Issuu on Google+

‫‪(1913‬ملف)‬ ‫األنثروبولوجيا‬ ‫رائد‬ ‫أحمد‬ ‫ـاريـس عـام‬ ‫أبوزيدـي ب‬ ‫األول فـ‬ ‫واملفكرعـرد‪.‬بـي‬ ‫العالمتـمـر ال‬ ‫الـمـؤ‬ ‫العدد ‪659‬‬ ‫> ذو القعدة‬

‫اآلن‬ ‫في األسواق‬ ‫مجلة‬

‫‪ 1434‬هـ > أكتوبر ‪ 2013‬م‬

‫أمل في املستقبل‪ ..‬ونظرة إلى الغد‬

‫‪ 5‬مجالت ‪ X‬مجلة‬

‫‪October 2013‬‬

‫شرائط ومغامرات ‪ -‬قصص وحكايات ‪ -‬شخصيات ورحالت ‪ -‬علوم واكتشافات ‪-‬‬ ‫من القراء وإليهم‬

‫أكتوبر‬ ‫‪2013‬‬

‫مشاهدات حاج عثماني في‬

‫مكة املكرمـة‬

‫اطلب هديتك املجانية‪:‬‬

‫شكسبير وامللكة‬

‫العدد ‪ 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬ ‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫املجلة األولى لألطفال في العالم العربي‬

‫> املزارات الدينية‬ ‫في األراضي احلجازية (استطالع)‬ ‫> يوسف العاني وعكازه املسرحي‬ ‫> حروب املوسيقى‬

‫توزع أكثر من ‪ 120‬ألف نسخة كل شهر‬ ‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪9/15/13 12:07:22 PM‬‬

‫‪full cover.indd 2‬‬


‫اإلبداع والعلوم (ملف خاص)‬

‫اآلن في األسواق‬

‫أكتوبر‬ ‫‪2013‬‬

‫مجلة شهرية للثقافة العلمية‬ ‫في هذا العدد‬

‫> ح ّول أسطح ما يحيط بك فور ًا لشاشات ملسية تفاعلية بتلويحة يد‬ ‫> أخير ًا ‪ ..‬قصبة هوائية صناعية تنقذ آالف املرضى‬ ‫> كيمياء األمل ‪ ..‬ملتقى لينداو الثالث والستون حلائزي «نوبل»‬ ‫> هل تؤثر فصيلة دمنا في نوعية الطعام الذي نتناوله?‬

‫غليان بدون فقاعات ‪ ..‬ظاهرة‬ ‫علمية غريبة‬

‫من أين أتت‬ ‫الشمس؟‬

‫إدجار شويري ‪ ..‬عالم عربي‬ ‫أمريكي من فريق املريخ‬

‫اإللكتروني‬ ‫إطالق موقع مجلة‬ ‫في تصميم جديد على شبكة اإلنترنت‬

‫‪www.alarabimag.com‬‬ ‫انته ��ت مجل ��ة العربي من تصميم املوق ��ع اإللكتروني اجلديد للمجلة في ش ��كل الفت‬ ‫وعصري‪ ،‬خدمة للقارئ العربي في أرجاء العالم‪ ،‬وبحيث ميكن تصفحه من أي متصفح‬ ‫إلكتروني‪.‬‬ ‫يتضمن املوقع أرش ��يفا كام ً‬ ‫ال لكافة أعداد مجل ��ة العربي منذ العام ‪ 1992‬وحتى اليوم‪،‬‬ ‫باإلضاف ��ة إلى إصدارات «العرب ��ي» األخرى ممثلة في مجلتي «العربي الصغير» و«العربي‬ ‫العلمي»‪ ،‬و«كتاب العربي» وملحق «البيت العربي» الذي يصدر شهريا مع املجلة األم‪.‬‬ ‫يتضمن املوقع أيضا موسوعة ألبرز الشخصيات الثقافية في الكويت‪ ،‬وموسوعة أخرى‬ ‫عن تاريخ الكويت‪.‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬ ‫‪9/15/13 11:55:28 AM‬‬

‫‪full cover.indd 1‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫تأسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫صالح منصور املباركي‬ ‫وكيل وزارة اإلعالم‬

‫‪Salah Mansour Al-Mobarky‬‬

‫‪Undersecretary of the Ministry of‬‬ ‫‪Information‬‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 1‬شارع ‪ - 47‬قسيمة ‪ - 3‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬ ‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬ ‫‪Editorial Tel:‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫عناوين مراسلة العربي في اخلارج‬ ‫> القاه� � ��رة ‪ -‬اله� � ��رم ‪ 5 -‬ش� � ��ارع ترع� � ��ة املريوطي� � ��ة ‪ -‬عم� � ��ارات اخللي� � ��ج ‪ -‬عم� � ��ارة ‪3‬‬ ‫ال� � ��دور األول دار ع� �ي��ن للدراس� � ��ات ‪ -‬هــاتـ� � ��ف ‪ > 002039812448‬بي� � ��روت ص‪ .‬ب‬ ‫‪ 70827‬أنطلي� � ��اس‪ /‬لـبـنـ� � ��ان ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 009613408407‬فاك� � ��س ‪009614408448‬‬ ‫> دمش� � ��ق ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 00963114417653‬فاك� � ��س ‪ 00963114449567‬ص‪.‬ب ‪7699‬‬ ‫> الرباط هاتف ‪ 0021237679972‬فاك� � ��س ‪ 0021237778438‬ص‪.‬ب ‪ 7729‬دار احلديث‬

‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو مايعادلها بالدوالر االمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم‬ ‫وزارة اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬ ‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـس� � �ـــــودان‬ ‫‪ ,500‬جنيه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪ ،‬اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـس � � �عـوديـــة ‪7‬‬ ‫ريـــاالت‪ ،‬الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬س�� ��لطنـة عمـان ‪ 500‬بيس� � �ـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪،‬‬ ‫سورية ‪ 30‬لـيرة‪ ،‬اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬

‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 , France 2 ,‬‬ ‫‪Austria 2 , Germany 2 , USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬ ‫جميع املراسالت باسم رئيس التحرير‬ ‫< املجل� � ��ة غي� � ��ر ملزمة بإعادة أي مادة تتلقاها للنش� � ��ر‪ < .‬اخلرائط التي تنش� � ��ر باملجلة مجرد خرائط‬ ‫توضيحي� � ��ة وال تعتبر مرجعا للحدود الدولية‪ < .‬اليجوز إعادة النش� � ��ر بأي وس� � ��يلة ألي مادة نش� � ��رتها‬ ‫العرب� � ��ي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة خطية من اجله� � ��ات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا‬ ‫لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬ ‫< املساهمون للمرة األولى يرسلون موادهم مصحوبة بسيرهم الذاتية‪.‬‬

‫< املواد املنشورة تعبر عن آراء كتابها وال تعبر عن رأي املجلة‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬

‫‪9/17/13 11:50:22 AM‬‬

‫‪3‬‬

‫‪‭ ‬p3 �����.indd 3‬‬


‫العدد‪ - 659‬ذو القعدة ‪ 1434‬هـ‬ ‫أكتوبر (تشرين األول) ‪2013‬م‬ ‫الغالف‪ :‬الفنان محمد أبو طالب‬

‫وكالء توزيع العربي ومطبوعاتها‬ ‫الكويت‪ :‬املجموعة اإلعالمية العاملية‬

‫الهاتف‪00965-24826820/1/2:‬الفاكس‪00965- 24826823:‬‬

‫لبنان‪ :‬الشركة اللبنانية لتوزيع الصحف ‪00961-1368007‬‬ ‫البريد االلكتروني‪colidi@inco.com.lb :‬‬ ‫البحرين‪ :‬مؤسسة األيام للنشر ‪00973-17617733‬‬ ‫الفاكس‪000973-17617744:‬‬ ‫األردن‪ :‬وكالة التوزيع األردنية ‪00962-6535885‬‬ ‫فاكس ‪0096265337733‬‬ ‫قطر‪ :‬شركة دار الشرق ‪00974-44557809/ 11/10‬‬ ‫فاكس ‪-00974 44557819‬‬ ‫اإلمارات‪ :‬شركة ابو ظبي لالعالم‬ ‫الهاتف‪ ..971-24145005/6 :‬الفاكس‪00971-24144340 :‬‬ ‫سلطنة عمان‪ :‬مؤسسة العطاء للتوزيع ‪00968-24492936‬‬ ‫‪ -24496748‬فاكس‪-00968 24493200 :‬‬ ‫السعودية‪ :‬الشركة الوطنية املوحدة للتوزيع‬ ‫الهاتف‪ 0096614871414 :‬فاكس‪0096614870809 :‬‬ ‫فلسطني‪ :‬شركة رام الله للتوزيع والنشر‬ ‫هاتف‪ 00967 022980800- :‬فاكس‪0097022964133 :‬‬ ‫مصر‪ :‬مؤسسة أخبار اليوم ‪00202-25806400‬‬ ‫‪ -25782701‬فاكس ‪00202 25782540-‬‬ ‫السودان‪ :‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع‬ ‫هاتف‪ 002491 83242702 :‬فاكس‪00249183242703 :‬‬ ‫تونس‪ :‬الشركة التونسية ‪00216-71322499‬‬ ‫فاكس‪-00216 71323004 :‬‬ ‫اجلزائر‪ :‬شركة بوقادوم لنقل وتوزيع الصحافة‬ ‫هاتف‪ - 0021331909590 :‬فاكس ‪0021331909328‬‬ ‫املغرب‪ :‬الشركة العربية اإلفريقية ‪00212 - 522249200‬‬ ‫فاكس‪-00212 522249214 :‬‬ ‫اليمن‪ :‬القائد للنشر والتوزيع ‪00967 1240883‬‬ ‫فاكس‪-00967 1240883 :‬‬ ‫العراق‪ :‬شركة الظالل للتوزيع ‪009647704291208 :‬‬ ‫‪80662019 -807742504‬‬‫ليبيا‪ :‬شركة الناشر الليبي هاتف‪00218217297779 :‬‬ ‫فاكس‪00218-217297779 :‬‬ ‫كندا ‪)416(741-7555 SPEED IMPEX‬‬ ‫باكستان‪ :‬براديس يوك ‪0092214314981/2‬‬ ‫أمريكا‪001-718-786-3065 MEDIA MARKETING :‬‬ ‫إيطاليا‪ :‬انتركونتيننتال ‪)39026(707-3227‬‬ ‫موريتانيا‪ :‬ام‪.‬بي‪.‬سي ‪)222(258-6232‬‬ ‫اجنلترا‪ :‬مؤسسة األهرام الدولية ‪00442073883130‬‬ ‫;‪ Universal press‬هاتف ‪00442087499828‬‬ ‫فاكس‪00442087493904 :‬‬

‫‪4‬‬

‫‪9/17/13 11:51:33 AM‬‬

‫‪8‬‬ ‫‪109‬‬ ‫‪118‬‬ ‫‪124‬‬

‫‪12‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪31‬‬

‫‪38‬‬ ‫‪72‬‬ ‫‪90‬‬ ‫‪100‬‬ ‫‪134‬‬ ‫‪156‬‬ ‫‪174‬‬

‫فكر‬ ‫«العربي» والشباب‪ ..‬رسالة املستقبل (حديث الشهر)‪.‬‬ ‫محمود مراد‪ ..‬محمد النويهي وثورة الفكر الديني‪.‬‬ ‫سعد السعدني‪ ..‬القضاء في اإلسالم‪.‬‬ ‫د‪.‬ب� � ��ركات محمد مراد‪ ..‬اإلس� �ل��ام واملواطن� � ��ة‪ ..‬تعارض أم‬ ‫احتواء؟‬ ‫ملف العربي‬ ‫أحمد أبوزيد‪ ..‬رائد األنثروبولوجيا‪:‬‬ ‫مفكر املستقبل‬ ‫د‪.‬محم� � ��د حاف� � ��ظ دي� � ��اب‪ ..‬أحم� � ��د أبوزيد رائ� � ��د البحث‬ ‫امليداني‪.‬‬ ‫د‪.‬فاروق أحمد مصطفى‪ ..‬أحمد أبوزيد والبداوة في الوطن‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫د‪.‬سعاد عثمان‪ ..‬تكامل املنهجية عند أحمد أبوزيد‪.‬‬ ‫سعيد املصري‪ ..‬الثأر في املجتمع العربي‪ ..‬قراءة في أعمال‬ ‫أحمد أبوزيد‪.‬‬ ‫أدب‬ ‫ً‬ ‫س� � ��عدية مفرح‪ ..‬الش� � ��اب الظريف‪ ..‬ش� � ��عرا وحياة (شاعر‬ ‫العدد)‪.‬‬ ‫السير الذاتية العربية (أوراق أدبية)‪.‬‬ ‫د‪.‬جابر عصفور‪ ..‬عن ِّ‬ ‫أحمد صالح كامل‪ ..‬فكي يدي ومتردي (شعر)‪.‬‬ ‫د‪.‬عم� � ��رو عبدالعزيز منير‪ ..‬مش� � ��اهدات ح� � ��اج عثماني في‬ ‫مكة‪.‬‬ ‫ترجم� � ��ة‪ :‬محمد عبدالنبي‪ ..‬يوم مثالي ملش� � ��اهدة الكاجنارو‬ ‫(قصة مترجمة)‪.‬‬ ‫ظافر جلود‪ ..‬زائر املساء اليومي (قصة قصيرة)‪.‬‬ ‫بهاء الدين الطود‪ ..‬قصص على الهواء (تنش� � ��ر بالتعاون مع‬ ‫الـ ‪.)B.B.C‬‬

‫وجها لوجه‬ ‫‪ 68‬فرانسوا ز ّبال ودينا مندور‪.‬‬ ‫استطالع‬ ‫‪ 42‬قلم وتصوير‪ :‬إبراهي� � ��م املليفي‪ ..‬حصن ثالء‪ ..‬قمم اجلبال‬ ‫حتمي عروش األئمة‪.‬‬ ‫‪ 52‬إع� � ��داد وتصوير‪ :‬عبدالله الس� � ��مطي‪ ..‬املزارات الدينية في‬ ‫مكة املكرمة واملدينة املنورة‪.‬‬ ‫عام طه حسني‬ ‫‪ 80‬د‪.‬رياض زكي قاس� � ��م‪ ..‬طه حس� �ي��ن رائد التجديد في درس‬ ‫األدب العربي القدمي‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 4-5.indd 4‬‬


‫‪131‬‬ ‫‪138‬‬ ‫‪144‬‬ ‫‪150‬‬

‫فن‬ ‫أمني الباشا‪ ..‬هذا ليس حلماً‪.‬‬ ‫د‪.‬عقيل مهدي‪ ..‬فنان على مش� � ��ارف التس� � ��عني‪ ..‬يوس� � ��ف‬ ‫العاني وعكازه املسرحي‪.‬‬ ‫محمد الفقي‪ ..‬أش������باح هنري جيمس وأش������باح س������تيفن‬ ‫كنج‪.‬‬ ‫عبود طلع� � ��ت عطية‪ ..‬جنتيل� � ��ي بيلليني «الس� � ��لطان محمد‬ ‫الفاحت» (معرض العربي)‪.‬‬

‫تاريخ وتراث وشخصيات‬ ‫‪ 92‬د‪.‬إميل خوري‪ ..‬رابعة العدوية‪ ..‬أضواء على سيرتها ونهجها ص ‪42‬‬ ‫الصوفي‪.‬‬ ‫‪ 104‬محمد محمد مستجاب‪ ..‬النقشبندي‪ ..‬صوت السماء‪.‬‬ ‫‪ 114‬فاضل خلف‪ ..‬الش� � ��يخ يوسف بن عيس� � ��ى القناعي (‪1878‬‬ ‫ ‪1973‬م)‪.‬‬‫بيئة‬ ‫‪ 165‬محمد حسام الشاالتي‪ ..‬طرق جديدة لطيران أوفر وصديق‬ ‫للبيئة‪.‬‬ ‫مكتبة العربي‬ ‫‪ 184‬عرض‪ :‬مه� � ��اب نصر‪ ..‬الدولة املأزوم� � ��ة واملجتمع احلائر‪..‬‬ ‫إصالح أم ثورة؟ (من املكتبة العربية)‪.‬‬ ‫‪ 188‬ع� � ��رض‪ :‬فاطمة الزهراء حس� � ��ن‪ ..‬حروب املوس� � ��يقى (من‬ ‫املكتبة األجنبية)‪.‬‬ ‫‪ 192‬كتب مختارة‪.‬‬

‫ص ‪52‬‬

‫أبواب ثابتة‬ ‫‪7‬‬ ‫‪40‬‬ ‫‪78‬‬ ‫‪152‬‬ ‫‪160‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪179‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪194‬‬ ‫‪202‬‬ ‫‪204‬‬ ‫‪210‬‬

‫عزيزي القارئ‪.‬‬ ‫قالوا‪.‬‬ ‫اللغة حياة‪.‬‬ ‫منتدى احلوار‪.‬‬ ‫جمال العربية‪.‬‬ ‫ثقافة إلكترونية‪.‬‬ ‫املسابقة الثقافية‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‪.‬‬ ‫املفكرة الثقافية‪.‬‬ ‫وتريات‪.‬‬ ‫عزيزي العربي‪.‬‬ ‫إلى أن نلتقي‪.‬‬ ‫الفهرس‬

‫‪9/17/13 11:51:47 AM‬‬

‫ص ‪114‬‬

‫ص ‪165‬‬

‫‪5‬‬

‫‪oct 4-5.indd 5‬‬


‫اآلن في األسواق‬ ‫‪AL ARABI BOOK‬‬

‫‪93‬‬

‫قضايا السينما العربية‬ ‫رئيس التحرير د‪ .‬سليمان إبراهيم العسكري‬

‫يح ��اول ه ��ذا الكت ��اب تقدمي ق ��راءات‬ ‫نقدية تتناول قضايا الس ��ينما العربية‪،‬‬ ‫وأهم إنتاج لها خالل أكثر من ربع قرن‪،‬‬ ‫فض�ل�ا ع ��ن أعالمه ��ا‪ ،‬وأب ��رز مبدعيها‬ ‫ف ��ي البل ��دان العربي ��ة‪ .‬وهك ��ذا ب�ي�ن‬ ‫تراج ��ع الف ��ن الس ��ابع وتقدم ��ه‪ ،‬ب�ي�ن‬ ‫رؤي ��ة الداخ ��ل واخلارج‪ ،‬وح ��ول املرأة‬ ‫والتهميش والتوثيق واألنس ��نة تدور‬ ‫احملاور التي تتنقل بأقالم نخبة من‬ ‫نقاد السينما من مصر إلى سورية‪،‬‬ ‫وم ��ن لبن ��ان إل ��ى اجلزائ ��ر‪ ،‬وف ��ي‬ ‫تونس واملغرب‪ ،‬فــضال عن تـــجارب‬ ‫عراقـــية وفلس ��طينية‪ ،‬شارك في‬ ‫تدوينها ندمي جرجورة‪ ،‬وس ��مير‬ ‫فري ��د‪ ،‬وأحم ��د يوس� �ـف‪ ،‬وفــ ��ؤاد‬ ‫التهامي وخليـــــــل صــــــويـــلـــح‪،‬‬ ‫وبـــش� �ــــار إبــراهـــيم‪ ،‬وصــــبحي‬ ‫حليـــم ��ة‪ ،‬و أحم ��د بيض ��ون‪،‬‬ ‫وأحمد بلية‪ ،‬ومحمد صـــوف‪،‬‬ ‫وعـــدنان حس� �ــيــن‪ ،‬وأشـــــرف‬ ‫الصـــباغ‪ ،‬ورفــــيــق الصــــبان‪،‬‬ ‫ويحــيـــى فــــكــري‪ ،‬وس� �عـــيد‬ ‫الشـــيـمي ورؤوف تـــوفــــيـــق‪ ‬‬ ‫ومحمــود قاسم‪.‬‬

‫‪7/21/13 11:55:25 AM‬‬

‫‪93‬‬

‫‪I BOOK‬‬

‫‪AL ARAB‬‬

‫قضايا‬ ‫السينما‬ ‫العربية‬ ‫م‬

‫جم‬

‫و‬ ‫عة م‬

‫ن‬

‫الك‬

‫تاب‬

‫‪p159.indd 3‬‬


‫عــزيــزي الـقــارئ‬

‫سؤال التجديد‬ ‫يحتفل العالم العربي واإلسالمي هذا الشهر مبناسبتني مباركتني هما موسم احلج‬ ‫وعيد األضحى املبارك‪ ،‬أعاده الله على أمتنا العربية واإلسالمية باخلير والبركات‪.‬‬ ‫وتغتنم «العربي» هذه املناس������بة كي تتيح لك‪ ،‬عزيزي القارئ‪ ،‬الفرصة للتعرف على‬ ‫تفاصيل هذه الرحلة الروحانية‪ ،‬واملصاعب التي كانت تواجه احلجيج في عصر س������ابق‪ ،‬كانت‬ ‫فيه وس������ائل السفر التزال محدودة‪ ،‬وكانت الظروف الثقافية مختلفة‪ ،‬كما تطل على املزارات‬ ‫الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة إحياء لذكرى مناسك احلج‪.‬‬ ‫لكن «العربي» في غمرة احتفائها بهذه الذكرى العطرة‪ ،‬لم يغب عنها ما يشغل الفرد العربي‪،‬‬ ‫من ش������ئون الفكر والثقافة التي تخص أس������ئلة اليوم وهو ما جتد له صدى في أكثر من ملف‬ ‫وموضوع‪.‬‬ ‫فتس������تطلع حص������ن ثالء في اليمن‪ ،‬كاش������فة جانبا ثقافي������ا وجغرافيا وتاريخي������ا جديدا في‬ ‫احلض������ارة اليمنية‪ .‬وكما كل كش������ف حضاري جديد فإن الس������ؤال االجتماعي واألنثربولوجي‬ ‫يط������ل م������ن بني امل���ت��ن‪ ،‬ولهذا لم يغب ع������ن «العربي» أن تع������د في هذا الع������دد ملفا في ذكرى‬ ‫رائ������د األنثروبولوجي الراحل د‪.‬أحمد أبوزيد والذي كان واحدا من رموز البحث األنثربولوجي‬ ‫والدراس������ات االجتماعية‪ ،‬قبل أن يصبح أحد كتاب «العربي» املرموقني لسنوات‪ ،‬وامللف يلقي‬ ‫الضوء على الدور املهم الذي لعبه باحثا وكاتبا‪.‬‬ ‫واليزال بحث س������ؤال التجديد في الفكر واألدب العربيني مس������تمرا‪ ،‬احتفاال بذكرى عميد‬ ‫األدب العربي طه حسني‪ ،‬عبر إعادة تأمل دوره التجديدي والتنويري الذي ال يبتعد عن الدور‬ ‫الذي اختطته «العربي» لنفس������ها منذ صدورها وحتى اليوم‪ ،‬وتعيد النظر في مفاهيم الصورة‬ ‫السينمائية انطالقا من ذائقة مختلفة تتكئ على الثقافة العميقة والفلسفة‪.‬‬ ‫ه������ذا بعض ما ينتظرك عزيزي القارئ على صفح������ات «العربي»‪ ،‬على أمل أن تتجدد معكم‬ ‫قافلة الثقافة واآلداب والفنون >‬ ‫احملرر‬

‫‪7‬‬

‫‪9/17/13 11:52:24 AM‬‬

‫‪oct p7 .indd 7‬‬


‫ ‬

‫جسر ا ُمل ْستقبل‬ ‫ام ُح‬ ‫التَّ َس ُ‬ ‫ُ‬ ‫حتتفل األمة اإلسالمية هذا‬ ‫الشهر بأطهر الرحالت‪ ،‬التي‬ ‫يتوجه فيها املاليني إلى‬ ‫مكة املكرمة‪ ،‬واملدينة املنورة‪،‬‬ ‫ألداء شعائر احلج‪ ،‬قبل أن‬ ‫يتشارك املسلمون جميع ًا‬ ‫االحتفال بعيد األضحى‬ ‫املبارك‪ ،‬وهما مناسبتان‬ ‫تدعواننا للتأمل في هذين‬ ‫احلدثني العامليني اللذين‬ ‫يساويان بني أبناء األمة‬ ‫الواحدة‪ ،‬حني جتمعهم نية‬ ‫اخلير‪ ،‬وممارسة التقرب‬ ‫بالعمل الصالح إلى اخلالق‬ ‫سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫‪9/17/13 12:06:49 PM‬‬

‫واحلق أنه ما من قيمة تتبادر‬ ‫ف� � ��ي الذه� � ��ن ق� � ��در فضيل� � ��ة‬ ‫التس� � ��امح‪ ،‬الت� � ��ي جتعلنا نعلي‬ ‫من قيم الصفح والعفو‪ ،‬ومنارس التفهم‬ ‫لقضاي� � ��ا اآلخرين والتفاهم معهم‪ ،‬وإذا‬ ‫كنا خُ لقنا شعوباً وقبائل لنتعارف‪ ،‬فإن‬ ‫هذه املعرفة تتطلب منا أن نبني جسر‬ ‫التس� � ��امح مع تلك الش� � ��عوب والقبائل‪،‬‬ ‫لنصل معاً إلى املستقبل‪.‬‬ ‫تق� � ��ول الع� � ��رب‪ :‬عليك باحل� � ��ق ف ِإن‬ ‫فيه لمَ َ ْس � � � َمحاً أَي ُمت ََّس ًعا‪ .‬هذا يعني أن‬ ‫التسامح يتسع لكل اآلراء أن تعمل م ًعا‪،‬‬ ‫مثلما يس� � ��مح لكل األف� � ��كار أن تتالقح‬ ‫سوياً‪ ،‬كي تتبنى األفضل وتبنيه‪.‬‬ ‫وإذا كان التس� � ��امح في املمارس� � ��ات‬ ‫اجلماعي� � ��ة أو الفردي� � ��ة يقض� � ��ي بنبذ‬ ‫التطرف أو مالحق� � ��ة كل من يعتقد أو‬ ‫يتص� � ��رف بطريقة مخالفة قد ال يوافق‬ ‫عليه� � ��ا املرء‪ ،‬فه� � ��و يعني أيض � � �اً قبول‬ ‫اختالف اآلخري� � ��ن‪ .‬وليس هناك أحق‬ ‫باالستش� � ��هاد من آيات القرآن الكرمي‪،‬‬ ‫التي حتض على التسامح‪.‬‬ ‫يقول الله في كتاب� � ��ه احلكيم‪{ :‬ا ْد ُع‬ ‫يل َر ِّب � َ‬ ‫�ك ِبالحْ ِ كْ َم � ِ�ة َوالمْ َ ْو ِع َظ � ِ�ة‬ ‫ِإ َل ��ى َس � ِ�ب ِ‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 8-11.indd 8‬‬


‫جسر ا ُمل ْستقبل‬ ‫ام ُح‬ ‫التَّس ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬

‫‪9/17/13 12:06:57 PM‬‬

‫‪9‬‬

‫‪oct 8-11.indd 9‬‬


‫ننبه إلى أن العهود‬ ‫الدولية تبنت‬ ‫التسامح وسيلة‬ ‫لفض النزاعات الدولية‪،‬‬ ‫لكـــنهـا ترفض في الوقت‬ ‫نفسه كل أساليب العنف‬ ‫وكل آليات فرض الرأي‬ ‫بالقوة‪ ،‬وهو أمر يتفق‬ ‫مع ما نادى به ديننا‬ ‫احلنيف‬

‫َوال ّل ��هُ ُي ِح � ُّ�ب مْحُ‬ ‫ال ِْس � ِ�ننيَ} (آل عمران‪:‬‬ ‫‪َ { ،)134‬ف ِب َم ��ا َر ْح َم ٍة ِم َن ال َل ِّه ِلنْتَ َل ُه ْم‬ ‫َو َل � ْ�و ُك ْن ��تَ َف ًّظا َغ ِل َ‬ ‫َضوا‬ ‫يظ ا ْل َق ْل � ِ�ب لاَ ْنف ُّ‬ ‫ِم � ْ�ن َح ْو ِل � َ‬ ‫اع � ُ‬ ‫اس� � َتغْ ِف ْر‬ ‫�ك َف ْ‬ ‫�ف َع ْن ُه � ْ�م َو ْ‬ ‫َ‬ ‫�او ْر ُه ْم ِف ��ي أْال ْمر} (آل عمران‪:‬‬ ‫َل ُه ْم َوشَ � ِ‬ ‫‪.)159‬‬ ‫ولل� � ��ه احلكم� � ��ة واحلكم‪ ،‬فم� � ��ا كان‬ ‫إعالء التس� � ��امح وممارسته إال إعماراً‬ ‫للحي� � ��اة‪ ،‬التي خلفنا الل� � ��ه على األرض‬ ‫لنحكمها بالعدل واملساواة‪ .‬ولسنا جند‬ ‫في الس� � ��يرة العطرة لرس� � ��ولنا الكرمي‬ ‫(صل� � ��ى الله عليه وس� � ��لم) أبلغ أثراً في‬ ‫تزكية التسامح من موقفه في فتح مكة‪:‬‬ ‫ه� � ��ل أتاكم نبأ أهل مك� � ��ة؟ فقد جرعوه‬ ‫– صل� � ��ى الله عليه وس� � ��لم ‪ -‬وأصحابه‬ ‫الصع� � ��ب والعلقم‪ ،‬أخرج� � ��وه من بلده‪،‬‬ ‫حاربوه في البلد الذي استقر فيه‪ ،‬آذوه‬ ‫في بدنه ونفسه‪ ،‬قالوا عنه ونالوا منه‪،‬‬ ‫قاطعوه في الش� � ��عب‪ ،‬وحبسوه‪ ،‬وضعوا‬ ‫الشوك في طريقه‪ ،‬ائتمروا به ليقتلوه‪،‬‬ ‫س� � ��خروا ب� � ��ه كل س� � ��خرية‪ ،‬ال يوماً وال‬ ‫يومني‪ ،‬وال س� � ��نة وال سنتني‪ ،‬ثم أظفره‬ ‫الله بهم وح ّكم� � ��ه فيهم فأقامهم أمامه‬ ‫حول الكعبة أذالء ال ميلكون ألنفس� � ��هم‬ ‫ش� � ��يئاً‪ ..‬وجاءت س� � ��اعة العقوبة التي‬ ‫يكون فيه� � ��ا الرد على سلس� � ��لة طويلة‬ ‫من التعديات واإلس� � ��اءات فها هو يقول‬ ‫لهم «ما تظنون أني فاعل بكم؟»‪ ،‬وجاء‬ ‫احلكم مفاجأة فقال «أقول ما قال أخي‬ ‫يوس� � ��ف ال تثريب عليك� � ��م اليوم اذهبوا‬ ‫فأنتم الطلقاء»‪.‬‬

‫حْ َ‬ ‫ال َس� �ن َِة َو َج ِادل ُْه � ْ�م ِبا َّل ِت ��ي ِه َي أَ ْح َس � ُ�ن‬ ‫ِإنَّ َر َّب � َ‬ ‫ب ْن َ‬ ‫ض َّل َع ْن َس � ِ�ب ِيل ِه‬ ‫�ك ُه� � َو أَ ْع َل ُم مِ َ‬ ‫ين} (النحل‪،)125 :‬‬ ‫َو ُه� � َو أَ ْع َل � ُ�م ِبالمْ ُ ْهت َِد َ‬ ‫الس� � ِّي َئ َة ن َْح ُن‬ ‫{ا ْد َف ْع ِبا َّل ِتي ِه َي أَ ْح َس � ُ�ن َّ‬ ‫ب ��ا َي ِصفُ ��ونَ } (املؤمنون‪،)96 :‬‬ ‫أَ ْع َل � ُ�م مِ َ‬ ‫�اس ِإ َّن ��ا خَ َل ْقن ُ‬ ‫َاك � ْ�م ِم � ْ�ن‬ ‫{ َي ��ا أَ ُّي َه ��ا ال َّن � ُ‬ ‫َذ َك � ٍ�ر َو ُأ ْن َث ��ى َو َج َع ْلن ُ‬ ‫َاك � ْ�م ُش � ُ�عوب ًا َو َق َب ِائ َل‬ ‫ِل َت َعا َر ُفوا ِإنَّ أَكْ َر َم ُك ْم ِع ْن َد ال َّل ِه أَ ْتق ُ‬ ‫َاك ْم ِإنَّ‬ ‫يم خَ ِبيرٌ} (احلجرات‪.)13 :‬‬ ‫ال َّل َه َع ِل ٌ‬ ‫كما يقول س� � ��بحانه وتعالى‪َ { :‬و َل ْو‬ ‫شَ ��ا َء َر ُّب � َ‬ ‫�ك جَ َ‬ ‫اح� � َد ًة‬ ‫�اس ُأ َّم � ً�ة َو ِ‬ ‫ل َع � َ�ل ال َّن � َ‬ ‫َوال َيز َُال ��ونَ ُم ْخت َِل ِف�ي�نَ} (هود‪،)118:‬‬ ‫من الصفح إلى التسامح‬ ‫الض ّ َراء‬ ‫الس� � ّ َراء َو ّ َ‬ ‫{ا َل ِّذي � َ�ن ُي ِ‬ ‫نفقُ ونَ ِفي ّ َ‬ ‫ولعلنا إذا تبنينا التس� � ��امح س� � ��بي ً‬ ‫ال‬ ‫ني ا ْل َغ ْي َ‬ ‫ّاس‬ ‫ظ َوا ْل َع ِاف َ‬ ‫اظ ِم َ‬ ‫َوا ْل َك ِ‬ ‫ني َع ِن ال َن ِ‬ ‫‪10‬‬

‫‪9/17/13 12:07:04 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 8-11.indd 10‬‬


‫نذكر أن التس� � ��امح أصبح وسيلة لفض‬ ‫��لنزاعات الدولي� � ��ة‪ ،‬وتطبقه األعراف‬ ‫واملواثيق‪ .‬لكنن� � ��ا يجب أن ننبه أن هذه‬ ‫ترج ُح‬ ‫العه� � ��ود العاملية في الوقت الذي ِّ‬ ‫التس� � ��امح وحتبذه‪ ،‬ترف� � ��ض في الوقت‬ ‫نفسه كل أس� � ��اليب العنف‪ ،‬وكل آليات‬ ‫فرض ال� � ��رأي بالقوة‪ ،‬وه� � ��و أمر يتفق‬ ‫كذلك مع ما نادى به ديننا احلنيف‪.‬‬ ‫وم� � ��ن الصف� � ��ح واملغف� � ��رة مل� � ��ن‬ ‫أذن� � ��ب (‪ )Forgive‬إل� � ��ى التس� � ��امح‬ ‫(‪ )Tolerance‬لقب� � ��ول االختالف مع‬ ‫اآلخري� � ��ن واإلقرار بحقه� � ��م في التمتع‬ ‫بحقوق اإلنس� � ��ان وحرياته األساسية‪،‬‬

‫إن نبذنا للعنف‬ ‫يأتي من كونه عنصر ًا‬ ‫هادم ًا ومعو ًال يضرب‬ ‫صميم الوحدة ألي شعب‬ ‫أو مجتمع أو أمة ولذلك‬ ‫يبقى التسامح جسرنا‬ ‫األساس إلى املستقبل‬ ‫نبنيه مع ًا‬ ‫ليتسع لنا جميع ًا‬

‫جسر ا ُمل ْستقبل‬ ‫ام ُح‬ ‫التَّس ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬

‫‪9/17/13 12:07:11 PM‬‬

‫جاء املجتمع الدولي يحث على إرس� � ��اء‬ ‫الس� � ��لم في املجتمع� � ��ات‪ ،‬وخاصة بعد‬ ‫احلروب والثورات‪.‬‬ ‫فف� � ��ي قرار اجلمعي� � ��ة العامة لألمم‬ ‫املتحدة رقم ‪ 95/51‬في‪ 12‬ديسمبر عام‬ ‫‪ 1996‬ومببادرة من مؤمتر اليونيس� � ��كو‬ ‫ع� � ��ام ‪ 1995‬باعتب� � ��ار ي� � ��وم ‪ 16‬نوفمبر‬ ‫«يوماً عاملياً للتس� � ��امح»‪ُ ،‬دعيت الدول‬ ‫األعضاء لالحتفال به من خالل القيام‬ ‫بأنش� � ��طة مالئم� � ��ة توجه نح� � ��و كل من‬ ‫املؤسس� � ��ات التعليمية وعامة اجلمهور‪،‬‬ ‫حيث اعتم� � ��دت الدول األعضاء إعالن‬ ‫املب� � ��ادئ املتعلق� � ��ة بالتس� � ��امح‪ .‬والتزام‬ ‫احلكومات بالعمل على النهوض برفاه‬ ‫اإلنسان وحريته وتقدمه في كل مكان‪،‬‬ ‫وتشجيع التس� � ��امح واالحترام واحلوار‬ ‫والتعاون ف� � ��ي ما بني مختلف الثقافات‬ ‫واحلضارات والشعوب‪.‬‬ ‫توصيات من أجل التسامح‬ ‫إن آلي� � ��ات التس� � ��امح‪ ،‬وطرائق� � ��ه‪،‬‬ ‫ووسائله‪ ،‬نلجأ إليها ونستظل بها حني‬ ‫يك� � ��ون هناك اتفاق على نبذ العنف من‬ ‫جمي� � ��ع األطراف املتنازعة‪ .‬إذ ليس من‬ ‫املنطقي‪ ،‬أو القانوني‪ ،‬أو اإلنساني‪ ،‬أن‬ ‫جتنح فئة إلى الس� �ل��ام‪ ،‬والتسامح‪ ،‬في‬ ‫الوقت الذي تعمد فيه الفئة املقابلة إلى‬ ‫العنف والتشبث بالرأي حتى ولو أدركت‬ ‫خطأها‪ ،‬لذلك تتوازن فضيلة التسامح‪،‬‬ ‫مع خصال التفاهم والسالم‪.‬‬ ‫إن نبذنا للعنف يأتي من كونه عنصراً‬ ‫هادماً‪ ،‬ومعوالً يض� � ��رب صميم الوحدة‬ ‫ألي ش� � ��عب أو مجتمع أو أم� � ��ة‪ ،‬ولذلك‬ ‫يبقى التسامح جسرنا إلى املستقبل >‬ ‫‪11‬‬

‫‪oct 8-11.indd 11‬‬


‫مـلـ ــف‬

‫أحمد أبوزيد‬

‫رائد األنثروبولوجيا‬

‫«قيل فيه إنه األس ��تاذ‬ ‫املعل ��م‪ ،‬وش ��جرة العط ��اء‪،‬‬ ‫وغيره ��ا م ��ن أوص ��اف ل ��م‬ ‫يح ��ظ مبثله ��ا إال ع ��دد‬ ‫قلي ��ل م ��ن علم ��اء األم ��ة‬ ‫األجالء»‪.‬‬ ‫بــــــــــــه ��ذه الــــكلم ��ات‬ ‫بــ ��دأت س� �عـــاد عثــــم ��ان‪،‬‬ ‫مقاله ��ا ح ��ول ش ��خصية‬ ‫مل ��ف الع ��دد احلال ��ي؛‬ ‫األنثروبولوج ��ي العرب ��ي‬ ‫الكبي ��ر أحم ��د أبوزي ��د‪،‬‬ ‫ال ��ذي رح ��ل ع ��ن عاملن ��ا في‬ ‫شهر أغسطس املاضي‪.‬‬ ‫ففي ملف العدد الراهن‬ ‫نق ��دم لقرائن ��ا مق ��االت‬ ‫بأق�ل�ام ثالثة م ��ن الكــــــتاب‬ ‫الـــع ��رب املـــــــتخـــــصص�ي�ن‬ ‫حول شخـــــــصـــــيته وأفكاره‬ ‫ومنهجه‪.‬‬ ‫حي ��ث ي ��دور مق ��ال‬ ‫سعاد عثمان حول «تكامل‬ ‫املنهجي ��ة عن ��د أحم ��د‬ ‫أبوزي ��د»‪ ،‬ال ��ذي تعتب ��ره‬ ‫رائ ��د اجلـــي ��ل احلال ��ي‬ ‫م ��ن األنثروبولوجي�ي�ن‬ ‫املعاصـــــــري ��ن‪ ،‬حــــي ��ث‬ ‫خلص ��ت ف ��ي املق ��ال إلى‬ ‫أن هن ��اك ركائز أساس ��ية‬ ‫أراه ��ا ش ��اخصة ف ��ي‬ ‫أعمال ��ه ه ��ي‪ :‬االهتمام‬ ‫البالغ باإلطار النظري‬ ‫‪12‬‬

‫‪9/8/13 12:05:59 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 12‬‬


‫كان ه ��ذا امللف معد ّاً قب ��ل رحيل العالم الكبير‪،‬‬ ‫وه ��ي صفحات تضي ��ئ بعض مس ��يرته‪ ،‬وتفتح‬ ‫الباب إلضاءات أكثر‬

‫‪ِّ ...‬‬ ‫مفكر املستقبل‬ ‫أو املفاهي ��م النظري ��ة‪ ،‬وااللــــــتزام بالــحبكة املنهجية‪ ،‬والش ��غف بالدراس ��ة امليداني ��ة‪ ،‬ومن ثم فهو‬ ‫مدرسة بحثية أكادميية مكتملة األسس واألركان‪ .‬وبالتالي فإن القارئ – املهتم ‪ -‬بأعماله إذا تفهم‬ ‫توجيهات ��ه الرصين ��ة الناعمة التي ال يدركها وال يش ��عر بها إال من ميتل ��ك احلس األنثروبولوجي‬ ‫ميكن ��ه أن يتعل ��م الدرس ويع ��رف كيف يجري ً‬ ‫أنثروبولوجيا‪ .‬فتحاول أن تس ��تخلص‬ ‫بحثا علم ًي ��ا‬ ‫ً‬ ‫م ��ن كتابات ��ه فحوى ما قص ��ده حني قال‪« :‬إن الباح ��ث األنثروبولوجي اجلاد ال يكتفي باملناقش ��ات‬ ‫النظري ��ة أو بالدراس ��ات احلقلية أو امليدانية التي ال تس ��تند إلى نظري ��ات محددة واضحة املعالم‪،‬‬ ‫ب ��ل يح ��اول املزاوجة ب�ي�ن االثنني بقصد الوصول إل ��ى حتقيق دقيق وفهم عمي ��ق للمجتمع الذي‬ ‫يدرسه»‪ .‬حيث وجدت أن اإلجراءات املنهجية األنثروبولوجية لدى أبوزيد هي‪ :‬اجلمع بني األصالة‬ ‫والتجديد‪ ،‬وأدوات اجلمع امليداني‪ ،‬من‪ :‬املسح االجتماعي‪ ،‬إلى املالحظة باملشاركة ‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫ويق ��دم د‪ .‬ف ��اروق أحمد مصطفى‪ ،‬مقاال ح ��ول أحمد أبوزيد والبداوة ف ��ي الوطن العربي‪ ،‬وقد‬ ‫عنون ��ه «كش ��ف الغمة فى أس ��باب فرقة األمة»‪ ،‬ويش ��رح فيه أس ��باب اهتمام العال ��م األنثروبولوجي‬ ‫اجلليل أحمد أبوزيد بالبداوة في الوطن العربي واملجتمعات الصحراوية‪ ،‬مثل ‪ :‬الواحات اخلارجة‬ ‫(مصر)‪ ،‬وجماعات البدو الرحل في الصحراء الغربية (مصر) والصحراء السورية وصحاري الشرق‬ ‫األوسط وشمال إفريقيا‪ ،‬حيث جتلى شغف وحب أحمد أبوزيد بالبداوة وباملجتمعات الصحراوية‬ ‫في دراس ��ته (قصة الصحراء) التي نش ��رها كدراس ��ة مس ��تفيضة توضح مدى حب وش ��غف األستاذ‬ ‫املبدع‪ ،‬والتي توصل فيها إلى أن الرحلة والتجوال الدائمني اللذين يقوم بهما البدو ليسا حتركات‬ ‫نوعا من حقوق الرعي‪ .‬وأن كل التقسيمات‬ ‫عشوائية وإمنا حركات دائرية وحركات منظمة تفرض ً‬ ‫والتصنيفات عبارة عن متيزات تقس ��يمية وتقريبي ��ة إلى حد كبير مثل البدو احلقيقيني وأنصاف‬ ‫البدو والصغار‪ .‬وأن هناك عالقات تكافل قوية بني جماعات البدو الرحل وأنصاف الرحل من ناحية‬ ‫اجلماعات القبلية املستقرة في الصحراء والتي ال تزال حتتفظ بتنظيمها القبلي التقليدي رغم‬ ‫اس ��تقرارها وحتولها إلى الزراعة ورغم احتفاظها ببعض املاش ��ية التي تسند أمر االهتمام بها إلى‬ ‫رعاة مأجورين مثل اجلماعات القبلية على األطراف الش ��رقية والغربية لدلتا النيل أو على طول‬ ‫الساحل الشمالي الغربي‪.‬‬ ‫كم ��ا يق ��دم د‪.‬محمد حافظ دياب مق ��اال حول «أحمد أبوزيد رائد البحث امليداني»‪ ،‬ويش ��رح فيه‬ ‫مبكرا ما يحظى به العمل امليداني في البحث األنثروبولوجي من أهمية‪،‬‬ ‫كي ��ف أدرك أحم ��د أبوزيد‬ ‫ً‬ ‫اقترن ��ت لديه بالنزول إلى احلقل الواقعي للمادة‪ ،‬وجمعها عن طريق معايش ��ة اجلماعة املدروس ��ة‬ ‫عل ��ى م ��دى فترة زمني ��ة كافية‪ ،‬قصد التعرف على أنش ��طتها ومقاصد أفعاله ��ا‪ .‬وكيف أمضى فيها‬ ‫عقودا ستة‪ ،‬وأرسى خاللها قواعد الدرس األنثروبولوجي على أسس صلبة من عمل ميداني متعمق‪،‬‬ ‫جتل ��ى ف ��ي جمعه املبتكر بني املس ��توى النظري واملس ��توى امليدان ��ي معا‪ ،‬بحيث أصبح ��ت التجربة‬ ‫امليداني ��ة في الدرس األنثروبولوج ��ي العربي املعاصر حتمل توقيع رائدها أحمد أبوزيد‪ ،‬مبا يوجب‬ ‫دائما‪.‬‬ ‫علينا اإلنصات ً‬ ‫دوما إلى سننه‪ ،‬تلك التي ما برحت ملحة في أيامنا‪ ،‬كما كانت عليه ً‬ ‫(العربي)‬ ‫ملف أحمد أبو زيد‬

‫‪9/8/13 12:06:02 PM‬‬

‫‪13‬‬

‫‪oct 12-37.indd 13‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬

‫أحمد أبوزيد‬

‫رائد البحث امليداني‬ ‫د‪.‬محمد حافظ دياب *‬

‫مبك � ً�را‪ ،‬أدرك أحم ��د أبوزي ��د م ��ا يحظى به العمل امليدان ��ي في البحث األنثروبولوج ��ي من أهمية‪،‬‬ ‫اقترنت لديه بالنزول إلى احلقل الواقعي للمادة‪ ،‬وجمعها عن طريق معايش ��ة اجلماعة املدروس ��ة‬ ‫على مدى فترة زمنية كافية‪ ،‬قصد التعرف على أنشطتها ومقاصد أفعالها‪.‬‬ ‫عل� � ��ى امتداد عقود س� � ��تة‪ ،‬أرس� � ��ى أبوزيد‬ ‫قواعد الدرس األنثروبولوجي على أس� � ��س‬ ‫صلبة م� � ��ن عم� � ��ل ميداني متعم� � ��ق‪ ،‬متيز‬ ‫بوض� � ��وح امل� � ��ردود العيني للفك� � ��رة في الواق� � ��ع‪ ،‬وتواتر‬ ‫كخالصة مقطرة جلهده اخلالق‪ ،‬س� � ��واء في دراس� � ��اته‬ ‫التي شملت مناطق مختلفة في مصر والشرق األوسط‬ ‫وش� � ��مال إفريقي� � ��ا‪ ،‬أو عبر تواصل عمل� � ��ه امليداني مع‬ ‫مراكز بحثية عديدة‪ ،‬أو في إش� � ��رافه على فرق بحثية‬ ‫تولى تدريب أعضائها‪ ،‬أو من خالل مجموعة التقنيات‬ ‫اجلديدة التي كرسها‪.‬‬ ‫ويعترف أبوزيد ب� � ��أن بحوثه امليدانية فتحت أمامه‬ ‫آفاقا واس� � ��عة من املعرفة‪ ،‬ووضعته من الناحية العملية‬ ‫قبالة جماع� � ��ات كتب عنه� � ��م باالعتماد عل� � ��ى املراجع‬

‫والكتابات املتاحة‪ ،‬فع� � ��رف عنهم ما لم تتعرض له هذه‬ ‫الكتابات‪.‬‬

‫النظري وامليداني‬

‫وفي أدبي� � ��ات البحث األنثروبولوجي‪ ،‬يثار االلتباس‬ ‫أحيا ًن� � ��ا ح� � ��ول طبيع� � ��ة العالقة ب� �ي��ن التأم� � ��ل النظري‬ ‫واملعايش� � ��ة امليداني� � ��ة‪ ،‬خاص� � ��ة م� � ��ع اعتب� � ��ار كل منهما‬ ‫مكو ًن� � ��ا بحثيا مس� � ��تقال ع� � ��ن اآلخر‪ ،‬فيما أك� � ��د أبوزيد‬ ‫عل� � ��ى تداخلهما وتالحمهما‪ ،‬انطال ًقا من أن ممارس� � ��ة‬ ‫العمل امليداني في هذا البحث يجب أن تكون مس� � ��لحة‬ ‫بخلفيات ومعرفة نظرية‪ ،‬في الوقت ذاته الذي يساعد‬ ‫على جم� � ��ع املعطيات امليدانية عل� � ��ى اخلروج بإضاءات‬ ‫نظرية‪ ،‬وبالذات ما يرتبط بتواصل الظاهرة املدروس� � ��ة‬

‫* كاتب من مصر‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫‪9/8/13 12:06:07 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 14‬‬


‫بظواهر أخرى ضمن نظام اجتماعي معني‪.‬‬ ‫وقد ترجم أبوزي� � ��د تداخل وتالحم التأمل النظري‬ ‫واملعايش� � ��ة امليداني� � ����ة‪ ،‬حني رأى ارتباط هذه املعايش� � ��ة‬ ‫باإلط� � ��ار التصوري واإلع� � ��داد الببليوغراف� � ��ي واختيار‬ ‫مجتم� � ��ع البحث وجمع بيانات مدون� � ��ة عنه‪ ،‬حتى يكون‬ ‫الباح� � ��ث ق� � ��اد ًرا على اس� � ��تيعاب ما يلقاه م� � ��ن ظواهر‬ ‫ومالحظ� � ��ات‪ ،‬عل� � ��ى نحو أغن� � ��ى وأعمق مم� � ��ا تقدمه‬ ‫األساليب األخرى كاملسوح االجتماعية والتوثيق املكتبي‪،‬‬ ‫بالنظ� � ��ر إلى إمكانات العمل امليداني غير احملدودة في‬ ‫اس� � ��تخدام أس� � ��اليب املالحظة واملقابل� � ��ة ودليل العمل‬ ‫امليداني والتصوير الفوتوغرافي والتس� � ��جيل الصوتي‬ ‫والفيل� � ��م اإلثنوغرافي‪ .‬ذلك أنه‪ ،‬ومن� � ��ذ البداية‪ ،‬رفض‬ ‫أبوزي� � ��د هيئ� � ��ة األنثروبولوجي النظ� � ��ري‪ ،‬املعتمد على‬ ‫األف� � ��كار التطورية أو الالانتش� � ��ارية‪ ،‬كش� � ��خص منذور‬ ‫إلعادة تش� � ��كيل البش� � ��رية ورس� � ��م مس� � ��اراتها‪ ،‬مفضال‬ ‫املستكش� � ��ف امليدان� � ��ي واملرحتل في كل املواس� � ��م‪ .‬آزره‬ ‫ف� � ��ي ذلك‪ ،‬معاينة األنثروبولوجي� � ��ا كعلم يقف قريبا من‬ ‫اخلبرة املعيشية لألفراد‪ ،‬وأن ملشتغلي هذا العلم ميزة‬ ‫نسبية على نظرائهم الباحثني في علم االجتماع‪ ،‬بسبب‬ ‫خبرتهم القريبة متا ًما من حياة الناس وخطابهم‪.‬‬

‫جتارب ميدانية‬

‫وق� � ��د مارس أبوزيد العمل امليداني مع مؤسس� � ��ات‬ ‫مصرية وأجنبية (جامعة اإلس� � ��كندرية‪ ،‬املركز القومي‬ ‫للبحوث االجتماعي� � ��ة واجلنائية‪ ،‬اجلامع� � ��ة األمريكية‬ ‫في القاهرة‪ ،‬مؤسسة كونراد‪ .)...‬وكانت البداية عقب‬ ‫انتهاء احلرب العاملية الثانية‪ ،‬حني س� � ��جل دراسته لنيل‬ ‫درجة املاجس� � ��تير في جامعة اإلس� � ��كندرية‪ ،‬عن املوت‬ ‫والشعائر اجلنائزية عند املسلمني في مصر‪ ،‬واستعان‬ ‫في إجنازها بدليل عم� � ��ل ميداني وضعه جورج فوكار‪.‬‬ ‫ولظروف ما‪ ،‬لم يقدر لهذه الدراسة أن تتم مناقشتها‪.‬‬ ‫بعده� � ��ا‪ ،‬قدم بحثا ميدانيا جلامعة أكس� � ��فورد عن‬ ‫الواحات اخلارجي� � ��ة في مصر‪ ،‬م ّثل موضوع رس� � ��الته‬ ‫للدكت� � ��وراه‪ ،‬واس� � ��تغرق ‪ 13‬ش� � ��ه ًرا بني عام� � ��ي ‪1954‬‬ ‫و‪ .1955‬وف� � ��ي العام ‪ 1958‬تولى اإلش� � ��راف على بحث‬ ‫عن الث� � ��أر في إحدى قرى الصعي� � ��د املصرية‪ ،‬بتكليف‬ ‫من املركز القومي للبح� � ��وث االجتماعية واجلنائية‪ ،‬ثم‬ ‫الرحل في الصحراء الغربية مبصر‬ ‫عن جماعات البدو ّ‬ ‫أحمد أبو زيد ‪ ..‬رائد البحث امليداني‬

‫‪9/8/13 12:06:11 PM‬‬

‫والصحراء الس� � ��ورية صيف الع� � ��ام ‪ 1959‬بتكليف من‬ ‫مكتب العمل الدولي‪.‬‬ ‫وخ� � ��ارج مصر‪ ،‬تول� � ��ى أبوزي� � ��د القيام بدراس� � ��ات‬ ‫ميداني� � ��ة ذات أهداف مح� � ��ددة‪ ،‬ابتغ� � ��ت التعرف على‬ ‫إمكانات التنمية وتقييم مش� � ��روعاتها‪ ،‬وشملت املناطق‬ ‫الصحراوية في الش� � ��رق األوسط وش� � ��مال إفريقيا في‬ ‫العام ‪ ،1961‬وأخرى لعدد من القبائل في شرق وغرب‬ ‫أفريقيا وجنوب الس� � ��ودان في العام ‪ .1962‬وفي إطار‬ ‫هذا اله� � ��دف التنموي‪ ،‬ق� � ��دم بحوثا ميداني� � ��ة محلية‪،‬‬ ‫ح� � ��ول اجتاهات املصريني نحو العمل اليدوي‪ ،‬واملناطق‬ ‫املتخلفة باإلس� � ��كندرية‪ ،‬والتخطيط اإلقليمي حملافظة‬ ‫أسوان‪ ،‬وتنمية الساحل الشمالي الغربي‪.‬‬

‫تقنيات جديدة‬

‫وبديه� � ��ي أن تتولد عب� � ��ر هذه التج� � ��ارب امليدانية‬ ‫تقني� � ��ات جدي� � ��دة‪ ،‬اس� � ��تطاع أبوزي� � ��د أن يطوره� � ��ا في‬ ‫العم� � ��ل امليداني‪ ،‬وه� � ��ي تقنيات جتل� � ��ت مراميها فيما‬ ‫يتعلق باختي� � ��ار مجتمع البحث أو الباحثني أو العينة أو‬ ‫مستلزمات اإلقامة والدراسة‪ .‬فقبل أبوزيد‪ ،‬كان مجال‬ ‫البحث األنثروبولوجي يقتصر‪ ،‬في العادة‪ ،‬على دراسة‬ ‫مجموعات صغيرة وقليلة من اجلماعات‪ ،‬لكنه استطاع‬ ‫أن يتحرر من التقيد بحرفية هذا النهج التقليدي‪ ،‬حني‬ ‫أولى اهتمامه بدراسة املجتمعات األكبر حج ًما واألكثر‬ ‫تعقي � � � ًدا‪ ،‬في إط� � ��ار احلرص على اس� � ��تيضاح عالقتها‬ ‫املتبادلة مع املجتمع العام‪ ،‬وهو ما يتضح في دراس� � ��ته‬ ‫للمجتمعات الصحراوية‪.‬‬ ‫ومع اتس� � ��اع اهتمام� � ��ات األنثروبولوجي� � ��ا‪ ،‬وتزايد‬ ‫احلاجة إل� � ��ى مقاربة مجتمع� � ��ات محلية متثل األمناط‬ ‫املجتمعي� � ��ة الرئيس� � ��ية ف� � ��ي املجتمع‪ ،‬جل� � ��أ أبوزيد إلى‬ ‫تعديل مشروع الباحث الفرد‪ ،‬الذي يقوم وحده بدراسة‬ ‫مجتمع محلي صغير احلجم دراس� � ��ة مركزة ملدة طويلة‬ ‫م� � ��ن الزمن‪ ،‬ومت ذلك ألول مرة أثناء دراس� � ��ته امليدانية‬ ‫ف� � ��ي الصح� � ��راء الغربية ب� �ي��ن عام� � ��ي ‪ 1965‬و‪،1966‬‬ ‫وتط� � ��ور بعد ذلك في بحث ش� � ��مال س� � ��يناء‪ ،‬حيث بلغ‬ ‫فري� � ��ق العمل ‪ 23‬باح ًثا‪ ،‬فيما تعلق األمر لديه بأن تعدد‬ ‫الباحثني امليدانيني ال يؤدي إلى أي خلل في الدراس� � ��ة‬ ‫األنثروبولوجي� � ��ة‪ ،‬مادام أنهم يتولون جمع املعلومات من‬ ‫خالل دليل عملي محدد‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫‪oct 12-37.indd 15‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫وثم� � ��ة إضافة أخ� � ��رى قدمها أبوزي� � ��د فيما يخص‬ ‫عينة البح� � ��ث األنثروبولوجي‪ ،‬حيث األس� � ��لوب الغالب‬ ‫اعتمد اختيارها بطريقة عش� � ��وائية‪ ،‬لكن أبوزيد ع ّدل‬ ‫هذا األس� � ��لوب إلى االختيار املتعمد‪ ،‬فيما تطلب األمر‬ ‫شروطا معينة في املبحوثني الرئيسيني أو اإلخباريني‪،‬‬ ‫ممن يقي� � ��م معهم عالقات وثيق� � ��ة‪ ،‬دون أن مينعه ذلك‬ ‫بطبيع� � ��ة احلال من التواصل م� � ��ع أكبر عدد ممكن من‬ ‫أعضاء املجتمع املبحوث‪.‬‬ ‫وألن املشكلة الرئيسية التي تواجه الباحث امليداني‪،‬‬ ‫تتمث� � ��ل في التغلب على احلواجز الت� � ��ي حتول بينه وبني‬ ‫فه� � ��م القيم واملعاني احمللية‪ ،‬والت� � ��ي قد تختلف اختالفا‬ ‫جذريا عم� � ��ا يحمله الباحث من قيم ومعان‪ ،‬دأب أبوزيد‬ ‫عل� � ��ى تنبي� � ��ه الباحث� �ي��ن إلى خط� � ��ورة فرضه� � ��م لقيمهم‬ ‫اخلاص� � ��ة‪ ،‬وضرورة امتالكهم بصي� � ��رة االحترام العميق‬ ‫لثقافة مبحوثيهم‪.‬‬ ‫وف� � ��ي مجال تطوي� � ��ر أدوات اجلم� � ��ع امليداني‪ ،‬أبدع‬ ‫أبوزيد في تقنني أدلة العمل امليداني‪ ،‬كمرشد للباحثني‬ ‫في جمع البيانات‪ ،‬مع إعطائهم احلرية في عدم التقيد‬ ‫احلرفي مب� � ��ا ورد في الدليل أو ترتيب� � ��ه‪ ،‬أثناء حوارهم‬ ‫احلي مع املبحوث‪.‬‬

‫أخالقيات بحثية‬

‫وجن� � ��ب هذه التقنيات وفي أهدابها‪ ،‬أس� � ��هم أبوزيد‬ ‫في إثارة وعي الباحثني بأهمية وخطورة بعض الظواهر‬ ‫واألمن� � ��اط الس� � ��لوكية‪ ،‬املرتبطة بأخالقيات ممارس� � ��ة‬ ‫البحث امليدان� � ��ي‪ ،‬وفهم الظروف الت� � ��ي صاحبت ظهور‬ ‫وانتشار األمناط واملمارسات السالبة منها‪ ،‬وأوصى في‬ ‫هذا اإلطار بصياغة قواعد أخالقية‪ ،‬تتالءم مع املجتمع‬ ‫العربي‪ ،‬وتتفق مع مسئوليات باحثيه‪.‬‬ ‫ولم يغفل‪ ،‬في هذا الصدد‪ ،‬اإلش� � ��ارة إلى املشكالت‬ ‫وخصوصا ما يتعلق بحقوق‬ ‫املتعلقة بهذه األخالقي� � ��ات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الباحث بالنس� � ��بة التخاذ الق� � ��رارات اخلاصة بإجراءات‬ ‫البحث امليداني‪ ،‬إضافة إلى توجيه س� � ��لوكه مبا يتفق مع‬ ‫تقاليد املجتمع وقيمه‪ ،‬واحلق في االحتفاظ بخصوصية‬ ‫احلياة الشخصية‪.‬‬ ‫وزاد على ذلك‪ ،‬بأن حدد أبوزيد املس� � ��ئوليات امللقاة‬ ‫على الباحث‪ ،‬وهي مس� � ��ئولية متت� � ��د إلى إعداده العلمي‬ ‫منذ البداية‪ ،‬مرورا بتمسكه بالقواعد املنهجية‪ ،‬وإفادته‬

‫‪16‬‬

‫‪9/8/13 12:06:15 PM‬‬

‫من التدرب على مهارات التحقيق واالستقصاء واحلوار‬ ‫مع املبحوث‪ ،‬مؤكدا ض� � ��رورة اإلنصات له‪ ،‬والتخلي عن‬ ‫التعالي الزائف‪ ،‬واإلحجام عن التأويل املتعجل‪ ،‬واحلرص‬ ‫على اإلحاطة الشاملة بجوانب السياق االجتماعي العام‪،‬‬ ‫وأخ� � ��ذه في االعتبار طيلة الوقت أثناء جمعه للمعلومات‬ ‫اإلثنوغرافية اجلزئية والتفصيلية‪ ،‬باإلضافة إلى ضرورة‬ ‫احترام� � ��ه لثقافة وقيم املجتمع محل الدراس� � ��ة‪ ،‬وإقامة‬ ‫عالقات طيبة مع أعضاء هذا املجتمع‪ ،‬وااللتزام بسرية‬ ‫معلومات خاصة باملبحوث ليست للنشر‪.‬‬ ‫وبالنس� � ��بة ملسئوليات املش� � ��رف‪ ،‬فقد أكد على منع‬ ‫امل� � ��ادة اإلنثوغرافي� � ��ة التي يتم احلص� � ��ول عليها ميدانيا‬ ‫عن أي منطقة محلية‪ ،‬من أن تتداولها مؤسسات بحثية‬ ‫أجنبية‪.‬‬ ‫وبلغ م� � ��ن حرص أبوزيد على معايش� � ��ة فريق بحثه‪،‬‬ ‫أنه كان يقيم معهم في مجتمعات البحث‪ ،‬ويشاركهم في‬ ‫أوجه نش� � ��اطهم اليومي‪ ،‬ويعقد اجتماع� � ��ات يومية لهم‪،‬‬ ‫ملناقش� � ��ة ما توصل إليه كل عضو‪ ،‬وقراءة املادة امليدانية‬ ‫التي قاموا بجمعها‪ ،‬ومدارسة العقبات والصعوبات التي‬ ‫اعترضت طريق جمع املادة‪ ،‬وإمكانات التغلب عليها‪.‬‬ ‫ويتضح ذلك‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬في مرافقته ألعضاء‬ ‫الفريق فترة ممتدة وس�� ��ط مد ّقات ورمال س�� ��يناء‪ ،‬أو في‬ ‫رحالته وسط الوديان وجوار اجلبال التي كان يسبق فيها‬ ‫الفري�� ��ق إل�� ��ى مواقع العمل‪ ،‬أو في إقامته معهم مبس�� ��كن‬ ‫ب�� ��دوي تأتي إليه املياه أس�� ��بوعيا أثناء بح�� ��ث املجتمعات‬ ‫الصحراوية‪ ،‬أو حني أقام معهم في حي «س�� ��توتة» مبدينة‬ ‫طنطا‪ ،‬أو ف�� ��ي منزل ريفي بقرية ن�� ��واج القريبة من هذه‬ ‫املدينة أثناء بحث رؤى العالم‪.‬‬ ‫ويذكر من شاركوه العمل امليداني‪ ،‬ذلك اجلهد الذي‬ ‫كان يبذله لتأمني إقامة فريق البحث‪ ،‬وبخاصة الباحثات‪،‬‬ ‫مم�� ��ن كان عليهن اإلقامة في امليدان بعي ًدا عن أس�� ��رهن‬ ‫لفت�� ��رات طويلة‪ ،‬فكان يقوم ب�� ��دور األب‪ ،‬من حيث إجراء‬ ‫اتص�� ��االت تلفوني�� ��ة وطمأن�� ��ة األهل‪ ،‬ومراع�� ��اة الظروف‬ ‫الصحي�� ��ة اخلاصة بهن‪ ،‬وتوزيعهن على جتمعات س�� ��كنية‬ ‫تتوافر فيها اإلمكانات الالزمة‪.‬‬ ‫األمر هن�� ��ا يتعلق بأن التجرب�� ��ة امليدانية في الدرس‬ ‫األنثروبولوجي العربي املعاصر حتمل توقيع رائدها أحمد‬ ‫أبوزي�� ��د‪ ،‬مبا يوجب علينا اإلنصات دو ًما إلى س�� ��ننه‪ ،‬تلك‬ ‫التي ما برحت ملحة في أيامنا‪ ،‬كما كانت عليه دائ ًما >‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 16‬‬


‫كشف الغمة فى أسباب فرقة األمة‬

‫أحمد أبوزيد والبداوة‬ ‫في الوطن العربي‬ ‫د‪ .‬فاروق أحمد مصطفى *‬ ‫إن اهتمام العالم األنثروبولوجي اجلليل أحمد أبوزيد بالبداوة في الوطن العربي واملجتمعات‬ ‫اهتمام ��ا كبي � ً�را متث ��ل ف ��ي كثي ��ر م ��ن البح ��وث امليداني ��ة الت ��ي طبق فيه ��ا الفكر‬ ‫الصحراوي ��ة‬ ‫ً‬ ‫معتمدا على‬ ‫األنثروبولوج ��ي في دراس ��ة املجتمعات البس ��يطة وتأتي معها املجتمع ��ات البدوية‬ ‫ً‬ ‫دراس ��ة ميداني ��ة متخصصة‪ ،‬فض ًال عن فكر نظري متعم ��ق باإلضافة إلى قراءات أدبية وعلمية‬ ‫كثيرة‪.‬‬ ‫من أهم هذه الدراسات والبحوث التى‬ ‫قام بها عاملنا اجلليل‪:‬‬ ‫الواحات اخلارجة (مصر) ثالثة عشر‬ ‫شه ًرا في عامي ‪ 1954‬و‪.1955‬‬ ‫جماعات الب� � ��دو الرحل في الصحراء الغربية‬ ‫(مصر) والصحراء الس� � ��ورية صي� � ��ف العام ‪1959‬‬ ‫بتكليف من مكتب العمل الدولي‪.‬‬ ‫القي� � ��ام بع� � ��دد م� � ��ن الدراس� � ��ات امليدانية في‬ ‫صحاري الشرق األوسط وشمال إفريقيا (املغرب‬ ‫– اجلزائ� � ��ر – ليبي� � ��ا – األردن – العراق – اململكة‬ ‫العربي� � ��ة الس� � ��عودية – إيران) بتكلي� � ��ف من مكتب‬ ‫العمل الدولي بجنيف العام ‪ ،1961‬ونُش� � ��ر البحث‬

‫باإلجنليزي� � ��ة عن طريق الهيئة الدولية وفوتس في‬ ‫مؤمتر العام ‪.1962‬‬ ‫بحث املجتمعات الصحراوية في مصر بتكليف‬ ‫من املرك� � ��ز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية‬ ‫وقد صدر حول ذلك البحث أربعة مجلدات بالعربية‬ ‫واإلجنليزية تدور كلها حول شمال سيناء‪.‬‬ ‫بح� � ��ث عن «الواح� � ��ات البحري� � ��ة» بتكليف من‬ ‫املركز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية ولم‬ ‫يسبق دراسة هذه الواحات من قبل باتباع املناهج‬ ‫واألساليب والطرق األنثروبولوجية‪.‬‬ ‫كما تناول أحمد أبوزي� � ��د الصراع بني البداوة‬ ‫واحلضارة في قصة «قابيل وهابيل» مبقال نشر في‬

‫* أكادميي من مصر‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫‪9/8/13 12:16:44 PM‬‬

‫‪oct 12-37.indd 17‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫مجلة معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة‪.‬‬ ‫إن ش� � ��غف وح� � ��ب أحم� � ��د أبوزي� � ��د بالب� � ��داوة‬ ‫وباملجتمعات الصحراوية جتلى في دراس� � ��ته «قصة‬ ‫الصحراء» التي نش� � ��رها كدراسة مستفيضة توضح‬ ‫مدى حب وشغف األستاذ املبدع مبقاالت ودراسات‬ ‫نش� � ��رت مبجلة عالم الفكر (املجلد الس� � ��ابع عش� � ��ر‬ ‫العدد الثالث صفحات ‪.)28–3‬‬ ‫وال أس� � ��تطيع في هذا املق� � ��ال ذكر كل التفاصيل‬ ‫ع� � ��ن هذه الدراس� � ��ات والبحوث واملق� � ��االت‪ ،‬ولكنني‬ ‫س� � ��أختار منها منوذجني‪ ،‬النم� � ��وذج األول عن قصة‬ ‫الصح� � ��راء‪ ،‬والنم� � ��وذج الثان� � ��ي ع� � ��ن دراس� � ��ته عن‬ ‫املجتمع� � ��ات الصحراوية في مصر وسأش� � ��ير بوجه‬ ‫خاص إلى دراسته لشمال سيناء العام ‪1991‬م‪.‬‬ ‫لقد بلغ حب أحمد أبوزيد للصحراء واالنبهار بها‬ ‫في العالم العربي مبل ًغا كبي ًرا‪ ،‬فهي أس� � ��اس البداوة‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬فبدأ باإلش� � ��ارة الى بعض املستكش� � ��فني‬ ‫املش� � ��هورين الذين جابوا الصح� � ��راء العربية الكبرى‬ ‫مث� � ��ل تيودور مون� � ��و ‪ Theodore Mono‬في كتابه‬ ‫ع� � ��ن «الهجان� � ��ة ‪ »Meharées‬وأه� � ��داه إلى اجلمل‬ ‫واملاعز الدابة والوعاء اللذين أمكن بفضلهما تذليل‬ ‫الصحراء وكان ذلك في العام ‪ ،1937‬وبعد عش� � ��رين‬ ‫سنة أصدر جان الرجتي ‪ Jean Lartegy‬كتابه عن‬ ‫«الصحراء س� � ��نة واحدة» وأهداه إلى سيارة اجليب‬ ‫وطائ� � ��رة الداكوتا اللتني أيقظتا الصحراء بعد نومها‬ ‫الطويل وغيرتا أسلوب حياتها وال يقتصر هذا على‬ ‫الصحراء الكبرى وحدها أو «صحراء اجلزائر» التي‬ ‫اهت� � ��م بها معظ� � ��م الكتاب الفرنس� � ��يني وإمنا يصدق‬ ‫عل� � ��ى الصح� � ��اري كلها بوجه ع� � ��ام‪ ،‬فاجلمل واملاعز‬ ‫كان� � ��ا يؤلفان أهم وس� � ��يلة للنقل واالنتق� � ��ال ويوفران‬ ‫الطع� � ��ام والغذاء ال� � ��ذي كان يتم حمله ف� � ��ي «وعاء»‬ ‫من جلد املاعز‪ ،‬واس� � ��تطاع البدوي القدمي أن يعتمد‬ ‫عليها خ� �ل��ال قرون طويل� � ��ة‪ .‬وفي التغ� � ��ذي وحفظ‬ ‫احلياة وفي اكتش� � ��اف كثير من مجاهلها إلى الوضع‬ ‫احلال� � ��ي الذي يعيش فيه اإلنس� � ��ان احلديث بكل ما‬ ‫أحرزه وحققه من تقدم علمي وتكنولوجي‪ ،‬واستطاع‬ ‫اإلنسان بالسيارة والطائرة غزو الصحراء من جديد‬ ‫وغير بذلك من أس� � ��لوب حياته� � ��ا التقليدي‪ .‬وبفضل‬ ‫الطائ� � ��رة اس� � ��تطاع كثير م� � ��ن الرحالة واملكتش� � ��فني‬

‫‪18‬‬

‫‪9/8/13 12:06:25 PM‬‬

‫والعلم� � ��اء والباحثني والعس� � ��كريني وغيرهم التوغل‬ ‫في الصحراء واكتش� � ��فوا األركيولوجيا أو علم اآلثار‬ ‫وكثيرا من اللوحات والرسوم والنقوش امللونة‪.‬‬ ‫واستمرت الكشوف في اخلمسينيات والستينيات‬ ‫من القرن املاضي‪ ،‬وفتحت الصحراء أسرارها أمام‬ ‫البعثات األركيولوجية في نقل اللوحات واستنساخها‬ ‫أس� � ��اليب وطرق حديثة ومتطورة‪ ،‬أمكن عن طريقها‬ ‫نقل األعمال الفخمة مثل صور الزراف ووحيد القرن‬ ‫واألفي� � ��ال وغيرها‪ .‬كما اكتش� � ��فوا أن هذه الرس� � ��وم‬ ‫واللوح� � ��ات والنقوش تعكس تأثيرات خارجية مدونة‬ ‫مثل املصرية القدمية‪ ،‬واألش� � ��ورية وبعض العناصر‬ ‫من كريت‪ ،‬وبعض التأثيرات الزجنية‪.‬‬ ‫ويحدد أحمد أبوزيد أن االهتمام بالصحراء لم‬ ‫يقتصر على علم� � ��اء األركيولوجيا أو املهتمني بفنون‬ ‫اإلنس� � ��ان املبكر ف� � ��ي عصور ما قب� � ��ل التاريخ‪ ،‬وإمنا‬ ‫امتد هذا االهتمام إلى أعداد كثيرة من املش� � ��تغلني‬ ‫بتخصص� � ��ات ومه� � ��ن مختلف� � ��ة وقد ترك� � ��وا وراءهم‬ ‫ث� � ��روة هائلة من الكتابات املتنوع� � ��ة التى تتراوح بني‬ ‫العمق واجلدية والتخصص وبني الطرافة والس� � ��رد‬ ‫ولكنها كله� � ��ا تنبع من حب الصح� � ��راء واالنبهار بها‬ ‫وال ي� � ��درك ذلك إال من عاش حي� � ��اة الصحراء على‬ ‫منوذجا‬ ‫األقل كباحث أو دارس أو رحالة‪ ،‬حيث يرى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خاصا من البيئة الطبيعية‪،‬‬ ‫ومنطا متميزًا من احلياة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وأش� � ��كاال مختلفة من النظم االجتماعية والسياسية‬ ‫خاص� � ��ا من الثقاف� � ��ة بكل ما‬ ‫واالقتصادي� � ��ة‪ ،‬ولو ًن� � ��ا‬ ‫ً‬ ‫مييزه� � ��ا من قيم ومب� � ��ادئ وأح� � ��كام ومنجزات فنية‬ ‫وأدبي� � ��ة وفكرية‪ ،‬كانت كلها من أهم األس� � ��باب التى‬ ‫جعلت عد ًدا من الباحثني في الدراس� � ��ات اإلنسانية‬ ‫والعلوم اإلنس� � ��انية الصحراوية وحياة البدو يتركون‬ ‫ذخي� � ��رة هائلة من الكتابات والص� � ��ور واألفالم التى‬ ‫تضم قد ًرا كبي ًرا من املعلومات حول كثير من مالمح‬ ‫احلياة املختلفة في الصحراء‪.‬‬ ‫وتغطي الصحاري واملناطق القاحلة حوالي ثلث‬ ‫األرض‪ ،‬ومن أهم مقومات الصحراء هو ذلك اخلالء‬ ‫الواس� � ��ع املترامي العجيب من معظم مظاهر احلياة‬ ‫النباتي� � ��ة واحليوانية‪ ،‬إلى جانب ن� � ��درة املياه وارتفاع‬ ‫احلرارة الذى يؤدي إلى تبخر جزء كبير مما يسقط‬ ‫عليها م� � ��ن أمطار متفرقة فض ً‬ ‫ال ع� � ��ن عدم انتظام‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 18‬‬


‫س� � ��قوطها‪ ،‬ومن ثم عدم التنبؤ باملط� � ��ر أو االعتماد‬ ‫عليه كمصدر ثابت للمياه‪.‬‬ ‫وتنتج القحولة التى تس� � ��ود املناطق الصحراوية‬ ‫ع� � ��ن ندرة املط� � ��ر وارتفاع احل� � ��رارة وعوامل التبخر‬ ‫لذا من اخلطأ أن ن� � ��رد «ظاهرة التصحر» أو وجود‬ ‫الصح� � ��اري إلى عامل واحد فق� � ��ط‪ ،‬ولكن باإلضافة‬ ‫إلى هذه العوامل الطبيعية البد أن نأخذ في االعتبار‬ ‫العامل البش� � ��ري الذي يتمثل في إس� � ��اءة اإلفادة من‬ ‫الغطاء النباتي األخضر س� � ��واء عن طريق استنزاف‬ ‫خصوب� � ��ة األرض واملبالغة في الرعي مما يؤدي إلى‬ ‫تعرية األرض أو إس� � ��اءة اس� � ��تعمال املاء املتاح وعدم‬ ‫استغالله في الزراعة‪.‬‬

‫ندرة البدو‬

‫ومن الطبيع� � ��ي ظهور منط مع� �ي��ن للحياة يقوم‬ ‫على الرعي مع ممارسة قليل من الزراعة‪ .‬ويستنبط‬ ‫أحمد أبوزيد حقيقتني مهمتني‪ ،‬احلقيقة األولى قلة‬ ‫الس� � ��كان في املناطق الصحراوية وشبه الصحراوية‬ ‫في العالم العربي إذا ما قورن مبس� � ��احة الصحاري‬ ‫الهائلة‪ ،‬فال يزيد عدد السكان في الصحراء الكبرى‬ ‫عل� � ��ى مليون� �ي��ن تقري ًب� � ��ا‪ .‬واحلقيقة الثاني� � ��ة هي أن‬ ‫البدو الرحل ميثلون نس� � ��بة ضئيل� � ��ة ليس فقط من‬ ‫مجموع الس� � ��كان في العالم العرب� � ��ي ككل أو في أي‬ ‫قطر واحد‪ ،‬بل ً‬ ‫أيضا من اجلماعات الرعوية ذاتها‪.‬‬ ‫ومن اخلطأ القول إن هناك قبيلة واحدة تعيش كلها‬ ‫عيشة بداوة وترحال دائمني‪ .‬ولقد كان ميكن القول‬ ‫إن بعض الفروع القبلية أو العش� � ��ائر والبطون تنتقل‬ ‫من مكان آلخر خالل اجلزء األكبر من الس� � ��نة على‬ ‫األبل وتظل بقية القبيل� � ��ة في موطنها حيث متارس‬ ‫أنش� � ��طتها العادية التي تدخل ضمنها الزراعة التي‬ ‫ال مكم ً‬ ‫تعد عم ً‬ ‫ال للرعي وتربية املاش� � ��ية‪ .‬وقد تكون‬ ‫هن� � ��اك عوامل اقتصادية أخرى تس� � ��اعد على ظهور‬ ‫مراكز س� � ��كانية ومواطن إقامة ف� � ��ي الصحراء مثل‬ ‫اكتشاف البترول أو بعض املعادن‪.‬‬ ‫وم� � ��ن ثم ف� � ��إن املط� � ��ر ال يعتبر مص� � ��د ًرا ميكن‬ ‫االعتم� � ��اد علي� � ��ه متا ًم� � ��ا‪ ،‬وإن كان يصع� � ��ب إهماله‬ ‫أو التهوين من ش� � ��أنه بالنس� � ��بة للمراع� � ��ي والزراعة‬ ‫احملدودة التي ميارس� � ��ها س� � ��كان الصح� � ��اري‪ ،‬نظرا‬ ‫كشف الغمة فى أسباب فرقة األمة‬

‫‪9/8/13 12:06:29 PM‬‬

‫النخفاض املس� � ��توى الثقافي والتكنولوجي لألهالي‬ ‫مينعه� � ��م من االفادة على الوج� � ��ه األكمل من كميات‬ ‫املياه احمل� � ��دودة واملتاحة رغم اجلهود الصادقة التي‬ ‫تبذل حلفظ مياه املطر وتخزينه‪ ،‬وبعض املشروعات‬ ‫احلكومية لتطهير اآلبار القدمية وحفر آبار ارتوازية‬ ‫جدي� � ��دة‪ ،‬ويقوم بعض الس� � ����كان ف� � ��ي كردفان غرب‬ ‫الس� � ��ودان بتفريغ وجتويف جذوع األشجار الضخمة‬ ‫وحتويلها إلى خزانات ملياه املطر‪.‬‬ ‫إن طبيع� � ��ة املطر في الصحراء هي التي تفرض‬ ‫منط احلياة وأس� � ��لوب املعيش� � ��ة‪ ،‬فه� � ��ي تفرض على‬ ‫الس� � ��كان ممارس� � ��ة الرعي وبعض الزراعة واجلمع‬ ‫بينهما م� � ��ع امليل إلى أحد أنواع النش� � ��اط أو اآلخر‬ ‫تب ًع� � ��ا لتوافر املاء وإمكان قيام مجتمعات تعتمد على‬ ‫الزراعة املستقرة‪ .‬وهي التي فرضت على الدارسني‬ ‫التقس� � ��يم التقليدي وتصنيفهم لسكان الصحراء بني‬ ‫جماعة مس� � ��تقرة وجماعة ش� � ��به بدوية تعتمد على‬ ‫الرحل� � ��ة والتجوال ش� � ��به الدائم� �ي��ن‪ ،‬وقد يضطرون‬ ‫ً‬ ‫أيضا إلى الهجرة عبر احلدود الدولية إلى األقطار‬ ‫املج� � ��اورة كما ه� � ��و احلال في مصر ف� � ��ي الصحراء‬ ‫الغربية عندما ينتقلون حني يعز املطر إلى برقة في‬ ‫ليبيا‪.‬‬ ‫فالظروف اإليكولوجي� � ��ة املمثلة في مدى توافر‬ ‫املاء والعش� � ��ب وبني أمن� � ��اط احلياة ف� � ��ي الصحراء‬ ‫وبال� � ��ذات أمناط التح� � ��ركات البش� � ��رية للبحث عن‬ ‫املراعي وبني منط احلياة املستقرة من ناحية ومنط‬ ‫احلياة البدوية التي تقوم على احلركة والتجوال كلها‬ ‫تدل على العالقة القوية لهذه الظروف اإليكولوجية‬ ‫وبالتال� � ��ي إل� � ��ى تصني� � ��ف اجلماع� � ��ات الرعوية من‬ ‫أنص� � ��اف مس� � ��تقرين وأنصاف بدو وغي� � ��ر ذلك من‬ ‫التقس� � ��يمات والتصنيف� � ��ات الت� � ��ى اهتم به� � ��ا علماء‬ ‫االجتماع واألنثروبولوجي� � ��ا إلعطاء صورة تفصيلية‬ ‫عن املجتمعات البشرية في الصحاري‪.‬‬ ‫وق� � ��د بذلت مح� � ��اوالت كثي� � ��رة لتصني� � ��ف هذه‬ ‫الرح� �ل��ات والتنق� �ل��ات‪ ،‬وبالتال� � ��ي تصنيف س� � ��كان‬ ‫الصحراء‪ ،‬وقد أخذت هذه التصنيفات في االعتبار‬ ‫األنش� � ��طة املختلفة التي متارسها اجلماعات القبلية‬ ‫والعش� � ��ائرية‪ ،‬ودرج� � ��ة االس� � ��تقرار أو التحرك إلى‬ ‫املس� � ��افات التي تقطعها هذه اجلماعات في الرحلة‬

‫‪19‬‬

‫‪oct 12-37.indd 19‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫الواح� � ��دة وفت� � ��رة غيابها ع� � ��ن مواطنه� � ��ا األصلية‪،‬‬ ‫فقد أش� � ��ار أحمد أبوزي� � ��د إلى دراس� � ��ة فيليب أربو‬ ‫‪ Philippe Arbos‬ال� � ��ذي ميز ب� �ي��ن ثالثة أمناط‬ ‫رئيس� � ��ية من احلياة الرعوية هي‪ :‬الب� � ��داوة الكاملة‬ ‫واحلي� � ��اة الرعوية في اجلبال‪ ،‬والبداوة التي تتحرك‬ ‫مبقتضاه� � ��ا كل اجلماع� � ��ات االنس� � ��انية مبصاحبة‬ ‫قطعانها من مكان إلى آخر‪.‬‬ ‫كما أشار إلى تصنيفات فيشر ‪W.B.Fisher‬‬ ‫ال� � ��ذي يفرق بني البداوة احلقة التي متيزت بالرحلة‬ ‫واالنتقال الدائمني من منطقة ألخرى وبني ما ميكن‬ ‫تسميته بالرحلة الرأسية من أجل املراعي أو البداوة‬ ‫الرأسية التي يحتل فيها الرعاة والقطعان مستويات‬ ‫مختلفة‪ ،‬وتعد الب� � ��داوة العربية مثاالً للبداوة احلقة‬ ‫أو األفقي� � ��ة بينما تعتبر رح� �ل��ات وانتقاالت األكراد‬ ‫مثاالً للبداوة الرأسية في املرتفعات‪ .‬واعتبر لورانس‬ ‫ك� � ��رادر ‪ Lawrence Krader‬أن منط التحركات‬ ‫التي تقوم بها اجلماعات الرعوية هو أساس التفرقة‬ ‫ب� �ي��ن تصنيف البدو واعتبر أن الب� � ��داوة حركة رتيبة‬ ‫مما يفي� � ��د أن رحلة البدو له� � ��ا دورة ثابتة قد تكون‬ ‫س� � ��نوية أو فصلية أو حتى تستغرق بضع سنني ولكن‬ ‫البدو في كل األحوال لهم نقطة بدء محددة ومعينة‬ ‫يبدأون منه� � ��ا رحلتهم ونقطة ع� � ��ودة يرجعون إليها‪،‬‬ ‫وأن الغرض من هذه الرحلة هو توفير العشب واملاء‬ ‫للماش� � ��ية في مختلف الفصول وهذا النمط يختلف‬ ‫ع� � ��ن منط احلياة ال� � ��ذي يعتمد على تربية املاش� � ��ية‬ ‫في مناطق إقامة مس� � ��تقرة‪ ،‬حيث ميارس الس� � ��كان‬ ‫الزراعة‪ ،‬وتعتبر تربية املاشية مجرد عمل أو نشاطا‬ ‫مكمال حلياتهم االقتصادية‪.‬‬ ‫ويضع أحمد أبوزيد مبادئ أساسية للتمييز بني‬ ‫مختلف أمناط احلياة الرعوية في الصحراء وهي‪:‬‬ ‫أن الرحل� � ��ة والتج� � ��وال الدائم� �ي��ن اللذين يقوم‬ ‫بهما البدو ليس� � ��ا حتركات عش� � ��وائية وإمنا حركات‬ ‫نوعا من حقوق‬ ‫دائري� � ��ة وهي حركات منظمة تفرض ً‬ ‫الرعي‪.‬‬ ‫إن كل التقس� � ��يمات والتصنيف� � ��ات عب� � ��ارة ع� � ��ن‬ ‫متيزات تقس� � ��يمية وتقريبية إلى حد كبير مثل البدو‬ ‫احلقيقيني وأنصاف البدو والصغار‪.‬‬ ‫وجود عالقات تكاف� � ��ل قوية بني جماعات البدو‬

‫‪20‬‬

‫‪9/8/13 12:06:33 PM‬‬

‫الرحل وأنصاف الرحل من ناحية اجلماعات القبلية‬ ‫املس� � ��تقرة ف� � ��ي الصح� � ��راء والتي ال ت� � ��زال حتتفظ‬ ‫بتنظيمها القبلي التقليدي رغم استقرارها وحتولها‬ ‫إلى الزراعة‪ ،‬ورغم احتفاظها ببعض املاش� � ��ية التي‬ ‫يس� � ��ند أمر االهتم� � ��ام بها إلى رع� � ��اة مأجورين مثل‬ ‫اجلماعات القبلية على األطراف الشرقية والغربية‬ ‫لدلتا النيل‪ ،‬أو على طول الساحل الشمالي الغربي‪.‬‬

‫دور املاشية في حياة البدو‬

‫ه� � ��ذه اخللفي� � ��ة اإليكولوجية تس� � ��اعد من دون‬ ‫ش� � ��ك على فه� � ��م التنظي� � ��م االجتماعي واألنس� � ��اق‬ ‫االقتصادي� � ��ة والقرابية والسياس� � ��ية الس� � ��ائدة في‬ ‫املجتمع� � ��ات الصحراوية حيث تلعب املاش� � ��ية الدور‬ ‫األساس� � ��ي ‪ -‬أيا كان نوعها ‪ -‬ف� � ��ي حياة اجلماعات‬ ‫ً‬ ‫وأيضا‬ ‫الصحراوية من بدو وأنصاف مس� � ��تقرين بل‬ ‫ف� � ��ي حياة اجلماعات القبلية التى اس� � ��تقرت بالفعل‬ ‫وبدأت تتحول حتوالً جذر ًّيا إلى مزاولة أنواع أخرى‬ ‫من النش� � ��اط االقتص� � ��ادي غير تربي� � ��ة احليوان ولم‬ ‫تنص� � ��رف متا ًما ع� � ��ن امتالك بع� � ��ض رءوس األغنام‬ ‫واملاعز واإلب� � ��ل‪ ،‬حيث إن املاش� � ��ية بأنواعها حتظى‬ ‫مقياس� � ��ا ومح ًكا‬ ‫بقيم� � ��ة اجتماعية عالية باعتبارها‬ ‫ً‬ ‫للمكان� � ��ة االجتماعية التي يحتله� � ��ا الفرد واجلماعة‬ ‫القبلية وليس فقط لقيمة املاشية االقتصادية‪.‬‬ ‫إن اهتم� � ��ام البدو باملاش� � ��ية واحليوان� � ��ات التي‬ ‫ميلكونه� � ��ا ال يقل أهمية عن التج� � ��ارة ونقل املتاجر‬ ‫بواس� � ��طة القوافل‪ ،‬وزراعة حبوب املعيش� � ��ة وزراعة‬ ‫النخيل في بعض املناطق وممارسة بعض الصناعات‬ ‫الصغيرة واحلرف البدوية التي تعتمد على اخلامات‬ ‫احمللية مثل س� � ��عف النخيل وصوف الغنم أو ش� � ��عر‬ ‫املاع� � ��ز أو وب� � ��ر اإلبل‪ .‬وهذا الوض� � ��ع يتميز اآلن مع‬ ‫اكتش� � ��اف البترول وانتقال احلض� � ��ارة احلديثة إلى‬ ‫الصحراء‪.‬‬ ‫ويختت� � ��م أحمد أبوزيد دراس� � ��ته ع� � ��ن الصحراء‬ ‫التي كان� � ��ت تثير خيال الش� � ��عراء واألدباء والفنانني‬ ‫مسرحا‬ ‫واملغامرين والباحثني والدارسني وأنها كانت‬ ‫ً‬ ‫للبطولة التي سجلتها السير الشعبية واملالحم‪ .‬وقد‬ ‫ش� � ��اهدت الصحراء في العالم العربي ظهور األديان‬ ‫السماوية الكبرى وكشفت الصحراء أخي ًرا عن بعض‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 20‬‬


‫ثرواتها الدفينة الهائل� � ��ة وأهمها البترول الذي غ ّير‬ ‫وجه املجتمع اإلنساني في العالم كله اآلن‪.‬‬ ‫أم� � ��ا النم� � ��وذج الثاني لدراس� � ��ة أحم� � ��د أبوزيد‬ ‫عن الب� � ��داوة واملجتمع� � ��ات الصحراوي� � ��ة في مصر‬ ‫فسأعرض لدراسته لشمال سيناء التي قام بها العام‬ ‫‪1991‬م وش� � ��رح فيه� � ��ا اهتم� � ��ام األنثروبولوجيني في‬ ‫مصر بدراس� � ��ة املجتمعات الصحراوية منذ ما يزيد‬ ‫على ثالثني س� � ��نة‪ ،‬حيث أجريت بحوث حقلية كثيرة‬ ‫ف� � ��ي عدد من تل� � ��ك املجتمعات وبخاص� � ��ة الصحراء‬ ‫الغربي� � ��ة‪ ،‬إل� � ��ى جانب بح� � ��وث متفرق� � ��ة أجريت في‬ ‫س� � ��يناء والواحات‪ ،‬وقد تأثرت هذه البحوث مبناهج‬ ‫وأساليب األنثروبولوجيا التي قامت على مبادئ مثل‬ ‫قيام البحث على جماعات بس� � ��يطة صغيرة احلجم‬ ‫ومنعزلة نسب ّيا عن العالم اخلارجي الذي يحيط بها‪،‬‬ ‫وتفتق� � ��ر إلى املعرفة الدقيقة بتاريخها احلقيقي‪ ،‬أي‬ ‫أنها مجتمعات تفتقر إلى االمتداد املكاني واالمتداد‬ ‫الزماني العميق‪ ،‬وأن فترة الدراسة امليدانية تستمر‬ ‫سنة كاملة وتعتمد على أساليب وطرق تبدو بسيطة‬ ‫ف� � ��ي ظاهرها ولكنها حتتاج ف� � ��ي احلقيقة إلى مران‬ ‫طوي� � ��ل وجهد خارق في جم� � ��ع املعلومات عن طريق‬ ‫املعايش� � ��ة واالتصال املباش� � ��ر باألهال� � ��ي واملالحظة‬ ‫الدقيقة واملش� � ��اركة ف� � ��ي احلي� � ��اة اليومية مبختلف‬ ‫أنش� � ��طتها بقدر اإلم� � ��كان للتعرف عل� � ��ى العالقات‬ ‫القائمة بني أعضاء ذلك املجتمع البس� � ��يط‪ ،‬واألبعاد‬ ‫املختلفة التي متيز كل العالقات القائمة بني أعضاء‬ ‫ذلك املجتمع البس� � ��يط‪ ،‬واألبعاد املختلفة التي متيز‬ ‫كل عالق� � ��ة من هذه العالقات والكش� � ��ف عما يعرف‬ ‫في الكتابات األنثروبولوجية باسم التساند الوظيفي‬ ‫بني الظواهر املختلفة‪.‬‬

‫سيناء ليست في عزلة‬

‫وه� � ��ذا الوضع يصعب تطبيق� � ��ه على املجتمعات‬ ‫الصحراوي� � ��ة في مصر بش� � ��كل عام وعل� � ��ى املجتمع‬ ‫السينائي بشكل خاص‪ ،‬فلم تكن سيناء منعزلة أب ًدا‬ ‫عن املجتم� � ��ع القومي بل وم� � ��ا وراء املجتمع القومي‬ ‫ألنه� � ��ا كانت دائ ًما معب ًرا ش� � ��رق ًّيا عا ًما ملصر س� � ��واء‬ ‫من الناحية احلربي� � ��ة أو الثقافية‪ .‬وقد انعكس على‬ ‫التركيب الس� � ��كاني والتكوين العرقي للسكان الذين‬ ‫كشف الغمة فى أسباب فرقة األمة‬

‫‪9/8/13 12:06:37 PM‬‬

‫ينتمون إلى أصول مختلف� � ��ة‪ ،‬ومن ناحية أخرى كان‬ ‫من الصعب اعتبار ش� � ��مال س� � ��يناء (مجتم ًعا محل ًّيا‬ ‫متجانسا) باملعنى الذي يطلق على املجتمعات القبلية‬ ‫ً‬ ‫حيث توجد فيها ثالثة أمناط رئيسية مختلفة ميكن‬ ‫التميي� � ��ز فيم� � ��ا بينها هي منط احلي� � ��اة الذي يعتمد‬ ‫على صيد الس� � ��مك‪ ،‬ومنط احلياة الذي تغلب عليه‬ ‫أساس� � ��ا‬ ‫البداوة والرعي‪ ،‬ومنط احلياة الذي يعتمد‬ ‫ً‬ ‫على مزيج من الزراعة والرعي‪.‬‬ ‫وأخي ًرا فإن البحث األنثرو��ولوجي في سيناء قد‬ ‫اعتمد على بعض الوس� � ��ائل السمعية والبصرية وقد‬ ‫كان� � ��ت الصور تؤلف منذ البداية أداة من أهم أدوات‬ ‫البحث ليس� � ��ت فقط من حيث هي وسيلة للتوضيح‬ ‫ولكن باعتبارها وس� � ��يلة لتلخي� � ��ص موقف معقد في‬ ‫(لقطة) واحدة س� � ��ريعة‪ .‬وقراءة الص� � ��ورة وحتليلها‬ ‫يحتاج� � ��ان إلى دقة وفهم ألن الص� � ��ورة وثيقة معقدة‬ ‫ومركزة إلى حد كبير‪.‬‬ ‫ويوض� � ��ح أحمد أبوزي� � ��د أن املجتمع الصحراوي‬ ‫ف� � ��ي حد ذاته يختلف من مجتمع إلى آخر‪ ،‬فش� � ��مال‬ ‫سيناء تختلف عن الساحل الشمالي الغربي ومجتمع‬ ‫الدراسة في شمال س� � ��يناء لم نعزله بل درسناه في‬ ‫ض� � ��وء عالقته بالعال� � ��م اخلارجي ال� � ��ذي يحيط به‪،‬‬ ‫ودراس� � ��تنا للقبائل أوضحت أن بع� � ��ض األعراق ترد‬ ‫أصوله� � ��ا إلى بعض اجلماعات عب� � ��ر البحر األبيض‬ ‫املتوس� � ��ط‪ ،‬كما أوضحت أن هناك حقائق جغرافية‬ ‫أساس� � ��ية ينبغي أخذه� � ��ا في االعتبار عند دراس� � ��ة‬ ‫النس� � ��ق األيكولوجي في شمال س� � ��يناء وهى حقائق‬ ‫ذات أبع� � ��اد ونتائج اجتماعية مهم� � ��ة‪ ،‬وهذه األبعاد‬ ‫والنتائ� � ��ج االجتماعية هي التي ميك� � ��ن إيجازها في‬ ‫الطول النسبي لسواحل شبه جزيرة سيناء باملقارنة‬ ‫بالس� � ��واحل املصري� � ��ة‪ ،‬ووج� � ��ود بيئت� �ي��ن جغرافيتني‬ ‫متمايزتني ولكنهما متداخلتان وهما البيئة الساحلية‬ ‫والبيئة الصحراوية بكل ما يرتبط بهما من اختالفات‬ ‫اجتماعية واقتصادية وسياس� � ��ية؛ بيئة ساحلية في‬ ‫السهول الشمالية التي تتاخم البحر املتوسط‪ ،‬وبيئة‬ ‫وضوحا‬ ‫صحراوية تسود وسط شمال سيناء فتزداد‬ ‫ً‬ ‫كلما ابتعدنا ع� � ��ن البحر‪ ،‬حيث اجلفاف والرعي هو‬ ‫النم� � ��ط االقتص� � ��ادي الغال� � ��ب وإن كان ذلك ال يعني‬ ‫غياب الزراعة‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫‪oct 12-37.indd 21‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫واالعتماد الكامل على املط� � ��ر باعتباره املصدر‬ ‫الوحيد للماء إذا استثنينا ماء النيل الذي ينقل اآلن‬ ‫بواس� � ��طة األنابيب حتى العريش‪ ،‬ومازال استخدامه‬ ‫قاص ًرا على االس� � ��تعمال املنزلي في أغلب األحيان‪.‬‬ ‫كما أوض� � ��ح وجود الودي� � ��ان اجلاف� � ��ة‪ ،‬ويعتبر وادي‬ ‫العريش أكبرها وأهمها‪ ،‬حيث ميتلئ باملاء في فصل‬ ‫الش� � ��تاء (املطر)‪ .‬وهذه العوامل البيئية واجلغرافية‬ ‫املختلف� � ��ة واملتمثلة بوجه خاص ف� � ��ي تداخل اليابس‬ ‫وامل� � ��اء وعدم اس� � ��تقرار حالة املط� � ��ر واالعتماد في‬ ‫كثير من األحيان عل� � ��ى املياه اجلوفية وطبيعة املناخ‬ ‫وعوام� � ��ل التصح� � ��ر من جوان� � ��ب احلياة البش� � ��رية‪،‬‬ ‫وبخاصة في النش� � ��اط االقتص� � ��ادي وبعض جوانب‬ ‫التنظيم االجتماعي س� � ��واء في ذلك التنظيم القبلي‬ ‫أو في قيام القانون العرفي‪.‬‬

‫الصيد أول األنشطة االقتصادية‬

‫ويشير أحمد أبوزيد إلى أن احلديث عن احلياة‬ ‫االقتصادية في مجتمع مثل ش� � ��مال س� � ��يناء ال يعني‬ ‫بالضرورة وجود نظام محكم ودقيق لتقس� � ��يم العمل‬ ‫أو التخص� � ��ص‪ .‬صحيح أنه ميك� � ��ن الكالم عن منط‬ ‫احلياة االقتصادي القائم على الرعي أو على الصيد‬ ‫أو عل� � ��ى الزراعة وما إلى ذلك وكلها أمناط موجودة‬ ‫وقائمة بالفعل في شمال سيناء ولكنها متداخلة‪ ،‬ألن‬ ‫ممارس� � ��ة نشاط معني ال متنع من ممارسة عدد من‬ ‫األنش� � ��طة األخرى التي تتعلق بنمط آخر أو أكثر من‬ ‫منط‪ ،‬مما يعني ع� � ��دم وجود تخصص دقيق في أي‬ ‫منط من هذه األمناط‪.‬‬ ‫فالصيد يحتل إذن مرتبة أولى في نظر الكثيرين‬ ‫من أهالي ش� � ��مال سيناء أنفس� � ��هم ويسبقه في ذلك‬ ‫كل م� � ��ن الرعي والزراع� � ��ة‪ ،‬وصحي� � ��ح أن الرعي ال‬ ‫ي� � ��زال ينظر إليه على أنه نش� � ��اط اقتصادي له قيمة‬ ‫اجتماعية تقليدية‪ .‬ولكن الصيد الذي يدعى أحيا ًنا‬ ‫(رع� � ��ي البح� � ��ر) يلقى م� � ��ن األهالي وم� � ��ن الهيئات‬ ‫الرس� � ��مية اهتما ًم� � ��ا ال يحظى به الرع� � ��ي ولم تكن‬ ‫حتظى ب� � ��ه الزراعة حتى وقت قري� � ��ب‪ .‬وقد تناولت‬ ‫الدراس� � ��ة حياة الصيد والصيادين واملشكالت التي‬ ‫يواجهونها‪.‬‬ ‫كما أشار أحمد أبوزيد إلى تنمية الزراعة والعناية‬

‫‪22‬‬

‫‪9/8/13 12:06:45 PM‬‬

‫باألرض والتربة وتنفيذ عدد من مشروعات التنمية‬ ‫الزراعية ب� � ��كل ما يقتضيه ذل� � ��ك االهتمام بالصيد‬ ‫والزراعة م ًعا من استقرار في األرض وانصراف عن‬ ‫الرعي باملعنى التقليدي للكلمة‪ ،‬والذي يعني التجول‬ ‫والتنق� � ��ل والترحال بح ًثا عن املاء والعش� � ��ب ويجمع‬ ‫األهالي مع السلطات الرسمية على أن كل «صحراء»‬ ‫ش� � ��مال س� � ��يناء قابلة للزراعة إذا توافرت لها املياه‪.‬‬ ‫لذا تعتمد على املي� � ��اه اجلوفية واملطر وهي مصادر‬ ‫غي� � ��ر ثابتة ودائمة للمياه‪ .‬وقد أب� � ��دى أحمد أبوزيد‬ ‫مالحظات مهمة بالنسبة للزراعة فهي عمل تعاوني‬ ‫إلى حد كبير يشارك فيه أفراد تقوم بينهم عالقات‬ ‫عائلي� � ��ة في املج� � ��ال األول‪ ،‬وأن الزراعة في ش� � ��مال‬ ‫س� � ��يناء ال تتبع نظام «ال� � ��دورة الزراعية» العتمادها‬ ‫على املطر‪ ،‬وأن العمل الزراعي عمل متواصل طوال‬ ‫الس� � ��نة رغم ما يقال عن عدم دراية البدو بالزراعة‬ ‫وافتقاره� � ��م إلى عنصري ال� � ��دأب واملثابرة‪ ،‬كما أنه‬ ‫تذاب الفوارق بني اجلنسني في بعض أنواع النشاط‬ ‫الزراعي وخاصة أثناء احلصاد‪.‬‬ ‫وليس في ش� � ��ك في أن االهتمام بالصيد والزراعة‬ ‫في شمال س� � ��يناء كان على حساب الرعي وهو النشاط‬ ‫التقلي� � ��دي الذي يرتبط دائ ًما ف� � ��ي األذهان باملجتمعات‬ ‫الصحراوي� � ��ة‪ ،‬فالرعي باملعنى التقلي� � ��دي القدمي للكلمة‬ ‫يتراجع بس� � ��رعة كبيرة نظ ًرا ألن السياسة العامة تهدف‬ ‫إل� � ��ى العم� � ��ل على اس� � ��تقرار اجلماعات البدوية وش� � ��به‬ ‫البدوية وتش� � ��جيع ممارس� � ��ة أعمال أخرى مبا في ذلك‬ ‫تربية احليوان ف� � ��ي «مزارع» مس� � ��تقرة‪ .‬وتتميز املناطق‬ ‫الوسطى في شمال سيناء وبالذات مناطق مركز احلسنة‬ ‫ومركز نخل بأنها مناطق الرعي وجتمع الرعاة‪ .‬وإن كان‬ ‫يصاحب هذا النش� � ��اط ف� � ��ي معظم األحيان ممارس� � ��ة‬ ‫الزراعة‪ ،‬والرعي حق مكفول لكل س� � ��كان الصحراء وفي‬ ‫أي مكان يتوافر فيه العش� � ��ب وامل� � ��اء‪ ،‬ميكن التمييز بني‬ ‫نوع� �ي��ن من أراض� � ��ي املراعي‪ ،‬املراعي الت� � ��ى تدخل في‬ ‫نط� � ��اق احليازة القبلية التي ارتبط� � ��ت تاريخ ًّيا بقبيلة أو‬ ‫جماعة قرابية معينة ولها حدودها املعلومة التي تستند‬ ‫إلى وثائق مكتوبة ويكون لهذه اجلماعة دون غيرها حق‬ ‫االنتف� � ��اع بها‪ .‬أما الرعي الثاني فهو القائم على املراعي‬ ‫البراح التي يباح للجميع من حيث املبدأ الرعي فيها ولكن‬ ‫يراع� � ��ى مع ذلك عدم االفتئات عل� � ��ى حقوق اآلخرين أو‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 22‬‬


‫ً‬ ‫راسخا‬ ‫مزاحمتهم في الرعي‪ ،‬بحيث يكون األمر تقلي ًدا‬ ‫من حيث ارتباط جماعات معينة مبناطق معينة‪.‬‬ ‫ويعتب� � ��ر رع� � ��ي اإلبل م� � ��ن األعمال الصعب� � ��ة التي‬ ‫ت� � ��وكل للرجال البالغني‪ ،‬في الوق� � ��ت الذي يرتبط رعي‬ ‫األغنام واملاعز بالفتيات والنساء وبخاصة حني تكون‬ ‫مناطق الرعي قريبة من أماكن اإلقامة والس� � ��كن‪ ،‬ومن‬ ‫األنشطة االقتصادية األخرى تأتي التجارة الداخلية أو‬ ‫التبادل السلعي احمللي الذي يتم داخل األسواق احمللية‬ ‫وبخاصة األسواق التقليدية التي ينعكس فيها كثير من‬ ‫مالمح احلياة االجتماعية في شمال سيناء‪ ،‬كما تكشف‬ ‫ع� � ��ن التغيرات التي حدثت في األمناط االس� � ��تهالكية‪.‬‬ ‫وتتفق األس� � ��واق التقليدي� � ��ة في أنواع الس� � ��لع العديدة‬ ‫املتنوعة التي تعرضها ابت� � ��داء من الطعام إلى املالبس‬ ‫إلى األدوات املنزلية والس� � ��لع الت� � ��ي تؤلف عناصر من‬ ‫الثروة مثل األغنام واملاعز واإلبل وانتها ًء بالس� � ��لع غير‬ ‫االس� � ��تهالكية والتي لها قيمة اجتماعية فحس� � ��ب‪ ،‬مثل‬ ‫اخل� � ��رز امللون وأدوات الزينة فإنها تش� � ��ترك كلها ً‬ ‫أيضا‬ ‫ف� � ��ي أن «روادها» من املش� � ��ترين ميثلون املجتمع احمللي‬ ‫بكل فئاته‪.‬‬ ‫كما أش� � ��ار البح� � ��ث إلى احلك� � ��م احملل� � ��ي والنظام‬ ‫السياسي التقليدي في شمال سيناء‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن توضيح‬ ‫مبدأ متثيل العائالت والعش� � ��ائر والقبائ� � ��ل الذي راعى‬ ‫ف� � ��ي االنتخاب لعضوية املجلس الش� � ��عبي على مس� � ��توى‬ ‫احملافظة ذاتها أن متثل كل املراكز حسب عدد السكان‪،‬‬ ‫وحي� � ��ث يتألف املجلس نفس� � ��ه من ثمان� �ي��ن عض ًوا مما‬ ‫يتطلب اتف� � ��اق اجلماعات القرابي� � ��ة أو القبلية على من‬ ‫ميثلها ثم يتقدم بالترشيح‪.‬‬

‫العائلة الصحراوية‬

‫وتعرضت الدراسة إلى البناء العائلي (التقليدي)‬ ‫في ش� � ��مال س� � ��يناء الذي يقوم على الزواج الداخلي‬ ‫التعددي‪ ،‬وكال العنصرين هم� � ��ا وظيفة من وظائف‬ ‫مب� � ��دأ (العصبية) ال� � ��ذي يرتكز عليه ً‬ ‫أيض� � ��ا البناء‬ ‫السياسي القبلي‪ ،‬فاألهالي يفضلون الزواج الداخلي‬ ‫ويرحب� � ��ون بذلك لعدة أس� � ��باب اقتصادي� � ��ة (تتعلق‬ ‫بالرغبة في احملافظة على الثروة مبختلف أشكالها)‬ ‫وسياس� � ��ية (تتعلق بالتماسك االجتماعي والسياسي‬ ‫إزاء اجلماعات القرابية والقبلية األخرى)‪ .‬ويفضل‬ ‫كشف الغمة فى أسباب فرقة األمة‬

‫‪9/8/13 12:06:49 PM‬‬

‫الزواج من أبن� � ��اء العمومة من الدرج� � ��ة األولى‪ ،‬وال‬ ‫يعني ذلك إجبار الفتاة على ش� � ��خص معني بالذات؛‬ ‫إذ للفتاة احلق في االختي� � ��ار بني أبناء عمومتها إذا‬ ‫كان هناك أكثر من ابن عم واحد‪.‬‬ ‫وتعدد الزوج� � ��ات يعد نظا ًم� � ��ا اجتماع ًّيا معتر ًفا‬ ‫به حتى من الزوجة نفس� � ��ها‪ .‬والنظام يحفظ للزوجة‬ ‫األولى مكانتها واحترامه� � ��ا وأولويتها‪ .‬كما أن الرجل‬ ‫يحرص على مرضاتها واحلصول على موافقتها قبل‬ ‫أن يق� � ��دم على الزواج الثاني‪ ،‬ويعب� � ��ر عن ذلك عمل ًّيا‬ ‫قبل امتام الزواج اجلديد بتق� � ��دمي «كبارة» لها إكبا ًرا‬ ‫لش� � ��أنها أو يدفع «رضاوة» إلرضائها إن هي غضبت‬ ‫لذلك‪.‬‬ ‫واجلماعة القرابية الت� � ��ي تؤلف وحدة اجتماعية‬ ‫فعالة في احلي� � ��اة اليومية وهي «البيت»‪ ،‬أو ما ميكن‬ ‫أن نطلق عليه اسم اجلماعة املنزلية‪ ،‬ويكون «البيت»‬ ‫وح� � ��دة قرابية يختلف حجمها من حالة ألخرى‪ ،‬ولكن‬ ‫املعيار األساس� � ��ي فيها هو ارتباط أعضائها بروابط‬ ‫لقراب� � ��ة العاصب� � ��ة وتعاونها في احلي� � ��اة اليومية في‬ ‫مختلف املجاالت‪ ،‬والبيت هنا ال يقتصر على «سكان»‬ ‫ذلك املس� � ��كن ألن هذه الوحدة القرابية العاصبة قد‬ ‫تتألف من أشخاص يعيشون في مساكن مستقلة وإن‬ ‫كانت متجاورة في العادة‪ ،‬ولكنهم يتعاونون فيما بينهم‬ ‫وتق� � ��وم بينهم روابط اجتماعية واقتصادية والتزامات‬ ‫وواجبات وحقوق متبادلة‪.‬‬ ‫وكان من فضل األستاذ أحمد أبوزيد وتأثيره على‬ ‫تالميذه فض ً‬ ‫ال كبي ًرا فقد نقل حبه وش� � ��غفه بالبداوة‬ ‫والصحراء إلى توجيههم إلى دراسة البدو والبداوة مثل‬ ‫دراسة بدو أوالد علي في الصحراء الغربية‪ ،‬وقانونهم‬ ‫العرفي ودراسة املجتمعات البدوية في جنوب سيناء‬ ‫ملعرفة أث� � ��ر التنظيم القبلي وقدرته في إحداث تنمية‬ ‫اجتماعية باملعنى الع� � ��ام في املجتمعات الصحراوية‪،‬‬ ‫وفي تغيير شكل هذه املجتمعات وفي إحداث حتضر‬ ‫في كثير من املراك� � ��ز احمللية في الصحراء باالعتماد‬ ‫على املناه� � ��ج األنثروبولوجية املتخصصة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫وخصوصا‬ ‫االعتم� � ��اد على مناه� � ��ج التنمية املختلف� � ��ة‬ ‫ً‬ ‫منهج التنمية املس� � ��تدامة التي تنظ� � ��ر بعني االهتمام‬ ‫لألجيال القادمة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن دراس� � ��ة الهوية واالنتماء‬ ‫التي تربط البدو مبجتمعهم؛ مجتمع األم الكبير >‬

‫‪23‬‬

‫‪oct 12-37.indd 23‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬

‫تكامل املنهجية‬

‫عند أحمد أبوزيد‬ ‫د‪ .‬سعاد عثمان *‬

‫قيل فيه أنه رائد اجليل احلالي من األنثروبولوجيني املعاصرين‪ ،‬وأنه األستاذ املعلم‪ ،‬وشجرة‬ ‫العطاء‪ ،‬وغيرها من أوصاف لم يحظ مبثلها إال عدد قليل من علماء األمة األجالء‪ُ .‬‬ ‫وطلب‬ ‫مني أن أكتب عن أحد أعماله أو إجنازاته فاخترت‬ ‫موضوعا يتعلق باملنهج األنثروبولوجي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ونبع اختياري من كم ونوعية اإلسهامات التي قدمها أستاذنا في ه��ذا املجال من جانب‪،‬‬ ‫جدا – باملقارنة بأعماله ‪ -‬من جانب آخر‪.‬‬ ‫وباهتمامي الكبير باملنهج خالل عملي احملدود ً‬ ‫وبداية وجب التنويه إلى أنني لم أشرف بالتلمذة املباشرة على يدي العالم اجلليل‪ .‬وإمنا‬ ‫كان لكتبه وأبحاثه القيمة دورها في تكويني العلمي شأني شأن الباحثني في هذا املجال‪ ،‬كما‬ ‫لم أحظ بلقائه إال مرات معدودات في بعض املؤمترات احمللية والدولية‪ .‬لذا سوف أعتمد‬ ‫اعتمادا رئيسيا على بعض من كتبه وأبحاثه‪ ،‬وعلى عباراته كما جاءت بنصها‪،‬‬ ‫في كتابتي‬ ‫ً‬ ‫مع ق��در من خبرتي ورؤيتي في مجال األنثروبولوجيا‪ .‬مقدمة اع�ت��ذاري منذ البداية عن‬ ‫أي تقصير غير مقصود ميكن أن أقع فيه‪ ،‬فاإلملام الكامل بخبرات هذا العالم‪ ،‬ومالحظاته‬ ‫الفنية الدقيقة يصعب إحصاؤها أو جمعها في مقال بهذا احلجم‪ ،‬وبوجه خاص لو عرفنا أن‬ ‫بحوثه امليدانية قد جابت أنحاء وطننا العربي وإفريقيا «إما كبحوث مستقلة مثل الدراسة‬ ‫األنثروبولوجية االستطالعية للعلوم في سورية‪ ،‬أو مقارنة مثل املقارنة بني جماعات البدو‬ ‫الرحل وشبه الرحل في الصحراء الغربية مبصر والصحراء السورية»‪ .‬كما أنه قام بالعديد‬ ‫من الدراسات امليدانية في صحارى الشرق األوسط وشمال إفريقيا‪ ،‬واألردن والعراق واململكة‬ ‫العربية السعودية وإيران‪ ،‬ودراسات ميدانية أخرى في عدد من قبائل شرق إفريقيا وغربها‪.‬‬ ‫* أكادميية من مصر‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪9/8/13 12:06:53 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 24‬‬


‫وإذا تركنا غزارة علمه وخبراته وإسهاماته‬ ‫املنهجية – وهو ما س������وف نعرض لبعضها في‬ ‫ه������ذا املقال – فالبد أن أس������جل أنه من خالل‬ ‫لقاءاتي احملدودة به ملس������ت في شخصه الكرمي‬ ‫الس������مو والعلي������اء وال������ود في العالق������ات‪ ،‬ومن‬ ‫قراءات������ي ملؤلفات������ه أدركت مدى حبه وش������غفه‬ ‫بالعمل في أكثر من اجتاه والنظر إلى املوضوع‬ ‫من أكثر من زاوية‪ ،‬ومعاجلة الوقائع والظواهر‬ ‫من أكثر من بعد نظري‪ ،‬واتباع أكثر من أسلوب‬ ‫وطريقة ف������ي جم������ع املعلوم������ات اإلثنوجرافية‬ ‫وحتليلها‪ .‬وخلصت إلى أن هناك ركائز أساسية‬ ‫أراها ش������اخصة في أعماله هي االهتمام البالغ‬ ‫باإلطار النظري أو املفاهيم النظرية‪ ،‬وااللتزام‬ ‫باحلبكة املنهجية‪ ،‬والشغف بالدراسة امليدانية‪،‬‬ ‫ومن ثم فهو مدرس������ة بحثي������ة أكادميية مكتملة‬ ‫األسس واألركان‪ .‬وبالتالي فإن القارئ – املهتم‬ ‫ بأعماله إذا تفهم توجيهاته الرصينة الناعمة‬‫الت������ي ال يدركها وال يش������عر به������ا إال من ميتلك‬ ‫احلس األنثروبولوج������ي ميكنه أن يتعلم الدرس‬ ‫ويعرف كيف يجري بح ًثا علم ًّيا أنثروبولوج ًّيا‪.‬‬ ‫انطال ًق������ا م������ن أن موضوع ه������ذا املقال هو‬ ‫منهجي������ة األس������تاذ املعلم‪ ،‬فإن األم������ر يقتضي‬ ‫تقس������يمه إلى جزأين يلقي األول منهما الضوء‬ ‫عل������ى أهم املفاهي������م النظرية الت������ي نالت قد ًرا‬ ‫كبي ًرا من اهتمامه‪ ،‬ثم نتعرف في اجلزء الثاني‬ ‫على أبرز اإلج������راءات املنهجية األنثروبولوجية‬ ‫في دراساته وأبحاثه‪.‬‬

‫أو ً‬ ‫ال‪ :‬أهم املفاهيم النظرية‬

‫س������وف أكتفي في عرضي بأه������م املفاهيم‬ ‫النظرية التي أولى أحمد أبوزيد عنايته الفائقة‬ ‫بها مبفهومي البن������اء االجتماعي‪ ،‬ورؤى العالم؛‬ ‫فقد كان االثنان محورين أساس������يني وعالمتني‬ ‫مضيئت���ي��ن على طري������ق مش������واره العلمي‪ .‬فقد‬ ‫ارتب������ط مفهوم البناء االجتماع������ي أوثق ارتباط‬ ‫باألس������تاذ املعل������م‪ ،‬فم������ن كتاباته عرفن������ا بداية‬ ‫االهتم������ام بهذا املفهوم‪ ،‬وأي نوع من املجتمعات‬ ‫تكامل املنهجية عند أحمد أبوزيد‬

‫‪9/8/13 12:06:56 PM‬‬

‫هو األنس������ب لتطبيقه‪ ،‬وما ميكن أن نستخلصه‬ ‫باستخدامنا له‪ ،‬وفي مؤلفه «البناء االجتماعى‬ ‫– املفهوم������ات» أش������ار إلى أن ظه������ور االهتمام‬ ‫مبفهوم البناء االجتماعي بدأ منذ أوائل القرن‬ ‫العش������رين وهو ما دعا علم������اء األنثروبولوجيا‬ ‫إلى القيام بدراس������اتهم احلقلية في املجتمعات‬ ‫الصغيرة احلجم القليلة السكان نسب ًّيا كوسيلة‬ ‫لفهم املجتمع اإلنساني في عمومه‪ .‬فقد أتاحت‬ ‫هذه الدراسات لهؤالء العلماء الفرصة إلدراك‬ ‫ن������وع ومدى التفاعل القائ������م بني مختلف النظم‬ ‫االجتماعية وكي������ف أن احلياة االجتماعية‪ ،‬في‬ ‫نسيجا متماس ًكا‬ ‫أي مجتمع‪ ،‬تؤلف في احلقيقة‬ ‫ً‬ ‫متشاب ًكاً من العالقات املتداخلة‪.‬‬ ‫أم������ا عن بداية اهتمام «أحمد أبو زيد» ذاته‬ ‫بالبنائي������ة فترجع إلى اخلمس������ينيات حني كان‬ ‫يدرس الدكتوراه في جامعة أكس������فورد‪ ،‬وزادت‬ ‫صلت������ه واهتمامه باملوض������وع «بعد أن جاء ليفي‬ ‫س������تروس عام ‪ 1955‬إلى اجلامعة نفس������ها‪ ،‬ثم‬ ‫تدع������م هذا االهتمام وتبل������ور حني قام بتدريس‬ ‫األنثروبولوجي������ا البنائي������ة مبفهومها البريطاني‬ ‫والفرنسي‪ ،‬وأتيح له إلقاء عدد من احملاضرات‬ ‫العامة‪ ،‬واملشاركة في بعض الندوات في مصر‬ ‫وعدد من البالد العربية عن «البناء والبنائية»‪،‬‬ ‫وكت������ب فيها عدة مقاالت عن املفكرين البنائيني‬ ‫الفرنسيني في مجلتي عالم الفكر‪ ،‬والعربي في‬ ‫الكويت‪ .‬كما نشر له عدد من الدراسات العلمية‬ ‫املتخصصة حول بعض املفهومات املس������تخدمة‬ ‫في الكتابات البنائية»‪.‬‬ ‫وهو م������ا يعكس بوض������وح أنه اهتم������ام بدأ‬ ‫مع دراس������اته األكادميية العليا‪ ،‬واس������تمر حتى‬ ‫تخرجه‪ ،‬ث������م قيامه بالتدري������س – وهي مرحلة‬ ‫أراه������ا حيوية ومهمة في التكوي������ن العلمي ألي‬ ‫عال������م – وكتابة املقاالت لن������دوات كثيرة ألقاها‬ ‫ف������ي مصر‪ ،‬وفي عدد م������ن املجتمعات العربية‪،‬‬ ‫وانتهاء بأبحاث������ه ومؤلفاته العلمية املتخصصة‪،‬‬ ‫فهي حلقات متصلة في سلس������لة اهتمامه بهذا‬ ‫املفهوم‪ .‬وبوقفة قصيرة عند إحدى هذه احللقات‬

‫‪25‬‬

‫‪oct 12-37.indd 25‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫وهي حلقة البحث العلم������ي‪ ،‬كان أحمد أبوزيد‬ ‫ومعتمدا في كتاباته على املعلومات‬ ‫ش������غو ًفا به‬ ‫ً‬ ‫الت������ي أتي������ح له جمعه������ا من دراس������اته احلقلية‬ ‫في الش������رق األوسط وش������مال إفريقيا وبعض‬ ‫املجتمعات القبلية في إفريقيا جنوب الصحراء‬ ‫(أوغندا‪ ،‬وكينيا‪ ،‬وتنجانيقا‪ ،‬والسودان اجلنوبي‪،‬‬ ‫ونيجيريا‪ ،‬وسيراليون)‪ .‬وهو ما يوضح حرصه‬ ‫على اختبار هذا املفهوم ليس في مصر وحدها‬ ‫بل في العديد م������ن املجتمعات‪ ،‬فكثرت رحالته‬ ‫رصيدا هائ ً‬ ‫ال من‬ ‫العلمي������ة امليدانية وأتاحت له‬ ‫ً‬ ‫الش������واهد والوقائع احلية التي استخدم الكثير‬ ‫منها لشرح أفكاره وآرائه النظرية‪ .‬فعلى سبيل‬ ‫�����رحا لفكرة البن������اء االجتماعي‬ ‫املثال ق������دم ش� ً‬ ‫بش������واهد م������ن دراس������اته للمجتمع������ات القبلية‬ ‫موضحا كيف أن القبيلة «تؤلف وحدة اجتماعية‬ ‫ً‬ ‫وسياس������ية واقتصادية متكاملة‪ ،‬وهو ما يضطر‬ ‫الباحث األنثروبولوجي إلى أن يقصر دراس������ته‬ ‫عل������ى قبيلة واحدة يح������اول أن يحيط فيها بكل‬ ‫مالم������ح حياتها وكل نظمه������ا وما يقوم بني هذه‬ ‫النظم من تساند وظيفي‪ ،‬وهذا في مجمله هو‬ ‫مضمون البناء االجتماعي»‪.‬‬ ‫ولعل القارئ للفقرات السابقة يقف متسائ ً‬ ‫ال‬ ‫أكان األستاذ املعلم مهت ًما باملفهوم‪ ،‬أم بالدراسة‬ ‫احلقلي������ة‪ ،‬وتأتي اإلجابة بأنه يرى‪« :‬أن الباحث‬ ‫األنثروبولوج������ي اجل������اد ال يكتفي باملناقش������ات‬ ‫النظرية أو بالدراس������ات احلقلي������ة أو امليدانية‬ ‫التي ال تس������تند إلى نظري������ات محددة واضحة‬ ‫املعالم‪ ،‬بل يح������اول املزاوجة بني االثنني بقصد‬ ‫الوصول إلى حتقيق دقيق وفهم عميق للمجتمع‬ ‫الذي يدرسه»‪.‬‬ ‫ومع إميان أحمد أبوزيد بأهمية الدراسات‬ ‫البنائية الوظيفية طوال مش������واره العلمي‪ ،‬فإنه‬ ‫مؤمن ً‬ ‫أيضا بأن طبيعة موضوع الدراسة تفرض‬ ‫على الباحث املدخل النظري املالئم‪ ،‬فاملهم هنا‬ ‫هو حتقيق الهدف األعلى واألس������مى وهو فهم‬ ‫الواقع حتى لو تغيرت وتنوعت املداخل النظرية‬ ‫املهمة ألي بحث علمي‪ ،‬يؤكد ذلك رؤيته ملفهوم‬

‫‪26‬‬

‫‪9/8/13 12:07:00 PM‬‬

‫«رؤى العال������م» الذي رآه «يس������اعد على الغوص‬ ‫إلى أعماق وأغوار لم تفلح املفهومات التقليدية‬ ‫مث������ل مفه������وم البن������اء االجتماع������ي والوظيف������ة‬ ‫االجتماعي������ة في الوصول إليه������ا‪ .‬فبحوث رؤى‬ ‫العالم ترتكز على (الفهم) وليس على الرصد أو‬ ‫الوصف‪ .‬فهي تغوص وراء الظواهر االجتماعية‬ ‫واألنشطة الثقافية املشاهدة بقصد الكشف عن‬ ‫أمناط التفكير واملبادئ العقلية التي تكمن وراء‬ ‫هذه الظواهر واألنش������طة‪ .‬فليس املهم هو (ما‬ ‫يالحظه) الباحث األنثروبولوجي أثناء الدراسة‬ ‫امليدانية عن س������لوك الن������اس وتصرفاتهم على‬ ‫ما هو عليه الش������أن ف������ي البحوث اإلثنوجرافية‬ ‫املألوف������ة التي تهتم بدراس������ة البناء االجتماعي‬ ‫بكل عالقاته ونظمه وأنس������اقة املختلفة؛ وإمنا‬ ‫املهم هو (ما يراه) الش������خص أو الذات موضوع‬ ‫البح������ث عن نفس������ه وعن غي������ره‪ ،‬أو عما عداه‬ ‫من أش������خاص وكائنات وأش������ياء وظواهر وقوى‬ ‫مختلفة»‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من اختالف أساليب الدراسة‬ ‫تب ًعا الختالف املفاهيم أو املداخل النظرية‪ ،‬إال‬ ‫أن أحم������د أبوزيد قد رأى م������ا بينهما من أوجه‬ ‫اتفاق‪ ،‬فرؤى العالم تتفق مع البنائية الوظيفية‪.‬‬ ‫«في النظرة الكلية الشاملة إلى األشياء واألفكار‪،‬‬ ‫ب������ل أن رؤى العالم تعد مفهو ًم������ا أنثرولوبوجيا‬ ‫أصي ً‬ ‫ال‪ ،‬فكل الدراس������ات حول رؤى العالم هي‬ ‫دراس������ات أنثروبولوجي������ة تعتمد عل������ى مناهج‬ ‫البحث األنثروبولوجي وأس������اليبه وتقاليده التي‬ ‫تتطل������ب اإلقامة الطويلة ف������ي املجتمع موضوع‬ ‫الدراس������ة‪ ،‬واالتصال الوثي������ق القائم على خلق‬ ‫عالقات حميمة مع الش������خص أو األش������خاص‬ ‫املراد الوصول إل������ى أمناط تفكيرهم وقيمهم‪..‬‬ ‫وذلك باستخدام مناهج وأساليب وطرق وأدوات‬ ‫بحثي������ة خاصة تتالءم وطبيعة املوضوع» وهو ما‬ ‫يكش������ف عن احلس األنثروبولوج������ي األصيل‪،‬‬ ‫واحلرص على التطوي������ر النظري مع احملافظة‬ ‫على األسس املنهجية للعلم سواء بنفس أساليبه‬ ‫وطرائقة وأدواته‪ ،‬أو من خالل تطويرها‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 26‬‬


‫ثانيا‪ :‬اإلجراءات املنهجية األنثروبولوجية‬ ‫ً‬

‫أخص������ص الفق������رات التالي������ة ملوضوع���ي��ن‬ ‫يرتبط������ان باإلج������راءات املنهجية‪ ،‬هم������ا كيفية‬ ‫جمع أحم������د أبوزيد بني األصالة والتجديد في‬ ‫تطبيقه للمنهج األنثروبولوجي‪ ،‬ثم أهم األدوات‬ ‫التي استخدمها في دراساته وأبحاثه‪.‬‬

‫‪ -1‬اجلمع بني األصالة والتجديد‬

‫تلخص جتربة أحمد أبوزيد في العلم الذي‬ ‫كرس له كل مس������يرته العلمية الزاخرة‪ ،‬واملثمرة‬ ‫فكره‪ ،‬كونه ق������د تعلم وعلم األنثروبولوجيا على‬ ‫أصولها‪ ،‬وبصورتها الكالسيكية مع إدراكه التام‬ ‫لتطور ه������ذا العلم‪ ،‬وإدخال بع������ض التعديالت‬ ‫والتغيي������رات عليه‪ .‬فهو يرى أن األنثروبولوجيا‪،‬‬ ‫ليس������ت مجرد علم من العل������وم االجتماعية أو‬ ‫اإلنسانية لها مجال محدد ال تتعداه‪ ،‬وإمنا هي‬ ‫«منهج» أو موقف نظ������ري وعملي ميكن اتباعه‬ ‫وتطبيقه على مختلف مجاالت الفكر والنشاط‬ ‫اإلنساني‪ .‬وأنه حتى مع تطور مجاالت البحث‪،‬‬ ‫وتغير طبيعة املجتمعات التي تهتم األنثروبولوجيا‬ ‫بدراستها من املجتمعات البدائية – في بدايات‬ ‫ه������ذا العلم – إلى املجتمعات احلديثة فإن ذلك‬ ‫لم يغي������ر من مناهج وأس������اليب البح������ث‪« ،‬وإن‬ ‫كان ه������ذا ال ينفي ح������دوث بع������ض اإلضافات‬ ‫والتعديالت التي لم تغير من جوهر هذه املناهج‬ ‫أو اخلصائص املميزة لتلك األساليب»‪.‬‬ ‫وفي دراس������ته للمجتمعات الصحراوية في‬ ‫مصر في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين‬ ‫أبرز أحمد أبوزيد اختالف املنهج األنثروبولوجي‬ ‫ال������ذي اس������تخدمه في هذه الدراس������ة عما كان‬ ‫مستخد ًما في األنثروبولوجيا التقليدية‪ ،‬وكانت‬ ‫أهم نقاط االختالف‪:‬‬ ‫ االهتمام بالبعد التاريخي ملجتمع البحث‬‫م������ن أجل فهم أعمق وأدق للحي������اة االجتماعية‬ ‫والثقافية‪.‬‬ ‫ اخل������روج من إط������ار املجتمع������ات احمللية‬‫تكامل املنهجية عند أحمد أبوزيد‬

‫‪9/8/13 12:07:03 PM‬‬

‫الصغيرة املنعزلة إلى ما وراء احلدود اجلغرافية‬ ‫للمجتمع احمللي‪.‬‬ ‫ اخلروج من إطار بح������ث الباحث الواحد‬‫الف������رد ملجتمع صغي������ر على مدار فت������رة زمنية‬ ‫هي س������نة غال ًبا إلى البحث ال������ذي يعتمد على‬ ‫فريق م������ن الباحثني ميك������ن أن يبحثوا مجتمعا‬ ‫تعقيدا مع إمكانية اختصار الفترة‬ ‫أكب������ر‪ ،‬وأكثر‬ ‫ً‬ ‫الزمنية للبحث‪.‬‬ ‫على خالف ما كانت عليه البحوث التقليدية‬ ‫من عزوف عن االتصال بالهيئات واملؤسس������ات‬ ‫احلكومي������ة خو ًفا م������ن التأث������ر بآرائهم‪ ،‬حرص‬ ‫هو وفريق������ه على االتص������ال مبختلف اإلدارات‬ ‫واألجهزة الرسمية وهو ما ساعد في احلصول‬ ‫على البيانات الرسمية التي تساعد على اكتمال‬ ‫الصورة أمام الباحث‪.‬‬ ‫ومع تفضيل األس������تاذ املعلم إدخال ما يراه‬ ‫من تعديالت على املنه������ج األنثروبولوجي‪ ،‬وهو‬ ‫م������ا ح������رص عليه عبر مش������واره العلم������ي‪ ،‬فإن‬ ‫إميان������ه العمي������ق بأهمية هذا املنه������ج حتى في‬ ‫صورت������ه التقليدية والذي كش������فت عنه أبحاثه‬ ‫ودراس������اته األنثروبولوجية القيمة التي زخرت‬ ‫درسا‬ ‫بخبراته‪ ،‬ومالحظاته‪ ،‬وتعليماته التي تعد ً‬ ‫يدرس لكل أنثروبولوجي ومهتم بدراسة احلياة‬ ‫االجتماعية والثقافية‪ ،‬يدفعنا إلى أن نقف وقفة‬ ‫نتع������رف خاللها على بعض إس������هاماته في هذا‬ ‫املجال فقد نبه إلى أهمية الرجوع إلى الوثائق‪،‬‬ ‫واإلحصاءات الرسمية املتاحة‪ ،‬وضرورة قراءة‬ ‫التاريخ واألدبيات عن موضوع الدراسة‪ ،‬وعدم‬ ‫االكتف������اء بجم������ع املعلومات املتعلق������ة باملوضوع‬ ‫وتصنيف هذه املعلومات‪ ،‬ثم عرضها ببس������اطة‬ ‫وبطريق مباش������ر‪ ،‬وإمنا حتليل ه������ذه املعلومات‬ ‫وتفسيرها في ضوء نظرية من النظريات التي‬ ‫يزخ������ر بها تاريخ الفك������ر األنثروبولوجي أو علم‬ ‫االجتم������اع‪ .‬وه������و ما يوضح أن الت������زام الباحث‬ ‫بالنظرية العلمية كان ش������غله الشاغل فهو ليس‬ ‫كبعض األنثروبولوجيني الذين قد يس������تغرقهم‬ ‫االهتمام بالدراسات امليدانية دون اهتمام بإطار‬

‫‪27‬‬

‫‪oct 12-37.indd 27‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫نظ������ري وإمنا كان يؤكد على أهمية هذا اإلطار‬ ‫ف������ي كل مرحلة وإجراء من إج������راءات البحث‪،‬‬ ‫ب������د ًءا من اختي������ار موضوع البحث ومش������كلته‪،‬‬ ‫ومجتمع الدراس������ة‪ ،‬مرو ًرا باألدوات املستخدمة‬ ‫كاملالحظة باملش������اركة أو غيرها‪ ،‬وانتهاء بكتابة‬ ‫نتائج البحث مبس������توى من التجريد‪ .‬ولعل ذلك‬ ‫يتض������ح في قوله موج ًها حديث������ه للباحث «ليس‬ ‫للوقائع واألح������داث أي معنى أو أهمية في حد‬ ‫ذاتها‪ ،‬وإمنا هي تكتس������ب معناه������ا االجتماعي‬ ‫حني توضع ف������ي ضوء نظرية عامة مما يتطلب‬ ‫إخض������اع املعلومات لنوع من االختبار يتالءم مع‬ ‫تل������ك النظرية‪ .‬واحملك األخير الذي يتحكم في‬ ‫حتدي������د وتعيني ما يذكره الباحث في دراس������ته‬ ‫هو مدى متاش������يها واتفاقها م������ع االجتاه العام‬ ‫للدراس������ة‪ ،‬ومدى نفعها في تفهم املشكلة التي‬ ‫أثارتها هذه املعلومات ذاتها في ذهن الباحث»‪.‬‬ ‫وفي حديثه عن أهمية املالحظة باملشاركة أكد‬ ‫أهمية التفاعل املس������تمر بني املواقف النظرية‪،‬‬ ‫والبحث امليداني واملعلومات اإلثنوجرافية‪ ،‬وفي‬ ‫ً‬ ‫أمناطا‬ ‫اختياره للمجتمع������ات احمللية التي متثل‬ ‫اجتماعية وثقافية داخل إطارها الثقافي العام‬ ‫نبه إل������ى أهمية أن يضع الباح������ث في اخللفية‬ ‫(اإلطار النظ������ري) املوجه للدراس������ة‪ ،‬فإذا كان‬ ‫يهت������م باختبار قضايا نظري������ة التغير راعى في‬ ‫اختي������اره ملجتمع الدراس������ة أن يكون قد ش������هد‬ ‫بعض التغيرات‪.‬‬ ‫ولعل العبارات السابقة تشير بوضوح ‪ -‬إلى‬ ‫جانب ما توضح������ه من أهمية االلت������زام بإطار‬ ‫نظ������ري في كل مراح������ل البحث ‪ -‬إل������ى أهمية‬ ‫«االختيار» فالبحث األنثروبولوجي هو سلس������لة‬ ‫من االختيارات التي تص������در عن التفضيل بني‬ ‫مختل������ف اإلمكانات والبدائل ب������د ًءا من اختيار‬ ‫منط املجتمع امل������راد دراس������ته‪ ،‬واختيار املنهج‬ ‫واألس������اليب‪ ،‬واختيار املدخ������ل النظري‪ ،‬حيث‬ ‫تخضع االختيارات ملعايي������ر موضوعية‪ ،‬وذاتية‬ ‫في الوقت نفس������ه‪ .‬وتتضح املوضوعية والذاتية‬ ‫في مختلف إجراءات البح������ث فاختيار طريقة‬

‫‪28‬‬

‫‪9/8/13 12:07:08 PM‬‬

‫البح������ث وأدوات������ه على س������بيل املث������ال يخضع‬ ‫العتب������ارات تتعل������ق بطبيعة مجتمع الدراس������ة‪،‬‬ ‫واملوضوع������ات امل������راد دراس������تها‪ ،‬والهدف من‬ ‫الدراس������ة كم������ا يتأثر ذل������ك في الوقت نفس������ه‬ ‫ببعض العوام������ل الذاتية مثل اإلع������داد العلمي‬ ‫للباح������ث‪ ،‬ومجال تخصص������ه‪ ،‬وخبراته وميوله‬ ‫وتفضيالته‪.‬‬

‫‪ - 2‬أدوات اجلمع امليداني‬

‫من بحوث ودراس������ات العال������م الكبير جتدر‬ ‫اإلش������ارة إلى أهم أدوات اجلم������ع امليداني التي‬ ‫حرص على استخدامها في أبحاثه وهي‪:‬‬

‫أ ‪ -‬املسح االجتماعي‬

‫أدرك أحم� � ��د أبوزيد بوضوح جدوى املس� � ��وح‬ ‫للبح� � ��ث األنثروبولوج� � ��ي‪ ،‬فم� � ��ا تس� � ��فر عنه هذه‬ ‫الدراسات املس� � ��حية من بيانات هو مبنزلة ركيزة‬ ‫لبحوث أكث� � ��ر حتدي � � � ًدا وعم ًقا‪ .‬ورمب� � ��ا نبع ذلك‬ ‫من حرصه الش� � ��ديد منذ البداي� � ��ة على فهم واقع‬ ‫البناء االجتماعي والثقاف� � ��ي املدروس‪ ،‬إلى جانب‬ ‫إمكانية االس� � ��تفادة من نتائج الدراس� � ��ة ألغراض‬ ‫عملية وتطبيقية في مقدمتها إفادة القائمني على‬ ‫التخطيط والتنمية‪ ،‬وتقييم املش� � ��روعات التنموية‬ ‫وإجناحها‪ ،‬خاصة وقد كان أحد أهدافه هو معرفة‬ ‫«ودراس� � ��ة اجتاهات األهالي ومواقفهم ونظراتهم‬ ‫إلى منط احلياة التقليدية وظروف املعيش� � ��ة التي‬ ‫يحيونها وم� � ��دى تقبلهم أو مترده� � ��م عليها وعدم‬ ‫رضاهم بها أو عنها»‪.‬‬

‫ب ‪ -‬دليل العمل امليداني‬

‫ه� � ��و أداة بديل� � ��ة لالس� � ��تبيان ف� � ��ي البح� � ��وث‬ ‫السوس� � ��يولوجية هدفها تنظيم اجلم� � ��ع امليداني‪،‬‬ ‫وقد وصفه أبوزيد بأنه «يضم مجموعة من النقاط‬ ‫العامة التي متثل أهم التساؤالت التي يدور حولها‬ ‫البح� � ��ث‪ ،‬مع مراعاة عدم الدخ� � ��ول في التفاصيل‬ ‫الدقيقة التي قد تضع قي� � ��و ًدا على حرية الباحث‬ ‫و(الش� � ��خص) اإلخب� � ��اري على الس� � ��واء ومتنعهما‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 28‬‬


‫بذلك من التط� � ��رق إلى مختلف جوانب املش� � ��كلة‬ ‫أو املش� � ��اكل املطروحة للنقاش أثن� � ��اء أي لقاء من‬ ‫هذه اللقاءات»‪ .‬وهي أداة اس� � ��تخدمها في أبحاثه‬ ‫امليدانية‪ ،‬وأبرز أهميتها في بحثه عن رؤى العالم‪،‬‬ ‫حيث صدر دليل مفصل للعمل امليداني في إصدار‬ ‫للمركز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية‪.‬‬

‫ج ‪ -‬املالحظة باملشاركة‬

‫ه� � ��ي م� � ��ن األدوات الت� � ��ي ارتبط� � ��ت باملنه� � ��ج‬ ‫األنثروبولوج� � ��ي بل إن لها فضال‪ ،‬متيز هذا املنهج‬ ‫م� � ��ن خاللها‪ .‬وق� � ��د حظيت املالحظة باملش� � ��اركة‬ ‫باهتمام أحمد أبوزيد البالغ فرآها «هي األس� � ��اس‬ ‫الذي تقوم عليه بقية طرق البحث األنثروبولوجي‬ ‫للوص� � ��ول إلى درجة أكبر م� � ��ن التعمق في البحث‬ ‫وف� � ��ي الفهم‪ .‬وهي املرجع األخير للتأكد من صحة‬ ‫البيانات التي يحصل عليها الباحث من الوس� � ��ائل‬ ‫األخرى‪ ،‬وه� � ��ي التي متكن الباح� � ��ث من الوصول‬ ‫إل� � ��ى صورة كلي� � ��ة عن مجتمع بحث� � ��ه‪ ،‬وتوحي إليه‬ ‫بتس� � ��اؤالت جديدة»‪ .‬ونظ ًرا ملمارسته لهذه األداة‪،‬‬ ‫وحرص� � ��ه على ممارس� � ��ة تالميذه له� � ��ا فقد حدد‬ ‫املقصود بها‪ ،‬وش� � ��روطها‪ ،‬وإمكانية تطبيقها فهي‬ ‫ليس� � ��ت عملية سهلة أو بس� � ��يطة‪ ،‬وإمنا حتتاج إلى‬ ‫م� � ��ران وتدريب‪ ،‬فاملقصود به� � ��ا «االندماج الكامل‬ ‫ف� � ��ي حياة املجتمع»‪ ،‬وهو ما يتطلب مرور فترة من‬ ‫الزم� � ��ن تكفي لتقبل املجتمع وج� � ��ود الباحث‪ .‬وهو‬ ‫ما يس� � ��مح للباحث باملش� � ��اركة في احلياة العامة‪،‬‬ ‫وفي األنشطة االجتماعية اليومية‪ ،‬وتكمن أهمية‬ ‫االندماج في أنه يساعد الباحث على فهم العادات‬ ‫وأمناط السلوك الس� � ��ائدة في املجتمع‪ .‬وإن كانت‬ ‫ل� � ��ه خطورته إذا وصل إلى حد التوحد مع املجتمع‬ ‫واعتناق مواقفه ووجهة نظره لألش� � ��ياء‪ ،‬وبالتالي‬ ‫فقدان املوضوعية في البحث‪.‬‬ ‫كم������ا أدرك تف������اوت ق������درات الباحثني على‬ ‫االندم������اج بني اندماج كل������ي‪ ،‬ومراقبة من بعيد‪،‬‬ ‫وتفاوتهم ً‬ ‫أيضا في القدرة على تذكر األحداث‬ ‫واملواقف والتفاصيل‪ .‬لذا يحرص البعض على‬ ‫التس������جيل في امليدان‪ ،‬أو بعد العودة‪ ،‬وأيا كان‬ ‫تكامل املنهجية عند أحمد أبوزيد‬

‫‪9/8/13 12:07:11 PM‬‬

‫فاملهم هو تسجيل التفاصيل الدقيقة ملا لها من‬ ‫أهمية‪.‬‬

‫د ‪ -‬اإلخباريون‬

‫إلى جان������ب االهتم������ام الكبي������ر باملالحظة‬ ‫مبس������توياتها‪ ،‬وباملالحظة باملش������اركة على وجه‬ ‫اخلص������وص‪ ،‬أك������د أبوزيد عدم االس������تغناء عن‬ ‫املقابلة‪ ،‬واإلخباريني كأدوات رئيسية للحصول‬ ‫عل������ى بيانات تتعلق بأوض������اع اجتماعية يصعب‬ ‫إخضاعها للمالحظة املباشرة‪ .‬وأولى اهتما ًما‬ ‫خاص������ا باإلخب������اري‪ ،‬وأه������م ش������روط اختياره‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وأهمي������ة الرجوع إلى أكثر م������ن إخباري واحد‪،‬‬ ‫موضحا تف������اوت القدرات بني اإلخباريني‪ .‬فعن‬ ‫ً‬ ‫شروط اإلخباري اجليد أش������ار إلى اختيار من‬ ‫لدي������ه املعرفة بش������ئون املجتم������ع‪ ،‬والقدرة على‬ ‫اإلدالء باملعلومات بدقة‪ ،‬وأن يكون موضع ثقة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫شروطا أخرى‬ ‫ثم أضاف في بحثه لرؤى العالم‬ ‫ومعايير موضوعية عل������ى الباحث تطبيقها في‬ ‫اختي������اره لألش������خاص (أو اإلخباريني) هي أال‬ ‫يختاره������م إال بعد طول معرفة باملجتمع احمللي‬ ‫بكل نظمه وأنس������اقه االجتماعية وأعضائه‪ ،‬ثم‬ ‫يراعي في اختيار الشخص اإلخباري أن يكون‬ ‫جيدا ومتجاو ًبا م������ع الباحث‪ ،‬أي أن تكون لديه‬ ‫ً‬ ‫الرغبة‪ -‬والقدرة عل������ى‪ -‬احلديث والتعبير عن‬ ‫ذات������ه وعن وجهة نظره‪ .‬وقد يتطلب ذلك توافر‬ ‫درجة معينة من سعة اخليال والقدرات اإلبداعية‬ ‫لدى ذلك الش������خص أكثر من اإلحاطة بأمناط‬ ‫السلوك والنظم والعادات‪ ،‬مع تفضيل االعتماد‬ ‫على أكثر من إخباري يرجع الباحث إليهم على‬ ‫فت������رات متباعدة‪ ،‬وفي مواقف مختلفة‪ .‬أما في‬ ‫ما يتعلق بتفاوت ق������درات اإلخباريني‪ ،‬فأهمها‬ ‫تفاوت القدرة على التذكر‪ ،‬وسعة األفق‪ ،‬وتنوع‬ ‫التجارب‪ ،‬وعمق الفهم لألوضاع االجتماعية‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬األدوات السمعية والبصرية‬

‫أك������د األس������تاذ العال������م أهمي������ة أدوات‬ ‫أنثروبولوجية أخرى‪ ،‬وإن رأى أن اس������تخدامها‬

‫‪29‬‬

‫‪oct 12-37.indd 29‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫يحت������اج إلى أعم������ال ومج������االت بحثية خاصة‪.‬‬ ‫وف������ي مقدمة هذه األدوات‪ ،‬األدوات الس������معية‬ ‫والبصرية فقد رأى أن الصور من أهم األدوات‬ ‫ليس فقط كوسيلة للتوضيح‪ ،‬ولكن كأداة فعالة‬ ‫وس������هلة وبس������يطة لتلخيص املواق������ف املعقدة‬ ‫في (لقطة) واحدة س������ريعة قد يحتاج ش������رحها‬ ‫وحتليلها مللء عش������رات الصفح������ات‪ .‬وكان من‬ ‫رأي������ه أن الصورة تق������رأ كالن������ص املكتوب وإن‬ ‫احتاجت إلى خبرة ويقظة ومران‪ .‬وأش������ار إلى‬ ‫جديدا هو‬ ‫فرعا‬ ‫ً‬ ‫أن التصوير ق������د أصبح يؤلف ً‬ ‫األنثروبولوجي������ا البصرية أو املرئية‪ ،‬له مؤلفاته‬ ‫وأساتذته‪ ،‬ودورياته املتخصصة‪ .‬وفي ما يتعلق‬ ‫بالتسجيل الصوتي فرأى أنه يرتبط باعتبارات‬ ‫أخالقية ترتبط بضرورة احلصول على موافقة‬ ‫املبحوث���ي��ن‪ ،‬وه������ي أداة تتيح الفرص������ة للتحليل‬ ‫اللغوي الداللي‪.‬‬ ‫وف������ي خت������ام احلدي������ث ع������ن اإلج������راءات‬ ‫املنهجي������ة أرى أهمية تناول أح������د املوضوعات‬ ‫املنهجية املهمة التي حتس������ب ألحمد أبوزيد في‬ ‫تطبيقاته للمنه������ج األنثروبولوجى وأدواته‪ ،‬وهو‬ ‫اعتماده في معظم دراس������اته على فريق للجمع‬ ‫امليداني‪ ،‬فقد استخدمه في دراسة أجريت في‬ ‫الصحراء الغربية املصرية عامي ‪،1966/1965‬‬ ‫وفي بحث������ه القيم في املجتمع������ات الصحراوية‬ ‫املصري������ة في نهاية الثمانيني������ات وهو ما ميكن‬ ‫ودرس������ا منهج ًّيا‬ ‫أن نتخذه هن������ا مثاالً يحتذى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫م������ن دروس العالم الباحث‪ ،‬كما اس������تخدمه في‬ ‫بحث رؤى العالم وغيره من أبحاث‪ .‬ففي بحث‬ ‫املجتمع������ات الصحراوية املصري������ة مت االعتماد‬ ‫عل������ى فريق مكون م������ن ثالثة وعش������رين باح ًثا‬ ‫وباحثة منهم خمس������ة عش������ر باح ًثا وباحثة في‬ ‫األنثروبولوجيا‪ ،‬وس������بعة باحث���ي��ن وباحثات في‬ ‫علم االجتماع‪ ،‬وباح������ث واحد في علم النفس‪،‬‬ ‫ومش������رف متخصص ف������ي األنثروبولوجيا‪ ،‬أي‬ ‫أنه اعتمد على أعضاء متعددي التخصصات‪.‬‬ ‫واش������ترك الفريق كله كوحدة متكاملة في جمع‬ ‫املادة العلمية التي تعطي خلفية عامة وأساسية‬ ‫عن مجتمع الدراس������ة‪ ،‬وفي نفس الوقت انقسم‬

‫‪30‬‬

‫‪9/8/13 12:07:15 PM‬‬

‫الفريق إلى ثالث مجموعات اهتمت كل واحدة‬ ‫بدراسة منط اجتماعي واقتصادي واحد (منط‬ ‫صيد‪ ،‬ورعي وزراعة‪ ،‬وب������داوة)‪ ،‬حيث اهتم كل‬ ‫باحث بأحد األنس������اق االجتماعية أو الثقافية‬ ‫دون إغفال لبقية األنس������اق وهو ما يؤكد حديثه‬ ‫عن ض������رورة أن يظل اإلطار أو املدخل النظري‬ ‫في خلفية الباحثني‪ ،‬فهم هنا يدرسون كل نسق‬ ‫فى عالقته ببقية األنس������اق في املجتمع احمللي‬ ‫نفس������ه‪ ،‬وفي ضوء مكونات البن������اء االجتماعي‬ ‫والثقافي ككل‪.‬‬ ‫ورأى أبوزي������د في هذا البح������ث القيم‪ ،‬وفي‬ ‫غيره من البحوث أن العمل في فريق يحتاج إلى‬ ‫العمل وف ًقا جلدول زمني‪ ،‬وإلى تقس������يم للعمل‪،‬‬ ‫وتنس������يق ب���ي��ن امله������ام املختلف������ة‪ ،‬والتوفيق بني‬ ‫متطلبات أساس������ية ومتكاملة تبدأ من االلتزام��� ‫بإط������ار نظري‪ ،‬وخطة بحثي������ة‪ ،‬وأدوات وتنتهي‬ ‫بأهمي������ة أن يترك للباحث أو اجلامع مس������احة‬ ‫كافية من احلرية واإلبداع فهو ليس مجرد آلية‬ ‫للجمع امليداني‪.‬‬ ‫ومن قبل ذل������ك ومن بعد فإن االعتماد على‬ ‫فريق بحث������ي يتطلب التزام املش������رف بعدد من‬ ‫القي������م يتحلى به������ا‪ ،‬ويقوم بنش������رها وبثها بني‬ ‫أعض������اء الفري������ق‪ ،‬وحتى ميكنن������ا التعرف على‬ ‫بعض هذه القيم س������وف أعتمد هنا على بعض‬ ‫شهادات تالميذه الذين عملوا معه ضمن فريقه‬ ‫البحثي‪ ،‬فقد أكدوا أن األس������تاذ كان يقوم بدور‬ ‫األب ألعضاء فريقه وألس������رهم ً‬ ‫أيضا فيطمئن‬ ‫األهل‪ ،‬ويصاحب الباحثني‪ ،‬ويوفر لهم اإلمكانات‬ ‫الضروري������ة‪ ،‬ويب������ث فيه������م روح العزمية‪ ،‬وحب‬ ‫الوصول إلى احلقيق������ة‪ ،‬وحب املغامرة‪ ،‬وارتياد‬ ‫الصع������اب في س������بيل إجناز العم������ل على أكمل‬ ‫وجه‪ .‬وعلى اجلانب اآلخر كان يحثهم ويعطيهم‬ ‫منوذجا في االلتزام بقي������م وأخالقيات البحث‬ ‫ً‬ ‫العلم������ي ف������ي تعاملهم مع مف������ردات مجتمعات‬ ‫الدراسة من حيث تكتم أسرارهم وعدم إفشاء‬ ‫م������ا ائتمنوا علي������ه‪ ،‬مع تش������جيع الباحثني على‬ ‫احترام عادات وتقاليد مجتمع الدراسة في كل‬ ‫تفاصيل احلياة اليومية >‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 30‬‬


‫الثأر في املجتمع العربي‬

‫قراءة‬ ‫في أعمال أحمد أبوزيد‬ ‫سعيد املصري *‬ ‫م ��ا طبيع ��ة الثأر في املجتمع ��ات العربية؟ وما عالقة الث ��أر بالبنية االجتماعي ��ة وحتوالتها في‬ ‫العالم العربي؟ وما األس ��باب االجتماعية واالقتصادية والسياس ��ية الس ��تمرار ممارس ��ات الثأر‬ ‫وإعادة إنتاجه في عاملنا املعاصر؟ وملاذا تس ��تمر ممارس ��ات العنف والثأر في حياتنا وفي عقليتنا‬ ‫منذ أعماق التاريخ العربي وحتى اآلن؟ وملاذا فش ��لت الدولة احلديثة التي تأسس ��ت في العالم‬ ‫العربي بإعالئها لسيادة القانون في أن تقضي على حوادث الثأر؟ وملاذا فشلت موجات التحديث‬ ‫الت ��ي اجتاح ��ت املنطق ��ة العربية في أن تدفع الن ��اس إلى التعايش املتحضر أس ��وة بدول العالم‬ ‫املتق ��دم دون الع ��ودة إلى غياهب القبلية وأعراف البادية في ممارس ��ات الثأر؟ هذه هي األس ��ئلة‬ ‫التي شغلت أحمد أبوزيد حني أجرى أول دراسة عربية عن الثأر نشرت عام ‪( :1965‬الثأر‪ ،‬دراسة‬ ‫أنثروبولوجية بإحدى قرى الصعيد‪ ،‬منش ��ورات املرك ��ز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية‪،‬‬ ‫القاهرة‪ :‬دار املعارف مبصر)‪.‬‬ ‫رغ�� ��م مرور ما يقرب من نصف قرن على‬ ‫صدور هذه الدراس�� ��ة فإن حوادث القتل‬ ‫بدواف�� ��ع ثأرية التزال قائمة حتى اآلن في‬ ‫صعيد مصر وفي مناطق أخرى في العالم العربي‪ .‬لقد‬ ‫رسم لنا أحمد أبوزيد لوحة فنية رائعة تفيض باملعرفة‬ ‫الدقيقة لعال�� ��م الثأر ومن يؤمنون به وميارس�� ��ونه في‬ ‫حياته�� ��م‪ .‬وقدم لنا أبوزيد خبرة ميدانية حية من قرية‬ ‫بني س�� ��ميع مبركز أبوتيج مبحافظة أس�� ��يوط املصرية‬

‫عن مجتمع فقير قبلي ومغلق يعاني قسوة احلياة وظلم‬ ‫البيئة وقسوة فيضان النيل كل عام فانعكس ذلك على‬ ‫قسوة العالقات فيما بني جماعاته‪ .‬وأظهر أبوزيد مدى‬ ‫تش�� ��بث الفقراء باحلياة في ظل الندرة وكيف يحققون‬ ‫أمنهم بالقتل‪ .‬ال ش�� ��ك في أن احلياة في صعيد مصر‬ ‫تغيرت كثيراً منذ صدور هذه الدراس�� ��ة‪ ,‬ومع ذلك فإن‬ ‫ما حتمله تلك الدراس�� ��ة من قيم�� ��ة علمية التزال حية‬ ‫وتثير قضايا معرفية ومنهجية وأخالقية وعملية التزال‬

‫* أستاذ علم االجتماع بجامعة القاهرة‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫‪9/8/13 12:07:20 PM‬‬

‫‪oct 12-37.indd 31‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫ملهمة للباحثني على امتداد الوطن العربي‪ ،‬وملهمة أيضاً‬ ‫لكل من يهمهم التنوي�� ��ر واكتمال احلداثة في املجتمعات‬ ‫العربية‪ .‬لنرى فيما يلي كيف رس�� ��م لنا أحمد أبوزيد عبر‬ ‫هذه الدراس�� ��ة الرائدة معالم الثأر وكيف يرس�� ��ي مبادئ‬ ‫علمية في مرحلة مبكرة من تاريخ البحث األنثروبولوجي‬ ‫في مصر والعالم العربي‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬الثأر نظام اجتماعي وليس جرمية‬

‫انطل�� ��ق أحمد أبوزيد في دراس�� ��ته من مبدأ وظيفي‬ ‫يرى أن الثأر نظ�� ��ام اجتماعي يرتبط بالبناء االجتماعي‬ ‫الس�� ��ائد والظروف البيئية واالقتصادية التي ميارس في‬ ‫ظله�� ��ا‪ .‬صحيح أن حوادث القتل بداف�� ��ع الثأر في جانب‬ ‫منه�� ��ا جرائ�� ��م‪ ،‬ولكن ممارس�� ��ات الثأر تق�� ��وم على نظام‬ ‫اجتماع�� ��ي ينبغي فهمه بعمق‪ ،‬حيث يقوم نظام الثأر على‬ ‫مجموع�� ��ة من القواع�� ��د املنظمة للعالق�� ��ات االجتماعية‬ ‫واملمارس�� ��ات والقي�� ��م املرتبط�� ��ة بالثأر والت�� ��ي يتداولها‬ ‫الن�� ��اس فيما بينهم اجتماعياً وتنتقل بينهم عبر األجيال‪.‬‬ ‫ويحظى الثأر بقبول مجتمعي مبوجب كونه يلبي حاجات‬ ‫اجتماعية واقتصادية وثقافية سائدة‪ .‬فالثأر ليس مجرد‬ ‫جرمية قتل ترتكب عشوائياً إلشباع رغبة في االنتقام أو‬ ‫القصاص جلرم س�� ��ابق‪ ،‬بل هو نظام اجتماعي متماسك‬ ‫له مالمحه األساسية ومبادئه اخلاصة التي حتكمه‪.‬‬ ‫وم�� ��ن أهم مالمح هذا النظ�� ��ام أن كل من يُقتل البد‬ ‫أن يُؤخ�� ��ذ بثأره عن طريق قتل ش�� ��خص واحد فقط من‬ ‫الط�� ��رف املقابل‪ ،‬وأن االعتداء على حياة ش�� ��خص يعتبر‬ ‫اعتداء على اجلماع�� ��ة القرابية التي ينتم�� ��ي إليها‪ ،‬كما‬ ‫أن جماع�� ��ة املعتدي تكون مس�� ��ئولة ككل ع�� ��ن اعتدائه‪.‬‬ ‫وال يؤخذ بالثأر إال م�� ��ن الذكر البالغ الرجل القادر على‬ ‫حمل الس��ل��اح وعلى الدفاع عن نفس�� ��ه‪ .‬ويقوم الثأر بني‬ ‫الوحدات القرابية املتمايزة‪ ،‬فليس ثمة ثأر في اجلماعة‬ ‫القرابي�� ��ة األبوية (البدنة) إال في ح�� ��االت نادرة أو حني‬ ‫تتفرع اجلماعة القرابي�� ��ة األبوية الكبيرة إلى وحدات أو‬ ‫بدنات صغيرة مس�� ��تقلة اقتصادياً وسياسياً إحداها عن‬ ‫األخرى‪ .‬كما أن املساواة في اخلسارة عامل أساسي في‬ ‫حسم الصراعات الثأرية‪ ,‬فقتل واحد من عائلة يستوجب‬ ‫قتل شخص في املقابل من العائلة األخرى‪ .‬والوصول إلى‬ ‫نقطة التعادل في عدد القتلى هو أساس انتهاء العداوات‬

‫‪32‬‬

‫‪9/8/13 12:07:24 PM‬‬

‫الثأرية‪ .‬غير أن قتل رب العائلة قد يس�� ��توجب‪ ،‬في نظر‬ ‫العائل�� ��ة املعتدى عليها‪ ،‬الثأر بقت�� ��ل أكثر من رجل‪ .‬ولهذا‬ ‫فإن فرص حتقيق املساواة في اخلسائر تظل ضئيلة مما‬ ‫يترتب عليه استمرار حوادث الثأر لعدة أجيال‪.‬‬ ‫وبذلك جتاوز أبوزيد النظرة املبس�� ��طة التي شاعت‬ ‫منذ خمس�� ��ينيات القرن املاضي ب��ي��ن الباحثني وصانعي‬ ‫السياس�� ��ات والتي تق�� ��ول إن الثأر جرمي�� ��ة‪ .‬فمن عيوب‬ ‫النظ�� ��رة القانونية الضيقة أنها تكتف�� ��ي بتجرمي حوادث‬ ‫القتل بدافع الثأر‪ ،‬وتغض الطرف عن أسبابه االجتماعية‬ ‫واالقتصادية والثقافية‪ .‬وبذل�� ��ك تظل الدولة غير قادرة‬ ‫عل�� ��ى التخلص م�� ��ن الثأر مهم�� ��ا بلغت ش�� ��دة إجراءاتها‬ ‫القانوني�� ��ة والش�� ��رطية والقضائي�� ��ة ومهم�� ��ا غلظت من‬ ‫العقوبة‪ .‬وحتى لو استطاعت األجهزة األمنية والقضائية‬ ‫الكش�� ��ف عن مرتكبي حوادث القتل ومعاقبتهم بالسجن‪،‬‬ ‫ف�� ��إن أهل املجني عليهم يتعقب�� ��ون بإصرار ال يلني أقارب‬ ‫القاتل حتى يتم النيل من أحدهم أخذاً بثأرهم‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬التكتل القرابي يؤجج عداوات الثأر‬

‫حاالت الثأر ال تتم بني أفراد من حيث هم أفراد وال‬ ‫حتى بني األسر الصغيرة التي يتألف كل منها من الوالدين‬ ‫واألبناء الصغار‪ ،‬وإمنا يحدث الثأر بني الوحدات القرابية‬ ‫الكبيرة في التنظيم القبلي والتي تعرف بالبدنات وتضم‬ ‫مئات من األفراد‪ .‬وتتشعب البدنة إلى عدد من العائالت‬ ‫واألس�� ��ر الصغيرة والتي تقيم في مكان واحد مما يسهل‬ ‫مع�� ��ه الدفاع ومراقبة اخلص�� ��وم واالطمئنان على احلياة‬ ‫بعيداً عن التعرض للقتل أو العدوان‪ .‬ويس�� ��تفيض أحمد‬ ‫أبوزيد في ش�� ��رح هذا اجلانب بقوله إن التشتت والتبعثر‬ ‫يؤديان إلى إضعاف شوكة اجلماعة القرابية وبخاصة إذا‬ ‫دخلوا في نزاع مسلح مع غيرهم من اجلماعات القرابية‪،‬‬ ‫لذا كان�� ��ت الطريقة املثلى جلمع الش�� ��مل التكتل معاً في‬ ‫منطق�� ��ة واحدة واكتس�� ��اب الق�� ��وة السياس�� ��ية واملصالح‬ ‫االقتصادية املشتركة‪ .‬ومن الواضح أن التكتالت القرابية‬ ‫جتعل املجتمع يتس�� ��م باالنقسام والتعارض بني الوحدات‬ ‫القرابية مبا يس�� ��اهم في تفاقم الع�� ��داوات‪ ،‬ويحول ذلك‬ ‫دون أي متاس�� ��ك اجتماعي بني تلك اجلماعات القرابية‬ ‫املتعارضة‪.‬‬ ‫وهذا التكت�� ��ل القرابي يق ِّوي الضب�� ��ط الداخلي في‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 32‬‬


‫كل جماع�� ��ة قرابية عن طريق إخض�� ��اع جميع األعضاء‬ ‫لس�� ��لطان العائل�� ��ة ككل‪ ،‬مما يكفل عدم خ�� ��روج أي فرد‬ ‫على تقاليد األخذ بالثأر الس�� ��ائدة في البدنة التي ينتمي‬ ‫إليه�� ��ا‪ .‬وإذا أخل الفرد بالتزاماته نحو اجلماعة القرابية‬ ‫التي ينتمي إليها فسوف يتعرض للعقاب الذي يصل إلى‬ ‫حد اإلبعاد من العائلة كلية‪ .‬ونتيجة لذلك يعتنق كل فرد‬ ‫ويتمثل قيم اجلماعة القرابي�� ��ة التي ينتمي إليها فتذوب‬ ‫في ش�� ��خصيته‪ ،‬من ناحية‪ ،‬كما يس�� ��تمد منه�� ��ا مقوماته‬ ‫االجتماعي�� ��ة‪ ،‬من ناحية أخرى‪ .‬وأي اعتداء على أي فرد‬ ‫في تلك اجلماعة يعتبر اعتداء على كل اجلماعة وإهانة‬ ‫لها‪ ،‬وبالتالي يعتبر اعتداء عليه هو نفس�� ��ه بحيث يشعر‬ ‫بأن عليه أن يرد ذلك االعتداء كما لو كان واقع عليه هو‬ ‫شخصياً‪.‬‬ ‫وهنا يش�� ��ير أبوزيد إلى أن مبدأ إن�� ��كار قيمة الفرد‬ ‫في س�� ��بيل إعالء قيمة اجلماعة القرابية ميثل ميكانيزم‬ ‫الثأر‪ .‬فوالء الفرد جلماعته القرابية يفوق والءه للمجتمع‬ ‫الكبي�� ��ر‪ ،‬وهذه من خصائ�� ��ص املجتمع�� ��ات املغلقة التي‬ ‫متارس الثأر‪ .‬وبقدر ما يس�� ��اهم التكتل القرابي في بعث‬ ‫الطمأنينة واألمن بني األقرباء‪ ،‬فإنه يساهم في استمرار‬ ‫حاالت النزاع ملدة طويلة قد تس�� ��تغرق أجي�� ��االً متتالية���.‬‬ ‫حيث تتع�� ��دد التكت��ل��ات القرابية‪ ،‬وتنقس�� ��م القرية إلى‬ ‫مناطق نف�� ��وذ قرابية متعددة بحيث يصعب على الغرباء‬ ‫العيش وسط األقرباء بسهولة‪.‬‬ ‫وتلعب القرابة دوراً بالغاً في تعميق تضامن اجلماعة‬ ‫القرابية األكبر مع األس�� ��رة املباش�� ��رة للقتي�� ��ل مبا يعني‬ ‫اتساع املس�� ��ئولية االجتماعية في األخذ بالثأر وتدرجها‬ ‫مب�� ��ا يؤدي إل�� ��ى تفاقم الص�� ��راع الثأري واتس�� ��اع نطاقه‬ ‫واستمراره أجياالً طويلة‪.‬‬

‫ثالث ًا‪ :‬الثأر من قيم الرجولة‬

‫ينشأ الثأر في املجتمعات ذات الثقافة األبوية‪ ،‬وفي‬ ‫هذا الصدد يشير أبوزيد إلى أن قيمة الذكر االجتماعية‬ ‫تعتبر أعلى من قيمة األنثى؛ ألن وجود الذكر في العائلة‬ ‫أو القبيل�� ��ة أو العش�� ��يرة يضمن اس�� ��تمرارها في الوجود‬ ‫بفعل االنتس�� ��اب إل�� ��ى الذكور‪ .‬ومن الواض�� ��ح أن تقارب‬ ‫الس�� ��كان في املس�� ��توى االجتماعي يجعل لديهم ش�� ��عوراً‬ ‫قوي� � �اً بأن الرجول�� ��ة هي محل اعتزاز وتقدي�� ��ر‪ ،‬وبالتالي‬ ‫قراءة في أعمال أحمد أبوزيد‬

‫‪9/8/13 12:07:26 PM‬‬

‫عدم تق ُّبل السيطرة واخلضوع ألي عائلة أو قبيلة‪ .‬بحيث‬ ‫يعد االعتداء على أي ش�� ��خص من قبيلة ما اعتداء على‬ ‫رجولة القبيلة يس�� ��توجب االعتداء باملثل الستعادة شرف‬ ‫الرجولة‪.‬‬ ‫ويترتب على ذلك أن يكون الثأر من رجل لرجل‪ ،‬وال‬ ‫يجوز أن يثأر أي ش�� ��خص من عائلة م�� ��ا بحرق ما لديها‬ ‫من مزروعات أو إتالف ماكينات الري أو تسميم املواشي‬ ‫بقص�� ��د االنتقام‪ .‬فم�� ��ن يفعل ذلك فإمنا يلح� � � ُق به كثير‬ ‫م�� ��ن اخلزي والعار كرجل؛ ألنه أخف�� ��ق أو َج نُب عن الثأر‬ ‫من األش�� ��خاص بأن ثأر من اجلماد واحليوان‪ .‬وتقتضي‬ ‫الرجول�� ��ة أيضاً جتنيب األوالد والنس�� ��اء أي ضرر خالل‬ ‫املواجهات ب��ي��ن أهل القاتل وأهل القتيل‪ .‬وال تلعب املرأة‬ ‫دوراً أساس�� ��ياً في نظام الثأر من حيث االشتراك الفعلي‬ ‫في هذا النظ�� ��ام وإن كانت تغذيه باحلث عليه وتنش�� ��ئة‬ ‫األبناء الذك�� ��ور على أن الرجولة تعني القدرة على األخذ‬ ‫بالثأر‪.‬‬

‫راب �ع � ًا‪ :‬ال�ث��أر يرتبط بالفقر وال �ص��راع على اخلير‬ ‫احملدود‬ ‫يشير أبوزيد إلى أن صغر حجم احليازات الزراعية‬ ‫على العموم وارتباطه بانخفاض املستوى االقتصادي العام‬ ‫معناه عدم وجود تفاوت اجتماعي ش�� ��ديد بني الس�� ��كان‬ ‫ف�� ��ي القرية‪ ،‬بحيث ال يتيح ذل�� ��ك الفرصة لقيام عالقات‬ ‫الس�� ��يطرة من ناحية واخلضوع من ناحية أخرى بني تلك‬ ‫اجلماعات والعائالت‪ .‬ولهذا يسود الشعور العام لدى كل‬ ‫جماعة قرابية بأنهم متس�� ��اوون ف�� ��ي مكانتهم مبقدار ما‬ ‫لديهم من رجال‪ .‬وبالتالي فإن وقوع أي حاالت قتل لدى‬ ‫أي جماع�� ��ة البد أن ينتقص من قيمته�� ��ا ويخل بالتوازن‬ ‫القائ�� ��م بينها وب��ي��ن اجلماعات القرابي�� ��ة األخرى ويهدد‬ ‫مكانتها بشدة؛ مما يستوجب الثأر لكي تسترد اجلماعة‬ ‫مكانته�� ��ا ورجولتها‪ .‬وملا كان التكتل الس�� ��كني للجماعات‬ ‫القرابية ال يقابله تكتل ف�� ��ي امللكيات الزراعية في مكان‬ ‫واحد‪ ،‬فإن تبعثر امللكيات الزراعية الصغيرة في أكثر من‬ ‫مكان يجعل املنطقة الزراعية الواحدة مقسمة إلى حقول‬ ‫صغي�� ��رة ميلكها أفراد ينتمون لعائ��ل��ات مختلفة قرابياً‪.‬‬ ‫وعقب انتهاء موس�� ��م فيضان الني�� ��ل كل عام يترتب على‬ ‫ذلك طمس احلدود بني امللكيات الزراعية الصغيرة‪ ،‬مما‬

‫‪33‬‬

‫‪oct 12-37.indd 33‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫يؤدي إلى نشوب نزاعات مستمرة وحاالت قتل ثأرية بني‬ ‫عائالت مختلفة‪ .‬كما أن الصراع على مساحات اجلسور‬ ‫احمل�� ��دودة عند جني احملاصيل يتس�� ��بب ف�� ��ي احتكاكات‬ ‫س�� ��رعان ما تؤدي إلى معارك مسلحة يسقط فيها قتلى‪.‬‬ ‫ولهذا تعد املواس�� ��م الزراعية مواس�� ��م قت�� ��ل وثأر نتيجة‬ ‫لتدن�� ��ي الوضع االقتصادي والصراع على الندرة‪ .‬كما أن‬ ‫فترة الفيضان تس�� ��اهم في توق�� ��ف املزارعني عن العمل‬ ‫وطول وقت فراغهم مما يترتب عليه نشوب حاالت نزاع‬ ‫ميكن أن تتطور إلى حاالت قتل‪.‬‬ ‫ورغم تغير أحوال الريف املصري بعد إنش�� ��اء السد‬ ‫العالي وانحس�� ��ار الفيض�� ��ان واتباع نظام ال�� ��ري الدائم‪،‬‬ ‫فإن حاالت الثأر التزال قائم�� ��ة طاملا ظل الفقر والعزلة‬ ‫والندرة قائم� � �اً في املجتمعات التي يتفش�� ��ى فيها الثأر‪.‬‬ ‫وأم�� ��ام هذه الن�� ��درة يعيش الناس ف�� ��ي مجتمعات مغلقة‬ ‫ً‬ ‫ارتباطا ش�� ��ديداً باألرض‪ .‬وهنا يش�� ��ير أبوزيد‬ ‫مرتبطني‬ ‫إلى أن تلك الرقعة احمل�� ��دودة من األرض تتركز فيها كل‬ ‫أماني وآمال اإلنس�� ��ان وكل ثمرات مجهوده وعمله‪ .‬فهي‬ ‫ليس�� ��ت أرضاً تُسكن أو تُزرع بل هي أرض محملة بالقيم‬ ‫والتقاليد والتراث االجتماع�� ��ي وكيان الفرد واجلماعة‪.‬‬ ‫وم�� ��ن هنا جند أن التعدي على األرض وحدودها هو تعد‬ ‫على الذات االجتماعي�� ��ة للجماعة يؤدي في األغلب إلى‬ ‫القتل والثأر‪.‬‬

‫خامس ًا‪ :‬ضعف الدولة يعزز نظام الثأر‬

‫يحدث الثأر في املجتمع�� ��ات املغلقة التي تقوم على‬ ‫الرواب�� ��ط القرابية والضبط االجتماعي غير الرس�� ��مي‪.‬‬ ‫ففي تلك املجتمعات يسود العرف وعدم االكتراث بآليات‬ ‫الضبط االجتماعي الرسمي ممث ً‬ ‫ال في القانون والشرطة‪.‬‬ ‫وفي مثل ه�� ��ذه املجتمعات يبدو حض�� ��ور الدولة ضعيفاً‬ ‫وهش� � �اً‪ ،‬وال يكت�� ��رث الناس بأجهزة الش�� ��رطة ويتجنبون‬ ‫التفاع�� ��ل معها‪ ،‬باإلضافة إلى عدم قدرة الش�� ��رطة على‬ ‫حتقيق األمن‪ .‬ويشير أبوزيد أيضاً إلى أن انقسام القرية‬ ‫إلى جماع�� ��ات قرابية متعادية يصاحب�� ��ه افتقار مجتمع‬ ‫القرية إلى تنظيم سياس�� ��ي عام ميثل القرية بكل سكانها‬ ‫ويتجاوز االنقسامات القرابية‪ .‬وفي ظل هذا الوضع متثل‬ ‫االنقسامات عقبة في متكني الدولة من قيام مشروعات‬ ‫تنموية يستفيد منها اجلميع‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫‪9/8/13 12:07:29 PM‬‬

‫سادس ًا‪ :‬كيف ميكن القضاء على الثأر؟‬

‫يختتم أحمد أبوزيد دراس�� ��ته باإلجابة عن الس�� ��ؤال‬ ‫التقلي�� ��دي واحملي�� ��ر‪ :‬كيف ميكن القضاء عل�� ��ى الثأر في‬ ‫املجتمع�� ��ات العربي�� ��ة؟ واإلجابة بس�� ��يطة بالطبع ولكنها‬ ‫مس�� ��تعصية كالس�� ��هل املمتنع‪ ،‬فال س�� ��بيل أمامنا س�� ��وى‬ ‫التغيير االجتماعي الش�� ��امل للبنية االجتماعية التقليدية‬ ‫الت�� ��ي يعمل في ظلها نظام الثأر‪ .‬وف�� ��ي هذا اإلطار يعد‬ ‫التعليم‪ ،‬بالش�� ��ك‪ ،‬عنصراً حاس�� ��ماً في بناء البشر على‬ ‫أس�� ��س جديدة تق�� ��وم على االحت�� ��رام والعمل املش�� ��ترك‬ ‫واملواطنة واحترام سيادة القانون‪ ،‬وحترر الفرد من قيود‬ ‫اجلماع�� ��ة القرابية والعصبيات التي تغ�� ��ذي نظام الثأر‪،‬‬ ‫وفق تعبير أبوزي�� ��د‪ .‬كما أن برام�� ��ج التنمية االجتماعية‬ ‫واالقتصادية والسياسية الشاملة كفيلة على املدى البعيد‬ ‫بأن تخلق مجتمعاً جديداً يخلو من الثأر‪ .‬وكل ذلك يعني‬ ‫أن الدولة احلديثة التي نش�� ��أت في العالم العربي التزال‬ ‫غير قادرة على مكافحة الفق�� ��ر والبـداوة والقبلية وغير‬ ‫قادرة على اكتمال مشروع احلداثة وتواجه مصاعب جمة‬ ‫ف�� ��ي املضي قدماً نحو عمليات التحديث نتيجة لنش�� ��اط‬ ‫املد الديني للحركة اإلس��ل��امية‪ ،‬والت�� ��ي يصاحبها خلط‬ ‫واضح بني مفه�� ��وم الدولة املدنية والدولة الدينية‪ .‬ولهذا‬ ‫تس�� ��تمر األعراف الثأرية وقد تستمد مش�� ��روعيتها من‬ ‫صور القضاء الشرعي التي أصبحت تتوغل في منظومة‬ ‫الضبط االجتماعي بصفة عامة‪.‬‬

‫سابع ًا‪ :‬تأثير دراسة الثأر في بحوث األنثروبولوجيا‬ ‫العربية‬

‫إن م�� ��ا قدمه أبوزيد م�� ��ازال يحتفظ أيض� � �اً بقيمته‬ ‫الرائ�� ��دة في ترس�� ��يخ مبادئ علمية ثالثة ش�� ��كلت معالم‬ ‫أساس�� ��ية في تاري�� ��خ األنثروبوجليا العربي�� ��ة‪ ،‬وذلك على‬ ‫النحو التالي‪:‬‬

‫‪ -1‬توطني البحث األنثروبولوجي الوظيفي‪:‬‬

‫اعتمد أبوزيد في إجراء هذه الدراس�� ��ة على مبادئ‬ ‫التحلي�� ��ل الوظيفي الذي يتبناه في كل بحوثه ودراس�� ��اته‬ ‫منذ أن حصل على درجة الدكتوراه عام ‪ 1956‬من جامعة‬ ‫أكس�� ��فورد‪ .‬وتعد دراس�� ��ة الثأر بحق منوذجاً يحتذى في‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 34‬‬


‫تطبيق التحلي�� ��ل الوظيفي األنثروبولوج�� ��ي على مجتمع‬ ‫محلي صغير‪ .‬حيث انطلق أبوزيد من عدة مبادئ أهمها‬ ‫دراس�� ��ة املجتمع ككل باعتباره وحدة متماسكة تتألف من‬ ‫شبكة معقدة من اجلماعات والعالقات والنظم املتفاعلة‬ ‫املتس�� ��اندة‪ .‬والتزم بدراس�� ��ة العالقات القائمة بني الثأر‬ ‫وبقية النظم االجتماعية الس�� ��ائدة‪ ،‬والت�� ��ي تؤلف البناء‬ ‫االجتماعي‪ .‬واس�� ��تند ف�� ��ي ذلك إلى القواع�� ��د املنهجية‬ ‫التي أرس�� ��اها رواد املدرسة الوظيفية في األنثروبولوجيا‬ ‫البريطاني�� ��ة بصفة عامة‪ ،‬وإيفانز بريتش�� ��ارد خاصة في‬ ‫البحوث التي أجراها على مجتمع النوير بجنوب السودان‬ ‫خالل أربعينيات وخمسينيات القرن املاضي‪.‬‬ ‫اخت�� ��ار أحمد أبوزي�� ��د القرية الت�� ��ي اتخذها منوذجاً‬ ‫لدراس�� ��ة الثأر بن�� ��اء على عدة معايير محكمة تتس�� ��ق مع‬ ‫منهجه العلمي‪ ،‬حيث اس�� ��تند إلى اإلحصاءات الرس�� ��مية‬ ‫جلرائم القتل؛ والتي أظهرت ارتفاع نس�� ��بة حوادث القتل‬ ‫الناجم�� ��ة عن الثأر في محافظة أس�� ��يوط على مس�� ��توى‬ ‫اجلمهورية ع�� ��ام ‪ .1958‬وأعقب ذلك قيام البعثة العلمية‬ ‫التي أش�� ��رف عليها أبوزيد للقي�� ��ام بزيارات ميدانية لعدة‬ ‫مراكز وقرى‪ ،‬بحثاً عن أنس�� ��ب القرى التي تصلح لدراسة‬ ‫أنثروبولوجي�� ��ة للث�� ��أر‪ .‬كان�� ��ت املعايير املالئم�� ��ة للتحليل‬ ‫الوظيفي ف�� ��ي ذلك الوقت هي أس�� ��اس االختيار النهائي‬ ‫ملجتمع الدراس�� ��ة‪ ،‬وأهم تلك املعايير صغر حجم القرية‪،‬‬ ‫وجتانسها الثقافي مع بقية القرى األخرى بقدر اإلمكان‪،‬‬ ‫وأن تكون الظروف بالقرية هادئة مبا يسمح لفريق العمل‬ ‫بالتنقل وإجراء املقاب��ل��ات واملالحظات امليدانية من دون‬ ‫مخاطر‪ .‬باإلضافة إلى توافر احلد األدنى ألسباب املعيشة‬ ‫بالقرية مبا يتيح الفرصة لفريق العمل لإلقامة واإلعاشة‬ ‫دون صعوبات في هذا الشأن‪ .‬وأسفر جهد البعثة العلمية‬ ‫بعد مشقة كبيرة عن اختيار قرية بني سميع مبركز أبوتيج‬ ‫مبحافظة أسيوط لتكون املكان املالئم للدراسة‪.‬‬ ‫وهنا جتدر اإلش�� ��ارة إلى أن أبوزي�� ��د حني أخذ على‬ ‫عاتقه إجراء تلك الدراس�� ��ة في أواخر اخلمس�� ��ينيات من‬ ‫القرن املاضي كانت هذه أول جتربة له في دراسة مجتمع‬ ‫ريف�� ��ي بعد س�� ��نوات قضاها ف�� ��ي مقتبل حيات�� ��ه العلمية‬ ‫لدراسة مجتمعات صحراوية في مصر وسورية‪.‬‬ ‫وحني أجريت هذه الدراس�� ��ة كان أحمد أبوزيد على‬ ‫وع�� ��ي تام بأن الدراس�� ��ات األنثروبولوجية حديثة نس�� ��بياً‬ ‫قراءة في أعمال أحمد أبوزيد‬

‫‪9/5/13 1:08:30 PM‬‬

‫في مص�� ��ر والعالم العرب�� ��ي‪ .‬وكان على وع�� ��ي أيضاً بأن‬ ‫دراس�� ��ة الثأر هي أول دراس�� ��ة أنثروبولوجية متكاملة عن‬ ‫الثأر بصفة عامة‪ ،‬وملجتمع محلي صغير تس�� ��ير على نهج‬ ‫الدراس�� ��ات األنثروبولوجية الغربية بصفة خاصة‪ .‬ولهذا‬ ‫كان أبوزي�� ��د حريصاً كل احلرص على الدقة املنهجية في‬ ‫عملي�� ��ة جمع البيان�� ��ات وحتليلها وفقاً ألح�� ��دث القواعد‬ ‫العلمية الس�� ��ائدة عاملياً في ذلك الوقت‪ .‬كما كان حريصاً‬ ‫أيضاً على احلذر من التعميمات التي ميكن إطالقها على‬ ‫الث�� ��أر في املجتمع املصري بصفة عامة‪ .‬حيث أش�� ��ار إلى‬ ‫أن هذه الدراس�� ��ة منوذج مصغر قابل للتكرار في مناطق‬ ‫أخرى؛ معتبراً أنها نقطة انطالق لدراسات أخرى للتدقيق‬ ‫ف�� ��ي االختالفات واملقارنة من منطقة ألخرى‪ ،‬وصوالً إلى‬ ‫التعميم‪ .‬فالطريق إلى التعميم – بحس�� ��ب تعبيره ‪ -‬طويل‬ ‫وصعب ولكن طريق العلم الصحيح ‪ -‬على حد قوله ‪ -‬كان‬ ‫دائماً صعباً وكذلك كان أبداً حال اإلصالح السليم‪.‬‬ ‫وم�� ��ن ثم أصبحت دراس�� ��ة الثأر منذ أن نش�� ��رت في‬ ‫منتصف س�� ��تينيات القرن املاضي مبنزلة النموذج العلمي‬ ‫الدقيق الذي س�� ��ار على نهجه بعد ذلك كثير من الباحثني‬ ‫وباألخ�� ��ص تالميذ أحمد أبوزيد‪ .‬وبهذه الدراس�� ��ة متكن‬ ‫أبوزيد م�� ��ن توطني البح�� ��ث األنثروبولوجي ألول مرة في‬ ‫مصر والعالم العربي‪ .‬لقد كانت دراس�� ��ة الثأر بش�� ��مولها‬ ‫ودقتها وبساطة عرضها مبنزلة دليل عملي لكل من يرغب‬ ‫في اكتس�� ��اب مهارات البحث األنثروبولوجي بكل سهولة‪.‬‬ ‫كما كانت الدراس�� ��ة أيضاً تطبيقاً عملياً غير مسبوق في‬ ‫إجراء دراسة أنثروبولوجية التقل دقة وإحكاماً عما ينشر‬ ‫من دراس�� ��ات مماثلة في الغرب‪ .‬وله�� ��ذا ال نغالي بالقول‬ ‫إن أغلب البحوث األنثروبولوجية التي أجريت بعد نش�� ��ر‬ ‫هذه الدراس�� ��ة – خاصة ما قام به تالميذ أبوزيد – كانت‬ ‫تطبيق� � �اً محاكياً وأميناً لكل القواع�� ��د املنهجية والنظرية‬ ‫التي أرستها دراسة الثأر‪.‬‬

‫‪ -2‬إرساء قواعد ألخالقيات البحث األنثروبولوجي‪:‬‬

‫وملا كانت عمليات جمع البيانات وإجراء املقابالت مع‬ ‫املبحوثني في مجتمع الدراسة تتم في ظل وجود نزاعات‬ ‫ثأرية مستمرة فمن املمكن أن تكون تلك النزاعات خاضعة‬ ‫للمالحقة األمنية أو أنها منظورة أمام احملاكم‪ .‬ولتفادي‬ ‫إحلاق الضرر باملبحوثني عند نش�� ��ر الدراسة فقد أرسى‬

‫‪35‬‬

‫‪oct 12-37.indd 35‬‬


‫أحمد أبوزيد ‪..‬‬ ‫أحمد أبو زي�� ��د مبدءاً أخالقياً مهماً ف�� ��ي البحث‪ ،‬وغير‬ ‫مسبوق قبل نشر دراسة الثأر‪ ،‬حني أقر بالتزامه بحجب‬ ‫أسماء املبحوثني في النسخة املنشورة للبحث‪ .‬وهو بذلك‬ ‫يلتزم مبا أقرته املواثيق األخالقية العاملية في مؤسسات‬ ‫البح�� ��ث األنثروبولوج�� ��ي الغربية؛ بض�� ��رورة أن يحافظ‬ ‫الباح�� ��ث األنثروبولوج�� ��ي على املبحوث��ي��ن الذين تعاونوا‬ ‫مع�� ��ه‪ ،‬وقدموا له البيانات التي س�� ��اعدته على تفس�� ��ير‬ ‫معالم الظاهرة التي يدرس�� ��ها‪ .‬كما يتجاوب هذا املوقف‬ ‫مع اجلدل النقدي الذي كان مثاراً داخل احلركة النقدية‬ ‫في األنثروبولوجيا‪ ،‬خالل ستينيات القرن املاضي‪ ،‬والتي‬ ‫كان�� ��ت توجه نقداً عنيف� � �اً لعلم�� ��اء األنثروبولوجيا الذين‬ ‫تورطوا في انتهاكات أخالقية تضر باملبحوثني‪.‬‬

‫‪ -3‬توظيف البحث األنثروبولوجي ألغراض عملية‪:‬‬

‫أما في ما يتعلق بالقيمة العملية أو التطبيقية لدراسة‬ ‫الثأر؛ فقد كان أبوزيد حريصاً على إمكان توظيف املعرفة‬ ‫التي توفرها دراس�� ��ة الثأر ف�� ��ي تبصير احلكومة املصرية‬ ‫بالط�� ��رق املالئمة للقضاء على ظاه�� ��رة الثأر‪ .‬وبذلك لم‬ ‫يتجاوب مع حتفظ�� ��ات رواد األنثروبولوجي�� ��ا البريطانية‬ ‫وأهمه�� ��م إيفانز بريتش� � �ـارد ال�� ��ذي كان يطال�� ��ب بابتعاد‬ ‫األنثروبولوجيني عن احلكومات‪ .‬وذلك من منطلق اإلميان‬ ‫بأن العالقة بني العلم والسياس� � �ـة ميكن أن تؤثر سلباً في‬ ‫املعرف�� ��ة العلمية ومصداقيتها‪ .‬كانت مخاوف بريتش�� ��ارد‬ ‫نابع�� ��ة من االنتق�� ��ادات التي وجه�� ��ت لألنثروبولوجيا في‬ ‫س�� ��تينيات الق�� ��رن املاض�� ��ي ح�� ��ول العالقة املريب�� ��ة التي‬ ‫ربطت بعض األنثروبولوجيني بإدارة املس�� ��تعمرات؛ حيث‬ ‫كانت املس�� ��تعمرات توفر الدعم املادي والظروف املناسبة‬ ‫لألنثروبولوجيني إلج�� ��راء بحوثهم في املناطق اإلفريقية‪.‬‬ ‫وفي املقابل كانت هناك اتهامات لألنثروبولوجيني تتمثل‬ ‫في ضلوعهم بتقدمي الدعم املعرفي حلكام املس�� ��تعمرات‬ ‫مبا ميكنهم من إحكام السيطرة على الشعوب اإلفريقية‪.‬‬ ‫وهنا نالح�� ��ظ أن أحمد أبوزي�� ��د كان واعياً بالفروق‬ ‫بني السياق االس�� ��تعماري للبحث األنثروبولوجي‪ ،‬وسياق‬ ‫التحرر الوطني بعد االستعمار‪ .‬ولهذا اتخذ موقفاً مغايراً‬ ‫لتحفظات الذين تعلَّم األنثروبولوجيا على أيديهم‪ ،‬معتبراً‬ ‫أن ضميره العلمي والتزامه الوطني ميليان عليه أن يضع‬ ‫البحث األنثروبولوجي في خدمة قضايا التنمية والتحديث‬

‫‪36‬‬

‫‪9/5/13 1:08:38 PM‬‬

‫في ذلك الوقت‪ .‬ولهذا كان حريصاً على أن توفر دراسته‬ ‫عن الثأر إطاراً جيداً لتحسني السياسات االجتماعية في‬ ‫مواجه�� ��ة ظاهرة الثأر‪ ،‬مع األخذ في االعتبار أن دراس�� ��ة‬ ‫الثأر لم تكن بطلب مباش�� ��ر من احلكومة املصرية‪ ،‬وإمنا‬ ‫كان�� ��ت مببادرة علمية منه وبدعم مادي من املركز القومي‬ ‫للبحوث االجتماعية واجلنائية‪ .‬وهنا يتعني اإلش�� ��ارة إلى‬ ‫م�� ��ا كان يق�� ��وم به هذا املركز من جه�� ��د متميز في تطوير‬ ‫البحث االجتماعي وتوجي�� ��ه نتائجه إلى اجلمهور وصناع‬ ‫السياسات بحرية كاملة ودون أي قيود‪ .‬ومن املهم اإلشارة‬ ‫أيض� � �اَ إل�� ��ى أن تقاليد البح�� ��ث التي يقرها ه�� ��ذا املركز‪،‬‬ ‫وكذل�� ��ك التي يؤم�� ��ن بها أبوزيد لم تكن تس�� ��مح للباحثني‬ ‫بأن يقدم�� ��وا للجهات احلكومية معلومات ش�� ��خصية عن‬ ‫املبحوث��ي��ن من مرتكبي حوادث العن�� ��ف والثأر أو ضحايا‬ ‫تلك احلوادث‪ .‬ولم يكن هدف الدراس�� ��ة تبرير سياسات‬ ‫احلكومة ف�� ��ي التصدي لهذه الظاهرة‪ ،‬ب�� ��ل على العكس‬ ‫وجه أبوزيد أعنف نقد علمي لسياس�� ��ات‬ ‫من ذلك فق�� ��د ّ‬ ‫احلكومة الفاشلة في فهم الثأر وأساليب التعامل األمني‬ ‫والقانوني القاصرة في التصدي له‪ .‬ولكل هذه األس�� ��باب‬ ‫كان أبوزي�� ��د على قناعة تامة ب�� ��أن االنتفاع العملي بنتائج‬ ‫هذه الدراس�� ��ة ملكافحة ظاهرة الثأر سوف يعود بالفائدة‬ ‫على ثالثة أطراف أساس�� ��ية وهي احلكومة وسياس�� ��اتها‬ ‫في التنمية ومتكينها من تفعيل مبدأ س�� ��يادة القانون في‬ ‫دول�� ��ة مدنية‪ .‬وينعكس التوظيف العملي لنتائج الدراس�� ��ة‬ ‫إيجاباً أيضاً على حياة املبحوثني البائسة والتي تعد خارج‬ ‫التاري�� ��خ‪ ،‬حيث ميكن أن يس�� ��اهم ذلك ف�� ��ي تغيير نوعية‬ ‫احلياة لديهم للعيش الكرمي في أمان‪ ،‬وس�� ��وف يس�� ��تفيد‬ ‫البح�� ��ث األنثروبولوجي أيضاً من ه�� ��ذا التوظيف العملي‬ ‫لبحوثه بتطوير معرفته وأدواته وقدرات باحثيه في إطار‬ ‫خدم�� ��ة التنمية وحل املش�� ��كالت املس�� ��تعصية إلى جانب‬ ‫التراك�� ��م املعرفي الذي يفيد العل�� ��م نظرياً ومنهجياً‪ .‬هذا‬ ‫موقف علمي يتمتع مبصداقية كبيرة في بناء عالقة جيدة‬ ‫بني العلم والسياسة تصب في مصلحة املجتمع‪.‬‬ ‫واحملصل�� ��ة النهائية التي ميكن أن نس�� ��تخلصها في‬ ‫النهاية أن دراس�� ��ة الثأر كانت مج�� ��االً أخلص فيه أحمد‬ ‫أبوزيد لألنثروبولوجيا التي أحبها وعمل بها وللمبحوثني‬ ‫الذي�� ��ن وثقوا ب�� ��ه‪ ،‬وللوطن الذي ينتمي إلي�� ��ه ويتطلع إلى‬ ‫نهضته وتقدمه >‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 12-37.indd 36‬‬


‫أحمد أبو زيد‬ ‫الدكتور أحمد مصطفى أبو زيد‬ ‫من رواد علم «األنثروبولوجيا» العرب ‪.‬‬ ‫ولد مبدينة اإلسكندرية في ‪ 3‬مايو ‪.1921‬‬ ‫تلقى تعليمه بجامعتي اإلسكندرية وأكسفورد‪.‬‬ ‫حصل على ليسانس اآلداب (فلسفة واجتماع) – جامعة اإلسكندرية ‪.1944‬‬ ‫حصل على املاجستير في األنثروبولوجيا من جامعة أكسفورد عام ‪.1953‬‬ ‫حصل على الدكتوراه في األنثروبولوجيا من جامعة أكسفورد عام ‪.1956‬‬ ‫أستاذ أنثروبولوجيا متفرغ بكلية اآلداب جامعة اإلسكندرية‪.‬‬ ‫عميد كلية اآلداب (جامعة اإلسكندرية) ‪.1979 – 1976‬‬ ‫مدرس علم االجتماع واألنثروبولوجيا في اجلامعة الليبية (بنغازي) ‪ ،1958‬وجامعة الكويت (‪.)1970 – 1966‬‬ ‫أستاذ ورئيس قسم االجتماع وعلم النفس واألنثروبولوجيا باجلامعة األمريكية بالقاهرة (‪.)1974 – 1972‬‬ ‫مستشار مجلة عالم الفكر – الكويت (‪)1986 – 1970‬‬ ‫حصل على جائزة الدولة املصرية التقديرية للعلوم االجتماعية عام ‪.1992‬‬ ‫رحل عن عاملنا في ‪ 28‬يوليو ‪.2013‬‬

‫من مؤلفاته‪:‬‬

‫تايلور – مجموعة نوابغ الفكر الغربي – دار املعارف – القاهرة ‪.1958‬‬ ‫الثأر – دراسة أنثروبولوجية – املركز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية – دار املعارف‪ ,‬القاهرة ‪.1962‬‬ ‫دراسات في املجتمع الليبي – دار الثقافة‪ ,‬اإلسكندرية ‪.1963‬‬ ‫البناء االجتماعي – الهيئة املصرية العامة للكتاب‪.‬‬ ‫املجتمعات الصحراوية في مصر – املركز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية – ‪.1991‬‬ ‫املدخل إلى البنائية – املركز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية ‪-‬القاهرة ‪.1995‬‬ ‫دراسات في اإلنسان واملجتمع والثقافة ‪ -‬القاهرة ‪.1995‬‬ ‫رؤى العالم‪ -‬املركز القومي للبحوث االجتماعية واجلنائية –القاهرة ‪.1993‬‬ ‫الطريق إلى املعرفة – مقاالت أنثروبولوجية – كتاب العربي ‪ -‬الكويت ‪.2001‬‬ ‫الواقع واألسطورة – الهيئة العامة لقصور الثقافة ‪ -‬القاهرة ‪.2000‬‬ ‫هوية الثقافة العربية – الهيئة العامة لقصور الثقافة ‪ -‬القاهرة ‪.2004‬‬ ‫املعرفة وصناعة املستقبل – كتاب العربي ‪.2005‬‬

‫قراءة في أعمال أحمد أبوزيد‬

‫‪9/5/13 1:08:49 PM‬‬

‫‪37‬‬

‫‪oct 12-37.indd 37‬‬


‫شاعر العدد‬

‫الشاب الظريف‪..‬‬ ‫شعر ًا وحيا ًة‬

‫سعدية مفرح*‬ ‫وهذا شاعر من بني ثلة من‬ ‫الشعراء الذين ذهبوا‬ ‫ضحية عصرهم‬ ‫الذي وصم بأنه‬ ‫عصر االنحطاط‬ ‫األدبي‪ ،‬فغابوا عن‬ ‫املشهد العام لكن‬ ‫قصائدهم ظلت‬ ‫تنبض في وجدان‬ ‫الشعر من دون أن‬ ‫يستطيع احلكم‬ ‫القاسي على‬ ‫العصر كله أن‬ ‫ينال من خلودها‬ ‫حتى وهو يقتص‬ ‫كثير ًا من مجد كان‬ ‫ينبغي أن ينعم به شعراؤها‪.‬‬

‫ففي عصر املماليك خفتت شمس األمة‬ ‫العربية في س� � ��ماء احلضارة اإلنسانية‪،‬‬ ‫وت� � ��وارت إجنازاته� � ��ا وراء الدس� � ��ائس‬ ‫والكمائن الس� � ��رية التي ميزت هذا العصر سياسياً‬ ‫في أكثر من مدينة عربية‪.‬‬ ‫لكن املوهبة ال ميكن أن تتوارى حتى وإن ظهرت‬

‫* شاعرة وكاتبة صحفية من الكويت‬

‫‪38‬‬

‫‪9/5/13 1:10:33 PM‬‬

‫في عصور مظلمة‪ ،‬بل لعلها تساهم في اإلضاءة على‬ ‫ما ميكن اإلش� � ��ارة إليه من كن� � ��وز أخرى متوارية في‬ ‫ظلمة التاريخ كله‪ .‬وش� � ��اعرنا امتلك موهبة ش� � ��عرية‬ ‫عالية حلقت به بعيداً عن عصره برفقة مجموعة من‬ ‫مجايليه من الشعراء واألدباء اآلخرين الذين اعتمدوا‪،‬‬ ‫رمبا ألول مرة في تاريخ األدب العربي‪ ،‬على أنفسهم‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 38-39.indd 38‬‬


‫وحرفهم الش� � ��خصية في تدبير أمور عيشهم بعد أن‬ ‫تخلت عنهم الدولة الرس� � ��مية بشكل جماعي‪ .‬فعلى‬ ‫الرغم من أن الشعراء في العصر اململوكي ساروا في‬ ‫الغالب على طرق ش� � ��عرية مع َّبدة مسبقاً أمامهم من‬ ‫قبل من سبقوهم في مدح األمراء واخللفاء ومسئولي‬ ‫الدولة‪ ،‬فإن هؤالء األمراء واخللفاء واملسئولني كانوا‬ ‫في جلهم من املماليك ممن ال يجيدون اللغة العربية‬ ‫وال يحفل� � ��ون مبا يق� � ��ال عنهم من فرائد ش� � ��عرية ال‬ ‫يفهمونه� � ��ا‪ ،‬وال يهتمون بالش� � ��عراء إال بالدرجة التي‬ ‫توفر لهم قلي ً‬ ‫ال من مجد يس� � ��تظهرون به أمام العامة‬ ‫ال من انتماءاتهم وتواضع نس� � ��بهم وحرصاً‬ ‫رمبا خج ً‬ ‫على توطي� � ��د عالقاتهم العربي� � ��ة اجلديدة وتكريس‬ ‫مجدهم الفجائي املكتسب‪.‬‬ ‫ش� � ��اعرنا هو الش� � ��اب الظريف‪ ،‬هكذا عرف في‬ ‫كتب األدب وبني محبي الشعر‪ ،‬فقد رحل عن دنيانا‬ ‫ش� � ��اباً لم يكد يبلغ الس� � ��ابعة والعش� � ��رين من عمره‪،‬‬ ‫بعد أن مأل أجواء القاهرة والش� � ��ام بش� � ��عره وترققه‬ ‫وتظرفه‪ ..‬فكان بحق هو الشاب الظريف في ديوان‬ ‫األدب العربي‪ ،‬أما اس� � ��مه في التاريخ فهو محمد بن‬ ‫س� � ��ليمان بن علي بن عبدالله التلمس� � ��اني‪ ،‬والغريب‬ ‫أن لقب � � �اً آخر مبعنى يكاد يناقض املعنى الذي يحيل‬ ‫إليه معنى اللقب األول عرف به الشاعر‪ ،‬من دون أن‬ ‫يثير ذلك اس� � ��تغراباً أو دهشة لدى من عرفه أو قرأ‬ ‫قصائده بتم ُّعن‪ .‬فهو الشاب الظريف وهو أيضاً ابن‬ ‫العفيف نسبة لوالده الذي كان شاعراً معروفاً باسم‬ ‫عفيف الدين التلمساني‪.‬‬ ‫ولد الش� � ��اب الظريف في مدين� � ��ة القاهرة‪ ،‬في‬ ‫العام ‪661‬هـ (‪1263‬م)‪ ،‬أما دمشق فقد كانت مرتع‬ ‫الطفولة ومهد الصبا ومكان الدراس� � ��ة األول‪ ،‬فقد‬ ‫تلقى دروس� � ��ه األولى في تلك املدينة العريقة‪ ،‬حيث‬ ‫كان أبوه عام ً‬ ‫ال عل� � ��ى خزانة املال فيها‪ ،‬وألن والده‬ ‫من أه� � ��ل العلم املعروف� �ي��ن فقد تتلم� � ��ذ الفتى في‬ ‫البداي� � ��ة على يدي والده قبل أن يستش� � ��عر حاجته‬ ‫ملص� � ��در مختل� � ��ف‪ ،‬فقصد أهل العل� � ��م واألدب ومن‬ ‫الشاب الظريف‪ ..‬شعر ًا وحيا ًة‬

‫‪9/5/13 1:10:40 PM‬‬

‫أشهرهم ابن األثير احللبي ليتعلم على أيديهم‪ ،‬في‬ ‫س� � ��ن مبكرة‪ ،‬علوماً مختلفة ظهرت آثارها واضحة‬ ‫جلية عبر قصيده الذي ازدحم باحملسنات البديعية‬ ‫على عادة ش� � ��عراء العصر كله آن� � ��ذاك‪ ،‬ولكن هذه‬ ‫احملسنات لم تنجح في طمس عذوبة شاعريته التي‬ ‫تبدت في غزله الش� � ��عري الفاتن‪ ،‬ومدائحه في من‬ ‫اتصل بهم من مسئولي الدولة‪ .‬لكن مديحه النبوي‬ ‫ذي العاطفة املتأججة في نبي اإلس� �ل��ام صلى الله‬ ‫عليه وسلم هو درة ديوانه الشعري كما يبدو لنا‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن جل من جايله من الش� � ��عراء‬ ‫عرفوا بحرفه� � ��م العملية التي غلب� � ��ت ألقابها على‬ ‫أسمائهم‪ ،‬الضطرارهم إلى العمل اجلدي احلرفي‬ ‫والي� � ��دوي على غير عادة الش� � ��عراء العرب في غير‬ ‫ذلك العصر املختلف‪ ،‬فإننا لم نعرف حرفة محددة‬ ‫لش� � ��اعرنا غي� � ��ر ما أش� � ��ارت إليه بع� � ��ض كتب عنه‬ ‫وترجم حياته‪ ،‬معتمدا على أدلة واهية‪ ،‬وهي حرفة‬ ‫اخلط‪ ،‬فقد كان الش� � ��اب الظريف ذا خط حس� � ��ن‬ ‫يش� � ��ار إليه ويعد من مناقبه التي ذكرها والده وهو‬ ‫يرثيه‪ .‬فانظر ملوهب� � ��ة كهذه ينظر إليها والد مكلوم‬ ‫على فقدان ولده الشاب فيعدها من مناقب الفقيد‬ ‫ويذكرها في سياق رثائه احلار له‪.‬‬ ‫رحل الش� � ��اب الظريف في مدينة دمش� � ��ق في‬ ‫العام العام ‪688‬هـ (‪1289‬م)‪ ،‬لكن أحداً ممن قرأت‬ ‫كتاباته عنه لم يذكر سبب وفاته بهذا العمر املبكر‪.‬‬ ‫إال أن م� � ��ا ترك� � ��ه وراءه من آثار ش� � ��عرية تغنينا عن‬ ‫تفاصيل حياته‪ ،‬فقد ذهب الشاعر وبقي بني أيدينا‬ ‫ديوانه الشعري الذي طبع عدة طبعات وبتحقيقات‬ ‫عربية مختلف� � ��ة‪ ،‬باإلضافة إلى بعض اآلثار النثرية‬ ‫األخ� � ��رى ولم يتح لنا االط� �ل��اع عليها‪ ،‬ونحن بصدد‬ ‫الكتابة عنه ومنها؛ خطبة تقليد‪ ،‬وعظ غير مهذب‪،‬‬ ‫ومقامات العش� � ��اق التي يشير بعض من كتب عنها‬ ‫إل� � ��ى أنها حتتوي عل� � ��ى الكثير مما س� � ��مي باألدب‬ ‫الفاح� � ��ش‪ ..‬وال فاح� � ��ش في األدب س� � ��وى ما ليس‬ ‫بأدب >‬

‫‪39‬‬

‫‪oct 38-39.indd 39‬‬


‫قــالـوا‬

‫في وسائل اإلعالم الكبرى يتم استحضار كلمة‬ ‫«عنيف» بصورة متكررة ال تتغير‪« :‬اصطدامات‬ ‫عنيفة»‪« ،‬احتجاجات عنيفة»‪ ،‬بينما لو مت وصف‬ ‫م� � ��ا يحدث بدقة س� � ��يعطي االنطباع أن اجلانب‬ ‫العنيف حقا هو الش� � ��رطة‪ .‬فما يزعج السلطات‬ ‫حقا ليس هو «عنف» احلركات االحتجاجية بل‬ ‫افتقارها إليه‪ ،‬فاحلكومات‬ ‫ببس� � ��اطة ال تع� � ��رف كيف‬ ‫تتعام� � ��ل مع حرك� � ��ة ثورية‬ ‫ترف� � ��ض االن� � ��دراج ف� � ��ي‬ ‫املـــــنظوم� � ��ات املـــــــألوف� � ��ة‬ ‫للمقاومة املسلحة‪.‬‬ ‫ديفيد جريبر‪،‬‬ ‫مفكر اقتصادي أمريكي‪.‬‬ ‫«يكف� � ��ي التف ّرج على أقنية التلف� � ��زة العربية لنالحظ‬ ‫مدى االلتباس بني العلم والتكنولوجيا‪ ،‬ومعاملة العلم‬ ‫كأنه مج ّرد تكنولوجيا»‪.‬‬ ‫د‪.‬رشدي راشد‪،‬‬ ‫عالم وأستاذ رياضيات مصري مقيم في فرنسا‪.‬‬ ‫لعل األمر اجلديد في القرن الواحد والعش� � ��رين‬ ‫هو أن املجابهة الس� � ��يبيرنيطيقية توس� � ��ع املنطق‬ ‫الن� � ��ووي ومس� � ��اواته بني اخلصوم‪ ،‬لتش� � ��مل دوالًَ‬ ‫ال متل� � ��ك قنبل� � ��ة نووي� � ��ة‬ ‫وجماعات مارقة من غير‬ ‫دول‪ ،‬وتهب املقاتل العدمي‬ ‫سالحاً جهنمياً‪ .‬والتحدي‬ ‫ليس اس� � ��تعمار الفضاء بل‬ ‫تفادي الهاوية‪.‬‬ ‫أندريه غلوكسمان‪،‬‬ ‫فيلسوف من فرنسا‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫‪9/5/13 1:10:58 PM‬‬

‫بدأ اإلنس�� ��ان يتدخّ ل في تط ّوره لذاته‪ ،‬فيستطيع اليوم‬ ‫تغيير جينومه اخلاص (نوعية ِخلقته)‪ .‬وهو ما لم يتم ّكن‬ ‫م�� ��ن القيام به أي ن�� ��وع من األنواع قبل�� ��ه‪ .‬يقال إ ّن ذلك‬ ‫ش ّر ولكن ال مفر منه‪ .‬ليس هناك مثل تكنولوجي واحد‬ ‫في تط ّور اإلنسان مت اكتش�� ��افه ولم يرغب اإلنسان في‬ ‫استخدامه‪.‬‬ ‫جون جاك هوبلن‪،‬‬ ‫عالم أنثروبولوجي من فرنسا‪.‬‬ ‫أي تاجر‬ ‫كل من يتاج������ر بالدين هو أخطر من ّ‬ ‫�����درات في العالم‪ .‬إ ّنه يس������رق من الفقراء‬ ‫مخ� ّ‬ ‫ثروته������م الوجداني������ة ويح ّولهم إلى متس������ ّولي‬ ‫أن الفقي������ر يوجد أصال خارج‬ ‫دول������ة‪ .‬واحلال ّ‬ ‫�����طح الدولة‪ .‬وال ميكنه أن ينتمي إليها إالّ‬ ‫مس� ّ‬ ‫عرضا‪.‬‬ ‫فتحي املسكيني‪،‬‬ ‫فيلسوف ومفكر من تونس‪.‬‬ ‫ه������ذا جي������ل أس������قط األيديولوجيا بواس������طة‬ ‫التكنولوجي������ا‪ ،‬أنظمتنا التي س������قطت أو التي‬ ‫هي قيد الس������قوط‪ ،‬قامت على أدجلة مخيفة‬ ‫للمجتمعات‪ ،‬أيديولوجيا‬ ‫ثابتة غير قابلة للتحول‪،‬‬ ‫الش������باب قاط������ع ه������ذه‬ ‫األيديولوجيات وال ميلك‬ ‫خلفيات أيديولوجية‪ ،‬هو‬ ‫انطلق من التكنولوجيا‪.‬‬ ‫جورج طرابيشي‪،‬‬ ‫مفكر من سورية‪.‬‬ ‫اجلماع� � ��ات ال ّدين ّي� � ��ة ضح ّية القم� � ��ع ميكنها أن جتيب‬ ‫على العنف بالعنف مثلما هو ّ‬ ‫الش� � ��أن عند اجلماعات‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 40-41.indd 40‬‬


‫التي تتع ّرض لالستغالل الفاحش والهيمنة وفرض قيم‬ ‫غريبة عليه� � ��ا‪ .‬كما يندلع العنف أيضا حني نخلط بني‬ ‫ياسي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يني‪ ،‬فاحلروب ال ّدين ّية‬ ‫الش� � ��أن ّ‬ ‫والش� � ��أن ال ّد ّ‬ ‫الس ّ‬ ‫ظاهر ّيا ليس� � ��ت في الغالب سوى حروب حول مسائل‬ ‫سياس � � � ّية واجتماع ّية واقتصاد ّية يق� � ��وم ال ّداعون إليها‬ ‫بالتخفّي في لبوس ال ّدين للوصول إلى مبتغاهم بأسهل‬ ‫ّ‬ ‫الطرق‪.‬‬ ‫جون جي فيالنكور‪،‬‬ ‫عالم اجتماع من كندا‪.‬‬ ‫في عال�� ��م الكتابة يهيم�� ��ن طغيان العني على حس�� ��اب‬ ‫ملكات وقدرات أخرى أصابها‬ ‫الضم�� ��ور‪ .‬م�� ��ع اإللكترونيات‪،‬‬ ‫تصب�� ��ح املل�� ��كات والق�� ��درات‬ ‫األخرى تفاعلية مجدداً‪ .‬كيف‬ ‫سترى األجيال القادمة الواقع‬ ‫واالفت�� ��راض؟ رمب�� ��ا بش�� ��كل‬ ‫مختلف جدا عنا‪.‬‬ ‫داريوش شايغان‪،‬‬ ‫فيلسوف ومفكر من إيران‪.‬��� ‫ك ّل كاتب هو انحراف‪ .‬قالوا لي في بعض األحيان‬ ‫إنن� � ��ي كاتب غريب ودائما ما أفك� � ��ر أ ّن ثيبربانتس‬ ‫كان يصنّف نفس� � ��ه كمؤ ّلف غريب‪ .‬األدب هو متلّك‬ ‫الغريب‪ .‬على املبدع أن يكون واعيا بأنه يقوم بشيء‬ ‫جديد‪ .‬إذا لم يكن كذلك فال داعي للكتابة‪.‬‬ ‫خوان جواتسيللو‪،‬‬ ‫كاتب روائي من إسبانيا‪.‬‬ ‫النج� � ��اح‪ ،‬معل� � ��م رديء‪ ،‬فهو يغ� � ��وي األذكياء لكي‬ ‫يعتقدوا أن أياً منهم ال ميكن له أن يخسر يوما‪.‬‬ ‫بيل جيتس‪،‬‬ ‫خبير املعلوماتية األمريكي‪.‬‬ ‫قالوا‬

‫‪9/5/13 1:11:04 PM‬‬

‫حني نكبر فوق قيودنا ومحفوظاتنا ومخاوفنا‬ ‫وطوائفنا‪ ،‬سنرى كم يصغر العالم الكبير أمام‬ ‫رحابة صدرنا‪ ،‬وكم يصغر‬ ‫ّ‬ ‫كل ش������ ّرير أم������ام تد ّف������ق‬ ‫عطاء اإلنس������ان‪ ،‬اإلنسان‬ ‫اإلنسان‪ ،‬بال تصنيف وال‬ ‫عزْل‪ .‬إنسا ٌن ال نُس ّميه إلاّ‬ ‫من بريق عينيه‪.‬‬ ‫أنسي احلاج‪،‬‬ ‫شاعر وكاتب من لبنان‪.‬‬ ‫حتب ش� � ��خصا ما حقّا‪ ،‬وس� � ��واء كان ذلك ح ّبا‬ ‫حينما ّ‬ ‫احلب جتربة‬ ‫حب أبوة فأنت تعيش في هذا‬ ‫ّ‬ ‫عشق ّيا أو ّ‬ ‫تقديس اآلخر‪ ،‬إذ سيصبح بهذا مق ّدسا باملعنى الذي‬ ‫ميك� � ��ن في� � ��ه أن تق ّدم حياتك فداء ل� � ��ه إن كان مه ّددا‪.‬‬ ‫فأن� � ��ت‪ ،‬هنا‪ ،‬تعي� � ��ش جتربة‬ ‫متعالية‪ ،‬ولكن ال تش� � ��عر بها‬ ‫م� � ��ن خالل‪ ‬س� � ��ماء‪ ‬الفكر أو‬ ‫الدين و ال في أي مكان آخر‬ ‫غير داخلك‪.‬‬ ‫لوك فيري‪،‬‬ ‫فيلسوف من فرنسا‪.‬‬ ‫لن يترك اجلالد ليحاكمه‬ ‫التاريخ‪ ،‬ستحاكم الشعوب من أذلها‪.‬‬

‫نبيل املالح‪،‬‬ ‫مخرج سينمائي من سورية‪.‬‬

‫إذا لم تتعرض للفش� � ��ل بني احل� �ي��ن واآلخر‪ ،‬فهذه‬ ‫عالمة على أنك ال تقوم بفعل أي شيء مبتكر‪.‬‬ ‫وودي آالن‪،‬‬ ‫مخرج سينمائي ومؤلف أمريكي‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫‪oct 40-41.indd 41‬‬


‫استطالع‬

‫حصن ثالء‪..‬‬

‫قمم اجلبال حتمي عروش األئمة‬ ‫قلم وتصوير‪ :‬إبراهيم املليفي‬

‫‪9/5/13 1:11:23 PM‬‬

‫‪oct 42-51.indd 42‬‬


‫ت� ��راءت لن� ��ا حت� ��ت الس� ��ماء املفتوحة بقع� ��ة دائري� ��ة مفتوحة محاص� ��رة بجيش م� ��ن اجلبال‬ ‫الشاهقة‪ ،‬وفي أوسطها جبل يعلوه حصن متهالك‪ ،‬هي من بعيد كأنها لوحة مائية رسمت‬ ‫بأل� ��وان طيني� ��ة متفاوت� ��ة الدرجات كلم� ��ا اقتربنا منه� ��ا أفصحت أكثر ع� ��ن تفاصيلها‪ ،‬بيوت‬ ‫حجرية تلتف على عنق اجلبل وس� ��ور مهيب يطوق تلك املدينة القدمية في مش� ��هد حلالة‬ ‫م� ��ن االس� ��تنفار واحل� ��ذر من أخط� ��ار الغزاة‪ ،‬ذلك املش� ��هد ملخص� ��ه «كن في األعلى تكس� ��ب‬ ‫دائم� ��ا»‪ ،‬وطب� ��ق هذا ال� ��درس أئمة اليمن لعق� ��ود طويلة احتلوا فيها قمم اجلبال الش� ��اهقة‪،‬‬ ‫إلى أن جاءهم زمن الطائرات احلربية التي طبقت نفس الدرس مقرونا بتكنولوجيا الزمن‬ ‫احلديث‪ ،‬فسقطت حصون األئمة وانتصر أصحاب الطائرات‪.‬‬

‫تطل مدينة ثالء على مدن حبابه ومحويت وعيال سريح‬ ‫وعمران ووتار و تتبع جغرافيا محافظة عمران وإداريا‬ ‫ملديرية ثالء ويبلغ عدد سكانها وفق آخر إحصاء أجري عام‬ ‫‪ 2004‬سبعة آالف نسمة تقريبا‬

‫‪9/5/13 1:11:28 PM‬‬

‫‪oct 42-51.indd 43‬‬


‫ث���ل��اء‪ ،‬مدين������ة عربية مينية تبتس������م‬ ‫لضيوفه������ا على اختالف مش������اربهم‪،‬‬ ‫وتقط������ب حاجبيها مل������ن أراد بأهلها‬ ‫الش������ر‪ ،‬استقبلتنا خير اس������تقبال وودعتنا بأمل‬ ‫العودة لها مجددا‪.‬‬

‫«املنحشرون»‬

‫تبع������د مدينة ثالء ع������ن العاصمة صنعاء ‪45‬‬ ‫كلم ش������ماال وهي واحدة م������ن خمس مدن ميينة‬ ‫ضم������ن مواقع ثقافية مؤقتة ف������ي قائمة التراث‬ ‫العاملي ملنظمة اليونس������كو‪ ،‬كان������ت رحلتنا إليها‬ ‫رحلة جماعي������ة مع إخوة م������ن مختلف األقطار‬ ‫العربية وبع������ض الزمالء األجان������ب‪ ،‬بدأت منذ‬ ‫الصباح الباكر واس������تغرقت نصف يوم‪ ،‬وأغلب‬ ‫الوقت قضين������اه في احلافلة بس������بب االزدحام‬ ‫املروري اخلانق‪.‬‬ ‫أذاني‬ ‫مازالت تعليم������ات مرافقنا ت������رن في‬ ‫َّ‬ ‫حتى اليوم «البسوا األحذية الرياضية وأحضروا‬ ‫معك������م بعض املالبس الثقيلة»‪ ،‬مثل ذلك الكالم‬ ‫ال جنده منس������جما مع واقع حرارة الطقس في‬ ‫صنعاء وعندما انحش������رنا في احلافلة وحافلتنا‬ ‫انحش������رت في زحمة لم يتوقف «املنحش������رون»‬ ‫عن التذم������ر ألن بعضهم ارتدى املالبس الثقيلة‬ ‫ومؤش������ر درجة احل������رارة يصعد نح������و األربعني‬ ‫درجة‪ ،‬كان الرد حاس������ما‪« :‬ف������ي اجلبل احلرارة‬ ‫غير وفي كوكبان ستعرفون السبب»‪.‬‬ ‫سائقنا أحضر معه لفافة من القات الطازج‬ ‫وبدأ في س������حب أع������واده وتقطي������ع أوراقه بيد‬ ‫واحدة واإلمساك مبقود احلافلة باليد األخرى‪،‬‬ ‫ومرافقن������ا الذي كان يجلس بجانبي ش������رع في‬ ‫قراءة صحيفته والسيجارة ال تفارق يده‪.‬‬ ‫في الطريق واحلافلة مازالت تقطع ش������وارع‬ ‫صنعاء شهدنا فورات متالحقة عند أسواق على‬ ‫جانبي الطريق الكل كان يسأل ما الذي يحصل؟‪،‬‬ ‫«إنها س������اعة ش������راء القات يا جماعة» اجلواب‬ ‫أتانا هذه املرة من س������ائقنا العزيز‪ ،‬وهذا املنظر‬ ‫يتكرر يوميا قبل س������اعة الغ������داء‪ ،‬الناس تترك‬ ‫أعماله������ا مؤقتا ويذهبون لش������راء لفافة أو أكثر‬ ‫من «القات» الطازج الذي يلف بكيس بالستيك‬ ‫خفيف واألسعار متفاوتة حسب اجلودة‪ ،‬واألنواع‬

‫‪44‬‬

‫‪9/5/13 1:11:33 PM‬‬

‫تتجاوز الس������تني نوعا وكل مستهلك يشتري قدر‬ ‫ميزانيته‪ ،‬الطري������ف أن للموظفني عالمة متفقا‬ ‫عليها للداللة على أنهم سيرجعون ملقار أعمالهم‬ ‫وهي ترك «الكوفية» على الكرسي‪.‬‬ ‫خرجن������ا من صنع������اء ودخلنا ف������ي محافظة‬ ‫عم������ران حي������ث بدت لن������ا الطبيعة هن������اك أكثر‬ ‫جماال والطقس مييل إلى االعتدال واملساحات‬ ‫اخلضراء مفروشة على مد النظر‪ ،‬ترتفع مدينة‬ ‫ثالء ثالثة آالف متر تقريبا عن س������طح البحر‪,‬‬ ‫وكلما ارتفعنا على ظهر جبل برزت أمامنا املئات‬ ‫من ش������جيرات القات القصي������رة حيث تزرع في‬ ‫تلك األماك������ن املرتفعة أغلى األن������واع وأجودها‬ ‫وهي تعد االس������تثمار األعلى ربحية واألقل كلفة‬ ‫ألن هذه الشجرة املخدرة تتحمل البرد القارص‬ ‫وال حتت������اج إل������ى الكثير من امل������اء‪ ،‬واجلراد من‬ ‫«خبثه������ا» ال يقترب منها وه������ي دائمة اخلضرة‬ ‫غزيرة التوريق وعش������اقها ال يتوقفون عن طلبها‬ ‫م������ن الصغر حتى قبل املم������ات‪ ،‬هذه «اجلدوى»‬ ‫االقتصادية أو «العدوى» هي السبب األول الذي‬ ‫جع������ل حقول الق������ات تكتم أنف������اس حقول النب‬ ‫واحلمضيات‪.‬‬

‫بوابات ثالء‬

‫تطل مدينة ث���ل��اء على مدن حبابه ومحويت‬ ‫وعيال س������ريح وعمران ووت������ار‪ ،‬وتتبع جغرافيا‬ ‫محافظة عمران وإداريا ملديرية ثالء ويبلغ عدد‬ ‫س������كانها وفق آخر إحصاء أج������ري العام ‪2004‬‬ ‫سبعة آالف نسمة تقريبا‪ ،‬وقد بنيت منازل ثالء‬ ‫من حجارة اجلبل وهي محمية بسور يصل طوله‬ ‫إل������ى أكثر من ألفي متر تقريب������ا يتدرج ارتفاعه‬ ‫من م������كان آلخر‪ ،‬واجلدار الش������مالي هو األكثر‬ ‫ارتفاعا ويصل طوله إل������ى ‪ 20‬مترا‪ ،‬وتقام على‬ ‫ذلك الس������ور أب������راج املراقبة كم������ا توجد ثماني‬ ‫بواب������ات منتش������رة على طول ذلك الس������ور‪ ،‬ومن‬ ‫أبرز معالم مدينة ثالء حصنها الذي حمل اسم‬ ‫املدينة وبني على قمة اجلبل‪.‬‬ ‫حصن ث���ل��اء الذي لم يعرف له تاريخ محدد‬ ‫لبنائه وقد ذكره املؤرخ الهمداني الذي عاش في‬ ‫القرن الرابع الهجري ف������ي كتابه «صفة جزيرة‬ ‫الع������رب» أي أن������ه بني قب������ل ذلك الزم������ن وقال‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 42-51.indd 44‬‬


‫بنيت منازل ثالء من حجارة اجلبل وهي محمية بسور يصل طوله إلى‬ ‫أكثر من ألفي متر تقريبا يتدرج ارتفاعه من مكان آلخر واجلدار الشمالي‬ ‫هو األكثر ارتفاعا ويصل طوله إلى ‪ 20‬مترا ‪ ,‬وتقام على ذلك السور أبراج‬ ‫املراقبة كما توجد ثماني بوابات منتشرة على طول ذلك السور‬

‫فـقــه عمـارة املساجــد‬

‫‪9/5/13 1:11:37 PM‬‬

‫‪45‬‬

‫‪oct 42-51.indd 45‬‬


‫الهمدان������ي عن حصن ثالء‪« :‬وثالء حصن وقرية‬ ‫للمراي���ي��ن من همدان‪ ،‬وتقع البلدة في الس������فح‬ ‫الش������رقي للحص������ن»‪ ,‬ويضيف م������ؤرخ آخر هو‬ ‫الس������ياغي في كتابه «معالم اآلثار اليمنية»‪« :‬إن‬ ‫حصن ثالء ميت������از بحصانته ومنعته وبه العديد‬ ‫من الكهوف الواسعة ومدافن احلبوب وبرك املاء‬ ‫وفي ش������مال هذا اجلبل ‪ -‬ومتصل به ‪ -‬حصن‬ ‫يس������مى (الناص������رة) وهو أعلى من������ه وفيه مآثر‬ ‫وبيوت خربة‪ ،‬وفي أعاله القلعة املنيعة األثرية‪،‬‬ ‫مم������ا يعني أن قلع������ة أو حصن ثالء هي من أهم‬ ‫القالع واحلصون احلربية‪ ،‬نظرا لوجودها على‬ ‫قمة أعلى مرتف������ع في منطقة ثالء مما حصنها‬ ‫حتصينا طبيعي������ا جيدا‪ ،‬كما يتوافر بهذه القلعة‬ ‫معظم العناصر احلربية الالزمة لبناء القلعة»‪.‬‬ ‫وتض������م مدينة ثالء العديد م������ن املعالم التي‬ ‫ميكن اكتش������افها عب������ر التجوال بني ش������وارعها‬ ‫الضيق������ة‪ ،‬نذكر منها اجلام������ع الكبير ويقع على‬ ‫ت������ل مرتف������ع في وس������ط املدينة‪ ،‬وظل������ت الكثير‬

‫من الكتابات بخط النس������خ عل������ى جدران إيوان‬ ‫املس������جد‪ ،‬أبرزه������ا إع���ل��ان نهاي������ة العم������ل في‬ ‫املس������جد ونصها «وكان الفراغ من هذه العمارة‬ ‫املباركة في ش������هر ذي احلجة سنة سبع وتسعني‬ ‫وس������بعمائة من الهجرة املبارك������ة على صاحبها‬ ‫أفض������ل الصالة والتس������ليم»‪ ،‬ويوج������د في ثالء‬ ‫مس������جد آخر هو مسجد س��������عيد الكينعي ويقع‬ ‫جنوب املدينة والعديد من األضرحة‪ ،‬كما توجد‬ ‫عني املاء الكبيرة‪ ،‬وأخيرا مدرسة اإلمام شرف‬ ‫الدين وهي واحدة من سبع مدارس منتشرة في‬ ‫مختلف أنحاء اليمن أسسها يحيى شرف الدين‬ ‫بن ش������مس الدين بن املهدي أحمد الذي ينتهي‬ ‫نسبه إلى الهادي بن احلسني‪.‬‬ ‫ومدين������ة ث���ل��اء مدينة علم تض������م املدارس‬ ‫الت������ي تعلم الفق������ه وتفس������ير الق������رآن وقواعد‬ ‫اللغة العربية ويوجد فيها الكثير من املس������اجد‬ ‫القدمية‪ ،‬ويق������ع على قمة احلصن قصر املطهر‬ ‫وهو اس������م لشخصية اشتهرت بتصديها للوجود‬

‫رحلة الصعود لقمة اجلبل ليست باملهمة السهلة فسلم الصعود مصنوع من األحجار غير املثبتة وكلما دسنا على حجر اهتز‬ ‫قليال ‪ ،‬تلك األحجار أطرافها حادة كاملوس والوضع يزداد صعوبة عندما يتعمد البعض من سكان املدينة تخطينا بسرعة وخفة‬

‫‪46‬‬

‫‪9/5/13 1:11:43 PM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 42-51.indd 46‬‬


‫العثمان������ي في اليمن‪ ،‬فقد واج������ه اإلمام املطهر‬ ‫بن ش������رف الدين األتراك مع وال������ده في بداية‬ ‫األمر ثم واصل القت������ال بعد وفاة أبيه في العام‬ ‫‪ 969‬هجرية وف������ي املراحل األخيرة من معاركه‬ ‫حتصن بحص������ن ثالء املنيع وأجب������ر العثمانيني‬ ‫على االنس������حاب بعد قذفهم وجنوده باحلجارة‬ ‫وتوفي املطهر في العام ‪ 980‬هجرية‪.‬‬ ‫لم تتمكن احلافلة التي حملتنا رغم صغرها‬ ‫من اختراق ش������وارع مدينة ثالء الضيقة س������وى‬ ‫ملس������افة مح������دودة‪ ،‬توقفن������ا بعدها ف������ي نقطة‬ ‫اعتبرت نقطة التالقي الت������ي يبدأ وينتهي منها‬ ‫زوار املدين������ة‪ ،‬نزلنا وأغلب الزوار يحملقون أول‬ ‫األم������ر في اجلب������ل العظيــــم م������ع عملـــية متدد‬ ‫الإرادية في اجلسم بسبب طول مدة «االنحشار»‬ ‫في احلافلة‪.‬‬ ‫ف������ي نقط������ة التالق������ي حوصرن������ا بجمع من‬ ‫الصغار كأنهم فراش������ات فصل الربيع كل منهم‬ ‫يريد أن يكون دليلنا السياحي وبعضهم جنح في‬ ‫إقناع بعض الزبائ������ن‪ ،‬توجهنا نحن كفريق دفعة‬ ‫واح������دة نحو اجلبل للصع������ود إلى احلصن وكان‬ ‫أكث������ر من مرافق لنا يتحفنا بأفضل ما لديه من‬ ‫معلومات‪.‬‬

‫السلم احلجري‬

‫كانت رحلة الصعود لقمة اجلبل مهمة شاقة‬ ‫لي‪ ،‬واالعتراف باحل������ق فضيلة‪ ،‬ولعل مالحظة‬ ‫قيمة س������معتها (ط������وق النجاة) وأن������ا في طريق‬ ‫الصعود هي أن بلوغ قمة اجلبل الشاهق مضيعة‬ ‫للوقت مقارنة مع متعة اكتش������اف معالم املدينة‪،‬‬ ‫لذل������ك قررت مع مجموعة من الزمالء «مس������ك‬ ‫العصا» من املنتصف‪ ..‬نصعد قليال ونس������تطلع‬ ‫املدينة بعدها‪.‬‬ ‫س������لم الصع������ود مصنوع م������ن األحجار غير‬ ‫املثبت������ة أي تتحرك كلما دس������نا على حجر‪ ،‬تلك‬ ‫األحجار أطرافها ح������ادة كاملوس والوضع يزداد‬ ‫صعوبة عندما يتعمد البعض من س������كان املدينة‬ ‫تخطينا بس������رعة وخفة وكل واحد منهم يسألنا‬ ‫عن احلس������اب‪ ..‬أي حس������اب؟ ال أعلم‪ ..‬والحقا‬ ‫عرفت أن هؤالء املزعجني يريدون أجرة صعود‬ ‫اجلب������ل!!‪ ،‬ويا للعجب كي������ف للجهات املعنية أن‬

‫تت������رك لآلخري������ن مهم������ة جباية أم������وال املواقع‬ ‫السياحية نيابة عنها؟!‬ ‫عند هذا احلد توقفت أنا ومجموعة «العصا»‬ ‫بعد أن قطعنا نصف املس������افة تقريبا ثم بحثت‬ ‫عن زميلي املصور اليمني عبدالرحمن الغابري‬ ‫وطلب������ت منه التقاط بع������ض الصور اجلميلة لي‬ ‫عندما يصل إلى قمة اجلبل ففعل مشكورا‪.‬‬

‫العني تدمع‬

‫الس������ير في ش������وارع املدينة ورؤي������ة منازلها‬ ‫الصغيرة له وقع في النفس أكثر من املش������اهدة‬ ‫من األعلى خاصة عندما يرتبط األمر بالتصوير‪،‬‬ ‫كانت الس������اعة في يدي تشير إلى الثانية عشرة‬ ‫والنصف حينما بدأنا نشق طريقنا بني األزقة‪.‬‬ ‫لبرهة اعتقد زميل لنا أن حريقا ش������ب في‬ ‫أح������د البيوت ثم امت������د للبيوت األخ������رى ولكن‬ ‫دون العوي������ل املعتاد في مث������ل هذه احلوادث ألن‬ ‫األمر ال يعدو كونه ساعة إعداد الطعام بالطرق‬ ‫التقليدية مثل استعمال اخلشب‪ ،‬واصلنا السير‬ ‫ونحن نس������أل عن عني املاء الكبيرة حتى وصلنا‬ ‫رفع أحد الزمالء رأسه‬ ‫وأشار بسبابته قائال‪:‬‬ ‫«انظروا هذا اجلسر‬ ‫املعلق بني اجلدارين‬ ‫يا ترى ما السبب؟»‪ ،‬رد‬ ‫عليه زميل آخر معنا‬ ‫مداعبا‪« :‬رمبا كان‬ ‫صاحب املنزل متزوجا‬ ‫من امرأتني وأراد‬ ‫اختصار الطريق»‬

‫‪47‬‬

‫‪9/5/13 1:11:48 PM‬‬

‫‪oct 42-51.indd 47‬‬


‫أخذنا ندور حول سور العني باجتاه أكثر مناطقها انخفاضا حيث صنع سلم حجري‬ ‫تغوص درجاته في املاء اقتربنا من سطح املاء كثيرا نتأمل فضاء املكان ‪ ،‬كان لون املاء‬ ‫أزرق مييل إلى اخلضرة ورمبا العكس‪ ...‬تلك العني هي املصدر الرئيسي لثالء من املاء‬

‫‪48‬‬

‫‪9/5/13 1:11:53 PM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 42-51.indd 48‬‬


‫إليها‪ ،‬وهي تقع على أطراف مدينة ثالء‪.‬‬ ‫أخذنا ندور حول س������ور الع���ي��ن باجتاه أكثر‬ ‫ً‬ ‫انخفاض������ا حيث صنع س������لم حجري‬ ‫مناطقه������ا‬ ‫تغ������وص درجاته في امل������اء‪ ،‬اقتربنا من س������طح‬ ‫املاء كثي������را نتأمل فضاء امل������كان‪ ،‬كان لون املاء‬ ‫أزرق ميي������ل إلى اخلضرة ورمب������ا العكس‪ ،‬وفوق‬ ‫املاء تكونت طبق������ات طحلبية أعجز عن وصف‬ ‫بشاعتها أو األثر السلبي الذي تتركه في النفس‬ ‫لو قيل لي اشرب من ماء العني‪ ،‬ما آملني حقا هو‬ ‫تعمد بعض الناس من س������كان املدينة جعل تلك‬ ‫العني الواسعة مكب نفايات ألكياسهم وقنانيهم‪،‬‬ ‫والغريب أن هذه البركة هي املصدر الرئيس������ي‬ ‫من املياه العذبة لسكان مدينة ثالء! هذا الوضع‬ ‫يذكرني مبن يفقأ عينيه بإصبعه‪.‬‬ ‫مع اقتراب س������اعة املغادرة تعمدنا س������لوك‬ ‫طريق مختل������ف نحو نقطة التالق������ي‪ ،‬في أحد‬ ‫األزقة رفع أحد الزمالء رأس������ه وأشار بسبابته‬ ‫قائال‪« :‬انظروا هذا اجلسر املعلق بني اجلدارين‬

‫يا ترى ما الس������بب؟»‪ ،‬رد علي������ه زميل آخر معنا‬ ‫مداعبا‪« :‬رمب������ا كان صاحب املنزل متزوجا من‬ ‫امرأتني وأراد اختصار الطريق»‪.‬‬ ‫رج������ال مدينة ثالء لم أالحظ أن مالبس������هم‬ ‫التقليدية تختلف كثيرا عن مالبس أهل صنعاء‬ ‫على األقل أثناء جولتن������ا‪ ،‬ثوب وجاكيت وجنبية‬ ‫وغترة ملقاة على الكتف أو ملفوفة على الرأس‪،‬‬ ‫لكن األمر اختلف مع النساء فمالبسهن اختلفت‬ ‫ع������ن مالبس نس������اء صنع������اء التي يغل������ب عليها‬ ‫الس������واد‪ ،‬فهن يتدثرن بأغطي������ة ملونة وزاهية‪،‬‬ ‫حمراء‪ ،‬وزرقاء‪ ،‬وصفراء‪ ،‬واألطفال غلب عليهم‬ ‫لب������س البنطلون واجلاكيت‪ ،‬وأخيرا كبار الس������ن‬ ‫كانوا محافظ���ي��ن على لبس العمام������ة البيضاء‬ ‫والثوب التقليدي‪.‬‬ ‫عن������د وصولن������ا إلى نقط������ة التالق������ي‪ ،‬كان‬ ‫بانتظارنا اس������تقبال مختلف متاما عن استقبال‬ ‫املرشدين األطفال‪ ،‬هذه املرة حوصرنا من قبل‬ ‫باعة القطع األثرية والتذكارات على أعضاء فريق‬

‫ثالء مدينة علم وتضم مدارس تعليم الفقه وتفسير القرآن الكرمي‬ ‫وقواعد اللغة العربية ويوجد فيها الكثير من املساجد القدمية‬

‫حصن ثالء‪ ..‬قمم اجلبال حتمي عروش األئمة‬

‫‪9/5/13 1:11:58 PM‬‬

‫‪49‬‬

‫‪oct 42-51.indd 49‬‬


‫تضم مدينة ثالء العديد من املعالم التي ميكن اكتشافها عبر التجوال بني‬ ‫شوارعها الضيقة‪ ..‬ورؤية منازلها الصغيرة له وقع في النفس أكثر من املشاهدة‬ ‫من األعلى‬

‫‪50‬‬

‫‪9/5/13 1:12:05 PM‬‬

‫العدد ‪ - 658‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 42-51.indd 50‬‬


‫إنها ساعة «القات» حيث يتوقف كل شيء لتبدأ ساعات التسامر والسمر‬ ‫حصن ثالء‪ ..‬قمم اجلبال حتمي عروش األئمة‬

‫‪9/5/13 1:12:10 PM‬‬

‫الرحل������ة الذي������ن أقبلوا على‬ ‫الشراء بشراهة وأنا معهم‪،‬‬ ‫أحد الزمالء الفرنسيني من‬ ‫احلافل������ة األخرى اس������تثمر‬ ‫ذه������اب فت������اة صغي������رة إليه‬ ‫لطرح بعض األس������ئلة عليها‬ ‫لكونه متخصصا في قضايا‬ ‫حقوق تعليم األطفال وعدم‬ ‫تشغيلهم في سن مبكرة‪.‬‬ ‫الفت������اة كــــان������ت تبــــي������ع‬ ‫الق���ل��ادات الفضية واحلوار‬ ‫معها بدأ عن طريق مترجم‪،‬‬ ‫وبينم������ا كانت تنظ������ر بعيون‬ ‫بريئة وتس������تمع إلى السؤال‬ ‫األول بـــالـــفــرنـــس������ية ع������ن‬ ‫عمره������ا‪ ،‬وقع������ت املفأجاة‬ ‫عندما ردت بكل ثقة باللغة‬ ‫الفرنس������ية‪ ..‬عمري ثماني‬ ‫س������نوات ثم أكمل������ت احلوار‬ ‫واجلميع مص������اب بالذهول‬ ‫املمزوج بالفخر واالعتزاز‪.‬‬ ‫وعلمن������ا م������ن املترج������م –‬ ‫بطبيع������ة احل������ال – أن تلك‬ ‫الريحان������ة الصغي������رة تتلقى‬ ‫تعليمه������ا في الصباح وتعمل‬ ‫كبائع������ة للق���ل��ادات الفضية‬ ‫بعد نهاية وقت املدرسة وقد‬ ‫اكتسبت اللغات األجنبية من‬ ‫املدرسة واالحتكاك اليومي‬ ‫مع السياح األجانب‪.‬‬ ‫أخي� � ��را دارت مح� � ��ركات‬ ‫احلاف� �ل��ات معلنة ع� � ��ن نهاية‬ ‫رحلتن� � ��ا ملدين� � ��ة ث� �ل��اء وبداية‬ ‫رحلتن� � ��ا إل� � ��ى صنع� � ��اء مرورا‬ ‫مبنطق� � ��ة كوكبان الت� � ��ي توقفنا‬ ‫فيها ألقل من س� � ��اعة وعرفنا‬ ‫جيدا س� � ��بب إحل� � ��اح مرافقنا‬ ‫على ض� � ��رورة إحض� � ��ار بعض‬ ‫املــــالبــس الثقــــيـــلة ألن ســــفوح‬ ‫كوكبان قطعة من سيبيريا >‬

‫‪51‬‬

‫‪oct 42-51.indd 51‬‬


‫استطالع‬

‫املزارات الدينية‬ ‫في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬ ‫إعداد وتصوير‪:‬‬ ‫عبدالله السمطي‬

‫ح�ي�ن تالمس عيناك أحد األماكن املقدس� ��ة في مكة املكرمة أو املدين� ��ة املنورة‪ ،‬يقودك البصر في‬ ‫الت� ��و إل� ��ى بصيرة الذاك��ة‪ ،‬واس� ��تدعاء ش� ��ريط التخيالت والتأمالت واألس� ��ئلة الت� ��ي تلقي عليك‬ ‫حمال جميال من روعة املكان وجالله في آن معا‪ .‬فهذا املكان أو ذاك يحمل إشراقة إلهية أو ملسة‬ ‫من ملس� ��ات النبوة‪ .‬س� ��يعود بك اخليال إلى املاضي املقدس دائما‪ ،‬كأنك تعيش� ��ه‪ ،‬كأنك تتنقل في‬ ‫األماكن نفس� ��ها التي تنقل فيها النبي الكرمي (صلى الله عليه وس� ��لم) في غار حراء حينا أو غار‬ ‫ثور وقت الهجرة‪ ،‬أو فضاء ما حول الكعبة‪ ،‬أو جبل أحد أحيانا أخرى‪.‬‬

‫‪9/5/13 1:12:30 PM‬‬

‫‪oct 52-67.indd 52‬‬


‫أمام ساحة املسجد النبوي‬

‫‪9/5/13 1:12:36 PM‬‬

‫‪oct 52-67.indd 53‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬ ‫أن� � ��ت هنا تعان� � ��ق رحابة امل� � ��كان ورحابة‬ ‫اللحظ� � ��ة التي جتلى فيه� � ��ا النبي الكرمي‬ ‫محمد بن عبدالله ناشرا رسالة اإلسالم‪،‬‬ ‫في املهاد الذي نام فيه علي بن أبي طالب وهو غالم‬ ‫في فراش الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مرابع‬ ‫مكة املكرمة وديارها‪ ،‬في دار األرقم بن أبي األرقم‪،‬‬ ‫في طريق الهجرة ما بني مكة واملدينة أو عند شجرة‬ ‫الرضوان‪.‬‬ ‫وفي املدينة املنورة حيث مسجد قباء أول مسجد‬ ‫وضع في اإلسالم‪ ،‬وعند موضع غزوة بدر وبئر بدر‬ ‫وعند جبل أحد‪ ،‬وموضع رماة املسلمني‪ ،‬وفي البقيع‬ ‫بجوار املسجد النبوي الشريف حيث قبور الصحابة‬ ‫وقبور أمهات املؤمنني‪ ،‬وأيضا في مدينة خيبر وآبار‬ ‫علي‪ ،‬ومس� � ��جد صغير بناه املس� � ��لمون مكان البقعة‬ ‫التي حط فيها الرس� � ��ول رحاله خالل حصار اليهود‬ ‫في خيبر‪.‬‬ ‫هن� � ��ا تتعانق ذاك� � ��رة املكان بذاك� � ��رة التاريخ‪ ،‬في‬ ‫فضاء مق� � ��دس حتول إلى مزارات يؤمها من يش� � ��اء‬ ‫من املس� � ��لمني خالل أدائه للعم� � ��رة أو أدائه لفريضة‬ ‫احلج‪.‬‬

‫مخيال املقدس‪:‬‬

‫تغيرت األحوال عبر تغيرات الزمان‪ ،‬واتس� � ��عت‬ ‫األبنية اجلديدة‪ ،‬واندثرت أو طمس� � ��ت بعض األبنية‬ ‫وحتول� � ��ت إلى أطالل‪ ،‬بي� � ��د أن بعضها اليزال يحمل‬ ‫عبق املقدس‪ ،‬وبعضها اليزال موجودا يذكر بس� � ��يرة‬ ‫الرسالة اإلسالمية وسيرة النبي‪ .‬ليدخل الرائي إلى‬ ‫مخيال املقدس‪ ،‬واستدعائه وجدانيا‪.‬‬ ‫ولعل العمرة وما بها من طواف وسعي‪ ،‬أو احلج‬ ‫والط� � ��واف حول الكعبة املش� � ��رفة‪ ،‬وإكمال مناس� � ��ك‬ ‫احلج يقودنا إلى السعي بني الصفا واملروة والوقوف‬ ‫بعرفات واملبي� � ��ت باملزدلفة ومن� � ��ى ورمي اجلمرات‬ ‫حت� � ��ى أداء طواف الوداع‪ .‬لكن هن� � ��اك أماكن أخرى‬ ‫عزيزة على كل مس� � ��لم تذكره بسيرة الرسول الكرمي‬ ‫واألماكن التي تنقل فيها‪ ،‬وهي كثيرة في مكة املكرمة‬ ‫واملدين� � ��ة املنورة وم� � ��ا بينهما من مس� � ��افات يتجاوز‬ ‫أشهرها اخلمسني موضعا ومكانا‪ ،‬هذا غير األماكن‬ ‫األثرية والتاريخية التي عبر بها الصحابة واخللفاء‬ ‫الراشدون‪ ،‬والتابعون املشهورون‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫‪9/5/13 1:12:42 PM‬‬

‫وتس� � ��تهل مخايلة املقدس في مكة املكرمة التي‬ ‫حتوي الكعبة املشرفة واملس� � ��جد احلرام‪ ،‬وألن مكة‬ ‫املكرم� � ��ة محاطة باجلب� � ��ال‪ ،‬أو تكثر فيه� � ��ا املناطق‬ ‫اجلبلي� � ��ة‪ ،‬فقد كان هناك موضعان أثيران للرس� � ��ول‬ ‫الكرمي أحدهما كان يتعبد به ويعتكف وهو غار حراء‬ ‫ف� � ��ي جبل النور‪ ،‬والثاني غار ث� � ��ور الذي احتمى فيه‬ ‫الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر الصديق ‪-‬‬ ‫رضي الله عنه ‪ -‬عند الهجرة من مكة إلى املدينة‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 54‬‬


‫ويع� � ��رف اجلبل ال� � ��ذي يحوي غار ح� � ��راء عند‬ ‫أه� � ��ل مكة بجبل النور‪ ،‬وهو على يس� � ��ار الذاهب من‬ ‫مكة إل� � ��ى منى‪ ،‬ويبلغ ارتفاعه طبقا لهيئة املس� � ��احة‬ ‫الس� � ��عودية ‪ 634‬مترا‪ ،‬وقد كان النبي صلى الله عليه‬ ‫وس� � ��لم يتعبد في هذا الغار حتى ن� � ��زل عليه جبريل‬ ‫عليه الس��ل��ام بأول آيات من الق�� ��رآن الكرمي {اقْ َر ْأ‬

‫الن َْسا َن ِم ْن َع َل ٍق اقْ َر ْأ‬ ‫ِب ْ‬ ‫اس ِم َر ِّب َك ال َِّذي خَ َلقَ خَ َلقَ إْ ِ‬ ‫�ك أْ َ‬ ‫َو َر ُّب � َ‬ ‫ال ْك َر ُم ال َِّذي َع َّل َم ِبا ْل َق َل ِم َع َّل َم ِإْ‬ ‫الن َْس ��ا َن َما‬

‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:12:46 PM‬‬

‫َل ْم َي ْع َل ْم }‪( .‬العلق ‪)5 : 1 -‬‬ ‫ومازال الغ� � ��ار قائما حتى اآلن وه� � ��و عبارة عن‬ ‫فجوة بابها نحو الش� � ��مال تسع نحو خمسة أشخاص‬ ‫جلوس� � ��ا وارتفاعه قامة متوسطة‪ ،‬والواقف على هذا‬ ‫اجلبل يرى مكة وأبنيتها كما يرى جبل ثور‪ .‬‬ ‫أما جبل ثور فهو يقع من جهة املسفلة على طريق‬ ‫اليمن ويبلغ ارتفاعه ‪ 759‬مترا ويبعد هذا اجلبل عن‬ ‫املس� � ��جد احلرام بثالثة كيلو مترات ومس� � ��احة الغار‬

‫‪55‬‬

‫‪oct 52-67.indd 55‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬

‫‪56‬‬

‫‪9/5/13 1:12:55 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 56‬‬


‫تقدر مبترين مربعني‪ .‬والغار يقع فوق جبل ثور وباب‬ ‫الغار موجود من أعلى ال من جانب الغار‪.‬‬ ‫وفي رحالت العمرة من داخل الس� � ��عودية أو من‬ ‫خارجه� � ��ا‪ ،‬تكون هن� � ��اك أولوية دائم� � ��ا لزيارة هذين‬ ‫اجلبل� �ي��ن من قب� � ��ل املعتمرين‪ ،‬حيث تضع ش� � ��ركات‬ ‫السياحة والعمرة هذين املكانني ملا لهما من تاريخية‬ ‫دينية ضمن برامجها األثيرة‪.‬‬ ‫وف� � ��ي مكة املكرمة تش� � ��كل س� � ��احة احلرم املكي‬ ‫الشريف أحد األماكن املهمة التي يحرص املعتمرون‬ ‫واحلجي� � ��ج على املكوث فيها‪ ،‬وقد قامت الس� � ��عودية‬ ‫على مراحل وعهود مختلفة بتوس� � ��عة هذه الس� � ��احة‬ ‫حول املس� � ��جد احلرام مرات كثيرة‪ ،‬وش� � ��هدت أكبر‬ ‫توسعة لها في عهد امللك فهد بن عبدالعزيز‪ ،‬وتشهد‬ ‫اليوم في عهد امللك عبدالله بن عبدالعزيز توس� � ��عة‬ ‫وتطويرا كبيرين خاصة من جهة الصفا واملروة‪ ،‬كما‬ ‫أنش� � ��ئت س� � ��اعة مكة املكرمة وهي أعلى ساعة في‬ ‫العالم على ارتف� � ��اع ‪ 601‬متر‪ .‬وصممت على عرض‬ ‫‪ 43‬مترا وارتفاع ‪ 43‬مترا‪.‬‬

‫مسجد في كل موضع‪:‬‬

‫أنشأ املس� � ��لمون منذ وفاة النبي صلى الله عليه‬ ‫وس� � ��لم في الس� � ��نة العاش� � ��رة للهجرة‪ ،‬وحتى امتداد‬ ‫العصور اإلسالمية املختلفة عددا كبيرا من املساجد‬ ‫ف� � ��ي األماكن الت� � ��ي مر به� � ��ا النبي الك� � ��رمي‪ ،‬وتصل‬ ‫هذه املس� � ��اجد في منطق� � ��ة مكة املكرم� � ��ة إلى أكثر‬ ‫من عش� � ��رين مس� � ��جدا‪ ،‬من أبرزها‪ :‬مسجد اجلن‪،‬‬ ‫ومس� � ��اجد‪ :‬البيعة‪ ،‬والش� � ��جرة‪ ،‬والراية‪ ،‬واحلديبية‪،‬‬ ‫ومس� � ��جد إبراهيم‪ ،‬والتنعيم‪ ،‬واجلعرانة‪ ،‬وانش� � ��قاق‬ ‫القمر‪ ،‬والعريش‪.‬‬ ‫وترتبط مسميات هذه املس� � ��اجد باسم املوضع‬ ‫الذي بني� � ��ت فيه أو الواقع� � ��ة التاريخية التي حدثت‬ ‫فيه‪ ،‬وكلها مر بها النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬ ‫ومن الطريف أن تس� � ��مية مسجد اجلن تأتي في‬ ‫املكان الذي اس� � ��تمع فيه نفر من اجلن إلى الرسول‬ ‫الكرمي وآمنوا بدعوة اإلسالم‪.‬‬ ‫ويعتبر مس� � ��جد اجلن من املس� � ��اجد التاريخية‬ ‫القدمية املعروفة مبكة ويقع بأعلى مكة أمام مقبرة‬ ‫املعالة اجلنوبية‪ .‬ويعرف هذا املسجد عند أهل مكة‬ ‫مبسجد «احلرس» وس� � ��مي بهذا االسم ألن صاحب‬ ‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:13:00 PM‬‬

‫‪57‬‬

‫‪oct 52-67.indd 57‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬

‫طريق مؤدي للمسجد النبوي ‪ ..‬وعلى اليسار سور مقبرة البقيع‬

‫احل� � ��رس كان يطوف مبكة حتى إذا انتهى إليه وقف‬ ‫عنده ولم يتجاوزه حتى توافى عنده عرفاؤه وحرسه‪،‬‬ ‫ويقال إنه يقع في موضع اخلط الذي خطه رس� � ��ول‬ ‫الله صلى الله عليه وسلم البن مسعود في الليلة التي‬ ‫اس� � ��تمع إليه فيها اجلن‪ ،‬كما ُعرف أيضا مبس� � ��جد‬ ‫البيعة ملا يُروى أن اجلن بايعوا رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وس� � ��لم في ذلك املوضع‪ .‬وفي هذا املكان نزلت‬

‫‪58‬‬

‫‪9/5/13 1:13:07 PM‬‬

‫س� � ��ورة اجلن على رس� � ��ول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫وقرأ على اجلن بعض اآليات القرآنية‪ ،‬وبذلك سمي‬ ‫مسجد اجلن‪.‬‬ ‫ومس� � ��جد الراية من املس� � ��اجد األثرية القدمية‬ ‫مبكة يقع بأعالها عند الردم األعلى عند بئر جبير‬ ‫بن مطعم بن عدي املعروفة بالبئر العليا‪.‬‬ ‫وس� � ��بب تسمية املسجد مبسجد الراية أن النبي‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 58‬‬


‫صلى الله عليه وس� � ��لم عندما عزم على فتح مكة في‬ ‫السنة الثامنة من الهجرة ووصل إلى أعلى مكة عند‬ ‫بئر جبير بن مطعم بن عدي وقف مع اجليش ووضع‬ ‫الراية وصلى هناك‪.‬‬ ‫أما املس� � ��جد املسمى مبسجد انش� � ��قاق القمر‪،‬‬ ‫فقد ارتبط بحادثة انش� � ��قاق القمر وهي كما يصفها‬ ‫الرواة واملفس� � ��رون من أعظم املعجزات النبوية التي‬ ‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:13:14 PM‬‬

‫حدثت في التاريخ على يد رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وس� � ��لم مبكة‪ ،‬وقد تواترت هذه احلادثة وتكلم عنها‬ ‫أهل التاريخ وعلماء الس� � ��يرة النبوية في كتبهم‪ ،‬وقد‬ ‫وقعت معجزة انش� � ��قاق القمر في السنة التاسعة من‬ ‫البعثة عندما اجتمع ُمش� � ��ركو قريش وعلى رأس� � ��هم‬ ‫أب� � ��و جهل والوليد بن املغيرة والعاص بن وائل وقالوا‬ ‫للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت صادقا فشق لنا‬

‫‪59‬‬

‫‪oct 52-67.indd 59‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬

‫أمام قبور الصحابة بالبقيع‬

‫القمر نصفني وبالفعل حتققت املعجزة وانشق القمر‬ ‫نصفني‪ ،‬نصف يرى فوق جب� � ��ل أبي قبيس‪ ،‬ونصف‬ ‫ف� � ��وق جبل قيقعان‪ ،‬وس� � ��جد النبي صل� � ��ى الله عليه‬ ‫وس� � ��لم ش� � ��كراً لله‪ .‬وكان هذا املسجد يقع فوق جبل‬ ‫أبي قبيس معروفا باسم مس� � ��جد «انشقاق القمر»‪،‬‬ ‫وق� � ��د أزيل هذا املس� � ��جد أخيرا مع ج� � ��زء من جبل‬ ‫أبي قبيس بسبب التوس� � ��عة السعودية حول املسجد‬ ‫احل� � ��رام‪ .‬وكان م� � ��ن ضمن املس� � ��اجد الت� � ��ي يزورها‬ ‫املعتمرون دائما‪.‬‬ ‫كم� � ��ا يوجد مس� � ��جد احلديبية وتع� � ��رف منطقة‬ ‫احلديبية في الوقت احلاضر بـ «الشمـيس� � ��ي» وتبعد‬ ‫عن املس� � ��جد احل� � ��رام بحوال� � ��ى ‪ 25‬كلم‪ .‬وس� � ��ميت‬ ‫احلديبية ��بئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع‬ ‫الصحابة رس� � ��ول الله صلى الله عليه وسلم حتتها‪.‬‬ ‫وقد بني في املكان الذي اعتمر منه النبي صلى الله‬ ‫عليه وسلم مسجد يعتبر من اآلثار اإلسالمية املهمة‬ ‫وبني إلى جانبه مسجد حديث يشاهدهُ الذاهب إلى‬ ‫مكة على ميينه‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫‪9/5/13 1:13:20 PM‬‬

‫مقابر الصحابة وشعب أبي طالب‪:‬‬

‫من بني املزارات التي تتعلق بالس� � ��ياحة الدينية‬ ‫والتاريخية في الس� � ��عودية بعض األماكن التي حتوي‬ ‫حوادث ووقائع تاريخية‪ ،‬كما توجد بعض املقابر التي‬ ‫تضم قب� � ��ور الصحابة‪ ،‬وعلى الرغم من أن احلكومة‬ ‫الس� � ��عودية ال حتبذ بناء األضرحة أو املقامات على‬ ‫القب� � ��ور‪ ،‬فإنها تضع على املقابر بعض احلجارة التي‬ ‫ال تشير إلى شيء وال تبني مقبرة هذا الصحابي من‬ ‫ذاك‪ ،‬حتى في املقابر الش� � ��هيرة مث� � ��ل مقبرة البقيع‬ ‫باملدينة املنورة ال توجد قوائم أو إشارات تبني أسماء‬ ‫الذين دفنوا بهذه املقابر وذلك خوفا من حتولها من‬ ‫مجرد م� � ��زارات إلى أضرحة ومقامات يتوس� � ��ل بها‬ ‫إلى الله‪ ،‬وعلماء الس� � ��عودية يعتبرون أن هذا التوسل‬ ‫صورة من صور الش� � ��رك بالله‪ .‬كما أن هناك أماكن‬ ‫كثيرة اندثرت أو بنيت فوقها مؤسس� � ��ات حكومية أو‬ ‫مكتبات‪ ،‬كما أزيلت مساجد صغيرة وأماكن وبيوتات‬ ‫قدمية أثرية مع توسعة احلرم املكي خاصة في عهد‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 60‬‬


‫ساعة املسجد احلرام ‪ ..‬أعلى ساعة في العالم‬

‫امللك فهد بن عبدالعزيز‪.‬‬ ‫ومن أش� � ��هر هذه امل� � ��زارات‪ :‬مقبرة املعالة‪ ،‬وهي‬ ‫تضم قب� � ��ور كثير م� � ��ن الصحابة‪ ،‬وتق� � ��ع املقبرة في‬ ‫الشمال الشرقي من مكة املكرمة على شارع احلجون‬ ‫على اجلهة اليمنى للقادم إلى املسجد احلرام وعلى‬ ‫اجلهة اليسرى للذاهب إلى املعابدة‪.‬‬ ‫وكان النب� � ��ي صلى الله عليه وس� � ��لم يزورها وقد‬ ‫روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى‬ ‫الله عليه وس� � ��لم قال ملقبرة مكة «نعم املقبرة هذه»‪.‬‬ ‫ومن أش� � ��هر الصحابة رضوان الله عليهم املدفونني‬ ‫باملعالة‪ :‬الس� � ��يدة خديج� � ��ة أم املؤمن� �ي��ن رضي الله‬ ‫عنها وعبدالله بن الزبير بن العوام وأمه أسماء بنت‬ ‫أبي بك� � ��ر رضي الله عنهما وغيره� � ��م من الصحابة‬ ‫والتابع� �ي��ن وأه� � ��ل الفض� � ��ل والدين الذي� � ��ن يصعب‬ ‫حصرهم وعدهم‪.‬‬ ‫أما م� � ��كان ميالد النبي صلى الله عليه وس� � ��لم‪،‬‬ ‫فتروي كتب اآلثار والتاريخ أن املوضع الذي ولد فيه‬ ‫النبي يقع مبكة في الدار املعروفة بدار ابن يوس� � ��ف‬ ‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:13:25 PM‬‬

‫وهو محمد بن يوس� � ��ف الثقفي أخو احلجاج‪ ،‬وكانت‬ ‫هذه الدار سابقا عند عقيل بن أبي طالب رضي الله‬ ‫عن� � ��ه وكان قد أخذها ملا هاجر الرس� � ��ول صلى الله‬ ‫عليه وس� � ��لم إلى املدينة املنورة‪ ،‬فل� � ��م تزل الدار بيد‬ ‫عقيل حتى باعها ورثته إلى محمد بن يوسف الثقفي‬ ‫ال� � ��ذي أدخلها في داره‪ ،‬وبقي� � ��ت الدار كذلك إلى أن‬ ‫حجت اخليزران أم اخلليفة العباسي هارون الرشيد‬ ‫سنة ‪171‬هـ فجعلت دار الرسول مسجدا يصلى فيه‪،‬‬ ‫وفصلته عن دار ابن يوس� � ��ف وأش� � ��رعته في الزقاق‬ ‫الذي في أص� � ��ل تلك الدار‪ ،‬ويس� � ��مى بزقاق املولد‪.‬‬ ‫وف� � ��ي العصر احلاضر بني امل� � ��كان من جديد وجعل‬ ‫مكتبة عامة حتــــمل عنــوان (مكتبة مكة املكرمة)‬ ‫ومن األماكن األخرى دار األرقم بن أبي األرقم‪،‬‬ ‫والس� � ��يدة خديجة بنت خويلد‪ ،‬وش� � ��عب أبي طالب‪،‬‬ ‫وق� � ��د اندثرت ه� � ��ذه األماكن مع توس� � ��عة املس� � ��جد‬ ‫احلرام‪ ،‬وبعضها بني مكانه بعض الفنادق واملساكن‪.‬‬ ‫أما قرية «بدر»‪ :‬فهي قرية مشهورة تبعد عن املدينة‬ ‫حوال� � ��ي ‪ 150‬كلم في اجلنوب الغربي منها وفي بدر‬

‫‪61‬‬

‫‪oct 52-67.indd 61‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬

‫مدينة خيبر‬

‫خيبر‪ ..‬شمال املدينة املنورة‬

‫‪62‬‬

‫‪9/5/13 1:13:34 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 62‬‬


‫وقعت املعركة املش� � ��هورة بني جيش اإلسالم وجيش‬ ‫املشركني وانتصر املسلمون في هذه املعركة انتصارا‬ ‫تاريخيا عظيما أعز الله فيه اإلسالم واملسلمني ومن‬ ‫أب� � ��رز املعالم األثرية في بدر مقبرة ش� � ��هداء بدر من‬ ‫املسلمني الذين استشهدوا رضي الله عنهم في هذه‬ ‫املعركة وهم أربعة عش� � ��ر ش� � ��هيدا مكتوبة أسماؤهم‬ ‫في املقبرة‪ .‬‬

‫آثار املدينة ومزاراتها‪:‬‬

‫تقع املدينة املنورة (يثرب ‪ -‬قدميا) شمال غرب‬ ‫اجلزي� � ��رة العربية‪ ،‬وتبعد ش� � ��ماال ع� � ��ن مكة املكرمة‬ ‫نح� � ��و ‪ 460‬كلم‪ ،‬وتقع املدينة في واحة خصبة حتيط‬ ‫بها مجموعة من األودية واجلبال‪ ،‬ومن أش� � ��هر هذه‬ ‫األودية وادي العقيق وقد سميت املدينة بعدة أسماء‬ ‫كن� � ��وع من التش� � ��ريف لها‪ :‬طيبة ‪ -‬طاب� � ��ة ‪ -‬احلبيبة‬ ‫ال� � ��درع احلصينة ‪ -‬احل� � ��رم ‪ -‬دار األب� � ��رار ‪ -‬دار‬‫اإلميان ‪ -‬دار الهجرة ‪ -‬الشافية‪.‬‬ ‫وكانت املدينة بعد ما هاجر الرس� � ��ول صلى الله‬ ‫عليه وس� � ��لم وأصحابه إليها مركز اإلسالم وعاصمة‬ ‫الدولة اإلسالمية وفيها ش� � ��رع الدين وحرم احلرام‬ ‫وأحل احلالل وأقيمت احلدود وانطلقت منها رايات‬ ‫اجلهاد التي فتحت معظم البلدان شرقا وغربا‪.‬‬ ‫وكان النبي صلى الله عليه وس� � ��لم يحب املدينة‬ ‫وإذا قرب منها أسرع السير إليها وقد ورد في فضلها‬ ‫أحادي� � ��ث وآثار كثيرة منها م� � ��ا ورد في الصحيح من‬ ‫قوله صلى الله عليه وسلم‪« :‬اللهم حبب إلينا املدينة‬ ‫كما حببت إلينا مكة أو أش� � ��د» وم� � ��ن اآلثار وأماكن‬ ‫املزارات أيضا‪ :‬وادي بطحان ووادي الدانوناء وأشهر‬ ‫جبالها‪ ،‬جبل أحد وجبل س� � ��لع‪ .‬وم� � ��ن أبرز املزارات‬ ‫الدينية ف� � ��ي املدينة املنورة بالطبع املس� � ��جد النبوي‬ ‫الشريف‪.‬‬ ‫وهو املس� � ��جد الذي بناه رس� � ��ول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم في السنة األولى من الهجرة بعد ما بنى‬ ‫مس� � ��جد قباء‪ ،‬وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول‬ ‫ما دخل قباء وأقام فيه� � ��ا أياما ثم توجه إلى املدينة‬ ‫ضحى يوم اجلمعة وعندما وصل املدينة بنى مسجده‬ ‫الش� � ��ريف في املكان الذي بركت فيه ناقته فاشترى‬ ‫محل املس� � ��جد وضرب الطوب اللنب وأحضر جذوع‬ ‫النخل ليتخذ منها عمدا وأمر باجلريد ليسقف به‪.‬‬ ‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:13:38 PM‬‬

‫وكان طول املس� � ��جد في عهد الرس� � ��ول سبعني‬ ‫ذراعا وعرضه س� � ��تني ذراعا أو أق� � ��ل‪ .‬كان له ثالثة‬ ‫أبواب باب في مؤخرة املس� � ��جد وباب الرحمة الباب‬ ‫الذي كان يدخل منه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬ ‫وق� � ��د عمل في بناء املس� � ��جد النب� � ��ي صلى الله‬ ‫عليه وسلم بيده الش� � ��ريفة مع املسلمني‪ .‬وقد توالت‬ ‫على املسجد التوس� � ��عات والترميمات واإلصالحات‬ ‫وأكبره� � ��ا توس� � ��عة احلكوم� � ��ة الس� � ��عودية والتي قام‬ ‫به� � ��ا خ� � ��ادم احلرم� �ي��ن الش� � ��ريفني املل� � ��ك فهد بن‬ ‫عبد العزيز والتي وضع حجر أساسها عام ‪1405‬هـ‬ ‫‪1985/‬وانته� � ��ت س� � ��نة ‪1414‬ه � � �ـ ‪ .1994/‬وتق� � ��وم‬ ‫احلكومة الس� � ��عودية هذه األيام ومن� � ��ذ مطالع العام‬ ‫الهجري ‪ 2013 /1434‬بأضخم توسعة للحرم النبوي‬ ‫الشريف‪ ،‬كما تعيد توسيع ساحته التي تشهد إقباال‬ ‫واس� � ��عا من زوار املس� � ��جد النبوي‪ ،‬وتوسيع الشوارع‬ ‫املؤدية إلى املسجد‪.‬‬ ‫ويحتوي املس� � ��جد النبوي الشريف على الروضة‬ ‫الشريفة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫«ما بني بيتي ومنبري روضة من رياض اجلنة»‪ ،‬ومن‬ ‫أش� � ��هر املعالم في احلرم الش� � ��ريف مح� � ��راب النبي‬ ‫صلى الله عليه وس� � ��لم والذي كان يصلي عنده عند‬ ‫األسطوانة املخلقة‪.‬‬ ‫ومن أش� � ��هر أساطني املسجد‪ :‬أسطوانة عائشة‪،‬‬ ‫وأسطوانة أبي لبابة‪ ،‬والتهجد والوفود‪ ،‬ومن أشرف‬ ‫أماكن املس� � ��جد‪ :‬احلجرة التي تضم قبر النبي صلى‬ ‫الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله‬ ‫عنهما‪ ،‬فقد ورد ف� � ��ي الصحيح عنه صلى الله عليه‬ ‫وسلم أنه قال‪« :‬ما من أحد يسلم علي إال رد الله إلي‬ ‫روحي حتى أرد عليه السالم»‪.‬‬ ‫وتضم املدين� � ��ة املنورة مجموعة من املس� � ��اجد‬ ‫األثرية وهي موضع مزارات املس� � ��لمني‪ ،‬من أبرزها‬ ‫مس� � ��جد قباء‪ ،‬ومس� � ��جد القبلتني‪ ،‬ومس� � ��جد الفتح‪،‬‬ ‫ومس� � ��جد اجلمعة‪ ،‬ومس� � ��جد الغمام� � ��ة وغيرها من‬ ‫املس� � ��اجد‪ .‬وجميعها مرتبطة بأماك� � ��ن مر بها النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم‪.‬‬ ‫ومن املساجد األثرية األخرى في املدينة مسجد‬ ‫الغمام� � ��ة‪ ،‬ومس� � ��جد الغمامة هو م� � ��ن املواضع التي‬ ‫صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام‬ ‫الثاني م� � ��ن الهجرة ويبعد عن باب الس� �ل��ام حوالي‬

‫‪63‬‬

‫‪oct 52-67.indd 63‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬

‫قرية صفينة وديار الشاعرة الصحابية اخلنساء‬

‫‪64‬‬

‫‪9/5/13 1:13:44 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 64‬‬


‫من مباني خيبر‬

‫خمس� � ��مائة متر‪ ،‬وقد اتخذ النب� � ��ي صلى الله عليه‬ ‫وسلم موضع هذا املسجد مصلى لصالة األعياد إلى‬ ‫آخر حياته الشريفة‪.‬‬ ‫وق� � ��د جدد ه� � ��ذا املس� � ��جد عدة م� � ��رات آخرها‬ ‫في عهد الس� � ��لطان عبداملجي� � ��د العثماني في القرن‬ ‫الـ ‪14‬هـ (التاسع عشر امليالدي) لكن املسجد يحتاج‬ ‫إلى قدر من الترميم والتجديد اليوم‪.‬‬ ‫ويقع مس� � ��جد الفتح ش� � ��مالي املدينة الغربي في‬ ‫جبل يقال له سلع ويطل بواجهته على وادي بطحان‬ ‫ويعرف أيضا مبسجد األحزاب‪ ،‬وقد بني هذا املسجد‬ ‫في املكان الذي قام فيه رس� � ��ول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم يدعو على األحزاب في غزوة اخلندق ومازال‬ ‫هذا املسجد موجودا يقصده احلجاج والزائرون‪.‬‬ ‫ويقع مس� � ��جد القبلتني في الش� � ��مال الغربي من‬ ‫املدينة على شارع اجلامعات وهو املسجد الذي أنزل‬ ‫فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى‬ ‫{ َف َو ِّل َو ْج َه َك شَ ْط َر المْ َ ْس ِج ِد حْ َ‬ ‫ال َر ِام} (سورة البقرة‬ ‫آية رقم ‪ .)144‬حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫أصحابه بالتح� � ��ول من قبلة بيت املقدس إلى الكعبة‬ ‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:13:49 PM‬‬

‫املشرفة‪.‬‬ ‫أما أشهر مسجد في املدينة املنورة بعد املسجد‬ ‫النب� � ��وي فهو مس� � ��جد قباء‪ ،‬ويقع هذا املس� � ��جد في‬ ‫احل� � ��ي اجلنوب الغربي للمدينة ويبعد عن املس� � ��جد‬ ‫النبوي حوالي ثالث� � ��ة كيلومترات وفيه مصلى النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم ومب َرك الناقة‪.‬‬ ‫وهو أول مس� � ��جد أسس على التقوى قال تعالى‪:‬‬ ‫س َع َلى الت َّْق َوى ِم ْن أَ َّو ِل َي ْو ٍم أَ َحقُّ أَ ْن‬ ‫{ مَل َ ْس ِج ٌد ُأ ِّس َ‬

‫تَقُ ��و َم ِف ِيه ِف ِيه ِر َج � ٌ‬ ‫�ال ُي ِح ُّبو َن أَ ْن َيت ََط َّه � ُ�روا َوال َّلهُ‬ ‫ُي ِح ُّب المْ ُ َّط ِّه ِرينَ } (سورة التوبة آية رقم ‪.)108‬‬

‫وق� � ��د جدد مس� � ��جد قباء و ُرمم ع� � ��دة مرات من‬ ‫قبل املل� � ��وك والس� �ل��اطني على مر العص� � ��ور وآخر‬ ‫توس� � ��عة له التوس� � ��عة التي متت في عهد امللك فهد‬ ‫بن عبدالعزيز‪.‬‬ ‫وقد ورد في فضل قباء أحاديث وآثار كثيرة منها‬ ‫ما رواه البخاري والنس� � ��ائي أن رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وس� � ��لم كان يأتي مس� � ��جد قباء كل سبت راكبا‬ ‫وماش� � ��يا‪ .‬وم� � ��ا رواه الترمذي عن أس� � ��د بن حضير‬ ‫رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وس� � ��لم قال‪:‬‬

‫‪65‬‬

‫‪oct 52-67.indd 65‬‬


‫المـزارات الدينيـة‬

‫بساتني خيبر‬

‫‪66‬‬

‫‪9/5/13 1:13:55 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 52-67.indd 66‬‬


‫«الصالة في مس� � ��جد قباء كأجر عمرة»‪ .‬ومس� � ��جد‬ ‫اجلمعة ويطلق عليه‪« :‬مسجد الوادي» وسمي مسجد‬ ‫اجلمعة ألن النبي صلى الله عليه وسلم ملا خرج من‬ ‫قباء متوجه� � ��ا إلى املدينة املنورة أدركته اجلمعة في‬ ‫بني سالم بن عوف فصالها في بطن الوادي وكانت‬ ‫أول جمعة صالها باملدينة فبنى املسجد حيث صلى‬ ‫النب� � ��ي صلى الله عليه وآله وصحبه وس� � ��لم‪ .‬ويبعد‬ ‫مس� � ��جد اجلمعة عن مسجد قباء حوالي خمسمائة‬ ‫متر وعن املدينة نحو ألفني وخمسمائة متر‪.‬‬ ‫وق� � ��د ُرمم وأجريت علي� � ��ه إصالحات في العهد‬ ‫الس� � ��عودي س� � ��نة ‪1395‬ه � � �ـ ومازال املس� � ��جد قائما‬ ‫موج� � ��ودا معروفا عن� � ��د أهل املدينة يرت� � ��اده الزوار‬ ‫واحلجاج‪.‬‬ ‫كم� � ��ا تضم املدينة املنورة اليوم جبال من اجلبال‬ ‫املعروف� � ��ة في تاريخ اإلس� �ل��ام وهو جبل أحد ‪ -‬وهو‬ ‫من أشهر اجلبال وأهمها‪ ،‬يقع شمال غربي املدينة‪.‬‬ ‫أخ� � ��رج البخاري ع� � ��ن النبي صلى الله عليه وس� � ��لم‬ ‫أنه قال‪« :‬هذا جب� � ��ل يحبنا ونحبه» وفي رواية‪« :‬إن‬ ‫جب� � ��ل أحد هذا لعلى باب من أب� � ��واب اجلنة»‪ .‬وفي‬ ‫أح� � ��د وقعت املعركة الش� � ��هيرة التي استش� � ��هد فيها‬ ‫س� � ��بعون من الصحابة وعلى رأس� � ��هم سيد الشهداء‬ ‫حمزة رضي الله عنه‪ .‬وجتاور املسجد النبوي أشهر‬ ‫مقبرة في العالم اإلسالمي وهي مقبرة البقيع التي‬ ‫تضم رف� � ��ات ‪ 10‬آالف صحابي وصحابية وتقع في‬ ‫اجلهة اجلنوبية الشرقية للمسجد النبوي الشريف‪.‬‬ ‫وللبقيع أهمية عظيمة عند املسلمني تضم كثيرا من‬ ‫الصحابة وآل البيت الك� � ��رام والتابعني‪ .‬وكان النبي‬ ‫صلى الله عليه وس� � ��لم يزور البقي� � ��ع كما روت كتب‬ ‫األحاديث وأول من دفن به من الصحابة أس� � ��عد بن‬ ‫زرارة رضي الله عنه من األنصار وأول من دفن من‬ ‫املهاجرين عثمان بن مظعون رضي الله عنه‪.‬‬ ‫وتضم «البقيع» بنات النبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫وزوجاته ماع� � ��دا خديجة وميمونة رضي الله عنهم‪،‬‬ ‫ويضم القبر احلس� � ��ن بن علي رضي الله عنه وأمه‬ ‫فاطمة رضي الله عنها ث� � ��م العباس بن عبداملطلب‬ ‫وعقيل بن أبي طالب وعبدالرحمن بن عوف وسعد‬ ‫بن أبي وقاص وس� � ��عد بن معاذ رضي الله عنهم ثم‬ ‫إبراهيم ب� � ��ن النبي صلى الله عليه وس� � ��لم‪ ،‬واإلمام‬ ‫جعفر الصادق رحمه الله‪ ،‬وصفية بنت عبداملطلب‬ ‫املزارات الدينية في مكة املكرمة واملدينة املنورة‬

‫‪9/5/13 1:14:01 PM‬‬

‫عمة الرسول رضي الله عنها‪.‬‬ ‫وتوج� � ��د باملدينة املن� � ��ورة مجموعة م� � ��ن اآلبار‬ ‫األثرية بعضها موجود‪ ،‬وبعضها طمس بفعل توسعة‬ ‫املس� � ��جد النبوي أو توس� � ��عة امليادين والساحات في‬ ‫بعض املساجد األخرى مثل مسجد قباء‪ ،‬ومن هذه‬ ‫اآلبار بئر أريس وتعرف ببئر اخلامت ألنه سقط فيها‬ ‫خامت النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان وتقع‬ ‫في جانب مس� � ��جد قباء على بعد حوالي خمس� �ي��ن‬ ‫مترا من جهة غرب املسجد‪ ،‬وقد هدمت البئر وزال‬ ‫أثرها سنة ‪1384‬هـ بسبب توسعة امليدان في غرب‬ ‫مسجد قباء‪.‬‬ ‫ومن اآلبار األخرى بئر ح� � ��اء‪ ،‬وبئر رومن‪ ،‬وبئر‬ ‫غرس‪ ،‬وشمال املدينة توجد مدينة خيبر «محافظة‬ ‫خيبر الي� � ��وم» وهي املدينة احلصين� � ��ة التي حتصن‬ ‫فيها اليهود واس� � ��تطاع املسلمون فتحها بعد حصار‬ ‫دام ثالثة أش� � ��هر‪ ،‬واس� � ��تطاع علي بن أبي طالب أن‬ ‫يقتحم أكبر حصونهم املنيعة داخل املدينة حيث كان‬ ‫ارتفاع هذا احلصن يجاوز املائة متر‪.‬‬ ‫وباملدينة يوجد مس� � ��جد صغير بناه املس� � ��لمون‬ ‫في املوض� � ��ع الذي حط فيه الرس� � ��ول وقت حصار‬ ‫خيبر‪ ،‬وبجواره بئر صغيرة اس� � ��مها بئر علي‪ ،‬اليزال‬ ‫املاء يفي� � ��ض منها إل� � ��ى اليوم‪ .‬كما توج� � ��د باملدينة‬ ‫بعض أط� �ل��ال املباني واحلص� � ��ون القدمية‪ ،‬وبعض‬ ‫بس� � ��اتني النخيل التي أح� � ��رق بعضها من قبل بعض‬ ‫السلفيني‪.‬‬ ‫ومن امل� � ��زارات األثرية والتاريخي� � ��ة أيضا قرية‬ ‫صفينة وهي قرية الصحابية والش� � ��اعرة اخلنساء‪،‬‬ ‫وبئر هداج بتيماء‪ ،‬وقصر السموأل‪ ،‬ومدائن صالح‬ ‫وغيرها من األماكن األثرية‪.‬‬ ‫بيد أن امل� � ��زارات الدينية مبكة املكرمة واملدينة‬ ‫املنورة تس� � ��تحوذ على اهتمامات الزوار‪ ،‬خاصة ما‬ ‫يتعلق منها بجبل الن� � ��ور وغار حراء وغار ثور وجبل‬ ‫أحد ومقبرة البقيع‪.‬‬ ‫إن امل� � ��زارات الدينية بالرغم م� � ��ن أنها ال تلقى‬ ‫االهتمام نفسه الذي يلقاه املسجد احلرام أو املسجد‬ ‫النبوي الش� � ��ريف‪ ،‬فإنها تطبع ف� � ��ي خواطر زائريها‬ ‫قبس� � ��ا من أضواء الذاكرة‪ ،‬وحت� � ��دث في بصائرهم‬ ‫قدرا من عطر املقدس وتاريخيته القصية الوامضة‬ ‫في اللحظة احلاضرة >‬

‫‪67‬‬

‫‪oct 52-67.indd 67‬‬


‫وجها لوجه‬

‫فرانسوا زبال ودينا مندور‬

‫كيف سقط القارئ العربي‬ ‫من حسابات بعض الكتاب العرب؟‬ ‫وبرامجيا ملعهد العالم العربي‬ ‫فرانس ��وا زبال؛ مفكر وكاتب وباحث‪ ،‬هو أحد الكوادر املؤسس ��ة إدار ًيا‬ ‫ً‬ ‫بباري ��س‪ .‬ول ��د في لبنان وعاش بها ش ��بابه املبكر ثم س ��افر إل ��ى باريس‪ .‬حصل عل ��ى الدكتواره في‬ ‫تاري ��خ الفلس ��فة بجامع ��ة الس ��وربون‪ .‬ثم ع ��اد إلى بيروت واش ��تغل باجلامع ��ة اللبناني ��ة منذ عام‬ ‫‪1972‬حتى ‪ 1984‬حيث عاد إلى باريس‪ ،‬وأمت رس ��الة الدكتوراه الثانية عام ‪ ،1985‬ثم التحق مبعهد‬ ‫العال ��م العرب ��ي ع ��ام ‪ 1986‬أي قبل افتتاح ��ه للجمهور بعامني‪ .‬جاء إلى مصر لتقدمي ورش ��ة عمل‬ ‫عن الترجمة وإش ��كالياتها‪ ،‬وكذلك للمش ��اركة في ندوة يقيمها املعهد الفرنس ��ي بالقاهرة بعنوان‬ ‫«هل للروائيني العرب قراء عرب؟» مت إلغاء الندوة ألسباب أمنية وكان لنا هذا احلوار الذي بدأ في‬ ‫القاهرة واكتمل في باريس مبكتبه مبعهد العالم العربي‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫‪9/5/13 1:09:14 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 68-71.indd 68‬‬


‫املعهد العربي في باريس‬

‫< جئت ملناقش ��ة موضوع «هل للروائيني‬ ‫الع ��رب ق ��راء عرب» ما ه ��ي إجابتك عن‬ ‫هذا السؤال؟‬ ‫ ستستغربني كيف أثار هذا املوضوع اهتمامي!‬‫بدأ األمر حني كنا بص� � ��دد إعداد ندوة يتحدث فيها‬ ‫روائيون في باريس وذل� � ��ك قبل وفاة جنيب محفوظ‬ ‫بعام� �ي��ن‪ ,‬واقترحت دارس� � ��ة فرنس� � ��ية دع� � ��وة جنيب‬ ‫محفوظ للحدي� � ��ث في الندوة وكان الوقت أضيق من‬ ‫اإلعداد لدعوة ضي� � ��ف يأتي من اخلارج‪ ,‬وحني قلت‬ ‫لها ذلك بدا عليها الدهشة العارمة وهي تسألني وهل‬ ‫ال يعيش محفوظ في باريس؟ وهنا تداركت األمر في‬ ‫ذهني‪ .‬فتلك الدارس� � ��ة تدخل إل� � ��ى أي من املكتبات‬ ‫العامة مثل مكتبة معهد العالم العربي بباريس اً‬ ‫مثل‪,‬‬ ‫وجتد على ذات الطاولة كتابا لكاتب فرنس� � ��ي يكتب‬ ‫بالفرنس� � ��ية وآخ� � ��ر لكاتب عربي يكتب بالفرنس� � ��ية‪،‬‬ ‫ويعيش في فرنسا أمثال طاهر بن جلون اً‬ ‫مثل وكتابا‬ ‫آخ� � ��ر لكاتب عرب� � ��ي ويكتب بالعربي� � ��ة وال يعيش في‬ ‫باريس ولك أن تترجم أعماله إلى الفرنسية‪.‬‬ ‫< تقص ��د أن جميع االعمال كان ��ت تعرض دون‬ ‫حدود فاصلة؟‬ ‫فرانسوا زبال ودينا مندور (وجها لوجه)‬

‫‪9/5/13 1:09:19 PM‬‬

‫ ه� � ��ذا بالضبط م� � ��ا أردت قول� � ��ه إن احلدود‬‫الفاصلة بني طبيعة كل كتابة وهوية ونوعية أدب كل‬ ‫منهما بات� � ��ت تائهة‪ .‬فالقارئ يرى بن جلون ومحمد‬ ‫رشيد ومحفوظ على الطاولة نفسها واألول والثاني‬ ‫يعيش� � ��ان ف� � ��ي باري� � ��س‪ ،‬إذن فبالض� � ��رورة أن يكون‬ ‫محفوظ جزءا من هذا املضمون‪.‬‬ ‫< ولكن االهتمام بترجمة األدب العربي يتزايد‬ ‫في ما أعتقد؟‬ ‫ صحي� � ��ح وق� � ��د اش� � ��تغلت عل� � ��ى إحصائي� � ��ة‬‫كاش� � ��فة فوجدت أن في س� � ��نوات الستينيات بالكاد‬ ‫جند أعم� � ��ال طه حس� �ي��ن وتوفيق احلكي� � ��م‪ ،‬ولكن‬ ‫ف� � ��ي الثمانينيات والتس� � ��عينيات تزاي� � ��دت األعمال‬ ‫املترجم� � ��ة بش� � ��كل ملح� � ��وظ ولكنها تكتس� � ��ب بع ًدا‬ ‫اً‬ ‫فمثل حني كانوا يخت� � ��ارون أعماال مثل‬ ‫سياس � � � ًيا‪،‬‬ ‫أعمال غس� � ��ان كنفاني فكان� � ��وا يختارونها من واقع‬ ‫كونها متثل أعمال مناضل فلس� � ��طينيا وليس بسبب‬ ‫قيمتها األدبية وهك� � ��ذا‪ .‬حتى حني ترجمت أعمال‬ ‫محفوظ (مع االعتراف مبس� � ��تواها األدبي الرفيع)‬ ‫إال أنها اختي� � ��رت ً‬ ‫أيضا ملعاجلتها قضايا اجتماعية‬ ‫تكش� � ��ف األبعاد السياسية في املجتمع وهي السمة‬

‫‪69‬‬

‫‪oct 68-71.indd 69‬‬


‫األساس� � ��ية ألدب محفوظ‪ :‬انعكاس السياسة على‬ ‫احلياة االجتماعية لألفراد‪.‬‬ ‫منعطفً‬ ‫ا في‬ ‫< هل مثلت دار نشر مثل «أكت سود»‬ ‫مسار ترجمة األدب العربي‪ ،‬إلى اللغات األوربية؟‬ ‫ منذ س� � ��نوات الثمانينيات ب� � ��دأت بعض دور‬‫النش� � ��ر وعلى رأس� � ��ها «أكت س� � ��ود» في تخصيص‬ ‫سلسلة لترجمة األدب العربي وكانت سلسلة سندباد‬ ‫هي السلسلة املختصة بذلك في «أكت سود»‪ ،‬ولكن‬ ‫متيزت «أكت سود» عن غيرها باهتمامها باملستوى‬ ‫األدبي والفني قبل أى شيء آخر في االختيار‪.‬‬ ‫< هل يبحث الناش ��ر الغربي ف ��ي األدب العربي‬ ‫عن الصورة التقليدية للعرب كما هي في خياله؟‬ ‫ ل� � ��م يع� � ��د ذل� � ��ك قائ ًم� � ��ا‪ .‬املس� � ��ألة أصبحت‬‫ديناميكي� � ��ة وعملية أكثر من ذل� � ��ك‪ .‬حتى أن بعض‬ ‫النق� � ��اد يطلقون نقدا الذعا في الصفحات الثقافية‬ ‫باجلرائد واملجالت‪ ،‬ويتس� � ��اءلون‪ :‬هل أصبح هناك‬ ‫نوع من األدب العربي يكتب فقط كي يترجم دون أن‬ ‫يضع في حسبانه القارئ احمللي‪ .‬واألمر يبدأ على‬ ‫النحو التالي ‪ :‬تختار دار نشر فرنسية عمال ألديب‬ ‫عرب� � ��ي وتوقع معه العقد ومع ظهور الكتاب املترجم‬ ‫في األس� � ��واق (والذي ال يقل في طبعته األولى عن‬ ‫‪ 2000‬نس� � ��خة) تستضيف الكاتب في فرنسا ليقوم‬ ‫بجولة في معظم املدن الفرنسية ليقابل جمهوره في‬ ‫أكبر املكتبات باملدن املختلفة ثم يوقعون معه عق ًدا‬ ‫يش� � ��به االحتكارى يتمثل في أن يكون لهم األفضلية‬ ‫في احلصول عل� � ��ى حق ترجمة كتاب� � ��ه القادم‪ .‬إذا‬ ‫نف� � ��دت الطبعة األولى من الكتاب املترجم يصدرون‬ ‫طبعة أخرى مماثلة وبالتالي استضافة أخرى وإذا‬ ‫نفدت الطبعة الثانية يأتي دور طبعة نسخ اجليب‪،‬‬ ‫والتى ال تقل عن ‪ 5000‬نسخة‪.‬‬ ‫< أي أن الكات ��ب العرب ��ي يج ��د نفس ��ه في واقع‬ ‫متاما عما يجده في بلده؟‬ ‫مغاير ً‬ ‫ بالضب� � ��ط‪ .‬وأن� � ��ا أس� � ��ألك هل هن� � ��اك كتاب‬‫يصدر في مصر ألحد األدباء ويهتم الناش� � ��ر بعمل‬ ‫لقاء للكات� � ��ب مع قرائه في أس� � ��يوط مثلاً ؟ ثم هل‬ ‫تعرف� �ي��ن كم عدد نس� � ��خ الطبعة األول� � ��ى ألي كتاب‬ ‫يصدر عن أي دار نش� � ��ر عربية؟ إن الكاتب العربي‬ ‫ف� � ��ي بلده ال يعرف بالتحديد كم عدد النس� � ��خ التي‬ ‫بيعت من كتابه وال يتاح له هذا القدر من التواصل‬ ‫مع اجلمهور ومناقش� � ��ة أفكاره م� � ��ع قرائه وبالتالي‬

‫‪70‬‬

‫‪9/5/13 1:09:24 PM‬‬

‫�ب فكره‬ ‫التالحم م� � ��ع أف� � ��كاره ذاتها وهو ما يكس� � � ْ‬ ‫النضج واحلماس‪.‬‬ ‫ال عجب إذن إذا انزلق بعض الكتاب في طريق‬ ‫الكتابة من أجل الترجمة إلى اللغات األوربية؟‬ ‫متا ًم� � ��ا‪ .‬لو تتبعت تاريخ ص� � ��دور الكتاب باللغة‬ ‫العربية ألحد الكتّاب وتاريخ صدور الترجمة باللغة‬ ‫األجنبية لتعجبت من التقارب الزمنى بينهما‪ .‬ومع‬ ‫مرور الوقت يزداد التق� � ��ارب بني التوقيتني‪ .‬بل إنه‬ ‫في الفت� � ��رة األخيرة ظهرت بع� � ��ض الترجمات قبل‬ ‫صدور النص باللغة األصلية أي العربية‪.‬‬ ‫< وكيف ميكن أن يحدث ذلك؟‬ ‫ ح� �ي��ن ينتهي الكاتب من فصل يرس� � ��ل به إلى‬‫املترجم‪ .‬ثم الفصل الثان� � ��ي والثالث وهكذا فينتهي‬ ‫االثنان في التوقيت نفس� � ��ه تقري ًب� � ��ا‪ ،‬وألن خطوات‬ ‫املراجعة والطبع تتم بش� � ��كل أسرع في فرنسا فنجد‬ ‫النص املترجم في األس� � ��واق قب� � ��ل النص األصلي‪.‬‬ ‫وبالطبع يتم االنتهاء من مسألة احلقوق سال ًفا قبل‬ ‫أن يشرع الكاتب في نصه‪ .‬وعلى الرغم من أن كاتب‬ ‫العربي يخضع من قبل دار النش� � ��ر األجنبية لتقاليد‬ ‫وشروطا لم يعتدها في بلده فإنه يقبل بها متا ًما‬ ‫< تقاليد مثل ماذا؟‬ ‫ إن دار النش� � ��ر األجنبي� � ��ة لها احل� � ��ق في أن‬‫حتذف م� � ��اال ت� � ��راه مه ًم� � ��ا أو تعي� � ��د ترتيب بعض‬ ‫األج� � ��زاء‪ ،‬أو مثلاً إذا وجد الناش� � ��ر جز ًءا مترهلاً‬ ‫أو غي� � ��ر محكم من الرواي� � ��ة يعهد بها إلى مراجعيه‬ ‫إلعادة كتابتها كاملة بأس� � ��لوب أكث� � ��ر إحكا ًما‪ .‬وهو‬ ‫م� � ��ا ال يقابله الكاتب العربي ف� � ��ي بلده‪ ،‬حيث يعتبر‬ ‫نصا مقدسا ال يجوز مساسه‪ .‬أما في فرنسا‬ ‫كتابه ً‬ ‫فالكات� � ��ب ميثل حلقة في سلس� � ��لة طويلة البد لكل‬ ‫حلق� � ��ة أن تقوم بدورها كي تكتم� � ��ل املنظومة‪ .‬ومع‬ ‫ذل� � ��ك فالكاتب العربي يوافق ألن� � ��ه بدخول أعماله‬ ‫إلى تلك املنظوم� � ��ة فإنه يضمن ألدبه أال ميوت وال‬ ‫يندثر‪.‬‬ ‫فمع كل عمل جديد يصدر في فرنس� � ��ا يكتسب‬ ‫رق ًما جدي ًدا في ما يس� � ��مى ‪ ISDN‬وكل ما يحمل‬ ‫رقما فيه يس� � ��جل في مكتب� � ��ة الكوجنرس املركزية‪،‬‬ ‫وبذل� � ��ك يضم� � ��ن الكاتب أن� � ��ه قد مت تس� � ��جيله في‬ ‫احمليط العاملي للكتاب‪.‬‬ ‫< لذل ��ك يح ��ق لن ��ا أن نتس ��اءل عم ��ا إذا بق ��ي‬ ‫للكاتب العربي من قراء عرب؟‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 68-71.indd 70‬‬


‫ إن القارئ العربي سقط من احلسبان وسقطت‬‫معه الثقافة واألدب‪ .‬والكتابة األدبية ليست ترفي ًها‬ ‫فقط وإمنا متثل إعادة الروابط الثقافية والذهنية‬ ‫حتى يلتحم املجتمع‪ .‬لقد س� � ��قط هذا املعنى ومعه‬ ‫سقطت العالقة بني القارئ والكاتب‪.‬‬ ‫وجراء ذلك يعود بعض القراء إلى قراءة األعمال‬ ‫األدبية القدمية التي تتميز بالتقنيات األدبية العالية‬ ‫ولكنها تنتمي ألفكار بائتة وفكر جامد‪.‬‬ ‫< وهل تهتم األقالم النقدية الفرنس ��ية باألدب‬ ‫العربي املترجم؟‬ ‫ لي� � ��س كثي ًرا مع األس� � ��ف ألن آلي� � ��ة الكتابة‬‫ف� � ��ي الصفح� � ��ات الثقافي� � ��ة تتم بش� � ��كل معروف‬ ‫وه� � ��ي أن يكون هناك ناق� � ��د أدبي متخصص في‬ ‫كل ن� � ��وع م� � ��ن اآلداب كاألدب اإلجنليزى واألدب‬ ‫األمريكي وأدب أمري� � ��كا اجلنوبية وهكذا‪ .‬وعادة‬ ‫ال يك� � ��ون هناك متخصصون كثي� � ��رون في األدب‬ ‫العرب� � ��ي‪ .‬وجدير بالذكر ص� � ��دور كتاب في اآلونة‬ ‫األخيرة لناقد فرنسي هو ريشار منيه‪ :‬يقول فيه‬ ‫بانحطاط األدب الفرنسي املعاصر بسبب دخول‬ ‫فرانسوا زبال ودينا مندور (وجها لوجه)‬

‫‪9/5/13 1:09:28 PM‬‬

‫العرب الفرنسيني فيه دون متييز أدبهم عن أدب‬ ‫الروائيني الفرنسيني أصلاً ‪ ،‬وهو ما يعود بنا إلى‬ ‫ما قلناه س� � ��ال ًفا عن زوال احلدود بني هذا وذاك‪.‬‬ ‫وهو ما يشير ً‬ ‫أيضا إلى حتول الذهنية الفرنسية‬ ‫كما هو احلال في بلداننا العربية ولكن كل حتول‬ ‫وله مساره وإجتاهه‪.‬‬ ‫< ذكرت من قبل أن عملك مبعهد العالم العربي‬ ‫أضاف إليك معرفة جديدة بالعالم اإلسالمي على‬ ‫الرغم من دراس ��اتك الس ��ابقة للوالي ��ات العثمانية‬ ‫القدمي ��ة وبع ��ض الدراس ��ات املتعلق ��ة بالتاري ��خ‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬اشرح لنا ما هي تلك اإلضافة؟‬ ‫ اإلضاف� � ��ة حدث� � ��ت على مس� � ��توى الدهش� � ��ة‬‫الذي حققه لي اكتش� � ��اف عال� � ��م بالد املغرب املثير‬ ‫م� � ��ن ناحي� � ��ة العالقة الدائمة م� � ��ن وجهة نظر أهل‬ ‫املغ� � ��رب بني التقالي� � ��د والدين‪ ،‬ووضع تفس� � ��يرات‬ ‫ديني� � ��ة للتقالي� � ��د االجتماعية‪ .‬فمثلاً في الش� � ��رق‬ ‫األوسط يتشارك املسلمون واملسيحيون في الكثير‬ ‫من العادات االجتماعية دون إعطائها تفس� � ��ي ًرا أو‬ ‫مرجعي� � ��ة دينية‪ ،‬بل تكون املرجعية متعلقة باحمليط‬ ‫االجتماعي مبا يشمله من مسيحيني ومسلمني‪ ،‬كأن‬ ‫نعتب� � ��ر مثلاً أن هذه العادة عادة ريفية وتلك العادة‬ ‫عادة حضرية أو صحراوية‪ ،‬أى أن املكان سواء كان‬ ‫مدين� � ��ة او قرية هو من خلق الع� � ��ادة وليس الدين‪.‬‬ ‫والصورة التى تعكسها هذه احلقيقة كشخص منتم‬ ‫إلى الش� � ��رق األوسط هو أنهم اس� � ��تثناء‪ ،‬حيث إن‬ ‫‪ %90‬م� � ��ن املغاربة هم س� � ��نة مالكي� �ي��ن‪ ،‬على عكس‬ ‫بلد مث� � ��ل مصر مثلاً مبدارس� � ��ها الفقهية األربعة‪.‬‬ ‫ومع األس� � ��ف أنهم ينظرون ألنفسهم على أنهم هم‬ ‫القاعدة والباقي هو االستثناء‪ ،‬ويصدرون أنفسهم‬ ‫إلى الغرب االفرنس� � ��ي انطال ًقا م� � ��ن تلك الفكرة‪،‬‬ ‫ويس� � ��تمد كثير من الفرنسيني فكرتهم الكاملة عن‬ ‫العرب انطال ًقا من صورة املغاربة‪.‬‬ ‫كذلك فالفرانكفونية املغربية هي حوار حصري‬ ‫بني املغرب وفرنس� � ��ا‪ ،‬عكس الفرانكفونية في بالد‬ ‫الش� � ��رق األوس� � ��ط‪ ،‬فهي مفتوحة ألنه دائما ما كان‬ ‫هناك طالينة ويونانيون بالش� � ��ام ومص� � ��ر‪ ،‬ودائما‬ ‫ما أراد اهل الش� � ��رق األوسط تخطي الفرانكفونية‬ ‫واالنفتاح عل� � ��ى اإلجنليز وال� � ��روس وغيرهما‪ .‬أما‬ ‫املغرب فه� � ��و ينفتح على العالم م� � ��ن خالل عالقته‬ ‫بفرنسا والفرنسيني >‬

‫‪71‬‬

‫‪oct 68-71.indd 71‬‬


‫أوراق أدبية‬

‫الس َير الذاتية العربية‬ ‫عن ِّ‬ ‫د‪.‬جابر عصفور‬

‫«ت �غ��ري��دة ال �ب �ج �ع��ة» ع��ن��وان م �ق��ال ج�م�ي��ل ق��رأت��ه ل��زك��ي جن �ي��ب م �ح �م��ود ق �ب��ل وف��ات��ه بأعوام‬ ‫ع��دي��دة‪ .‬وي�ش�ي��ر امل �ق��ال إل��ى أح��د امل�ع�ت�ق��دات الشعبية ال�ت��ي ت�ق��ول إن البجعة ع�ن��دم��ا تشعر‬ ‫ب��دن��و أج �ل �ه��ا‪ ،‬ف��إن�ه��ا ت��ذه��ب إل ��ى ن �ه��ر‪ ،‬وت �ص��در أص ��وات� � ًا شجية ك��أن�ه��ا ت ��ودع ب�ه��ا احل �ي��اة‪ .‬وقد‬ ‫أع �ج��ب ال�ت�ع�ب�ي��ر ال ��روائ ��ي امل��ص��ري م��ك��اوي س �ع �ي��د‪ ،‬ف�ج�ع��ل م��ن «ت �غ��ري��دة ال �ب �ج �ع��ة» عنوان ًا‬ ‫إلحدى رواياته الشهيرة التي تقوم على غروب عالم قدمي‪ ،‬مقابل صعود عالم جديد‪.‬‬ ‫كان زك� � ��ي جني� � ��ب محم� � ��ود يس� � ��تخدم‬ ‫«تغريدة البجعة» بوصفها رمزاً مجازياً‬ ‫على ح� � ��ال وج� � ��ود «الس� � ��يرة الذاتية»‬ ‫والدوافع األساس� � ��ية لكتابتها‪ ،‬من حيث هي تاريخ‬ ‫مستعاد إلنسان يشعر بأن سيرته في احلياة قاربت‬ ‫على االنتهاء‪ ،‬وأنه يريد استعادة تاريخه الشخصي‪،‬‬ ‫متأم ً‬ ‫ال فيه‪ ،‬مستنبطاً ملعانيه‪ ،‬داالً على نقاط قوته‬ ‫وضعفه‪ ،‬صغائره ومفاخره‪ ،‬انتصاراته وانكساراته‪،‬‬ ‫ك� � ��ي يبقى ه� � ��ذا التاريخ بعد وفات� � ��ه‪ ،‬كأنه جدارية‬ ‫مس� � ��جل عليها تاريخ صاحبها‪ ،‬كي تقاوم الفناء من‬ ‫ناحية‪ ،‬أو تكون مص� � ��در عبرة وعظة لآلخرين من‬ ‫ناحية أخرى‪.‬‬ ‫باختصار‪ ،‬تبدو كتا��ة السيرة الذاتية هنا كأنها‬ ‫تعبي� � ��ر رمزي ع� � ��ن مقاومة امل� � ��وت‪ ،‬والتأبي عليه‪،‬‬ ‫وحتديه بالكتابة‪ .‬ومن املؤكد أن شيئاً من ذلك كان‬ ‫ي� � ��دور بخلد محمود درويش‪ ،‬ح� �ي��ن أجناه الله من‬ ‫عملي� � ��ة قلب مؤكدة‪ ،‬خرج منه� � ��ا منطوياً على نحو‬ ‫من اإلحساس الداخلي بأن حياته جد قصيرة على‬ ‫هذه األرض‪ ،‬فكتب ديوانه «جدارية» كي يسجل فيه‬

‫‪72‬‬

‫‪9/5/13 1:09:59 PM‬‬

‫مقاومته للموت‪ ،‬ورغبته في أن يقهره بالكتابة على‬ ‫احلجر في جدارية ال تفنى وال تتبدد‪ ،‬مستغ ً‬ ‫ال في‬ ‫ذلك تقنيات اإلبداع الشعري التي هي – في معنى‬ ‫من معانيها ‪ -‬مقاومة للم� � ��وت وانتزاع للوجود من‬ ‫أسر العدم‪.‬‬ ‫وأعت� � ��رف أنني وج� � ��دت ف� � ��ي دالالت «تغريدة‬ ‫البجعة» دالالت حاسمة من دالالت السيرة الذاتية‪،‬‬ ‫ووظيف� � ��ة من وظائفها‪ ،‬خصوصاً أن أغلب الس� � ��ير‬ ‫الذاتي� � ��ة التي أعرفه� � ��ا هي لكتّاب دخل� � ��وا مرحلة‬ ‫الشيخوخة‪ ،‬أو أغرقوا فيها‪ ،‬وشعروا باحلاجة إلى‬ ‫اس� � ��ترجاع حياتهم وتأمله� � ��ا‪ ،‬متوحدين مع ذواتهم‬ ‫بالدرج� � ��ة األول� � ��ى‪ ،‬قبل أن يتوحد معه� � ��ا كل قارئ‬ ‫عل� � ��ى حدة‪ .‬واحلق أن معنى «اجلدارية» ‪ -‬من هذا‬ ‫املنظور ‪ -‬يتجاوب مع معنى «املرآة» بوصفها وصفاً‬ ‫لوظيفة من وظائف السيرة الذاتية بالنسبة لكاتبها‪،‬‬ ‫حيث تتحول كتابته إلى فعل رمزي جتتلي به الذات‬ ‫تاريخها في مرآة وعيها‪ ،‬وبالنس� � ��بة لقارئها الذي‬ ‫ي� � ��رى حياة الكاتب معروضة عل� � ��ى صفحاتها التي‬ ‫تغدو مرايا ي� � ��رى فيها حياة آخر هو غيره‪ ،‬فيزداد‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 72-77.indd 72‬‬


‫عن السير الذاتية العربية‬

‫‪9/5/13 1:10:02 PM‬‬

‫‪73‬‬

‫‪oct 72-77.indd 73‬‬


‫معرف� � ��ة به‪ ،‬ومن ثم معرفة بنفس� � ��ه‪ .‬ومن املؤكد أن‬ ‫قراءة الس� � ��يرة الذاتي� � ��ة بوجه ع� � ��ام تزيدنا معرفة‬ ‫بأنفس� � ��نا وبالعالم من حولنا على السواء‪ .‬فالسيرة‬ ‫مثل عائلة األدب الكبرى التي تنتمي إليها‪.‬‬

‫جتارب حياتية وخبرات نفسية‬

‫هي مجموعة جتارب حياتية وخبرات نفسية غير‬ ‫مح� � ��دودة‪ ،‬نضيفها إلى جتاربن� � ��ا وخبراتنا احملدودة‪،‬‬ ‫فتزداد جتاربنا وخبراتنا اتس� � ��اعاً وش� � ��موالً وعمقاً‪.‬‬ ‫أضف إلى ذلك ما ميك� � ��ن أن تتحول إليه قراءة حياة‬ ‫العظماء إلى مصدر إلهام لنا في حياتنا‪ .‬أنا شخصياً‬ ‫أمتلك ش� � ��جاعة االعت� � ��راف التي جتعلني أش� � ��هد أن‬ ‫قراءتي «األيام» في صباي البعيد قد أحدثت انقالباً‬ ‫حاس� � ��ماً في حياتي‪ ،‬وجعلتني أخت� � ��ار الطريق الذي‬ ‫أصبحت عليه‪ .‬لقد روعني هذا الصبي الذي ُولد في‬ ‫بيئة فقيرة جاهلة‪ ،‬ففقد بصره نتيجة اجلهل‪ ،‬ولكنه‬ ‫اس� � ��تبدل بعمى الباصرة س� �ل��امة البصيرة‪ ،‬وصارع‬ ‫اجلهل والفقر حتى هزمهما باملعرفة التي كانت نوراً‬ ‫وتنوي� � ��راً لبن� � ��ي وطنه كلهم‪ ،‬وإذا به� � ��ذا الفتى الريفي‬ ‫األعمي يحصل على أعلى الش� � ��هادات من السوربون‪،‬‬ ‫ويع� � ��ود إلى وطنه كي يص� � ��ارح اجلميع مبا يصدمهم‪،‬‬ ‫ويثي� � ��ر ثائرة الكثيري� � ��ن عليه‪ .‬ولكنه ل� � ��م يتوقف عن‬ ‫مواجهة حتديات املجتمع اجلاهل الفقير‪ ،‬فيقف في‬ ‫ص� � ��ف املعذبني ف� � ��ي األرض‪ ،‬وال يتردد في محاوالت‬ ‫اقتالع ش� � ��جرة البؤس‪ ،‬ويرقى في مراكز الدولة إلى‬ ‫أن يصب� � ��ح وزيراً‪ ،‬فيعلن أن التعليم كاملاء والهواء حق‬ ‫لكل مواطن‪ ،‬وال يرحل إال بعد أن يؤس� � ��س مس� � ��تقبل‬ ‫الثقاف� � ��ة العربية عل� � ��ى ركائز ثابت� � ��ة‪ ،‬قطباها الدولة‬ ‫املدنية وثقافتها االستنارة التي تعني العقالنية والعلم‬ ‫وعدالة توزي� � ��ع املعرفة والثروة على الس� � ��واء‪ .‬هكذا‬ ‫أكمل� � ��ت قراءة كتب طه حس� �ي��ن كلها قب� � ��ل أن أترك‬ ‫الثانوية العامة‪ .‬وذهبت من كلية اآلداب إلى قسم طه‬ ‫حس� �ي��ن‪ ،‬وقبل أن أمضي في دراساتي العليا حرصت‬ ‫على أخذ اإلذن باملضي في طريقه فأذن لي‪ ،‬وارتقيت‬ ‫في املناصب اجلامعية إلى أن جلس� � ��ت على كرس� � ��يه‬ ‫رئيس � � �اً لقس� � ��م اللغة العربية‪ ،‬وورثت عنه أن األستاذ‬ ‫اجلامعي هو املثقف املهموم بالعمل العام في مجاالت‬ ‫الثقاف� � ��ة؛ فقبلت أن أكون أميناً عاماً للمجلس األعلى‬ ‫للثقافة‪ ،‬ولم أنس ما أخذته عنه من اإلباء الذي البد‬ ‫أن يتحلى به الرجل الصادق مع نفس� � ��ه‪ ،‬فاس� � ��تقلت‬

‫‪74‬‬

‫‪9/5/13 1:10:05 PM‬‬

‫م� � ��ن منصب وزير الثقافة‪ ،‬حني ش� � ��عرت أني لس� � ��ت‬ ‫في حكوم� � ��ة تليق مبا تعلمته من أفكار طه حس� �ي��ن‪.‬‬ ‫وال أزال ماضي � � �اً على الدرب ال� � ��ذي ال مينع التلميذ‬ ‫من اإلضافة إلى مآثر األستاذ‪ ،‬بادئاً من حيث انتهى‬ ‫األستاذ‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن «األيام» لطه حس� �ي��ن لفت� � ��ت نظري إلى‬ ‫جانب آخر من جوانب الس� � ��ير الذاتية العربية‪ ،‬وهو‬ ‫اجلان� � ��ب الذي ميكن أن يك� � ��ون مدخ ً‬ ‫ال إلى حتديد‬ ‫خصوصيتها‪ .‬ويقيني الذي ال أزال عليه أن الس� � ��ير‬ ‫الذاتية العربية‪ ،‬ال تخرج في حال حضورها عن رمزية‬ ‫«تغريدة البجعة» أو «اجلدارية» أو «املرآة»‪ .‬لكنها ال‬ ‫تتطابق في ح� � ��ال حضورها مع داللة «االعترافات»‬ ‫باملعن� � ��ى الغربي‪ .‬وف� � ��ي هذه النقط� � ��ة يكمن الفارق‬ ‫بني نوعني من «الس� � ��يرة الذاتي� � ��ة» ال يفارق كالهما‬ ‫احلدود الواس� � ��عة للف� � ��رع األدبي للس� � ��يرة الذاتية‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن يختلف كالهما من منظور اخلصوصية التي‬ ‫تغدو «اعترافاً» باملعنى الغربي املسيحي في السير‬ ‫الذاتي� � ��ة الغربية و«حكياً ذاتياً» في الس� � ��ير الذاتية‬ ‫العربي� � ��ة‪ .‬و«االعتراف» في الدائ� � ��رة الغربية يقترن‬ ‫بفكرة اإلفضاء احلر على أريكة احمللل النفسي في‬ ‫املجتمعات الغربية‪ ،‬حيث يسترخي املريض النفسي‬ ‫ت� � ��اركاً العنان لكل املكبوت ف� � ��ي وعيه وال وعيه على‬ ‫السواء‪ ،‬دون أن يخشى من افتضاح أسراره املصونة‬ ‫بحكم القان� � ��ون الذي يفرض على احمللل النفس� � ��ي‬ ‫احلفاظ على س� � ��رية أس� � ��رار مريض� � ��ه‪ .‬وهو األمر‬ ‫نفس� � ��ه املوجود في االعتراف الكنسي الذي يحفظ‬ ‫فيه رجل (الرب) األسرار التي تبني عنها اعترافات‬ ‫عباده‪ .‬وال ش� � ��ك أن وص� � ��ول الدميقراطية واحلرية‬ ‫الت� � ��ي تنعم بها املجتمعات الغربي� � ��ة إلى أبعد مدى‪،‬‬ ‫خصوصاً العريقة ف� � ��ي تراثها الدميقراطي‪ ،‬خلقت‬ ‫مناخاً رحباً كل الرحابة في االستجابة القرائية‪ ،‬أو‬ ‫استجابات التلقي بوجه عام‪ ،‬كالفنون البصرية التي‬ ‫تعرض األجساد العارية أو األفالم التي ال تخلو من‬ ‫اجلنس‪.‬‬ ‫ولذل� � ��ك يتقبل املجتمع الغرب� � ��ي برامج تلفزيونية‬ ‫مخصصة لنقد رؤس� � ��اء ال� � ��وزراء أو رؤس� � ��اء الدولة‬ ‫بوجه ع� � ��ام‪ .‬وال جناح على الس� � ��ينما أو املس� � ��رح لو‬ ‫تضمنت املسلس� �ل��ات التلفزيونية أو األفالم بأنواعها‬ ‫أية مش� � ��اهد‪ .‬وهو أمر مس� � ��موح به حتى في الرسم‬ ‫الكنس� � ��ي‪ .‬وفي ذاكرتي مشهد خلق آدم املرسوم على‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 72-77.indd 74‬‬


‫س� � ��قف الكنيسة السيس� � ��تينية في روما الذي هو من‬ ‫صنع مايكل أجنلو بتكليف من البابا يوليوس الثاني‪.‬‬

‫رحابة أفق القيم االجتماعية‬

‫هذا املناخ الديني السياسي االجتماعي الثقافي‬ ‫املرتب� � ��ط بانعدام األمي� � ��ة وارتفاع مس� � ��تويات الوعي‬ ‫الثقاف� � ��ي ورحابة أفق القي� � ��م االجتماعية‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫أن اتس� � ��اع دوائ� � ��ر احلرية بكل أبعادها هو املس� � ��ئول‬ ‫ع� � ��ن األفق املفتوح من اس� � ��تجابات تلقي اإلبداع التي‬ ‫ال تعرفه� � ��ا الثقاف� � ��ة العربية‪ .‬يكف� � ��ي أن ندرك أنه ال‬ ‫توج� � ��د أجه� � ��زة للرقابة عل� � ��ى اإلب� � ��داع؛ فاملبدع حر‬ ‫وعل� � ��ى املتضرر اللجوء إلى القض� � ��اء‪ .‬ولذلك وجدت‬ ‫س� � ��ير ذاتية مثل «يوميات لص» جلان جينيه طريقها‬ ‫إل� � ��ى الذيوع‪ ،‬ولم يعترض النق� � ��اد على كتابات هنري‬ ‫ميللر أو غيره من الكتاب الذين تصدوا للمش� � ��كالت‬ ‫اجلنس� � ��ية على وج� � ��ه صريح على نحو م� � ��ا فعل د‪.‬ه‪.‬‬ ‫لورانس كاتب رواية «عش� � ��يق الليدي شاترلي»‪ .‬وقل‬ ‫األمر نفسه على الروايات أو اإلبداعات التي جتترئ‬ ‫على إنطاق املسكوت عنه دينياً‪ ،‬ابتداء من «فاوست»‬ ‫جوته وانتهاء بالروايات اإلحلادية أو روايات الرفض‬ ‫السياسي املعاصرة‪.‬‬ ‫وظن� � ��ي أن انع� � ��دام مثل هذه احلري� � ��ة في العالم‬ ‫العربي‪ ،‬وكثرة أجهزة الرقاب� � ��ة وتعدد مجاالتها‪ ،‬حد‬ ‫على نحو غير ش� � ��عوري في أغلب األحوال مساحات‬ ‫املسموح بالبوح به‪ ،‬مقابل مساحات املنهي عن النطق‬ ‫به من خطاب الذات‪ ،‬وخلق نوعاً من الرقيب الداخلي‬ ‫داخل الكتّاب أثناء الكتابة اإلبداعية بوجه عام‪ ،‬وكتابة‬ ‫الس� � ��يرة الذاتية بوجه خاص‪ .‬ولذل� � ��ك تقرأ «األيام»‬ ‫لطه حس� �ي��ن و«أنا» للعقاد و«حياتي» ألحمد أمني أو‬ ‫أحمد لطفي السيد وعشرات غيرها من كتب السيرة‬ ‫الذاتية‪ ،‬فلن جتد فيها ما يشوب صاحبه أو يعكر نقاء‬ ‫ثوبه في عيني القارئ‪ .‬حتى املرة األولى التي تش� � ��جع‬ ‫فيها أحمد أمني على ذكر اخلالف العاصف بينه وطه‬ ‫حس� �ي��ن لم يفعل ذلك إال تورية وعلى سبيل التجهيل‪،‬‬ ‫وق� � ��س على ذلك الكثرة الكاثرة من أعمال «الس� � ��يرة‬ ‫الذاتية»‪ .‬ويحضرني مث� � ��ال آخر خاص بعبدالرحمن‬ ‫بدوي الذي لم ينج أحد من حدة لس� � ��انه في الهجوم‬ ‫على اآلخرين‪ .‬ولكن دع عنك ذلك وابحث عن عالقة‬ ‫عبدالرحمن بدوي باملرأة‪ ،‬ومل� � ��اذا ظل عزباً‪ .‬ونعرف‬ ‫من التاريخ السياسي العام أن عبدالرحمن بدوي كان‬ ‫عن السير الذاتية العربية‬

‫‪9/5/13 1:10:10 PM‬‬

‫عضواً في جلنة اخلمس� �ي��ن التي كلفته� � ��ا ثورة يوليو‬ ‫بإعداد الدس� � ��تور سنة ‪ .1954‬ولو س� � ��ألت مذكرات‬ ‫عبدالرحم� � ��ن بدوي عما حدث في ه� � ��ذه اللجنة من‬ ‫أحداث مؤث� � ��رة أو مواقف مبدئي� � ��ة إيجابية أو حتى‬ ‫س� � ��لبية أخذها الرجل؟ فلن جتد شيئاً‪ .‬وسرعان ما‬ ‫تكتش� � ��ف أن عبدالرحم�� بدوي ال يذكر من حياته إال‬ ‫ما يراه رافعاً من قدره في أعني قرائه حسب تصوره‪،‬‬ ‫وليس حسب تصور القراء‪.‬‬

‫االنتقائية في السير الذاتية‬

‫ويعني ذلك أن درجة االنتقائية في السير الذاتية‬ ‫العربي� � ��ة درجة عالي� � ��ة‪ ،‬وأن فاعلي� � ��ة الذاكرة موجهة‬ ‫س� � ��لفاً‪ ،‬على نحو ش� � ��عوري أو غير ش� � ��عوري‪ ،‬ال لقول‬ ‫كل ش� � ��يء وإمنا لذكر ما يدخل في دوائر املباح‪ ،‬وفي‬ ‫صالح الذات التي تتحدث في الس� � ��يرة‪ ،‬ومن منظور‬ ‫م� � ��ا يضيف إلى إيجابياتها ف� � ��ي عيني القارئ‪ .‬ويبدو‬ ‫األمر كما لو كان كتَّاب الس� � ��يرة الذاتية يحرصون‪ ،‬ال‬ ‫ش� � ��عورياً‪ ،‬على أن يجعلوا من أنفسهم مناذج صاحلة‬ ‫لالحتذاء‪.‬‬ ‫وال أس� � ��تثني م� � ��ن الس� � ��ير الذاتي� � ��ة العربية التي‬ ‫أعرفها س� � ��وى س� � ��يرتني ذاتيتني‪ .‬األولى هي للويس‬ ‫عوض‪ .‬وقد نش� � ��ر قس� � ��ما منها عن حياته في باريس‬ ‫بعن� � ��وان «مذك� � ��رات طالب بعثة» وأطل� � ��ق العنان فيها‬ ‫لذكر تفاصيل حياته الباريسية خصوصاً في عالقته‬ ‫باملرأة‪ .‬وفعل الش� � ��يء نفس� � ��ه في القسم الثاني الذي‬ ‫أصدره في س� � ��نواته األخيرة بعنوان «أوراق العمر ‪-‬‬ ‫س� � ��نوات التكوين»‪ .‬وواضح أن� � ��ه كان ينوي املضي في‬ ‫الكتابة‪ ،‬ولكنه لم ينجز إال القس� � ��م اخلاص بسنوات‬ ‫التكوين‪ ،‬غير أنه كان صريحاً في احلديث عن والده‪،‬‬ ‫ثم عن أخيه وأسرته‪ .‬ورغم أنه كان يعرف أن ما كتبه‬ ‫لن يرضي األس� � ��رة‪ ،‬فإنه مضى في الكتابة غير عابئ‬ ‫برضا الراضني أو س� � ��خط الساخطني‪ .‬ومع األسف‬ ‫لم يس� � ��عفه العمر بكتابة بقية أوراقه‪ ،‬فرحل دون أن‬ ‫يكملها‪.‬‬ ‫واملثال الثاني هو سهيل إدريس الذي أصدر اجلزء‬ ‫األول من سيرته الذاتية‪ ،‬محاوالً ممارسة االعتراف‬ ‫احلر؛ فاتهمته األسرة باإلساءة إليها‪ ،‬ومنعته العائلة‬ ‫من نشر بقية األجزاء‪.‬‬ ‫وأذكر أني قابلته ف� � ��ي حفل ببيروت قبيل وفاته‪،‬‬ ‫وكان� � ��ت مع� � ��ه رنا ابنت� � ��ه التي ت� � ��رك له� � ��ا إدارة «دار‬

‫‪75‬‬

‫‪oct 72-77.indd 75‬‬


‫اآلداب»‪ .‬وس� � ��ألته‪ :‬ملاذا ال تكمل نشر سيرتك الذاتية‬ ‫التي أص� � ��درت منها اجلزء األول فحس� � ��ب؟ فأخبرنى‬ ‫بأن� � ��ه فرغ من اجلزء الثاني ولكن األس� � ��رة مصرة على‬ ‫منع نش� � ��ره‪ ،‬وعندما سألت رنا أفهمتني أن هذا اجلزء‬ ‫أصع� � ��ب بكثير مما أتخيل في م� � ��ا ميكن أن يحدثه من‬ ‫�كت ولم أعلق بشيء‪ ،‬فاألمر ال‬ ‫مشكالت للعائلة‪ ،‬فس� � � ُّ‬ ‫يتعلق بأسرة سهيل إدريس أو أسرة لويس عوض‪ ،‬وإمنا‬ ‫باحملرم� � ��ات العديدة التي التزال له� � ��ا تأثيرها القمعي‬ ‫احلاس� � ��م في قمع حرية خطاب الذات‪ ،‬وتوسيع دوائر‬ ‫املنهي عن البوح به وإبقائه في دائرة املسكوت عنه من‬ ‫خطاب الذات‪.‬‬ ‫وأعتقد أن هذا هو الس� � ��بب ف� � ��ي جلوء الكثير من‬ ‫الكتّاب إلى الكتابة عن املناطق احلرجة من حيواتهم في‬ ‫قالب ما اصطلح النقاد على تس� � ��ميته روايات «النشأة»‬ ‫حيناً ورواية السيرة الذاتية في أغلب األحيان‪ .‬فعل ذلك‬ ‫العقاد في «س� � ��ارة» رواية حبه الفاش� � ��ل للفنانة الشابة‬ ‫في ذلك الوقت مديحة يس� � ��ري التي انتقم منها بخياله‬ ‫الروائي الذي ش� � ��فى جرحه‪ .‬وفعل ذلك طه حسني في‬ ‫«أديب» التي كانت تصويراً لبعض هواجسه‪.‬‬ ‫وكت� � ��ب إبراهي� � ��م عبدالقادر املازني ع� � ��ن حبه في‬ ‫روايتيه «إبراهيم الكاتب» و«إبراهيم الثاني»‪ .‬ويبدو أنه‬ ‫تعمد لفت انتباه القارئ إلى تورطه الذاتي بإبقاء اسمه‬ ‫األول في العنوان‪.‬‬ ‫أما توفي� � ��ق احلكيم فقد وزّع مراح� � ��ل حياته على‬ ‫رواياته‪ ،‬فكت� � ��ب عن طفولته في «ع� � ��ودة الروح»‪ ،‬وعن‬ ‫ش� � ��بابه الباريسي في «عصفور من الشرق»‪ .‬وكان ذلك‬ ‫ف� � ��ي الدائرة التي مضت فيها أجيال عديدة‪ ،‬ابتداء من‬ ‫يحيى حقي في «قنديل أم هاشم» مروراً بخيري شلبي‬ ‫في م� � ��وال «البيات والنوم» وانته� � ��اء مبحمود الورداني‬ ‫في رواية «بيت النار»‪ .‬واألمثلة أكثر من أن يتس� � ��ع لها‬ ‫املقام‪.‬‬

‫الرواية والسير الذاتية‬

‫قد نقول إن الرواية حتمل من مالمح كاتبها وحياته‬ ‫بعض ما يدخل في نسيجها قلي ً‬ ‫ال أو كثيراً‪ ،‬فمن املؤكد‬ ‫أن كمال عبداجلواد في الثالثية صورة لنجيب محفوظ‬ ‫في ش� � ��بابه‪ ،‬مع عدم إغفال عالقته بس� �ل��امة موسى‪،‬‬ ‫وأن خيري شلبي وزع حياته والشخصيات التي عرفها‬ ‫عل� � ��ى رواياته ولكن هذا كل� � ��ه ال ينفي الفوارق الفاصلة‬ ‫بني أنواع الروايات‪ .‬وفي الوقت نفس� � ��ه‪ ،‬يؤكد أن جلوء‬

‫‪76‬‬

‫‪9/5/13 1:10:15 PM‬‬

‫الكاتب إلى قالب الرواية أو حتى املسرحية يتيح له من‬ ‫اجلرأة واجلسارة ما ال يتاح له عادة في كتابة «السيرة‬ ‫الذاتي� � ��ة» الت� � ��ي تظل محاص� � ��رة بالرقاب� � ��ة اخلارجية‬ ‫للمجتم� � ��ع والرقابة الداخلي� � ��ة‪ .‬ولذلك تظ� � ��ل الرواية‬ ‫م� �ل��اذاً أكثر أماناً خلطاب الذات الذي يجد حتت راية‬ ‫اخليال الروائي آفاقاً أرحب م� � ��ن احلرية غير املتاحة‬ ‫في السيرة الذاتية‪.‬‬ ‫وأعتق� � ��د أن كالمن� � ��ا ع� � ��ن القيود الت� � ��ي تفرضها‬ ‫الثقافة على بوح الذات في السيرة‪ ،‬يقودنا إلى ذكورية‬ ‫الس� � ��يرة الذاتية بأكثر من معنى‪ .‬وال أدل على ذلك من‬ ‫ندرة كتاب� � ��ة املرأة في هذا املج� � ��ال بالقياس إلى كتابة‬ ‫الرجل‪ ،‬أذكر مث ً‬ ‫ال مذكرات هدى ش� � ��عراوي‪ ،‬وأذكر أني‬ ‫اخلديو‬ ‫قرأت مذك� � ��رات األميرة جويدان‪ ،‬وكانت زوجة‬ ‫ِ‬ ‫عباس حلم� � ��ي الثاني املدلل� � ��ة‪ ،‬وكانت تركي� � ��ة متعلمة‬ ‫تعليماً حديثاً‪ .‬وأعترف أنني اس� � ��تمتعت بقراءتها منذ‬ ‫س� � ��نوات بعيدة‪ ،‬لكني ال أزال أذكر كي� � ��ف أنها أجبرت‬ ‫اخلدي� � � ِ�و عباس حلمي الثان� � ��ي ‪ -‬بحكم الدالل األنثوي‬ ‫ على أن يس� � ��مح لها بارتداء ثياب الرجال‪ ،‬وتقدميها‬‫بوصفها شاباً يعمل في معيته‪ ،‬وطبعاً يترتب على ذلك‬ ‫أن يجد هذا الش� � ��اب من يتغزل به من نس� � ��اء الطبقة‬ ‫باخلديو‪ .‬ولكني أع� � ��رف أن األميرة جويدان‬ ‫احمليط� � ��ة‬ ‫ِ‬ ‫التركية كانت أوربية التعليم واخلصال‪ ،‬ولذلك س� � ��مح‬ ‫اخلديو عباس حلمي الثاني األوربي النزعة مبا ال‬ ‫له� � ��ا‬ ‫ِ‬ ‫يسمح لغيرها‪ .‬وأنا مدين ملذكرات هذه األميرة بتأكيد‬ ‫م� � ��ا كان يربط بني اخلدي� � � ِ�و إس� � ��ماعيل واإلمبراطورة‬ ‫أوجيني من محب� � ��ة بالغة؛ فاألميرة جويدان حتكي عن‬ ‫اخلديو إسماعيل لإلمبراطورة املخلوعة‪ ،‬وكيف‬ ‫رعاية‬ ‫ِ‬ ‫واصل رعايتها حتى بعد أن أزاحته القوى األوربية عن‬ ‫احلكم‪ .‬وبعد وفاته ظلت على إخالصها له‪ ،‬ولم تتوقف‬ ‫عن زيارة قبره في مصر حتى وفاتها‪.‬‬ ‫واحلق أن مذكرات األمي� � ��رة جويدان مثال طريف‬ ‫في كتابة السيرة الذاتية‪ ،‬وتتمتع املذكرات بروح مرحة‬ ‫ال تخلو من نزق لن نراها في مذكرات هدى ش� � ��عراوي‬ ‫التي تقتصر على نضالها الوطني في حترير املرأة‪ .‬وهو‬ ‫نضال عظيم مش � � � ّرف يضعها ف� � ��ي مصاف رواد حركة‬ ‫التحرر الوطني‪ .‬ولكن ماذا عن اجلوانب احلياتية التي‬ ‫تثير الكثير من األسئلة‪ .‬لقد تزوجت هدى شعراوي من‬ ‫علي باش� � ��ا شعراوي الذي يكبرها بأعوام عديدة تنزله‬ ‫منزلة والدها‪ ،‬األمر الذي يثير السؤال الفضولي‪ :‬هل‬ ‫رضي� � ��ت به طوعاً أو كرهاً؟! ونعرف من التاريخ أن ابن‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 72-77.indd 76‬‬


‫هدى ش� � ��عراوي ت� � ��زوج من ممثلة في م� � ��ا أذكر‪ ،‬فثارت‬ ‫علي� � ��ه وأنكرت زواجه‪ ،‬وظلت رافضة لهذا الزواج‪ .‬وهو‬ ‫أم� � ��ر قد يجد فيه البعض تناقض � � �اً بني الواقع واملثال‪.‬‬ ‫وطبعاً ال ذكر لهذا في مذكرات هدى ش� � ��عراوي‪ .‬وهو‬ ‫ما يؤكد‪ ،‬م� � ��رة أخرى أن مس� � ��احة املقموع من خطاب‬ ‫ال� � ��ذات في الس� � ��يرة الذاتية التي تكتبه� � ��ا كاتبات أكبر‬ ‫بكثي� � ��ر من مس� � ��احة املقموع من خطاب الس� � ��يرة التي‬ ‫يكتبها الرجال‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن يبقى الس� � ��ؤال املهم عن تنويعات الس� � ��يرة‬ ‫الذاتية وأش� � ��كالها؛ فالس� � ��يرة الذاتية ال تأخذ ش� � ��ك ً‬ ‫ال‬ ‫واحداً ثابتاً‪ .‬هناك ش� � ��كل «املذك� � ��رات» التي تصل بني‬ ‫اإلب� � ��داع والتاريخ‪ ،‬وإن كان اجلان� � ��ب اخلاص بالتاريخ‬ ‫يغل� � ��ب على اجلان� � ��ب اإلبداع� � ��ي‪ ،‬لكن يبق� � ��ى اجلانب‬ ‫اإلبداع� � ��ي مرتبطاً مب� � ��ا خص بها الذات عن نفس� � ��ها‬ ‫وس� � ��ط ذكر الوقائ� � ��ع التاريخية‪ .‬وهو م� � ��ا حدث مع ما‬ ‫كتبه إس� � ��ماعيل صدقي بعن� � ��وان «مذكراتي» أو محمد‬ ‫حس� �ي��ن هيكل «مذكرات في السياس� � ��ة املصرية» التي‬ ‫غلب اجلان� � ��ب التاريخي على أجزائه� � ��ا الثالثة‪ ،‬بينما‬ ‫غلب اجلان� � ��ب الذاتي على «مذكرات الش� � ��باب»‪ .‬وقد‬ ‫يختلط اجلانبان كما حدث في مذكرات س� � ��عد زغلول‬ ‫الت� � ��ي حتتاج إلى درس أدبي خ� � ��اص بها‪ ،‬خصوصاً في‬ ‫اللحظ� � ��ات التي تتح� � ��دث فيها الذات ع� � ��ن خصومها‬ ‫السياس� � ��يني أو عيوبها؛ فقد كان س� � ��عد زغلول مدمناً‬ ‫للقمار‪ ،‬وقد اش� � ��تكى من هذا اإلدمان وما سببه له من‬

‫مشكالت‪ ،‬وذلك في حديث أقرب إلى البوح األدبي منه‬ ‫إلى الس� � ��رد التاريخي‪ .‬وقريب من ش� � ��كل املذكرات ما‬ ‫يدخل في باب «الشهادات» التي تذكر فيها الشخصية‬ ‫جترب� � ��ة من التجارب التي م ّرت بها في زمن سياس� � ��ي‬ ‫بعينه‪ ،‬بحيث تكون الش� � ��هادة على عصر سياسي كامل‪.‬‬ ‫وما أكث� � ��ر ما كتب عن احلقب� � ��ة الناصرية وغيرها في‬ ‫هذا املجال!‬ ‫ويدخل ف� � ��ي هذا املجرى الفرعي ما كتبه املثقفون‬ ‫العرب عن ذكرياتهم في السجون التي دخلوها‪ .‬ويبدو‬ ‫أن املعتق� �ل��ات الناصرية اليزال لها النصيب األكبر من‬ ‫الكتابة عن معتقالتها‪ .‬يستوي في ذلك ما كتبه اليساريون‬ ‫الذين سجنوا بتهمة الشيوعية‪ ،‬أو فصائل اإلسالم التي‬ ‫كتبت عن معتقالتها‪ .‬واحلق أن مجموع هذه الشهادات‬ ‫من الغنى‪ ،‬بحيث يس� � ��تحق كتابة مستقلة ومسهبة ألني‬ ‫ال أعرف أحداً قد اهتم بدرس هذه الش� � ��هادات درساً‬ ‫يو��زيها في األهمية‪ .‬وقس على ذلك ما يكتبه املبدعون‬ ‫عن فترات املرض احلرجة التي كان الفاصل فيها بني‬ ‫املوت واحلياة كالش� � ��عرة‪ .‬ولقد س� � ��بق لي أن كتبت عن‬ ‫جترب� � ��ة محمود درويش التي أخرجت «جدارية محمود‬ ‫دروي� � ��ش» وكتبت عن جتربة جمال الغيطاني مع عملية‬ ‫القلب املفتوح في سرديته اجلميلة «اخلطوط الفاصلة»‪.‬‬ ‫وفي سبيلي إلى الكتابة عن جتربته األخيرة‪ ،‬ضمن ما‬ ‫أس� � ��ماه «كتاب األلم»‪ .‬و«أعن� � ��ي األزرق واألبيض» فإلى‬ ‫لقاء >‬

‫ه � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذا ال� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذي ُأح� � � � � � � � � � � � � � ُّ�ب� � � � � � � � � � � � � ��هُ‬ ‫�اس َع � � � � � � � � � � �ل� � � � � � � � � � � َّ�ي َق� � � � � � � � � ْل� � � � � � � � � ُب � � � � � � � ��هُ‬ ‫َق� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ٍ‬ ‫ب� � � � � � � ��ا‬ ‫َن� � � � � � � � � � � � � � � ��ا َم َو َل�� � � � � � � � � � � � � � � � � � ْ�م َي� � � � � � � � ْ�ع � � � � � � � � َل� � � � � � � � ْ�م مِ َ‬ ‫ب� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��اتَ ُي � � � � � � � � � �ق�� � � � � � � � ��اس�� � � � � � � � ��ي ص � � � � � � � � ُّ�ب � � � � � � � ��هُ‬ ‫واع � � � � � � � � � �ج � � � � � � � � � �ب � � � � � � � � � � ًا ك� � � � � � � � � � ��م ع�� � � � � � � � � � � � � � � � � ��ا َج ب� � � ��ي‬ ‫وع� � � � � � � � � � � � � ْ�ج � � � � � � � � � � � � � ُب� � � � � � � � � � � � ��هُ‬ ‫دال ُل� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��هُ ُ‬ ‫�ض� � � � � � � � � � � � � ًن � � � � � � � � � � � ��ى وال � � � � � � � � � � � ��ه‬ ‫آه� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ًا مِ ُل � � � � � � � � � � � � ْ‬ ‫�در ك� � � � � � � � �ي�� � � � � � � � َ‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ل� � � � � � � � � � � � � � ْ�م ي � � � � � � � � � �‬ ‫�ف ذن� � � � � � � � � ُب�� � � � � � � ��هُ‬ ‫ِ‬ ‫س� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ا َر ب� � � � � � � � � � � � � � � � � � � ِ�ه م�� � � � � � �ي� � � � � � � ِّ�م�� � � � � � �م�� � � � � � � ًا‬ ‫ِم�� � � � � � � � � � � � � � ��نَ ال � � � � � � � َع � � � � � � �ق � � � � � � �ي� � � � � � � ِ�ق ِس� � � � � � � � � � � ْ�ر ُب� � � � � � � � � � ��هُ‬ ‫إن ال َح ب� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � �ـ � � ٌ‬ ‫�رق ظ� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � �ـ � � َّ�ل ي � �ـ � �ـ � �ـ � �ـ� � ْ�ر‬ ‫ْ‬ ‫ُج� � � � � � � � � � � ��و أي�� � � � � � � � � � � � � � ْ�ن َي � � � � � � � � � � � � ُل� � � � � � � � � � � ��و َح ُق � � � � �ل � � � � �ب� � � � ��هُ‬ ‫عن السير الذاتية العربية‬

‫‪9/5/13 1:10:19 PM‬‬

‫‪77‬‬

‫‪oct 72-77.indd 77‬‬


‫اللغة حياة‬

‫اكتشاف اخلطأ بعد نصف قرن‬ ‫علي اجلوزو*‬ ‫د‪ .‬مصطفى ّ‬ ‫اجلاهلي‬ ‫كتبت وحاضرت في أدب العصر‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وحضارته‪ ،‬وأشرفت على رسائل وأطاريح‪،‬‬ ‫وناقش� � ��ت أخرى‪ ،‬في نحو أربعني س� � ��نة؛‬ ‫وقبلها د َرس� � ��ت ذل� � ��ك األدب في املدرس� � ��ة واجلامعة‪،‬‬ ‫وكنت أقرأ‪ ،‬في ما أقرأ‪ ،‬مطلع معلّقة عنترة‪:‬‬

‫�راء ِم � ْ�ن ُم� � َت� � َر ّ َد ِم‬ ‫ه��لْ غ� ��ا َد َر ال �ش �ع� ُ‬ ‫َ‬ ‫وه ِم‬ ‫أَ ْم ه��لْ ع��رف��تَ ال���دا َر َب� ْ�ع � َد ت ُّ‬

‫ف َأتأ ّث� � ��ر مبا أوحاه بع� � ��ض املؤ ّلف� �ي��ن املعاصرين‪،‬‬ ‫وه� � ��و أ ّن معنى التر ّدم هو الته � � � ّدم‪ ،‬وأ ّن عنترة يقصد‬ ‫أ ّن ديار احلبيبة املهجورة ركام حجارة‪ ،‬وأ ّن الش� � ��عراء‬ ‫كان� � ��وا يقفون عل� � ��ى ذلك ال� � ��ركام من َقبي� � ��ل الوقوف‬ ‫على األط� �ل��ال‪ .‬وكان أولئك املؤ ّلفون يس� � ��تد ّلون بهذا‬ ‫البيت لتعميم عادة الوقوف على األطالل في الش� � ��عر‬ ‫اجلاهل� � � ّ�ي‪ ،‬رائني أ ّن عنترة يتس� � ��اءل ع ّما إذا كان أحد‬ ‫من الشعراء لم يقف على ديار احلبيبة املهجورة‪ ،‬وهو‬ ‫ظللت أتساءل‪ ،‬من ناحيتي‪ ،‬من‬ ‫استدالل مغلوط‪ .‬وقد‬ ‫ُ‬ ‫غير نفي معنى الته ّدم‪ :‬وهل كان اجلاهل ّيون‪ ،‬والس ّيما‬ ‫البدو‪ ،‬يبنون بيوتهم باحلجارة حتى تكون آثارها على‬ ‫تلك الصورة؟ ولم أكن‪ ،‬فوق ذلك‪ ،‬أجد لحُ مة بني هذا‬ ‫املطلع وم� � ��ا يليه‪ ،‬بل تكلّ ًفا ف� � ��ي الصياغة‪ ،‬فتكلّ ًفا في‬ ‫الشروح‪ .‬وكنت أوثر العبور به بسرعة واعتباره ُمقح ًما‬ ‫على املعلّقة‪ ،‬والس ّيما أ ّن أبا َع ْمرو بن العالء يؤ ّكد أ ّنه‬ ‫األموي أبي‬ ‫لم يكن يعرفه حتّى س� � ��معه من الش� � ��اعر‬ ‫ّ‬ ‫لي؛ وكنت أعلن لط ّ‬ ‫البي بصراحة أ ّنني م ّيال‬ ‫ِحزام ال ُع ْك ّ‬ ‫إل� � ��ى أ ّن املطلع هو بيت مص ّرع آخ� � ��ر من املعلّقة‪ ،‬وهو‬ ‫قول عنترة‪:‬‬

‫ي��ا دا َر َع � ْب �ل � َة ب� ��ا َ‬ ‫جل� ��واءِ َتكلمي‬ ‫واس َلمي‬ ‫وع ِمي‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫صباحا دا َر عبل َة ْ‬ ‫أل ّن� � ��ه يواف� � ��ق اجل � � � ّو الغزل� � � ّ�ي الرقي� � ��ق الذي‬

‫املتهدم هو‬ ‫مقدمة تلك املعلّقة‪ .‬وظ � � � ّل معنى‬ ‫ِّ‬ ‫يس� � ��ود ّ‬ ‫املعن� � ��ى الوحيد ال� � ��ذي أعرفه‪ ،‬حتّى ا ّتص� � ��ل بي‪ ،‬منذ‬ ‫أس� � ��ابيع‪ ،‬بعض من يستش� � ��يرونني في اللغة من كتّاب‬ ‫ومصححني‪ ،‬وسألني‪ :‬كيف جنمع كلمة َر ْدم؟ فأجبته‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأرج� � ��ح أال يكون لها جمع ألنها‬ ‫ال أع� � ��رف لها جم ًعا‪ّ ،‬‬ ‫َمص� � ��در‪ ،‬وقلّما جُتم� � ��ع املصادر؛ أ ّم� � ��ا إذا كان لها من‬ ‫جمع فينبغي أن يك� � ��ون أَردام للقلّة‪ ،‬وردوم للكثرة‪ ،‬مع‬ ‫ش ّكي بذلك التفريق الك ّم ّي‪ .‬ثم استمهلته ريثما أراجع‬ ‫املص� � ��ادر‪ ،‬وكانت املفاجأة‪ :‬لم أجد أح ًدا من الش � � � ّراح‬ ‫باملتهدم‪ ،‬بل‬ ‫يفسر املتر َّدم في ش� � ��عر عنترة‬ ‫ِّ‬ ‫واللغو ّيني ّ‬ ‫كلّهم مجمعون‪ ،‬تقري ًبا‪ ،‬على أ ّنه يعني في ذلك الش� � ��عر‬ ‫ترقيع الثوب البالي‪ ،‬وأ ّن العبس� � � ّ�ي يريد أ ّن الش� � ��عراء‬ ‫لم يترك� � ��وا مكا ًنا ل� � ��م يرقعوه‪ ،‬أي لم يدع� � ��وا قولاً لم‬ ‫األصمعي أ ّن هذا‬ ‫يقولوه‪ ،‬أو ف ّنًا لم يس� � ��لكوه؛ بل زعم‬ ‫ّ‬ ‫َمثَ� � ��ل‪ .‬وزاد بعضهم أ ّن املت� � ��ر َّدم صفة للكالم‪ ،‬يراد بها‬ ‫استصالحه وإقامة التناسب فيه‪ ،‬وأ ّن هذا يعني سبق‬ ‫الش� � ��عراء القدماء إلى ك ّل معن� � ��ى‪ .‬وللتر ّدم معنى آخر‬ ‫مّ‬ ‫الترن‪ ،‬ولذل� � ��ك احتمل أحد الش � � � ّراح كون معنى‬ ‫ه� � ��و‬ ‫البيت أ ّن الش� � ��عراء لم يتركوا ش� � ��ي ًئا يُ َ‬ ‫نشد الشعر فيه‬ ‫إ ّال أنشدوه‪ ،‬فلم يدعوا مل ُ ِ‬ ‫نشد بق ّية‪ .‬وأَ ْعتَرف بأ ّنني لم‬ ‫أع� � ��رف هذه املعاني من قبل‪ ،‬ومن حس� � ��ن حظي أ ّنني‬ ‫لم أشرح معنى البيت لطالبي ّ‬ ‫قط‪ ،‬بل أشرت بتحفّظ‬ ‫إلى املغزى الذي نسبه الش ّراح إليه وناقشته‪ .‬ووجدت‬ ‫اللغو ّي� �ي��ن يجعلون للكلمة جم ًعا واح ًدا هو ردوم‪ ،‬وهذا‬ ‫يؤ ّيد رفض من رفض التفري� � ��ق بني القلّة والكثرة في‬ ‫اجلموع‪ ،‬أل ّن ردوم ينبغ� � ��ي أن تد ّل عليهما جمي ًعا‪ ،‬مع‬ ‫أ ّنها‪ ،‬نظر ًيا‪ ،‬من جموع الكثرة‪.‬‬ ‫نفسر النصوص‬ ‫إ ّن ما سبق يد ّل على أ ّننا كثي ًرا ما ّ‬ ‫القدمي� � ��ة مبقتضى عادات عصرنا اللغو ّية‪ ،‬والس � � � ّيما‬

‫* أكادميي من لبنان‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫‪9/5/13 1:10:45 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 78-79.indd 78‬‬


‫ف� � ��ي األمور الت� � ��ي تبدو م� � ��ن املس � � �لّمات والبديه ّيات؛‬ ‫ونحن معتادون اس� � ��تعمال الر ْدم مبعنى ركام احلجارة‬ ‫ّ‬ ‫احملطمة املجتمعة بع� � ��د هدم بناء من األبن ّية‪ ،‬أو التي‬ ‫جنمعها من األبن ّية املهدومة‪ ،‬وأ ّن بعضهم يس ّمي ذلك‬ ‫ال� � ��ركام اليوم بالردم ّيات‪ ،‬وه� � ��و قريب من أحد معاني‬ ‫الكلمة‪ ،‬نعني ما يس� � ��قط من اجل� � ��دار إذا انهدم‪ .‬وقد‬ ‫نقول‪ :‬ر َد َم فال ٌن احلفرةَ أي َ‬ ‫مألها بالرمل أو غيره‪ ،‬أو‬ ‫أعاد إلى جوفها ما أخرجه منها باحلفر‪ .‬وقد يستعمل‬ ‫بعضهم‪ ،‬والس � � � ّيما العا ّمة‪ ،‬كلمة ال� � ��ردم مبعنى متهيد‬ ‫األرض غير املس� � ��توية‪ ،‬وهو أقرب االس� � ��تعماالت إلى‬ ‫معنى االستصالح الذي أشار إليه أحد الش ّراح‪.‬‬ ‫وح ًّقا أ ّننا ال نس� � ��يغ تفس� � ��ير أولئك‪ ،‬أل ّننا ال جند‬ ‫عالقة منطق ّية بني الثوب البالي ِ ّ‬ ‫والشعر‪ ،‬وبني النظم‬ ‫لكن اختيار معنى احلجارة املتراكمة ال يقنع‬ ‫والترقيع‪ّ ،‬‬ ‫ً‬ ‫أيض� � ��ا‪ ،‬وال يبدو أفضل من معن� � ��ى الترقيع‪ ،‬واألمران‬ ‫ّ‬ ‫صحة البيت‪.‬‬ ‫يزيدان الشك في ّ‬ ‫لكن األه ّم من ذلك أ ّن في االعتماد على االستعمال‬ ‫ّ‬ ‫املتأخّ ر خط � � � ًرا على النصوص املتق ّدم� � ��ة‪ ،‬فكثير من‬ ‫املعاني التي ع ّبرت عنها استعماالت الشعراء والناثرين‬ ‫القدماء صارت مهملة في استعماالتنا احلديثة‪ ،‬أو بدت‬ ‫رض‬ ‫«حلَّ ْت ب َأ ِ‬ ‫ذات خصوص ّي� � ��ة لم تتك ّرر‪ ،‬كعبارة عنترة َ‬ ‫الزائرِ ي َن» التي يس� � ��رع معنى ال� � ��ز ّوار إلى قارئها‪ ،‬وإذا‬ ‫هي من الزئير‪ ،‬وهي استعارة أريد بها معنى األعداء‪،‬‬ ‫ولم جندها إ ّال في ش� � ��عر عنترة؛ وكقوله ‪«:‬إ ْذ ت َْستَب َ‬ ‫ِيك‬ ‫واضح»؛ واملعنى املس� � ��تعمل للغُروب في‬ ‫�روب‬ ‫بِذي ُغ� � � ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫اللغة احلديثة هو غياب أحد أجرام السماء‪ ،‬والس ّيما‬ ‫الشمس‪ ،‬لكنّه في شعر عنترة جمع لِل َغ ْرب‪ ،‬أي ا َ‬ ‫حل ّد‪،‬‬ ‫يعني َح ّد األس� � ��نان؛ و«الواضح» في اللغة احلديثة هو‬ ‫البينّ الظاهر‪ ،‬وهو في ش� � ��عر عنترة‪ :‬األبيض؛ ولهذا‬

‫اكتشاف اخلطأ بعد نصف قرن‬

‫‪9/5/13 1:10:48 PM‬‬

‫ضروري‬ ‫فإن الرجوع إلى الشروح ونصوص كتب اللغة‬ ‫ّ‬ ‫لفهم النص� � ��وص القدمية‪ ،‬مع وجوب احلذر والتدقيق‬ ‫في ذلك‪ ،‬أل ّن بعض تلك الش� � ��روح والنصوص ال يبعث‬ ‫لكن التعويل عل� � ��ى املعاني الدارجة‬ ‫على االطمئن� � ��ان‪ّ .‬‬ ‫ً‬ ‫ف� � ��ي أيامنا ق�� يجعل القدمي حديثا بال مس � � � ّوغ‪ .‬وقد‬ ‫وقع بعض أدعياء التحقيق في هذا اخلطأ اجلس� � ��يم‪،‬‬ ‫العلمي‬ ‫فجاءت الكتب التي حقّقوه� � ��ا خل ًوا من املنهج‬ ‫ّ‬ ‫الدقيق‪ ،‬وأخرجوها من تاريخها إلى تاريخ آخر‪ ،‬وذلك‬ ‫التجاري الذي اتخذته أعمال النش� � ��ر‬ ‫بس� � ��بب املنحى‬ ‫ّ‬ ‫أحيا ًنا‪ .‬وهم في أحس� � ��ن األحوال يع ّولون على املعاجم‬ ‫وحدها‪ ،‬وق� � ��د يصطادون أقرب معن� � ��ى يجدونه فيها‬ ‫فيش ّوهون النصوص‪.‬‬ ‫يصح ً‬ ‫أيضا على األبحاث؛ فكثير من الباحثني‬ ‫وهذا ّ‬ ‫يس� � ��تنبطون معاني نفس � � � ّية واجتماع ّية وحضار ّية من‬ ‫النص� � ��وص القدمية‪ ،‬بفهم تلك النص� � ��وص وفق اللغة‬ ‫�امي أو‬ ‫احلديث� � ��ة‪ ،‬وإذا اإلنس� � ��ان‬ ‫اجلاهلي أو اإلس� �ل� ّ‬ ‫ّ‬ ‫الع ّباس� � � ّ�ي واحد من أبناء القرن العش� � ��رين أو احلادي‬ ‫األوربي‬ ‫والعش� � ��رين‪ ،‬هذا إذا لم يصبح أشبه باإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫في حال ُط ّبقت عليه بعض النظر ّيات الغرب ّية احلديثة‬ ‫ف� � ��ي علم النف� � ��س واالجتم� � ��اع وغيره‪ .‬إ ّنه ما يس� � ��مى‬ ‫اإلسقاط‪ ،‬أي إسقاط لغتنا وجتاربنا والدراسات التي‬ ‫الغربي‬ ‫العربي أو‬ ‫تناولت اإلنس� � ��ان املعاصر في العالم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي القدمي‪.‬‬ ‫على اإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫وينبغ� � ��ي االعتراف‪ ،‬م� � ��ع ذلك‪ ،‬بصعوب� � ��ة التح ّرر‬ ‫م� � ��ن الع� � ��ادات اللغو ّي� � ��ة واملعطيات العلم ّي� � ��ة احلديثة‬ ‫عن� � ��د البحث ف� � ��ي األدب القدمي‪ ،‬وب� � ��أ ّن ك ّل املطلوب‬ ‫هو االحتياط الش� � ��ديد‪ ،‬وتالفي اإلسقاط ّية ما أمكن‪،‬‬ ‫لكيال نكتشف بعد نحو اخلمسني سنة أ ّننا أخطأنا أو‬ ‫المسنا اخلطأ >‬

‫‪79‬‬

‫‪oct 78-79.indd 79‬‬


‫عــام طــه حســني‬

‫طه حسني رائد التجديد‬ ‫في درس األدب العربي القدمي‬ ‫د‪ .‬رياض زكي قاسم *‬ ‫أثار طه حسني‪ ،‬من حوله‪ ،‬وحتديد ًا في مرحلة ما بني احلربني العامليتني‪ ،‬جد ًال كبيراً‪،‬‬ ‫في ما قدمه من نتاج فكري عامة‪ ،‬وما أذاعه في الناس من درس أدبي انتقادي‪ ،‬خاصة‪.‬‬ ‫وق��د صخب ه��ذا اجل��دل إث��ر نشر أط��روح��ت��ه األول���ى «ذك���رى أب��ي ال��ع�لاء» (‪ ،)1915‬وظل‬ ‫جتمع‬ ‫يصخب إلى يوم ص��دور ما جمعه وحققه نبيل فرج من وثائق (‪ .)2004‬ومن ثم‪ّ ،‬‬ ‫فتحصل إنتاج طه حسني‬ ‫لدينا سبعة وسبعون كتاب ًا‪ ،‬إضافة إلى عشرة كتب مترجمة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫على ستة وثمانني عنوان ًا‪ ،‬في فنون األدب والنقد واالجتماع والتربية والسياسة والتاريخ‪.‬‬ ‫بقدر ما كان اجل������دل يعنف من حول‬ ‫أديبنا حيناً‪ ،‬ويهدأ حيناً‪ ،‬كان‪ ،‬باملوازاة‪،‬‬ ‫هناك جدل ونق������د وتأمل‪ ،‬مقيم‪ ،‬كان‬ ‫ميور وال يه������دأ‪ ،‬إال قلي ً‬ ‫ال‪ ،‬في كيانه‪،‬‬ ‫في عقله ووجدان������ه وعصبه‪ ،‬فهو في أول أمره‪،‬‬ ‫كان يعيش مزاجاً صاخب������اً بني حالني متغايرين‬ ‫ف������ي األزهر‪ ،‬حال ما يراه نكداً في طرائق تعليم‬ ‫الكثيرين من ش������يوخه‪ ،‬وجمود عقولهم‪ ،‬وضآلة‬ ‫ثقافتهم‪ ،‬وحال ما يراه فس������حة رجاء‪ ،‬تتمثل في‬ ‫القل������ة من رجال األزهر‪ ،‬وفي مقدمتهم الش������يخ‬ ‫س������يد املرصفي (توفي س������نة ‪ ،)1931‬فعنه أَلِف‬ ‫تفسير النصوص األدبية‪ ،‬وحذا حذوه في انتقاد‬ ‫بعض ش������يوخ األزهر‪ ،‬ومناهجهم ف������ي التفكير‪،‬‬ ‫وفي الدراسة‪ .‬وهو ما ش ّكل بذرة حية تنبت في‬ ‫تربة فكرية خصبة‪ ،‬سيكون لها مناؤها في النقد‬ ‫املري������ر الذي أعلنه طه حس���ي��ن‪ ،‬في حق مناهج‬ ‫* أكادميي من لبنان‬

‫‪80‬‬

‫‪9/5/13 1:11:14 PM‬‬

‫األزهر وأساليب التعليم فيه‪.‬‬ ‫وف������ي القدر نفس������ه‪ ،‬كان «الفت������ى األزهري»‬ ‫شديد الكلف بأفكار الشيخ محمد عبده (‪1849‬‬ ‫ ‪ ،)1905‬ومب������ا يلقي������ه من دروس في تفس������ير‬‫الق������رآن الكرمي‪ ،‬و«دالئل اإلعج������از» لعبدالقاهر‬ ‫�����د ما أس������ره أس������لوب الدرس‪،‬‬ ‫اجلرجاني‪ ،‬ولش� ّ‬ ‫وفي������ه يقول‪« :‬أما منهجه في التدريس‪ ،‬فقد كان‬ ‫جدي������داً كل اجل������دة‪ ،‬وكان يعني خروج������اً كام ً‬ ‫ال‬ ‫على اإلس������كوالئية األزهرية‪ ،‬وكان يحرص أشد‬ ‫احل������رص عل������ى كل ما من ش������أنه أن يحفز على‬ ‫التفكير والتمعن‪ ،‬وينتهي بذلك إلى أن يفتح لهم‬ ‫(للطلب������ة) آفاقاً غير معروف������ة‪ ،‬وقد غرس فيهم‬ ‫الرغب������ة في االطالع والنقاش‪ ،‬ودفعهم إلى حب‬ ‫حرية الفكر‪ ،‬وعلّمه������م التعبير عن آرائهم» (من‬ ‫الشاطئ اآلخر‪ ،‬ص‪.)47‬‬ ‫أما القل������ق املقابل‪ ،‬في كيان أديبنا‪ ،‬فقد نتج‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct80-89.indd 80‬‬


‫طه حسني رائد التجديد في درس األدب العربي القدمي‬

‫‪9/5/13 1:11:19 PM‬‬

‫‪81‬‬

‫‪oct80-89.indd 81‬‬


‫عــام طــه حســني‬ ‫من وع������ي الفارق املعرفي‪ ،‬ال������ذي تبدى له حني‬ ‫أخ������ذ يرتاد اجلامعة املصرية‪ ،‬في عهدها األول‪،‬‬ ‫وإذ أخذ ينصت بش������غف مطرد إلى محاضرات‬ ‫األساتذة املستش������رقني (حضر دروس أجناتسيو‬ ‫جوي������دي‪ ،‬وليتمان‪ ،‬ونللينو وماس������ينيون وميلوني‬ ‫ول������وي كليم������ان‪ .)...‬وفي اجلامعة يق������ول‪« :‬إنها‬ ‫غ ّيرت رأيي في األدب ومذهبي في النقد التغيير‬ ‫كل������ه»‪ ،‬وجتلت له خطوط املنه������ج اجلديد‪ ،‬وذلك‬ ‫في جعل دراس������ة األديب دراس������ة لعصره وبيئته‪،‬‬ ‫وتصوره في الوقت ذاته من خالل املؤثرات التي‬ ‫يزخر بها عصره‪.‬‬

‫التجديد في صوغ النقد التطبيقي والنظري‬ ‫وأخصر ما يقال في هذه املرحلة‪ ،‬أنها أنتجت‬ ‫أطروحته عن املعري «ذكرى أبي العالء»‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى ما جت ّمع لديه من مفاهيم أولى‪ ،‬أساس������ية‪،‬‬ ‫س������تغدو في مرحلة تالية أكثر نضوجاً وتكام ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫وهي في مجملها تندرج في ست نقاط‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬لم يكن واثقاً من قدرة الدارس���ي��ن‪ ،‬حتى‬ ‫تل������ك الفترة‪ ،‬عل������ى كتابة تاريخ األدب‪ ،‬بس������بب‬ ‫غياب العناصر التكوينية لهذا العمل‪ ،‬وهي ندرة‬ ‫ما أُنتج م������ن حتقيق التراث‪ ،‬والنقص الكبير في‬ ‫الدراسات اللغوية والفقهية واملعاجم التاريخية‪.‬‬ ‫‪ - 2‬ض������رورة التيق������ن م������ن ج ّل املس������لّمات‬ ‫السياسية‪.‬‬ ‫‪ - 3‬ض������رورة املزاوجة‪ ،‬عل������ى صعيد النقد‪،‬‬ ‫ب���ي��ن طريقة الع������رب وأس������اليب املستش������رقني‬

‫سجل طه حسني‪ ،‬في رسالة‬ ‫ّ‬ ‫الدكتوراه األولى في اجلامعة‬ ‫املصرية‪ ،‬بعنوان «ذكرى أبي العالء»‬ ‫(‪ )1914‬أول خطوة في النقد‪،‬‬ ‫فجعلها في النقد التطبيقي‬ ‫‪82‬‬

‫‪9/5/13 1:11:22 PM‬‬

‫املستحدثة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬ال جدوى من احلاج������ز القائم املصطنع‬ ‫بني التاري������خ والنقد والف������ن‪ ،‬فالتاريخ األدبي ال‬ ‫يف ّرق‪ ،‬بس������بب اتس������اعه‪ ،‬بني ما هو نقد وما هو‬ ‫تاريخ‪.‬‬ ‫‪ - 5‬إيالء الدراس������ة الواح������دة ما تتطلبه من‬ ‫اس������تقاللية في منحاها وفي أسلوبها‪ ،‬بحيث ال‬ ‫تكون ‪ -‬بالضرورة ‪ -‬استكماالً لسابقاتها‪ ،‬وبشكل‬ ‫تط������وري‪ ،‬على الرغم من االعتراف بوجود بعض‬ ‫املظاهر املشتركة بني دراسة وأخرى‪.‬‬ ‫‪ - 6‬تعزي������ز مفهوم «املقي������اس األدبي» القائم‬ ‫على فكرة اجلمع بني العلم والفن‪.‬‬ ‫سجل طه حس���ي��ن‪ ،‬في رسالة الدكتوراه‬ ‫لقد ّ‬ ‫األولى في اجلامعة املصرية‪ ،‬بعنوان «ذكرى أبي‬ ‫العالء» (‪ )1914‬أول خط������وة في النقد‪ ،‬فجعلها‬ ‫في النق������د التطبيق������ي‪ ،‬وأول دراس������ة أكادميية‬ ‫متثلت فيه������ا مفاهيم������ه وخصائص������ه الفكرية‪،‬‬ ‫باإلضاف������ة إلى أس������لوبه في الع������رض والتحليل‬ ‫واس������تخالص النتائج‪ ،‬ولن������ا أن نقول‪ ،‬إن مالمح‬ ‫«املقياس األدبي» أخ������ذت طريقها إلى صفحات‬ ‫هذه األطروحة بعلمها وفنها‪ ،‬فقد جعل دراس������ة‬ ‫أبي الع���ل��اء لعصره وبيئته‪ ،‬وتص������ ّور املعري في‬ ‫الوق������ت ذاته من خالل املؤث������رات التي يزخر بها‬ ‫عصره‪« :‬جعلت درس أبي العالء درس������اً لعصره‪،‬‬ ‫واس������تنبطت حياته مما أحاط ب������ه من املؤثرات‪،‬‬ ‫ول������م أعتمد على هذه املؤثرات األجنبية وحدها‪،‬‬ ‫ب������ل اتخذت ش������خصية أبي العالء مص������دراً من‬ ‫مص������ادر البحث‪ ،‬بع������د أن وصلت إل������ى تعيينها‬ ‫وحتقيقها‪ ،‬وعلى ذلك فلس������ت ف������ي هذا الكتاب‬ ‫طبعياً فحس������ب‪ ،‬بل إن طبعي نفسي‪ ،‬أعتمد فيه‬ ‫م������ا تنتج املباحث الطبعي������ة ومباحث علم النفس‬ ‫معاً» (جتديد ذكرى أبي العالء‪ ،‬ص‪.)13‬‬ ‫ثم‪ ،‬هو في هذه األطروحة‪ ،‬يس������وق األشياء‬ ‫ويق ّيده������ا بنظام ص������ارم من اجلب������ر التاريخي‪،‬‬ ‫ف������ـ «احلي������اة االجتماعي������ة إمنا تأخذ أش������كالها‬ ‫املختلفة‪ ،‬وتن������زل منازلها املتباين������ة بتأثير العلل‬ ‫واألسباب‪ ،‬التي ال ميلكها اإلنسان‪ ،‬وال يستطيع‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct80-89.indd 82‬‬


‫لها دفعاً وال اكتس������اباً» (ص‪ ،)19‬ومبقتضى هذه‬ ‫احلتمية فإن «احلادثة التاريخية وكذلك القصيدة‬ ‫الش������عرية‪ ،‬واخلطبة‪ ،‬والرسالة‪ ،‬كل أولئك نسيج‬ ‫من العلل االجتماعي������ة والكونية‪ ،‬يخضع للبحث‬ ‫والتحليل خضوع املادة لعمل الكيمياء» (ص‪.)20‬‬ ‫غير أن هذا املنحى املتش������دد‪ ،‬سيشهد مع قابل‬ ‫األيام‪ ،‬اعتداالً متدرجاً يتسم باحليوية واملرونة‪،‬‬ ‫كم������ا هو احل������ال في كتابي������ه «عثم������ان»‪ ،‬و«علي‬ ‫وبنوه»‪.‬‬ ‫وهو إذ يتوس������ع في جالء مفهوم النقد الذي‬ ‫ينتهجه‪ ،‬وما متيز ب������ه من عقالنية بدت صارمة‬ ‫في «ذكرى أبي العالء»‪ ،‬نراه يعمد إلى قسوة ذات‬ ‫مظهر آخر‪ ،‬يتبدى فيها أثر اإلحس������اس العملي‬ ‫الواقعي‪ ،‬��ذ يقيم نقاش������اً عميقاً «مع أبي العالء‬ ‫في سجنه» (‪ ،)1939‬تنجلي فيه املقاربة الذاتية‬ ‫احلميمة ف������ي التحليل‪ ،‬فمحنة أب������ي العالء‪ ،‬أو‬ ‫لنقل تش������اؤمه‪« ،‬ال مصدر له ف������ي حقيقة األمر‬ ‫إال العجز عن ذوق احلياة‪ ،‬والقصور عن الشعور‬ ‫مبا ميكن أن يكون فيها من جمال وبهجة‪ ..‬ومن‬ ‫نعيم ولذة» (ص‪ .)13‬وهي محنة تصدر عن عدم‬ ‫تالؤم مع الواق������ع الطبيعي واالجتماعي‪ ،‬وهو ما‬ ‫يدفع إلى االجتاه التش������اؤمي‪ ،‬فه������ل كان املعري‬ ‫صاحب فكر وش������عر وانتقاد‪ ،‬وم������ا كان صاحب‬ ‫إصالح وعمل؟ هذا الفصام الذي يلحظه أديبنا‬ ‫بني الفكرة والعمل عن������د املعري‪ ،‬كأني به‪ ،‬مي ّثل‬ ‫طه حس���ي��ن‪ ،‬ذلك الوجه املقابل‪ ،‬الذي ينكر هذا‬ ‫الفص������ام‪ ،‬وينكر الفصل ب���ي��ن التفكير والتدبير‪،‬‬ ‫ويرفض عدم الت���ل��اؤم‪ ،‬وهو ميضي بهدي عقله‬ ‫الص������ارم‪ ،‬وإرادته القوية‪ ،‬في ما نذر نفس������ه له‪.‬‬ ‫فتجربة أديبنا‪ ،‬إذن‪ ،‬تضاد ما كان يعيشه املعري‬ ‫من ع������دم اقتدار على اجلمع ب���ي��ن العقل النافذ‬ ‫وإنف������اذ اإلرادة‪ .‬مبعنى آخر‪ ،‬نح������ن أمام مقاربة‬ ‫نقدي������ة تصدر ع������ن عقل مريد‪ ،‬ن ّف������اذ‪ ،‬ف ّعال‪ ،‬ال‬ ‫يرضى لنفسه ما لم يستطع إليه املعري سبي ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫أما اخلطوة الثانية التي س������جلها طه حسني‬ ‫ف������ي أطروحته عن املعري‪ ،‬فهي تندرج في النقد‬ ‫النظ������ري‪ ،‬املتمث������ل في زعزع������ة أركان «النظرية‬ ‫طه حسني رائد التجديد في درس األدب العربي القدمي‬

‫‪9/5/13 1:11:26 PM‬‬

‫املدرس������ية» عموم������اً‪ ،‬واعتم������اد ذلك ف������ي تأريخ‬ ‫العصر العباس������ي وقس������مته‪ ،‬بوجه خاص‪ .‬فهو‬ ‫ينكر على دارسي األدب (جرجي زيدان‪ ،‬وأحمد‬ ‫اإلس������كندري‪ ،‬وجماع������ة دار العل������وم‪ ،‬مث ً‬ ‫ال) «أن‬ ‫يتخ������ذوا في حتديد العصور‪ ،‬وتق ّيدها بالش������هر‬ ‫والع������ام‪ ،‬كما يصن������ع املؤرخون السياس������يون في‬ ‫توقيت احل������وادث (جتدي������د ذكرى أب������ي العالء‬ ‫ص‪ ،)40‬وه������م في هذا الصني������ع يغفلون الفروق‬ ‫الظاه������رة األثر في اآلداب ح���ي��ن جمعوا‪ ،‬مث ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫بني عصر الديلم وعصر الس������لجوقيني‪ ،‬وهم في‬ ‫هذا الصنيع يسقطون االنحطاط السياسي على‬ ‫النت������اج األدبي‪ ،‬في ذلك العصر‪ ،‬فيحيلونه عصر‬ ‫جم������ود أدبي‪ .‬فالقاعدة الت������ي بنى عليها مؤرخو‬ ‫اآلداب تقس������يمهم للعصر العباس������ي‪ ،‬هي‪ ،‬إذن‪،‬‬ ‫خاطئة من هذا الوجه‪.‬‬ ‫ويضيف مس������تغربا‪« :‬ولعمري إن عصراً ينبغ‬ ‫فيه من الش������عراء ال ّرضي واملتنب������ي وأبو العالء‪،‬‬ ‫ومن الك ّت������اب ابن العميد واب������ن ع ّباد والصابئ‪،‬‬ ‫ومن الفالس������فة الفارابي وابن س������ينا وابن لوقا‪،‬‬ ‫وم������ن األدباء أبوه���ل��ال وابن املرزب������ان واآلمدي‬ ‫واجلرجاني‪ ،‬وم������ن النحويني اب������ن خالويه وابن‬ ‫جن������ي وأب������و عل������ي الفارس������ي والس������يرافي في‬ ‫عص������ر ينبغ فيه ه������ؤالء وغيرهم م������ن أمثالهم‪،‬‬ ‫وم������ن املؤرخني واجلغرافي���ي��ن والفلكيني‪ ،‬خلليق‬ ‫أن يك������ون عصر رقي ونهض������ة‪ ،‬ال عصر ضعف‬ ‫وانحط������اط في العل������وم واآلداب» (جتديد ذكرى‬ ‫أب������ي العالء‪ ،‬ص‪ .)40‬وجلي أن طه حس���ي��ن‪ ،‬في‬ ‫هذين النقدي������ن‪ :‬التطبيقي والنظ������ري يُعلي من‬ ‫ش������أن «الظاهرة األدبية»‪ ،‬ويُعن������ى بتاريخها‪ ،‬في‬ ‫آن‪ ،‬ش������ريطة أن تكون الظاهرة األدبية أص ً‬ ‫ال في‬ ‫ذاتها‪ ،‬أوالً‪ ،‬ثم قد تتصل أو تقترن هذه الظاهرة‬ ‫بحدث سياسي‪ ،‬أو اجتماعي‪ ،‬أو بيئي‪ ،‬فينتج من‬ ‫هذا االتص������ال أو االقتران ما قد يكون تأثيراً أو‬ ‫تأث������راً‪ ،‬يتجلى في األث������ر أو الظاهرة‪ ،‬وهذا أمر‬ ‫يق ّر ب������ه الدرس األدبي‪ ،‬طاملا بق������ي متحرراً من‬ ‫إسقاط املس������لمات أو األفكار املطلقة السائدة‪،‬‬ ‫عليه‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫‪oct80-89.indd 83‬‬


‫عــام طــه حســني‬ ‫هذا النقد اله������ادف إلى زعزع������ة «النظرية‬ ‫املدرس������ية»‪ ،‬والدع������وة إلى محو آثارها‪ ،‬س������وف‬ ‫يعنف كثيراً في كتاب «في األدب اجلاهلي»‪ ،‬لكن‬ ‫اإلنصاف في بيان ظهور هذا االجتاه في الدرس‬ ‫األدبي‪ ،‬يقتضي‪ ،‬منا أن نذ ّكر مبا ظهر من مالمحه‬ ‫في دروس حسن توفيق العدل (‪،)1904 - 1862‬‬ ‫وأحمد علي ضي������ف (‪ )1945 - 1880‬في كتابه‬ ‫«مقدم������ة لدرس بالغة الع������رب» الذي قدم رؤية‬ ‫نقدية لعالقة األدب باملجتم������ع‪ ،‬وجعل مصطلح‬ ‫«الص������ورة» إش������ارة إلى ما يعكس ق������درة األديب‬ ‫ّي��� الواقع وتصويره‪ ،‬واعتب������ر «التمثيل»‬ ‫على تب �� نّ‬ ‫فع ً‬ ‫ال يشير إلى انعكاس األبعاد االجتماعية التي‬ ‫ينطوي عليها العمل اإلبداعي‪.‬‬

‫مسألة التجديد في «حديث األربعاء»‬ ‫قدم طه حس���ي��ن‪ ،‬في كتابه «حديث األربعاء»‬ ‫ّ‬ ‫(ثالثة أجزاء‪ ،‬نش������رت على التوال������ي‪ ،‬في العام‬ ‫‪ )1945 ،1926 ،1925‬مجموع������ة دراس������ات‪،‬‬ ‫لها تقني������ة املقاالت‪ ،‬وما كان������ت تقتضيه أحوال‬ ‫الصحف اليومية واألس������بوعية‪ ،‬في ذلك الوقت‪.‬‬ ‫وهي مقاالت تعنى بش������عراء من اجلاهلية وصدر‬ ‫اإلس���ل��ام‪ ،‬والعصرين األموي والعباسي‪ ،‬إضافة‬ ‫إل������ى بعض األدباء احملدث���ي��ن‪ .‬وقد ص ّرح املؤلف‬ ‫باملقدمة بأن فصول هذا الكتاب ليست متصلة‪،‬‬ ‫وال ملتئمة‪ ،‬وال تخضع للفكرة املتحدة‪ .‬لكن روح‬ ‫الكاتب فيه������ا واضح بينّ ‪ ،‬ومذهب������ه فيها ظاهر‬

‫محنة أبي العالء‪ ،‬أو لنقل تشاؤمه‪،‬‬ ‫«ال مصدر له في حقيقة األمر إال‬ ‫العجز عن ذوق احلياة‪ ،‬والقصور عن‬ ‫الشعور مبا ميكن أن يكون فيها من‬ ‫جمال وبهجة‪ ..‬ومن نعيم ولذة»‬

‫‪84‬‬

‫‪9/5/13 1:11:28 PM‬‬

‫جلي‪ ،‬فهو يثير مس������ألة تأري������خ األدب‪ ،‬وطريقة‬ ‫التقليديني في تبويب وحتقيب النتاج األدبي‪ .‬وهو‬ ‫يسجل ثانية وبش������دة حتفظه جتاه هذا التقسيم‬ ‫السياس������ي لألدب‪ ،‬باعتب������اره «ال يكفي لتصنيف‬ ‫الشعراء»‪ ،‬فالظاهرة األدبية ‪ -‬برأيه ‪ -‬متتد في‬ ‫الواق������ع‪ ،‬ال في تلك العصور السياس������ية‪ .‬ثم هو‬ ‫يس������تأنف احلديث عن مسألة «اجلبر التاريخي»‬ ‫أو «متثيل الش������اعر لعصره» أو «متثيل الش������اعر‬ ‫لبيئته»‪.‬‬ ‫أم������ا املس������ألة األولى‪ ،‬الت������ي أث������ارت جدالً‬ ‫جدي������داً‪ ،‬في هذا الكتاب‪ ،‬فهي مس������ألة ما نحله‬ ‫القصاص في شعر العذريني‪ ،‬وعنى بهم مجنون‬ ‫ليلى‪ ،‬وقيس ب������ن ذريح‪ ،‬وعروة بن حزام‪ ،‬وجميل‬ ‫ب������ن معم������ر‪ .‬فقد أنكر م������ا تكلفه ال������رواة حتلية‬ ‫لقصصهم وتزييناً له������ا‪ ،‬وتعلي ً‬ ‫ال ملا ورد فيها من‬ ‫أخبار‪ .‬وقد زعم أن هؤالء الشعراء الغزليني‪ ،‬في‬ ‫العص������ر األموي‪ ،‬بني اثنتني‪ :‬إم������ا أن يكونوا أثراً‬ ‫من آث������ار اخليال قد اخترعهم اختراعاً‪ ،‬وإما أال‬ ‫تكون لهم شخصية بارزة وال خطر عظيم‪ ،‬وإمنا‬ ‫ّ‬ ‫عظم اخليال أمرهم‪ ،‬وأضاف إليهم ما لم يقولوا‬ ‫وم������ا لم يعلم������وا‪ ،‬واخترع حوله������م من القصص‬ ‫ألوان������اً وأش������كاالً له������م ف������ي األدب العربي هذا‬ ‫الش������أن العظيم الذي ال يكاد يقوم على ش������يء‪.‬‬ ‫وه������و يزعم «أن هذه الطائفة من الش������عراء‪ ..‬لم‬ ‫يكن لهم في تاريخ األدب العربي من الش������أن ما‬ ‫يظنه الن������اس إل������ى اآلن» (‪ ،)170/1‬ثم يخلص‪،‬‬ ‫مس������تدركاً وموضحاً‪ ،‬أنه ال ينك������ر وجود هؤالء‪،‬‬ ‫ولكن������ه يزع������م «أن هذه األخبار الت������ي تروى عن‬ ‫(حب هؤالء) مصنوعة متكلفة في أكثر األحيان‪،‬‬ ‫وأن تكلفه������ا أح������دث‪ ..‬فناً نثري������اً جديداً هو فن‬ ‫القصص الغرامي» (‪ .)188 - 187/1‬ما قدمته‬ ‫ه������ذه النظرة النقدية‪ ،‬يتكش������ف عن ثالث أفكار‬ ‫جديدة‪ ،‬فهي توجه الدارس إلى نهج التحقق في‬ ‫املرويات وروزها روزاً دقيقاً‪ ،‬وهي تريد أن تقيم‬ ‫مكان تلك الطائفة من الشعراء الغزليني‪ ،‬أشياء‪،‬‬ ‫ال أش������خاصاً‪ ،‬وهي حتيل ما روي عنهم إلى فن‬ ‫القصص الغرامي‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct80-89.indd 84‬‬


‫وفي س������ياق الوصل في حديث األفكار الذي‬ ‫أث������اره أديبنا حول الغ������زل البدوي ف������ي العصر‬ ‫وضاح‬ ‫األموي‪ ،‬ن������راه يص ّعد في الش������ك ليطول ّ‬ ‫اليم������ن‪ُ ،‬م َس������ ِّفها افتتان «بعض أس������اتذة األدب‬ ‫احملدثني» مم������ن ُفنت به‪« ،‬حتى خُ ِّي������ل إليهم أنه‬ ‫اخترع الشعر التمثيلي وأضافه إلى تراثنا األدبي‬ ‫الق������دمي» (‪ .)228/1‬ث������م هو يش������ك ف������ي وجود‬ ‫هذا الش������اعر «ش������ ّكاً قوياً»‪ ،‬ويعتقد أن اليمانية‬ ‫وضاحاً وش������عره‪ ،‬حت������ى ال يقال إنها‬ ‫«اخترعت» ّ‬ ‫خلت من ش������اعر غزل في اإلس���ل��ام‪ ،‬وهو يزعم‬ ‫أن الذي أنشأه إمنا هو «ناظم جاهل‪ ،‬ال حظ له‬ ‫من قوة‪ ،‬وال نصيب له من فن‪ ،‬في القرن الثالث‬ ‫وضاح‬ ‫أو الراب������ع للهجرة»‪ ،‬ويخل������ص إلى أن أمر ّ‬ ‫هذا «كله نكر في نكر‪ ،‬فش������خصه موضوع شك‬ ‫وش������عره منحول‪ ،‬وأخباره متكلفة» (‪ .)234/1‬ما‬ ‫وضاح‬ ‫يشار إليه هنا‪ ،‬أن هذا الشك في شخص ّ‬ ‫اليمن وش������عره‪ ،‬الذي كتبه طه حس���ي��ن في العام‬ ‫‪ ،1924‬ستتس������ع دائرته‪ ،‬في العام ‪ ،1926‬ليغدو‬ ‫ش ّكاً بعيد الداللة وخطير الشأن‪ ،‬في كتابه «في‬ ‫الشعر اجلاهلي»‪.‬‬ ‫ولعل أب������رز مقالة ل������ه في مس������ألة القدماء‬ ‫واحملدثني‪ ،‬ما كان قد نشره في «السياسة» (‪31‬‬ ‫كانون الثاني ‪ /‬يناير ‪ ،)1923‬إذ يتساءل‪ ،‬أو يأخذ‬ ‫نفس������ه في حوار ذاتي‪« :‬إالم تقصد إذا عرضت‬ ‫لشاعر من الشعراء وأردت أن تقرأ شعره وتفهمه‬ ‫ثم تنقده؟ فأجاب مضمناً قصده ثالثة أش������ياء‪:‬‬ ‫األول‪ :‬أن تصل إلى ش������خصية الشاعر‪ ،‬فتفهمها‬ ‫وحتيط بدقائق نفس������ه ما استطعت‪ ،‬والثاني‪ :‬أن‬ ‫تتخذ هذه الش������خصية وم������ا يؤلفها من عواطف‬ ‫وميول وأهواء‪ ،‬وسيلة إلى فهم العصر الذي عاش‬ ‫فيه هذا الش������اعر‪ ،‬والبيئة الت������ي خضع لها هذا‬ ‫الشاعر‪ ،‬واجلنسية التي جنم منها هذا الشاعر‪،‬‬ ‫فأنت ال تقصد إلى فهم الش������اعر لنفسه‪ ،‬وإمنا‬ ‫تقصد إلى فهم الش������اعر من حيث هو صورة من‬ ‫ص������ور اجلماعة التي يعي������ش فيها‪ ...‬فأبو نواس‬ ‫وحده ال يعنيك‪ ،‬وإمنا يعنيك أبو نواس من حيث‬ ‫إنه كان يعيش‪ ،‬فالشاعر ليس شاعراً‪ ،‬ألنه يقول‬ ‫طه حسني رائد التجديد في درس األدب العربي القدمي‬

‫‪9/5/13 1:11:31 PM‬‬

‫فيحس������ن‪ ،‬وإمنا هو شاعر ألن قوله احلسن هذا‬ ‫ميثل عواطف الذين يسمعونه ويقرأونه‪ ،‬والثالث‪:‬‬ ‫هو اللذة الفنية حني تقرأ الش������عر وحتاول نقده»‬ ‫(‪.)52 - 51/2‬‬ ‫فالنص‪ ،‬على إيجازه‪ ،‬يرس������م إطاراً للمجال‬ ‫النق������دي الذي أراده طه حس���ي��ن‪ ،‬في مس������تقبل‬ ‫دراس������اته‪ ،‬وه������و ن������ص يحم������ل تص������وراً للنقد‬ ‫ووظيفته‪ ،‬يشي بعناصر جديدة من ثقافة الغرب‬ ‫وفك������ره األدبي‪ ،‬لكن الن������ص‪ ،‬باملقابل‪ ،‬ال ينتصر‬ ‫ملق������االت أذاعه������ا أديبنا في الن������اس‪ ،‬كان يذهب‬ ‫فيها إل������ى احلكم أن أبا ن������واس ومن في طبقته‬ ‫أو على شاكلته من الش������عراء كانوا مثاالً صادقاً‬ ‫للعصر الذي عاش������وا فيه‪ ،‬وأن الرشيد واملأمون‬ ‫ذهبا من الش������ك واالس������تمتاع باللذائذ في ذلك‬ ‫العص������ر مذهب أبي نواس وأضرابه من ش������عراء‬ ‫املجون‪ ،‬وهو حكم‪ ،‬أقل م������ا يقال فيه أنه يحتاج‬ ‫إلى متحيص‪ ،‬وتيقن‪ ،‬وعدم إطالق احلكم‪ ،‬وهي‬ ‫ويلح‬ ‫األفكار ذاتها الت������ي كان ي ُوصي بها‪ ،‬أديبنا‪ّ ،‬‬ ‫في تطبيقها‪.‬‬ ‫ثم‪ ،‬هو يؤكد في عدد من املقاالت‪ ،‬ما يعتقده‬ ‫في العصر العباسي‪ ،‬فهو ‪ -‬عنده ‪ -‬عصر انتقال‬ ‫وامتزاج بني األجن������اس والثقافات‪ ،‬وفي ظنه أن‬ ‫مثل هذا االمتزاج‪ ،‬هو ما جعل من القرن الثالث‬ ‫مس������رحاً للجديد في الشعر‪ ،‬ثم يتخذ من ظهور‬ ‫شعراء جدد كأبي متام وابن املعتز وابن الرومي‪،‬‬ ‫وظهور غيره������م من العلماء والفالس������فة‪ ،‬دلي ً‬ ‫ال‬ ‫على أن حياة القرن الثاني بكل ما اشتملت عليه‬ ‫اجلد‪،‬‬ ‫ق������د انتهت‪ ،‬ليب������دأ عصر جدي������د‪ ،‬قوامه‬ ‫ّ‬ ‫فقد حت ّول الش������عراء في ه������ذا القرن من رجال‬ ‫يحفلون باملجون واخلالع������ة‪ ،‬إلى رجال يحفلون‬ ‫بالثقافة‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فليس من سبيل إلى أن نفهم‬ ‫من طبائعهم وأذواقهم في الش������عر إال إذا فهمنا‬ ‫ه������ذه الثقافات (العربية واليونانية والفارس������ية)‬ ‫التي تأثر بها هؤالء‪.‬‬ ‫أما مس������ائل‪ :‬النحل في الش������عر‪ ،‬ومدرس������ة‬ ‫زهير الفنية‪ ،‬وتعريف األدب والش������عر‪ ،‬مما كان‬ ‫قد أثاره طه حس���ي��ن في «حديث األربعاء»‪ ،‬وعاد‬

‫‪85‬‬

‫‪oct80-89.indd 85‬‬


‫عــام طــه حســني‬ ‫فأدرج������ه في كتابه «ف������ي األدب اجلاهلي»‪ ،‬فقد‬ ‫آثرنا درسه‪ ،‬في مكانه التأريخي‪ ،‬أي سنة صدور‬ ‫كتاب «في الش������عر اجلاهلي» (‪ ،)1924‬ثم معدالً‬ ‫«في األدب اجلاهلي» (‪ ،)1926‬وذلك لس������ببني‪،‬‬ ‫األول‪ :‬احملافظ������ة عل������ى تدرج ص������دور النظرية‪،‬‬ ‫والثان������ي‪ :‬ما جاء من تأس������يس لألحكام في تلك‬ ‫املسائل‪.‬‬

‫ف ��ي «األدب اجل��اه��ل��ي» أو زوب� �ع ��ة اجل ��دل‬ ‫اخلصومة‬ ‫قدم طه حسني‪ ،‬في هذا الكتاب رؤية شاملة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ملش������روع نقدي عربي‪ ،‬بدءا باستخالص تعريف‬ ‫قدم أف������كاراً تؤس������س لتاريخ األدب‬ ‫ل���ل��أدب‪ ،‬ثم ّ‬ ‫عل������ى نح������و منهجي‪ ،‬ينطل������ق فيه م������ن مراجعة‬ ‫جذرية للمسلّمات في األدب‪ ،‬ويشك في «ثوابت‬ ‫األحكام» التي ينقضها العقل واملنطق التاريخي‪،‬‬ ‫ويبني اس������تنتاجه انطالقاً من حق الناقد ومؤرخ‬ ‫األدب‪ ،‬غير املشروط‪ ،‬بحرية البحث‪.‬‬ ‫وه������و يفتتح كتابه بنقد ح������اد للمذهب الذي‬ ‫كان قائماً في درس األدب مبصر‪ ،‬في مدرس������ة‬ ‫القض������اء‪ ،‬ودار العل������وم‪ ،‬وفي امل������دارس الثانوية‬ ‫كلها‪ ،‬ذلك «اخلليط» الذي يس������مونه «أدب اللغة‬ ‫العربية» حيناً‪ ،‬و«تاريخ أدب اللغة العربية» حيناً‬ ‫آخ������ر (ص‪ ،)8‬ثم هو «يزع������م» أن دار العلوم قد‬ ‫أصبحت ال تصلح ملا يُطلب إليها اآلن من إعداد‬ ‫أس������اتذة لتعليم اللغة العربي������ة وآدابها‪« ،‬فليعدل‬

‫وضاح‬ ‫نراه‬ ‫يصعد في الشك ليطول ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫اليمن‪ُ ،‬م َسفها افتتان «بعض أساتذة‬ ‫األدب احملدثني» ممن ُفنت به ثم‬ ‫هو يشك في وجود هذا الشاعر «شكّ ًا‬ ‫قوي ًا»‪ ،‬ويعتقد أن اليمانية‬ ‫وضاح ًا وشعره‬ ‫«اخترعت» ّ‬ ‫‪86‬‬

‫‪9/5/13 1:11:34 PM‬‬

‫عنها إلى املعهدين اللذين يس������تطيعان أن ينهضا‬ ‫بهذا العبء‪ ،‬وهما مدرس������ة املعلمني‪ ،‬واجلامعة»‬ ‫(ص‪.)18‬‬ ‫أما ما أراده في تعريف الشعر العربي‪ ،‬ففيه‬ ‫ما ه������و قائم على عناصر ال خ���ل��اف عليها‪ :‬من‬ ‫ضرورة أن يكون موزوناً‪ ،‬ومقيداً بقافية ما‪ ،‬وأن‬ ‫تتحقق فيه اجلودة الفنية للفظ الذي يتألف منه‪،‬‬ ‫وأن يكون املعنى جيداً ش������ريفاً قيماً‪ ،‬وفيه ما هو‬ ‫قائم على عناصر خالفية‪ :‬مثل اعتماد الش������عر‬ ‫على اخلي������ال‪ ،‬أو اعتماده عل������ى احلق واملقياس‬ ‫الذي يقاس به اجلمال الش������عري‪ .‬ثم هو يشير‪،‬‬ ‫في تصنيف متذوقي الش������عر‪ ،‬ونقاد األدب‪ ،‬إلى‬ ‫م������ا يرت������اح إليه‪ ،‬مم������ن يقفون من هذا الش������عر‬ ‫موقف القصد واإلنصاف واالعتدال‪« :‬وهؤالء ال‬ ‫يزدرون األدب العربي القدمي‪ ،‬ولكنهم ال يكتفون‬ ‫ب������ه‪ ،‬وإمنا يقبلونه على أنه قد أدى ما كان ينبغي‬ ‫أن يؤدي في عصوره املختلفة‪ ،‬ويريدون مع ذلك‬ ‫أن يكون لهم أدب مالئم للعصر الذي يعيش������ون‬ ‫في������ه‪( .‬ص‪ .)316‬وف������ق هذه الرؤي������ة‪ ،‬يكون لكل‬ ‫ش������عر جيد ناحيتان مختلفتان‪ ،‬فه������و من ناحية‬ ‫مظه������ر من مظاهر اجلمال الفن������ي املطلق‪ ،‬وهو‬ ‫موجه إلى الناس جميعاً‪ ،‬مؤثر‬ ‫م������ن هذه الناحية ّ‬ ‫في الناس جميعاً‪ ،‬ولكن بش������رط أن يعدوا لفهمه‬ ‫وتذوقه‪ ،‬وهو من ناحية أخرى مرآة متثل في قوة‬ ‫أو ضعف شخصية الشاعر وبيئته وعصره‪ ،‬وهو‬ ‫من هذه الناحية متصل بزمانه ومكانه‪.‬‬

‫ضر الشعرية‬ ‫استكشاف مدرسة ُم َ‬

‫قدم أديبنا‪ ،‬في الفصل اخلامس‪ ،‬بحثاً نقدياً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في������ه من اجلدة ما يس������تحق العناي������ة به‪ ،‬فتحت‬ ‫عنوان «الش������عر املضري والنَّحل»‪ ،‬استصوب طه‬ ‫حس���ي��ن البحث عن الش������عر اجلاهلي من حيث‬ ‫املدارس التي أنش������أت هؤالء الش������عراء‪ ،‬مبعنى‬ ‫أنه ال ينبغي أن نبحث عن الش������عر اجلاهلي من‬ ‫حيث ش������خصية الش������عراء الذين يضاف إليهم‪،‬‬ ‫وهو يعتقد أنه استكش������ف مدرس������ة مضرية‪ ،‬لها‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct80-89.indd 86‬‬


‫خصائ������ص فنية‪ ،‬وأنه ميك������ن أن يقوم ذلك على اهتمام ودراسات ق ّيمة‪ ،‬كما هو حالها في كتابي‬ ‫«مقي������اس علمي مر ّكب»‪ ،‬إذ نعتم������د على اللفظ د‪.‬ش������وقي ضيف‪« :‬الف������ن ومذاهبه في الش������عر‬ ‫واملعنى وعلى أشياء أخرى فنية وتاريخية‪ ،‬ويكون العربي»‪ ،‬و«الفن ومذاهبه في النثر العربي»‪.‬‬ ‫لنا من مجموع هذه األش������ياء كله������ا ما ميكن أن‬ ‫نستخلصه مقياساً يق ّرب إلينا صواب الرأي في مسألة الشك‬ ‫الش������عر املضري‪ ،‬أو بعب������ارة أصح في طائفة من‬ ‫م ّهد طه حسني ملس������ألة الشك‪ ،‬محور كتابه‬ ‫�����جل فيها‬ ‫هذا الشعر املضري اجلاهلي‪ ،‬فاملراد هو الظفر «ف������ي األدب اجلاهل������ي» مبقدم������ة س� ّ‬ ‫بخصائص مشتركة للشعراء‪ ،‬ال للرواة‪ ،‬كي نرجح تصميمه عل������ى دخول ما يكتنف ه������ذه النظرية‬ ‫أن لش������عر هذه الطائفة نصيباً من الصحة‪ ،‬أما من صع������اب‪ ،‬واحتجاج الس������اخطني عليه‪ ،‬وأنه‬ ‫الش������عر موضوع هذا البحث االس������تقصائي فهو لن يكترث ب������ازورار املزور‪ ،‬لكن ه������ذا البحث ‪-‬‬ ‫ش������عر زهير‪ ،‬وأوس بن حجر واحلطيئة والنابغة النظرية ‪ -‬سيرضي‪ ،‬برأيه‪« ،‬هذه الطائفة القليلة‬ ‫من املس������تنيرين الذين هم في حقيقة األمر عدة‬ ‫وكعب بن زهير‪.‬‬ ‫وجلي أن املؤ ّلف يثير نقاشاً حول تأريخ األدب املس������تقبل وقوام النهضة وذخر األدب اجلديد»‬ ‫ٌّ‬ ‫باملذهب الفني‪ ،‬وهي مدرسة عرفت بذورها عند (ص‪.)61‬‬ ‫أما عنوان هذا املدخل النقدي العسير‪ ،‬فهو‬ ‫القدامى م������ن مؤرخي األدب‪ ،‬م������ن ذلك ما جاء‬ ‫ّ‬ ‫«املوشح» وابن رشيق في «أن الكثرة املطلقة مما نس������ميه األدب اجلاهلي‬ ‫عند املرزباني في كتابه‬ ‫«العم������دة»‪ ،‬وكان لها عند بعض احملدثني رعاية‪ ،‬ليست من اجلاهلية في شيء‪ ،‬وإمنا هي منحولة‬ ‫من ذلك ما جاء في «الوس������يلة األدبية إلى العلوم بعد ظهور اإلس���ل��ام‪ ،‬فهي إس���ل��امية متثل حياة‬ ‫العربية» (الصادر ف������ي جزأين بني عامي ‪ 1872‬املس������لمني وميوله������م وأهواءهم أكث������ر ��ما متثل‬ ‫و‪ )1879‬للشيخ حس���ي��ن املرصفي‪ ،‬وفي محاولة حي������اة اجلاهليني‪ ،‬وال أكاد أش������ك في أن ما بقي‬ ‫روحي اخلالدي‪ ،‬في «كت������اب فيكتور هيغو وعلم م������ن األدب اجلاهلي الصحيح قليل جداً ال ميثل‬ ‫األدب عند الفرجن والع������رب» (‪ ،)1904‬وكان لها ش������يئاً‪ ،‬وال يدل على ش������يء‪ ،‬وال ينبغي االعتماد‬ ‫في النقد األجنبي‪ ،‬أيضاً‪ ،‬حظ موفور‪.‬‬ ‫علي������ه في اس������تخراج الص������ورة الصحيحة لهذا‬ ‫وأبرز ما يراه أديبنا مشتركاً في شعر «مدرسة العصر اجلاهلي» (ص‪.)65‬‬ ‫ثم ميضي ُقدماً في منهجه هذا إلى نحو آخر‬ ‫زهي������ر الفنية» هو اخليال املادي‪ ،‬ش������ديد التأثر‬ ‫باحل������س‪ ،‬واتخاذ الش������عر حرف������ة وصناعة وفناً من البحث‪ ،‬ذلك هو البحث الفني واللغوي‪ .‬وقد‬ ‫يُدرس ويُتعلَّم‪ ،‬ويُنشئه صاحبه إنشاء‪ ،‬ويف ّكر فيه انتهى به األمر إلى اعتبار الش������عر الذي يُنس������ب‬ ‫تفكيراً‪ ،‬ويقضي في إنشائه والتفكير فيه الوقت إلى امرئ القيس أو إلى األعشى أو إلى غيرهما‬ ‫م������ن الش������عراء اجلاهليني ال ميكن م������ن الوجهة‬ ‫غير القصير‪.‬‬ ‫فاجلديد ف������ي ما بحثه أديبن������ا‪ ،‬هنا‪ ،‬يتبدى اللغوية والفنية أن يكون لهؤالء الش������عراء‪ ،‬وال أن‬ ‫في تس������ليط الضوء على «املدرس������ة األوس������ية»‪ ،‬يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن الكرمي‪.‬‬ ‫أو كما أس� � ��ماها «املدرس� � ��ة الزهيري� � ��ة»‪ ،‬فيحدد ‪« -‬نعم! وسينتهي بنا هذا البحث إلى نتيجة غريبة‪،‬‬ ‫بوضوح ‪ -‬أسس� � ��ها‪ ،‬وأعالمها‪ ،‬بعيداً عما ش� � ��هدناه وهي أنه ال ينبغي أن يُستش������هد بهذا الشعر على‬ ‫عن� � ��د األقدمني من تلميح وتلجلج‪ ،‬ثم هو ينقلها إلى تفس������ير القرآن وتأويل احلديث‪ ،‬وإمنا ينبغي أن‬ ‫نقد تطبيقي‪ ،‬مما جعلها مدرس������ة قائمة بذاتها‪ ،‬يستش������هد بالقرآن واحلديث على تفس������ير هذا‬ ‫يتعلمها اجلي������ل التالي‪ ،‬ويط ّورها‪ ،‬فتصبح محور الشعر وتأويله»‪.‬‬ ‫طه حسني رائد التجديد في درس األدب العربي القدمي‬

‫‪9/5/13 1:11:37 PM‬‬

‫‪87‬‬

‫‪oct80-89.indd 87‬‬


‫عــام طــه حســني‬ ‫ويضي������ف‪« :‬أريد أن أقول إن هذه األش������عار‬ ‫ال تثبت ش������يئاً وال تدل على شيء‪ ،‬وال ينبغي أن‬ ‫تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن‬ ‫واحلديث‪ .‬فه������ي إمنا تكلّفت واخترعت اختراعاً‬ ‫ليستش������هد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن‬ ‫يستشهدوا عليه» (ص‪.)67‬‬ ‫وه������و يصطنع في ه������ذا النحو م������ن الدرس‬ ‫املنهج الفلسفي الذي استحدثه «ديكارت» للبحث‬ ‫عن حقائق األشياء في أول هذا العصر احلديث‬ ‫(ص‪ .)67‬وه������و يعزو ظهور هذا النحل إلى أربعة‬ ‫أسباب رئيسية‪:‬‬ ‫‪ - 1‬العصبي� � ��ة‪ ،‬وم� � ��ا يتص� � ��ل بها م� � ��ن املنافع‬ ‫السياس� � ��ية‪ .‬ويبني على تس� � ��جيل ذل� � ��ك‪« ،‬قاعدة‬ ‫علمية»‪ ،‬وهي أن مؤرخ اآلداب مضطر‪ ،‬حيث يقرأ‬ ‫الش� � ��عر الذي يس� � ��مى جاهلياً أن يشك في صحته‬ ‫كلما رأى ش� � ��يئاً من شأنه تقوية العصبية‪ ،‬أو تأييد‬ ‫فريق من العرب على فريق‪ .‬ويجب أن يش� � ��تد هذا‬ ‫الش� � ��ك كلما كانت القبيلة أو العصبية التي يؤيدها‬ ‫هذا الش� � ��عر ق� � ��د لعبت ‪ -‬كما يقول� � ��ون ‪ -‬دوراً في‬ ‫احلياة السياسية للمسلمني (ص‪.)132‬‬ ‫‪ - 2‬تأثي� � ��ر العواطف الديني� � ��ة على اختالفها‬ ‫وتن� � ��وع أغراضه� � ��ا‪ ،‬وهو يظن «من ثم‪ ،‬أن الش� � ��عر‬ ‫الذي يس� � ��مى جاهلياً مقسم بني السياسة والدين»‬ ‫(ص‪.)147‬‬ ‫‪ - 3‬م� � ��ا يوجه فن القصص ال� � ��ذي أزهر أيام‬ ‫بني أمية وصدراً من أيام بني العباس‪ ،‬فقد اجتهد‬

‫«نعم! وسينتهي بنا هذا البحث إلى‬ ‫نتيجة غريبة‪ ،‬وهي أنه ال ينبغي أن‬ ‫ُيستشهد بهذا الشعر على تفسير‬ ‫القرآن وتأويل احلديث‪ ،‬وإمنا ينبغي‬ ‫أن يستشهد بالقرآن واحلديث على‬ ‫تفسير هذا الشعر وتأويله»‬ ‫‪88‬‬

‫‪9/5/13 1:11:40 PM‬‬

‫والقصاص بتكثير الش� � ��عر الذي يحتاجون‬ ‫ال� � ��رواة‬ ‫ّ‬ ‫إليه لتزدان به قصصهم من ناحية‪ ،‬وليستس� � ��يغها‬ ‫القراء والسامعون من ناحية أخرى (ص‪.)154‬‬ ‫‪ - 4‬ما نحله الش� � ��عوبيون من أخبار وأش� � ��عار‬ ‫وأضافوه� � ��ا إل� � ��ى اجلاهليني واإلس� �ل��اميني‪ ،‬ذكراً‬ ‫ملآثر الفرس‪ ،‬وما كان لهم من س� � ��لطان ومجد في‬ ‫اجلاهلية‪ ،‬وباملقاب� � ��ل ما كان العرب مضطرين إلى‬ ‫أن يجيبوا بلون من النحل أو تز ّيد الش� � ��عر‪ ،‬في ما‬ ‫يش� � ��به هذا اللون‪ ،‬فيذكرون مآثر العرب‪ ،‬وما كان‬ ‫لهم من مواقف وأيام مجيدة‪ ،‬تصدوا فيها للفرس‬ ‫(‪.)165‬‬ ‫وال يرى طه حس� �ي��ن أن ه� � ��ذه الظاهرة األدبية‬ ‫مقص� � ��ورة على العرب‪ ،‬وإمنا تتجاوزها إلى غيرها‬ ‫من األمم القدمية‪ ،‬فه� � ��ذه العوارض التي عرضت‬ ‫حلي� � ��اة العرب «مش� � ��بهة للع� � ��وارض التي عرضت‬ ‫حلياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة» (‪.)114‬‬ ‫وأبرز ما اتس� � ��م به ه� � ��ذا الكتاب‪ ،‬عدا اخلروج‬ ‫ع� � ��ن املأل� � ��وف‪ ،‬وإع� � ��ادة النظر في امل� � ��وروث‪ ،‬في‬ ‫ض� � ��وء مناهج البحث اجلديدة‪ ،‬هو رفض املذهبني‬ ‫النقيضني‪ :‬إثبات الش� � ��عر اجلاهلي على أنه شعر‬ ‫ق� � ��دمي تاريخ� � ��ي قال ب� � ��ه أصحابه‪ ،‬كل� � ��ه صحيح‪،‬‬ ‫باس� � ��تثناء بعض النقود‪ ،‬ونفي الشعر القدمي على‬ ‫أنه كله منتحل‪ ،‬ال صحيح فيه‪ ،‬ومن دون أن يش� � ��ير‬ ‫املؤلف إلى احملدثني الغربيني‪ ،‬خاصة مرغوليوث‪.‬‬ ‫وجعل احلقيقة وس� � ��طاً بني املذهب� �ي��ن عن طريق‬ ‫الشك‪ ،‬وهي أن معظم الشعر القدمي منتحل‪ ،‬وأقله‬ ‫صحي� � ��ح‪ ،‬وهو بهذا يكون ق� � ��د التزم طريق البحث‬ ‫واالستقصاء‪.‬‬ ‫وعلينا أن نتساءل‪ :‬إلى أي درجة‪ ،‬استغرق هذا‬ ‫الكتاب املنه� � ��ج الديكارتي؟ وهل ه� � ��و نهج توليفي‬ ‫مركب من استرجاع البن سالم‪ ،‬والشك في الشعر‬ ‫اجلاهلي بأن قريشاً كانت أقل شعراً في اجلاهلية‪،‬‬ ‫فاضط� � ��رت إلى أن تكون أكث� � ��ر العرب انتحاالً في‬ ‫اإلس� �ل��ام؟ أو أنه اس� � ��تئناف ملا كان قد فطن إليه‬ ‫مصطفى صادق الرافعي من س� � ��بب القصص في‬ ‫انتحال الشعر؟ أو أنه تكرار لالستشراق في القرن‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct80-89.indd 88‬‬


‫التاسع عشر الذي يش� � ��كك في الصحة التاريخية‬ ‫للنصوص في العهدي� � ��ن القدمي واجلديد‪ ،‬بل وفي‬ ‫الت� � ��راث اليوناني الق� � ��دمي‪ ،‬وكان قد ع ّبر عن ذلك‬ ‫مقال مرغوليوث الشهير عن الشعر اجلاهلي؟ إن‬ ‫ما هو أقرب إلى ذلك كله أن املنهج املستعمل ليس‬ ‫منهج الش� � ��ك الديكارتي‪ ،‬بل ه� � ��و املنهج التاريخي‬ ‫املقارن في دراس� � ��ة األدب العربي الذي يقوم على‬ ‫اتصال العرب بباقي الشعوب‪.‬‬ ‫أم� � ��ا ردود الفع� � ��ل على هذا الكت� � ��اب‪ ،‬فتمثلت‬ ‫في كت� � ��ب ومقاالت وس� � ��جال حفلت ب� � ��ه الندوات‬ ‫والصح� � ��ف‪ ..‬وه� � ��ي جميع � � �اً زادت م� � ��ن ذيوع أمر‬ ‫الكت� � ��اب‪ ،‬بطبعتيه األصلي� � ��ة واملعدلة‪ ،‬وكان قد بلغ‬ ‫أثر ذلك كله النيابة والقضاء واجلمعية التشريعية‪.‬‬ ‫م� � ��ا يذكر هنا‪ ،‬أن رئيس النيابة بدا ناقداً أدبياً من‬ ‫ط� � ��راز جيد‪ ،‬فجاء قرار احلكم أش� � ��به بالدراس� � ��ة‬ ‫النقدي� � ��ة‪ ،‬ال بقرار احملكمة‪ .‬ويب� � ��دأ هكذا‪« :‬نحن‬ ‫محمد ن� � ��ور رئيس نيابة مصر من حيث إنه بتاريخ‬ ‫‪ 30‬مايو س� � ��نة ‪ 1926‬تق� � ��دم بالغ (‪ ،)...‬ثم يخلص‬ ‫بع� � ��د احليثيات إلى القول‪« :‬وحي� � ��ث إنه مما تقدم‬ ‫يتض� � ��ح أن غرض املؤل� � ��ف لم يكن مج� � ��رد الطعن‬ ‫والتعدي على الدين بل إن العبارات املاسة بالدين‬ ‫التي أوردها ف� � ��ي بعض املواضع من كتابه إمنا قد‬ ‫أوردها في س� � ��بيل البحث العلمي‪ ،‬مع اعتقاده أن‬ ‫بحثه يقتضيها‪ ،‬وحي� � ��ث إنه من ذلك يكون القصد‬ ‫اجلنائي غير متوافر‪ ،‬فلذلك حتفظ األوراق إداريا‪.‬‬ ‫«القاهرة» في ‪ 30‬مارس س� � ��نة ‪ ،1927‬محمد نور‬ ‫رئيس نيابة مصر»‪.‬‬ ‫لكن زوبعة الكتاب‪ ،‬وعنف الرد عليه‪ ،‬جعال من‬ ‫هذا احلدث الفكري مادة ثقافية خالفية‪ ،‬سرعان‬ ‫م� � ��ا تلقفها الق� � ��راء في مص� � ��ر والوط� � ��ن العربي‪،‬‬ ‫وانقسموا بني متحمس له‪ ،‬ومنكر ما جاء فيه‪ ،‬لكن‬ ‫أيا ال ينكر أن هذا الكتاب قد هز املشاعر والعقول‬ ‫ه� � ��زاً عنيفاً‪ ،‬وحرك بقوة الرك� � ��ود الذي كان غالباً‬ ‫على احلياة العقلية ف� � ��ي تناولها أدبنا القدمي‪ .‬وال‬ ‫أحد ينكر أن كتاب «في األدب اجلاهلي» معلم في‬ ‫تاري� � ��خ النقد العربي‪ ،‬مبا حمل من دعوة ثورية إلى‬ ‫طه حسني رائد التجديد في درس األدب العربي القدمي‬

‫‪9/5/13 1:11:43 PM‬‬

‫منهج متكامل في الدرب األدبي‪ .‬وقد خلصها طه‬ ‫حسني بقوله‪« :‬يجب أن ننس� � ��ى عواطفنا القومية‬ ‫وكل مشخصاتها‪ ،‬وأن ننسى عواطفنا الدينية وكل‬ ‫ما يتصل بها وأن ننس� � ��ى م� � ��ا يضاد هذه العواطف‬ ‫القومية والدينية‪ ،‬يجب أال نتقيد بشيء وال نذعن‬ ‫لشيء إال ملناهج البحث العلمي الصحيح»‪.‬‬ ‫ف� � ��ي اخلتام‪ ،‬بقدر م� � ��ا لقي أديبن� � ��ا من خصومة‬ ‫ورف� � ��ض واتهام بامل� � ��روق الدين� � ��ي‪ ،‬كان باملقابل يلقى‬ ‫مؤيدين ومناصرين‪ ،‬فقد أنشد إليه وإلى مؤلفاته خلق‬ ‫من املثقفني كثير ملا وجدوا فيه من الش� � ��عور الصادق‬ ‫باملسئولية نحو مواطنيه‪ ،‬وأدركوا أنه يريد أن يع ّرفهم‬ ‫على األجن� � ��اس األدبية التي ذاعت في األدب الغربي‪،‬‬ ‫قدميه (اإلغريقي مث ً‬ ‫ال) وحديثه (والسيما الفرنسي)‪،‬‬ ‫وأن يقدم لهم كذلك ق� � ��راءة جديدة في تأريخ األدب‪،‬‬ ‫ومقياس� � ��ه األدبي املعتمد في ذلك‪ ،‬واهتمامه الشديد‬ ‫بالنقد التطبيقي‪ ،‬القائم على اجلمع بني العلم والفن‪،‬‬ ‫إذ اخت� � ��ط نهجاً مبتك� � ��راً‪ ،‬فيه م� � ��ن العلمية ما يتصل‬ ‫مبوضوع الدراس� � ��ة األدبية (دراسة نصوص شعرية أو‬ ‫نثرية‪ ،‬أو دراس� � ��ة أديب‪ ،‬أو ظاه� � ��رة أدبية) بالفحص‬ ‫والتحري والتحقق‪ ،‬واستنباط الدالال��‪ ،‬مقرونا ذلك‬ ‫بدقة التفسير والتعليل والتحليل‪ ،‬واإلحاطة بالظروف‬ ‫الت� � ��ي أثرت في منش� � ��ئيها‪ ،‬م� � ��ع بيان م� � ��ا بينهم وبني‬ ‫محيطه� � ��م وعصورهم من صالت‪ ،‬وفيه من الفنية ما‬ ‫يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها‪،‬‬ ‫وما حُتدث في نفس الق� � ��ارئ من متعة وفائدة ورغبة‬ ‫في التزي� � ��د‪ ،‬وهو ما يحيل التاري� � ��خ األدبي إلى عمل‬ ‫يل ّذ العقل والش� � ��عور‪ ،‬ومن ثم تتب� � ��دى ‪ -‬من خالله ‪-‬‬ ‫خصائص امل� � ��ؤرخ األدبي‪ ،‬العقلي� � ��ة‪ ،‬وملكاته‪ ،‬وقدرته‬ ‫على طرافة العرض والتصوير‪ ،‬حتى لكأننا بإزاء عمل‬ ‫فن� � ��ي رائع‪ .‬وكان أديبنا يدرك في هذا الربط‪ ،‬ما بني‬ ‫العلمي� � ��ة والفنية‪ ،‬دور اللغة‪ ،‬من حيث الصرف والنحو‬ ‫والبيان‪ ،‬وإبالغية األسلوب املشوق‪ ،‬مع ما ينبغي لهذا‬ ‫كل� � ��ه من احلس املرهف والذوق املهذب‪ ،‬بحيث تتجلى‬ ‫ش� � ��خصية الناقد في ما ينثر من أح� � ��كام وآراء‪ ،‬وفي‬ ‫م� � ��ا يص ّور من مواطن اجلمال الفني في اآلثار األدبية‬ ‫املختلفة >‬

‫‪89‬‬

‫‪oct80-89.indd 89‬‬


‫شـعـ ــر‬

‫ومتردي‬ ‫ُف ِّكي يدي‪..‬‬ ‫َّ‬

‫أحمد صالح كامل*‬

‫ُف ِّكي يدي‬ ‫إنِّي انتظر ُت ِك َ‬ ‫عام‬ ‫ألف ٍ‬ ‫الرو َح في ُك ِّل ُ‬ ‫وف‬ ‫احل ُر ِ‬ ‫كي تعيدي ُّ‬ ‫ني قصائدي‬ ‫وتَنفُ خي في النَّار ب َ‬ ‫ُف ِّكي يدي‬ ‫العش ِق‬ ‫لو َي ْع َلمونَ شواهدي في ْ‬ ‫اجلديدة‪..‬‬ ‫اللغة‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫في الص َّب ِاح‪ ..‬وفي املساء‬ ‫وحد‪ ..‬أن ِْت ُك ُّل شواهدي‬ ‫وفي التَّ ُّ‬ ‫ُف ِّكي يدي‬ ‫َ‬ ‫األحالم‬ ‫أجمل‬ ‫يا‬ ‫ِ‬ ‫عمرا ُي َضفِّ ُر بني ُعمري‬ ‫يا ً‬ ‫يا حيا ًة في حياتي تغتدي‬ ‫ومتردي‬ ‫ُف ِّكي يدي‪َّ ..‬‬ ‫عمرا‬ ‫ُ‬ ‫راهنت ً‬ ‫األشواق‬ ‫أنَّ وج َه ِك ُم ْر َس ٌل بنبوءة‬ ‫ِ‬ ‫في ِّ‬ ‫العصور‬ ‫كل‬ ‫ِ‬ ‫دائما يزهو‪..‬‬ ‫وأَنَّ ُح ْسنَك ً‬ ‫مبنقَضي‬ ‫وليس ُ‬ ‫َ‬ ‫وجهك‬ ‫بعشيق‬ ‫َف َت َر َّفقي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫عينيه‬ ‫عينيك من‬ ‫ق ِّربي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫يكتشف النبوءةَ‪َ ..‬يهتدي‬ ‫ُف ِّكي يدي‬ ‫القصيدة في املساءِ يلفُّ ني‬ ‫ال َتتْركي وج َع‬ ‫ِ‬ ‫أشاطرك البها َء‬ ‫أن‬ ‫لي ْ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫نورك طاقتي‬ ‫فيض ِ‬ ‫وأحتسي من ِ‬ ‫ْ‬ ‫أوج َه نحو شعرك‬ ‫لي ْ‬ ‫أن ِّ‬ ‫َّ‬ ‫النسيم قوافلي وقصائدي‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫لي أن أع ِّر َج فوق أطباق السماءِ‬ ‫َّ‬ ‫فؤادك‪ ..‬أط ُل ُب اللقيا‬ ‫على‬ ‫ِ‬ ‫راق‬ ‫َفتُ ْهت َُك كل أستار الفُ ِ‬ ‫ً‬ ‫فراشة‬ ‫فيك‬ ‫وأص َط ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫هر النَّدي‬ ‫َع ِشق َْت‬ ‫جمال الفجر‪ ..‬والزَّ ِ‬ ‫ُف ِّكي يدي‬ ‫ُ‬ ‫عنك‬ ‫الزلت‬ ‫ُ‬ ‫أبحث ِ‬ ‫في ِّ‬ ‫احلروف‬ ‫كل‬ ‫ِ‬ ‫عطرك جنّتي‬ ‫ضوع‬ ‫ِ‬ ‫وأصطفي في ِ‬ ‫يا َ‬ ‫األسماءِ ‪ ..‬يا َع َبقَ‬ ‫الوجود‬ ‫ِ‬ ‫أول ْ‬ ‫وموعدي >‬

‫* شاعر من مصر‬

‫‪90‬‬

‫‪9/5/13 1:11:59 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 90-91.indd 90‬‬


‫ومتردي‬ ‫ُفكِّ ي يدي‪َّ ..‬‬

‫‪9/5/13 1:12:03 PM‬‬

‫‪91‬‬

‫‪oct 90-91.indd 91‬‬


‫شخصيات‬

‫دوية‪..‬‬ ‫الع َّ‬ ‫رابعة َ‬

‫أضواء على سيرتها ونهجها الصوفي‬ ‫ٌ‬ ‫د‪.‬إميل خوري*‬ ‫هي أش ��هر العابدات والناس ��كات املتصوفات في تاريخ الزهد والتصوف اإلس�ل�اميني‪ ،‬يستهل‬ ‫فريد الدين العطار كالمه عنها في كتابه «تذكرة األولياء» بالقول‪« :‬إنها ذات اخلدر اخلاص‬ ‫املس ��تور بس ��تر اإلخالص‪ ،‬املتقدة بنار العش ��ق واالش ��تياق‪ ،‬املتحرقة إلى القرب واالحتراق‪،‬‬ ‫الفاني ��ة ف ��ي الوص ��ال‪ ،‬املقبولة عند الرج ��ال‪ ،‬كأنها مرمي ثاني ��ة‪ ،‬صافية صفي ��ة‪ ،‬إنها رابعة‬ ‫العدوية»‪.‬‬ ‫يق������ول عبدالرحمن ب������دوي في كتابه‬ ‫«ش������هيدة العش������ق اإلله������ي رابع������ة‬ ‫العدوية»‪« :‬ليس لنا ‪ -‬ويا لألس������ف ‪-‬‬ ‫عن حياتها من الوثائق ما يسمح بتأريخ تطورها‬ ‫الروح������ي على نحو مفصل أو ش������به مفصل‪ ،‬إن‬ ‫مؤرخ التصوف اإلس���ل��امي ال يكاد ميلك وثيقة‬ ‫واح������دة عن س������يرة رابعة يس������تطيع االطمئنان‬ ‫إليها‪ ،‬وما يزيد األمر اختالطاً بالنسبة لسيرتها‬ ‫أن لها سمية أخرى‪ ،‬متصوفة بدورها‪ ،‬معاصرة‬ ‫لها تقريبا‪ ،‬هي رابعة (الشامية) زوجة أحمد بن‬ ‫أبي احلواري‪.‬‬ ‫ونح������ن ال نكاد نعلم عن حي������اة رابعة األولى‬ ‫ونشأتها إال ما رواه العطار في «تذكرة األولياء»‪،‬‬ ‫والعطار ‪ -‬كما يقول بدوي ‪ -‬رجل جامح اخليال‪،‬‬ ‫ال ميك������ن أن يُطمأن الى أقواله إال بعد أن تتأيد‬ ‫من املص������ادر األخرى‪ .‬يق������ول العطار‪ :‬حكي أن‬ ‫الليلة التي ول������دت فيها رابعة لم يكن يوجد في‬ ‫بيت أبيها ش������يء من املال واملأكول ألنه كان مقل‬ ‫احل������ال إلى غاية ما يك������ون‪ ،‬إلى حد ما كان لهم‬ ‫ش������يء من الدهن يدهنونها به‪ ،‬وال زيت مصباح‬

‫* أكادميي من لبنان‬

‫‪92‬‬

‫‪9/5/13 1:12:24 PM‬‬

‫يشعل‪ ،‬وال خرقة يلفونها بها‪ ،‬وكان له ثالث بنات‪،‬‬ ‫ولهذا سماها رابعة‪ ،‬فلما كبرت توفي والداها‪،‬‬ ‫وتفرقت أخواتها عنها‪ ،‬ووقع في البصرة قحط‬ ‫عظيم‪ ،‬فرآها ظالم أسرها وباعها بستة دراهم‬ ‫لرجل كان يستخدمها باملشقة والتعب‪.‬‬ ‫غير أنه ما لبث أن أعتقها‪ ،‬وقيل إنها صارت‬ ‫مطرب������ة‪ ،‬ثم تابت على يد احلس������ن البصري ‪-‬‬ ‫علما بأن مس������ألة لقائها باحلسن أمر مستبعد‬ ‫على الرغم من أن العطار يشير إلى هذا اللقاء‬ ‫أكث������ر من م������رة ‪ -‬واتخذت صومع������ة في مغارة‬ ‫بعيدة عن الناس‪.‬‬ ‫وفي رواية ابن خل������كان أنها كانت موالة آلل‬ ‫عتيك‪ ،‬وهم بط������ن من بطون قيس‪ ،‬ولهذا أطلق‬ ‫عليها اجلاحظ‪ ،‬وهو أقدم مصادرنا عنها‪ ،‬اسم‬ ‫رابعة القيس������ية‪ ،‬ومن آل عتيك بنو عدوة‪ ،‬ولهذا‬ ‫تسمى أيضا رابعة العدوية‪.‬‬ ‫ويرى عبدالرحمن ب������دوي أن نقطة التحول‬ ‫احلاس������مة في حياة رابعة الروحية هي احلادثة‬ ‫التي يرويها العطار والت������ي يذكر فيها أن رابعة‬ ‫بينما كانت تسير ذات يوم تبعها رجل فهربت منه‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 92-99.indd 92‬‬


‫رابعة العدوية‪ ..‬أضواء على سيرتها ونهجها الصوفي‬

‫‪9/5/13 1:12:30 PM‬‬

‫‪93‬‬

‫‪oct 92-99.indd 93‬‬


‫فسقطت على األرض وانخلعت يدها‪ ،‬فوضعت‬ ‫خدها عل������ى األرض وقالت مناجي������ة ربها‪ :‬إني‬ ‫ضعيفة غريبة ال أب لي وال أم‪ ،‬أس������ير حتت يد‬ ‫ظالم وأنا راضية بجميعها‪ ،‬لكن همي الكبير أن‬ ‫أراض عني أم ال؟ فس������معت صوتاً يقول‬ ‫أعرف‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫لها‪ :‬يا رابعة ال تغتمي‪ ،‬فإن لك جاهاً يوم القيامة‬ ‫يغبط������ك عليه املقربون من أهل الس������ماوات‪ ،‬ثم‬ ‫رجعت إلى بيت سيدها‪ ،‬فكانت تخدمه‪ ،‬وتصوم‬ ‫النهار‪ ،‬وتقوم الليل تصلي ساهرة على قدميها‪.‬‬ ‫وذات ليلة رآها سيدها ساجدة تصلي قائلة‪:‬‬ ‫إلهي‪ ،‬تعلم أن هوى قلبي على موافقتك وامتثال‬ ‫أم������رك‪ ،‬ورضاي في خدمة ب������اب عظمتك‪ ،‬وإن‬ ‫كان أمري بيدي ما فترت عن اخلدمة والعبودية‬ ‫وال اس������ترحت‪ ،‬ولكنك جعلتني حتت يد مخلوق‪،‬‬ ‫وبينما كانت التزال تصلي رأى س������يدها قندي ً‬ ‫ال‬ ‫معلقا فوق رأس������ها بال سلسلة‪ ،‬وكان النور ميأل‬ ‫البيت كله‪ ،‬فلما اطلع السيد على حالها تف َّكر في‬ ‫أمره‪ ،‬وملا أصبح دعا رابعة فأكرمها وأعتقها‪.‬‬ ‫عن������د ه������ذا املنعطف يذهب خي������ال البعض‬ ‫بعي������دا‪ ،‬فيفترض أن رابعة مل������ا أُعتقت اندفعت‪،‬‬ ‫بفض������ل احلرية التي ُو ِهبتها‪ ،‬إلى املش������اركة في‬ ‫حياة الدنيا‪ ،‬فانطلقت تس������عى لرزقها‪ ،‬فلم جتد‬ ‫غير حرفة العزف على الناي والغناء‪.‬‬ ‫ويحتم������ل أن تك������ون إبان ه������ذه احلقبة قد‬ ‫اندفعت ‪ -‬كما يفترض عبدالرحمن بدوي ‪ -‬في‬ ‫طريق الشهوات إلى مدى بعيد‪« .‬ويُ َخ َّيل إلينا ‪-‬‬ ‫كما يستطرد بدوي ‪ -‬أنها قطعت شوطا طويال‬ ‫ف������ي طريق اإلث������م‪ ،‬ولكن ه������ذه «االفتراضات»‬ ‫و«التخيالت» تبقى مجردة من أي دليل يؤكدها‪،‬‬ ‫وعليه فإن املماثلة التي يقيمها بدوي بني منحنى‬ ‫حي������اة رابعة ومنحنى احلياة لدى أغس������طينوس‬ ‫(‪430 - 354‬م)‪ ،‬ولدى الناسكة اإلسبانية تريزا‬ ‫اآلبلي������ة (‪1582 - 1515‬م) تبق������ى هي األخرى‬ ‫بال دليل‪ ،‬إذ هل ميكننا اعتبار العبارة الصغيرة‬ ‫ الت������ي ذكر فيها العط������ار أن رابعة‪ ،‬بعد عتقها‬‫«صارت مطربة ثم تابت» ‪ -‬دليال كافيا للتقرير‬ ‫أن هذه الفترة من حياتها تش������به تلك الفترة من‬ ‫حياة تريزا املمتدة من مغادرتها لدير التجس������د‬ ‫ف������ي آبال إلى س������نة ‪ 1555‬حني ب������دأت حياتها‬ ‫الثانية؟ وهل إذا ما جاز لنا االفتراض أن عنف‬

‫‪94‬‬

‫‪9/5/13 1:12:42 PM‬‬

‫احلي������اة التقية ل������دى أوغس������طينوس كان الزما‬ ‫لعنف احلياة احلس������ية التي عاشها قبل حتوله‬ ‫إلى اإلميان‪ ،‬هل يكون من اجلائز كذلك إسقاط‬ ‫هذا االفتراض على س������يرة رابع������ة والقول إنها‬ ‫أوغلت في طريق الش������هوة اجلامحة ما وسعها‬ ‫اإليغال؟‬ ‫أما رابعة فترد التوبة إلى املش������يئة واللطف‬ ‫اإللهيني‪ ،‬يروي القش������يري في ب������اب التوبة من‬ ‫«رس������الته» أن رج���ل��ا قال لرابع������ة‪« :‬إني أكثرت‬ ‫علي؟‬ ‫من الذنوب واملعاصي‪ ،‬فلو تبت هل يتوب ّ‬ ‫فقال������ت‪ :‬ال‪ ،‬بل لو تاب عليك لتبت»‪ ،‬مس������تعيدة‬ ‫بذل������ك اآلية ُ‬ ‫�اب َع َل ْي ِه � ْ�م ِل َيتُ و ُبوا}(التوبة‪:‬‬ ‫{ث َّم َت � َ‬ ‫‪ ،)118‬علم������ا بأنه������ا كانت دائمة القلق بش������أن‬ ‫توبتها‪ ،‬فهي ال تدري ما إذا كانت توبتها مقبولة‬ ‫م������ن الله أم ال‪ ،‬وبهذا يفس������ر قولها الذي أورده‬ ‫الكالب������اذي ف������ي كتاب������ه «التع������رف ملذهب أهل‬ ‫التصوف»‪« :‬أس������تغفر الله م������ن قلة صدقي في‬ ‫قولي أس������تغفر الله»‪ ،‬وهذا القول أورده املناوي‬ ‫ف������ي كتابه «الكواكب الدرية في تراجم الس������ادة‬ ‫الصوفية»‪ ،‬بصيغة قريبة‪« :���استغفارنا يحتاج إلى‬ ‫استغفار لعدم الصدق فيه»‪.‬‬

‫عهد التنقل في حياة رابعة‬

‫ب������دأ هذا العهد ملا ذهبت إل������ى احلج‪ ،‬علما‬ ‫ب������أن الوثائق ال تكش������ف لنا مت������ى مت ذلك وكم‬ ‫كان عمره������ا‪ ،‬عالوة عل������ى أن الروايات املتعلقة‬ ‫بحجه������ا‪ ،‬والت������ي ينقلها العط������ار‪ ،‬تبالغ في ذكر‬ ‫الكرامات التي وقعت عل������ى يديها‪ ،‬مثل ما رواه‬ ‫العطار م������ن أنها ارحتلت ذات ي������وم إلى الكعبة‬ ‫وكان معه������ا حم������ار ح ّملته متاعه������ا‪ ،‬فلما بلغت‬ ‫نصف الطريق نفق حمارها‪ ،‬وأراد بعض الناس‬ ‫أن يحملوا أثقالها فما رضيت‪ ،‬وقالت لهم‪ :‬أنتم‬ ‫اذهبوا فإني ما جئ������ت متوكلة عليكم‪ ،‬فارحتلت‬ ‫القافلة وبقيت رابعة في البادية منفردة‪ ،‬قالت‪:‬‬ ‫إله������ي! أكذا يفعل املل������وك بعبيده������م الضعفاء‬ ‫العاجزي������ن؟ لقد دعوتني إلى زي������ارة بيتك‪ ،‬وها‬ ‫أن������ت ذا تدع حماري ينفق في الطريق‪ ،‬وتدعني‬ ‫ف������ي الفيافي وحيدة‪ ،‬فما أمت������ت هذه الكلمات‬ ‫حتى نهض احلمار مليئا باحلياة‪ ،‬فوضعت عليه‬ ‫متاعها وحلقت بالقافلة‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 92-99.indd 94‬‬


‫وفي رواية أخرى‪ ،‬للعط������ار أيضا‪ ،‬أن رابعة‬ ‫رجعت (من احلج) إلى البصرة‪ ،‬واشتغلت هناك‬ ‫بعبادة الله تعالى س������نة‪ ،‬وملا جاء موس������م احلج‬ ‫نقل الش������يخ أبو علي الفارم������ذي (‪477 - 407‬‬ ‫ه������ـ) أنها قصدت الكعبة ثاني������ة‪ ،‬ودخلت البادية‬ ‫فكانت تتقل������ب على جنبيها ف������ي الطريق حتى‬ ‫بلغت عرفات بعد س������بع سنني‪ ،‬ويفترض ‪ -‬بناء‬ ‫على هذه الرواي������ة ‪ -‬أن رابعة قد انصرفت عن‬ ‫اتخاذ املطايا ف������ي طريقها إلى احلج‪ ،‬لكن هذا‬ ‫يجب أن يُنسب إلى مرحلة متأخرة ملا أن دخلت‬ ‫في دور الزهادة الكاملة‪.‬‬

‫معالم الطريق الصوفي عند رابعة‬

‫‪ - 1‬التهجد وقيام الليل‪:‬‬ ‫كل املصادر جتمع على أنها كانت تقوم الليل‬ ‫كله‪ ،‬يقول ابن اجلوزي في كتابه «صفة الصفوة»‬ ‫في كالم منقول عن عبدة بنت أبي ش ّوال‪ ،‬وكانت‬ ‫م������ن خير إماء الله تعال������ى‪ ،‬وكانت تخدم رابعة‪،‬‬ ‫قالت «عبدة»‪ :‬كانت رابعة تصلي الليل كله‪ ،‬فإذا‬ ‫طل������ع الفجر هجعت في مصالها هجعة خفيفة‬ ‫حتى يس������فر الفج������ر‪ ،‬فكنت أس������معها تقول إذا‬ ‫وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة‪ :‬يا نفس كم‬ ‫تنامني! وإلى كم تقومني؟ يوشك أن تنامي نومة‬ ‫ال تقومني منها إال لصرخة يوم النش������ور‪ ،‬قالت‪:‬‬ ‫فكان هذا دأبها حتى ماتت‪.‬‬ ‫ويقول الس������راج في «مصارع العش������اق» بعد‬ ‫سلس������لة من األس������انيد تنتهي عند مس������مع بن‬ ‫عاصم قال «مس������مع»‪« :‬قالت لي رابعة العدوية‪:‬‬ ‫«اعتللت عل������ة قطعتني عن التهجد وقيام الليل‪،‬‬ ‫فمكث������ت أياما أقرأ جزئ������ي إذا ارتفع النهار‪ ،‬ملا‬ ‫يذكر فيه إنه يعدل بقيام الليل‪ ،‬قالت‪ :‬ثم رزقني‬ ‫الله‪ ،‬عز وج������ل‪ ،‬العافي������ة‪ ،‬فاعتادتني فترة في‬ ‫عقب العلة‪ ،‬وكنت قد س������كنت إلى قراءة جزئي‬ ‫بالنهار‪ ،‬فانقطع عني قيام الليل»‪.‬‬ ‫ويتاب������ع الس������راج روايت������ه فيذك������ر أن رابعة‬ ‫رأت ف������ي املنام على إثر ذل������ك حلما مغزاه أنها‬ ‫بانقطاعها عن قيام اللي������ل جرت عليها غضب‬ ‫الس������ماء وكادت تفقد به������ذا ما حصلته من قبل‬ ‫بتهجده������ا‪ ،‬وله������ذا أقبلت عليه������ا احلورية التي‬ ‫رافقتها في جتوالها في اجلنة إبان هذه الرؤيا‪،‬‬ ‫رابعة العدوية‪ ..‬أضواء على سيرتها ونهجها الصوفي‬

‫‪9/5/13 1:12:44 PM‬‬

‫وقد رأت انصراف الوصفاء عنها‪ ،‬تؤنبها بهذين‬ ‫البيتني‪:‬‬ ‫�ود‬ ‫�اد ُرق� � � � � ُ‬ ‫�ور وال � � �ع � � �ب� � � ُ‬ ‫ص� �ل��ات� � � ِ�ك ن� � � � � ٌ‬ ‫�وم� � � � ِ�ك ِض� � � � � ٌّ�د ل � �ل � �ص �ل�اة ع� �ن� �ي � ُ�د‬ ‫ون� � � � ُ‬ ‫وع� � � ْ�م� � � ُ�ر ِك ُغ � � ْن� � ٌ�م إن َع� �ق� �ل � ِ�ت ومهلةٌ‬ ‫ُ‬ ‫ي � �س � �ي� � ُ�ر وي � �ف � �ن� ��ى دائ� � � �م� � � � ًا وي � �ب � �ي� � ُ�د‬ ‫قال������ت رابع������ة‪« :‬ث������م غابت من ب���ي��ن عيني‪،‬‬ ‫واستيقظت حني تبدى الفجر‪ ،‬فو الله ما ذكرتها‬ ‫فتوهمتها إال طاش عقلي وأنكرت نفس������ي‪ ،‬قال‬ ‫«مسمع»‪ :‬ثم سقطعت رابعة مغشيا عليها»‪.‬‬ ‫وفي الس������ياق عينه يروي الشيخ احلريفيش‬ ‫في كتابه «الروض الفائق في املواعظ والرقائق»‬ ‫عن رابع������ة أنها كانت إذا صلت العش������اء قامت‬ ‫على سطح لها وش������دت عليها درعها وخمارها‬ ‫ثم قالت‪ :‬إله������ي أنارت النج������وم ونامت العيون‬ ‫وغلقت امللوك أبوابها‪ ،‬وخال كل حبيب بحبيبه‪،‬‬ ‫وهذا مقامي ب���ي��ن يديك‪ ،‬ثم تقبل على صالتها‬ ‫فإذا كان وقت السحر وطلع الفجر قالت‪ :‬إلهي‪،‬‬ ‫هذا الليل قد أدبر‪ ،‬وهذ النهار قد أسفر‪ ،‬فليت‬ ‫ش������عري أقبلت مني ليلت������ي فأهن������أ‪ ،‬أم رددتها‬ ‫�����ي فأعزى؟ فوعزتك ه������ذا دأبي ما أحييتني‬ ‫عل� ّ‬ ‫وأعنتني‪ ،‬وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت‬ ‫عنه ملا وقع في قلبي من محبتك‪.‬‬ ‫ويذك������ر أبوالقاس������م النيس������ابوري في كتابه‬ ‫«عق���ل��اء املجان���ي��ن» أن رابع������ة زارت حيون������ة‬ ‫األهوازي������ة‪ ،‬فلم������ا كان جوف اللي������ل حمل رابعة‬ ‫النوم‪ ،‬فقامت إليها حيونة‪ ،‬فركلتها برجلها وهي‬ ‫تقول‪ :‬قومي قد جاء عرس املهتدين‪ ،‬يا من ز ّين‬ ‫عرائس الليل بنور التهجد‪.‬‬ ‫ورابع������ة ‪ -‬وصحبها ‪ -‬في هذا لم تكن تفعل‬ ‫غير ما س������نّه القرآن وأتت به الس������نّة‪ ،‬فاآليات‬ ‫التي حتث على التهجد وقيام الليل عديدة‪ ،‬منها‬ ‫{ َو ِمنَ ال َّل ْي ِل َف َت َه َّج ْد ِب ِه ن َِاف َل ًة َل َك} (اإلسراء‪،)79 :‬‬ ‫اما} (الفرقان‪:‬‬ ‫{ َوال َِّذينَ َي ِبيتُ ونَ ِل َر ِّب ِه ْم ُس � َّ�ج ًدا َو ِق َي ً‬ ‫اس ُج ْد َلهُ َو َس ِّب ْحهُ َل ْيلاً َط ِويلاً }‬ ‫‪َ { ،)64‬و ِمنَ ال َّل ْي ِل َف ْ‬ ‫(اإلنس�� ��ان‪ِ { ،)26 :‬إنَّ َر َّب َك َي ْع َل ُم أَن َ‬ ‫َّك تَقُ و ُم أَ ْدنَى ِم ْن ُث ُل َث ِي‬ ‫ال َّل ْي ِل َو ِن ْص َفهُ َو ُث ُل َثهُ َو َط ِائف ٌَة ِمنَ ال َِّذينَ َم َع َك} (املزمل‪:‬‬ ‫‪َ { ،)20‬ي ْت ُلونَ آَ َي ِات ال َّل ِه آَنَا َء ال َّل ْي ِل َو ُه ْم َي ْس ُج ُدونَ }‬ ‫(آل عم������ران‪ ،)113 :‬واألحادي������ث النبوي������ة التي‬ ‫حت������ض عل������ى التهجد وقي������ام اللي������ل كثيرة هي‬

‫‪95‬‬

‫‪oct 92-99.indd 95‬‬


‫األخرى مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫«عليكم بقيام الليل‪ ،‬فإنه دأب الصاحلني قبلكم‪،‬‬ ‫وقربة إلى ربكم‪ ،‬ومكفرة للس������يئات‪ ،‬ومنهاة عن‬ ‫اإلثم»‪ ،‬وقول عائش������ة إن النب������ي صلى الله عليه‬ ‫وس������لم «كان يقوم حت������ى ّ‬ ‫تفطر قدم������اه»‪ ،‬وقول‬ ‫املغيرة‪« :‬إن النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم أو‬ ‫ليصلي حتى تَرِ َم قدماه ‪ -‬أو ساقاه ‪ -‬فيقال له‪:‬‬ ‫فيقول‪ :‬أفال أكون عبدا شكورا؟»‪.‬‬ ‫‪ - 2‬استذكار املوت‪:‬‬ ‫ه������ي األداة الثانية م������ن أدوات العبادة لدى‬ ‫رابعة بع������د التهجد وقيام اللي������ل‪ ،‬ولهذ اتخذت‬ ‫مشجب قصب طوله قدر ذراعني‪ ،‬عليه أكفانها‪،‬‬ ‫كيما تتأمله على الدوام فتتعظ مبعانيه‪ ،‬وجتتلب‬ ‫أح������وال اخلوف واإلغماء والبكاء‪ ،‬يقول املناوي‪:‬‬ ‫«وكان كفنه������ا لم ي������زل عنده������ا‪ ،‬ويجدون محل‬ ‫سجودها كاملاء املستنقع من كثرة البكاء»‪ ،‬ولقد‬ ‫كان عصرها عصر بكائني‪ ،‬خصوصا أصدقاءها‬ ‫أمثال رياح بن عمرو القيسي الذي «كان إذا دخل‬ ‫املس������جد بكى‪ ،‬وإذا دخل بيته بك������ى‪ ،‬وإذا دخل‬ ‫اجلبانة بك������ى‪ ،‬فيقال له‪ :‬أنت دهرك في مأمت؟‬ ‫فيقول‪ :‬يحق ألهل املصائب والذنوب أن يكونوا‬ ‫هكذا»‪ ،‬وكانت سميتها رابعة الشامية تقول في‬ ‫املنحى نفس������ه ‪ -‬في ما نقله عنها زوجها أحمد‬ ‫بن أب������ي احلواري وأثبته ابن اجلوزي في «صفة‬ ‫الصفوة»‪« :‬ما س������معت األذان إال ذكرت منادي‬ ‫ي������وم القيامة‪ ،‬وما رأيت الثل������ج إال ذكرت تطاير‬ ‫الصحف‪ ،‬وما رأيت اجلراد إال ذكرت احلشر»‪.‬‬ ‫‪ - 3‬موقفها من الزواج‪:‬‬ ‫عاش������ت رابعة في جو يدع������و فيه الصوفية‬ ‫إل������ى التجرد‪ ،‬أي إلى عدم ال������زواج‪ ،‬ألن الزواج‬ ‫يتناف������ى مع الوفاء باحلياة الروحية وما تقتضيه‬ ‫من مجاه������دات‪ ،‬وانقطاع لل������ه‪ ،‬وانصراف عن‬ ‫الدنيا‪ ،‬وإماتة للش������هوات‪ ،‬فها إننا جند احلسن‬ ‫البص������ري‪ ،‬وهو رائ������د حركة الزه������د في ذلك‬ ‫العصر‪ ،‬ال ي������رى الزواج بالنس������بة إلى الزاهد‪،‬‬ ‫بل������ه إلى العبد الصالح‪ ،‬قال‪« :‬إذا أراد الله بعبد‬ ‫خيرا في الدنيا لم يشغله بأهل وال ولد»‪.‬‬ ‫كذلك نرى أبو نعيم في «حلية األولياء» ينقل‬ ‫عن رياح بن عمرو القيسي قوله‪« :‬سمعت مالك‬ ‫ب������ن دينار يقول‪ :‬ال يبلغ الرجل منزلة الصديقني‬

‫‪96‬‬

‫‪9/5/13 1:12:47 PM‬‬

‫حتى يترك زوجته كأنها أرملة»‪.‬‬ ‫ول������م يختلف موقف رابعة عن موقف هؤالء‪،‬‬ ‫ولذل������ك وجدناه������ا حترص على ع������دم الزواج‪،‬‬ ‫فترفض خطب������ة عبدالواحد ب������ن زيد‪ ،‬وخطبة‬ ‫محمد بن س������ليمان الهاش������مي أمي������ر البصرة‬ ‫له������ا‪ ،‬فاخلطبة األولى أش������ار إليها عني القضاة‬ ‫الهمداني (‪ 525 - 490‬هـ) في «شكوى الغريب»‪،‬‬ ‫كما ذكرها الزبيدي في «إحتاف السادة املتقني‬ ‫في شرح إحياء علوم الدين»‪ ،‬يقول عني القضاة‪:‬‬ ‫«وخطبه������ا عبدالواحد بن زيد‪ ،‬مع علو ش������أنه‪،‬‬ ‫فهجرته أياما حتى ش������فع ل������ه إليها إخوانه‪ .‬أما‬ ‫اخلطب������ة الثانية فق������د رواه�� الزبي������دي فقال‪:‬‬ ‫«وخطبه������ا محمد بن س������ليمان الهاش������مي أمير‬ ‫البص������رة على مائة ألف‪ ،‬وقال‪ :‬لي غلة عش������رة‬ ‫آالف في كل ش������هر‪ ،‬أجعلها لك‪ ،‬فكتبت إليه‪ :‬ما‬ ‫يس������رني أنك لي عب������د‪ ،‬وأن كل مالك لي‪ ،‬وأنك‬ ‫شغلتني عن الله طرفة عني»‪ ،‬وروى هذا اخلبر‪،‬‬ ‫عل������ى نحو أكمل‪ ،‬كل من املن������اوي في «الكواكب‬ ‫الدرية» وابن خلكان في «وفيات األعيان»‪.‬‬ ‫أم������ا ما يُحكى ع������ن زواج رابعة فيرجح أنها‬ ‫أسطورة نش������أت عن اخللط بني رابعة الشامية‬ ‫زوج������ة أحمد ب������ن أبي احل������واري وب���ي��ن رابعة‬ ‫البصري������ة العدوي������ة موضوع كالمن������ا‪ ،‬قد روى‬ ‫الش������يخ احلريفيش في «الروض الفائق» أنه ملا‬ ‫مات زوج رابعة العدوية استأذن احلسن البصري‬ ‫في الدخول عليها‪ ،‬ه������و وأصحابه‪ ،‬فأذنت لهم‬ ‫وأرخت سترا وجلست وراءه‪ ،‬فقال لها أصحابه‪:‬‬ ‫إن������ه قد م������ات بعلك والب������د لك م������ن زوج‪ ،‬وقد‬ ‫انقضت عدتك‪ ،‬فاختاري من هؤالء الزهاد من‬ ‫شئت‪ ،‬فقالت‪ :‬نعم‪ ،‬حبا وكرامة‪ ،‬من هو أعلمكم‬ ‫حتى أزوجه نفس������ي؟ قالوا‪ :‬احلس������ن البصري‪،‬‬ ‫فقال������ت ل������ه‪ :‬إن أجبتني عن أربع مس������ائل فأنا‬ ‫لك أهل‪ ،‬فقال لها‪ :‬س������لي أنا أجيبك إن وفقني‬ ‫الله تعالى‪ ،‬قالت‪ :‬ما يقول الفقيه العالم إذا أنا‬ ‫م������ت‪ ،‬هل خرجت من الدنيا مس������لمة أم كافرة؟‬ ‫فقال‪ :‬هذا غيب‪ ،‬والغيب ال يعلمه إال الله تعالى‪.‬‬ ‫قالت‪ :‬فما يقول إن وضعت في القبر‪ ،‬وس������ألني‬ ‫منكر ونكي������ر‪ ،‬أفأقدر على جوابهما أم ال؟ قال‪:‬‬ ‫وهذا أيضا غيب‪ ،‬قالت‪ :‬فإذا ُحش������ر الناس في‬ ‫القيامة وتطايرت الكتب‪ ،‬فيُعطى بعضهم كتابه‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 92-99.indd 96‬‬


‫بيمينه ويُعطى بعضهم كتابه بش������ماله‪ ،‬أفأعطى‬ ‫أنا كتابي بيميني أم بش������مالي؟ قال‪ :‬وهذا أيضا‬ ‫غي������ب‪ ،‬قالت‪ :‬فإذا نودي في اخلالئق‪ ،‬فريق في‬ ‫اجلنة وفريق في الس������عير‪ ،‬فم������ن أي الفريقني‬ ‫أك������ون؟ قال لها‪ :‬وهذا أيض������ا غيب ال يعلمه إال‬ ‫الله‪ ،‬فقالت له‪ :‬ف������إذا كان األمر كذلك وأنا في‬ ‫قلق وكرب من هذه األربع������ة‪ ،‬فكيف أحتاج إلى‬ ‫الزوج وأتفرغ له؟‬ ‫فهذه الرواية التي تثبت أن رابعة كان لها زوج‬ ‫ والتي أوردها العط������ار كذلك ولو بصورة أقل‬‫تفصي���ل��ا من رواية احلريفيش ‪ -‬غير صحيحة‪،‬‬ ‫كما ي������رى الدكت������ور عبدالرحمن ب������دوي‪ ،‬ألنها‬ ‫تتحدث عن احلسن البصري‪ ،‬واحلسن ولد سنة‬ ‫‪ 21‬هـ‪ ،‬وتوفي س������نة ‪ 110‬هـ‪ ،‬في حني أن رابعة‬ ‫ولدت س������نة ‪ 95‬أو ‪ 99‬هـ‪ ،‬وتوفيت سنة ‪ 180‬أو‬ ‫‪ 185‬هـ‪ ،‬ومن املس������تحيل أن يلتقيا في الظروف‬ ‫التي ذكرت في روايتي احلريفيش والعطار‪.‬‬ ‫وكذلك م������ا رواه عبدالرحم������ن اجلامي في‬ ‫كتابه «نفحات األنس»‪ ،‬من أنها كانت إذا طبخت‬ ‫قدرا قالت لزوجها‪« :‬كله يا سيدي فما نضج إال‬ ‫بالتس������بيح»‪ ،‬يُعتبر خبرا خاصا برابعة الشامية‬ ‫زوجة أحمد بن أبي احلواري‪.‬‬ ‫وكذلك ما رواه ابن اجلوزي في كتابه «صفة‬ ‫الصفوة» عن رابعة إذ قالت لزوجها‪« :‬لست أحبك‬ ‫حب األزواج‪ ،‬وإمنا أحبك حب اإلخوان»‪ ،‬هو خبر‬ ‫خاص برابعة زوجة أحمد بن أبي احلواري‪ ،‬وهو‬ ‫ما أشار إليه ابن اجلوزي في روايته‪.‬‬ ‫وعلي������ه‪ ،‬فإن رابعة لم تت������زوج قط‪ ،‬وموقفها‬ ‫من الزواج تع ّبر عنه هذه األبيات املنسوبة إليها‪،‬‬ ‫والواردة في كتاب «الروض الفائق»‪:‬‬ ‫راح � � �ت� � ��ي ي� � ��ا إخ� � ��وت� � ��ي ف� � ��ي خ� �ل ��وت ��ي‬ ‫وح � �ب � �ي � �ب� ��ي دائ� � � �م� � � � ًا ف� � ��ي ح� �ض ��رت ��ي‬ ‫ل� � ��م أج� � � ��د ل� � ��ي ع� � ��ن ه� � � � ��واه ع� ��وض � � ًا‬ ‫وه� � � � � � ��واه ف � � ��ي ال�� � �ب� � ��راي� � ��ا م� �ح� �ن� �ت ��ي‬ ‫ح � �ي � �ث � �م� ��ا ك� � �ن � ��ت أش�� � ��اه�� � ��د ح� �س� �ن ��ه‬ ‫ف� � �ه � ��و م � � �ح� � ��راب� � ��ي إل�� � �ي� � ��ه ق� �ب� �ل� �ت ��ي‬ ‫إن أم� � � ��ت وج � � � � � ��د ًا وم� � � ��ا ث� � ��م رض� ��ا‬ ‫واع� � �ن � ��ائ � ��ي ف � ��ي ال� � � � ��ورى واش � �ق� ��وت� ��ي‬ ‫ي� � ��ا ط� �ب� �ي ��ب ال � �ق � �ل� ��ب ي� � ��ا ك� � ��ل امل� �ن ��ى‬ ‫ج� ��د ب���وص���ل م� �ن ��ك ي��ش��ف��ي مهجتي‬ ‫رابعة العدوية‪ ..‬أضواء على سيرتها ونهجها الصوفي‬

‫‪9/5/13 1:12:50 PM‬‬

‫ي�� � ��ا س � � � � � � ��روري وح � � �ي� � ��ات� � ��ي دائ�� � �م�� � � ًا‬ ‫ن�� �ش� ��أت� ��ي م�� �ن� ��ك وأي� � � �ض� � � � ًا ن� �ش ��وت ��ي‬ ‫ق� ��د ه � �ج� ��رت اخل � �ل� ��ق ج��م��ع��ا أرجت� ��ي‬ ‫م� �ن���ك وص��ل ��ا ف� �ه���و أق � �ص� ��ى منيتي‬ ‫فرابع������ة إذن قد رفضت ال������زواج من منطلق‬ ‫مذهبها في احملبة وزهدها في الدنيا‪.‬‬ ‫‪ - 4‬موقفها من مسألة احلب اإللهي‪:‬‬ ‫تأتي نظرية رابعة ف� � ��ي احلب لتؤيد نظريتها‬ ‫في الزواج‪ ،‬فلقد نذرت رابعة نفس� � ��ها حلب الله‪.‬‬ ‫والواق� � ��ع أن كلمة «ح� � ��ب» أو «محبة» بدت غريبة‬ ‫ملا اس� � ��تعملت ألول مرة ف� � ��ي املصطلح الصوفي‪،‬‬ ‫وفي هذا يقول املستش� � ��رق لويس ماسينيون في‬ ‫كتابه‪« :‬بحث في أصول املصطلح الفني للتصوف‬ ‫اإلسالمي»‪ :‬كان عبدالواحد بن زيد يرى أن كلمة‬ ‫«عشق» هي الوحيدة املعترف بها في التحدث عن‬ ‫الله‪ ،‬وكان يرفض كلمة «محبة» على أس� � ��اس أنها‬ ‫أثر ال يليق من آثار اليهودية واملس� � ��يحية‪ ،‬مستندا‬ ‫َّصا َرى‬ ‫ف� � ��ي ذلك إلى اآلي� � ��ة { َو َقا َل � ِ�ت ا ْل َي ُه � ُ‬ ‫�ود َوالن َ‬ ‫�اء ال َّل � ِ�ه َوأَ ِح َّب ��اؤُ ُه} (املائدة‪ ،)18 :‬مؤمنا‬ ‫ن َْح ��نُ أَ ْب َن � ُ‬ ‫كل االمي� � ��ان بالعش� � ��ق اإللهي‪ ،‬في م� � ��ا مال مالك‬ ‫ب� � ��ن دينار ومضر الق� � ��ارئ وذو النون املصري إلى‬ ‫اللفظ «ش� � ��وق»‪ ،‬بيد أن كلمة «ح� � ��ب» أو «محبة»‬ ‫التي اختارها أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي‬ ‫وجعفر الصادق ورابع� � ��ة العدوية هي التي انتهت‬ ‫بالظف� � ��ر والس� � ��يادة بفض� � ��ل مع� � ��روف الكرخي‬ ‫واحملاسبي‪.‬‬ ‫لكن ال ش������يء يؤكد أن ه������ذا كان بالفعل‬ ‫مذه������ب عبدالواحد ب������ن زيد‪ ،‬والس������يما أن‬ ‫ماس������ينيون ال يورد نصا أو مصدرا يس������تند‬ ‫إليه‪ ،‬عالوة على أن كلمة «حب» قد وردت في‬ ‫القرآن بيانا إلمكان قيام صلة بني الله والعبد‬ ‫في أكثر من آية {يأَ ُّيها الَّ ِذينَ آَ َمنُ وا َم ْن َي ْرت ََّد‬ ‫ين ِه َف َس ْو َ‬ ‫ف َي ْأ ِتي ال َّلهُ ِبقَ ْو ٍم ُي ِح ُّب ُه ْم‬ ‫ِمن ُْك ْم َع ْن ِد ِ‬ ‫َو ُي ِح ُّبو َنهُ أَ ِذلَّ ٍة َع َلى المْ ُؤْ ِم ِن َ‬ ‫ني أَ ِعزَّ ٍة َع َلى ا ْل َك ِاف ِرينَ‬ ‫يل ال َّل ِه} (املائدة‪ُ ،)54 :‬‬ ‫{قلْ‬ ‫ُي َج ِ‬ ‫اه ُدونَ ِفي َس ِب ِ‬ ‫وني ُي ْح ِب ْب ُك ُم ال َّلهُ }‬ ‫ت ُّبونَ ال َّل َه َفات َِّب ُع ِ‬ ‫���م حُ ِ‬ ‫ِإ ْن ُك ْنتُ ْ‬ ‫(آل عمران‪ ،)31 :‬في حني أن لفظ «العشق»‬ ‫ال أث������ر له في القرآن‪ ،‬وم������ا يقال على القرآن‬ ‫يقال كذلك على السنة‪ :‬فاألحاديث التي ورد‬

‫‪97‬‬

‫‪oct 92-99.indd 97‬‬


‫فيه������ا لفظ «احل������ب» عدي������دة‪« :‬إن الله يحب‬ ‫س������مح البيع»‪« ،‬من أحب لق������اء الله أحب الله‬ ‫لق������اءه‪ ،‬ومن لم يحب لقاء الل������ه لم يحب الله‬ ‫لق������اءه»‪« ،‬ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل‬ ‫حتى أحب������ه‪ ،‬فإذا أحببته كنت س������معه الذي‬ ‫يس������مع به‪ ،‬وبصره الذي يبصر به‪ ،‬ويده التي‬ ‫يبطش بها‪ ،‬ورجله التي ميشي بها» (احلديث‬ ‫القدسي)‪« ،‬إذا أحب الله عز وجل العبد قال‬ ‫جلبري������ل‪ :‬يا جبريل‪ ،‬إني أحب فالنا فأحببه‪،‬‬ ‫فيحب������ه جبريل‪ ،‬ث������م ينادي جبري������ل في أهل‬ ‫السماء إن الله تعالى قد أحب فالنا فأحبوه‪،‬‬ ‫فيحبه أهل الس������ماء‪ ،‬ثم يضع له القبول في‬ ‫األرض»‪« ،‬اللهم إني أس������ألك حبك وحب من‬ ‫يحبك»‪ ،‬بينما ال نكاد نعثر على حديث واحد‬ ‫ورد فيه لفظ «العشق»‪.‬‬

‫عشق أم محبة؟‬

‫وفضال عن هذا فإن املعنى اللغوي أدعى‬ ‫إل������ى اتخاذ كلمة «محب������ة» أو «حب» بدال من‬ ‫«عش������ق»‪ ،‬ألن العش������ق اس������م ملا جاوز احلد‬ ‫ف������ي احملب������ة‪ ،‬ف������إذا كان ال يجوز اس������تخدام‬ ‫لف������ظ «محبة»‪ ،‬فكي������ف يجوز اس������تخدام ما‬ ‫فضل عنه������ا وزاد؟ ولهذا جن������د ضياء الدين‬ ‫الكمش������خانوي‪ ،‬ف������ي كتابه «جام������ع األصول‬ ‫ف������ي األولياء وأنواعهم»‪ ،‬يق������ول‪« :‬وال يوصف‬ ‫العبد بالعش������ق لله تعالى ألن العشق مجاوزة‬ ‫احلد ف������ي احملبة»‪ ،‬غير أن اس������تخدام لفظ‬ ‫«عشق» ليس مستبعدا بنظرنا على نحو كلي‪،‬‬ ‫فالغزالي ف������ي كتابه «إحياء علوم الدين» يرى‬ ‫فيه تأكيدا للمحب������ة‪ ،‬ولذلك قال‪« :‬فاعلم أن‬ ‫م������ن عرف الله أحب������ه ال محالة‪ ،‬ومن تأكدت‬ ‫معرفت������ه تأكدت محبته بق������در تأكد معرفته‪،‬‬ ‫واحملبة إذا تأكدت س������ميت عشقا‪ ،‬فال معنى‬ ‫للعشق إال محبة مؤكدة مفرطة‪ ،‬ولذلك قالت‬ ‫العرب إن محمدا قد عشق ربه ملا رأوه يتخلى‬ ‫للعبادة في غار حراء»‪.‬‬ ‫وعليه فإن مفهوم احلب اإللهي الذي أدخلته‬ ‫رابع������ة إلى التصوف اإلس���ل��امي يجب أال ينظر‬ ‫إليه باعتباره غريبا عن اإلسالم أو دخيال عليه‪،‬‬ ‫وأشهر ما نسب إليها في احلب هذه األبيات‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫‪9/5/13 1:12:54 PM‬‬

‫أح � � � � ُّ�ب � � � � َ‬ ‫�ك ح� � � �ب� �ي ��ن‪ :‬ح� � � ��ب ال� � �ه�� ��وى‬ ‫وح � � � � �ب � � � � � ًا ألن�� � � � � ���� أه�� � � � � ��ل ل � � ��ذاك � � ��ا‬ ‫ف� � ��أم� � ��ا ال� � � � � ��ذي ه � � ��و ح � � ��ب ال� � �ه � ��وى‬ ‫ف� �ش� �غ� �ل���ي ب� � ��ذك� � ��رك ع�� �م� ��ن س� ��واك� ��ا‬ ‫وأم�� � � � � � ��ا ال�� � � � � � ��ذي أن� � � � � ��ت أه� � � � � ��ل ل���ه‬ ‫ف� �ك� �ش� �ف ��ك ل� �ل� �ح� �ج ��ب ح � �ت� ��ى أراك� � � ��ا‬ ‫ف �ل��ا احل � �م� ��د ف � ��ي ذا‪ ،‬وال ذاك لي‬ ‫ول � �ك� ��ن ل � ��ك احل � �م� ��د ف � ��ي ذا وذاك � � ��ا‬ ‫ويذك������ر أبوطالب املكي‪ ،‬ف������ي كتابه «قوت‬ ‫القلوب في معرف������ة أحوال احملبوب»‪ ،‬أن أهل‬ ‫البص������رة وغيرهم‪ ،‬ومنهم جعفر بن س������ليمان‬ ‫وس������فيان الثوري وحماد بن زيد وعبدالواحد‬ ‫ب������ن زيد‪ ،‬قد حمل������وا عن رابعة ه������ذه األبيات‬ ‫التي متي������ز فيها بني نوعني م������ن احلب‪ :‬حب‬ ‫الوداد أو الهوى‪ ،‬واحلب اخلالص‪ ،‬فاألول حب‬ ‫ناقص‪ ،‬ومعنى حب الهوى كما يش������رحه املكي‪:‬‬ ‫أي رأيتك فأحببتك عن مش������اهدة اليقني‪ ،‬ال‬ ‫ع������ن خبر وس������مع وتصديق من طري������ق النعم‬ ‫واإلحسان‪ ،‬فتختلف محبتي إذا تغيرت األفعال‬ ‫�����ي‪ ،‬ولكن محبتي عن طريق‬ ‫الختالف ذلك عل� ّ‬ ‫العيان‪ ،‬فقربت منك وهربت إليك‪ ،‬فاش������تغلت‬ ‫بك ملا تفرغت لك وانقطعت عمن سواك‪ .‬وقد‬ ‫تبنى الزبيدي في «احتاد السادة املتقني» شرح‬ ‫املكي ه������ذا إذ قال‪« :‬وقد تكلم صاحب القوت‬ ‫على هذه األبيات بكالم س������اطع األنوار يعرفه‬ ‫من رزقه وينك������ره من حرمه»‪ ،‬من ثم أورد في‬ ‫تعليقه علي ش������رح املكي كالم الش������اعر الذي‬ ‫يشبه كالم رابعة‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ف � � ّ�رغ � ��ت ق� �ل� �ب� �ه ��ا اش�� �ت�� �غ� ��اال ب���ذك���ري‬ ‫وك � � � � � � � ��ذا ك� � � � ��ل ف � � � � � � � ��ارغ م � � �ش � � �غ� � � ُ‬ ‫�ول‬ ‫غير أننا نرى أن احملبة التي هي من طريق‬ ‫العيان‪ ،‬والتي يتحدث عنها املكي‪ ،‬تنطبق على‬ ‫نوع احلب الثاني‪ ،‬أي احلب الذي هو أهل له‪،‬‬ ‫وهو احلب الذي «تنكشف فيه احلجب» فيرى‬ ‫احملب وجه محبوبه‪ ،‬ولذلك قال الغزالي في‬ ‫تعليقه على أبيات رابعة‪« :‬ولعلها أرادت بحب‬ ‫الهوى حب الله إلحسانه إليها وإنعامه عليها‬ ‫بحظوظ العاجلة‪ ،‬وبحبه ملا هو أهل له احلب‬ ‫جلماله وجالله الذي انكش������ف لها وهو أعلى‬ ‫احلبني وأقواهم������ا‪ ،‬ولذة مطالع������ة الربوبية‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 92-99.indd 98‬‬


‫ه������ي التي ع ّبر عنها رس������ول الل������ه صلى الله‬ ‫عليه وس������لم حيث قال حكي������ا عن ربه تعالى‪:‬‬ ‫«أعددت لعب������ادي الصاحلني ما ال عني رأت‬ ‫وال أذن سمعت وال خطر على قلب بشر»‪.‬‬ ‫وف������ي ه������ذه األبيات إش������ارة كذل������ك إلى‬ ‫مق������ام الذكر‪ ،‬وحقيقة الذك������ر هي كما يقول‬ ‫الكالباذي‪« :‬أن تنس������ى ما س������وى املذكور في‬ ‫الذكر»‪ ،‬فهو نس������يان كل ش������يء وذكر ش������يء‬ ‫واحد هو الله‪.‬‬ ‫إن احلب ال������ذي تتحدث عن������ه رابعة هو‬ ‫الهدف من العبادة عندها‪ ،‬ولذلك كانت تقول‬ ‫في دعواتها‪« :‬إلهي إذا كنت أعبدك خوفاً من‬ ‫نارك فأحرقني بها‪ ،‬وإذا كنت أعبدك طمعاً‬ ‫بجنتك فاحرمنيها‪ ،‬أما إذا كنت أعبدك حباً‬ ‫بك فال حترمني من مشاهدة وجهك»‪.‬‬ ‫‪ - 5‬األنس واخلوف والرجاء‪:‬‬ ‫أحوال أش������ارت إليها رابع������ة وتوقف عندها‬ ‫الصوفية مطوال بعدها‪ ،‬ففي األنس تقول‪:‬‬ ‫إن � ��ي ج �ع �ل �ت��ك ف� ��ي ال � �ف� ��ؤاد محدثي‬ ‫وأب � �ح� ��ت ج �س �م��ي م� ��ن أراد جلوسي‬ ‫ف ��اجل� �س ��م م� �ن ��ي ل �ل �ج �ل �ي��س م ��ؤان ��س‬ ‫وح� �ب� �ي ��ب ق �ل �ب��ي ف� ��ي ال�� �ف� ��ؤاد أنيسي‬ ‫وفي اخلوف والرجاء تقول‪:‬‬ ‫وزادي قــــلـــــيـــــــل مــــــــــا أراه مبـــــلّـــــغــــي‬ ‫أللزاد أبــــكـــي أم لـــطـــــول مــــســــــافـــــتي‬ ‫أحت� ��رق � �ن� ��ي ب� ��ال � �ن� ��ار ي � ��ا غ� ��اي� ��ة املنى‬ ‫ف��أي��ن رج ��ائ ��ي ف �ي��ك؟ أي���ن مخافتي؟‬ ‫‪ - 6‬تاريخ وفاة رابعة‪:‬‬ ‫يذك� � ��ر ابن اجل� � ��وزي في «ش� � ��ذور العقود» أن‬ ‫وفاته� � ��ا كانت في س� � ��نة ‪ 135‬هـ‪ ،‬وهذا ما أش� � ��ار‬ ‫إلي� � ��ه ابن خلكان دون أن يؤك� � ��ده‪ ،‬وممن ذكر هذا‬ ‫التاري� � ��خ ابن تغري بردي ف� � ��ي «النجوم الزاهرة»‪،‬‬ ‫واملرتضى الزبيدي في «إحتاف السادة املتقني»‪.‬‬ ‫وثمة رواية ثانية تقول إن تاريخ وفاتها سنة ‪180‬‬ ‫ه � � �ـ‪ ،‬وصاحبها الذهبي‪ ،‬ومن الذي� � ��ن تابعوه على‬ ‫هذا التاريخ املناوي في «الكواكب الدرية»‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫«ماتت‪ ،‬رضي الله عنها‪ ،‬سنة ثمانني ومائة‪ ،‬وقيل‬ ‫غير ذلك»‪ ،‬وثم رواية ثالثة تقول إنها توفيت سنة‬ ‫‪ 185‬هـ‪ .‬ذكر ذلك ابن خلكان‪ ،‬علما بأن الروايتني‬ ‫األخيرت� �ي��ن متقاربتان وبالتالي ال خالف جوهريا‬ ‫رابعة العدوية‪ ..‬أضواء على سيرتها ونهجها الصوفي‬

‫‪8/25/13 10:28:52 AM‬‬

‫بينهما‪ ،‬والباحثون احملدثون وعلى رأس� � ��هم لويس‬ ‫ماس� � ��ينيون‪ ،‬في كتابه «بحث في أصول املصطلح‬ ‫الفن� � ��ي للتص� � ��وف اإلس� �ل��امي»‪ ،‬وعبدالرحم� � ��ن‬ ‫بدوي ومرغريت س� � ��ميث‪ ،‬مييل� � ��ون إلى الروايتني‬ ‫األخيرتني‪ ،‬مستدلني بالبراهني التالية‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬صداقتها املش������هورة لري������اح بن عمرو‬ ‫القيسي املتوفى نحو سنة ‪ 180‬أو ‪ 185‬هـ‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬التقاؤها بس������فيان الث������وري الذي أتى‬ ‫البصرة بعد س������نة ‪ ،155‬فلو كانت رابعة توفيت‬ ‫سنة ‪ 135‬هـ ملا صح اجتماعها به‪.‬‬ ‫ثالث������ا‪ :‬حكاية خطبة وال������ي البصرة محمد‬ ‫بن س������ليمان الهاش������مي لها‪ ،‬وهو كان واليا على‬ ‫البصرة سنة ‪ 145‬هـ وتوفي سنة ‪ 170‬هـ‪.‬‬ ‫رابع������ا‪ :‬صلتها الوثيق������ة بعبدالواحد بن زيد‬ ‫املتوفى سنة ‪ 177‬هـ‪.‬‬ ‫وال ش������ك في أن هذه احلجج تعد حاس������مة‬ ‫الس������تبعاد س������نة ‪ 135‬ه������ـ‪ ،‬لكنها ال تس������مح لنا‬ ‫باالختي������ار ب���ي��ن س������نتي ‪ 180‬و‪ ،185‬وعليه فإن‬ ‫رابعة توفيت إما سنة ‪ 180‬أو ‪ 185‬هـ‪.‬‬ ‫أم������ا قبرها فقيل إنه بظاه������ر القدس على‬ ‫رأس جبل يسمى الطور أو طور زيتا‪ ،‬وهذا كان‬ ‫رأي اب������ن خلكان‪ ،‬وابن ش������اكر الكتبي في كتابه‬ ‫«عيون التواريخ»‪ ،‬واملقدس������ي ف������ي كتابه «مثير‬ ‫األخصا‬ ‫الغرام»‪ ،‬والسيوطي في كتابه «إحتاف‬ ‫ّ‬ ‫في فضائل املس������جد األقص������ى»‪ ،‬ومجير الدين‬ ‫احلنبلي في كتابه «األنس اجلليل»‪.‬‬ ‫غي������ر أن ثمة رأيا آخر‪ ،‬نرجح أنه األصح‪،‬‬ ‫وهو رأي ياقوت احلموي الذي يقرر في كتابه‬ ‫«معجم البلدان» أن قب������ر رابعة العدوية إمنا‬ ‫ه������و بالبصرة‪ ،‬وأما القب������ر الذي في القدس‬ ‫فهو لرابع������ة زوجة أحمد ب������ن أبي احلواري‬ ‫«وقد اش������تبه على الناس»‪ ،‬وما يؤكد ذلك أنه‬ ‫لم يثبت أن رابعة قد رحلت إلى الش������ام لكي‬ ‫متوت هن������اك وتدفن في بي������ت املقدس‪ ،‬أما‬ ‫سبب االشتباه فمرده إلى اخللط الذي حصل‬ ‫بني رابعة العدوية البصرية ورابعة الش������امية‬ ‫زوج������ة أحمد بن أبي احلواري املتوفى س������نة‬ ‫‪ 235‬هـ‪ ،‬هذا اخللط الذي لم يسلم منه بعض‬ ‫من أهم من كتب في هذا املوضوع كأبي الفرج‬ ‫بن اجلوزي وعبدالرؤوف املناوي >‬

‫‪99‬‬

‫‪oct 92-99.indd 99‬‬


‫أدب الرحلـة‬

‫مشاهدات حاج عثماني في مكة‬ ‫د‪.‬عمرو عبدالعزيز منير*‬ ‫بدأ املس ��لمون بأداء فريضة احلج في العام التاس ��ع للهجرة أي في العام التالي لعام الفتح‪،‬‬ ‫وأصبح املسلمون يتوافدون إلى مكة من كل فج عميق‪ ،‬من الشرق والغرب واجلنوب والشمال‪،‬‬ ‫ليؤدوا فريضتهم‪ ،‬فمنهم من يأتيها بر ًا ومنهم من يأتيها بحراً‪ ،‬ومن ثم جواً‪.‬‬ ‫وكان� � ��ت تصل مكة قوافل أربع‪ :‬األولى‬ ‫من بالد املغرب م� � ��روراً مبصر‪ ,‬وهي‬ ‫قافل� � ��ة برية‪ ،‬والثانية من مصر‪ ,‬وهذه‬ ‫القافلة حتمل معها كس� � ��وة الكعبة‪ ،‬والثالثة قافلة‬ ‫احلجاج القادمني م� � ��ن تتاريا وما‬ ‫الش� � ��ام وتضم‬ ‫َّ‬ ‫حوله� � ��ا وتركي� � ��ا واألناضول وأرض كنع� � ��ان‪ ،‬أما‬ ‫القافلة الرابعة فهي قافلة الهند‪ ،‬وحتمل بضائع‬ ‫قيمة ومختارة يشتري منها احلجاج على مختلف‬ ‫جنسياتهم في مكة‪ .‬وتصل هذه القوافل إلى مكة‬ ‫قبل عيد األضحى بستة أيام على األقل‪ .‬وال شك‬ ‫في أن محام� � ��ل احلجاج كانت تتعرض لكثير من‬ ‫األهوال واملتاعب واملشاق‪ ،‬فال يكاد يصل احلاج‬ ‫إلى مكة ويؤدي الفريضة ومن ثم يعود إلى دياره‬ ‫إال رأى امل� � ��وت نصب عينيه مرات ومرات‪ .‬وهذه‬ ‫األح� � ��داث واملخاوف البد أن جت� � ��د طريقها إلى‬ ‫احلجاج وحكاياته� � ��م ومروياتهم‪ ،‬فقد‬ ‫مذ ّك� � ��رات‬ ‫َّ‬ ‫يقوم احلاج بسرد رحلته وتكراره شهوراً ودهورا‪ً.‬‬ ‫كث ٌر هم من دونوا رحالتهم وأس� � ��هبوا في وصف‬ ‫* كاتب من مصر‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫‪8/26/13 9:43:47 AM‬‬

‫الطريق والقافلة واألماكن التي مروا بها وشعائر‬ ‫احل� � ��ج واملصاعب الت� � ��ي واجهتهم أثن� � ��اء أدائها‪،‬‬ ‫لكننا جند اختالف � � �اً بني مدوناتهم من الناحيتني‬ ‫الش� � ��كلية والبنيوي� � ��ة‪ ،‬فبعضه� � ��م اعتمد الوصف‬ ‫ص ُغ � � � َر أم َكبر‪،‬‬ ‫الدقيق والع� �ي��ن املتتبعة لكل أثر َ‬ ‫ث� � ��م م َّر مرور الكرام على ذكر الش� � ��عائر الدينية‪،‬‬ ‫والبع� � ��ض اآلخر ذكر ش� � ��عائر احلج واس� � ��تفاض‬ ‫بالش� � ��رح والوصف لكل جزئياته� � ��ا ولم ِ‬ ‫يأت على‬ ‫ذك� � ��ر الرحل� � ��ة إال بعموميات يس� � ��يرة‪ ،‬ومنهم من‬ ‫وبي اآلراء والفتاوى فيها‪،‬‬ ‫عرض مس� � ��ائل فقهية نَّ‬ ‫ومنه� � ��م من حت � � � َّدث عن الطبيعة واهت � � � َّم باملكان‬ ‫وبالث� � ��روات الباطني� � ��ة وبالنش� � ��اط االقتص� � ��ادي‬ ‫و��ي� � ��ر ذلك‪ ..‬ومنه� � ��م من قدم لنا كل ما س� � ��بق‪،‬‬ ‫وخير مثال الرحال� � ��ة العثماني أوليا جلبي الذي‬ ‫زار الكثي� � ��ر من البل� � ��دان ورأى آالف املدن ولكنه‬ ‫ش� � ��عر باحلزن والكآبة لعدم قيامه باحلج وزيارة‬ ‫األماكن املقدسة‪ ،‬فحزم أمره‪ ،‬وأعد عدته للقيام‬ ‫بالرحل� � ��ة الرابعة عش� � ��رة واألخيرة في حياته أال‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 100-103.indd 100‬‬


‫مشاهدات حاج عثماني في مكة‬

‫‪8/26/13 9:43:53 AM‬‬

‫‪101‬‬

‫‪oct 100-103.indd 101‬‬


‫وهي رحلة احلجاز ومصر فاس� � ��تراح عدة أشهر‬ ‫وأع� � ��د غلمانه‪ ،‬ورافق قافلة احل� � ��ج التركية في‬ ‫موسم حج سنة (‪1082‬هـ ‪1671/‬م)‪ ،‬والتي كانت‬ ‫تضم حجاج كل دول البلقان واستانبول‪ .‬وشاهد‬ ‫ووصف لنا مراسم توديع القافلة وتسليم اجلمل‬ ‫الذي يحمل احململ وكيف أن الس� � ��لطان بنفس� � ��ه‬ ‫وفي معيته الصدر األعظم وش� � ��يخ اإلس� �ل��ام قد‬ ‫حضر هذه املراس� � ��م‪ ،‬وقد كانت فرقة املوسيقى‬ ‫السلطانية تعزف أمام قصر السلطان قبل موعد‬ ‫قيام القافلة بزمن طويل إلعالم اجلميع باقتراب‬ ‫موعد قيام القافلة‪ ،‬فيقدم األمراء واألثرياء وأهل‬ ‫اخلير واملش� � ��تاقون لزيارة البيت هداياهم لتكون‬ ‫ف� � ��ي عهدة أمير القافلة‪ ،‬حيث يوصلها ألهل مكة‬ ‫واملدينة ومجاوري احلرمني الشريفني‪.‬‬

‫وصف الرحلة‬

‫وف� � ��ي وصف دقي� � ��ق وممتع يصف لن� � ��ا الكاتب‬ ‫رحلته منذ أن قامت من اس� � ��تانبول حتى انتهى من‬ ‫أداء ش� � ��عائر احلج‪ ،‬ويقدم لنا ش� � ��عور املسلم املؤمن‬ ‫ف� � ��ي مواجهة الصع� � ��اب وكي� � ��ف أن القافل� � ��ة كانت‬ ‫تتحم� � ��ل ما ال يط� � ��اق من برد وج� � ��وع وعطش وهي‬ ‫تعب� � ��ر الصحراء القاحلة‪ .‬كل ذلك من أجل الش� � ��وق‬ ‫إلي بي� � ��ت الله احلرام‪ ،‬وكثيرا ما كان يتحفنا ببعض‬ ‫أشعاره اجلياش� � ��ة وتضرعاته وتوسالته في احلرم‬ ‫النبوي وأمام أستار الكعبة الشريفة‪ ،‬وينقل لنا ذلك‬ ‫اإلشراق النفسي الذي يش� � ��عر به كل مؤمن يسعده‬ ‫الل� � ��ه بزيارة بلده احلرام‪ ،‬إل� � ��ى آخر الكالم اجلميل‬ ‫الذي يردده كل من زار مكة املكرمة وعرف مش� � ��قة‬ ‫الس� � ��فر إليها‪ ،‬فلما أحل بها فاض قلبه بنور ومحبة‬ ‫وش� � ��وق أنس� � ��ته ما لقي من نَصب وجعلته يتمنى لو‬ ‫استطاع أن يزورها كل حني‪.‬‬ ‫وتعنينا م� � ��ن أوصافه للحرمني الش� � ��ريفني وما‬ ‫فيهما م� � ��ن حتف وعدد املآذن واألب� � ��واب واألعمدة‬ ‫والش� � ��بابيك وأط� � ��وال كل منه� � ��ا‪ ،‬وتعري� � ��ف كام� � ��ل‬ ‫ومستفيض بس� � ��كان البقيع من أصحاب رسول الله‬ ‫صلى الله عليه وس� � ��لم‪ .‬كما يصف لنا وص ًفا دقي ًقا‬ ‫كل م� � ��ا كان يصادف� � ��ه من قالع وحصون ومس� � ��اجد‬ ‫وتكاي� � ��ا‪ ،‬ويعرفنا بأقطاب العل� � ��م‪ ،‬ووصفا لألوضاع‬ ‫االجتماعي� � ��ة واالقتصادية واإلدارية والتش� � ��كيالت‬ ‫العسكرية والتقسيمات اإلدارية للشام واحلجاز‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫‪8/26/13 9:43:59 AM‬‬

‫ويحدثن� � ��ا ع� � ��ن أهل مك� � ��ة وفضائله� � ��م وجميل‬ ‫أفعاله� � ��م ومكارمهم‪ ،‬ويقف طويال عن� � ��د إطعامهم‬ ‫الفق� � ��راء ويعطين� � ��ا صورة عن مس� � ��اكني مكة الذين‬ ‫يعيش� � ��ون دوما على الصرة التي يبعث بها السلطان‬ ‫العثماني‪ ،‬وعلى القمح والرز اللذين يرس� �ل��ان إليهم‬ ‫م� � ��ن مصر ثم اليمن والزيل� � ��ع ومن األماكن األخرى‪،‬‬ ‫ويص� � ��ف حمام� � ��ات مكة وما بها م� � ��ن رخام ونقوش‬ ‫وزخارف بديع� � ��ة وعددها لتصل إلى مائة وتس� � ��عة‬ ‫وأربعني حماما ما بني عام وخاص‪ ،‬كانت س� � ��ببا في‬ ‫أن جتعل مظهر س� � ��كان مكة «الئق� � ��ا نظيفا وكأنهم‬ ‫ليس� � ��وا من بني البش� � ��ر‪ ..‬فوجوههم تتسم بالبشر‬ ‫وتعلوها االبتس� � ��امة»‪ ،‬ويصف «أطب� � ��اخ مكة»‪ ،‬بأنها‬ ‫نظيفة وش� � ��هية‪ ،‬وأن أشهرها الهريس� � ��ة‪ ،‬كما أشار‬ ‫إل� � ��ى أن الفواكه املوجودة بها هي احلبحب والبطيخ‬ ‫والعن� � ��ب واخلوخ التي جتلب من مدينة العباس‪ ،‬وأن‬ ‫البل� � ��د األمني ال يخلو من الفواكه صي ًفا وال ش� � ��تاء‪.‬‬ ‫ويذك� � ��ر أن مك� � ��ة املكرمة حتيط بها خمس عش� � ��رة‬ ‫مزرعة‪ ،‬وهي األماكن التي يتس� � ��امر فيها األشراف‪،‬‬ ‫وبها تثمر أشجار النخيل والرمان واخلوخ والليمون‬ ‫والطرجن والعنب والنب� � ��ك‪ ،‬ويصف أنواع العطورات‬ ‫والسيما الورد والريحان والبخور‪.‬‬ ‫ويصف أمزج� � ��ة األهالي في مكة املكرمة بأنهم‬ ‫يتعصب� � ��ون بس� � ��رعة‪ ،‬وأن معظمهم ضعف� � ��اء البنية‬ ‫بس� � ��بب تأثير احلرارة الشديدة واملياه عليهم‪ ،‬وأنهم‬ ‫ال يش� � ��تغلون بالعل� � ��م‪ ،‬وإمنا كلهم جتار‪ ،‬وأش� � ��ار إلى‬ ‫وجود ‪ 1300‬مح� � ��ل جتاري في البلد األمني‪ ،‬وثالثة‬ ‫مجمعات لألس� � ��واق‪ ،‬وهي س� � ��وق الش� � ��ام‪ ،‬والسوق‬ ‫القريب من باب السالم‪ ،‬والثالثة قريبة من الثانية‪،‬‬ ‫وحتوي خمسني دكانا‪ ،‬وأن معظم دكاكينها مخصصة‬ ‫لألقمش� � ��ة والعط� � ��ارة‪ ،‬وأن بها أنف� � ��س املجوهرات‬ ‫والعطورات‪ ،‬إال أنه اشتكى من غالء أسعارها‪.‬‬ ‫وأش� � ��ار إلى أن أهالي مكة مس� � ��رفون مبذرون‬ ‫بسبب الثراء الذي ميتازون به‪ ،‬وأن رجالها مغلوبون‬ ‫عل� � ��ى أمرهم في وجه النس� � ��اء‪ ،‬وأنه� � ��ن ال يطبخن‬ ‫الطعام في منازلهن‪.‬‬ ‫وميتدح نس� � ��اء مكة باجلم� � ��ال واللطافة وخفة‬ ‫الروح‪ ،‬ما يجعلهن كحوريات اجلنة‪ ,‬فهن «مالئكيات‬ ‫املظهر على س� � ��ماهن مالحة البش� � ��ر‪ ،‬م� � ��ا يجعلهن‬ ‫يتبخت� � ��رن كالطواويس في حدائق اجلمال طاهرات‬ ‫عفيفات املظهر واملخبر‪ ..‬لهن جاريات حبش� � ��يات؛‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 100-103.indd 102‬‬


‫الواح� � ��دة منهن في س� � ��مرة العنبر اخل� � ��ام يتعطرن‬ ‫بأج� � ��ود أنواع العط� � ��ر الف َّواح وم� � ��ا إن متر إحداهن‬ ‫بالقرب م� � ��ن الرجل حتى ينفذ العط� � ��ر إلى أعماق‬ ‫دماغه»‪.‬‬

‫مشاهدات من مكة‬

‫ويقدم لنا مش� � ��اهداته عن ع� � ��ادات أهل مكة في‬ ‫جتهي� � ��ز اجلنائز والص� �ل��اة عليها ودفنه� � ��ا في مقبرة‬ ‫املعال‪ ،‬وأنهم يحترمون امليت كثيرا‪ ،‬مش� � ��يرا إلى أنهم‬ ‫يزورون هذه املقبرة في يومي اإلثنني واجلمعة‪ ،‬وأنهم‬ ‫يكثرون من ق� � ��راءة القرآن الكرمي‪ ،‬كم� � ��ا أفاض أوليا‬ ‫جلبي في احلديث عن مقبرة املعال وأش� � ��هر املدفونني‬ ‫فيها في اإلسالم‪.‬‬ ‫ويكث� � ��ر جلبي م� � ��ن احلكايات التي س� � ��مع بها في‬ ‫مك� � ��ة وخاصة عن املجاورين وه� � ��م في العادة من كبار‬ ‫الش� � ��يوخ الذين يق� � ��ررون ترك بالده� � ��م وقضاء بقية‬ ‫أعماره� � ��م مجاورين في مكة‪ ،‬وقبل كل هذا ال ينس� � ��ى‬ ‫أن يص� � ��ف لنا ش� � ��عوره كحاج إلى بي� � ��ت الله طاف مع‬ ‫الطائفني وكب َّر ورجا ودعا وسعى وصلى‪ ،‬وحني وقف‬ ‫أمام احلجر األس� � ��ود حال بينهما خل� � ��ق كثير فانتظر‬ ‫فرج� � ��ة ليدنو منه ويقبله‪ ،‬ألن َم ْن ُه � � � َو خي ٌر من ُه قبله؛‬ ‫مشاهدات حاج عثماني في مكة‬

‫‪8/26/13 9:44:04 AM‬‬

‫محمد رس� � ��ول الله صلى الله عليه وس� � ��لم وبعده أمير‬ ‫املؤمنني عم� � ��ر بن اخلط� � ��اب الذي ق� � ��ال‪« :‬والله إني‬ ‫أعل� � ��م أنك حج� � ��ر ال تضر وال تنفع‪ ،‬ولوال أن رس� � ��ول‬ ‫الله قبلك ما قبلتك»‪ .‬ويصلي جلبي في مقام إبراهيم‬ ‫وفي حجر إس� � ��ماعيل‪ ،‬ورأى كي� � ��ف حتنو الوجوه عليه‬ ‫وكيف حتنو اجلباه الش� � ��ماء على غيره‪ ،‬ألنه وحده ذو‬ ‫اجل� �ل��ال واإلكرام‪ ،‬وجاء دوره في الس� � ��عي بني الصفا‬ ‫واملروة ليس� � ��عى بينهما ويصف لنا مشاهد العطاء ما‬ ‫بني ابن يس� � ��عى بأمه وأب يحمل ابنه لنستشعر الهيبة‬ ‫في مشاهداته حني يدخل بنا إلى البيت العتيق لنجد‬ ‫أنفس� � ��نا معه في بيت لكل الناس ولكل األجناس‪ ،‬وما‬ ‫إن يدخلوه حتى تذوب فروق اللون واجلنس ويصبحوا‬ ‫بنعمة الله إخوانا‪ .‬كل إليه مش� � ��وق‪ ..‬كل به يطوف من‬ ‫كل فج عمي� � ��ق‪ ,‬إليه يهرعون مهرول� �ي��ن وزاحفني بني‬ ‫حثي� � ��ث اخلطى في خفة وقعي� � ��د محمول على محفة‪،‬‬ ‫وقد ال تسعف اللغة الختالفها وتفاوتها فتنوب العيون‬ ‫واأليدي في التعبير‪ .‬ويتم جلبي طواف الوداع بقوله‪:‬‬ ‫«اللهم ال جتعله آخر العهد من بيتك احلرام وإن جعلته‬ ‫فعوضني عنه باجلن� � ��ة يا أرحم الراحمني»‪ .‬لنرى معه‬ ‫كيف إذا استبد الشوق باملسلم إلى البيت العتيق فإنه‬ ‫ال يعرف الصعب أو املستحيل >‬

‫‪103‬‬

‫‪oct 100-103.indd 103‬‬


‫شخصيات‬

‫النقشبندي‪ ..‬صوت السماء‬ ‫محمد محمد مستجاب*‬ ‫دمرنا شهر رمضان حتت سنابك املسلسالت اجلوفاء واإلعالنات الزاعقة والبرامج وأسئلتها‬ ‫اململة التافهة املكررة‪ ،‬وأصبح ش ��هر رمضان ميتلئ بنقنقة أصوات الضفادع التافهة الفجة‪،‬‬ ‫ث ��م دهمن ��اه بفرقع ��ة الصواريخ والبمب الصين ��ي‪ ،‬الذي جعل حياتنا مرتبك ��ة أكثر مما هي‬ ‫مرتبك ��ة‪ ،‬ومضطرب ��ة أكثر مما هي مضطربة‪ ،‬كما أن الضفادع التي تنقنق ليل نهار جعلتنا‬ ‫ال نفرق بني رمضان وأيام العام العادية‪ ،‬ولم يتبق لنا وسط كل هذا من رمضان إال ‪ -‬الصوم‬ ‫وهو الركن الثالث من أركان اإلسالم وصوت النقشبندي‪.‬‬ ‫نحم� � ��د الله أنه لم مي� � ��س حتى اآلن ‪-‬‬ ‫وأقص� � ��د ص� � ��وت النقش� � ��بندي ‪ -‬وهو‬ ‫الص� � ��وت الذي لم تصل إليه س� � ��نابك‬ ‫هؤالء‪ ،‬ألنه صوت قوي ق� � ��ادر على الصمود‪ ،‬إنه‬ ‫الص� � ��وت الذي يهبط عليك فيجعلك ويحيلك إلى‬ ‫حالة م� � ��ن التجلي والروحانية والش� � ��فافية نادراً‬ ‫ما تصل إليها وس� � ��ط أص� � ��وات الضفادع والباعة‬ ‫والزحام واملنش� � ��دين والش� � ��يوخ اجلدد‪ ،‬ذلك ألنه‬ ‫يفهم معنى اللغة العربية وقوتها وقوة تأثيرها في‬ ‫النفوس‪ ،‬إنه صوت حمل رسالة من الله‪ ،‬ورسالة‬ ‫من الس� � ��ماء لعباده‪ ،‬ورس� � ��الة ب� �ي��ن العبد وأخيه‬ ‫اإلنس� � ��ان في أي م� � ��كان ومن أي دي� � ��ن أو ملة أو‬ ‫طائفة‪ ،‬إن القوة التي يتميز بها صوت النقشبندي‬ ‫جتعلك حتف� � ��ظ الكثير من األدعي� � ��ة واالبتهاالت‬ ‫وا��ليات القرآنية‪ ،‬في يسر وطالوة وحالوة‪ ،‬بعيداً‬ ‫* كاتب من مصر‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫‪8/26/13 9:40:50 AM‬‬

‫ع� � ��ن احلدة والتزم� � ��ت والترهيب الذي ميارس� � ��ه‬ ‫الكثيرون في حياتنا اآلن‪.‬‬ ‫سيد محمد النقش� � ��بندي‪ ،‬ابن قرية «دميرة»‬ ‫إحدى ق� � ��رى محافظة الدقهلية بدلتا مصر‪ ،‬وهو‬ ‫من املنش� � ��دين الذي� � ��ن ظهروا وق� � ��ت البحث عن‬ ‫الذات والهوية املصرية والعربية بعد نكس� � ��ة عام‬ ‫‪ ،1967‬لذا ال تس� � ��تطيع أن تدخل ش� � ��هر رمضان‬ ‫وتلتف فيه بالرحمة واملغفرة واخلش� � ��وع من دون‬ ‫صوت النقشبندي‪.‬‬ ‫فهم النقش� � ��بندي الرسالة الس� � ��ماوية‪ ،‬وكيف‬ ‫تؤثر ف� � ��ي قلوب وأرواح البش� � ��ر‪ ،‬وهو صوت كان‬ ‫ميك� � ��ن أن يأخ� � ��ذه األزهر كصوت لنش� � ��ر الدعوة‬ ‫اإلس� �ل��امية في البالد التي لم يدخلها اإلسالم‪،‬‬ ‫صوت يعبر عليه اإلس� �ل��ام والتواصل والس� �ل��ام‬ ‫اإلنساني‪ ،‬يع ّبر عن احلضارة العربية واإلسالمية‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 104-108.indd 104‬‬


‫النقشبندي‪ ..‬صوت السماء‬

‫‪8/26/13 9:41:27 AM‬‬

‫‪105‬‬

‫‪oct 104-108.indd 105‬‬


‫ف� � ��ي آن واحد‪ ،‬هكذا يكون الصوت القوي‪ ،‬احلاد‬ ‫الناعم املتدرج في الطبقات‪ ،‬والذي يصعد ويهبط‬ ‫ويتقاف� � ��ز بك ويدخلك ف� � ��ي حالة من الس� � ��كينة‬ ‫والرحمة‪ ،‬يجعلك ترى الذات اإللهية وتتجول في‬ ‫أروقة اجلنة‪ ،‬من خالله تش� � ��عر برهبة وخوف من‬ ‫النار‪ ،‬هذا هو ما أش� � ��عر به من خالل صوته‪ ،‬لذا‬ ‫لم يتجاوز أحد صوت النقشبندي‪ ،‬ألنهم يبحثون‬ ‫من خالل صوتهم عن املال‪ ،‬وهذا ليس هدف من‬ ‫يحمل رسالة‪ ،‬ورس� � ��الته عامة لكل البشر‪ ،‬مسلم‬ ‫أو مسيحي‪.‬‬ ‫إنه سيد محمد النقش� � ��بندي‪ ،‬صوت السماء‬ ‫وإمام املداحني والكروان الرباني‪ ،‬وقيثارة السماء‬ ‫ونغمه� � ��ا الرقي� � ��ق‪ ،‬الصييت‪ ،‬والصوت اخلاش� � ��ع‪،‬‬ ‫وش� � ��يخ املداحني‪ ،‬وأس� � ��تاذ االبتهاالت‪ ،‬املوهوب‬ ‫الفذ الناعم املتصاعد بنا في امللكوت السماوية‪،‬‬ ‫وصاحب الص� � ��وت الذي يراه املوس� � ��يقيون أحد‬ ‫أقوى وأوسع األصوات مساحة وطالوة في تاريخ‬ ‫التسجيالت واألصوات واإلنشاد الديني‪.‬‬ ‫واجلمي� � ��ل أن صوت النقش� � ��بندي اس� � ��تطاع‬ ‫أن يرتفع من تراب الش� � ��وارع واحل� � ��واري ورمال‬ ‫الصحراء وعديد اجلنائز حتى وصل إلى قصور‬ ‫األمراء والرؤساء‪ ،‬فزار العديد من الدول العربية‬ ‫واإلسالمية بدعوات من هؤالء األمراء أو رؤساء‬ ‫اجلاليات‪ ،‬حت� � ��ى أن الرئيس الس� � ��ادات كان من‬ ‫املغرمني بصوت النقش� � ��بندي‪ ،‬ودائماً يرسل في‬ ‫طلب� � ��ه خاصة عن� � ��د وجوده في قريت� � ��ه «ميت أبو‬ ‫الكوم – املنوفية» ليشدو وينشد له االبتهاالت في‬ ‫مدح النبي (ص) واحلب اإللهي‪.‬‬ ‫ولقد ارتبط صوت الش� � ��يخ النقشبندي بشهر‬ ‫رمضان ارتباطاً وثيقاً‪ ،‬وما إن نس� � ��مع صوته وهو‬ ‫يتضرع إلى الله باالبتهاالت واألدعية مبتهال بعد‬ ‫كل أذان‪ ،‬حتى نعرف أننا بدأنا بالفعل صيام شهر‬ ‫رمض� � ��ان‪ ،‬فصوته األخاذ القوي املتميز‪ ،‬طاملا هز‬ ‫املش� � ��اعر والوجدان وكان أحد أهم مالمح شهر‬ ‫رمض� � ��ان املعظم‪ ،‬حي� � ��ث يصاف� � ��ح آذان املاليني‬ ‫وقلوبه� � ��م خالل فترة اإلفطار‪ ،‬أو وقت الس� � ��حور‬ ‫واإلمس� � ��اك عن الطعام‪ ،‬بأحل� � ��ى االبتهاالت التي‬ ‫كان� � ��ت تنبع م� � ��ن قلبه قبل حنجرته فتس� � ��مو معه‬ ‫مش� � ��اعر املس� � ��لمني‪ ،‬فيكف� � ��ي أن تس� � ��تمع لكلمة‬ ‫«ي� � ��ارب» بصوته‪ ،‬أو موالي ‪ -‬أغي� � ��ب ‪ -‬يارب إن‬

‫‪106‬‬

‫‪8/26/13 9:41:33 AM‬‬

‫رب هب لي‬ ‫عظم� � ��ت ذنوب� � ��ي ‪ -‬النفس تش� � ��كو ‪ّ -‬‬ ‫هدى‪ ،‬لتجعلنا نردد بخش� � ��وع ونسجد لله ونطلب‬ ‫غفرانه ونفحاته ونش� � ��عر بأن� � ��ه قريب منا وأنه –‬ ‫حقا – يسمعنا ويجيب دعاءنا‪.‬‬ ‫والنقشبندي واحد من أبرز من ابتهلوا ورتلوا‬ ‫وأنشدوا التواش� � ��يح الدينية في القرن العشرين‪،‬‬ ‫صاحب صوت مالئكي منغّم‪ ،‬وهو كما قالوا عنه‬ ‫كان ذا قدرة فائق� � ��ة في االبتهاالت واملدائح حتى‬ ‫صار صاحب مدرس� � ��ة‪ ،‬ولقب بالصوت اخلاشع‪،‬‬ ‫والكروان‪.‬‬ ‫ولقد ذاع صيته كقارئ ومنشد ديني بطريقة‬ ‫فريدة وصوت عميق يتميز بالقوة واإلحس� � ��اس‪،‬‬ ‫وصار صوت� � ��ه عالمة متميزة في عالم اإلنش� � ��اد‬ ‫واالبتهاالت‪ ،‬وقد امتاز الش� � ��يخ النقش� � ��بندي في‬ ‫عال� � ��م املدائ� � ��ح النبوية بنق� � ��اء األلف� � ��اظ البديعة‬ ‫واألش� � ��عار اجليدة التي تدعو الن� � ��اس حلب الله‬ ‫ورسوله بأسلوب راق وصوت خاشع ونبرات قوية‬ ‫متميزة تعد قمة في األداء والتعبير‪.‬‬ ‫النقش� � ��بندي‪ ،‬كروان السماء ومنشد األرواح‪،‬‬ ‫يجعلك تشعر بالسالم الداخلي مع النفس‪ ،‬والعالم‬ ‫اخلارجي مع العالم أجمع‪ ،‬ومع رب السماء‪.‬‬

‫موالي‪ ..‬إني ببابك قد بسطت يدي‬

‫لو قرأت أو س� � ��معت تلك العبارة في أي وقت‬ ‫م� � ��ن دون صوت النقش� � ��بندي‪ ،‬فه� � ��ي تفقد قوتها‬ ‫وتأثيره� � ��ا‪ ،‬ألنه� � ��ا جملة خلقت كي نس� � ��معها من‬ ‫شفاه النقشبندي وصوته مما يزيدها تأثيراً وقوة‬ ‫وصفاء‪.‬‬ ‫وجتربة الشيخ النقشبندي جتعلنا ندخل باب‬ ‫الفن في اإلس� �ل��ام واألنغام واألحلان‪ ،‬لكنه – وال‬ ‫أقصد التش� � ��دد في هذا األمر ‪ -‬يجعلك تش� � ��عر‬ ‫أن ه� � ��ذا هو الفن احلقيقي الصافي‪ ،‬فالفن صنع‬ ‫كرسالة يوصل بها اإلنسان ما يريده ومدى تأثير‬ ‫فنه في متلقيه ومس� � ��تمعيه‪ ،‬وأعتقد أنه لواله ما‬ ‫كان هناك إنشاد ميكن أن يقبل عليه الناس‪ ،‬فهو‬ ‫مبنزلة عالمة فارقة في تاريخ اإلنش� � ��اد الديني‪،‬‬ ‫ب� � ��ل إنه يعد مدرس� � ��ة متفردة ومنف� � ��ردة في هذا‬ ‫املجال الصعب‪.‬‬ ‫إن صوت النقش� � ��بندي مت جم� � ��ع طبقاته من‬ ‫هسيس الريح وتصادم السحاب ومن بني خياشيم‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 104-108.indd 106‬‬


‫األس� � ��ماك وحوافر اجلياد ورفرفة أجنحة اليمام‬ ‫وزئير الس� � ��باع ومناوش� � ��ة األمواج‪ ،‬صوت يحيلنا‬ ‫إل� � ��ى امللكوت‪ ،‬يرتفع بنا عالي � � �اً‪ ،‬عالياً حتى نصل‬ ‫للس� � ��موات العال‪ ،‬ونص� � ��ارع الش� � ��ياطني والهموم‬ ‫والهواجس وعفاريت األرض‪ ،‬نعانق اجلبال ونلثم‬ ‫األمواج املتصادمة‪ ،‬فيهبط بنا ممزقني‪ ،‬مفتونني‪،‬‬ ‫متجل� �ي��ن‪ ،‬أبرياء ومذنبني إلى قطع مفتتة‪ ،‬وتكون‬ ‫األرض – حينئذ ‪ -‬جاهزة الس� � ��تقبال مقاطعنا‪،‬‬ ‫وأجزائن� � ��ا‪ ،‬فنتجم� � ��ع ف� � ��ي الطبق� � ��ات الصوتي� � ��ة‬ ‫للنقشبندي‪ ،‬كي نصبح تواشيح وقصائد ومدائح‬ ‫نبوية‪ ،‬تغلفنا الدهشة والبراءة واالنكشاف واحللم‪،‬‬ ‫ونصبح للحظات من حياتنا – بني آدميني – نعم‬ ‫بني آدميني حقيقيني‪ ،‬حيث نركع ونسجد ونذرف‬ ‫الدم� � ��وع ونرفع أكف أيدينا نس� � ��تقبل ما تهطل به‬ ‫الس� � ��موات علين� � ��ا من خيرات‪ ،‬ه� � ��ذا هو الصوت‬ ‫الذي يجمع روح الصحراء وندى الغيطان وحرارة‬ ‫األمواج وطوفان الدموع وضجيج األطفال‪.‬‬ ‫وهو ص� � ��وت يجعلك في حض� � ��رة املصطفى‪،‬‬ ‫يتنق� � ��ل ب� � ��ك من القاه� � ��رة جلدة للرب� � ��اط لبغداد‬ ‫ألب� � ��واب الق� � ��دس املغلق� � ��ة‪ ،‬فتجده� � ��ا مفتوح� � ��ة‬ ‫تستقبلك وجتد برفقتك كل األولياء والصاحلني‪،‬‬ ‫اجلميع أبيض‪ ،‬واجلميع طاهر‪ ،‬واجلميع مبتسم‪،‬‬ ‫ونهي� � ��م في صح� � ��راء جند والش� � ��رقية وس� � ��يناء‪،‬‬ ‫ونصبح ني� � ��روزا وقمرا ورخا وغاللة من البش� � ��ر‬ ‫والنفح� � ��ات واخليرات‪ ،‬صوت يجعلك في حضرة‬ ‫املولى عز وجل وتس� � ��ير في معيت� � ��ه ونوره‪ ،‬تغلف‬ ‫روحك قدس� � ��ية املول� � ��ى‪ ،‬ألنه صوت ح� � ��اد كأزيز‬ ‫الناموس‪ ،‬متصاعد كلقلقة اجلمل‪ ،‬عريض كنعير‬ ‫األبقار‪ ،‬هادئ كخربش� � ��ة األران� � ��ب‪ ،‬صريح كزئير‬ ‫األس� � ��د‪ ،‬إنه املتجلي يجعل� � ��ك تبحث عن كهف أو‬ ‫غ� � ��ار تتعبد فيه‪ ،‬تقف على قمم اجلبال وتش� � ��عر‬ ‫بوجودك وإنس� � ��انيتك وضعفك فتبكي حتى تغرق‬ ‫الرمال حتت نعليك‪ ،‬تس� � ��جد فتذوب األرض من‬ ‫حرارة أنفاسك‪ ،‬ثم تكون صارخا مطاردا فتصبح‬ ‫املسيح والعذراء ويوسف في الفرار من هيرودس‬ ‫الشرير‪ ،‬ثم تستكني حتى تدخل قلب حوت يونس‪،‬‬ ‫بعدها يصبح صوتاً جهورياً كموس� � ��ى وهو يزعق‬ ‫في آل إس� � ��رائيل‪ ،‬إلى أن يهدأ الصوت ويستكني‬ ‫فيصب� � ��ح نغمات الس� �ل��ام التي جاء بها س� � ��يدنا‬ ‫املصطفى صلى الله عليه وسلم‪.‬‬ ‫النقشبندي‪ ..‬صوت السماء‬

‫‪8/26/13 9:41:37 AM‬‬

‫صوت ناعم كالعاصفة‪ ،‬حام وس� � ��اخن كقلب‬ ‫املؤم� � ��ن‪ ،‬قادر عل� � ��ى أن يلث� � ��م القل� � ��وب والعقول‬ ‫واألرواح العصية‪ ،‬فتتفت وتذوب في اإلميان بالله‬ ‫وقدرت� � ��ه وعظمت� � ��ه وجبروته‪ ،‬أنص� � ��ت ألي طبقة‬ ‫من صوته‪ ،‬س� � ��وف تكتش� � ��ف أن أصل األحلان أن‬ ‫تكون قادرة على إقامة كيان ولغة وتفاعل تتحرك‬ ‫في� � ��ه الكلمات‪ ،‬جاذبة أذن وعني وقلب املس� � ��تمع‪،‬‬ ‫متتل� � ��ئ ومتور في معان� � ��اة ودالالت ال تكاد – من‬ ‫فرط استيعابه للعالم حوله – تشعر أنه حلن لك‬ ‫وحدك‪ ،‬وأن العالم أصبح ملكك‪.‬‬ ‫لق� � ��د جذب ص� � ��وت النقش� � ��بندي العديد من‬ ‫الش� � ��عراء والكتاب الكبار فكتب له‪ :‬عبدالس� �ل��ام‬ ‫أمني‪ ،‬عبدالفتاح مصطف� � ��ى‪ ،‬محمد علي ماهر‪،‬‬ ‫وهو أحد من ش� � ��اركوا في كتابة فيلم الرس� � ��الة‪،‬‬ ‫كما جذب من كبار امللحنني‪ :‬بليغ حمدي ومحمد‬ ‫املوجي وس� � ��يد مكاوي وأحم� � ��د صدقي ومحمود‬ ‫الشريف وعبدالعظيم عبداحلق‪.‬‬ ‫ولذا تظل جتربته اجلميلة مع املوسيقار الفذ‬ ‫بليغ حمدي‪ ،‬في أيام رمضان خالل حرب أكتوبر‪،‬‬ ‫أبدع ما يكون من تواش� � ��يح وابتهاالت‪ ،‬حيث أطل‬ ‫صوت النقشبندي وهو ينشد ويبتهل ويدعو للجنود‬ ‫الذين يحاربون على اجلبهة في إطار مشروع فني‬ ‫جمعه بامللحن واملوس� � ��يقار الكبير‪ ،‬وهو واحد من‬ ‫قل� � ��ة من امللحنني يعرفون قيمة اإلنش� � ��اد واملديح‬ ‫النبوي في املوسيقى الشعبية‪ ،‬��ل إن بليغ حمدي‬ ‫في جتربته مع النقش� � ��بندي حقق التالقي الرائع‬ ‫بني العلم والتلقائية أو الروح الش� � ��عبية املصرية‪،‬‬ ‫وأصبح النقش� � ��بندي عالمة من عالمات رمضان‬ ‫ودلي� �ل � ً‬ ‫ا عليه حتى في األيام العادية إذا س� � ��معت‬ ‫صوته شعرت بأنك تعيش ساعة ما بعد اإلفطار‬ ‫في أيام رمضان‪ ،‬فال نستطيع أن ننسى ابتهاالته‪:‬‬ ‫موالي‪ ،‬أقول متى‪ ،‬يا ليلة في الظهر‪.‬‬ ‫وإذا كان� � ��ت نكس� � ��ة ع� � ��ام ‪ 67‬عالم� � ��ة فارقة‬ ‫ف� � ��ي التاريخ املص� � ��ري‪ ،‬فإن النقش� � ��بندي بصوته‬ ‫وابتهاالته‪ ،‬قام أثناء حرب االستنزاف بعد ‪1967‬‬ ‫برف� � ��ع الروح املعنوية جلنودن� � ��ا على اجلبهة حتى‬ ‫جاء نصر أكتوبر عام ‪.1973‬‬ ‫إن النقشبندي موهبة كبيرة جتمع بني أصول‬ ‫عدة حضارات وصوته م� � ��ن األصوات التي تلقى‬ ‫هوى في نفوس املصريني املس� � ��لمني واملسيحيني‬

‫‪107‬‬

‫‪oct 104-108.indd 107‬‬


‫في آن واحد‪ ،‬ألن صوته يحمل في أحشائه بذور‬ ‫اإلسالم ورسالته ومس� � ��اره التاريخي واإلنساني‪،‬‬ ‫تلك التي يتجلى فيها صراع اإلنسان مع نفسه أو‬ ‫مع بيئته أو مع القدر الذي رس� � ��م له‪ ،‬إنه تلخيص‬ ‫ملأس� � ��اة ال� � ��روح والعق� � ��ل والقلب ف� � ��ي صراعهما‬ ‫الدائب من أجل الكشف والتحقق‪ ،‬صوت مصري‬ ‫صميم في� � ��ه الرمال والتراب والس� � ��اقية‪ ،‬وعديد‬ ‫اجلنائز بعي� � ��داً عن نقنقة الضف� � ��ادع واألصوات‬ ‫امللونة املصبوغة‪ ،‬وه� � ��و صوت له رائحة‪ ،‬ورائحة‬ ‫صوت� � ��ه العذب تعص� � ��ف مبس� � ��تمعيه‪ ،‬يخرج من‬ ‫حنجرة وقلب يشع بهاء‪ ،‬صوت قادر على التحرر‬ ‫م� � ��ن الذات‪ ،‬ليس� � ��بح بك في امللك� � ��وت حتى يأتي‬ ‫التحري� � ��ر‪ ،‬حترير الروح واجلس� � ��د من الش� � ��هوة‬ ‫والغفلة والتصارع من احلياة اليومية التي يعيشها‬ ‫اإلنس� � ��ان املصري‪ ،‬صوت صاف ال يوجد به غبار‬ ‫أو نشاز أو إس� � ��قاطات صوتية‪ ،‬يجعلك حتلم في‬ ‫منتصف النهار‪.‬‬ ‫إن ص� � ��وت النقش� � ��بندي الداف� � ��ئ الواقع� � ��ي‪،‬‬ ‫والواخز الذي يوقظنا من ضعفنا اإلنساني وقلة‬ ‫حيلتنا ويأخذ بأيدين� � ��ا إلى فضاءاته العليا بعيداً‬ ‫عن ترابية البش� � ��ر وعهر الواقع وعبثيته وقبحه‪،‬‬ ‫يجعلك مسكوناً‬ ‫مبس النبوة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫واإلنش� � ��اد الديني اآلن يحتضر‪ ،‬وذلك بسبب‬ ‫الضفادع التي تنقنق به في الفضائيات والقنوات‬ ‫والطرق والتكاتك‪ ،‬وإذا كانت هذه الضفادع قادرة‬ ‫على التطور والسمو بالروح اإلنسانية لظهر منها‬ ‫ما ق� � ��د يصبح كروان� � ��ا آخر أو هدي� � ��ل ميامة أو‬ ‫حت� � ��ى زقزقة عصفور على أغصان حياتنا‪ ،‬إال أن‬

‫الضفادع «رغم حنجوريتها» ال تستطيع ذلك‪.‬‬ ‫ولقد عاش النقش� � ��بندي بجوار العارف بالله‬ ‫سيدي أحمد البدوي مبدينة طنطا‪ ،‬وتوفي صغير‬ ‫الس� � ��ن (في اخلامسة واخلمسني من العمر) بعد‬ ‫أمس احلاجة‬ ‫أن أبدع وقدم لنا أش� � ��ياء نحن في ّ‬ ‫إليه� � ��ا اآلن‪ ،‬وقد كرمته الدول� � ��ة كثيرا‪ ،‬ويكفي أن‬ ‫نعلم أن أكبر ش� � ��وارع مدينة طنط� � ��ا والتي عاش‬ ‫فيها أغلب أيام عمره‪ ،‬قد أطلقت اسمه على أحد‬ ‫أشهر شوارعها‪.‬‬ ‫إن اإلنشاد الديني وصوت النقشبندي يجعلنا‬ ‫في حالة من الوج� � ��د والصوفية نادراً أن حتصل‬ ‫وتصل إليها مهما اس� � ��تمعت‪ ،‬لذا لم نعد نسمعه‬ ‫إال قلي� �ل��ا وهو ليس خط� � ��أ صاحب هذا الصوت‬ ‫واحلنجرة اجلبارة‪ ،‬بل خطأ أصدقائنا في اإلذاعة‬ ‫والتلفزيون‪ ،‬فهم يتقافزون وينقنقون بكلماتهم كما‬ ‫نتقافز نحن وراء لقمة العيش من ميكروباص إلى‬ ‫«ت� � ��وك توك» إلى مترو أنفاق‪ ،‬لم نعد نقف ونحلل‬ ‫ونستمع ونس� � ��تمتع ونتذوق كلمات نحن في أشد‬ ‫االحتي� � ��اج إليها‪ ،‬وآه لو كان النقش� � ��بندي موجوداً‬ ‫خالل ث� � ��ورة يناير‪ ،‬جلعل من كفاحنا وش� � ��هدائنا‬ ‫ودمائن� � ��ا وقولن� � ��ا كلمة ال‪ ،‬نغماً خاص � � �اً‪ ،‬بدال من‬ ‫الذي� � ��ن تقاف� � ��زوا ف� � ��ي كل امليكروفون� � ��ات‪ :‬وهذا‬ ‫الشاعر الكبير وهذا الشاعر اخلطير‪ ,‬إذا دهمك‬ ‫صوته في جوف الليل أو قبل أن تضع البلحة في‬ ‫فمك كي جترح صيامك‪ ،‬فهو صوت قادم يدثرك‬ ‫باإلجالل والنغم واألمل في الغد‪ ،‬ونحمد الله أن‬ ‫ال� � ��ذي بقي لنا حتى اآلن ص� � ��وم رمضان وصوت‬ ‫السماء‪ :‬النقشبندي >‬

‫ي� � � ��ا م� � � ��ن ه � � �ج� � ��ر احمل � � � � ��ب م� � � ��ن غ� � � �ي � � � ِ�ر س � �ب� � ْ�ب‬ ‫واس� � � � �ت� � � � �ب � � � � َ‬ ‫�دل ب� � � ��ال� � � ��وص� � � � ِ�ل ص� � � � � � � � � ��دود ًا وغ � � �ض� � � ْ�ب‬

‫إن م� � � ��ت م� � � ��ن ال� � �ه� � �ج�� ��ر ف� � �م�� ��ا ذاك ع� �ج ��ب‬ ‫ب� � � � ��ل إن س� � �ل� � �م�� ��ت روح� � � � � � � ��ي ف � � � � �ه� � � � ��ذاك ع� � �ج � � ْ�ب‬

‫‪108‬‬

‫‪8/26/13 9:41:44 AM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 104-108.indd 108‬‬


‫فكر‬

‫ُ‬ ‫الفكر الديني‬ ‫محمد النّ ويهي ‪..‬‬ ‫وثورة ِ‬ ‫محمود مراد*‬ ‫قليل ��ون ه ��م املفك ��رون الذين اس ��تطاعوا م ��د أعينهم أبع ��د من ح ��دود عصرهم‪ ،‬وكان ��ت لهم رؤية‬ ‫جت ��اوزوا م ��ن خاللها األفق الضيق لفيزياء الزمان واملكان اللذين فش�ل�ا ف ��ي تقييد أفكارهم التي‬ ‫تلبس ��ت جناح ًا فطارت إلى أزمنتنا املعاص ��رة لتحلل الداء الذي أصاب حضارتنا العربية فأوقفها‬ ‫عن النمو والتطور‪.‬‬ ‫م������ن ضمن ه������ؤالء الدكت������ور محمد‬ ‫النويه������ي‪ ،‬امللق������ب مبحم������د رش������اد‬ ‫النويهي‪ ،‬الذي ولد في ‪1917/4/20‬‬ ‫بقرية مي������ت حبيش البحرية ‪ -‬مركز‬ ‫طنط������ا‪ ،‬قب������ل أن يكمل تعليم������ه اجلامعي بكلية‬ ‫اآلداب بجامع������ة ف������اروق األول (القاهرة حالياً)‬ ‫بقس������م اللغ������ة العربية‪ ،‬متتلم������ذاً على يد عميد‬ ‫األدب العرب������ي الدكت������ور طه حس���ي��ن‪ ،‬صاحب‬ ‫التأثير األكب������ر في حياته والذي تنبأ له بالنبوغ‬ ‫والتفوق‪.‬‬ ‫عالقة طه حس���ي��ن بالنويه������ي بدأت بتقدمي‬ ‫األخي������ر بحثاً عن الصيد في الش������عر اجلاهلي‬ ‫س������نة ‪ ،1938‬وفي العام الدراس������ي التالي قدم‬ ‫النويه������ي لطه حس���ي��ن‪ ،‬بحثا آخر عن س������ينية‬ ‫البحت������ري ادعى في������ه أن حرف الس���ي��ن يالئم‬ ‫بجرسه اخلاص في املواضع التي ورد فيها في‬ ‫القصيدة جو احلزن والذكرى اآلس������ية‪ ،‬وحصل‬ ‫* صحافي من مصر‪.‬‬

‫النويهي في العام نفس������ه على درجة الليسانس‪،‬‬ ‫ورش������حه أستاذه طه حسني ليشغل كرسي اللغة‬ ‫العربية مبعهد الدراس������ات الشرقية واإلفريقية‬ ‫بجامع������ة لندن‪ ،‬وظ������ل أثناء إقامت������ه بإجنلترا‪،‬‬ ‫يراسل أستاذه طه حسني ليستمد منه التوجيه‬ ‫واإلرش������اد والنصح وليطلعه على مس������تجدات‬ ‫حياته ودراس������اته‪ ،‬إلى أن حصل في عام ‪1942‬‬ ‫على الدكتوراه من معهد الدراس������ات الش������رقية‬ ‫واإلفريقية بلندن‪ ،‬وذلك عن دراسة أعدها عن‬ ‫احليوان في الشعر العربي القدمي‪.‬‬ ‫عاد النويه������ي إلى مصر ف������ي العام ‪،1947‬‬ ‫وعرض������ت عليه جامعة ف������اروق األول‪ ،‬أن يكون‬ ‫من أعض������اء هيئة التدريس بها بدرجة أس������تاذ‬ ‫مس������اعد‪ ،‬لكنه رفض وس������افر إل������ى اخلرطوم‪،‬‬ ‫وأنش������أ بها قسماً للغة العربية‪ ،‬وظل يدرس بها‬ ‫ملدة تسع سنوات‪ ،‬أثمرت عن عدد من املؤلفات‬ ‫في الدراسات النقدية واألدبية‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫‪8/26/13 9:16:23 AM‬‬

‫‪oct 109-113.indd 109‬‬


‫س������افر النويهي إل������ى أمريكا كأس������تاذ زائر‬ ‫بجامعة هارفارد بقسم األدب واللغات الشرقية‬ ‫في العام ‪ 1967‬وحتى نهاية ‪ ،1968‬ثم استقدمته‬ ‫جامعة بريستون األمريكية كأستاذ زائر لألدب‬ ‫العربي عام ‪ ،1972‬وامتد نشاطه حتى اختارته‬ ‫منظمة اليونس������كو عام ‪ 1977‬مستشاراً خاصاً‬ ‫ملشروع أعدته حول املرأة واألسرة‪.‬‬ ‫وكش������أن كل مفكر جاد‪ ،‬وكاتب نزيه‪ ،‬عانى‬ ‫النويهي في آخر حياته جهاالت أدعياء الثقافة‬ ‫وجهالئه������ا‪ ،‬حت������ى أصيب بجلطة ف������ي الدماغ‬ ‫أقعدته الفراش‪ ،‬إلى أن جاءه األجل في فبراير‬ ‫من الع������ام ‪ ،1980‬حيث ودعته قريته إلى مثواه‬ ‫األخير‪.‬‬ ‫اس������تطاع النويهي أن يضع يده على إحدى‬ ‫تلك العقبات التي وقفت دون استكمال مشروع‬ ‫ح������ركات التح������رر الوطن������ي التي ظه������رت في‬ ‫خمسينيات وستينيات القرن املاضي‪ ،‬ورغم أن‬ ‫كتاب������ه الذي وضعه بعنوان «نحو ثورة في الفكر‬ ‫الديني»‪ ،‬لتحليل األزمة احلضارية التي شغلت‬ ‫بال مفكري ه������ذا العص������ر‪ ،‬إال أن املدهش أن‬ ‫ومد رؤيته إلى‬ ‫الرجل جنح في جتاوز عص������ره ّ‬ ‫واقعن������ا املعاصر وكأنه يعيش������ه‪ ،‬وبتحليل دقيق‬ ‫ورؤي������ة علمية‪ ،‬اس������تطاع النويهي أن يجيب عن‬ ‫س������ؤال «ما العم������ل؟»‪ ،‬من أجل إجناز مش������روع‬ ‫حركات التحرر الوطني التي عاش������ها‪ ،‬وثورات‬ ‫الربي������ع العربي التي نعيش������ها‪ ،‬ورأى أن التغيير‬ ‫احلقيق������ي للمجتمعات ال ميك������ن أن يتم بإزالة‬ ‫احل������كام الس������ابقني‪ ،‬أو تغيي������ر القوان���ي��ن التي‬ ‫تفرض س������طوة املوجودين منه������م‪ ،‬وإمنا يحدث‬ ‫التغيير احلقيقي إذا استطاعت الثورة أن تُدخل‬ ‫تغييراً أساسياً على وعي املجتمع نفسه‪ ،‬بتغيير‬ ‫نظرته إلى العالقات األساس������ية بني اإلنس������ان‬ ‫والواقع‪ ،‬وبني اإلنس������ان واإلنس������ان‪ ،‬وذلك في‬ ‫عملية تطهير شاملة عميقة تضرب جذور عللنا‬ ‫ونقائصن������ا ومخازينا‪ ،‬يحققه������ا مفكرو املجتمع‬ ‫ومثقف������وه‪ ،‬يقومون من خالله������ا بفحص اآلراء‬ ‫السائدة والتقاليد الراسخة والعادات املتوارثة‪،‬‬ ‫فينف������ون عنها م������ا يجدون أنه ل������م يعد صاحلاً‬

‫‪110‬‬

‫‪8/26/13 9:16:27 AM‬‬

‫للعهد اجلديد‪ ،‬ويقومون بحركة إقناع للمجتمع‬ ‫يس������تخدمون فيها كل وس������ائل التعبير الفكري‬ ‫والفني وكل أساليب اجلدل العلمي‪ ،‬أما مجرد‬ ‫التغيير السياس������ي لألفراد أو األنظمة‪ ،‬فليس‬ ‫كفي ً‬ ‫ال في حد ذاته بإجناز التغيير املطلوب‪.‬‬

‫الوعي والتطور‬

‫منش������أ املش������كلة هو أن الوع������ي األخالقي‬ ‫والقيم������ي لألفراد‪ ،‬عادة ما يخلف عن مالحقة‬ ‫التط������ور املادي والسياس������ي ال������ذي يطرأ على‬ ‫مجتمعه‪ ،‬هكذا يصل النويهي في حتليله لألزمة‬ ‫املوجودة في عصره‪ ،‬وهي األزمة التي ال تختلف‬ ‫عما يعاني������ه مجتمعنا اآلن‪ ،‬ويتقدم النويهي في‬ ‫حتليله إلى أن يقرر مبنته������ى الوضوح واجلرأة‬ ‫أن التغيي������ر الب������د أن يبدأ من الدي������ن‪ ،‬أي فهم‬ ‫الفرد للدين ودوره في حياته واملجتمع‪ ،‬وما هو‬ ‫م������ن صميمه‪ ،‬وما هو خارج عنه‪ ،‬وذلك حلماية‬ ‫الدين نفس������ه من أن يس������تغله اإلنسان في غير‬ ‫ما أنزل إليه‪ ،‬في ثورة فكرية ش������املة تستهدف‬ ‫حماية الدين عن أن تتخذه القوى الرجعية مطية‬ ‫للتعوي������ق واجلمود مبا تتبن������اه من فهم منحرف‬ ‫لنصوصه‪ ،‬بحيث تغالي في مدلولها وتفسيرها‬ ‫مبا يالئم مصلحتها‪ ،‬وهو التفس������ير الذي يبرر‬ ‫ظهور الفوارق الطبقية الكاسحة بني الطبقات‪،‬‬ ‫وال������ذي أدى إل������ى تعميق حدة الفق������ر واجلهل‬ ‫واخلوف في مجتمعاتنا‪ ،‬وظهور طبقة انتهازية‬ ‫صاعدة أرادت أن تس������تبقي التفاوت الس������حيق‬ ‫بينه������ا وبني كل طبقات املجتمع‪ ،‬وحبس������ه على‬ ‫أمل العدل الذي سيناله في ملكوت السماء في‬ ‫الدار اآلخرة‪ ،‬يضاف إلى ما سبق أن الناس في‬ ‫مجتمعاتنا العربية اليزال االعتبار الديني يغلب‬ ‫على كل اعتبار عنده������م‪ ،‬والتزال وجهة النظر‬ ‫األولى التي ينظرون بها إلى كل رأي جديد يُذاع‬ ‫عليهم‪ ،‬أو مذهب جديد يُدعون إليه‪ ،‬هي وجهة‬ ‫النظر الدينية؛ هم ال يس������ألون عن هذا الرأي‬ ‫في ذات������ه صواباً أم خطأ‪ ،‬نافع������اً أو ضاراً‪ ،‬بل‬ ‫يس������ألون أوالً‪ :‬هل هو مطابق للدين أم مخالف‬ ‫له؟‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 109-113.indd 110‬‬


‫محمد النويهي ‪ ..‬وثورة الفكر الديني‬

‫‪8/26/13 9:16:33 AM‬‬

‫‪111‬‬

‫‪oct 109-113.indd 111‬‬


‫النويهي يتبنى مشروعاً جذرياً يتناول عالقة‬ ‫الناس بالدين وفهمهم له ومدى وعيهم به ودوره‬ ‫ف������ي حياتهم‪ ،‬كي ال يكون ه������ ّم الناس األول أن‬ ‫يس������ألوا عن الرأي مطابقاً للدين أم مخالفاً له‪،‬‬ ‫وإمنا سيبحثون عن مدى كونه صاحلاً ملجتمعهم‬ ‫من عدمه‪.‬‬ ‫هل يعني هذا أن يشرع مثقفونا في اقتالع‬ ‫العقيدة الدينية من قلوب الناس؟! يعود النويهي‬ ‫مؤكدا أن إفراغ اإلنسان من املعنى الديني‪ ،‬هو‬ ‫مح������ض محاولة «كيخوتية» أثبتت فش������لها في‬ ‫الثورتني الفرنسية والروسية‪ ،‬ويدعو مفكرينا‬ ‫إلى محاولة أرشد وأنفع‪ ،‬تتلخص في احلرص‬ ‫عل������ى تأكيد م������ا للدين من رس������الة في احلياة‬ ‫اإلنسانية تنش������د االرتقاء باإلنسان وإعادة بث‬ ‫السالم النفسي في روحه‪.‬‬ ‫صدقنا ه������ؤالء الذين ينادون باجلمود‬ ‫ولو‬ ‫ّ‬ ‫باس������م الدين ملا كانت بنا حاج������ة إلى إضاعة‬ ‫الوق������ت الطويل وبذل اجله������د املضني وإنفاق‬ ‫األم������وال الطائل������ة ف������ي تعلم العل������وم احلديثة‬ ‫واكتس������اب التكنولوجي������ا ودراس������ة املذاه������ب‬ ‫السياسية واالجتماعية والقانونية والفلسفية‪،‬‬ ‫ولعل هذا م������ا يرمون إليه حت������ى يريحونا من‬ ‫العناء وينقذونا من التلوث بتلك العلوم والفنون‬ ‫واملذاه������ب األجنبية الكافرة‪ ،‬ث������م إننا لو قبلنا‬ ‫كالم هؤالء ألثبتنا على اإلسالم التهمة نفسها‬ ‫الت������ي يرميه به������ا أعداؤه‪ ،‬بأن������ه دين رجعي ال‬ ‫ينظر إلى األمام وال يدفع اإلنس������انية إلى هذا‬ ‫النظر‪ ،‬بل يكتفي بالع������ودة إلى الوراء‪ ،‬ويعتقد‬ ‫أن األزمنة الغابرة ق������د بلغت حد الكمال‪ ،‬وأن‬ ‫ما علينا سوى العودة إلى أحضان ذلك املاضي‬ ‫الذهبي بكل أوضاعه وثقافته وظروفه‪ ،‬وبهذا‬ ‫نك������ون قد ألغين������ا العقل البش������ري‪ ،‬فال حاجة‬ ‫بنا إلى معرف������ة أو اختراع أو تفكير‪ ،‬بل كل ما‬ ‫نحتاج إليه إذا اجتاحتنا مشكلة‪ ،‬أن نرجع إلى‬ ‫أق������وال املذاهب الفقهية‪ ،‬حتى نعثر على احلل‬ ‫املطلوب‪.‬‬ ‫ول������و نظر هؤالء في كت������اب الله لوجدوا أن‬ ‫آي������ات األح������كام ال تتجاوز ‪ 500‬آية في أش������د‬

‫‪112‬‬

‫‪8/26/13 9:16:38 AM‬‬

‫اإلحصاءات تكثراً‪ ،‬وم������ن املعروف أن احلدود‬ ‫التي وضعها القرآن لم تزد على ‪ 5‬حدود‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫السرقة والقذف وقطع الطريق والزنا والقتل‪،‬‬ ‫ولو تضمن القرآن والس������نّة معاً كل ش������يء في‬ ‫التشريع‪ ،‬ملا احتاج املسلمون إلى أقوال اخللفاء‬ ‫الراش������دين وغيره������م من الصحاب������ة‪ ،‬ولو كان‬ ‫هذا كافياً ملا احتاج املس������لمون إلى اجتهادات‬ ‫التابعني‪ ،‬ولو كان هذا كافياً ملا احتاج املسلمون‬ ‫إلى اجتهادات املذاهب الفقهية‪ ،‬بعد أن تغ َّيرت‬ ‫حياة املسلمني في املدينة بعد وفاة النبي صلى‬ ‫الله عليه وسلم‪ ،‬واستجدت مسائل كثيرة لم تكن‬ ‫في زمن اخللفاء الراشدين‪ ،‬ثم تغ َّيرت حياتهم‬ ‫في احلجاز عنها في الشام‪ ،‬إلى الدرجة التي‬ ‫جعلت الش������افعي يغ ِّير مذهبه في س������فرته من‬ ‫العراق إلى مصر وأخذ ينشر مذهبه اجلديد‪،‬‬ ‫ويج������ادل مخالفي������ه‪ ،‬ويعلِّم ط���ل��اب العلم‪ ،‬بعد‬ ‫أن أعاد تصنيف كتاب «الرس������الة» الذي كتبه‬ ‫للم������رة األولى في بغداد‪ ،‬وال عجب إذن في أن‬ ‫نرى املسلمني وقد أخذوا قوانني األعاجم من‬ ‫بالد الفرس والروم‪ ،‬عندما فتحوا تلك البالد‬ ‫واس������تقر بهم احلال فيها‪ ،‬وصار إليهم حكمها‬ ‫وتدبي������ر ش������ئونها‪ ،‬فأخذوا عنهم التش������ريعات‬ ‫التي وضعوها في القضاء والدواوين واجليش‬ ‫والنق������د والبريد‪ ،‬ولم يقول������وا وقتها إنها بالد‬ ‫يدعوا أنهم يس������تمدون تشريعاتهم‬ ‫كافرة‪ ،‬ولم َّ‬ ‫من القرآن‪ ،‬رغم أنه كان حياً بني ظهرانيهم‪.‬‬ ‫لق������د اكتف������ى اإلس���ل��ام بتنصي������ب الغايات‬ ‫األخالقي������ة الس������امية وحث املس������لمني على أن‬ ‫يحاولوا حتقيقها في كل تش������ريع يسنونه بقدر‬ ‫ما متكنهم ظروفه������م وأحوالهم من هذا‪ ،‬وترك‬ ‫لهم وضع الوس������ائل والطرق الت������ي يصلون بها‬ ‫إل������ى تلك الغاي������ات‪ ،‬وقد جتلى ذل������ك في قول‬ ‫النب������ي صلى الله عليه وس������لم «أنتم أعلم بأمور‬ ‫دنياكم»‪ ،‬وذلك في معرض حديثه مع مجموعة‬ ‫من الصحابة في حديث تأبير النخل الش������هير‪،‬‬ ‫عندما م������ر النبي صلى الله عليه وس������لم بقوم‬ ‫يأب������رون النخل (أي يلقحون������ه)‪ ،‬فقال «ما أظنه‬ ‫يغني ش������يئاً»‪ ،‬فتركوه‪ ،‬فخرجت نخلتهم بسرا‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 109-113.indd 112‬‬


‫أي رديئة‪ ،‬فراجعوا النبي صلى الله عليه وسلم‪،‬‬ ‫فق������ال قولته «إمنا أنا بش������ر‪ ..‬أنتم أعلم بأمور‬ ‫دنياكم» (صحيح مسلم)‪.‬‬ ‫ولعل هذا يثير مش������كلة الفصل بني س������لطة‬ ‫الدين ف������ي األخ���ل��اق والعقائد‪ ،‬وب���ي��ن حدوده‬ ‫في ش������ئون املعاش مثل امللكي������ة وفوائد األموال‬ ‫املودع������ة في البنوك واملواريث والبيع والش������راء‬ ‫والزواج والطالق‪ ،‬ويأتي موقف اخلليفة الثاني‬ ‫عمر بن اخلطاب‪ ،‬عندما أوقف العمل بس������هم‬ ‫«املؤلفة قلوبهم»‪ ،‬ليدلل على هذا الفصل‪ ،‬وكان‬ ‫س������هم املؤلفة قلوبهم هو السهم الذي يُدفع من‬ ‫أموال الزكاة إلى زعماء القبائل وشيوخ العشائر‪،‬‬ ‫اتقا ًء لش������رهم‪ ،‬إال أن عمر رأى أن اإلسالم قد‬ ‫أصبح في غنى وعز عن اس������تمالة قلوب هؤالء‬ ‫بأموال املسلمني‪ ،‬فأقدم في شجاعة ال يجاريه‬ ‫فيه������ا كثير من مدعي التجديد اآلن‪ ،‬على إلغاء‬ ‫فرض من ف������روض الله بالنظ������ر إلى املصلحة‬ ‫التي أوالها عمر اجتهاده‪ ،‬مستنداً في ذلك إلى‬ ‫أن أوام������ر القرآن ونواهي������ه ال تؤخذ دائماً على‬ ‫اإليجاب والتح������رمي كما يظن البعض‪ ،‬بل تتنوع‬ ‫هذه األوامر والنواهي إلى درجات متفاوتة من‬

‫اإليجاب والندب واإلباحة والكراهة والتحرمي‪،‬‬ ‫وه������و ما تعارف عليه علم������اء األصول بعد ذلك‬ ‫باألحكام اخلمسة‪.‬‬ ‫إذن ذهب عمر بن اخلط������اب إلى أن يبطل‬ ‫تش������ريعاً عندما وجد أن الظ������روف قد تغ َّيرت‬ ‫ولم تعد تس������مح بتطبيق������ه‪ ،‬ولم يكن ليفعل هذا‬ ‫لوال أنه فقيه عالم مببدأ املصلحة العامة‪ ،‬التي‬ ‫تُعد إحدى الغايات التش������ريعية التي قام عليها‬ ‫اإلس���ل��ام‪ ،‬وما فعله اخلليف������ة الثاني كان ضمن‬ ‫م������دى اقتناعه بأن أح������وال أمته قد تغ َّيرت عن‬ ‫الس������ياق العام الذي أتى فيه الن������ص القرآني‪،‬‬ ‫مبا يفرض تعديل التش������ريع ليناس������ب السياق‬ ‫اجلديد‪.‬‬ ‫النويهي يصل في حتليله النهائي إلى أن هذا‬ ‫التغيير اجلذري في فهم عالقتنا بالدين هو ما‬ ‫نحتاج إليه اليوم بش������دة‪ ،‬بعدما بات االقتصار‬ ‫على اإلصالح اجلزئي غير ٍ‬ ‫كاف‪ ،‬ومن دون ذلك‬ ‫لن يتسنى لنا التغيير املطلوب في سائر ميادين‬ ‫العلم والثقافة والفلس������فة واالجتماع والسياسة‬ ‫واالقتص������اد‪ ،‬إال بعد تغيير فه������م الناس ملاهية‬ ‫الدين وأثره في حياتهم ومجتمعاتهم >‬

‫ي � � � ��ا ق� � � �ل�� � � ُ�ب ك� � � � � � ْ�م ذا اخل� � � � �ف � � � ��وق وال � � �ق � � �ل� � ��قُ‬ ‫َه� � � � ��ا َق� � � � � � ْ�د َرث� � � � � � � � � ْوا َر ْح� � � � � َ�م� � � � ��ة ً َو َق � � � � � � � � ْ�د َر َف� � � ��قُ � � � ��وا‬

‫�ك َ‬ ‫ِن � � � � � ْل� � � � ��تَ أَ َم� � � � � ِ�ان�� � � � �ي� � � � � َ‬ ‫واأل َم� � � � � � � � � � � � � ��انَ ِب � � � ِ�ه � � � ْ�م‬ ‫َ‬ ‫وزال‬

‫َ‬ ‫ذاك‬

‫ال � � �ـ � � �ـ � � �ف � � �ـ � � �ـ� � ��راقُ‬

‫وال� � �ـ� � �ـ� � �ف� � �ـ� � �ـ� � �ـ� � � َرقُ‬

‫�دوم َل � � � � � � � َ‬ ‫�ك ال � � �ـ‬ ‫ف � � � � � � � � � ��ا ْد ُع إل� � � � � ��ى ال � � � �ل� � � ��ه َي � � � � � � � � � � ُ‬ ‫�ود َو َم� � � � � � � � � � ��ا شَ � � � � � � � � � � ��ا َء َب � � � � � � ْ�ع � � � � � � ُ�د َي � � � ��تَّ � � � � ِ�ف � � � ��قُ‬ ‫ـ � � � � � � � � � ُّ‬

‫وأن � � � � � � � � ��ت ي� � � � � ��ا ط� � � � ��رف� � � � ��ي ال� � � � �ق � � � ��ري � � � ��ح أس� � � ��ى‬ ‫َ‬ ‫ب � �ـ � �ـ � �ـ � �ش � �ـ � �ـ� � َ‬ ‫�اء واألرقُ‬ ‫�راك‬ ‫زال ال � �ـ � �ـ � �ب � �ـ � �ـ � �ـ � �ك � �ـ � �ـ � �ـ � �ـ� � ُ‬

‫‪113‬‬

‫‪8/26/13 9:16:43 AM‬‬

‫‪oct 109-113.indd 113‬‬


‫شخصيات‬

‫الشيخ يوسف بن عيسى القناعي‬ ‫(‪1973 - 1878‬م)‬ ‫فاضل خلف *‬ ‫ف ��ي ع ��ام ‪ 1943‬وجدتن ��ي‬ ‫طالب ��ا ف ��ي املدرس ��ة املباركي ��ة‪,‬‬ ‫نقلت إليها من املدرسة الشرقية‬ ‫وكان للمدرس ��ة املباركي ��ة دوي‬ ‫علمي باهر وصي ��ت أدبي طائر‬ ‫ل ��م يك ��ن مثلهم ��ا للم ��دارس‬ ‫األخرى بالكويت‪ ،‬وكان أستاذنا‬ ‫ف ��ي اللغ ��ة العربي ��ة (‪ )1‬يحثنا‬ ‫عل ��ى الق ��راءة ويصطحبن ��ا‬ ‫للمكتب ��ة نق ��رأ ف ��ي مختل ��ف‬ ‫الكتب واملجالت الثقافية‪.‬‬ ‫وف ��ي مكتب ��ة املباركية قرأت‬ ‫ع ��ن جه ��ود الش ��يخ يوس ��ف بن‬ ‫عيس ��ى القناعي لتحويل حلم‬ ‫ه ��ذه املدرس ��ة إل ��ى حقيقة في‬ ‫الع ��ام ‪ ،1911‬فق ��د دع ��ا رج ��ال‬ ‫الكوي ��ت الك ��رام إل ��ى التب ��رع‬ ‫لتأسيس مدرس ��ة نظامية وقد‬ ‫تول ��ى إدارته ��ا والتعلي ��م فيه ��ا‬ ‫وكان ل ��ه أثر عظيم ف ��ي انبثاق‬ ‫األفكار احل ��رة والعلوم النافعة‬ ‫في س ��مائها‪ ،‬كما أش ��ار الش ��يخ‬ ‫عبدالعزيز الرش ��يد ف ��ي كتابه‬ ‫«تاريخ الكويت»‪.‬‬ ‫* شاعر وكاتب من الكويت‬

‫‪114‬‬

‫‪8/26/13 9:43:04 AM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 114-117.indd 114‬‬


‫ويذك������ر القناع������ي في كتابه الش������هير‬ ‫«صفح������ات م������ن تاري������خ الكويت» عن‬ ‫فكرة إنش������اء أول مدرسة في الكويت‬ ‫«املباركية» فيقول‪:‬‬ ‫في أثناء االحتفال باملولد النبوي الش������ريف‬ ‫قام الس������يد ياس���ي��ن طبطبائ������ي وألق������ى كلمة‪،‬‬ ‫خالصتها‪« :‬ليس القصد من مولد النبي حالوة‬ ‫املولد وإمنا القصد االقت������داء مبا جاء به النبي‬ ‫صلى الله عليه وس������لم من األعمال اجلليلة‪ ،‬وال‬ ‫ميكننا االقتداء به إال بعد العلم بسيرته‪ ،‬والعلم‬ ‫ال يأتيك������م اليوم إال بفتح املدارس املفيدة وإنقاذ‬ ‫األمة من اجلهل»‪.‬‬ ‫ومن هنا انبثقت فكرة املدرس������ة التي تخرج‬ ‫فيها رجال مش������اهير في الدولة وس������اهمت في‬

‫تط������ور الكويت من مرحلة ال ُكتّاب إلى املدرس������ة‬ ‫النظامي������ة‪ .‬ب������ل إنه فك������ر في تطوير املدرس������ة‬ ‫املباركي������ة بتدريس اللغ������ة اإلجنليزي������ة والعلوم‬ ‫الشيخ يوسف بن عيسى القناعي (‪1973 - 1878‬م)‬

‫‪8/26/13 9:43:09 AM‬‬

‫واجلغرافيا إلى جانب النحو والصرف والتجويد‬ ‫وحفظ القرآن‪ ،‬ولكنه‪ ،‬واجه مشاكل كثيرة‪ ،‬حيث‬ ‫أشاع بعض شيوخ اإلصالح أن هذا ال يجوز‪.‬‬ ‫ولذلك اتفق مع الش������يخ عبدالعزيز الرشيد‬ ‫عل������ى تأس������يس مدرس������ة األحمدية الت������ي تقوم‬ ‫بتدريس العل������وم احلديثة واللغة األجنبية فأقبل‬ ‫الط���ل��اب عليها وتخ������رج فيها الكثي������ر وحققت‬ ‫املدرسة تطوراً في الفكر ونهضة في املجتمع‪.‬‬ ‫ودعا القناعي لفكرة إرسال البعثات العلمية‬ ‫إل������ى الع������راق للدراس������ة فكان������ت أول بعثة عام‬ ‫‪1924‬م‪ ،‬يذه������ب الط���ل��اب الكويتيون للدراس������ة‬ ‫هناك ويعودون بالش������هادات العلمية‪ ،‬حتى اتسع‬ ‫األمر في ما بعد وانفتحت البعثات إلى مختلف‬ ‫الدول العربية واألجنبية‪.‬‬ ‫ه������ذا الرجل اس������تطاع أن‬ ‫يس������جل إجن������ازات كبي������رة في‬ ‫تاريخ الكويت حتولت اآلن إلى‬ ‫مآثر عظيمة ال ميكن أن يغفلها‬ ‫باحث أو دارس لألدب والتاريخ‬ ‫واحلياة السياسية واالجتماعية‬ ‫في الكويت‪.‬‬ ‫وال ش������ك ف������ي أن طفول������ة‬ ‫القناعي كان له������ا أثر كبير في‬ ‫من������و ثقافت������ه واس������تنارة وعيه‬ ‫وإقبال������ه على العل������وم احلديثة‬ ‫والنظ������م التربوية التي س������ادت‬ ‫هذا العصر‪.‬‬ ‫هل تتصور هذا الرجل الذي‬ ‫ولد في الكويت وعمل مع والده‬ ‫في التجارة التي تنقل البضائع‬ ‫للهند وإفريقيا وسافر معه في‬ ‫رحالته التجارية بالبحر يحفظ‬ ‫القرآن الك������رمي وهو مازال في‬ ‫السادس������ة من عم������ره؟ بل تعلم‬ ‫بعضا من مب������ادئ قواعد اللغة‬ ‫العربية واحلس������اب واجته إلى‬ ‫دراسة الفقه وكان من أساتذته‬ ‫ش������يوخ وعلماء منهم عبدالله خالد العدس������اني‬ ‫وعبدالله خلف الدحيان وغيرهما‪.‬‬ ‫كذلك كانت له ثقافته اخلاصة التي ساهمت‬

‫‪115‬‬

‫‪oct 114-117.indd 115‬‬


‫في ارتقاء تفكيره وحرصه على العلم‪ ،‬حيث أقبل‬ ‫على قراءة كتب التاريخ وشعر بأن لديه رغبة في‬ ‫تس������جيل أحداث الكويت فقدم كتابه «صفحات‬ ‫من تاريخ الكويت»‪ ،‬للناشئة واألجيال اجلديدة‪،‬‬ ‫وفي احلقيقة أصب������ح هذا الكتاب يقتنيه الكبار‬ ‫قبل الطالب ويهتم به الباحثون قبل القراء‪.‬‬ ‫ق������رأ مؤلفات كب������ار علم������اء اللغ������ة والدين‬ ‫ومش������اهير األدب والشعر وقد تأثر بأفكار كبار‬ ‫رج������ال الدعوة واإلص���ل��اح االجتماعي والديني‬ ‫والسياسي‪ ،‬وسافر إلى األحساء والبصرة ومكة‬ ‫املكرمة ليواصل دراسته ويقرأ هناك على العلماء‬ ‫حتى حقق تفوقاً في علوم القرآن واكتسب علماً‬ ‫غزيراً وعزم على نشره بالكويت‪.‬‬ ‫ولذلك افتتح مدرس������ة خاصة لتعليم القرآن‬ ‫الكرمي واللغ������ة العربية واحلس������اب ووقف أمام‬ ‫تالمي������ذ الكوي������ت املعل������م الوحيد في املدرس������ة‬ ‫ينشر العلم والثقافة ويحلم بنهضة كبرى لوطنه‬ ‫الكويت‪ ،‬فكانت فكرة تأس������يس أول مكتبة أهلية‬ ‫إجنازا آخر لهذا الرج������ل املفكر واملصلح وأحد‬ ‫رواد النهضة وذلك في العام ‪1923‬م‪.‬‬ ‫إجنازات ه������ذا العالمة ال تتوقف‪ ،‬فكان أول‬ ‫من س������اهم في املجلس التش������ريعي األول ‪1921‬‬ ‫واملجلس التش������ريعي التالي ع������ام ‪ 1938‬ثم بعد‬ ‫زيارة له بالبحرين ش������اهد جتربة دائرة البلدية‬ ‫هن������اك فقام بتأسيس������ها بالكوي������ت‪ ،‬وكانت أول‬ ‫دائرة حكومية في الع������ام ‪ 1930‬وأصبح عضواً‬ ‫في املجالس البلدية التي أنشئت عقب تأسيس‬ ‫البلدية‪ ،‬كما كان عضواً في أول مجلس للمعارف‬ ‫ومديراً فخرياً‪.‬‬ ‫أصب������ح الش������يخ القناعي م������ن رواد النهضة‬ ‫ومؤرخ������اً ألحداث الكوي������ت ومدي������راً للمعارف‬ ‫يخط������ط للمش������اريع العلمي������ة ويرس������ل البعثات‬ ‫للخارج‪ ،‬بل إنه تولى القضاء بعد رحيل الش������يخ‬ ‫عبدالله خلف الدحيان ولم يلهث ويركض خلف‬ ‫هذه املناصب ولكنها ُعرضت عليه من قبل حاكم‬ ‫الكويت ف������ي ذلك الوقت الش������يخ أحمد اجلابر‬ ‫الصباح‪ ،‬حتى أن القناعي اعتذر في بداية األمر‬ ‫عن قبول القضاء‪.‬‬ ‫كلما فكرت في حي������اة هذا الرجل أصابتني‬ ‫الدهش������ة ملس������يرته الثقافية والعلمية وإجنازاته‬

‫‪116‬‬

‫‪8/26/13 9:43:18 AM‬‬

‫ومشاريعه لتحقيق أفكاره التي اتسمت باحلكمة‬ ‫والتجرب������ة احلياتي������ة العميقة واخلب������رة بطباع‬ ‫النفوس وأح������وال الناس واملعرفة بتاريخ منطقة‬ ‫اخلليج والعالم اإلسالمي‪.‬‬ ‫فلم تك������ن هناك مش������كلة إال وجتمعوا حوله‬ ‫لالس������تنارة بآرائه املوضوعية وأحكامه العادلة‬ ‫وفضائله االجتماعية ومآثره اإلنسانية‪ ،‬إنه أحد‬ ‫الرجال الذين عاش������وا من أجل الكويت دون أن‬ ‫تكون له مآرب شخصية أو نوازع ذاتية‪.‬‬ ‫وت������رى ديوان������ه بعد صالة العص������ر مزدحماً‬ ‫بالشعراء واملثقفني وأصحاب القضايا والباحثني‬ ‫عن فتوى ألمر ما‪ ،‬فقد كانت آراؤه سديدة ورؤيته‬ ‫نابعة من الفقه اإلس���ل��امي وكتاب الله والس������نّة‬ ‫احملمدية دون تط������رف أو تعصب أو مبالغة في‬ ‫األحكام‪.‬‬ ‫وال ميك������ن أن ننس������ى أن������ه ش������اعر موهوب‬ ‫رغ������م أن اجتاهاته كانت ف������ي األغراض الدينية‬ ‫واإلخواني������ات واملوعظ������ة والدع������وة إل������ى العلم‬ ‫ومهاجم������ة أصحاب العق������ول املتجم������دة الذين‬ ‫يرفضون التنوير والثقافات اجلديدة واالطالع‬ ‫على جتارب الشعوب التي تقدمت في احلياة‪.‬‬ ‫وكان يس������تمع إلى احلض������ور ويناقش معهم‬ ‫القضايا السياس������ية الس������ائدة في تل������ك الفترة‬ ‫ويق������رأ عليهم بعضاً من أش������عاره‪ ،‬فيقول حلاكم‬ ‫الكويت الش������يخ عبدالله الس������الم يهنئه في عيد‬ ‫االستقالل‪:‬‬

‫أه� �ن� �ي�� َ‬ ‫�ك ف� ��ي ع� �ي ��د ال�� �ت�� �ح�� � ّر ِر كلما‬ ‫ب� ��دا ط��ال��ع ل �ل �ش �م��س ف ��ي ك ��ل مشرقِ‬ ‫وأرج� � ��و ل ��ك ال �ت��وف �ي��ق م ��ادم ��ت ساملا‬ ‫ت � �ق� ��وم ب � �ع� ��دل ف � ��ي ال� � �ب �ل��اد وت��ت��ق��ي‬ ‫وإن� � � ��ي أه� � � ّن � ��ي ال� �ش� �ع���ب ف� �ي���ك ألن���ه‬ ‫ي� ��رى أن� ��ك امل � ��اء ال � ��ذي م �ن��ه يستقي‬ ‫ويع ّب������ر ع�� مش������اعره الوطني������ة حينما فكر‬ ‫عبدالكرمي قاسم بضم الكويت للعراق في العام‬ ‫‪ 1961‬فقال‪:‬‬

‫خ� ��دع� ��وك ي� ��ا ع� �ب ��دال� �ك ��رمي بقولهم‬ ‫أن� � ��ت ال� ��زع � �ي� ��م األوح � � � � ��دي ال� �ع ��ال � ُ�م‬ ‫واحل � � � ��ق أن�� � ��ك أح� � �م � ��ق ب� � ��ل ج� ��اه� � ٌ�ل‬ ‫م� �س� �ت� �ك� �ب ��ر م� �س� �ت� �ه� �ت ��ر‪ ،‬ب� � ��ل ظ� ��ال� � ُ�م‬ ‫وم������ن أش������عاره االجتماعية ع������ن مكانة األم‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 114-117.indd 116‬‬


‫وحبه لها يقول‪:‬‬

‫ه� � �ن� � �ي� � �ئ� � � ًا ل � � � �ل� � � ��ذي حت� � �م� � �ي � ��ه ٌأم‬ ‫ي�� � ��راه�� � ��ا ب � � ��ال� � � �غ � � ��داة وب� � ��األص � � �ي� � � ِ�ل‬ ‫�رام‬ ‫ي � �ح � �ي � �ي � �ه� ��ا ب� � �ل� � �ط � ��ف واح � � � � �ت� � � � � ٍ‬ ‫العليل‬ ‫وع � �ط� � ٍ�ف ك ��ال� �ش� �ف� �ي � ِ�ق ع� �ل ��ى‬ ‫ِ‬

‫ومن أروع القصائد الت������ي يصف فيها كفاح‬ ‫الكويتيني أثن������اء الرحالت بالس������فن عبر الهند‬ ‫وإفريقي������ا يخاطب جبال اس������مه «س���ل��اما» يقع‬ ‫بالقرب م������ن مضيق هرمز‪ ،‬حي������ث متر بجواره‬ ‫س������فن التجارة‪ ،‬وقد ع������اش القناع������ي التجربة‬ ‫ورس������م صورة تسجل مش������اهد للتراث البحري‬ ‫الكويتي وتص������ف رحلة األجداد وكفاحهم وكيف‬ ‫استطاعوا مقاومة البحر وأهواله‪ ،‬وعن صفات‬ ‫أهل الكوي������ت الذين يتس������مون بالك������رم وإغاثة‬ ‫املنكوب والعطف على اليتامى واملساكني‪ .‬فكتب‬ ‫يقول‪:‬‬

‫ب � � ��رب � � ��ك ح � ��دث� � �ي� � �ن � ��ي ي� � � ��ا س�ل��ام� ��ا‬ ‫ع�� ��ن اآلب � � � � ��اء ب ��ال� �س� �ف ��ن ال � �ق� ��دام� ��ى‬ ‫أَ ُه� � � � � � � � ْ�م أم� � �ث � ��ال� � �ن � ��ا ف � � ��ي ك � � ��ل ح � ��ال‬ ‫أو ام � � �ت� � ��ازوا ب� �ف� �ض ��ل ق� ��د ت� �س ��ام ��ى؟‬ ‫وه � � ��م م� � � ��روا ع� �ل� �ي ��ك م � ��ع ال� �ت� �ح ��اي ��ا‬ ‫ب� � �ط�� ��ول ح � �ي� ��ات � �ه� ��م ع�� ��ام�� ��ا ف� �ع ��ام ��ا‬ ‫وس � � � � �م� � � � ��وك ب�� � � �ه� � � ��ذا االس� � � � � � � ��م مل���ا‬ ‫جن � � ��وا م � ��ن ل � ��ج ب � �ح� ��ر ق � ��د تطامى‬ ‫واص� ��دق � �ي � �ن� ��ي‬ ‫ه� �ل� �م���ي ي� � ��ا س �ل��ام � ��ا ْ‬ ‫وال خ� � � � ��وف ع � �ل � �ي� ��ك وال م �ل�ام� ��ا‬ ‫ف � � �ق� � ��ال� � ��ت‪ :‬إن�� � �ه� � ��م أوف � � � � � ��ى ب� �ع� �ه ��د‬ ‫وأح�� � �ن� � ��ى ل� �ل� �ض� �ع� �ي ��ف ول� �ل� �ي� �ت ��ام ��ى‬ ‫وأك� � � � � � ��رم م � �ن � �ك� ��م ل � �ل � �ض � �ي� ��ف ح� �ت ��ى‬ ‫غ�� � ��دوا ف � ��ي م� �س� �م ��ع ال� ��دن � �ي� ��ا ك ��رام ��ا‬ ‫وأش�� � �ج� � ��ع م � �ن � �ك� ��م إن ص� � � ��ال ع� � � ٍ�اد‬ ‫ع� �ل ��ى ال� ��وط� ��ن ال� �ع ��زي ��ز وإن ت ��رام ��ى‬

‫ومؤلفات هذا الرائد مازالت لها قيمتها األدبية‬ ‫والتاريخي� � ��ة وتعتب� � ��ر مرجعاً لكثير م� � ��ن الباحثني‬ ‫والطالب والدارسني والقراء‪ ،‬هذا رجل استطاع‬ ‫أن يحفر اسمه بحروف من نور في تاريخ الكويت‪،‬‬ ‫وال ميكن أن تكتب عن تاريخ رجال الكويت س� � ��واء‬ ‫من املفكرين أو من الشعراء أو األدباء أو املؤرخني‪،‬‬ ‫دون أن تتوقف أمام إجنازات الشيخ القناعي ألنه‬ ‫يشمل كل هذه االجتاهات‪.‬‬ ‫الشيخ يوسف بن عيسى القناعي (‪1973 - 1878‬م)‬

‫‪8/26/13 9:43:23 AM‬‬

‫وأمتنى أن نعيد طباعة مؤلفاته حتى ال تظل‬ ‫ف������ي املكتبات دون أن يدرس������ها ط���ل��اب الكويت‬ ‫ويستلهمون العظات واملواقف الكبيرة ويتعلمون‬ ‫أجمل دروس الوطنية والوالء للكويت احلبيبة‪.‬‬ ‫فهناك املذكرة الفقهية‪ :‬وهي رسالة موجزة عن‬ ‫قضايا الفقه اإلسالمي‪ ،‬وكذلك كتاب «امللتقطات»‬ ‫ال� � ��ذي احتوى عل� � ��ى بعض املعلوم� � ��ات التي أعجب‬ ‫بها الش� � ��يخ القناعي وح� � ��اول أن يقدمها للقراء من‬ ‫أشعار وحكم وأقاصيص متدنا بالدروس األخالقية‬ ‫والفائدة الذهنية‪.‬‬ ‫أما كتابه «صفحات من تاريخ الكويت» فقد‬ ‫قرأت������ه كثيرا ليس فق������ط لالطالع على أحداث‬ ‫الكوي������ت ولكن للتعرف على اجلانب اإلنس������اني‬ ‫والثقافي للمجتمع ورجال������ه خالل تلك الفـترة‪،‬‬ ‫والكتاب يتميز باملصداقية ألنه كتب عن أحداث‬ ‫عاصرها وس������اهم فيه������ا‪ ،‬ويقول ف������ي مقدمة‬ ‫الكتاب‪« :‬فهذه نبذة يس������يرة م������ن تاريخ الكويت‬ ‫ألفته������ا ألبناء املدارس مبتدئ������ا فيها من صباح‬ ‫األول‪ ،‬وختمته������ا بوفاة مبارك بن صباح س������نة‬ ‫‪ 1334‬وأرج������أت تاريخ من بع������ده إلى وقت آخر‬ ‫إن سنحت لي الفرصة‪ ،‬وقد اعتمدت فيها على‬ ‫ما ش������اهدته ثم النقل عن اآلباء فنقل اآلباء عن‬ ‫أسالفهم»‪.‬‬ ‫وكان رحيل العالم� � ��ة الكبير في يوم اخلميس‬ ‫الس� � ��ادس من يوليو ‪ 1973‬عن عمر ناهز الس� � ��تة‬ ‫والتس� � ��عني عاما‪ ،‬وق� � ��د بكت عليه امل� � ��دارس التي‬ ‫س� � ��اهم في تأسيس� � ��ها وطالبه الذي� � ��ن د َّرس لهم‬ ‫ومنحه� � ��م حرية الفكر وتعلموا من� � ��ه الدرس األول‬ ‫في احلي� � ��اة‪ ،‬اإلميان العميق بالل� � ��ه واألخذ بالعلم‬ ‫والتطور واحلضارة‪.‬‬ ‫ال ش� � ��ك في أن هناك جوان� � ��ب كثيرة في حياة‬ ‫الشيخ يوسف بن عيسى القناعي قد أكون أغفلتها‬ ‫ولكن أعتقد أن لدينا كتباً كثيرة تتحدث عن س� � ��ير‬ ‫الرجال العظام في تاريخ الكويت‪ ،‬وعلينا أن نقدم‬ ‫ه� � ��ذه الكتب إلى األجي� � ��ال اجلدي� � ��دة لتكون على‬ ‫اطالع دائم برجال الكويت األشداء الذين ساهموا‬ ‫في نهضتها العلمية والثقافية‪.‬‬ ‫رحم الله الشيخ القناعي وأسكنه فسيح جناته‬ ‫رج ً‬ ‫ال ال يُنسى في تاريخ الكويت‪.‬‬ ‫(‪ )1‬صابر اجلمل (مصري) يرحمه الله >‬

‫‪117‬‬

‫‪oct 114-117.indd 117‬‬


‫قضايا عامة‬

‫القضاء في اإلسالم‬ ‫سعد السعدني *‬ ‫يعتبر النظام القضائي اإلس� �ل��امي من‬ ‫أعظ� � ��م النظم القضائي� � ��ة املكتوبة منذ‬ ‫أكثر من أل� � ��ف وأربعمائة ع� � ��ام‪ ،‬إذ إن‬ ‫تطبيق� � ��ات النظام القضائي اإلس� �ل��امي قد ولدت‬ ‫مبيالد رس� � ��الة اإلس� �ل��ام‪ ,‬كما أن فقهاء املسلمني‬ ‫د َّونوا نظاماً قضائي � � �اً دقيقاً أفرزوه في مدوناتهم‬ ‫وكتبهم القضائية ورس� � ��ائلهم الفقهية‪ .‬وقد انتهج‬ ‫نهجهم فقهاء القان� � ��ون املعاصرون‪ ،‬وال نكاد جند‬ ‫فرقاً شاس� � ��عاً بني النهجني إال في اآلراء واملسائل‬ ‫املستحدثة حالياً‪.‬‬

‫‪ -1‬تعريف القضاء لغة‪:‬‬

‫معن� � ��ى القضاء هو احلكم‪ ،‬وه� � ��ي كلمة مفردة‬ ‫وجمعه� � ��ا أقضية‪ ،‬والقضاء مص� � ��در وفعله قضى‬ ‫�ان كثيرة في‬ ‫يقض� � ��ي وفاعله قاض‪ .‬وللقضاء مع� � � ٍ‬ ‫اللغة وهو احلكم واألم� � ��ر واإللزام واملنع واالنتهاء‬ ‫والف� � ��راغ واألداء‪ ،‬فيأتي مبعنى احلك� � ��م؛ قال الله‬ ‫�اض ِإ مَّنَا َتقْ ِض ��ي َه ِذ ِه‬ ‫تعال� � ��ى‪َ { :‬فاقْ ِض َم ��ا أَنْتَ َق � ٍ‬ ‫حْ َ‬ ‫الد ْن َيا} ‪ -‬سورة طه اآلية رقم ‪72‬‬ ‫ال َيا َة ُّ‬ ‫ضى َر ُّب َك أَ اَّل ت َْع ُب ُدوا‬ ‫‪ .‬ويكون مبعنى األمر‪َ { :‬و َق َ‬ ‫ِإ اَّل ِإ َّيا ُه} ‪ -‬سورة اإلسراء آية رقم ‪.23‬‬

‫ض ْي َن ��ا ِإ َل ��ى َب ِن ��ي‬ ‫ويك� � ��ون مبعن� � ��ى العهد؛{ َو َق َ‬ ‫رائ َ‬ ‫يل} ‪ -‬سورة اإلسراء آية رقم ‪ .4‬ويكون مبعنى‬ ‫إس ِ‬ ‫ْ‬ ‫َاس� � َك ُك ْ‬ ‫م} ‪ -‬س ��ورة‬ ‫احلكم واألداء‪َ { :‬ف ِإ َذا َق َ‬ ‫ض ْيتُ ْم َمن ِ‬ ‫البق ��رة آية رقم ‪ .200‬وهذه املعاني الس� � ��الفة تدور‬ ‫كلها حول إنهاء الشيء أو الفراغ منه قوالً أو فع ً‬ ‫ال‬ ‫وأحكاماً‪.‬‬

‫‪ -2‬تعريف القضاء شرع ًا‪:‬‬

‫وفق تعري� � ��ف األحناف فالقض� � ��اء هو الفصل‬ ‫في اخلصومات وقطع املنازع� � ��ات‪ .‬وعند املالكية‬ ‫هو اإلخبار عن حكم ش� � ��رعي واإلل� � ��زام به‪ .‬وعند‬ ‫الش� � ��افعية هو رفع اخلصومة بني خصمني فأكثر‬ ‫بحكم الله‪.‬‬ ‫وبرغ� � ��م اختالف الفقهاء ف� � ��ي تعريف القضاء‬ ‫فإن هذه التعريفات تدور جميعاً حول فكرة واحدة‬ ‫هي أن القضاء فص� � ��ل للخصومات بتبيان احلكم‬ ‫الشرعي فيها واإللزام‪ ،‬فالقضاء كاشف عن حكم‬ ‫الله وال ينشئه‪.‬‬

‫‪ -3‬تعريف القضاء عند رجال القانون‪:‬‬

‫باس� � ��تعراض تعريفات رجال القانون للقضاء‬

‫* كاتب وقانوني من مصر‬

‫‪118‬‬

‫‪8/27/13 12:25:17 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 118-123.indd 118‬‬


‫القضاء في اإلسالم‬

‫‪8/27/13 11:05:46 AM‬‬

‫‪119‬‬

‫‪oct 118-123.indd 119‬‬


‫جندها ال تخرج عن معناه في الفقه اإلس� �ل��امي‪،‬‬ ‫بالرغم م� � ��ن أن بعض الفقهاء ذهب� � ��وا في تعريف‬ ‫القضاء مذهباً ش� � ��كلياً‪ ،‬ومنهم م� � ��ن ذهب مذهباً‬ ‫موضوعي � � �اً‪ .‬إال أن فكرهم ذه� � ��ب إلى أن القضاء‬ ‫عبارة عن تنظيم رس� � ��مي يه� � ��دف إلى الفصل في‬ ‫املنازعات وفق � � �اً للقانون بأحكام قضائية تتس� � ��م‬ ‫باإللزام‪.‬‬

‫مشروعية القضاء‬

‫تعددت مص� � ��ادر التش� � ��ريع اإلس� �ل��امي التي‬ ‫أوردت مش� � ��روعية القضاء‪ ،‬وه� � ��ي الكتاب الكرمي‬ ‫والسنُّة واإلجماع‪.‬‬

‫‪ -1‬مشروعية القضاء في الكتاب الكرمي‪:‬‬

‫دل� � ��ت آيات كثيرة‪ ،‬في الق� � ��رآن الكرمي‪ ،‬داللة‬ ‫قاطعة على وجوب القض� � ��اء؛ من مثل قوله تعالى‬ ‫اح ُك ْم َب ْين َُه ْم‬ ‫لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪َ { :‬ف ْ‬ ‫ب ��ا أَ ْن� �ز ََل ال َّلهُ َو اَل تَتَّ ِب � ْ�ع أَ ْه َوا َء ُه ْم َع َّم ��ا َجا َء َك ِمنَ‬ ‫مِ َ‬ ‫تعالى‪{:‬إنَّا‬ ‫الَقِّ } ‪ -‬سورة املائدة آية رقم ‪ .48‬وقوله‬ ‫حْ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َقِّ‬ ‫َ‬ ‫با‬ ‫َّاس‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫َح‬ ‫ت‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ب‬ ‫َاب‬ ‫ت‬ ‫ْك‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ك‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫�ا‬ ‫�‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫ز‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫حْ‬ ‫ْ‬ ‫أَ ْ‬ ‫ِ ْ َ َ نْ‬ ‫ِ مِ َ‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫ِ ْ‬ ‫أَ َر َ‬ ‫يم ��ا} ‪ -‬س ��ورة‬ ‫اك ال َّل ����ُ َو اَل ت َُك � ْ�ن ِللْخَ ِائ ِن�ي� َ‬ ‫ن خَ ِص ً‬ ‫ود ِإنَّا‬ ‫او‬ ‫د‬ ‫�ا‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫{‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫وقوله‬ ‫‪.105‬‬ ‫�م‬ ‫�‬ ‫ق‬ ‫ر‬ ‫آية‬ ‫�اء‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫الن‬ ‫َ َ ُ ُ‬ ‫َ‬ ‫َج َع ْل َن � َ‬ ‫َّاس}‬ ‫اح ُك � ْ�م َب نْ َ‬ ‫ي الن ِ‬ ‫�اك خَ ِلي َف � ً�ة ِفي أْال ْر ِض َف ْ‬ ‫ س ��ورة ص آي ��ة رقم ‪ .26‬فه� � ��ذه اآليات احملكمات‬‫ج� � ��اءت مؤكدة عل� � ��ى وجوب القض� � ��اء وكان يتواله‬ ‫األنبياء‪.‬‬

‫‪ -2‬القضاء في السنُّ ة‪:‬‬

‫أوج� � ��ب رس� � ��ول الله صل� � ��ى الله عليه وس� � ��لم‬ ‫مش� � ��روعية القضاء سواء بأقواله أو بأفعاله؛ فقد‬ ‫قال‪ ،‬صلى الل� � ��ه عليه وس� � ��لم‪« :،‬إذا حكم احلاكم‬ ‫فاجته� � ��د فأصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد ثم‬ ‫أخطأ فله أجر»‪.‬‬ ‫وقول� � ��ه صلى الله عليه وس� � ��لم‪« :‬ال حس� � ��د إال‬ ‫في اثنتني رجل آتاه الله ماالً فس� � ��لطه على هلكته‬ ‫باحلق‪ ،‬ورج� � ��ل آتاه الله احلكم� � ��ة فهو يقضي بها‬ ‫ويعمل بها»‪.‬‬ ‫وأم� � ��ا الوجوب بأفعاله صلى الله عليه وس� � ��لم‬ ‫فقد جلس الرسول وقضى بني الناس في كثير من‬

‫‪120‬‬

‫‪8/27/13 11:05:49 AM‬‬

‫األمور‪ ،‬ولذلك يكون أول قاض في اإلس� �ل��ام كما‬ ‫أمر صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة بالقضاء‬ ‫وأرس� � ��ل العديد منهم إلى األمصار لتولية القضاء‬ ‫نياب� � ��ة عنه‪ .‬وقد فعل ذل� � ��ك مع علي بن أبي طالب‬ ‫ومعاذ بن جبل وعتاب بن أسيد‪.‬‬

‫‪ -3‬القضاء باإلجماع‪:‬‬

‫اإلجماع هو اتفاق الفقهاء على حكم ش� � ��رعي‬ ‫لواقعة ال يوجد لها حكم في الكتاب والسنُّة‪ .‬وقد‬ ‫أجم� � ��ع فقهاء اإلس� �ل��ام منذ صدر اإلس� �ل��ام على‬ ‫مش� � ��روعية القضاء وضرورته ولم يوجد اختالف‬ ‫ألح� � ��د على ذل� � ��ك‪ ،‬وقد تولى الصحاب� � ��ة بعد وفاة‬ ‫الرس� � ��ول صلى الله عليه وس� � ��لم القضاء واهتموا‬ ‫به‪ ،‬وأصبح من مظاهر س� � ��يادة الدول وسلطة من‬ ‫سلطاتها‪.‬‬

‫احلكم في الدخول للقضاء‬

‫فالقضاء ضرورة يحتّمها العيش في املجتمع‪،‬‬ ‫ول� � ��ذا فقد جعل� � ��ه الله أمراً واجباً وأمر به رس� � ��له‬ ‫وأنبي� � ��اءه وجعله منصباً نبوياً تواله س� � ��يدنا محمد‬ ‫صلى الله عليه وس� � ��لم وأواله ألصحابه فباش� � ��روه‬ ‫بأنفس� � ��هم‪ ،‬وعهدوا به ألحسن الرعية علماً وورعاً‬ ‫وتقوى‪ ،‬فهو فريضة محكمة‪ ،‬وس � � �نّة متبعة بل هو‬ ‫من أقوى الفرائض وأش� � ��رف العبادات‪ ،‬فالقضاء‬ ‫باحل� � ��ق ه� � ��و كش� � ��ف للعدال� � ��ة‪ ،‬وبالع� � ��دل قامت‬ ‫الس� � ��ماوات واألرض‪ ،‬ولذلك فال شرف في الدين‬ ‫بعد اخلالفة أش� � ��رف من مهمة الفصل بني الناس‬ ‫في خصوماته� � ��م واعتداءاتهم لقوله تعالى‪َ { :‬و َم ْن‬ ‫الا َو َق َ‬ ‫ص حِ ً‬ ‫ال‬ ‫م ْن َد َعا ِإ َلى ال َّل ِه َو َع ِم َل َ‬ ‫أَ ْح َس ��نُ َق ْو اًل مِ َّ‬ ‫َ‬ ‫ِإن َِّن ��ي ِمنَ المْ ُ ْس � ِ�ل ِمني} ‪ -‬س ��ورة فصلت آي ��ة رقم ‪.33‬‬ ‫اح ُك ْم َب ْين َُه ْم ِبال ِْق ْس ِط‬ ‫وقوله تعالى‪َ { :‬و ِإ ْن َح َك ْمتَ َف ْ‬ ‫ِإنَّ ال َّل� � َه ُي ِح ُّب المْ ُقْ ِس � ِ�ط َ‬ ‫ني} ‪ -‬س ��ورة املائدة آية رقم‬ ‫‪.42‬‬ ‫فالقض� � ��اء فرض واجب لقول� � ��ه تعالى ُ‬ ‫{كونُوا‬ ‫ني ِبال ِْق ْس � ِ�ط} ‪ -‬س ��ورة النس ��اء آي ��ة رقم ‪،135‬‬ ‫َق َّو ِام َ‬ ‫ولكنه فرض كفاية يس� � ��قط ع� � ��ن املجتمع إذا قام‬ ‫ب� � ��ه البعض وإن� � ��ه فرض ع� �ي��ن عل� � ��ى احلاكم‪ ،‬إذ‬ ‫يتعني عليه القيام بالوالية العامة تيس� � ��يراً للناس‪،‬‬ ‫والقضاء جزء م� � ��ن هذه الوالية‪ ،‬لهذا كان القضاء‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 118-123.indd 120‬‬


‫واجب � � �اً على احلاكم ويلزم القيام به بنفس� � ��ه أو أن‬ ‫حس� � ��ن خلقهم وتعلو مكانتهم‬ ‫يعهد به للغير ممن يَ ُ‬ ‫العلمي� � ��ة والذهنية‪ ،‬وإن احلاكم أو اإلمام مس� � ��ئول‬ ‫أمام الله عن اختيار أحسن الرعية لتولي القضاء‪،‬‬ ‫وق� � ��د يكون القضاء واجباً وق� � ��د يكون مندوباً وقد‬ ‫يكون مكروهاً وقد يكون حرام � � �اً‪ ،‬فإذا كان الفرد‬ ‫صاحل � � �اً للقيام ب� � ��ه وال يوجد من ه� � ��و أصلح منه‬ ‫فيكون واجب � � �اً عليه‪ ،‬ويكون مندوب � � �اً إذا كان هذا‬ ‫الف� � ��رد صاحلاً ولكنه أصلح به م� � ��ن غيره‪ ،‬ويكون‬ ‫مباحاً إذا اس� � ��توى الفرد مع غيره في الصالحية‬ ‫للقيام بالقضاء‪ ،‬وإذا كان الفرد صاحلاً لكن يوجد‬ ‫َمن هو أصلح منه يكون مكروهاً‪ ،‬وإذا لم يكن الفرد‬ ‫صاحل � � �اً للقضاء فإن توليته تك� � ��ون حراماً‪ .‬وعلى‬ ‫ذلك فقد انتهى إجماع الفقه إلى أن حكم القضاء‬ ‫يعتب� � ��ر واجباً كفائياً بحيث إذا تواله من هو أهل له‬ ‫سقط عن اآلخرين‪ ,‬وذلك بقولهم «القضاء واجب‬ ‫كفائي»‪ ,‬وليس واجباً عينياً‪ ،‬فالواجب العيني يكون‬ ‫متعيناً على كل املكلف� �ي��ن وإن الذي يتولى القضاء‬ ‫يسمى قاضياً‪.‬‬

‫مسئولية القضاء‬

‫فالدخول في القضاء محن� � ��ة وبلية ومن دخل‬ ‫به فقد ع َّرض نفسه لها‪ ،‬ألن التخلص منه عسير‬ ‫واله� � ��روب منه واجب‪ ،‬والس� � ��يما في ه� � ��ذا الوقت‬ ‫وطلبه حمق وإن كان حس� � ��بة‪ ،‬ولقد أولى اإلسالم‬ ‫القضاء املسئولية الكبرى أمام الله واملجتمع‪ ،‬فقد‬ ‫روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫ق� � ��ال‪« :‬من ُجع� � ��ل قاضياً فقد ُذبح بغير س� � ��كني»‪،‬‬ ‫فقيل‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬وما الذبح؟ قال‪« :‬نار جهنم»‪.‬‬ ‫وقوله صلى الله عليه وس� � ��لم‪« :‬إنا ال نستعمل على‬ ‫عملن� � ��ا من أراده»‪ .‬وقوله صلى الله عليه و س� � ��لم‪:‬‬ ‫«من ابتغى القضاء‪ ،‬واستعان عليه بالشفعاء‪ُ ،‬وكل‬ ‫إلى نفس� � ��ه‪ ،‬ومن أُكره عليه‪ ،‬أن� � ��زل الله عليه ملكاً‬ ‫يسدده ومنه من مال إلى اإلمارة وكل إليها‪ ،‬ومعناه‬ ‫ل� � ��م يعن على ما يتعاطاه واملتعاطي أبداً مقرون به‬ ‫اخلذالن‪ ،‬فمن دعى إلى عمل‪ ،‬أو إمامة في الدين‬ ‫فأقصى نفس� � ��ه عن تلك املنزل� � ��ة‪ ،‬وهاب أمر الله‪،‬‬ ‫رزق� � ��ه الله املعونة‪ .‬وهذا مبني على من تواضع لله‬ ‫رفعه الله‪.‬‬ ‫القضاء في اإلسالم‬

‫‪8/27/13 11:05:56 AM‬‬

‫فم� � ��ن الواجب على كل م� � ��ن ابتلي بالقضاء أن‬ ‫يكثر من التذلل لل� � ��ه واملراقبة له عند أمر أو نهي‬ ‫واألخذ بالش� � ��فقة على العباد‪ ،‬وقد روى الليث بن‬ ‫س� � ��عد عن الرس� � ��ول صلى الله عليه وس� � ��لم قال‪:‬‬ ‫«من ولي والية فأحس� � ��ن فيها أو أساء أُتي به يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬وقد غلت ميينه إلى عنقه‪ ،‬فإن كان عدالً‬ ‫في أحكامه‪ ،‬أطلق من أغالله وجعل في ظل عرش‬ ‫الرحم� � ��ن‪ ،‬وإن كان غير عدل ف� � ��ي أحكامه‪ ،‬غلّت‬ ‫شماله إلى ميينه فيسبح في عرقه حتى يغرق في‬ ‫جهن� � ��م»‪ ،‬وقوله صلى الله عليه و س� � ��لم‪« :‬القضاة‬ ‫ثالثة؛ واحد في اجلنة واثنان في النار‪ ،‬قاض علم‬ ‫احل� � ��ق وقضى به‪ ،‬وقاض علم احلق ولم يقض به‪،‬‬ ‫وقاض لم يعلم احلق ول� � ��م يقض به»‪ .‬وإنه ملا علم‬ ‫س� � ��لفنا الصالح ما في القض� � ��اء من ابتالء ومحنة‬ ‫فق� � ��د ف ّر عنه الكثير منه� � ��م وامتنعوا عن اجللوس‬ ‫للقضاء‪.‬‬ ‫وقد نقل عن عثمان بن عفان أنه قال لعبدالله‬ ‫ب� � ��ن عمر بن اخلطاب‪ :‬اقض ب� �ي��ن الناس‪ ،‬قال‪ :‬ال‬ ‫أقض� � ��ي بني رجل� �ي��ن ما بقيت‪ .‬ق� � ��ال‪ :‬لتفعلن ذلك‬ ‫ف� � ��إن أباك كان يقضي‪ .‬ق� � ��ال‪« :‬أبي كان أعلم مني‬ ‫وأنقى»‪.‬‬ ‫كذلك ما نقل عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت‬ ‫عندما دعاه هبيرة للقضاء فأبى‪ ،‬فحبسه وضربه‬ ‫أياماً‪ ،‬كل يوم عش� � ��رة أسواط وهو متمسك بإبائه‬ ‫إلى أن تركه‪.‬‬ ‫وممن أبى تولي� � ��ة القضاء في عهد أول خلفاء‬ ‫األندلس من بني أمية عبدالرحمن بن معاوية فقيه‬ ‫يدع� � ��ى مصعب بن عمران؛ إذ وقع اختيار اخلليفة‬ ‫علي� � ��ه وعرض علي� � ��ه القضاء فأب� � ��ى قبوله وتعذر‬ ‫بأعذار تعيقه عن� � ��ه‪ ،‬فحمله اخلليفة على القبول‪،‬‬ ‫وأصر مصعب على الرفض‪ ،‬فغضب اخلليفة وهاج‬ ‫وأطال اإلطراق ثم رفع رأس� � ��ه إليه‪ ,‬وقال‪ :‬اذهب‬ ‫عليك العفا وعلى الذين أش� � ��اروا بك‪ .‬ومما يحكى‬ ‫عن مس� � ��لمة بن زرعة أنه قال‪ :‬رأيت في األندلس‬ ‫قاضياً يدعى مهاجر بن نوفل القرش� � ��ي ما رأيت‬ ‫مثله في العبادة والورع ولقد بلغني في موته أعظم‬ ‫العجب‪ .‬أخبرنى به ثقات من أهل بلده‪ .‬وذلك أنه‬ ‫مل� � ��ا مات دفن في مقبرتهم لي ً‬ ‫ال‪ ،‬فلما أهيل التراب‬ ‫عليه سمعوا من القبر كالما فاستمعوا له فسمعوه‬

‫‪121‬‬

‫‪oct 118-123.indd 121‬‬


‫ينادي‪ :‬أنذركم ضي� � ��ق القبر وعاقبة القضاء‪ .‬قال‬ ‫فكش� � ��فوا عنه وظنوه حيا فوجدوه مكشوف الوجه‬ ‫ميتاً بحالته التي ُقبر بها‪.‬‬ ‫ويوجد العديد ممن أب� � ��وا تولي القضاء خوفاً‬ ‫ورهبة ال يس� � ��ع املقام لذكرهم جميعاً‪ ،‬ونسأل الله‬ ‫لنا ولهم العافية واملغفرة‪.‬‬

‫الترغيب في القضاء‬

‫فالقض� � ��اء أمر ض� � ��روري والزم حلي� � ��اة األمم‬ ‫ورقيها وإس� � ��عادها‪ ،‬ذلك أن طباع البش� � ��ر مجبولة‬ ‫على التظال� � ��م ومنع احلقوق وق ّل م� � ��ن الناس من‬ ‫ينصف غيره من نفس� � ��ه ويلت� � ��زم نداء ضميره فهو‬ ‫ينزل بغيره ما ال يرتضيه لنفسه‪.‬‬ ‫فالقضاء يصلح بني الناس وفيه أمر مبعروف‬ ‫ونهي عن منكر‪ ،‬وبالقضاء تعود احلقوق إلى أربابها‬ ‫وي� � ��ردع الظالم عن غيه وتصان األعراض وحتفظ‬ ‫األموال ويضرب على أيدي العابثني وأهل الفساد‪،‬‬ ‫فيعي� � ��ش الناس في مأمن على أموالهم وأنفس� � ��هم‬ ‫وأعراضهم‪  .‬‬ ‫والقض� � ��اء أم� � ��ن اجتماعي‪ ،‬وتأم� �ي��ن وحماية‬ ‫للش� � ��ريعة وأنظمتها وال يس� � ��تقيم أم� � ��ر الناس من‬ ‫دونه‪.‬‬ ‫لذا فقد أنزله الله تعالى منزلة سامية وش َّرفه‬ ‫بتولي األنبياء بأنفس� � ��هم ومن بعدهم اخللفاء وأنه‬ ‫ال شرف في الدين بعد اخلالفة أشرف منه لقوله‬ ‫َاك خَ ِلي َف � ً�ة ِفي أْ َ‬ ‫ود ِإنَّا َج َع ْلن َ‬ ‫ال ْر ِض‬ ‫تعالى‪َ { :‬ي ��ا َد ُاو ُ‬ ‫الَقِّ َو اَل تَتَّ ِب ِع ا ْل َه َوى َف ُي ِض َّل َك‬ ‫اح ُك ْم َب نْ َ‬ ‫َّاس ِب حْ‬ ‫ي الن ِ‬ ‫َف ْ‬ ‫يل ال َّل ِه‬ ‫يل ال َّل ِه ِإنَّ ال َِّذي ��نَ َي ِض ُّلونَ َع ْن َس � ِ�ب ِ‬ ‫َع � ْ�ن َس � ِ�ب ِ‬ ‫شَ‬ ‫اب} ‪ -‬سورة‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ي‬ ‫�وا‬ ‫�‬ ‫َس‬ ‫ن‬ ‫ا‬ ‫ب‬ ‫يد‬ ‫�د‬ ‫�‬ ‫حْ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َل ُه ْم َعذ ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ْ ِ َ ِ‬ ‫َاب ِ مِ‬ ‫ص آية رقم ‪.26‬‬ ‫وق� � ��د مدح الله عز وجل أنبياءه الذين يتولون‬ ‫وظيف� � ��ة احلكم مبا في التوراة من الهدى والنور‪،‬‬ ‫ُور‬ ‫{إنَّا أَ ْن َز ْلنَا التَّ � ْ�و َرا َة ِفي َها ُه ًدى َون ٌ‬ ‫بقوله تعالى‪ِ :‬‬ ‫َي ْح ُك � ُ�م ِب َها الن َِّب ُّي ��ونَ ال َِّذينَ أَ ْس� � َل ُموا ِل َّل ِذينَ َه ُادوا‬ ‫الر َّب ِان ُّي ��ونَ َو أْ َ‬ ‫َاب‬ ‫ال ْح َب ��ا ُر مِ َ‬ ‫اس ��تُ ْح ِف ُظوا ِم ْن ِكت ِ‬ ‫َو َّ‬ ‫با ْ‬ ‫�اس‬ ‫ال َّل � ِ�ه َو َكا ُن ��وا َع َل ْي � ِ�ه ُش� � َه َدا َء َف� اََل� ت َْخ َش � ُ�وا ال َّن � َ‬ ‫اخ َش � ْ�و ِن َو اَل ت َْش� �ت َُروا ِبآَ َي ِاتي َث َمنً ا َق ِليلاً َو َم ْن َل ْم‬ ‫َو ْ‬ ‫ب ��ا أَ ْنز ََل ال َّل ��هُ َف ُأو َل ِئ َك ُه � ُ�م ا ْل َك ِاف ُرونَ } ‪-‬‬ ‫َي ْح ُك � ْ�م مِ َ‬ ‫سورة املائدة آية رقم ‪.44‬‬

‫‪122‬‬

‫‪8/27/13 11:12:33 AM‬‬

‫ونظرا ملا للقضاء من منزلة عظيمة وقدس� � ��ية‬ ‫بالغ� � ��ة وثواب جم في اآلخرة فقد جعله الرس� � ��ول‬ ‫صلى الله عليه وس� � ��لم من النعم التي يباح احلسد‬ ‫عليه� � ��ا لقوله صلى الله عليه وس� � ��لم‪« :‬ال حس� � ��د‬ ‫إال ف� � ��ي اثنت� �ي��ن‪ :‬رجل آتاه الله ماالً فس� � ��لطه على‬ ‫هلكته باحلق‪ ،‬وآخر آتاه الله احلكمة‪ ،‬فهو يقضي‬ ‫به� � ��ا ويعمل بها»‪ .‬وقد ورد عن س� � ��لفنا الصالح ما‬ ‫يفي� � ��د إجالله� � ��م واحترامهم للقض� � ��اء‪ ،‬فهذا عمر‬ ‫بن اخلط� � ��اب يقول في رس� � ��الته الت� � ��ي بعثها إلى‬ ‫أبي موس� � ��ى األش� � ��عري‪« :‬القضاء فريضة محكمة‬ ‫وس � � �نّة متبعة»‪ .‬وما ورد من قول اإلمام مس� � ��روق‬ ‫بن األج� � ��دع الهمزاني «ألن أقضي بقضية فأوافق‬ ‫إلي من رباط سنة في سبيل الله»‪ .‬وما‬ ‫احلق أحب ّ‬ ‫قاله الفقيه الش� � ��افعي محمد بن أحمد القرش� � ��ي‬ ‫قس� � ��م أرزاق اخلالئق وآجالهم‪،‬‬ ‫«احلمد لله الذي َّ‬ ‫ورتب لكل منهم منزلة ورتبة‪ ،‬وجعل أج ّل املناصب‬ ‫الدينية منصبي القضاء واحلس� � ��بة»‪ ،‬وما ورد عن‬ ‫أبي احلس� � ��ن بن عبدالله النباه� � ��ي فقيه األندلس‬ ‫من قوله «خطة القضاء في فقهنا عند الكافة من‬ ‫أسمى اخلطط‪ ،‬فإن الله تعالى رفع درجة احلكام‬ ‫وجعل إليه� � ��م تصريف أمور األن� � ��ام‪ ،‬يحكمون في‬ ‫الدم� � ��اء واألموال واحلالل واحل� � ��رام‪ ،‬وتلك خطة‬ ‫األنبي� � ��اء‪ ،‬ومن بعده� � ��م اخللفاء‪ ،‬فال ش� � ��رف في‬ ‫الدنيا بعد اخلالفة أشرف من القضاء»‪.‬‬ ‫وق� � ��د ت� � ��وارث قضاة اإلس� �ل��ام إكب� � ��ار منصب‬ ‫القضاء‪ ،‬ففي بعض احل� � ��االت النادرة في التاريخ‬ ‫اإلسالمي جمع قليل من القضاة بني كل من والية‬ ‫القض� � ��اء وبني الوزارة‪ ،‬وكان من بني هؤالء الوزراء‬ ‫عبدالرحمن بن بش� � ��ر ال� � ��ذي خاطب القاضي ابن‬ ‫هش� � ��ام قاضي القي� � ��روان‪ ،‬في ش� � ��أن تنفيذ حكم‬ ‫قضائ� � ��ي أصدره‪ ،‬وأثبت في خطابه صفتيه كوزير‬ ‫وقاض‪ ،‬مقدم � � �اً ذكر الوزارة عل� � ��ى القضاء‪ ،‬فلما‬ ‫قرأ القاضي ابن هش� � ��ام كتابه‪ ،‬رمى به ولم ينفذه‬ ‫وقال كلمته اخلال� � ��دة «ما عهدنا وزراء القوم تنفذ‬ ‫أحكامه� � ��م»‪ .‬ويعني بقول� � ��ه أن أح� � ��كام الوزراء ال‬ ‫تنف� � ��ذ‪ ،‬أي ال تكون لها حجي� � ��ة احلكم املقضي به‬ ‫بلغة عصرنا‪ ،‬ومن ثم ومادام ابن بش� � ��ر قد خاطبه‬ ‫بصفته وزي� � ��راً ال قاضياً فقط‪ ،‬فإنه يكون في حل‬ ‫من إهدار حكمه‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 118-123.indd 122‬‬


‫وعلى ذلك فإن املنزلة التي أضفاها املسلمون‬ ‫على القض� � ��اء تدل على أس� � ��بقيتهم عل� � ��ى النظم‬ ‫احلديثة في إجالل القضاء‪ ،‬إذ إنه أهم س� � ��لطات‬ ‫الدولة‪ ،‬فأس� � ��اس القضاء هو العدل وهو أس� � ��اس‬ ‫امللك‪.‬‬

‫التمييز بني القضاء والفُ تيا‬

‫توجد صالت وثيقة بني القضاء واإلفتاء‪ ،‬فقد‬ ‫اعتمد املس� � ��لمون منذ بداية رس� � ��الة اإلسالم على‬ ‫الفتوى عن طريق الس� � ��ؤال لرسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم ومن بعده اخللفاء‪ ،‬وإنه ملا كان القاضي‬ ‫واملفتي يس� � ��تنبطان حكم الله من األدلة الشرعية‬ ‫للواقعة املعروضة عليهما‪ ،‬وعلى ذلك قامت وزارات‬ ‫العدل في العديد من البلدان بإنشاء إدارة للفتوى‬ ‫ملحقة بوزارة العدل ويكون املفتي فيها تابعاً لوزارة‬ ‫البي وجود اختالف‬ ‫الع� � ��دل إدارياً ومالياً‪ ،‬لكن من نّ‬ ‫بني القضاء والفتيا كما يوجد اتفاق بينهما‪.‬‬ ‫‪ -1‬الفرق بني القض� � ��اء واإلفتاء يعرف اإلفتاء‬ ‫بأنه اإلخبار عن حكم الش� � ��ارع في أمر من األمور‪،‬‬ ‫فاملفتي إذا س� � ��ئل عن حكم حادثة يستقرئ األدلة‬ ‫ويتب� � ��ع مقتضاها ويخب� � ��ر اخلالئق مبا ظهر له من‬ ‫غير زيادة وال نقصان‪ ،‬هذا إن كان املفتي مجتهداً‪،‬‬ ‫فإن كان مقلداً نظر في مذهب إمامه ونقل للسائل‬ ‫حكم احلادثة منه‪ ،‬واإلفتاء مش� � ��روع بقوله تعالى‪:‬‬ ‫اس� �أَ ُلوا أَ ْه َل الذِّ كْ ِر ِإ ْن ُك ْنتُ ْم اَل ت َْع َل ُمونَ } ‪ -‬س ��ورة‬ ‫{ َف ْ‬ ‫النحل آية رقم ‪ ،43‬كما أن الرسول صلى الله عليه‬ ‫وسلم كان يفتي عن الله بوحيه املبني وكانت فتاواه‬ ‫مش� � ��تملة على فصل اخلطاب وجوام� � ��ع األحكام‪،‬‬ ‫وهذا املعنى يتوافق م� � ��ع تعريف القضاء‪ ،‬ويختلف‬ ‫معه كما سلف أن أوضحنا في تعريفنا للقضاء‪.‬‬

‫وتتمثل أوجه اخلالف كاآلتي‪:‬‬

‫‪ -1‬إن القض� � ��اء مل� � ��زم ويتحتم قب� � ��ول احلكم‬ ‫في� � ��ه ويغلب أن يك� � ��ون احلكم ب� �ي��ن طرفني ويجبر‬ ‫املتخاصم على قبول احلك� � ��م وتنفيذه‪ ،‬أما الفتوى‬ ‫فتك� � ��ون إيضاحاً حلاله م� � ��ن دون خصوم ومن دون‬ ‫إلزام‪ ،‬وال يجوز للمفتي أن يلزم سائله‪.‬‬ ‫‪ -2‬إن دائرة اإلفتاء أوس� � ��ع من دائرة القضاء‪،‬‬ ‫فالفتوى شريعة عامة تتعلق باملستفتي وغيره‪ ،‬أما‬ ‫القضاء في اإلسالم‬

‫‪8/27/13 11:06:03 AM‬‬

‫القضاء فيفصل بني خصمني هما طرفا الدعوة‪.‬‬ ‫‪ -3‬عل� � ��ى القاضي أن يتبع احلجج وهي البينة‬ ‫واإلقرار بجان� � ��ب األدلة األخرى‪ ،‬أم� � ��ا املفتي فال‬ ‫يعتم� � ��د عل� � ��ى احلجج وحده� � ��ا‪ ،‬فالقاض� � ��ي له أن‬ ‫يفح� � ��ص أقوال اخلصوم وأدلته� � ��م‪ ،‬أما املفتي فال‬ ‫يتعرف حليل املستفتني وال مكرهم‪.‬‬ ‫‪ -4‬للمفت� � ��ي أن ينيب مفتي � � �اً آخر‪ ،‬أما القضاء‬ ‫فال يجوز للقاضي أن ميتنع عن احلكم ويطلب من‬ ‫اخلصوم التوجه لقاض آخر‪.‬‬ ‫‪ -5‬املفت� � ��ي أقرب إلى الس� �ل��امة من القاضي‪،‬‬ ‫ألنه ال يلزم بفتواه وإمنا يخبر بها من استفتاه‪ ،‬فإن‬ ‫ش� � ��اء قبل قوله أو رفضه‪ ،‬أم� � ��ا القاضي فإنه يلزم‬ ‫بقوله‪ ،‬لذا فحكمه يتميز باإللزام‪.‬‬

‫أوجه االتفاق بني القضاء واإلفتاء‬

‫‪ -1‬أنزل الفقهاء الفتوى والقضاء منزلة رفيعة‬ ‫واهتم� � ��وا بهما اهتماماً عظيماً‪ ،‬فاعتبر املفتي وارثاً‬ ‫لألنبياء‪ .‬بل ذه� � ��ب البعض إلى اعتبار املفتي قائماً‬ ‫مقام النبي‪ ،‬كذلك القضاء فهو من رساالت األنبياء‪،‬‬ ‫وقد منحه اإلسالم مكانة رفيعة وقدسية بالغة‪.‬‬ ‫‪ -2‬إن اإلفتاء فرض كفاية‪ ،‬وكذلك القضاء‪ ،‬فإذا‬ ‫طرح� � ��ت قضية لإلفتاء وجب على جميع العلماء أن‬ ‫يبينوا حكم الشرع فيها‪ ،‬وإذا امتنعوا أثموا جميعاً‪،‬‬ ‫وإذا أفتى عالم واحد س� � ��قط الفرض عن الباقني‪،‬‬ ‫كذلك القضاء‪.‬‬ ‫‪ -3‬من املبادئ األساسية التسوية بني اخلصوم‬ ‫في القضاء‪ ،‬كذلك يجب التسوية بني املستفتني‪ ،‬فال‬ ‫معي سواء في اإلفتاء أو القضاء‬ ‫يجب امليل ألحد نَّ‬ ‫فيستوي الغني والفقير والقوى والضعيف‪.‬‬ ‫‪ -4‬يجب على القاضي أال يحكم وهو غضبان‪،‬‬ ‫كذل� � ��ك يجب عل� � ��ى املفت� � ��ي أال يفتي ف� � ��ي قضية‬ ‫معروضة عليه وهو غضبان أو عطش� � ��ان‪ ،‬أو لديه‬ ‫أي شيء مما يؤثر في حواسه‪.‬‬ ‫‪ -5‬كذلك يجب على القاضي أال يتس� � ��اهل في‬ ‫قضية معروضة عليه‪ ،‬وأيضاً يجب على املفتي أال‬ ‫يتساهل في قضية معروضة عليه‪.‬‬ ‫‪ -6‬كم� � ��ا أنه يجب عل� � ��ى احلاك� � ��م واإلمام أن‬ ‫يتفقد أح� � ��وال القضاة واملفت� �ي��ن‪ ،‬ويجب التفتيش‬ ‫على املفتني والقضاة >‬

‫‪123‬‬

‫‪oct 118-123.indd 123‬‬


‫قضايا إسالمية‬

‫َ‬ ‫واملواطنة‪ ..‬تعارض أم احتواء؟‬ ‫اإلسالم‬ ‫د‪ .‬بركات محمد مراد*‬ ‫إذا كان التط ��ور الغرب ��ي ل ��م يعرف املواطنة إال بعد الثورة الفرنس ��ية‪ ،‬بس ��بب التمييز على أس ��اس‬ ‫الدين‪ ،‬بني الكاثوليك والبروتس ��تانت‪ ،‬وعلى أس ��اس العرق‪ ،‬بس ��بب احلروب القومية‪ ،‬وعلى أساس‬ ‫اجلنس ��ية‪ ،‬بس ��بب التمييز ضد النساء‪ ،‬وعلى أس ��اس اللون في التمييز ضد امللونني‪ ،‬فإن املواطنة‬ ‫الكامل ��ة‪ ،‬في احلقوق والواجبات‪ ،‬قد اقترنت باإلس�ل�ام‪ ،‬وتأس ��يس الدولة اإلس�ل�امية األولى ‪ -‬في‬ ‫املدينة املنورة ‪ -‬على عهد رس ��ول الله‪ ،‬صلى الله عليه وس ��لم‪ ،‬فاإلنس ��ان في الرؤية اإلسالمية‪ ،‬هو‬ ‫مطلق اإلنسان‪ ..‬والتكرمي اإللهي هو جلميع بني آدم‪ ..‬واخلطاب القرآني موجه أساسا إلى عموم‬ ‫الناس‪ ..‬ومعايير التفاضل هي التقوى املفتوحة أبوابها أمام اجلميع‪.‬‬ ‫لقد وضعت الدولة اإلس� �ل��امية فلسفة‬ ‫املواطنة هذه في املمارس� � ��ة والتطبيق‪،‬‬ ‫وقننتها في املواثيق والعهود الدستورية‬ ‫منذ اللحظة األولى لقيام هذه الدولة في الس� � ��نة‬ ‫األولى للهج� � ��رة‪ ..‬ففي أول دس� � ��تور لهذه الدولة‬ ‫تأسس� � ��ت األم� � ��ة عل� � ��ى التعددية الديني� � ��ة‪ ،‬ونص‬ ‫الدس� � ��تور الصحيف� � ��ة عل� � ��ى أن «اليه� � ��ود أمة من‬ ‫املؤمن� �ي��ن‪ ،‬لليهود دينهم وللمس� � ��لمني دينهم‪ ..‬وأن‬ ‫لهم النصرة واألسوة مع البر من أهل الصحيفة‪..‬‬ ‫ينفق� � ��ون مع املؤمن� �ي��ن ماداموا محارب� �ي��ن‪ ..‬على‬ ‫اليهود نفقتهم وعلى املس� � ��لمني نفقتهم‪ ،‬وأن بينهم‬ ‫النص� � ��رة على من حارب أهل هذه الصحيفة‪ ،‬وأن‬ ‫بينهم النصح والنصيحة‪ ،‬والبر دون اإلثم‪.»..‬‬ ‫مفه� � ��وم املواطن� � ��ة‪ :‬ف� � ��ي اللغة العربي� ��� ��ة يعتبر‬ ‫مفهوم «املواطنة» هو املفاعلة بني اثنني فأكثر‪ ،‬قد‬ ‫* أكادميي من مصر‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫‪8/26/13 9:17:07 AM‬‬

‫يصبحون عش� � ��رات أو مئات أو ماليني يتفاعلون‬ ‫حول الوطن‪ ،‬فيقتسمون كل االنتماء وكل احلقوق‬ ‫والواجبات‪ ،‬وبذلك يحقق� � ��ون انتماء آخر بعضهم‬ ‫لبعض بالتصاق مع الوطن الذي هو قطب الرحى‬ ‫في ه� � ��ذا االنتماء‪ ،‬ومنهم يتكون الش� � ��عب وتتكون‬ ‫األمة‪.‬‬ ‫واملواطنون ‪ -‬كما يقول الكاتب س� � ��يد محمود‬ ‫عمر في كتاب� � ��ه عن املواطن� � ��ة ‪ -‬يحملون دالالت‬ ‫أقوى من دالالت الشعب ألن كلمة الشعب ال تشعر‬ ‫باالنتماء وباالرتباط باألرض وباآلخر إال عرضا‪.‬‬ ‫ولكن املواطنة تش� � ��عر مبا يوحي ب� � ��ه جذر الكلمة‬ ‫لغويا ومبا يوحي به مفهومها القانوني والسياسي‬ ‫وما يوحي به التفاعل بني الذين ينتمون إلى الوطن‬ ‫فيأخذون منه ما يعطي من حقوق ومينحونه مما‬ ‫يتطلب من واجبات‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 124-130.indd 124‬‬


‫َ‬ ‫واملواطنة‪ ..‬تعارض أم احتواء؟‬ ‫اإلسالم‬

‫‪8/26/13 9:34:45 AM‬‬

‫‪125‬‬

‫‪oct 124-130.indd 125‬‬


‫واملواطن� � ��ون يحملون دالالت أقوى من دالالت‬ ‫األمة تس� � ��تمد مفهومه� � ��ا أحيانا م� � ��ن اجلنس أو‬ ‫اللغة أو الدين‪ ،‬ول� � ��و اختلفت أوطانها‪ ،‬أو باعدت‬ ‫التيارات السياسية بني دولها وباعد بينها التكوين‬ ‫الدولي‪ .‬ولكن املواطنة تقتضي االلتصاق بالوطن‬ ‫كأس� � ��اس يفرض في الغالب وح� � ��دة اللغة وأحيانا‬ ‫كثي� � ��رة وحدة العرق ووحدة الدي� � ��ن‪ ،‬ودائما وحدة‬ ‫احلكم ولو في احتاد فدرالي‪ ،‬ووحدة العلم بكل ما‬ ‫تعنيه من الدفاع عنه واالستشهاد في سبيله‪.‬‬ ‫إذن املواطنة هي مفاعلة بني اإلنسان املواطن‬ ‫وبني الوطن الذي ينتم� � ��ي إليه ويعيش فيه‪ ،‬وهي‬ ‫عالقة تفاعل ألنها ترتب للطرفني وعليهما العديد‬ ‫من احلقوق والواجب� � ��ات‪ .‬والبد لقيام املواطنة أن‬ ‫يك� � ��ون املواطن ووالؤه كاملني للوطن يحترم هويته‬ ‫ويؤمن به� � ��ا وينتمي إليها بكل ما في عناصر هذه‬ ‫الهوي� � ��ة من ثوابت اللغ� � ��ة والتاريخ والقيم واآلداب‬ ‫العامة واألرض التي متثل وعاء الهوية واملواطنة‪.‬‬ ‫ووالء املواطن لوطنه يس� � ��توجب البراء من أعداء‬ ‫هذا الوطن‪.‬‬ ‫وم� � ��ن هنا تعتبر املواطن� � ��ة التعبير االجتماعي‬ ‫لعملية انتماء اإلنسان للواقع واملوقع الذي يعيش‬ ‫فيه‪ .‬ولذلك فمواطن م� � ��ن غير وطن تائه‪ ،‬ووطن‬ ‫من غير إنس� � ��ان مهج� � ��ور وال معنى ل� � ��ه‪ ،‬والربط‬ ‫بينهما هو املواطنة التي جتعل املواطن مس� � ��تقرا‬ ‫ف� � ��ي وطنه‪ ،‬ه� � ��ادئ البال فيه‪ ،‬كم� � ��ا يجعل الوطن‬ ‫معمورا باملواطن� �ي��ن الذين يحبون وطنهم ويفدونه‬ ‫بالغالي والنفيس‪.‬‬

‫املواطنة والوطنية‬

‫إن الوطني� � ��ة تنبع من ح� � ��ب الوطن واالندماج‬ ‫ف� � ��ي مقوماته األرضي� � ��ة واإلنس� � ��انية والعقائدية‬ ‫والفكري� � ��ة والتاريخي� � ��ة والدف� � ��اع عن� � ��ه إلى حد‬ ‫االستش� � ��هاد‪ .‬وتعن� � ��ي كذلك أن يراع� � ��ي املواطن‬ ‫س� � ��يرة الوطن وهو يتح� � ��رك في طري� � ��ق التنمية‬ ‫االقتصادي� � ��ة أو طري� � ��ق التنمي� � ��ة الدميقراطي� � ��ة‬ ‫أو في طريق تصحيح مسار احلكم‪.‬‬ ‫والوطنية هي اإلطار الفكري النظري للمواطنة‪،‬‬ ‫مبعن� � ��ى أن الوطنية عملية فكري� � ��ة بينما املواطنة‬ ‫ممارس� � ��ة عملية‪ .‬ومن جهة أخرى فالوطنية تعني‬ ‫االنتماء والوالء الفكري ملوقع الوطن الذي يسكن‬

‫‪126‬‬

‫‪8/26/13 9:17:16 AM‬‬

‫فيه‪ ،‬وتعني املواطنة املش� � ��اركة ف� � ��ي كل ما يحترم‬ ‫هذا املكان الذي يعيش فيه اإلنسان املواطن‪.‬‬

‫املواطنة والدولة احلديثة‬

‫احلرية هي أس� � ��اس الدميقراطية التي (هي‬ ‫حكم الشعب بالش� � ��عب وللشعب) وحتقيق احلرية‬ ‫هو الس� � ��بيل الوحيد لتحقي� � ��ق الدميقراطية‪ .‬ومع‬ ‫احلرية والقانون وضمان حقوق الناس بدأ النظام‬ ‫الدميقراطي ينظم نفس� � ��ه بالدس� � ��تور والقوانني‬ ‫التنظيمي� � ��ة واملؤسس� � ��ات املنتخبة‪ .‬إن الش� � ��رعية‬ ‫الدميقراطية كمبدأ أي كغطاء ملمارس� � ��ة اإلنسان‬ ‫حلق� � ��وق املواطنة يجعلها س� � ��ابقة عل� � ��ى القنوات‬ ‫واملؤسسات التي متارس فيها وبواسطتها‪.‬‬ ‫ولذل� � ��ك يقول نبيل عبدالفت� � ��اح في مقاله عن‬ ‫«املواطن والدولة احلديث� � ��ة» في إيجاز مركز إنه‪:‬‬ ‫«ال دميقراطي� � ��ة دون مواط� � ��ن وحق� � ��وق مواطن� � ��ة‬ ‫وهذه أزمة الدول املعاص� � ��رة»‪ .‬وهذا صحيح إلى‬ ‫ح� � ��د بعيد‪ ،‬فمفه� � ��وم املواطنة هو أح� � ��د املكونات‬ ‫األساسية واملتطورة للمعنى واحملتوى والداللة في‬ ‫إطار الدول القومية احلديثة والرأسمالية الغربية‪،‬‬ ‫ومن ثم أ ّثر التطور في كليهما على مفهوم املواطنة‬ ‫من حيث الدالالت القانونية إلى الدالالت املدنية‬ ‫واحلقوقية إلى مجال احلقوق االجتماعية‪.‬‬ ‫وال ش� � ��ك في أن مفهوم دولة القانون املتداول‬ ‫اآلن في الساحة السياسية يكمل مفهوم القانون‪.‬‬ ‫ودول� � ��ة القانون هي الدولة الت� � ��ي تعيش بالقانون‬ ‫ومتارسه تطبيقا في واقع حياتها في كل تصرفاتها‬ ‫السياس� � ��ية والقضائي� � ��ة واإلداري� � ��ة واالقتصادية‬ ‫واالجتماعية والتعليمية واألخالقية‪.‬‬ ‫ويكتمل مفهوم القانون بوضوح مفهوم العدالة‬ ‫التي تنفي عمليا كل أش� � ��كال الظلم فتحقق بذلك‬ ‫جوهر العدال� � ��ة‪ .‬فالقانون وس� � ��يلة لتحقيق غاية‬ ‫العدال� � ��ة والقان� � ��ون احملقق للعدال� � ��ة هو إطار من‬ ‫القانون الذي يستهدف العدل‪ .‬ولقد سما القانون‬ ‫باملواطن� � ��ة ووصفها ف� � ��ي أعلى مكان� � ��ة بل في ما‬ ‫يعرف بالقمة من القوانني‪.‬‬

‫حقوق املواطنة وحقوق اإلنسان‬

‫حقوق اإلنس� � ��ان بقرارات دولية تكاد تس� � ��ود‬ ‫العال� � ��م بكل دولة ومواطنها‪ .‬أم� � ��ا حقوق املواطنة‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 124-130.indd 126‬‬


‫فتضعها دولة معينة ملواطنيها بقوة القانون‪ ،‬فهي‬ ‫حقوق قانونية محددة متجسدة ميكن املطالبة بها‬ ‫بقضايا في احملكمة‪.‬‬

‫احلقوق في مجال املواطنة‬ ‫الليبرالية االجتماعية‬ ‫فكون الفرد مواطن� � ��ا متنحه املواطنة حقوقا‬ ‫متس� � ��اوية مع كل من عداه م� � ��ن املواطنني‪ ،‬وأبرز‬ ‫ه� � ��ذه احلقوق الت� � ��ي متنحها املواطن� � ��ة‪ ،‬ومن أهم‬ ‫موضوعاتها ثالثة هي‪:‬‬ ‫‪ -1‬احلق� � ��وق السياس� � ��ية‪ :‬تتمث� � ��ل ف� � ��ي ح� � ��ق‬ ‫التصويت والترشيح في االنتخابات‪.‬‬ ‫‪ -2‬احلقوق االجتماعي� � ��ة‪ :‬تتمثل في احلقوق‬ ‫التي تضمن الرفاهية واألمن االقتصاديني‪.‬‬ ‫املواطنة واملس� � ��اواة االجتماعي� � ��ة‪ :‬وتتمثل في‬ ‫معنيني‪ ،‬هما ما يأتي‪:‬‬ ‫املعنى األول‪ :‬املس� � ��اواة في الثروة املادية‪ ,‬فهي‬ ‫ليس� � ��ت مبدأ مطلق� � ��ا وال معيارا صارم� � ��ا‪ ،‬ولكنها‬ ‫مفهوم نس� � ��بي‪ ،‬وإن لالقتصادي� � ��ات تأثيرا كبيرا‬ ‫ف� � ��ي احلقوق السياس� � ��ية بحيث يصع� � ��ب التمييز‬ ‫بني الق� � ��وة االقتصادية والقوة السياس� � ��ية‪ ،‬فيؤثر‬ ‫مس� � ��توى الثروة املادية في مواطنة املرأة بطريقة‬ ‫أخرى‪ .‬فالفقر في املجتمع الرأس� � ��مالي يقلل من‬ ‫قيمتها‪ ،‬وال يحظى املرء باالحترام ألنه ببس� � ��اطة‬ ‫ينقصه املال وال يسمع صوته‪ ،‬وال رأيه ألنه صوت‬ ‫خاسر‪.‬‬ ‫املعن� � ��ى الثان� � ��ي‪ :‬املس� � ��اواة ف� � ��ي املش� � ��اركة‬ ‫االجتماعية‪ ،‬فإنها تؤثر في مواطنة الفرد املواطن‬ ‫ومس� � ��توى ونوع املش� � ��اركة االجتماعي� � ��ة كالهما‬ ‫مهم ف� � ��ي هذا اخلصوص‪ .‬فمن خالل املمارس� � ��ة‬ ‫االجتماعية يتعلم الن� � ��اس كل أنواع املهارات التي‬ ‫تنعكس فتفيد إلى حد كبير في ممارسة املواطنة‬ ‫الدميقراطية‪.‬‬ ‫وجميع احلقوق الس� � ��ابقة ال حتتاج إلى مجرد‬ ‫اإلثبات والتقرير بالدساتير والقوانني‪ ،‬وإمنا هي‬ ‫في حاجة ماس� � ��ة إلى املمارسة ممن قررت ألجله‬ ‫هذه احلق� � ��وق من املواطنني‪ .‬فإن ممارس� � ��ة هذه‬ ‫احلقوق متثل جزءا حاس� � ��ما من ممارسة املواطنة‬ ‫التي تنبع منها هذه احلقوق‪ ،‬فإن لم تتم ممارستها‬ ‫فإنها س� � ��تظل في الدساتير والقوانني (حبرا على‬ ‫َ‬ ‫واملواطنة‪ ..‬تعارض أم احتواء؟‬ ‫اإلسالم‬

‫‪8/26/13 9:17:19 AM‬‬

‫ورق)‪ ،‬بل رمبا ال تس� � ��اوي في القيمة الورق الذي‬ ‫كتب� � ��ت عليه‪ ،‬خاصة في ما يتعل� � ��ق باملرأة التي ال‬ ‫متارس حقوقها الرسمية املقررة لها في الدساتير‬ ‫والقوانني باملستوى نفس� � ��ه الذي ميارسه الرجل‪،‬‬ ‫ولذلك يقول الكاتب س� � ��يد محمود في كتابه عن‬ ‫املواطنة‪« :‬إن املرأة بذلك ليس� � ��ت مواطنة مساوية‬ ‫للرجل بعد‪ ،‬ألن مواطنتها ناقصة في ممارس� � ��تها‬ ‫ول� � ��ن يتمكن من الوص� � ��ول إلى املواطن� � ��ة الفعالة‬ ‫الكاملة واملتس� � ��اوية بني اجلنسني كوسيلة لزيادة‬ ‫احترام النس� � ��اء إال إذا حدثت ممارس� � ��ة النس� � ��اء‬ ‫باملش� � ��اركة في صنع القرار وجنح� � ��ت في القيام‬ ‫بهذا‪ ،‬وهذا هدف وغاية مرجوة حتقيقها»‪.‬‬

‫املواطنة بني املفهوم واملمارسة‬

‫ولك� � ��ي يتجلى وض� � ��ع املواطن ب� �ي��ن مفهومها‬ ‫النظري إلى ممارس� � ��تها من املفهوم النظري إلى‬ ‫املش� � ��اركة واملمارس� � ��ة الفعلية‪ ،‬وتتمثل هذه القيم‬ ‫احملوري� � ��ة في أربع� � ��ة مرتكزات ‪ -‬كم� � ��ا يوضحها‬ ‫الشيخ عبداحلميد محمد علي ‪ -‬هي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬املس� � ��اواة‪ :‬وتنعك� � ��س عل� � ��ى العديد من‬ ‫احلقوق مثل التعليم والعمل واجلنس� � ��ية واملعاملة‬ ‫املتساوية أمام القانون والقضاء‪.‬‬ ‫ثاني� � ��ا‪ :‬احلري� � ��ة‪ :‬وتنعك� � ��س ف� � ��ي العديد من‬ ‫احلقوق مثل حرية االعتقاد وممارس� � ��ة الش� � ��عائر‬ ‫الديني� � ��ة وحري� � ��ة التنق� � ��ل داخل الوط� � ��ن‪ ،‬وحرية‬ ‫احلدي� � ��ث واحلوار واملناقش� � ��ة م� � ��ع اآلخرين حول‬ ‫مش� � ��اكل املجتمع حاضره ومستقبله‪ ،‬وحرية تأييد‬ ‫أو االحتجاج على قضية أو موقف أو سياس� � ��ة ما‬ ‫تتعلق بالوطن في شئونه الداخلية أو اخلارجية‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬املش� � ��اركة‪ :‬تتضمن العديد من احلقوق‬ ‫مث� � ��ل احلق في تنظيم حمالت الضغط الس� � ��لمي‬ ‫على بعض املس� � ��ئولني لتغيير السياسة أو البرامج‬ ‫أو بع� � ��ض الق� � ��رارات‪ ،‬وممارس� � ��ة كل أش� � ��كال‬ ‫االحتجاج الس� � ��لمي املنظم‪ :‬كالتظاهر واإلضراب‬ ‫حس� � ��بما ينظمها القانون‪ ،‬وتأس� � ��يس واالشتراك‬ ‫في األحزاب السياسية أو النقابات أو اجلمعيات‬ ‫األهلية أو تنظيمات أخرى خاصة بخدمة املجتمع‬ ‫أو طائفة من أفراده‪.‬‬ ‫رابع� � ��ا‪ :‬املس� � ��ئولية االجتماعي� � ��ة‪ :‬وتتضم� � ��ن‬ ‫العديد م� � ��ن الواجبات‪ ،‬كواجب دف� � ��ع الضرائب‪،‬‬

‫‪127‬‬

‫‪oct 124-130.indd 127‬‬


‫وتأدية اخلدمة العس� � ��كرية للوطن‪ ،‬واحترام حرية‬ ‫وخصوصية اآلخرين‪ ،‬واحترام القانون‪.‬‬ ‫وهكذا ومن كل ما س� � ��بق يتب� �ي��ن أن املواطنة‬ ‫ليس� � ��ت مجرد مجموع� � ��ة من النص� � ��وص واملواد‬ ‫القانوني� � ��ة الت� � ��ي تثب� � ��ت مجموعة م� � ��ن احلقوق‬ ‫ألعضاء جماعة معين� � ��ة وتفرض عليهم مجموعة‬ ‫من الواجب� � ��ات‪ ،‬ولكنها ممارس� � ��ة نش� � ��اط داخل‬ ‫املجتمع‪ ،‬وال تتم بشكل عرضي أو مرحلي‪ ،‬بل هي‬ ‫عملية تتم بشكل منتظم ومتواصل وبطرق صغيرة‬ ‫وعدي� � ��دة وبتفاصيل ال تعد‪ ،‬هي جزء من نس� � ��يج‬ ‫حياتنا اليومية‪.‬‬ ‫ولذلك فالوع� � ��ي باملواطنة يعتبر نقطة البدء‬ ‫األساس� � ��ية ف� � ��ي تهيئ� � ��ة املواط� � ��ن للمواطنة‪ ،‬مما‬ ‫يس� � ��توجب ويتطلب ض� � ��رورة التربي� � ��ة على ثقافة‬ ‫املواطن بكل ما حتمله من قيم وما حتتاج إليه من‬ ‫مه� � ��ارات‪ .‬ومن هنا تأتي عالق� � ��ة املواطنة الوثيقة‬ ‫واملهمة بالتربي� � ��ة والتعليم إذا أردنا حتقيقها على‬ ‫وجهها األمثل واألكمل مفهوما وممارسة‪.‬‬

‫املواطنة من منظور إسالمي‬

‫لقد تأسس� � ��ت املواطنة باإلسالم في الدولة‬ ‫اإلس� �ل��امية‪ ،‬عندما جمعت األم� � ��ة أهل الديانات‬ ‫املتعددة‪ ،‬على قدم املساواة‪ ،‬ألول مرة في التاريخ‪،‬‬ ‫وعندم� � ��ا ب� � ��دأت العالقات ب� �ي��ن س� � ��لطة الدولة‬ ‫اإلسالمية على عهد رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬ ‫وس� � ��لم ‪ -‬وبني من يدين� � ��ون بالنصرانية «نصارى‬ ‫جنران عام ‪ 10‬هـ» فقررت لهم الدولة اإلسالمية‬ ‫بالعهود املوثقة كامل املس� � ��اواة في حقوق املواطنة‬ ‫وواجباتها‪ ،‬وكان ش� � ��عارها هي «لهم ما للمسلمني‬ ‫وعليهم ما على املسلمني»‪.‬‬ ‫ولقد نص العهد على أن «لنجران وحاش� � ��يتها‬ ‫وس� � ��ائر من ينتحل النصرانية في أقطار األرض‪،‬‬ ‫ج� � ��وار الله وذم� � ��ة محمد صلى الله عليه وس� � ��لم‪،‬‬ ‫على أموالهم وأنفس� � ��هم وملتهم‪ ..‬وبيعهم‪ ،‬وكل ما‬ ‫حتت أيديه� � ��م‪ ..‬أن أحمي جانبه� � ��م‪ ،‬وأذب عنهم‬ ‫وعن كنائس� � ��هم وبيعهم وبيوت صلواتهم‪ ،‬ومواضع‬ ‫الرهب� � ��ان‪ ،‬ومواطن الس� � ��ياح‪ ..‬وأن أحرس دينهم‬ ‫وملتهم أين ما كانوا مبا أحفظ به نفسي وخاصتي‬ ‫وأهل اإلس� �ل��ام من ملتي‪ ..‬ألنن� � ��ي أعطيتهم عهد‬ ‫الل� � ��ه على أن لهم ما للمس� � ��لمني‪ ،‬وعليهم ما على‬

‫‪128‬‬

‫‪8/26/13 9:17:23 AM‬‬

‫املسلمني‪ ..‬وعلى املسلمني ما عليهم‪ ،‬حتى يكونوا‬ ‫للمسلمني شركاء في ما لهم وفي ما عليهم»‪.‬‬ ‫ويضيف املفك� � ��ر والكاتب محم� � ��د عمارة في‬ ‫مقاله «عهود احلق»‪« :‬عندما أباح اإلس� �ل��ام زواج‬ ‫املس� � ��لم من الكتابية (اليهودية والنصرانية) أسس‬ ‫ذلك على شرط احترام عقيدتها الدينية احتراما‬ ‫كامال‪ ..‬والبد ف� � ��ي الزواج من رضا األهل»‪ .‬ولقد‬ ‫جاء في عهد رس� � ��ول الله صلى الله عليه وس� � ��لم‬ ‫لنصارى جنران ع� � ��ن هذا الزواج «وال حتملوا من‬ ‫النكاح شططا ال يريدونه‪ ،‬وال يكره أهل البنت على‬ ‫تزويج املسلمني‪ ..‬ألن ذلك ال يكون بطبيعة قلوبهم‪..‬‬ ‫إن أحبوه ورضوا به‪ ..‬وإذا صارت النصرانية عند‬ ‫املسلم‪ ،‬فعليه أن يرضى بنصرانيتها‪ ،‬ويتبع هواها‬ ‫في االقتداء برؤس� � ��ائها‪ ،‬وأخ� � ��ذ مبعالم دينها‪ ،‬وال‬ ‫مينعها ذلك‪ ،‬فمن خالف ذلك وأكرهها على شيء‬ ‫من أمر دينها‪ ،‬فقد خالف عهد الله وعصى ميثاق‬ ‫رسوله‪ ،‬وهو عند الله من الكاذبني»‪.‬‬

‫بناء وترميم دور العبادة‬

‫ب� � ��ل لقد بلغ� � ��ت آفاق املس� � ��اواة ف� � ��ي حقوق‬ ‫املواطن� � ��ة احل� � ��د الذي نص فيه عهد رس� � ��ول الله‬ ‫صلى الله عليه وسلم إلى النصارى على مساعدة‬ ‫الدولة اإلس� �ل��امية لهم عند احلاجة‪ ،‬في بناء دور‬ ‫عبادتهم وترميمها‪ ..‬وجاء في هذا العهد وامليثاق‬ ‫النب� � ��وي‪« :‬وله� � ��م إن احتاجوا إلى مرم� � ��ة بيعهم‬ ‫وصوامعهم أو ش� � ��يء من مصالح أمورهم ودينهم‪،‬‬ ‫إل� � ��ى رفد (أي دعم وإعانة) من املس� � ��لمني وتقوية‬ ‫لهم على مرمته� � ��ا‪ ،‬أن يُرفدوا على ذلك ويعاونوا‪،‬‬ ‫وال يكون ذل� � ��ك دينا عليه� � ��م وال يحملون إال قدر‬ ‫طاقته� � ��م وقوتهم عل� � ��ى عم� � ��ل األرض وعمارتها‬ ‫وإقب� � ��ال ثمرتها‪ ،‬وال يُكلفون ش� � ��ططا‪ ،‬وال يتجاوز‬ ‫بهم أصحاب اخلراج من نظرائهم‪.»..‬‬ ‫وكل حقوق املس� � ��اواة في املواطنة التي قررها‬ ‫اإلسالم لغير املسلمني في الدولة اإلسالمية «لهم‬ ‫ما للمس� � ��لمني وعليهم ما على املسلمني‪ ..‬وحماية‬ ‫األنف� � ��س والدم� � ��اء واألموال واألع� � ��راض وأماكن‬ ‫العب� � ��ادة واحلريات هي في مقاب� � ��ل الوالء الكامل‬ ‫للوط� � ��ن‪ ،‬واالنتم� � ��اء اخلالص للمجتم� � ��ع والدولة‬ ‫واألمة‪ ،‬وهي واجبات على كل املواطنني‪ ،‬املسلمني‬ ‫منهم وغير املسلمني»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 124-130.indd 128‬‬


‫وف� � ��ي تقرير هذه الواجبات نص عهد رس� � ��ول‬ ‫الله صلى الله عليه وسلم فقال‪« :‬وأشترط عليهم‬ ‫أمورا يجب عليهم في دينهم التمسك والوفاء مبا‬ ‫عاهدتهم علي� � ��ه‪ ،‬منها أال يكون أح� � ��د منهم عينا‬ ‫ألحد من أهل احلرب على أحد من املسلمني في‬ ‫س� � ��ره وعالنيته‪ ،‬وال يأوي منازلهم عدو للمسلمني‬ ‫وال يس� � ��اعدون أح� � ��دا م� � ��ن أه� � ��ل احل� � ��رب على‬ ‫املسلمني بس� �ل��اح وال خيل وال رجال وال غيرهم‪،‬‬ ‫وال يصانعونه� � ��م‪ ..‬وأن يكتموا على املس� � ��لمني وال‬ ‫يظهروا العدو على عوراتهم‪.»..‬‬ ‫كذلك نص عهد الرس� � ��ول الك� � ��رمي للنصارى‬ ‫عل� � ��ى احلرية الدينية‪ ..‬فجاء فيه‪« :‬وال يجير أحد‬ ‫ممن كان على ملة النصرانية كرها على اإلسالم»‪،‬‬ ‫َاب ِإ اَّل ِبال َِّتي ِه َي أَ ْح َس ُ ��ن‬ ‫{ َو اَل جُت َِاد ُلوا أَ ْه َل ال ِْكت ِ‬

‫ِإ اَّل ال َِّذينَ َظ َل ُموا ِمن ُْه ْم َو ُقو ُلوا آَ َمنَّا ِبال َِّذي ُأن ِْز َل‬ ‫اح ٌد َون َْحنُ َلهُ‬ ‫ِإ َل ْينَا َو ُأن ِْز َل ِإ َل ْي ُك ْم َو ِإ َل ُهنَا َو ِإ َل ُه ُك ْم َو ِ‬ ‫ُم ْس � ِ�ل ُمونَ } (العنكبوت‪ .)46:‬ويخفض لهم جناح‬

‫الرحمة‪ ،‬ويك� � ��ف عنهم أذى املك� � ��روه حيث كانوا‪،‬‬ ‫وأين كانوا من البالد‪.»..‬‬ ‫ولم تقف الدولة اإلس� �ل��امية عند أهل الكتاب‬ ‫(اليهود والنصارى) وإمنا شملت حتى من يدينون‬ ‫بالديان� � ��ات الوضعي� � ��ة من املجوس والزرادش� � ��ت‬ ‫والبوذيني والهندوس وغيرهم‪ .‬ومن املالحظ في‬ ‫ما س� � ��بق أن الواجبات كان� � ��ت في مقابل احلقوق‪،‬‬ ‫فكما يتمت� � ��ع املواطنون باحلقوق البد أن يؤدوا ما‬ ‫عليه� � ��م من واجبات إزاء وطنهم الذي متعهم بهذه‬ ‫احلقوق‪ ،‬وتلكم هي املواطنة املتعادلة‪.‬‬ ‫وهذا ما الحظناه في ما س� � ��بق حيث انطبقت‬ ‫تلك القاعدة على املتدينني من غير املسلمني في‬ ‫ظل الدولة اإلسالمية‪ ،‬والذين أفاض عليهم رسول‬ ‫الله صلى الله عليه وس� � ��لم احلقوق كاملة‪ ،‬إذ قرر‬ ‫لهم حماية األنف� � ��س والدماء واألموال واألعراض‬ ‫وأماكن العبادة‪.‬‬

‫حق املواطنة واجلزية‬

‫ولقد جرى العرف اإلسالمي على تسمية غير‬ ‫املس� � ��لمني املقيمني في املجتمع اإلس� �ل��امي بأهل‬ ‫الذمة و(الذميني)‪ ،‬ويرى الكثيرون أن هذا الوصف‬ ‫قد بات في حاجة إلى املراجعة‪ ،‬فإن معيار قسمة‬ ‫الناس على أساس أديانهم يلغي قيمة الوطن الذي‬ ‫َ‬ ‫واملواطنة‪ ..‬تعارض أم احتواء؟‬ ‫اإلسالم‬

‫‪8/26/13 9:17:27 AM‬‬

‫يجب أن يظل ملكا للجميع س� � ��واء الذين يدافعون‬ ‫عن العقيدة أو الذي� � ��ن يدافعون عن التراب‪ ،‬غير‬ ‫أن املس� � ��لمني صاروا شركاء في أوطان املسلمني‪،‬‬ ‫وإن ديار املس� � ��لمني ينبغي أن تظل ملكا للمسلمني‬ ‫وغي� � ��ر املس� � ��لمني من غي� � ��ر تس� � ��لط وال أفضلية‬ ‫م� � ��ن أحد عل� � ��ى أحد‪ ،‬ألنه ال فضل إلنس� � ��ان على‬ ‫إنس� � ��ان إال بتقواه وعمله الصالح‪ .‬فغير املسلمني‬ ‫املقيمني في الدولة احلديث� � ��ة مواطنون فيها لهم‬ ‫من احلقوق ككل املس� � ��لمني وعليهم من الواجبات‬ ‫ما على املسلمني‪.‬‬ ‫خالصة القول إن تعبي� � ��ر أهل الذمة لم يعد‬ ‫ُمعبرا عن الواقع الراه� � ��ن ألن جميع أبناء الدولة‬ ‫مواطنون يستمدون حقوقهم ويتحملون واجباتهم‬ ‫بناء على صفة املواطنة التي ترفض التمييز بينهم‬ ‫بس� � ��بب اجلن� � ��س أو األصل أو اللغ� � ��ة أو الدين أو‬ ‫العقيدة‪ .‬وف� � ��ي ما يخص اجلزية التي كانت تدفع‬ ‫من قبل أهل الذمة نظير حمايتهم في املجتمعات‬ ‫اإلس� �ل��امية‪ ،‬وقب� � ��ل أن ينخرط� � ��وا ف� � ��ي اجليوش‬ ‫العربي� � ��ة واإلس� �ل��امية‪ ،‬فقد أصبح� � ��ت غير ذات‬ ‫معنى وفقدت وظيفتها‪ ،‬وهذا وهو الرأي الراجح‬ ‫عند كثير من الفقهاء وخاصة األحناف والزيدية‪،‬‬ ‫والقاعدة املشهورة (احلماية باجلباية)‪.‬‬ ‫ومن هنا سقطت اجلزية في العصر احلديث‬ ‫حيث زال� � ��ت العلة وهي احلماي� � ��ة‪ ،‬فال داعي إلى‬ ‫اجلزي� � ��ة‪ ،‬وعلى ذلك فتس� � ��قط اجلزي� � ��ة إذا زالت‬ ‫وخصوصا أن أصحاب‬ ‫أس� � ��بابها بزوال احلماية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الديانات األخرى ص� � ��اروا ينخرطون في فريضة‬ ‫اجلهاد والدفاع عن الوطن مشاركني املسلمني كما‬ ‫هو حادث اآلن في الدول� � ��ة احلديثة‪ ،‬حيث يجند‬ ‫املواطنون جميعا بصرف النظر عن دينهم‪.‬‬ ‫الفك� � ��ر السياس� � ��ي اإلس� �ل��امي واملواطنة‪ :‬إن‬ ‫الفك� � ��ر السياس� � ��ي اإلس� �ل��امي ال يعت� � ��رض على‬ ‫مفهوم املواطنة بل يس� � ��توعبه ويعترف به‪ ،‬ويؤكد‬ ‫عليه‪ ،‬فهو من حيث اإلحساس والشعور إحساس‬ ‫إنساني وبشري طبيعي‪ ،‬وهو أيضا يرتب واجبات‬ ‫على اإلنس� � ��ان كما أنه يرتب حقوقا لهذا املواطن‪،‬‬ ‫ولكن اإلس� �ل��ام فضال عن اعتراف� � ��ه بهذا يعطي‬ ‫للمفه� � ��وم اتس� � ��اعا بحي� � ��ث يصبح مفهوم� � ��ا أكثر‬ ‫ش� � ��موال‪ ،‬فاملواطنة الصاحلة ليس� � ��ت حكرا على‬ ‫مكان دون آخر‪ ،‬بل إن ممارس� � ��تها مطلوبة في كل‬

‫‪129‬‬

‫‪oct 124-130.indd 129‬‬


‫زمان ومكان‪ ،‬في الداخل واخلارج‪.‬‬ ‫ولعل أبرز م� � ��ن أعطى ملفهوم الوطنية املنبثقة‬ ‫من املواطنة اتس� � ��اعه اإلنس� � ��اني نبينا املصطفى‬ ‫صل� � ��ى الل� � ��ه عليه وس� � ��لم‪ ،‬حيث ق� � ��ال‪« :‬ليس منا‬ ‫م� � ��ن دعا إلى العصبية» (رواه أبو داود في س� � ��ننه‬ ‫«جزء من حديث») فاإلسالم جتاوز مضمون هذا‬ ‫احلديث من املفهوم السياسي الضيق إلى املفهوم‬ ‫اإلنساني الشامل الواسع‪.‬‬ ‫فإن اإلسالم يعطي مفهوما إنسانيا للمواطنة‬ ‫ينصهر في� � ��ه الوالء واالنتماء من اجلزء إلى الكل‪،‬‬ ‫بحي� � ��ث ال يتوقف امتداد ال� � ��والء أو االنتماء عند‬ ‫حدود العائلة أو القبيلة أو البلدة أو حتى الدولة‪،‬‬ ‫وإمنا يتس� � ��ع ليش� � ��مل كل ش� � ��يء من مكان الوطن‬ ‫وزمانه من دون حدود ملعنى السياسة واجلغرافيا‬ ‫مما يعرف إس� �ل��اميا بدار اإلسالم‪ .‬وهكذا سما‬ ‫اإلسالم باملواطنة مرتقيا مبمارستها الوطنية فوق‬ ‫التعددية الثقافية والتي كانت من أبرز املشكالت‬ ‫الت� � ��ي تواجه الوطني� � ��ة فتحولت ف� � ��ي املجتمعات‬ ‫اإلسالمية إلى ما يُعرف بتالقي الثقافات وتوافق‬ ‫األفكار‪ ،‬مما أنتج مواجهة رشيدة وفريدة ومبكرة‬ ‫ملشكلة التعددية‪.‬‬ ‫وإذا كان� � ��ت املواطنة وحقوقها قد عرفها الغرب‬ ‫في العصر احلديث على أنقاض الدين‪ ،‬بعد انتصار‬ ‫العلماني� � ��ة على الكنيس� � ��ة الغربي� � ��ة‪ ،‬ولذلك جاءت‬ ‫مواطن� � ��ة علمانية‪ ..‬فإن اإلس� �ل��ام هو الذي أنش� � ��أ‬ ‫املواطنة وش� � ��ريعته هي التي قررت حقوقها‪ ،‬وبذلك‬ ‫ضمنت القداسة لهذه احلقوق‪ ،‬حتى ال تكون «منحة»‬ ‫يس� � ��مح بها حاكم ومينعها آخر‪ ..‬وبعبارة رسول الله‬ ‫صلى الله عليه وسلم‪« :‬فمن خالف عهد الله وعصى‬ ‫ميثاق رسوله فهو عند الله من الكاذبني»‪.‬‬ ‫وكذلك قرر اإلس� �ل��ام في دس� � ��تور دولة املدينة‪،‬‬ ‫أن الشريعة اإلس� �ل��امية‪ ..‬كما هي ضامنة للحقوق‬ ‫والواجب� � ��ات ف� � ��ي املواطنة‪ ،‬فإنها ه� � ��ي املرجع عند‬ ‫االختالف‪ .‬فنص هذا الدس� � ��تور عل� � ��ى «أنه ما كان‬ ‫من أهل هذه الصحيفة من حدث أو ش� � ��جار يخاف‬ ‫فس� � ��اده‪ ،‬ف� � ��إن مرده إل� � ��ى الله وإلى محمد رس� � ��ول‬ ‫الله»‪.‬‬ ‫هكذا أبدع اإلسالم الدين والدولة واحلضارة‪،‬‬ ‫كامل املس� � ��اواة في حق� � ��وق املواطن� � ��ة وواجباتها‪،‬‬ ‫قب� � ��ل أكثر من أربعة عش� � ��ر قرن� � ��ا‪ ..‬عندما كانت‬

‫‪130‬‬

‫‪8/26/13 9:17:31 AM‬‬

‫الدول واحلضارات األخ� � ��رى ال تعترف باآلخر‪..‬‬ ‫فاملواطن� � ��ون في أثينا كانوا ه� � ��م الرجال‪ ،‬األحرار‬ ‫اَّ‬ ‫امللك األش� � ��راف من اليونان‪ ،‬ومن عداهم برابرة‬ ‫ليس� � ��ت لهم أي حقوق‪ ..‬وكذلك كانت احلال عند‬ ‫الرومان‪ ..‬لكن اإلسالم هو الذي قرر وقنن وطبق‬ ‫كام� � ��ل املس� � ��اواة بني الرعي� � ��ة واألمة ف� � ��ي الدولة‬ ‫اإلس� �ل��امية‪ ،‬وف� � ��ي تكافؤ الف� � ��رص‪ ..‬وفي حرمة‬ ‫األنف� � ��س‪ ..‬والدم� � ��اء‪ ..‬واألع� � ��راض‪ ..‬واألموال‪..‬‬ ‫والعقائ� � ��د‪ ..‬واحلريات‪ ..‬ولذل� � ��ك فتحت األبواب‬ ‫الواس� � ��عة أمام مختل� � ��ف امللل والنح� � ��ل واملذاهب‬ ‫فش� � ��اركوا في بن� � ��اء احلضارة اإلس� �ل��امية وصنع‬ ‫التاريخ اإلسالمي‪.‬‬ ‫ويلف� � ��ت املفك� � ��ر محمد عمارة النظ� � ��ر إلى أنه‬ ‫إذا كانت الس� � ��نة النبوية هي البيان النبوي للبالغ‬ ‫القرآني‪ ..‬فإن هذه العهود النبوية التي قننت حقوق‬ ‫املواطنة وواجباتها هي «سنة نبوية قولية»‪ ،‬حتولت‬ ‫بالتطبيق إلى «س� � ��نة عملية» أيض� � ��ا‪ ..‬وأمام هذه‬ ‫السنة النبوية ال مجال إلى اجتهاد يخالفها بصرف‬ ‫النظر عن مقام صاحب االجتهاد املخالف»‪.‬‬

‫عائد املواطنة «صمام األمان»‬

‫ولذل� � ��ك يؤك� � ��د الباحث نبيل زك� � ��ي أن عائد‬ ‫املواطن� � ��ة واحترامه� � ��ا وتطبيقها يعتب� � ��ر «صمام‬ ‫األمان» في عاملنا العربي واإلسالمي اآلن‪ ،‬وخاصة‬ ‫أن منطقة الش� � ��رق األوس� � ��ط تضم أوطانا عربية‬ ‫وإس� �ل��امية متزقها صراعات طائفي� � ��ة ومذهبية‬ ‫وتدمرها جرائم ومج� � ��ازر يرفع أصحابها ‪ -‬زورا‬ ‫وتضليال ‪ -‬ش� � ��عارات دينية‪ ،‬ولم تعد املصادمات‬ ‫تقتصر على أطراف مس� � ��يحية وإسالمية‪ ،‬وإمنا‬ ‫على الشيعة والسنة ومش� � ��احنات قومية وعرقية‬ ‫بني تركمان وأكراد‪ ،‬وقد تتفجر بني أكراد وعرب‪،‬‬ ‫وتتصدع دول وتتس� � ��اقط وتنه� � ��ار كيانات وتتفتح‬ ‫أبواب النيران عندما يتقاتل أبناء الوطن الواحد‪.‬‬ ‫ومن هنا كان� � ��ت أهمية التأكي� � ��د على مفهوم‬ ‫املواطنة وقيمته� � ��ا ومبادئها فال� � ��كل أبناء‪ ،‬والكل‬ ‫متساوون أمام القانون في احلقوق والواجبات وال‬ ‫تف� � ��رق بينهم عقيدة وال دي� � ��ن‪ ،‬وال تعرف املنطقة‬ ‫عبر التاريخ انقس� � ��اما ديني� � ��ا أو طائفيا إذا كانت‬ ‫حتت ظ� �ل��ال املواطنة‪ ،‬ولو ع� � ��ادت كما كانت في‬ ‫السابق لوجدت املخرج مما هي فيه >‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 124-130.indd 130‬‬


‫أدب وفن‬

‫هذا ليس حلم ًا‬ ‫بقلم وريشة أمني الباشا *‬ ‫ل� ��م أك� � ��ن أرغ � � ��ب ب � ��رواي � ��ة ه� � ��ذه احل � ��ادث � ��ة ال � �ت� ��ي ت � � ��روي م� �غ���ام���رة ث �ل�اث� ��ة أص � ��دق � ��اء ل ��ي‪،‬‬ ‫ل��ك��ن��ي وم � ��ع م � � ��رور ال� �س� �ن�ي�ن‪ ،‬رأي� �ت� �ن ��ي آخ � ��ذ ال� �ق� �ل ��م وأح � �ك� ��ي م� ��ا ح � ��دث ل� �ه ��م ول � ��ي منذ‬ ‫وقت مضى ومضت معه رغباتي‪ ،‬ومنها الرغبة بأال أروي ما سأرويه اآلن‪.‬‬ ‫كنا منذ طفولتنا رفقاء في املدرس�� ��ة‪ ،‬مضت‬ ‫الطفول�� ��ة وبقينا أو صرن�� ��ا أصدقاء‪ ،‬نلتقي‬ ‫أس�� ��بوعياً‪ ،‬وكل من�� ��ا يعمل ف�� ��ي اختصاص‬ ‫مختل�� ��ف عن اآلخ�� ��ر‪ ،‬لكن هذا ل�� ��م مينعنا م�� ��ن االلتقاء‬ ‫واحملافظة على ذكرياتنا في املدرسة ووصولنا إلى املرحلة‬ ‫الشبابية‪ ،‬وكنا نرتب فرصنا السنوية في ذلك الوقت من‬ ‫السنة‪ ،‬وكل سنة نسافر إلى بلد من بلدان أوربا ومتضية‬ ‫خمس�� ��ة عش�� ��ر يوما‪ ،‬منا من ميضيها في متاحف املدينة‬ ‫ومنا من يخصصها حلضور احلفالت املوسيقية ومنا من‬ ‫ميضي سهراته في املس�� ��ارح‪ ،‬وبقية األيام نبقى معاً لي ً‬ ‫ال‬ ‫ونهاراً نزور أماكن املدينة ونسوح في لياليها‪ ،‬حيث يتصل‬ ‫الليل بالنهار وتختلط أنوار الليل بأنوار النهار‪.‬‬ ‫قلت إن�� ��ي لم أرغ�� ��ب برواية ما س�� ��أرويه‪ ..‬لكني لم‬ ‫أحافظ على وعد نفس�� ��ي‪ ..‬فاأليام متر والسنوات‪ ،‬وتغ ِّير‬ ‫وتبدِّل من شخصية اإلنسان بعضاً من شخصيته وأفكاره‬ ‫ورغباته وأشياء كثيرة‪.‬‬ ‫كن� � ��ا ف� � ��ي الطائ� � ��رة مس� � ��افرين إلى مدين� � ��ة فيينا‬

‫‪ Vienna‬املشهورة بأنها مدينة املوسيقى الكالسيكية‪،‬‬ ‫حي�� ��ث مل�� ��وزارت ‪ Mozart‬متث�� ��ال لذك�� ��راه ف�� ��ي إحدى‬ ‫الساحات‪ ،‬ولبتهوڤن وغيرهما‪ ،‬ثم إنها مشهورة مبتاحفها‬ ‫وغنية بكنوز لوحاتها لكبار الرسامني العامليني‪ ،‬وشهرتها‬ ‫أيض� � �اً مبقاهيها‪ ..‬يعني كل هذا أن اختيارنا للمدينة كان‬ ‫جيداً‪ ..‬أما ما حصل بعدما نظرت إلى ساعتي ورأيت أنه‬ ‫يتبقى نصف ساعة للوصول إلى فيينا هو حدوث اهتزاز‬ ‫قوي في الطائرة أخاف املس�� ��افرين وعلت األصوات‪ ،‬أما‬ ‫نحن فاخلوف قد أخفى صوتنا‪ ،‬وعلمنا أن طائراً ضخماً‬ ‫قد اصطدم جناحاه بالطائرة وأصبحت قطعتني واختفى‬ ‫أكث�� ��ر ركابها‪ ،‬ولم يب�� ��ق منا نحن األصدقاء س�� ��واي‪ ،‬وما‬ ‫لبثت أن صرت وحدي في األجواء طائراً بل هابطاً نحو‬ ‫كتفي يتحركان ورأيت أن جناحني‬ ‫األرض‪ ،‬ثم شعرت أن ّ‬ ‫قد ألصق�� ��ا بهما ورحت أطير كالطي�� ��ر‪ ..‬ولم أعلم كيف‬ ‫كان ش�� ��عوري في ذلك الوقت‪ ..‬وقد نسيت أصدقائي ولم‬ ‫أعد أذكرهم‪ ..‬ونس�� ��يت خوفي ورأيتني أنضم إلى طيور‬ ‫طائ�� ��راً معها‪ ..‬اقترب مني طائر ضخ�� ��م‪ ،‬كلمني بلغة لم‬

‫* فنان تشكيلي وكاتب من لبنان‬

‫‪131‬‬

‫‪8/26/13 12:09:32 PM‬‬

‫‪oct 131-133.indd 131‬‬


‫‪132‬‬

‫‪8/26/13 12:09:39 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 131-133.indd 132‬‬


‫أفهمها ولم أسمع بها‪ ،‬لكني تكلمت معه وبلغته واكتشفت‬ ‫أني أتف�� ��وه بكلمات ال أفهم معناه�� ��ا‪ ،‬وكان الطير يصفق‬ ‫بجناحي�� ��ه ويقت�� ��رب مني ويأخذني إل�� ��ى حيث هو متجه‪،‬‬ ‫إل�� ��ى أن حط على قمة جبل‪ ،‬وعلم�� ��ت أنه جبل من جبال‬ ‫البيرينيه ‪ Pyrenee‬التي تفصل ما بني فرنسا وإسبانيا‪،‬‬ ‫وقم�� ��ة اجلبل حيث هبطنا كانت من اجلبال اإلس�� ��بانية‪..‬‬ ‫لهذا فرحت‪ ..‬قلت لنفس�� ��ي إني سأزور جنوبي إسبانيا‪..‬‬ ‫األندلس‪ ..‬سأرى ثانية وثالثة وأكثر من مرة مدن قرطبة‬ ‫وإش�� ��بيلية وغرناطة وأزور زواريبها وأشم الياسمني فيها‬ ‫وأس�� ��مع أغانيها‪ ..‬قلت هذا لكني لم أعلم بأي لغة قلته‪..‬‬ ‫املهم أن�� ��ي على قمة جبل من جبال إس�� ��بانيا‪ ،‬حاولت أن‬ ‫أهرب من الطير الذي رافقني لكني لم أستطع‪ ،‬إذ كانت‬ ‫عين�� ��اه تراقبني عندما رأى أني فرحت عندما وقفت على‬ ‫قمة اجلبل مبعيته‪ ..‬ترى هل س�� ��ألتقي بها؟ أو س�� ��أراها‬ ‫بعد مرور السنني؟ كيف أصبحت؟ ضحكت عندما تخيلت‬ ‫أنه�� ��ا بقربي‪ ..‬آه‪ ..‬ما أجمل اخلي�� ��ال عندما يكون الواقع‬ ‫غائباً في طيات املاضي‪ ..‬من يدري إن كنت قد أصبحت‬ ‫طائ�� ��راً كالطي�� ��ور‪ ،‬فليس م�� ��ن املس�� ��تحيل أن ألتقي بها‬ ‫ونعي�� ��د أيامنا التي مضت‪ ..‬حترك رفيقي الطير وحترك‬ ‫جناح�� ��اي وطرنا وبعدنا عن اجلبال‪ ،‬وصلنا إلى س�� ����طوح‬ ‫مدينة وكانت تلمع كاجلوهرة‪ ..‬الليل جعل منها املاسة من‬ ‫أنوار شوارعها ومقاهيها وقصورها‪ ..‬هي إذا «برسلونا»‪،‬‬

‫أمضينا الليل على س�� ��طوح «العائلة املقدسة» الكاتدرائية‬ ‫التي بناها املهندس العبقري «غاودي» وما إن بان الفجر‬ ‫حت�� ��ى حتركنا باجتاه اجلنوب‪ ..‬ونزلن�� ��ا في بعض حقول‬ ‫الزيتون وحقول العن�� ��ب‪ ..‬لقد قربنا من قرطبة‪ ..‬قرطبة‬ ‫التي كنت أدعوها «حبيبتي» لس�� ��حرها ولسحر ما حتمل‬ ‫من تاريخ وذكريات وجمال‪.‬‬ ‫«قرطب�� ��ة»‪ ،‬هبطنا في حديقة اجلام�� ��ع الكبير الذي‬ ‫أصبح اس�� ��مه «اجلامع الكاتدرائي�� ��ة» واحلديقة محاطة‬ ‫بش�� ��جر ليم�� ��ون البرتقال‪ ..‬ل�� ��م نبق طوي��ل � ً‬ ‫ا‪ ..‬طرنا نحو‬ ‫إش�� ��بيلية ثم غرناطة ث�� ��م «املاريا» املدين�� ��ة البحرية التي‬ ‫أوجدها العرب وس�� ��موها «املرآة»‪ ..‬وعلى شواطئها رحت‬ ‫أقف�� ��ز ف�� ��وق األمواج ثم رأيتن�� ��ي مغمض العين��ي��ن ونائماً‬ ‫وصوت األم�� ��واج يداعب أذن�� ��ي‪ ..‬ومتر س�� ��اعات النهار‬ ‫والليل‪ ،‬ويأتي نهار جديد‪ ،‬فأنظر إلى البعيد ألرى مدينة‬ ‫أعرفها‪ ..‬أو ش�� ��بيهة بها‪ ..‬وأنظ�� ��ر حولي فال أرى الطير‬ ‫ال�� ��ذي أخذن�� ��ي ورافقني في الرحالت ول�� ��م أره‪ ..‬حترك‬ ‫جناح�� ��اي وأخذاني إلى تلك املدين�� ��ة التي أراها من بعيد‬ ‫وكأني أعرفها‪ ،‬إلى أن وصلت إليها‪ ..‬ومن ضجيج مرافئها‬ ‫وحركة الناس فيها علمت أني في بيروت‪ ،‬عندئذ سمعت‬ ‫صوت أمي‪ ..‬فتحت عيناي‪ ..‬رأيتني في س�� ��ريري‪ ،‬بعدما‬ ‫أفطرت وحتممت ولبست ثيابي ذهبت إلى املقهى‪ ..‬وكان‬ ‫بانتظاري األصدقاء الثالثة >‬

‫�اش� � � � �ق� � � � � ًا‬ ‫َو ِذي َث� � � � � � َن � � � � ��ا َي � � � � ��ا ل � � � � ��م َت� � � � � � � � � � � � � َد ْع َع � � � � ِ‬ ‫إال ع � � � � �ص� � � � ��ى ف � � � � � � ��ي ح�� � � �ب�� � � �ه� � � ��ا م � � � � � � ��ن ي � � � �ل� � � ��وم‬ ‫ك� � � � � � � ��م ب� � � � � � � ��ت أرع� � � � � � � � � � � � ��ى ف� � � � � � � ��ي مل� � � � � � � ��ى ث� � � �غ � � ��ره � � ��ا‬ ‫وش� � � � �ي� � � � �م�� � � � ُ�ة ال� � � � � �ع � � � � ��اش � � � � � ِ�ق رع� � � � � � � � � � ُ�ي ال � � � �ن � � � �ج� � � ��و ْم‬

‫هذا ليس حلم ًا‬

‫‪8/26/13 12:09:43 PM‬‬

‫‪133‬‬

‫‪oct 131-133.indd 133‬‬


‫قصة مترجمة‬

‫يوم مثالي ملشاهدة الكاجنارو‬ ‫هاروكي موراكامي *‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد عبدالنبي **‬ ‫كانت هناك أربعة حيوانات كاجنارو‬ ‫ف������ي القفص‪ :‬ذكر‪ ،‬أنثي������ان‪ ،‬وأخيراً‬ ‫صغير حديث الوالدة‪ .‬وقبالة قفص‬ ‫الكاجنارو كنا واقفني أن������ا وصديقتي‪ ،‬مبدئياً‬ ‫لم تكن حديق������ة احليوانات هذه مكاناً محبوباً‬ ‫وشعبياً‪ ،‬كما أنه صباح اإلثنني‪ ،‬ولذا فقد كانت‬ ‫احليوانات أكثر عدداً م������ن الزائرين‪ ،‬من دون‬ ‫مبالغة‪.‬‬ ‫كان هدف زيارتنا بكل تأكيد هو الكاجنارو‬ ‫الولي������د‪ ،‬وإال فألي س������بب آخر ق������د نأتي إلى‬ ‫حديقة احليوان؟ قبل ش������هر عثرنا في القسم‬ ‫احمللي من الصحيف������ة اليومية على خبر يعلن‬ ‫مول������د الكاجنارو الصغي������ر‪ ،‬ومنذ ذلك احلني‪،‬‬ ‫ونحن في انتظار النهار املثالي لزيارة الكاجنارو‬ ‫الوليد‪.‬‬ ‫ولكن بطريقة ما ذلك اليوم املثالي لم ِ‬ ‫يأت‪،‬‬ ‫اليوم األول كان ممطراً‪ ،‬وفي اليوم التالي كان‬ ‫املطر أش������د بكل تأكيد‪ ،‬وبالطبع كانت األرض‬ ‫كله������ا موحلة في اليوم الذي تال‪ ،‬ثم هبت رياح‬

‫مجنونة ليومني متتالي���ي��ن‪ ،‬وذات صباح عانت‬ ‫صديقتي من ألم في أس������نانها‪ ،‬ويوم آخر كان‬ ‫علي أن أنهي بعض اإلجراءات في دار البلدية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إنني ال أحاول أن أقول كالماً عميقاً هنا‪ ،‬لكني‬ ‫سأغامر بقول هذا‪:‬‬ ‫تلك هي احلياة‪.‬‬ ‫وبطريقة ما‪ ،‬مر شهر على هذا املنوال‪.‬‬ ‫ميكن لش������هر أن يفعل ه������ذا؟ أال ميكنه أن‬ ‫يتطاير هكذا كالريح قبل أن تشعر به‪ ،‬بالنسبة‬ ‫لي‪ ،‬ال أكاد أذكر ش������يئاً واح������داً قمت به طوال‬ ‫الش������هر كله‪ ،‬أحياناً يبدو أنن������ي قمت بالكثير‪،‬‬ ‫وأحياناً يبدو أنني لم أجنز أي ش������يء‪ ،‬واحلق‬ ‫أنني لم أنتبه ملرور ش������هر بكامله إال حني أتى‬ ‫أحده������م في اليوم األخير ليجمع نقود توصيل‬ ‫الصحيفة‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬تلك هي احلياة متاماً‪.‬‬ ‫ومع هذا فق������د حل أخي������راً الصباح الذي‬ ‫س������نذهب في������ه ملش������اهدة الكاجن������ارو الوليد‪،‬‬ ‫اس������تيقظنا ف������ي السادس������ة صباح������اً‪ ،‬أزحنا‬

‫* كاتب ياباني شهير‬ ‫** قاص وروائي ومترجم من مصر‪ ..‬والقصة مترجمة عن اإلجنليزية‪ ،‬ترجمها فيليب جابرييل‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫‪8/26/13 12:02:06 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 134-137.indd 134‬‬


‫الس������تائر‪ ،‬وقررن������ا أنه ي������وم مثالي ملش������اهدة‬ ‫حيوانات الكاجنارو‪ ،‬اغتس������لنا سريعاً‪ ،‬تناولنا‬ ‫اإلفطار‪ ،‬أطعمنا القط‪ ،‬قمنا ببعض الغس������يل‬ ‫«على الس������ريع»‪ ،‬اعتمرنا قبعت���ي��ن للوقاية من‬ ‫الشمس‪ ،‬ثم انطلقنا‪.‬‬ ‫س������ألتني ونح������ن ف������ي القط������ار‪« :‬حبيبي‪،‬‬ ‫الكاجنارو البيبي‪ ،‬تظن أنه مازال حياً؟»‪.‬‬ ‫«بكل تأكيد‪ ،‬فلم ينش������روا أي خبر عن موته‬ ‫ف������ي الصحف‪ ،‬لو كان قد مات أنا واثق أننا كنا‬ ‫قرأنا عن األمر»‪.‬‬ ‫«ط ّيب‪ ،‬رمبا لم ميت‪ ،‬لكنه مريض وأخذوه‬ ‫إلى مستشفى ما»‪.‬‬ ‫«كان������ت الصح������ف ستنش������ر ه������ذا اخلبر‬ ‫أيضاً»‪.‬‬ ‫«رمبا أصابها انهي������ار عصبي واختفت في‬ ‫ركن معزول»‪.‬‬ ‫«حيوان وليد يصاب بانهيار عصبي؟»‬ ‫«ال أقص������د الوليد‪ ،‬ب������ل األم! رمبا أصابتها‬ ‫صدمة من ن������وع ما واختبأت م������ع وليدها في‬ ‫غرفة خلفية مظلمة»‪.‬‬ ‫النس������اء يفكرن في كل االحتماالت املمكنة‪،‬‬ ‫يوم مثالي ملشاهدة الكاجنارو‬

‫‪8/26/13 12:02:16 PM‬‬

‫هك������ذا فكرت في إعجاب‪ ،‬صدمة عصبية؟ أي‬ ‫نوع من الصدمات العصبية ميكنه التأثير على‬ ‫حيوان كاجنارو؟‬ ‫قال������ت‪« :‬إن ل������م أر الكاجن������ارو الوليد اآلن‬ ‫ال أظن أنه س������تتاح لي فرصة أخ������رى لرؤيته‪،‬‬ ‫أبداً»‪.‬‬ ‫«ال أظن ذلك»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫«أقصد هل س������بق لك أن رأيت واحدا قبل‬ ‫اآلن»؟‬ ‫قلت‪« :‬ال‪ ،‬لم يحدث لي»‪.‬‬ ‫«وه������ل ميكن������ك أن تكون واثق������اً أن فرصة‬ ‫أخرى ستتاح لك مطلقاً؟»‪.‬‬ ‫«ال أدري»‪.‬‬ ‫«هذا هو سبب قلقي حتديدا»‪.‬‬ ‫قلت على الفور‪« :‬صحيح‪ ،‬ولكن اس������معي‪،‬‬ ‫حت������ى ولو كنت عل������ى حق‪ ،‬فأنا لم يس������بق لي‬ ‫أبداً أن رأيت زرافة تلد‪ ،‬أو حتى حوتاً يس������بح‪،‬‬ ‫فلماذا تضخمني مس������ألة وليد الكاجنارو إلى‬ ‫هذا احلد؟»‪.‬‬ ‫قال������ت‪« :‬ألن������ه كاجن������ارو وليد‪ ،‬ه������ذا هو‬ ‫السبب»‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫‪oct 134-137.indd 135‬‬


‫استس������لمت وعدت لتص ُّف������ح جريدتي‪ ،‬لم‬ ‫أنتصر أبداً في جدال مع فتاة‪.‬‬ ‫وبطبيع������ة األمر كان الكاجن������ارو حياً يرزق‬ ‫وبخير حال‪ ،‬وب������دا (أو بدت‪ ،‬من يدري؟) أكبر‬ ‫حجم������اً مما أظهرته صورة اجلريدة‪ ،‬وقد أخذ‬ ‫يتقاف������ز في حيوية بداخل س������ياج قفصهم‪ ،‬لم‬ ‫يكن وليداً بقدر ما كان منمنمة كاجنارو‪ ،‬كانت‬ ‫صديقتي محبطة قلي ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫«خالص‪ ،‬لم يعد وليداً صغيرا»‪.‬‬ ‫واسيتها قائ ً‬ ‫ال‪« :‬بل هو كذلك بالتأكيد»‪.‬‬ ‫وربت عليها بر ّقة‪ ،‬هزت رأس������ها‪ ،‬أردت أن‬ ‫ُّ‬ ‫أفع������ل أمراً للتخفيف عنها‪ ،‬ولكن مهما كان ما‬ ‫سأفعله فلن يغير شيئاً من احلقيقة اجلوهرية‬ ‫البس������يطة‪ :‬الكاجنارو الوليد قد كبر بالفعل‪،‬‬ ‫وهكذا حتليـــت بالصمت‪.‬‬ ‫ذهب������ت إلى كش������ك املرطبات واش������تريت‬ ‫«اثنني آيس كرمي شوكوالته»‪ ،‬حني عدت كانت‬ ‫التزال تستند إلى السياج وحتدق في حيوانات‬ ‫الكاجنارو‪.‬‬ ‫كررت‪« :‬لم يعد وليداً صغيراً»‪.‬‬ ‫«فع���ل�� ً‬ ‫ا؟»‪ ،‬أجبته������ا‪ ،‬وأن������ا أناوله������ا اآليس‬ ‫كرمي‪.‬‬ ‫«الوليد الصغير يبقى في جراب أمه»‪.‬‬ ‫أومأت لها ولعقت اآليس كرمي‪.‬‬ ‫«ولكنه ليس في جرابها»‪.‬‬ ‫امله������م‪ ،‬حاولنا أن نكتـــــش������ف م������ن تكـــون‬ ‫الكاجنارو األم‪ ،‬كان من الس������هل حتديد األب‬ ‫ فقد كان األكب������ر حجماً واألكثر هــدوءاً بني‬‫األربعة‪ ،‬بدا مثل موسيقار جفّت موهبــته وهو‬ ‫يق������ف جام������داً‪ ،‬متفحص������اً األوراق اخلضراء‬ ‫املوضوعة في إناء طعامه‪ ،‬الكاجنارو اآلخران‬ ‫كـــــان������ا أنثيني‪ ،‬متطابقتني في هيكل اجلس������م‬ ‫والل������ون والتعبير‪ ،‬وميكن ألي منهــــما أن تكون‬ ‫أم املولود‪.‬‬ ‫علّقت قائ ً‬ ‫ال‪« :‬ومع ذلك‪ ،‬البد أن إحداهما‬ ‫هي األم واألخرى ليست كذلك»‪.‬‬ ‫«حقاً؟»‬ ‫«ط ّيب أخبريني ِ‬ ‫أنت أيهما ميكن أال تكون‬ ‫األم؟»‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫‪8/26/13 12:02:28 PM‬‬

‫قالت‪« :‬معك حق»‪.‬‬ ‫غاف ً‬ ‫ال عن كل تلك املسائل‪ ،‬كان الكاجنارو‬ ‫الصغي������ر يواصل تقافزه متوقف������اً هنا وهناك‬ ‫لينب������ش في التراب دون هدف واضح‪ ،‬كان من‬ ‫الواضح أنه مخلوق ال يعرف امللل‪.‬‬ ‫كان يتقاف������ز حول أبي������ه‪ ،‬ويتوقف ليقضم‬ ‫بعض األعش������اب‪ ،‬ينبش في الت������راب‪ ،‬يضايق‬ ‫األنثي���ي��ن‪ ،‬ينبط������ح على األرضي������ة‪ ،‬ثم ينهض‬ ‫واقفاً ويعاود تقافزه مرة أخرى‪.‬‬ ‫س������ألت‪« :‬مل������اذا تقف������ز الكاجن������ارو بهذه‬ ‫السرعة؟»‪.‬‬ ‫«فراراً من أعدائها»‪.‬‬ ‫«أعداء؟ أي أعداء؟»‪.‬‬ ‫قلت‪« :‬البش������ر‪ ،‬البش������ر يقتلونهم بالعصي‬ ‫اخلشبية الطائرة ثم يأكلون حلومها»‪.‬‬ ‫«وملاذا يُو��ع الصغير في جراب األم؟»‪.‬‬ ‫«حت������ى ميكنها أن تهرب ب������ه‪ ،‬فالصغار ال‬ ‫ميكنهم اجلري بسرعة»‪.‬‬ ‫«ه������ذا يعن������ي أنه������م يكون������ون محمي���ي��ن‪،‬‬ ‫صحيح؟»‪.‬‬ ‫قل������ت‪« :‬صحي������ح‪ ،‬إنه������م يحم������ون جمي������ع‬ ‫صغارهم»‪.‬‬ ‫«إلى أي سن يحمونهم هكذا؟»‪.‬‬ ‫�����ت نفس������ي ألنني ل������م أتفق������د مقدماً‬ ‫وبخّ � ُ‬ ‫املوسوعة املصورة بحثا عن حيوانات الكاجنارو‪،‬‬ ‫فموكب أسئلة مثل هذا أمر متوقع متاماً‪.‬‬ ‫«شهر أو شهران‪ ،‬على ما أظن»‪.‬‬ ‫فقالت وهي تش������ير إلى صغير الكاجنارو‪:‬‬ ‫«حس������ن‪ ،‬هذا عمره ش������هر واحد‪ ،‬ما يعني أنه‬ ‫البد أن يكون مازال في اجلراب»‪.‬‬ ‫قلت‪« :‬إممم‪ ،‬يهيأ لي هذا»‪.‬‬ ‫«أال تظ������ن أنه من الرائع أن يتك ّور املرء في‬ ‫جراب كهذا؟»‪.‬‬ ‫«بلى‪ ،‬أظن ذلك»‪.‬‬ ‫ارتفعت الش������مس اآلن في الس������ماء‪ ،‬وكان‬ ‫بوسعنا أن نس������مع صيحات أطفال تنبعث من‬ ‫حمام س������باحة قريب‪ ،‬متر بالس������ماء س������حب‬ ‫صيفية بيضاء ذات أشكال حادة‪.‬‬ ‫سألتها‪« :‬أتأكلني شيئاً؟»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 134-137.indd 136‬‬


‫قالت‪« :‬ساندوتش هوت دوج وكوكا»‪.‬‬ ‫كان كش� � ��ك بيع الش� � ��طائر على شكل شاحنة‬ ‫صغي� � ��رة‪ ،‬والطال� � ��ب الش� � ��اب ال� � ��ذي يديرها قد‬ ‫أحضر معه مشغّل الكاسيت العمالق اخلاص به‪،‬‬ ‫وراح كل من س� � ��تيف وندر وبيلي جويل يُش� � ��نفان‬ ‫أذني بينما أنتظر إعداد طلبي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ح� �ي��ن رجعت إل� � ��ى قفص الكاجن� � ��ارو قالت‪:‬‬ ‫«انظر!»‪ ،‬وأشارت إلى واحدة من أنثيي الكاجنارو‬ ‫«أرأيت؟ إنه بداخل جرابها»‪.‬‬ ‫وبكل تأكي� � ��د كان الوليد اجلديد قد تس� � ��لل‬ ‫بداخل جراب أمه‪( .‬بافت� � ��راض أنها األم)‪ ،‬وكان‬ ‫اجل� � ��راب منتفخاً به‪ ،‬ويبرز من� � ��ه أذنان رفيعتان‬ ‫مس� � ��تدقتان وط� � ��رف ذي� � ��ل‪ ،‬كان منظ� � ��راً رائعاً‪،‬‬ ‫وبالشك جعل رحلتنا تستحق اجلهد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫قال� � ��ت‪« :‬البد أن تكون ثقيل� � ��ة جدا والصغير‬ ‫بداخلها»‪.‬‬ ‫«ال تشغلي بالك‪ ،‬حيوانات الكاجنارو قوية»‪.‬‬ ‫«حقاً؟»‪.‬‬ ‫«بالطبع قوية‪ ،‬وإال كيف اس������تمر وجودها‬ ‫حتى اآلن؟»‪.‬‬ ‫لم تظهر نقطة عرق واحدة على الكاجنارو‬

‫األم رغم وقوفها حتت الشمس الساخنة‪ ،‬بدت‬ ‫مثل ش������خص قد انتهى لتوه من تس������ ّوق ساعة‬ ‫األصيل في سوبر ماركت على الطريق الرئيسي‬ ‫مبدينة أيوما الفارهة‪ ،‬وهو اآلن يلتقط أنفاسه‬ ‫في مقهى قريب‪.‬‬ ‫«إنها حتمي صغيرها‪ ،‬صحيح؟»‪.‬‬ ‫«نعم»‪.‬‬ ‫«تُرى هل نام الصغير؟»‪.‬‬ ‫«غالباً»‪.‬‬ ‫أكلنا شطائرنا وشربنا الكوكاكوال‪ ،‬وودعنا‬ ‫قفص الكاجنارو‪.‬‬ ‫حني غادرن������ا كان الكاجن������ارو األب مازال‬ ‫�����دق في قصع������ة طعامه باحث������اً عن نغمات‬ ‫يح� ّ‬ ‫ضائع������ة‪ ،‬الكاجنارو األم ووليده������ا صارا كتلة‬ ‫واحدة‪ ،‬مس������تريحني إلى تدف������ق الوقت‪ ،‬بينما‬ ‫كانت األنثى األخ������رى الغامضة تتقافز كما لو‬ ‫تختبر مهارة ذيلها‪.‬‬ ‫بدا وكأنه سيكون يوماً مشبعاً بالبخار‪ ،‬أول‬ ‫يوم حار مير بنا منذ فترة‪.‬‬ ‫سألت‪« :‬حتب تأخذ بيرة في مكان ما؟»‬ ‫قلت‪« :‬أحب جداً» >‬ ‫ُ‬

‫َوشَ � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ِ�اد ٍن َي� � � � � ْ�س�� � � � � ُل� � � � ��ب ال � � � � � � ُ�ع � � � � � ��قُ � � � � � � َ‬ ‫�ول َوال‬ ‫ي � � � � ِ�ه� � � � � ُل� � � � � َه � � � ��ا ف� � � � ��ي ال� � � � � � � َه� � � � � � � َوى َف� � � ُ�ي� � � ْ�ه� � � ِ�م � � � ُل � � �ه� � ��ا‬ ‫مُ ْ‬ ‫َت�� � � � � � � ��غْ �� � � � � � � � ِ�ز ُل أحل� � � � � � � ُ‬ ‫�اظ� � � � � � ��ه َو َك � � � � � � � � � � � � � ْ�م َف� � � � � َت� � � � � َك � � � � ْ�ت‬ ‫�أم � � � � ُل � � � � َه� � � ��ا‬ ‫ف�� � � � ��ي ال� � � � �ق� � � � �ل � � � � ِ�ب َم � � � � � � � � � ْ�ن را َق� � � � � � � � � � � � ��هُ ت� � � � ُّ‬ ‫َج� � � � � ��دي� � � � � ��دة ُ ال� � � � � ِّ�س� � � � � ْ�ح� � � � � ِ�ر ل� � � � ��م َت � � � � � � � � � �زَل أَب� � � � � � � ��د ًا‬ ‫َح� � � ��دي� � � � ُ�ث � � � �ه� � � ��ا ف� � � � ��ي ال � � � � � � � َه � � � � � � � َوى َو َم� � � � ��غْ � � � � � َز ُل � � � � �ه� � � � ��ا‬

‫يوم مثالي ملشاهدة الكاجنارو‬

‫‪8/26/13 12:02:37 PM‬‬

‫‪137‬‬

‫‪oct 134-137.indd 137‬‬


‫مسرح‬

‫فنان على مشارف التسعني‬

‫يوسف العاني وعكَّ ازه املسرحي‬ ‫د‪.‬عقيل مهدي*‬ ‫حاز الفنان املسرحي‬ ‫العراقي الكبير يوسف‬ ‫العاني أكثر من تكرمي‬ ‫جلهوده املسرحية‪ ،‬وما‬ ‫قدم للمسرح من أعمال‬ ‫مميزة كان الرائد فيها‪،‬‬ ‫واملؤسس من خاللها‬ ‫الجتاه في املسرح‪:‬‬ ‫وضع أسسه‪ ،‬وطوره‬ ‫من خالل املواصلة‪،‬‬ ‫واإلضافة‪ ،‬التي ترجع‬ ‫بداياتها إلى نحو ثالثة‬ ‫أرباع القرن‪.‬‬

‫في ه�� ��ذا املق�� ��ال نق�� ��وم برصد املس�� ��يرة‬ ‫املس�� ��رحية للفنان العاني‪ ،‬مبا كان فيها من‬ ‫عالم�� ��ات ب�� ��ارزة‪ ،‬ومن حت�� ��والت وتطورات‬ ‫أحدثها هذا الفنان‪ ،‬بأعماله وأدواره في املسرح العراقي‬ ‫وقد سبق لي أن قدمت عملاً مسرح ًيا عنه حتت عنوان‪:‬‬ ‫«يوس�� ��ف يغني»‪ ،‬محيلاً فيه إلى مسرحية الفنان العاني‬ ‫الشهيرة‪ ،‬والتي لعب الدور الرئيس فيها‪« :‬عبود يغني»‪.‬‬

‫العاني وفن التمثيل ‪ ..‬البدايات‬

‫في زقاق (خضر الياس) من الكرخ صعد يوس� � ��ف‬ ‫عل� � ��ى دكة ال� � ��دار ليصرخ بصوت طفولي‪« :‬أنا يوس� � ��ف‬

‫* مؤلف وناقد مسرحي من العراق‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫‪8/26/13 11:44:40 AM‬‬

‫ملتبسا‬ ‫الطحان» ثم يتلو درسه من «القراءة» االبتدائية‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عليه اسم «يوسف»!‬ ‫وإال كيف ميكن أن يكون هذا املولود في عام ‪1926‬‬ ‫طحا ًن� � ��ا على صغر س� � ��نه‪ ،‬وأخوه ميل� � ��ك (اخلان)‪ ،‬وما‬ ‫ّ‬ ‫يحتويه من طحني‪ ،‬وس� � ��من‪ ،‬ومتور؟ ثم يتدارك يوسف‬ ‫نفس� � ��ه‪ ،‬حني مي ّثل حتت إش� � ��راف معلمه في مدرس� � ��ة‬ ‫الكرخ في ‪ 24‬فبراير ‪ 1944‬مشه ًدا مسرحيا عاب ًرا!‬ ‫متوزعا بني مدينة «الفلوجة»‬ ‫عاش يوسف طفولته‬ ‫ً‬ ‫التي فقد فيها األب واألم‪ ،‬ليصبح أخوه في «بغداد» أ ًبا‬ ‫وزوجته أمـّا ليوسف‪.‬‬ ‫وهن� � ��ا يثور في نفس� � ��ه التب� � ��اس غري� � ��ب آخر في‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 138-143.indd 138‬‬


‫مكرما‬ ‫يوسف العاني َّ‬

‫إستراتيجية األسماء واملس� � ��ميات‪ :‬فيا ترى أيهما أكثر‬ ‫حضو ًرا في نفسه‪ ..‬هل هي الشخصية الواقعية أم تلك‬ ‫«املتخيلة»؟ وحني مرق العمر س� � ��ري ًعا‪ ،‬اخترم «التمثيل»‬ ‫روح� � ��ه‪ ،‬فاصطنع حت� � ��ت غيمته احل� � ��ركات‪ ،‬واملواقف‪،‬‬ ‫وتف� �ن��ن في التلفظ والكالم‪ ،‬ومن هذا التمثيل عثر على‬ ‫«التأليف» فأخذ يتلقف اللفظ‪ ،‬والش� � ��خصية‪ ،‬واحلالة‪،‬‬ ‫م� � ��ن أهل بيته وجيرانه لينقلها م� � ��ن فضاء احلركة إلى‬ ‫فضاء الكتابة‪.‬‬ ‫وحني كبر ف� � ��ي مجتمع راكد‪ ،‬تص� � ��ارع مع أعرافه‬ ‫وهو يتطلع بفرح إلى مس� � ��تقبل سعيد موعود في خضم‬ ‫تي� � ��ارات يس� � ��ارية وقومي� � ��ة ودينية‪ ،‬كان� � ��ت طاغية على‬ ‫مستوى «الوطن» واألمة‪.‬‬ ‫يوسف العاني وعكازه املسرحي‬

‫‪8/26/13 12:01:34 PM‬‬

‫وبعد إنهاء دراس� � ��ته اإلعدادي� � ��ة مت قبوله في كلية‬ ‫احلقوق بجامعة بغداد‪ ،‬ليجد نفس� � ��ه يقلّد أساتذته من‬ ‫اً‬ ‫محول دروس� � ��هم القانونية إلى‬ ‫املصري� �ي��ن والعراقيني‪،‬‬ ‫مش� � ��اهد ومواقف طريفة ويعرضها ف� � ��ي «جمعية جبر‬ ‫اخلواطر»‪ ،‬وهم ثلّة من زمالئه يعكسون من خالل هذه‬ ‫الفرقة الغرائب واملقالب التي تدور في املقاهي واألزقة‬ ‫وما يعانيه البؤس� � ��اء م� � ��ن الناس البس� � ��طاء في إجناز‬ ‫معامالتهم في دوائر الدولة‪.‬‬ ‫وكان متفاعلاً مع كتابات ش� � ��هاب القصب‪ ،‬وسواه‪،‬‬ ‫ليأخ� � ��ذ منها «موتيفات» متواضع� � ��ة‪ ،‬ثم ينفث فيها من‬ ‫روح املمثل فيه ما يجعلها تنهض من رماد األصل وهي‬ ‫حي يكابد األم ّرين في بحثه عن‬ ‫أش� � ��به بطائر بش� � ��ري ّ‬

‫‪139‬‬

‫‪oct 138-143.indd 139‬‬


‫لقم� � ��ة العيش‪ .‬من ه� � ��ذه الواقعية في األداء اس� � ��تطاع‬ ‫العان� � ��ي أن يلف� � ��ت النظر إل� � ��ى موهبت� � ��ه التمثيلية بني‬ ‫زميالته وزمالئه‪ ،‬مختر ًق� � ��ا جتاعيد التصنع‪ ،‬وغضون‬ ‫التكلف البغيض‪ ،‬واالزدواجية املقرفة‪ ،‬التي مت ّرس في‬ ‫فضحها في الوسط الذي يعيش‪.‬‬

‫فرقة املسرح احلديث‬

‫في عام ‪ 1952‬أس� � ��س إبراهيم جالل هذه الفرقة‬ ‫وكان العاني س� � ��كرتيرها حيث س� � ��بقته شهرة املثقف‪،‬‬ ‫بوصف� � ��ه صديق اجلواهري‪ ،‬ومعظ� � ��م أدباء تلك الفترة‬ ‫من الزم� � ��ان‪ ،‬مختلطة هذه املعرفة بـجهده السياس� � ��ي‬ ‫الذي تترصده عيون رجاالت احلكم‪ ،‬وتس� � ��تهويه بعض‬ ‫األحزاب دون غيرها‪ ،‬وينحاز إلى الناس املسحوقني‪.‬‬ ‫ثم يأخذ جاسم العبودي املتخرج في معهد أمريكي‪،‬‬ ‫مس� � ��رحيتني كتبهما العاني‪« :‬تؤمر بيك»‪ ،‬و«ماكو شغل»‬ ‫ليقدمهما عام ‪.1955‬‬ ‫يتضام� � ��ن إبراهيم جالل م� � ��ع العاني حني عاد من‬ ‫إيطاليا ليخرج نص مس� � ��رحية «س� � ��ت دراهم»‪ ،‬ويتكفل‬ ‫بعد ذلك س� � ��امي عبداحلميد بالبواقي من أعماله مثل‬ ‫«لو بس� � ��راجني لو بالظلمة»‪« ،‬فلوس ال� � ��دوة» و«حرمل‬ ‫وحبة سودة»‪.‬‬ ‫لقد أثارت هذه النصوص زوبعة ضد مشروع العاني‬ ‫ه� � ��ذا‪ ،‬وأخذت احلكوم� � ��ة مبالحقته ونفي� � ��ه واعتقاله‪،‬‬ ‫فآثر أن يكتب باس� � ��م مس� � ��تعار‪ ،‬ولكنه عاد إلى اس� � ��مه‬ ‫الصريح (يوس� � ��ف) حني أخرج في الش� � ��هر العاشر من‬ ‫فجر ثورة يوليو ‪ 1958‬مس� � ��رحية «آني أمك يا شاكر»‪،‬‬ ‫التي باتت مدخلاً لعالم جديد‪،‬‬ ‫يكتشفه العاني مع هذه العقول‬ ‫اإلخراجي� � ��ة املبدع� � ��ة في زمن‬ ‫اجلمهوري� � ��ة األول� � ��ى‪ :‬ينتق� � ��د‬ ‫الروت� �ي��ن‪ ،‬والـــــــبيروقراطي� � ��ة‪،‬‬ ‫ومحسوبية اإلدارة‪ ،‬ومفارقات‬ ‫ذوي العاه� � ��ات (املبكي� � ��ة –‬ ‫املضحك� � ��ة)‪ ،‬متاب ًع� � ��ا بش� � ��كل‬ ‫تفصيلي‪ ،‬ش� � ��خصية البغدادي‬ ‫وم� � ��ا ترس� � ��ب فيها م� � ��ن غبار‬ ‫القرون‪.‬‬ ‫أصب� � ��ح العاني ف� � ��ي هذه‬ ‫البيئ� � ��ة الش� � ��عبية اللماح� � ��ة‪،‬‬ ‫والهازلة‪ ،‬مشهو ًرا على املستوى‬

‫‪140‬‬

‫‪8/26/13 11:44:48 AM‬‬

‫العام‪ ،‬حيث رشحته ثورة يوليو مدي ًرا ملصلحة السينما‬ ‫واملسرح في اوائل الستينيات‪.‬‬ ‫يجد الباحث في جتربة العاني املسرحية منعطفات‬ ‫وحتوالت في تقنياته الكتابية والتمثيلية ليجمع ما بني‬ ‫«راس الش� � ��ليلة» ع� � ��ام ‪ 1954‬حتى «جنمة» مس� � ��رحيته‬ ‫األخي� � ��رة‪ ،‬ب� �ي��ن الواقعي� � ��ة‪ ،‬وامللحمي� � ��ة‪ ،‬والتس� � ��جيلية‪،‬‬ ‫والتعبيرية‪.‬‬ ‫في الستينيات زارت «فرقة مسرح اخلليج العربي»‬ ‫الكويتية‪ ،‬الع� � ��راق لتقدم مس� � ��رحية «احلاجز»‪ ،‬تأليف‬ ‫عبدالعزيز السر ّيع‪ ،‬وإخراح صقر الرشود‪ ،‬ومثلت فيها‬ ‫سعاد عبدالله‪ ،‬وأسمهان توفيق‪ ،‬ومحمد املنصور‪.‬‬ ‫في عام ‪ 1967‬قدمت الفرقة التي ترأس� � ��ها العاني‬ ‫(فرقة املسرح الفني احلديث) مسرحية «فوانيس» في‬ ‫الكوي� � ��ت‪ ،‬وهي من تأليف طه س� � ��الم‪ ،‬وإخراج إبراهيم‬ ‫ج� �ل��ال‪ .‬وحني حدث انق� �ل��اب ‪ 1963‬هاجر العاني إلى‬ ‫منفى خارج البلد ليتنقل من لبنان إلى أملانيا الش� � ��رقية‬ ‫نصوصا بلغة مسرحية‬ ‫ليعود بعد انقالب ‪ 1968‬فيكتب‬ ‫ً‬ ‫بارعة مثل «املفتاح»‪ ،‬و«اخلرابة»‪ ،‬و«الشريعة»‪ ،‬و«اخلان»‪،‬‬ ‫و«اجلومة»‪.‬‬ ‫املتغي� � ��ر اجلوهري في جتربة الغربة جعل نصوصه‬ ‫املسرحية ذات بنية مكانية مفتوحة على أزمنة واسعة‪،‬‬ ‫أما عل� � ��ى صعيد التمثيل فقد ته ّذب� � ��ت أدواته وصقلت‬ ‫موهبت� � ��ه لتأهل� � ��ه ألداء أدوار مركب� � ��ة مثل ش� � ��خصية‬ ‫«احلوذي» في «النخلة واجليران»‪ ،‬و«بونتال» في «البيك‬ ‫والسايق»‪ ،‬و«أشعب» في «بغداد األزل»‪ ،‬و«السقاء» في‬ ‫«اإلنسان الطيب»‪ ،‬وقد امتاز متثيله بخفة الظل‪ ،‬وثراء‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 138-143.indd 140‬‬


‫يوسف العاني والفنانة زينب في أحد األدوار املشتركة‬

‫اإليقاع الصوتي واجلسدي املتماوج مع طبائع شخصياته‬ ‫املثيرة لش� � ��غف اجلمهور مبا توظفه من سخرية ووعي‬ ‫نقدي الذع بإطار شعبي‪ ،‬رمبا تختزلها مسرحية «صورة‬ ‫جديدة» ملجتمع عراقي وعربي جديد‪.‬‬

‫ابتكارات العاني في النص والعرض‬

‫ع� � ��اد بنا العان� � ��ي بعد رجوعه م� � ��ن أملانيا في العام‬ ‫نصوص� � ��ا مختلفة عم� � ��ا عرفته جتربته‬ ‫‪ 1958‬ليكت� � ��ب‬ ‫ً‬ ‫السابقة‪ .‬ففي مسرحية «املفتاح» يد ّون أغنية فولكلورية‬ ‫على شكل مدونة مسرحية تنبع من حياة الشارع‪:‬‬

‫(يا خشيبة نودي نودي‪..‬‬ ‫وديني على جدودي‬ ‫وجدودي بطارف مكة‪)...‬‬

‫وبذلك باتت هذه األغنية حكاية درامية أسند إليها‬ ‫العاني وظيفة جمالية لتكون لدى املخرج وسيلة بصرية‬ ‫وس� � ��معية مؤثرة س� � ��يما وأن الس� � ��ينوغرافر – (مصمم‬ ‫املناظر) «كاظم حيدر»‪ .‬استطاع أن ميزج هذه احلكاية‬ ‫يوسف العاني وعكازه املسرحي‬

‫‪8/26/13 11:44:50 AM‬‬

‫مع فن� � ��ون احلداثة املس� � ��رحية التي‬ ‫تطلبها إخراج سامي عبداحلميد‪.‬‬ ‫وامتازات مس� � ��رحية «اخلرابة»‬ ‫بالس� � ��ردية الروائي� � ��ة التاريخية في‬ ‫تعامله� � ��ا مع حقب زمني� � ��ة مفتوحة‪،‬‬ ‫من� � ��ذ حضارة كلكام� � ��ش البابلي إلى‬ ‫انتفاضة جن� � ��م البقال في «النجف»‬ ‫ض� � ��د احملتل في ث� � ��ورة العش� � ��رين‪،‬‬ ‫مقترن � � � ًة بانتخاب ح� � ��زم من الوثائق‬ ‫السياس� � ��ية والتاريخي� � ��ة اخلاص� � ��ة‬ ‫بصراع� � ��ات القرن العش� � ��رين التي‬ ‫حت� � ��رك فيه� � ��ا العاني م� � ��ن منظور‬ ‫أيـديولـــوج� � ��ي تقـــدم� � ��ي بس� � ��ياقاته‬ ‫ومرجعياته اخلارجية‪.‬‬ ‫جم� � ��ع العرض بني «البوس� � ��تر»‬ ‫الذي أراد «بيتر فايس» تأسيس� � ��ه‪،‬‬ ‫في مس� � ��رحه الوثائقي‪ ،‬مع توظيف‬ ‫تقني� � ��ات «متس� � ��رحية» أخ� � ��رى‪،‬‬ ‫يضمها إطار عام‪ ،‬يقدمه الس� � ��ارد‪،‬‬ ‫مبروي� � ��ات تتحرك فيه� � ��ا مجموعة‬ ‫م� � ��ن مش� � ��اهد متنوع� � ��ة وخاص� � ��ة‪،‬‬ ‫وجت� � ��د فيه� � ��ا م� � ��ا يش� � ��به التمثيل‬ ‫الصام� � ��ت «البانتومامي»‪ ،‬والرقص‪،‬‬ ‫مصحوبة بأهازيج ش� � ��عبية وأشعار حماسية بخلفيتها‬ ‫الثورية التي يتوازن فيها الوطني مع اإلنس� � ��اني بفيض‬ ‫تلقائ� � ��ي ويتم تنس� � ��يقها في حلقات متج� � ��اورة كالذي‬ ‫عرفناه من املس� � ��رح امللحمي عند «بريخت» املس� � ��مى‬ ‫بـ «احملطات» امللحمية‪.‬‬ ‫كان العاني في مس� � ��رحياته األولى يضخّ م من قبح‬ ‫الواقع االجتماعي القائم على الظلم‪ ،‬واستغالل القوي‬ ‫للضعي� � ��ف‪ ،‬وآفة البطالة‪ ،‬وامل� � ��رض‪ ،‬والفقر‪ ،‬واجلنون‪،‬‬ ‫حيث يرصد ذلك اجلور االجتماعي اخلانق واملتصارع‬ ‫مع وعي مغاير ومكافح‪.‬‬ ‫أم� � ��ا معاجلته اجلدي� � ��دة فقد اقترن� � ��ت مع وظيفة‬ ‫إخراجي� � ��ة تبح� � ��ث عن اجلديد وهي ترم� � ��ق إرهاصات‬ ‫عديدة تتحرك في رحم املجتمع‪ ،‬كان فيها املثقف يفزع‬ ‫بجوارح� � ��ه إلى زعزعة األنظمة القارة طبقيا ويس� � ��عى‬ ‫إلى تهدمي تراتبية الس� � ��لطة مبعاجلة بصرية وس� � ��معية‬ ‫وحركي� � ��ة وأس� � ��لوبيات إخراجية كان هدفها الرئيس� � ��ي‬ ‫إعادة تشكيل الوعي الفني والسياسي‪ ،‬بالواقع الطبقي‬

‫‪141‬‬

‫‪oct 138-143.indd 141‬‬


‫للجمهور‪ .‬من هذا املنظور يبرز‬ ‫«بط� � ��ل» العاني ش� � ��خصية من‬ ‫غمار الناس الكادحني‪ ،‬مضا ًدا‬ ‫للحي� � ��اة البرجوازية‪ ،‬بحس� � ��ب‬ ‫اقتصاديات الفهم اليس� � ��اري‪،‬‬ ‫بإطاره الفلسفي – املادي‪ ،‬الذي‬ ‫يكرس حتمية التطور التاريخية‬ ‫للمجتمع‪ ،‬والبحث عن صياغة‬ ‫تخ� � ��ص األبع� � ��اد الروحية لهذا‬ ‫(العام� � ��ل) والف� �ل��اح واملوظف‬ ‫البسيط وعلى مستوى األفراد‬ ‫واجلماعات‪.‬‬ ‫يقاب� � ��ل ذل� � ��ك تغيي� � ��ر ف� � ��ي أنس� � ��قة الع� � ��رض لدى‬ ‫«مخرجني» يشاطرون املؤلف الرأي‪ ،‬ويرون أن الضرورة‬ ‫الزمة‪ ،‬وينبغي أن تكون حاس� � ��مة في تعرية الصراعات‬ ‫املجتمعي� � ��ة مؤمنني بجدل العالقة التحريضية ملس� � ��رح‬ ‫منفت� � ��ح على جمه� � ��وره‪ ,‬حي� � ��ث امتازت جترب� � ��ة النص‬ ‫باختي� � ��ار مواقف فكرية «أيديولوجي� � ��ة»‪ ،‬ولغوية بعينها‪،‬‬ ‫مؤطرة مبش� � ��هدية جمالية جتس� � ��د الطبائع النفس� � ��ية‬ ‫لألبطال الذين ينقسمون إلى أمناط متصارعة‪ ،‬قاهرة‬ ‫ومقه� � ��ورة بحكم اختالف منطلقاتها وأهدافها الثقافية‬ ‫وتقاطع مصاحلها احلياتية‪.‬‬

‫املسرح األملاني‬

‫في أواسط اخلمسينيات شاهد العاني في مسرح‬ ‫«البرلني انزامبل» مسرحية «بونتال وتابعه ماتي» تأليف‬ ‫بريخ� � ��ت‪ ،‬يقول‪« :‬كنت آنذاك أحلم بأن أكون‪ ،‬ذات يوم‪،‬‬ ‫ممثلاً لدور بونتال الفذ»‪..‬‬ ‫كما حضر عرض «اإلنس� � ��ان الطي� � ��ب» من إخراج‬ ‫«بنيبيس� � ��ون»‪ ..( ،‬فكان احللم يرسم لي أمنية الوقوف‬ ‫على املسرح بدور السقا‪.)..‬‬ ‫هنا يربط العاني بني أحالمه تلك‪ ،‬وحتققها الفعلي‬ ‫ف� � ��ي عام ‪ 1974‬ح� �ي��ن وقف ممثلاً ل� � ��دور «بونتال» في‬ ‫مسرحية «البيك والسايق» التي أعدها صادق الصائغ‬ ‫عن مس� � ��رحية «بريخت»‪ ،‬على مسارح بغداد‪ ،‬ودمشق‪،‬‬ ‫والقاهرة‪ ،‬واإلس� � ��كندرية‪ .‬يكتب العاني‪ ..( ،‬كان صدى‬ ‫املسرحية أعذب بكثير من حالوة النجاح‪.)..‬‬ ‫على ه� � ��ذه الصورة حتققت أمان� � ��ي العاني حني‬ ‫مثل دور «الس� � ��قا» في «اإلنس� � ��ان الطيب» من إعداد‬ ‫فاروق محم� � ��د‪ ،‬ويصفها العاني بأنها قدمت «بنفس‬

‫‪142‬‬

‫‪8/26/13 11:44:53 AM‬‬

‫عراقي يحمل بعده اإلنساني‪.»..‬‬

‫املسرح اإلجنليزي‬

‫ً‬ ‫عروض� � ��ا مختلفة على‬ ‫في لندن ش� � ��اهد العان� � ��ي‬ ‫مس� � ��ارح «كامبردج» و«باالس»‪ ،‬و«األولدفج»‪ ،‬إلى جانب‬ ‫ع� � ��روض في الفضاء املفت� � ��وح‪ ،‬واألماكن املختلفة‪ .‬هذه‬ ‫العروض جعلت� � ��ه منبه ًرا مبا يس� � ��ميه باجلدية والرقي‬ ‫احلضاري للفنان وجمهوره على السواء‪ ،‬وغال ًبا ما كان‬ ‫يفكر ويقارن في دخيلته بني البؤس الفني الغالب هنا‪,‬‬ ‫واالزدهار املسرحي القائم هناك‪.‬‬ ‫ولكن حس� � ��ه النقدي جعله يق� � ��ول ذات مرة‪ ..« :‬لم‬ ‫أقتن� � ��ع مطل ًقا بش� � ��خصية واحدة في أنها روس� � ��ية‪ ,‬ال‬ ‫باإليقاع‪ ,‬وال باحلركة‪ ,‬وال بالسلوك»‪.‬‬ ‫يتح� � ��دث العاني هنا عن عرض «األخوات الثالث»‬ ‫– (تش� � ��يخوف) في مس� � ��رح كامبردج بلندن‪ ,‬بخالف ما‬ ‫شاهده في عرض للمسرحية نفسها للمخرج اإليطالي‬ ‫زفرللي‪ ،‬مبمثلني إجنليز ظهروا وكأنهم إيطاليون حل ًما‬ ‫ود ًما‪ ،‬حتى حواراتهم «ل� � ��م تخرجنا من هذه القناعة»‪،‬‬ ‫كما قال‪ ،‬فاملمثل ينط� � ��ق باإلجنليزية‪ ،‬ولكنه بات وكأنه‬ ‫ينطق باإليطالية نفسها!‬ ‫ومبثل هذا االنبهار يرصد اجلمهور هناك‪ ،‬فيكتب‪:‬‬ ‫«خالل مش� � ��اهدات املسرحية الكثيرة‪ ،‬وفي بلدان عدة‪،‬‬ ‫وعبر فرق متنوعة املستوى متباينة اجلنسية‪ ،‬كنت أحس‬ ‫أن حالة تشبه القدسية تخيم على «جمهور املسرح»‪.‬‬ ‫يس� � ��تخدم العاني مفردة «جالل الصمت» املسيطر‬ ‫على القاعة ليعبر بالتأكيد عن مشاهدة خالقة منتجة‬ ‫تربط ذل� � ��ك اإلنصات باملش� � ��اهد املس� � ��رحية اخلالبة‬ ‫التي يصنعها املخرج� � ��ون‪ ,‬وكذلك ثقافة األداء وجماله‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 138-143.indd 142‬‬


‫وبالغته‪ ،‬كما ش� � ��اهد مثيله – على س� � ��بيل املثال‪ -‬في‬ ‫«مس� � ��رح األولد فيدج» في عبقرية أداء املمثلة «كليندا‬ ‫جاكس� � ��ون» في مس� � ��رحية «فيدرا – راس� �ي��ن» للمخرج‬ ‫«فيليب براوز»‪.‬‬

‫املسرح اجلديد في العراق‬

‫يعب� � ��ر العاني ع� � ��ن عمق ثقافته ف� � ��ي األدب والفن‪،‬‬ ‫فيصف مس� � ��رحية «الع� � ��ودة» تأليف يوس� � ��ف الصائغ‪،‬‬ ‫وإخراج قاس� � ��م محمد‪ ،‬بأنها‪« :‬مس� � ��راوية»‪ ،‬أي جتمع‬ ‫بني املشهد املس� � ��رحي والسرد الروائي‪ .‬ويضيف بأنها‬ ‫«كتبت بلغة الشعر‪ ,‬وبتصور مسرحي»‪.‬‬ ‫ويؤك� � ��د العاني للتاريخ أن «مس� � ��رحنا العراقي بدأ‬ ‫ً‬ ‫يقظا‪ ،‬تعلم من مس� � ��ارح عربية زارت العراق في فترات‬ ‫متباعدة»‪ ..‬كذلك يذكر أنه «خالل اخلمس� � ��ينيات راح‬ ‫مس� � ��رحنا يطرق باب (احلداثة) بصيغ كانت من إبداع‬ ‫فنانيه‪ ،‬كتا ًبا‪ ،‬ومخرجني‪ ،‬وممثلني»‪.‬‬

‫مسرح احلداثة‬

‫تعلم الفنانون املسرحيون احلداثويون كثي ًرا من‬ ‫كتابات العاني ومن متثيله‪ ،‬وكان كاتب هذه السطور‬ ‫ممن ش� � ��ارك في جتارب املخرحني واملؤلفني أمثال‬ ‫العان� � ��ي‪ ،‬ومنه� � ��ا متثيلنا معه في مس� � ��رحية «بغداد‬ ‫األزل» للمخرج قاس� � ��م محمد‪ ،‬و«اإلنس� � ��ان الطيب»‬ ‫لعون� � ��ي كروم� � ��ي‪ ،‬وبع� � ��ض التمثيلي� � ��ات التلفزيونية‬ ‫واملسلسالت‪ .‬وحني عدنا من اخلارج كتبنا مسرحية‬ ‫باس� � ��م «يوس� � ��ف يغني»‪ ،‬وه� � ��ي باك� � ��ورة أعمالنا في‬ ‫تأسيس اجتاه جديد أسميناه «السيرة االفتراضية»‬ ‫التي متي� � ��ل إلى تفكيك اخلطاب اإلبداعي ملس� � ��رح‬ ‫العاني وإع� � ��ادة بنائه وتركيبه وتخيل� � ��ه لنربط هذا‬ ‫الفن بحياة املجتمع‪ ،‬حيث وجدنا أن العاني يتحمس‬ ‫لهذه التجربة ويب� � ��ارك ً‬ ‫أيضا جهدنا اإلخراجي في‬ ‫عرض «حالق أشبيلية» – بومارشيه‪.‬‬ ‫مخرجا‪« :‬أثبت‬ ‫وكان عظي� � ��م فرحي حني كتب عني‬ ‫ً‬ ‫د‪.‬عقيل في أكثر من محاولة‪ ،‬وعمل مس� � ��رحي‪ ،‬جديته‬ ‫وحرصه على رفد مسرحنا بحاالت جتريبية جريئة»‪.‬‬ ‫ومثل هذا كتب عن إخراجي ملسرحية «فاوست كما‬ ‫أرى» – (بول فاليري‪ ،‬وسواها)‪.‬‬ ‫ويكتب عن «أحزان مهرج الس� � ��يرك» إخراج صالح‬ ‫القصب ‪« :1986‬إذا كانت هناك إضافة للمش� � ��اهدين‬ ‫فه� � ��ي الغراب� � ��ة التي تخرج ع� � ��ن االعتياد واملش� � ��اع في‬ ‫يوسف العاني وعكازه املسرحي‬

‫‪8/26/13 11:44:56 AM‬‬

‫املس� � ��رح»‪ .‬ويركز العاني على أن مسألة الغرابة «تدخل‬ ‫في باب التجريب الصعب»‪ ،‬ثم يضيف‪« :‬واملخرج مطالب‬ ‫لينتق� � ��ل إلى موقع العراقية في التجريب حيث العراقة‪،‬‬ ‫واألصالة‪ ،‬واحلس الشعبي لإلنسان العراقي»‪.‬‬ ‫رمبا هنا يتماه� � ��ى العاني مع أحالمه هو‪ ،‬ومنجزه‬ ‫احلقيقي وحسه الشعبي في جتربته املسرحية‪.‬‬ ‫وي� � ��رى في «رس� � ��الة الطير» إعداد وإخراج قاس� � ��م‬ ‫محم� � ��د ‪« 1986‬امتحا ًنا لطاقة التمثيل»‪ ،‬فاالس� � ��تمتاع‬ ‫بهذا العرض هو «قيمة فنية‪ ،‬وداللة فكرية»‪.‬‬ ‫في ذائقة يوس� � ��ف العاني تنتص� � ��ر عبقرية املمثل‬ ‫وتصطف� � ��ي نباهته فناني املس� � ��تقبل‪ ،‬بدراية راس� � ��خة‬ ‫رشيدة‪ ،‬فيضمهم إلى فرقته (املسرح الفني احلديث)‪،‬‬ ‫كأيقونات بشرية‪ ،‬وحتف فنية نادرة‪ ،‬يتبارى بها‪ ،‬جمال ًيا‬ ‫وإبداعيا مع الفرق املسرحية األخرى‪.‬‬ ‫يذكر العاني أن «يوسف شاهني» السينمائي الكبير‪،‬‬ ‫حني زار بغداد قال‪« :‬إن املس� � ��رحيني عندكم ال يس� � ��رق‬ ‫بعضهم اآلخر‪ ..‬إنكم تعملون بروح الفريق الفني‪ ،‬وهذا‬ ‫ما أعجبني»‪.‬‬

‫على مشارف التسعني‬

‫مازال العاني يهش في شيخوخته بعكازه املسرحي‬ ‫وه� � ��و الي� � ��وم في أواخ� � ��ر الثمان� �ي��ن‪ ،‬أو على مش� � ��ارف‬ ‫إيقاعا‪ ،‬ويتذكر وريقات‬ ‫التسعني‪ ،‬عن جس� � ��ده الطافح‬ ‫ً‬ ‫أدوار ملونة خبرتها املسارح‪ ..‬ها هو اآلن يضطجع على‬ ‫أريكة املشهد األخير يرتشف من حكمة الدهور شرا ًبا‬ ‫مختو ًم� � ��ا وهو يتغنى ببالد حافظت على نضارتها‪ ،‬رغم‬ ‫الطواغيت‪ ،‬واحملن‪ ،‬والصيارفة‪ ،‬وعاديات الزمان‪..‬‬ ‫نظ� � ��رت إليه‪ :‬يرمي عص� � ��اه‪ ،‬ليتقم� � ��ص دو ًرا ح ًرا‬ ‫مبس� � ��احة روح� � ��ه الفرحة‪ ،‬وهو يرتقي خش� � ��بة تكرميه‬ ‫من لدن زميل عمره س� � ��امي عبداحلمي� � ��د الذي تلقف‬ ‫منه صوجلان املركز العراقي للمس� � ��رح‪ ،‬بعد أن اختير‬ ‫العاني عض ًوا قبل عقود من الس� � ��نني في املركز العاملي‬ ‫في باريس ألربع س� � ��نوات‪ .‬وأخي ًرا جاء تكرميه من قبل‬ ‫«قناة الش� � ��رقية» الفضائية‪ ،‬حيث يقيم منذ سنوات في‬ ‫العاصمة األردنية ع ّمان‪.‬‬ ‫وم� � ��ن فرط حبه للتمثيل لم يع� � ��د قاد ًرا على متييز‬ ‫احلزن من الفرح‪ ،‬ألنهما قد انصهرا في روحه‪ .‬ومازال‬ ‫ع� � ��كازه حائ ًرا ال يدري إلى أي جهة مييل‪ ،‬لكنني أرجح‬ ‫أنه مييل إلى الفرح الش� � ��عبي الذي يغمر اجلميع ويفتح‬ ‫كوة مشرقة للمستقبل >‬

‫‪143‬‬

‫‪oct 138-143.indd 143‬‬


‫سينما‬

‫أشباح هنري جيمس وأشباح ستيفن ِكنج‬ ‫محمد الفقي*‬ ‫كوبرك‪ ،‬تدور احلبكة ببساطة حول الكاتب‬ ‫في فيلم «سطوع» (‪ُ )Shining‬‬ ‫للمخرج ستانلي ِ‬ ‫العاط ��ل (ج ��اك نيكلس ��ون)؛ ال ��ذي ينجح ف ��ي اختبار لش ��غل وظيفة حارس فن ��دق معزول‬ ‫وس ��ط اجلبال يغلق أبوابه في فصل الش ��تاء‪ ،‬ويصطحب الكاتب عائلته املكونة من زوجته‬ ‫وابنه الصغير (صاحب الهالوس الس ��مع ّية والبصر ّية) إلى الفندق اخلالي لتمضية ش ��هور‬ ‫احلراس ��ة‪ ،‬فتب ��دو حياة العزل ��ة ا ُملر ّ َفهة في الفندق الف ��ارغ الفاخر مثال ّي ��ة للكاتب املتبطل‬ ‫ال ��ذي ته ��زه احلماس ��ة فيش ��رع في كتاب ��ة رواية جدي ��دة‪ ،‬لكن األمور ال تس ��ير طوي�ل ً�ا بهذه‬ ‫املثال ّية‪ ,‬فسرعان ما تقتحم أشباح ملوظفني قدامى ونزالء موتى بالفندق حياة الكاتب أو ًال‪،‬‬ ‫ثم ابنه (ويلي) ثاني ًا‪ ،‬وأخيراً‪ ،‬تظهر األش ��باح لزوجته (ويندي) أيض ًا‪ ،‬فتراها رؤية صريحة‬ ‫مباشرة ال حتتمل التأويل‪.‬‬ ‫كلم� � ��ا أعدت مش� � ��اهدة ه� � ��ذا الفيلم‪،‬‬ ‫متنيت لو أن كوبرِ ك كان قد اس� � ��تثنى‬ ‫ُ‬ ‫الزوج� � ��ة م� � ��ن رؤي� � ��ة أش� � ��باح الفندق‪،‬‬ ‫عندها‪ ،‬كان املُشاهد س� � ��يتراوح ما بني تفسيرين‬ ‫ال تفس� � ��يراً واحداً لألشباح‪ :‬إما أن يكون وجودها‬ ‫«عجائبي»‪،‬‬ ‫حقيقي‪ ،‬أي أننا بص� � ��دد فيلم‬ ‫وج� � ��و ٌد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وإما أن تكون األش� � ��باح ُمتَ َو ّهم� � ��ة في عقل جاك‬ ‫نيكلسون (وابنه؛ املُه ّيأ طبيع ّياً للهالوس)‪ ،‬وعندها‬ ‫«واقعي» عن ش� � ��خص يعاني من‬ ‫نكون بصدد فيلم‬ ‫ّ‬ ‫هالوس بصر ّية وس� � ��مع ّية‪ ،‬ولك� � ��ن‪ ،‬وإلى حني أن‬ ‫يَحسم كل ُمشاهد موقفه ويختار أحد التفسيرين‪،‬‬ ‫يظل الفيلم فيلماً «خيال ّياً» بامتياز‪ ،‬هذه هي القوة‬ ‫اخليالي‪ ،‬علّة دوام نضارته في كل‬ ‫الضاربة للعمل‬ ‫ّ‬

‫* كاتب من مصر‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫‪8/26/13 12:06:19 PM‬‬

‫مش� � ��اهدة أو قراءة جديدة؛ التراوح الاليقيني بني‬ ‫تفس� � ��يرين ُمحتملينَ ‪ ،‬الالحسم‪ ،‬االلتباس‪ ،‬الشك‪،‬‬ ‫قرب‬ ‫االحتمال ّية للشيء ونقيضه‪ّ ،‬‬ ‫لكن كوبرِ ك ق َّرر َ‬ ‫نهاية الفيلم أن يحسم‪ ،‬ق َّرر أن ينحاز إلى التفسير‬ ‫العجائب� � � ّ�ي‪ ،‬ق َّرر أن يجعل زوجة جاك نيكلس� � ��ون‬ ‫(الش� � ��خص ّية الطبيع ّية الوحيدة في الفندق) ترى‬ ‫األش� � ��باح بأ ّم عينها‪ ،‬ق َّرر أن يحرم املُش� � ��اهد من‬ ‫حر ّية اختيار االنحياز لبديل من بديلني‪ ،‬وهو قرار‬ ‫العجائبي للرواية املُقتبس‬ ‫يتطابق مع نفس املنهج‬ ‫ّ‬ ‫عنها العمل؛ رواية س� � ��تيفن كِ نج التي َحم َل الفيلم‬ ‫نفس عنوانها‪.‬‬ ‫كِ‬ ‫أمريكي‪ ،‬ولد سنة‬ ‫«سطوع» ستيفن نج (كاتب‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،1947‬وجتاوزت مبيعات رواياته الثالثمائة مليون‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 144-149 .indd 144‬‬


‫مشهد من فيلم سطوع‬

‫نس� � ��خة) ال تختلف كثيراً عن بقي� � ��ة أعماله‪ ،‬فهي‬ ‫عجائبي يزخر‬ ‫تلخص عامله‪ ،‬وأس� � ��لوبه‪ ،‬وهو عالم‬ ‫ّ‬ ‫باألش� � ��باح‪ ،‬واملُتحولني‪ ،‬والظواهر فوق الطبيع ّية‪،‬‬ ‫واخلوارق‪ ،‬باس� � ��تثناء أعمال قليلة اقترب فيها من‬ ‫الواقع ّية‪ ،‬لك� � ��ن املرء ال يس� � ��تطيع أن يحمل عليه‬ ‫ملجرد أن أدبه أدب أش� � ��باح‪ ،‬فس ّيد هذا النوع من‬ ‫أمريكي‪ ،‬ولد عام‬ ‫الكتابة؛ هنري جيمس (كات� � ��ب‬ ‫ّ‬ ‫‪ 1843‬وتوف� � ��ي عام ‪ ،1916‬وع� � ��اش معظم حياته‬ ‫في إجنلترا)‪ ،‬كانت أعماله العظيمة عن األش� � ��باح‬ ‫أيضاً‪ ،‬لكن أشباح هنري جيمس وج ٌه لعملة ليس‬ ‫وجهها اآلخر تافهاً على اإلطالق‪ ،‬وبقدر اتس� � ��اع‬ ‫الف� � ��ارق بني أش� � ��باح جيمس وأش� � ��باح كِ نج‪ ،‬بقدر‬ ‫اختالف مكانة الرجلني ف� � ��ي عالم األدب‪ ،‬األدب‬ ‫أشباح هنري جيمس وأشباح ستيفن ِكنج‬

‫‪8/26/13 12:06:24 PM‬‬

‫العظيم‪ ،‬ال ال ِبس� � ��ت سيلر‪ ،‬الذي تتفوق فيه أعمال‬ ‫كِ نج‪ ،‬وتتربع على عرش املبيعات‪.‬‬

‫العجائبي واخليالي‬

‫�ب في بطان� � ��ةِ‬ ‫اخليالي‪ ،‬وما‬ ‫العجائب� � � ّ�ي حاج� � � ٌ‬ ‫ّ‬ ‫العجائبي‪ ،‬في‬ ‫اخليالي عن الن� � ��ص‬ ‫مُي ِ ّي� � ��ز الن� � ��ص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احلقيق� � ��ة‪ ،‬ليس ه� � ��و الوجود البس� � ��يط للكائنات‬ ‫اخلارق� � ��ة‪ ،‬وال الظواه� � ��ر فوق الطبيع ّي� � ��ة كما في‬ ‫النص� � ��وص العجائب َّية (أل� � ��ف ليلة وليل� � ��ة‪ ،‬مث ً‬ ‫ال)‪،‬‬ ‫لك َّن قدرته على التالع� � ��ب بإدراك القارئ‪ ،‬قدرته‬ ‫احملكي‪ ،‬إثارة‬ ‫على إثارة الشكوك بش� � ��أن احلدث‬ ‫ّ‬ ‫احليرة بش� � ��أن إمكانات تفس� � ��يره التي تتراوح بني‬ ‫«العجائبي»‪ ،‬فمث ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫«الطبيعي» والتفسير‬ ‫التفسير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫‪145‬‬

‫‪oct 144-149 .indd 145‬‬


‫وفي أحد األعم� � ��ال املهمة لهنري جيمس؛ «دوران‬ ‫البُ ْرغي» (‪ ،)The Turn of the Screw‬احلبكة‬ ‫هي عن امرأة شابة تتسلم وظيفتها ك ُمرب َّية ألبناء‬ ‫أحد النب� �ل��اء في قصره الريف� � � ّ�ي‪ ،‬وأثناء وجودها‬ ‫بالقصر‪ ،‬تدرك أنه مس� � ��كون بش� � ��بحني الثنني من‬ ‫اخلدم الس� � ��ابقني اللذين ماتا من� � ��ذ فترة طويلة‪،‬‬ ‫والس� � ��ر حُ‬ ‫امل ِ ّير له� � ��ذه القصة‪ ،‬أن النق� � ��اد مازالوا‬ ‫منقس� � ��مني حتى يومنا هذا ما بني فريقني‪ :‬فريق‬ ‫حقيقي لألش� � ��باح‬ ‫فس� � ��ر القصة بنا ًء على وجود‬ ‫يُ ِ ّ‬ ‫ّ‬ ‫عجائبي)‪ ،‬ويسوق احلجج‬ ‫ر‬ ‫تفسي‬ ‫(أي‬ ‫القصر‬ ‫في‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫فسر القصة‬ ‫الداعمة لتفس� � ��يره هذا‪ ،‬وفريق آخر يُ ِ ّ‬ ‫بنا ًء عل�� أوهام عن أشباح متخ َّيلة في ذهن مرب ِ ّية‬ ‫طبيعي)‪ ،‬ويسوق احلجج أيضاً‬ ‫األطفال (أي تفسي ٌر‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َسر ال‬ ‫على تفسيره ذاك‪ ،‬فالتفسيرات تتأرجح واملف َّ‬ ‫يُد َرك‪ ،‬هي تتأرجح ألنه يظل سراً ال يُد َرك‪.‬‬

‫حجابا النور والظلمة‬

‫الش������يخ محيي الدين بن عربي يقول‪« :‬النُّور‬ ‫والظلمة حجاب‪ ،‬وفي اخل� ّ‬ ‫ُ‬ ‫�����ط بينهما‬ ‫حج������اب‪،‬‬

‫ّ‬ ‫اخلط»‪ ،‬وفي موضع آخر‬ ‫تشعر بالفائدة‪ ،‬فالزم‬ ‫من «مشاهد األسرار القُدس ّية»‪ ،‬يقول‪« :‬احليرة‬ ‫حقيق������ة احلقيق������ة»‪ ،‬ه������ذه احليرة ه������ي عينها‬ ‫م������ا منح������ت «دوران البُ ْرغي» أهميته������ا األدب ّية‬ ‫واجلمال ّية منذ كتابتها عام ‪ ،1896‬ووعي جيمس‬ ‫بإمكانات النصوص اخليال ّية‪ ،‬هو ما منح أعماله‬ ‫اجلمالي اخل������اص‪ ،‬بصماتها ا َ‬ ‫حل َفّارة‪ ،‬في‬ ‫ثقلها‬ ‫ّ‬ ‫حني ظل������ت أعمال كِ نج َهش������ة‪ ،‬ال تتحمل قراءة‬ ‫أدب ّية حقيق ّية ثانية‪ ،‬أعم������ال تراهن على غواية‬ ‫فقاعات الدهش������ة اللحظ ّية الزائلة التي يو ّلدها‬ ‫العجائبي‪ ،‬كتابات تُدير لها ظهرك بعد قراءتها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ألن������ه ليس لديها أكثر من ذلك تفش������يه لك‪ ،‬هي‬ ‫قواق������ ٌع خاوية‪ ،‬إنها ليس������ت ُحوتاً‪ ،‬هي س������حابة‬ ‫تش������به ا ُ‬ ‫حلوت‪ ،‬وعلى ماذا ميكن أن تراهن آل ّية‬ ‫البِس������ت س������يلر إن لم يكن على دهشة «الزبون»‬ ‫َ‬ ‫الض ِجر‪ ،‬قليل اخلبرة‪ ،‬الش������بيهة بدهشة النظرة‬ ‫الريف ّية قدمياً لإلضاءة بالكهرباء؟‬ ‫في مق������ال مهم له بعنوان‪« :‬س������ر الس������رد»‬ ‫(‪،)The Secret of Narrative, 1969‬‬

‫جاك نيكلوسن‬ ‫وستانلي كوبرك‪:‬‬ ‫حديث املمثل واملخرج‬

‫‪146‬‬

‫‪8/26/13 12:06:29 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 144-149 .indd 146‬‬


‫الفرنسي الشهير تزڤيان تودوروڤ‬ ‫يشير الناقد‬ ‫ّ‬ ‫لقص������ة لهنري جيم������س عنوانها «م������ود إيڤيلني»‬ ‫(‪( )Maud-Evelyn‬كتبها جيمس عام ‪،1900‬‬ ‫وحتكي عن ش������اب يُدعى «مارم������ادوك» يقع في‬ ‫ح������ب «م������ود إيڤيلني»؛ وه������ي فت������اة توفيت منذ‬ ‫خمسة عشر عاماً قبل أن يراها مارمادوك ألول‬ ‫مرة‪ ،‬ويالحظ ت������ودوروڤ أن جيمس‪ ،‬كعادته‪ ،‬ال‬ ‫يتعاطى مع الش������خص ّية املركز ّية؛ شخص ّية مود‬ ‫إيڤيلني‪ ،‬بش������كل مباش������ر‪ ،‬بل عبر ع������دة مرايا‪،‬‬ ‫عبر أربع وجهات نظ������ر مختلفة‪ :‬فاحلكاية كلها‬ ‫تُروى من ش������خص ّية تُدعى (الليدي إميا)‪ ،‬التي‬ ‫استقت معلوماتها عن احلكاية من محادثاتها مع‬ ‫ش������خص ّية أخرى تُدعى (الڤينيا)‪ ،‬والتي بدورها‬ ‫والدي‬ ‫قابلت مارمادوك‪ ،‬الذي بدوره يعرف فقط‬ ‫ّ‬ ‫مود إيڤيلني‪ ،‬اللذين يسترجعان ذكريات ابنتهما‬ ‫املتوفاة‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فإن جيمس يش������وه «احلقيقة»‬ ‫أرب������ع مرات متتالي������ة‪ ،‬في أرب������ع طبقات تعكس‬ ‫بعضها بعضاً‪ ،‬فتنشأ خالل القصة أربعة مواقف‬ ‫الواقعي‬ ‫متباين������ة إزاء احلكاية املرو ّيَ������ة‪ :‬املوقف‬ ‫ّ‬ ‫الراف������ض لتصديق وجود ش������بح م������ود إيڤيلني‪،‬‬ ‫�����ي‬ ‫ال������ذي متثله الليدي إميا‪ ،‬واملوقف الرومانس� ّ‬ ‫صدق‬ ‫املُعجب بقصة احلب املس������تحيلة‪ ،‬لكنه ال يُ ِ ّ‬ ‫إم������كان حدوثها‪ ،‬والذي متثل������ه الڤينيا‪ ،‬وموقف‬ ‫الشاعري الذي يعترف بوجود‬ ‫مارمادوك احملب‬ ‫ّ‬ ‫ش������بح حبيبته وع������دم وجوده في نف������س الوقت‪،‬‬ ‫العجائبي الص������رف للوالدين‬ ‫وأخي������راً املوق������ف‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫املوقنني بوجود ش������بح ابنتهما حرف ّيا‪ ،‬أما موقف‬ ‫القارئ‪ ،‬فيظل يتراوح طوال القصة بني تطرفات‬ ‫املواقف األربعة‪ ،‬كتأرجح سفينة في خضم أمواج‬ ‫متالطمة‪.‬‬

‫حقيقة األشباح‬

‫انطالقاً من قول فرناندو بيس������وا في «كتاب‬ ‫الالطمأنينة»‪« :‬الغ������روب هو ظاهرة ذهن ّية قبل‬ ‫كل ش������يء»‪ ،‬ميكن القول ب������أن هنــــري جيمس‪،‬‬ ‫الضد مــــن ستيــــفن كِ نج‪ ،‬لـــــم يكــــن يسعى‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫إلثبات وجود األشباح في أعماله‪ ،‬فالسؤال‪ :‬هل‬ ‫األش������باح موجودة في احلقيقة أم ال؟ س������ؤال ال‬ ‫محل له بني ش������خص ّيات عامله‪ ،‬فاحلقيقة على‬ ‫الدوام هي حقيق������ة «ذات ّية» ال موضوع ّية‪ ،‬ألنها‬ ‫أشباح هنري جيمس وأشباح ستيفن ِكنج‬

‫‪8/26/13 12:06:34 PM‬‬

‫«وجهة نظر» خاصة بش������خص ّية معينة‪ ،‬وليست‬ ‫خالصة وال دائمة وال عا ّمة‪ ،‬وش������خص ّياته تبدو‬ ‫دائماً حازمة وعازمة ال تش������ك أبداً في إدراكها‪،‬‬ ‫فهي إما موقنة بوجود األشباح‪ ،‬أو بعدم وجودها‪،‬‬ ‫وكال املوقفني ال يفعل في احلقيقة سوى التأكيد‬ ‫على هدف جيم������س؛ وهو زرع احليرة في نفس‬ ‫القارئ‪ ،‬ال في نفس ش������خص ّياته‪ ،‬حيال أش������باح‬ ‫ُمس������ َّكنَة بني هياجان������ات إدراكات متناقـــضــــة‪،‬‬ ‫تنف������ي أوالً ف������أوال إمكانات وج������ود أي حقيقة‬ ‫موضوع ّية‪.‬‬ ‫ورمبا لهذا السبب نفسه مت َّيز أسلوبه بكثافة‬ ‫�����ي لكل‬ ‫املش������هد‪ ،‬باالهتم������ام بالتصعيد الرأس� ّ‬ ‫األفقي لسرد‬ ‫حدث‪ ،‬أكثر من االهتمام بالتطور‬ ‫ّ‬ ‫األحداث املتعاقبة‪ ،‬وتفضيله لتقنية احلذف عن‬ ‫اإلس������هاب‪ ،‬فهدفه كان دوماً اس������تثمار األدوات‬ ‫الت������ي تتيح ل������ه التالعب ف������ي «إدراك» القارئ‪،‬‬ ‫ال مج������رد التركيز على التتالي البس������يط للفعل‬ ‫الدرامي‪ ،‬ولهذا السبب أيضاً عمل على اخللط‬ ‫ّ‬ ‫بني املاضي واحلاضر‪ ،‬منحازاً للحركة الدائر ّية‬ ‫اخلطي له‪،‬‬ ‫للزمن‪ ،‬أكثر م������ن انحيازه للتط������ور‬ ‫ّ‬ ‫و ُمعلياً من قيمة التك������رار على االختالف‪ ،‬وهو‬ ‫ما مثل طف������رة جين ّية‪ ،‬ثورة حقيق ّية على تقاليد‬ ‫سرد حكايات األشباح في القرن التاسع عشر‪،‬‬ ‫التقالي������د التي تناس������لت منها أش������باح س������تيفن‬ ‫كِ نج‪ ،‬والتي طاملا ُعنيت بتأس������يس سردها على‬ ‫العوالم العجائب ّية‪ ،‬وعلى س������عي الش������خص ّيات‬ ‫لتثبت لنفس������ها وجود األش������باح‪ ،‬لكن‪ ،‬وكما أن‬ ‫السياس������ة هي غرمي������ة الثورات‪ ،‬ف������إن التجارة‬ ‫هي غرمية الفن������ون‪ ،‬لذلك انتصرت في النهاية‬ ‫األش������باح املحُ ِ‬ ‫افظة لس������تيفن كِ نج على األشباح‬ ‫الثــــور ّي������ة لهنري جيـــــم������س‪ ،‬وأثبتت أنها األكثر‬ ‫«ش������ـــعب ّية» على كل حال‪ ،‬أش������باح البِ ست سيلر‬ ‫العجائبي‪ ،‬التي تناسب توق‬ ‫اليقيني‬ ‫ذات الطابع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األذواق الش������عب ّية للتصريح������ات اجلازمة‪ ،‬لكنه‬ ‫لي������س انتصار املتفوق بحال‪ ،‬وإمنا املُستمس������ك‬ ‫باملُرضي‪ ،‬املُستسلم للممكن‪.‬‬ ‫القارئ ألعمال جيمس‪ ،‬القصص َّية بالذات‪،‬‬ ‫ُكون‬ ‫سيالحظ أنها تُش ّكل تراكماً لصور صغيرة ت ِ ّ‬ ‫في مجموعه������ا لوحة بانورام ّي������ة كاملة‪ ،‬وهناك‬ ‫�����ي في كل أعماله‪ ،‬الت������ي تبدو للعني‬ ‫معمار خف� ّ‬

‫‪147‬‬

‫‪oct 144-149 .indd 147‬‬


‫ملصق الفيلم‬ ‫الفاحصة وكأنها ُمك َّرسة دوماً للبحث عن شيء‬ ‫حير‬ ‫ضائع ال أمل في اس������تعادته‪ُ ،‬مك َّرسة للغز ُم ِ ّ‬ ‫وبعي������د‪ ،‬حلم ال مجد‪ ،‬أمل بال بارقة‪ ،‬وبقدر بعد‬ ‫املسافة عن الش������يء املراد استعادته‪ ،‬واستحالة‬ ‫تلك االس������تعادة‪ ،‬بقدر ما يتبدى سحر محاوالت‬ ‫امل������رء الختراق تلك املس������افة‪ ،‬والس������تعادة ذلك‬ ‫املفقود‪ ،‬وألنها محاوالت تستهدف دائماً املاضي‬ ‫أكث������ر من احلاضر‪ ،‬رغب ًة في إعادة خوض خبرة‬

‫‪148‬‬

‫‪8/26/13 12:06:40 PM‬‬

‫ماضية‪ ،‬أو توقاً إلع������ادة إدراكها إدراكاً إيجابياً‪،‬‬ ‫لذلك هناك تأبني دائم في أعماله ألزمنة ماضية‬ ‫أفلتت من الش������خص ّيات‪ ،‬ورغـــبة اس������تعاد ّية في‬ ‫الدائري عنده يبدو‬ ‫حيازته������ا من جديد‪ ،‬والزمن‬ ‫ّ‬ ‫متش������ظياً ومع������ادا جتميعه بش������كل غريب‪ ،‬وهو‬ ‫يفعل ذلك متآمراً مع نصوصه‪ ،‬حاسباً تأثيرات‬ ‫الكلمات كلمة كلمة‪ ،‬صانعاً تنافراً محس������وباً بني‬ ‫مبخ ّيلة‬ ‫ص������ور مختلف������ة إلدراك نفس الوقائ������ع‪ُ ،‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 144-149 .indd 148‬‬


‫�����وه عن عمد ُمخ ّيلة الق������ارئ‪ ،‬وتزيح اإلدراك‬ ‫تش� ِ ّ‬ ‫ال������ذي مت الدفاع عنه للتو بعيداً‪ ،‬عبر هندس������ة‬ ‫لتحير‬ ‫تليق بهندس������ة املتاهات؛ دهاليز ُش������يدت‬ ‫ِّ‬ ‫القارئ ف������ي متاهة إدراك ّي������ة‪ ،‬ويخضع معمارها‬ ‫املُسرف في التناظر لهذا الهدف‪.‬‬ ‫م������ن املثير كذلك مالحظة الف������ارق بني كِ نج‬ ‫وجيمس في منحهما لعناوين أعمالهما‪ ،‬فأعمال‬ ‫كِ ن������ج عناوينها دائماً إيحائ ّي������ة حافلة بالوعـــود‪،‬‬ ‫حتمل أس������ما ًء واضحة لش������خص ّيات أو صفات‬ ‫حاضرة وفاعل������ة بحدة ومتييز (مث���ل�� ً‬ ‫ا‪« :‬أرض‬ ‫الصمود»‪« ،‬منطقة املوت»‪« ،‬انتقام شاوش������نك»‪،‬‬ ‫«أرب������ع دقائق بعد منتص������ف الليــــل»)‪ ،‬في حني‬ ‫يُطلـــ������ق هنـــــري جيمس عــــلى أعمـــاله أس������ما ًء‬ ‫لش������خــــص ّيات تظل غائبة عل������ى الدوام‪ ،‬ومحل‬ ‫بح������ث‪ ،‬أو يُطل������ق عليها صف������ات داكنة غامضة‬ ‫ُملتبس������ة (مث ً‬ ‫ال‪« :‬الش������كل الذي في السجادة»‪،‬‬ ‫«مفرق البهج������ة»‪« ،‬النبرة الزمان ّي������ة»‪« ،‬اإليجار‬ ‫�����بحي»)‪ ،‬هذا الغموض الذي ال يفعل سوى‬ ‫الش�‬ ‫ّ‬ ‫�����دد على كل املعان������ي املمكنة‪ ،‬ومينح كال‬ ‫أن يُش� ِ ّ‬ ‫منها الثقل نفسه‪.‬‬ ‫التلفزيوني‬ ‫�ل‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫للمسل‬ ‫�اهدة‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ش‬ ‫في إع� � ��ادة م‬ ‫ّ‬ ‫األمريكي الش� � ��هير «التائه� � ��ون» (‪ ،)Lost‬الحظت‬ ‫ّ‬ ‫أن به إش� � ��ارات عديدة‪ ،‬طوال أجزائه اخلمس� � ��ة‪،‬‬

‫إلى أعمال أدب َّية لدوستويڤسكي‪ ،‬وهنري جيمس‪،‬‬ ‫وديكن� � ��ز‪ ،‬وأيان ران� � ��د‪ ،‬وش� � ��تاينبك‪ ،‬وهيمنجواي‪،‬‬ ‫ولوي� � ��س كارول‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬واس� � ��توقفني أيضاً أن‬ ‫هناك إش� � ��ارة إلى عمل ما لكِ ن� � ��ج‪ ،‬عمل ال نعرف‬ ‫اس� � ��مه أبداً‪ ،‬فقط يظهر اسم س� � ��تيفن كِ نج على‬ ‫غالف الكتاب‪ ،‬بينما تظل (جولييت)‪ ،‬التي حتتضن‬ ‫كتابه‪ ،‬حاجبة اس� � ��م العمل بيديه� � ��ا طيلة حلقتني‬ ‫من املسلس� � ��ل‪ ،‬وكأن اس� � ��م الكاتب أهم مما كتب‪،‬‬ ‫إنه عالم «البِست س� � ��يلر» ‪ Best Seller‬والكتاب‬ ‫النج� � ��وم‪ ،‬ويتهك� � ��م «اآلخرون» عليه� � ��ا إلعجابها‬‫بكتابات كِ نج‪ ،‬يقول أحدهم‪ :‬إن (بنجامني) ما كان‬ ‫ليرضى بقراءة هذا الكتاب حتى وهو في ا َ‬ ‫حل َّمام‪،‬‬ ‫وفي حلقة تالية‪ ،‬عندما يرى بنجامني الكتاب في‬ ‫حضنها‪ ،‬يعلق‪ :‬إذن فأنا مستبعد من نادي القراءة‬ ‫الذي تنظمينه!‬ ‫صناع املسلسل على‬ ‫املفارقة‪ ،‬أنه بينما يتهكم ُ‬ ‫س� � ��تيفن كِ نج‪ ،‬انحازوا في أحداث مسلسلهم‪ ،‬في‬ ‫العجائبي‬ ‫اجل� � ��زء الثالث حتدي� � ��داً‪ ،‬إلى املنظ� � ��ور‬ ‫ّ‬ ‫األحادي احملس� � ��وم‪ ،‬بعد أن ظلوا حتى ذلك احلني‬ ‫ّ‬ ‫محافظ� �ي��ن عل� � ��ى خيال ّيته املُلتبس� � ��ة‪ ،‬أي أنهم قد‬ ‫انحازوا‪ ،‬وفي نفس اجلزء الذي يتهكمون فيه على‬ ‫كِ نج‪ ،‬إلى املُس ِ ّبب األساس� � � ّ�ي لتعالي بنجامني عن‬ ‫قراءة أعمال ستيفن كِ نج حتى وهو في ا َ‬ ‫حل َّمام >‬

‫�رس � � � � � ُ‬ ‫�ول‬ ‫م�� � �ت� � ��ى ب� � � ��ال� � � ��قُ � � � ��رب ُي�� � �خ�� � �ب� � ��رن� � ��ي ال � � � � � ُ‬ ‫وي� � � � �س� � � � �م�� � � � ُ�ح ب� � � ��ال � � � � ّل � � � �ق� � � ��ا َده� � � � � � � � � � � � ٌ�ر ب� � �خ� � �ي�� � ُ�ل‬ ‫َو َي � � � � � � ْ�ر ِج � � � � � � ُ�ع ِف� � � �ي � � � َ‬ ‫�ك َس�� � � � ْت� � � � ُ�ر ُ‬ ‫احل� � � � � � � ِّ�ب َج � � � ْ�ه � � ��ر ًا‬ ‫وي� � � �ش� � � �ف � � ��ى م�� � � �ن� � � � َ‬ ‫�ك ب � � � ��ال � � � ��وص � � � � ِ�ل ال � � � َغ � � �ل � � �ي� � � ُ�ل‬ ‫وداد ال‬ ‫ُت � � � � � � �غ � � � � � � � ِّي� � � � � � ��ره ال � � � �ل � � � �ي� � � ��ال� � � ��ي‬ ‫ٌ‬ ‫وح� � � � � � � � � � � ٌّ�ب ال ُي � � � �ن � � � �ه � � � �ن � � � �ه� � � ��هُ ال� � � � � � � � � َع� � � � � � � � ��ذُ ُ‬ ‫ول‬ ‫وع� � � � � � �ه � � � � � � ٌ�د ُك� � � � � � �ن � � � � � � ُ�ت ت � � � � �ع � � � � �ه� � � � ��د ُه ص � � �ح � � �ي� � � ٌ�ح‬ ‫َو َق� � � � � � � � ْل � � � � � � � ٌ�ب ُك � � � � � � ْن� � � � � ��تَ َت � � � � ْ�س � � � � ُ�ك� � � � � ُن � � � ��هُ َع � � �ل � � �ي� � � ُ�ل‬ ‫�وع إل� � � � � �ي � � � � � َ‬ ‫�ك ش � � � � � ٌ‬ ‫�وق‬ ‫وم � � � � � � ��ا ب� � �ي � ��ن ال � � � � � ُّ‬ ‫�ض� � � � � �ل � � � � � ِ‬ ‫�ات َو َ‬ ‫ال َي� � � � � � � � � ��زُ ُ‬ ‫َت�� � � � � � � � � � � � ��زُ ُ‬ ‫ول ال� � � � � � � ّراس� � � � � � �ي � � � � � � ُ‬ ‫ول‬ ‫‪149‬‬

‫‪8/26/13 12:06:47 PM‬‬

‫‪oct 144-149 .indd 149‬‬


‫معرض العربي‬

‫جنتيلي بيلليني‬

‫«السلطان محمد الفاحت»‬ ‫عبود طلعت عطية *‬ ‫ثمة لوحات في تاريخ الفن تستمد أهميتها بالدرجة األولى من قيمتها الوثائقية ودالالتها‬ ‫التاريخي ��ة ولي ��س الفني ��ة‪ ،‬ومن ه ��ذه اللوحات ص ��ورة الس ��لطان العثماني محم ��د الثاني‬ ‫املعروف أكثر مبحمد الفاحت‪ ،‬املنسوبة إلى الرسام البندقي جنتيلي بيلليني (‪1507-1429‬م)‪.‬‬ ‫الرسام هو من عائلة فنانني أسست مدرسة‬ ‫النهض�� ��ة ف�� ��ي البندقي�� ��ة‪ .‬فهو اب�� ��ن جاكوبو‬ ‫بيلليني الرائد في اس�� ��تخدام األلوان الزيتية‬ ‫اجلديدة آنذاك‪ ،‬وش�� ��قيق جيوفاني مط ّور رس�� ��م الوجوه‬ ‫امللتفت�� ��ة بدرج�� ��ات مختلفة‪ ،‬بعدما كان رس�� ��م الوجوه يتم‬ ‫جانب ًيا فقط‪.‬‬ ‫في العام ‪1474‬م‪ ،‬أصبح جنتيلي الرس�� ��ام الرس�� ��مي‬ ‫املعتمد ف�� ��ي بالط البندقية‪ .‬وبعد ذلك بخمس س�� ��نوات‬ ‫أوفدت�� ��ه احلكومة س�� ��في ًرا ثقاف ًي�� ��ا إلى القس�� ��طنطينية‪،‬‬ ‫العاصمة اجلديدة للسلطنة العثمانية‪ ،‬وهناك رسم صورة‬ ‫الس�� ��لطان محمد الثاني الذي ُعرف عنه شغفه بالثقافة‬ ‫اإليطالية‪.‬‬ ‫ليس هناك م�� ��ا يؤكد أن هذه اللوحة احملفوظة اليوم‬ ‫ف�� ��ي الناش�� ��يونال غاليري في لندن ه�� ��ي اللوحة األصلية‬ ‫التي رس�� ��مها بيلليني‪ ،‬إذ إن مس�� ��احات كبيرة منها أعيد‬ ‫رس�� ��مها في القرن التاسع عشر‪ ،‬بحيث أن أقدم أجزائها‬ ‫الباقية في الزاويتني السفليني‪ ،‬ال تكفي للجزم بأصليتها‪،‬‬ ‫ولكن هناك قناعة شبه عامة أنها كانت في أسوأ األحوال‬ ‫إحدى النسخ القدمية للوحة بيلليني‪.‬‬ ‫ن�� ��رى في هذه اللوحة صورة نصفية للس�� ��لطان حتت‬ ‫رائجا في إيطاليا‬ ‫قوس مزخرف وفق الط�� ��راز الذي كان ً‬ ‫آنذاك‪ .‬واملهم في وضعية الس�� ��لطان ه�� ��و التفاتته قليلاً‬ ‫ص�� ��وب اليس�� ��ار‪ ،‬بحيث يظهر بعض النص�� ��ف األمين من‬ ‫وجه�� ��ه‪ .‬وهذه الوضعي�� ��ة كانت من ابت�� ��كارات آل بيلليني‬

‫* ناقد تشكيلي من لبنان‬

‫‪150‬‬

‫‪8/26/13 12:07:16 PM‬‬

‫وجديدة متا ًما آنذاك‪ ،‬بدليل أن صورة دوق البندقية التي‬ ‫رسمها جنتيلي نفسه قبل عام واحد كانت جانبية متا ًما‪.‬‬ ‫ومن العناصر أو «األفكار» األصلية في اللوحة هناك‬ ‫التيجان التي يرتفع ثالثة منها على كل من جانبي اللوحة‬ ‫للتناس�� ��ق‪ ،‬وهي مستمدة من مش�� ��روع ميدالية نعرف أن‬ ‫جنتيلي كان قد اقترح على الس�� ��لطان سكها قبل سنوات‬ ‫قليل�� ��ة‪ ،‬وتتضمن ثالثة تيجان ترمز إل�� ��ى املمالك الثالث‬ ‫الت�� ��ي أخضعها حلكمه‪ :‬آس�� ��يا وطراب�� ��زون واليونان‪ .‬أما‬ ‫قطع�� ��ة القماش املطرزة واملرصع�� ��ة باجلواهر فتع ّبر رغم‬ ‫إعادة رس�� ��مها‪ ،‬ع�� ��ن األهمية التي كان�� ��ت معلقة في ذلك‬ ‫العصر على النس�� ��يج صناع ًة وجت�� ��ار ًة‪ ،‬وعلى الفاخر منه‬ ‫رمزًا للمكانة‪ .‬أما لباس الس�� ��لطان فهو من األجزاء التي‬ ‫أعيد رسمها بالكامل وبأسلوب ال ميت بصلة إلى أسلوب‬ ‫بيلليني‪.‬‬ ‫إنها من اللوحات القليل�� ��ة التي وصلت إلينا من هذا‬ ‫الفن�� ��ان‪ ،‬بعدما ضاع العدد األكبر م�� ��ن أعماله في حريق‬ ‫قصر البندقية عام ‪1577‬م‪ .‬ولكن ذلك ال يفس�� ��ر شهرتها‬ ‫ف�� ��ي وقتن�� ��ا احلاضر‪ ،‬حتى ول�� ��و تغاضينا عن الش�� ��كوك‬ ‫ف�� ��ي أصليتها‪ .‬فق�� ��د ملع جنم ه�� ��ذه اللوحة ف�� ��ي العقود‬ ‫األخيرة بتعاظم مناقش�� ��ة االستش�� ��راق‪ ،‬وراحت صورها‬ ‫تنش�� ��ر في معظ�� ��م املجالت كأيقون�� ��ة مرافقة ألي حديث‬ ‫عن حوار الش�� ��رق والغ�� ��رب‪ .‬واألمر مب�� ��رر ومفهوم‪ ،‬ألن‬ ‫خطابها التاريخ�� ��ي أبلغ من محتواه�� ��ا اجلمالي والتقني‬ ‫التشكيلي >‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 150-151.indd 150‬‬


‫جنتيلي بيلليني‪« ،‬السلطان محمد الفاحت»‪1480 ،‬م‪ ،‬زيت على قماش‪ 52×70( ،‬سم)‪ ،‬ناشيونال جاليري‪ ،‬لندن‪.‬‬ ‫جنتيلي بيلليني ‪« ..‬السطان محمد الفاحت»‬

‫‪8/26/13 12:07:21 PM‬‬

‫‪151‬‬

‫‪oct 150-151.indd 151‬‬


‫منتدى احلوار‬

‫املسرح العربي بني األزمة والواقع‬ ‫طالعت مقال د‪.‬حس��ي��ن األنصاري في مجلة‬ ‫العرب�� ��ي العدد ‪ ( - 653‬أبريل ‪ ) 2013‬حتت‬ ‫عن�� ��وان «مس�� ��رحنا وأفق الكتاب�� ��ة اجلديدة»‬ ‫ولعلني أقول إن لغة املس�� ��رح تعد فك�� ��راً إبداعياً‪ ..‬وأيضاً‬ ‫فناً بصرياً‪ ،‬مثل السينما‪ ،‬التصوير‪ ،‬الرسم‪.‬‬ ‫وأرى أن احلركة املس�� ��رحية العربية تعاني من قيمة‬ ‫النص املسرحي بأهدافه التربوية‪ ،‬واجلمالية‪ ،‬والنقدية‪.‬‬ ‫فاملس�� ��رح فن جماهيري يس�� ��تحق املش�� ��اهدة‪ ،‬وكنت في‬ ‫صباي وش�� ��بابي أنتقل من مدينتي دمي�� ��اط إلى القاهرة‬ ‫ملش�� ��اهدة العديد من العروض املسرحية‪ ،‬ليوسف وهبي‪،‬‬ ‫فؤاد املهندس‪ ،‬محمد عوض‪ ،‬أم��ي��ن الهنيدي‪ ،‬عبداملنعم‬ ‫مدبول�� ��ي‪ ،‬ب�� ��ل وثالثي أضواء املس�� ��رح الضيف وس�� ��مير‬ ‫وجورج‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وكان املسرح وقتئذ ينشد جذب املشاهدين بعيداً عن‬ ‫حتقيق الرب�� ��ح املادي‪ ،‬ثم في زمن االنفتاح االس�� ��تهالكي‬ ‫شاهدنا ظاهرة املسرح التجاري‪ ،‬مثل األفالم السينمائية‬ ‫التجارية‪ ،‬وحدث التراجع نحو قيمة التذوق الفني‪.‬‬ ‫املسرح العربي بني األزمة والواقع بلغة التساؤل‪:‬‬ ‫‪ -1‬هل لدينا لغة مسرح ثقافية وتنويرية؟‬ ‫‪ -2‬ما خصوصية لغة املسرح؟ وهل تتقدم أم تتخلف؟‬ ‫وما نوعية جمهور املسرح؟‬ ‫‪ -3‬هل ترتبط لغة املسرح بالواقع االجتماعي العربي؟‬ ‫مع االلتزام بالقضايا املجتمعية؟‬ ‫واليوم فإن أسئلة املسرح أصبحت بحجم اإلشكاليات‪،‬‬ ‫ألن الواقع العربي يوضح أننا نفتقد قيمة مس�� ��رح عربي‬ ‫جاد له ش�� ��خصيته‪ ،‬ألن املس�� ��رح منط إبداعي‪ ،‬وممارسة‬ ‫فنية‪ ،‬ويحظ�� ��ى باهتمام املفكرين لش�� ��ئون الفكر العربي‪،‬‬ ‫لذلك م�� ��ا عالقة املس�� ��رح بالواقع؟ وم�� ��اذا يعني تأصيل‬ ‫املسرح؟‬ ‫اجل�� ��واب‪ -1 :‬إضافة القيمة الثقافية من تراث األمة‬ ‫بلغة األصالة واملعاصرة‪.‬‬ ‫‪ -2‬االبتعاد عن لغة املس�� ��رح التج�� ��اري‪ ،‬وهي تهدف‬ ‫إلضعاف الهوية ونشر خطوط‪ :‬اإلسفاف والعري واللهو‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫‪8/26/13 12:07:48 PM‬‬

‫‪ -3‬بيان أن للمس�� ��رح دوراً نقدي� � �اً وتنويرياً وتاريخياً‬ ‫مبنطلق�� ��ات واقعية م�� ��ع االرتباط باملعطيات السياس�� ��ية‬ ‫واالجتماعية واالقتصادية العربية‪.‬‬ ‫املس�� ��رح بني األزم�� ��ة والواقع‪ ..‬يج�� ��ب أن منر بحالة‬ ‫نقاش‪ ،‬والنقاش بيان نقدي‪ ،‬ألن للمسرح رسالة اجتماعية‬ ‫وأخالقية بس�� ��رد األحداث واملواقف‪ ��‬ولو نظرنا لبدايات‬ ‫املسرح العربي جند مسرحية «البخيل» ملوليير وقد حملت‬ ‫قيم�� ��ة البناء الدرامي باألش�� ��خاص‪ ،‬األحداث‪ ،‬املواقف‪..‬‬ ‫إل�� ��خ‪ ،‬وفتحت أمام العقل رؤى النق�� ��د للنظام اإلقطاعي‪،‬‬ ‫وتلك املسرحية امتلكت عناصر الفرجة والفكاهة في آن‬ ‫واحد‪.‬‬ ‫ثم ننظر إلى لغة املسرح مع‪:‬‬ ‫توفيق احلكيم جند‪ :‬أهل الكهف‪ ،‬س�� ��ليمان احللبي‪،‬‬ ‫شهرزاد‪ ،‬أوديب‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وس�� ��عد الدين وهبة جند‪ :‬سكة السالمة‪ ،‬بير السلم‪،‬‬ ‫املسامير‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وعل�� ��ي أحمد باكثير قدم للمس�� ��رح رائع�� ��ة «هاروت‬ ‫وماروت»‪.‬‬ ‫وس�� ��عد الدين ون�� ��وس قدم «حفلة س�� ��مر من أجل ‪5‬‬ ‫حزي�� ��ران» في الع�� ��ام ‪ ،1967‬ولعبة الدبابي�� ��س‪ ،‬اجلراد‪،‬‬ ‫املقهى الزجاجي‪ ،‬الفيل يا ملك الزمان‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وفي لبنان جند‪ :‬عبدامللك عيس�� ��وي‪ ،‬وتيريز عوض‪،‬‬ ‫ورميون جبارة‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وف�� ��ي الكويت جن�� ��د‪ :‬حم�� ��د الرجيب‪ ،‬ث�� ��م دور زكي‬ ‫طليم�� ��ات إلنعاش الدور احلضاري للمس�� ��رح الكويتي في‬ ‫العام ‪ ،1961‬وقدم للمسرح الكويتي مسرحيات من األدب‬ ‫املصري «صقر قريش» حملمود تيم�� ��ور‪ ،‬و«فاتها القطار»‬ ‫لتوفي�� ��ق احلكيم‪ ،‬وفي العام ‪ 1964‬قدمت أول مس�� ��رحية‬ ‫كويتية تأليفاً ومتثي ً‬ ‫ال وإخراجاً‪ ،‬وهي «عش�� ��ت وش�� ��فت»‬ ‫تأليف س�� ��عد الفرج‪ ،‬إخراج حس��ي��ن الصالح‪ ،‬ومن كتاب‬ ‫املسرح الكويتي عبدالعزيز السريع‪.‬‬ ‫املس�� ��رح بني األزمة والواقع‪ ،‬بكيفي�� ��ة النظرة لقيمة‬ ‫الفن املس�� ��رحي‪ ،‬ومبا يحق�� ��ق الوعي الثقاف�� ��ي من أجل‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 152-155.indd 152‬‬


‫حتقيق تربي�� ��ة أخالقية ونقدي�� ��ة‪ ،‬ألن التوعية تعد ضمن‬ ‫نسيج وثقافة املجتمع العربي وبلغة تعبيرية أدق‪ ،‬واملسرح‬ ‫يعطي نوعاً من متيز الكلمة‪ ،‬ويشكل يقظة‪ ،‬من هنا يجب‬ ‫أن نرس�� ��خ لغة املس�� ��رح كفن من الفنون األدبية في مسار‬ ‫الثقافة العربية‪ ،‬بحيث يش�� ��كل فن املس�� ��رح دوراً للثقافة‬ ‫والفهم والتوجيه بل للتعبئة الروحية‪ ،‬واملس�� ��رح من خالل‬ ‫العرض بالفضائيات العربية ميث�� ��ل دعوة للتثقيف‪ ،‬ورفع‬ ‫املستوى الفكري‪ ،‬ولغرس الثقة بالنفس‪.‬‬ ‫والتس�� ��اؤل‪ :‬املس�� ��رح العرب�� ��ي ملن الي�� ��وم؟ وما حجم‬ ‫مش�� ��اهدته؟ واإلجاب�� ��ة بكلمة حق تش�� ��كل صدمة حملبي‬ ‫الثقاف�� ��ة العربية‪ ،‬ومن هنا فاملس�� ��رح العربي مازال غائبا‬ ‫عن موقع الثقافة املنشودة‪ ،‬وقد يكون مقصوراً ملن ميتلك‬ ‫قيمة تذكرة املس�� ��رح‪ ،‬والتي ارتفعت بصورة لم يسبق لها‬ ‫مثيل‪ ،‬في زمن انتشار الفضائيات العربية وغير العربية‪.‬‬ ‫ولذلك يجب أن نراجع أنفس�� ��نا‪ ،‬لبيان قيمة التأليف‬ ‫املسرحي‪ ،‬والذي ميثل لغة أدبية‪.‬‬ ‫املسرح بني األزمة والواقع‪ ..‬يجب أن نستثمر أهدافه‬ ‫لنشر الوعي‪ ،‬ولو نظرنا إلش�� ��كالية غياب األمن الغذائي‬ ‫العربي‪ ،‬والعالم العربي يعاني من حالة انكش�� ��اف غذائي‪،‬‬

‫إذن املس�� ��رح هن�� ��ا بلغته النقدية يس�� ��تطيع ط�� ��رح قضايا‬ ‫اإلرش�� ��اد الزراعية‪ ،‬وكنا في املاضي جن�� ��د فن املونولوج‪،‬‬ ‫يطرح عالقة بني الواقع االجتماعي وحتقيق الوعي‪ ،‬لكن‬ ‫ضاع فن املونولوج‪.‬‬ ‫وم�� ��ا ينطبق على األمن الزراعي العربي‪ ،‬ينطبق على‬ ‫االقتصاد‪ ،‬والسياس�� ��ة‪ ..‬إلخ‪ ،‬بغية حتقيق الوعي‪ ،‬وننشد‬ ‫أن ن�� ��رى ‪ -‬عربياً ‪ -‬مس�� ��رحاً جاداً ميتلك مقومات نهضة‬ ‫والكتابة املسرحية قد تكون بالفصحى أو العامية‪ ،‬لوجود‬ ‫تي�� ��ار فكري عربي مازال يتح�� ��رك بالعامية‪ ،‬ونحن عربياً‬ ‫نعان�� ��ي من انتش�� ��ار األمي�� ��ة األبجدي�� ��ة‪ ،‬إذن علينا النظر‬ ‫لنقاط‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫‪ -1‬وض�� ��ع خطة عربية طموح�� ��ة لالهتمام بفعاليات‬ ‫املهرجانات املسرحية من خالل الفضائيات العربية على‬ ‫غرار االهتمام ببث مباريات الكرة‪.‬‬ ‫‪ -2‬دعوة املهرجانات املس�� ��رحية العربية للتخصص‬ ‫منعاً لتشتت اجلهود‪.‬‬ ‫‪ -3‬ضرورة االهتمام باللغة العربية الفصحى كوسيلة‬ ‫إلنتاج األعمال املسرحية‪.‬‬ ‫‪ -4‬دعم البلدان العربي�� ��ة للمهرجانات الثقافية التي‬

‫‪153‬‬

‫‪8/26/13 12:07:55 PM‬‬

‫‪oct 152-155.indd 153‬‬


‫تؤك�� ��د عل�� ��ى روح األصال�� ��ة واملعاصرة مثلما نش�� ��هد في‬ ‫مهرج�� ��ان «اجلنادرية» الس�� ��عودي‪ ،‬وهي قري�� ��ة تبعد عن‬ ‫مدين�� ��ة الرياض بنحو ‪ 50‬كم‪ ،‬ولكنها قرية حباها الله عز‬ ‫وجل جم�� ��االً طبيعياً يتمثل في اخض�� ��رار تربتها الدائم‪،‬‬ ‫ومناظرها اخلالبة‪ ،‬و«اجلنادري�� ��ة» متثل حدثاً عربياً في‬ ‫االهتمام مبجاالت‪ :‬الفروسية‪ ،‬الش�� ��عر‪ ،‬املسرح الغنائي‪،‬‬ ‫عبق التاريخ‪ ،‬جتس�� ��يد متكامل لقيم�� ��ة الثقافة باألصالة‬ ‫واملعاصرة‪ ،‬ومبا فيها رياضة «الهجن»‪.‬‬

‫املس�� ��رح بني األزمة والواقع‪ ..‬علين�� ��ا أن ندرك قيمة‬ ‫املس�� ��تقبل الثقافي والفكري‪ ،‬ألن للمس�� ��رح لغة إبداع بني‬ ‫األديب والفنان واملتلقي‪ ،‬ونحن كعرب عرفنا قيمة الكلمة‬ ‫وفن�� ��ون صناعاتها ول�� ��كل مجتمع خصوصياته لتش�� ��غيل‬ ‫طاق�� ��ات العقل والتبصر واكتش�� ��اف س��ن��ن الك�� ��ون‪ ،‬وما‬ ‫يحتاجه املجتم�� ��ع العربي توازن الفك�� ��ر من أجل امتالك‬ ‫ناصية الرقي احلضاري >‬ ‫يحيى السيد النجار ‪ -‬مصر‬

‫التعـليم عن ُقرب أو ً‬ ‫ال ‪..‬‬ ‫تعقيب على مقال «التعليم عن بعد في عصر اإلنترنت»‬ ‫ق� � ��رأت بتمعن مق� � ��ال إبراهي� � ��م فرغلي‪،‬‬ ‫املنش� � ��ور بالع� � ��دد ‪( - 655‬يونيو ‪) 2013‬‬ ‫من مجلة العربي الرائدة‪ ،‬وقد تناول فيه‬ ‫الكاتب مزايا التعلي� � ��م عن بعد في عصر اإلنترنت‪،‬‬ ‫فالعدد الكبير من الفصول الدراس� � ��ية املتاحة على‬ ‫ش� � ��بكة اإلنترنت يس� � ��اعد على التعل� � ��م الذاتي في‬ ‫مجاالت فنية وعلمية متنوعة‪ ،‬فهي تتيح الكثير من‬ ‫الفرص واإلمكانات ملن يرغب في دراسة تخصصات‬ ‫قد ال تتوافر في بلدانهم أو قرب إقاماتهم‪.‬‬ ‫وق� � ��د ذكر الكاتب الكثير من التخصصات التي‬ ‫يكفلها التعليم عن بعد‪ ،‬ومن ذلك فلس� � ��فة العلوم‪،‬‬ ‫واإلعالم اجلديد‪ ،‬والتكنولوجيا البيولوجية‪ ،‬وعلم‬ ‫األم� � ��ن القومي‪ ،‬وتخصصات فرضته� � ��ا التطورات‬ ‫التي حتدث على ش� � ��بكة اإلنترنت كإدارة األعمال‬ ‫اإللكتروني� � ��ة‪ ،‬والتس� � ��ويق اإللكتروني‪ ،‬واحملاس� � ��بة‬ ‫اجلنائي� � ��ة‪ ،‬واملجتم� � ��ع والبيئة الذي يقوم بدراس� � ��ة‬ ‫العالقة بني املجتمع والبيئة‪.‬‬ ‫وقد أش� � ��ار الكاتب إلى بعض اإلكراهات التي‬ ‫جعل� � ��ت التعليم عن بع� � ��د ضرورياً وف� � ��ي مقدمتها‬ ‫التزايد املس� � ��تمر في أعداد الطلبة والدارسني في‬ ‫العالم‪ ،‬مقارنة باألماكن املتاحة لهم في اجلامعات‬ ‫واملؤسسات التعليمية واألكادميية‪ ،‬كما يساهم هذا‬ ‫النوع من التعليم في تخفيف االكتظاظ نسبياً على‬ ‫املعاهد واملؤسس� � ��ات اجلامعية‪ ،‬ع� �ل��اوة على كونه‬

‫‪154‬‬

‫‪8/26/13 12:08:00 PM‬‬

‫ح ً‬ ‫ال ناجعاً ملن أنهى دراسته وصار موظفاً‪ ،‬ويرغب‬ ‫في املزيد من التخصص العلمي‪ ،‬بل إن الس� � ��يدات‬ ‫بإمكانه� � ��ن اتخ� � ��اذ التعليم عن بعد وس� � ��يلة لتجاوز‬ ‫م� � ��ا يعت� � ��ري حياته� � ��ن ‪ -‬بعد اإلجناب مث� �ل � ً‬ ‫ا ‪ -‬من‬ ‫مشاكل حتد من استكمال دراستهن العليا وحتسني‬ ‫حتصيلهن العلمي‪ ،‬ولقد ص� � ��ار هذا التعليم مالذاً‬ ‫للفقراء املتفوقني في احلصول على مس� � ��توى عال‬ ‫من التعليم األكادميي‪.‬‬ ‫ونوافق الكاتب في أن التعليم االفتراضي ليس‬ ‫س� � ��ه ً‬ ‫ال‪ ،‬فاألمر يقتضي من الطالب اإلعداد اجليد‬ ‫ً‬ ‫لنفسه‪ ،‬خصوصا في املجال الذي يرغب في تعلمه‪،‬‬ ‫ومن هنا فإن التعليم ف� � ��ي الوطن العربي بالصورة‬ ‫التي هو عليها اآلن ال يؤهل الكثيرين لولوج التعليم‬ ‫عن بعد عبر اإلنترن� � ��ت‪ ،‬فاملتعلمون يعانون األمية‪،‬‬ ‫واجله� � ��ل بالتقني� � ��ات احلديثة‪ ،‬وبالتعبير الس� � ��ليم‬ ‫بالعربية الفصحى وبغيرها من اللغات‪ .‬األمر الذي‬ ‫يجعلنا نتح� � ��دث عن ضرورة حتس� �ي��ن التعليم عن‬ ‫قرب أوالً‪ ،‬فما ال أس� � ��اس له ال مستقبل وال تنمية‬ ‫ل� � ��ه‪ .‬ففي الوطن العربي ص� � ��ار التعليم ‪ -‬مبناهجه‬ ‫ووس� � ��ائله وبرامج� � ��ه وكل التخطيط� � ��ات اخلاصة‬ ‫تره ً‬ ‫ال أمام كثير م� � ��ن العراقيل والتحديات‬ ‫ب� � ��ه ‪ُ -‬م ّ‬ ‫املتنوعة التي حتول بينه وبني بلوغ املنتظر منه من‬ ‫تطلعات وغايات كفيلة بالتحرر والتقدم واالنعتاق‪،‬‬ ‫فضع� � ��ف الدعم امل� � ��ادي‪ ،‬وضعف البني� � ��ة التحتية‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 152-155.indd 154‬‬


‫وطغي� � ��ان الطرائق التقليدية املميت� � ��ة لإلبداع‪ ،‬كلها‬ ‫مش� � ��اكل يتخبط فيه� � ��ا التعليم‪ ،‬األم� � ��ر الذي دفع‬ ‫باملفكرين والتربويني واملس� � ��ئولني إلى التفكير في‬ ‫السبل والوس� � ��ائل املمكنة والناجعة من أجل احلد‬ ‫م� � ��ن العجز واالضمحالل ال� � ��ذي أصيب به التعليم‬ ‫ف� � ��ي الوطن العربي‪ .‬وأعتقد أن التفكير في التعليم‬ ‫عن بعد س� � ��ابق ألوانه‪ ،‬فق� � ��ط ألن متطلبات التعلم‬ ‫الهي عل� � ��ى كل من يريد‬ ‫عن بعد ليس� � ��ت باألم� � ��ر نّ‬ ‫اإلقب� � ��ال عليه‪ ،‬فال ميكن الولوج إل� � ��ى هذا التعليم‬ ‫إال مبواصف� � ��ات علمية محددة‪ ،‬ه� � ��ذه املواصفات‬ ‫املفروض اكتس� � ��ابها في «التعل� � ��م عن قرب»‪ ،‬فكثير‬ ‫م� � ��ن أبناء األمة العربية وغيرها لم يتمكنوا بعد من‬ ‫ملكات ت َعلم َّية أولية تؤهلهم إلى املطلوب‪ ،‬فانتشار‬ ‫األمية‪ ،‬وبعد املدارس عن القرى‪ ،‬واالكتظاظ داخل‬ ‫األقسام‪ ،‬والهذر املدرس� � ��ي املتواصل‪ ،‬كلها أمور ال‬ ‫متكن الدول العربية س� � ��وى من تخريج أسراب من‬ ‫املتعلم� �ي��ن الذي� � ��ن لم يتعلموا وإمنا قضوا س� � ��نوات‬ ‫عدي� � ��دة بال ج� � ��دوى و بال ثمار‪ ،‬فتحس� �ي��ن التعليم���

‫عن قرب كفيل بتحدي وجتاوز الكثير من العقبات‬ ‫لتحقيق تطلعات الشعوب في املجال التعليمي بكل‬ ‫مستجداته‪.‬‬ ‫التعلم عن بعد يتطلب التدريب والوعي والدراية‬ ‫الكافي� � ��ة م� � ��ن أجل اإلقب� � ��ال عليه كبدي� � ��ل حقيقي‬ ‫للتعليم التقليدي بوس� � ��ائله القاص� � ��رة التي لم تعد‬ ‫تف� � ��ي باملطلوب منها‪ ،‬عالوة عل� � ��ى وجوب التدريب‬ ‫املس� � ��تمر بغية اكتس� � ��اب طريق� � ��ة الت ْعلي� � ��م والتعلم‬ ‫بواس� � ��طة الش� � ��بكة العنكبوتية‪ .‬كما ينبغي البحث‬ ‫عن مقررات بديلة حتوي املتطلبات العلمية املفيدة‬ ‫للوطن العرب� � ��ي واملالئمة خلصوصيات� � ��ه الهوياتية‬ ‫واجلغرافية ف� � ��ي مجاالت محددة‪ ...‬كل ذلك يحتم‬ ‫على الدول العربية إعادة االعتبار للتعليم عن قرب‬ ‫أوالً‪ ،‬محواً لألمية واكتس� � ��اباً للمهارات الضرورية‬ ‫في اللغة وآليات البحث بغية التأهيل للراغبني في‬ ‫التعليم عن بعد وما أكثرهم >‬ ‫حلسن ملواني ‪ -‬املغرب‬

‫‪155‬‬

‫‪8/26/13 12:08:06 PM‬‬

‫‪oct 152-155.indd 155‬‬


‫قصة قصيرة‬

‫زائر املساء اليومي‬ ‫ظافر جلود *‬ ‫عند الس� � ��اعة الرابعة عص� � ��راً وحينما‬ ‫تنفرج ش� � ��دة حرارة لهي� � ��ب الصيف في‬ ‫الزنزانة الضيقة احملش� � ��وة باألجس� � ��اد‬ ‫املتعب� � ��ة‪ ،‬كان يأت� � ��ي وكأنه على موع� � ��د معي‪ ،‬كنت‬ ‫أنتظره وأحس� � ��ب دقائق الس� � ��اعة بانتظاره لعل في‬ ‫صوته بعض � � �اً من حلظات أمل مفق� � ��ودة‪ ،‬وكعادتي‬ ‫اليومي� � ��ة في ه� � ��ذه األيام احل� � ��ارة أن أرقد بعد أن‬ ‫أتناول الغداء الذي يرميه لنا ذلك الس� � ��جان البدين‬ ‫لس� � ��اعة واحدة‪ ،‬قد متتد إلى أكثر من ذلك حلظة‬ ‫ش� � ��عورك بأنك مقذوف إلى جهنم بعد أن «تشتوي»‬ ‫خاصرتك ويس� � ��يل عرق اجلس� � ��د حتى يطفو فوق‬ ‫مالبسك الداخلية‪ ،‬األحالم املزعجة التي تدهمك‬ ‫م� � ��ن رعب املكان وصرر األب� � ��واب احلديدية املقفلة‬ ‫وأص� � ��وات الس� � ��جناء وطلباتهم املتك� � ��ررة للذهاب‬ ‫إلى املرحاض املقفل بعناي� � ��ة‪ ،‬ومتركز مفتاحه بيد‬ ‫السجان البدين حتيل هذا النوم إلى كوابيس تنسى‬ ‫حينها أنك مولود ولديك أهل وبيت‪.‬‬ ‫مرة اس� � ��تيقظنا بعد منتصف الليل على صوت‬ ‫س� � ��جني كان معي في نفس الزنزانة‪ ،‬كان املس� � ��كني‬ ‫ميس� � ��ك ببطنه وه� � ��و يصرخ م� � ��ن اآلالم‪ ،‬ال أعرف‬ ‫مصدره� � ��ا‪ ،‬س� � ��ألناه‪ ،‬كان ال يس� � ��تطيع ال� � ��كالم بل‬ ‫يومئ بحاجته إلى املرحاض ثم يتمتم‪ ..‬اإلس� � ��هال‪..‬‬ ‫اإلسهال‪ ..‬س� � ��وف يقتلني‪ ،‬كان يتلوى على األرض‪،‬‬ ‫أس� � ��رعنا بطرق قضبان الزنزانة دون أن يكترث لنا‬ ‫أحد‪ ،‬باب السجن بعيد عنا‪ ،‬صوتنا ارتفع وبدأ يشق‬ ‫س� � ��كون الليل‪ ،‬استيقظ كل من كان في هذا املوقف‬ ‫الطويل‪ ،‬نحن كنا في الدور الثالث من بناية تتوسط‬ ‫األمن الع� � ��ام في منطقة البتاويني ف� � ��ي بغداد‪ ،‬أما‬

‫الدور األول الذي قضيت فيه أكثر من ش� � ��هرين في‬ ‫بداي� � ��ة االعتقال فكان حتت األرض وكان مخصصاً‬ ‫أغلبه للتعذيب‪ ،‬وزنزانته يحجز فيها املتهم للتحقيق‬ ‫البدائي معه طولها ثالث� � ��ة أمتار وارتفاعها متران‪،‬‬ ‫وفيه� � ��ا ال ترى النور مطلقاً‪ ،‬وتنام فوق بطانية قذرة‬ ‫تشم منها رائحة الدماء والبراز‪ ،‬تقاد في الليل إلى‬ ‫غ� � ��رف املوت‪ ،‬وفي النهار توضع األصفاد في يديك‬ ‫وترمى كالكلب بعد أن تربط بقضيب حديدي يحيط‬ ‫بالزانة من األسفل ال يسمح لك باحلركة والوقوف‪،‬‬ ‫وحينما حتتاج إلى املرحاض الصغير في الزنزانة‪،‬‬ ‫تزح� � ��ف إليه عبر حركة دائرية لتفرغ اخلوف الذي‬ ‫ميأل جوفك‪ ،‬وأكث� � ��ر ما يرعبك كثرة اجلرذان التي‬ ‫أحيان � � �اً تنام بجنبك مطمئنة لتقي� � ��د حركتك‪ ،‬هذه‬ ‫اجلرذان كانت تخرج من فوهة املرحاض‪ ،‬وكنت أنا‬ ‫ورفي� � ��ق الزنزانة نحاول بكل جهد أن مننع خروجها‬ ‫إلين� � ��ا بس� � ��د فوهة املرح� � ��اض ببع� � ��ض البطانيات‬ ‫املمزق� � ��ة‪ ،‬لكنها متتلك من الق� � ��وة لدفعها واخلروج‬ ‫باجتاهن� � ��ا‪ ،‬حتى أطلقنا عليها اجلرذ الس� � ��ري ألنه‬ ‫رمبا تعلَّم من اجلالدين مهنتهم وقسوتهم‪.‬‬ ‫العنبر ال� � ��ذي فيه نحن عبارة ع� � ��ن مجاز طويل‬ ‫مقس� � ��م إلى زنزانات تفصل بينهم� � ��ا القضبان‪ ،‬وكل‬ ‫زنزان� � ��ة يرق� � ��د فيها أكثر م� � ��ن ثالث� �ي��ن معتق ً‬ ‫ال وفي‬ ‫أحيان أخ� � ��رى يصل العدد إلى أكثر من ذلك‪ ،‬يفصل‬ ‫بني ش� � ��قي الزنزانات ممش� � ��ى بطول خمسني متراً‪،‬‬ ‫أحياناً يس� � ��مح لنا بأن نتمش� � ��ى مل� � ��دة زمنية محددة‬ ‫كمكرمة من الس� � ��جانني‪ ،‬وهنا ميكن أن يتم التعارف‬ ‫بني الس� � ��جناء‪ ،‬كن� � ��ا خليط عرب وك� � ��رد‪ ،‬أعضاء في‬ ‫أحزاب دينية إس� �ل��امية مختلفة وه� � ��م األكثر بيننا‪،‬‬

‫* قاص من العراق‬

‫‪156‬‬

‫‪8/26/13 12:04:32 PM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 156-159.indd 156‬‬


‫س� � ��جناء رأي‪ ،‬بعثيون منش� � ��قون‪ ،‬أعضاء في احلزب‬ ‫الش� � ��يوعي‪ ،‬عس� � ��كريون مش� � ��كوك في والئهم‪ ،‬طلبة‬ ‫جامع� � ��ات‪ ،‬وبالطب� � ��ع ليس لديك الوق� � ��ت أن تتحدث‬ ‫ألن عيون احلرس تراقب وتس� � ��جل ه� � ��ذه اللحظات‪.‬‬ ‫كان أحد الس� � ��جناء ‪ -‬عرفت بعد ذل� � ��ك أنه يعرفني‬ ‫جيداً ‪ -‬همس في أذني (خذ بالك احلرس ال يرحم‪،‬‬ ‫قد تضاف إلى قضيتك قضية ثانية)‪.‬‬ ‫كيف لي أن أعرف‪ ..‬سألته؟‬ ‫أجاب وهو يبتسم‪« :‬يبدو أنك بعدك غشيم»‪.‬‬ ‫ضحك� � ��ت في س� � ��ري‪ ،‬نعم غش� � ��يم‪ ،‬وكيف لي‬ ‫أن أعرف به� � ��ذه التفاصيل التي لم أكن أتصورها‬ ‫مطلق � � �اً كيف يعام� � ��ل هذا النظام ال� � ��ذي يتظاهر‬ ‫لآلخري� � ��ن بالرحم� � ��ة والعطف على ش� � ��عبه؟ كيف‬ ‫يداس اإلنس� � ��ان ويس� � ��حق ّ‬ ‫بذل وم� � ��ن دون رحمة؟‬ ‫زائر املساء اليومي‬

‫‪8/26/13 12:04:38 PM‬‬

‫كيف يقتل األبرياء ويس� � ��اقون إلى املش� � ��انق ملجرد‬ ‫االختالف بالرأي‪ ،‬أو االخت� �ل��اف بالعقيدة؟ كيف‬ ‫أفس� � ��ر هذا التعذيب اجلس� � ��دي وأنهار الدم التي‬ ‫تتفجر من جس� � ��د سجني حينما يقذفه السجانون‬ ‫بع� � ��د منتصف اللي� � ��ل إلينا‪ ،‬ملجرد أن� � ��ه يقرأ كتاباً‬ ‫دينياً؟ كيف وكيف وكيف‪ ،‬كنت مجرد وهم ميضي‬ ‫وأستيقظ اآلن‪.‬‬ ‫حينما س� � ��مع الس� � ��جان صراخ الس� � ��جناء بأن‬ ‫السجني س� � ��يموت‪ ،‬فتح النافذة الصغيرة في أعلى‬ ‫بوابة الس� � ��جن ومد عنقه كأنها عن� � ��ق زرافة ووجه‬ ‫كاحل مصفر‪.‬‬ ‫ماذا يحدث؟ ما هذا الصوت؟ هل مات أحد؟‬ ‫كال‪ ،‬قال له أحد السجناء‪ ،‬لكن هذا (وهو يشير‬ ‫للمريض) سيموت من كثرة اإلسهال‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫‪oct 156-159.indd 157‬‬


‫وم� � ��اذا أنا فاع� � ��ل‪ ،‬دعه مي� � ��وت‪ ،‬أو يصبر إلى‬ ‫الصباح؟‬ ‫لك� � ��ن افت� � ��ح له املرح� � ��اض ليذهب إلي� � ��ه ليفرغ‬ ‫ويغتسل‪ ،‬قال أحد السجناء‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وسع الس� � ��جان بعضاً من فتحة الباب قليال‪ ،‬ثم‬ ‫ّ‬ ‫قذف بشيء تدحرج أمامنا‪.‬‬ ‫خذ هذا (السطل) ودعه يفرغ فيه قاذوراته‪.‬‬ ‫لكنه يحتاج إلى دواء؟‬ ‫اذه� � ��ب به إلى اجلحيم‪ ،‬من أين (أجيب) الدواء‬ ‫بالليل‪.‬‬ ‫لم أش� � ��اهد هذا املش� � ��هد في حياتي‪ ،‬السجني‬ ‫يفرغ‪ ،‬بينما زميل له يس� � ��قيه امل� � ��اء للتعويض‪ ،‬كانت‬ ‫الرائح� � ��ة ال تطاق واألص� � ��وات املرافقة وصلت إلى‬ ‫آخر الزنزانة‪ ،‬وبني أن تضحك أو تشعر بالذل‪ ،‬تندم‬ ‫في هذا املكان على أنك ولدت‪.‬‬ ‫نومي اخلفيف في هذه الساعة يشعرني بشيء‬ ‫من التأم� � ��ل‪ ،‬وأحياناً باالس� � ��ترخاء واالنتظار‪ ،‬رمبا‬ ‫تس� � ��تدعى إلى التحقيق في الليل‪ ،‬ألن س� � ��كونه آلة‬ ‫تقطع أجس� � ��اد املعذب� �ي��ن في هذه الغ� � ��رف العفنة‪،‬‬ ‫املتع� � ��ددة األش� � ��كال واأللوان‪ ،‬لكن أكث� � ��ر ما يخيف‬ ‫السجناء قس� � ��وة احملقق ووحشيته‪ ،‬ألنك في حلظة‬ ‫ق� � ��د جتد جثت� � ��ك معلَّقة م� � ��ن األطراف الس� � ��فلية‪،‬‬ ‫ورأس� � ��ك (مدندالً) إلى األس� � ��فل عارياً متاماً‪ ،‬يقول‬ ‫السجناء هذا أرحم من أن تعلَّق من يديك أو كتفيك‬ ‫في املروحة السقفية‪ ،‬ألن ذلك سيعرض الكتف إلى‬ ‫التمزق‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كان املمشى هذه املرة مزدحما‪ ،‬حركة السجناء‬ ‫كانت س� � ��ريعة وهي تقطع هذه األمتار القليلة ذهاباً‬ ‫ومجيئاً‪ ،‬رمبا لكي يس� � ��تغل السجناء الوقت املتوافر‬ ‫لنا‪ .‬كنت حينها برفقة صديقي‪.‬‬ ‫سألته‪ :‬الزنزانة هذا اليوم مزدحمة جدا؟ً‬ ‫ وفي املس� � ��اء س� � ��تكون أكثر‪ ،‬لدينا زوار جدد‬‫سيكونون معنا‪ ،‬حافظ على مكانك في الزنزانة‪.‬‬ ‫ وكيف عرفت؟ سألته‪.‬‬‫ كنت قبل ساعة من اآلن عند ضابط املوقف‪،‬‬‫ووجدت أعداداً كثيرة تتهيأ إلى دخول الزانزنة‪.‬‬ ‫وكم� � ��ا ق� � ��ال‪ ،‬فقد دخلت مس� � ��اء إل� � ��ى الزنزانة‬ ‫أعداد كبيرة من الس� � ��جناء املش� � ��حونني من مديرية‬ ‫أمن الناصرية‪ ،‬كان أغلبهم حفاة ال تس� � ��ترهم سوى‬ ‫س� � ��راويل صغيرة‪ ،‬احتش� � ��دوا عند الب� � ��اب بانتظار‬

‫‪158‬‬

‫‪8/26/13 12:04:43 PM‬‬

‫الضابط لكي يتم توزيعهم على الزنزانات‪.‬‬ ‫كان م� � ��ن نصيب الزنزانة التي أنا فيها كبيرهم‪،‬‬ ‫رجل تبدو عليه مالمح التدين والعبادة والكياس� � ��ة‪،‬‬ ‫ومن ش� � ��هقات أنفاسه املتصاعدة عرفت أنه تعرض‬ ‫لتعذيب جسدي عنيف‪ ،‬ومع ذلك ال يبدو عليه التذمر‬ ‫أو اخل� � ��وف‪ ،‬كان يدرك مصيره‪ ،‬لكنه كان يخش� � ��ى‬ ‫على عائلته (زوجته وبناته الثالث) احملجوزات معنا‬ ‫لكن في زنزانة النساء التي تقابل زنزانتنا‪.‬‬ ‫ه� � ��دأ اجلمي� � ��ع‪ ،‬وبالصدفة كان منامه حش� � ��راً‬ ‫بجانبي‪ ،‬قال لي‪ :‬هل معك «قرآن»؟‬ ‫قمت وسلَّمته املصحف‪.‬‬ ‫وحينم� � ��ا بدأ يق� � ��رأ كانت الدموع تتس� � ��رب من‬ ‫عينيه‪ ،‬بينما غدا وجهه نورانياً يشع ضوءاً‪ ،‬شعرت‬ ‫بالق� � ��رب من� � ��ه‪ ،‬مددت ي� � ��دي إليه‪ ،‬ش� � ��ددت عليها‪،‬‬ ‫فاس� � ��تدار نحوي لكن بش� � ��يء من الريبة‪ ،‬ألن أغلب‬ ‫زنزانات النظام محشوة باملندسني الذين هم «عيون‬ ‫السلطة�� حتى في املعتقل‪.‬‬ ‫حملت له قدحاً من املاء‪ ،‬ش� � ��رب وغس� � ��ل وجهه‬ ‫ببعض منه‪ ،‬سألني‪ :‬كم أمضيت في هذا املعتقل؟‬ ‫ اآلن أربعة أش� � ��هر‪ ،‬وقد أكملوا التحقيق معي‪،‬‬‫وأوراقي في محكمة الثورة‪ ،‬حسب ما عرفت‪.‬‬ ‫ وما التهمة التي جئت من أجلها؟‬‫ سجني رأي‪ ،‬أو بالعراقي (سب وشتم)‪.‬‬‫ضحك طوي ً‬ ‫ال‪ ..‬وأنت تشتغل؟‬ ‫نعم‪ ..‬صحافي وكاتب‪ ..‬وطالب في اجلامعة‪.‬‬ ‫انفرجت أس� � ��ارير الرج� � ��ل حينما س� � ��مع بأني‬ ‫صحافي‪.‬‬ ‫سألته‪ :‬شعرت بأنك سعدت باخلبر؟‬ ‫مين الله عليك بالفرج ستكتب‬ ‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬حينما ّ‬ ‫عنا يوماً‪.‬‬ ‫ وكيف لي أن أعرف قصتكم؟ سألته‪.‬‬‫بدأ يتحدث وكأنه كتاب مفتوح‪ ،‬قال‪ :‬نحن أكثر‬ ‫من عائلة من أهالي األهوار بني الفهود واجلبايش‪،‬‬ ‫أنا أس� � ��تاذ جامعي أد ّرس بجامعة البصرة ومفصول‬ ‫ومتهم م� � ��ن الس� � ��لطات بإي� � ��واء الث� � ��وار وحمايتهم‬ ‫ودعمهم‪ ،‬وأنا لس� � ��ت نادماً عل� � ��ى كل ما فعلته‪ ،‬لقد‬ ‫واجه� � ��ت التحقيق والتعذيب ف� � ��ي «أمن الناصرية»‪،‬‬ ‫وأعرف بأن مصيري هو اإلعدام‪.‬‬ ‫حاول� � ��ت أن أهدئ م� � ��ن حالته النفس� � ��ية‪ ،‬لكنه‬ ‫أسرع وقال‪ :‬كل الذين معي سيواجهون املوت‪ ،‬فقط‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 156-159.indd 158‬‬


‫أيام قليلة وس� � ��نذهب حملكمة الثورة‪ ،‬املوت نهاية كل‬ ‫إنس� � ��ان‪ ،‬لكن عليك أن تستقبله برحابة صدر‪ ،‬ألنك‬ ‫ذاهب عند رب رحيم‪ ،‬لكن ج ّل خوفي وارتعادي على‬ ‫مصير بناتي الثالث وأمهن‪ ،‬وهن طالبات جامعيات‪،‬‬ ‫أنا أعرف كم قس� � ��اوة النظام‪ ،‬لكني أتضرع إلى الله‬ ‫أن يحميهن من بعدي‪.‬‬ ‫كنت أمتن� � ��ى أن أس� � ��تمر باحلديث مع� � ��ه‪ ،‬لكن‬ ‫س� � ��معت باب الزنزانة يفتح‪ ،‬حينها أومأ لي سجني‬ ‫ب� � ��أن أرقد وأصم� � ��ت لكي ال تتع� � ��رض الزنزانة إلى‬ ‫عقاب جماعي‪ .‬أدرت ظهري وذهبت إلى النوم وأنا‬ ‫أرتعد لقصة هذا الرجل‪.‬‬ ‫وف� � ��ي فجر صب� � ��اح الي� � ��وم التال� � ��ي كان أحد‬ ‫السجانني يتلو قائمة طويلة من األسماء للتحضير‬ ‫للذهاب إلى احملكمة‪ ،‬ومن بينهم األستاذ اجلامعي‬ ‫ال� � ��ذي بدأ يجمع ما عنده من أغراض مس� � ��تأذناً‬ ‫مني بس� �ل��ام رقيق وحتية مهذب� � ��ة‪ ،‬كانوا أكثر من‬ ‫ثالثني معتق ً‬ ‫ال‪ ،‬وحينما نزلت في معتقل األحكام‬ ‫اخلاصة في «أبوغريب» بعد شهرين‪ ،‬كان أول ما‬ ‫بحث� � ��ت بني النزالء عن مصي� � ��ره لعلي أجده‪ ،‬لكن‬ ‫بالصدفة وجدت واح� � ��داً ممن كانوا معه‪ ،‬حينما‬ ‫سلمت عليه تذ ّكر أيام معتقل األمن العام‪.‬‬ ‫قلت بلهفة شديدة‪ :‬أين أستاذ‪ ..‬وقبل أن أكمل‪،‬‬ ‫س� � ��قطت دموعه وقال‪ :‬لقد أُعدم‪ ،‬ليس هو فحسب‬ ‫بل زوجته وبناته الثالث‪.‬‬ ‫جلس� � ��ت على أريكة ولم أستطع أن أكتم حزني‬ ‫ودموعي‪ ،‬ألن املوت قدرنا‪.‬‬ ‫كانت عيناي نصف مفتوحتني وس� � ��معي يرهف‬ ‫لس� � ��ماع نغمة صوته‪ ،‬الش� � ��باك الصغير الوحيد في‬ ‫الزنزانة يعلو اجلدار وتلتقي أطرافه عند السقف‪،‬‬ ‫ومع أننا لم نس� � ��تطع مطلقاً الوصول إليه الرتفاعه‬ ‫فإنه محاط بأس� �ل��اك محكمة ال تسمح بأن تخرج‬ ‫إصبعاً واحداً من كف اليد الواحدة من بني قضبانه‬ ‫احلديدية‪ ،‬كنت أش� � ��عر بلذة مش� � ��حونة باإلحساس‬ ‫بأني أس� � ��تطيع أن أحشر رأس� � ��ي وأنظر طوي ً‬ ‫ال إلى‬ ‫ما وراء هذه الزنزانة‪ ،‬لكن كنت أخش� � ��ى أن أخيفه‪،‬‬ ‫فيهرب مني إلى مكان آخر‪ ،‬إنه الزائر اليومي الذي‬ ‫يسد عني وحشتي وخوفي‪.‬‬ ‫كان رن���ي��ن صوته عل������ى املوعد مع������ي‪ ،‬يبدأ‬ ‫بص������وت خفيف من العزف عل������ى أوتار حنجرته‬ ‫الصغيرة‪ ،‬وكأنه يشعر بأن عليه أن يحترم رقادي‬ ‫زائر املساء اليومي‬

‫‪8/26/13 12:04:49 PM‬‬

‫في هذه الساعة‪.‬‬ ‫هل يعرف هذا العصفور اجلميل بأحوالنا؟ هل‬ ‫يدرك أننا في مساكن املوتى؟‬ ‫س� � ��ألت نفس� � ��ي مراراً هذا الس� � ��ؤال‪ ،‬ملاذا يبدأ‬ ‫بصوت خفيف‪ ،‬ثم يتعالى تغريده رويداً رويداً حتى‬ ‫يصل إلى جمي� � ��ع من في الزنزانة‪ ،‬ال أدري هل كان‬ ‫اجلميع يش� � ��عرون مبا أشعر به‪ ،‬قمت ووقفت حتت‬ ‫النافذة‪ ،‬آه لو أستطيع القفز؟ فقط ألشاهده‪ ،‬رمبا‬ ‫أسأله‪.‬‬ ‫ضحكت طوي ً‬ ‫ال‪ ،‬وسألت‪ :‬هل أنا مصدق نفسي؟‬ ‫حيوان جميل يأتي في هذا الوقت ليقف عند شباك‬ ‫زنزانة س� � ��جن‪ ،‬رمبا أن الطيور تش� � ��عر بنا‪ ،‬أكثر من‬ ‫هؤالء ال� � ��كالب الذين يقيدون حريتنا‪ ،‬ويقتلون فينا‬ ‫األمل باحلياة‪.‬‬ ‫ب� � ��دأت أدور وحدي ف� � ��ي الزنزان� � ��ة‪ ،‬كان بعض‬ ‫السجناء قد توجهوا إلى املمشى‪ ،‬فيما أطل صديقي‬ ‫الذي َّ‬ ‫علي أن أكون معه‪ ،‬كان يحمل‬ ‫حذرن� � ��ي ونادى ّ‬ ‫ً‬ ‫معه بعضا من األفكار‪ ،‬كانت عيني شاخصة باجتاه‬ ‫الشباك‪ ،‬تنبه لي‪.‬‬ ‫«ش� � ��نو تريد أدبر هروبك من هذا الش� � ��باك‪ ،‬يا‬ ‫معود شلون راح تطلع؟!» قال ذلك وهو يبتسم‪..‬‬ ‫ل� � ��م أكترث وواصلت س� � ��ماعي لصوت صديقي‬ ‫العصفور‪ ،‬كنت أع� � ��رف وقته‪ ،‬فحينما يبدأ الغروب‬ ‫يحل على الس� � ��جن‪ ،‬يغادر إلى مكانه وكأنه يودعني‪،‬‬ ‫حينها أشعر بأني فقدت عزيزاً ذا أمل لي باحلياة‪،‬‬ ‫اس� � ��تدرك صديقي السجني كالمه‪ ،‬ودرت باجتاهه‬ ‫بعد أن ش� � ��عرت ب� � ��أن صديقي العصف� � ��ور قد غادر‬ ‫مكانه على غير موعده اليومي‪.‬‬ ‫س� � ��ألته‪ :‬هل ش� � ��عرت بش� � ��يء غريب طرأ على‬ ‫معتقلنا هذا؟‬ ‫أجاب‪ :‬ماذا تقصد؟‬ ‫قلت‪ :‬أشعر بأن حريتنا قريبة‪.‬‬ ‫ من ذلك العصفور الذي تس� � ��تمع إليه يومياً؟‬‫قال وهو يتفرس في وجهي‪..‬‬ ‫قلت‪ :‬رمبا أرسل القدر هذا الطير لنا‪ ،‬وإال ملاذا‬ ‫غادرنا اليوم على عجل؟‬ ‫ وه� � ��ل تؤم� � ��ن ب� � ��أن احليوانات ترس� � ��ل إليك‬‫اآلمال؟‬ ‫التفت إليه قائ ً‬ ‫ال‪ :‬نعم‪ ..‬الطيور‪ ،‬أحياناً تش� � ��عر‬ ‫بأنها أقرب إليك من بني البشر >‬

‫‪159‬‬

‫‪oct 156-159.indd 159‬‬


‫جـمـال الـعـربـيـة‬

‫حسن شهاب الدين‪:‬‬

‫أعلى بناية اخلليل بن أحمد‬ ‫فاروق شوشة‬ ‫جمال العربية في‬ ‫شعر هذا الشاعر‬ ‫اجلديد‪ ،‬الشاعر‬ ‫الشاب حسن‬ ‫شهاب الدين‪،‬‬ ‫يؤكد للمراهنني‬ ‫على مستقبل‬ ‫الشعر العربي‬ ‫املعاصر‪ ،‬وقدرته‬ ‫على جتاوز ذاته‪،‬‬ ‫واندفاعه إلى‬ ‫آفاق شعرية‬ ‫غير معتادة أو‬ ‫مكرورة‪ ،‬والتحلي‬ ‫بانسكاب الشعرية‬ ‫في لغة تشع‬ ‫بالتوهج واأللق‪،‬‬ ‫ونفض ما‬ ‫بلي من أكفان‬ ‫اللغة املتداولة‪،‬‬ ‫واستنبات معجم‬ ‫شعري جديد‪،‬‬ ‫وجتليات شعرية‬ ‫مدهشة‪.‬‬ ‫‪160‬‬

‫‪8/27/13 10:28:21 AM‬‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 160-164.indd 160‬‬


‫صحيح� � ��ا إذن أن الش� � ��عرية الراهنة‬ ‫ليس‬ ‫ً‬ ‫ت� � ��دور حول ذاتها دون أن متلك القدرة على‬ ‫صحيح� � ��ا ‪ -‬أيضا ‪ -‬تطلّع‬ ‫التجاوز‪ ،‬وليس‬ ‫ً‬ ‫البع� � ��ض ‪ -‬من كهان معبد الش� � ��عر ‪ -‬حوله‬ ‫ميينًا ويس� � ��ا ًرا‪ ،‬ليعلن في اكتئ� � ��اب وامتعاض أنه ال يرى‬ ‫جدي � � � ًدا وال يعاين حت � � �ولاً وانطال ًقا‪ ،‬العي� � ��ب فيه وفي‬ ‫تتفجر به األرض‬ ‫حسه وذائقته‪ ،‬وليس فيما َّ‬ ‫عينيه‪ ،‬وفي ّ‬ ‫الش� � ��عرية العربي� � ��ة ‪ -‬في كل يوم ‪ -‬م� � ��ن مفاجآت‪ ،‬وما‬ ‫متتلئ به املكتبة الشعرية من إجنازات‪.‬‬ ‫علين� � ��ا إذن أن نبحث عن اجلدي� � ��د املقتحم‪ ،‬فيمن‬ ‫امتلك األداة قبل أن يح ِلّق‪ ،‬ومن خرج من رحم جماليات‬ ‫الشعر العربي ‪ -‬املتطاول عبر القرون ‪ -‬قبل أن يفاجئنا‬ ‫بجماليات� � ��ه‪ ،‬وفيم� � ��ن يؤمن بأن الش� � ��عر يصب� � ��ح ركي ًكا‬ ‫وسمجا وفاق ًدا حلرارته وهويته حني يتخلى عن اإليقاع‬ ‫ً‬ ‫واملوس� � ��يقى والهزة الوجدانية والنفسية احلقيقية التي‬ ‫هي رجع صدى الشعرية والشاعرية‪.‬‬ ‫في هذا الس� � ��ياق يأتي شعر حس� � ��ن شهاب الدين‪،‬‬ ‫بد ًءا بديوانيه األ َّولني‪« :‬ش� � ��رفة للغي� � ��م املتعب»‪ ،‬و» ُمت َّو ٌج‬ ‫باس� � ��مي»‪ ،‬وصولاً إلى الديوان الذي يشهد تسنّمه أعلى‬ ‫بناية اخلليل بن أحمد‪ ،‬منتس � � � ًبا إليها أولاً ‪ ،‬ومستقط ًرا‬ ‫جلمالياتها املنب ّثة في عروق الشعر العربي كله‪ ،‬ومضي ًفا‬ ‫إليها ما ي� � ��رى فيه امتدا ًدا وعل ًّوا‪ ،‬وتأصيلاً لفن اإلبداع‬ ‫الشعري في حال تألقه واكتماله‪.‬‬ ‫يقول حسن ش� � ��هاب الدين في قصيدته االفتتاحية‬ ‫مفصح� � ��ا ع� � ��ن حقيق� � ��ة معم� � ��اره الش� � ��عري‬ ‫«تكوي� � ��ن»‬ ‫ً‬ ‫ومكوناته‪:‬‬ ‫ِّ‬

‫قيل اقرأ الغ ْي َب‬ ‫قلت‪ :‬الصمت يكفيني‬ ‫أخشى على الطني‬ ‫من إشراقة الطني‬ ‫ماذا إذا‬ ‫دمية الصلصال باغتها‬ ‫َ‬ ‫اكتمالك‪،‬‬ ‫برق‬ ‫والنون‬ ‫بني الكاف‬ ‫ِ‬ ‫فأشرقت‪،‬‬ ‫ألق‬ ‫فوق ما‬ ‫ُ‬ ‫تسطيع من ٍ‬ ‫وا َزّلزلت‬ ‫فوق ما يسطيع متكيني‬ ‫ٌ‬ ‫التفات‬ ‫وحان منها‬ ‫فارتأت جبل‬ ‫وقد تطاير‬ ‫فخار تكويني!‬ ‫من ّ‬

‫الشاعر يرى في شعره إشراقة الطني‪ ،‬وفي اجلبل‬ ‫املتطاير بعض فخّ ار تكوينه‪ ،‬مؤك ًدا الطبيعة االنفجارية‬ ‫حسن شهاب الدين‪ :‬أعلى بناية اخلليل بن أحمد‬

‫‪8/27/13 10:28:26 AM‬‬

‫ٍ‬ ‫لش� � ��عره‪ :‬لغ ًة وصو ًرا‬ ‫وإيقاعا‪ ،‬ويزداد‬ ‫وحاالت وجتليات‬ ‫ً‬ ‫الكش� � ��ف عن هذه الش� � ��عرية‪ ،‬كلما انطلقنا مع كش� � ��وفه‬ ‫الش� � ��عرية ف� � ��ي ديوانه البدي� � ��ع ونحن نطال� � ��ع قصيدته‬ ‫«أبجدية املصباح»‪:‬‬

‫بخفة‬ ‫ٍ‬ ‫أنا البياض الذي‬ ‫في الصمت يبتدئ‬ ‫مهار ًة‬ ‫مطرا‬ ‫أن يخيط الغيم لي ً‬ ‫قميصا‬ ‫فيرتديني‬ ‫ً‬ ‫فوقه الظمأ‬ ‫ً‬ ‫وحكمة‪...‬‬ ‫أن اً‬ ‫نخل خلف قافيتي‬ ‫خضراء‬ ‫امرأة‬ ‫تهزه‬ ‫ُ‬ ‫ينكفئُ‬ ‫بتمر الضوءِ‬ ‫أرمي عليها ْ‬ ‫ُيربكني‬ ‫تلعثم الشمس في صوتي‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫فأنطفئُ‬ ‫أتقر ُأ الصمت‪..‬؟‬ ‫ها قد سال في ورقي‬ ‫ماء الهدوءِ‬ ‫ُ‬ ‫وهذى البئر متتلئُ‬ ‫مصباح‬ ‫لي أبجدية‬ ‫ٍ‬ ‫أجوس بها حدائق الله‬ ‫كي يرنو لها امل ُأل‬ ‫عصفور ًة في مهب التيه‬ ‫ُأطلقها‬ ‫ً‬ ‫وغيمة في خيال البيد‬ ‫تهترئُ‬ ‫وشارعا‬ ‫ً‬ ‫مبعثرة‬ ‫من طفوالت‬ ‫ٍ‬ ‫على خرائط ُح ٍلم فوقها أَط ُأ‬ ‫كنت‪،‬‬ ‫ديوان ليل‬ ‫عميق ُ‬ ‫ٍ‬ ‫وانسكبت‬ ‫ْ‬ ‫املصباح تختبئُ‬ ‫بهامشي أجنم‬ ‫ِ‬ ‫مراوغا‪�� ،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وأقنعة‬ ‫تشبيه‪،‬‬ ‫كاف‬ ‫ٍ‬ ‫مراياي‬ ‫على‬ ‫َ‬ ‫فيها أينع الصد ُأ‬ ‫أعيد للغيم حلن املاءِ‬ ‫ُ‬ ‫لو سمعوا‬ ‫وأرتدي لغة األشياءِ‬ ‫لو قرأوا‬ ‫وحيدا‬ ‫اكتملت‬ ‫حتى‬ ‫ُ‬ ‫ً‬

‫‪161‬‬

‫‪oct 160-164.indd 161‬‬


‫للكون‬ ‫مرثية‬ ‫فوق‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫كنت على الالشيء أجترئُ‬ ‫وغربتي‬ ‫الفرشاة‬ ‫ضربة‬ ‫ِ‬ ‫خطأ‬ ‫عن ٍ‬ ‫محت إطاري‬ ‫وأغراني بها اخلط ُأ‬ ‫الباب‬ ‫ُ‬ ‫فصغت للوقت خلف ِ‬ ‫ُعزلته‬ ‫وقلت‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫هدهد نب ُأ‬ ‫ال يأتني من‬ ‫ٍ‬ ‫أتبعها‬ ‫لي ُثل ٌّة من خراف‬ ‫اليأس‪ُ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ممالك‪..‬‬ ‫إلى‬ ‫ال تدري بها سب ُأ‬ ‫البوح‬ ‫مدائني‪ ..‬خلف هذا ِ‬ ‫ٌ‬ ‫شاسعة‬ ‫وعرس صمتي‬ ‫عليه اآلن‪ ..‬أتكئُ‬

‫حتت � � � ّل مف� � ��ردة «الصم� � ��ت» مكانة بارزة في ش� � ��عر‬ ‫حس� � ��ن شهاب الدين‪ ،‬وهي تتر َّدد في القصيدتني اللتني‬ ‫استشهدنا بج َّدة الش� � ��اعرية فيهما حتى اآلن‪ ،‬ويبدو ‪-‬‬ ‫للوهلة األولى ‪ -‬أن حالة الصمت لدى الش� � ��اعر عزوف‬ ‫عن املشاركة في أسن احلياة األدبية من حوله واختالط‬ ‫وحلكة مس� � ��اراتها بعد أن أفس� � ��دها املفسدون‬ ‫أحكامها ُ‬ ‫والعابثون من املغرضني‪ ،‬وبعد أن فسدت ذائقة كثيرين‬ ‫ نقا ًدا ودارسني وقراء ‪ ،-‬يلوكون الشعر السهل الضحل‬‫واملبتذل‪ ،‬ويدورون به في األسواق األدبية ومنابر اجلوائز‬ ‫التي ينالها عادة غير الش� � ��عراء‪ ،‬أو هم الش� � ��عراء الذين‬ ‫ينالونها ثم نفاجأ بأنه� � ��م بعد جوائزهم موتى ال صوت‬ ‫حس لهم وال خبر! ما الذي يفعله أمثال حس� � ��ن‬ ‫لهم وال ّ‬ ‫ش� � ��هاب الدين في مثل هذه الس� � ��وق الكاسدة الفاسدة؟‬ ‫الصم� � ��ت ملجؤهم ومتكؤهم ومالذه� � ��م‪ ،‬والعكوف على‬ ‫صلصال احلزن دأبهم وغوايته� � ��م‪ ،‬بدلاً من أن يلطخوا‬ ‫مراياهم بطني حقيقتهم‪:‬‬

‫مسافة ما بيني وبيني‬ ‫بعيد ٌة‬ ‫إلي انتحاراتي‬ ‫موتي‬ ‫من‬ ‫وأقرب‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫تزلزلت بالرؤيا‬ ‫ُ‬ ‫فكانت قصيدتي‬ ‫وآخرتي الحت‬ ‫فسرتُ مليقاتي‬ ‫هنا فوق أرض الروح‬ ‫ث ّ َب ُّت خيمتي‬ ‫وأشعلت تاريخي‬ ‫ُ‬

‫‪162‬‬

‫‪8/27/13 10:28:31 AM‬‬

‫وقلت‪ :‬أرى ذاتي‬ ‫رأيت نها ًرا فوضو ًّيا‬ ‫على يدي‬ ‫لألمس‬ ‫فأرسلتهُ‬ ‫ِ‬ ‫يرعى طفوالتي‬ ‫وقلت أليامي‬ ‫ُ‬ ‫ارتدي صوت فتنتي‬ ‫بحر‬ ‫ويا ُ‬ ‫ض مثلي‬ ‫ُخ ْ‬ ‫بحار انفعاالتي‬ ‫وسيري‬ ‫شجيرات املساءِ‬ ‫إلى دمي‬ ‫أغصانك‬ ‫في‬ ‫ألوقد‬ ‫الس ِود‬ ‫ِ ُّ‬ ‫مشكاتي!‬

‫ل� � ��ن جند في الديوان قصيدة تس � � � َّمى بها الديوان‪،‬‬ ‫والعن� � ��وان الذي اختاره الش� � ��اعر لديوان� � ��ه «أعلى بناية‬ ‫اخللي� � ��ل بن أحمد» عنوان مقتن� � ��ص من املعنى الداخلي‬ ‫الذي يالزم الش� � ��اعر ويصحبه في جميع قصائده التي‬ ‫يختار لبعضها عناوين تد ّ ُل على الوعي باجلهد املبذول‬ ‫في صوغها‪ .‬من هنا فنحن جند من بني عناوين قصائده‪:‬‬ ‫نحات اخليال‪ ،‬وعزلة اإلزميل‪ ،‬وصانع األشكال‪ .‬كما جند‬ ‫ّ‬ ‫مفردات احلجر والصلصال والفرشاة والغيمة احلجرية‬ ‫ومهد األبجدية وأعمدة الظالل وجدران األفق وهامش‬ ‫يجسد لدينا صورة‬ ‫التكوين وفخّ ار التكوين وغيرها مما ِ ّ‬ ‫الفنان املش� � ��غول في مرس� � ��مه أو َمنْحته بتشكيل دميته‬ ‫الشعرية اجلديدة والنفخ فيها من روحه‪ ،‬روح شعره‪ ،‬ما‬ ‫يجعل منها فتنة القارئ واملتأمل‪.‬‬ ‫يقول في قصيدته «متاهة األشكال»‪:‬‬

‫بالترحال‬ ‫فس ْرتَ لي الترحال‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫فتم ّردت لغتي على صلصالي‬ ‫وتركتني‬ ‫وحشية‬ ‫في جنة‬ ‫ٍ‬ ‫من أحرفي‬ ‫أعدو وراء ظاللي‬ ‫أحدو‬ ‫ظمأ ‪-‬‬ ‫على‬ ‫‬‫ٍ‬ ‫قوافل حيرتي‬ ‫في تيهها‬ ‫وأريقُ ماء سؤالي‬ ‫ٌ‬ ‫شرك هي الكلماتُ‬ ‫ُ‬ ‫زحية‬ ‫ق‬ ‫خرافة‬ ‫أي‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫وضالل‬ ‫حكمة‬ ‫من‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ش ّ َكلتَ متثالي‬

‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 160-164.indd 162‬‬


‫ناطق‬ ‫بطني ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّال‬ ‫ث‬ ‫امل‬ ‫حرية‬ ‫لي‬ ‫ورضيتَ‬ ‫ِ‬ ‫وكما أر ْدتَ‬ ‫احلياة‬ ‫عدتُ تشكي َل‬ ‫ِ‬ ‫أَ ْ‬ ‫على يد ْي َك‬ ‫ومحالي‬ ‫بأحرفي ُ‬ ‫الصمت‬ ‫ّبت فوضى‬ ‫رت ُ‬ ‫ِ‬ ‫ثم تركتهُ‬ ‫عال‬ ‫يتلو أغانيه‬ ‫ٍ‬ ‫بصوت ِ‬ ‫وقرأتُ ِسفْ َر املاءِ‬ ‫ِش ْدتُ حضار ًة‬ ‫خال‬ ‫من ٍ‬ ‫غيمة ترعى بأفْ ٍق ِ‬ ‫أطلقت ُص ْب ًحا‬ ‫ُ‬ ‫من تفاعيل املدى‬ ‫ليكون نافذ ًة‬ ‫لبيت خيالي‬ ‫ً‬ ‫راحل‬ ‫وأقمت‬ ‫ُ‬ ‫لليل ٍ‬ ‫مئذنة ٍ‬ ‫ما بني فاصلتي‬ ‫م ّ َر ببالي‬ ‫ورسمت ك ْونًا‬ ‫ُ‬ ‫ناعم‬ ‫فراغ‬ ‫من ٍ ٍ‬ ‫واألبجدية‬ ‫واألمثال‬ ‫متضارب األشباه‬ ‫ِ‬ ‫أكن‬ ‫أنا لم ْ‬ ‫واألبجدية ِس ْدرتي‬ ‫والوحي‬ ‫ُ‬ ‫ ن َْص ُل الغ ْي ِب ‪-‬‬‫يقرأ حالي‬ ‫أنا لم أكن‬ ‫ُ‬ ‫البياض َغوايتي‬ ‫كان‬ ‫الص ّديقُ‬ ‫وسرا ُبك ّ‬ ‫ُأفْ قَ جمالي‬ ‫وغزالتان‬ ‫فض ٍة‬ ‫معارج‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫املختال‬ ‫تصاعدان بطفلك‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫كانت طيور يد ْي َك‬ ‫ّ‬ ‫حط ْت في دمي‬ ‫ورشفْ نَ‬ ‫السلسال‬ ‫صوتي‬ ‫رجف َة‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫النهوند‬ ‫وحديقة‬ ‫ِ‬ ‫ّحت‬ ‫في تفت ْ‬ ‫َّ‬ ‫توال‬ ‫لسحابة‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫إيقاعها ُم ِ‬ ‫الكلمات‬ ‫أوغلت في‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫وز ُ‬ ‫ّعت املدى نصفينْ ِ‬ ‫حسن شهاب الدين‪ :‬أعلى بناية اخلليل بن أحمد‬

‫‪9/5/13 1:15:07 PM‬‬

‫بني سمائها وهاللي‬ ‫وصحبت فيها الشع َر‬ ‫ُ‬ ‫طفلاً لم يزلْ‬ ‫بدميته‬ ‫يلهو‬ ‫ِ‬ ‫األطفال‬ ‫مع‬ ‫ِ‬ ‫امليم‬ ‫ن‬ ‫لو‬ ‫وملست‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫أبصرتُ انفالتَ الراءِ‬ ‫الدال‬ ‫سرتُ على انحناء ِ‬ ‫اكتملت على صليب قصيدتي‬ ‫حتى‬ ‫ُ‬ ‫األشكال‬ ‫ومتاهة‬ ‫أنا‬ ‫فإذا‬ ‫ِ‬

‫«نحات‬ ‫ويقول حس� � ��ن ش� � ��مس الدين في قصيدته ّ‬ ‫اخليال»‪:‬‬

‫ُهزّي‬ ‫بغُ ْص ِن الشمس في أبياتي‬ ‫لن تبزغي‬ ‫إال على مرآتي‬ ‫صوتي‬ ‫على باب الكواكب عالقٌ‬ ‫حدسي وإشراقاتي‬ ‫فتأ ّولي ْ‬ ‫أنا في رداء اخلل ِْق‬ ‫أعقد للرؤى‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫فخ‬ ‫املجاز‬ ‫ِ‬ ‫وراء تفصيالتي‬ ‫الوقت‬ ‫فج ْرتُ لغْ م‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫ُصغْ ُت حداثة الصمت املق ّ َفى‬ ‫واكتملت بذاتي‬ ‫ُ‬ ‫آدم الشعراءِ‬ ‫أنا ُ‬ ‫ساكب للغ ْي ِم‬ ‫أ ّو ُل‬ ‫ٍ‬ ‫ابتكرتُ لغاتي‬ ‫طري‬ ‫م‬ ‫من َ‬ ‫ْ‬ ‫القصيد‬ ‫صحراء‬ ‫جت‬ ‫ت ّو ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫بخطوتي‬ ‫ودعوتُ‬ ‫أندلسا‬ ‫ً‬ ‫إلى خيماتي‬ ‫وأقمت للفقراءِ‬ ‫ُ‬ ‫مملك َة الرؤى‬ ‫ونثرتُ‬ ‫ْ‬ ‫شم َس اسمي‬ ‫ْ‬ ‫العتبات‬ ‫على‬ ‫ِ‬ ‫ُلغتي بطعم النور‬ ‫ترسم ُح ْل َمها‬ ‫ُ‬ ‫قمرا خراف ًّيا على لوحاتي‬ ‫ً‬ ‫وبسيطة كاحلز ِْن‬ ‫تتركني على‬ ‫العبرات‬ ‫احلنني الساطع‬ ‫جبل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫‪163‬‬

‫‪oct 160-164.indd 163‬‬


‫الروح‬ ‫ُخوضي نها َر ِ‬ ‫ذوقي أحرفي‬ ‫املشكاة‬ ‫مغمور ًة في أدمع‬ ‫ِ‬ ‫األبجد ّي ُة‬ ‫يدي تف ّ َتت َْت‬ ‫في ّ َ‬ ‫وأنا أسوقُ الغ ْي َب‬ ‫نحو دواتي‬ ‫يعكس صور ًة‬ ‫وزجاجها املكسور‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫لك في يقني دمي‬ ‫سأعيد تشكيل القصيدة‬ ‫مر ًّة ُأخرى‬ ‫وأحدو األرض نحو شتاتي‬ ‫تخبو مجازاتي‬ ‫فأشعل كوك ًبا‬ ‫بالفرشاة‬ ‫األلوان‬ ‫متمر َد‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫وأقول يا لغة النهار تفتّحي‬ ‫شرفاتي‬ ‫وخذي كتاب األفْ ِق عن ُ‬ ‫قمر الشتاءِ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫غزالة ب ّر ّ َي ٌة‬ ‫تتسلّقُ اإليقاع في نغماتي‬ ‫تطفو‬ ‫وترسب‬ ‫ُ‬ ‫في خطوط يدي‬ ‫كما طفل‬ ‫ّحظات‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫أرجوحة‬ ‫على‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وميا ُه هذا الضوء حني ُأريقها‬ ‫في ساحلي‬ ‫تصحو على ملساتي‬ ‫األصيل‬ ‫ُعو ُد‬ ‫ِ‬ ‫الغيم التي غرقت‬ ‫سفائنُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫الزهرات‬ ‫مالئك هذه‬ ‫ِ‬ ‫علي‬ ‫منها‬ ‫ُ‬ ‫السالم ّ َ‬ ‫حني تركْنني‬ ‫وحدي أذوق حنينَها بصالتي‬ ‫وإلى دمي‬ ‫ُ‬ ‫القوافل‬ ‫متشي‬ ‫والصدى‬ ‫اجلمرات‬ ‫يتج ّ َس ُد امرأ ًة من‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫الرحيل‬ ‫فأعو ُد ِص ِ ّديق‬ ‫ِ‬ ‫للكشف‬ ‫تقودني‬ ‫ِ‬ ‫موسيقى البراح العاتي‬ ‫الصحراء‬ ‫تتوضأ‬ ‫ُ‬ ‫بني أصابعي‬ ‫وتقيم فرض الغيب‬ ‫‪164‬‬

‫‪9/5/13 1:15:13 PM‬‬

‫في شطحاتي‬ ‫صمت‬ ‫وتدير في‬ ‫ٍ‬ ‫حوا ًرا ً‬ ‫خارقا‬ ‫الصفحات‬ ‫بني الوجود وهذه‬ ‫ِ‬ ‫التسأليني من أكونُ‬ ‫إذا يدي‬ ‫ُم ّ َدت بقمح الروح‬ ‫في خلواتي‬ ‫سماواتُ‬ ‫الكالم‬ ‫ودن َْت‬ ‫ِ‬ ‫لتستَقي من راحتي‬ ‫اآليات‬ ‫مذهول َة‬ ‫ِ‬ ‫الذع‬ ‫وعلى شفاهي ُ‬ ‫طعم ٍ‬ ‫غيب ٍ‬ ‫لقصيدة‬ ‫ٍ‬ ‫امليقات‬ ‫رة‬ ‫في ِس ْد‬ ‫ِ‬ ‫أنا فاقرئيني‬ ‫واخلليقة تبتدي‬ ‫الليلي من ورقاتي‬ ‫معراجها‬ ‫َّ‬ ‫هو ذا أنا‬ ‫أصقاعه‬ ‫املنسي في‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫يقتاتُ من‬ ‫الذات‬ ‫إشراقة في ِ‬ ‫ٍ‬ ‫أوراقه‬ ‫على‬ ‫يبني مدائنه‬ ‫ِ‬ ‫و ُي َت ّ َوج اإلنسا َن‬ ‫بالكلمات‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫اخليال‬ ‫ل‬ ‫متاثي‬ ‫يحيي‬ ‫ِ‬ ‫لكي تعي‬ ‫النح ِات‬ ‫وترى احليا َة على يد ّ‬ ‫ً‬ ‫أزمنة ستأتي‬ ‫يجتاز‬ ‫مثلما‬ ‫بحر‬ ‫يجتاز‬ ‫ٌ‬ ‫املرآة‬ ‫ساحل ِ‬ ‫قصيدة‬ ‫ويعو ُد ذات‬ ‫ٍ‬ ‫في ك ّ َف ِه‬ ‫ومصباح‬ ‫وطنٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وحلم ِآت!‬ ‫ٌ‬ ‫***‬

‫نفسا جدي ًدا‪،‬‬ ‫هذا هو الشعر الذي ننتظره ونسعد به‪ً ،‬‬ ‫وجتاوزًا للراكد واآلس� � ��ن‪ ،‬ال ش� � ��عر األسواق واملسابقات‬ ‫واجلوائز الذي يسهم في قتل املواهب البازغة إن كانت‬ ‫جسد لغتنا اجلميلة‬ ‫هناك مواهب‪ ،‬وهو الش� � ��عر الذي يُ ِ ّ‬ ‫في هذا الزمان اجلديد‪ ،‬والعصر الذي يتخلخل ويتزلزل‬ ‫مفص ًحا عن إبداعات جديدة‪ ،‬وجتليات مدهشة‪ ،‬مضي ًفا‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫صفحات مشرقة إلى جمال العربية >‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 160-164.indd 164‬‬


‫بـيـئــة‬

‫طرق جديدة لطيران أوفر وصديق للبيئة‬ ‫محمد حسام الشاالتي *‬ ‫يعد الطيران متعة حقيقية‪ ،‬لكن ذلك ينطبق على املسافرين بالطائرات فقط‪ ...‬أما بالنسبة‬ ‫ّ‬ ‫للسكان الذين يقطنون بالقرب من املطارات‪ ،‬فإن الطيران يتحول إلى كابوس مرعب بسبب‬ ‫الضوضاء والهواء املل ّوث وتقليص حجم املساحات اخلضراء‪ .‬كل هذا جعل الباحثني يفكرون في‬ ‫تطوير تقنيات جديدة حلل هذه املعضلة‪.‬‬ ‫يس� � ��عى االحت� � ��اد األورب� � ��ي منذ عش� � ��ر‬ ‫س� � ��نوات إلى إيج� � ��اد تقني� � ��ات خلفض‬ ‫مس� � ��توى ضجيج الطائرات واستهالكها‬ ‫للوق� � ��ود إل� � ��ى النصف‪ ،‬وه� � ��و يخط� � ��ط إلى خفض‬ ‫االنبعاثات الناجتة عن حركة الطيران بنس� � ��بة ‪%75‬‬ ‫بحل� � ��ول عام ‪ ،2050‬وذلك عل� � ��ى الرغم من صعوبة‬ ‫حتقيق هذا الهدف‪ .‬فعلى س� � ��بيل املثال‪ ،‬تسجل في‬ ‫مط� � ��ار فرانكفورت (أكبر مطار ف� � ��ي أملان��ا) عملية‬ ‫إق� �ل��اع أو هبوط كل ‪ 90‬ثانية‪ .‬واملطار مس� � ��ئول عن‬ ‫نصف التل� � ��وث املناخي في والية «هس � � � ْن»‪ ،‬كما أن‬ ‫حركة الطيران ككل مس� � ��ئولة ع� � ��ن ‪ %5‬من انبعاثات‬ ‫ثاني أكس� � ��يد الكربون في أملانيا‪ ،‬وإذا بقيت األمور‬ ‫عل� � ��ى حالها في هذا العقد س� � ��تصبح كمية الغازات‬ ‫* صحفي وباحث في علوم الطيران‪ ،‬من سورية‪.‬‬

‫الضارة الناجتة عن الطائرات أكبر من تلك الناجتة‬ ‫عن حركة الس� � ��يارات‪ .‬كذلك تسبب حركة الطيران‬ ‫ضجيجاً كبيراً للسكان قرب املطار املذكور!‬ ‫يقوم املرك� � ��ز األملان� � ��ي للطي� � ��ران والفضاء في‬ ‫«براونش� � ��فايغ» (قرب مدينة «فولفس� � ��بورغ»‪ ،‬وسط‬ ‫ش� � ��مال أملانيا) بالبحث عن حل� � ��ول وابتكارات تقنية‬ ‫لطي� � ��ران أق� � ��ل ضجيج � � �اً ومراعياً أكثر للش� � ��روط‬ ‫البيئية‪ .‬وقد جرى في ه� � ��ذا املركز تطوير طائرات‬ ‫ذوات ضجي� � ��ج أقل بثالث مرات من طائرات اليوم‪.‬‬ ‫فقد اختبر املهندس� � ��ون مختل� � ��ف إمكانيات ترتيب‬ ‫أجزاء الطائرة حلساب كيفية خفض الضجيج‪ ،‬مثل‬ ‫وضع احملرك على اجلناح‪ ،‬أو تغيير شكل اجلناح‪ ،‬أو‬ ‫وضع مساحات عازلة جديدة‪ .‬بيد أنه لن يتم اللجوء‬

‫‪165‬‬

‫‪9/5/13 1:15:35 PM‬‬

‫‪oct 165-167.indd 165‬‬


‫تصميم جديد لطائرة حديثة للبيئة‬

‫إلى أي م� � ��ن تلك احللول أب� � ��داً‪ ،‬ألن عزل الضجيج‬ ‫يكلّف طاقة أكثر‪ ،‬واألف� � ��كار املوجودة اليوم خلفض‬ ‫الضجيح ال تؤدي بالضرورة إلى خفض اس� � ��تهالك‬ ‫الوقود‪ .‬وفي اجلهة املقابل� � ��ة‪ ،‬هناك أيضاً تصاميم‬ ‫حملركات تؤدي إلى خفض استهالك الوقود‪ ،‬ولكنها‬ ‫ لألس� � ��ف ‪ -‬تزيد مستوى الضجيج‪ ،‬واحلديث هنا‬‫عن احملرك العنفي املروحي‪ .‬ففي السنوات األخيرة‬ ‫أصبحت احملركات األكبر أعلى ضجيجاً ولكن أقل‬ ‫اس� � ��تهالك للوقود‪ ،‬وهو األمر الذي يناسب شركات‬ ‫الطي� � ��ران وفقاً ملصاحله� � ��ا االقتصادية‪ ،‬ألن الوقود‬ ‫مس� � ��ئول ع� � ��ن ‪ %40‬من التكاليف‪ ،‬ل� � ��ذا فهي حتاول‬ ‫توفير استهالك الوقود‪ ،‬وفي أسوأ األحوال سيعني‬ ‫هذا مزيداً من الضجيج‪.‬‬

‫جيل جديد من احملركات‬

‫الطاقة الشمسية األمل في مصدر طاقة بديل للطائرات‬

‫تتجه الكثير من الشركات العاملية اآلن لتصميم محركات‬ ‫تعمل بوقود أقل تلويث ًا للبيئة‬

‫‪166‬‬

‫‪9/5/13 1:15:45 PM‬‬

‫لكن جي ً‬ ‫ال جديداً من احملركات ابتكرته ش� � ��ركة‬ ‫«‪ ،»MTU‬سيقلل من الضجيج إلى النصف وسيوفر‬ ‫استهالك الوقود‪ .‬يعتمد تصميم هذه احملركات على‬ ‫وضع علبة س� � ��رعة بني املروحة (الشفرات الد ّوارة)‬ ‫والعنفة‪ ،‬وهذا يس� � ��مح للمروحة التي تو ّلد الضجيج‬ ‫بأن تدور بسرعة أقل من العنفة‪ ،‬بحيث تدور العنفة‬ ‫بسرعة أعلى ثالث مرات من سرعة دوران املروحة‪،‬‬ ‫وبهذا تكون علبة الس� � ��رعة مفيدة لالثنني؛ املروحة‬ ‫تس� � ��تطيع ال� � ��دوران بس� � ��رعة أقل فتصبح س� � ��رعة‬ ‫التي� � ��ارات أقل وتنخفض الطاق� � ��ة املهدورة‪ ،‬وكذلك‬ ‫ميك� � ��ن تركيب العنفة بس� � ��هولة أكبر‪ .‬وستس� � ��تخدم‬ ‫الطائرة «أيرباص أ‪ »320-‬األكثر انتشاراً في العالم‪،‬‬ ‫التصميم اجلديد بدءاً من عام ‪ 2015‬في الطرازات‬ ‫اجلديدة من الطائرة التي س� � ��تحمل اسم «أيرباص‬ ‫أ‪ 320-‬اجلديدة»‪ .‬كذلك س� � ��يكون للطائرة اجلديدة‬ ‫محدثة شبيهة بزعانف سمكة القرش‪ ،‬متنع‬ ‫أجنحة‬ ‫َّ‬ ‫تش ّكل دوامات هوائية عند طرف اجلناح اخلارجي‬ ‫وتو ّفر ف� � ��ي اس� � ��تهالك الوقود‪ ،‬وبذلك س� � ��تخفّض‬ ‫هذه الطائرة الضجيج واس� � ��تهالك الوقود بنس� � ��بة‬ ‫‪ .%15‬صحيح أنها ليس� � ��ت الطائرة التي تل ّبي هدف‬ ‫االحت� � ��اد األوربي لع� � ��ام ‪ ،2020‬إال أن هذه الطائرة‬ ‫ستطير حتى عام ‪ 2050‬على األقل‪ .‬فالعمر احلالي‬ ‫للطائرات يتراوح بني ‪ 23‬و‪ 25‬س� � ��نة‪ ،‬وميكن لبعض‬ ‫الطرازات البقاء ‪ 60‬س� � ��نة في اخلدمة‪ ،‬وهذا يعود‬ ‫إلى أن تطوير الطائرات وتش� � ��غيلها يع ّد مكلفاً جداً‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 165-167.indd 166‬‬


‫الطائرات احلربية تعمد في تصميمها أن يكون موفر ًا للطاقة‬

‫ولذا ال ميكن اس� � ��تبدال الطائرة كل خمس سنوات‬ ‫مث ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫للطي‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬يحظ� � ��ى اجلناح القابل‬ ‫ّ‬ ‫بف� � ��رص جيدة لالس� � ��تخدام ف� � ��ي أح� � ��د الطرازات‬ ‫الالحق� � ��ة‪ .‬فاالنس� � ��يابية األفضل الت� � ��ي تتحقق من‬ ‫خ� �ل��ال الس� � ��طح اخلارج� � ��ي األملس له� � ��ذا اجلناح‬ ‫تقلّ� � ��ل الضجيج وتخفّض اس� � ��تهالك الطاقة‪ ،‬ولكن‬ ‫بالنظر إل� � ��ى التقنيات املتوافرة فإنه لن يبدأ اإلنتاج‬ ‫للطي إال بعد عش� � ��ر سنوات‪،‬‬ ‫الكمي للجناح القابل‬ ‫ّ‬ ‫وسيستغرق األمر سنوات إضافية حتى حتصل عليه‬ ‫جميع شركات الطيران‪.‬‬ ‫كما تع ّد ش� � ��ركة «س� � ��والر إمبالس» السويسرية‬ ‫للطائ� � ��رات التي تعمل بالطاقة الشمس� � ��ية منوذجاً‬ ‫يحتذى به في هذا املجال‪ ،‬فقد متكنت الشركة في‬ ‫الع� � ��ام املاضي (‪ )2012‬م� � ��ن القيام برحلة جوية من‬ ‫أوربا إلى إفريقيا خالية من انبعاثات ثاني أكس� � ��يد‬ ‫الكرب� � ��ون‪ .‬وهو إجناز كبير‪ ،‬لكنه غير قابل للتطبيق‬ ‫طرق جديدة لطيران أوفر وصديق للبيئة‬

‫‪9/5/13 1:16:05 PM‬‬

‫على املدى املنظور في الطائرات التجارية!‬ ‫إن أعداد الطائرات ستتضاعف خالل العشرين‬ ‫سنة القادمة من ‪ 19000‬طائرة إلى ‪ 40000‬طائرة‪،‬‬ ‫ليتضاعف معها التحليق في السماء‪ .‬إال أنه ال ميكن‬ ‫تكثيف حركة الطيران في املطارات بشكل اعتباطي‪،‬‬ ‫فهناك حدود معينة يجب االلتزام بها في أوربا‪ ،‬مثل‬ ‫البنية التحتية وأمور فنية أخرى‪ .‬كما أن متوس� � ��ط‬ ‫عمر طائرات الشركات الكبيرة يتراوح بني ‪ 10‬و‪15‬‬ ‫س� � ��نة‪ ،‬ولكن زيادة أعداد الطائرات األقل ضجيجاً‬ ‫واستهالكاً للوقود سيعني في النهاية زيادة الضجيج‬ ‫واالنبعاثات الضارة بالبيئة‪ .‬وحتى باستخدام أفضل‬ ‫التقنيات ستبقى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في‬ ‫تزايد مس� � ��تمر حتى عام ‪ ،2030‬وعندها س� � ��تكون‬ ‫ضعف ما كانت عليه عام ‪ .2000‬فمن الس� � ��هل رسم‬ ‫األه� � ��داف‪ ،‬لكن من الصعب حتقيقه� � ��ا أحياناً‪ ،‬وقد‬ ‫نتمكن يوماً من التخلص نهائياً من غازات ثاني أكسيد‬ ‫الكربون؟! >‬

‫‪167‬‬

‫‪oct 165-167.indd 167‬‬


‫ثقافة إلكترونية‬

‫القرصنة اإللكترونية‪ ..‬تغيير جديد‬ ‫خلارطة القوة في العالم!‬ ‫إبراهيم فرغلي‬ ‫قبل نحو شهرين‪ ،‬لعبت الثقافة االفتراضية‬ ‫والقرصن ��ة والتجس ��س دو ًرا كبي � ً�را في توتر‬ ‫العالقات بش ��كل غير مس ��بوق بني الواليات‬ ‫حتديدا‬ ‫املتحدة األمريكية وروسيا‪ .‬كان ذلك‬ ‫ً‬ ‫في ‪ 11‬أغس ��طس املاضي‪ ،‬ح�ي�ن أعلن البيت‬ ‫األبيض عن إلغاء قمة مفترضة بني الرئيس‬ ‫األمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي‪ ،‬وهو‬ ‫اليوم الذي ش ��هد قبول روسيا طلب اللجوء‬ ‫السياس ��ي ال ��ذي تق ��دم ب ��ه إدوارد س ��نودين‪،‬‬ ‫خبير املعلومات األمريكي‪ ،‬واملوظف السابق‬ ‫والعميل في وكالة االس ��تخبارات األمريكية‪،‬‬ ‫والذي كان قد ظل معلقً ا في مطار العاصمة‬ ‫الروس ��ية لع ��دة أي ��ام عل ��ى أمل قب ��ول طلبه‬ ‫للجوء السياسي‪.‬‬ ‫أما االتهام الذي وجهته الواليات املتحدة‬ ‫إلى س� � ��نودين‪ ،‬ف� � ��ي ‪ 21‬يوني� � ��و املاضي‪،‬‬ ‫واضطر بس� � ��ببه لبدء رحل� � ��ة البحث عن‬ ‫ملجأ آم� � ��ن خارج وطن� � ��ه فقد متثل في‪ :‬التجس� � ��س‬ ‫وس� � ��رقة ممتلكات حكومي� � ��ة ونقل معلوم� � ��ات تتعلق‬ ‫بالدف� � ��اع الوطني دون إذن‪ ،‬والنق� � ��ل املتعمد ملعلومات‬ ‫مخابرات س� � ��رية لشخص غير مس� � ��موح له باالطالع‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫وج� � ��اء االتهام بناء على قيام س� � ��نودين‪ ،‬في أثناء‬ ‫عمله مع وكالة األمن القومي‪ ،‬بتس� � ��ريب مواد مصنفة‬ ‫عل� � ��ى أنها س� � ��رية للغاي� � ��ة‪ ،‬منها برنامج بريس� � ��م إلى‬

‫‪168‬‬

‫‪9/5/13 1:16:25 PM‬‬

‫صحيفة الغارديان وصحيفة الواشنطن بوست‪.‬‬ ‫أم� � ��ا برنامج «بريس� � ��م» ‪ PRISM‬فه� � ��و برنامج‬ ‫جتس� � ��س رقمي مصنف بأنه س� � ��ري للغاية يُ ّشغل من‬ ‫قب� � ��ل وكال� � ��ة األمن القوم� � ��ي األمريكية‪ .‬وه� � ��و‪ ،‬وفقا‬ ‫للمستندات التي سربها سنودين‪ ،‬برنامج يتيح مراقبة‬ ‫معمقة لالتصاالت احلية واملعلومات املخزنة‪ ،‬ومي ّكن‬ ‫من اس� � ��تهداف أي عميل لشركة منخرطة في برنامج‬ ‫بريسم‪ ،‬في حال كان هذا العميل يسكن خارج الواليات‬ ‫املتحدة‪ ،‬أو كان مواطنًا أمريك ًيا له اتصاالت تتضمن‬ ‫محتويات وخصوصا من له اتصاالت بأشخاص خارج‬ ‫الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 168-173.indd 168‬‬


‫وبالنسبة للبيانات التي يقال إن بريسم ِ ّ‬ ‫ميكن من‬ ‫احلصول عليها فتتضمن‪ ،‬رسائل البريد اإللكتروني‪،‬‬ ‫ومحادثات الفيديو والص� � ��وت‪ ،‬والصور‪ ،‬واالتصاالت‬ ‫الصوتية ببرتوك� � ��ول اإلنترنت‪ ،‬وعمليات نقل امللفات‪،‬‬ ‫وإخطارات الولوج وتفاصيل الشبكات االجتماعية‪.‬‬ ‫اجلدير بالذكر أن الرئيس األمريكي أوباما أعلن‬ ‫في مؤمتر صحفي عشية إعالن إلغاء القمة الروسية‬ ‫األمريكي� � ��ة عن نيته‪ ،‬في نفس الوق� � ��ت‪ ،‬إعادة النظر‬ ‫في القوانني اخلاصة مبكافحة اإلرهاب‪ ،‬في إش� � ��ارة‬ ‫ضمنية للرد على محتويات برنامج بريسم؛ الذي يبدو‬ ‫جليا أنه ميكن األمن القوم� � ��ي األمريكي من اختراق‬ ‫القرصنة اإللكترونية‪ ..‬تغيير جديد خلارطة القوة في العالم!‬

‫‪9/5/13 1:16:29 PM‬‬

‫خصوصية الكثير من املواطنني األمريكيني‪.‬‬ ‫كانت هذه هي إحدى أب� � ��رز األحداث التي تلعب‬ ‫فيها ش� � ��بكة اإلنترنت دورا كبيرا من حيث قيام عميل‬ ‫في املخاب� � ��رات األمريكي� � ��ة بتس� � ��ريب معلومات عن‬ ‫برنامج استخباراتي سري‪.‬‬

‫من سنودين إلى أساجن‬

‫كان قد سبق هذه الواقعة املشهودة‪ ،‬احلدث الذي‬ ‫ش� � ��هد اهتماما كبيرا من أرجاء العالم‪ ،‬وحتديدا في‬ ‫إبري� � ��ل ‪ ،2010‬حني قامت ويكيليك� � ��س (وهي منظمة‬ ‫دولية غير ربحية تنشر تقارير وسائل اإلعالم اخلاصة‬

‫‪169‬‬

‫‪oct 168-173.indd 169‬‬


‫«وايرد» فإن أحد املتطوعني قال إن أساجن قد وصف‬ ‫نفسه في جلسة خاصة بأنه «قلب وروح هذه املنظمة‬ ‫فهو املؤس� � ��س والفيلسوف والناطق الرسمي واملبرمج‬ ‫األصلي واملنظم»‪.‬‬ ‫وصرح� � ��ت الويكيليكس بأن «مهمتها األساس� � ��ية‬ ‫فضح األنظمة القمعية في آس� � ��يا والكتلة السوفييتية‬ ‫الس� � ��ابقة‪ ،‬ودول جنوب الصحراء والش� � ��رق األوسط‪،‬‬ ‫لكن نتوقع أيضا أن تكون هناك مساعدة ألناس حول‬ ‫العالم ممن يرغبون في الكش� � ��ف عن س� � ��لوكيات غير‬ ‫أخالقية في احلكومات والشركات»‪.‬‬ ‫وأدى ه� � ��ذا احل� � ��دث ال� � ��ذي نش� � ��رت مبقتض� � ��اه‬ ‫تفاصي� � ��ل العدي� � ��د م� � ��ن البرقي� � ��ات ب� �ي��ن اخلارجية‬ ‫والس� � ��رية من مص� � ��ادر صحفية وتس� � ��ريبات إخبارية‬ ‫مجهول� � ��ة‪ .‬ب� � ��دأ موقعها عل� � ��ى اإلنترنت س� � ��نة ‪2006‬‬ ‫حتت مسمى منظمة «س� � ��ن شاين» الصحفية) بنشر‬ ‫مشهد فيديو عن ضربة الطائرة في ‪ 2007‬التي قتلت‬ ‫فيها ق� � ��وات أمريكية مجموعة من املدنيني العراقيني‬ ‫والصحفيني‪ ،‬ونش� � ��رت ويكيليكس ه� � ��ذا الفيديو على‬ ‫موقع إنترنت يسمى ‪.Collateral Murder‬‬ ‫وف� � ��ي يوليو من العام نفس� � ��ه س� � ��ربت ويكيليكس‬ ‫يوميات احلرب األفغانية‪ ،‬وهي مجموعة مس� � ��تندية‬ ‫ألكثر من ‪ 76900‬وثيقة حول احلرب في أفغانس� � ��تان‬ ‫لم تكن متاحة للمراجعة العامة من قبل‪ .‬ثم س� � ��ربت‬ ‫ف� � ��ي أكتوب� � ��ر ‪ 2010‬مجموع� � ��ة مكونة م� � ��ن ‪400000‬‬ ‫وثيقة؛ فيما يس� � ��مى بسجالت حرب العراق بالتنسيق‬ ‫مع املؤسس� � ��ات اإلعالمي� � ��ة التجاري� � ��ة الكبرى‪ ،‬حيث‬ ‫سمحت تلك الوثائق بإعطاء فكرة عن كل وفاة داخل‬ ‫العراق وعلى احلدود م� � ��ع إيران‪ .‬وفي نوفمبر ‪2010‬‬ ‫بدأت ويكيليكس باإلفراج عن برقيات الدبلوماس� � ��ية‬ ‫للخارجية األمريكية‪.‬‬ ‫أدى ذلك بطبيعة احلال الى استهداف شخصية‬ ‫مؤس� � ��س ويكيليكس‪ ،‬خبير تقنية املعلومات واإلنترنت‬ ‫األسترالي ويليام أساجن‪ .‬ولم يكن منشئو ويكيليكس‬ ‫معروفني رسميا‪ ،‬باستثناء أساجن‪ .‬فقد أظهر جوليان‬ ‫أس� � ��اجن ه� � ��ذه الهيئة املختص� � ��ة بتس� � ��ريب معلومات‬ ‫عب� � ��ر اإلنترنت‪ ،‬ومن معه إلى العل� � ��ن بداية من يناير‬ ‫‪ .2007‬ووصف أس� � ��اجن نفسه بأنه عضو في مجلس‬ ‫ويكيليك� � ��س االستش� � ��اري وإن قالت تقاري� � ��ر إخبارية‬ ‫في أس� � ��تراليا بأنه مؤس� � ��س ويكيليكس‪ .‬ووفقا ملجلة‬

‫‪170‬‬

‫‪9/5/13 1:16:33 PM‬‬

‫ادوارد سنودين‬

‫األمريكية والسفراء األمريكيني في العالم إلى العديد‬ ‫م� � ��ن الفضائح السياس� � ��ية في أرج� � ��اء العالم‪ ،‬طرفها‬ ‫الرئيسي هو الدبلوماس� � ��ية األمريكية‪ ،‬أما األطراف‬ ‫األخرى فهي دول من املنطقة العربية وآس� � ��يا وأوربا‪،‬‬ ‫وه� � ��و ما أثار اجلدل مرة أخرى حول تفس� � ��ير ما قام‬ ‫به أس� � ��اجن‪ ،‬ومدى كونه يخضع ملفاهيم حرية التعبير‪،‬‬ ‫أم أن� � ��ه يتجاوز القوانني التي تقضي بس� � ��رية الوثائق‬ ‫الدبلوماسية واألمنية‪.‬‬

‫حرية الصحافة أم األمن القومي؟‬

‫لك� � ��ن أس� � ��اجن اغتنم فرص� � ��ة ظهوره ف� � ��ي إحدى‬ ‫املقاب� �ل��ات التلفزيوني� � ��ة ليش� � ��رح مفهوم� � ��ه حلدود‬ ‫احلرية بالقول إنها ليس� � ��ت احلرية املطلقة بالتأكيد‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 168-173.indd 170‬‬


‫وأنها تعني ماتقرره احلكوم� � ��ة وينظمه القانون‪ ،‬لكن‬ ‫وثيقة احلقوق في دس� � ��تور الواليات املتحدة تقول إن‬ ‫الكونغرس لم يسن أي قانون يحد من حرية الصحافة‪،‬‬ ‫وحرية الصحافة تعني أنها تس� � ��مو فوق القانون ألنها‬ ‫في احلقيقة هي التي تصنع القوانني‪ ،‬فأي دستور أو‬ ‫أي ج� � ��زء من القانون يس� � ��تمد وجوده من حرية تدفق‬ ‫املعلومات‪.‬‬ ‫وفي س� � ��بيل الدفاع عن منطق أساجن علق الكثير‬ ‫من املعلقني بالقول إن اجلرم ال يتحمله أس� � ��اجن الذي‬ ‫نش� � ��ر معلومات أتيحت له‪ ،‬لك� � ��ن املجرم احلقيقي هو‬ ‫من قام بتس� � ��ريب هذه الوثائق من وزارة اخلارجية أو‬ ‫من أي جهة أخرى‪.‬‬

‫أي أن اجلرمي� � ��ة الت� � ��ي تراه� � ��ا اإلدارة األمريكية‬ ‫اختراق� � ��ا لس� � ��رية معلومات األمن القوم� � ��ي‪ ،‬هي من‬ ‫وجهة نظر س� � ��نودين مجرد وسيلة لفضح الالشفافية‬ ‫واملخالفة الدستورية جلوهر الدميقراطية األمريكية‬ ‫التي يضرب بها العالم املثل‪.‬‬ ‫وتقريبا هو نفس الهدف الذي يصل إليه أس� � ��اجن‬ ‫عبر تس� � ��ريب الوثائق الس� � ��رية التي يثب� � ��ت بها كيف‬ ‫تتدخل الواليات املتحدة في شئون العالم‪ ،‬وكيف تدير‬ ‫مش� � ��روعها للهيمنة على الدول الصغي� � ��رة في العالم‬ ‫النامي‪ ،‬وفي عالقاتها حتى مع الدول الغربية‪ .‬بينما‬ ‫تتدخل في كل كبيرة وصغيرة في ارجاء العالم بدعوى‬ ‫الدفاع إما عن حقوق اإلنسان أو عن الدميقراطية‪.‬‬ ‫لكن أس� � ��اجن أيض� � ��ا أوضح أن ج� � ��زءا من هدف‬ ‫ويكيليك� � ��س‪ ،‬إن لم يكن هدفها الرئيس� � ��ي هو ضمان‬ ‫منع تعرض الصحفيني للسجن عند قيامهم بتسريب‬ ‫معلومات أو وثائق‪.‬‬ ‫وه� � ��دف املنظمة احملدد هو ضمان عدم س� � ��جن‬ ‫املخبرين والصحفيني إلرس� � ��الهم وثائق حساس� � ��ة أو‬ ‫س� � ��رية عبر البريد اإللكترون� � ��ي‪ ،‬كما حدث للصحفي‬ ‫الصيني شي تاو‪ ،‬الذي حكم عليه بالسجن ‪ 10‬أعوام‬ ‫س� � ��نة ‪ 2005‬بعد نش� � ��ر رس� � ��الة بالبري� � ��د اإللكتروني‬ ‫من مس� � ��ئولني صينيني ح� � ��ول ذكرى مجزرة س� � ��احة‬ ‫تيانامنن‪.‬‬

‫العقل والضمير في مواجهة األخالق‬

‫ويليام أساجن مؤسس ويكيليكس‬

‫وبعيدا ع� � ��ن التفاصيل‪ ،‬ميكننا هن� � ��ا أن نرى في‬ ‫منوذج� �ي��ن مختلفني م� � ��ن عملية تس� � ��ريب املعلومات‬ ‫كيف أن الش� � ��بكة الدولي� � ��ة للمعلومات تق� � ��وم بغربلة‬ ‫بع� � ��ض املفاهيم املس� � ��تقرة‪ ،‬وبش� � ��كل ح� � ��اد وصارم‪.‬‬ ‫فف� � ��ي حالة العميل إدوارد س� � ��نودين جند أنه رأى في‬ ‫اإلدارة األمريكي� � ��ة ف� � ��ي عهد ب� � ��وش اختراقا ملفاهيم‬ ‫الدميقراطية التي تضمن احلرية الش� � ��خصية ألفراد‬ ‫املجتمع‪ ،‬وحني ج� � ��اء أوباما كان قد تفاءل باعتبار أن‬ ‫أوباما س� � ��وف يقوم بتصحيح ه� � ��ذه األوضاع‪ ،‬وهو ما‬ ‫شرحه في مواضع ونشرتها وسائل إعالمية مختلفة‪،‬‬ ‫لكنه حني رأى أن أوباما يسير على نهج سلفه قرر أن‬ ‫يقوم بتسريب البرنامج السري الذي يخترق احلريات‬ ‫الشخصية للمواطنني للصحافة األمريكية‪.‬‬ ‫القرصنة اإللكترونية‪ ..‬تغيير جديد خلارطة القوة في العالم!‬

‫‪9/5/13 1:16:40 PM‬‬

‫إن هذه القضية في احلقيقة تفتح الباب واس� � ��عا‬ ‫أمام فكرة أن التجس� � ��س هنا ل� � ��م يعد مجرد عمليات‬ ‫مت� � ��س األمن القومي في دولة أو أكثر‪ ،‬بل هو ميارس‬ ‫من قبل أفراد مس� � ��تقلني لفضح ممارس� � ��ات دولة أو‬ ‫اخرى تتع� � ��ارض مع املواثيق الدولي� � ��ة املعلنة‪ ،‬أي أنه‬ ‫صراع الضمير والعقالنية ضد أخالقيات دول ترفع‬ ‫الشعار األخالقي علنا ومتارس ضده سرا‪.‬‬ ‫لك� � ��ن ما تثيره هذه الظاه� � ��رة أيضاً أن العالقات‬ ‫الدولية في ظل ظاهرة التجس� � ��س السيبرنطيقي‪ ،‬أو‬ ‫التجس� � ��س االفتراضي‪ ،‬أي عبر اس� � ��تخدام الوسائط‬ ‫اإللكترونية‪ ،‬ميكن أن يأخذ هذه الدول إلى مس� � ��توى‬ ‫مختلف من العالقات‪ ،‬والتوتر بني روس� � ��يا والواليات‬ ‫املتحدة دلي� � ��ل ماثل أمامنا الي� � ��وم‪ ،‬ولكن قبل ذلك ال‬ ‫ميك� � ��ن أن ننس� � ��ى أنه طامل� � ��ا كان هناك الي� � ��وم أفراد‬ ‫قادرون على فك الشفرات واختراق املواقع فما الذي‬

‫‪171‬‬

‫‪oct 168-173.indd 171‬‬


‫مينع إذن أن تصل الصني إلى بعض األس� � ��رار التقنية‬ ‫العسكرية في الواليات املتحدة مثال؟‬ ‫ثم هل ميكن أن تكون نتائج مثل هذه القرصنات‬ ‫وعمليات التجس� � ��س اإللكتروني� � ��ة املتبادلة مؤثرة في‬ ‫تغيير صورة دولة ما؟ او اإلخالل بهيبتها؟ إنها أسئلة‬ ‫مهمة لكن إجابتها ال تزال اليوم تتراكم في اخلفاء‪.‬‬ ‫تفت� � ��ح هذه القضاي� � ��ا الباب واس� � ��عا لتأمل كيف‬ ‫تطورت فكرة التجسس أو القرصنة على اإلنترنت من‬ ‫مجرد كونها عمليات اس� � ��تيالء على مواقع إلكترونية‬ ‫إما لالس� � ��تفادة من املعلومات التي حتتويها‪ ،‬أو حتى‬ ‫لتشغيلها لصالح القراصنة إلى أن تصبح لها أهداف‬ ‫ذات طبيعة أخالقية‪ ،‬وهو م� � ��ا ينبغي ألجله أن نتتبع‬ ‫مفهوم وتاريخ فكرة القرصنة على شبكة اإلنترنت‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫‪9/5/13 1:16:45 PM‬‬

‫واملع� � ��روف الي� � ��وم أن القرص� � ��ان االفتراضي أو‬ ‫الـ(هاكر) ‪ Hacker‬هو املختص املتمكن من مهارات‬ ‫في مجال احلاسوب وأمن املعلوماتية‪ .‬واطلقت كلمة‬ ‫هاكر أساس� � ��ا على مجموعة م� � ��ن املبرمجني األذكياء‬ ‫الذي� � ��ن كانوا يتح� � ��دون األنظمة املختلف� � ��ة ويحاولون‬ ‫اقتحامها‪ ،‬وليس بالضرورة أن تكون في نيتهم ارتكاب‬ ‫جرمية أو حتى جنح� � ��ة‪ ،‬ولكن جناحهم في االختراق‬ ‫يعتبر جناح� � ��ا لقدراتهم ومهاراته� � ��م‪ .‬إال أن القانون‬ ‫اعتبره� � ��م دخالء متكنوا من دخ� � ��ول مكان افتراضي‬ ‫يج� � ��ب أال يكونوا فيه‪ .‬والقيام به� � ��ذا عملية اختيارية‬ ‫ميتحن فيه� � ��ا املبرمج قدراته دون أن يعرف باس� � ��مه‬ ‫احلقيقي أو أن يعلن عن نفسه‪ .‬ولكن بعضهم استغلها‬ ‫بص� � ��ورة إجرامية تخريبية ملس� � ��ح املعلومات والبعض‬ ‫العدد ‪ - 659‬أكتوبر ‪2013‬‬

‫‪oct 168-173.indd 172‬‬


‫اآلخر اس� � ��تغلها جتاريا ألغراض التجس� � ��س والبعض‬ ‫لسرقة األموال‪.‬‬ ‫هنا وجدت الكثير من الشركات مثل مايكروسوفت‬ ‫ضرورة حماية أنظمتها ووجدت أن أفضل أسلوب هو‬ ‫تعي� �ي��ن هوالء الهاكرز مبرتبات عالية مهمتهم محاولة‬ ‫اختراق أنظمتها املختلفة والعثور على أماكن الضعف‬ ‫فيها‪ ،‬واقتراح سبل للوقاية الالزمة من األضرار التي‬ ‫يتس� � ��بب فيها قراصنة احلاس� � ��وب‪ .‬ف� � ��ي هذه احلالة‬ ‫بدأت صورة الهاكر في كسب الكثير من اإليجابيات‪.‬‬ ‫إال أن املس� � ��مى األساس� � ��ي واحد‪ .‬وقد أصبحت كلمة‬ ‫هاكر تعرف مبرمجا ذا قدرات خاصة يستخدمها في‬ ‫الصواب كما ميكن استخدامها في اخلطأ‪.‬‬

‫قراصنة إيجابيون‬

‫ومع ذلك فامل��روف اليوم ايضا أن الدور الذي يقوم‬ ‫به القراصنة في البناء في شبكة اإلنترنت‪ ،‬وفي ممارسة‬ ‫أعمال إيجابية رمبا تكون اكثر بكثير من الدور السلبي‪،‬‬ ‫وعلى س� � ��بيل املثال أسهم قراصنة احلاسوب أو الهاكرز‬ ‫في تصميم بني� � ��ة وتقنيات اإلنترن� � ��ت‪ ،‬ومازالوا يقومون‬ ‫بالكثي� � ��ر من اجلهود لتحس� �ي��ن بنية الش� � ��بكات وتطوير‬ ‫التقنيات املس� � ��تخدمة في التش� � ��بيك‪ .‬كم� � ��ا أنهم قاموا‬ ‫ويقومون بالكش� � ��ف عن عيوب أم� � ��ن املعلومات‪ ،‬وعرض‬ ‫احللول لها وبذلك احلماية من املستخدم السلبي‪ ،‬القيام‬ ‫بإجناز مش� � ��اريع مفتوحة املصدر‪ ،‬وعرضها مجاناً على‬ ‫اإلنترنت مثل نظام تشغيل لينكس‪ ،‬أو تقدمي استشارات‬ ‫أمنية لكبرى الش� � ��ركات مثل مايكروس� � ��وفت‪ ،‬وشركات‬ ‫بناء الطائرات‪ ،‬واملؤسس� � ��ات الصناعية الكبرى‪ ،‬وكذلك‬ ‫أرش�