بأنه������ا فتاة صغيرة‬ ‫السن‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬الش������باب ش������باب القل������ب‬ ‫وال������روح‪ ،‬ولي������س مرور الس������نوات‪،‬‬

‫فكم من شاب شاب في شبابه‪ ،‬وكم‬ ‫من كهل ش������اب في كهولته‪ ،‬ويرجع‬ ‫كل ذلك لإلحساس النفسي‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬تأكيد على احلكمة القائلة‪:‬‬ ‫ال تؤخ������ر عم������ل الي������وم إل������ى الغد‪،‬‬ ‫فتأخير ش������راء الفس������تان هو الذي‬ ‫أوقعها في الصراع لشراء الفستان‪.‬‬ ‫د ‪ -‬تأكي������د على أن رضا الناس‬ ‫غاية ال تدرك‪ ،‬فلن يستطيع اإلنسان‬ ‫أن يرضي جميع الناس‪ ،‬ولكن يعمل‬ ‫اإلنسان ما هو مقتنع بصحته‪.‬‬ ‫‪11‬ـ توظيف التراث في القصة‪:‬‬ ‫وظفت الكاتبة التراث في أكثر‬ ‫من شكل مثل توظيف‪:‬‬ ‫التراث الش������عبي‪ :‬ف������ي قولها‪:‬‬ ‫«الثالثة ثابتة»‪.‬‬ ‫األمث������ال العربية‪ :‬في قولها (أم‬ ‫مقالت)‪ .‬تخشى على وليدها موته‪.‬‬ ‫األشعار العربية‪ :‬في قولها على‬ ‫لسان ابنة أخي أمينة الكبرى‪:‬‬

‫عجوز ترجى أن تكون صبية‬ ‫وقد حلب اجلنبان واحدودب الظهر‬ ‫تدس إلى العطار سلعة أهلها‬ ‫ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر‬ ‫واستشهدت باألبيات التي وردت‬ ‫في كت������ب األدب العربي‪ ،‬مثل‪ :‬كتاب‬ ‫الكامل للمبرد‪ ،‬والعقد الفريد البن‬ ‫شيخ أعرابي‬ ‫عبد ربه منس������وبة إلى ٍ‬ ‫بروايات في البيت���ي��ن باختالف في‬ ‫بعض األلف������اظ‪ ،‬وبع������ض املصادر‬ ‫تنس������ب البيتني إلى الرحال صاحب‬ ‫جران العود‪ ،‬وذكر ابن طيفور (ت‬ ‫‪ 280‬هـ) في «بالغات النس������اء» أن‬ ‫قائل هذين البيت���ي��ن هو‪ :‬أبو احلاج‬ ‫الكلبي‪ ،‬ونس������بهما املرزباني محمد‬ ‫ب������ن عمران املرزبان������ي (ت ‪ 384‬هـ)‬ ‫حي������ث نقل عنه وع������ن كتابه املفقود‬ ‫«املقتب������س في أخبار النحاة واألدباء‬ ‫والش������عراء والعلماء أنها ألبي رجاء‬ ‫الكلبي»‪.‬‬

‫تان َ‬ ‫ُ‬ ‫األ ْب َي ُ‬ ‫ض ‪ ..‬لـ أليس كوراني ‪ -‬لبنان‬ ‫الف ْس ُ‬ ‫الواج َه������ةِ تَتَ َأ َّمل ُ ُه‬ ‫َ������ت أَما َم‬ ‫ِ‬ ‫َو َقف ْ‬ ‫َم ِل ّياً‪ُ ...‬ه َو ذا الف ُْستا ُن الذي َحل َ َم ْت‬ ‫ِبهِ َطوي ً‬ ‫ض َم ْش ٌ‬ ‫كوك‬ ‫ال‪ُ ...‬ف ْستا ٌن أَبْ َي ُ‬ ‫ب َِخ َرزِ أَ ْش َب ُه ما يَكو ُن ب َِح ّب ِ‬ ‫ات اللُّ ْؤلُؤِ‬ ‫مي������ةِ ‪َ ...‬ولَ ُه َذيْلٌ‬ ‫في قِ ال َدتِها القَد َ‬ ‫َطوي ٌل َك َأ َّن������ ُه َطري ٌق َغ ّطاهُ ال َّثل ْ ُج في‬ ‫������ت لَيال َِي ِّ‬ ‫الشتاءِ‬ ‫لَيْل َ ٍة َق ْمرا َء شا َك َس ْ‬ ‫ا َ‬ ‫حلزينَ َة‪...‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تُ َرى َكيْ َف َسأبْدو ِبهِ أما َم كامِ ل؟‬ ‫ص‬ ‫تَس������ا َءلَ ْت أَمينَ ُة َو َقلْبُه������ا يَتَرا َق ُ‬ ‫َف َرح������اً َو ُس������روراً‪ ...‬وف������ي ِخ َض ِّم‬ ‫َس������عا َدتِها‪ ،‬تَ َذ َّك َر ْت أ ُ َّمه������ا َف َخنَ َقتْها‬ ‫ال َعبْ������ َرةُ‪َ ...‬ف َص������دى َد َعواتِها عا َد‬ ‫يَتَ َر َّد ُد‪ِ :‬إ ْن شا َء الل ُه أَ ِ‬ ‫راك َعروساً‪...‬‬ ‫ِإ ْن ش������ا َء الل ُه َس������تَ ْرتَدي َن الف ُْستا َن‬ ‫ض‪ ...‬لَ ْم ت َْست َِط ْع أَمينَ ُة مَتالُ َك‬ ‫األَبْ َي َ‬

‫‪102‬‬

‫‪8/10/14 9:33:59 AM‬‬

‫نَف ِْسها‪َ ،‬ف َأ ْج َه َش ْت بِالبُكاءِ َوأَعا َدتْها‬ ‫ذاكِ َرتُها إِلى أ ُ ِّمها التّي مات َْت بَ ْع َدما‬ ‫������ال أَخْ َم َد‬ ‫است َْس������ل َ َم ْت مِل َ َر ٍض ُعض ٍ‬ ‫ْ‬ ‫فاسها َّ‬ ‫الط ِّي َبةِ ‪َ ...‬فتَ َأ َّو َه ْت قا ِئل َ ًة‪:‬‬ ‫أَنْ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫آهٍ يا أ ِّمي ليْت َِك ِب ُق ْربي‪ ...‬ليْت َِك ُهنا‬ ‫ض‪...‬‬ ‫ني َمعِ َي الف ُْستا َن األَبْ َي َ‬ ‫تَبْتاع َ‬ ‫َو مَلّا َسيْ َط َر َعلَيْها االنْفِ عا ُل َوال َّت َأث ُرُّ‬ ‫َق َّر َر ِت ال َع ْو َدةَ إِلى ال َبل ْ َدةِ‪...‬‬ ‫َ‬ ‫في ال َي������ ْو ِم التّالي عا َد ْت أمينَ ُة‬ ‫ِس������لْمى‪،‬‬ ‫الس������وقِ ‪َ ،‬و ِ‬ ‫فوجئَ ْت ب َ‬ ‫ِإل������ى ُّ‬ ‫َ‬ ‫������ع مِ ْن أ ْهلِها‬ ‫ابْنَ������ةِ املُخْ تارِ ‪َ ،‬م َع َج ْم ٍ‬ ‫يَتَ َأ َّملو َن ثَ ْو َب الز ِ‬ ‫ِّفاف نَف َْسهُ‪َ ،‬وبَ ْع َد‬ ‫الم‪َ ،‬د َعتْها َسلْمى لل ُّدخولِ إِلى‬ ‫َّ‬ ‫الس ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫املَت َْجرِ إِ ِلبْداءِ َرأيِها بِالف ُْستانِ أثنا َء‬ ‫قِ ِ‬ ‫ت ْد أَمينَ������ ُة َم َف َّراً مِ ْن‬ ‫ياس������هِ ‪ .‬لَ ْم جَ ِ‬ ‫َ‬ ‫َذل َ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ِك‪َ ،‬و َخ َّي َم َعليْها الشعو ُر بِاخليْ َبةِ ‪،‬‬

‫ِياع َهذا‬ ‫َولَ������ ْم تُبْدِ لَ ُه ْم َر ْغ َبتَه������ا بِابْت ِ‬ ‫الف ُْستانِ ‪َ ،‬ف َبقِ َي ْت صامِ تَ ًة‪ ...‬ا ْرتَ َد ْت‬ ‫ضفاضاً‬ ‫َسلْمى الف ُْس������تانَ‪ ،‬وكا َن َف ْ‬ ‫صرِ ه������ا النَّحي������لِ ‪َ ،‬و ُك ّماهُ‬ ‫َح������ ْو َل َخ ْ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫يَتَ َد َّليانِ َفيُغَطي������انِ أصا ِب َعها كلها‪،‬‬ ‫َف َب َد ْت أَ َشبْ َه ِب َع ٍ‬ ‫بل ْ َحف ٍَة‬ ‫مود ُمغ ًَّطى مِ ِ‬ ‫بَيْضا َء‪ ...‬لَ ْم تَ ْر َض ْخ َسلْمى ِل َد ْع َو ِة‬ ‫صل ُ ُح‬ ‫ِ������ع ِلتَ ْه ِيئَتِهِ َعلَى نَ ْح������وٍ يَ ْ‬ ‫البائ ِ‬ ‫ً‬ ‫ل ِ‬ ‫ِقياسها‪َ ...‬ف َخ َر ُجوا َجميعا َو َقفلُوا‬ ‫عائِدي َن إِلى ال َبل ْ َدةِ‪...‬‬ ‫كانَ ِ‬ ‫������ت ال ُغي������و ُم ُمل َ َّب������ َد ًة ف������ي‬ ‫الس������ماءِ َعلى نَ ْحوٍ َغيْ������رِ ا ْعتِيادِ ٍّي‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ةِ‬ ‫اس������تَيْق ََظ ْت‬ ‫‪...‬‬ ‫ريف‬ ‫خل‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫ِدا‬ ‫ب‬ ‫في‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫������ت‪« :‬ال ّثا ِلثَةُ‬ ‫ُ‬ ‫أَمينَ������ة مبك������را َوقال ِ‬ ‫ثا ِبتَ������ ٌة»‪َ ،‬س َأ ْش������تَري‪ ،‬ال َي������ ْو َم‪َ ،‬ذل َ‬ ‫ِك‬ ‫استَ َقلَّ ْت َس ّيا َرةَ‬ ‫الف ُْستانَ‪َ ...‬وما إِنِ ْ‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 99-103.indd 102‬‬


‫األُ ْج � � � َرةِ‪َ ،‬ح ّت� � ��ى أَ َخ � � � َذ ِت األَ ْمطا ُر‬ ‫�ت َم َعها‬ ‫تَنْ َهمِ � � � ُر ِب َغ� � ��زا َرةٍ ‪َ ،‬ف َج َر َف� � � ْ‬ ‫حلقولِ ِإل� � ��ى ُّ‬ ‫أَتْرِ بَ� � � َة ا ُ‬ ‫ِ‬ ‫الط ُرقات‪...‬‬ ‫الس َّيا َرةُ َطريقَها‪،‬‬ ‫َوب ُ‬ ‫ِص ُعوبَ ٍة َش � � �ق َِّت َّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫راج ُه ل ْوال‬ ‫الس� � ��ا ِئ ُق يَ ُع� � ��و ُد أ ْد َ‬ ‫َوكا َد َّ‬ ‫ني ال ّذي � � � َن تَنْت َِظ ُر ُه ْم‬ ‫تَ َو ُّس � � � ُل ال َّراكِ ب َ‬ ‫أَ ْعمالُ ُه ْم خ� � ��ارِ َج ال َبل ْ َدةِ‪ ...‬انْ َف َر َج ِت‬ ‫س خُ َ‬ ‫السماءُ‪َ ،‬وأَ ْظ َه َر ِت َّ‬ ‫يوط َها‬ ‫َّ‬ ‫الش ْم ُ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫الصفْرا َء َخ ْجلى‪َ ،‬وتَ َر َّجل ُكل راكِ ٍب‬ ‫َّ‬ ‫ْصدِ هِ‪َ .‬وما ِإ ْن َو َصل َ ْت أَمينَ ُة‬ ‫ِإلَى َمق َ‬ ‫إِلى املَت َْجرِ َحتّى قا َل لَها البا ِئ ُع‪ :‬ال‬ ‫روس َغ َّي َر ْت َرأَيْها‬ ‫َش� � � َّ�ك في أَ َّن ال َع َ‬ ‫َ‬ ‫َو َق َّر َر ْت ِش� � ��را َء الف ُْس� � ��تانِ ‪ ،‬ما أ َش َّد‬ ‫ِس أَمينَ ُة‬ ‫عِ نا َد هذا اجلِ يلِ ‪ ...‬لَ ْم تَنْب ْ‬ ‫ياسهُ‪ ،‬فَمِ ْن ِخاللِ‬ ‫ِب َك ِل َم ٍة‪َ ،‬ولَ ْم ت ََش ْأ قِ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫�اع َد ِة أ ُ ِّمها ِباخلِ ياط� � ��ةِ أ ْد َرك ْت‬ ‫ُمس� � � َ‬ ‫صل ُ ُح لمِ َ ِ‬ ‫قاس� � ��ها؛ َفنَ َق َدتْ ُه ثَ َمنَهُ‪،‬‬ ‫أَ َّن ُه يَ ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َو َح َملَتْ ُه كأ ٍّم مِ ق ٍ‬ ‫ْالت تَخْ ش� � ��ى َعلى‬ ‫َوليدِ ها َم ْوتَهُ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َوعِ نْ َدم� � ��ا َو َصل ْت ِإل� � ��ى ال َبيْ ِت‪،‬‬ ‫ن� � ��ا َد ْت َز ْوج� � � ِ‬ ‫�ات ِإخْ َو ِته� � ��ا‪ ،‬اللَّواتي‬ ‫ِّ‬ ‫ميس في‬ ‫يَ ْجتَمِ ْع � � � َن َصب� � ��ا َح ُكل َخ ٍ‬ ‫َمنْ� � ��زِ لِ العا ِئلَ� � ��ةِ ‪َ ،‬و َم� � � َّ�د ْت أَما َم ُه َّن‬ ‫الف ُْس� � ��تانَ‪َ ،‬و َس � � � َألَتْ ُه َّن َع � � � ْن َرأْيِهِ َّن‬ ‫ِص � � � ْو ٍت ِ‬ ‫واح� � � ٍ�د َص َرخْ َن‬ ‫فيهِ ‪َ ...‬وب َ‬ ‫�ض؟ أَ ُج ِنن ِْت يا‬ ‫َو ُقل ْ َن‪ُ :‬ف ْس� � ��تا ٌن أَبْ َي� � � ُ‬ ‫أَمينَ ُة؟‬ ‫َريب في َذل َ‬ ‫ِك‪َ ،‬و َه ْل‬ ‫ َوم� � ��ا الغ ُ‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫�روس في بَلدِ ن� � ��ا غيْ َر‬ ‫تَ ْرتَ� � ��دي ال َع� � � ُ‬ ‫األَبْ َي ِض؟‬ ‫لاّ‬ ‫ ال‪ ...‬ال‪ ...‬مِ � � � ْن َغيْرِ ال ِئقِ‬‫ا ْرتِداءُ َهذا الف ُْستانِ !!‬ ‫َ‬ ‫ لمِ اذا؟ َه ْل نَ نُ َّ‬‫سيت أ ّننا َخل َ ْعنا‬ ‫الث َسن ٍ‬ ‫ِياب احلِ دادِ ُمنْ ُذ ثَ ِ‬ ‫َوات؟‬ ‫ث َ‬ ‫�ت إ ِْحدا ُه� � � َّ�ن‪ :‬لَكِ � � � ْن يا‬ ‫ قالَ� � � ْ‬‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ض ال‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫األ‬ ‫ن‬ ‫�تا‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ال‬ ‫أَمينَ� � � ُة‪َ ،‬هذا‬ ‫ُ َْ ُ‬ ‫يَلي ُق ِبفَتاةٍ جا َوز َِت ا َ‬ ‫ن مِ ْن‬ ‫خل ْمس� �ي � َ‬ ‫ُع ْمرِ ها‪َ ،‬و َس ْو َف تَ ْقتَرِ ُن ِب َر ُج ٍل يَقِ فُ‬ ‫السبْعنيَ‪...‬‬ ‫َعلى َعتَ َبةِ َّ‬ ‫ثُ َّم َقالَ ْت أُخْ � � ��رى‪ :‬أَتُريدي َن أ ْنَ‬

‫تَكوني َم ْو ِض َع ُسخْ رِ يَةِ أَ ْهلِ ال َبل ْ َدةِ؟‬ ‫َو مَ َ‬ ‫ت َّثلَ� � � ِ�ت ابْنَ ُة أَخيه� � ��ا ال ُكبْرى‬ ‫ِب َق ْولِ َّ‬ ‫الشاعِ رِ ‪:‬‬ ‫َعجو ٌز ُت َر ِّجي ْأن تَكو َن َف ِت َّيةً‬ ‫ل َب ا َ‬ ‫واح َد ْو َد َب َّ‬ ‫الظ ْه ُر‬ ‫جلن ِ‬ ‫وقد حَ ِ‬ ‫ْبان‪ْ ،‬‬ ‫ت َُد ُّس إلى ال َع ّط ِار ِس ْل َع َة ْأه ِلها‬ ‫الد ْه ُر‬ ‫ه‬ ‫د‬ ‫ْس‬ ‫َ‬ ‫ولن ُي ْص ِل َح ال َع ّطا ُر ما أف َ ُ َّ‬ ‫َو َق � � � َع َكال ُم ُه� � � َّ�ن َعل� � ��ى أَمينَ� � � َة‬ ‫الص ْد َم ُة‬ ‫الصاعِ َق� � ��ةِ ‪َ ...‬و َع َق� � � َد ِت َّ‬ ‫َك َّ‬ ‫لِسانَها‪َ ،‬فلَ ْم تَن ِْط ْق ِب َك ِل َمةٍ ‪ ،‬بَلِ انْ َه َم َر ْت‬ ‫رير‬ ‫ُدمو ُعها ُح ْزن � � �اً َوأَلمَ اً َعلى واقِ ٍع َم ٍ‬ ‫لَ ْم تَتَنَ َّب � � � ْه ِإلَيْهِ ‪ ...‬لَ ْم حُ ِ‬ ‫�س أَمينَ ُة‪،‬‬ ‫ت� � � َّ‬ ‫يَ ْوماً‪ِ ،‬ب ِث ْق� � ��لِ األَ ّي ِام َو ُمرورِ الزَّمانِ ‪...‬‬ ‫كا َن َقلْبُها َقل ْ َب ش� � ��ا َّبةٍ ‪َ ،‬و َمش� � ��اعِ ُرها‬ ‫للح� � � ِّ�ب‬ ‫ُمتَّقِ � � � َد ًة ‪َ ...‬ف َم� � � ْن ق� � ��ا َل إ َِّن ُ‬

‫حلل ْ ِم َواألَ َملِ ِس � � � ّناً ُم َع َّينَ ًة َو ُحدوداً‬ ‫َوا ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ْراح‬ ‫َز َم ِن َّية؟ َو َم ْن قال إ َِّن ط َ‬ ‫قوس األف ِ‬ ‫ُمخْ ت ََّص ٌة ب ُّ‬ ‫ِالش ّبانِ ؟ أَال يَ ِح ُّق لي تَنْفي ُذ‬ ‫ما َص َب ْو ُت ِإلَيْهِ ُمنْ ُذ ِسننيَ؟‬ ‫قالَ ْت أَمينَ ُة َذل َ‬ ‫ِك ِلنَفْسها‪.‬‬ ‫َو َم َع ُوصولِ كامِ ل‪ ،‬انْ َس� � � َ�ح َب ِت‬ ‫الن ِّْس � � � َوةِ‪َ ...‬فا ْقتَ َر َب مِ نْها َو َم َس � � � َح‬ ‫موعها‪َ ،‬وكا َن الف ُْستا ُن مازا َل بَينْ َ‬ ‫ُد َ‬ ‫يَ َديْها‪ ،‬ثُ َّم َض َّمها ِإلَيْهِ َوقا َل لَها‪ :‬ال‬ ‫َعلَيْ ِك يا َصغي َرتي‪َ ...‬س � � � ْو َف يَكو ُن‬ ‫ُك ُّل َش ْيءٍ َعلى ما يُرا ُم‪...‬‬ ‫َوبَ ْع � � � َد أَ ّي ٍام كانَ ْت أَمينَ ُة تَتَهادى‬ ‫يحو‬ ‫ِبف ُْستانِها األَبْ َي ِض‪َ ،‬وكا َن َذيْل ُ ُه مَ ْ‬ ‫ساعات االنْ ِتظارِ َوال َق ْهرِ َوا َ‬ ‫ِ‬ ‫خل ْو ِف‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫في رِ ْحلةِ ال ُع ْمرِ الشاقةِ >‬

‫‪103‬‬

‫‪8/10/14 9:34:03 AM‬‬

‫‪sep 99-103.indd 103‬‬


‫أدب‬

‫معاناة مترجم‪...‬‬

‫إشكاليات اخلصوصية الثقافية عبر اللغة‬ ‫سمير جريس *‬ ‫«الكاتب يبدع بلغته أدب ًا قومي ًا‪ ،‬أما األدب العاملي فيبدعه املترجمون»‪ ...‬هذه اجلملة التي قالها‬ ‫يوم ًا الروائي البرتغالي احلاصل على جائزة نوبل لآلداب جوزيه ساراماجو تضع مترجم األدب‬ ‫أمام مسؤولية كبيرة‪ ،‬ومتنحه شرف ًا عظيم ًا‪ .‬لن أحتدث هنا عن األدوات التي ينبغي على املترجم‬ ‫أن ميتلكها وأن يتقن استخدامها حتى يبدع أدب ًا عاملي ًا‪ .‬ولكنني أود أن أتكلم عن الصعوبات التي‬ ‫يواجهها في طريقه‪ ،‬وحتديد ًا عندما يترجم إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫اللغ� � ��ة العربي� � ��ة ثرية‪ ،‬كما هو ش� � ��ائع‪،‬‬ ‫وثراؤها يضع مترجم النصوص العربية‬ ‫إلى اللغات األجنبية أمام مشكالت ال‬ ‫حصر له� � ��ا‪ .‬غير أن اللغة العربي� � ��ة فقيرة أيضاً‪،‬‬ ‫أو على األقل هذا ما يش� � ��عر به املترجم إلى لغة‬ ‫الض� � ��اد في كثير من األحي� � ��ان‪ ،‬أم أن الفقر ليس‬ ‫في اللغة‪ ،‬بل في املترجم؟‬ ‫رمب� � ��ا‪ ،‬على كل حال‪ ،‬يعاني مترجم األدب عند‬ ‫الترجم� � ��ة معان� � ��اة متعددة األوجه‪ .‬فعلي� � ��ه أوالً أن‬ ‫يفهم النص األصلي أو ‪ -‬حسب درجة تعقيده‪ -‬أن‬ ‫يفك طالس� � ��مه‪ .‬ولكن هذه اخلطوة تغدو باملراس‬ ‫سهلة نسبياً‪ .‬اخلطوة األصعب هي اختيار األلفاظ‬ ‫العربية التي تقابل الكلمات األصلية وتصيب املعنى‬ ‫متاماً‪ ،‬ثم صياغة الترجمة بأس� � ��لوب عربي مبني‪.‬‬ ‫يحدث كثيراً‪ ،‬ألسباب لغوية وأسلوبية وثقافية‪ ،‬أال‬ ‫يجد املترجم اللفظ املقابل املناسب واملالئم الذي‬ ‫يغط� � ��ي جميع ظالل معاني اللفظ األصلي‪ ،‬عندئذ‬

‫يبح� � ��ث املترجم عن لفظ بديل ف� � ��ي اللغة العربية؛‬ ‫وبذلك يبتعد‪ ،‬قلي ً‬ ‫ال أو كثيراً‪ ،‬عن النص األصلي‪.‬‬ ‫خالل رحلة بحثه عن اللفظ العربي املناسب‬ ‫قد يرجع املترجم إل� � ��ى القواميس واملعاجم‪ ،‬غير‬ ‫أن� � ��ه غالباً ما يُصاب بإحب� � ��اط‪ .‬القواميس ثنائية‬ ‫اللغ� � ��ة (أملان� � ��ي ‪ -‬عرب� � ��ي في حال� � ��ة املترجم من‬ ‫األملاني� � ��ة) ال تواكب غالباً التط� � ��ورات اللغوية في‬ ‫اللغتني‪ ،‬فأضخم القوامي� � ��س وأفضلها (قاموس‬ ‫«ش� � ��ريجله») الذي وضع في السبعينيات‪ ،‬ولنا أن‬ ‫نتخيل مدى افتقاره إلى كل األلفاظ احلديثة التي‬ ‫جدت في اللغة في عص� � ��ر الكمبيوتر واإلنترنت‬ ‫ّ‬ ‫والهواتف احملمولة‪ .‬كما أن القاموس يعاني أوجه‬ ‫نقص وقصور عديدة‪ ،‬وليست الكلمات املقترحة‬ ‫للترجم� � ��ة هي‪ ،‬بالض� � ��رورة‪ ،‬الكلمات املناس� � ��بة‪.‬‬ ‫اللغة تتط� � ��ور‪ ،‬هذا بديه� � ��ي‪ ،‬إذن ال بد من تطور‬ ‫القوامي� � ��س‪ .‬هذا ش� � ��يء بديهي أيض � � �اً‪ ،‬لكنه ال‬ ‫يحدث على النحو املرجو‪.‬‬

‫* كاتب ومترجم مصري مقيم في أملانيا‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫‪8/10/14 9:34:57 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 104-107.indd 104‬‬


‫ت� � ��زداد معان� � ��اة مترج� � ��م األدب إذا رجع إلى‬ ‫املعاج� � ��م العربي� � ��ة للبحث عن مف� � ��ردة تكون أدق‬ ‫في التعبير مما يجده في قاموس� � ��ه ثنائي اللغة‪.‬‬ ‫م� � ��ا قلته عن قام� � ��وس «ش� � ��ريجله» ينطبق ‪ -‬مع‬ ‫األس� � ��ف ‪ -‬أيض � � �اً عل� � ��ى املعجم الوس� � ��يط‪ ،‬على‬ ‫س� � ��بيل املثال‪ ،‬أو املنجد‪ .‬اللغة العربية لغة ثرية‪،‬‬ ‫ه� � ��ذا صحيح‪ ،‬غير أن ثراءه� � ��ا يبدو – وفق هذه‬ ‫املعاج� � ��م ‪ -‬منحصراً في ألف� � ��اظ البيئة البدوية‪.‬‬ ‫هي ثرية في أسماء حيوانات مثل الناقة واألسد‪،‬‬ ‫أو ظواهر طبيعية مثل الصحراء‪ ،‬غير أنها فقيرة‬ ‫في املفردات املتعلقة بالبحار واألسماك والزهور‬ ‫والنبات� � ��ات‪ .‬هذه املفردات إما أال يجدها املترجم‬ ‫إطالقاً ف� � ��ي املعاج� � ��م‪ ،‬أو – إذا وجدت – تكون‬ ‫مهجورة ال يستطيع العربي اليوم أن يتخيل شيئاً‬ ‫معيناً عندما يس� � ��معها‪ .‬هذه قضية ثقافية أيضاً‪،‬‬ ‫وليست لغوية فحسب‪.‬‬ ‫ق� � ��د يقول قائل‪ :‬على املترجم األدبي أن يكون‬ ‫أكث� � ��ر اطالعاً وثقافة‪ ،‬وعلي� � ��ه أن يتبحر في كتب‬ ‫التراث بحثاً عن املترادفات التي ينشدها (بغض‬ ‫معاناة مترجم‪ ...‬إشكاليات اخلصوصية الثقافية عبر اللغة‬

‫‪8/10/14 9:35:02 AM‬‬

‫النظر بالطبع عن ألفاظ احلضارة احلديثة التي‬ ‫تبق� � ��ى مش� � ��كلة عويصة تتجاهلها إل� � ��ى حد كبير‬ ‫مجامع اللغة العربية التي ال تقوم بنش� � ��اط يشعر‬ ‫به املترجمون أو الكتّاب عموماً)‪.‬‬ ‫لكن رحل� � ��ة املترجم في كتب التراث محفوفة‬ ‫أيض � � �اً باملعاناة‪ .‬لنفترض أنن� � ��ي أترجم نصاً عن‬ ‫النبات� � ��ات في مختلف مراح� � ��ل منوها‪ ،‬وأردت أن‬ ‫أستخدم اللفظة التي تصيب املعنى متاماً‪ ،‬ورحت‬ ‫أبحث في كتاب «فقه اللغة وأسرار العربية» ألبي‬ ‫منصور الثعالبي على س� � ��بيل املثال‪ ،‬فهل سأجد‬ ‫في فصل النبات ما يشفي الغليل؟‬

‫بعيد ًا عن اللفظ املهجور‬

‫النبت فهو‬ ‫يق� � ��ول الثعالب� � ��ي‪« :‬أول ما يب� � ��دو‬ ‫ُ‬ ‫�ارض‪ .‬فإذا حت� � ��رك قلي ً‬ ‫ال فهو جي � � � ٌم‪ .‬فإذا ع َّم‬ ‫ب� � � ٌ‬ ‫األرض فهو عمي ٌم‪ .‬ف� � ��إذا اهت َز وأمكن أن يُقبض‬ ‫عليه قيل اجثأ ٌل‪ .‬ف� � ��إذا اصف ّر ويبس فهو هائ ٌج‪.‬‬ ‫فإذا كان الرطب حت� � ��ت اليبيس فهو غمي ٌم‪ .‬فإذا‬ ‫كان بعض� � ��ه هائجاً وبعضه أخضر فهو ش� � � ٌ‬ ‫�ميط‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫‪sep 104-107.indd 105‬‬


‫فإذا تهش� � ��م وحتطم فهو هش� � ��ي ٌم وحط� � ��ا ٌم‪ .‬فإذا‬ ‫اسو ّد من القدم فهو الدند ُن عن األصمعي‪ .‬فإذا‬ ‫يبس ثم أصابه املطر واخضر فذلك النش � � � ُر عن‬ ‫أبي عمرو»‪.‬‬ ‫هل س� � ��يفهمني أح� � ��د إذا اس� � ��تخدمت كلمة‬ ‫«اجثأل» وصفاً لنبات منا واهتز؟ وهل تس� � ��اعد‬ ‫الترجم� � ��ة هنا عل� � ��ى الفهم أم حت� � ��ول النص إلى‬ ‫ألغاز لن يفهمها س� � ��وى فقهاء اللغة؟ أم هل نعيد‬ ‫جتربة الشاعر الكبير خليل مطران عندما ترجم‬ ‫مسرحيات شكسبير بلغة صعبة وألفاظ مهجورة‬ ‫كان يفسرها في الهامش؟‬ ‫ثمة مش� � ��كلة أخ� � ��رى تواج� � ��ه املترج� � ��م‪ :‬أي‬ ‫الكلم� � ��ات يس� � ��تخدمها إذا أراد لنص� � ��ه أن يكون‬ ‫مفهوم � � �اً في جمي� � ��ع الدول العربي� � ��ة؟ هل يقول‪:‬‬ ‫«خصخصة» أم «خوصصة» أم «تخصيص»؟ هل‬ ‫يقول‪« :‬محمول» أم «جوال» أم «نقال» أم «خلوي»‬ ‫أم «موباي� � ��ل»؟ هل يقول‪« :‬بطيخ» أم «ش� � ��مام» أم‬ ‫«دالح»؟ هل اس� � ��تخدم كلمة «جوز» (املستخدمة‬ ‫في الشام) أم «جرجاع» (املغرب) أم «عني جمل»‬ ‫(مصر)؟ هل نقول «اجلمبري» أم «القريدس» أم‬ ‫«القمرون» أم «اإلربيان»؟ إلى آخر هذه الكلمات‬ ‫التي تبني ثراء اللغة إقليمياً‪ ،‬لكنها تضع املترجم‬ ‫في كل مرة أمام االختي� � ��ار‪ :‬من هو القارئ وأين‬ ‫سيُنشر الكتاب؟ هذه األسئلة ال يطرحها الكاتب‬ ‫بالطبع‪ ،‬فهو يكتب ليعبر ع� � ��ن بيئته احمللية‪ ،‬وال‬ ‫يهاب اس� � ��تخدام كلمات محلية ق� � ��د ال تُفهم في‬ ‫بالد عربية أخرى‪ ،‬بل إن هذه الكلمات متنح أدبه‬ ‫مذاقاً محلياً واقعياً‪.‬‬ ‫مش� � ��كلة أخ� � ��رى ه� � ��ي الكلمات الت� � ��ي متكن‬ ‫ترجمته� � ��ا إلى لغة عربي� � ��ة فصحى‪ ،‬لكن املترجم‬ ‫يشعر بأن الترجمة تبقى تقريبية‪ ،‬وأن هناك كلمة‬ ‫باللهجة العامية أكثر تعبيراً عن املقصود‪ ،‬لكنه ال‬ ‫يس� � ��تخدمها ألنه يريد أن يكون نصه مفهوماً في‬ ‫املنطقة العربية كلها‪ .‬ثم إن السؤال يطرح نفسه‬ ‫هنا‪ :‬إذا قرر استخدام لهجة عامية ملضارعة ما‬ ‫باألصل من كلمات أو جمل عامية‪ ،‬فأي اللهجات‬ ‫يس� � ��تخدمها؟ أهي لهجته الت� � ��ي يعرف خباياها‪،‬‬ ‫أم اللهجة األكثر انتش� � ��اراً (املصرية مث ً‬ ‫ال بسبب‬ ‫ش� � ��يوع األفالم املصرية)‪ ،‬أم اللهجة املنتشرة في‬

‫‪106‬‬

‫‪8/10/14 9:35:06 AM‬‬

‫بلد ناش� � ��ر الكت� � ��اب؟ أتذكر أنني خ� �ل��ال ترجمة‬ ‫رواية «قصص بسيطة» إلجنو شولتسه‪ ،‬صادفت‬ ‫بعض املقاطع احلواري� � ��ة املكتوبة باللغة العامية‪،‬‬ ‫وحاول� � ��ت أن أظهر ه� � ��ذا التباين األس� � ��لوبي في‬ ‫الترجمة‪ ،‬فاخترت اس� � ��تخدام كلمات من اللهجة‬ ‫املصرية‪ .‬بعد نش� � ��ر الترجمة‪ ،‬كتب الناقد محمد‬ ‫علي اليوسفي في صحيفة «احلياة» مقاالً ميتدح‬ ‫في� � ��ه املترجم ال� � ��ذي «وفق في نق� � ��ل العمل بلغة‬ ‫سلسة وبسيطة‪ ،‬ناق ً‬ ‫ال األجواء واألحداث بجمل‬ ‫ِ‬ ‫يخف استغرابه من‬ ‫رش� � ��يقة»‪ .‬غير أن الناقد لم‬ ‫«إدخال اللهج� � ��ة العامية في النصوص املنقولة»‪.‬‬ ‫وهكذا يعلن الناقد دهش� � ��ته عندما يسمع إحدى‬ ‫شخصيات الرواية «تقول في قلب أملانيا يا خبر‬ ‫أسود!»‪.‬‬ ‫عمل آخر في األدب األملاني يطرح إش������كالية‬ ‫ترجمة املس������تويات اللغوي������ة املختلفة‪ ،‬بل وتعدد‬ ‫اللهج������ات داخل الن������ص الواحد؛ أعن������ي رواية‬ ‫توم������اس م������ان الش������هيرة «آل بودنب������روك» التي‬ ‫ترجمها إلى العربية محمد إبراهيم الدس������وقي‪.‬‬ ‫م������ن يطالع رواية توماس مان باألملانية ميكنه أن‬ ‫يحدد اسم الش������خصية عبر اللهجة املستخدمة‬ ‫(اللهج������ة البافارية ولهجة أه������ل هامبورج)‪ .‬كما‬ ‫أن الرواي������ة حتفل باجلمل الفرنس������ية التي تعبر‬ ‫عن ثقافة الطبق������ة البرجوازية آنذاك‪ .‬كل هذه‬ ‫الف������روق اللغوي������ة تضيع في الترجم������ة العربية‪،‬‬ ‫ألن املترج������م اعتم������د اللغ������ة الفصح������ى طوال‬ ‫الوقت‪.‬‬

‫إشكاليات ثقافية – جتربة شخصية‬

‫من بني كل األعمال التي ترجمتها حتى اآلن‬ ‫كان� � ��ت رواية «عازفة البيانو» للكاتبة النمس� � ��اوية‬ ‫يلين� � ��ك احلاصلة على جائزة نوبل لألدب هي بال‬ ‫شك العمل األكثر صعوبة وتعقيداً ومشق ًة‪ .‬ملاذا؟‬ ‫ألن أعم� � ��ال يلينك عموماً تقوم على اللغة‪ .‬يلينك‬ ‫بارعة في التالعب باللغة‪ ،‬وماهرة في اإلحاالت‬ ‫التاريخي� � ��ة واألدبية‪ ،‬كما أنها أيضاً أس� � ��تاذة في‬ ‫الس� � ��خرية‪ .‬كل ذل� � ��ك يجعل ترجم� � ��ة نصوصها‬ ‫صعب� � ��ة‪ ،‬إن لم نقل مس� � ��تحيلة‪ .‬كم� � ��ا أن روايات‬ ‫يلينك حتفل باملشاهد التي تصور اجلنس‪ ،‬وهي‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 104-107.indd 106‬‬


‫مش� � ��اهد تثير التقزز في كثير من األحيان‪ .‬هذه‬ ‫األس� � ��باب جتعل أعمال يلينك عموماً مستعصية‬ ‫على الترجمة‪ ،‬ليس فحس� � ��ب إلى ثقافة مختلفة‬ ‫متاماً عن األملانية مثل الثقافة العربية‪ ،‬بل أيضاً‬ ‫إلى اللغات األوربية األخرى‪.‬‬ ‫غير أن استخدام اجلنس في «عازفة البيانو»‬ ‫ليس اس� � ��تخداماً مجانياً‪ .‬يلينك ّ‬ ‫توظف املشاهد‬ ‫اجلنس� � ��ية بفنية عالية‪ ،‬تعبر عن تشوهات كثيرة‬ ‫أصابت البطلة‪ .‬كان هدفي في الترجمة أن أخلق‬ ‫َرجم‪ .‬ولم يضايقني‬ ‫أجوا ًء مشابهة في النص املت َ‬ ‫أن تكون تلك األجواء منفرة في كثير من األحيان‪،‬‬ ‫بل وأن تثير االشمئزاز والغثيان في بعض األحيان‪.‬‬ ‫لم أكن أريد أن أقدم «ترجمة مهذبة»‪ ،‬على غرار‬ ‫طبع� � ��ة «ألف ليلة» املعدة للفتي� � ��ات والفتيان‪ ،‬ولم‬ ‫يكن يخطر لي على بال أن أس� � ��تعيض عن بعض‬ ‫العب� � ��ارات «املبتذل� � ��ة» أو املكش� � ��وفة بنقاط على‬ ‫طريقة الروائي إحس� � ��ان عبد القدوس‪ .‬أردت أن‬ ‫أقدم نصاً مقاب ً‬ ‫ال أو مناظراً لألصل‪ ،‬نص يلينك‬ ‫صادم وجريء‪ ،‬فاضح ومكشوف‪ ،‬وعليه أن يكون‬ ‫كذلك في صورته العربية‪.‬‬ ‫بعد ظهور الترجمة العربية لـ «عازفة البيانو»‬ ‫قام األس� � ��تاذ الدكتور مصطف� � ��ى ماهر بترجمة‬ ‫عمل آخر ليلينك‪ ،‬وهو رواية «العاش� � ��قات»‪ .‬غير‬ ‫أن األستاذ ماهر انتهج منهجاً آخر‪ ،‬رآه أنسب في‬ ‫تقدمي الروائية النمساوية إلى القارئ العربي‪ ،‬إذ‬ ‫قام بحذف كلم� � ��ات عديدة اعتبرها «مبتذلة» أو‬ ‫«مثيرة للقرف»‪ .‬املش� � ��كلة هنا ليست لغوية إذن‪،‬‬ ‫ب� � ��ل ثقافية‪ :‬إلى أي حد تس� � ��مح الثقافة العربية‬ ‫باستخدام مثل هذه األلفاظ؟ وإلى أي حد يسمح‬ ‫الناشر بذلك؟‬ ‫عندما س� � ��ألت األس� � ��تاذ ماهر مل� � ��اذا اختار‬ ‫هذا األس� � ��لوب ف� � ��ي تقدمي «العاش� � ��قات» بحيث‬ ‫أصبحت صورته� � ��ا العربية غير مماثلة لصورتها‬ ‫النمس� � ��اوية؟ قال لي في حوار نش� � ��رته صحيفة‬ ‫«أخبار األدب» القاهرية في عام ‪« :2008‬ولكنك‬ ‫لو أحضرت الس� � ��يدة يلينك وألبس� � ��تها املالبس‬ ‫املصري� � ��ة‪ ،‬وحجبتها‪ ،‬ونقبتها‪ ،‬ثم أنزلتها هنا إلى‬ ‫اجلمهور‪ ،‬لكان لها شكل آخر»‪ .‬كان رأي األستاذ‬ ‫ماهر‪ ،‬عمي� � ��د ترجمة األدب األملان� � ��ي إلى اللغة‬ ‫معاناة مترجم‪ ...‬إشكاليات اخلصوصية الثقافية عبر اللغة‬

‫‪8/10/14 9:35:10 AM‬‬

‫العربية‪ ،‬أن «حتجيب يلينك س� � ��يجعلها مناس� � ��بة‬ ‫للمجتمع الذي ستقدم فيه»‪ .‬ثم شرح رأيه قائ ً‬ ‫ال‪:‬‬ ‫هناك «تفاصيل جنس� � ��ية في املجتمعات األوربية‬ ‫ال نس� � ��تطيع نحن أن نقوله� � ��ا»‪ .‬واختتم د‪ .‬ماهر‬ ‫حديثه قائ ً‬ ‫ال‪« :‬في كتب الفقه اإلسالمي يقولون‬ ‫مث ً‬ ‫ال عن إمتام العالقة اجلنسية‪ :‬إذا دخل املرود‬ ‫في املكحلة»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ولكن هل سيكون مناس� � ��با في عمل يتعرض‬ ‫لتفاصيل العالقة اجلنسية أن نختار التلميح بدالً‬ ‫م� � ��ن التصريح الذي اختارت� � ��ه الكاتبة؟ وهل هذه‬ ‫هي أمانة الترجمة؟ وكيف سيكون وقع الترجمة‬ ‫على القارئ إذا قرأ وصفاً ملش� � ��هد جنسي أراده‬ ‫كاتبه صريح � � �اً صادم � � �اً‪ ،‬بل ومبت� � ��ذالً‪ ،‬وجاءت‬ ‫ترجمته كالتالي‪« :‬عندما دخل املرود في املكحلة‬ ‫تأوهت املرأة»‪.‬‬ ‫الترجم� � ��ة األدبية معان� � ��اة‪ .‬ولوال اس� � ��تعداد‬ ‫املترج� � ��م لتحمل املعاناة ملا أمت ترجمة عمل أدبي‬ ‫واحد‪ ،‬إذ إن «صانع األدب العاملي» يظل يتحرك‬ ‫كاملقيد في عالم كاتب آخر‪ ،‬ويظل سجني أفكاره‬ ‫ولغته‪ ،‬ال ينس� � ��اق وراء ما يراه مناسباً أو جمي ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫ب� � ��ل عليه دائماً أن يرجع إلى األصل‪ ،‬وأن «يتقيد‬ ‫به»‪ .‬ف� � ��إذا أضفنا إل� � ��ى ذلك املكاف� � ��آت املتدنية‬ ‫التي يتلقاها مترج� � ��م األدب في معظم األحيان‪،‬‬ ‫أصابتنا الدهشة إلصرار البعض على املضي في‬ ‫هذا الطري� � ��ق‪ .‬هذا ما دفع مترجم � � �اً أملانياً إلى‬ ‫القول في مقابلة نشرتها صحيفة «زود دويتشه»‬ ‫األملاني� � ��ة إنه لوال «املازوخي� � ��ة» التي تصيب على‬ ‫م� � ��ا يبدو كل مترجم� � ��ي األدب‪ ،‬لتوقفوا منذ زمن‬ ‫طويل‪ ،‬ولبحثوا عن مهنة أخرى!‬ ‫< ترجم سمير جريس نحو عشرين عم ً‬ ‫ال من‬ ‫األدب األملاني احلديث إل� � ��ى اللغة العربية‪ ،‬منها‬ ‫«عازفة البيان� � ��و» إللفريده يلين� � ��ك (دار ميريت‪،‬‬ ‫القاه� � ��رة ‪ ،)2005‬و«الكونتراب� � ��اص» لباتري� � ��ك‬ ‫زوس� � ��كيند (مش� � ��روع الترجمة‪ ،‬القاهرة ‪،)2005‬‬ ‫و«الوعد» لفريدريش دورمنات (دار أزمنة‪ ،‬عمان‬ ‫‪ ،)2008‬و«رجل عاش� � ��ق» ملارتني فالزر (مشروع‬ ‫«ترج� � ��م»‪ ،‬دب� � ��ي ‪ ،)2008‬و«زمن مال� � ��ر» لدانيال‬ ‫كيلمان (مشروع كلمة‪ ،‬أبو ظبي ‪> )2013‬‬

‫‪107‬‬

‫‪sep 104-107.indd 107‬‬


‫شخصيات‬

‫ليوبولد سيدار سنجور‪...‬‬

‫بني السياسة والشعر‬

‫حسونة املصباحي *‬ ‫املتصفّ ��ح لس ��جلّ الراح ��ل الكبي ��ر ليوبول ��د‬ ‫سيدار سنجور (‪ )2001-1906‬يقف على مآثر‬ ‫كبي ��رة ف ��ي مج ��ال السياس ��ة والش ��عر خ ّولت‬ ‫ل ��ه أن يك ��ون واحدا م ��ن أعظم الش ��خص ّيات‬ ‫الت ��ي أجنبته ��ا القارة الس ��وداء خ�ل�ال القرن‬ ‫العشرين‪.‬‬

‫* كاتب من تونس‬

‫‪108‬‬

‫‪8/10/14 9:35:29 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 108-111.indd 108‬‬


‫كان اجلن������رال ديج������ول‬ ‫مصيب������ا حني وصفه في‬ ‫مذكراته قائال‪« :‬إنه‪-‬أي‬ ‫سنجور‪-‬منفتح على جميع الفنون‪،‬‬ ‫فن السياسة‪.‬‬ ‫وبالدرجة األولى على ّ‬ ‫وهو ش������ديد االعت������زاز بزنوج ّيته‪،‬‬ ‫وأيضا بالثقافة الفرنس������ية‪ ،‬ويحكم‬ ‫بحنكة وثبات السنغال املضطرب»‪.‬‬ ‫ولعل م������ا مت ّيز به ليوبولد س������يدار‬ ‫س������نجور هو أنه انسحب بهدوء من‬ ‫أي قالقل‪ .‬فكان‬ ‫كرسي احلكم‪ ،‬ومن دون أن يثير ّ‬ ‫ّ‬ ‫في ذلك اس������تثناء في القارة السوداء‪ ،‬بل في ما‬ ‫اصطلح على تس������ميته بـ «العالم الثالث» عموما‪،‬‬ ‫حيث يتش������ ّبث احلكام بالسلطة فال يتركونها إال‬ ‫عندما يكونون مجبرين على ذلك!‬ ‫مل ّمحا إلى طفولته‪ ،‬كتب سنجور في قصيدة‬ ‫من قصائد ديوانه «إثيوب ّيات» يقول‪:‬‬ ‫أي زمن حدث ذلك‬ ‫لست أدري في ّ‬ ‫فأنا أخلط بني الطفولة وعدن‬ ‫مثلما أمزج الكوت باحلياة‪-‬‬ ‫جسر مو ّدة يربط بينهما‬ ‫ولد ليوبولد سنجور عام ‪ 1906‬في مقاطعة‬ ‫«ج������وال» الواقعة عل������ى مس������افة ‪ 100‬كيلومتر‬ ‫جنوب داكار‪ .‬وهو ينتس������ب إل������ى عائلة اعتنقت‬ ‫الكاثوليكي������ة بعد أن كانت مس������لمة‪ ،‬لذا س������ ّمي‬ ‫ليوبول������د‪ .‬وكان وال������ده مزواج������ا‪ ،‬فكــــــان عدد‬ ‫إخوته وإخواته يقارب الثالثني! وكانت أمه من‬ ‫قبيلة أخرى غير قبيلة والده‪ .‬وكان له أخ يرعى‬ ‫األغنام‪ .‬وفي ما بعد كتب س������نجور متحدثا عن‬ ‫أحس بآالم أمي‪ ،‬وكنت‬ ‫أمه وعن خاله‪« :‬كن������ت‬ ‫ّ‬ ‫أحاول في ّ‬ ‫كل فرص������ة أن أكون قريبا من خالي‬ ‫عيني على حي������اة احليوانات‪ ،‬وعلى‬ ‫ال������ذي فتح‬ ‫ّ‬ ‫ظواه������ر الطبيع������ة وعجائبها»‪ .‬وكثي������را ما كان‬ ‫س������لوك الفتى ليوبولد يغضب أباه ‪ .‬لذا لم يكن‬ ‫يت������ر ّدد في ضرب������ه‪ ،‬وخصوص������ا عندما يذهب‬ ‫لزي������ارة خال������ه‪ ،‬وغالبا م������ا كان الفت������ى احلالم‬ ‫ليوبولد يف ّر من البيت العائلي لـ «يضيع» وسط‬ ‫الطبيعة الساحرة‪ ،‬وليس������بح في النهر من دون‬ ‫خوف من التماس������يح‪ ،‬أو يركض خلف األحمرة‪،‬‬ ‫أو يختلس بعضا من تلك الثمــــار اإلفريق ّية التي‬ ‫ليوبولد سيدار سنجور‪ ...‬بني السياسة والشعر‬

‫‪8/10/14 9:35:33 AM‬‬

‫تسكت اجلوع‪ ،‬وتطفئ نار العطش‪.‬‬ ‫وأحيان������ا كان يؤ ّدي زيارة إلى معبد‬ ‫«مبسيل» حيث يرقد حتت أشجار‬ ‫ضخم������ة‪ ،‬ملوك قبيلته‪ .‬وكانت تلك‬ ‫الزيارات تفتح أمامه أبواب السحر‬ ‫واألساطير‪.‬‬ ‫وف������ي عام ‪ ،1914‬العام نفس������ه‬ ‫الذي اندلعت في������ه احلرب العاملية‬ ‫األولى‪ ،‬أرس������ل الفتى إلى مدرس������ة‬ ‫يديرها اآلباء البي������ض‪ ،‬وكانت تقع‬ ‫على مسافة س������تة كيلومترات ش������مال «جوال»‪،‬‬ ‫على ساحل احمليط األطلسي‪ .‬ولم يكن التالميذ‬ ‫يكتفون باالستماع إلى الدروس‪ ،‬بل كانوا يقومون‬ ���بأعم������ال زراع ّية‪ ،‬ويرعون املواش������ي‪ ،‬ويعتنون‬ ‫الصحون‪ .‬وقد‬ ‫باألشجار‪ ،‬والنباتات‪ ،‬ويغسلون ّ‬ ‫أظهر الفت������ى ليوبولد س������نجور ذكاء خارقا في‬ ‫س������نة البداية‪ .‬وكان يعجبه أن ي������ر ّدد بلغته األم‪،‬‬ ‫وباللغة الفرنسية أسماء األشجار‪ ،‬واحليوانات‪،‬‬ ‫�����ن املراهقة‪ ،‬كان قد‬ ‫والطي������ور‪ .‬وقبل أن يبلغ س� ّ‬ ‫تعلّ������م الصيد‪ .‬وفي العطل املدرس������ ّية‪ ،‬كان يعود‬ ‫إلى البيت العائلي في ك ّل يوم بصيد وفير‪.‬‬

‫أول قصيدة‬

‫في السادسة عشرة من عمره‪ ،‬ترك سنجور‬ ‫املدرس������ة الريف ّية اجلميلة التي ستحضر كثيرا‬ ‫في ما بعد في أش������عاره‪ ،‬وخصوصا في ديوانه‪:‬‬ ‫«أناشيد وظالل» ليمضي بضعة أعوام في داكار‬ ‫أظهر خاللها تف ّوقا في الفرنس������ ّية‪ ،‬والالتينية‪،‬‬ ‫واليونانية‪ ،‬وفي الرياض ّيات أيضا‪ .‬وفي آخر ّ‬ ‫كل‬ ‫س������نة‪ ،‬كان يحصل على جوائ������ز هي عبارة عن‬ ‫كتب في األدب وف������ي التاريخ واجلغرافيا‪ .‬وفي‬ ‫العط������ل كان ميضي أوقاتا طويل������ة في مطالعة‬ ‫تلك الكتب‪ ،‬وتصفحها ليتعرف من خاللها على‬ ‫الكالس������يكيني الفرنسيني مسجال في دفتره ما‬ ‫كان يروق ل������ه من قصائد ومن فق������رات نثرية‪.‬‬ ‫وكان في الواحدة والعش������رين من عمره ملّا كتب‬ ‫أول قصي������دة‪ .‬وكان ذلك مبناس������بة مولد أخ له‪.‬‬ ‫وعق������ب حصوله عل������ى ش������هادة البكالوريا عام‬ ‫‪ ،1928‬س������افر إلى باريس ليلتحق مبعهد «لوي‬ ‫لوغران» الذي كان آنذاك من أرقى املعاهد في‬

‫‪109‬‬

‫‪sep 108-111.indd 109‬‬


‫العاصمة الفرنس������ية‪ .‬غير أن الدراسة لم متنع‬ ‫س������نجور من متابعة ما كان يج������ري من أحداث‬ ‫ثقافية وسياس������ية‪ .‬وقد اهت ّم بالسوريالية التي‬ ‫كان������ت في ذلك الوق������ت ‪ -‬نهاية العش������رينيات‪،‬‬ ‫ومطل������ع الثالثيني������ات ‪ -‬مت���ل��أ الدنيا‪ ،‬وتش������غل‬ ‫الن������اس‪ .‬وكان أقطابه������ا الب������ارزون‪ ،‬وخصوصا‬ ‫أندري������ه بروت������ون‪ ،‬يطالب������ون باالنفت������اح عل������ى‬ ‫الثقافات األخرى‪ ،‬املجهول������ة واملهملة والبعيدة‬ ‫مثل الثقافة اإلفريقية التي اكتشفوا ثراءها من‬ ‫خ���ل��ال الفن اإلفريقي‪ .‬وكانت موس������يقى اجلاز‬ ‫قد فتح������ت عيون الغربيني على جمال وس������حر‬ ‫املوس������يقى اإلفريقية‪ .‬أما كتاب������ات بول موران‪،‬‬ ‫وبليز ساندرارس املستوحاة من رحالت قام بها‬ ‫هذان الكاتبان الكبيران إلى العديد من البلدان‬ ‫اإلفريق ّية‪ ،‬فقد سمحت للفرنسيني‪ ،‬ولألوربيني‬ ‫عموما بأن ينظروا إلى القارة السمراء من زاوية‬ ‫أخ������رى غي������ر الزاوية االس������تعمارية التي متجد‬ ‫خص������ال الرجل األبيض‪ ،‬ورس������الته التبش������يرية‬ ‫واحلضارية‪ .‬ولم يلبث الش������اب اإلفريقي الذكي‬ ‫أن اكتش������ف أن أوربا الت������ي كان منبهرا بها وهو‬ ‫هناك في املدرس������ة الريفية على ساحل احمليط‬ ‫األطلس������ي‪ ،‬أو ف������ي داكار‪ ،‬ه������ي ف������ي احلقيقة‬ ‫�����ج بالتناقضات‪،‬‬ ‫ق������ا ّرة منغلقة على نفس������ها‪ ،‬تع� ّ‬ ‫وبالصراع������ات األيديولوجي������ة‪ ،‬رافضة ثقافات‬ ‫الش������عوب األخرى‪ ،‬وإليها تنظ������ر باحتقار‪ .‬بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬مل ّمحا إلى اكتش������افه ه������ذا‪ ،‬كتب ليوبولد‬ ‫سنجور يقول‪« :‬لم تعد أوربا بالنسبة لي وصفة‬ ‫كونية‪ ،‬بل مج ّرد طريقة بس������يطة!»‪ .‬وكان لقاؤه‬ ‫بأميي سيزار القادم من جزر األنتي» أهم حدث‬ ‫عاشه سنجور في الثالثينيات من القرن املاضي‬ ‫وهو يحاول أن ّ‬ ‫يفك رموز اكتشافه للوجه اجلديد‬ ‫للق������ارة العجوز‪ .‬ورغ������م اختالفهما في األفكار‪،‬‬ ‫وفي الس������لوك‪ ،‬تصادق الش������ابان‪ ،‬وحتابا‪ .‬ومعا‬ ‫سوف يقومان في ما بعد بأعمال جليلة ملصلحة‬ ‫بلديهما‪ ،‬وملصلحة القارة اإلفريقية برمتها‪ .‬وكان‬ ‫س������نجور هو الذي ساعد س������يزار على اكتشاف‬ ‫ثراء وعم������ق الثقافة اإلفريقي������ة‪ .‬ومعترفا بهذا‬ ‫الفضل‪ ،‬كتب س������يزار يق������ول‪« :‬كان هو (يقصد‬ ‫س������نجور) الصديق واألخ‪ ،‬والشاهد األمثل الذي‬

‫‪110‬‬

‫‪8/10/14 9:35:37 AM‬‬

‫عيني على إفريقيا»‪.‬أما س������نجور فقد كتب‬ ‫فتح‬ ‫ّ‬ ‫عن صديق������ه يقول‪« :‬لقد قبلني كما أنا‪ ،‬معه لم‬ ‫أكن واثقا بأنني على حق»‪.‬‬ ‫احلي‬ ‫في أوقات االس������تراحة‪ ،‬على عش������ب‬ ‫ّ‬ ‫اجلامعي‪ ،‬في بولفار «ج������وردان» بباريس‪ ،‬كان‬ ‫ّ‬ ‫الصديق������ان يقضي������ان أوقاتا طويل������ة في قراءة‬ ‫الشعر بصوت عال‪ .‬وحني ال تعجبهما القصائد‬ ‫يعج���ل��ان بتمزيقها‬ ‫الت������ي كان������ا يكتبانها‪ ،‬كان������ا ّ‬ ‫غي������ر آس������فني‪ .‬وفي ع������ام ‪ 1934‬أسس������ا مجلة‬ ‫«الطالب الزجني»‪ ،‬وفيها نش������را أول بيان لهما‬ ‫ع������ن «الزنوجية» التي س������تصبح من ذلك احلني‬ ‫مذهبهم������ا في األدب‪ ،‬كما في السياس������ة‪ .‬وكان‬ ‫هدفهم������ا من خ���ل��ال تلك املجلة‪ ،‬رب������ط الطلبة‬ ‫األفارقة «املتفرنس���ي��ن» بثقافته������م وتقاليدهم‪،‬‬ ‫ولغاتهم األصل ّية‪ .‬وفي العام املذكور نفسه‪ ،‬كان‬ ‫س������نجور أول طالب إفريقي يحصل على شهادة‬ ‫التبريز في النحو الفرنسي‪ .‬وفي السنة التالية‪،‬‬ ‫عينّ أس������تاذا في معهد «ديكارت» مبدينة «تور»‪.‬‬ ‫وهناك أمض������ى ثالثة أعوام‪ .‬وف������ي الليل‪ ،‬كان‬ ‫يعطي دروسا مجانية للعمال‪.‬‬

‫أورفي األسود‬ ‫وف������ي ع������ام ‪ ،1937‬حضر س������نجور مؤمتر‬ ‫«التط������ور الثقافي للش������عوب املس������تع َمرة»‪ .‬وفي‬ ‫مداخلت������ه‪ ،‬حت������دث ع������ن احلض������ارة اإلفريقية‬ ‫التي نش������أت في ظ� ّ‬ ‫�����ل اإلمبراطوريات القدمية‪،‬‬ ‫وأسس������ت على قاعدة العائلة‪ ،‬مؤكدا أنه ليست‬ ‫هناك حضارة متفوقة على حضارة أخرى‪ .‬وهو‬ ‫حد كبير بسارتر في‬ ‫في موقفه هذا ش������بيه إلى ّ‬ ‫عمله الذي حمل عنوان «أورفي األسود»‪ ،‬الذي‬ ‫الزجني مهمة ال يس������تطيع أحد غيره‬ ‫يهب فيه‬ ‫ّ‬ ‫القي������ام بها‪ ،‬أال وهي «س������قي العقالنية األوربية‬ ‫الباردة مبياه اجلنوب احلارة»‪.‬‬ ‫بعد «تور» عاد سنجور من جديد إلى باريس‪.‬‬ ‫غير أن احلرب العاملية الثانية كانت قد اندلعت‬ ‫فجنّد فورا‪ ،‬وأرس������ل إلى جبهة القتال ليقع في‬ ‫األس������ر‪ .‬وكان عليه أن ميضي س������نتني كاملتني‬ ‫متنقال بني احملتشدات‪ ،‬واملعس������كرات النازية‪.‬‬ ‫وقد س������محت له فترة األس������ر تلك باالحتكاك‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 108-111.indd 110‬‬


‫ببس������طاء الن������اس‪ .‬وكان يكتب الرس������ائل التي‬ ‫يرسلها اجلنود األم ّيون إلى أهاليهم‪ .‬ومبساعدة‬ ‫األسرى القادمني من بالده‪ ،‬حاول جمع األمثال‪،‬‬ ‫واحلكاي������ات الش������عبية‪ .‬بل إنه ش������رع في تعلم‬ ‫اللغ������ة األملانية لكي يقرأ جوت������ه بلغته األصلية‪.‬‬ ‫وبعد انتهاء احلرب‪ ،‬عينّ س������نجور مدرس������ا في‬ ‫املدرسة الوطنية لبلدان ما وراء البحار الناطقة‬ ‫باللغة الفرنس������ية‪ .‬وكانت مهمته تدريس اللغات‬ ‫واحلض������ارات اإلفريقية للموظفني الفرنس������يني‬ ‫الذي������ن كان يت������ ّم إرس������الهم إلى املس������تعمرات‪.‬‬ ‫وانطالق������ا من ه������ذه الفترة‪ ،‬نش������ط في املجال‬ ‫السياس������ي‪ ،‬مهتم������ا بالقضية الوطني������ة لبالده‪،‬‬ ‫رافض������ا العن������ف‪ ،‬ومح ّب������ذا الطرق الش������رعية‪،‬‬ ‫ومعتمدا على اإلقناع‪ ،‬والصبر‪ ،‬والنزاهة‪ .‬وعقب‬ ‫صدور مجموعته «أناش������يد وظالل»‪ ،‬وذلك عام‬ ‫‪ ،1945‬لم تعد «الزنوجية» أسطورة غامضة‪ ،‬بل‬ ‫أصبحت فكرة ملموسة‪ .‬فكرة حت ّرض الشعوب‬ ‫املو ّلى عليها على تقرير مصيرها‪.‬‬ ‫وعندم������ا ص������در الع������دد األول م������ن مجلة‬ ‫«احلضور اإلفريقي»‪ ،‬كان سنجور أحد األسماء‬ ‫الب������ارزة فيها إلى جانب ألبير كامو‪ ،‬وس������يزار‪،‬‬ ‫والكاتب الزجني األمريكي ريتش������ارد رايت‪ .‬كما‬ ‫تضمنت «أنطولوجيا الشعر اإلفريقي واملاغاشي‬

‫اجلدي������د الناط������ق بالفرنس������ية»‪ ،‬والتي قدمها‬ ‫سارتر‪ ،‬مختارات من قصائده‪.‬‬ ‫بع������د تعيينه عضوا في البرملان الفرنس������ي‪،‬‬ ‫عاد سنجور إلى الس������نغال ليجوبها من شمالها‬ ‫إلى جنوبها‪ ،‬ومن ش������رقها إلى غربها‪ ،‬متحدثا‬ ‫إلى فقراء الفالحني‪ ،‬وبسطاء الناس‪ ،‬وص ّيادي‬ ‫األس������ماك‪ .‬وقد أكس������بته تلك اجلوالت شعبية‬ ‫كبيرة ف������ي وطنه‪ .‬كما قام بج������والت في جميع‬ ‫أنح������اء العال������م‪ ،‬مدافعا عن احلق������وق الوطنية‬ ‫لبالده‪ .‬وبعد حصول الس������نغال على استقاللها‪،‬‬ ‫انتخب رئيس������ا باإلجماع‪ .‬وكان ذلك في صيف‬ ‫عام ‪ .1960‬وخالل فترة حكمه التي اس������تمرت‬ ‫عش������رين عام������ا‪ ،‬اس������تطاع س������نجور أن يحكم‬ ‫الس������نغال املضط������رب بحكمة‪ ،‬مؤسس������ا دولة‬ ‫حديث������ة تتعايش فيها األقليات واألديان في أمن‬ ‫وس���ل��ام‪ .‬وفي النهاية انتصر الش������عر على هيبة‬ ‫الس������لطة وبريقها‪ ،‬وغادر سنجور احلكم بهدوء‬ ‫احلكماء ليمضي الس������نوات األخيرة من حياته‬ ‫في ش������قة في باريس بصحبة زوجته الفرنسية‪.‬‬ ‫وف������ي حوار أجرت������ه معه جري������دة «لوموند» بعد‬ ‫م������رور ‪ 16‬عاما على تخليه عن الس������لطة‪ ،‬قال‬ ‫سنجور‪« :‬ما هو أساسي في حياتي هو الشعر‪،‬‬ ‫والشعر فقط ال غير!» >‬

‫ً‬ ‫مفاكهة‪،‬‬ ‫يحكى أن أشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير‪ ،‬كان من أحلى الناس‬ ‫لكنه كان بخيال ومقترا وطماعا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وذات يوم سألته صديقة له خامتا وقالت له‪ :‬أذكرك به‪ .‬قال‪ :‬اذكري أنك سألتني‬ ‫فمنعتك‪.‬‬ ‫وساوم بقوس بندق‪ ،‬فقال صاحبها‪ :‬بدينار‪ ،‬فقال أشعب‪ :‬والله لو كنت إذا رميت‬ ‫بها طائر ًا وقع مشوي ًا بني رغيفني ما اشتريتها بدينار‪.‬‬ ‫وقيل ألشعب‪ :‬أرأيت أطمع منك؟ قال‪ :‬نعم كلبة آل أبي فالن‪ ،‬رأت شخص ًا ميضغ‬ ‫علك ًا‪ ،‬فتبعته فرسخ ًا تظن أنه يرمي لها بشيء من اخلبز‪.‬‬ ‫وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة بنت عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أبي‬ ‫الزناد‪ .‬قال أشعب‪ :‬فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا الغاية‪.‬‬

‫ليوبولد سيدار سنجور‪ ...‬بني السياسة والشعر‬

‫‪8/10/14 9:35:40 AM‬‬

‫‪111‬‬

‫‪sep 108-111.indd 111‬‬


‫نقد‬

‫قباني‬ ‫َنزار َّ‬ ‫واألخطاء ال ُّل َغوية‬ ‫ُ‬ ‫جهاد فاضل‬

‫اتص ��ل بي م ��رة الش ��اعر الكبير ن ��زار قباني‬ ‫ف ��ي س ��اعة متأخ ��رة م ��ن الليل ليش ��كو من‬ ‫ي ��د امت ��دت إل ��ى مقاله‪ ،‬الص ��ادر ف ��ي اليوم‬ ‫الس ��ابق‪ ،‬وأمعنت فيه تخريب� � ًا أو تصحيح ًا‬ ‫ل ��م يخطر له بب ��ال‪ .‬كنا نعمل أن ��ا ونزار في‬ ‫مجلة لبنانية واس ��عة النفوذ‪ ،‬كان هو يكتب‬ ‫فيها مقا ًال أس ��بوعي ًا في حني كنت مس ��ؤو ًال‬ ‫عن قسمها الثقافي‪.‬‬ ‫كان أو م� � ��ا خطر ببالي ونزار في فورة‬ ‫غضب� � ��ه عل� � ��ى املذبحة الت� � ��ي مني بها‬ ‫مقال� � ��ه‪ ،‬هو مراجع� � ��ة املصحح اللغوي‬ ‫في املجلة‪ .‬فما إن فاحتته في اليوم التالي باألمر‬ ‫حتى قال لي إنه تدخل بالفعل في مقال نزار ولكن‬ ‫إلصالح األخطاء اللغوية‪ ،‬فحذف وأضاف الكثير‬ ‫ف� � ��ي املرة األخيرة‪ ،‬في حني أن تدخله في مقاالت‬ ‫نزار السابقة كان في حدود ضيقة جدا‪ .‬فقلت له‪:‬‬ ‫ولكن نزار قباني ليس محر ًرا كباقي احملررين‪ ،‬إنه‬ ‫الش� � ��اعر الكبير املعروف والشعراء عادة يجددون‬ ‫اللغ� � ��ة ويطورونها‪ .‬ثم إنه ُذكر في املجلة أن املقال‬ ‫بقلم نزار‪ ،‬فهو إذن مسؤول عن لغته وعن أخطائه‬ ‫إذا كان ثمة أخطاء وال يجوز أن تُخضعه ملا تُخضع‬ ‫له باقي احملررين‪ .‬وعندما راجعت رئيس التحرير‬ ‫الحقا مبا حص� � ��ل‪ ،‬اتصل باملصحح موبخا مؤنبا‪،‬‬ ‫كما اتصل بالش� � ��اعر معت� � ��ذرا‪ ،‬واعدا بعدم تكرار‬ ‫حكاية التصحيح هذه‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫‪8/10/14 9:35:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 112-113.indd 112‬‬


‫والواق� � ��ع أن املصحح اللغ� � ��وي‪ ،‬هنا أو هناك‪,‬‬ ‫كثيراً ما يكون ضح ً‬ ‫ال محدود املعرفة في مسائل‬ ‫اللغ� � ��ة‪ ،‬ولكنه كثي ًرا ما يتدخل م� � ��ن دون حق لكي‬ ‫يق� � ��ال عنه إنه «عالم باللغ� � ��ة»‪ ،‬أو لكي يبرر املهمة‬ ‫التي أس� � ��ندت إليه‪ .‬وكثيرا ما استبدل بالصحيح‬ ‫اخلطأ‪ ،‬وكثيرا ما أحل خطأ محل خطأ آخر‪.‬‬ ‫وكثيرا ما تشدد حيث يجب التيسير وتشجيع‬ ‫االنف� � ��راج‪ ،‬فأغلق باب االجتهاد والتس� � ��اهل وولج‬ ‫باب التضييق حتى االختناق‪.‬‬ ‫من املبادئ القانونية العامة أن اخلطأ الشائع‬ ‫ينش� � ��ئ القانون‪ ،‬أي أن من شأن اخلطأ إذا شاع‬ ‫أن يك � � � ّرس قاع� � ��دة قانونية ملزمة ل� � ��زوم النص‬ ‫التش� � ��ريعي‪ .‬وفي مس� � ��ائل اللغة يُعمل بهذا املبدأ‬ ‫أيض� � ��ا‪ ،‬فإذا تكرر ما يعتبره بعضهم خطأ وش� � ��اع‬ ‫هذا اخلطأ في االس� � ��تعمال األدبي وغير األدبي‪،‬‬ ‫دخ� � ��ل على الفور إلى عال� � ��م القواعد وأصبح مع‬ ‫صحيح� � ��ا إلى جانب باقي الصحيح‪ .‬وفي‬ ‫الوقت‬ ‫ً‬ ‫إطار اللغة العربية وهي لغة عريقة وس� � ��اعية إلى‬ ‫اقتح� � ��ام املعاص� � ��رة واحلداثة‪ ،‬من غي� � ��ر اجلائز‬ ‫إعاق� � ��ة س� � ��عيها نح� � ��و االنفت� � ��اح أو س� � ��جنها في‬ ‫سراديب التحمل والتشدد‪ ،‬وتسليمها بالتالي إلى‬ ‫مصححني من ن� � ��وع املصحح الذي عالج مقاالت‬ ‫نزار بغ� � ��رض تنقيتها من األخط� � ��اء اللغوية‪ .‬وقد‬ ‫ق� � ��رأت مرة ألحد كبار علماء «العربية» في القرن‬ ‫العش� � ��رين رأي� � ��ا يقول فيه‪« :‬اكتب ما تش� � ��اء وأنا‬ ‫أُخ ّرج»‪.‬‬ ‫أي أنه يدعو إلى حرية الكتابة واللغة‪ ،‬معتبرا‬

‫ضمن� � ��ا أنه ليس في «العربية» خطأ‪ ،‬نظ ًرا ‪ -‬على‬ ‫األرج� � ��ح ‪ -‬لتعدد وجهات النظر واملدارس‪ ،‬ونظ ًرا‬ ‫قبل كل شيء ملرونة قواعدها ورحابة أفقها‪.‬‬ ‫التمحل والتق ّعر فال يوصالن املثقف‪ ،‬بوجه‬ ‫أما‬ ‫ّ‬ ‫عام‪ ،‬إال إلى ما وصل إليه مثقف لبناني في النصف‬ ‫األول من القرن العش� � ��رين‪ ،‬كان يقرأ الصحف في‬ ‫الصباح ليمضي س� � ��اعات بعد الظهر واملس� � ��اء في‬ ‫تدبيج رسائل إلى رؤساء حتريرها ين ّبههم فيها إلى‬ ‫أخطاء لغوية وقعت في أعداد اليوم الس� � ��ابق‪ ،‬وقد‬ ‫دأب هذا الرجل على ممارس� � ��ة مهنته هذه إلى أن‬ ‫م� � ��ات‪ ،‬فأدرجه بعضهم في ب� � ��اب «من راقب الناس‬ ‫مات ه ًما»‪.‬‬ ‫عل� � ��ى أن كل ه� � ��ذا ال يعني بالطب� � ��ع ترك أمر‬ ‫اللغ� � ��ة على غاربها وتش� � ��جيع الفوض� � ��ى والفلتان‬ ‫فيها‪ ،‬وإمن� � ��ا يعني فتح أب� � ��واب ونوافذ اللغة لكي‬ ‫يدخل الهواء والش� � ��مس إليها‪ ،‬وكذلك إحداث نوع‬ ‫من ثورة لغوية من ش� � ��أنها فتح قنوات اتصال بني‬ ‫العربي� � ��ة واحلياة‪ ،‬أي بني لس� � ��ان الع� � ��رب القدمي‬ ‫ولس� � ��ان الع� � ��رب احلديث‪ ،‬وب� �ي��ن العربية ومناهج‬ ‫عل� � ��م اللغة احلديث في العالم‪ ،‬ش� � ��بيهة بالقنوات‬ ‫التي فتحه� � ��ا علماء «العربية» ف� � ��ي املاضي‪ .‬وكل‬ ‫ذلك يُحسن إلى العربية ويلبسها ثو ًبا جدي ًدا هي‬ ‫فتى وها‬ ‫جدي� � ��رة به‪ .‬لقد عاصرت العربية الدهر ً‬ ‫ه� � ��ي تعاصره اليوم وقد َهرِ َم وهرمت معه‪ ،‬ولكنها‬ ‫جديرة بأن تتجدد وتتطور‪ ،‬ولكن بأسلوب يختلف‬ ‫عن األسلوب الذي توسله مصحح املجلة اللبنانية‬ ‫مع الشاعر الكبير نزار قباني‪ ،‬رحمه الله >‬

‫ذات ي ��وم ج ��اء بعض الناس إلى اإلمام الش ��افعي‪ ،‬وطلبوا منه أن يذكر لهم دلي ً‬ ‫ال‬ ‫على وجود الله عز وجل‪ .‬ففكر حلظة‪ ،‬ثم قال لهم‪ :‬الدليل هو ورقة التوت‪ .‬فتعجب‬ ‫الن ��اس م ��ن هذه اإلجابة‪ ،‬وتس ��اءلوا‪ :‬كيف تكون ورقة التوت دلي�ل ً�ا على وجود الله؟!‬ ‫فق ��ال اإلم ��ام الش ��افعي‪« :‬ورق ��ة التوت طعمه ��ا واحد؛ لك ��ن إذا أكله ��ا دود القز أخرج‬ ‫حري ��را‪ ،‬وإذا أكله ��ا النح ��ل أخرج عس�ل ً�ا‪ ،‬وإذا أكلها الظب ��ي أخرج املس ��ك ذا الرائحة‬ ‫الطيب ��ة‪ ...‬فم ��ن الذي وح ��د األصل وعدد املخ ��ارج؟!»‪ .‬إنه الله ‪ -‬س ��بحانه وتعالى ‪-‬‬ ‫خالق الكون العظيم!‬

‫نزار قباني واألخطاء اللغوية‬

‫‪8/10/14 9:36:01 AM‬‬

‫‪113‬‬

‫‪sep 112-113.indd 113‬‬


‫أدب رحلة‬

‫رحلة «شرق وغرب»‬ ‫حملمد حسني هيكل منوذج ًا‬

‫صورة َ‬ ‫اآلخر في املتخيل‬ ‫الرحلي العربي‬ ‫ِّ‬ ‫عادل بن زين *‬ ‫محمد حسني هيكل‬

‫شكل أدب الرحلة منذ القدمي لألنا الراحلة حق ًال خصب ًا للتعرف على اآلخ��ر املرحتل‬ ‫إلى أرضه‪ ،‬مكنه من بنية مجموعة من الصور والتمثالت ‪  Représentations‬وامليثات‬ ‫‪ Mythes‬حول هذا اآلخ��ر املغاير ثقافي ًا وسيكولوجي ًا وسوسيولوجي ًا‪ ،‬التي قد تكون‬ ‫إيجابية أحيان ًا‪ ،‬أو سلبية إن كان محركها األيديولوجيا أحيان ًا أخرى‪ .‬إن أدب الرحلة نظر ًا‬ ‫لغناه وثرائه‪ ،‬شكل على الدوام مبحث ًا خصب ًا من مباحث الصورولوجيا‪.»Imagologie«  ‬‬ ‫انطالقا من هذا نتس�� ��اءل‪ :‬ما مفهوم الصورة؟ ما املتخيل؟‬ ‫وم�� ��ا امليث؟ وم�� ��ا عالقة الرحل�� ��ة مببح�� ��ث الصورلوجيا؟‬ ‫وحت�� ��ى يكتمل عق�� ��د البحث فيلتقي النظ�� ��ري باإلجرائي‪،‬‬ ‫نطرح الس�� ��ؤال اآلتي‪ :‬ما هي صورة اآلخر في رحلة شرق‬ ‫وغرب؟‬

‫إذا كان الرحال�� ��ة الغربي من�� ��ذ وطأت قدماه‬ ‫أرض الش�� ��رق منذ العص�� ��ور القدمية‪ ،‬متكن‬ ‫من تنميط الشرق والشرقيني‪ ،‬من خالل رسم‬ ‫صور دونية لهم‪ ،‬عبر مخيلة جائعة إلى معانقة الس�� ��حري‪،‬‬ ‫واإليروس�� ��ي‪ ،‬والعجائبي‪  ،‬فإن الرحالة الشرقي إلى بالد‬ ‫الغرب والعالم‪ ،‬خاصة في زمن «صدمة احلداثة»‪ ،‬قد ركز ‪ ‬‬ ‫باألس�� ��اس على تتبع مالمح النهض�� ��ة العلمية والصناعية‪ ،‬مفاهيم أولية‬ ‫وتط�� ��ور العمران ومظاهر العصرنة‪ ،‬رغبة منه في اخلروج‬ ‫‪ -1‬الصورة‪:‬‬ ‫م�� ��ن وضعية التيه‪ ،‬وحالة الش�� ��لل العرب�� ��ي‪ .‬وميكن اعتبار‬ ‫تأتي الصورة في املعاجم العربية مبعنى حقيقة الشيء‬ ‫محمد حسني هيكل في رحلته «شرق وغرب» من الرحالة وش�� ��كله وصفته‪ ،‬ففي قاموس املنجد ف�� ��ي اللغة واألعالم‬ ‫العرب األوائل الذين سعوا إلى اكتشاف هذا اآلخر املغاير‪« .‬الصورة هي من صور أي جعل له صورة وش�� ��كال ورسمه‬ ‫* كاتب من املغرب‬

‫‪114‬‬

‫‪8/10/14 9:36:18 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 114-123.indd 114‬‬


‫ونقشه‪ ،‬والصورة جمعها صور‪ ،‬وهي الشكل‪ ،‬وكل ما يصور‬ ‫وهي الصف�� ��ة» (املنجد في اللغة واألع��ل��ام‪ ،‬دار احلرف‪،‬‬ ‫بي�� ��روت‪ ،1986 ،‬ص‪ .)440 .‬وه�� ��ي أيض�� ��ا «متثيل بصري‬ ‫ملوضوع ما (‪ )...‬الصورة إنتاج للخيال احملض‪ ،‬وهي بذلك‬ ‫تب�� ��دع اللغة‪ ،‬وتعارض املجاز ال�� ��ذي يخرج اللغة عن دورها‬ ‫االس�� ��تعمالي» (س�� ��عيد علوش‪ :‬معجم املصطلحات األدبية‬ ‫املعاصرة‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪ ،‬بيروت‪ ،‬وسوشبريس‪ ،‬الدار‬ ‫البيضاء‪ ،‬ط‪ ،1985 ،1‬ص‪.)188 .‬‬ ‫وبالـــــــــــرجـــــــ�� ��وع إلــــــــــ�� ��ى األصــــــــــــ�� ��ل اللــــغـــــــــــ�� ��وي‬ ‫ل� � �ـ «‪ »Imagologie‬جنده�� ��ا مش�� ��تقة م�� ��ن الكلم�� ��ة‬ ‫الالتيني�� ��ة «‪ »imago‬مبعن�� ��ى الرم�� ��ز والش�� ��كل واأليقونة‬ ‫(‪-1125: p ,1982 ,Paul , Robert :  le petit Robert , Paris‬‬ ‫‪ .)1126‬وفي السيميائيات البصرية «تعتبر الصورة وحدة‬ ‫مستقلة بذاتها في مستوى التمظهر‪ ،‬كما أنه كل من الداللة‬ ‫قابل للتحليل»‪ ،‬إضافة إلى أن «س�� ��يميولوجيا الصورة التي‬ ‫حتيل إل�� ��ى نظرية التواصل تعتبر الصورة عموما رس�� ��الة‬ ‫مكون� � ��ة م� � ��ن عالم� � ��ات أيقوني� � ��ة» (‪A. J. Greimas et J.‬‬ ‫‪Courtes : Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la‬‬ ‫‪.).181 .théorie du langage,  Hachette, p‬‬

‫م�� ��ن هنا‪ ،‬تبدو الصورة مرادفة حلقيقة الش�� ��يء‪ ،‬كما‬

‫تأتي مبعنى الش�� ��كل والرمز‪ ،‬وفي الس�� ��يميائيات البصرية‬ ‫عالم�� ��ة أيقونية تس�� ��عى إلى إيص�� ��ال رس�� ��ائل معينة إلى‬ ‫املتلقي‪.‬‬ ‫أما في االصطالح‪ ،‬ف�� ��إن مبحث الصورولوجيا «ظهر‬ ‫في األدب املقارن‪ ،‬ليش�� ��ير إلى دراس�� ��ة صورة شعب عند‬ ‫آخ�� ��ر‪ ،‬باعتبارها صورة خاطئة»‪ .‬ويحتاج الصورلوجي إلى‬ ‫علوم متعددة لدراس�� ��ة صورة ش�� ��عب عند ش�� ��عب آخر‪ ،‬إذ‬ ‫«تعتمد الصورولوجيا على مفاهيم الدرس الس�� ��يكولوجي‬ ‫السوس�� ��يولوجي ‪/‬اإلثنولوج�� ��ي‪ ،‬وه�� ��ي بذل�� ��ك‪ ،‬عبارة عن‬ ‫تداخل دروس العلوم اإلنسانية باألدبية»‪.‬‬ ‫من ه�� ��ذا املنظور‪ ،‬فإن «األن�� ��ا» القارئة ألدب «اآلخر»‬ ‫املغاي�� ��ر عنها ثقافيا‪  ‬وفكريا يتول�� ��د لديها عنه انطباعات‬ ‫ومتثالت‪ ‬وص�� ��ور‪ .‬إن الصورة بهذا املعن�� ��ى تبدو «نظرة أو‬ ‫رؤية‪ ،‬وبالتالي موقفا من الـ «نحن» والـ «هم»‪ ،‬وهو في كلتا‬ ‫حالتيه‪ ،‬سواء كان موقفا سلبيا (أي ضدا) أو موقفا إيجابيا‬ ‫(أي م�� ��ع)‪ ،‬لعبة بالغية ذات س�� ��لطة قص�� ��وى في تكريس‬ ‫األوض�� ��اع القائمة وتكليس الصورة الس�� ��ائدة» (عبدالنبي‬ ‫ذاكر‪ :‬املغ�� ��رب وأوربا‪ :‬نظرات متقاطعة‪ ،‬منش�� ��ورات كلية‬ ‫اآلداب والعلوم اإلنسانية‪ ،‬أكادير‪ ،‬ط ‪ ،2007 ،2‬ص‪.).13:‬‬ ‫إن املَواطن التي تبدو أرضا خصبة الستكشاف صورة‬ ‫قبل أكثر من مائة عام سافر هيكل وسواه إلى أوربا رحالة‪،‬‬ ‫فكانت العمارة أكثر ما شدهم في ما رأوه‪ ,‬والصورة ملبنى‬ ‫البرملان األملاني ‪1894‬م‬

‫هيتشكوك‪ :‬اإلنسان بوصفه طريدة‬

‫‪8/10/14 9:36:24 AM‬‬

‫‪115‬‬

‫‪sep 114-123.indd 115‬‬


‫املسرح القدمي في البلدة‬

‫ستانفورد على نهر آفون في ‪1930‬‬

‫‪116‬‬

‫‪8/10/14 9:36:27 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 114-123.indd 116‬‬


‫ويليام شكسبير‬

‫«اآلخ�� ��ر» األجنب�� ��ي ‪ Etranger‬ميكن رصده�� ��ا من خالل‬ ‫إنتاج�� ��ات مخياله املتجس�� ��دة في أمناط تفكي�� ��ره ونتاجه‬ ‫األدبي ورؤيته للعالم‪ .‬يقول الدكتور عبد النبي ذاكر‪« :‬ليست‬ ‫الصورة بهذا املعنى س�� ��وى معرفة يعكسها اآلخر عبر منت‬ ‫ما‪ ،‬س� � ��واء كان هذا املنت م� � ��ن أدب اخليال ‪littérature de‬‬ ‫‪ fiction‬أو من أدب الالخيال ‪،littérature de non fiction‬‬ ‫س�� ��واء أكانت هذه املعرفة‪ /‬الص�� ��ورة مقروءة (أي مكتوبة)‬ ‫أم بصرية (أي مرئي�� ��ة‪ :‬كالصور الفوتوغرافية والبطاقات‬ ‫البريدية والرسوم الساخرة واللوحات الفنية)‪ ،‬أم سمعية –‬ ‫بصرية ‪  audio – visuelle‬كاألفالم السينمائية واألشرطة‬ ‫التلفزيونية»‪.‬‬ ‫إن ه�� ��ذه الصورة الت�� ��ي تبلورها «األن�� ��ا» عن «اآلخر»‬ ‫املغاي�� ��ر لها‪ ،‬تعتب�� ��ر «طرزا من طرز الوع�� ��ي»‪ .‬وهي أيضا‬ ‫جملة من التمث��ل��ات‪  représentations  ‬تصبح مع مرور‬ ‫األزم�� ��ان رم�� ��وزا وأيقونات أو من�� ��اذج عليا متكلس�� ��ة في‬ ‫الالوعي اجلمعي‪ .‬واجلدير بالذكر‪ ،‬أن معرفة اآلخر متكن‬ ‫صورة اآلخر في املتخيل الرحلي‪ ‬العربي‬

‫‪8/10/14 9:36:31 AM‬‬

‫األنا ذاتها من معرفة صورته�� ��ا وجتديدها‪ ،‬ذلك «أن فهم‬ ‫اآلخر كشف للذات‪ ،‬بل إن ماهية الغير تتجدد على أساس‬ ‫ماهية الذات»‪.‬‬ ‫وال تخل�� ��و الص�� ��ورة من خطورة‪ ،‬فكثير من الش�� ��عوب‬ ‫ذهبت ضحي�� ��ة مس�� ��بقات واعتقادات قبلية‪ .‬وتس�� ��تفحل‬ ‫ه�� ��ذه اخلطورة حني «تتص�� ��ل باأليديولوجيا»‪ ،‬األمر الذي‬ ‫ي�� ��ؤدي إلى «الصراع والكراهي�� ��ة واحلقد من جهة‪ ،‬والقلق‬ ‫والتضايق من جهة أخ�� ��رى»‪ .‬إن الصورة بهذا املعنى تغدو‬ ‫«صورة قبلية تتغذى على كل ما هو ميثي ووهمي وسرابي‬ ‫ومتخي�� ��ل‪ ،‬نظرا لتش�� ��ابك الذات�� ��ي والعاطف�� ��ي والثقافي‬ ‫باملوضوعي»‪.‬‬ ‫‪ ‬نخلص من هذا‪ ،‬إلى أن موضوع الصورولوجيا‪ ‬يتحدد‬ ‫في البح�� ��ث عن الواقع�� ��ي واملتخيل في الص�� ��ور وامليثات‬ ‫والتمثالت‪  ‬املكونة عن اآلخر األجنبي‪ .‬كما ينبغي أال نغفل‬ ‫أن هذه الص�� ��ورة ال تكون دوما صادق�� ��ة وبريئة‪ ،‬إذ غالبا‬ ‫ما تكون مش�� ��حونة بإمالءات أيديولوجي�� ��ة أو فهم خاطئ‬ ‫لعواطف ومعتقدات اآلخر‪.‬‬ ‫‪ -2‬املتخيل‪:‬‬ ‫املتخيل في اللغة مشتق من الفعل َخ َي َل ويأتي مرادفا‬ ‫ملعان�� ��ي «ظن وتوه�� ��م وصور ل�� ��ه» وأيضا مبعنى «توس�� ��م‬ ‫وتفرس» (معجم اللغة العربية املعاصرة ص‪ 714 .‬مختار)‪.‬‬ ‫ومنه «تخيل الش�� ��يءُ له‪ :‬تش�� ��به (‪ )...‬واخلي�� ��ال وا َ‬ ‫خل َيالة‪:‬‬ ‫ما تش�� ��به لك في اليقظة واحلل�� ��م من صورة» (ص‪.996 .‬‬ ‫القاموس)‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫‪sep 114-123.indd 117‬‬


‫وفي اللغة الفرنس�� ��ية فاملتخيل مش�� ��تق من «‪»imago‬‬ ‫مبعنى «الص� � ��ورة واأليقونة والرم� � ��ز» (‪paul  robert :  le‬‬ ‫‪ .)p ,1982 ,petit robert , paris‬وف�� ��ي الالتيني�� ��ة مبعنى‬ ‫«‪ »Imaginarius‬أي ال�� ��ذي ال يوج�� ��د إال في املخيلة وغير‬ ‫الواقع�� ��ي» (‪ .)112: bid ,p‬إن�� ��ه ينس�� ��حب عل�� ��ى معان�� ��ي‬ ‫«الالواقعي واخليالي والعجائبي والفانتاستيكي»‪.‬‬ ‫بناء على ما س�� ��بق‪ ،‬يحي�� ��ل املتخيل في الداللة اللغوية‬ ‫على معان�� ��ي التوهم والظن والتوس�� ��م والتفرس من جهة‪،‬‬ ‫وعلى معان�� ��ي الصورة واأليقونة والرم�� ��ز من جهة أخرى‪.‬‬ ‫وباجلملة فاملتخيل هو الالواقعي أي الذي ال يوجد إال في‬ ‫املخيلة فقط‪.‬‬ ‫أم�� ��ا في االصطالح الفلس�� ��في‪ ،‬فقد جعله ابن س�� ��ينا‬ ‫ركنا مكينا في تعريف الش�� ��عر‪ .‬يق�� ��ول‪« :‬املخيل هو الكالم‬ ‫الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور‬ ‫أخ�� ��رى من دون روية وفكر واختي�� ��ار»‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فالتخييل‬ ‫هو األثر الذي يتركه الش�� ��عر في نف�� ��س املتلقي فتذعن له‬ ‫وتنبسط وتنقبض بشكل ال شعوري‪.‬‬ ‫بينما ف�� ��ي االصط��ل��اح البالغي‪ ،‬فاملعن�� ��ى التخييلي‬ ‫عن�� ��د عبدالقاهر اجلرجاني هو «ال�� ��ذي ال ميكن أن يقال‬ ‫إن�� ��ه صدق‪ ،‬وإن ما أثبت�� ��ه ثابت‪ ،‬وما نفاه منفي‪ ،‬وهو مفنت‬ ‫املذاه�� ��ب‪ ،‬كثير املس�� ��الك‪ ،‬ال يكاد يحص�� ��ر إال تقريبا‪ ،‬وال‬ ‫يحاط به تقس�� ��يما وتبويبا‪ ،‬ثم إنه يج�� ��يء طبقات‪ ،‬ويأتي‬ ‫عل�� ��ى درجات‪ ،‬فمنه م�� ��ا يجيء مصنوعا ق�� ��د تُلُطف فيه‪،‬‬ ‫واس�� ��تعني عليه باحل�� ��ذق والرفق‪ ،‬حتى أعطي ش�� ��بهاً من‬ ‫احلق‪ ،‬و ُغ ِّشي رونقاً من الصدق» (عبدالقاهر اجلرجاني‪:‬‬ ‫أسرار البالغة‪.‬ص‪ .)267 ,‬نفهم من ذلك أن التخييل يرمي‬ ‫إلى اإليهام والكذب والنأي عن الصدق والواقعي‪.‬‬ ‫واملالحظ الي�� ��وم في ظل التالق�� ��ح الثقافي وحتطيم‬ ‫احلواج�� ��ز اجلمركي�� ��ة بني األجناس األدبي�� ��ة‪ ،‬أن مصطلح‬ ‫املتخي�� ��ل‪ ،‬لم يعد مرتبطا باألدب فقط‪ ،‬بل «أصبح يش�� ��مل‬ ‫التشكيل واملعمار واالقتصاد والصناعة» (ذاكر‪ ،‬عبدالنبي‪:‬‬ ‫املغ�� ��رب وأوربا‪ :‬نظرات متقاطعة‪ ،‬منش�� ��ورات كلية اآلداب‬ ‫والعلوم اإلنسانية‪ ،‬أكادير‪ ،‬ط ‪ ،2007 ،2‬ص‪.)18 :‬‬ ‫وعند ذكر املتخيل فإنه يتداعى مفهوم آخر متاخم له‬ ‫هو اخلي�� ��ال‪ ،‬وكالهما له ارتباط وطي�� ��د مبفهوم الصورة‪.‬‬ ‫يق�� ��ول الكات�� ��ب عبدالنبي ذاكر‪« :‬ومن هن�� ��ا ذلك االرتباط‬ ‫العضوي بني املتخي�� ��ل واخليال ‪ imagination‬فكالهما‬ ‫ملتص�� ��ق بالصورة»‪ .‬وإل�� ��ى جانب هذا‪  ،‬ف�� ��إن املتخيل هو‬ ‫موض�� ��وع التخيل وموض�� ��وع اخليال أيض�� ��ا‪ ،‬ونتاجهما‪ ،‬أو‬ ‫ناجتهم�� ��ا أيضا (عبداحلميد ش�� ��اكر‪ :‬اخليال ‪ :‬من الكهف‬

‫‪118‬‬

‫‪8/10/14 9:36:35 AM‬‬

‫إل�� ��ى الواقع االفتراض�� ��ي‪ ،‬عالم املعرف�� ��ة‪ ،‬املجلس الوطني‬ ‫للثقافة والفنون واآلداب‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد ‪ ،2009 ،360‬ص‪.‬‬ ‫‪.)46‬‬ ‫‪ -3‬امليث‪:mythe :‬‬ ‫يعرف هذا املفهوم‪  ‬تداخ��ل��ا كبيرا مع مفاهيم أخرى‬ ‫قريب�� ��ة الداللة منه مث�� ��ل األس�� ��طورة‪ ‬واملوتيف‪ ‬والصورة‪ ‬‬ ‫والتمثي�� ��ل‪ ،‬األمر الذي يجعل إعطاءه مدلوال دقيقا مغامرة‬ ‫غير محس�� ��وبة العواقب‪ .‬وقد أش�� ��ار إلى هذا اخللط جان‬ ‫ماري غراسان ‪ J.M .Grassain‬خالل الندوة املنعقدة حول‬ ‫(امليث�� ��ات والصور والتمثي��ل��ات)‪ ,‬إذ الحظ أن جل تعاريف‬ ‫امليث كانت حتيل على الصورة والتمثيل واألسطورة‪.‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 114-123.indd 118‬‬


‫انطالق�� ��ا من هذا‪  ،‬يتض�� ��ح أن امليث هو الصورة التي‬ ‫تكونها ثقافة ش�� ��عب ما عن أناس‪  ‬وأش�� ��ياء وأقوام أخرى‪،‬‬ ‫وه�� ��و مبحث من مباحث دراس�� ��ة الص�� ��ورة الغيرية‪ .‬بينما‬ ‫تش�� ��كل األس�� ��اطير واخلرافات التي حتاك حول شخوص‬ ‫رمزيني في ثقافة ش�� ��عبية ما‪( ،‬مثل أسطورة هرقل)‪ ،‬حجر‬ ‫الزاوي�� ��ة في حقل مس�� ��تقل آخر من حق�� ��ول األدب املقارن‬ ‫يدعى‪ :‬املوضوعاتية»‪.‬‬ ‫‪ -4‬عالقة الرحلة باملقارنة‪:‬‬ ‫إن العالقة التي تربط بني الرحلة والصورولوجيا هي‬ ‫املقارنة‪ ،‬وقد ترسخت بينهما حتى ارتقت إلى امليثاق‪ ،‬لكن‬ ‫السؤال الذي يطرح هو‪ :‬ماذا يقارن الرحالة؟‬

‫مما ال جدال فيه‪ ،‬أن الرحالة ال يحل بأرض األجنبي‬ ‫خل�� ��وا من األف�� ��كار والهوي�� ��ة والثقافة التي تش�� ��بع بها في‬ ‫موطن�� ��ه األصلي‪ .‬وهو حني يحل باألرض اجلديدة ال يكف‬ ‫عن مقارنة إرث�� ��ه باجلديد والغريب الذي يعاينه‪ .‬لذلك لم‬ ‫تكن الرحلة مجرد ضرب في املكان والزمان وحس�� ��ب‪ ،‬بل‬ ‫هي «حركة تفضي إلى مخالطة ومداخلة الغير‪ ،‬ينجم عنها‬ ‫وصف ورص�� ��د ملختلف اجلوانب احلياتي�� ��ة والفيزيونيمية‬ ‫لهذا اآلخر عن طريق املالحظة املباشرة»‪.‬‬ ‫إن ه�� ��ذه املالحظة واملخالطة للغي�� ��ر الغريب عن األنا‬ ‫الراحل�� ��ة‪ ،‬تفتح باب املقارنة على مصراعيه‪ ،‬مقارنة تصور‬ ‫ه�� ��ذه الذات للحياة والعالم وتص�� ��ور اآلخر ألمناط العيش‬ ‫دار األوبرا‬

‫‪119‬‬

‫‪8/10/14 9:36:38 AM‬‬

‫‪sep 114-123.indd 119‬‬


‫شارع فريدريك في برلني‬

‫والعالم واألفكار التي هي جزء من الوعيه‪ .‬ثم إن ما يحفز‬ ‫على املقارنة هو الغرائبية والعجائبية التي تعج بها األرض‬ ‫اجلديدة‪.‬‬ ‫نخل�� ��ص م�� ��ن ه�� ��ذا إل�� ��ى أن العالق�� ��ة ب��ي��ن الرحلة‬ ‫والصورولوجي�� ��ا هي عالقة عضوية يق�� ��ارن فيها الرحالة‬ ‫م�� ��ا‪  ‬حتف�� ��ل به أناه م�� ��ن صور وميث�� ��ات ومتث��ل��ات للعالم‬ ‫واحلي�� ��اة واألرض واإلنس�� ��ان مبا ميتلكه اآلخ�� ��ر من هذه‬ ‫األم�� ��ور‪ .‬ولذلك يصبح «الرحال�� ��ة مقارنا واملقارن رحالة»‬ ‫(‪.)2014 ,Encyclopédie  Universalis‬‬ ‫‪ ‬صورة اآلخر في رحلة «شرق وغرب»‬ ‫‪ -1‬تعري�� ��ف الكاتب‪ :‬محمد حس��ي��ن هي�� ��كل (‪1888‬‬ ‫‪:)1956‬‬‫‪   ‬أدي�� ��ب وصحفي وسياس�� ��ي مصري‪ ،‬أح�� ��د أعالم‬ ‫النهضة الفكرية في القرن العش�� ��رين‪ ،‬وصاحب أول رواية‬ ‫فنية حتقق مس�� ��توى عالياً من النضج ف�� ��ي األدب العربي‬ ‫احلديث (زينب)‪ .‬ولد سنة ‪ 1888‬ببلدة كفر غنّام‪ ،‬محافظة‬ ‫الدقهلي�� ��ة مبصر‪ .‬وفيها أمت دراس�� ��ته الثانوي�� ��ة‪ ،‬ثم التحق‬ ‫مبدرس�� ��ة احلقوق‪ ،‬وتخرج فيها عام ‪1909‬م ليس�� ��افر إلى‬ ‫فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في احلقوق‪ .‬وبعد عودته‬ ‫رئيسا لتحرير جريدة السياسة األسبوعية‪،‬‬ ‫إلى مصر عمل ً‬ ‫وعندما أنش�� ��ئ حزب األحرار الدس�� ��توريني (‪ ،)1922‬كان‬ ‫م�� ��ن أبرز رجاله؛ إذ عمل عض ًوا في مجلس إدارته ثم نائ ًبا‬ ‫فرئيسا للحزب (‪1943‬م)‪ ،‬وظل في هذا‬ ‫للرئيس (‪1941‬م)‬ ‫ً‬

‫‪120‬‬

‫‪8/10/14 9:36:41 AM‬‬

‫املنص�� ��ب إلى أن ألغي نظام األح�� ��زاب‪ .‬تدرج في مناصب‬ ‫وزارية مختلفة إلى أن ُعزل من قِ بل الس�� ��راي عام ‪1950‬م‪،‬‬ ‫فتفرغ للكتابة حتى وفاته س�� ��نة ‪( 1956‬املوسوعة العربية‬ ‫العاملية‪ .)2005 ،‬صدرت له العديد من الدراسات والكتب‬ ‫والرحالت‪ ،‬منها «زينب» (‪1914‬م)‪ ،‬جان جاك روس�� ��و في‬ ‫جزأين (‪1923 - 1921‬م)‪ ،‬تراجم مصرية وغربية (‪،)1929‬‬ ‫ولدي (‪ ،)1931‬في من�� ��زل الوحي‪ ،‬حياة محمد ‪،)1935( ‬‬ ‫قصة رحلة إلى احلجاز‪ ،‬وشرق وغرب‪.‬‬ ‫‪ -2 ‬صورة اآلخر في الرحلة‬ ‫‪  ‬إذا كان الرحال�� ��ة الغربي منذ وط�� ��أت قدماه أرض‬ ‫الش�� ��رق منذ العصور القدمية‪ ،‬متكن من تنميط الش�� ��رق‬ ‫والش�� ��رقيني‪ ،‬من خالل رس�� ��م صور دنيا لهم‪ ،‬عبر مخيلة‬ ‫جائعة إلى معانقة الس�� ��حري‪ ،‬واإليروس�� ��ي‪ ،‬والعجائبي‪ ،‬‬ ‫فإن الرحالة الش�� ��رقي إلى بالد الغ�� ��رب والعالم‪ ،‬وخاصة‬ ‫في زم�� ��ن «صدمة احلداثة»‪ ،‬قد ركز باألس�� ��اس على تتبع‬ ‫مالم�� ��ح النهض�� ��ة العلمي�� ��ة والصناعية‪ ،‬وتط�� ��ور العمران‬ ‫ومظاهر العصرنة‪ ،‬رغب�� ��ة منه في اخلروج من التيه‪ ،‬ومن‬ ‫حالة الشلل العربي‪.‬‬ ‫‪   ‬والواقع أننا حني نقرأ رحلة «شرق وغرب» (محمد‬ ‫حس��ي��ن هيكل‪ :‬ش�� ��رق وغرب‪ ،‬دار اله��ل��ال‪ ,1994 ،‬بدون‬ ‫طبعة)‪ ،‬فإننا جندها مفعمة مبشاعر االندهاش والتعجب‬ ‫واالفتت�� ��ان مبظاهر احلضارة الغربية املتمدنة؛ بأناس�� ��ها‪،‬‬ ‫وعمرانها‪ ،‬وصناعتها‪ ،‬وأرضها‪ .‬وال شك في أن ذلك يأتي‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 114-123.indd 120‬‬


‫في س�� ��ياق االنفتاح على اآلخر املغاير ثقافيا وسيكولوجيا‪،‬‬ ‫وفي سياق س�� ��ماه أدونيس «صدمة احلداثة»‪  .‬وعلى إثر‬ ‫ذلك‪ ،‬ميكننا رصد امليثات اآلتية‪:‬‬ ‫أ‌‪ -‬ميث األرض‬ ‫في رحلة محمد حسني هيكل إلى بريطانيا العظمى‬ ‫رفقة أصدقائه الصحافيني‪ ،‬وخاصة عبداللطيف صادق‪،‬‬ ‫توقف عند «وطن شكس�� ��بير» مدينة س�� ��تراتفورد املطلة‬ ‫على نه�� ��ر إيفون‪ .‬لم يكن زائرا عاديا‪ ،‬بل كان مش�� ��دوها‬ ‫بعالم غري�� ��ب عنه‪ ،‬عالم كله مياه وخض�� ��رة‪ .‬وهو القادم‬ ‫م�� ��ن أرض مصر احملروقة‪ .‬لق�� ��د مكنته الطبيعة اخلالبة‬ ‫املاثلة أمام ناظريه من اس�� ��تيعاب شعر شكسبير أضعافا‬ ‫مما كان يس�� ��توعبه حني قرأه بعيدا عن معايشة التجربة‪.‬‬ ‫يقول‪« :‬في هذه اجلوالت استطعت أن أفهم من شكسبير‬ ‫أضع�� ��اف ما كنت أفهم منه من قبل» بيد أن الذي تخطف‬ ‫بال الرحالة واستبد بوجدانه هو جمال أرض ستراتفورد‪.‬‬ ‫يحكي قائال‪« :‬زرت مدينة ستراتفورد في أوائل اخلريف‪،‬‬ ‫فل�� ��م أكد أراها حتى وقفت دهش�� ��ا مأخوذا (‪ )...‬إذا كان‬ ‫هذا جمالها في اخلريف فما عس�� ��ى يك�� ��ون جمالها في‬ ‫الربيع»!!‬ ‫لقد بلغ منه سحر األرض أن وقف عاجزا عن حتديد‬ ‫م�� ��كان القبلة‪ ،‬فما كان من�� ��ه إال أن جعل قبلته هذه «الفتنة‬ ‫الس�� ��احرة التي تلعب باللب وتأخذ بالف�� ��ؤاد»‪ .‬يقول «لقد‬ ‫بل�� ��غ من أثر ه�� ��ذا اجلمال في نفس�� ��ي أن توجهت إلى الله‬ ‫بصالتي موليا وجهي ش�� ��طر النافذة التي كشفت في بكرة‬ ‫الصبح عن هذا الس�� ��حر الرائع من خلق الله‪ ،‬جاعال منها‬ ‫قبلتي‪ ،‬ألنني لم أعرف اجت�� ��اه البيت احلرام ألولي وجهي‬ ‫شطره»‪.‬‬ ‫ولم يكن س�� ��حر طبيعة ستراتفورد وحده الذي استبد‬ ‫بالرحالة‪ ،‬بل نالت منه أيضا ش��ل��االت شافورن بسويسرا‪.‬‬ ‫فلم�� ��ا جاءها رفق�� ��ة ابنه ترجال من الس�� ��يارة‪ ،‬وتوقفا عند‬ ‫املس�� ��اقط‪  ‬مث�� ��ل الصنمني‪ .‬يقول‪« :‬فلما كنا عند اجلس�� ��ر‬ ‫الصغير الذي يتخطى اإلنس�� ��ان الراي�� ��ن فوقه إلى منطقة‬ ‫املس�� ��اقط تركنا الس�� ��يارة وترجلنا وعبرنا اجلس�� ��ر وطال‬ ‫س�� ��يرنا حتى كنا عند البناء املطل على هذه املساقط التي‬ ‫تنحدر الش��ل��االت من حولها شالال فش��ل��اال‪ ،‬ودرنا حول‬ ‫هول هذا البناء ودخلنا إلى حيث نش�� ��اهد الش��ل��االت‪ ،‬يا‬ ‫للجالل والروعة واجلمال‪ ،‬ويا لقدرة خالق كل ش�� ��يء‪ ،‬ويا‬ ‫لعظمته وجالله»‪.‬‬ ‫ونظرا إلى أن املقارنة ترتبط ارتباطا عضويا بالرحلة‪،‬‬ ‫فإن الذات الراحلة‪ ،‬ظلت تقارن طبيعة ستراتفورد بطبيعة‬ ‫صورة اآلخر في املتخيل الرحلي العربي‬

‫‪8/10/14 9:36:44 AM‬‬

‫البلدان التي زارتها‪ .‬فمما نرصده في هذا اجلانب‪ ،‬مقارنة‬ ‫أرض س�� ��تراتفورد بطبيعة فرنسا وسويسرا ومصر‪ .‬يقول‪:‬‬ ‫«ليس�� ��ت منطقة س�� ��تراتفورد جبلية كسويسرا أو كمناطق‬ ‫األوفرن والس�� ��افو في فرنسا‪ ،‬وليست لها بحيرات كليمان‬ ‫ولوس�� ��رن وال كالبحيرات اإليطالية‪ .‬لكنها ليس�� ��ت منطقة‬ ‫مستوية اس�� ��تواء مصر‪ ،‬بل هي منطقة متموجة»‪ .‬ويضيف‬ ‫أيض�� ��ا «وقد جن�� ��د أحيانا جدوال من املاء ينس�� ��اب هادئا‪،‬‬ ‫لي�� ��س له م�� ��ن اجللبة ما لإليف�� ��ون عند قلع�� ��ة وارك‪ ،‬مثل‬ ‫ه�� ��دوء اإليفون إذ مير حتت مس�� ��رح شكس�� ��بير التذكاري‬ ‫بس�� ��تراتفورد‪ ‬دون أن يكون له مثل سعته‪ ،‬وسعة اإليفون ال‬ ‫تزيد على س�� ��عة ترعة‪ ‬صغيرة في مصر‪ ،‬لكنه في وس�� ��ط‬ ‫هذه الطبيعة الساحرة أشبه شيء باالبتسامة ينفرج عنها‬ ‫ثغر حسناء»‪.‬‬ ‫‌ب ‪ -‬ميث العمران‬ ‫إن ال�� ��ذات الراحل�� ��ة متتل�� ��ك قريح�� ��ة ح�� ��ادة متكنها‬ ‫م�� ��ن التق�� ��اط عوالم اآلخ�� ��ر‪ ،‬والغوص عميق�� ��ا في مجمل‬ ‫تفاصيلها‪ ،‬ملتقطة ذاتية اآلخر املغايرة ثقافيا وسيكولوجيا‬ ‫وسوسيولوجيا‪ ،‬وتلك هي مهام أدب الرحلة والرحالة‪ .‬إنه‬ ‫رصد للتقاليد والعادات والطقوس والفنون‪.‬‬ ‫ومما اس�� ��ترعى انتباه هي�� ��كل في رحلت�� ��ه إلى اآلخر‬ ‫املظاه�� ��ر العمرانية‪ ،‬التي وقف عندها مطوال‪ ،‬مس�� ��تنطقا‬ ‫جمالها وروعتها‪ ،‬وس�� ��اعيا إلى نقل صورة نابضة باحلياة‬ ‫عنها‪ ،‬س�� ��واء في مدن باريس أو لندن أو برلني أو هلسنكي‬ ‫أو نيويورك‪...‬أو غيرها من املدن التي زارها في الغرب‪.‬‬ ‫فف�� ��ي حديثه ع�� ��ن مدينة برل��ي��ن‪ ،‬توق�� ��ف كثيرا عند‬ ‫شوارعها وما تزخر به من زينة ونظافة ونظام ودقة‪ ،‬تفوق‬ ‫ما في لندن وباريس‪ .‬يق�� ��ول‪« :‬وفيها من التماثيل ما يزين‬ ‫ش�� ��ارعا بأكمله زينة ناطقة بتاريخ أملاني�� ��ا املجيد‪ ،‬ومطال‬ ‫من ناحية أخرى على الرايخس�� ��تاج وحتيط به من مظاهر‬ ‫اجلم�� ��ال ما ال يحيط بالفندوم ش�� ��يء من مثله»‪ .‬ويضيف‪:‬‬ ‫«واحلق أنه ليس في أوربا كلها مدينة بلغ نظام ش�� ��وارعها‬ ‫من الدقة‪ ،‬وبلغت هذه الش�� ��وارع نفس�� ��ها كما بلغت املدينة‬ ‫كلها من النظافة مبلغ برلني»‪.‬‬ ‫ومن جتليات التطور العمراني األملاني نظام املرور الذي‬ ‫يكش�� ��ف عن عقلية تقدس النظام‪ ،‬وتعتبره سلوكا روحيا ال‬ ‫ينبغي تخطيه‪ .‬يبرز الرحالة في هذا املقام‪« :‬ونظام املرور‬ ‫في هذه الش�� ��وارع الكبرى عجيب‪ .‬كنت أعتقد أن ليس في‬ ‫العال�� ��م كنظام لندن نظام‪ .‬واحل�� ��ق أن البوليس اإلجنليزي‬ ‫مث�� ��ل أعلى للبوليس في العالم كله‪ .‬واحلق كذلك أن برلني‬ ‫لي�� ��س بها حركة من املرور مثل ما في لندن وباريس زحاما‬

‫‪121‬‬

‫‪sep 114-123.indd 121‬‬


‫ونش�� ��اطا مس�� ��تمرا‪ ،‬لكن نظام املرور في برلني يرجع إلى‬ ‫روح النظام القائمة بنفس الش�� ��عب األملاني أكثر مما يرجع‬ ‫إلى شيء آخر»‪.‬‬ ‫إضافة إل�� ��ى هذا‪ ،‬فإن الكنائس ه�� ��ي األخرى تعتبر‬ ‫آية من آي�� ��ات التطور العمراني ف�� ��ي برلني‪ ،‬وهي ال تقل‬ ‫روع�� ��ة وبهاء ع�� ��ن كنائس لندن وباري�� ��س‪ .‬يقول‪« :‬وبرلني‬ ‫فيه�� ��ا كنائس ال تقل روعة وال جماال عن كنائس لندن وال‬ ‫«كنائس باريس»‪ .‬أما مبنى البرملان األملاني «الرايخستاج»‬ ‫فإنه رغم ضخامت�� ��ه وفخامته تنقصه الرقة والرش�� ��اقة‬ ‫املوجودة ف�� ��ي لندن‪  ‬وباريس‬ ‫«فهو ضخم فخيم ككل ما في‬ ‫برلني‪ ،‬ولكن�� ��ه تنقصه كذلك‬ ‫الرشاقة وتنقصه الرقة‪ .‬وهو‬ ‫بعد – كأكثر برملانات أوربا‪-‬‬ ‫دون برملان بودابس�� ��ت جماال‬ ‫وغنى وروعة أخاذة للنظر»‪.‬‬ ‫أم�� ��ا ف�� ��ن العم�� ��ارة في‬ ‫باري�� ��س‪ ،‬فإنه أنيق ورش�� ��يق‪،‬‬ ‫ظل يلهم الش�� ��عراء والفنانني‬ ‫وكبار املبدع��ي��ن‪ ،‬جعل هيكل‬ ‫يؤكد أن «ما يسترعي نظرك‬ ‫وأن�� ��ت ف�� ��ي باري�� ��س نظ�� ��ام‬ ‫تخطيط العمارة في ش�� ��ارع‬ ‫أو ح�� ����ي بأكمله‪ ،‬فأنت ال ترى‬ ‫ناف�� ��ذة أعلى م�� ��ن نافذة‪ ،‬وال‬ ‫من�� ��زال متواضع�� ��ا إلى جانب‬ ‫عمارة كبيرة»‪ .‬فهذه األناقة والرقة ال جتدها في الشوارع‬ ‫أو األحياء أو العمارات الضخمة‪ ،‬بل «في متاجر احلديد‬ ‫ف�� ��ي باريس زينة للنظ�� ��ر على حني ترى متاجر أقمش�� ��ة‬ ‫السيدات في لندن متاجر عمل وجد ونشاط متصل»‪ .‬أما‬ ‫أنوارها وأضواؤها فهي ال تنقطع حتى س�� ��ميت عاصمة‬ ‫األنوار‪ ،‬وهذا ما جعل أحد القادمني إليها من بالد الشرق‬ ‫يندهش ألنوارها فيتساءل «هل هذا مولد النبي؟»‪.‬‬ ‫أما العم�� ��ران في أمري�� ��كا فلم يكن ه�� ��و اآلخر أقل‬ ‫روع�� ��ة وفخامة مما عاين�� ��ه هيكل في أورب�� ��ا‪ ،‬ولعل أهم‬ ‫مميزاته األخاذة ناطحات السحاب العمالقة‪ ،‬واملصاعد‬ ‫الكهربائية التي تختصر الطبقات في ثوان‪ .‬يقول هيكل‪:‬‬ ‫«الواليات املتحدة األمريكية هي بالد ناطحات السحاب‪،‬‬ ‫فمباني نيويورك ترتفع في اجلو ثالثني وخمسني وسبعني‬ ‫طبق�� ��ة»‪ .‬بيد أن هذا العلو املري�� ��ع‪  ‬تتغلب عليه املصاعد‬

‫‪122‬‬

‫‪8/10/14 9:36:47 AM‬‬

‫الس�� ��ريعة «ومع ذلك فاملصاعد (األسانسيرات) السريعة‬ ‫جتعل الصعود في هذه الصروح الش�� ��اهقة أمرا يس�� ��يرا‬ ‫حتى لتكاد تش�� ��عر وأنت تصعد إلى الطابق الثالثني بأنك‬ ‫بلغت�� ��ه في زمن أوجز مما نبل�� ��غ فيه الطابق اخلامس في‬ ‫أوربا أو القاهرة»‬ ‫ج‌ ‪  -‬ميث اإلنسان‬ ‫اس�� ��تطاع الرحال�� ��ة واملستش�� ��رقون الغربيون تنميط‬ ‫اإلنس�� ��ان الش�� ��رقي في ص�� ��ور وميثات ومتث��ل��ات دنيئة‬ ‫ومحقرة إلنسانيته‪ ،‬فهو إنس�� ��ان خامل‪ ،‬ونزوي‪ ،‬مستبد‪،‬‬

‫ويفضل امل�� ��وت على العم�� ��ل‪ ،‬وكاذب‪ ،‬ومناف�� ��ق‪ ،‬وغيرها‬ ‫من التمثالت‪ .‬أما محمد حس��ي��ن هي�� ��كل في رحلته إلى‬ ‫ب��ل��اد أوربا وأمريكا والش�� ��رق‪ ،‬فإنه ينق�� ��ل للغربي صورة‬ ‫مغاي�� ��رة عما كلس�� ��ه الغربي عن الش�� ��رقي ف�� ��ي متخيله‪،‬‬ ‫فهو إنس�� ��ان حيوي‪ ،‬ينضح ش�� ��بابا وفتوة‪ ،‬ويعيش احلياة‬ ‫بطولها وعرضها‪ ،‬بعيدا ع�� ��ن الرقابة‪ .‬األمر الذي أوجد‬ ‫س�� ��يكولوجيا مفعم�� ��ة باحليوي�� ��ة والغبط�� ��ة‪ ،‬وخاصة في‬ ‫باريس بالد الس�� ��حر واجلمال‪  .‬فه�� ��ي تدعوك إلى النهل‬ ‫م�� ��ن مواردها إلى غاية ما تس�� ��تطيع النفس‪ .‬إلى «الغاية‬ ‫التي جتعلك ‪ -‬على حد قول آنس�� ��ة مصرية – تس�� ��تيقظ‬ ‫أربعا وعش�� ��رين ساعة في اليوم ألنك واجد في كل ساعة‬ ‫منها متاعا ترد منهله»‪.‬‬ ‫ومن األم�� ��ور التي توقف عنده�� ��ا الرحالة هيكل في‬ ‫باريس‪ ،‬واس�� ��تولت عل�� ��ى لبه‪ ،‬احتفال الباريس�� ��يني بعيد‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 114-123.indd 122‬‬


‫احلرية‪ ،‬وإقبالهم على املل�� ��ذات واملتع والصخب‪ ،‬لدرجة‬ ‫أنه لم يصدق ما ت�� ��راه عيناه‪ .‬يقول‪« :‬ما هذا الذي أرى؟‬ ‫إن الناس قد بلغ منهم اجلذل مبلغا لو أن ش�� ��يئا من مثله‬ ‫ح�� ��دث في‪  ‬مصر لنادى املنادي بالوي�� ��ل والثبور وعظائم‬ ‫األمور‪ .‬إنهم يرقصون في كل مكان‪ ،‬ويغنون في كل مكان‪،‬‬ ‫ويقبل�� ��ون بعضهم بعضا ف�� ��ي كل مكان‪ ،‬وذلك ال ريب‪ ،‬هو‬ ‫احتفاله�� ��م بعيد احلرية»‪ .‬وحني يق�� ��ارن الرحالة مظاهر‬ ‫احلي�� ��اة وإقبال الناس عليها ف�� ��ي القاهرة وباريس يقول‪:‬‬ ‫«لقد ش�� ��هدت جموع الناس احلاشدة في مصر ملناسبات‬

‫محمد حسني هيكل بعد عودته‬

‫مختلف�� ��ة كلها أو أكثرها متصل بالدين‪ ،‬كحفلة الكس�� ��وة‪،‬‬ ‫أو طلعة احمل�� ��ل‪ ،‬أو رؤية رمضان‪ ،‬أو وفاء النيل‪ ،‬لكني لم‬ ‫أر مث�� ��ل هذا اجلذل الذي يتجاوز احلدود كلها مما رأيت‬ ‫في باريس يوم ‪ 14‬يوليو‪ .‬وما كان بالنسبة لي مفاجأة لم‬ ‫يسبق لي في احلياة مفاجأة مثلها»‪.‬‬ ‫وفي مقابل صورة اإلنسان الغربي اجلذالن واحليوي‬ ‫والنش�� ��يط‪ ،‬جنده يعطي صورة نقيضة عن الش�� ��رقي في‬ ‫منوذج اإلنس�� ��ان اليهودي في بيت املق�� ��دس قرب حائط‬ ‫املبكى ظهر اجلمعة وصبح الس�� ��بت‪ .‬فاليهودي موغل في‬ ‫اخلرافية واألسطورية‪ ،‬ومشدود إلى املاضي السحيق‪ ،‬وال‬ ‫يك�� ��ف عن البكاء‪ .‬فاليهود حني يحجون إلى حائط املبكى‬ ‫من كل األطياف تراهم «يقبل بعضهم أحجاره ويتمس�� ��ح‬ ‫بعضه�� ��م بها تبركا وطلبا للمثوبة‪ ،‬فإذا حان موعد البكاء‪،‬‬ ‫رأيت ربانيهم وقف على رأسهم يحدوهم ويجيبونه»‪.‬‬ ‫صورة اآلخر في املتخيل الرحلي العربي‬

‫‪8/10/14 9:36:50 AM‬‬

‫إن هذا املنظر مثير للشفقة والشجن‪ ،‬فهؤالء الباكون‬ ‫«تس�� ��يل دموعهم على خدودهم‪ ،‬وتخن�� ��ق العبرات بعضهم‬ ‫حتى يكاد يغص بها»‪.‬‬ ‫د ‪ -‬ميث احلياة الفنية‬ ‫في ظل هذه احليوية والنشاط اللذين يعمان اإلنسان‬ ‫األوربي‪ ،‬وه�� ��ذا التط�� ��ور العمراني الهائل‪ ،‬نتس�� ��اءل‪ :‬هل‬ ‫للحي�� ��اة الفني�� ��ة والثقافية مكان؟ إن رحلة «ش�� ��رق وغرب»‬ ‫تب��ي��ن أن اإلنس�� ��ان الغربي إنس�� ��ان محب للف�� ��ن والثقافة‪.‬‬ ‫وهو ما يؤس�� ��س مليث اإلنسان املثقف واملستنير‪ .‬وقد تأتى‬ ‫ذلك من املعارض الفنية‪ ،‬والعروض املس�� ��رحية‪ ،‬واملكتبات‬ ‫املنتشرة‪ ،‬والكتب املنتشرة على طول الشوارع‪ ،‬وخاصة في‬ ‫احل�� ��ي الالتيني بباريس‪ .‬يق�� ��ول‪« :‬في باريس ظاهرة لم أر‬ ‫مثلها في ما زرته من س�� ��ائر العواصم‪ ،‬وهذه الظاهرة أكثر‬ ‫وضوحا في احلي الالتيني منها في سائر أحياء العاصمة‬ ‫الفرنس�� ��ية‪ .‬فاملكتبات في شارع سان ميشيل وفي الشوارع‬ ‫املتفرعة منه ال يكاد يحصيها عد»‪.‬‬ ‫واإلنس�� ��ان الغربي ال يقبل بنهم على الكتب فقط‪ ،‬بل‬ ‫يتهالك على‪ ‬املسارح حتى أنك أحيانا ال جتد مكانا للجلوس‬ ‫المتالء القاعات‪ .‬يقول‪« :‬ففي فرنسا يدفعون اليوم أسعارا‬ ‫عالية للدخول إلى بيت موليير‪ ،‬وهم يزحمونه كل يوم‪ ،‬فما‬ ‫جتد به مقعدا خالي�� ��ا بعد بدء التمثيل بدقيقة أو دقائق»‪.‬‬ ‫وأما إيقاع املوسيقى والغناء في برلني «فقد كان سريعا ما‬ ‫سمعنا وما رأينا وإن لم نفهم من أمناط الغناء شيئا‪ ،‬كانت‬ ‫املوسيقى ساحرة وكان التمثيل باهرا‪ .‬وكانت تهيئة املسرح‬ ‫بدقة وإتقان يفوقان ما ش�� ��هدنا في باريس نفسها ويزيدان‬ ‫املوسيقى والتمثيل سحرا وبهرا»‪.‬‬ ‫خالصة‬ ‫بناء على ما سبق‪ ،‬يتبني أن صورة اآلخر تكتسي أهمية‬ ‫بالغ�� ��ة في النص الرحلي‪ ،‬نظرا إلى أن الذات الراحلة إلى‬ ‫الفضاء اجلديد‪ ،‬أول ما يشد انتباهها هو هذا اآلخر املغاير‬ ‫عنها ثقافيا ونفس�� ��يا‪ .‬ولعل املبح�� ��ث القمني بإثارة قضايا‬ ‫اآلخر املرحتل إلى فضائه هو الصورولوجيا من حيث كونه‬ ‫يعقد مقارنة بني صورة «األنا» وصورة «اآلخر»‪ .‬ويصطدم‬ ‫الصورولوج�� ��ي في هذا املبح�� ��ث بالعديد من املصطلحات‬ ‫واملفاهي�� ��م املعق�� ��دة واملتداخلة‪ ،‬التي حتت�� ��اج إلى كثير من‬ ‫الضبط والتحدي�� ��د‪ ،‬من قبيل‪ :‬الص�� ��ورة واملتخيل‪ ،‬وامليث‬ ‫والغريب‪ ،‬واألن�� ��ا واآلخر‪ .‬وقد كش�� ��ف التحليل التطبيقي‬ ‫لرحلة «ش�� ��رق وغرب» أن الرحالة املصري محمد حس��ي��ن‬ ‫هي�� ��كل‪ ،‬كان مؤطرا في رصده لآلخر بص�� ��ورة اإلعجاب‪ ‬‬ ‫مبيث األرض والعمران واإلنسان والفن >‬

‫‪123‬‬

‫‪sep 114-123.indd 123‬‬


‫سينما‬

‫هيتشكوك‪ ...‬اإلنسان بوصفه طريدة‬ ‫محمد الفقي *‬

‫ف ��ي واح � ��د م ��ن أروع أف�ل�ام‬ ‫املخرج األمريكي الكبير فريد‬ ‫زينمان (رج��ل لكل العصور‪،‬‬ ‫‪1966‬م)‪ ،‬يقول ت��وم��اس مور‬ ‫الب �ن �ت��ه‪« :‬ح�ي�ن يضعنا الله‬ ‫في موقف عصيب‪ ،‬علينا أن‬ ‫نُعمل العقل م��ا استطعنا‪،‬‬ ‫فإن جنحنا في التغلب على‬ ‫امل�ش�ك�ل��ة‪ ،‬ف�ه��ي مشيئته هو‬ ‫ال مشيئتنا نحن‪ ،‬أم��ا نحن‬ ‫ك �ب �ش��ر‪ ،‬ف�ت�ن�ح�ص��ر مهمتنا‬ ‫األساسية في الهروب»‪.‬‬

‫* كاتب وناقد سينمائي من مصر‬

‫‪124‬‬

‫‪8/10/14 9:37:07 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 124-129.indd 124‬‬


‫«الهروب»؛ هذه هي الكلمة املفتاح لكل أعمال‬ ‫ألفريد هيتش� � ��كوك (لندن‪ 13 ،‬أغس� � ��طس‬ ‫‪1899‬م – لوس أجنلوس‪ 29 ،‬أبريل ‪1980‬م)‪،‬‬ ‫وال� � ��ذي ميكننا القول إن مجمل أعماله كان فيلماً واحداً‬ ‫طوي ً‬ ‫ال عن اإلنس� � ��ان بوصفه طريدة‪ .‬فهيتش� � ��كوك ليس‬ ‫كاملخرج الروس� � ��ي الكبير أندريه تاركوفسكي‪ ،‬الذي كان‬ ‫يؤمن بأن اإلنس� � ��ان موجود لوظيفة جمالية‪ ،‬وأنه مهمته‬ ‫األساس� � ��ية على األرض هي اكتشاف اجلمال‪ ،‬وحتقيق‬ ‫اجلمال‪ .‬ال‪ ،‬هيتشكوك كان قد حسم أمره منذ الطفولة‬ ‫بأن اإلنس� � ��ان ليس إال طريدة‪ ،‬ومهمته األساس� � ��ية على‬ ‫األرض تنحصر في الهروب‪.‬‬ ‫معظ� � ��م نقاد الس� � ��ينما يصنف� � ��ون فيلمه «الش� � ��مال‬ ‫عبر الش� � ��مال الغربي‪1959 ،‬م» بأن� � ��ه جوهرة التاج‪ ،‬قد‬ ‫يفض� � ��ل البعض «دوار‪1958 ،‬م»‪ ،‬أو «س� � ��ايكو‪1960 ،‬م»‪،‬‬ ‫أو «النافذة اخللفية‪1954 ،‬م»‪ ،‬لكنني ش� � ��خصياً أجد أن‬ ‫«الطي� � ��ور‪1960 ،‬م» هو العمل الذي تتحقق فيه بش� � ��كل‬ ‫مثالي‪ ،‬وببالغة سينمائية مدهشة‪ ،‬رؤية هيتشكوك عن‬ ‫اإلنسان بوصفه «طريدة»؛ إنه العمل الذي حاول فيه أن‬ ‫يلخص الوضع اإلنس� � ��اني من األزل إلى األبد‪ ،‬ولذا فهو‬ ‫الفيل� � ��م الوحيد الذي نلمس في� � ��ه – إجماالً ‪ -‬ملمحاً ما‬ ‫وجودياً قلما نلمسه في أعمال هيتشكوك األخرى‪.‬‬

‫هزمية البد منها‬

‫في «الطيور»؛ اإلنسان ليس مطارداً من قبل إنسان‬ ‫آخر مثله (كما هي احلال في بقية أفالم هيتش� � ��كوك)‪،‬‬ ‫ولك� � ��ن من قبل قوى أعلى‪ ،‬وألس� � ��باب غامضة‪ ،‬وبنتيجة‬ ‫حتمي� � ��ة معلوم� � ��ة منذ البداي� � ��ة؛ هي الهزمي� � ��ة احملققة‬ ‫لإلنس� � ��ان (أيضاً عل� � ��ى عكس كل أفالم� � ��ه التي ينتصر‬ ‫فيها اإلنس� � ��ان البريء)‪ .‬فمن بني كل أفالم هيتش� � ��كوك‬ ‫الذي كان يؤمن بأن قوة الفيلم تتناس� � ��ب طردياً مع قوة‬‫الش� � ��رير‪ ،-‬يبرز «الطيور» بوصفه الفيلم الذي يبلغ فيه‬ ‫اخلطر كماله‪ ،‬يبلغ فيه الشرير الشر املطلق الذي ال راد‬ ‫له وال قدرة للبش� � ��ر على هزميت� � ��ه؛ إنها الطيور‪ ،‬الطيور‬ ‫العادي� � ��ة؛ الطيور ا��تي يرجع تاريخ وجودها على األرض‬ ‫إلى أكثر م� � ��ن ‪ 140‬مليون عام خلت‪ ،‬وها هي قد قررت‬ ‫أخيراً أن تهاجم البشرية‪ ،‬وأن تقضي على اإلنسان‪ ،‬في‬ ‫جرمية قتل صامتة‪ ،‬وألسباب غير معلومة‪ ،‬وكأن دوافع‬ ‫الش� � ��ر عدمية (هذا إن كانت هن� � ��اك دوافع أص ً‬ ‫ال لدى‬ ‫الطيور)‪ ،‬وكأن األهمية احلقيقية هي للش� � ��ر نفسه كقوة‬ ‫وجودية قاهرة‪ ،‬بغض النظر عن دوافعه‪.‬‬

‫في محادثة بني عاملة الطيور العجوز وتيبي هيدرن‪،‬‬ ‫تقول عاملة الطيور‪« :‬ولك� � ��ن‪ ،‬إذا قررت الطيور فع ً‬ ‫ال أن‬ ‫تهاجم البش� � ��ر فال أمل لنا! كيف نستطيع أن نواجهها؟!‬ ‫إنه� � ��ا أكثر م� � ��ن ‪ 100‬مليار طائر على س� � ��طح األرض!»‪.‬‬ ‫كان هيتش� � ��كوك قد صرح بأنه ل� � ��و كان «الطيور» فيلماً‬ ‫يتعلق بالصقور‪ ،‬والنسور‪ ،‬والطيور اجلارحة‪ ،‬ملا كان قد‬ ‫اهتم بتصوير الفيلم‪ .‬ما أعجب الساخر الكبير ذا القوام‬ ‫البرميل� � ��ي ه� � ��و أن األمر يتعلق بطي� � ��ور عادية‪ ،‬طيور كل‬ ‫ي� � ��وم‪ ،‬طيور كالنوارس‪ ،‬والغرب� � ��ان‪ ،‬والعصافير‪ ،‬والطيور‬ ‫البحري� � ��ة‪ ،‬التي قررت أن تقضي على البش� � ��رية (الحظ‬ ‫الف� � ��رق بينه وبني فيلم كـ «الفك املفترس‪1975 ،‬م» الذي‬ ‫س� � ��يخرجه س� � ��تيفن س� � ��بيلبرج الحقاً‪ ،‬والذي حاول فيه‬ ‫أن يقتف� � ��ي آثار «الطيور» في اس� � ��تراتيجيته العامة‪ ،‬وإن‬ ‫كان فيلماً عن أس� � ��ماك القرش املفترسة ال عن الطيور‬ ‫الوديعة رمز السالم)‪.‬‬ ‫وتبرز لنا س� � ��خرية هيتش� � ��كوك أوجها حني نكتشف‬ ‫املفارقة الكاملة بعد مش� � ��اهدة «الطيور»‪ ،‬من أن أجمل‬ ‫أفالم� � ��ه عن اله� � ��روب؛ عن اإلنس� � ��ان بوصف� � ��ه مخلوقاً‬ ‫مط� � ��ا َرداً‪ ،‬ليس به – من أوله آلخره ‪ -‬إال مش� � ��هد واحد‬ ‫فقط لهروب فعلي‪ ،‬هروب مادي حقيقي قائم‪ ،‬أما بقية‬ ‫الفيلم فاستس� �ل��ام من البش� � ��ر للطيور‪ .‬مشهد الهروب‬ ‫املادي الوحيد في الفيلم هو مش� � ��هد هروب األطفال من‬ ‫الطيور التي تطاردهم أمام املدرس� � ��ة‪ ،‬ولن تغفل ش� � ��هية‬ ‫مماثلة لش� � ��هية هيتشكوك الساخرة مالحظة أن املشهد‬ ‫كله ال ميكن إال أن يكون أيضاً مش� � ��هداً ساخراً‪ :‬الطيور‬ ‫العادية‪ ،‬طيور كل يوم تطارد األطفال!‬

‫سخرية ومفارقات‬

‫باإلضافة إلى السخرية اإلجنليزية الباردة احملقونة‬ ‫ف� � ��ي كل أفالمه‪ ،‬هيتش� � ��كوك مغرم ببن� � ��اء أفالمه أيضاً‬ ‫عل� � ��ى املفارقات‪ ،‬وه� � ��و من كب� � ��ار الس� � ��ينمائيني الذين‬ ‫متأله� � ��م الرغبة اجلارفة في العمل في نطاق املفارقات‬ ‫والتعارضات الثنائية‪ .‬كان يعتقد أنه من املفارقة الثنائية‬ ‫ينبثق ش� � ��يء ما ثالث؛ شيء أس� � ��مى من اعتيادية احلياة‬ ‫اليومية‪ .‬حياة هيتش� � ��كوك نفس� � ��ها مفارقة كبيرة؛ فهو‬ ‫بوجه� � ��ه الذي لم يعبر وجه مثله عن الس� � ��أم والضجر‬‫في العالم املعاصر‪ -‬كان يس� � ��عى طوال الوقت لتس� � ��لية‬ ‫نفس� � ��ه بالتفتيش عن التش� � ��ويق واإلث� � ��ارة‪ ،‬خالل حياته‬ ‫الرتيبة‪ ،‬واملنظمة‪ ،‬واالعتيادية‪ .‬فملك التشويق واإلثارة‪،‬‬ ‫والقت� � ��ل‪ ،‬والتنك� � ��ر‪ ،‬وعوال� � ��م اجلواس� � ��يس‪ ،‬واملبتزي� � ��ن‪،‬‬

‫‪125‬‬

‫‪8/10/14 9:37:12 AM‬‬

‫‪sep 124-129.indd 125‬‬


‫ف� � ��ي «الطيور» يتعامل هيتش� � ��كوك‬ ‫واملخربني‪ ،‬والقتلة‪ ،‬هو رجل إجنليزي‬ ‫مع الطيور كأنه� � ��ا طائرات تهاجم‬ ‫تقليدي‪ ،‬متقيد أش� � ��د التقيد بعاداته‬ ‫البشر‪ ،‬في حني يتعامل مع الطائرة‬ ‫اليومي� � ��ة‪ ،‬وطقوس� � ��ه الرتيبة التي ال‬ ‫الت� � ��ي تهاجم البط� � ��ل في الصحراء‬ ‫تتبدل‪ ،‬وحيات� � ��ه املنتظمة مع زوجته‬ ‫في الش� � ��مال عبر الش� � ��مال الغربي‬ ‫التي لم يعرف نس�� ��ا ًء غيرها طوال‬ ‫كأنها طائر من الطيور‪.‬‬ ‫حياته‪ ،‬وهو شديد االلتزام بوظيفته‬ ‫مفارقة أخ� � ��رى مهمة يالحظها‬ ‫ف� � ��ي ش� � ��ركة يونيفرس� � ��ال لإلنتاج‬ ‫املُش� � ��اهد لس� � ��ينما هيتش� � ��كوك‪ :‬أن‬ ‫السينمائي التي تستمر من التاسعة‬ ‫أجمل مش� � ��اهد القتل في سينماه ال‬ ‫صباحاً إلى السادس� � ��ة مسا ًء‪ .‬كان‬ ‫حت� � ��دث لي� �ل � ً‬ ‫ملك املطاردات‪ ،‬الرجل الذي تزخر‬ ‫ا‪ ،‬بل نه� � ��اراً وفي وضح‬ ‫أفالمه باحلركة والعدو والهروب‪،‬‬ ‫الن� � ��ور‪ .‬مفارقات هيتش� � ��كوك تنهض‬ ‫جاري جرانت في «شما ًال باجتاه الغرب»‬ ‫هو نفس� � ��ه الرجل الذي يكره كرهاً‬ ‫أيض � � �اً ما بني الص� � ��ورة واحلوار‪ .‬هناك‬ ‫شديداً بذل أي مجهود بدني من أي نوع‪.‬‬ ‫دائم � � �اً ‪ -‬وعلى وجه اإلجمال ‪ -‬طب� � ��اق بني ما نراه في‬ ‫ً‬ ‫املفارقات الثنائية مبثوثة كتفاصيل بصرية ال نهاية الصورة وما يدور من حوار بني الش� � ��خصيات‪ ،‬ونادرا ما‬ ‫لها في أعمال هيتش� � ��كوك‪ .‬من املفارقات في «الطيور» يكرر احلوار ما يرد ف� � ��ي الصورة؛ هذا من أهم املبادئ‬ ‫مث� �ل � ً‬ ‫ا‪ :‬يقبض ميتش في بداية الفيلم على طير الكناري التي يعمل هيتشكوك في ظلها‪ ،‬وهو مبدأ اكتسبه أثناء‬ ‫الذي أفلت من ميالني‪ ،‬ويودعه في القفص‪ ،‬قائ ً‬ ‫ال‪« :‬ها عمله في الس� � ��ينما الصامتة في بداي� � ��ة حياته املهنية‪،‬‬ ‫أنا أضع� � � ِ�ك في قفصك الذهبي يا ميالن� � ��ي دانييلز!»‪ .‬حني تعلم كيف ي� � ��روي القصة البصرية بالصورة فقط‪،‬‬ ‫في ما بعد‪ ،‬وفي خليج بوديجا‪ ،‬تلجأ ميالني إلى كش� � ��ك وبعد دخول الصوت للسينما‪ ،‬كان من أوائل السينمائيني‬ ‫هات� � ��ف زجاجي هرباً من هجمات الطيور‪ ،‬متاماً كطائر الذين عملوا على أن يكون الصوت «إضافة» إلى القصة‬ ‫الكناري في القفص‪ ،‬لكن القفص هذه املرة ليس ذهبياً‪ ،‬البصرية‪ ،‬وليس مجرد تكرار لها‪.‬‬ ‫اختيار أبطال الفيلم في حد ذاته قد يخضع أيضاً‬ ‫بل كارثياً‪.‬‬ ‫للمفارق� � ��ات عند هيتش� � ��كوك‪ .‬فمث ً‬ ‫ال‪ ،‬في فيلم «س� � ��يئة‬ ‫الطريق كمفارقة بصرية‬ ‫الس� � ��معة‪1946 ،‬م» يختار هيتش� � ��كوك األبط� � ��ال تنفيذاً‬ ‫في أحد املشاهد األخرى البليغة في «الطيور»‪ ،‬يأمر ملفارق� � ��ة خطرت عل� � ��ى باله أثناء التحضي� � ��ر للفيلم؛ أن‬ ‫هيتشكوك مساعديه برش الطريق الترابي الذي تسير يس� � ��تغل الفارق في طول القامة ب� �ي��ن إجنريد برجمان‬ ‫عليه س� � ��يارة والدة ميتش باملياه‪ ،‬حتى ال تثير الس� � ��يارة وكلود ريت� � ��ز‪ ،‬كعامل إلثارة االنفعال لدى اجلمهور؛ رجل‬ ‫الغبار أثناء سيرها‪ .‬وفي أعقاب اكتشافها مقتل املزارع قصير عاشق المرأة طويلة!‬ ‫وفقأ الطيور لعينيه‪ ،‬تسرع والدة ميتش هاربة بسيارتها‬ ‫على الطريق الترابي الذي أمر هيتش�� ��كوك مس�� ��اعديه سينما عقوق اإلنسان‬ ‫هذه امل� � ��رة بأن يعمل� � ��وا على أن يثير أكب� � ��ر قدر ممكن‬ ‫التحريات حول حياة وطريقة عمل هيتشكوك تثبت‬ ‫م� � ��ن التراب أفقي � � �اً‪ .‬مفارقة بصرية ب� �ي��ن هدوء النفس لن� � ��ا أن املفارق� � ��ة الثنائية لعبت دوراً كبي� � ��راً في عالقته‬ ‫وسالمها قبل اكتش� � ��اف الكارثة‪ ،‬واضطرابها وانفعالها بجمهور املشاهدين من ناحية‪ ،‬وبطريقة صنعه ألفالمه‬ ‫من ناحية ثانية‪ .‬كان هيتشكوك يؤمن منذ صدر شبابه‬ ‫أثناء الهروب‪.‬‬ ‫فيلم «الطيور» بأكمله ينهض على املفارقة الثنائية ما بأن اإلنسان مخلوق عاق بطبعه‪ ،‬وقد تعمق هذا اإلميان‬ ‫بني حال اإلنس� � ��ان وحال الطيور‪ .‬هذه املرة‪ ،‬الطيور هي أكثر فأكثر عب� � ��ر جتاربه الطويلة م� � ��ع جمهور أفالمه‪.‬‬ ‫الطليقة واإلنسان هو املوجود داخل القفص‪ .‬هذه املرة‪ ،‬كان يرى أن املشاهدين يدخلون الفيلم‪ ،‬ويستمتعون به‪،‬‬ ‫ولكنه� � ��م يصرون على إظهار أن حبكة القصة في الفيلم‬ ‫طيور كل يوم هي الصياد‪ ،‬واإلنسان هو الطريدة‪.‬‬ ‫املفارقة في أعمال هيتشكوك ال توجد فقط داخل لم تنطل عليهم‪ .‬كان هيتشكوك يرى في ذلك ضرباً من‬ ‫الفيلم الواحد‪ ،‬بل ميكن رصدها أيضاً ما بني فيلم وفيلم‪ .‬الشيزوفرينيا يقود اجلماهير إلى مجافاة متعتهم أثناء‬

‫‪126‬‬

‫‪8/10/14 9:37:15 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 124-129.indd 126‬‬


‫قواعد هيتشكوك خالفت قصص أجاثا كريستي‬

‫الفرجة؛ االستمتاع بالفيلم‪ ،‬وادعاء أن األالعيب الواردة‬ ‫به ل� � ��م تنطل عليهم ف� � ��ي الوقت نفس� � ��ه! ولذلك‪ ،‬وطد‬ ‫هيتشكوك نفس� � ��ه على الرد على هذا التحدي بسلوك‬ ‫منهج معني في اإلخراج ال ميكن معه للجمهور أن يحزر‬ ‫ما الذي س� � ��تكون علي� � ��ه اللقطة التالي� � ��ة (نفس طريقة‬ ‫موتس� � ��ارت في التأليف املوس� � ��يقي‪ ،‬والتي اس� � ��تلهمها‬ ‫املوس� � ��يقار محمد عبد الوهاب أيض � � �اً في عمله؛ حيث‬ ‫كان من املس� � ��تحيل توقع اجلملة املوس� � ��يقية التالية في‬ ‫أي حلن جديد)؛ هي سلطة مطلقة استبدادية ميارسها‬ ‫هيتش� � ��كوك على اجلمهور بفضل نوع خاص من تقطيع‬ ‫املش� � ��هد الواحد إلى أحجام لقطات مختلفة‪ ،‬لكل حجم‬ ‫منه� � ��ا هدف محدد يهدف إلى إح� � ��داث تأثير بعينه في‬ ‫اجلمهور‪ ،‬وهو ما أصبح أس� � ��لوباً فري� � ��داً بلغ ذروته في‬ ‫فيلم «الش� � ��مال عبر الش� � ��مال الغرب� � ��ي»‪ ،‬ثم أخذت عنه‬ ‫ألعاب الفيديو احلديثة التي تُبنى استراتيجيتها العامة‬ ‫على أس� � ��اس املراحل التراتبي� � ��ة (أو املقاطع املنفصلة‪-‬‬ ‫املتصلة) لرحلة البطل للوصول إلى الهدف النهائي‪.‬‬ ‫دور املفارقة كبير أيضاً في اقتناع هيتش� � ��كوك (أبو‬ ‫القوانني في سينما التش� � ��ويق) مببادئ سينمائية معينة‬ ‫وااللتزام بها طوال مشواره الفني‪ .‬فالسينمائي والناقد‬ ‫العارف بأعمال هيتش� � ��كوك يعلم أن هناك قواعد ثابتة‬ ‫ال تتغير ف� � ��ي كل أفالمه؛ قواعد كان ق� � ��د طورها أثناء‬ ‫هيتشكوك‪ ...‬اإلنسان بوصفه طريدة‬

‫‪8/10/14 9:37:19 AM‬‬

‫عمل� � ��ه باملالحظة الدقيق� � ��ة واألملعية املش� � ��هود له بها‪،‬‬ ‫وأثبت� � ��ت جدواه� � ��ا على مر مش� � ��واره الفن� � ��ي في حبس‬ ‫أنفاس املش� � ��اهدين‪ ،‬وفي احلفاظ عل� � ��ى قدر كبير من‬ ‫«طزاجة» املش� � ��اهدات املتعددة للفيلم الواحد‪ ،‬بحيث ال‬ ‫ميل اجلمهور من تكرار مشاهدة الفيلم الواحد مع مرور‬ ‫الزمن‪.‬‬

‫املفاجأة أساس عمل هيتشكوك‬

‫من أهم هذه القواعد «الهيتش� � ��كوكية»‪ ،‬قلب ما هو‬ ‫متعارف عليه في القصص البوليس� � ��ية املعروفة بـ «من‬ ‫الفاعل؟» رأس � � �اً على عقب؛ فهيتش� � ��كوك –على عكس‬ ‫أجاثا كريس� � ��تي مث ً‬ ‫ال‪ -‬يكش� � ��ف لل ُمش� � ��اهد عن الفاعل‬ ‫احلقيقي في أول ‪ 10‬دقائق بالفيلم‪ ،‬ألن أس� � ��اس عمله‬ ‫ليس ه� � ��و حتقيق «املفاجأة» في نهاية الفيلم – كما هي‬ ‫رواي� � ��ات أجاثا كريس� � ��تي التي يتضح ف� � ��ي نهاية آخر ‪5‬‬ ‫صفحات منها أن الفاعل احلقيقي هو أبعد ش� � ��خصية‬ ‫ميكن أن يتصورها القارئ‪ ،-‬ال‪ ،‬بل إن هدف هيتشكوك‬ ‫هو على الدوام احملافظة على «التشويق» من أول الفيلم‬ ‫إل� � ��ى آخره‪ ،‬ويحقق ذلك عن طري� � ��ق الترقب الدائم من‬ ‫قبل املُش� � ��اهد ملصير البطل املظلوم الذي يسعى إلثبات‬ ‫براءته‪ ،‬بينما املُش� � ��اهد يعلم الفاع� � ��ل احلقيقي‪ ،‬ويتابع‬ ‫رحل� � ��ة البطل بانفعال أثناء محاولته إلثبات براءته‪ .‬لقد‬

‫‪127‬‬

‫‪sep 124-129.indd 127‬‬


‫أدرك هيتش� � ��كوك في بداية عمله السينمائي أن ما هو‬ ‫مناس� � ��ب لألدب ليس مناسباً للس� � ��ينما‪ ،‬على األقل تلك‬ ‫التي يفضل صنعها‪ ،‬فطور هو بنفس� � ��ه قواعد التشويق‬ ‫الس� � ��ينمائي‪ ،‬والتي أثمرت عن جناحات شعبية ونقدية‬ ‫ألفالمه‪ ،‬ويحس� � ��ب له أنه لم يقع ف� � ��ي فخ غواية حتويل‬ ‫األعم� � ��ال األدبية الكبرى إلى س� � ��ينما؛ وم� � ��ن ذلك مث ً‬ ‫ال‬ ‫رفضه حتويل رائعة دوستويفس� � ��كي «اجلرمية والعقاب»‬ ‫إلى عمل سينمائي‪ ،‬وتفضيله العمل على قصص وروايات‬ ‫من املس� � ��توى التجاري الع� � ��ادي‪ ،‬أعمال لم حتقق كمالها‬ ‫األدبي‪ ،‬وميكن العمل بحرية على تطويرها بصرياً‪.‬‬ ‫كان هيتشكوك يقدر الفن السينمائي تقديراً كبيراً‬ ‫بوصفه الش� � ��كل البصري احلديث للثقافة اإلنس� � ��انية‪،‬‬ ‫وه� � ��و الذي وصفه الفيلس� � ��وف الفرنس� � ��ي جي� � ��ل دولوز‬ ‫(مفاوض� � ��ات‪1990 ،‬م) بأن� � ��ه همزة الوص� � ��ل بني تقاليد‬ ‫التجريب اإلجنليزي الكالس� � ��يكي وحركة احلداثة؛ آخر‬ ‫فرسان الكالس� � ��يكية وأول فرسان احلداثة السينمائية‪.‬‬ ‫هيتش� � ��كوك كمؤلف س� � ��ينمائي رائد كان يحم� � ��ل فهماً‬ ‫بصرياً معقداً للسينما بوصفها شك ً‬ ‫ال يجمع بني شعبوية‬ ‫احلكي‪ ،‬والشكل الطليعي للفن بوصفه جتريباً مستمراً‪،‬‬ ‫وهو ما جع� � ��ل الكتابات النقدية احلديثة تصنف أعماله‬ ‫لي� � ��س فقط كأعمال تنتمي للموجة الش� � ��عبية للس� � ��ينما‬ ‫اجلماهيري� � ��ة‪ ،‬بل أيضاً كأعمال حتوي ق� � ��دراً كبيراً من‬ ‫الس� � ��يريالية أحياناً والتعبيري� � ��ة أحياناً أخرى‪ ،‬حتى وإن‬ ‫تخفت هذه األعمال وراء شعبويتها‪.‬‬

‫ملاذا يخشى الظالم؟‬

‫تأثر هيتش� � ��كوك يب� � ��دو لنا عميق � � �اً بكتابات كل من‬ ‫ش� � ��ارل بودلي� � ��ر‪ ،‬وجوس� � ��تاف فلوبير‪ ،‬وأوس� � ��كار وايلد‪،‬‬ ‫وإدج� � ��ار آالن بو‪ .‬تأثره بب� � ��و يرجع إلى الطفولة‪ ،‬ونلمس‬ ‫ذلك في مقال نادر كتبه هيتشكوك بعنوان «ملاذا أخشى‬ ‫الظ� �ل��ام؟‪1961 ،‬م»‪ ،‬وص� � ��ف في� � ��ه تأثره الش� � ��ديد في‬ ‫طفولته بقصص ب� � ��و اخليالية والغريبة وخصوصاً كتابه‬ ‫«حكايات الغرائب والعرائب‪1840 ،‬م» (‪Tales of the‬‬ ‫‪ .)Grotesque and Arabesque‬سينما هيتشكوك‬ ‫بأكمله� � ��ا تبدو لنا وكأنها حتمل ق� � ��دراً كبيراً من الفضل‬ ‫لعال� � ��م إدجار آالن بو وقصصه املليئة مبرض اس� � ��تحواذ‬ ‫الفك� � ��رة الواحدة (الح� � ��ظ أيضاً أن معظم ش� � ��خصيات‬ ‫دوستويفس� � ��كي ف� � ��ي ما بع� � ��د سيس� � ��تحوذ عليها مرض‬ ‫الفكرة الواحدة)‪ ،‬والغموض‪ ،‬والش� � ��خصيات التي تنضح‬ ‫بالغرابة‪ .‬التأثر والتش� � ��ابه بني بو وهيتش� � ��كوك ال ميتد‬

‫‪128‬‬

‫‪8/10/14 9:37:22 AM‬‬

‫مخرج وممثل بارع‬

‫فقط ليش� � ��مل االهتمام بكل ما له عالق� � ��ة بالرعب‪ ،‬بل‬ ‫أيضاً بالنظر إلى اإلنسان على أنه كائن عاق‪ ،‬تنتفي من‬ ‫تصرفاته صفة الرش� � ��ادة واحلكم� � ��ة‪ ،‬باإلضافة إلى ولع‬ ‫كل من بو وهيتشكوك بالفنون املختلفة وفهمهما العميق‬ ‫لها‪ ،‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬شعبوية أعمال كل منهما‪ ،‬والروح‬ ‫شبه ‪ -‬العلمية التي تغلف أيضاً أعمالهما‪.‬‬ ‫تب� � ��دو تأثي� � ��رات عوالم ب� � ��و أكثر ما تب� � ��دو في فيلم‬ ‫«النافذة اخللفي� � ��ة‪1954 ،‬م» والذي ميكننا اعتباره فيلماً‬ ‫داخل الفيلم (جيمس س� � ��تيوارت املصور قعيد الكرس� � ��ي‬ ‫املتحرك امله� � ��ووس مبراقبة حي� � ��وات جيرانه عبر نافذة‬ ‫حجرته الت� � ��ي تطل على الفناء اخللف� � ��ي)‪ .‬وفيلم «دوار»‬ ‫الذي نقترب فيه أكثر من س� � ��يريالية تش� � ��به س� � ��يريالية‬ ‫بو‪ ،‬ونحن نتابع التحري الس� � ��ابق سكوتي املصاب بعقدة‬ ‫اخلوف من األماكن املرتفعة‪ ،‬والذي تتداخل عنده عوالم‬ ‫احلقيقة باألحالم (كما تتداخل عوالم السينما الشعبية‬ ‫بالطليعية عند هيتشكوك نفسه)‪ ،‬ويصبح في رحلة بحث‬ ‫ع� � ��ن املعنى‪ ،‬بعد أن فتح الغم� � ��وض اإلمكانات الالنهائية‬ ‫لتفس� � ��ير تشابه ش� � ��خصية فتاة يقابلها حديثاً مع أخرى‬ ‫شهد موتها بأم عينيه‪ .‬وحتى فيلم «سايكو» الذي يحاول‬ ‫فيه املجرم املختل أنطوني بيركنز أن يخلق أمه من جديد‪،‬‬ ‫بتجميع ش� � ��ذرات من مواد وألبس� � ��ة مختلفة (كمحاوالت‬ ‫هيتش� � ��كوك نفس� � ��ه أن يخلق فناً خالصاً من الس� � ��ينما‪،‬‬ ‫مستعيناً بشذرات وتأثيرات من الفنون األخرى)‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 124-129.indd 128‬‬


‫منطقي � � �اً ومعقوالً؛ فالهروب ال‬ ‫تبدو تأثيرات «بو» أيضاً مبثوثة في‬ ‫يتحمل تفكيراً ميتافيزيقياً‪ ،‬قد‬ ‫كل أفالم هيتش� � ��كوك؛ لي� � ��س فقط من‬ ‫حيث التأثر بسيريالية بو التي تظهر في‬ ‫يتحمل حملات‪ ،‬أو ش� � ��ذرات من‬ ‫مش� � ��اهد األحالم والكوابيس في أفالم‬ ‫مقاربات تأملي� � ��ة‪ ،‬حتدث أثناء‬ ‫هيتش� � ��كوك ‪-‬مثل احلل� � ��م الذي صممه‬ ‫الهدنة ب� �ي��ن مط� � ��اردة وأخرى‪،‬‬ ‫س� � ��لفادور دالي في فيلم «املمس� � ��وس‪،‬‬ ‫خالل استراحات الطريدة عبر‬ ‫‪1945‬م»‪ ،‬أو احلل� � ��م الذي صممه جون‬ ‫الطريق الطويل للهرب ‪-‬كما هي‬ ‫احلال مث ً‬ ‫فيرين ف� � ��ي فيل� � ��م «دوار» ‪ ،-‬ولكن في‬ ‫ال ف� � ��ي لقطة في فيلم‬ ‫األس� � ��اس ف� � ��ي االس� � ��تراتيجية العامة‬ ‫«الطيور»‪ ،‬عندما جتلس ميالني‬ ‫لعمل هيتش� � ��كوك‪ ،‬التي يتضح لنا أنه‬ ‫أمام املدرسة وتشعل سيجارة في‬ ‫كان يه� � ��دف منها إل� � ��ى إرباك احلس‬ ‫انتظار خ� � ��روج األطفال‪ ،-‬لكنه ال‬ ‫عند هيتشكوك الفاعل معروف‬ ‫الواقعي العام ف� � ��ي الفيلم ملصلحة عوالم‬ ‫يتحمل عمقاً فلسفياً وال روحاً تأملية‬ ‫األحالم ومنطقها‪ ،‬وهو ما جعل الس� � ��يناريو ‪ -‬ومنطقية طويل� � ��ة‪ .‬فعلى الطريدة أن تس� � ��تأنف س� � ��ريعاً هروبها‪،‬‬ ‫الس� � ��رد الس� � ��ينمائي طبقاً للقواعد الكالس� � ��يكية ‪ -‬هو ش� � ��احذة كل تفكيرها في صعوبات وعقب� � ��ات الطريق‪،‬‬ ‫أضعف العناصر على اإلطالق في س� � ��ينما هيتشكوك‪ .‬على اإلنسان ‪ -‬الطريدة أن يتخطى عوائق الطريق كما‬ ‫لك� � ��ن من املفارقات حت� � ��ى هنا‪ ،‬أن ه� � ��ذا البناء لألفالم يتخطى الع� � ��داء احلواجز في س� � ��باقات العدو واجتياز‬ ‫مبنطق األحالم‪ ،‬كان يغلفه هيتش� � ��كوك بهوس ش� � ��ديد املوان� � ��ع‪ .‬هروب‪ ،‬وهروب فقط‪ ،‬ممزوج بس� � ��خرية باردة‬ ‫نح� � ��و توثيق واقعي لكل ما له عالقة بالعناصر البصرية ميزت كل أفالمه‪ ،‬س� � ��واء التي صنعها ف� � ��ي إجنلترا‪ ،‬أو‬ ‫والش� � ��كلية في الفيل� � ��م (الديكورات‪ ،‬واإلكسس� � ��وارات‪ ،‬تل� � ��ك التي صنعها بع� � ��د االنتقال لهولي� � ��وود والعمل في‬ ‫والشوارع‪ ،‬واملباني‪ ...‬إلخ)‪ ،‬بل وكان يفاخر بقدرته على استوديوهاتها‪.‬‬ ‫إح� � ��دى املفارق� � ��ات التأملي� � ��ة الن� � ��ادرة في س� � ��ينما‬ ‫النقل ش� � ��به احلرفي لألماكن احلقيقية التي وقعت فيها‬ ‫هيتشكوك جندها في فيلم «دوار»؛ في مشهد أقدم كائن‬ ‫األحداث إلى الديكورات السينمائية‪.‬‬ ‫ورغ� � ��م املنطق الع� � ��ام للحلم الذي يغلف كل س� � ��ينما حي في العالم‪ :‬شجرة «سكوايا سمبرفايرنس» املوجودة‬ ‫هيتش� � ��كوك‪ ،‬فإنن� � ��ا ال نكاد نلم� � ��س في أعمال� � ��ه روحاً في إحدى غابات مدينة س� � ��ان فرانسيس� � ��كو والتي يبلغ‬ ‫تأملية أو روحانيات أو محاوالت فلس� � ��فية – على عكس عمرها أكثر من ‪ 2000‬سنة‪ .‬تقف كيم نوفاك أمام مقطع‬ ‫س� � ��ينما تاركوفسكي أو برجمان مث ً‬ ‫ال‪ ،-‬واملبرر هنا يبدو عرضي جلذع ش� � ��جرة نبتت عام ‪909‬م‪ ،‬ومت قطعها عام‬ ‫‪1930‬م‪ .‬املقط� � ��ع العرضي علي� � ��ه عالمات توضح توافق‬ ‫تطور منو الشجرة مع تواريخ بعض األحداث املهمة في‬ ‫العالم الغربي‪ :‬توقيع «املاجنا كارتا» ‪1215‬م‪ ،‬اكتش� � ��اف‬ ‫أمري� � ��كا ‪1492‬م‪ ،‬إعالن االس� � ��تقالل األمريكي ‪1776‬م‪.‬‬ ‫تشير كيم نوفاك بسبابة القفاز املخملي إلى نقطة على‬ ‫مقطع جذع الش� � ��جرة وتقول جليمس س� � ��تيوارت‪« :‬هنا‬ ‫ولدت»‪ ،‬ويزحف إصبع الوسطى ليشير إلى نقطة بجوار‬ ‫األول� � ��ى وتقول‪« :‬وهنا مت»‪ .‬في حلظة تتحول اإلش� � ��ارة‬ ‫الزمانية إلى إش� � ��ارة مكانية‪ ،‬فيتم االستدالل على عمر‬ ‫زماني كامل مبس� � ��افة مكانية هي املس� � ��افة بني إصبعي‬ ‫الس� � ��بابة والوس� � ��طى املتالصقني؛ كأن ليس ثمة طريقة‬ ‫أخ� � ��رى لالس� � ��تدالل على تفاهة زمن حياة اإلنس� � ��ان إال‬ ‫بفضيحة مكانية صارخ� � ��ة‪ .‬مفارقة تأملية نادرة تصدر‬ ‫عن بطلة طريدة تستريح قلي ً‬ ‫ال من عناء الطريق >‬ ‫من ملصقات فيلم الطيور‬ ‫هيتشكوك‪ ...‬اإلنسان بوصفه طريدة‬

‫‪8/10/14 9:37:26 AM‬‬

‫‪129‬‬

‫‪sep 124-129.indd 129‬‬


‫طرائف عربية‬

‫< كان احلج ��اج ب ��ن يوس ��ف الثقف ��ي‬ ‫يستحم باخلليج فأشرف على الغرق فأنقذه‬ ‫أحد املس ��لمني‪ ،‬وعندم ��ا حمله إلى البر قال‬ ‫له احلجاج‪ :‬اطلب ما تشاء فطلبك مجاب!‬ ‫فقال الرجل‪ :‬وم ��ن أنت حتى جتيب لي‬ ‫أي طلب؟‬ ‫قال‪ :‬أنا احلجاج الثقفي‪.‬‬ ‫فق ��ال الرج ��ل ل ��ه‪ :‬طلبي الوحي ��د أنني‬ ‫سألتك بالله أال تخبر أحد ًا أنني أنقذتك!‬

‫***‬ ‫طبع الناسك‬ ‫ف ��ي كت ��اب الهن ��د أن ناس ��كا كان ل ��ه‬ ‫س ��من في ج ّرة معلقة على سريره‪ ،‬ففكر‬ ‫يوم ��ا وهو مضطجع على س ��ريره وبيده‬ ‫ع ��كاز‪ ،‬فقال‪ :‬أبيع اجلرة بعـش ��رة دراهـم‪،‬‬ ‫فأش ��تري به ��ا خم ��س عن ��زات‪ ،‬فــأده ��ن‬ ‫ف ��ي كل س ��نة مرتني‪ ،‬حتى تبل ��غ ثمانني‬ ‫وأبيعه ��ا‪ ،‬فأبــت ��اع ب ��كل عـش ��ر بقـ ��رة‪ ،‬ثم‬ ‫ينمو املال بيدي‪ ،‬فأبتاع العبيد واإلماء‪،‬‬ ‫ويول ��د ل ��ي ولد فآخذ به ف ��ي األدب‪ ،‬فإن‬ ‫عصاني ضــربــــتــه‬ ‫بــــه ��ذه العـــــص ��ا‪.‬‬ ‫وأش� �ـار بالعـــــص ��ا‬ ‫فــأص ��اب الــــجــرة‪،‬‬ ‫وانصب‬ ‫فانكسرت‬ ‫ّ‬ ‫الس� �مـــــن عـل ��ى‬ ‫وجهه ورأسه‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫‪8/10/14 9:37:53 AM‬‬

‫< ج ��اء رج ��ل إل ��ى اجلاح ��ظ‪ ،‬وق ��ال له‪:‬‬ ‫أري ��دك أن تكت ��ب إلى صاحبك ف�ل�ان كتاب ًا‬ ‫توصيه فيه أن يس ��اعدني ف ��ي أمر أحتاجه‬ ‫منه‪...‬‬ ‫فكت ��ب اجلاحظ رس ��الة إل ��ى صاحبه‪،‬‬ ‫وختمه ��ا وأعطاه ��ا للرجل‪ ،‬حم ��ل الرجل‬ ‫أخشى أن يسجد!‬ ‫كان رج ��ل ف ��ي دار بأج ��رة وكان خش ��ب‬ ‫الس ��قف قدمي ًا بالي ًا ف ��كان يتفرقع كثيراً‪،‬‬ ‫فلما جاء صاحب الدار يطالبه باألجرة‬ ‫ق ��ال ل ��ه‪ :‬أصل ��ح ه ��ذا الس ��قف فإن ��ه‬ ‫يتفرقع‪.‬‬ ‫ق ��ال‪ :‬ال تخ ��ف وال ب ��أس علي ��ك فإن ��ه‬ ‫يسبح الله‪.‬‬ ‫فق ��ال ل ��ه‪ :‬أخش ��ى أن تدرك ��ه اخلش ��ية‬ ‫فيسجد‪.‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 130-131.indd 130‬‬


‫الــــرس ��الة‪ ،‬وملــــ ��ا خـــ ��رج من بي ��ت اجلاحظ‬ ‫ـــضـــــه ��ا وقــــرأه ��ا فإذا فيها‪« :‬أرس ��ل إليك‬ ‫ف َّ‬ ‫ه ��ذا الكتاب م ��ع ش� �خـــــص ال أعرف ��ه‪ ،‬فإذا‬ ‫س ��اعدته لن أش ��كرك‪ ،‬وإذا لم تس ��اعـــده لن‬ ‫ألومك»‪...‬‬ ‫فغض ��ب الــــرج ��ل وعـ ��اد إلـــ ��ى اجلاح ��ظ‬ ‫حانق� � ًا‪ ،‬فق ��ال اجلاح ��ظ‪ :‬كأن ��ك فضض ��ت‬ ‫الرسالة وقرأت ما فيها‪.‬‬ ‫قال الرجل‪ :‬نعم‪.‬‬ ‫فق ��ال اجلاح ��ظ‪ :‬ال تغض ��ب‪ ،‬م ��ا جاء في‬ ‫الرس ��الة إمنا هو عالمة ل ��ي إذا أردت العناية‬ ‫بشخص‪.‬‬ ‫ق ��ال الرج ��ل‪ :‬قط ��ع الله يدي ��ك ورجليك‬ ‫ولعنك‪.‬‬ ‫قال اجلاحظ‪ :‬ما هذا؟!‬ ‫ق ��ال الرج ��ل‪ :‬ه ��ذا عالمة ل ��ي إذا أردت أن‬ ‫أشكر شخص ًا‪.‬‬

‫< دخ ��ل عمران بن حط ��ان يوم ًا على‬ ‫امرأته‪ ،‬و كان قبيح الش ��كل دميم ًا قصير ًا‬ ‫وكان ��ت امرأت ��ه حس ��ناء‪ ،‬فلما نظ ��ر إليها‬ ‫ازدادت ف ��ي عين ��ه جم ��ا ًال وحس ��ن ًا فل ��م‬ ‫يتمالك أن يدمي النظر إليها‪.‬‬ ‫فقالت‪ :‬ما شأنك؟‬ ‫قال‪ :‬احلمد لله‪ ..‬لقد أصبحت والله‬ ‫جميلة‪.‬‬ ‫فقالت‪ :‬أبشر فإني وإياك في اجلنة!‬ ‫قال‪ :‬ومن أين علمت ذلك؟‬ ‫قال ��ت‪ :‬ألنك ُأعطيت مثلي فش ��كرت‪،‬‬ ‫وأن ��ا ُابتلي ��ت مبثل ��ك فصب ��رت‪ ،‬والصابر‬ ‫والشاكر في اجلنة‪.‬‬

‫وصف حمار‬ ‫الهيثم بن عدي قال‪ :‬بينما أنا بكناسة‬ ‫الكوف ��ة‪ ،‬إذا برجل مكفوف البصر قد وقف‬ ‫على نخاس يسوق الدواب‪ ،‬فقال له‪ :‬أبغني‬ ‫حم ��ارا ال بالصغي ��ر احملتق ��ر‪ ،‬وال بالكبي ��ر‬ ‫املشتهر‪ ،‬إذا خال له الطريق تدفق‪ ،‬وإذا كثر‬ ‫الزح ��ام توف ��ق‪ ،‬وإن أقللت علف ��ه صبر‪ ،‬وإن‬ ‫أكثرته شكر‪ ،‬وإذا ركبته هام‪ ،‬وإن ركبه غيري‬ ‫ن ��ام‪ .‬قال ل ��ه النخاس‪ :‬يا عب ��د ال َلّه اصبر‪،‬‬ ‫ف ��إذا مس ��خ ال ّ َل ��ه القاض ��ي حم ��ارا أصب ��ت‬ ‫حاجتك إن شاء ال َلّه!‬

‫حيطة أعمى‬ ‫كان باملدينة أعمى يكنى أبا عبدال َلّه‪،‬‬ ‫أتى يوما يغتسل من عني‪ ،‬فدخل بثيابه؛‬ ‫علي‬ ‫فقي ��ل له‪ :‬بلل ��ت ثيابك‪ .‬ق ��ال‪ :‬تبتلّ ّ‬ ‫إلي من أن جتف على غيري‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أحب ّ‬

‫‪131‬‬

‫‪8/10/14 9:37:58 AM‬‬

‫‪sep 130-131.indd 131‬‬


‫عمارة‬

‫عمارة ما بعد احلداثة‪...‬‬ ‫كسر االعتياد وحتطيم املألوف‬ ‫د‪.‬بدر الدين مصطفى *‬ ‫يقول جيمسون «ليس هناك حقل من احلقول املعرفية شعر فيه رجاله مبوت احلداثة‬ ‫وأعلنوا عن ذلك بصورة حادة‪ ،‬مثلما حدث في فن العمارة»‪.‬‬

‫كان فن العم� � ��ارة هو أول الفن� � ��ون تأث ًرا‬ ‫بصيح� � ��ات ما بعد احلداث� � ��ة‪ .‬وقد ذهب‬ ‫جانكس في كتابه «لغ� � ��ة العمارة ما بعد‬ ‫احلداثي� � ��ة» ‪The Language Of Postmodern‬‬ ‫‪ Architecture‬إل� � ��ى أن النهاي� � ��ة «الرمزية» للحداثة‬ ‫ميكن حتديدها عند الساعة ‪ 3:20‬من يوم اخلامس‬ ‫عش� � ��ر من يوليو عام ‪ 1972‬عندما جرى نسف مبنى‬ ‫بروي� � ��ت ‪ -‬إيجو ‪ Pruitt - Igoe‬لس� � ��كن ذوي الدخل‬ ‫احملدود في سانت لويس باعتباره بيئة غير صاحلة‬ ‫للس� � ��كن فيها‪ .‬لق� � ��د تهاوت أف� � ��كار ل� � ��ي كوربوزييه‬ ‫‪( Le Corbusier‬كان املبن� � ��ى ق� � ��د ن� � ��ال جائ� � ��زة لي‬ ‫كوربوزييه ح� � ��ول «آلة العيش احلدي� � ��ث»)‪ ،‬وممثلني‬ ‫آخري� � ��ن لـ«احلداثة العليا» وأفس� � ��حت الطريق أمام‬ ‫تقدم ص� � ��ارخ إلمكانات متعددة‪ .‬لق� � ��د رأى جانكس‬ ‫أن األه� � ��م في هدم مجمع «بروي� � ��ت إيجو» الطريقة‬ ‫الت� � ��ي مت بها الهدم وهي (النس� � ��ف)‪ ،‬والتي أضحت‬ ‫مثاالً على النسق الفكري‪ ،‬والنموذج األساس ملا بعد‬ ‫احلداث� � ��ة‪ .‬فالنظرية احلداثية املعمارية كانت تعتمد‬ ‫في األس� � ��اس على فكرة الوظيفة دون االلتفات إلى‬ ‫* أكادميي من مصر‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫‪8/10/14 9:42:37 AM‬‬

‫الش� � ��كل‪ ،‬وأن يحقق البناء وظيفته على النحو األمت‪،‬‬ ‫بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى تتعلق بش� � ��كل‬ ‫البناء ومكامن اجلمال فيه‪ .‬وكما يقول جني جاكوبس‬ ‫‪ J. Jacobs‬في دراس� � ��ته املهمة «موت املدن األمريكية‬ ‫الكب� � ��رى وحياتها»‪« :‬إن املس� � ��طحات احلضرية التي‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 132-137.indd 132‬‬


‫مراقب آلي للقراء الشاردين‪ ...‬أحدث إجنازات الذكاء االصطناعي‬

‫‪8/10/14 9:42:41 AM‬‬

‫‪133‬‬

‫‪sep 132-137.indd 133‬‬


‫سعت احلداثة املعمارية الكالسيكية األنيقة إلى متييز نفسها عن بقية نسيج املدينة األرضي الذي تظهر ضمنه‬

‫أقامته� � ��ا احلداثة كانت نقي� � ��ة ومنظمة وناجحة من‬ ‫الناحية املادي� � ��ة‪ ،‬أما اجتماع ًيا وروحان ًيا وإنس� � ��ان ًيا‬ ‫فهي أق� � ��رب إلى املوات‪ ،‬وأن زح� � ��ام وصخب القرن‬ ‫التاس� � ��ع عش� � ��ر هما ما أبقى على احلياة احلضرية‬ ‫املعاصرة»‪.‬‬ ‫ف� � ��ي عام ‪ 1965‬نش� � ��ر الناقد املعم� � ��اري روبرت‬ ‫فنت� � ��وري ‪ Robert Venturi‬مقال� � ��ة بعنوان «مبررات‬ ‫عمارة البوب» ف� � ��ي مجلة «الفن والعمارة» ‪Art And‬‬ ‫‪ ،Architecture‬ق� � ��دم خاللها مبررات وحتمية والدة‬ ‫ً‬ ‫عوضا عن املفاهيم التقليدية‬ ‫مفه� � ��وم جديد للعمارة‬ ‫املوروثة م� � ��ن احلداثة‪ .‬ثم أتبع ه� � ��ذه املقالة بكتابيه‬ ‫«التعقيد والتناقض ف� � ��ي العمارة» و«التعلم من الس‬ ‫فيجاس»‪ ،‬ينتقد فنتورى في الكتاب األول ما أسماه‬ ‫«البساطة الزائدة» في التصميم املعماري احلداثي‪،‬‬ ‫واص ًفا إياه بـ«النقيصة التكوينية»‪ ،‬داع ًيا إلى «إثراء‬ ‫الن� � ��اجت املعماري» ومبش � � � ًرا مبي� �ل��اد مفاهيم نظرية‬ ‫جديدة‪ ،‬تخالف وتعارض املناهج املعمارية الس� � ��ابقة‬ ‫وتطبيقاتها البنائية املس� � ��تقرة‪ .‬وف� � ��ي الكتاب الثاني‬

‫‪134‬‬

‫‪8/10/14 9:42:49 AM‬‬

‫يوصين� � ��ا فنتوري بأن نتعل� � ��م جمالياتنا املعمارية من‬ ‫ُعرى الس فيجاس أو من الضواحي القذرة كما في‬ ‫ليڤيت� � ��اون‪ ،‬ألن الناس باختص� � ��ار حتب هذه األمكنة‬ ‫«وليس ش� � � ً‬ ‫�رطا أن يكون لإلنس� � ��ان توجه سياس� � ��ي‬ ‫محدد حتى يدعم حقوق متوسطي الطبقة الوسطى‬ ‫ف� � ��ي جماليتهم املعمارية اخلاص� � ��ة بهم‪ ،‬وقد وجدنا‬ ‫فع ً‬ ‫ال أنه يتشارك في منط ليڤيتاون اجلمالي معظم‬ ‫متوس� � ��طي الطبقة الوس� � ��طى‪ ،‬الس� � ��ود كما البيض‪،‬‬ ‫الليبرالني كما احملافظني»‪.‬‬ ‫وبالع� � ��ودة إلى جانك� � ��س جنده يص� � ��ف العمارة‬ ‫ما بع� � ��د احلداثية بأنها متيز نفس� � ��ها ع� � ��ن العمارة‬ ‫احلداثية «النخبوية» من خالل التأكيد على أولويات‬ ‫«الش� � ��عبوية»‪ ،‬وذلك يعني أنه بينما س� � ��عت احلداثة‬ ‫املعمارية الكالس� � ��يكية األنيقة إلى متييز نفسها عن‬ ‫بقية نس� � ��يج املدينة األرضي الذي تظهر ضمنه‪ ،‬فإن‬ ‫بناي� � ��ات ما بع� � ��د احلداثة تنهمك‪ ،‬عل� � ��ى العكس من‬ ‫ذلك‪ ،‬بإدراج نفسها ضمن النسيج اآلخذ في التغير‬ ‫الذي تش� � ��كل عناص� � ��ره األبنية التجاري� � ��ة والفنادق‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 132-137.indd 134‬‬


‫إن األبنية ما بعد احلداثية ال ترى ضير ًا مث ًال في مزج األفكار املعمارية اجلديدة مع األشكال والرموز التقليدية الغابرة‬

‫الصغيرة ومطاعم الوجبات الس� � ��ريعة املنتشرة على‬ ‫الطرقات الس� � ��ريعة في امل� � ��دن العاملية الكبرى‪ .‬وإذا‬ ‫كانت نصيحة دانيال بيرن ‪ D. Burne‬للموجة األولى‬ ‫للمصممني احلداثيني في نهاية القرن التاسع عشر‬ ‫ه� � ��ي «ال تصن� � ��ع تصامي� � ��م صغيرة»؛ فإن في وس� � ��ع‬ ‫مصم� � ��م ما بعد حداثي مثل ألدو روس ‪ A.Rosse‬أن‬ ‫مم أس� � ��تلهم أعمالي‬ ‫يكون أكثر تواض ًعا‪ ،‬ويتس� � ��اءل « َ‬ ‫إذن؟ ليجيب‪ :‬من األش� � ��ياء الصغرى بالتأكيد‪ ،‬بعدما‬ ‫تبني أن الق� � ��درة على حتمل األش� � ��ياء الكبرى كانت‬ ‫تاريخياً عائقاً كبيراً»‪.‬‬ ‫إن األبنية ما بع� � ��د احلداثية ال ترى ضيراً مثالً‬ ‫ف� � ��ي مزج األف� � ��كار املعمارية اجلديدة مع األش� � ��كال‬ ‫والرم� � ��وز التقليدية الغابرة به� � ��دف إحداث نوع من‬ ‫الصدمة واإلدهاش‪ ،‬ورمبا املرح والتس� � ��لية للرائي‪.‬‬ ‫وه� � ��و ضرب من اإلميان بأن اجلم� � ��ال قد يتولد من‬ ‫التناف� � ��ر مثلما يتولد من االتس� � ��اق‪ ،‬وم� � ��ن الفوضى‬ ‫مثلما يتولد من النظام‪ .‬لق� � ��د انعكس التحول الذي‬ ‫حدث ف� � ��ي املجاالت الثقافية عل� � ��ى الناجت املعماري‬ ‫عمارة ما بعد احلداثة‪ ...‬كسر االعتياد وحتطيم املألوف‬

‫‪8/10/14 9:42:55 AM‬‬

‫وعلى اهتمام املعماريني‪ ،‬وساهم كل منهما في إثراء‬ ‫الفن� � ��ون األخرى‪ ،‬ألن احلواجز بينهما قد س� � ��قطت‬ ‫«فاس� � ��توعب اخلطاب املعم� � ��اري املعاصر اجتاهات‬ ‫مختلفة نحتية وتشكيلية تنهل من طرز عديدة‪ .‬ورأي‬ ‫بعض النق� � ��اد املعماري� �ي��ن أن التعددية والصخب ما‬ ‫هم� � ��ا إال تعبير عن تعددية وصخ� � ��ب األحداث التي‬ ‫بداخل ج� � ��دران البنايات وفي ما حولها‪ .‬أو هي لون‬ ‫من الدميقراطية وحرية التعبير يسمح لكل معماري‬ ‫أن يط� � ��رح أفكاره اخلاصة دون االلتزام بقالب يحده‬ ‫أو منوذج يتمثله‪ ،‬وهو أمر لم يكن مبقدور املعماريني‬ ‫أن يفعلوه في الس� � ��ابق»‪ ،‬وفي س� � ��ياق مش� � ��ابه يقول‬ ‫جان نوفيل «لم يعد املكان يعاش بالطريقة نفس� � ��ها‪،‬‬ ‫ولم تعد األشياء نفس� � ��ها موجودة بالداخل‪ ،‬فاللعب‬ ‫باملقياس يت� � ��م بطريقة مختلفة‪ ،‬ويت� � ��م تغيير معناه‪،‬‬ ‫فنتمكن انطال ًقا مم� � ��ا كان كبير احلجم غير واضح‬ ‫ووظيفي على نحو خالص‪ ،‬وعبر انحرافات متعاقبة‪،‬‬ ‫من إعادة خلق وجتديد لم يكن باس� � ��تطاعة أي أحد‬ ‫تخيل أنها ممكنة»‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫‪sep 132-137.indd 135‬‬


‫التعددية والصخب ما هما إال تعبير عن تعددية وصخب األحداث التي بداخل جدران البنايات وفي ما حولها‬ ‫سيطرح مفهوم «املدينة الكوالچ» ‪Collage City‬‬ ‫ليصف نوع املعمار الس� � ��ائد في الغرب في احلقبة ما‬ ‫بعد احلداثية‪ ،‬والذي يتخذ م� � ��ن «االنتقائية» قاعدة‬ ‫أس� � ��اس له‪ .‬واالنتقائية تعني «اجلم� � ��ع» و«املزج» بني‬ ‫العديد م� � ��ن «الطرز» و«األس� � ��اليب»‪ ،‬كما تعني أيضاً‬ ‫«االنفتاح عل� � ��ى املاضي» واحلنني إليه‪ .‬واملثال اجللي‬ ‫ال� � ��ذي يس� � ��تخدمه املعماري� � ��ون عادة لش� � ��رح مفهوم‬ ‫«االنتقائي� � ��ة» كم� � ��ا تتجلى في فن املعم� � ��ار‪ ،‬هو مبنى‬ ‫مؤسس� � ��ة ‪( At&T‬مبن� � ��ى س� � ��وني ‪ Sony‬اآلن) الذي‬ ‫صمم� � ��ه فيلي� � ��ب جونس� � ��ون ‪ P.Johnson‬ف� � ��ي مدينة‬ ‫نيويورك‪ .‬إذ تعد هذه البناية األكثر جدالً في النطاق‬ ‫املعم� � ��اري كونها جتم� � ��ع ما ال يجتم� � ��ع معمارياً‪ .‬فهي‬ ‫ناطحة سحاب مبنية على الطراز احلداثي الوظيفي‬ ‫املتقش� � ��ف اخلالي م� � ��ن الزخارف واحللي� � ��ات التي ال‬ ‫وظيف� � ��ة لها‪ ،‬فيما تعلو قمتها مقصورة مثلثة الش� � ��كل‬ ‫على الطراز القدمي املميز للقرن الس� � ��ابع عشر الذي‬

‫‪136‬‬

‫‪8/10/14 9:43:00 AM‬‬

‫يتسم بوفرة الزخارف والتفاصيل الشكالنية التي ال‬ ‫تخدم وظيفة بعينها س� � ��وى حتقي� � ��ق املتعة اجلمالية‪.‬‬ ‫ه� � ��ذه االنتقائية أو املزج أصبحت هي لغة العمارة ما‬ ‫بع� � ��د احلداثية‪ ،‬فأصبح من الطبيع� � ��ي أن جند بناية‬ ‫ش� � ��ديدة احلداثية محمولة على أعم� � ��دة بيزنطية أو‬ ‫رومانية موغلة في القدم‪ .‬وكم� � ��ا يقول بودريار «فإن‬ ‫العمارة تترج� � ��م عاملاً بأكمله»‪ ،‬إن هذه االنتقائية هي‬ ‫انعكاس لعالم يس� � ��وده التش� � ��ظي والتعددية «فيستمع‬ ‫الفرد إلى موس� � ��يقى الريجاي ويش� � ��اهد أفالم رعاة‬ ‫البقر ويتناول أطعمة مكدونالدز على الغداء وطعا ًما‬ ‫محل ًيا على العش� � ��اء‪ ،‬ويضع عطور باريس في طوكيو‬ ‫ويرتدي أزي� � ��اء «ريترو» في هوجن كوجن‪ ،»...‬فالتجاور‬ ‫وتزامن األمناط والقيم واألمزجة واألشكال واملباني‬ ‫واملساحات واحلضارات‪ ،‬هما ما يؤوالن إلى ما يسميه‬ ‫جينكس «القرية الكونية» ‪ .Global Village‬وملا كانت‬ ‫القري� � ��ة تعني ما هو مح� � ��دود ومحلي ومتجانس‪ ،‬في‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 132-137.indd 136‬‬


‫االنتقائية هي انعكاس لعالم يسوده التشظي والتعددية‬

‫انتشار ما يسمى بـ «الصناديق الزجاجية املترهلة» مبعظم‬ ‫املراكز املدنية في العالم‬

‫حني تش� � ��ير الكونية إلى ما هو كبير ومتعدد ومتباعد‬ ‫األط� � ��راف ومختلف وغير متكافئ‪ ،‬ف� � ��إن لقاء هذين‬ ‫احلدي� � ��ن يعني جت� � ��اور قيمهم� � ��ا وواقعهم� � ��ا‪ ،‬بحيث‬ ‫نحصل عل� � ��ى إنتاج انتقائي متب� � ��ادل التأثر والتأثير‪.‬‬ ‫وباختصار فإن «التشظي‪ ،‬والكوالج‪ ،‬واالنتقاء‪ ،‬واملزج‪،‬‬ ‫مع اإلحساس بالعرضية والفوضى‪ ،‬هي األطروحات‬ ‫األساس� � ��ية‪ ،‬رمبا‪ ،‬التي تهيمن اليوم على ممارس� � ��ات‬ ‫العمارة والتصميم املديني»‪ .‬وهو ما يجمعها بالتأكيد‬ ‫مع ممارس� � ��ات مشابهة في حقول أخرى‪ ،‬مثل الرسم‬ ‫واألدب والسينما واالجتماع وعلم النفس والفلسفة‪.‬‬ ‫ويرى جيمس� � ��ون أن عمارة م� � ��ا بعد احلداثة هي‬ ‫عرض من أع� � ��راض اضمحالل حضاري مزمن‪ ،‬إنها‬ ‫«ليس� � ��ت إعادة بناء للمدن‪ ،‬وإمنا موت لها»‪ ،‬فانتشار‬ ‫ما يس� � ��مى بـ «الصناديق الزجاجية املترهلة» مبعظم‬ ‫املراكز املدنية في العالم‪ ،‬يش� � ��هد عل� � ��ى ما يبدو بأن‬ ‫«احلداثة العليا قد ماتت ودفنت لألبد‪ ،‬وأن إبداعاتها‬

‫التش� � ��كيلية ق� � ��د نفدت نف� � ��اداً كام� �ل � ً‬ ‫ا‪ ،‬وأن أحالمها‬ ‫األفالطونية غير قابلة للتحقق»‪ .‬ويواصل جيمس� � ��ون‬ ‫«املدهش في التكوينات املعمارية اجلديدة حول باريس‬ ‫وفي بقاع متعددة من أوربا هو أنها جمي ًعا ال تقدم أي‬ ‫«منظور» محدد على اإلطالق‪ .‬القضية ليس� � ��ت فقط‬ ‫في أن الش� � ��وارع مبفهومها املعروف وقيمها الضمنية‬ ‫قد اختفت متا ًما من هذه التكوينات املعمارية‪ ،‬بل في‬ ‫أن كل احلدود املعروفة للش� � ��كل املعماري قد تالشت‬ ‫ً‬ ‫أيض� � ��ا‪ .‬ذلك مذهل ومربك إلى ح� � ��د كبير‪ .‬وفي ظل‬ ‫هذا االرتباك الوجودي املدمر‪ ،‬الذي متارسه ما بعد‬ ‫احلداث� � ��ة على فضائها املكاني‪ ،‬يظهر لنا تش� � ��خيص‬ ‫نهائي وأخير ملدى عجزنا عن طرح أنفسنا في املكان‬ ‫وتعريفه بصورة تعكس وع ًي� � ��ا حقيق ًيا به‪ ،‬وهو األمر‬ ‫الذي يفسر بدوره ظهور التوجه الداعي لثقافة عاملية‬ ‫متعددة اجلنسيات تذوب فيها الهويات فتصير مفتتة‬ ‫عاجزة عن موضعة ذواتها» >‬

‫عمارة ما بعد احلداثة‪ ...‬كسر االعتياد وحتطيم املألوف‬

‫‪8/10/14 9:43:07 AM‬‬

‫‪137‬‬

‫‪sep 132-137.indd 137‬‬


‫أدب وفن‬

‫انتظار غروب الشمس‬ ‫أمني الباشا*‬ ‫ال يش� � ��عر اإلنس� � ��ان مب� � ��رور العم� � ��ر إال‬ ‫عندما متضي األيام مس� � ��رعة وتتراكض‬ ‫والش� � ��هور‪ ...‬وفجأة يرى نفسه قد تغير‬ ‫وتغيرت معه أيامه ولياليه وكل ش� � ��يء فيه‪ ...‬سألته‬ ‫ع� � ��ن عمره وعن عدد الس� � ��نوات من� � ��ذ والدته‪ ...‬ثم‬ ‫كررت سؤالي‪ ...‬لم يجبني بل ظل راسماً على محياه‬ ‫ابتس� � ��امة ليست س� � ��عيدة وال حزينة‪ ،‬هز رأسه كأنه‬ ‫يتكلم مع نفسه‪ ،‬كررت عليه السؤال‪ ،‬أجابني‪ :‬وملاذا‬ ‫تسألني مادمت أنا ذاتي ال أهتم؟ قلت‪ :‬أريد أن أفهم‬ ‫قصدك‪ ،‬وعما يعنيه لك مرور األيام والس� � ��نني التي‬ ‫متر على كل إنسان وحيوان على األرض‪ ...‬أال تشعر‬ ‫بأن الس� � ��نني متر آخذة معها الفرح والبهجة‪ ...‬كدت‬ ‫أقول الس� � ��عادة أيضا‪ ،‬وقلت أيض� � ��ا‪ :‬هل كنت تعرف‬ ‫معنى السعادة تلك األيام التي تنعيها اآلن؟‬ ‫كأنك تريد أال يتغير ش� � ��يء فيك وفي غيرك‪...‬‬ ‫نعم األي� � ��ام والس� � ��نوات متضي لتح� � ��ل محلها أيام‬ ‫وس� � ��نون جديدة‪ ...‬أبح� � ��ث فيها عن س� � ��عادة وفرح‬ ‫جدي� � ��د‪ ...‬كل ي� � ��وم حام� � ��ل فرحاً وحزن � � �اً‪ ...‬انظر‬ ‫نور الش� � ��مس وظله� � ��ا‪ ...‬هما مختلف� � ��ان كاختالف‬ ‫األل� � ��وان‪ ...‬كل لون له معناه‪ ...‬نور الش� � ��مس ليس‬ ‫كظلها‪ ...‬ولون األبيض ليس كلون األسود‪ ،‬وكالهما‬ ‫يتساوى في نفس اإلنسان‪ ...‬كل لون له دوره‪ ...‬قال‪:‬‬ ‫صحيح‪ ...‬ولكن‪ ...‬قلت ولكن ماذا؟ فلنترك الدقائق‬ ‫والساعات واأليام والشهور ومعها السنون متضي‪...‬‬ ‫* فنان تشكيلي وكاتب من لبنان‬

‫‪138‬‬

‫‪8/10/14 9:43:27 AM‬‬

‫نتركه� � ��ا متض� � ��ي ألنن� � ��ا ال نس� � ��تطيع أن نوقفها‪...‬‬ ‫ابح� � ��ث عما يفرح� � ��ك وعمن يفرح� � ��ك‪ ...‬احلياة يا‬ ‫صديق� � ��ي‪ ...‬قاطعن� � ��ي‪ ...‬ال تتكلم ع� � ��ن احلياة‪...‬‬ ‫أن� � ��ا‪ ...‬أنا‪ ...‬موافق‪ ...‬لن نتكلم عن الس� � ��عادة وعن‬ ‫احلزن والبؤس‪ ...‬قل� � ��ت‪ :‬إن لم نتكلم ونتحدث عن‬ ‫هذا‪ ...‬عن الس� � ��عادة وضدها فسنسكت‪ ...‬ال‪ ،‬قال‬ ‫أنت إذا أردت الس� � ��كوت‪ ،‬فاس� � ��مع من� � ��ي إذن‪ ...‬أنا‬ ‫أرغب في الكالم‪ ...‬والكالم يبعدني عن‪ ...‬قاطعته‬ ‫قائال‪ :‬عن الس� � ��نني والعمر وعدد السنني‪ ...‬ال‪ ،‬قال‬ ‫اتفقنا‪ ...‬ب� � ��ل اتفقت أال أذكر ال الس� � ��عادة وال غير‬ ‫السعادة‪ ...‬رآني ساكتاً أستمع إليه‪ ...‬وكأن احلزن‬ ‫ملرور السنني انتقل إلى فكري وارتسمت على وجهي‬ ‫علي‪ ...‬س� � ��ألني ما‬ ‫تعابير يأس من أفكار اس� � ��تولت ّ‬ ‫بك؟‪ ...‬قل ش� � ��يئاً‪ ...‬أنا أطعتك ولن تسمع مني بعد‬ ‫اآلن ما يحزن‪ ...‬قل شيئاً‪ ...‬لن أقول أي شيء بعد‬ ‫علي أفكارك‪ ...‬ومرور س� � ��نينك‪ ...‬أنا‬ ‫أن اس� � ��تولت ّ‬ ‫أطعت� � ��ك ووعدتك أال أذكر ما يحزن‪ ...‬اس� � ��مع‪ :‬ما‬ ‫قولك بالذهاب إلى الش� � ��اطئ‪ ...‬إلى مقهى «احلاج‬ ‫داود»؟ أخاف عليك اآلن‪ ...‬ملاذا؟ أخاف عليك ألنك‬ ‫َخرِ ف� � ��ت مبكراً‪ ...‬تدعوني إلى مقهى «احلاج داود»؟‬ ‫الذي ه ّدمته احلرب‪ ...‬احلرب األهلية‪ ،‬كما ه ّدمت‬ ‫كل جميل في بيروت؟‬ ‫ آه!‬‫ نعم‪ !...‬هل تريد الذهاب إلى «احلاج داود»؟‬‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 138-139.indd 138‬‬


‫ ال‪ ...‬لقد ه ّدمته احلرب‪ ...‬أي حرب؟ أنا لم‬‫أعش إال واحلروب تتسابق في لبنان‪ ...‬حرب وراء‬ ‫حرب‪ ...‬نحن في حرب اآلن‪ ...‬اليوم؟‬ ‫ أعتق� � ��د يا صاحبي أن احل� � ��روب قد انتقلت‬‫إلى رؤوسنا‪...‬‬ ‫ قل لي كم الساعة اآلن؟‬‫ً‬ ‫ األفض������ل أن أق������ول ل������ك غدا‪ ...‬س������اعة‬‫الغ������د تبدأ وتنته������ي عند املس������اء‪ ...‬بعد غروب‬ ‫الشمس‪...‬‬ ‫انتظار غروب الشمس‬

‫‪8/10/14 9:43:34 AM‬‬

‫ وإن لم تغرب الشمس؟‬‫ البد أن تغرب‪ ...‬ستراها بعينيك‪...‬‬‫ تعن� � ��ي أننا س� � ��نذهب إلى البحر غ� � ��داً لنرى‬‫غروب الشمس‪ ...‬وسنمر قرب مقهى احلاج داود؟‬ ‫وسندخل إلى املقهى؟‬ ‫ صحيح‪ ،‬وس� � ��نأخذ مكاناً في ش� � ��رفة املقهى‬‫املطلة على البحر‪.‬‬ ‫ وسنشرب كوب ماء ونحن نتطلع إلى البحر‪.‬‬‫‪ -‬وننتظر غروب الشمس >‬

‫‪139‬‬

‫‪sep 138-139.indd 139‬‬


‫طرائف غربية‬ ‫فتجنشتاين‬

‫برنارد شو‬ ‫قال شو عن العاطلني‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫«الحق لنا باستهالك‬ ‫السعادة بغير إنتاجها إ ّال كحقنا‬ ‫باستهالك الثروة بغيــــر إنتاجــها»‪.‬‬ ‫الطعام‬ ‫وعن املبالغة في تقدمي ّ‬ ‫للضيوف يقول‪« :‬إن األكل الكثير يقلّل‬ ‫ّ‬ ‫من حفاوة اللقاء‪ ،‬ألن اإلنسان ال يتكلم‬ ‫وهو يأكل»!‬ ‫وذات يوم قالت امرأة رائعة اجلمال لشو‪:‬‬ ‫«يعتبرك الناس أذكى البشر ويعتبرونني‬ ‫أجمل النساء‪ ،‬فلو تزوجنا جلاء أوالدنا‬ ‫أجمل األوالد وأذكاهم»‪.‬‬ ‫ابتــسم برنارد شو وقال‪« :‬لكني أخشى‬ ‫يا سيدتي أن يأتي أوالدنا على شاكلة‬ ‫أبيهم باجلمال‪ ،‬وعلى شاكلة أمهم‬ ‫بالذكاء‪ ،‬وهنا تكون املصيبة الكبرى»!‬ ‫< من أقوال برنارد شو‪« :‬إن الزوج‬ ‫الذي يؤكد لزمالئه بشكل حاسم‬ ‫أنه هو السيد في منزله‪ ،‬من‬ ‫احملتمل أن يكذب بصدد‬ ‫أمور أخطر من‬ ‫ذلك»‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫‪8/10/14 9:43:54 AM‬‬

‫يحكى أن الفيلسوف‬ ‫فتجنش ��تاين كان يك ��ره‬ ‫حي ��اة الت ��رف‪ ،‬وينف ��ر‬ ‫م ��ن قي ��ام اخل ��دم على‬ ‫خدمت ��ه‪ ،‬فاتف ��ق م ��ع‬ ‫س ��ائقه أن يجلس هو في مقعد الس ��يد‪،‬‬ ‫عل ��ى أن يجلس فتجنش ��تاين في مقعد‬ ‫الس ��ائق ليقود الس ��يارة خارج اجلامعة‪.‬‬ ‫ف ��ي ه ��ذه األثن ��اء تق ��دم أح ��د فالس ��فة‬ ‫اجلامعة من س ��يارة فتجنش ��تاين‪ ,‬ظانا‬ ‫أن فتجنش ��تاين هو اجلال ��س في مقعد‬ ‫السيد‪ ،‬وطرح عليه سؤاال فلسفيا صعبا‪:‬‬ ‫سيد فتجنشتاين‪ ،‬هل تفسر لي العالقة‬ ‫املعق ��دة ب�ي�ن مج ��ال األبس ��تمولوجيا‬

‫نهايات مشاهير‬ ‫م ��ن النهاي ��ات الغريب ��ة ملش ��اهير‬ ‫الشخصيات الغربية‪:‬‬ ‫في س ��نة ‪ 1933‬أمر هتل ��ر بأن يبتلع‬ ‫املؤلف أرنس ��ت تول ��ر‪ ،‬كتابه ال ��ذي كتبه‬ ‫ض ��د الن ��ازي‪ ،‬وكان الكت ��اب يتك ��ون من‬ ‫‪ 470‬صفحة‪ .‬فظل جنود هتلر يجبرونه‬ ‫على أكل كتابه حتى مات‪.‬‬ ‫<<<‬ ‫أما الش ��اعر الروس ��ي سرجياس ��نني‬ ‫(‪ )1925-1895‬فقد قطع عرقا في ذراعه‬ ‫وكتب قصيدة بدمه‪ ،‬ثم شنق نفسه!‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 140-141.indd 140‬‬


‫ومج ��ال األنطولوجي ��ا ف ��ي نظريت ��ك‬ ‫الفلسفية بصدد اللغة؟‬ ‫عند هذا السؤال نظر السائق املوجود‬ ‫ف ��ي مقع ��د القي ��ادة إل ��ى فتجنش ��تاين‬ ‫املوج ��ود ف ��ي مقع ��د الس ��ائق‪ ،‬فق ��ال‬ ‫فتجنشتاين للسائل‪ :‬في حقيقة األمر‪،‬‬ ‫هذا سؤال بس ��يط جدا‪ ،‬لدرجة أني وأنا‬ ‫سائق السيد فتجنشتاين أستطيع الرد‬ ‫عليه‪ .‬والرد هو كما يلي‪ .‬ثم مضى يشرح‬ ‫نظريته الفلس ��فية في اللغة‪ ،‬والس ��ائل‬ ‫يتعجب كيف أن هذا الفيلسوف يفيض‬ ‫علم ��ا لدرج ��ة أن س ��ائقه نفس ��ه يحيط‬ ‫باألبعاد املعقدة لفلس ��فته بهذا الش ��كل‬ ‫املتقن‪.‬‬

‫ويقال إن وفاة موليير (‪)1783-1725‬‬ ‫مت ��ت عندم ��ا كان ميث ��ل دورا في إحدى‬ ‫مس ��رحياته‪ .‬وكان ال ��دور هو أن يتظاهر‬ ‫باملرض‪ .‬فظل يس ��عل وين ��زف‪ .‬وعندما‬ ‫أسدل الستار مات‪ .‬املسرحية كان اسمها‬ ‫«املريض بالوهم»!‬ ‫<<<‬ ‫األدي ��ب اإلجنلي ��زي أرنول ��د بني ��ت‬ ‫(‪ )1931-1867‬م ��ات بحمى التيفود بعد‬ ‫أن شــــرب كوبا من ماء نهر السني ليدلل‬ ‫على أنها ميــــاه نــــقية صحــــية!‬

‫فريدريك‬ ‫هيجل‬ ‫يحكى أن أحد‬ ‫الصحفيني قابل‬ ‫الفيلسوف فريدريك هيجل‪،‬‬ ‫فسأله‪« :‬ملاذا تزعم أن فلسفتك‬ ‫تغني عن كل الفلسفة السابقة»؟‬ ‫فأجابه هيجل‪« :‬ﻷن فلسفتي‬ ‫جتمع كل الفالسفة السابقني‪ ،‬في‬ ‫خطوتني فقط»‪.‬‬ ‫فتعجب الصحفي‪ ،‬وسأله‪« :‬وكيف‬ ‫هذا»؟ فأجاب‪« :‬اخلطوة األولى هي‬ ‫أن لكل فيلسوف‪ ،‬هناك فيلسوف‬ ‫آخر‪ ،‬مضاد له في االجتاه‪ ،‬ومساو‬ ‫له في قوة األفكار وفي اإلقناع»‪.‬‬ ‫فتأمل الصحفي قليال‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫«جائز! وما اخلطوة الثانية»؟‬ ‫فأجاب هيجل مبتسما‪:‬‬ ‫«اخلطوة الثانية‬ ‫هي أن كالهما‬ ‫على خطأ»!‬

‫‪141‬‬

‫‪8/10/14 9:43:58 AM‬‬

‫‪sep 140-141.indd 141‬‬


‫لـغـة‬

‫التَّ فاعل اللغوي‬ ‫والقص احلديث‬ ‫ِّ‬ ‫د‪.‬عبداملجيد زراقط *‬ ‫ينبغ ��ي بداية أن نح ��دد املقص ��ود بالتفاعل‬ ‫اللغوي هنا‪ .‬وهذا يقتضي أن نذ ِّكر بوظائف‬ ‫اللغة‪ ،‬لنتبني في أي منها يتم التفاعل املؤثر‬ ‫القص‪ .‬وظائف اللغ ��ة‪ ،‬كما هو معروف‪،‬‬ ‫ف ��ي‬ ‫ِّ‬ ‫ه ��ي‪ :‬التَّعبير‪ ،‬اإليص ��ال‪ ،‬االتصال‪ ،‬التفكير‪،‬‬ ‫إنتاج املعرف ��ة وتقدميها للمتلقي وحفظها‪،‬‬ ‫مبا في ذلك املعرفة األدبية اجلمالية‪.‬‬ ‫التفاعل اللغوي‪ ،‬أي املشاركة في أداء‬ ‫الفع������ل اللغوي‪ ،‬إمنا يت������م في ميدان‬ ‫اإلنتاج املعرفي‪ ،‬بعد أن يتم االتصال‬ ‫اللغوي‪ ،‬وهذا إمنا يتم عن طريق املعرفة املباشرة‪،‬‬ ‫أو غير املباش������رة بوس������اطة الترجمة‪ ،‬فاالتصال‬ ‫ش������رط الزم حل������دوث التفاع������ل‪ ،‬فم������ن دونه ال‬ ‫نستطيع القول‪ :‬إن لغة ما شاركت لغة أخرى في‬ ‫أداء وظيفة إنتاج املعرفة‪ ،‬العلمية واألدبية‪ .‬وإذا‬ ‫كان موضوع التفاعل اللغوي في هذه الدراس������ة‬ ‫هو القص احلديث‪ ،‬فإننا س������نقصر البحث عليه‬ ‫ونبحث في حدوثه بني اللغات املشرقية من نحو‬ ‫أول‪ ،‬وبني اللغة العربية واللغات األوربية من نحو‬ ‫ثان‪.‬‬ ‫واملقص� � ��ود بالقص احلدي� � ��ث الرواي� � ��ة والقصة‬ ‫القصيرة‪ ،‬تزعم هذه الدراس� � ��ة أن التفاعل اللغوي ‪-‬‬ ‫* أكادميي من لبنان‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫‪8/10/14 9:44:26 AM‬‬

‫األدب� � ��ي كان عام ً‬ ‫ال مه ًما من عوامل نش� � ��أة هذين‬ ‫النوعني‪ ،‬ف� � ��ي طورين‪ :‬أولهم� � ��ا كان الفاعلية فيه‬ ‫ل� �ل��أدب املش� � ��رقي ‪ -‬العربي ف� � ��ي األدب الغربي‪،‬‬ ‫وثانيهم� � ��ا كان الفاعلي� � ��ة فيه ل� �ل��أدب الغربي في‬ ‫اآلداب األخ� � ��رى‪ ،‬ومنه� � ��ا األدب العرب� � ��ي‪ ،‬وهو ما‬ ‫س� � ��نتحدث عن� � ��ه في ه� � ��ذه الدراس� � ��ة‪ ،‬وميكن أن‬ ‫نضيف إلى هذين النوع� �ي��ن نوعا قصصيا حديثا‬ ‫هو أدب األطفال‪.‬‬

‫والقص القدمي‬ ‫التفاعل اللغوي‬ ‫ِّ‬

‫ميا بني إنتاج‬ ‫من املعروف أن اتصاالً حدث قد ً‬ ‫اللغتني الفارس������ية والهندية األدبي‪ ،‬ومن ث ّم بني‬ ‫اللغة العربية وإنتاج هاتني اللغتني‪ .‬فعلى سبيل‬ ‫املث������ال‪ ،‬متت ترجمة «كليل������ة ودمنة» و«ألف ليلة‬ ‫وليلة» في العصر العباس������ي من اللغة الفارسية‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 142-146.indd 142‬‬


‫إلى اللغ������ة العربية‪ ،‬وأضيف������ت إليهما نصوص‬ ‫كثيرة‪ ،‬وتأث������ر األدباء بهما‪ ،‬فكان لهما تأثير في‬ ‫اإلنتاج القصصي العربي‪ ،‬ما أس������هم في تطور‬ ‫القص العربي القدمي‪ .‬وفي سياق هذا التطور‪،‬‬ ‫تبلورت أن������واع قصصية كثي������رة‪ ،‬منها‪ :‬احلكاية‬ ‫مبختل������ف أنواعه������ا‪ ،‬واألس������طورة‪ ،‬واخلراف������ة‪،‬‬ ‫واخلبر‪ ،‬واملقامة‪ ،‬والس������يرة‪ ،‬والسيرة الشعبية‪،‬‬ ‫والرس������ائل القصصية‪ ،‬وحديث السمر‪ ،...‬وقد‬ ‫ترجم������ت من������اذج من ه������ذا القص إل������ى اللغات‬ ‫األوربية‪ ،‬وكان لها تأثيرها في اإلنتاج القصصي‬ ‫األورب������ي‪ ،‬وبخاص������ة «ألف ليلة وليل������ة» و«كليلة‬ ‫ودمنة»‪ .‬وإن حتدثنا عن كتاب «ألف ليلة وليلة»‪،‬‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬فالواقع يفيد بأن هذا الكتاب‬ ‫يع������د من أهم كتب القصص العاملية‪ ،‬وقد ترجم‬ ‫ف������ي آونة مبكرة إلى معظم اللغات احل َّية‪ ،‬وتعود‬ ‫أهميته القصصي������ة إلى عوامل عدة‪ ،‬منها‪ :‬أوال‬ ‫اخليال الواسع القوي الذي يخلق عوالم جديدة‬ ‫غريبة وعجيبة‪ ،‬وثانيا جمالية التصوير س������واء‬ ‫في ذلك تصوير الش������خصيات الت������ي غدا كثير‬ ‫منها مناذج عاملية أو تصوير الفضاء القصصي‬ ‫اخلالق للداللة والناطق بها‪.‬‬

‫التفاعل اللغوي وبداية القص األوربي احلديث‬

‫كان للتفاع������ل اللغ������وي الغرب������ي م������ع القص‬ ‫العرب������ي تأثي������ر واض������ح ف������ي الق������ص األوربي‬ ‫احلديث‪ ،‬فمن املع������روف أن األدب الغربي تأثر‬ ‫ب������األدب العربي‪ ،‬وخصوصا بكتاب������ي «ألف ليلة‬ ‫وليلة» و«كليل������ة ودمنة»‪ ،‬فأقاصيص «هانس������ن‬ ‫أندرسن» الدمناركي و«رحالت جلفر»‪ ،‬لسويفت‬ ‫اإلجنليزي‪ ،‬و«س������ياحات جبل بالس» لـ «لوساج‬ ‫الفرنسي»‪ ،...‬فهذه املؤلفات جميعها حتمل شي ًئا‬ ‫من روح القصة العربية‪ ،‬ومن املعروف أيضا أن‬ ‫دانييل ديفو اإلجنليزي‪ ،‬مؤلف رواية «روبنسون‬ ‫كروزرو» التي تعد أحد النماذج الروائية األولى‪،‬‬ ‫قد تأثر بقصة «حي بن يقظان» البن طفيل‪.‬‬ ‫وإن عدن������ا إل������ى املرحل������ة التاريخي������ة التي‬ ‫عرفت تأس������يس الق������ص احلدي������ث‪ ،‬وجدنا أن‬ ‫املؤرخني األدبيني ي������رون قصص «الرومانس»‬ ‫(الفــروس������ـــية) و«الــــبــــكارس������ك» (الـــــشطار)‪،‬‬ ‫والديكاميرون (احلكايات العشر) متثل البداية‬ ‫والقص احلديث‬ ‫ال َّتفاعل اللغوي‬ ‫ِّ‬

‫‪8/10/14 9:44:31 AM‬‬

‫احلقيقية لهذا القص‪ ،‬وأن هذه األشكال الثالثة‬ ‫كانت وليدة التفاع������ل األدبي بني القص العربي‬ ‫املترجم إلى اللغات األوربية وبني احلركة األدبية‬ ‫الغربية احلديثة التي اجتــهت‪ ،‬نتيجة للتحوالت‬ ‫احلياتية التي عرفته������ا املجتمعات الغربية‪ ،‬إلى‬ ‫إبداع أش������كال أدبية جديدة لم تكن تعرفها من‬ ‫قبل‪.‬‬ ‫يقول فؤاد حس������نني‪ ،‬في كتاب������ه «قصـــــصنا‬ ‫الش������عبي»‪« :‬حتى عــهد قري������ب كـــانت القصــــة‪،‬‬ ‫ف������ي أوربا‪ ،‬ك ًم������ا مهم ً‬ ‫ال لم يــــع������ن بــه أي أديب‪،‬‬ ‫ولم يلتفت إليه������ا مؤرخ‪ .‬لذل������ك ظلـــــت اآلداب‬ ‫األوربيـــــ������ة قــــرو ًنا عديدة محرومة من القصة‪،‬‬ ‫بعي������دة عنها ف������ي الوقت الذي كان الش������رق قد‬ ‫س������ما بها‪ ،‬وأوجد املجاميع الكـــثيرة كألف ليلة‬ ‫وليلة»‪.‬‬ ‫ويضي������ف‪ ،‬فيقول‪ :‬إن أورب������ا كانت محرومة‬ ‫من القصة في الوقت الذي كانت فيه «ش������عوب‬ ‫اجلزيرة العربية وبعض أجزاء إفريقيا تس������تعني‬ ‫بالقص������ة في أغراضها األدبــــي������ة‪ ،‬كما اتخذتها‬ ‫كتبه������ا الديني������ة وس������يلة م������ن وس������ائل اإلقناع‬ ‫والدعاية»‪.‬‬ ‫ويالحظ فاروق خورش������يد أن ه������ذا الرأي‬ ‫«يوافق‪ ،‬إلى حد كبير‪ ،‬اللمحة الذكية التي كتبها‬ ‫أحم������د عباس صالح حني قال‪ :‬إن الغرب عرف‬ ‫امللحمة والدراما‪ ،‬ولكنه ل������م يعرف‪ ،‬من الفنون‬ ‫القولي������ة‪ ،‬فن القصة‪ ،‬بينما ع������رف العرب هذا‬ ‫الفن‪ ،‬ولم يعرفوا امللحمة والدراما»‪.‬‬

‫التأسيس لنوع أدبي جديد‪:‬‬ ‫الرواية‬ ‫م������ن ه������ذه األش������كال قص������ص «الرومانس»‬ ‫(قصص الفروسية)‪.‬‬ ‫ويتح������دث جيرميي هارثون ع������ن دورها في‬ ‫نش������أة الرواية‪ ،‬في������رى «أن تقليد البيكارس������ك‬ ‫هو إس������هام مهم في تطـــ������ور الرواية‪ ،‬حيث قدم‬ ‫أمنوذج������ا للطرق التي ميكن بوس������اطتها تقدمي‬ ‫التنوع والتش������ويق في الرواية‪ ،‬وأكد أنه ال توجد‬ ‫جت������ارب اجتماعي������ة تس������تعصي عل������ى املعاجلة‬ ‫الروائية»‪.‬‬ ‫يرى املؤرخون أن قصص الفروسية وقصص‬

‫‪143‬‬

‫‪sep 142-146.indd 143‬‬


‫الش������طار متثل البداية احلقيقية للنوع الروائي‪،‬‬ ‫وقد مثلت «دون كيخوته» التي صدر اجلزء األول‬ ‫منها في مدريد عام ‪ 1605‬دورا رائدا على هذا‬ ‫الصعي������د‪ ،‬إذ إن مؤرخ������ي األدب يعي������دون إليها‬ ‫ظه������ور الرواية‪ ،‬بوصفها ش������كال قصصيا أعلن‬ ‫ظهور نوع قصص������ي جديد‪ ،‬ميثل تطورا صارت‬ ‫إليه قصص الفروسية (الرومانس)‪ ،‬فهي تروي‪،‬‬ ‫م������ن نحو أول‪ ،‬قصة فارس مازال يحيا في عالم‬ ‫ثان أن هذا الفارس‬ ‫الفروسية‪ ،‬وتكشف من نحو ٍ‬ ‫يعي������ش في عالم من وح������ي خياله‪ ،‬ويطلب مجد‬ ‫الفرس������ان وعظمتهم في عالم جديد لم يعد لهم‬ ‫مكان فيه‪.‬‬ ‫وإذ يتح������دث جيمس ت‪ .‬مونرو عن مقامات‬ ‫بديع الزمان الهمذاني وقصص «البيكارس������ك»‪،‬‬ ‫يقرر ما ذهب إليه بالنثيا‪ ،‬وهو‪« :‬وإنه يس������تلفت‬ ‫الذهن‪ ،‬ويدعو إلى الدهشة ذلك الشبه العظيم‬ ‫ب���ي��ن هذا األثر األدبي للمقام������ات وذلك الطراز‬ ‫املع������روف ف������ي أدبنا اإلس������باني باس������م القصة‬ ‫البيكارسكية (‪ )La Nouvelapi Careesca‬وقصة‬ ‫الشطار»‪.‬‬ ‫ويبدو أن هذا النوع األدبي بقي‪ ،‬في البداية‪،‬‬ ‫نوعا ثانويا‪ ،‬ومن اإلش������ارات الدال������ة على ذلك‬ ‫القصة القصيرة‪.‬‬

‫القصة القصيرة‬

‫عرفن������ا‪ ،‬آنفا‪ ،‬أن القص اجلدي������د تبلور في‬ ‫نوعني‪ :‬أولهما الرواية وثانيهما القصة القصيرة‪.‬‬ ‫واملت������داول‪ ،‬لدى كثي������ر من مؤرخ������ي األدب‪ ،‬أن‬ ‫نوعا أدبيا‬ ‫القص������ة القصيرة تبلورت‪ ،‬بوصفه������ا ً‬ ‫متميزا‪ ،‬في بداية القرن التاسع عشر‪ ،‬في أوربا‬ ‫وأمري������كا‪ ،‬ومتثل������ت في أعم������ال قصاصني كبار‬ ‫مثل األمريكي إدج������ار ألن بو (‪،)1849 - 1809‬‬ ‫والروسيني جوجول (‪ )1852 - 1809‬وتشيخوف‬ ‫(‪ ،)1905 - 1860‬والفرنس������ي جي دي موباسان‬ ‫(‪.)1893 - 1850‬‬ ‫ويرى غير باحث أن للقصة القصيرة أصوال‬ ‫بعي������دة تتمثل في تراث قصصي غني نذكر منه‪،‬‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬احلكايات التي كانت حتكى في‬ ‫ما سمي «مصنع األكاذيب» إيطاليا والتي جمعها‬ ‫يوتش������يو ودونها وأعطاها ش������كال أدبيا س������ماه‬

‫‪144‬‬

‫‪8/10/14 9:44:34 AM‬‬

‫«الفاشيتيا»‪ ،‬و«احلكايات العشر» (الديكاميرون‬ ‫‪ ،)Decameron‬جليوفاني بوكاش������يو ‪Bacaccio‬‬ ‫(‪.)1375 - 1313‬‬ ‫وه������ي مجموع������ة حكاي������ات ظه������رت خالل‬ ‫العام���ي��ن ‪ 1349‬و‪1351‬م‪ .‬ويتمث������ل إطارها في‬ ‫أن الطاعون أصاب مدينة فلورنس������ا في إيطاليا‬ ‫عام ‪1348‬م‪ ،‬وغادر املدينة س������بع سيدات وثالثة‬ ‫رجال‪ ،‬وتوجهوا سويا إلى قرى مجاورة‪ .‬وميضي‬ ‫هؤالء عش������رة أيام يحكي خاللها كل واحد منهم‬ ‫حكاية على سبيل التسلية‪ ...‬و«احلكايات السبع‬ ‫ملارجريت دي ناف������ار» (‪1549 - 1492‬م)‪ ،‬وهي‬ ‫مجموعة حكاي������ات حب يتمث������ل إطارها في أن‬ ‫بعض املس������افرين يُحتجزون مدة سبعة أيام في‬ ‫فندق بسبب الطوفان‪ ،‬فيحكي كل منهم حكاية‪.‬‬ ‫ومن املعروف أن هذا التراث تشكل‪ ،‬مثله في‬ ‫ذلك مثل قصص الرومانس والبيكارس������ك‪ ،‬في‬ ‫مناخ التأثر بالقصص الش������رقي بعامة والعربي‬ ‫بخاصة‪ ،‬الذي ترج������م إلى الالتينية في النصف‬ ‫الثاني من القرن الثالث عشر امليالدي‪ ،‬وال يخفى‬ ‫ه������ذا التأثر على أي قارئ للتراثني القصصيني‪:‬‬ ‫الشرقي والغربي‪.‬‬ ‫وعالوة عل������ى هذا التأثر بالت������راث العربي‪،‬‬ ‫نالحظ أن هذه املجموع������ات القصصية تأثرت‬ ‫م������ن حيث البني������ة الكلي������ة بالت������راث القصصي‬ ‫العربي‪ ،‬أي بالبنية املعروفة بالقصة اإلطار التي‬ ‫تتضمن قصصا كثيرة‪ ،‬يتخذ كل منها موقعه في‬ ‫بنيت������ه الكلية الذي يؤدي من������ه دو ًرا‪ ،‬في الوقت‬ ‫نفسه الذي يستقل في بنيته اخلاصة‪.‬‬

‫قصص األطفال‬

‫وإن رأين������ا قص������ص األطف������ال‪ ،‬لالحظنا أن‬ ‫التفاعل اللغوي األدب������ي كان له تأثير كبير فيه‪،‬‬ ‫وفي ما يأتي سنش������ير إلى نش������أته‪ ،‬ونشير إلى‬ ‫نصوص تؤكد صحة ما نذهب إليه‪.‬‬ ‫من احلقائ������ق املعروفة‪ ،‬في تاريخ األدب‪ ،‬أن‬ ‫األدب املصنف أدب أطفال‪ ،‬استنادا إلى مفهومه‬ ‫احلديث‪ ،‬حديث النش������أة ف������ي العالم‪ ،‬وليس في‬ ‫األدب العربي وحده‪.‬‬ ‫ويبدو واضحا أن كت������اب األطفال األوربيني‬ ‫اس������تفادوا من التراث العربي الغني باحلكايات‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 142-146.indd 144‬‬


‫فالثقافة الش������عبية اآلتية من الشرق‪ ،‬وقصصها‬ ‫كانت رائجة ومس������تحبة‪ ،‬وق������د اقتبس كثير من‬ ‫ك ّت������اب الغرب‪ ،‬في تلك األيام‪ ،‬من هذه القصص‬ ‫مادة خصبة لقصصهم‪ ،‬ومنها على سبيل املثال ال‬ ‫احلصر‪ ،‬ما أحدثته ترجمة «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬من‬ ‫«أثر كبير في ذيوع قصص احلكايات واخلرافات‬ ‫املستجدة منها»‪ .‬ونشير إلى أمنوذجني متطابقني‬ ‫هما‪« :‬البطة والقمر» لتولستوي‪ ،‬و«خطأ البطة»‬ ‫البن املقفع‪.‬‬

‫التفاعل اللغوي ‪ -‬األدبي‬ ‫بداية القص العربي احلديث‬ ‫وإذ رك������دت حرك������ة اإلبداع األدب������ي العربي‬ ‫طوال ركود احلياة‪ ،‬مبختلف نواحيها‪ ،‬في العهد‬ ‫العثمان������ي‪ ،‬لم يؤت بجديد في مجال القص‪ ،‬في‬ ‫األدب العربي‪ ،‬ثم كان ما سمي بـ «حركة النهضة»‬ ‫على مختلف املس������تويات‪ ،‬ومنها املستوى األدبي‬ ‫بعام������ة والقصصي بخاصة‪ ،‬وتتالت الدعوة التي‬ ‫رفعها ميخائيل نعيم������ة‪« :‬فلنترجم»‪ ،‬وكانت هذه‬ ‫الدعوة تعبي ًرا عن إرادة التفاعل اللغوي ‪ -‬األدبي‬ ‫ الثقافي‪.‬‬‫ويرى القاص وكات������ب املقالة املصري يحيى‬ ‫حقي (‪ )1992 - 1905‬أن «العطر اخلفي الذي‬ ‫يجعل من القصة فنا لم يفز به س������وى املتصلني‬ ‫بالثقاف������ة الغربي������ة‪ ،»...‬وال يلب������ث أن يقرر‪ :‬وملا‬ ‫كان������ت فنية القصة تعود إل������ى االتصال بالثقافة‬ ‫الغربي������ة «فال ضير في أن نعت������رف بأن القصة‬ ‫جاءتن������ا من الغ������رب‪ ،‬وأن أول من أقام قواعدها‬ ‫عندنا هم أفراد تأثروا باألدب األوربي‪ ،‬واألدب‬ ‫الفرنس������ي خاص������ة»‪ ،‬ويخلص إل������ى التأكيد «أن‬ ‫األدب الفرنسي كان منبع القصة عندنا»‪.‬‬ ‫نحت������اج هن������ا‪ ،‬إل������ى أن نك������ون أكث������ر دق������ة‪،‬‬ ‫فالصحي������ح‪ ،‬أوالً‪ ،‬ه������و ح������دوث التفاعل اللغوي‬ ‫ األدبي ال������ذي أثمر الق������ص العربي احلديث‪،‬‬‫والصحي������ح ثاني������ا أن هذا القص م������ر مبراحل‬ ‫ثالث ه������ي‪ :‬الترجمة واحمل������اكاة واالبتداع‪ ،‬لكن‬ ‫الصحي������ح أيضا‪ ،‬وباملقدار نفس������ه من الصحة‪،‬‬ ‫أوال‪ ،‬أن عوامل أخرى أسهمت في تفتح زهرات‬ ‫هذا القص ونض������ج ثمراته‪ ،‬ومنه������ا‪ :‬التحوالت‬ ‫احلياتي������ة‪ ،‬واالتصال بالتراث‪ ،‬وثانيا‪ ،‬أن التراث‬ ‫والقص احلديث‬ ‫ال َّتفاعل اللغوي‬ ‫ِّ‬

‫‪8/10/14 9:44:38 AM‬‬

‫العرب������ي‪ ،‬كما مر بنا‪ ،‬ع������رف أنواعا من القص‪،‬‬ ‫أس������همت في نش������أة القص احلديث ف������ي أوربا‪،‬‬ ‫وثاني������ا‪ ،‬وهذا أمر ش������ديد األهمي������ة‪ ،‬أن العطر‬ ‫اخلفي للقص‪ ،‬أو اخلصائص األدبية التي جتعل‬ ‫الن������ص قصة فني������ة ال تقتصر عل������ى خصائص‬ ‫مناذج القص احلديث‪ ،‬وإمنا تش������مل خصائص‬ ‫أي نوع قصصي يتصف بجمالية أدبية مهيمنة‪،‬‬ ‫وه������ذا يعني أن لكل نوع قصص������ي جماليته‪ ،‬وال‬ ‫تنحص������ر اجلمالية القصصية في خصائص نوع‬ ‫معني‪ ،‬تتخذ مقياس������ا حتاكم األنواع القصصية‬ ‫األخرى وفاقا لها‪.‬‬ ‫إننا‪ ،‬إذ ن������درك أن اخلصائص التي يعنيها‬ ‫يحي������ى حقي‪ ،‬ويس������ميها بـ «العط������ر اخلفي»‪،‬‬ ‫ليس������ت س������وى خصائص مس������تقاة من مناذج‬ ‫أنتجته������ا مرحل������ة تاريخية معين������ة‪ ،‬وإذ ندرك‬ ‫أيضا أنها متيز أشكاال غير ثابتة‪ ،‬فقد سبقتها‬ ‫أشكال وتلتها أش������كال أخرى‪ ،‬وسوف تستمر‬ ‫األش������كال في االنبثاق ما استمرت احلياة في‬ ‫التحول‪ .‬إننا إذ ندرك هذا نسأل‪ :‬أليست تلك‬ ‫األشكال الس������الفة والتالية قصصا فنية ذات‬ ‫عط������ر خفي‪ ،‬وإن لم تتمث������ل فيها اخلصائص‬ ‫املعينة املعنية؟!‬ ‫إن هن������اك فرقا ب���ي��ن خصائص فنية تتصف‬ ‫بها أش������كال قصصية أنتجت ف������ي مرحلة معينة‬ ‫م������ن التاريخ وبني «العطر اخلف������ي» الذي يجعل‬ ‫القصة أدبا‪ .‬إن ه������ذا العنصر‪ /‬العطر اخلفي‪،‬‬ ‫أي اخلصائص األدبية‪ ،‬يستخرج من النص‪ ،‬وال‬ ‫يفرض من خارجه‪ ،‬وال ميكن قصره على أشكال‬ ‫معينة مهما بلغت من الرقي‪ ،‬وأيا يكن إحساسنا‬ ‫بتفوق منتجها‪.‬‬

‫التفاعل اللغوي ‪ -‬األدبي‬ ‫تأصيل القص العربي احلديث‪ ،‬والتجريب‬ ‫مر التفاعل اللغوي األدبي الذي كان يتم في‬ ‫مسار التحول احلياتي‪ ،‬كما مر بنا‪ ،‬مبراحل ثالث‬ ‫(الترجمة‪ ،‬احمل������اكاة واالبتداع) أدت إلى تأصيل‬ ‫الق������ص العربي احلديث‪ ،‬وم������ن ثم إلى التجريب‬ ‫املختلف ع������ن القص الغرب������ي احلديث‪ ،‬وميكن‬ ‫أن نقدم ش������اهدين يؤيدان ما نذهب إليه‪ ،‬ميثل‬ ‫أولهما املرحلة األولى م������ن مراحل هذا القص‪،‬‬

‫‪145‬‬

‫‪sep 142-146.indd 145‬‬


‫وميثل ثانيهما املرحلة األخيرة من مراحله‪ ،‬وفي‬ ‫كل مرحلة كان هناك تفاعل أثمر تأثرا واختالفا‬ ‫في آن‪.‬‬ ‫ف������ي الش������اهد األول يقرر روج������ر آلن‪ ،‬وهو‬ ‫يراج������ع ما كان قد ذه������ب إلي������ه‪ ،‬أن التعريفات‬ ‫األوربية الضيقة للجنس الروائي ليست املقياس‬ ‫الوحيد لألدبية الروائية‪ ،‬فيقول‪ ...« :‬ففي كتابي‬ ‫‪ Apivod Of Time‬أشرت إلى أن حديث عيسى‬ ‫بن هشام ليس رواية‪ ،‬ولكن تبني‪ ،‬وأنا أنظر إلى‬ ‫الوراء من مس������افة زمنية أطول‪ ،‬أنه من األفضل‬ ‫القول‪ :‬إنه ليس رواية تطابق التعريفات الغربية‬ ‫الضيقة لهذا اجلنس األدبي»‪.‬‬ ‫وفي الش������اهد الثاني يأس������ف جون إبديك‪،‬‬ ‫في مقالت������ه النقدية عن الن������ص املترجم لرواية‬ ‫عبدالرحمن منيف‪« :‬مدن امللح ‪ -‬التيه»‪ ،‬ألن هذه‬ ‫الرواية ال تتبع األمنوذج الغربي‪ ،‬فيقول‪« :‬إنه ملن‬ ‫املؤسف حقا أن الس������يد منيف‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬ليس‬ ‫من املستغربني إلى حد الكفاية‪ ،‬حتى ينتج سردا‬ ‫مفسر في‬ ‫يشابه ما نسميه رواية‪ ،‬فصوته صوت‬ ‫ِّ‬ ‫مخ َّيم قبيلة‪ ،‬وال يوج������د في كتابه أي أثر حلس‬ ‫املغامرة اخللقية للفرد الذي مييز جنس الرواية‪،‬‬ ‫من دون كيخوته وروبنسون كروز‪ ،‬عن األسطورة‬ ‫واخلبر التاريخي»‪.‬‬ ‫إن كان ج������ون أبديك يأس������ف‪ ،‬فإننا نغتبط‬ ‫ونق������ول‪« :‬إنه ملن دواع������ي الغبطة أن منيف ليس‬ ‫من املس������تغربني إلى حد الكفاي������ة»‪ ،‬وأن أمثاله‬ ‫كثيرون ويكثرون‪ ،‬ذلك أن هذا النوع من التفاعل‬ ‫هو الذي يؤتي اإلبداع احلقيقي‪ ،‬املتجاوز للنقل‬ ‫إلى التفاعل اخلالق‪ .‬وهذا التفاعل إمنا يتم بني‬ ‫عوامل عديدة تش������كل التحول احلياتي املتجسد‬ ‫في التح������ول األدبي‪ ،‬ومن هذه العوامل االتصال‬ ‫باآلخر وبنتاجه اللغوي األدبي‪.‬‬ ‫وهك������ذا يبدو واضحا أن ما س������بق يفيد بأن‬ ‫التفاع������ل اللغوي ‪ -‬األدبي في طوريه كان عام ً‬ ‫ال‬ ‫مهم������ا في نش������أة القص احلدي������ث وتطويره في‬ ‫األدبني الغربي والعربي على السواء‪.‬‬

‫منحى آخر‪ ...‬إلغاء اآلخر‬

‫لك������ن يبقى أن نش������ير إلى منح������ى آخر من‬ ‫مناحي هذا التفاعل اللغوي ‪ -‬األدبي‪ ،‬ففي هذه‬

‫‪146‬‬

‫‪8/10/14 9:44:42 AM‬‬

‫اآلونة من الزمن‪ ،‬يح������دث اآلتي‪ :‬عندما تترجم‬ ‫الرواية العربية إلى اللغة العربية‪ ،‬ويرى املترجم‬ ‫أن رؤيته������ا تخالف رؤيته إل������ى قضية مهمة من‬ ‫قضاي������ا العصر‪ ،‬ولتكن قضي������ة العرب املركزية‪،‬‬ ‫أي قضية الصراع العربي ‪ -‬اإلس������رائيلي مثاال‪،‬‬ ‫نلح������ظ أن املترجم‪ ،‬في ح������االت كثيرة‪ ،‬يتصرف‬ ‫بالن������ص تصرفا يغير الداللة‪ ،‬ويفرغه من رؤيته‪،‬‬ ‫أي يجعل������ه «مخص ًيا»‪ ،‬ال يق������ول وال يفعل ويفقد‬ ‫الفاعلية‪.‬‬ ‫وه������ذا ما ح������دث لرواية «غان������دي الصغير»‬ ‫إللي������اس خوري‪ ،‬على س������بيل املث������ال‪ ،‬إذ إن هذه‬ ‫الرواية حتك������ي أن اإلس������رائيليني قتلوا املواطن‬ ‫الع������ادي الصغي������ر‪ ،‬عبدالكرمي امللق������ب بغاندي‬ ‫الصغي������ر‪ ،‬وعرف ه������ذا أن الرصاصات لم تكن‬ ‫موجهة له فحس������ب‪ ،‬بل كان������ت موجهة له ولقلب‬ ‫املدينة بيروت في آن‪.‬‬ ‫لكن الرواية املترجمة تغير النص‪ ،‬وتنس������ب‬ ‫فعل القتل إلى مجه������ول‪ .‬جاء في النص العربي‬ ‫عن اإلس������رائيليني‪« :‬ولكنهم أطلقوا النار‪ ،‬تركوه‬ ‫يسقط فوق الصندوق»‪ .‬وجاء في النص املترجم‪:‬‬ ‫«‪en tout cas, on avait tiré, et il était tombée‬‬ ‫‪.»sue la caisse‬‬ ‫والسؤال الذي يطرح‪ ،‬هنا‪ ،‬هو‪ :‬هل املطلوب‬ ‫إلغاء «ن������ا»‪ ،‬منا كي يقبل اآلخ������ر الغربي كتابتنا‬ ‫ويترجمه������ا إلى لغته؟ هل يريد لكتابتنا أن تنطق‬ ‫برؤيته إلى قضايانا ليقبلها ويضع ُكتَّابها جنو ًما؟!‬ ‫ه������ل هذا هو ثمن الترجم������ة؟ وإذ تلغى «نا» منّا‪،‬‬ ‫ومن جتربتنا املم ِّثلة خصوصيتنا وهويتنا‪ ،‬فماذا‬ ‫يبقى ليت������م التفاعل معه في ه������ذا العصر؟ هل‬ ‫يعني هذا أن ليس لنا من محل إال إذا تخلينا عن‬ ‫ذواتن������ا وخصوصيتنا؟ ولكن إذا مت هذا التخلي‪،‬‬ ‫فهل يكون ذلك احمل������ل محال لنا فعال‪ ،‬أم محال‬ ‫يخصصه اآلخ������ر لنا بوصفه موقع������ا نؤدي منه‬ ‫دورا في خدمة مشروعه؟‬ ‫وهذا يض������ع التفاعل‪ ،‬في ه������ذه املرحلة من‬ ‫التاريخ‪ ،‬في وضع جديد‪ ،‬يقتضي منا أن نس������عى‬ ‫إل������ى إبداع جتربتن������ا اخلاص������ة‪ ،‬بوصفها وليدة‬ ‫تفاع������ل مختلف العوامل‪ ،‬وبه������ذا نؤكد حضورنا‬ ‫املبدع املمتل������ك فاعلية جعل اآلخر يس������عى إلى‬ ‫معرفته والتفاعل معه >‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 142-146.indd 146‬‬


‫ثقافة إلكترونية‬

‫مراقب آلي للقراء الشاردين‬

‫أحدث إجنازات الذكاء االصطناعي‬ ‫إبراهيم فرغلي‬

‫تخيل أنك أمام شاشة الكمبيوتر‪ ،‬تقرأ تقريرا إخباري ًا في إحدى الصحف‪ ،‬أو دراسة لفتت‬ ‫انتباهك‪ ،‬أو بحثا علميا لك أو لغيرك‪ ،‬أو مادة من مواد تخصصك الدراسي أو البحثي‬ ‫أو العلمي‪ ،‬ثم تشتت تركيزك وفقدت انتباهك عما تقرأ‪ ،‬وهذا يحدث كثيرا‪ ،‬وعادة ما قد‬ ‫يتشتت الذهن أثناء القراءة إذا لم يجد ما أو من يردعه‪ .‬لكن ماذا لو أنك وجدت النص‬ ‫أمامك وقد بدأ يهتز اهتزازات واهنة‪ ،‬أو يضيء بإضاءة خاصة عند الفقرة التي تشتت‬ ‫ذهنك عندها‪ ،‬فماذا ستفعل؟‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪8/10/14 9:45:31 AM‬‬

‫‪sep 147-151.indd 147‬‬


‫عينيه أثناء القراءة من مواد بصرية مختلفة‪ ،‬س� � ��واء‬ ‫كانت صورا أو ملصقات‪ ،‬بل وعمل ملخصات مكثفة‬ ‫س� � ��ريعة تظهر للقارئ من خالل درجة تركيز القراءة‬ ‫ف� � ��ي فقرة بعينها مقارنة بغيرها‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬وهو ما‬ ‫حاول االس� � ��تفادة منه مصممو مواقع النشر والكتب‬ ‫للف� � ��ت انتباه قرائهم‪ ،‬واس� � ��تفاد من� � ��ه مجال صناعة‬ ‫النشر اإللكتروني بشكل عام‪ ،‬باإلضافة إلى أنه أثبت‬ ‫ملس� � ��تخدميه من القراء أهميته ف� � ��ي رصده لعادات‬ ‫القراءة اخلاصة بهم‪ ،‬من جهة‪ ،‬وقدرته على توجيههم‬ ‫لقراءة أكثر تركيزا وعمقا‪ ،‬من جهة أخرى‪.‬‬ ‫املهم أن هذا «املراقب» اإللكتروني كان األساس‬ ‫الذي ط� � ��ور مبقتضاه الباحثون ف� � ��ي جامعة نوتردام‬ ‫برنامجهم اخلاص بالذاكرة وإش� � ��كاالت القراءة‪ ،‬من‬ ‫خ� �ل��ال قيام هذا املراقب برص� � ��د حركة عني القارئ‬ ‫ومدى الزمن الذي تس� � ��تغرقه العني في قراءة كلمة‪،‬‬ ‫ثم درجة اتس� � ��اع احلدقة‪ ،‬وكذلك درجة تتابع حركة‬ ‫الع� �ي��ن على الكلمات املتجاورة ثم الس� � ��طور‪ ،‬وحتليل‬ ‫ه� � ��ذه املعلوم� � ��ات بوصفها س� � ��لوكيات الق� � ��ارئ أثناء‬ ‫القراءة‪ ،‬وعند وجود ما يفيد بانقطاع سلوك القارئ‬ ‫االعتيادي‪ ،‬مينح هذا الراصد الفرصة لتنبيه القارئ‬ ‫إذا ما ظه� � ��رت على عينيه مالمح الش� � ��رود أو عدم‬ ‫االنتباه‪.‬‬

‫رمبا قد تتصور ف� � ��ي البداية أنك تعاني‬ ‫خداع البصر‪ ،‬ولكن ماذا لو أعدت القراءة‬ ‫ث� � ��م فقدت تركيزك مرة أخرى عند فقرة‬ ‫ما مما تقرأ ثم تكرر األمر؟ لعلك هنا قد تفكر بأن‬ ‫هناك شبحا خفيا إلكترونيا قد عرف بتشتت ذهنك‬ ‫وأمسك بك متلبسا‪ ،‬ليعيدك إلى حيث كنت!‬ ‫احلقيقة أن هذا الش� � ��بح اخلف� � ��ي قد مت ابتكاره‬ ‫بالفعل‪ ،‬وهدفه هو بالضبط اإلمس� � ��اك بك متلبس� � ��ا‬ ‫بالش� � ��رود أو انعدام التركي� � ��ز‪ ،‬وبالتالي إعادتك إلى‬ ‫حال� � ��ة التركيز املطلوبة م� � ��ن دون إضاعة الكثير من‬ ‫الوقت‪.‬‬ ‫فق� � ��د توص� � ��ل أح� � ��د الباحثني إلى فك� � ��رة متكن‬ ‫مبقتضاها من ابتكار مستش� � ��عر أو مكتش� � ��ف يقوم‬ ‫برص� � ��د حالة الق� � ��ارئ الذهنية خ� �ل��ال القراءة على‬ ‫احلاس� � ��وب م� � ��ن خ� �ل��ال تتبع� � ��ه حلركة الع� �ي��ن على‬ ‫الشاشة‪.‬‬ ‫الس� � ��بب في التفكير في ه� � ��ذا االبتكار يعود إلى‬ ‫الدراس� � ��ات التي أجريت على ع� � ��دد كبير من القراء‬ ‫والباحثني‪ ،‬بهدف دراس� � ��ة أس� � ��باب ضع� � ��ف الذاكرة‬ ‫والق� � ��درة على اس� � ��تعادة املعلومات عن� � ��د عدد ممن‬ ‫يش� � ��كون من هذه الظاهرة‪ .‬وأس� � ��فرت الدراسة عن‬ ‫إثب� � ��ات أن الق� � ��راء قد يفقدون ما ب� �ي��ن ‪ 20‬و‪ 40‬في‬ ‫املائة من الوقت املخصص لالس� � ��تيعاب والتركيز في‬ ‫أثناء القراءة نتيجة الش�� ��رود‪ ،‬وفي محاولة لتقليص مزايا باجلملة‬ ‫هذا الوقت‪ ،‬بدأ التفكير في حل هذه املشكلة‪.‬‬ ‫واليزال املصمم� � ��ان يقومان باألعم� � ��ال النهائية‬ ‫لتجري� � ��ب البرنامج اجلدي� � ��د‪ ،‬وأكدا أن� � ��ه باإلضافة‬ ‫برنامج قرائي للشاردين‬ ‫ألهميته الش� � ��ديدة في ترش� � ��يد فعل القراءة‪ ،‬إضافة‬ ‫بدأت أبحاث باحثني في جامعة نوتردام بوالية ألهميته الكبرى بالنس� � ��بة للباحثني والدارس� �ي��ن من‬ ‫إنديان� � ��ا‪ ،‬وهما س� � ��يدني دمييللو وروبرت بيكس� � ��لر‪ ،‬الطلب� � ��ة وغيره� � ��م‪ ،‬فإنه ق� � ��د يكون ش� � ��ديد األهمية‬ ‫وأسفرت عن محاولة تصميم برنامج من شأنه رصد بالنس� � ��بة ملج� � ��االت بالغة اخلط� � ��ورة وتقتضي قراءة‬ ‫حاالت تشتت ذهن الفرد بشكل دقيق‪ ،‬وإيجاد وسيلة التقارير اخلاصة بها درج� � ��ة عالية جدا من االنتباه‬ ‫والتركيز مثل اجليش‪ ،‬ما يعني أن مثل هذا البرنامج‬ ‫إلعالن اكتشاف البرمجية لهذا الرصد‪.‬‬ ‫واعتم� � ��دوا ف� � ��ي ابتكارهم على منت� � ��ج إلكتروني قد يوفر بالفعل فرصا جيدة للقضاء على مخاطر أو‬ ‫آخر كان قد ظهر لرصد عادات القراءة بش� � ��كل عام ك� � ��وارث محتملة ميكن أن حتدث نتيجة عدم االنتباه‬ ‫لدى الق� � ��راء‪ ،‬وخصوصا ممن يعان� � ��ون عدم القدرة ف� � ��ي قراءة معلوم� � ��ة أو فقرة معينة ف� � ��ي تقارير ذات‬ ‫عل� � ��ى التركيز ف� � ��ي الق� � ��راءة لفترات طويل� � ��ة‪ .‬كان طابع مهم‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا االبت� � ��كار اجلديد رمبا س� � ��يكون ل� � ��ه آثار‬ ‫ذل� � ��ك البرنامج قد صمم بواس� � ��طة الباحث الياباني‬ ‫كاي كون� � ��زي من جامعة أوس� � ��اكا لرصد كل ما يتعلق إيجابي� � ��ة عديدة رمبا على التعليم حتى ومس� � ��تويات‬ ‫بعادات القراءة‪ ،‬مثل عدد الكلمات التي يقوم القارئ التحصيل الدراس� � ��ي والبحثي‪ ،‬بل وعلى العديد من‬ ‫بقراءتها‪ ،‬ومتوس� � ��ط سرعة القراءة‪ ،‬وما يلفت انتباه امله� � ��ارات أو العملي� � ��ات التي تن� � ��درج حتت توصيف‬

‫‪148‬‬

‫‪8/10/14 9:45:34 AM‬‬

‫‪sep 147-151.indd 148‬‬


‫اإلبداع‪ ،‬وفق ما أكده عدد من الباحثني في جامعات‬ ‫أمريكية مختلفة‪ ،‬تعليق� � ��ا على إعالن موعد املؤمتر‬ ‫الصحفي األول إلطالق االبت� � ��كار الذي عقد أخيراً‬ ‫في الدمنارك‪.‬‬ ‫هذا االبتكار اجلديد واحد من عشرات أو رمبا‬ ‫مئات التطبيقات التي جتري األبحاث العلمية عليها‬ ‫يوميا‪ ،‬من أج� � ��ل التأكد من حتقيقها لألهداف التي‬ ‫ابتكرت من أجلها‪ .‬لكنه‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬يدلل على‬ ‫درج� � ��ة التطور الذي بلغته مجاالت ما يعرف بالذكاء‬ ‫االصطناعي‪.‬‬

‫الذكاء االصطناعي‬

‫ال� � ��ذكاء االصطناعي يعد اليوم مجاال واس� � ��عا‬ ‫كثي� � ��ر التخصص� � ��ات‪ ،‬بفض� � ��ل ما حتق� � ��ق فيه من‬ ‫إجنازات كبيرة وباهرة‪ ،‬لكنها تقوم بشكل أساسي‬ ‫وكبير عل� � ��ى عملي� � ��ات البرمجة‪ ،‬فهو كما يش� � ��ير‬ ‫تعريفه كمصطلح‪« :‬سلوك وخاصيات معينة تتسم‬ ‫بها البرامج احلاس� � ��وبية جتعلها حتاكي القدرات‬ ‫الذهنية البش� � ��رية وأمناط عمله� � ��ا‪ .‬من أهم هذه‬

‫اخلاصيات الق� � ��درة على التعلم واالس� � ��تنتاج ورد‬ ‫الفعل على أوضاع ل� � ��م تبرمج في اآللة‪ .‬ومع ذلك‬ ‫يظل هذا التعريف إشكاليا ليس ملا يتعلق مبضمونه‬ ‫م� � ��ن حيث إنه خاصي� � ��ة تتعلق باحلاس� � ��وبيات‪ ،‬بل‬ ‫لعدم توافر حتديدات شديدة الدقة ملفهوم الذكاء‬ ‫نفسه»‪.‬‬ ‫وبالع� � ��ودة للتعريف املصوغ بأكث� � ��ر من لغة على‬ ‫موس� � ��وعة ويكيبيديا اإللكترونية والذي اعتمد على‬ ‫العدي� � ��د من املراجع لصياغته‪ ،‬جن� � ��ده يعرف الذكاء‬ ‫االصطناع� � ��ي بأنه فرع م� � ��ن علم احلاس� � ��وب‪ ،‬كما‬ ‫تعرفه الكثي� � ��ر من كتب الذكاء االصطناعي على أنه‬ ‫«دراس� � ��ة وتصميم العمالء األذكياء» والعميل الذكي‬ ‫هو نظام يس� � ��توعب بيئته ويتخذ املواقف التي تزيد‬ ‫من فرصت� � ��ه في النجاح ‪ .‬أما ج� � ��ون مكارثي‪ ،‬الذي‬ ‫ص� � ��اغ هذا املصطلح في عام ‪ ،1956‬فقد عرفه بأنه‬ ‫«علم وهندسة صنع آالت ذكية»‪.‬‬ ‫تش� � ��ير املوسوعة أيضا إلى أن هذا املجال أسس‬ ‫على افتراض أن ملكة ال� � ��ذكاء ميكن وصفها بدقة‪،‬‬ ‫بدرجة متكن اآللة من محاكاتها‪ ،‬وهو ما يثير جدالً‬

‫مراقب آلي للقراء الشاردين‪ ...‬أحدث إجنازات الذكاء االصطناعي‬

‫‪8/10/14 9:45:40 AM‬‬

‫‪149‬‬

‫‪sep 147-151.indd 149‬‬


‫فلس� � ��فيا حول طبيعة العقل البشري وحدود املناهج‬ ‫العلمية‪ ،‬كما يدور اجل� � ��دل أيضا عن ماهية الذكاء‬ ‫وأنواع الذكاء التي ميتلكها اإلنسان وكيفية محاكاتها‬ ‫من اآللة‪ .‬وقد كان ومازال الذكاء االصطناعي سببا‬ ‫حلالة من التفاؤل الش� � ��ديد‪ ،‬وأصبح جزءا أساس� � ��يا‬ ‫من صناعة التكنولوجيا‪.‬‬ ‫تتمحور املجاالت الفرعي� � ��ة للذكاء االصطناعي‬ ‫حول مشكالت معينة‪ ،‬وتطبيق أدوات خاصة‪ ،‬وحول‬ ‫اختالفات نظرية قدمية‪ .‬املشكالت الرئيسة للذكاء‬ ‫االصطناعي تتضمن ق� � ��درات مثل التفكير املنطقي‬ ‫واملعرف� � ��ة والتخطيط والتعل� � ��م والتواصل واإلدراك‬ ‫والقدرة على حتريك وتغيير األشياء‪.‬‬

‫آلة تفكر كالبشر!‬

‫ويتجلى لنا هنا أن فكرة تطوير الذكاء االصطناعي‬ ‫حني بدأت بتصميم آلة حاسبة تستطيع إجراء عملية‬ ‫حس� � ��ابية معقدة من دون تدخل بشري كانت إعالنا‬ ‫عن تطوير رهيب في مجال احلاس� � ��وبيات‪ ،‬لكن هذا‬ ‫التطور املستمر حني بدأ يدرك أن تطوير آالت قادرة‬ ‫على محاكاة العقل البش� � ��ري ورمب� � ��ا جتاوز قدراته‪،‬‬ ‫ال ميك� � ��ن أن يتحقق بنجاح م� � ��ن دون فهم تام للدماغ‬ ‫البشري‪ ،‬ومن هنا بدأ التوسع في تعميق الدراسات‬

‫‪150‬‬

‫‪8/10/14 9:45:44 AM‬‬

‫الطبية والعلمي� � ��ة املختصة في علم األعصاب وعلى‬ ‫تركيب املخ والكيفية التي يعمل بها‪.‬‬ ‫وأه� � ��م ما يواجه العلماء من مش� � ��كالت في هذا‬ ‫املج� � ��ال طبعا هو كيفية أن تتحلى اآللة بخصيصتني‬ ‫بشريتني بامتياز وهما الفهم واإلدراك‪.‬‬ ‫على س� � ��بيل املثال‪ ،‬ووفقا لتعريف أرس� � ��طو‪ :‬إن‬ ‫التفكي� � ��ر الصحيح هو العمليات الس� � ��ببية ِ‬ ‫املفحمة‪،‬‬ ‫وعلى أساس األنظمة التي تبنى إلعطاء استنتاجات‬ ‫صحيح� � ��ة بش� � ��كل دائم يج� � ��ب أن تعط� � ��ى مقدمات‬ ‫منطقية صحيحة‪ ...‬إن مثل هذه القوانني تعتبر هي‬ ‫القوانني التي تسيطر على مجمل العمليات املنطقية‬ ‫الت� � ��ي يؤديها الدماغ البش� � ��ري والتي كانت أس� � ��اس‬ ‫تطوير علم املنطق‪.‬‬ ‫ومع ذلك فقد وضع العلماء منذ الستينيات فكرة‬ ‫«تعل� � ��م اآللة» كهدف‪ ،‬ووضع� � ��وا الفكرة حتت البحث‬ ‫والدراس� � ��ة‪ .‬فقد كان علم اآلل� � ��ة محوريا في أبحاث‬ ‫الذكاء االصطناعي منذ البداية‪ .‬وكان حتديدهم أو‬ ‫تعريفهم لفكرة التعلم من دون إش� � ��راف بأنه القدرة‬ ‫على إيجاد أمناط في عدد كبير من املدخالت‪.‬‬ ‫ولكن التعلم من دون إشراف‪ ،‬أي قدرة اآللة على‬ ‫الوص� � ��ول إلى نتيجة معينة (مثل فكرة جهاز كش� � ��ف‬ ‫الش� � ��اردين السابقة اإلش� � ��ارة له في بداية املوضوع)‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 147-151.indd 150‬‬


‫ال بد أن تس� � ��بقه مرحلة من التعلم حتت اإلش� � ��راف‪،‬‬ ‫والذي يش� � ��مل كال من قدرة اآللة على التصنيف‪ ،‬أي‬ ‫(القدرة على حتديد إلى أي فئة ينتمي شيء ما‪ ،‬بعد‬ ‫رؤية عدد من النماذج ألش� � ��ياء عدة من فئات عدة)‪،‬‬ ‫وقدرة اآللة على التراجع (اكتش� � ��اف آلية مس� � ��تمرة‬ ‫من ش� � ��أنها أن تولد نواجت م� � ��ن املدخالت‪ ،‬في ضوء‬ ‫مجموع� � ��ة من املدخ� �ل��ات واملخرج� � ��ات العددية من‬ ‫األمثل� � ��ة)‪ .‬ميكن حتليل هذه االس� � ��تجابات من حيث‬ ‫نظرية القرار‪ ،‬وذلك باستخدام مفاهيم مثل املنفعة‪.‬‬ ‫التحلي� � ��ل الرياضي خلوارزميات تعل� � ��م اآللة وأدائها‬ ‫هو فرع من علوم الكمبيوتر النظرية املعروفة باس� � ��م‬ ‫نظرية التعلم احلسابية‪.‬‬ ‫وبالرغم من أن الطريق اليزال طويال بالنس� � ��بة‬ ‫ملا يس� � ��عى إليه العلماء من طموحات خاصة بالذكاء‬ ‫االصطناعي‪ ،‬وبينها على س� � ��بيل املث� � ��ال الروبوتات‬ ‫القادرة على اس� � ��تلهام قدرات بش� � ��رية‪ ،‬مثل التفكير‬ ‫والتح� � ��دث‪ ،‬فإن ما مت إجنازه ف� � ��ي هذا املجال حتى‬ ‫اآلن ال يس� � ��تهان ب� � ��ه أيض� � ��ا‪ ،‬فهناك الي� � ��وم بالفعل‬ ‫روبوتات ناطقة‪ ،‬وأخ� � ��رى متحركة بالتوجيه الذاتي‪.‬‬ ‫فقد بات ال� � ��ذكاء االصطناعي ف� � ��ي بعض املجاالت‬ ‫حقيق� � ��ة واقع� � ��ة حتققت من خالله إجن� � ��ازات كبيرة‬ ‫مث� � ��ل التعرف على األش� � ��كال كالوج� � ��وه‪ ،‬أو التعرف‬ ‫على خط اليد‪ ،‬والعدي� � ��د من املجاالت األخرى‪ ،‬كما‬ ‫يتم اس� � ��تخدام الذكاء االصطناعي في التش� � ��خيص‬ ‫والتحكم الالخطي كالتحكم بسكك احلديد‪.‬‬

‫مجاالت متنوعة‬

‫كما تس� � ��تخدم الروبوتات في املفاعالت النووية‬ ‫ومتديد األسالك وإصالح التمديدات السلكية حتت‬ ‫األرضية واكتش� � ��اف األلغام‪ ،‬وتس� � ��تخدم الروبوتات‬ ‫أيضا في الصناعات كصناعة السيارات واملعاجلات‬ ‫وغيره� � ��ا من املج� � ��االت الدقيقة‪ .‬كما مت اس� � ��تخدام‬ ‫برام� � ��ج ال� � ��ذكاء االصطناع� � ��ي في حتلي� � ��ل البيانات‬ ‫كتحليل البيانات االقتصادية كالبورصة‪ .‬ويس� � ��تخدم‬ ‫أيضاً في األلعاب احلاسوبية‪ ،‬حيث مت تطوير نظرية‬ ‫األلعاب وذلك باالس� � ��تفادة من الذكاء االصطناعي‪،‬‬ ‫وق� � ��د س� � ��اهم ال� � ��ذكاء االصطناعي كثي� � ��را في هذا‬ ‫املجال‪ .‬ويوجد العديد من التطبيقات األخرى للذكاء‬ ‫االصطناعي‪.‬‬ ‫وبش� � ��كل عام ميكن القول إن أبرز املجاالت التي‬

‫يغطيها الذكاء الصطناعي‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫املعلوماتي ��ة العصبية‪ :‬هي ذلك الفرع من الذكاء‬ ‫االصطناع� � ��ي الذي يحاكي الش� � ��بكات العصبية في‬ ‫عملها ويس� � ��تفيد منها في عمليات التصنيف والفرز‬ ‫والتعرف وغيرها من العمليات املفيدة‪.‬‬ ‫األنظم ��ة اخلبي ��رة‪ :‬هي األنظمة التي تس� � ��اعد‬ ‫اخلب� � ��راء ف� � ��ي اتخ� � ��اذ قراراتهم بش� � ��كل أدق‪ ،‬وذلك‬ ‫باالعتماد على جملة من العمليات املنطقية للتوصل‬ ‫إلى قرار صحيح أو جملة من اخليارات املنطقية‪.‬‬ ‫الروبوتي ��ة‪ :‬هي الطريقة التي يس� � ��عى الباحثون‬ ‫لبناء إنسان آلي وذلك من خالل التركيز على احلركة‬ ‫بشكل أساس� � ��ي ودمج التقنيات األخرى املستخدمة‬ ‫في الذكاء االصطناعي‪.‬‬ ‫الرؤية احلاس ��وبية‪ :‬تهدف إلى تطوير برمجيات‬ ‫وأنظمة تكون أكثر قدرة وكفاءة على معاجلة الصور‬ ‫واستخالص البيانات واملعلومات امل��يدة منها‪.‬‬ ‫معاجلة اللغات الطبيعية‪ :‬تسعى بشكل أساسي‬ ‫ليكون احلاسوب أكثر تفاعلية مع اإلنسان‪ ،‬وذلك من‬ ‫خ� �ل��ال فهم اللغة والتواصل معه بالطريقة نفس� � ��ها ‪،‬‬ ‫ويركز أيضا على تس� � ��هيل التواصل بني البش� � ��ر من‬ ‫خالل بناء أنظمة للترجمة اآللية للغات عدة بش� � ��كل‬ ‫فوري‪.‬‬ ‫متيي ��ز األمن ��اط‪ :‬متيي� � ��ز األش� � ��كال والوج� � ��وه‬ ‫واألصوات ومتييز عائدية الكتابة اليدوية بعد دراسة‬ ‫وحتليل صفات كل منها ومطابقتها مع ما موجود في‬ ‫قاعدة املعرفة‪.‬‬ ‫األلعاب‪ :‬أبرزها الشطرجن وبعض األلعاب التتي‬ ‫تتطلب مهارة وذكاء‪.‬‬ ‫أخيرا‪ ،‬تبقى اإلش� � ��ارة إل� � ��ى العالقة الوثيقة بني‬ ‫رواي� � ��ات اخلي� � ��ال العلمي وهذا النوع م� � ��ن املنجزات‬ ‫العلمي� � ��ة؛ فقد ش� � ��اعت العديد م� � ��ن روايات اخليال‬ ‫العلم� � ��ي ف� � ��ي أمريكا‪ ،‬وأورب� � ��ا تنب� � ��أت أو تخيلت أو‬ ‫توقعت وجود كائنات آلية تسيطر على العالم‪ ،‬وتخيل‬ ‫كتاب بعض تلك الروايات حتول الروبوتات إلى قادة‬ ‫ميكنهم السيطرة على العالم وعلى البشر‪.‬‬ ‫وهذه في النهاية إرهاص� � ��ات ونتائج متبادلة مع‬ ‫ما أجنزته البش� � ��رية في حقل ال� � ��ذكاء االصطناعي‪،‬‬ ‫ومن يدري فلعلنا بالفعل نرى في املس� � ��تقبل إمكانات‬ ‫غي� � ��ر متوقعة لآلالت قد ال يك� � ��ون بإمكاننا اليوم أن‬ ‫نتخيلها >‬

‫مراقب آلي للقراء الشاردين‪ ...‬أحدث إجنازات الذكاء االصطناعي‬

‫‪8/10/14 9:45:50 AM‬‬

‫‪151‬‬

‫‪sep 147-151.indd 151‬‬


‫علوم‬

‫نحو ترشيد الطاقة الكهربية‬ ‫محمد أحمد علي*‬

‫ما أحوجنا إلى ترشيد استهالك الطاقة الكهربية؛ حيث نعاني النقص الشديد في إنتاجها‪ .‬ولقد‬ ‫رصا كبيرة للترشيد عن طريق‬ ‫أدركت احلكومات واإلدارات احمللية في كثير من الدول أن هناك ُف ً‬ ‫كبيرا من ناجت‬ ‫التحكم في إنارة الشوارع؛ حيث قد تالحظ أن إنارة الشوارع تستهلك سنو ًّيا قد ًرا ً‬ ‫أيضا‬ ‫الطاقة الكهربية‪ .‬على أن الترشيد ليس فقط من خالل إخفات وإطفاء أنوار الشوارع‪ ،‬ولكن ً‬ ‫عن طريق استخدام الثنائ ّيات الباعثة للضوء (‪ )LEDs‬األكثر كفاءة في استخدام الطاقة‪ ،‬بد ًال من‬ ‫املصابيح التقليدية‪ .‬وكلما استمر االنخفاض في كلفة التقنيات اجلديدة‪ ،‬ازدادت تلك اجلهود‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪8/10/14 9:46:15 AM‬‬

‫‪sep 152-162.indd 152‬‬


‫عمو ًم� � ��ا‪ ،‬هناك طرق عدة خلفض الطاقة‬ ‫املس� � ��تخ َدمة في إن� � ��ارة الش� � ��وارع‪ ،‬وهي‬ ‫تنط� � ��وي إجماالً عل� � ��ى تقلي� � ��ل الوقت‪ ،‬أو‬ ‫املدى املس� � ��تخ َدم ف� � ��ي اإلنارة‪ ،‬وكذلك ش� � ��دة الضوء‪.‬‬ ‫وعلى سبيل املثال‪ ،‬في حالة الطرق واملدن التي التزال‬ ‫حتت اإلنشاء‪ ،‬يكون منطق ًّيا االستثمار في نظم إنارة‬ ‫منخفض� � ��ة الطاقة‪ ،‬والتي ميكن التحكم فيها مركز ًّيا‪.‬‬ ‫وبالتالي‪ ،‬يجب على املسؤولني عن أنظمة اإلنارة أَخْ ذ‬ ‫مث� � ��ل تلك األمور بعني االعتب� � ��ار‪ ،‬حيث إن اتباع منهج‬ ‫دقي� � ��ق من ش� � ��أنه أن يضمن وجود أنظم� � ��ة إنارة غير‬ ‫ض� � ��ارة بالبيئة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن توفي� � ��ر الفوائد الضرورية‬ ‫بأقل كلفة ممكنة‪.‬‬ ‫كما جتب مالحظ� � ��ة أن الضوء االصطناعي يؤثر‬ ‫في عدد هائل من العمليات البيولوجية‪ ،‬مبا في ذلك‬ ‫النوم‪ ،‬والتمثيل الغذائي‪ ،‬وعمليات اإلنبات واإلزهار‪.‬‬ ‫كما أنه قد يغي ِّر من انتش� � ��ار وكثاف� � ��ة وجود الكائنات‬ ‫احلية‪ ،‬ويتداخل مع عالقات املفترس� � ��ات بالفرائس‪،‬‬ ‫نظ � � � ًرا ألهمية تعاق� � ��ب دورات الض� � ��وء الطبيعي على‬ ‫الس� � ��اعة البيولوجية‪ ،‬واالس� � ��تجابات الفس� � ��يولوجية‬ ‫للكائن� � ��ات احلية التي تتأثر بطول فترة النهار‪ .‬وللح ِّد‬ ‫ميكِ ن بشكل‬ ‫من تلك التأثيرات البيولوجية الس� � ��لبية‪ُ ،‬‬ ‫ع� � ��ام حتديد عدد أعمدة اإلن� � ��ارة‪ ،‬وإخفات اإلضاءة‪،‬‬ ‫وإطفاؤه� � ��ا لفترات‪ .‬على أنه ال تزال هناك حاجة إلى‬ ‫دراسات ت ِ‬ ‫ُفاضل ما بني احللول التوافق ّية املتاحة‪.‬‬ ‫إ ّن حاجة الناس إلى الضوء االصطناعي تش� � ��تد‬ ‫في س� � ��اعات ما بعد الغس� � ��ق‪ ،‬وما قب� � ��ل الفجر‪ .‬وفي‬ ‫ذلك إطالة اصطناعية للنهار (بالنس� � ��بة إلى الكائنات‬ ‫النهار ّي� � ��ة)‪ ،‬وتقصي� � ��ر اصطناعي لليل (بالنس� � ��بة إلى‬ ‫الكائنات الليل ّية)‪ .‬ومن املمكن أن يؤدي تعديل اإلضاءة‬ ‫في تلك الفترة مب� � ��ا يتوافق مع البيئة احمليطة‪ ،‬ووفق‬ ‫احتياج� � ��ات اإلنس� � ��ان‪ ،‬إلى تقليل التأثيرات الس� � ��لبية‬ ‫لإلنارة الليلية‪.‬‬ ‫ولقد انتش� � ��رت أنظمة الثنائ ّيات الباعثة للضوء‬ ‫األبي� � ��ض‪ ،‬وغيرها من تقنيات الضوء األبيض‪ ،‬وذلك‬ ‫بس� � ��بب قدرتها على تقدمي األلوان مبا يالئم الرؤية‬ ‫البش� � ��رية‪ ،‬فاألجس� � ��ام تبدو معها أكثر طبيع ّي ًة عند‬ ‫النظر إليها‪ ،‬لكن زيادة نطاق األطوال املوج ّية املنبعثة‬ ‫م� � ��ن مصدر الض� � ��وء تزيد من التداخ� � ��ل بني الضوء‬

‫املنبعث‪ ،‬واحلساس� � ��ية الطيفية ملجموعة واسعة من‬ ‫الكائن� � ��ات احلية‪ .‬عندما ينبعث الكثير من األش� � ��عة‬ ‫فوق البنفس� � ��جية من بعض مصادر الضوء األبيض؛‬ ‫تصب� � ��ح هذه املص� � ��ادر جاذ ًبة حلش� � ��رات مثل العث‪.‬‬ ‫وبالتالي‪ ،‬يجب أن يقتصر اس� � ��تخدام تلك التقنيات‬ ‫على املناطق التي ق� � ��د تتحقق فيها فائدة كبيرة‪ ،‬مع‬ ‫أقل ضرر بيئي ممكن‪ ،‬كأ ْن تُستخ َدم في املدن‪ ،‬بدالً‬ ‫من الريف‪ ،‬مع جتنب األطياف الضوئ ّية غير املفيدة‬ ‫لإلنسان‪.‬‬ ‫وللحصول عل� � ��ى ضوء أبيض رخي� � ��ص‪ُ ،‬وجد أن‬ ‫هن� � ��اك أس� �ل��ا ًكا نانوية من الفضة تو ِّفر وس� � ��يل ًة حلل‬ ‫مش� � ��كلتني تواجهان صناعة الثنائ ّيات الباعثة للضوء‪،‬‬ ‫إ ْذ غال ًبا م� � ��ا تُصنع الثنائيات الباعثة للضوء من مواد‬ ‫غير عضوي� � ��ة‪ .‬وتكون تلك املواد املس� � ��تنِدة إلى املواد‬ ‫ّ‬ ‫وأخف وز ًنا‪ ،‬وأقل تكلف ًة في صناعتها‪،‬‬ ‫العضوية أ َرقّ ‪،‬‬ ‫وأكثر س� � ��هولة في نش� � ��رها على أس� � ��طح كبيرة مرنة‪،‬‬ ‫متجانس� � ��ا‬ ‫لك� � � ّ�ن الضوء األبيض الذي ينتج عنها ليس‬ ‫ً‬ ‫بجميع الزواي� � ��ا‪ .‬والثنائيات الباعثة العضوية احلالية‬ ‫تتلف بســــبب تـــصلُّب األقطاب‪ ،‬فهي غير متوافقة مع‬ ‫التصنيع املرن‪ ،‬وتُصنع من إنديوم أكس� � ��يد القصدير‪،‬‬ ‫وهي مادة تش� � � ّ�ح بشكل متزايد‪ .‬وقد صن َع ويتنيجينور‬ ‫وزمالؤه‪ ،‬بجامعة س� � ��تانفورد ف� � ��ي كاليفورنيا‪ ،‬أقطا ًبا‬ ‫كهربائية بديلة باس� � ��تخدام أس� �ل��اك الفضة النانوية‬ ‫املغطاة ببالس� � ��تيك ش� � ��فاف‪ .‬وهذه تنتج ضو ًءا أبيض‬ ‫متواز ًنا بجميع الزوايا‪ ،‬وأكثر مالءم ًة لتصنيع الثنائيات‬ ‫الباعثة للضوء على أسطح بالستيكية مرنة >‬

‫* أكادميي من مصر‪.‬‬ ‫نحو ترشيد الطاقة الكهربية‬

‫‪8/10/14 9:46:19 AM‬‬

‫‪153‬‬

‫‪sep 152-162.indd 153‬‬


‫علوم‬

‫فيروس كورونا‪...‬‬ ‫رحلة العلم للقضاء على فيروس عمره أكثر‬ ‫من ‪ 10‬آالف سنة‬ ‫محمد حسونة *‬ ‫أخيرا فيروس له أعراض مثل اإلنفلونزا املوسمية في دول اخلليج العربي‪ ،‬وباألخص‬ ‫ظهر‬ ‫ً‬ ‫السعودية واإلم��ارات‪ .‬ولكنه على عكس اإلنفلونزا‪ ،‬فقد تطورت أعراضه إلى حد الضيق‬ ‫الشديد في التنفس حتى الفشل الكلوي‪ .‬اكتشف العلماء أن هذا الفيروس هو فيروس‬ ‫كورونا ال��ذي أص��اب آسيا وباألخص الصني في ع��ام ‪ 2003‬في ما ع��رف بفيروس كورونا‬ ‫(السارس) ‪ .SARS Corona Virus‬أما الفيروس الذي ظهر‬ ‫أخيرا في اخلليج العربي‬ ‫ً‬ ‫فقد سمي بفيروس ك��ورون��ا (املتالزمة التنفسية الشرق أوسطية) ‪MERS Corona‬‬ ‫‪ .Virus‬واألخير وإن كان ينتمي إلى فصيلة كورونا بصفة عامة‪ ،‬فإنه األكثر شراسة؛ إذ‬ ‫يسبب الفشل الكلوي في غضون ‪ 10‬أيام من اإلصابة على عكس فيروس كورونا (السارس)‬ ‫الذي ناد ًرا ما يؤدي إلى الفشل الكلوي‪ ،‬وإن أدى إلى ذلك فيكون في غضون ضعف هذه‬ ‫املدة‪ .‬لكن ا ُملثير هنا‪ ،‬أن مصدر هذا الفيروس هو جسد احليوان الذي كان مبنزلة معمل‬ ‫تطور فيه هذا الفيروس عبر آالف السنني لينتقل إلى اإلنسان‪.‬‬ ‫ف� � ��ي ع� � ��ام ‪ ،2003‬عكف العلم� � ��اء على‬ ‫دراسة موس� � ��عة أتت بنتائج مذهلة؛ أوالً‬ ‫أن في� � ��روس كورونا منتش� � ��ر ف� � ��ي أنواع‬ ‫مختلف� � ��ة وعديدة من احليوانات‪ .‬ثان ًيا أن عمر هذا‬ ‫الفيروس على هذا النحو يعود إلى ‪ 8100‬سنة قبل‬ ‫امليالد‪ .‬وقد وجد العلماء أن هذا الفيروس ينطوي‬ ‫على عشرات األنواع املختلفة والتي مت تقسيمها إلى‬ ‫أربع مجموعات رئيسة‪ :‬مجموعة ألفا وبيتا املوجودة‬ ‫ف� � ��ي الوطاويط‪ ،‬ومجموعة جاما ودلتا املوجودة في‬

‫الطي� � ��ور على م� � ��دى آالف الس� � ��نني‪ .‬وال يُعرف ما‬ ‫إذا كان� � ��ت الطيور هي التي أصاب� � ��ت الوطاويط أم‬ ‫العكس‪ .‬ويرجع عم� � ��ر املجموعات ألفا وبيتا وجاما‬ ‫ودلت� � ��ا ‪ Alpha, Beta, Gamma - Delta‬على‬ ‫التوال� � ��ي إلى أع� � ��وام ‪ 2400‬و‪ 3300‬و‪ 2800‬و‪3000‬‬ ‫قب� � ��ل املي� �ل��اد‪ .‬املثي� � ��ر في األم� � ��ر أن ه� � ��ذه الطيور‬ ‫تس� � ��افر ملس� � ��افات طويلة ولديها ق� � ��درة هائلة على‬ ‫نقل الفيروسات لبعضها البعض وحليوانات أخرى‬ ‫ولإلنسان في نهاية املطاف‪ .‬ومن ثم فإن الفيروس‬

‫* باحث مصري في علم اخلاليا اجلذعية‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫‪8/10/14 9:46:24 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 152-162.indd 154‬‬


‫مراقب آلي للقراء الشاردين‪ ...‬أحدث إجنازات الذكاء االصطناعي‬

‫‪8/10/14 9:46:29 AM‬‬

‫‪155‬‬

‫‪sep 152-162.indd 155‬‬


‫الذي أصاب اإلنسان نابع من الوطاويط وبالتحديد‬ ‫من املجموع� � ��ة بيتا‪ .‬وفي العص� � ��ر احلديث‪ ،‬انتقل‬ ‫فيروس كورونا مرتني ما بني الوطاويط واإلنس� � ��ان‬ ‫عبر وس� � ��يط حيواني؛ حيث في ع� � ��ام ‪ 2003‬انتقل‬ ‫فيروس كورونا (الس� � ��ارس) عبر القطط والكالب‪.‬‬ ‫وف� � ��ي عام ‪ ،2012‬انتقل في� � ��روس كورونا (املتالزمة‬ ‫التنفس� � ��ية الشرق أوس� � ��طية) عبر اجلمال واملاعز‪.‬‬ ‫ويقدر أن الفيروس تطور في أجس� � ��اد اجلمال منذ‬ ‫ع� � ��ام ‪ 1992‬أو حتى في ما قبل‪ ،‬ولكنه لم يكتس� � ��ب‬ ‫قدرة على إصابة اإلنسان إال في عام ‪ .2012‬وضمن‬ ‫املجموعة بيتا مت تصنيف الفيروس في مجموعات‬ ‫أصغر ه� � ��ي (أ‪ ،‬ب‪ ،‬ج) حيث يصنف فيروس كورونا‬ ‫(السارس) كفيروس (أ) في املجموعة بيتا‪ ،‬في حني‬ ‫أن هناك فيروس كورونا املصنف (ب) في املجموعة‬ ‫نفسها وفيروس كورونا (املتالزمة التنفسية الشرق‬ ‫أوسطية) صنف في مجموعة (ج)‪.‬‬

‫اكتشاف املرض في السعودية‬

‫ف� � ��ي س� � ��بتمبر ‪ ،2013‬أطلق الطبي� � ��ب املصري‬ ‫علي محمد زكي مبستش� � ��فى سليمان فقيه في جدة‬ ‫الناق� � ��وس األول خلط� � ��ر اإلصابة مب� � ��رض فيروس‬ ‫كورونا (املتالزمة التنفس� � ��ية الشرق أوسطية) حني‬ ‫تش� � ��كك في وجود ه� � ��ذا الفيروس ل� � ��دى واحد من‬ ‫مرضاه ونبه إلى ضرورة دراسة هذه احلالة بتعمق‬ ‫واتخ� � ��اذ التدابير الالزمة للحد من هذا الوباء‪ ،‬مما‬ ‫حف� � ��ز العديد من الدراس� � ��ات لهذا املرض وس� � ��بل‬ ‫الوقاي� � ��ة منه وعالجه‪ .‬وبالفعل ف� � ��ي نوفمبر ‪2013‬‬ ‫أعلن� � ��ت منظمة الصحة العاملية خطر انتش� � ��ار هذا‬ ‫الفيروس‪ ،‬وأجمع أكثر م� � ��ن ‪ 156‬فري ًقا علم ًّيا على‬ ‫مس� � ��توى العالم على ظهور فيروس كورونا مجد ًدا‪.‬‬ ‫وأبدوا قل ًقا من انتش� � ��اره عبر مناس� � ��ك احلج‪ .‬كما‬ ‫بينت الدراس� � ��ات أن منطقة احلافا بالسعودية هي‬ ‫املنطق� � ��ة األصلية التي انطلق منها املرض إلى باقي‬ ‫املدن الس� � ��عودية والدول املجاورة لها‪ .‬وقد كشفت‬ ‫أنواعا ع� � ��دة لفيروس كورونا‬ ‫الدراس� � ��ات أن هناك‬ ‫ً‬ ‫في الس� � ��عودية‪ ،‬وعلى األقل ثالثة أنواع مختلفة من‬ ‫هذا الفيروس في اإلم� � ��ارات‪ .‬ومنذ بداية اإلصابة‬ ‫بامل� � ��رض الذي رصد في أواخ� � ��ر ‪ 2013‬حتى يناير‬ ‫‪ُ 2014‬س� � ��جلت عامل ًّي� � ��ا ‪ 179‬حالة‪ ،‬توف� � ��ي منها ‪76‬‬ ‫ً‬ ‫مريضا‪ ،‬توزيعه� � ��م اجلغرافي كاآلتي‪ 2 :‬في األردن‪،‬‬

‫‪156‬‬

‫‪8/10/14 9:46:33 AM‬‬

‫‪ 9‬في قطر‪ 12 ،‬ف� � ��ي اإلمارات‪ 3 ،‬في تونس‪ 3 ،‬في‬ ‫عمان‪ 2 ،‬في الكويت‪ 3 ،‬في إجنلترا‪ 2 ،‬في فرنسا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مريضا في الس� � ��عودية‪ .‬هذا‬ ‫‪ 1‬ف� � ��ي إيطاليا و‪142‬‬ ‫باإلضافة إلى حاالت الكورونا الضئيلة في مصر‪.‬‬

‫كيف تطور الفيروس‬ ‫في احليوان وأصاب اإلنسان؟‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫مبسطا‬ ‫عرضا‬ ‫تتطلب اإلجابة عن هذا السؤال‬ ‫لنتائج األبح� � ��اث العلمية في هذا الص� � ��دد‪ ،‬وفه ًما‬ ‫آلليات عم� � ��ل فيروس كورونا‪ .‬ونب� � ��دأ بتعريفه‪ :‬هو‬ ‫عبارة عن فيروس يحمل شفرة وراثية من نوع الرنا‬ ‫‪ ،RNA‬وقد لوحظ أن حجمه هو األكبر بالنس� � ��بة‬ ‫ألقرانه من الفيروس� � ��ات‪ .‬كما لوحظ ً‬ ‫أيضا أن لدى‬ ‫هذا الفيروس الكثير من آليات التطور التي تسمح‬ ‫أنواعا شتى من احليوانات وأن يفلت‬ ‫له بأن يصيب‬ ‫ً‬ ‫م� � ��ن نظامها املناعي؛ بل من املمكن وجود نوعني أو‬ ‫أكثر لفيروس كورونا في اجلس� � ��د نفس� � ��ه املُصاب‬ ‫به‪ .‬وعندما يصيب نوع� � ��ان مختلفان من الفيروس‬ ‫خلية ما يتم توليد آالف الفيروس� � ��ات اجلديدة عن‬ ‫طريق نس� � ��خ جينوم الفيروس والبروتينات اخلاصة‬ ‫بتكوينه في اخللية‪ .‬ومن املمكن أن يترتب على ذلك‬ ‫نتائج عدة‪:‬‬ ‫أن تختلط آالف النس� � ��خ م� � ��ن جينوم الفيروس‬ ‫فيروس� � ��ا‬ ‫املختلف� � ��ة‪ :‬لنقل جين� � ��وم (أ) و(ب) ل ّيكونا‬ ‫ً‬ ‫جدي ًدا ذا جينوم جديد يحتوي على (أ) و(ب) م ًعا‪.‬‬ ‫وف� � ��ي حقيقة األم� � ��ر ميكن لهذه العملي� � ��ة على هذا‬ ‫فيروسا جدي ًدا محتم ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫النحو أن تولد ‪256‬‬ ‫ً‬ ‫ليس فق� � ��ط جينوم� � ��ات الفيروس� � ��ات املُنتجة‬ ‫هي التي تتجمع بش� � ��كل عش� � ��وائي ف� � ��ي الفيروس‬ ‫املهج� � ��ن اجلديد‪ ،‬بل ً‬ ‫أيضا البروتني املُرش� � ��د مكو ًنا‬ ‫أنواعا جديدة من الفيروس� � ��ات‪ .‬ولتوضيح ما نعنيه‬ ‫ً‬ ‫بالبروتني املرشد نقول‪ :‬الفيروس مكون من جينوم‬ ‫مغلف بغالف بروتيني‪ .‬يقوم الفيروس بإصابة خلية‬ ‫معينة في اجلس� � ��د عن طريق ه� � ��ذا البروتني الذي‬ ‫يرشده إلى اخللية التي يتعني إصابتها‪.‬‬ ‫وم� � ��ا يزيد األمور تعقي ًدا هو اآلتي‪ :‬أن البروتني‬ ‫ال� � ��ذي يقوم بق� � ��راءة اجلين� � ��وم اخل� � ��اص بفيروس‬ ‫كورون� � ��ا ال يقوم بقراءة اجلينوم ق� � ��راءة كاملة‪ .‬ففي‬ ‫أثناء قراءته جلين� � ��وم ما‪ ،‬ينفصل هذا اجلينوم قبل‬ ‫�كل كامل‪ ،‬وليقرأ جين� � ��وم آخر‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫أن يُقرأ بش� � � ٍ‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 152-162.indd 156‬‬


‫تامة لدى بعض املس� � ��تمعني بالشفاء‬ ‫عند شرب بول اإلبل!‬

‫ما خصائص جينوم الكورونا‬ ‫وكيف يسبب املرض؟‬

‫اجل َمال ملدة تزيد على العقدين‬ ‫الفيروس تطور في جسد ِ‬

‫فبالتال� � ��ي تزيد احتمالية تكوين فيروس� � ��ات جديدة‬ ‫بشكل كبير‪.‬‬ ‫ومبا أن ق� � ��ارئ اجلينوم ال يقوم بقراءة اجلينوم‬ ‫بشكل دقيق فمن احملتمل تكوين بروتينات فيروسية‬ ‫مختلفة عن الفيروس األصلي‪.‬‬ ‫ومن هنا جند أن نسبة تطور الفيروس وتوليده‬ ‫ألنواع جديدة تتكيف مع أوساط مختلفة وحيوانات‬ ‫مختلفة هي نس� � ��بة عالية ج ًدا‪ .‬ولكن هذه التغيرات‬ ‫أو الطف� � ��رات ميكن لها أن تك� � ��ون مضرة بالفيروس‬ ‫نفس� � ��ه‪ ،‬وذلك ألنها ميكن أن تدمر بروتينًا مه ًما في‬ ‫الفيروس نفس� � ��ه‪ .‬ومن هنا جند أنه حتت الضغط‬ ‫الذي تقوم به مناعة اجلسد‪ ،‬متوت األنواع الضعيفة‬ ‫م� � ��ن الفيروس وتبقى األنواع األقوى‪ ،‬متا ًما كما هي‬ ‫احلال في نظرية التطور لداروين‪ .‬ومن الواضح هنا‬ ‫أن الفيروس تطور في جسد اجلِ َمال ملدة تزيد على‬ ‫العقدين حتى استطاع بطريقة ما أن ينتقل لإلنسان‬ ‫ويصيب� � ��ه باملرض‪ .‬ويبدو أن عادة البدو في ش� � ��رب‬ ‫لنب اجلِ َمال دون تعقيمه هي من أس� � ��باب انتش� � ��ار‬ ‫املرض‪ .‬كما هي احلال في بعض املناطق من الصني‬ ‫التي تؤكل فيها الوطاويط والكالب‪ .‬ومن السخرية‬ ‫هن� � ��ا أن أحد رجال الدين من مدة ليس� � ��ت بالبعيدة‬ ‫قد نصح مريديه بش� � ��رب بول اجلمل للش� � ��فاء من‬ ‫ً‬ ‫األمراض‪ ،‬وقد نُوقِ َ‬ ‫نقاشا حا ًدا في‬ ‫ش هذا املوضوع‬ ‫إحدى وس� � ��ائل اإلعالم املصرية وأسفر عن قناعة‬

‫مخادعا‪،‬‬ ‫يبدو لنا فيروس كورونا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أعراض� � ��ا في البداية‬ ‫(‪ )1‬إذ يُظه� � ��ر‬ ‫ش� � ��بيهة إلى ح� � ��د كبي� � ��ر باإلنفلونزا‬ ‫املوسمية‪ .‬وذلك ألن جينوم فيروس‬ ‫كورونا قد اختل� � ��ط بجينوم فيروس‬ ‫اإلنفلون� � ��زا من قب� � ��ل‪ )2( .‬كما يبدو‬ ‫أن جينوم فيروس كورونا ضخم ج ًدا‬ ‫مقارنة بس� � ��ائر الفيروس� � ��ات‪ ،‬وذلك‬ ‫ألنه قد تطور عبر آالف السنني‪)3( .‬‬ ‫وهو ً‬ ‫أيضا فيروس ُمتل ّون‪ ،‬إذ بإمكان‬ ‫جينوم ه� � ��ذا الفي� � ��روس أن يختلط‬ ‫بجين� � ��وم اجلس� � ��د املص� � ��اب ليصبح‬ ‫جز ًءا منه يتطور داخله وملدى طويل جي ً‬ ‫ال وراء جيل‬ ‫دون إب� � ��داء أي أعراض حتى يح� �ي��ن الوقت ويخرج‬ ‫فيه مرة أخرى مكتس � � � ًبا بعض الصفات من جينوم‬ ‫اجلس� � ��د الذي كمن فيه‪ )4( .‬وم� � ��ن هذه اخلاصية‬ ‫األخيرة‪ ،‬فمن املمك� � ��ن للفيروس أن يصيب اخلاليا‬ ‫التناس� � ��لية ويكمن فيها‪ ،‬وبالتالي ينتقل إلى النسل‪.‬‬ ‫واجلدي� � ��ر بالذكر هن� � ��ا أن من ‪ 8‬إل� � ��ى ‪10‬في املائة‬ ‫من اجلينوم البش� � ��ري عبارة عن جينوم فيروسات‪،‬‬ ‫وق� � ��د أصبح الكثير منها غير مضر‪ ،‬وبهذا ميكن أن‬ ‫نفس� � ��ر كم اجلينات التي ال نع� � ��رف لها وظيفة في‬ ‫اجلس� � ��د البش� � ��ري‪ ،‬بل ميكن أن يغير نظرية تكوين‬ ‫الكائن� � ��ات األولى برمتها‪ .‬ويذهب بعض العلماء إلى‬ ‫أن هذه الظاهرة رمبا تكون سب ًبا من أسباب مرض‬ ‫السرطان‪.‬‬

‫كيف يسبب الفيروس املرض؟‬

‫يصيب في� � ��روس كورونا بش� � ��كل خاص اخلاليا‬ ‫الطالئي� � ��ة ‪( Epithelial Cells‬وه� � ��ي مجموعة من‬ ‫اخلاليا تتحد م ًعا لتغطي أجزاء ومكونات اجلسم)‬ ‫للش� � ��عب الهوائي� � ��ة ‪ Respiratory Tract‬في الرئة‬ ‫وللوح� � ��دات األنبوبي� � ��ة الكلوي� � ��ة ‪Renal Tubule‬‬ ‫باإلضافة إلى احلبل الس� � ��ري في بعض احليوانات‬ ‫مثل اجلم� � ��ل‪ .‬ويصيب الفيروس ه� � ��ذه اخلاليا ألن‬

‫فيروس كورونا‪ ...‬رحلة العلم للقضاء على فيروس عمره أكثر من ‪ 10‬آالف سنة‬

‫‪8/10/14 9:46:38 AM‬‬

‫‪157‬‬

‫‪sep 152-162.indd 157‬‬


‫الفي� � ��روس به بروتني ُمرش� � ��د (الذي‬ ‫سبق ذكره س� � ��ال ًفا) يتصل مبستقبل‬ ‫‪ DPP4‬به� � ��ذه اخلالي� � ��ا ويدمره� � ��ا‪.‬‬ ‫ففي الش� � ��عب الهوائي� � ��ة‪ ،‬وهي عبارة‬ ‫ع� � ��ن «أكياس» يدخ� � ��ل فيه� � ��ا الهواء‬ ‫املمتلئ باألكس� � ��جني‪ ،‬يستخلص الدم‬ ‫األكس� � ��جني من هذا اله� � ��واء ويترك‬ ‫في� � ��ه ثاني أوكس� � ��يد الكربون ليخرج‬ ‫مع الزفي� � ��ر‪ ،‬ومع إصاب� � ��ة الفيروس‬ ‫له� � ��ذه اخلالي� � ��ا يتم حتفي� � ��ز املناعة‪،‬‬ ‫ومن ثم يتكون داخل الشعب الهوائية‬ ‫سائل من الفيروس واخلاليا املناعية‬ ‫املقاومة واملواد الكيميائية‪ ،‬وبالتالي‬ ‫ال يس� � ��تطيع الهواء الدخول بش� � ��كل‬ ‫كامل إلى هذه الشعب وتفشل عملية‬ ‫مع إصابة الفيروس لهذه اخلاليا يتم حتفيز املناعة‪ ،‬ومن ثم يتكون داخل‬ ‫التنفس‪ .‬أما ع� � ��ن اقتحام الفيروس الشعب الهوائية سائل من الفيروس واخلاليا املناعية املقاومة واملواد الكيميائية‬ ‫للكلى‪ ،‬فهو يدمرها متا ًما في غضون‬ ‫أيام معدودة‪ .‬ومن مضاعفات املرض ضعف اجلسد في الشعب الهوائية والوحدات األنبوبية الكلوية‬ ‫في ما يلي‪:‬‬ ‫وقابليته لإلصابة بفيروسات وبكتريا أخرى‪.‬‬ ‫يتصل البروتني املُرش� � ��د الفيروسي ‪ S1‬باخللية‬ ‫تكوين جينوم «كورونا»‬ ‫الطالئية‪.‬‬ ‫يتص� � ��ل البروتني الفيروس� � ��ي ‪ S2‬باملس� � ��تقبل‬ ‫إن ثلث������ي جينوم كورونا (املتالزمة التنفس������ية‬ ‫الشرق أوسطية) هما عبارة عن شفرة لبروتينات اخللوي لكي يفتح مدخ ً‬ ‫ال للفيروس داخل اخللية‪.‬‬ ‫يدخل الفيروس اخللية ويتخلص من غالفه‪.‬‬ ‫مغايرة للبروتين������ات التكونية للفي������روس‪ ،‬ومنها‬ ‫يق� � ��وم قارئ اجلين� � ��وم اخلل� � ��وي ‪Ribosome‬‬ ‫على س������بيل املثال البروتني ال������ذي يقرأ اجلينوم‬ ‫‪ .RNA Dependant RNA Polymerase‬أم������ا بق� � ��راءة جزء من اجلينوم الفيروس� � ��ي الذي يحتوي‬ ‫الثلث الباقي من اجلينوم فهو عبارة عن ش������فرة عل� � ��ى البروتين� � ��ات املغاي� � ��رة للبروتين� � ��ات التكونية‬ ‫لبروتين������ات مكونة للفيروس‪ ،‬ومنها على س������بيل للفيروس‪.‬‬ ‫املثال البروتني املُرش������د (الذي سبق ذكره سال ًفا‬ ‫يق� � ��وم ق� � ��ارئ اجلين� � ��وم الفيروس� � ��ي ‪RNA‬‬ ‫(‪ .)Spike Protein S‬عن������د تكوين هذا البروتني‪ dependent RNA Polymerase ،‬املكون من العملية‬ ‫يتم تقس������يمه إلى جزءي������ن‪ S1 :‬و‪ .S2‬بروتني‪ S1‬السابقة بقراءة اجلينوم الفيروسي‪.‬‬ ‫هو املس������ؤول عن االتصال بالبروتني املس������تقبل‬ ‫يقرأ قارئ اجلينوم الفيروسي جز ًءا من اجلينوم‬ ‫ل������ه ‪ DDP4‬في اخللية الطالئي������ة‪ .‬أما البروتني (أ)‪ ،‬ثم يتحول قبل إكمال قراءة جينوم (أ) إلى قراءة‬ ‫‪ S2‬فهو املس������ؤول ع������ن االتص������ال باخللية التي جينوم آخر (ب)‪.‬‬ ‫تتكون البروتينات التكونية للفيروس‪.‬‬ ‫يهاجمها الفيروس بحيث يدخل الفيروس داخلها‬ ‫تخرج ماليني الفيروس� � ��ات م� � ��ن اخللية ًمدمرة‬ ‫ويتلفها‪ .‬ومن هنا جند أن هذين البروتينني هما‬ ‫املس������تهدفان من قب������ل بعض األدوي������ة العالجية إياها لتهاجم خلية أخرى‪.‬‬ ‫لفيروس كورونا (املتالزمة التنافس������ية الش������رق‬ ‫أوس������طية)‪ .‬ميكنن������ا اآلن أن نوض������ح بالضب������ط سبل العالج‬ ‫خطوات هجوم الفي������روس على اخللية الطالئية‬ ‫يحاول العلماء استغالل معرفتهم السابقة بسبل‬

‫‪158‬‬

‫‪8/10/14 9:46:42 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 152-162.indd 158‬‬


‫ع� �ل��اج فيروس كورونا (الس� � ��ارس) لع� �ل��اج فيروس‬ ‫كورونا (املتالزمة التنفس� � ��ية الشرق أوسطية)‪ .‬ومن‬ ‫املعروف أن من ضمن األدوية الش� � ��ائعة االستخدام‬ ‫ف� � ��ي ع� �ل��اج الفيروس� � ��ات ه� � ��و دواء اإلنترف� � ��رون‬ ‫‪ .Interferon‬ولك� � ��ن م� � ��ع تطور في� � ��روس كورونا لم‬ ‫يعد اجلهاز املناعي للجس� � ��د يفرز مادة اإلنترفرون‬ ‫ملقاومة هذا الفيروس‪.‬‬ ‫ومن هنا فكر العلماء في استخدام اإلنترفرون‬ ‫ألف� � ��ا الذي يتمتع بقدرة أكب� � ��ر ‪ 100‬ضعف للقضاء‬ ‫على فيروس كورونا (املتالزمة التنفس� � ��ية الش� � ��رق‬ ‫أوسطية) عن فيروس كورونا (السارس)‪ .‬ويستخدم‬ ‫عقار اإلنترفرون ألفا ‪ Alfa Interferon‬هذا مع‬ ‫الريبافرين ‪ . Ribavirin‬ولكن قد لوحظ أن لهذين‬ ‫العقاري� � ��ن أعراض� � ��ا جانبية خطيرة مث� � ��ل االكتئاب‬ ‫واالنتح� � ��ار‪ .‬كم� � ��ا أن اجلرعات املطلوب� � ��ة من هذا‬ ‫ال� � ��دواء أعلى بكثير من تلك املطلوبة لعالج فيروس‬ ‫سي‪ .‬يطمح العلماء إلى إنتاج إنترفرون أكثر فاعلية‬ ‫يس� � ��تخدم كدواء مبفرده نظ ًرا لقدرته الواسعة على‬ ‫القضاء على الفيروسات‪.‬‬ ‫من األدوي� � ��ة األخ� � ��رى املُتاحة لع� �ل��اج فيروس‬ ‫كورونا أوكسكاربازات ‪Oxcarbazate، MDL28170‬‬ ‫و‪ .SSAA09E1‬وهي أدوية تكبح الـ ‪ Cathepsin L‬أحد‬ ‫املستقبالت اخللوية األساسية التي مُتكن الفيروس‬ ‫من الدخول إلى اخللية‪ .‬من اجلدير بالذكر هنا أن‬ ‫ال� � ��دواء األخير هو األفضل من ب� �ي��ن الثالثة أدوية‬ ‫املذكورة حيث إنه ميكن للكلى التخلص منه بسهولة‬ ‫أكبر‪.‬‬ ‫م� � ��ن األدوي� � ��ة املطروح� � ��ة ً‬ ‫أيض� � ��ا ‪Adenosine‬‬ ‫‪ Deaminase‬وه� � ��و عبارة عن مادة كيميائية تنافس‬ ‫الفيروس في االتصال باملس� � ��تقبل اخللوي ‪DDP4‬‬ ‫مم� � ��ا يقلل ف� � ��رص الفيروس ف� � ��ي االتص� � ��ال بهذا‬ ‫املستقبل ومهاجمة اخلاليا الطالئية‪.‬‬ ‫‪ Mycophenolic Acid‬و‪ Cyclosporine A‬هو من‬ ‫األدوية التي تقلل مناعة اجلس� � ��د ويستخدم بصفة‬ ‫خاص� � ��ة في عمليات نقل األعض� � ��اء ولكن له تأثي ًرا‬ ‫ضد الفيروس رغم ضرره‪.‬‬ ‫‪ Lopinavir‬و‪ Ritonavir‬ه� � ��و م� � ��ن األدوي� � ��ة التي‬ ‫س� � ��اهمت في القضاء على فيروس الس� � ��ارس ولكن‬ ‫فاعليته في القضاء على فيروس املتالزمة التنافسية‬ ‫الشرق األوسطية ضعيفة (‪ 50‬في املائة)‪.‬‬

‫وم� � ��ن هنا نأتي إلى أفضل األدوية وأقلها ضر ًرا‬ ‫التي اكتشفت حدي ًثا‪.‬‬ ‫اس� � ��تخدام بالس� � ��ما ‪( Plasma‬جزء من الدم)‬ ‫املرضى الذين ش� � ��فوا من امل� � ��رض‪ ،‬حيث توجد بها‬ ‫أجس� � ��ام مضادة مناعية ‪ Antibodies‬فعالة ضد‬ ‫الفيروس‪.‬‬ ‫قام معهد الس� � ��رطان دنا فرب� � ��ر التابع جلامعة‬ ‫هارف� � ��رد ‪Harvard’s Dana-Farber Cancer‬‬ ‫‪ Institute‬مبعاون� � ��ة علم� � ��اء م� � ��ن جامع� � ��ة ‪North‬‬ ‫‪ ،California‬بدع� � ��م مال� � ��ي م� � ��ن وزارة الدف� � ��اع‬ ‫األمريكية‪ ،‬باستخالص جس� � ��م مضاد يقضي على‬ ‫فاعلية الفي� � ��روس وهو ‪ .3B11‬كان هذا اجلس� � ��م‬ ‫املض� � ��اد موجودا في مكتبة ضخمة بها أكثر من ‪27‬‬ ‫مليار جسم مضاد‪.‬‬ ‫كما ق� � ��ام الباحثون الصيني� � ��ون بدعم مالي من‬ ‫وزارة الصحة الصينية بابتكار اثنني من األجس� � ��اد‬ ‫املضادة يعمالن م ًعا ‪ 4-MERS‬و‪ 27-MERS‬للقضاء‬ ‫على فيروس كورونا‪.‬‬ ‫وم� � ��ن املفيد أن نذكر هنا أنه عالوة على عملية‬ ‫الع� �ل��اج‪ ،‬يب� � ��دو التش� � ��حيص املبكر للفي� � ��روس قبل‬ ‫اس� � ��تفحاله الس� � ��ريع أم ًرا أساس � � � ًّيا‪ ،‬ومن هنا كان‬ ‫خصيصا‬ ‫ابتكار جهاز اجليش املصري املُس� � ��تخدم‬ ‫ً‬ ‫للكشف عن اإلصابة بفيروس كورونا ويسمى ‪CO-‬‬ ‫‪ُ Fast‬مه ًما للتش� � ��خيص عن بع� � ��د ببرمجة البصمة‬ ‫الكهرومغناطيسية للفيروس‪ ،‬ومن ثم القضاء عليه‬ ‫في مهده األول‪.‬‬ ‫ف� � ��ي نهاية األم� � ��ر‪ ،‬ال أظ� � ��ن أن القضاء على‬ ‫في� � ��روس كورونا (املتالزمة التنافس� � ��ية الش� � ��رق‬ ‫أوس� � ��طية) س� � ��وف يكون نهائ ًّيا‪ .‬ف� � ��إذا كان العالم‬ ‫قد اس� � ��تطاع القضاء عليه في ‪ 2003‬مع فيروس‬ ‫كورونا (الس� � ��ارس) فإنه عاود الظهور ثانية بوجه‬ ‫جديد أكثر شراس� � ��ة‪ .‬ومع التطور الدائم والكامن‬ ‫للفي� � ��روس ملدد طويلة تنبئنا بأن� � ��ه قد يطل علينا‬ ‫بصورة أعنف في األع� � ��وام القادمة‪ ،‬ولكن العلم‬ ‫س� � ��يظل يحارب ه� � ��ذا القدر إلى نهاي� � ��ة الزمان‪.‬‬ ‫وذل� � ��ك ألن رحلة العلم الكتش� � ��اف الفيروس� � ��ات‬ ‫والقضاء عليها‪ ،‬ليس� � ��ت رحلة احلياة في مواجهة‬ ‫امل� � ��وت‪ ،‬وإمنا رحلة لذة املعرفة ومحبة اإلنس� � ��ان‬ ‫في مواجهة القت� � ��ل اخلبيث‪ ،‬رحلة تتعدد جوالتها‬ ‫ولكنها تنتصر دائ ًما >‬

‫فيروس كورونا‪ ...‬رحلة العلم للقضاء على فيروس عمره أكثر من ‪ 10‬آالف سنة‬

‫‪8/10/14 9:46:47 AM‬‬

‫‪159‬‬

‫‪sep 152-162.indd 159‬‬


‫علوم‬

‫كيفية تسجيل اللون في الصورة الرقمية‬ ‫إعداد‪ :‬سوسن عزت عامر*‬ ‫الضوء املرئي هو مدى صغير من األطوال املوجية ‪ wavelengths‬من الطاقة الكهرومغناطيسية‬ ‫التي تؤثر في اخلاليا املوجودة مبؤخرة العينني‪ ،‬وترسل العينان بدورهما رسائل إلى العقل‪ ،‬وفي هذه‬ ‫املرحلة تتحول هذه الرسائل لتعطينا رؤية‪ .‬والعني حساسة إلى طول موجي بني ‪ 400‬و‪ 700‬نانومتر‪،‬‬ ‫وهذا النطاق الضيق من الضوء املرئي – أو الضوء األبيض – يكفي ليعطينا رؤية ملونة كاملة‪.‬‬ ‫تعمل الكاميرا الرقمية بطريقة مماثلة‪ ،‬حيث ُتنتج صورة فوتوغرافية كاملة األلوان من خالل دمج‬ ‫األلوان األساسية الثالثة (األحمر‪ ،‬واألخضر‪ ،‬واألزرق)‪ .‬فالتصوير الرقمي امللون يفصل املعلومات‬ ‫احلمراء واخلضراء والزرقاء في الصورة إلى ثالث قنوات مميزة‪ ،‬وهي التي تتحد لنرى الصورة على‬ ‫شاشة الـ ‪ LCD‬اخلاصة بالكاميرا الرقمية ‪ -‬سواء في التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو الرقمي‪.‬‬ ‫* مدرس بقسم الفوتوغرافيا والسينما والتلفزيون‪ ،‬جامعة ‪ 6‬أكتوبر‪ ،‬مصر‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫‪8/10/14 9:46:54 AM‬‬

‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 152-162.indd 160‬‬


‫تعتم� � ��د التكنولوجي� � ��ا الرقمية على أن‬ ‫يستبدل بالفيلم احلساس في الكاميرا‬ ‫الفوتوغرافية‪ ،‬أو ش� � ��ريط الفيديو في‬ ‫كاميرا الفيديو‪ ،‬وسيط حس� � ��اس للضوء‪ .‬يتكون‬ ‫الوس� � ��يط احلس� � ��اس من مجموعة م� � ��ن رقاقات‬ ‫الس� � ��يليكون حتتوي كل رقاق� � ��ة منها على ماليني‬ ‫الصف� � ��وف واألعم� � ��دة م� � ��ن البيكس� � ��ل‪ .‬ويتكون‬ ‫كل بيكس� � ��ل من صم� � ��ام ثنائي حس� � ��اس للضوء‬ ‫‪ ،photodiodes‬وبالتالي فالبيكس� � ��ل هو الوحدة‬ ‫البنائية في الوس� � ��يط احلساس وهو اجلزء الذي‬ ‫كيفية تسجيل اللون في الصورة الرقمية‬

‫‪8/10/14 9:47:00 AM‬‬

‫يتعامل مع الضوء ويقوم بتجميع وتوليد الشحنات‬ ‫الكهربية‪ ،‬وكل بيكسل يُعبر عن الكثافات واأللوان‬ ‫املقابلة له في املوضوع املصور‪.‬‬ ‫وفي حقيقة األمر‪ ،‬الوسيط احلساس للضوء‬ ‫غي� � ��ر ُمدرِ ك لأللوان (أي أعمى بالنس� � ��بة للون)‪،‬‬ ‫وم� � ��ا يحدث هو أن الوس� � ��يط احلس� � ��اس يدرك‬ ‫شدة االس� � ��تضاءة وال مييز األلوان؛ حيث يسجل‬ ‫البيكسل احلساس للضوء مستويات شدة الضوء‬ ‫املنعكس فقط من املوضوع املصور‪.‬‬ ‫تتوافر أنظم� � ��ة عدة لرؤية اللون في الكاميرا‬

‫‪161‬‬

‫‪sep 152-162.indd 161‬‬


‫الرقمي� � ��ة‪ .‬يوجد أحد هذه األنظمة في وس� � ��ائط‬ ‫املصفوف� � ��ة الواح� � ��دة ‪،single matrix sensor‬‬ ‫ويعتمد هذا النظام الذي يسمى ‪bayer pattern‬‬ ‫على وض� � ��ع فلتر أحمر وأخض� � ��ر وأزرق فوق كل‬ ‫بيكس� � ��ل موجود ف� � ��ي املصفوفة‪ .‬يس� � ��تخدم هذا‬ ‫النم� � ��وذج عملي� � ��ة تس� � ��مى ‪ interpolation‬وهي‬ ‫عملية دقيقة من حس� � ��اب املتوسطات‪ ،‬مبعنى أنه‬ ‫يتم تقدير «اللون احلقيقي» للبيكسل في النهاية‬ ‫عن طريق مقارنة البيكسل بالبيكسيالت املجاورة‬ ‫له‪ ،‬أ ًّي� � ��ا كان لونها‪ .‬ومدى دقة ه� � ��ذه العملية هو‬ ‫الذي يحدد جودة الوس� � ��يط احلساس‪ ،‬وبالتالي‬ ‫دقة وجودة الصورة املسجلة‪.‬‬ ‫ويتواف� � ��ر نظ� � ��ام آخر ه� � ��و وس� � ��يط الصورة‬ ‫املباش� � ��ر ‪ ،direct image sensor‬حي� � ��ث توج� � ��د‬ ‫ث� �ل��اث طبقات من الفالت� � ��ر (األحمر ‪ -‬األخضر‬ ‫ األزرق) ملتصقة بالسيليكون اخلاص بالوسيط‬‫احلس� � ��اس بالكامل‪ ،‬و��قوم األط� � ��وال املوجية من‬ ‫الضوء األحمر واألخض� � ��ر واألزرق‪ ،‬القادمة من‬ ‫الضوء املنعكس عن املوض� � ��وع اجلاري تصويره‪،‬‬ ‫باخت� � ��راق الس� � ��يليكون عل� � ��ى أعم� � ��اق مختلفة‪.‬‬ ‫وفي ه� � ��ذه احلالة يصبح كل بيكس� � ��ل قاد ًرا على‬ ‫ً‬ ‫تسجيل شدة االس� � ��تضاءة‬ ‫وأيضا اللون في نهاية‬ ‫العملية بشكل مباش� � ��ر‪ ،‬دون االحتياج إلى عملية‬ ‫‪.interpolation‬‬ ‫نعود مرة أخرى للضوء املنعكس من املوضوع‬ ‫اجلاري تصويره‪ ،‬في محاولة لفهم عملية تسجيل‬ ‫الل������ون في الكاميرا الرقمي������ة في أي من أنظمة‬ ‫تس������جيل اللون املس������تخدمة‪ ،‬إذا كان الوس������يط‬ ‫احلساس يقرأ شدة االستضاءة وال يقرأ اللون‪.‬‬ ‫ولفهم ذل������ك ميكنك القي������ام بالتجرب������ة التالية‬ ‫بنفس������ك‪ :‬قم بتحويل ضبط الكامي������را الرقمية‬ ‫لديك إلى وضع التصوير األبيض واألسود لتماثل‬ ‫بذلك احلساس األعمى للون‪ ،‬ثم قم مبلء ثالثة‬ ‫أك������واب باأللوان األساس������ية‪ ،‬األحمر واألخضر‬ ‫واألزرق‪ ،‬لتمث������ل املوض������وع اجل������اري تصوي������ره‪.‬‬ ‫وبعدها قم بتصوير األكواب الثالثة ثالث مرات‬ ‫مس������تخد ًما في كل مرة فلت������ ًرا أحمر ثم أخضر‬ ‫موضوعا أمام العدس������ة‬ ‫ث������م أزرق على التوالي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫كبديل للفلترات امللونة املوضوعة على الوس������يط‬ ‫احلساس‪ .‬س������تالحظ بعد التصوير أن الكاميرا‬

‫‪162‬‬

‫‪8/10/14 9:47:03 AM‬‬

‫س������جلت صو ًرا مختلفة في ش������دة االس������تضاءة‬ ‫لألل������وان الثالثة في كل مرة حس������ب لون الفلتر‬ ‫املستخدم‪ .‬فمث ً‬ ‫ال‪ ،‬املنطقة احلمراء من املوضوع‬ ‫س������تظهر أفتح في التباين عند استخدام الفلتر‬ ‫األحمر (أي ف������ي القناة احلم������راء)‪ ،‬لكنها أكثر‬ ‫قتام������ة في حالة القناة اخلض������راء والزرقاء‪ .‬ما‬ ‫حدث هو أنك قمت بفصل هذه القنوات الثالث‬ ‫بحي������ث تش������اهد كل واحدة منها بش������كل فردي‪،‬‬ ‫في ش������كل صور أبيض وأس������ود‪ ،‬مما سهل رؤية‬ ‫اختالف ش������دة اس������تضاءتها مع اختالف الفلتر‬ ‫املستخدم‪.‬‬ ‫إذن هذا ما يحدث‪ :‬تقوم الفالتر املوضوعة‬ ‫على الوسيط احلساس ‪ -‬سواء في النظام األول‬ ‫أو الثان������ي الس������ابقني من أنظمة رؤي������ة اللون ‪-‬‬ ‫بتحديد كثافة كل لون على حدة‪ .‬وعند س������قوط‬ ‫الضوء على الوسيط احلس������اس‪ ،‬يقوم البيكسل‬ ‫بتس������جيل األلوان كشدة اس������تضاءة‪ .‬ولكن‪ ،‬كيف‬ ‫يقوم البيكس������ل بعد ذل������ك بتحويل ه������ذه القيم‬ ‫م������ن كثاف������ات اللون إل������ى «لون حقيق������ي»؟ يقوم‬ ‫البيكس������ل بتحويل الطاقة الضوئية الناجتة عن‬ ‫س������قوط الضوء (الفوتونات) إل������ى طاقة كهربية‬ ‫(إلكترونات)‪ ،‬وتتناس������ب عملية التحويل مع شدة‬ ‫اإلضاءة؛ فكلما زادت الطاقة الضوئية الساقطة‬ ‫على البيكس������ل كلما زادت قيم اجلهد الكهربي‪.‬‬ ‫تتم قراءة إشارة الشحنة اخلارجة من الوسيط‪،‬‬ ‫حيث يت������م نقل الش������حنات الكهربي������ة املتجمعة‬ ‫في الصف األول من بيكس���ل��ات الوس������يط إلى‬ ‫مس������جل قراءة اإلش������ارات اخلارجية ‪read out‬‬ ‫‪ ،register‬ثم يتم تكبير هذه اإلش������ارة بواس������طة‬ ‫مكب������ر ‪ Amplifier‬لتدخل بع������د ذلك إلى محول‬ ‫اإلش������ارات من تناظرية إل������ى رقمية ‪convertor‬‬ ‫‪ .AD‬تتح������ول اإلش������ارات الكهربية بعد ذلك إلى‬ ‫معلومات رقمية تعبر عن ش������دة االستضاءة وعن‬ ‫النصوع وقيم اللون‪.‬‬ ‫مبجرد أن تتم قراءة الصف‪ ،‬يتم مسح شحناته‬ ‫من على مس� � ��جل اإلش� � ��ارات اخلارجية‪ .‬وعندئذ‬ ‫تدخل ش� � ��حنات الصف التالي إلى املس� � ��جل لتتم‬ ‫قراءة إشارتها‪ ،‬وهكذا تتم قراءة جميع اإلشارات‬ ‫اخلارجة م� � ��ن الصفوف والتي حتم� � ��ل معلومات‬ ‫الصورة >‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 152-162.indd 162‬‬


‫الـحصيـرة‬ ‫محمد محمد مستجاب *‬

‫بشوش ��ة‪ ،‬وطموح ��ة‪ ،‬وجاذب ��ة‪ ،‬ومتس ��عة‪ ،‬واثقة بنفس ��ها‪ ،‬ومتماس ��كة بقوة‪ ,‬رغ ��م رقتها‬ ‫وضعفها‪ ،‬قادرة على االس ��تحواذ والضم والثورة‪ ،‬بس ��اطتها سر من أسرار الكون‪ ،‬كرمية‬ ‫في خجل وحتس ��ن اس ��تقبالك في و ّد وبش ��ر‪ ،‬ومع ذلك قادرة على طرد ذوات الدم البارد‬ ‫والعابس والثقيل‪.‬‬ ‫ملك������ة املجال������س املتس������عة‪ ،‬نس������يج‬ ‫أس������طوري وحكاي������ة ح������ب ل���ل��أرض‬ ‫الت������ي صنع������ت منه������ا‪ ،‬تتش������كل كما‬ ‫تريد‪ :‬مفروش������ة ومضمومة ومعلقة ومسقوفة‪،‬‬ ‫رفيقة األنبياء والزاهدين والس������اجدين واملوتى‪،‬‬ ‫متمسكة بالتراث والهوية في صبر نادر‪ ،‬وقادرة‬ ‫على طرد األحزان ومعاجلة الفكر واألرق‪.‬‬ ‫بعد أن دهمني احلزن بقس������وة خالل الفترة‬ ‫املاضية‪ ،‬لم أجد غير احلصيرة تس������تقبلني كي‬ ‫أجلس عليها‪ ،‬وأبدأ في إخراج أحزاني وترتيبها‬ ‫حزن������ا حزنا‪ ،‬كان������ت احلصيرة متس������عة كبيوتنا‬ ‫* كاتب من مصر‬

‫القدمية‪ ،‬ومبتس������مة في بشر كش������مس البكور‪،‬‬ ‫وودودة كجدتي‪ ،‬فذكرتني بالهتاف املشهور الذي‬ ‫كنا نطلقه أثن������اء ثورات الربي������ع العربي‪ ،‬دليال‬ ‫على ما وصلت إليه أمور وأحوال ش������عوبنا‪« ،‬بال‬ ‫حترير وبال تطهير الش������عب ص������ار َعاحلصير»‪،‬‬ ‫لك������ن احلصيرة أمدتني باالبتس������امة واحلماس‬ ‫ونحن نقوم بفرش������ها في الشارع متهيداً لصالة‬ ‫العيدي������ن األضحى والفطر‪ ،‬وإن كانت مصنوعة‬ ‫من البالس������تيك ذي اللون األخضر الغامق‪ ،‬تلك‬ ‫االبتس������امة التي ش������اهدتها في أح������د األفراح‬ ‫الريفي������ة وهي تفرش في احل������ارة وتوضع على‬

‫‪163‬‬

‫‪8/10/14 9:49:08 AM‬‬

‫‪sep 163-178.indd 163‬‬


‫كل حصيرة صينية متس������عة من الفتة واللحم‪،‬‬ ‫وبعدها تناولنا أطب������اق األرز باللنب في كرم ال‬ ‫أنساه‪ ،‬ذلك الكرم الذي شاهدته وأنا جالس في‬ ‫موالد عدة على احلصيرة‪ ،‬مس������تمتعاً باملدائح‬ ‫النبوية وباألجس������اد وهي تتمايل مع التواشيح‬ ‫وأحتسي الشاي أو القرفة أو احللبة‪.‬‬ ‫وهكذا تصبح احلصيرة مبسوطة ومفروشة‬ ‫باتس������اع العالم العربي م������ن اخلليج للمحيط‪،‬‬ ‫تستقبل الزوار والغرباء واملسافرين والساجدين‬ ‫واملناضلني‪ ،‬في كرم وو ّد وبشاش������ة‪ ،‬قادرة على‬ ‫معاجلة األجساد من الرطوبة واأللم‪ ،‬وطرد كل‬ ‫هواجس الفكر وتعكير املزاج‪ ،‬وإزاحة األحزان‬ ‫التي ال تكف عن غمرنا كل فترة‪.‬‬ ‫وال يوجد بيت في العالم العربي لم يفرش‬ ‫باحلصيرة أو تعلق على جدرانه أو تظلل وتزين‬ ‫س������قف قاعاته ودواوينه‪ ،‬س������واء كان أصحاب‬ ‫البيت من األثرياء أو الفقراء‪ ،‬فاحلصيرة رمز‬ ‫عربي مائة في املائ������ة‪ ،‬ذات خصوصية للبيئة‬ ‫الت������ي تصنع منه������ا‪ ،‬وهي متواف������رة في جميع‬ ‫أنحاء الوطن العربي‪.‬‬ ‫واملده������ش أن كلم������ة احلصي������ر تتنوع في‬ ‫الضي������ق الصدر‪،‬‬ ‫املعاج������م العربي������ة‪ ،‬ما ب���ي��ن‬ ‫ِّ‬ ‫والبخيل امل ْم ِسك‪،‬‬ ‫ِس املان ُع‬ ‫ب‬ ‫واحلا‬ ‫�����جني‪،‬‬ ‫والس�‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫من احلركة‪ ،‬واملكان الضيق‪ ،‬وحلم جنب الفرس‬ ‫م������ا بني الكتف إلى اخلاصرة‪ ،‬وملك‪ ،‬ومجلس‪،‬‬ ‫وطريق‪ ،‬كما يقال في التنزيل العزيز { َو َج َع ْلنَا‬ ‫َج َه ّ َن� � َم ِل ْل َك ِاف ِرينَ َح ِصيراً} (سورة اإلسراء آية‬ ‫صا ِئ ُر‪ ،‬فيقال‬ ‫ص ٌر‪ ،‬وأَ ْح ِص َرةٌ َ‬ ‫وح َ‬ ‫‪ ،)8‬واجلمع‪ُ :‬ح ُ‬ ‫الص َ‬ ‫الةَ َعلَى َح ِص ٍير»‪.‬‬ ‫«أ َّدى َّ‬ ‫لك������ن ما يهمنا هو احلصير ذلك البِ س������اط‬ ‫املن ُْس������وج ب َ‬ ‫ِطرِ يق ٍَة يَدَوِ ّيَ ٍة مِ ْن َس َع ِف النَ ِّخيلِ َو َما‬ ‫َش������ابَ َه ذل َ‬ ‫ميا تُفرش‬ ‫ِك‪ ،‬حيث كانت املساجد قد ً‬ ‫باحلصير‪ ،‬كما تُس������تعمل احلصيرةُ اآلن للزينة‬ ‫فهي تُع ّبر لدى الكثيرين عن االعتزاز بالتراث‬ ‫وبالبيئة‪.‬‬ ‫واآلن تس������تطيع أن تش������كل احلصيرة كما‬ ‫تريد‪ ،‬فقد تداخلت في الكثير من أمور حياتنا‪،‬‬ ‫«ح ِصي������ ْر ِة البيت حَت ُرم على‬ ‫فنجده������م يقولون َ‬ ‫اجلامع»‪« ،‬وحصيرة الصيف واسعة»‪ ،‬واملقصود‬ ‫باحلصيرة هنا املكان ذاته‪ ،‬أي ال يضيق مكان‬

‫‪164‬‬

‫‪8/10/14 9:49:14 AM‬‬

‫بقوم في الصيف الستطاعتهم النوم في اخلالء‬ ‫والب������راح‪ ،‬ويقولون أيضا عندما تريد أن تتزوج‬ ‫«خد األصيلة ولو كانت ع احلصيرة»‪ ،‬أي تزوج‬ ‫طيبة األصل ولو كانت فقيرة ليس لها ما جتلس‬ ‫علي������ه غير احلصير‪ ،‬بينما تتغير احلال‪ ،‬ويقال‬ ‫«طول ما هو ع احلصيرة ما يش������وف طويلة أو‬ ‫قصيرة»‪ ،‬وهو مثل تطلقه النس������اء عندما تهدد‬ ‫امل������رأة بضرة تأت������ي مكانها ف������ي البيت‪ ،‬ألنها‬ ‫مالكة أمره وبالتالي ال يستطيع الزواج بغيرها‪،‬‬ ‫بينما تدل احلصيرة عل������ى تبدل احلال فيقال‬ ‫ض ْل من‬ ‫«كان على نُخّ وصبح على حصير ‪َ ...‬ف ْ‬ ‫ربنا إلل������ي ما يطير» أي أنه أصبح يجلس على‬ ‫حصي������ر فيجب أن يطير من الفرحة‪ ،‬ألن ذلك‬ ‫فضل من الله‪.‬‬ ‫كما أن رؤيته في األحالم تدل على اخلادم‬ ‫وعلى مجلس احلاكم والسلطان‪ ،‬ومن رأى أنه‬ ‫جالس عل������ى حصير فإنه يأتي أمراً يتحس������ر‬ ‫علي������ه ويندم‪ ،‬بينما الذي ي������رى أنه ملفوف في‬ ‫حصير فإنه يتحصر أو يناله حصر البول‪ ،‬وقد‬ ‫يدل احلصير على البساط‪.‬‬ ‫والنتش������ار احلصير ف������ي كل بق������ع الوطن‬ ‫العربي‪ ،‬جند باململكة الس������عودية سلسلة جبال‬ ‫«احلصير»‪ ،‬وهي جبال جميلة حمراء جرانيتية‬ ‫تكثر فيها األودية واألشجار الكبيرة‪ ،‬كما يوجد‬ ‫احتف������ال مبقام «أبو حصي������رة» مبدينة دمنهور‬ ‫مبحافظ������ة البحي������رة في مصر‪ ،‬وه������و حاخام‬ ‫يهودي م������ن أصل مغربي‪ ،‬عاش من ‪ 1805‬إلى‬ ‫‪ ،1880‬ينتم������ي لعائلة الباز الش������هيرة باملغرب‬ ‫العربي‪ ،‬ويعتقد عدد من اليهود أنه ش������خصية‬ ‫مبارك������ة‪ ،‬وتذك������ر إح������دى الروايات الش������عبية‬ ‫أن������ه غادر املغ������رب لزيارة أماكن مقدس������ة في‬ ‫فلسطني‪ ،‬إال أن س������فينته غرقت‪ ،‬وظل متعلقا‬ ‫بحصيرة قادته إلى سورية ومنها إلى فلسطني‪،‬‬ ‫وعند عودته للمغرب عبر مصر توفي فيه‪ ،‬وقد‬ ‫أوقفت الس������لطات املصرية هذا االحتفال منذ‬ ‫سنوات عدة‪.‬‬ ‫وصناعة احلصر من الصناعات الش������عبية‬ ‫القدمي������ة املمتدة في الوج������دان العربي‪ ،‬والتي‬ ‫عرف������ت منذ العصر الفرعوني‪ ،‬وهو يصنع من‬ ‫أشياء البيئة احمليطة بنا‪ ،‬وخاصة من اخلوص‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 163-178.indd 164‬‬


‫وس������عف النخي������ل ونبـــــات احللف������ا بعد جتفيفه‬ ‫في الش������مس‪ ،‬ويطل������ق عـــــلى طائف������ة صناعة‬ ‫احلصير «احلصرية»‪ ،‬ونظرا النتــــــش������اره فقد‬ ‫قــي������ل إنه ليس مبصر ما هو أكثر انتش������ارا من‬ ‫استعمال احلصر‪ ،‬ويوجد سوق «حي احلصرية»‬ ‫بالقاه������رة لصناعته وبيعه‪ ،‬وس������وق احلصــرية‬ ‫باإلسكندرية‪.‬‬ ‫واحلصي������ر مي������ر في صناعت������ه مبرحلتني‪:‬‬ ‫جمعه وجتفيفه في الشمس ملدة شهرين تقريبا‬ ‫ثم وضعه في الكركم لتليينه‪ ،‬وبعدها يوضع على‬ ‫النول ويبدأ في تش������بيكه‪ ،‬بع������د ذلك يتم صبغه‬ ‫باألل������وان األحم������ر واألخض������ر واألزرق‪ ،‬ونادرا‬ ‫م������ا يصبغ باألس������ود‪ ،‬وكثيرا ما يحلى برس������وم‬ ‫وزخارف‪ ،‬ومن بعض أس������ماء تل������ك التصاميم‪:‬‬ ‫دقي الش������مع‪ ،‬واملعقرب‪ ،‬والقل������ب اخلالي‪ ،‬وال‬ ‫يض������ع احلرفي تصميما ينقل من������ه بل هو على‬ ‫مقدرة كبيرة في حفظ التصاميم املتوارثة‪ ،‬وكان‬ ‫احلصير من أساسيات العروس قدمياً‪.‬‬ ‫واحلصير متع������دد االس������تخدامات‪ ،‬ما بني‬ ‫فرش������ه في غرف االس������تقبال أو على الس������رير‬ ‫أو األرض للن������وم أو على املصاطب في األرياف‬ ‫وخاصة النوع املعروف بـ «اإلياس»‪ ،‬كما يستخدم‬ ‫للزين������ة على اجلدران كما نراه اآلن في املقاهي‬ ‫والفن������ادق‪ ،‬أو يعلق على األس������قف‪ ،‬حيث مينع‬ ‫احلرارة الش������ديدة ويجعل املكان رطبا‪ ،‬ويوجد‬

‫ن������وع من احلصير يطلق عليه اس������م «الس������فرة»‬ ‫أو «الس������رود» وهو دائري الش������كل مصنوع من‬ ‫اخلوص يجلس حوله األفراد لتناول الطعام‪ ،‬ثم‬ ‫يعلق على احلائط بعد انتهاء تناول الطعام‪ ،‬لكن‬ ‫أغرب ما سمعته عن احلصير أنه كان يستخدم‬ ‫ميا‪.‬‬ ‫كأكفان للموتى قد ً‬ ‫والن������وم على احلصي������ر يزي������ل آالم العمود‬ ‫الفقري‪ ،‬حيث يس������اعد على تسويتها‪ ،‬ويقضي‬ ‫على األحالم املرعبة‪ ،‬ويداوي االكتئاب‪ ،‬ويساعد‬ ‫على الشعور برطوبة األرض في فصل الصيف‪،‬‬ ‫ويدفئك في فصل الشتاء‪.‬‬ ‫ونح������ن اآلن ف������ي حاج������ة للنوم فت������رة على‬ ‫احلصيرة العربية في البراح الطلق أو الصحراء‬ ‫بعد أن فقدنا عتبات ومصاطب بيوتنا‪ ،‬كي نطل‬ ‫في السقف ونقوم بعد الثقوب أو تتجول عيوننا‬ ‫ف������ي الس������ماء وامللكوت ونقوم بع������دِّ النجوم كما‬ ‫املاضي‪ ،‬وكي تعود احلرية ألجس������ادنا وعقولنا‪،‬‬ ‫ونستطيع أن نعالج العمود الفقري العربي بعد أن‬ ‫أصابه العطب نتيجة جلوسه دون عمل حقيقي‬ ‫أمام شاشات التلفزيون وأسفل التكييفيات في‬ ‫الغرف املغلقة‪ ،‬ونخرج من دائرة االكتئاب الذي‬ ‫يحاصرنا من مجريات احلياة حولنا‪ ،‬وكي نزيح‬ ‫أحزاننا التي تكالبت علينا وغمرتنا‪ ،‬ولم تعد لها‬ ‫أي بهج������ة إال اجللوس على احلصير في الهواء‬ ‫الطلق >‬

‫خ ��رج املهدي يتصيد‪ ،‬فغار به فرس ��ه حتى وقع في خباء أعراب ��ي‪ ،‬فقال‪ :‬يا أعرابي هل‬ ‫من قرى؟ فأخرج له قرص ش ��عير فأكله‪ ،‬ثم أخرج له فضلة من لنب فس ��قاه‪ ،‬ثم أتاه بنبيذ‬ ‫ف ��ي ركوة فس ��قاه‪ ،‬فلما ش ��رب قال‪ :‬أتدري من أنا؟ قال‪ :‬ال‪ ،‬قال‪ :‬أن ��ا من خدم أمير املؤمنني‬ ‫اخلاص ��ة‪ ،‬ق ��ال‪ :‬بارك الله لك في موضعك‪ ،‬ثم س ��قاه مرة أخرى‪ ،‬فش ��رب فقال يا أعرابي‪:‬‬ ‫أت ��دري م ��ن أن ��ا؟ قال‪ :‬زعمت أن ��ك من خدم أمير املؤمن�ي�ن اخلاصة‪ ،‬فقال‪ :‬ال أن ��ا من ُقواد‬ ‫أمير املؤمنني‪ ،‬قال‪ :‬رحبت بالدك وطاب مرادك‪ ،‬ثم سقاه الثالثة‪ ،‬فلما فرغ قال يا أعرابي‪:‬‬ ‫أت ��دري م ��ن أن ��ا؟ قال‪ :‬زعمت أنك من ق ��واد أمير املؤمنني‪ .‬فق ��ال‪ :‬ال‪ ،‬ولكني أمير املؤمنني‪:‬‬ ‫ق ��ال‪ :‬فأخ ��ذ األعرابي الرك ��وة‪ ،‬فوكأها وقال‪ :‬إليك عني‪ ،‬فوالله لو ش ��ربت الرابعة‪ ،‬الدعيت‬ ‫أنك رسول الله‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫‪8/10/14 9:49:17 AM‬‬

‫‪sep 163-178.indd 165‬‬


‫ُ‬ ‫املنتديات ال ِّنسائية‪...‬‬

‫وفخاخ‬ ‫ِس ْح ٌر ِ‬

‫أميرة مصطفى *‬

‫ش ��رفة س ��حرية ُتط ��ل على عالم واس ��ع‪ ،‬هذا هو الش ��عور األول للمرأة الت ��ي تدخل فضاء‬ ‫منتديات املرأة على اإلنترنت‪ ،‬فمنذ الوهلة األولى ينفتح أمامها عالم رحب وجذاب‪ .‬وقد‬ ‫ال متلك حينها خيار ًا آخر غير إدارة املزالج واخلطو داخل غرف موضوعات عامة ودردشة‬ ‫وأزياء ومش ��كالت أس ��رية وصحية وفضفضات‪ .‬قد تقضي املرأة عدة دقائق أو س ��اعات في‬ ‫االنتقال في ما بينها‪ ،‬ورمبا يتطور األمر ليصبح أحد أكثر ممارس ��ات يومها اس ��تمرارية‪.‬‬ ‫ومثل كل عالم س ��حري‪ ،‬فإن األش ��ياء قد تختلف حقيقتها عما تبدو عليه‪ ،‬وما بني سحر‬ ‫العالم االفتراضي وفخاخه يدور هذا املقال‪.‬‬ ‫السحر‬ ‫لثراء املنتديات النس������ائية مبختلف‬ ‫املوضوع������ات املطروحة جاذبية لدى‬ ‫املرأة‪ ،‬فأيا كانت اهتمامات املرأة‪ ،‬ستجد حتما‬ ‫م������ا يروقها‪ ،‬ويلب������ي ما حتتاج إلي������ه من أبواب‬ ‫األدب والدين واجلمال واألس������رة واملش������كالت‬ ‫االجتماعي������ة وتفس������ير األح���ل��ام والريجي������م‬ ‫والرش������اقة واألزياء والطبخ‪ .‬ويُتاح لها في هذه‬ ‫الصفحات أن حتصل على املعلومات وتتـــبادل‬ ‫اخلب������رات‪ .‬كم������ا أن التح������دث مع أش������خاص‬ ‫يجهلون الهوية احلقيقية للم������رأة‪ ،‬يدفعها إلى‬ ‫ساحة الفضفضة وسرد بعض ما يخص حياتها‬ ‫وخبراته������ا أو مش������كالتها‪ ،‬بهدف االس������تعانة‬ ‫بخبرات أو تعاطف اآلخرين‪.‬‬ ‫وللفضفضة س������حرها األخ������اذ‪ ،‬ففي بعض‬ ‫األحيان نتحدث ملج������رد أننا نعلم أن هناك من‬ ‫يس������تمع إلينا‪ ،‬أو على وج������ه الدقة من يقرأ لنا‬ ‫عبر الشبكة اإللكترونية‪ .‬وتصبح املنتديات في‬ ‫هذه احلالة متنفس������ا لالنفع������ال والتوتر‪ ،‬الذي‬

‫* باحثة متخصصة في الدراسات النفسية من مصر‬

‫‪166‬‬

‫‪8/10/14 9:49:23 AM‬‬

‫يوجد عند املرأة بس������بب ضغوط الدراس������ة أو‬ ‫العمل أو حتوالت املجتمع‪ ،‬وخاصة إذا وجدت‬ ‫مش������كالت مماثل������ة ل������دى اآلخري������ن‪ ،‬ألن هذا‬ ‫يدفعها إلى الرضا بواقعها حني تش������عر أنها ال‬ ‫تعاني مبفردها‪.‬‬ ‫تزداد أهمية ه������ذا العالم االفتراضي لدى‬ ‫امل������رأة في املجتمعات التقليدي������ة‪ ،‬التي ال جتد‬ ‫فرصا متنوعة للمش������اركة املجتمعية والتواصل‬ ‫م������ع آخري������ن‪ ،‬فتضط������ر إل������ى تعوي������ض ذلك‬ ‫باالنغماس في س������احات التواصل االفتراضي‪.‬‬ ‫وبقدر ما يتزايد ارتباطه������ا بهذا الفضاء‪ ،‬تقل‬ ‫احلاجة إل������ى إيجاد روابط قوي������ة مع املجتمع‬ ‫احلقيقي‪ ،‬وت������زداد مخاطر الوق������وع في فخاخ‬ ‫الواقع االفتراضي‪.‬‬

‫الفخاخ‬

‫ف������ي ظل إدراك املرأة لكونه������ا غير معلومة‬ ‫آلخرين هم أيضا مجهولون بالنس������بة إليها قد‬ ‫تُدلي ببعض البيانات الش������خصية اخلاصة بها‬ ‫العدد ‪ - 670‬سبتمبر ‪2014‬‬

‫‪sep 163-178.indd 166‬‬


‫أو مبقرب���ي��ن إليه������ا‪ .‬وقد يورطه������ا األمر مع من‬ ‫يستخدم هذه البيانات أو الصور الشخصية في‬ ‫أغراض سيئة أو مؤذية‪ ،‬ما يوقعها في مشكالت‬ ‫غير متوقعة‪.‬‬ ‫ومع استغراق املرأة في متابعة سيل كل جديد‬ ‫من موضوعات املنتدى وأقسامه تُهدر املزيد من‬ ‫وقتها وطاقتها اإليجابية‪ ،‬رمبا من دون التوصل‬ ‫ملا كانت تبغيه من حلول ونصائح أو جتارب كانت‬ ‫هي دافعها باألساس‪ .‬وتكون املرأة أسيرة القفز‬ ‫م������ن نافذة إلكترونية إلى ناف������ذة أخرى‪ ،‬دون أن‬ ‫تستقر على شيء‪.‬‬ ‫وف������ي حني يط������ول الوقت ال������ذي تنفقه في‬ ‫إج������راء ح������وارات أو متابع������ة موضوعات تصبح‬

‫ش������خوص املنتدى املجهولة بديال عن‬ ‫العالقات اإلنسانية املباشرة واملمكنة‬ ‫مع أفراد األس������رة واألهل واألصدقاء‪،‬‬ ‫فتزداد عزلتها النس������بية عن أس������رتها‬ ‫وعاملها احلقيقي بكل ما يس������ببه ذلك‬ ‫م������ن مخاط������ر وآالم‪ .‬وي������زداد األم������ر‬ ‫خطورة مع الفتيات في عمر املراهقة‬ ‫والش������باب‪ .‬فقد تخلق الفتاة لنفس������ها‬ ‫عاملا بديال لعامله������ا الواقعي‪ ،‬ما يؤدي‬ ‫بها إل������ى مزيد من العزل������ة واالنطواء‬ ‫االجتماعي‪.‬‬ ‫اإلنترنت في بعض وجوهها ليست‬ ‫إال س������وبر ماركت كبير‪ ،‬كل شيء فيها‬ ‫غرض������ه التج������ارة والبيع والش������راء‪.‬‬ ‫ومواق������ع املنتدي������ات تس������تضيف دوما‬ ‫معلنني عن سلع نسائية عديدة‪ ،‬وبعض‬ ‫الشركات توظف من يقومون بالدعاية‬ ‫ملنتجاته������ا ف������ي هذه املنتدي������ات‪ ،‬وهم‬ ‫يخفون حقيق��������ة أنهم مندوبو مبيعات‪،‬‬ ‫ويتحدثون بش������كل حميم‪ ،‬والغاية هي‬ ‫تعزيز نهم الشراء واإلنفاق لدى قطاع‬ ‫عريض من النساء‪.‬‬ ‫لك� � ��ن األم� � ��ر األكث� � ��ر خط� � ��ورة في‬ ‫املنتديات النسائية هو أن بعض النساء‬ ‫يعتم� � ��دن عليه� � ��ا ف� � ��ي احلص� � ��ول على‬ ‫معلوم� � ��ات ق� � ��د تكون ش� � ��ديدة األهمية‬ ‫واحلساس� � ��ية‪ .‬ومص� � ��در اخلط� � ��ورة أن‬ ‫من يقدمون هذه املعلوم� � ��ات هم غالبا أفراد غير‬ ‫مؤهل� �ي��ن أو متخصص� �ي��ن‪ .‬وغالبا م� � ��ا تكون هذه‬ ‫املعلومات نتاج خبرة شخص أو مجموعة أشخاص‪،‬‬ ‫وقد تكون وهمية أو ناقصة أو غير قابلة للتعميم‪،‬‬ ‫وتسبب ضررا أكثر مما حتمل نفعا‪ ،‬كما هي احلال‬ ‫في املعلومات عن الصحة مثال‪.‬‬ ‫وأخيرا‪ ،‬س������يدتي‪ ،‬فقبل أن يخطف بصرك‬ ‫س������حر عالم املنتديات الباهر وشخصياته التي‬ ‫ال تتوقف عن طرح كل ما يش������غلك‪ ،‬أقترح عليك‬ ‫أن تعودي لغربالك القدمي كي ينتقي لك الصالح‬ ‫والص������ادق فقط‪ ،‬من دون ه������در وقتك وطاقتك‬ ‫املثمري������ن‪ ،‬لعلك تكتش������فني أن بع������ض ما يبدو‬ ‫ساحرا‪ ،‬ميتلئ بالكثير من الفخاخ >‬

‫‪167‬‬

‫‪8/10/14 9:49:27 AM‬‬

‫‪sep 163-178.indd 167‬‬


‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الطفل‬ ‫عند‬ ‫الرفض‬ ‫واملعارضة َ‬ ‫ِ‬ ‫حة واملرض‬ ‫الص ِ‬ ‫بني ِّ‬ ‫د‪.‬بركات محمد مراد *‬

‫ب ��ادئ ذي ب ��دء‪ ،‬ال أري ��د االدعاء ب ��أن الرفض عمل ُمنك ��ر أو ُمس ��تهجن‪ ،‬ألن أروع األعمال‬ ‫وأعظ ��م الس ��ير وأخلد احلوادث تكونت ع ��ن نطفة الرفض ومن طاقات ��ه‪ .‬األنبياء رفضوا‬ ‫أوضاع ًا فاس ��دة أو ضارة أو باطلة‪ ،‬املخترعون والعلماء والرواد رفضوا نظريات جامدة أو‬ ‫ناقصة‪ ،‬واملكتش ��فون رفضوا العيش ضمن جغرافية محدودة وحياة رتيبة مملة‪ ،‬مش ��اهير‬ ‫الكتاب واألدباء واملجددين في القصة والش ��عر رفضوا بعض األس ��اليب الوصفية املتكررة‬ ‫اخلامل ��ة‪ ...‬وأخي ��راً‪ ،‬املصلح ��ون في كل م ��كان رفضوا النظم والسياس ��ات التي كانت تذل‬ ‫اإلنس ��ان أو تس ��يء إل ��ى متتع ��ه بدميقراطي ��ة اجتماعي ��ة واقتصادية وثقافي ��ة‪ ،‬واجلميع‬ ‫رفضوا أو حاربوا الرياء والدجل في كل شيء‪.‬‬ ‫الرفض إذن هو لب أعاظم األفعال‪ ،‬إال‬ ‫أنه رفض مش� � ��روع ومعقول‪ ،‬وشرعية‬ ‫هذا النوع من الرفض أنه ترعرع بفعل‬ ‫عوامل ملحة‪ ،‬وكان مهضوما ومدروسا ال اعتباطيا‬ ‫أحمق‪ ،‬وكان يرم� � ��ي إلى اإلصالح والفائدة األعم‬ ‫أو دفع األذى ومكافحة الشر اخلطير‪ ،‬ومعقولية‬ ‫ه� � ��ذا النوع من الرفض أنه ف� � ��ي البناء احلضاري‬ ‫للمجتمع وللعالم‪.‬‬ ‫الرفض الطفولي‪ :‬إن بعض األطفال يرفضون‬ ‫الذهاب إلى املدرسة مثال‪ ،‬وأصبح هذا النوع من‬ ‫الرفض مرضا نفس� � ��يا يُدعى بـ «رفض املدرسة»‪،‬‬ ‫وللمرض النفس� � ��ي أس� � ��باب ودوافع ال ريب فيها‪،‬‬ ‫وقد تكمن في املدرس� � ��ة نفسها فتستنفر التلميذ‬ ‫من االقتراب منها‪ ،‬وقد تكمن في البيت واألسرة‬ ‫الت� � ��ي جتذبه إليه� � ��ا وتعرقل اندفاع� � ��ه أو مودته‬ ‫نحو املدرس� � ��ة‪ ،‬ومعظم الدوافع واألسباب متكن‬ ‫معاجلتها بالوس� � ��ائل النفس� � ��ية‪ ،‬وينقلب الرفض‬ ‫* أكادميي من مصر‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪8/10/14 9:49:31 AM‬‬

‫بالنهاي� � ��ة إل� � ��ى ألفة وانس� � ��جام‪ ،‬ويغ� � ��دو الرفض‬ ‫املدرس� � ��ي وأمثاله من األمراض النفسية