Issuu on Google+

‫‪ 1913‬جيــل‬ ‫ـاوي‪ :‬مــرآة‬ ‫ـدالغفَّ ـبـاريمكَّ ـ‬ ‫والفيلسوف عبـ‬ ‫ـس عـام‬ ‫األول فــي‬ ‫األديبمـر العـربـي‬ ‫الـمـؤتـ‬ ‫العدد ‪658‬‬ ‫> شوال‬

‫اآلن‬ ‫في األسواق‬ ‫مجلة‬

‫‪ 1434‬هـ > سبتمبر ‪ 2013‬م‬

‫أمل في املستقبل‪ ..‬ونظرة إلى الغد‬

‫‪september 2013‬‬

‫‪ 5‬مجالت ‪ X‬مجلة‬

‫شرائط ومغامرات ‪ -‬قصص وحكايات ‪ -‬شخصيات ورحالت ‪ -‬علوم واكتشافات ‪-‬‬ ‫من القراء وإليهم‬

‫سبتمبر‬

‫النـ ـَّيـ ــروز‬

‫‪2013‬‬

‫الترك‬ ‫مسرح ُّ‬

‫اطلب هديتك املجانية‪:‬‬

‫خلروف‬ ‫الع ْنزة وا َ‬

‫‪7/29/13 11:04:35 AM‬‬

‫العدد ‪ 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪ISSN : 0258‬‬

‫توزع أكثر من ‪ 120‬ألف نسخة كل شهر‬

‫‪3941-www.alarabimag.net‬‬

‫املجلة األولى لألطفال في العالم العربي‬

‫> ذكريات الشاعر الكويتي أحمد البشر الرومي‬ ‫> احلضارة احلديثة للمفكر علي الوردي (ملف)‬ ‫> وجها لوجه مع املعماري املغربي عبدالواحد منتصر‬ ‫‪full cover.indd 1‬‬


‫حصن ثالء‬ ‫قمم اجلبال حتمي عروش أئمة اليمن‬

‫تكنولوجيا حتطم األسعار‬

‫إبراهيم املليفي‬

‫في العدد القادم ‪ -‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫اآلن في األسواق‬

‫سبتمبر‬ ‫‪2013‬‬

‫مجلة شهرية للثقافة العلمية‬ ‫في هذا العدد‬

‫> امليثان‪ ..‬طاقة املستقبل من أعماق البحار واحمليطات‬ ‫> تكنولوجيا النانو خلدمة الطب التعويضي‬ ‫> الكتاب اإللكتروني يعطي ظهره ألمريكا ويتجه ألوربا‬ ‫> هل ميكن أن تتجدد األعصاب?‬

‫اكتشاف أول «سمكة قرش الثور»‬ ‫مزدوجة الرأس‬

‫أول مقابلة مع ميت‬

‫رسائل من عطارد‪ ..‬الكوكب‬ ‫صغير احلجم غريب األطوار‬

‫> ملف خاص عن املفكر‬ ‫أحمد أبو زيد ‬

‫> فرانسوا زبا ل‬ ‫وجها لوجه مع دينا مندور‬

‫> فاضل خلف يكتب‬ ‫عن الشيخ يوسف القناعي ‬

‫> عبد الرحمن منيف‬ ‫بقلم‪ :‬د‪.‬داليا سعودي‬

‫د‪.‬عمرو منير‬ ‫> مشاهدات حاج عثماني في مكة ‬ ‫> الشيخ سيد النقشبندي ‪ ..‬صوت السماء محمد محمد مستجاب‬ ‫د‪ .‬إميل خوري‬ ‫> رابعة العدوية‪ :‬سيرتها ومنهجها الصوفي ‬ ‫د‪ .‬عقيل مهدي‬ ‫ ‬ ‫> يوسف العاني وعكازه املسرحي‬

‫‪ ..‬واقرأ لهؤالء د‪ .‬إميل خوري ‪ /‬د‪.‬مصطفى اجلوزو ‪ /‬فاروق شوشة ‪  /‬أمني الباشا ‪/‬‬ ‫عبود عطية‪ /‬محمد الفقي‪ /‬د‪ .‬فاروق أحمد مصطفى‪ /‬د‪.‬محمد حافظ دياب‪/‬‬ ‫د‪.‬سعاد عثمان‪ /‬د‪.‬محمود مراد‪ /‬د‪ .‬بركات محمد مراد ‪ /‬د‪ .‬عقيل مهدي‪.‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬ ‫‪7/29/13 11:04:57 AM‬‬

‫‪full cover.indd 2‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫تأسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫املشرف العام‬

‫محمد عبد احملسن العواش‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 1‬شارع ‪ - 47‬قسيمة ‪ - 3‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬

‫‪Editorial Tel:‬‬

‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫عناوين مراسلة العربي في اخلارج‬ ‫> القاه� � ��رة ‪ -‬اله� � ��رم ‪ 5 -‬ش� � ��ارع ترع� � ��ة املريوطي� � ��ة ‪ -‬عم� � ��ارات اخللي� � ��ج ‪ -‬عم� � ��ارة ‪3‬‬ ‫ال� � ��دور األول دار ع� �ي��ن للدراس� � ��ات ‪ -‬هــاتـ� � ��ف ‪ > 002039812448‬بي� � ��روت ص‪ .‬ب‬ ‫‪ 70827‬أنطلي� � ��اس‪ /‬لـبـنـ� � ��ان ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 009613408407‬فاك� � ��س ‪009614408448‬‬ ‫> دمش� � ��ق ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 00963114417653‬فاك� � ��س ‪ 00963114449567‬ص‪.‬ب ‪7699‬‬ ‫> الرباط هاتف ‪ 0021237679972‬فاك� � ��س ‪ 0021237778438‬ص‪.‬ب ‪ 7729‬دار احلديث‬

‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو مايعادلها بالدوالر االمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم‬ ‫وزارة اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬

‫رأس حترير‬

‫د‪ .‬أحمد زكي‬ ‫(‪)1975 - 1958‬‬ ‫أحمد بهاء الدين‬ ‫(‪)1982 - 1976‬‬ ‫د‪ .‬محمد الرميحي‬ ‫(‪)1999 - 1982‬‬ ‫د‪ .‬سليمان العسكري‬ ‫(‪)2013- 1999‬‬

‫‪8/1/13 9:58:07 AM‬‬

‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـس� � �ـــــودان‬ ‫‪ ,500‬جنيه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪ ،‬اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـس � � �عـوديـــة ‪7‬‬ ‫ريـــاالت‪ ،‬الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬س�� ��لطنـة عمـان ‪ 500‬بيس� � �ـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪،‬‬ ‫سورية ‪ 30‬لـيرة‪ ،‬اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬

‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 , France 2 ,‬‬ ‫‪Austria 2 , Germany 2 , USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬ ‫جميع املراسالت باسم رئيس التحرير‬ ‫< املجل� � ��ة غي� � ��ر ملزمة بإعادة أي مادة تتلقاها للنش� � ��ر‪ < .‬اخلرائط التي تنش� � ��ر باملجلة مجرد خرائط‬ ‫توضيحي� � ��ة وال تعتبر مرجعا للحدود الدولية‪ < .‬اليجوز إعادة النش� � ��ر بأي وس� � ��يلة ألي مادة نش� � ��رتها‬ ‫العرب� � ��ي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة خطية من اجله� � ��ات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا‬ ‫لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬ ‫< املساهمون للمرة األولى يرسلون موادهم مصحوبة بسيرهم الذاتية‪.‬‬

‫< املواد املنشورة تعبر عن آراء كتابها وال تعبر عن رأي املجلة‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬

‫‪3‬‬

‫‪‭ ‬p3‭ ‬�����‭.indd 3‬‬


‫العدد‪ - 658‬شوال ‪ 1434‬هـ‬ ‫سبتمبر (أيلول) ‪2013‬م‬

‫وكالء توزيع العربي ومطبوعاتها‬ ‫الكويت‪ :‬املجموعة اإلعالمية العاملية‬

‫الهاتف‪00965-24826820/1/2:‬الفاكس‪00965- 24826823:‬‬

‫لبنان‪ :‬الشركة اللبنانية لتوزيع الصحف ‪00961-1368007‬‬ ‫البريد االلكتروني‪colidi@inco.com.lb :‬‬ ‫البحرين‪ :‬مؤسسة األيام للنشر ‪00973-17617733‬‬ ‫الفاكس‪000973-17617744:‬‬ ‫األردن‪ :‬وكالة التوزيع األردنية ‪00962-6535885‬‬ ‫فاكس ‪0096265337733‬‬ ‫قطر‪ :‬شركة دار الشرق ‪00974-44557809/ 11/10‬‬ ‫فاكس ‪-00974 44557819‬‬ ‫اإلمارات‪ :‬شركة ابو ظبي لالعالم‬ ‫الهاتف‪ ..971-24145005/6 :‬الفاكس‪00971-24144340 :‬‬ ‫سلطنة عمان‪ :‬مؤسسة العطاء للتوزيع ‪00968-24492936‬‬ ‫‪ -24496748‬فاكس‪-00968 24493200 :‬‬ ‫السعودية‪ :‬الشركة الوطنية املوحدة للتوزيع‬ ‫الهاتف‪ 0096614871414 :‬فاكس‪0096614870809 :‬‬ ‫فلسطني‪ :‬شركة رام الله للتوزيع والنشر‬ ‫هاتف‪ 00967 022980800- :‬فاكس‪0097022964133 :‬‬ ‫مصر‪ :‬مؤسسة أخبار اليوم ‪00202-25806400‬‬ ‫‪ -25782701‬فاكس ‪00202 25782540-‬‬ ‫السودان‪ :‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع‬ ‫هاتف‪ 002491 83242702 :‬فاكس‪00249183242703 :‬‬ ‫تونس‪ :‬الشركة التونسية ‪00216-71322499‬‬ ‫فاكس‪-00216 71323004 :‬‬ ‫اجلزائر‪ :‬شركة بوقادوم لنقل وتوزيع الصحافة‬ ‫هاتف‪ - 0021331909590 :‬فاكس ‪0021331909328‬‬ ‫املغرب‪ :‬الشركة العربية اإلفريقية ‪00212 - 522249200‬‬ ‫فاكس‪-00212 522249214 :‬‬ ‫اليمن‪ :‬القائد للنشر والتوزيع ‪00967 1240883‬‬ ‫فاكس‪-00967 1240883 :‬‬ ‫العراق‪ :‬شركة الظالل للتوزيع ‪009647704291208 :‬‬ ‫‪80662019 -807742504‬‬‫ليبيا‪ :‬شركة الناشر الليبي هاتف‪00218217297779 :‬‬ ‫فاكس‪00218-217297779 :‬‬ ‫كندا ‪)416(741-7555 SPEED IMPEX‬‬ ‫باكستان‪ :‬براديس يوك ‪0092214314981/2‬‬ ‫أمريكا‪001-718-786-3065 MEDIA MARKETING :‬‬ ‫إيطاليا‪ :‬انتركونتيننتال ‪)39026(707-3227‬‬ ‫موريتانيا‪ :‬ام‪.‬بي‪.‬سي ‪)222(258-6232‬‬ ‫اجنلترا‪ :‬مؤسسة األهرام الدولية ‪00442073883130‬‬ ‫;‪ Universal press‬هاتف ‪00442087499828‬‬ ‫فاكس‪00442087493904 :‬‬

‫‪4‬‬

‫‪7/25/13 12:27:51 PM‬‬

‫فكر‬

‫‪ 8‬د‪.‬س� � ��ليمان إبراهيم العسكري‪ ..‬سنوات مع «العربي»‬ ‫(حديث الشهر)‬ ‫‪16‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪28‬‬ ‫‪99‬‬ ‫‪100‬‬ ‫‪105‬‬ ‫‪109‬‬

‫ملفا العدد‬

‫علي الوردي‪ ..‬أو الكالم مبنطق احلضارة احلديثة‬ ‫ماجد الس� � ��امرائي‪ ..‬ترس� � ��يمات أولية في فكر علي‬ ‫الوردي وتوجهاته االجتماعية‬ ‫د‪.‬محمد صاب� � ��ر عبيد‪ ..‬علي الوردي رؤية مبكرة في‬ ‫النقد الثقافي‬ ‫محمد مظلوم‪ ..‬اجل� � ��ذور الثقافية لفرضيات الوردي‬ ‫في نقد الشخصية العراقية‬ ‫عبدالغفار مكاوي‪:‬‬ ‫د‪.‬عادل حدجامي‪ ..‬عبدالغفار مرآة جيل‬ ‫د‪.‬أش� � ��رف حس� � ��ن منصور‪ ..‬عبدالغفار مكاوي نقاط‬ ‫تقاطع الفلسفة واألدب‬ ‫ش� � ��عبان يوسف‪ ..‬جولة قصيرة في بستان عبدالغفار‬ ‫مكاوي الواسع‬ ‫وجه ًا لوجه‬

‫‪ 68‬عبدالواحد منتصر وعبدالرحيم العالم‬ ‫استطالع‬

‫‪ 36‬أشرف أبو اليزيد‪ ..‬النيروز‪ ..‬مسرح الترك‬ ‫عام طه حسني‬

‫‪ 92‬د‪.‬أحمد عبداحلي‪ ..‬بني أيام طه حسني وأيام أبنائنا‬ ‫‪14‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪76‬‬ ‫‪84‬‬ ‫‪114‬‬ ‫‪116‬‬

‫أدب‬

‫سعدية مفرح‪ ..‬مسلم بن الوليد‪ ..‬صريع احلزن والغواني‬ ‫(شاعر العدد)‬ ‫مها العتوم‪ ..‬حتديق (شعر)‬ ‫فخري صالح‪ ..‬وجوه أمريكا املتعددة في الرواية العربية‬ ‫د‪.‬جابر عصفور‪ ..‬اإلبداع واحلرية (أوراق أدبية)‬ ‫د‪.‬محم� � ��د عبداملطلب‪ ..‬ذوبان النوعية ف� � ��ي رواية «من‬ ‫أوراق شاب مصري»‬ ‫جهاد فاضل‪ ..‬م� � ��ع الدكتور إبراهيم مدكور‪ ..‬اللبنانيون‬ ‫واللغة العربية‬ ‫د‪.‬ريتا عوض‪ ..‬نحو منهج جديد في قراءة شعرنا العربي القدمي‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 4-5.indd 4‬‬


‫‪122‬‬ ‫‪126‬‬ ‫‪136‬‬ ‫‪141‬‬

‫دنا غالي‪ ..‬قصص على الهواء‪( ..‬تنشر بالتعاون مع الـ ‪)B.B.C‬‬ ‫مها حسن‪ ..‬الكتاب كنهر يطل على النيل‬ ‫آمال الزهاوي‪ ..‬مازال العالم (شعر)‬ ‫ترجمة‪ :‬كامل يوسف حسني‪ ..‬قناع الساحرة (قصة مترجمة)‬ ‫فن‬

‫‪ 146‬عب������ود طلعت عطي������ة‪ ..‬جيلبرت س������تيوارت‪ ..‬صورة‬ ‫جورج واشنطن (معرض العربي)‬ ‫‪ 148‬عبادة تق���ل��ا‪ ..‬رضوان الكاش������ف وعبدالله محمود‪..‬‬ ‫تقاطعات في املوهبة واملصير‬ ‫ص ‪36‬‬ ‫‪ 160‬أمني الباشا‪ ..‬حكاية شهريار (أدب وفن)‬ ‫تاريخ وتراث وشخصيات‬

‫‪ 131‬فاضل خلف‪ ..‬الشاعر واملؤرخ أحمد البشر الرومي‬ ‫‪ 138‬حمزة عليان‪« ..‬أصداء الذاكرة» لعبدالعزيز الش������ايع‪..‬‬ ‫توثيق لدور التجار في بناء الكويت والعالقة مع الهند‬ ‫بيئة‬

‫‪ 174‬فراس جاسم جرجيس‪ ..‬هل هناك دور للتطورات البيئية في‬ ‫ه��ه القضية؟ املضادات احليوية عالج بدأ يفقد مفعوله‬ ‫مكتبة العربي‬

‫ص ‪68‬‬

‫‪ 184‬عرض‪ :‬عواطف الزين‪ ..‬حكايات األغاني‪ ..‬رحلة القصيدة من‬ ‫‪ 188‬الديوان إلى األغنية (من املكتبة العربية)‪.‬‬ ‫عرض‪ :‬نيفني فائق‪ ..‬حكايات جرمي (من املكتبة األجنبية)‬ ‫‪ 192‬كتب مختارة‬ ‫أبواب ثابتة‬

‫‪7‬‬ ‫‪35‬‬ ‫‪82‬‬ ‫‪154‬‬ ‫‪163‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪179‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪194‬‬ ‫‪202‬‬ ‫‪204‬‬ ‫‪210‬‬

‫عزيزي القارئ‬ ‫قالوا‬ ‫اللغة حياة‬ ‫منتدى احلوار‬ ‫جمال العربية‬ ‫ثقافة إلكترونية‬ ‫املسابقة الثقافية‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‬ ‫املفكرة الثقافية‬ ‫وتريات‬ ‫عزيزي العربي‬ ‫إلى أن نلتقي‬ ‫الفهرس‬

‫‪7/25/13 12:27:59 PM‬‬

‫ص ‪148‬‬

‫ص ‪174‬‬

‫‪5‬‬

‫‪sep 4-5.indd 5‬‬


‫اإللكتروني‬ ‫إطالق موقع مجلة‬ ‫في تصميم جديد على شبكة اإلنترنت‬

‫‪www.alarabimag.com‬‬ ‫انتهت مجلة العربي من تصميم املوقع اإللكتروني اجلديد للمجلة في شكل الفت وعصري‪،‬‬ ‫خدمة للقارئ العربي في أرجاء العالم‪ ،‬وبحيث ميكن تصفحه من أي متصفح إلكتروني‪.‬‬ ‫يتضم ��ن املوق ��ع أرش ��يفا كام ًال لكاف ��ة ألعداد مجلة العرب ��ي منذ الع ��ام ‪ 1992‬وحتى اليوم‪،‬‬ ‫باإلضاف ��ة إل ��ى إص ��درات «العربي» األخ ��رى ممثلة ف ��ي مجلتي «العرب ��ي الصغي ��ر» و«العربي‬ ‫العلمي»‪ ،‬و«كتاب العربي» وملحق «البيت العربي» الذي يصدر شهريا مع املجلة األم‪.‬‬ ‫يتضمن املوقع أيضا موسوعة ألبرز الشخصيات الثقافية في الكويت‪ ،‬وموسوعة أخرى عن‬ ‫تاريخ الكويت‪.‬‬

‫رئيس التحرير‪ :‬د‪ .‬سليمان إبراهيم العسكري‬ ‫‪7/21/13 11:26:11 AM‬‬

‫‪spt p6.indd 7‬‬


‫عــزيــزي الـقــارئ‬

‫كل ثقافات العالم‬ ‫رح ٌب اتس������ع لكل ثقافات العالم‪ ،‬هي (العربي) التي كتبت س������نواتها س������يرة‬ ‫ص������ ْد ٌر ْ‬ ‫مضيئة ديوا ًنا للرحلة العربية املعاصرة‪ ،‬آمن مؤسس������وها ورؤساء حتريرها وكتابها‬ ‫ومحرروه������ا بالتعددية الثقافية‪ ،‬وحرصوا على تقدميها إلى القراء خالل مس������يرة‬ ‫تكمل أو تكاد من ‪ 55‬سنة‪ ،‬إلميان لديهم بأن الثقافة هي اجلسر األكثر متانة لعالقات متبادلة‬ ‫بني العوالم املتحضرة والثقافات اخلالدة والشعوب املتقدمة‪.‬‬ ‫كان������ت الراية تنتقل من جيل إلى جيل‪ ،‬تختلف ف������ي التفاصيل‪ ،‬ويبقى املنت واضحا‪ُ ،‬م َو َّح ًدا‬ ‫وموح ًدا‪ ،‬ولذلك حني يكتب د‪ .‬سليمان العسكري عن مسيرته التي يختتمها هذا العدد كرئيس‬ ‫ِّ‬ ‫حترير رابع ملجلة (العربي)‪ ،‬ال ينس������ى أنه مثلما حافظ عل������ى إرث د‪.‬أحمد زكي‪ ،‬وأحمد بهاء‬ ‫الدين‪ ،‬ود‪.‬محمد الرميحي‪ ،‬فقد قدم هو نفس������ه بصمت������ه اخلاصة وإضافته التي واكبت نقلة‬ ‫(العربي) تاريخيا‪ ،‬وحضاريا‪ ،‬وتقنيا‪.‬‬ ‫تس������افر (العربي) إلى مدينة قازان‪ ،‬عاصمة تتارستان‪ ،‬إحدى جمهوريات روسيا االحتادية‪،‬‬ ‫لتقدم جولة مع مس������رح شعوب التُّرك‪ ،‬أبناء قارة آسيا وهم يع َبّرون عن رحلة مدتها ألف عام‪،‬‬ ‫نث������رت خطواتها عبر درب طويل قبائل انتمت لتلك الش������عوب‪ ،‬حتى توزعت‪ ،‬واختلطت بأقوام‬ ‫أراض ش������تى‪ ،‬وتناسلت‪ ،‬فأجنبت سالالت كان لها أصلها الواحد‪ ،‬وها هي فروعها املمتدة في‬ ‫جهات الكون يعود حنينها لذلك اجلذر‪ ،‬فتحاول بالفن إحياءه‪.‬‬ ‫وألنها موس������وعة أعالم العرب والعالم‪ ،‬يتابع قراء هذا الع������دد من (العربي) ملفني ملفكرين‬ ‫عربي���ي��ن كبيري������ن‪ ،‬قدما للمكتب������ة العربية خالصة إب������داع وكانا بوتقتي تنوي������ر‪ :‬علي الوردي‬ ‫(الع������راق)‪ ،‬وعبدالغفار م������كاوي (مصر)‪ ،‬مثلما حتاور معماريا بارع������ا هو عبدالواحد منتصر‬ ‫(املغ������رب) الذي تنحاز تصميماته لإلنس������ان‪ ،‬ويكتب فاضل خلف عن الش������اعر واملؤرخ أحمد‬ ‫البش������ر الرومي (الكويت)‪ ،‬بينما تواصل املجلة احتفالها بعميد األدب العربي ضمن سلس������لة‬ ‫(عام طه حسني)‪.‬‬ ‫ه������ذا بعض من فيض ينتظر كرام القراء والقارئات على صفحات (العربي)‪ ،‬وملحق (البيت‬ ‫العربي)‪ ،‬آملني أن تتجدد معكم قافلة اآلداب والفنون والعلوم >‬ ‫احملرر‬

‫‪7‬‬

‫‪7/28/13 11:52:16 AM‬‬

‫‪sep p7 .indd 7‬‬


‫ ‬

‫د‪ .‬سليمان إبراهيم العسكري‬

‫سنوات مع «العربي»‬ ‫أبدأ حديثي هذا الشهر‪،‬‬ ‫وهو آخر ما أوجهه إلى‬ ‫قراء «العربي» كرئيس‬ ‫لتحريرها‪ ،‬بالتوجه بالشكر‬ ‫واالمتنان حلضرة صاحب‬ ‫السمو الشيخ صباح‬ ‫األحمد اجلابر أميرالبالد‪،‬‬ ‫حفظه الله ورعاه‪ ،‬على‬ ‫الثقة التي أوالني إياها‬ ‫بتكليفي برئاسة حترير‬ ‫مجلة «العربي»‪ ،‬وملا لسموه‬ ‫وأياد بيضاء‬ ‫من فضل‬ ‫ٍ‬ ‫أسست وأطلقت هذا املشروع‬ ‫الكويتي الثقافي الكبير ‪-‬‬ ‫مجلة «العربي»‪ - ،‬خلدمة‬ ‫الثقافة العربية‪ ،‬وفائدة‬ ‫الناطقني بلغة الضاد‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫‪7/31/13 8:48:24 AM‬‬

‫لقد كانت رعايته لهذا املشروع‪ ،‬على‬ ‫مدى خمسة وخمسني عاما بال توقف‬ ‫أو تراجع‪ ،‬س������ر ما وصلت إليه املجلة‬ ‫من مكانة‪ ،‬وما اس������تمتعت به م������ن ازدهار‪ ،‬وما‬ ‫حققته من جناح‪ ،‬مبا جعلها إحدى منارات دولة‬ ‫الكويت تنشر اآلداب والفنون والعلوم في أرجاء‬ ‫البالد العربية وبني املهاجرين العرب‪.‬‬ ‫مثلما تتعاظم التحدي������ات التي تواجه مجلة‬ ‫«العربي» على نحو متصاعد‪ ،‬أرى أن املسئولية‬ ‫عن هذا املشروع الثقافي العربي تنمو على نحو‬ ‫مماثل‪.‬‬ ‫ففي مجلة مدعومة حكوميا ليست املعضلة‬ ‫هي البقاء‪ ،‬بل تصبح املهمة مزيجا من مجابهة‬ ‫التنافس ومواكبة التطور‪.‬‬ ‫م������ا يتمن������اه ق������راء «العرب������ي» ه������و أن تلبي‬ ‫متطلباتهم‪ ،‬ولذلك فإن مس������ئوليتنا باألس������اس‬ ‫تسلمت فيه مهمة رئاسة‬ ‫منذ العدد األول الذي‬ ‫ُ‬ ‫حتري������ر «العربي» في يولي������و ‪ ،1999‬قامت على‬ ‫قراءة ه������ذه احلاجات‪ ،‬عبر البريد املباش������ر أو‬ ‫الدراسات املسحية أو استقصاء آراء املختصني‪،‬‬ ‫ومن ث������م حتقيق ذلك‪ ،‬وكان هن������اك في كل يوم‬ ‫تطلعات أكبر‪ ،‬تضاعف حجم املسئوليات‪ ،‬جنبا‬ ‫إلى جنب‪.‬‬ ‫فبع������د إصدارها في ‪ ،1958‬وتتالي رؤس������اء‬ ‫التحرير عليها‪ ،‬كان هناك التزام مبيراث خلفه‬ ‫رؤساء حترير «العربي» الس������ابقون‪ .‬وكان ذلك‬ ‫امليراث‪ ،‬واليزال‪ ،‬مجس������دا في االهتمام باللغة‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 8-13.indd 8‬‬


‫حضرة صاحب السمو أمير البالد يتصفح نسخة من العدد األول ملجلة «العربي» التي أصدرها سموه قبل ‪ 55‬عام ًا‬ ‫سنوات مع «العربي»‬

‫‪7/31/13 8:48:35 AM‬‬

‫‪9‬‬

‫‪sep 8-13.indd 9‬‬


‫غالف عدد اليوبيل الذهبي‬

‫مجلة العربي الصغير‬

‫العربي������ة‪ ،‬والثقافات العربي������ة‪ ،‬املتنوعة واحلية‪،‬‬ ‫باعتباره الشاغل األكبر للقائمني على «العربي»‬ ‫منذ إنشائها‪.‬‬ ‫حني توس������ع العالم‪ ،‬واتس������عت عيون القراء‬ ‫عب������ر وس������ائط أخرى غي������ر الكلم������ة املطبوعة‬ ‫والصورة املنشورة‪ ،‬منا االهتمام وتوسع بالعالم‪،‬‬ ‫فانطلقت االس������تطالعات املص������ورة‪ ،‬مثاال‪ ،‬من‬ ‫الوطن العربي‪ ،‬إلى العالم اإلسالمي‪ ،‬ثم شملت‬ ‫العالم كله‪ ،‬وما كان سياحة في اجلغرافيا أصبح‬ ‫تعمق������ا في التاريخ والعلوم األخ������رى‪ ،‬عبر إثارة‬ ‫قضايا كثيرة‪.‬‬ ‫كما نش������أت احلاجة إلى التعمق في دراسة‬ ‫القضايا‪ ،‬أو اإلبحار في أعمال وس������ير األعالم‪،‬‬ ‫وميكن أن تش������ي امللفات املنشورة‪ ،‬خالل العقد‬ ‫األخي������ر‪ ،‬والت������ي كانت تقتصر ف������ي الفترة التي‬ ‫س������بقت على ملف أو اثنني سنويا‪ ،‬يراها القارئ‬ ‫تتجاوز معدل ملف كل عدد‪ .‬ألن القراء يهتمون‬ ‫باس������تطالع أكثر من وجهة نظر حول شخصية‬

‫أو قضي������ة‪ .‬فامليراث اخلاص بالتأصيل والعناية‬ ‫�����اق‪ ،‬ولكن مالحق������ة العصر الالهث‬ ‫بالكتابة ب� ٍ‬ ‫بقضاياه تطور‪.‬‬ ‫‪ ‬وعبر ‪ 55‬عاما من إصدار مجلة «العربي»‪،‬‬ ‫حدثت تغي������رات وتطورات كثي������رة حولنا‪ ،‬ولعل‬ ‫املوضوع������ات األساس������ية التي صبغ������ت العقد‬ ‫األخير‪ ،‬وأسميه عقد التحوالت اجلذرية‪ ،‬كشف‬ ‫لنا عن جالسنوست عربي‪ ،‬حرصت في حديثي‬ ‫الش������هري عل������ى تقدميه‪ ،‬فكان������ت مقاالتي التي‬ ‫تتناول قضايا الدميقراطية واإلصالح في العالم‬ ‫العربي‪ ،‬والبحث في الثقافة واحلضارة بالدول‬ ‫العربية‪ ،‬ول������م أنس التعليم ألهميته البالغة‪ ،‬كما‬ ‫كان هناك اهتمام مماثل بالتواصل مع الثقافات‬ ‫األخرى‪.‬‬ ‫ولعلني أمتث������ل منوذجا غي������ر تقليدي لتلك‬ ‫الثقاف������ات عبر قارة آس������يا التي جتس������د اليوم‬ ‫خيارا مهما وكبي ًرا‪ ،‬وتسعى دول أوربية وأفريقية‬ ‫وأمريكية للتقارب من القوى اآلس������يوية‪ ،‬خاصة‬

‫‪10‬‬

‫‪7/31/13 8:48:40 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 8-13.indd 10‬‬


‫أحدث اإلصدارات الشهرية املتخصصة‬

‫سلسلة كتاب «العربي» األكثر توزيع ًا‬

‫ذات االقتصادات القوية‪ ،‬في الشرق األقصى‪.‬‬ ‫نحن دعونا لالجتاه شرقا‪ ،‬ذلك الشرق الذي‬ ‫يرتبط معنا تاريخيا وجتاريا وثقافيا وحضاريا‪،‬‬ ‫واليوم حتضر الثقافة الش������رقية في كل البيوت‬ ‫العربية جنب������ا إلى جنب مع أدوات التكنولوجيا‪،‬‬ ‫ومن املهم التق������ارب‪ ،‬ال الصراع‪ ،‬الذي لم يعلنه‬ ‫ويكرسه سوى الغرب‪.‬‬

‫اجلزيرة واخلليج العربي‪.‬‬ ‫لقد ب������دأ هذا امللتق������ى بندوة موس������عة في‬ ‫موسمه األول‪ ،‬ثم أضيفت إلى برنامجه فعاليات‬ ‫أثرته عا ًم������ا بعد عام‪ ،‬منها تكرمي املؤسس������ات‬ ‫واألع���ل��ام الت������ي س������اهمت بإيجابي������ة في دعم‬ ‫األف������كار اخلاصة بكل ملتق������ى‪ ،‬وأعتقد أننا لم‬ ‫نترك مؤسس������ة كويتية أو عربي������ة أو دولية‪ ،‬كان‬ ‫له������ا دور في إحياء وتأصيل الثقافة العربية‪ ،‬إال‬ ‫وكرمناه������ا‪ ،‬وهو تكرمي رمزي ممثل بدرع يحمل‬ ‫ش������عار امللتقى‪ ،‬ولكنه تكرمي يحمل اس��������م مجلة‬ ‫«العربي» مبا لها من ثقل‪.‬‬ ‫كما أضيفت أيضا حفالت موس� � ��يقية‪ ،‬وأفالم‬ ‫تسجيلية‪ ،‬ومعارض تش� � ��كيلية‪ ،‬وأمسيات شعرية‪،‬‬ ‫وج� � ��والت ثقافية‪ ،‬عدا عن مع� � ��ارض الصور التي‬ ‫قدمت طرفا من ذاك� � ��رة الكويت والعرب والعالم‪،‬‬ ‫من خالل عدسات مصوري «العربي» الذين جابوا‬ ‫أكثر من ‪ 100‬دولة خالل أكثر من نصف قرن‪.‬‬ ‫وامله������م أن أبحاث جلس������ات امللتقى الفكري‬

‫ملتقى مجلة «العربي»‬

‫وقد رأيت أن مجلة «العربي» ميكن أن ميتد‬ ‫دورها خ������ارج إطارها التقليدي‪ ،‬وهو النس������خة‬ ‫الورقية‪ ،‬فكان أن أسسنا ملتقى مجلة «العربي»‬ ‫الس������نوي الفكري الذي يتناول ش������عارا ليدرس‬ ‫قضاي������اه الت������ي تنوعت‪ ،‬فكان منها على س������بيل‬ ‫املثال‪ :‬النش������ر اإللكتروني‪ ،‬واملجالت الثقافية‪،‬‬ ‫وحوار املشارقة واملغاربة‪ ،‬والغرب بعيون عربية‪،‬‬ ‫واالجتاه ش������رقا‪ ،‬واللغة العربي������ة‪ ،‬وكان آخرها‬ ‫ملتقى هذا العام عن نصف قرن من الثقافة في‬ ‫سنوات مع «العربي»‬

‫‪7/31/13 12:32:03 PM‬‬

‫‪11‬‬

‫‪sep 8-13.indd 11‬‬


‫من ملصقات لندوات «العربي»‬

‫والنقاش������ات التي دارت حولها‪ ،‬كانت جتمع م ًعا‬ ‫لتنش������ر في جزء أو جزأين ضمن سلسلة كتاب‬ ‫العرب������ي الفصلية‪ ،‬لتمث������ل مرجع������ا للقراء في‬ ‫موضوعها‪.‬‬ ‫لق������د حاولن������ا أن يتخط������ى مفه������وم الثقافة‬ ‫الفعل القرائي وحس������ب‪ ،‬ألن الثقافة هي األثر‪،‬‬ ‫مث������ل عالمات عل������ى الطريق ملن س������بقونا ومن‬ ‫سيلحقون بنا‪ .‬الثقافة هي اآلثار الباقية واحلية‬ ‫واملتجددة لش������عب ما‪ ،‬أو أمة بعينها‪ ،‬أو شخص‬ ‫بذاته‪ ،‬فالثقافة هي ما يتركه هؤالء عالمة على‬ ‫احلض������ور يجت������از األزمنة‪ .‬وأعتق������د أن امللتقى‬ ‫أصبح ميث������ل عالمة مضيئ������ة وموعدا خلارطة‬ ‫املؤمترات الثقافية الكبرى بالوطن العربي‪.‬‬

‫قراءة املستقبل‬

‫ضمن قراءتنا للمستقبل اعتقدت أن مواكبة‬ ‫التطور تبدأ بتقدمي «العربي» عبر وسيط جديد‪،‬‬ ‫يخاطب أجياال شابة‪ ،‬بدأت تتعرف على عاملها‬ ‫عب������ر الفض������اء اإللكتروني‪ ،‬فكان إنش������اء موقع‬ ‫مجل������ة العربي عل������ى الش������بكة العنكبوتية‪ ،‬وهو‬ ‫ما مت حتديثه قبل أس������ابيع ليلبي حاجة زواره‪،‬‬ ‫ليس فقط بتوفير م������واد الربع قرن األخير من‬ ‫إصدارات املجلة‪ ،‬ولكن ليكون موس������وعة ثقافية‬ ‫تعنى بالنش������ر الكويت������ي‪ ،‬وبوابة تض������يء تاريخ‬ ‫وثقافة هذا البلد‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫‪7/31/13 8:48:47 AM‬‬

‫إن كثيرين في العال������م العربي يتحدثون عن‬ ‫«الغزو الثقافي» وهو شعار ليس حقيقيا ألن رفع‬ ‫ش������عارات مماثلة هو أمر لصيق مبرحلة التابع‪،‬‬ ‫ال املبدع‪ .‬ال ش������ك أن اجلمي������ع يحاولون فرض‬ ‫ثقافاته������م خارج حدودهم‪ ،‬ألس������باب اقتصادية‬ ‫ومجتمعية وسياس������ية‪ ،‬ولكن قد ال ينجح األمر‬ ‫إن لم يجد قبوال‪ .‬حني نصل ألس������باب انتش������ار‬ ‫اللغة اإلجنليزية‪ ،‬وعموم اللغة اإلسبانية‪ ،‬وصوال‬ ‫إل������ى مح������اوالت لتعلم لغ������ات نوعي������ة كالكورية‬ ‫والصينية‪ ،‬سنعرف أن اسبابا علمية ومجتمعية‬ ‫واقتصادية تدعم ذلك‪ .‬املشكلة أن اجلميع يعلم‬ ‫أبعاد ذلك لكن احللول مهملة‪ .‬أعتقد أن ميزان‬ ‫الق������وة والهيمنة له دخل بذل������ك‪ ،‬وأعتقد أن من‬ ‫بني القراءة الصحيحة للمستقبل أن يكون هناك‬ ‫دعم للعلوم‪ ،‬التي تنهض باألمم‪ ،‬وتقدمي النماذج‬ ‫العلمية والتفكير العلمي‪ ،‬على نحو بناء‪.‬‬ ‫بالنسبة لي‪ ،‬كان من بني الطموح الذي حتقق‬ ‫ه������و إصدار دوري������ة علمي������ة متخصصة موجهة‬ ‫لتبس������يط العلوم وإش������اعتها‪ ،‬فبدأن������ا بإصدار‬ ‫ملح������ق «العربي العلمي» ف������ي يونيو ‪ 2006‬وهي‬ ‫التجرب������ة التي دفعنا جناحه������ا إلى حتويلها إلى‬ ‫مجلة مستقلة شهرية صدر عددها األول مطلع‬ ‫العام املاضي‪.‬‬ ‫لقد تع������زز إمياني بحاجة الق������راء للعلم مع‬ ‫التلبية املباش������رة والنجاح الكبي������ر الذي حققته‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 8-13.indd 12‬‬


‫إصدارات خاصة‬

‫مجل������ة «العربي العلم������ي» والتي بدأن������ا بزيادة‬ ‫كمياته������ا املطبوعة منذ عددها الثاني‪ ،‬وال تزال‬ ‫هناك حاج������ة لطباعة املزيد من النس������خ وفقا‬ ‫ملؤشرات التوزيع‪.‬‬ ‫هذه التجربة دعتن������ا إلصدار «ملحق البيت‬ ‫العربي»‪ ،‬منذ عامني‪ ،‬ليلبي رغبة ش������ريحة من‬ ‫قارئ������ات وقراء العربي‪ ،‬الذين تابعوا ذلك الباب‬ ‫زاوية في منت املجلة‪ ،‬قبل أن تتحول إلى ملحق‪،‬‬ ‫عس������ى أن يأخذ مس������ار املالحق التي س������بقت‬ ‫وحتولت إلى مجالت‪ :‬العربي الصغير‪ ،‬والعربي‬ ‫العلمي‪.‬‬ ‫وبالنس������بة ملجلة «العربي الصغير» فأختتم‬ ‫بأن أشدد على أهمية هذه املطبوعة التي نالت‬ ‫ما تستحق من اهتمام‪ ،‬وقد واكبت عدة تطورات‬ ‫ف������ي الش������كل‪ ،‬واحملتوى‪ ،‬وبقي������ت على حرصها‬ ‫ف������ي تقدمي م������ادة ثري������ة بلغة عربي������ة لألطفال‬ ‫والناشئة‪.‬‬ ‫وكان من أهم اإلضافات الكتاب الذي أصبح‬ ‫ميثل إضافة ملكتبة الطفل العربي‪ ،‬من حيث تنوع‬ ‫محتواه‪ ،‬بني موسوعة مصغرة‪ ،‬وقصص عربية‬ ‫مترجمة‪ ،‬ودواوين‪ ،‬وحكايات مصورة‪.‬‬ ‫إننا نؤمن أن هؤالء ه������م قراء «العربي» في‬ ‫املس������تقبل‪ ،‬ولذلك فإن إعداده������م اللغوي يجب‬ ‫أن يبدأ بشكل مباشر من املراحل األولى‪ ،‬ومما‬ ‫يسعدنا أن تختار مناهج دراسية عربية محتوى‬ ‫سنوات مع «العربي»‬

‫‪7/31/13 8:48:51 AM‬‬

‫مجل������ة «العرب������ي الصغير» لتك������ون زا ًدا معرفيا‬ ‫ولغويا للطفل العربي‪.‬‬ ‫ختا ًم������ا يطيب لي أن أش������يد بالثقة الكبيرة‬ ‫والتع������اون املخلص والدور الواس������ع لكوكبة من‬ ‫أب������رز األس������ماء الكبيرة في عال������م الكتابة آدابا‬ ‫ونق������دا وفنونا وعلوما‪ ،‬الذين س������اهموا بعلمهم‬ ‫الغزير وثقافتهم الرفيعة وأفكارهم املس������تقبلية‬ ‫فيما وصلت إليه وحققته «العربي» وإصداراتها‪،‬‬ ‫راق ومكانة بارزة في عالم الثقافة‬ ‫من مس������توى ٍ‬ ‫العربية املعاصرة‪.‬‬ ‫والش������كر العميق والتقدير العالي واالمتنان‬ ‫الهائ������ل موصول له������ذه الكوكبة م������ن احملررين‬ ‫والكتاب واملخرجني والفنانني والفنيني واإلداريني‬ ‫مم������ن تعاونوا‪ ‬وس������اهموا بجهده������م ‪ ‬معي بكل‬ ‫إخالص وحب لهذا املش������روع الثقافي العربي‪،‬‬ ‫ومنه������م من أدى واجبه وغ������ادر أو أولئك الذين‬ ‫وتفان لتبقى هذه املجلة حاملة راية‬ ‫ٍ‬ ‫يعملون بجد‬ ‫العربية وآدابها إلى كل آفاق الدنيا‪.‬‬ ‫إنها رحلة س������نوات في مجلة عشقناها م ًعا‬ ‫كق َّراء‪ ،‬قبل أن نشارك سو ًّيا في نقلتها النوعية‬ ‫والكمي������ة إلى أجيال جديدة‪ ،‬رحلة س������نوات مع‬ ‫«العرب������ي»‪ ،‬عرفن������ا فيها حتدي������ات كثيرة‪ ،‬وكان‬ ‫األمل أن يكبر املشروع‪ ،‬فأزهرت أغصانه ثمارا‬ ‫وورودا للحضارة واملعرفة والثقافة والفنون في‬ ‫كل بيت عربي >‬

‫‪13‬‬

‫‪sep 8-13.indd 13‬‬


‫مـلـ ــف‬

‫علي الوردي‪..‬‬ ‫أو الكالم مبنطق الـحضارة الـحديثة‬

‫الفكر يواجه الواقع من أجل تغييره‬ ‫ماجــد السـ ــامرائي‬ ‫الوردي‪ٌ ..‬‬ ‫الثقافي‬ ‫النقد‬ ‫رؤية مبكّ رةٌ في‬ ‫علي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫د‪ .‬محمد صابر عبيد‬ ‫اجلذور الثقافية لفرضيات الوردي‬ ‫في نقد الشخصية العراقية‪.‬‬ ‫محمد مظلوم‬

‫‪14‬‬

‫‪7/28/13 11:21:27 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 14‬‬


‫لم ُيثر مفكر عربي في النصف الثاني من القرن العشرين من تباين الرأي واختالفه‪ ،‬حول ما جاء‬ ‫به من أفكار وأفصح عنه من رأي‪ ،‬ما أثاره عالم االجتماع العراقي الدكتور علي الوردي (‪-1913‬‬ ‫‪ .)1995‬وإذا كان هو نفسه‪ ،‬في حياته‪ ،‬قد ترك أمر املختلفني معه للتاريخ ليحكم مبا يرى ويشاء‪،‬‬ ‫ضده من أفكار‪،‬‬ ‫كما قال‪ ،‬فإن إعادة قراءته اليوم أدعى منها في أي وقت مضى‪ ..‬ذلك أن ما وقف ّ‬ ‫واعترض عليه من مسارات احلياة االجتماعية في مجتمعه بعد أن وجدها تنافي منطق العقل‪،‬‬ ‫وجتافي روح احلضارة التي ينبغي أن يكون انتماء اإلنسان احلديث إليها‪ ..‬تعود اليوم وتأخذ‬ ‫تبت كل صلة إلنسان هذا العصر بروح‬ ‫دورها في تزييف الوعي وإقامة وعي زائف‪ ،‬وهي حتاول أن ّ‬ ‫العصر وحضارته وبناه الفكرية اجلديدة‪ ،‬والتي متثل حالة تقدم‪ ،‬طاملا دعا إليه‪ ،‬وتنافي التراجع‬ ‫والتخلف الذي أنكره‪ ,‬ودعا إلى الوقوف ضده ومحاربة كل ما من شأنه إشاعة اجلهل والعمل على‬ ‫إعمامه‪ ،‬أو «تعميمه»‪.‬‬ ‫ومع كونه عالم اجتماع مشهو ًدا له بعلمه‪ ،‬فإنه كان يح ّبذ أن يوصف بـ«الكاتب االجتماعي» الذي‬ ‫الشدة والعنف بإزاء ما كان يرى في حياة‬ ‫حد‬ ‫ّ‬ ‫يسلك سبيل النقد في ما يكتب‪ ،‬وقد بلغ في ما كتب ّ‬ ‫عده «معتقدات‬ ‫ملا‬ ‫الظاهر‬ ‫الوجه‬ ‫سوى‬ ‫يرى‪،‬‬ ‫مجتمعه من مظاهر التخلف التي لم تكن‪ ،‬وفق ما‬ ‫ّ‬ ‫موروثة» وجد املجتمع قد أخذها‪ ،‬بفعل تأخره وتخلفه‪ ،‬مبنطق التسليم‪.‬‬ ‫من هنا جاء انشغاله مبوضوع‪ /‬صراع اجلديد والقدمي‪ ،‬فناصر اجلديد‪ ،‬ونقد القدمي الذي وجده‬ ‫ميثل عنصر إعاقة لتطور احلياة املجتمعية اجلديدة‪ ..‬داع ًيا إلى ما ميكن وضعه‪ ،‬تعيينًا‪ ،‬ضمن‬ ‫جذرية التغيير التي رأى أن مجتمعه‪ ،‬وكل مجتمع آخر‪ ،‬ال ميكن أن ينهض إال بها ومن خاللها‪.‬‬ ‫وفي هذا ال جنده ُيعقّ د فكره االجتماعي وأفكاره بالتركيز على النظري وما هو غير نظري‪ ،‬كما أنه لم‬ ‫علما متعال ًيا‪ ،‬وإمنا كان شديد احلرص على أن يكون علم االجتماع هذا‬ ‫يجعل من «علم االجتماع» ً‬ ‫متواضعا‪ ،‬موضوعه املجتمع والعالقات االجتماعية‪ ..‬وعلى ذلك فإن «مصادره» ينبغي أن تكون‪،‬‬ ‫علما‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبدرجة أساس‪ ،‬حياة اإلنسان ومشكالته االجتماعية‪ ،‬من دون أن ُيج ّرد ما ُيع ّينه من ظواهر اجتماعية‬ ‫معتمدا رؤية وثقافة في النظر فيها وحتليلها‪ .‬فهو وإن كان قد اكتسب علومه ومعارفه‬ ‫من تاريخيتها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫دارسا ومد ّر ًسا‪ ،‬فإن شخصيته الفكرية التي تبلورت على هذا‬ ‫العلمية من خالل حياته األكادميية‪ً ،‬‬ ‫النحو كانت مبا احتكمت إليه من توجه ثقافي منطلقه‪ :‬التماس املباشر مع الواقع‪ ،‬والعالقة النقدية‬ ‫بناء عليها‪ ،‬كل ما يتنافى مع العقل والنظرة العقلية في هذا الواقع‪.‬‬ ‫بهذا الواقع التي رفض‪ً ،‬‬ ‫لقد أراد الوردي إعادة بناء احلياة الواقعية في مجتمعه من خالل إعادة إنتاجها على أسس علمية‬ ‫ومعرفية واضحة‪ .‬ولذلك فهو إذ دعا إلى ثقافة مغايرة للثقافة السائدة كان أول ما أنكره على‬ ‫العاملني في حقلها‪ ،‬وبالذات من األدب��اء والشعراء‪ ،‬ما دعاه بـ«الترف» و«املترف»‪ ،‬سواء في األدب‬ ‫والشعر أو في حياة األديب والشاعر‪ .‬أما ما أطلق عليه تسمية «األدب الرفيع»‪ ،‬و َن َب َذ «أسطورته»‪ ،‬فما‬ ‫ذلك إال ألنه وجده قد «أض ّر بنا وعرقل علينا سبل احلياة احلديثة»‪.‬‬ ‫لم يضع احلياة الثقافية خارج احلياة االجتماعية‪ ،‬ولم ينظر إليها مبعزل عنها‪ ،‬تكوينات وتوجهات‪،‬‬ ‫بل رأى أن الثقافة تصنع تاريخها من خالل اجتماعيتها‪ ..‬كما رأى أن للثقافة دو ًرا في هذا كله‪،‬‬ ‫تغييرا‪.‬‬ ‫تطويرا أو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تد ِع اإلحاطة الشاملة بهذا الفكر‪ ،‬فهي ال تنكر على‬ ‫في هذا امللف ثالث قراءات في فكر الوردي‪ ،‬إن لم ّ‬ ‫عابرا‬ ‫مروره‬ ‫يكن‬ ‫لم‬ ‫الذي‬ ‫املفكر‬ ‫هذا‬ ‫فكر‬ ‫استغورت‬ ‫نفسها ما جاءت به كونه قراءة‪ ،‬كل من زاويتها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫في تاريخ الثقافة العربية احلديثة‪.‬‬ ‫(العربي)‬ ‫‪15‬‬

‫‪7/28/13 11:21:33 AM‬‬

‫‪sep 14-29.indd 15‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬

‫الفكر يواجه الواقع من أجل تغييره‬

‫ترسيمات أولية في فكر علي الوردي‬ ‫وتوجهاته االجتماعية‬ ‫ماجــد الســـامرائي *‬

‫ت ��كاد الدراس ��ات التي تص ��دت لقراءة الفكر االجتماع ��ي لعالم االجتماع علي ال ��وردي جُتمع على‬ ‫فكرا‬ ‫اختالف ��ه‪ ،‬فك � ً�را‪ ،‬عن مفكري عصره‪ ،‬وحتصر هذا االخت�ل�اف في أن جان ًبا من هذا الفكر جاء ً‬ ‫مبدع ��ا في مجاالت النظر في أم ��ور مجتمعه وقضاياه‪ ،‬فنظرته واثقة مما ترى وفيه تقول‪ ،‬فضلاً‬ ‫ً‬ ‫عن تعبيرها عن رؤية جديدة تواجه أسئلة املجتمع بشجاعة‪ ،‬وتقول ما تقوله بشجاعة‪.‬‬ ‫تشير س� � ��يرته االجتماعية والعلمية إلى أنه‬ ‫ولد‪ ،‬ونشأ في بيئة اجتماعية متزمتة رأ ًيا‪،‬‬ ‫منغلق� � ��ة على ما حتتكم إلي� � ��ه من يقينيات‪.‬‬ ‫ولكنه طلب العلم‪ ،‬يوم أخذ العلم مبس� � ��اره الثقافي‪ ،‬في‬ ‫بيئ� � ��ات منفتح� � ��ة‪ ،‬ابتدأت من بيروت‪ ،‬ث� � ��م نحت به نحو‬ ‫الغ� � ��رب‪ ..‬ويوم عاد مبا حمل من حصاد رحلته هذه إلى‬ ‫بيئته األولى وجد الناس فيها تنقسم حوله فريقني‪ :‬فريق‬ ‫مفتوحا على واقع‬ ‫يش� � ��اركه أفكاره وقد وجد فيها أف ًقا‬ ‫ً‬ ‫مجتمعي آخر كان الوردي ق� � ��د دعا إلى االنتقال إليه‪..‬‬ ‫وفري� � ��ق آخر يختلف معه‪ ،‬ويخالف� � ��ه الرؤية والرأي‪ ،‬قد‬ ‫وج� � ��د في ما يرى ويقول زعزعة ملواقعه التي ال يصونها‬ ‫إال التخلف والبقاء على ما عملوا أن يجعلوا الناس عليه‬ ‫من ثوابت‪ ،‬وإن خالفت في أحكامها روح العصر‪..‬‬ ‫* كاتب وناقد من العراق‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫‪7/28/13 11:21:37 AM‬‬

‫وملا كان الصمت صع ًبا على رجل فكر من طرازه‪،‬‬ ‫سني عمره األخيرة)‪ ،‬فإنه سيفتح‬ ‫(وهو ما كان له في ّ‬ ‫لنفس� � ��ه طري ًق� � ��ا آخر عب� � ��ر عصره يبث م� � ��ن خاللها‬ ‫«ش� � ��ذرات» حتمل وتصدر عن أصوله الفكرية‪ ..‬فكان‬ ‫«احلوار» س� � ��بيله إلى ذلك‪ ..‬فمرة يعقده مع نفس� � ��ه‪،‬‬ ‫مثي ًرا ما يحمل من أس� � ��ئلة‪ ،‬ومق ّد ًم� � ��ا ما كان يراه من‬ ‫أجوب� � ��ة‪ ..‬ومرة يعقده «اآلخر» معه‪ ،‬من دون أن يتخلى‬ ‫ع� � ��ن توجيهه الوجهة التي يرغب ويريد‪ .‬فكما رس� � ��م‪،‬‬ ‫ف� � ��ي وضع ما وحقب� � ��ة ما‪ ،‬صورة اإلنس� � ��ان كما رآها‪،‬‬ ‫فإنه‪ ،‬في مس� � ��اره ه� � ��ذا الذي اتخ� � ��ذ‪ ،‬كان يريد لهذا‬ ‫اإلنس� � ��ان التحرك في «فضاء ثقاف� � ��ي» يُوجده الفكر‬ ‫واملفكر‪ ،‬ال البيئة التقليدية بتقاليدها املتجا َوزة‪ ،‬ولكن‬ ‫مبا يرجو أن يخل� � ��ق منه‪ ،‬وبفعله‪ ،‬بيئة للفكر والتفكير‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 16‬‬


‫تفتحان لإلنس� � ��ان آفا ًقا أخرى‪ .‬ولم يكن اجتاهه إلى‬ ‫صب من اهتمام عليه‪ ،‬سوى‬ ‫«الباراسايكولوجي»‪ ،‬وما َّ‬ ‫وس� � ��يلة مما اتخذ من وس� � ��ائل بلوغ ما يريد ما يصبو‬ ‫إلي� � ��ه ‪ -‬وإن كان مجتمعه‪ ،‬في ه� � ��ذه املرة‪ ،‬غير مدرك‬ ‫ملراد «الوردي» من ذلك‪ ..‬بل سيبدو األمر للبعض كما‬ ‫لو أن التاريخ قد اس� � ��تنفد وثبته‪ ،‬وأن الواقع قد أُفرغ‬ ‫م� � ��ن ق ّوته‪ ..‬فنحى بعالم االجتم� � ��اع منحى مغاي ًرا قد‬ ‫يؤهله للدخول إلى عصر آخر!‬ ‫غي� � ��ر أن هذه املواجهة‪ ،‬التي بدت حادة في بعض‬ ‫م� � ��ن مفاصلها‪ ،‬هي الت� � ��ي جعلت منه مفك � � � ًرا واقع ًيا‪،‬‬ ‫نصي� � ��ب املثالية ف� � ��ي فكره هو األق� � ��ل‪ , ،‬وإن كان يرى‬ ‫«أن املجتمع عبارة عن ت� � ��وازن بني دافع الواقع ودافع‬ ‫املثال»‪ .‬ول� � ��م يكن هذا باجلديد علي� � ��ه‪ ..‬فهو يرى أن‬ ‫التاريخ يعيد نفس� � ��ه‪ ..‬فحني نظر ف� � ��ي ما حصل في‬ ‫الع� � ��راق بني عامي ‪ 1958‬و‪ 1959‬وجد ما يش� � ��به‪ ،‬من‬ ‫بعض الوجوه‪ ،‬ما حصل ف� � ��ي عهد «املتوكل»‪ ،‬اخلليفة‬ ‫العباس� � ��ي‪ ،‬من سيطرة للنزعة الغوغائية على الشارع‪،‬‬ ‫وإن اختلف� � ��ت املذاهب والدوافع (كم� � ��ا جاء في كتابه‬ ‫«منطق ابن خلدون»‪ .)..‬وكان في نزعته الواقعية هذه‬ ‫قد ذهب مذه ًبا يطابق الواق� � ��ع االجتماعي الذي هو‬ ‫في� � ��ه اليوم‪ ،‬وينطلق من هذا الواقع في عملية تغييره‪.‬‬ ‫فهو ف� � ��ي دعوته إلى تغيي� � ��ر هذا الواقع ل� � ��م يد ُع إلى‬ ‫اقتالع� � ��ه من جذوره وإحالل «واق� � ��ع بديل» محلّه‪ ،‬بل‬ ‫قام� � ��ت دعوته على فرضية تقول‪ :‬إن الناقد احلق هو‬ ‫م� � ��ن يجمع في خطابه النقدي بني اجلوانب احلس� � ��نة‬ ‫والسيئة‪ ،‬سواء أكان اجتاه هذا اخلطاب وتوجهه نحو‬ ‫نق� � ��د خصائص املجتم� � ��ع أو خصائص األمم وهو نهج‬ ‫(أو منهج) خلدوني واضح‪ ،‬كما هو خلدوني في نزعته‬ ‫البعيدة عن املثالية الت� � ��ي جعلته يعايش الواقع في ما‬ ‫له من منزلة واقعية‪ ،‬فيدرسه من خاللها‪..‬‬ ‫إال أن الس� � ��ؤال الذي يثار هنا ه� � ��و‪ :‬إلى أي مدى‬ ‫كان ال� � ��وردي مفك ًرا اجتماع ًيا ذا رؤية خاصة‪ ،‬ومنطق‬ ‫شخصي؟‬ ‫لاً‬ ‫إن س� � ��ؤا كهذا يدعو إلى إعادة قراءته في فكره‬ ‫االجتماعي‪ ،‬وتقومي هذا الفكر في ضوء ثقافة عصره‬ ‫وخصوص� � ��ا االجتماعية‬ ‫وما س� � ��ادها من نظري� � ��ات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫منه� � ��ا‪ ،‬التي لم يكن بعي ًدا عنها‪ ،‬وال فكر مبعزل منها‪..‬‬ ‫فاملفكر‪ ،‬بحس� � ��ب رأيه‪ ،‬ال «يتبع نظري� � ��ة جديدة بغير‬ ‫ترسيمات أولية في فكر علي الوردي وتوجهاته االجتماعية‬

‫‪7/28/13 11:21:41 AM‬‬

‫االس� � ��تعانة مبن س� � ��بقوه م� � ��ن املفكرين‪ ،‬فهو يس� � ��تمد‬ ‫عناص� � ��ر نظريته من غيره‪ ،‬ف� � ��ي الغالب‪ ،‬ولكنه يربط‬ ‫بني تل� � ��ك العناصر‪ ،‬أو يركبها عل� � ��ى صورة جديدة لم‬ ‫تكن معروفة من قبل»‪ ،‬وإن كان متحق ًقا له‪ ،‬كما ذهب‬ ‫مس� � ��تن ًدا إلى غير رأي وجد نفسه على اتفاق معه‪ ،‬أن‬ ‫«يخطو بالفكر البش� � ��ري خطوة كبيرة باعتبار ما جاء‬ ‫به من تأليف جديد لألفكار املألوفة»‪.‬‬

‫الوردي وابن خلدون ‪ ..‬توافق السيرة‬

‫وإذا كن� � ��ا جند في كتابه «منط� � ��ق ابن خلدون في‬ ‫ض� � ��وء حضارته وش� � ��خصيته» ما يقت� � ��رب بالكتاب أن‬ ‫يكون «س� � ��يرة ذاتية ‪ -‬فكري� � ��ة» ملؤلفه‪ ،‬فإن ذلك يتمثل‬ ‫في غير وجه من وجوه التقارب ومتاثل املسار الفكري‬ ‫بينه وبني س� � ��لفه‪ ..‬ولع� � ��ل أجلى هذه الوج� � ��وه هو ما‬ ‫يتمثل في املوارد األساسية للتكوين الثقافي والفكري‬ ‫لكل منهما‪ ..‬وكذلك ف� � ��ي منجز القراءة والنظر‪ :‬فإذا‬ ‫كان ابن خل� � ��دون «يأتي باألمثلة م� � ��ن احلياة الواقعية‬ ‫لتأيي� � ��د رأيه»‪ ،‬فإن النهج ذاته ه� � ��و ما انتهجه الوردي‬ ‫الذي اعتم� � ��د احلياة االجتماعي� � ��ة ملجتمعه وما تفرز‬ ‫من عالقات وصي� � ��غ «ثقافية» في تأييد ما كان له من‬ ‫آراء وأفكار‪ .‬كما أنه‪ ،‬ش� � ��أنه ش� � ��أن اب� � ��ن خلدون‪ ،‬كان‬ ‫بعي ًدا عن الفكر املج ّرد والتفكير املج ّرد‪ ..‬بل كان أهم‬ ‫ما يعنيه هو فه� � ��م احلياة الواقعية على واقعيتها‪ .‬فال‬ ‫يأخذ اإلنس� � ��ان مبعزل عن ظروفه االجتماعية‪ .‬وهو‪،‬‬ ‫كابن خلدون‪ ،‬يبحث في «ما هو واقع»‪.‬‬ ‫وإذا كن� � ��ا‪ ،‬م� � ��ن وجه آخر‪ ،‬نع ّد كتاب� � ��ه «منطق ابن‬ ‫خلدون في ضوء حضارته وشخصيته» العمل الفكري‬ ‫التأسيس� � ��ي الذي انبنت منه رؤيته االجتماعية‪ ،‬فإنه‬ ‫كان قد قابس فيه ابن خلدون أبرز آرائه وأهم أفكاره‪،‬‬ ‫وأخصه� � ��ا نظرته إلى اإلنس� � ��ان كونه «اب� � ��ن عوائده»‪،‬‬ ‫يس� � ��تمد قيمه من الواقع الذي ينش� � ��أ في� � ��ه‪ ،‬ويعيش‪،‬‬ ‫وتتعينّ طبيعة أخالقه‪ ..‬فهو‪ ،‬بحسب نظرتيهما‪ ،‬إمنا‬ ‫يخضع لظروفه االجتماعية واالقتصادية والسياسية‪.‬‬ ‫وعلى هذا فإن من خصائص سلوك اإلنسان وأخالقه‬ ‫عدم الثبات‪ ..‬كما أن احلقيقة بذاتها ليست ثابتة وإمنا‬ ‫هي نس� � ��بية زما ًنا ومكا ًنا‪ ،‬وأن نظرة الفرد‪ ،‬واجلماعة‬ ‫االجتماعي� � ��ة‪ ،‬يحددها اإلط� � ��ار الفكري الذي عادة ما‬ ‫يطبع العقل ويأخذ مبناحي التفكير‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫‪sep 14-29.indd 17‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬ ‫ولعل م� � ��ا جند الوردي في� � ��ه أكثر قر ًب� � ��ا واقترا ًبا‬ ‫من ابن خلدون ه� � ��و اتباعهما «املنهج االس� � ��تقرائي»‪،‬‬ ‫معتم ًدا «الواقعية» و«رواية ما وقع»‪ ،‬أو ما يسميه «ابن‬ ‫تيمية» بـ«اإلمكان اخلارجي» الذي يعتمده «االستقراء‬ ‫احلسي»‪ .‬فما كان يعني ابن خلدون‪ ،‬كما عنى الوردي‬ ‫من بع� � ��ده‪ ،‬ليس «األخبار املج � � � ّردة»‪ ،‬وإمنا «محتواها‬ ‫الواقع� � ��ي»‪ ،‬آخ � � � ً��ا في ه� � ��ذا بقول من س� � ��بقه أنه لن‬ ‫يبلغ احلق ويص� � ��ل إلى احلقيقة إال مما يكون عنصره‬ ‫«األمور احلسية»‪ ،‬وصورته «األمور العقلية»‪.‬‬ ‫غير أن تشكيل الوعي االجتماعي النقدي للوردي‬ ‫لم يكن مص� � ��دره التكويني ابن خل� � ��دون وحده‪ ،‬وإمنا‬ ‫هناك علماء اجتماع آخرون كان لهم عميق األثر عليه‬ ‫م� � ��ا دفعه في التوجه الذي اتخ� � ��ذ‪ ،‬وفي الطليعة منهم‬ ‫«إيف الكوست» و«شارل بتلهامي»‪.‬‬ ‫وإذا كان فكر الوردي قد ُع ّد «فك ًرا‬ ‫ثور ًي� � ��ا» في ما اتخذ م� � ��ن توجه‪ ،‬ودعا‬ ‫إليه من تغيير في الواقع االجتماعي‪،‬‬ ‫فما ذلك إال لكون� � ��ه فك ًرا انطلق من‪/‬‬ ‫وانبن� � ��ى على ما كان ق� � ��د رأى من «أن‬ ‫املفكر كلم� � ��ا كان أكثر حتر ًرا من قيود‬ ‫إبداعا في‬ ‫املنط� � ��ق القدمي كان أكث� � ��ر‬ ‫ً‬ ‫تفكيره»‪.‬‬ ‫غير أن ما أخذه عليه بعض نقاده‬ ‫هو اعتماده «الوصفية» التي ق ّربته من‬ ‫منهجها‪ ،‬مع أن العنصر التحليلي‪ ،‬وإن‬ ‫يكن غير مع َّمق في بعض حاالته‪ ،‬لم يكن غائ ًبا من أفق‬ ‫قراءاته االجتماعية‪ ..‬وأنه كان أقرب إلى «املعيارية»‬ ‫عي م� � ��ن حاالت‪ ،‬أو‬ ‫ف� � ��ي وجهها «العقالن� � ��ي» في ما يُ نّ‬ ‫يقرأ من وقائع‪ .‬وقد صدرت منه غير إش� � ��ارة تأكيدية‬ ‫(كما في كتابه «مهزلة العقل البشري» ) إلى أن العقل‬ ‫البشري هو‪ ،‬في حقيقته‪ ،‬نتاج مجتمعي ‪ -‬مبعنى كونه‬ ‫صنيعة الثقافة االجتماعية السائدة في املجتمع الذي‬ ‫ينشأ فيه اإلنسان ويتك ّون‪.‬‬

‫اإلنسان والتطور‪ ،‬أو صراع البداوة واحلضارة‬

‫وكما رأى أن عملية تط� � ��ور املجتمع وتقدمه رهن‬ ‫بإنس� � ��انه‪ ،‬فإن الثقافة التي ينبغ� � ��ي على هذا املجتمع‬ ‫وإنس� � ��انه أن يأخذا بها هي الثقاف� � ��ة احلديثة‪ .‬وعلى‬

‫‪18‬‬

‫‪7/28/13 11:21:45 AM‬‬

‫هذا فقد دعا إلى الثقافة التي تأخذ نفسها باملعاني‪،‬‬ ‫وتؤك� � ��د ذاتها مب� � ��ا حتمل م� � ��ن دالالت اجتماعية‪ ،‬من‬ ‫دون أن يهمل اإلش� � ��ارة التأكيدية للفك� � ��رة اخللدونية‬ ‫الت� � ��ي تبناه� � ��ا في معظم م� � ��ا كتب‪ ،‬وأعن� � ��ي بها فكرة‬ ‫الب� � ��داوة واحلض� � ��ارة‪ ،‬والت� � ��ي أقام عليه� � ��ا فكرته عن‬ ‫خص بها الف� � ��رد العراقي‪..‬‬ ‫ازدواج الش� � ��خصية التي ّ‬ ‫إذ وج� � ��د لهذا املوض� � ��وع جانبني‪ :‬س� � ��كوني (‪)Static‬‬ ‫وحرك� � ��ي (‪ .)Dynamic‬ووج� � ��د خصائ� � ��ص البداوة‬ ‫تتعي ف� � ��ي األول (الس� � ��كوني)‪ ،‬منب ًها إلى‬ ‫واحلضارة نّ‬ ‫أن ه� � ��ذه اخلصائص تظهر ف� � ��ي كل منهما على حدة‪.‬‬ ‫و«أما اجلانب احلركي من النظرية فيتمثل في دراسة‬ ‫التفاعل والتصارع بني البداوة واحلضارة وما ينتج عن‬ ‫ذلك من ظواهر اجتماعية مختلفة»‪.‬‬ ‫ويعيد الوردي هذه االزدواجية إلى تأثير نس� � ��قني‬ ‫متخالف� �ي��ن‪ ،‬ومتناقض� �ي��ن م� � ��ن القيم‬ ‫االجتماعي� � ��ة عل� � ��ى املجتم� � ��ع العراقي‬ ‫وحياة الف� � ��رد فيه‪ ،‬وهما‪ :‬قيم البداوة‪،‬‬ ‫وقي� � ��م احلض� � ��ارة‪ ،‬ما قد يدف� � ��ع بهذه‬ ‫الش� � ��خصية وراء هذا النس� � ��ق القيمي‬ ‫ت� � ��ارة‪ ،‬ووراء اآلخ� � ��ر (النقي� � ��ض) تارة‬ ‫أخرى‪ ،‬وبحس� � ��ب املواقف واألسباب‪،‬‬ ‫وهو م� � ��ا تو ّلد عنه ما دع� � ��اه بـ«ازدواج‬ ‫الش� � ��خصية»‪ .‬ولم يخ� � ��رج باملثقف من‬ ‫هذه االزدواجية‪ ،‬أو يُبرئه منها‪ .‬ووجد‬ ‫أن م� � ��ا ينتج ع� � ��ن مثل ه� � ��ذا الصدام‪،‬‬ ‫ويك� � ��ون نتيج� � ��ة له هو ما دع� � ��اه بـ«التغ ّير والتناش� � ��ز»‬ ‫االجتماع� � ��ي الذي أعاده إلى التالق� � ��ي والتصادم بني‬ ‫ثقافتني‪ /‬حالتني اجتماعيتني مدينتني‪ :‬إحداهما نتاج‬ ‫املدني� � ��ة الغربية بقيمها املادية وما تتضمن من معايير‬ ‫جديدة ألمناط السلوك االجتماعي‪ ،‬ودعوة إلى التغ ّير‬ ‫فالتغيير‪ ..‬واألخرى تنتجها «مدنية» القيم الس� � ��ائدة‪.‬‬ ‫وهذا‪ ،‬بحسب ما يرى‪ ،‬أساس التناشز الذي وجده في‬ ‫ش� � ��خصية الفرد العراقي اجتماع ًيا‪ ،‬مبا انعكس على‬ ‫حياته وسلوكه‪ ،‬وأ ّثر في تفكيره‪.‬‬ ‫وإذا كان علي الوردي قد دخل احلياة االجتماعية‬ ‫من باب الثقافة فذلك ألن العصر الذي ولد فيه‪ ،‬ونشأ‪،‬‬ ‫ومنا فك ًرا وتفكي ًرا‪ ،‬كان عصر ثقافة بامتياز‪ ،‬فهو ابن‬ ‫احلقبة الثانية من النهضة العربية التي كانت بداياتها‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 18‬‬


‫الفعلية من النصف الثاني من القرن التاس� � ��ع عشر‪..‬‬ ‫والت� � ��ي كان لها أن تبل� � ��ورت‪ ،‬وتكاملت ف� � ��ي «صورتها‬ ‫اجلدي� � ��دة» في النص� � ��ف األول من القرن العش� � ��رين‪،‬‬ ‫مب� � ��ا عرفت الثقافة في� � ��ه من تبلور وتط� � ��ور‪ ،‬وبالفكر‬ ‫الذي س� � ��ادها وامتاز بالتن ّوع والتع� � ��دد‪ ،‬ما جعل منه‪،‬‬ ‫من خالل مثل هذا الواقع وتأثيراته‪« ،‬مثق ًفا عضو ًيا»‬ ‫فك ًرا‪ ،‬وتفكي ًرا‪ ،‬وتوجه� � ��ات‪ ،‬مقي ًما عمله الفكري على‬ ‫ما احتاز من خبرة‪ ،‬ورس� � ��م لنفس� � ��ه من توجه‪ ..‬مادته‬ ‫الفعلي� � ��ة ما أنتجه هذا الواقع م� � ��ن وقائع‪ ،‬وما كان له‬ ‫من حقائق اجتماعية جعل س� � ��بيله إليها «االس� � ��تقراء‬ ‫منهجا»‪ .‬فالثقافة في نظر الوردي ليست معزولة عن‬ ‫ً‬ ‫التكوي� � ��ن االجتماعي للمجتمع‪ ،‬بل ه� � ��ي‪ ،‬عنده‪ ،‬غال ًبا‬ ‫ما تس� � ��تخلص جوهر هذا التكوي� � ��ن الذي ال تكون إال‬ ‫ب� � ��ه ومن خالله‪ .‬كما أنه يأخذ الثقافة مبا لها من دور‬ ‫في تكوين ش� � ��خصية الفرد في املجتمع‪ ،‬وبالتالي في‬ ‫احلركي� � ��ة التاريخية لتوجهات ه� � ��ذا املجتمع‪ .‬ولذلك‬ ‫فهي ليس� � ��ت ثابتة‪ ،‬وال ميكن أن تكون‪ .‬وهي إن كانت‬ ‫قد تش� � ��كلت تاريخ ًيا‪ ،‬كما املجتمع‪ ،‬فإن التأثير بينهما‬ ‫متبادل‪ :‬فاملجتمع يؤثر ف� � ��ي الثقافة مبا للمجتمع من‬ ‫تكوين‪ ،‬والثقاف� � ��ة تؤثر في املجتمع مبا حتمل إليه من‬ ‫رؤي� � ��ة جديدة‪ ،‬ومتجددة‪ .‬ولذلك فإن الوردي لم يأخذ‬ ‫الثقافة مبفهومها النخبوي‪ ،‬وال تعاطى معها بوصفها‬ ‫مفهو ًم� � ��ا مجر ًدا‪ ،‬وإمنا نظر فيها م� � ��ن خالل حراكها‬ ‫االجتماع� � ��ي‪ ،‬وتأثيرها في هذا احل� � ��راك‪ .‬وهو‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫ال يفصل القيم الثقافي� � ��ة اجلديدة عن قيم احلضارة‬ ‫احلديثة التي دخلت املجتم� � ��ع وأ ّثرت في بناه العقلية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬وفي توجهات األفراد فيه‪.‬‬ ‫تخصيصا في كتابه «أس� � ��طورة‬ ‫وحني واجه األدب‬ ‫ً‬ ‫األدب الرفيع» أخذ على األدباء والش� � ��عراء متس� � ��كهم‬ ‫بالتقالي� � ��د القدمية‪ ،‬وع� � ��دم التفاتهم إلى ما يش� � ��هده‬ ‫العصر م� � ��ن تغيرات وتبدالت فكري� � ��ة واجتماعية من‬ ‫شأنها أن تفترض (أو مُتلي) نظرة جديدة إلى االنسان‬ ‫والواقع‪ ،‬على ح ّد س� � ��واء‪ .‬فه� � ��و لم يأخذ التجديد مبا‬ ‫أخ� � ��ذه فيه رواده كونه تغيي ًرا ف� � ��ي البنية الفنية للعمل‬ ‫األدبي‪ ،‬أو الفني‪ ..‬وإمن� � ��ا ركز على بعدين وجدهما‪،‬‬ ‫أو نظر إليهما‪ ،‬كونهما أساس� �ي��ن فيه‪ ،‬وهما‪ :‬االهتمام‬ ‫بالواقع اجلديد في ما يشهد من متغيرات‪ ..‬وإحداث‬ ‫التغيي� � ��ر مبا يتفق وحضارة العصر‪ ،‬ال أن يظل متخل ًفا‬ ‫ترسيمات أولية في فكر علي الوردي وتوجهاته االجتماعية‬

‫‪7/28/13 11:21:49 AM‬‬

‫بفعل التمسك بالقدمي واالرتداد إليه‪..‬‬ ‫أما في مناقش� � ��ته اللغة واألدب والشعر من زاوية‬ ‫تأثيرها في اإلنسان واملجتمع‪ ،‬فإنه جعل من مناقشته‬ ‫هذه مع َب ًرا نحو فكرتني أساس� � ��يتني‪ ،‬وهما‪ :‬األدب في‬ ‫ظل الس� � ��لطة والسلطان‪ ..‬واألدب بوصفه أداة حترير‬ ‫لعقل الفرد واملجتمع من كل هيمنة ذات بُعد سلطاني‪.‬‬ ‫وهذا ما جعله يع ّد التمس� � ��ك املطلق بالتراث‪ ،‬واألخذ‬ ‫به بعموم أطروحاته‪ ،‬من مع ّوق� � ��ات االنتقال باملجتمع‬ ‫وإنسانه إلى واقع احلضارة احلديثة‪.‬‬ ‫هذه األفكار التي أكده� � ��ا الوردي‪ ،‬واملواقف التي‬ ‫أصدر عنها ف� � ��ي ما كان له من مواق� � ��ف وآراء‪ ،‬تثير‪،‬‬ ‫وتنبن� � ��ي على‪ /‬أو تنطلق من مفهوم «حرية الفكر» كما‬ ‫فهمها وتبناها‪ .‬فعنده أن الثقافة ال ميكن لها أن تنمو‪،‬‬ ‫وتأخذ دورها التنويري في حياة الفرد وواقع املجتمع‬ ‫إال من خالل ما يكون له� � ��ا من فضاءات احلرية التي‬ ‫تكفل للمثقف‪ ،‬أدي ًبا كان وشاع ًرا أو مفك ًرا وسياس ًيا‪،‬‬ ‫أن يع ّب� � ��ر ع� � ��ن رأيه‪ ..‬كم� � ��ا تتيح لآلخ� � ��ر االجتماعي‬ ‫(املتلق� � ��ي) أن يتفاعل مع تل� � ��ك اآلراء واألفكار تفاعلاً‬ ‫ح ًرا‪ ،‬سواء في مستوى االستجابة لها والتوافق مع ما‬ ‫حتمل من أطروحات‪ ،‬أو االختالف في احلوار‪.‬‬

‫أما النهاية‪...‬‬

‫إذا كان� � ��ت هذه مالمح من الس� � ��يرة الفكرية لعالم‬ ‫االجتم� � ��اع الكبير الدكتور علي الوردي‪ ،‬فإنه كان لهذه‬ ‫الس� � ��يرة أن توقفت عطا ًء فكر ًي� � ��ا فيما كان يريد لهذا‬ ‫العط� � ��اء الفكري أن يكون‪ ..‬فل� � ��م يكتمل كتابه «حملات‬ ‫اجتماعي� � ��ة من تاريخ العراق احلديث» الذي لم يُصدر‬ ‫منه سوى ثمانية أجزاء‪ ،‬وبقي التاسع معل ًّقا على ذمة‬ ‫الرقابة‪ ..‬فظل وكأن لسان حاله يقول ما قاله «اإلمام‬ ‫أب� � ��و حامد الغزالي» (الذي يصفه الوردي بأنه س� � ��بق‬ ‫زمانه في كثير)‪ ،‬ونقله عنه «القاضي ابن العربي» وقد‬ ‫رآه في البرية‪ ،‬عكازه بيده‪ ،‬وعليه مرقعة‪ ،‬وعلى عاتقه‬ ‫ركوة‪ ،‬بعد أن كان يحضر درس� � ��ه ف� � ��ي بغداد أربعمائة‬ ‫من أكابر الناس وفضالئه� � ��م‪ ،‬فدنا منه «ابن العربي»‬ ‫وقال له‪« :‬يا إمام‪ ،‬أليس تدريس العلم ببغداد خي ًرا من‬ ‫هذا؟ فر ّد «الغزالي»‪ ،‬وهو ينظر إليه شز ًرا‪:‬‬ ‫«غ� ��زل� � ُ�ت ل��ه��م غ� � � �ز اًْل دق� �ي ��قً ��ا ف��ل��م أجد‬ ‫ُ‬ ‫فكسرت ِمغْ زَلي» >‬ ‫اجا‪،‬‬ ‫نس ً‬ ‫لغزلي ّ‬ ‫َ‬

‫‪19‬‬

‫‪sep 14-29.indd 19‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬

‫الوردي‪..‬‬ ‫علي‬ ‫ّ‬ ‫الثقافي‬ ‫النقد‬ ‫رة في‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫مبك ٌ‬ ‫رؤية ّ‬ ‫ٌ‬ ‫د‪.‬محمد صابر عبيد *‬ ‫ُ‬ ‫العامة للرؤية‪:‬‬ ‫املظاهر‬ ‫ُ‬ ‫السجالي املوسوم بـ«أسطورة األدب الرفيع» (أسطورة األدب الرفيع‪ ،‬د‪ .‬علي الوردي‪،‬‬ ‫الكتاب‬ ‫عد‬ ‫ربا ُي ّ‬ ‫مّ‬ ‫ّ‬ ‫واحدا من أبرز الكتب‬ ‫الوردي‬ ‫دار ومكتب���ة دجل���ة والفرات‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبن���ان‪ ،‬ط‪ )2009 ،1‬للدكتور علي‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مت ً‬ ‫الثقافي‪ ،‬الذي يشتغل أ ّول ما يشتغل على جتريد األدب من‬ ‫رؤية مع ّينة للنقد‬ ‫قد ْ‬ ‫املبكّ رة التي ّ‬ ‫ّ‬ ‫���حا‬ ‫الوردي‬ ‫���ن‬ ‫فعاليته اجلمالية التي تعزله عن فعاليته الثقافية واالجتماعية‪ ،‬إذ ش ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫هجوما كاس ً‬ ‫ً‬ ‫خاصة مبا ال ميك���ن أن يؤثر في‬ ‫���ي»‬ ‫عل���ى النزع���ة اجلمالية الصرف‪ ،‬وعلى انش���غال «الش���عر العرب ّ‬ ‫واالجتماعي كما تفعل املعارف األخرى‪ ،‬بل على العكس يرى أنّ فعل الشعر‬ ‫الثقافي‬ ‫تطوير الفكر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫محتمل‪ ،‬ألنّ الش���عر يش���تغل في‬ ‫تقد ٍم‬ ‫���لبيا‬ ‫مجتمع‬ ‫العربي في‬ ‫أي ّ‬ ‫يحول بينه وبني ّ‬ ‫تلقيه ّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫يعد س ً‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫اإلنساني‪.‬‬ ‫ثقافيا من مناطق الفعل‬ ‫املنطقة غير املنتجة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الوردي‬ ‫فف� � ��ي عتبة إه� � ��داء الكتاب يرس� � ��م‬ ‫ّ‬ ‫يوجه خطابه‬ ‫صور ًة عن هذه املظاهر حني ّ‬ ‫إل� � ��ى األدباء الذين يلبس� � ��ون عباءة املاضي‬ ‫متغافلني عن حراك احلاض� � ��ر‪« :‬أهدي كتابي هذا إلى‬ ‫أولئ� � ��ك األدباء الذين يخاطبون بأدبهم العصور الذهبية‬ ‫املاضي� � ��ة‪ ،‬عس� � ��ى أن يحفزّهم الكتاب عل� � ��ى أن يهتموا‬ ‫اً‬ ‫قليل بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه‪ ،‬ويخاطبوهم‬ ‫مب� � ��ا يفهم� � ��ون‪ ،‬فلقد ذهب عه� � ��د الذهب‪ ،‬واس� � ��تعاض‬ ‫موج ٌه نحو «العصور‬ ‫الناس عنه باحلديد»‪ ،‬فخطابُه� � ��م ّ‬ ‫الذهبية املاضية» في حني «ذهب عهد الذهب»‪ ،‬متمن ًيا‬ ‫* باحث وأكادميي من العراق‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫‪7/28/13 11:21:52 AM‬‬

‫أن تنهض أطروحته بتحفيز ه� � ��ؤالء الكتاب كي يح ّولوا‬ ‫اهتمامهم نحو «أهل هذا العصر الذي يعيش� � ��ون فيه»‪،‬‬ ‫ألنهم يعيش� � ��ون في عصر غير عصرهم وليس بوسعهم‬ ‫التأثير فيه‪ ،‬لذا فإ ّن معرفتهم معرفة سلبية ال تؤثر في‬ ‫عصرهم‪ ،‬وخطابهم خارج إط� � ��ار املعرفة احلديثة التي‬ ‫يعيش� � ��ها العصر برحابةٍ ويتنفّس هواءها بارتياح‪ ،‬وصار‬ ‫العلمي املنتج هو‬ ‫والتكنولوجي‬ ‫التقاني‬ ‫احلدي� � ��د باملعنى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عنوان احلضارة احلديثة‪ ،‬ال الذهب الذي يعمي ببريقه‬ ‫العيون ويكفّها عن رؤية ما يجب أن يُرى‪.‬‬ ‫الوردي في مقدمة كتابه منظو ًرا حجاج ًيا‬ ‫ويطرح‬ ‫ّ‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 20‬‬


‫متقد ًما ف� � ��ي إدارة د ّف� � ��ة اجلدال بينه وب� �ي��ن مناوئيه‬ ‫ومحاوريه ف� � ��ي هذه األطروحة‪ ،‬إذ ه� � ��و يهت ّم بجوهر‬ ‫�جالي‬ ‫احلج� � ��اج ال س� � ��طحه‪ ،‬لذا ال ّ‬ ‫يوجه خطابه الس� � � ّ‬ ‫نحو مجادليه من أجل تفنيد رؤيتهم وحتقيق االنتصار‬ ‫عليهم‪ ،‬بل يس � � � ّير خطابه في سياق تكبير صورة رؤيته‬ ‫اً‬ ‫فضل ع� � ��ن اعتقاده‬ ‫وتوضيحه� � ��ا إل� � ��ى أقصى ح � � � ّد‪،‬‬ ‫�يوثقافي يُبر ُز املظاه � � � َر العام َة‬ ‫ـ ومن منظ� � ��ور سوس� � �‬ ‫ّ‬ ‫لهذه الرؤية‪ ،‬أ ّن االنش� � ��غال باجلدل يقود ضرور ًة إلى‬ ‫الس� � ��عي احلثيث نحو توكيد وجهة النظر على حساب‬ ‫األطروحة‪/‬األص� � ��ل‪ ،‬أل ّن االنغماس ف� � ��ي اجلدل يقود‬ ‫ذهب العق َل‪ ،‬ويحي ُل‬ ‫التعصب للفكرة‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫والتعصب يُ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عقيم يهت ّم بتفني� � ��د الفكرة املضا ّدة‬ ‫اجل� � ��د َل إلى كالم ٍ‬ ‫أكثر من االرتفاع مبهمة تقدمي الفكرة الرئيس� � ��ة على‬ ‫أفضل ما يكون‪:‬‬ ‫«س� � ��يالحظ الق� � ��ارئ أنني أس� � ��هبت ف� � ��ي آرائي‬ ‫وتبس� � ��طت فيها‪ .‬ولعلني ذهبت فيها مذهب من يريد‬ ‫ّ‬ ‫التف ّهم والتوضيح ال مذهب من يريد الغلبة في اجلدال‪.‬‬ ‫وهذا هو ديدني في ك ّل كتاب أخرجه للناس‪ .‬فأنا واثق‬ ‫بأ ّن الذي أريد مجادلته ال يقتنع مبا أقول ولو جئت له‬ ‫بالش� � ��مس في رابعة النهار‪ ،‬كما هو شأن اإلنسان في‬ ‫ك ّل زمان ومكان‪ .‬ولهذا فإني سأهت ّم بالقارئ أكثر مما‬ ‫أهتم باملجادلة‪ ،‬ولس� � ��وف أُعنى بتبس� � ��يط الرأي أكثر‬ ‫مما أعنى بتزويق بيانه وزخرفة ألفاظه»‪.‬‬ ‫آرائي‪/‬تبسطت‬ ‫وتتم ّثل رؤيته هنا بـ (أس� � ��هبت في‬ ‫ّ‬ ‫فيها‪/‬مذهب من يريد التف ّهم والتوضيح‪/‬ال مذهب من‬ ‫يريد الغلبة في اجلدال‪/‬س� � ��أهت ّم بالقارئ أكثر‪/‬أعنى‬ ‫بتبسيط الرأي‪/‬أكثر مما أعنى بتزويق بيانه وزخرفة‬ ‫ألفاظه)‪ ،‬وكلّها مظاهر تش� � ��تغل عل� � ��ى توكيد اجلانب‬ ‫اإلجرائي‬ ‫الثقاف� � � ّ�ي في الرؤي� � ��ة وحتويله إلى املي� � ��دان‬ ‫ّ‬ ‫الذي تتضح معامله على نحو واسع وعميق في مجتمع‬ ‫النظري‬ ‫التلقي‪ ،‬بحيث يتم ّثل الرأي‪ ،‬وينقله من مستواه‬ ‫ّ‬ ‫التطبيقي‪ ،‬بعي ًدا عن املظاهر اجلمالية‬ ‫إلى مس� � ��تواه‬ ‫ّ‬ ‫القِ شر ّية ذات الطبيعة الشكلية الفارغة من احملتوى‪.‬‬

‫جدل الرؤية وحرب املفهوم‬

‫دفاعا‬ ‫الوردي‬ ‫إ ّن احلجا َج املس� � ��تني َر الذي خاضه‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عن أطروحته السوس� � ��يوثقافية في النظر إلى الشعر‬ ‫والثقافي‬ ‫العقلي‬ ‫العربي على أنه عامل حتجيم للتط ّور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثقافي‬ ‫النقد‬ ‫رة في‬ ‫علي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫مبك ٌ‬ ‫رؤية ّ‬ ‫الوردي ‪ٌ ..‬‬ ‫ّ‬

‫‪7/28/13 11:21:54 AM‬‬

‫واالجتماعي‪ ،‬وليس عامل تنوير ونهضة وتق ّدم‪ ،‬يتجاوز‬ ‫ّ‬ ‫حدود الفك� � ��رة النظرية املج � � � ّردة‪ ،‬لينفتح على فضاء‬ ‫مشبع بالروح العلمية ذات الطبيعة اإلنتاجية‬ ‫تفكيري‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫الواضحة‪ ،‬ويطرح في هذا السبيل موضوعة «التجارة»‬ ‫بوصفه� � ��ا موضوع ًة مرتهن ًة بالعم� � ��ل القائم على بذل‬ ‫اجلهد م� � ��ن أجل حصيلة واضحة ومع ّينة ومفيدة‪ ،‬في‬ ‫الوقت الذي حت ّولت الثقافة فيه إلى س� � � ٍ‬ ‫�لعة لها باع ٌة‬ ‫يبيعونها ومش� � ��ترون يش� � ��ترونها‪ ،‬وثمة فائدةٌ متبادل ٌة‬ ‫للبائع واملشتري‪ ،‬فائدةٌ تس� � ��هم في اإلشباع والتطوير‬ ‫والتق � � � ّدم بأقصى درجات الوضوح واإلقناع من طرفي‬ ‫املعادلة‪:‬‬ ‫«فاملسألة جتارية إذن‪ .‬واملؤمن يقدم نفسه وماله‬ ‫ب� �ي��ن يدي الله على س� � ��بيل املقايضة‪ ،‬والله س� � ��ير ّد له‬ ‫أرباحا مضاعف� � ��ة‪ .‬والظاهر‬ ‫م� � ��ا ق ّدم ويضيف علي� � ��ه‬ ‫ً‬ ‫أ ّن املس� � ��لمني في عهوده� � ��م املتأخرة ل� � ��م يفهموا كنه‬ ‫هذه التجارة الربانية‪ .‬فقد صاروا كالش� � ��عراء يؤثرون‬ ‫االس� � ��تجداء من ربه� � ��م بدلاً من املتاج� � ��رة معه‪ .‬ولهذا‬ ‫أخ� � ��ذوا يطمعون في احلص� � ��ول على اجلنة عن طريق‬ ‫الدع� � ��اء والعبادة‪ ،‬ال عن طري� � ��ق العمل واإلنفاق‪ .‬إنهم‬ ‫يحسبون ربهم كالس� � ��لطان الذي يتزلف إليه الشعراء‬ ‫بقصائدهم الرنانة‪ ،‬ونسوا أن الله أج ّل من أن يطربه‬ ‫املدح أو يستميله النفاق»‪.‬‬ ‫األدبي بقيمته‬ ‫يفتح ال� � ��وردي رؤيته خارج احلق� � ��ل‬ ‫ّ‬ ‫طالب‬ ‫الثقافي� � ��ة ليحق� � ��ق موازنة بني الش� � ��اعر بوصفه‬ ‫َ‬ ‫مال وجاهٍ وسلطةٍ ‪ ،‬يسخّ ر شعره في أعلى كفاءةٍ ممكنةٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ممكن من‬ ‫لدف� � ��ع اآلخر املمدوح وحتفيزه إلى أكبر قدر‬ ‫ٍ‬ ‫مس� � ��توى اجلائزة‪ ،‬واملؤمن الذي لم يفه� � ��م كنه التجارة‬ ‫التي س� � ��خّ رها الله س� � ��بحانه وتعالى له كي يشتغل بها‬ ‫معه‪ ،‬فيكافئه على َقدرِ جتارته‪ ،‬وفي الوقت الذي اختار‬ ‫الش� � ��اعر فيه الطريق الس� � ��هلة للحصول على املكاسب‬ ‫باملديح والتز ّلف‪ ،‬اختار املؤمن الطريق نفس� � ��ها معتق ًدا‬ ‫أن الدع� � ��اء وحده يكفي للحصول عل� � ��ى اجلنة‪ ،‬مع أ ّن‬ ‫أمامه م ّتس � � � ًعا م� � ��ن العمل واجلهد والتج� � ��ارة من أجل‬ ‫أن يحصل على ما يريد بجه� � ��ده وعمله وإنتاجه‪ ،‬وهنا‬ ‫الوردي في نقد‬ ‫يتّضح جدل الرؤية وحرب املفهوم لدى‬ ‫ّ‬ ‫اتّكالية الشاعر واتّكالية املؤمن‪ ،‬على النحو الذي يجب‬ ‫ثقافي‬ ‫أن تكون الفاعلية فيه فاعلية إنتاجية ذات طابع‬ ‫ّ‬ ‫تسهم في خير املكان واإلنسان شعر ًيا وإميان ًيا‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫‪sep 14-29.indd 21‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬ ‫الوردي في هذا‬ ‫اخلاص عند‬ ‫املفهومي‬ ‫فالتص � � � ّور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫السياق يذهب مباشرة إلى رؤية ثقافية ترتبط بالفائدة‬ ‫الواضحة اجلل ّية امللموسة‪ ،‬وال حتفل بالبهرجة التي ال‬ ‫تُغني من جوع وال حتمي من خوف‪ ،‬فهو يقول‪« :‬وصف‬ ‫أحد األدباء كتبي الس� � ��ابقة بأنها كج ّبة الدرويش ليس‬ ‫وأظن أنه سيصف كتابي هذا مبثل‬ ‫فيها سوى الرقع‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بأسا‪ .‬فخير لي أن أكون‬ ‫ذلك‬ ‫في‬ ‫ألرى‬ ‫ذلك‪ .‬ولس� � ��ت‬ ‫ً‬ ‫اعا أخ� � ��دم الناس باملالبس املهلهل� � ��ة‪ ،‬من أن أكون‬ ‫ر ّق ً‬ ‫ً‬ ‫خياطا ممتازًا لصنع املالبس املزركش� � ��ة التي ال تالئم‬ ‫أجساد الناس وال ينتفع بها أحد»‪ ،‬فالعبرة‪ ،‬كما يرى‪،‬‬ ‫بالفائدة التي تس� � ��هم في إغناء احلياة وشحنها مبعنى‬ ‫الفرح احلقيقي املنتج‪.‬‬ ‫فن‬ ‫ال ينقص‬ ‫الوردي الوعي في إدراك أ ّن الش� � ��عر ّ‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعي‬ ‫املنظور‬ ‫في‬ ‫الفن‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫غير‬ ‫آخر‪،‬‬ ‫أي شيء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قبل ّ‬ ‫ّ‬ ‫لاً‬ ‫والثقافي حاجة نفسية مجتمعية فض على حاجتها‬ ‫ّ‬ ‫نوعي‬ ‫معرفي‬ ‫صنف‬ ‫هي‬ ‫�ة‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫األدب‬ ‫واملعرفة‬ ‫اجلمالية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واالجتماعي‬ ‫الثقافي‬ ‫ال ب ّد له أن يسهم في تطوير العقل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نحو األفضل‪ ،‬إذ ال ب ّد من إدراك أ ّن احلضارة احلديثة‬ ‫وملس وإجراءٍ ال تعترف باجلماليات‬ ‫هي حضارة بَ َص ٍر ٍ‬ ‫املج � � � ّردة الت� � ��ي ال حتترم الزمن‪ ،‬فعل� � ��ى الرغم من أ ّن‬ ‫�وردي «هي قبل ك ّل‬ ‫القصيدة الش� � ��عرية كما يراها ال� � � ّ‬ ‫شيء قطعة فنية‪ ،‬إمنا هي باإلضافة إلى ذلك ظاهرة‬ ‫اجتماعية لها مس� � ��اس مباش� � ��ر مبا ينش� � ��أ بني الناس‬ ‫االجتماعي أن‬ ‫من صالت التعاون والتن� � ��ازع‪ .‬للباحث‬ ‫ّ‬ ‫يحل� � ��ل القصيدة من حي� � ��ث عالقته� � ��ا باملجتمع الذي‬ ‫ظه� � ��رت في� � ��ه‪ ،‬دون أن يتطرق إلى م� � ��ا فيها من صفة‬ ‫فنية‪ ،‬إذ هو يترك ذل� � ��ك للمختصني من األدباء‪ .‬وهم‬ ‫ف� � ��ي بالدنا كثيرون ال يكاد يخل� � ��و منهم مكان واحلمد‬ ‫�عري‬ ‫لله»‪ ،‬مبعن� � ����ى أنه ال ينفي جماليات التعبير الش� � � ّ‬ ‫لكن� � ��ه يريد تطوير هذه اجلمالي� � ��ات بحيث ميكنها أن‬ ‫تس� � ��هم في تطوير العقل ومتجيد احلض� � ��ارة‪ ،‬ويكون‬ ‫واجتماعي واس� � ��ع وعميق يس� � ��هم في‬ ‫ثقافي‬ ‫لها تأثير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حتقيق نتائج واضحة وملموسة ترفع من شأن إنسانية‬ ‫اإلنسان حني يعيش بكرامة ويستمتع بكرامة‪.‬‬

‫ُ‬ ‫اللغة ومقصد ّي ُة الفهم واإلبانة‬

‫نّ‬ ‫للتفن والكشف‬ ‫الوردي ليس� � ��ت فرص ًة‬ ‫اللغة عند‬ ‫ّ‬ ‫عن امله� � ��ارات والتعبير عن الوهم على نحوٍ مج ّرد‪ ،‬بل‬

‫‪22‬‬

‫‪7/28/13 11:22:02 AM‬‬

‫هي وس� � ��يلة لتحقيق الفهم وتوصي� � ��ل املعرفة وإدراك‬ ‫املبتغى‪« ،‬أما دراس� � ��ة الفنون اللغوية فهي متأل الذهن‬ ‫بالكلم� � ��ات التي ال تتفاعل مع املجتمع وعلومه وفنونه‪،‬‬ ‫وله� � ��ذا يكون صاحبها كثير احلش� � ��و في كالمه‪ ،‬إذ هو‬ ‫ّ‬ ‫يلف ويدور دون أن يعطي صورة دقيقة ملا يريد‪ ،‬وكأنه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يدور به في حلقة مفرغة»‪ ،‬أل ّن للغة في كل مجتمعات‬ ‫بإتقان‬ ‫ٍ‬ ‫الدنيا وظيفة مش� � ��تركة واحدة على أن تؤديها‬ ‫ِ‬ ‫وح َرف ّي� � � ٍ�ة ودالل� � ��ة مر ّكزة منتج� � ��ة‪ ،‬إذ اللغة في منظور‬ ‫الوردي عل� � ��ى هذا النحو «يجب أن تك� � ��ون دقيقة في‬ ‫ّ‬ ‫التعبير عن مقاصدها لكي تؤدي وظيفتها االجتماعية‬ ‫تأدي� � ��ة وافية»‪ ،‬ال أن تتم� � ��رأى أمام غرور صاحبها كي‬ ‫تستعرض عضالتها البالغية من دون جدوى‪.‬‬ ‫الوردي يس� � ��تدرك على رؤيته هذه كي ال‬ ‫غي� � ��ر أ ّن‬ ‫ّ‬ ‫يُتّهم مبا ال يقصد وال يعني‪ ،‬حني ينفي اعتزامه إلغاء‬ ‫الش� � ��عر من الوجود‪ ،‬بل يطلب دراسة ماهيته وتأثيره‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وحياد‬ ‫ورحابة‬ ‫بعمق‬ ‫على الواقع الثقافي‬ ‫واالجتماعي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫التعصب واالنغالق‪:‬‬ ‫بعيدةٍ عن‬ ‫ّ‬ ‫أحب أن أزهد الناس بالش� � ��عر‬ ‫ال‬ ‫الواقع‬ ‫في‬ ‫«إني‬ ‫ّ‬ ‫أو أصرفهم عن دراس� � ��ته فالشعر حقل مهم من حقول‬ ‫العربي وتاريخه‬ ‫املعرفة‪ ،‬وال غنى للباحث في املجتمع‬ ‫ّ‬ ‫ولكن الذي أريد م� � ��ن الناس أن‬ ‫عن دراس� � ��ة الش� � ��عر‪ّ .‬‬ ‫وتعصب‪.‬‬ ‫حب‬ ‫دراسة‬ ‫ال‬ ‫وإنصاف‬ ‫يدرسوه دراسة حياد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وإذا كان للش� � ��عر منافع‪ ،‬فل� � ��ه مضار أيضا‪ .‬ورمبا كان‬ ‫ضرره باألمة العربية أكثر من نفعه لها»‪.‬‬ ‫وه� � ��و ما يقتضي مش� � ��روع دراس� � ��ة ٍ‬ ‫ثانية للش� � ��عر‬ ‫العربي غير الدراس� � ��ة التي نعرفها‪ ،‬فالدراسة األولى‬ ‫ّ‬ ‫اجلامعي عندنا تضع الشعر‬ ‫الدرس‬ ‫على‬ ‫تهيمن‬ ‫التي‬ ‫ّ‬ ‫العرب� � � ّ�ي في مص� � ��اف املق ّدس� � ��ات‪ ،‬إذ إ ّن مجرد إعادة‬ ‫النظر في قراءته يع � � � ّد ُجر ًما الب ّد من معاقبة فاعله‪،‬‬ ‫وذلك بسبب املناهج التقليدية التي ظلّت تقارب الشعر‬ ‫العربي والكرامة‬ ‫العربي دائ ًما عل� � ��ى أ ّنه عنوان املجد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي‪ ،‬وحتى هذه‬ ‫العربية واألصالة العربية والتراث‬ ‫ّ‬ ‫العنوانات في احلقيقة ليس� � ��ت معصومة من اخلطأ‪،‬‬ ‫العربي‬ ‫فلطاملا تغنين� � ��ا ببطوالت قادةٍ كبارٍ في التاريخ‬ ‫ّ‬ ‫�امي بوصفهم مثالاً للع � � �زّة والكرامة والرِ فعة‪،‬‬ ‫اإلس� �ل� ّ‬ ‫وحني تع ّرضوا لدراس� � ��ات حديث� � ��ة منصفة تبينّ أنهم‬ ‫مجرمون بحق هذا التاريخ‪ ،‬فمناهج الدراسة احلديثة‬ ‫أي ش� � ��يء‪ ،‬فك ّل ش� � ��يء‬ ‫اليوم كفّت عن تصنيم وتوثني ّ‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 22‬‬


‫ف� � ��ي منظورها يجب أن يخضع إلع� � ��ادة النظر وإعادة‬ ‫القراءة من جديد‪.‬‬ ‫العربي مبختلف‬ ‫�عر‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫إلى‬ ‫�ة‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ص‬ ‫إ ّن نظرة فاح‬ ‫ّ‬ ‫جوانب غاية في‬ ‫الوردي تكشف عن‬ ‫عصوره بحس� � ��ب‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫األهمية أهملتها دراسته كل ًّيا‪ ،‬تلك اجلوانب التي تهت ّم‬ ‫بتأثير هذا الش� � ��عر في صياغة وعي املجتمع وتنظيم‬ ‫ّ‬ ‫سيتكش� � ��ف‬ ‫الثقافي‪ ،‬حيث‬ ‫رؤيته العقلية وبناء خطابه‬ ‫ّ‬ ‫العربي موضع املساءلة‬ ‫فضاء آخر مختلف يضع الشعر‬ ‫ّ‬ ‫عن إس� � ��هامه في استغفال الوعي والعقل والثقافة‪ ،‬إذ‬ ‫الوردي أ ّن الش� � ��عر ساعد «فوق ذلك على تدعيم‬ ‫يرى‬ ‫ّ‬ ‫احلكومة السلطانية‪ ،‬حيث كان السلطان ينهب أموال‬ ‫األمة كما يش� � ��اء وينفقها على ما يشتهي‪ ،‬ولكنه يأخذ‬ ‫ً‬ ‫قسطا مما نهب فيعطيه للشعراء‪ .‬وهؤالء ال يترددون‬ ‫عند ذاك عن جعل الس� � ��لطان أمير املؤمنني وظ ّل الله‬ ‫ف� � ��ي األرض»‪ ،‬وهو ما جعل الش� � ��اعر‬ ‫وش� � ��عره ش� � ��ري ًكا في جرمية الس� � ��رقة‬ ‫والتوث� �ي��ن والتصني� � ��م الت� � ��ي جتعل من‬ ‫السلطان مثالاً معصو ًما من األخطاء‪،‬‬ ‫ال ب� � ��ل إ ّن الش� � ��عر يح � � � ّول أخطاءه إلى‬ ‫منجزات‪.‬‬ ‫وإذا كان اخلط� � ��اب القرآن� � � ّ�ي يثور‬ ‫على ما كان ف� � ��ي اجلاهلية من ازدراء‬ ‫للفقير واملس� � ��كني واليتيم وغيرهم من‬ ‫الوردي‬ ‫طبقة العوام في املجتمع‪ ،‬يرى‬ ‫ّ‬ ‫مج َد االستغالل‪،‬‬ ‫أ ّن الش� � ��عر‬ ‫اجلاهلي ّ‬ ‫ّ‬ ‫وامتد َح العبود ّية‪ ،‬وغنّى للقهر‪ ،‬ورف َع من ش� � ��أن الق ّوة‬ ‫َ‬ ‫الضعيف ثمنًا‬ ‫الغاش� � ��مة التي كان من حقّها أن ت� � ��أكل‬ ‫لق ّوته� � ��ا وضعفه‪ ،‬ورمبا كان هذا الس� � ��بب األ ّول الذي‬ ‫جعل اإلسالم يقف موق ًفا معاد ًيا للشعر‪:‬‬ ‫العربي‬ ‫«الق� � ��رآن يحدثنا عن انقس� � ��ام املجتم� � ��ع‬ ‫ّ‬ ‫إلى طبقات‪ ،‬منها طبقة األغنياء املس� � ��تأثرين بالثروة‬ ‫املس� � ��رفني في الرب� � ��ا‪ ،‬ومنها طبقة الفق� � ��راء املعدمني‬ ‫الذي� � ��ن ليس لهم من الث� � ��روة ما ميك ّنه� � ��م أن يقاوموا‬ ‫أولئك املرابني أو يستغنوا عنهم‪ .‬والقرآن يذكر كذلك‬ ‫وبغي وأكل‬ ‫م� � ��ا كان من العرب من ٍ‬ ‫بخل وطم� � � ٍ�ع ٍ‬ ‫وظلم ٍ‬ ‫اجلاهلي فال‬ ‫أموال اليتامى ونكث العهود‪ .‬أما الشعر‬ ‫ّ‬ ‫يذكر من ذلك كله ش� � ��يئا‪ ،‬إمنا هو ميثل العرب أجوا ًدا‬ ‫كرا ًما مهينني لألموال مسرفني بازدرائها»‪.‬‬ ‫الثقافي‬ ‫النقد‬ ‫رة في‬ ‫علي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫مبك ٌ‬ ‫رؤية ّ‬ ‫الوردي ‪ٌ ..‬‬ ‫ّ‬

‫‪7/28/13 11:22:05 AM‬‬

‫�امي دي� � ��ن حضارة ومدن ّية‬ ‫وإذا كان الدين اإلس� �ل� ّ‬ ‫س� � ��عى إلى إيجاد تقاليد حياة جديدة تستجيب ملنطق‬ ‫اجلاهلي في‬ ‫املدني� � ��ة وحضريتها‪ ،‬فقد «كان الش� � ��عر‬ ‫ّ‬ ‫معظمه ميثل احلياة البدوية التي تسود القبائل خارج‬ ‫م ّك� � ��ة‪ ،‬وليس عجي ًب� � ��ا بعد هذا أن جن� � ��ده مختل ًفا عن‬ ‫بواد والقرآن ٍ‬ ‫القرآن في تصوير احلياة‪ .‬إنه ٍ‬ ‫بواد آخر‪.‬‬ ‫وشتان بني الواديني»‪ ،‬وهو ما جعل القرآن يقبل بذلك‬ ‫النوع من الش� � ��عر الذي يدافع عن قيم اإلسالم ويهجو‬ ‫الكفر والكافرين‪ ،‬ليعزل ما عداه خارج مدينة اإلسالم‬ ‫أل ّنه ال يق ّدم نتائج واضحة تس� � ��هم في بناء اإلنس� � ��ان‪،‬‬ ‫وع ًيا وثقاف ًة وعل ًما ـ‬

‫والثقافي‬ ‫اللساني‬ ‫العربي بني‬ ‫فكرة النحو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫هيمنت فكرة النحو العرب� � ��ي كثي ًرا على أطروحة‬ ‫�وردي ف� � ��ي كتابه «أس� � ��طورة األدب‬ ‫ال� � � ّ‬ ‫الرفيع»‪ ،‬وع ّبر عن رؤيته في الس� � ��ياق‬ ‫الثقافي على‬ ‫نفس� � ��ه الذي يذهب إلى‬ ‫ّ‬ ‫حس� � ��اب االس� � ��تغراق غي� � ��ر املج� � ��دي‬ ‫املنطقي الذي‬ ‫�اني في مجال� � ��ه‬ ‫ّ‬ ‫باللس� � � ّ‬ ‫يعقّد املس� � ��ائل وال يحلّها‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫من أ ّن هذه الدعوة التي تريد تيس� � ��ير‬ ‫العربي ليس� � ��ت جدي� � ��دة‪ ،‬فإ ّن‬ ‫النح� � ��و‬ ‫ّ‬ ‫�وردي يذه� � ��ب بعي ًدا في مناقش� � ��ة‬ ‫ال� � � ّ‬ ‫واملعرفي الذي‬ ‫والعلمي‬ ‫الثقافي‬ ‫األثر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي بش� � ��كله املعروف‪،‬‬ ‫النحو‬ ‫يتركه‬ ‫ّ‬ ‫العربي في هذا الس� � ��ياق كان‬ ‫وإذا ما أدركنا أ ّن النحو‬ ‫ّ‬ ‫رئيسا في عزوف الكثير من الدارسني عن اللغة‬ ‫سب ًبا ً‬ ‫ّ‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬وفي تخلفهم عن اإلمل� � ��ام بالقواعد التي تل ُد‬ ‫قواعد‪ ،‬وتع ّق ُد رحابة اللغة العربية وتسامحها ور ّقتها‬ ‫وعذوبتها‪ ،‬وتُكثر من أعدائها باستمرار‪ ،‬رمبا سنتحالف‬ ‫الوردي في طبقات كثيرة منها‪ ،‬والس� � ��يما‬ ‫مع أطروحة‬ ‫ّ‬ ‫تلك التي تذهب إلى قياس اجلدوى الفعلية امللموس� � ��ة‬ ‫النحوي‪ ،‬وتس� � ��ليط سيف اإلعراب‬ ‫من تعقيد الدرس‬ ‫ّ‬ ‫على رقاب املساكني الذين سرعان ما يتفاهمون بعي ًدا‬ ‫عن س� � ��لطة اإلعراب‪ ،‬وال يختلف� � ��ون ويتقاتلون ـ ورمبا‬ ‫يفني بعضهم بعضا ـ إال على مائدته‪:‬‬ ‫«ميكن تشبيه النحو العربي بالعقدة النفسية‪ .‬إنه‬ ‫وس� � ��واس‪ .‬فاخلطيب ال يستطيع أن ينطلق في كالمه‬

‫‪23‬‬

‫‪sep 14-29.indd 23‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬ ‫مخافة أن يخطئ في النحو‪ .‬واملس� � ��تمعون ال يكترثون‬ ‫مبا يأتي من املعاني‪ ،‬إمن� � ��ا يركزون على تتبع حركات‬ ‫اإلع� � ��راب من كالمه‪ .‬وهم الب � � � ّد أن يعثروا فيها على‬ ‫حلن‪ .‬فيهزون رءوس� � ��هم آسفني كأن الكالم ال يحتوي‬ ‫إال على الفتح والضم والكسر والسكون‪ .‬وأصبح النحو‬ ‫عند العرب عن� � ��وان الثقافة‪ .‬فإذا أرادوا امتحان أحد‬ ‫منهم ألق� � ��وا إليه جملة معقّدة وطلب� � ��وا إعرابها‪ .‬فإذا‬ ‫تلكأ أو تلعثم اس� � ��تهانوا به‪ .‬وق� � ��د أدى هذا باخلطيب‬ ‫إلى أن يبط� � ��ئ في النطق وأن ّ‬ ‫يتنط� � ��ع به لكي يبرهن‬ ‫للمس� � ��تمعني أنه بحر ف� � ��ي العلم عميق‪ .‬أم� � ��ا املعاني‬ ‫ً‬ ‫عرضا»‪.‬‬ ‫فتأتي بعد ذلك‬ ‫الوردي بآراء علماء االجتماع املتخصصني‬ ‫ويستعني‬ ‫ّ‬ ‫ف� � ��ي هذا املجال وهم يعاجلون عالق� � ��ة اإلعراب بنوع‬ ‫العق� � ��ل‪ ،‬إذ «يق� � ��ول الدكتور ضود العال� � ��م االجتماعي‬ ‫املع� � ��روف‪ ،‬إن اإلعراب يص� � ��ور عقلية‬ ‫بدائية س� � ��اذجة‪ ،‬وكلما تقدم اإلنسان‬ ‫في حضارته اس� � ��تغنى ع� � ��ن اإلعراب‬ ‫في لغته‪ .‬ولهذا جند االجتاه في تطور‬ ‫اللغ� � ��ات احلي� � ��ة يبتعد ع� � ��ن اإلعراب‬ ‫تدريج ًيا»‪ ،‬ولع ّل مما بالغ في توس� � ��يع‬ ‫وتعمي� � ��ق حجم إس� � ��اءة اإلع� � ��راب إلى‬ ‫اللغ� � ��ة هو اعتماد النحاة على الش� � ��عر‬ ‫حجة إعرابية‪ ،‬واستخدموا ما‬ ‫بوصفه ّ‬ ‫اصطلح عليه بـ«الش� � ��واهد الشعرية»‪،‬‬ ‫صح� � ��ة القاعدة‬ ‫الت� � ��ي تضمن عندهم ّ‬ ‫�وردي في هذا املج� � ��ال «أ ّن النحاة‬ ‫النحوي� � ��ة‪ ،‬ويرى ال� � � ّ‬ ‫أفسدوا النحو باعتمادهم على الشواهد الشعرية في‬ ‫أساسا‬ ‫حترير قواعدهم‪ .‬فالش� � ��عر ال يصلح أن يكون‬ ‫ً‬ ‫أي حال‪ .‬إنه مق ّيد بقيود الوزن والقافية‪،‬‬ ‫للنح� � ��و على ّ‬ ‫وكثي ًرا ما تأتي الكلمات واجلمل فيه على غير نسقها‬ ‫الطبيعي املألوف في لغة األفكار ّ‬ ‫املنظمة»‪ ،‬وعلينا أن‬ ‫ّ‬ ‫نتذ ّكر هنا مقولة «يجوز للش� � ��اعر م� � ��ا ال يجوز لغيره»‬ ‫التي تبيح للش� � ��اعر أن يخطئ في اإلعراب‪ ،‬أو يتجاوز‬ ‫قاعدة نحوية قا ّرة إذا لزم األمر‪ ،‬فكيف ميكن أن يكون‬ ‫توجه النحاة وتب ّرر تقعيدهم‬ ‫بعد ذلك ّ‬ ‫حجة إعرابي� � ��ة ّ‬ ‫للنحو؟‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ث ّمة ف� � ��رق معروف في كل لغات العالم بني الكالم‬ ‫وثقافي في آن‪،‬‬ ‫تقاني وإجرائ� � � ّ�ي‬ ‫والكتاب� � ��ة‪ ،‬وهو فر ٌق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫‪24‬‬

‫‪7/28/13 11:22:08 AM‬‬

‫وجداني عاطف� � � ّ�ي يقتضي التالؤم بينه‬ ‫فال� � ��كالم فع ٌل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وزمن‬ ‫وبني احلالة النفس� � ��ية للمتكلم في م� � � ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�كان معينّ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وموقف معينّ ٍ ‪ ،‬لذا فهو غال ًبا ما يأتي مش� � ��حو ًنا‬ ‫معينّ‬ ‫تفس� � ��ر على نحو كبي� � ��ر نوع اخلطاب‬ ‫بالعاطف� � ��ة التي ّ‬ ‫املتكلَّم به وحساس� � ��يته ومقصديته‪ ،‬في حني ال يتحقق‬ ‫ممكن م� � ��ن الهدوء‬ ‫ٍ‬ ‫الفع� � ��ل الكتاب� � � ّ�ي إال بأعلى ق� � ��درٍ‬ ‫والتم ّثل وحضور العقل بك ّل توهجه واس� � ��تعداده‪ ،‬لذا‬ ‫الوردي «ال تالئم الهياج‬ ‫الكتابة بوجه عام كما يق� � ��ول‬ ‫ّ‬ ‫العاطف� � � ّ�ي‪ .‬ويصدق ه� � ��ذا بوجه خاص عن� � ��د تأليف‬ ‫العاطفي قليل القراء»‪ ،‬فالكالم نظا ٌم‬ ‫الكتب‪ .‬فاملؤلف‬ ‫ّ‬ ‫العاطفي‬ ‫ّر‬ ‫ت‬ ‫والتو‬ ‫االنفعال‬ ‫حركية‬ ‫على‬ ‫�اني ينهض‬ ‫ّ‬ ‫لس� � � ّ‬ ‫املرتب� � ��ط باملوق� � ��ف‪ ،‬والكتاب� � ��ة نظام آخ� � ��ر يقوم على‬ ‫العقلي ّ‬ ‫املنظم الذي يقتضي الترتيب والتنظيم‬ ‫اجلهد‬ ‫ّ‬ ‫والتفكير واالنتخ� � ��اب والتعديل والتبديل حتى يتكامل‬ ‫الفعل الكتابي في أمثل صورة ممكنة‪،‬‬ ‫«وقد فطن إلى هذا األس� � ��تاذ فندريس‬ ‫حني قارن بني أسلوب الكتابة وأسلوب‬ ‫التكلّ� � ��م في اللغة الفرنس� � ��ية احلديثة‪،‬‬ ‫فالفرنس� � � ّ�ي ال يتكل� � ��م كم� � ��ا يكتب‪ ،‬وال‬ ‫يكتب كما يتكلم إال ناد ًرا‪ ،‬وفي كل حال‬ ‫يوج� � ��د اختالف بني تركي� � ��ب الكلمات‬ ‫إلى جانب االختالف ف� � ��ي املفردات»‪،‬‬ ‫الوردي بهذا املثال في لغة‬ ‫حي� � ��ث يأتي‬ ‫ّ‬ ‫ح ّية من أكثر لغات العالم انتش� � ��ا ًرا في‬ ‫حضارة اليوم‪.‬‬ ‫الوردي التماي� � ��ز احلاصل ف� � ��ي لغة النحو‬ ‫يع� � ��زو‬ ‫ّ‬ ‫العرب� � � ّ�ي املهت � � � ّم بالتع ّم� � ��ل واحلذلقة والغ� � ��رور إلى ما‬ ‫وطبقي‪،‬‬ ‫اجتماعي‬ ‫العربي من متاي� � ��ز‬ ‫عرف� � ��ه املجتمع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫طبقي‪،‬‬ ‫مجتمع‬ ‫في‬ ‫إال‬ ‫يشيع‬ ‫ال‬ ‫الطبقي‬ ‫إذ «إ ّن التمايز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكلم� � ��ا قلّت الف� � ��روق الطبقية بني الناس وانتش� � ��رت‬ ‫مبادئ املس� � ��اواة والدميقراطية‪ ،‬ضعف اهتمام الناس‬ ‫باحلذلق� � ��ة اللغوية وأصبحت اللغة وس� � ��يلة التفاهم ال‬ ‫الوردي مظه ٌر‬ ‫للتباه� � ��ي والكبرياء»‪ ،‬فاللغة كما ي� � ��رى‬ ‫ّ‬ ‫جوهري أساس من مظاهر املجتمع‪ ،‬تستجيب للفوارق‬ ‫ّ‬ ‫بق ّوة وتس� � ��تعني بها ومت ّثلها وتفرضها على الواقع‪ ،‬إذ‬ ‫هو يؤ ّكد «أن املجتمع ال� � ��ذي يحتوي على فروق كبيرة‬ ‫في ألبسة الناس ومساكنهم ومطاياهم‪ ،‬يحتوي كذلك‬ ‫على فرق واضح بني لغة الصعاليك واملترفني‪ .‬فاللغة‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 24‬‬


‫أي مظهر آخر من مظاهر‬ ‫بهذا االعتبار ال تختلف عن ّ‬ ‫االجتماعي»‪ ،‬وهي مس� � ��ئولة على هذا النحو‬ ‫التفريق‬ ‫ّ‬ ‫ع� � ��ن تخلّ� � ��ف املجتم� � ��ع أو تق ّدمه مبا تس� � ��هم فيه من‬ ‫فعالي� � ��ات ذات طبيعة اجتماعي� � ��ة وثقافية تعود بالنفع‬ ‫الثقافي‬ ‫الواضح وامللموس واملنتج على راهن احلراك‬ ‫ّ‬ ‫واالجتماعي في املجتمع‪ ،‬فاللغة أداة اجتماعية للتعبير‬ ‫ّ‬ ‫ع� � ��ن ثقافة املجتم� � ��ع وطبيعته ورؤيته وليس� � ��ت هد ًفا‬ ‫الطبقي‬ ‫وصنع � � � ًة وتر ًفا‪ ،‬كما أنها ليس� � ��ت أداة للتمايز‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعي‪.‬‬ ‫والقهر‬ ‫ّ‬

‫همة ثقاف ّية حضار ّية‬ ‫همة األديب َم ّ‬ ‫َم ّ‬

‫ال ش� � � ّ‬ ‫�ك في أ ّن منتج األديب ال ب ّد أن يرتفع أعلى‬ ‫ّ‬ ‫م� � ��ن لغة العام� � ��ة من أجل أن يك� � ��ون أد ًب� � ��ا يتطلع إليه‬ ‫جمه� � ��ور القراء ويعجب� � ��ون به ويتعلّمون من� � ��ه‪ ،‬غير أ ّن‬ ‫ه� � ��ذا اإلعجاب الب � � � ّد له من فائدة تعم� � ��ل على تثقيف‬ ‫رؤية من ّ‬ ‫يطل� � ��ع عليه‪ ،‬ويتفاعل معه‪ ،‬ويس� � ��تنير به من‬ ‫أج� � ��ل أن يرتفع بلغت� � ��ه ورؤيته إلى موقع أرفع يس� � ��هم‬ ‫ف� � ��ي تطوير ثقافته‪ ،‬ويجعله في مق� � ��ام أكثر قدرة على‬ ‫حتقيق الفائدة ملجتمع� � ��ه‪ ،‬فمهمة األديب مهمة ثقافية‬ ‫والثقافي كما‬ ‫الفكري‬ ‫وحضارية رائدة على الصعي� � ��د‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوردي‪« :‬األديب في اعتقادي رائد فكرة قبل أن‬ ‫ي� � ��رى‬ ‫ّ‬ ‫وأظن أ ّن أب� � ��ا حيان هو خير من‬ ‫ألفاظ‪.‬‬ ‫صانع‬ ‫�ون‬ ‫يك� � �‬ ‫ّ‬ ‫ميثل هذا النوع م� � ��ن األدب في العصور القدمية‪ .‬لقد‬ ‫أخفق أبو حيان في حياته‪ ،‬ألنه عاش قبل أوانه‪ .‬ولو أنه‬ ‫ظهر في زماننا هذا لكان سيد األدباء»‪ ،‬وجاء اختياره‬ ‫التوحيدي مثالاً ألنه لم يستغ ّل اللغة والبيان‬ ‫ألبي حيان‬ ‫ّ‬ ‫أدبي‬ ‫تاريخ‬ ‫وكتابة‬ ‫السلطان‪،‬‬ ‫وإبهاج‬ ‫�لطة‪،‬‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫لتمجيد ال‬ ‫ّ‬ ‫مز ّيف للس� � ��لطة والس� � ��لطان‪ ،‬بل دعا إلى ثقافة شعبية‬ ‫يسهم في إنتاجها وتلقيها الناس جمي ًعا‪ ،‬فهو من جمع‬ ‫بني اللغة واحلي� � ��اة داخل حاضنة فكري� � ��ة واجتماعية‬ ‫وثقافي� � ��ة واحدة‪ ،‬وقد ش � � � ّبهه باجلاح� � ��ظ وامتاز عليه‬ ‫في الوقت نفس� � ��ه «كان أبو حيان يش� � ��به اجلاحظ في‬ ‫ثقافت� � ��ه الضخمة وفي س� � ��عة اطالعه عل� � ��ى مختلف‬ ‫نواحي املعرفة التي كانت رائجة في زمانه‪ .‬وقد امتاز‬ ‫أب� � ��و حيان به� � ��ذا على أدب� � ��اء عصره الذي� � ��ن يفخرون‬ ‫باطالعهم على أسرار اللغة ويجهلون أسرار احلياة»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫محضا‬ ‫إ ّن مه ّم� � ��ة األديب ليس� � ��ت مه ّم� � ��ة جمالية‬ ‫فحس� � ��ب‪ ،‬بل هي فوق ذلك مه ّم� � ��ة ثقافية وحضارية‬ ‫الثقافي‬ ‫النقد‬ ‫رة في‬ ‫علي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫مبك ٌ‬ ‫رؤية ّ‬ ‫الوردي ‪ٌ ..‬‬ ‫ّ‬

‫‪7/28/13 11:22:11 AM‬‬

‫لها مساس بحياة الناس وس� � ��بل عيشهم ومستقبلهم‪،‬‬ ‫فض� �ًل��اً عن كونها وس� � ��يلة جللب الش� � ��هرة لألديب مع‬ ‫ضمان حي� � ��اة ح ّرة كرمية له‪ ،‬ويج� � ��ب أن يحصل هذا‬ ‫األدبي‬ ‫والضروري ب� �ي��ن ريادة الفعل‬ ‫التوافق املطلوب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احلقيقي في تطوير املجتمع‪،‬‬ ‫�هامه‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫لدى األديب وإ‬ ‫ّ‬ ‫وما يس� � ��تحقه من حياة مر ّفه� � ��ة تليق مبكانته الريادية‬ ‫الوردي ف� � ��ي هذا الصدد‬ ‫والقيادي� � ��ة الثقافي� � ��ة‪ ،‬ويرى‬ ‫ّ‬ ‫ولكن الشهرة ال تعطي‬ ‫يحب الش� � ��هرة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أ ّن «ك ّل إنسان ّ‬ ‫خبزًا‪ .‬واإلنس� � ��ان يطلبها ألنها وسيلة إلى ما يأتي من‬ ‫مال ونفوذ‪ .‬ومن أبغض األمور على اإلنس� � ��ان أن يكون‬ ‫جائ ًعا مشهو ًرا»‪ ،‬فالشهرة مع اجلوع ليست أم ًرا عادلاً‬ ‫ألنها تنطوي عند ذلك على خلل في املعادلة احلياتية‪،‬‬ ‫الطبيعي أن يكون املجتم� � ��ع عادلاً ويعطي ك ّل‬ ‫فاألم� � ��ر‬ ‫ّ‬ ‫ذي حقّ حقّه‪.‬‬ ‫وفكري خصب‬ ‫ثقافي‬ ‫وفي التفاتة ذكية لها طابع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوردي نزعة التط � � � ّرف عند الكتّاب‬ ‫وعمي� � ��ق‪ ،‬يرصد‬ ‫ّ‬ ‫احملدثني‪ ،‬وهي نزعة كارث ّية على صعيد تأثيرها على‬ ‫املجتمع ومتزيقه والع� � ��ودة به إلى أكثر العصور تخلّ ًفا‬ ‫وظالم ّي� � ��ة وجهلاً ‪ ،‬ففي ح� �ي��ن كان الكتّاب الطائفيون‬ ‫م� � ��ن أهل الق� � ��رن الراب� � ��ع يجاه� � ��رون بطائفيتهم فإ ّن‬ ‫كتّابنا احملدثني يضمرونه� � ��ا‪ ،‬وال يخفى على لبيب ما‬ ‫جت ّره الطائفية املضمرة من ويالت أكثر من الطائفية‬ ‫املعلنة‪ ،‬إذ يقول‪:‬‬ ‫«مم� � ��ا يلفت النظ� � ��ر أ ّن أهل الق� � ��رن الرابع كانوا‬ ‫يفصحون ع� � ��ن نزعتهم الطائفية جه� � ��ا ًرا ويتصاولون‬ ‫به� � ��ا من غي� � ��ر تكتّم‪ .‬أما نحن فق� � ��د اعتدنا أن نضمر‬ ‫الطائفية في أعماقنا ث� � ��م نتظاهر بأننا بريئون منها‪.‬‬ ‫وإذا كتب أحدنا أخذ يطلي نزعته الدفينة بطالء ب ّراق‬ ‫حب احلقّ واحلقيقة‪ .‬فهو يكتب كما تريد طائفته‬ ‫من ّ‬ ‫أن يكت� � ��ب ثم ي ّدعي أنه يكتب من أجل إرش� � ��اد الناس‬ ‫وتنوير عقولهم»‪.‬‬ ‫إ ّن هذه االلتفاتة النوعية منه تع ّبر عن رؤية ثقافية‬ ‫بالغة األهمية واخلطورة‪ ،‬وتضع األمور في نصابها على‬ ‫الثقافي في‬ ‫النحو الذي يعكس وع ًيا متقد ًما في النقد‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫وسيط‬ ‫إطاره العام‪ ،‬وهو يرى أ ّن األدب والفكر والثقافة‬ ‫اجتماع� � � ّ�ي ذو أهمية ب� � ��ارزة ال ميكن فهم� � ��ه ومقاربته‬ ‫والتعاطي معه من دون الكش� � ��ف ع� � ��ن دوره في تثقيف‬ ‫املجتمع وتطويره وحتسني نظم حياته وعيشه >‬

‫‪25‬‬

‫‪sep 14-29.indd 25‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬

‫اجلذور الثقافية لفرضيات الوردي‬ ‫في نقد الشخصية العراقية‬ ‫محمد مظلوم *‬ ‫ميثل علي الوردي «‪ »1995 - 1913‬صورة تقريبية مثالية لعمر الدولة العراقية بصيغتها الكولونيالية‬ ‫األولى‪ ،‬ألنني أعتقد أنَّ هذا النموذج الذي أوجدته بريطانيا في العراق بعد انتهاء احلرب العاملية‬ ‫تصو ًرا كولونيال ًيا‬ ‫األولى‪ ،‬من خالل مستشاري تشرشل وزير املستعمرات البريطانية آنذاك‪ ،‬يمُ ِّث ُل ُّ‬ ‫بدأ باحتالل بريطانيا للعراق في العام ‪ ،1917‬وانتهى باحتالل أمريكا له في العام ‪ .2003‬والالفت‬ ‫متام ��ا‪ ،‬فقد ولد قبل قيام تلك الدولة بثماني س ��نوات‪،‬‬ ‫أن عم ��ر ال ��وردي يس ��اوي عمر تلك الدولة‪ً ،‬‬ ‫ورحل قبل انهيارها بثمانية أعوام‪ .‬فعمر الدولة العراقية بني عامي ‪1921‬و‪ 2003‬هو ‪ 82‬س ��نة‪ ،‬وهو‬ ‫العمر الذي عاشه علي الوردي بالتمام والكمال‪.‬‬ ‫إذا كان� � ��ت األجي� � ��ال تقاس بأعم� � ��ار الدول‪،‬‬ ‫كما قال أس� � ��تاذ الوردي «ابن خلدون»‪ ،‬فلن‬ ‫جند بط� �ًل� اً�� لتمثيل هذا اجليل أنس� � � َ�ب من‬ ‫«البطولي» في‬ ‫الوردي نفس� � ��ه‪ .‬إنه مثال حيوي للمثقَّف‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫التوغ َل في مس� � ��ار التصحيح‪،‬‬ ‫تل� � ��ك الدولة‪ ،‬الذي حاول‬ ‫فانتهت به الرحلة ُمن َْش � � � ًَّقا عن من� � ��وذج مضطرب لدولة‬ ‫ال تفاعلية‪.‬‬ ‫فقد بدأ التعليم في الكتاتيب‪ ،‬في بيئة دينية‪ ،‬لينتقل‬ ‫بعدها فيدرس في اجلامعات األمريكية احلديثة‪ ،‬ويطلع‬ ‫على آخر مناهج علم االجتماع األمريكي ومدارس� � ��ه في‬ ‫البح� � ��ث والتحليل‪ ،‬وهن� � ��ا طفرة مهمة أتاح� � ��ت له رؤية‬ ‫مسافة االزدواج بني العاملني‪.‬‬ ‫فقد جذبته نظرية البحث في وس� � ��ائل التفاعل بني‬ ‫* شاعر وباحث من العراق‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫‪7/28/13 11:22:16 AM‬‬

‫الفرد واملجتمع‪ ،‬التي طرحتها تلك املدارس‪ ،‬خاصة في‬ ‫اً‬ ‫وصول‬ ‫تأكيدها على مركزية الفرد في التحليل اجلزئي‬ ‫إلى الكليات‪ ،‬وتركيزها على الوقائع والتفاصيل الصغيرة‬ ‫ف� � ��ي املجتمع‪ ،‬وترجيحها غال ًبا على العوامل السياس� � ��ية‬ ‫واالقتصادية‪ ،‬إضافة إلى عوامل التنش� � ��ئة االجتماعية‪،‬‬ ‫وخصوصي� � ��ة اللغ� � ��ة بوصفها واحدة من وج� � ��وه التفاعل‬ ‫الرمزي املؤثر بني األفراد‪.‬‬ ‫وبني إرث أستاذه ابن خلدون‪ ،‬واملعطيات احلديثة في‬ ‫إطالعه على مدارس علم االجتماع األمريكي اس� � ��تطاع‬ ‫الوردي مقاربة مش� � ��كلة الفرد العراقي صعو ًدا للمجتمع‬ ‫عب� � ��ر هرمية ثالثية متثلت ف� � ��ي الفرضيات الثالث التي‬ ‫حكمت مجمل حتليالته لبنية املجتمع العراقي‪.‬‬ ‫فقد ظلّت تلك الفرضيات الثالث ومجمل دراس� � ��ته‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 26‬‬


‫لطبيع� � ��ة املجتم� � ��ع العراقي فريدة من نوعه� � ��ا ح ًقا‪ ،‬ولم‬ ‫تعقبه� � ��ا‪ ،‬أو جتاوره� � ��ا‪ ،‬أو تنقضه� � ��ا‪ ،‬أي دراس� � ��ة أخرى‬ ‫تضاهيها في هذا املجال حتى اآلن‪.‬‬ ‫وهنا محاولة الس� � ��تقصاء تل� � ��ك الفرضيات الثالث‬ ‫املؤسسة لتصور الوردي عن إشكالية املجتمع العراقي؟‬

‫اً‬ ‫أول‪ :‬فرضية ازدواج الشخصية‬ ‫مفه� � ��وم االزدواج هو أول� � ��ى الفرضيات الثالث التي‬ ‫اقترحها الوردي لدراسة الش� � ��خصية العراقية‪ ،‬ومن ثم‬ ‫املجتم� � ��ع العراقي بش� � ��كل عام‪ .‬وقد ب� � ��دأ باإلعالن عن‬ ‫فرضيته األولى فور عودته من أمريكا بعد حصوله على‬ ‫شهادة الدكتوراه من جامعة تكساس في العام ‪.1950‬‬ ‫ولم يكن علي الوردي قد بلغ األربعني عندما أصدر‬ ‫كتابه «شخصية الفرد العراقي ‪ -‬بحث في نفسية الشعب‬ ‫العراق� � ��ي على ضوء علم االجتم� � ��اع احلديث ‪،»1951 -‬‬ ‫وال� � ��ذي ضمنه فرضيته ملفهوم االزدواج في الش� � ��خصية‬ ‫العراقية‪.‬‬ ‫ورغم أن هذا الكتاب صغير احلجم‪ ،‬وهو في األصل‬ ‫محاض� � ��رة ألقاها في قاعة امللكة عالي� � ��ة في بغداد في‬ ‫العام ‪ ،1951‬وهو كما قال عنه في املقدمة‪ :‬مقالة أدبية‬ ‫أش� � ��به منها بالبحث العلمي‪ ،‬فإن� � ��ه وقع في هذا الكتاب‬ ‫الصغير على اكتش� � ��افه الكبي� � ��ر األول‪ :‬مفهوم االزدواج‬ ‫في الش� � ��خصية العراقية‪ ،‬إضافة إل� � ��ى ثنائية البداوة ‪/‬‬ ‫رحلها عن ابن خلدون‪ .‬لكن هذه املفاهيم‬ ‫التحضر التي َّ‬ ‫ظلت قلق ًة‪ ،‬أو قل س� � ��ائبة‪ ،‬ولن تصل إلى مراميها األدق‪،‬‬ ‫إال في مرحلة الحقة من دراساته‪.‬‬ ‫الوردي مفهوم االزدواج في هذا الكتاب من‬ ‫ويلخّ ص‬ ‫ُّ‬ ‫نواح‪ ،‬الناحية‬ ‫خالل النظر إلى الع� � ��راق من خالل ثالث ٍ‬ ‫احلضاري� � ��ة‪ :‬حي� � ��ث إن «الع� � ��راق بلد يق� � ��ع جغراف ًيا بني‬ ‫التحض� � ��ر والبداوة»‪ ،‬وهو ما أوجد التن� � ��ازع بني التاريخ‬ ‫واجلغرافي� � ��ا‪ :‬تاري� � ��خ احلض� � ��ارات في ب� �ل��اد الرافدين‪،‬‬ ‫وجغرافيا الصحارى التي تشكل ثلث مساحته‪ .‬والناحية‬ ‫االجتماعي� � ��ة‪« :‬جتزؤ املجتمع العراق� � ��ي وقلة االختالط‬ ‫والتفاعل على صعيد األس� � ��رة واجلماع� � ��ات الصغيرة»‪.‬‬ ‫والناحية النفس� � ��ية‪« :‬ازدواجية تربي� � ��ة الطفل في غياب‬ ‫املؤسس� � ��ات احلديثة‪ ،‬لصالح الكتاتيب‪ ،‬والتربية األخرى‬ ‫في الشارع»‪ ،‬وعدم التكامل بني الوسطني‪.‬‬ ‫وفي حتليله لطبيعة العالق� � ��ة ما بني هؤالء األفراد‬ ‫اجلذور الثقافية لفرضيات الوردي في نقد الشخصية العراقية‬

‫‪7/28/13 11:22:19 AM‬‬

‫واملؤسسات‪ ،‬ش � � � ّدد «مكايفر» على أهمية وجود التوافق‬ ‫فإن‬ ‫بني مبدأ الفردية ونظام املؤسسة االجتماعية‪ ،‬وإال َّ‬ ‫ه َّوة االزدواج ستنش� � ��أ حت ًما ما بني الطرفني‪ ،‬كما درس‬ ‫التفاع� �ل��ات بني املجتمع والنظم السياس� � ��ية‪ ،‬ألنها متثل‬ ‫في رأيه اإلرهاصات املهمة في خلق النظريات اجلديدة‬ ‫في الدميقراطي� � ��ة والتعايش بني املجموعات البش� � ��رية‬ ‫الصغيرة واملتعددة‪.‬‬ ‫لقد ( َع ْر َق � � � َن) الوردي نظري� � ��ة «مكايفر» من خالل‬ ‫مفه� � ��وم ازدواج الش� � ��خصية لدى الف� � ��رد العراقي‪ ،‬وفي‬ ‫تنازع� � ��ه بني نظامني متناقضني من املؤسس� � ��ات‪ ،‬أو من‬ ‫القيم واملفاهيم‪.‬‬ ‫ويبدو أن الوردي في تأثره بطروحات «مكايفر» عن‬ ‫االزدواج‪ ،‬وجد تفاعلاً شخص ًيا مع منط شخصية عالم‬ ‫االجتماع األمريكي ذي األصول االس� � ��كتلندية والتح ُّدر‬ ‫األرثوذكسي والبيئة الدينية الصارمة‪ ،‬لكنه املتم ِّر ُد على‬ ‫تعالي� � ��م املرجعيات‪ .‬متا ًما كما هي ح� � ��ال ابن الكاظمية‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي و ِل َد قرب روائح األضرحة الت� � ��ي يفوح منها عبق‬ ‫التاريخ‪ ،‬وتضيئها هاالت القداس� � ��ة‪ ،‬ودخل في كتاتيبها‬ ‫املتزمتة‪ ،‬لكننا نراه ينشقّ بعي ًدا عن الدِّين والطائفة وقوة‬ ‫سطوة املكان ملصلحة التحليل العقلي واملنهج العلمي في‬ ‫النظر إلى وقائع احلياة‪.‬‬

‫ثان ًيا‪ :‬فرضية التناشز االجتماعي‬

‫ومع أ ّن كتاب «شخصية الفرد العراقي» ال يخلو من‬ ‫الوردي‪ ،‬وفي‬ ‫خطل البدايات‪ ،‬وإرهاصات التأسيس‪ ،‬فإ ّن‬ ‫ّ‬ ‫نوع من منهجية اجلدل الصاعد‪ ،‬ذهب في كتابه «دراسة‬ ‫تقصيات‬ ‫ف� � ��ي طبيعة املجتم� � ��ع العراقي ‪ »1965 -‬إل� � ��ى ِّ‬ ‫ميدانية‪ ،‬ال تخلو من جهد ومشقَّة جماعية‪ .‬فقد أتاح له‬ ‫عمله‪ ،‬كأستاذ لعلم االجتماع في جامعة بغداد‪ ،‬أن يجمع‬ ‫تقارير ميدانية كلَّف طالبه بتقدميها له من ش� � ��تى أنحاء‬ ‫العراق‪ ،‬ليجعل من تلك التقارير‪ ،‬مبختلف مس� � ��توياتها‪،‬‬ ‫م� � ��ادة حيوية في بن� � ��اء فرضيته الثاني� � ��ة‪ ،‬وهي‪ :‬فرضية‬ ‫«التناشز االجتماعي»‪.‬‬ ‫لقد ح� � ��اول الوردي معرفة م� � ��زاج القاع االجتماعي‬ ‫العراقي والبغدادي حتدي ًدا‪ ،‬فإضافة إلى عمله كأستاذ‬ ‫حجا‬ ‫جامع� � ��ي‪ ،‬أتاحت له بيئته «الكاظمي� � ��ة»‪ ،‬بوصفها َم ًَّ‬ ‫لشريحة مهمة من العراقيني وللبغداديني بشكل خاص‪،‬‬ ‫ً‬ ‫خاصا‬ ‫كونه� � ��ا تضم املزار املقدس‪ ،‬أتاحت ل� � ��ه‬ ‫اختالطا ً‬

‫‪27‬‬

‫‪sep 14-29.indd 27‬‬


‫علي الوردي‪..‬‬ ‫بش� � ��رائح من املجتمع‪ ،‬واس� � ��تطاع وهو ال� � ��ذي عمل في‬ ‫صغره مع والده في مهنة العطارة‪ ،‬أن يطلع على رواسب‬ ‫تلك الش� � ��رائح‪ .‬كما اس� � ��تغ َّل شاش� � ��ة التلفزيون العراقي‬ ‫ليس� � ��تطلع أمزجة ش� � ��رائح اجتماعية‪ ،‬م� � ��ن خالل طرح‬ ‫املشاكل الش� � ��خصية واالجتماعية ومناقشتها بلغة يومية‬ ‫سلس� � ��ة‪ ،‬وهو أسلوب طبع معظم كتاباته‪ ،‬وإن القت هذه‬ ‫الس� � ��رديات احلكائية املبسطة‪ ،‬في بحوثه التي ال حتفل‬ ‫كثي � � � ًرا بالديباجة البالغية املعتادة‪ ،‬انتقاد نخبة املثقفني‬ ‫وأهل البالغة‪.‬‬ ‫وعن هذه النقطة بالذات يقول الوردي‪:‬‬ ‫«علم االجتم� � ��اع بطبيعته «متواضع»‪ ،‬يس� � ��تم ُّد أكثر‬ ‫معلوماته من ِ‬ ‫السفلة واملجرمني والغوغاء‪.‬‬ ‫السوقة‪ ،‬ومن َّ‬ ‫بنابزاتهم ومفاخراته� � ��م‪ ،‬وبتعاونهم وتنازعهم‪،‬‬ ‫فه� � ��ؤالء مِ ُ‬ ‫ميثل� � ��ون القيم االجتماعية الس� � ��ائدة أصد َق متثيل‪ ،‬وهم‬ ‫بهذا املعنى أفضل من املتعلمني‪ ،‬فاملتعلم مييل عادة إلى‬ ‫التحذلق‪ ،‬وإل� � ��ى التظاهر بخالف ما يضمر‪ ،‬أما العامي‬ ‫فه� � ��و في الغالب غير قادر على إخفاء ما في نفس� � ��ه من‬ ‫عقد وقيم»‪« ..‬دراسة في طبيعة املجتمع العراقي»‪.‬‬ ‫صحيح أن اآللية اإلحصائية الالزمة في التطبيقات‬ ‫على الدراس� � ��ات االجتماعية لم تك� � ��ن متاحة متا ًما أمام‬ ‫لكن الصحيح ً‬ ‫أيضا أنه أخضع فرضيته الثانية‪:‬‬ ‫ِّ‬ ‫الوردي‪َّ ،‬‬ ‫«التناشز االجتماعي» إلى جملة ُمحدِّدات خاصة‪ ،‬فيما‬ ‫استثنى من حقل الدراسة مناطق شمال العراق الكردية‬ ‫ألن� � ��ه‪ ،‬كما يقول‪ ،‬لي� � ��س مطل ًعا بق� � ��در كاف على أحوال‬ ‫أهلها‪ ،‬إضافة إلى عدم إملامه باللغة الكردية‪.‬‬ ‫�أن مفهوم التناش� � ��ز‬ ‫يعت� � ��رف ال� � ��وردي‪ ،‬كذل� � ��ك‪ ،‬ب� � � َّ‬ ‫االجتماعي‪ ،‬اس� � ��تقاه من عالم اجتماع أمريكي آخر هو‬ ‫«أوكبرن»‪ ،‬من دون أن يطلعن� � ��ا‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬على طبيعة‬ ‫مفهوم «أوكبرن» للتناشز االجتماعي‪.‬‬ ‫بي� � ��د أ ّن (وليم فيلدنغ أوكب� � ��رن ‪ )1959 - 1886‬لمَ‬ ‫لكن‬ ‫يقل به� � ��ذا املصطلح كما ورد بلفظه ل� � ��دى الوردي‪ّ ،‬‬ ‫أص� � ��ول هذا املفه� � ��وم كما يرى أوكبرن تع� � ��ود إلى جذور‬ ‫«ثقافية» ال تبدو متس� � ��قة‪ ،‬لتنتج ما اصطلح عليه علماء‬ ‫االجتماع املهتمني بدراسة فرضيات التغير االجتماعي‪،‬‬ ‫ما يس� � ��مونه بـ«التخلف الثقاف� � ��ي»‪ ،‬أو «التعثر الثقافي»‪.‬‬ ‫فـ«ولي� � ��م أوكبرن» يف ِّرق في مقاربت� � ��ه ملفهوم الثقافة بني‬ ‫نس� � ��قني يطلق عل� � ��ى أحدهما‪« :‬الثقاف� � ��ة املادية»‪ ،‬وعلى‬ ‫اآلخر‪« :‬الثقافة املتك ِّيفة»‪ ،‬فالنس� � ��ق األول يضم في رأيه‬

‫‪28‬‬

‫‪7/28/13 11:22:23 AM‬‬

‫اجلا��� � ��ب املادي م� � ��ن الثقاف� � ��ة‪ :‬أي التكنولوجيا والنظام‬ ‫املصرفي احلديث وس� � ��واهما‪ ،‬وهي مجم� � ��وع املعطيات‬ ‫وأدوات العمل احلديثة واحملصالت الناجتة عنها‪ .‬بينما‬ ‫يضم النس� � ��ق الثاني اجلانب االجتماعي‪ ،‬كالدين والفن‬ ‫وإرث العادات والتقاليد‪ ،‬وهي الثوابت األساس� � ��ية التي‬ ‫ينعكس تأثيرها في منط سلوك الفرد على مر التاريخ‪.‬‬ ‫يصف الوردي الشعب العراقي بأنه شعب حائر‪ ،‬بني‬ ‫حدود الصحراء التي حتك� � ��م واقعه الراهن وتتغلغل في‬ ‫حياته‪ ،‬وعمق احلضارات القدمي� � ��ة ووفرة مياهه وزهو‬ ‫التاريخ الذي يزدهر في ذاكرته‪.‬‬ ‫ويرى أن التغير الس� � ��ريع الذي طرأ على اجلماعات‬ ‫العراقية الصغيرة‪ ،‬بعد احلرب العاملية الثانية‪ ،‬هو الذي‬ ‫أوجد مظاهر التناشز التي تتمثل في‪:‬‬ ‫التناش� � ��ز بني وعي احلقوق وإدراك الواجبات لدى‬ ‫الفرد‪.‬‬ ‫والتناش� � ��ز بني املدارس والوظائ� � ��ف‪ :‬أي أ ّن هنالك‬ ‫إقب � � �الاً على التعلي� � ��م ال تقابله ق� � ��درةٌ اس� � ��تيعابية على‬ ‫التوظيف‪.‬‬ ‫والتناش� � ��ز في عالقة امل� � ��رأة بالرج� � ��ل‪ :‬حيث يكون‬ ‫الرجل منش � � � ًَّقا حينما يعشق‪ ،‬لكنه يعود ابن أبيه عندما‬ ‫يريد أن يتزوج امرأة «صاحلة»‪.‬‬ ‫وأخي ًرا‪ ،‬وليس آخ ًرا‪ ،‬تناشز الدين واجليل اجلديد‪:‬‬ ‫أي ق� � ��درة الطق� � ��وس الدينية القدمية عل� � ��ى التغلغل في‬ ‫سلوكيات جيل يفترض أنه ينتمي لثقافة أخرى‪.‬‬

‫ثال ًثا‪ :‬الفرضية اخللدونية‬

‫يعود اهتمام علي الوردي بابن خلدون إلى رس� � ��الته‬ ‫ف� � ��ي الدكتوراه ف� � ��ي جامعة تكس� � ��اس‪ .1950‬والواقع أن‬ ‫اهتم� � ��ام العراقيني باب� � ��ن خلدون أخذ ش � � �كلاً أكادمي ًيا‬ ‫حدي ًثا منذ ذلك التاريخ‪ ،‬وجرى إعادة طرحه في الثقافة‬ ‫اإلجنليزية‪ .‬ولعل كتاب الدكتور محس� � ��ن مهدي (فلسفة‬ ‫التاري� � ��خ عن� � ��د ابن خل� � ��دون)‪ ،‬الصادر في لن� � ��دن باللغة‬ ‫اإلجنليزية عام ‪ ،1957‬وهو في األصل رس� � ��الة دكتوراه‬ ‫�وردي على إعادة‬ ‫من جامعة ش� � ��يكاغو‪ ،‬ه� � ��و ما حفَّز ال� � � َّ‬ ‫قراءة ابن خلدون في ضوء علم االجتماع احلديث‪.‬‬ ‫الوردي في قراءته اجلديدة‬ ‫ومن جملة م� � ��ا ن َّبه إليه‬ ‫ُّ‬ ‫البن خلدون‪ ،‬أنه املثق� � ��ف األول الذي نقل الفك َر العربي‬ ‫اإلس� �ل��امي من نمَ َط َّي� � ��ةِ الوعظ واخلطاب� � ��ة‪ ،‬إلى فضاء‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 14-29.indd 28‬‬


‫النق� � ��د والتحليل‪ .‬فهو مثقف «الطفرة» كما يس � � � ِّميه‪ ،‬إذ‬ ‫نقل دراس� � ��ة التاريخ االجتماعي م� � ��ن الصورة إلى املادة‪،‬‬ ‫وم� � ��ن امليتافيزيقي� � ��ا إل� � ��ى العق� � ��ل‪ .‬وقد اس� � ��تخلص ابن‬ ‫خلدون تلك النقلة‪ ،‬كم� � ��ا يرى الوردي‪ ،‬من خالل قراءته‬ ‫النقدية لكل من ابن تيمية والغزالي‪ ،‬في نظرتهما للعقل‬ ‫وامليتافيزيقيا‪.‬‬ ‫وعندما تص ّدى علي ال� � ��وردي‪ ،‬لقراءة تاريخ العراق‬ ‫كان خلدون ًيا بامتياز‪ .‬رغ� � ��م أن كتابة التاريخ في العراق‬ ‫لت في منحى آخر‪ ،‬فمعاصره املؤرخ‬ ‫ف� � ��ي ذلك الوقت مت ّث ْ‬ ‫عباس العزاوي‪ ،‬وهو من طبقة األفند َّية اجلديدة كذلك‪،‬‬ ‫عال� � ��ج في كتابه «تاريخ العراق ب� �ي��ن احتاللني»‪ ،‬ويقصد‬ ‫ب� � ��ه كلاً من االحتاللني املغول� � ��ي والعثماني للعراق‪ ،‬فترة‬ ‫زمني� � ��ة لَم تعالَج كثي ًرا في التاريخ احمللي واملجاور‪ ،‬وهي‬ ‫أش� � ��به باله َّوة أو الفراغ التاريخي الذي يحتاج إلى إعادة‬ ‫بعض املش� � ��كالت‬ ‫لكن محاولته تلك ش� � ��ابتها ُ‬ ‫الش� � ��حن‪َّ ،‬‬ ‫املنهجية‪ ،‬فقد جمع الع� � ��زاوي بني الطريقة القدمية في‬ ‫التوثي� � ��ق‪ ،‬ومحاولة ق� � ��راءة الواقعة مبقاربته� � ��ا من تع ُّدد‬ ‫الوثائق‪ .‬هي إذن منهجية تنحاز أكثر إلى التدوين ال إلى‬ ‫التحليل واملساءلة‪ ،‬خاصة في األجزاء األولى‪ ،‬واعتماده‬ ‫فيها املخطوط� � ��ات والوثائق العثمانية‪ ،‬وهو يد ِّون ملرحلة‬ ‫لَم يكن شاه ًدا عليها‪.‬‬ ‫كتاب‬ ‫أما الوردي فقد تص ّدى ملقارب� � ��ة التاريخ‪ ،‬في ٍ‬ ‫شامل ذي ثمانية أجزاء سماه «حملات اجتماعية من تاريخ‬ ‫العراق»‪ُ ،‬منطل ًقا من فلس� � ��فة ابن خلدون ورؤيته للتاريخ‪،‬‬ ‫لكن� � ��ه لَ ْم يكن خلدون ًيا تقليد ًيا‪ ،‬وإمنا س� � ��عى إلى جتديد‬ ‫اب� � ��ن خلدون في ضوء تطورات عل� � ��م االجتماع احلديث‪،‬‬ ‫وخصوصية التجربة‪ .‬فمفهوم ثنائية احلضارة‪ /‬البداوة‪،‬‬ ‫والتنازع الديالكتيكي بينهما‪ ،‬كما طرحه مف ِّكر األندلس‪،‬‬ ‫كان يحاول من خالله تأري� � ��خ التحوالت والتبدالت التي‬ ‫تطرأ على األمم والش� � ��عوب‪ ،‬وعل� � ��ى الصراعات في ما‬ ‫بينها‪ .‬بيد أن الوردي اس� � ��تطاع سحب تلك االفتراضات‬ ‫إلى مناطق أكثر خصوصية‪ ،‬وأكثر صلة بالفرد واملجتمع‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫تناقضات‬ ‫فنقلها من إطارها العام إلى اخلاص‪ ،‬بوصفها‬ ‫ٍ‬ ‫وصراعات داخلية في نسيج املجتمع ذاته‪ ،‬وأحيا ًنا ذاتية‬ ‫داخل الفرد نفسه‪.‬‬ ‫ففي حديث� � ��ه ع� � ��ن ازدواج الش� � ��خصية وقلقها بني‬ ‫البداوة والتحضر‪ ،‬بني االنفت� � ��اح واالنغالق‪ ،‬بني التم ُّدن‬ ‫والريف‪ ،‬وصراعهما الذاتي بني الصحراء واملدينة‪ ،‬يؤكد‬ ‫اجلذور الثقافية لفرضيات الوردي في نقد الشخصية العراقية‬

‫‪7/28/13 11:22:30 AM‬‬

‫أن كل عنص� � ��ر من هذه العناصر غير قابل لالندماج في‬ ‫اآلخر متا ًما‪ ،‬ألن التناش� � ��ز االجتماعي مييز أزمة عالقة‬ ‫وتأصل القيم‬ ‫الفرد العراقي مبظاهر التحديث الوافدة‬ ‫ُّ‬ ‫الراسخة‪.‬‬ ‫وهكذا أصبحت هذه الفرضيات الثالث‪« :‬االزدواج»‬ ‫و«التناشز االجتماعي» و«صراع احلضارة‪ /‬البداوة» هي‬ ‫األثافي التي اس� � ��تقر عليها في «حمل� � ��ات اجتماعية من‬ ‫تاري� � ��خ العراق» ملعاينة ن� � ��ار التاريخ وهي تطبخ األحداث‬ ‫والوقائ� � ��ع التي م َّر به� � ��ا العراق خالل أربع� � ��ة قرون من‬ ‫الزم� � ��ن‪ .‬لقد غ� � ��دت تلك الفرضيات تُش� � ��به مقدمة ابن‬ ‫أساس� � ��ا توطئة لكتاب� � ��ه ذي العنوان‬ ‫خل� � ��دون التي كتبها‬ ‫ً‬ ‫الطوي� � ��ل «كتاب العبر ودي� � ��وان املبتدأ واخلبر في معرفة‬ ‫أي� � ��ام العرب والعج� � ��م والبربر وم� � ��ن عاصرهم من ذوي‬ ‫السلطان األكبر»‪.‬‬ ‫ولَ� � ��م يَبْ� � � ُد علي ال� � ��وردي وهو يق � � � ّدم فرضياته تلك‬ ‫يقين ًي� � ��ا‪ ،‬إمنا كان ديكارتي النزع� � ��ة‪ ،‬بل إنه أول من اتهم‬ ‫نفس� � ��ه بالتناق� � ��ض‪ ،‬لكنه ليس التناق� � ��ض مبعنى التخلي‬ ‫والنك� � ��وص‪ ،‬وإمنا مبفهوم االندفاع إل� � ��ى األمام بالفكرة‬ ‫على ضوء معطيات جديدة‪.‬‬ ‫لم تعد تلك الفرضيات سائبة و ُموزَّعة في مقترحات‬ ‫وإرهاصات قلقة لدى الوردي الشاب‪ ،‬إذ جنح الشيخ‪ ،‬في‬ ‫منهجه باجلدل الصاعد‪ ،‬في نقل ظالل تلك الفرضيات‬ ‫من الفرد فلس� � ��ف ًيا‪ ،‬إلى الش� � ��خصية نفس ًيا‪ ،‬ومن ثَ َّم إلى‬ ‫املجتم� � ��ع سوس� � ��يولوج ًيا‪ ،‬وهو ما وعد ب� � ��ه حينما جعل‬ ‫من دراس� � ��ة طبيعة املجتمع العراق� � ��ي «محاولة متهيدية‬ ‫لدراس� � ��ة املجتمع العربي األكبر في ضوء علم االجتماع‬ ‫احلديث»‪.‬‬ ‫هذه املالمح االجتماعية التي كشف عنها علي الوردي‬ ‫داخل جسد التاريخ العام في العراق ليست مجرد سرد‬ ‫احمللي‪ ،‬إنها‬ ‫تاريخي لوقائ� � ��ع يومية وأحداث في التاريخ‬ ‫ّ‬ ‫س� � ��مات تتشكل‬ ‫وتترس� � ��خ في أعماق الشخصية‪ ،‬وتغدو‬ ‫َّ‬ ‫أحيا ًنا كالندوب واجلراح� � ��ات املضمرة‪ ،‬وتنعكس الح ًقا‬ ‫في بنية املجتمع‪ ،‬وتتحكم مبس� � ��ار التحوالت والتغيرات‬ ‫نكوصا‪ ،‬مالمح التزال ماثل ًة في‬ ‫االجتماعية‪ ،‬تط� � ��و ًرا أو‬ ‫ً‬ ‫طبيع� � ��ة الفرد‪ ،‬وتنس� � ��حب بظاللها القوي� � ��ة على طبيعة‬ ‫املجتمع بر َّمته‪ .‬ولعلَّها هي تلك الش� � ��روخ التي جتعل من‬ ‫الدولة قابلة للتصدع والتفكك أمام التحديات‪ ،‬وتُفقدها‬ ‫القدرةَ على االستجابة لتلك التحديات >‬

‫‪29‬‬

‫‪sep 14-29.indd 29‬‬


‫شاعر العدد‬

‫مسلم بن الوليد‪..‬‬ ‫صريع الـحزن‬ ‫سعدية مفرح*‬ ‫بيت غزلي ألقاه مسلم بن‬ ‫الوليد أمام هارون‬ ‫الرشيد من خالل سؤال‬ ‫ال يبحث عن جواب‬ ‫أكسبه لقبه الغارق‬ ‫في دالل الغزل‬ ‫وصرعة الشعر وما‬ ‫يحيل إليه أحيانا‬ ‫من صراعات‪ .‬إنه‬ ‫صريع الغواني كما‬ ‫أمره هارون الرشيد‬ ‫أن يكون عندما‬ ‫سمعه يقول‪:‬‬ ‫«هل العيش إال‬ ‫أن تروح مع الصبا‬ ‫‪ /‬وتغدو صريع الكأس‬ ‫واألعني النجل؟»‪.‬‬

‫يبدو أن الشاعر قد ارتاح كثيرا لهذا اللقب‬ ‫الذي حدد هويته الش� � ��عرية واحتواها في‬ ‫إطار جاهز‪ .‬إنه مسلم بن الوليد األنصاري‬ ‫الكوفي الذي يغفل التاريخ عن س� � ��نة والدته وتفاصيل‬ ‫نشأته األولى في مدينة الكوفة إال باعتباره من املوالي‬ ‫عل� � ��ى الرغم من أننا ال جند أثرا من ذلك في قصائده‪،‬‬

‫* شاعرة وكاتبة صحفية من الكويت‬

‫‪30‬‬

‫‪7/31/13 12:15:09 PM‬‬

‫ولعل ف� � ��ي جتاهله لوضعه االجتماع� � ��ي في قصيده ما‬ ‫يش� � ��ير الى ذلك األثر بطريقة عكسية‪ ،‬فرمبا كان يريد‬ ‫من حيث ي� � ��دري أو ال يدري أال يذكر الناس من متلقي‬ ‫قصائده بذلك اإلعجاب الكبير أصله ونس� � ��به في زمن‬ ‫كانت ق� � ��د عادت فيه� � ��ا بعض النع� � ��رات اجلاهلية إلى‬ ‫املجتمع العربي املس� � ��لم ‪ ‬في سياق صراع شعوبي كانت‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 30-31.indd 30‬‬


‫بغداد العباسية مسرحه األول‪.‬‬ ‫وعل� � ��ى الرغم من أن هذا اللقب يش� � ��ير إلى صورة‬ ‫شاعر متبذل بني الغواني من جواري العصر العباسي‪،‬‬ ‫وهي صورة يعززها شعره الغزلي إال أن احلكايات التي‬ ‫تنقله� � ��ا لنا كتب التاريخ األدبي عن الش� � ��اعر بعد موت‬ ‫زوجت� � ��ه تناقض تلك الصورة العامة‪ ،‬ومنها حكاية تقول‬ ‫إنه جزع جزعا ش� � ��ديدا بعد موت زوجته‪ ‬حتى أنه عزم‬ ‫على التنس� � ��ك مدة طويلة‪ ،‬ونفذ ما عزم عليه إذ اعتزل‬ ‫الناس والصحاب ولم يصحب معه في عزلته تلك سوى‬ ‫طيف زوجته الراحلة يبثها أشواقه ويستحضر ذكرياته‬ ‫معه� � ��ا‪ .‬ولم يرق ذلك ألصدقائه فقرروا أن يخرجوه من‬ ‫عزلته تلك وأحلوا عليه في سبيل ذلك بضرورة زيارتهم‬ ‫ففعل‪ .‬وعندما أرادوا اس��� � ��تعادة بعض من روحه‪ ‬املرحة‬ ‫التي توارت وراء غاللة احل� � ��زن وبقايا الدموع‪ ،‬قدموا‬ ‫له الش� � ��راب ومتنوا عليه أن ينش� � ��دهم‪ ،‬لكنه امتنع عن‬ ‫االقتراب من الشراب واقترب من القصيد فقال‪ :‬بكاء‬ ‫وكأس كيف يتفقان ِ‪ /‬س� � ��بيلهما ف� � ��ي القلب مختلفان‪.‬‬ ‫وأكم� � ��ل البيت مبا يرس� � ��م صورته اجلدي� � ��دة بعيدا عن‬ ‫الغوان� � ��ي وأجوائه� � ��ن ‪ ،‬أو عزز صورت� � ��ه احلقيقية التي‬ ‫ذهبت ضحية لقب خلعه عليه هارون الرشيد فاستسلم‬ ‫له اس� � ��تحالبا لإلعجاب وم� � ��ا وراءه رغم كراهيته لهذا‬ ‫اللقب الذي غلب على اس� � ��مه كما يروى عنه‪ .‬ولعل في‬ ‫تلك الكراهية ما يعزز رأينا بأن صورته كشاعر متبذل‬ ‫متهتك لم تكن انعكاس� � ��ا دقيقا لصورته احلقيقية بقدر‬ ‫ما كانت انعكاسا ملا قر في أذهان املتلقني لقصيده عنه‬ ‫اتكاء على ذلك اللقب الفج‪.‬‬ ‫عل� � ��ى أن هذا الرأي رمبا يتقاطع مع رأي آخر وإن‬ ‫كان ال يتناق� � ��ض معه ف� � ��ي احملصلة النهائي� � ��ة‪ ،‬والرأي‬ ‫اآلخر يرى أنه ‪ ‬تاب في أخريات أيامه عن كل ما صنع‪،‬‬ ‫له ش� � ��خصيته الشعرية واإلنس� � ��انية الالهية والتي رأى‬ ‫فيها بعض النقاد خليطا من عمر بن أبي ربيعة وبش� � ��ار‬ ‫بن برد غزال وح ٌد ًة في الوقت نفس� � ��ه‪ .‬ومما يؤيد ذلك‬ ‫الرأي حكاي� � ��ة أوردها األصفهاني ف� � ��ي كتاب األغاني‬ ‫كتفس� � ��ير منطقي لقلة ما بق� � ��ي بني الناس من قصائده‬ ‫مسلم بن الوليد‪ ..‬صريع احلزن والغواني‬

‫‪7/31/13 12:15:14 PM‬‬

‫عل� � ��ى الرغم من أنه لم يكن من املقلني‪ .‬وتقول احلكاية‬ ‫التي ق� � ��د ال تخلو من مبالغة ككثي� � ��ر من قصص كتاب‬ ‫األغاني ولكننا ال ميكن جتاهلها أيضا‪ .‬وتقول احلكاية‬ ‫الت� � ��ي يفترض أنها حدثت في أخري� � ��ات أيامه أن أحد‬ ‫مريدي ش� � ��عره ومعجبيه أت� � ��اه مبا جمعه له من قصائد‬ ‫في كراس� � ��ة ليراجعها عليه ويتأكد م� � ��ن كل كلمة فيها‬ ‫العتمادها‪ ،‬ورمبا رأى الشاعر أن ما جمعه ذلك املريد‬ ‫في تلك الكراس� � ��ة هي النسخة الكاملة أو شبه الكاملة‬ ‫الوحي� � ��دة من ديوانه‪ ،‬فق� � ��رر أن يتخل� � ��ص منها لتكمل‬ ‫صورة الش� � ��اعر التائب عن كل ماقال‪ ،‬وهكذا أمس� � ��ك‬ ‫بتلك الكراسة وطوح بها في الهواء وراقبها وهي تستقر‬ ‫في قلب النهر الذي كانا يجلسان على ضفافه‪ ..‬وهكذا‬ ‫ودع الكثي� � ��ر من قصائده إلى األبد ولم يبق من ش� � ��عره‬ ‫إال قليل من الغزل وبعض مدائحه التي احتفظ بها من‬ ‫كتب فيهم مدحا‪ .‬‬ ‫ومسلم بن الوليد بدأ رحلته الشعرية صبيا موهوبا‬ ‫ش� � ��غوفا متطلعا للخروج من ضي� � ��ق الكوفة إلى رحابة‬ ‫بغداد وما توفره من فرص ثقافية وحياتية ألي ش� � ��اعر‬ ‫متطل� � ��ع باحث عن مج� � ��د وال ميلك م� � ��ن متطلباته إال‬ ‫الش� � ��عر والطموح والنفس العالية‪ ..‬وه� � ��ل يريد املجد‬ ‫الكثير بعد ذلك؟‬ ‫وصل بغداد ومدح من مدح فيها حتى اشتهر ليصل‬ ‫إلى هارون الرش� � ��يد ويكسب منه رضاه وإعجابه ولقبه‬ ‫الذي التصق به على كراهته له كما يبدو‪ .‬‬ ‫ومع أن تاريخ مسلم بن الوليد‪ ،‬الذي رحل في العام‬ ‫‪208‬هـ (‪823‬م)‪ ،‬وس� � ��يرته تفرقت في حكايات الطرافة‬ ‫واملفارقة لتلتهم املس� � ��احة األكبر مم� � ��ا كتب عنه إال أن‬ ‫املساحة األهم كانت تغطي حديث النقاد عن كونه أول‬ ‫من‪ ‬أدخل البديع للشعر ‪ ،‬وسار على نهجه من تاله من‬ ‫عش� � ��اق البديع وعلى رأسهم ‪ ‬الش� � ��عراء أبو متام‪ .‬وكان‬ ‫غرام صريع الغواني بالبديع سببا لتميزه وتقدمه عند‬ ‫فريق من النقاد وتأخره وافتعاله عند فريق آخر‪ ..‬على‬ ‫أنه بقي لدى اجلميع شاعرا ذا بصمة خاصة في سياق‬ ‫الشعر واحلزن‪ ..‬والغواني >‬

‫‪31‬‬

‫‪sep 30-31.indd 31‬‬


‫شـعـ ــر‬

‫حتـديــق‬ ‫شعر‪ :‬مها العتوم*‬ ‫الليل‪:‬‬ ‫أحد ُق في‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬

‫احلرب‪:‬‬ ‫أحد ُق في‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬

‫أطلس‬ ‫أسود‬ ‫منذُ متى أنتَ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫لو كنتَ لي البت َكرنا ثيا ًبا َّ‬ ‫سوادا‬ ‫أقل‬ ‫ً‬ ‫وكنّا َ‬ ‫ألزرارها‬ ‫خطفْ نا النجو َم‬ ‫ِ‬

‫لكسبت ألخس َرها ك َّلها‬ ‫احلرب لي‬ ‫ولو كانت‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫والسما َء لزن ِّارها‬ ‫ني اإلزا ْر‬ ‫وف َككنا َمع العاشق َ‬

‫النوم‪:‬‬ ‫أحد ُق في‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬

‫احلرب إ ّال الذي يكس ُبها‬ ‫يخسر‬ ‫من‬ ‫َ‬ ‫ُ‬

‫املوت‪:‬‬ ‫أحد ُق في ِ‬ ‫ّ‬

‫لو كنتَ لي‬ ‫الشمس مثلي‬ ‫لنقعتُ َك في‬ ‫ِ‬

‫منذُ متى أنتَ أحمقُ‬ ‫احلكي‬ ‫ال حُتسنُ‬ ‫َ‬

‫الصحو‬ ‫شد ِة‬ ‫لتصفر من ّ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫‪..‬مثلي‬

‫لو كنتَ لي‬ ‫َ‬ ‫احلياة ُ‬ ‫وقلنا‪:‬‬ ‫بباب‬ ‫ِ‬ ‫لوقفنا ِ‬

‫احلب‪:‬‬ ‫أحدقُ في‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫لو كانَ لي‬ ‫ويحدقُ بي >‬ ‫ّ‬

‫مير‬ ‫ّ‬ ‫هلم‪ ،‬ملن يشتهي أن َّ‬ ‫الباب‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫طويل‬ ‫سرد‬ ‫غير ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫من ِ‬ ‫ُ‬ ‫ضاعف‬ ‫ُي‬ ‫وه َم احليا ْة‬ ‫* شاعرة وأكادميية أردنية‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫‪7/25/13 11:08:57 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep32-33.indd 32‬‬


33

sep32-33.indd 33

‫حتـديــق‬

7/25/13 11:09:01 AM


‫قــالـوا‬

‫< «صن������دوق النقد أصبح يواجه معارضة قوية‬ ‫ف������ى العديد من مناطق العال������م‪ ،‬وقد ُطرد من‬ ‫منطقة جنوب ش������رق آس������يا أيضا بعد األزمة‬ ‫املالية ع������ام ‪ ،1998‬لقد خ������رج متاما من تلك‬ ‫املنطقة ونتيجة خروجه فإن جنوب شرق آسيا‬ ‫كما نرى تتمتع اآلن بأكثر‬ ‫اقتص������ادات العالم حيوية‬ ‫وتقود النمو فى العالم وال‬ ‫أحد هن������اك يتحدث عن‬ ‫التقشف»‪.‬‬ ‫دايفيد جريبر‪ ،‬مفكر‬ ‫واقتصادي أمريكي‪.‬‬ ‫< «ال تخيفن� � ��ي الهيمنة األمريكي� � ��ة كثي ًرا‪ ،‬لكن‬ ‫ما يخيفن� � ��ي هو مدى صلة التع� � ��اون والترابط‬ ‫املوجودة بني العرب‪ ،‬فال قيمة للهيمنة األمريكية‬ ‫إال من خالل تشتت العرب وفرقتهم»‪.‬‬ ‫مالك شبل‪،‬‬ ‫كاتب جزائري مقيم في فرنسا‪.‬‬ ‫< «كل شيء يدل في الوقت الراهن على عوملة‬ ‫احلروب األهلية لتحل محل نظام العوملة الذي‬ ‫خضعت له ماليني البشر‬ ‫ف������ي احلقب������ة املاضي������ة‪،‬‬ ‫ويدل ً‬ ‫أيض������ا على طالق‬ ‫وشيك بني الدميقراطية‬ ‫والرأسمالية»‪.‬‬ ‫سالفوي جيجيك‪،‬‬ ‫فيلسوف من سلوفينيا‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫‪7/16/13 10:49:45 AM‬‬

‫< «نكاد نندم على اس� � ��تهجاننا أننا قس� � ��ونا على‬ ‫مجلة «ت� � ��امي» حني أعلنت قبل م � � � ّدة نهاية األدب‬ ‫إشعار آخر ‪ -‬ونأمل‬ ‫الفرنسي‪ .‬في الواقع‪ ،‬وحتّى‬ ‫ٍ‬ ‫أن يكون هناك إش� � ��عا ٌر آخ� � ��ر ‪ -‬كانت املجلّة على‬ ‫خصوصا لو أضافت إلى الوضع الفرنس� � ��ي‬ ‫حقّ ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وضع األدب األمريكي»‪.‬‬ ‫أنسي احلاج‪ ،‬شاعر‬ ‫وكاتب من لبنان‪.‬‬ ‫< «الكمال التام ال ميكن أن يتحقق‪ ،‬أو أن يش� � ��عر‬ ‫به أحد األفراد إال حني ميتلك اإلحساس بالكمال‬ ‫كل شخص آخر في العالم»‪.‬‬ ‫سيري شينموي‪،‬‬ ‫فيلسوف ومفكر من الهند‪.‬‬ ‫< «ظللن� � ��ا خ� �ل��ال معظم التاريخ اإلنس� � ��اني نقف‬ ‫موق� � ��ف املتفرج على رق� � ��ص الطبيع� � ��ة اجلميل‪،‬‬ ‫لكننا الي� � ��وم على أعتاب عصر جديد ال نعود فيه‬ ‫متفرج� �ي��ن س� � ��لبيني على‬ ‫رقص الطبيعة‪ ،‬بل نشارك‬ ‫في� � ��ه بش� � ��كل إيجابي في‬ ‫تصميم رقصاتها»‪.‬‬ ‫ميتشيو كاكاو‪،‬‬ ‫عالم فيزياء‬ ‫من الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫< «املفت������اح احلقيق������ي هو أن نعي������ش في بيئة‬ ‫يش������عر فيها العقل بحريته في اختيار الش������يء‬ ‫الصحي������ح ب������دالً من إجب������اره‪ ،‬بفع������ل العادات‬ ‫واألعراف املوروثة واجلم������ود العقلي‪ ،‬الختيار‬ ‫الشيء اخلطأ»‪.‬‬ ‫ديبوك تشوبرا‪،‬‬ ‫فيلسوف من الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 34-35.indd 34‬‬


‫< «قارئ الش� � ��عر يجب أن يكون شاعرا‪ ،‬فالقارئ‬ ‫هو ظل الش� � ��اعر‪ ،‬والش� � ��اعر هو ظل القارئ‪ ،‬بني‬ ‫القارئ والش� � ��اعر عالقة وجداني� � ��ة‪ ،‬وجودية‪ ،‬إذا‬ ‫لم يكن الش� � ��اعر على املستوى املطلوب فإنه يقدم‬ ‫رقاص� � ��ا‪ ،‬افتعال ًيا‬ ‫للق� � ��ارئ كالما جمي� �ل��ا مزينا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ورمبا مزي ًف� � ��ا ملي ًئا بالنغم‬ ‫مثل طرب النش� � ��وة العابر‪،‬‬ ‫وهذا النمط ليس ش� � ��اع ًرا‬ ‫كبي ًرا وال يجد نفسه إال بني‬ ‫الغوغاء»‪.‬‬ ‫صالح ستيتية‪ ،‬شاعر‬ ‫من أصل لبناني مقيم‬ ‫في فرنسا‪.‬‬ ‫< «الوثني� � ��ة املعاص� � ��رة ه� � ��ي هيمن� � ��ة التلف� � ��زة‬ ‫ووس� � ��ائل اإلعالم وانتصار الس� � ��وق و«الكوكاكوال»‬ ‫و«الديزنيالن� � ��د»‪ ،‬وكل ما يخ� � ��ص «أمركة العالم»‪،‬‬ ‫مثل هدم قصر تاريخي قدمي لبناء بنايات جديدة‬ ‫عصرية بدعوى أنه لفائدة السكان»‪.‬‬ ‫عبدالوهاب املؤدب‪،‬‬ ‫كاتب ومفكر من تونس‪.‬‬ ‫< «إن ق� � ��ادة احل� � ��رب األهلية يقدمون أنفس� � ��هم‬ ‫كأنبياء‪ ،‬ألننا عندما جند أنفسنا في حرب قبلية‬ ‫نك� � ��ون قد فقدنا كل ش� � ��يء‬ ‫وأصبحن� � ��ا خ� � ��ارج العال� � ��م‬ ‫ولذل� � ��ك نتعل� � ��ق بالفك� � ��رة‬ ‫الدينية وأحيانا بالسحر أو‬ ‫اخلرافات من أجل الدفاع‬ ‫عن أنفسنا»‪.‬‬ ‫أحمدو كوروما‪،‬‬ ‫كاتب من ساحل العاج‪.‬‬ ‫قالوا‬

‫‪7/16/13 10:49:50 AM‬‬

‫< «إن أوربا رغم عظمته� � ��ا وتقدمها التقني لم‬ ‫تعش إال على أكتاف اآلخري� � ��ن‪ .‬وهذا يذكرني‬ ‫دو ًم� � ��ا أنه ف� � ��ي س� � ��واحل الس� � ��نغال يوجد نوع‬ ‫من األس� � ��ماك ال يعيش إال عل� � ��ى دم غيره من‬ ‫األسماك وهو من أشهى أنواع السمك»!‬ ‫عثمان سمبني‪،‬‬ ‫كاتب ومخرج سينمائي من السنغال‪.‬‬ ‫< «يح� � ��دث أن اجلماهــي� � ��ر‪ ،‬في زمن الفاش� � ��ية‬ ‫ترغب ف� � ��ي أن أحداً ميارس الس� � ��لطة‪ ،‬ميارس‬ ‫الس� � ��لطة من دون أن يختلط معه� � ��ا رغم ذلك‪،‬‬ ‫مادامت الس� � ��لطة متارس عليه� � ��م حتى إفنائهم‬ ‫أو موتهم أو حتى التضحي� � ��ة بهم وحتى قتـــلهم‬ ‫تبـــق� � ��ى مـــع ذل� � ��ك راغبة‬ ‫في هذه السلطة‪ ،‬وترغب‬ ‫ف� � ��ي أن متارس عليها هذه‬ ‫الس� � ��لطة‪ .‬لعب� � ��ة الرغب� � ��ة‬ ‫والسلطة واملصلحة مازالت‬ ‫لم تعرف بعد»‪.‬‬ ‫ميشيل فوكو‪،‬‬ ‫فيلسوف من فرنسا‪.‬‬ ‫< «ما يحزن في فرنس������ا أنها التي شاركت في‬ ‫ا��لس������تعمار وذهبت تستعمر أراضي الغير بكل‬ ‫حرية وعلى جميع القارات‪ ،‬ترفض اآلن مجيء‬ ‫اآلخر إل������ى أرضها رغم أن ه������ؤالء املهاجرين‬ ‫يأتون إلى فرنس������ا للعيش وليس لالس������تعمار‪،‬‬ ‫وإال ملا كانت إفريقيا ف������ي هذه احلالة املزرية‬ ‫اآلن»‪.‬‬ ‫جيسيل بينو‪،‬‬ ‫كاتبة روائية من جزر األنتيل‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪sep 34-35.indd 35‬‬


‫استطالع‬

‫في عيد(السابانتوي) تُربط األمنيات بأوشحة‬ ‫مزركشة‪ ،‬تعلق في أعمدة تطوف بالقرى التي حتتفل‬ ‫بأعياد احلصاد‪ ،‬هذا املشهد املعروف في كل أنحاء‬ ‫أوطان الترك استلهمه العرض االفتتاحي ملهرجان‬ ‫النيروز‪ .‬الصور بعدسة‪ :‬رفعت يعقوبوف‪ ،‬رئيسة‬ ‫صافيولينا‪ ،‬أحمد محمد حسن وأشرف أبواليزيد‬

‫‪7/16/13 10:50:50 AM‬‬

‫‪sep 36-59.indd 36‬‬


‫الترك‬ ‫النيــروز ‪ ..‬مسرح ُّ‬ ‫أشرف أبواليزيد‬ ‫مس ��اء يوم ‪ 22‬ديس ��مبر ‪ 1906‬عرضت للمرة األولى في مدينة قازان‪ ،‬عاصمة تتارس ��تان‪،‬‬ ‫إح ��دى جمهوريات روس ��يا االحتادي ��ة‪ ،‬أول مس ��رحية باللغة التترية‪ ،‬واعتب ��ر هذا اليوم‬ ‫ش ��هادة ميالد للمس ��رح التتاري‪ ،‬على أيدي رواده خوداش ��يف أشكازارس ��كي‪ ،‬وجزاء الله‬ ‫فولزس ��كايا‪ ،‬وشاملس ��كي وعبدالل ��ه كاريي ��ف وغيره ��م‪ .‬كان ��ت الب�ل�اد مت ��ر مبرحلة من‬ ‫التغيير بدأت نهايات القرن التاس ��ع عش ��ر‪ ،‬وعمت جوانب االقتصاد والسياسة والثقافة‬ ‫واملجتم ��ع‪ ،‬مم ��ا أثر على الش ��عوب التي تعيش ف ��ي اإلمبراطورية الروس ��ية‪ ،‬ومن بينها‬ ‫التتار وباقي ش ��عوب الترك‪ .‬بعد مائة عام يرش ��ح اخلبراء مدينة قازان لتكون العاصمة‬ ‫العاملية للمسرح‪ ،‬خاصة وهي تعد قبلة الفرق املسرحية القادمة من بلدان شعوب الترك‬ ‫في مهرجان النيروز‪ .‬وسط هذا املشهد احلافل‪ ،‬كانت «العربي» هناك‪.‬‬

‫‪7/16/13 10:50:59 AM‬‬

‫‪sep 36-59.indd 37‬‬


‫قاد ًم� � ��ا م� � ��ن الش� � ��رق األقص� � ��ى‪ ،‬ح َمل‬ ‫التاري � � � ُخ غرباله الذهب� � ��ي‪ ،‬أو رفع على‬ ‫ظه� � ��ره جراب� � ��ه املثق� � ��وب‪ ،‬واض ًعا فيه‬ ‫شعوب التُّرك‪ ،‬ومضى إلى أقصى الغرب الشمالي‬ ‫لقارة آسيا‪ ،‬في رحلة مدتها ألف عام‪ .‬رحلة نثرت‬ ‫خطواته� � ��ا عبر درب طوي� � ��ل قبائ� � ��ل انتمت لتلك‬ ‫الش� � ��عوب‪ ،‬حتى توزعت‪ ،‬واختلطت بأقوام أراض‬ ‫ش� � ��تى‪ ،‬وتناسلت‪ ،‬فأجنبت سالالت كان لها أصلها‬ ‫الواحد‪ ،‬وها هي فروعها املمتدة في جهات الكون‬

‫يعود حنينها لذلك اجلذر‪ ،‬فتحاول بالفن إحياءه‪.‬‬

‫الترك‪ ،‬واألتراك‬

‫علينا أن نف ِّرق اصطالحا بني «التُّرك»؛ أبناء‬ ‫األم� � ��س البعيد و«األتراك» الذي� � ��ن نعرفهم اليوم‬ ‫مواطني اجلمهوري� � ��ة التركية‪ ،‬فالترك كمصطلح‬ ‫ظه� � ��ر بادئ األمر في القرن الس� � ��ادس امليالدي‪،‬‬ ‫مد َّون� � ��ا في رس� � ��الة بعث به� � ��ا إمبراطور الصني‬ ‫آن� � ��ذاك إلى خان (ويُعنى به� � ��ا عظيم) دولة غوك‬

‫رئيس جمهورية تتارستان السابق مينتيمير شاميييف‪ ،‬الذي‬ ‫يرأس حاليا صندوق (ياناريش) إلحياء اآلثار التاريخية‬ ‫والثقافية بجمهورية تتارستان يتوسط في صورة تذكارية‬ ‫مجموعة من األطفال الذين يرتدون مالبس شعوب الترك‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫‪7/16/13 10:51:05 AM‬‬

‫العدد ‪ - 657‬أغسطس ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 38‬‬


‫تورك‪ ،‬واصفا إياه (خان الترك األعظم)‪.‬‬ ‫و«الترك» هي اللفظة نفسها التي استخدمها‬ ‫عالم لغوي كبير‪ ،‬هو محمود الكاش� � ��غري‪ ،‬الذي‬ ‫زرت مس� � ��قط رأسه‪ ،‬وبيته‪ ،‬وقبره في شينجياجن‬ ‫ُ‬ ‫(ش� � ��مال غرب الصني) والذي اش� � ��تهر مبعجمه‬ ‫املذه� � ��ل (ديوان لغات الترك)‪ .‬الكاش� � ��غري الذي‬ ‫ول� � ��د في العام ‪ 1008‬ميالدي� � ��ة أهدى مؤلفه إلى‬ ‫اخلليفة العباسي املقتدر بالله (عام ‪467‬هـ‪1075/‬‬ ‫ميالدية)‪ ،‬ألن العالم اللغوي اجلليل أراد أن يكون‬

‫فـقــه عمـارة املساجــد‬

‫‪7/16/13 10:51:09 AM‬‬

‫كتابه بوابة تعليم العرب اللغة التركية‪.‬‬ ‫نع� � ��ود على خط� � ��ى التاريخ‪ ،‬من ش� � ��ينجياجن‪ ،‬إلى‬ ‫األناضول‪ ،‬حيث توزعت ش� � ��عوب الترك بني ش� � ��مال‬ ‫ووس� � ��ط وغرب أوراس� � ��يا‪ ،‬تتحدث تل� � ��ك اللغات التي‬ ‫تتقاط� � ��ع دوائرها فيفهم بع� � ��ض الترك بعضهم اآلخر‬ ‫بدرجات متفاوتة‪ ،‬تفرق بينهم عادات ثقافية اكتسبوها‬ ‫على م� � ��ر التاريخ‪ ،‬ف� � ��كان منهم ال� � ��كازاخ‪ ،‬والقرغيز‪،‬‬ ‫واآلذريون‪ ،‬والتركم� � ��ان‪ ،‬واألوزبك‪ ،‬واألويغور‪ ،‬والتتار‪،‬‬ ‫وصوال إلى مجمعات حضارية بادت أسالفا وعاشت‬

‫‪39‬‬

‫‪sep 36-59.indd 39‬‬


‫التعداد‬

‫الشعب ‪ -‬اإلقليم‬

‫‪57.711,000‬‬

‫أتراك (‪)Turkish‬‬ ‫تركيا‪ ،‬أملانيا‪ ،‬بلغاريا‪ ،‬مصر‬ ‫أذر‬ ‫إيران‪ ،‬أذربيجان‪ ،‬العراق‬ ‫أوزبك‬ ‫أوزبكستان‪ ،‬أفغانستان‪ ،‬طاجكستان‬ ‫أويغور‬ ‫الصني‪ ،‬أفغانستان‬

‫‪13.201,000‬‬

‫كازاخ‬ ‫كازاخستان‪ ،‬الصني‪ ،‬أوزبكستان‪ ،‬روسيا‬ ‫تركمان‬ ‫تركمانستان‪ ،‬إيران‪ ،‬أفغانستان‬ ‫تتار‬ ‫روسيا‪ ،‬أوزبكستان‪ ،‬أوكرانيا‬ ‫قرغيز‬ ‫قرغيزستان‪ ،‬أوزبكستان‬

‫‪1.752.000‬‬

‫باشكير ‪ -‬روسيا‬

‫‪1.668.400‬‬

‫جواش ‪ -‬روسيا‬

‫‪442.000‬‬

‫ياقوت ‪ -‬روسيا‬ ‫توف ‪ -‬روسيا‪ ،‬منغوليا‬

‫‪29.786,000‬‬ ‫‪28.118,000‬‬ ‫‪14.594,000‬‬

‫‪7.758.000‬‬ ‫‪7.400.000‬‬ ‫‪4.404.000‬‬

‫‪275.400‬‬ ‫الترك حول العالم‬ ‫‪40‬‬

‫‪7/16/13 10:51:15 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 40‬‬


‫نقل املهرجان تقاليد شعوب الترك من‬ ‫احلياة إلى خشبة املسرح‬

‫طهران‪ ..‬ثقافة الشهداء‪ ..‬أو حضارة األحياء؟‬

‫‪7/16/13 10:51:22 AM‬‬

‫‪41‬‬

‫‪sep 36-59.indd 41‬‬


‫على مدى دورات مهرجان النيروز ملسرح شعوب الترك مت تقدمي مطبوعات شملت شعارات وبرامج وشروح العروض املسرحية‪،‬‬ ‫امللصقات لدورتي ‪2004 ،2002‬‬

‫أحفادا‪ ،‬مثل السالجقة‪ ،‬واخلزر‪ ،‬والقبجاق‪ ،‬والبلغار‪،‬‬ ‫الذين عاش� � ��وا في جمهورية تتارستان قدميا‪ ،‬وزارهم‬ ‫الرحال� � ��ة أحم� � ��د بن فضالن‪ ،‬رس� � ��وال م� � ��ن اخلليفة‬ ‫العباس� � ��ي املقتدر بالله أبا الفضل جعفر ابن اخلليفة‬ ‫املعتضد‪ ،‬قبل ألف ومائة عام‪.‬‬ ‫توزعت هذه الشعوب‪ ،‬التي حتمل هوية ثقافية‬ ‫تركية‪ ،‬ما بني جنوب س� � ��يبيريا في روسيا‪ ،‬مرو ًرا‬ ‫بوس� � ��ط آس� � ��يا‪ ،‬وصوال إلى أوربا الشرقية‪ ،‬في‬ ‫اجلمهوريات اإلسالمية‪ ،‬سواء تلك التي استقلت‬ ‫ع� � ��ن االحتاد الس� � ��وفييتي أو تلك التي عاش� � ��ت‬ ‫مس� � ��تقلة بعد ضمور إمبراطوريتها‪ ،‬أو تلك التي‬ ‫تنضوي حتت لواء الصني وروسيا االحتادية‪.‬‬ ‫هن� � ��اك ‪ 6‬دول تركي� � ��ة مس� � ��تقلة الي� � ��وم‪ ،‬هي‬ ‫جمهوريات أذربيجان وأوزبكستان وتركمانستان‬ ‫وتركي� � ��ا وقرغيزس� � ��تان وكازاخس� � ��تان‪ .‬وهن� � ��اك‬ ‫مقاطع� � ��ات تركية ذات حكم ذات� � ��ي‪ ،‬يقع بعضها‬ ‫في روس� � ��يا االحتادية وه� � ��ي جمهوريات‪ :‬ألطاي‬ ‫وبشكورستان وتتارستانوتوفا وجواشيا وخقاسيا‬

‫‪42‬‬

‫‪7/16/13 10:51:30 AM‬‬

‫وقبردينو ‪ -‬بلقاريا وقراتشاي ‪ -‬تشيركيسيا‪ .‬جميع‬ ‫هذه املناطق ذات احلكم الذاتي لديها علم وبرملان‬ ‫وقوانني ولغة رس� � ��مية خاصة بها‪ ،‬باإلضافة للغة‬ ‫الروس� � ��ية‪ .‬و في غرب الصني منطقة شينجياجن‬ ‫الذاتي� � ��ة احلك� � ��م ومنطق� � ��ة كاكاوزي� � ��ا «القوقاز»‬ ‫الذاتي� � ��ة احلكم في ش� � ��رقي مولدافيا وجتاورها‬ ‫أوكرانيا من احلدود الش� � ��مالية وجمهورية القرم‬ ‫ذات االستقالل الذاتي في أوكرانيا‪ ،‬وهي موطن‬ ‫شعب تتار القرم‪ ،‬باإلضافة لذلك‪ ،‬هناك العديد‬ ‫م� � ��ن املناطق التي يس� � ��كنها األت� � ��راك في العراق‬ ‫وإي� � ��ران وجورجيا وبلغاري� � ��ا وجمهورية مقدونيا‬ ‫وطاجيكستان وأفغانستان وغرب منغوليا‪.‬‬ ‫وإذا كانت شعوب الترك أغلبية في ما أشرنا‬ ‫إلي� � ��ه م� � ��ن جمهوري� � ��ات ومقاطعات‪ ،‬فه� � ��م أقلية‬ ‫في مس� � ��احات جغرافية أكبر‪ ،‬مثل ش� � ��به جزيرة‬ ‫القرم بأوكرانيا وشمال العراق وإيران وفلسطني‬ ‫وأفغانستان وقبرص والبلقان ومولدوفيا وبلغاريا‬ ‫ورومانيا‪ ،‬ودول البلقان‪ ،‬ولتوانيا وش� � ��رقي بولندا‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 42‬‬


‫ملصق عمل شكسبير اخلالد (روميو وجولييت)‪ ،‬الذي‬ ‫قدمه املسرح الوطني للموسيقى والدراما في جمهورية‬ ‫تيفا‬

‫تستلهم امللصقات املوتيفات الشعبية التي التزال تطرز الثياب‪،‬‬ ‫وتزخرف البيوت‪ ،‬فضال عن ملسات من فن الشمايل (الشمائل)‪،‬‬ ‫وهي لوحات خطية عربية مصورة التزال تعلق في كل بيت‬

‫واجلزء اجلنوبي الشرقي من فنلندا‪ ،‬وال نستثني‬ ‫كذلك جالي� � ��ات أخ� � ��رى هاجرت مطل� � ��ع القرن‬ ‫العش� � ��رين من تركي� � ��ا‪ ،‬حفدة الترك إل� � ��ى أملانيا‬ ‫والواليات املتحدة وأستراليا‪.‬‬ ‫هذه الش� � ��عوب تتحدث اللغات التركية‪ ،‬التي‬ ‫متثل ش� � ��جرة فروعه� � ��ا ‪ 30‬لغة أخ� � ��رى‪ ،‬يتحدث‬ ‫بها مجتمعة أكثر من ‪ 165‬مليون ش� � ��خص‪ ،‬تكون‬ ‫إحدى هذه اللغ� � ��ات التركية لغتهم األم‪ ،‬ويضاف‬ ‫إليه� � ��م أكثر من ‪ 20‬ملي� � ��ون آخرين يتحدثون تلك‬ ‫اللغات التركية كلغة ثانية‪.‬‬ ‫هناك مش� � ��روع يقدم قائمة تُس� � ��تكمل بشكل‬ ‫دوري لهذه الش� � ��عوب التركية‪ ،‬حتدد مجموعات‬ ‫مناطقهم األساسية وتقدر تعدادهم‪.‬‬

‫قد ال يكون مترج ًما‪ ،‬لكنه يتس� � ��لل للوجدان‪ ،‬ولم‬ ‫ال وهو يستعيد هوية عمرها ‪ 14‬قرنا عبر الفن‪،‬‬ ‫لسان احلياة‪.‬‬ ‫هك� � ��ذا نص� � ��ل إلى مدين� � ��ة ق� � ��ازان‪ ،‬عاصمة‬ ‫جمهورية تتارستان‪ ،‬في مهرجان النيروز احلادي‬ ‫عش� � ��ر ملس� � ��رح ش� � ��عوب الترك‪ ،‬نق� � ��ف على باب‬ ‫مس� � ��رح الدولة‪ ،‬الذي يحمل اس� � ��م أحد أعالمها‬ ‫(علي عسكر كمال)‪ ،‬ونسمع موسيقى متهد لرفع‬ ‫الستار‪ ،‬فنسرع بأخذ أماكننا‪.‬‬ ‫كان عبدالله كارييف وراء تأس� � ��يس مدرس� � ��ة‬ ‫للتمثيل املسرحي وفي العام ‪ 1926‬أنشئ املسرح‬ ‫األكادميي ال� � ��ذي حمل بعد ذلك في العام ‪1939‬‬ ‫اسم علي عسكر كمال (‪ )1933-1879‬وهو أول‬ ‫من كتب عمال مس� � ��رحيا تتاري� � ��ا‪ ،‬وكان ذلك في‬ ‫العام ‪ 1898‬بعنوان «شاب سيئ الطالع»‪.‬‬ ‫مثل� � ��ت الع� � ��روض التي امتدت طيلة أس� � ��بوع‬ ‫حلقات من الس� � ��عادة دار بها عش� � ��اق املس� � ��رح‪،‬‬ ‫على خش� � ��بة مس� � ��رح كمال األكادمي� � ��ي الوطني‬

‫مهرجان النيروز‬ ‫هل كانت هذه املقدمة املطولة ضرورية لتبني‬ ‫أهمية أن يأتي ش� � ��عوب الترك مرة كل عام ليقف‬ ‫مسرحا‬ ‫فنانوهم على خش� � ��بة املسرح‪ ،‬فيقدمون‬ ‫ً‬ ‫النيــروز ‪ ..‬مسرح التُّ رك‬

‫‪7/16/13 10:51:36 AM‬‬

‫‪43‬‬

‫‪sep 36-59.indd 43‬‬


‫جمهور مسرح العرائس من كل األجيال‪ ،‬يقف األطفال أحيان ًا وهم مندمجون في العروض ‪ ،‬وقد ال يجد البعض مقاعد‬ ‫الزدحام املسارح‬

‫للتتار‪ .‬وكان املهرجان فرصة ليعرض العديد من‬ ‫التجارب احلية وعبر الدمى‪ ،‬الشعرية واملوسيقية‬ ‫والكوميديا​​واملأساة‪ ،‬وأفضل شيء أنك نادرا ما‬ ‫جتد مكانا فارغا في مواقع مختلفة الس� � ��تضافة‬ ‫العروض‪ .‬وهذا يجعل من قازان عاصمة حقيقية‬ ‫للمسرح‪.‬‬ ‫مم� � ��ا يرتبط باملهرج� � ��ان‪ ،‬س� � ��نويا‪ ،‬االحتفال‬ ‫بش� � ��اعر التتار القومي‪ ،‬عبدالله طوقاي (‪1886‬‬ ‫‪1913‬م)‪ ،‬ذلك الشاب الذي رحل عن عمر يناهز‬ ‫‪ 27‬سنة وحسب‪ ،‬لكنه كان قد ترك ‪ 12‬ألف بيت‬ ‫من الشعر‪ ،‬لقصائد وأعمال عاجلت موضوعات‬ ‫مختلفة بني قومية ودينية واجتماعية وشخصية‪،‬‬ ‫وبجانب عشق الشباب والناشئة‪ ،‬أصبحت أعمال‬ ‫طوقاي رمزا للكالسيكية‪.‬‬ ‫ترجمت بعض حكاياته الشعبية املوجهة‬ ‫لقد‬ ‫ُ‬ ‫لألطفال‪ ،‬إلى اللغة العربية‪ ،‬وكان آخرها «العنزة‬ ‫واخلروف» وهي املسرحية التي عرضها النيروز‬ ‫حتية للش� � ��اعر الكبير‪ ،‬بإخراج مس� � ��رحي للفنان‬ ‫إلدوس زينوروف وتصميم ألكس� � ��ندر جوبس� � ��كي‬ ‫وأحلان املوس� � ��يقي القادم من البلغار لويز باتير‪،‬‬ ‫وتصميم رقصات جوزيل ما ّنَابوفا‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫‪7/16/13 10:51:41 AM‬‬

‫الشاعرة التترية ليلي عزيزوفا‪،‬‬ ‫أمام مسرح العرائس‪ ،‬قازان‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 44‬‬


‫في جمهورية بشكورستان‪ ،‬فرقة الدولة للعرائس‪ ،‬مسرحية أمني بك‪ ،‬التي جتمع أجواء شرقية مبزيج حكاياتها التي أعاد‬ ‫كتابتها راغد يانبوالتوف‪ ،‬وقد جنح في أن يصنع قوام حكاية واحدة‪.‬‬

‫وعلى الرغم م� � ��ن أن العنزة واخلروف قصة‬ ‫فولكلورية بسيطة‪ ،‬بطالها هذان الكائنان اللذان‬ ‫يعثران على رأس ذئب مقتول‪ ،‬ويستخدمان ذلك‬ ‫ال� � ��رأس في إخافة الذئ� � ��اب والنجاة من افتراس‬ ‫ه� � ��ذه الذئاب لهما‪ ،‬فإن العمل املس� � ��رحي ينقلنا‬ ‫إلى مستوى آخر حيث نشهد الصراع بني األغنياء‬ ‫والفق� � ��راء‪ ،‬وندرك أن ال� � ��ذكاء ميكن أن يكون در ًبا‬ ‫للس� �ل��امة‪ .‬واحلكاية عامرة باملوسيقى التي جتعل‬ ‫املسرحية عمال بهيجا حقا‪.‬‬

‫أمني بك‪ :‬حكايات شرقية‬

‫في مس� � ��رح العرائس أس� � ��جل زيارتي الثانية‬ ‫له� � ��ذا القصر األس� � ��طوري الذي تذك� � ��رك عمارته‬ ‫بحكايات ألف ليلة وليلة‪.‬‬ ‫فمن جمهورية بشكورس� � ��تان‪ ،‬وبالتحديد عبر‬ ‫فرقة الدولة للعرائس‪ ،‬تأتي مس� � ��رحية أمني بك‪،‬‬ ‫والتي جتمع‪ ،‬أيضا‪ ،‬أجواء شرقية مبزيج حكاياتها‬ ‫التي أعاد كتابتها راغد يانبوالتوف‪ ،‬وقد جنح في‬ ‫أن يصنع قوام حكاية واحدة‪ ,‬حصلت على فرصة‬ ‫مش� � ��اهدة العرض مرتني؛ األولى حيا على خشبة‬ ‫املسرح‪ ،‬والثانية مع بنتي الصغيرتني مع التسجيل‬ ‫النيــروز ‪ ..‬مسرح التُّ رك‬

‫‪7/16/13 10:51:46 AM‬‬

‫الذي أبهرهم� � ��ا‪ ،‬والفضل لترجم� � ��ة د‪.‬إمليرا بيرم‬ ‫عل� � ��ي‪ ،‬وهي التي تعمل مترجمة في مس� � ��رح كمال‬ ‫الوطني في تتارستان‪ ،‬وتترجم على الهواء ترجمة‬ ‫فورية لرواد املسرح املستمعني للغة اإلجنليزية‪.‬‬ ‫يس� � ��افر أمني ب� � ��ك أكثر من م� � ��رة بدعم مالي‬ ‫من أس� � ��رته‪ ،‬لكي يتاجر‪ ،‬ويكس� � ��ب النقود‪ ،‬ولكنه‬ ‫ف� � ��ي امل� � ��رات الثالث ينف� � ��ق ماله على تعلم ش� � ��يء‬ ‫جديد؛ بد ًءا باللغة‪ ،‬مرو ًرا بعزف املوس� � ��يقى على‬ ‫آلة الكمان‪ ،‬وأخي ًرا بلعب الش� � ��طرجن‪ .‬في كل مرة‬ ‫يعود خالي الوفاض يلومه أبواه‪ ،‬ولكننا نكتش� � ��ف‪،‬‬ ‫ف� � ��ي النهاية‪ ،‬أن املعارف التي نالها س� � ��اعدته على‬ ‫حل املشكالت‪ ،‬والهروب من مؤامرة لقتله‪ ،‬والفوز‬ ‫باحلكم‪.‬‬

‫صراع بني األفكار‬

‫لعل الصدام‪ ،‬أو الصراع بني السلطات‪ ،‬يكاد‬ ‫يكون املوضوع الرئيس� � ��ي في معظم العروض التي‬ ‫متكنت من حضورها خالل أسبوع املهرجان‪.‬‬ ‫سأبدأ مبسرحية «املُال»‪ ،‬وهي من إبداع الكاتب‬ ‫املسرحي الش� � ��هير طوفان مينولني‪ ،‬وإخراج فريد‬ ‫بيكش� � ��انتاييف‪ ،‬وقد منحت هذه املسرحية جائزة‬

‫‪45‬‬

‫‪sep 36-59.indd 45‬‬


‫خاصة من وزارة الثقافة بجمهورية تتارس� � ��تان في‬ ‫مسابقة (مسرح التتار اجلديد) لسنة ‪.2006‬‬ ‫تتع� � ��رض الق� � ��رى التترية خلطر االنق� � ��راض‪ ،‬ليس‬ ‫كوجود مادي‪ ،‬بل كخواء روحاني‪ .‬لهذا يبدو أن اجلميع‬ ‫يتأهب لتحول كبير حني يأتي « ُمال» أو شيخ كما يعرف‬ ‫في أماكن أخرى وأن يكون هذا املال ش� � ��ابا من املدينة‪.‬‬ ‫هنا تبدأ ثيمة الصراع الذي يبرز التناقضات‪ ،‬بني جيل‬ ‫الشيخ الش� � ��اب وسلفه املس� � ��ن‪ ،‬بني األحفاد واألجداد‪،‬‬ ‫بني فضائل الش� � ��ابات الالئي يتأهنب للزواج‪ ،‬وأس� � ��رار‬ ‫خطاياهن‪ ،‬بني رجال العصابات وأفراد الش� � ��رطة‪ ،‬بني‬ ‫حكمة كبار السن‪ ،‬وأشعار طوقاي‪ ،‬الشك ميزق النفوس‪،‬‬ ‫ورغ� � ��م النهاية الس� � ��عيدة فإنك ال تس� � ��تطيع أن تش� � ��عر‬ ‫باالطمئنان‪ ،‬فقد نامت األس� � ��ئلة على فراش اإلجابات‪،‬‬ ‫واملطر يهطل في األفق‪ ،‬يخفي أكثر مما يظهر‪ .‬لم يكن‬ ‫امل� �ل��ا وحده هو الذي تغير‪ ،‬بل تغيرت القرية‪ ،‬على نحو‬ ‫سريع‪ ،‬رمبا أسرع مما تسمح به الدراما‪.‬‬

‫روميو وجولييت‪ ..‬جمهورية تيفا!‬ ‫مينحنا مس� � ��رح جمهورية تيفا فرصة أن نستمتع‬ ‫بنمط آخ� � ��ر من الص� � ��راع يأتي عبر عمل شكس� � ��بير‬ ‫اخلال� � ��د (رومي� � ��و وجوليي� � ��ت)‪ ،‬الذي قدمه املس� � ��رح‬

‫الوطن� � ��ي للموس� � ��يقى والدرام� � ��ا في جمهوري� � ��ة تيفا‪،‬‬ ‫إحدى جمهوريات روس� � ��يا االحتادية‪ .‬رقصات بسيطة‬ ‫وعميقة‪ ،‬ومشاهد تتبدل سري ًعا في عمق كبير‪ .‬ويقدم‬ ‫عمل «روميو وجولييت» بعد أربعني عا ًما على انطالقته‬ ‫األولى‪ ،‬مجس � � � ًدا اجل� � ��رأة وضيق الص� � ��در والتعطش‬ ‫للحياة‪ ،‬وكذلك احلب والشباب‪ ،‬فضال عن ثيمة الثأر‬ ‫واالنتقام‪ ،‬في مأساة تنضج على نار هادئة‪.‬‬ ‫األداء مش� � ��حون برن� �ي��ن الس� � ��يوف ورائحة عصر‬ ‫شكس� � ��بير‪ .‬وعلى الرغم من الضبابية الس� � ��ائدة فإن‬ ‫هناك مس� � ��احات جتس� � ��د مواطن احل� � ��ب‪ ،‬الكراهية‪،‬‬ ‫والعاطف� � ��ة واليأس بني اثنني من العش� � ��ائر املتحاربة‪.‬‬ ‫اس� � ��تطاع الدراماتورجي� � ��ون نق� � ��ل واحدة م� � ��ن أعظم‬ ‫الكالس� � ��يكيات إل� � ��ى اجلمه� � ��ور بجمال وعم� � ��ق وبلغة‬ ‫وطنية‪ ،‬دون كسر النمط الفني لنص وليام شكسبير‪.‬‬

‫ستيبانيدا بوريسوفا‬

‫يج� � ��ب أن أعترف بأنني كم اس� � ��تمتعت بأداء‬ ‫املونودرام� � ��ا ال� � ��ذي قدمت� � ��ه املمثل� � ��ة املخضرمة‬ ‫س� � ��تيبانيدا بوريس� � ��وفا ضيفة شرف هذه الدورة‬ ‫من املهرج� � ��ان والفائزة بجائزة الدولة جلمهورية‬ ‫سخا (ياقوتيا) الروسية‪.‬‬

‫مشهد من مسرحية (ا ُملال)‪ ،‬للكاتب املسرحي الشهير‬ ‫طوفان مينولني‪ ،‬وإخراج فريد بيكشانتاييف‪ ،‬وقد منحت‬ ‫هذه املسرحية جائزة خاصة من وزارة الثقافة بجمهورية‬ ‫تتارستان في مسابقة (مسرح التتار اجلديد) لسنة ‪.2006‬‬

‫‪46‬‬

‫‪7/16/13 10:51:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 657‬أغسطس ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 46‬‬


‫اسم س� � ��تيبانيدا بوريسوفا املسرحي‪ ،‬املمثلة‬ ‫واملغنية تسبقه جتربة غنية‪ .‬تخرجت في مدرسة‬ ‫ش� � ��يبكني العليا للمسرح وبدأت الغناء مبسرحية‬ ‫ش� � ��خص صالح من سيش� � ��وان للكات� � ��ب برتولت‬ ‫بريخت‪ .‬جالت س� � ��تيبانيدا بوريسوفا على نطاق‬ ‫واس� � ��ع باعتبارها مغنية ش� � ��عبية‪ ،‬وش� � ��اركت في‬ ‫مهرجانات عديدة للموسيقى العرقية‪ ،‬بل وغنت‬ ‫أيضا في فرقة الروك «‪.»Cholbon‬‬ ‫في عام ‪ ،2009‬رش� � ��حت بوريس� � ��وفا جلائزة‬ ‫أفضل ممثلة في الدرام� � ��ا‪ ،‬في مهرجان «القناع‬ ‫الذهبي» بالعاصمة الروس� � ��ية‪ .‬املس� � ��رحية التي‬ ‫قدمتها فنانة الش� � ��عب حتمل عنوان ميديا كتبها‬ ‫األملاني الش� � ��رقي هاينر مولر‪ ،‬حيث مير الوقت‬ ‫الكاشف‪ ،‬أيضا‪ ،‬للتباينات والتناقضات‪ .‬في قصة‬ ‫ليست عن االنتقام أو اجلنون‪ ،‬بل عن املاضي‪.‬‬

‫شعراء لكل الفصول‬

‫بالنس� � ��بة حلوالي ‪ 150‬مليونا‪ ،‬اللغة الروسية‬ ‫هي اللغة األم وبالنسبة ملا يقارب ‪ 100‬مليون هي‬ ‫اللغة الثانية الت� � ��ي يتحدثونها بإتقان‪ .‬ويصادف‬

‫(مال) شاب من املدينة هنا تبدأ ثيمة‬ ‫تتعرض القرى التترية خلطر االنقراض‪ ،‬ليس كوجود مادي‪ ،‬بل كخواء روحاني فيأتي ُ‬ ‫الصراع الذي يبرز التناقضات‪ ،‬بني جيل الشيخ الشاب وسلفه املسن‪ ،‬بني األحفاد واألجداد‪ ،‬بني فضائل الشابات الالئي يتأهنب‬ ‫للزواج‪ ،‬وأسرار خطاياهن‪ ،‬بني رجال العصابات وأفراد الشرطة‪ ،‬بني حكمة كبار السن‪ ،‬وأشعار طوقاي‪ ،‬بينما الشك ميزق النفوس‪.‬‬

‫طهران‪ ..‬ثقافة الشهداء‪ ..‬أو حضارة األحياء؟‬

‫‪7/16/13 10:51:57 AM‬‬

‫‪47‬‬

‫‪sep 36-59.indd 47‬‬


‫في كواليس مسرح الدولة‪ ،‬الذي يحمل اسم أحد أعالمها (علي عسكر كمال)‪ ،‬تشارك هذه السيدة في أعمال صناعة املالبس‬ ‫التي يرتديها املمثلون واملمثالت‪ ،‬مع فريق كامل من وراء الستار‬

‫‪48‬‬

‫‪7/16/13 10:52:03 AM‬‬

‫العدد ‪ - 657‬أغسطس ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 48‬‬


‫الس� � ��ادس من يونيو يوم اللغة الروس� � ��ية‪ ،‬يوم لغة‬ ‫بوش� � ��كني ألنه يوم والدة أحد أهم أدباء وش� � ��عراء‬ ‫العالم ألكسندر بوشكني‪ .‬على الرغم من أن عيد‬ ‫مولد بوش� � ��كني أو ي� � ��وم اللغة الروس� � ��ية قد يعني‬ ‫روسيا وحدها‪ ،‬إال أن القوميات والشعوب واألمم‬ ‫األخرى نظم� � ��ت في هذا اليوم وفي أنحاء عديدة‬ ‫من العالم ال ترتبط ببع��ها ال جغرافيا وال لغويا‪،‬‬ ‫فعاليات غردت أشعار بوشكني بلغات أخرى‪.‬‬ ‫ففي الهند نظمت مسابقة قراءة أشعاره باللغات‬ ‫الروسية والهندية واإلجنليزية لتحصل أفضل قراءة‬ ‫عل� � ��ى هدايا تذكاري� � ��ة‪ .‬كما انطلق مهرجان أش� � ��عار‬

‫«بوش� � ��كني ف� � ��ي بريطانيا»‪ ،‬حيث اس� � ��تعد ش� � ��عراء‬ ‫ناطق� � ��ون باللغة الروس� � ��ية من ‪ 13‬دول� � ��ة للتحديات‬ ‫املقبلة في مهرجان «بوشكني في بريطانيا»‪ ،‬املتزامن‬ ‫إط� �ل��اق فعالياته مع ذك� � ��رى ميالد أمير الش� � ��عراء‬ ‫الروس «ألكس� � ��ندر بوشكني» في لندن‪ .‬وفي منطقة‬ ‫الق� � ��رم‪ ،‬بكرواتيا حالي� � ��ا‪ ،‬ينظم املهرجان الس� � ��ابع‬ ‫لـلكلمة الروس� � ��ية العظمى‪ ،‬وفي سيفاستوبول تنظم‬ ‫مسرحيات لألطفال وبرامج موسيقية في الساحات‬ ‫وبالطب� � ��ع حفلة «أيام بوش� � ��كني»‪ .‬وف� � ��ي عيد ميالد‬ ‫بوش� � ��كني يتمكن كل محبي األدب والشعر من زيارة‬ ‫متحف بوشكني مجانا‪ ،‬يستمع فيه إلى محاضرات‬

‫كان للسينوغرافيا دور كبير في إثراء الوهم املسرحي وبرع‬ ‫املخرجون في تقدمي رؤاهم عبر مشاهد السيلويت التي‬ ‫غزت أكثر من عرض‬ ‫طهران‪ ..‬ثقافة الشهداء‪ ..‬أو حضارة األحياء؟‬

‫‪7/16/13 10:52:10 AM‬‬

‫‪49‬‬

‫‪sep 36-59.indd 49‬‬


‫ستيبانيدا بوريسوفا‪ ،‬املمثلة املخضرمة ضيفة شرف هذه الدورة‬ ‫من املهرجان والفائزة بجائزة الدولة جلمهورية سخا (ياكوتيا)‬ ‫الروسية‪ ،‬مبا لها من جتربة غنية‪ ،‬في عرض مونودرامي‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫‪7/16/13 10:52:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 657‬أغسطس ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 50‬‬


‫عرض (الكسوف) من مسرح الدولة األكادميي في جمهورية بشكير‪ ،‬للكاتب موستاي كرمي‪ ،‬واملخرج آيرات أبوشاخمنوف‪،‬‬ ‫حيث تتصاعد الدراما بوفاة االبن األكبر‪ ،‬وتبدأ رحلة التباينات‪ ،‬والشقاق بني التقاليد والشرائع‪.‬‬

‫فـقــه عمـارة املساجــد‬

‫‪7/16/13 10:52:22 AM‬‬

‫‪51‬‬

‫‪sep 36-59.indd 51‬‬


‫رئيس اجلمهورية رستم مينيخانوف‪ ‬ووزير الثقافة آيرات‪ ‬صباح الدين وعمدة املدينة وأعالم األدب والفن والتاريخ يستمعون‬ ‫لفتى يلقي قصيدة للشاعر ألكسندر بوشكني في يوم احتفال به وسط نظرات اإلعجاب‪ ،‬ورخات املطر‪.‬‬

‫وبرامج خاصة تتعلق بهذا العيد‪ .‬ألكسندر بوشكني‬ ‫ه� � ��و أمير الش� � ��عراء الروس‪ ،‬وقد ولد في موس� � ��كو‬ ‫بالسادس من يونيو عام ‪ ،1799‬ونشأ في أسرة من‬ ‫النبالء كانت تعيش حياة الترف‪.‬‬ ‫كان والد بوش� � ��كني ش� � ��اع ًرا بارزًا فساهم ذلك‬ ‫في إمناء موهبته الشعرية‪ ،‬أما والدته فهي حفيدة‬ ‫إبراهيم غانيبال اإلفريقي‪ ،‬الذي كان من الضباط‬ ‫املقربني ل� � ��دى القيص� � ��ر بط� � ��رس األول‪ ،‬وهذا ما‬ ‫يفس� � ��ر بعض املالمح اإلفريقية الغريبة عن ما هو‬ ‫مألوف عند الروس‪ .‬وس� � ��ميت فترة إنتاجه بالعصر‬ ‫الذهبي للشعر الروس� � ��ي‪ ،‬وعرف بوشكني بإنتاجه‬ ‫الش� � ��عري املطالب بحرية الش� � ��عب‪ ،‬بوصفه املرجع‬ ‫األول واألخي� � ��ر للس� � ��لطة‪ ،‬وكان أول م� � ��ن دعا إلى‬ ‫احلد من سيادة النبالء في روسيا‪ ،‬وكان ناقما على‬ ‫مجتمعه مطال ًبا بتقييد احلك� � ��م القيصري وإعالء‬ ‫ش� � ��أن النظام الدميقراطي بني الن� � ��اس‪ .‬وقد رحل‬ ‫بوش� � ��كني في ريعان ش� � ��بابه وهو لم يتجاوز الثامنة‬ ‫والثالثني من العم� � ��ر إثر إصابته بطلقة في مبارزة‬

‫‪52‬‬

‫‪7/16/13 10:52:29 AM‬‬

‫جمعته وأحد أصدقاء زوجته البارون دانتيس‪ ،‬أحد‬ ‫األش� � ��راف الفرنس� � ��يني‪ ،‬الذي كان اهتمامه العلني‬ ‫بزوجة بوش� � ��كني احلسناء ناتاليا غونتشاروفا سبباً‬ ‫لغيرة الش� � ��اعر الكبير بعد إثارة الكثير من األقاويل‬ ‫في الوس� � ��ط االجتماع� � ��ي‪ ،‬فانتهى األم� � ��ر بالنزال‬ ‫الشهير بينهما الذي وضع حداً حلياته‪.‬‬ ‫كان� � ��ت ق� � ��ازان على موع� � ��د ممي� � ��ز باالحتفال‬ ‫ببوش� � ��كني‪ .‬ففي الصباح اجتمعنا في متام الساعة‬ ‫الثامنة متاما لتبدأ مراسم وضع الزهور أمام متثال‬ ‫الشاعر الكبير بعد ثالثني دقيقة‪ ،‬بحضور كل أعالم‬ ‫قازان ممثلني برئيس اجلمهورية رستم مينخانوف‬ ‫ووزي� � ��ر الثقافة آيرات صب� � ��اح الدين وعمدة املدينة‬ ‫وأعالم األدب والفن والتاريخ‪ .‬وصدق قول القيصر‬ ‫ألكسندر األول حني أمر بنفيه في العام ‪ 1820‬بأن‪:‬‬ ‫«بوشكني أغرق روسيا باألشعار املثيرة التي حتفظها‬ ‫الش� � ��بيبة كلُّها عن ظهر قل� � ��ب»‪ .‬ففي الصباح وجد‬ ‫الرئيس مينخانوف أحد هؤالء الشبيبة‪ ،‬وسأله عن‬ ‫س� � ��ر وجوده‪ ،‬وأخرج الفتى من جيبه قصيدة قرأها‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 52‬‬


‫تناوب الشعراء على إلقاء قصائد بوشكني‪ ،‬وألقيت عدة قصائد بأكثر من لغة‪ ،‬منها قصيدة القوقاز باللغة العربية‪ ،‬في‬ ‫االحتفال الذي نظمته الشاعرة التترية ليلي عزيزوفا‬

‫على اجلميع وس� � ��ط نظ� � ��رات اإلعج� � ��اب‪ ،‬ورخات‬ ‫املطر‪.‬‬ ‫عص � � � ًرا وف� � ��ي الرابعة والنص� � ��ف متاما‪ ،‬بدأت‬ ‫فعالي� � ��ة ثانية‪ ،‬بإلقاء الش� � ��عراء قصائد بوش� � ��كني‪،‬‬ ‫�ت قصيدة القوق� � ��از باللغة‬ ‫وح� �ي��ن جاء دوري ألقي� � � ُ‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬ف� � ��ي االحتفال ال� � ��ذي نظمته الش� � ��اعرة‬ ‫التترية ليلي عزيزوفا‪ .‬أما في مس� � ��اء اليوم التالي‪،‬‬ ‫وضمن فعاليات مهرجان النيروز ملسرح دول الترك‬ ‫احلادي عش� � ��ر‪ ،‬فقد عرضت فرقة مدرسة املسرح‬ ‫القادمة من موس� � ��كو على خش� � ��بة املس� � ��رح عرضا‬ ‫بعنوان «بوش� � ��كني ماتينيه» استعرض احليل اللغوية‬ ‫لتنويعات املفردات واملعاني التي تضمنتها أش� � ��عار‬ ‫بوشكني‪.‬‬

‫ناظم حكمت‬

‫املهرج� � ��ان لم يحتفل بألكس� � ��ندر بوش� � ��كني‬ ‫وعبدالل� � ��ه طوق� � ��اي وحدهم� � ��ا‪ ،‬بل وج� � ��ه حتية‬ ‫عريض� � ��ة للش� � ��اعر التركي ناظ� � ��م حكمت‪ .‬فعلى‬ ‫النيــروز ‪ ..‬مسرح التُّ رك‬

‫‪7/16/13 10:52:36 AM‬‬

‫مسرح مفتوح مت تشييده خصيصا للعرض‪ ،‬على‬ ‫ش� � ��اطئ بحيرة كابان‪ ،‬بالقرب من الفناء اخللفي‬ ‫للمسرح الرئيسي‪.‬‬ ‫عند غروب الشمس‪ ،‬دارت عجلتان عمالقتان‬ ‫من املعدن إحداهما داخل األخرى‪ ،‬تقدم دورتي‬ ‫حياة الشاعر والعالم‪ ،‬وهو العرض الذي شاركت‬ ‫به تركيا ملس� � ��رح الدولة في اس� � ��تانبول‪ .‬البد أن‬ ‫دع� � ��اء اجلمه� � ��ور اس� � ��تجيب‪ ،‬ألن املط� � ��ر الغزير‬ ‫صباح� � ��ا توق� � ��ف‪ ،‬وس� � ��مح للطيور واملش� � ��اهدين‬ ‫مبتابعة العرض املفتوح‪.‬‬ ‫آخر العروض التي شاهدتها كان (الكسوف)‬ ‫م� � ��ن مس� � ��رح الدول� � ��ة األكادميي ف� � ��ي جمهورية‬ ‫بشكير‪ ،‬للكاتب موس� � ��تاي كرمي‪ ،‬واملخرج آيرات‬ ‫أبوش� � ��اخمنوف‪ ،‬واملصمم� � ��ة فارفارا تش� � ��وفينا‬ ‫(سانت بترسبورج)‪ ،‬واملوسيقي إلشات ياتشني‪.‬‬ ‫حياة تانكا بيكا؛ مدبرة املنزل (بايبيس� � ��ا بلغة‬ ‫الت� � ��رك)‪ ،‬متضي في العناي� � ��ة بالعائلة واألعمال‬ ‫الروتيني� � ��ة‪ ،‬بينما يكبر االبن األصغر إش� � ��مورزا‪،‬‬

‫‪53‬‬

‫‪sep 36-59.indd 53‬‬


‫جند أن األوسط يخطب الفتاة اجلميلة زوبارزاد‪،‬‬ ‫بينم� � ��ا يقترب موع� � ��د االبن األكب� � ��ر ياملورزا من‬ ‫خدمة جيش القيصر األبيض‪ .‬هذه اللحظة‪ ،‬بني‬ ‫االنتظ� � ��ار والترقب والفرح‪ ،‬مير التاريخ في هيئة‬ ‫دروي� � ��ش كان يعرف تانكا بيكا في ش� � ��بابها‪ .‬لكن‬ ‫الدراما تتصاعد بوفاة االبن األكبر‪ ،‬وتبدأ ‪ -‬مرة‬ ‫أخرى ‪ -‬رحلة التباينات‪ ،‬والش� � ��قاق بني التقاليد‬ ‫التي تقول إن االبن األصغ� � ��ر عليه أن يتزوج من‬ ‫أرملة أخيه‪ ،‬والدين الذي يقول بأن سن الفتى ال‬ ‫يسمح له بالزواج‪.‬‬ ‫هذه املسرحية‪ ،‬مثل معظم األعمال‪ ،‬تضعنا‬

‫‪54‬‬

‫‪7/16/13 10:52:42 AM‬‬

‫عند مفترق الطرق‪ ،‬بني عادات القبيلة‪ ،‬وتعاليم‬ ‫الدين‪ ،‬وثقافة العصر‪ ،‬وأحالم اإلنسان‪ .‬ويبدو‬ ‫أن االختيار الذي يفضي باملرء يجعله يتساءل‪،‬‬ ‫بعد حني‪ ،‬عن الطريق الـــــتي لم يـــس������لكها‪ ،‬كما‬ ‫في قصي������دة الش������اعر اإلجنلي������زي دبليو إتش‬ ‫أودن!‬

‫لقاءات ومشروعات‬

‫عل� � ��ى هامش مهرجان الني� � ��روز‪ ،‬كانت هناك‬ ‫لقاءات أكثر من أن حتص� � ��ى ويكتب عنها‪ ،‬لكني‬ ‫يجب أن أقدم إش� � ��ارات لألفكار التي ترددت بني‬

‫العدد ‪ - 657‬أغسطس ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 54‬‬


‫اللق� � ��اءات الثنائية‪ ،‬أو ف� � ��ي املؤمترات الصحفية‬ ‫الس� � ��اخنة‪ .‬وزير الثقاف� � ��ة آيرات صب� � ��اح الدين‬ ‫حتدث عن أن هناك خططا سنوية جتاز ملشروع‬ ‫كل عام على حدة‪ ،‬بحيث تكون هناك مشروعات‬ ‫مستقلة‪ ،‬بجانب فعاليات موازية‪ ،‬ففي األوملبياد‬ ‫اجلامعي الذي تستضيفه قازان هذا العام‪ ،‬توجد‬ ‫فعاليات فنية عدي� � ��دة‪ ،‬مبا يعني أن الثقافة ركن‬ ‫أساس من الهواء الذي تتنفسه فعاليات رياضية‬ ‫واقتصادية‪.‬‬ ‫ف� � ��ي مؤمتر صحف� � ��ي تعرفت عل� � ��ى الباحثة‬ ‫القادم� � ��ة من معهد املس� � ��رح الدولي‪ ،‬كريس� � ��تني‬ ‫حتية للشاعر التركي ناظم حكمت على مسرح‬ ‫مفتوح مت تشييده خصيصا على شاطئ بحيرة‬ ‫كابان‪ ،‬بالقرب من الفناء اخللفي للمسرح الرئيسي‬

‫رسامو الظل‬

‫‪7/16/13 10:52:47 AM‬‬

‫‪55‬‬

‫‪sep 36-59.indd 55‬‬


‫وزير الثقافة آيرات‪ ‬صباح الدين يتحدث حملرر العربي عن خطط ثقافية موازية‪ ،‬ففي األوملبياد اجلامعي الذي استضافته‬ ‫قازان هذا العام‪ ،‬أقيمت فعاليات فنية عديدة مبا يعني أن الثقافة ركن أساس من الهواء الذي تتنفسه فعاليات رياضية‬ ‫واقتصادية‬

‫ش� � ��مالور‪ ،‬مركز البحث‪ ،‬آكت زين� � ��ت‪ ،‬التي تقدم‬ ‫مش� � ��روعا غاية في األهمية‪ :‬إن املمثلني يجدون‬ ‫م� � ��ن يدربهم‪ ،‬بني املخرجني واملؤلفني‪ ،‬والس� � ��ؤال‬ ‫هو‪ :‬من يدرب هؤالء املعلمني أنفس� � ��هم؟ س� � ��ؤال‬ ‫حي� � ��وي تس� � ��عى لإلجاب� � ��ة عنه من خ� �ل��ال إقامة‬ ‫املدربني‪.‬‬ ‫ورشات في جميع أنحاء العالم لتدريب‬ ‫ِّ‬ ‫يا لها من فكرة!‬ ‫الفك� � ��رة الثاني� � ��ة تأتي مع الش� � ��اعر اليوناني‬ ‫السويسري الذي يعمل في املنظمة العاملية لفنون‬ ‫األداء‪ ،‬توبياس بيانكوم‪ ،‬املدير العام ملعهد املسرح‬ ‫ال��ولي‪ ،‬إحدى مؤسسات اليونسكو (منظمة األمم‬ ‫املتحدة للتربية والعلم والثقافة)‪ .‬تش� � ��مل أنشطة‬ ‫املعهد فعالي� � ��ات دولية مثل يوم املس� � ��رح العاملي‬ ‫(‪ 27‬م� � ��ارس)‪ ،‬يوم الرق� � ��ص الدولي (‪ 29‬أبريل)‪،‬‬ ‫مهرجان مس� � ��رح األمم الذي أنش� � ��ئ في باريس‬ ‫س� � ��نة ‪ ،1957‬مؤمتر معهد املس� � ��رح الدولي وهو‬ ‫منت� � ��دى دولي لفناني األداء املس� � ��رحي‪ ،‬يعقد كل‬ ‫عامني أو ثالثة أعوام‪ ،‬ويتضمن ورش� � ��ا وعروضا‬ ‫وجمعية عمومية‪ ،‬وس� � ��وف يعقد العام القادم في‬ ‫باك� � ��و عاصمة أذربيجان‪ ،‬التي بدأ فيها االحتفال‬ ‫مبهرج� � ��ان النيروز قب� � ��ل أن ينتقل إل� � ��ى قازان‪،‬‬ ‫فضال عن مش� � ��روعات كثيرة للتعليم والتدريب‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫‪7/16/13 10:52:53 AM‬‬

‫كما أن هناك برنامجا لس� � ��فراء املس� � ��رح ويشمل‬ ‫اختي� � ��ار ش� � ��خصيات مؤثرة في عال� � ��م هذا الفن‬ ‫اجلامع‪ ،‬واألس� � ��ماء التي قدمها توبياس ش� � ��ملت‬ ‫آرنولد فيس� � ��كر (اململك� � ��ة املتح� � ��دة)‪ ،‬وجيريش‬ ‫كارناد (الهند)‪ ،‬وس� � ��انتياجو جارسيا (كولومبيا)‪،‬‬ ‫وفيجدي� � ��س فينبوجادوتي� � ��ر (آيس� � ��لندا)‪ ،‬وولي‬ ‫سوينكا (نيجيريا)‪ ،‬وآناتولي فاسيلييف (روسيا)‪،‬‬ ‫وش� � ��اجن تش� � ��اجنروجن (الص� �ي��ن)‪ .‬وهك� � ��ذا بني‬ ‫اإلنس� � ��اني والتعليمي متتد أنشطة معهد املسرح‬ ‫الدولي‪ ،‬جامعة للمسرح‪ ،‬والفن‪ ،‬واحلياة‪.‬‬ ‫اللق� � ��اء األخير الذي أح� � ��ب أن أختتم به هو‬ ‫لقائ� � ��ي م� � ��ع املؤل� � ��ف املس� � ��رحي الش� � ��اب إجليز‬ ‫زاينييف الذي كتب ‪ 39‬مس� � ��رحية مثلت جميعها‪،‬‬ ‫ون� � ��ال بعضها جوائز الدولة‪ ،‬وهو بعد لم يزل في‬ ‫عقده الثالث‪.‬‬ ‫كنت شاهدت‪ ،‬مسبقا‪ ،‬عمال رائعا له‪ ،‬قامت‬ ‫ُ‬ ‫ببطولته املمثل� � ��ة املخضرمة نائليه كراييفا‪ ،‬وهي‬ ‫حتتف� � ��ل بعيد ميالده� � ��ا الس� � ��بعني‪ ،‬وقد أمضت‬ ‫خالل س� � ��نوات عمرها خمسة عقود على خشبة‬ ‫املسرح في أدوار رئيسية‪ .‬ومثلما قدمت أعمالها‬ ‫جلمهور املس� � ��رح التتاري‪ ،‬أجنب� � ��ت أيضا املخرج‬ ‫فرات بيكشانتاييف‪ ،‬الذي يعمل في املسرح نفسه‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 56‬‬


‫بطاقة إعالنية‬ ‫ومشهد من عرض‬ ‫(بوشكني ماتينيه)‬ ‫الذي استعرض‬ ‫احليل اللغوية‬ ‫لتنويعات املفردات‬ ‫واملعاني التي‬ ‫تضمنتها أشعار‬ ‫بوشكني‪.‬‬

‫النيــروز ‪ ..‬مسرح التُّ رك‬

‫‪7/16/13 10:52:59 AM‬‬

‫‪57‬‬

‫‪sep 36-59.indd 57‬‬


‫مسرح الدولة‪ ،‬الذي يحمل اسم أحد أعالمها (علي‬ ‫عسكر كمال)‪ )1933-1879( ،‬وهو أول من كتب عمال‬ ‫مسرحيا تتاريا‪ ،‬وكان ذلك في العام ‪ 1898‬م‪.‬‬

‫أعضاء إحدى الفرق يحتفلون قرب املسرح على شاطئ بحيرة قابان مع اجلمهور‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫‪7/16/13 10:53:07 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 58‬‬


‫جمهور املسرح يلتقط الصور التذكارية مع أبطال عرض صيف هندي‪.‬‬

‫النيــروز ‪ ..‬مسرح التُّ رك‬

‫‪7/16/13 10:53:11 AM‬‬

‫‪59‬‬

‫‪sep 36-59.indd 59‬‬


‫الباحثة كريتسني شمالور القادمة من معهد املسرح الدولي‪ ،‬تقدم مشروعا غاية في األهمية‪ :‬إن املمثلني يجدون من يدربهم‪ ،‬بني‬ ‫املخرجني واملؤلفني‪ ،‬والسؤال هو‪ :‬من يدرب هؤالء املعلمني أنفسهم؟ في مؤمتر صحفي مع الشاعر توبياس بيانكوم‪ ،‬الذي يرأس املنظمة‬ ‫العاملية لفنون األداء‪ ،‬واملدير العام ملعهد املسرح الدولي‪ ،‬إحدى مؤسسات اليونسكو (منظمة األمم املتحدة للتربية والعلم والثقافة‪.) ‬‬ ‫د‪ .‬إمليرا بيرم علي‪ ،‬املترجمة مبسرح كمال الوطني األكادميي‪ ،‬مع‬ ‫الكاتب املسرحي الشاب إجليز زاينييف الذي كتب ‪ 93‬مسرحية مثلت‬ ‫جميعها‪ ،‬ونال بعضها جوائز الدولة‪ ،‬وهو بعد لم يزل في عقده الثالث‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫‪7/16/13 10:53:16 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 36-59.indd 60‬‬


‫جوزيل جنماتولينا‪ ،‬نائبة وزير الثقافة في جمهورية‬ ‫تتارستان التي تولي مشروعات التواصل مع الثقافة العربية‬ ‫أهمية خاصة‬

‫املصورة والفنانة رئيسة صافيولينا‪ ،‬إحدى أيقونات العمل‬ ‫الثقافي في تتارستان وجمهوريات الترك‬

‫عرف� � ��ت أن تل� � ��ك العائلة املس� � ��رحية‪ ،‬وصداقات‬ ‫خشبة املسرح‪ ،‬متتد إلى احلياة نفسها‪ .‬حتى أن‬ ‫بعض األعمال املسرحية تستوحى من سير ذاتية‬ ‫لهم‪ ،‬أو تلقي بظاللها على بعض سطور الدراما‬ ‫التي يشاركون في صياغتها‪.‬‬ ‫في مس� � ��رحيته «صيف هندي» قامت نائليه‬ ‫كراييف� � ��ا ب� � ��دور (حليمة أميروفن� � ��ا) الفاتنة رغم‬ ‫عمرها‪ ،‬يتنفس البش� � ��ر حياة جديدة‪ ،‬ألن «احلب‬ ‫ال يع� � ��رف عم ًرا محد ًدا»‪ ،‬قيم� � ��ة احلياة في ذلك‬ ‫احلب وقيم� � ��ة العطاء‪ ،‬وهي القيم� � ��ة التي تقدم‬ ‫نفس� � ��ها في البداية حني نعل� � ��م أن ابنة (حليمة)‬ ‫الس� � ��يدة جيزيل (تق� � ��وم بدورها الفنان� � ��ة فينيرا‬ ‫ش� � ��اكيروفا) تستعد ملغادرة مس� � ��قط رأسها إلى‬ ‫مدينة فالديفوس� � ��تك‪ ،‬ألنها حصلت على فرصة‬ ‫عمل أفضل‪ .‬حتث الس� � ��يدة أمها (حليمة) وابنها‬ ‫الش� � ��اب على االس� � ��تعداد بحزم احلقائب‪ ،‬ولكن‬ ‫الفت� � ��ى تؤرجحه رغبتان‪ ،‬فإم� � ��ا الذهاب مع أمه‬ ‫وجدت� � ��ه‪ ،‬وإما البقاء مع جارت� � ��ه وحبيبته‪ .‬ويبدو‬ ‫أن احلل الذي اس� � ��تعصى على الشاب قد وجده‬

‫املخضرم� � ��ون‪ ،‬وأقص� � ��د به� � ��م املمثل� � ��ون الثالثة‬ ‫أصدق� � ��اء حليمة‪ ،‬فه� � ��ؤالء يختلف� � ��ون متا ًما عن‬ ‫بعضهم البعض‪ ،‬إال أنهم يتفقون في أمرين‪ ،‬أنهم‬ ‫ف� � ��ي مثل عمر حليمة‪ ،‬وأنه� � ��م يحبونها جميعهم‪،‬‬ ‫ولذل� � ��ك فهم يفكرون في إبقاء الس� � ��يدة العجوز‪،‬‬ ‫حتى لو تطلَّ� � ��ب األمر أن يعرض كل منهم الزواج‬ ‫عليها‪ ،‬دون معرف� � ��ة رفيقيه‪ ،‬وهي األحداث التي‬ ‫أشعلت فتيل الكوميديا في العرض البديع‪ .‬على‬ ‫باب املس� � ��رح نلتقي بعض هؤالء املمثلني الكبار‪:‬‬ ‫أصغر شاكيروف (الذي قام بدور فؤاد) ورافييل‬ ‫ش� � ��رفي (أنصر)‪ ،‬وإيريك باجمان� � ��وف (جودت)‬ ‫الذين يفش� � ��لون باألمر‪ ،‬بينما تنجح الفتاة (علية)‬ ‫الت� � ��ي قامت بدورها املمثلة نفيس� � ��ة خيرالله في‬ ‫إقن� � ��اع الفتى بالبقاء‪ ،‬ومن ث� � ��م عائلته‪ ،‬ألن البلد‬ ‫حتتاج إلى سواعد الشباب‪ .‬هذه هي القضية‪ ،‬لن‬ ‫تُبنى أوطان بهجرة أبنائها‪ ،‬ولن تعيش أيضا على‬ ‫ذكريات املاضي وحده‪ .‬إنه� � ��ا فكرة التزال حتلق‬ ‫فوق رأسي منذ غادرت قازان‪ ،‬متمنيا أن تستقر‬ ‫بكل عش لرأس يفكر أو قلب يعشق >‬

‫النيــروز ‪ ..‬مسرح التُّ رك‬

‫‪7/16/13 10:53:23 AM‬‬

‫‪61‬‬

‫‪sep 36-59.indd 61‬‬


‫أدب‬

‫االجتاه نحو ضفة األطلسي‬

‫وجوه أمريكا املتعددة في الرواية العربية‬ ‫فخري صالح*‬ ‫الغربي‪ .‬وميكن الق ��ول إن حركة تطور‬ ‫ي ��دور ج ��زء من املنت الروائ ��ي العربي حول العالقة باآلخ ��ر‬ ‫ّ‬ ‫العربي تتصل اتصاال وثيقا بعملية التفكّ ر باآلخر س ��رد ّيا‪ ،‬وتقليب عالقة الش ��رق‬ ‫الن ��وع الروائ ��ي‬ ‫ّ‬ ‫والغرب على وجوهها لغرض فهم الذات قبل فهم اآلخر‪.‬‬ ‫نعث� � ��ر على ب� � ��ذور هذا االش� � ��تباك مع‬ ‫اآلخ� � ��ر األورب� � ��ي بص� � ��ورة خاصة في‬ ‫أعمال سردية تنتمي إلى القرن التاسع‬ ‫عش� � ��ر مثل «الساق على الساق على الساق في ما‬ ‫هو الفارياق» ألحمد فارس الش� � ��دياق؛ وكذلك في‬ ‫أعمال تنتمي إلى القرن العشرين‪ ،‬خصوصا النصف‬ ‫األول منه‪ ،‬وصوال إلى ستينياته‪ ،‬مثل «عصفور من‬ ‫الشرق» لتوفيق احلكيم‪ ،‬و«احلي الالتيني» لسهيل‬ ‫إدريس‪ ،‬و«موس� � ��م الهجرة إلى الش� � ��مال» للطيب‬ ‫صال� � ��ح‪ ،‬لنذكر ً‬ ‫بعضا من أبرز األعمال التي ر ّكزت‬ ‫شغلها الروائي على ثيمة العالقة باآلخر وحاولت‬ ‫قراءة وجوه الصدام واللقاء من خالل الرحلة إلى‬ ‫الغرب‪ .‬وقد س� � ��عت أجيال متعاقبة من الروائيني‬ ‫العرب‪ ،‬الذي� � ��ن ينتمون إلى حقب� � ��ة اللقاء بالغرب‬ ‫ع� � ��ن طري� � ��ق الرحلة أو الدراس� � ��ة‪ ،‬إلى التش� � ��ديد‬ ‫على اس� � ��تحالة اللقاء‪ ،‬انطالقا من صعوبة توافق‬ ‫روحان ّية الش� � ��رق وماد ّية الغرب (كما في «عصفور‬ ‫من الش� � ��رق»)‪ ،‬أو بسبب جرح االس� � ��تعمار الغائر‬ ‫والس� � ��عي إلى حتقيق غزوة معاكس� � ��ة في عقر دار‬

‫* كاتب من األردن‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪7/16/13 11:25:07 AM‬‬

‫الغرب (كما في «موس� � ��م الهجرة إلى الش� � ��مال»)‪.‬‬ ‫لكن تن ّوع ص� � ��ور الغرب‪ ،‬ومفارقته� � ��ا لهذا التصوير‬ ‫النمط� � � ّ�ي واالس� � ��تقطاب احلاد‪ ،‬لم يتحق� � ��ق إال بعد‬ ‫رحيل االستعمار عن العالم العربي بعقود من الزمن‪،‬‬ ‫وانفتاح كال العاملني الغرب� � ��ي والعربي على بعضهما‬ ‫ِ‬ ‫م� � ��ن خالل أش� � ��كال ال حتصى من التجارب وس� � ��بل‬ ‫اللق� � ��اء واالحتكاك والص� � ��دام‪ ،‬لتصبح صورة اآلخر‬ ‫الغربي أكث� � ��ر معقول ّية وأق ّل منط ّية‪ .‬هكذا ش� � ��هدنا‬ ‫ّ‬ ‫خ� �ل��ال النصف الثاني من القرن العش� � ��رين‪ ،‬وكذلك‬ ‫في العقد األول من القرن احلادي والعشرين‪ً ،‬‬ ‫فيضا‬ ‫من األعمال الروائي� � ��ة التي تدور حول جتربة اللقاء‬ ‫بالغ� � ��رب بصور متع� � ��ددة يحتاج رصده� � ��ا إلى عمل‬ ‫بحثي واس� � ��ع‪ .‬لكن ما أرغب في تناول� � ��ه هنا يتم ّثل‬ ‫ّ‬ ‫ف� � ��ي تغير جغراف ّية الغرب في الرواية العربية خالل‬ ‫الوقت الراهن لتصبح أمريكا في قلب هذا املش� � ��هد‬ ‫ال على حوا ّفه كما كانت حتى وقت قريب‪.‬‬

‫تفكيك صورة أمريكا‬

‫ميكن أن نعزو تركيز الروائيني العرب اآلن على‬ ‫كتابة روايات تدور أحداثها في الواليات املتحدة‪ ،‬أو‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep62-67.indd 62‬‬


‫االجتاه نحو ضفة األطلسي وجوه أمريكا املتعددة في الرواية العربية‬

‫‪7/16/13 11:25:15 AM‬‬

‫‪63‬‬

‫‪sep62-67.indd 63‬‬


‫أنه� � ��ا تتف ّكر في عالقة الص� � ��راع القائمة بني العرب‬ ‫�رطي‬ ‫وأمري� � ��كا‪ ،‬إل� � ��ى االصطدام وج ًها لوجه مع ش� � � ّ‬ ‫العال� � ��م وقطبه اإلس� � ��تراتيجي األوحد بعد س� � ��قوط‬ ‫االحتاد الس� � ��وفييتي وتفكك الكتلة االش� � ��تراك ّية في‬ ‫ثمانينيات القرن املاضي‪ .‬ث ّمة ��شرات من الروايات‬ ‫العربي� � ��ة الصادرة خالل العقد األخير تدور أحداثها‬ ‫ف� � ��ي م� � ��دن الواليات املتحدة وتس� � ��عى ش� � ��خصياتها‬ ‫على األرض األمريكية‪ ،‬حي� � ��ث تقدم ٌّ‬ ‫كل منها صورة‬ ‫مختلفة ألمري� � ��كا‪ :‬أرض الفرص وفض� � ��اء احلر ّيات‬ ‫الفرد ّية والتعددية‪ ،‬أو أرض إبادة الس� � ��كان األصليني‬ ‫والتميي� � ��ز احلاد بني األع� � ��راق والثقافات‪ ،‬أو الدولة‬ ‫الغازية التي تعيدنا مرة أخرى إلى زمان االس� � ��تعمار‬ ‫التقليدي الراغب في نهب ثروات األمم حتت س� � ��تار‬ ‫نش� � ��ر النسخة األمريكية من الدميقراطية‪ .‬لكن هذه‬ ‫الرواي� � ��ات ال تكتف� � ��ي بتقدمي ص� � ��ورة منط ّية أحادية‬ ‫اجلانب‪ ،‬كما فعلت الروايات التي سبقتها في تصوير‬ ‫الغ� � ��رب األورب� � ��ي‪ ،‬بل متزج بني ه� � ��ذه الصور جميعا‬ ‫مقدم ًة صورة ش� � ��ديدة التركيب والتعقيد والنس� � ��يج‬ ‫املتشابك ألمريكا والعالقة معها‪ .‬إن الروائي العربي‪،‬‬ ‫بحكم تط ّور املد ّونة الروائية العربية‪ ،‬وكذلك بس� � ��بب‬ ‫جتربة عيش� � ��ه في الفضاء األمريكي وقدرته على أن‬ ‫يلم� � ��س اخلارطة السياس� � ��ية واالجتماعية والثقافية‬ ‫املعقدة للدي� � ��ار األمريكية‪ ،‬ينجح ف� � ��ي تقدمي صورة‬ ‫مختلفة ألمريكا أخرى غير تلك التي يُكن لها العرب‬ ‫ع� � ��داء مبررا على خلفية حتالفها اإلس� � ��تراتيجي مع‬ ‫إسرائيل‪ ،‬وكذلك بسبب دعمها للمستبدين والطغاة‬ ‫والفاسدين في العالم العربي‪.‬‬ ‫هك� � ��ذا يجري في ع� � ��دد من الرواي� � ��ات العربية‬ ‫الطامحة إلى تفكيك ص� � ��ورة أمريكا وإعادة تركيبها‬ ‫مي أمريكا مش� � ��قوقة من الداخل‪ ،‬أمريكا‬ ‫سرد ّيا تقد ُ‬ ‫تترات� � ��ب فيها األع� � ��راق والطبقات ويس� � ��حق الفقر‬ ‫ماليني من البشر فيها‪ ،‬بحيث ينكشف الوهم وتتبدد‬ ‫أسطورة أرض الفرص وانصهار األعراق والثقافات‪.‬‬ ‫وجلالء هذه الصورة املتح ّولة سوف ألقي نظرة طائر‬ ‫على عدد من الروايات الصادرة خالل العقد األخير‬ ‫�ردي التخييلي ضمن‬ ‫والت� � ��ي تش � � � ّيد فضاءه� � ��ا الس� � � ّ‬ ‫اجلغرافيا األمريكية‪.‬‬

‫أرض الفرص‬

‫في «أمريكا» يعيد الروائ� � ��ي اللبناني ربيع جابر‬

‫‪64‬‬

‫‪7/16/13 11:25:21 AM‬‬

‫متثيل مقولة «أرض الفرص» من خالل تصوير مسار‬ ‫حياة الشابة الس� � ��ورية اجلميلة والفقيرة مرتا حداد‬ ‫الت� � ��ي ترحتل في الع� � ��ام ‪ 1913‬من قريته� � ��ا «بْتاتر»‪،‬‬ ‫الواقعة في جب� � ��ل لبنان‪ ،‬بح ًثا عن ابن عمها وزوجها‬ ‫ال� � ��ذي انقطعت عنها أخباره بعد زواجه منها ورحيله‬ ‫إل� � ��ى أمريكا‪ .‬ولكنها تصط� � ��دم بحقيقة غياب الزوج‬ ‫واختفائه متا ًما من مدينة نيويورك التي قيل لها إنه‬ ‫كان يسكنها‪ ،‬ثم ِ‬ ‫عيشه في كنف امرأة أمريكية غن ّية‪.‬‬ ‫وه� � ��و ما يدفعها إلى االمتناع عن لقائه حني تراه من‬ ‫جالسا مع عشيقته األمريكية‪ ،‬مص ّرة على الكفاح‬ ‫بعيد‬ ‫ً‬ ‫ليل نهار لتصبح مالكة مزرعة كبيرة في باس� � ��ادينا‪،‬‬ ‫بعد أن ط ّوحت بها احلياة ميينا وش� � ��ماال‪ ،‬بني وهدة‬ ‫الفقر وس � � � ّدة الغنى‪ .‬ورغ� � ��م أن الرواية تتنقّل بنا في‬ ‫اجلغرافيا الشاس� � ��عة للواليات املتحدة‪ ،‬بني ساحلها‬ ‫الشرقي وساحلها الغربي‪ ،‬وصولاً إلى جبهات القتال‬ ‫في أوربا خالل احلرب العاملية األولى‪ ،‬فإن املس� � ��عى‬ ‫األساسي للعمل هو تصوير الرحلة املنهكة التي تقوم‬ ‫بها امرأة صغي� � ��رة فائقة اجلمال‪ ،‬بال حول أو طول‪،‬‬ ‫ومن دون معني‪ ،‬في اجلغرافيا األمريكية التي تبعث‬ ‫الرعب في عقول وأجساد عتاة الرجال‪.‬‬ ‫تش� � ��ترك مرتا في إصرارها على العمل وتكوين‬ ‫الث� � ��روة مع من يطل� � ��ق عليهم ف� � ��ي التاريخ األمريكي‬ ‫«املؤسس� �ي��ن األوائل» الذين بن� � ��وا الواليات املتحدة‪،‬‬ ‫كم� � ��ا تقدم صورة ناصعة للمهاجرين الس� � ��وريني إلى‬ ‫أمري� � ��كا في أوائل القرن العش� � ��رين ممن كافحوا من‬ ‫أجل اندماج اجلالية الس� � ��ورية في نس� � ��يج الش� � ��عب‬ ‫األمريك� � ��ي‪ .‬وم� � ��ن هنا فإننا ال نص� � ��ادف في الرواية‬ ‫سوى املجتمع األمريكي الط ّيب‪ ،‬مع استثناءات قليلة‬ ‫ال تغ ّير كثيرا من اإلطار العام للصورة الكل ّية ملجتمع‬ ‫ودود عطوف متراحم تعص� � ��ف به الطبيعة الغاضبة‬ ‫س� � ��يئة املزاج‪ .‬به� � ��ذا املعنى يكتف� � ��ي الكاتب بتصوير‬ ‫صراع الطبيعة واإلنس� � ��ان‪ُ ،‬مغفِ ال صراعات البش� � ��ر‬ ‫ف� � ��ي أمريكا‪ ،‬وتكالب الناس في «أرض الفرص» على‬ ‫الث� � ��روة‪ ،‬ناقال الصراع إلى خ� � ��ارج الواليات املتحدة‪،‬‬ ‫إل� � ��ى أراضي أوربا التي تدور فيها حرب كون ّية ميوت‬ ‫فيه� � ��ا زوج مرتا لتتحرر من عقد زواجه منها وتتزوج‬ ‫زواج� � ��ا مدن ّيا من رج� � ��ل درزي يدين بغير‬ ‫بع� � ��د ذلك ً‬ ‫ديانتها املس� � ��يحية‪ ،‬في إش� � ��ارة إلى ما توفره أمريكا‬ ‫ً‬ ‫وزوال للف� � ��روق واحلواجز بني‬ ‫أيض� � ��ا م� � ��ن تس� � ��امح‬ ‫ٍ‬ ‫األديان والطبق� � ��ات واألعراق والثقافات‪ .‬إنها صورة‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep62-67.indd 64‬‬


‫منط ّي� � ��ة مصنوعة ألمريكا تغم� � ��ض العني عن حقائق‬ ‫الص� � ��راع الذي يدور في تلك اجلغرافيا السياس� � ��ية‬ ‫الطبيعية الشاس� � ��عة‪ .‬وال يختلف تصوير ربيع جابر‪،‬‬ ‫من حيث أحاديته ومنطيته ورؤيته للجانب املش� � ��رق‬ ‫م� � ��ن العي� � ��ش األمريكي‪ ،‬عن تصوي� � ��ر توفيق احلكيم‬ ‫للثنائية الش� � ��هيرة التي تتقابل فيها روحان ّية الشرق‬ ‫مع ماد ّية الغرب في حوار محسن مع إيفان‪.‬‬

‫أمريكا العلم املعرفة‬

‫في س� � ��ياق آخر من تقدمي إطاللة مختلفة على‬ ‫أمري� � ��كا تبن� � ��ي الكاتب� � ��ة الفلس� � ��طينية األردنية ليلى‬ ‫األطرش في روايتها «رغبات‪ ..‬ذاك اخلريف»‪ ،‬وعلى‬ ‫خلف ّية التفجي� � ��رات اإلرهابية التي ضربت عددا من‬ ‫فن� � ��ادق مدينة ع ّمان في ‪ 9‬نوفمبر (تش� � ��رين الثاني)‬ ‫‪ ،2005‬ش� � ��بكة معق� � ��دة م� � ��ن األح� � ��داث والتفاصيل‬ ‫تتداخ� � ��ل فيه� � ��ا اجلغرافيا السياس� � ��ية واالجتماعية‬ ‫ألردن القرن احلادي والعشرين مع صورة أمريكا في‬ ‫جان� � ��ب من جوانبها‪ .‬لكن م� � ��ا يه ّمنا هنا هو الفصول‬ ‫التي تدور في مدينة أيَوا األمريكية‪ ،‬وتصوير وصول‬ ‫طالب دراسات عليا أردني إلى تلك املدينة األمريكية‬ ‫الش� � ��هيرة مبكانته� � ��ا العلمي� � ��ة والثقافي� � ��ة بني مدن‬ ‫الواليات املتحدة‪ ،‬وذلك ملتابعة دراسته لعلم اجلينات‬ ‫وتأثيره على األمراض الوراثية‪ .‬حتكي الرواية عددا‬ ‫من القصص الت� � ��ي تدور أحداثها في أماكن عديدة‪:‬‬ ‫عمان‪ ،‬فلس� � ��طني احملتلة‪ ،‬الكوي� � ��ت‪ ،‬بيروت‪ ،‬باريس‪،‬‬ ‫وكذلك أيوا‪ ،‬لتلتقي ه� � ��ذه احلكايات في النهاية في‬ ‫�ب الرواية األخي� � ��ر‪ ،‬أي في ح� � ��وادث التفجير‬ ‫مص� � � ّ‬ ‫املر ّوعة الت� � ��ي ضربت هدوء عمان في ذلك اخلريف‬ ‫األردني الدامي‪ .‬ومت ّثل حكاية غيث احلسنات العائد‬ ‫ّ‬ ‫من أمريكا في ذلك اخلريف الصورةَ امللتبسة لطالب‬ ‫العل� � ��م الذاهب للتز ّود باملعرف� � ��ة‪ ،‬فيعود مثقال باملال‬ ‫ال� � ��ذي توفره «أرض الف� � ��رص» األمريكية للطامحني‬ ‫بالثروة‪.‬‬ ‫ت َُص َّور أمريكا هنا بوصفها «أرض البحث العلمي»‬ ‫التي ميكن للمواهب اآلتية من أصقاع األرض جميعها‪،‬‬ ‫ش� � ��مالها وجنوبها‪ ،‬غربها وشرقها‪ ،‬أن جتد فرصتها‬ ‫في التعلم والتفوق وحتقي� � ��ق آمال طمحت إليها ولم‬ ‫تستطع القبض عليها في أوطانها‪ .‬هذا ما تفعله هبة‪،‬‬ ‫خطيبة غيث‪ ،‬وكذلك خالها‪ ،‬والطالب الصيني املثابر‬ ‫زميل غيث‪ ،‬والفتاة الكمبودي� � ��ة اللقيطة التي تبناها‬

‫زوجان أمريكي� � ��ان عاقران من أحد املالجئ‪ ،‬بعد أن‬ ‫ّ‬ ‫وتؤشر هذه النجاحات‬ ‫تخلت عنها أمها البيولوجية‪.‬‬ ‫في مي� � ��دان البحث العلمي عل� � ��ى األرض األمريكية‪،‬‬ ‫وباس� � ��تخدام املال والتقدم العلم� � ��ي اللذين توفرهما‬ ‫بغض‬ ‫الوالي� � ��ات املتحدة للعاملني من العلم� � ��اء فيها‪ّ ،‬‬ ‫اجلانب املشرق‬ ‫النظر عن األوطان التي جاؤوا منها‪،‬‬ ‫َ‬ ‫من التجربة األمريكية‪ .‬إنها أسطورة «أرض الفرص»‬ ‫ف� � ��ي صياغة معاصرة‪ ،‬بل راهنة‪ .‬وليس حديث غيث‬ ‫في احل� � ��وار الذي يدور مع اخل� � ��ال الطبيب والعالم‬ ‫الشهير في جامعة أيوا حول إبادة السكان األصليني‬ ‫من الهنود احلمر‪ ،‬الذين كانوا يسكنون املدينة‪ ،‬سوى‬ ‫ماض بعي� � ��د ال يل ّوث صورة‬ ‫ذكرى ش� � ��بح ّية آتية من ٍ‬ ‫احلاضر وال يؤثر كثي ًرا في الصورة النهائ ّية ألمريكا‬ ‫التي تفتح الباب واس � � � ًعا للعقول الن ّيرة لتصبح جزءا‬ ‫ال يتجزأ من الثروة املعرف ّية والعلم ّية ألقوى دولة في‬ ‫األردني املتفوق‬ ‫العال� � ��م‪ .‬ولهذا فإن نكوص الطال� � ��ب‬ ‫ّ‬ ‫عن متابعة بحوثه العلمية واختياره أن يالحق الثروة‬ ‫والربح‪ ،‬من خالل العمل في العقارات‪ ،‬ليس� � ��ا سوى‬ ‫اجلماعي‬ ‫انع� � ��كاس لفرد ّيته وعدم قدرته على العمل‬ ‫ّ‬ ‫في فريق البحث العلمي في جامعة أيوا‪ ،‬على عكس‬ ‫الصيني الذي يعمل بدأب ونش� � ��اط من دون‬ ‫زميل� � ��ه‬ ‫ّ‬ ‫تذ ّمر ويحوز ثقة أستاذه األمريكي الذي يرأس فريق‬ ‫البحث في علم اجلينات‪.‬‬ ‫�ض النظر عن كون هذا اجلزء من رواية ليلى‬ ‫بغ� � � ّ‬ ‫األط� � ��رش تفصي� �ل��ا صغيرا من ب� �ي��ن تفاصيل كثيرة‬ ‫حتكي عن حيوات عدي� � ��دة ألناس متباينني ال يعرف‬ ‫بعضهم ً‬ ‫بعضا‪ ،‬حيث تسعى الروائية إلى جمع خيوط‬ ‫نسيجها الروائي في مش� � ��هد التفجيرات اإلرهابية‪،‬‬ ‫فإنه يبدو كاش ًفا في النهاية عن صورة منطية متداولة‬ ‫ألمري� � ��كا‪ :‬أمريكا التي تو ّف� � ��ر للذاهبني إليها النجاح‬ ‫والثروة والتقدم‪ .‬لكن هذه الصورة‪ ،‬كما س� � ��نرى في‬ ‫الروايتني التاليتني‪ ،‬خادعة وغير حقيقية‪ .‬إنها متثل‬ ‫وجها واح ًدا مش� � ��ر ًقا إلى جانب وجوه بش� � ��عة كثيرة‪،‬‬ ‫وخصوص� � ��ا أن متويل البحوث العلمية التي تقوم بها‬ ‫اجلامعات من قبل شركات األدوية يكشف كذلك عن‬ ‫تواطؤ البحث العلمي م� � ��ع رأس املال وحت ّوله أحيانا‬ ‫إلى خادم ذليل لش� � ��ركات األدوي� � ��ة العمالقة التي ال‬ ‫يهمها س� � ��وى حتقيق الربح الوفير‪ ،‬حتى لو كان ذلك‬ ‫على حساب املرضى املس� � ��اكني وراء البحار ممن ال‬ ‫يستطيعون توفير ثمن الدواء‪.‬‬

‫االجتاه نحو ضفة األطلسي وجوه أمريكا املتعددة في الرواية العربية‬

‫‪7/16/13 11:25:25 AM‬‬

‫‪65‬‬

‫‪sep62-67.indd 65‬‬


‫هو ّية مزدوجة‬

‫توفر رواية «احلفيدة األمريكية» للكاتبة العراقية‬ ‫إنعام كجه جي صورة أخرى ألمريكا في عمل تنطلق‬ ‫أحداثه م� � ��ن مدينة ديتروي� � ��ت األمريكية وتنتهي في‬ ‫األرض العراقي� � ��ة‪ ،‬كما أنها تبدأ في األرض العراقية‬ ‫لتنته� � ��ي في ديترويت‪ .‬هك� � ��ذا يتأرجح صوت «زينة»‪،‬‬ ‫الراوية وصاحبة احلكاية‪ ،‬بني ماضي ج ّدها وج ّدتها‬ ‫ف� � ��ي املوصل‪ ،‬وأمه� � ��ا وأبيها في بغ� � ��داد‪ ،‬وحاضرها‬ ‫وحاضر أس� � ��رتها الهارب� � ��ة من قمع نظ� � ��ام الرئيس‬ ‫العراقي الس� � ��ابق ص ّدام حسني إلى أمريكا‪ .‬وتعتمد‬ ‫كجه جي نوعا من الس� � ��رد الدائري الذي يسعى إلى‬ ‫إض� � ��اءة حكايات احلاض� � ��ر من خالل اإلش� � ��ارة إلى‬ ‫حكايات املاضي‪.‬‬ ‫مت ّث� � ��ل رواي� � ��ة «احلفي� � ��دة األمريكي� � ��ة» محاولة‬ ‫الستكشاف املعاني املرك ّبة ملفهوم الوطن ّية‪ ،‬من خالل‬ ‫تقدمي مقاربة س� � ��ردية لالحت� �ل��ال األمريكي للعراق‪.‬‬ ‫وهي تنتس� � ��ب إلى نوع «امليتارواية»‪ ،‬أو الرواية داخل‬ ‫التخييلي في‬ ‫الرواية‪ ،‬حيث يكشف الكاتب عن البعد‬ ‫ّ‬ ‫عمله‪ ،‬كما تش� � ��تبك الش� � ��خصية مع صانعها وتتمرد‬ ‫عليه في حكاية‪ ،‬تش� � ��به حكايات مس� � ��رحية «س� � ��ت‬ ‫ش� � ��خصيات تبحث عن مؤل� � ��ف» للكات� � ��ب اإليطالي‬ ‫لويج� � ��ي بيرانديللو‪ .‬في هذا الس� � ��ياق م� � ��ن الصراع‬ ‫احملت� � ��دم‪ ،‬بني الكاتبة والش� � ��خصية التي تصطنعها‪،‬‬ ‫تتوضح لن� � ��ا رؤيت� � ��ان متعارضتان ملفه� � ��وم الوطن ّية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فالكاتبة في الرواية ترى أن الش� � ��خص ال يس� � ��تطيع‬ ‫أن ينتم� � ��ي إلى الوطن األم والوطن املتبنّى في الوقت‬ ‫نفسه‪ ،‬فيما ترى الشخصية أن ذلك ممكن وال يش ّكل‬ ‫عمال من أعمال املستحيل‪.‬‬ ‫إن الشخصية حتاول تبرير وضعها كفتاة عراقية‬ ‫تعمل مترجمة للع� � ��دو األمريكي الذي يحتل بالدها‪،‬‬ ‫وتس� � ��اهم مع قواته الراجلة واحملمول� � ��ة في اقتحام‬ ‫بيوت أهله� � ��ا العراقيني‪ .‬لكن تبنيها لهو ّية أمريكية ‪-‬‬ ‫عراقي� � ��ة مزدوجة ميزقها ويش � � �قّها في احلقيقة من‬ ‫ً‬ ‫شروخا وندو ًبا عميقة في نفسها بعد‬ ‫الداخل‪ ،‬تار ًكا‬ ‫أن تقرر العودة إلى الوالي� � ��ات املتحدة على أثر وفاة‬ ‫جدتها حزن� � ��ا وكمدا على «احلفي� � ��دة العراقية التي‬ ‫تعمل مع األمريكان»‪.‬‬ ‫تبدو الصورة التي تقدمها ه� � ��ذه الرواية للوطن‬ ‫املتب ّن� � ��ى أمري� � ��كا س� � ��وداء كابية‪ ،‬ليس فقط بس� � ��بب‬

‫‪66‬‬

‫‪7/16/13 11:25:31 AM‬‬

‫إش� � ��ارتِها العاب� � ��رة إلى أحداث س� � ��جن أب� � ��ي غريب‪،‬‬ ‫وكذلك تصويرِ ه� � ��ا للمداهمات الليلية التي يقوم بها‬ ‫اجلنود األمريكان للعراقيني األبرياء‪ ،‬أو ذكرِ ها لواقع‬ ‫الدمار واخلراب الذي تسبب به االحتالل األمريكي‬ ‫للعراق‪ ،‬بل لتبنيها ً‬ ‫أيضا هو ّي ًة مزدوجة‪ :‬كاتبة وراوية‬ ‫تس� � ��عيان إلى وضع الوطن ّية العراق ّية املتك ّبرة مقابل‬ ‫العنجه ّية األمريكية السافرة التي ال تتو ّرع عن القتل‬ ‫حتت ستار التبشير بنموذج الدميقراطية األمريكية‪،‬‬ ‫وفرض هذا النموذج على الش� � ��عوب‪ ،‬واالدعاء بأنها‬ ‫تخلّص هذه الشعوب من االستبداد والطغيان‪ .‬وكما‬ ‫يقول أخو «زينة» في الرضاعة‪ ،‬امللتحق بجيش املهدي‬ ‫الشيعي‪« ،‬فقد خلّص األمريكان املدينة من كينغ كونغ‬ ‫ّ‬ ‫ولكنهم أخذوا العراق مكافأة لهم على ذلك»‪.‬‬ ‫حتضر أمريكا في رواي� � ��ة إنعام كجه جي كدولة‬ ‫اس� � ��تعمارية غازية‪ ،‬ويُص َّور جنوده� � ��ا‪ ،‬رغم تعاطف‬ ‫الش� � ��خصية مع قتالهم الذين ترتفع شواهد قبورهم‬ ‫في املقبرة األمريكية البعيدة‪ ،‬بوصفهم ضحايا احللم‬ ‫األمريكي الذي حت ّول إل� � ��ى كابوس ثقيل في بدايات‬ ‫القرن احلادي والعشرين‪ .‬إنها أمريكا أخرى ال تشبه‬ ‫تل� � ��ك التي رأيناها ف� � ��ي رواية ربيع جاب� � ��ر «أمريكا»‬ ‫أو ف� � ��ي الفصول األمريكية ف� � ��ي رواية ليلى األطرش‬ ‫«رغبات‪ ..‬ذاك اخلريف»‪.‬‬

‫تشريح أمريكا‬

‫باملقارنة م� � ��ع الروايات الثالث الس� � ��ابقة‪ ،‬فإن‬ ‫طم� � ��وح رواي� � ��ة «أمريكانل� � ��ي» لصنع الل� � ��ه إبراهيم‬ ‫ً‬ ‫تاريخا‬ ‫هو تقدمي تش� � ��ريح ش� � ��ديد العمق ألمري� � ��كا‬ ‫وحاض � � � ًرا معاص ًرا‪ ،‬وذلك من خالل رحلة أس� � ��تاذ‬ ‫أكادمي� � ��ي متخصص في التاريخ إلى مدينة س� � ��ان‬ ‫فرنسيس� � ��كو لينجز مع طلب� � ��ة اجلامعة حلقة بحث‬ ‫في التاريخ املقارن‪ .‬وعلى طريقة صنع الله إبراهيم‬ ‫ّ‬ ‫تتكش� � ��ف‬ ‫في املزج بني التخييل الروائي والوثيقة‪،‬‬ ‫أمريكا ف� � ��ي جوانب من ماضيها وحاضرها للقارئ‬ ‫الذي يتبينّ النس� � ��يج املتش� � ��ابك املتع� � ��دد للمجتمع‬ ‫األمريكي‪ .‬وجلالء صورة أمريكا بطبقاتها املتراكبة‪،‬‬ ‫يلق� � ��ي الكاتب الضوء على بع� � ��ض مظاهر املجتمع‬ ‫األمريكي ف� � ��ي التاريخ واحلاض� � ��ر املعاصر‪ ،‬حيث‬ ‫يكلّف األس� � ��تاذ اجلامعي طلبته بكتابة بحوث حول‬ ‫عدد من املوضوع� � ��ات التاريخية اخلاصة باملجتمع‬ ‫األمريك� � ��ي أو املجتم� � ��ع املصري‪ ،‬ليخل� � ��ص الراوي‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep62-67.indd 66‬‬


‫املصري‬ ‫املش� � ��ارك ف� � ��ي «أمريكانلي»‪ ،‬أي األس� � ��تاذ‬ ‫ّ‬ ‫الزائر في اجلامعة‪ ،‬إلى عرض اجلوانب الكاش� � ��فة‬ ‫مزاوجا ب� �ي��ن تلخيص ما يقول‬ ‫في ه� � ��ذه البحوث‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إنه بحوث ق� � ��ام بها طلبته‪ ،‬وس� � ��ردِ احلياة اليومية‬ ‫والتجارب الت� � ��ي تصادفه أثناء رحلته التدريس � � � ّية‬ ‫في أمريكا‪ ،‬متج ّوال في ش� � ��وارع س� � ��ان فرنسيسكو‬ ‫ليش� � ��اهد جوانب التطور والتقدم العلمي واملعرفي‬ ‫اإلثني والثقافي‪ ،‬والتش� � ��ابك‬ ‫والعمران� � � ّ�ي‪ ،‬والتنوع‬ ‫ّ‬ ‫�اري في ه� � ��ذا املجتمع؛ ولي� � ��رى في الوقت‬ ‫احلض� � � ّ‬ ‫نفسه مظاهر اجلرمية املنظمة‪ ،‬وتعقيدات العيش‬ ‫والتباين الهائل في دخول البش� � ��ر وانقسام املجتمع‬ ‫األمريكي إلى قلّة متلك وكثرة كاثرة جتاهد للعيش‬ ‫على حدود الكفاف‪.‬‬ ‫في هذا الس� � ��ياق م� � ��ن املزج ب� �ي��ن الوثيقة‪ ،‬أو‬ ‫البحث التاريخي‪ ،‬وحكايات الشخصيات الروائية‪،‬‬ ‫من طلبة وأس� � ��اتذة وعاملني وباحثني في اجلامعة‪،‬‬ ‫يس� � ��عى صنع الله إلى تقدمي رؤي� � ��ة مغايرة ألمريكا‬ ‫الغنية مانحة الفرص‪ ،‬كاش � � � ًفا عن زيف ما يسمى‬ ‫«احلل� � ��م األمريكي»‪ ،‬عبر الع� � ��ودة للبحث في إبادة‬ ‫املستوطنني للسكان األصليني من الهنود احلمر‪ ،‬أو‬ ‫البحث في صيغ تك ّون الثروات في أيدي مجموعة‬ ‫قليلة من أصحاب املال في أمريكا‪ ،‬أو أشكال تعامل‬ ‫أمريكا مع الغرباء الوافدين إليها من دول عديدة‪ ،‬أو‬ ‫حديث بعض الشخصيات عن األحالم الثورية التي‬ ‫راودتها في شبابها أثناء صعود احلركات املناهضة‬ ‫للح� � ��رب على فيتنام‪ ،‬ما مي ّك� � ��ن القارئ‪ ،‬من خالل‬ ‫تتبعه لنمو خيوط النسيج الروائي‪ ،‬من الوقوع على‬ ‫صورة أمريكا املنقس� � ��مة على ذاتها‪ ،‬ويبدد الصورة‬ ‫الب ّراقة التي تقوم أمريكا بترويجها عن ذاتها‪ .‬وكما‬ ‫يقول الري‪ ،‬أحد الطلبة املشاركني في حلقة البحث‬ ‫التي يديره� � ��ا الراوي‪ ،‬فإن هناك ق � � � ْد ًرا كبي ًرا من‬ ‫املبالغة في احلديث عن «سان فرنسيسكو كمدينة‬ ‫التس� � ��امح والتعايش‪ .‬فقد قامت املدينة عمليا فوق‬ ‫جثث الهنود احلمر‪ .‬وتع ّرض املهاجرون الش� � ��يليون‬ ‫األوائل لالضطهاد من جانب املس� � ��توطنني البيض‪.‬‬ ‫وعندم� � ��ا اكتم� � ��ل بناء خ� � ��ط حديد الش� � ��رق وقعت‬ ‫أزمة اقتصادي� � ��ة حادة‪ ،‬فألقى ه� � ��ؤالء باللوم على‬ ‫املهاجرين الصينيني الذين عملوا في بنائه‪ .‬وجرى‬ ‫اضطهادهم ومالحقتهم ووشمهم باحلديد احملمي‬ ‫أو قطع ألس� � ��نتهم وآذانهم وح� � ��رق محالهم‪ .‬وتكرر‬

‫األم� � ��ر بعد ذلك خالل احلرب العاملي� � ��ة الثانية مع‬ ‫اليابانيني ثم مع الس� � ��ود الذين حلّوا محلّهم‪ .‬حتى‬ ‫منتصف الستينيات كانت بعض املطاعم تعلّق على‬ ‫أبوابها الفت� � ��ة «ممنوع دخول الزن� � ��وج والكالب»»‪.‬‬ ‫(ص‪ )258 -257 :‬وه� � ��ذا كالم يج� � ��ري تعزيزه من‬ ‫خالل البحوث التي يتقدم بها طلبة آخرون‪ ،‬وكذلك‬ ‫من خالل احلكايات الشخصية للراوي‪ ،‬سواءٌ تلك‬ ‫التي تنتمي إلى ذكرياته وجتاربه الس� � ��ابقة أو عبر‬ ‫معايشته اليومية واستكشافاته وجوالته في ظاهر‬ ‫املدينة وباطنها‪.‬‬ ‫من الواضح ف� � ��ي رواية صنع الله إبراهيم‪ ،‬الذي‬ ‫يضع لها عنوانا مزدوجا يقصد منه تشريح أمريكا من‬ ‫الداخل واحملاكاة الساخرة لعالقة العرب واملصريني‬ ‫بأمريكا املهيمنة والباسطة نفوذها اإلستراتيجي في‬ ‫ه� � ��ذه املنطقة من العالم‪ :‬أمريكانلي (أمري كان لي)‪،‬‬ ‫أنها تسعى إلى تعميم صورة سان فرنسيسكو املدينة‬ ‫على أمريكا الدولة العمالقة‪ ،‬دون أن تقع في التبسيط‬ ‫الشديد املُخ ّل الذي يز ّيف الصورة الفعل ّية للمجتمع‬ ‫والدول� � ��ة األمريكي� �ي��ن‪ ،‬ويدفع القارئ إلى اكتش� � ��اف‬ ‫الغايات األيديولوجية والفكرية التي تقيم في أساس‬ ‫هذا العمل الروائي‪ .‬ومن هنا تلعب الوثيقة‪ ،‬أو املادة‬ ‫الوثائقية الكاش� � ��فة واملوجه� � ��ة والقائمة على عملية‬ ‫بحث دؤوب ف� � ��ي التاريخ األمريكي‪ ،‬دو ًرا مركز ًيا في‬ ‫تق� � ��دمي صورة توحي باملوضوعية‪ ،‬وت ّدعي في الوقت‬ ‫نفس� � ��ه أنها مج� � ��رد آراء يلقي به� � ��ا الطلبة في حلقة‬ ‫بحث دراس� � ��ية جامعية‪ .‬وهو م� � ��ا يحفظ رواية صنع‬ ‫الله إبراهيم املتش� � ��ابكة امللتفّة‪ ،‬متعددة الشخصيات‬ ‫واحلكايات واحلبكات‪ ،‬من الوقوع في دائرة الس� � ��حر‬ ‫األمريكي من جهة‪ ،‬أو االكتفاء برجم أمريكا وتقدمي‬ ‫صورة مشيطنة ��ها من جهة أخرى >‬

‫الروايات‪:‬‬ ‫< ربيع جابر‪ ،‬أمريكا‪ ،‬املركز الثقافي العربي (بيروت‪،‬‬ ‫الدار البيضاء) ودار اآلداب (بيروت)‪.2009 ،‬‬ ‫< ليل ��ى األط ��رش‪ ،‬رغب ��ات‪ ..‬ذاك اخلري ��ف‪ ،‬وزارة‬ ‫الثقافة األردنية‪ ،‬عمان‪.2010 ،‬‬ ‫< إنع ��ام كجه جي‪ ،‬احلفيدة األمريكية‪ ،‬دار اجلديد‪،‬‬ ‫بيروت‪.2008 ،‬‬ ‫< صنع الله إبراهيم‪ ،‬أمريكانلي (أمري كان لي)‪ ،‬دار‬ ‫املستقبل العربي‪ ،‬القاهرة‪.2003 ،‬‬

‫االجتاه نحو ضفة األطلسي وجوه أمريكا املتعددة في الرواية العربية‬

‫‪7/16/13 11:25:35 AM‬‬

‫‪67‬‬

‫‪sep62-67.indd 67‬‬


‫وجها لوجه‬

‫املهندس املعماري املغربي عبدالواحد منتصر وعبدالرحيم العالم‬

‫حينما ينتصر اإلنسان لإلنسان‬ ‫يعتبر عبدالواحد منتصر‪ ،‬من أكبر املهندسني املعماريني املغاربة‪ ،‬فضال عن كونه فنانا تشكيليا‬ ‫ومثقفا وق��ارئ��ا نهما لكتب الفكر والفلسفة واألدب‪ ,‬كما يعتبر أح��د رواد اجليل الثاني من‬ ‫املهندسني املعماريني املغاربة‪ ،‬إذ ساهم عبر جتربته الغنية واملمتدة مع عوالم الهندسة املعمارية‪،‬‬ ‫وعبر نشاطه املهني والثقافي واألك��ادمي��ي والفني واالجتماعي‪ ،‬في وض��ع وب�ل��ورة مخططات‬ ‫وتصاميم هندسية معمارية كثيرة وبالغة اجلمال‪ ،‬متكنت من تغيير وجه التمدن والطبيعة‬ ‫االجتماعية لعدد من املدن املغربية القدمية واجلديدة‪ ،‬وارتقت بصورة التمدن واملعمار فيها‪،‬‬ ‫وساهمت‪ ،‬بالتالي‪ ،‬في تعزيز اجلودة احلضرية واملعمارية للسكن االجتماعي‪ ،‬وغيره‪ ،‬في املغرب‪.‬‬

‫عبدالواحد منتصر (يساراً) وعبدالرحيم العالم‬

‫‪68‬‬

‫‪7/18/13 10:09:53 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 68-75.indd 68‬‬


‫من التصاميم الهندسية للمعماري منتصر‬

‫فضال عن ذلك‪ ،‬جن� � ��د أن مجال املعمار‪،‬‬ ‫كما يتمثله املهن� � ��دس عبدالواحد منتصر‬ ‫ويفهم� � ��ه‪ ،‬يبق� � ��ى غي� � ��ر بعيد ع� � ��ن مجال‬ ‫الفكر والثقافة واإلب� � ��داع واخليال‪ ،‬لكونهما يتكامالن‬ ‫ف� � ��ي ما بينهم� � ��ا‪ ،‬نظريا ومنهجيا وحتليلي� � ��ا‪ .‬من هنا‪،‬‬ ‫ضرورة الفك� � ��ر والثقافة واإلبداع للمعمار‪ ،‬بالنس� � ��بة‬ ‫لعبدالواح� � ��د منتص� � ��ر‪ .‬وفي هذا املق� � ��ام‪ ،‬تبرز ثقافة‬ ‫منتصر الهندس� � ��ية‪ ،‬في تنوعها‪ ،‬وفي اتس� � ��اع أشكال‬ ‫تفاعلها مع اإلنتاج الفكري واملعماري الكوني‪ ،‬مبا في‬ ‫ذلك تقديره اخلاص ألعم� � ��ال مجموعة من املفكرين‬ ‫واألدب� � ��اء والفنانني املغاربة والع� � ��رب واألجانب‪ ،‬ممن‬ ‫تفاعل معه� � ��م منتصر ف� � ��ي كتابات� � ��ه ورؤاه‪ ،‬من قبيل‬ ‫جاك دريدا وعبدالله العروي‪ ،‬وغيرهما من املفكرين‬ ‫واألدباء والفنانني العرب واألجانب‪.‬‬ ‫ف� � ��ي تصاميم املهندس عبدالواح� � ��د منتصر‪ ،‬يتم‬ ‫التركيز‪ ،‬أساس� � ��ا‪ ،‬على اإلنسان‪ ،‬في عالقته بالفضاء‬ ‫ال� � ��ذي يأويه ويعي� � ��ش فيه‪ ،‬وفي اعتباره اإلنس� � ��ان هو‬ ‫املعيار األس� � ��اس الذي يعتمد علي� � ��ه كل معمار‪ ،‬مبثل‬ ‫تركي� � ��زه‪ ،‬أيض� � ��ا‪ ،‬على ال� � ��دور االجتماعي للهندس� � ��ة‬ ‫املعماري� � ��ة‪ ،‬وخصوص� � ��ا حينما يتعلق األم� � ��ر بنوع من‬

‫املشاريع الكبرى‪ ،‬تلك التي يؤمن بها منتصر وينتصر‬ ‫ألفقها اإلنساني الرحب‪.‬‬ ‫عم� � ��ل عبدالواح� � ��د منتصر على وض� � ��ع تصاميم‬ ‫ملجموع� � ��ة من امل� � ��دن ومقرات املؤسس� � ��ات واملعلمات‬ ‫املغربية‪ ،‬ويكفي أن نذكر منها تصميمه‪ ،‬مبعية املهندس‬ ‫املعماري املغربي رشيد األندلس� � ��ي‪ ،‬للمكتبة الوطنية‬ ‫للمملكة املغربية‪ ،‬هذه املعلمة الفنية التي س� � ��بق ملجلة‬ ‫«العربي» أن نش� � ��رت عنها استطالعا شامال‪ ،‬يعكس‬ ‫طبيعة جمال هندس� � ��تها وأروقتها وفضاءاتها‪ .‬فضال‬ ‫عن ذلك‪ ،‬فاز ترش� � ��يح عبدالواح� � ��د منتصر‪ ،‬أخيرا‪،‬‬ ‫لوضع تصميم ملقر سفارة دولة الكويت في املغرب‪.‬‬ ‫< أص ��درت حت ��ى اآلن‪ ،‬مبعي ��ة الش ��اعر املغرب ��ي‬ ‫املهدي أخريف‪ ،‬كتابني اثنني مش ��تركني‪« :‬عبدالواحد‬ ‫منتص ��ر‪ :‬املهن ��دس اإلنس ��ان»‪ ،‬و«املدين ��ة الس ��عيدة»‪،‬‬ ‫والبقي ��ة في الطريق‪ .‬فكيف ج ��اءت فكرة تعاونك مع‬ ‫الش ��اعر أخري ��ف‪ ،‬وه ��ل اخت ��رت فيه ص ��ورة الصديق‪،‬‬ ‫أم ص ��ورة الش ��اعر‪ ،‬أم صورة املترج ��م‪ ،‬أم صورة املثقف‬ ‫الع ��ارف باملدينة املغربي ��ة وبتحوالتها‪ ،‬أم أنك اخترته‬ ‫لتلك اخلاصيات كلها؟‬ ‫ً‬ ‫‪ -‬التَّعاون والتعامل بينن� � ��ا في الكتابني معا َج َرى‬

‫(وجها لوجه) املهندس املعماري املغربي عبدالواحد منتصر وعبدالرحيم العالم‬

‫‪7/18/13 10:10:00 AM‬‬

‫‪69‬‬

‫‪sep 68-75.indd 69‬‬


‫ساهمت‬ ‫بكيفية تلقائية َس ِلس� � ��ة بحكم الصداقة التي‬ ‫ْ‬ ‫بق ّوة في إنضاج جتربة إجناز الكتابني معاً‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وجدت في املهدي منبعاً ثقافياً ُمهما ملهندس‬ ‫لقد‬ ‫ُ‬ ‫معم� � ��اري‪ .‬ذل� � ��ك أ ّنني ال أتص � � � ّور العم� � ��ل في مجال‬ ‫الهندس� � ��ة املعمارية ممارس � � � ًة منعزلة ومنفصلة عن‬ ‫باقي املجاالت األخرى‪ ،‬وخاصة املجال الثقافي‪.‬‬ ‫إنن� � ��ي أعتبر الصداق� � ��ة التي جتمعن� � ��ي باملهدي‬ ‫مثمر‪ ،‬لكونه ش� � ��اعراً‬ ‫اتفاق‬ ‫أخريف مبنزل� � ��ة ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وتوافق ٍ‬ ‫ً‬ ‫وكاتباً‪ ،‬وألن الهندسة املعمارية هي أيضا كتابة التخلو‬ ‫من شاعرية وتخييل‪.‬‬ ‫لت صداقتنا إلى عالقة مثمرة متَواصلة‬ ‫لقد حت َّو ْ‬ ‫عبر عملية تعاون وجتريب وحتاور وجتاوب‪ ،‬كأن األمر‬ ‫يتعلّق مبختبر مشترك بني مهندس معماري وشاعر‪.‬‬ ‫يستفيد كالنا من اآلخر‪ .‬وكالنا يدعم‬ ‫ويق ّوي تجَ رب َة اآلخر‪ ،‬السيما أن املهدي‬ ‫يهت ّ ُم بقضايا وشئون أعتبر نفسي مع ِنّيا‬ ‫بها إلى أبعد َمدى‪ ،‬مثل قضايا الوجود‬ ‫واملصير ومعنى الوجود اإلنساني‪ ،‬وهي‬ ‫قضايا نلتق� � ��ي معاً فيه� � ��ا على قاعدة‬ ‫النظر املتقارب املشترك‪ .‬وهو ما يعني‬ ‫أ ّنَنا نس� � ��ير في االتجّ اه نفسه‪ .‬هو يع ّبر‬ ‫عن رؤاه بالكتابة وأنا وسيلتي التعبيرية‬ ‫هي الكتابة املعمارية‪.‬‬ ‫وعلي هن� � ��ا أن أذ ّكر بأ ّن لي جترب ًة‬ ‫َّ‬ ‫س� � ��ابقة على جتربة تعاملي مع املهدي‪،‬‬ ‫مشروع محطة وجدة‬ ‫عِ ْش � � �تُها مع الفنان التش� � ��كيلي محمد‬ ‫ً‬ ‫حميدي‪ ،‬غير أنها عل� � ��ى أهم َّيتها ظلّت محصورة في الفرنسية أن يقرأوا كتبي باللغة التي يُ ْح ِسنون‪.‬‬ ‫أ ّما ع� � ��ن مش� � ��اريعي املقبلة فس� � ��تكون بالعربية‬ ‫والضوء ولم تَ ْرتقِ إلى مس� � ��توى‬ ‫مجال الش� � ��كل واملا ّدة ّ‬ ‫والفرنس� � ��ية ولغات أخرى‪ ،‬ملاذا؟ أل ّن الصدى والتلقّي‬ ‫االهتمام باملجال اإلنساني‪.‬‬ ‫< نادر ًا ما يلجأ املهندسون املعماريون في بالدنا اإليجابيني ألعمالي ف� � ��ي الصحافة املكتوبة بالعربية‬ ‫العربي ��ة إل ��ى إصدار كتب ع ��ن جتاربه ��م وخبراتهم كان أكبر وأوس� � ��ع ممِ ّ ا حصل ف� � ��ي الصحافة املكتوبة‬ ‫ومش ��اريعهم وتأمالته ��م‪ ،‬خاص ��ة أن ��ك انتصرت في بالفرنسية أو غيرها‪.‬‬ ‫كتابي ��ك‪ ،‬الصادري ��ن إلى ح ��د اآلن‪ ،‬باالش ��تراك مع‬ ‫< مما ال شك فيه‪ ،‬أن خبرتك وجتربتك الهندسية‬ ‫الشاعر املهدي أخريف‪ ،‬للغة العربية‪ ،‬خالفا ملا دأب املعماري ��ة‪ ،‬املش ��هود ل ��ك به ��ا داخليا وخارجي ��ا‪ ،‬تقف‬ ‫علي ��ه آخرون‪ ،‬في ارمتائهم في أحضان لغات أخرى‪ ،‬خلفها جتارب هندس ��ية ملهندسني عامليني أثروا فيك‬ ‫يعتبرونه ��ا أكث ��ر حداث ��ة ومقروئي ��ة وال أخفي ��ك‪ ،‬وف ��ي تكوينك العلم ��ي‪ ،‬كما أغنوا جتربتك ومس ��ارك‬ ‫ف ��ي ه ��ذا اإلط ��ار‪ ،‬أنن ��ي اس ��تمتعت كثي ��را بكتابيك وطبيعة فهمك للمدينة اجلديدة‪ .‬فهل لك أن تقربنا‬ ‫واس ��تفدت منهم ��ا‪ ،‬مبا يقدمانه ويكش ��فان عنه من من أهم تلك املرجعيات واخلبرات الدولية‪ ،‬وما درجة‬ ‫تأم�ل�ات ذاتي ��ة وثقافية ح ��ول املعم ��ار واملدينة‪ .‬فلم ونوعي ��ة تأثرك به ��ا‪ ،‬في مجال إس ��هامك املضيء في‬ ‫فكرت ف ��ي إصدار كتب ��ك باللغة العربي ��ة‪ ،‬أوال؟ وما تطوير صورة املدينة املغربية؟‬ ‫مشاريعك املستقبلية في هذا املجال؟‬ ‫أحب اللغ� � ��ة العربية‬ ‫ أ َّوالً وقب� � ��ل ُك ِ ّل ش� � ��يء أنا ّ‬‫بعض االنطباعات أو‬ ‫وأد ّو ُن بها‪ ،‬من حني إل� � ��ى آخر‪َ ،‬‬ ‫التأم� �ل��ات أو املالحظات ذات الصلة باختصاصي أو‬ ‫بغيره من املجاالت الفكرية واجلمالية‪ .‬كما أنني أجد‬ ‫الكثير من املتعة في القراءة بها‪.‬‬ ‫وكن� � ��ت أحس� � ��ب أ ّنني بإص� � ��داري كتاب� � ��ي األول‬ ‫بالعرب ّية س� � ��أتيح الفرصة للمهتمني مبجال املعمار أن‬ ‫اكتشفت أن أغلب الذين‬ ‫يقرأوا ما نَ َش� � ��رت‪ ،‬غير أ ّنني‬ ‫ُ‬ ‫يشتغلون بالهندسة املعمارية ويقرأون عنها‪ ،‬ال يقرأون‬ ‫بالعربية‪ .‬لذلك ق َّررت أن أنْ ُشر كتابي الثاني في هذا‬ ‫امليدان باللغتني العربية والفرنس� � ��ية معاً‪ ،‬حتى أمنح‬ ‫الفرصة للق َّراء من ذوي اللس� � ��ان الفرنس� � ��ي والثقافة‬

‫‪70‬‬

‫‪7/18/13 10:10:06 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 68-75.indd 70‬‬


‫ لقد تأثرت مبهندس� �ي��ن معماريني بارزين كانت‬‫لهم جتربة قوية مؤثرة على املستوى العاملي‪ ،‬مثل لويس‬ ‫كان األمريكي الذي أجنز مشاريع معمارية كبرى داخل‬ ‫الواليات املتحدة وخارجها «في بنغالديش‪ ،‬وفي الهند‬ ‫وأقط� � ��ار أخرى»‪ ،‬حيث عرف كي� � ��ف يتعامل مع ثقافة‬ ‫ومحي� � ��ط البلدان التي أجنز فيها مش� � ��اريعه‪ .‬وكذلك‬ ‫املهندس املعماري الكوبي ريكاردو بورو في مش� � ��اريعه‬ ‫ومنجزاته الرائع� � ��ة في مدينة هافانا والتي جنح فيها‬ ‫في املزج ب� �ي��ن أصول الثقافة اإلفريقي� � ��ة واألمريكية‬ ‫الالتينية التي مت ّيز الشعب الكوبي مبا يجعله منوذجاً‬ ‫معماري فريد‪ .‬وال تفوتني اإلش� � ��ارة هنا‬ ‫فريداً إلبداع‬ ‫ِّ‬ ‫أيضاً إلى املهندس املعماري السويس� � ��ري لوكوربوزييه‬ ‫وإجنازاته خصوصا في ش� � ��انديغار في الهند وغيرها‬

‫اإلضاءة تتسرب من خالل التصميمات احملكمة‬

‫من املشاريع‪ .‬كما يجب هنا أال أنسى املهندس العبقري‬ ‫املصري حس� � ��ن فتحي ومشروعه الش� � ��هير «القرنة»‪،‬‬ ‫ومتفردة‬ ‫فهو مش� � ��روع أعتبرهُ صيغ ًة عملية ناجح� � ��ة‬ ‫ِّ‬ ‫الس� � ��كن املالئم لإلنس� � ��ان املصري البس� � ��يط‪،‬‬ ‫لنمط َّ‬ ‫اعى فيه منوذج العمران املالئم‬ ‫وهو املش� � ��روع الذي َر َ‬ ‫حلاجات النّاس البس� � ��طاء‪ .‬إذن مرجعياتي في عملي‬ ‫مؤسسة على هذه التجارب ومثيالتها‪ ،‬وهي‬ ‫املعماري َّ‬ ‫جتد أسس� � ��ها في الواقع‪ ،‬في مج� � ��ال الثقافة مبعناها‬ ‫الش� � ��مولي الواس� � ��ع وليس َعبْر ال ّنَقْل أو فرض مناذج‬ ‫هندسية يجري تطبيقها على بَل َ ٍد معينّ ‪.‬‬ ‫< فض�ل�ا ع ��ن تكوين ��ك وثقافت ��ك الهندس ��ية‬ ‫املعماري ��ة‪ ،‬يع ��رف عنك اهتمام ��ك الكبي ��ر وقراءاتك‬ ‫املتواصلة لكتب الفلس ��فة والفك ��ر واألدب‪ ،‬وخصوصا‬ ‫الرواي ��ة‪ ،‬ف ��ي أبعاده ��ا العربي ��ة والعاملية‪ .‬فه ��ل لك أن‬

‫تقربن ��ا من هذه العوال ��م الثقافية واجلمالية املوازية‪،‬‬ ‫ومن طبيعة تأثيرها املباشر أو غير املباشر على فهمك‬ ‫وتصورك للعالم وللمدينة السعيدة فيه؟‬ ‫ ال ش� � ��ك في أن القراءة واالس� � ��تزادة املعرفية‬‫الدائم� � ��ة مِ ْن حقول األدب والفلس� � ��فة والتاريخ والفن‬ ‫والعلم لها دور مهم في إغناء وتكييف عملي ومشاريعي‬ ‫املعمارية مبا تش� � � ِ ّ�كله من تأثير وإغناء إيجابي مباشر‬ ‫لتص ّوراتي وأفكاري س� � ��واء مجال العمارة أو العمران‪.‬‬ ‫ذلك أنها تس� � ��اعدني على أن أفهم خصوصية ثقافتي‬ ‫وحضارت� � ��ي العربي� � ��ة اإلس� �ل��امية على نح� � ��و أعمق‬ ‫وأفض� � ��ل‪ .‬ألن ُك َّل ما أجنزته وأجن� � ��زه إمنا هدفه هو‬ ‫اإلنسان املغربي والعربي أوالً ثم اإلنسان حيثما ُوجد‬ ‫ثانيا وأخيراً‪.‬‬ ‫< ف ��ي كتاب ��ك األول‪ ،‬توقف ��ت عن ��د‬ ‫املفك ��ر والروائ ��ي املغرب ��ي الدكت ��ور‬ ‫عبدالل ��ه الع ��روي‪ ،‬فهل ل ��ك أن تقربنا‬ ‫من سر إعجابك بش ��خصيته وكتاباته‪،‬‬ ‫علم ��ا بأن لعبدالله العروي نفس ��ه آراء‬ ‫ومواق ��ف خاص ��ة م ��ن «املدين ��ة»‪ ،‬كتلك‬ ‫التي جس ��دها في روايته املمتعة «غيلة»‬ ‫عن الدار البيضاء وما آلت إليه أحوالها‪،‬‬ ‫أو تلك التي س ��بق أن تضمنتها رواياته‬ ‫األول ��ى‪ ،‬وكذل ��ك كتاب ��ه «م ��ن التاري ��خ‬ ‫إل ��ى احل ��ب»‪ ،‬في تس ��اؤله الش ��هير «هل‬ ‫لدين ��ا مدينة ميكن أن تك ��ون موضوعا‬ ‫للرواية؟»‬ ‫ إعجاب� � ��ي بأعم� � ��ال عبدالله الع� � ��روي الفكرية‬‫والتاريخية أكبر من إعجابي بأعماله الروائية التي‬ ‫أفدت الكثير من‬ ‫لم أقرأ منها س� � ��وى روايتني‪ .‬لق� � ��د‬ ‫ُ‬ ‫حتليالته العميقة لتاريخ املغرب وللوضع االجتماعي‬ ‫والسياس� � ��ي والثقافي ف� � ��ي املغرب والعال� � ��م العربي‬ ‫أفدت الكثير من قراءاته الفلسفية‬ ‫احلديثني‪ .‬وكذلك‬ ‫ُ‬ ‫في م� � ��ا يخص مفاهيم مثل التاريخ‪ ،‬الدولة‪ ،‬احلرية‪،‬‬ ‫األيديولوجي� � ��ة‪ ،‬العقل‪ ..‬إلخ‪ .‬وفي كتاب «عبدالواحد‬ ‫منتصر‪ :‬املهندس اإلنسان» فصل قصير أحتدث فيه‬ ‫عن حوار دار بيني وبينه َعقِ َب محاضرة لي في معهد‬ ‫جوته بالرباط‪ .‬وكان� � ��ت املدينة هي موضوع احلوار‪.‬‬ ‫وأعتقد أ ّنَنا معاً منلك الرؤية النقدية نفسها للمدينة‬ ‫وخاصة ملدينة عاش هو فيها مدة غير قصيرة وفيها‬ ‫�دت والأزال أعيش وأعمل إلى اليوم‪ ،‬أعني الدار‬ ‫ول� � � ُ‬

‫(وجها لوجه) املهندس املعماري املغربي عبدالواحد منتصر وعبدالرحيم العالم‬

‫‪7/18/13 10:10:10 AM‬‬

‫‪71‬‬

‫‪sep 68-75.indd 71‬‬


‫صورة للعالم داخل معرض‬

‫قلت إنني عندما قرأت‬ ‫البيضاء‪ .‬وال أخفيك س ّراً إن ُ‬ ‫رأيه املس� � ��رود على لسان إحدى ش� � ��خصيات روايته‬ ‫املتحدث عن الدار البيضاء‬ ‫�ت كأنني‬ ‫ِّ‬ ‫«غيلة» أحسس� � � ُ‬ ‫وليس إحدى شخصيات العروي‪ .‬دعني إذن أقتطف‬ ‫هذه الفقرة من مطلع الرواية للتذكير‪ ،‬وهي اآلتية‪:‬‬ ‫«‪ ...‬نو ّد أن نس� � ��تغل العملية (عملية إنقاد قاعة‬ ‫س� � ��ينمائية من اإلغالق) لكي نُش� � ��عر النَّاس مبشكل‬ ‫أع ّم وه� � ��و ما يلحق املدن املغربية من تش� � ��ويه‪ .‬أكثر‬ ‫املس � � � ِ ّيرين على املس� � ��توى احمللي أ ّفاقيون ال تربطهم‬ ‫بامل� � ��دن التي يتو ّل� � ��ون إدارتها أي عالق� � ��ة وجدانية‪.‬‬ ‫فيفضل� � ��ون الهدم على‬ ‫يتصرف� � ��ون م� � ��ن دون مراقبة‬ ‫ِّ‬ ‫التّرمي� � ��م‪ .‬اجلراح� � ��ة على املداواة‪ .‬ال يش� � ��عرون بأ َّن‬ ‫حي يحس‬ ‫املدين� � ��ة ّ‬ ‫أي مدين� � ��ة باملعنى الكام� � ��ل كائ ٌن ٌ‬ ‫ويتنفّس ويتذ َّك� � ��ر‪ ،‬ال مج ّرد ُر َكام قابل للهدم والفتق‪.‬‬ ‫مم ّراتها شرايني ومبانيها معالم‪ .‬أين عمارة فوكس؟‬ ‫املسرح البلدي؟ فندق آنفا؟‪.»...‬‬ ‫< م ��ن املعروف أن بع ��ض مجتمعاتنا العربية قد‬ ‫ورثت عن االس ��تعمار مدينتني اثنتني‪ :‬مدينة عتيقة‬ ‫ومدين ��ة جديدة‪ .‬ففي نظ ��رك‪ ،‬كيف ميكن‪ ،‬في ضوء‬ ‫ه ��ذا التقاط ��ع بني ما ينتمي إل ��ى األصالة املعمارية‬

‫‪72‬‬

‫‪7/18/13 10:10:18 AM‬‬

‫وم ��ا ينتمي إل ��ى احلداثة‪ ،‬أن نخل ��ق مدينة جديدة؛‬ ‫أقص ��د مدينة وس ��طى‪ ،‬تس ��تجيب‪ ،‬في جان ��ب منها‪،‬‬ ‫لقيمن ��ا اإلنس ��انية واالجتماعي ��ة‪ ،‬ولتط ��ور احلي ��اة‬ ‫وتزايد عدد الس ��كان الذي تعرف ��ه مدننا اليوم بفعل‬ ‫عوامل عدة‪ ،‬من أبرزها عامل الهجرة القروية؟‬ ‫ اجلواب موجود في املدينة الس� � ��عيدة بالصيغة‬‫التالية‪:‬‬ ‫البد من العودة إلى املاضي لفهم ما جرى ملدننا‬ ‫والس� � ��يما إلى ما حدث بعد االستعمار مباشرة؛ ذلك‬ ‫أنن� � ��ا ورثن� � ��ا مدينتني‪ :‬املدين� � ��ة العتيقة ال � � �ـ «ما قبل»‬ ‫اس� � ��تعمارية؛ ثم املدينة األوربية احلديث� � ��ة‪ ،‬وإذا بنا‬ ‫نضيف إليهما مدينة أخرى تَ َر ْع َر َعت بس� � ��رعة بفعل‬ ‫الهجرة الواس� � ��عة املتزايدة من الب� � ��وادي إلى املدينة‪،‬‬ ‫ميك� � ��ن أن أطلق عليها نع� � ��ت الالمدينة‪ .‬يبدو أننا لم‬ ‫أس َرى‬ ‫ننتبه إلى أننا ونحن نش ّيد هذه «الالمدينة» كنا ْ‬ ‫نظرة تقوم على تفتيت بنيوي للطبقات االجتماعية‪،‬‬ ‫من خ� �ل��ال بناء مجموعات س� � ��كنية منفصلة‪ :‬أحياء‬ ‫صناعية‪ ،‬أحياء للطبقات الكادحة واملتوسطة‪ ،‬أحياء‬ ‫راقية‪.‬‬ ‫هذا التفتيت كانت له تأثيرات شديدة السلبية إذ‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 68-75.indd 72‬‬


‫مساحات تسمح لألخضر باحلياة‬

‫تكريس متزايد للتفاوت بخلق مجتمعات‬ ‫ترتّب عليه‬ ‫ٌ‬ ‫منفصلة عديدة داخل املجتم� � ��ع الواحد‪ ،‬بل طبقات‬ ‫متباع� � ��دة ال جتمعها عالقات اجتماعي� � ��ة أو ثقافية‬ ‫ملموسة‪.‬‬ ‫أج� � ��ل‪ ،‬كانت هن� � ��اك بعض احمل� � ��اوالت اإليجابية‬ ‫لتدارك ا َ‬ ‫خللَل وخاصة ف� � ��ي أحياء مثل درب اجلديد‬ ‫(احلي احلس� � ��ني)‪ ،‬ح� � ��ي مبروكة‪ ،‬س� � ��يدي عثمان‪ ،‬إذ‬ ‫أقيمت مش� � ��اريع سكنية من طرف الدولة أو اخلواص‬ ‫حاولت أن تستفيد من منوذج املدينة العتيقة‪.‬‬ ‫أن� � ��ا ب� � ��دوري قم� � ��ت مبحاولة مماثل� � ��ة مع بعض‬ ‫املهندسني املغاربة في حي نسيم‪.‬‬ ‫لكن العشوائية ظلت الطابع املميز للمدينة‪ ،‬ألنها‬ ‫صارت حتت رحمة املستثمرين اخلواص الذين فعلوا‬ ‫ما أرادوا بها بسبب غياب رؤية شاملة ومسئولة‪.‬‬ ‫لذلك فأول ما يج� � ��ب القيام به هو إعادة النظر‬ ‫في قوانني التعمير لتتالءم مع متطلبات مدن املستقبل‬ ‫التي ستبنى وفق منوذج عمراني جديد أساسه اإلرث‬ ‫املوجود‪.‬‬ ‫بحي� � ��ث عندما نتحدث عن املدينة ينبغي أن يكون‬ ‫السكن االجتماعي أح َد معاملها املميزة‪.‬‬

‫إنن� � ��ا في أمس احلاجة إلى القض� � ��اء على العنف‬ ‫الس� � ��ائد في املدينة حتى نُ ِح َّل محل� � ��ه ما هو مدهش‬ ‫وجميل وأن مننح الناس القدرة على احللم واألمل‪.‬‬ ‫إذ في هذا اإلرث العمراني توجد احللول الكفيلة‬ ‫بإقامة مدن الغد‪.‬‬ ‫< جند أن الكثير من املعالم املميزة ملدننا قد بدأت‬ ‫تتالش ��ى بفعل سياس ��ة اله ��دم واحملو الت ��ي تنتهجها‬ ‫الس ��لطات ومافيا العقارات‪ ،‬جتاه املعمار الذي ورثناه‬ ‫ع ��ن الفت ��رة االس ��تعمارية‪ ،‬م ��ا يحد من رون ��ق معمار‬ ‫مدننا وجمال تصاميمها الهندس ��ية‪ .‬لذا‪ ،‬وفي الوقت‬ ‫ال ��ذي نتح ��دث فيه الي ��وم عن سياس ��ة املدين ��ة‪ ،‬كيف‬ ‫السبيل في نظرك إلى اإلبقاء على ما تبقى من ذلك‬ ‫الت ��راث احلضاري املعماري وصيانت ��ه وحفظه‪ ،‬بعيدا‬ ‫عن أطماع السماسرة والعابثني؟‬ ‫ بالفعل يب� � ��دو أن احلفاظ على اإلرث املعماري‬‫للحقبة االستعمارية أو ما قبلها مسألة ثانوية بالنسبة‬ ‫إلى املعنيني بالسياس� � ��ة وبإدارة ش� � ��ئون البالد عندنا‬ ‫ملاذا؟ ألنه‪ ،‬من وجهة نظرهم‪ ،‬ال يُساهم في االقتصاد‬ ‫وال ف� � ��ي التربية‪ .‬لقد أ ّكدت غير م ّرة أ ّن املدينة عبارة‬ ‫ع� � ��ن معالم ثابتة مم ّي� � ��زة ال يحقّ لن� � ��ا أن نمَ ْحوها أو‬

‫(وجها لوجه) املهندس املعماري املغربي عبدالواحد منتصر وعبدالرحيم العالم‬

‫‪7/18/13 10:10:23 AM‬‬

‫‪73‬‬

‫‪sep 68-75.indd 73‬‬


‫أي جزء منه� � ��ا‪ .‬لذلك أرى أن‬ ‫نطم� � ��س مالمحه� � ��ا أو ّ‬ ‫احملافظة على أفضل ما تركته لنا األجيال الس� � ��ابقة‬ ‫ي ّ ُر من قاعدة أن «املدينة تبني لنفس� � ��ها وبنفسها»‪.‬‬ ‫مَ ُ‬ ‫وهكذا نحافظ في الوقت نفس� � ��ه عل� � ��ى روح املدينة‬ ‫وقيمتها‪ ،‬وهذه القيمة ال تتجلّى فحس� � ��ب في جمالها‬ ‫املعم� � ��اري‪ ،‬ولك ْن في تعاملها مع اإلنس� � ��ان ومجاالت‬ ‫عيش� � ��ه‪ .‬إ ّنَها إذن مبنزلة إجابات تنتمي إلى عصرها‪،‬‬ ‫وهي بالنس� � ��بة إلى املهندس املعماري املعاصر مبنزلة‬ ‫ّ‬ ‫تخطيه أو االستخفاف به‪.‬‬ ‫مرجع ال ميكن‬ ‫< من املؤكد أن اهتماماتك ال تتوقف عند حدود‬ ‫هندس ��ة البناي ��ات‪ ،‬ب ��ل متت ��د إلى التفكي ��ر في وضع‬ ‫خطط لتطوير التعمير ببالدنا على مس ��توى املدن‪،‬‬ ‫بغاي ��ة إدراك اإلش ��كاليات الكبرى لعم ��ارة املدن‪ .‬من‬ ‫ه ��ذا املنطلق‪ ،‬كيف الس ��بيل إلى أن نتوف ��ر في عاملنا‬ ‫العرب ��ي عل ��ى مدين ��ة عربية تس ��تجيب ف ��ي مجالها‬ ‫وعمرانه ��ا للمعايير واحلاجيات واألبعاد اإلنس ��انية‬ ‫التي تتوافر عليها مدن أخرى غربية شهيرة؟‬ ‫ أ ّوالً الب � � � ّد‪ ،‬لكي تتوافر‬‫لدينا مد ٌن عربية الئقة مم ّيزة‪،‬‬ ‫أ ْن نحافظ على هو ّية مدننا‪.���‬ ‫وف� � ��ي الوقت نفس� � ��ه علينا أن‬ ‫نُضفي على هذه املدن طابعاً‬ ‫كونياً حداثياً ُمسايراً للعصر‪.‬‬ ‫وإنني ألتساءل‪ ،‬باملناسبة‪ ،‬هل‬ ‫نتوف� � ��ر اليوم على دراس� � ��ات‬ ‫معمقة ودقيقة عن واقع املدن‬ ‫العربية عمران � � �اً ومعماراً؟ ال‬ ‫�اص من توفير دراس� � ��ات‬ ‫من� � � ّ‬ ‫متخصص� � ��ة حول م� � ��ا ينبغي‬ ‫ّ‬ ‫أن تتميز به املدين� � ��ة العربية‬ ‫املنفتحة على العالم من َمزايا من املكتبة الوطنية‬ ‫وخصائص‪.‬‬ ‫< مارس ��ت الف ��ن التش ��كيلي ف ��ي مرحل ��ة زمنية‬ ‫معين ��ة‪ ،‬لك ��ن يب ��دو أن ه ��ذا االهتم ��ام اجلمال ��ي لم‬ ‫يفارق ��ك ول ��م تغ ��ادره إل ��ى اليوم‪ ،‬س ��واء في أس ��لوب‬ ‫حيات ��ك‪ ،‬أو ف ��ي مهنت ��ك‪ ،‬أو ف ��ي نظرت ��ك الش ��عرية‬ ‫واجلمالي ��ة إل ��ى األش ��ياء وإل ��ى مدين ��ة املس ��تقبل‪،‬‬ ‫وأيضا إلى احلي ��اة والعالم‪ .‬ففي نظرك‪ ،‬كيف ميكن‬ ‫للهندس ��ة املعمارية أن تس ��تفيد من الفن التشكيلي‪،‬‬ ‫على املستوى املعماري واجلمالي والبنيوي؟‬

‫‪74‬‬

‫‪7/18/13 10:10:29 AM‬‬

‫ لقد مارس� � ��ت الفن التش� � ��كيلي فع� �ل � ً‬‫ا وأقمت‬ ‫العديد من املع� � ��ارض اجلماعية‪ ،‬وخصوصاً الفردية‬ ‫داخل املغ� � ��رب وخارج� � ��ه وخاصة ف� � ��ي الثمانينيات‬ ‫وبداية التس� � ��عينيات ومازلت على اهتمامي وشغفي‬ ‫به� � ��ذا الفن إن لم يكن على مس� � ��توى اإلبداع بكيفية‬ ‫مستمرة فعلى مستوى املتابعة واملراقبة على األقل‪.‬‬ ‫ما يعنيني اليوم هو ما ميكن أن جتنيه الهندس� � ��ة‬ ‫املعماري� � ��ة م� � ��ن عالقته� � ��ا بالفنون األخ� � ��رى‪ ،‬والفن‬ ‫خاصة (ذلك أ ّنَني شديد االهتمام‬ ‫التش� � ��كيلي بصفة ّ‬ ‫أيضاً باملوسيقى الكالسيكية الغربية واجلاز وبعض‬ ‫األل� � ��وان الغنائي� � ��ة التقليدية املغربي� � ��ة والعربية) من‬ ‫فوائد مباشرة وغير مباش� � ��رة على النحو الذي أ َّدى‬ ‫إلى ظه� � ��ور جتارب فريدة لفنانني مثل دافيد هوبغار‬ ‫وكذلك دوش� � ��ريكو اإليطالي‪ .‬يتعلّق األمر بالنس� � ��بة‬ ‫إلي هن� � ��ا مبقترحات غريبة عجيب� � ��ة يقدمها الفنّان‬ ‫َّ‬ ‫عن الفضاء واإلنس� � ��ان مبا يعني التأثير املتبادل بني‬ ‫املعمار والتشكيل‪.‬‬

‫< في كتاباتك وحواراتك وفهمك لألشياء‪ ،‬يشكل‬ ‫اإلنسان بالنس ��بة لك املبتدأ واخلبر في اهتماماتك‬ ‫وتفكيرك في احلياة الس ��عيدة وفي مدينة املستقبل‪.‬‬ ‫فهل تفكيرك في اإلنس ��ان‪ ،‬وفي حياته االجتماعية‪،‬‬ ‫ومحيط ��ه البيئ ��ي‪ ،‬بالدرج ��ة األول ��ى‪ ،‬هو س ��ر جناح‬ ‫مش ��اريعك وتصاميم ��ك املعماري ��ة؟ وم ��ا املش ��كالت‬ ‫والصعوب ��ات الت ��ي تعترضك ع ��ادة ف ��ي حتقيق هذا‬ ‫الطموح النبيل وهذه الغاية املرجتاة؟‬ ‫ املوض� � ��وع األساس� � ��ي هنا لي� � ��س تفكيري في‬‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 68-75.indd 74‬‬


‫اإلنس� � ��ان بل معرفتي باإلنس� � ��ان‪ .‬أل َّن ه� � ��ذه املعرفة‬ ‫ه� � ��ي الت� � ��ي تقودني إل� � ��ى الطري� � ��ق الصحيح إلجناز‬ ‫مشاريعي املعمارية والعمرانية‪ .‬أعرف أ َّن الدراسات‬ ‫السوس� � ��يولوجية مت ّكننا من االقتراب من اجلواب أو‬ ‫من تلبية حاجيات هذا اإلنسان في مجاله‪.‬‬ ‫إن معرفة اإلنسان ذات عالقة وثيقة مع املعرفة‬ ‫أو اإلحاطة بكل الدراس� � ��ات املتصلة باإلنسان كيفما‬ ‫كان مجالها واختصاصها‪ ،‬إنتربولوجية‪ ،‬سيكولوجية‪،‬‬ ‫سوسيولوجية‪ ،‬فلسفية سياسية‪ ،‬اقتصادية‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫أم� � ��ا الصعوب� � ��ات واملش� � ��كالت الت� � ��ي تعترضني‬ ‫فهي تتمثل غالبا ف� � ��ي القوانني املج ّردة غير الالئقة‬ ‫والشديدة البيروقراطية التي يجري بها العمل عندنا‪.‬‬ ‫والتي متن� � ��ع إيجاد حل� � ��ول عملية مالئم� � ��ة وعاجلة‬ ‫لهذه املش� � ��كالت ما يحول دون إم� � ��كان إيجاد حلول‬ ‫معمارية ُمبدع� � ��ة للقضايا اجلوهرية‪ .‬إذن فاملطلوب‬ ‫وباستعجال كبير‪ ،‬إعادة النظر في القوانني املنظمة‬ ‫لتعمير املدينة‪.‬‬

‫استلهام القصبات التاريخية في تصميم املكتبة‬

‫إننا إذ نتحدث عن سياسة املدينة نَعِ ي متاماً أن‬ ‫املسألة ليست مس� � ��ألة تدبير بل هي مسأل ُة تص ّ ُور‪،‬‬ ‫وهذا يستلزم إحداث خلية مستقلة مكونة من خبراء‬ ‫عارفني مختصني ه ّ ُم ُه ْم هو دراس� � ��ة مجتمع املدينة‬ ‫تيسر لنا إعادة النظر‬ ‫وتاريخه‪ ،‬ثم تقدمي مقترحات ّ‬ ‫في قوانني التعمير مبا يستجيب للحاجات املعمارية‬ ‫الراهنة املتكاثرة واملتضاربة‪.‬‬ ‫< عمل ��ت بع ��د عودتك إل ��ى املغرب‪ ،‬بعد س ��نوات‬ ‫التحصي ��ل ف ��ي أورب ��ا‪ ،‬على بل ��ورة مدرس ��ة معمارية‬

‫حديثة باملغرب‪ ،‬مبعية مهندس�ي�ن معماريني آخرين‪.‬‬ ‫فما هو مآل هذه املدرس ��ة‪ ،‬وما منجزاتها‪ ،‬وهل ميكن‬ ‫أن نتحدث اليوم‪ ،‬فعال‪ ،‬عن مدرسة معمارية مغربية‪،‬‬ ‫ف ��ي ضوء ما ق ��د يبدو م ��ن تنافر وتباين في أش ��كال‬ ‫الهندسة املعمارية ببالدنا؟‬ ‫�ت بع� � ��د عودتي إلى املغ� � ��رب في مطلع‬ ‫ حاول� � � ُ‬‫الثمانيني� � ��ات‪ ،‬طرق مس� � ��الك جديدة في الهندس� � ��ة‬ ‫املعمارية غير تلك املطروقة في ذلك الوقت‪ .‬وخالل‬ ‫لقيت جتاوباً من‬ ‫هذه املس� � ��الك التي كنت اقترحتُها‬ ‫ْ‬ ‫طرف جيل املهندس� �ي��ن املعماريني الشباب‪ .‬لكنني ال‬ ‫ميكن أن أحت ّدث هنا عن مدرس� � ��ة باملعنى األكادميي‬ ‫للمدرس� � ��ة املعمارية‪ ،‬أل ّن تلك االستلهامات الشبابية‬ ‫غالب� � ��ا ما تكون ش� � ��كلية‪ .‬ولكي تكون لدينا مدرس� � ��ة‬ ‫خاصة مم ّي� � ��زة البد من توافر الش� � ��روط‬ ‫معماري� � ��ة‬ ‫ّ‬ ‫الالزمة خارج الضغوط األيديولوجية‪.‬‬ ‫< مت اختي ��ارك‪ ،‬م ��ن خ�ل�ال ترش ��يحك‪ ،‬إلجن ��از‬ ‫تصمي ��م املق ��ر اجلدي ��د لس ��فارة دول ��ة الكوي ��ت ف ��ي‬ ‫املغرب‪ ،‬وه ��و انفتاح آخر‬ ‫عل ��ى احملي ��ط العرب ��ي‪،‬‬ ‫بع ��د جتارب ��ك الس ��ابقة‬ ‫في اخلليج العربي‪ .‬فهل‬ ‫لك أن حتدثنا عن بعض‬ ‫تفاصي ��ل ه ��ذا املش ��روع‬ ‫اجلديد‪ ،‬وما خصوصياته‬ ‫الت ��ي تك ��ون ق ��د زك ��ت‬ ‫اختيار تصميمك للمقر‬ ‫اجلديد للسفارة؟‬ ‫ مشروع العمل على‬‫تصميم س� � ��فارة الكويت‬ ‫باملغرب لم يكن مشروعا‬ ‫سه ً‬ ‫ال‪ .‬فاألمر كان يتعلّق‬ ‫صعب على اجل� � ��ودة واإلبداع‪ ،‬بصرف النظر‬ ‫برِ َه ٍان‬ ‫ٍ‬ ‫عن اجلانب الوظيفي والهندس� � ��ة الداخلية ملجاالت‬ ‫مق ّر السفارة‪.‬‬ ‫حاولت أن أبحث داخل ثقافة الشعب الكويتي عن‬ ‫آثاره وطبيعة مناخه على اخلصوص‪ .‬وكان الش� � ��اغل‬ ‫�دي أن أعثر على العالمة املعمارية الدا ّلة‬ ‫الرئيس ل� � � َّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بصورة حاس� � ��مة مم ّيزة على الهوي� � ��ة الوطنية لدولة‬ ‫قت إلى تصميم‬ ‫الكويت الش� � ��قيقة‪ ،‬وأعتقد أنن� � ��ي و ّف ُ‬ ‫تلك العالمة املميزة بكيفية ُم ْرضية >‬

‫(وجها لوجه) املهندس املعماري املغربي عبدالواحد منتصر وعبدالرحيم العالم‬

‫‪7/18/13 10:10:33 AM‬‬

‫‪75‬‬

‫‪sep 68-75.indd 75‬‬


‫أوراق أدبية‬

‫اإلبداع واحلرية‬ ‫د‪.‬جابر عصفور *‬ ‫ال ميكن وجود إب��داع من دون حرية‪ .‬وكما أن احلرية الزمة للعلوم اإلنسانية وللفكر اإلنسانى‬ ‫بوجه عام‪ ،‬فال سبيل وال مستقبل للعلوم اإلنسانية دون حرية أصيلة‪ ،‬تعني صاحب كل بحث‬ ‫على أن يضع معطيات بحثه موضع املساءلة‪ ،‬فال مستقبل لفكر وال علوم إنسانية وال إبداع بوجه‬ ‫خاص إال باحلرية‪ .‬واحلق أن اإلبداع هو فعل من أفعال احلرية وممارستها بامتياز‪ ،‬ولذلك فهو‬ ‫مسئولية متعددة األبعاد‪ .‬ولقد سبق لى تأكيد ذل��ك‪ ،‬وال أزال أؤك��ده وأك��رر اإلحل��اح عليه ألننا‬ ‫نعيش في زمن وعالم تتكاتف فيه ضد حرية اإلبداع عوائق كثيرة وقيود متكاثرة‪ ،‬يتمسح بعضها‬ ‫بالسياسة‪ ،‬وبعضها اآلخر باألعراف والتقاليد االجتماعية‪ ،‬وبعضها الثالث يتمسح بالدين‪.‬‬ ‫لك�� ��ن املب�� ��دع احل�� ��ر ال يخاف م�� ��ن كل هذه‬ ‫العقب�� ��ات‪ ،‬ويواصل إبداعه متحديا وجودها‪،‬‬ ‫مؤمنا ب�� ��أن احلري�� ��ة أهم صف�� ��ات إبداعه‪،‬‬ ‫وأن�� ��ه إذا فقد قدرته على ممارس�� ��ة احلرية في اإلبداع‪،‬‬ ‫وباإلبداع‪ ،‬فقد أهم صفة من صفات اإلبداع‪ ،‬وهي حتدي‬ ‫ش�� ��روط الضرورة‪ ،‬ومواجهة كل ما يصادر حرية اإلنسان‬ ‫وحق�� ��ه في االختيار دينيا واجتماعيا وسياس�� ��يا وإبداع ًيا‬ ‫في الوقت نفسه‪ .‬ولذلك فممارسة احلرية هى فعل خالق‬ ‫متعدد األوجه متفرع املستويات ‪.‬‬ ‫ولقد س�� ��بق ل�� ��ي أن قلت إن حرية التفكي�� ��ر والتعبير‬ ‫مس�� ��ئولية دينية من منظور إسالمي رحب ال يعرف معنى‬ ‫للث�� ��واب والعق�� ��اب إال على أس�� ��اس من التس�� ��ليم بحرية‬ ‫اإلنسان في اختياره الس�� ��لوكي واالعتقادي الذي ميارس‬ ‫به مس�� ��ئوليته اخلاصة‪ ،‬ويتحم�� ��ل نتائجه عن تبعية أفراد‬ ‫مجتمعه‪ ،‬أو اختالفه أو اتفاقه مع حراس عقيدة املجتمع‪،‬‬ ‫نتيجة إعمال عقله‪ ،‬محددا باختياره اخلاص‪ ،‬مهتديا مبا‬ ‫هو معق�� ��ول ومنقول معا‪ ،‬كي يح�� ��دد مصيره في احلياة‬ ‫الدنيا واآلخ�� ��رة‪ .‬ولذلك تظل املس�� ��ئولية الدينية للحرية‬

‫‪76‬‬

‫‪7/18/13 10:11:02 AM‬‬

‫ه�� ��ي الوجه اآلخر من املس�� ��ئولية األخالقي�� ��ة‪ ،‬خصوصا‬ ‫في الدائرة التي يفرض بها اإلنس�� ��ان علي نفسه االلتزام‬ ‫بأفعال احلرية‪ ،‬وتشجيع حضورها اخلالق في نفوس كل‬ ‫من يؤمن بدوره في اإلس�� ��هام بعملية التقدم في مجتمعه‬ ‫واالرتق�� ��اء بأبناء وطنه‪ ،‬وحتريرهم من كل ما يعوق حتقق‬ ‫إنس�� ��انيتهم التي ال تكتمل إال بكونهم أحرا ًرا ال عبي ًدا ألي‬ ‫ش�� ��يء أو كائ�� ��ن مثلهم‪ .‬وليس ببعيد عن ه�� ��ذا املنطلق ما‬ ‫دفعتنا إليه آداب اإلس��ل��ام من طلب العلم ولو في الصني‪،‬‬ ‫وذلك قبل قرون وقرون من حتول املعمورة اإلنس�� ��انية إلى‬ ‫قرية كونية صغيرة‪ ،‬متجاوبة األطراف‪ .‬وأضف إلى ذلك‬ ‫تأكيد تعاليم اإلس��ل��ام على حق اخلطأ الذي هو الالزمة‬ ‫املنطقية حلق االجتهاد‪ ،‬فاملسلم مثاب على االجتهاد حتى‬ ‫لو أخطأ‪ .‬صحيح أنه يثاب مرتني في حال اإلصابة‪ ،‬ومرة‬ ‫واحدة في حال اخلطأ‪ ،‬لكن مجرد اإلثابة في حال اخلطأ‬ ‫أبل�� ��غ دليل على حثّ العقول على ممارس�� ��ة حرية التفكير‬ ‫االبتكاري بوجه ع�� ��ام‪ ،‬وعلى نحو يحرر العقول من خوف‬ ‫اخلط�� ��أ في االجته�� ��اد‪ ،‬ما ظل اخلطأ نفس�� ��ه مثا ًبا عليه‬ ‫ف�� ��ي حرية االجتهاد‪ .‬وال يوجد أكث�� ��ر من ذلك دليال على‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep76-81.indd 76‬‬


‫اإلبداع واحلرية‬

‫‪7/18/13 10:11:07 AM‬‬

‫‪77‬‬

‫‪sep76-81.indd 77‬‬


‫وال بعد حازم القرطاجني ناق ًدا أو بالغ ًيا عمي ًقا‪ ،‬وال بعد‬ ‫مبدعا في العمران وفلس�� ��فة التاريخ‪.‬‬ ‫اب�� ��ن خلدون مفك ًرا‬ ‫ً‬ ‫وبدأت احلضارة األوربية من حيث انتهى هؤالء فازدهرت‬ ‫وصع�� ��دت إلى عص�� ��ر النهضة‪ ،‬ومنه إلى عص�� ��ر األنوار‪،‬‬ ‫بينما تتابعت علينا عصور اجلهالة والظلمات إلى مشارف‬ ‫العصر احلديث‪ ،‬حتى أفقن�� ��ا على مدافع نابليون حتصد‬ ‫سيوف املماليك ورماحهم‪ ،‬مفتتحة زمنا جديدا واجه فيه‬ ‫العقل العربي تخلفه وهوانه احلضارى الذي كان النتيجة‬ ‫الطبيعية للقضاء على حرية الفكر واإلبداع باسم تأويالت‬ ‫دينية‪ ،‬نافرة من االجتهاد واإلبداع على السواء‪.‬‬

‫تش�� ��جيع العقول التي خلقها الل�� ��ه حرة‪ ،‬كي متارس أفعال‬ ‫الفك�� ��ر اخلالقة الت�� ��ي ال تتباعد عن معن�� ��ى االبتداع في‬ ‫الفكر ومعنى اإلبداع في اآلداب‪ .‬ومن هنا كانت السماحة‬ ‫في تقبل االجتهاد مهما ش�� ��ط‪ ،‬ونفى صفة اليقني عن أي‬ ‫اجتهاد بش�� ��ري‪ ،‬فم�� ��ادام االجتهاد في دائرة البش�� ��ر فهو‬ ‫نسبي بالضرورة‪ ،‬وال يتمتع بأي صفة من صفات اإلطالق‬ ‫أو اجلزم‪ ،‬ولذلك كنا نس�� ��مع من الشافعي ‪ -‬إن لم تخني‬ ‫الذاك�� ��رة ‪ -‬أن رأي�� ��ه صواب يحتمل اخلط�� ��أ‪ ،‬ورأي غيره‬ ‫خطأ يحتمل الصواب‪ .‬ونس�� ��ب إلى مال�� ��ك قوله‪« :‬لو ورد‬ ‫قول قائل يحتمل الكفر من تسعة وتسعني وجها‪ ،‬ويحتمل‬ ‫اإلميان من وجه واحد‪ ،‬حمل على اإلميان ولم يحمل على‬ ‫ممارسة حق االختالف‬ ‫الكفر»‪.‬‬ ‫هذا عن الوجه الديني للحرية واإلبداع املرتبط بحرية‬ ‫حرية فالسفة املسلمني‬ ‫االجته�� ��اد في ميراثنا احلضاري‪ .‬ولكن هناك املس�� ��ئولية‬ ‫ولذل�� ��ك س�� ��محت احلض�� ��ارة العربي�� ��ة اإلس��ل��امية االجتماعية لإلب�� ��داع‪ ،‬في موازاة املس�� ��ئولية الدينية لكل‬ ‫للفالس�� ��فة املس�� ��لمني بأن يصلوا بعقولهم إلى أبعد مدى مواطن مهموم باالنفتاح مبجتمع�� ��ه ليقضي على التباعد‬ ‫من احلرية‪ ،‬وكانت اجتهاداتهم اخلالقة موازية إلبداعات اخلطر بني الطبقات‪ ،‬ويس�� ��هم ف�� ��ي إقامة حوار مجتمعي‬ ‫ش�� ��عراء من طراز املتنبي وأبي الع��ل��اء اللذين وصال إلى عادل‪ ،‬يقل�� ��ل من حدة الفجوة التي ميك�� ��ن أن تتحول إلى‬ ‫أقص�� ��ى درجة ميكن أن يصل إليها تأمل العقل اإلنس�� ��اني جفوة‪ ،‬ومن ثم صراع بني الطبقات‪ ،‬وذلك في فعل مقرون‬ ‫وإبداع املوهب�� ��ة األدبية‪ ،‬خصوصا في الش�� ��عر الذي ظل بتأكيد مبدأ احلوار بني طبقات املجتمع وطوائفه وفئاته‪،‬‬ ‫ديوان العرب‪ .‬صحيح‪ ،‬كان هناك من يضيق صدره بحرية وم�� ��ن ثم تأكيد مب�� ��دأ التنوع اخلالق الذي يؤس�� ��س لقيم‬ ‫االجتهاد ف�� ��ي الفكر‪ ،‬وحرية االنطالق في الش�� ��عر‪ .‬لكن التسامح االجتماعي املقترنة بقبول املغايرة‪ ،‬وحق ممارسة‬ ‫ه�� ��ذا النوع من ضيقي الصدور م�� ��ن الفقهاء بوجه خاص االخت��ل��اف جنبا إلى جنب إش�� ��اعة مبادئ املس�� ��اواة التي‬ ‫لم ينجحوا في قمع حرية الفكر واإلبداع أثناء قوة الدولة تنقض كل ألوان التمييز العرقي أو اجلنسي أو الطائفي أو‬ ‫اإلس��ل��امية وازده�� ��ار حضارتها‪ .‬ولذلك كان الفالس�� ��فة الطبقي أو الديني‪ .‬واحلق أن املفكرين واملبدعني العرب لم‬ ‫واملعتزلة‪ ،‬فضال عن الش�� ��عراء والكت�� ��اب يردون على من يقصروا في أداء مسئوليتهم االجتماعية‪ .‬وكانت ممارسة‬ ‫يحاول قمعهم مباش�� ��رة حينا‪ ،‬كما فعل أبو العالء املعري هذه املس�� ��ئولية فعال م�� ��ن أفعال التح�� ��رر والتحرير على‬ ‫عندما كتب «زجر النابح»‪ ،‬وكانوا يردون بشكل غير مباشر الس�� ��واء‪ .‬وال أدل على ذلك من كتابات سالس�� ��ل املفكرين‬ ‫حينا آخر‪ ،‬متوسلني بالرمز واملجاز كما فعل الصوفية في العرب التي متتد من قاس�� ��م أمني إلى س�� ��اطع احلصري‬ ‫رسائلهم الرمزية‪ ،‬والفالسفة في حكاياتهم الكنائية‪ ،‬وكما إلى هشام ش�� ��رابي إلى خلدون النقيب وعشرات غيرهم‬ ‫فعل ابن سينا وابن طفيل بحكاية «حي بن يقظان»‪ .‬وظل ممن مارس�� ��وا حرية التفكير بوصفه مسئولية اجتماعية‪،‬‬ ‫اخلالف مشتعال‪ ،‬متوهجا باحليوية طوال عصور ازدهار تواج�� ��ه كل أش�� ��كال التخل�� ��ف االجتماعى الت�� ��ي تلخصها‬ ‫احلضارة العربية اإلس��ل��امية إلى أن أذنت ش�� ��مس هذه قضية حت�� ��رر املرأة وحتريرها من أش�� ��كال التمييز الذي‬ ‫احلضارة باملغيب‪ .‬وحتالف االس�� ��تبداد مع الفكر الدينى ميارس�� ��ه املجتمع ضدها‪ ،‬أو يسمح مبمارسته‪ ،‬وهو متييز‬ ‫املتعصب‪ ،‬وتصاعد العداء للفلس�� ��فة وإعمال العقل‪ ،‬جنبا يختزل قيم التخلف االجتماعي والسياس�� ��ي التي واجهها‬ ‫إل�� ��ى جنب إحراق الكتب غير املرض�� ��ي عنها‪ ،‬فانغلق باب هشام شرابي‪ ،‬كاش�� ��فا عن عوار بنية املجتمع البطريركي‬ ‫االجتهاد‪ ،‬وانكفأ العقل العربي على نفس�� ��ه‪ ،‬وسجن نفسه التي نعيش�� ��ها‪ ،‬والتي التزال تعرق�� ��ل كل محاوالت التحرر‬ ‫في س�� ��جون التقلي�� ��د واالتباع‪ ،‬فغربت ش�� ��مس احلضارة والتقدم‪ ،‬شأنها في ذلك شأن بنية الدولة التسلطية التي‬ ‫العربي�� ��ة‪ ،‬وفقدت قوتها احملركة‪ ،‬فلم جند بعد ابن رش�� ��د واجهها خلدون النقيب‪ ،‬والتي كانت السبب في منع كتابه‬ ‫مفك�� ��را أصيال‪ ،‬وال بعد أبي العالء املعري ش�� ��اعرا كبي ًرا‪ ،‬الش�� ��هير عن تطبيق نظريته في مجتمع اخلليج واجلزيرة‬

‫‪78‬‬

‫‪7/18/13 10:11:12 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep76-81.indd 78‬‬


‫العربية ف�� ��ي بعض األقطار التي أوجعته�� ��ا احلقائق التي‬ ‫كشف عنها هذا الكتاب‪.‬‬

‫إيذاء متصل‬

‫مؤكد أن األمثلة التي ذكرتها هى عالمات على غيرها‬ ‫ف�� ��ي كل قطر عربي‪ ،‬دفع مفكروه الثمن غاليا في مواجهة‬ ‫فكر اجتماعي س�� ��ائد‪ ،‬لم يفارق أغ��ل��ال تخلفه بعد‪ .‬ومن‬ ‫الس�� ��هل أن نعدد أس�� ��ماء ضحايا الذين دأبوا على تعرية‬ ‫اجلوانب املختلف�� ��ة للتخلف االجتماعي‪ .‬وما الضجة التي‬ ‫قام�� ��ت حول كتابي قاس�� ��م أم��ي��ن «حترير املرأة » س�� ��نة‬ ‫‪ ،1899‬و«املرأة اجلديدة» س�� ��نة ‪ ،1901‬س�� ��وى خير مثال‬ ‫عل�� ��ى ما نال الرجل م�� ��ن جتريح وإهانة واته�� ��ام في دينه‬ ‫وخلقه‪ .‬أضف إلى ذلك أشكال النقض العديدة التي كتبها‬ ‫خصومه‪ ،‬وكان منهم أحمد ش�� ��وقي الشاعر وطلعت حرب‬ ‫رج�� ��ل االقتصاد العظي�� ��م‪ .‬وبالطبع‪ ،‬كان ذلك ألن قاس�� ��م‬ ‫أمني قد تولى حتطيم الس�� ��جون الت�� ��ي وضعتها التقاليد‬ ‫االجتماعية حول املرأة التي يختزل تخلفها تخلف املجتمع‬ ‫كله‪ ،‬واليزال‪ .‬ومن املفارقات الدالة أن ميتد اإليذاء الذي‬ ‫نال قاسم أمني‪ ،‬وال يزال‪ ،‬إلى أحد تالمذته الذين حلقوا‬ ‫ب�� ��ه‪ ،‬ومضوا على طريقه‪ .‬ول�� ��م ينجهم أنهم كتبوا ما كتبوا‬ ‫بالفرنس�� ��ية‪ ،‬في ش�� ��كل دكتوراه حصل عليها صاحبها من‬ ‫جامعة الس�� ��وربون الفرنس�� ��ية‪ .‬أعني منصور فهمى الذي‬ ‫ُولد س�� ��نة ‪ ،1869‬والذى حصل على شهادة البكالوريا من‬ ‫إحدى املدارس الفرنس�� ��ية عام ‪ ،1906‬والتحق مبدرس�� ��ة‬ ‫احلقوق‪ .‬وبعد عامني من الدراسة مت تأهيله مع عدد من‬ ‫زمالئه للتدريس باجلامعة املصرية التي كانت قد أنشئت‬ ‫سنة ‪ ،1908‬ثم س�� ��افر إلى باريس على نفقة اجلامعة مع‬ ‫زمالء له للحصول على درجة الدكتوراه في الفلس�� ��فة من‬ ‫الس�� ��وربون‪ .‬وكتب أطروحته التي عم�� ��ل فيها ملدة خمس‬ ‫سنوات حتت إش�� ��راف ليڤي بريل الذي كان أحد أقطاب‬ ‫املدرسة االجتماعية الفرنسية في أوائل القرن العشرين‪.‬‬ ‫وكان موض�� ��وع الرس�� ��الة الت�� ��ي أهداها إلى قاس�� ��م أمني‬ ‫ع�� ��ن «أحوال املرأة في اإلس��ل��ام»‪« .‬ولك�� ��ن يبدو أن أحد‬ ‫كارهيه أبلغ إدارة اجلامعة بأن الرس�� ��الة تتضمن هجوما‬ ‫على اإلس��ل��ام‪ ،‬فطلبت اإلدارة املذعورة أن تتوقف جامعة‬ ‫السوربون عن طبع الرس�� ��الة‪ .‬وكان من تقاليد السوربون‬ ‫في ذلك الوقت طبع الرسالة قبل مناقشتها عالنية‪ ،‬ولكن‬ ‫اجلامع�� ��ة أبلغتهم بأن الطبع قد مت‪ ،‬فعادت إدارة اجلامعة‬ ‫تطالب بوقف املناقش�� ��ة فردت السوربون بدرس بليغ في‬ ‫حرية الفكر‪ .‬وقام أس�� ��اتذتها مبناقش�� ��ة رس�� ��الة منصور‬ ‫اإلبداع واحلرية‬

‫‪7/18/13 10:11:16 AM‬‬

‫فهمي‪ ،‬ومنح�� ��ه درجة الدكتوراه التي تؤهله للعمل بجدارة‬ ‫في اجلامع�� ��ة املصرية‪ ،‬ولك�� ��ن إدارة اجلامعة قامت مبنع‬ ‫منصور فهمي من العمل مدرس�� ��ا فيه�� ��ا وفصله عقابا له‬ ‫من ناحية‪ ،‬واس�� ��تجابة لتقاليد املجتمع التي كانت ال تزال‬ ‫على عدائها ألفكار قاسم أمني من ناحية أخرى‪ .‬واضطر‬ ‫منص�� ��ور فهمي إلى قبول هذا الظل�� ��م‪ ،‬وطاف بأبواب كل‬ ‫ذوي النف�� ��وذ كي يعود إلى اجلامع�� ��ة‪ .‬ولم يحدث ذلك إال‬ ‫بعد ث�� ��ورة ‪ .1919‬والتزال اجلامعة املصرية غير معترفة‬ ‫بالرس�� ��الة إلى اليوم‪ ،‬رغم أن كل ما ورد فيها هو من قبيل‬ ‫االجتهاد‪ ،‬وظلت الرس�� ��الة أس�� ��يرة اللغة الفرنسية إلى أن‬ ‫قامت «دار اجلمل» في أملانيا بترجمة الرس�� ��الة وإتاحتها‬ ‫ملن يريد االطالع عليها من القراء‪.‬‬

‫سر رواية تلك األيام‬

‫ويب�� ��دو أن منصور فهمي قد تعلم درس�� ��ا قاس�� ��يا من‬ ‫ه�� ��ذه التجرب�� ��ة فقرر أن يس�� ��الم اجلمي�� ��ع‪ ،‬خصوصا من‬ ‫بيدهم األمر‪ ،‬س�� ��واء من كانوا في القصر من رجال امللك‬ ‫ف�� ��ؤاد أو ف�� ��ي دار املعتم�� ��د البريطاني‪ .‬وهك�� ��ذا عاد إلى‬ ‫اجلامعة‪ ،‬وع�� ��رف طريقه إلى املناص�� ��ب‪ ،‬فأصبح عميدا‬ ‫لكلي�� ��ة اآلداب‪ ،‬ثم اختي�� ��ر مديرا لدار الكت�� ��ب‪ ،‬ثم مديرا‬ ‫جلامعة اإلس�� ��كندرية وعضوا في مجم�� ��ع اللغة العربية‪.‬‬ ‫ولم يتحدث قط عن رس�� ��الته‪ ،‬وظل يكتب في موضوعات‬ ‫آمنة‪ ،‬إلى أن وافته املنية سنة ‪ .1959‬وقد استلهم الروائي‬ ‫فتحي غامن جتربته‪ ،‬بع�� ��د أن قام بتحويرها فنيا‪ ،‬وجعلها‬ ‫إحدى الشخصيات الرئيسية االنتهازية‪ ،‬في روايته «تلك‬ ‫األيام» التي تقدم شخصية أستاذ تاريخ مصري درس في‬ ‫الس�� ��وربون‪ ،‬وكان أستاذه يقول له‪ :‬إن بلدك لن يسمح لك‬ ‫بقول احلقيقة كاملة‪ ،‬فاكت�� ��ف بقول نصف احلقيقة حتى‬ ‫تضمن النجاح‪ .‬ولكن كان هناك من بني أس�� ��اتذة اجلامعة‬ ‫م�� ��ن رفض موقف منصور فهمي‪ ،‬ول�� ��م يقبل املهادنة‪ ،‬بعد‬ ‫التأثي�� ��ر اإليجابي ال�� ��ذي أحدثته ث�� ��ورة ‪ 191٩‬فى تأكيد‬ ‫احلريات االجتماعية التي متثلت في حركة املرأة اجلديدة‬ ‫بزعامة هدى ش�� ��عراوي‪ ،‬واحلريات اجلامعية في البحث‬ ‫اجلامعي التي رادها طه حس��ي��ن‪ ،‬عندما نشر كتابه «في‬ ‫الشعر اجلاهلي» س�� ��نة ‪ ،1926‬فأقام الدنيا ولم يقعدها‪،‬‬ ‫وانهالت عليه حراب الهجوم من كل مكان‪.‬‬ ‫وكانت مصر في ذلك الوقت في ظل حكومة ائتالفية‬ ‫تتك�� ��ون من حزب الوف�� ��د واألحرار الدس�� ��توريني‪ .‬ووصل‬ ‫الهجوم إلى البرملان الذي كان يرأسه سعد زغلول‪ ،‬وكادت‬ ‫حتدث فتنة‪ ،‬ل�� ��وال أن تداركها عدلي يكن رئيس احلكومة‬

‫‪79‬‬

‫‪sep76-81.indd 79‬‬


‫لألزهر أن ينتقم للملك‪ ،‬فقام األزهر بتنفيذ املطلوب منه‬ ‫على خير وجه‪ .‬واجتمعت هيئة كبار العلماء وقررت سحب‬ ‫ش�� ��هادة العاملية وإسقاطها عن الش�� ��يخ علي عبدالرازق‪،‬‬ ‫األم�� ��ر الذي ترتب عليه فصل الش�� ��يخ م�� ��ن منصبه الذي‬ ‫كان يشغله قاضيا مبحكمة مدينة املنصورة الشرعية‪ .‬وقد‬ ‫ترتب على فصله أزمة استقالة وزير األحرار الدستوريني‬ ‫من الوزارة‪ ،‬اعتراضا على ما جرى للشيخ‪ ،‬في سياق أدى‬ ‫إلى حتالف األحرار الدس�� ��توريني مع الوفد وتشكيل وزارة‬ ‫ائتالفية منهما‪ ،‬وأصبح رئيس حزب األحرار الدستوريني‬ ‫رئيسا للوزراء أو احلكومة‪ ،‬بينما تولى سعد زغلول رئيس‬ ‫الوفد رئاس�� ��ة البرملان‪ ،‬وذلك في سياق تاريخي مختلف‪،‬‬ ‫وفى مناخ مغاير‪ ،‬صدر فيه كتاب طه حس��ي��ن الذي انتهى‬ ‫التحقي�� ��ق معه إلى تبرئته لعدم توافر القصد اجلنائي في‬ ‫كتاب�� ��ه الذي كان ما فيه نتيجة االجتهاد الذي مت تقبله في‬ ‫حالة طه حس��ي��ن‪ ،‬ولم يتم تقبله في حالة علي عبدالرازق‬ ‫الذي متت معاقبته أش�� ��د عقاب من اجلهة التي هي أولى‬ ‫من غيره�� ��ا مبعرفة ح�� ��ق اخلطأ في التفكي�� ��ر الذي هو‬ ‫فريضة إسالمية إذا اس�� ��تخدمنا عنوان أحد كتب عباس‬ ‫العقاد‪.‬‬

‫وس�� ��عد زغلول رئيس البرملان‪ ،‬واتف�� ��ق االثنان على حتويل‬ ‫املوضوع إلى النيابة العامة‪ ،‬وتولى النائب العام محمد نور‬ ‫التحقيق مع طه حسني‪ ،‬بعد االطالع على كتابه والشكاوي‬ ‫املقدم�� ��ة ضده‪ ،‬وكانت إحداها من ش�� ��يخ اجلامع األزهر‪،‬‬ ‫وانتهى رئيس نيابة مصر إلى النتيجة التالية‪« :‬إن للمؤلف‬ ‫فضال ال ينكر في س�� ��لوكه طريقا جديدا للبحث‪ ،‬حذا فيه‬ ‫حذو العلماء الغربيني‪ ،‬ولكن لش�� ��دة تأثر نفس�� ��ه مبا أخذ‬ ‫عنه�� ��م قد تورط في بحثه حت�� ��ى تخيل حقا ما ليس بحق‬ ‫أو م�� ��ا اليزال في حاجة إلى إثبات أنه حق‪ ،‬فكان يجب أن‬ ‫يسير على مهل‪ ،‬وأن يحتاط في سيره حتى ال يضل‪ .‬ولكنه‬ ‫أقدم بغير احتياط فكان�� ��ت النتيجة غير محمودة‪ .‬وحيث‬ ‫إنه مم�� ��ا تقدم يتض�� ��ح أن غرض املؤلف ل�� ��م يكن الطعن‬ ‫والتعدي على الدين‪ ،‬بل إن العبارات املاس�� ��ة بالدين التي‬ ‫أوردها في بعض املواضع من كتابه إمنا أوردها في سبيل‬ ‫البحث العلمي مع اعتقاده بأن بحثه يقتضيها‪ .‬وحيث إنه‬ ‫من ذلك يكون القصد اجلنائي غير متوافر‪ ،‬فلذلك حتفظ‬ ‫األوراق إداريا»‪ .‬وكان تاريخ القرار في الثالثني من مارس‬ ‫س�� ��نة ‪ ،1927‬وهو العام نفسه الذي أصدر فيه طه حسني‬ ‫كتاب�� ��ه‪« :‬في األدب اجلاهلي» بعد أن حذف اجلمل القليلة‬ ‫التي فهمت على أنها ماس�� ��ة بالعقائ�� ��د الدينية‪ ،‬وأضاف‬ ‫فصال اس�� ��تهالليا عن مناه�� ��ج األدب وأهمية توافر حرية اجتهادات خالقة انتصرت‬ ‫الفكر الزده�� ��ار العلوم اإلنس�� ��انية والطبيعية‪ ،‬فضال عن‬ ‫لك�� ��ن بعيدا ع�� ��ن األذى الذي نال قاس�� ��م أمني وعلي‬ ‫اإلبداع األدبي والفني‪.‬‬ ‫عبدالرازق وطه حس��ي��ن‪ ،‬بوصفهم أمثلة‪ ،‬فإن اجتهاداتهم‬ ‫اخلالقة س�� ��رعان م�� ��ا هزمت أعداءه�� ��ا‪ ،‬وفتحت لقرائها‬ ‫اإلسالم وأصول احلكم‬ ‫والذين تعلموا منها آفاقا مفتوحة من اإلبداع الذي سرعان‬ ‫واحل�� ��ق أن طه حس��ي��ن كان أس�� ��عد حظا م�� ��ن زميله ما أش�� ��اع أفكارهم التي كانت مضطهدة في زمانها‪ ،‬لكنها‬ ‫الش�� ��يخ علي عبدالرازق ال�� ��ذي أصدر كتابه «اإلس��ل��ام جاوزت ذل�� ��ك الزمان إلى األزمنة الالحق�� ��ة‪ ،‬حاملة بذور‬ ‫وأصول احلكم» قبل أش�� ��هر معدودة من صدور كتاب طه التفكير احلر الذي الي�� ��زال يؤتي ثماره‪ ،‬متاما مثلما فعل‬ ‫حس��ي��ن‪ .‬وكان الهدف منه تفنيد التص�� ��ور الذي ظل يرى غيرهم‪.‬‬ ‫وي�� ��رد على خاط�� ��ري في هذا الس�� ��ياق‪ ،‬عبدالرحمن‬ ‫أن «اخلالف�� ��ة» أص�� ��ل من أصول اإلس��ل��ام‪ ،‬وانتهى علي‬ ‫عبدالرازق إلى أن اإلسالم ترك للمسلمني اختيار النظام الكواكب�� ��ي في كتاب�� ��ه «طبائع االس�� ��تبداد» ال�� ��ذي تناول‬ ‫السياس�� ��ي الذي يرونه األصلح إلدارة حياتهم‪ ،‬وإش�� ��اعة بالتش�� ��ريح مظاهر االس�� ��تبداد في كل مج�� ��ال اجتماعي‬ ‫الع�� ��دل واحلرية فيها‪ .‬وكان الكتاب مبنزلة قنبلة انفجرت وسياس�� ��ي وثقافي‪ .‬ويتجاوب مع عب�� ��د الرحمن الكواكبى‬ ‫في تطل�� ��ع امللك ف�� ��ؤاد ألن يكون خليفة للمس�� ��لمني‪ ،‬بعد معاص�� ��ره فرح أنطون الذي هاجر إلى مصر من الش�� ��ام‪،‬‬ ‫س�� ��قوط اخلالفة العثمانية وإلغائها س�� ��نة ‪ .1924‬ولسوء مثلم�� ��ا فع�� ��ل الكواكبي‪ ،‬ولكنه اس�� ��تقر مبص�� ��ر وعمل مع‬ ‫حظ الش�� ��يخ علي عبدالرازق كانت احلكومة حكومة أقلية جورج زيدان الذي س�� ��بقه في الهجرة إلى اإلس�� ��كندرية‪.‬‬ ‫اس�� ��تبدادية برئاسة زيور باش�� ��ا‪ ،‬رجل امللك فؤاد وساعده وقد انطلقت اجتهادات فرح أنطون الفكرية في اجلامعة‪،‬‬ ‫األمين في حكمه االستبدادي‪ .‬ولذلك كان من الطبيعي أن داعيا إلى التسامح الدينى بني األديان املختلفة والتسامح‬ ‫تغضب احلكومة لغضب امللك فؤاد على الشيخ الذي نسف الطائفي بني الطوائف املتعادية‪ .‬وأضاف إلى ذلك إشاعته‬ ‫حلم�� ��ه في اخلالفة بكتابه الث�� ��وري‪ ،‬فأوعز رئيس الوزراء ألفكار الثورة الفرنس�� ��ية عن احلرية واملس�� ��اواة واإلخاء‪،‬‬

‫‪80‬‬

‫‪7/18/13 10:11:21 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep76-81.indd 80‬‬


‫ماضيا في الطريق نفس�� ��ه الذي مضى فيه أديب إس�� ��حق‬ ‫الثائر الرومانس�� ��ي املرتبط بثورة عراب�� ��ي‪ ،‬والذى اليزال‬ ‫أحد شوارع مدينة اإلسكندرية يحمل اسمه‪.‬‬ ‫ولم يكتف فرح أنط�� ��ون بذلك‪ ،‬بل مضى في الطريق‬ ‫الذي سبقه إليه فرانسيس فتح امل ّراش‪ ،‬وأخذ في صياغة‬ ‫أف�� ��كاره املجاوزة لعصره إبداعا روائيا‪ ،‬فكتب عن «الدين‬ ‫والعل�� ��م واملال» داعيا إلى عدم تدخ�� ��ل أى منها في مجال‬ ‫غيره‪ ،‬كى يعم الناس الس��ل��ام وتتحق�� ��ق اجلنة األرضية‪.‬‬ ‫وح�� ��اول ف�� ��رح أنط�� ��ون أن يص�� ��وغ يوتوبيا املس�� ��تقبل في‬ ‫أورش�� ��ليم اجلدي�� ��دة‪ ،‬وظل يدعو إلى دول�� ��ة مدنية عادلة‬ ‫تسودها املس�� ��اواة‪ ،‬وينال فيها كل مواطن حقه دون ظلم‪.‬‬ ‫وقد كتب إلى جانب رواياته بعض املسرحيات التي جتسد‬ ‫أفكاره املوازية ملا ظل يكتب�� ��ه في مجلته اجلامعة‪ .‬واحلق‬ ‫أن املناظرة الش�� ��هيرة التي قامت بينه وبني اإلمام محمد‬ ‫عبده هي التي أثم�� ��رت واحدا من أهم كتب اإلمام‪ ،‬أعني‬ ‫كتابه عن «اإلسالم‪ :‬دين العلم واملدنية»‪.‬‬ ‫لق�� ��د تركت نفس�� ��ي على س�� ��جيتها ف�� ��ي الكتابة عن‬ ‫بع�� ��ض أحرار الفكر الذين ورثن�� ��ا عنهم أكثر من وجه من‬ ‫أوج�� ��ه العالقة بني حرية الفكر واإلب�� ��داع‪ .‬ويبقى املضي‬ ‫في قضية حترير املرأة التي أبرزت دور هدى ش�� ��عراوي‪،‬‬ ‫الثم�� ��رة الطبيعي�� ��ة لث�� ��ورة ‪ 1919‬التي أك�� ��دت أن الوجه‬ ‫االجتماعي من مس�� ��ئولية احلرية ه�� ��و الالزمة املنطقية‬ ‫لوجهها السياس�� ��ي‪ ،‬خصوصا في ضمائ�� ��ر كل من يرون‬ ‫في التصلب االجتماعي الوجه اآلخر للتس�� ��لط السياسي‬ ‫والدكتاتورية السياس�� ��ية التي تظل كالتصلب االجتماعي‬ ‫قي�� ��ودا البد م�� ��ن حتطيمها لتحرير الوع�� ��ى اجلمعي من‬ ‫آثاره�� ��ا‪ ،‬حتقيق�� ��ا لصف�� ��ات التعددية والتن�� ��وع واحلراك‬ ‫االجتماعي والسياسي‪.‬‬ ‫وأخيرا‪ ،‬فإن احلرية في عالقتها باإلبداع مس�� ��ئولية‬ ‫إبداعي�� ��ة‪ ،‬إذا أمكن أن نقول ذلك‪ ،‬وهو أمر ممكن ما ظل‬ ‫املبدع يحلم مبا كان يحلم به ناظم حكمت في أن يكون الذي‬ ‫ل�� ��م يكنه‪ ،‬وأن يكتب ما لم يكتب�� ��ه بعد‪ ،‬باحثا مثل أدونيس‬ ‫عن كتابة ليس�� ��ت من جنس ما يكتب أو ما هو معروف أو‬ ‫مألوف‪ .‬وليس ما فعل�� ��ه ناظم حكمت أو ما قاله أدونيس‬ ‫عالمة على كل أشكال وأنواع اإلبداع الذي يتحدى شروط‬ ‫الضرورة‪ ،‬س�� ��واء كانت ممثلة في فساد الواقع السياسي‪،‬‬ ‫أو فجاج�� ��ة التصلب االجتماع�� ��ي‪ ،‬أو جمود الفكر الدينى‬ ‫املتط�� ��رف‪ ،‬أو تكلس األش�� ��كال اإلبداعية الس�� ��ائدة التي‬ ‫تس�� ��عى على نحو مباشر أو غير مباشر على فرض نفسها‬ ‫على األجيال اجلديدة‪ ،‬كما لو كانت تسعى إلى رسم قيود‬ ‫اإلبداع واحلرية‬

‫‪7/18/13 10:11:27 AM‬‬

‫على حرية اإلبداع املتجددة ومتردها على كل قيد حتى لو‬ ‫كان في قيد اإلبداع نفسه‪ .‬ولذلك لم يكن أمام أمل دنقل‬ ‫إال أن يكت�� ��ب عن «العهد اآلتي» املضاد للعهدين احلاضر‬ ‫والقدمي‪ ،‬ليس في السياسة فحسب‪ ،‬وإمنا في كل مجال‪،‬‬ ‫فق�� ��د كان يكتب بحثا عن عهد آت للكتابة نفس�� ��ها‪ .‬وكان‬ ‫بذلك يواصل تقاليد الثورة عل�� ��ى اإلبداع والتمرد األدبى‬ ‫الذي حتدث عنه طه حس��ي��ن في كتابه «مستقبل الثقافة‬ ‫في مصر» عندما قال‪:‬‬ ���«الواق�� ��ع أنى معجب به�� ��ؤالء املثقفني من املصريني‪،‬‬ ‫فهم قد بذلوا من اجلهد‪ ،‬واحتملوا من العناء‪ ،‬ما ال يشعر‬ ‫به املعاصرون لهم وما س�� ��يقدره له�� ��م التاريخ حق قدره‪.‬‬ ‫نش�� ��أوا في بيئة معادية للثقافة أش�� ��د العداء‪ ،‬ممانعة لها‬ ‫أش�� ��نع املمانعة‪ ،‬وقد بدأوا بأنفس�� ��هم فح ّرروها من كثير‬ ‫من التقاليد الثقيلة الفادحة حتى َع َّدتهم بيئتهم ش�� ��واذا‪،‬‬ ‫وقاومتهم ألوانا من املقاومة فلم يهنوا ولم يضعفوا‪ ،‬وإمنا‬ ‫مضوا أمامهم ال يلوون على ش�� ��يء حتى كتب لهم النصر‪.‬‬ ‫قاومهم الش�� ��عب ألنه لم يفهم عنهم‪ ،‬وقاومهم الس�� ��لطان‬ ‫الظاهر ألنه أش�� ��فق منهم‪ ،‬وقاومهم السلطان اخلفي ألنه‬ ‫رأى فيه�� ��م ق�� ��ادة احلرية والهداة إلى االس�� ��تقالل‪ ،‬فثبتوا‬ ‫له�� ��ذا كله‪ ،‬وانتصروا على هذا كل�� ��ه‪ ،‬وخرجوا من املعركة‬ ‫ظافرين»‪.‬‬ ‫وليس�� ��ت كلمات طه حس��ي��ن جتس�� ��يدا لتجربة جيله‬ ‫فحس�� ��ب‪ ،‬وإمنا هي جتس�� ��يد لتجربة أجيال متتابعة من‬ ‫املبدع��ي��ن الذين يقولون لن�� ��ا من خ��ل��ال إجنازاتهم‪« :‬إن‬ ‫اإلب�� ��داع يزدهر في كل مناخ ح�� ��ر بالقطع‪ ،‬وفي أي مجال‬ ‫من مجاالته الفنية والفكرية على السواء‪ ،‬ولكنه ال يتوقف‬ ‫عن الوجود احلي املتوثب بعافية التمرد حني تغيب احلرية‬ ‫في هذا املجال السياسى أو ذاك املجال االجتماعى أو في‬ ‫كل املج�� ��االت‪ ،‬فحني يحدث ذلك ينقل�� ��ب اإلبداع ويتحول‬ ‫إلى فعل مقاومة‪ .‬ينتزع حريته اإلبداعية من براثن الذين‬ ‫يحاولون قمعها‪ ،‬وما مس�� ��رحية «السلطان احلائر» لتوفيق‬ ‫احلكيم‪ ،‬أو «مسافر ليل» لصالح عبدالصبور‪ ،‬وما قصائد‬ ‫أم�� ��ل دنقل‪ ،‬ورس�� ��ومات ناج�� ��ي العلي‪ ،‬وقصائ�� ��د امليدان‬ ‫لعبدالرحم�� ��ن األبنودي إال أمثلة قليلة على ذلك‪ ،‬فاإلبداع‬ ‫يحيا باحلرية‪ ،‬فإذا لم يجدها ينتزعها انتزاعا‪ ،‬أو يتحايل‬ ‫لكي يجسدها إبداعا متوسال بالرمز واالستعارة والكناية‪،‬‬ ‫أو واقف�� ��ا وراء مرايا التاريخ‪ ،‬كي تتح�� ��ول إلى فعل إبداع‬ ‫ً‬ ‫مراوغا وس�� ��اخ ًرا‪ ،‬من أي ش�� ��كل من‬ ‫مقاوم يحقق حريته‪،‬‬ ‫أش�� ��كال الرقابة أو القمع‪ ،‬حتى لو كان الفاعل «أبانا الذي‬ ‫في املباحث» >‬

‫‪81‬‬

‫‪sep76-81.indd 81‬‬


‫اللغة حياة‬

‫العربية؟‬ ‫هل املقطع «ياء» من اللواحق‬ ‫ّ‬ ‫علي اجلوزو *‬ ‫د‪.‬مصطفى ّ‬

‫سألني صديق من علماء النفس رأيي في‬ ‫مصطلحات‪ ،‬أو مش� � ��اريع مصطلحات‪،‬‬ ‫مس� � ��تحدثة أُحلق� � ��ت به� � ��ا زي� � ��ادةٌ بلفظ‬ ‫«ياء»‪ ،‬قياس � � �اً على كيمياء وفيزياء ونحوهما‪ ،‬ومنها‬ ‫كلمة فيمي� � ��اء تعريب � � �اً ل � � �ـ(‪Phénoménologie‬‬ ‫‪ ،(Phenomenology‬أي علم الظواهر‪ِ ،‬‬ ‫وعلْمياء‬ ‫تعريباً لـ(‪،Épistémologie (Epistemology‬‬ ‫أي فلسفة نقد املعرفة‪ ،‬وهكذا‪ .‬مبعنى استعمال لفظ‬ ‫«ياء» كالحقة (أو كاس� � ��عة) عرب ّية ّ‬ ‫تدل على العِ لم أو‬ ‫أن «ياء» في نحو‬ ‫النظر ّي� � ��ة‪ .‬وقد‬ ‫أنكرت ذلك مؤكداً ّ‬ ‫ُ‬ ‫كيمياء مأخوذة من «ي� � ��ا» اليونان ّية في ‪Khêmeia‬‬ ‫(خيميا)‪ ،‬التي جعلها العرب بلفظ‪ :‬خيمياء‪ ،‬وأخذها‬ ‫الفرنس � � � ّيون عنهم فقالوا ‪( Alchimie‬أَلْشيمي)؛‬ ‫وال ن� � ��دري كيف حت ّول اللفظ إل� � ��ى الكيمياء بإبدال‬ ‫أن َمخ� � ��رج الكاف قريب‬ ‫اخلاء كاف � � �اً‪ ،‬لكنّنا نعرف ّ‬ ‫أن العرب أبدلت‬ ‫م� � ��ن احللق‪،‬‬ ‫مخرج اخلاء‪ ،‬ونعل� � ��م ّ‬ ‫ِ‬ ‫اخل� � ��اء من الكاف في نحو كلمة خوري‪ ،‬ذات األصل‬ ‫الالتيني‪ .‬وقريب من ذلك مصطلح فيزياء‪ ،‬مع بعض‬ ‫ّ‬ ‫ألن‬ ‫لكن هذه اإلجابة حتتاج إلى استقصاء‪ّ ،‬‬ ‫الفروق‪ّ .‬‬ ‫ف� � ��ي العرب ّية كلمات توحي االنته� � ��اء بتلك الالحقة‪،‬‬ ‫والس ّيما كلمة سيمياء‪ ،‬ولذلك عمدنا إلى جمع تلك‬ ‫الكلمات ودراستها‪.‬‬ ‫أكثر ما وجدناه جموع تكسير ألسماء على وزن‬ ‫شقي‪،‬‬ ‫نبي‪ ،‬أنبياء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فَعِ يل تنتهي بياء مش � � � ّددة‪ ،‬مثل‪ّ :‬‬ ‫أش� � ��قياء؛ أو تنتهي بياء بعده� � ��ا همزة‪ ،‬نحو‪ :‬رديء‪،‬‬ ‫أردياء‪ ،‬ش� � ��يء‪ ،‬أش� � ��ياء‪ .‬ووجدنا صف� � ��ات على وزن‬ ‫َف ْعالء مش� � ��تقّة من فعل أو اسم ينتهي بياء أصل ّية أو‬ ‫أصلي‪ ،‬مثل َ‬ ‫ض ْحياء (من الضحى)‬ ‫منقلبة عن حرف‬ ‫ّ‬ ‫وص ْرياء (من‬ ‫وثَ ْرياء (من ال ّثَرى) وثَ ْدياء (من ال ّثَ ْدي) َ‬ ‫فع� � ��ل ص َرى ص ْرياً)‪ .‬وهات� � ��ان احلالتان ال يع ّد لفظ‬

‫«ياء» فيهما زائداً‪.‬‬ ‫وقري� � ��ب من ذلك ظاهرةٌ لعلّنا أ ّول من الحظها‪،‬‬ ‫وهي إبدال تاء التأنيث ألفاً ممدودة‪ ،‬وجعل الصفة‬ ‫عل� � ��ى وزن َف ْعالء أو ِ‬ ‫مما‬ ‫فاعالء في الوقت نفس� � ��ه‪ّ ،‬‬ ‫أصلي‪ ،‬وذلك‬ ‫أصله يائ� � � ّ�ي أو منقلبة ياؤه عن حرف‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫للتعبير ع� � ��ن صفات حتقير ّي� � ��ة‪ ،‬مثل‪ :‬لث َي� � ��ة ولثياء‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وفاس َياء؛‬ ‫وفاس � � � َية‬ ‫(كثيرة العرق‪ ،‬وكانت مذمومة)‪،‬‬ ‫ومث� � ��ل قابِياء (لئيم)‪ ،‬من اجلمع باألصابع والتج ّمع‪،‬‬ ‫والقا ِب َية‪ :‬جامع� � ��ة نبات ال ُعصفر أو الزعفران؛ وبنو‬ ‫أن‬ ‫قابِياء‪ :‬املجتمعون لش� � ��رب اخلم� � ��ر؛ ويخ ّيل إلينا ّ‬ ‫ِ‬ ‫هذه احلالة تش� � ��به حالة ِ‬ ‫وفاسياء‪ ،‬من حيث‬ ‫فاسية‬ ‫حتقي� � ��ر الرجل بتش� � ��بيهه باألنثى‪ ،‬و«ي� � ��اء» في هذه‬ ‫جميعاً ليست أيضاً زائدة‪ .‬ووجدنا حالة واحدة يزاد‬ ‫فيها لفظ «ي� � ��ا» ال «ياء» وكأ ّنه تكرار ملا قبله‪ ،‬وذلك‬ ‫في صف� � ��ة حتقير ّية أخرى هي َعياي� � ��اء (أي عاجز‬ ‫جنس � � � ّياً)‪ ،‬وف� � ��ي ٍ‬ ‫رواية‪َ :‬غياياء‪ ،‬وه� � ��ي على األرجح‬ ‫ّ‬ ‫يائي‪ ،‬من فعل‬ ‫تصحيف‪ ،‬وأصل الكلمة على كل حال ّ‬ ‫َع َّي‪ .‬فك ّل هذه احلاالت تخرج عن املوضوع‪.‬‬ ‫لكن هناك مصادر أو أسماء من األفعال تنتهي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫قِ‬ ‫يائي أو منقلب عن‬ ‫�ه‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫أص‬ ‫منها‬ ‫�م‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫«ياء»‪،‬‬ ‫بلفظ‬ ‫ّ‬ ‫ألف أو واو‪ ،‬أو ينتهي بياء تتلوها همزة؛ وقس� � ��م من‬ ‫يائي؛ فمن القس� � ��م األول‪ :‬ي ْأياء‪ ،‬مصدر‬ ‫أصل غير ّ‬ ‫فع� � ��ل يَ ْأيَ َأ (دعا)‪ ،‬وجاثِياء (م� � ��ن جثا) وحاثِياء (من‬ ‫حث� � ��ا)‪ ،‬واالنْفِ ي� � ��اء (االنفراج‪ ،‬من الف � � � ْأو أو الف ْأي)‪،‬‬ ‫و ُقياء (من القَيء) وثُنْياء (أي مستثنى‪ ،‬وهو ممدو ُد‬ ‫ثُنْيا)‪ ،‬أ ّما غير املنتهي بياء أصل ّية أو مبدلة فلم جند‬ ‫منه إ ّال ِجبْرياء وكِ بْرياء‪ ،‬ومعناهما واحد‪.‬‬ ‫وقد وجدنا أس� � ��ماء عرب ّية أخرى تنتهي بلفظة‬ ‫«ياء» عددها اثنا عشر‪ ،‬هي‪ :‬السيمياء‪ ،‬أي السيماء‬ ‫زيد عل� � ��ى ما قبل آخرها الياء ‪ -‬ال األلف والياء ‪،-‬‬

‫* أكادميي من لبنان‬

‫‪82‬‬

‫‪7/18/13 10:11:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 82-83.indd 82‬‬


‫فهي تخرج عن املوضوع أيضاً‪ ،‬وإن أوحى اللغو ّيون‬ ‫خالف ذلك؛ وأَي� � ��اء الش� � ��مس‪ ،‬أي ضوؤها‪ ،‬والياء‬ ‫والهمزة هن� � ��ا أصل ّيتان من فعل مفت� � ��رض هو أَيَ َأ؛‬ ‫وال ِلّياء (أي اللوبياء)‪ ،‬فإن كان أصلها عرب ّياً فينبغي‬ ‫وإحلِياء (اس� � ��م‬ ‫أن تكون من لَ َيأ أو من فعل ناقص؛ ْ‬ ‫ً‬ ‫موضع‪ ،‬وينبغي أن يك� � ��ون أصله يائ ّياً أو همز ّيا في‬ ‫السبْي‪،‬‬ ‫يائي‪ ،‬من َّ‬ ‫وسطه ياء) والس� � ��ابِياء‪ ،‬وأصلها ّ‬ ‫خفي‬ ‫واحلاوِ ي� � ��اء (من حوى يحوي)‪ ،‬واخلافِ ياء (من‬ ‫َ‬ ‫يَخْ َف� � ��ى)‪ ،‬والكاوِ ياء (من كوى يكوي)‪ ،‬والالوِ ياء (من‬ ‫وكأن لفظة‬ ‫لَوى يلْوي)‪ ،‬والسافِ ياء (من سفا يسفو)؛‬ ‫ّ‬ ‫«ياء» في الس � � �تّة األخيرة قد أبدلت من تاء التأنيث‬ ‫ِ‬ ‫اجلاسياء (من جس َأ)‪ ،‬وكأ ّنها اسم‬ ‫للمبالغة؛ وشبهها‬ ‫الفاعل جاس� � ��ئة‪ ،‬أُبدلت همزته ياء فصارت جاسية‬ ‫(غليظة)‪ ،‬ث� � ��م أُبدلت من تائه لفظ ُة «ياء» للمبالغة؛‬ ‫اإلجرياء (مكان اجلري‪ ،‬من َجرى يَجري)‪.‬‬ ‫ومنه ْ‬ ‫وهناك أربعة أس� � ��ماء عرب ّية ليس� � ��ت من أصل‬ ‫يائي وال ينتهي أصلها بياء وهمزة‪ ،‬وهي احلِ ذرياء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مرادف احلِ ْذرية (األرض الغليظة اخلش� � ��نة)‪ ،‬ووزن‬ ‫يائي‪ ،‬فيكون‬ ‫فِ ْع ِل َية‪ ،‬بياء مخفّفة‪ ،‬يوحي‬ ‫ّ‬ ‫وكأن االسم ّ‬ ‫ثمة إبدال بني التاء ولفظة «ياء»؛ واجلِ ْربِياء (الريح‬ ‫الباردة‪ ،‬وهي مكروهة)‪ ،‬والقِ ْر ِحياء (األرض املستوية‬ ‫التي ال متس� � ��ك املاء)‪ ،‬و ُمزِ يْقِ ي� � ��اء (كثير التمزيق)‪.‬‬ ‫أن لهذه األسماء معاني غير مستح ّبة ّ‬ ‫تدل‬ ‫وواضح ّ‬ ‫إ ّم� � ��ا على الغلظة‪ ،‬أو على الض� � ��رر وعدم النفع‪ ،‬أو‬ ‫على احلمق واإلسراف‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وث ّمة اس� � ��م غريب ه� � ��و ِب ْرب ِ‬ ‫ويدل على‬ ‫ِيطي� � ��اء‪،‬‬ ‫ضرب من الثياب أو على موضع ينسب إليه الوشي‪،‬‬ ‫وهو في التفسيرين يتّصل باملالبس‪.‬‬ ‫أ ّما س� � ��ائر األس� � ��ماء فدخيلة‪ ،‬وه� � ��ي‪ :‬الكيمياء‬ ‫واللوبي� � ��اء والتوتي� � ��اء‪ ،‬وتع� � ��ود إلى أص� � ��ول يونان ّية؛‬

‫هل املقطع «ياء» من اللواحق العرب ّية؟‬

‫‪7/18/13 10:11:56 AM‬‬

‫وا ُ‬ ‫جلودي� � ��اء والبُورياء وال َك َر ْوي� � ��اء‪ ،‬وتعود إلى أصول‬ ‫فارس ّية؛ وعادِ ياء وأُورِ ياء‪ ،‬وهما من أصلني عبر ّيني‪.‬‬ ‫أن‬ ‫وقد أش� � ��ار أبو عل� � � ّ�ي القالي (ت ‪ 356‬ه � � �ـ) إلى ّ‬ ‫ُفوع� �ل��اء بن� � ��اء ال يأتي في كالم الع� � ��رب إ ّال مع ّرباً‪،‬‬ ‫مما عرضن� � ��ا له‪ ،‬كلمات‪:‬‬ ‫وذكر‪ ،‬عالوة عل� � ��ى أربع ّ‬ ‫سوبياء (ش� � ��راب ال يزال السعود ّيون يشربونه حتّى‬ ‫الي� � ��وم‪ ،‬ويس � � � ّمونه س� � ��وبيا)‪ ،‬وصورِ ياء (اس� � ��م علم‬ ‫عبري)‪ ،‬ولوثِياء (اس ٌم حلوت)‪ .‬وعلى ذلك ينبغي أن‬ ‫ّ‬ ‫تكون مومياء دخيلة‪ ،‬ومن احملتمل أن تكون مأخوذة‬ ‫ألن املوم في الفارس ّية‬ ‫من كلمة موميا الفارس � � � ّية؛ ّ‬ ‫هو الش� � ��مع‪ ،‬وق� � ��د ُع ِ ّرب‪ .‬على أ ّنن� � ��ا لم جند موميا‬ ‫إ ّال ف� � ��ي بعض املعاجم العرب ّية احلديثة‪ ،‬وقد جعلها‬ ‫الفيومي‬ ‫بعضهم بلفظ موم ّية‪ ،‬نسبة إلى املوم‪ ،‬وذكر‬ ‫ّ‬ ‫في «املصباح املنير» دواء (وليس جثة) اسمه موميا‬ ‫يوناني‪ .‬��يمكننا‬ ‫(بغير هم� � ��زة)‪ ،‬وزعم أ ّنه من أصل‬ ‫ّ‬ ‫اس� � ��تنتاجاً أن نزيد عل� � ��ى وزن ُفوعالء وز َن فِ يعالء‪،‬‬ ‫ككيمياء‪.‬‬ ‫أن «ياء» الزائدة في ما وزنه ُفوعالء‬ ‫والنتيج� � ��ة ّ‬ ‫وفِ يعالء ليس� � ��ت الحقة عرب ّي� � ��ة‪ ،‬وأ ّنها في الصفات‬ ‫العرب ّية وجموع التكس� � ��ير غير زائدة‪ ،‬ورمبا جاءت‬ ‫بدالً من تاء التأنيث للمبالغة‪ ،‬وقد وردت زائدة في‬ ‫أس� � ��ماء على وزن فِ ْعلياء‪ ،‬مث� � ��ل ِحذرياء‪ ،‬لكنّها د ّلت‬ ‫فيها وفي أكثر الصفات على أمور غير مس� � ��تح ّبة‪،‬‬ ‫باس� � ��تثناء الكِ برياء التي لم تكن حُتمد إ ّال في الله‪.‬‬ ‫ولذل� � ��ك ميكن اعتبار «ياء» الحق� � ��ة عرب ّية في وزن‬ ‫فِ ْعلي� � ��اء‪ ،‬ون� � ��ادراً في غي� � ��ره‪ ،‬وتغلب ف� � ��ي الصفات‬ ‫املذموم� � ��ة‪ ،‬لكنّها لم تس� � ��تعمل للداللة عل� � ��ى العِ لم‬ ‫والنظر ّية وش� � ��بههما إ ّال ف� � ��ي كلمات دخيلة‪ ،‬فيمكن‬ ‫اس� � ��تعمالها في تعري� � ��ب ما آخره علّ� � ��ة‪ ،‬وليس في‬ ‫اشتقاق املصطلحات العلم ّية العرب ّية >‬

‫‪83‬‬

‫‪sep 82-83.indd 83‬‬


‫نقد‬

‫ذوبان النوعية في رواية‬

‫من أوراق شـاب مـصـري‬ ‫د‪.‬محمد عبداملطلب*‬

‫إن اختيار مصطلح «رواية» ليتصدر غالف هذا النص «من أوراق شاب مصري» الكاتب حمزة قناوي‬ ‫يثير تساؤال عن طبيعة هذا النص وانتمائه النوعي‪ ،‬ألن جتاوز الغالف والعنوان إلى املنت يستدعي‬ ‫إلى الذهن مصطلحني آخرين هما «السيرة» و«املذكرات العامة أو اليومية»‪ ،‬وهذا بدوره يقودنا إلى‬ ‫منجزات احلداثة النقدية‪ ،‬ثم ما بعد احلداثة‪ ،‬وقد انضاف إلى احلداثة وما بعد احلداثة مرحلة‬ ‫طارئة لم يستفض احلديث عنها بعد‪ ،‬هي مرحلة‪« :‬بعد ما بعد احلداثة» وأتوقف قليال عند املرحلة‬ ‫األخيرة‪ ،‬ألنها أوغلت في «ذوبان النوعية» وتداخل األعراف والتقاليد‪ ،‬وكسر احلواجز الفارقة بني‬ ‫اإلنس ��ان واحلي ��وان‪ ،‬واإلنس ��ان واآللة‪ ،‬والطبيعي والصناع ��ي‪ ،‬وصو ًال إلى «احلداث ��ة الرقمية» التي‬ ‫حولت اإلبداع من الفردية إلى اجلماعية‪ ،‬وعددت مستويات النص بتعدد مؤلفيه‪.‬‬ ‫استحضرت هذه املرحلة أثناء قراءتي‬ ‫لنص حمزة قناوي «من أوراق ش������اب‬ ‫مصري» ألن قراءتي له رجحت انتماءه‬ ‫لهذه املرحلة‪ ،‬ألنه جت������اوز «ذوبان النوعية» إلى‬ ‫«توحد النوعية» إذ يتجلى فيه السرد من خالل‬ ‫الس������يرة الذاتية والغيرية ومن خالل املذكرات‬ ‫احلياتية واليومي������ة‪ ،‬والقارئ يندمج في القراءة‬ ‫دون أن ميايز بني هذه اخل������واص النوعية‪ ،‬ألن‬ ‫املؤلف قدمها س������بيكة متالحمة ال ميكن فصل‬ ‫عناصرها بعضها عن بعض‪.‬‬ ‫فعلى مس������توى الروائي������ة‪ ،‬ميك������ن أن نتابع‬ ‫* ناقد وأكادميي من مصر‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫‪7/18/13 10:49:22 AM‬‬

‫خطا س������رديا ممتدا يربط ب���ي��ن الوقائع ويحدد‬ ‫العالق������ات بني الش������خوص‪ ،‬معتم������دا عناصر‬ ‫الربط واالرتباط ب���ي��ن املقدمات والنتائج‪ ،‬وبني‬ ‫األسباب واملسببات‪ ،‬وحتديد مالمح الشخوص‬ ‫وإدخالهم الس������ياق احلكائي الذي يكش������ف عن‬ ‫مكوناتهم الثقافية والنفسية‪.‬‬ ‫وعلى مستوى السيرة‪ ،‬نلحظ سيطرة ضمير‬ ‫املتكلم (أنا) سيطرة شبه كاملة‪ ،‬دون أن ينتقص‬ ‫من هذه السيطرة حتوله – أحيانا – إلى ضمير‬ ‫الغي������اب (ه������و)‪ ،‬أو ضمير اخلط������اب (أنت) أو‬ ‫ضمير اجلماعة (نح������ن)‪ ،‬لكن (األوراق) – في‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 84-91.indd 84‬‬


‫ذوبان النوعية في رواية من أوراق شـاب مـصـري‬

‫‪7/18/13 10:49:27 AM‬‬

‫‪85‬‬

‫‪sep 84-91.indd 85‬‬


‫مجملها – تبدأ صياغي������ا بضمير املتكلم (أنا)‪،‬‬ ‫وفي س������ياق الس������يرة نالحظ اجتاه النص إلى‬ ‫رص������د الوقائ������ع اخلاصة‪ ،‬وحتدي������د مرجعيتها‬ ‫حينا‪ ،‬وتغييب هذه املرجعية حينا آخر‪ ،‬على أن‬ ‫يكون في الوعي‪ ،‬أن املرجعية املركزية للس������يرة‬ ‫ه������ي (الذاكرة)‪ ،‬والذاكرة معرضة للنس������يان أو‬ ‫التناسي مما يحدث بعض الفجوات السردية‪.‬‬ ‫وعل������ى مس������توى (املذك������رات) نلحظ جتاوز‬ ‫الن������ص للوقائع اخلاصة‪ ،‬واالجت������اه إلى الوقائع‬ ‫العام������ة‪ ،‬مع احل������رص على حتدي������د املرجعية‬ ‫الزمني������ة واملكانية‪ ،‬واعتماد املروي أو الش������اهد‬ ‫مباش������رة‪ ،‬وفي السيرة واملذكرات تكون السيادة‬ ‫الزمنية للماضي الذي يتحرك فيه النص وصوالً‬ ‫إلى حلظ������ة احلاضر‪ ،‬وي������كاد يتوقف عند هذا‬ ‫احلاض������ر وال يجاوزه إلى اآلتي‪ ،‬ذلك أن مقاربة‬ ‫اآلتي قد تتحقق في الروائية والقصصية‪ ،‬لكنها‬ ‫نادرة في الس������يرة واملذكرات‪ ،‬ألن األولى تعتمد‬ ‫(املخيلة) والثانية تعتمد الواقع‪.‬‬ ‫***‬ ‫وبرغم تعدد النوعي������ة وتوحدها في النص‪،‬‬ ‫نلحظ أن العنوان ينحاز بها إلى جانب السيرة‪،‬‬ ‫وهو م������ا يدعونا إلى أن نبدأ الق������راءة من هذا‬ ‫اجلانب‪ ،‬حيث تتح������رك الصياغة معتمدة على‬ ‫ضمير املتكلم (أنا) – كما س������بق أن أش������رت –‬ ‫يق������ول في الورقة األولى‪« :‬في أحد املس������اءات‪:‬‬ ‫وجدت نفس������ي أج������ر حقيبة ثقيلة ف������ي مطار‬ ‫القاه������رة‪ ،‬وحيدا منفردا م������ن املودعني‪ ،‬وأحث‬ ‫الس������ير جتاه بوابة تربض خلفها الطائرات» في‬ ‫هذه الدفقة املوجزة يحضر ضمير املتكلم أربع‬ ‫مرات‪ ،‬ثم يحافظ عل������ى هذا احلضور‪ ،‬إذ تبدأ‬ ‫الورقة الثانية بالفعل (سرت) والثالثة (وقفت)‪،‬‬ ‫وعندم������ا يغيب هذا الضمير يحل محله (نحن)‪،‬‬ ‫يقول في الورقة اخلامسة‪« :‬املرحلة إلى محطة‬ ‫مترو املطرية شاقة من بيتنا»‪.‬‬ ‫وغالباً ما متيل السيرة إلى (زمن الطفولة)‬ ‫بوصفه الزمن املؤسس ملا يليه من أزمنة الشباب‬ ‫والرجول������ة‪ ،‬ورمبا لهذا حضر ه������ذا الزمن مع‬ ‫الورق������ة األولى‪ ،‬يقول ال������راوي الداخلي‪« :‬رأيت‬ ‫نفس������ي طفال صغيرا»‪ ،‬ومع ه������ذا الزمن تتتابع‬

‫‪86‬‬

‫‪7/18/13 10:49:32 AM‬‬

‫الذكريات التي حفرت لنفسها مسارا عميقا في‬ ‫الذاكرة‪ ،‬من هذه الذكريات فوز الراوي (حمزة)‬ ‫بجائزة (سوزان مبارك)‪ ،‬ومع هذا الفوز حتضر‬ ‫بنية (النفاق) للس������لطة‪ ،‬إذ تعهدته أمينة مكتبة‬ ‫(ع������رب احملمدي) مبا يجب أن يقوله للس������يدة‬ ‫األولى عندما تسلمه اجلائزة‪.‬‬ ‫وم������ع الطفول������ة حتض������ر مرحل������ة (التعليم‬ ‫االبتدائ������ي)‪ ،‬حيث تس������تعيد الذاكرة املدرس������ة‬ ‫«بوجهها األصفر»‪ ،‬ومع ذكرى املدرسة‪ ،‬حتضر‬ ‫ذكرى لقاء الراوي مع (الش������يخ كش������ك) وانفتاح‬ ‫وعيه على دروس������ه في مس������جد (عني احلياة)‪،‬‬ ‫وكيف كان الشيخ يداعبه قائال إن اسمه (حمزة)‬ ‫مطابق السم عم الرسول‪.‬‬ ‫وتتقدم السيرة من هذا الزمن املبكر لتدخل‬ ‫زمن النضج عندما يواجه الراوي الواقع مباشرة‬ ‫خالل البحث ع������ن عمل يضمن له حياة كرمية‪،‬‬ ‫وفي هذا السياق املرحلي تتابع الذاكرة مجموعة‬ ‫األعمال التي مارسها‪ ،‬حيث التحق بإحدى دور‬ ‫النشر أثناء معرض الكتاب‪ ،‬وهنا انكشفت أمامه‬ ‫بع������ض ظواهر الفس������اد التي أفس������دت العالقة‬ ‫بينه وبني صاحب دار النش������ر‪ ،‬وهو ما أدى إلى‬ ‫تركه له������ذا العمل‪ ،‬ثم جاءه عمل آخر يكون فيه‬ ‫مس������اعدا ألحد كبار الكت������اب‪ ،‬وهو ما قاده إلى‬ ‫عالم الثقافة واملثقفني والسياسيني املناضلني‪،‬‬ ‫وف������ي أثناء عمله اجلديد يطلب من هذا الكاتب‬ ‫أن يس������اعده في احلصول على عمل مناس������ب‪،‬‬ ‫فيرش������حه للعمل في اجلامع������ة العربية تارة‪ ،‬ثم‬ ‫يرش������حه للعمل في املجلس األعلى للثقافة تارة‬ ‫أخرى‪ ،‬لكن الفشل الحقه في هذين املكانني‪ .‬ثم‬ ‫يلتح������ق بالعمل مع املثقف (عبدالعال الباقوري)‬ ‫مصححا ملقاالت������ه التي يكتبها إلحدى الصحف‬ ‫اخلليجية‪ ،‬وقد أطل في هذا العمل على الواقع‬ ‫السياس������ي واالجتماعي‪ ،‬وأطل على ثورة س������نة‬ ‫‪ 1952‬وم������ا أحدثته من تغير ف������ي املجتمع‪ ،‬كما‬ ‫أطل على الدور اخلطير الذي تلعبه إس������رائيل‬ ‫في املنطق������ة‪ ،‬وقد توقف هذا العمل – أيضا –‬ ‫بعد أن أغلقت الصحيفة مكتبها في القاهرة‪.‬‬ ‫***‬ ‫إن انتم������اء النص للس������يرة احلياتية للراوي‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 84-91.indd 86‬‬


‫(حم������زة)‪ ،‬ربط الوقائع مبرجعية حقيقية ميكن‬ ‫أن يدركه������ا معظم القراء‪ ،‬لكن الالفت أن تتابع‬ ‫الوقائع مشبعة بطابع مأساوي‪ ،‬أكسب السيرة‬ ‫نوع������ا من امللحمي������ة الدرامية‪ ،‬وهو ما يش������كل‬ ‫مفارقة مثيرة للدهشة‪ ،‬إذ إن الوقائع تدخل في‬ ‫نطاق املعقول‪ ،‬لكن تتابعها وتشابكها أدخلها إلى‬ ‫غير املعقول‪ ،‬ومن ثم مال بالسيرة إلى الطبيعة‬ ‫امللحمية التي تعتمد محاصرة البطل بالصعود‬ ‫واالنحدار‪ ،‬ومواجهت������ه باالعتداءات والعداءات‬ ‫غير املب������ررة‪ ،‬وهي مواجه������ة ال ميكن إرجاعها‬ ‫إلى املصادقة‪ ،‬وإمنا ميكن إرجاعها إلى طبيعة‬ ‫الشخصية التي تأبى االستسالم لظواهر القهر‬ ‫واحلرمان‪ ،‬ومن ثم أحاطتها املواقف القاس������ية‬ ‫في معظم مسيرتها احلياتية‪ ،‬ورمبا لهذا كثرت‬ ‫مواجه������ات الراوي مع الش������رطة‪ ،‬وما تبعها من‬ ‫اعتداءات بدنية وإهانات نفسية‪.‬‬ ‫وتصل امللحمية ذروتها عندما يتحول الواقع‬ ‫إل������ى كابوس رمزي‪ ،‬يتابع فيه حمزة غزو املغول‬ ‫ملصر‪ ،‬وسقوط املصريني حتت السنابك‪ ،‬حيث‬ ‫متتزج دماؤهم بالت������راب‪ ،‬وكان نصيبه في هذا‬ ‫الغزو أن يهوى عليه أحد س������يوف املغول ليجتز‬ ‫رقبته‪.‬‬ ‫***‬ ‫إن تدخل املخيلة في نهاية احملور الس������ابق‬ ‫ميثل متهيداً لدخول النص في منطقة الروائية‪،‬‬ ‫يزك������ي هذا الدخول حترك الس������رد من اخلتام‬ ‫إلى البدايات‪ ،‬أو مبعنى آخر البدء من احلاضر‬ ‫وصوالً إلى املاض������ي‪ ،‬وكان احلاضر هو حلظة‬ ‫الرحيل للس������فر للعمل في اخللي������ج‪ ،‬ومن هذه‬ ‫اللحظ������ة أخذ الس������رد مس������اره التراجعي على‬ ‫نحو ترددي‪ ،‬فيرجع إل������ى زمن الطفولة – كما‬ ‫سبق أن ذكرنا ‪ ،-‬لم ينتقل إلى املطار استعدادا‬ ‫للسفر إلى اخلليج‪ ،‬ثم يتراجع إلى زمن الطفولة‬ ‫واملدرسة االبتدائية‪.‬‬ ‫ومع ه������ذه احلرك������ة الترددي������ة املنضبطة‪،‬‬ ‫واحملكومة بفتح الذاكرة‪ ،‬يحافظ الس������رد على‬ ‫تتابع الوقائ������ع‪ ،‬وحضور الش������خوص بوظائفها‬ ‫املتعددة‪ ،‬املس������اعدة تارة‪ ،‬وغير املس������اعدة في‬ ‫أغلب الس������ياقات‪ ،‬وهو ما يرسخ ذوبان السيرة‬ ‫ذوبان النوعية في رواية من أوراق شـاب مـصـري‬

‫‪7/18/13 10:49:39 AM‬‬

‫في الرواية‪ ،‬ثم ربطهما باملسار التاريخي بداية‬ ‫ونهاية‪ ،‬البداية مع زم������ن الطفولة‪ ،‬والنهاية مع‬ ‫الرحي������ل إل������ى اخلليج بعد الزواج م������ن لبنانية‪،‬‬ ‫ولم يضف الس������رد إلى هذه الش������خصية سوى‬ ‫جنس������يتها‪ ،‬ورمبا في نية الكاتب أن يقدم جزءا‬ ‫ثان ًي������ا يحكي فيه عن الوقائع والش������خوص بعد‬ ‫االستقرار في اخلليج‪.‬‬ ‫وتدخل التاريخ في الروائية الس������يرية‪ ،‬أتاح‬ ‫للس������رد أن يتوق������ف عن������د بع������ض الوقائع ذات‬ ‫الطابع السياس������ي‪ ،‬مثل (قانون الطوارئ) الذي‬ ‫فرض������ه عبدالناصر بعد نكس������ة س������نة ‪،1967‬‬ ‫واس������تمر الس������ادات على فرضه‪ ،‬ثم مبارك من‬ ‫بعده‪ ،‬ويتتابع السرد التاريخي ليصل إلى (عقد‬ ‫الصلح مع إسرائيل عام ‪ ،)1979‬ثم رصد توابعه‬ ‫من استسالم السادات ألمريكا‪ ،‬حيث أصبحت‬

‫‪87‬‬

‫‪sep 84-91.indd 87‬‬


‫مصر إحدى الدول التابعة لها‪ ،‬وفي هذا السياق‬ ‫تظهر إس������رائيل لتؤدي دورا خطيرا في املنطقة‬ ‫العربي������ة‪ ،‬ومن توابع هذا الصلح إهمال س������يناء‬ ‫إهماال شبه مطلق‪.‬‬ ‫ث������م يتجه الس������رد إلى احل������ركات النضالية‬ ‫املعارض������ة التي ب������دأت مع حكم الس������ادات‪ ،‬ثم‬ ‫توال������ى ظهور هذه احلركات مثل (كفاية) س������نة‬ ‫‪ 2004‬حاملة ش������عار‪( :‬ال للتمديد‪ ،‬ال للتوريث)‪،‬‬ ‫وكيف قدمت احلركة منوذجا في التغيير عندما‬ ‫انض������م إليها الدكت������ور عبدالوهاب املس������يري‪،‬‬ ‫وفي هذا الس������ياق يس������تحضر السرد استشهاد‬ ‫الشاب (خالد س������عيد)‪ ،‬إذ كان هذا االستشهاد‬ ‫وق������ودا للتظاه������رات التي وصلت ف������ي ما بعد‬ ‫إلى ثورة س������نة ‪ ،2011‬ثم رصد الس������رد ظهور‬ ‫بعض الش������خصيات التي أدت دورا في احلراك‬ ‫السياسي مثل (البرادعي)‪.‬‬ ‫وقد وجه السرد عنايته إلى متابعة البدايات‬ ‫االحتجاجية ضد الس������لطة الس������ابقة على ثورة‬ ‫يناير ‪ .2011‬وكش������ف عن الرغبة املش������تعلة في‬ ‫اجلماهي������ر للتغيير‪ ،‬ولم يتابع الس������رد كل ذلك‬ ‫متابعة جتريدي������ة‪ ،‬بل وثق متابعته باملش������اهدة‬ ‫البصري������ة لل������راوي‪ ،‬وبرغ������م ما الحظن������اه من‬ ‫توحد النوعية بني (الس������يرة والرواية والتاريخ)‬ ‫ظ������ل الس������رد محافظ������ا عل������ى خصوصيته في‬ ‫تشكيل طقوس������ه الزمنية واملكانية‪ ،‬وفي مقدمة‬ ‫الطقس الزمني‪ ،‬احل������رص على االنتماء للزمن‬ ‫املاضي وص������والً إلى احلاضر‪ ،‬ث������م التردد بني‬ ‫هذين الزمن���ي��ن تراجعا وتقدم������ا‪ ،‬مع احلرص‬ ‫على اإليغال في التفاصيل احلياتية والنفس������ية‬ ‫وإعطائها مساحة كتابية واسعة حينا‪ ،‬ومحدودة‬ ‫حينا آخر تبعا للسياق‪.‬‬ ‫***‬ ‫وتع������دد النوعية في نص (من أوراق ش������اب‬ ‫مص������ري) قارب (املذك������رات واليوميات)‪ ،‬وهذه‬ ‫املقاربة حول������ت النص إلى مجموع������ة (أوراق)‬ ‫تبلغ خمسا وتسعني ورقة‪ ،‬بني الورقة واألخرى‬ ‫فاصل طباعي‪ ،‬ولم ينتقض هذا النس������ق إال في‬ ‫اجلمع بني الورقتني (الثانية والثالثة) إذ تداخلت‬ ‫الورقتان طباعيا‪ ،‬ويبدو أن حرص الكاتب على‬

‫‪88‬‬

‫‪7/18/13 10:49:44 AM‬‬

‫نس������ق األوراق‪ ،‬كان نوعا م������ن احلرص على أن‬ ‫يك������ون النص كتابا مفتوحا على القراءة الدائمة‬ ‫ورق������ة بعد ورقة‪ ،‬يقول ال������راوي معبرا عن هذه‬ ‫الظاه������رة‪« :‬تتطاي������ر األوراق أمام������ي ورقة إثر‬ ‫أخرى‪ ،‬هذا شبابي مير في إحداها»‪.‬‬ ‫واالنتم������اء لليوميات‪ ،‬رب������ط النص باملواقف‬ ‫العامة‪ ،‬وتداخل زمنها مع زمن الس������يرة‪ ،‬ورمبا‬ ‫كان الف������ارق بينهما‪ ،‬أن الس������يرة تؤثر الضبابية‬ ‫في بعض األحيان‪ ،‬وقد تسلطت هذه الضبابية‬ ‫على (األس������ماء العلم)‪ ،‬فقد أغفل الس������رد ذكر‬ ‫اس������م الكاتب الكبير الذي عمل معه حمزة ملدة‬ ‫عام���ي��ن‪ ،‬بل إنه عندم������ا ذكر اس������مه‪ ،‬ذكره في‬ ‫س������ياق آخر بعي������د عن عمله معه‪ ،‬فعند س������فره‬ ‫للعمل في اخلليج‪ ،‬أشار إلى الكتب التي حملها‬ ‫معه عند الس������فر‪ ،‬ومنها مؤلفات (الدكتور أنور‬ ‫عبدامللك)‪.‬‬ ‫ويوظف الس������رد كلمة (ف���ل��ان) لتكون كناية‬ ‫عن األس������ماء التي يتعمد الس������رد إخفاءها‪ ،‬في‬ ‫الورقة اخلامسة عشرة‪ ،‬حتدث الراوي عن أحد‬ ‫أس������اتذة اجلامعة الذين يفرض������ون على الطلبة‬ ‫ش������راء كتبهم‪ ،‬وإال كان مصيرهم الرسوب‪ ،‬ولم‬ ‫يذكر اسم هذا األستاذ‪.‬‬ ‫كما غيب السرد اسم املؤسسة التي تقدمت‬ ‫لش������راء مجموعة من الكتب من دار النشر التي‬ ‫كان يعم������ل بها حمزة أثناء معرض الكتاب مببلغ‬ ‫عشرة آالف جنيه مجاملة من املؤسسة لصاحب‬ ‫دار النشر‪ ،‬وإن أش������ار إلى أن املسئول عن هذه‬ ‫املؤسس������ة كان أس������تاذا له في اجلامعة دون أن‬ ‫يحدد اسمه‪.‬‬ ‫وقد الحقت الضبابية اس������م الروائي الذي‬ ‫اتهمته إحدى الباحثات بالسرقة األدبية‪ ،‬وكيف‬ ‫أنه واجهها في مكتبه بالطرد‪ ،‬وبرغم أن السرد‬ ‫أغفل اس������م هذا الروائي‪ ،‬فإنه أش������ار إليه في‬ ‫إبداعه‪ ،‬وأنه ي������دور في عالم الصوفية والتراث‬ ‫واملطلق والزمان واملكان‪.‬‬ ‫واملالح������ظ أن هذه الضبابي������ة التي الحقت‬ ‫األسماء‪ ،‬كانت مرافقة للسياقات السلبية التي‬ ‫أحاطت باالس������م وصاحبه‪ ،‬ومن ثم كانت تغيب‬ ‫الضبابي������ة ف������ي الس������ياقات اإليجابية‪ ،‬نالحظ‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 84-91.indd 88‬‬


‫هذا الس������ياق اإليجابي في جلسة للراوي يتأمل‬ ‫فيه������ا بعض الصور التي جمعته بأس������اتذته في‬ ‫كلي������ة اآلداب – جامعة عني ش������مس‪( :‬الدكتور‬ ‫عبدالقادر القط‪ ،‬الدكتور عز الدين إسماعيل)‪،‬‬ ‫وسواهما من األساتذة‪.‬‬ ‫ومتتد هذه اجللسة ملشاهدة مجموعة صور‬ ‫الكاتب الكبي������ر مع أعالم الثقافة والسياس������ة‬ ‫واألدب‪ ،‬من أمثال‪( :‬محمود أمني العالم‪ ،‬وأحمد‬ ‫بهاء الدين‪ ،‬والرئيس الفلسطيني محمود عباس‪،‬‬ ‫وعبدالعظيم أنيس‪ ،‬وجابر عصفور)‪.‬‬ ‫***‬ ‫ومن طبيع������ة اليوميات أن تتعمد تس������جيل‬ ‫الوقائ������ع اليومي������ة‪ ،‬دون نظر إل������ى أهميتها أو‬ ‫ع������دم أهميتها‪ ،‬فهي متثل قطاع������ا في الذاكرة‬ ‫يحتفظ بكل ما مير به‪ ،‬بل قد يصل التس������جيل‬ ‫إلى بعض الوقائع العبثية التي تبدو عبثيتها في‬ ‫الظاهر املباش������ر‪ ،‬بينما التأمل فيها قد يكشف‬ ‫ع������ن دالالت مضمرة تعكس رؤية الراوي لعبثية‬ ‫الواقع نفسه‪ ،‬كما تعكس عدم قدرة الراوي على‬ ‫التأقلم مع������ه‪ ،‬وتتبدى هذه العبثي������ة في واقعة‬ ‫تكررت ألكثر من عش������ر م������رات في النص‪ ،‬هي‬ ‫واقع������ة (ركل حجر في الطري������ق)‪ ،‬وقد تكررت‬ ‫الواقعة في سياقات عبثية واجهها الراوي‪ ،‬وكان‬ ‫ركل احلجر رد فعل لها‪ ،‬واملرة األولى التي ظهر‬ ‫فيها هذا الفعل العبثي كان في الورقة الرابعة‬ ‫عندما ش������اهد الراوي واقعة مأساوية في‬ ‫احلي الذي يس������كنه‪( ،‬س������يارة صهريج)‬ ‫تبيع املاء في احل������ي‪ ،‬وكان صدى هذه‬ ‫املش������اهدة‪« :‬ركلت حجرا في الطريق‪،‬‬ ‫تابعته ببصري حتى اختفى»‪.‬‬ ‫وأصب������ح (ركل احلج������ر) الزم������ة‬ ‫حلمزة كلما ضاقت به الس������بل‪،‬‬ ‫وكأن هذا الفعل كان تنفيس������ا‬ ‫عما ف������ي داخله م������ن غضب‪،‬‬ ‫يقول ف������ي الورقة رق������م (‪)20‬‬ ‫عندما فقد األمل في احلصول‬ ‫على وظيفة تناسبه‪« :‬بحثت عن‬ ‫حجر ألركله‪ ،‬فلم أجد»‪.‬‬ ‫وتنتق������ل اليوميات من العبثية إلى‬ ‫ذوبان النوعية في رواية من أوراق شـاب مـصـري‬

‫‪7/18/13 10:49:50 AM‬‬

‫الس������خرية‪ ،‬فعندما زار حمزة (مسلة املطرية)‬ ‫التي ال يزورها أحد‪ ،‬وقف أمام شباك الرسوم‪،‬‬ ‫ومد يده لسداد الرسم املقرر‪ ،‬لكنه الحظ صورة‬ ‫ساخرة‪ ،‬إذ كانت املوظفة املسئولة جالسة (تنقي‬ ‫طبقا واس������عا من األرز) وبجانبه هرم كبير من‬ ‫(الكوسة) املفرغة‪ ،‬فالعمل هنا بال عمل‪ ،‬حيث‬ ‫تداخلت وظائف البيت مع وظائف العمل‪.‬‬ ‫وفي سياق السخرية يقدم الراوي في الورقة‬ ‫اخلامسة موقفا تصل فيه السخرية إلى ذروتها‪،‬‬ ‫حيث اتهمه عس������كري احلراس������ة بأنه س������وف‬ ‫يس������رق املس������لة التي ترتفع إلى ثالثة وعشرين‬ ‫قدم������ا‪ ،‬ومتتزج الس������خرية باملأس������اوية عندما‬ ‫تنفتح ذاكرة ال������راوي على بائ������ع (الروبابيكيا)‬ ‫الذي رفض ش������راء كتب مس������رح (بريخت)‪ ،‬أي‬ ‫(األعم������ال الكاملة) قائ���ل��ا‪« :‬ال مؤاخذه الكتب‬ ‫دي متوزن������ش»‪ .‬ومن طبيعة اليوميات تس������جيل‬ ‫األحداث والوقائع‪ ،‬حتى ل������و لم تكن مؤثرة‪ ،‬أو‬ ‫فاعلة في مس������ار الس������رد‪ ،���كأن يص������ف الراوي‬ ‫الطري������ق الذي يس������لكه في الذه������اب إلى بيت‬ ‫الكات������ب الكبير‪ ،‬ومن ذلك تس������جيل ذهابه إلى‬ ‫دار الهالل لتس������ليم مق������االت الكاتب‪ ،‬ووصف‬

‫‪89‬‬

‫‪sep 84-91.indd 89‬‬


‫الساللم التي صعدها‪ ،‬والزر الذي ضغط عليه‪،‬‬ ‫ومنها تس������جيل عالج شقيقته له عندما أصيب‬ ‫في إحدى املظاهرات‪ ،‬ومنها مش������اهدته ألحد‬ ‫أعضاء هيئة التدري������س بالكلية في املترو‪ ،‬وكل‬ ‫هذه وقائع غير مؤثرة في مسار السرد‪ ،‬وإن كان‬ ‫فيها بعض مالمح الواقع االجتماعي الذي كان‬ ‫دائم احلضور في األوراق‪.‬‬ ‫***‬ ‫إن هذا النسق الذي ذوب اخلواص النوعية‬ ‫للسيرة والرواية والتاريخ واملذكرات واليوميات‪،‬‬ ‫ووحدها في نص واحد‪ ،‬قد نقل ملفوظه الكتابي‬ ‫إلى املتلقي في أبنية صياغية مشبعة باجلمالية‬ ‫الت������ي كانت تصعد به������ا – أحيان������ا – إلى أفق‬ ‫الش������عرية‪ ،‬عندما تخلص الدوال من مرجعيتها‬ ‫املعجمية التي أرهقها االستعمال‪ ،‬وتغرسها في‬ ‫س������ياقات مجازية تعتمد املعاني الثواني – كما‬ ‫يقول عبدالقاهر اجلرجاني في نظرية النظم‪.‬‬ ‫وغالب������اً ما تتحق������ق ش������عرية الصياغة في‬ ‫املواقف االنفعالية‪ ،‬نالحظ ش������يئا من هذا في‬ ‫حلظة من أكث������ر اللحظات تأثيرا في املس������يرة‬ ‫احلياتية للراوي‪ ،‬حلظة الرحيل من املوطن إلى‬ ‫عال������م الغربة للعمل في اخللي������ج‪ ،‬يقول الراوي‪:‬‬ ‫«بينما أجرجر احلقيبة‪ ،‬وأنا أش������عر بأن نفسي‬ ‫ثقيلة بال حد‪ ،‬كنت أسترجع مشاهد حياتي في‬ ‫مصر‪ ،‬وأنا أطرح على نفس������ي س������ؤاال واحدا‪:‬‬ ‫ملاذا تقس������و مصر على أبنائها رغم ذوبانهم في‬ ‫ترابها؟»‬ ‫ش������عرية الصياغة نقلت (ثقل احلقيبة) إلى‬ ‫(ثقل النفس)‪ ،‬وحولت مسيرة الراوي في مصر‬ ‫إلى مجموعة من املش������اهد املتتابعة التي جتمع‬ ‫بني أمري������ن‪ :‬مجموعة اآلالم الت������ي واجهها في‬ ‫مس������يرته احلياتية‪ ،‬واألمر اآلخر‪ :‬احلب الذي‬ ‫يكن������ه املصري������ون ملصر‪ ،‬وقد عب������رت الصياغة‬ ‫عن هذا احلب بالتعبي������ر املجازي (الذوبان في‬ ‫ترابها)‪ ،‬لكن حرص النص على طبيعته الروائية‪،‬‬ ‫استدعى فعل الكينونة (كنت)‪ ،‬وهو فعل لصيق‬ ‫بالسرد عموما‪.‬‬ ‫ث������م يوغ������ل النص ف������ي أدبيت������ه‪ ،‬فيلجأ إلى‬ ‫بعض التقنيات الفنية اجلمالية‪ ،‬مثل (التناص)‬

‫‪90‬‬

‫‪7/18/13 10:49:54 AM‬‬

‫و(االس������تدعاء)‪ ،‬وكأن ال������راوي يتي������ح لبع������ض‬ ‫األصوات اخلارجية أن تتدخل في بناء نصيته‪،‬‬ ‫وغالب������ا ما تكون مناطق التناص واالس������تدعاء‪،‬‬ ‫مناط������ق مش������بعة بالس������خرية املأس������اوية‪ ،‬وقد‬ ‫اس������تدعى النص واحدا من أهم شعراء التراث‬ ‫العرب������ي (ام������رؤ القيس)‪ ،‬اس������تدعاه مرتني في‬ ‫موقفني متشابهني‪ ،‬املوقف األول يرصد معاناة‬ ‫البحث عن عمل يناس������ب املؤه������ل العلمي الذي‬ ‫يحمله حمزة‪( :‬ليس������انس ف������ي األدب العربي)‪،‬‬ ‫وقد درس فيه – كما يقول الراوي‪« -‬مكر مفر‪،‬‬ ‫والبنيوي������ة والتفكيكية»‪ ،‬فاجلملة األولى تتناص‬ ‫مع بيت امرئ القيس الشهير‪:‬‬ ‫م� � �ك � ��ر م� � �ف � ��ر م � �ق � �ب� ��ل م� � ��دب� � ��ر م��ع��ا‬ ‫كجلمود ص�خ��ر ح�ط��ه ال�س�ي��ل م��ن عل‬ ‫وباقي اجلملة يستدعي منهجني من مناهج‬ ‫نقد احلداثة‪( :‬البنيوي������ة والتفكيكية)‪ ،‬واملوقف‬ ‫الثان������ي‪ :‬عندم������ا عرضت على ال������راوي إحدى‬ ‫امل������دارس اخلاصة أن يعمل مدرس������ا بها مقابل‬ ‫مرتب قدره ثمانون جنيها شهريا‪« :‬أربع سنوات‬ ‫من الدراس������ة الش������اقة‪ ..‬ومكر مفر‪ ،‬والبنيوية‬ ‫واحلداث������ة واملذاهب الفكرية‪ ،‬تنتهي جميعا إلى‬ ‫‪ 80‬جنيها»‪.‬‬ ‫***‬ ‫وت������كاد أبني������ة النص الس������يرية والس������ردية‬ ‫والتاريخي������ة واملذكرات‪ ،‬تدخل دائرة (املفارقة)‪،‬‬ ‫حي������ث يصطدم املنط������وق باملفه������وم‪ ،‬وتصطدم‬ ‫األحوال واملقامات‪ ،‬ويصل التصادم إلى األبنية‬ ‫الصياغية ذاتها‪ ،‬وكل ذلك في حاجة إلى دراسة‬ ‫مس������تقلة‪ ،‬لكن ال������ذي نهتم له ف������ي هذا احملور‬ ‫هو (املفارق������ات االجتماعية) التي اس������تحوذت‬ ‫عل������ى خط طولي ي���ل��ازم النص بداي������ة ونهاية‪،‬‬ ‫ولم يحافظ هذا اخلط عل������ى طبيعته األفقية‪،‬‬ ‫بل كثيرا ما كان يتحول إلى خط رأس������ي عندما‬ ‫يتوقف عند مفارقة بعينه������ا‪ ،‬ويتعمق منتجاتها‬ ‫من الدهش������ة والغرابة حينا‪ ،‬والس������خرية حينا‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫والالفت أن جتليات املفارقة االجتماعية قد‬ ‫تالزم������ت مع البعد املكاني وإش������اراته الطبقية‪،‬‬ ‫ففي ح������وار حمزة م������ع الكات������ب الكبير يرصد‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 84-91.indd 90‬‬


‫املفارق������ة املكاني������ة ب���ي��ن حي مص������ر اجلديدة‪،‬‬ ‫والعشوائيات مثل (الدويقة) التي تقع حتت جبل‬ ‫املقطم‪ ،‬وهي مفارقة مأساوية عبر عنها الراوي‬ ‫بقوله‪ « :‬مصر اجلديدة أرحم من غيرها كثيرا‪،‬‬ ‫األحياء العشوائية توحشت في القاهرة‪ ،‬وصار‬ ‫س������كان املقابر واجلبال أكثر من سكان األحياء‬ ‫املنظم������ة‪ ...‬أصحابها يتش������بثون ببقايا اآلدمية‬ ‫ليحس������بوا بش������را على الدول������ة‪ ،‬ال مرافق‪ ،‬وال‬ ‫خدمات‪ ،‬وال حياة من األصل‪ ،‬هل س������معت عن‬ ‫(الدويقة) ؟»‪.‬‬ ‫ث������م تالحق املفارق������ة عالم البش������ر وصدام‬ ‫الطبق������ات‪ ،‬حي������ث توحش رأس امل������ال‪ ،‬وأصبح‬ ‫الفس������اد أم������را طبيعيا ف������ي مص������ر‪ ،‬وفي هذا‬ ‫الصدام ينتش������ر التس������ول والبطالة‪ ،‬ثم تستعيد‬ ‫املفارقة املكانية غرابتها في هذا السياق‪ ،‬حيث‬ ‫يرصد السرد مبنى (بانوراما أكتوبر) بكل رمزه‬ ‫اإليجاب������ي‪ ،‬في مواجهة س������لطة رجال األعمال‬ ‫الذي������ن يحكمون مص������ر‪ ،‬وفي أيديه������م القرار‬ ‫السياسي واالقتصادي واالجتماعي‪.‬‬ ‫ث������م تتحول املفارقة من ثنائي������ة األركان إلى‬ ‫ثالثية‪ ،‬أطرافها‪ :‬الس������لطة الفاسدة‪ ،‬والشباب‬ ‫املتعطل الذي يغامر بالهجرة املميتة سعيا وراء‬ ‫الرزق‪ ،‬والطرف الثالث‪ :‬السلطة الدينية املمثلة‬ ‫في مش������يخة األزه������ر‪ .‬والتي أص������درت فتواها‬ ‫بأن هؤالء الش������باب الذين يلقون حتفهم خالل‬ ‫الهجرة‪ ،‬ه������م منتحرون‪ ،‬ألنهم ألقوا بأنفس������هم‬ ‫إلى التهلك������ة‪ ،‬معنى ذلك‪ ،‬أنهم خ������ارج الرحمة‬ ‫اإللهية‪.‬‬ ‫ث������م تصل املفارقة ذروتها املأس������اوية عندما‬ ‫تتصادم الس������لطات‪ ،‬وجتترئ السلطة التنفيذية‬ ‫في الع������دوان على الس������لطة القضائية (ضمير‬ ‫مصر)‪ ،‬فعند تظاهر القضاة طلبا لالس������تقالل‬ ‫يواجههم األم������ن املركزي بالع������دوان‪ ،‬ثم يتكرر‬ ‫هذا الع������دوان عام ‪ 2005‬عند إش������رافهم على‬ ‫االنتخابات‪.‬‬ ‫ثم تالح������ق املفارقة التجمعات اجلماهيرية‪،‬‬ ‫فتمنع الس������لطة بعضها‪ ،‬وتسمح ببعضها اآلخر‬ ‫تبعا ألهدافها ومصاحلها‪ ،‬فبينما متنع العشرات‬ ‫من التجمع‪ ،‬تس������مح بعش������رات األل������وف الذين‬

‫يتجمعون ملشاهدة مباراة في كرة القدم‪ ،‬ومتثل‬ ‫املفارقة في هذا الس������ياق بكائية قدمها السرد‬ ‫وهو يرصد فرحة اجلماهير باالس������تاد‪ ،‬وكأنها‬ ‫تعزف منظومة باس������م مصر‪ ،‬ثم يحول الس������رد‬ ‫ه������ذه الظاهرة إلى مفارق������ة بكائية‪ ،‬حيث يقول‬ ‫الراوي‪« :‬ه������ذه قلوب تله������ج بالرحمة والدعاء‪،‬‬ ‫وتهتف باس������م مصر لتواسيها في أبنائها الذين‬ ‫يغرقون في الع َّبارات»‪.‬‬ ‫وه������ذه املفارقات التي تش������كلت في مواقف‬ ‫خارجية لها صداه������ا الداخلي‪ ،‬تتحول فيه إلى‬ ‫مفارقات داخلية تس������كن أعماق الراوي وتشكل‬ ‫رؤيته لعامله تشكيال ساخرا مليئا باملرارة‪ ،‬وبهذه‬ ‫الرؤية يرصد السرد مأساة مدمرة‪ ،‬هي (الفتنة‬ ‫الطائفية) حيث توظف املفارقة أبنية الصياغة‬ ‫ف������ي تصادم يجمع بني (األكثري������ة واألقلية)‪ ،‬ثم‬ ‫يتحول هذا التجريد إلى حتديد بني (املسلمني‬ ‫واملس������يحيني)‪ ،‬ثم متتد املفارقة إلى (مسيح ّيي‬ ‫الداخل ومسيح ّيي اخلارج)‪ ،‬وتندرج هذه املأساة‬ ‫في سياق املتش������ددين من الطرفني‪ ،‬والضحية‬ ‫هي مصر‪.‬‬ ‫***‬ ‫ال ش������ك في أني أش������فق على الق������ارئ وهو‬ ‫يتابع هذه األوراق ألنها تدخله في كابوس ش������به‬ ‫أسطوري‪ ،‬يحكي سيرة شاب أقبل على احلياة‪،‬‬ ‫لكنها انصرفت عنه في قس������وة‪ ،‬بل ميكن القول‬ ‫إن كل ورقة من هذه األوراق متثل كابوسا يرتبط‬ ‫بس������ابقه وميهد لالحقه‪ ،‬كابوسا صرح بالكثير‪،‬‬ ‫وأضمر األكثر‪ ،‬وال أشك في أن هناك استكماال‬ ‫س������يلحق هذا النص في زمن قادم‪ ،‬يتحول فيه‬ ‫املضم������ر إلى صريح‪ ،‬وهو م������ا عبر عنه الراوي‬ ‫في الورقة األولى بقوله‪:‬‬ ‫«كعادتي رحت أحلل كل ش������ــيء‪ ،‬وأن أفرق‬ ‫ب���ي��ن (مص������ر – األرض) و(مص������ر – النظام)‬ ‫(مص������ر – التاري������خ) و(مص������ر – من ش������وهوا‬ ‫التاريخ) وأكتش������ف أن إطالق احلكم على مصر‬ ‫بالكلي������ة فيه من الظلم لها والس������مها الناهض‬ ‫بالتاري������خ واحلضارة الكثي������ر‪ ،‬وأن صورة بلدي‬ ‫احلالي������ة ما ه������ي إال تراكم ونتـــاج أساس������يات‬ ‫نظمها املتعاقبة» >‬

‫‪91‬‬

‫‪7/18/13 10:50:01 AM‬‬

‫‪sep 84-91.indd 91‬‬


‫عــام طــه حســني‬

‫بني أيام طه حسني وأيام أبنائن��‬ ‫د‪.‬أحمد عبداحلي *‬ ‫قد يقول قائل‪ :‬إن املفارقة بني أيام طه حسني التي عاشها منذ بداية القرن العشرين‪ ،‬وبني أيام‬ ‫أبنائنا الذين يعيشون في بداية القرن احلادي والعشرين ظاملة‪ ،‬فإن قرنا من الزمان يكفي‬ ‫لتغيير نسق احلياة‪ ،‬تاريخا وجغرافيا‪ ،‬عادات وقيما وتقاليد‪ ،‬سياسة‬ ‫واجتماعا‪،‬‬ ‫واقتصادا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فضال عن الثورة التكنولوجية التي فجرت براكني في دول وأوطان كثيرة‪ .‬وقد يقول قائل‪:‬‬ ‫إن أبناءنا خلقوا لزمان غير زمان طه حسني‪ ،‬وإنه ‪ -‬بسبب هذا ‪ -‬ال سبيل إلى املقارنة‪.‬‬ ‫وأق������ول‪ :‬إننا ال نقارن ب���ي��ن األزمان‬ ‫واألماك������ن‪ ،‬وال أي م������ن املف������ردات‬ ‫السابقة‪ ،‬ولكن املقارنة هي في كيف‬ ‫يواجه اإلنس������ان ذاته؟ وكي������ف يتعامل مع بيئته‬ ‫وأهل������ه وأس������اتذته؟ وكيف يبني نفس������ه وعقله‬ ‫وروحه؟ وكيف يتصرف في شئونه؟ وهي أسئلة‬ ‫مش������روعة ف������ي كل زمان وم������كان‪ ،‬ألنها تتصل‬ ‫بالكيفية التي يتم بها بناء اإلنسان لذاته‪.‬‬ ‫ولنبدأ باحلديث عن أيام أبنائنا‪ ،‬إذ يستيقظ‬ ‫الواحد منه������م على مناغاة أمه أو مناجاة أبيه‪.‬‬ ‫وبعد محاوالت قد يستيقظ ليجد فطوره املعد‬ ‫م������ن أصناف من الطعام يعجز عن عدها‪ ،‬لكنه‬ ‫يتأفف منها ويعرض عنها وال جتدي محاوالت‬ ‫األبوين في فتح ش������هيته‪ ..‬فإذا جاء دور امللبس‬ ‫يخي������ر اجلميل في م������ا يريد أن يلبس������ه اليوم‬ ‫لكنه يتناول أقربها إلى ي������ده متثائبا ومتثاقال‪،‬‬ ‫فه������ي جميعا في نظره س������واء‪ ،‬بل لعله يكرهها‬ ‫* أكادميي من مصر‬

‫‪92‬‬

‫‪7/18/13 10:12:27 AM‬‬

‫جميع������ا‪ ،‬ألنها تذكره بهذا امل������كان الكريه الذي‬ ‫يضطره إلى أن يس������تيقظ من نومه اللذيذ لكي‬ ‫يذهب إلي������ه كل صباح ‪ ..‬وما إن يتهيأ اجلميل‬ ‫حت������ى تكون احلقيب������ة جاهزة‪ ،‬ليس������ت حقيبة‬ ‫الكت������ب‪ ،‬ولكن حقيب������ة الطعام امل������زودة بأنواع‬ ‫السندوتش������ات وأكياس كثي������رة متنوعة‪ ،‬وثمار‬ ‫فاكهة ‪ ..‬وفي اللحظة ذاتها تكون السيارة التي‬ ‫س������تقل اجلميل جاهزة لتنقله من باب الش������قة‬ ‫إلى باب الفصل الدراسى حتى ال تتلوث قدمه‬ ‫باملش������ي في الش������وارع القذرة‪ ..‬وم������ا إن يصل‬ ‫اجلميل إلى الفصل حتى يكتش������ف أن املدرس‬ ‫غائ������ب‪ ،‬فيخبره املدير بأنه لم يكن ثمة داع ألن‬ ‫يتعب نفس������ه‪ ،‬وأن يكلف خاطره باالس������تيقاظ‬ ‫املبكر والذهاب إلى املدرسة‪ ،‬وعليه أن يستريح‬ ‫في بيت������ه‪ ،‬وال بأس أن يظ������ل قريبا من حضن‬ ‫أم������ه‪ ،‬وأن املدرس س������يصل إليه حت������ى غرفة‬ ‫نوم������ه‪ ،‬ويأتي املدرس ال������ذي يحرص ‪ -‬أول ما‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep92-98.indd 92‬‬


93

sep92-98.indd 93

‫عام طه حسني‬

7/18/13 10:25:30 AM


‫عــام طــه حســني‬ ‫يحرص ‪ -‬على مراعاه شعور اجلميل وااللتزام‬ ‫بعدم جرحها‪ ،‬فيس������تأذنه في أن يوافق على أن‬ ‫يدردش معه ملدة دقائق‪ ،‬فإن وافق التلميذ شكر‬ ‫املدرس ل������ه وأخذ يداعبه ويالعبه حتى يقبض‬ ‫ثم������ن هذه الدعابة وينص������رف باحثا عن تلميذ‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫ليست هذه صورة كاريكاتورية ملا يحدث في‬ ‫مؤسس������اتنا التعليمية‪ .. .‬فكلنا يعلم أن أبناءنا‬ ‫ال يذهب������ون إلى امل������دارس ألن املدرس������ة كانت‬ ‫مؤسسة انتهى زمانها‪ ،‬واملدرسة احلقيقية اآلن‬ ‫هي في بي������وت التالميذ‪ ،‬أو في تلك البوتيكات‬ ‫الت������ي فتحه������ا املدرس������ون الس������تقبال زبائنهم‬ ‫احملتاج���ي��ن لبضاعتهم‪ ..‬كلنا يعرف هذا‪ ،‬وزراء‬ ‫ووكالء ومدراء وموجهون ومدرسون وأولياء أمور‬ ‫وتالميذ‪ ،‬وتعايش������نا مع ه������ذا الواقع الفانتازي‬ ‫ولم نع������د نرى فيه غرابة أو ش������ذوذا‪ .‬وميضي‬ ‫العام دون أن يتعلم اجلميل شيئا أو يقرأ كتابا‪،‬‬ ‫أو يفك������ر في حل مس������ألة أو مش������كلة ؛ ألن كل‬ ‫املسائل واملشكالت تأتي إليه جاهزة ومحلولة‪،‬‬ ‫فلماذا يتعب نفس������ه في التفكير والتدبير‪ ،‬وقد‬ ‫كف������اه املدرس مئونة كل هذا‪ ،‬وبحس������به أنه قد‬ ‫تعلم كيف يصطاد الدرج������ة ‪ ..‬وهو بالفعل قد‬ ‫حصل على درجات عالية آخر العام‪.‬‬ ‫ويظل اجلميل يتدحرج من س������نة إلى س������نة‬ ‫وم������ن مرحلة إلى أخرى حتى يجد نفس������ه وقد‬ ‫حص������ل عل������ى الليس������انس أو البكالوري������وس ‪..‬‬ ‫وس������اعتها يكتشف – في أول لقاء له مع احلياة‬ ‫– أنه لم يتعلم ش������يئا‪ ،‬ألن ما تعلمه هو – بتعبير‬ ‫طه حس���ي��ن – العلم ال������كاذب‪ ،‬أي التعليم الذي‬ ‫لم مين������ح التلميذ إال ش������هادة أو رخصة يعلقها‬ ‫على حائط غرفته‪ ،‬لكن ال شيء قد علق بعقله‬ ‫أو بنفس������ه إال ذكرياته مع أقرانه‪ ،‬وسندوتشات‬ ‫أمه‪.‬‬ ‫***‬ ‫ه������ذه باختصار قصة التعلي������م الكاذب التي‬ ‫عش������ناها لنصف ق������رن مضى‪ ،‬والت������ي ترعرع‬ ‫أبناؤنا ف������ي مناخاتها الفاس������دة فتخرجوا في‬

‫‪94‬‬

‫‪7/18/13 10:12:40 AM‬‬

‫جامعاتهم مبتسرين علميا بعد أن قضوا سنني‬ ‫دراستهم س������جناء حضانات يرضعون فيها من‬ ‫الدروس اخلصوصية‪.‬‬ ‫***‬ ‫لعل آب������اء وأمهات ومدرس������ي ه������ذه األيام‬ ‫يطالعون أيام طه حسني ليكتشفوا أنهم ساروا‬ ‫ف������ي الطري������ق اخلطأ ف������ي تربية األبن������اء‪ .‬إن‬ ‫األه������وال التي صادفت طه حس���ي��ن في رحلته‬ ‫العلمية هي التي صنعت منه هذا العقل اجلبار‬ ‫الذي قهر الظالم وأزاح الضباب الكثيف الذي‬ ‫كان يكتنف حياته وحياة مجتمعه‪ .‬لقد أثبت طه‬ ‫حسني في أيامه عقم جميع النظريات التربوية‬ ‫والنفس������ية ولو أننا طبقنا هذه النظريات على‬ ‫إنس������ان تعرض ملا تعرض له طه حسني لكانت‬ ‫النتيجة هي إنسان فاشل معقد مكبوت ضعيف‬ ‫اإلرادة‪ ،‬تابع خاضع مذبذب مرتعش كاره للناس‬ ‫وحاق������د على مجتمعه‪ ،‬ولكن إرادة طه حس���ي��ن‬ ‫أطاح������ت بجميع النظريات اآلنفة‪ ،‬وكانت أيامه‬ ‫هي النظرية احلية التي ينبغي أن تصحح هذه‬ ‫النظريات التربوية والنفسية نفسها طبقا لها‪..‬‬ ‫إن العق������ل الكبير نتاج جت������ارب يومية متراكمة‬ ‫مش������تبكة مع الش������قاء‪ ،‬مأك ً‬ ‫وملبسا ومسكنًا‪،‬‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫حياة ش������قاؤها أكث������ر من نعيمه������ا‪ ،‬وهل هناك‬ ‫طفولة أشقى من طفولة طه حسني؟‬ ‫قضى حياته في األزهر ال يعرف من الطعام‬ ‫إال طب������ق الفول واملخلل‪ ،‬وال من املش������روب إال‬ ‫كوب الش������اي الذي كان يش������تهيه ف������ي كثير من‬ ‫األحي������ان عندم������ا ال يج������ده‪ .‬أم������ا غرفته فقد‬ ‫«كث������رت ف������ي جدرانها الش������قوق‪ ،‬وعمرت هذه‬ ‫الش������قوق طوائف من احلش������رات وغيرها من‬ ‫صغار احليوان‪ .‬وكانت هذه احلش������رات وهذه‬ ‫الصغار من احليوان كأمن������ا وكلت بالصبي إذا‬ ‫أقبل الليل عليه وهو قابع وحده في ذلك الركن‬ ‫م������ن أركان الغرفة ؛ فهي تبع������ث من األصوات‬ ‫الضئيلة‪ .‬وتأتي من احلركات اخلفيفة السريعة‬ ‫حين������ا والبطيئة حينا آخر ما ميأل قلب الصبي‬ ‫هلعا ورعبا (‪.)121 – 120‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep92-98.indd 94‬‬


‫أما الغرفة املجاورة لغرفته فكان يس������كنها‬ ‫عش������رون طالبا حتى يتسنى لكل منهم أن يدفع‬ ‫قرشا واحدا في الشهر إيجارا للشقة (ص‪)143‬‬ ‫ولعل أدق صورة حلياة طه حسني هي تلك التي‬ ‫رواها البنت������ه بعد أن انتصر عل������ى الصعوبات‬ ‫التي واجهته‪ ،‬ولعله كان يرويها سعيدا مبا أجنز‬ ‫ومب������ا جتاوز ؛ يقول البنت������ه «عرفته ينفق اليوم‬ ‫واألسبوع والشهر والسنة ال يأكل إال لونا واحدا‪،‬‬ ‫يأخ������ذ منه حظه في الصباح‪ ،‬ويأخذ منه حظه‬ ‫متجلدا‪ ،‬وال‬ ‫في املساء‪ ،‬ال شاك ًيا وال متبر ًما وال‬ ‫ً‬ ‫مفك ًرا في أن حاله خليقة بالشكوى» (‪.)89‬‬ ‫وهو يكش������ف عن هذه احلياة البائسة حني‬ ‫يس������افر إلى فرنس������ا ويعيش حي������اة الرخاء في‬ ‫مدين������ة «مونبلييه»‪ ،‬وهناك «كان يكفيه أن يفكر‬ ‫ف������ي صباه ذلك البائس الذي قضاه مترددا بني‬ ‫األزهر وحوش عطا‪ ،‬تش������قى نفسه في األزهر‬ ‫ويش������في نفسه وجس������مه في حوش عطا‪ ،‬حياة‬ ‫مادية ضيقة عس������يرة كأقصى ما يكون الضيق‬ ‫والعس������ر‪ ،‬وحياة عقلية مجدبة فقيرة كأشد ما‬ ‫يك������ون اإلج������داب والفقر‪ ،‬ونف������س مضيعة بني‬ ‫عس������ر احلياة املادية وفقر احلي������اة املعنوية‪ ،‬ثم‬ ‫يوازن بني حياته تلك وبني احلياة اجلديدة التي‬ ‫أخذ يحياها في هذه املدينة الفرنسية» (‪.)286‬‬ ‫لك������ن ما كان يلوح له م������ن فتات األمل هو الذي‬ ‫كان يه������ون عليه أهوال ما يلقى‪ ،‬ذاق الش������قاء‪،‬‬ ‫لكنه لم يح������رم من الس������عادة‪ ،‬وصحيح «كانت‬ ‫حياته املادية ش������اقة‪ ،‬ولكنه احتمل مشقتها في‬ ‫ش������جاعة ورضا وس������ماح» (‪ ،)308‬ورغم العناء‬ ‫فإنه لم يضق بحياته ولم يتبرم بها‪ ،‬ولكنه مزج‬ ‫بني اجلد الصارم والهزل الضاحك ليتعايش مع‬ ‫احلياة‪ ،‬حلوها ومرها‪ ،‬قس������وتها ولينها‪ ،‬وكثيرا‬ ‫ما كان يسعده لقاؤه باألصدقاء واالستماع إلى‬ ‫عبثهم وما ي������دور في حواراته������م ‪ ..‬ولم ينزلق‬ ‫الفت������ى إلى ما انزل������ق فيه أس������تاذه أبو العالء‬ ‫ليصب������ح مثله رهني احملبس���ي��ن كاره������ا للدنيا‬ ‫وللناس‪ ،‬تفنى األماني في نفسه وتظل أحداث‬ ‫الزمان متربصة به‪ ،‬ولم يتحول إلى زاهد كبير‬ ‫عام طه حسني‬

‫‪7/18/13 10:12:44 AM‬‬

‫في الناس عندم������ا اطلع على خفاياهم‪ ،‬وظنهم‬ ‫هب������اء‪ ،‬ولم يفقد أمله في وفاء النجل بحجة أن‬ ‫الغدر ش������يمة األب‪ ،‬واحلياة ل��������م تكن تعبا كلها‪،‬‬ ‫ولم يس������تنجد باملوت لينقذه م������ن احلياة‪« :‬فيا‬ ‫موت زُر إن احلياة ذميمة‪.»..‬‬ ‫كان ميكن أن يتحول طه حس���ي��ن إلى نسخة‬ ‫جدي������دة من أبي العالء‪ ،‬الس������يما وقد وجد في‬ ‫صحبته غناء واكتفاء‪ ،‬غير أنه وإن كان قد تأثر‬ ‫بجسارته العقلية‪ ،‬إال أنه لم يسايره في جسارته‬ ‫النفسية املرتبطة باالستغناء وإلزام النفس مبا‬ ‫ال يلزم‪ .‬لم يدر الرجل ظهره للحياة‪ ،‬بل أصاب‬ ‫القدر املتاح من طيباتها‪ ،‬ولئن كان قد اس������تمتع‬ ‫بصحبته في األزهر‪ ،‬فإن فرصة االستمتاع في‬ ‫باريس كانت أكبر‪ ،‬س������واء تل������ك املتع العقلية أو‬ ‫املتع املتصلة مبا أتيح له من طعام طيب وشراب‬ ‫رائ������ق‪ ،‬أو املتع العاطفية‪ ،‬وكم������ا انفتح قلبه في‬ ‫مصر متأثرا بصوت «م������ي» في صالونها‪ ،‬فإنه‬ ‫انفتح في باريس أمام صوت آخر يصفه بقوله‪:‬‬ ‫«كأنه تلك الش������مش التي أقبلت في ذلك اليوم‬ ‫م������ن أيام الربيع‪ ،‬فجلت ع������ن املدينة ما كان قد‬ ‫أطبق عليها من ذلك السحاب الذي كان بعضه‬ ‫يركب بعضا‪ ،‬والذى كان يقصف ويعصف حتى‬ ‫ورعا‪ .‬وإذا‬ ‫م���ل��أ املدينة أو كاد ميلؤها إش������فا ًقا ً‬ ‫املدينة تصبح كلها إش������را ًقا ونو ًرا» ‪ ..‬فقد كان‬ ‫الصوت يصحبه دائ ًما ال يكاد يخلو إلى نفس������ه‬ ‫في ليل أو نهار إال سمعه يقرأ عليه هذا الكتاب‬ ‫أو ذاك‪ ،‬في تلك النبرات التي كانت تس������بق إلى‬ ‫قلبه فتملؤه رضا وغبطة وس������رو ًرا‪( .‬ص ‪291‬‬ ‫ ‪.)292‬‬‫ثم هو يقت������رن بصاحبة هذا الصوت ويجد‬ ‫في حضنه������ا األمن واملالذ والدفء والس������عادة‬ ‫وتك������ون ه������ي «امل������رأة الت������ي أبص������ر بعينيها»‬ ‫(ص ‪.)317‬‬ ‫وف������ى أثناء ذل������ك لم يكن يحرم نفس������ه من‬ ‫املت������ع الصغي������رة‪ ،‬لكنه������ا كانت تعط������ي للحياة‬ ‫مذاقه������ا‪ ،‬وبحس������به كوب ش������اي لكي ينعش������ه‬ ‫ويفرفش������ه‪ ،‬وحسبنا هنا أن نتوقف عند وصفه‬

‫‪95‬‬

‫‪sep92-98.indd 95‬‬


‫عــام طــه حســني‬ ‫هذا املجلس الذي كان يجمعه بش������باب األزهر‬ ‫ليأكلوا حت������ى متتلئ بطونهم‪ ،‬ثم يتهيأون لصنع‬ ‫الش������اي‪ ،‬وليس أبدع من أبي نواس وهو يصف‬ ‫املجلس اخلم������ري بكل ما يدور فيه من طقوس‬ ‫إال ط������ه حس���ي��ن وهو يص������ف جلس������ة مجلس‬ ‫الش������اي‪ ،‬ولن تغنينا تلك العبارات املجتزأة من‬ ‫سياقها املسهب للداللة على ذلك‪« :‬وإذا هؤالء‬ ‫الشباب قد حتركوا حركة الطرب‪ ،‬ثم انفتحت‬ ‫أفواهه������م في وقت واحد عن كلمة يقولونها في‬ ‫صوت هادئ متصل مستقر وهي «الله» ميدون‬ ‫به������ا أصواتهم مدا كأمنا أش������اعت الطرب في‬ ‫نفوس������هم موس������يقى حلوة تأتيهم من بعيد‪ .‬وال‬ ‫غرابة ف������ي ذلك ؛ فقد س������معوا أزيز املاء وهو‬ ‫ي������دور من حول هذا املوق������د الذي تضطرم فيه‬ ‫تلك اجلذوة الهادئ������ة الصافية‪ .‬وقد فرغ ألداة‬ ‫الش������اي صاحب الش������اي‪ ،‬فجع������ل يتبعها بقلبه‬ ‫وعينه وأذنه‪ ،‬حتى إذا استحال أزيز املاء غليانا‬ ‫‪ ...‬ف������إذا ملئت األكواب وأدي������رت فيها املالعق‬ ‫الصغار‪ ،‬فس������مع لها صوت منسجم ال يخلو من‬ ‫جمال وحس������ن املوقع ف������ي األذن يأتي من هذه‬ ‫املداعب������ة اخلفيفة الهادئة بني املعدن والزجاج‪،‬‬ ‫رفع القوم أكوابهم إلى أفواههم‪ ،‬فجروا الشاي‬ ‫منه������ا بش������فاههم جرا طويال يس������مع له صوت‬ ‫منكر يناقض صوت املالعق حني كانت تداعب‬ ‫األكواب‪ .‬ومضوا في شربهم ال يكادون ينطقون‬ ‫إال بهذه اجلملة التي لم تكن تتغير‪ ،‬ولم يكن بد‬ ‫من أن ينطق أحدهم بها ويقره عليها اآلخرون‪:‬‬ ‫«هذا هو الذي سيطفئ نار الفول»‪ .‬فإذا فرغوا‬ ‫من هذه الدورة ملئ������ت لهم األكواب مرة أخرى‬ ‫وقد أعيد إلى أداة الش������اي ما فقدت من ماء‪،‬‬ ‫ولكن القوم ينصرفون اآلن إلى شايهم عن هذا‬ ‫املاء املسكني الذي ترس������ل النار عليه حرارتها‬ ‫فيئن ثم يتغنى شاكيا‪ ،‬ثم يجهش بالغليان باك ًيا‬ ‫ولكن القوم ال يحفلون به وال يطربون لغنائه وال‬ ‫لبكائه‪ ،‬فقد شغلوا عنه بالشاي وبدورته الثانية‬ ‫خاصة ؛ فقد كان������ت الدورة األولى مطفئة لنار‬ ‫الفول‪ ،‬فأما ال������دورة الثانية فقد جعلت تخلص‬

‫‪96‬‬

‫‪7/18/13 10:12:48 AM‬‬

‫لهم وألعصابهم وجعلوا يجدون لها بعض اللذة‬ ‫في أفواههم وحلوقهم ورءوسهم أيضا‪ .‬حتى إذا‬ ‫فرغوا من هذه الدورة ثابوا إلى عقولهم أو ثابت‬ ‫عقوله������م إليهم‪ ،‬فهذه ألس������نتهم تتحرك‪ ،‬وهذه‬ ‫شفاههم تبتسم‪ ،‬وهذه أصواتهم ترتفع(‪.)113‬‬

‫من اجلامع إلى اجلامعة‪:‬‬

‫ولئ������ن كان الفت������ى قد ض������اق بجمود بعض‬ ‫أس������اتذة األزه������ر‪ ،‬فتحول ع������ن املعممني منهم‬ ‫إلى املطربش���ي��ن‪ ،‬إال أن عقله قد انفتح مع قلبه‬ ‫ليتلق������ى بحب وح������دب كتب قاس������م أمني وأثار‬ ‫األس������تاذ اإلمام محمد عبده‪ ،‬ولطفي الس������يد‪،‬‬ ‫وعبدالعزيز جاوي������ش‪ ،‬ولعل ضيقه باألزهر هو‬ ‫الذي أغ������راه بالتقدم لالنتس������اب إلى اجلامعة‬ ‫صباحا وفى‬ ‫املصرية لينتظم في دروس األزهر‬ ‫ً‬ ‫دروس اجلامعة مسا ًء‪.‬‬ ‫وفى حني بدأت اخليوط التي تربطه باألزهر‬ ‫تضع������ف وته������ن‪ ،‬فإذا به������ا مع اجلامع������ة تقوى‬ ‫وتش������تد ؛ إذ رأى في أس������اتذتها ما يختلج في‬ ‫نفس������ه من ميل إلى التجديد ونفور من التقليد‪،‬‬ ‫لكنه اس������تفاد على أي حال من تلك الفترة التي‬ ‫عاش فيها موزعا بني كرس������يني‪ :‬كرسي األزهر‬ ‫بأصالته‪ ،‬وكرس������ي اجلامعة بنضارته‪ .‬غير أن‬ ‫جاذبية الكرس������ي األخير متلك على الفتى قلبه‬ ‫وعقله‪ ،‬فيحس������م هذا الصراع القائم في نفسه‬ ‫ب���ي��ن اجلامع واجلامعة فينحاز للجامعة بعد أن‬ ‫اس������تقر في نفس������ه أن للمجد مكانا آخر غير‬ ‫األزهر‪.‬‬ ‫عيدا‬ ‫كان الفت������ى يرى حياته ف������ي اجلامعة ً‬ ‫متص���ل�� ً‬ ‫عيدا تختلف فيه ألوان اللذة والغبطة‬ ‫ا‪ً ،‬‬ ‫والرض������ا واألم������ل ؛ إذ كان ميأل رئتي������ه بالهواء‬ ‫الطل������ق وعقله من العلم الطل������ق مبا ميكنه من‬ ‫أن يخلق نفس������ه خلقا جديدا يساعده في هذا‬ ‫احتكاكه باألس������اتذة‪ ،‬مصري���ي��ن وأجانب‪ ،‬وهم‬ ‫جميعا نفخوا في روح������ه مجددا علمه باحلياة‬ ‫وشعوره بها وفهمه لقدميها وجديدها ‪.‬‬ ‫فيزم������ع الس������فر إل������ى باري������س ليتعل������م مع‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep92-98.indd 96‬‬


‫الفرنس������يه الالتينية واليوناني������ة‪ ،‬وهو في هذا‬ ‫كله ل������م يكن يضيق صدره لفقره‪ ،‬بل رمبا أيقن‬ ‫أن الثراء والس������عة تعوق عن طل������ب العلم‪ ،‬وأن‬ ‫الفقر شرط للكد واالجتهاد‪ ،‬كما أيقن «أن غنى‬ ‫القلوب والنفوس بالعلم خير وأجدى من امتالء‬ ‫اجليوب واأليدي باملال» (ص ‪. )219‬‬ ‫وكان على الفتى أن يتعلم اللغة الفرنس������ية‬ ‫تنفيذا ملا كانت تفرض������ه اجلامعة على طالبها‬ ‫من ض������رورة إتقان لغ������ة أجنبي������ة‪ ،‬وكان دائما‬ ‫جاهزا لتحدي العقبات‪ ،‬سواء فيما يتصل بتعلم‬ ‫اللغات األجنبية‪ ،‬أو ما يتصل مبا اشترطته عليه‬ ‫اجلامعة من ظفره بش������هادة العاملية «الدكتوراه»‬ ‫ليوف������د إلى أوربا وقدم رس������الته في تاريخ أبي‬ ‫الع���ل��اء‪ ،‬ثم في علمني إضافيني هما اجلغرافيا‬ ‫عن������د العرب وال������روح الدينية للخ������وارج وتفوق‬ ‫فيها جميعا‪ ،‬فدعت������ه اجلامعة للمثول بني يدي‬ ‫احلضرة اخلديوية في اإلسكندرية‪ ،‬وكان عليه‬ ‫أن يبح������ث عن ثياب تناس������ب املقام‪ ،‬وكان عليه‬ ‫أيض������ا أن يتعلم ماذا يفعل عل������ى مائدة األمير‬ ‫التي دعي إليها ليتسلم جائزة تفوقه‪ ،‬وهو الذي‬ ‫لم ينس ما قاله أبو العالء من أن العمى عورة‪.‬‬ ‫ولم يضيع الفتى وقته في باريس وكانت خطبته‬ ‫لفتات������ه معينة له على درس������ه «وانظر إلى فتاة‬ ‫وفتى في أول عهدهم������ا باخلطبة ينفقان أكثر‬ ‫النهار ف������ي درس الالتينية حني يصبحان‪ ،‬وفي‬ ‫ق������راءة الترجمة الفرنس������ية ملقدمة ابن خلدون‬ ‫ح���ي��ن يرتفع الضحى‪ .‬فإذا جاء وقت الغداء أملا‬ ‫باملائدة فأصابا ش������يئا من طعام ثم أقبال على‬ ‫تاريخ اليونان والرومان فقرآ منه ماشاء الله أن‬ ‫يقرآ‪ ،‬فإذا كانت اخلامس������ة انصرفا عن تاريخ‬ ‫اليون������ان والرومان إلى األدب الفرنس������ى فقرآ‬ ‫منه ماش������اء الله أن يقرآ‪ ،‬كذل������ك ال ينصرفان‬ ‫عن القراءة إال ريثم������ا يخرجان للتروض خارج‬ ‫القرية التي يعيشان فيها ينفقان في تروضهما‬ ‫ذاك س������اعة أو أقل من س������اعة‪ ،‬ثم يعودان إلى‬ ‫املائ������دة فيصيبان ش������يئا من طع������ام‪ ،‬ثم جتتمع‬ ‫األسرة كلها إلى كتاب يقرؤه عليها ذلك الصوت‬ ‫عام طه حسني‬

‫‪7/18/13 10:12:54 AM‬‬

‫العذب (‪.)320 - 319‬‬ ‫ويت������زوج الفتى‪ ،‬وها هو في ش������هر العس������ل‬ ‫يعد نفس������ه ليك������ون جاهزا المتح������ان حتريرى‬ ‫س������وف يسأل فيه عن التاريخ القدمي والوسيط‬ ‫واحلدي������ث واجلغرافيا والفلس������فة ولغة أوربية‬ ‫غير اللغة الفرنس������ية‪ .‬وعكف مع هذا كله على‬ ‫إعداد رس������الته «وما أكث������ر ما كان ميلي فصول‬ ‫هذه الرس������الة وصبيته بني ذراعية ميش������ي بها‬ ‫ف������ي غرفته الضيقة ممليا وقارئته تس������مع منه‬ ‫وتكتب عنه! ورمبا طلبت إليه أن يريح نفسه من‬ ‫اإلمالء ويريحها من الكتابة دقائق‪ ،‬وأخذت منه‬ ‫الصبية فحملتها ومش������ت بها في الغرفة وغنت‬ ‫لها بعض م������ا يغنى لألطفال‪ ،‬وأتاحت له بذلك‬ ‫أن يجلس ويس������تريح‪ ،‬وزوجه في أثناء هذا كله‬ ‫في مطبخها مقبلة على تهيئة الغداء أو العشاء»‬ ‫(ص ‪.)339‬‬ ‫وه������و في ه������ذا كان دائم التنص������ت على ما‬ ‫يحدث في مصر‪ ،‬ويس������عد بأي أخبار تصله بأن‬ ‫مصر تغضب ألبنائها إذا ما تعرضوا ألذى‪ ،‬وهو‬ ‫ف������ي هذا يتمنى أن يكون بل������ده مثل البالد التي‬ ‫رآها تقدس احلرية والعدالة وحقوق اإلنس������ان‪،‬‬ ‫وح���ي��ن تصله أخب������ار وصول س������عد زغلول إلى‬ ‫باريس يحرص على لقائه ولقاء أس������تاذه أحمد‬ ‫لطفى الس������يد وصديق������ه عبدالعزي������ز فهمي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ويذكره لقاء س������عد بدين ق������دمي عليه له «يرجع‬ ‫تاريخه إلى العام الذي قدم فيه رسالته عن أبي‬ ‫الع���ل��اء إلى اجلامعة ‪ ..‬وكث������ر حديث الصحف‬ ‫والناس عن هذه الرس������الة وصاحبها‪ .‬وفى تلك‬ ‫األيام قدم عضو من أعضاء اجلمعية التشريعية‬ ‫اقتراحا يطل������ب فيه أن تقطع احلكومة معونتها‬ ‫عن اجلامعة ألنها خ َرج������ت ملحدا هو صاحب‬ ‫رس������الة «ذكرى أبي العالء»‪ .‬وكان سعد – رحمه‬ ‫الله – رئيس جلنة االقتراحات فيما يظهر فلما‬ ‫عرض عليه هذا االقت������راح دعا املقترح للقائه‪،‬‬ ‫وطلب إليه أن يعدل عن اقتراحه‪ ،‬فلما أبى قال‬ ‫له سعد‪ :‬إن أصررت على موقفك فإن اقتراحا‬ ‫آخر سيقدم‪ ،‬وس������يطلب صاحبه إلى احلكومة‬

‫‪97‬‬

‫‪sep92-98.indd 97‬‬


‫عــام طــه حســني‬ ‫أجرى طه حس� �ي��ن الدم في عروق احلياة الفكرية‬ ‫املصرية والعربية منذ كتابه األول‪ ،‬وظل يثير املعارك‪،‬‬ ‫معركة تلو معركة‪ ،‬ال يبغي من ورائها إال املساهمة في‬ ‫بناء وطن حر ذي ثقافة حرة وفكر مبدع خالق يخرج‬ ‫عن إطار التقليد العتيق الذي ضاق به في مس� � ��تقبل‬ ‫حياته باألزهر‪.‬‬ ‫إنه بالفعل قاهر الظالم‪ ،‬وهو األعمى الذي حول‬ ‫العمى من نقمة إلى نعمة‪ ،‬كما يتحول البصر من نعمة‬ ‫إل� � ��ى نقمة على يد نفر من أبناء ه� � ��ذا الوطن تآمروا‬ ‫علي� � ��ه باحلرق والدمار‪ ..‬ولعل هؤالء من أبنائنا الذين‬ ‫تلقوا هذا التعليم الفاس� � ��د الذي حذر طه حسني منه‬ ‫في كتابه الفذ «مس� � ��تقبل الثقافة ف� � ��ي مصر»‪ ..‬هذا‬ ‫األعمى ال� � ��ذي قاد خطى املبصرين وجتاوز فلس� � ��فة‬ ‫أس� � ��تاذه أبي العالء الذي ظل اليأس غالبا على نبرته‬ ‫إذ قال‪:‬‬ ‫أن����ا أعمى فكيف أهدى إلى املنــهج والناس كلهم‬ ‫عميان‬ ‫غير أن حال طه حسني كان يقول لنا شيئا آخر‪،‬‬ ‫كان يقول‪:‬‬ ‫أن����ا أعم����ى‪ ،‬ولكن����ى أرى أوس����ع مم����ا ترون‪،‬‬ ‫ ‬ ‫وأسمع أعمق مما تسمعون‪ ،‬بل سأعلمكم كيف ترون‬ ‫وكيف تسمعون ‪..‬‬ ‫ولكن هل استفدنا مما علمنا إياه طه حسني ؟!‬ ‫ال أعتق������د بدليل واحد‪ ،‬هو أننا نعلم أبناءنا‬ ‫بطريقة معاكس������ة متاما للطريقة التي تعلم بها‬ ‫طه حس���ي��ن‪ ،‬فأنتجت لنا ه������ذا املبدع اخلالق‬ ‫الذي نفخ في روح األمة كلها‪ ،‬في حني يس������اهم‬ ‫أبناؤن������ا اآلن في خراب ه������ذه األمة وتدميرها‪،‬‬ ‫ولئن كان ه������ؤالء األبناء قد فتحوا بوابة ثورات‬ ‫الربيع العرب������ى‪ ،‬إال أنهم هم الذين يقفون اآلن‬ ‫وراء دخول ه������ذه الثورات نفق اخلريف العربى‬ ‫ب������كل ما ميور في������ه من زواب������ع وأعاصير لوثت‬ ‫أجواء البالد وأخالق العباد >‬

‫أن تقطع معونتها عن األزهر‪ ،‬ألن صاحب هذه‬ ‫الرسالة عن أبي العالء تعلم في األزهر قبل أن‬ ‫يتعلم في اجلامعة‪ ،‬واضطر الرجل إلى أن يسترد‬ ‫اقتراحه‪ ،‬وسلمت للجامعة معونتها‪ ،‬ولم يتعرض‬ ‫الفتى لش������ر‪ ،‬وكان األستاذ أحمد لطفى السيد‬ ‫هو الذي أنب������أ صاحبنا بهذه القصة‪ ،‬وطلب أن‬ ‫يس������عى إلى س������عد بش������كر هذا اجلميل‪ ،‬ولكن‬ ‫الفتى استحيا إذ ذاك فلم يسع إلى سعد‪ ،‬وأين‬ ‫هو من س������عد؟ (ص ‪ .)341‬وهنا وجد الفرصة‬ ‫لشكر سعد على جهده في خدمه مصر (‪.)346‬‬ ‫وأتيح للفتى أن يلقى س������عدا في مناسبة أخرى‪.‬‬ ‫ولكنه رفض لقاءه‪ ،‬وذلك حني أراد بعض النواب‬ ‫الوفديني أن يثيروا قصة الش������عر اجلاهلى مرة‬ ‫أخرى في املجلس فرده س������عد عن ذلك قائال‪:‬‬ ‫لقد انتهى هذا املوضوع‪ ،‬فال معنى للعودة إليه‪،‬‬ ‫وأوصى األستاذ أحمد لطفى السيد الفتى بأن‬ ‫مير بدار سعد ليش������كره على موقفه‪ ،‬لكنه أبى‬ ‫وق������ال «إن س������عدا لم يزد عل������ى أن أدى واجبه‪،‬‬ ‫وكف سفيها أحمق من نوابه عن سفهه وحمقه»‬ ‫(ص ‪.)344‬‬ ‫وسعد زغلول مبوقفه هذا يعيد إلى األذهان‬ ‫موقف القاضي املس������تنير محمد نور من كـــتاب‬ ‫طه حس���ي��ن عندما عرضت عليه قضـــيته ألول‬ ‫م������رة أمام مجل������س الن������واب‪ ،‬وانتص������ر حلرية‬ ‫التفكير‪.‬‬ ‫بعد عودة طه حس���ي��ن من بعثت������ه كان عليه‬ ‫أن يتهيأ إللقاء درس������ه األول في حفل أُعد له‪،‬‬ ‫وكان تاريخ اليونان ه������و املوضوع املقترح‪ ،‬غير‬ ‫أن������ه رأى أن تقدمي هذا املوض������وع بحاجة إلى‬ ‫وص������ف جغرافي للب���ل��اد التي س������يتحدث عن‬ ‫تاريخها‪ ،‬فقدم هذا الوصف بأفضل مما يقدمه‬ ‫املبصرون‪ ،‬ونال إعجاب احلضور وتش������جيعهم‪،‬‬ ‫وكان ذل������ك بفضل زوجه الت������ي هيأت له قطعة‬ ‫من الورق صاغتها على نحو ما صاغت الطبيعة‬ ‫هذه البالد مبا فيها من س������هول وجبال وضيق • اعتمدنا في هذا املقال على كتاب الدكتور طه حسني‪:‬‬ ‫واتساع وانخفاض وارتفاع (ص ‪.)351‬‬ ‫«األيام» بأجزائه الثالثة‪ ،‬الهيئة املصرية العامة للكتاب‪2010 ،‬‬

‫‪98‬‬

‫‪7/18/13 10:13:01 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep92-98.indd 98‬‬


‫ملـ ــف‬

‫عبدالغفار مكاوي‪..‬‬ ‫> مــرآة جيــل‬

‫د‪ .‬عادل حدجامي‬

‫> نقاط تقاطع الفلسفة واألدب‬ ‫د‪ .‬أشرف حسن منصور‬

‫> جولة قصيرة في بستانه الواسع‪..‬‬ ‫أحزان عازف الكمان‬ ‫شعبان يوسف‬

‫ينتمي عبد الغفار مكاوي‬ ‫إلى جيل كانت الثقافة‬ ‫نوعا من النضال‪،‬‬ ‫فيه ً‬ ‫ضمن مشروع نهضوي‬ ‫عام‪ ،‬فاملثقف هو صاحب‬ ‫مشروع‪ ،‬هو صاحب وظيفة‬ ‫عملية وليس مجرد ِّ‬ ‫منظر‪،‬‬ ‫وفكره ليس ترفا أو مالذ‬ ‫خالص فردي‪ ،‬والفلسفة‬ ‫ليست جتميال للحياة‬ ‫بل هي كلها إضافات‬ ‫للسياسة واالقتصاد‬ ‫والفاعليات اإلنسانية‬ ‫األخرى‪ ،‬من هنا تتجدد‬ ‫سيرة عبد الغفار مكاوي‪،‬‬ ‫حتى بعد رحيله‪ ،‬منوذجا‬ ‫حتاول أن تضيئه األقالم‬ ‫املشاركة في هذا امللف‪،‬‬ ‫محيطة بعامله املتسع بال‬ ‫حدود‪ ،‬كفيلسوف‪ ،‬وأديب‪،‬‬ ‫ومترجم‪ ،‬وشاعر‪.‬‬ ‫‪99‬‬

‫‪7/21/13 8:56:00 AM‬‬

‫‪sep 99-113.indd 99‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬

‫عبدالغفار مكاوي‪..‬‬ ‫مــرآة جيــل‬ ‫د‪ .‬عادل حدجامي*‬ ‫ه ��ذا املق ��ال ليس مقاال «للمناس ��بة»‪ ،‬وبعبارة أوضح ليس تأبين ��ا‪ ،‬أي أن دواعي كتابته ال ينبغي أن‬ ‫تر ّد حلدث موت الرجل واإلنسان الذي هو عبدالغفار مكاوي‪.‬‬ ‫ورف� � ��ض ان� � ��دراج هذا املق� � ��ال في هذا‬ ‫اإلطار املناس� � ��باتي ليس الس� � ��بب فيه‬ ‫رفضنا فقط ألدبيات التأبني املمجوجة‬ ‫الت� � ��ي تزدهر عن� � ��د فقدان الرم� � ��وز الكبرى‪ ،‬كأننا‬ ‫بذلك «نكفّر» عن ذنب التجاهل والالاعتبار الذي‬ ‫أحطناهم به حني كان� � ��وا أحياء‪ ،‬وكأن املرء عندنا‬ ‫ينبغ� � ��ي أن مي� � ��وت ويقصى من املج� � ��ال التواصلي‬ ‫حتى ينال االعتراف؛ بل إن الدافع إليه موضوعي‬ ‫عميق وه� � ��و دافع ميكن أن نعرض� � ��ه في عناصر‪،‬‬ ‫أوله� � ��ا إمياننا بأن الفكر ابتداء ال يكون «رد فعل»‪،‬‬ ‫فاملفكر هو دائما رجل يعمل «ضد» املناسبة‪ ،‬ضد‬ ‫ما يس� � ��اير الروح العامة‪ ،‬ألن املناسبة احتفاء عابر‬ ‫وانفعال حلظي محكوم لزاما بأن يتجاوز‪ ،‬واحلال‬ ‫أن الفيلس� � ��وف يس� � ��عى دائما ألن يقول شيئا حول‬ ‫م� � ��ا ال يُتجاوز؛ حول ما يعان� � ��د مألوف الناس وما‬ ‫يرتاحون إليه؛ املفكر هو الذي ينغص على املسلمات‬ ‫والبداه� � ��ات والعادات التي تس� � ��تمرئها احلش� � ��ود‬ ‫(وضمنها عادة التأبني) بقلق األس� � ��ئلة‪ ،‬فالفلسفة‬ ‫* أكادميي من املغرب‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫‪7/21/13 9:26:20 AM‬‬

‫كما كان يقول فيلس� � ��وف فرنس� � ��ي معاصر «تزعج‬ ‫ألنها تف ّكر‪ ،‬في ح� �ي��ن أن األيديولوجيا تريح ألنها‬ ‫تب ّرر»‪ ،‬وثاني هذه العناصر اعتقادنا بأن املفكر ال‬ ‫ميوت‪ ،‬فصحيح أن جسده الفيزيائي ينح ّل وتصير‬ ‫أبعاضه إلى ما شاء لها الله أن تصير‪ ،‬ولكن فكره‬ ‫يستمر وهذا هو األهم‪ ،‬إذ إن رهان املفكرين األول‬ ‫الذي يدفعهم ابتداء إلى الكتابة ليس اجلس� � ��د‪ ،‬بل‬ ‫هو رغبتهم في صنع ش� � ��يء ما بأجسادهم يتجاوز‬ ‫مقدور وقدر األجس� � ��اد‪ ،‬فأه� � ��م ما عند املفكر هو‬ ‫الفك� � ��ر الذي يص� � ��ارع إلنتاجه‪ ،‬أي م� � ��ا فعله وهو‬ ‫حي بجس� � ��مه وليس ما س� � ��يلحق بهذا اجلسم من‬ ‫تغيرات وأحوال تدخل في إطار احلتمية الطبيعية‬ ‫الفيزيائي� � ��ة‪ .‬هناك عنصر ثال� � ��ث أكثر خصوصية‬ ‫يجع� � ��ل ه� � ��ذا املقال يرف� � ��ض الدخول ف� � ��ي منطق‬ ‫«التأبني»‪ ،‬وهو أن عبد الغفار مكاوي نفس� � ��ه كان‬ ‫ميج أحاديث امل� � ��آمت‪ ،‬فكثيرا م� � ��ا ردد مكاوي بأن‬ ‫ميزة اإلنسان هي كونه الكائن الوحيد الذي يقاوم‬ ‫املوت‪ ،‬الكائن الذي يقول للعالم‪« :‬إذا كنت سأنتهي‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 100‬‬


‫للعدم وهذا أمر ال أملك حياله ش� � ��يئا؛ فإنني أظل‬ ‫محتفظا م� � ��ع ذلك بقدر من احلري� � ��ة‪ ،‬وهي كوني‬ ‫أس� � ��تطيع أن أترك ش� � ��يئا ما يدل عل� � ��ى وجودي»‪،‬‬ ‫أترك شيئا «ضد العدم»‪ ،‬بهذا املعنى فالفيلسوف‬ ‫ه� � ��و دائما ش� � ��خص يعمل «ضد امل� � ��وت»‪ ،‬ألنه من‬ ‫ب� �ي��ن كل الناس ذلك الذي يع� � ��رف بأن املوت ليس‬ ‫مفاج� � ��أة‪ ،‬فالوعي باملوت عن� � ��ده ال يأتي بعديا‪ ،‬بل‬ ‫هو عنده مقدمة‪ ،‬أو لم يقل أفالطون بأن الفلسفة‬ ‫تدرب على املوت؟ أو ليس� � ��ت الكتابة عينها‪ ،‬حتى‬ ‫من الناحية املادية الفيزيائية في توس� � ��لها باحلبر‬ ‫األس� � ��ود وبالعالمات‪ ،‬رغبة في ترك أثر ما يعاند‬ ‫بياض الرق والزمن؟‬ ‫ميزة اإلنسان عموما والفيلسوف خصوصا هي‬ ‫كونه ذلك الذي يعي ويع� � ��رف «قبل أن ميوت بأنه‬ ‫س� � ��يموت»‪( ،‬إذا استعرنا عبارة فيلسوف أثير عند‬ ‫مكاوي هو مارتن هايدغر) وهذا ما وعاه وع ّبر عنه‬ ‫مكاوي نفسه منذ الطفولة‪ ،‬يقول مكاوي في واحد‬ ‫من حواراته «الزمني إحس� � ��اس مزمن باملأس� � ��اوية‬ ‫وتراجيدية احلياة والقدري� � ��ة‪ ,‬فأنا ريفي والريفي‬ ‫مسحوق بالقدرية وهي حتيط به كما حتيط اخل ّية‬ ‫برقبة املش� � ��نوق‪ ،‬فما كنت أفعل� � ��ه في طفولتي هو‬ ‫نوع من اإلحساس التراجيدي املتمرد على احلياة‬ ‫والثائر على الظلم وعلى مآس� � ��ي الوجود وش� � ��قاء‬ ‫اإلنسان وظلمه»‪.‬‬ ‫خالصة األمر أن األهم عند الفيلس� � ��وف ليس‬ ‫هو قدر جس� � ��ده اخل� � ��اص‪ ،‬بل ه� � ��و احلديث عما‬ ‫يتجاوز قدر جس� � ��ده وقدر كل األجس� � ��اد ليالمس‬ ‫األفق الكوني العام‪.‬‬ ‫إذا كان األم� � ��ر كذلك وكان هذا احلديث خارج‬ ‫كل مناس� � ��بة وكان حديث� � ��ا عن احلي� � ��اة وليس عن‬ ‫املوت وكان حديثا عما يتجاوز الشخص وليس عن‬ ‫الش� � ��خص‪ ،‬فما الذي ميك� � ��ن أن نقوله عن مكاوي‬ ‫بعيدا عن كل مناس� � ��بة وعن كل نع� � ��ي وعن كل ما‬ ‫هو شخصي؟‬ ‫أم� � ��ور عديدة‪ ،‬نعتقد أن أهمه� � ��ا هو‪ :‬ما الذي‬ ‫جسده مكاوي كتجربة فكرية؟ ما الذي كان يريده؟‬ ‫ّ‬ ‫ما الذي هدف إليه من خالل مجموع عمله وجهده‬ ‫الذي جتاوز ‪ 60‬س� � ��نة‪ ،‬بل وأكثر من ذلك ما الذي‬ ‫م ّثله جيل مكاوي؟ ما أسئلة هذا اجليل التي عاش‬ ‫عبدالغفار مكاوي‪ ..‬مــرآة جيــل‬

‫‪7/21/13 8:56:17 AM‬‬

‫من أجلها؟ وما عالقتنا نحن مثقفني وغير مثقفني‬ ‫اليوم بهذا اجليل وبالقضايا التي شغلته؟‬ ‫في اعتقادي أننا إن حاولنا أن جنيب عن بعض‬ ‫هذه األس� � ��ئلة فإننا س� � ��نكون فعال وبشكل «عملي»‬ ‫قد وفينا بعهد الرجل وأكرمناه‪ ،‬فال أخال مكاوي‬ ‫كما س� � ��بق معنا إال من الناس الذي� � ��ن يعتبرون أن‬ ‫أهم ش� � ��كل ينبغي أن يحضروا به ويذكروا به عند‬ ‫الالحقني عليهم هو فكرهم‪.‬‬

‫مكاوي‪ ..‬شروط النشأة والتكوين‬

‫ينتمي عبدالغفار مكاوي إلى اجليل الذي ولد‬ ‫في فترة االستعمار‪ ،‬وهذا اجليل ‪ -‬الذي بلغ اليوم‬ ‫موسم حصاده ‪ -‬هو جيل متفرد في الثقافة العربية‪،‬‬ ‫جيل تراجيدي؛ جيل عاش بحكم الفترة التاريخية‬ ‫التي نشأ فيها في إطار تناقضات وتقابالت حادة‪،‬‬ ‫لعل أهمها كونه جيال عايش االستعمار وخبر ذ ّله‪،‬‬ ‫جيل منا وش� � ��ب في أفق تقاب� � ��ل وجودي قاس هو‬ ‫واقع هذه األمة والثقافة قياسا إلى ما يراه ويدركه‬ ‫من واقع اآلخر املستعمر املتقدم‪ ،‬وهذا الوعي هو‬ ‫الذي ح� � ��دد وحكم تصوره وفهم� � ��ه ملعنى ووظيفة‬ ‫الثقافة والفكر‪.‬‬ ‫اس� � ��تنادا لهذا املعطى لم تك� � ��ن الثقافة لتفهم‬ ‫بالنس� � ��بة له� � ��ذا اجلي� � ��ل إال باعتباره� � ��ا نوعا من‬ ‫النضال‪ ،‬أي باعتبارها عنصر مقاومة ضد الواقع‬ ‫بهدف جتاوزه وتغييره‪ ،‬أي أن الثقافة لم تكن لتجد‬ ‫مشروعية لالنهمام بها إال في إطار طموح نهضوي‬ ‫ع� � ��ام‪ ،‬فاملثقف هو صاحب مش� � ��روع‪ ،‬هو صاحب‬ ‫«وظيفة» عملي� � ��ة وليس «مجرد» ّ‬ ‫منظ� � ��ر‪ ،‬فالفكر‬ ‫ليس ترفا أو مالذ خالص فردي والفلسفة ليست‬ ‫إيتيقا (‪ )Ethic‬شخصية للحياة‪ ،‬بل إنها‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى السياس� � ��ة واالقتصاد وغيرها من الفاعليات‬ ‫توس� � ��ل بها‬ ‫اإلنس� � ��انية األخرى‪ ،‬أدوات ومداميك يُ ّ‬ ‫ألجل غايات مجتمعية عملية‪ ،‬إنها «اس� � ��تراتيجية»‬ ‫ال تس� � ��تمد قيمتها ومبرر وجوده� � ��ا إال من الرغبة‬ ‫ف� � ��ي جتاوز واقع التخلف ال� � ��ذي نحياه وبلوغ واقع‬ ‫التقدم الذي نتغياه‪.‬‬ ‫تنتج عن هذا األمر نتائج مباش� � ��رة‪ ،‬أهمها أن‬ ‫ال فكر إال في إطار مش� � ��روع‪ ،‬فاملفكر ال ميكن أن‬ ‫يس� � ��مح لنفسه بأن يكون مجرد «كاتب»‪ ،‬أي مجرد‬

‫‪101‬‬

‫‪sep 99-113.indd 101‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬

‫«ش� � ��اهد» وج� � ��ودي متفرج على الواق� � ��ع يجعل من‬ ‫الكتابة وس� � ��يلة تواصل‪ ،‬بل عليه أن يكون صاحب‬ ‫مش� � ��روع عملي‪ ،‬فالثقافة هنا «سياس� � ��ة بالثقافة»‬ ‫عل� � ��ى أمل أن نبلغ يوما يصي� � ��ر فيه احلكم «ثقافة‬ ‫بالسياسة»‪.‬‬ ‫واحلقيقة أن هذا التص� � ��ور «العملي» الذي ال‬ ‫ميكن أن يفهم الكتابة إال في إطار مش� � ��روع اتخذ‬ ‫عند مكاوي وأبناء جيل� � ��ه صورتني‪ ،‬من جهة أولى‬ ‫ص� � ��ورة املش� � ��اريع «النقدية» العربي� � ��ة التي حتاول‬ ‫أن تش� � ��تغل على تش� � ��خيص وتوضيح الواقع ببيان‬ ‫عيوبه وأعطابه‪ ،‬وفي هذا اإلطار تندرج املش� � ��اريع‬ ‫«النقدي� � ��ة» العربية على اختالف أش� � ��كالها وتعدد‬ ‫أسماء أصحابها؛ ومن جهة أخرى صورة املشاريع‬ ‫«النقلية» التي كانت تعد وتوفر املواد واألفكار عن‬ ‫طريق التقريب والترجم� � ��ة والتوصيل والتأصيل‪.‬‬ ‫واملس� � ��لكان «النق� � ��دي» و«النقل� � ��ي» متكامالن في‬ ‫العمق‪ ،‬فإذا كان ه � � � ّم أصحاب االختيار األول هو‬ ‫توظيف واستثمار املفاهيم واإلشكاليات الفلسفية‬ ‫ف� � ��ي فهم الواقع؛ فإن ه ّم أصحاب االختيار الثاني‬ ‫كان التوضيح والش� � ��رح والتلقني‪ ،‬أي أنه كان ه ّما‬ ‫«بيداغوجيا» أساسا؛ صحيح أن املنحى األول قد‬ ‫يبدو أغن� � ��ى وأه ّم من الثاني‪ ،‬وه� � ��ذا ما جعل من‬ ‫أصحابه يش� � ��تهرون ويتداولون أكث� � ��ر من غيرهم‪،‬‬ ‫وجعل اجلابري أو حنفي أشهر من عثمان أمني أو‬ ‫عبدالغف� � ��ار مكاوي‪ ،‬ولكن األكيد أن أولئك لم يكن‬ ‫بإمكانهم أن يؤسس� � ��وا ملشاريعهم النقدية الشهيرة‬ ‫دون اجله� � ��د الذي و ّف� � ��ره أهل االختي� � ��ار الثاني‪،‬‬ ‫ولعل� � ��ه من الدال هنا أن أهم أس� � ��ماء النوع الثاني‬

‫‪102‬‬

‫‪7/21/13 8:56:26 AM‬‬

‫كانوا تالمذة لألوائل‪ ،‬فحنفي واجلابري والعروي‬ ‫وجعيط هم تالم� � ��ذة لبلدي وب� � ��دوي واخلضيري‬ ‫وعثمان أمني وأيضا مكاوي‪ ،‬رغم الفارق الطفيف‬ ‫في العمر‪ ،‬فاألعمار في الفكر ال حتس� � ��ب مبا هو‬ ‫بيولوجي فقط‪.‬‬ ‫وعلى ب� � ��اب اجلملة وطلبا لالختصار‪ ،‬لنقل إن‬ ‫الفريق األول وفر «املادة» والثاني اس� � ��تثمر ّ‬ ‫ووظف‬ ‫ه� � ��ذه املادة‪ .‬في هذا اإلط� � ��ار ينبغي أن نفهم نحن‬ ‫اليوم تفاني واس� � ��تماتة ه� � ��ذا اجليل باختياريه في‬ ‫إنتاج أعمال موسوعية كبرى‪ ،‬فاحملرك األساسي‬ ‫الذي كان يس� � ��كن فكر م� � ��كاوي وأبن� � ��اء جيله هو‬ ‫اإلميان بقيمة وقوة املعرفة وقدرتها على التغيير‪،‬‬ ‫وهو اإلميان الذي توافق مع هيمنة الفكر املاركسي‬ ‫العضوي في تلك الفترة من تاريخ القرن العشرين‪،‬‬ ‫والذي لن يب� � ��دأ بالتراجع واالنحصار إال منذ مدة‬ ‫قصيرة‪.‬‬ ‫ينت� � ��ج عن ه� � ��ذه التفس� � ��يرات والعناصر التي‬ ‫قدمن� � ��ا عنصر آخر م ّيز هذا اجلي� � ��ل من الناحية‬ ‫املنهجية‪ ،‬وهو كونه جيال ال يعترف بالتخصصات‬ ‫أو بالفواص� � ��ل كثيرا‪ ،‬فالفلس� � ��فة عن� � ��ده تتداخل‬ ‫ب� � ��األدب والعلم والف� � ��ن‪ ،‬فالنقص حاص� � ��ل عندنا‬ ‫ف� � ��ي كل ش� � ��يء واملكتبة العربية تفتق� � ��ر إلى كل ما‬ ‫ج� � � ّ�د في الفكر العاملي منذ قرون‪ ،‬لهذا فال مجال‬ ‫ال ّدعاء ترف التخصص‪ ،‬إذ علينا أن جنتهد في كل‬ ‫املجاالت بغرض س� � ��د النقص فيها جميعا‪ ،‬وهذا‬ ‫األمر لعله كان واضحا عند مكاوي أكثر من غيره‪،‬‬ ‫ومن هن� � ��ا اهتمامه الكبير باألدب والفن‪ ،‬ومن هنا‬ ‫أيض� � ��ا اتهام بعضهم له بكونه فيلس� � ��وفا خرج عن‬ ‫اإلطار الفلس� � ��في وارتكن إلى نزعة أدبية كان من‬ ‫نتائجها‪ ،‬بحس� � ��بهم‪ ،‬غياب الصرام� � ��ة «املفهومية»‬ ‫في كتاباته‪ ،‬أو عل� � ��ى األقل تداخل التقني باألدبي‬ ‫ف� � ��ي هذه الكتاب� � ��ات‪ ،‬بل إن منهم م� � ��ن عاب عليه‬ ‫لغته‪ ،‬واصفا إياها بكونها لغة «رومانس� � ��ية» وبكون‬ ‫صاحبها في بعض األحيان كاتب «رثاء»‪ .‬واحلقيقة‬ ‫أن في مثل هذا احلكم ظلما‪ ،‬ألن خاصية التداخل‬ ‫ه� � ��ذه تكاد تالمس كل أبناء ه� � ��ذا اجليل كما قلنا‪،‬‬ ‫وإال كنّا س� � ��نعيب على اجلابري اهتمامه بالتأريخ‬ ‫للرياضيات والطب‪ ،‬وعلى بدوي اهتمامه بالتأريخ‬ ‫للعقائد‪ ،‬وكنا س� � ��نعيب قبلهم على أس� � ��اتذتهم من‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 102‬‬


‫مثل طه حس� �ي��ن اهتماماته الواسعة التي متتد من‬ ‫ديكارت وكونت في الفلس� � ��فة إلى عل� � ��ي ومعاوية‬ ‫في التاري� � ��خ‪ ،‬مرورا باملع� � ��ري واملتنبي في األدب‪،‬‬ ‫وكنا س� � ��نعيب عن العقاد اهتمامه باألنثروبولوجيا‬ ‫والبيولوجيا وتاريخ األديان والش� � ��عر والرواية في‬ ‫نفس الوقت‪ .‬األمر عام إذن وليس خاصا مبكاوي‪،‬‬ ‫حت� � ��ى وإن كان� � ��ت للرجل خصوصي� � ��ات «منهجية»‬ ‫سنذكرها بعد حني‪.‬‬ ‫عمليا في ماذا تظه� � ��ر وتنعكس هذه العناصر‬ ‫التي قدمنا والتي اعتبرناها واس� � ��مة جليل بأكمله‬ ‫في فكر عبدالغفار مكاوي حتديدا؟‬ ‫أوال م� � ��ن حيث املب� � ��دأ وفي ما يخ� � ��ص البعد‬ ‫العضوي والتصور النضال� � ��ي ملعنى الفكر ينعكس‬ ‫ف� � ��ي تصور م� � ��كاوي عن وظيفة املفك� � ��ر‪ ،‬إذ هو ما‬ ‫فتئ يعلن عن إميانه بكون الفيلس� � ��وف ال ميكن أن‬ ‫يشتغل إال وفق حاجات محددة‪ ،‬وهذا األمر ال يأتي‬ ‫تلميحا مطويا في ثنايا اخلطاب‪ ،‬بل يأتي تصريحا‪،‬‬ ‫وهذا ما جنده مثال في نصه «خواطر عن مصر»‪.‬‬ ‫ينعكس هذا األمر أيضا ف� � ��ي قدر االهتمام الذي‬ ‫أبداه مكاوي ملفهوم اإلنس� � ��ان‪ ،‬بقدرته على الفعل‪،‬‬ ‫ومن هنا اهتمامه بقضية احلرية وبالفلسفات التي‬ ‫تتأس� � ��س عليها‪ ،‬وهذا أمر كان حاضرا عنده حتى‬ ‫في نصوص� � ��ه التي أرخت ملفكري� � ��ن اعتبروا أبعد‬ ‫م� � ��ا يكون عن االعتقاد في «الفاعلية اإلنس� � ��انية»‪،‬‬ ‫فحتى مع الفيلس� � ��وف األملان� � ��ي «مارتن هايدغر»‬ ‫جنده يجتهد وسعه لتقدمي تأويالت «مفتوحة»‪.‬‬ ‫وف� � ��ي هذا الس� � ��ياق ميك� � ��ن أن ن� � ��ورد وصفه‬ ‫للحرية بكونها «حتررا باطنيا»‪ ،‬جوهره املسئولية؛‬ ‫عبدالغفار مكاوي‪ ..‬مــرآة جيــل‬

‫‪7/21/13 8:56:33 AM‬‬

‫املس� � ��ئولية الت� � ��ي لن تكون كذلك فع� �ل��ا إال عندما‬ ‫تتوجه لصميم «مش� � ��كالت األم� � ��ة»‪ ،‬وهذا األمر ال‬ ‫يحقق� � ��ه إال ش� � ��خص يعي خصو��ي� � ��ات «اللحظة‬ ‫التاريخية» ملجتمعه فيو ّفر ما يلزم للنهوض بها‪.‬‬ ‫واحلقيقة أن هذا التصور املنتصر للحرية وللفعل‬ ‫والعمل قد ألزم مكاوي بعض اللزومات التأويلية‪،‬‬ ‫وف� � ��ي هذه النقطة بالذات تركزت االنتقادات التي‬ ‫قدمنا بعض عناصرها قبال‪ ،‬والتي اتهمته بتضييع‬ ‫صرام� � ��ة املفاهيم ملصلحة انفتاح في القراءة جعل‬ ‫كتاباته «أدبا فلس� � ��فيا»‪ .‬لكن في نظري هذا النقد‬ ‫لي� � ��س بالقوة التي يظهر عليه� � ��ا‪ ،‬فقد بينّا أن هذا‬ ‫االنفت� � ��اح في التيمات وفي القراءة كان ميزة جليل‬ ‫بكامله ألس� � ��باب عرضناها‪ ،‬وحت� � ��ى إن كان األمر‬ ‫كذلك‪ ،‬فما الضير من أن نالقي الفلسفة باألدب؟‬ ‫أال يوجد فالسفة عظام في التاريخ قد فعلوا ذلك‬ ‫عندن� � ��ا كما عند غيرنا؟ ماذا عن التوحيدي مثال؟‬ ‫وماذا ع� � ��ن مونتيني وكيركيغارد بل ونيتش� � ��ه؟ من‬ ‫قال إن اخلطاب الفلسفي ينبغي أن يبقى متحجرا‬ ‫متمترس� � ��ا بلغة مفهومية مغلقة؟ أليس من حق كل‬ ‫كاتب أن يختار؟ لم يسمح بعض املفكرين ألنفسهم‬ ‫بأن يقيم� � ��وا اللغة العلمية مرجع� � ��ا ومعيارا للنص‬ ‫الفلسفي وال يسمحوا لآلخرين أن يفعلوا مثل ذلك‬ ‫مع األدب؟ ألن نك� � ��ون حينها ضحية نزعة علموية‬ ‫س� � ��اذجة دون أن ندري؟ ثم إني شخصيا‪ ،‬بحسب‬ ‫ما قرأته من مكاوي‪ ،‬ال أجد تفريطا من الرجل في‬ ‫ما هو مفهومي ملصلحة األس� � ��لوبي‪ ،‬ففي نصوصه‬ ‫عن كانط جند صرامة كبيرة‪ ،‬وهي عني الصرامة‬ ‫التي جندها في الترجمات‪ ،‬ال أعتقد أن مثل هذا‬ ‫النقد يصمد أمام التحليل‪ ،‬شريطة أن نتحرر من‬ ‫الص� � ��ور القبلية ونقرأ الرج� � ��ل في نصوصه بعيدا‬ ‫عن أح� � ��كام القيمة اجلاهزة الت� � ��ي كثيرا ما تكون‬ ‫حاجزا أمام القراءة‪.‬‬

‫ما الذي سيبقى من مكاوي؟‬

‫يبدو للمهتم بتاريخ الفلسفة العربية املعاصرة‬ ‫الي� � ��وم بأن التصور الذي مثل� � ��ه مكاوي وجيله عن‬ ‫الثقافة والفكر والذي عرضنا بعض عناصره في‬ ‫ما تقدم ه� � ��و تصور بعيد وغري� � ��ب عن تصوراتنا‬ ‫نحن اآلن‪ ،‬فمفكر األلفية الثالثة بحكم اعتبارات‬

‫‪103‬‬

‫‪sep 99-113.indd 103‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬ ‫تتعلق بطبيعة عالم اليوم وبالنكبات واالنتكاسات‬ ‫الثقافية والسياس� � ��ية التي عش� � ��نا ونعيش لم يعد‬ ‫يؤمن بتلك الس� � ��لطة املزعومة للفك� � ��ر‪ ،‬إذ لم يعد‬ ‫العمل الفكري يوضح ما ينبغي أن يكون‪ ،‬بل صار‬ ‫مكتفيا باحلديث ع ّما ه� � ��و كائن‪ ،‬وصارت الكتابة‬ ‫أفق خ� �ل��اص فردي يضم� � ��ن ع� � ��زاء روحيا ليس‬ ‫أكث� � ��ر‪ ،‬فالكاتب فهم أن ال قدرة ل� � ��ه لفعل الكثير‬ ‫أمام متوالي النكبات‪ ،‬لهذا قد ال يُفهم اليوم ذلك‬ ‫الهوس ال� � ��ذي كان عند أبناء جيل مكاوي بالعمل‪،‬‬ ‫وسيقف املشتغل بالكتابة اليوم ال محالة مندهشا‬ ‫أمام القدرات التي كانت لهذا اجليل ومنه مكاوي‬ ‫على الكتابة والقراءة والتأليف في شتى املجاالت‬ ‫وبش� � ��كل ال طاقة لنا به‪ ،‬فمكاوي مثال كان مؤلفا‬ ‫ومترجم� � ��ا وأديب� � ��ا‪ ،‬وهو في كل واح� � ��دة من هذه‬ ‫متع� � ��دد‪ ،‬فهو مؤلف� � ��ا كتب عن األدب والفلس� � ��فة‬ ‫والف� � ��ن والعل� � ��م والتاريخ‪ ،‬وهو مترجم� � ��ا نقل عن‬ ‫اإلجنليزي� � ��ة واإليطالي� � ��ة والفرنس� � ��ية‪ ،‬حتى وإن‬ ‫كانت ش� � ��هرته قد تعلقت بالترجمات عن األملانية‬ ‫خصوصا‪ ،‬وهو ف� � ��ي قراءاته وكتاباته يتحدث عن‬ ‫اليون� � ��ان والروم� � ��ان كما عن الفرنس� � ��يني واألملان‬ ‫وال� � ��روس واإليطاليني واإلجنلي� � ��ز‪ ،‬وهو فوق هذا‬ ‫وذاك م� � ��ن أعلم الناس وأخبرهم بالثقافة العربية‬ ‫كما تش� � ��هد بذلك مؤلفاته األدبية‪ ،‬ولكن كثيرا من‬ ‫عناصر هذا االندهاش س� � ��ترتفع إذا ما انتبهنا ملا‬ ‫عرضناه س� � ��ابقا‪ ،‬فتلك طبيع� � ��ة جيل وروح عصر‬ ‫يتجاوزان اإلرادات الفردية‪ ،‬وهي طبيعة ال ينبغي‬ ‫أن نق� � ��ف أمامها موافقني مس � � �لّمني‪ ،‬بل ينبغي أن‬ ‫نع� � ��ي بأنه قد كان لها ح� � ��دود أيضا‪ ,‬فهذا الوعي‬ ‫القوي مبس� � ��ئولية املثقف وقيمة الثقافة وس� � ��لطة‬ ‫الفكر إن كان من الناحية العملية يبدو عنصر قوة‬ ‫وميزة‪ ،‬ألنه يجعل املفكر مهموما منشغال بقضايا‬ ‫عص� � ��ره ومجتمعه‪ ،‬فإنه م� � ��ن الناحية النظرية قد‬ ‫يصي� � ��ر عنصر ضع� � ��ف‪ ،‬فاإلميان بس� � ��لطة الفكر‬ ‫هو من الناحية الفلس� � ��فية الص� � ��رف محط نظر‬ ‫ومراجعة اليوم‪ ،‬فانتكاس� � ��ات كثي� � ��رة حصلت كما‬ ‫قلنا‪ ،‬واملش� � ��اريع الثورية ماركسية وغير ماركسية‬ ‫وقومية انتهت إلى ما يعلمه اجلميع ومنط الوجود‬ ‫التقني قد بس� � ��ط نفوده وم ّكن لنفس� � ��ه بأقوى ما‬ ‫يك� � ��ون في الواق� � ��ع والعقول واألفئ� � ��دة‪ ،‬ومفكرون‬

‫‪104‬‬

‫‪7/21/13 8:56:37 AM‬‬

‫كب� � ��ار آخرون م� � ��روا من هنا وعلّمونا بأن س� � ��لطة‬ ‫الفكر ال تبتدئ فع� �ل��ا إال حني نفهم ونعلم بأن ال‬ ‫س� � ��لطة للفكر أصال‪ ،‬فالفلسفة احلق ال تظهر إال‬ ‫عندم� � ��ا ندرك بأن دور املفكر هو أن يحلل عصره‬ ‫والواقع ع� � ��وض أن ّ‬ ‫ينظر له‪ .‬على أن الوعي بهذه‬ ‫التح� � ��والت والنتائ� � ��ج إن كان ال يقل� � ��ل م� � ��ن قيمة‬ ‫الطموح النبيل ملكاوي وألبناء جيله في مشروعهم‬ ‫النهضوي‪ ،‬فإنه من جهة ثانية يكش� � ��ف لنا حدود‬ ‫هذا اجليل واملوانع التي وقفت حاجزا دونه وفهم‬ ‫وإدراك قيمة اجتاهات كبرى في الفكر املعاصر‪،‬‬ ‫وعلى رأسها الفلس� � ��فات النقدية اجلذرية‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يتجس� � ��د بامللموس عند مكاوي في موقفه من‬ ‫البنيوية مثال والتي لم يكن يرى فيها س� � ��وى فكر‬ ‫عدمي ونزعة ريبي� � ��ة خطابية‪ ،‬وهذا أمر طبيعي‪،‬‬ ‫فهذا الرجل الذي وضع خيارات حاسمة بناء على‬ ‫قناعات هي اإلمي� � ��ان بفاعلية اإلنس� � ��ان وحريته‬ ‫وبقيمة الثقافة وس� � ��لطة الفكر لم يكن مبكنته أن‬ ‫يستوعب فكرا يؤمن بأن احلكايات األيديولوجية‬ ‫الكب� � ��رى قد انتهت وأن الفك� � ��ر ال يبتدئ إال حني‬ ‫يؤمن بأن الفكر ال ميكن أن يتجاوز شروط وجوده‬ ‫وحتققها‪.‬‬ ‫صحيح إذن أن احلسم الذي أبداه هذا اجليل‬ ‫وضمنه مكاوي في قناعاته س� � ��يبدو لنا نحن اليوم‬ ‫مزعجا‪ ،‬وأن هذا اإلميان الكبير بس� � ��لطة الثقافة‬ ‫سيظهر س� � ��اذجا ولكن ما ينبغي أن نتذكر هو أنه‬ ‫لوال مجهود هذا اجليل في ترسيخ الدرس الفلسفي‬ ‫عندنا بعيد االستقالل‪ ،‬هذا الدرس الذي كان قد‬ ‫م� � ��ات وانتهى من� � ��ذ قرون‪ ،‬ول� � ��وال جهدهم املذهل‬ ‫الذي بذل� � ��وه لتطويع اللغة العربي� � ��ة نقال وتعريبا‬ ‫وترجمة لتستوعب كنوز الفكر الفلسفي احلديث‪،‬‬ ‫ولوال تقعيده� � ��م لآلليات الفكرية املس� � ��تحدثة ملا‬ ‫متكن� � ��ا نحن اليوم أن نصوغ مث� � ��ل هذه االنتقادات‬ ‫والتحفظات‪ ،‬فلوال دروس عثمان أمني واخلضيري‬ ‫وبدوي وجنيب بلدي ومكاوي ملا وجدنا نحن اليوم‬ ‫شيئا نستند إليه للحديث عنهم بل ونقدهم‪ ،‬بهذا‬ ‫املعنى س� � ��يكون مكاوي وغيره من األسماء الكبرى‬ ‫التي جايلته وس� � ��بقته قليال بالنس� � ��بة لكل من رام‬ ‫احلديث عن الفلس� � ��فة باللغة العربية اليوم شرط‬ ‫إمكان‪ ،‬وعى ذلك أم لم يع به >‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 104‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‪..‬‬ ‫نقاط تقاطع الفلسفة واألدب‬ ‫د‪ .‬أشرف حسن منصور*‬ ‫تعاني الفلسفة في وطننا العربي مشكلة انغالقها‬ ‫األكادميي داخل أسوار اجلامعة من جهة‪ ،‬ومن عدم‬ ‫استطاعة الكثير من املشتغلني بها من الوصول إلى‬ ‫اجلمهور العريض من املثقفني خارج اجلامعة من جهة‬ ‫أخرى‪ .‬وقد كان عبدالغفار مكاوي من أوائل الذين انتبهوا‬ ‫إلى هذه املشكلة وحاولوا حلها‪ .‬فقدم لنا تراث الفلسفة‬ ‫بأسلوب مبسط في صورة مقاالت ذات طابع أدبي راق‬ ‫(جمعها في كتبه‪ :‬مدرسة احلكمة ‪1967‬؛ لم الفلسفة؟‬ ‫‪ ،1981‬احلكماء السبعة ‪ 1990،‬جتارب فلسفية ‪.)2008‬‬ ‫لم تكن الرغبة في نش� � ��ر الفلسفة على‬ ‫جمهور واس� � ��ع هي الدافع الوحيد وراء‬ ‫اختياره ألس� � ��لوب املق� � ��ال القصير في‬ ‫الكتابة الفلس� � ��فية‪ ،‬ذلك ألن ه� � ��ذا االختيار يكمن‬ ‫وراءه التوجه والرؤية الفلس� � ��فية التي كان يتبناها‬ ‫مكاوي طوال حياته‪ ،‬والتي نستطيع أن نقول عنها‬ ‫إنها كان� � ��ت النظرة لفعل التفلس� � ��ف على أنه فعل‬ ‫وجودي مرتب� � ��ط بحياة املفك� � ��ر‪ ،‬وجتربة وجودية‬ ‫يدخل فيها املفك� � ��ر في حوار مع ذاته ومع الوجود‬ ‫بح ًثا ع� � ��ن احلقيقة‪ .‬ومكاوي بذل� � ��ك كان امتدا ًدا‬ ‫طبيع ًيا للمدرس� � ��ة الوجودية األملانية التي أسسها‬

‫* أكادميي من مصر‬

‫هايدجر‪ ،‬والتي س� � ��ار على دربها تلميذه شتروفه‪،‬‬ ‫والتقط مكاوي اخليط من شتروفه‪ .‬وقد كان لهذه‬ ‫املدرسة الفكرية أسلوبها اخلاص في الكتابة وهو‬ ‫األس� � ��لوب نفسه الذي برع فيه مكاوي‪ ،‬والنابع من‬ ‫رؤيتها الوجودية للتجربة الفكرية ولتراث الفلسفة‬ ‫كذل� � ��ك‪ .‬واحلقيقة أن التعامل مع تراث الفلس� � ��فة‬ ‫على أنه مجموعة من التجارب الفكرية الوجودية‬ ‫التي مر بها الفالس� � ��فة يقرب الفلسفة من األدب‪،‬‬ ‫نظ ًرا الشتراكهما م ًعا في كونهما صورتني للتعبير‬ ‫عن التجارب احلياتية‪ .‬هذا إلى جانب اش� � ��تراك‬ ‫أسلوب املقال الفلس� � ��في مع القصة القصيرة من‬

‫‪105‬‬

‫‪7/21/13 8:56:44 AM‬‬

‫‪sep 99-113.indd 105‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬ ‫حيث غلبة الطابع الس� � ��ردي على مقاالت مكاوي‬ ‫الفلسفية‪.‬‬

‫مدرسة التأويل‬

‫ويظهر انتماء مكاوي للمدرسة التأويلية األملانية‬ ‫ف� � ��ي معاجلة تراث الفلس� � ��فة‪ ،‬والتي يقف هايدجر‬ ‫على رأس� � ��ها على مستويات عديدة‪ ،‬أهمها أسلوب‬ ‫الكتاب� � ��ة كما قلنا‪ ،‬والقضايا التي عاجلها وطريقته‬ ‫في معاجلة هذه القضايا‪ .‬فاملمارس� � ��ة الهايدجرية‬ ‫لفعل التفلس� � ��ف تتحدد بكونها إعادة تأويل لتراث‬ ‫الفلس� � ��فة الس� � ��ابق الس� � ��تخراج معان جديدة منه‪،‬‬ ‫تبق� � ��ي هذا التراث ح ًيا في األجيال القادمة‪ .‬وفعل‬ ‫التفلس� � ��ف عند مكاوي مضاد للمذه� � ��ب وللنزعة‬ ‫املذهبية؛ مبعنى أن أعماله الفلس� � ��فية كلها لم تكن‬ ‫بهدف إقامة رؤية شاملة للوجود واملعرفة واإلنسان‬ ‫يجمعها هيكل نس� � ��قي مترابط منطق ًيا على شاكلة‬ ‫مذاه� � ��ب أفالطون وأرس� � ��طو وكان� � ��ط وهيجل‪ ،‬بل‬ ‫به� � ��دف تقدمي موق� � ��ف من احلياة وطرح األس� � ��ئلة‬ ‫ومشاركة القارئ في التفكير وفتح مجاالت للتأمل‬ ‫أمام� � ��ه من دون تقدمي إجابات نهائية ش� � ��املة عن‬ ‫كل ش� � ��يء‪ .‬فمكاوي ينتمي لالجتاه الفلسفي الذي‬ ‫يرف� � ��ض أن يحل املذهب الفلس� � ��في مح� � ��ل الواقع‬ ‫احلقيقي‪ ،‬إذ إن املذهب بذلك يش� � ��كل عائ ًقا أمام‬ ‫الرؤية الفلسفية احلقيقية للواقع بكل غناه وتعقده‪،‬‬ ‫كما أن االنغالق ف� � ��ي املذهب يجعل منه بديلاً عن‬ ‫الواق� � ��ع‪ ،‬وال ميكن املفكر من التعامل مع الواقع إال‬ ‫من خالله‪ .‬وهذا التوجه الفلسفي ملكاوي هو الذي‬ ‫جعله أحد املشاركني في الشرط الفلسفي املعاصر‪،‬‬ ‫والذي يوصف مبواجهة النزعة املذهبية للفلس� � ��فة‬ ‫وبكراهي� � ��ة التمذه� � ��ب‪ .‬لكن تراث الفلس� � ��فة يقدم‬ ‫ً‬ ‫تاريخا للمذاهب الفلسفية‬ ‫نفسه‪ ،‬وقد كان بالفعل‬ ‫وتالقحه� � ��ا وتأثيره� � ��ا وتأثره� � ��ا ببعضه� � ��ا البعض‬ ‫وصراعاتها وتنافسها‪ .‬ولذلك كان على مكاوي أن‬ ‫يكس� � ��ر حاجز املذهب احمليط بكل فيلسوف لينفد‬ ‫إلى جوهر فكره باعتباره جتربة حياتية ووجودية‪،‬‬ ‫هذه التجرب� � ��ة التي ينظر إليها م� � ��كاوي على أنها‬ ‫أه� � ��م ما قدمه كل فيلس� � ��وف‪ ،‬والذي يبقى ح ًيا من‬ ‫تراث الفلسفة الطويل‪ .‬وبالتالي فإن اختيار مكاوي‬ ‫للمقال باعتباره الشكل املفضل له لعرض الفلسفة‬

‫‪106‬‬

‫‪7/21/13 8:56:50 AM‬‬

‫وللكتابة الفلسفية كان هو االختيار األنسب لتوجهه‬ ‫الفكري املضاد للمذهب الفلسفي‪ .‬هذا إلى جانب‬ ‫أن ش� � ��كل املقال يتفق مع رؤية مكاوي الفلس� � ��فية‪،‬‬ ‫وهي رؤية تتلخص في كونها مجموعة من املواقف‬ ‫الفلس� � ��فية جتاه الوجود واإلنس� � ��ان‪ ،‬وهي مواقف‬ ‫مفتوحة وليس� � ��ت تامة مغلق� � ��ة وال يجمعها مذهب‬ ‫ما‪ .‬كذلك فإن املقال يتناس� � ��ب مع طبيعة األس� � ��ئلة‬ ‫الفلس� � ��فية التي يطرحها م� � ��كاوي‪ ،‬إذ إن هدفه من‬ ‫أسئلته ليس التمهيد لتقدمي إجابات قاطعة نهائية‬ ‫عنها‪ ،‬بل هدفه إثارة التفكير حولها ودعوة القارئ‬ ‫للتفكير معه‪ .‬وبذلك يكون ش� � ��كل املقال الفلسفي‬ ‫ليس مجرد أسلوب في الكتابة‪ ،‬بل هو جزء أصيل‬ ‫من نوعية فعل التفلسف الذي يقوم به مكاوي ومن‬ ‫توجهه الفلسفي‪ .‬وأبرز مثال على ذلك هو مقاالته‬ ‫املجمعة في كتبه س� � ��الفة الذكر‪ ،‬وأهمها «مدرسة‬ ‫احلكمة»‪ .‬إذ نراه فيها يتعامل مع فالسفة مختلفني‬ ‫متا ًما في مذاهبهم ورؤاهم الفلسفية للعالم‪ ،‬لكنه‬ ‫ال ينش� � ��غل في مقاالته بالكش� � ��ف عن االختالفات‬ ‫املذهبية التي ال تهم إال دارس الفلس� � ��فة والباحث‬ ‫األكادميي خاصة‪ ،‬بل ينش� � ��غل باس� � ��تخراج املعاني‬ ‫وال� � ��دالالت الباقية في أفكار الفالس� � ��فة والقادرة‬ ‫على إبقاء تراث الفلسفة ح ًيا في األجيال القادمة‪.‬‬ ‫ويتضح من ذلك أن م� � ��ا يوجهه في هذه املهمة هو‬ ‫إس� � ��تراتيجية تأويلية تعلمها من مدرس� � ��ة هايدجر‬ ‫وتلميذه ش� � ��تروفه‪ ،‬وتتأس� � ��س هذه اإلستراتيجية‬ ‫ف� � ��ي فكرة الفلس� � ��فة اخلالدة‪ .‬فلي� � ��س اخلالد في‬ ‫تراث الفالس� � ��فة مذاهبه� � ��م واختالفاتهم املذهبية‬ ‫الداخلية‪ ،‬بل اخلالد في الفلسفة هو نظراتها حول‬ ‫معنى الوجود اإلنس� � ��اني وموقع اإلنسان في العالم‬ ‫وموقفه من� � ��ه‪ .‬وعلى ذلك كان م� � ��كاوي يتعامل مع‬ ‫الفالسفة على قدم املساواة باعتبارهم كلهم يقفون‬ ‫على خط متصل واحد هو هذه الفلسفة اخلالدة‪.‬‬ ‫الفلسفة عند مكاوي هي جتربة حياتية يعبر‬ ‫عنها بالفكر‪ .‬هي جتربة احليرة والدهش������ة التي‬ ‫تنتاب املفكر عندما يبحث في سر الوجود‪ .‬يقول‬ ‫مكاوي في تصديره لكتاب شتروفه «فلسفة العلو»‪:‬‬ ‫«م������ررت ‪ ...‬بالتجربة التي البد أن تخوضها مع‬ ‫كل فعل فلسفي حق‪ ،‬جتربة االهتزاز واالرتباك‬ ‫والتغي������ر والتح������ول م������ن األعماق»‪( .‬ش������تروفة‪:‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 106‬‬


‫فلسفة العلو (لترانسندنس) ‪ -‬نقله إلى العربية‬ ‫د‪.‬عبدالغف������ار مكاوي ‪ -‬الهيئ������ة املصرية العامة‬ ‫للكتاب‪/‬القاه������رة ‪ 2012‬ص‪ .)9‬يع������ود م������كاوي‬ ‫بذل������ك إلى معن������ى أصيل وقدمي ملمارس������ة فعل‬ ‫التفلسف وهو الفلسفة‪ ،‬باعتبارها تغيي ًرا لذاتية‬ ‫اإلنسان وانكش������ا ًفا للوجود أمامه بفعل جتربته‬ ‫الفكرية في تفاعله مع أس������ئلة الوجود وأسراره‪.‬‬ ‫وق������د يبدو من هذه التجربة قربها من التصوف‪،‬‬ ‫وه������ذا صحيح إل������ى حد كبير‪ ،‬نظ ًرا الش������تراك‬ ‫التصوف والفلسفة مبعناها األصلي في كونهما‬ ‫جتربتني روحيتني‪ .‬وقد غاب هذا املعنى األصلي‬ ‫للفلس������فة من جراء حتول التراث الفلسفي منذ‬ ‫نهايات عصر الفلس������فة اليوناني������ة إلى أن صار‬ ‫مجرد محاوالت لعقلنة الوجود في صورة نس������ق‬ ‫مذهبي مغلق‪ .‬ويعيد مكاوي فتح الفلس������فة على‬ ‫مجاله������ا األصل������ي ال������ذي مت تناس������يه‪ ،‬وهو في‬ ‫ذلك يتبع املدرس������ة الوجودية األملانية في إعادة‬ ‫طرحها لسؤال الفلسفة القدمي الذي مت تناسيه‪،‬‬ ‫س������ؤال الفلس������فة الذي نس������ي الذات اإلنسانية‬ ‫اً‬ ‫طويل‬ ‫وأنطولوجيا الوجود اإلنس������اني واستغرق‬ ‫في أنطولوجيا األشياء واملوضوعات‪ .‬والطريقة‬ ‫التي يتعامل بها مكاوي للكشف عن أسئلة الوجود‬ ‫املختبئة وراء املذاهب الفلس������فية التقليدية هي‬ ‫منهج التأويل اخلاص بالوجودية األملانية‪ ،‬والذي‬ ‫سبق لهايدجر وش������تروفه استخدامه‪ ،‬وهو يبدأ‬ ‫بالذهاب إلى أن األنطولوجيا التقليدية تكش������ف‬ ‫حتى في اهتمامها باملوجودات عن اهتمام مسبق‬ ‫وإن كان مكبو ًت������ا بالوجود اإلنس������اني‪ .‬وبالتالي‬ ‫تأتي كل املذاهب األنطولوجية وهي مش������روطة‬ ‫باملوقف األنطولوجي األصلي للوجود اإلنساني‪.‬‬ ‫ثم يأتي دور التأويل بعد ذلك ويفس������ر املقوالت‬ ‫الفكرية‪ ،‬باعتبارها تعبيرات عن أمناط للوجود‬ ‫اإلنساني في العالم‪ .‬فالفيلسوف لم يكن ليتمكن‬ ‫من التفكير في مقوالت املكان والزمان والسببية‬ ‫إال بن������اء عل������ى تعامل������ه األصلي م������ع العالم من‬ ‫منطلق هذه التوجهات‪ ،‬مبعنى أنه قبل أن تظهر‬ ‫مقوالت الفكر كما لو أنها مستقلة عن محتواها‬ ‫ً‬ ‫أمناطا لتوجهات حياتية لإلنسان‪.‬‬ ‫الواقعي تكون‬ ‫والتأويـــــل بذلك يعني النفاذ من الطابع اجلاهز‬ ‫عبد الغفار مكاوي‪ :‬نقاط تقاطع الفلسفة واألدب‬

‫‪7/21/13 8:56:55 AM‬‬

‫واملكــــتمل ال������ذي تبدو عليه املق������والت املعرفية‬ ‫للكش������ــــف عن أساس������ــها الوج������ودي املتمثل في‬ ‫كونها تعبي ًرا عن الطرق التي يتعامل بها اإلنسان‬ ‫ويحيا من خاللها في العالم‪.‬‬

‫تأويل وجودي‬

‫وال يعن������ي تأويل مكاوي الوج������ودي ملقوالت‬ ‫الفكر أن هذه املقوالت هي أدواته في التحليل‪،‬‬ ‫ذلك ألنها هي املوضوع������ات التي ينصب عليها‬ ‫فعل التأويل الوج������ودي‪ .‬أما مقوالته التي متثل‬ ‫أدوات������ه التحليلي������ة‪ ،‬فهي التي يس������تخدمها في‬ ‫الكشف عن أتولوجيا الوجود اإلنساني الكامنة‬ ‫خل������ف أنطولوجيا املوجودات‪ .‬وقد اس������تعارها‬ ‫مكاوي من الوجودية األملانية‪ ،‬وأهمها‪ :‬األصالة‬ ‫في مواجهة عالم النس������خ املتك������ررة‪ ،‬وهو عالم‬ ‫اإلنت������اج الس������لعي الكم������ي الذي ينت������ج وحدات‬ ‫متش������ابهة‪ ،‬وهذا العالم ه������و العالم التكنولوجي‬ ‫االس������تهالكي الذي ينظر إليه مكاوي متب ًعا في‬ ‫ذلك هايدجر وش������تروفه على أن������ه عالم زائف‬ ‫ويقارن������ه بكهف أفالطون؛ وعالم الس������كينة في‬ ‫مواجهة الضجي������ج‪ ،‬ألن الوجود هو في حقيقته‬ ‫س������كون كما يقول مكاوي‪ .‬وهذا هو ما يعبر عن‬ ‫نزعة فردي������ة متطرفة مضادة للمجتمع وللحياة‬ ‫االجتماعية التي يقيمها مكاوي دائ ًما تقييمات‬ ‫س������لبية‪ ،‬إذ يقول‪« :‬التوحد املطل������ق أصبح اآلن‬ ‫م������ن أصعب األمور‪ ،‬فلم نع������د نعرفه أو نحتمله‬ ‫أو نحاوله‪ .‬إنه أس������بق من االجتم������اع والتجمع‪،‬‬ ‫فحتى اجلماهير احملتش������دة تتأل������ف من أفراد‬ ‫وحيدين‪ ...‬من الصحيح ً‬ ‫أيضا أنه حيوان وحيد‪،‬‬ ‫بل ه������و احليوان الوحيد ال������ذي ميكنه أن يكون‬ ‫وحيدا»‪ .‬وينظر مكاوي إل������ى احلرية احلقيقية‬ ‫ً‬ ‫على أنه������ا تتمثل في هذه الوح������دة والعزلة عن‬ ‫املجتم������ع‪ .‬وهو بذلك يعود إلى الثنائية املتطرفة‬ ‫بني الذات والعالم والس������ائدة ف������ي االجتاهات‬ ‫الفلس������فية األوربية التي نهل منها‪ .‬والتأويل كما‬ ‫فهمه ومارس������ه مكاوي هو هذا التجاوز لكل ما‬ ‫هو يومي وللحياة اليومية باعتبارها غير أصيلة‪،‬‬ ‫وحلياة احلشد واملجموع باعتباره وجو ًدا زائ ًفا‪،‬‬ ‫في سبيل مفهومه عن التحرر‪ .‬فاحلرية في هذا‬

‫‪107‬‬

‫‪sep 99-113.indd 107‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬ ‫املعنى تعني كس������ر كل القيود التي تربط الذات‬ ‫الفردية بأي روابط اجتماعية أو أي كيانات أكبر‬ ‫م������ن الذات وعاملها اخلاص‪ ،‬وهي النظر إلى كل‬ ‫تل������ك الكيانات على أنها غير أصيلة‪ ،‬وعلى أنها‬ ‫كله������ا كيانات صغرى بالنظر إل������ى الكيان الكلي‬ ‫األكبر وهو الوج������ود احلقيقي األصيل املتجاوز‬ ‫لعالم املادة واآللة واالستهالك‪ ،‬واالنخراط في‬ ‫هذا الكيان األكب������ر والذوبان فيه على الطريقة‬ ‫الصوفي������ة‪ .‬إذ يعترف م������كاوي مرات كثيرة عبر‬ ‫كتابات������ه كلها أن هذا التص������ور للوجود وللتوحد‬ ‫به هو نفس������ه التصور الصوفي‪ ،‬لكنه التصوف‬ ‫حتديدا ال التصوف الديني‪.‬‬ ‫الفلسفي‬ ‫ً‬ ‫ويب������دو أن املجتمع احملي������ط مبكاوي خاصة‬ ‫املجتم������ع اجلامعي ق������د فر�� علي������ه أن يحقق‬ ‫فلس������فته عمل ًيا ويطبق مفهومه هذا عن احلرية‬ ‫ف������ي الوحدة والتوحد‪ ،‬إذ املع������روف عنه أنه في‬ ‫الس������نني األخيرة من حياته قد آثر العزلة حتى‬ ‫عن احلياة األكادميية التي كان من املفترض أن‬ ‫تكون بالنسبة له مثل املاء لألسماك‪ ،‬لكنه انعزل‬ ‫عنها باختياره نظ ًرا ملا القاه فيها من انهيار على‬ ‫املستويات كافة‪.‬‬

‫الفلسفة جتربة شخصية‬

‫واحلقيق� � ��ة أن نظرة مكاوي لفعل التفلس� � ��ف‬ ‫باعتباره جتربة شخصية ذاتية للفيلسوف هدفها‬ ‫أن يفكر الفيلس� � ��وف بنفس� � ��ه ولنفس� � ��ه من أجل‬ ‫أن يحرر نفس� � ��ه‪ ،‬تكش� � ��ف عن نوع من االغتراب‬ ‫الذي ميثل الش� � ��رط احلديث لكل فعل فلس� � ��في‪،‬‬ ‫اغتراب الفيلس� � ��وف عن مجتمعه وعن حضارته‬ ‫كلها‪ .‬إذ إن كتابات مكاوي مليئة بالس� � ��خط على‬ ‫مادية احلياة املعاصرة وبإلقاء اللوم على التعقد‬ ‫التكنولوج� � ��ي الذي م َّث� � ��ل حاجزًا بني اإلنس� � ��ان‬ ‫وكش� � ��فه عن حقائق الك� � ��ون والطبيعة احمليطة‪.‬‬ ‫هذا النوع من التفلس� � ��ف ه� � ��و الذي ورثه مكاوي‬ ‫من الفلس� � ��فة األملاني� � ��ة املعاصرة ل� � ��ه والتي تعد‬ ‫انغال ًقا ذات ًيا للذات البرجوازية التي انعزلت عن‬ ‫العالم ولم تستطع االنخراط في مشاكله وتقدمي‬ ‫حلول لها‪ ،‬والتي اس� � ��تنفدت إمكاناتها التاريخية‬ ‫ولم يبق لديها إال االهتمام بوجودها الش� � ��خصي‬

‫‪108‬‬

‫‪7/21/13 8:57:00 AM‬‬

‫ومصيرها املس� � ��تجد‪ ،‬والذي نظرت إليه على أنه‬ ‫مصير البشرية كلها‪ .‬وما يقوله مكاوي عن أصالة‬ ‫الوجود التي يعتم عليها العصر املادي التكنولوجي‬ ‫ما هو إال رجعية فكرية مرتبطة بالبرجوازية في‬ ‫مرحل� � ��ة انحطاطها‪ ،‬ورثه مكاوي عن البرجوازية‬ ‫الغربي� � ��ة ونقله إلينا‪ .‬ول� � ��م يكن مكاوي على وعي‬ ‫بأنه ينقل إلينا احلالة الفكرية والروحية الغربية‬ ‫التي ال تناس� � ��ب املرحلة التاريخية التي كان مير‬ ‫بها العال� � ��م العربي آنذاك‪ .‬فم� � ��كاوي ينتمي إلى‬ ‫طائفة املفكرين الع� � ��رب الذين ينقلون التوجهات‬ ‫الفكرية الغربي� � ��ة إلى العالم العرب� � ��ي والذين ال‬ ‫ينتبه� � ��ون إلى أن هذه التوجهات مرتبطة باحلالة‬ ‫الروحية للبرجوازيات الغربية التي تعيش عصر‬ ‫أفولها‪ ،‬والتي عبر عنها أزوالد شبنجلر في كتابه‬ ‫«أفول الغرب»‪.‬‬ ‫إذ يعد شبنجلر هو أستاذ كل املفكرين األملان‬ ‫وغيرهم من األوربيني الذين كشفوا عن احلالة‬ ‫التشاؤمية اليائس������ة املرتبطة بظروف احلربني‬ ‫العامليتني‪ .‬ومثلما كان مكاوي هو الوكيل احمللي‬ ‫للوجودية األملانية‪ ،‬فقد شهدت الساحة الفكرية‬ ‫العربي������ة وكالء محلي���ي��ن آخري������ن لالجتاه������ات‬ ‫الفكري������ة الغربية‪ ،‬مثل إس������ماعيل مظهر ممثلاً‬ ‫للتطورية‪ ،‬وزكي جنيب محمود ممثلاً للوضعية‬ ‫املنطقية‪ ،‬ومحمد عابد اجلابري ممثلاً للبنيوية‪،‬‬ ‫وممثلون آخ������رون ملا بعد احلداث������ة والتفكيكية‬ ‫و«الفينومينولوجيا» وغيرها‪.‬‬ ‫لكن يب������دو أن مكاوي كان يس������تعير احلالة‬ ‫الروحي������ة البائس������ة للبرجوازي������ات األوربية في‬ ‫الوق������ت الذي دخلت في������ه البرجوازيات العربية‬ ‫مرحل������ة انحطاطها التاريخي بعد هزمية ‪1967‬‬ ‫وما تالها من كوارث على العالم العربي‪ ،‬ومنها‬ ‫فش������ل كل مش������اريع هذه البرجوازيات وأهمها‬ ‫القومي������ة والليبرالي������ة والصيغ������ة الناصرية من‬ ‫االش������تراكية‪ .‬وفي هذا الش������رط اجلديد كانت‬ ‫احلالة التش������اؤمية البائس������ة للوجودية األملانية‬ ‫ونزعاتها الفردية املتطرف������ة ومتجيدها الذاتي‬ ‫لنفسها مناس������بة لعصر انحطاط البرجوازيات‬ ‫العربية‪ ،‬مما س������اعد على شهرة وانتشار أفكار‬ ‫مكاوي >‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 108‬‬


‫جولة قصيرة في بستان عبدالغفار مكاوي الواسع‪..‬‬

‫أحزان عازف الكمان‬ ‫بقلم‪ :‬شعبان يوسف *‬ ‫ال يستطيع أحد الزعم بأنه قادر على اإلملام الشامل‬ ‫والكامل والوافي بعالم الراحل الكبير عبدالغفار مكاوي‪،‬‬ ‫الشاعر والقاص وكاتب املسرح والناقد واحمللل واملترجم‬ ‫وأستاذ الفلسفة واإلنسان‪ ،‬هذا العالم الواسع واملترامى‬ ‫والذي يبدو كبستان وارف‪ ،‬ظل صاحبه يعمل على‬ ‫تنميته وتوسيعه وغرس أشجار احملبة واملودة فيه‪ ،‬وهذا‬ ‫التعدد الذي يلقي بظله الدافئ والكثيف على املتعاطني‬ ‫درسا ونقدا وحتليال وقراءة حرة‪.‬‬

‫ظل م� � ��كاوي ما يقرب من س� � ��تني عاما‬ ‫يرفدنا بعلمه الغزير‪ ،‬وعاطفته السمحة‪،‬‬ ‫ورؤيته الفلس� � ��فية العميقة‪ ،‬وبالرغم من‬ ‫ذل� � ��ك كان ينتابه كثير من الي� � ��أس عندما يدرك أن‬ ‫عمر اإلنسان قصير ج ًدا أمام هذا العالم العمالق‪،‬‬ ‫وال� � ��ذي يعم� � ��ل طوال الوق� � ��ت على تقزمي� � ��ه ورمبا‬ ‫حتطيم� � ��ه‪ ،‬وانتابت معظم كتاب� � ��ات مكاوي املتعددة‬ ‫درجات من اإلحباط واالكتئاب ورمبا العدمية‪ ،‬لذلك‬ ‫س� � ��تجد أنه دوما يعتلي منبره البسيط ليحدثنا عن‬ ‫املوت‪ ،‬ويطلعنا على خباياه‪ ،‬ويسبر غوره في القصة‬ ‫والقصيدة واملس� � ��رحية والبحث النق� � ��دي‪ ،‬ويختار‬ ‫* شاعر من مصر‪.‬‬

‫جولة قصيرة في بستان عبدالغفار مكاوي الواسع‬

‫‪7/21/13 8:57:05 AM‬‬

‫وميع� � ��ن في ترجمات النصوص الت� � ��ي تتناول املوت‬ ‫فكرة ومصيرا محتوما‪ ،‬فامل� � ��وت قد الحقه وباغته‬ ‫منذ انبثاقه املفاجئ في احلياة نفسها‪ ،‬عندما ولد‬ ‫قبله بدقائ� � ��ق أخوان له‪ ،‬ولدا مع� � ��ه‪ ،‬لكنهما فارقا‬ ‫احلي� � ��اة‪ ،‬ونالحظ أنه يثبت ذلك في مطلع س� � ��يرته‬ ‫الذاتي� � ��ة عندما يكتب‪11« :‬يناير ‪ ،1930‬امليالد (مع‬ ‫ش� � ��قيقني فض� �ل��ا الرجوع إلى حض� � ��ن األرض بعد‬ ‫أس� � ��ابيع قليلة) ف� � ��ي بلقاس (دقهلية) ألب ش� � ��ديد‬ ‫التقوى والصرامة وأم شديدة الطيبة واحلساسية»‬ ‫ودوما كان مكاوي يعيد صياغة وسرد حكاية والدته‪،‬‬ ‫ويفرد لها نصوصا خاصة في كتبه بأش� � ��كال معلنة‬

‫‪109‬‬

‫‪sep 99-113.indd 109‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬ ‫ومس� � ��تترة‪ ،‬وفى كتاب صدر له في العام ‪ 2006‬عن‬ ‫دار الهالل حتت عنوان «النبع القدمي» وهذا الكتاب‬ ‫مبنزلة سيرة ذاتية نوعية‪ ،‬وهو أراد أن يكتب حياته‬ ‫بطريقته اخلاصة‪ ،‬فحياته موضوع للتأمل في معظم‬ ‫م� � ��ا كتب‪ ،‬وفي هذا الكتاب يعي� � ��د لنا حكاية والدته‬ ‫حتت عنوان «التوائ� � ��م الثالثة»‪ ،‬ويرصد اآلالم التي‬ ‫فاجأت الوال� � ��دة عندما هاجمها «الطلق»‪ ،‬فأطلقت‬ ‫بالتالي صرخة دوت في أرجاء البيت كصليل جرس‪.‬‬ ‫مكاوي يحاول أن يصنع صورة متخيلة ومبنية على‬ ‫نوع من التأمل الفلس� � ��في الذي يفرض نفسه على‬ ‫غالبية كتاباته بحكم طبيعته أوال‪ ،‬ثم بحكم امتهانه‬ ‫تدريس الفلس� � ��فة على م� � ��دى حياته كلها‪ ،‬ونقل في‬ ‫إبداع نصوصا في غاية األهمية من التراث العاملي‬ ‫والفلسفي إلى اللغة العربية‪ ،‬وفي نصه هذا يحاول‬ ‫تخفي� � ��ف هذه اجلرعة الفلس� � ��فية بوصف� � ��ه للحالة‬ ‫االجتماعي� � ��ة املصاحب� � ��ة لوالدته‪ ،‬فأخت� � ��ه الكبيرة‬ ‫موجودة‪ ،‬وفي حالة توق� � ��ع لتلك الوالدة‪ ،‬وهي التي‬ ‫أبلغ� � ��ت الوالد بالوالدة املتك� � ��ررة لتوائم ثالثة‪« :‬كان‬ ‫ذلك في ضحى يوم ش� � ��توي امتألت سماؤه بسحب‬ ‫ثقيل� � ��ة تنذر باملط� � ��ر‪ ،‬بعد العصر بقلي� � ��ل‪ ،‬وقبل أن‬ ‫يؤذن لصالة املغرب‪ ،‬ويفقد الوالد الولدين األولني‪،‬‬ ‫ويذه� � ��ب مع الش� � ��يخ لدفنهما‪ ،‬ويعتقد الش� � ��يخ أن‬ ‫الطفل الثالث ينتظر مصير أخويه‪ ،‬وهو أقل منهما‬ ‫صحة وعافي� � ��ة‪ ،‬وكان منذورا للم� � ��وت قبلهما‪ ،‬ألن‬ ‫البشارة التي جاءت بها الشقيقة الكبرى تقول‪« :‬إنه‬ ‫ضعيف ونحيف كالفأر الصغير»‪ ،‬وكان هذا الطفل‬ ‫الصغير هو عبدالغفار مكاوي الذي استقبل الدنيا‬ ‫بأعلى صوته ليقول‪ :‬ال ‪..‬ال ‪..‬ال‪ ،‬ويستطرد مكاوي‬ ‫في صورته قائال‪« :‬ل� � ��م يبق الثالثة على حالهم‪ ،‬إذ‬ ‫لم يكد ميضى شهران حتى مات الشقيقان األوالن‬ ‫الواحد بعد اآلخر‪ ،‬وحلكمة ال يعلمها إال الله‪ ،‬رجعا‬ ‫إلى حضن األرض بفارق أسبوع واحد بينهما‪ ،‬وفي‬ ‫كل م� � ��رة كان يذهب أبي مع الش� � ��يخ أحمد املقرئ‬ ‫والتربي حاملني النعش الصغير وراجعني في صمت‬ ‫وهدوء بعد تس� � ��وية التراب فوق كل منهما»‪ ،‬وهكذا‬ ‫تتضاف� � ��ر احلياة مع املوت من� � ��ذ اللحظة األولى من‬ ‫انبثاق الطفل وظهوره ف� � ��ي احلياة‪ ،‬وتظل هواجس‬ ‫امل� � ��وت تالحقه في كل ش� � ��اردة وواردة‪ ،‬ودوما جند‬ ‫املوت رقما مكينا وقائما وفعاال في معظم إبداعات‬

‫‪110‬‬

‫‪7/21/13 8:57:10 AM‬‬

‫م� � ��كاوي املتع� � ��ددة الوجوه‪ ،‬وقد أفرد كتابا ش� � ��عريا‬ ‫كامال حت� � ��ت عنوان «بكائيات‪ ..‬س� � ��ت دمعات على‬ ‫نف� � ��س عربية»‪ ،‬ويطالعنا في دمعت� � ��ه األولى قائال‪:‬‬ ‫«ماذا يبقى غير الصمت وماذا يبقى؟‬ ‫غرقت سفن الغرق قبل الغرق‬ ‫والطفل متنى لو لم يولد أبدا‬ ‫واملوت تسكع في الطرق ينتظر‬ ‫البائس صوت البوق ويرنو لألفق‬ ‫والطي ��ر الواج ��م ش ��لته ن ��ذر الش ��فق‬ ‫نع ��ق البوم وفي عينيه ارتس ��مت أط�ل�ال الكون وفي‬ ‫احلدق» ثم‪:‬‬ ‫«يبدو املوت أمامي اليوم‬ ‫كشفاء من مرض طال وعتق من ذل األسر‬ ‫يبدو املوت أمامي اليوم‬ ‫كشوق سجني للبيت اآلمن‬ ‫بعد سنني قضاها في القهر»‪.‬‬ ‫إذن فاملوت موضوعة ممتدة وفاعلة وش� � ��اغلة‬ ‫ملكاوي طوال حياته اإلبداعي� � ��ة والفكرية واألدبية‪،‬‬ ‫وامت� � ��د به العمر إلى ما بع� � ��د الثمانني حتى يغادره‬ ‫األصدقاء إل� � ��ى دار احلق‪ ،‬ويظل وحي� � ��دا يودعهم‬ ‫واح� � ��دا واح� � ��دا‪ ،‬ويرثيهم‪ ،‬ويكتب فيه� � ��م املطوالت‬ ‫الش� � ��عرية والنثرية‪ ،‬وهو املخل� � ��ص ألصدقاء عمره‬ ‫املدي� � ��د‪ ،‬والوفي لرفقتهم‪ ،‬والذاكر لهم دوما باخلير‬ ‫كما س� � ��نوضح ذلك الحقا‪ ،‬ورثاؤه املتعدد ألصحابه‬ ‫ورفاقه‪ ،‬ماهو إال لذاته التي تكابد الوحدة والعزلة‬ ‫بش� � ��كل ق� � ��اس كلما فارق� � ��ه ركن متني ف� � ���� حياته‪،‬‬ ‫ونراه تس� � ��تغرقه اللوعة كلم� � ��ا رحل رفيق‪ ،‬ورغم أن‬ ‫املوت متك� � ��رر وكثير مروره‪ ،‬فإنه ينزل عليه صادما‬ ‫وقامتا‪ ،‬وجن� � ��ده يخاطب رفاقه الراحلني بحنو بالغ‬ ‫وحن� � ��ان نادر‪ ،‬اقرأوا ما رث� � ��ى به رفيق عمره صالح‬ ‫عبدالصبور شعرا‪:‬‬ ‫«من بسالم‪ ،‬ياش ��اهد عصري وضحيته‪ ،‬يا جرح‬ ‫العم ��ر وأم ��ل العم ��ر‪ ،‬من بس�ل�ام حت ��ى نلق ��اك‪ ،‬من‬ ‫بسالم‪.‬‬ ‫اإلنسان اإلنسان عبر‪ ،‬لم ميض وحيدا‪ ،‬فسفينتنا‬ ‫عبرت معه للش ��ط اآلخر‪ ،‬حملت ذات األحالم‪ ،‬وبقية‬ ‫ن ��ار تخبو حت ��ت رم ��اد األيام‪ ،‬م ��اذا منل ��ك بعدك إال‬ ‫أن نتغط ��ى باآلالم‪ ،‬أن نس ��أل روحك‪ ،‬يا روح الش ��عر!‬ ‫زوري أحبابك في ليل القهر‪ ،‬جودي باملعنى واإللهام‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 110‬‬


‫مطرا يروي هذا الفقر‪ ،‬عودي ال تنس ��ينا‪ ،‬ال تتخلي‪،‬‬ ‫ففراق ��ك م ��ر‪ ،‬والوحدة بعدك في ه ��ذا القبر املأهول‬ ‫أمر‪ ،‬اإلنس ��ان اإلنس ��ان عبر‪ ،‬افترش احلصب ��اء ونام‪،‬‬ ‫وتغط ��ى ب ��اآلالم‪ ،‬فعلي ��ك س�ل�ام‪ ،‬وعلي ��ك س�ل�ام»‪.‬‬ ‫وينتق� � ��ل مكاوي في مرثيته لرفيق عمره من الش� � ��عر‬ ‫إل� � ��ى النثر‪ ،‬ومن احلوار الذات� � ��ي‪ ،‬إلى احلوار الثنائي‬ ‫واجلماعي‪ ،‬وكانت اللوع� � ��ة التي أصابت مكاوي في‬ ‫رحيل ص� �ل��اح كبيرة‪ ،‬ليس ألن صالح� � ��ا كان صوت‬ ‫اجلي� � ��ل املمزق الطعني‪ ،‬كما وصفه في مرثيته‪ ،‬ولكن‬ ‫ألن رحي� � ��ل ص� �ل��اح كان األول ف� � ��ي اجلماعة األدبية‬

‫الت� � ��ي ضمت في إهابه� � ��ا منذ املنتص� � ��ف الثاني من‬ ‫خمس� � ��ينيات القرن املاضي مجموعة من الش� � ��عراء‬ ‫والقصاص� �ي��ن والنق� � ��اد‪ ،‬منهم عزالدين إس� � ��ماعيل‬ ‫وفاروق خورش� � ��يد وعبدالرحمن فهمي وأحمد كمال‬ ‫زكي وم� � ��كاوي وآخ� � ��رون وكان ص� �ل��اح عبدالصبور‬ ‫«رمانة ميزان» اجلماعة كما يقولون‪ ،‬وكان ش� � ��اعرها‬ ‫املرهف‪ ،‬وس� � ��فيرها اإلنساني والثقافي الكبير‪ ،‬وكان‬ ‫رحيله مذهال وفاجعا بشكل مطلق‪ ،‬فيصرخ مكاوي‪:‬‬ ‫«فكيف أبكيك‪ ،‬وليس لي بيانك املبني‪ ،‬والعمر قد‬ ‫جولة قصيرة في بستان عبدالغفار مكاوي الواسع‬

‫‪7/21/13 8:57:14 AM‬‬

‫تدلى من مشنقة الضياع واحلنني‪ ،‬فارسنا احلزين‪،‬‬ ‫يا صوت جيلنا املمزق احلزين‪ ،‬يا أنضج الثمار في‬ ‫بستاننا الضنني‪ ،‬ودفئنا وشمعنا في عتمة السنني‪،‬‬ ‫ألن نراك بعد اليوم ل� � ��ن نعاين اجلبني؟ والضحكة‬ ‫التي يضج فيها فارس حزي� � ��ن‪ ،‬متدنا بآية اليقني‪،‬‬ ‫أل� � ��ن نراك بعد اليوم لن تطل من حدائق العيون؟ يا‬ ‫فرحنا وجرحنا الدفني‪ ،‬أي جنون غالنا أي جنون؟»‪.‬‬ ‫ويس� � ��تطرد مكاوي في مرثيته‪ ،‬متأمال معنى املوت‪،‬‬ ‫مستس� � ��لما لعرض صوره وحاالت� � ��ه ومراحله‪ ،‬منذ‬ ‫أن يولد مع اإلنس� � ��ان‪ ،‬ويب� � ��دأ مرافقا للحياة طوال‬ ‫عمر اإلنسان‪ ،‬وكلما مر عليه يوم‪ ،‬تقدم هذا املوت‬ ‫خطوة‪ ،‬موس� � ��عا مناطق متكنه‪ ،‬ويظل اإلنسان يفقد‬ ‫مس� � ��احات احلياة يوم� � ��ا بعد اآلخر حتى بحس� � ��م‬ ‫املساحة كلها له‪ ،‬هذا املوت الذي يطلق عليه صفة‬ ‫البطيء‪ ،‬وهناك املوت املفاجئ الذي يفرض نفس� � ��ه‬ ‫بق� � ��وة‪ ،‬عازف� � ��ا عن أي من� � ��و وتوس� � ��ع‪ ،‬وهناك موت‬ ‫الصغار والكبار‪ ،‬وهناك موت الروح واملعنى والكلمة‬ ‫والضمي� � ��ر والفرح‪ ،‬ورغم أن املوت دوما واحد‪ ،‬فإن‬ ‫ص� � ��وره ومعانيه ومراحله متعددة‪ ،‬وال يفوت مكاوي‬ ‫تأمل كل هذه األش� � ��كال والصور واملعاني في كل ما‬ ‫رصد وس� � ��رد وكتب وتأمل‪ ،‬وفي كل ما قص وأشعر‬ ‫ومتسرح وترجم‪ ،‬ففي لوحة له حتت عنوان «القبر‬ ‫اجلديد»‪ ،‬جنده يذهب ليعاين املقبرة التي يجهزها‬ ‫لنفسه‪ ،‬ويتأملها جيدا‪ ،‬ويتفقد جدرانها‪ ،‬وفي حملة‬ ‫ينزل إلى الهوة التي ستكون مستقره األخير‪ ،‬وميدد‬ ‫جس� � ��ده وينام‪ ،‬ويجاهد رفاقه الذين كانوا معه في‬ ‫إخراج� � ��ه من هذا املوقف‪ ،‬وه� � ��و ال يبالي‪ ،‬إنه يريد‬ ‫جتريب طق� � ��س املوت عمل ًيا‪ ،‬صديقه الدائم ورفيق‬ ‫رحلته‪ ،‬والقائم في كل خطواته‪ ،‬ويصف لنا الراوي‬ ‫اللحظات القليلة التي قضاها في قبره اجلديد‪ ،‬وفي‬ ‫قلب الظ� �ل��ام الدامس «كانت حلظات فارقة فارقة‬ ‫وف� � ��ي أيامه الباقية‪ ،‬كان جمع األهل واحملتش� � ��دين‬ ‫أم� � ��ام الضريح احلديث البناء‪ ،‬ق� � ��د فوجئوا بفعلته‬ ‫العجيب� � ��ة الغريبة‪ ،‬فبع� � ��د أن عاين امل� � ��كان‪ ،‬وتأكد‬ ‫من متانة الس� � ��ور العال� � ��ي والبوابة احلديدية‪ ،‬وبعد‬ ‫أن ضحك مع ش� � ��قيقه األكبر م� � ��ن ضخامة القفل‬ ‫الذي وض� � ��ع عليه‪ ،‬وتس� � ��اءل بص� � ��وت مرتفع‪ :‬وما‬ ‫الداع� � ��ي للقف� � ��ل والراقد في الداخ� � ��ل ال ميكنه أن‬ ‫يخرج والواقف في اخلارج ال يريد الدخول؟ وسط‬

‫‪111‬‬

‫‪sep 99-113.indd 111‬‬


‫عبدالغفار مكاوي‬ ‫كلمات اإلعجاب بفخامة البناء وبذمة البنّا وصنعته‬ ‫البارعة‪ ،‬وبينما اجلميع يتابعون مالحظات الدكتور‬ ‫على املوق� � ��ع والط� �ل��اء والرخامة احملف� � ��ورة داخل‬ ‫واجه� � ��ة القبر وعليها باخل� � ��ط الكوفي البديع نقش‬ ‫بارز باس� � ��م امليت املرموق وصنعته ومكانته‪ ..‬أستاذ‬ ‫التاري� � ��خ واحلضارة بكلية وجامعة وحتتها مس� � ��افة‬ ‫فارغ� � ��ة لوضع اليوم والش� � ��هر الهج� � ��ري وامليالدي‬ ‫والس� � ��نة للمتوفى الذي لم يتوف بعد «وفي ظل كل‬ ‫ذلك يغافلهم الدكتور ويس� � ��رع إلى املقبرة‪ ،‬ويتنادى‬ ‫اجلميع في ذهول‪« :‬هل هذا معقول يا ناس؟ وملاذا‬ ‫االستعجال وأمر الله في علم الغيب؟ يا دكتور اعمل‬ ‫معروف‪..‬اخرج يا دكتور اخرج‪ ..‬مازلت بحمد الله‬ ‫في كامل صحتك وفي عز شبابك ‪ ..‬اتق الله واخرج‬ ‫يا دكتور»‪ ،‬وهكذا تنتش� � ��ر صور امل� � ��وت في غالبية‬ ‫كتابات الراحل الكبير‪ ،‬وكان يس� � ��تلهم دوما معانيه‬ ‫في كتاباته املتعددة‪ ،‬وهذا االنتش� � ��ار يعد درجة من‬ ‫درجات التأمل عند م� � ��كاوي‪ ،‬وهذا املوت لم يظهر‬ ‫عند مكاوي بعد بلوغه مرحلة عمرية معينة‪ ،‬بل هو‬ ‫رفيقه منذ فت� � ��رات مبكرة في حياته‪ ،‬وهناك قصة‬ ‫«التابوت» التي نشرها في مجلة «املجلة» في العام‬ ‫‪ ،1965‬وفيها يتخيل حياة عبداملوجود التي ستنتهي‬ ‫إلى حيث الفناء‪ ،‬وال يستطيع العودة أبدا‪ ،‬ويخاطب‬ ‫نفس� � ��ه‪« :‬لكنك لن تستطيع أن تعود يا عبداملوجود‪،‬‬ ‫فقد أخذوك من يدك‪ ،‬من مئات الس� � ��نني‪ ،‬وقادوك‬ ‫إلى اململكة السفلى‪ ،‬مملكة املوت والظالم‪ ،‬اململكة‬ ‫الت� � ��ي كتب على بابه� � ��ا‪« :‬يا أيها الداخ� � ��ل من هذا‬ ‫الب� � ��اب‪ ،‬و ِّدع كل أمل‪ ،‬هل تق� � ��ول إنهم يحتفون بك؟‬ ‫نعم‪ ،‬ول� � ��ك احلق‪ ،‬يحتفلون بوضع� � ��ك في التابوت‪،‬‬ ‫والتابوت غامض وساحر وجميل‪ ،‬مرصع باألحجار‬ ‫النفيسة‪ ،‬براق من املعدن اخلالص»‪.‬‬

‫صوت املوت‬

‫وفي معظم ما كتب مكاوي عن املوت وفيه‪ ،‬كان‬ ‫يستلهم قصصا وقصائد آلخرين‪ ،‬وهو حريص على‬ ‫إثبات هذه النصوص التي اس� � ��تقى منها إبداعاته‪،‬‬ ‫وألنه كان واس� � ��ع املعرفة‪ ،‬وغزير القراءة‪ ،‬وش� � ��ديد‬ ‫التفاع� � ��ل مع قراءاته‪ ،‬فكان هن� � ��اك تداخل ومتازج‬ ‫كبي� � ��ر‪ ،‬فف� � ��ي «أمثولة اخلوامت الثالث� � ��ة» يحكي عن‬ ‫حكاية أسطورية قدمية تقول بأن رجال كان قدميا‬

‫‪112‬‬

‫‪7/21/13 8:57:20 AM‬‬

‫من رجال الش� � ��رق ميلك خامتا ثمينا‪ ،‬أهدته له يد‬ ‫حبيب وعزيز غال‪ ،‬كان احلجر النفيس الذي صنع‬ ‫من� � ��ه اخلامت من «األوبال» وكان يش� � ��ع منه ما يزيد‬ ‫عل� � ��ى املائة م� � ��ن األلوان‪ ،‬وكانت ل� � ��ه خاصية خفية‬ ‫جتع� � ��ل كل من يحمله محبوبا ومرضيا عنه من الله‬ ‫والناس‪ ،‬ويستطرد مكاوي في سرد فضائل اخلامت‬ ‫األسطورية‪ ،‬ويزيد بأن من يرث هذا اخلامت سيكون‬ ‫هو مل� � ��ك وأمير املكان أيا كان ه� � ��ذا املكان بيتا أو‬ ‫مدين� � ��ة‪ ،‬حتى ينته� � ��ي األمر باملعضل� � ��ة التي يحلها‬ ‫الرجل بيسر‪ ،‬وهي من سوف يأخذ هذا اخلامت من‬ ‫أوالده بع� � ��د رحيله‪ ،‬والرحيل أي املوت هنا مش� � ��كلة‬ ‫كذل� � ��ك‪ ،‬ولكن الرج� � ��ل يقرر أن يه� � ��ب هذا اخلامت‬ ‫النفيس إلى أح� � ��ب األبناء‪ ،‬وينتقل اخلامت من جيل‬ ‫إلى جيل بهذه الطريقة‪ ،‬حتى يصل اخلامت إلى أحد‬ ‫اآلب� � ��اء‪ ،‬وكان له ثالث� � ��ة أوالد يضمر لهم ذات وقدر‬ ‫احملبة‪ ،‬وملا يستطع أن يفاضل بني أحد منهم ويهبه‬ ‫اخلامت بعد رحيله‪ ،‬فهداه عقله ليذهب في الس� � ��ر‬ ‫إلى صائغ مش� � ��هور عنه بتفوقه في الصنعة‪ ،‬وطلب‬ ‫منه أن يصنع نس� � ��ختني من اخلامت بحيث ال يدخر‬ ‫جهدا في أن يجعلهما متطابقتني متام التطابق مع‬ ‫اخل� � ��امت األصلي‪ ،‬وقبل أن يأتي ميعاد رحيل الرجل‬ ‫اس� � ��تدعى كل واحد من األبناء وأعطاه نس� � ��خة من‬ ‫اخل� � ��امت‪ ،‬ويرحل الرج� � ��ل‪ ،‬ولم يكد مي� � ��وت ويوارى‬ ‫التراب حتى رجع كل واحد من األبناء ليعتقد نفسه‬ ‫هو الس� � ��يد املختار‪ ،‬واالبن احملبوب الذي س� � ��يرث‬ ‫الع� � ��رش‪ ،‬ولكنهم يكتش� � ��فون احلقيق� � ��ة‪ ،‬ويذهبون‬ ‫إل� � ��ى القاض� � ��ي ليحكم بينهم‪ ،‬ويس� � ��تمر مكاوي في‬ ‫س� � ��رد بقية األمثولة‪ ،‬والتي تعنى باخلوامت الثالثة‪،‬‬ ‫والصراع بني األخوة‪ ،‬مقارنة باألديان الثالثة‪ ،‬وأي‬ ‫األديان أقرب وأحب إلى البشرية جميعا‪ ،‬ونكتشف‬ ‫من سرد مكاوي لهذه األمثولة أنه متأثر كبير التأثر‬ ‫مبجموعة مرجعيات كثيرة قابلته في حياته العلمية‬ ‫والفلس� � ��فية‪ ،‬ويرص� � ��د بعضه� � ��ا في نهاي� � ��ة القصة‬ ‫أو اللوح� � ��ة‪ ،‬ولكن� � ��ه يخص بالذك� � ��ر الكاتب والناقد‬ ‫املسرحي ليس� � ��ينج (‪ ،)1781-1729‬ويشرح مكاوي‬ ‫هذا التداخل بني نصه ونص ليسينج‪.‬‬ ‫ال نري� � ��د أن نس� � ��تطرد في تعدي� � ��د صور املوت‬ ‫ومعانيه عند مكاوي‪ ،‬ولكننا نريد أن نش� � ��ير إلى أن‬ ‫هيمن� � ��ة طائر املوت عليه‪ ،‬دفعته إلبداع يتس� � ��م من‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 99-113.indd 112‬‬


‫الناحية املضمونية باحلزن‪ ،‬للدرجة التي يضع عنوان‬ ‫آخ� � ��ر مجموعة قصصية بـ«أح� � ��زان عازف الكمان»‬ ‫ويهديها هك� � ��ذا «إلى صديقي احلبيب عبدالرحمن‬ ‫فهمي‪ ..‬لم ميهلك األجل حتى أهديك هذا الكتاب‬ ‫ي� � ��دا بيد‪ ،‬ليت� � ��ك تقبل� � ��ه اآلن من روح إل� � ��ى روح»‪.‬‬

‫الوفاء‬

‫ومما سبق نكتشف أن الراحل عبدالغفار مكاوي‬ ‫كان ش� � ��ديد الوف� � ��اء ألصدقائه‪ ،‬هذه الش� � ��خصيات‬ ‫الت� � ��ي عاش في كنفها عمرا مدي� � ��دا‪ ،‬ثم رحلت عنها‬ ‫وظ� � ��ل يرثيها واحدا بعد اآلخ� � ��ر‪ ،‬وظلت هذه األرواح‬ ‫الت� � ��ي كانت ترفرف حوله ف� � ��ي خريف العمر‪ ،‬وجنده‬ ‫ال ينقطع ع� � ��ن تقدير هؤالء األصدق� � ��اء في حياتهم‬ ‫أو بع� � ��د رحيلهم‪ ،‬ويذكر له� � ��م فضائلهم‪ ،‬ورمبا يكون‬ ‫مفرطا ف� � ��ي ذكر ه� � ��ذه الفضائل‪ ،‬وهو يه� � ��دي كتبه‬ ‫إلى هؤالء األصدقاء مبناس� � ��بة أو من دون مناس� � ��بة‪،‬‬ ‫فنج� � ��ده مثال يه� � ��دي كتاب� � ��ه «البلد البعي� � ��د»‪ ،‬الذي‬ ‫ص� � ��در ع� � ��ام ‪ 1968‬إلى «فاروق خورش� � ��يد»‪ ،‬رغم أن‬ ‫الكت� � ��اب ال يتقاط� � ��ع مع مجال خورش� � ��يد‪ ،‬فهو رجل‬ ‫يهت� � ��م باألدب الش� � ��عبي‪ ،‬ويكت� � ��ب القص� � ��ة والرواية‪،‬‬ ‫والكتاب امله� � ��دى إليه ما هو إال مجموعة دراس� � ��ات‬ ‫كتبها مكاوي عن ش� � ��عراء وكت� � ��اب غربيني مثل جوته‬ ‫وشيلر وبرخت وتش� � ��يكوف وبيراندللو وألبير كامي‪،‬‬ ‫وهك� � ��ذا‪ ،‬ولكن فضيل� � ��ة الوفاء الت� � ��ي كان يتمتع بها‬ ‫م� � ��كاوي‪ ،‬كانت متلي عليه مثل هذه اإلش� � ��عاعات في‬ ‫زم� � ��ن رمبا يكون معتما بالنس� � ��بة ل� � ��ه‪ ،‬وقيمة الوفاء‬ ‫شبه معدومة في هذا العالم‪ ،‬ولم يقتصر األمر على‬ ‫إه� � ��داء أصدقاء العمر فقط‪ ،‬بل جن� � ��ده يهدي كتابه‬ ‫«النور والفراش� � ��ة» في إص� � ��داره األول إلى‪« :‬الدكتور‬ ‫فرنيس ش� � ��تيبلت ‪ -‬مبعهد الدراس� � ��ات اإلسالمية ‪-‬‬ ‫جامعة برلني احلرة‪ ،‬أحببت بلدي‪ ،‬وعلمتني ووقفت‬ ‫بجانبي‪ ،‬هل تقبل زهرة حب ووفاء من غرس يديك»؟‬ ‫وفي آخر دراسة له عن أحد رفاق العمر وهو األستاذ‬ ‫توفيق حنا‪ ،‬نش� � ��رت في مجلة «الثقافة اجلديدة» في‬ ‫يناي� � ��ر ‪ ،2012‬وحتت عنوان «وصي� � ��ة قديس» جنده‬ ‫يلقي محبته على أصدقاء وزمالء له بش� � ��كل مفرط‪،‬‬ ‫بداية من وصف املكتوب عنه بالقديس‪ ،‬وفي مستهل‬ ‫دراسته الطويلة يقول‪« :‬ال أعلم إن كان املؤلف احلبيب‪،‬‬ ‫مد الله في عمره‪ ،‬قد جرب في صباه وشبابه الكتابة‬ ‫جولة قصيرة في بستان عبدالغفار مكاوي الواسع‬

‫‪7/21/13 8:57:27 AM‬‬

‫في أي جنس من األجن� � ��اس األدبية املعروفة» وجند‬ ‫م� � ��كاوي يدفع بكثير من الظلم ال� � ��ذي وقع على حنا‪،‬‬ ‫أول هذا الظلم كان في نسيان أن حنا هو اليد األولى‬ ‫التي أش� � ��ارت إلى موال «ي� � ��ا ليل يا عني» عندما بعث‬ ‫برس� � ��الة إلى رفيع املق� � ��ام يحيى حق� � ��ي‪ ،‬وينبهه إلى‬ ‫تفعيل هذه التيمة الش� � ��عبية اخلطيرة‪ ،‬وبالفعل يفعل‬ ‫يحيى حقي‪ ،‬وينشئ فرقة الفنون الشعبية‪ ،‬وتتشعب‬ ‫الدراسات‪ ،‬ويكتب حقي نفسه كتابا حتت عنوان «يا‬ ‫ليل ي� � ��ا عني»‪ ،‬وكان هذا كله بفض� � ��ل اخلطاب الذي‬ ‫أرس� � ��له توفيق حنا ليحيى حقي‪ ،‬ويشير عليه بتفعيل‬ ‫هذه االمثولة الش� � ��عبية اخلالدة‪ ،‬ويس� � ��تطرد مكاوي‬ ‫ف� � ��ي إطراء آخري� � ��ن‪ ،‬عندما يقول ع� � ��ن عبدالرحمن‬ ‫األبن� � ��ودي‪ ،‬وهو الذي وضع مقدم� � ��ة كتاب «الصمت‬ ‫والكلمات» لتوفيق حنا‪ ،‬فيكتب مكاوي‪« :‬تطالعنا في‬ ‫البداية املقدمة املفعمة باحلب والعرفان والوفاء التي‬ ‫صدر بها الشاعر الكبير عبدالرحمن األبنودي كتاب‬ ‫أستاذه في مدرسة قنا الثانوية‪ ،‬هذا األستاذ النحيل‬ ‫احلنون ال� � ��ذي تغمر الطيبة املطلق� � ��ة مالمح وجهه‪.‬‬ ‫ويق� � ��ول ع� � ��ن يحيى حقي «أس� � ��تاذنا األدي� � ��ب الكبير‬ ‫صاحب العص� � ��ا والقنديل واملثقف العظيم» ثم يكتب‬ ‫ع� � ��ن زكي طليم� � ��ات «ش� � ��يخ املخرج� �ي��ن»‪ ،‬وفي هذه‬ ‫الدراس� � ��ة الطويلة جدا‪ ،‬يكتب مكاوي عن أصدقائه‬ ‫ب� � ��كل احلب والوف� � ��اء‪ ،‬والذي كان يع� � ��رف عبدالغفار‬ ‫مكاوي‪ ،‬كان سيلمس هذه الصفات اإلنسانية العالية‬ ‫التي كان ينثرها في س� � ��لوكه وكتاباته املتعددة‪ ،‬فضال‬ ‫عن عالقت� � ��ه العميقة بتالميذه ف� � ��ي مصر أو اليمن‬ ‫أو الكوي� � ��ت أو أملاني� � ��ا‪ ،‬وفى كل م� � ��كان كان يقوم فيه‬ ‫بالتدريس‪ ،‬ولكنه كان ينعي نفسه كثيرا‪ ،‬ويشعر بكثير‬ ‫من الوح� � ��دة والعزلة والقنوط واحل� � ��زن‪ ،‬ويبدو هذا‬ ‫ف� � ��ي كثير مما كتب في املرحل� � ��ة األخيرة من حياته‪.‬‬ ‫عبدالغفار مكاوي هذه القامة الش� � ��امخة‪ ،‬التي كانت‬ ‫جس� � ��را بديعا وقوي� � ��ا بني ثقافة الش� � ��رق والغرب‪ ،‬ال‬ ‫تس� � ��تطيع هذه الكلمات القليلة أن تفيه حقه‪ ،‬فبعيدا‬ ‫ع� � ��ن إبداعات� � ��ه القصصية والش� � ��عرية واملس� � ��رحية‬ ‫والفلس� � ��فية‪ ،‬فجهده في نقل وترجمة األدب والفكر‬ ‫الغرب� � ��ي للثقافة العربية‪ ،‬جه� � ��د ال يدانى‪ ،‬وهو جهد‬ ‫فردي يش� � ��به جهد مؤسسات بكاملها‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫كتاباته عن احلرية واالس� � ��تبداد ف� � ��ي العالم القدمي‬ ‫واحلديث >‬

‫‪113‬‬

‫‪sep 99-113.indd 113‬‬


‫أدب‬

‫مع الدكتور إبراهيم مدكور‬

‫اللبنانيون واللغة العربية‬ ‫جهاد فاضل‬ ‫عاما أو أكثر كنت كلما زرت القاهرة أحرص على زيارة مجمع اللغة العربية في الزمالك‬ ‫قبل ثالثني ً‬ ‫ألحصل على إصداراته األخيرة‪ ،‬وألجري حوا ًرا مع رئيسه الدكتور إبراهيم مدكور‪.‬‬ ‫ومع الوقت نش� � ��أت بين� � ��ي وبينه مودة‬ ‫مبعثه� � ��ا اهتمام� � ��ي باللغ� � ��ة العربي� � ��ة‬ ‫وبالفلس� � ��فة العربية اإلسالمية‪ ,‬التي‬ ‫كان مدك� � ��ور من فرس� � ��انها املجلني‪ ،‬وقد س� � ��عد‬ ‫عندما أخبرته بأنني عندما درست مادة الفلسفة‬ ‫في مدرس� � ��ة الالييك الفرنس� � ��ية في بيروت كان‬ ‫كتابه عن أبي نصر الفارابي (منهجه وتطبيقه)‪،‬‬ ‫وهو في األس� � ��اس أطروحة ماجستير قدمها في‬ ‫جامعة السوربون بباريس سنة ‪ ،1934‬في عداد‬ ‫انتفعت بها ف� � ��ي تلك املرحلة‪ ،‬ولكن‬ ‫الكت� � ��ب التي‬ ‫ُ‬ ‫تلك املودة سرعان ما أساء إليها سوء تفاهم بيننا‬ ‫نشأ عندما طرحت عليه في إحدى املرات سؤاال‬ ‫عن «العربية» و«العامية» وعن مس� � ��تقبل الصراع‬ ‫بينهم� � ��ا‪ .‬من جملة ما ورد في س� � ��ؤالي ما يتصل‬ ‫مبا يقوله أنصار العامية عن أن اللغة العربية في‬ ‫طريقها إلى االنقراض‪ ،‬وأن اخلير كل اخلير في‬ ‫العامية التي س� � ��ترثها‪ ،‬متاما كما ورثت اللهجات‬ ‫األوربية التي حتولت إلى لغات‪ ،‬أمها الالتينية‪..‬‬ ‫فلم� � ��ا انتهيت من طرح الس� � ��ؤال الحظت وجوما‬ ‫عل� � ��ى وجهه‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬ت� �ل��اه انفعال أو غضب‬ ‫ترجم� � ��ه بقوله لي‪« :‬ليطرح عل� � � ّ�ي كل الناس هذا‬ ‫يقدم ش� � ��عب‬ ‫الس� � ��ؤال إال صحفي من لبنان‪ .‬لم ّ‬

‫‪114‬‬

‫‪7/21/13 9:05:06 AM‬‬

‫عربي للغة العربي� � ��ة ما قدمتموه أنتم اللبنانيون‪.‬‬ ‫ُع� � ��د إلى تراث علماء «العربية» عندكم منذ نهاية‬ ‫القرن التاس� � ��ع عشر حتى يومنا احلالي‪ ،‬جتد أن‬ ‫اللبنانيني كان� � ��وا وراء يقظتها ونهضتها احلديثة‬ ‫ّ‬ ‫انحطت وتراجعت»‪.‬‬ ‫بعد أن كانت قد‬ ‫كان الدكتور مدك� � ��ور يتحدث منفعال متعجبا‬ ‫مستنكرا‪ ,‬وعبثا حاولت أن أدافع عما سألت على‬ ‫أساس أنني أجري حديثا صحفيا وأنني بالتالي‬ ‫ال أتبنى وجهة نظر «العاميني»‪ .‬فقناعاتي الذاتية‬ ‫راس� � ��خة حول قدرة اللغة العربي� � ��ة على التجدد‬ ‫وعل� � ��ى التكلم بلغة العصر والعلم متاما كما كانت‬ ‫ف� � ��ي عصورها الذهبية‪ .‬ثم إن من طبيعة احلوار‬ ‫الصحفي أن يتضمن ما يثير وما يفجر القضايا‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن كل ذلك لم ينفع وظل الدكتور يردد أنه ال‬ ‫مانع من أن يطرح عليه كل الناس هذا الس� � ��ؤال‬ ‫ما عدا اللبناني� �ي��ن‪ .‬فلبنان عنده مرادف للعربية‬ ‫ورعايتها وحتديثها‪ .‬وإذا وجد من يشك بقدرتها‬ ‫عل� � ��ى البقاء فهذا ش� � ��أنه وهذا م� � ��ا ال ينبغي أن‬ ‫يلتف� � ��ت إلي� � ��ه‪ .‬وعندما هدأ قلي� �ل��ا طلب مني أن‬ ‫أعود‪ ،‬عندما أرجع إل� � ��ى لبنان‪ ،‬إلى ذاك التراث‬ ‫اللبناني اخلالد في خدم� � ��ة العربية‪ ،‬وهو متأكد‬ ‫أنن� � ��ي بعدها لن أطرح عليه س� � ��ؤاال عن العامية‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep114-115.indd 114‬‬


‫ومس� � ��تقبلها‪ ،‬وع� � ��ن العربية‬ ‫وانقراضها‪.‬‬ ‫والواق� � ��ع أنن� � ��ي ل� � ��م أكن‬ ‫بحاج� � ��ة إلى االط� �ل��اع على‬ ‫تاري� � ��خ احلرك� � ��ة اللغوية في‬ ‫لبن� � ��ان‪ ،‬فه� � ��ذا التاريخ كنت‬ ‫أعرفه جي� � ��دا‪ .‬ف� � ��إذا كانت‬ ‫الثقافة هي جوهر ما قدمه‬ ‫اللبنانيون للنهض� � ��ة العربية‬ ‫احلديث� � ��ة‪ ،‬كما يقول الدكتور‬ ‫نبي� � ��ه أمني ف� � ��ارس‪ ،‬فإن من‬ ‫أهم ما قدموه في هذااإلطار‬ ‫هو ماال يحصى من املعاجم‬ ‫والقوامي� � ��س ودوائر املعارف‬ ‫وكت� � ��ب القواع� � ��د‪ ،‬والتأليف‬ ‫ف� � ��ي عل� � ��وم اللغ� � ��ة‪ ،‬ونش� � ��ر‬ ‫املخطوطات اللغوية‪ ،‬ووضع‬ ‫األلفاظ‪ ،‬والكتابة في النقد‬ ‫اللغوي‪ ،‬إل� � ��ى غير ذلك مما‬ ‫يعني أم اللغ� � ��ات في يقظتها‬ ‫من رقاد عصور االنحطاط‪.‬‬ ‫وقد بلغ من اهتمام اللبنانيني‬ ‫بالعربية حد انصراف أس� � ��ر‬ ‫بكاملها إل� � ��ى خدمتها‪ .‬فإذا‬ ‫ذكرنا مثال أسرة البستاني‪،‬‬ ‫تداع� � ��ى إلى الذهن أس� � ��ماء‬ ‫العش� � ��رات من أفراده� � ��ا الذي� � ��ن تخصصوا في‬ ‫العربية تأليفا وتدريسا‪ .‬وهناك أسر كثيرة تبارت‬ ‫أو تنافس� � ��ت ف� � ��ي خدمة العربية‪ ,‬مث� � ��ل اليازجي‬ ‫واملعل� � ��وف والش� � ��رتوني والغالييني والش� � ��دياق‬ ‫واألس� � ��ير وعطية وهمام‪ .‬بل إن لبن� � ��ان كله كان‬ ‫ورش� � ��ة لغة عربية‪ ،‬كما كان النصارى بالذات في‬ ‫صلب هذه الورشة‪ .‬استمر ذلك إلى وقت قريب‬ ‫قبل صعود جنم «الفيس��� � ��بوك» وما إليه‪ .‬فها هو‬ ‫املفكر منح الصل� � ��ح يقول خالل احلرب اللبنانية‬ ‫وه� � ��و يالحظ س� �ل��امة لغة الصحاف� � ��ة واإلعالم‬ ‫ف� � ��ي املنطقة الش� � ��رقية من بي� � ��روت ذات الطابع‬ ‫املس� � ��يحي‪« :‬العربية في الش� � ��رقية والعروبة في‬ ‫الغربية»‪.‬‬ ‫وإلى وق� � ��ت قريب‪ ،‬كان الش� � ��اعر أمني نخلة‬ ‫مع الدكتور إبراهيم مدكور‪ ..‬اللبنانيون واللغة العربية‬

‫‪7/21/13 9:05:13 AM‬‬

‫يقول في قصيدة له‪:‬‬ ‫أس� �ت� �غ� �ف ��ر اإلجن� � �ي�� ��ل إن قصيدتي‬ ‫ع� ��رب�� �ي� ��ة ك� ��ال � �ش � �م� ��س وه� � � ��و م�� �ع� � ّ�رب‬ ‫وبلغ األمر بالش� � ��اعر القروي رش� � ��يد س� � ��ليم‬ ‫حد القول في قصيدة له‪:‬‬ ‫اخلوري ّ‬ ‫ش�غ�ل��ت ق�ل�ب��ي ب �ح��ب امل �ص �ط �ف��ى وغ��دت‬ ‫ع���روب� �ت���ي م��ث��ل��ي األع � �ل� ��ى وإس �ل�ام� ��ي‬ ‫ولك� � ��ن على الرغم من هذا التاريخ املش� � ��رف‬ ‫للبنان في خدمة العربية‪ ،‬وجد فيه‪ ،‬كما وجد في‬ ‫مصر وس� � ��واها من الب� �ل��اد العربية‪ ،‬من دعا إلى‬ ‫العامية واحل� � ��رف الالتيني‪ .‬وهذا ما كان يعرفه‬ ‫بالطبع األستاذ اجلليل د‪.‬إبراهيم مدكور‪ ،‬ولكنه‬ ‫لم يكن مستعدا لسماعه من زائر لبناني‪ ،‬إذ خيل‬ ‫إليه أنه ينقض هذا التاريخ أو يسيء إليه >‬

‫‪115‬‬

‫‪sep114-115.indd 115‬‬


‫أدب‬

‫نحو منهج جديد في قراءة‬ ‫شعرنا العربي القدمي‬ ‫د‪ .‬ريتا عوض*‬ ‫مل��اذا نعود إلى دراس��ة الشعر العربي القدمي دراس��ة نقدية بعد ق��رون من إبداعه‪ ,‬يصل بعضها‬ ‫إلى ما يزيد على خمسة عشر قرنا؟ وكيف ميكن أن تسهم دراسة كهذه في بلورة مبادئ فكرية‬ ‫مكونة ل ُبنْية ثقافية عربية معاصرة حديثة في مجالي اإلب��داع الشعري والكتابة النقدية؟‬ ‫ِّ‬ ‫لعل تأكيد العالقة احلتمية بني اإلبداع‬ ‫املعاص� � ��ر والت� � ��راث الش� � ��عري يُع ّد من‬ ‫أهم املبادئ الت� � ��ي قامت عليها احلركة‬ ‫الش� � ��عرية احلديثة في الغرب بعد أن نفت احلركة‬ ‫الرومنطيقي� � ��ة ف� � ��ي الش� � ��عر والنقد تل� � ��ك العالقة‪،‬‬ ‫فع ّرف� � ��ت اإلبداع بالذاتية وأنكرت مرجعية التقاليد‬ ‫الش� � ��عرية‪ .‬وس� � ��اد املوقف الرومنطيق� � ��ي هذا في‬ ‫النظري� � ��ات النقدي� � ��ة زمنا طويال حت� � ��ى بعد أفول‬ ‫احلركة الشعرية الرومنطيقية‪.‬‬ ‫وإذا ص� � � ّ�ح االفتراض ب� � ��أن النظريات احملورية‬ ‫ف� � ��ي تاري� � ��خ األدب الغربي حتى العص� � ��ر احلديث‬ ‫ميكن أن حت� � ��دد بثالث نظريات أساس� � ��ية‪ :‬األولى‬ ‫هي نظرية احملاكاة الت� � ��ي اكتملت صيغتها النقدية‬ ‫مع أرسطو وظلت سائدة حتى القرن الثامن عشر‪،‬‬ ‫ومتثلت إبداع ًيا في ما عرف بالش� � ��عر الكالسيكي‬ ‫والنيوكالس� � ��يكي؛ والثانية نظري� � ��ة اخللق العضوي‬ ‫الت� � ��ي أطلقها النق� � ��اد والفالس� � ��فة الرومنطيقيون‬ ‫األملان في النصف الثاني من القرن الثامن عش� � ��ر‪،‬‬ ‫وعلى رأس� � ��هم ش� � ��يللر وش� � ��يلنغ وش� � ��ليغل وجوته‪،‬‬ ‫وترس� � ��خت في الكتابات النقدية للش� � ��اعر والناقد‬ ‫ّ‬ ‫اإلجنليزي س� � ��اميويل تايلور كولريدج‪ ،‬وع ّبرت عن‬

‫* أكادميية من لبنان‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫‪7/21/13 11:19:55 AM‬‬

‫نفسها في األدب والش� � ��عر الرومنطيقيني؛ والثالثة‬ ‫نظري� � ��ة اخللق من عدم‪ ،‬التي غرس بذورها األولى‬ ‫عدد م� � ��ن املفكرين اإليطاليني ف� � ��ي عصر النهضة‬ ‫مث� � ��ل كريس� � ��توفورو الندينو وس� � ��كاليجر‪ ،‬وأثمرت‬ ‫في احلركة الس� � ��ريالية الفرنس� � ��ية فكانت من أبرز‬ ‫مبادئها في النظرية واإلبداع؛ فإن التح ّول النوعي‬ ‫اجلوهري واجلذري في احلساسية الفنية واألدبية‬ ‫ُ‬ ‫اصطل� � ��ح على تس� � ��ميته باحلداثة في األدب‬ ‫الذي‬ ‫عد نظرية أساس� � ��ية رابعة تفتح‬ ‫والنق� � ��د ميكن أن يُ ّ‬ ‫صفحة جديدة في مس� � ��ار التاري� � ��خ األدبي‪ ،‬ميكن‬ ‫أن ندعوها نظرية «التقاليد الش� � ��عرية» التي أ ّكدت‬ ‫اإلبداع م� � ��ن ضمن تلك التقالي� � ��د‪ ،‬وع ّمقت الوعي‬ ‫مج� � ��د ًدا باألجناس األدبية وح ّول� � ��ت التراث األدبي‬ ‫اًّ‬ ‫كل متكاملاً ‪.‬‬

‫حتول فكري خطير‬

‫إن ه� � ��ذا التح � � � ّول الفك� � ��ري والفن� � ��ي اخلطير‬ ‫جتس� � ��د في وعي تراثي عميق تُلمس‬ ‫األهمية الذي ّ‬ ‫ب� � ��وادره منذ مطلع القرن العش� � ��رين ف� � ��ي الكتابات‬ ‫النقدية للش� � ��اعر والناقد اإلجنليزي تي إي هيوم‪،‬‬ ‫تبلور بصيغة ناضجة في النظرات الثاقبة التي ع ّبر‬ ‫عنها تي إس إليوت‪ ،‬وبخاص� � ��ة في مقالته الذائعة‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep116-120.indd 116‬‬


‫نحو منهج جديد في قراءة شعرنا العربي القدمي‬

‫‪7/21/13 11:20:07 AM‬‬

‫‪117‬‬

‫‪sep116-120.indd 117‬‬


‫الصيت‪« :‬التراث واملوهب� � ��ة الفردية»‪ ،‬حيث يذهب‬ ‫«احلس‬ ‫إلى أن عالقة الش� � ��اعر بتراثه تتمث� � ��ل في‬ ‫ّ‬ ‫التاريخي» الذي يلزم الشاعر – وهو يقصد الشاعر‬ ‫الغربي املعاص� � ��ر ‪ -‬بأن يكتب ال بوعي االنتماء إلى‬ ‫جيله فحس� � ��ب‪ ،‬بل بتأثير الش� � ��عور ب� � ��أن أدب أوربا‬ ‫بأس� � ��ره منذ هوميروس‪ ،‬ومن ضمنه أدب بالده كله‪،‬‬ ‫موجود بش� � ��كل متزامن ويؤلف نظاما متزامنا‪ .‬وقد‬ ‫اس� � ��تنتج إليوت مبدأ نقديا عظيم الداللة فتح آفاقا‬ ‫جديدة حت ّولت بالنقد األدبي إلى مس� � ��ار املنهجية‪،‬‬ ‫وذل� � ��ك بنظرته إلى التراث األدب� � ��ي والفني القومي‬ ‫وحي‪ .‬فقد رأى أن «ما يحدث‬ ‫مبا هو نظام متكامل‬ ‫ّ‬ ‫عند إبداع عمل فني جديد يحدث بش� � ��كل متزامن‬ ‫لألعمال الفنية كافة التي سبقته‪ ،‬فاألعمال الفنية‬ ‫القائمة تش� � ��كل نظا ًم� � ��ا مثال ًيا في م� � ��ا بينها يتغ ّير‬ ‫بدخ� � ��ول العمل الفني اجلديد إليه� � ��ا‪ ...‬إن املاضي‬ ‫يوج ُهه‬ ‫يج� � ��ب أن يب ّدله احلاضر‪ ،‬كم� � ��ا أن احلاضر ِ ّ‬ ‫املاضي»‪.‬‬ ‫هذه النظرة الكلي� � ��ة إلى األدب املتم ّيزة بإدراك‬ ‫األعم� � ��ال األدبية املب َدع� � ��ة في إطار ثقاف� � ��ة مع ّينة‬ ‫بصيغ� � ��ة متزامنة تكتش� � ��ف م� � ��ا بينه� � ��ا من صالت‬ ‫جتعل منها نظا ًما متكاملاً ‪ ،‬كانت مرتكزًا أساس � � � ًّيا‬ ‫من مرتك� � ��زات النق� � ��د الغربي احلديث‪ ،‬والس� � ��يما‬ ‫منهجيْه األس� � ��طوري والبنيوي‪ ،‬حت � � � ّول به إلى‬ ‫ف� � ��ي‬ ‫َ‬ ‫دراسة منهج ّية بعد أن كانت تغلب عليه االنطباعية‬ ‫واألح� � ��كام القِ يمية‪ .‬ذل� � ��ك أن إدراك العالقات التي‬ ‫تربط األعمال األدبية بعضها بالبعض اآلخر‪ ،‬وهي‬ ‫أعمال كانت تبدو في الدراسات النقدية التقليدية‬ ‫متناثرة عبر املكان والزمان واالجتاهات واملذاهب‪،‬‬ ‫موح � � � ًدا وكاملاً ‪ ،‬ميكن‬ ‫جعل األدب حقلاً دراس � � � ًّيا ّ‬ ‫أن يُتناول بنظرة ش� � ��املة وأن تُستنتج نظرية تستند‬ ‫إلى تكامل� � ��ه‪ .‬وقد ح� � ��د ّد نورثروب ف� � ��راي‪ ،‬الناقد‬ ‫الكندي الشهير الذي أرسى دعائم ما ُعرف بالنقد‬ ‫األس� � ��طوري أو النقد النموذج� � ��ي األصلي‪ ،‬وظيفة‬ ‫النقد بأنها «صياغة نظرية متكاملة وشاملة ّ‬ ‫منظمة‬ ‫تنظي ًما علم ًّي� � ��ا ومنطق ًّيا»‪ ،‬تدرس األدب مبا هو ك ٌل‬ ‫متكامل وشامل كما يدرس عل ُم الفيزياء الطبيعة‪.‬‬

‫مسح استقرائي‬

‫تطور‬ ‫ّ‬ ‫وأكد فراي أن النظري� � ��ة األدبية يجب أن ِ ّ‬ ‫�تمد من مسح استقرائي للحقل‬ ‫إطا ًرا مفهوم ًّيا يُس� � � ّ‬

‫‪118‬‬

‫‪7/21/13 11:20:13 AM‬‬

‫موحد ومتكامل‪ ،‬تتالقح‬ ‫األدبي بأس� � ��ره‪ ،‬وهو حقل َّ‬ ‫مناذجه وتتوالد‪ .‬فالشعر‪ ،‬وفق قوله‪ ،‬يُبدع من الشعر‬ ‫والقص� � ��ة تُبدع م� � ��ن القصة‪ .‬وقد ش � � � ّكلت النظرية‬ ‫النقدي� � ��ة التي ط ّورها ف� � ��راي‪ ،‬باكتماله� � ��ا املنهجي‬ ‫وعمقه� � ��ا الفك� � ��ري وصياغته� � ��ا الداللي� � ��ة املنطقية‬ ‫حُ‬ ‫امل َكمة‪ ،‬الضرب � � � َة القاضية التي ُو ِ ّجهت إلى الفكر‬ ‫النقدي الرومنطيقي الذي ساد الثقافة الغربية طوال‬ ‫ما يزيد على قرنني من الزمن‪ ،‬وث ّبته نقاد ومفكرون‬ ‫عظام من كولريدج إلى آي‪ .‬إ‪ .‬ريتشاردز‪ .‬وأصبحت‬ ‫املبادئ النقدية التي أرس� � ��اها ف� � ��راي حجر الزاوية‬ ‫في بُنْية نقد أدبي جديد أبرز التقالي َد الشعرية مبا‬ ‫هي عماد العمل ّية اإلبداع ّية‪ ،‬فتراجعت املبادئ التي‬ ‫نادى بها النقاد الرومنطيقيون مثل‪ :‬الذاتية واخللق‬ ‫واإلب� � ��داع الف� � ��ردي‪ ،‬مب� � ��ادئ اتخذت عل� � ��ى أيديهم‬ ‫وحتى ف� � ��ي ما بعدهم وإلى مطلع القرن العش� � ��رين‬ ‫ف� � ��ي الغرب‪ ،‬وإلى زمن ليس بالبعيد عن أيامنا هذه‬ ‫ف� � ��ي النقد العربي‪ ،‬صيغ َة احلقائ� � ��ق املطلقة‪ .‬وكان‬ ‫تعريف نوثروب ف� � ��راي الرم َز بأنه النموذج األصلي‬ ‫القابل لإليصال‪ ،‬لكونه إنس� � ��ان ًيا ومتك ّر ًرا وتقليد ًيا‪،‬‬ ‫الر ّد احلقيقي الف ّعال على الفكر الرومنطيقي الذي‬ ‫ع ّرف الرمز باملطل� � ��ق الذي ال يُطال‪ ،‬ووضعه خارج‬ ‫نطاق الفكر واإلدراك اإلنسانيني‪ ،‬فخلق عاملا مثال ًيا‬ ‫غري ًبا مستقلاً بذاته متام االستقالل‪.‬‬ ‫وفي اإلطار نفس� � ��ه كان هدف النق� � ��د البنيوي‬ ‫وضع نظرية في فن الش� � ��عر تتش� � ��كل مبسح للحقل‬ ‫األدبي يقوم على أساس فرضية استنتاجية مج ّهزة‬ ‫بقوانني علم اللسانيات ومناهج عمله‪ ،‬تتناول األدب‬ ‫مبا هو نظام متماسك ومتكامل‪ ،‬الستخالص نظرية‬ ‫حتدد اخلصائص املتم ّي� � ��زة للخطاب األدبي بكلّيته‬ ‫وتتج� � ��اوز األعم� � ��ا َل األدبية املوج� � ��ودة إلى األعمال‬ ‫املفترضة التي يت � � � ّم إبداعها في إطار ذلك النظام‪،‬‬ ‫فتأتي منسجمة مع قوانينه‪ .‬في هذه النظرية أيضا‬ ‫يبرز دور التقاليد الش� � ��عرية م� � ��ن حيث هي اإلطار‬ ‫املرجعي لكل إبداع جدي� � ��د‪ ،‬وفي كون تلك التقاليد‬ ‫سبيل إدراك دالالته املتم ّيزة واملتك ّثرة‪ .‬وتغدو اللغة‬ ‫أس� � ��اس العملية اإلبداعية‪ ،‬ويتراجع دور املؤلف من‬ ‫حي� � ��ث كونه مصدر العمل األدب� � ��ي؛ فاللغة هي التي‬ ‫تتكلم وليس املؤل� � ��ف على ح ّد تعبير الناقد البنيوي‬ ‫الفرنسي روالن بارت‪ .‬هنا أيضا يكون العمل األدبي‬ ‫قاب� �ل��ا لإليص� � ��ال‪ ،‬يتلق� � ��اه كل من أدرك الش� � ��روط‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep116-120.indd 118‬‬


‫الس� � ��تنتاج نظرية حت� � ��دد املبادئ األساس� � ��ية لنظام‬ ‫شعري عربي يشكل مرجعا لكل إبداع شعري عربي‬ ‫معاصر ويرسم إطارا عاما لكل قراءة نقدية جديدة‬ ‫للشعر العربي‪ ،‬قدميه وحديثه‪.‬‬

‫اخلاصة بقراءة األدب من حيث هو أدب‪ ،‬واستوعب‬ ‫القوانني أو التقاليد املك ّونة للنظام األدبي‪ ،‬فامتلك‬ ‫العدة ألن يح ّول جمل اللغة العادية إلى أبنية ومعان‬ ‫ّ‬ ‫أدبية متم ّيزة عن البُنْية اللغوية العادية‪ ،‬وعن املعاني‬ ‫املعجمية املباش� � ��رة‪ .‬بهذا املعن� � ��ى رأى البنيويون أن‬ ‫�تمد معناها من النظام الشعري العام دراسات لم تبلور الوعي بالشعر‬ ‫القصيدة تس� � � ّ‬ ‫كما تكتس� � ��ب اجلملة الواحدة معناه� � ��ا من النظام‬ ‫وترى ه� � ��ذه الكاتبة أن تراثنا الش� � ��عري لم ينل‬ ‫اللغوي‪.‬‬ ‫بعد ما يس� � ��تحق من الدراسة اجلدية‪ .‬فالكم الهائل‬ ‫ُ‬ ‫املتراك� � ��م من الكتب واألبحاث الت� � ��ي أ ّلفت فيه منذ‬ ‫بني التراث القومي والنقد األدبي‬ ‫ق� � ��رن من الزمن أو يزيد‪ ،‬في الش� � ��رق والغرب على‬ ‫حد س� � ��واء‪ ،‬لم تص� � ��ل حقا إلى بل� � ��ورة الوعي بهذا‬ ‫في هذا املنظور النقدي يتح ّول التراث القومي‬ ‫ّ‬ ‫كل متكام� �ًل� اً‬ ‫اً‬ ‫��‪ ،‬ويتح � � � ّول النق� � ��د األدبي م� � ��ن إبداء الش� � ��عر من حي� � ��ث كونه ترا ًث� � ��ا ف ّن ًيا م� � ��ازال مك ّو ًنا‬ ‫مالحظات غال ًبا م� � ��ا تتخذ صيغة األحكام الذوق ّية أساس � � � ًّيا م� � ��ن مك ّون� � ��ات الوعي الثقافي لإلنس� � ��ان‬ ‫عل� � ��ى أعم� � ��ال أدب ّية مف� � ��ردة‪ ،‬إلى دراس� � ��ة منهج ّية العرب� � ��ي في عصرنا احلاض� � ��ر‪ ،‬وعنص ًرا حيو ًّيا من‬ ‫لألدب تتناوله مبا هو نظام متكامل وليس مجموعة عناصر تراثن� � ��ا احلضاري‪ .‬فلم تتح لهذا الش� � ��عر‪،‬‬ ‫من� � ��اذج متفرقة ال تخضع ملنطق وال يحيط بها إطار‬ ‫خصوصا في بداياته التي اصطلح على تس� � ��ميتها‬ ‫ً‬ ‫واجلدية‬ ‫فرعا دراس ًّيا قائ ًما بالشعر اجلاهلي‪ ،‬فرص الدراسة املنهجية‬ ‫ّ‬ ‫مفهومي‪ .‬ويصبح النقد األدبي ً‬ ‫بذاته مثل العلوم اإلنس� � ��انية األخرى‪ ،‬ويغدو األدب املتأني� � ��ة التي أتيح� � ��ت لغيره من األعم� � ��ال األدبية‬ ‫موضع دراس� � ��ة وليس موضوعا للدراس� � ��ة على ح ّد العظيم� � ��ة والعريقة في التراث اإلنس� � ��اني‪ ،‬كش� � ��عر‬ ‫تعبير نورثروب فراي‪.‬‬ ‫املالحم اإلغريقية والش� � ��عر الالتيني واألس� � ��اطير‬ ‫لعل ه� � ��ذا اإلط� � ��ار املفهومي يق� � � ّ�دم إجابة عن القدمية على س� � ��بيل املثال‪ ،‬وه� � ��و ال يضاهيها في‬ ‫السؤالني اللذين طرحناهما في مستهل هذه املقالة‪ ،‬دالالته اإلنس� � ��انية العميقة العاب� � ��رة للزمان واملكان‬ ‫ويشكل القاعدة الصلبة لعمل نقدي شاق لم َ‬ ‫إبداعا ف ّن ًيا رائ ًعا‬ ‫يباشر فحسب‪ ،‬بل إنه يتم ّيز عنها بكونه‬ ‫ً‬ ‫بصورة منهجية وج ّدية بع� � ��د عند الباحثني والنقاد ف� � ��ي لغة مازالت ح ّية فاعلة حت� � ��ى اليوم‪ ،‬لغة ثقافة‬ ‫الع� � ��رب بصورة عامة‪ ،‬هو دراس� � ��ة تراثنا الش� � ��عري وعلم وإبداع للماليني من البش� � ��ر‪ ،‬وهي حالة ينفرد‬ ‫العربي دراس� � ��ة نقدية متأنية للوصول إلى صياغة بها م� � ��ا وصلنا من هذا الش� � ��عر العربي الذي أبدع‬ ‫نظرية منهجية لدراس� � ��ة الش� � ��عر العربي واستنتاج أقدمه منذ ما يزيد على األلف وخمسمائة سنة في‬ ‫خصائصه كم� � ��ا تُدرس اللغة مبا ه� � ��ي كيان ثقافي لغة التزال لغة العرب اليوم‪.‬‬ ‫التوجه الذي ساد الدراسات األدبية العديدة‬ ‫إن‬ ‫وحضاري حي الس� � ��تخالص مبادئها العامة أو علم‬ ‫ّ‬ ‫التي تناولت الشعر اجلاهلي مثال‪ ،‬أدى إلى ترسيخ‬ ‫نحوها‪.‬‬ ‫ماض‬ ‫وإذا كانت النظريات األدبية الغربية األساسية االعتقاد بأن ذلك الشعر نتاج بدائي ينتمي إلى ٍ‬ ‫الثالث – احملاكاة واخللق العضوي واخللق من عدم بعي� � ��د وغريب عن عاملنا‪ ،‬وكأن� � ��ه ال يعنينا في زمننا‬ ‫إبداعا هذا‪ .‬فاملنهج الغالب على الدراسة األدبية والبحوث‬ ‫– غريب� � ��ة متا ًما عن األدب العرب� � ��ي القدمي‬ ‫ً‬ ‫ونق ًدا‪ ،‬ولطاملا كان اس� � ��تلهامها أو تطبيقها من قبل النقدي� � ��ة العربي� � ��ة يفص� � ��ح أو يوحي‪ ،‬بأن الش� � ��عر‬ ‫الدارس� �ي��ن احملدثني خط� � ��أ منهج ًيا وفكر ًيا أس� � ��اء اجلاهل� � ��ي تعبير عن ذاتية الش� � ��اعر أو هو انعكاس‬ ‫إساءات بالغة اخلطورة إلى تراثنا األدبي والشعري‪ ،‬ألحداث واقعية عاشها فعال في ذلك الزمن البعيد‪.‬‬ ‫فإن نظرية التقاليد الشعرية في خطوطها األساسية والنتيجة املنطقية لهذا املنهج هي النظر إلى الشعر‬ ‫العامة‪ ،‬تبدو مفيدة إلدراك طبيعة اإلبداع الشعري اجلاهل� � ��ي على أنه صورة لوقائع حياة مجموعة من‬ ‫العربي ف� � ��ي خصوصيته التعبيري� � ��ة‪ ،‬وتو ّفر اإلطار البدو في ش� � ��به اجلزيرة العربية ما قبل اإلس� �ل��ام‪،‬‬ ‫املنهجي لدراس� � ��ة األدب العربي على نحو ش� � ��مولي وهي حياة تبدو كأنها س� � ��اذجة ورتيبة ومن ّمطة في‬ ‫نحو منهج جديد في قراءة شعرنا العربي القدمي‬

‫‪7/21/13 11:20:17 AM‬‬

‫‪119‬‬

‫‪sep116-120.indd 119‬‬


‫صور مقنّنة ينقلها ش� � ��اعر ع� � ��ن اآلخر‪ ،‬يقفون فيها‬ ‫على األطالل الدارسة ِ‬ ‫ويصفون الصحراء وحيوانها‬ ‫واالرحتال والنساء والنياق واخليل والصيد واحلرب‬ ‫وس� � ��وى ذلك من ش� � ��ئون حياتهم الواقعي� � ��ة اليومية‬ ‫وعناصرها وأدواتها‪ .‬هذا املنهج الس� � ��اذج أدى إلى‬ ‫حتويل الش� � ��عر اجلاهلي إلى ش� � ��به وثيقة تاريخ ّية‬ ‫ال ته � � � ّم غير علم� � ��اء األنثروبولوجيا أو الباحثني في‬ ‫فن‬ ‫التاريخ القدمي‪ .‬فاملنهج ينكر‪ ،‬ضمنا‪ ،‬أن الشعر ّ‬ ‫ف� � ��ي احملل األول‪ ،‬وأن الفن ليس هو الواقع‪ ،‬كما أنه‬ ‫انعكاسا مباشرا له‪ ،‬ويتغاضى عن خصوصية‬ ‫ليس‬ ‫ً‬ ‫اللغة الشعرية‪ ،‬وهي لغة رمزية بالضرورة‪ ،‬تتم ّيز عن‬ ‫لغة اخلط� � ��اب العادي وتُع ّرف بكونها ال تنقل معاني‬ ‫معجمية مباش� � ��رة‪ ،‬بل هي ح ّمال� � ��ة دالالت متعددة‬ ‫ومتكث� � ��رة ومتح ّولة‪ ،‬وينكر الطبيع� � ��ة املتم ّيزة للبنية‬ ‫الش� � ��عرية‪ ،‬وهي بنية فنّية قائمة بذاتها تستند إلى‬ ‫قواعدها اخلاصة لتعيد صياغة الواقع بشروطها‪،‬‬ ‫فال تنقله وإن لم تغترب عنه‪ .‬وال يعترف هذا املنهج‬ ‫بزمني� � ��ة الش� � ��عر‪ ،‬أي بإيقاعه الزمن� � ��ي الذاتي غير‬ ‫املسترسل كالزمن العادي‪ ،‬بل اخلاضع ملنطق العمل‬ ‫الشعري ذاته وللرؤية التي يع ّبر عنها‪.‬‬ ‫إن من يدرك كون ذلك املنهج السائد في دراسة‬ ‫الش� � ��عر اجلاهلي‪ ،‬بل في دراس� � ��ة التراث الشعري‬ ‫العربي بأس� � ��ره بص� � ��ورة عامة‪ ،‬قد أ ّدى بالدراس� � ��ة‬ ‫األدبية وبالنقد األدبي اللذين يتناوالن ذلك التراث‬ ‫العظيم‪ ،‬للوصول إلى طريق مسدودة وأساء إساءات‬ ‫خطي� � ��رة إلى تراثنا الش� � ��عري‪ ،‬يصل إل� � ��ى القناعة‬ ‫بضرورة حتويل مس� � ��ار الدراس� � ��ة األدبي� � ��ة العربية‬ ‫في اجتاهات جدي� � ��دة تهدف إلى إبراز أهمية ذلك‬ ‫الشعر مبا هو عمل فني‪ ،‬وزيادة الوعي به‪ ،‬وتفجير‬ ‫طاقاته اإليحائية‪ ،‬وجالء دالالته املتوالدة واملتكثرة‪،‬‬ ‫وإثبات اندماجه في تراث حضاري حي ذي وجهني‪:‬‬ ‫قومي وإنس� � ��اني‪ ،‬اليزال فاعال في حياتنا الثقافية‬ ‫املعاصرة‪.‬‬

‫منهج جديد‬

‫فال ب ّد من إرس� � ��اء قواعد لوض� � ��ع منهج جديد‬ ‫في دراس� � ��ة الش� � ��عر العربي يتناول هذا الشعر من‬ ‫حي� � ��ث هو تعبير رمزي‪ ،‬ويحل� � ��ل القصيدة من حيث‬ ‫ه� � ��ي حلظ� � ��ة في ت� � ��راث ش� � ��عري‪ ،‬ليس له� � ��ا معنى‬ ‫املتفجرة‪،‬‬ ‫واحد ثابت‪ ،‬بل تؤل� � ��ف كونا من الدالالت‬ ‫ّ‬

‫‪120‬‬

‫‪7/21/13 11:20:22 AM‬‬

‫واملنبثقة‪ ،‬واملتكررة‪ ،‬واملس� � ��تم ّدة م� � ��ن تراث كالبحر‬ ‫الصاخبة أمواجه‪ ،‬تنطوي كل نقطة فيه على س � � � ّر‬ ‫كيان� � ��ه‪ .‬إن دراس� � ��ة كهذه تفتّق في العمل الش� � ��عري‬ ‫إمكان� � ��ات لن جتلوها معاجلته من حيث كونه تعبيرا‬ ‫�جل‬ ‫عن ذاتية الش� � ��اعر الفرد أو وثيقة تاريخية تس� � � ّ‬ ‫أحداثا حقيقية عاش� � ��ها في الواقع‪ .‬فهذا املنهج في‬ ‫إعادة قراءة ش� � ��عرنا العربي الق� � ��دمي بنظرة جديدة‬ ‫يُبرز تن ّوع ال� � ��دالالت الرمزية واألس� � ��طورية الثرية‬ ‫ف� � ��ي اللغة الش� � ��عرية‪ ،‬ويجلو ما ينط� � ��وي عليه ذلك‬ ‫الش� � ��عر من مناذج أصل ّية ذات أبعاد إنس� � ��ان ّية حتلّه‬ ‫املوض� � ��ع الذي يس� � ��تحق في تراث ش� � ��عري وثقافي‬ ‫عربي ح� � ��ي‪ ،‬ومتن� � � ٍ�ام‪ ،‬وفاعل في حياتن� � ��ا الفكرية‬ ‫واألدبي� � ��ة املعاص� � ��رة‪ .‬كما أنها حتف� � ��ظ مكانته في‬ ‫التراث الش� � ��عري واألدبي العاملي مبا هو تعبير فني‬ ‫عن حقائق إنسانية ح ّية في الالوعي الثقافي‪ ،‬وإن‬ ‫اصطبغ� � ��ت بخصوصية حضاري� � ��ة وتاريخية حتمية‬ ‫وطبيعية‪ ،‬بل هي ضرورية والزمة‪ .‬تلك اخلصوصية‬ ‫توه ًجا وحضو ًرا في بيئته الثقاف ّية القوم ّية‪،‬‬ ‫تزي� � ��ده ّ‬ ‫وحتفظ مكانته وحتافظ على مكانه في تراث عاملي‬ ‫يغتني بتك ّثر عناصره وتن ّوعها اخللاّ ق‪.‬‬ ‫من هن� � ��ا فإن املهم� � ��ة امللقاة عل� � ��ى عاتق نقدنا‬ ‫األدبي الي� � ��وم مهمة صعبة وخطي� � ��رة‪ ،‬تنطوي على‬ ‫مغام� � ��رة جريئة‪ ،‬وال تخلو م� � ��ن مخاطر الزلل‪ .‬لكن‬ ‫اخل� � ��وض ف� � ��ي غمارها أم� � ��ر حتمي مل� � ��ن أدرك أنه‬ ‫ليس من حداثة م� � ��ن دون تراث‪ ،‬وأن عالقة أمة ما‬ ‫بتراثها هي وعيها حلضورها في املاضي‪ ،‬وحلضور‬ ‫ماضيها ف� � ��ي احلاض� � ��ر‪ ،‬وحلتمية اس� � ��تمراره في‬ ‫املستقبل‪ .‬لذلك يتحتّم علينا بناء منهج نقدي عربي‬ ‫حس اإلنس� � ��ان العربي بتراثه‪ ،‬فيدرك‬ ‫حديث ِ ّ‬ ‫يعمق ّ‬ ‫أن األمة العربية لن حتقّق نهضة ثقافية حديثة في‬ ‫ه� � ��ذا العصر ما لم تصل إلى وع� � ��ي تراثها الثقافي‬ ‫والفني بإعادة إحياء ذلك التراث‪ .‬فالتراث ليس هو‬ ‫حد تعبير‬ ‫املاضي ال� � ��ذي مضى وانقض��‪ .‬إنه‪ ،‬على ّ‬ ‫احلس التاريخي‬ ‫أساس� � ��ا‪،‬‬ ‫تي إس إليوت‪ ،‬يتض ّمن‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الذي ينطوي على إدراك نافذ ليس َ‬ ‫ملاضوِ ّية املاضي‬ ‫حس‬ ‫هو‬ ‫التاريخي‬ ‫احلس‬ ‫فحسب بل حلضوره‪ .‬هذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حس بالزمني ً‬ ‫حس‬ ‫أيضا‪ ،‬كما أنه ّ‬ ‫بالسرمدي‪ ،‬وهو ّ‬ ‫بالس� � ��رمدي وبالزمني م ًعا؛ وهو في الوقت نفس� � ��ه‬ ‫م� � ��ا يجعل الكاتب اليوم يعي وع ًي� � ��ا حا ًدا مكانه في‬ ‫الزمن‪ ،‬أي كونه معاص ًرا >‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep116-120.indd 120‬‬


‫اآلن في األسواق‬ ‫‪AL ARABI BOOK‬‬

‫‪93‬‬

‫قضايا السينما العربية‬ ‫رئيس التحرير د‪ .‬سليمان إبراهيم العسكري‬

‫يح ��اول ه ��ذا الكت ��اب تقدمي ق ��راءات‬ ‫نقدية تتناول قضايا الس ��ينما العربية‪،‬‬ ‫وأهم إنتاج لها خالل أكثر من ربع قرن‪،‬‬ ‫فض�ل�ا ع ��ن أعالمه ��ا‪ ،‬وأب ��رز مبدعيها‬ ‫ف ��ي البل ��دان العربي ��ة‪ .‬وهك ��ذا ب�ي�ن‬ ‫تراج ��ع الف ��ن الس ��ابع وتقدم ��ه‪ ،‬ب�ي�ن‬ ‫رؤي ��ة الداخ ��ل واخلارج‪ ،‬وح ��ول املرأة‬ ‫والتهميش والتوثيق واألنس ��نة تدور‬ ‫احملاور التي تتنقل بأقالم نخبة من‬ ‫نقاد السينما من مصر إلى سورية‪،‬‬ ‫وم ��ن لبن ��ان إل ��ى اجلزائ ��ر‪ ،‬وف ��ي‬ ‫تونس واملغرب‪ ،‬فــضال عن تـــجارب‬ ‫عراقـــية وفلس ��طينية‪ ،‬شارك في‬ ‫تدوينها ندمي جرجورة‪ ،‬وس ��مير‬ ‫فري ��د‪ ،‬وأحم ��د يوس� �ـف‪ ،‬وفــ ��ؤاد‬ ‫التهامي وخليـــــــل صــــــويـــلـــح‪،‬‬ ‫وبـــش� �ــــار إبــراهـــيم‪ ،‬وصــــبحي‬ ‫حليـــم ��ة‪ ،‬و أحم ��د بيض ��ون‪،‬‬ ‫وأحمد بلية‪ ،‬ومحمد صـــوف‪،‬‬ ‫وعـــدنان حس� �ــيــن‪ ،‬وأشـــــرف‬ ‫الصـــباغ‪ ،‬ورفــــيــق الصــــبان‪،‬‬ ‫ويحــيـــى فــــكــري‪ ،‬وس� �عـــيد‬ ‫الشـــيـمي ورؤوف تـــوفــــيـــق‪ ‬‬ ‫ومحمــود قاسم‪.‬‬

‫‪7/21/13 11:55:25 AM‬‬

‫‪93‬‬

‫‪I BOOK‬‬

‫‪AL ARAB‬‬

‫قضايا‬ ‫السينما‬ ‫العربية‬ ‫م‬

‫جم‬

‫و‬ ‫عة م‬

‫ن‬

‫الك‬

‫تاب‬

‫‪p159.indd 3‬‬


‫قصص على الهواء‬

‫قـصـص عـلـى الـ ـهــواء‬

‫قصص ألصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي‪ .‬بي‪ .‬سي العربية *‬

‫ملــاذا اخ ـتــرت هــذه ال ـق ـصــص?‬ ‫دنا غالي**‬

‫�تهيت حق ��ا أن أختار نصا طازج ��ا جديدا يدهش ��ني ويغير مفهومي مج ��ددا لتعريف القصة‬ ‫كقارئ ��ة اش � ُ‬ ‫القصيرة‪ .‬اش ��تهيت أن أعثر على لقطة غامضة من احلياة أحتس ��س بالكلمات ملمس ��ها اخلش ��ن وتصل‬ ‫رائحتها إلى أنفي‪ .‬ال ش ��ك في أن الش ��باب وهم يكتبون تتلبس ��هم احلرقة التي نعرفها في سبيل توصيل‬ ‫ن ��ص متمي ��ز‪ ،‬لكن معظمهم ممن جنح في االختبار كان قد جنح أصال في تقليد نص مس ��توف لش ��روط الكتابة‬ ‫الصحيحة‪ ،‬وقد حضر ببالي اس ��م كاتب هنا أو عنوان رواية هناك أثناء ذلك‪ .‬كنت قد ش ��اركت في مش ��روع مش ��ابه‬ ‫في العام املاضي وتلبسني الشعور ذاته في رغبتي احلارقة إلدهاش صديق أو صديقة لها مواصفاتنا في التوق ملا‬ ‫هو غض طري وجديد ومميز‪ .‬أال نبحث جميعا عن هذا؟ نص يظل يلح بكلماته وأجوائه بعد االنتهاء منه مثل‬ ‫ش ��ريط س ��ينمائي يظل يدور ويدور بفعل الكلمات الس ��احرة‪ .‬أنا على يقني من وجوده مادام هناك من بيننا من‬ ‫تشجع الهواة من‬ ‫هو محتدم عنيد منفي إلى داخله‪ .‬لكني ال أملك حقيقة معلومات كافية عن مشاريع مشابهة ّ‬ ‫الش ��باب في الوطن العربي على الكتابة‪ .‬في الغرب هنالك ما ال يحصى من الورش واحملترفات ومدارس الكتابة‬ ‫واملؤسس ��ات الت ��ي تقيم مس ��ابقات للعثور على مواهب ش ��ابة متميزة‪ .‬ليتنا فقط نكثر منه ��ا‪ .‬قبل فترة قرأت عن‬ ‫مس ��ابقة لألوالد فقط‪ ،‬بني س ��ن الـ ‪ 16‬والـ ‪ 19‬للكتابة في الدمنارك‪ ،‬وتس ��اءلت ملاذا لألوالد فقط؟ قيل من أجل‬ ‫تشجيعهم على الكتابة واملطالعة ألنهم أقل ميال لهذا من البنات! وما م ّر ببالي هو مشروع آخر دخلت به كطرف‬ ‫مش ��ارك من حيث ال أدري حني كنت ذات يوم متوجهة في طريقي للنزول إلى مركز مدينة كوبنهاجن الذي يبعد‬ ‫أفضل عموما أن أس ��تقل القطار دون وس ��ائل النقل األخرى فأثاثه‬ ‫عش ��رين دقيقة في القطار عن محل س ��كني‪ّ .‬‬ ‫الداخل ��ي مي � ّ�د الركاب بس ��عة مس ��احة تس ��مح لهم باخلل ��وة أو احلديث إن ش ��اءوا وهم في طريقه ��م إلى احملطة‬ ‫املنش ��ودة‪ .‬هن ��اك مقاعد متقابلة وأخرى منفردة ومت ��روك للجميع حرية االختيار‪ .‬ذلك على األخص حني يكون‬ ‫توقيت نزولي إلى مركز املدينة خارج أوقات الدوام صباحا بني الس ��ابعة والتاس ��عة وعصرا بني الرابعة والسادس ��ة‪.‬‬ ‫حينها تكون حرية االختيار أكبر‪ .‬ذات يوم وأنا جالسة ميممة وجهي صوب النافذة طالبة العزلة صعدت مجموعة‬ ‫من الطالب‪ ،‬بنات وأوالد‪،‬‬ ‫عرفت الحقا أنهم في مرحلة الصف الس ��ابع ترافقهم مد ّرس ��تهم الش ��ابة الرشيقة التي‬ ‫ُ‬ ‫حتم ��ل كامي ��را احملترفني معلقة بش ��ريط عري ��ض يدور حول رقبته ��ا‪ .‬اجتمعوا في املدخل الفاص ��ل بني العربات‬ ‫حوله ��ا واتفق ��وا ثم توزع ��وا مجاميع على العربات‪ .‬دخل أربعة إلينا من كال اجلنس�ي�ن وجلس ��وا ينتظرون حترك‬ ‫القط ��ار‪ .‬م ��ا إن حت ��رك حتى حتركوا جت ��اه الركّاب‪ ،‬كل يحمل ورق ��ة بيده قد طبع عليها نصه الذي كتبه بنفس ��ه‪،‬‬ ‫يس ��تأذن بأدب جم وابتس ��امة من أجل أن يقرأها على من يس ��مح له منا بصوت عال‪ ،‬وليس ��مع رأينا فيها بعد أن‬ ‫ينته ��ي‪ .‬النص ��وص كانت وفق الش ��روط ع ��ن اخليال العلمي ويج ��ب أال تتجاوز الصفحة الواحدة‪ .‬املد ّرس ��ة كانت‬ ‫تتنقل بخفة وعجلة بني العربات لتصور الطالب بعد أن تس ��تأذن الركاب مس ��تغلة الوقت الذي مير س ��ريعا وهو‬ ‫يعبر احملطات‪ .‬انتهت املهمة واجتمعوا بهدوء ثانية بعد عدة محطات عند املدخل‪ ،‬وباتفاق بدا مسبقا بخصوص‬ ‫* (القصص األخرى املختارة تنشر جميعها في موقع مجلة العربي اإللكتروني وتبث في إذاعة الـ«بي بي سي»)‪.‬‬ ‫** كاتبة من مصر‬

‫‪122‬‬

‫‪7/21/13 8:58:13 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪SEP 122-125.indd 122‬‬


‫كل ش ��يء؛ كاد التفاهم يتم من دون صوت‪ ،‬اقتصر على اإلش ��ارات والضحكات الطفولية املخنوقة‪ .‬ترجلوا بعد أن‬ ‫حيوا اجلميع بانحناءة من رءوسهم وغابوا بني الراجلني‪ .‬الطالب كانوا أطفاال بعضهم كان مرتبكا جدا‪ ،‬واآلخر‬ ‫كانت جرأته تثير اإلعجاب وأيضا الضحك‪ .‬تشجيع الركاب لهم كان رائعا والفتا أيضا‪ ،‬فأكثر من سيدة أو عجوز‬ ‫حرص على تدوين اسم من قرأ النص لهم من بني األطفال‪ ،‬فمن يدري لرمبا يكون ع َلما في الغد! هكذا يستمد‬ ‫الطفل الثقة بنفسه من احمليط عندما يتقدم بجرأة أمام الناس ليقرأ نصه بصوت عال‪ ،‬وليتعلم في الوقت ذاته‬ ‫النقاش والتبرير بتفاعل وإميان للدفاع عن نصه‪.‬‬ ‫‪ - 1‬قصة «الوزير»‪ :‬خالد النصرالله – الكويت‬ ‫أس ��لوب متمرس‪ ،‬ش ��ائق رش ��يق‪ ،‬بلغة س ��ليمة ومقتضبة‪ .‬النص في ذاته ‪ -‬وبعيدا عن موضوعته ‪ -‬يعبر عن حالة‬ ‫استدعاء إلى الكتابة من قبل الكاتب‪ .‬متيز النص هو في كونه يدور حول الكتابة عن الكتابة‪ .‬التماعات تدور في‬ ‫ذهن كاتب يحاول أن يقبض على اللحظة قبل أن تفلت منه في خضم اليومي املتعارف عليه ومعرقالته‪.‬‬ ‫التن ��اوب ب�ي�ن ما يجري في الوق ��ت الواقعي وبني اخليالي هو محاولة مطلوب منها أن تكون حيادية لوصف حالة‬ ‫الكات ��ب النفس ��ية املس ��تثارة املتهيئة للقبض عل ��ى اللحظة‪ .‬احلدث والقصة املراد املس ��ك بهم ��ا مطروقان‪ ،‬ولكن‬ ‫الضف ��ر بينهم ��ا هو ما ميي ��ز النص؛ الكاتب ال يس ��تطيع أن يتداعى في خياله وذلك يوازي تقاطع السياس ��ة مع‬ ‫الثقاف ��ة م ��ن خالل زيارة الوزير‪ ،‬كما يتمثل تلكؤ الكاتب أيضا في تعثر املرأة في محاولة منها للفت انتباه الرجل‬ ‫إليها‪ ،‬واألمر هنا ال يخلو من حس فكاهي ساخر خفي‪ .‬رغم االختصارات‪ ،‬اجلمل القصيرة‪ ،‬القفزات في الزمن‬ ‫القصير نسبيا جند أن أسلوب الكاتب يشي بنفس روائي واضح‪.‬‬ ‫‪ -2‬قصة «أمي تتعلم الفيس بوك»‪ :‬إدريس خالي ‪ -‬املغرب‬ ‫نص خفيف الدم جتتمع فيه عوامل احلداثة من حيث املوضوع والصوت النقدي املتمرد الذي اجترحته الثورات‬ ‫العربية ونش ��رته أدوات التواصل االجتماعي كما يظهر أيضا من عنوان النص‪ .‬أعتقد أن النص يكس ��ب تعاطفنا‬ ‫لل ��دور غي ��ر التقليدي لألم العصامية القوية املعيلة لعائلته ��ا وعالقة االبن الذي يؤمن إميانا قويا بقدراتها رغم‬ ‫جتاوزها الس ��تني عاما‪ .‬لعل الالفت هو اختفاء الس ��لطة التقليدية عبر النقد الس ��اخر ألداء البرملان‪ ،‬ومناقش ��ة‬ ‫الثواب ��ت عب ��ر عالق ��ة األم بابنها الثاني بخالف م ��ا اعتدناه‪ .‬هناك تداخ ��ل جميل بني الواق ��ع وعالم االختيارات‬ ‫االفتراضية الذي اقترحته احلداثة على األم ولكنه نص مش ��بع باألمل متمثل بس ��طر اخلتام للنص‪ .‬األس ��لوب‬ ‫حديث وواضح‪ ،‬ولعل املوضوع فرض سردا شديد البساطة‪.‬‬ ‫‪ -3‬قصة «الندم»‪ :‬أحمد مصطفي علي – مصر‬ ‫حلظة مصورة بش ��كل مكثف وجميل‪ ،‬فاملوازنة دقيقة جدا بني فنية هذا النص القصير وأخالقيته‪ .‬لوال العنوان‬ ‫لكان من املمكن أن يكون الرجل نفسه من يتأمل ذاته أو روحه حني استعصى عليه الرحيل‪ ،‬ولكن لعله االبن هنا‬ ‫الذي قبض عليه الكاتب في حلظة ندم من خالل اس ��تهالل جميل يحتمل أكثر من تفس ��ير ويدفع بالقارئ إلى‬ ‫املضي قدما لفك مغاليق احلكاية‪.‬‬ ‫‪ -4‬قصة «عزيزي أنا»‪ :‬أميرة الوصيف ‪ -‬مصر‬ ‫أصي ��ب ف ��ي حادث أدى إلى إعاقته‪ ،‬ما جعله وحيدا‪ ،‬عاجزا‪ ،‬يتكثف هذا الش ��عور ح�ي�ن يقارن بينه وبني العنكبوت‬ ‫الذي ينسج بهمة ويقني شبكته في األعلى‪ .‬هذا الشخص الذي اختارت الكاتبة أن يكون اسمه «أيوب» لعله يدلل‬ ‫أيض ��ا على الش ��خصية املرس ��ومة‪ ،‬ينص ��ت منعزال إلى «أصوات» من املس ��تحيل إيقاف صراخها كم ��ا يقول‪ .‬يتخذ‬ ‫من الكتابة س ��لوى له ومن اخليال معينا‪ ،‬ال عزاء له إال في مخاطبة نفس ��ه‪ .‬أس ��لوب واضح وبس ��يط‪ ،‬ينتهي بسر‬ ‫ينتظرنا آخر النص الذي يوحي بأن الكاتبة ستطور أدواتها باملواصلة والتجربة واخلبرة‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫‪7/21/13 8:58:18 AM‬‬

‫‪SEP 122-125.indd 123‬‬


‫الوزير | خالد النصرالله – الكويت‬

‫جملة خطف� � ��ت ذهني في رواية‬ ‫قرأتها نهار عطلة‪ ،‬بينما الهاتف يرن‬ ‫على املنضدة البعيدة‪ .‬اجلملة طارت‬ ‫بي نح� � ��و فكرة قصة‪ ،‬والقصة ذاتها‬ ‫كانت نتاج جترب� � ��ة حقيقية‪ .‬هاتفي‬ ‫يرن على املنض� � ��دة البعيدة‪ .‬صوته‬

‫‪124‬‬

‫‪7/21/13 8:58:27 AM‬‬

‫يش� � ��وش الفكرة‪ ،‬فضال عن الكسل‬ ‫ال� � ��ذي يعيق تكب� � ��د الذه� � ��اب إليه‪.‬‬ ‫التجرب� � ��ة احلقيقية الت� � ��ي خضتها‬ ‫آم ً‬ ‫ال أن أجد فكرة لنس� � ��ج قصة كي‬ ‫أعرضها‪ ،‬مازالت تتكرر في رأسي‪،‬‬ ‫كأنها تصرخني‪ :‬اكتبني‪ ..‬اكتبني‪..‬‬

‫الهات� � ��ف على املنض� � ��دة‪ .‬عاود‬ ‫الرن� �ي��ن بعد أن توقف لبرهة‪ ،‬من ذا‬ ‫الذي يصر على إجابت� � ��ه؟! متثاق ً‬ ‫ال‬ ‫مكرهاً أنهض م� � ��ن مكاني‪ ،‬تتأرجح‬ ‫الفكرة ف� � ��ي رأس� � ��ي‪ ،‬والهاتف يرن‬ ‫على املنضدة‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪SEP 122-125.indd 124‬‬


‫املتصل صديق مهت� � ��م باألدب‪،‬‬ ‫لس� � ��ت معت� � ��اداً عل� � ��ى اتصاالته في‬ ‫أيام العطالت‪ ،‬تغمرني التس� � ��اؤالت‬ ‫حلظة‪ .‬حاج� � ��ة االتص� � ��ال في مثل‬ ‫هذا الوقت‪ ،‬وتس� � ��اؤالت القصة في‬ ‫اجلانب اآلخر! يأتي صوته متعج ً‬ ‫ال‬ ‫متوتراً‪ ،‬بع� � ��د التحي� � ��ات املختصرة‬ ‫يقول‪ :‬الوزير سيزورني اليوم‪ ..‬عليك‬ ‫أن تأت� � ��ي‪ .‬صيغة األمر في كالمه –‬ ‫عليك أن تأت� � ��ي – ما الذي يجبرني‬ ‫عل� � ��ى أن آتي ؟ القص� � ��ة التي وردت‬ ‫فكرته� � ��ا إثر اجلملة الت� � ��ي قرأتها‪..‬‬ ‫س� � ��تطير‪ !..‬ما عالقت� � ��ي بالوزير؟!‬ ‫أح� � ��اول الف� � ��رار من دعوت� � ��ه كأنني‬ ‫أمتلص من ق� � ��رار صادر عن مدير‪:‬‬ ‫لكنني مرتبط مبواعيد أخرى‪.‬‬ ‫يقاط� � ��ع صوتي املتقطع س� � ��لفاً‪:‬‬ ‫ال تناقشني أرجوك ال حتاججني‪..‬‬ ‫الوزير ال يأتي كل يوم‪.‬‬ ‫أع� � ��اود احملاول� � ��ة‪ :‬صدقني ال‬ ‫أستطيع اليوم‪ ..‬لو أخبرتني باألمس‪.‬‬ ‫يشد على كلماته هذه املرة‪ :‬ال أريد‬ ‫أن أرى وجوه � � �اً ال أعرفه� � ��ا مبجرد‬ ‫وج� � ��ود الوزير في بيت� � ��ي‪ ،‬بينما أنت‬ ‫وبقية األصدقاء ال تأتون‪ ..‬سأعتبر‬ ‫صداقتنا انتهت إذا لم تأت‪.‬‬ ‫مازال ذهني ممس� � ��كاً بأطراف‬ ‫القصة كي ال تفلت‪ ،‬والصديق يلمح‬ ‫إلنهاء املكاملة‪ ،‬من الواضح جداً أنني‬ ‫تورطت بدع� � ��وة كهذه‪ ،‬ل� � ��و أنني لم‬ ‫أجب اتصاله‪ !..‬يبدو أنني أس� � ��تعيد‬ ‫القصة رويداً‪ ،‬استعادتها تتطلب أن‬ ‫أبقي مزاجها في سكني‪ ،‬لكن الوقت‬ ‫الذي يتطلب لكتابتها يتقلص إلى أن‬ ‫يختف� � ��ي رغم أنها التزال تصرخ بي‪:‬‬ ‫اكتبني‪ ..‬اكتبني‪..‬‬ ‫***‬ ‫في من� � ��زل الصديق‪ ،‬أجلس في‬ ‫أريكة‪ ,‬ورائحة بخور تنبعث من ركن‬ ‫قري� � ��ب‪ ،‬وأحاديث متداخل� � ��ة كثيرة‪،‬‬

‫وبضعة أصدق� � ��اء ومعارف آخرون‪،‬‬ ‫وش� � ��خصيات محلي� � ��ة متداول� � ��ة‪،‬‬ ‫والصدي� � ��ق رآني عن� � ��د الدخول ثم‬ ‫ضاع ب� �ي��ن املتلقفني م� � ��ن احلضور‪،‬‬ ‫أراه ذهاب � � �اً وإياب � � �اً في امل� � ��كان‪ ،‬في‬ ‫اللحظ� � ��ة ذاته� � ��ا تفع� � ��ل القصة في‬ ‫رأس� � ��ي كما يفع� � ��ل الصدي� � ��ق‪ ،‬تبدأ‬ ‫أحداثها عند فتاة تقف أمام فاترينا‬ ‫حملل مالبس نسائية‪ ،‬بعباءتها التي‬ ‫تعلق بها بع� � ��ض األتربة‪ ،‬لكن الوزير‬ ‫تأخر عن موعده‪ ،‬تتجاوز الس� � ��اعة‬ ‫اآلن الس� � ��ابعة والعش� � ��رين دقيق� � ��ة‪،‬‬ ‫إلي الصديق برس� � ��الة‬ ‫وكان أن بعث ّ‬ ‫هاتفي� � ��ة مفادها أن املوعد في متام‬ ‫الس� � ��ابعة‪ .‬أح� � ��د احلض� � ��ور يقبل‪،‬‬ ‫أنهض ملصافحته‪ ،‬يس� � ��أل‪ :‬بش ّرنا‪..‬‬ ‫هل من نص جديد؟‬ ‫فأجدن� � ��ي أرتب� � ��ك دون مدعاة‬ ‫لذلك‪ :‬هناك بعض احملاوالت‪..‬‬ ‫جل� � ��س على مقربة م� � ��ن مكاني‬ ‫بع� � ��د أن متن� � ��ى لي التوفي� � ��ق‪ ،‬وكنت‬ ‫أفك� � ��ر حينها في اس� � ��تعادة مش� � ��هد‬ ‫بداية القصة‪ ،‬أعتقد أنني لو جعلت‬ ‫الفتاة تسير مبحاذاة الفاترينا وعرق‬ ‫على جبينها وبيدها عصير مثلج قبل‬ ‫أن مير شاب في الناحية األخرى‪.‬‬ ‫وق� � ��ف الصديق ف� � ��ي منتصف‬ ‫املكان يتح� � ��دث للحضور‪ :‬نأس� � ��ف‬ ‫على التأخير‪ ،‬الوزير س� � ��يصل قريباً‬ ‫إن شاء الله‪ ،‬نعذره على ذلك بسبب‬ ‫أشغاله الكثيرة‪.‬‬ ‫ث� � ��م اس� � ��تدرك قب� � ��ل أن يقفل‪:‬‬ ‫نذكركم ب� � ��أن الوزير س� � ��يقتطع من‬ ‫وقته املليء فقط ليستمع إلى هموم‬ ‫الوضع الثقافي واملثقفني‪.‬‬ ‫الصدي� � ��ق كما يبدو ف� � ��ي غاية‬ ‫احل� � ��رج والتوتر‪ ،‬الس� � ��اعة جاوزت‬ ‫الس� � ��ابعة واألربع� �ي��ن دقيق� � ��ة‪ ،‬بدا‬ ‫حدي� � ��ث احلض� � ��ور أق� � ��ل تداخ� �ل � ً‬ ‫ا‪،‬‬ ‫والقص� � ��ة مازال� � ��ت تتش� � ��ابك ف� � ��ي‬

‫مخيلتي‪ ،‬الفت� � ��اة التي كانت تقف أو‬ ‫تس� � ��ير أمام فاترين� � ��ا محل املالبس‬ ‫النس� � ��ائية مبالبس� � ��ها الرثة‪ ،‬وشاب‬ ‫طويل يس� � ��ير في الناحي� � ��ة املقابلة‬ ‫للمحل‪ ،‬يخيل للفت� � ��اة أنه قد التفت‬ ‫ناحيتها‪ ،‬في هذه األثناء أصوات في‬ ‫اخل� � ��ارج تنذر بوص� � ��ول الوزير‪ ،‬مما‬ ‫جع� � ��ل الهدوء يعم امل� � ��كان‪ ،‬الصديق‬ ‫يدخ� � ��ل‪ ،‬يتق� � ��دم خط� � ��وات الوزير‪،‬‬ ‫اجلميع وقف الس� � ��تقباله‪ ،‬ما دعاني‬ ‫للوق� � ��وف تلقائياً‪ ،‬ف� � ��ي الوقت الذي‬ ‫توجه الوزير ملكانه وألقى حتية على‬ ‫اجلميع وجلس في صدارة املكان‪.‬‬ ‫الوزي� � ��ر اعتذر ع� � ��ن تأخره قبل‬ ‫أن يبدأ الصديق مبقدمة عن سبب‬ ‫تشريف حضور الوزير إلينا‪ ،‬وشكره‬ ‫على ذلك قبل أن يبدأ بس� � ��رد الهم‬ ‫الثقافي واملعان� � ��اة الدارجة ثم طرح‬ ‫ثالثة أس� � ��ئلة عامة تخص خططهم‬ ‫ملعاجلة املشاكل‪ ،‬وفي اللحظة التي‬ ‫يس� � ��تعد فيها الوزير لبدء احلديث‪،‬‬ ‫كان� � ��ت الفت� � ��اة ف� � ��ي القص� � ��ة تقطع‬ ‫الطري� � ��ق لترمي العصي� � ��ر املثلج في‬ ‫س� � ��لة املهمالت القريب� � ��ة من مكان‬ ‫الش� � ��اب الوس� � ��يم الذي بدا كأنه ال‬ ‫يكت� � ��رث إليها‪ ،‬وعن� � ��د عودتها كانت‬ ‫حت� � ��اول أن تلفت انتباه� � ��ه ناحيتها‬ ‫ما جعله� � ��ا تغفل خطواته� � ��ا وتتعثر‬ ‫فتسقط‪ ،‬الوزير يؤكد في حديثه عن‬ ‫االستعدادات الكاملة لتنفيذ اخلطة‬ ‫املتفق عليها التي من شأنها أن ترفع‬ ‫املس� � ��توى الثقافي‪ ،‬في الوقت نفسه‬ ‫الذي هب الش� � ��اب ملس� � ��اعدة الفتاة‬ ‫على النهوض‪.‬‬ ‫يجب أن أضع حدثاً أكثر واقعية‬ ‫في القصة‪ .‬الوزير يؤكد أن الساحة‬ ‫ستشهد على مدار السنة الكثير من‬ ‫الفعالي� � ��ات الثقافية‪ .‬لكنني في ظل‬ ‫هذه األجواء‪ ،‬ل� � ��ن أمتكن من إمتام‬ ‫القصة! >‬

‫‪125‬‬

‫‪7/21/13 8:58:32 AM‬‬

‫‪SEP 122-125.indd 125‬‬


‫أدب‬

‫الكتابة كنهر يطل على النيل‬ ‫مـــها حســـن *‬ ‫إذا كان ��ت احلي ��اة ف ��ي مكان آخر‪ ،‬فيجب أن تكون في القاهرة‪ ،‬حيث روح الكتابة في القاهرة‪ ،‬يش ��به‬ ‫االنبع ��اث‪ .‬كم ��ا لو أن تلك احلرارة العالي ��ة والغبار‪ ،‬يحمالن ذ ّرات روحية آلب ��اء اإلبداع الفرعوني‪،‬‬ ‫�س جلدك‪ ،‬حت ��ى تتفتح خالي ��اك الروحية‪،‬‬ ‫ذ ّرات متناث ��رة ف ��ي الغب ��ار وأش ��عة الش ��مس‪ ،‬ما إن مي � ّ‬ ‫وتستسلم للكتابة‪.‬‬ ‫اً‬ ‫طويل‪ ،‬أنا التي‬ ‫تأخّ ر ذهابي إلى مصر‬ ‫تأسست أحالمي ومخيلتي وعواطفي‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫وتغذ ْت‪ ،‬من الس� � ��ينما‬ ‫في املراهق� � ��ة‪،‬‬ ‫املصرية واألغاني املصرية‪.‬‬ ‫خالي‪ ،‬أو بوصف أدقّ ‪ ،‬خال أمي‪ ،‬والذي أدعوه‬ ‫بـ«خالي»‪ ،‬وأنا التي ال أذكر ش� � ��كله‪ ،‬بل أحاول تخ ّيل‬ ‫مالمحه‪ ،‬من الصور التي حتتفظ بها أمي‪ ،‬وتتحدث‬ ‫عنه بـ«نوس� � ��تاجليا» كبيرة‪ ،‬وهي تروي لي اهتمامه‬ ‫بي حني كنت في «اللفّة»‪ ،‬وقد و ّرثني ش� � ��كل عينيه‪،‬‬ ‫حس� � ��ب رواية أمي‪ .‬خالي الذي غادر البالد باك ًرا‪،‬‬ ‫متشر ًدا‪ ،‬تائ ًها‪ ،‬عرفت العائلة‪ ،‬في وقت الحق‪ ،‬وهي‬ ‫حت� � ��اول تت ّبع أثره‪ ،‬أن آخ� � ��ر جهاته‪ ،‬كانت مصر‪ .‬ال‬ ‫أحد يعرف عنه ش� � ��ي ًئا‪ ،‬فيما لو كان تزوج أو أجنب‬ ‫أو مات عاز ًبا‪ ،‬أو اليزال على قيد احلياة‪.‬‬ ‫حلمت مبصر كثي ًرا‪ ،‬وانتابن� � ��ي االرتباك كلما‬ ‫ً‬ ‫مندهش� � ��ا وكأنه‬ ‫التقيت مبثقف مصري يس� � ��ألني‬ ‫يلومني «لس� � ��ه مارحتيش مص� � ��ر!»‪ .‬حلمت مبدينة‬ ‫جني� � ��ب محفوظ‪ ،‬واألحياء الت� � ��ي كتب منها وفيها‪،‬‬

‫* كاتبة سورية مقيمة في باريس‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫‪7/21/13 8:59:41 AM‬‬

‫حلم� � ��ت بالفيش� � ��اوي‪ ،‬مبقاه� � ��ي القاه� � ��رة‪ ،‬وكان‬ ‫أصحابي السوريون يصفونها لي وص ًفا سحر ًيا من‬ ‫منطل� � ��ق ثقافي‪ :‬الكاتب الفالني الكبير‪ ،‬يخرج من‬ ‫بيته‪ ،‬يسلّم على صبي املقهى‪ ،‬والصبي يرفع صوته‬ ‫بالسالم‪ :‬صباح الفل يا أستاذنا‪ .‬الروائي املصري‬ ‫معروف لدى صبية القهوة‪ ،‬وليس متعال ًيا‪ ،‬يجلس‬ ‫في مقاهٍ تابعة لفنادق اخلمس جنوم‪ ،‬يش� � ��رب املاء‬ ‫في كؤوس معقّمة‪.‬‬ ‫الصور الت� � ��ي امتزجت في مخيلتي‪ ،‬بني أفالم‬ ‫يوسف ش� � ��اهني املتمردة‪ ،‬وأفالم األبيض واألسود‬ ‫الرومانس� � ��ية‪ ،‬وحكاي� � ��ات األصدق� � ��اء عن وصف‬ ‫املثقف� �ي��ن املصريني‪ ،‬والصور التي ش� � ��اهدتها على‬ ‫اإلنترنت‪ ،‬لكاتبات مصريات صديقات‪ ،‬يجلس� � ��ن‬ ‫ويدخن «األرجيلة» بتس� � � ٍ�او يصيبني‬ ‫ف� � ��ي املقاهي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالشغف‪ ،‬بني املرأة الكاتبة والرجل الكاتب‪ ،‬وصور‬ ‫هاجسا‬ ‫أخرى‪ ،‬امتزجت كلها في مخيلتي‪ ،‬وخلقت‬ ‫ً‬ ‫روائ ًيا إضاف ًيا‪ ،‬هو خالي الضائع في مصر‪.‬‬ ‫تش � � � ّوقت دو ًما لرؤية هذا البل� � ��د‪ ،‬وكان حلمي‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep126-130.indd 126‬‬


‫الكتابة كنهر يطل على النيل‬

‫‪7/21/13 8:59:47 AM‬‬

‫‪127‬‬

‫‪sep126-130.indd 127‬‬


‫بالذه� � ��اب إليه‪ ،‬جزء من األحالم القلقة‪ ،‬أن أموت‬ ‫قبل أن أرى مصر‪.‬‬ ‫وحتقق حلمي بغتة‪ .‬حتقق في ظرف ضيق‪ .‬كان‬ ‫علي أن أقرر الس� � ��فر في ليلة واحدة‪ ،‬ودخلت في‬ ‫ّ‬ ‫كآب� � ��ة القلق‪ ،‬كلبتي التي أعتبرها جز ًءا من دائرتي‬ ‫املقربة ج ًدا‪ ،‬بل الكائن األقرب لي‪ ،‬والتي تواجدت‬ ‫معي في أوقات ش� � ��دتي‪ ،‬حي� � ��ث فقدت والدي وأنا‬ ‫في املنفى‪ ،‬ودون أحد على اإلطالق‪ ،‬كانت وحدها‬ ‫م� � ��ن ينظر إلي بتعاطف وأنا أبكي الفقدان املد ّمر‪.‬‬ ‫حسنًا‪ ،‬كوارتز مريضة‪ ،‬ماذا لو ماتت في غيابي؟‬ ‫احلي� � ��رة بني ذهاب� � ��ي األنان� � ��ي لتحقيق حلمي‬ ‫الذي تأخّ ر‪ ،‬وبقائ� � ��ي العاطفي مع كلبتي املريضة‪.‬‬ ‫حس� � ��متها بأنانية ملصلحة احلل� � ��م‪ ،‬وذهبت‪ .‬ذهبت‬ ‫إلى القاهرة‪ ...‬بلد املخ ّيلة‪.‬‬

‫الكتابة كنهر ‪ ..‬أطلّ على النيل‬

‫في ش� � ��رفة الطابق الثالث عشر‪ ،‬رحت أط ّل‬ ‫على النيل‪ ،‬وفي حلظة شعورية مك ّثفة ج ًدا‪ ،‬تشبه‬ ‫ما حتدث عنه كولن ولسون واص ًفا رغوة الصابون‪،‬‬ ‫حيث تتر ّك� � ��ز كل أحاسيس� � ��نا‪ ،‬وتتج ّمع فقط في‬ ‫هذه الصورة‪ ،‬صورة رغوة الصابون لدى ولسون‪،‬‬ ‫وحلظة إطاللي على النيل‪ ،‬ما يش� � ��به قليلاً رمبا‬ ‫حرك� � ��ة التلويح باليد في رواية كونديرا‪ ...‬تكثيف‬ ‫كلّي للجس� � ��د والروح واملخيلة والذاكرة‪ ،‬احتش� � ��د‬ ‫علي نس� � ��ائم‬ ‫في فك� � ��رة «أط ّل على النيل»‪ .‬هبت ّ‬ ‫الطقس الس� � ��اخن‪ ،‬روائح الذرة املش� � ��وية للباعة‬ ‫املنتش� � ��رين عل� � ��ى ض ّف� � ��ة النهر العظي� � ��م‪ ،‬اخترق‬ ‫الضجيج روحي‪ ،‬كأنني ف� � ��ي فيلم‪ ،‬ولكنه لم يكن‬ ‫فيلم� � ��ي القدمي الذي صنعته ف� � ��ي مخيلتي مر ّك ًبا‬ ‫من مقتطفات الس� � ��ينما‪ ،‬بل كان فيل ًما مستقلاً ‪،‬‬ ‫لم أتدخل في صناعته‪ ،‬املراكب الكثيرة‪ ،‬بأحجام‬ ‫أغان لم‬ ‫متنوعة تس� � ��ير على واجهة النهر أمامي‪ٍ ،‬‬ ‫أس� � ��معها من قبل‪ ،‬وأخرى أعرفه� � ��ا‪ ،‬تصدح من‬ ‫املراك� � ��ب مختلطة بزعيق يأتي من جهات عديدة‪،‬‬ ‫من ركاب املراكب‪ ،‬من الش� � ��ارع‪ ،‬الزمامير‪ ....‬كل‬ ‫هذا اخلليط الصوتي والبصري‪ ،‬تكثف في حلظة‬ ‫«أط ّل على النيل» فبكيت‪.‬‬ ‫في الليلة األولى لوصولي إلى القاهرة‪ ،‬خرجت‬ ‫مع األصحاب‪ ،‬لتناول العش� � ��اء ف� � ��ي مطعم يجاور‬

‫‪128‬‬

‫‪7/21/13 8:59:54 AM‬‬

‫النيل‪ ،‬يلتصق به‪ ،‬و كأننا داخل النيل‪.‬‬ ‫لم أكن قد خرجت بعد من ذاكرة املكان‪ ،‬قادمة‬ ‫من باري� � ��س‪ ،‬أنظر إلى األضواء الس� � ��اقطة داخل‬ ‫علي الصورة‪ ،‬بني أنني أمام السني‬ ‫النهر‪ ،‬فتختلط ّ‬ ‫أو النيل‪.‬‬ ‫يذه� � ��ب الليل بخصوصية النهر‪ ،‬أنا على ضفة‬ ‫النيل‪ ،‬ولكنني أحاول أن أتذكر هذه املعلومة‪ ،‬حيث‬ ‫أعتقد أنني على ضفة نهر السني‪.‬‬ ‫م� � ��ع أنني لم أولد من املاء‪ ،‬ورمبا ألنني لم أولد‬ ‫من امل� � ��اء‪ ،‬كنت مهووس� � ��ة باملقارن� � ��ات النهرية‪ ،‬في‬ ‫أمستردام‪ ،‬أغرمت بنهر أمستل‪ ،‬وفي باريس‪ ،‬كتبت‬ ‫طويلاً أمام نهر الس� �ي��ن‪ ،‬وبكيت على جسر ميرابو‪،‬‬ ‫حيث كتبت أولى رواياتي‪ ،‬منذ عشرين سنة تقري ًبا‪،‬‬ ‫مفتتحة املقطع األول بقصيدة أبولينير ‪ ،‬التي غناها‬ ‫ليو فيري‪ :‬على جس� � ��ر ميرابو يجري نهر الس� �ي��ن‪،‬‬ ‫ال الزم� � ��ن يعود وال األحبة يرجعــــون‪ .‬ارجتفت أمام‬ ‫الليلي‪ .‬في الصباح هو ش� � ��خصية مس� � ��تقلة‪،‬‬ ‫النيل‬ ‫ّ‬ ‫واضحة‪ ،‬له مالمحه‪ ،‬مالمح نهر عربي‪ ،‬في مدينة‬ ‫عربية‪.‬‬ ‫بع� � ��د الفرات‪ ،‬ه� � ��ذا أول نهر عرب� � ��ي أراه‪ ،‬ولم‬ ‫ميس� � ��ني فقط لهذا الس� � ��بب‪ ،‬بل ألن� � ��ه اختلط في‬ ‫ذاكرت� � ��ي بالفراعنة وقدرتهم عل� � ��ى اخللود‪ ،‬وجتاوز‬ ‫املوت‪.‬‬ ‫في املدرسة اإلعدادية درست في مدينة حلب‪،‬‬ ‫في مدرس� � ��ة «النيل للبنات»‪ ،‬في شارع سكنت فيه‪،‬‬ ‫اس� � ��مه «ش� � ��ارع النيل»‪ ،‬لم أفهم حــتى اليــــوم‪ ،‬ملاذا‬ ‫يُس� � ��مى ش� � ��ارع في حلب‪ ،‬باس� � ��م النيل؟ إن لم يكن‬ ‫ألس� � ��باب فرعوني� � ��ة غامض� � ��ة فانـــــتاز ّي� � ��ة تــــتعــــلق‬ ‫بأننــــــي س� � ��أولد في هذا احلي‪ ،‬وأدرس فيه‪ ،‬وأحلم‬ ‫بالنيل؟‬ ‫الكتاب� � ��ة تتدفق‪ ...‬أتدفق كنه� � ��ر وأنا أكتب‪ ،‬مع‬ ‫أنن� � ��ي أخاف من الس� � ��باحة‪ ،‬وال أتقنه� � ��ا‪ .‬في عمق‬ ‫البحر األطلس� � ��ي‪ ،‬نزلت املاء‪ ،‬فشدني بقوة مباغتة‪،‬‬ ‫ول� � ��م أفه� � ��م قانون الدف� � ��اع عن جس� � ��دي ألطفو أو‬ ‫أتص� � ��رف بتقنية الس� � ��باحني مع التي� � ��ار‪ ،‬صرخت‪،‬‬ ‫وهربت‪ ،‬وتوقفت عالقتي بالس� � ��باحة والغوص في‬ ‫النهر‪ .‬ولكنني أسبح في الكتابة‪ ،‬بتقنية النهر‪ ،‬أكتب‬ ‫متدفق� � ��ة‪ ،‬تهبط أفكاري من مخيلتي‪ ،‬وتس� � ��يل على‬ ‫أصابعي‪ ،‬من دون توقف‪ ،‬كأنها مخزّنة هناك‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep126-130.indd 128‬‬


‫أزيح احلصوة أو احلجرة‪ ،‬حجرة الكس� � ��ل اً‬ ‫مثل‪ ،‬أو‬ ‫املزاج العكِ ر‪ ،‬فتأتي الكتابة‪ ،‬بسالسة املاء‪.‬‬

‫املقهى الثقافي‬

‫في الصباح‪ ،‬أول ما اقترحه علي صديق شاعر‬ ‫القاهري‪ ،‬وأجواء محفوظ‪،‬‬ ‫يعرف ش� � ��غفي باملقهى‬ ‫ّ‬ ‫أن نذهب إلى املقهى‪ .‬قب� � ��ل الفطور‪ ،‬انطلقنا إلى‬ ‫ذلك املقهى‪.‬‬ ‫محام� � ��ون بحقائب املهنة‪ ،‬بربطات عنق أنيقة‪،‬‬ ‫كتّاب كبار بالسن‪ ،‬كتّاب شباب‪ ،‬مهنيون‪ ،‬ع ّمال‪...‬‬ ‫كائنات من كل صوب وحدب‪ ،‬كما يقال‪ ،‬جاءت إلى‬ ‫املقهى‪ .‬رجال ونساء ً‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫كما لو أنني ألتحم مبشهد تلفزيوني ملسلسل‬ ‫م������ن تأليف محمد فاض������ل‪ ،‬أو لنص مأخوذ عن‬ ‫رواية لنجيب محفوظ‪ ،‬كأنني في مسلسل «خان‬ ‫الكتابة كنهر يطل على النيل‬

‫‪7/21/13 8:59:58 AM‬‬

‫اخلليل������ي» الذي داعب مراهقت������ي‪ ،‬وبحثت عنه‬ ‫اً‬ ‫طويل في «اليوتيوب» ول������م أجده‪ ،‬لليلى حمادة‬ ‫وص���ل��اح ذوالفقار‪ ،‬كأنني جزء من مقطع مرئي‪،‬‬ ‫ش������عرت وأنا في املقهى‪ ،‬بني املصريني‪ ،‬أحتدث‬ ‫بلكنتهم التي جنيدها جميعنا تقري ًبا في العالم‬ ‫العربي‪ ،‬الذي غزتنا فيه الدراما املصرية‪ ،‬هذا‬ ‫الغزو احملبب الذي أبكان������ا ونحن مراهقون‪،‬‬ ‫واليزال ه������ذا الغزو العاطفي يُبكي أمهاتنا‬ ‫وع ّماتنا وخاالتنا أمام «ش������جرة اللبالب»‬ ‫و«اللقيط������ة»‪ ،‬ورومانس������يات‬ ‫الدراما القدمية واملستمرة‪.‬‬ ‫في املقهى الشارعي‪ ،‬حيث‬ ‫تصطف الكراسي واألراجيل‬ ‫على جانبي������ه‪ ،‬ويقطعه املارة‪،‬‬ ‫عب������و ًرا بني الزبائ������ن‪ ،‬تعرفت‬ ‫عل������ى ش������خصيات ثقافية‪ ،‬من‬ ‫«إحداثيات» املشهد الثقافي‪.‬‬ ‫التقي������ت مب������كاوي س������عيد‪،‬‬ ‫برءوف مسعد املقيم‬ ‫ف������ي أمس������تردام‪،‬‬ ‫والذي جاء في زيارة‬ ‫في نفس فترة زيارتي‪،‬‬ ‫وعلى املفاجأة األدبية‪،‬‬ ‫جميل عطية إبراهيم‪ ،‬الذي‬ ‫راح ميتح������ن معرفتي بالكت������اب املصريني‪ .‬رحت‬ ‫أعدد له أس������ماء أصدقائي وصديقاتي فنجحت‬ ‫ّ‬ ‫في االمتحان حني قال ل������ي‪« :‬أنت تعرفني الكل‬ ‫إذن!»‪.‬‬ ‫ح� �ي��ن قلت لصديقي الناقد والصحافي إيهاب‬ ‫املالح‪ ،‬إنني في «زهرة البس� � ��تان» فوجئ ضاح ًكا‪،‬‬ ‫أنني إذ وصل� � ��ت إلى هذا املقهى‪ ،‬فقد دخلت قلب‬ ‫القاهرة إذن‪ ...‬نحن في وسط البلد‪.‬‬ ‫الفندق اآلخر ال� � ��ذي انتقلت إليه‪ ،‬القريب من‬ ‫متث� � ��ال طلعت ح� � ��رب‪ ،‬لن يض ّيعني‪ ،‬س� � ��يكون هذا‬ ‫أحدد منها اجلهات‪،‬‬ ‫التمث� � ��ال دو ًما‪ ،‬عالمة فارقة‪ّ ،‬‬ ‫صوب الفن� � ��دق‪ ،‬صوب املقاهي‪ :‬زهرة البس� � ��تان‪،‬‬ ‫ريش‪ ،‬الغريون‪ ،‬اس� � ��توريل‪ ،‬جرو ّب� � ��ي‪ ،‬التكعيبة ‪...‬‬ ‫حيث نحدد مواعي� � ��د اللقاء مع األصحاب الكتّاب‬ ‫املصريني أو العرب املوجودين في القاهرة‪ ...‬مقاهٍ‬

‫‪129‬‬

‫‪sep126-130.indd 129‬‬


‫تتف� � ��اوت ما بني بذخ مييل إل� � ��ى «البرجزة»‪ ،‬ودفء‬ ‫شعبي مييل للبس� � ��اطة‪ ...‬تش� � ��عرني‪ ،‬أنا الروائية‬ ‫الش� � ��غوفة بكل هذه االختالطات‪ ،‬بجمالية املكان‬ ‫في القاهرة‪ ،‬كيفما كان‪.‬‬ ‫املقهى الش������عبي املتواضع في القاهرة‪ ،‬على‬ ‫رصيف مليء بالغبار والذباب واملارة واملتسولني‪،‬‬ ‫يكاد ال يقل أهمية عن «املقهى الثقافي» القادم‬ ‫من الغرب‪،‬الدميقراطية في احلوار‪ ،‬االسترخاء‬ ‫دون تشنج احملاورين العرب عادة‪ ،‬اللطف وقبول‬ ‫اآلخر‪ ،‬واألهم م������ن كل ذلك‪ ،‬الظاهرة الثقافية‬ ‫املصرية خاصة‪ ،‬والتي نعاني غيابها في سورية‬ ‫ولبنان‪ ،‬وال أعرف عن بقية البلدان‪ ،‬غياب فكرة‬ ‫صراع األجيال‪ .‬املثقف املصري الكبير بالسن‪،‬‬ ‫يتعام������ل مبحب������ة وم������وازاة واعت������راف باملثقف‬ ‫�����حا له‬ ‫األصغر س������ ّنًا‪ ،‬بل وبرعاية أحيا ًنا‪ ،‬مفس� ً‬ ‫الطريق‪ .‬حالة «األبوية» مبفهومها الوصائي أو‬ ‫االستعالئي لم أرها لدى املصريني‪ ،‬وإن وجدت‪،‬‬ ‫فهي حتمل مفه������وم الرعاي������ة والعناية‪ .‬املثقف‬ ‫«األب» في مصر‪ ،‬هو صديق االبن‪ ،‬وليس أهم‬ ‫وأعل������ى‪ ،‬وحتتاج إلى بروتوكوالت للوصول إليه‪،‬‬ ‫فه������و متاح‪ ،‬وعلى القه������وة‪ ،‬ال في فنادق وخلف‬ ‫أبواب موصدة‪ ،‬كالزعماء والشخصيات الصعبة‬ ‫املنال‪.‬‬

‫اإلبداع واحلرارة‬

‫في مصر‪ ،‬ط ّبقت الصفح������ة التخييلية عن‬ ‫مصر‪ ،‬ف������وق الصفح������ة الواقعي������ة‪ ،‬فازدهرت‬ ‫إقامت������ي‪ ،‬والتصق ماضيي احملل������وم به‪ ،‬وأفالم‬ ‫الس������ينما‪ ،‬وأغاني عبداحلليم وجن������اة‪ ،‬وصور‬ ‫مجلة املوعد عن املمثالت‪ ،‬باحلاضر‪ ،‬ووجدت‬ ‫أن احلي������اة تتكث������ف هنا‪ ،‬وأجمل م������ا فيـــها هو‬ ‫هنا‪.‬‬ ‫احلس���ي��ن‪ ،‬املقاهي‪ ،‬أحياء جنيب محفوظ‪،‬‬ ‫الباعة الذين يعرضون منتجات مصر اخلاصة‪،‬‬ ‫عني حورس املتكررة على امليداليات واألس������اور‬ ‫والعقود‪ ،‬كانت تشدني ألقتني الكثير من العيون‪،‬‬ ‫متذك������رة تراث أم������ي بالتنقيب ع������ن اخلرزات‬ ‫تدسها في مالبسنا‪ ،‬لتحفظنا من ش ّر‬ ‫الزرقاء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫العيون احلاسدة‪ ،‬أحببت عني حورس الزرقاء‪،‬‬ ‫وحاولت صناعة أسطورة جديدة‪ ،‬تخلط حكاية‬

‫‪130‬‬

‫‪7/21/13 9:00:04 AM‬‬

‫أمي بحكاي������ة مصر‪ ...‬أجاء خالي متل ّه ًفا خلف‬ ‫هذه اخللطة؟ احلرارة والغبار وأرواح الفراعنة‪،‬‬ ‫وصفة خاصة إلبداع س������اخن‪ ،‬أن������ا ابنة املنفى‬ ‫الب������ارد‪ ،‬ب���ي��ن باري������س وأمس������تردام وقليل من‬ ‫بروكسل وبرلني وفرانكفورت‪....‬‬ ‫اإلبداع‪ ،‬مرتبط باالنفتاح للش������مس والغبار‪،‬‬ ‫ال للنق������اء والترتي������ب الصارم‪ ،‬املريح للجس������د‪،‬‬ ‫احلابس للروح‪ .‬إذا كانت احلياة في مكان آخر‪،‬‬ ‫حس������ب عنوان رواية كوندي������را‪ ،‬فيجب أن تكون‬ ‫للكات������ب في مصر‪ ،‬حيث الدفء يس������اعد على‬ ‫الكتابة‪ ،‬وحيث ب������رد املنفى األوربي‪ ،‬يخلق كآبة‬ ‫ورتابة‪ ،‬ويُخشى من إحباط العزلة‪.‬‬ ‫في مصر الدافئة‪ ،‬احلارة‪ ،‬ال ميكن للمثقف‬ ‫ممارسة العزلة‪ ،‬فالش������ارع واملقهى والعالم كله‬ ‫يقتحم حي������اة أحدنا‪ .‬رمبا تكون أفضل كتاباتي‬ ‫في نظري‪ ،‬هي ما د ّونته في منفاي الباريس������ي‪،‬‬ ‫لكنني الأزال مؤمنة‪ ،‬أنني لم أكتب ما أحلم به‪،‬‬ ‫ورمب������ا ما أحلم بكتابته‪ ،‬لن أكتبه إال في مصر‪.‬‬ ‫هناك حيث أحسس������تني جنية فرعونية سمراء‬ ‫هاربة من أرض ما‪ ،‬ومتنقّلة بني شوارع القاهرة‬ ‫مع س������ائق مجنون‪ ،‬كان يغني لي طيلة الطريق‪،‬‬ ‫وهو يع ّرفني على ش������وارع املدينة القدمية‪ ،‬من ّر‬ ‫على األحياء الفقيرة‪ ،‬أتفرج بدهشة على الشوارع‬ ‫والبيوت وعربات الباعة املتجولني‪ ،‬وكأنني من‬ ‫نافذة الس������يارة‪ ،‬أرى العال������م احلقيقي‪ .‬لم يكن‬ ‫لدي وقت للمشي طويلاً في تلك الشوارع‪ ،‬كان‬ ‫علي العودة سري ًعا إلى بالد البرد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫في مصر‪ ،‬شربت من نيلها‪ ،‬ودخلت الرواية‬ ‫املصرية‪ ،‬ومش������يت في شوارع املسلسل احملبب‬ ‫الذي كنت أنتظره بلهف������ة‪ ،‬مع صحن البزر‪ .‬ثم‬ ‫عدت إلى باريس‪.‬‬ ‫بني فرحتي باكتش������اف جذوري الفرعونية‬ ‫امليتافيزيقة‪ ،‬واختالط أنفاس������ي بأنفاس خالي‬ ‫التائ������ه هناك‪ ،‬وش������عوري بالذنب نح������و كلبتي‪،‬‬ ‫التي لم تنتظر عودتي‪ ،‬فماتت قبل وصولي إلى‬ ‫باري������س‪ ،‬أتر ّنح باحثة عن كتاب������ة جديدة‪ ،‬كتابة‬ ‫دافئة‪ ،‬تس������تمد إبداعها من شمس‪ ،‬وأساطيره‬ ‫هناك‪ ،‬ش������مس الذي يقهر برد ال������روح‪ ،‬ورتابة‬ ‫الغ������رب األني������ق‪ ،‬املرت������ب بدق������ة‪ ،‬واخلالي من‬ ‫املفاجآت >‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep126-130.indd 130‬‬


‫شخصيات‬

‫الشاعر واملؤرخ أحمد البشر الرومي‬ ‫فاضل خلف*‬ ‫أحمد البشر الرومي أستاذي في املدرسة‬ ‫الشرقية (‪ )1941 - 1940‬كلما تذكرته‬ ‫عدت إلى سنوات الدراسة‪ ،‬حيث كنت أراه‬ ‫يقف كالطود شامخا في محراب العلم‬ ‫ليد ّرس لنا مادة التاريخ‪ .‬لم يكن مجرد‬ ‫معلم يلقن الطالب مواد تختزنها الذاكرة‬ ‫نسى بعد االمتحانات‪ .‬وإمنا موسوعة‬ ‫و ُت َ‬ ‫علمية‪ ،‬فهو يحدثك في األدب وتاريخ‬ ‫الشعوب والبلدان وسير املؤرخني العرب‬ ‫وعصر الفتوحات‪ ،‬ثم يفتح أمامك نوافذ‬ ‫جديدة نطل منها على أهل األدب والفكر‬ ‫وشعراء اجلزيرة العربية واألندلس وشعراء‬ ‫النهضة‪.‬‬ ‫مازل� � ��ت أذكر حني حدثن� � ��ا عن األدب‬ ‫األندلس� � ��ي يضع أمامنا ه� � ��ذا التاريخ‬ ‫بكل ما فيه من معرفة واطالع ويتدفق‬ ‫كاجلدول الرقراق في سرد أعالم الشعر األندلسي‬ ‫وجمال غنائياته وخاصة املوشحات ويذكر الكتب‬ ‫التي تتحدث عن األدب في األندلس ونحن نصغي‬ ‫إليه بكل جوارحنا‪ ..‬ثم يقرأ لنا ً‬ ‫بعضا من قصائد‬ ‫* شاعر وكاتب من الكويت‪.‬‬

‫الشاعر الراحل أحمد البشر الرومي (‪1982 - 1905‬م)‬

‫شاعرها ووزيرها أحمد بن عبدالله بن غالب ابن‬ ‫زيدون وينشد القصيدة ومالمح وجهه تبدو عليها‬ ‫سمات احلسرة واحلزن‪:‬‬

‫أضحى التنائي بديال م��ن تدانينا‬ ‫ون� ��اب ع ��ن ط �ي��ب ل �ق �ي��ان��ا جتافينا‬ ‫ب �ن �ت��م وب� � ّن ��ا ف �م��ا اب �ت �ل��ت جوانحنا‬ ‫ش ��وق ��ا إل��ي��ك��م وال ج��ف��ت مآقينا‬ ‫‪131‬‬

‫‪7/24/13 10:15:17 AM‬‬

‫‪sep 131-135.indd 131‬‬


‫ويظ������ل ص������وت‬ ‫أس������تاذي الروم������ي‬ ‫يتردد ف������ي خاطري‬ ‫حت������ى س������افرت إلى‬ ‫إجنلت������را وأنا أتذكر‬ ‫دروس������ه ع������ن تاريخ‬ ‫األندلس‪ ،‬ويس������كن‬ ‫مش������اعري وأفكاري‬ ‫صوته وه������و يحدثنا‬ ‫عن الشعر وقصص‬ ‫العرب في هذا البلد‬ ‫اجلـمـي������ل‪ ،‬ولــذل������ك‬ ‫قررت في عام ‪1960‬‬ ‫أن أزور األندلس عن‬ ‫طريق البحر‪.‬‬ ‫وس������افرت إل������ى الرومي في مكتبته‬ ‫األندلس أطوف في رحاب حضارتها وقصورها‬ ‫اإلس���ل��امية وأرى النقوش والزخرفات‪ ،‬وصوت‬ ‫البشر يتردد في أحاسيس������ي يقرأ قصائد ابن‬ ‫زيدون وتف������ر دمعة من عيني ال أدري هل دمعة‬ ‫حزن عل������ى رحيل أس������تاذي وذكرياته؟ أم دمعة‬ ‫أسى على خروج العرب من األندلس؟‬

‫رجل التنوير‬

‫كان أحم������د البش������ر الرومي رج������ل التــنوير‬ ‫والفك������ر واحل������ر يحلم ب������أن تنه������ض الكـــويت‬ ‫ومتــــض������ي في درب العل������م واملعرفة‪ ،‬فدعا إلى‬ ‫تعلــــي������م املرأة وفت������ح املدارس ومن������ح الفرص‬ ‫ألبناء الكويت لدراس������ة العلوم احلديثة واللغات‬ ‫األجنبية‪.‬‬ ‫وق������د وقف ضد الفك������ر التقلي������دي لبعض‬ ‫املصلح���ي��ن والوع������اظ الذين كان������وا يرفضون‬ ‫امل������دارس التي ي������درس فيها الط���ل��اب اللغات‬ ‫األجنبية وعلوم العصر من اجلغرافيا والهندسة‬ ‫والتاريخ‪ ،‬بل إنه������م دعوا إلى مقاطعة الصحف‬ ‫العربية والكتب التي ترد إلى الكويت بحجة أنها‬ ‫نوعا من الكفر واإلحل������اد‪ ،‬ولذلك كتب‬ ‫حتم������ل ً‬ ‫البشر عن الصحف وقال‪:‬‬

‫إن ل� �ل� �ص� �ح� �ـ� �ـ� �ـ���ف ب� �ق� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ� �ل� �ب ��ي‬ ‫م�� � � � �ن� � � � ��ز ً‬ ‫َ‬ ‫ال ح� � � � � ُّ�ي� � � � ��وا ن� � � � ��زول� � � � � ْ�ه‬

‫‪132‬‬

‫‪7/24/13 10:15:22 AM‬‬

‫إمن � � � � � � � ��ا ال�� � � �ص�� � � �ح� � � ��ف ك�� �ط�� �ي� ��ر‬ ‫َ‬ ‫ي� � �ش� � �ت� � �ه�� ��ي احل� � � � � � ��ر ه � � ��دي� � � �ل � � � ْ�ه‬ ‫ك�� � � � � ��ل َم� � � � � � � � ��ن ش� � � � � � � � ��اء رق � � � � ً�ي � � � ��ا‬ ‫ص� � � � َّ�ي� � � ��ر ال � � �ص � � �ح� � ��ف س�� �ب�� �ي�� � َل� � ْ�ه‬ ‫َ‬ ‫ف� � � � � � �ه � � � � � ��ي خ� � � � � � �ي � � � � � ��ر ح � � � � �ي� � � � ��اة‬ ‫وه � � � � � � ��ي ل � � �ل � � �ع � � �ل� � ��م وس � � � �ي � � � � َل� � � ��ةْ‬

‫وحني دعا الشيخ عبدالعزيز الرشيد إلى نهضة‬ ‫الكويت من خالل االهتمام بالتعليم وعدم االقتصار‬ ‫على القراءة واحلساب والفقه‪ ،‬مبينا أن هناك علوما‬ ‫جديدة مثل اللغات األجنبية البد من تدريس� � ��ها في‬ ‫م� � ��دارس الكويت‪ ،‬ثار املتعصبون ضده وخاف بعض‬ ‫البس� � ��طاء على أوالدهم من العل� � ��وم احلديثة‪ ،‬فدعا‬ ‫هؤالء املتزمتون إلى إه� � ��دار دم العالمة عبدالعزيز‬ ‫الرش� � ��يد‪ ،‬ولكن البش� � ��ر ورجال العل� � ��م والفكر في‬ ‫الكوي� � ��ت وقف� � ��وا مع الرش� � ��يد حتى كانت املدرس� � ��ة‬ ‫األحمدية عام ‪1921‬م تس� � ��تقبل ن� � ��ور العلم ويدرس‬ ‫الطالب كل ما هو جديد في نهضة األمم‪.‬‬ ‫وكتب البشر قصيدة شهيرة يدعو فيها إلى‬ ‫أهمي������ة العلم ورفض الفكر الس������قيم واالنفتاح‬ ‫على العالم بدراسة كل العلوم‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫وانسكب‬ ‫س� ��ال دم� ��ع ال� �ع�ي�ن م �ن��ي‬ ‫ْ‬ ‫�ب‬ ‫م� ��ن ت� ��وان� ��ي ق ��وم� �ن ��ا ع�� ّ�م���ا َ‬ ‫وج�� � ْ‬ ‫وج�� � ��ب ال � � �ي� � ��وم ع� �ل� �ي� �ك ��م س� ��ادت� ��ي‬ ‫�ب‬ ‫أن مت� � � � � ُّ�دوا ل� �ل� �ع�ل�ا خ � �ي� ��ر س� �ب � ْ‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 131-135.indd 132‬‬


‫وال� � � �ع� �ل ��ا ل� � �ي � ��س ل � � ��ه م � � ��ن سبب‬ ‫م� � ��وص� � � ٍ�ل غ � �ي� ��ر ع� � �ل � ��وم تنتخب‬ ‫�ودا ُم ْهلكً ا‬ ‫ف��ان �ف �ض��وا ع �ن �ك��م ج� �م�� ً‬ ‫الطلب‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫وا‬ ‫�د‬ ‫واط�ل�ب��وا العلم وج��‬ ‫ُّ‬ ‫ْ‬ ‫خ � � ��اب ش�� �ع� � ٌ�ب ق � ��د ت� � � � ��ر ّدى ك� �س�ل�اً‬ ‫�ب‬ ‫وج � � �م� � � ً‬ ‫�ودا ي � ��ا ب� �ن ��ي ق� ��وم� ��ي وت � � ْ‬ ‫طموحات كبيرة‬

‫ال ش������ك في أن البش������ر توافرت ل������ه ثقافة‬ ‫أدبية عميقة وخبرة بتجارب الش������عوب ونهضة‬ ‫األمم وسبل التقدم والرقي في العلم‪ ،‬من خالل‬ ‫اطالعه عل������ى كتب التاريخ الق������دمي واحلديث‬ ‫وعش������قه للتراث الذي س������اهم فيه مبوس������وعة‬ ‫األمثال الشعبية‪ ،‬فقد حفظ في طفولته القرآن‬ ‫الكرمي‪ ،‬وكذلك كانت تس������كنه طموحات كبيرة‬ ‫عن حري������ة الفكر وتعليم املرأة والنهضة األدبية‬ ‫للكويت واالهتمام بإعداد الش������خصية الكويتية‬ ‫والتركيز على اآلداب والفنون والتاريخ والتراث‬ ‫العربي األصيل ورفض اتباع اآلخرين والدعوة‬ ‫إلى اإلبداع والتأليف والوحدة الوطنية والقومية‬ ‫وعدم اخلض������وع للتيارات أو املذاهب ش������ديدة‬ ‫التط������رف وصياغ������ة وج������دان الش������باب بالقيم‬ ‫األخالقية وع������ادات الق������راءة والبحث وتعميق‬ ‫االنتماء الوطن������ي للكويت‪ ،‬من خالل تش������جيع‬ ‫الطالب على الدراس������ات العليا والدكتوراه عن‬ ‫تراث األج������داد ورؤيتهم للمس������تقبل واالرتباط‬ ‫بالش������عوب ثقافيا وفكريا دون أن نفقد أصولنا‬ ‫العميقة‪.‬‬ ‫وقد استطاع البشر أن يحقق ً‬ ‫بعضا من هذه‬ ‫األهداف في مس������يرة حياته ومع طالبه الذين‬ ‫أصبح������وا في ما بعد ق������ادة وروا ًدا في الكويت‬ ‫يتذكرون ه������ذه املواقف من معلمهم ويتمنون أن‬ ‫تك������ون كل دار عل������م أو مؤسس������ة تعليمية تتميز‬ ‫برجال علم مثل البشر‪.‬‬

‫ذكريات البدايات‬

‫وأذك������ر أن هناك أس������بابا ومواق������ف كثيرة‬ ‫س������اهمت في نبوغه الفكري‪ ،‬منها تعرفه على‬ ‫نخبة كبيرة من العلماء والش������عراء واألدباء منذ‬ ‫بداي������ة تفتح وعي������ه وارتباطه بالش������اعر صقر‬ ‫الشاعر واملؤرخ أحمد البشر الرومي‬

‫‪7/24/13 10:15:26 AM‬‬

‫الش������بيب‪ ،‬وقد حتدث لنا عن ه������ذه الذكريات‬ ‫وقال‪« :‬كان بيت الش������اعر صقر الش������بيب قرب‬ ‫منزلنا‪ ،‬فكنت أذهب إليه أقرأ له عن الش������عراء‬ ‫وس������ير حياتهم‪ ،‬مثل ديوان أبي متام والبحتري‬ ‫ولزوميات املع������ري واملتنبي وابن الرومي‪ ،‬وكنت‬ ‫أش������عر بالدهش������ة أمام هذا الش������اعر العمالق‬ ‫كفي������ف البصر‪ ،‬ولكنه ميلك ق������درة على حفظ‬ ‫دواوين من الشعر ودراية بحياة الشعراء‪ ،‬سواء‬ ‫من العصر اجلاهلي أو اإلس���ل��امي أو احلديث‬ ‫مثل أحمد شوقي والزهاوي والرصافي وحافظ‬ ‫إبراهيم والب������ارودي وكذلك مؤلفات املنفلوطي‬ ‫والرافعي‪.‬‬ ‫وأذهلني هذا الش������اعر وتأثرت ب������ه كثي ًرا‪،‬‬ ‫حت������ى وجدتني دون أن أدري أحفظ اآلالف من‬ ‫النصوص الش������عرية لهؤالء الش������عراء القدامى‬ ‫واحملدثني‪ .‬وم������ن هنا بدأت في كتابة الش������عر‬ ‫واالهتم������ام بتراجم الش������عراء‪ ،‬وكان كتابي عن‬ ‫حي������اة «صقر الش������بيب» من أه������م الكتب التي‬ ‫أجنزته������ا حلفظ تراث ه������ذا الش������اعر الكبير‬ ‫(شاعر الكويت)‪.‬‬ ‫وتعلمت في حضور صقر الشبيب كيف أقرأ‬ ‫وكيف أثقف نفس������ي‪ ،‬فقد ش������اهدت كثي ًرا من‬ ‫علم������اء وأدباء تلك الفترة في ضيافته يتحدثون‬ ‫عن أهم القضايا السياس������ية واالجتماعية التي‬ ‫كانت س������ائدة‪ ،‬وكان������ت لهم دراي������ة كبيرة بكتب‬ ‫الفلس������فة وآراء الفالس������فة واألدباء واملفكرين‪،‬‬ ‫وكان ه������ذا النور هو بداي������ة طريقي مع األدب‬ ‫والشعر والتاريخ والتراث»‪.‬‬ ‫ومن س������مات أحمد البشر الرومي الثقافية‬ ‫اهتمامه بالتدوين والتس������جيل‪ ،‬فقد س������مع في‬ ‫بيت صقر الش������بيب أق������واالً وكلم������ات وأمثاالً‬ ‫وحكاي������ات‪ ،‬وقرأ في الكت������ب واملخطوطات عن‬ ‫أحداث كثي������رة‪ ،‬فقرر أن يكتبها ليقرأها في ما‬ ‫بعد‪.‬‬ ‫وب������دأ يول������ي اهتما ًم������ا باألمثال الش������عبية‬ ‫الكويتي������ة وما يقابلها بالعربية‪ ،‬حتى اس������تطاع‬ ‫أن ينجز كتا ًبا بأجزائ������ه األربعة وهو «األمثال‬ ‫الكويتي������ة املقارنة»‪ ،‬الذي احتوى على ما يقرب‬ ‫من س������بعة آالف من هذه األمث������ال التي جمعها‬ ‫من أفواه الناس وأحاديثهم اليومية في األسواق‬

‫‪133‬‬

‫‪sep 131-135.indd 133‬‬


‫وف������ي الديـــوانيات‬ ‫و ا ملــــنـــا س������ــبـــــا ت‬ ‫و ا ال حــتـــــف������ا ال ت‬ ‫الش������عبـــيــة ومــ������ن‬ ‫خ���ل��ال مكــتـــبــت������ه‬ ‫الكـــــب������رى الثري������ة‬ ‫با ملخـــطـــو طـــ������ا ت‬ ‫والكـــت������ب القدمية‬ ‫والقصص‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫إن اهـــتمام������ي‬ ‫باألمثال الش������عبية‬ ‫يـــكــــــش������ف عـــ������ن‬ ‫ص������ورة لوج������دان‬ ‫أه������ل الكويت وما‬ ‫يتمي������زون ب������ه من‬ ‫أخ���ل��اق كرمية وعادات طيبة متوارثة عن اآلباء‬ ‫واألجداد‪ ،‬ف������كان ضرور ًيا أن أوث������ق هذا النبع‬ ‫الثقافي حتى ال ينسى‪.‬‬ ‫ولذلك‪ ،‬ح���ي��ن تقرأ كتاب البش������ر في هذه‬ ‫األمث������ال الش������عبية جتده������ا جميع������ا تعبر عن‬ ‫القيم األخالقية التي كانت س������ائدة وحتث على‬ ‫الوفاء واألمانة والتعاون وإغاثة اجلار واحترام‬ ‫اآلخري������ن والتقرب إل������ى الله باخلي������ر والعمل‬ ‫الصالح‪ .‬والشك في أن كل هذه األمثال تصور‬ ‫عاملاً كان يحياه أه������ل الكويت بني جتارة اللؤلؤ‬ ‫والصي������د والرعي في الصحراء‪ ،‬والوقوف ضد‬ ‫عواصف الطبيعة والكوارث التي أصابت البالد‬ ‫قدميا‪.‬‬ ‫وأعتق������د أن كتابه عن األمثال يعد نبعا ثريا‬ ‫اآلن لدراس������ة الس������مات االجتماعية والثقافية‬ ‫للمجتمع الكويتي خالل فت������رة تاريخية معينة‪،‬‬ ‫كما أنه مرجع للكثير من الدراسات األكادميية‬ ‫التي تختص باألدب الشعبي وفنونه‪.‬‬ ‫كذلك البد أن نذكر كتابه «معجم املصطلحات‬ ‫البحرية في الكويت»‪ ،‬الذي اس������تمد مادته من‬ ‫خالل جتربته مع الغوص والسفر والصيد‪ ،‬حيث‬ ‫اقترب من عالم الغواصني في جتارة اللؤلؤ حني‬ ‫اش������تغل في هذه املهنة‪ ،‬وهو مازال في السابعة‬ ‫عش������رة من عمره‪ ،‬فاس������تطاع أن يوثق أغانيهم‬ ‫وأدواتهم وعاداتهم البحرية‪ ،‬فكشف بذلك عن‬

‫‪134‬‬

‫‪7/24/13 10:15:31 AM‬‬

‫عالم البحر وأس������راره‪ ،‬ف������كان كتابه هذا فتحا‬ ‫جدي������دا في ثقافة البح������ر والصيادين‪ ،‬وجتربة‬ ‫تعلم منها في حياته معنى الصبر وحكمة البحر‬ ‫وحزن البحارة‪.‬‬

‫في مجلة البعثة‬

‫وللبش������ر مق������االت كثيرة نش������رت في مجلة‬ ‫البعث������ة الت������ي كان يصدرها بي������ت الكويت في‬ ‫القاهرة‪ ،‬ومقاالت أخرى نش������رها في الصحف‬ ‫الكويتي������ة‪ ،‬حت������دث فيها ع������ن أهمي������ة التراث‬ ‫الكويتي واخلليجي‪ ،‬ولذلك س������اهم في تأسيس‬ ‫مرك������ز الفن������ون الش������عبية بالكوي������ت‪ ،‬ودعا في‬ ‫مقاالته أيضا إلى تثقيف الشباب وتهيئة البيئة‬ ‫لنهضة علمية بتوفير املكتبات العامة وتش������جيع‬ ‫املسابقات اإلبداعية واالطالع على آداب وفنون‬ ‫الشعوب وفتح أبواب النشر والتعبير أمام اجليل‬ ‫اجلديد‪ .‬وحتدث عن بعض الش������عراء القدامى‪،‬‬ ‫مثل ابن عريع������ر ومنطقة كاظمة ف������ي التاريخ‬ ‫ومواقف الرجال ف������ي الدفاع عن الوطن وكيف‬ ‫كان أهل الكويت يتحدون جمي ًعا أمام األخطار‬ ‫والغزوات‪ ،‬وه������ذه املقاالت ص������درت في كتابه‬ ‫«مقاالت عن الكويت» عام ‪.1966‬‬ ‫وللبشر مكتبة ضخمة أوصى بإهدائها إلى‬ ‫وزارة التربية تضم أكثر من عشرة آالف كتاب في‬ ‫شتى فنون املعارف من التاريخ القدمي واحلديث‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 131-135.indd 134‬‬


‫واألدب والشعر والفلس������فة واملنطق واالقتصاد‬ ‫واملوس������وعات العلمي������ة والثقافي������ة باإلضاف������ة‬ ‫إلى املخطوطات القدمية ع������ن البحر والصيد‬ ‫والتجارة واملراجع والرس������ائل ودفاتر حسابات‬ ‫التجار ونواخذة الغوص والس������فر‪ ،‬وز ّود املكتبة‬ ‫بجه������از (ميكروفيل������م) لعرض الكت������ب القدمية‬ ‫واملخطوطات التي يدرسها ويحقق فيها‪ ،‬ومنها‬ ‫مخطوطة عن األلعاب الشعبية الكويتية وأخرى‬ ‫عن الس������فن وأجزائها وأدواته������ا وتاريخ صنعها‬ ‫وبدايتها بالكويت‪ ،‬هذا إلى جانب تس������جيالت‬ ‫ألول مطرب بالكويت وهو يوسف البكر‪ .‬والبشر‬ ‫يعد من األوائل في كتابة املذكرات الش������خصية‬ ‫ع������ام ‪1939‬م ويجب أن أتوق������ف عند قصيدته‬ ‫«س������ال دمع العني»‪ ،‬التي يكشف فيها عن وجوه‬ ‫الدجال���ي��ن وجتار الدين الذي������ن يرفضون العلم‬ ‫احلديث ويكره������ون التطور والتقدم‪ ،‬بحجة أنه‬ ‫مفس������دة للناس والبالد ونالح������ظ مدى صدق‬ ‫هذه القصيدة وكأنها كتبت اليوم‪.‬‬

‫�ال غ� ��دا‬ ‫ال مت � �ي � �ل� ��وا ن � �ح� ��و دج� � � � � � ٍ‬ ‫للذهب‬ ‫ب ��اس ��م دي � ��ن ل��ل��ه ي� �ح ��وي‬ ‫ْ‬

‫تدجيله‬ ‫أن � �ع � �م� ��وا األف� � �ك�� ��ار ف� ��ي‬ ‫ِ‬ ‫ُت� � �ب� � �ص � ��روا ت� � �ق�� ��واه زو ًرا وك�� ��ذب‬ ‫ل� �ي ��س ب�ي��ن ال� �ع� �ل ��م وال � ��دي � ��ن كما‬ ‫ق � ��ال � ��ه ال� � ��دج� � ��ال ب � � ��ون منشعب‬ ‫إمن � � ��ا ل� �ل� �ص� �ف ��ر وال � �ب � �ي� ��ض سعى‬ ‫م� �ظ� �ه � ً�را ت� �ق ��وى ل �ي �ح �ظ��ى ب� ��األرب‬ ‫اذك � � � ��روا ال� �ت� �ب� � َر وق � ��ول � ��وا يشترى‬ ‫�ام ف�� � ��ي ح� �ل ��ب‬ ‫ب� � � �ص� �ل � ٍ‬ ‫�اة وص�� � � �ي� � � � ٍ‬ ‫وان� � � �ظ � � ��روا ك� �ي���ف إل�� �ي� ��ه يغتدي‬ ‫ت�� � � � � � ��ار ًة ي� � � �ن � � ��زو وت� � � � � � � � ��ارات ي� �ث ��ب‬ ‫ث � �ك � �ل � �ت� ��ه أم� � � � ��ه ك� � �ي � ��ف اغ� � �ت � ��دى‬ ‫ب��اس��م دي� ��ن ال��ل��ه ي��ح��ت� ُ‬ ‫�ال النشب‬ ‫هذا هـــــو أس������تــــاذي أحمد البــشر الرومي‬ ‫ال������ذي تعلمن������ا منه معــــن������ى التنوي������ر الذهــــني‬ ‫وحــرية التعبــــير وكــــرامة اإلنــــسان وتــــحرره من‬ ‫األغــالل‪ ,‬وكــــــيف نقف جـــمي ًعا فــــي مـــواجهــــة‬ ‫تــــحديات العصر بالتراث واملعاصرة والثـــــقافة‬ ‫اإلبـــداعية ملقاومة الظلم واالستبداد‪ .‬رحم الله‬ ‫أستاذنا الكبير >‬

‫َق� � َف� �ت� �ن ��ي َع � �ل� ��ى َن� � � � � َ‬ ‫�داك ال�� ُ�ظ� �ن���ونُ‬ ‫�ن‬ ‫�س�� �ن� ��اءِ َث� �م�ي ُ‬ ‫َو َث�� �ن� ��ائ� ��ي ع� ��ال� ��ي ال� � َ‬ ‫�در م��ا ِاب��تُ �ل �ي��تَ أَت � � َ‬ ‫�اك ال‬ ‫م��ا َع �ل��ى َق� � ِ‬ ‫ُش� � �ك � � ُ�ر ِم� � � ّن � ��ي ِإ ّن�� � � ��ي ِإذ ًا َل� � َغ� �ب�ي�نُ‬ ‫َو ِإذا م � ��ا أَخَ � � � � � َّ�ل ب � ��ي ف � �ي� � َ‬ ‫�ك َظ � � ٌّ�ن‬ ‫�ك َع� �ن ��هُ ِم� �ن � َ‬ ‫�ش � َّ‬ ‫َو َج��ل��ا ال � َ‬ ‫�ك ال َيقنيُ‬ ‫�ود‬ ‫�اء ِم�� � ّن� ��ي ِب � �ع� � ٍ‬ ‫َع � � ��زَّ ف � �ي� � ِ�ه ال�� � � َرج� � � ُ‬ ‫َواس � � � َت � � � َب� � � َّ�دت ِب�� � � ِ�ه َع � �س� ��ى َو َي� � �ك � ��ونُ‬ ‫َو َح�� َ�م� �ت�� َ‬ ‫�اب َن� �ف � ِ�س � َ�ي َحتّى‬ ‫�ك ال � ِ�ع� �ت � َ‬ ‫�س� ��ت ِل� �ل�� ِ�ق� �ي�� ِ�اد َو ِه�� � � � َ�ي َح � � ��رونُ‬ ‫َس� � ِ�ل� � َ‬ ‫َو َل � � َع � �م� ��ري َل�� ِ�ئ���ن َط� � َل� �ب � ُ�ت ِل ُشكري‬ ‫�ن‬ ‫�ض � �ن�ي� ُ‬ ‫َث� � � َ�م � � �ن � � � ًا ِإ َّن� � � �ن�� � ��ي ِإذ ًا َل� � َ‬ ‫‪135‬‬

‫‪7/24/13 10:15:37 AM‬‬

‫‪sep 131-135.indd 135‬‬


‫شعر‬

‫َ‬ ‫مازال العا َل ُم‬

‫آمال الزهاوي *‬

‫* شاعرة من العراق‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫‪7/24/13 11:05:04 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 136-137.indd 136‬‬


‫بالعبرات‬ ‫مثقلة‬ ‫دهور‬ ‫رغم مرور‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وقرون تغزلها في الليل مدارات‬ ‫ٍ‬ ‫بسني األلفيات‬ ‫ربطتنا‬ ‫وعقود‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫لكن العالم مازال كما كان‬ ‫ّ‬ ‫طف ً‬ ‫ال يحبو‬ ‫ورضيع ًا يشرب من ثدي النزوات‬ ‫من بدء ظهوره حتى اآلن‬ ‫األكوان‬ ‫من بدء جتلّي‬ ‫ْ‬ ‫يرسل من مكمنه لآلفاق إشارات‬ ‫يبحث عن معنى في دائرة العرفان‬ ‫وميد األجواء رسوما‬ ‫ّ‬ ‫يبرقها الضوء وحتييها النغمات‬ ‫صور تتحرك وحيا‬ ‫وتقص حكايات‬ ‫ّ‬ ‫من أول هذي األرض آلخرها‬ ‫التو الومضات‬ ‫تتعمق في ّ‬ ‫ّ‬ ‫اآللي‬ ‫ع‬ ‫ُص ِن‬ ‫اإلنسانُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫اجلسد احلي‬ ‫واستنسخَ منا‬ ‫َ‬ ‫وحلّق في الدهشة منذ قراءته‬ ‫خارطة اجلينات‬ ‫ُ‬ ‫يعرف موروثَ الناس عن العلم‬ ‫وأسر مبرآة الكشف اآليات‬ ‫ّ‬ ‫ارتعشت‬ ‫بني قلوب‬ ‫ْ‬ ‫ال يسمعها أحد في الطرق الصماء‬ ‫جميعا‪ ،‬كلّمها‬ ‫قرأ األشياء‬ ‫ً‬ ‫ولّد منها الطاقات‬ ‫ليرى العالم من أوله حتى آخره‬ ‫في حلظات‬ ‫لكنه مازال يراوح في موقعه‬ ‫فتدور أل ّولها اخلطوات‬ ‫تتمرغ في نار احلقد‬ ‫روح‬ ‫ّ‬ ‫وما إن تتحرك حتى تنكفئ الرايات‬ ‫يبعث بالكون رساالت‬ ‫من يقرأها؟‬ ‫من يقدر أن يقرأها؟‬ ‫في املاضي كانت تتنازعنا األعراقْ‬ ‫فتندلق األعماقْ‬ ‫نلهو فيها‪ ،‬أو تلهو فينا الغايات‬

‫َ‬ ‫مازال العا َل ُم‬

‫‪7/24/13 11:05:11 AM‬‬

‫نح ��و ف ��روض الق ��وة‪ ،‬ك ��ي ميت ��د نف ��وذ‬ ‫االستيالء‬ ‫باسم رموز احلق‬ ‫فأي رموز احلق ُتضاء؟‬ ‫ّ‬ ‫نفس الدنيا‬ ‫واليوم‪ ..‬الدنيا مازالت‬ ‫َ‬ ‫املبدأ كالواحد في جوهره‬ ‫وإن اختلفت فيه تفاصيل األسماء‬ ‫في مظهره تلتمع احلر ّية والدميقراط ّية‬ ‫تلبسه أرقى النظريات‬ ‫فكيف أقيس فروق ًا ال تخبو؟‬ ‫ُ‬ ‫الفاحت‬ ‫باألمس يلوح‬ ‫كالبرق على فرس الريح‬ ‫كما متلي الصبوات‬ ‫يستعبد خلقَ الله على وجبات‬ ‫ُ‬ ‫واليوم احلاضر ُأ َ‬ ‫بدل فيه السيف‬ ‫بتقنية النووي والعنقودي‬ ‫وتلك النار‬ ‫ِ‬ ‫والسفن القاصفة الوهج تصب اجلمر‬ ‫على بعد مسافات‬ ‫تتفحم مدن كاملة فيها أحالم ورؤى‬ ‫ّ‬ ‫واألهداف هنا واحدة في العري‬ ‫فنجملها بورقات التوت‬ ‫ّ‬ ‫فما أجمل أن تخدعنا‬ ‫أوراق التوت اخلضراء!‬ ‫ما الفرق إذن‬ ‫فرس‬ ‫بني الفاحت بالقوس على ٍ‬ ‫واآلتي يطوي األبحر في عابرة القارات‬ ‫واملتسلّط ملّا يتباهى بالقوة‬ ‫واملتلفّ ع في ثوب احلرية كل األوقات؟!‬ ‫فالدنيا ال تسع النصر الثنني‬ ‫الدنيا كفّ ا ميزان‬ ‫بد ألن يسقط فيها واحد‬ ‫فال ّ‬ ‫فوق تراب األرض وترتفع اللعنات‬ ‫ليس هناك ثبات‬ ‫البد ألن يصعد‬ ‫َّ‬ ‫باسم النصر‬ ‫منتصر‬ ‫هنا‬ ‫ٌ‬ ‫أو يسقط ذاك اآلخر‬ ‫تقتله اآلهات >‬

‫‪137‬‬

‫‪sep 136-137.indd 137‬‬


‫سيرة‬

‫«أصداء الذاكرة»‬ ‫لعبدالعزيز الشايع‬

‫التجار في بناء الكويت‬ ‫توثيق لدور ّ‬ ‫والعالقة مع الهند‬ ‫حمزة عليان*‬ ‫بعكس االعتقاد السائد بأن النفط وراء االزدهار الذي تعيشه الكويت‪ ،‬يأتي كتاب «أصداء‬ ‫الذاكرة» لعبدالعزيز محمد الشايع‪ ،‬ليص ّوب هذه النظرة‪ ،‬بالقول إن الفضل يعود إلى الفترة‬ ‫التي شهدتها البالد بعد العام ‪ ،1935‬وإلى اجليل الذي حفر في الصخر ليخوض غمار البحر‬ ‫ويهاجر إلى شواطئ وموانئ الهند‪ ،‬مرو ًرا بعمان وعدن وصو ًال إلى شرق إفريقيا وزجنبار‪.‬‬ ‫الكت������اب يصنّف ضمن فئة املذكرات‬ ‫والس������ير الذاتية‪ ،‬التي ي������روي فيها‬ ‫الشايع جان ًبا مه ًما من تاريخ الكويت‬ ‫االقتص������ادي واالجتماعي‪ ،‬وهو الش������اهد على‬ ‫التجار املنضوين‬ ‫تلك املرحلة‪ ،‬مبا مي ّثل������ه لفئة‬ ‫ّ‬ ‫في القطاع اخلاص‪ ،‬هؤالء لعبوا دو ًرا أساس ًيا‬ ‫بتجني������ب الكوي������ت أزم������ة غذائية كبي������رة أثناء‬ ‫احلرب العاملية الثانية‪ ،‬وهم َمن س������اهموا في‬ ‫عملية التأس������يس االقتص������ادي للدولة‪ ،‬وصوالً‬ ‫إلى منتصف السبعينيات‪.‬‬ ‫في املقدمة يشرح عبدالعزيز الشايع والدة‬

‫* كاتب لبناني مقيم في الكويت‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫‪7/24/13 10:26:01 AM‬‬

‫املش������روع الذي لم يكن س������ه ً‬ ‫ال كما تص ّوره في‬ ‫البداي������ة‪ ،‬الرتباطه بس������يرة عائلت������ه وعائالت‬ ‫قريبة وصديقة ساهمت في صياغة شخصية‬ ‫الكوي������ت احلديثة‪ ،‬مدينة ودول������ة‪ ،‬أدى تعاونهم‬ ‫مع «األسرة احلاكمة» (أسرة الصباح) إلى بناء‬ ‫دول������ة دميقراطية في منطق������ة اخلليج العربي‪،‬‬ ‫وحتويلها إلى مركز جتاري رائد‪.‬‬

‫الدور الوطني‬ ‫وض������ع الكاتب جملة من الوقائع واملعلومات‬ ‫التج������ار الوطن������ي وللفت������رة التاريخي������ة‬ ‫ل������دور ّ‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep138-140.indd 138‬‬


‫املهمة التي س������بقت عصر النفط‪ ،‬فاملؤسسات‬ ‫التجار ربطت‬ ‫االقتصادية التي أقامها عدد من‬ ‫ّ‬ ‫ب���ي��ن دورها االقتصادي واجلانب الوطني جلهة‬ ‫وعيها بضرورة قيام دولة حديثة‪ ،‬وكان جلهدها‬ ‫أهمية من الصع������ب إغفالها في بناء االقتصاد‬ ‫عدد املؤل������ف‪ ،‬مبادرات القطاع‬ ‫الوطني‪ ..‬وقد ّ‬ ‫اخل������اص وإس������هاماته في هذا البناء‪ ،‬كإنش������اء‬ ‫البنك الوطني وشركة ناقالت النفط واخلطوط‬ ‫اجلوية الكويتية وشركة البترول الوطنية وشركة‬ ‫الكيماويات‪ ،‬وش������ركة مطاحن الدقيق الكويتية‬ ‫وشركة السينما وشركة الفنادق وعدد كبير من‬ ‫املؤسسات املالية والسياحية‪.‬‬

‫تراجع املبادرات اخلاصة‬

‫يعت������رف الوزير الس������ابق‪ ،‬ورج������ل األعمال‬ ‫الناجح‪ ،‬ورئيس مجلس إدارة صحيفة «القبس»‬ ‫احلالي عبدالعزيز الشايع بأن التكامل بني جهاز‬ ‫الدول������ة والقطاع اخل������اص تباطأ عندما أصبح‬ ‫«أصداء الذاكرة» لعبدالعزيز الشايع‬

‫‪7/24/13 10:38:00 AM‬‬

‫إيراد النفط مسيط ًرا على احلياة االقتصادية‪،‬‬ ‫وأصب������ح املواط������ن تاب ًعا وليس مس������تق ً‬ ‫ال‪ ،‬فقد‬ ‫تراجعت املبادرات اخلاصة وبات الفرد الكويتي‬ ‫ومعتمدا في دخله على الدولة‪ ،‬وبالرغم‬ ‫موظ ًفا‬ ‫ً‬ ‫من ذلك استطاعت أسر جتارية كثيرة أن تقوم‬ ‫بأعمال اقتصادية خارج حدود الكويت‪ ،‬امتدت‬ ‫إلى أنحاء املعمورة‪.‬‬ ‫الكت������اب خليط من الس������يرة الذاتية وكتابة‬ ‫التاريخ‪ ،‬أبرز فيه صاحبه «املس������اهمة اجلادة»‬ ‫للتجار في بناء الكويت كبنية حتتية اقتصادية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتخطى دوره������م هذا اجلانب ليس������اهموا في‬ ‫وضع الدس������تور وإقراره وحتديد معالم الدولة‬ ‫احلديثة‪.‬‬ ‫خصص الفص������ل األول للحديث عن مرحلة‬ ‫تاريخ عائلته‪( ،‬الشايع)‪ ،‬وبداياتها ووصولها إلى‬ ‫الكوي������ت‪ .‬والفصل الثاني عن مرحلة تأس������يس‬ ‫العم������ل التجاري وعالقة الكوي������ت االقتصادية‬ ‫بالهن������د‪ ،‬أما الفصل الثال������ث فقد متحور حول‬

‫‪139‬‬

‫‪sep138-140.indd 139‬‬


‫املرحلة املؤسس������اتية‪ ،‬إضافة إلى فصل خاص‬ ‫بالوثائ������ق والصور النادرة التي ميلكها ويحتفظ‬ ‫بها املؤلف توضح نشاطاته وعائلته‪.‬‬

‫احلياة في الهند‬

‫رمب������ا كان الفصل الثاني م������ن أكثر الفصول‬ ‫غ������زارة وأهمية ف������ي املعلومات وم������ا احتواه من‬ ‫وقائ������ع وأحداث تتصل باحلياة ف������ي الهند ونقل‬ ‫مش������اهد جدي������رة بالتقدير ع������ن املصاعب التي‬ ‫والتجار الكويتي���ي��ن في الهند‪،‬‬ ‫واجهت العوائ������ل‬ ‫ّ‬ ‫في الثالثينيات واألربعينيات من القرن العشرين‬ ‫والنجاحات التي حققوها في تلك املرحلة‪.‬‬ ‫فيصف ظروف الس� � ��فر إلى الهند وخط سير‬ ‫الباخرة من البصرة مرو ًرا مبوانئ اخلليج ووصوالً‬ ‫إلى بومباي‪ ،‬وكيف اس� � ��تقر به املقام هناك لتبدأ‬ ‫رحلة الدراس� � ��ة وتعلّم اللغ� � ��ة اإلجنليزية واألوردو‬ ‫كذلك‪ ،‬ويش� � ��ير إلى أن املواط� � ��ن الكويتي لم يكن‬ ‫بحاج� � ��ة إلى «فيزا» في الهن� � ��د‪ ،‬باعتبار أن جميع‬ ‫بلدان اخلليج مبا فيها الكويت كانت حتت احلماية‬

‫‪140‬‬

‫‪7/24/13 10:38:10 AM‬‬

‫البريطاني� � ��ة‪ ،‬ممثل� � ��ة بحكومة الهن� � ��د البريطانية‬ ‫ومقرها ف� � ��ي نيودلهي ويرأس� � ��ها «فايس� � ��روي ‪-‬‬ ‫‪ »Viceroy‬وه� � ��و ممثل ملكة بريطانيا في الهند‪،‬‬ ‫وعمل ًيا وسياس ًيا هو حاكم الهند‪.‬‬ ‫في هذا الفصل يتحدث عن تأس������يس مكتب‬ ‫الشايع التجاري في بومباي العام ‪ ،1896‬أي قبل‬ ‫وصوله بـ‪ 46‬سنة‪ ،‬فقد وصل عمه أوالً إلى هناك‬ ‫العام ‪ 1894‬وبقي س������نتني منهم ًكا في العمل قبل‬ ‫أن يتمكن من تأسيس املكتب الذي يقع في شارع‬ ‫«ناجديفي ستريت ‪.»178‬‬ ‫التجار‬ ‫أسهب في احلديث عن مزايا وصفات ّ‬ ‫الكويتي���ي��ن في الهند وأعوانهم في البصرة‪ ،‬التي‬ ‫كان������ت أكبر منتج للتمور في العالم‪ .‬وأش������ار إلى‬ ‫أن ما جعل التجارة الكويتية تتقدم على سواها‪،‬‬ ‫أن كل بواخر الش������حن التقليدية كانت منش������غلة‬ ‫في احل������رب العاملي������ة الثاني������ة ومتطلباتها‪ ،‬أما‬ ‫األس������طول الكويتي‪ ،‬فق������د كان يتنامى باطراد‪،‬‬ ‫ما جعله ميأل الفراغ على مس������توى بلدان اخلليج‬ ‫وقدر عدد أبوام (سفن)‬ ‫العربي مبسئولية بارعة‪ّ ،‬‬ ‫الش������حن الكويتية بـ‪ 200‬بوم تعمل في البحر بني‬ ‫اخلليج العربي والهند وإفريقيا وعدن‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلى ‪ 600‬س������فينة صغيرة للغوص وللتنقل داخل‬ ‫اخلليج العربي‪.‬‬ ‫التج������ار الكويتي������ون وبجهودهم‬ ‫لقد متك������ن‬ ‫ّ‬ ‫اخلاصة من إجناز صفقات جتارية مع املهراجات‪،‬‬ ‫ومتويل جزء كبير من احتياجات اخلليج العربي‬ ‫وجند عن طريق الهند وبخاصة األقمشة واملواد‬ ‫الغذائية األساسية كاألرز واحلبوب‪ .‬وفي أحلك‬ ‫الظ������روف وأصعبه������ا وبفض������ل هذا األس������طول‬ ‫والتج������ار الكويتيني لم تع������ان الكويت من الفاقة‬ ‫ّ‬ ‫واحلاج������ة للمواد الغذائية واالس������تهالكية ومواد‬ ‫البناء وغيرها طوال سنوات احلرب‪.‬‬ ‫كانت الكويت مينا ًء ح ًرا‪ ،‬وانتعش������ت في تلك‬ ‫املرحلة جتارة الذهب ال������ذي نقله ّ‬ ‫جتار الكويت‬ ‫من الهند إلى الكويت‪ ،‬ومنها إلى بغداد‪.‬‬ ‫«أصداء الذاكرة» لعبدالعزيز محمد الشايع‪،‬‬ ‫صادر عن منش������ورات «ذات السالس������ل للطباعة‬ ‫والنشر والتوزيع» في الكويت‪ ،‬يحتوي على ‪306‬‬ ‫صفح������ات‪ ،‬بثالث������ة فصول‪ ،‬واألخي������ر عبارة عن‬ ‫وثائق وصور‪ ،‬البعض منها ينشر ألول مرة >‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep138-140.indd 140‬‬


‫قصة مترجمة‬

‫قناع الساحرة‬ ‫قصة‪ :‬يوميكو كوراهاشي*‬ ‫ترجمة‪ :‬كامل يوسف حسني**‬ ‫لعائلتي موروث غريب‪ ،‬وهو ليس حتفة‬ ‫تاريخية مث� � ��ل لفافة من روائع اخلط‪،‬‬ ‫وليس أثراً وال س� � ��يفاً وال جوهرة ذات‬ ‫قيمة في الس� � ��وق‪ ،‬وليس تذكاراً يبرهن أسالفنا‬ ‫م� � ��ن خالله على مكان� � ��ة العائل� � ��ة االجتماعية أو‬ ‫املالية‪ .‬وأنا الش� � ��خص الوحيد ال� � ��ذي ينظر إلى‬ ‫هذه القطعة باعتبارها كنز العائلة‪ .‬ولم يحدثني‬ ‫جدي وال أبي عنها‪ ،‬وكل ما هنالك أنني تصادف‬ ‫أن اكتش� � ��فتها مخبأة‪ ،‬منس� � ��ية متاماً‪ ،‬وحافظت‬ ‫عليها باعتبارها كنزي‪.‬‬ ‫هذا املوروث قناع ساحرة رهيب‪.‬‬ ‫وفي البداية بدا لي كما لو كان قناع «نو»‪ ،‬واعتقدت‬ ‫أنه قناع «هانايا»‪ ،‬أو س� � ��احرة‪ ،‬وذلك على الرغم‬ ‫من أنني ليس� � ��ت ل� � ��دي أي معرف� � ��ة عميقة مبثل‬ ‫هذه األقنعة‪ ،‬غير أنني أدركت بعد ذلك بسنوات‬ ‫أن� � ��ه لم يكن وجه امرأة غي� � ��ور‪ ،‬مثل ناما ناري أو‬ ‫هاشيهيمي في مسرحية النو «احللقة احلديدية»‬ ‫(‪ ،)1‬وإمنا محيا ساحرة فظيعة‪ ،‬ال أقل وال أكثر‬ ‫من ذلك‪ .‬بدا مثل الس� � ��احرة في «مطاردة النبات‬ ‫في اخلريف» (‪ )2‬على سبيل املثال‪ ،‬ولكن أقرب‬ ‫إلى س� � ��احرة أكثر إيغاالً في العمر من الساحرة‬ ‫الفظيع� � ��ة املنتمي� � ��ة إلى عهد إي� � ��دو‪ .‬وكان القناع‬

‫كذل� � ��ك أكبر قلي ً‬ ‫ال من قناع مس� � ��رح النو‪ ،‬أي أنه‬ ‫كان على وجه الدق� � ��ة أكبر مبا يكفي لكن يغطي‬ ‫بصورة كاملة وجه أحد البالغني‪ ،‬ولم يكن هناك‬ ‫ثقبان مكان العين� �ي��ن‪ .‬وباختصار‪ ،‬فإن القناع لم‬ ‫يكن مخصصاً ملسرحيات النو‪.‬‬ ‫كان لون� � ��ه قامت � � �اً‪ ،‬مروعاً‪ ،‬كأمن� � ��ا ُغمس في‬ ‫الدم‪ ،‬وجرى جتفيف� � ��ه مراراً وتك� � ��راراً‪ ،‬وعندما‬ ‫تطلع� � ��ت إليه في مكتبي املعتم‪ ،‬فيما املطر يهمي‬ ‫وبرد أوائل الصيف يهيمن على املكان‪ ،‬غدا اجللد‬ ‫اخلشبي مبل ً‬ ‫ال‪ ،‬كأمنا يعلوه العرق‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لقد دبت احلي������اة مجددا في القناع‪ ،‬وحتول‬ ‫إلى محيا ساحرة‪ ،‬كان اجللد رطباً بالعرق – أو‬ ‫حسبما بدا أكثر احتماالً – بالدم الذي ينبثق من‬ ‫اللحم‪ .‬ومتثل ما كان رهيباً على نحو أكبر في أن‬ ‫السطح اخلشبي القامت بدا لي كما لو كان يتخذ‬ ‫فورة محموم������ة‪ ،‬وبدا أنه قد ع������اد إلى احلياة‪،‬‬ ‫ليعبر عن إرادة نابع������ة منه‪ ،‬والحظت كذلك أنه‬ ‫متاماً مثل قناع النو فإن تعبيره س������يتغير من كل‬ ‫زاوية‪ ،‬متق������داً باحلنق حلظة‪ ،‬وس������اخراً حلظة‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫باملناس� � ��بة فإنني لم أضع القناع على وجهي‬ ‫حتى هذه اللحظة ق� � ��ط‪ ،‬وقد حاولت وضعه بال‬

‫*أديبة من اليابان‬ ‫** كاتب ومترجم من مصر‬

‫‪141‬‬

‫‪7/24/13 10:16:03 AM‬‬

‫‪sep 141-145.indd 141‬‬


‫جدوى‪ ،‬والس� � ��بب في ذلك هو كما يلي‪ :‬بينما من‬ ‫الصحي� � ��ح أن األقنعة بصفة عام� � ��ة تبدو غريبة‬ ‫ومثيرة للس� � ��خرية عندما ننظر إليها من اخللف‪،‬‬ ‫فإنني اضطررت اللتقاط أنفاس� � ��ي مسرعاً من‬ ‫جراء النفور‪ ،‬عندم� � ��ا قلبت القناع للمرة األولى‪،‬‬ ‫كانت الظلمة – ظلم� � ��ة مجبولة من حلم إن جاز‬ ‫التعبي� � ��ر – تتألق من اجلانب اخللفي‪ ،‬بدا كما لو‬ ‫أن القناع قد انتزع نزعاً من وجه شخص كان قد‬ ‫وضعه‪ ،‬وجعل ذلك اللحم جزء من ذاته‪ ،‬وكما لو‬ ‫أن ذلك الس� � ��طح امللطخ بالدم واخلشن قد تبلور‬ ‫متحوالً إلى ظلمة في س� � ��واد آنية مطلية باللك‪،‬‬ ‫وكانت عينا الس� � ��احر تتوهجان بوهج فوسفوري‪،‬‬ ‫وكما قلت لكم‪ ،‬فلم يكن هناك ثقبان في موضعي‬ ‫الع� �ي��ن‪ ،‬وبالتالي فإن النور من العالم الواقعي ما‬ ‫كان ميكن أن يض� � ��يء هاتني العينني عبر القناع‪،‬‬ ‫والب� � ��د أنهما كانت� � ��ا تتوهجان بضي� � ��اء من عالم‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫فيما رحت أتأمل القناع في يدي‪ ،‬أحسس� � ��ت‬ ‫بإغواء‪ ،‬رمبا كان بفعل هذا الوهج الغامض‪ ،‬لكن‬ ‫أضعه عل� � ��ى وجهي‪ ،‬ولكن عندم� � ��ا قربت وجهي‬ ‫منه‪ ،‬دمدمت الظلم� � ��ة على اجلانب الداخلي له‪،‬‬ ‫كاشفة عن األسنان ومحاولة قضم وجهي‪ .‬دفعني‬ ‫الف� � ��زع‪ ،‬فبادرت إلى إبعاده ب� � ��كل قوتي‪ ،‬ونظرت‬ ‫بعيداً‪ ،‬كنت قد غدوت على مس� � ��افة ش� � ��عرة من‬ ‫قض� � ��م القناع لوجهي‪ ،‬وكنت الأزال واعياً بصدى‬ ‫بعيد في أذني‪ ،‬كأمنا كانت تلك الساحرة املفزعة‬ ‫على اجلانب اآلخر من الظلمة تدمدم‪.‬‬ ‫إذا تأملن� � ��ا الفزع الذي استش� � ��عرته بصورة‬ ‫موضوعية‪ ،‬فإنه لم يكن فيه ما هو غير مألوف‪،‬‬ ‫ورمبا باستثناء تلك األقنعة الرخيصة‪ ،‬الرفيعة‪،‬‬ ‫املخصص� � ��ة لألطف� � ��ال‪ ،‬فإن أي قن� � ��اع قد يترك‬ ‫االنطب� � ��اع بأنه لن يفلت الوجه أبداً‪ ،‬إذا كان املرء‬ ‫من اإلهمال مبا يكف� � ��ي لوضعه على وجهه‪ ،‬وإذا‬ ‫لم تخني ذاكرتي‪ ،‬فإن الكاتب الفرنس� � ��ي موريس‬ ‫ميرجل نظم يوماً قصيدة بعنوان «قناع ساموراي»‬ ‫عن قناع ألصق نفسه مبحيا امرأة‪.‬‬ ‫على أي ح������ال‪ ،‬فقد تعلمت درس������ي‪ ،‬ومنذ‬ ‫ذل������ك احلني فصاعداً مت تثبيطي عن وضع قناع‬ ‫الس������احرة على وجهي‪ ،‬وكان ما حدث لي فكرة‬ ‫مختلف������ة كلية‪ ،‬ومع مرور الس������نني‪ ،‬ضربت هذه‬

‫‪142‬‬

‫‪7/24/13 10:16:07 AM‬‬

‫الفك������رة جذورها في ذهن������ي‪ ،‬ومنت لتغدو رغبة‬ ‫ال تق������اوم‪ .‬عندما كنت في اجلامع������ة‪ ،‬كانت لي‬ ‫صديقة‪ ،‬ش������أن أي ش������خص آخر‪ ،‬وأنا أعبر عن‬ ‫األم������ر بتواضع‪ ،‬ففي احلقيقة كانت لي ش������عبية‬ ‫يعتد بها ف������ي صفوف الطالبات‪ .‬وكانت كثيرات‬ ‫منهن يهتممن بي بصورة جدية‪ ،‬ولم تكن أي منهن‬ ‫من الن������وع اللعوب‪ ،‬وإمنا كن مم������ن تلقني تربية‬ ‫حسنة واتسمن بالطابع احملافظ وباجلدية‪ .‬وقد‬ ‫كنت أيضاً طالباً ذكياً‪ ،‬ومحباً للقراءة‪ ،‬على األقل‬ ‫على السطح‪ ،‬وبغض النظر عن رغبتي املكنونة‪،‬‬ ‫أعتقد أن بوس������عي القول إنني كنت حي الضمير‬ ‫في تعامالتي مع النساء‪.‬‬ ‫حينما كنت على وشك التخرج‪ ،‬قررت اختيار‬ ‫إحدى الصديقات لتكون زوجتي في املس� � ��تقبل‪،‬‬ ‫أو لكي أك� � ��ون أكثر دقة أتخذ القرار لي وربطتنا‬ ‫أواص� � ��ر اخلطوب� � ��ة م� � ��ن خ� �ل��ال تب� � ��ادل الهدايا‬ ‫املخصصة لذلك‪ ،‬وخططن� � ��ا للزواج في غضون‬ ‫ع� � ��ام ونصف العام‪ ،‬عندما حتصل خطيبتي على‬ ‫درجة البكالوريوس‪.‬‬ ‫برزت هذه املرأة‪ ،‬دعني أدعوها ك – كو اآلن‬ ‫بني الطالب� � ��ات اللواتي واعدتهن في ذلك الوقت‬ ‫بسبب أس� � ��لوبها الرقيق‪ ،‬وكانت ذكية ومتحفظة‪.‬‬ ‫غير أنه� � ��ا كانت قادرة عل� � ��ى أن تصبح متوهجة‬ ‫العاطف� � ��ة على نح� � ��و غير متوقع‪ .‬وق� � ��د ارتبطنا‬ ‫عل� � ��ي نحو طبيعي متاماً بع� � ��د خطبتنا‪ ،‬وازدادت‬ ‫عالقتنا حميمية بش� � ��كل مطرد‪ ،‬وغدت أساليبنا‬ ‫أكثر روعة وطموحا‪ .‬وباختصار‪ ،‬كنا شيئاً يتراوح‬ ‫بني زوجني وعاشقني‪.‬‬ ‫بحل������ول ذلك الوقت كان وال������داي قد توفيا‪،‬‬ ‫وبع������د أن ورث أخي األصغر أمالكن������ا العقارية‬ ‫ف������ي الري������ف‪ ،‬امتلكت داراً في طوكي������و كان أبي‬ ‫قد اعت������اد اس������تخدامها في أنش������طة األعمال‪،‬‬ ‫وقد حصلت على وظيفة ف������ي إحدى الوزارات‪.‬‬ ‫وباعتباري خريج������اً جامعياً فقد كنت هكذا في‬ ‫خير حال‪ ،‬وعلى الرغم من أن مدبرة منزل كانت‬ ‫قد اعت������ادت العناية بأبي قد بقي������ت في الدار‪،‬‬ ‫فإنها كانت صماء متاماً على وجه التقريب‪ .‬وإذا‬ ‫ل������م تأخذها في االعتبار‪ ،‬فإنن������ي كنت أقيم في‬ ‫ال������دار وحدي بالفعل‪ .‬وج������اءت ك – كو بصورة‬ ‫متواترة للمبيت معي في عطالت نهاية األسبوع‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 141-145.indd 142‬‬


‫قناع الساحرة‬

‫‪7/24/13 10:16:12 AM‬‬

‫‪143‬‬

‫‪sep 141-145.indd 143‬‬


‫وباملناس������بة فقد كان أبوها أستاذاً جامعياً يتبنى‬ ‫موقف «حتررياً» حيال القضايا األخالقية‪.‬‬ ‫كان ذل� � ��ك في مس� � ��اء يوم س� � ��بت ممطر في‬ ‫اخلري� � ��ف‪ .‬وكانت ك – كو قد غلبها النوم‪ .‬وكنت‬ ‫مغتبط � � �اً متاماً به� � ��ذه املخلوقة البيض� � ��اء اللدنة‬ ‫الغافية‪ ،‬وكنت على يقني من أنني أعش� � ��قها‪ .‬مع‬ ‫علي فكرة – نداء الشيطان (ال‬ ‫ذلك فقد هيمنت َّ‬ ‫ميكنني حجبها عنكم أكثر من ذلك)‪ ،‬الرغبة في‬ ‫وضع قناع الس� � ��احرة على محيا جميل‪ .‬وهنالك‬ ‫حس� � ��ناء مثالي� � ��ة غافية‪ ،‬عيناه� � ��ا مغمضتان في‬ ‫س� �ل��ام‪ ،‬ووجهها ملتفت نحوي ب� � ��دا ذلك الوجه‬ ‫مثل قناع «واكا أنا»‪ ،‬الس� � ��يدة الشابة في مخزون‬ ‫مس� � ��رح النو‪ .‬ما الذي قد يحدث إذا غطيت هذه‬ ‫«السيدة الش� � ��ابة» بـ «الساحرة»؟ كنت أعرف أن‬ ‫القناع رمبا سيتشبث بوجهها‪ ،‬ولكنني لم أستطع‬ ‫تخيل أي تأثير س� � ��يكون لها على املرأة نفس� � ��ها‪.‬‬ ‫مضى ذهني يترنح من ج� � ��راء صراعه مع «نداء‬ ‫الشيطان»‪.‬‬ ‫اس� � ��تخرجت قناع الساحرة‪ .‬لم أكن أدرك إال‬ ‫بالكاد ما كن� � ��ت أقوم به‪ .‬وضعته على وجه ك –‬ ‫كو‪ ،‬فتشبث به‪ ،‬كأمنا بفعل إرادة الساحرة‪ ،‬أو قوة‬ ‫مغناطيسية‪ .‬جلس� � ��ت ك – كو مستقيمة الظهر‬ ‫كما لو كانت ال تزال نائمة‪ ،‬غير مدركة ملا حدث‪.‬‬ ‫حتركت كأمنا لتن� � ��زع القناع عن وجهها‪ ،‬ومضت‬ ‫جتذبه بيدها ولكن بدا أنه لن يفلت وجهها أبداً‪.‬‬

‫نهضت واقفة وهي تترن� � ��ح‪ .‬كان اهتزاز ذراعيها‬ ‫فيم� � ��ا هي تكاف� � ��ح النت� � ��زاع القناع� � ��ه مصحوباً‬ ‫بتأرجح متلو على نحو أفعواني جلسمها بأسره‪.‬‬ ‫وتدريجياً حتولت حركة جسمها هذه إلى نوع من‬ ‫الرقص املثير‪ .‬من ش� � ��أن قطة أن ترقص بجنون‬ ‫إذا غطي رأسها بكيس‪ .‬وهذه احلسناء التي حول‬ ‫وجهها إلى وجه س� � ��احرة مضت تؤدي رقصة لم‬ ‫تتدرب عليها‪ ،‬وراح جسمها غير املكسو يتأرجح‬ ‫ويتمايل على إيقاع غريب‪ .‬بل إنني لس� � ��ت أدري‬ ‫ما إذا كان مبقدور املرء أن يسميها رقصة‪ ،‬رمبا‬ ‫كان� � ��ت تتلوى أملاً‪ .‬ولكن وقع صوتها – إذا كان قد‬ ‫صدر عنها صوت – مت امتصاصه داخل القناع‪،‬‬ ‫ولم يستطع اختراقه‪.‬‬ ‫ازداد بدنها املنحوت أس� � ��فل قناع الس� � ��احرة‬ ‫توهجاً‪ ،‬فيما غدا رقصها أش� � ��د توتراً‪ .‬وإذ غبت‬ ‫عن حواس� � ��ي متاماً‪ ،‬فإنني لم أس� � ��تطع اإلشاحة‬ ‫بناظري بعيداً للحظة واحدة‪ .‬وقد ميكنني وصف‬ ‫األمر به� � ��ذه الطريقة‪ :‬بدا أن قناع الس� � ��احرة ال‬ ‫يتح� � ��رك إال بالكاد‪ ،‬والح ثابتاً في الفضاء‪ ،‬كأمنا‬ ‫ثبت وجه امل� � ��رأة أو رمبا صلب� � ��ه هناك‪ ،‬إن صح‬ ‫التعبي� � ��ر‪ ،‬فأوج� � ��د مركزاً مضى بدنها الرش� � ��يق‬ ‫يرق� � ��ص حول� � ��ه‪ .‬ازداد االقتناع ف� � ��ي داخلي بأن‬ ‫الرقصة تعبر عن نش� � ��وة كاسحة‪ ،‬أو عن ذروة مت‬ ‫بلوغها‪ .‬ومن الغريب القول إن احمليا الشبق كان‬ ‫ملتهباً بنشوة وحش� � ��ية‪ .‬بدا فم الشيطان الفاغر‬

‫يوميكو كوراهاشي‬ ‫< ولدت األديبة اليابانية يوميكو كوراهاش� � ��ي‬ ‫في عام ‪ ،1935‬ودخلت الساحة األدبية في بالدها‬ ‫ف� � ��ي ع� � ��ام ‪ 1960‬بقصتها القصي� � ��رة التي حتمل‬ ‫عنوان «احلفلة»‪ ،‬والتي بلغت من التميز حداً جعل‬ ‫الناقد الياباني البارز كني هيرانو يش� � ��به مؤلفتها‬ ‫بكينزابور أوي الفائز الياباني الثاني بجائزة نوبل‬ ‫ل� �ل��أدب‪ .‬ومنذ ذلك احلني توالت إصداراتها التي‬ ‫وضعته� � ��ا موضع املقارنة مع فران� � ��ز كافكا وكوبو‬ ‫آبي‪ ،‬وذلك في مجاالت الرواية والقصة القصيرة‬ ‫واملقالة‪ ،‬وقد فازت بالعديد من اجلوائز األدبية‪،‬‬ ‫وأبرزها اجلائزة األدبية النسائية‪ ،‬وجائزة تامورا‬

‫‪144‬‬

‫‪7/24/13 10:16:16 AM‬‬

‫توشيكو‪ ،‬وجائزة إيزوميكايوكا‪ .‬والقصة املترجمة‬ ‫هنا منقولة ع� � ��ن مجموعته� � ��ا القصصية بعنوان‬ ‫«املرأة ذات الرأس الطائ� � ��ر» الصادرة أخيراً عن‬ ‫دار إم‪ .‬إي‪ .‬شارب في نيويورك‪.‬‬ ‫‪« -1‬كان� � ��اوا» إحدى املس� � ��رحيات الش� � ��هيرة‬ ‫ف� � ��ي مس� � ��رح النو‪ .‬وق� � ��د ترجمت بعن� � ��وان «التاج‬ ‫احلدي� � ��دي» في كتاب «عش� � ��رون مس� � ��رحية من‬ ‫مس� � ��رح النو» من حترير دونالد كني ونشر مطبعة‬ ‫جامعة كولومبيا‪.‬‬ ‫‪« -2‬موميجيج� � ��اري» مس� � ��رحية نو تنس� � ��ب‬ ‫تقليدياً إلى كانزي نوبوميتسو‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 141-145.indd 144‬‬


‫كما ل� � ��و كان يصرخ في ابتهاج على نحو صامت‪.‬‬ ‫وعندئذ سقطت الس� � ��احرة على األرض بتقلص‬ ‫ش� � ��هواني هائل‪ ،‬وقد تباعدت أطرافها على حني‬ ‫غرة‪ ،‬وارجتف� � ��ت‪ ،‬وكفت عن احلرك� � ��ة فجأة‪ .‬لم‬ ‫تعد ك – كو تتنف� � ��س‪ .‬ذهلت‪ ،‬واندفعت ألجعلها‬ ‫جتلس‪ ،‬وعندما فعلت ذلك سقط قناع الساحرة‬ ‫عن وجهها‪ ،‬كأنه لم يكن متشبثاً به‪ ،‬فقد خلصها‬ ‫امل� � ��وت من القناع‪ .‬لم يفصح محياها عن أقل أثر‬ ‫للمعان� � ��اة‪ ،‬وإمنا كانت هناك االبتس� � ��امة العتيقة‬ ‫ملنحوتة بوذية‪.‬‬ ‫عزى موت ك – كو‪ ،‬بعد تش� � ��ريح اجلثة‪ ،‬إلى‬ ‫أزمة قلبية‪ ،‬مأساة لم يتم حتميلي املسئولية عنها‬ ‫على اإلط� �ل��اق‪ .‬وقد لزمت احل� � ��داد عليها‪ ،‬كما‬ ‫يفعل أي رجل حزي� � ��ن ماتت رفيقته‪ .‬وقد حزنت‬ ‫على موتها حقاً‪ .‬غير أن ش� � ��يئاً واحداً كان جلياً‪:‬‬ ‫إن ما ش� � ��غل ذهني لم يكن األسى‪ ،‬وإمنا الذكرى‬ ‫التي تس� � ��تعصي على النس� � ��يان لتل� � ��ك الرقصة‬ ‫وصوالً إلى املوت‪.‬‬ ‫اس� � ��تغرق األم� � ��ر من� � ��ي عام � � �اً لصياغ� � ��ة‬ ‫اس� � ��تراتيجية‪ ،‬وعندئذ بدأت ف� � ��ي مواعدة امرأة‬ ‫س� � ��وف أدعوها م‪ .‬ك� � ��و‪ .‬وانقضت ثالثة أش� � ��هر‬ ‫أخرى قب� � ��ل أن أنفذ خطتي لرقصة الس� � ��احرة‪.‬‬

‫كان ذلك ضرورياً بالنس� � ��بة لي إلقناع نفسي بأن‬ ‫م‪ .‬كو كانت رفيق مناس� � ��بة لي‪ .‬كان رقصها أقل‬ ‫رش� � ��اقة‪ ،‬رمبا بسبب بنيتها الهزيلة‪ ،‬ولكن العنف‬ ‫الوحشي حلركاتها والفحش اخلالص إلمياءاتها‬ ‫جعاله أكثر دراماتيكية‪.‬‬ ‫بعد م‪ .‬كو قررت التخلي عن عملية بناء عالقة‬ ‫أو االرتب� � ��اط بآص� � ��رة اخلطبة بامل� � ��رأة‪ .‬وأخذت‬ ‫اقترح � � �اً ثمين � � �اً للغاية من فيل� � ��م «الصياد» الذي‬ ‫تصادف أنني ش� � ��اهدته في ذل� � ��ك الوقت‪ .‬ومنذ‬ ‫ذلك احلني أصبحت «صياداً» ميس� � ��ك «طريدة»‬ ‫ويخدرها بالكلوروف� � ��وم‪ .‬وأصبحت «أضحياتي»‬ ‫لقناع الساحرة اآلن تقدم مبعدل مرتني في العام‬ ‫تقريباً‪.‬‬ ‫والصعوبة الرئيسية التي أواجهها هي كيفية‬ ‫التخلص من اجلثة‪ .‬غير أنني سأوفر عليكم هذه‬ ‫التفاصيل اآلن‪ ،‬ألنني وصفتها في كتاب سينشر‬ ‫الحقاً‪.‬‬ ‫كل ما يبقى في ذهني صورة مرسومة بوضوح‬ ‫حتتل ركناً في دماغي‪ ،‬يتمثل في فكرة وضع قناع‬ ‫عيني‬ ‫الساحرة على وجهي‪ .‬وأنا أحس كما لو أن‬ ‫َّ‬ ‫الساحرة الذهبيتني تبتسمان لي على نحو حافل‬ ‫بالغواية في كل مرة ترياني >‬

‫وق� � � � � � � � � � � � ��د ق� � � � � � � ��ال� � � � � � � ��ت ل� � � � � �ب� � � � � �ي � � � � ��ض آن� � � � � � �س � � � � � ��ات‬ ‫ي � � � � � � � �ص� � � � � � � ��دن ق � � � � � � � �ل� � � � � � � ��وب ش � � � � � � � �ب� � � � � � � ��ان وش� � � � �ي�� � � ��ب‬ ‫أن � � � � � � � ��ا ال� � � � �ش� � � � �م � � � ��س امل � � � �ض � � � �ي � � � �ئ� � � ��ة ح � � �ي� � ��ن ت�� � �ب� � ��دو‬ ‫ول� � � � � � � �ك � � � � � � ��ن ل � � � � � �س� � � � � ��ت أع� � � � � � � � � � � � � � ��رف ب� � � ��امل � � � �غ � � � �ي� � � ��ب‬ ‫ب� � � � � � � ��ران� � � � � � � ��ي ال � � � � � � �ل� � � � � � ��ه رب� � � � � � � � � � ��ي إذ ب � � � � ��ران � � � � ��ي‬ ‫م�� � � � � � � � �ب� � � � � � � � ��رأة س � � � � �ل � � � � �م� � � � ��ت م� � � � � � � � ��ن ال � � � � �ع � � � � �ي� � � � ��وب‬ ‫وخ � � � � � �ل � � � � � �ق� � � � � ��ي م � � � � �س � � � � �ك� � � � ��ة ع � � � � �ج � � � � �ن� � � � ��ت ب� � � � �ب � � � ��ان‬ ‫ف � � � �ل � � � �س� � � ��ت أري � � � � � � � � � � ��د ط� � � � �ي� � � � �ب� � � � � ًا غ� � � � �ي � � � ��ر ط� � �ي� � �ب � ��ي‬ ‫وج� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��دي ل � � � � � � � � ��و ي � � � � � � � � � � � ��دب ع�� � � � �ل�� � � � �ي� � � � ��ه ذر‬ ‫ألدم�� � � � � � � � � � � ��ى ال�� � � � � � � � � � � ��ذر ج� � � � � � �ل � � � � � ��دي ب� � � ��ال� � � ��دب � � � �ي� � � ��ب‬ ‫‪145‬‬

‫‪7/24/13 10:16:22 AM‬‬

‫‪sep 141-145.indd 145‬‬


‫معرض العربي‬

‫جيلبرت ستيوارت‪..‬‬

‫صورة جورج واشنطن‬ ‫عبود طلعت عطية *‬

‫رس ��امي الصور الش ��خصية في تاريخ أميركا‪ ،‬وأشهر عمل له على‬ ‫جيلبرت س ��تيوارت هو من أش ��هر ّ‬ ‫اإلط�ل�اق ه ��و صورة الرئيس جورج واش ��نطن غير املنتهية‪ .‬وللداللة على ذلك‪ ،‬نش ��ير إلى أنها هي‬ ‫الصورة التي اعتمدتها الحقً ا احلكومة األميركية لتطبع على ورقة الدوالر الواحد‪.‬‬ ‫ولد س� � ��تيوارت في رود أيلند عام ‪1755‬م‪،‬‬ ‫وظهرت موهبته باك ًرا‪ ،‬ولكن اندالع احلرب‬ ‫االس� � ��تقاللية ع ّك� � ��ر علي� � ��ه مس� � ��ار مهنته‪،‬‬ ‫فسافر في العام ‪1775‬م إلى إجنلترا كما فعل غيره من‬ ‫الرسامني األميركيني‪ ،‬مثل كوبلي وغرانت وغيرهما‪.‬‬ ‫خالل خمس س� � ��نوات فقط‪ ،‬اس� � ��تطاع س� � ��تيوارت‬ ‫أن يفرض نفس� � ��ه كواحد من كبار األس� � ��اتذة في لندن‪،‬‬ ‫بحيث أصبحت لوحاته األغلى ثمنًا بعد أعمال جوشوا‬ ‫رينولدز وتوماس غينس� � ��بورو فقط‪ .‬ولكن س� � ��وء إدارته‬ ‫لألم� � ��ور املالي� � ��ة راكم علي� � ��ه الديون حتى ب� � ��ات مهد ًدا‬ ‫بالسجن‪ ،‬فهرب إلى دبلن في إيرلندا‪ ،‬حيث استمر في‬ ‫العمل‪ً ،‬‬ ‫وأيضا في تكديس الديون عليه‪.‬‬ ‫ف� � ��ي العام ‪1793‬م‪ ،‬غادر دبلن عائ � � � ًدا إلى أمريكا‪،‬‬ ‫ت� � ��ار ًكا خلفه الكثير م� � ��ن اللوحات غي� � ��ر املنتهية‪ .‬وفي‬ ‫فيالديلفيا راح يرسم بغزارة منقطعة النظير صو ًرا ملئات‬ ‫الشخصيات (قارب عددها األلف)‪ ،‬ومبستوى ضمن له‬ ‫اخللود فوق الش� � ��هرة‪ .‬ومن بني هذه الش� � ��خصيات كان‬ ‫هناك الرئيس واشنطن الذي رسمه ع ّدة مرات‪.‬‬ ‫رس� � ��م الفنان هذه اللوحة عام ‪1796‬م‪ ،‬وتوقف عن‬ ‫إكمالها ألن الطلبات انهالت عليه ممن يريدون نس� � � ً�خا‬ ‫عنها م� � ��ا إن رأوا الدقة والبراعة التي رس� � ��م بها وجه‬ ‫الرئيس‪ ،‬فانصرف إلى نسخها مرا ًرا وتكرا ًرا حتى بلغ‬

‫* ناقد تشكيلي من لبنان‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫‪7/24/13 10:16:47 AM‬‬

‫عدد النسخ بريش� � ��ته ثالثمائة نسخة‪ ،‬باع نحو سبعني‬ ‫منها‪ ،‬مبئة دوالر الواحدة‪.‬‬ ‫تؤكد هذه اللوحة ما كان معرو ًفا عن ستيوارت أنه‬ ‫كان يرس� � ��م مباش� � ��رة على القماش من دون أي رس� � ��وم‬ ‫حتضيري� � ��ة على الورق‪ ،‬وأكثر من ذل� � ��ك‪ ،‬يبدو أنه كان‬ ‫يكتفي بتخطيط اللوحة بأس� � ��رها ف� � ��ي ذهنه‪ ،‬حتى أنه‬ ‫عندما يب� � ��دأ العمل عليها‪ ،‬يكون ق� � ��اد ًرا على إنهاء كل‬ ‫عنص� � ��ر من عناصره� � ��ا أولاً فأوال‪ .‬وفي ه��� � ��ذه اللوحة‬ ‫التي يبدو من طالء األس� � ��اس األبي� � ��ض أنه كان مقر ًرا‬ ‫له� � ��ا أن تكون بيضاوية الش� � ��كل عن� � ��د انتهائها‪ ،‬نرى أن‬ ‫الوجه والش� � ��عر مكتمالن متاما‪ ،‬بحيث يستحيل إجراء‬ ‫أي تعدي� � ��ل مفترض عليهما‪ .‬ولرمب� � ��ا كان عدم اكتمال‬ ‫رس� � ��م املالبس واحلواشي هو ما يس� � ��مح للمشاهد أن‬ ‫يركز على ما تكتنزه مالمح الوجه من تعبير عن الوقار‬ ‫والنبل والسكينة كمرادف الستقرار الشخص والبالد‪.‬‬ ‫في الس� � ��نوات األخيرة من عمره‪ ،‬انتقل س� � ��تيوارت‬ ‫إلى بوس� � ��طن حيث اس� � ��تمر في العمل حت� � ��ى وفاته عام‬ ‫‪1824‬م‪ .‬وحينذاك كانت عائلته تعاني من الفقر‪ ،‬بحيث‬ ‫لم تتمكن من شراء مدفن له‪ ،‬فدفن في قبر يخص عائلة‬ ‫أحد النجارين‪ .‬وبعد عشر سنوات‪ ،‬عندما حلّت األسرة‬ ‫مش� � ��اكلها وقررت بناء قبر الئق بالفن� � ��ان‪ ،‬لم تتمكن من‬ ‫التعرف على موضع دفنه الذي ضاع أثره نهائ ًيا >‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 146-147 indd.indd 146‬‬


‫جيلبرت ستيوارت‪« ،‬صورة جورج واشنطن»‪،‬‬ ‫زيت على قماش‪ 88×101( ،‬سم )‪1796 ،‬م‪،‬‬ ‫متحف الفنون في بوسطن‪.‬‬ ‫جيلبرت ستيوارت‪ ..‬صورة جورج واشنطن‬

‫‪7/24/13 10:16:56 AM‬‬

‫‪147‬‬

‫‪sep 146-147 indd.indd 147‬‬


‫سينما‬

‫رضوان الكاشف وعبدالله محمود‪..‬‬

‫تقاطعات في املوهبة واملصير‬ ‫عبادة تقال *‬

‫ال يتوقف األمر عند شهر‬ ‫يونيو الذي شهد رحيل‬ ‫الفنانني السينمائيني رضوان‬ ‫الكاشف وعبدالله محمود‪،‬‬ ‫بل متتد النقاط املشتركة‬ ‫بني الرجلني إلى كثير من‬ ‫التفاصيل‪ ،‬لعل أولها عملهما‬ ‫مع املخرج الراحل يوسف‬ ‫شاهني‪ ،‬األمر الذي حتقق‬ ‫لرضوان الكاشف بعد تخرجه‬ ‫في معهد السينما في مصر‪،‬‬ ‫مساعدا‬ ‫عام ‪ 1984‬ليكون‬ ‫ً‬ ‫ليوسف شاهني في أفالم‪:‬‬ ‫وداعا بونابرت‪ ،‬إسكندرية‬ ‫ً‬ ‫كمان وكمان واليوم السادس‪.‬‬

‫الفنان الراحل عبدالله محمود في لقطة له مع الفنان حسن حسني‬

‫أما عبدالله محمود‪ ،‬فقد امتلك تلك‬ ‫الفرصة عن طري������ق صديقه املمثل‬ ‫محس������ن محيي الدين‪ ،‬أحد النجوم‬ ‫الذين برزوا بفض������ل موهبة الفتة‪ ،‬والذي آمن‬ ‫ش������اهني مبوهبت������ه فمنحه فرصة اس������تثنائية‬ ‫للعم������ل مع������ه في أول أف���ل��ام س������يرته الذاتية‬ ‫«إس������كندرية ليه»‪ ،‬ثم طلب منه ترش������يح اثنني‬ ‫من أصدقائه للمش������اركة ف������ي الفيلم املذكور‪،‬‬

‫* كاتب من سورية مقيم في روسيا‬

‫‪148‬‬

‫‪7/24/13 10:27:07 AM‬‬

‫فوقع اختيار محس������ن على صديقيه القدميني‬ ‫عبدالل������ه محمود وأحمد س���ل��امة اللذين ناال‬ ‫إعج������اب ش������اهني وظهرا في الفيل������م في أداء‬ ‫مميز‪.‬‬ ‫بعد البدايات انطلق الكاش������ف إلى موقعه‬ ‫وراء الكاميرا‪ ،‬ليقدم عدة أفالم من أهمها فيلم‬ ‫«عرق البلح» الذي شارك فيه عبدالله محمود‬ ‫اً‬ ‫ممثل‪ ،‬وحقق ذل������ك الفيلم ملن تابعوه ما ميكن‬ ‫تسميته «الصدمة السينمائية»‪ ،‬حالة وجد فني‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep148-153.indd 148‬‬


‫عبدالله محمود ومحسن محيي الدين «اسكندرية ليه»‬

‫ملصق فيلم «املواطن املصري»‬

‫«شباب في اجلحيم»‬

‫عادل إمام وعبدالله محمود في «حنفي األبهة»‬

‫لقطة من «األوغاد»‬

‫حقيقي������ة‪ ،‬باإلضافة إلى ش������عور بانعتاق الروح‬ ‫واحلواس‪ ،‬عبر رحلة في عوالم غير مألوفة لم‬ ‫يقدمها مخرج قبل رضوان الكاشف‪.‬‬ ‫وقد رأى بعض النقاد أن الفيلم شكل معجزة‬ ‫س������ينمائية حقيقية‪ ،‬عبر التناول الس������ينمائي‬ ‫لقص������ة الكاتب الراحل يحيى الطاهر عبدالله‪،‬‬ ‫واملعاجلة الس������ينمائية‪ ،‬وإص������رار املخرج على‬ ‫أداء املمثل���ي��ن بلغ������ة أهل املنطقة التي تتس������م‬ ‫بصعوبة نطقها ملن ال يعرفها‪ ،‬إضافة للتقنيات‬

‫املميزة التي صنع بها رضوان الكاشف بصمته‬ ‫اخلاصة‪ ،‬وص������وال ألداء أبط������ال العمل‪ ,‬بينما‬ ‫أكد آخرون أن الس������ينما العربية قد حتتاج إلى‬ ‫س������نوات طويلة قبل أن تقدم فيل ًما يقارب في‬ ‫مستواه عرق البلح‪.‬‬ ‫وإضافة إلى مش������اركة عبدالله محمود في‬ ‫ذلك الفيلم‪ ،‬فلقد امتلك فرصة املش������اركة في‬ ‫أفالم تعد عالمات مضيئة في تاريخ الس������ينما‬ ‫املصري������ة والعربية‪ ،‬من بينها أف���ل��ام اختيرت‬

‫رضوان الكاشف وعبدالله محمود‪ :‬تقاطعات في املوهبة واملصير‬

‫‪7/24/13 10:27:14 AM‬‬

‫‪149‬‬

‫‪sep148-153.indd 149‬‬


‫ب���ي��ن أهم مئة فيلم في تاريخ‬ ‫الس������ينما املصري������ة‪ ،‬مث������ل‬ ‫«الطوق واإلس������ورة» خليري‬ ‫بش������ارة‪« ،‬سواق األوتوبيس»‪،‬‬ ‫«املواطن مص������ري» مع رائد‬ ‫الواقعي������ة صالح أبوس������يف‬ ‫والنجم عمر الشريف‪.‬‬ ‫يتابع مسلسل التقاطعات‬ ‫حلقات������ه في جترب������ة الفنانني‬ ‫الراحل���ي��ن‪ ،‬ليتوق������ف بن������ا‬ ‫عند موض������وع الظل������م الفني‬ ‫واإلعالم������ي ال������ذي لقي������اه‪،‬‬ ‫محسن محيي الدين وعبدالله محمود في فيلم «اللعب مع الشياطني»‬ ‫فعبدالله محم������ود انتمى إلى‬ ‫جي������ل فني لم ين������ل حظه في‬ ‫السينما املصرية‪ ،‬جيل وصفه‬ ‫أحد أبنائه املتميزين‪ ،‬وأقصد‬ ‫به ممدوح عبدالعليم بأنه جيل‬ ‫مظلوم‪ ،‬لك������ون أبنائه امتلكوا‬ ‫املوهب������ة‪ ،‬ولكنهم ل������م ميتلكوا‬ ‫احل������ظ بس������بب ظهورهم في‬ ‫فترة كانت الس������ينما املصرية‬ ‫فيه������ا مت������ر بأس������وأ أوقاتها‪،‬‬ ‫واقتصر اإلنتاج الس������ينمائي‬ ‫ف������ي ذلك احل���ي��ن على بعض‬ ‫األف���ل��ام التجارية لعادل إمام‬ ‫عبدالله محمود ولقطة من فيلم «صائد األحالم»‬ ‫ونادية اجلندي‪.‬‬ ‫إن� � ��ه جيل من املمثلني الذي� � ��ن أثبتوا جدارتهم تأثي������ر ذلك على حياتهما وأعمالهما‪ ،‬فرضوان‬ ‫وعملوا معا في أفالم عدة‪ :‬جيل عبدالله محمود الكاشف الذي تعود جذوره إلى مدينة سوهاج‬ ‫ومم� � ��دوح عبدالعليم ووائل نور ومحس� � ��ن محيي في صعيد مص������ر‪ ،‬عندما يتحدث عن انحيازه‬ ‫الدين وهشام سليم وش� � ��ريف منير وعالء عوض للطبق������ات الهامش������ية‪ ،‬وإص������راره عل������ى ذلك‬ ‫االنحياز في أفالمه وحياته‪ ،‬يؤكد أنه لن يقوم‬ ‫وأحمد سالمة‪.‬‬ ‫أما رضوان الكاش� � ��ف فرمبا ألنه لم يس� � ��اوم بأش������ياء ال يحبها‪ ،‬ويفضل علي������ه الذهاب إلى‬ ‫أب ًدا على السينما التي يريدها فإنه لم ينل حظه الصعيد واملكوث بني األقارب لزراعة األرض‪.‬‬ ‫اإلعالمي‪ ،‬وبقي مص ًرا ولو على جثته ‪ -‬كما قال‪-‬‬ ‫أم������ا عبدالل������ه محم������ود فقد ب������دأ حياته‬ ‫على تقدمي سيناريوهات أفالمه كما كتبها‪ ،‬مهما املهني������ة موظ ًف������ا في كلية الزراع������ة في جامعة‬ ‫أرهقه أمر البحث عن منتج يتصدى إلنتاجها‪.‬‬ ‫القاهرة‪ ،‬ليلفت األنظار إلى موهبته وهو يؤدي‬ ‫مبصداقي������ة عالية دور ش������اب ريف������ي مصاب‬ ‫بيئة ريفية‬ ‫مبرض البلهاريسيا في الفيلم التلفزيوني «طالع‬ ‫ م������ن ناحية ثاني������ة نتوقف عن������د البيئة النخلة» أمام فردوس عبداحلميد وحتت إدارة‬‫الريفي������ة التي ينح������در منها الرج���ل��ان‪ ،‬وعلى املخرج محمد فاضل‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫‪7/24/13 10:27:20 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep148-153.indd 150‬‬


‫‪ ..‬ولقطة من فيلم «املواطن املصري»‬

‫مشهد من فيلم «سنوات اخلطر»‬ ‫رضوان الكاشف وعبدالله محمود‪ :‬تقاطعات في املوهبة واملصير‬

‫‪7/24/13 10:27:26 AM‬‬

‫‪151‬‬

‫‪sep148-153.indd 151‬‬


‫فيلم «عرق البلح»‬

‫ومن اجلدير بالذكر أن عبدالله محمود كان‬ ‫يعاني من املرض ذاته‪ ،‬الذي جسد فيه معاناته‬ ‫واحدا من‬ ‫ف������ي الفيلم‪ .‬ولقد كان الدور املذكور‬ ‫ً‬ ‫أح������ب األدوار إلى قلب الفنان الراحل‪ ،‬وفاحتة‬ ‫اختي������ارات كثيرة من قب������ل املخرجني له ليؤدي‬ ‫دور الشاب املصري بسحنته املنحوتة السمراء‬ ‫املميزة‪.‬‬ ‫ في احلدي������ث عن خصوصي������ة الفنانني‬‫الراحل���ي��ن نرى في س������ينما رضوان الكاش������ف‬ ‫اً‬ ‫دخول إلى مناط������ق لم يتجرأ غيره على مجرد‬ ‫مغازلته������ا‪ ،‬فكرا وموضوع������ا ومضمونا وتقنية‬ ‫فنية معا‪.‬‬ ‫وكشف عن سينما ممتعة حتى األلم‪ ،‬سينما‬ ‫تطاول قامة احللم واألسطورة‪ ،‬لتعلمنا كم من‬ ‫الطاق������ات ميتلكها ذلك الفن������ان عندما يلتقي‬ ‫عشاقه احلقيقيني‪.‬‬ ‫كما امتلك الكاش������ف جرأة كبيرة في تبديل‬ ‫جلود ممثليه لكش������ف الطاق������ات الفذة الكامنة‬ ‫املخبأة حتتها‪ ،‬والتي ال ميكن أن يستجليها إال‬ ‫مخرج بصير مثله ومثل كل مخرج عبقري‪ ،‬وهو‬

‫‪152‬‬

‫‪7/24/13 10:35:26 AM‬‬

‫ملصق فيلم «الساحر»‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep148-153.indd 152‬‬


‫ملصق فيلم «عرق البلح»‬

‫الكاشف أثناء تكرمي أبطال فيلم «الساحر»‬ ‫رضوان الكاشف وعبدالله محمود‪ :‬تقاطعات في املوهبة واملصير‬

‫‪7/24/13 10:35:44 AM‬‬

‫ما رأيناه‪ ،‬على سبيل املثال‪،‬‬ ‫في فيلم «الساحر» عندما‬ ‫قدم الفنانة سلوى ّ‬ ‫خطاب‬ ‫ف������ي دور مزين������ة عرائس‪،‬‬ ‫وهو دور مغاير متا ًما لكل‬ ‫ما قدمت������ه س������اب ًقا‪ ،‬وقد‬ ‫أكدت خطاب أن الكاشف‬ ‫جنح ف������ي تفجي������ر كل ما‬ ‫لديها من طاقات متثيلية‪.‬‬ ‫كما ق������دم النجمة منة‬ ‫شلبي في الفيلم نفسه في‬ ‫دور بالغ اجلرأة‪ ،‬كان أول‬ ‫إطاللة لها عل������ى جمهور‬ ‫السينما‪.‬‬ ‫أما عبدالل������ه محمود‪،‬‬ ‫وم������ع كل فرص������ة متابعة‬ ‫أي من أدواره السينمائية‬ ‫أو التلفزيوني������ة‪ ،‬فن������زداد‬ ‫قناعة بأنه واحد من أبناء‬ ‫الس������ينما العربية املنتمني‬ ‫بق������وة إلى مدرس������ة األداء‬ ‫املتمي������ز‪ ،‬املتمردي������ن على‬ ‫الش������كل اجلميل ملصلحة‬ ‫احلضور اخل������اص والدور‬ ‫املختلف‪.‬‬ ‫رحل الكاش������ف‪ ،‬الذي‬ ‫كان له من اس������مه نصيب‪،‬‬ ‫ف������ي ع������ام ‪ ،2002‬بع������د‬ ‫خمسني س������نة من إبصاره‬ ‫الن������ور‪ ،‬إثر س������كتة قلبية‪،‬‬ ‫وبعد ثالث سنوات غادرنا‬ ‫عبدالله محمود عن س������ت‬ ‫وأربعني س������نة بعد معاناة‬ ‫م������ن س������رطان ف������ي املخ‬ ‫انتشرت أورامه إلى الرئة‪،‬‬ ‫لكنهما باقي������ان في ذاكرة‬ ‫عشاق الس������ينما املختلفة‪،‬‬ ‫نــــمــــوذج������ان حـقــيقــي������ان‬ ‫لنب������ل األداء وخصوصي������ة‬ ‫التجربة >‬

‫‪153‬‬

‫‪sep148-153.indd 153‬‬


‫منتدى احلوار‬

‫قراءة نقادة في بعض‬ ‫ما كتبته الصحافة العربية بعد رحيل جارودي‬ ‫غ� � ��داة وفــــاة املفكر اإلنس� � ��اني روجيه‬ ‫ج� � ��ارودي‪ ،‬في الثالث عش� � ��ر من يونيو‬ ‫‪ ،2012‬خرج� � ��ت علين� � ��ا صحف عربية‬ ‫بعناوين تثير االس� � ��تغراب‪ ،‬ال أدعي اطالعي على‬ ‫كل ما نشر في الصحافة املكتوبة ‪ ،‬لكن العينة التي‬ ‫قرأته� � ��ا كانت محبطة إال أقله� � ��ا‪ ،‬ألنها لم حتتفظ‬ ‫م� � ��ن ه� � ��ذا املفكر املهم ج� � ��دا إال (بالهولوكوس� � ��ت‬ ‫احملرقة الش� � ��واء) التي وصمت� � ��ه الصهيونية بها‪،‬‬ ‫ومن أراد التجديد من هذه الصحافة عنون مقاله‬ ‫«حتدي الهولوكوس� � ��ت ونصر اإلسالم»‪ ،‬واختصره‬ ‫آخ� � ��ر بكلمتني «ج� � ��ارودي مس� � ��لما»‪ ،‬وأضاف آخر‬ ‫«مفكر أصبح أس� � ��ير احملرقة»‪ ،‬وجاءتني الصدمة‬ ‫في عن� � ��وان اختاره كاتب عرب� � ��ي مقيم في باريس‬ ‫«جارودي مي� � ��وت ثانية»‪ .‬املؤس� � ��ف أن هذا املقال‬ ‫نشرته شـــهرية ثقافية خليجية مرموقة‪ ،‬ويستـــنتج‬ ‫من ق� � ��رأه‪ ،‬مع كثير من حس� � ��ن الني� � ��ة أن الكاتب‬ ‫اكتفى بلملمة ما نشرته صحافة فرنسية متصهينة‬ ‫أعلن� � ��ت موت املفكر النزيه ج� � ��ارودي أول مرة يوم‬ ‫نشر األساطير املؤسسة للســــياسة اإلسرائيــــليـــة‬ ‫في ‪ ،1996‬لتطويه برودة املوت إعالميا طوال ستة‬ ‫عشر عاما قبل أن يطويه الردى‪.‬‬ ‫أمام هذه املس� � ��لوقات البد ل� � ��كل مهتم بالفكر‬ ‫النزي� � ��ه الراحل أن يش� � ��عر باالرتياح‪ ،‬ألن «العربي»‬ ‫كان� � ��ت مجلية في محاولة إنصافه‪ ،‬ففي س� � ��بتمبر‬ ‫‪ 2012‬كتب د‪.‬عماد عبداللطيف من مصر دراس� � ��ة‬ ‫مختص� � ��رة مفي� � ��دة‪ ,‬عنوانها‪« :‬جارودي‪ :‬مس� � ��اءلة‬ ‫الثاب� � ��ت وخل� � ��ق املتحول»‪ .‬وج� � ��اء د‪.‬محمد ضاهر‬ ‫اللبناني في عدد ديس� � ��مبر ‪ 2012‬بدراس� � ��ة ثانية‬ ‫عنوانها‪« :‬ج� � ��ارودي ومحنة البحث عن احلقائق»‪،‬‬ ‫فنالت «العربي» بهاتني الدراس� � ��تني ش� � ��هادة تفوق‬

‫‪154‬‬

‫‪7/24/13 10:17:22 AM‬‬

‫ذات دالل� � ��ة مهمة‪ ،‬م� � ��ع أنها قد ال تك� � ��ون بحاجة‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫أود التوقف مع دراسة د‪.‬ضاهر من أجل مزيد‬ ‫من اإلنصاف للمفكر الراحل واملهم جدا‪ ،‬ومنطلقا‬ ‫م� � ��ن اهتمام قدمي به ال ضرورة لذكر جتلياته هنا‪،‬‬ ‫باستثناء قيامي بالتصدي ملن ترجم كتاب جارودي‬ ‫النفيس فعال «جولت� � ��ي في العصر متوحدا» الذي‬ ‫نقل إلينا ذكرياته بأس� � ��لوب فرنس� � ��ي رفيع وصل‬ ‫في كثير من صفحات الكتاب إلى س� � ��وية الشعرية‬ ‫الصافية‪ ،‬املؤسف أن هذا الكتاب الق ّيم سطا عليه‬ ‫ترجمان س� � ��وري «غير محلف» فجاء بنص عربي‬ ‫أظنه أس� � ��وأ فضيحة مكتوبة منذ نصف قرن على‬ ‫األقل‪.‬‬ ‫نوهت بكتاب «جولتي ف� � ��ي العصر متوحدا»‪،‬‬ ‫ألن دراس� � ��ة د‪ .‬ضاهر تضمنت معلومات مناقضة‬ ‫أحيانا مل� � ��ا كتبه ج� � ��ارودي‪ ،‬وألن بع� � ��ض تفاصيل‬ ‫الدراس� � ��ة ميكن إثراؤها بإع� � ��ادة ذكرها من واقع‬ ‫املذكرات‪ ,‬ال أريد اجلزم بعدم اطالع الباحث على‬ ‫الكتاب‪ ،‬وهو الذي أثرى بحثه باستش� � ��هادات جمة‬ ‫م� � ��ن مؤلفات جارودي أحاول االس� � ��تعانة مبا بقي‬ ‫ف� � ��ي ذاكرتي من «اجلولة»‪ ،‬ألنن� � ��ي بعيد حاليا عن‬ ‫مكتبتي ومراجعي‪ ،‬متمنيا أن يرحب د‪.‬ضاهر بهذه‬ ‫التفاصيل اإلضافية م� � ��ن منطلق حرصه امللحوظ‬ ‫عل� � ��ى إنصاف الرجل وهذا م� � ��ا يهمني أيضا‪ .‬جاء‬ ‫ف� � ��ي بحث د‪.‬ضاهر أن جارودي انضم إلى احلزب‬ ‫الش� � ��يوعي الفرنس� � ��ي دون التخلي ع� � ��ن عقيدته‬ ‫البروتستانتية‪.‬‬ ‫ي� � ��روي جارودي نفس� � ��ه لقاءه امله� � ��م مبوريس‬ ‫توريز في جنوب فرنس� � ��ا يوم ق� � ��رر االنضمام إلى‬ ‫ح� � ��زب توريز تكلم الش� � ��اب املتحمس ف� � ��ي اللقاء‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 154-159.indd 154‬‬


‫شارحا أس� � ��باب اختياره احلزب الشيوعي‪ ،‬وأذكر‬ ‫أن� � ��ه قال لرئيس احلزب توريز «إنني آت إليكم من‬ ‫الكاثوليكية»‪ ،‬وفي بحث د‪.‬ضاهر إش� � ��ارة واضحة‬ ‫إلى موريس بلونديل‪ ،‬ال� � ��ذي حاول وصل احلداثة‬ ‫املس� � ��يحية بالكاثوليكية‪ ،‬وبلونديل أستاذ جارودي‬ ‫في اجلامعة‪.‬‬ ‫س� � ��وف يعيد ج� � ��ارودي املوقف نفـــس � � �ــه بعد‬ ‫س� � ��نوات طويل� � ��ة ف� � ��ي «انعطاف� � ��ة» جدي� � ��دة م� � ��ن‬ ‫انعطافات� � ��ه‪ ،‬كم� � ��ا س� � ��يأتي بع� � ��د قلي� � ��ل‪ ،‬كما ذكر‬ ‫د‪.‬ضاهر أن جارودي التحــــق باجلــــيش الفرنسي‬ ‫كجندي في س� � ��رية املــــشاة سنة ‪ ،1939‬واحلقيقة‬ ‫أنه س� � ��يق إلى التجنيد حيث كانت احلــرب العاملية‬ ‫الثانية قد أوش� � ��كت على االندالع‪ ،‬أو هي اندلعـــت‬ ‫فعال‪ ،‬ونعرف أن فرنسا استسلمت بسرعة فجرى‬ ‫تسريح جارودي‪.‬‬ ‫ينبغ� � ��ي الوقوف هنا عند مس� � ��ألة اعتقاله في‬ ‫معس� � ��كر في الصح� � ��راء اجلزائري� � ��ة‪ ،‬حيث جرت‬ ‫حادث� � ��ة تركت أث� � ��را عميقا في نفس� � ��ه‪ ،‬ففي هذا‬

‫املعس� � ��كر الصحراوي الذي ضم أشتاتا من الناس‬ ‫غير املرغ� � ��وب فيهم‪ ،‬حدث مت� � ��رد على الضابط‬ ‫قائد املعتقل املعروف بقسوته في معاملة السجناء‪،‬‬ ‫فتمرد بعضهم «فحاكمهم» بسرعة وأمر بإعدامهم‬ ‫رميا بالرصاص‪ ،‬وكانت قوة حراسة املعتقل مؤلفة‬ ‫من اجلنود اجلزائريني الصحراويني الذين رفضوا‬ ‫إط� �ل��اق النار على احملكومني‪ ،‬وفش� � ��لت محاوالت‬ ‫الضابط الفرنس� � ��ي ف� � ��ي حملهم عل� � ��ى االنصياع‬ ‫ألمره‪ ،‬اهتم جارودي باألمر وحاول معرفة أسباب‬ ‫الرفض‪ ،‬فاكتش� � ��ف كم� � ��ا يقول ف� � ��ي مذكراته أن‬ ‫اجلن� � ��ود ينتمون إلى فرقة األباضية اإلس� �ل��امية‪،‬‬ ‫وأن دينهم مينعهم من قتل إنس� � ��ان أعزل‪ ،‬فتركت‬ ‫األمثولة أثرها في ذهن املفكر الشاب‪.‬‬ ‫بعد نزول قوات احللفاء على ش� � ��اطئ أفريقيا‬ ‫الشمالية ومعها قوة رمزية من جيش فرنسا احلرة‬ ‫«الديغولية» جرى إطالق س� � ��راح املعتقلني‪ ،‬وكانت‬ ‫أملاني� � ��ا التزال حتتل فرنس� � ��ا فبقي ج� � ��ارودي في‬ ‫اجلزائر «الفرنس� � ��ية يومئذ» واشتغل فيها‪ ،‬ويروي‬

‫‪155‬‬

‫‪7/24/13 10:17:28 AM‬‬

‫‪sep 154-159.indd 155‬‬


‫حادث� � ��ة أخرى ذات داللة‪ ،‬عندم� � ��ا دعي إلى إلقاء‬ ‫محاضرة في تونس وكانت حتت احلماية الفرنسية‬ ‫أيضا‪ ،‬حتدث جارودي عن تأثير احلضارة العربية‬ ‫اإلس� �ل��امية في الغ� � ��رب‪ ،‬وذلك ف� � ��ي قاعة حتمل‬ ‫اس� � ��م ابن خلدون مما أفرح جارودي‪ ،‬الذي فوجئ‬ ‫باكرا غ� � ��داة احملاضرة بدعوته إلى مديرية األمن‪،‬‬ ‫حيث قام رئيس� � ��ها الفرنس� � ��ي بالتحقيق معه حول‬ ‫احملاض� � ��رة مع اللوم والتهدي� � ��د‪ ،‬ألنه قال فيها‪ :‬إن‬ ‫عام ‪ 732‬ميالدية هو عام أسود في تاريخ فرنسا‪،‬‬ ‫ألن العرب املس� � ��لمني اندحروا عنه� � ��ا في بواتييه‪،‬‬ ‫فس� � ��أله جارودي ملاذا تس� � ��تهجن األمر؟ إنها فكرة‬ ‫نادى بها األديب الفرنسي الشهير أنا تول فرانس‪،‬‬ ‫وأنا أقتبسها عنه في سياق احملاضرة التي نوهت‬ ‫بتأثير احلضارة اإلس� �ل��امية عل� � ��ى أوربا مع ذلك‬ ‫طلب منه املسئول األمني الفرنسي أال يضع قدمه‬ ‫على أرض تونس بعدئذ‪.‬‬ ‫(أنا تول فرانس ‪ 1924 - 1844‬أديب فرنسي‬ ‫مع� � ��روف‪ ،‬م� � ��ن مؤلفاته الزنبقة احلم� � ��راء واآللهة‬ ‫العطش� � ��ى‪ ،‬نوبل اآلداب ‪1921‬م)‪ ،‬وضع د‪ .‬ضاهر‬ ‫صوراً ت� � ��دل على ثالثة «انعطافات» حاس� � ��مة في‬ ‫مس� � ��يرة جارودي‪ ،‬حدد األولى بنش� � ��ر كتابه املهم‬ ‫«منعطف االش� � ��تراكية الكبي� � ��ر»‪ ،‬والثاني «التحول‬ ‫إلى اإلس� �ل��ام»‪ ،‬والثالث واألخير «إنكار أس� � ��طورة‬ ‫احملرقة»‪ ..‬قب� � ��ل التوقف عند االنعطافات الثالثة‬ ‫أود التنويه مبا فهمت� � ��ه من قراءتي جلارودي ومن‬ ‫لقاءاته ومقاالته أنه ينظر إلى حياته نظرة متساوقة‬ ‫مستمرة ال انعطافات فيها مبعنى االنقالب على ما‬ ‫مضى أو التذبذب في املواقف كما اتهمه بعضهم‪،‬‬ ‫كان همه الدائم البحث عن املعنى في هذا الوجود‬ ‫ومواقفه الفكرية والسياسية ونظرته إلى األديان‪،‬‬ ‫هي موقف واحد شرحه في أكثر من مناسبة‪.‬‬ ‫كتب د‪.‬ضاهر حتت عن� � ��وان االنعطافة الثالثة‬ ‫واألخيرة‪ :‬وهي تع ّرض ج� � ��ارودي لقضية تاريخية‬ ‫دينية سياس� � ��ية حساسة جدا للضمير الغربي هي‬ ‫أسطورة احملرقة النازية (الهولوكوست)‪ ،‬نفى فيها‬ ‫بالوثائق والبراهني أسطورة احملرقة‪.‬‬ ‫املده� � ��ش هنا أن د‪ .‬ضاهر أضاف أس� � ��طورة‬ ‫امليعاد كما يرويها الصهاين� � ��ة وأتباعهم «هنا خلل‬ ‫مؤس� � ��ف في س� � ��ياق البحث حش� � ��ر فيه قضيتني‬ ‫متباعدتني في كل ش� � ��يء‪ ،‬فأسطورة أرض امليعاد‬

‫‪156‬‬

‫‪7/24/13 10:17:33 AM‬‬

‫التوراتي� � ��ة ال متت بأي صلة إلى «احملرقة» واألكثر‬ ‫أهمي� � ��ة أن جارودي «لم ين� � ��ف بالوثائق والبراهني‬ ‫أس� � ��طورة احملرقة»‪ ،‬وهذا القول في� � ��ه ظلم فادح‬ ‫للرجل ولكتابه‪« :‬األساطير املؤسسة»‪ ،‬حيث يركز‬ ‫على أسس بناء إسرائيل لسياستها‪ ،‬ال على أسس‬ ‫بناء سياسات أملانيا القومية االشتراكية التي نادت‬ ‫بالتطهي� � ��ر العرقي حيثما كان ممكنا‪ ،‬دان جارودي‬ ‫أسلوب إسرائيل والصهيونية في استغالل جرمية‬ ‫النازية وتضخيمها إلى حدود غير معقولة‪.‬‬ ‫أود التنوي� � ��ه هنا ب� � ��أن املفكر الراح� � ��ل إدوارد‬ ‫سعيد انتقد موقف جارودي «من احملرقة» ووصمه‬ ‫بصفة مهينة في مقال نش� � ��رته «احل��اة اللندنية»‪،‬‬ ‫ألن رقم الضحايا ال� � ��ذي ذكره جارودي ال يتطابق‬ ‫مع الدعاية اإلسرائيلية‪.‬‬ ‫وأعرب األستاذ سعيد عن استيائه من جتاهل‬ ‫جارودي ملصدر موثوق في هذا الشأن كتبه املؤرخ‬ ‫األمريك� � ��ي اليهودي راوول هيلبرج واملعروف بكونه‬ ‫أفضل من بحث تلك املسألة‪.‬‬ ‫املؤس� � ��ف في األمر أن سعيد لم يفطن إلى أن‬ ‫جارودي اعتم� � ��د الرقم الذي قال به هيلبرج‪ ،‬وأنه‬ ‫ذكر الكتاب في جدول مراجعه املنش� � ��ور في نهاية‬ ‫«األساطير املؤسسة»‪.‬‬ ‫كتبت يومئذ ردا ألفت فيه نظر األستاذ سعيد‬ ‫إلى األمر نشرته «أخبار األدب» القاهرية‪ ،‬لم يعلق‬ ‫عليه األستاذ سعيد بطبيعة احلال‪.‬‬ ‫أختتم «باالنعطافة» اجلارودية إلى اإلس� �ل��ام‪،‬‬ ‫وأعيد اإلشارة إلى أنه يرى نفسه في موقف واحد‬ ‫متسلس� � ��ل للبحث عن املعنى (أو محنة البحث عن‬ ‫احلقائ� � ��ق) كما جاء في عن� � ��وان بحث د‪.‬ضاهر ملا‬ ‫اختار احلزب الش� � ��يوعي أفه� � ��م موريس توريز أنه‬ ‫قادم إليه من الكاثوليكية‪ ،‬وملا انعطف إلى اإلسالم‬ ‫روى ه� � ��ذه الطرفة في كت� � ��اب «جولتي في العصر‬ ‫متوحدا» ورمبا في كتاب آخر أيضا‪.‬‬ ‫ملا دعي إل� � ��ى اململكة العربية الس� � ��عودية لبى‬ ‫الدعوة‪ ،‬وعند استقباله في مقر إقامته في حضور‬ ‫مس� � ��ئولني وممثلي وسائل اإلعالم قال لهم‪« :‬جئت‬ ‫إلى اإلسالم وفي مييني الكتاب املقدس (اإلجنيل)‬ ‫وفي يس� � ��اري رأس املال لكارل ماركس»‪ ،‬لم يعجب‬ ‫قوله أحداً فأين االنعطافات؟‬ ‫تنادى ع� � ��دد من الكهنة املس� � ��لمني بعدئذ إلى‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 154-159.indd 156‬‬


‫مؤمتر عقدوه في اإلس� � ��كندرية‪ ،‬أخرجوا فيه هذا‬ ‫املهرطق م� � ��ن صحيح اإلس� �ل��ام أوال‪ ،‬وأذكر أنني‬ ‫قرأت بعض ما نش� � ��ر عن املؤمتر‪ ،‬يحضرني منها‬ ‫قول كاهن سوري‪ ،‬مسلم طبعا‪ :‬لقد جاءنا جارودي‬ ‫إلى اإلس� �ل��ام من الصوفية ومن ابن عربي‪ ،‬وهذا‬ ‫ليس من صحيح الدين في رأي فضيلته‪.‬‬ ‫استنكر كثيرون إسالم جارودي فارضني عليه‬ ‫وصاية كاألطفال‪ ،‬وسارع علمانيون عرب يساريون‬ ‫جدا إلى التش� � ��هير ب� � ��ه وكادوا يتهمونه باخلرف‪،‬‬ ‫ولكنهم تناس� � ��وا في الوقت نفس� � ��ه ما قاله الرجل‬ ‫«عن وباء اإلس� �ل��ام األس� � ��ود» في وصف بعض من‬ ‫يعدون أنفسهم حماة اإلسالم‪ ،‬كما جتاهلوا تنديده‬ ‫بالطغاة الكبار من حكام العروبة بأس� � ��مائهم‪ ،‬وفي‬ ‫مقابالت مدوية‪ ،‬نش� � ��رت‪ ،‬وكانت مفرداتها تدينه‬ ‫في احملاكم لو جترأ أولئك الطغاة على تكذيبه‪ ،‬إال‬ ‫أنهم لسبب ما لم يفعلوا‪ .‬أال يحق لنا التساؤل عن‬ ‫نوعية املثقفني العرب وعن ماهية مناهج تفكيرهم‬

‫؟ فعندم� � ��ا وق� � ��ف متصديا ألس� � ��اطير الصهيونية‬ ‫هاجمه كثي� � ��رون من مثقفين� � ��ا دون أن يتبادر إلى‬ ‫أذهانهم أن كتاب األس� � ��اطير املؤسسة كان ينبغي‬ ‫«ملفكر» عرب� � ��ي كتابته‪ ،‬وهاجم� � ��ه الكهنة ألنه قرأ‬ ‫اإلسالم بعني املفكر الكوني العميق‪.‬‬ ‫كفروه ولكنه� � ��م لم يناقش� � ��وا آراءه في تطبيق‬ ‫الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وتناس� � ��وا مساءلته عما قاله‬ ‫من سوء استخدام املسلمني لكتابهم املقدس‪ ،‬وهي‬ ‫أفكار لو وضعت موضع التطبيق لنقلت اإلس� �ل��ام‬ ‫واملس� � ��لمني إلى مس� � ��تقبل مش� � ��رق‪ ،‬على أي حال‬ ‫البد ثانية من ش� � ��كر الباحث� �ي��ن العربيني د‪.‬عماد‬ ‫عبداللطي� � ��ف ود‪.‬محمد ضاهر عل� � ��ى محاولتهما‬ ‫إنصاف الرجل‪ ،‬كما ينبغي التنويه بتفوق «العربي»‬ ‫بشأن إنصاف جارودي على غيرها من الصحافة‬ ‫العربية املكتوبة >‬ ‫غازي أبوعقل‬ ‫سوري مقيم في الكويت‬

‫العثمانيون عائدون‬ ‫السيد رئيس حترير مجلة العربي الدكتور‬ ‫سليمان إبراهيم العسكري‬ ‫السالم عليكم ورحمة الله وبركاته‬ ‫قرأت مقالكم الش� � ��ائق واملفيد الوارد‬ ‫في العدد ‪( 645‬أغس� � ��طس ‪ )2012‬من مجلة العربي‪،‬‬ ‫وكان عنوان� � ��ه «العثمانيون عائ� � ��دون!»‪ ،‬وفيه حتدثتم‬ ‫عن أهم مظاهر الغزو الثقاف� � ��ي التركي للمجتمعات‬ ‫العربية متمثال في املسلسالت التلفزيونية‪ ،‬إلى جانب‬ ‫الطموح� � ��ات التركية في اكتس� � ��اح مج� � ��ال االقتصاد‪،‬‬ ‫س� � ��واء في املناط� � ��ق التقليدية أو االقتص� � ��ادات التي‬ ‫بدأت تتعافى بعد احلروب‪ ،‬بل يتعدى األمر ذلك إلى‬ ‫مح� � ��اوالت حثيثة في بناء عالق� � ��ات جتارية مع بلدان‬ ‫الربيع العربي (تونس ومص� � ��ر وليبيا مثال)‪ ،‬وقدمتم‬ ‫عدة مؤش� � ��رات ودالئل تؤكد ذل� � ��ك ومنها تصريحات‬ ‫بعض املس� � ��ئولني األتراك إلى جان� � ��ب حجم البضائع‬ ‫التركية التي تغمر األسواق‪.‬‬ ‫إال أن املثي� � ��ر في املقال ما تعل� � ��ق مبحاولة ترويج‬

‫أس� � ��لوب احلي� � ��اة التركية على غرار م� � ��ا فعلت بعقول‬ ‫وميوالت املس� � ��تهلكني أف� �ل��ام رعاة البق� � ��ر األمريكية‬ ‫الساعية إلى الترويج ملنتجات مصانع التبغ التي جنم‬ ‫عنها بروز أجيال من املستهلكني‪.‬‬ ‫وها هي الدول العربية‪ ،‬بال اس� � ��تثناء‪ ،‬تس� � ��تقبل‬ ‫طوعا أو كرها املسلسالت التركية الناطقة بالعربية‪،‬‬ ‫وهي تقدم أمناطا حياتية بديلة تلقى جمهورا مستهلكا‬ ‫بامتياز‪ ،‬وهي أفالم جتس� � ��د ما أس� � ��ماه الكاتب حلم‬ ‫«اسطنبولوود» على غرار حلم «بوليوود» (حلم السينما‬ ‫الهندية)‪ ،‬وكل املعطيات الفنية والتقنية املس� � ��تخدمة‬ ‫في إخراج تلك األفالم غايتها تكوين صورة انتفاعية‬ ‫قابلة للتصدير واالستهالك اخلارجي بال روادع‪ ،‬وقد‬ ‫جنحت في مسعاها واستطاعت فتح املجال لتكريس‬ ‫النموذج والوجود التركي عب� � ��ر الفضاء العربي‪ .‬وقد‬ ‫جنحت تركيا في رسم وجهها اآلخر «كرقم فاعل في‬ ‫الشأن السياس� � ��ي العربي‪ ،‬جعل اجلميع ينظرون إلى‬ ‫النموذج التركي في السياسة كأمل مرغوب به‪ ،‬ونهج‬

‫‪157‬‬

‫‪7/24/13 11:02:19 AM‬‬

‫‪sep 154-159.indd 157‬‬


‫مطلوب السير وفقه‪ ،‬ومنهج يحتذى‪ ،‬وهكذا اجتمعت‬ ‫الصورت� � ��ان اخليالية املتلفزة والعملي� � ��ة احلية‪ ،‬لتعيد‬ ‫صياغ� � ��ة الصورة ل� � ��دى الذهنية العربي� � ��ة عن أحفاد‬ ‫العثماني� �ي��ن‪ »...‬تركيا إذن ‪ -‬ومن دون أدنى ش� � ��ك ‪-‬‬ ‫يحدوها الس� � ��عي احلثيث من أجل حتقيق مصاحلها‬ ‫في البل� � ��دان العربية عبر االنخ� � ��راط ضمن التفاعل‬ ‫اإليجاب� � ��ي االنتفاع� � ��ي إزاء التط� � ��ورات والتفاعالت‬ ‫اإلقليمية الطارئة في املنطقة‪ ،‬ويس� � ��اعدها في ذلك‬ ‫عدة عوامل‪ ،‬أبرزها‪ :‬اس� � ��تعداد دول منطقة الش� � ��رق‬ ‫األوسط لتق ّبل اقتراحاتها اخلاصة بالتعاون والتعامل‬ ‫معه� � ��ا في املجال االقتص� � ��ادي والسياس� � ��ي‪ ،‬باعتبار‬ ‫أن تركي� � ��ا قوة جديدة يعول عليه� � ��ا في تقدمي البديل‬ ‫اإلستراتيجي‪ ،‬منافسة في ذلك طهران وواشنطن في‬ ‫املنطقة‪.‬‬ ‫تل� � ��ك خالصة ملا ج� � ��اء في مقالة الس� � ��يد رئيس‬ ‫التحري� � ��ر‪ ،‬وأود أن أعقب عليها في ش� � ��طرها املتعلق‬ ‫باملسلس� �ل��ات واألف� �ل��ام املتلفزة ألتس� � ��اءل عن مدى‬ ‫قدرتنا على االس� � ��تفادة مما يبدعه اآلخرون فنجعله‬

‫‪158‬‬

‫‪7/24/13 10:42:02 AM‬‬

‫وفق إرادتنا ووفق ما نصبو إليه من إفادة املس� � ��تهلك‬ ‫العربي مبا ينت� � ��ج انطالقا من محيطه‪ ،‬فغزو األفالم‬ ‫التركية للعقل العربي يؤكد حقيقتني هما‪:‬‬ ‫ هشاشة الصناعة اإلعالمية والفيلمية العربية‬‫فنيا وهوية‪.‬‬ ‫ ضعف احلصانة النقدي� � ��ة إن لم نقل انعدامها‬‫ل� � ��دى املواطن العربي أمام غ� � ��زو الصورة للعقول في‬ ‫كل مكان‪.‬‬ ‫وانطالقا من ذلك تتب� � ��ادر إلى أذهاننا مجموعة‬ ‫من األس� � ��ئلة من قبيل‪ :‬ملاذا طغى علينا االس� � ��تهالك‬ ‫على حس� � ��اب اإلنت� � ��اج؟ ملاذا جت � � � ُّد ُد إبداعاتنا قاصر‬ ‫مقارن� � ��ة بغيرنا؟ هل إعالمنا وأفالمنا مؤهالن للدفع‬ ‫نحو االنعتاق واالعت� � ��زاز بالذات؟ متى ندرك خطورة‬ ‫الصناع� � ��ة الفيلمية في التوجي� � ��ه والتدجني والتفعيل‬ ‫واالس� � ��تقطاب؟ إلى أي حد ميك� � ��ن أن نحول اإلعالم‬ ‫على غرار غيرنا‪ ،‬فيصير السلطة األولى لكسب املال‬ ‫وحتقيق أحالم املآل؟ أال تس� � ��تطيع الس� � ��ينما صرف‬ ‫اآلالف من أجل جلب املاليني؟‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 154-159.indd 158‬‬


‫أس� � ��ئلة تس� � ��تدعي البح� � ��ث والتقصي من أجل‬ ‫إجاب� � ��ات صريحة واضحة من ش� � ��أنها أن تعيدنا إلى‬ ‫س� � ��بيل الصواب‪ .‬وعودة إلى املسلسالت التلفزيونية‬ ‫التركية‪ ،‬يبدو أنها تس� � ��تحق الدراسة وتعميق البحث‬ ‫قص� � ��د التوص� � ��ل إل� � ��ى عناص� � ��ر قوتها‪ ،‬ع� �ل��اوة على‬ ‫فوائدها‪ ،‬فقد غزت هذه املسلس� �ل��ات بلدان املغرب‬ ‫العربي ممثلة ما يس� � ��مى بالقوة الناعمة للدبلوماسية‬ ‫التركية‪ ،‬ه� � ��ذه القوة الت� � ��ي تقوم باإلش� � ��هار للنموذج‬ ‫التركي مس� � ��تهدفة إثراء اقتصاده� � ��ا عبر جلب مبالغ‬ ‫طائل� � ��ة من العملة األجنبية انطالقا من بيع إنتاجاتها‬ ‫الفني� � ��ة وانطالقا من جذب الس� � ��ياح إل� � ��ى أراضيها‪.‬‬ ‫فللدراما التركية الدور الكبير في تش� � ��جيع السياحة‬ ‫والترويج لتقاليد هذا البلد ومنوذجه احلضاري عبر‬ ‫احلدود‪.‬‬ ‫والتحليالت تش� � ��ير إل� � ��ى أن الس� � ��ياحة إلى املدن‬ ‫التركية ش� � ��هدت زيادة كبي� � ��رة‪ ،‬خصوصاً م� � ��ن الدول‬ ‫العربي� � ��ة عام� � ��ة واخلليجية باخلص� � ��وص‪ ،‬وذلك عبر‬ ‫غزو الدراما التركية للس� � ��وق الفني� � ��ة العربية انطالقا‬ ‫من مسلس� �ل��ات جميلة اإلخراج‪ ،‬تقدم اإلنسان التركي‬ ‫بغض الطرف عن‬ ‫وبيئته بشكل جاذب ومثير ومحترم‪ّ ،‬‬ ‫بعض املَش� � ��اهد التي حتمل بعض اللقطات اخلادش� � ��ة‬ ‫للحياء‪ ،‬وبه� � ��ذا صارت شاش� � ��ات التلفزيونات العربية‬ ‫راضخ� � ��ة‪ ،‬عدمية الق� � ��درة على رف� � ��ض ومواجهة هذا‬ ‫االكتس� � ��اح واالجتياح الدرامي التركي‪ ،‬ويعود ذلك إلى‬ ‫فقر الدرام� � ��ا العربية فنيا وتقني� � ��ا وجتديدا وتيمات‪،‬‬ ‫وكأن في الدراما التركية تقديرا واحتراما للمش� � ��اهد‬ ‫فنيا وجمالي� � ��ا على األقل مقارن� � ��ة باألعمال الدرامية‬ ‫العربية واخلليجية التي يعتري جلها الرتابة والتكرار‪.‬‬ ‫ولس� � ��نا بحاقدي� � ��ن على ه� � ��ذه الدرام� � ��ا بقدر ما‬ ‫نتأس� � ��ف له إزاء الصناعة الفيلمي� � ��ة العربية الهادرة‬ ‫لألم� � ��وال واألوقات دومنا تأثير فع� � ��ال يجلب اإلقبال‬ ‫اجلماهيري إلى املسلس� �ل��ات واألفالم العربية‪ ،‬بدل‬ ‫االس� � ��تحواذ الت� � ��ام للدرام� � ��ا التركية عل� � ��ى اجلمهور‬ ‫العربي‪ .‬والواقع أننا نشعر بنوع من التراجع والتقاعس‬ ‫الفك� � ��ري واإلبداعي‪ ،‬ما جعل املش� � ��اهد العربي يقبل‬ ‫على الدراما التركية إرواء لعطش� � ��ه ضمن فرجة على‬ ‫أفالم رومانس� � ��ية مقدمة باحترافية في ثوب إبداعي‬ ‫جاذب ومثير‪ ،‬وضمن تأثيرات فنتازية ش� � ��فيفة تصور‬ ‫العالقات االجتماعية بعفوية مدروسة فنيا وإبداعيا‪.‬‬ ‫ولذا يجب على املسئولني عن اإلنتاج الفيلمي العربي‬

‫بكل طاقمه أن يأخذوا بعني االعتبار ما يلي‪:‬‬ ‫ كون الصورة الوس� � ��يلة املثلى من أجل االنعتاق‬‫والدفع باإلنس� � ��ان العرب� � ��ي إلى التحرر واملس� � ��اهمة‬ ‫ف� � ��ي التغيير نح� � ��و األفض� � ��ل‪ ،‬فالصناع� � ��ة الفيلمية‬ ‫والس� � ��ينمائية ليس� � ��ت ترفا‪ ،‬وليس� � ��ت متعة فحسب‪،‬‬ ‫فاألفالم واملسلسالت لها دورها الفعال في املساهمة‬ ‫بالتطوير في شتى مجاالت احلياة‪.‬‬ ‫ كون الدراما العربية حتتاج إلى البحث والتطوير‬‫املتجدد ملس� � ��ايرة التحوالت االجتماعية داخل الوطن‬ ‫وخارجه‪.‬‬ ‫ وج� � ��وب االهتمام بتحس� �ي��ن الس� � ��يناريوهات‪،‬‬‫وتقدمي املسلس� �ل��ات وغيرها من املواد اإلعالمية في‬ ‫جمالية آس� � ��رة وجاذبة للجمه� � ��ور العربي الذي صار‬ ‫يتابع ما يبثه غير العرب في الغرب والشرق باهتمام‬ ‫متزايد‪.‬‬ ‫ ك� � ��ون دراما غيرنا حتمل م� � ��ا يريد غيرنا ال ما‬‫نري� � ��د نحن‪ ،‬ولكل أمة قيمها عليها احترامها احتراما‬ ‫للذات والهوية‪ ،‬حفاظا على وجودها‪.‬‬ ‫ كون الغزو الثقافي عبر القالب الدرامي أسهل‪،‬‬‫فاألفكار املوشاة بالفنية الدرامية املثيرة سهلة النفاذ‬ ‫والتقبل والتسلل إلى عقول وقلوب املتلقني‪.‬‬ ‫ وج� � ��وب االلتفات إلى ضحالة وتكرار كثير من‬‫األعمال والقضايا واألدوار في الدراما العربية بعيدا‬ ‫عن نظرة جمالية مدروس� � ��ة تساير تطلعات اجلمهور‬ ‫العربي من حيث القضايا واجلمالية‪ ،‬واألمر يستدعي‬ ‫القي� � ��ام بنقلة نوعية في تق� � ��دمي اإلنتاج الفني احمللي‬ ‫عبر نظرة جمالية تعزز وجودنا في الس� � ��احة الدولية‬ ‫سياحيا وأسلوبا حضاريا متميزا‪.‬‬ ‫ تخصي� � ��ص ميزاني� � ��ة معقول� � ��ة كفيل� � ��ة بالدفع‬‫نح� � ��و جتويد اإلنتاجات الفنية عل� � ��ى غرار امليزانيات‬ ‫الضخمة املخصصة لألعمال الدرامية التركية‪ ،‬وفي‬ ‫ذلك بعض الس� � ��ر في تألقها واستحواذها على عقول‬ ‫اجلماهير العربية صغارا وكبارا‪ ،‬ذكورا وإناثا‪.‬‬ ‫إننا نحتاج إلى صناعة فيلمية ضخمة منافس� � ��ة‪،‬‬ ‫نحتاج إلى أعمال درامية على شاكلة مسلسل «األوراق‬ ‫املتس� � ��اقطة» و«س� � ��نوات الضي� � ��اع» و«ثمن الش� � ��هرة»‬ ‫وغيرها‪ ،‬ولكن بأس� � ��لوبنا وبذائقتنا ورؤيتنا اخلاصة‬ ‫للعالم >‬ ‫حلسن امللواني‬ ‫تنغيز ‪ -‬املغرب‬

‫‪159‬‬

‫‪7/24/13 10:17:51 AM‬‬

‫‪sep 154-159.indd 159‬‬


‫أدب وفن‬

‫حكاية شهريار‬ ‫أمني الباشا*‬ ‫صمت؟ والله س ��روري‬ ‫عندم ��ا وقفت عن الكالم‪ ،‬س ��ألها مستفس � ً�را‪ :‬أيا ش ��هرزاد م ��اذا حصل؟ ملاذا‬ ‫ِّ‬ ‫عظي ��م مل ��ا ترويه لي‪ .‬أن َْس� � ْيتيني مرور النهارات والليالي‪ ،‬وإش ��راقة الش ��مس وغروبها وبزوغ القمر‪،‬‬ ‫وبت محتا ًرا‪ ،‬أ ُأحقق ما ق ّررته بانتقامي من النساء اخلائنات‪ ،‬أم أعيش في حكاياتك التي تنقلني‬ ‫ُ‬ ‫من بلد إلى بلد على بساط خيالك وعلى بساط الريح الذي أوصلني إلى أعلى السماوات وأعمق‬ ‫يشجعها على أن حتاوره‪.‬‬ ‫البحور؟ ابتسمت شهرزاد وشعرت بأن ما قاله شهريار ّ‬

‫ ي� � ��ا أميري‪ .‬ويا س� � ��يد األم� � ��راء‪ .‬يا من‬‫خصه الله بجم� � ��ال اخللق وجمال احمليا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫هنا أس� � ��ند ش� � ��هريار ظهره عل� � ��ى أرائك‬ ‫احلرير الصيني احملاطة بأقمشة دمشقية وم ّد رجليه‬ ‫على بساط فارسي‪ ،‬واالبتسامة تعلو مح ّياه‪.‬‬ ‫ نع� � ��م يا ش� � ��هرزاد‪ .‬وبعد هذا‪ِ ..‬ل � � � َم توقفت عن‬‫الكالم‪ ،‬والقمر مازال مش ًعا؟‬ ‫أنا لم أس� � ��كت‪ ..‬عف� � ��وك‪ ..‬لقد س� � ��اورتني أفكار‬ ‫جعلتني في حيرة من أمري‪.‬‬ ‫ م� � ��ا هي تلك األف� � ��كار‪ ..‬أخبرين� � ��ي‪ ،‬لعلها تزيد‬‫ليالينا سح ًرا وخياالً وجماالً؟‬ ‫ لكن‪ ..‬لكن يا من يأمر وال يؤمر‪ ،‬ويبدي رأيه وال‬‫يناقش برأي‪ .‬يا أميري ويا سيدي‪ ..‬قلت‪ ،‬بل ساورتني‬ ‫فك� � ��رة أن أتقدم إلى من أجلّ� � ��ه وتطيب الليالي بقربه‪،‬‬ ‫قصصا لست أدري من أين آتي بها‪.‬‬ ‫أحكي له‬ ‫ً‬ ‫ قولي‪ ..‬قولي شهرزاد أي فكرة أتتك؟‬‫‪ -‬لقد ع ّودتني يا أميري أال أفتح فاهي إ ّال ألحكي‬

‫* فنان تشكيلي وكاتب من لبنان‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫‪7/24/13 10:18:25 AM‬‬

‫حكايات الليالي‪ ،‬ولقد م ّرت خمس� � ��مائة ليلة‪ ،‬وكل ليلة‬ ‫حكاية‪.‬‬ ‫ تعني أننا أمضينا خمسمائة ليلة م ًعا؟‬‫ نعم يا سيدي‪ ..‬قلت‪ ..‬قلت‪.‬‬‫ ماذا قلت؟‬‫قلت لو أستطيع أن أسمع منك حكاية‪.‬‬ ‫ ُ‬‫ تريدي� � ��ن يا ش� � ��هرزاد أن أحكي لك حكاية؟ قال‬‫ً‬ ‫مندهشا‪.‬‬ ‫ ال يا أميري‪ ..‬ال أريد‪ ..‬اإلرادة لك‪ ..‬لكني أرغب‬‫وأمتنّى أن أسمع منك حكاية‪.‬‬ ‫بعيني شهرزاد الساحرتني‬ ‫ابتسم شهريار‪ ،‬ومت ّعن‬ ‫ّ‬ ‫وقال‪:‬‬ ‫ ماذا أس� � ��تطيع أن أحكي ل� � ��ك وأنا لم ِ‬‫أحك مرة‬ ‫حكاية؟‪ ..‬وال علم لي بحكاية‪.‬‬ ‫ يا س� � ��يدي وأميري‪ ..‬احلكاية تأتي وحدها‪ ..‬إن‬‫تف ّوهت بجمل� � ��ة‪ ،‬فإن احلكاية تبدأ ثم تنتهي من تلقاء‬ ‫نفسها كما بدأت‪.‬‬ ‫ ش� � ��هرزاد‪ ..‬عج ًبا‪ ..‬لم تطلب� � ��ي مني أن أحكي‬‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep160-162.indd 160‬‬


‫حكاية م� � ��ن قبل‪ ،‬ثم أردف س� � ��ائ ً‬ ‫ال‪ :‬م� � ��اذا تو ّدين أن‬ ‫تس� � ��معي‪ ،‬حكاي� � ��ة عن اجل� � ��ن‪ ،‬عن املنجم� � ��ات‪ .‬عن‬ ‫اللص� � ��وص‪ .‬عن خيانة الزوج� � ��ات‪ .‬أم عن البغض أم‬ ‫احلب والغرام؟‬ ‫ ع� � ��ن احل� � ��ب والغ� � ��رام‪ .‬ور ّب� � ��ي ه� � ��ي أجم� � ��ل‬‫احلكايات‪.‬‬ ‫ابتسم شهريار‪ ،‬وكاد يضحك‪ ،‬وابتسامته ارتسمت‬ ‫على محياه ولم تفارقه‪ .‬قال‪ :‬سأحاول أن أجد حكاية‬ ‫حتكي عن حب أمير المرأة‪.‬‬ ‫ شهرزاد مبتسمة‪ :‬لقد بدأت باحلكاية يا سيدي‬‫وأميري‪.‬‬ ‫قال‪ :‬في بالد السند‪ ،‬قصر حجارته من الذهب‬ ‫واألملاس‪ ،‬يعيش فيه أمير لم تعرف االبتسامة مح ّياه‬ ‫ً‬ ‫وال الف� � ��رح‪ ،‬يعيش‬ ‫الس� � ��احرات‬ ‫محاط� � ��ا باجلاريات ّ‬ ‫واملغني� � ��ات والراقصات والش� � ��اعرات وب� � ��كل ما يبهج‬ ‫ويدخل الس� � ��عادة إلى النفوس‪ ،‬لكن األمير بقي هكذا‬ ‫ال ش� � ��يء يفرحه وال ما يبعد احلزن عنه‪ ،‬ومت ّر األيام‬ ‫وشعر بأن مرضه هو مرض الوحدة التي يعيش فيها‪،‬‬ ‫حكاية شهريار‬

‫‪7/24/13 10:18:30 AM‬‬

‫والب ّد ‪ -‬ق� � ��ال ‪ -‬أن أجد من يقلع الوحدة عني‪ .‬جمع‬ ‫وزراءه طال ًبا من كل وزير أن يطوف في البلدان باح ًثا‬ ‫عن امرأة تكون رفيقة عمره تنس� � ��يه الوحدة وتدخل‬ ‫البهجة والفرح إلى قلبه‪.‬‬ ‫كانت شهرزاد تنصت بكل جوارحها‪ ،‬وعلى خ ّديها‬ ‫ارتس� � ��م احمرار وعيناها تش � � � ّعان‪ ،‬حاملت� � ��ان بحلم إن‬ ‫حتقق فستكون أسعد النساء‪ ،‬إذ شعرت بأن شهريار‬ ‫يحك� � ��ي حكاية حاله‪ ،‬واملرأة التي يبحث عنها وزراؤه‪.‬‬ ‫َمن يدري؟ أن تكون هي تلك املرأة‪.‬‬ ‫***‬ ‫في الليلة التالية‪ ،‬وكعادتها راحت ش� � ��هرزاد حتكي‬ ‫حكايته� � ��ا الواحدة بعد اخلمس� � ��مائة‪ .‬قالت‪ :‬في قدمي‬ ‫الزم� � ��ان‪ ،‬وفي إحدى الغابات‪ ،‬كان� � ��ت تعيش أنواع من‬ ‫احليوان� � ��ات‪ ،‬وكان� � ��ت األفعى هي س � � � ّيدة الغابة‪ ،‬تأمر‬ ‫األسد فيطيعها‪ ،‬كذلك األرنب والطير والنملة والفيل‬ ‫وجميعها في طاعتها‪.‬‬ ‫رأت األفع� � ��ى كائن� �ي��ن غريبني جالس� �ي��ن حتت‬ ‫ش� � ��جرة حبل� � ��ى بالثم� � ��ار‪ ،‬اقتربت منهم� � ��ا وأخذت‬

‫‪161‬‬

‫‪sep160-162.indd 161‬‬


‫تداعبهما‪ ،‬ث� � ��م زحفت إلى جذع الش� � ��جرة وأخذت‬ ‫منه� � ��ا ثمرة وق ّدمتها إليهم� � ��ا‪ :‬عرفت األفعى‪ ،‬أنهما‬ ‫ليسا كائنني غريبيني‪ ،‬بل هما رجل وامرأة‪ ،‬مخلوقان‬ ‫كما األفعى‪ ،‬وكما األش� � ��جار والطيور الساكنة على‬ ‫أغصانها‪ ،‬لهما الطبيعة كلها‪ ،‬ولهما ثمار أشجارها‪،‬‬ ‫ما عدا هذه الش� � ��جرة‪ ،‬حيث يجلسان بفيئها‪ ،‬وهي‬ ‫ش� � ��جرة ثمارها التفاح‪ ،‬إن أكال منها‪ ،‬فهما لن يبقيا‬ ‫هنا في هذه الغابة التي اس� � ��مها اجلنّة‪ ،‬وإن أطاعا‬ ‫وقطفا من بقية األشجار املثمرة فسيكون مسكنهما‬ ‫في اجلن� � ��ة‪ ،‬حيث جتري فيها أنه� � ��ار‪ ،‬ماؤها عذب‬ ‫وجبالها ّ‬ ‫مغطاة بكل ما سيش� � ��تهيانه من ثمر وطيور‬ ‫مل ّونة بألف لون‪ ،‬وفراشات ترمي ظاللها متنقّلة من‬ ‫زهرة إلى زهرة‪.‬‬ ‫ق ّربت األفعى م� � ��ن آدم وحواء تفاحة‪ ،‬فلم يكترث‬ ‫عندها آدم‪ ،‬اقتربت من حواء وهمست في أذنها‪ :‬ذوقي‬ ‫طعمها اللذيذ‪ ،‬هي أطيب الثمرات‪ ،‬جاءها نذير بأنها‬ ‫حواء؛ املرأة األولى على هذه األرض‪ ،‬واألرض كانت ال‬ ‫تعرف س� � ��وى امللل واحلزن‪ ،‬وترابها ال ينبت فيه سوى‬ ‫أعشاب يابس� � ��ة‪ .‬انظري حولك‪ ..‬انظري إلى األزهار‪،‬‬ ‫اس� � ��معي غناء األطيار‪ ،‬افرحي ف� � ��ي الليل وفي النهار‪،‬‬ ‫اجلن� � ��ة أنت‪ ،‬أن� � ��ت اللذة‪ ،‬أنت ملك� � ��ة األرض والبحار‪.‬‬ ‫أخ� � ��ذت املرأة الثم� � ��رة وأكلت منها ث� � ��م أعطتها للرجل‬ ‫ال� � ��ذي م� � ��ا إن ذاق طعمها حتى انتف� � ��ض واق ًفا‪ ،‬تبعته‬ ‫امل� � ��رأة‪ ،‬األفعى راحت تلتف حول جذع الش� � ��جرة وهي‬ ‫تقطف م� � ��ن ثمارها‪ ،‬حتى ّ‬ ‫غط� � ��ت األرض بها‪ ،‬وفجأة‬

‫رأت املرأة أن الطبيعة أصبحت جرداء‪ ،‬ال شجرة فيها‬ ‫وال زهرة‪ ،‬سار الرجل مطأطئ الرأس ناد ًما على عدم‬ ‫إطاعته للنذير بأال ��أكل من الشجرة‪ .‬الح نور الفجر‪،‬‬ ‫اقت� � ��رب الرجل من امل� � ��رأة‪ ،‬فجأة اختف� � ��ى النور وع ّم‬ ‫الظالم‪ ،‬تابع الرجل واملرأة سيرهما محاطان بوحوش‬ ‫ال يريان س� � ��وى الظلمة‪ ،‬وظهر مخلوقون يش� � ��بهونهما‬ ‫أزواجا‪ ،‬اطمأنت حواء كذلك آدم‪ ،‬لقد‬ ‫أزواجا‬ ‫يسيرون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تكاثرا‪ ،‬وهما يس� � ��يران وقد تبعثر املخلوقون أمثالهما‬ ‫في كل اجتاه‪ ،‬هطل� � ��ت أمطار غزيرة ورعدت وهبطت‬ ‫غيوم س� � ��وداء على األرض‪ ..‬ثم‪ ..‬ثم‪ ..‬بانت الش� � ��مس‬ ‫�رت األرض وغنّت الطي� � ��ور‪ ،‬وجت ّمع الناس حول‬ ‫وأزه� � � ْ‬ ‫آدم وتف � � � ّوه بكلمات‪ ..‬أطاعه البعض ورفضه آخرون ‪.‬‬ ‫عندئذ عرفوا املوت‪.‬‬ ‫وحبلت النساء‪ ،‬إلى أن امتألت األرض بهم‪ .‬ه ّبت‬ ‫رياح حا ّرة ثم هطلت أمطار وتس� � ��اقطت كتل من الثلج‬ ‫ع ّرت األش� � ��جار من ثمارها وأوراقها‪ .‬ومضت السنون‬ ‫واألي� � ��ام‪ .‬والليال� � ��ي‪ ،‬ومازال� � ��ت متض� � ��ي‪ ،‬وآدم وحواء‬ ‫يتالحق� � ��ان واألفاعي تزحف وراءهما‪ ،‬يع ّم الش � � � ّر في‬ ‫األجواء واخلير يبحث عن ٍ‬ ‫منفذ لينتش� � ��ر ويتغلّب على‬ ‫ّ‬ ‫الشر واألشرار‪.‬‬ ‫***‬ ‫في هذا الوقت‪ ،‬وقد شارف الليل أن ميضي ويط ّل‬ ‫الفجر بألوانه البرتقالية‪ ،‬رأت ش� � ��هرزاد أن ش� � ��هريار‬ ‫مغمض العينني مبتس � � � ًما كأنه في حلم‪ .‬نامت شهرزاد‬ ‫بقربه‪ ،‬ومازالت نائمة حتى اآلن >‬

‫ِب � �أَب� ��ي َو ُأ ّم� � � ��ي أَن� � ��تَ م ��ا أَن� � ��دى َي� ��د ًا‬ ‫َوأَ َب � � � � � � � � َّ�ر م � �ي � �ث� ��اق � � ًا َوم�� � � ��ا أَزك� � ��اك� � ��ا‬ ‫َوال� � َل � ِ�ه َل ��و َل ��م َي �ع� ِ�ق��دوا َل�� َ‬ ‫�ك َعه َدها‬ ‫�ب ِس ��واك ��ا‬ ‫أَع� �ي ��ا ال � � َب� � ِ�ر َّي � � َة أَن ُت��ص��ي� َ‬ ‫َي� �غ ��دو َع � � � � ُ�د ُّو َك خ � ِ�ائ� �ف� � ًا َف � � � ِ�إذا َرأى‬ ‫�اب َرجاكا‬ ‫أَن َق ��د َق � � ِ�درتَ َع �ل��ى ال� ِ�ع �ق� ِ‬ ‫‪162‬‬

‫‪7/24/13 10:18:36 AM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep160-162.indd 162‬‬


‫جـمـال الـعـربـيـة‬

‫ساجدة املوسوي‬

‫شاعرة الشتات العراقي‬ ‫فاروق شوشة‬ ‫لم تتوهج أرض عربية‪،‬‬ ‫في العصر احلديث‪ ،‬بشعر‬ ‫املرأة كما توهجت أرض‬ ‫العراق‪ .‬ومنذ تفجر نهر‬ ‫الشعر العراقي بشعر‬ ‫شاعرة العرب الكبرى في‬ ‫القرن العشرين نازك‬ ‫املالئكة ولشعر املرأة في‬ ‫العراق حضوره وسطوعه‬ ‫وتنويعاته‪ .‬وفي هذا املسار‬ ‫الشعرى الثري‪ ،‬كان شعر‬ ‫غوصا في أعماق‬ ‫نازك ً‬ ‫النفس اإلنسانية‪ ،‬وس ْب ًرا‬ ‫خلفايا الوجدان‪ ،‬ونفا ًذا‬ ‫إلى قرارة املوجة البعيدة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫واستكشافا ملدارات البوح‬ ‫واإلفضاء‪ .‬ثم كان شعر‬ ‫مليعة عباس عمارة ضر ًبا‬ ‫على أوتار الدلّ األنثوى‪،‬‬ ‫وجتسيدا جلموح العراقية‬ ‫ً‬ ‫العاشقة‪ ،‬وفتنتها للقلوب‬ ‫املنسحقة قل ًبا بعد آخر‪،‬‬ ‫وفي املقدمة منها قلب‬ ‫«السياب»‪.‬‬ ‫‪163‬‬

‫‪7/21/13 12:05:43 PM‬‬

‫‪sep 163-167.indd 163‬‬


‫أما عاتك� � ��ة اخلزرجية فق� � ��د ازدحمت‬ ‫بطيوف عاملها األثي� � ��ر وكائناته الليلية‪،‬‬ ‫في رحل� � ��ة روحية عميق� � ��ة‪ ،‬حققت لها‬ ‫قدرا كبيرا من اخلالص باإلميان‪ ،‬والتجرد للعشق‬ ‫اإللهى‪ ،‬ومراجع� � ��ات النفس التي كانت تتأبي ‪ -‬في‬ ‫منعطفات الشباب ‪ -‬على القيود الصارمة والتقاليد‬ ‫احملكمة‪ .‬ثم جتيء س� � ��اجدة املوس� � ��وي‪ ،‬حلقة أكثر‬ ‫قربا وحداثة في هذه السلس� � ��لة الذهبية لشاعرات‬ ‫العراق‪ ،‬وقد كتب عليها أن تكون ش� � ��اعرة الش� � ��تات‬ ‫العبثى األخير‪.‬‬ ‫العراقي في مشهده‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫تعتز س� � ��اجدة‪ ،‬بانتس� � ��ابها إلى بغ� � ��داد‪ ،‬ميالدا‬ ‫ونش� � ��أة‪ ،‬كما تعت ّز بتس� � ��م َيها نخلة الع� � ��راق‪ ،‬بكل ما‬ ‫متثل� � ��ه النخلة من أطي� � ��اف ورؤى وتعبير عن الهوية‬ ‫العراقي� � ��ة‪ ،‬كم� � ��ا تعت� � ��ز بأنها واحدة من بني س� � ��ت‬ ‫ش� � ��اعرات عربيات حظني مبرتبة أبرز ش� � ��اعرات‬ ‫الوطن العربي‪ ،‬في اس� � ��تطالع للرأى‪ ،‬أجرته وكالة‬ ‫أنباء الش� � ��عر العربي‪ .‬وأخيرا تعتز س� � ��اجدة بأنها‬ ‫من أغزر ش� � ��اعرات الع� � ��راق عط� � ��ا ًء وإبداعا‪ ،‬بعد‬ ‫أن أصدرت أربعة عش� � ��ر ديوانا‪ ،‬وش� � ��اركت بقلمها‬ ‫ف� � ��ي املجالني الثقاف� � ��ي واالجتماعي على صفحات‬ ‫الصحاف� � ��ة العراقي� � ��ة والعربية‪ ،‬ومبش� � ��اركاتها في‬ ‫العديد من املهرجانات وامللتقيات الشعرية والثقافية‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫ف� � ��ي ديوانها األح� � ��دث «بكيت الع� � ��راق»‪ ،‬الذي‬ ‫صدر له� � ��ا في الع� � ��ام املاض� � ��ي‪ ،‬تكتمل لس� � ��اجدة‬ ‫املوسوي دورتها الش� � ��عرية احلافلة‪ .‬وتبكي‪ ،‬ومعها‬ ‫قصائدها‪ ،‬بقسوة الش� � ��تات العراقي الذي تعيشه‪،‬‬ ‫والذي يتس� � ��ع مداه وتعنف مشاهده‪ ،‬ليصبح شتاتا‬ ‫عربيا متجس� � ��دا في أكثر من بل� � ��د عربي‪ .‬ويصبح‬ ‫بكاؤها العراق‪ ،‬دمعة تنس� � ��كب من ش� � ��اعرة مرهفة‬ ‫احلس‪ ،‬صادقة الوجدان‪ ،‬منذ كانت دمعة مالك بن‬ ‫ّ‬ ‫الريب‪ ،‬التي تضعها الش� � ��اعرة في مستهل ديوانها‬ ‫الرابع عشر‪:‬‬

‫ت���ذكّ ���رت م ��ن ي �ب �ك��ي ع� �ل � ّ�ي‪ ،‬ف �ل��م أج � ْ�د‬ ‫س��وى السيف وال��رم��ح ال��ردي �ن� ّ�ي باكيا‬ ‫�ال ي�� � �ج� � � ُّ�ر ع� �ن ��ان ��ه‬ ‫وأش�� � �ق� � ��ر ع�� � � ّ�س�� � � ٍ‬ ‫إل��ى امل ��اء‪ ،‬ل��م ي�ت��رك ل��ه ال��ده��ر ساقيا‬ ‫ومعها كلمات س� � ��طرها رعد بن� � ��در في مقدمة‬ ‫الدي� � ��وان يقول فيه� � ��ا‪ :‬س� � ��اجدة املوس� � ��وي‪ :‬املرأة‬ ‫الش� � ��جاعة التي انتص� � ��رت على الوج� � ��ع والضعف‬

‫‪164‬‬

‫‪7/21/13 11:46:34 AM‬‬

‫وجحود اآلخرين‪ ،‬والشاعرة التي ُق ّدر لها أن حتمل‬ ‫فانوس الش� � ��عر في النهارات املعتم� � ��ة‪ ،‬وحيدة مثل‬ ‫نخلة في صحراء‪ ،‬حزينة مثل س� � ��يف على حائط‪،‬‬ ‫دامع� � ��ة مثل دالءٍ على بئر راكدة‪ ،‬ومع هذا كلّه فهي‬ ‫مضاءة بوحدتها وحزنها ودموعها‪.‬‬ ‫تقول ساجدة املوسوي ‪ -‬نخلة العراق الشعرية‬ ‫‪ -‬في قصيدتها «أفول الطوفان»‪:‬‬

‫رغيدا‬ ‫كان العيش‬ ‫ً‬ ‫وكالم الناس بوقت الشاي كطعم السكّ ر‬ ‫في رمش ��ة عني ّهب ��ت ريح فارجتف ��ت أبواب‬ ‫البيت‬ ‫ّ‬ ‫حط غراب فانك‬ ‫ّ‬ ‫حط غراب فانكسر املصباح‬ ‫الضوء تعثّر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ماذا ّ َ‬ ‫حل بنا؟‬ ‫جتيء الريح؟‬ ‫أي جهات األرض‬ ‫من ّ‬ ‫ُ‬ ‫تهدأ حينا ثم تصيح‬ ‫غبراء‬ ‫غريب مسراها‬ ‫كانت تعصف دون هواده‬ ‫وضموا األطفال بأذرعهم‬ ‫ارتعب الناس‬ ‫ّ‬ ‫قيل هو الطوفان‬ ‫قيل الطاعون‬ ‫قيل بوادر غزو مجنون ُش ّدى ياروح على‬ ‫األوالد نطاق الروح‬ ‫ولنمسك سارية الله بقوة‬ ‫ال غالب إال هو‬ ‫طاف الطوفان علينا فتج ّب ْر‬ ‫والريح املجنونة مازالت تعصف‬ ‫دمر‬ ‫و ُت ّ‬ ‫أما الطاعون فقد أودى مباليني األكباد‬ ‫لكن األرض هي األرض‬ ‫َّ‬ ‫مازالت‪ ،‬مازلنا‬ ‫ونوارس دجل ��ة مازالت ترتاح إذا تعبت‪ ،‬عند‬ ‫وافدنا‬ ‫مازلنا فوق هدير املوح وعصف الريح نغني‬ ‫نحن هنا‬ ‫مزروعون بطني املاء‬ ‫وأشذاء احلناء‬ ‫مازالت غابات النخل‬ ‫ُ‬ ‫العهد وأشرعهُ الشهداء‬ ‫مازال‬ ‫ُ‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 163-167.indd 164‬‬


‫مازلنا‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ثانية بني منازلنا‬ ‫بابل تشرق‬ ‫مازلنا منخر واملد يصارعنا‬ ‫املاء وبان النخل‬ ‫غيض ُ‬ ‫نوشك أن نصل الب َر‬ ‫ما شاء الله‬ ‫تلك منازلنا‬ ‫مازلنا فوق الطوفان جُن ّدف‬ ‫للعام التاسع لم يغمض جفن كرامتنا‬ ‫والدينا تعرف‬ ‫ومباذا أحلف‬ ‫سنعانق بغداد قريبا ونزف البشرى‬ ‫وسنكتب فوق سفني البلوى‬ ‫إنس أو جان‬ ‫قصصا ما مرت من قبل على ٍ‬ ‫ملالي�ي�ن غرق ��ت حت ��ت العص ��ف ومنه ��م من‬ ‫سلّمها‬ ‫حتت القصف‬ ‫دمرها الطغيان‬ ‫ملاليينٍ ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتفطرت األكباد من احلرمان‬ ‫وسترس ��م ف ��وق األل ��واح جباها ش ��ربت ماء‬ ‫الشمس‬ ‫ووجوها تنزف‬ ‫وعيونا تذرف‬ ‫وسنترك في قلب املركب ذكرى نار خمدت‬ ‫وقدور قلبت‬ ‫وعهود حرقت‬ ‫سنخط كتابا يروي حادثة الطوفان‬ ‫وقصائد تبكي‬ ‫فيسيل الدمع على القمصان‬

‫وتتوق� � ��ف س� � ��اجدة املوس� � ��وي ‪ -‬في ثناي� � ��ا ديوانها‬ ‫اجلديد ‪ -‬عند أطياف ليلى املريضة في العراق‪ ،‬عندما‬ ‫كان مجنونها يهتف بقلب منشطر وشعر تبلله الدموع‪:‬‬

‫ي� �ق ��ول ��ون ل��ي��ل��ى ب� ��ال � �ع� ��راق مريضة‬ ‫ف �ي��ا ل �ي �ت �ن��ي ك �ن��ت ال �ط �ب �ي��ب امل ��داوي ��ا‬ ‫فتبدع قصيدتها‪« :‬قيل ليلى متوت» قائلة‪:‬‬

‫واحلما ْم‬ ‫ِ‬ ‫من عذوق النخيل األسى والنوى‬ ‫فأين ينام احلمام؟‬ ‫وأسهر وحدي‬ ‫ناى بعيد‬ ‫سوى صوت ٍ‬ ‫يجيء مع الريح عب َر البحار‬ ‫ساجدة املوسوي شاعرة الشتات العراقي‬

‫‪7/21/13 11:46:40 AM‬‬

‫الشاعرة العراقية ساجدة املوسوي‬

‫وعب َر املدى وال ّردى والفراق‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫عراق‪ ،‬عراق‬ ‫عراق‪،‬‬ ‫يئن‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫يئن‬ ‫على من ُّ‬ ‫فليلى هناك بأرض العراق متوت‬ ‫وال َم ْن يداوى‬ ‫وال من ُيضمد جرح احلبيب‬ ‫كأنَ الوداد انقضى‪ ،‬والوصال انتهى‬ ‫صار وجه العراق غريبا‬ ‫يرى في املواويل ِطب ًّا‬ ‫ويورى عناقيد أوجاعه‬ ‫حتت ثوب الغروب‬ ‫***‬

‫مسك ُتط ّري النسيم‬ ‫لليلى مساءات‬ ‫ٍ‬ ‫وآه حتاك ��ي اعت�ل�ال جوارحه ��ا م ��ن ش ��مال‬ ‫جدائلها‬ ‫وانتهاء بنخل اجلنوب‬ ‫وهن ما تكاد على طولها‬ ‫ومن ٍ‬ ‫تتكى‬ ‫طولها اخليزران‬ ‫رزت فمها ما عساها َتقول‬ ‫ومن وجع َد ْ‬ ‫أمل‬ ‫ملن تش ��تكي‪ ،‬والقوافل راحلة‪ ،‬ليس من ٍ‬ ‫‪165‬‬

‫‪sep 163-167.indd 165‬‬


‫بالقفول‬ ‫أخت الفرات‬ ‫سمير ُة دجل َة‪ُ ،‬‬ ‫بغدد ّ َ‬ ‫كل العصور بريحانها والبخور‬ ‫ُت ُ‬ ‫وظ ّل ��ت عليه ��ا ال ّرح ��ى م ��ن جمي ��ع الرزاي ��ا‬ ‫تدور‬ ‫ُ‬ ‫ثقب على قلبها‬ ‫ألف‬ ‫ٍ‬ ‫فترى الدم َع نهرا وقهرا‬ ‫مزاريب حزن العراق‬ ‫وسالت‬ ‫ُ‬ ‫***‬

‫ثم تقول ساجدة املوسوي‪:‬‬ ‫وأبكى لليلى املريضة في ‪ ..‬كلّ يوم‬ ‫وجد‬ ‫وليلى مبنديل ٍ‬ ‫تكفكف دمعي الهتون‬ ‫***‬

‫أال يا طبيب الزمان‬ ‫هل ت ّ َفق َْدتَ «ليلى» بوادي العراق؟‬ ‫دت من جراح؟‬ ‫حتس ْستَ ما كا َب ْ‬ ‫هل ّ‬ ‫بروق‪ ،‬رياح‬ ‫وما كتمت من ٍ‬ ‫رعود‪ٍ ،‬‬ ‫أم ُت َ‬ ‫راك اعتراك الفتور؟‬ ‫تر ّ َي ْث قلي ًال فليل على دائها لن تهون‬ ‫ُ‬ ‫والورد‬ ‫النخل‬ ‫يطلع‬ ‫ومن ُجرحها‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫والزعفران‬ ‫يا طبيب الزمان‬ ‫املواعيد حبلى‪ ،‬و ُر ّ َب‬ ‫عليل تشافى‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫و ُر ِ ّب صحيح تداعى‬ ‫على حلظة قد يكون الذي ال يكون‬ ‫على حلظة ٌ‬ ‫عهده‬ ‫كل شيءٍ‬ ‫ُ‬ ‫يعود إلى ِ‬ ‫والبالد اختبار‬ ‫رماد يخ ّبئُ نارا‬ ‫فر ًب ٍ‬ ‫ُ‬ ‫رماد‬ ‫ب‬ ‫ٍ‬ ‫و ُر ً‬ ‫فتّقُ منه الورو ْد!‬ ‫ُت ِ‬

‫وم� � ��ن القصائ� � ��د الالفت� � ��ة في دي� � ��وان «بكيت‬ ‫العراق» لساجدة املوس� � ��وي قصيدتاها «تساؤالت‬ ‫عراقية» و«قلبي حلبيبة قلبي»‪ .‬في األولى تعرض‬ ‫الش� � ��اعرة لوصف العراق ‪ -‬من� � ��ذ أقدم العهود في‬ ‫تراثنا العربي بأرض الس� � ��واد ‪ -‬وقتها كان السواد‬ ‫يعني اخلصوبة والنماء واالزدهار واملخالفة ألرض‬ ‫الرمال الصفراء والصحراء القاحلة‪ .‬لكن السواد‬ ‫اآلن عند الش� � ��اعرة يعني س� � ��واد احلداد وس� � ��واد‬ ‫احلزن الدائم املقيم‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫‪7/21/13 11:46:45 AM‬‬

‫تقول ساجدة‪:‬‬

‫سمى بالد السواد؟‬ ‫ملاذا ُت ّ َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ألن احلروب ترش الدخان‬ ‫احلداد إلى األمهات‪ ،‬إلى الالفتات‬ ‫تبيع ِ‬ ‫ومن سهر األعني اخلائفات‬ ‫تصير املدائن بحرا من احلدقات‬ ‫ملاذا النخيل طويل؟‬ ‫لكي يرفع األرض عن حزنها املستدمي‬ ‫هر‪ ،‬وصالة‬ ‫إلى قمر مزُ ٍ‬ ‫إلى ُح ُل ٍم ال ميوت‬ ‫إلى زمن ال يفزّز نوم القطاة‬ ‫فجر ندى‬ ‫إلى‬ ‫ِ‬ ‫خيط ٍ‬ ‫قد ُي ٌ‬ ‫يتيس ُر من معجزات!‬ ‫طل مبا‬ ‫ّ‬ ‫***‬

‫ملاذا العراق حزين؟‬ ‫السماء عليه‪،‬‬ ‫ لتبكي‬‫ُ‬ ‫األنهر الصافيات‬ ‫تولد‬ ‫دمعها‬ ‫ومن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ًواعير‪ ،‬تسقي الزرو َع فيربو النبات‬ ‫تدو ُر الن‬ ‫ُ‬ ‫ومن دمعها‪،‬‬ ‫يشرب الناس ماء احلياة!‬ ‫ُ‬ ‫***‬

‫ملاذا الغمام حزين؟‬ ‫يتيم‬ ‫ ألن العراق ٌ‬‫على وجهه دمعتان‬ ‫هكذا قالت األغنيات‬

‫ف� � ��ي قصيدتها الثاني� � ��ة «قلبي حلبيب� � ��ة قلبي»‬ ‫«وجدت في‬ ‫تتحدث الش� � ��اعرة عن ابنتها فتق� � ��ول‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫دفتره� � ��ا الصغير كلم� � � ٍ‬ ‫�ات تقول‪ :‬من يك� � ��ره العراق‬ ‫ندمان‪ ،‬ومن يرس� � ��مه فنان‪ ،‬ومن يحس� � ��ده غيران‪،‬‬ ‫ومن يحبه إنسان‪ ،‬ومن يحتله خسران»‪.‬‬ ‫ف� � ��ي عي� � ��د ميالدها س� � ��ألتني‪ ،‬فأجبته� � ��ا بهذه‬ ‫القصيدة‪:‬‬

‫غد ميالدي‬ ‫قالت‪ :‬بعد ٍ‬ ‫ماذا ُتهديني يا أمي‬ ‫وتأمل � ُ�ت قلي�ل�ا‪ ،‬ف َت ّْش � ُ�ت بروح ��ي ع ��ن أم � ٍ�ر‬ ‫يرضيها‬ ‫قلت لها‪ :‬في الشوق هدايا ال تحُ صى‬ ‫ُ‬ ‫أغالها ال يرقى حلبيبة قلبي‬ ‫وشرائطهُ ال ترقى جلمال يد ْيها‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫احلل إذن؟‬ ‫قائلة‪ :‬ما‬ ‫ضحكت‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 163-167.indd 166‬‬


‫سأعطيك األغلى واألجمل‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫قالت‪ :‬ماذا؟‬ ‫قلت لها‪ :‬قلبي‬ ‫ابتسمت‪ ،‬وبكلّ براءتها قالت‪ :‬ال‪،‬ال‬ ‫ْبك نار أخشى أن حُترقني‬ ‫قل ِ‬ ‫قلت‪ :‬سأخمد ناري بدموعي‬ ‫وعلى موج الدمع ُّ‬ ‫أفك شراعي‬ ‫وسنبحر في القلب س ّويا‬ ‫ً‬ ‫ُرق‬ ‫سماء‬ ‫ستر ْين هناك‬ ‫ً‬ ‫صافية بنجوم ز ٍ‬ ‫ومدائن نور‬ ‫ِ‬ ‫نخل‪ ،‬وشذى طل ٍْع‪ ،‬وطيور‬ ‫وهناك‬ ‫جزائر ٍ‬ ‫ُ‬ ‫وعبير‬ ‫مسك‬ ‫تتخ َلّلها أنها ٌر من‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫سترين بيوتًا من ُف ًل وحنني‬ ‫العز ٌ‬ ‫َ‬ ‫ترف طوال الليل‬ ‫وقنادي ًال من وهج ِ ّ‬ ‫أسماء الشهداء عليها‬ ‫ُ‬ ‫وداع قالوها من غير وداع‬ ‫وعبارات ٍ‬ ‫أى رحيل‬ ‫لرحيل ال يشبهُ ٍ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫سترين وجوها تسكنني‬ ‫وقلو ًبا تتفتح كالريحان‬ ‫وصوالً إلى قولها‪:‬‬

‫ُّ‬ ‫كل سنيني تتجلى بني يديك‬ ‫تتجلّى في ضوء شموع امليالد‬ ‫القلب‬ ‫النابت في طني‬ ‫الشمع‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫كنخل البصرة‬ ‫جتلّيها‬ ‫أو كالعنقاء ُق ْب َيل ِ‬ ‫تنفض عن رئتيها ّ َ‬ ‫ُ‬ ‫كل رماد‬ ‫شمس يقني‬ ‫للوعد ستنهض‪،‬‬ ‫َ‬ ‫فتضيء جميع األبعاد‬ ‫ُ‬ ‫فخذيه‬ ‫هاهو ذا قلبي‬ ‫ِ‬ ‫بأجمل من يسكنُ فيه‬ ‫ِ‬

‫***‬ ‫جس������د «جمال العربية» في ش������عر‬ ‫ما الذي يُ ّ‬ ‫س������اجدة املوس������وى؟ هل هو هذه البساطة التي‬ ‫تكت������ب به������ا‪ ،‬متأثرة بفي������ض كبير م������ن كتاباتها‬ ‫النثرية‪ ،‬ع َّودها التدفق واالنسياب واالبتعاد عن‬ ‫وعورة اللغ������ة وتعقيد الصورة أو التركيب؟ فجاء‬ ‫شعرها أش������به ببيان للناس‪ ،‬ال يحجب شيئا عن‬ ‫العني‪ ،‬وال يحتاج إلى ً‬ ‫رمز أو إجراء تش������بيه‬ ‫فك ٍ‬ ‫أو استعارة!‬ ‫أم هي احلال الشعرية التي تعيشها الشاعرة‬

‫اآلن ‪ -‬بعي������دة عن الع������راق ‪ -‬تتقلَ������ب في أتون‬ ‫الش������تات‪ ،‬وتتملم������ل نخل������ة عراقي������ة بعيدة عن‬ ‫أرضه������ا وزمانها‪ ،‬حيث لم يعد يجدي اس������تزراع‬ ‫أو جني ثمار؟ مثل هذه احلال ال تدع للش������اعرة‬ ‫وقتا لتخ ّمر املعنى الش������عري وإنضاجه على نار‬ ‫املعان������اة؟ إن اجلمر الذي تقبض عليه في يديها‪،‬‬ ‫س������رعان ما يلس������عها‪ ،‬فتتخلص منه في كلماتها‬ ‫القريب������ة املأتى والتن������اول‪ ،‬فيكون م������ن ثَ ًم هذا‬ ‫احلصاد الشعري‪.‬‬ ‫ساجدة املوس� � ��وي سليلة الش� � ��جرة الشعرية‬ ‫العريق� � ��ة ف� � ��ي الع� � ��راق‪ ،‬ووصلة إبداع الش� � ��اعرة‬ ‫العراقي� � ��ة منذ نازك املالئك� � ��ة (العمالقة الرائدة‬ ‫ش� � ��عرا وفكرا) ومليعة عباس عمارة (التي يئودها‬ ‫العمر عن مواصلة الشعر‪ ،‬بارك الله في حياتها)‬ ‫وعاتك� � ��ة اخلزرجية أو اخلزرجي التي رحلت بعد‬ ‫إقامة طويلة في الكويت ومعها أسرارها وكلماتها‬ ‫ّ‬ ‫تتكش� � ��ف‬ ‫املختوم� � ��ة وجتلياته� � ��ا الروحية التي لم‬ ‫ألحد‪ .‬ساجدة هذه‪ ،‬حتمل مسئولية رعاية النخلة‬ ‫الشعرية الصامدة‪ ،‬وعبء إنضاج عاملها الشعري‬ ‫وإثرائ� � ��ه لغ ًة وآفا ًقا ومعطي� � ��ات‪ ،‬وصوت كثيرات‬ ‫من ش� � ��اعرات العراق الراهن‪ ،‬ال نكاد نستمع إلى‬ ‫بوحهن وهتفات ُشجونهن‪ ،‬في داخل العراق وفي‬ ‫خارجه‪ ،‬ذلك أن أرض السواد في العراق‪ ،‬لم ولن‬ ‫تتوقف عن اإلثمار واإلبداع >‬

‫‪167‬‬

‫‪7/21/13 11:46:50 AM‬‬

‫‪sep 163-167.indd 167‬‬


‫ثقافة إلكترونية‬

‫الشباب العربي‪..‬‬ ‫مــ ـ ــن الــمـ ـجـ ـ ــال االفــ ـتـ ــراضــ ــي للـ ـ ـثــ ـ ــورة‬ ‫إبراهيم فرغلي‬

‫من بني أبرز آثار الوسائط االجتماعية والوسائط االفتراضية اجلديدة بشكل عام‪ ،‬وخصوص ًا فيما‬ ‫يتعلق بالثقافة العربية‪ ،‬قدرتها الهائلة على ضخ احلياة في شرايني جتمدت من فرط الفساد وتراكم‬ ‫حلقات االستبداد وعدم الرغبة‪ ،‬بالتالي‪ ،‬في إحداث أي نوع من التغيير‪ ،‬وما يرتبط بهذه احلالة من‬ ‫إصرار على تثبيت ظروف «جتميد» التفكير وإقصاء كل ما من شأنه اإلعالء من حرية التفكير واإلبداع‪.‬‬ ‫لكن الوسائط االفتراضية احلديثة مبا تضمنته‬ ‫من حماس�� ��ة الش�� ��باب‪ ،‬والنزوع للتفكير احلر‬ ‫واملس�� ��تقل‪ ،‬وقدرة تلك الوس�� ��ائط على جتاوز‬ ‫احلدود الرقابية املعتادة في الوسائط التقليدية استطاعت‬ ‫أن تلقي حجرا ضخما في بحيرة الثقافة الراكدة عبر إثارة‬ ‫العدي�� ��د من األفكار التي تناقش كل م�� ��ا يرد على اخلاطر‪،‬‬ ‫وكل املسكوت عنه‪ ،‬اجتماعيا وسياسيا وأخالقيا ودينيا‪.‬‬ ‫وكان الن�� ��اجت الطبيعي ملث�� ��ل هذه احليوي�� ��ة الهائلة أن‬ ‫تنتقل من الوسيط االفتراضي إلى الواقع احلقيقي‪ ،‬وهو ما‬ ‫تناولن�� ��اه في هذه الزاوية أكثر من مرة‪ ،‬مصحوبا مبحاوالت‬ ‫لتحلي�� ��ل العديد من الظواهر اخلاص�� ��ة بالتوازي بني الثورة‬ ‫االفتراضي�� ��ة واالنتفاضات التي حدثت في العديد من دول‬ ‫املنطقة العربية في نفس الوقت؛ خصوصا في مصر وتونس‬

‫‪168‬‬

‫‪7/16/13 11:03:51 AM‬‬

‫وليبيا واليمن والبحرين وسورية‪.‬‬ ‫لك�� ��ن التراكم الذي ح�� ��دث لهذه اخلب�� ��رات والتجارب‬ ‫اصبح موضوعا للبحث والدراس�� ��ة وهو ما ظهر في العديد‬ ‫من الدراس�� ��ات واألبحاث‪ .‬لكنني هنا س�� ��اتوقف أمام كتاب‬ ‫الفت‪ ،‬رأيت أنه يس�� ��تحق أن يس�� ��لط عليه الضوء في تناوله‬ ‫للظاه�� ��رة‪ ،‬والذي ص�� ��در أخيرا بعنوان «جيل الش�� ��باب في‬ ‫الوطن العربي ووسائل املش�� ��اركة غير التقليدية من املجال‬ ‫االفتراض�� ��ي إلى الث�� ��ورة»‪ ،‬الذي صدر عن مركز دراس�� ��ات‬ ‫مركز الوحدة العربية‪ ،‬مبش�� ��اركة عدد من الباحثني الشباب‬ ‫من أكثر من بلد عربي‪ ،‬وبإش�� ��راف الباحث املصري محمد‬ ‫العجاتي‪.‬‬ ‫تتناول التج�� ��ارب التي يضمها الكت�� ��اب ك ً‬ ‫ال من تونس‬ ‫ومصر وس�� ��ورية واملغرب والبحرين‪ ،‬إضاف�� ��ة إلى بحث له‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 168-173.indd 168‬‬


‫طابع إقليمي يتناول الظاهرة عربيا بشكل عام‪.‬‬ ‫وي�� ��رى محررو الكتاب أنه لي�� ��س غريبا أن تكون طليعة‬ ‫الربيع العربي ووقوده شبابية‪ ،‬فمتوسط أعمار السكان في‬ ‫البلدان اخلمس�� ��ة التي ش�� ��هدت ثورة أو حراكا ثوريا‪ ،‬وهي‬ ‫مص�� ��ر وتونس واملغرب وس�� ��ورية والبحري�� ��ن‪ ،‬وفقا لتقرير‬ ‫التنمية البشرية الصادر عن األمم املتحدة عام ‪ 2011‬يراوح‬ ‫بني ‪ 20.1‬و‪ 30‬عاما‪ ،‬وهي باستثناء البحرين حتت املتوسط‬ ‫العاملي البالغ ‪.29.2‬‬ ‫وي�� ��رى محررو الكتاب انه م�� ��ن الطبيعي «أن يقود جيل‬ ‫الش�� ��باب هذا احلراك الثوري؛ فقد ذاق هذا اجليل ويالت‬ ‫االستبداد والفس�� ��اد منذ نشاته وحتى سن الرشد أكثر من‬ ‫غي�� ��ره من األجي�� ��ال‪ ،‬حيث امتلك ق�� ��درة متراكمة على نقد‬ ‫األوض�� ��اع أكثر من أي وقت مض�� ��ى وأكثر من أي جيل آخر‬ ‫في التاريخ العربي»‪.‬‬

‫تونس‪ :‬كيف ينتج القمع املقاومة؟‬ ‫يتن�� ��اول الفصل األول من الكتاب «الش�� ��باب التونس�� ��ي‬ ‫ووس�� ��ائل املش�� ��اركة غير التقليدية» وبعن�� ��وان فرعي‪ :‬كيف‬ ‫الشباب العربي‪ ..‬م ـ ـ ــن ال ـمـ ـجـ ـ ــال االف ـ ـتـ ــراض ـ ــي للـ ـ ـث ـ ـ ــورة‬

‫‪7/16/13 11:03:59 AM‬‬

‫ينتج القمع وسائل مقاومته؟ وهو بحث كتبته سونيا متيمي‪،‬‬ ‫أستاذة التاريخ في اجلامعة التونسية‪ .‬وفيه تتناول بالرصد‬ ‫كل وقائع الثورة التونس�� ��ية بدءا من واقعة حرق البوعزيزي‬ ‫لنفسه احتجاجا على األوضاع االقتصادية‪ ،���ثم تتتبع الكيفية‬ ‫التي بدأ فيها الغضب الشعبي ينتقل إلى مناطق واسعة في‬ ‫تونس‪ ،‬وكيف كان للوس�� ��ائط االفتراضية الدور احلاسم في‬ ‫سرعة اشتعال الغضب الش�� ��عبي وانتقاله على النحو الذي‬ ‫سارت عليه األمور‪.‬‬ ‫تش�� ��ير الباحثة أيضا إلى العديد من التفاصيل املتعلقة‬ ‫بالدور الرقابي الذي حاولت السلطات التونسية أن تفرضه‬ ‫على املدونني والنش�� ��طاء الش�� ��باب والكيفية التي تعامل بها‬ ‫النشطاء مع الرقيب وكيف متكنوا من مراوغته‪ ،‬بل وفضحه‬ ‫على الفضاء اإللكتروني‪.‬‬ ‫لكن الباحثة ترى أنه بعد م�� ��ا آلت إليه األمور وانتقال‬ ‫الس�� ��لطة إلى حزب النهضة قل حماس الش�� ��باب للمشاركة‬ ‫السياسية في الوسائط االفتراضية‪.‬‬ ‫تتتبع متيمي نشأة الفضاء االفتراضي في تونس والذي‬ ‫يعود للع�� ��ام ‪ ،2004‬عبر عدد من املدونات اإللكترونية التي‬

‫‪169‬‬

‫‪sep 168-173.indd 169‬‬


‫أنشئت آنذاك‪.‬‬ ‫لكنها ركزت على موقع�� ��ي «نواة» و«تونس نيوز» اللذين‬ ‫أديا وفقا لتعبيرها‪ ،‬كل بحس�� ��ب اختصاصه دورا مهما في‬ ‫خل�� ��ق فضاء للنقاش وف�� ��ي إيصال املعلوم�� ��ة للمبحرين في‬ ‫فضاء اإلنترنت‪.‬‬ ‫وعن مؤس�� ��س ن�� ��واة تقول متيمي‪« :‬س�� ��امي بن غربية‪،‬‬ ‫م�� ��ن مواليد ‪ ،1967‬مدون تونس�� ��ي وباحث في مجال حرية‬ ‫التعبير‪ .‬اختار املنفى سنة ‪ ،1998‬إذ هاجر من تونس مكرها‬ ‫عبر تشاد والسعودية ثم إيران‪ ،‬ليستقر كالجئ سياسي في‬ ‫هولندا‪ .‬وله مدونة «فك�� ��رة» التي كانت ممنوعة في تونس‪،‬‬ ‫ويعتبر من أش�� ��هر الناش�� ��طني االفتراضيني الذين عارضوا‬ ‫النظام التونس�� ��ي الس�� ��ابق‪ .‬وانتقد في مدونته‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫النظام التونسي‪ ،‬الشباب التونس�� ��ي الذي وصفه بأنه ثائر‬ ‫على كل قضايا احلرية في العالم‪ ،‬ولكنه يتحاش�� ��ى احلديث‬ ‫عن وضع احلريات في بالده‪.‬‬ ‫وقد أثار املقال نقاشا واس�� ��عا داخل الفضاء التدويني‬ ‫بني معتذر عن عدم إمكانه اخلوض في املس�� ��ائل السياسية‬ ‫وس�� ��اخط على أفكار «هذا التشي جيفارا االفتراضي الذي‬ ‫يعيش خارج تون�� ��س»‪ ،‬معتبرا أن تطوير األش�� ��ياء تدريجيا‬ ‫أفضل من البحث الدائم عن الصراع‪.‬‬ ‫وكان أش�� ��هر م�� ��ا قام به غربية هو إنش�� ��اء موقع «نواة»‬ ‫كمدون�� ��ة جماعي�� ��ة مس�� ��تقلة‪ ،‬م�� ��ع مجموعة م�� ��ن املدونني‬ ‫التونس�� ��يني الذي�� ��ن يعمل�� ��ون من أج�� ��ل الدفاع ع�� ��ن حقوق‬ ‫اإلنس�� ��ان لنشر ما يكتبون‪ .‬وقد أنش�� ��أت «نواة» موقعا تابعا‬ ‫لها س�� ��مي بـ «تونيليكس»‪ ،‬وهو عبارة عن النسخة التونسية‬ ‫من «ويكيليكس» تترجم فيه إلى العربية والفرنس�� ��ية وتنشر‬ ‫وثائق دبلوماسية س�� ��رية متس الشأن التونسي حتى يتمكن‬ ‫أكبر عدد من االطالع عليها‪.‬‬ ‫م�� ��ن ناحية أخرى‪ ،‬تقول س�� ��ونيا التميم�� ��ي في بحثها‪،‬‬ ‫«ش�� ��كلت صحافة اإلنترنت لألقالم التونس�� ��ية الراغبة في‬ ‫إيص�� ��ال صوتها من دون املرور على هيئة الرقابة واملصادرة‬ ‫مالذا»‪ ،‬والتجأت غالبية النخب التونسية والقوى اإلصالحية‬ ‫والدميقراطية ذات املصداقية إلى صحافة اإلنترنت بسبب‬ ‫تصني�� ��ف تونس ضمن قائمة س�� ��وداء تضم الدول العش�� ��ر‬ ‫األكث�� ��ر رقابة ف�� ��ي العالم‪ .‬ومن ضمن املواق�� ��ع الفعالة التي‬ ‫التجأت إليه�� ��ا النخب موقع «تونس نيوز» الذي كان قد بدأ‬ ‫في العام ‪ 2000‬عبر مجموعة من املواطنني التونس�� ��يني في‬ ‫املهجر كنشرة إخبارية يتم إرسالها لنحو ‪ 50‬ألف مشترك‪،‬‬ ‫جتمع فيها األخبار والبيان�� ��ات واملواقف والتقارير الوطنية‬ ‫والدولية اخلاصة بتونس‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫‪7/16/13 11:04:04 AM‬‬

‫كم�� ��ا تش�� ��ير التميم�� ��ي إل�� ��ى املدونني الذي�� ��ن تعرضوا‬ ‫لالعتقال والتعذيب وبينهم زهير اليحياوي الذي أنشأ موقع‬ ‫«تونيزين» وخصصه لنشر مقاالت ساخرة وناقدة لنظام بن‬ ‫علي‪ ،‬وجرى اعتقاله في ‪ 2002‬وس�� ��جنه ‪ 18‬ش�� ��هرا تعرض‬ ‫فيها للتعذيب واإلهانة ومت إطالق س�� ��راحه في ‪ 2003‬لكنه‬ ‫توفي بسبب سوء صحته بفعل التعذيب في عام ‪.2005‬‬ ‫ثم ترصد الباحثة النشاط املكثف للمدونني التونسيني‬ ‫والنش�� ��طاء الذين أش�� ��علوا الث�� ��ورة التونس�� ��ية التي جنحت‬ ‫في إس�� ��قاط نظام بن علي‪ ،‬ومن ثم هروب�� ��ه وزوجته خارج‬ ‫تونس‪.‬‬

‫مصر‪ :‬من االلتفاف إلى املواجهة‬

‫فيما يتعلق مبصر فقد تناولت الباحثتان حبيبة محسن‬ ‫ونوران محمد من منتدى البدائل العربي للدراسات الظاهرة‬ ‫في بحث بعنوان «املش�� ��اركة السياسية غير التقليدية جليل‬ ‫الش�� ��باب في مص�� ��ر‪ :‬بني االلتف�� ��اف على النظ�� ��ام القمعي‬ ‫ومواجهته»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 168-173.indd 170‬‬


‫‪ 2000‬والت�� ��ي اتخ�� ��ذت هيكال تنظيميا فضفاضا وواس�� ��عا‬ ‫جتس�� ��د في صورة «احلركة» العاب�� ��رة لألحزاب أو التيارات‬ ‫السياس�� ��ية‪ ،‬وهو كذل�� ��ك إطار غي�� ��ر إيديولوج�� ��ي باملعنى‬ ‫التقليدي حيث جمعت اللجنة يساريني وقوميني وإسالميني‬ ‫وغيرهم وأعلنت أنها «ستستمر باستمرار انتفاضة الشعب‬ ‫الفلس�� ��طيني وحالة التعاطف الكائنة في الش�� ��ارع املصري‬ ‫معها»‪ .‬لكنها كانت أيضا مدخال ال شك فيه لالحتجاج على‬ ‫األوضاع الداخلية في مصر‪.‬‬

‫من «كفاية» إلى «خالد سعيد»‬

‫وي�� ��ورد البحث في البداية حجم الش�� ��باب في املجتمع‬ ‫املصري مش�� ��يرا ان من تتراوح اعمارهم بني ‪ 15‬س�� ��نة و‪45‬‬ ‫س�� ��نة وفقا لتعداد العام ‪ 2006‬هم القطاع األكبر في مصر‪،‬‬ ‫إذ تبلغ نس�� ��بتهم حوالي ‪ 48.2‬في املائة من جملة السكان‪،‬‬ ‫مما يعني أن املجتمع املصري في مجمله مجتمع شاب‪.‬‬ ‫كما تش�� ��ير الباحثتان إلى عدد من املشكالت الهيكلية‬ ‫اجلسيمة التي تواجه املجتمع املصري مثل األمية والتسرب‬ ‫من التعليم والبطالة‪.‬‬ ‫كما تشيران إلى عدد من املعوقات التي منعت مشاركة‬ ‫الش�� ��باب في مصر في العملية السياس�� ��ية لعقود من بينها‬ ‫اش�� ��راف السلطة التنفيذية على العملية االنتخابية بالكامل‬ ‫والتضيي�� ��ق واملالحقة األمنية للمعارضني وانتش�� ��ار اعمال‬ ‫البلطجة في اثناء العمليات االنتخابية واستش�� ��راء ظاهرة‬ ‫شراء األصوات‪.‬‬ ‫ويرى البحث أنه بالرغم من قلة املش�� ��اركة السياس�� ��ية‬ ‫لكن بداية األلفية بدأت بعض احلركات الشعبية في الظهور‬ ‫وأولها «اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني» في عام‬ ‫الشباب العربي‪ ..‬م ـ ـ ــن ال ـمـ ـجـ ـ ــال االف ـ ـتـ ــراض ـ ــي للـ ـ ـث ـ ـ ــورة‬

‫‪7/16/13 11:04:11 AM‬‬

‫تش�� ��ير الباحثتان إلى حركة «كفاي�� ��ة» التي ظهرت في‬ ‫العام ‪ ،2004‬والتي مثلت مظلة تنس�� ��يقية واس�� ��عة لعدد من‬ ‫احل�� ��ركات األخرى املناهضة ملش�� ��روع التمدي�� ��د والتوريث‪،‬‬ ‫ومنها مثال مجموعة ش�� ��باب من أج�� ��ل التغيير التي أجمع‬ ‫معظم الناشطني من مختلف التيارات السياسية أنها كانت‬ ‫نقطة حتول في تاريخ التحاقهم بالعمل السياسي‪.‬‬ ‫كما يش�� ��ير البحث إل�� ��ى انضمام ح�� ��ركات احتجاجية‬ ‫أخرى مع حلول العام ‪ 2008‬مثل حركة ‪ 6‬أبريل على خلفية‬ ‫اإلضراب العمالي لعمال احمللة الكبرى في ‪ 6‬أبريل ‪،2008‬‬ ‫وحتوله إلى إضراب عام وبدأ الترويج لإلضراب عن طريق‬ ‫وس�� ��ائط التواصل االجتماعي خصوصا موقع «فيس بوك»‬ ‫حتت ش�� ��عار «خليك بالبيت»‪ ،‬الذي جنح وشكل مفاجأة في‬ ‫ظل نظام مبارك السلطوي‪.‬‬ ‫يش�� ��ير البحث م�� ��ن جهة أخ�� ��رى إلى ظاهرة نش�� ��أت‬ ‫بالت�� ��وازي تقريبا من�� ��ذ العام ‪ 2005‬وه�� ��ي ظاهرة املدونات‬ ‫السياس�� ��ية التي أخذت على عاتقها نقد النظام السياس�� ��ي‬ ‫املص�� ��ري مما أدى إل�� ��ى مالحقة املدونني والنش�� ��طاء على‬ ‫الفضاء االفتراضي‪.‬‬ ‫لك�� ��ن لم تتمكن الس�� ��لطات م�� ��ن مواجهة امل�� ��د الكبير‬ ‫الس�� ��تخدام الوس�� ��ائط االفتراضي�� ��ة وش�� ��بكات التواص�� ��ل‬ ‫االجتماع�� ��ي منذ العام ‪ 2008‬بالدع�� ��وة لإلضراب العام ثم‬ ‫التعبئ�� ��ة احلاش�� ��دة التي واكبت ع�� ��ودة البرادعي الى مصر‬ ‫واعالنه نيته ترشيح نفسه في االنتخابات الرئاسية وصوال‬ ‫الى ثورة ‪ 25‬يناير‪.‬‬ ‫تق�� ��وم الباحثت�� ��ان بتتب�� ��ع تفاصيل احلش�� ��د الس�� ��ابق‬ ‫للثورة انطالقا من حادث مقتل الناش�� ��ط خالد س�� ��عيد في‬ ‫اإلس�� ��كندرية على يد رجال الش�� ��رطة بسبب التعذيب الذي‬ ‫تعرض له‪ .‬مما أدى إلى إنشاء صفحة إلكترونية على موقع‬ ‫«في�� ��س بوك» من قبل عدد من النش�� ��طاء حتت عنوان «كلنا‬ ‫خالد س�� ��عيد» واصبحت هذه الصفحة ذات شعبية ضخمة‬

‫‪171‬‬

‫‪sep 168-173.indd 171‬‬


‫في فترة قياس�� ��ية وجنح�� ��ت في التجييش م�� ��ع العديد من‬ ‫املواقع األخرى لتحركات الشباب في ثورة ‪ 25‬يناير‪.‬‬ ‫كما يشير البحث أيضا إلى جتربة صفحة «قبيلة» وهي‬ ‫صفحة أنشئت بواسطة مجموعة من الشباب قبل نحو ستة‬ ‫أشهر من اندالع الثورة املصرية بناء على اقتراح من «أحمد‬ ‫فتح الباب»‪ ،‬وبدأت املبادرة بتقدمي مواد ذات صلة بالتوعية‬ ‫السياسية مثل سلسلة دليل املواطن لفهم السياسة‪.‬‬

‫سورية‪ :‬ثورة على احملك‬

‫ويق�� ��دم الكاتب والباحث الس�� ��وري وائل الس�� ��واح‪ ،‬في‬ ‫الكتاب‪ ،‬دراس�� ��ة واس�� ��عة بعنوان «س�� ��ورية ما بني املعارضة‬ ‫التقليدي�� ��ة والق�� ��وى الش�� ��بابية‪ ..‬ثورة على احمل�� ��ك»‪ ،‬وفيها‬ ‫يرصد أيضا التركيبة الس�� ��كانية في س�� ��ورية موضحا أنها‬ ‫ايضا تعد تركيبة فتية‪ ،‬يزيد فيها عدد الشباب بشكل كبير‬ ‫بالنس�� ��بة لعدد السكان عن متوسط أعمار السكان اآلخرين‬ ‫الذين يزيد متوسط أعمارهم عن ‪ 45‬عاما‪.‬‬ ‫ويش�� ��ير إلى أن�� ��ه بالرغم من التضييق الش�� ��ديد الذي‬ ‫عانت منه ش�� ��بكة اإلنترنت في سورية‪ ،‬إال أن األحداث في‬ ‫كل م�� ��ن تونس ومصر دفعت عدي ًدا من الش�� ��باب الس�� ��وري‬ ‫لالجتم�� ��اع والنقاش ح�� ��ول ما يحدث ف�� ��ي البلدين‪ ،‬وبدأت‬ ‫هذه املجموعات الشابة تسأل ما الذي ميكن أن نقدمه إلى‬ ‫الثورتني في مصر وتونس؟‬ ‫وهكذا «روجت صفحة أنا س�� ��وري‪ ..‬أنا تونس�� ��ي» على‬ ‫الـ«فيس�� ��بوك» دعوات إلى تغيير صورة الصفحة الشخصية‬ ‫للمس�� ��تخدمني الس�� ��وريني إلى صورة العلم التونسي كتعبير‬ ‫عن «التضامن مع انتفاضة تونس»‪.‬‬ ‫ثم يتتب�� ��ع الباحث الدعوة ليوم الغضب الس�� ��وري في‬ ‫يناي�� ��ر من ذلك العام ‪ 2011‬وال�� ��ذي قوبل بال حماس كبير‪،‬‬ ‫ثم الدعوات التي تلت ذلك التاريخ‪ ،‬واملس�� ��يرة البطيئة التي‬ ‫واكبت احلش�� ��د لدعم ثورتي تونس ومصر في ذلك الوقت‪.‬‬ ‫وبعض وقائع ش�� ��هر مارس في العام ‪ 2011‬وكيف مت قمعها‬ ‫بواسطة ما يطلق عليه شبيحة النظام السوري‪.‬‬ ‫يورد الباحث كيفية بدء اس�� ��تخدام الوسائط احلديثة‬ ‫في س�� ��ورية مشيرا إلى أن «فيسبوك» رمبا لم يكن له نفس‬ ‫قوة الدور الذي لعبه في كل من مصر وتونس بس�� ��بب تأخر‬ ‫وجوده في س�� ��ورية من جهة‪ ،‬وبسبب الرقابة على اإلنترنت‬ ‫من جهة أخرى‪.‬‬ ‫لكنه يش�� ��ير إلى أن الوس�� ��يط الذي جنح جناحا كبيرا‬ ‫في س�� ��ورية كان الهاتف احملمول بكاميرات�� ��ه الرقمية التي‬ ‫متكنت من بث الكثير مما يحدث من قبل املعارضة والقوات‬

‫‪172‬‬

‫‪7/16/13 11:04:16 AM‬‬

‫احلكومية في العديد من املواقع السورية وأسهم في جتييش‬ ‫الرفض واالحتجاجات ضد النظام السوري‪.‬‬ ‫يش�� ��دد الباحث على ان اللجان التنس�� ��يقية التي لعبت‬ ‫دورا مهما عبر اإلنترنت والوسائط االجتماعية جنحت في‬ ‫ان تنق�� ��ل الصورة إلى خارج س�� ��ورية‪ ،‬وخصوصا للصحافة‬ ‫األجنبي�� ��ة‪ .‬ويؤكد أن الطابع الع�� ��ام للمطالب الدميقراطية‬ ‫واإلصالحية التي طالبت بها احلركات االحتجاجية الشابة‬ ‫في س�� ��ورية وباستخدامها للوسائط االفتراضية أكدت على‬ ‫سلميتها كما هو شأن جميع احلركات االحتجاجية األخرى‬ ‫الت�� ��ي ظهرت في املنطقة‪ ،‬ويوض�� ��ح أن العنف املفرط الذي‬ ‫اس�� ��تخدمه النظام لقمع احل�� ��ركات االحتجاجية أجج عنفا‬ ‫مض�� ��ادا‪ ،‬بحيث أصب�� ��ح خارجا عن الس�� ��يطرة في مرحلة‬ ‫الحقة‪.‬‬

‫املغرب‪ 20 :‬فبراير‬

‫تتناول الباحثة والناشطة أسماء فلحي املوضوع نفسه‬ ‫في املغ�� ��رب عبر بحث بعنوان «معادل�� ��ة املجال االفتراضي‬ ‫واملج�� ��ال الواقع�� ��ي في املغرب‪ ..‬دراس�� ��ة حال�� ��ة حلركة ‪20‬‬ ‫فبراير»‪.‬‬ ‫وتوض�� ��ح ف�� ��ي البداي�� ��ة أن الظ�� ��روف الت�� ��ي يعيش�� ��ها‬ ‫الش�� ��باب املغربي هي نفس الظروف التي يعيش�� ��ها الشباب‬ ‫في املجتمعات الس�� ��ابق اإلش�� ��ارة إليها والتي تتعلق بارتفاع‬ ‫نس�� ��بة الش�� ��باب بني عدد الس�� ��كان‪ ،‬ومعاناة هؤالء الشباب‬ ‫من التس�� ��رب من التعليم وانتش�� ��ار األمي�� ��ة‪ .‬لكن التحوالت‬ ‫السياس�� ��ية الكبرى التي يعرفها الوطن العربي ساهمت في‬ ‫بروز فاعل وفعل جديدين في املغرب‪ ،‬بوصف الكاتبة‪« ،‬هو‬ ‫الشباب واحلراك السياسي للشباب»‪.‬‬ ‫لكن أس�� ��ماء فلحي‪ ،‬في الوقت نفس�� ��ه‪ ،‬ورغم إشارتها‬ ‫إلى جدة ظاهرة احلراك السياس�� ��ي للشباب‪ ،‬ترى أن تلك‬ ‫احلرك�� ��ة االحتجاجية الش�� ��ابة‪ ،‬لم تأت من ف�� ��راغ‪ ،‬بل تعد‬ ‫امتدادا للعديد م�� ��ن االحتجاجات ذات الطابع السياس�� ��ي‬ ‫الت�� ��ي عرفتها املغرب منذ بداية األلفية‪ .‬وهي االحتجاجات‬ ‫التي قام بها املتضررون من البطالة من حاملي الش�� ��هادات‬ ‫اجلامعي�� ��ة‪ ،‬واملكفوف��ي��ن‪ ،‬وضغط�� ��وا بها عل�� ��ى احلكومات‪،‬‬ ‫وكذلك كانت هناك احتجاج�� ��ات تتعلق باملطالبة بأن ينص‬ ‫الدس�� ��تور على أن اللغة األمازيغية لغة معترف بها رسميا‪.‬‬ ‫اضافة الى االحتجاجات على ارتفاع األسعار وتدهور القوة‬ ‫الشرائية للمواطن املغربي وغيرها‪.‬‬ ‫وميكن وصف حركة ‪ 20‬فبراير‪ ،‬وفقا للبحث‪ ،‬كحركة‬ ‫اجتماعية احتجاجية س�� ��لمية‪ ،‬تش�� ��كل انتق�� ��اال واضحا من‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 168-173.indd 172‬‬


‫االحتجاج االجتماعي القطاع�� ��ي (الفئوي) إلى التعبير عن‬ ‫املطلب السياسي العام والش�� ��مولي‪ .‬وهي حركة تندرج في‬ ‫س�� ��ياق التحوالت السياس�� ��ية التي عرفتها الساحة العربية‬ ‫الت�� ��ي كان محركه�� ��ا الش�� ��ارعان التونس�� ��ي واملصري على‬ ‫وجه اخلص�� ��وص‪ ،‬ومن ثم فهي تتقاطع م�� ��ع تلك احلركات‬ ‫االحتجاجية م�� ��ن جهة الفئة العمري�� ��ة املكونة لها وجلوئها‬ ‫الستعمال وسائل غير تقليدية للفعل السياسي‪.‬‬ ‫حتمل احلركة كاس�� ��م‪ ،‬التاريخ الذي اختارته مجموعة‬ ‫من الش�� ��باب‪ ،‬منضوين عموما في ثالث مجموعات «حرية‬ ‫ودميقراطي�� ��ة اآلن»‪ ،‬و«‪ 20‬فبراير‪ ،‬الش�� ��عب يريد التغيير»‪،‬‬ ‫و«‪ 20‬فبراي�� ��ر من أج�� ��ل الكرامة‪ ،‬االنتفاض�� ��ة هي احلل»‪،‬‬ ‫للدعوة إلى التظاهر عبر ش�� ��ريط فيديو قصير مت بثه على‬ ‫ش�� ��بكة «فيس�� ��بوك» في مجموعة املدن املغربي�� ��ة للمطالبة‬ ‫باإلصالحات‪ .‬ومن مميزات تلك احلركة كما ترى الباحثة‪،‬‬ ‫كونها خليطا من املكونات تختلف إيديولوجياتها من تيار ذي‬ ‫مرجعية إس��ل��امية محافظة أو ثورية إلى تيار ذي مرجعية‬ ‫اش�� ��تراكية علمانية واجلمعية الدميقراطية حلقوق اإلنسان‬ ‫والش�� ��باب االمازيغي وش�� ��باب العدل واإلحس�� ��ان (جمعية‬ ‫إس��ل��امية محظورة)‪ ،‬وه�� ��و ما مكنها م�� ��ن االنصهار حتت‬ ‫ش�� ��عارات موحدة‪ ،‬لكن سبب القوة هذا قد اصبح مع مرور‬ ‫الوقت من أس�� ��باب ضعفها «حيث يظهر بتطور احلركة أن‬ ‫املجموعات التي تتوفر عل�� ��ى القدرة وجتربة في التجييش‬ ‫هي التي تبرز في الواجهة‪.‬‬ ‫وترى اس�� ��ماء فلحي «أن الث�� ��ورة اإللكترونية عامل جد‬ ‫مهم لفهم احلراك السياس�� ��ي اجلديد الذي عرفه املغرب‪،‬‬ ‫حيث إن اإلع��ل��ام اجلديد وتقنيات االتص�� ��ال احلديثة قد‬ ‫مكن�� ��ت من إيصال فكرة االحتجاج عن طريق متكني األفراد‬ ‫من فضاءات موسعة وتعددية ملمارسة حرية افتراضية»‪.‬‬ ‫لكن الباحثة مع اإلش�� ��ارة إلى جناح تلك االحتجاجات‬ ‫في الوصول إل�� ��ى الكثير من أهدافه�� ��ا أو مطالبها‪ ،‬وبينها‬ ‫تعديل الدس�� ��تور الذي دعا إليه امللك محمد السادس‪ ،‬في‬ ‫حينه‪ ،‬تلفت االنتباه هنا إلى أن ارتباط التطور التكنولوجي‪،‬‬ ‫وارتب�� ��اط جيل باكمل�� ��ه تقريب�� ��ا بالتواصل عب�� ��ر املجاالت‬ ‫االفتراضي�� ��ة‪ ،‬وإن كان قد جنح بالفعل في أن يحدث تغييرا‬ ‫في آلي�� ��ات الفعل اجلماعي‪ ،‬لكنه ال يغي�� ��ر من طبيعة هذا‬ ‫الفعل في الواقع‪« :‬فمجموعات الـ «فيس�� ��بوك» لم تس�� ��مح‬ ‫بتس�� ��ييس أفراد جدد أو حشد تعبئة واسعة‪ .‬ولم تغير شيئا‬ ‫في طرق اتخاذ القرارات وإفراز الزعامات»‪.‬‬ ‫فيم�� ��ا يتعل�� ��ق بالبحرين يورد الباحثون املش�� ��اركون في‬ ‫الكت�� ��اب علي الديري واحمد الس�� ��اري وباس�� ��مة القصاب‬ ‫الشباب العربي‪ ..‬م ـ ـ ــن ال ـمـ ـجـ ـ ــال االف ـ ـتـ ــراض ـ ــي للـ ـ ـث ـ ـ ــورة‬

‫‪7/16/13 11:04:21 AM‬‬

‫تفاصيل وضع الش�� ��باب في البحرين اوال ثم حالة استخدام‬ ‫الوس�� ��ائط اإللكترونية احلديثة في البحرين‪ .‬ويورد البحث‬ ‫االس�� ��تخدام املكثف من قبل الشباب في البحرين للوسائط‬ ‫احلديثة خصوص�� ��ا «تويتر» و«فيس�� ��بوك»‪ ،‬ف�� ��ي الدعوات‬ ‫االحتجاجية وفي نقل اخبار املواجهات مع الشرطة وكذلك‬ ‫املالحقات األمنية للمعارضة‪ .‬وبنفس الطريقة يرى البحث‬ ‫أن قوى املواالة للحكومة البحرينية تستخدم نفس الوسائط‬ ‫في الدفاع عن صورتها أو تقدمي الصورة من وجهة نظرها‪,‬‬ ‫ويقتط�� ��ف البحث العديد من املق�� ��والت وبينها مقابالت مع‬ ‫رموز من اصحاب املطالب السياس�� ��ية ف�� ��ي البحرين‪ .‬كما‬ ‫يش�� ��ير إلى أن املنتديات وامللتقي�� ��ات اإللكترونية التي بدأت‬ ‫قبل االحتجاجات بسنوات طويلة حتولت إلى وسيلة حقيقية‬ ‫للتنشئة السياسية‪ ،‬وملواجهة محاوالت تشويه االحتجاجات‬ ‫بانه�� ��ا طائفية عبر العديد من الصفحات التي تعارض ذلك‬ ‫التوجه‪.‬‬

‫من املطالب إلى احلقوق‬

‫ف�� ��ي ختام الكت�� ��اب ي�� ��ورد الباحثان املصري�� ��ان محمد‬ ‫العجات�� ��ي (املش�� ��رف العام عل�� ��ى حترير الكت�� ��اب) واملدير‬ ‫التنفيذي ملنتدى البدائل للدراس�� ��ات‪ ،‬وعمر سمير الباحث‬ ‫املس�� ��اعد في املنتدى بحثا ختاميا بعنوان «مشاركة الشباب‬ ‫العرب�� ��ي بني الهموم الوطني�� ��ة والطموحات اإلقليمية»‪ ،‬وهو‬ ‫مبنزلة قراءة حتليلية لباقي فصول الكتاب‪.‬‬ ‫يس�� ��تخلص ه�� ��ذا البحث اخلتامي عددا من الس�� ��مات‬ ‫املش�� ��تركة بني اجليل العربي اجلديد مثل اليقني في التأثير‬ ‫املتبادل بني الثورات بعضها بعضا‪ ،‬كما يرى أن ثمة تصاعدا‬ ‫لظواه�� ��ر بعينها بقدر تصاعد االهتمام بها لدى الوس�� ��ائط‬ ‫االلكترونية مثل قضية الطائفية مثال‪ ،‬كما يرى التحليل أن‬ ‫هن�� ��اك قدرات هائلة للجيل اجلديد ف�� ��ي التجييش‪« ،‬وهذه‬ ‫القدرة ناجتة من القيام بأنش�� ��طة مش�� ��تركة ومن ثم ميكن‬ ‫القول إن منوذجا جديدا للهوية العربية لدى الشباب بصدد‬ ‫التش�� ��كل وإن كان أكث�� ��ر انفتاح�� ��ا وحتررا م�� ��ن االجتاهات‬ ‫العربية والقومية الس�� ��ابقة»‪ .‬كما ي�� ��رى الباحثان العجاتي‬ ‫وس�� ��مير في التحلي�� ��ل أن مضمون خطاب الش�� ��باب‪ ،‬رغم‬ ‫جديته وتعبيره عن الهموم واآلمال ورصانة مضمونه‪ ،‬يغلب‬ ‫علي�� ��ه لغة املطالب وليس احلقوق‪ .‬وه�� ��و ما ينبغي التحول‬ ‫باجتاهه‪ ،‬وفقا لرؤية الباحثني‪ ،‬تأكيداً ألن املطالب املرفوعة‬ ‫من هذا اجليل الشاب ليس�� ��ت مجموعة من املطالب ميكن‬ ‫املس�� ��اومة عليها‪ ،‬بل هي حق�� ��وق املواطنني التي ال ميكن أن‬ ‫يساوم أحد عليها >‬

‫‪173‬‬

‫‪sep 168-173.indd 173‬‬


‫بـيـئــة‬

‫هل هناك دور للتطورات البيئية في هذه القضية؟‬

‫املضادات احليوية‪ ...‬عالج بدأ يفقد مفعوله‬ ‫فراس جاسم جرجيس *‬ ‫متثل قدرة اجلراثيم املتزايدة‬ ‫على مقاومة املضادات احليوية‬ ‫(‪ )Antibiotics‬أحد التحديات‬ ‫الكبيرة التي تواجه الطب‬ ‫احلديث‪ .‬لقد مثل اكتشاف‬ ‫املضادات احليوية في املنتصف‬ ‫األول من القرن املاضي نقلة‬ ‫هائلة في تطور العالج والقضاء‬ ‫على العديد من األمراض‬ ‫اجلرثومية‪ ،‬إال أن زيادة املقاومة‬ ‫للمضادات احليوية دعت العديد‬ ‫من املنظمات والهيئات الصحية‬ ‫الدولية إلى إطالق التحذيرات‬ ‫عن قرب نهاية حقبة املضادات‬ ‫احليوية‪.‬‬

‫طورت العديد من سالسل اجلراثيم قدراتها‬ ‫عل�� ��ى مقاوم�� ��ة املض�� ��ادات احليوي�� ��ة نتيجة‬ ‫االس�� ��تعمال غي�� ��ر الصحي�� ��ح واملف�� ��رط لهذه‬ ‫املضادات من قبل اإلنس�� ��ان‪ ،‬مما أدى إلى ظهور ما يسمى‬ ‫اجلرثوم�� ��ة اخلارق�� ��ة (‪ )Superbug‬أو اجلراثيم املقاومة‬ ‫للعديد من املضادات احليوية (‪Multidrug Resistant‬‬ ‫‪ ،)(Mdr) Microorganism‬والت�� ��ي يصعب في الكثير‬ ‫من األحيان عالجها بالطرق التقليدية باستعمال املضادات‬ ‫احليوية املس�� ��تعملة بشكل اعتيادي‪ ،‬مما يؤدي إلى احلاجة‬ ‫إلى مضادات حيوية أقوى‪ ،‬مس�� ��ببا ظه�� ��ور اآلثار اجلانبية‬ ‫* أكادميي بجامعة الشارقة‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫‪7/21/13 11:52:08 AM‬‬

‫وزيادة فترة العالج والتكلفة العالجية‪ ،‬وفي بعض األحيان‬ ‫يؤدي إلى فش�� ��ل العالج وعدم القدرة على الس�� ��يطرة على‬ ‫اجلراثيم‪.‬‬

‫القدمي واحلديث‬

‫إن اخل�� ��وف من تطور مقاومة املض�� ��ادات احليوية هو‬ ‫ليس باألمر احلديث‪ ،‬بل هو قدمي مع بدء عصر اس�� ��تعمال‬ ‫املضادات احليوية‪ ،‬حيث أش�� ��ار االكسندر فيلمنك‪ ،‬احلائز‬ ‫على جائزة نوبل الكتش�� ��افه البنس�� ��لني‪ ،‬والذي كان فاحتة‬ ‫ث�� ��ورة املضادات احليوي�� ��ة‪ ،‬إلى وجود خط�� ��ر حقيقي عند‬ ‫العدد ‪ - 658‬سبتمبر ‪2013‬‬

‫‪sep 174-178.indd 174‬‬


‫اس�� ��تعمال املضاد احليوي من قبل شخص ال يعرف طريقة‬ ‫اس�� ��تعماله الصحيحة‪ .‬ومثل ه�� ��ذا التحذير الذي جاء بعد‬ ‫أربع س�� ��نوات فقط من انتشار استعمال املضادات احليوية‬ ‫كناق�� ��وس خطر‪ ،‬ولكن لم يأخذ هذا التحذير محمل اجلد‪،‬‬ ‫مما أدى إلى تقليل ق�� ��درات العديد من املضادات احليوية‬ ‫في القضاء على اجلراثيم‪ ،‬نتيجة تطور مقاومة املضادات‬ ‫احليوية‪.‬‬ ‫تش�� ��ير العديد من اإلحصاءات والدراسات إلى تطور‬ ‫هذه املقاومة بش�� ��كل سريع جدا‪ ،‬مما ينذر بكارثة حقيقية‪،‬‬ ‫فعلى س�� ��بيل املثال وجدت في الع�� ��ام ‪ 1947‬أولى مقاومة‬ ‫للبنس�� ��لني م�� ��ن قبل بكتيريا س�� ��تافيلوكوكس أي�� ��رس‪ ،‬التي‬ ‫املضادات احليوية‪ ...‬عالج بدأ يفقد مفعوله‬

‫‪7/21/13 11:52:18 AM‬‬

‫تعيش بش�� ��كل طبيعي على اجللد واألغشية املخاطية‪ ،‬على‬ ‫الرغم من كونه لم يطرح لالس�� ��تعمال بش�� ��كل عام إال بعد‬ ‫احل�� ��رب العاملية الثانية في العام ‪ .1945‬وفي العام ‪،1959‬‬ ‫مت اكتشاف دواء ميثيس�� ��لني (‪ )Methicillin‬القادر على‬ ‫جتاوز هذه املش�� ��كلة‪ ،‬ولكن خالل س�� ��نتني سجلت مقاومة‬ ‫م�� ��ن قب�� ��ل البكتيريا املذك�� ��ورة لهذا املضاد ف�� ��ي بريطانيا‪،‬‬ ‫وحتولت خالل العقود التالية إلى حالة ش�� ��ائعة االنتش�� ��ار‬ ‫في املستش�� ��فيات البريطانية‪ ،‬وأحد املس�� ��ببات الرئيسية‬ ‫للوفيات نتيجة تسمم الدم اجلرثومي بنسبة ‪ 37‬في املائة‪،‬‬ ‫ومن ثم اس�� ��تعمل دواء فانكومايسني (‪،)Vancomycin‬‬ ‫وظل لس�� ��نوات العالج الفعال للقض�� ��اء على هذا النوع من‬ ‫البكتيري�� ��ا املقاومة‪ ،‬ولكن ومع اس�� ��تمرار االس�� ��تعمال غير‬ ‫الرش�� ��يد للمضاد احليوي‪ ،‬ظهرت العديد من السالس�� ��ل‬ ‫البكتيري�� ��ة املقاوم�� ��ة للعقار األخير‪ .‬وف�� ��ي العام ‪ 1990‬مت‬ ‫إنت�� ��اج دواء لينزوالي�� ��د (‪ )Linezolid‬القادر على القضاء‬ ‫على هذا النوع من البكتيريا‪ ،‬ولكن في العام ‪ 2003‬سجلت‬ ‫حاالت مقاومة لهذا املضاد احليوي‪ .‬وهكذا نرى أن ظهور‬ ‫أغلب السالس�� ��ل املقاومة للمضادات احليوية يكون خالل‬ ‫عقود قليلة من الزمن‪.‬‬ ‫وخالل العقدين األخيرين‪ ،‬أطلقت أغلب املؤسس�� ��ات‬ ‫واملنظمات الصحية احمللي�� ��ة والعاملية حتذيرات من زيادة‬ ‫مقاوم�� ��ة املض�� ��ادات احليوي�� ��ة‪ ،‬وظهور س��ل��االت بكتيرية‬ ‫مقاومة‪ .‬ف��ل��ا يخلو تقرير يتعلق باملضادات احليوية صادر‬ ‫عن منظمة الصحة العاملية‪ ،‬أو املركز األمريكي للس�� ��يطرة‬ ‫ومنع األمراض املعدية‪ ،‬أو املركز األوربي للسيطرة والوقاية‬ ‫من األمراض‪ ،‬من اإلشارة إلى زيادة ظهور سالالت بكتيرية‬ ‫مقاوم�� ��ة للمض�� ��ادات احليوية‪ ،‬علما ب�� ��أن منظمة الصحة‬ ‫العاملية صنفت مقاومة املضادات احليوية في العام ‪2009‬‬ ‫باملرتبة الثالثة من حيث تهديدها ملس�� ��تقبل البش�� ��رية‪ .‬كما‬ ‫أعل�� ��ن العدي�� ��د من اخلب�� ��راء عدم جدوى إنت�� ��اج مضادات‬ ‫حيوية جديدة من دون استعمال رشيد للمضادات احليوية‬ ‫املس�� ��تعملة حاليا‪ ،‬لكون تطور املقاومة للمضادات احليوية‬ ‫سيكون أسرع في املستقبل القريب‪.‬‬

‫خوف مستمر‬

‫إحدى أهم مش�� ��اكل تطور املقاوم�� ��ة للمضاد احليوي‬ ‫هي تقليل اخليارات أمام اس�� ��تعمال األن�� ��واع املعروفة من‬ ‫املضادات احليوية لع��ل��اج أمراض بكتيرية ميكن اعتبارها‬ ‫بس�� ��يطة مبفه�� ��وم الطب احلدي�� ��ث‪ ،‬وه�� ��ذا أدى إلى جعل‬ ‫األمراض سهلة العالج سابقا أكثر خطورة‪ ،‬لقلة املضادات‬

‫‪175‬‬

‫‪sep 174-178.indd 175‬‬


‫احليوية الفعالة ضده�� ��ا‪ ،‬كما أن ظهور بكتيريا قادرة على‬ ‫مقاوم�� ��ة العدي�� ��د من املض�� ��ادات احليوي�� ��ة أدى إلى جعل‬ ‫العالج أصع�� ��ب وأكثر تكلفة‪ ،‬مجبرا األطب�� ��اء على اللجوء‬ ‫إل�� ��ى مضادات حيوي�� ��ة أكثر فعالية‪ ،‬ولكنه�� ��ا ذات تأثيرات‬ ‫جانبي�� ��ة أكث�� ��ر‪ .‬ميثل تط�� ��ور مقاومة املض�� ��ادات احليوية‬ ‫كابوس�� ��ا حقيقيا على مستقبل البش�� ��رية إن استمر الوضع‬ ‫كما هو عليه‪ ،‬فالعديد من اإلحصاءات والدراس�� ��ات تشير‬ ‫إل�� ��ى زيادة صعوبة عالج العديد م�� ��ن األمراض اجلرثومية‬ ‫ف�� ��ي الوقت احلاض�� ��ر‪ ،‬زيادة أع�� ��داد املصاب��ي��ن بجرثومة‬ ‫الس�� ��ل (‪ )Mycobacterium Tuberculosis‬املقاومة‬ ‫للعديد من املضادات احليوية فتمثل خطرا حقيقيا محدقا‬ ‫بالبش�� ��رية‪ ،‬حيث وصل العدد إلى ‪ 450‬ألف حالة س�� ��نويا‪،‬‬ ‫مي�� ��وت منهم ما يقارب ‪ 150‬ألف مصاب‪ ،‬كما أن ظهور ‪12‬‬ ‫حالة مصابة بنوع من جرثومة الس�� ��ل املقاوم جلميع أنواع‬ ‫املضادات احليوية على مستوى العالم‪ ،‬يشير إلى حالة من‬ ‫الرعب احلقيقي في حال انتش�� ��ار مثل هذه اجلراثيم التي‬ ‫ال ينفع معها أي من املضادات احليوية املعروفة‪.‬‬ ‫كم�� ��ا مثل�� ��ت زي�� ��ادة املقاوم�� ��ة لبكتيريا س�� ��يدومونس‬ ‫أرجينوس�� ��ا (‪ )Pseudomonas Aeruginosa‬ناقوس‬ ‫خطر آخر‪ ،‬لكونها أدت إلى عشرات اآلالف من الوفيات‪.‬‬

‫األسباب‬

‫هن�� ��اك العديد من املس�� ��ببات لظهور وتط�� ��ور مقاومة‬ ‫املضادات احليوية‪ ،‬وتتعدد األسباب فمنها ما يتعلق بسلوك‬ ‫األف�� ��راد‪ ،‬ومنها ما يتعلق مبفهوم وطريق�� ��ة تعامل املجتمع‬ ‫مع املضادات احليوية‪ ،‬ومنها ما يكون على مس�� ��توى العالم‬ ‫أجم�� ��ع‪ .‬فعلى صعيد األف�� ��راد‪ ،‬ميكن تلخيص األس�� ��باب‬ ‫وراء زيادة مقاومة املضادات احليوية إلى االس�� ��تعمال غير‬ ‫الرشيد املتمثل في احلاالت التالية‪:‬‬ ‫ ف�� ��رط االس�� ��تعمال (‪ :)Overdose‬نتيج�� ��ة تناول‬‫املض�� ��اد احليوي بجرعات عالية أكث�� ��ر مما هو مطلوب أو‬ ‫ملدة طويلة‪ .‬وقد أش�� ��ارت إحدى الدراسات التي جرت في‬ ‫أس�� ��كتلندا‪ ،‬من خالل مراجعة الس�� ��جالت الطبية‪ ،‬إلى أن‬ ‫نس�� ��بة كبيرة من املرضى (‪ 55‬في املائ�� ��ة) قد وصفت لهم‬ ‫املضادات احليوية مبعدل ‪ 23‬مرة خالل فترة طفولتهم من‬ ‫عمر ‪ 18 – 5‬سنة‪.‬‬

‫‪ -‬قلة االستخدام (‪:)Underuse‬‬

‫نتيج�� ��ة التوقف عن إكم�� ��ال فترة الع��ل��اج املطلوبة أو‬ ‫استخدام جرعات أقل من املطلوب‪ .‬ويرتبط هذا املوضوع‬

‫‪176‬‬

‫‪7/21/13 11:52:24 AM‬‬

‫بشكل مباش�� ��ر بااللتزام الدوائي لدى املرضى‪ ،‬حيث يعمد‬ ‫العديد من املرضى إلى ترك العالج عند الشعور بالتحسن‪،‬‬ ‫أو قلة االلتزام بأخذ الدواء كلما طالت فترة العالج‪ .‬وتشير‬ ‫العديد م�� ��ن األبحاث العلمية إلى أن التزام املرضى بتناول‬ ‫املضادات احليوية يقل بش�� ��كل ملحوظ قد يصل إلى أكثر‬ ‫من ‪ 50‬في املائة مع طول فترة العالج‪.‬‬

‫‪ -‬سوء االستخدام (‪:)Abuse‬‬

‫وهو أحد أكثر األخطاء الش�� ��ائعة واملتمثل باستخدام‬ ‫املضاد احليوي لعالج أمراض غير صحيحة مثل استخدام‬ ‫مضاد البكتيريا لعالج أمراض فيروسية كالرشح والزكام‪،‬‬ ‫أو إع�� ��ادة اس�� ��تخدام املضاد احليوي م�� ��رة أخرى من دون‬ ‫استشارة الطبيب‪.‬‬ ‫أما على صعيد س�� ��لوك املجتمع‪ ،‬فقد يعمد الكثير من‬ ‫املرضى‪ ،‬نتيجة تأثرهم مبعتقدات منتشرة في بيئتهم‪ ،‬إلى‬ ‫الطلب وبإصرار من الطبيب لوصف مضاد حيوي‪.‬‬ ‫أما عل�� ��ى صعي�� ��د العالم‪ ،‬فإن االس�� ��تخدام الس�� ��يئ‬ ‫للمض�� ��ادات احليوية في املاش�� ��ية والدواج�� ��ن (بإضافتها‬ ‫إل�� ��ى العل�� ��ف) كوقاية ض�� ��د اجلراثيم أو ألس�� ��باب أخرى‬ ‫تتعلق بتجن�� ��ب إصابتها باألمراض وبالتال�� ��ي عدم التأثير‬ ‫ف�� ��ي معدل منوها‪ ،‬قد يؤدي إلى ت