Issuu on Google+

‫العدد ‪ > 698‬ربيع اآلخر ‪ 1438‬هـ > يناير ‪ 2017‬م ‪January‬‬

‫رحلة فاس ومكناس‬

‫تمنح شهية لحياة أخرى‬ ‫العدد ‪ 698‬يناير‬

‫‪2017‬‬

‫‪full cover.indd 2‬‬ ‫‪12/18/16 11:42:12 AM‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬

‫‪@alarabiinfo‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫أُسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‬

‫‪Editor in Chief‬‬

‫‪Dr. Adel S. Al-Abdul Jader‬‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 2‬شارع ‪ - 76‬قسيمة ‪ - 105‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬ ‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬ ‫‪Editorial Tel:‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫عناوين البريد اإللكتروني‬

‫املشاركات واملقــاالت ‪:‬‬ ‫الـمتابـعة الـمالية ‪:‬‬ ‫االشـتراك بالـمجــلة ‪:‬‬ ‫مسابقة التصوير ‪:‬‬

‫‪alarabi@alarabi.info‬‬ ‫‪fin@alarabi.info‬‬ ‫‪subscribe@alarabi.info‬‬ ‫‪photo@alarabi.info‬‬

‫‪@alarabiinfo‬‬ ‫شروط النشر في مجلة العربي‬ ‫> توجه املقاالت إلى رئيس حترير املجلة‪.‬‬ ‫تكتب املقاالت باللغة العربية وبخط واضح وترسل على البريد اإللكتروني‪ ،‬ومرفقة مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬تعهد خطي من املؤلف أو املترجم بعدم نشر املقالة ساب ًقا في أي مجلة أخرى‪.‬‬ ‫‪ - 2‬سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف أو املترجم‪.‬‬ ‫‪ - 3‬األصل األجنبي للترجمة‪ ،‬إذا كانت املقالة مترجمة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬يفضل أن تكون املقاالت الثقافية مدعمة بصور أصلية عالية النقاء‪ ،‬مع ذكر مصادر هذه‬ ‫الصور‪ ،‬ومراعاة ترجمة تعليقات وشروح الصور واجلداول إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫> املوضوعات التي ال تنشر ال تعاد إلى أصحابها‪.‬‬ ‫> يفضل أال تقل املقالة عن ‪ 150‬كلمة وال تزيد على ‪ 1000‬كلمة‪.‬‬ ‫> يحق للمجلة حذف أو تعديل أو إضافة أي فقرة من املقالة متاش ًيا مع سياسة املجلة في النشر‪.‬‬ ‫> اخلرائ������ط التي تنش������ر باملجل������ة مجرد خرائ������ط توضيحية وال تعتب������ر مرجعا للح������دود الدولية‪.‬‬ ‫> ال يجوز إعادة النش������ر بأي وس������يلة ألي مادة نشرتها العربي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة‬ ‫خطية من اجلهات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬ ‫> االس������م الكامل حس������ب الوثائق الرس������مية‪ ،‬واس������م الدولة‪ ،‬واس������م البنك‪ ،‬ورقم احلساب اخلاص‬ ‫باملستفيد‪ ،‬وكذلك رقم اآليبان (‪)IBAN‬‬

‫> امل ��واد املنش ��ورة تعبر ع ��ن آراء كتابه ��ا وال تعبر بالضرورة ع ��ن رأي املجلة‪,‬‬ ‫ويتحمل كاتب املقال جميع احلقوق الفكرية املترتبة للغير‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬ ‫‪3‬‬

‫‪12/15/16 11:13:14 AM‬‬

‫‪jan 3-4-5.indd 3‬‬


‫العدد ‪ - 698‬ربيع اآلخر ‪ 1438‬هـ‬ ‫يناير (كانون الثاني) ‪2017‬م‬

‫حديث الشهر‬ ‫أدب ونقد ولغة‬ ‫‪ 8‬د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‪...‬‬ ‫‪ 12‬د‪ .‬جابر عصفور‪ ...‬ليليات صالح عبدالصبور‪.‬‬ ‫عام الرجاء‪ ...‬عام النور وتبديد الظالم‬ ‫‪ 79‬ترجم� � ��ة‪ :‬محم� � ��د اجلرط� � ��ي‪ ...‬قراءة ف� � ��ي أعمال‬ ‫والتر بنيامني وحنة أرن� � ��دت‪ ...‬الضمير األخالقي‬ ‫فكر وقضايا عامة‬ ‫واألدب‪.‬‬ ‫‪ 18‬عبدالله بش� � ��ارة‪ ...‬الهوي� � ��ة اخلليجية‪ ...‬وأس� � ��وار ‪ 84‬إبراهي� � ��م احلجري‪ ...‬رواية تعالج متاهة اإلنس� � ��ان‬ ‫املناعة‪.‬‬ ‫االفتراضي «قطط إنستجرام»‪.‬‬ ‫‪ 22‬عبدالله احلميدي‪ ...‬في الرقابة واحلرية‪.‬‬ ‫‪ 200‬عرض واختيار‪ :‬د‪ .‬س������عيد يقط���ي��ن‪« ...‬قصص‬ ‫‪ 25‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬أس� � ��ماء ش� � ��هاب الدين‪ ...‬س� � ��يكولوجيا‬ ‫على اله������واء» بالتعاون مع إذاعــــ������ة مونت كارلو‬ ‫احلشود‪.‬‬ ‫الدولية‪.‬‬ ‫‪ 29‬حس� �ي��ن بوكبر‪ ...‬الفلسفة وتس� � ��لية احملزون‪ ...‬بني‬ ‫تاريخ وتراث وشخصيات‬ ‫حيل الكندي وعزاء بوئثيوس‪.‬‬ ‫‪ 131‬د‪ .‬مصطف� � ��ى وجي� � ��ه مصطف� � ��ى‪ ...‬س� � ��وق الطعام‬ ‫استطالعات وحتقيقات‬ ‫بالقاهرة في عصر سالطني املماليك‪.‬‬ ‫‪ 36‬د‪ .‬بلكبير بومدي� � ��ن‪ ...‬رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح‬ ‫فن‬ ‫شهية حلياة أخرى‪.‬‬ ‫‪ 140‬د‪ .‬وطفاء حمادي‪ ...‬ثيمتا عرضني مس� � ��رحييـــن‬ ‫ملف‬ ‫ف� � ��ي لبـــــن� � ��ان‪ ...‬تــــحرر امل� � ��رأة وتعنيفها‪ ...‬رؤية‬ ‫‪ 63‬مل���ف «نوب���ل ل�ل�آداب»‪ ...‬مراجع� � ��ة ملفاهي� � ��م أدبية‬ ‫سنوية‪.‬‬ ‫جديدة‪.‬‬ ‫‪ 144‬محمود س� � ��ليمان‪ ...‬أن تعش� � ��ق العزل� � ��ة‪ ...‬إدوارد‬ ‫‪ 64‬د‪ .‬نزار العاني‪ ...‬هل كل جائزة ضاللة؟‪ ...‬شبهات‬ ‫هوبر‪ ...‬الواقعي حد الكآبة‪.‬‬ ‫وشكوك حول «نوبل»‪.‬‬ ‫علوم‬ ‫‪ 68‬ضياء حامد‪« ...‬نوبل ل� �ل��آداب» خارج التوقعات‪...‬‬ ‫تفجر قنبلة «بوب ديالن»!‬ ‫‪ 151‬د‪ .‬أمير ذك� � ��ي‪ ...‬عقاقير س� � ��تاتينس‪ ...‬بني الوهم‬ ‫اجلائزة ّ‬ ‫‪ 72‬س� � ��هير أبوبكر الش� � ��اذلي‪« ...‬نوبل لآلداب» تكس� � ��ر‬ ‫واحلقيقة‪.‬‬ ‫قاعدة األمناط األدبية التقليدية‪.‬‬ ‫‪ 156‬أحمد ش� � ��عالن‪ ...‬تطور التليسكوب‪ ...‬عني باتساع‬ ‫‪ 99‬ملف «إحياء التراث الشعبي العربي»‪.‬‬ ‫األرض!‬ ‫‪ 100‬ح� � ��وار‪ :‬إبراهيم فرغل� � ��ي‪ ...‬د‪ .‬نبيل بهجت‪« :‬خيال‬ ‫البيت العربي‬ ‫الظ� � ��ل»‪ ...‬جترب� � ��ة أحيا به� � ��ا حفاظاً عل� � ��ى تراثنا‬ ‫الشعبي‪.‬‬ ‫‪ 163‬ياس� �ي��ن عدن� � ��ان‪ ...‬الغ� � ��ذاء واملن� � ��اخ ف� � ��ي الثقافة‬ ‫‪ 106‬ف� � ��راس الطرابلس� � ��ي‪ ...‬عثم� � ��ان الكع� � ��اك مؤرخاً‬ ‫املغربية‪.‬‬ ‫للموسيقى الشعبية التونسية‪.‬‬ ‫‪ 168‬إبـــــراهــــي� � ��م احليــــس� � ��ن‪« ...‬زووم عل� � ��ى املطب� � ��خ‬ ‫‪ 105‬د‪ .‬خالد أبوالليل‪ ...‬السيرة الهاللية واألداء الشعبي‪.‬‬ ‫الصح� � ��راوي»‪ ...‬النس� � ��ق الغذائي عن� � ��د مجتمع‬ ‫‪ 114‬سالم إدريسو‪ ...‬أحواز الزجل في املغرب‪ ...‬مقاربة‬ ‫البيضان‪.‬‬ ‫ثقافية لبالغات استثنائية‪.‬‬ ‫‪ 172‬ياقوت شريط‪ ...‬إلهام األلوان في حياتنا‪.‬‬ ‫‪ 120‬بندر عبداحلميد‪ ...‬املوروث الش� � ��عبي الس� � ��وري‪ 176 ...‬د‪ .‬فردريك معتوق‪ ...‬من مآثر احلكمة الشعبية‪...‬‬ ‫تعايش مضطرب مع غبار التاريخ‪.‬‬ ‫مواجهة املوت واحلياة‪.‬‬ ‫‪ 126‬عرض‪ :‬بندر عبداحلميد‪ ...‬املأثورات الش� � ��عبية‪...‬‬ ‫النظرية والتأويل‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪12/15/16 10:35:39 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 3-4-5.indd 4‬‬


‫طرائف‬ ‫‪ 88‬صالح عبدالستار الشهاوي‪( ...‬طرائف عربية)‪.‬‬ ‫‪ 90‬محمد حسن أحمد‪( ...‬طرائف غربية)‪.‬‬ ‫مكتبة العربي‬ ‫‪ 184‬عرض‪ :‬د‪ .‬نزار العاني‪ ...‬جديد الشاعرة‬ ‫د‪ .‬سعاد الصباح‪ ...‬احلزن واحلب جناحان‬ ‫للخروج من متاهة الوجود (من املكتبة العربية)‪.‬‬ ‫‪ 188‬عرض‪ :‬جنم الدين خلف الله‪« ...‬إسالمس� � ��تان‪...‬‬ ‫وجوه األصولية» (من املكتبة األجنبية)‪.‬‬ ‫‪ 192‬كتب مختارة‬

‫ص ‪36‬‬

‫املفكرة الثقافية‬ ‫‪ 194‬مبناس� � ��بة مرور ‪ 130‬عاماً على طرحها للتداول‪...‬‬ ‫البنك املركزي الكويتي يصدر مسكوكة تذكارية‬ ‫لـ «البيزة»‪.‬‬ ‫‪ 197‬كم� � ��ال ربي� � ��ع‪ ...‬الس� � ��فارة املصرية حتي� � ��ي ذكرى‬ ‫الغيطاني وتؤ ّبن شوشة‪.‬‬ ‫أبواب ثابتة‬ ‫‪6‬‬ ‫‪7‬‬ ‫‪134‬‬ ‫‪179‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪204‬‬ ‫‪210‬‬

‫كاريكاتير (عبدالوهاب العوضي)‪.‬‬ ‫عزيزي القارئ‪.‬‬ ‫قالوا‪.‬‬ ‫املسابقة الثقافية (إعداد‪ :‬دينا هيكل)‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‪.‬‬ ‫عزيزي العربي‪.‬‬ ‫إلى أن نلتقي (فاطمة حسني العيسى)‪.‬‬

‫ص ‪131‬‬

‫ص ‪172‬‬

‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‪.‬‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‪:‬‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم وزارة اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬

‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـســـــودان ‪ 500‬جنيه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪،‬‬ ‫اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـسعـوديـــة ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬سلطنـة عمـان ‪ 500‬بيسـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪ ،‬سورية ‪ 30‬لـيرة‪،‬‬ ‫اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬ ‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 € , France 2 € , Austria 2 € , Germany 2 € ,‬‬ ‫‪USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬

‫الفهرس‬ ‫‪12/15/16 10:35:44 AM‬‬

‫‪5‬‬

‫‪jan 3-4-5.indd 5‬‬


‫عزيزي‬

‫القارئ‬ ‫زمن ما بعد الحداثة‬

‫يق� � ��ول الكاتب األمريكي فيلي� � ��ب روث في واحدة من مقوالته املقتطف� � ��ة في هذا العدد‪ :‬إن‬ ‫القارئ احلقيقي ليس ذلك الذي يقرأ من وقت إلى آخر مبعدل نصف ساعة‪ ،‬ثم يضع الكتاب‬ ‫جانباً ليعود إليه بعد ثمانية أيام على الش� � ��اطئ‪ ،‬بل القارئ هو الذي ال يس� � ��مح بتشتيته عندما‬ ‫يقرأ‪.‬‬ ‫وما أحوجنا اليوم لالستعانة مبثل هذه املقولة التي تدعونا إلى ُحسن القراءة وإجادتها في‬ ‫زمن تصر كل ظروفه ومقاديره على تش� � ��تيت الق ّراء عن احلقائق وعمق الوقائع وفهمها بشتى‬ ‫ٍ‬ ‫الس� � ��بل‪ ،‬باحلروب واملجاعات واألزمات‪ ،‬أو بالكوارث واألوبئة‪ ،‬أو حتى بضخ رأس املال العاملي‬ ‫اس� � ��تثمارات هائلة في الوس� � ��ائل التقنية احلديثة التي أصبحت أحد مظاهر إدمان الفرد في‬ ‫العصر الراهن‪.‬‬ ‫إطاللة رئيس التحرير في «حديث الش� � ��هر» تنوس بني األمل واأللم‪ ،‬ألحوال األمة‪ ،‬والرجاء‬ ‫بأن تقوم وتنهض بوسائل القوة املادية واملعنوية‪.‬‬ ‫اخت� � ��ارت «العربي» كعادتها موضوعات حتتاج إلى قراءة واعية وجادة في غير موضوع حول‬ ‫الفلس� � ��فة والفكر‪ ،‬أو في دعوتك‪ ،‬عزيزي القارئ‪ ،‬لالقتراب من الصورة في مدينتني مغربيتني‬ ‫ش� � ��هيرتني هما فاس ومكناس‪ ،‬لت� � ��رى واقعاً له تاريخ ميتزج دوماً مب� � ��ا تصنعه أيدي الفنانني‪،‬‬ ‫بصمة خالدة تشكل روح املكان‪.‬‬ ‫ولهذا أيضاً خصصت «العربي» ملفها حول فنون التراث الش� � ��عبي العربي‪ ،‬في أكثر من بلد‬ ‫عرب� � ��ي‪ ،‬داعي� � ��ة إلى إحياء هذا التراث الذي ميثل روح الفن الش� � ��عبي للبس� � ��طاء والنخب معاً‪،‬‬ ‫م� � ��ا يجعل من� � ��ه ثروة فنية قومية ينبغي احلفاظ عليها‪ ،‬ب� � ��ل وتصديرها للعالم كمصدر للفخر‪،‬‬ ‫وكرسالة جوهرها يكشف ذخيرة عربية ال يستهان بها من الفنون واآلداب التي تع ِّبر عن القيم‬ ‫السائدة في املجتمعات التي متثلها الثقافة العربية اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومشاركة في جدل واسع حول مفاهيم األدب والفن في زمن ما بعد احلداثة‪ ،‬تنشر «العربي»‬ ‫ف� � ��ي العدد ملفاً صغيراً عن جائزة نوب� � ��ل‪ ،‬عقب حصول الفنان األمريكي بوب ديالن عليها في‬ ‫دورتها األخيرة‪.‬‬ ‫وما بني الفكر والفلس� � ��فة‪ ،‬والرحلة والت� � ��راث‪ ،‬واألدب والفنون‪ ،‬متر «العربي» على محطات‬ ‫العلم واملعرفة‪ ،‬تفتح آفاق العلم والعقالنية كعادتها‪ ،‬ثم متنح قارئها فرصة تأمل معنى الثقافة‬ ‫م� � ��ن طبيعة الغذاء واملطبخ في مجتمع مثل املغرب‪ ،‬في محاولة إلدراك مدى ش� � ��مولية مفهوم‬ ‫الثقافة‪.‬‬ ‫بهذا وغيره من قطوف املعارف والفن والعلم‪ ،‬تفتتح «العربي» عامها اجلديد‪ ،‬وعامك أيضاً‬ ‫عزيزي القارئ‪ ،‬جعله الله عام خير وأمل على األمة العربية كافة‪ ،‬وكل عام وأنتم بخير >‬ ‫عزيزي القارئ‬ ‫‪12/15/16 10:36:51 AM‬‬

‫‪7‬‬

‫‪jan 7.indd 7‬‬


‫حديث الشهر‬

‫عام الرجاء‪...‬‬ ‫عام النور وتبديد الظالم‬ ‫د‪ .‬عادل سالم العبدالجادر‬ ‫كل ع���ام وقراء مجلة العربي بخير بمناس���بة العام الجديد ‪2017‬م‪،‬‬ ‫وكلن���ا رجاء ودعاء إلى اهلل س���بحانه وتعال���ى أن يجعل هذا العام‬ ‫عام أمن وس�ل�ام على األمتين العربية واإلسالمية والعالم جميع ًا‪،‬‬ ‫بكل طوائفه وأطيافه ودوله وأديانه وأجناس���ه وألوانه‪ .‬كل حياتنا‬ ‫عمر األرض ونحييها‪ ،‬فال نس���فك فيها للبش���ر دماء‪ ،‬وال‬ ‫الرجاء بأن نُ ّ‬ ‫إن حياتنا في ه���ذه األرض فترة‪،‬‬ ‫نفس���دها بتلويث الم���اء واله���واء‪ّ .‬‬ ‫فلتكن ذكرى عطرة‪ ،‬يُسجلها التاريخ لنا ال علينا‪.‬‬

‫ُق ّدر لنا أن نعيش عق� � ��وداً جمعت بني قرنني‬ ‫م� � ��ن الزمان‪ ،‬وجمعت دوالً عربية‪ ،‬تضامنت فيما‬ ‫بينها حتت مظلة تس� � ��مى جامعة الدول العربية‪،‬‬ ‫بعد أن جنحت املش� � ��اورات بني مص� � ��ر والعراق‬ ‫وس� � ��ورية واألردن ولبنان‪ ،‬ثم الس� � ��عودية واليمن‬ ‫في عام ‪1945‬م‪ ،‬ث� � ��م انضمت إليها ليبيا ‪1953‬م‪،‬‬ ‫والس� � ��ودان واملغ� � ��رب وتون� � ��س ‪1956‬م‪ ،‬والكويت‬ ‫‪1961‬م‪ ،‬واجلزائر ‪1962‬م‪ ،‬والبحرين وقطر و ُعمان‬ ‫واإلمارات ‪1971‬م‪ ،‬وموريتانيا ‪1973‬م‪ ،‬والصومال‬ ‫‪1974‬م‪ ،‬وجيبوت� � ��ي ‪1977‬م‪ ،‬وجزر القُمر ‪1993‬م‪.‬‬ ‫أم� � ��ا فلس� � ��طني‪ ،‬فكانت متثلها منظم� � ��ة التحرير‬ ‫الفلس� � ��طينية منذ عام ‪1964‬م وحتى إعالن دولة‬ ‫فلس� � ��طني ‪1988‬م‪ .‬كل تلك الدول جمعتها عروبة‬ ‫‪8‬‬

‫‪12/15/16 11:37:28 AM‬‬

‫اللغة والثقاف� � ��ة والتاريخ‪ ،‬ووحدة مصيرها‪ ،‬حتى‬ ‫مس الض ّر عضواً‬ ‫أصبحت كاجلسد الواحد‪ ،‬إذا ّ‬ ‫منه‪ ،‬تأثر الباقون أملاً وحزنا‪.‬‬ ‫ف� � ��ي القرن املاضي‪ ،‬كان� � ��ت معرفتنا بالدول‬ ‫العربية تربية جت ّرعناها من ينابيع ومناهل األهل‬ ‫واملدرس� � ��ة‪ ،‬مثل حروف الهجاء‪ .‬أما اليوم‪ ،‬فيكاد‬ ‫كثيرون من أبنائنا يجهلون أسماء الدول العربية‬ ‫وعواصمها ومواقعها اجلغرافية‪.‬‬ ‫كأي وطن ف� � ��ي العالم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إن الوط� � ��ن العرب� � ��ي‪ّ ،‬‬ ‫تنتمي إليه ش� � ��عوب وأقليات‪ ،‬فصارت الش� � ��عوب‬ ‫ش� � ��عباً واحداً‪ ،‬وصارت األقلي� � ��ات مبرور الزمن‬ ‫ج� � ��زءاً ال يتجزأ م� � ��ن وجوده وم� � ��ن كيانه‪ .‬وعلى‬ ‫َم � � � ّر التاري� � ��خ العربي انصهر ال� � ��ك ّل‪ ،‬وتعزز ثبات‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 8-11.indd 8‬‬


‫أوراق أدبية‬

‫ليليات صالح عبدالصبور‬ ‫د‪ .‬جابر عصفور‬ ‫الليليات هي جمع النس���بة إل���ى الليلي‪ ،‬من‬ ‫حيث ما يش���ير إليه الليل بوصف���ه دا ًال متكرراً‬ ‫الفت��� ًا لالنتب���اه ف���ي ش���عر ص�ل�اح عبدالصبور‪،‬‬ ‫ولذل���ك تتع���دد مدلوالت���ه وتتكاث���ر عل���ى‬ ‫امت���داد القصائ���د ف���ي دواوينه الس���تة التي‬ ‫ه���ي حصيل���ة اإلنج���از اإلبداعي للش���اعر في‬ ‫مجال القصيدة الغنائية‪.‬‬ ‫ال‬

‫شاعر صالح عبدالصبور‬

‫ال غراب� � ��ة في أن يغدو الليل رمزاً من الرموز‬ ‫األساسية في شعر صالح عبدالصبور‪ ،‬ال يقاربه‬ ‫من حيث التكرار س� � ��وى دال احلزن الذي يتكرر‬ ‫ف� � ��ي قصائد ص� �ل��اح عبدالصب� � ��ور فيجعل منها‬ ‫ كما س� � ��بق أن وصفت ش� � ��عره ‪ -‬تأمالت حكيم‬‫محزون‪ ،‬حكي� � ��م يعلن لقارئ� � ��ه أن األيام اجلهمة‬ ‫جعلته قلباً جهماً‪ ،‬س� � ��لبته نعم� � ��ة الفرح وموهبة‬ ‫احل� � ��ب‪ ،‬وأورثته كآبة احلزن املقي� � ��م؛ فالليل هو‬ ‫احل� � ��زن أو ذلك االمتداد ال� � ��ذي ال نرى فيه نوراً‬ ‫يبدو كأنه بصيص من أمل‪.‬‬ ‫وينبسط دال الليل على حقول داللية عديدة‪:‬‬ ‫أولها الوحدة والوحش� � ��ة‪ ،‬وثانيها الرؤية الهولية‪،‬‬ ‫وثالثها العوالم الفانتازية التي يهيمن فيها الوهم‬ ‫عل� � ��ى رؤى اخليال‪ ،‬دافعاً إي� � ��اه إلى اختراع صور‬ ‫ال معقول� � ��ة أو عبثي� � ��ة (‪ )Absurd‬لعالم بال عقل‬ ‫وال معن� � ��ى وال حتى منطق‪ .‬وال يكاد دال الليل أو‬ ‫رم� � ��زه يقترب من حلظات تش� � ��به الفرح أو األلم‬ ‫‪12‬‬

‫‪12/15/16 10:38:30 AM‬‬

‫املقترن بانبثاق الضوء إال في األحوال التي يشف‬ ‫فيها الليل وتصفو سماواته‪ ،‬فتهبط على الشاعر‬ ‫ب� � ��وادر اإلبداع ولوامعه كأنها العطايا احلدس� � ��ية‬ ‫عل‪ ،‬كأنها حلظات‬ ‫التي تهبط على الش� � ��اعر من ٍ‬ ‫الكش� � ��ف التي يرتقي إليها الصوفي مرحت ً‬ ‫ال في‬ ‫ن� � ��وع من املجاهدة‪ ،‬كي يس� � ��تنزل الرؤى الرهيفة‬ ‫التي يعني الوصول إليها أو حتققها في الكلمات‬ ‫نوع � � �اً من الظفر‪ .‬ومن ظفر وصل أو اتصل فيما‬ ‫يقول الصوفية‪.‬‬ ‫وق� � ��د كان عبدالصب� � ��ور ف� � ��ي بداي� � ��ة حياته‬ ‫الش� � ��عرية يؤمن أن رحلة الشعر هي رحلة املعنى‬ ‫إلى الش� � ��عر وليست رحلة الش� � ��اعر إلى الشعر‪.‬‬ ‫وكان ذل� � ��ك طبيعياً م� � ��ع رؤيته الرومانس� � ��ية في‬ ‫بواكير نظرته الشعرية إلى العالم‪ ،‬خصوصاً سنة‬ ‫‪ .1952‬ويذكر عبدالصبور في كتابه «حياتي في‬ ‫الش� � ��عر» أنه عبر عن ذلك في قصيدته «الرحلة»‬ ‫التي كتبها سنة ‪ ،1952‬والتي جندها في أعماله‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 12-17.indd 12‬‬


‫الكاملة (ص ‪:)201-202‬‬ ‫الصب ��ح ي ��درج ف ��ي طفولتــــــــ ��ه‬ ‫واللي ��ل يحــــب ��و حب ��و منــــــــه ��زم‬ ‫والب ��در ملل ��م ف ��وق قريـــــــــــتن ��ا‬ ‫أس ��تار أوبـت ��ه‪ ،‬ول ��م أنــــــــــــــ ��م‬ ‫ج ��ام وإبري ��ق‪ ،‬وصومعــــــــــ ��ة‬ ‫وس ��ماء صي ��ف ث ��رة النعـــــــــــ ��م‬ ‫ق ��د كرم ��ت أنفاس ��ها رئتـــــــ ��ي‬ ‫وتعط ��رت أنداؤه ��ا بفمــــــــــــ ��ي‬ ‫وجنيم ��ة تغف ��و بنافذتـــــــــــ ��ي‬ ‫حلظ ��ت ش ��رودي حلظ مبتس� �ــم‬ ‫وص ��دى مل ��وال يعاندنــــــــــ ��ي‬ ‫وحفي ��ف موس ��يقى م ��ن الس� �ــدم‬ ‫أنضره ��ا وأقطفهـــــ ��ا‬ ‫ورؤى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مُ‬ ‫وأله ��ا‪ ،‬ويذّ ره ��ا س ��أمـــــــــــي‬ ‫وعرائ ��س تخت ��ال ف ��ي حلمـــ ��ي‬ ‫ب�ي�ن الدف ��وف وضج ��ة النغـــــ ��م‬ ‫فتبس ��م لــــ ��ي‬ ‫وأط ��ل مأخ ��وذ ًا‬ ‫ُ‬ ‫تيجانه ��ا‪ ،‬ويهزن ��ي ضرمـــــــ ��ي‬ ‫وتروده ��ا كف ��ي فيفجعــــــن ��ي‬ ‫�س الدم ��ى‪ ،‬وب ��رودة الصــن ��م‬ ‫ِح � ُ‬ ‫قمم ��ي تنك � ُ�ر ل ��ي مس ��الكهــــا‬ ‫م ��ن بع ��د إلف ��ي روع ��ة القمــــــــ ��م‬ ‫ي ��ا رحل ��ة املعن ��ى عل ��ى خل ��دي‬ ‫َق � ّ�ري بجدب ��ي‪ ،‬عانق ��ي عدمــــ ��ي‬ ‫وإذا دققن� � ��ا األم� � ��ر ف� � ��ي دالالت القصي� � ��دة‬ ‫الس� � ��ابقة الحظنا على الفور أنها قصيدة ليلية‪،‬‬ ‫فه� � ��ي تبدأ من حي� � ��ث انتهى اللي� � ��ل‪ ،‬لكن ال لكي‬ ‫تتح� � ��دث عما يأتي بعده من صباح‪ ،‬وإمنا لتتذكر‬ ‫م� � ��ا كان فيه من أحداث تقترن برحلة اإللهام إلى‬ ‫الش� � ��اعر‪ .‬ولذل� � ��ك تتحدث القصي� � ��دة عن البدر‬ ‫الذي يجم� � ��ع ثيابه وأس� � ��تاره كي ينطل� � ��ق عائداً‬ ‫إلى حيث يوجد‪ ،‬كي يأتي الفجر ولكن الش� � ��اعر‬ ‫يظل متيقظاً‪ ،‬مس� � ��تدعياً أح� � ��داث الليلة الفائتة‬ ‫ورؤاها على الس� � ��واء‪ ،‬واصفاً هذه األحداث كما‬ ‫لو كان يصف أحداث مجلس ش� � ��راب يجتمع فيه‬ ‫اإلبريق والصومعة وس� � ��ماء الصيف املنعمة التي‬ ‫كرمت أنفاس� � ��ها‪ ،‬ك� � ��ي تصيب بعدواه� � ��ا العطرة‬ ‫كل رئة تستنش� � ��قها‪ ،‬وكل فم ينط� � ��ق في أجوائها‬ ‫‪14‬‬

‫‪12/15/16 10:38:36 AM‬‬

‫غير بعيد عن هذه النجم� � ��ة الصغيرة التي تغفو‬ ‫قرب الناف� � ��ذة‪ ،‬أعني النافذة التي يجلس أمامها‬ ‫شاعر شارد اللب ينتظر مقدم اإللهام أو الوحي‬ ‫إليه أو س� � ��قوطه عليه بالندى‪ ،‬كما يس� � ��قط عليه‬ ‫ضوء النجمة الصغيرة التي تعلو في السماء‪ .‬وما‬ ‫بني ه� � ��ذا وذاك أصداء لترجي� � ��ع موال‪ ،‬وحفيف‬ ‫موس� � ��يقى األفالك‪ ،‬ورؤى حدسية متناثرة كأنها‬ ‫الزه� � ��ور التي ال متل� � ��ك أصابع الش� � ��اعر إال أن‬ ‫تقطفه� � ��ا وتلمها وتنظمها ف� � ��ي كلمات‪ ،‬تتراقص‬ ‫أم� � ��ام عني اخليال كأنها عرائ� � ��س تختال احللم‪،‬‬ ‫أو تتراقص بني الدفوف وأصوات األنغام‪ .‬ويظل‬ ‫الش� � ��اعر مأخوذاً بها‪ ،‬وتعتادها كف ُه التي حتاول‬ ‫أن متس� � ��ك به� � ��ذه الرؤى الطي� � ��ارة‪ ،‬لكن هيهات‪،‬‬ ‫فالشاعر أصغر من أن ميتلك تنظيم رؤاه املنفلتة‬ ‫واجلامحة بحكم صباه وعرامة أول الشباب في‬ ‫وعي� � ��ه البك� � ��ر‪ .‬ولذلك ال يلقى س� � ��وى األلم على‬ ‫عدم ��درته عل� � ��ى امتالك الرؤى وتنضيدها كما‬ ‫لو كان يس� � ��ير على قمم تتنكر له مس� � ��الكها‪ ،‬بعد‬ ‫أن أل� � ��ف روعة هذه القمم ومجال املش� � ��هد فيها‬ ‫واألفق الالمتناهي من املش� � ��اهد الساحرة التي‬ ‫كان يحمل� � ��ه إليها خيال� � ��ه البكر‪ ،‬ومن ثم ال ميلك‬ ‫سوى إطالق هذه الصرخة املرتبطة برحلة املعنى‬ ‫إلى خلده (أو وعيه) مس� � ��تخدماً فعل األمر الذي‬ ‫يطالب فيه رحلة املعنى بأن تشهد بضعف قدرته‬ ‫عل� � ��ى اخللق‪ ،‬وكأنه� � ��ا نوع من اجل� � ��دب أو كأنها‬ ‫نوع من العدم ال� � ��ذي ال يتحول إلى حضور كامل‬ ‫للرؤى التي تهبط كاملعنى على الوعي الش� � ��عري‬ ‫الذي ينطوي عليه‪ .‬ولكن مع نضوج ش� � ��عر صالح‬ ‫عبدالصب� � ��ور وحتوله م� � ��ن الرؤى الرومانس� � ��ية‬ ‫املالزمة ملراح� � ��ل البداية‪ ،‬وانتقال� � ��ه إلى مراحل‬ ‫التأم� � ��ل الرم� � ��زي‪ ،‬تنقلب احل� � ��ال وتتحول رحلة‬ ‫املعنى إلى الشاعر التي هي أشبه بهبوط الوحي‬ ‫أو اإلله� � ��ام على املبدع� �ي��ن‪ ،‬فتنقلب إلى النقيض‬ ‫وتصبح س� � ��عياً من املبدع بوجه عام أو الش� � ��اعر‬ ‫بوجه خاص وراء املعن� � ��ى أو وراء القصيدة التي‬ ‫تراوغه كأنها حلظة احلدس التي ال متنح نفسها‬ ‫على نحو س� � ��هل‪ ،‬فال تتكش� � ��ف إال بع� � ��د نوع من‬ ‫املجاهدة‪ ،‬ال يختلف كثيراً عن املجاهدة الصوفية‬ ‫فيما يحدثنا صالح عبدالصبور نفسه‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 12-17.indd 14‬‬


‫أوراق أدبية‬ ‫وم� � ��ا دمن� � ��ا قد دخلن� � ��ا إلى رحل� � ��ة املجاهدة‬ ‫الصوفي� � ��ة ومكابدة الصوف� � ��ي املرحتل للوصول‬ ‫إلى حلظة احلدس أو اإلش� � ��راق‪ ،‬فيتحول معنى‬ ‫الرحل� � ��ة إلى رمزي� � ��ة من نوع خ� � ��اص هي رمزية‬ ‫اإلبداع الت� � ��ي يخرج فيها الش� � ��اعر طالباً عطاء‬ ‫الشعر‪ ،‬بعد أن ينزع عن نفسه كل شارات احلياة‬ ‫املشتتة النتباهه‪ ،‬متجرداً كتجرد احلاج إلى قدس‬ ‫األقداس‪ ،‬حيث حضرة الشعر‪.‬‬ ‫هك� � ��ذا نقرأ على املس� � ��توى الرمزي قصيدة‪:‬‬ ‫«أغنية والء» التي هي والء خالص للشعر‪ ،‬متضي‬ ‫على النحو التالى‪:‬‬ ‫صنعت لك‬ ‫عرش ًا من احلرير‪ ...‬مخملي‬ ‫جنرته من صندل‬ ‫ومسندين تتكي عليهما‬ ‫وجلة من الرخام‪ ،‬صخرها أملاس‬ ‫جلبت من سوق الرقيق قينتني‬ ‫قطرت من كرم اجلنان جفنتني‬ ‫والكأس من بللور‬ ‫أسرجت مصباح ًا‬ ‫علقته في كوة في جانب اجلدار‬ ‫ونوره املفضض املهيب‬ ‫وظله الغريب‬ ‫في عالم يلتف في إزاره الشحيب‬ ‫والليل قد راحا‬ ‫وما قدمت ‪ -‬أنت ‪ -‬زائري احلبيب‬ ‫وال� � ��والء الذي يتحدث عنه الش� � ��اعر هنا هو‬ ‫والء الش� � ��اعر للش� � ��عر‪ ،‬وبحثه عنه وما يبذله في‬ ‫سبيله من جهد وما يقدمه من تضحيات وأعمال‬ ‫لكي يصفو له الشعر أو مينحه عطية من عطاياه‪:‬‬ ‫القصيدة‪.‬‬ ‫هكذا يستعني الش� � ��اعر بلغة متصوفة تعتمد‬ ‫على الرمز والتمثيل‪ ،‬فيتحول الشاعر إلى حضور‬ ‫مقدس ال مينح نفس� � ��ه أو ال يُسفر عن ضوئه إال‬ ‫ملن يقدم له القرابني أو ملن يتخلى في سبيله عن‬ ‫كل شيء كي يرضى عنه هذا السيد األوحد‪.‬‬ ‫وتأتي لغة الرمز متجس� � ��دة في اس� � ��تعارات‬ ‫متتابعة تعتمد على التشخيص والتجسيد بفضل‬ ‫ما فيها من ترش� � ��يح أو كناية‪ ،‬فنرى في األسطر‬ ‫ليليات صالح عبدالصبور‬ ‫‪12/15/16 11:38:17 AM‬‬

‫األربعة األولى املُريد الذي يتقدم إلى القطب مبا‬ ‫ميك� � ��ن أن يرضيه من عرش مخملي من احلرير‪،‬‬ ‫مصنوع من خش� � ��ب الصندل‪ ،‬محاط مبس� � ��ندين‬ ‫يتكئ عليهما س� � ��يده األوحد‪ ،‬فض� �ل � ً‬ ‫ا عن أرض‬ ‫من الرخام تبدو كأنها البحر‪ ،‬تتخلله صخور من‬ ‫أملاس‪ .‬ومع ذل� � ��ك كله جلب جاريتني مغنيتني كي‬ ‫تقطرا لهذا السيد املهيب قطرات يبلل بها ريقه‬ ‫في كأس من البللور‪ .‬ولكي يكتمل املش� � ��هد‪ ،‬نرى‬ ‫مصباحاً يعلق في ك� � ��وة بجانب اجلدار كي يلقي‬ ‫الض� � ��وء على عال� � ��م ال يبني إال م� � ��ن وراء الرموز‬ ‫الذي تش� � ��ف عنه‪ ،‬والزمان هو زمان الليل املمتد‬ ‫ال� � ��ذي يقترب م� � ��ن فجره‪ ،‬ولك� � ��ن القطب األكبر‬ ‫الذي أغوى تابع� � ��ه الصغير باحلضور لم يحضر‬ ‫ولم يَش� � ��ف عنه ضوء أو يب� � ��دو منه بعض ما ينم‬ ‫عنه حتى من وراء ستار‪ ،‬وعندئذ يدرك الساعي‬ ‫أن مس� � ��عاه األول قد خاب‪ ،‬وأن الرحلة قد تاهت‬ ‫في الصحراء‪ ،‬وأن املجاه� � ��دة األولى للرحلة قد‬ ‫فش� � ��لت‪ .‬ولك� � ��ن ليس في هذا املجال من س� � ��بيل‬ ‫إل� � ��ى اليأس‪ ،‬وإمنا إلى معاودة الرحلة مرة أخرى‬ ‫وتكرار املجاهدة مبا يجعلنا نقرأ بقية القصيدة‬ ‫التي تقول‪:‬‬ ‫هدمت ما بنيت‬ ‫ُ‬ ‫أضعت ما اقتنيت‬ ‫ُ‬ ‫خرجت لك‬ ‫ُ‬ ‫ع ِّلي أوافي محملك‬ ‫ُ‬ ‫ولدت ‪ -‬غير ش ��ملة اإلحرام ‪ -‬قد خرجت‬ ‫ومثلما‬ ‫لك‬ ‫أسائل الرواد‬ ‫عن أرضك الغريبة الرهيبة األسرار‬ ‫في هدأة املساء‪ ،‬والظالم خيمة سوداء‬ ‫ضربت في الوديان التالع والوهاد‬ ‫أسائل الرواد‬ ‫«ومن أراد أن يعيش فليمت شهيد عشق»‬ ‫أنا هنا ملقى على اجلدار‬ ‫دفنت في اخليال قلبي الوديع‬ ‫وقد‬ ‫ُ‬ ‫وجسمي الصريع‬ ‫في مهمه اخليال قد دفنت قلبي الوديع‬ ‫يا أيها احلبيب‬ ‫واضح من األس������طر الس������ابقة أن الش������اعر‬ ‫‪15‬‬

‫‪jan 12-17.indd 15‬‬


‫بع������د أن أدرك فش������ل املجاه������دة األول������ى‪ ،‬يبدأ‬ ‫باملجاهدة الثانية‪ ،‬ولكنه يعود إلى رمزية الرحلة‬ ‫مرة أخرى‪ ،‬تعبيراً عن الس������عي وراء الش������عر‪ ،‬أو‬ ‫احلصول على الظفر من وراء املجاهدة‪ ،‬فيخرج‬ ‫معتم������راً كما ل������و كان يذهب إلى احلج يس������أل‬ ‫الش������عراء الس������ابقني عن أرض معبوده (الشعر)‬ ‫الغريبة‪ ،‬الرهيبة األس������رار‪ .‬واملجاهدة تبدأ من‬ ‫هدأة املس������اء‪ ،‬عبر االمتداد املكاني لليل‪ ،‬حيث‬ ‫يبسط الظالم أستاره على الكون كله‪ ،‬فال يبقى‬ ‫س������وى التخبط في الظالم عبر الوديان والقالع‬ ‫والوهاد‪ ،‬س������ائ ً‬ ‫ال الذين س������بقوه في الرحلة عن‬ ‫عالم������ات تدل على الطريق‪ ،‬دون أن يفقد األمل‬ ‫أو اإلرادة أو العزمي������ة‪ ،‬فم������ن أراد أن يعيش في‬ ‫عالم الش������عر حقاً‪ ،‬فليمت شهيد عشق الشعر‪.‬‬ ‫وها هو الشاعر املرحتل إلى الشعر يدفع الثمن‪،‬‬ ‫فيبدو ملقى على جدار منهك‪ ،‬دافناً في اخليال‬ ‫قلبه الوديع‪ ،‬وجس������مه ق������د أضناه الوجع بعد أن‬ ‫دفن قلبه في صحارى اخليال التي ال نهاية لها‪،‬‬ ‫ال ميلك إال أن يص������رخ في فضاء عامله األوحد‪:‬‬ ‫الشعر‪ .‬ونقرأ‪:‬‬ ‫معذبي يا أيها احلبيب‬ ‫أليس لي في املجلس السني حبوة التبيع؟‬ ‫فإنني مطيع‬ ‫وخادم سميع‬ ‫فإن أذنت‪ ،‬إنني الندمي في األسحار‬ ‫حكايتي غرائب لم يحوها كتاب‬ ‫طبائعي رقيقة كاخلمر في األكواب‬ ‫إلي رنو ُة احلنان؟‬ ‫فإن لطفت هل ّ‬ ‫فإنني ُّ‬ ‫أدل‪ ،‬بالهوى على األخدان‬ ‫أليس لي بقلبك العميق من مكان؟‬ ‫وقد كسرت في هواك طينة اإلنسان‬ ‫ثم من رجوع‪....‬‬ ‫وليس ّ‬ ‫ويبدأ القس� � ��م األخي� � ��ر من القصي� � ��دة بابتهاالت‬ ‫إلى احلبي� � ��ب‪ ،‬هذا الرمز الذي اس� � ��تخدمه الصوفية‬ ‫كثي� � ��راً لكي يع ِّبروا به عن الوجود املطلق‪ ،‬فينقله عنهم‬ ‫الش� � ��اعر املتأثر بهم كثيراً‪ ،‬الذي أح� � ��ال مجاهداتهم‬ ‫إلى رمز من رموزه األثيرة في تصويره رحلة الش� � ��اعر‬ ‫إلى املعنى أو مجاهدة الش� � ��اعر كي يصل إلى اللحظة‬ ‫التي تتكشف له فيها القصيدة كأنها الوجود احلق‪ ،‬أو‬ ‫‪16‬‬

‫‪12/15/16 10:38:43 AM‬‬

‫احلقيقة التي تضيء للشاعر معنى الوجود أو تكسبه‬ ‫قيمة احلضور في العالم‪ ،‬ولذلك ال يتردد الشاعر في‬ ‫أن يبحث عما يجعل الشعر يحبوه به من عطاياه‪ ،‬بعد‬ ‫أن بايع� � ��ه بكل ما ميلك وما في ُمكنته‪ ،‬مؤكداً أنه تابع‬ ‫مي‬ ‫مخلص وأنه خادم مطيع‪ ،‬فهو ‪ -‬إن أذن الشعر ‪ -‬ند ٌ‬ ‫في وقت الس� � ��حر‪ ،‬يحكي حكاي� � ��ات عجيبة لم يحوها‬ ‫كت� � ��اب‪ .‬وطبعه رقيق كاخلم� � ��رة الصافية‪ ،‬وهذه صفة‬ ‫دال� � ��ة على غيرها من الصفات التي قد تدفع الس� � ��يد‬ ‫األكب� � ��ر أو احلبيب األوحد إلى أن يفتح مكاناً في قلبه‬ ‫لطال� � ��ب العطاء‪ ،‬بل ما يزيد عل� � ��ى العطاء‪ ،‬فهو يطلب‬ ‫أن يفس� � ��ح له الواحد األوحد مكان � � �اً في قلبه العميق‪،‬‬ ‫خصوصاً أنه تخلى عن كل شيء في سبيل القرب من‬ ‫احملب� � ��وب‪ ،‬أو الوصول إلى الوج� � ��ود املطلق حلضرته‪،‬‬ ‫وذلك دون ن� � ��دم أو رجوع‪ ،‬فها هو الش� � ��اعر املتوحد‪،‬‬ ‫وحيداً مع الواحد األوحد الذي هو الشعر‪ .‬والقصيدة‬ ‫كله� � ��ا ليلية م� � ��ن مطلعها إلى خامتته� � ��ا‪ ،‬نرى عالمات‬ ‫الليل في املصباح املفضض املهيب في قس� � ��مها األول‪،‬‬ ‫ويبس� � ��ط هذا املصباح نوره الرقيق على القصيدة إلى‬ ‫نهايته� � ��ا‪ ،‬حيث ه� � ��ذا اإلعالن الكامل بال� � ��والء املطلق‬ ‫للش� � ��عر الذي ال يرضى ملن ميشي وراءه أن يبحث عن‬ ‫س� � ��يدين في وقت واحد‪ ،‬ال يتغي� � ��ر في كل األحوال أو‬ ‫األوقات‪ .‬وبالفعل ال يبخل هذا السيد الواحد األوحد‬ ‫على تابع� � ��ه املخلص الذي يقول في احملطات األخيرة‬ ‫من مجاهداته‪ ،‬هذا الس� � ��طر الدال‪« :‬لم يسلم لي من‬ ‫سعي اخلاسر إال الشعر»‪.‬‬ ‫لكن ليل اإلبداع الرمزي ال ينتهي عند هذا احلد‪،‬‬ ‫فإنن� � ��ا ميكن أن نراه ف� � ��ي قصيدة «رحلة ف� � ��ي الليل»‬ ‫التي تتصدر ديوان� � ��ه األول «الناس في بالدي» (يناير‬ ‫‪ ،)1957‬وحضور الليل يفصح عن نفس� � ��ه بوضوح في‬ ‫عنوان القصيدة التي سبق لي أن تناولتها بالتحليل في‬ ‫كتابي «رؤى العالم»‪.‬‬ ‫ولكني أتوق� � ��ف عندها من منظ� � ��ور ارتباط الليل‬ ‫باإلبداع‪ ،‬خصوصاً في اقترانه مبعنى الظالم‪ ،‬وأتوقف‬ ‫عن� � ��د مقطع هذه القصيدة ال� � ��ذي يذكرنا عنوانه وهو‬ ‫«بحر احلداد» بش� � ��خصية الس� � ��ندباد املقترنة مبعاني‬ ‫اإلبحار املتعددة في شعر صالح عبدالصبور‪.‬‬ ‫ونقرأ في املقطع األول‪:‬‬ ‫الليل يا صديقتي ينفضني بال ضمير‬ ‫ويطلق الظنون في فراشي الصغير‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 12-17.indd 16‬‬


‫أوراق أدبية‬ ‫ويثقل الفؤاد بالسواد‬ ‫ورحلة الضياع في بحر احلداد‬ ���فحني يقبل املساء‪ ،‬يقفر الطريق‬ ‫والظالم محنة الغريب‬ ‫وهذ املقطع يبدو أنه بدء اس� � ��تهاللي للرحلة‬ ‫الت� � ��ي ميض� � ��ي فيها املرحت� � ��ل‪ ،‬تواجه� � ��ه بالطبع‬ ‫صعوبات البداية في رحل� � ��ة اإلبداع‪ ،‬حيث يكون‬ ‫كل ش� � ��يء بال معنى‪ ،‬مظلم � � �اً كل اإلظالم كالليل‬ ‫الذي يثقل الفؤاد بالس� � ��واد‪ ،‬فيب� � ��دو كأنه رحلة‬ ‫ضياع في بحر من احلداد‪ ،‬حيث ال يوجد س� � ��وى‬ ‫امل� � ��وت الذي يخلو م� � ��ن احلياة‪ .‬وعلى املس� � ��توى‬ ‫اآلخ� � ��ر‪ ،‬تقفر الطرق‪ ،‬وتنفض مجالس الس� � ��مر‪،‬‬ ‫وال يبقى س� � ��وى الظالم ال� � ��ذي ال يرى فيه أحد‪،‬‬ ‫والذي هو ‪ -‬حقاً ‪ -‬محنة الغريب الذي لم يتعود‬ ‫على أي شيء بعد‪ ،‬كأنه الشاعر الذي يبدأ أولى‬ ‫مراحل املجاهدة مبا يشبه اجلهل املطلق الذي هو‬ ‫كالعمى املطلق في حلكة الظالم‪ .‬ولكن إذا مضى‬ ‫ه� � ��ذا املرحتل‪ ،‬وصبر عل� � ��ى املجاهدة فإنه يبحر‬ ‫في رحلة أش� � ��به برحلة السندباد‪ .‬والسندباد هو‬ ‫عنوان املقطع الرابع في القصيدة‪ ،‬حيث نقرأ‪:‬‬ ‫في آخر املساء ميتلئ الوساد بالورق‬ ‫كوجه فأر ميت طالسم اخلطوط‬ ‫وينضح اجلبني بالعرق‬ ‫ويلتوي الدخان أخطبوط‬ ‫فى آخر املساء عاد السندباد‬ ‫ليرسي السفني‬ ‫وفي الصباح يعقد الندمان مجلس الندم‬ ‫ليسمعوا حكاية الضياع في بحر العدم‬ ‫والدالل������ة الفتة ف������ي الس������طر األول حيث‬ ‫نقت������رب من آخر الليل‪ ،‬فنرى هذا الورق الكثير‬ ‫الذي ميأل وسادة الشاعر أو مكتبه على السواء‪.‬‬ ‫وتبني خطوط الكتابة على الورق املتناثر في كل‬ ‫م������كان اجلهد الذي بذله الش������اعر في الكتابة‪،‬‬ ‫وكيف نضح بالعرق والتوى دخان س������جائره في‬ ‫أش������كال مختلفة كأنها أخطبوط أو ما أش������به‪،‬‬ ‫وهي صورة تكش������ف عن أن الس������ندباد خاض‬ ‫رحلة إبداع كالعذاب‪ ،‬أو خاض عذاباً ليلياً كأنه‬ ‫رحل������ة إبداع‪ .‬وال تنتهي الرحلة في بحر اإلبداع‬ ‫إال م������ع انته������اء الليل أو في آخر املس������اء‪ ،‬حيث‬ ‫ليليات صالح عبدالصبور‬ ‫‪12/15/16 10:38:45 AM‬‬

‫ترسو الس������فينة‪ .‬ويعرض الش������اعر كالسندباد‬ ‫نت������اج ما غنمه ف������ي إبحاره أو ف������ي رحلته على‬ ‫الندم������اء في مجالس الن������دم التي هي مجالس‬ ‫احلياة مع األس������ف‪ ،‬فالوجود في احلياة نفسه‬ ‫وجود ثقيل على الش������اعر الذي ال يعجبه العالم‬ ‫وال يراه محققاً ألحالمه‪ ،‬ولذلك يجلس فيه مع‬ ‫أصدقائ������ه كما لو كان يجلس في مجلس للندم‪.‬‬ ‫ولك������ن مجلس الن������دم هذا ال يعن������ي أن يحكي‬ ‫الش������اعر ألصحابه عن كل ش������يء‪ ،‬ألن احلالج‬ ‫ وهو س������ندباد آخر ‪ -‬قد سقط بسبب زهوه‪،‬‬‫وألنه أعلن للناس عن س������ر من أس������رار عالقته‬ ‫بخالقه في جتلياته الصوفية‪ ،‬مفتخراً ومزهواً‬ ‫به‪ .‬فكانت س������قطته الكبرى‪ ،‬ولكن السندباد أو‬ ‫الش������اعر من ناحية أخرى ال ميكن أن يبقى من‬ ‫دون معرفة‪ ،‬إنه جائع للمعرفة اجلديدة‪ ،‬باحث‬ ‫عن آف������اق ال تنتهي‪ ،‬جواب آف������اق ال تخوم لها‪،‬‬ ‫ولذلك فهو كالس������ندباد‪ ،‬والسندباد كاإلعصار‪،‬‬ ‫إن يهدأ ميت‪ .‬ولكن الس������ندباد أو الشاعر يبدو‬ ‫مقدوراً عليه أال يكف عن الس������عي وراء الشعر‬ ‫كالس������ندباد ال������ذي ال يكف ع������ن االرحتال في‬ ‫دروب املعرفة‪ ،‬حتى لو كانت نتيجة هذا السعي‬ ‫ الذي ال يعطي ثم������اره في كل األحوال ‪ -‬هي‬‫املوت‪.‬‬ ‫ويتكرر مجلس السندباد الذي هو أحد أقنعة‬ ‫الشاعر ‪ -‬مرة أخيرة ‪ -‬في قصيدة «أغنية حب»‬ ‫التي هي وجه آخر من «أغنية والء»‪ ،‬حيث نقرأ‪:‬‬ ‫صنعت مركب ًا من الدخان واملداد والورق‬ ‫ربانها أمهر من قاد سفينً ا في خضم‬ ‫جبت الليالي باحث ًا في جوفها عن لؤلؤة‬ ‫وعدت في اجلراب بضعة من احملار‬ ‫وكومة من احلصى وقبضة من اجلمار‬ ‫وما وجدت اللؤلؤة‬ ‫س ��يدتي‪ ،‬إلي ��ك قلب ��ي‪ ،‬واغف ��ري ل ��ي‪ ...‬أبي ��ض‬ ‫كاللؤلؤة‬ ‫واحلديث في املقطع السابق عن رحلة للبحث‬ ‫عن اللؤلؤة التي ه� � ��ي القصيدة‪ ،‬وعندما ال يجد‬ ‫الباح� � ��ث هذه اللؤلوة في البحر‪ ،‬فإنه يجدها في‬ ‫قلبه الذي يغدو كأنه القصيدة‪ ،‬أو تبدو القصيدة‬ ‫كأنها إياه >‬ ‫‪17‬‬

‫‪jan 12-17.indd 17‬‬


‫فكر‬

‫الهوية الخليجية‪ ...‬وأسوار المناعة‬ ‫د‪ .‬عبداهلل بشارة‬

‫األمني العام ملجلس التعاون لدول‬ ‫اخلليج العربية األسبق‬

‫اس���تضافت دول���ة الكوي���ت ف���ي ش���هر س���بتمبر‬ ‫ع���ام ‪ ،2016‬ندوة نظمته���ا وزارة اإلعالم الكويتية‪،‬‬ ‫حول الهوية الوطني���ة في دول مجلس التعاون‬ ‫لدول الخليج العربية‪ ،‬وآليات ترس���يخها مع ش���رح‬ ‫معانيه���ا‪ ،‬وج���اءت تل���ك المب���ادرة من الش���عور‬ ‫الع���ام ال���ذي تس���يده القل���ق م���ن اتس���اع دائ���رة‬ ‫ً‬ ‫متمث�ل�ا‬ ‫اإلره���اب ال���ذي أف���رزه التط���رف الدين���ي‬ ‫ف���ي تنظيم الدولة اإلس�ل�امية (داع���ش) بعد أن‬ ‫اس���تطاع احت�ل�ال مدين���ة الموص���ل‪ ،‬ثاني مدن‬ ‫العراق‪ ،‬وفرض الحكم الشديد التطرف على تلك المدينة المتميزة في‬ ‫تنوع مشارب سكانها وأعراقهم وديانتهم وتوجهاتهم الحياتية‪.‬‬

‫ساهمت شخصياً في تلك الندوة‪ ،‬ألنني شعرت‬ ‫منذ قي� � ��ام مجلس التعاون في ع� � ��ام ‪ 1981‬باهتمام‬ ‫القادة بتعميق الهوية وحمايتها من تس� � ��لل النزعات‬ ‫الغريبة على املجتمع اخلليجي‪ ،‬انس� � ��جاماً مع تاريخ‬ ‫خليجي لم يستوعب التدخالت اخلارجية‪ ،‬من خالل‬ ‫حمالت البرتغال وهولندا وفرنس� � ��ا التي جاءت من‬ ‫أوربا‪ ،‬كما قاوم هجمات اجلوار الفارس� � ��ي وهزمها‬ ‫بالصالب� � ��ة املتش� � ��ددة‪ ،‬ليس ضد النفوذ الفارس� � ��ي‬ ‫ب� � ��ل مقاومة للتأثيرات الفارس� � ��ية التي ميكن لها أن‬ ‫تتسلل إلى البيئة اخلليجية وتترك مظاهر ال تقبلها‬ ‫الذاتية اخلليجية‪.‬‬ ‫كان� � ��ت هن� � ��اك مح� � ��اوالت كثي� � ��رة م� � ��ن الدولة‬ ‫العثمانية للتأثير وصبغ احلي� � ��اة اخلليجية بالطابع‬ ‫‪18‬‬

‫‪12/15/16 10:39:10 AM‬‬

‫العثماني‪ ،‬س� � ��واء في س� � ��لوك الفرد أو التوصل إلى‬ ‫املكونات الثقافية داخل هذه املجتمعات‪.‬‬ ‫ولم تتوقف هذه املساعي إال بعد اليقني بأنها لن‬ ‫تتوغل ال في جغرافية اخلليج وال في ذاتية أفراده‪.‬‬ ‫وقد ساعدت التفاهمات اخلليجية – البريطانية‬ ‫وت ّوجت باتفاقيات تعاون وحماية منذ منتصف القرن‬ ‫التاسع عشر‪ ،‬حيث قام ائتالف خليجي ‪ -‬بريطاني‬ ‫تتعهد فيه بريطانيا بإبعاد التحرش� � ��ات والتدخالت‬ ‫اخلارجية مقابل تعاون خليجي في محاربة القرصنة‪،‬‬ ‫ورفض خليجي للرغبات اخلارجية املختلفة للوجود‬ ‫داخل احلوض اخلليجي العربي‪.‬‬ ‫وبهذا التوافق مت تأمني السالمة اخلليجية من‬ ‫نفوذ الدخ� �ل��اء‪ ،‬وتبنت بريطانيا نه� � ��ج احلماية من‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 18-21.indd 18‬‬


‫دون تدخالت في الش� � ��أن الداخل� � ��ي ومن دون مس‬ ‫مبرتكزات الشخصية اخلليجية‪.‬‬ ‫ومع اس� � ��تقالل دول اخلليج جت � � � ّددت محاوالت‬ ‫التدخ� � ��ل من أطراف عربية وج� � ��دت في التحوالت‬ ‫التي ش� � ��هدتها املنطقة بعد اكتشاف النفط واكتمال‬ ‫اس� � ��تقالل ال� � ��دول اخلليجي� � ��ة مناخاً يغ� � ��ري لبناء‬ ‫عالقات متعددة اجلوانب مع املجتمعات اخلليجية‪،‬‬ ‫ليس فقط في عالقات رس� � ��مية محددة‪ ،‬وإمنا في‬ ‫تدخالت واسعة ناقلة ألواناً من النظريات السياسية‬ ‫وتنوعات ثقافية وتوجهات فكرية بعيدة عن الطباع‬ ‫اخلليجية‪ ،‬فس� � ��عت األحزاب مبختلف الوسائل إلى‬ ‫التس� � ��لل وبناء فروع وقواعد لها‪ ،‬كما سعت األنظمة‬ ‫العربي� � ��ة الراديكالية إلى حتوي� � ��ل املنطقة إلى كتلة‬ ‫خليجية مساندة لسياسات عربية ال تتفق بالضرورة‬ ‫مع املوروث اخلليجي‪.‬‬ ‫ولم تذع� � ��ن دول اخلليج للمفاهيم األيديولوجية‬ ‫التي تري� � ��د األحزاب العربية زرعها في مجتمعاتها‪،‬‬ ‫فقد أظهرت صالبة ف� � ��ي التصدي‪ ،‬وحازت النصر‬ ‫في احلف� � ��اظ على االنس� � ��جام االجتماعي املتوارث‬ ‫الذي يشكل عموداً قوياً في وحدة الهوية‪.‬‬ ‫لك� � ��ن ذل� � ��ك ل� � ��م يوق� � ��ف التحرش� � ��ات القومية‬ ‫الراديكالية‪ ،‬التي تريد االستيطان في املنطقة والتي‬ ‫الهوية اخلليجية‪ ...‬وأسوار املناعة‬ ‫‪12/15/16 10:39:12 AM‬‬

‫أفرزت في سبعينيات القرن املاضي مناخاً خليجياً‬ ‫مشوباً بالش� � ��ك والريبة من االستراتيجية احلزبية‬ ‫العربية‪ ،‬الس� � ��يما م� � ��ن العراق وس� � ��ورية وليبيا ومن‬ ‫توابعها من أحزاب وجتمعات عربية صغيرة‪.‬‬ ‫وتصاعد احلس اخلليجي بضرورة التكتل إلبعاد‬ ‫األساليب الغريبة التي تريد األحزاب تصديرها إلى‬ ‫اخلليج‪ ،‬الس� � ��يما بعد أن تزامنت واقعتان كان لهما‬ ‫الدور املؤثر في قيام مجلس التعاون‪:‬‬ ‫األول‪ :‬توقي� � ��ع الرئي� � ��س املص� � ��ري الراحل أنور‬ ‫الس� � ��ادات على اتفاقية الس� �ل��ام مع إس� � ��رائيل في‬ ‫مارس ‪ ،1979‬وانقسام الدول العربية حولها‪ ،‬وبروز‬ ‫الدور العراقي ‪ -‬السوري ‪ -‬الفلسطيني في تشكيل‬ ‫تكت� � ��ل عربي يعم� � ��ل على إجهاض مس� � ��اعي الصلح‬ ‫التي يتوالها الس� � ��ادات‪ ،‬وتوصلت إلى عقد قمة في‬ ‫بغداد تتولى مهمة التعامل مع مصر‪ ،‬مببادرة مالية‬ ‫سياسية‪ ،‬وإذا فشلت فاملواجهة هي البديل‪.‬‬ ‫وتولت بغداد إعالن التعبئة العربية وجندت كل‬ ‫ما لديها من تأثير الستحضار عربي جماعي رافض‬ ‫ملساعي السادات‪.‬‬ ‫وكان� � ��ت اخلط� � ��ة الكبرى هي ضمان املش� � ��اركة‬ ‫اخلليجية ذات الرصيد الدبلوماسي العاملي الطيب‪،‬‬ ‫باإلضاف� � ��ة إلى م� � ��ا متلكه من أرص� � ��دة مالية ميكن‬ ‫‪19‬‬

‫‪jan 18-21.indd 19‬‬


‫توظيفها للحملة ضد السادات‪.‬‬ ‫وعندما التقى وزراء اخلارجية العرب في بغداد‬ ‫عام ‪ ،1979‬الس� � ��تكمال ج� � ��دول األعمال‪ ،‬كانت نبرة‬ ‫التس� � ��لط العراقي على األجواء واضحة وبقوة‪ ،‬مبا‬ ‫فيها اللجوء إلى اللغة اخلش� � ��نة املصحوبة بالتهديد‬ ‫باإلضرار في حالة اإلحساس بالتردد اخلليجي‪.‬‬ ‫وتس� � ��يد مؤمت� � ��ر بغ� � ��داد ن� � ��وع من دبلوماس� � ��ية‬ ‫التوحش التي توظف أي شيء للوصول إلى الهدف‪،‬‬ ‫وس� � ��ربت أوراق حتمل تهديدات إل� � ��ى غرف الوفود‬ ‫اخلليجي� � ��ة‪ ،‬وبالرغم من خ� � ��روج مؤمتر القمة بنقل‬ ‫اجلامع� � ��ة العربية إلى تونس وف� � ��رض مقاطعة على‬ ‫مصر وسحب الس� � ��فراء وموافقة دول اخلليج على‬ ‫ه� � ��ذه اإلجراءات‪ ،‬فإن املزاج اخلليجي كان مس� � ��تاء‬ ‫من األالعيب التي فرضت وقاحة التصرف بالتلويح‬ ‫بالتخريب‪ ،‬وقد حدث ما كانت تتوجس منه عواصم‬ ‫اخلليج‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬انفجار الثورة في إيران وخروج الش� � ��اه‬ ‫وقيام جمهورية إيران اإلسالمية‪ ،‬حتت قيادة املرشد‬ ‫األعلى آية الله اخلميني‪ ،‬مبشروع راديكالي طائفي‬ ‫يس� � ��عى لبناء قواعد طائفية له في املنطقة مبا فيها‬ ‫دول اخلليج‪ ،‬مع محاوالت بسط نفوذه عبر توسالته‬ ‫لشرائح طائفية داخل املجتمعات اخلليجية‪ ،‬كل ذلك‬ ‫أقنع قادة اخلليج بضرورة التالقي السريع ملواجهة‬ ‫هذه املخاطر التي تسعى لتخريب قواعد االستقرار‬ ‫ومتس وحدة املجتمع اخلليجي وتخريب انسجامه‪.‬‬ ‫وبدأت اخلطوات لتش� � ��كيل إطار خليجي مي ِّكن‬ ‫دول اخلليج من حش� � ��د قواه� � ��ا للتعامل مع املخاطر‬ ‫بأس� � ��لوب جماعي‪ ،‬ومع تواصل اللق� � ��اءات توافرت‬ ‫اإلرادة اخلليجية في اجتم� � ��اع عقده القادة مبدينة‬ ‫أبوظبي في ‪ 24‬مايو ع� � ��ام ‪ ،1981‬حيث مت التوقيع‬ ‫في ذلك اللق� � ��اء على وثيقة قي� � ��ام مجلس التعاون‪،‬‬ ‫ينه� � ��ض مبس� � ��ؤوليات احلفاظ على س� �ل��امة الدول‬ ‫األعض� � ��اء ويص� � ��ون هويته� � ��ا ويحم� � ��ي تراثها ويقي‬ ‫تقاليدها ويوحد مش� � ��اعرها في إطار يكون عنواناً‬ ‫للهوية اخلليجية اجلماعية‪.‬‬ ‫وينص النظام األساسي ملجلس التعاون أن تعمل‬ ‫دول اخلليج على التعاون في ما بينها في املس� � ��ارات‬ ‫السياس� � ��ية واالقتصادي� � ��ة واالجتماعي� � ��ة وتكاملها‬ ‫وصوالً إلى وحدتها‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫‪12/15/16 10:39:15 AM‬‬

‫ومن هذا الهدف الكبير انطلق املجلس ليصون‬ ‫التراث ويبرز حقائق اخلليج ومن أهمها الش� � ��رعية‬ ‫التاريخية لألنظمة احلاكمة التي لم تأت من خارج‬ ‫اخلليج وإمنا انبثقت من تراب الوطن‪ ،‬وتداخلت مع‬ ‫شعوبها في مسار تاريخي طويل أبعد الدخالء وبنى‬ ‫طوقاً ضد محاوالت العبث في مضمون الشخصية‬ ‫اخلليجية‪.‬‬ ‫وص� � ��ار املجلس اجلديد الوع� � ��اء الذي يحتضن‬ ‫جهود دول اخلليج لتنظي� � ��م حياتها وخط أولوياتها‬ ‫ورس� � ��م مستقبلها مستندة إلى األهداف التي جاءت‬ ‫في النظ� � ��ام األساس� � ��ي وتراكم اجله� � ��د اجلماعي‬ ‫املتنوع‪ ،‬فالتعاون االقتص� � ��ادي متثل في قرار القمة‬ ‫بتفويض وزراء املالية في ص� � ��وغ اتفاقية اقتصادية‬ ‫تكون جاهزة للتوقيع في ش� � ��هر نوفمبر عام ‪،1981‬‬ ‫في القم� � ��ة الثانية‪ ،‬وعند لقاء الق� � ��ادة في الرياض‬ ‫كانت صيغ� � ��ة االتفاقية أمامهم‪ ،‬حي� � ��ث مت التوقيع‪،‬‬ ‫وحولت إلى وزراء املالية لتنفيذ محتوياتها‪.‬‬ ‫ول� � ��م يكتف القادة بذلك وإمن� � ��ا مت االتفاق على‬ ‫إرس� � ��ال وفد عس� � ��كري جماعي إلى س� � ��لطنة عمان‬ ‫لتق� � ��ومي املخاط� � ��ر الصادرة م� � ��ن جمهوري� � ��ة اليمن‬ ‫اجلنوبي ضد اس� � ��تقرار الس� � ��لطنة‪ ،‬وبذلك اكتملت‬ ‫املس� � ��ارات التي تشكل الس� � ��د الفعال ضد خطوات‬ ‫االختراقات التي تس� � ��عى لها كل من راديكالية إيران‬ ‫والراديكالية العربية‪.‬‬ ‫ول� � ��م يتجاهل القادة في لقائهم األول عام ‪1981‬‬ ‫انفجار احلرب العراقية – اإليرانية في سبتمبر عام‬ ‫‪ ،1980‬حيث أرس� � ��ل القادة وفداً خليجياً إلى العراق‬ ‫للتداول في ض� � ��رورات وقف احلرب‪ ،‬واتخذ القادة‬ ‫الق� � ��رار االس� � ��تراتيجي بأولوية وقفه� � ��ا ألنها تهديد‬ ‫جلمي� � ��ع الفرقاء في املنطقة وتترج� � ��م إميان القادة‬ ‫بحل القضايا بالوسائل السلمية واملفاوضات‪.‬‬ ‫هذه املس� � ��اعي م� � ��رآة تعكس قل� � ��ق القيادة من‬ ‫أبعاد احل� � ��رب ليس فقط على أم� � ��ن املنطقة وإمنا‬ ‫عل� � ��ى هويتها املميزة‪ ،‬صل� � ��ب املناعة اخلليجية ضد‬ ‫التسلل‪.‬‬ ‫ولذلك ليس غريباً أن يتولى أمير الكويت سمو‬ ‫الشيخ صباح األحمد اجلابر الصباح رئاسة اللجنة‬ ‫الس� � ��باعية العربية التي ش � � � ّكلتها اجلامعة العربية‬ ‫وقتها في تونس ملس� � ��اعدة العراق على حتقيق وقف‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 18-21.indd 20‬‬


‫فكر‬ ‫إطالق النار في حرب� � ��ه مع إيران بعد موافقته على‬ ‫قرار مجلس األمن حول ذلك‪.‬‬ ‫ومن املالحظ أن مجل� � ��س التعاون في انطالقه‬ ‫للحفاظ على الهوية اخلليجية بنى خريطة ش� � ��املة‬ ‫تتداخ� � ��ل ف� � ��ي محتوياتها الدبلوماس� � ��ية والعالقات‬ ‫النفطية‪ ،‬واالرتباطات االقتصادية‪ ،‬واملش� � ��اركة في‬ ‫التنمية االقتصادية العاملية‪ ،‬والوجود في مؤسسات‬ ‫القرار العاملي اجلماعي‪.‬‬ ‫ومن املالحظ سيطرة االعتدال والنزعة السلمية‬ ‫على الدبلوماس� � ��ية اخلليجية‪ ،‬فغرس� � ��ت في أجواء‬ ‫العالم الظاهرة األخالقية في العمل الدبلوماس� � ��ي‬ ‫التي تتحلى بحسن النوايا والسمعة العاملية واالقتناع‬ ‫بجدوى احل� � ��وار والوجود اإليجابي داخل املؤمترات‬ ‫واملنظم� � ��ات اإلقليمية والعاملية‪ ،‬وانطلقت لكس� � ��ب‬ ‫أصدقاء من دون خسارة وبال خصوم‪.‬‬ ‫ولعل املتابع للسلوك اخلليجي الرسمي يتعرف‬ ‫على الثوابت الت� � ��ي يلتزم بها مجلس التعاون‪ ،‬والتي‬ ‫تتكون من عناصر عابرة للحدود‪ ،‬ودائماً تتوافق مع‬ ‫اإلجماع العاملي‪ ،‬ومث� � ��ال على ذلك نقدم بعض هذه‬ ‫العناصر‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬اإلص� � ��رار اخلليجي عل� � ��ى الوجود الفعال‬ ‫في االئتالف العاملي ضد التطرف واإلرهاب‪ ،‬أينما‬ ‫كان‪ ،‬وانسجاماً مع هذا املنطق‪ ،‬تالحق دول اخلليج‬ ‫محطات اإلرهاب في العراق وسورية وجميع البقاع‬ ‫إقليمياً وعاملياً‪ ،‬وتتميز املش� � ��اركة باإلسهام امللموس‬ ‫الذي يتجاوز املوقف السياسي‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬االلتزام بالسلوك الدبلوماسي املعتدل في‬ ‫جميع القضايا الدولية والتداخل مع الدبلوماس� � ��ية‬ ‫العاملي� � ��ة باحلضور اإليجابي والقرار املنس� � ��جم مع‬ ‫املصال� � ��ح اجلماعية من دون مبالغات أو تهويل ومن‬ ‫دون اعتراضات تؤثر على السمعة الدولية احلسنة‬ ‫التي يتمتع بها مجلس التعاون‪.‬‬ ‫ثالث � � �اً‪ :‬انس� � ��جام دول املجل� � ��س م� � ��ع التوجهات‬ ‫العاملية ف� � ��ي املتابع� � ��ة حلقوق اإلنس� � ��ان واملختصة‬ ‫مبراقبة االلتزام باإلعالن العاملي حلقوق اإلنس� � ��ان‪،‬‬ ‫واملش� � ��اركة في عضوية املفوضي� � ��ة العاملية حلقوق‬ ‫اإلنسان التابعة لألمم املتحدة ومقرها جنيف‪.‬‬ ‫رابعاً‪ :‬يالح� � ��ظ تكثيف التنس� � ��يق والتكامل في‬ ‫مس� � ��اري األم� � ��ن والدف� � ��اع‪ ,‬ليس فقط ب� �ي��ن الدول‬ ‫الهوية اخلليجية‪ ...‬وأسوار املناعة‬ ‫‪12/15/16 10:39:18 AM‬‬

‫األعض� � ��اء‪ ،‬وإمنا ف� � ��ي تقوية الروابط مع الش� � ��ركاء‬ ‫االستراتيجيني وأبرزهم الواليات املتحدة وبريطانيا‪,‬‬ ‫وقد شهدت مملكة البحرين أخيراً تدشني القاعدة‬ ‫البحرية البريطانية لتضيف آلية فاعلة في مضمون‬ ‫الردع اخلليجي‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كما يالحظ أيضا اتساع النشاط والتحرك في‬ ‫التعاون الثقافي بني الدول اعتماداً على أن للثقافة‬ ‫دوراً مميزاً في ربط الهوية وفي صون التراث وفي‬ ‫إحي� � ��اء كل ما يضيف إلى الهوية اخلليجية من فنون‬ ‫وتقاليد مع الفلكلور الشعبي الذي يتميز به املجتمع‬ ‫اخلليجي‪ ،‬ومس� � ��ابقات ش� � ��عرية باللهجة احمللية أو‬ ‫بالش� � ��عر الفصيح‪ ،‬وتنظيم منافسات دورية لسباق‬ ‫الهجن واخليل بحضور كثيف‪.‬‬ ‫وانس� � ��جاماً مع هذا الواق� � ��ع‪ ,‬كثفت دول اخلليج‬ ‫جوان� � ��ب نش� � ��اطها الثقاف� � ��ي في الداخ� � ��ل واخلارج‬ ‫وبعث� � ��ت الفرق الفنية إلى مختل� � ��ف العواصم حاملة‬ ‫التراث اخلليجي املوحد‪ ،‬كما نظمت املعارض الفنية‬ ‫واللوحات املعبرة عن البيئة اخلليجية‪.‬‬ ‫كما حتركت مش� � ��اعر املواطنني اخلليجيني في‬ ‫تنظي� � ��م دورات ثقافية وفكرية في العواصم العربية‬ ‫وفي مراك� � ��ز الثقافة باجلامع� � ��ات العاملية العريقة‪،‬‬ ‫مدفوعني بالرغبة ف� � ��ي تعريف الرأي العام العاملي‪،‬‬ ‫بكل جوانبه‪ ،‬بواقع الثقافة في دول املجلس ودورها‬ ‫في وقاية الهوية الوطنية‪.‬‬ ‫وأخيراً‪ ،‬فإن اإلشارة إلى ما استجد في احملتوى‬ ‫الثقافي متمث ً‬ ‫ال في قاع� � ��ات ومراكز ثقافية حديثة‬ ‫مت افتتاحها في سلطنة عمان ودبي والكويت‪ ،‬تؤكد‬ ‫اإلميان الراس� � ��خ باحلفاظ على الهوي� � ��ة اخلليجية‬ ‫الس� � ��يما مع زيادة احلس الشعبي الذي يتخوف من‬ ‫تأثير اجلاليات املختلفة التي تعمل في دول اخلليج‪،‬‬ ‫التي تكاثرت وبدأت تنشط في استعراض ثقافتها‪،‬‬ ‫ما أدى إلى تعاظم الشعور الوطني بتنشيط التالقي‬ ‫اخلليجي اجلماعي‪ ،‬من أجل تبني إجراءات حتمي‬ ‫التراث الداخلي وتبعده عن تس� � ��لل املفاهيم الغريبة‬ ‫وتأثيراتها على مرتكزات املمانعة اخلليجية‪.‬‬ ‫فم� � ��ن هذه الهوية اخلليجي� � ��ة تنبع القوة الذاتية‬ ‫للدول اخلليجية‪ ,‬ومنها تترس� � ��خ الس� � ��يادة وتتعمق‬ ‫احل� � ��دود وتبق� � ��ى اخلصوصيات التي ه� � ��ي العنوان‬ ‫الدائم لدول اخلليج >‬ ‫‪21‬‬

‫‪jan 18-21.indd 21‬‬


‫فكر‬

‫في الرقابة والحرية‬ ‫عبداهلل الحميدي‬

‫كاتب من الكويت‬

‫ً‬ ‫عقلا كبير ًا وليبرالي ًا‪ ،‬إال‬ ‫«صحي�ح أن الثقافة من دون حرية لم تصنع‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫أن بمقدورها أن تصنع داعية ذكيا لقضية ما»‪.‬‬ ‫(جون ستيوارت مل)‪.‬‬ ‫اعتدن ��ا ف ��ي كل مرة يقام فيها مع ��رض الكتاب وجود قائم ��ة طويلة من الكتب‬ ‫الممنوع ��ة‪ ،‬الت ��ي يتم التحفظ عليها ألس ��باب ش ��تى‪ .‬فأصبح ��ت قوائم الكتب‬ ‫الممنوع ��ة ش ��يئ ًا اعتيادي ًا في كل س ��نة يقام فيه ��ا المعرض‪ .‬بل إنن ��ا ال نبالغ إذا‬ ‫قلن ��ا إن الحديث عن الكت ��ب الممنوعة قد أصبح جزءاً ال يتج ��زأ من هذه الفعالية‬ ‫الثقافي ��ة الس ��نوية‪ .‬كثي ��ر م ��ن الكت ��اب والمثقفين بل وحت ��ى الق ��راء العاديين‬ ‫يب ��دون تذمرهم حيال المنع‪ ،‬إال أن أغلب االعتراضات حول منع الكتب في الواقع‬ ‫تستبطن فكرة المنع ذاتها‪ ،‬من خالل عدم قبولها بتبعات إلغاء فكرة الرقيب‪.‬‬

‫رمب�� ��ا بدا من املس�� ��تغرب اس�� ��تمرار فك�� ��رة الرقابة‬ ‫الفكري�� ��ة بعد كل هذا االنفت�� ��اح اإللكتروني الهائل‪ ،‬الذي‬ ‫تب�� ��دو معه الرقابة بحد ذاتها عدمي�� ��ة اجلدوى‪ .‬غير أن‬ ‫ما يدعو إلى االستغراب حقاً هو أال تثير مسألة الرقابة‬ ‫الفكرية هذه نقاش� � �اً عاماً حول احلريات عموماً وحرية‬ ‫الفكر بوجه خاص‪ .‬سأحاول من خالل هذا املقال أن أبني‬ ‫فكرة الرقابة الفكرية وتبعاتها الثقافية في محاولة ‪ -‬ولو‬ ‫بس�� ��يطة ‪ -‬إلثارة النقاش عن موض�� ��وع احلرية واآلليات‬ ‫املتعلقة بتقييدها‪.‬‬ ‫في كتاب�� ��ه «اجلمهورية» الذي يرس�� ��م فيه أفالطون‬ ‫املعالم التفصيلية ملا ميكن أن يطلق عليه املدينة املثالية‪،‬‬ ‫الت�� ��ي رأى فيها حتقيقاً لتصوراته ع�� ��ن الكمال‪ ،‬في هذا‬ ‫املخط�� ��ط التفصيلي للمدينة جنده يضع ش�� ��روطاً دقيقة‬ ‫ويفرض رقابة صارمة على النشاط الفكري واألدبي في‬ ‫املدينة‪ ،‬فالش�� ��عراء والفنانون يخضعون لسياس�� ��ة الدولة‬ ‫الصارمة الت�� ��ي تعمد إلى خلق مواطن��ي��ن أكفاء يقومون‬ ‫بواجباتهم بدقة‪ ،‬حس�� ��ب ما حت�� ��دده طبيعة الطبقة التي‬ ‫‪22‬‬

‫‪12/15/16 10:39:38 AM‬‬

‫ينتم�� ��ون إليها‪ ،‬األمر ال�� ��ذي يهدد مدين�� ��ة أفالطون بأن‬ ‫تبقى مدينة بال ش�� ��عراء حقيقي��ي��ن‪ .‬هذه اخلصومة التي‬ ‫يواج�� ��ه بها أفالط�� ��ون الش�� ��عراء والفنانني بش�� ��كل أكثر‬ ‫عمومية تكمن في أن الشعر يبدو عصياً على االنضباط‬ ‫السياسي في نظر أفالطون‪ ،‬وهو ما ميثل جوهر املدينة‬ ‫الفاضلة‪ .‬إن تسييس الشعر أو الثقافة بشكل عام هو ما‬ ‫كان يريده أفالطون‪ ،‬فالش�� ��عر والفنون ال وجود لهما في‬ ‫اجلمهوري�� ��ة‪ ،‬إال إذا كانت في إطار يخدم ويكرس الواقع‬ ‫السياس�� ��ي لهذه اجلمهورية‪ ،‬وعلى هذا األس�� ��اس يدخل‬ ‫الش�� ��عر‪ ،‬كجزء من العملية التربوية الالزمة لألطفال‪ ،‬ما‬ ‫يض�� ��ع قيوداً على كل نش�� ��اط فكري وثقافي ال يتناس�� ��ب‬ ‫م�� ��ع األهداف العامة للدولة‪ ،‬األمر الذي تبدو فيه الدولة‬ ‫مجرد آلة سياس�� ��ية هائلة إلنتاج كائنات بشرية متشابهة‬ ‫إلى حد كبي�� ��ر‪ .‬ويجب أال تؤخذ العالقة بني الش�� ��عر أو‬ ‫الفنون من جهة والسياسة عند أفالطون من جهة أخرى‬ ‫بهذه البس�� ��اطة‪ ،‬ففي بحثه عن أركيولوجيا االس�� ��تبداد‪،‬‬ ‫يذه�� ��ب كارل بوبر إلى ترجمة ه�� ��ذه العالقة إلى عالقة‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 22-24.indd 22‬‬


‫ما بني الفردانية التي ميثلها الش�� ��عر والفن بش�� ��كل عام‪،‬‬ ‫واالستبداد الذي يكمن في جعل الدولة آلة هائلة احلجم‬ ‫إلنتاج كائنات مطواعة‪.‬‬ ‫وتبدو كل جتليات الفردانية التي تس�� ��تبطن النشاط‬ ‫الثقافي احلر خطراً وجودياً على الشمولية‪.‬‬ ‫تع�� ��د هذه اآللي�� ��ات أهم األمثلة في تاريخ الفلس�� ��فة‬ ‫ عل�� ��ى األقل ‪ -‬على فكرة الرقاب�� ��ة الفكرية‪ .‬وال أحاول‬‫ف�� ��ي هذا املقال تتبع اجل�� ��ذور التاريخية للرقابة الفكرية‬ ‫بإرجاعها إلـــى أفالطون وال إلى أي ش�� ��خص آخر‪ ،‬بقدر‬ ‫ما أريد التركيز على الفكرة الكامنة خلف مفهوم الرقابة‬ ‫ذاته وما يكمن خلفه من تبعات فكــــرية وثقافية‪.‬‬ ‫يبدو أن ثمة ارتباطاً ب��ي��ن فكرة الرقابة أو الوصاية‬ ‫وافت�� ��راض حال�� ��ة قص�� ��ور كامنة في الش�� ��خص موضوع‬ ‫الرقابة‪ .‬فهي تفترض وجود س�� ��لطة ما متلك البت فيما‬ ‫يص�� ��ح وما ال يص�� ��ح نيابة عن اآلخري�� ��ن‪ .‬جند وفق هذا‬ ‫التحدي�� ��د لفك�� ��رة الرقابة أنه�� ��ا متيل إل�� ��ى االنتماء إلى‬ ‫مصطلح «أبوي» أو «أسري»‪ ،‬وإذا كان ثمة دالئل إيجابية‬ ‫في الرقابة واحلرية‬ ‫‪12/15/16 10:40:08 AM‬‬

‫لهذا املصطلح في س�� ��ياق أس�� ��ري واجتماعي‪ ،‬فإنها في‬ ‫س�� ��ياق ثقافي تعن�� ��ي العكس متاماً‪ .‬فالفع�� ��ل الفكري أو‬ ‫الثقاف�� ��ي هو فعل حر بطبيعة احل�� ��ال‪ ،‬فبمجرد أن يفقد‬ ‫طبيعته النقدي�� ��ة احلرة إزاء املوضوع�� ��ات التي يتناولها‬ ‫أو تل�� ��ك التي يفكر فيها فإنه يفق�� ��د كل ما يصله بالفكر‬ ‫أو الثقافة‪ .‬ف�� ��إذا كان القصور حال�� ��ة مؤقتة وعابرة في‬ ‫الس�� ��ياق األس�� ��ري‪ ،‬بس�� ��بب زوالها بوصول القاصر إلى‬ ‫مرحلة الرش�� ��د وهذا ما تضمن�� ��ه الطبيعة على كل حال‪،‬‬ ‫فإن افتراض القصور في الس�� ��ياق الثقافي هو افتراض‬ ‫من غي�� ��ر ضمانات تضم�� ��ن انتقال «الش�� ��خص القاصر‬ ‫ثقافي� � �اً» إلى حالة الرش�� ��د واالس�� ��تقاللية‪ .‬األمر الذي‬ ‫يجعله�� ��ا في غياب هذه الضمانات مرش�� ��حة ألن تتحول‬ ‫إلى حالة قصور أبدي‪ .‬فالقص�� ��ور الطبيعي حالة عابرة‬ ‫تفرضها الطبيعة وتنتهي بعد فترة‪ .‬في حني أن القصور‬ ‫الثقافي حالة تقع املسؤولية فيها على عاتق الفرد نفسه‬ ‫في إزالتها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫«لو كان الناس جميعا على رأي واحد‪ ،‬باس ��تثناء رجل‬ ‫‪23‬‬

‫‪jan 22-24.indd 23‬‬


‫واحد له رأي مخالف لرأيهم‪ ،‬فإن الناس جميع ًا لن يكونوا‬ ‫أقوى حق ًا في إس ��كات هذا الش ��خص الواحد عن حقه في‬ ‫إسكاتهم إن كان ذلك مبقدوره» (جون ستيوارت مل)‪.‬‬ ‫يبدو أن مس�� ��ألة احلرية الفكرية مس�� ��ألة إش�� ��كالية‬ ‫في األس�� ��اس‪ ،‬مبعن�� ��ى أن إثارة موضوع احلرية بش�� ��كل‬ ‫عام تتضمن وجود اخت��ل��اف وتعارض بني أمناط فكرية‬ ‫متع�� ��ددة‪ .‬وتنطوي كذلك على التس�� ��اؤل عن أكثر الطرق‬ ‫جدوى حلس�� ��م تص�� ��ادم احلري�� ��ات هذا‪ .‬غي�� ��ر أن أحد‬ ‫أهم احللول الش�� ��ائعة يتمثل في االنحياز لرأي األغلبية‬ ‫باعتباره أقل كلفة من ناحية الوقت ومن ناحية االستقرار‬ ‫السياسي واالجتماعي‪ .‬لهذه االعتبارات يبدو هذا احلل‬ ‫في الواقع عملياً ج�� ��داً من هذه الناحية‪ ،‬على الرغم من‬ ‫أن احللول العملية ال تعني الصواب في كل األحوال‪.‬‬ ‫لكن ليس بعيداً أن يكون هذا احلل فاش ً‬ ‫ال على املدى‬ ‫البعيد‪ .‬فال يس�� ��تبعد أن يصبح هذا الرأي الذي يحظى‬ ‫بأغلبية في مكان ما هو ذاته رأي األقلية في مكان آخر‪،‬‬ ‫أو رمبا ح�� ��دث تغير في الثقل السياس�� ��ي واالجتماعي‪،‬‬ ‫لتملك األقلية الثقل السياس�� ��ي ذات�� ��ه‪ ،‬الــذي ميكنها من‬ ‫فرض رأيها مكان رأي األغلبية السابقة (‪ .)1‬من الواضح‬ ‫أن ذل�� ��ك يجعل خطاب احلرية مرهون� � �اً بثنائية األغلبية‬ ‫واألقلية‪ ،‬ما يعيق املجتمع من اإلفالت منها‪ ،‬ما لم يصبح‬ ‫مرن� � �اً وقادراً على الدوام على أن يوس�� ��ع م�� ��ن فضـــــائه‬ ‫االجتــــماعي ال ليتضمن أف�� ��كار األغلبية واألقلية فقط‪،‬‬ ‫بل ليحوي أوسع قدر من التنوعات الفكرية والثقافية‪.‬‬ ‫وقد يب�� ��دو أن اخلطاب الداعي إل�� ��ى املطالبة برفع‬

‫احلظر وإتاحة احلري�� ��ة الفكرية هو خطاب يعكس رغبة‬ ‫ف�� ��ي احلرية‪ ،‬إال أن االختب�� ��ار احلقيقي خلطاب احلرية‬ ‫الفكرية البد أن يتضم�� ��ن االعتراض على منطق الرقابة‬ ‫نفسه‪ .‬وذلك باملطالبة برفض الوصاية واملطالبة مبستوى‬ ‫احلريات نفس�� ��ه للجميع‪ ،‬وجعل خطاب احلرية الفكرية‬ ‫يتجاوز ثنائية األغلبية واألقلية (‪.)2‬‬ ‫فاملوقف الذي يطالب بحرية الفكر أو التس�� ��امح مع‬ ‫أفكار معينة طاملا ال تتعارض مع أفكاره ويرفض التسامح‬ ‫حينما تتعلق األمور مبوضوعات ال تتفق معه‪ ،‬فإنه ال يقع‬ ‫في تناقض منطقي فحسب‪ ،‬بل وفي خطأ أخالقي فادح‬ ‫ينطوي على انتهازية واضحة‪ .‬فعندما يزعم ش�� ��خص ما‬ ‫أحقيته في منع فكرة ما طاملا كانت هذه الفكرة تتعارض‬ ‫مع توجهاته الفكرية‪ ،‬فإنه يفقد مشروعية التعاطف معه‬ ‫عندما تتم مصادرة حريته الفكرية من أي كان‪ ،‬وبالتالي‬ ‫يفقد حقه في الشكوى من القمع الفكري‪ .‬فعندما يفرض‬ ‫التيار الس�� ��ائد في املجتمع رقابته على اآلراء األخرى –‬ ‫ذات الثقل السياسي أو االجتماعي واأليديولوجي – فإن‬ ‫هذا التيار الس�� ��ائد يضع نفس�� ��ه – نظرياً على األقل –‬ ‫على املدى البعيد‪ ,‬ف�� ��ي املوقف ذاته في حال تغير الثقل‬ ‫السياس�� ��ي واالجتماع�� ��ي واأليديولوج�� ��ي‪ .‬وإذا كان ثمة‬ ‫مس�� ��اوئ في التس�� ��امح الفكري‪ ،‬فإنها تكمن في إجبارنا‬ ‫على االس�� ��تماع إل�� ��ى آراء رمبا بدت صادم�� ��ة ومخالفة‬ ‫آلرائنا مهما بدت قيمتها الفكرية‪ .‬إال أن فكراً ال يستطيع‬ ‫االستماع إلى نقائضه ومخالفيه ال يستحق أن يطلق عليه‬ ‫مسمى فكر‪ ،‬إال من ناحية تركيبته اللغوية احملضة >‬

‫هوامش‬ ‫(‪ )1‬في القرن السادس عشر وحتديد ًا في عام ‪ ،1579‬كتب اجلدلي والفقيه الكاثوليكي جورج أيدر ‪ Georg Eder‬أحد أنصار‬ ‫اإلصالح املضاد‪ ،‬حول التناقض الذي يسم موقف البروتستانت الذين ال يتوقفون عن املطالبة بحرية املعتقد والضمير لرعاياهم‬ ‫في األراضي الكاثوليكية‪ ،‬في الوقت الذي يرفضونها للكاثوليك في املقاطعات التي يحكمونها «إن البروتستانت ال يتساهلون‬ ‫البتة مع الكاثوليك في األراضي التي يسودون عليها‪ ،‬بل يحتقرونهم عالنية ويطردونهم من ممتلكاتهم ومنازلهم ويجبرونهم‬ ‫على سلوك طريق املنفى مع زوجاتهم وأوالدهم‪ ...‬إال أنه ما إن يقدم أحد أعضاء مجلس اإلمبراطورية على التصرف بالطريقة‬ ‫عينها مع رعاياه العصاة أو املتمردين حتى يسارعوا إلى توبيخه ويسخطوا عليه ويتهموه بخرق معاهدة الديانة»‪.‬‬ ‫كذلك يتناول دانيال جاكوبي انتهازية التسامح هذه حينما يشير إلى الوضعية املساملة للكالفينية‪ ،‬طاملا كانوا في موقف ال‬ ‫يخولهم فرض آرائهم بالقوة‪ .‬لكن حينما يصبحون في وضع سياسي أقوى فإنهم ال يتوانون عن فرض آرائهم ولو بالقوة‪ .‬انظر‬ ‫(جوزيف لوكلير‪« ...‬تاريخ التسامح في عصر اإلصالح» ص ‪.)368-366‬‬ ‫(‪ )2‬إحدى أهم احملاوالت في فك تناول موضوع احلرية خارج نطاق ثنائية األغلبية واألقلية هي محاولة جون ستيوارت مل‪،‬‬ ‫على اخلصوص في كتابه «عن احلرية» حيث أصبح موضوع احلرية الفردية موضوع ًا أساسي ًا‪ ،‬من خالل محاولة تقليص تدخل‬ ‫املجتمع في احلريات الفردية إال في حدود الضرر املادي‪ .‬هذا التقدم احلاصل في مفهوم التسامح هو في الواقع نتيجة لتزايد‬ ‫النزعة الفردية في املجتمعات الغربية على وجه اخلصوص‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫‪12/15/16 10:40:11 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 22-24.indd 24‬‬


‫فكر‬

‫سيكولوجيا الحشود‬ ‫تأليف‪ :‬مايكل بوند‬ ‫ترجمة‪ :‬د‪ .‬أسماء شهاب الدين كاتبة ومترجمة من مصر‬ ‫كاتب من بريطانيا‬

‫ه���ذه ترجم���ة كامل���ة ع���ن اإلنجليزي���ة لمق���ال «‪The‬‬

‫‪ »Intimacy of Crowds‬للكاتب اإلنجليزي مايكل بوند‬ ‫‪ Michael Bond‬المتخصص في شؤون علم النفس‬ ‫والسلوك‪ ،‬وينشر مقاالته في مجالت مرموقة مثل‬ ‫ني���و ساينتيس���ت ‪ ،New Scientist‬ونيتش���ر ‪،Nature‬‬ ‫وبروس���بيكت ‪ .Prospect‬ويتعرض المقال لنفسية‬ ‫الحش���ود الت���ي أصبحت تس���اهم بق���وة في صنع‬ ‫تاري���خ الثورات أخيراً‪ ،‬ويستش���هد ف���ي ذلك ببعض‬ ‫الص���ور من ثورة يناي���ر ‪ 2011‬في مصر‪ .‬جدير بالذك���ر أن للمؤلف كتاب ًا‬ ‫مهم ًا بعنوان «قوة اآلخرين» في عام ‪.2015‬‬

‫احلش� � ��ود ليس� � ��ت فاقدة العقل في احلقيقة‪ .‬إنها‬ ‫مكون� � ��ة من أفراد غاية في التع� � ��اون‪ ،‬توحدهم أهداف‬ ‫واهتمامات مشتركة‪ .‬ال شيء يثير شهية االختصاصي‬ ‫النفس� � ��ي املبتدئ مث� � ��ل مثيري الش� � ��غب‪ .‬فلننظر بعني‬ ‫االعتبار إلى ما حدث في أغسطس ‪ 2011‬بعدما قتلت‬ ‫الش� � ��رطة مارك دوجان‪ ،‬الش� � ��اب البالغ من العمر ‪29‬‬ ‫عام � � �اً من ضاحية توتنهام في لن� � ��دن‪ .‬حينذاك اندفع‬ ‫اآلالف إل� � ��ى لندن وعدي� � ��د من امل� � ��دن البريطانية في‬ ‫أسوأ اضطرابات شهدتها البالد في عقد من الزمان‪،‬‬ ‫وعندم� � ��ا جنحت الش� � ��رطة في الس� � ��يطرة أخيراً على‬ ‫األوضاع بعد س� � ��تة أي� � ��ام من العن� � ��ف والتخريب‪ ،‬دان‬ ‫اجلميع بداية من رئيس الوزراء وقتها ديفيد كاميرون‬ ‫توجه سياس� � ��ي‬ ‫وحتى كتَّاب األعمدة الصحفية من كل ّ‬ ‫ذل� � ��ك اجلنون األه� � ��وج املرتاب الذي ميكنه أن يُش� � ��عل‬ ‫حريقاً من حادثة قتل وحيدة‪ ،‬مع التس� � ��ليم ببشاعتها‪.‬‬ ‫سيكولوجيا احلشود‬ ‫‪12/15/16 10:40:33 AM‬‬

‫النظرية الش� � ��ائعة هي أن مثيري الش� � ��غب قد أسلموا‬ ‫عقالنيتهم ووعيهم الذاتي لعقلية احلشد‪.‬‬ ‫لقد كانت وجهة النظر املتعلقة بسلوك اجلماهير‬ ‫تلك هي املهيمنة منذ الثورة الفرنس� � ��ية واقتحام سجن‬ ‫الباس� � ��تيل‪ .‬اعتبر جابري� � ��ل ت� � ��ارد ‪- Gabriel Tarde‬‬ ‫املتخص� � ��ص في علم اجلرمية الفرنس� � ��ي ف� � ��ي القرن‬ ‫التاس� � ��ع عشر ‪ -‬أنه حتى أكثر احلشود حتضراً‪« :‬دودة‬ ‫وحشية ذات إدراك غير متجانس تتحرك بطريقة غير‬ ‫منتظم� � ��ة باس� � ��تمرار وفقاً إلمالءات رأس� � ��ها»‪ .‬وحاول‬ ‫جوس� � ��تاف لوب� � ��ون ‪Gustave Le Bon‬؛ عال� � ��م النفس‬ ‫االجتماعي املعاصر‪ ،‬أن يشرح سلوك اجلماهير كشلل‬ ‫في الدماغ‪« :‬يصبح الفرد املنوم مغناطيس� � ��ياً بوساطة‬ ‫اجلماعة عبداً للدوافع الالواعية‪ .‬هو لم يعد نفس� � ��ه؛‬ ‫لكن� � ��ه صار إنس� � ��اناً آلياً ال تقوده إرادت� � ��ه»‪ ،‬هكذا كتب‬ ‫لوبون في عام ‪.1895‬‬ ‫‪25‬‬

‫‪jan 25-28.indd 25‬‬


‫«منع� � ��زالً ورمبا مهذباً بطبيعته‪ ،‬يتحول ذلك الفرد‬ ‫إلى همجي بني احلشود‪ ...‬ذرة رمل وسط ذرات رمال‬ ‫أخرى ميكن للرياح أن تعبث بها كيفما تشاء»‪.‬‬

‫فكرة خاطئة‬

‫ه� � ��ذه هي الفكرة الس� � ��ائدة عن س� � ��لوك الغوغاء‪،‬‬ ‫تبي أنها خاطئة‪ .‬في الس� � ��نوات القليلة املاضية‪،‬‬ ‫التي نّ‬ ‫اكتش� � ��ف متخصصو علم النف� � ��س االجتماعي أنه بدالً‬ ‫من التخلي عن العقالني� � ��ة وإدراك الذات‪ ،‬فإن الناس‬ ‫في احلش� � ��ود يعيدون تعريف أنفسهم طبقاً ملن حولهم‬ ‫ف� � ��ي ذلك الوقت‪ ،‬إن هويته� � ��م االجتماعية حتدد كيف‬ ‫يتصرفون‪.‬‬ ‫يق� � ��ول س� � ��تيفن ريتش� � ��ر ‪،Stephen Reicher‬‬ ‫املتخصص ف� � ��ي علم النف� � ��س االجتماعي في جامعة‬ ‫س� � ��انت أندروز‪ ،‬إن هذا النموذج لس� � ��لوك اجلماهير‬ ‫ينطب� � ��ق على كل حال� � ��ة اضطراب عامة ف� � ��ي العقود‬ ‫الثالث� � ��ة املاضية‪ ،‬حيث ُجمعت املعلوم� � ��ات‪ .‬إنه يتفق‬ ‫أيض � � �اً مع م� � ��ا خرجت ب� � ��ه أعمق التحقيق� � ��ات حول‬ ‫االضطراب� � ��ات األهلية التي حدثت‪ ،‬وهي جلنة كيرنر‬ ‫تقصت أحداث ش� � ��غب‬ ‫‪ Kerner commission‬الت� � ��ي ّ‬ ‫وقعت في لوس أجنلوس وش� � ��يكاغو ونيوآرك وغيرها‬ ‫من املدن األمريكية في الفترة من ‪ 1965‬حتى ‪.1967‬‬ ‫رمبا كان أش ّدها خطورة تلك التي وقعت في ديترويت‬ ‫في يوليو عام ‪ ،1967‬حينما أغارت الشرطة على بار‬ ‫غير مرخ� � ��ص‪ ،‬وجتمع مئات م� � ��ن الزبائن واملقيمني‬ ‫احملليني في الش� � ��وارع للتظاهر‪ .‬بع� � ��د أكثر من أربعة‬ ‫أيام من العنف بني املتظاهرين والقائمني على تطبيق‬ ‫القانون مات ‪ 43‬ش� � ��خصاً‪ ،‬وأصيب ‪ 1189‬ومت تدمير‬ ‫أكثر من ‪ 2000‬مبنى‪.‬‬ ‫لقد اس� � ��تنتج تقرير كيرنر أن العامل الرئيس وراء‬ ‫ذلك االضطراب األس� � ��وأ في تاري� � ��خ الواليات املتحدة‬ ‫ّ‬ ‫املتفشي‬ ‫األمريكية منذ احلرب األهلية‪ ،‬كان احلرمان‬ ‫داخل املجتمعات السوداء‪ .‬لقد لوحظ أن نسبة السود‬ ‫من العاطلني عن العمل ضعف مثيلتها في البيض‪ ،‬أما‬ ‫فيما يتعلق بالفقر فكانت النسبة حوالي أربعة أضعاف‬ ‫مقارنة بالبيض‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أشار التقرير أيضا إلى أن مثير الشغب التقليدي‬ ‫كان أفضل تعليماً من الش� � ��خص العادي في مجتمعه‪،‬‬ ‫وأكثر اندماجاً معه‪ ،‬وأن احتمالية أن يكون له س� � ��جل‬ ‫‪26‬‬

‫‪12/15/16 10:40:38 AM‬‬

‫إجرامي قليلة‪ .‬واستنتج تقرير كيرنر‪« :‬يبدو أن مثيري‬ ‫الش� � ��غب كانوا يبتغون املش� � ��اركة الكاملة ف� � ��ي النظام‬ ‫االجتماع� � ��ي واملنافع املادي� � ��ة التي يتمتع به� � ��ا غالبية‬ ‫املواطن� �ي��ن األمريكي� �ي��ن»‪« .‬فب� � ��دالً من رف� � ��ض النظام‬ ‫األمريكي‪ ،‬كان هؤالء قلقني حيال إيجاد مكان ألنفسهم‬ ‫داخله»‪.‬‬

‫جنون أم تعاون؟!‬

‫يتماه� � ��ى ه� � ��ذا بدقة مع نظرية س� � ��تيفن ريتش� � ��ر‬ ‫القائل� � ��ة إن الناس داخل احلش� � ��د ال يتصرفون بجنون‬ ‫أو ب� �ل��ا عقل‪ ،‬وإمن� � ��ا بالتعاون مع م� � ��ن حولهم‪ .‬إنهم ال‬ ‫يفقدون عقولهم وإمنا يحكم س� � ��لوكهم هدف عقالني‬ ‫كلياً‪ .‬في لندن‪ ،‬كان الكثيرون (وليس الكل برغم هذا)‬ ‫من مثيري الشغب مدفوعني بالشعور املشترك بالظلم‬ ‫حيال الطريقة التي تتعامل بها الشرطة مع مجتمعاتهم‬ ‫في الشهور والسنني السابقة‪ ،‬وخصوصاً ازدياد معدل‬ ‫توقيف الشباب السود وتفتيشهم من قبل الشرطة بال‬ ‫مبرر وجيه‪ .‬عندما بدأت التظاهرات‪ ،‬شعر كثيرون ‪-‬‬ ‫وكجزء من جماعة ساخطة ‪ -‬بأن لديهم سبباً شرعياً‬ ‫لالنضمام إليها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يفس� � ��ر أيضا لم ال‬ ‫من املده� � ��ش أن هذا النموذج ّ‬ ‫تُصاب احلش� � ��ود بالذعر في املواقف الطارئة فيع ّرض‬ ‫الناس أنفس� � ��هم للمخاطر الش� � ��ديدة‪ .‬عندما ضربت‬ ‫الطائرتان املختطفتان برجي مركز التجارة العاملي في‬ ‫أجل معظم املوجودين‬ ‫نيويورك في ‪ 11‬سبتمبر ‪َّ ،2001‬‬ ‫بالداخ� � ��ل خروجهم بدالً من التوجه نحو أقرب مخرج‪.‬‬ ‫حتى أولئك الذين خططوا للهرب انتظروا لست دقائق‬ ‫قب� � ��ل التحرك نحو الس� �ل��الم‪ .‬البعض تس � � � ّكع لنصف‬ ‫س� � ��اعة في انتظار مزيد من املعلومات‪ ،‬أو جمع أشياء‬ ‫ألخذها معهم‪ ،‬أو الذهاب إل� � ��ى احلمام‪ ،‬واالنتهاء من‬ ‫الرسائل اإللكترونية‪ ،‬أو إجراء مكاملات هاتفية‪.‬‬ ‫عل� � ��ى غرار ما س� � ��بق‪ ،‬يؤكد الباحث� � ��ون أن الركاب‬ ‫ميوت� � ��ون في احلوادث ملجرد أنهم لم يحاولوا اخلروج‪.‬‬ ‫خذ مث ً‬ ‫ال‪ ،‬حادثة حريق الطائرة في مطار مانشس� � ��تر‬ ‫في اململك� � ��ة املتحدة في ‪ 22‬أغس� � ��طس ‪ ،1985‬عندما‬ ‫ظل ‪ 55‬شخصاً جالسني في مقاعدهم وسط النيران‪.‬‬ ‫يقول جون ليتش ‪ John Leach‬الذي درس سيكولوجية‬ ‫الكوارث في جامعة أوس� � ��لو‪ ،‬إن� � ��ه رمبا ميكننا أن نعزو‬ ‫ذلك إلى حالة الذهول املش� � ��تركة التي أصابتهم‪ .‬على‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 25-28.indd 26‬‬


‫العكس من االعتقاد الش� � ��ائع ب� � ��أن اجلماهير عادة ما‬ ‫تصاب بالذعر ف� � ��ي أثناء الكوارث‪ ،‬ف� � ��إن املجموعات‬ ‫األكب� � ��ر تهيم بال وجهة وال هدف‪ ،‬ألنها تس� � ��تغرق وقتاً‬ ‫أطول للخروج بخطة‪.‬‬

‫فهم جديد‬

‫لقد س� � ��اعد الفهم اجلديد لديناميكيات احلشود‬ ‫الس� � ��لطات ف� � ��ي أورب� � ��ا على إع� � ��ادة تدوي� � ��ن القواعد‬ ‫اخلاصة بإدارة احلش� � ��ود‪ .‬في احل� � ��االت الطارئة‪ ،‬يتم‬ ‫تش� � ��جيع الناس على جتنب الركون إلى الوضع الراهن‬ ‫والتفكير في خطة لله� � ��روب‪ .‬باملثل‪ ،‬يتم تدريب قوات‬ ‫الش� � ��رطة على تبني أس� � ��لوب أكثر حساسية وتواصلية‬ ‫مع احلشود الكبيرة‪ .‬إذا كان سلوك اجلماهير ينبع من‬ ‫القي� � ��م االجتماعية لألغلبية بدالً من القلة اإلجرامية‪،‬‬ ‫فإن إرسال قوات مكافحة الشغب للتعامل معهم سوف‬ ‫يجعل األمور أسوأ‪ ،‬ألن كل فرد يعامل وكأنه ٍ‬ ‫معتد‪ .‬من‬ ‫احملتمل أن املعتدين املفترضني س� � ��وف يردون املعاملة‬ ‫باملثل‪ ،‬مما قد يؤدي إلى تفاقم العنف‪.‬‬ ‫اس � � �تُلهمت تلك التغييرات بش� � ��كل كبي� � ��ر من قبل‬ ‫كليفورد ستوت ‪ Clifford Stott‬الباحث في جامعة ليدز‪.‬‬ ‫لقد أجنز س� � ��توت معظم عمله باالندماج مع احلشود‪،‬‬ ‫وخصوصاً مش� � ��جعي كرة القدم اإلجنليز في املباريات‬ ‫املقام� � ��ة بعيداً عن موطنهم وتس� � ��جيل ما يفعلون‪ .‬لقد‬ ‫كان موجوداً‪ ،‬مع ديكتافون في جيبه‪ ،‬في أشرس وأهم‬ ‫نوبات عنف مالعب ك� � ��رة القدم في أوربا‪ ،‬التي تورط‬ ‫فيها مش� � ��جعون إجنليز مبا فيها نهائيات كأس العالم‬ ‫في إيطاليا في ‪ ،1990‬وفي فرنس� � ��ا في ‪ .1998‬ستوت‬ ‫لديه بعض الشك في أن معظم حوادث عنف كرة القدم‬ ‫ميكن فهمها جيداً في إطار هويات املجموعات الكبيرة‬ ‫ب� � ��دالً من التابعني معدومي العقل الس� � ��ائرين وراء قلة‬ ‫مثيرة للشغب‪ .‬على سبيل املثال‪ ،‬كان غالبية املشجعني‬ ‫اإلجنليز في مس� � ��ابقات الدوري في إيطاليا وفرنس� � ��ا‬ ‫مس� � ��املني في البداية‪ ،‬ولكنهم جميع � � �اً غيروا موقفهم‬ ‫حينما بدأوا يش� � ��عرون بأن الشرطة احمللية تستهدف‬ ‫املشجعني اإلجنليز على وجه اخلصوص‪ ،‬ولهذا السبب‬ ‫نفس� � ��ه‪ ،‬فإن مشجعي كرة القدم األسكتلنديني نادراً ما‬ ‫يقعون في املش� � ��كالت برغم شربهم الكحول بشراهة‪،‬‬ ‫حي� � ��ث إن الالعن� � ��ف أصبح ج� � ��زءاً م� � ��ن هويتهم‪ .‬عن‬ ‫طريق جتنب الصراع‪ ،‬فإن مشجعي اسكتلندا مييزون‬ ‫سيكولوجيا احلشود‬ ‫‪12/15/16 10:40:43 AM‬‬

‫أنفس� � ��هم عن املش� � ��جعني اإلجنليز بل وحت� � ��ى يعاقبون‬ ‫الذين يرتكبون العنف منهم‪.‬‬ ‫لقد قدم س� � ��توت ومعاونوه بحثهم لقوات الشرطة‬ ‫البرتغالي� � ��ة قب� � ��ل بطولة كرة الق� � ��دم األوربية التي كان‬ ‫م� � ��ن املزم� � ��ع إقامتها ف� � ��ي البرتغال للم� � ��رة األولى في‬ ‫ع� � ��ام ‪ .2004‬لقد نصحوا قوات الش� � ��رطة بالتخلّي عن‬ ‫تكتيكات قوات مكافحة الشغب املستخدمة في معظم‬ ‫مس� � ��ابقات الدوري املاضية‪ ،‬واستخدام أسلوب هادئ‬ ‫ال يلف� � ��ت االنتباه وح� � ��ازم لكن ودوداً ب� � ��دالً منها‪ .‬تقبل‬ ‫البرتغاليون النصيحة وط � � � َّوروا برنامجاً للتأكد من أن‬ ‫جميع ضباط ش� � ��رطتهم فهموا النظرية والكيفية التي‬ ‫يترجمون بها إياها إلى سياس� � ��ة ع� � ��دم مجابهة‪ .‬كانت‬ ‫النتيجة هي الغياب الكامل تقريباً ألي اضطرابات في‬ ‫أثناء املباريات اإلجنليزية في «يورو ‪.»2004‬‬ ‫اليوم أصبح من� � ��وذج الهوية االجتماعية لس� � ��لوك‬ ‫اجلماهي� � ��ر هو اإلطار الذي تُ َراق� � ��ب من خالله جميع‬ ‫مباريات االحتادات األوربية لكرة القدم‪ ،‬بالرغم من أنه‬ ‫في روسيا وأوربا الشرقية مازال يطبق بشكل متقطع‪.‬‬ ‫يعمل س� � ��توت اآلن عل� � ��ى تطبيق النم� � ��وذج على ما هو‬ ‫أبعد من كرة القدم‪ .‬في ‪ ،2009‬طلبت الهيئة الشرطية‬ ‫لصاحبة اجلاللة (‪ ،)HMIC‬وهي جهة تفتيش رقابية‬ ‫مس� � ��تقلة في اململكة املتحدة تراقب عمل الشرطة‪ ،‬من‬ ‫ستوت أن يكتب تقريراً عن تطبيق سيكولوجية احلشد‬ ‫عل� � ��ى عمليات حفظ األمن والنظام الع� � ��ام‪ .‬لقد ت ّبنت‬ ‫عديداً م� � ��ن توصياته‪ ،‬وجاءت إحدى النتائج بإنش� � ��اء‬ ‫نقاط تواصلية في لندن وفي كل مكان ترس� � ��ل ضباطاً‬ ‫في زي موحد ممي� � ��ز إلى جموع املتظاهرين لفتح باب‬ ‫للتواص� � ��ل معهم ال للتجس� � ��س عليهم كم� � ��ا يظن بعض‬ ‫النش� � ��طاء‪ .‬وبالرغم من وجود مشكالت متعلقة بالثقة‬ ‫بشرطة لندن في أعقاب أعمال شغب ‪ ،2011‬فقد متت‬ ‫االستعانة بالضباط التواصليني بنجاح حوالي ‪ 50‬مرة‬ ‫في أثن� � ��اء دورة األلعاب األوملبية التي أقيمت في لندن‬ ‫‪.2012‬‬

‫ندرة العقالنية احلشود‬

‫لق� � ��د علم� � ��ت س� � ��نوات البحث امليداني س� � ��توت‬ ‫وريتش� � ��ر ومتخصص� � ��ي عل� � ��م النف� � ��س االجتماعي‬ ‫اآلخري� � ��ن أن الالعقالنية معدوم� � ��ة املخ نادرة داخل‬ ‫احلش� � ��ود‪ ،‬وأن التعاون واإليثار هما القاعدة عندما‬ ‫‪27‬‬

‫‪jan 25-28.indd 27‬‬


‫تتع� � ��رض حي� � ��وات البش� � ��ر للخط� � ��ر‪ .‬عندم� � ��ا فجر‬ ‫متطرف� � ��ون أربع قنابل داخل نظ� � ��ام النقل في لندن‬ ‫في س� � ��اعات ال� � ��ذروة الصباحية ف� � ��ي ‪ 7‬يوليو ‪2005‬‬ ‫وقتلوا ‪ 52‬ش� � ��خصاً‪ ،‬وجرحوا أكثر من ‪ 770‬آخرين‪،‬‬ ‫انبثقت عديد من القصص االستثنائية حول سلوك‬ ‫التعاون وس� � ��ط تلك املجزرة والفوضى‪ .‬في الظالم‪،‬‬ ‫في األنفاق املليئة بالسخام حتت األرض‪ ،‬حيث علق‬ ‫املئات ُم َج َّردين من أي وس� � ��يلة ملعرف� � ��ة ما إذا كانوا‬ ‫سينجون‪ ،‬كان هنالك القليل من الذعر‪ ،‬وكان هناك‬ ‫شعور عام بـ«أننا جميعا في القارب نفسه» كما عبر‬ ‫أحد الناجني‪.‬‬ ‫في جامعة ساس� � ��يكس‪َّ ،‬‬ ‫دش� � ��ن الباحثون بقيادة‬ ‫عال� � ��م النفس االجتماعي جون دروري ‪John Drury‬‬ ‫مصطلح املطاوعة اجلمعية‪،Collective Resilience‬‬ ‫التوجه نحو التعاون املتبادل والوحدة وس� � ��ط‬ ‫وه� � ��ي‬ ‫ّ‬ ‫املخاطر لوصف الكيفية التي تتصرف بها احلش� � ��ود‬ ‫حت� � ��ت الضغ� � ��ط غالباً‪ .‬هن� � ��اك عديد م� � ��ن النماذج‬ ‫املوثق� � ��ة بخصوص ه� � ��ذا األمر‪ .‬ف� � ��ي ‪ ،2008‬أجرى‬ ‫فري� � ��ق «دروري» مقاب� �ل��ات مع ‪ 11‬م� � ��ن الناجني من‬ ‫املآس� � ��ي خ� �ل��ال األربعني عام � � �اً الس� � ��ابقة مبا فيها‬ ‫كارثة اس� � ��تاد كرة القدم في هيلزبره حينما مات ‪96‬‬ ‫من مش� � ��جعي ليفربول بعدم� � ��ا احتجزوا في حظائر‬ ‫مزدحم� � ��ة‪ ،‬وتفجيرات اجليش اجلمهوري األيرلندي‬ ‫التي قتلت ستة خارج هارودز في لندن خالل ‪،1983‬‬ ‫في كلتا احلالتني‪ ،‬اس� � ��تعاد أولئك الناجون ش� � ��عوراً‬ ‫قوياً بالتآزر في أثناء األزمة واس� � ��تعداداً ملس� � ��اعدة‬ ‫الغرباء‪ .‬يقول «دروري» ‪ -‬الذي يطلق على احلش� � ��ود‬ ‫اس� � ��م خدمة الطوارئ الرابعة وهو توجه ال تشاركهم‬ ‫فيه الش� � ��رطة ‪ -‬إنه من دون ذل� � ��ك التعاون‪ ،‬كان من‬ ‫املمكن أن ترتفع معدالت اخلس� � ��ائر أكثر بكثير‪ .‬من‬ ‫وجه� � ��ة نظر دروري‪ ،‬من اخلط� � ��أ أن نلوم اجلماهير‬ ‫على سلوكها في احلشود بصفته سببا فيما ينتج من‬ ‫كوارث‪ .‬غالباً ما تكون املش� � ��كلة احلقيقة هي ضعف‬ ‫التنظيم‪ :‬كثير من الناس في مكان واحد‪ ،‬أو تصميم‬ ‫رديء للمكان‪.‬‬ ‫لقد أوض� � ��ح دروري أن الكارث� � ��ة حتى ولو كانت‬ ‫تعطل قطار في نفق‪ ،‬فإنها تخلق «حشداً‬ ‫صغيرة مثل ّ‬ ‫س� � ��يكولوجياً» من أولئ� � ��ك الذين كان� � ��وا غرباء فيما‬ ‫س� � ��بق‪« .‬تتش� � ��اركون فجأة املصير املشترك‪ ،‬وتتحول‬ ‫‪28‬‬

‫‪12/15/16 10:40:47 AM‬‬

‫دائرة اهتماماتكم من الشخصي إلى العام»‪.‬‬ ‫«أن� � ��ا أعتقد أننا كلنا نقبل ب� � ��أن املرء قد جتاوز‬ ‫تعريف أو تصنيف الشخص بوصفه مشجع كرة قدم»‬ ‫قال أحد الناجني من مأساة هيلزبره‪« .‬ال أعتقد أن‬ ‫أي شخص رأى مشجعي ليفربول أو مشجعي نوتس‬ ‫فوريست‪ ...‬لقد كف الناس عن رؤية بعضهم البعض‬ ‫كمشجعي كرة‪ ...‬لقد كانوا أناسا فقط»‪.‬‬

‫شعور باالرتقاء‬

‫ه� � ��ذا الش� � ��عور باملش� � ��اركة واإلحس� � ��اس بانهي� � ��ار‬ ‫احلواجز هو واحد من جتارب احلشود األكثر شيوعاً‪.‬‬ ‫احلشود الس� � ��يكولوجية غالباً ما تكون ناجزة وتسبب‬ ‫شعوراً باالرتقاء في األماكن التي توجد فيها‪ .‬في أثناء‬ ‫مقابالتي مع الناس بعد الثورة املصرية في عام ‪،2011‬‬ ‫غالباً ما كنت أسمع املش� � ��اركني يقولون إن األيام التي‬ ‫قضوها في التظاهر مبيدان التحرير في القاهرة كانت‬ ‫أفض� � ��ل أيام حياتهم على اإلط� �ل��اق‪« .‬لقد كانت الثورة‬ ‫أعظم حدث مر في حياتي»‪ .‬هكذا أخبرني الصحفي‬ ‫محم� � ��د يحيى‪« .‬لق� � ��د كانت قطعة من اجلن� � ��ة»؛ قالها‬ ‫باس� � ��م فتحي أحد الش� � ��باب الذين ساعدوا في تنظيم‬ ‫التظاه� � ��رات املبك� � ��رة‪« .‬ال أحد يفكر في� � ��ك باعتبارك‬ ‫مسلماً أو مسيحياً‪ ،‬فقيراً أو غنياً»‪.‬‬ ‫الصحفية املقيمة في القاهرة أورس� � ��وال ليندسي‬ ‫‪ Ursula Lindsey‬تتذكر ذلك املش� � ��هد كاآلتي‪« :‬مبجرد‬ ‫أن ترى ذلك احلشد‪ ،‬تشعر بأن املد في جانبك‪ .‬تشعر‬ ‫بأنك على حق كلياً‪ .‬لقد جعلت اجلموع الناس تش� � ��عر‬ ‫بالروع� � ��ة‪ .‬لقد كانت معنوياتهم في الس� � ��ماء بس� � ��بب‬ ‫رؤيتهم ألنفس� � ��هم كجزء من ه� � ��ذه اجلماعة الضخمة‪.‬‬ ‫لقد كانت جتربة ال نهائي� � ��ة‪ ،‬منفتحة العقل وإيجابية‪.‬‬ ‫لقد رأيت تبخّ ر اخلوف‪ ،‬وهذا االنتشاء بسبب أن كثيراً‬ ‫م� � ��ن الناس كانوا معك‪ .‬تلك الـ ‪ 18‬يوماً أخرجت أجمل‬ ‫ما في الناس‪ .‬لقد قدم الناس أفضل «إصداراتهم»‪.‬‬ ‫الفكرة القائلة إنه في احلش� � ��ود‪ ،‬قد نقدم أفضل‬ ‫«إصداراتنا» هي الصورة املعاكس� � ��ة لوجهة النظر التي‬ ‫ش� � ��اعت منذ الثورة الفرنس� � ��ية‪ ،‬وألن العلم يؤيد هذه‬ ‫الصورة اجلديدة من التآزر في حش� � ��ود كرة القدم إلى‬ ‫اإليثار في ضحايا الكوارث والتضامن بني املتظاهرين‪،‬‬ ‫فإن الدليل على سالمة عقل احلشود وتآلف اجلماهير‬ ‫له الغلبة على ما سواه اآلن >‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 25-28.indd 28‬‬


‫فكر‬

‫الفلسفة وتسلية المحزون‪...‬‬ ‫بين حيل الكندي وعزاء بوئثيوس‬ ‫حسين بوكبر‬

‫باحث من الكويت‬

‫إن التعاط���ي م���ع دور الفك���ر ف���ي معالج���ة الح���زن لي���س باألم���ر الجديد‪،‬‬ ‫فرس���الة الكندي «في الحيلة لدفع األحزان»(*)‪ ،‬القادمة من القرن الثالث‬ ‫الهجري‪ /‬التاس���ع المي�ل�ادي‪ ،‬تناقش موض���وع الحزن وتش���خيصه وتوفير‬ ‫الحي���ل لعالجه م���ن خالل منهج عقلي واضح المعال���م‪ ،‬ومن قبله كتاب‬ ‫فيلس���وف الالهوت المس���يحي بوئثيوس «ع���زاء الفلس���فة»(**)‪ ،‬الذي‬ ‫يق���دم وصف���ة عقلي���ة مح���ددة كأدوي���ة لمس���ببات الح���زن‪ ،‬ونالح���ظ هنا‬ ‫المكون والمصدر نفس���ه‪ ،‬أعن���ي الدين‪،‬‬ ‫أن هذي���ن الفيلس���وفين لهم���ا‬ ‫ّ‬ ‫فالكندي ينحاز إلى جان���ب معتقده الديني‪ ،‬بل والمنافحة عنه‪ ،‬وإذا وجد‬ ‫تعارض��� ًا ظاهري ًا بين الفلس���فة والدين‪ ،‬فإنه يعمد إل���ى نوع من التوافق‬ ‫العمي���ق الذي يزيح التعارض الظاهر‪ ،‬وكذل���ك الحال مع بوئثيوس الذي‬ ‫ كم���ا أس���لفنا ‪ -‬هو فيلس���وف الهوت مس���يحي‪ ،‬ومع ذل���ك ال نجد في‬‫نص���وص االثنين أي أثر يميل نح���و تناول الحزن من زاوي���ة وجدانية دينية‪،‬‬ ‫إنما ينطلقان في المعالجة النفسية من اإلرادة اإلنسانية‪.‬‬

‫يبحث الكندي في رسالته «في احليلة لدفع‬ ‫األحزان» عن حلول ومعاجلات‪ ،‬أو كما يس������ميها‬ ‫حي���ل�� ً‬ ‫ا للتعامل مع هذا الع������ارض الذي له تأثير‬ ‫كبير على مجمل حياة اإلنسان‪ ،‬أال وهو احلزن‪،‬‬ ‫ونتبني م������ن خالل اس������تعراض ه������ذا النص أن‬ ‫الكندي يبحث عن العالج باإلنس������ان‪ ،‬ومن خالل‬ ‫اإلنسان باعتباره سيد نفسه والقادر على التعامل‬ ‫مع حاالته وآفاته وأدرانه بقواه والشخصية التي‬ ‫ميتلكها‪ ،‬يركز الكندي على أهمية العقل بوصفه‬ ‫املنطلق األس������اس في املعاجلة‪ ،‬ال بل هو صمام‬

‫األمان ملجابه������ة أحوال األلم النفس������اني‪ ،‬وذلك‬ ‫عن طريق إب������راز التناقض املنطق������ي الذي نقع‬ ‫فيه عندما يتسلّط علينا احلزن ويتملكنا نتيجة‬ ‫محزنات معينة‪ ،‬بل ويذهب أبعد من ذلك ليجعل‬ ‫لعال������م العقل مزية فارقة عن عالم احلس‪ ،‬وهي‬ ‫مزي������ة الثبات والدوام وع������دم التقلب والتذبذب‬ ‫ويوجه الكندي‬ ‫كما هي حال مطلوب������ات احلس‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إلى مشاهدة العالم العقلي وتصيير «محبوباتنا‬ ‫وقنياتنا وإرادتنا منه» ألن������ه «إن فعلنا ذلك أمنا‬ ‫أن يغصبنا قنياتنا أح ٌد‪ ،‬أو ميلكها علينا يد‪ ،‬وأن‬ ‫‪29‬‬

‫‪12/15/16 10:41:05 AM‬‬

‫‪jan 29-33.indd 29‬‬


‫تسبب لنا احلزن‪ ،‬ألننا إن فعلــــنا ذلك وقعنا في‬ ‫تناقض يجعلن������ا كـ «العدماء عقولهم»‪ ،‬بحس������ب‬ ‫الكندي‪ .‬فنحن إن كنا ال نريد أن نحزن ومع ذلك‬ ‫نفع������ل ما يُحزننا‪« ،‬فنح������ن نريد ما ال نريد»‪ ،‬أما‬ ‫القس������م اآلخر اخلارج عن إرادتنا‪ ،‬فالتعامل معه‬ ‫م������ن وجهني‪ ،‬أما الوج������ه األول فهو أن ندفعه إن‬ ‫كنا قادرين على ذلك‪ ،‬أو أن نتحايل عليه بالتقليل‬ ‫م������ن مدته إذا كنا غير قادرين على دفعه‪ .‬واألمر‬ ‫األه������م الذي يحذرنا الكن������دي منه هو أال نحزن‬ ‫ملجرد توق������ع وقوع احملزن‪ ،‬ألنه ببس������اطة قد ال‬ ‫يق������ع‪ ،‬وإذا لم مينعه مانع فيجب االكتفاء باحلزن‬ ‫حال وقوعه‪ ،‬وعن������د وقوع احملزن‪ ،‬يجب التعامل‬ ‫مع احلزن‪ ،‬الذي هو ال محالة له نهاية ككل شيء‬ ‫في هذه احلياة‪ ،‬بالتسلية لتقصير مدته‪.‬‬ ‫وف������ي حيل������ة أخ������رى يقدمها تعتب������ر متممة‬ ‫وموضحة للحيلة السابقة‪ ،‬وتساعد على السلوة‬ ‫وتعني عل������ى الصبر‪ ،‬يبني الكن������دي أهمية فكرة‬ ‫التذك������ر‪ ،‬أي تذكر ما مر باإلنس������ان من حوادث‬ ‫ومصائب كانت في وقتها حادثة احلوادث وأكبر‬ ‫املصائ������ب‪ ،‬وبعد فت������رة من الزم������ن مت جتاوزها‬ ‫وأصبحت مجرد ذكرى‪ .‬وفيما يتصل بالتذكر يبني‬ ‫الكندي أن جتارب اآلخرين يجب أن تكون وسيلة‬ ‫للتسلية أيضاً‪ ،‬فمن يشكو من فقد ولد حبيب أو‬ ‫حت������ى احلرمان من الولد‪ ،‬فإنه يش������بهه في ذلك‬ ‫خلق كثير‪ ،‬كثير منهم نس������ي ويعيش حياته بشكل‬ ‫طبيعي‪ ،‬ليستخلص الكندي من ذلك أن «احلزن‬ ‫وض������ع‪ ،‬ال طبع»‪ .‬كما ينبغ������ي أن نتذكر أن الفقد‬ ‫والف������وت اللذين يعتبران أه������م املصائب احملزنة‬ ‫إمنا هما طبيعة األشياء‪ ،‬وإنا إذا أردنا أال نفقد‬ ‫محبوب������اً مث���ل�� ً‬ ‫ا‪ ،‬فيجب أن يكون ه������ذا احملبوب‬ ‫ال‪ ،‬ألن هذا احملبوب لو كان إنس������اناً‬ ‫موجوداً أص ً‬ ‫عزيزاً مث ً‬ ‫وحد اإلنسان‬ ‫ال فهو في النهاية إنسان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أنه ذل������ك احليوان الناطق املائ������ت‪ ،‬وهكذا يقدم‬ ‫الكندي حيله وأدويت������ه‪ ،‬حيلة بعد أخرى لتعضد‬ ‫وتقوي هذه النفس البشرية وجتعلها قادرة على‬ ‫مجابهة احلياة بحلوها ومرها‪.‬‬

‫نع������دم ما أحببن������ا منها‪ ،‬إذ ال تناله������ا اآلفات وال‬ ‫يلحقها املمات وال تفوتنا ِّ‬ ‫الطلبة»‪.‬‬ ‫كما نلم������ح منهجية علمية عن������د الكندي في‬ ‫بحث������ه الدقيق عن الس������بب وراء ظاهرة احلزن‪،‬‬ ‫ومفهوم السبب والعلية ال شك من أهم املفاهيم‬ ‫العقلي������ة املنهجية‪ ،‬فمن دون معرفة الس������بب ال‬ ‫ميكن معاجلة املُس ّبب‪ ،‬وبعبارة جل ّية «كل ألم غير‬ ‫معروف األسباب غير موجود الشفاء» كما يقول‬ ‫الكندي‪ .‬وإذا أردنا الش������فاء من احلزن فالبد لنا‬ ‫من معرفة «ما احلزن وأس������بابه»‪ ،‬وهكذا يض ِّمن‬ ‫الكندي في تعريفه للحزن األسباب املؤدية إليه‪،‬‬ ‫فيق������ول «إن احل������زن ألم نفس������اني يعرض لفقد‬ ‫احملبوبات وفوت املطلوبات»‪.‬‬ ‫إذن احملبوبات واملطلوبات احلس������ية أش������ياء‬ ‫قابلة للتبدل والتغيير أو للفقد والفوت‪ ،‬وبالتالي‬ ‫مس������ببة للحزن‪ ،‬لكن التغير هو طبيعتها‪ ،‬وثباتها‬ ‫على حال يخالف هذه الطبيعة‪ .‬وينبغي التعاطي‬ ‫مع تلك املطلوبات وفقاً لطبيعتها املتغيرة العابرة‪،‬‬ ‫يتحصل لنا ذلك إال بتوطني النفس وتعويدها‬ ‫وال‬ ‫ّ‬ ‫على تقلب������ات احلياة وصروفها‪ .‬يتعلق األمر إذن‬ ‫بسلوك مكتســــب يستطيعه اإلنسان‪ ،‬فـ «املكروه‬ ‫واحملبوب احلس������ي ليسا شــــيئاً في الطبع الزماً‪،‬‬ ‫بل بالعـــادات وكثـــــرة االستعمال»‪ ،‬ويــــدلل الكندي‬ ‫على ذلك بالنظر إلى «أحوال الناس واختالفهم‬ ‫في مراداتهم ومطالبهم»‪ ،‬وميثل ذلك بعديد من‬ ‫األمثل������ة‪ ،‬نذكر منها مدمن لعب القمار الذي «مع‬ ‫استالب ماله وضياع أيامه باط ً‬ ‫ال وتتالي أحزانه‬ ‫مبقموراته ‪ -‬بأمره بهجاً مسروراً‪ ،‬وكل ما خالف‬ ‫ونقص به»‪،‬‬ ‫ذل������ك عنده وحجب������ه عنه مصائ������ب‬ ‫ٌ‬ ‫وهكذا يتمرك������ز مفهوم الع������ادة إلصالح النفس‬ ‫وعالجها ف������ي مقابل األدوية الت������ي تقدم لعالج‬ ‫وإصالح اجلسد كالقطع والكي وغيرها‪.‬‬ ‫ويقدم لنا الكندي فيما يشبه الوصفة الطبية‬ ‫عش������رة أدوية ملعاجلة احلزن واألس������ى ومداواة‬ ‫احملزون‪ ،‬نعرض لبعضها بإيجاز‪ .‬في الدواء األول‬ ‫الذي يصفه بالسهل‪ ،‬يقسم الكندي احملزنات إلى‬ ‫قسمني‪ ،‬قس������م خاص بأفعالنا وقسم خارج عن‬ ‫إرادتنا‪ ،‬أي خاص������اً بفعل غيرنا‪ ،‬أما الذي يتعلق عذابات بوئثيوس‬ ‫بالقسم األول فينبغي بكل بساطة أال نفعل أفعاالً‬ ‫إذا كان الكن������دي يق������دم مجموعة من احليل‬ ‫‪30‬‬

‫‪12/15/16 10:41:08 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 29-33.indd 30‬‬


‫فكر‬

‫لدفع احل������زن على هيئة نصائ������ح عامة موجهة‬ ‫لقارئ نصه عل������ى خلفية جتربته الذاتية التي ال‬ ‫يذكره������ا صراح ًة‪ ،‬فإن بوئثيوس يعرض خالصة‬ ‫األدوية الش������افية آلالم نفسه هو بشكل مباشر‪،‬‬ ‫وف������ي إطار محنته الت������ي كان يعانيها في انتظار‬ ‫تنفيذ حكم اإلعدام في������ه‪ ،‬وكان يطرد بكل دواء‬ ‫تلك الوس������اوس التي كانت تؤرق نفسه‪ ،‬ومع كون‬ ‫بوئثيوس الفيلسوف الالهوتي املعروف صاحب‬ ‫الرس������ائل التي نافح فيها ع������ن معتقده الديني‪،‬‬ ‫بتقدميه إياه بصورة عقالنية‪ ،‬من مثل‪ :‬رس������الته‬ ‫الفلسفة وتسلية احملزون‪ ...‬بني حيل الكندي وعزاء بوئثيوس‬ ‫‪12/15/16 10:41:10 AM‬‬

‫«ف������ي الثالوث األق������دس»‪« ،‬ه������ل األلوهية تقال‬ ‫جوهرياً عل������ى األب واالبن وال������روح القدس؟»‪،‬‬ ‫«في اإلميان الكاثوليكي»‪ ،‬فإنه يقدم أدويته ذات‬ ‫الطابع اإلنس������اني‪ ،‬دون الرج������وع إلى النصوص‬ ‫الدينية من الكتاب املقدس‪ ،‬بل بتحيز كامل إلى‬ ‫احلجج العقلي������ة املنطقية‪ ،‬وكان هذا مثار حيرة‬ ‫ملترج������م نصه وناقل������ه إلى العربي������ة‪ ،‬الذي يجد‬ ‫غرابة في اعتماد «رجل مس������يحي على مشارف‬ ‫املوت» في تعزية نفس������ه «على مذاهب مستمدة‬ ‫من أفالطون وأرسطو والرواقيني واألفالطونيني‬ ‫‪31‬‬

‫‪jan 29-33.indd 31‬‬


‫احملدث���ي��ن»‪ ،‬بل «ويقتبس كثي������راً من أقوالهم وال‬ ‫يقتبس ش������يئاً من األناجيل أو العهد القدمي‪ ،‬أو‬ ‫كتب آباء الكنيس������ة»‪ ،‬وقد كان «من األيسر له أن‬ ‫يلجأ إل������ى العزاء الديني واخلالص املس������يحي»‬ ‫(عزاء الفلسفة)‪ ،‬لكن مع ذلك فإن نص بوئثيوس‬ ‫ال يتضم������ن تناقض������اً أو تعارضاً مع املس������يحية‪،‬‬ ‫وال������روح الزهدية واألخالقية الت������ي حتكم هذا‬ ‫النص متوافقة متاماً مع الروح املس������يحية‪ ،‬ولعل‬ ‫خلفية االتصال بني الوحي واحلكمة الفلس������فية‬ ‫هي إحدى خلفي������ات هذا النص‪ ،‬فيكون الطريق‬ ‫إلى احلقيقة ثنائياً‪ ،‬يس������تند أحدهما إلى العقل‬ ‫ويتكئ اآلخر على الوحي‪.‬‬ ‫مي ّث������ل بوئثيوس الفلس������فة بطبي������ب معالج؛‬ ‫فيخاطبه������ا وتخاطب������ه ويش������كو إليها وتس������ليه‪.‬‬ ‫فتس������تغرب الفلس������فة من حال تلميذها األريب‬ ‫وسقوط عقله احملزون‪ ،‬وهو ذلك العقل الدائب‬ ‫البح������ث وراء مختلف املع������ارف والعلوم‪ ،‬كيف له‬ ‫أن يسقط ويكون أسيراً خاضعاً ألوهام اليأس؟‬ ‫فتنظر إلى حالة تلميذها بوئثيوس متأسفة على‬ ‫م������ا وصل إليه‪ ،‬وهي التي منحته أس������لحة كفيلة‬ ‫ب������أن حتميه وت������ذود عنه‪ ،‬فتعاتب������ه وهو جالس‬ ‫مطرق ال������رأس بالقول «ملاذا أن������ت صامت؟ هل‬ ‫أصمتك اخلجل أم أصمت������ك الذهول؟» لتدرك‬ ‫ببصيرتها أن تلميذها مذهو ٌل من هول مصابه‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬حان وق������ت العالج‪ ،‬ال������ذي يتــمـــحور حول‬ ‫تذكيره بحقيقة نفسه وموطنها األصلي‪ ،‬بعد أن‬ ‫تش������خّ ـــــص له املرض‪« ،‬ذلــك الـــمرض الــــشائع‬ ‫ف������ي العقول الضال������ة»‪ ،‬أال وهو نس������يان جوهر‬ ‫النفس‪.‬‬ ‫ثم تقوم الفلسفة بعرض نفسها بوصفها‬ ‫امللج������أ احلص���ي��ن‪ ،‬ب������ل واحلامي������ة ملريديها‬ ‫وطالبه������ا‪ .‬وتذك������ره بالس������ابقني األولني من‬ ‫الفالس������فة اليون������ان؛ فهذا أنكس������اجوراس‬ ‫ق������د نفي من وطن������ه‪ ،‬وذاك س������قراط جترع‬ ‫الس������م تنفيذاً حلكم اإلعدام وعذب زينون‪،‬‬ ‫والقائمة تطول‪ .‬كما تذكر الفلسفة تلميذها‬ ‫بالالحقني من الفالس������فة الرومان كانيوس‬ ‫وسينيكا وسورانوس‪ ،‬كاشفة له أن العقل هو‬ ‫القائد الذي ال يغت ّر بأتفه الغنائم (الشهرة ‪-‬‬ ‫‪32‬‬

‫‪12/15/16 10:41:12 AM‬‬

‫املنصب ‪ -‬الثروة)‪ .‬ثم تبدأ الفلسفة باملعاجلة‬ ‫الفعلية ومبنهجية أقرب ما تكون إلى منهجية‬ ‫التحليل النفسي الذي ساد في مطالع القرن‬ ‫العشرين مع عالم النفس الشهير سيجموند‬ ‫فروي������د‪ .‬فكأن������ي ببوئثي������وس مس������جى على‬ ‫توجهه الفلس������فة مستشهد ًة‬ ‫س������ريره‪ ،‬بينما ّ‬ ‫بقول هوميروس «أفض بدخيلتك وال تكتمها‬ ‫��ي نفس������ك»‪ ،‬فهي تبحث عن نصف العالج‪،‬‬ ‫أعني التشخيص الصحيح‪ ،‬الذي يعتمد في‬ ‫جزء كبير منه على املريض نفسه فـ«إن كنت‬ ‫تبتغي ع������ون الطبيب فالبد من أن تكش������ف‬ ‫عن اجلرح»‪ ،‬ويس������تجيب بوئثيوس ويكشف‬ ‫مكنونات نفس������ه صارخاً بأسى «أال ترين أن‬ ‫لسان حالي يغني عن مقالي؟» فيبدأ باملقارنة‬ ‫بني مكتبته التي كان يجلس فيها هانئاً يتنقل‬ ‫بني شتى الفكر‪ ،‬وبني حاله الراهنة في سجنه‬ ‫الكئيب‪ ،‬وبأي ذن������ب؟ ذنب اتباعه لتعاليمها‪،‬‬ ‫أي الفلس������فة‪ ،‬وتطبيق القي������م العليا وأهمها‬ ‫قيم������ة العدل‪ ،‬حيث جلبت ل������ه ما جلبت من‬ ‫مكائد أدت إلى فقده منصبه ظلماً‪ ،‬واتهامه‬ ‫باخليانة واحلكم علي������ه باإلعدام‪ .‬فهل هذا‬ ‫مصير أصحاب الصراط الس������وي؟! وهكذا‬ ‫بدأت تتضح الصورة ش������يئاً فش������يئاً للطبيب‬ ‫املعال������ج‪ ،‬فمريضه������ا هو من ض� ّ‬ ‫�����ل طريقه‪،‬‬ ‫نفي مت‬ ‫ألنه إن كان يش������كو نفياً‪ ،‬فإمن������ا هو ٌ‬ ‫بإرادته‪ ،‬فاملوطن احلقيقي ال يُنفى منه أحد‬ ‫إال مبشيئته‪.‬‬ ‫أما أس������ى بوئثي������وس على مكتبته النفيس������ة‬ ‫بنفائ������س الكتب التي حتويها‪ ،‬فجواب الفلس������فة‬ ‫ه������و أن مقصد الكتب وغايتها «كرس������ي العقل»‪،‬‬ ‫ال������ذي «يجع������ل للكتب قيم������ة‪ ...‬الفلس������فة التي‬ ‫حتتويها الكتب‪ ،‬األفكار التي تكتنزها»‪ ،‬واألفكار‬ ‫مكانها العق������ل‪ .‬وقبل وصف األدوية الش������افية‪،‬‬ ‫تس������تزيد الفلسفة باس������تجواب مريضها ببعض‬ ‫األسئلة ليكون تشخيصها أكثر دقة ودواؤها أكثر‬ ‫جناعة‪ ،‬فتقول «هل ترى أن هذا العالم تس������يره‬ ‫املصادف������ة واألحداث العش������وائية‪ ،‬أم تعتقد أنه‬ ‫ينطوي على مبدأ عقلي ما؟»‪ ،‬فيجيب بوئثيوس‬ ‫بوجود خالق يش������مل خلقه بعنايته‪ ،‬فتستحس������ن‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 29-33.indd 32‬‬


‫فكر‬ ‫(الفلس������فة) جوابه‪ ،‬مس������تغرب ًة مرض������ه مع هذا‬ ‫«الرأي السليم»‪ .‬ثم متضي بطرح أسئلتها باحث ًة‬ ‫ع������ن احللقة املفقودة التي أفضت ببوئثيوس إلى‬ ‫هذه احلالة‪ ،‬وتتوصل إلى هذه احللقة من خالل‬ ‫سؤال حول ماهية اإلنس������ان‪ ،‬فيأتي جوابه بأنه‬ ‫احليوان العاقل أو األخالقي‪ ،‬فتعيد «الفلس������فة»‬ ‫تس������اؤلها «أواثق أنت أنك لست أكثر من ذلك؟»‪،‬‬ ‫ويجيب «واث������ق متاماً»‪ ،‬وهنا تقدم التش������خيص‬ ‫بوضوح «اآلن عرفت س������بب مرضك أو الس������بب‬ ‫الرئي������س ملرضك‪ .‬لقد نس������يت ما أنت‪ ،‬لذا فقد‬ ‫وقفت على مرضك من كل جوانبه‪ ،‬وعلى املدخل‬ ‫إلى استرداد صحتك‪ .‬فألنك سادر في نسيانك‪،‬‬ ‫منفي ومجرد‬ ‫فقد رحت تتكس������ر أيضاً على أنك‬ ‫ٌ‬ ‫من ممتلكاتك‪.‬‬ ‫وألن������ك لم تع������د تع������رف ما ه������ي بالضبط‬ ‫غاية األش������ياء‪ ،‬فق������د حــس������بـــت أن التافهــيـــن‬ ‫واملجـــرميـــــن أقوياء وس������عداء‪ .‬وألنك نسيت ما‬ ‫هي الطرائق التي تس������ ّير العالم‪ ،‬فقد ظننت أن‬ ‫ضربات احلظ تتخبط هنا وهناك بغير ضابط‪،‬‬ ‫تلك أش������ياء ال تفضي إلى املرض وحده‪ ،‬بل إلى‬ ‫املوت أيضاً»‪.‬‬

‫بني الكندي وبوئثيوس‬

‫جتم������ع بني الكندي وبوئثي������وس جتربة ذاتية‬ ‫متش������ابهة جداً‪ ،‬فكالهم������ا كان ينتمي إلى عائلة‬ ‫أرستقراطية مقربة من مراكز السلطة‪ ،‬وكالهما‬ ‫تسلسلت به األحداث إلى أن بلغ مجداً سياسياً‬ ‫ند ل������ه فيه‪ ،‬ما و ّل������د لهما أحق������اداً وضغائن‬ ‫ال ّ‬ ‫وحس������داً من خصومهما‪ ،‬كان������ت نتيجته املكائد‬ ‫السياس������ية وإيغال صدر احلكام عليهما‪ ،‬لتنتهي‬ ‫احلال بالكندي بإزاحته من املشهدين السياسي‬ ‫والثقافي‪ ،‬بعد مصادرة مكتبته (الكندية)‪ ،‬فكان‬ ‫خي������ار العزلة أقرب إلى اخلي������ار الوحيد أمامه‪،‬‬ ‫وكان������ت ه������ذه األح������داث املتالحقة قد ش������ ّكلت‬ ‫محنة ش������ديدة على نفس������ه دفعته إل������ى البحث‬ ‫عن اخلالص الذاتي أو الفلس������في إن صح هذا‬ ‫التعبي������ر‪ ،‬فكتب ما كتبه من حي������ل لدفع احلزن‬ ‫عنه والتس������لية ع ّما أصاب������ه‪ ،‬وكذلك احلال مع‬ ‫�����دة‪ ،‬ألنها‬ ‫بوئثي������وس‪ ،‬وإن كان������ت محنته أكثر ش� ّ‬ ‫الفلسفة وتسلية احملزون‪ ...‬بني حيل الكندي وعزاء بوئثيوس‬ ‫‪12/15/16 11:47:16 AM‬‬

‫انتهت به إلى حكم اإلعدام‪ ،‬وال ش������ك في أن من‬ ‫يكتب وهو في الس������جن بانتظار املوت ليس كمن‬ ‫يكتب فقط متأسفاً على ٍ‬ ‫مجد منصرم‪ ،‬لذا جند‬ ‫زفرات احلس������رة واأللم مبثوث������ة بكثرة في نص‬ ‫بوئثي������وس‪ ،‬كما أن طول النص نس������بياً باملقارنة‬ ‫مع نص الكندي يرجع إلى ظروف السجن الذي‬ ‫ال ميلك فيه الس������جني من وس������يلة للتسلي سوى‬ ‫الكتابة‪.‬‬ ‫كما أن تأثير الكندي العظيم في إدخاله حقل‬ ‫الفلس������فة إلى فضاء الفكر العربي اإلس���ل��امي‬ ‫جعله رائداً للفلسفة اإلسالمية‪ ،‬وفضله على من‬ ‫جاء بعده ال يقبل الشك‪ .‬فقد فتح نافذة جديدة‬ ‫للعق������ل في دائرة احلضارة العربية اإلس���ل��امية‪،‬‬ ‫وأضاف إلى املكتب������ة العربية مجموعة قيمة من‬ ‫الكت������ب واملؤلفات في مختلف املج������االت‪ ،‬ويعد‬ ‫الكندي كاتباً موسوعياً‪.‬‬ ‫وكذل������ك احلال مع بوئثي������وس‪ ،‬الذي كان له‬ ‫تأثير جليل على فلس������فة العصور الوسطى‪ ،‬من‬ ‫خالل أعماله الكثيرة املتنوعة‪.‬‬ ‫أما إذا ما جتاوزنا التشابه في سياق التجربة‬ ‫احلياتية إلى املقارنة بني النصني املُبدعني «في‬ ‫احليلة لدفع األحزان» و«عزاء الفلسفة» لنكشف‬ ‫عن مدى تش������ابه املقاربة التي يقدمانها ملعاجلة‬ ‫موضوع احل������زن‪ ،‬فينبغي أن نؤكد أم������راً مهماً‪،‬‬ ‫وهو أنه ليست غايتنا االنتهاء إلى نتيجة مفادها‬ ‫التأثير املباش������ر ألحد النصني على اآلخر‪ .‬فمن‬ ‫املعلوم أن كال الفيلس������وفني ينتمي إلى سياقات‬ ‫تاريخية حضارية مختلفة‪ ،‬يسبق فيها بوئثيوس‬ ‫الكندي بثالثة قرون تقريب������اً‪ ،‬كما أن اخللفيات‬ ‫احلضاري������ة متباين������ة أيضاً‪ ،‬وينتم������ي كل منهما‬ ‫إل������ى دين مختل������ف عن اآلخر‪ ،‬وال ش������ك في أن‬ ‫الكن������دي وبوئثيوس قد س������بقا العصور احلديثة‬ ‫في نزوعهما إلى اإلنسانية >‬ ‫* الكندي‪ ،‬رسالة في احليلة لدفع األحزان‪ ،‬ضمن رسائل‬ ‫فلسفية‪ ،‬حتقيق عبدالرحمن بدوي‪ ،‬دار األندلس‪ ،‬بيروت‪،‬‬ ‫طبعة ثالثة‪.1983 ،‬‬ ‫** بوئثيوس‪ ،‬عزاء الفلسفة‪ ،‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬عادل مصطفى‪،‬‬ ‫ط‪ ،1‬دار رؤية للنشر والتوزيع‪ ،‬القاهرة‪.2008 ،‬‬ ‫‪33‬‬

‫‪jan 29-33.indd 33‬‬


‫قالوا‬

‫قدمي التي تركتها على األرض‪ .‬أتذكر‬ ‫< إنها آثار‬ ‫ّ‬ ‫بكل دقة أين جلست وكتبت‬ ‫كل قص� � ��ة منه� � ��ا‪ ،‬وكذل� � ��ك‬ ‫طبيعة شعوري حني فعلت‪.‬‬ ‫إن القص� � ��ص القصي� � ��رة‬ ‫عالمات مرشدة لقلبي‪.‬‬ ‫هاروكي موراكامي‪،‬‬ ‫كاتب روائي‬ ‫من اليابان‪.‬‬ ‫< كل مواط� � ��ن ف� � ��ي دول� � ��ة الفيـــس� � ��بوك يحمل‬ ‫مكنون� � ��ات وذاك� � ��رة املواطنيـــــ� � ��ن اآلخــــري� � ��ن‪،‬‬ ‫يتتبعهــم ويتتــــبعونه بش� � ��كل مس� � ��تمر‪ ،‬يحســـــون‬ ‫به ويحـــــس بهم‪ ،‬يــــقرأهم ويقرأونه‪ ،‬إنها ش� � ��كل‬ ‫الدولة اجلديدة‪ ،‬ال أس� � ��رار وال عقوبات فيها إال‬ ‫ملصلح� � ��ة اجلــــميع‪ ،‬ليس هناك فرد مس� � ��تهدف‪،‬‬ ‫وإن اس� � ��تهـــــدف فرد لن تكون العقوبة ألس� � ��باب‬ ‫مزاجية فردية‪ ،‬بل س� � ��يكون قراراً جمعياً بنسبة‬ ‫معينة‪ ،‬إنها الدميقراطية‪.‬‬ ‫ريدي ميشو‪،‬‬ ‫كاتب من بريطانيا‪.‬‬ ‫< الق� � ��ارئ احلقيقي ليس ه� � ��ذا النوع من الناس‬ ‫ال� � ��ذي يقرأ م� � ��ن وقت إلى آخ� � ��ر‪ ،‬مبعدل نصف‬ ‫س� � ��اعة ث� � ��م يضع كتاب� � ��ه جانباً‪ ,‬ليع� � ��ود إليه بعد‬ ‫ثمانية أيام على شاطئ البحر‪ .‬القارئ احلقيقي‬ ‫ال يس� � ��مح لش� � ��يء بتش� � ��تيته عندما يقرأ‪ .‬يضع‬ ‫األوالد في الس� � ��رير وينكب على القراءة‪ .‬ال يقع‬ ‫في فخ التلفزيون وال يتوقف‬ ‫كل خم� � ��س دقائ� � ��ق ليق� � ��وم‬ ‫مبشترياته على اإلنترنت أو‬ ‫للحديث على الهاتف‪.‬‬ ‫فيليب روث‪،‬‬ ‫كاتب روائي‬ ‫من أمريكا‬ ‫‪34‬‬

‫‪12/6/16 12:56:15 PM‬‬

‫< إذا متكن س� � ��كان الكواكب األخرى من غزونا‪،‬‬ ‫فغالب � � �اً لن تتعدى النتيج� � ��ة ما حدث حني وصل‬ ‫كولومبس إلى أمريكا‪ ،‬إذ إن نتائج رحلته لم تكن‬ ‫أبداً في مصلحة السكان األصليني‪.‬‬ ‫ستيفن هوكنج‪،‬‬ ‫عالم فيزياء من أمريكا‬ ‫< أعتقد أننا في حاجة إلى الصفات األنثوية التي‬ ‫م� � ��ن الضروري أن يتحلى بها ق� � ��ادة العالم اليوم‪،‬‬ ‫والتي تشمل االنتباه إلى جماليات احلياة والبيئة‪،‬‬ ‫ورعاي� � ��ة اآلخرين‪ ،‬واحملبة‪،‬‬ ‫واحل� � ��دس‪ ،‬والصفات التي‬ ‫جتع� � ��ل الن� � ��اس يش� � ��عرون‬ ‫باألمان ويعتني بهم‪.‬‬ ‫ديباك تشوبرا‪،‬‬ ‫فيلسوف أمريكي‪،‬‬ ‫من أصل هندي‪.‬‬ ‫< مل� � ��اذا يكن الناس كل هذا االحترام للكتاب‪ ،‬حتى‬ ‫وه� � ��م ال يقرأون؟ ما ال� � ��ذي يجعلهم يتوافدون على‬ ‫املهرجانات األدبية بينم� � ��ا مبيعات الكتب تتهاوى؟‬ ‫رمبا السبب ببس� � ��اطة هو أن االحترام واإلعجاب‬ ‫من جملة املش� � ��اعر اجلذابة التي نحب أن نش� � ��عر‬ ‫به� � ��ا‪ ،‬لكن في عالم قوامه فردية ال تعرف الرحمة‪،‬‬ ‫تزداد كل يوم صعوبة العثور على من ميكن االنحناء‬ ‫لهم دومنا شعور من املنحني بنزر من السخافة‪.‬‬ ‫تيم باركس‪،‬‬ ‫روائي من بريطانيا‪.‬‬ ‫< إن إيجابي� � ��ات التكنولوجي� � ��ا ال تُل ْ َغ� � ��ى‪ ،‬ولكنها‬ ‫تتراكم‪ .‬أرى جيداً أن دور األس� � ��تاذ يتغير‪ ،‬لكنني‬ ‫ال أدرك كيف سيكون عليه أستاذ الغد‪ .‬بال��ريقة‬ ‫نفسها‪ ،‬فإن التقنيات اجلديدة سوف تولد طريقة‬ ‫جديدة في القراءة‪ ،‬وعالقة جديدة مع املعلومة‪.‬‬ ‫ميشيل سيير‪،‬‬ ‫فيلسوف من فرنسا‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 34-35.indd 34‬‬


‫ال وال مس� � ��انداً‬ ‫< خط� � ��اب الرواية لي� � ��س مجام ً‬ ‫للسلطة‪ ،‬بل هو يتغلغل في صلب املجتمع ويبتدع‬ ‫لغة جريئة متعددة املس� � ��تويات واألصوات‪ ،‬ألجل‬ ‫التقاط الصراع� � ��ات والس� � ��لوكيات والفضاءات‬ ‫املختلفة‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫الرقاب� � ��ة‪ ،‬فقد اس� � ��تطاعت‬ ‫الرواي� � ��ة العربية أن تفرض‬ ‫صوته� � ��ا ف� � ��ي الداخ� � ��ل‬ ‫واخلارج‪ ،‬وأن تتب � � � َّوأ مكان‬ ‫الصدارة بني القراء‪.‬‬ ‫محمد برادة‪،‬‬ ‫ناقد وكاتب من املغرب‬ ‫< سذاجة بعض البش� � ��ر يحققها تصورهم أنهم‬ ‫ميلك� � ��ون إجابة عن أي س� � ��ؤال‪ ،‬حكم� � ��ة الرواية‬ ‫تتحقق م� � ��ن قدرتها على طرح األس� � ��ئلة عن كل‬ ‫شيء‪.‬‬ ‫ميالن كونديرا‪،‬‬ ‫روائي من تشيكوسلوفاكيا‪.‬‬ ‫< فــــ������ي مـجـــتــــم������ع وس������ائــل اإلع���ل��ام اليـــوم‬ ‫والس������وق‪ ،‬يجري االهتم������ام املتزاي������د باحلـــياة‬ ‫اخلاصــــ������ة للكتّــاب أكبر من كتبهــــم‪ .‬يـــش������ــبع‬ ‫هذا الش������كل م������ن الكـــتاب������ة فض������ول القــــارئ‬ ‫واحلاجة إلى «قـــــيل وقال القــرية»‪ ،‬فبما يخص‬ ‫حــــــياة الك ّت������اب‪ ،‬زواجــــهم‬ ‫وطــالقــــه������م‪ ،‬األطــــــف������ال‪،‬‬ ‫خلفي������ة العائل������ة‪ ،‬وضعـــهم‬ ‫الصـــح������ي‪ ...‬إل������خ‪ .‬م������ن‬ ‫هنا تتأتى ش������عبية السيرة‬ ‫الذاتية‪.‬‬ ‫كيرسنت توروب‪،‬‬ ‫كاتبة روائية وشاعرة‬ ‫من الدمنارك‪.‬‬ ‫قالوا‬ ‫‪12/6/16 12:56:25 PM‬‬

‫< تدعون� � ��ا مواقع التواصل االجتماعي إلى عالم‬ ‫مواز «مسحوق» أو مسطح من غير نتوء أو تناقض‬ ‫أو تركي� � ��ب‪ ،‬فيرتبط امل� � ��رء باآلخرين عن طريق‬ ‫االبتهال أو االحتفاء مبا يستس� � ��يغه‪ ،‬ويتحول إلى‬ ‫معجب فحسب‪ ،‬ويُغفل أن ذاته متعددة املستويات‬ ‫وينفي عنها التناق� � ��ض‪ .‬وفضائل العالم الرقمي‬ ‫كثي� � ��رة‪ ،‬ولكن إذا انزلقنا إل� � ��ى دوامته ووقعنا في‬ ‫أسرها خسرنا اخلصوصية‪ ،‬التي متس احلاجة‬ ‫إليها في صوغ الذات وتنميتها‪.‬‬ ‫ديفيد ميكيكس‪،‬‬ ‫كاتب من الواليات املتحدة األمريكية‪.‬‬ ‫< حني أُسأل عن أفضل كتاب كتبته‪ ،‬أرد بأنني ال‬ ‫أعرف‪ .‬فجميع كتبي متثل بالنس� � ��بة إلي محاولة‬ ‫مللء فراغ أحسس� � ��ت به وملس� � ��ته عندما شرعت‬ ‫في الس� � ��فر عبر العالم‪ .‬أن� � ��ا في النهاية أحب ما‬ ‫كتبت‪ ،‬وجميع كتبي تس� � ��تند‬ ‫إلى بعضه� � ��ا البعض‪ ،‬وهي‬ ‫تتناس� � ��ل من بعضها البعض‬ ‫أيضاً‪ .‬كل واح� � ��د منها كان‬ ‫نتيجة ملا سبقه‪.‬‬ ‫ف‪.‬إس نايبول‪،‬‬ ‫كاتب من ترينداد‪،‬‬ ‫حاصل على «نوبل»‬ ‫يتقمص اليوم عديد األفراد دور الضحية للحصول‬ ‫على اعت� � ��راف أو احترام اجتماعي وهو فيما يبدو‬ ‫م� � ��رض املجتمع� � ��ات احلديثة‪ .‬فإن يح� � ��اول الناس‬ ‫الظهور ف� � ��ي اإلع� �ل��ام كضحايا فه� � ��ذا دليل على‬ ‫م� � ��رض املجتمع ال� � ��ذي همش الكثير م� � ��ن األفراد‬ ‫واملجموع� � ��ات االجتماعي� � ��ة‪ .‬فمحاول� � ��ة متثيل دور‬ ‫الضحية هي شكل من أشكال التوازن والتعويض‪.‬‬ ‫أكسيل هونيث‪،‬‬ ‫أكادميي من أملانيا‪.‬‬ ‫‪35‬‬

‫‪jan 34-35.indd 35‬‬


‫استطالع‬

‫رحلة فاس ومكناس‪...‬‬ ‫تمنح شهية لحياة أخرى‬

‫بقلم وعدسة د‪ .‬بلكبير بومدين ‪ -‬كاتب وباحث من الجزائر‬ ‫ظ َّل���ت «مكن���اس» المدينة األمازيغية التي تعتلي الهضبة ويحرس���ها‬ ‫األطل���س المتوس���ط م���ن الجن���وب وتالل م���ا قب���ل الريف من الش���مال‪،‬‬ ‫مختلفة عن المدن التي سبق أن زرناها‪ ،‬وال تشبه أي مدينة مغربية أخرى‬ ‫بقدر ما تش���به «فاس»‪ ،‬وعلى الرغم من أن المدينة كانت تاريخي ًا ضمن‬ ‫مجموع���ة من المناط���ق التابعة لس���لطة إقليم فاس المع���روف بوفرة‬ ‫الحب���وب والمواش���ي والثم���ار‪ ،‬فإنها لم تك���ن كبقية المناط���ق التي ال‬ ‫س���لطة لقاطنيها عليها‪ ،‬ولم يكن أهلها األش���راف والنبالء يقتسمون‬ ‫المحاصي���ل‪ ،‬الت���ي يزرعونه���ا بأنفس���هم‪ ،‬م���ع أهل ف���اس أو م���ع الملك‬ ‫وحاش���يته‪ ،‬كم���ا كان يفع���ل بقية الس���كان الذين يعيش���ون في أغلب‬ ‫المناطق األخرى‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫‪12/6/16 12:57:29 PM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 36‬‬


‫يظ ّ ُل التاريخ ب� � ��كل ما يعنيه من رمزية في كل‬ ‫من «فاس» و«مكناس» هو األصل والقلب النابض‬ ‫للمدينتني‪ ،‬إنه النافذة التي يرى من خاللها الزوار‬ ‫والسياح وجه املدينتني احلقيقي‪ ،‬فال معنى لهما‬ ‫من دون معاملهما التاريخية العريقة وخزينة تراثهما‬ ‫الغني� � ��ة واملتنوعة في الثقافة والعلم واألدب‪ .‬ومن‬ ‫مي� � ��ش في دروبهما ويتجول في أزقتهما يدرك أن‬ ‫التحول والتغير اللذين شهدتهما احلياة العصرية‪،‬‬ ‫والتطاول في العمران واملباني احلديثة لم تنل من‬ ‫تلك السمة األصيلة املميزة للمدينتني‪.‬‬

‫الطريق إلى مكناس‬

‫م� � ��ن طنجة إلى مكناس ركبن� � ��ا القطار‪ ،‬الذي‬ ‫انطل� � ��ق بنا في موعده وس� � ��ط جن� � ��ة خضراء من‬ ‫السهول والهضاب‪ ،‬كان الطقس جمي ً‬ ‫ال هذا اليوم‬ ‫ومناس� � ��باً للسفر؛ الس� � ��ماء زرقاء صافية كفطرة‬ ‫النقاء واجلمال الداخلي التي ُفطر عليها اإلنسان‬ ‫املغربي‪ ،‬والش� � ��مس مشرقة كإشراق من م ّروا من‬ ‫هنا‪ ،‬وتركوا نور شمس� � ��هم ينير الدنيا من بعدهم‪.‬‬

‫ولكن اخلجل مينعها من الظهور كاملة‪ ،‬هكذا هي‬ ‫الشمس املصاحبة لنا‪ ،‬تظهر ثم تتوارى‪ ،‬ثم تظهر‬ ‫من جديد‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬ ‫اختيار القط� � ��ار للتنقل بني املدن املغربية كان‬ ‫مبنزلة اخليار األفضل مقارنة باخليارات األخرى‬ ‫املتاح� � ��ة أمامنا‪ ،‬على اعتبار أن� � ��ه يتيح لنا إمكان‬ ‫تعظيم فرصة االس� � ��تمتاع بلذة التأمل التي تولد‬ ‫من خط س� � ��يره‪ ،‬الذي يش� � ��ق فيه ألواناً جغرافية‬ ‫متنوع� � ��ة ومتعددة نحو تاريخ ض� � ��ارب في أعماق‬ ‫مس� � ��ار املجتمع املغرب� � ��ي‪ ،‬ومينحنا ذل� � ��ك اإليقاع‬ ‫فرص� � ��ة إدراك ذل� � ��ك اجلم� � ��ال والث� � ��راء والتنوع‪،‬‬ ‫والغرق في حالة رومانس� � ��ية م� � ��ع املكان والزمان‪.‬‬ ‫ينقلنا من لوحة فنية إلى أخرى أكثر سحراً منها‪،‬‬ ‫حيث األشجار رئة العالم والطبيعة التي لم تبخل‬ ‫على املغ� � ��رب من جمالها‪ ،‬ولم حت� � ��رم الناظر من‬ ‫السفر في بهائها‪.‬‬ ‫أراض للزراع� � ��ة والفالح� � ��ة مترامية على مد‬ ‫البصر‪ ،‬وم� � ��واش وحيوانات يتنعم� � ��ون بخيراتها‪.‬‬ ‫عال� � ��م آخر ال يعرف� � ��ه أو يدركه إال م� � ��ن رآه رؤية‬

‫األسواق الشعبية‬ ‫‪38‬‬

‫‪12/6/16 12:57:40 PM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 38‬‬


‫استطالع‬

‫األبراج العالية في مكناس‬

‫العني وع� � ��اش حلظة االفتتان به ولذتها‪ .‬واألرض‬ ‫مرتوية‪ ،‬ألن الس� � ��ماء لم تبخل ولن ترضى أن ترى‬ ‫اجلفاف يدق باب ه� � ��ذا اجلمال األبدي‪ .‬األرض‬ ‫خصبة‪ ،‬فمكناس من أكثر املدن في املغرب إنتاجاً‬ ‫للمحاصيل الزراعية؛ حيث املناخ املناسب وغزارة‬ ‫سقوط األمطار‪.‬‬ ‫منر مبحطات عديدة ويتوقف القطار في كل‬ ‫محطة‪ ،‬حلظات‪ .‬منر بنس� � ��اء قرويات منحنيات‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بأيد صقلتها الظروف القاسية ميسكن مبناجلهن‪،‬‬ ‫وبإرادة قلّما جتدها يقطعن احلشائش ويحملنها‬ ‫على عربة يجرها بغل أو حمار‪.‬‬ ‫تلك املرأة التي تنسى أنوثتها وأنانيات النساء‬ ‫وداللهن‪ ،‬ترمي بكل ش� � ��يء خلف ظهرها من أجل‬ ‫خبز أبنائها وبقاء عائلتها‪ ...‬تلك املرأة التي تشقى‬ ‫وتتعب خارج البي� � ��ت وداخله‪ ،‬حري بنا أن نخجل‬ ‫منها‪ ،‬وأن نق ّبل األرض التي تطأ عليها قدماها‪.‬‬ ‫مث� � ��ول الطبيع� � ��ة به� � ��ذا الش� � ��كل ال يحيل إلى‬ ‫الدهشة فقط‪ ،‬بقدر ما يجعلك تدخل في حلظة‬ ‫صمت طويلة‪ ،‬وتأمل عميق جداً ترى فيه فلس� � ��فة‬ ‫اجلمال والعش� � ��ق كيف جتلت ف� � ��ي تناغم األرض‬ ‫رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح شهية حلياة أخرى‬ ‫‪12/6/16 12:57:45 PM‬‬

‫والنبات والشمس والسماء‪.‬‬ ‫ملا توقف القطار في محطة «س� � ��يدي قاسم»‬ ‫نزل� � ��ت امرأة ف� � ��ي عقدها الثالث تلبس س� � ��رواالً‬ ‫وقميصاً أخضرين وجت� � ��ر حقيبة خضراء‪ .‬فجأة‬ ‫تركت حقيبته� � ��ا خلفها ومضت مس� � ��رعة باجتاه‬ ‫عجوز تلبس بدورها «جلبية» خضراء‪ ،‬ملا اقتربتا‬ ‫من بعضهما البعض دخلتا في حلظة عناق طويلة‬ ‫باألحضان في مش� � ��هد مؤثر‪ .‬إذا هناك حكاية مع‬ ‫اللون األخضر‪ ،‬فنحن جزء من األماكن التي ولدنا‬ ‫وأقمنا فيها‪ ،‬نحمل ذلك في جيناتنا وسلوكياتنا‪.‬‬ ‫عل� � ��ى جنبات الطريق أش� � ��جار زيت� � ��ون ونخل‬ ‫وصنوب� � ��ر وأش� � ��جار أخرى‪ ،‬مس� � ��اكن صغيرة هنا‬ ‫وهناك‪ ،‬حمير فوقها س� �ل��ال ممتلئة على آخرها‬ ‫إلى أن فاضت باحلشائش على اجلنبات‪.‬‬

‫مكناس املدينة‬

‫مدينة مكناس مشهورة بجودة أشجار زيتونها‬ ‫ونوعية عنبها الرفيعة‪ ،‬حيث يصدر زيت الزيتون‬ ‫والعنب املكناس� � ��ي إلى دول أوربية مختلفة ودول‬ ‫عاملية أخرى‪.‬‬ ‫‪39‬‬

‫‪jan 36-63.indd 39‬‬


‫استطالع‬

‫سقاية لعدول في مكناس‬

‫ف� � ��ي مكناس التي يعود تأسيس� � ��ها إلى القرن‬ ‫الرابع قبل امليالد‪ ،‬والتي يرجع بروز اس� � ��مها إلى‬ ‫قبيلة مكناس� � ��ة األمازيغية التي اس� � ��توطنتها عام‬ ‫‪711‬م‪ ،‬تش� � ��م رائحة التاريخ وعبق التراث‪ .‬املدينة‬ ‫الت� � ��ي حافظت عل� � ��ى إرثها العتي� � ��ق الضارب في‬ ‫القدم‪ ،‬واستماتت في الدفاع عن معاملها ورموزها‬ ‫من� � ��ذ آالف الس� � ��نني‪ ،‬خصوص � � �اً أنها اس� � ��تمدت‬ ‫اس� � ��مها من كلمة محارب في اللغ� � ��ة األمازيعية؛‬ ‫فاملدينة اليوم تزخر مبجموعة مهمة من األبواب‬ ‫التاريخي� � ��ة العمالقة وعديد م� � ��ن األبراج العالية‪،‬‬ ‫كب� � ��اب البردعيني‪ ،‬وب� � ��اب جديد‪ ،‬وب� � ��اب منصور‬ ‫لعلج‪ ،‬وباب اخلميس‪ .‬كما تفتخر بقصر املنصور‪،‬‬ ‫وال� � ��دار الكبيرة‪ ،‬وس� � ��احة الهدمي‪ ،‬والل� � ��ة عودة‪،‬‬ ‫واجلوام� � ��ع العريقة مبآذنها الش� � ��امخة‪ ،‬والزوايا‬ ‫واألضرح� � ��ة املنتش� � ��رة هنا وهن� � ��اك‪ ،‬وغيرها من‬ ‫رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح شهية حلياة أخرى‬ ‫‪12/6/16 12:58:10 PM‬‬

‫املعال� � ��م األثرية والتاريخية األخ� � ��رى‪ .‬وتؤكد أهم‬ ‫املصادر واملراج� � ��ع التاريخي� � ��ة أن مدينة مكناس‬ ‫كانت عب� � ��ارة عن مجموعة من القرى واملداش� � ��ر‬ ‫املتناثرة هنا وهناك‪ ،‬وقد سطع بريقها واخترقت‬ ‫ش� � ��هرتها اآلفاق عندما اختارها السلطان العلوي‬ ‫إسماعيل في عام ‪1672‬م عاصمة مللكه الذي امتد‬ ‫ألكثر من نصف قرن من الزمن‪.‬‬ ‫املدين� � ��ة التي كانت منطقة عبور واس� � ��تقرار؛‬ ‫م� � ��ن املرابطني إل� � ��ى املوحدين إل� � ��ى املرينيني إلى‬ ‫العلويني‪ ،‬عرفت شعوباً وأقواماً وثقافات متنوعة‬ ‫مثل األندلس� � ��يني‪ ،‬األمازيغ‪ ،‬األدارس� � ��ة‪ ،‬اإلسبان‪،‬‬ ‫املوحدون‪ ...‬إلخ‪ .‬وكانت من أهم احلواضر وأبرز‬ ‫العواصم في تاريخ الغرب اإلسالمي‪ .‬املدينة التي‬ ‫تلبس األصالة وتتزين بتقاليدها التي تعكس عمق‬ ‫حضارتها ومتان� � ��ة ثقافته� � ��ا‪ ،‬مت تصنيفها كتراث‬ ‫‪43‬‬

‫‪jan 36-63.indd 43‬‬


‫استطالع‬

‫السجاد املغربي العريق‬

‫كل ي� � ��وم اثنني‪ ،‬فيح� � ��ج إلـــــيه عــــــ� � ��دد كثــــــير من‬ ‫أعراب املناطق املجاورة‪ ،‬يأتون بأبقارهم وأغنامهم‬ ‫وسائر أصناف املاش� � ��ية‪ ،‬ويحملون كذلك السمن‬ ‫والصوف‪ ،‬ويباع كل ذلك بأبخس األثمان»‪.‬‬ ‫ويستخلص الوزان أن مكناس مدينة جميلة ذات‬ ‫موارد عظيمة وأسوار جيدة وحصينة جداً‪ ،‬تتمتع‬ ‫مباء طيب يُجلـــب إليها بوس� � ��اطة قناة من مسافة‬ ‫ثالثة أميال خارج املدينة‪ ،‬وتوزع القناة املياه على‬ ‫القصبة واملس� � ��اجد واحلمامات‪ ،‬والطواحني كلها‬ ‫خارج املدينة على مسافة نحو ميلني‪ .‬ويش ِّبه أهل‬ ‫مكناس الش� � ��جعان باجلنود‪ ،‬ويوصفون باملهذبني‪،‬‬ ‫وكلهم جتار أو نبالء أو صناع‪.‬‬ ‫ولي� � ��س من أهل املدينة من يس� � ��تنكف عن أن‬ ‫يحم� � ��ل البذور عل� � ��ى دابته لينقلها إل� � ��ى من يفلح‬ ‫أرضه‪.‬‬

‫تاريخي إنس� � ��اني م� � ��ن قبل «اليونس� � ��كو» في عام‬ ‫‪ 1996‬ميالدية‪.‬‬ ‫وهو م� � ��ا دف� � ��ع كثيري� � ��ن لإلش � � �ـــــادة بجمـــال‬ ‫وهندس � � �ــــة املدينــــة‪ ،‬كاإلدريــــســـــي فــــي «نــــزهة‬ ‫املش� � ��تاق ف� � ��ي اخــــتــــ� � ��راق اآلف� � ��اق»‪ ،‬واملــــــ� � ��ؤرخ‬ ‫واحملقــــــ� � ��ق اب� � ��ن غازي في «ال� � ��روض الهتون في‬ ‫أخبار مكناس� � ��ة الزيتون»‪ .‬وقد وصفها حسن بن‬ ‫محمد الوزان بأنها تقع في سهل بديع جداً‪ ،‬ومير‬ ‫بالقرب منها نهر صغير‪ ،‬وحتيط بها على مسافة‬ ‫ثالثة أمي� � ��ال حدائق عديدة تنت� � ��ج ثماراً ممتازة‪:‬‬ ‫السفرجل والرمان والبرقوق األبيض والدمشقي‬ ‫والعن� � ��اب أو الزفزوف والتني والعنب واملش� � ��مش‬ ‫واخلوخ والزيتون‪ ،‬واألراضي احمليطة بها خصيبة‬ ‫جداً‪.‬‬ ‫ويضيف الوزان أن املدينة في داخلها «حسنة‬ ‫الترتيب والتنسيق‪ ،‬فيها مساجد جميلة‪ ،‬وثــــــالث‬ ‫مدارس للطلبة‪ ،‬ونحـــو عشرة حمامات فـــــي غاية مكناس اجلديدة‬ ‫لم نس� � ��تغرق وقتاً طوي ً‬ ‫ال في املدينة اجلديدة‬ ‫السعة‪ .‬ويعقد السوق خارج املدينة قرب األسوار‬ ‫رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح شهية حلياة أخرى‬ ‫‪12/6/16 12:58:21 PM‬‬

‫‪45‬‬

‫‪jan 36-63.indd 45‬‬


‫عروض غناء الغناوة بساحة الهدمي في مكناس‬

‫التي تسمى كذلك مبنطقة «حمرية»؛ حيث تنتشر‬ ‫املبان� � ��ي والعم� � ��ارات واحملالت العصري� � ��ة‪ ،‬التي‬ ‫تعود للفترة االس� � ��تعمارية في املغرب (االستعمار‬ ‫الفرنسي)‪ ،‬فبعد أن جتولنا في املنطقة التجارية‪،‬‬ ‫ومررن� � ��ا ببناية الزموري‪ ،‬وبناي� � ��ة بيرنار‪ ،‬وعمالة‬ ‫مكن� � ��اس‪ ،‬والقصر البل� � ��دي‪ ،‬والس� � ��وق املركزي‪،‬‬ ‫الحظنا انتش� � ��اراً لقاعات س� � ��ينما تش� � ��هد وضعا‬ ‫متردياً وإهماالً كبيراً؛ كس� � ��ينما كاميرا‪ ،‬وسينما‬ ‫أمبير‪ ،‬وسينما مونديال‪ ،‬وسينما األطلس‪ ،‬وسينما‬ ‫أبولو‪ ،‬أما سينما ريجان فلم يعد لها أي أثر‪.‬‬

‫ساحة الهدمي‬

‫بعد فترة راح� � ��ة قصيرة في الفندق‪ ،‬التقطنا‬ ‫فيها أنفاس� � ��نا‪ ،‬ركبنا س� � ��يارة أجرة باجتاه ساحة‬ ‫«الهدمي»؛ التي ترجع تس� � ��ميتها إلى عملية الهدم‬ ‫التي قام بها السلطان إسماعيل‪ ،‬لتوظيف املكان‬ ‫كمس� � ��احة لتجميع جيوش� � ��ه‪ ،‬واس� � ��تعراضها قبل‬ ‫االنطالق في احلمالت العسكرية التي كان يقوم‬ ‫بها‪ ،‬ما جعل هذه الس� � ��احة تعتب� � ��ر معلماً من بني‬ ‫أهم املعالم الس� � ��ياحية في املدين� � ��ة الضاربة في‬ ‫‪46‬‬

‫‪12/6/16 12:58:25 PM‬‬

‫أعماق التاري� � ��خ‪ ،‬يقصدها الس� � ��ياح والزوار بعد‬ ‫عص� � ��ر كل ي� � ��وم‪ ،‬من كل حدب وص� � ��وب‪ ،‬للفرجة‬ ‫واالس� � ��تمتاع‪ ،‬ملتفني في حلقات متعددة‪ ،‬في كل‬ ‫حلقة عرض مستقل ومنفصل‪ ،‬فهناك فرقة تغني‬ ‫األغاني التراثية‪ ،‬وهناك شخص يحاول مبا أوتي‬ ‫م� � ��ن مهارات في ال� � ��كالم واإلقن� � ��اع أن يؤثر على‬ ‫الناس امللتفني حوله‪ ،‬لغرض تسويق أدوية طبيعية‬ ‫تعالج كل األمراض املستعصية‪ ،‬التي عجز الطب‬ ‫احلدي� � ��ث عن إيجاد حل نهائي له� � ��ا‪ .‬وهناك من‬ ‫ميس� � ��ك بثعبان عظيم‪ ،‬متيح � � �اً فرصة للناس أن‬ ‫يتسلوا به أو يلتقطوا صوراً تذكارية معه‪ .‬وهناك‬ ‫م� � ��ن يعرض مجموعة من «احلروز» والطالس� � ��م‪،‬‬ ‫املتعلقة باجلان والسحر‪ ،‬ويدعي التكلم مع اجلن‪،‬‬ ‫ليدخل في نوبة ال يعرفها إال من ولج هذا العالم‬ ‫الغامض‪ .‬وهناك عديد من العروض األخرى التي‬ ‫سرعان ما تبدأ من جديد بعد أن تنتهي‪.‬‬

‫باب منصور لعلج‬

‫وبالقرب من «س� � ��احة اله� � ��دمي» لفت انتباهنا‬ ‫باب ضخم مزين بألوان زاهية وبزخارف خزفية‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 46‬‬


‫وفسيفسائية‪ ،‬يقف أمامه جمع من الزوار والسياح‬ ‫منبهرين بعظمته اللتق� � ��اط الصور التذكارية من‬ ‫زوايا مختلفة‪ ،‬يس� � ��مى هذا الب� � ��اب «باب منصور‬ ‫لعلج»‪ ،‬ويرجع تأسيسه إلى فترة إسماعيل املولى‪،‬‬ ‫في حني استكمل بناؤه على يد ابنه عبدالله املولى‬ ‫خالل عام ‪1732‬م‪.‬‬

‫وتروي املصادر التاريخــية أن إسماعيل املولى‬ ‫ش� � ��يد مبدينة مكناس قصبة أو قلع� � ��ة ملكية‪ ،‬ثم‬ ‫أحاطها بأس� � ��وار عظيمة امت� � ��دت على طول ‪47‬‬ ‫كيلومت� � ��را أو أكث� � ��ر بقلي� � ��ل‪ ،‬وبعدهــا فت� � ��ح أبواباً‬ ‫في تلك األس� � ��وار‪ ،‬ومن أش� � ��هر تلك األبواب باب‬ ‫«منصور لعلج»‪ ،‬وهو مبنزل� � ��ة مدخل رئيس لتلك‬

‫نظرة إلى فاس القدمية‬ ‫من املريني‬

‫‪48‬‬

‫‪12/6/16 12:58:37 PM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 48‬‬


‫استطالع‬ ‫القصبة من جهة الشمال الغربي‪.‬‬

‫املدرسة «البوعنانية»‬

‫من� � ��ر بجوار مدرس� � ��ة قدمية له� � ��ا باب رئيس‬ ‫ثم باب ثانوي‪ .‬يدفعنا الفضول الكتش� � ��افها‪ ،‬نقرأ‬ ‫الفتة معلق� � ��ة كتب عليها «املدرس� � ��ة البوعنانية»‪،‬‬

‫رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح شهية حلياة أخرى‬ ‫‪12/6/16 12:58:42 PM‬‬

‫في الطابق الس� � ��فلي يخبرنا املرشد أن املدرسة‬ ‫أسسها في البداية السلطان املريني أبو احلسن‪،‬‬ ‫وقد أكمل بناءه� � ��ا فيما بعد ابنه أبو عنان فارس‬ ‫ف� � ��ي عام ‪1345‬م‪ .‬كما يضيف أن املدرس� � ��ة تخرج‬ ‫فيها مئات العلماء واملصلح� �ي��ن واملقرئني لكتاب‬ ‫الله والدعاة‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫‪jan 36-63.indd 49‬‬


‫استطالع‬

‫دكاكني فاس تتنفس عبق التراث‬

‫تتزين املدرس� � ��ة من الداخل بزخارف ونقوش‬ ‫بديع� � ��ة‪ ،‬كما حتتوي على أعمدة وأبواب خش� � ��بية‬ ‫مزخرفة‪ ،‬وتضم قاعة للصالة ومحراباً نقش� � ��ت‬ ‫على جدرانها كتابات وزخارف‪.‬‬ ‫عندم� � ��ا صعدنا إلى الطاب� � ��ق العلوي وجدناه‬ ‫مليئاً بغ� � ��رف طلبة العلم‪ .‬أما في الطابق األخير‪،‬‬ ‫فهناك درج يقودك إلى سطح مبنى املدرسة حيث‬ ‫ترى صورة بانورامية بديعة للمدينة‪.‬‬ ‫وملا تدخل األس� � ��واق املنتش� � ��رة ف� � ��ي الدروب‬ ‫واألحي� � ��اء القدمية‪ ،‬ترى باعة الزرابي‪/‬الس� � ��جاد‬ ‫التقليدي� � ��ة والنحاس واحلرفيني‪ ،‬وبائعي املالبس‬ ‫التقليدية؛ كاجلالبية و«القفط� � ��ان» و«القدوارة»‪،‬‬ ‫فاحمل� �ل��ات ظلت محافظة عل� � ��ى روحها القدمية‬ ‫بالرغ� � ��م من تقلب� � ��ات الزم� � ��ن‪ ،‬ومزاحمة محالت‬ ‫األلبسة احلديثة‪.‬‬ ‫كل تلك الدروب الضيقة جتعلك تس� � ��افر إلى‬ ‫عالم ق� � ��دمي مضت عليه قرون م� � ��ن الزمن‪ ،‬تلك‬ ‫ال� � ��دروب جتعلك تس� � ��ير في أثر األول� �ي��ن‪ ،‬وتتبع‬ ‫رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح شهية حلياة أخرى‬ ‫‪12/6/16 12:59:00 PM‬‬

‫خطوات أقدامهم وتسعى خلف آثارهم ومآثرهم‪،‬‬ ‫من خالل وجودك في األماكن التي عاش� � ��وا فيها‬ ‫بكل ما حملت حياتهم من ثراء وغنى وثقل‪.‬‬ ‫فكم� � ��ا اش� � ��تهرت مدين� � ��ة مكن� � ��اس بج� � ��ودة‬ ‫احملاصي� � ��ل الزراعية وكثرته� � ��ا وتنوعها‪ ،‬وبتراثها‬ ‫ومعامله� � ��ا التاريخية العريقة‪ ،‬فه� � ��ي كذلك مدينة‬ ‫العلم والثقاف� � ��ة واألدب‪ ،‬وقد أجنب� � ��ت كثيراً من‬ ‫األع� �ل��ام واألدب� � ��اء والعلم� � ��اء؛ كاحملق� � ��ق واملؤرخ‬ ‫واألدي� � ��ب اب� � ��ن القاض� � ��ي (‪1616-1553‬م)‪ ،‬الذي‬ ‫ولد مبكناس وتوفي في مدينة فاس‪ ،‬ونذر حياته‬ ‫لتحصيل العل� � ��م والتدريس والتصنيف والتأليف‪،‬‬ ‫وقد اش� � ��تهر في مؤلفاته وكتب� � ��ه مبنهجه الدقيق‬ ‫والرص� �ي��ن‪ ،‬نظ� � ��راً لغنى ثقافته وتن� � ��وع مصادره‪،‬‬ ‫م� � ��ا جعله يكت� � ��ب مؤلفات ثمينة ف� � ��ي موضوعات‬ ‫متنوع� � ��ة (التاري� � ��خ‪ ،‬علوم األدب‪ ،‬عل� � ��وم األوائل‪،‬‬ ‫الش� � ��عر‪ ،‬الرياضي� � ��ات وعلم احلس� � ��اب)‪ .‬واملؤرخ‬ ‫املكناسي عبدالرحمان بن زيدان (‪1946-1878‬م)‬ ���الذي نش� � ��أ وتعلم مبكناس وأمت دراس� � ��ته بجامعة‬ ‫‪51‬‬

‫‪jan 36-63.indd 51‬‬


‫استطالع‬

‫جامع القرويني العريق في فاس‬

‫القروي� �ي��ن بفاس‪ ،‬حيث خصص ج� � ��زءاً مهماً من‬ ‫حياته في االشتغال على مؤلفه الضخم «إحتاف‬ ‫أعالم الن� � ��اس بجمال أخبار حاض� � ��رة مكناس»‪،‬‬ ‫وقد طبعت منه خمس� � ��ة أجزاء من أصل ثمانية‪.‬‬ ‫كما جمع ه� � ��ذا العالم املعروف بش� � ��غفه بالتاريخ‬ ‫اإلس� �ل��امي وتاريخ املغ� � ��رب خصوصاً‪ ،‬خزانة من‬ ‫الكتب النفيس� � ��ة واملخطوطات الن� � ��ادرة في بيته‬ ‫مبدين� � ��ة مكناس‪ ،‬تعد من أكبر وأهم اخلزائن في‬ ‫املغرب التي يقصدها طالب العلم والباحثني من‬ ‫داخل البلد وخارجه‪.‬‬

‫مدين� � ��ة مغربية‪ ،‬بادر بالقول‪« :‬نحن ش� � ��عب واحد‬ ‫وال نكترث ملا يقوله رجال احلكم والسياسة‪ ،‬وما‬ ‫بينن� � ��ا أكبر بكثير من هكذا حماقات‪ ،‬فاجلغرافيا‬ ‫والتاريخ والدين واللغة والثقافة كلها جتمعنا»‪.‬‬ ‫بحنني كبير يس� � ��ترجع املغارب� � ��ة ذكرياتهم في‬ ‫اجلزائر وصور أناس أحبوهم أو عرفوهم‪ ،‬وبألم‬ ‫مخل� � ��وط بأمل ينتظرون أن تنف� � ��رج األمور‪ .‬تبقى‬ ‫العالقة قوية ومتماس� � ��كة بني الش� � ��عبني املغربي‬ ‫واجلزائري وال تخضع ألي ابتزاز وبعيدة عن كل‬ ‫املراهنات الظرفية‪.‬‬

‫محطة األمير عبدالقادر‬

‫الطريق إلى فاس‬

‫قصدن� � ��ا محط� � ��ة مكن� � ��اس‪ ،‬محط� � ��ة «األمير‬ ‫عبدالقادر»؛ وما يحيل عليه هذا االسم من أواصر‬ ‫متينة بني الش� � ��عبني املغربي واجلزائري‪ ،‬وهو ما‬ ‫جتس� � ��د في مشاركة كثير من املغربيني في الثورة‬ ‫اجلزائري� � ��ة‪ ،‬بعضهم فض� � ��ل اإلقامة في اجلزائر‬ ‫بعد االس� � ��تقالل‪ .‬فكلما التقي� � ��ت مبغربي في أي‬ ‫رحلة فاس ومكناس‪ ...‬متنح شهية حلياة أخرى‬ ‫‪12/6/16 12:59:09 PM‬‬

‫كان صباح � � �اً جمي ً‬ ‫ال على الرغم من نس� � ��ائم‬ ‫البرد التي تلفح الوجوه‪ ،‬فالش� � ��مس أبت أن تظهر‬ ‫وتش� � ��رق وجتمل ش� � ��وارع ودروب مكناس‪ ،‬أغلب‬ ‫احمل� �ل��ات والبنوك واملؤسس� � ��ات واإلدارات كانت‬ ‫مغلق� � ��ة‪ ،‬ال تفتح ف� � ��ي وقت مبكر‪ ،‬ع� � ��دا املقاهي‬ ‫مفتوحة ومش� � ��رعة على روادها‪ .‬من مكناس إلى‬ ‫‪53‬‬

‫‪jan 36-63.indd 53‬‬


‫من أزه� � ��ار الربيع وورده التي حتي� � ��ط بنا من كل‬ ‫اجلهات‪.‬‬

‫الوصول إلى فاس‬

‫براعة الزخارف والرسوم في فاس‬

‫فاس عبر بنا القطار قطعة من اجلنة اخلضراء؛‬ ‫حقول من أش� � ��جار الزيتون‪ ،‬تلك الشجرة املباركة‬ ‫التي حلف بها الله في كتابه املجيد‪ ،‬الزيتون الذي‬ ‫حملت حمامة س� �ل��ام أغصانه ف� � ��ي إعالن مبدأ‬ ‫احلياة ضد فلس� � ��فة املوت‪ ،‬الزيتون وس� � ��فينة نوح‬ ‫التي ركب� � ��ت الطوفان رغبة في اإلعمار والوجود‪.‬‬ ‫زيتونة ال شرقية وال غربية‪ ،‬زيتونة مباركة مغربية‬ ‫عربية أمازيغية‪.‬‬ ‫من� � ��ر بعديد م� � ��ن حق� � ��ول األش� � ��جار املثمرة‬ ‫األخرى‪ ،‬نعبر س� � ��كنات مترامية وموزعة كالنجوم‬ ‫في س� � ��ماء هذا الفضاء البيئ� � ��ي الهادئ واملنقطع‬ ‫النظي� � ��ر‪ .‬جتلبنا تل� � ��ك الصور الطبيعي� � ��ة وتخلبنا‬ ‫بتعدده� � ��ا ومس� � ��توياتها اجلمالية‪ ،‬ويغلبنا س� � ��حر‬ ‫ذوبان مكون� � ��ات الطبيعة وقدرته� � ��ا على التناغم‪،‬‬ ‫كلحن صوفي ينفذ إل� � ��ى أعماق الوجدان‪ ،‬تطرب‬ ‫به الروح وينتش� � ��ي به القلب العاش� � ��ق للجمال في‬ ‫خدر لذيذ‪ ،‬جتعل اجلس� � ��د يبتهج بهذا الكون من‬ ‫قمة ال� � ��رأس إلى أخمص القدمني‪ ،‬على بس� � ��اط‬ ‫‪56‬‬

‫‪12/6/16 12:59:25 PM‬‬

‫فاس املكتظة بالناس‪ ،‬في شوارعها وحاراتها‬ ‫ودروبه� � ��ا يصطف باع� � ��ة التمر والكعك والس� � ��لع‬ ‫املقل� � ��دة‪ ،‬ويجلس الناس في املقاهي الس� � ��ترجاع‬ ‫األنفاس ورش� � ��ف الشاي املعشب بالنعناع‪ ،‬وتبادل‬ ‫الضحكات والهمس� � ��ات واحلكاي� � ��ات املهربة‪ .‬في‬ ‫ف� � ��اس تلبس النس� � ��وة «اجللبي� � ��ة» املغربية ويلبس‬ ‫الرج� � ��ل اللب� � ��اس التقلي� � ��دي‪ ،‬والنس� � ��وة رائحات‬ ‫وقادمات يحملن فل� � ��ذات أكبادهن على ظهورهن‬ ‫أو في أحضانهن بقطعة قماش تلف أبناءهن‪.‬‬ ‫في الطريق إلى «املريني» ندخل أبواباً ونخرج‬ ‫من أق� � ��واس‪ ،‬ثم نتجاوز أس� � ��واراً وأبواباً‪ ،‬متر بنا‬ ‫س� � ��يارة األجرة على قصور ومبان تاريخية‪ .‬نصل‬ ‫إلى املريني‪ ...‬عشرات السياح ينظرون من قمتها‬ ‫إلى املدينة القدمية‪ ،‬ويلتقطون الصور البانورامية‬ ‫للمدين� � ��ة القدمية م� � ��ن عل‪ .‬اله� � ��واء صاف ونقي‬ ‫وأصوات الطي� � ��ور متأل املكان ورائح� � ��ة الطبيعة‬ ‫تفاعل مكوناتها‪ ،‬كأنك تش� � ��م اله� � ��واء في الريف‬ ‫أو البادي� � ��ة؛ اله� � ��واء الذي تختلط مع� � ��ه مخلفات‬ ‫احليوانات ورائحة احلشائش واألزهار‪.‬‬ ‫أس� � ��راب من الطيور املختلف أش� � ��كالها حتط‬ ‫وتطير‪ ،‬وأشجار زيتون شاهدة على تاريخ املكان‪،‬‬ ‫ثم منظر ش� � ��امل للمدينة القدمية التي تظهر في‬ ‫صورة تش� � ��م منها عبق التاريخ‪ ،‬وت� � ��رى فيها تتبع‬ ‫خطوات من سبقونا‪.‬‬ ‫املنظر ذكرني بجبل قاس� � ��يون األش� � ��م‪ ،‬صوت‬ ‫غ� � ��راب ينع� � ��ق‪ ،‬والنح� � ��ل يتقاف� � ��ز ف� � ��وق الزهر‪،‬‬ ‫وفراش� � ��تان ترفرف� � ��ان كأنهم� � ��ا روح� � ��ان ب ّرحهما‬ ‫الهوى‪ .‬وش� � ��يوخ وكهول في حلقة مجتمعون حتت‬ ‫شجرة زيتون فارعة الطول‪ ،‬منهمكون بلعبة الورق‬ ‫ويتحدثون بصوت مس� � ��موع ضارب� �ي��ن العالم من‬ ‫حولهم بركلة المباالة‪ ،‬يعيش� � ��ون عاملهم‪ ،‬ويتسلون‬ ‫بأحالمهم الصغيرة رامني املس� � ��تحيل خلف ظهر‬ ‫عاملهم اخلاص والبسيط الذي صنعوه بطبيعتهم‬ ‫وسليقتهم‪.‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 56‬‬


‫الواقف على هذا املرتفع ميتلئ صدره بالهواء‬ ‫النق� � ��ي الصافي وتفي� � ��ض روحه بجم� � ��ال ورهبة‬ ‫امل� � ��كان واملنظر‪ .‬إن� � ��ك في فاس ي� � ��ا صديقي‪...‬‬ ‫عشها كاملة‪ ...‬وسافر في آثار األولني‪ ...‬وال تعد‬ ‫إال وأنت ممتلئ بتلك الروحانية الباطنية‪ ...‬وعد‬ ‫كما لم تكن‪ ...‬وعد شخصا آخر وإنساناً جديداً‪،‬‬ ‫يرى الكون بعيون ش� � ��اعر‪ ،‬ويس� � ��مع أنغام أحلانه‬ ‫بأذن فنان‪ ،‬ويتذوق انس� � ��جامه وتناس� � ��ق أشكاله‬ ‫كرس� � ��ام‪ ،‬ويشعر بكل حركاته وس� � ��كناته كناسك‪،‬‬ ‫ويتأمله ويلمسه كقديس‪ ...‬هذه فاس يا صديقي‬ ‫وهذا أنت العاشق واملتيم بفتنتها‪ ،‬واملنحني رهبة‬ ‫وإج� �ل��االً جلماله� � ��ا وفتنتها‪ ...‬حناني� � ��ك يا فاس‬ ‫حنانيك‪ ...‬ستغرق يا صديقي‪ ...‬رويدك‪ ...‬توغل‬ ‫برفق فبحرها عميق وسرها بعيد‪...‬‬ ‫«فاس اجلديدة» ظلمت بهذا االسم‪ ،‬ألن عبق‬ ‫التاريخ وأريجه اليزاالن يعطران املكان‪ .‬واألسوار‪،‬‬ ‫والنه� � ��ر العابر‪ ،‬والعصافي� � ��ر‪ ،‬واملقاهي القديــمة‬ ‫والعتيق� � ��ة‪ ،‬واحلــدائ� � ��ق‪ ،‬واألب� � ��واب‪ ،‬واألق� � ��واس‪،‬‬ ‫واملطاعم التي تقدم الوجبات املغربية التقليدية‪،‬‬ ‫والناس وصراخ األطفال‪ ،‬واملتس� � ��ولون واملجانني‬ ‫والعق� �ل��اء‪ ،‬إنه� � ��ا اخللطة الس� � ��حرية التي تعطي‬ ‫للمكان والزمان نكهتهما ومعناهما احلقيقي‪.‬‬

‫التاريخ حاضر ًا بكل تفاصيله‬ ‫في أزقة ودروب فاس العتيقة‬

‫املدينة القدمية في فاس‬

‫مبجرد أن تطأ قدمك «املدينة القدمية» تدرك‬ ‫أنك دخلت آلة للزمن‪ ،‬رجعت بك إلى قرون خلت‪،‬‬ ‫هي إذن فاس القدمية‪ ،‬فاس التاريخ‪ ،‬فاس الوصل‬ ‫بني اجلغرافيا والتاريخ‪ ،‬فاس القرويني‪ ،‬والزوايا‬ ‫التعليمية والدينية‪ ،‬فاس املدارس‪ ،‬فاس احلارات‬ ‫والدروب الضيق� � ��ة‪ ،‬التي ال تدخلها الس� � ��يارات‪،‬‬ ‫يستعينون على قضاء حوائجهم باحلمير والبغال‪،‬‬ ‫فاس األسواق؛ العطارين‪ ،‬والدباغني‪ ،‬والصفارين‪.‬‬ ‫األقمصة و«القفاطن» التقليدية للرجال والنساء‬ ‫تصن� � ��ع يدوياً وتخاط وترس� � ��م نقوش� � ��ها باإلبرة‬ ‫واخليط يدوي � � �اً‪« ،‬الزرابي» القدمية واملنس� � ��وجة‬ ‫باليد وبخيوط املهارة وإتقان حرفة الصبر‪ ،‬جلود‬ ‫احليوان طبيعية تدبغ‪ ...‬إلخ‪ ،‬البهارات‪ ،‬والعقاقير‬ ‫كأنك في شوارع دلهي‪ ،‬التحف التقليدية‪ ،‬والنقش‬ ‫على اخلش� � ��ب‪ ،‬وصناعة النحاس والنقش عليه‪،‬‬ ‫‪58‬‬

‫‪12/6/16 1:02:07 PM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 58‬‬


‫اخلضر والفواكه‪ ،‬واأللبس� � ��ة املستعملة‪ ،‬واملطاعم‬ ‫املنتشرة‪ ،‬واملقاهي املوزعة على الدروب والفنادق‪،‬‬ ‫والناس في غدوهم ورواحهم‪.‬‬ ‫وفي هذا الصدد‪ ،‬يرى أبو الفدى صاحب حماه‬ ‫في «تقومي البلدان» أن فاس مدينتان؛ يشق بينهما‬ ‫نهر‪ ،‬وفي فاس عيون عدة جتري‪ ،‬وللمدينتني ثالثة‬ ‫عشر باباً‪ ،‬واملياه جتري بأس� � ��واقهما‪ ،‬وديارهما‪،‬‬ ‫وحماماتهما‪ .‬وليس باملغرب وال باملش� � ��رق مثلهما‬ ‫في هذا الش� � ��أن‪ .‬وهي مدينة محدثة إس� �ل��امية‪،‬‬ ‫ونقل ابن سعيد عن احلجازي‪ ،‬أنهم ملا شرعوا في‬ ‫حفر هذه املدينة‪ ،‬وجدوا فأساً في موضع احلفر‪،‬‬ ‫فس ّميت بذلك‪ .‬وعلى أنهارها نحو ستمائة حجر‬ ‫رحى ت� � ��دور باملاء دائم � � �اً‪ .‬وأهله� � ��ا مخصوصون‬ ‫برفاهي� � ��ة العيش‪ ،‬ولفاس قلع� � ��ة بأرفع مكان بها‪،‬‬ ‫ويشق القلعة نهر‪ ،‬وفي فاس ثالثة جوامع‪ ،‬يخطب‬ ‫فيها‪ .‬ومنها إلى سبتة عشرة أيام‪ ،‬ومخرج نهرها‬ ‫على نصف يوم‪ .‬من فاس يجري في مرج وأزاهر‪،‬‬ ‫حتى يدخلها‪.‬‬

‫أما احلسن بن محمد الوزان الفاسي املعروف‬ ‫باس� � ��م «ليون اإلفريقي»‪ ،‬وال� � ��ذي فرت عائلته من‬ ‫غرناطة بعد سقوطها إلى فاس‪ ،‬ومن فاس جاب‬ ‫فيحدثنا عن فاس املدينة العظمى؛‬ ‫مدن العال� � ��م‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫التي أسس� � ��ها ش� � ��خص يدعى إدري� � ��س‪ ،‬وهو من‬ ‫أقرب� � ��اء هارون الرش� � ��يد‪ ،‬فيصفه� � ��ا بأنها مدينة‬ ‫كبيرة جداً‪ ،‬حتيط بها أس� � ��وار متينة عالية‪ ،‬وتكاد‬ ‫تكون كلها مش� � ��يدة على تالل‪ ،‬حيث إن وس� � ��طها‬ ‫وحده هو املس� � ��توي‪ ،‬وليس على اجلوانب األربعة‬ ‫إال املنح� � ��درات‪ .‬ويدخ��� � ��ل امل� � ��اء إل� � ��ى املدينة من‬ ‫نقطتني‪ ،‬مير أحد ف� � ��روع النهر بالقرب من فاس‬ ‫اجلدي� � ��دة جنوباً‪ ،‬ويدخل الف� � ��رع اآلخر إليها من‬ ‫جه� � ��ة الغرب‪ .‬وبعد دخول املاء إل� � ��ى املدينة يوزع‬ ‫بوس� � ��اطة عدد من القنوات‪ ،‬تسوق معظمه لدور‬ ‫الس� � ��كان ورجال احلاش� � ��ية امللكية وسائر األبنية‬ ‫األخرى‪ .‬فلكل جامع أو مسجد حقه في هذا املاء‪،‬‬ ‫وكذلك املدارس والفنادق واملالجئ‪ .‬وتوجد قرب‬ ‫املساجد ميضآت عامة‪ ،‬وهي أبنية مربعة الشكل‬

‫جامع القرويني في فاس‬ ‫‪60‬‬

‫‪12/6/16 1:02:16 PM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 60‬‬


‫حتيط بها كنائف ذات أب������واب قصيرة‪ ،‬وفي كل‬ ‫كنيف مغسلة يخرج املاء إليها من اجلدار ويسيل‬ ‫في ساقية من رخام‪.‬‬ ‫وحيث إن التيار قوي فإن املاء ينظف امليضأة‬ ‫ويدفع هكذا جميع قاذورات املدينة إلى النهر‪.‬‬ ‫كم������ا يخبرنا الوزان أن الدور في فاس مبنية‬ ‫باآلج������ر واحلج������ر املنحوت بدق������ة‪ ،‬ومعظم هذا‬ ‫احلجر جميل ومزدان بفسيفساء بهيجة‪ .‬وكذلك‬ ‫األفني������ة واألروق������ة مبلطة بزلي������ج مربع مختلف‬ ‫األلوان‪ .‬وقد اعتاد الناس أن يصبغوا الس������قوف‬ ‫ويحدثنا‬ ‫بأل������وان زاهية مثل ال���ل��ازورد والذهب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عن حوالي س������بعمائة جامع ومسجد‪ ،‬واملساجد‬ ‫أماك������ن صغي������رة للصالة‪ 50 ,‬من ه������ذه اجلوامع‬ ‫كبيرة حس������نة البناء‪ ،‬مزدانة بأعمدة من الرخام‬ ‫أو غيره م������ن احلجر الذي ال يُ������رى مثله إال في‬ ‫إيطاليا‪.‬‬ ‫وتدع������م جميع األعم������دة عوارض مكس������وة‬ ‫بالزلي������ج أو اخلش������ب املنقوش بدقة‪ .‬وس������قوف‬ ‫اجلوان������ب مصنوعة على الطريق������ة األوربية‪ ،‬أي‬ ‫من أل������واح‪ ،‬واألرض مفروش������ة بالزليج ومغطاة‬ ‫بحصر ف������ي غاية اجلمال‪ ،‬مخي������ط بعضها إلى‬ ‫بعض مبهارة‪ ،‬بحيث ال ي������رى الزليج‪ .‬واجلدران‬ ‫كذلك مغطاة بحصر‪ ،‬لكن بقدر قامة اإلنس������ان‬ ‫فقط‪.‬‬

‫جامع القرويني‬

‫دلفنا إل������ى جامع القروي���ي��ن (‪859‬م)‪ ،‬الذي‬ ‫تعتبر اجلامعة امللحقة ب������ه من أقدم اجلامعات‬ ‫في العالم‪ ،‬حس������ب املؤرخني وموسوعة جينيس‬ ‫لألرقام القياسية و«اليونس������كو»‪ ،‬وهو من أولى‬ ‫املؤسس������ات العلمي������ة التي كان لها الس������بق في‬ ‫ابتكار الكراس������ي العلمية املتخصصة والدرجات‬ ‫العلمية ف������ي العالم‪ ،‬التي كان ينهل منها طالب‬ ‫العلم من كل حدب وصوب‪.‬‬ ‫هذا اجلامع العظيم مبساحته املعتبرة‪ ،‬الذي‬ ‫تلفه عش������رات األب������واب الكبيرة‪ ،‬يقف ش������اهداً‬ ‫على التاريخ العري������ق للمدينة بصومعته العالية‪،‬‬ ‫وأقواسه املدهش������ة‪ ،‬وأروقته املريحة‪ ،‬وواجهاته‬ ‫املتعددة‪ ،‬ومخازنه الكبي������رة‪ ،‬وثرياته البرونزية‪،‬‬ ‫‪62‬‬

‫‪12/6/16 1:02:32 PM‬‬

‫ودروس������ه العلمية‪ .‬ويعتبر سيلفستر الثاني الذي‬ ‫ش������غل منصب بابا الفاتيكان خالل الفترة (‪999‬‬ ‫ ‪1003‬م) من أهم علماء الغرب الذين درس������وا‬‫ف������ي جامعة القرويني‪ .‬كما زارها ابن زهر مرات‬ ‫عدة‪ ،‬وأ ّلَ� َ‬ ‫�����ف فيها النحوي املش������هور ابن آجروم‬ ‫الذي ولد بفاس كتابه املعروف «اآلجرومية»‪.‬‬ ‫وكان من بني أهم األساتذة فيها العالم املؤرخ‬ ‫املعروف ومؤس������س علم االجتم������اع ابن خلدون‪،‬‬ ‫والفيلسوف الطبيب اليهودي موسى بن ميمون‪،‬‬ ‫وأبوالعباس أحمد ب������ن محمد بن عثمان املكنى‬ ‫بابن البناء‪ ،‬وهو أهم رياضي في عصره‪ ،‬وعالم‬ ‫اللغة والطب األندلس������ي أبوبكر محمد بن يحيى‬ ‫بن الصائغ الش������هير بابن باج������ة الذي توفي في‬ ‫فاس‪.‬‬ ‫كم������ا أن ه������ذا اجلامع ش������كل رمزي������ة كبيرة‬ ‫ف������ي تكوين العامل������ة فاطمة املرنيس������ي (رحمها‬ ‫الله)‪ ،‬ملا كانت طفل������ة صغيرة تلعب في محيطه‬ ‫وتس������تمع للدروس التي يلقيها العلماء واألساتذة‬ ‫حينذاك‪.‬‬ ‫بعد رحلة اكتش������اف املدينة بكل ما تزخر به‬ ‫من تاريخ وت������راث ومعالم‪ ،‬تعلقنا بها لدرجة ع ّز‬ ‫علينا فراقها ملا اضطررنا للمغادرة‪ ،‬و ّدعنا فاس‬ ‫ومازالت صور أس������وارها‪ ،‬وأسواقها‪ ،‬وجوامعها‪،‬‬ ‫ومدارس������ها‪ ،‬ومبانيه������ا‪ ،‬وطرقه������ا‪ ،‬وأزقـــــته������ا‪،‬‬ ‫وأبوابه������ا‪ ،‬وجداوله������ا‪ ،‬ونقوش������ها‪ ،‬وزخارفه������ا‪،‬‬ ‫وحماماتها‪ ،‬وفنادقه������ا‪ ،‬وطواحينها‪ ،‬ودكاكينها‪،‬‬ ‫ومطاعمها‪ ،‬وحرفييها‪ ،‬وعادات أهلها‪ ،‬وحدائقها‬ ‫وبس������اتينها‪ ،‬ومقابرها‪ ،‬وقصوره������ا‪ ،‬عالقة في‬ ‫الذاكرة‪.‬‬ ‫الرحل������ة إل������ى مدينتي ف������اس ومكناس تفتح‬ ‫ش������هية احلي������اة عل������ى أمكن������ة مازال������ت مطوقة‬ ‫بأحض������ان التاريخ والت������راث‪ ،‬فتجعل البعيد عن‬ ‫أصل������ه يقب������ض على زم������ان وصل������ه‪ ،‬في حلظة‬ ‫عناق بني الذاكرة واحلب والوحش������ة وجغرافية‬ ‫املكان وطيبة البشر وبهجة األشياء واملوجودات‪.‬‬ ‫فطوبى ملن أمس������ك بخيط تلك اللحظة‪ ،‬وعاش‬ ‫دهش������ة التجربة في مقام من االحتاد والتوحد‬ ‫باملكان والزمان‪ ،‬خارج أي نش������از قد يعكر صفو‬ ‫الرحلة ونقاء التجربة >‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 36-63.indd 62‬‬


‫ملف‬

‫«نوبـل لآلداب» ‪...‬‬ ‫مراجعة ملفاهيم أدبية جديدة‬

‫هل كل جائزة ضاللة؟‬ ‫«نوبل لآلداب» خارج التوقعات ضياء حامد‬ ‫«نوبل ‪ »2016‬تكسر قاعدة األنماط األدبية التقليدية‬ ‫د‪ .‬نزار العاني‬

‫سهير أبوبكر الشاذلي‬ ‫‪1‬‬

‫‪12/5/16 10:25:06 AM‬‬

‫‪jan 63-75.indd 63‬‬


‫هل كل جائزة ضاللة؟‪...‬‬ ‫شبهات وشكوك حول «نوبل»‬ ‫د‪ .‬نزار العاني‬

‫املهامتا غاندي‬

‫هناك أشخاص ال يطوي التاريخ صفحة وجودهم وحضورهم بيننا ولو‬ ‫بعد مئات الس���نين‪ .‬وليس المعيار في استمرار بقاء هؤالء األشخاص‬ ‫س���مات الخير أو الش���ر‪ ،‬العبقرية أو الجن���ون‪ ،‬البطول���ة أو الطغيان‪ ،‬بل‬ ‫إشكالية فهم أغوار وأعماق فكرهم ونواياهم واختالف الناس حولهم‪،‬‬ ‫اهتمام ًا زائداً أو نكران ًا ورفض ًا‪.‬‬

‫ال يقتص� � ��ر أمر هذه الش� � ��ريحة من البش� � ��ر‬ ‫على ميدان السياس� � ��ة والتاريخ‪ ،‬بل يشمل شهرة‬ ‫باذخة لنجوم في ميادين العلم والفلسفة والفكر‬ ‫والتاري� � ��خ واألدب والفن والرياض� � ��ة‪ ،‬ومن هؤالء‬ ‫‪64‬‬

‫‪12/5/16 10:25:12 AM‬‬

‫على س� � ��بيل املثال ال احلصر‪ :‬اإلسكندر ونيرون‬ ‫ومعاوية وراس� � ��بوتني في املي� � ��دان األول‪ ،‬ومن ث َّم‬ ‫أرخميدس وابن رش� � ��د ومكيافيللي وابن خلدون‬ ‫وشكسبير وسلفادور دالي ومحمد علي كالي في‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 63-75.indd 64‬‬


‫«نوبل لآلداب» خارج التوقعات‬ ‫الجائزة تفجر قنبلة «بوب ديالن»!‬ ‫ضياء حامد‬

‫كاتب من مصر‬

‫ارتبط���ت جائ���زة نوبل لآلداب بش���هر أكتوبر من كل عام‪ ،‬ومنذ إنش���ائها‬ ‫ع���ام ‪ 1901‬والعال���م يترق���ب اإلعالن عن الفائ���ز بها هذا الموس���م‪ ،‬فهي‬ ‫الجائزة األضخ���م مال ًيا واألرفع مكانة من الناحي���ة األدبية‪ ،‬حيث تبلغ نحو‬ ‫ملي���ون دوالر إل���ى جان���ب ميدالية تذكاري���ة‪ .‬لمن ال يع���رف «نوبل» فهي‬ ‫ال تمن���ح إال لألحي���اء‪ ،‬وبلغ ع���دد الحاصلين عليها في اآلداب بش���كل عام‬ ‫حت���ى اآلن ‪ 110‬أدب���اء‪ ،‬إذ حجبت س���بع م���رات من ع���ام ‪ 1901‬حتى ‪،2013‬‬ ‫في حين منح���ت ‪ 4‬مرات مناصفة لكاتبين‪ ،‬ليكون إجمالي جوائز نوبل‬ ‫الممنوحة حتى اآلن ‪ 106‬جوائز‪.‬‬

‫أول م������ن فاز ب������ـ «نوب������ل» لآلداب الش������اعر‬ ‫الفرنس������ي رينه سولي برودوم‪ ،‬الذي مت تفضيله‬ ‫على الروائي الروسي تولستوي‪ ،‬في حني رفض‬ ‫جان بول س������ارتر تس������لمها بدع������وى رفضه أي‬ ‫تكرميات رسمية‪.‬‬ ‫ومن أبرز من حصلوا عليها من املس������رحيني‬ ‫األيرلندي جورج برنارد ش������و عام ‪ ،1925‬ليكون‬ ‫الوحيد الذي جمع بني «نوبل» لآلداب و«أوسكار»‬ ‫أفضل س������يناريو‪ ،‬عن فيل������م «بيجماليون»‪ ،‬عام‬ ‫‪ ،1938‬وهو الذي وصف ف������وزه األول بقوله «إن‬ ‫هذا طوق جن������اة يلقى به لرجل على بر األمان»‪،‬‬ ‫كما أنه ت������ردد في قبول اجلائ������زة‪ ،‬وفي النهاية‬ ‫قبلها وتبرع بقيمتها لتأسيس دار نشر‪.‬‬ ‫إحصائي������ات احلص������ول على اجلائ������زة على‬ ‫‪68‬‬

‫‪12/5/16 11:30:05 AM‬‬

‫م������ ّر تاريخها مخيبة آلمال الع������رب وكتَّاب اللغة‬ ‫العربي������ة‪ ،‬ففي تاري������خ اجلائزة ل������م يحصل من‬ ‫الوطن العربي عليها سوى جنيب محفوظ فقط‪،‬‬ ‫م������ن بني الـ‪ 110‬أدباء املش������ار إليهم س������ل ًفا‪ ،‬وهو‬ ‫الوحيد م������ن احلاصلني عليها الذي يكتب باللغة‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫وتعتبر فرنس������ا املهيمنة على اجلائزة بعدما‬ ‫حصل منها ‪ 15‬أدي ًبا عل������ى «نوبل» لآلداب‪ ،‬و‪11‬‬ ‫من أمريكا و‪ 10‬من اململكة املتحدة و‪ 8‬من أملانيا‬ ‫ومثلهم من السويد‪.‬‬

‫بوب ديالن‬

‫كقنبلة تتفجر كان وقع خبر فوز بوب ديالن‪،‬‬ ‫املغني والش������اعر األمريكي‪ ،‬على متابعي جائزة‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 63-75.indd 68‬‬


‫ملف‬

‫الشاعر واملمثل واملغني األمريكي بوب ديالن‬

‫نوب������ل ل���ل��آداب‪ .‬كانت املفاجأة ذل������ك العام أكبر‬ ‫من الس������نة املاضية التي فازت فيها س������فيتالنا‬ ‫ألكسييفيتش الكاتبة القادمة من روسيا البيضاء‪.‬‬ ‫إذ إن س������فيتالنا لم تكن أديب������ة باملعنى املعهود‪،‬‬ ‫ب������ل مزجت بني الوثيقة والف������ن لتتفرد كتاباتها‪.‬‬ ‫أما ديالن فمنحته أكادميي������ة نوبل جائزتها عن‬ ‫الشعر الغنائي الذي أنتجه من�� ستينيات القرن‬ ‫املاضي‪.‬‬ ‫في كل عام يج������يء اإلعالن عن جائزة نوبل‬ ‫ل���ل��آداب ليبدأ موس������م اجلدل ح������ول من منحوا‬ ‫ه������ذه اجلائزة‪ ،‬ه������ل بالفعل يس������تحقونها أم ال؟‬ ‫لك������ن اجلائزة ه������ذا الع������ام ج������اءت لتثير جدال‬ ‫غي������ر مس������بوق‪ ،‬فالفائــــز بها‪ ،‬ونح������ن نتحــــدث‬ ‫عــــ������ن نوبــــل لآلداب‪ ،‬هو ب������وب ديالن أو روبرت‬ ‫ألني زميرمان‪ ،‬وهو مغن وملحن وش������اعر وفنان‬ ‫أمريكي!‬ ‫وبالطبع فقد أثارت هذه اجلائزة لغطاً كبيراً‬ ‫في األوس������اط الثقافي������ة وفي مواق������ع التواصل‬ ‫االجتماعي‪ ،‬لكن من هو بوب ديالن؟‬ ‫هو ش������خصية مؤثرة في املوسيقى والثقافة‬ ‫الش������عبية ألكثر من ‪ 5‬عق������ود‪ ،‬وكثير من أعماله‬ ‫األكثر شهرة كانت من الستينيات وكلمات أغانيه‬

‫فيها من احلكمة واالحتجاج‪ ،‬ألنه كان من الطبقة‬ ‫العاملة واملضطهدة في أمريكا‪.‬‬ ‫اس������تخدمت بع������ض أغانيه كنش������يد حلركة‬ ‫احلقوق املدنية لألفارق������ة األمريكيني واحلركة‬ ‫املناهضة حلرب فيتنام‪.‬‬ ‫متيز بغناء عديد من األنواع املوس������يقية مثل‬ ‫الريف������ي ‪ country‬والبلوز وال������روك‪ ،‬وهو يؤدي‬ ‫على اجليتار والبيانو والهارمونيكا‪.‬‬ ‫منذ عام ‪ 1994‬نشر له ‪ 6‬كتب من الرسومات‬ ‫واللوح������ات وعرضت أعماله في املعارض الفنية‬ ‫الكبرى‪ .‬كموسيقي باع ديالن أكثر من ‪ 100‬مليون‬ ‫أس������طوانة في جميع أنحاء العالم‪ ،‬ما يجعل منه‬ ‫واحدا م������ن الفنانني األكثر مبيع������اً من أي وقت‬ ‫ً‬ ‫مضى‪.‬‬ ‫لقد مثل فوز بوب ديالن بجائزة نوبل لآلداب‬ ‫مفاجأة للبعض‪ ،‬فعلينا أال ننسى أنه كان مرشحاً‬ ‫قوي������اً لها عام ‪ ،2004‬وفـــي ع������ام ‪ 2013‬طرحت‬ ‫مجل������ة «نيوزويك» س������ؤاالً‪ :‬هـــل بـــ������وب ديــــالن‬ ‫موس������يقي أم ش������اعر‪ ...‬فما القيم������ة األدبيــــة‬ ‫لدي���ل��ان التي جتعله يس������تحق ني������ل أرفع جائزة‬ ‫عاملية في اآلداب؟‬ ‫له أص������ول يهودية‪ ...‬وم������ا يخ ّيب اآلمال هو‬

‫«نوبل لآلداب» خارج التوقعات‪ ...‬اجلائزة تفجر قنبلة «بوب ديالن»!‬ ‫‪12/5/16 11:30:15 AM‬‬

‫‪69‬‬

‫‪jan 63-75.indd 69‬‬


‫جورج برنارد شو‬

‫تأييده لالحتالل اإلسرائيلي وزياراته لكيانها في‬ ‫شبابه‪ ،‬حيث عاش لفترة في أحد «الكيبوتسات»‬ ‫(مستعمرات زراعية)‪ ،‬وصوالً إلى ما قبل سنوات‬ ‫قليلة‪ ،‬حيث كسر حركة مقاطعة إسرائيل وبادر‬ ‫بإقام������ة حفل في تل أبيب ع������ام ‪ 2014‬مع فرقة‬ ‫رولينغ ستون‪ .‬كما دافع ديالن عن إسرائيل بعد‬ ‫ع������دوان ‪ 1982‬على لبنان بأغني������ة بعنوان «فت ّوة‬ ‫احلي» عام ‪.1983‬‬ ‫ً‬ ‫تلق������ى عدي������دا م������ن اجلوائز منه������ا جائزة‪ ‬‬ ‫«غرام������ي» وجائزة‪«  ‬أوس������كار» و«غولدن غلوب»‬ ‫وف������ي ماي������و ‪ 2012‬تلقى ديالن‪«  ‬وس������ام احلرية‬ ‫الرئاس������ي» من الرئيس األمريكي باراك أوباما‪.‬‬ ‫وأول‪« ‬ألبوم استديو» صدر له في عام ‪.1962‬‬ ‫وقد أثار ف������وز ديالن بجائ������زة نوبل لآلداب‬ ‫هذا العام استغراب بل واستهجان البعض‪ ،‬فهل‬ ‫كسرت جلنة نوبل القوالب التقليدية؟ وهل هناك‬ ‫قوالب تقليدية معلنة جلائزة نوبل؟‬ ‫لقد ج������اء في حيثي������ات اللجنة لق������رار منح‬ ‫دي���ل��ان اجلائزة أنه حص������ل علـــيه������ا «ألنه خلق‬ ‫تعابير ش������عرية جدي������دة ضمن تقـــالي������د الغــــناء‬ ‫األمريكية»‪.‬‬ ‫وقالت س������ارة دانيوس س������كرتيرة مؤسس������ة‬ ‫‪70‬‬

‫‪12/5/16 10:26:10 AM‬‬

‫نوب������ل‪ ،‬إن اللجنة اختارت ديـــالن ألنه «ش������اعر‬ ‫عظي������م ضم������ن التقلي������د الش������عري للناطقيــــــن‬ ‫باإلجنلـــيزية»‪.‬‬ ‫إذن اللجن������ة اختارت������ه ضم������ن معاييره������ا‬ ‫اجلمالية التي رأت أن شعره متماه معها‪ ،‬فلماذا‬ ‫أثار اختياره كل هذا اجلدل في أوساط املهتمني‬ ‫العرب على مواقع التواصل االجتماعي؟‬ ‫رمبا ألن اللجنة كس������رت قوالبه������م املتخيلة‪،‬‬ ‫فللمرة األولى يحص������ل على اجلائزة كاتب أغان‬ ‫غي������ر تقليدي‪ ،‬بل ميثل ثقافة الرفض وهذا رمبا‬ ‫يتعارض م������ع الرؤي������ة احملافظة للش������عر والفن‬ ‫عموما‪.‬‬ ‫ُع������رف بوب ديالن من������ذ بداياته بأنه صوت‬ ‫مناه������ض للح������رب وقريب من حياة املهمش���ي��ن‬ ‫واملضطهدي������ن‪ ،‬وه������ذا رمبا يناف������ي املتوقع من‬ ‫مؤسس������ة كانت هدف������اً الفتراضات «تس������ييس»‬ ‫خياراتها وبعدها عن املهنية واملوضوعية والقيم‬ ‫اجلمالية احلقيقية في العالم العربي على وجه‬ ‫اخلصوص‪.‬‬ ‫هذه املرة ليس������ت األولى في كس������ر التقاليد‬ ‫املتع������ارف عليها في اجلائــــ������زة الـــتي مُتنح منذ‬ ‫عام ‪ 1901‬لألدباء‪ ،‬حيث ذهبـــت في ‪ 6‬مناسبات‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 63-75.indd 70‬‬


‫ملف‬

‫سابقة لشخصيات ال متارس الكتابة األدبية‪ ،‬وإمنا‬ ‫متارس العمل الســــياسي أو التنظير الفكري أو‬ ‫تعمل في مجاالت كالتأري������خ والصحافة‪ .‬وفيما‬ ‫يلي رصد لهذه الشخصيات‪:‬‬ ‫‪ - 1‬تيودور مومسن (‪)1902‬‬ ‫ه������و الفائز الثاني باجلائ������زة واملؤرخ الوحيد‬ ‫ال������ذي يفوز به������ا‪ ،‬حيث لم يعرف ط������وال حياته‬ ‫بكتابات������ه األدبية‪ ،‬وإمنا عرف مؤرخاً وسياس������ياً‬ ‫ومدرساً للقانون‪ ،‬وعضواً بالبرملان األملاني‪ ،‬وقد‬ ‫منحته األكادميي������ة اجلائزة على عمله التاريخي‬ ‫«تاريخ روما»‪.‬‬ ‫‪ - 2‬رودلف أوكن (‪)1908‬‬ ‫تخصص الفيلسوف األملاني أوكن في الفلسفة‬ ‫التي درس������ها في جامعت������ي جوتنجن وبرلني‪ ،‬ثم‬ ‫عمل أس������تاذاً للفس������لفة‪ ،‬ووفقاً حليثيات فوزه‬ ‫باجلائزة‪ ،‬فإنه حصل عليها تقديراً لعمله اجلاد‬ ‫ف������ي البحث عن احلقيقة واتس������اع رؤيته ونفاذ‬ ‫أفكاره حول الفلسفة املثالية للحياة‪.‬‬ ‫‪ - 3‬هنري برجسون (‪)1927‬‬ ‫أحد أش������هر الفالس������فة الفرنسيني‪ ،‬حصل‬ ‫على اجلائزة مكافأة له على نظراته الفلس������فية‬ ‫املختلفة عن الس������ائد في ذلك العصر‪ ،‬وكذلك‬ ‫بعض الكتابات السياس������ية‪ ،‬وج������اء في حيثيات‬ ‫فوزه‪« :‬فاز تقديراً حليوية أفكاره»‪.‬‬ ‫‪ - 4‬برتراند راسل (‪)1950‬‬ ‫ل������م يكن راس������ل ش������اعراً أو روائي������اً‪ ،‬وإمنا‬ ‫فاز بـ«نوبل» عرفاناً بكتاباته الفلس������فية املهمة‬ ‫واملتنوعة حول املثل اإلنسانية وحرية الفكر‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ونستون تشرشل (‪)1953‬‬ ‫وفق������ا لألكادميية الس������ويدية‪ ،‬فــــإن رئيس‬ ‫وزراء بريطانيا في أثناء احلرب العامليـــة الثانية‬ ‫تشرش������ل‪ ،‬قد حصل على «نوب������ل» في اآلداب‪،‬‬ ‫تقديراً له عل������ى كتاباته التاريخية والس������يرية‪،‬‬ ‫وكتابات������ه املدافع������ة ع������ن القيــــ������م اإلنس������انـــية‬ ‫الرفيعة‪.‬‬ ‫‪ - 6‬سفيتالنا ألكسييفيتش (‪)2015‬‬ ‫قال������ت جلن������ة األكادميي������ة‪ ،‬إن الكاتب������ة‬ ‫والصحفية البيالروس������ية س������فيتالنا‪ ،‬حصلت‬

‫تيودور مومسن‬

‫على اجلائزة عل������ى «أعمالها املتعددة األصوات‬ ‫التي تفن������د معاناة عصرنا وش������جاعته»‪ ،‬حيث‬ ‫اش������تهرت س������فيتالنا بكتاباتها الصحفية ذات‬ ‫النس������يج القصصي‪ ،‬إال أنها تظ������ل في النهاية‬ ‫كتاب������ات واقعية وحوارات مع ش������خصيات‪ ،‬مثل‬ ‫تلك التي أجرتها مع نس������اء شاركن في احلرب‬ ‫العاملية الثانية ضد أملانيا النازية‪ ،‬التي نشرتها‬ ‫في كتاب «وجه احلرب غير النس������ائي»‪ ،‬وكذلك‬ ‫كتابها ال������ذي يضم أحداثاً تاريخية وإنس������انية‬ ‫عن «كارثة تش������يرنوبل»‪ ،‬بحي������ث حتمل كتاباتها‬ ‫محتوى تاريخياً مصوغاً بش������كل سردي يقترب‬ ‫ً‬ ‫من اللغ������ة األدبية‪ ،‬تكون البطولة فيه لألحداث‬ ‫الواقعية ال املتخيلة‪ .‬‬ ‫وعل������ى الرغم م������ن أن جائ������زة نوبل لآلدب‬ ‫منذ بدايتها كانت غامضة ف������ي املعايير وقابلة‬ ‫لتأوي���ل��ات مثي������رة للحيرة‪ ،‬فإن م������ا حدث هذا‬ ‫العام عندما منحت ملوس������يقي أمريكي يحولها‬ ‫إلى مثال للغموض وش������يفرات املعاني وإشارات‬ ‫اللغة الس������رية التي لن تكش������ف إال بعد سنوات‬ ‫طويلة >‬

‫«نوبل لآلداب» خارج التوقعات‪ ...‬اجلائزة تفجر قنبلة «بوب ديالن»!‬ ‫‪12/5/16 10:26:12 AM‬‬

‫‪71‬‬

‫‪jan 63-75.indd 71‬‬


‫‪« ‬نوبل ‪ »2016‬تكسر قاعدة‬ ‫األنماط األدبية التقليدية‬ ‫سهير أبوبكر الشاذلي‬

‫كاتبة من مصر‬

‫بوب ديالن‬

‫ف���ي بي���ان أذاعت���ه األكاديمية الس���ويدية الخمي���س ‪ 13‬أكتوب���ر ‪ 2016‬م‪،‬‬ ‫أعلن���ت َمنح جائزة نوبل لآلداب هذا العام للش���اعر والممثل والمغني‬ ‫والملحن الموسيقي األمريكي بوب ديالن ‪.Bob Dylan‬‬ ‫وقد كس���ر فوز دي�ل�ان بجائزة نوبل ل�ل�آداب قواعد كثي���رة‪ ،‬أهمها قاعدة‬ ‫حصر الجائزة على كتاب‪ ‬األنماط األدبية التقليدية كالشعر والرواية‪.‬‬

‫إذا كان������ت أغان������ي بوب ديالن أق������رب لعالم‬ ‫الش������عر‪ ،‬فإنه������ا أيضاً جزء من من������ط فني آخر‬ ‫هو الغناء‪ ،‬وهو عامل يش������مل عناصر املوسيقى‬ ‫بكل تفاصيلها الفنية‪ ،‬ومتثل كلمات أغاني بوب‬ ‫‪72‬‬

‫‪12/5/16 10:26:17 AM‬‬

‫ديالن حالة أدبية وفلسفية راقية‪ ،‬ولكنها تكتمل‬ ‫بأحلانها وتوزيعها املوس������يقي‪ ،‬ورمبا هذا سبب‬ ‫غراب������ة اجلائ������زة التي متنح عادة مل������ادة مكتوبة‬ ‫مس������تقلة بذاتها كالرواية والش������عر‪ ،‬وإذا كانت‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 63-75.indd 72‬‬


‫ملف‬

‫هنري برجسون‬

‫جلن������ة منح اجلائ������زة التفتت إل������ى كلمات أغان‬ ‫دون االلتف������ات للعنصر املوس������يقي‪ ،‬فهذا يفتح‬ ‫الباب لعديد األسئلة الفنية حول معايير اختيار‬ ‫اجلائ������زة‪ ...‬هل اس������تمعت اللجنة إل������ى أغاني‬ ‫ديالن‪ ،‬أم اكتفت مبنح اجلائزة لكلماتها فقط؟‬ ‫ويفتح فوز ديالن بجائزة نوبل الباب لدخول‬ ‫أمناط فنية أدبية أخرى إلى عالم نوبل لآلداب‪،‬‬ ‫الس������ينما مث ً‬ ‫ال‪ ،‬فهل نفاجأ في املستقبل بجائزة‬ ‫نوبل في اآلداب يحصل عليها كاتب سيناريو؟‬

‫من هو بوب ديالن؟‬

‫استعار ديالن اس������مه من الشاعر العاطفي‬ ‫البريطاني دي���ل��ان توم������اس ‪،Dylan Thomas‬‬ ‫بينم������ا اس������مه األصل������ي ه������و روب������رت أل���ي��ن‬ ‫زميرم������ان ‪ ،Robert Allen Zimmerman ‬ولد‬ ‫عام ‪1941‬م وبدأ مسيرته املوسيقية عام ‪1959‬م‬ ‫بالعزف في مقهى بوالية مينيس������وتا األمريكية‪.‬‬ ‫بدأت شهرة ديالن منذ عام ‪1965‬م‪ ،‬حيث سجل‬ ‫عدداً ضخماً من األعم������ال الغنائية‪ ،‬يزيد على‬ ‫‪ 40‬ألبوماً آخرها ص������در في مايو ‪2016‬م‪ ،‬ومن‬ ‫أش������هر أغانيه‪ :‬طار في الهواء‪ ،‬واألوقات تتغير‪،‬‬ ‫ومثل حجر يتدحرج‪ ،‬وأطرق باب الس������ماء‪ ،‬وفي‬ ‫مهب الريح‪.‬‬ ‫تأث������رت أغان������ي دي���ل��ان وأش������عاره بع������دد‬ ‫«نوبل ‪ »2016‬تكسر قاعدة األمناط األدبية التقليدية‬ ‫‪12/5/16 10:26:20 AM‬‬

‫م������ن األش������كال األدبية والش������عرية والفلس������فية‬ ‫واالجتماعي������ة والديني������ة‪ ،‬وتأث������ر باملوس������يقى‬ ‫األسكتلندية واأليرلندية واجلاز‪ ،‬وغير ذلك من‬ ‫األشكال الشعبية التي نشأ عليها‪.‬‬ ‫وديالن ليس مجرد موسيقي أو فنان‪ ،‬فقد‬ ‫قاد ثورة في عالم املوسيقى عبر كلماته كشاعر‬ ‫وغنائ������ه ال������ذي حرك ب������ه الراكد من املش������اعر‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬ش������دا بروائع خلدته كعالمة ثقافية‪،‬‬ ‫ليس في بالده الواليات املتحدة فحسب‪ ،‬بل إلى‬ ‫م������ا ميتد إلى ما وراء ذلك‪ ،‬ف������ي أوربا وإفريقيا‬ ‫ودول شتى‪.‬‬ ‫أكث������ر أعماله ش������عبية برزت في س������تينيات‬ ‫القرن املاضي‪ ،‬أما كلمات أغانيه فتضج برسائل‬ ‫االحتج������اج واملواقف السياس������ية واالجتماعية‪.‬‬ ‫كي������ف ال‪ ،‬وهو ابن الطبق������ة العاملة واملضطهدة‬ ‫إن بعض أغانيه‬ ‫ف������ي الوالي������ات املتحدة؟ حت������ى ّ‬ ‫استخدم كنشيد حلركة احلقوق املدنية لألفارقة‬ ‫األمريكيني‪ ،‬وللحركة املناهضة حلرب فيتنام‪.‬‬ ‫ودي���ل��ان أول موس������يقي تكافئ������ه األكادميية‬ ‫الس������ويدية‪ ،‬حي������ث أوضح������ت األمين������ة العامة‬ ‫لألكادميية س������ارا دانيوس أن بوب ديالن يكتب‬ ‫شعراً لألذن‪ ،‬مؤكدة أن أعضاء األكادميية ع َّبروا‬ ‫عن متاسك كبير في إطار هذا اخليار‪.‬‬ ‫كما جاء في بيان األكادميية الس������ويدية أن‬ ‫‪73‬‬

‫‪jan 63-75.indd 73‬‬


‫براتراند راسل‬

‫ديالن ُمن������ح اجلائزة عن الش������عر الغنائي الذي‬ ‫أنتجه منذ س������تينيات القرن املاض������ي‪ ،‬كما أنه‬ ‫يتمتع بصوت رائع ومرن‪ ،‬ويعد ش������خصية مؤثرة‬ ‫في املوسيقى والثقافة الشعبية ألكثر من خمسة‬ ‫عقود‪.‬‬ ‫وألن������ه صن������ع تعابير ش������عرية جديدة ضمن‬ ‫تقالي������د الغن������اء األمريكي������ة‪ ،‬فل������م يغ������نِّ ديالن‬ ‫نوعاً موس������يقياً واحداً‪ ،‬بل تنقّل بني الغوس������بل‬ ‫(الغناء الديني املس������يحي) والبلوز (غناء الزنوج‬ ‫األمريكيني) والروك (موس������يقى ش������عبية هجني‬ ‫تعتم������د على ثالث آالت رئيس������ة ه������ي اجليتار‬ ‫الكهربائي والبيس جيت������ار ‪ ‬والدرامز)‪ ،‬والريف‬ ‫(نوع من املوس������يقى األمريكية الشعبية املرتبطة‬ ‫بالثقافة الريفية واإلقليم اجلنوبي من الواليات‬ ‫املتحدة)‪.‬‬ ‫إن ديالن شاعر حقيقي قبــــل أن يكــــون كاتب‬ ‫أغان‪ ،‬دون أن يتناقض هذا مع الرأي القائل بأن‬ ‫كتابة األغاني هي صنعة شعرية أيضاً‪.‬‬ ‫وعلى هذا فإن ديالن هو أول ش� � ��اعر غنائي‬ ‫يحصل على جائزة نوبل‪ ،‬وهو أول أمريكي يحصل‬ ‫‪74‬‬

‫‪12/5/16 10:26:25 AM‬‬

‫عليها منذ ف� � ��ازت بها الروائية توني موريس� � ��ون‬ ‫عام ‪1993‬م‪ .‬وتبقى األس� � ��ئلة الت� � ��ي أثارتها جلنة‬ ‫األكادميية السويدية بإعالن فوز ديالن باجلائزة‪،‬‬ ‫وهي‪ :‬ملاذا جنحت جلنة «نوبل» إلى اختيار فنان‬ ‫مييل إلى الش� � ��عبية أكثر من ميله إلى النخبوية؟‬ ‫أه� � ��ذا قائم على رؤيته� � ��ا أن الدور ال� � ��ذي تلعبه‬ ‫وس� � ��ائل التواصل االجتماعي في الفترة األخيرة‬ ‫قرب الفنون واآلداب من الذوق الش� � ��عبي بشكل‬ ‫أكب� � ��ر‪ ،‬أم رمبا كان هذا مغازل� � ��ة للواقع الثقافي‬ ‫اجلديد الذي يتس� � ��م بتحرر الثقافة من النخبوية‬ ‫بفضل وسائل التواصل االجتماعي؟!‬ ‫لكن األمـــ� � ��ر املؤكد أن بوب دي� �ل��ان الـــذي بلغ‬ ‫عمــــره ‪ 75‬عـــاماً‪ ،‬ومازال يكتــــب األغــــانـــي ويلحنها‪،‬‬ ‫أضـــ� � ��اف جائــــ� � ��زة نوبل ل� �ل��آداب لقائم� � ��ة جوائزه‬ ‫الكبــــ� � ��رى‪ ،‬مثــــ� � ��ل ‪ 12‬جائزة جرام� � ��ي ‪Grammy ‬‬ ‫‪ ،Awards‬وجائ� � ��زة أوس� � ��كار ‪ ،Oscars ‬وجائ� � ��زة‬ ‫جول� � ��دن جلوب ‪ ،Golden Globe Award ‬ووس� � ��ام‬ ‫احلرية ‪ Medal of Freedom ‬الرئاسي من الرئيس‬ ‫األمريكي باراك أوباما‪ .‬ليصبح الرجل حالة متفردة‬ ‫في عالم الفنون واآلداب‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 63-75.indd 74‬‬


‫ملف‬

‫سفيتالنا أليكسييفيتش‬

‫يتس������لم دي���ل��ان جائ������زة نوبل ل���ل��آداب مع‬ ‫الفائزين عن الفئات األخرى (العلوم والس���ل��ام)‬ ‫في احتفال أقيم في ‪ 10‬ديسمبر املاضي‪ ،‬الذي‬ ‫يوافق ذكرى رحيل مؤسس اجلائزة ألفريد نوبل‬ ‫عام ‪1896‬م‪ .‬وهذه بعض األش������عار الغنائية التي‬ ‫كتبها وأداها ديالن‪:‬‬ ‫‪ - 1‬مثل حجر يتدحرج‬ ‫قد كان يا ما كان‬ ‫في يوم من األيام‪،‬‬ ‫لبست أحسن الثياب‬ ‫ورميت شيئ ًا‬ ‫للمتسولني‬ ‫كنت في عنفوانك‪،‬‬ ‫أليس كذلك؟‬ ‫كان الناس ينادونك‪:‬‬ ‫«أيته ��ا اجلميل ��ة الطائش ��ة‪ .‬اح ��ذري‪...‬‬ ‫ستسقطني»‬ ‫فظننت أنهم ميزحون‪.‬‬ ‫حسن ًا يا آنسة‪:‬‬ ‫«نوبل ‪ »2016‬تكسر قاعدة األمناط األدبية التقليدية‬ ‫‪12/5/16 10:26:29 AM‬‬

‫«وحيدة»‬ ‫قد درست في أرقى املدارس‬ ‫لكنك تعرفني‬ ‫أنهم كانوا يعصرونك فيها عصر ًا‬ ‫أحد‬ ‫ولم يعلمك ّ‬ ‫كيف تعيشني على قارعة الطريق‬ ‫لكنك اآلن مرغمة على اعتياد ذلك‪.‬‬ ‫‪ - 2‬أطرق باب السماء‬ ‫أماه‪ ،‬انزعي هذه الشارة عن صدري‬ ‫لم أعد قادر ًا على النظر‬ ‫كل شيء يغدو مظلم ًا في عيني‬ ‫أشعر كأنني‪ ...‬أطرق باب السماء‪.‬‬ ‫***‬ ‫أماه‪ ،‬ضعي مسدسي على األرض‬ ‫لم أعد قادر ًا على التصويب‬ ‫وتل ��ك الغيمة الطويلة الظلماء‪ ...‬تدنو من‬ ‫األرض‬ ‫أشعر أنني أطرق باب السماء >‬ ‫‪75‬‬

‫‪jan 63-75.indd 75‬‬


‫أدب‬

‫انحسار المقالة األدبية‪ ...‬خطرٌ تحقق‬ ‫صادق الطريحي‬

‫كاتب من العراق‬

‫ف���ي نهاية ثمانيني���ات القرن الماضي‪ ،‬قرأت في إح���دى المجالت العربية‬ ‫التي تصدر في باريس لقاء مع الدكتور علي جواد الطاهر أجراه األس���تاذ‬ ‫صف���اء الصنكور‪ ،‬وم���ا بقي في ذاكرت���ي حتى اآلن من ذل���ك اللقاء هو‬ ‫«المانشيت» العريض له «آخر المقاليين العرب»‪ ،‬فقد كان «المانشيت»‬ ‫ينبئ عن خطر يحيق بالثقافة العربية‪ ،‬لكنني لم أقرأ بعد ذلك موضوع ًا‬ ‫يعالج هذا الخطر‪ ،‬أو يرد على الكاتب‪.‬‬

‫املقالة ‪ Essay‬نوع من األنواع األدبية اإلنشائية‪،‬‬ ‫كان الفرنس� � ��ي مونتين� � ��ي أول من نش� � ��ر هذا الفن‬ ‫النثري في كتاب سنة ‪ 1580‬وأهداه إلى امللك هنري‬ ‫الثالث الذي تقبله بقبول حس� � ��ن‪ ،‬مع أنه «ال يحتوي‬ ‫على شيء آخر غير أقوال عن حياتي وعن أفعالي»‪،‬‬ ‫كما يقول مونتيني نفس� � ��ه‪ .‬ومن فرنس� � ��ا انتقل هذا‬ ‫الف� � ��ن األدبي إلى بريطاني� � ��ا‪ ،‬ووصل إلى العرب مع‬ ‫وصول الصحافة‪ ،‬وانتشر بانتشارها ملا تتطلبه من‬ ‫وقود يغ� � ��ذي وجودها‪ ،‬لكن املقال� � ��ة األدبية وجدت‬ ‫له� � ��ا من مصر والش� � ��ام أعالم � � �اً موهوبني في هذا‬ ‫الفن‪ ،‬رفعوا من شأنها وتركوا أساليبهم التي تعني‬ ‫ش� � ��خصياتهم على صفحاتها‪ ،‬ولنا أن نتذكر أن طه‬ ‫حس� �ي��ن الذي ابتدأ حياته األدبية شاعراً قد ترك‬ ‫الش� � ��عر واجته إلى املقالة األدبية‪ ،‬وما برح اإليقاع‬ ‫يتردد في جنبات مقاالته‪ ،‬ولن ننسى أحمد أمني أو‬ ‫الزيات أو زكي جنيب محمود‪.‬‬ ‫ومن مصر وسورية انتقل هذا الفن إلى العراق‬ ‫عب� � ��ر الصحافة املصرية‪ ،‬لكن املقالة في العراق لم‬ ‫تقدم مناذج تذكر ويستشهد بها‪ ،‬ووقفت عند األداء‬ ‫‪76‬‬

‫‪12/5/16 10:27:56 AM‬‬

‫املباشر ملوضوع سياسي أو اجتماعي‪ ،‬ولم تتقدم في‬ ‫اجلانب املبدع الذي مينح الكاتب أصالة أدبية‪ ،‬وفي‬ ‫العالم العربي أيضاً نكص اجليل اجلديد ولم يسجل‬ ‫للمقالة املبدعة وجوداً معترفا به! لذا تس� � ��اءل علي‬ ‫جواد الطاهر‪« :‬هل يعن� � ��ي ذلك نهاية هذا اجلنس‬ ‫األدبي؟»‪ ،‬ويعزو الطاهر س� � ��بب االنحسار إلى تغير‬ ‫إيقاع العصر الذي يحت� � ��اج إلى املعرفة واخلبر من‬ ‫أقص� � ��ر الط� � ��رق وأوضحها‪ .‬وهو م� � ��ا ينفي عنصر‬ ‫الفن عن املقالة التي ال تش� � ��ترط حشد املعلومات‪،‬‬ ‫وليس من هدفه� � ��ا نقل املعرفة بقدر ما تعطينا من‬ ‫شخصية الكاتب وتعرض لنا من خبرته احلياتية ما‬ ‫ميتع املتلقي جمالياً‪.‬‬ ‫واحلق أن نبوءة األس� � ��تاذ صفاء الصنكور كانت‬ ‫ف� � ��ي محلها‪ ،‬فلي� � ��س لدينا اآلن ش� � ��خص ينتمي إلى‬ ‫احتاد األدباء والكتاب يحمل صفة مقالي! كما يحمل‬ ‫بعضنا صفة ش� � ��اعر أو ق� � ��اص أو ناقد‪ ،‬وليس لدينا‬ ‫اآلن مثل مقاالت الباب الضيق أو الواس� � ��ع‪ ،‬أو وراء‬ ‫األف� � ��ق األدبي حتمل من القيم اجلمالية والش� � ��عرية‬ ‫ما يجعله� � ��ا تنافس الش� � ��عر في إيقاعه� � ��ا وخيالها‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يتاير ‪2017‬‬

‫‪jan 76-78.indd 76‬‬


‫نقد‬ ‫وقد درس األس� � ��اتذة األفاضل الدكتور سعيد عدنان‬ ‫(الطاه� � ��ر مقالياً‪ ،‬األق� �ل��ام ‪ ،1997‬ثم في كتاب أدب‬ ‫املقالة وأدباؤه� � ��ا‪ ،)2013 ،‬والدكتور فاضل التميمي‬ ‫(جمالي� � ��ات املقالة عند د‪ .‬علي جواد الطاهر‪ ،‬بغداد‬ ‫‪ ،)2007‬فوص� �ل��ا إلى ما وص� �ل��ا من نتائج في حتقق‬ ‫ش� � ��روط املقالة األدبية عند الطاهر‪ ،‬وعلى منوالهم‬ ‫درس الدكت� � ��ور فائق مصطفى املقالة كثيراً وش� � ��جع‬ ‫تالمذته على دراس� � ��تها وأش� � ��رف على أطروحاتهم‬ ‫ورسائلهم‪ ،‬وحاول أن يجد أص ً‬ ‫ال عربياً لها في كتاب‬ ‫«صيد اخلاطر» البن اجلوزي (ت ‪ 597‬هـ)‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ 2011‬نش� � ��رت دار الش� � ��ؤون الثقافية‬ ‫ضمن سلس� � ��لة وفاء كتاب «جسارة التعبير» للراحل‬ ‫جنيب املانع (ت‪ ،)1991‬الذي ضم مجموعة مقاالت‬ ‫أدبية لم تؤرخ مع األس� � ��ف الش� � ��ديد‪ ،‬ولم يشر إلى‬ ‫مكان نشرها‪ ،‬وال أريد أن أكتب في جماليات املقالة‬ ‫عند جنيب املانع‪ ،‬بل أريد أن أشير إلى مقالة مهمة‬ ‫ل� � ��ه تعال� � ��ج موضوع انحس� � ��ار املقال� � ��ة األدبية وهي‬ ‫بعنوان «تراج� � ��ع املقالة األدبية أمام زحف البحث»‪،‬‬ ‫فقد رأى الكاتب أن التراجع يعزى إلى سببني هما‪:‬‬ ‫زحف البحث وموسيقى الشعر «يريد القراء إما أن‬ ‫يرقصوا والش� � ��عر مس� � ��تعد للعزف‪ ،‬وإما أن يتعلموا‬ ‫والباحث يعلمهم كل شيء»‪ ،‬وهو في رأيه هذا يتفق‬ ‫م� � ��ع رأي الطاهر‪ .‬ويرى أيض � � �اً أن عدداً ال يحصى‬ ‫من املقاالت ص� � ��ارت مناجيات حامل� � ��ة أو تهوميات‬ ‫ليس لها قرار وال تس� � ��عى إلغناء اللغة وفي أسلوبها‬ ‫ركاكة وأفكارها س� � ��اذجة‪ ،‬وك� � ��م كان محقاً في ذلك‬ ‫مع أن كثيراً من الش� � ��عر وكثي� � ��راً من القصة صارت‬ ‫أيضاً مناجيات حاملة أو تهوميات ليس لها قرار‪ ،‬وال‬ ‫تس� � ��عى إلغناء اللغة‪ ،‬وفي أسلوبها ركاكة وأفكارها‬ ‫ساذجة!‬ ‫لكنن� � ��ا ال نعرف ل َم ل ْم تتراجع املقالة أمام زحف‬ ‫البحث في األدبني الفرنس� � ��ي واإلجنليزي مث ً‬ ‫ال؟ أم‬ ‫لغياب البحث فيهما! ول َم لم يؤثر البحث في الزيات‬ ‫أو زكي مبارك أو يوسف الصائغ! ول َم لم يؤثر البحث‬ ‫في القصة أو املس� � ��رحية فتراجع� � ��ا! احلق‪ ،‬إنني ال‬ ‫أستهني بهيمنة البحث على املشهد الثقافي العربي‪،‬‬ ‫مع ضآل� � ��ة األموال املخصصة ل� � ��ه‪ ،‬لكنني أزعم أن‬ ‫أس� � ��باباً أخرى وراء انحس� � ��ار املقالة األدبية‪ ،‬وأرى‬ ‫أن الس� � ��بب األول يكمن في ضعف الثقافة املقالية!‬ ‫‪78‬‬

‫‪12/5/16 10:28:02 AM‬‬

‫فنحن ال نكاد نع� � ��رف خصائص املقالة األدبية‪ ،‬وال‬ ‫نحفظ منها ش� � ��يئاً‪ ،‬وال نكاد ندرسها في اجلامعة‪،‬‬ ‫فنحن ندرس الشعر في السنوات األربع من الكلية‪،‬‬ ‫لكنن� � ��ا ال ن� � ��درس املقالة إال في الس� � ��نة الرابعة‪ ،‬إن‬ ‫وصلنا إليها بس� � ��بب العطل التي حتفل بها اجلامعة‬ ‫العراقي� � ��ة‪ ،‬وقد وضع� � ��ت املقالة ف� � ��ي درس األدب‬ ‫احلديث في آخر األنواع األدبية‪ ،‬وهذا هو الدكتور‬ ‫عزالدين إس� � ��ماعيل يضعها كملحق لألنواع األدبية‬ ‫ف� � ��ي كتابه «األدب وفنونه» وليس� � ��ت املقالة صاحلة‬ ‫لالستشهاد اللغوي عند النحاة حفظهم الله‪.‬‬ ‫أم� � ��ا الس� � ��بب اآلخر فيكم� � ��ن في أنن� � ��ا ال نريد‬ ‫أن نعت� � ��رف بش� � ��عرية املقال� � ��ة‪ ،‬وال نريد ب� � ��أن نعبر‬ ‫بوس� � ��اطتها عن هواجسنا الش� � ��عرية ورؤيتنا للحب‬ ‫واملوت واحلرية‪ ،‬وال نستطيع أن نعترف بأن املقالة‬ ‫ميكن أن تصير قصي� � ��دة نثرية‪ ،‬وال يريد أحدنا أن‬ ‫يعت� � ��رف بأن قصي� � ��دة النثر ميكن أن تك� � ��ون مقالة‬ ‫ممت� � ��ازة‪ ،‬وذلك ألن قصيدة النثر ظهرت في الوطن‬ ‫العربي منذ خمس� � ��ينيات القرن املاضي وانتش� � ��رت‬ ‫في س� � ��تينياته وازداد عدد كتابها في سبعينياته وما‬ ‫بعدها‪ ،‬في الوقت الذي ق� � ��ل فيه عدد قرائها! كما‬ ‫يقول البعض‪ ،‬ونحن أمة حتب الش� � ��عر‪ ,‬ومن اخلير‬ ‫ألحدن� � ��ا أن يقال له ش� � ��اعر ال أن يق� � ��ال له مقالي!‬ ‫فمازال الش� � ��اعر في قرارة نفس� � ��ه يعتقد أنه ملهم‬ ‫من الس� � ��ماء‪ ،‬وأ ّنى للس� � ��ماء أن تله� � ��م املقاليني‪ ،‬مع‬ ‫أن املقالي قس بن س� � ��اعدة (ل� � ��و افترضنا جدالً أن‬ ‫اخلطابة مقالة بصوت مس� � ��موع!) كان يرى نفس� � ��ه‬ ‫ملهماً من السماء!‬ ‫لكنن� � ��ي أع� � ��رف أن املقالة األدبية لم تنحس� � ��ر‬ ‫بع� � ��د‪ ،‬وأعرف أن للدكتور عدن� � ��ان العوادي مقاالت‬ ‫جميل� � ��ة يضن بها على النش� � ��ر‪ ،‬وأعرف أن الدكتور‬ ‫سعيد عدنان احملنة مازال يكتب مقاالته في جريدة‬ ‫«أف� � ��كار جامعية»‪ ،‬وه� � ��ي جريدة داخلي� � ��ة في كلية‬ ‫التربية بجامعة القادس� � ��ية‪ ،‬في الوقت الذي ينتظر‬ ‫في� � ��ه البعض أن تصدر في كتاب‪ ،‬وقد صدرت اآلن‬ ‫ف� � ��ي كتابني هما «أدب املقال� � ��ة وأدباؤها» و«في أفق‬ ‫األدب»‪ .‬وجمع األستاذ فاروق مصطفى مقاالته في‬ ‫كتب عدة‪ ،‬ولن ننس� � ��ى عبداملجيد لطفي‪ ،‬ويوس� � ��ف‬ ‫الصائغ ومدني صالح وغيرهم‪ ...‬أما أنا‪ ،‬فكلي أمل‬ ‫أن تكون هذه املقالة مقالة أدبية! >‬ ‫العدد ‪ - 698‬يتاير ‪2017‬‬

‫‪jan 76-78.indd 78‬‬


‫نقد أدبي‬

‫قراءة في أعمال والتر بنيامين وحنة أرندت‬

‫الضمير األخالقي واألدب‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد الجرطي‬

‫باحث ومترجم من املغرب‬

‫م���ا ج���دوى الش���عراء ف���ي ه���ذا الزم���ن العصي���ب؟ تس���اءل الش���اعر األلماني‬ ‫هولدرلين في مراثي���ه وقصائده المؤثرة‪ .‬كصدى لبيت هولدرلين الش���عري‬ ‫ال���ذي يعود لع���ام ‪ ،1800‬يتس���اءل والتر بنيامي���ن عن الوظيف���ة االجتماعية‬ ‫ُ‬ ‫للذكاء‪،‬‬ ‫والك ّتاب الفرنس���يين على وجه الخصوص بمناسبة تنامي األخطار‬ ‫الرهيب���ة بي���ن عامي ‪ 1937‬و‪ .1940‬خ�ل�ال منفاه في باريس‪ ،‬بم���ا أنه يهودي‪،‬‬ ‫أغل���ق النظام الن���ازي منذ عام ‪ 1933‬ف���ي وجهه كل إمكان للعمل والنش���ر‪،‬‬ ‫فكت���ب ف���ي فرنس���ا ه���ذه الرس���ائل الس���بع ح���ول األدب بطلب م���ن ماكس‬ ‫هوركهايمر مدير معهد البحوث االجتماعية في نيويورك‪.‬‬

‫الضمير األخالقي واألدب‪ ...‬قراءة في أعمال والتر بنيامني وحنة أرندت‬ ‫‪12/5/16 10:28:57 AM‬‬

‫‪79‬‬

‫‪jan 79-83.indd 79‬‬


‫لي������س ثمة وجود ألعم������ال صغيرة في نتاج‬ ‫والتر بنيامني‪ .‬إذا كانت مش������اريع ثقافية كبيرة‬ ‫مث������ل «باريس عاصمة القرن التاس������ع عش������ر»‬ ‫و«بودلير هي األشجار التي تخفي الغابة»‪ ،‬فإن‬ ‫هذه الرس������ائل حول األدب ه������ي على نحو ما‬ ‫شكل آخر إلنتاج عمل أدبي آخر متميز بعنوان‬ ‫«أف������رغ مكتبتي»‪ ،‬حيث تش������هد ه������ذه األعمال‬ ‫جميعها على ضرورة البقاء احلتمي لألدب في‬ ‫منظور هذا الكاتب ‪ -‬الفيلسوف الذي أشادت‬ ‫به حنة أرندت وح ّيت نتاجه الفكري واألدبي‪.‬‬ ‫من املؤك������د أن األمر يتعل������ق بعمل عدائي‪،‬‬ ‫ألن والتر بنيامني لم يكن ميلك أي مورد مادي‬ ‫بسبب ظروفه كمنفي في باريس‪ .‬هذه الرسائل‬ ‫ح������ول األدب دفع مس������تحقاتها املادي������ة لوالتر‬ ‫بنيامني أبرز ممثلي مدرسة فرانكفورت‪ ،‬الذين‬ ‫كانوا هم أيضاً منفيني ف������ي نيويورك‪ .‬وتتمثل‬ ‫مهمة بنيام���ي��ن في هذه الرس������ائل في تقدمي‬ ‫تقرير عن النش������اط األدبي في فرنسا‪ .‬وعلى‬ ‫الرغم من عالقاته مع كلية علم االجتماع‪ ،‬ومع‬ ‫مجلة أوربا التي نش������رت إحدى مقاالته‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغ������م من صداقته مع ُكتّاب مثل أندريه جيد‬ ‫وبول فاليري وج������ون بوالن الذين دعموا طلبه‬ ‫عام ‪ 1939‬للحصول على اجلنسية الفرنسية‪،‬‬ ‫فإن������ه لم يكن محاطاً س������وى بوج������وه متذبذبة‬ ‫ومترددة‪ .‬بقي والتر بنيامني في الواقع يهودياً‬ ‫أملانياً ماركس������ياً في زمن اس������تبداد الفاشيني‬ ‫في املعس������كر الفرنس������ي‪ .‬كان الهدف من هذه‬ ‫الرس������ائل حول األدب ه������و حتقيق أعلى درجة‬ ‫من البحث والوص������ف الدقيق ملواقف املثقفني‬ ‫الفرنس������يني ف������ي مرحلة نقدي������ة خطيرة‪ ،‬برع‬ ‫والتر بنيامني في إبرازها في قراءته لألعمال‬ ‫األدبية والفكرية في تلك املرحلة احلساسة من‬ ‫تاريخ فرنسا‪ .‬إن ما صدم والتر بنيامني‪ ،‬وكان‬ ‫في نظره س������بباً كفي ً‬ ‫ال بإثارة الرعب‪ ،‬وس������ط‬ ‫الزه������رة األدبية الباريس������ية الرائدة‪ ،‬ووس������ط‬ ‫عملية االضمحالل هذه‪ ،‬ووسط هذا الضمير‬ ‫األخالقي الضعيف‪ ،‬هو رد الفعل الباهت ضد‬ ‫الفاش������ية األملانية‪ ،‬بل أيضاً ض������د إرهاصات‬ ‫الفاشية الفرنسية‪.‬‬ ‫‪80‬‬

‫‪12/5/16 11:36:27 AM‬‬

‫متي������ز النق������د األدبي ف������ي هذه الرس������ائل‬ ‫بلهج������ة فظ������ة ونبرة الذع������ة‪ ،‬وش������جب والتر‬ ‫بنيامني امتثالية ال ُكتّاب‪ ،‬ومواقفهم االنتهازية‪،‬‬ ‫والتزامهم السطحي‪ ،‬وكانت هذه جراح املثقفني‬ ‫وأهل الفكر الفرنسيني‪.‬‬ ‫تفنن بنيامني في رس������م صورة كاريكاتورية‬ ‫للمثقفني الفرنس������يني‪ ،‬وهكذا سخر من جون‬ ‫كوكتو بس������بب فكره الس������طحي‪ .‬أم������ا كلوديل‬ ‫فقدم������ه على أنه يحب أن «يبي������ع للقراء أمثال‬ ‫يس������وع»‪ .‬كان كاتبنا املترس������ل‪ ،‬والتر بنيامني‪،‬‬ ‫أق������ل حدة في نقده جتاه برنانوس‪ ،‬ودوهاميل‪،‬‬ ‫وليريس وباشالر أو نيزان‪ .‬لكن باملقابل‪ ،‬تعرض‬ ‫فرديناند س������يلني في هذه الرس������ائل للسخرية‬ ‫بال هوادة بس������بب نثره البليد وكتاباته املترعة‬ ‫بس������يل من اإلهانات وعدميت������ه الطبية‪ :‬كتابه‬ ‫املوسوم بـ «تفاهات من أجل مذبحة» شكل في‬ ‫ذلك الوقت رس������الة هجاء حارقة في معاداتها‬ ‫للس������امية‪ ،‬وكان ه������ذا الكتاب األكثر انتش������اراً‬ ‫واألكثر إهانة في النتاج األدبي الفرنسي‪.‬‬ ‫الس������ريالية ال فضل له������ا إطالقاً في نظر‬ ‫والتر بنيامني‪ .‬واألس������وأ من ذلك‪ ،‬أنه نظر إلى‬ ‫كلية عل������م االجتماع باعتباره������ا متاهة فكرية‬ ‫وعرين الفاش������يني‪ ،‬حني دافع جورج باتاي عن‬ ‫نيتش������ه في مجلته «عدمي الرأس»‪ ،‬وحني نُظر‬ ‫إلى روجر كايوا‪ ،‬وفقاً ملراس������لنا والتر بنيامني‪،‬‬ ‫على أنه ش������بيه لطغمة غوبلز‪ .‬نخمن أنه على‬ ‫الرغم من ذكائ������ه‪ ،‬والعتبارات أيديولوجية‪ ،‬لم‬ ‫يتمكن والتر بنيامني من تقدمي صورة للمشهد‬ ‫الثقافي في فرنس������ا بش������كل محاي������د ونزيه‪.‬‬ ‫في الواق������ع‪ ،‬يجب قراءة هذه الرس������ائل حول‬ ‫األدب ف������ي هام������ش التوجه املاركس������ي الثابت‬ ‫ملدرس������ة فرانكفورت‪ ،‬وخاصة معهد البحوث‬ ‫االجتماعي������ة ف������ي نيوي������ورك برئاس������ة ماكس‬ ‫هوركهامير‪ ،‬الذي وجه إليه والتر بنيامني هذه‬ ‫الرس������ائل‪ .‬ه������ل املقصود هو ش������جب امتثالية‬ ‫معينة لالصطفاف في خندق امتثالية أخرى؟‬ ‫في ومضة من الوضوح الثاقب‪ ،‬لم يغفل بنيامني‬ ‫التقارب األصلي بني الفاشية والشيوعية‪ ،‬كما‬ ‫يالحظ في قراءت������ه للكاتب هنري روجمونت‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 79-83.indd 80‬‬


‫نقد أدبي‬

‫لكن بنيامني كان ح������ذراً ومتحفظاً إزاء املادية‬ ‫اجلدلية املقدس������ة وديكتاتوري������ة االنغراس في‬ ‫الوقائع السوسيو ‪ -‬اقتصادية‪.‬‬ ‫نعرف أنه حت������ى إزاء هوركهامي������ر‪ ،‬انتقد‬ ‫بنيام���ي��ن بطريق������ة غي������ر مباش������رة الواقعي������ة‬ ‫االش������تراكية‪ .‬يفضل بنيامني التجربة املعيشة‬ ‫والش������خصية‪ ،‬وحني كان متسكعاً في األوساط‬

‫الباريس������ية وقارئ������اً ألعمال بودلير‪ ،‬اكتس������ب‬ ‫استقالليته الفكرية‪ ،‬كما تالحظ ذلك ببصيرة‬ ‫وأملعية ثاقبة حنة أرندت‪ .‬يتذكر بنيامني بحنني‬ ‫جارف وبش������كل نوس������تاجلي في هذه الرسائل‬ ‫العم������ل الفني في عصر إع������ادة إنتاجه تقنياً‪،‬‬ ‫واملرتب������ط بأفول وتراجع هالة األدب‪ .‬يتعرض‬ ‫العمل الفني واألدب من جهة أخرى إلى املصير‬ ‫نفسه‪ :‬إذا كان الفن السردي مييل إلى الضياع‪،‬‬ ‫فذلك ألن هذا اجلانب امللحمي من احلقيقة‪،‬‬ ‫ال������ذي هو احلكم������ة ميوت أيضاً‪ .‬لك������ن إمياناً‬ ‫راس������خاً ف������ي األدب يبعث احلي������اة في أعماق‬ ‫بنيامني حني يش������رح أعمال الكاتب ليسكوف‬ ‫قائ ً‬ ‫ال‪ :‬وهكذا ف������إن معنى الرواية ال يكمن في‬ ‫ما تقدمه لن������ا‪ ،‬في صيغة تعليمية‪ ،‬عن مصير‬ ‫شخص غريب‪ ،‬بل في هذا املصير نفسه‪ ،‬من‬ ‫خالل الش������علة التي تستنفد قواه‪ ،‬فتوقظ فينا‬ ‫الدفء ال������ذي ال ميكن أبداً االغتراف منه في‬ ‫مصيرنا الشخصي‪.‬‬ ‫حتى في رس������ائله ح������ول األدب‪ ،‬التي يعود‬ ‫تاريخ آخر رس������الة إلى مارس ‪ ،1940‬وبعد أن‬ ‫مت إطالق س������راحه من معسكر فرنيش‪ ،‬وقبل‬ ‫بضعة أش������هر من انتحاره‪ ،‬كان������ت مكتبته هي‬ ‫ش������غله الش������اغل‪ .‬كتبه البال������غ عددها ‪،2000‬‬ ‫باإلضاف������ة إلى كتب األطف������ال‪ ،‬يجب أن تعود‪،‬‬ ‫كما يأم������ل‪ ،‬إلى برتولد بريخت في الدمنارك‪.‬‬ ‫ميله للس������فر‪ ،‬وجتوله االضط������راري لم يبعداه‬ ‫كهاو جلمع الكتب‪ .‬كتابه‬ ‫عن الفي������روس املمتع ٍ‬

‫الضمير األخالقي واألدب‪ ...‬قراءة في أعمال والتر بنيامني وحنة أرندت‬ ‫‪12/5/16 11:34:22 AM‬‬

‫‪81‬‬

‫‪jan 79-83.indd 81‬‬


‫املوس������وم بـ «أفرغ مكتبتي‪ ...‬ممارسة في جمع‬ ‫سلس������لة كتب» ليس إال بحثاً وجيزاً ولكنه ثري‬ ‫ومؤثر‪« .‬شغف الهاوي اجلامع للكتب ‪ ...‬يتاخم‬ ‫حدود فوضى الذكريات»‪.‬‬ ‫إذا كان ه������ذا النص يعن������ي نظام احلقيقة‬ ‫العامة‪ ،‬فهو أيض������اً اعتراف بالعطاء وال ميكن‬ ‫أن يك������ون أكث������ر من س������يرة ذاتي������ة ألصدقائه‬ ‫من الش������خصيات الروائية‪« :‬بالنس������بة للهاوي‬ ‫احلقيقي اجلامع للكت������ب‪ ،‬فإن احلصول على‬ ‫كت������اب قدمي يع������ادل والدة جديدة ل������ه»‪ .‬يقدم‬ ‫بنيامني نفس������ه باعتباره ممث���ل�� ً‬ ‫ا حلركة إحياء‬ ‫الفنون واآلداب من خالل االحتفاء بالكتب في‬ ‫مرحلة ال تتفق مع األيديولوجيا اجلماعية ذات‬ ‫املبدأ االش������تراكي القائل بسيطرة الدولة على‬ ‫جميع وسائل اإلنتاج والنشاطات االقتصادية‪.‬‬ ‫إذا كان م������ن املمك������ن أن املجموع������ات العامة‬ ‫من املختارات الثقافي������ة تكون أقل صدمة في‬ ‫اجلانب االجتماع������ي ومفيدة جداً في اجلانب‬ ‫العلم������ي‪ ،‬وهو م������ا تفتق������ر إلي������ه املجموعات‬ ‫اخلاص������ة‪ ،‬فإن هذه األخي������رة وحدها الكفيلة‬ ‫بأن تنصف األش������ياء نفسها‪ .‬يبقى أن من بني‬ ‫كل الط������رق للحصول على الكت������ب‪ ،‬والطريقة‬ ‫األكث������ر مجداً‪ ،‬التي حتظ������ى بالتقدير‪ ،‬هي أن‬ ‫يكتب املرء بنفسه هذه الكتب‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كان والتر بنيامني هاوياً بائسا جلمع الكتب‪،‬‬ ‫وأيضا كان متعطش������اً للعملة الورقية‪ ،‬ألنه في‬ ‫نصوص أخرى مرفقة حلس������ن احلظ مع هذه‬ ‫‪82‬‬

‫‪12/5/16 10:29:18 AM‬‬

‫الرس������ائل‪ ،‬يقدم لنا كتباً عن املرضى العقليني‬ ‫وروايات ع������ن اخلادمات وكتباً هجائية وكذلك‬ ‫كتب األطفال‪ ،‬وهو الدليل على أن فضوله كان‬ ‫إنس������انياً بقدر ما كان مس������لياً‪ ،‬فضول طفولي‬ ‫وسوس������يولوجي ف������ي اآلن نفس������ه‪ .‬إن الباحث‬ ‫والهاوي لقوائم املراجع سيكتش������فان سلس������لة‬ ‫م������ن الكتب التي قرأها بنيامني‪ ،‬س������واء تفاهة‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 79-83.indd 82‬‬


‫نقد أدبي‬ ‫‪ 1712‬عنواناً‪ ،‬التي يش������ك امل������رء في أنها غير‬ ‫مكتملة‪ .‬من الواضح بالتال������ي أن بنيامني كان‬ ‫مولعاً بالكتب النفيسة والنادرة وليس مهووساً‬ ‫بالكتب وفق������اً للتمييز الذي حدده أمبرتو إيكو‬ ‫بخصوص هذا املوضوع «عاش������ق ينقل شغفه‬ ‫على نقيض الشخص الذي يسرق ويخفي سراً‬ ‫موضوع جنونه»‪.‬‬ ‫في مجلة «نيوريوركر» ‪ ،‬قدمت حنة أرندت‪،‬‬ ‫س������نة ‪ 1968‬هذا التك������رمي الرائع لش������خصية‬ ‫ثقافية رحلت بشكل سابق ألوانه‪ :‬والتر بنيامني‬ ‫(‪ .)1940-1892‬على شاكلة كافكا‪ ،‬وحده املجد‬ ‫بع������د الوفاة هو م������ا حدث مع هذا الهامش������ي‬ ‫بس������بب الصهيونية والش������يوعية‪ .‬يُعتبر بنيامني‬ ‫ناقداً أدبياً غير قابل للتصنيف‪ ،‬ودون أن يكون‬ ‫ش������اعراً‪ ،‬كان يفكر بطريقة شاعرية كما حتلل‬ ‫بش������كل دقيق حنة أرندت‪ .‬الشغل الشاغل لهذا‬ ‫النيزك ف������ي اآلداب األملانية والفرنس������ية‪ ،‬هذا‬ ‫املول������ع بفسيفس������اء االقتباس������ات واألمثال‪ ،‬هو‬ ‫حقيق������ة العمل الفني‪ ،‬وأيض������اً حقيقة التاريخ‪،‬‬ ‫ال������ذي كان مالكه الذي ينظ������ر فقط إلى مجال‬ ‫حط������ام املاض������ي وأنقاضه‪ ،‬م���ل��اك يتطلع إلى‬ ‫املس������تقبل بروح تهب م������ن ورائه م������ع عاصفة‬ ‫التق������دم‪ .‬علينا أن نتذك������ر أن بنيامني كان يرى‬ ‫هذا املالك في اللوح������ة الفنية املالك اجلديد‬ ‫التي رسمها بول كلي بألوان مائية سنة ‪.1920‬‬ ‫مع األس������ف‪ ،‬هذا الش������خص الذي وصفته‬ ‫حنة أرندت بـ «األحدب»‪ ،‬في إش������ارة إلى تلك‬ ‫القصائد الطفولية‪ ،‬حيث ترتبط هذه الصورة‬ ‫باحلماق������ة واحلي������ل‪ ،‬ع������اش أوقات������اً عصيبة‬ ‫وكاحل������ة حتى حلظة انتحاره‪ ،‬عالقاً بني حدود‬ ‫استبدادية لدولتني في ميناء «بو» على احلدود‬ ‫اإلس������بانية ‪ -‬الفرنس������ية‪ ،‬بينم������ا كان يح������اول‬ ‫الهرب من النازيني في يوم ‪ 27‬سبتمبر ‪.1940‬‬ ‫إذاً اس������تطاع والتر بنيامني جتس������يد النموذج‬ ‫املثالي للمتسكع الباريسي‪ ،‬املوروث من القرن‬ ‫التاسع عشر‪ ،‬إلى حد الكتابة باللغة الفرنسية‬ ‫لنص������وص أدبية كبيرة‪ ،‬فإنه كان محكوماً عليه‬ ‫بالترحال االفتتاحي في معظم مقاالته‪ ،‬السيما‬ ‫أن نصوصه نُشرت وهو على قيد احلياة حتى‬

‫دون االنته������اء التام من كتابته������ا أو العمل على‬ ‫فصلها عن التوأم الغريب في إنتاجه الفكري‪:‬‬ ‫«بودلي������ر» و«باري������س عاصمة القرن التاس������ع‬ ‫عش������ر»‪ ،‬حيث تظهر باس������تمرار مجموعة من‬ ‫االقتباس������ات‪ .‬ه������ذه املجموعة كان������ت بالطبع‬ ‫ص������دى ملجموعة غريبة أحيان������اً وغير مجدية‬ ‫بشكل مثير للشفقة ملتحمس مولع بالكتب وذي‬ ‫حس فضولي‪.‬‬ ‫إن كتاب أرندت املوس� � ��وم بـ «والت� � ��ر بنيامني‪:‬‬ ‫‪ »1940 - 1892‬ه� � ��و رثاء جمي� � ��ل‪ ،‬واعتراف بارع‪،‬‬ ‫الس� � ��يما حني تقارنه بكافكا‪ ،‬منارة غريبة أخرى‪،‬‬ ‫ف� � ��ي مرحلة ما بع� � ��د اليهودية‪ .‬لق� � ��د كان بنيامني‬ ‫مفلس � � �اً‪ ،‬عاش على نفقة والديه حتى عام ‪،1930‬‬ ‫كان نوعاً من األبطال الذين عانوا س� � ��وء الفهم في‬ ‫الثقافة الفلسفية واألدبية‪ ،‬وفي وقت متأخر «وبعد‬ ‫الوفاة»‪ ،‬أصبح معشوق املثقفني وأهل الفكر عامة‪.‬‬ ‫وهذا بس� � ��بب عبقريته األكيدة‪ ،‬كم� � ��ا توضح ذلك‬ ‫بحماس حنة أرندت‪ ،‬وأيضاً للس� � ��بب األسوأ‪ :‬كونه‬ ‫وريثاً متميزاً للماركس� � ��ية‪« ،‬على الرغم من نزعته‬ ‫األرثوذكس� � ��ية» حيث يس� � ��تحق االحترام والتقدير‬ ‫اللذين لم يحظ بهما وهو على قيد احلياة‪.‬‬ ‫لم يك������ن بنيامني في نهاية املط������اف لغزاً‪،‬‬ ‫مادام عديد من املقاالت والكتب املهمة تطرقت‬ ‫بالنق������د احلصيف لكتابيه بودلير وباريس‪ .‬أما‬ ‫النصوص التي تبدو للوهلة األولى صغيرة‪ ،‬مثل‬ ‫«هذه الرس������ائل حول األدب» و«أفرغ مكتبتي»‪،‬‬ ‫فهما من بني «اجلواه������ر» التي تكفلت أرندت‬ ‫بقراءتها بشكل نقدي بناء‪ .‬لنتأمل بالتالي عمله‬ ‫املوسوم بـ «اخلطر الوشيك الذي ميثله لفرنسا‬ ‫الصمت ع������ن ش������رور االش������تراكية القومية»‪.‬‬ ‫بخصوص الكلمة الفرنس������ية ‪ nationaI‬التي‬ ‫تعن������ي الوطني «على الرغم م������ن‪ »...‬مثل هذا‬ ‫التحذير في ع������ام ‪ 1939‬مازال إلى يومنا هذا‬ ‫ميثل تياراً خطيراً‪ ،‬وال ميكن للمرء بهذا الضمير‬ ‫األخالق������ي الضعيف أن يضي������ف إليها الحقة‬ ‫‪ isme‬لتصبح ‪ nationalisme‬النزعة القومية‬ ‫التي كانت كفيلة بأن تغرق بنيامني لو بقي حياً‬ ‫إلى يومنا هذا في رهاب آخر‪ .‬رهاب الهويات‬ ‫القاتلة >‬

‫الضمير األخالقي واألدب‪ ...‬قراءة في أعمال والتر بنيامني وحنة أرندت‬ ‫‪12/5/16 10:29:22 AM‬‬

‫‪83‬‬

‫‪jan 79-83.indd 83‬‬


‫نقد‬

‫رواية تعالج متاهة اإلنسان االفتراضي‬

‫«قطط إنستجرام»‬ ‫إبراهيم الحجري‬

‫ناقد وروائي من املغرب‬

‫تس���عى الرواية العربية الجديدة إلى مواكبة األس���ئلة‬ ‫المحايث���ة للتغيرات المتس���ارعة التي تط���ول العالم‪،‬‬ ‫ولع���ل من أبرزه���ا الفجوة الرقمية أو هيمنة الوس���يط‬ ‫الشبكي‪ ،‬واإلقبال المتزايد عليه‪ ،‬وما يستتبع ذلك من‬ ‫انعكاسات على اإلنس���ان العربي في شتى تجلياته‬ ‫النفس���ية‪ ،‬االجتماعية‪ ،‬الثقافي���ة‪ ،‬واالقتصادية‪ ،‬والذي‬ ‫يعتبر‪ ،‬في الغالب‪ ،‬مس���تهلك ًا س���لبي ًا له���ذا المنتوج‬ ‫التكنولوج���ي الش���بكي المتط���ور بوتيرة س���ريعة‪،‬‬ ‫ال تترك له فرصة الس���تيعابها‪ ،‬أو التفكير في غاياتها‬ ‫البعي���دة‪ ،‬وإدراك فلس���فتها المؤطرة‪ ،‬مم���ا يزيد من‬ ‫مس���افة التوتر‪ ،‬ويعقد وضع اإلنسان في متاهة االفتراض التي تتلولب حوله‪،‬‬ ‫وتض ِّيق الخناق عليه كلما توغل فيها أكثر‪.‬‬

‫ن������ ّوع الروائي������ون العرب‪ ،‬وبخاصة الش������باب‬ ‫منهم‪ ،‬من طرق وأس������اليب مساجلة هذا الوضع‬ ‫األنطولوج������ي اجلديد لإلنس������ان‪ ،‬وم������ا يرتبط‬ ‫به من مف������ردات‪ ،‬ولغات جدي������دة ميزت اجليل‬ ‫اجلديد‪ ،‬وظواهر إنس������انية واجتماعية ونفسية‬ ‫محايثة لهاته التحوالت السريعة‪ ،‬فالبعض منها‬ ‫تناول لغة الش������باب اجلدي������دة املهجنة‪ ،‬والبعض‬ ‫اآلخ������ر عالج العالق������ات االفتراضي������ة املضللة‪،‬‬ ‫وبعضه������ا اآلخر س������عى إلى ابتكار ش������كل رقمي‬ ‫يس������اير الصيغ التفاعلية اجلديدة التي يقترحها‬ ‫الوس������يط اجلديد‪ ،‬والبعض اآلخر كشف الغطاء‬ ‫‪84‬‬

‫‪12/5/16 10:30:02 AM‬‬

‫عن أنواع الس������لوكيات املنحرفة التي تولدت مع‬ ‫حتد‪.‬‬ ‫هيمنة الوسيط الرقمي التي ال تصد وال‬ ‫ّ‬ ‫وبق������در ما تع������ددت هاته املقارب������ات‪ ،‬فإنها‬ ‫التزال متواضعة وخجولة باملقارنة مع نظيراتها‬ ‫في الغرب‪ ،‬خاصة على مس������توى أش������كال هاته‬ ‫املقاربات التي ال تختلف في جوهرها عن مقاربة‬ ‫بقي������ة الـموضوع������ات املتقادم������ة‪ .‬فالتفكير في‬ ‫البد أن يرافقه‪ ،‬بالضرورة‪،‬‬ ‫موضوعات جديدة‪ّ ،‬‬ ‫التفكي������ر في تقني������ات وقوالب س������ردية جديدة‪،‬‬ ‫تسكب فيها السيولة املضمونية احملدثة‪.‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 84-87indd.indd 84‬‬


‫‪ - 1‬مواقع التواصل االجتماعي ‪ ...‬امتالء‬ ‫أم فراغ؟‬ ‫تكش������ف رواية «قطط إنس������تجرام» العوالم‬ ‫الغريب������ة للتواص������ل االجتماع������ي الرقمي الذي‬ ‫يتم بش������كل افتراضي عبر مجموعة من املواقع‬ ‫التي نالت وتنال ش������هرة عاملي������ة متزايدة‪ ،‬بفضل‬ ‫اكتس������احها املتواصل ألعداد كبيرة من البش������ر‪،‬‬ ‫حتى باتت غرفا س������رية تكاد تفضي على الغرف‬ ‫احلقيقي������ة في احلي������اة الواقعي������ة‪ ،‬موضحة أن‬ ‫«قطط إنستجرام»‪ ...‬رواية تعالج متاهة اإلنسان االفتراضي‬ ‫‪12/5/16 10:30:06 AM‬‬

‫الع������رب انخرطوا ف������ي هاته املتاه������ة بإقبال قل‬ ‫نظيره‪ ،‬وبات بريق املواقع التواصلية االجتماعية‬ ‫يس������تقطب األجيال املتعاقبة‪ ،‬موظف������ة إياه في‬ ‫م������ا ينفع وما ال ينف������ع‪ ،‬دون معرفة خلفيات هذا‬ ‫االكتس������اح‪ ،‬وانعكاس������ات هذا االس������تهالك غير‬ ‫الواعي‪.‬‬ ‫الرواي������ة تعرض ح������االت ه������ذا الذوبان في‬ ‫الوسائط التفاعلية‪ ،‬وتنقل شخوصها بني العاملني‬ ‫االفتراضي واحلقيقي‪ ،‬وكأنها تقارن بني فعالية‬ ‫‪85‬‬

‫‪jan 84-87indd.indd 85‬‬


‫احليات���ي��ن معا في نف������وس الناس وس������لوكياتهم‬ ‫وتصرفاته������م مع ذواته������م‪ ،‬وم������ع اآلخرين‪ ،‬ومع‬ ‫احمليط ال������ذي يأويهم‪ ،‬لتش������خص برؤية برانية‬ ‫وحس سوس������يولوجي‪ ،‬العالقات امللتبسة‬ ‫واعية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بني الناس التي أفرزها االقتحام السريع للوسيط‬ ‫الرقم������ي اجلديد لعوالم الناس وحيواتهم العامة‬ ‫واخلاص������ة‪ ،‬محدثا زلزلة في القي������م‪ ،‬والعوائد‪،‬‬ ‫واملفاهيم‪ ،‬ومعاني احلياة‪.‬‬ ‫وتتساءل الرواية بسخرية تارة‪ ،‬وبجد جارح‬ ‫أحيانا أخرى‪ ،‬عن اآلفاق املس������تقبلية للعالقات‬ ‫اإلنس������انية‪ ،‬ومدى قدرة الثواب������ت على الصمود‬ ‫في وجه هذا الس������عار الرقمي والشبكي املعقد‪،‬‬ ‫الذي ارمت������ى العرب في حضن������ه مثلما أغرتهم‬ ‫املنتجات الغربية األخرى؛ دومنا تأمل في طبيعة‬ ‫هذا التح������ول‪ ،‬وت َف ّكر في خلفيات������ه االقتصادية‬ ‫واالجتماعية واإلنسانية‪ ،‬ودون إجراءات وقائية‬ ‫حتم������ي للفرد جوهره اإلنس������اني‪ ،‬وخصوصياته‬ ‫االجتماعية‪.‬‬ ‫إن الرواي������ة تس������تدرج قارئه������ا بحياد نحو‬ ‫اكتش������اف املتاه������ة الرقمية‪ ،‬وتفكي������ك كثير من‬ ‫الظواهر احملايثة لها‪ ،‬واملرافقة لالنخراط فيها‪.‬‬ ‫وبقدر ما تع������دد امليزات الكثي������رة لهاته العوالم‬ ‫التي ال ميك������ن نكرانها فقد قلّصت املس������افات‪،‬‬ ‫وق ّرب������ت بني الناس ف������ي جغرافي������ات متباعدة‪،‬‬ ‫وع ّرفت البش������ر على عوالم وحضارات وثقافات‬ ‫فإن هناك س������لبيات كثيرة تتستّر‬ ‫كانت مجهولة‪ّ ،‬‬ ‫وراء هذا البريق اآلس������ر الذي يحجب ما وراءه‪،‬‬ ‫وه������و األخطر‪ ،‬ألن املس������تهلك البس������يط ال يرى‬ ‫هات������ه القيم املتخفية‪ ،‬بل ي������رى الواجهة املتاحة‬ ‫للكل‪ .‬فقد تزايدت إمكانات النصب على الفرد‪،‬‬ ‫واستغالل ذائقته‪ ،‬وتفريغ طاقاته الكامنة‪ ،‬وخلق‬ ‫بدائل وقيم أخرى تعويضية تهدم كيانه الوجودي‪،‬‬ ‫واعتباره املعنوي‪.‬‬

‫‪ - 2‬دردشات االفتراض‬ ‫واجهة لنقد الواقع املعيش‬ ‫تع ّري الرواية الدوامة الفظيعة التي يصرف‬ ‫فيها الش������باب جل أوقاتهم‪ ،‬منخرطني في ملهاة‬ ‫درامي������ة يكونون ضحاياها‪ ،‬وممثلني وهميني في‬ ‫‪86‬‬

‫‪12/5/16 10:30:11 AM‬‬

‫إدارتها بوعي أو بغير وعي منهم‪ .‬فإذا كان العالم‬ ‫�����بكي يضع أم������ام هذا اجليل من الش������باب‪،‬‬ ‫الش�‬ ‫ّ‬ ‫إمكانات هائلة لتطوير ملكاتهم وتشييد معرفتهم‬ ‫العلمية واللّغوية‪ ،‬وه������ي إمكانات لم تكن متاحة‬ ‫لألجيال التي س������بقتهم‪ ،‬فإن الشباب ينصرفون‬ ‫عن هاته الغنائ������م املوضوعة أمامه������م باملجان؛‬ ‫تؤججها‬ ‫وينصرفون عنها صوب متاهات مغرية‪ّ ،‬‬ ‫س������ ّرية التّواص������ل‪ ،‬وقدرتها عل������ى تلب ّية حاجات‬ ‫نفسية واجتماعية‪.‬‬ ‫احملكي الروائي هنا‪ ،‬هاته التفاصيل‬ ‫ويوظف‬ ‫ّ‬ ‫الوهمي بني كائنات بش������رية‬ ‫بالتواصل‬ ‫املتعلق������ة‬ ‫ّ‬ ‫تستلف لها أسماء مستعارة‪ ،‬وتلبسها بروفايالت‬ ‫جدي������دة مصطنعة تراوغ بها مخاطبيها‪ ،‬وتراهن‬ ‫على جرهم إلى سخافات وحوارات فارغة ليصبح‬ ‫الش������اب عرضة إلدمان شبكي ال يقل سلبية عن‬ ‫بقية أنواع اإلدمان األخرى املخربة للعقل‪ .‬تقول‬ ‫الس������اردة معبرة عن هذا الوضع‪« :‬كلمة الس������ر‬ ‫– مفتاح نزهتن������ا ‪ -‬كانت أش������هر كلمات العوملة‬ ‫(سوش������يل ميديا)‪ ،‬حيث يصاف������ح كل منا رفيقه‬ ‫في الغرفة الزجاجية األخرى في متتالية تش������به‬ ‫صفاً طوي ً‬ ‫ال م������ن قطع الدومينو املس������تندة إلى‬ ‫رقائق الذاكرة املعدنية‪ .‬نحاول ردم وحدتنا عبر‬ ‫التواصل العشوائي واملكثف باآلخرين‪ ،‬متسلقني‬ ‫جدار الفاصل الزمني واجلغرافي‪ ،‬محملني بلذة‬ ‫اكتشاف جديدة لعوالم من الزجاج الذي تتكثف‬ ‫على سطحه ثرثرات عابرة‪ ،‬من ذوات حتاول ملء‬ ‫فراغها عبر تس������ويق نفسها لآلخرين! أصبحت‬ ‫واحدة منهم‪ ،‬س������اكني موقع إنستجرام‪ ،‬تسعون‬ ‫مليون مس������تخدم يدخلون بوابته كل نهار بكل ود‬ ‫ولهفة‪ ،‬وأحيانا بداف������ع امللل‪ ،‬وبتحريض عنصر‬ ‫الفضول‪ ،‬يسيرون وحدهم محاطني بعزلتهم في‬ ‫الوقت الذي يحاولون فيه مد جسور ضوئية مع‬ ‫القري������ب والبعيد‪ ،‬املع������روف واملجهول‪ ،‬الواضح‬ ‫بصورته واس������مه احلقيقي‪ ،‬والغامض بأيقونته‬ ‫واسمه املستعار» (إنستجرام‪ ،‬ص ‪.) 23-22‬‬ ‫تخت������ار الروائـي������ة لعامله������ا املتأرج������ح ب���ي��ن‬ ‫االفتراض والواقع‪ ،‬شخصيات منزوعة من واقع‬ ‫ما بع������د األزمة االقتصادية الت������ي انهارت معها‬ ‫القيم اإلنس������انية وتبدلت بفعلها التوازنات‪ ،‬لتزج‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 84-87indd.indd 86‬‬


‫نقد‬ ‫بها ف������ي عالم غميس بالتناقض������ات واملفارقات‪،‬‬ ‫محاولة خلق بدائل وهمية‪.‬‬ ‫ويتجس� � ��د ذلك في الش� � ��خصيات املهيمنة على‬ ‫مستوى السرد؛ ومنها شخصية الساردة التي تلفي��� ‫نفس� � ��ها في متاهة نفسية واجتماعية بعد تسريحها‬ ‫االفتراضي الذي يقحهما‬ ‫من عملها‪ ،‬فتلوذ بالعالم‬ ‫ّ‬ ‫في عالقات غامضة‪ ،‬ويكشف لها عن عوالم شديدة‬ ‫التعقي� � ��د‪ ،‬وينبهه� � ��ا الفراغ إلى تأمل مس� � ��تدمي في‬ ‫التحوالت البراقة التي تقع في عالم شديد التغير‪،‬‬ ‫كانت تصرفها عنه التزاماته� � ��ا العملية‪ .‬تقول على‬ ‫لسان السارد‪« :‬هل جال في بال خريجي ستانفورد‬ ‫«كيفن سيستروم» و«مايك كرايجر» قبل بضعة أعوام‬ ‫أن مش� � ��روعهما «إنستجرام» س� � ��يلقى هذه الشعبية‬ ‫الكاس� � ��حة؟ وأن إنشاء وسيط إلكتروني بصري بني‬ ‫الفرد واآلخر س� � ��يتجاوز ح� � ��دود التوقعات في زمن‬ ‫تتعمق فيه عزلتنا‪ ،‬وتزداد فيه رغبتنا بالتعبير عما‬ ‫ي� � ��دور في أذهاننا؟ وأن كل دقيق� � ��ة من اليوم هناك‬ ‫‪ 215‬أل� � ��ف صورة ومقطع فيديو يت� � ��م عرضها عبر‬ ‫برنامجهم� � ��ا ألن� � ��اس من مختلف أنح� � ��اء العالم؟!»‪.‬‬ ‫(قطط إنستجرام‪ ،‬ص ‪.)28‬‬

‫‪ - 3‬السخرية ومفارقات اخلطاب‬

‫تش������يد الرواية بالغتها وفق أسلوب متناغم‪،‬‬ ‫وترفع إيقاع لغتها الشعرية لتعبر عن واقع شديد‬ ‫الكثافة واالنتحال واملس������خ والزئبقية‪ ،‬مثلما تلوذ‬ ‫مبفارقات خطابية تبطن طبقات املعنى بالشفرات‬ ‫والرسائل الضمنية التي تنقض وتكشف وتنتقد‬ ‫وتؤس������س في آن واحد‪ .‬ويبدو ذل������ك‪ ،‬منذ عتبة‬ ‫العنوان الفارقة «قطط إنستجرام» التي تستعير‬ ‫داال مخصوصا هو «القطط» للتدليل على كائنات‬ ‫بشرية‪ ،‬وجه الش������به املشترك بينها هو املخاتلة‪،‬‬ ‫والتحايل‪ ،‬والكمون‪ ،‬والتلصص‪.‬‬ ‫يعادل الكش������ف الس������ردي للتفاصيل املتعلقة‬ ‫بش������خصيات تفرق بينها االهتمامات والنزوعات‬ ‫احلياتي������ة‪ ،‬ويجم������ع بينه������ا املوق������ع االجتماعي‬ ‫«إنستجرام»‪ ،‬مسألة التشخيص املفارق لدواليب‬ ‫التصح������ر الوجدان������ي وتصلّب املش������اعر والقيم‬ ‫اإلنس������انية الت������ي تغرق فيها هاته الش������خصيات‬ ‫منصرف������ة خلف بريق جذاب يأس������رها ويقودها‬ ‫«قطط إنستجرام»‪ ...‬رواية تعالج متاهة اإلنسان االفتراضي‬ ‫‪12/5/16 10:30:15 AM‬‬

‫م������ن ناصي������ة عقلها ص������وب متاه������ات تبدو في‬ ‫كثير من األحي������ان‪ ،‬غير مجدي������ة‪ ،‬كما تص ّورها‬ ‫املتتالي������ات الس������ردية التعاقبية الت������ي تضع بني‬ ‫يدي القارئ بيانات وس������ير لشخصيات من هذا‬ ‫العالم االفتراضي‪ ،‬وكيف تضطر لتبديل أقنعتها‬ ‫باس������تمرار لتس������وق نفس������ها في مالمح وهيئات‬ ‫ومظاه������ر جدي������دة‪ ،‬وتخلق عالق������ات افتراضية‬ ‫متجددة‪ ،‬تتوس������ع تدريجياً‪ ،‬في وقت تنافس فيه‬ ‫مواقع التواصل االجتماعي على استقطاب أكبر‬ ‫عدد ممكن من املرتادين‪.‬‬ ‫تبدل‬ ‫حينما‬ ‫�����ا؛‬ ‫�‬ ‫حبكاته‬ ‫وتعق������د الرواية م������ن‬ ‫ّ‬ ‫�����خصي‪،‬‬ ‫الش������خصية الس������اردة بروفايله������ا الش�‬ ‫ّ‬ ‫وتكش������ف القناع‪ ،‬مبرزة املس������افة التي تتخذها‬ ‫الش������خص ّيتان‪ ،‬ومدى انع������كاس ذلك على صورة‬ ‫الواقعي‪ ،‬بعد‬ ‫الش������خصية نفس������ها في املجتم������ع‬ ‫ّ‬ ‫االفتراضي‪.‬‬ ‫إزاحة ستار الوجه‬ ‫ّ‬ ‫تتش������ابك العالئ������ق بني ش������خصيات الرواية‬ ‫املزدوج������ة التي حتي������ا بقناعني‪ ،‬واحد مس������تعار‬ ‫حقيقي تعيش‬ ‫تهيم به في غرف الدردشة‪ ،‬وآخر‬ ‫ّ‬ ‫في������ه بني الناس‪ :‬أحالم‪ ،‬منص������ور‪ ,‬الفي‪ ،‬علياء‪،‬‬ ‫حامد‪ ،‬س������ميرة‪ ،‬مضاوي‪ ،‬س������لمى‪ ،‬طلحة‪ ،‬زيد‪،‬‬ ‫أم جراح‪ ،‬خالقة مس������ارات متشعبة تتأرجح بني‬ ‫الهزل واجل������د‪ ،‬فاضحة مس������توى االنهيار الذي‬ ‫ط������ال املواق������ف والتصرفات‪ ،‬وتت������أزم احلبكات‬ ‫بينها قبل أن تعرف نهاي������ات غير متوقعة بزواج‬ ‫أحالم من منصور‪ ،‬وفوزه باالنتخابات بعد حملة‬ ‫دعائية س������وق له������ا املاليني م������ن املبحرين عبر‬ ‫مواقع التواصل االجتماعي‪ ،‬موت القط سبايس‬ ‫الذي قاد بش������كل مس������تعار‪ ،‬أكب������ر حملة دعائية‬ ‫ض������د رموز الفس������اد‪ .‬وكأن الرواية هنا‪ ،‬تعلن أن‬ ‫منط������ق التحول طال التقنية واآللة دون أن يطول‬ ‫العق������ول ومس������تويات الوعي التي باتت تش������تغل‬ ‫باألس������اليب التقليدية نفس������ها‪ ،‬دون أن تستطيع‬ ‫الوس������ائط احلديث������ة تعديلها إال على مس������توى‬ ‫الش������كل الظاهري البس������يط‪ ،‬تارك������ة النزوعات‬ ‫واألهواء والغرائز والرغبات تتحكم في العالقات‬ ‫وتهندسها على املقاس من منظور تفاعلي جديد‬ ‫مهدت له الوسائط‪ ،‬وزادت من حدته‪ ،‬وسخرت‬ ‫له طاقاتها التشعبية >‬ ‫‪87‬‬

‫‪jan 84-87indd.indd 87‬‬


‫طرائف عربية‬

‫على يد اإلفالس تبت!‬ ‫رأى أح� � ��د أصدقاء الش� � ��اعر ابن املجاور‬ ‫وق� � ��د صلح حاله وصلى وص� � ��ام وكانت عادته‬ ‫على غير ذلك‪ ،‬فسأله‪ :‬على يد أي شيخ تبت؟‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫صدي ��ق ق ��ال ل ��ي مل ��ا رآن ��ي‬ ‫وق ��د صلي ��ت زهد ًا ث ��م صمت‬ ‫على يد أي شيخ تبت؟! قل لي‬ ‫فقلت‪ :‬على يد اإلفالس تبت!‬ ‫إلى اجلانب اآلخر‬ ‫قال القاضي نصر بن علي اجلهضمي‪:‬‬ ‫كان ل� � ��ي جار طفيل� � ��ي‪ ،‬وكـــــان من أحس� � ��ن‬ ‫النّاس منظراً‪ ،‬وأعذبهم منطــــقاً‪ ،‬وأطيــــــــبهم‬ ‫رائحة‪ ،‬وأجملهم ملبوساً‪ ،‬وكان من شأنه أ ّني‬ ‫إذا دعيت إلى دعوة تبعن� � ��ي فيكرمه النّاس‬ ‫من أجلي‪ ،‬ويظنون أن� � ��ه صاحب لي‪ ،‬فاتفق‬ ‫يوماً أن جعفر بن القاسم أمير البصرة أراد‬ ‫أن يخ� �ت��ن بعـــــض أوالده‪ ،‬فقلت في نفس� � ��ي‬ ‫كأني برس� � ��وله وقد جاء وكأنــي بهذا الرجل‬ ‫قد تبعني‪ ،‬والله لـــئ� � ��ن تبـــعني ألفضـــحــــنه‪،‬‬

‫‪88‬‬

‫‪12/5/16 10:30:57 AM‬‬

‫فأنا على ذلك إذ جاء الرسول يدعوني‪ ،‬فما‬ ‫ز ْدت على أن لبست ثيابي‪ ،‬وخرجت فإذا أنا‬ ‫بالطفيلي واقف على باب داره قد س� � ��بقني‬ ‫بالتأه� � ��ب‪ ،‬فتقدم� � ��ت وتبعني‪ ،‬فل ّم� � ��ا دخلنا‬ ‫دار األمير جلس� � ��نا س� � ��اعة‪ ،‬ودعي بالطعام‪،‬‬ ‫وحض� � ��رت املوائ� � ��د‪ ،‬وكان كل جماع� � ��ة على‬ ‫مائدة‪ ،‬والطفيلي معي‪ ،‬فل ّما مد يده ليتناول‬ ‫الطعام‪ ،‬قلت‪ :‬حدثنا درست بن زياد عن ابن‬ ‫عم� � ��ر قال‪ :‬قال الرس� � ��ول  «من دخل دار‬ ‫قوم بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل س� � ��ارقاً‬ ‫وخرج مغيراً»‪.‬‬ ‫فل ّما س������مع ذلك ق������ال‪ :‬أثبت لك عثرا‪ً،‬‬ ‫والله ما هذا ب������كالم‪ ،‬فإنه ما من أحد من‬ ‫اجلماعة إال وهو يظن أنك تعرض به دون‬ ‫صاحبه‪ ،‬وال تس������تـــحي أن حت������دث بهـــذا‬ ‫الكالم على مائدة س������يد من أطعم الطعام‪،‬‬ ‫وتبخــل بطعــــام غيــــرك‪ ،‬على من ســــواك‪،‬‬ ‫ث ّم ال تس������تحي أن حتــــدث عن درســـت بن‬ ‫زياد وهو ضعي������ف ومتروك حلديث يحكم‬ ‫برفع������ه إلى النب������ي ‪ ،‬واملس������لمون على‬ ‫خالف������ه! ألن حكم الس������ارق القطع‪ ،‬وحكم‬ ‫املغي������ر أن يعزر على ما ي������راه اإلمام‪ ،‬وأين‬ ‫أنت م������ن حديث أب������ي عاصم ع������ن جابر‬ ‫القـــــائ������ل‪ :‬ق������ال رس������ول الل������ه ‪« :‬طعام‬ ‫الواح������د يكفي االثنني وطعام االثنني يكفي‬ ‫األربعة وطعام األربعة يكفي الثمانية»‪ ،‬وهو‬ ‫إسناد صحيح‪.‬‬ ‫فأفحمني فلم يحضرني له جواب‪ ،‬فلما‬ ‫خرجنا م� � ��ن املوضع لالنصراف فارقني من‬ ‫جان� � ��ب الطريق إلى اجلان� � ��ب اآلخر بعد أن‬ ‫كان ميشي ورائي وسمعته يقول‪:‬‬ ‫ممن يالقي احلروب‬ ‫ومن ظن ّ‬ ‫بأن ال يص ��اب فقد ظن عجزا‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 88-91.indd 88‬‬


‫السر الذي بيني وبينك‬ ‫انف� � ��رد احلجاج يوم � � �اً عن عس� � ��كره‪ ،‬فلقي‬ ‫أعرابياً‪ ،‬فق� � ��ال له‪ :‬كيف احلج� � ��اج؟ قال‪ :‬ظالم‬ ‫غاشم‪ .‬قال‪ :‬فهال شكومتوه إلى عبدامللك؟ قال‪:‬‬ ‫ه� � ��و أظلم وأغش� � ��م‪ .‬فأحاط به العس� � ��كر‪ ،‬فقال‬ ‫احلجاج‪ :‬أركبوا البدوي‪ .‬فلما ركب س� � ��أل عنه؟‬ ‫فقي� � ��ل له‪ :‬هذا احلجاج‪ .‬فرك� � ��ض إليه‪ ،‬وقال‪ :‬يا‬ ‫حجاج‪ .‬قال‪ :‬مالك؟ قال‪ :‬السر الذي بيني وبينك‬ ‫ال يطلع عليه أحد‪ .‬فضحك منه‪ ،‬وأطلقه‪.‬‬ ‫جئتكم من السماء!‬ ‫ش ّم أحد الطفيليني رائحة طعام عند أهل‬ ‫بي� � ��ت‪ ،‬ووجده� � ��م أغلقوا الباب دونه‪ ،‬فتس� � ��لق‬ ‫اجل� � ��دار ونزل عليه� � ��م قائ� �ل � ً‬ ‫ا‪ :‬منعتموني من‬ ‫األرض جئتكم من السماء!‬ ‫مدح النحو وأهله‬ ‫ق������ال الكس������ائي النح������وي‪ :‬اجتمعت أنا‬ ‫وأبو يوس������ف القاضي عند الرشيد‪ ،‬فجعل‬ ‫أبو يوس������ف يذم النحو ويق������ول‪ :‬وما النحو؟‬ ‫ف������أردت أن أعلمه فضل النح������و‪ ،‬فقلت‪ :‬ما‬ ‫تقول في رجل قال لرجل‪ :‬أنا قاتل غالمك‪،‬‬ ‫وقال آخر‪ :‬أن������ا قاتل غالم������ك‪ ،‬أيهما كنت‬ ‫تأخ������ذ به؟ فق������ال‪ :‬آخذهما جميع������اً‪ ،‬فقال‬ ‫الرشيد‪ :‬أخطأت‪ ،‬وكان عنده علم بالعربية‪،‬‬ ‫فاس������تحيا‪ ،‬وقال‪ :‬كيف ذل������ك؟ فقال‪ :‬الذي‬ ‫يؤخذ بقتل الغالم هو ال������ذي قال‪ :‬أنا قاتل‬ ‫غالم������ك باإلضافة‪ ،‬ألنه فع������ل ماض‪ ،‬وأما‬ ‫الذي قال‪ :‬أنا قات������ل غالمك بالنصب‪ ،‬فال‬ ‫يؤخذ ألنه مس������تقبل‪ ،‬لم يكن بعد‪ ،‬كما قال‬ ‫عز وجل‪َ { :‬و اَل تَقُ و َل َّن ِل َش ْيءٍ ِإنِّي َف ِاع ٌل َذ ِل َ‬ ‫ك‬ ‫َغ ًدا} (س������ورة الكهف‪ .)23 :‬ولوال أن املنون‬ ‫مس������تقبل ملا جاز فيه غداً‪ ،‬فكان أبو يوسف‬ ‫بعدها ميدح النحو وأهله‪.‬‬

‫راءات‬ ‫كان في لسان ابن مقلة الكاتب لثغة بالراء‪،‬‬ ‫وأراد أحدهم م� � ��رة أن يحرجه��� ،‬فطلب منه أن‬ ‫يقرأ أمام أح� � ��د األمراء الرقع� � ��ة التالية‪ :‬أمر‬ ‫أمير األمراء بأن حتفر بئر على قارعة الطريق‬ ‫ليش� � ��رب منها الشارب والوارد‪ .‬فكره أن يظهر‬ ‫ما ف� � ��ي لفظه من عيب‪ ،‬فق� � ��رأ كما يلي‪ :‬حكم‬ ‫حاكم احلكام بأن جتعل جب على حافة الوادي‬ ‫ليستقي منها الغادي والبادي‪.‬‬ ‫أحسنت‬ ‫كان جحظة البرمكي يقرض الشعر ويغني‬ ‫في مجالس الكبار‪ ،‬فكان إذا حضر وغنى ردد‬ ‫املجلس أحس� � ��نت‪ ...‬أحسنت‪ ،‬ولم يكن يحصل‬ ‫على شيء‪ ،‬فقال فيهم جحظة‪:‬‬ ‫إن تغنيت قالوا‪ :‬أحسنت زدني‬ ‫وبـ «أحسنت» ال يباع الدقيق! >‬

‫‪89‬‬

‫‪12/5/16 10:31:02 AM‬‬

‫‪jan 88-91.indd 89‬‬


‫طرائف غربية‬

‫هاري ترومان‬

‫سبب السمنة!‬ ‫زاد وزن ه� � ��اري ترومان ‪ -‬رئيس الواليات‬ ‫املتحدة األمريكية في القرن املاضي ‪ -‬خمسة‬ ‫كيلوجرامات خالل س� � ��نوات توليه الرئاس� � ��ة‪،‬‬ ‫فكتب أحد الصحفيني تعليقاً طريفاً على هذا‬ ‫اخلبر يقول‪:‬‬ ‫«إن معظم رؤس� � ��اء الواليات املتحدة تزيد‬ ‫أوزانهم خالل توليهم السلطة‪ ،‬فهل تعزى هذه‬ ‫الزيادة لكث� � ��رة الوالئم واحلفالت التي يدعون‬ ‫إليه� � ��ا‪ ،‬أم هي من قبيل زي� � ��ادة أوزان احملكوم‬ ‫عليهم باإلعدام؟!»‪.‬‬

‫موسيقى بني القضبان‬ ‫في ع� � ��ام ‪ 1967‬في بالد الصني‪ ،‬س� � ��جن‬ ‫املوسيقي ليو شيكون مدة ست سنوات وطوال‬ ‫هذه املدة لم يس� � ��مح ل� � ��ه ‪ -‬بالطبع ‪ -‬بالعزف‬ ‫على البيانو‪ .‬وبعد إطالق س� � ��راحه قام بجولة‬ ‫موسيقية‪ ،‬وأدهش النقّاد الذين كتبوا أن عزفه‬ ‫كان أفضل من السابق‪ ،‬وسأله أحدهم‪« :‬كيف‬ ‫أمكن� � ��ك ذلك وأنت لم تس� � ��نح ل� � ��ك أي فرصة‬ ‫للتمرين واملمارسة طوال ست سنوات؟»‪.‬‬ ‫فأج� � ��اب ليو‪« :‬لقد مت ّرنت كل يوم من دون‬ ‫بيان� � ��و‪ ،‬فقد راجع� � ��ت في ذاكرت� � ��ي كل قطعة‬ ‫عزفتها نغمة نغمة!»‪.‬‬

‫أولويات‬ ‫خالل أحداث احلرب العاملية الثانية‪ ،‬وفي‬ ‫عام ‪ ،1944‬كان آرثر هايز سولزبرجر‪ ،‬صاحب‬ ‫صحيفة نيوي� � ��ورك تاميز‪ ،‬يقوم بجولة صحفية‬ ‫في جبهة القتال مبنطقة الباس� � ��يفيكي‪ ،‬وبينما‬

‫وصية‬ ‫في منتصف القرن املاضي توفي رجل أعزب‬ ‫م� � ��ن والية فيالدلفيا األمريكية يدعى جون رينر‪،‬‬ ‫وقد خلف ث� � ��روة قدرها ‪ 13500‬دوالر‪ ،‬وهو مبلغ‬ ‫لي� � ��س بالقليل في ذلك الوق� � ��ت‪ .‬وكانت املفاجأة‬

‫‪90‬‬

‫‪12/5/16 11:08:37 AM‬‬

‫كان موج� � ��وداً ف� � ��ي طائ� � ��رة نقل عس� � ��كرية في‬ ‫طريقه م� � ��ن «لييت» إلى «هولندا» إذ اكتش� � ��ف‬ ‫الطيار فجأة أن شحنة الطائرة تزيد كثيراً على‬ ‫حمولته� � ��ا‪ ،‬فهرع إلى الداخ� � ��ل يبحث عن أكبر‬ ‫الضباط رتبة‪ ...‬وكان س� � ��ولزبرجر جالساً في‬ ‫مقعده‪ ،‬فاعتقد الطيار أنه ضابط كبير وس� � ��ط‬ ‫الركاب العسكريني‪ ،‬واندفع نحوه صائحاً‪:‬‬ ‫«أيها الكولونيل‪ ...‬ه� � ��ذه الطائرة امللعونة‬ ‫حتم� � ��ل أكثر م� � ��ن حمولتها‪ ،‬وإذا س� � ��قطت في‬ ‫البحر‪ ،‬فلن تكون غلطتي!»‪.‬‬ ‫وكان س� � ��ولزبرجر يق� � ��رأ قصة بوليس� � ��ية‪،‬‬ ‫فرفع نظره من الكتاب‪ ،‬وقال في هدوء‪:‬‬ ‫«إذا كان هن� � ��اك خط� � ��ر يه� � ��دد بس� � ��قوط‬ ‫الطائرة‪ ،‬فمن األفضل أن أس� � ��رع في االنتهاء‬ ‫من قراءة هذه القصة!»‪.‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 88-91.indd 90‬‬


‫أنه أوص� � ��ى بتخصيص مبلغ ‪ 12‬ألف دوالر منها‬ ‫للعناية بكلبه وببغائه‪ ،‬وتوزيع املبلغ الباقي وقدره‬ ‫‪ 1500‬دوالر فقط بني ورثته الشرعيني‪.‬‬ ‫وق� � ��د طلب الورث� � ��ة من احملكم� � ��ة املختصة‬ ‫احلكم ببطالن هذه الوصية‪ ،‬لكن القاضي وقف‬ ‫إلى جانب الببغاء والكلب‪ ،‬ورفض دعوى الورثة‪،‬‬ ‫وأمر بتنفيذ الوصية بحذافيرها‪.‬‬ ‫َمن هو الفنان؟‬ ‫ُس� � ��ئل برنارد شو‪َ :‬من هو الفنان؟ فأجاب‬ ‫بقوله‪« :‬الفنان هو الذي يستطيع أن يجوع ‪24‬‬ ‫س� � ��اعة في اليوم‪ ،‬ويجعل زوجته تقاسمه هذه‬ ‫املش� � ��قة‪ ،‬ويجعل أمه ‪ -‬ولو كانت في الس� � ��تني‬ ‫من عمرها ‪ -‬تعمل لتطعم األسرة‪ ...‬فالفنان‬ ‫احلقيقي ال يهمه سوى الفن والفن وحده!»‪.‬‬ ‫ضيفة روزفيلت‬ ‫في س� � ��نة ‪ 1941‬أرس� � ��لت فتاة ف� � ��ي الثالثة‬ ‫عش� � ��رة من عمرها رس� � ��الة تهنئة إلى الرئيس‬ ‫األمريكي األس� � ��بق فرانكلني روزفيلت مبناسبة‬ ‫عيد ميالده‪ ،‬الذي كان سيحتفل به بعد يومني‪،‬‬ ‫وذكرت في رس� � ��التها أنها سعيدة ألنها ستحتفل‬ ‫أيضاً بعيد ميالدها في املوعد نفسه!‬ ‫وردت عليه� � ��ا إدارة البيت األبيض برس� � ��الة‬ ‫رقيقة ش� � ��كرتها فيها على تهنئته� � ��ا للرئيس‪...‬‬ ‫وحدث أن تس� � ��لم اخلطاب أخ لها‪ ،‬فخطر بباله‬ ‫أن يضيف إليها العبارة التالية باآللة الكاتبة‪:‬‬ ‫«ويس ّرنا أن حتضري إلى البيت األبيض كي‬ ‫تقابلي الرئيس»‪.‬‬ ‫وفرحت الفتاة عندما اطلعت على الرسالة‪.‬‬ ‫وفي اليوم التالي سافرت إلى واشنطن وقدمت‬ ‫اخلطاب إلى املسؤولني فيه‪ ،‬فقام رجال البوليس‬ ‫الس� � ��ري باعتقالها وحجزها ليل� � ��ة‪ ,‬قضتها في‬ ‫بؤس وحزن‪ .‬لكن الرئيس روزفيلت ما كاد يقف‬

‫جورج برنارد شو‬

‫على قصتها حتى أمر بأن تكون هذه الفتاة أول‬ ‫زائرة تلقاه في الصباح‪ ،‬ثم أخذها إلى االحتفال‬ ‫العائلي بعيد ميالده وميالدها!‬ ‫أيهما؟‬ ‫كان شاب فرنسي يدفع عربة طفله الصغير‬ ‫بش� � ��ارع الش� � ��انزليزيه في باري� � ��س‪ ،‬بينما كان‬ ‫الصغير يصيح بصوت عال‪ ...‬وكان األب يقول‪:‬‬ ‫«أرجوك يا برنارد‪ ،‬س� � ��يطر عل� � ��ى أعصابك‪...‬‬ ‫وتعجبت إحدى الس� � ��يدات‬ ‫اهدأ يا برنارد‪.»...‬‬ ‫ّ‬ ‫مما شاهدته‪ ،‬فقالت للشاب‪:‬‬ ‫ إنني أهنئك يا سيدي‪ ،‬فإنك تعرف كيف‬‫تتحدث إلى األطفال الصغار بهدوء ورقة‪.‬‬ ‫ثم انحنت فوق عربة الطفل وقالت‪:‬‬ ‫ إن اسمه برنارد إذن؟‬‫فقال األب‪ :‬كال يا س� � ��يدتي‪ ...‬إنه يدعى‬ ‫أندريه‪ ...‬وأنا برنارد! >‬

‫‪91‬‬

‫‪12/5/16 11:08:42 AM‬‬

‫‪jan 88-91.indd 91‬‬


‫شخصيات‬

‫المخرج المسرحي حاتم السيد‬ ‫صديق الفنانين العرب‬ ‫وليد سليمان‬

‫كاتب من األردن‬

‫في أحد بيوت الكويت في منتصف س���تينيات‬ ‫القرن الماضي‪ ،‬حيث كان يقيم الش���اب حاتم‬ ‫السيد مع أسرته‪ ،‬حدثت مشكلة! بل ربما كارثة‬ ‫في كس���ر العادات والتقاليد العربية البدوية –‬ ‫هكذا تخيلت األس���رة ‪ -‬عندم���ا أفصح الطالب‬ ‫الذي أنهى الثانوية هناك عن رغبته الش���ديدة‬ ‫في دراس���ة الفنون في مصر! ف���األم مث ً‬ ‫ال كان‬ ‫حل���م حياته���ا أن يناديه���ا الناس ب���أم الدكتور‪،‬‬ ‫املخرج املسرحي حامت السيد‬ ‫فهي تطمح بأن يدرس ابنها الطب وليس أي‬ ‫تخصص آخر أو مس���تهجن ومرفوض مثل الف���ن! فالعائلة ربما تتعرض‬ ‫للتهكم والسخرية من بعض األقارب مث ً‬ ‫ال‪.‬‬

‫هكذا كان اإلصرار والتحدي‪ ،‬حيث سافر حامت‬ ‫السيد من الكويت للقاهرة‪ ،‬ليجد أن ‪ 400‬طالب هم‬ ‫أيضا متقدمون للدراسة في أكادميية الفنون هناك!‬ ‫وأن العدد املطل� � ��وب ‪ 15‬طالباً منهم فقط‪ ،‬وذلك من‬ ‫أج� � ��ل قبولهم للدراس� � ��ة في املعهد العالي للمس� � ��رح‬ ‫التاب� � ��ع ألكادميية الفنون في القاهرة‪ ،‬وذلك في فترة‬ ‫‪.1967-1966‬‬ ‫لكن احلظ والتس� � ��لح باإلرادة واللهفة واالطالع‬ ‫واخلبرة الش� � ��خصية ملتابعة الفنون س� � ��ابقاً قبل وفي‬ ‫أثناء القدوم ألرض الكنانة كلها ساهمت في أن يكون‬ ‫حامت السيد واحداً من املطلوب قبولهم وهم ‪ 15‬طالباً‬ ‫فق� � ��ط‪ ،‬ثم زاد العدد إلى ‪ 18‬طالباً‪ ،‬حيث كانت مصر‬ ‫حريص� � ��ة على أن تعلم وتدرب وتس� � ��اهم في إنش� � ��اء‬ ‫‪92‬‬

‫‪12/5/16 10:31:59 AM‬‬

‫الفن� � ��ون في الدول العربية التي تفتقر إلى املس� � ��رح‪،‬‬ ‫مث� � ��ل األردن وكثير من الدول العربي� � ��ة‪ .‬وحت ّدث‪ ‬لنا‬ ‫املخرج املس� � ��رحي حامت الس� � ��يد عن ولعه وعش� � ��قه‬ ‫للفنون وبالذات الدرامية منذ الصغر‪ ،‬قائال‪:‬‬ ‫عندما كنت شاباً صغيراً في منتصف الستينيات‬ ‫في الكويت‪ ،‬عشت أجواء زمن الفن اجلميل واملزدهر‬ ‫آنذاك‪ .‬فف� � ��ي تلك الفت� � ��رة (‪ )1963-1962‬مت افتتاح‬ ‫التلفزيون الكويتي‪ ،‬وكنا نش� � ��اهد من خالل شاش� � ��اته‬ ‫الفضية عديداً من مس� � ��رحيات فؤاد املهندس وعادل‬ ‫خي� � ��ري وجنيب الريحاني وغيره� � ��م من عمالقة الفن‬ ‫املص� � ��ري‪ ،‬ث� � ��م البرام� � ��ج الثقافية األخ� � ��رى‪ ،‬وكذلك‬ ‫ارتيادي املستمر لدور السينما في الكويت‪  ،‬باإلضافة‬ ‫إلى أنني كنت مولعاً مبش� � ��اهدة صندوق الدنيا حينما‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 92-98.indd 92‬‬


‫كان يأتي رجل إلى قريتنا في فلس� � ��طني حام ً‬ ‫ال على‬ ‫ظه� � ��ره صندوقاً خاصاً وبيده مقعد خش� � ��بي صغير‪،‬‬ ‫ويحمل معه أيضاً بوقاً يصيح من خالله حتى يتجمع‬ ‫األطفال من حوله‪ ،‬وهو يردد ما يلي‪« :‬يا عيني اتفرج‬ ‫يا س� �ل��ام‪ ...‬على عجايب الزم� � ��ان‪ ...‬هاي احلية أم‬ ‫أس� � ��نان‪ ...‬وهاي الش� � ��ام وش� � ��اماها‪ ...‬ورب الس� � ��ما‬ ‫حماها‪ ...‬وباألشجار غطاها‪ ...‬وسبع تنهر ج ّرها‪...‬‬ ‫يا عيني اتفرج يا س� �ل��ام على أبو زيد سيد الفرسان‬ ‫والزير سالم وعنترة كمان‪ ...‬إلخ»‪.‬‬ ‫وحينما انتقلت م� � ��ن القرية إلى مدينة طولكرم‪،‬‬ ‫حيث س� � ��كنت كطال� � ��ب‪ ،‬كنت أم ّ ُر م� � ��ن أمام املقاهي‬ ‫وأرى رج� �ل � ً‬ ‫ا يجلس ف� � ��ي صدر املقه� � ��ى على طاولة‬ ‫ً‬ ‫وبيده أحيان � � �ا ربابة أو عود‪ ،‬ويروي قصص األبطال‬ ‫التاريخيني الش� � ��عبيني أمثال عنترة وأبو زيد وسيف‬ ‫ب� � ��ن ذي يزن‪ ...‬إلخ‪ .‬لذا فقد أصبحت أحالمي كلها‬ ‫تكمن في دراسة الفنون‪ ،‬ألن لدي حصيلة جيدة من‬ ‫املش� � ��اهدات والتأثيرات‪ ،‬لذا أحبب� � ��ت بعد أن أنهي‬ ‫الثانوية العامة أن أدرس فن اإلخراج الس� � ��ينمائي أو‬ ‫املسرحي أو التلفزيوني‪.‬‬

‫بني الطب والفن‬

‫ورجوعاً إلى موضوع اإلصرار على دراسة الفن‬ ‫رغم معارضة األهل الش� � ��ديدة‪ ،‬طلبنا اإليضاح أكثر‬ ‫من الفنان حامت السيد‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫ليس هذا بغريب إذا ما عرفت أن أس� � ��رتي هي‬ ‫عش� � ��يرة النفيع� � ��ات البدوية التي كان� � ��ت تعيش في‬ ‫فلس� � ��طني قرب البحر ما بني حيف� � ��ا ويافا‪ ،���ولم يكن‬ ‫بيتنا يبعد عن الشاطئ سوى ‪ 150-100‬متراً فقط‪.‬‬ ‫وهن� � ��اك َمن كان يقول إن لعش� � ��يرة النفيعات‪ ‬س� � ��بع‬ ‫موجات في البحر‪ ،‬فاملوجة األولى تبدأ من ش� � ��اطئ‬ ‫فلسطني‪ ،‬وأظن أن املوجة السابعة تنتهي في شواطئ‬ ‫إيطاليا أو إسبانيا‪ ،‬وهذا داللة على االتساع والنفوذ‪،‬‬ ‫فق� � ��د كانت حياتنا مرتبطة بالبحر بش� � ��دة‪ ،‬وهذا ما‬ ‫أعطاني منذ الطفولة حس � � �اً رومانس� � ��ياً عالياً وبُعد‬ ‫أفق والنظر نح� � ��و العوالم البعيدة وتخيلها والتحليق‬ ‫في الفضاءات ومغامرات وأحالم احلياة‪.‬‬ ‫وكانت بعض األحداث تؤرخها العشيرة بالعالقة‬ ‫القوية بهذا البحر األبيض املتوسط‪ ،‬فقد كنت أسمع‬ ‫من الكب� � ��ار أن فالناً ُولد «ملا البح� � ��ر َطلّع زيت» وملا‬ ‫املخرج املسرحي حامت السيد صديق الفنانني العرب‬ ‫‪12/5/16 11:09:24 AM‬‬

‫«طلّع خشب» وملا َ‬ ‫البحر َ‬ ‫«طلّع قطن» وملا «طلّع البحر‬ ‫طحني»‪ ...‬وعندها ُولد أخي األكبر عادل‪ ،‬أي عندما‬ ‫كانت أم� � ��واج البحر تعلو وتقذف بع� � ��ض املواد على‬ ‫الش� � ��اطئ من س� � ��فن بعيدة كانت مضطرة إلى إلقاء‬ ‫بع� � ��ض حموالتها في البحر ألس� � ��باب عدة ال مجال‬ ‫لشرحها هنا‪ ،‬والنفيعات هم من قبيلة عتيبة القادمة‬ ‫من بالد جند قدمياً‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لذل� � ��ك فق� � ��د كان‪ ‬حلم أم� � ��ي أن أك� � ��ون طبيبا أو‬ ‫مهندس � � �اً على أقل تقدي� � ��ر‪ ،‬لذا فق� � ��د خيبت اآلمال‬ ‫ألنني درست ما أحبه وأعشقه بشدة وهو الفن‪ ،‬وذلك‬ ‫ألسباب عدة كما ذكرت سابقاً‪ ،‬منها أيضاً أنني حينما‬ ‫كن� � ��ت فتى صغيراً في فلس� � ��طني وعندما ارحتلنا إلى‬ ‫قري� � ��ة برقة ثم طولكرم بعد النكبة‪ ،‬كنت أش� � ��اهد في‬ ‫نابل� � ��س وطولكرم‪  ‬بعض األفالم الس� � ��ينمائية في دور‬ ‫العرض عل� � ��ى فترات متباعدة‪ ،‬ولك� � ��ن بعد ذلك وفي‬ ‫طولكرم حني س� � ��كنت للدراسة صرت أشاهد األفالم‬ ‫الس� � ��ينمائية بش� � ��كل يومي حتى أصبحت مولعاً بهذه‬ ‫األفالم وبهذا الفن الس� � ��ينمائي الس� � ��احر‪ ،‬الذي كنت‬ ‫أهمل دروس� � ��ي من أجله في بعض األحيان‪ .‬وقد كنت‬ ‫طالباً ش� � ��قياً‪ ،‬حي� � ��ث طردت إلى مدرس� � ��ة أخرى من‬ ‫برقة إلى طولكرم واضطررت للمشي مسافات طويلة‬ ‫مرعب� � ��ة‪ ،‬كنت أركض مغم� � ��ض العينني حتى ال أرى ما‬ ‫يوجد في طريقي في الصباح الباكر جداً من حيوانات‬ ‫متوحشة مثل الضباع والذئاب‪ ،‬وكانت الطيور تتقافز‬ ‫قدمي وأنا أركض حيث تكون الطيور نائمة في‬ ‫من بني‬ ‫َّ‬ ‫طريقي من برقة إلى جسر قرية رامني‪.‬‬

‫الزمن الذهبي الرائع‬

‫ويكم� � ��ل املخرج املس� � ��رحي حامت الس� � ��يد حديثه‬ ‫مش� � ��يراً إلى بعض املواقف الصعبة التي قابلته عند‬ ‫بدء دراسته الفنية‪ ،‬قائ ً‬ ‫ال‪ :‬عندما قدمت إلى القاهرة‬ ‫في منتصف س� � ��تينيات القرن املاض� � ��ي كان العطاء‬ ‫الفني واإلبداع في أوج تألقهما حيث املسارح والغناء‬ ‫واملوسيقى واآلداب والثقافة واالعتداد بالروح القومية‬ ‫العربية أيام الزعيم الراحل جمال عبدالناصر‪ ،‬فقد‬ ‫جئت وعش� � ��ت في مصر في عصرها الذهبي وزمنها‬ ‫الرائع «زمن الفن اجلميل»‪.‬‬ ‫وم������ع ذلك فقد واجه������ت حتديات في قبولي‬ ‫بأكادميية الفنون التي تدرس فنون وعلوم املسرح‬ ‫‪93‬‬

‫‪jan 92-98.indd 93‬‬


‫واملوسيقى والسينما والباليه‪.‬‬

‫أجمل سنة في حياتي‬

‫في س� � ��نة ‪ 1966‬وهي السنة التي ذهب فيها حامت‬ ‫الس� � ��يد إلى القاهرة‪ ،‬وجد أن امتحان قبول القدرات‬ ‫واإلع� � ��داد قد انته� � ��ى‪ ،‬فقد جاء حامت متأخ� � ��راً أياماً‬ ‫عدة‪ ،‬لذلك فقد كان عليه أن ينتظر س� � ��نة كاملة لبدء‬ ‫التس� � ��جيل للس� � ��نة املقبلة‪ ،‬لذلك فقد تقرر قبوله في‬ ‫املعهد العالي للمس� � ��رح كطالب مس� � ��تمع فقط س� � ��نة‬ ‫‪ ،1967-1966‬وكانت س� � ��نة االس� � ��تماع ه� � ��ذه من أهم‬ ‫سنوات حامت في تكوينه الفني والثقافي‪ ،‬ألنه في تلك‬ ‫الفت� � ��رة عاش حياة ثقافية ثرية ج� � ��دا‪ ،‬إذ إن اآلخرين‬ ‫من حوله نصحوه بأن يكون بحراً في اطالعه وثقافته‬ ‫الفني� � ��ة حتى يس� � ��تطيع أن يجتاز امتح� � ��ان القبول في‬ ‫الس� � ��نة املقبلة باملعهد العالي للسينما أو املسرح مث ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫فالدراس� � ��ة ليس� � ��ت س� � ��هلة بل صعبة جداً‪ .‬وفي سنة‬ ‫االس� � ��تماع هذه اجتهد الطالب حامت‪ ،‬فبدأ يطلع على‬ ‫الكت� � ��ب املهمة التي تتحدث عن تاريخ وفنون املس� � ��رح‬ ‫اإلغريق� � ��ي والفرعوني والروماني‪ ،‬ومس� � ��رح العصور‬ ‫الوسطى ومسرح شكسبير واملسرح الغربي احلديث‪،‬‬ ‫وأعالم املس� � ��رح في تلك املراحل‪ ،‬باإلضافة إلى تاريخ‬ ‫وفن� � ��ون املوس� � ��يقى العاملية‪ ،‬وكتب الس� � ��ينما وثقافتها‬ ‫العاملية والعربية‪ ،‬ثم كثف من مشاهدة األفالم العربية‬ ‫واألجنبية املهمة واملسرحيات املعروضة في املسارح‪.‬‬ ‫وم� � ��ا أفاده كثي� � ��راً في مرحل� � ��ة تكوين� � ��ه الثقافي‬ ‫الدرامي هو متابعته احلية والشخصية ملراحل إخراج‬ ‫الفيلم الشهير «شيء من اخلوف»‪ ،‬حيث كانت تتكرر‬ ‫في ه� � ��ذا الفيلم اجلملة الش� � ��هيرة «زواج عتريس من‬ ‫فؤادة باطل» من متثيل محمود مرسي وشادية ويحيى‬ ‫ش� � ��اهني وإخراج حس� �ي��ن كمال ع� � ��ام ‪ ،1967‬فقد كان‬ ‫السيد يس� � ��جل كل مالحظاته حول إنتاج وإخراج هذا‬ ‫الفيلم بدقة متناهية‪ ...‬وكان يسأل ويستفسر ويناقش‬ ‫طاقم الفيلم عنها‪ ،‬واستفاد كثيراً من عمليات اإلعداد‬ ‫والتحضير للفيلم وكذل� � ��ك عمليات التمثيل واإلخراج‬ ‫واملونتاج وكل مراحل إنتاج الفيلم‪.‬‬

‫الصديق الفنان نور الشريف‬

‫يتابع السيد حديثه قائ ً‬ ‫ال‪:‬‬ ‫وف� � ��ي أثناء دراس� � ��تي ف� � ��ي املعهد العال� � ��ي للفنون‬ ‫‪94‬‬

‫‪12/5/16 11:10:03 AM‬‬

‫املس� � ��رحية حدث أن وقعت عيني على ش� � ��اب ميتشق‬ ‫س� � ��يفاً ويضع األصب� � ��اغ (املكياج) عل� � ��ى وجهه ويلبس‬ ‫لباس الس� � ��روال والسترة الضيقة ويتباهى في ردهات‬ ‫املعهد عام ‪ ،1967‬حيث أعجبت بهذا الش� � ��اب وظلت‬ ‫صورت� � ��ه ال تف� � ��ارق مخيلتي حتى ذهبت إلى املس� � ��رح‬ ‫القومي ملشاهدة مشاريع تخرج طالب (قسم التمثيل)‪،‬‬ ‫ووجدت من شاهدته في املعهد يقف على املسرح يؤدي‬ ‫دور هاملت في مس� � ��رحية شكسبير الشهيرة‪ ،‬وعرفت‬ ‫أن ه� � ��ذا الش� � ��اب اس� � ��مه محمد جابر‪ ،‬ال� � ��ذي أصبح‬ ‫اس� � ��مه الحقاً نور الش� � ��ريف وذلك للضرورات الفنية‬ ‫والتش� � ��ويقية‪ ،‬وتعرفت عليه جيداً بوساطة صديق من‬ ‫دفعتي في املعهد هو يس� � ��ري ن� � ��دا‪ ،‬وتوطدت العالقة‬ ‫بيننا وأصبحنا أصدقاء‪.‬‬ ‫والتقينا بعد التخرج في جلان حتكيم عربية ودولية‬ ‫أوالها في مهرجان بغداد املس� � ��رحي واتفقنا واختلفنا‬ ‫كثيراً ع� � ��ام ‪ ،1985‬حيث كانت جلن� � ��ة التحكيم مكونة‬ ‫من يوس� � ��ف إدريس وألفريد فرج ونور الش� � ��ريف‪ ‬من‬ ‫مصر‪ ،‬وعبد العزيز الس� � ��ريع ود‪.‬حس� � ��ن يعقوب العلي‬ ‫من الكويت‪ ،‬ومحمد حس� � ��ن اجلندي من املغرب‪ ،‬وعز‬ ‫الدين املزي� � ��ن من تونس‪ ،‬وعبده وازن من لبنان‪ ،‬ولؤي‬ ‫حقي رئيساً للجنة‪ ،‬ود‪.‬جميل نصيف واألستاذ جميل‬ ‫نصير‪ ،‬وحامت السيد من األردن‪.‬‬ ‫وقد ثار جدل كبي� � ��ر حول جوائز املهرجان‪ ،‬وكنت‬ ‫الط� � ��رف املزع� � ��ج ألعض� � ��اء اللجنة من أج� � ��ل إحقاق‬ ‫احلق‪.‬‬ ‫وحني كنت ف� � ��ي جلنة التحكي� � ��م واحتدم النقاش‬ ‫حول بعض املسرحيات كاملسرحية القطرية واملسرحية‬ ‫اللبنانية واجلزائرية واملس� � ��رحية األردنية‪ ،‬التي كانت‬ ‫«كأنك يا أبو زيد» تأليف غنام غنام ومن إخراج محمد‬ ‫الضمور‪ ...‬واضطررت لالنسحاب من اللجنة‪ ،‬بسبب‬ ‫البي لكثير من املبدعني في الوطن العربي‪.‬‬ ‫الظلم نّ‬ ‫ومع كل ذلك فقد اس� � ��تمرت صداقتنا إلى سنوات‬ ‫طويلة رغم املعطيات التي واجهتنا في جلان التحكيم‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫‪ ‬‬

‫‪  ‬صعوبة امتحانات القبول‬

‫عندما حان موعد فت� � ��ح القبول ملعاهد أكادميية‬ ‫الفنون‪ ،‬حاول الطالب حامت السيد التسجيل لدراسة‬ ‫اإلخراج الس� � ��ينمائي‪ ،‬وكان ذلك م� � ��ن نصيب زميله‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 92-98.indd 94‬‬


‫شخصيات‬

‫الناقد األردني تيسير نظمي واملخرج حامت السيد واملخرج الكويتي فؤاد الشطي على خشبة املسرح األردني في حديث باسم‬

‫املخرج األردني املرحوم عمر العلي‪ ،‬فقد كانوا يأخذون‬ ‫شخصاً واحداً أيضاً من كل دولة عربية‪ ،‬لذلك اجته‬ ‫للتسجيل لدراس� � ��ة اإلخراج املسرحي‪ ،‬وكان عليه أن‬ ‫يجتاز سبعة امتحانات كي يتم قبوله طالباً في املعهد‬ ‫العالي للمس� � ��رح! وكانت تلك االمتحانات تدور حول‬ ‫أنواع الفن� � ��ون والثقاف� � ��ات واآلداب العربية والعاملية‬ ‫من موسيقى وباليه ومسرح وسينما وتلفزيون وغناء‬ ‫وأدب وروايات وشعر ونقد‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫وكان من ضمن ‪ 5000‬متق� � ��دم لهذه االمتحانات‬ ‫عديد م� � ��ن اإلخوة املصري� �ي��ن احلاملني لش� � ��هادات‬ ‫البكالوريوس واملاجس� � ��تير م� � ��ن اجلامعات املصرية‪،‬‬ ‫ول� � ��دى أق� � ��ل واحد منه� � ��م ‪ 3‬أو ‪ 5‬محاوالت س� � ��ابقة‬ ‫للقب� � ��ول‪ ...‬ومع ذل� � ��ك فقد مت قب� � ��ول الطالب حامت‬ ‫الس� � ��يد بعد زيادة عدد املقبول� �ي��ن بإضافة ‪ 3‬مقاعد‬ ‫حلامت السيد كطالب أردني وآخر لطالب كويتي وآخر‬ ‫لطالب سوري‪.‬‬ ‫وعندما س� � ��ألنا األس� � ��تاذ الفنان حامت السيد عن‬ ‫بعض تلك األس� � ��ئلة التعجيزية التي كان عليه اإلجابة‬ ‫عنها حتى مت جناحه وقبوله للدراس� � ��ة‪ ،‬قال‪ :‬من أحد‬ ‫األس� � ��ئلة مثال‪ :‬اذكر أسماء خمسة موسيقيني عامليني‬ ‫تبدأ بح� � ��رف الباء؟! وقد يس� � ��ألك م� � ��ا معنى املوجة‬ ‫املخرج املسرحي حامت السيد صديق الفنانني العرب‬ ‫‪12/5/16 10:32:09 AM‬‬

‫اجلديدة في الس� � ��ينما الفرنسية؟ ّ! ورمبا يكون سؤال‬ ‫آخر‪ :‬ع ّدد لي أس� � ��ماء خمس� � ��ة أفالم للمخرج العاملي‬ ‫كلود ليلوش‪ ،‬ويعرض عليك مقطعاً من فيلم عربي أو‬ ‫أجنب� � ��ي ويقول لك انقد ه� � ��ذا الفيلم‪ ،‬وما رأيك فيه؟!‬ ‫ومن هو مخرجه؟ وماذا تعرف عنه؟ وكأنك في معركة‬ ‫فنية رهيبة���.‬‬ ‫وعندما كنا نحن الطالب املساكني نقول ‪ ‬للمدرسني‬ ‫العرب واألجانب من مصر وروس� � ��يا وكندا وفرنس� � ��ا‬ ‫وبريطانيا‪ :‬إننا جئنا هنا كي نتعلم الفن منكم في أثناء‬ ‫الدراسة‪ ،‬كانوا يسخرون منا قائلني‪ :‬نحن يا أحبتنا ال‬ ‫نريد أن نعلّم أح� � ��داً هنا! بل نريد أن نرتقي بالطالب‬ ‫إل� � ��ى أعلى املراتب واآلف� � ��اق‪ .‬أي كان على الطالب أن‬ ‫يكون موهوباً ومثقفاً فنياً جاهزاً من داره سلفاً! وكأن‬ ‫لسان احلال يقول‪ :‬نحن ال نريد أن نربي املواهب‪ ،‬بل‬ ‫نريد طالب � � �اً لديهم مواهب جاهزة وم� � ��ا علينا إال أن‬ ‫نطورها ونثقفها أكثر فأكثر‪.‬‬

‫معلمو الفن‬ ‫كان املدرس� � ��ون الذين تلقى مخرجنا املسرحي‬ ‫املع� � ��روف حامت الس� � ��يد عل� � ��وم الثقاف� � ��ة والفنون‬ ‫واآلداب عل� � ��ى أيديهم من أش� � ��هر جهاب� � ��ذة الفن‬ ‫‪95‬‬

‫‪jan 92-98.indd 95‬‬


‫لقطة من مسرحية خيل تايهة للمخرج الفلسطيني إيهاب زاهدة‬

‫واألدب املصريني واألجانب‪ ،‬ومنهم مثال‪ :‬املدرس‬ ‫والفنان الش� � ��هير محمود مرس� � ��ي حيث درس� � ��هم‬ ‫نظري� � ��ات اإلخ� � ��راج‪ ،‬والكاتب املس� � ��رحي املعروف‬ ‫نعم� � ��ان عاش� � ��ور‪ ،‬والفن� � ��ان الدكتور ك� � ��رم مطاوع‪،‬‬ ‫والفنان جالل الش� � ��رقاوي‪ ،‬والفنان سعد أردش‪...‬‬ ‫إلخ‪ .‬أما ف� � ��ي مجال األدب فقد درس� � ��هم كل من‪:‬‬ ‫د‪ .‬س� � ��مير س� � ��رحان‪ ،‬د‪ .‬رشاد رش� � ��دي‪ ،‬د‪ .‬لطيفة‬ ‫‪96‬‬

‫‪12/5/16 10:32:14 AM‬‬

‫الزي� � ��ات‪ ،‬د‪ .‬عبدالعزيز حمودة‪ ،‬د‪ .‬ش� � ��كري عياد‪،‬‬ ‫د‪.‬فوزي فهمي‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫نكسة يونيو ‪1967‬‬

‫حينما حصلت هزمية ‪ 5‬يونيو كنت أنتظر وصول‬ ‫مصروفي الش� � ��هري‪ ،‬الذي كان عادة ما يأتي بني ‪5‬و‪6‬‬ ‫من كل ش� � ��هر‪ .‬وأص� � ��در الرئيس جم� � ��ال عبد الناصر‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 92-98.indd 96‬‬


‫شخصيات‬ ‫قراراً بأن كل الطالب الع� � ��رب بإمكانهم الذهاب إلى‬ ‫املدن اجلامعية التي يوجد بها س� � ��كن ومأكل ومشرب‬ ‫دون مقابل‪ ،‬وأال يدفع كل َمن يس� � ��كن في شقة األجرة‬ ‫الشهرية لصاحبها‪.‬‬ ‫وخ ّي� � ��م الظالم على القاهرة بع� � ��د أن كانت منارة‬ ‫للعلم واملعرفة والفن واجلمال‪.‬‬ ‫وأصب� � ��ح الدف� � ��اع املدن� � ��ي وبع� � ��ض املتطوعني في‬ ‫الش� � ��وارع مرددين جملة «اطفئ النور»‪ ،‬حتى جاء يوما‬ ‫‪8‬و‪ 9‬يوني� � ��و وقيل ف� � ��ي التلفزيون إن هن� � ��اك نبأ مهماً‬ ‫س� � ��يلقيه الرئيس جم� � ��ال عبدالناص� � ��ر‪ ،‬وكانت أجهزة‬ ‫التلفزي� � ��ون قليلة جدا‪ ‬ف� � ��ي تلك الفت� � ��رة‪ ،‬فذهبت إلى‬ ‫منزل زميل دراس� � ��ة كويتي هو عبدالله محيالن لنسمع‬ ‫ونشاهد هذا النبأ املهم‪ ،‬وظهر عبدالناصر وتنحى عن‬ ‫رئاسة مصر‪ ،‬وأعلن النكسة‪ ،‬وأحسست وقتها بالتوهان‬ ‫وبأنني فقدت أبي الذي يعيلنا‪ ،‬وتركت زميلي الكويتي‬ ‫غارقاً في البكاء‪ ‬في ش� � ��قته بش� � ��ارع املساحة بالدقي‪،‬‬ ‫ونزل� � ��ت من عن� � ��ده تائهاً ال أعرف أي� � ��ن أذهب‪ ،‬وما إن‬ ‫وصلت إلى الش� � ��ارع حتى تقاذفتني أمواج من البش� � ��ر‬ ‫وتالطمتني أمواج من النس� � ��اء يحمل� � ��ن أطفالهن على‬ ‫أكتافهن قادمات من املنطقة الشعبية «بني السرايات»‬ ‫يصرخن ويبكني‪ ،‬والكل يرفض التنحي‪ .‬وظللت أركض‬ ‫مع أمواج البش� � ��ر الهائلة إلى ميدان التحرير‪ ،‬ومن ثم‬ ‫إلى مجلس الش� � ��عب‪ ،‬حيث قابلنا محمد أنور السادات‬ ‫رئيس مجلس الش� � ��عب آنذاك‪ ،‬وخط� � ��ب فينا‪ ،‬لكننا لم‬ ‫نقتنع بخطابه‪ ،‬وذهبنا إلى بيت الرئيس الراحل جمال‬ ‫عبد الناصر في حدائق القبة‪ ،‬ومننا ليلتنا هناك‪ ،‬حتى‬ ‫رجع الرئيس ع� � ��ن قراره‪ ،‬وفي أول طائرة خرجت بعد‬ ‫النكس� � ��ة في ‪ 1967/6/17‬كان بها‪  ‬أم� �ي��ن عام جامعة‬ ‫الدول� � ��ة العربية لعقد مؤمت� � ��ر وزراء اخلارجية العرب‪ ‬‬ ‫وبع� � ��ض وزراء خارجية الدول املغاربية‪  ‬ووزير خارجية‬ ‫مصر ذاهبني إلى الكويت‪ ،‬ركبت في الطائرة نفس� � ��ها‬ ‫لزيارة أهلي من الكويت!‬

‫صفة أصبحت الزمة عند ذكر اس� � ��م حامت السيد‬ ‫ه� � ��ي «صدي� � ��ق الفنانني الع� � ��رب» في معظ� � ��م الدول‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬ويرجع ذلك إلى دراس� � ��ة حامت الس� � ��يد في‬ ‫مص� � ��ر وتكوينه ‪ ‬تل� � ��ك الصداقات‪ ،‬ثم اس� � ��تمرار تلك‬ ‫العالقات حتى هذه اللحظة‪ ،‬وبس� � ��بب أن حامت السيد‬ ‫كان دائماً يحرص على دعوة أهم وأشهر تلك األسماء‬ ‫إل� � ��ى األردن حلضور املهرجانات املس� � ��رحية األردنية‬ ‫وامللتقي� � ��ات العربي� � ��ة‪ ،‬ثم ألن حامت الس� � ��يد يش� � ��ترك‬ ‫في معظم النش� � ��اطات املس� � ��رحية في الدول العربية‪،‬‬ ‫إم� � ��ا في جلنة التحكيم وإما ف� � ��ي الندوات الفكرية أو‬ ‫بصفته مك ّرما‪ ،‬ومن أصدقاء الفن لدى حامت الس� � ��يد‬ ‫ف� � ��ي الدول العربي� � ��ة نذكر بعضاً منهم غي� � ��ر من ُذكر‬ ‫أعاله‪ ،‬م� � ��ن الكويت املخ� � ��رج فؤاد الش� � ��طي والكاتب‬ ‫املسرحي عبدالعزيز السريع‪ ،‬ومحمد املنصور‪ ،‬وسعد‬ ‫الف� � ��رج‪ ،‬ومن قطر حمد الرميحي وغامن الس� � ��ليطي‪،‬‬ ‫ومن اإلمارات الكاتب والش� � ��اعر محم� � ��د الضنحاني‬ ‫ومحمد س� � ��يف األفخ� � ��م‪  ،‬ومن س� � ��لطنة عمان طالب‬ ‫البلوش� � ��ي والكاتبة آمنة الربيع‪ ،‬وم� � ��ن العراق صالح‬ ‫القصب ومحس� � ��ن العلي وسامي عبداحلميد ويوسف‬ ‫العاني‪ ،‬ومن املغرب عبدالكرمي برشيد كاتب ومحمد‬ ‫البلهيس� � ��ي‪ ،‬ومن اجلزائ� � ��ر بن قطاف‪ ،‬ومن س� � ��ورية‬ ‫أس� � ��عد فضة والراحل ممدوح عدوان ومعظم الفنانني‬ ‫اآلخري� � ��ن‪ ،‬ومن لبنان بول ش� � ��اؤول‪ ،‬س� � ��ميرة بارودي‪،‬‬ ‫إحس� � ��ان صادق‪ ،‬ش� � ��ادية زيتون‪ ،‬رندة األس� � ��مر‪ ،‬ومن‬ ‫السودان علي مهدي‪ ،‬ومن اليمن الغشيم‪.‬‬

‫زمالء الدراسة‬

‫على درج الكلحة‬

‫من زمالء الدراس� � ��ة في تلك الفترة يتذكر الفنان‬ ‫السيد األسماء التالية‪ :‬الكاتب األردني رسمي أبوعلي‪،‬‬ ‫وأمينة النقاش شقيقة رجاء النقاش‪ ،‬وزينب املرشدي‬ ‫ش� � ��قيقة س� � ��هير املرش� � ��دي‪ ،‬والراحل مج� � ��دي فرج‪،‬‬ ‫ود‪ .‬حسن عطية‪ ،‬وهو اآلن عميد املعهد العالي للفنون‬ ‫املخرج املسرحي حامت السيد صديق الفنانني العرب‬ ‫‪12/5/16 11:11:02 AM‬‬

‫املس� � ��رحية في القاهرة‪ ،‬وكذلك من زمالئه في املعهد‬ ‫العالي للفنون املسرحية الفنان نور الشريف‪ ،‬والفنان‬ ‫الكوميدي محمد صبحي ويونس شلبي وهادي اجليار‬ ‫والكات� � ��ب لينني الرملي‪ ‬وأحمد زك� � ��ي والفنانة عفاف‬ ‫شعيب‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫صديق الفنانني العرب‬

‫عند عودة املخرج والناقد املس� � ��رحي حامت السيد‬ ‫بشهاداته وخبراته الفنية الثرية إلى أرض وطنه األردن‬ ‫في ع� � ��ام ‪ ،1971‬أقام في فندق الريفيرا بدرج الكلحة‬ ‫بش� � ��ارع امللك احلسني ملدة س� � ��نة كاملة‪ ،‬حيث لم يكن‬ ‫يعرف أحداً هنا‪ ,‬فأكثر معارفه وأهله‪ ،‬إما في الكويت‬ ‫‪97‬‬

‫‪jan 92-98.indd 97‬‬


‫مسرحية العاديات من العروض التي شاركت في مهرجان املسرح األردني من تأليف وإخراج خليل نصيرات‬

‫وإما في القاهرة‪.‬‬ ‫ويقول حامت الس� � ��يد‪« :‬خالل تلك السنة لم أعرف‬ ‫سوى املش� � ��ي من الفندق إلى شارع فيصل حيث كنت‬ ‫أمر على بسطة كتب «حسن أبو علي الذي تعرفت عليه‬ ‫آنذاك‪ ،‬ثم س� � ��نحت الظروف أن تعرفت على الشاعر‬ ‫الكبير والرائع عبد الرحيم عمر‪ ،‬رحمه الله»‪.‬‬

‫الشاعر عبدالرحيم عمر‬

‫كان عبد الرحيم عمر مثقفاً كبيراً ومديراً لدائرة‬ ‫الثقافة والفنون في عمان‪ ,‬أما التوظيف في مؤسسة‬ ‫اإلذاعة والتلفزي� � ��ون األردني فقد كان أمراً صعباً في‬ ‫تل� � ��ك الفترة‪ ،‬وكانت ظروفي املادية والنفس� � ��ية صعبة‬ ‫بسبب ضغط األهل لعودتي للعمل في الكويت‪.‬‬ ‫ولكي يس� � ��اعدني عبدالرحيم عمر قال لي‪« :‬هل‬ ‫لديك مس� � ��رحية تقوم بإخراجها وتأخذ عنها مكافأة‬ ‫مالي� � ��ة لكي تس� � ��لك أحوالك حلينما تطلع تش� � ��كيالت‬ ‫التوظيف في الدولة؟»‪.‬‬

‫«الزير سالم» وهموم الناس‬

‫وكان أن تقدمت بنص مس� � ��رحية «الزير سالم»‬ ‫من أجل إخراجها لدائرة الثقافة والفنون‪ ،‬وهي من‬ ‫‪98‬‬

‫‪12/5/16 11:35:43 AM‬‬

‫تأليف الكاتب املس� � ��رحي املصري الشهير ألفريد‬ ‫ف� � ��رج ‪ ,‬ومت عرضه� � ��ا في قاعة قص� � ��ر الثقافة في‬ ‫عمان‪ ,‬واش� � ��ترك بتمثيل هذه املسرحية كل أعضاء‬ ‫أس� � ��رة املسرح األردني وعددهم ‪ 28‬ممث ً‬ ‫ال وممثلة‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى االس� � ��تعانة ببعض املواهب من خارج‬ ‫أس� � ��رة املس� � ��رح األردني‪ ،‬وبعد ش� � ��هرين دخل على‬ ‫اخلط مخرج أمريكي كان يقوم بزيارة إلى األردن‪ ،‬‬ ‫وهو الراقص اللبناني األصل األمريكي اجلنس� � ��ية‬ ‫بهيج حداد (بوب حداد) ومت متويل املسرحية‪  ‬من‬ ‫املركز الثقافي األمريكي‪ ،‬ومت عرضها كذلك فيما‬ ‫بعد في مهرجان ش� � ��يراز لدول آسيا وإفريقيا عام‬ ‫‪ ،1973‬الذي عقد في مدينة شيراز بإيران‪.‬‬ ‫وه� � ��ذه املس� � ��رحية كانت تالمس هم� � ��وم الناس‬ ‫ومش� � ��اكلهم‪ ،‬خاصة أنها تطرح الصراع بني قبيلتي‬ ‫أبناء العمومة البكريني والتغلبيني‪.‬‬ ‫وبعد ذلك مت تعيين� � ��ي موظفاً في دائرة الثقافة‬ ‫والفنون بوظيفة مخرج مس� � ��رحي‪ ،‬ثم قمت بإخراج‬ ‫عديد من املسرحيات بس� � ��بب حبي الشديد وولعي‬ ‫بهذا الف� � ��ن‪ ،‬باإلضاف� � ��ة إلى ممارس� � ��تي للنقد في‬ ‫جريدة الرأي ثم صوت الش� � ��عب والدس� � ��تور وأخبار‬ ‫اليوم >‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 92-98.indd 98‬‬


‫الكعاك مؤرّخ ًا‬ ‫عثمان‬ ‫ّ‬ ‫للموسيقى الشعبية التّونسيّة‬ ‫فراس الطرابلسي‬

‫كاتب من تونس‬

‫«صم���ت المؤرّخون عن التاريخ االجتماعي واالقتص���ادي والف ّني واعتنوا بوجه‬ ‫عام بأخبار الحروب وش���ؤون القصور‪ ،‬حتى جاء ابن خلدون فوضع علم التاريخ‬ ‫الحقيق���ي‪ ،‬لك ّن���ه لم يط ّبق نظريّاته في القس���م التاريخ���ي البحت من كتابه‪.‬‬ ‫ول���وال عل���م اآلثار وكت���ب المناق���ب والكناني���ش وبعض كت���ب الطبق���ات لَ َما‬ ‫اس���تطعنا أن نع���رف ش���يئ ًا عن حياة الش���عب خ�ل�ال أط���واره التاريخ ّي���ة‪ .‬لذلك‬ ‫فالش���عوب الت���ي فق���دت تواريخه���ا الكتاب ّي���ة واعتم���د الباحثون عل���ى آثارها‪،‬‬ ‫أظه���رت معرفة وأبرزت حض���ارة مثل الحضارة الفرعونية الت���ي نعرفها في ّ‬ ‫أدق‬ ‫خصائصها بفضل اآلثار»‪.‬‬

‫متثل هذه األسطر ركيزة كتاب «التقاليد والعادات‬ ‫التّونس � � � ّية»‪ ،‬الذي نعتمد على الطبعة الرابعة منه من‬ ‫نشر الدار التونسية للنشر سنة ‪ ،1987‬بحيث جعل من‬ ‫املوسيقى الشعبية (الفولكلورية) زاوية لوصف ودراسة‬ ‫املشهد التاريخي للموسيقى بالبالد التونسية‪ ،‬ويقترح‬ ‫ف� � ��ي املقاب� � ��ل أن يط ّبق هذا املنهج عل� � ��ى مختلف أنواع‬ ‫املوس� � ��يقى العربية واإلفريقية إلع� � ��ادة كتابة تاريخها‬ ‫املوس� � ��يقي انطالقاً من الفئات االجتماعية البس� � ��يطة‬ ‫التي متلك املمارس� � ��ة املوس� � ��يقية بعي� � ��داً عن كل بهرج‬ ‫‪106‬‬

‫‪12/5/16 10:33:51 AM‬‬

‫ثقافي‪ ،‬وعن كل عوامل السياس� � ��ة والتدخل ال ّرسمي‪،‬‬ ‫الصدق والتّأقلم مع‬ ‫أي التي جند فيها نسبة كبيرة من ّ‬ ‫الواقع والتاريخ‪ ،‬التي ال حتظ� � ��ى في املقابل باإلجماع‬ ‫من حيث األهم ّية الثقافية الرسم ّية‪.‬‬ ‫من هو عثمان الكعاك؟‬ ‫ولد عثمان الكعاك بضاحية ق ّمرت بتونس العاصمة‬ ‫الصادق ّية‪.‬‬ ‫س� � ��نة ‪ ،1903‬وزاول تعلمه الثانوي باملدرسة ّ‬ ‫وحتصل عل� � ��ى دبلومات ف� � ��ي اللغات التالي� � ��ة‪ :‬العرب ّية‬ ‫ّ‬ ‫والفارس � � � ّية واحلمير ّية‪ .‬كما يُحس� � ��ن لغ� � ��ات ع ّدة منها‪:‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 106‬‬


‫ملف‬

‫من ألوان املوسيقى الشعبية التونسية‬

‫الفرنس � � � ّية‪ ،‬اإلجنليزية‪ ،‬األملان ّية‪ ،‬اإليطال ّية‪ ،‬اإلسبان ّية‪،‬‬ ‫البربر ّية‪ ،‬الفارس ّية‪ ،‬التّرك ّية‪ ،‬اليونان ّية‪ ،‬العبران ّية‪ .‬ود ّرس‬ ‫باخللدون ّي� � ��ة بداية من عام ‪ ،1924‬ث � � � ّم انتقل عام ‪1926‬‬ ‫السوربون في قسم اللغات‬ ‫ليتابع دراسته العليا بجامعة ّ‬ ‫الشرقية باملعهد التطبيقي لل ّدراسات العليا‪ ،‬ث ّم بكوليج‬ ‫دي فرانس ‪ .Collège de France‬ومنذ عام ‪ 1928‬انتقل‬ ‫للتدريس باملدرسة ال ُعليا لآلداب واللغة العرب ّية‪.‬‬ ‫خصص� � ��ة لهذا املؤ ّرخ‬ ‫عموما‪ ،‬ف� � ��إ ّن التّرجمات امل ُ ّ‬ ‫الكبي� � ��ر قليل� � ��ة وال تلي� � ��ق بعراقة فكره وعم� � ��ق أعماله‬ ‫وقيمتها احلقيقية على الرغم مما له من مس� � ��اهمات‬ ‫في احلركة الثقاف ّية والفكر ّية بالبالد العرب ّية‪ .‬واسمه‬ ‫غي� � ��ر ُمدرج بامل � � � ّرة في قائمة من يُعتب� � ��ر من املؤ ّرخني‬ ‫املوسيقيني‪ ،‬رغم كونه كتب بعمق عن الشأن املوسيقي‬ ‫بالبالد التونس ّية‪.‬‬ ‫وه� � ��و في احلقيقة أحد أه ّم الباحثني التونس� � ��يني‬ ‫ف� � ��ي تاريخ تون� � ��س مبراحله املختلف� � ��ة وخاصة التاريخ‬ ‫القدمي‪ .‬له مقاالت ع ّدة نش� � ��رت ف� � ��ي املجلّة الزّيتونية‬ ‫العريق� � ��ة‪ ،‬ومبجالت عربية مختص� � ��ة‪ ،‬كما ذاع صيت‬ ‫محاضراته التي ألقاها في أطر مختلفة‪ ،‬وكانت جلّها‬ ‫تتمحور ح� � ��ول الفكر اإلس� �ل��امي واملجتمعات العربية‬ ‫اإلس� �ل��امية وثقافته� � ��ا وتاريخه� � ��ا ولغته� � ��ا وعمارتها‪،‬‬ ‫فنُش� � ��رت عام ‪ 1958‬في القاهرة ‪ -‬كما يشير إلى ذلك‬ ‫الدكتور محمود قطاط‪ -‬حتت عنوان «مراكز الثقافة»‪،‬‬ ‫كتاب يحتوي على ‪ 134‬صفحة‪.‬‬ ‫في ٍ‬ ‫الكعاك مؤ ّرخ ًا للموسيقى الشعبية التونسية‬ ‫عثمان ّ‬ ‫‪12/5/16 10:33:56 AM‬‬

‫اخلط العربي وسيلة من وسائل تزيني آالت اإليقاع‬

‫وقد ش� � ��ارك الكعاك في ملتقي� � ��ات عامل ّية وعربية‬ ‫ع � � � ّدة ذات طابع ثقاف� � ��ي وتو ّفي ف� � ��ي إحداها مبدينة‬ ‫اجلزائر في ‪ 16‬يوليو ‪ .1976‬كما صدر لعثمان الك ّعاك‬ ‫في سلس� � ��لة «كتاب البعث» لسنة ‪ 1956‬كتاب آخر مه ّم‬ ‫س � � � ّماه «البربر»‪ ،‬توجد منه نس� � ��خة إلكترون ّية مماثلة‬ ‫لنس� � ��خة كتاب البعث‪ .‬وكتب ه� � ��ذا املؤ ّرخ الالمع كذلك‬ ‫في املس� � ��ألة الفلسف ّية في اإلس� �ل��ام‪ ،‬فصدر له بال ّدار‬ ‫التّونس � � � ّية لل ّنش� � ��ر كتاب‪« :‬الفلسفة اإلس� �ل��ام ّية»‪ .‬كما‬ ‫نشر عم ً‬ ‫ال شائقاً حول بعض اجلوانب االجتماعية في‬ ‫تونس جندها في كتابه‪« :‬التّقاليد والعادات التونس ّية»‬ ‫‪107‬‬

‫‪jan 98-130.indd 107‬‬


‫الذي س� � ��وف نأتي على بعض فقراته في ما س� � ��يتق ّدم‬ ‫حول مسألة التّأريخ للموسيقى العرب ّية بتونس‪.‬‬ ‫تقدمي كتاب التقاليد والعادات والتونسية‬ ‫قس� � ��م عثمان الك ّع� � ��اك كتابه إل� � ��ى مق ّدمة وأربعة‬ ‫ّ‬ ‫أبواب هي على التّوالي‪:‬‬ ‫ الباب األ ّول‪ :‬مواضيع الفولكلور‪.‬‬‫ الباب الثاني‪ :‬الفولكلور التّونسي عبر التّاريخ‪.‬‬‫ الباب الثالث‪ :‬مصادر الفولكلور‪.‬‬‫ الباب ال ّرابع‪ :‬وسائل البحث عن الفولكلور‪.‬‬‫وف� � ��ي احلقيق� � ��ة أ ّن ك ّل باب من ه� � ��ذه األبواب له‬ ‫أه ّم ّي� � ��ة من حيث إتيانه بجزئ ّي� � ��ات احلياة االجتماع ّية‬ ‫املا ّد ّية والعقل ّية للش� � ��عب التّونسي‪ ،‬بعيداً عن األحداث‬ ‫واحلروب والفتوح� � ��ات وقريباً في املقابل من نتائجها‪.‬‬ ‫الطريقة في التّأريخ (أي التّأريخ انطالقاً‬ ‫وتُعتبر هذه ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫من عناصر الفولكلور) بابا شاس� � ��عا يـُمكن الباحث في‬ ‫مختل� � ��ف امليادين من االنفتاح على س� � ��بل التع ّرف على‬ ‫يتوصل إليه� � ��ا الواحد منّا‬ ‫حقائ� � ��ق غير تل� � ��ك التي قد ّ‬ ‫فق� � ��ط بتأويل النّصوص وإعادة قراءتها‪( ،‬التي بدورها‬ ‫قد تُقدِّم لنا صورة من صور الواقع)‪.‬‬ ‫ومصطل� � ��ح «الفولكلور» – على أ ّن� � ��ه كلمة لم تعد‬ ‫مس� � ��تعملة بكثرة في الوس� � ��ط العلمي‪ -‬إ ّال أ ّنه يش� � ��ير‬ ‫إلى أحد أه ّم أشكال التعبير الثقافي لدى املجموعات‬ ‫البش� � ��ر ّية‪ ،‬حضر ّية كانت أو ريف ّية‪ ،‬وتض ّم أشكال هذا‬ ‫التعبي� � ��ر كال من اللغة واملوس� � ��يقى والرقص واأللعاب‬ ‫واملعتقدات واألساطير واحلرف بصورها العفو ّية التي‬ ‫ال تتدخّ ل فيها ممارس� � ��ات سياسية‪ ،‬وذلك داخل أطر‬ ‫مختلف� � ��ة كالعائلة أو العمل أو الوطن أو القبيلة‪ ،‬تكتمل‬ ‫فيها ص� � ��ور هذا التعبير حس� � ��ب متطلّبات املمارس� � ��ة‬ ‫اليوم ّية واألحداث املوسم ّية‪.‬‬

‫قيمة املوسيقى الشعبية كعنصر من «الفولكلور»‬ ‫العام في بلورة تاريخ الشعوب‬ ‫أورد عثمان الك ّعاك (‪ )1976-1903‬إش� � ��ارات ع ّدة‬ ‫حول ما ميكن أن يتعلّ� � ��ق باملجتمع من عادات وتقاليد‬ ‫ف� � ��ي مختلف مجاالت احلياة العا ّمة كاملأكل واملش� � ��رب‬ ‫مما يجعل من‬ ‫والعمل وال ّدين واملوس� � ��يقى وال ّرق� � ��ص‪ّ ،‬‬ ‫الكتاب أثراً ذا أه ّم ّية على مستوى التّأريخ االجتماعي‬ ‫والف ّن� � ��ي‪ .‬وفي ما يلي نورد اإلش� � ��ارات التي وردت عن‬ ‫الفولكلور املوسيقي (التراث املوسيقي الشعبي) بالبالد‬ ‫‪108‬‬

‫‪12/5/16 10:33:59 AM‬‬

‫التونسية في هذا الكتاب‪:‬‬ ‫يذكر لنا عثمان الكعاك مجموعة من املصطلحات‬ ‫التي تنتم� � ��ي للحقل ال ّداللي للممارس� � ��ة املوس� � ��يقية‪،‬‬ ‫وهي‪.‬‬ ‫ امللزومة والعرف واملس ّدس والقسيم‬‫(األزجال والتّواشيح واألوزان الشعبية)‬ ‫ املالوف (موسيقى أندليسية)‬‫ الفون� � ��دو والعرض� � ��اوي واجلندوبي واملصمودي‬‫والصاحلي (املوسيقى الشعبية)‬ ‫ّ‬ ‫ سفينة مالوف طيبية أو ُسالم ّية أو عيساو ّية أو‬‫شاذل ّية أو قادر ّية (املالوف الذي في اجل ّد)‬ ‫فالواض� � ��ح أ ّن عثم� � ��ان الكع� � ��اك يح� � ��اول اعتماد‬ ‫تصنيفات ملمارسات موسيقية واردة في البالد التونسية‬ ‫املوحدي� � ��ن وما بعدهم‪ ،‬وه� � ��ذه التصنيفات‬ ‫من� � ��ذ عهد ّ‬ ‫كان� � ��ت تعتمد األمناط الغنائ ّي� � ��ة أو املنطقة اجلغراف ّية‬ ‫(األندلس) أو الفئة االجتماعية (املوس� � ��يقى الشعبية)‬ ‫أو اإلطار الديني أو الدنيوي (الذي في اجل ّد)‪.‬‬ ‫يوضح ف� � ��ي احلقيق� � ��ة نوع ّية‬ ‫وه� � ��ذا التصني� � ��ف ّ‬ ‫املمارسات املوسيقية التي تُلخّ ص في‪:‬‬ ‫ املالوف األندلسي‪.‬‬‫ األزجال والتواشيح واألوزان الشعبية‪.‬‬‫ موسيقى مجالس الذكر الطرقي الصوفي‪.‬‬‫م� � ��ن جهة أخ� � ��رى ير ّك� � ��ز الك ّعاك على املوس� � ��يقى‬ ‫الشعبية فيقول ويكتب‪:‬‬ ‫املوسيقى الشعبية‪:‬‬ ‫ندرسها من حيث أشخاصها‪:‬‬ ‫‪ - 1‬بوسعد ّية‪ - 2 .‬مجالس الطـــــّرقيني‪ - 3 .‬مجالس‬ ‫احلشاشني‪ - 4 .‬جوقات املناسبات‪ :‬الهاللو للختان‪ ،‬هزّان‬ ‫الفرش‪ ،‬تعليلة العروسة‪ ،‬التّصديرة‪ - 5 .‬موسيقى املبيعات‪:‬‬ ‫باعة الغالل‪« ,‬مش�� ��ماش يا مش�� ��ماش يا ع�� ��ذاب القايلة‪،‬‬ ‫تسني عليك بنت اجلنّان والتّقريطة مايلة»‪ .‬باعة الزّهور‪،‬‬ ‫باعة املش�� ��روبات «صحلب ش�� ��فا» ‪ - 6‬املوسيقى ال ّدين ّية‪:‬‬ ‫الس�� ��مر‬ ‫املولد ّي�� ��ة‪ ،‬املعراج ّية‪ ،‬األختام‪ ،‬اآلذان‪ ،‬التّحضير‪ّ ،‬‬ ‫بالصوام�� ��ع إلى غير ذلك‪ - 7 .‬املوس�� ��يقى الكالس�� ��يك ّية‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫(املالوف األندلس�� ��ي في اجل ّد والهلس)‪ - 8 .‬املوس�� ��يقى‬ ‫املدن ّية‪ :‬الفوندوات‪ّ ،‬‬ ‫املوش�� ��حات‪ ،‬القصائ�� ��د‪ ،‬العروب ّيات‪،‬‬ ‫الصناعات‪ - 9 .‬املوسيقى القرو ّية‬ ‫البشارف‪ ،‬موس�� ��يقى ّ‬ ‫‪ - 10‬املوسيقى الريف ّية (بربر ّية‪/‬عربية إلخ)‪ - 11 .‬املداح‬ ‫‪ – 12‬املُتس ّول‪ - 13 .‬خ ّ‬ ‫الص الواحلني أو الق ّوال الشعبي‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 108‬‬


‫ملف‬

‫‪ - 14‬ال ّربايب ّي�� ��ة النس�� ��ائ ّية‪ - 15 .‬التّيجان ّية ال ّنس�� ��ائ ّية»‪.‬‬ ‫انتهى االقتباس‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وهو بالتّالي يختار منهجا يعمل على دراس� � ��ة هذه‬ ‫املوسيقى من حيث‪:‬‬ ‫ ش ��خص ّياتها‪ :‬أي ال ّرموز البش� � ��ر ّية التي ارتبطت‬‫رؤيتها مبمارسة موسيقى مع ّينة (مثل «بوسعد ّية»‪ ،‬تلك‬ ‫الشخص ّية الزجن ّية ذات اللباس ّ‬ ‫الطريف والتي ترقص‬ ‫وحتمل معها صنوجاً)‪ ،‬أو ك ّل إنس� � ��ان ميكن أن يس� � ��اهم‬ ‫بعفو ّية أو عن قصد باس� � ��تغالل املمارسة املوسيق ّية في‬ ‫نشاطاته اليوم ّية أو في املناسبات‪ ،‬ليضفي عليها جمال ّية‬ ‫وحيو ّية (مثل باعة الغالل واملــشـــروبـــــات‪/‬املتــــس � � � ّول‪/‬‬ ‫الق ّوال الــــشعبي‪/‬املداح‪ /‬املتص ّوف الطرقي)‪.‬‬ ‫ آالته� � ��ا‪ :‬واملقص� � ��ود مختلف اآلالت املوس� � ��يق ّية‬‫املتداولة في تونس في مختلف األوساط‪ ،‬في زمانه أو‬ ‫في ما مضى من القرون‪ :‬ويذكر الك ّعاك في هذا الباب‬ ‫آالت مختلفة يصنّفها إلى ثالثة أقسام‪:‬‬ ‫< الوتر ّيات‪ :‬الكثيري‪ ،‬الرباب‪ ،‬العود‪ ،‬الكمان‪.‬‬ ‫< آالت القرع‪ :‬الدربوكة والطار والنقارات والطبل‬ ‫والبندير‪.‬‬ ‫< آالت النفخ‪ :‬الناي والقصبة والش� � ��بابة والفحل‬ ‫والسرناي‪.‬‬ ‫ أصوله ��ا‪ :‬يطرح الك ّعاك من خالل هذا املصطلح‬‫قض ّي� � ��ة التّأثيرات املختلفة الت� � ��ي ميكن أن تخضع لها‬ ‫موس� � ��يقى البالد التونس � � � ّية بحكم التالقح احلضاري‬ ‫التوس� � ��ع واحل� � ��روب تارة‬ ‫الذي ُف� � ��رض عليها مبنطق‬ ‫ّ‬ ‫والوح� � ��دة العرب ّية وم� � ��ا تخفيه من تن ّوع ت� � ��ارة أخرى‪،‬‬ ‫وبالتالي فإ ّن املوسيقى بتونس تعود إلى أصول متن ّوعة‬ ‫بتن ّوع احلضارات والشعوب التي سكنت املنطقة‪ ،‬لذلك‬ ‫هي ‪ -‬بصفة أو بأخرى ‪ -‬مزيج بني موسيقات‪:‬‬ ‫الكعاك مؤ ّرخ ًا للموسيقى الشعبية التونسية‬ ‫عثمان ّ‬ ‫‪12/5/16 10:34:07 AM‬‬

‫«بربر ّي� � ��ة‪ ،‬فينيق ّي� � ��ة‪ ،‬رومان ّي� � ��ة‪ ،‬عرب ّية ع ّباس � � � ّية‪،‬‬ ‫فاطم ّية‪ ،‬أندلس ّية‪ ،‬ترك ّية‪ ،‬إفرجن ّية‪ ،‬مصر ّية‪ ...‬إلخ»‪.‬‬ ‫ مجاميعها‪ :‬هذا املصطلح منعدم االستعمال في‬‫الوسط املوسيقي اليوم‪ ،‬واملقصود به املؤلفات املكتوبة‬ ‫اجلامعة للش� � ��عر واألغاني التي كان� � ��ت تغنّى في وقت‬ ‫مضى‪ ،‬أي هي كما جاء بقلم عثمان الك ّعاك‪:‬‬ ‫«الس� � ��فائن‪ ،‬ال ّدواوي� � ��ن‪ ،‬احلائ� � ��ك» (يقصد كنّش‬ ‫ّ‬ ‫مح ّمد بن احلس� � ��ن احلائ� � ��ك التطواني‪/‬القرن الثامن‬ ‫عشر امليالدي)‪.‬‬ ‫ً‬ ‫جس� � ��د الك ّعاك جزءا من املمارسة املوسيقية‬ ‫وقد ّ‬ ‫الش� � ��عب ّية (في تون� � ��س مثال) في مناس� � ��بة العرس‪ ،‬إذ‬ ‫تتضح أه ّم ّية «العرس» أو ال� � ��زواج في جتلّي الظاهرة‬ ‫املوس� � ��يقية‪ .‬وتتأ َّك � � � ُد أه ّم ّية مثل هذه املناس� � ��بات عند‬ ‫أصح� � ��اب ّ‬ ‫الطرح الفقه� � ��ي كذلك‪ ،‬منذ ق� � ��رون‪ .‬إذ إن‬ ‫«يحي� � ��ى ب� � ��ن عمر األندلس� � ��ي التونس� � ��ي» (القرن ‪3‬هـ‬ ‫‪9/‬م) حت � � � ّدث في القرن التاس� � ��ع املي� �ل��ادي مث ً‬ ‫ال عن‬ ‫بعض مواطن ش� � ��رع ّية املمارسة املوسيق ّية في مناسبة‬ ‫الع� � ��رس أو اخلتان‪ .‬ويبدو أ ّن عثمان الك ّعاك يرجع بنا‬ ‫ف� � ��ي طرحه إلى محور احلديث نفس� � ��ه (لكن ليس من‬ ‫زاوية الفقه)‪ ،‬بحيث تتأ ّكد حقيقة عالقة عا ّمة الناس‬ ‫ومجاالت احتكاكهم باملمارس� � ��ة املوس� � ��يقية‪ ،‬وهي هنا‬ ‫الزفاف‪ .‬وفي طقوسه املختلفة داخل العائالت‪ ،‬تتضح‬ ‫مواطن استغالل املوسيقى‪.‬‬ ‫وكأ ّنن� � ��ا بعثم� � ��ان الك ّع� � ��اك هنا في موض� � ��ع العالم‬ ‫األثنولوج� � ��ي أو األثنوميزوكولوج� � ��ي‪ ،‬إذ ه� � ��و يعتم� � ��د‬ ‫منهجاً ف� � ��ي التّأليف بعيداً عن ّ‬ ‫الطرح التّنظيري وأكثر‬ ‫استئناساً بالواقع االجتماعي‪ ،‬بحيث تُدرس املوسيقى‬ ‫في هذا ّ‬ ‫الط� � ��رح داخل إطار عملي تطبيقي غير ُم نّ‬ ‫قن‬ ‫ويحمل خصوص ّيات املوس� � ��يقى الشعب ّية مبا فيها من‬ ‫عفو ّية وتناقل ش� � ��فهي‪ .‬لذلك نرى ه� � ��ذا املؤ ّرخ يدافع‬ ‫بش � � � ّدة عن امل� � ��ا ّدة الفولكلور ّية عموماً في� � ��ر ّد على ك ّل‬ ‫محقّر من شأنها‪ ،‬قائال‪:‬‬ ‫«واحلقيقة ه� � ��ي أ ّن الفولكلور هو تراث الش� � ��عب‬ ‫املق � � � ّدس وما ّدت� � ��ه العلم ّية الت� � ��ي نعرف بها نفس � � � ّيته‬ ‫وأخالق ّياته وعاداته‪ ،‬وه� � ��و جملة املم ّيزات التي تؤلف‬ ‫شخص ّيته الوطن ّية‪ .‬ولذلك قامت ك ّل حركة قوم ّية في‬ ‫أوربا والشرق وأمريكا على دراسة الفولكلور واعتباره‬ ‫املا ّدة األولى في حترير القوانني ومعرفة تاريخ الشعب‬ ‫ودراسة فنونه املم ّيزة له» >‬ ‫‪109‬‬

‫‪jan 98-130.indd 109‬‬


‫السيرة الهاللية واألداء الشعبي‬ ‫د‪ .‬خالد أبوالليل‬

‫أكادميي من مصر‬

‫تعد الس���يرة الش���عبية أح���د فنون الفرجة الش���عبية‪ ،‬التي س���اهمت في‬ ‫التأس���يس للمس���رح العرب���ي في العص���ر الحدي���ث‪ ،‬من خالل الوس���ائل‬ ‫والتقنيات األدائية التي يعتمدها المؤدي الشعبي على خشبة المسرح‬ ‫ف���ي أثن���اء تقديم���ه للن���ص الس���يري‪ .‬فمخط���ئ من ينظ���ر إلى الس���يرة‬ ‫الش���عبية على أنه���ا مجرد نص يتناقل���ه الناس جي ً‬ ‫ال عن جي���ل؛ إذ إن جزءاً‬ ‫كبيراً من األس���باب التي س���اعدت على المحافظة عليه���ا طوال القرون‬ ‫الماضي���ة‪ ،‬هو ارتباطها ب���األداء التمثيلي المس���رحي‪ ،‬فيم���ا يُطلق عليه‬ ‫المسرح الشعبي‪ ،‬خاصة في غياب وسائل اإلعالم التقليدية أو الحديثة‪،‬‬ ‫مثل التلفاز والمذياع‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫‪12/5/16 10:34:10 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 110‬‬


‫ملف‬ ‫ارتبط هذا األداء التمثيلي للس� � ��يرة باملقاهي‬ ‫لفت� � ��رة طويلة‪ ،‬فكان� � ��ت املقاه� � ��ي العربية مجاالً‬ ‫رحب � � �اً‪ ،‬يعرض من خاللها املؤدي الش� � ��عبي نصه‬ ‫بوصفه عرضاً متثيلياً مسلس ً‬ ‫ال‪ .‬وقد ارتبط هذا‬ ‫األداء التمثيلي بفكرة البحث عن البطل املخلص‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي تلتف حول� � ��ه اجلماعة الش� � ��عبية العربية؛‬ ‫إلنقاذه� � ��ا مما حاق به� � ��ا‪ ،‬بعد تقس� � ��يم املجتمع‬ ‫العربي إلى دويالت‪ ،‬وس� � ��قوط بغداد‪ ،‬وس� � ��يطرة‬ ‫املغول والتتار‪ ،‬ث� � ��م خضوع العرب حلكم األتراك‬ ‫واملمالي� � ��ك‪ .‬من هنا تش� � ��كلت فك� � ��رة البحث عن‬ ‫اخل� �ل��اص من خالل البحث عن البطل الذي يثق‬ ‫به العرب‪ ،‬فيلتفون حوله‪ ،‬بعد أن ينس� � ��جوا حوله‬ ‫من احلكايات ما يرسخ لبطولته‪ ،‬مما يحمله من‬ ‫نسق قيمي يتماشى وظروف املجتمع العربي في‬ ‫فترة العصور اإلسالمية الوسطى‪ .‬ولقد كان فن‬ ‫السيرة الش� � ��عبية متماشياً‪ ،‬بوصفه فناً من فنون‬ ‫الفرجة الش� � ��عبية التمثيلية‪ ،‬م� � ��ع هذه املتطلبات‬ ‫السياس� � ��ية واالجتماعي� � ��ة‪ .‬وكان ه� � ��ذا اجلانب‬ ‫األدائي التمثيلي هو عامل اعتمادها جماهيرياً‪.‬‬

‫حلقات املقاهي‬

‫أم� � ��ا ع� � ��ن ارتباط ه� � ��ذا الفن األدائ� � ��ي التمثيلي‬ ‫باملقاه� � ��ي‪ ،‬ف� � ��إن «املقاه� � ��ي» متث� � ��ل أحد األش� � ��كال‬ ‫االحترافي� � ��ة وأهمها في املاضي‪ ،‬الت� � ��ي كانت تؤدى‬ ‫فيها الس� � ��يرة الش� � ��عبية‪ ،‬والتي حافظت على تناقلها‬ ‫بني األجيال وبعضها البعض‪.‬‬ ‫فلقد كان الراوي (بحسب ما كان يُطلق عليه في‬ ‫مص� � ��ر وبعض الدول العربي� � ��ة األخرى) أو احلكواتي‬ ‫(بحس� � ��ب ما يُطلق عليه في بالد الشام) يقوم ‪ -‬في‬ ‫هذه املقاهي ‪ -‬مقام وسائل اإلعالم احلديثة اآلن؛ إذ‬ ‫كان ميتل� � ��ك من املهارات األدائية والتمثيلية ما يربط‬ ‫جمه� � ��ور املقاهي ب� � ��ه‪ ،‬الذي كان يتزاي� � ��د على املقهى‬ ‫بس� � ��ببه‪ ،‬مما يتس� � ��بب في زيادة دخل صاحبه‪ .‬فلقد‬ ‫كان يقدم السيرة الش� � ��عبية على هيئة حلقات يومية‬ ‫متسلس� � ��لة‪ ،‬متعمداً التوقف عند مشهد مشوق‪ ،‬مما‬ ‫يزيد م� � ��ن ارتباط اجلمهور بها‪ ،‬فيعمل على متابعتها‬ ‫ف� � ��ي اليوم التالي؛ للتعرف على نتيجة املش� � ��هد الذي‬ ‫توقف عنده الشاعر في احللقة السابقة‪.‬‬ ‫وكان اجلمه� � ��ور ‪ -‬مقابل ذل� � ��ك ‪ -‬يدفع مقابالً‬ ‫السيرة الهاللية واألداء الشعبي‬ ‫‪12/5/16 10:34:14 AM‬‬

‫زهيداً من املال‪ ،‬ورمبا يكون املقابل مش� � ��روباً يتناوله‬ ‫هذا الش� � ��خص؛ لذل� � ��ك كان صاح� � ��ب املقهى يعطي‬ ‫الشاعر مبلغاً زهيداً من املال مقابل إنشاده السيرة‪.‬‬ ‫لذا كان أصحاب املقاهي يحسنون اختيار هؤالء‬ ‫الرواة الش� � ��عبيني؛ ليضمنوا إقب� � ��االً جماهيرياً على‬ ‫مقاهيهم‪.‬‬ ‫ويصف املستش� � ��رق اإلجنلي� � ��زي إدوارد وليم لني‬ ‫طريقة أداء السيرة الش� � ��عبية في املقاهي في القرن‬ ‫التاسع عشر بقوله‪« :‬يجلس القاص فوق مقعد صغير‬ ‫ف� � ��ي أعلى املصطب� � ��ة‪ ،‬املقامة بط� � ��ول واجهة املقهى‪،‬‬ ‫ويجل� � ��س بعض الس� � ��امعني إلى جانب� � ��ه‪ ،‬بينما يجلس‬ ‫البعض اآلخر على مصاطب املنازل املقابلة في الشارع‬ ‫الضي� � ��ق‪ ،‬والباقون على مقاعد من اجلريد‪ .‬وأكثرهم‬ ‫يدخن الش� � ��بك‪ ،‬وبعضهم يرتشف القهوة‪ ،‬وهم جميعاً‬ ‫يبتهجون أعظم االبتهاج بس� � ��ماع القاص لقوة متثيله‪،‬‬ ‫وملوضوع القصة» (لني‪ ،1998 ،‬ج‪.)65 ،2‬‬ ‫أما ع� � ��ن الوقت املفضل ال� � ��ذي كان يُدعى فيه‬ ‫الش� � ��عراء إل� � ��ى املقاهي‪ ،‬فكان ش� � ��هر رمضان؛ حيث‬ ‫كان يقوم صاحب املقهى باالتفاق مع أحد الش� � ��عراء‬ ‫إلحياء ليال� � ��ي رمضان على مقهاه‪ .‬فيقوم الش� � ��اعر‬ ‫بتقس� � ��يم الس� � ��يرة إلى ثالثني حلقة‪ ،‬ه� � ��ي عدد أيام‬ ‫الش� � ��هر‪ ،‬يحكي كل يوم جزءاً منها‪ ،‬ومع انتهاء الشهر‬ ‫يكون الش� � ��اعر قد انتهى من س� � ��رد أحداث السيرة‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا الدور لعبته املقاهي مع الس� � ��يرة الهاللية‪ ،‬ومع‬ ‫عدد من الس� � ��ير الشعبية النثرية األخرى‪ ،‬مثل سيرة‬ ‫الظاهر بيبرس‪ ،‬وسيرة عنترة‪ ،‬واألميرة ذات الهمة‪،‬‬ ‫وس� � ��يف بن ذي يزن‪ .‬وفي السنوات األخيرة‪ ،‬اختفت‬ ‫معظم هذه السير الشعبية من األداء الشفاهي‪ ،‬كما‬ ‫اختفى أداء الهاللية في املقاهي‪ ،‬وإن حل محله أداء‬ ‫الهاللية في بعض مؤسس� � ��ات الثقافة اجلماهيرية‪،‬‬ ‫مثل قصور الثقافة في شهر رمضان‪ .‬هذا إلى جانب‬ ‫أدائه� � ��ا في مناس� � ��باتها االجتماعي� � ��ة التقليدية‪ ،‬مثل‬ ‫مناسبات الزواج واخلتان‪.‬‬

‫بني الهاللية املدونة والشفاهية‬

‫ميثل احلدي� � ��ث عن األداء مص� � ��در اختالف‬ ‫ب� �ي��ن الهاللية املدونة والش� � ��فاهية‪ ،‬حيث تعددت‬ ‫تعريف� � ��ات الدارس� �ي��ن ملصطل� � ��ح األداء‪ .‬وه� � ��ي‬ ‫تعريف� � ��ات تنطلق ‪ -‬ف� � ��ي الغالب ‪ -‬م� � ��ن تعريف‬ ‫‪111‬‬

‫‪jan 98-130.indd 111‬‬


‫مصطل� � ��ح األداء بوصفه مصطلح � � �اً عاماً‪ ،‬تاركة‬ ‫ٍ‬ ‫خاص له‪ ،‬إلى‬ ‫تعريف‬ ‫محاولة التوصل إلى وضع‬ ‫ٍ‬ ‫طبيعة النوع األدبي الش� � ��عبي املدروس‪ .‬واألداء‪-‬‬ ‫على ح� � ��د ق� � ��ول ‪« - Lauri Honko‬ليس مجرد‬ ‫مسألة إعادة إنتاج للنص احملفوظ كلمة كلمة‪...‬‬ ‫فالرواية ‪ -‬في احلقيقة ‪ -‬تولد من جديد مع كل‬ ‫أداء‪ ،‬خاصة تلك التي تُنْتج لتناس� � ��ب مناس� � ��بات‬ ‫محددة» (‪.)Honko.1989. P.34‬‬ ‫ويركز أحمد مرس������ي في تعريفه لألداء على‬ ‫الوض������ع الذي يتخ������ذه امل������ؤدي‪ ،‬فيعرفه بوصفه‬ ‫«وضع������اً معين������اً يتخ������ذه ال������راوي أو املغني أمام‬ ‫اجلمهور‪ .‬هذا الوضع‪ ،‬يختلف بدرجات متفاوتة‬ ‫ع������ن وضع������ه أو دوره في احلي������اة اليومية‪ ،‬وفي‬ ‫عالقات������ه م������ع اآلخرين‪ ...‬ولكي ميكن������ه أداء أو‬ ‫تقدمي حكايت������ه أو أغنيته باملعنى الذي نقصده‪،‬‬ ‫ف������إن عليه بالض������رورة أن يتهيأ لذل������ك أو يتخذ‬ ‫الوضع املالئم الذي يتناسب مع غرضه‪ ...‬وبناء‬ ‫علي������ه تتحدد درج������ة األداء وكفاءته» (مرس������ي‪،‬‬ ‫‪ ،1995‬ص‪.)110‬‬ ‫ويع � � � ِّرف محم� � ��د حافظ دياب أداء الس� � ��يرة‬ ‫الش� � ��عبية بأنه‪« :‬فعل إبداعي‪ ،‬يقوم على استلهام‬ ‫تراث السيرة الش� � ��عبية‪ ،‬عبر تواصله الشفاهي‪،‬‬

‫بوس� � ��اطة التفاعل احلي بني مش� � ��اركيه‪ ،‬وبهدف‬ ‫تقوي� � ��ة إحساس� � ��هم بهويتهم ووحدته� � ��م» (دياب‪،‬‬ ‫‪ ،2003‬ج‪ ،1‬ص ‪.)82 ،81‬‬ ‫وهو تعريف لم يخرج عن دائرة التعميم ذاتها؛‬ ‫إذ لم يلمس أي خصوصي� � ��ة من خصوصيات أداء‬ ‫السيرة الشعبية عامة‪ ،‬والهاللية خاصة‪ .‬فالتعريف‬ ‫السابق ميكن أن نطبقه على أداء احلكاية الشعبية‬ ‫واألغني� � ��ة الش� � ��عبية‪ ...‬إلخ‪ .‬ولقد ح� � ��اول دياب أن‬ ‫يلمس هذه اخلصوصية في مواضع أخرى‪ ،‬خاصة‬ ‫عندما حتدث عن مكان األداء وزمانه‪ ،‬وحني حتدث‬ ‫عن «الدِّ كة» اخلشبية أو الكرسي أو املقطورة‪ ،‬التي‬ ‫يتخذها الراوي مس� � ��رحاً ل� � ��ه‪ ،‬وحني حدد فترة ما‬ ‫بني العش� � ��اء والفج� � ��ر بأنها الوقت املناس� � ��ب ألداء‬ ‫السيرة الشعبية (دياب‪ ،‬ص‪ .)80‬ولكي نتعرف على‬ ‫خصوصية أداء الهاللية‪ ،‬فالبد من اإلشارة إلى أن‬ ‫أداء الهاللي� � ��ة املدونة يختلف عن الش� � ��فاهية‪ ،‬وأن‬ ‫أداء الهاللي� � ��ة عند احملترف� �ي��ن يختلف عن الهواة‪.‬‬ ‫فلق� � ��د انحصر أداء الهاللية املدونة في روايتها في‬ ‫املقاهي‪ ،‬في حني تعددت مناس� � ��بات أداء الهاللية‬ ‫الشفاهية ما بني أدائها في احلقول بني الفالحني‬ ‫وقت احلصاد‪ ،‬أو في املوالد‪ ،‬أو الزواج أو اخلتان‪،‬‬ ‫عل� � ��ى أن يك� � ��ون ه� � ��ذا األداء احترافي � � �اً مصحوباً‬

‫لوحات متثل الهاللي على حصانه‬ ‫‪112‬‬

‫‪12/5/16 10:34:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 112‬‬


‫ملف‬

‫الفنان سيد الضوي أهم سارد للسيرة الهاللية في مصر‬

‫باآلالت املوسيقية‪ ،‬فهذه هي مناسبات أدائها عند‬ ‫الش� � ��عراء احملترفني‪ .‬في حني اقتصر أداؤها بني‬ ‫ال� � ��رواة الهواة على حكيها داخل النطاق األس� � ��ري‪،‬‬ ‫أو النطاق االجتماعي احملدود‪ ،‬كأن يحكيها اجلد‬ ‫أو اجل� � ��دة إلى األحفاد‪ ،‬وذلك ‪ -‬بالطبع ‪ -‬من دون‬ ‫استخدام آالت موسيقية‪.‬‬

‫إنشاد ومتثيل أيض ًا‬

‫وتنبغ� � ��ي اإلش� � ��ارة إل� � ��ى أن أداء الش� � ��اعر ال‬ ‫يقتصر على اإلنش� � ��اد فحسب‪ ،‬بل يقوم بالتمثيل‬ ‫على خشبة املسرح‪ ،‬وجتسيد أدوار الشخصيات‬ ‫املختلفة في الس� � ��يرة‪ ،‬سواء كانت شخصية طفل‬ ‫أو امرأة‪ ،‬أو رجل كبير‪ .‬وهو في ذلك يعتمد على‬ ‫جس� � ��ده (اليدين واإلشارات واإلمياءات والعينني‬ ‫وتغيي� � ��ر نب� � ��رات صوت� � ��ه‪ ...‬إل� � ��خ)‪ ،‬أو من خالل‬ ‫االعتماد على أحد أفراد فرقته املوسيقية‪ ،‬الذي‬ ‫قد يتقمص دور إحدى الشخصيات‪ ،‬أو من خالل‬ ‫االعتماد على العصا التي ميسكها‪.‬‬ ‫إن أحد أسباب اس� � ��تمرارية السيرة الهاللية‬ ‫حتى وقتنا الراهن دون غيرها من السير الشعبية‬ ‫األخرى‪ ،‬هو مرونته� � ��ا وقدرتها على التعبير عن‬ ‫قضاي� � ��ا الواقع املعي� � ��ش‪ ،‬هذا إل� � ��ى جانب قدرة‬ ‫السيرة الهاللية واألداء الشعبي‬ ‫‪12/5/16 10:34:20 AM‬‬

‫رواتها على األداء التمثيلي الذي يؤدي إلى تزايد‬ ‫اإلقبال اجلماهيري عليها‪.‬‬ ‫ومم� � ��ا يدلل عل� � ��ى مدى متس� � ��ك اجلمهور‬ ‫بالسيرة الهاللية‪ ،‬نصا وأداء‪ ،‬تلك احلكاية التي‬ ‫حكاها لي الشاعر الشعبي الراحل سيد الضوي‬ ‫(‪ ،)2016 - 1934‬الت� � ��ي تذهب إلى أنه كان هناك‬ ‫ش� � ��اعر في الصعيد يحكي قص� � ��ة حرب الزناتي‬ ‫خليفة م� � ��ع أبي زيد الهالل� � ��ي‪ .‬وكان هناك رجل‬ ‫فقي� � ��ر ينتم� � ��ي إلى قبائ� � ��ل األمارة‪ ،‬الت� � ��ي ينتمي‬ ‫إليه� � ��ا الزنات� � ��ي خليفة‪ ،‬وذهب ه� � ��ذا الرجل إلى‬ ‫الس� � ��وق ليبيع بقرته‪ ،‬آخر ما ميلك‪ ،‬بسبب فقره‬ ‫الش� � ��ديد‪ .‬فعندما باع البقرة وذهب ليستمع إلى‬ ‫أس� � ��ر أبي زيد‬ ‫ه� � ��ذا الش� � ��اعر‪ ،‬وجده يحكي عن ْ‬ ‫للزنات� � ��ي خليفة‪ ،‬فما كان من ه� � ��ذا الرجل الذي‬ ‫يشجع الزناتي إال أ ْن أعطى كل ما معه للشاعر‪،‬‬ ‫متوس� �ل � ً‬ ‫ا إليه أن يفك أسر الزناتي خليفة‪ .‬وبعد‬ ‫محاوالت استجاب الش� � ��اعر وفك أسر الزناتي‪،‬‬ ‫فكانت فرحة الفقير غام� � ��رة‪ .‬وعندما عاد هذا‬ ‫الرجل إلى زوجته‪ ،‬بال نقود وال طعام‪ ،‬وحكى لها‬ ‫عما حدث‪ ،‬راحت تزغرد وتهلل بالتصفيق فرحة‬ ‫بفك أس� � ��ر الزناتي خليفة‪ ،‬حامدة لزوجــــها هذا‬ ‫الصنيع >‬ ‫‪113‬‬

‫‪jan 98-130.indd 113‬‬


‫مغرب‪...‬‬ ‫ْ‬ ‫أحواز الزَّجل في ال َ‬ ‫ُمقارب َ ٌة ث َ‬ ‫قافية ِلبالغات اس ِتثنَائية‬ ‫سالم إدريسو‬

‫كاتب من املغرب‬

‫يحي���ل المعنى الخام للفظة «الزّجل» على «الصوت باختالف مصادره»‪،‬‬ ‫«وقد يكون مختص ًا بنوع من الغناء كما جاء في لسان العرب»‪ ،‬على أن‬ ‫السياق الثقافي المغربي القديم لهذا النوع من النظم‪ ،‬يستدعي في‬ ‫اتجاه من اتجاهاته‪ ،‬الحاضنة االجتماعية للبيئة األندلس���ية‪ ،‬ومنها خرجت‬ ‫تش���كالته التاريخي���ة األولى إلى الس���ياق الش���عري المغرب���ي‪ ،‬ثم انطلق‬ ‫التراكم الزجلي‪ ،‬مع تشعب الحقب والثقافات‪ ،‬إلى عمليات واسعة من‬ ‫التثاقف والتفاع���ل الداخلي مع األصوات واللغ���ات واللهجات والنظوم‬ ‫المتأصلة داخلي��� ًا‪ ،‬بحيث يصعب اآلن إنجاز قي���اس حقيقي بين البدايات‬ ‫األولى للزجل المغربي‪ ،‬وبين راهنه الثقافي الشعري‪.‬‬

‫وفي مش������هد زجلي ش������عري نَ َس������قي خاص‪،‬‬ ‫منظوم بأسداء تنوع لغوي وإثني وقبلي‪ ،‬كاملشهد‬ ‫الزجل������ي املغرب������ي املعاص������ر‪ ،‬تصع������ب مقاربة‬ ‫متظهرات������ه الفنية أو املوضوعاتية‪ ،‬التي تش������كل‬ ‫من������ه تراث������اً ثقافياً غير مادي‪ ،‬م������ن دون وصلها‬ ‫بأبعادها النسقية الثقافية العميقة‪.‬‬ ‫وهك������ذا ال يبدو فن الزج������ل‪ ،‬على ضوء هذه‬ ‫املقاربة الثقافية‪ ،‬ظاهرة شعرية أو لغوية معزولة‬ ‫داخ������ل بنياتها النظمية أو الصوتية أو التطريبية‬ ‫فحس������ب‪ ،‬بقدر ما تتأثث صورته������ا الكلية‪ ،‬على‬ ‫ض������وء منظوماتها املعرفي������ة واالجتماعية‪ ،‬على‬ ‫اعتب������ار أن البعدين اجلمال������ي والثقافي هما ما‬ ‫ينشئ نسيجاً متشابكاً عريقاً وراهنياً في الوقت‬ ‫نفسه لفن الزجل باملغرب‪.‬‬ ‫واملعن������ى أن ظاهرة جمالي������ة توصف بكونها‬ ‫‪114‬‬

‫‪12/5/16 10:34:23 AM‬‬

‫بالغة نظمي������ة عامية‪ ،‬كالظاه������رة الزجلية في‬ ‫املغرب‪ ،‬هي ببس������اطة نس������ق كامل من التمثالت‬ ‫طي نصوص شفهية‬ ‫واملواقف والبالغات املبثوثة ّ‬ ‫ومكتوب������ة بحساس������يات ولغات مغربي������ة دارجة‬ ‫متنوعة؛ دارجة قياساً إلى لغتنا العاملة‪ ،‬فصيحة‬ ‫بليغة قياس������اً إلى طقوس������ها وأنظمتها اللسانية‬ ‫الذاتية‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬ومن زاوية نظر ثقافية‪ ،‬يتشعب املعمار‬ ‫األفقي للزجل باملغ� � ��رب‪ ،‬إلى امتدادات وبالغات‬ ‫متقاطعة لكنها متناغمة‪ ،‬يتحاور داخلها‪ ،‬بتسلسل‬ ‫عوي والطقس� � ��ي واحلداث� � ��ي‪ ،‬فيما‬ ‫جدل� � ��ي‪ ،‬ال َّر ّ ُ‬ ‫يتش� � ��عب معماره العمودي والرؤيوي إلى ش� � ��فهي‬ ‫فط� � ��ري وتقليدي ونصي حديث‪ .‬وذلك بحس� � ��ب‬ ‫الس� � ��ياقات االجتماعية والثقافي� � ��ة التي حايثته‬ ‫وأسهمت في نسج خيوطه وأحالمه‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 114‬‬


‫ملف‬

‫ألوان من غناء الزجل املغربي‬

‫ولع������ل ما يعم������ق من مجرى تع ّق������د الظاهرة‬ ‫الزجلي������ة املغربي������ة‪ ،‬ه������و اش������تباكات اخللفيات‬ ‫الفكرية (الفطرية والروحية والفلسفية النخبوية)‬ ‫مع أزمنتها وس������ياقاتها التاريخية والراهنة‪ ،‬مما‬ ‫يجعل من طرح سؤال الوظيفة‪/‬الوظائف‪ ،‬مطلوباً‬ ‫بإحل������اح‪ ،‬ومن س������ؤال االس������تعمال االجتماعي‬ ‫مطلباً ضرورياً أيضاً‪ ،‬نظراً خلصوصية األزمنة‬ ‫والس������ياقات الثقافية التي عاجلته������ا القصيدة‬ ‫الزجلية‪ ،‬فيما هي تش������تبك معه������ا‪ ،‬وهي حتبل‬ ‫بنسيجها اإلثني والروحي واإلنساني املتشعب‪.‬‬ ‫واملعروف اآلن أنه لم يسهم في تشييد معمار‬ ‫الظاهرة الزجلية في املغ������رب الفني والرؤيوي‪،‬‬ ‫مجتمع الش������عراء والزجالني فحسب‪ ،‬ولم يباشر‬ ‫تشييد لبناته املبدعون املعربون منهم بحسب‪ ،‬بل‬ ‫جند متظهراته الشفهية والنصية ثاوية متجسمة‬ ‫بلهج������ات ولغات متعددة‪ ،‬تخترقها حساس������يات‬ ‫ثقافية وإثنية ورؤى متش������ابكة‪ ،‬نس������جها مغاربة‬ ‫عرب وأمازيغ‪ ،‬متصوفة وفقهاء ومفكرون ونخب‬ ‫استثنَائية‬ ‫أحواز ال َزّجل في املَغرب‪ُ ...‬مقار َب ٌة ثقَافية ِلبالَغَ ات ِ‬ ‫ْ‬ ‫‪12/5/16 10:34:27 AM‬‬

‫أكادميي������ون‪ ،‬وحرفيون وزجال������ون فطريون‪ .‬لكن‬ ‫ه������ذه ا ُ‬ ‫جلزر الزجلي������ة جميعها متي������زت بكونها‬ ‫ً‬ ‫تشرب‪ ،‬موضوعيا‪ ،‬من عواطف املجتمع املغربي‪،‬‬ ‫ومتتح من سيروراته القبلية والروحية والفكرية‪،‬‬ ‫العريق منها واملعاصر‪.‬‬ ‫بحوز واس������ع ومتداخل من‬ ‫يتعلق األمر‪ ،‬إذن‪َ ،‬‬ ‫ح ّيز الكتابة الزجلية في املغرب‪ ،‬ليس من السهل‬ ‫طي ورقة ثقافية كهذه‪.‬‬ ‫اختزال مالمحه وثيماته‪ّ ،‬‬ ‫على أن اختيارها ألفق مقاربة ثقافية تسعى إلى‬ ‫رس������م مداخل وعتبات‪ ،‬لوصف وتفسير وظائف‬ ‫ثقافية جامعة ودالة استشرفتها الكتابة الزجلية‬ ‫باملغرب‪ ،‬عن وعي‪.‬‬ ‫اختي������ار كه������ذا‪ ،‬ه������و ما ق������د يؤث������ث صورة‬ ‫سوس������يولوجية للظاه������رة الزجلي������ة باملغ������رب‪،‬‬ ‫باعتبارها مؤسس������ة ثقافية قائم������ة الذات‪ ،‬مبا‬ ‫تس������تبطنه كلمة مؤسسة من أبعاد تسائل مطلب‬ ‫الوظيفة وسياق االستعمال االجتماعي والفئوي‪،‬‬ ‫ومب������ا يقتضي������ه ذلك م������ن تكثيف الق������ول حول‬ ‫‪115‬‬

‫‪jan 98-130.indd 115‬‬


‫تفاعالت التراكم الكمي والنوعي‪ ،‬وما تفس������ره‬ ‫م������ن «التوت������رات الثقافي������ة املغربي������ة ومفاصلها‬ ‫األساسية»‪.‬‬ ‫بالغات الزجل في املغرب‪ ...‬بأي معنى؟‬ ‫يحيل الطرح السوسيولوجي‪ ،‬للتراكم الزجلي‬ ‫باملغ������رب‪ ،‬بظالله االجتماعي������ة واملعرفية‪ ،‬على‬ ‫وضعيات ثقافية وإنس������انية متجذرة في النسيج‬ ‫املجتمعي املغربي (لغات وطرائق تفكير مختلفة‬ ‫في العالم‪ ،‬ومتثالت وأحالم وتواريخ وأزمنة‪،)...‬‬ ‫جتعل من الرصيد الزجلي مكاناً للقول والتلقي‬ ‫ف������ي الوقت نفس������ه‪ ،‬وتقترح������ه زمان������ا للحكي‬ ‫واإلنص������ات اجلماع������ي‪ ،‬إذ القصي������دة الزجلية‬ ‫تقول وتتنبأ بس������يرة املجموع املاضية واملمكنة‪،‬‬ ‫واملجموع ينصت ويتأمل ذواته وسياقاته‪ ،‬ليخبر‬ ‫القصي������دة مبا ال تعرفه ع������ن ذاتها وذواته‪ .‬ومن‬ ‫هن������ا تأتي أهمية البح������ث الثقافي في الظاهرة‬ ‫الزجلية ف������ي املغرب‪ ،‬باعتبارها جزءاً من ذاكرة‬ ‫عميقة لتراث������ه الثقافي غير امل������ادي‪ ،‬إذ هو ما‬ ‫ميكن من اإلنص������ات الدقيق لتح������والت الوعي‬ ‫الثقافي‪ ،‬بامتداداته القومية والروحية الواسعة‪،‬‬ ‫واألهم من ذلك أنه مي ّك������ن من مقاربة الثقافي‬ ‫بلكنته الكونية العميقة‪ ،‬وهو ينمو في س������ياقات‬ ‫تش������ ّكله القبلي واملديني واألس������ري والطقوسي‬ ‫وغيرها‪.‬‬ ‫لذلك لن يكون احتساب الثروة الرمزية التي‬ ‫راكمها املنجز الزجلي باملغرب‪ ،‬مفيداً ضمن هذه‬ ‫الورق������ة‪ ،‬ما لم تتبعه ورق������ات أخرى تقوم الحقاً‬ ‫باستشراف األواصر العميقة بني تلك «األنساق‬ ‫واملنظومات الثقافية»‪ ،‬وتش������عباتها في النس������يج‬ ‫املجتمعي الذي يصدر عنها‪ .‬ذلك كي تتمكن من‬ ‫إثبات (أو نفي) أن ظاهرة الزجل املغربي أثر من‬ ‫آثار التفاعل بني القطبني‪ ،‬وأن س������يرورة التراكم‬ ‫الزجلي املغربي‪ ،‬هي «عنوان الرأسمال» الرمزي‬ ‫الش������عبي الذي يرسم هويته العميقة‪ ،‬ويجعل من‬ ‫مناذج������ه ولهجات������ه ولغاته املبثوث������ة على امتداد‬ ‫تاريخه‪ ،‬ك ًّ‬ ‫ال ثقافياً ومعرفياً نسقياً داالً‪ ،‬ويجعل‬ ‫هذا ال ُك ّل الثقافي واملعرفي الدال‪ ،‬نصاً ش������عبياً‬ ‫بامتياز‪ ،‬قادراً على التواصل واإلنصات والتفاعل‬ ‫مع أنساق عربية وكونية خارجة عنه في التاريخ‬ ‫‪116‬‬

‫‪12/5/16 10:34:30 AM‬‬

‫واجلغرافي������ا‪ ،‬توازيه أو حتايثه‪ ،‬بحس������ب طبيعة‬ ‫السياق واالستعمال الثقافي واملجتمعي‪.‬‬

‫نجز ال َزّجلي‬ ‫حلظات استثنائية في ا ُمل َ‬ ‫في املغرب‪ ...‬مَن ِاذج دالّة‬

‫ال شك في أن دراسات تاريخية ونقدية كثيرة‪،‬‬ ‫مارس������ت نوعاً م������ن الرصد والتوثي������ق املبدئيني‬ ‫للظاهرة الزجلية في املغ������رب‪ ،‬باعتباره مدخ ً‬ ‫ال‬ ‫أساساً للوصف السوسيولوجي التشخيصي من‬ ‫أجل متييز اخلصائص الفردي������ة للمنت الزجلي‬ ‫ع������ن خلفياتها الس������ياقية اجلماعية التي يصدر‬ ‫عنها‪.‬‬ ‫ومع أهمي������ة هذا الوصف الذي ينصب على‬ ‫ومحدداتها‬ ‫سؤال العالقات بني الظاهرة الزجلية‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعي������ة‪ ،‬فإنه ال يش������كل‪ ،‬م������ن زاوية نظر‬ ‫ثقافية‪ ،‬س������وى عتبة أولى‪ ،‬لتعليل فرضية امللمح‬ ‫اجلماع������ي البارز لتمظهرات الثقافة الش������عبية‬ ‫(والظاه������رة الزجلي������ة جزء منه������ا)‪« ،‬باعتبارها‬ ‫حدداته العميقة‪ ،‬من‬ ‫تأليفاً جماعياً»‪ ،‬تتع������دد ُم ّ‬ ‫حي������ث كونها إنتاج������اً جمالياً ومعرفياً إنس������انياً‬ ‫إلى جان������ب كونها متناً زجلياً مغربياً‪ ،‬ومن حيث‬ ‫ال ذاتياً‬ ‫مرجعياته������ا ولغاتها‪ ،‬باعتبارها تش������كي ً‬ ‫ومكتس������باً‪ ،‬ينمو بالتمثل واالس������تعارة والتثاقف‬ ‫(العم������ودي واألفقي) والتب������ادل والتفاعل‪ .‬وكل‬ ‫هذا يتجاوز مقاربة الظاهرة الزجلية في املغرب‬ ‫انطالقاً من كونه������ا أفعاالً إبداعية فردية ذ ّرية‪،‬‬ ‫كما هو الش������أن في عدد من القراءات النقدية‬ ‫للزجل باملغرب‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬تبدو الظاهرة الزجلية في املغرب‪ ،‬من‬ ‫زاوية نظر تناصي������ة تثاقفية‪ ،‬ومن حيث أبعادها‬ ‫الثقافية املتوس������طة والبعيدة‪ ،‬كتاب������ ًة جماعية‪،‬‬ ‫تعبر عن وعي مجتمعي عام أحيانا‪ ،‬أو عن وعي‬ ‫جمعي فئ������وي‪ ،‬وحتى إثني أحيان������اً أخرى‪ .‬وفي‬ ‫أثناء كل ذلك يس������هم تراكمها األفقي والعمودي‬ ‫ومنجم ل ُهوِ ّية ثقافية ناس������جة‬ ‫في تدبيج متراتب‬ ‫ّ‬ ‫لنسق اجتماعي مغربي خاص‪ ،‬يفصح عن القيمة‬ ‫ّ‬ ‫متجذرة‬ ‫العلمية والوجداني������ة والرؤيوية‪ ،‬لثقافة‬ ‫في حكمة الش������عب وأحالمه‪ ،‬وموس������ومة وسما‬ ‫مرآوياً بحق‪ ،‬كونها ذات خلفيات «شعبية»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 116‬‬


‫ملف‬

‫منشد لزجل العروبيات‬

‫وس������نقف‪ ،‬بإيجاز‪ ،‬عند حلظة زجلية مغربية‬ ‫دالة‪ ،‬تفس������ر مبضمونه������ا الش������عري وبالغاتها‬ ‫الثقافية‪ ،‬بعض خصوصيات احلِ مل االجتماعي‬ ‫النس������قي‪ ،‬بكل ما تختزنه م������ن ظالل االختالف‬ ‫والتوتر التي حتكمه‪.‬‬ ‫ف ��ي حلظ ��ة تأني ��ث الزج ��ل املغرب ��ي‪ ...‬زجل‬ ‫«العروبيات» بفاس‬ ‫يعتب������ر الن������وع الزجل������ي املغرب������ي‪ ،‬املس������ ّمى‬ ‫بـ«العروبيات» قوالً شعرياً مؤنثاً خالصاً من حيث‬ ‫موضوعات������ه وحقوله ورؤاه‪ ،‬ال من حيث الطبيعة‬ ‫اجلنس������ية املؤنثة ملبدعاته أو راوياته فحس������ب‪.‬‬ ‫وبرغم عدم شهرته نس������بياً‪ ،‬قياساً إلى األزجال‬ ‫غير املؤنثة في املغ������رب‪ ،‬فإنه يعكس أحد فنون‬ ‫األدب الش������عبي الغنائي املغربي العميق بنزعته‬ ‫الرومانس������ية العذرية احلادة‪ ،‬التي ال حتكي عن‬ ‫الكائن الداخلي للذوات املؤنثة العاشقة‪ ،‬إال لكي‬ ‫تؤسس بأسلوب غير مباش������ر حلاالت وطبقات‬ ‫من الوعي املعرف������ي والوجداني اجلديد مبقولة‬ ‫العش������ق العذري‪ .‬علم������اً بأن ه������ذا الضرب من‬ ‫الزجل املغربي املؤنث يب������دو ظاهرياً‪ ،‬فناً زجلياً‬ ‫غزلياً بس������يطاً‪ ،‬ميتح موضوعاته الش������عرية من‬ ‫استثنَائية‬ ‫أحواز ال َزّجل في املَغرب‪ُ ...‬مقار َب ٌة ثقَافية ِلبالَغَ ات ِ‬ ‫ْ‬ ‫‪12/5/16 10:34:34 AM‬‬

‫عناصر فئوي������ة وجغرافية خاص������ة إلى حد ما‪،‬‬ ‫فيما يؤش������ر على حياة وجدانية وثقافية داخلية‬ ‫طي النس������يج التاريخي النس������وي‬ ‫قائم������ة الذات ّ‬ ‫ملدينة فاس العريقة‪.‬‬ ‫ويتمي������ز بعدد م������ن الس������مات املوضوعاتية‬ ‫والنظمية‪ ،‬التي أبرزها‪:‬‬ ‫أ‪ -‬السمة الثقافية املؤنثة‪ :‬إذ لزجل «العروبيات»‬ ‫سياق ش� � ��عري تأنيثي مغربي فاس� � ��ي‪ ،‬تتل ّبسه لغة‬ ‫ثالثة ُمنتقاة من رحم الفصحى وامتداداته اللسانية‬ ‫واالصطالحية احمللية‪ .‬هكذا يجده املتأمل حام ً‬ ‫ال‬ ‫في طياته صورة ثقافية خاصة‪ ،‬سواء عن‪:‬‬ ‫ األداة الش������عرية‪ ،‬املتمثلة ف������ي لغة زجلية‬‫منتخبة من البيئة والتاريخ االجتماعي لطبقات‬ ‫فاس‪.‬‬ ‫ املوضوع الشعري‪ ،‬املتمثل في تلك األجزاء‬‫السرية من عالم املرأة الوجداني العذري‪.‬‬ ‫وفي كال التمظهرين‪ ،‬األداتي واملوضوعاتي‪،‬‬ ‫تتش������كل املنظ������ورات الزجلي������ة ف������ي نص������وص‬ ‫«العروبي������ات» ب������ذوق خ������اص ممه������ور بأعراف‬ ‫املجتمع األنثوي الفاسي‪ ،‬وهذا يحتاج اليوم إلى‬ ‫اهتمام معرفي خاص‪.‬‬ ‫‪117‬‬

‫‪jan 98-130.indd 117‬‬


‫ب‪ -‬الس������مة النظمية الوامضة‪ :‬تتشكل على‬ ‫هيئة حلظ������ات مقطعية رباعية في الغالب‪ ،‬بلغة‬ ‫ش������عرية ثالثة‪ ،‬تنصهر مادتها اللس������انية مبعجم‬ ‫لساني فصيح صهرته سياقات االستعمال حتى‬ ‫آل إلى لغة دارجة محلية ملحونة‪ ،‬تتأثث عالماتها‬ ‫ودوالها النظمية بتطريزات وترصيعات مؤسسة‬ ‫على ذائقة شعرية فاسية خاصة‪.‬‬ ‫ولذل������ك من املناس������ب اإلش������ارة هن������ا إلى‬ ‫أمرين‪:‬‬ ‫ ض������رورة الفص������ل بني زج������ل «العروبيات»‬‫الفاس������ية بخصوصيات������ه الثقافي������ة والبنيوي������ة‬ ‫املش������تهرة‪ ،‬والزج������ل «العروب������ي» ال������ذي أبدعه‬ ‫زجال������ون من بيئة رجالية غير مؤنثة في املغرب‪،‬‬ ‫وغيرهما م������ن الثقافات الش������قيقة‪ ،‬مثل ما قد‬ ‫جنده في تونس مث ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫ ض������رورة التمييز بيـــن������ه وبيــــ������ن أزجــــال‬‫نس������ائية عربية تاريخية وراهنة‪ ،‬اش��������تهرت بها‬ ‫بيئات ثقافية شقيقة وعريقة‪ ،‬كما هو األمر في‬ ‫ش������مال إفريقيا تخصيصاً‪ ،‬اجلزائر وموريتانيا‬ ‫وليبيا‪.‬‬ ‫ج‪ -‬السمة الطقوسية‪ :‬بسبب بنيتها الشعرية‬ ‫املقطعية‪ ،‬وهويتها احلوارية الشفهية الفنتازية‪،‬‬ ‫التي تخل������ق مس������ارح وجدانية للعش������ق املؤنث‪،‬‬ ‫كسياق لالحتفال بجنس إنساني لم يكن يحتفل‬ ‫به قبل هذا الوقت‪ ،‬ولذلك من يتأمل مقطوعات‬ ‫«العروبيات» النسائية بفاس‪ ،‬سيجد أنها حلظات‬ ‫اس������ترجاعية عرسية أو جنائزية‪ ،‬تستحضر في‬ ‫ومضاتها الش������عرية الغنائي������ة‪ ،‬مواويل وأهازيج‬ ‫نس������ائية حتتفل مبش������اعر املؤنث‪ ،‬التي أهملها‬ ‫صمت األعراف اخلاصة‪.‬‬ ‫لذلك ال جند ه������ذه العروبيات الزجلية حية‬ ‫س������وى في طقوس مجالس نسوية مغلقة‪ ،‬تؤثث‬ ‫الحتف������ال األنثى بقدرها الغامض داخل س������ياق‬ ‫اجتماعي ينتصر لثقافت������ه احملافظة‪ ،‬بعيداً عن‬ ‫القدر الوجداني للمرأة الفاس������ية خالل مرحلة‬ ‫تاريخي������ة ماضية‪ .‬األزجال العروبية تس������تحضر‬ ‫الرجل (الذكر) ضمن غنائياتها كصوت محاور‪،‬‬ ‫وكأنها تستدعيه كي تسائله‪.‬‬ ‫د‪ -‬الس������مة الوجدانية الغزلية‪ :‬إذ يس������ودها‬ ‫‪118‬‬

‫‪12/5/16 10:34:37 AM‬‬

‫س������ياق البوح العميق بني مجتمع نسوي صامت‬ ‫ضمن س������ياقه القدمي‪ .‬فيما ه������و يصنع داخلياً‬ ‫س������ياقاً صارخاً بالب������وح والش������كوى واالحتجاج‬ ‫العاطفي الرومانس������ي‪ .‬لذلك حتك������م هذا النوع‬ ‫م������ن الزجل طبيعة مركبة‪ ،‬تنبع أوالً من س������يرته‬ ‫املوضوعاتية‪ ،‬التي تؤش������ر عل������ى تركيبة غزلية‬ ‫وجدانية قوية‪ .‬وتنبع ثانياً من وظيفته احلوارية‬ ‫التي تسعف مجتمع النساء على مقاسمة اجلرح‬ ‫العميق النابع عن عشق غير متكافئ باملرة‪.‬‬ ‫وبهذا يش������هد زج������ل «العروبي������ات» املغربي‬ ‫الفاسي‪ ،‬على توغله الثقافي العميق في النسيج‬ ‫الزمن������ي والتاريخي لفئة اجتماعي������ة مؤنثة من‬ ‫جهة‪ .‬كما يؤش������ر مبوضوعاته على نزعة تأليف‬ ‫ضمن������ي جماع������ي‪ ،‬أو تألي������ف ضمن������ي مجهول‬ ‫املصدر‪ ،‬بحيث يصعب الوقوف على قائله الذي‬ ‫يظل صامتاً حتى تكلّمه مجالس نسوية صاخبة‬ ‫باألسرار واأللم‪،‬‬ ‫وبرغ������م كل ذل������ك‪ ،‬الي������زال ه������ذا النوع من‬ ‫الزجل االس������تثنائي متمي������زاً بتوغله العميق في‬ ‫النس������يج الوجدان������ي املغربي املؤن������ث من جهة‬ ‫ثاني������ة‪ ،‬حيث يجد اآلن مصادر تداوله ومنوه في‬ ‫بيئات اجتماعية وثقافية واسعة كبيئات‪ ،‬ضمن‬ ‫س������ياقات فنية حتاول جتديد قول������ه وتلقيه في‬ ‫اآلن نفسه‪.‬‬ ‫وميك������ن مقارنة هذا الن������وع الزجلي املؤنث‪،‬‬ ‫�����و آخ������ر له‪ ،‬وهو زج������ل «التب������راع» املغربي‬ ‫بصن� ٍ‬ ‫الصحراوي‪ .‬وهو عبارة عن أقاويل شعرية غزلية‬ ‫احلسانيات‬ ‫قبلية مك ّثفة‪ ،‬يرجتلها مجتمع النساء‬ ‫ّ‬ ‫في جنوب املغرب‪ ،‬منذ القدم‪ .‬ويتميز بخصائص‬ ‫ثقافية عديدة‪ ،‬من أبرزها‪:‬‬ ‫< خاصية تأنيث العش������ق العذري‪ :‬والعذرية‬ ‫في الزجل احلس������اني ذاتها تؤش������ر على طبيعة‬ ‫املعم������ار الثقاف������ي الفط������ري الذي يرس������م وجه‬ ‫املجتمع الصحراوي املغربي‪ .‬وتشتد خصوصية‬ ‫الغزل املؤنث في قصيدة «التبراع» احلس������انية‪،‬‬ ‫بعوامل عدة‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫ انتماء مص������در القول الش������عري الزجلي‪،‬‬‫فيها‪ ،‬إلى مجتمع نسائي خاص‪.‬‬ ‫ تأش������يره على عناوين بارزة من التمثالت‬‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 118‬‬


‫ملف‬ ‫واألحالم واملعتق������دات واألش������واق املؤنثة‪ ،‬التي‬ ‫تذه������ب وجدانياً في اجتاه عال������م مثالي متوتر‪،‬‬ ‫يخل������ق مخاطباً رجولي������اً هو في الوقت نفس������ه‬ ‫موض������وع الق������ول الزجلي من حيث كون������ه داعياً‬ ‫للعشق املؤثث في ثنايا النص‪.‬‬ ‫< اخلاصية الترميزية‪ :‬ذات وظيفة أيقونية‬ ‫مضاعف������ة‪ ،‬ولها متظه������ران عل������ى األقل ضمن‬ ‫التجربة‪:‬‬ ‫األول‪ :‬إذ يعبر القول الزجلي املوسوم بالتبراع‬ ‫احلس������اني‪ ،‬عن أيقونات ثقافية ورمزية نسائية‪،‬‬ ‫بكل ما تس������تبطنها من قيم ومنحنيات وأعراف‬ ‫ومتث���ل��ات خاص������ة‪ ،‬تعك������س طبيع������ة العالقات‬ ‫االجتماعية بني الرجل واملرأة‪ ،‬داخل سياق قبلي‬ ‫عريق‪.‬‬ ‫الثان������ي‪ :‬بحيث ينخرط الزج������ل في حوارية‬ ‫الزجالة‬ ‫كرنفالية متبادلة‪ ،‬تلبس الذات الشاعرة‬ ‫ّ‬ ‫قناع������اً مس������تعاراً‪ ،‬يقصي هويته������ا االجتماعية‬ ‫احلقيقي������ة‪ ،‬وتتوج������ه إلى مخاط������ب رمزي غير‬ ‫محدد؛ مما يش������يد في نهاي������ة األمر عاملاً زجلياً‬ ‫كرنفالياً‪ ،‬يتأثث بأيقونات إنس������انية وموضوعية‬ ‫رمزية تتج������اوز محدودية املجتم������ع الذي قيلت‬ ‫األزجال في سياقه‪.‬‬ ‫ومن هذا اجلانب الترميزي‪ ،‬تكش������ف جتربة‬ ‫(التب������راع) عن حوار جماع������ي متوتر‪ ،‬بني املبدع‬ ‫وسياقه الثقافي‪.‬‬

‫إشارات يستدعيها‬ ‫َحوز الزّ جل املغربي املعاصر‬

‫إذا كانت هن������اك صعوبات نقدية في تعريف‬ ‫القصيدة الزجلية املغربية احلديثة‪ ،‬فإن الطرح‬ ‫السوسيولوجي‪ ،‬ينظر إليه باعتباره خطاباً بارزاً‪،‬‬ ‫يقترح على املشهد الثقافي املغربي املعاصر صوراً‬ ‫متعددة للتجربة اجلمالية واإلنس������انية‪ ،‬تس������تمد‬ ‫من ينابيع لسانية ومجتمعية متنوعة‪ ،‬لذلك يبدو‬ ‫س������ؤال التأسيس حلداثة النص الزجلي باملغرب‬ ‫املعاصر‪ ،‬محاطاً بصعوبات بحثية متعلقة مبعنى‬ ‫معرفي للتأسيس ذاته‪.‬‬ ‫إذ ال ش������ك في أن املنت الزجلي املغربي ميتد‬ ‫امتداداً متش������عباً في إرث رمزي خاص أحياناً‪،‬‬ ‫استثنَائية‬ ‫أحواز ال َزّجل في املَغرب‪ُ ...‬مقار َب ٌة ثقَافية ِلبالَغَ ات ِ‬ ‫ْ‬ ‫‪12/5/16 10:34:41 AM‬‬

‫وعا ّمي أحياناً أخرى‪« ،‬لم يكن معروفاً من قبل»‪،‬‬ ‫إلى جانب التفاعل الواضح مع جتارب وسياقات‬ ‫ش������عرية وفلس������فية معاصرة‪ .‬ومع ذلك فالبحث‬ ‫النق������دي اليوم‪ ،‬يش������ير إلى النصف الس������بعيني‬ ‫الثان������ي من الق������رن املاض������ي عنوان������اً حتديثياً‬ ‫واضحاً للقصي������دة الزجلي������ة املكتوبة على وجه‬ ‫اخلصوص‪.‬‬ ‫وبق������در ما تؤث������ث أزمنة القصي������دة الزجلية‬ ‫احلديث������ة باملغرب رؤى لغوي������ة وثقافية مختلفة‪،‬‬ ‫بق������در م������ا تؤثثها حساس������يات وبنيات ش������عرية‬ ‫زجلي������ة‪ ،‬وهندس������ات جمالية بصري������ة وصوتية‬ ‫مركبة‪ ،‬جتعل من املتلقي عنصراً عضوياً‪ ،‬ينزرع‬ ‫في قلب التجربة الزجلية‪.‬‬ ‫وع������ادة م������ا يتخذ املعم������ار الثقاف������ي املتنوع‬ ‫للمنت الزجلي املغربي احلديث مس������اراً هندسياً‬ ‫طقوسياً‪ ،‬يتواءم مع الهواجس واحلقب واملشاغل‬ ‫املجتمعي������ة التي نس������جت معماره الع������ام‪ .‬لذلك‬ ‫يلمس املتأمل ذوقاً ش������عرياً زجلياً رفيع املستوى‪،‬‬ ‫ميتح من معطي������ات تراثية ومعاص������رة‪ ،‬صوفية‬ ‫ووجداني������ة ومجتمعية وكوني������ة‪ ،‬تخاطب الكائن‬ ‫املغربي والعربي‪ ،‬بامتداداته التراثية واحلداثية‬ ‫معاً‪.‬‬ ‫وهك������ذا ميك������ن اعتب������ار الكتاب������ة الزجلي������ة‬ ‫املغربية احلديثة بشكل عام‪ ،‬زمناً ثقافياً جديداً‬ ‫استشرفته احلساسيات اإلبداعية خالل مرحلة‬ ‫السبعينيات املنصرمة على اخلصوص‪ ،‬ال مجرد‬ ‫صيحة ظرفية أنتجتها املرحلة‪.‬‬ ‫ومع جتربة زجالني مغارب������ة معاصرين‪ ،‬من‬ ‫أمثال أحمد ملس������يح‪ ،‬وإدريس املسناوي‪ ،‬وأحمد‬ ‫الطيب لعلج‪ ،‬ش������هدت القصيدة الزجلية املكتوبة‬ ‫تأسيس������اً ملوقف لساني ش������عري ثقافي‪ ،‬ال عن‬ ‫طريق التنظير له‪ ،‬بل بالبحث التجريبي العملي‬ ‫ع������ن بدائ������ل نوعية للق������ول الش������عري والزجلي‬ ‫املغربيني‪ .‬وقد أجنز ه������ذا اجليل من الزجالني‬ ‫ح������واراً ثقافياً مع التاري������خ االجتماعي للمغاربة‬ ‫خالل مس������يره اإلبداعي‪ ،‬عن طريق االش������تباك‬ ‫الفن������ي والرؤيوي مع لغات نس������يجهم املجتمعي‪،‬‬ ‫مبا أعطى املش������هد الثقافي املغرب������ي تراكمات‬ ‫للزجل تاريخي ًة ومعاصرة متحركة >‬ ‫‪119‬‬

‫‪jan 98-130.indd 119‬‬


‫الموروث الشعبي السوري‪...‬‬ ‫تعايش مضطرب مع غبار التاريخ‬ ‫بندر عبدالحميد‬

‫كاتب من سورية‬

‫احلكواتي الدمشقي‬

‫يتميز الموروث الشعبي الس����وري بغنى تنويعاته التاريخية واالجتماعية‬ ‫وتقالي����ده العريق����ة‪ ،‬وتأت����ي هذه التنويعات في نس����يج عتي����ق متجدد في‬ ‫المس����افات المفتوحة بين المدن القديمة والصحراء والجبال والس����احل‬ ‫وضف����اف األنه����ار العريقة (الف����رات والخاب����ور والعاصي والضف����ة اليمنى‬ ‫لنهر دجلة)‪ ،‬وف����ي البيئات الطبيعية المختلف����ة والمؤتلفة كلي ًا أو جزئي ًا‪،‬‬ ‫وبين المدن واألرياف وما فيها من لهجات متقاربة أو متباعدة نسبي ًا‪ ،‬حيث‬ ‫انطوت حض����ارات قديمة وترك����ت أطاللها المتناثرة ف����ي كل االتجاهات‪،‬‬ ‫كما تس����ربت عبر قرون م����ن العزلة واالنزياحات والغ����زو الخارجي والحروب‬ ‫الداخلية‪ ،‬في ما يسمى «عصر االنحطاط»‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫‪12/5/16 10:34:51 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 120‬‬


‫ملف‬

‫حمام نور الدين‬

‫مؤثرات واسعة انعكست على منط حياة الغالبية‬ ‫العظمى من املكون� � ��ات والطبقات االجتماعية الفاعلة‬ ‫واملهمش� � ��ة معاً‪ ،‬وهي مؤثرات متخلف� � ��ة ماتزال ماثلة‬ ‫في س� � ��ورية وغيرها حتى اليوم‪ ،‬م� � ��ع كل ما يقال عن‬ ‫االنتم� � ��اء إلى ج� � ��ذور احلضارات القدمي� � ��ة والتمدن‬ ‫الش� � ��كلي املس� � ��تجد‪ ،‬الذي يتعايش مع غب� � ��ار التاريخ‬ ‫واجلغرافيا‪ ،‬ومع ألوان التزمت املوروث‪ ،‬وحترمي ما لم‬ ‫يكن محرماً‪ ،‬في ما نراه‪ ،‬مث ً‬ ‫ال‪ ،‬من بدعة تغطية وجوه‬ ‫النس� � ��اء وأيديهن عند خروجه� � ��ن من املنازل في املدن‬ ‫الكبرى‪ ،‬وال نراه في املدن الصغرى أو املناطق الريفية‬ ‫أو البدوي� � ��ة‪ ،‬وف� � ��ي ظاهرة موروثة أخ� � ��رى تبرز حمى‬ ‫الفساد اإلداري‪ ،‬وس� � ��وء العالقة بني غالبية املوظفني‬ ‫وعام� � ��ة املواطنني‪ ،‬واخت� �ل��اط ركام القوانني املرجتلة‬ ‫الناظم� � ��ة‪ ،‬أو املعيقة‪ ،‬للنش� � ��اطات املختلفة في ش� � ��تى‬ ‫املجاالت‪ ،‬وعلى رأس� � ��ها الزراعة والثقافة والصناعة‬ ‫والتجارة‪ ،‬ثم االت� � ��كاء على اإلعالم بدي ً‬ ‫ال للعلم‪ ،‬وهذا‬ ‫م� � ��ا يذ ّكرنا بطرفة ذكية للفنان� � ��ة الكبيرة أم كلثوم في‬ ‫دمش� � ��ق‪ ،‬التي دهشت حني سمعت أن اسم شهر يناير‬ ‫في س� � ��ورية هو «كانون الثاني»‪ ،‬وأبدت استغرابها من‬ ‫تسمية الشهر األول في السنة «كانون الثاني»‪ ،‬ولو أن‬ ‫أم كلثوم مددت إقامتها الكتشفت مفارقات مخترعة‬ ‫املوروث الشعبي السوري‪ ...‬تعايش مضطرب مع غبار التاريخ‬ ‫‪12/5/16 10:34:54 AM‬‬

‫أكثر غرابة من كانون األول وكانون الثاني‪ ،‬وأبرز تلك‬ ‫املفارقات ترييف املدن‪ ،‬بدالً من متدين الريف‪ ،‬الذي‬ ‫أدى نقص اخلدمات فيه إلى هجرة نس� � ��بة كبيرة من‬ ‫سكانه إلى املدن‪.‬‬

‫تقاليد وأزياء‬

‫تختلط األزياء الغربية باألزياء املوروثة في الشوارع‬ ‫والبي� � ��وت ومواقع العم� � ��ل‪ ،‬وتختلف حس� � ��ب اختالف‬ ‫الس� � ��لوك وتدرجات التحرر والتزمت في منط احلياة‬ ‫في املدن الكبرى‪ ،‬مثل دمشق وحلب وحمص‪ ،‬أو املدن‬ ‫املتوسطة‪ ،‬مثل الالذقية وطرطوس والسويداء ودرعا‬ ‫وحم� � ��اة وإدلب والرقة ودير الزور واحلس� � ��كة‪ ،‬وتضم‬ ‫املدن الس� � ��ورية أكثر من ثالثني متحف � � �اً منوعاً‪ ،‬منها‬ ‫أربعة متاحف للفنون والتقاليد الش� � ��عبية والصناعات‬ ‫اليدوية‪ ،‬في كل من دمشق (قصر العظم) وحلب وحماة‬ ‫وتدمر‪ ،‬وفي أوائل ستينيات القرن املاضي هاجر عدد‬ ‫كبير من احلرفيني والصناعيني البارعني‪ ،‬بينما هاجر‬ ‫كبار جتار األقمشة‪ ،‬واستقر أكثرهم في شارع دمشق‬ ‫في الكوي� � ��ت التي هاج� � ��رت إليها عناوي� � ��ن الصحف‬ ‫املؤمم� � ��ة وهاجر معها عدد م� � ��ن كبار الصحفيني‪ ،‬ولم‬ ‫يبق في الس� � ��احة سوى ثالث صحف متشابهة وأعداد‬ ‫‪121‬‬

‫‪jan 98-130.indd 121‬‬


‫علي إلى هذا التيار مبسلس� �ل��ات باهرة‪ ،‬وبعد صعود‬ ‫الدراما التلفزيونية وانحسار صاالت السينما توقفت‬ ‫أفالم القطاع اخلاص تدريجياً منذ ربع قرن‪.‬‬

‫جتديد املوروث الغنائي‬

‫أبو صبحي التيناوي‬

‫كبيرة من الصحفيني املتش� � ��ابهني الذين يعزفون على‬ ‫وتر واحد‪.‬‬

‫فنون مرئية‬

‫ظه� � ��رت من� � ��ذ نهاي� � ��ة س� � ��تينيات الق� � ��رن املاضي‬ ‫نشاطات مسرحية وس� � ��ينمائية وتلفزيونية متواصلة‪،‬‬ ‫من إنتاج القطاع اخلاص في موازاة نشاطات القطاع‬ ‫الع� � ��ام‪ ،‬ب� � ��رزت فيها ش� � ��خصيات ذات طابع ش� � ��عبي‬ ‫خاص‪ ،‬مثل دريد حلام (غ� � ��وار) ونهاد قلعي ومحمود‬ ‫جب� � ��ر وناجي جبر (أبو عنتر) وياس� �ي��ن بقوش وإغراء‬ ‫وهدى ش� � ��عراوي‪ ،‬في مس� � ��رحيات وأف� �ل��ام كوميدية‬ ‫وعاطفي� � ��ة متواصلة‪ ،‬مع نوع م� � ��ن املغامرات‪ ،‬ومتيزت‬ ‫بينها مسرحيتا «ضيعة تشرين» و«كاسك يا وطن» من‬ ‫تأليف محمد املاغ� � ��وط وبطولة دريد حلام‪ ،‬ملا فيهما‬ ‫من نقد اجتماعي وسياسي الذع‪ ،‬وأسس املخرج هيثم‬ ‫حقي‪ ،‬في حزمة من مسلس� �ل��اته املتميزة‪ ،‬لتيار مؤثر‬ ‫بأسلوب نقل اللغة السينمائية إلى الدراما التلفزيونية‪،‬‬ ‫ودافع عن هذه الفكرة بتفاصيل موسعة في كتابه «بني‬ ‫الس� � ��ينما والتلفزيون»‪ ،‬وأضيفت جتربة املخرج حامت‬ ‫‪122‬‬

‫‪12/5/16 10:34:58 AM‬‬

‫في نهاية العقد الس� � ��ادس من القرن العش� � ��رين‪،‬‬ ‫ج� � ��رت عملية توثيق ش� � ��امل للتراث الغنائي الش� � ��عبي‬ ‫الس� � ��وري‪ ،‬بالتعاون بني خبراء روس ومحليني‪ ،‬بتدوين‬ ‫كل النصوص الدارجة في املناطق السورية‪ ،‬و«تنويط»‬ ‫أحلانها بإش� � ��راف مدير املوس� � ��يقى في وزارة الثقافة‬ ‫آنذاك الكاتب جناة قصاب حسن‪ ،‬الذي عرض ملفات‬ ‫التدوين على األخوين رحبان� � ��ي وفيروز‪ ،‬فأطلقوا في‬ ‫مراح� � ��ل متواصلة موجات من أغاني احلب وتنويعاتها‬ ‫ف� � ��ي الغزل واحلنني والوجد والعش� � ��ق والهوى والغرام‬ ‫والهيام‪ ،‬مضافة إلى املوش� � ��حات األندلس� � ��ية والقدود‬ ‫احللبي� � ��ة وتنويع� � ��ات «الش� � ��روقي والعتاب� � ��ا وامليجنا»‪،‬‬ ‫ومختارات من شعر النابغة اللبناني سعيد عقل‪ ،‬الذي‬ ‫أثار ضجة مدوية في س� � ��تينيات القرن املاضي حينما‬ ‫طرح مشروع الكتابة العربية باحلروف الالتينية‪ ،‬على‬ ‫غرار ما فعل أتاتورك باللغة التركية‪.‬‬

‫احلكواتي إذا حكى‬

‫ازدهرت حرف� � ��ة احلكواتي بعد انتش� � ��ار املقاهي‬ ‫في املدن الكبرى‪ ،‬دمشق وحلب وحمص‪ ،‬منذ نهايات‬ ‫القرن الثامن عش� � ��ر‪ ،‬وكان عل� � ��ى احلكواتي أن يجذب‬ ‫جمه� � ��وره بالتمثيل والص� � ��وت واحلرك� � ��ة‪ ،‬وإجادة فن‬ ‫اإللقاء والتش� � ��ويق‪ ،‬واستخدم بعض احلكواتية التلويح‬ ‫بالسيف أو العصا إلثارة مش� � ��اعر املستمعني‪ ،‬وكانت‬ ‫أهم املقاهي تتس� � ��ابق في اختيار احلكواتي األفضل‪،‬‬ ‫وانحس� � ��رت نش� � ��اطات احلكواتي مع انحس� � ��ار عدد‬ ‫املقاهي وانتش� � ��ار البث التلفزيوني منذ الس� � ��تينيات‪.‬‬ ‫ومن آخر األخبار الطريفة أن امرأة اقتحمت أس� � ��وار‬ ‫املهنة في دمش� � ��ق‪ ،‬هي احلكواتية الشابة نورا عجيب‪،‬‬ ‫فرحب بها املستمعون من النساء والرجال‪ ،‬ولم يصدر‬ ‫أي تعليق عن أي حكواتي معروف‪.‬‬ ‫وإذا كان� � ��ت والدة احلمامات أبعد مبئات الس� � ��نني‬ ‫من والدة املقاهي فهما يش� � ��تركان في حركة الصعود‬ ‫والهب� � ��وط‪ ،‬وتش� � ��ير البيان� � ��ات األخيرة إل� � ��ى أن عدد‬ ‫احلمامات في دمش� � ��ق كان ثمانية وخمس� �ي��ن حماماً‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 122‬‬


‫بني القدمي واجلديد‪ ،‬واحلمامات في حلب كانت اثنني‬ ‫وس� � ��تني حماماً‪ ،‬وأن ما بقي منها في هاتني املدينتني‬ ‫ال يتعدى الثلث‪ ،‬وهذا ما ينسحب على أعداد املقاهي‬ ‫القدمية واجلديدة‪.‬‬

‫فن شعبي مبتكر‬

‫في موازاة احلكواتي الدمشقي برزت ظاهرة فنية‬ ‫مثيرة تتمثل في الرسوم التي أبدعها الرسام الفطري‬ ‫أبوصبح� � ��ي التين� � ��اوي (‪ )1972-1884‬الذي ورث عن‬ ‫أبي� � ��ه دكاناً في ب� � ��اب اجلابية لبي� � ��ع األدوات املنزلية‪،‬‬ ‫من الزج� � ��اج واملعدن والفخار‪ ،‬ف� � ��كان أبو صبحي في‬ ‫البداية يزّين بضاعت� � ��ه بصور الطيور والزهور قبل أن‬ ‫يحترف الرس� � ��م على الزجاج والقماش في موضوعات‬ ‫من حكايات الس� � ��ير الشعبية التي يسردها احلكواتي‬ ‫في املقاهي في س� � ��هرات متواصلة‪ ،‬وهي تقترب قلي ً‬ ‫ال‬ ‫من املنمنمات الشرقية ورسوم الفنان يحيى الواسطي‬ ‫لكتاب «مقامات احلري� � ��ري»‪ ،‬ومن املوضوعات األثيرة‬ ‫التي رسمها التيناوي هي نفسها األثيرة لدى احلكواتي‬ ‫واملستمعني احمليطني به في املقهى‪ :‬تغريبة بني هالل‪،‬‬ ‫عنترة بن ش� � ��داد وعبلة‪ ،‬الزير سالم‪ ،‬الظاهر بيبرس‪،‬‬

‫ح� � ��رب داحس والغب� � ��راء‪ ،‬جميل بثين� � ��ة‪ .‬وكان األديب‬ ‫السوري زكريا تامر س َّباقاً في اكتشاف موهبة التيناوي‪،‬‬ ‫فكتب عنه مقاالً في مجلة التضامن اللبنانية‪ ،‬كشف فيه‬ ‫عن تفرده بجاذبية أسلوبه وألوانه وموضوعاته‪ ،‬ونظم‬ ‫أح� � ��د املعجبني معرضاً ألعمال التين� � ��اوي في بيروت‪،‬‬ ‫وذاع صيته‪ ،‬وصار دكانه مقصداً لهواة الفن الفطري‪،‬‬ ‫من الس� � ��وريني واللبنانيني والعرب والس� � ��ياح األجانب‬ ‫املولعني مبا هو غير مألوف في الفن‪ ،‬واستقرت إحدى‬ ‫لوحاته في متحف اللوفر بباريس‪ ،‬وكان التيناوي مينح‬ ‫ش� � ��خصياته وخيوله� � ��م وجمالهم ألوان � � �اً بهيجة وميأل‬ ‫الفراغ� � ��ات في اللوحة بالزهور وأوراق األش� � ��جار‪ ،‬كما‬ ‫يكتب اسمه وعنوانه الكامل في املكان املناسب‪ .‬وترك‬ ‫التيناوي تأثي� � ��راً واضحاً على بع� � ��ض الفنانني اجلدد‬ ‫ورس� � ��امي الكاريكاتور‪ ،‬وورثت أسلوبه حفيدته الفنانة‬ ‫جناح التيناوي‪.‬‬

‫البحث عن العشب‬

‫م� � ��ن بيوت َّ‬ ‫الش� � ��عر إلى بيوت الطني واألس� � ��منت‪،‬‬ ‫ومن الرعي إلى الفالحة والزراعة‪ ،‬انتقلت حياة البدو‬ ‫الس� � ��وريني الذين ينتمون إلى فروع من قبائل كبرى أو‬

‫مقهى النوفرة‬ ‫‪124‬‬

‫‪12/5/16 10:35:09 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 124‬‬


‫ملف‬

‫متحف التقاليد الشعبية ‪ -‬قصر العظم ‪ -‬دمشق‬

‫عشائر صغيرة متفرقة‪ ،‬لها عاداتها العريقة وأزياؤها‬ ‫املميزة بالعقال على رؤوس الرجال وامللفع على رؤوس‬ ‫النساء‪ ،‬من دون تزمت‪ ،‬ومنذ بداية خمسينيات القرن‬ ‫املاضي أتيح� � ��ت لهم فرص التعليم‪ ،‬قب� � ��ل أن يغادروا‬ ‫بيوت الش� � ��عر‪ ،‬وعن� � ��د رحيلهم في الربي� � ��ع‪ ،‬كان املعلم‬ ‫يرح� � ��ل معهم‪ ،‬بصحبة ل� � ��وح الكتابة األس� � ��ود الكبير‪،‬‬ ‫متدلياً من ظهر البعير مع األمتعة الضرورية‪.‬‬

‫سوالف احلرمي‬

‫برعت الباحثة اإليطالية ليديا بينيتي في تشريح‬ ‫م� � ��وروث القص الش� � ��فهي لدى النس� � ��اء البدويات في‬ ‫اجلزيرة الس� � ��ورية في محافظة احلس� � ��كة‪ ،‬فسجلت‬ ‫أربعني «س� � ��الفة» موروثة باللهجة البدوية‪ ،‬ونش� � ��رتها‪،‬‬ ‫كم� � ��ا هي‪ ،‬في كتاب بعنوان «من س� � ��والف احلرمي في‬ ‫اجلزيرة السورية العليا»‪ ،‬صدر عام ‪ 2009‬في دمشق‪،‬‬ ‫مع مقدمة مطولة باللغة الفصحى‪.‬‬ ‫واكتشفت الباحثة أنها فهمت كل الكلمات البدوية‬ ‫الغريب� � ��ة في األربع� �ي��ن نصاً‪ ،‬إال أنها ل� � ��م تفهم عبارة‬ ‫تتكرر على ألس� � ��نة النس� � ��اء في أثناء السرد هي ِ‬ ‫«أنت‬ ‫بنتي»‪ ،‬وف� � ��ي لقاء معها حول مش� � ��روعها‪ ،‬طلبت مني‬ ‫تفس� � ��يراً لهذه العبارة‪ ،‬فقلت لها إنه� � ��ا عبارة مألوفة‬ ‫في السرد النسوي‪ ،‬تعني ِ‬ ‫«أنت مثل بنتي» وهي جملة‬ ‫املوروث الشعبي السوري‪ ...‬تعايش مضطرب مع غبار التاريخ‬ ‫‪12/5/16 10:35:14 AM‬‬

‫اعتراضي� � ��ة خارجة ع� � ��ن النص‪ ،‬هدفه� � ��ا تأكيد الثقة‬ ‫واملودة واملصداقية في التواصل معك‪ ،‬فدهشت لهذا‬ ‫التفسير‪ ،‬وتدور هذه السوالف حول العالقات العائلية‬ ‫واحل� � ��ب واحلكمة والوف� � ��اء واخليانة والث� � ��أر واجلن‬ ‫والسعالة واحلنفيش‪ ،‬إضافة إلى قصص احليوانات‪.‬‬

‫الصبي الغزال‬

‫ف� � ��ي عام ‪ 1946‬نش� � ��رت مجلة ت� � ��امي األميركية في‬ ‫عددها الصادر في ‪ 9‬سبتمبر خبراً مصوراً يبدو وكأنه‬ ‫خارج من قمقم األس� � ��اطير الشعبية وتناقلته الصحف‬ ‫العاملي� � ��ة‪ ،‬عن مجموع� � ��ة من الصيادين ف� � ��ي الصحراء‬ ‫السورية رأوا صبياً في العاشرة من عمره‪ ،‬كان يركض‬ ‫برش� � ��اقة وقوة مع قطيع من الغ� � ��زالن‪ ،‬ولم يتمكنوا من‬ ‫اللحاق به‪ ،‬فاس� � ��تعانوا بس� � ��يارة «جيب» عراقية عابرة‪،‬‬ ‫وحملوه معهم وسلموه للسلطات في دمشق‪ ،‬التي أودعته‬ ‫في مصح يشبه السجن‪ ،‬ورفضت طلبات مراكز بحوث‬ ‫أمريكية وفرنسية الس� � ��تقباله‪ ،‬لكنه استطاع أن يهرب‬ ‫فأعيد إلى املصح‪ ،‬وهرب مرة أخرى‪ ،‬وعاش متش� � ��رداً‬ ‫في أزقة املدينة القدمية‪ ،‬يس� � ��ابق الريح والس� � ��يارات‪،‬‬ ‫واختفى في ظروف غامضة عام ‪ ،1955‬وهذا يتناسب‬ ‫مع عقلية الذين سجنوه‪ ،‬ومنعوه من تلبية طلب العلماء‬ ‫الذين سيفتحون له آفاق حياة جديدة >‬ ‫‪125‬‬

‫‪jan 98-130.indd 125‬‬


‫المأثورات الشعبية‪...‬‬ ‫النظرية والتأويل‬ ‫تأليف‪ :‬د‪ .‬حصة الرفاعي‬ ‫عرض‪ :‬بندر عبدالحميد‬

‫باحثة من الكويت‬ ‫كاتب من سورية‬

‫تأخذ أبح���اث الفولكلور ف���ي اللغة العربية‬ ‫أهمية خاصة‪ ،‬ألس���باب متع���ددة‪ ،‬أهمها ما‬ ‫ن���راه ماث ً‬ ‫ال ف���ي حاضرن���ا من تع���دد التقاليد‬ ‫واللهج���ات بتع���دد المــناط���ق أو األقـــط���ار‬ ‫العربي���ة‪ ،‬وإن كان���ت في جذوره���ا البعيدة‬ ‫تمتد إل���ى أصل واح���د‪ ،‬والمزاوجة الخاصة‬ ‫بـي���ن الثقافــتي���ن العربــي���ة واإلس�ل�امـــــيـــة‬ ‫بتنويعاته���ا المختلف���ة الت���ي تش���كلت‬ ‫وترس���خت على مدى ق���رون‪ ،‬ثم االلتباس‬ ‫في المصطلحات والمس���ميات الخاصة‬ ‫بدراس���ة الفولكلور‪ ،‬وتحديد س���ماته في المجتمع���ات المعاصرة‪ ،‬واألفكار‬ ‫والنظري���ات المس���تجدة ف���ي أعم���ال المفكري���ن والباحثين‪ ،‬عل���ى اختالف‬ ‫اتجاهاتهم وانتماءاتهم‪.‬‬

‫ه� � ��ذه املوضوع� � ��ات وغيرها‪ ،‬وم� � ��ا تطرحه من‬ ‫أسئلة‪ ،‬كانت مدار دراسة الباحثة الكويتية د‪ .‬حصة‬ ‫س� � ��يد زيد الرفاعي‪ ،‬في كتابها «املأثورات الشعبية‬ ‫ النظري� � ��ة والتأوي� � ��ل» دار املدى‪ ،‬دمش� � ��ق ‪214( -‬‬‫صفحة)‪.‬‬ ‫ويُعن� � ��ى هذا الكتاب بثالث� � ��ة جوانب مهمة‪ ،‬هي‬ ‫البعد الزمني‪ ،‬الدراسة املقارنة‪ ،‬النماذج التطبيقية‬ ‫(العربية عام� � ��ة والكويتية خاصة)‪ ،‬تق� � ��ول املؤلفة‪:‬‬ ‫«‪ ..‬ما يزال عدد كبير من املعنيني بدراس� � ��ة املأثور‬ ‫الشعبي في العالم العربي يستخدمون في مؤلفاتهم‬ ‫‪126‬‬

‫‪12/5/16 10:35:18 AM‬‬

‫وي� � ��رددون مصطلح� � ��ات لم تعد مناس� � ��بة لدراس� � ��ة‬ ‫األمناط الش� � ��عبية في عصرنا احلاضر‪ ،‬س� � ��واء ما‬ ‫يتص� � ��ل باجلماعة الش� � ��عبية‪( ،‬الفولك)‪ ،‬أو ما يتعلق‬ ‫باإلبداع الش� � ��عبي (الل� � ��ور)‪ ،‬فالفولك ه� � ��م العامة‪،‬‬ ‫الفالح� � ��ون‪ ،‬الطبقة الدنيا في املجتمع‪ ،‬البس� � ��طاء‬ ‫م� � ��ن الناس غي� � ��ر املتعلمني‪ ،‬أما الل� � ��ور فهو القدمي‪،‬‬ ‫املوروث‪ ،‬األدب العامي‪ ،‬أدب القرية‪ ،‬الفن الشعبي‪،‬‬ ‫بقايا املاضي التي يجب إحياؤها»‪.‬‬ ‫يتوزع الكتاب‪ ،‬بعد املقدم� � ��ة‪ ،‬إلى مجموعة من‬ ‫العناوين العريضة‪ ،‬هي‪ :‬الفولكلور وقضية املصطلح‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 126‬‬


‫ملف‬

‫من الفولكلور الكويتي‬

‫الفولكلور والعلوم اإلنسانية‪ ،‬الفولكلور في الوسائط‬ ‫اجلماهيرية‪ :‬مظاهر التأثير والتأثر بني فن اإلعالم‬ ‫والثقافة الشعبية‪ ،‬شعائر العبور في عادات وتقاليد‬ ‫الزواج التقليدي‪ :‬منوذج من الكويت‪ ،‬الطب الشعبي‪،‬‬ ‫مفهومه وأنواعه وخصائصه‪.‬‬ ‫إن مواكبة املتغيرات في دراسة الفولكلور‪ ،‬تعني‬ ‫مواكبة التطورات املختلفة للمجتمعات اإلنس� � ��انية‪،‬‬ ‫كم� � ��ا أن حتديد املصطلح يعني الوقوف على أرضية‬ ‫صلبة لتشريح بنية هذه التطورات وصوالً إلى حقائق‬ ‫ونتائج واضحة وملموسة في الواقع الراهن‪.‬‬ ‫في عام ‪1846‬م ط� � ��رح الباحث اإلجنليزي وليم‬ ‫جون ثومر مصطلح «الفولكل� � ��ور» كبديل للمصطلح‬ ‫الش� � ��ائع وقتذاك «املوروثات العام� � ��ة» وظهرت بعد‬ ‫ذلك تفس� � ��يرات متعددة يحدد بعضها معنى طرفي‬ ‫املصطلح املركب‪( :‬فولك) ـ أي الش� � ��عب‪( ،‬ولور) أي‬ ‫اإلبداع‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وفي ع� � ��ام ‪1888‬م أسس� � ��ت جمعي� � ��ة الفولكلور‬ ‫األمريكية التي دأبت على دراس� � ��ة وجمع موروثات‬ ‫الش� � ��عوب الت� � ��ي هاجرت إل� � ��ى أمريكا الش� � ��مالية‪،‬‬ ‫املأثورات الشعبية‪ ...‬النظرية والتأويل‬ ‫‪12/5/16 10:35:24 AM‬‬

‫واس� � ��تعرضت الباحثة األفكار املستجدة في دراسة‬ ‫اجلماعات الش� � ��عبية وحتوالتها في القرنني التاسع‬ ‫عشر والعشرين‪.‬‬

‫الفولكلور والعلوم اإلنسانية‬

‫م� � ��ع كل اخلصوصي� � ��ة الت� � ��ي يتمت� � ��ع به� � ��ا علم‬ ‫الفولكلور‪ ،‬فإنه ليس معزوالً عن العلوم اإلنس� � ��انية‪،‬‬ ‫تأثراً وتأثيراً‪ ،‬فهو منفتح على العلوم اإلنس� � ��انية في‬ ‫مجال تطبي� � ��ق النظريات املنج� � ��زة ومناهج البحث‬ ‫امليداني‪.‬‬ ‫وكان األخوان غرمي‪ ،‬اللذان درس� � ��ا في النصف‬ ‫األول من القرن التاس� � ��ع عشر التراث الفالحي في‬ ‫أملانيا واخلرافات واألساطير األملانية‪ ،‬مختصني في‬ ‫علم اللغة وعلم التاريخ‪.‬‬ ‫ويبدو أن علم األنثروبولوجيا (علم اإلنسان) هو‬ ‫األقرب إل� � ��ى الفولكلور‪ ،‬من بني العلوم االجتماعية‪،‬‬ ‫وعد بعض األنثروبولوجيني الفولكلور فرعاً أسموه‬ ‫َّ‬ ‫األنثروبوجيا الثقافية‪ ،‬بينما تش� � ��ابهت أكثر مناهج‬ ‫البحث امليداني بني هذين العلمني‪.‬‬ ‫‪127‬‬

‫‪jan 98-130.indd 127‬‬


‫كذل� � ��ك تفاعل علم الفولكل� � ��ور مع األدب‪ ،‬حيث‬ ‫يوظ� � ��ف األدباء والش� � ��عراء األس� � ��اطير واحلكايات‬ ‫والتقالي� � ��د الش� � ��عبية كدالالت رمزية‪ ،‬وفي الش� � ��عر‬ ‫العربي احلديث كان بدر ش� � ��اكر السياب س َّباقاً في‬ ‫هذا املجال‪ ،‬ويبدو هذا واضحاً في قصيدته املطولة‬ ‫«املومس العمياء» التي حشد فيها أساطير إغريقية‬ ‫وبابلي� � ��ة وعربية‪ ،‬وفي األدب العاملي كان شكس� � ��بير‬ ‫من أهم الذين اس� � ��تلهموا العناصر الفولكلورية في‬ ‫أعمالهم املس� � ��رحية‪ ،‬وثمة عالقات متينة ومتداخلة‬ ‫بني الفولكلور وعلوم اللغة والتاريخ وعلم النفس‪.‬‬

‫الفولكلور في الوسائط اجلماهيرية‬

‫كان للتط� � ��ورات املتس� � ��ارعة في تقنية وانتش� � ��ار‬ ‫وسائط االتصاالت اجلماهيرية تأثيرات إيجابية في‬ ‫احلفاظ على أمناط من املأثورات الشعبية وترويجها‬ ‫على نطاق واسع‪ ،‬مع بعض التأثيرات السلبية املتمثلة‬ ‫في استغالل املادة الشعبية وتزييفها ألغراض جتارية‬ ‫أو سياس� � ��ية‪ ،‬كما أن وسائط االتصال لم تقض على‬ ‫اإلبداع الش� � ��فهي‪ ،‬وكان لها دور في عصرنة اإلبداع‬

‫الش� � ��عبي وعرض� � ��ه في حل� � ��ة جديدة تت� �ل��اءم وروح‬ ‫العصر‪ ،‬فثمة عالقة متبادلة بني الثقافتني الش� � ��عبية‬ ‫واجلماهيرية من خالل مرونة الفولكلور في التكيف‬ ‫مع ظروف احلي� � ��اة اجلديدة‪ ،‬ويبدو هذا واضحاً في‬ ‫التأثير الذي تتركه أفالم الكارتون ومس� � ��رح األطفال‬ ‫والرس� � ��وم املتحركة على األطف� � ��ال‪ ،‬وتعلقهم بأبطال‬ ‫احلكايات التي يشاهدونها‪.‬‬

‫شعائر العبور‬ ‫في عادات وتقاليد الزواج التقليدي‬ ‫فرض التطور والتوسع في املجتمعات الصناعية‬ ‫احلديثة متغيرات ش� � ��املة على النظام االجتماعي‬ ‫وبنية العائلة‪ ،‬وأدى ذلك إلى تبدالت في املمارسات‬ ‫والطقوس الدينية‪ ،‬حيث حتولت تلك الطقوس إلى‬ ‫ممارس� � ��ات فردية‪ ،‬يتعايش فيها الف� � ��رد مع حتوله‬ ‫الطبيعي من مرحلة عمري� � ��ة إلى أخرى مبعزل عن‬ ‫اآلخرين‪ ،‬وتتمثل ش� � ��عائر العب� � ��ور وما يصاحبها من‬ ‫ممارس� � ��ات طقس� � ��ية‪ ،‬كما رآها الباحث الفرنس� � ��ي‬ ‫أرنولد فان جنب‪ ،‬في ثالثة أنواع‪:‬‬

‫لوحة من الفولكلور املصري‬ ‫‪128‬‬

‫‪12/5/16 10:35:28 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 98-130.indd 128‬‬


‫ملف‬

‫جانب من الفولكلور اليمني‬

‫ ش� � ��عائر االنفصال‪ :‬تصاح� � ��ب انفصال الفرد‬‫عن فئة عمرية وانضمامه إلى أخرى‪.‬‬ ‫ ش� � ��عائر االنتق� � ��ال‪ :‬تصاح� � ��ب تأهي� � ��ل الفرد‬‫لالنضمام إلى الفئة العمرية اجلديدة‪.‬‬ ‫ ش� � ��عائر االندماج‪ :‬وهي مجموعة املمارسات‬‫التي تصاحب دمج الفرد في مرحلة عمرية جديدة‪،‬‬ ‫ومنها طقوس الزواج‪.‬‬ ‫وفي مث� � ��ال تطبيقي تخت� � ��ار املؤلف� � ��ة أمنوذجاً‬ ‫حياً من ش� � ��عائر العبور في ع� � ��ادات وتقاليد الزواج‬ ‫التقليدي في الكويت‪ ،‬حيث يشكل الزواج حالة تغير‬ ‫كامل في حياة العروسني في نطاق العائلة والعشيرة‬ ‫والقبيلة والبيئة احمللية‪ ،‬ويشمل هذا التغير االنتقال‬ ‫إلى منزل جديد‪ ،‬ووضع الزوج أمام مس� � ��ؤولية إدارة‬ ‫البيت والعائلة‪ ،‬ووضع الزوجة كربة منزل مس� � ��ؤولة‬ ‫عن تدبيره‪ .‬وترصد املؤلف� � ��ة اخلطوات االحتفالية‬ ‫والتنظيمي� � ��ة الت� � ��ي تصاح� � ��ب اخلطوب� � ��ة والزواج‪،‬‬ ‫واألغاني التي تردد في حفل الزواج‪.‬‬

‫الطب الشعبي‬

‫يتناول الفصل األخير من الكتاب الطب الشعبي‪،‬‬

‫املأثورات الشعبية‪ ...‬النظرية والتأويل‬ ‫‪12/5/16 10:35:32 AM‬‬

‫مفهومه وأنواعه وخصائصه‪ ،‬فالطب الشعبي ميتد‬ ‫بجذوره إلى العص� � ��ور القدمية‪ ،‬وهو يأخذ لدى كل‬ ‫شعب طقوساً ومعاجلات متوارثة مختلفة‪ ،‬ويرتبط‬ ‫بأمناط املأثورات الشعبية بعالقات تكاملية‪ ،‬وكثيراً‬ ‫ما تكون ممارس� � ��ته مصحوبة بتقالي� � ��د ومعتقدات‬ ‫وخزعب� �ل��ات تعطيه هويته اخلاص� � ��ة‪ ،‬وورث العرب‬ ‫أمناطاً من الطب الش� � ��عبي في احلضارات القدمية‬ ‫كالفرعونية والبابلية واآلشورية والفينيقية‪ ،‬وصوالً‬ ‫إلى ما يس� � ��مى بالطب العربي والطب اإلس� �ل��امي‪،‬‬ ‫وكان لألطباء العرب دور بارز في تطوير علم الطب‬ ‫واملداواة‪.‬‬ ‫أخي� � ��راً‪ ...‬ميكن توصي� � ��ف كت� � ��اب «املأثورات‬ ‫الش� � ��عبية‪ ،‬النظرية والتأويل» بأن� � ��ه مرجع مهم في‬ ‫علم الفولكلور‪ ،‬وإضافة متميزة إلى املكتبة العربية‪،‬‬ ‫اجته� � ��دت فيه املؤلف� � ��ة في رصد احملل� � ��ي والعربي‬ ‫والعامل� � ��ي‪ ،‬القدمي واجلديد‪ ،‬وأعطت آراء جريئة في‬ ‫ما هو ملتبس‪ ،‬أو مختلط‪ ،‬بأس� � ��لوب علمي س� � ��لس‪،‬‬ ‫يخلو من التعصب والتزمت واألحكام املس� � ��بقة التي‬ ‫جندها في بعض عناوين الكتب العربية ومضامينها‬ ‫اخلطابية العتيدة >‬ ‫‪129‬‬

‫‪jan 98-130.indd 129‬‬


‫تاريخ‬

‫سوق الطعام بالقاهرة‬ ‫في عصر سالطين المماليك‬ ‫د‪ .‬مصطفى وجيه مصطفى‬

‫أكادميي من مصر‬

‫مم����ا ال ش����ك في����ه أن س����وق الطع����ام يمث����ل مدخ��ل� ً‬ ‫ا حقيق ّي���� ًا لمعرف����ة األوض����اع‬ ‫االقتصادية ‪ -‬االجتماعية‪ ،‬بل والسياس����ية أيض ًا‪ ،‬التي عاشها المجتمع المصري‬ ‫عصر س��ل�اطين المماليك‪ ،‬حيث اهتمت الدولة إبان تلك الحقبة بتوفير ش����روط‬ ‫تنمية الس����وق م����ن التأمينات حماية للتج����ارة والتجار القادمين لالتجار بالس����وق‬ ‫م����ن أعم����ال النهب‪ .‬وال غرو أن تهت����م الدول في عهود قوته����ا بتوفير التجهيزات‬ ‫الالزم����ة لتطوير وإنع����اش األس����واق التجارية ‪ /‬الغذائي����ة؛ لهذا أقدم����ت على بناء‬ ‫وإعداد دكاكين وحوانيت تؤجر للتجار إلى جانب بناء وترميم األسواق والفنادق‬ ‫والقيساريات في مصر خالل العصر المملوكي‪.‬‬

‫يذكر أن هذا االهتمام الذي حظيت به األسواق‬ ‫والتج� � ��ارة ككل في تل� � ��ك الفترة ال يبتع� � ��د عن رغبة‬ ‫األجهزة احلاكمة في تطعيم بيت املال مبوارد جبائية‬ ‫جديدة تُضاف إلى املغ� � ��ارم املفروضة على الفالحة‬ ‫واحلرف لتلبية نفقات احلروب والترف الكاس� � ��حة‪,‬‬ ‫الش� � ��يء الذي الحظ� � ��ه ابن خلدون وقرره في ش� � ��به‬ ‫قاع� � ��دة تعتمد في حتليل أهم قس� � ��ط م� � ��ن إيرادات‬ ‫الدول ومداخيلها املالي� � ��ة‪ ،‬فقال‪« :‬إن معظم اجلباية‬ ‫إمنا هي من الفالحني والتجار»‪.‬‬ ‫وهو ما يؤكد ما ذهبن� � ��ا إليه من مغزى االهتمام‬ ‫اململوكي باألسواق؛ الذي انعكست آثاره فيما شهدته‬ ‫البالد من رواج اقتصادي متثلت دالئله في األس� � ��واق‬ ‫الغذائية التي كان عددها كبيراً من ناحية‪ ،‬كما صارت‬ ‫متوج باحلركة والنشاط وتزدحم بأصناف البضائع من‬ ‫ناحية أخرى؛ لذلك عرفت األسواق في ذلك العصر‬ ‫سوق الطعام بالقاهرة في عصر سالطني املماليك‬ ‫‪12/7/16 12:58:37 PM‬‬

‫نوعاً من التخصص في نوع البضائع التي يبيعها كل‬ ‫منها‪ ،‬وهو ما يتفق مع طبيعة احلياة االجتماعية في‬ ‫ذلك العصر‪ ,‬وتخصصنا هنا هو أسواق الطعام التي‬ ‫كان بعضها محلياً دائماً‪ ،‬وبعضها قائم على أس� � ��اس‬ ‫السلعة التي يبيعها‪ ،‬والبعض اآلخر أقيم وفق دوريته‪،‬‬ ‫وهناك إشارات على إقامتها في أماكن جتمع الناس‬ ‫في املناس� � ��بات واالحتفاالت‪ ،‬ووجدت أسواق غذائية‬ ‫وفق احلجم الس� � ��كاني للمحل� � ��ة العمرانية التي يُعقد‬ ‫بها الس� � ��وق‪ ،‬وأخرى أقيمت وفق مواسمها السنوية‪،‬‬ ‫وال شك في أن هذه األسواق كانت منتشرة في جميع‬ ‫أنحاء البالد‪ ،‬وإن كانت ثم� � ��ة اختالفات طفيفة فإن‬ ‫الشكل العام لألسواق كان واحداً‪.‬‬ ‫وق� � ��د كان� � ��ت كل طائفة من التج� � ��ار أو أصحاب‬ ‫احل� � ��رف تتجمع في مكان واحد تتس� � ��مى به وتعرف‬ ‫به صناعته� � ��م‪ ،‬ولها حارتها وس� � ��وقها الذي كان في‬ ‫‪131‬‬

‫‪jan 131-139.indd 131‬‬


‫الغال� � ��ب حول املس� � ��جد‪ ،‬كم� � ��ا كان هن� � ��اك كثير من‬ ‫احلوانيت املنفردة في احل� � ��ارات والدروب اخلارجة‬ ‫عن األس� � ��واق‪ ،‬وكان احملتسب يش� � ��رف عليها‪ ،‬ويتابع‬ ‫أصحابها وموازينهم وبضائعهم في كل أس� � ��بوع على‬ ‫حني غفلة منهم‪.‬‬ ‫وفي ذلك يقول س� � ��عيد عاشور «إنه من محاسن‬ ‫ه� � ��ذا النظ� � ��ام أن التاجر ال يس� � ��تطيع أن يش� � ��ذ عن‬ ‫جيرانه أو أن يرفع أس� � ��عار الس� � ��لعة التي يتجر فيها‪,‬‬ ‫ألن منافس� � ��ه على مقربة منه؛ كما أن املشتري إن لم‬ ‫يعجبه نوع الس� � ��لعة أو ثمنها فإنه يستطيع أن ينتقل‬ ‫في س� � ��هولة من متجر إلى آخر دون أدنى مشقة‪ ،‬أما‬ ‫عيوب هذا النظام فأهمها‪ ،‬أن الفرد إذا أراد ش� � ��راء‬ ‫أصن� � ��اف عدة مختلفة من البضائ� � ��ع فعليه أن يقطع‬ ‫املدين� � ��ة كلها ط� � ��والً وعرضاً حتى يقض� � ��ي حاجاته؛‬ ‫ألنه لن يجد في الس� � ��وق الواحد سوى نوع واحد من‬ ‫البضائع»‪.‬‬ ‫وفي هذا اإلطار‪ ،‬كانت توجد األس� � ��واق الدائمة‪،‬‬ ‫وهي داخلية محلي� � ��ة يقصد بها أماكن محددة داخل‬ ‫املدن توج� � ��د فيه� � ��ا احلوانيت التجاري� � ��ة‪ ،‬وفي هذه‬ ‫األماك� � ��ن يتخذ البائع� � ��ون مواقع لع� � ��رض بضائعهم‬ ‫ويجتم� � ��ع فيها الناس‪ ،‬وقد يأت� � ��ي بعضهم من القرى‬ ‫املجاورة لعدم توافر س� � ��لع معين� � ��ة في قراهم‪ ،‬وعادة‬ ‫قطاع سكني يسمى احلارة‪ ،‬أعاله‬ ‫كانت تتخذ ش� � ��كل‬ ‫ٍ‬ ‫البيوت وأسفله احلوانيت‪ ،‬وقد انتشرت تلك األسواق‬ ‫في جميع أنحاء البالد‪ ،‬وهو أمر يتماشى بالضرورة‬ ‫مع توزيع التجمعات السكانية‪.‬‬

‫أسواق الفسطاط والقاهرة‬

‫وقد تركزت أعداد كبيرة من هذه األسواق في‬ ‫مدينتي الفس� � ��طاط والقاهرة في العصر اململوكي‪.‬‬ ‫ويش� � ��ير العب� � ��دري إل� � ��ى أن باعة الطع� � ��ام في هذا‬ ‫الس� � ��وق كانوا يبيعون طوال اللي� � ��ل؛ ألنه قلما يكون‬ ‫طعام الش� � ��ريف والوضيع إال من الس� � ��وق والضغط‬ ‫على ذلك والزحام متصل‪ ,‬والطرق غاصة باخللق‪،‬‬ ‫حتى ترى املاش� � ��ي فيها ما له هم سوى التحفظ من‬ ‫دوس الدواب إياه‪ ،‬وال ميكنه تأمل شيء في السوق؛‬ ‫ألن اخللق يندفعون فيها مثل اندفاع السيل‪ .‬ويذكر‬ ‫أن كل رواد األس� � ��واق لم يخرجوا من ديارهم‪« ،‬إال‬ ‫لشراء عش� � ��ائهم من الس� � ��وق‪ ،‬ولو كان في ديارهم‬ ‫‪132‬‬

‫‪12/7/16 12:58:42 PM‬‬

‫طعام الس� � ��تغنوا عنه‪ ،‬ولو تعذر السوق عليهم ملاتوا‬ ‫جميعاً من اجلوع»‪.‬‬ ‫وفي ن� � ��ص العبدري داللة على كثافة الس� � ��كان‬ ‫من ناحية‪ ،‬كما يدل على كفاية األسواق لغذاء هذه‬ ‫الكثافة من ناحية ثانية‪ ،‬ومن ناحية ثالثة يدل على‬ ‫كثرته� � ��ا وكثرة ما بها من س� � ��لع وصناعات غذائية‪،‬‬ ‫كم� � ��ا يدل على أهمية األس� � ��واق الغذائية للش� � ��عب‬ ‫املصري الذي كان معظم طعامه من ذلك الس� � ��وق‪،‬‬ ‫وف� � ��ي ذلك يق� � ��ول املقري� � ��زي‪« :‬وحدثن� � ��ي الفاضل‬ ‫الرئيس تق� � ��ي الدين عبدالوه� � ��اب ناظر اخلواص‬ ‫الش� � ��ريفة ابن الوزير الصاحب فخر الدين عبدالله‬ ‫ابن ش� � ��اكر‪ ،‬أنه كان يش� � ��تري ف� � ��ي كل ليلة من بني‬ ‫القصرين بعد العشاء برسم الوزير الصاحب فخر‬ ‫الدي� � ��ن بن خصيب من الدج� � ��اج املطجن والفطائر‬ ‫وفراخ احلمام والعصافير املقالة مببلغ مائتي درهم‬ ‫وخمس� �ي��ن درهما فضة يكون عنها يومئذ من اثني‬ ‫عش� � ��ر مثقاال من الذهب‪ ،‬وأن هذا كان دأبه في كل‬ ‫ليلة وال يكاد مثل هذا مع كثرته لرخاء األس� � ��عار»‪.‬‬ ‫وهذا يؤكد كالم العبدري؛ إذ إن ذلك كان مس� � ��لك‬ ‫الوزير الذي ميلك كثيراً م� � ��ن عوامل الرفاهية في‬ ‫مسكنه‪ ،‬فما بالك بالرعية الكادحة؟‬ ‫وقد الحظ بعض الرحالة أن‪« :‬نس� � ��اء القاهرة‬ ‫ال توجد واحدة منهن تقبل أن تطهو الطعام؛ ولهذا‬ ‫يج� � ��ب على الزوج أن يش� � ��تري من اخل� � ��ارج الطعام‬ ‫احلاضر املطبوخ من محالت الطباخني والشوائني‪،‬‬ ‫والقلي� � ��ل من الناس هم الذين يصنعون طعامهم في‬ ‫بيوتهم»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وعل� � ��ى الرغم م� � ��ن أن ذل� � ��ك يعد جت ِّني � � �ا على‬ ‫النس� � ��اء‪ ،‬فإنه بالتأكيد في� � ��ه جزء من الصواب وهو‬ ‫عدم الطهي لدى البعض‪ ،‬ورمبا ذلك راجع الرتفاع‬ ‫تكاليف إعداد األطعمة في منازل الشرائح الفقيرة‪،‬‬ ‫مما كان له أكبر األثر على نش� � ��اط األسواق وحركة‬ ‫التجارة الداخلية‪.‬‬ ‫وقد عبر املقريزي عن ذلك النش� � ��اط لألسواق‬ ‫ورواج احلركة التجارية بقوله‪« :‬كان مبدينة القاهرة‬ ‫ومصر وظواهرها من األس� � ��واق ش� � ��يء كثير جداً‪،‬‬ ‫وكفاك دلي� �ل � ً‬ ‫ا على كثرة عددها أن الذي خرب من‬ ‫األس� � ��واق فيما بني أراضي ال� � ��وراق إلى باب البحر‬ ‫باملقس اثنان وخمس� � ��ون سوقاً أدركنا عامرة بها ما‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 131-139.indd 132‬‬


‫تاريخ‬

‫أسواق الطعام في القاهرة كما رصدها املستشرقون‬

‫يبلغ حوانيته نحو الس� � ��تني حانوتاً‪ ،‬وهذه من جملة‬ ‫ظاهر القاهرة الغربي‪ ،‬فكيف ببقية اجلهات الثالث‬ ‫مع القاهرة ومصر؟»‪.‬‬ ‫وي� � ��روي الصب� � ��اح أن مدينة مصر أس� � ��واقها ال‬ ‫تنحصر إال بالزمام – السجل – ويذكر أيضاً أنه لم‬ ‫ير في بالد العالم األخرى التي زارها مثل أس� � ��واق‬ ‫سوق الطعام بالقاهرة في عصر سالطني املماليك‬ ‫‪12/7/16 12:58:47 PM‬‬

‫مصر «ال في البيع وال في الش� � ��راء‪ ،‬وال في األخذ‬ ‫والعطاء»‪.‬‬ ‫وهكذا يتضح مدى كثرة األس� � ��واق وكثافتها في‬ ‫ذلك الوقت‪ ،‬مما يكشف عن كثرة النشاط التجاري‬ ‫وكثافة السكان؛ لذلك سوف تكون إشارتنا مقصورة‬ ‫عل� � ��ى األس� � ��واق الغذائية التي تش� � ��ير املصادر إلى‬ ‫‪133‬‬

‫‪jan 131-139.indd 133‬‬


‫وجودها صراحة في العصر اململوكي‪.‬‬ ‫ومن أسواق الطعام الدائمة واملشهورة في مصر‬ ‫عصر سالطني املماليك «سوق القصبة» الذي كان‬ ‫يعد من أكبر أس� � ��واق مصر الغذائية‪ ,‬حيث قدرت‬ ‫ع� � ��دد حوانيته باثني عش� � ��ر ألف حان� � ��وت أدركها‬ ‫املقري� � ��زي عام� � ��رة غاصة بأنواع املآكل واملش� � ��ارب‬ ‫واألمتعة تبهج رؤيتها ويعجب الناظر هيئتها ويعجز‬ ‫الع� � ��اد عن إحصاء ما فيها م� � ��ن األنواع‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫إحص� � ��اء ما فيها من األش� � ��خاص‪ .‬وكان أهل مصر‬ ‫من املتعاملني في السوق يتفاخرون بأنهم يلقون في‬ ‫كل ي� � ��وم ألف دينار ذهباً عل� � ��ى املزابل‪ ،‬أي األواني‬ ‫والقراطي� � ��س وغيرها من األش� � ��ياء التي يقدم فيها‬ ‫الطع� � ��ام للمس� � ��تهلكني‪ ،‬وهذا يبرهن عل� � ��ى التقدم‬ ‫احلضاري والترف الشديد واالقتصاد املتني الذي‬ ‫يجعل الناس يس� � ��تعملون األواني مرة واحدة «ومن‬ ‫أدرك الن� � ��اس قبل هذه احمل� � ��ن فيما كانوا عليه من‬ ‫أنواع احلضارة لم يستكثر ما ذكرناه»‪.‬‬

‫احلوانيت وأصحاب املقاعد!‬

‫ونس� � ��تطيع من خ� �ل��ال املعلومات الت� � ��ي أوردها‬ ‫املقري� � ��زي عن هذا الس� � ��وق أن نتع� � ��رف على بعض‬ ‫التطورات التي حلقت باحلياة االجتماعية في مصر‬ ‫آنذاك‪ ،‬فمع س� � ��عة هذا الس� � ��وق آنذاك‪ ،‬فإنها كانت‬

‫تضيق بالباعة فيجلسون على األرض أمام احلوانيت‬ ‫ف� � ��ي طول القصبة بأطباق اخلب� � ��ز وأصناف املعايش‬ ‫ويقال لهم «أصحاب املقاعد»‪ ،‬ويبدو أن هؤالء الباعة‬ ‫كانوا مصدر قلق وإزع� � ��اج ألصحاب احلوانيت التي‬ ‫يقف� � ��ون أمامه� � ��ا أو قريباً منها‪ ،‬ع� �ل��اوة على تضييق‬ ‫الش� � ��وارع وقلة بي� � ��ع أصحاب احلواني� � ��ت؛ ألنهم قد‬ ‫يبيعون األصناف نفس� � ��ها من البضائ� � ��ع التي يبيعها‬ ‫أصح� � ��اب احلوانيت‪ ،‬وم� � ��ن الطبيعي تس� � ��اهلهم في‬ ‫األسعار جلذب املش� � ��ترين؛ ألنهم ال يتكبدون نفقات‬ ‫امتالك حانوت أو استئجاره مما تسبب «كل قليل في‬ ‫تعرض احلكام ملنع إقامتهم في السوق»‪.‬‬ ‫وكان «سوق باب الفتوح» واحداً من أشهر أسواق‬ ‫الطعام في مصر عصر سالطني املماليك‪ ،‬فقد كان‬ ‫معمور اجلانب� �ي��ن بحوانيت اللحام� �ي��ن واخلضريني‬ ‫والش� � ��رايحية وغيرهم‪ ،‬وهو من أجل أسواق القاهرة‬ ‫وأعمره� � ��ا‪ ،‬وكان «يقصده الناس م� � ��ن أقطار البالد‬ ‫لش� � ��راء أنواع اللحمان الضأن والبقر واملاعز ولشراء‬ ‫أصناف اخلضراوات»‪.‬‬ ‫وفض ً‬ ‫ال عن هذا‪ ,‬كان س� � ��وق ح� � ��ارة برجوان من‬ ‫أعمر أس� � ��واق القاهرة الغذائي� � ��ة الدائمة في الفترة‬ ‫قي� � ��د الدراس� � ��ة‪ ،‬وكان م� � ��ن الضخام� � ��ة والتنوع من‬ ‫أن� � ��واع البضائع واألطعمة بحيث «ال يحتاج س� � ��اكنها‬ ‫إلى غي� � ��ره»‪ ،‬وميكن االعتماد عليها في س� � ��د حاجة‬

‫أسواق الطعام مثلت جانب ًا لرصد املجتمع‬ ‫‪134‬‬

‫‪12/7/16 12:58:50 PM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 131-139.indd 134‬‬


‫تاريخ‬

‫االقتصاد يكشف تاريخ الغذاء في أغلب املجتمعات‬

‫الن� � ��اس من كل أصن� � ��اف املتاجر‪ ,‬وكان هذا الس� � ��وق‬ ‫«معم� � ��ور اجلانبني بالع� � ��دة الوافرة م� � ��ن بائعي حلم‬ ‫الضأن السليخ وبائعي اللحم السميط وبائعي اللحم‬ ‫البق� � ��ري‪ ،‬وبه عدة من الزيات� �ي��ن وكثير من اجلبانني‬ ‫واخلبازين واللبانني والطباخني والشوائني والبواردية‬ ‫والعطارين واخلضري� �ي��ن‪ ،‬حتى أنه كان به حانوت ال‬ ‫يباع فيه إال حوائج املائدة من البقل والكراث»‪ .‬وكان‬ ‫الناس ميرون بتلك الس� � ��وق مبش� � ��قة بسبب الزحام‬ ‫الشديد‪ ،‬ويبدو أنه كان مميزاً عن غيره من األسواق‪،‬‬ ‫إذ يقول فيه املقريزي‪« :‬وأدركت س� � ��وق حارة برجوان‬ ‫أعظم أس� � ��واق القاهرة ما برحنا ونحن شباب نفاخر‬ ‫بحارة برجوان جميع حارات القاهرة»‪.‬‬

‫سوق بني القصرين‬

‫ويعدد املقريزي مزايا خط بني القصرين‪ ،‬واصفاً‬ ‫س� � ��وقه الغذائية قائ ً‬ ‫ال‪« :‬ولقد أدركنا في كل ليلة من‬ ‫بعد العصر يجل� � ��س الباعة بصنف حلم� � ��ان الطيور‬ ‫التي تقلى صفاً من باب املدرس� � ��ة الكاملية إلى باب‬ ‫سوق الطعام بالقاهرة في عصر سالطني املماليك‬ ‫‪12/7/16 12:58:54 PM‬‬

‫املدرسة الناصرية؛ وذلك قبل بناء املدرسة الظاهرية‬ ‫املس� � ��تجدة‪ ,‬فيباع حلم الدج� � ��اج املطجن وحلم اإلوز‬ ‫املطج� � ��ن كل رطل بدرهم وتارة بدرهم و ُربع الدرهم‪,‬‬ ‫وتباع العصافير املقلية كل عصفور بفلس حساباً عن‬ ‫كل أربعة وعشرين بدرهم‪ ،‬واملشيخة تقول أنا حينئذ‬ ‫ف� � ��ي غالء‪ ،‬لكثرة ما تصف من س� � ��عة األرزاق ورخاء‬ ‫األس� � ��عار في الزمن الذي أدركوه قبل الفناء الكبير‪.‬‬ ‫ويدل� � ��ل على اس� � ��تمرار الرواج االقتص� � ��ادي في تلك‬ ‫السوق بواقعة فعلها ش� � ��خصان عام ‪786‬هـ‪ ،‬مفادها‬ ‫أنهما قاما بس� � ��رقة عش� � ��رين بطيخة خضراء وبضع‬ ‫وثالثني شقفة جنب‪ ،‬والشقفة تتراوح بني نصف رطل‬ ‫ورط� � ��ل‪ ،‬وبعد أن أبدى تعجبه قال‪ :‬فانظر أعزك الله‬ ‫إلى بضاعة يسرق منها مثل هذا القدر وال يفطن به‬ ‫من كثرة ما هنالك من البضائع ولعظم اخللق‪.»...‬‬ ‫وهو هنا يش� � ��ير إلى س� � ��مة أخرى من الس� � ��مات‬ ‫الوظيفية لس� � ��وق الطعام آن� � ��ذاك‪ ،‬أال وهي أن بعض‬ ‫األسواق كانت تشرع في إعداد الطعام بعد منتصف‬ ‫النهار؛ لتس� � ��تعد لعودة الناس من عملهم‪ ،‬وش� � ��راء ما‬ ‫‪135‬‬

‫‪jan 131-139.indd 135‬‬


‫يحتاج� � ��ون إليه من جميع أن� � ��واع الطعام املعد للبيع‪.‬‬ ‫وكان س� � ��وق البندقاني� �ي��ن كبي� � ��راً معم� � ��ور اجلانبني‬ ‫باحلوانيت وفيه كثير من أرباب املعايش املعدين لبيع‬ ‫املأكوالت من الشواء والطعام املطبوخ وأنواع األجبان‬ ‫واأللب� � ��ان والبوارد واخلبز والفواكه‪ ،‬وكثير من بياعي‬ ‫الفقاع‪ ,‬والقول نفسه يقال على احلسينية التي كانت‬ ‫تضم ثماني حارات «وبها أسواق عدة»‪.‬‬ ‫وقد وجدت أس� � ��واق غذائية اش� � ��تق اس� � ��مها من‬ ‫نوع احلرفة أو الس� � ��لعة التي تباع فيها‪ ,‬مثل‪ :‬س� � ��وق‬ ‫الشوائني الذي كان يسمى قبل العصر اململوكي سوق‬ ‫الشرايحيني ومازال يعرف بذلك حتى سكن فيه في‬ ‫العصر اململوكي بالتحديد في حدود سنة ‪700‬هـ عدد‬ ‫من بائعي الشواء‪ ،‬فنس� � ��ب إليهم وعرف بالشوائني‪،‬‬ ‫ويضي� � ��ف ابن دقم� � ��اق إلى ذلك أن هذا الس� � ��وق كان‬ ‫فيه مطابخ الرواسني ومس� � ��لخ الغنم الذي يستخدم‬ ‫في سد حاجة أصحاب احلوانيت وروادها من حلوم‬ ‫الشواء والرؤوس‪.‬‬ ‫وهنا يجب أن نش� � ��ير إلى حقيقة مهمة وهي أن‬ ‫التخصص في ذكر االسم ال يعني أن ذلك االسم جامع‬ ‫مانع‪ ،‬مبعنى أن س� � ��وق الشوائني مث ً‬ ‫ال كان ال يباع فيه‬ ‫غير الش� � ��واء‪ ،‬أو ال يوجد بيع للشواء في مكان غيره؛‬ ‫فقد تكون هناك حوانيت للشوائني في أسواق أخرى‪،‬‬ ‫وقس على ذلك‪ ,‬ولكن يغلب على سوق الشوائني كثرة‬ ‫حوانيت الشواء فيه‪ ،‬ويؤكد هذا املعنى ما ذكرناه عن‬ ‫شمول بعض األسواق الدائمة لتلك احلرفة‪ ,‬وهناك‬ ‫أيضاً نص معاصر لعصر الس� �ل��اطني املماليك يثبت‬ ‫م� � ��ا تناولناه في هذه النقط� � ��ة‪ ،‬إذ يقول املقريزي إنه‬ ‫شاهد في السوق املذكور «كثيرا من احلوانيت يجلس‬ ‫ببعضها عدد من اجلبانني لبيع أنواع اجلنب املجلوب‬ ‫من البالد الش� � ��امية‪ ،‬وأدركنا هناك من ذلك ش� � ��يئاً‬ ‫كثيراً يتجاوز احلد في الكثرة»‪.‬‬ ‫وعند حديثه عن س� � ��وق الس� �ل��اح قال‪« :‬إنه كان‬ ‫يخت� � ��ص ببيع الس� �ل��اح وعل� � ��ى بابه م� � ��ن الناحيتني‬ ‫حوانيت جتلس فيها الصيارف طوال النهار‪ ،‬فإذا كان‬ ‫عصريات كل يوم جلس أرباب املقاعد جتاه حوانيت‬ ‫الصيارف لبي� � ��ع أنواع من املأكل»‪ ،‬وهذا أمر طبيعي‪،‬‬ ‫وهو وجود الطعام في األماكن التي يوجد فيها الناس‬ ‫أينما كانوا‪.‬‬ ‫وكم� � ��ا يبدو ففي القاهرة س� � ��وق مركزي للفاكهة‬ ‫‪136‬‬

‫‪12/7/16 12:58:57 PM‬‬

‫وه� � ��و «دار الفاكهة» أو «دار التف� � ��اح» الذي كانت ترد‬ ‫إليه الفاكهة التي تنتجها البساتني املصرية والفواكه‬ ‫املس� � ��توردة من بالد الشام‪ ،‬ومن هذا السوق املركزي‬ ‫يتم توزيع الفاكهة على أس� � ��واق القاهرة وضواحيها‪,‬‬ ‫وقد بُني هذا الس� � ��وق بعد سنة ‪740‬هـ ثم بنيت حوله‬ ‫حوانيت ع� � ��دة لبيع الفاكهة التي كان الباعة يبيعونها‬ ‫في ش� � ��كل بديع وحولها الزه� � ��ور‪ ،‬وخارج باب النصر‬ ‫م� � ��ن ظاهر القاهرة تقع «س� � ��ويقة اللفت» التي كانت‬ ‫تش� � ��تمل على حوانيت عدة يباع فيها اللفت والكرنب‬ ‫ويحصل منها إلى سائر أسواق القاهرة‪ ،‬وكان «سوق‬ ‫الزياتني» مخصص � � �اً لبيع مختلف أنواع الزيوت التي‬ ‫يحتاجها أهل املدينة‪.‬‬ ‫ويشير ابن دقماق إلى «سوق السماكني» بأنه يقع‬ ‫ما بني س� � ��وق سويقة املغاربة ومربعة الفاكهني‪ ،‬وتباع‬ ‫فيه األسماك الطازجة واململحة وكانت تصله أسماك‬ ‫البحر املالح في فصل الش� � ��تاء‪ ،‬وجتهز وترس� � ��ل إلى‬ ‫األسواق من هناك‪ .‬ومن األسواق الغذائية التي اشتق‬ ‫اس� � ��مها من نوع السلعة أيضاً س� � ��وق خان الرواسني‬ ‫خان به يعمل فيه‬ ‫الذي عرف بهذا االسم نتيجة وجود ٍ‬ ‫الرؤوس املنمورة وكان فيه ‪ 20‬حانوتاً مليئة بأصناف‬ ‫األطعمة‪ .‬و«س� � ��وق الدجاج� �ي��ن» وكان مكانه مما يلي‬ ‫سوق الشماعني إلى سوق قبو اخلرشتف‪ ،‬وكان يباع‬ ‫فيه من الدجاج واإلوز «كثير جليل إلى الغاية»‪ ،‬كانت‬ ‫تب� � ��اع فيه بح� � ��راج‪ ،‬أي عن طريق املزاي� � ��دة والداللة‪،‬‬ ‫وهو م� � ��ا يعكس ازدهار صناع� � ��ة التفريخ التي كانت‬ ‫متد تلك األس� � ��واق بكميات كبي� � ��رة من مختلف أنواع‬ ‫الطيور‪ .‬و«س� � ��وق الغالل» ببوالق الذي كان يوجد فيه‬ ‫جمع غفير من الناس يتناقش� � ��ون في األسعار بقرب‬ ‫البواخر احململة‪ ،‬التي كانت متالحمة بعضها بجانب‬ ‫بعض‪ .‬ويقول جس� � ��تيل «إنها مليئة بجميع السلع على‬ ‫أنواعه� � ��ا التي ميكن أن تتخيلها‪ ،‬فهي مجمع الس� � ��لع‬ ‫الت� � ��ي تأتي بها املراكب والس� � ��فن م� � ��ن جميع نواحي‬ ‫البالد»‪.‬‬ ‫وقد اكتسب الس� � ��وق الغذائي الذي عرف باسم‬ ‫«سوق احلالويني» اس� � ��مه من احللوى املصنوعة من‬ ‫الس� � ��كر‪ ,‬وكان لهذا الس� � ��وق مواسم يزدهر فيها مما‬ ‫يلقي ��عض الضوء على جوان� � ��ب احلياة االجتماعية‬ ‫آن� � ��ذاك‪ ,‬ففي موس� � ��م ش� � ��هر رجب ونصف ش� � ��عبان‬ ‫وموس� � ��م عيد الفطر‪ ،‬الذي كان االس� � ��تعداد يبدأ له‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 131-139.indd 136‬‬


‫جانب من أحد األسواق املصرية القدمية‬

‫من منتصف ش� � ��هر رمضان‪ ,‬كانت تصنع متاثيل من‬ ‫احللوى على هيئة احليوانات املختلفة عرفت باس� � ��م‬ ‫العاللي� � ��ق مفردها عالقة؛ «ألنه� � ��ا تعلق بخيوط على‬ ‫أبواب احلوانيت»‪ ,‬وفي هذه املواس� � ��م كانت أس� � ��واق‬ ‫القاهرة واألقاليم متتلئ بهذا الصنف من احللوى‪.‬‬

‫أسواق مؤقتة‬

‫وف� � ��ي جانب آخر‪ ،‬أقيمت بعض أس� � ��واق الطعام‬ ‫تبع � � �اً ملواقعها النس� � ��بية بص� � ��ورة مؤقتة ف� � ��ي أماكن‬ ‫جتمعات الناس في مواقع العمل من أجل بناء جسر‬ ‫على نهر النيل أو ش� � ��ق ترعة أو بناء جامع أو مدرسة‬ ‫‪138‬‬

‫‪12/7/16 12:59:05 PM‬‬

‫أو في ميادين احلروب‪ ،‬وكانت مهمة هذه األس� � ��واق‬ ‫الثانوي� � ��ة إمداد من في مواق� � ��ع العمل مبا يحتاجونه‬ ‫م� � ��ن الطعام‪ ,‬حيث يفترش الباع� � ��ة األرض ليعرضوا‬ ‫بضائعه� � ��م من مأك� � ��والت ومش� � ��روبات للعاملني في‬ ‫مواقع عملهم‪ ،‬وينتهي الس� � ��وق بانتهاء الغرض الذي‬ ‫يقام من أجله‪ ,‬ففي س� � ��نة ‪723‬هـ‪ ،‬على سبيل املثال‪،‬‬ ‫ارتفع منس� � ��وب الفيض� � ��ان وأغرق بع� � ��ض األراضي‬ ‫بسبب تقطع اجلس� � ��ور‪ ،‬فرسم السلطان بعمل جسر‬ ‫يحج� � ��ز املاء ع� � ��ن القاهرة لئال تغرق ف� � ��ي نيل آخر‪،‬‬ ‫فاس� � ��تدعى األمراء فالحيهم من النواحي ونصب كل‬ ‫أمير خيمة وخ� � ��رج برجاله للعمل‪ ،‬فكان لزاماً توفير‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 131-139.indd 138‬‬


‫تاريخ‬ ‫الطعام للعمال وغيرهم‪ ،‬فنصبت «لهم األسواق حتى‬ ‫اكتمل اجلسر في عشرين يوماً»‪.‬‬ ‫وفي صفر س� � ��نة ‪ 818‬هـ كث� � ��ر النداء في كل يوم‬ ‫على أصناف الناس بخروجهم لعمل جس� � ��ر ملنع املاء‬ ‫فخرج الناس للعمل تباعاً‪ ,‬واملنادي في كل يوم ينادي‬ ‫على العامة بالعمل فخرجوا وخلت أس� � ��واق القاهرة‬ ‫وظواهره� � ��ا من الباع� � ��ة‪ ،‬فغلقت القياس� � ��ر ونصبت‬ ‫أس� � ��واق الطعام في مواقع العم� � ��ل وعملت املأكوالت‬ ‫لتكفي حاجة الناس من الطعام‪.‬‬ ‫ويس� � ��وق لنا ابن إياس في حوادث س� � ��نة ‪922‬هـ‬ ‫مثاالً على أسواق الطعام التي كانت تقام في ميادين‬ ‫احلروب‪ ،‬إذ يروي أنه وردت األخبار في ثاني عش� � ��ر‬ ‫ذي احلج� � ��ة من العام املذكور ب� � ��أن ابن عثمان وصل‬ ‫مبعسكره إلى العريش‪ ،‬فرسم السلطان بحفر خندق‬ ‫م� � ��ن اجلبل األحمر إلى آخر غيط� � ��ان املطرية وزوده‬ ‫باملدافع‪ ،‬ثم إن السلطان رسم للمحتسب بأن «ينادي‬ ‫في القاهرة للس� � ��وقة وأرب� � ��اب البضائع من الزياتني‬ ‫واخلبازي� � ��ن واجلبان� �ي��ن واللحام� �ي��ن ب� � ��أن يتحولوا‬ ‫ببضائعهم وينشئوا هناك سوقاً ويبيعوا على العسكر‬ ‫الذي هناك»‪.‬‬ ‫كما أقيم س� � ��وق موسمي بش� � ��كل مؤقت مستغالً‬ ‫جتمع الناس ملناس� � ��بة معينة مث� � ��ل االحتفال باملوالد‪،‬‬ ‫مثل مولد إس� � ��ماعيل اإلنباتي ومولد الشيخ سويدان‬ ‫املجذوب‪ ،‬ويقول ابن إي� � ��اس إنه في مثل هذه املوالد‬ ‫تضرب اخليام أس� � ��واقاً بدكاك� �ي��ن ويخرج الناس في‬ ‫الفرحة ع� � ��ن احلد‪ ،‬ويظل املولد ليالي متوالية يعظم‬ ‫فيها البيع والشراء‪.‬‬ ‫جدي� � ��ر بالذكر هنا اإلش� � ��ارة إلى وجود أس� � ��واق‬ ‫س� � ��نوية أقيم� � ��ت في مص� � ��ر دعمت حرك� � ��ة التجارة‬ ‫الداخلية املتمثلة في أسواق البالد وما حوت‪ ،‬وكانت‬ ‫تلك األسواق السنوية تعقد للتجارة العاملية اآلتية من‬ ‫بالد الشرق إلى أس� � ��واق أوربا‪ ،‬وظفرت برواج واسع‬ ‫وحققت أرباحاً خيالية للمش� � ��تغلني بها منذ ش� � ��حنها‬ ‫في موانئ التصدير اآلسيوية واإلفريقية املطلة على‬ ‫احمليط الهندي حتى يتم توزيعها في أسواق أوربا‪.‬‬ ‫وكانت التجارة العاملية في العصر اململوكي تسلك‬ ‫طرقاً برية وبحري� � ��ة عدة من مصادرها األصلية في‬ ‫بالد الش� � ��رق حتى تصل إلى األس� � ��واق األوربية عبر‬ ‫محورين رئيسني يتمثالن في سواحل مصر الشمالية‬ ‫سوق الطعام بالقاهرة في عصر سالطني املماليك‬ ‫‪12/7/16 12:59:10 PM‬‬

‫والش� � ��ام‪ ،‬وكان احلجم األكبر م� � ��ن هذه التجارة التي‬ ‫تعقد لها األسواق السنوية يسير عبر طريقني يؤديان‬ ‫إليهم� � ��ا‪ :‬طري� � ��ق البحر األحمر إلى الس� � ��ويس ومنها‬ ‫للقاه� � ��رة بالقواف� � ��ل‪ ،‬ثم تنقل على ظهر الس� � ��فن بني‬ ‫فرعي النيل إلى رش� � ��يد ودمياط وإلى اإلس� � ��كندرية‪،‬‬ ‫إم� � ��ا باملالحة في ترع� � ��ة كانت تصل م� � ��ا بني فرعي‬ ‫الني� � ��ل‪ ،‬وإما على ظه� � ��ور ال� � ��دواب‪ .‬والطريق الثاني‬ ‫من اخلليج العربي والف� � ��رات إلى حلب ومنها ملوانئ‬ ‫الشام املطلة على شرق املتوسط‪ ،‬وكانت سلع التجارة‬ ‫متعددة ومهمة بالنسبة لألوربيني‪.‬‬

‫بياض العامة!‬

‫ولم تكن فائدة مصر من مرور التجارة الش� � ��رقية‬ ‫بأراضيها مقصورة على الضرائب الفادحة‪ ،‬التي كان‬ ‫املماليك يجبونها عليها‪ ،‬بل إنها كانت تعمر األس� � ��واق‬ ‫في القاهرة واإلس� � ��كندرية ودمياط ورش� � ��يد والبالد‬ ‫األخرى التي متر عليها‪ ،‬فتنشط حركة البيع والشراء‬ ‫ويثري التجار بدورهم‪ ،‬وقد نعم هؤالء بالغنى والثروة‬ ‫أيضا‪ ،‬حت� � ��ى أصبح له� � ��م مركز ممتاز ب� �ي��ن طبقات‬ ‫الش� � ��عب‪ ،‬وبطبيعة احلال لم تص� � ��ل مكانتهم تلك إلى‬ ‫مكانة جندي من جنود املماليك مهما بلغوا من الثراء‪،‬‬ ‫حتى كان كبار جتارهم يطل� � ��ق عليهم «بياض العامة»‬ ‫متي� � ��زاً لهم عن فئات الرعية األخرى‪ ،‬هذا من ناحية‪،‬‬ ‫ومن ناحية ثانية وفرت تلك األسواق التي كانت تعقد‬ ‫في بالد السلطنة اململوكية ما حتتاجه أسواق البالد‬ ‫األساسية من سلع ومتاجر البالد األخرى‪ ،‬ونتج عن كل‬ ‫ذلك تفاقم حركة النش� � ��اط التجاري من بناء اخلانات‬ ‫والفنادق واألس� � ��واق من ناحية ثالث� � ��ة‪ .‬ففي اخلانات‬ ‫والفنادق ين� � ��زل التجار ببضائعهم وس� � ��لعهم ودوابهم‬ ‫ويخزنون بضائعهم في املخ� � ��ازن واحلواصل‪ ،‬وتؤدى‬ ‫له� � ��م األعمال املصرفية‪ ،‬ويفد عليه� � ��م جتار التجزئة‬ ‫لش� � ��راء حاجياتهم من البضائع التي يعرضونها للبيع‬ ‫في حوانيتهم‪ ،‬مما زاد من نش� � ��اط التجارة الداخلية‬ ‫وتدعيمها مبورد نقدي وآخر عيني‪.‬‬ ‫ومما س� � ��بق يتضح أن س� � ��وق الطعام مؤش� � ��ر مهم‬ ‫وصادق على مدى تقدم املجتمع ودرجة ما يتمتع به من‬ ‫استقرار اقتصادي وسياسي واجتماعي‪ ,‬حيث ينشط‬ ‫الس� � ��وق بكامل وجوه نشاطه ويصير كخلية النحل كلها‬ ‫حركة دائمة في جميع االجتاهات واجلوانب >‬ ‫‪139‬‬

‫‪jan 131-139.indd 139‬‬


‫نقد مسرحي‬

‫ثيمتا عرضين مسرحيين في لبنان‬

‫تحرر المرأة وتعنيفها‪ ...‬رؤية سنوية‬ ‫د‪ .‬وطفاء حمادي‬

‫أكادميية من لبنان‬

‫ش���اءت المخرجت���ان اللبنانيتان لينا أبيض في عرض «ب���س أنا بحبك»‪ ،‬وعلية‬ ‫الخالدي في عرض «عنبرة»‪ ،‬أن تكشفا عن أحوال النساء على هذه الخشبة‪،‬‬ ‫فيجسد األول سير النساء‪ ،‬ويكشف عن مسار حياتهن وهن يعانين التعرض‬ ‫لتعنيف الس���لطة الذكورية‪ ،‬ومازل���ن يدرن في دائرة مغلقة‪ ،‬ويجس���د الثاني‬ ‫سيرة امرأة لبنانية رائدة ومناضلة‪.‬‬

‫قدمت املخرج������ة املس������رحية اللبنانية لينا‬ ‫أبيض عرضاً مس������رحياً قاس������ياً‪ ،‬وموجعاً‪ ،‬هو‬ ‫عرض نساء يسردن سير حياتهن في عالقاتهن‬ ‫مع الس������لطة الذكوري������ة‪ ،‬وعذاباتهن وعجزهن‬ ‫أمام هذه السلطة‪ .‬في هذه املسرحية شاهدنا‬ ‫كيف تتعرض امل������رأة للتعنيف م������ن قبل الزوج‪،‬‬ ‫وكي������ف تس������تدرك وتغفر ل������ه‪ ،‬ألنه ي������ردد على‬ ‫مس������امعها «بس أن������ا بحبك»‪ .‬ب������دأ التعبير عن‬ ‫تفاصيل املعاناة‪ ،‬من عبارات كتبت بالطبش������ور‬ ‫األبيض على حوائط صالة العرض الس������وداء‪،‬‬ ‫فنقرأ بعضها‪ ،‬ثم نس������مع بعضها اآلخر بصوت‬ ‫املمثالت‪ ،‬حتى ال يفوتنا شيء من هذه التعابير‬ ‫املرئية املسموعة‪.‬‬ ‫جمعت لينا أبيض نصها من حكايات نس������اء‬ ‫وجس������دتها املمثالت بأداء س������ردي‬ ‫معنف������ات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تنوع بتنوع قص������ص العنف املمارس على املرأة‪:‬‬ ‫فاألول������ى س������ردت معاناتها من حج������ز حريتها‬ ‫ومنعها من اخلروج من املنزل‪ ،‬وحكت عن احلب‬ ‫ال������ذي كانت تكنه لزوجها‪ ،‬وع َّبرت عن تعرضها‬ ‫‪140‬‬

‫‪12/1/16 8:31:55 AM‬‬

‫للضرب والتعنيف من زوجها قبل أن تتزوج منه‪،‬‬ ‫ولكنها تزوجت منه‪ ،‬وفيما بعد‪ ،‬ندمت على هذا‬ ‫الزواج‪.‬‬ ‫والثانية استغلها زوجها اقتصاديا‪ ،‬فاضطرت‬ ‫لبيع أواني املطبخ لتؤ ِّمن طعام عائلتها‪ .‬والثالثة‬ ‫التي تقيم في كندا كان زوجها يعاقبها ويصفعها‬ ‫ألنها تهمل طلباته وال تنفذها‪ .‬والرابعة تس������رد‬ ‫كي������ف كان زوجها يضربها‪ ،‬ثم يس������ترخي على‬ ‫كرسي‪ ،‬ويدخن «النارجيلة»‪.‬‬ ‫أدت املمث���ل��ات األرب������ع أدوار هذه النس������اء‬ ‫عبر س������ردية مؤملة تقارب العنف اللفظي الذي‬ ‫أحسس������نا به ونحن نس������تمع إليهن‪ ،‬ونش������اهد‬ ‫تعابي������ر وجوههن التي أتقنت التعبير عن الوجع‬ ‫عبر أداء اجلسد الباكي من ألم العنف املمارس‬ ‫علي������ه‪ ،‬من قبل هذه الس������لطة الذكورية الغائبة‬ ‫بكينونتها‪ ،‬واحلاضرة بفعلها‪ .‬كما أدتها املمثالت‬ ‫من خالل حركة دائرية تتكرر وتتواكب مع فعل‬ ‫الس������رد في هذه الدوائر املشظاة‪ ،‬والتكرار هو‬ ‫س������مة من سمات مس������رح العبث التي تدل على‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 140-143.indd 140‬‬


‫مشهد من مسرحية «بس أنا بحبك»‬

‫عبثية احلركة‪ ،‬والتي تش������ير إل������ى الدوران في نندمج بها‪ ،‬وكعادتها جتعلنا لينا أبيض نعبر إلى‬ ‫العرض ونخرج منه‪ ،‬ونحن نفكر‪.‬‬ ‫الفراغ‪ ،‬والالجدوى‪.‬‬ ‫حترك������ت ه������ؤالء املمث���ل����ات على اخلش������بة‬ ‫مبشهدية سينوغرافية الفتة‪ ،‬صنعت لينا أبيض مسرحية «عنبرة»‬ ‫صفت بأش������كال‬ ‫إزاء س������ير هؤالء النس������اء املعنفات‪ ،‬نتناول‬ ‫أدواته������ا من ش������ظايا صحون ُ‬ ‫هندسية جميلة ولكن مس������ننة ومؤذية‪ ،‬وشكلت عرضا قدمته املخرجة املسرحية علية اخلالدي‬ ‫أربع دوائر مقفلة‪ ،‬يختلف قطر كل منها باختالف لكي متسرح سيرة امرأة لبنانية‪ ،‬هي من السيدات‬ ‫حجم حالة العنف املمارسة على كل امرأة تدور املناضالت اجتماعياً وسياس������ياً وفكرياً‪ ،‬الالتي‬ ‫ف������ي هذه الدائرة‪ :‬فمنه������ا الضيقة ومنها األكثر برزن في بدايات القرن العشرين‪ .‬وتعتبر رائدة‬ ‫اتس������اعاً‪ .‬والثالثة بقني يتحركن ضمن الدائرة من رائدات دعاة حترر املرأة في العالم العربي‪.‬‬ ‫املقفلة باس������تثناء الرابعة‪ ،‬فقد خرجت منها ألن ولدت في بيروت‪ ،‬في بيت سياسي متنور‪ ،‬دعم‬ ‫هذه املرأة‪ .‬تتلم������ذت على يد الرائدة النهضوية‬ ‫زوجها قد توفاه الله‪.‬‬ ‫«بس أن������ا بحبك» عرض جس������دت فيه لينا جوليا طعمة دمشقية‪ .‬كتبت مقاالتها السياسية‬ ‫أبي������ض واملمث���ل��ات مي أوغدن ودارين س������ميث وهي في السادس������ة عشرة من عمرها‪ ،‬ترجمت‬ ‫ودمية ش������مس الدين قضية النس������اء‪ ،‬فسردت «اإللياذة» إل������ى العربية‪ ،‬ثم انصرفت إلى العمل‬ ‫كل منهن حكاي������ة معاناة وتعني������ف وأدتها بأداء االجتماعي التوعوي للمرأة من خالل ترؤس������ها‬ ‫واقعي‪ ،‬ينقل إلينا احلالة فنعايش������ها من دون أن لنادي الفتيات املس������لمات‪ .‬تزوجت من ش������اب‬ ‫حترر املرأة وتعنيفها‪ ...‬رؤية سنوية‬ ‫‪12/1/16 8:31:59 AM‬‬

‫‪141‬‬

‫‪jan 140-143.indd 141‬‬


‫فلس������طيني آم������ن بفكرها‪ ،‬ودعمه������ا مبطالبتها‬ ‫بحرية املرأة‪ .‬عاشت في القدس ثم انتقلت إلى‬ ‫لبنان سنة ‪.1948‬‬ ‫من هذه الس������يرة بنت عل ّية اخلالدي نصها‬ ‫«عنبرة»‪ ،‬مس������تندة إلى دراماتورجيا قامت بها‬ ‫املخرج������ة نورا الس������قاف‪ .‬وق������د متكنتا من أن‬ ‫تس������تال من هذه الس������يرة ما يحتمل أن يش������كل‬ ‫حدثاً درامياً‪ .‬س������عت علية ون������ورا إلى أن تنأيا‬ ‫بالدراماتورجيا عن االس������تغراق في الس������ردية‪،‬‬ ‫بل وعملتا على الكش������ف ع������ن كل ما هو متغير‬ ‫وتطويري في مسيرة هذه املرأة التي سعت إلى‬ ‫تغيير واقعها وواقع النس������اء ف������ي ذلك الزمن‪.‬‬ ‫كما كشف النص عن البيئة االجتماعية وبعض‬ ‫العادات والتقاليد التي كانت متارس خالل تلك‬ ‫املرحلة في بدايات القرن العشرين‪.‬‬ ‫عاجلت علية اخلالدي إخراج الس������يرة مبا‬ ‫يتالءم ورؤيتها الفكرية‪ ،‬استعانت مبمثلني منهم‬

‫من يخوض جتربته األولى في التمثيل‪ ،‬مثل نزهة‬ ‫حرب التي كشفت عن قدرة أدائية الفتة‪ ،‬وكان‬ ‫حلضورها على اخلشبة وحركتها جتسيد ممتع‬ ‫ينس������جم مع حراك عنبرة الشخصية املتحركة‬ ‫الديناميكية التي ال تكل وال تتعب‪ .‬كذلك فادية‬ ‫التنير‪ ،‬املمثل������ة صاحبة التجربة األدائية الغنية‬ ‫في مس������رح الدمى‪ ،‬كان أداؤه������ا دور األم يدل‬ ‫على قدرة الفتة في تنويع األداء بني الكوميدي‬ ‫والتراجيدي واملوقف الصامت‪.‬‬ ‫ومتكن������ت كذل������ك علي������ة من حتوي������ل قدرة‬ ‫عبدالرحي������م العوجي األدائية من النوع األدائي‬ ‫الكوميدي إلى األداء املتمكن في املواقف اجلادة‬ ‫التي يجب أن يعبر عنها‪ ،‬وإن استعاد في بعض‬ ‫املشاهد اعتياده على األداء الكوميدي‪.‬‬ ‫ثم اعتمدت املخرجة على الشاش� � ��ة لتعبر من‬ ‫خاللها عن مس� � ��ار أحداث ت� � ��وازي األحداث التي‬ ‫تتم على اخلش� � ��بة‪ ،‬ولتشكل حيزاً مشهدياً يكشف‬

‫مشهد من عرض مسرحية «عنبرة»‬ ‫‪142‬‬

‫‪12/1/16 8:32:05 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 140-143.indd 142‬‬


‫نقد مسرحي‬

‫املخرجة املسرحية لينا أبيض‬

‫املخرجة املسرحية علية اخلالدي‬

‫ع� � ��ن قلق عنب� � ��رة ومتردها وكالمه� � ��ا عن احلجاب‬ ‫ورفضه� � ��ا له‪ ،‬ولتظهر اجلرأة التي تتمتع بها عنبرة‬ ‫حني قابلت حبيبه� � ��ا عبدالغني العريس‪ ،‬التي تدل‬ ‫عل� � ��ى حتديها للتقالي� � ��د‪ ،‬وإن كان ذلك يجري في‬ ‫السر ويتم خلف الكواليس على الشاشة‪.‬‬ ‫كما استخدمتها للتعبير عن مناقشات الرجال‬ ‫التي تدور حول حجاب املرأة‪ ،‬ولكي متنح ردات فعل‬ ‫املجتمع الذكوري الرافضة لتطور املرأة وملطالبتها‬ ‫بحريتها حيزاً كبيراً‪ .‬وعلى حيز اخلشبة املخصص‬ ‫للعرض اش� � ��تغلت أحداث متوازية عدة‪ ،‬هـــــنا األم‬ ‫التي تش� � ��كو من رفض ابنتها للزواج‪ ،‬وفي الزاوية‬ ‫اليمن� � ��ى من اخلش� � ��بة اس� � ��تخدمت عنب� � ��رة احليز‬ ‫لتختلي بنفسها‪ ،‬وتس ُّر ببعض أسرارها لصديقتها‪،‬‬ ‫وفي هذه الزاوية تكتب وتقرأ من كتاب قاسم أمني‬ ‫«حترير امل� � ��رأة»‪ .‬كل هذه األح� � ��داث جرت بإيقاع‬ ‫سريع‪ ،‬ألن علية أرادت أن تعـــــرض أمامنا محطات‬ ‫مهمة عدة من حــــياة هذه املناضلة‪ ،‬واحملرضة على‬ ‫الوعي‪ ،‬والداعية لتحرر املرأة‪ ،‬وإن كانت قد فوتت‬ ‫بعض احملطات املهمة أيضاً من حياتها‪.‬‬ ‫يكشف هذا العرض عن الرؤية الفكرية التي‬ ‫تسعى إلى جتسيدها كل من علية اخلالدي ونورا‬ ‫السقاف‪ ،‬وقد انحازت نحو إبراز جانب مهم من‬ ‫حياة عنبرة سالم اخلالدي (‪ ،)1986-1897‬هو‬ ‫اهتمامها بالشأن العام‪ ،‬ولكن هذا الكشف عن‬ ‫مسيرتها لم يقتصر فقط على اهتمامها بالشأن‬ ‫العام على حساب وضعها اخلاص‪ ،‬فعنبرة سالم‬ ‫اخلالدي‪ ،‬لم تس������ع فقط إل������ى حتدي التقاليد‬ ‫بالعم������ل على توعي������ة املرأة واالهتمام بالش������أن‬ ‫السياس������ي واملطلبي‪ ،‬ولكنها ب������ادرت إلى تعزيز‬

‫كيانها كامرأة حتب وتعش������ق‪ ،‬فتقابل حبيبها في‬ ‫زمن كانت املرأة فيه تختبئ وراء املشربية‪ ،‬حيث‬ ‫كان������ت ترى وال تُرى بضم الت������اء‪ ،‬وبلغت جرأتها‬ ‫وقناعته������ا بضرورة التمت������ع باحلرية‪ ،‬أن خلعت‬ ‫احلجاب في مؤمتر باجلامع������ة األمريكية أمام‬ ‫كل احلضور‪ ،‬في مشهد مسرحي جميل امتلكت‬ ‫فيه نزهة‪/‬عنبرة اخلشبة‪.‬‬ ‫في اخلتام‪ ،‬أقول إني اخترت هذين العرضني‬ ‫ألشير إلى معاناة املرأة التي حاصرتها الدوائر‬ ‫املقفل������ة كما في عرض «بس أن������ا بحبك»‪ ،‬وإلى‬ ‫واق������ع املرأة ودورها في توعي������ة الذات والتحرر‬ ‫من القمع كما في عرض «عنبرة»‪ .‬ففي العرض‬ ‫األول «ب������س أنا بحبك» تتحم������ل املرأة وتتعرض‬ ‫للتعني������ف‪ ،‬وتعجز عن اتخاذ ق������رار يحررها من‬ ‫الس������لطة الذكورية‪ ،‬وتستس������لم لدى س������ماعها‬ ‫كلمته «بس أن������ا بحبك»‪ ،‬عب������رت عنها لينا من‬ ‫خ���ل��ال هذه الدوائر املش������ظاة املقفلة من خالل‬ ‫س������رديات حية وموجع������ة‪ .‬بينما عمل������ت عنبرة‬ ‫س���ل��ام اخلالدي ابنة أوائل القرن العشرين على‬ ‫حتدي عادات وتقاليد اجتماعية قاسية وقامعة‬ ‫للم������رأة‪ ،‬فتواعد حبيبها وتخل������ع النقاب‪ ،‬ونعزو‬ ‫هذا املوقف لس������ببني‪ :‬أولهما‪ ،‬لوعيها بكينونتها‬ ‫وإميانها بذاتها‪ ،‬وثانيهما لدعم السلطة الذكورية‬ ‫لها‪ ،‬أي دعم األب ملواقف ابنته‪ .‬لقد عبرت علية‬ ‫اخلالدي ونورا السقاف عن حياة امرأة حفرت‬ ‫عميقاً في الوعي وف������ي الثقافة وفي الصحافة‬ ‫وفي الترجمة‪ ،‬وفي التعبير عن حبها من خالل‬ ‫أدوات مس������رحية متناغمة مع املوسيقى والغناء‬ ‫واألداء >‬

‫حترر املرأة وتعنيفها‪ ...‬رؤية سنوية‬ ‫‪12/1/16 8:32:12 AM‬‬

‫‪143‬‬

‫‪jan 140-143.indd 143‬‬


‫فن تشكيلي‬

‫أن تعشــــق العزلـــة‬

‫إدوارد هوبر‪ ...‬الواقعي حد الكآبة‬ ‫محمود سليمان‬ ‫ف���ي عم���ر العش���رين أنج���ز أعما ًال‬ ‫مبتك���رة أضح���ت بع���د س���نوات‬ ‫قليلة أعم���ا ًال ذات صبغ ٍة مختلفة‬ ‫وإحساس جديد‪ ،‬ع َّبرت بعمق عن‬ ‫ٍ‬ ‫الحي���اة األمريكي���ة الحديث���ة‪ .‬تبدو‬ ‫مواضيعه مناظ���ر مألوفة لكنها‬ ‫فري���دة ف���ي عزلته���ا وغموضه���ا‪،‬‬ ‫ال���ذي يتمثل ف���ي أغل���ب لوحاته‬ ‫واقع مواز ٍ لما يعيشه الفنان‬ ‫إلى‬ ‫ٍ‬ ‫ويفرضه الواقع‪.‬‬

‫لوحة رسمها إدوارد هوبر لنفسه‬

‫يكمن س������ر خصوصية هوبر ف������ي توظيفه‬ ‫املتقن للعادي واملعيش واليومي‪ ،‬ومزجه بصبغة‬ ‫املش������اعر واألحاسيس اجلياشة للعزلة والوحدة‬ ‫والس������كون‪ ،‬وقدرت������ه على مناجاة ال������روح‪ ،‬ومن‬ ‫أهم س������ماته الفنية معاجلت������ه الدقيقة واملــعبرة‬ ‫للضوء‪.‬‬ ‫تق������ول الكاتب������ة واملس������رحية األمريكية مايا‬ ‫أجنلـو‪« :‬الناس ينسون ما قلت وما فعلت‪ ،‬لكنهم‬ ‫لن ينس������وا كيف جعلتهم يشعرون»‪ .‬هذه املقولة‬ ‫تنطبق متاماً على أعمال فنان أمريكي معاصر‪،‬‬ ‫حيث يعد واحداً من أهم وأصدق رواد املدرسة‬ ‫الواقعية في الف������ن األمريكي احلديث‪ ،‬إذ يلعب‬ ‫‪144‬‬

‫‪12/1/16 8:32:42 AM‬‬

‫شاعر وكاتب من مصر‬

‫اخليال والش������عور النفس������ي املتف������اوت والرموز‬ ‫العاطفية املؤثرة مكاناً مناسباً للركض في لوحة‬ ‫إدوارد هوب������ر ‪ Edward Hopper‬الواقع������ي حد‬ ‫الكآبة‪ ،‬األسطوري في بساطته‪.‬‬ ‫قد تك������ون مواضيعه عادي ًة وقد تبدو للوهلة‬ ‫األولى مناظ������ر مألوفة‪ ،‬لكنها فريدة في عزلتها‬ ‫وغموضها الس������اكن‪ /‬املتحرك‪ ،‬الذي يتمثل في‬ ‫مواز ملا يعيش������ه الفنان‬ ‫واقع ٍ‬ ‫أغل������ب لوحاته إلى ٍ‬ ‫ويفرضه الواقع املعيش اجلديد للحياة األمريكية‬ ‫اجلافة في ذلك الوقت‪ ،‬فكل أعمال هوبر لوحة‬ ‫ٍ‬ ‫متعدد‬ ‫إطار‬ ‫واح������دة وفكر ًة واحدة‪ ،‬لكنه������ا ذات ٍ‬ ‫ومتش������ابك مع ذوات اآلخرين وأدوارهم الثابتة‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 144-150.indd 144‬‬


‫واملعبرة بعمق وسكون‪.‬‬ ‫تع������دد القراءات لهذه اللوحة يكمن في تعدد‬ ‫إيحاءاته������ا ودالالته������ا الرمزية برغ������م واقعيتها‬ ‫وإس������قاطاتها‪ ،‬بل بتداخلها مع أنس������اق مختلفة‬ ‫م������ن التعبير الفني الذي يُعبئ الش������عور بالعزلة‬ ‫ٍ‬ ‫صمت مميت‪« ،‬فإن تعشق‬ ‫والغربة والغيبية في‬ ‫العزلة فهذا يعني أن العالم لم يعد مكاناً مناسباً‬ ‫مبا فيه الكفاية بالنس������بة ل������ك»‪ ،‬على حد تعبير‬ ‫هوبر نفسه‪.‬‬ ‫ول������د الرس������ام إدوارد هوبر ع������ام ‪ ١٨٨٢‬في‬ ‫إح������دى املناطق املج������اورة ملدين������ة نيويورك‪ ،‬ما‬ ‫مكنه من االلتحاق مبدرس������ة نيوي������ورك للفنون‬ ‫والتصمي������م‪ ،‬التي التقى خالله������ا ويليام ميريت‬ ‫تش������يس وأس������تاذه األول الفنان روبرت هنري‪،‬‬ ‫وه������و أحد آباء املدرس������ة الواقعي������ة األمريكية‪،‬‬ ‫بينم������ا أ َّثرت بعض نظ������رات أقرانه له في بداية‬ ‫ممارس������ته للفن حيث اختالف لوحته‪ ،‬مما طبع‬ ‫صورة من السخرية والتهكم جعلته ينزوي بعيداً‬

‫داخل أعمال������ه الفنية‪ ،‬مفض���ل�� ً‬ ‫ا العزلة كأعمق‬ ‫وأمهر تفصيل ملا تعبر عن������ه‪ ،‬الذات ليقول‪« :‬ال‬ ‫أعتقد أنني تعمدت في ٍ‬ ‫وقت ما أن أرسم املشهد‬ ‫األمريكي‪ ،‬إنني أحاول رسم نفسي»‪ ،‬ولم تعرف‬ ‫صاالت الع������رض الفنية الكبيرة ف������ي نيويورك‬ ‫وأوربا إدوارد هوبر‪ ،‬ولم يكن اسماً معروفاً حتى‬ ‫العقد الرابع من عمره‪ ،‬ولم تكن لوحاته تباع إلى‬ ‫أن أقام معرضاً فنياً في صالة «رين» بنيويورك‬ ‫عام ‪ ،1924‬ولم يتوقع هوبر نفس������ه أن تباع في‬ ‫هذا املعرض كل لوحاته‪.‬‬ ‫اضطر هوبر للعمل قبل ذلك لكسب عيشه‪،‬‬ ‫كما يقول‪ ،‬مما حدا به إلى الرس������م التجاري في‬ ‫مجالت ع������دة‪ ،‬إال أن ما عبرت عنه رس������ومات‬ ‫تلك املرحلة تك������رر في أعماله الفنية فيما بعد‪،‬‬ ‫كم������ا أن ثمة نحاتاً ماهراً ت������رك منحوتات غاية‬ ‫في اجلم������ال والروع������ة واحلرفي������ة الفنية بني‬ ‫عامي ‪ 1918‬و‪ ،1928‬ص َّورت وجوهاً‬ ‫ٍ‬ ‫وتشكيالت‬ ‫وتفاصي َل عميق ًة ومتباينة في أكثر من عش������رين‬

‫لوحة «الشمس في حجرة فارغة» ‪1963‬‬

‫إدوارد هوبر‪ ...‬الواقعي حد الكآبة‬ ‫‪12/1/16 8:32:46 AM‬‬

‫‪145‬‬

‫‪jan 144-150.indd 145‬‬


‫لوحة «املنزل احملاذي لسكة احلديد» ‪1925‬‬

‫منحوتة‪ ،‬العباً على فكرة العتمة والنور ومتأثراً‬ ‫بذلك العصر اجلديد في أمريكا‪ ،‬عصر ناطحات‬ ‫الس������حاب التي هندست الس������ماء بسرعة‪ ،‬إلى‬ ‫جانب ذلك ق������دم هوبر رس������ومات مائية هائلة‬ ‫حتى عام ‪.1939‬‬

‫في عمر العشرين‬

‫في عمر العشرين أجنز هوبر أعماالً مبتكرة‬ ‫ومختلفة‪ ،‬أضحت بعد سنوات قليلة أعماالً ذات‬ ‫ٍ‬ ‫�����اس جديد‪ ،‬ع َّبرت بعمق‬ ‫صبغة مختلفة وإحس� ٍ‬ ‫عن احلي������اة األمريكية احلديث������ة‪ ،‬ورمبا عبرت‬ ‫ٍ‬ ‫بواقعية ش������ديدة عما يجيش بصدر الرسام من‬ ‫‪146‬‬

‫‪12/1/16 8:32:50 AM‬‬

‫غربة يشعر بها أكثر األمريكيني في ظل مجتمع‬ ‫مادي اس������تهالكي جاف‪ ،‬كما في لوحته األشهر‬ ‫«صقور اللي������ل» التي تعد واحدة من أهم أعمال‬ ‫العشرينيني واألكثر تعبيراً عن خصوصية هوبر‬ ‫الفنية‪ ،‬التي راح البعض يشبهها بـ«طرقات» دي‬ ‫كيريكو الشهيرة‪ ،‬و«املقهى الليلي» للعاملي أيضاً‬ ‫فان جوخ‪.‬‬ ‫ال ش������ك في أن هوبر تأثر بعم������وم التجربة‬ ‫الفنية اإلبداعية الكبيرة في أوربا‪ ،‬خصوصاً في‬ ‫فرنس������ا‪ ،‬التي عاش فيها بعض س������نوات عمره‪،‬‬ ‫وإن كان قد قلل من ش������أن تأثير هذه السنوات‪،‬‬ ‫فإن تل������ك الطريق������ة التي اعتمده������ا هوبر في‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 144-150.indd 146‬‬


‫فن تشكيلي‬ ‫إعادة تقدمي املش������هد األمريك������ي كانت واضح ًة‬ ‫في ارتباطه ومقاربت������ه لتصوير احلياة احلديثة‬ ‫ف������ي أعم������ال إدوارد ماني������ه ودييج������و فيالزكيز‬ ‫وفرانشيس������كو غويا‪ ،‬باإلضافة إلى تأثير األدب‬ ‫الفرنسي واحتكاكه بأعمال املدرسة االنطباعية‪،‬‬ ‫وإن لم جتذبه أعم������ال التجريبيني والتكعيبيني‬ ‫التي تأثر بها معظم أبناء جيله‪.‬‬ ‫ي������رى الباح������ث واحمللل األمريك������ي جي إيى‬ ‫أن لوحات إدوارد هوبر إيجابية اإلحساس‬ ‫وارد ّ‬ ‫الطبيع������ي بصمت غي������ر طبيع������ي‪ ،‬إذ ال مجال‬ ‫للضوض������اء ف������ي ه������ذه اللوح������ات‪ ،‬فه������و ينجح‬ ‫كثيراً في اس������تنطاق اللون وإعادة إنتاج احلالة‬ ‫الشعورية للمشهد الطبيعي الواحد‪ ،‬والتي تفتح‬ ‫ب������اب التأويل عل������ى مصراعيه أم������ام اخلطوط‬ ‫واألشكال العريضة والباهتة التي تتخلل اإليقاع‬ ‫بش������اعرية ومك������ر‪ ،‬وكأنه يتجس������س على حياة‬

‫اآلخرين من بعيد دون أن ينتبهوا ليرس������مهم في‬ ‫لوحته شخصيات مبتورة وصادمة وبائسة‪.‬‬

‫سمات فنية‬

‫يكم������ن س������ر خصوصية هوبر ف������ي توظيفه‬ ‫املتقن للعادي واملعيش واليومي‪ ،‬ومزجه بصبغة‬ ‫املش������اعر واألحاسيس اجلياشة للعزلة والوحدة‬ ‫والس������كون‪ ،‬وقدرته على مناجاة الروح بأسلوب‬ ‫فني بس������يط ومتعمق يتجاوز فيه الفنان حدود‬ ‫احليز أو املكان اجلغرافي على حدود اللوحة ملا‬ ‫هو أبعد‪ ،‬ومن أهم سماته الفنية معاجلته الدقيقة‬ ‫واملعب������رة للضوء‪ ،‬حيث تبهرك مش������اهد الضوء‬ ‫الصارخة كما في لوحته س������الفة الذكر «صقور‬ ‫الليل»‪ ،‬التي تصور مطعماً ليلياً في أحد شوارع‬ ‫ٍ‬ ‫عتمة وش������عور بالعزلة أكثر‬ ‫نيويورك‪ ،‬وليس ثمة‬ ‫مما توحيه تل������ك التفاصيل الداخلية التي تبدو‬

‫لوحة «حجرة في نيويورك» ‪1932‬‬

‫إدوارد هوبر‪ ...‬الواقعي حد الكآبة‬ ‫‪12/1/16 8:32:56 AM‬‬

‫‪147‬‬

‫‪jan 144-150.indd 147‬‬


‫الصمت والعزلة والغربة حتى في املقهى‬

‫كخلفية عريضة لألحداث البسيطة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫عالقة اللوحة بفكرة «الضوء والنور»‪ ،‬التي تبدو‬ ‫جلية وشاسعة الرؤية‪ ،‬وكذلك عالقة الشخوص‬ ‫في صمت مطبق مـــــع ذواتها املتشظية واملتكورة‬ ‫على نفسها دون أدنى عالقة تربطهم بشخوص‬ ‫اآلخرين املنش������غلني أيضاً بأنفس������هم فقط عن‬ ‫اللوحة‪ ،‬والسقف املثلث شديد اإليحاء‪ ،‬والنافذة‬ ‫التي يط������ل منها اجلميع ملا هو أبعد من النافذة‬ ‫بالدرجة نفسها‪ ،‬وكأن أمراً لن يكون أو شيئاً لم‬ ‫يحدث ينتظره اجلميع كما في مس������رحية «في‬ ‫انتظار جودو» لصمويل بيكيت‪.‬‬ ‫لقد ص َّور إدوارد هوبر اإلحس������اس باحلياة‬ ‫ف������ي املدن الكب������رى‪ ،‬حيث ال يجمع الش������خوص‬ ‫األربعة س������وى امل������كان الذي يب������دو وكأن هوبر‬ ‫انتزع������ه انتزاعاً أو خلقه فج������أة‪ ،‬وهي رؤية أو‬ ‫هي تلك املس������ؤولية الفنية الكبيرة التي ينتهجها‬ ‫‪148‬‬

‫‪12/1/16 8:33:01 AM‬‬

‫������واز لرؤاه على‬ ‫الفنان احلقيق������ي خللق عالم م ٍ‬ ‫������ق وبصيرة صادق������ة تخترق‬ ‫أرض الواق������ع بعم ٍ‬ ‫������كل أو بآخر‪ ...‬هي‬ ‫قل������وب وعقول اآلخرين بش ٍ‬ ‫الفراغ الشاس������ع الذي تنظر فيه «امرأة» ساكنة‬ ‫في غرفة غس������ل املالبس في إحدى لوحاته‪ ،‬أو‬ ‫زوجة الفنان التي جتلس على السرير في لوحة‬ ‫«شمس الصباح» (‪ ،)1951‬نرى املرأة هي زوجة‬ ‫الفنان ‪ -‬لم تس������مح له أبداً أن يرس������م سواها ‪-‬‬ ‫جتلس هذه املرأة على جانب السرير‪ ،‬تثني يديها‬ ‫حول س������اقيها‪ ،‬ترتدي تن������ورة ذات لون برتقالي‬ ‫ج َّ‬ ‫������دق بوجهها املعبر في‬ ‫������ذاب‪ ،‬فيما راحت حت ّ‬ ‫ما هو أبعد م������ن النافذة التي تطل على الفراغ‪،‬‬ ‫بينما يتس������لّل الضوء من خالل النافذة ليستقر‬ ‫يدي املرأة املنثنيت���ي��ن ووجهها الالمع بلون‬ ‫على ّ‬ ‫أرجواني أكثر عمقاً وجاذبية‪.‬‬ ‫كذلك في لوحته الش������هيرة «املنزل احملاذي‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 144-150.indd 148‬‬


‫فن تشكيلي‬

‫لوحة «صقور الليل» وهي من أشهر أعماله ‪1942‬‬

‫لس������كة احلدي������د» (‪ ،)1925‬التي تص������ور منزالً‬ ‫ناعس������اً في وحدته وعزلته األبدية املخيفة التي‬ ‫تبدو خالية اجلوار من البيوت أو البشر باستثناء‬ ‫قضبان لس������كة حديد تش������ي بالوحدة وتؤكدها‬ ‫على اللوح������ة‪ ،‬بجانب ظالل كثيف������ة تخ ِّيم على‬ ‫العم������ل بتغطية معظم الواجهة األمامية للمنزل‪،‬‬ ‫ما يجعل م������ن البيت مكاناً للفق������د الصامت ال‬ ‫العيش واحلياة املتحركة‪.‬‬ ‫وه������ذه اللوح������ة وإن كان������ت بس������يطة ف������ي‬ ‫ظاهرها‪ ،‬فإنها ذات رؤية عريضة وتعبير كبير‪،‬‬ ‫وق������د ألهمت هذه الرؤية البع������ض من مخرجي‬ ‫السينما ورسامي الكاريكاتير‪ ،‬ومت حتديث هذا‬ ‫املنزل في أفالم سينمائية عدة‪ .‬إنها قمة اليأس‬ ‫والعزلة والفتور في لوحته الشهيرة أيضاً «غرفة‬ ‫في فندق»‪ ،‬جند تلك املرأة الوحيدة املتش������ظية‬ ‫وه������ي جتلس منكفئ������ة على ذاتها ف������ي غرفتها‬ ‫ُ‬ ‫متسك بكتاب‪ ،‬وفي‬ ‫البائسة بكتفيها املنحنيتني‬ ‫لوحة «يوم األحد»‪ ،‬نرى املتاجر املغلقة في صمت‬ ‫ذريع كخلفية لألحداث التي يطل على واجهتها‬ ‫رجل يجلس في س������كون وحده على كرسي دون‬ ‫أي تفاصيل‪.‬‬ ‫أما في لوحته «حجرة في نيويورك» (‪،)1932‬‬ ‫إدوارد هوبر‪ ...‬الواقعي حد الكآبة‬ ‫‪12/1/16 8:33:06 AM‬‬

‫فن������رى رج ً‬ ‫ال وزوجته من نافذة كبيرة‪ ،‬في منزل‬ ‫يظهر جزء منه أس������فل اللوحة واجلزء األيس������ر‬ ‫منه������ا‪ ،‬الزوجة التي تعزف على البيانو بش������كل‬ ‫انس������يابي هادئ‪ ،‬فيما يجلس الزوج مس������تغرقاً‬ ‫في ق������راءة الصحيفة التي ب���ي��ن يديه ال يعيرها‬ ‫أي اهتم������ام‪ ،‬ورغ������م أنها تعزف‪ ،‬ف������إن انتباهها‬ ‫واجتاهها بجزء جسدها األسفل موجهان للزوج‬ ‫الذي يبدو قامتاً بلباس������ه الغامق الذي يستنطق‬ ‫الصمت واإلحس������اس بال��ق������د‪ ،‬إذ يوظف هوبر‬ ‫عنص������ري الض������وء والظالم وفق������اً خلصوصية‬ ‫هندسية فرضها العصر الذي عاش فيه‪ ،‬فيبدو‬ ‫عنصر الضوء معزوالً ومنتظماً على اللوحة كما‬ ‫في لوحته «الس������هارى» (‪ ،)1942‬ثالثة زبائن في‬ ‫املقهى‪ ،‬رج���ل��ان وامرأة ومقهى ص������ارخ الضوء‬ ‫خال من‬ ‫وشديد‪ ،‬في ليل وسط املدينة في‬ ‫شارع ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الناس‪ ،‬وال ش������يء يدل على حركة أو حياة عبر‬ ‫نافذة زجاجية متس������عة أضح������ت إحدى أدواته‬ ‫الرئيس������ة في عديد من أعمال������ه‪ ،‬لنتأمل صوت‬ ‫العتمة والفراغ والفقد الذي يش������عر به ثالثتهم‬ ‫في ظلمة الليل برغم اإلنارة الصاخبة‪ ،‬وكأن كل‬ ‫ٍ‬ ‫واحد منهم يحاول الهرب من ش� ٍ‬ ‫�����يء ما ينتظره‬ ‫في اخلارج‪.‬‬ ‫‪149‬‬

‫‪jan 144-150.indd 149‬‬


‫فن تشكيلي‬

‫لوحة «يوم األحد» ‪1926‬‬

‫كذل� � ��ك لوحة «الش� � ��مس في حج� � ��رة فارغة»‬ ‫(‪ ،)1963‬حيث الغرفة الس� � ��اكنة والنافذة األش� � ��د‬ ‫سكوناً وفراغاً‪ ،‬والعتمة التي يكشفها ضوء صامت‬ ‫وشديد‪ ،‬والطبيعة‪ /‬الغابة التي تبدو وكأنها اجتثت‬ ‫من مكانها لتبقى على أرض اللوحة‪.‬‬ ‫إنه������ا لوح������ات مربك������ة وصادم������ة ومتخمة‬ ‫بتفاصي������ل وآلي������ات مختلفة للحظ������ات خاطفة‬ ‫وس������ريعة تش������حذ املش������اعر واألحاس������يس بكم‬ ‫وافر من اجلم������ال الذي يبدو مختلف������اً وعميقاً‬ ‫في قمة العزل������ة والفقد والصمت‪ ،‬وإعادة صوغ‬ ‫كمتلصص في عتمة منعزلني ومفقودين‬ ‫املشهد‬ ‫ٍ‬ ‫ومأس������ويني في بورتريهات عظيمة اس������تطاعت‬ ‫أن تترك أث������راً واضحاً في احلرك������ة الفنية في‬ ‫أمريكا‪ ،‬وفي الثقافة الشعبية آنذاك‪ ،‬فقد كانت‬ ‫‪150‬‬

‫‪12/1/16 8:33:09 AM‬‬

‫املدين������ة احلديثة بتأثيراته������ا وتعقيداتها وقيمها‬ ‫هي األرضية التي تتشكل عليها تفاصيل لوحته‪،‬‬ ‫الت������ي وإن ل َّوحت بالعزلة والفقد‪ ،‬فإنها لم تتخل‬ ‫أبداً عن األمل الذي يبدو من خالل نوافذ هوبر‬ ‫أبعد منها‪.‬‬ ‫لق������د قدم هوب������ر كثيراً من أعمال������ه الفنية‬ ‫التي استطاع من خاللها أن يحفر اسمه الكبير‬ ‫كأحد رواد الواقعية اجلديدة التي ك َّرس لها جل‬ ‫حياته‪ ،‬ول������م يتخل عن فكرته العميقة للرس������م‪،‬‬ ‫ما دفع زوجته الرس������امة جوزفــــــني نيفيس������ون‪،‬‬ ‫إل������ى إهداء أعماله الكبي������رة بعد وفاته في مايو‬ ‫‪ 1967‬إل������ى متحف الفن احلديــــث في نيويورك‪،‬‬ ‫ومتحفي ويتني للفن األمريكي‪ ،‬ومعهــد شيكاغو‬ ‫للفنون >‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 144-150.indd 150‬‬


‫طب‬

‫عقاقير ستاتينس‪...‬‬ ‫بين الوهم والحقيقة‬ ‫د‪ .‬أمير ذكي‬

‫أكادميي من مصر‬

‫س���تاتينس ‪ Statines‬ه���ي مجموعة دوائية تتصدر قائم���ة العقاقير األكثر‬ ‫مبيع��� ًا ف���ي العال���م‪ ،‬وم���ن أكث���ر األدوي���ة الموصوف���ة على نطاق واس���ع‬ ‫لع�ل�اج ارتف���اع مس���توى البروتين الدهن���ي منخفض الكثافة‪  ‬المس���مى‬ ‫«الكوليس���ترول الس���يئ» أو الض���ار‪ ،‬وتوض���ح الدراس���ات المنش���ـورة في‬ ‫الدوري���ات الطبية العالمية أن اس���تخدامه من قب���ل مرضى القلب نتيجة‬ ‫ارتف���اع مس���توى الكوليس���ترول‪ ،‬ق���د أنقـ���ذت أرواحه���م‪ ،‬وبعك���س تل���ك‬ ‫الدراس���ات‪ ،‬ذكرت دراسات أخرى‪ ،‬نش���رتها أيض ًا بعــــض الدوريات الطبية‪،‬‬ ‫أن مس���تخدمي س���تاتينس أكثر عرضة لزيادة الوزن‪ ،‬وأن عليهم ممارسة‬ ‫مزيد من التمارين الرياضيـة لمواجهة اآلثار الجانبية غير المرغوب فيها‪.‬‬ ‫ويس���مي العلماء اختالفات نتائج تلك الدراسات بـ «دراسة الرصد»‪ ،‬التي‬ ‫يمك���ن التلميــ���ح بها إلى وجـود خطر ما‪ ،‬ولك���ن ال يمكن إثباته بالقطع‪،‬‬ ‫فالواقع العلمي يقــول إن مجموعة ستاتينس‪ ،‬مثلها مثل بقية األدوية‪،‬‬ ‫ق���د تترك آثاراً جانبي���ة‪ ،‬ولكن معظم تلك اآلثار يكون ف���ي العادة خفيف ًا‪،‬‬ ‫لذا على المرضى مراجعة الطبيب المختص في هذه الحالة‪.‬‬

‫كان م� � ��ن أه� � ��م املوضوع� � ��ات الت� � ��ي طرحت في‬ ‫جلس� � ��ات املؤمتر احلادي والعشرين جلمعية أمراض‬ ‫القل� � ��ب العاملية‪ ،‬الذي عقد في ش� � ��هر ديس� � ��مبر عام‬ ‫‪ ،2015‬بنيوي� � ��ورك‪ ،‬هو نس� � ��بة الكوليس� � ��ترول املفيد‬ ‫‪ HDL-C‬ف� � ��ي متابع� � ��ة مرضى القلب‪ ،‬س� � ��واء للوقاية‬ ‫القلبية أو الثانوية‪ .‬ولكن يبقى االعتماد على نس� � ��بة‬ ‫الكوليسترول الس� � ��يئ أو الضار ‪ LDL-C‬قاصراً‪ ،‬ألن‬ ‫الكوليس� � ��ترول الضار وظيفياً‪ ‬هو عنصر من عوامل‬ ‫اخلط� � ��ر القلبية التي ظهرت منذ أكثر من عش� � ��رين‬ ‫عاماً‪ ،‬فقد أكدت دراس� � ��ة فرامينجهام ‪Framingham‬‬ ‫عام ‪ ،1980‬العالقة بني الكوليسترول الضار وعوامل‬ ‫عقاقير ستاتينس‪ ...‬بني الوهم واحلقيقة‬ ‫‪12/1/16 8:34:17 AM‬‬

‫اخلطر القلبية الوعائية‪ ،‬ما أدى إلى أخذ هذا اجلزء‬ ‫من الكوليسترول بعني االعتبار‪.‬‬ ‫من املعروف علميا أن اجلسم الطبيعي يحتوي‬ ‫على نس� � ��بة م� � ��ن الدهون ال تتكون م� � ��ن نوع واحد‪،‬‬ ‫فهناك أنواع مختلفة موجودة داخل اجلسم بكثرة‪،‬‬ ‫وكل نوع له اس� � ��مه وله مكونات� � ��ه وله وظيفته املهمة‬ ‫التي يعم� � ��ل عليها‪ ،‬ل� � ��ذا يجب التفري� � ��ق بني أنواع‬ ‫الده� � ��ون املختلف� � ��ة للتعرف على وظيف� � ��ة كل منها‪،‬‬ ‫فبعض الدهون تعد ض� � ��ارة على الصحة‪ ،‬والبعض‬ ‫اآلخر يع� � ��د عالمة صحية ودلي ً‬ ‫ال على عمل أجهزة‬ ‫اجلسم بش� � ��كل سليم‪ ،‬إال أن الدهون الضارة ومنها‬ ‫‪151‬‬

‫‪jan 151-155.indd 151‬‬


‫تراكم الكوليسترول على جدار الوعاء الدموي‬

‫الكوليس� � ��ترول الضار آثارها وخيمة على اجلس� � ��م‬ ‫وأعضائه‪ ،‬حيث يتعرض القلب والشرايني لإلصابة‬ ‫بعديد من األم� � ��راض اخلطيرة‪ ،‬ويخطئ من يعتقد‬ ‫أن الكوليس� � ��ترول عموما هو ش� � ��يء ضار باجلسم‪،‬‬ ‫فالكوليسترول هو أحد أهم أنواع الدهون املوجودة‬ ‫داخل اجلسم بشكل طبيعي‪ ،‬وله نوعان أساسيان‪،‬‬ ‫هما‪ :‬الكوليسترول املفيد والكوليسترول الضار‪ .‬‬ ‫وملكافح� � ��ة تلك األض� � ��رار توص� � ��ل العلماء إلى‬ ‫مجموع� � ��ة دوائية جدي� � ��دة خرجت حتت مس� � ��مى‬ ‫«س� � ��تاتينس» لتخف� � ��ض مخاط� � ��ر النوب� � ��ات القلبية‬ ‫والس� � ��كتات الدماغي� � ��ة الناجت� � ��ة ع� � ��ن اجللط� � ��ات‬ ‫‪152‬‬

‫‪12/1/16 8:34:24 AM‬‬

‫الدموي� � ��ة‪ ،‬وحتس� � ��ن كذلك تدفق ال� � ��دم إلى الدماغ‬ ‫وتقلل االلتهاب‪.‬‬

‫األبحاث الدوائية بني الشك واليقني‬ ‫تق� � ��ول الدراس� � ��ات إن األدوي� � ��ة الت� � ��ي تخف� � ��ض‬ ‫مستويات الكوليسترول الضار‪ ,‬وتنظم مستوياته في‬ ‫ال� � ��دم‪ ,‬ميكن أن تقلل من خط� � ��ر اإلصابة باجللطات‬ ‫اخلطرة‪ ،‬وهذه اجللطات ميكن أن تتطور إلى جلطات‬ ‫دماغية أو قلبية‪ .‬وتقول مؤسس� � ��ة القلب البريطانية‬ ‫إن هذا االكتشاف املثير ميكن أن يؤدي إلى عالجات‬ ‫أكثر فاعلية في املس� � ��تقبل‪ ،‬حي� � ��ث إن هناك نحو ‪32‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 151-155.indd 152‬‬


‫طب‬ ‫ألف ش� � ��خص في بريطانيا ميوت� � ��ون من اجللطات‪ .‬‬ ‫وكان فري� � ��ق علمي من جامع� � ��ة ريدينج قد بحث في‬ ‫كيفية تش� � ��كل اجللطات‪ ،‬وفوجئ‪  ‬بأن البروتني ‪LXR‬‬ ‫هو املس� � ��ؤول عن‪  ‬تك� � ��ون اجللطات‪ ،‬وه� � ��ذا ما جعل‬ ‫«كارتالت» ش� � ��ركات األدوية اجلدي� � ��دة تصنِّع أدوية‬ ‫للتفاعل مع هذا البروتني‪.‬‬ ‫وقد نشرت نتائج دراسة أمريكية أخيراً أن أدوية‬ ‫ستاتينس‪ ،‬التي تس� � ��اعد على خفض الكوليسترول‪،‬‬ ‫مفيدة أيضاً للمشكالت القلبية‪ ،‬حيث إن األشخاص‬ ‫الذي� � ��ن أصيبوا بس� � ��كتة دماغية نزيفي� � ��ة‪ ،‬يتضاعف‬ ‫احتم� � ��ال جناته� � ��م بنحو ث� �ل��اث مرات إذا اس� � ��تمروا‬ ‫ف� � ��ي تناول «س� � ��تاتينس» وينصح األطباء املش� � ��رفون‬ ‫على مرضى الس� � ��كتات الدماغي� � ��ة النزفية بالتفكير‬ ‫ملياً قب� � ��ل اتخاذهم قراراً بإيقاف عالج س� � ��تاتينس‬ ‫ملرضاهم‪ ،‬بينما خرجت‪  ‬دراسة أخرى تدحض هذه‬ ‫النتائج وبأدل� � ��ة أخرى ال تقل أهمية عما مت التوصل‬ ‫إليه س� � ��ابقاً‪ .‬وإن دل هذا على شيء‪ ،‬فإمنا يدل على‬ ‫تالعب ش� � ��ركات األدوية في تس� � ��ويق أي دواء جديد‬ ‫تري� � ��د التر ّب� � ��ح من ورائه م� � ��ن دون مراع� � ��اة للمهنية‬ ‫الطبي� � ��ة واألخ� �ل��اق الصيدالنية‪ .‬إن أغلب ش� � ��ركات‬ ‫األدوية املعروفة وغير املعروفة‪ ،‬تدخل منذ س� � ��نوات‬ ‫في بؤرة الفس� � ��اد واالحتي� � ��ال‪ ،‬بحيث أصبحت أخبار‬ ‫التجاوزات فيها أكثر من أنباء االكتش� � ��افات الدوائية‬ ‫اجليدة‪ ،‬ب� � ��ل قد تخلت تلك الش� � ��ركات بوعي أو من‬ ‫دون وعي عن اليقني املعرفي والضمير املهني‪ ،‬وبدالً‬ ‫من قيام هذه الش� � ��ركات بني الفترة واألخرى‪ ،‬بطرح‬ ‫منتج دوائي حقيقي رخيص‪ ،‬يقوم ممثلوها في عدد‬ ‫كبير من البلدان‪ ،‬بعقد الصفقات املريبة‪ ،‬التي تستند‬ ‫في الدرجة األولى‪ ،‬إلى مترير ما أمكن من املنتجات‬ ‫الدوائية ضمن األنظمة الطبية والصيدالنية‪.‬‬ ‫في الس� � ��نوات املاضية‪ ،‬خضعت ش� � ��ركات كبيرة‬ ‫منتجة للدواء لتحقيقات س� � ��رية‪ ،‬من بينها «ميرك»‪،‬‬ ‫و«باكس� � ��تر»‪ ،‬و«بريس� � ��تول ‪ -‬ماير س� � ��كويب»‪ ،‬و«إلي‬ ‫ليلي»‪ ،‬و«أس� � ��ترازنيكا»‪ ،‬و«س� � ��ميث آندنيفيو»‪ ،‬وكلها‬ ‫أس� � ��ماء ر ّنان� � ��ة ف� � ��ي نط� � ��اق اختصاصه� � ��ا‪ ،‬حتى أن‬ ‫ش� � ��ركة «فايزر» األمريكية توس� � ��طت في سياق هذه‬ ‫التحقيقات‪ ،‬وتوصلت إلى تس� � ��وية ف� � ��ي وزارة العدل‬ ‫من دون أدن� � ��ى مراعاة للمهني� � ��ة الطبية أو األخالق‬ ‫الصيدالنية‪ .‬وفي مطلع العام احلالي‪ ،‬لم يغب اس� � ��م‬ ‫عقاقير ستاتينس‪ ...‬بني الوهم واحلقيقة‬ ‫‪12/1/16 8:34:28 AM‬‬

‫شركة األ��وية البريطانية العمالقة «جاالكسو سميث‬ ‫كالين» الشهيرة‪ ،‬عن األخبار اآلتية من أنحاء مختلفة‬ ‫في هذا العالم‪.‬‬ ‫وحتقق ش� � ��ركات األدوية حول العالم‪ ،‬املتمركزة‬ ‫بصورة أساس� � ��ية في البل� � ��دان الغربية‪ ،‬أرباحاً طائلة‬ ‫من عملياتها املش� � ��روعة‪ ،‬فش� � ��ركة «جاالكسو سميث‬ ‫كالين» الت� � ��ي حتظى بعوائد س� � ��نوية تصل إلى أكثر‬ ‫من ‪ 26‬مليار جنيه اس� � ��ترليني‪ ،‬يبدو أن هذه األموال‬ ‫الطائل� � ��ة‪ ،‬ه� � ��ي أقل مما تس� � ��عى إليه الش� � ��ركة‪ ،‬في‬ ‫ح� �ي��ن أن إنتاجه� � ��ا ينبغي أن يخضع أيض � � �اً للمعايير‬ ‫األخالقية‪ ،‬فهي ال تنتج الساعات املرصعة باألملاس‪،‬‬ ‫وال الس� � ��يارات املطلية بالذهب‪ .‬إنه� � ��ا تصنع الدواء‪،‬‬ ‫ب� � ��ل لنقل إنها تصنع األمل‪ ،‬وهذا وحده يفرض عليها‬ ‫قيماً تخضع ملعايير السوق‪ ،‬بالشك‪ ،‬ولكن مبستويات‬ ‫أخالقية ومهنية مقبولة‪.‬‬

‫منافع تفوق املخاطر‬

‫هناك دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة‬ ‫لندن وجامعة جالس� � ��كو‪ ،‬أضافت مزيداً من اجلدل‬ ‫الدائر حول استخدام الستاتينات‪ ،‬واألدوية األخرى‬ ‫اخلافض� � ��ة للكوليس� � ��ترول‪ ،‬حي� � ��ث ق� � ��ال األطباء إن‬ ‫متناوليها عرضة لزي� � ��ادة الوزن‪ ،‬مبعدل نصف رطل‬ ‫(‪240‬جم) على مدى أربع س� � ��نوات‪ ،‬في حني أصروا‬ ‫على أن خط� � ��ر اإلصابة مبرض الس� � ��كري من النوع‬ ‫الثان� � ��ي‪ ،‬اليزال قلي ً‬ ‫ال‪ ،‬ويؤثر فقط على خمس� � ��ة من‬ ‫بني ألف ش� � ��خص‪ .‬ونصح الدكتور نافيد‪ ،‬من جامعة‬ ‫جالسكو‪ ،‬وهو أحد املشاركني في الدراسة‪ ،‬املرضى‬ ‫مس� � ��تخدمي «س� � ��تاتينس»‪ ،‬بتغيير منط حياتهم‪ ،‬من‬ ‫خالل زيادة النشاط البدني‪ ،‬وتناول األطعمة الصحية‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال عن التوقف عن التدخني‪ ،‬مما يساهم إلى حد‬ ‫كبير في اإلقالل من تلك اآلثار اجلانبية‪ .‬‬ ‫يأتي هذا‪  ‬بعد عدد من الدراس� � ��ات التي حتتاج‬ ‫إلى دقة أكثر‪ ،‬حيث مت اختيار مرضى يأخذون‪ ‬بعض‬ ‫عقاقير ستاتينس أو عالجات أخرى بشكل عشوائي‪.‬‬ ‫وحلل تقرير نشر في مجلة اجلمعية الطبية األمريكية‬ ‫خمس جتارب عشوائية إضافية‪ ،‬وخلص إلى أن هناك‬ ‫مخاطر زيادة صغيرة لكنها حقيقية عند األشخاص‬ ‫الذين يتناولون جرعات عالية‪ ‬من «ستاتينس»‪.‬‬ ‫لقد أثبتت عقاقير ستاتينس التي تتصدر قائمة‬ ‫‪153‬‬

‫‪jan 151-155.indd 153‬‬


‫هكذا يبدأ تصلب الشرايني‬

‫العقاقير األكثر مبيعاً في العالم فاعليتها في خفض‬ ‫الكوليس� � ��ترول الضار‪ ،‬حتى أن بعض األطباء اقترح‬ ‫إضافة هذه العقاقير إلمدادات مياه الش� � ��رب‪ ،‬ولذا‬ ‫تكالبت «كارتالت» شركات األدوية على إنتاج عقاقير‬ ‫ستاتينس ‪ -‬مبا فيها عقار ليبيتور الذي تنتجه شركة‬ ‫فايزر وعقار زوكور من إنتاج شركة ميرك ‪ -‬واألخرى‬ ‫اس� � ��تخدمت أدوية خفض ضغط الدم مدة عام على‬ ‫األقل‪ ،‬إال أن دراسة حديثة أجراها باحثون في «مركز‬ ‫الش� � ��يخوخة الصحي� � ��ة» التابع جلامع� � ��ة كوبنهاجن‪،‬‬ ‫أف� � ��ادت بأن حوالي ‪ 75‬في املائ� � ��ة من املرضى الذين‬ ‫يتناول� � ��ون عقاقير مخفضة ملس� � ��توى الكوليس� � ��ترول‬ ‫الضار املرتفع في الدم مثل «س� � ��تاتينس» يشكون من‬ ‫وجود آالم في العضالت‪ ،‬كما أشارت دراسة يونانية‬ ‫حديثة نش� � ��رت في املجلة الدولي� � ��ة لطب القلب إلى‬ ‫تعرض ‪ 10‬ف� � ��ي املائة من املرضى لالعتالل العضلي‬ ‫ال� � ��ذي يعرف بـ«مايوباثي» ‪ ،myopathy‬وهو اعتالل أو‬ ‫ألم عضلي قلبي‪.‬‬ ‫وأظهرت نتائج الدراسة أيضاً‪ ،‬أن املرضى الذين‬ ‫يعاجلون بوساطة «ستاتينس» لفترات طويلة‪ ،‬يعانون‬ ‫صعوبة في نش� � ��اطهم احلركي وممارس� � ��ة الرياضة‬ ‫بصورة منظمة ويومية‪ ،‬كما تراجعت لديهم مستويات‬ ‫بروتني «‪ »K-10‬الرئيس‪ ،‬وأعقبه تراجع إنتاج الطاقة‬ ‫‪154‬‬

‫‪12/1/16 8:34:34 AM‬‬

‫في العضالت‪ ،‬مما يزيد من معدالت هشاشة العظام‬ ‫ل� � ��دى املرضى‪ ،‬كم� � ��ا ذكر باحثون ياباني� � ��ون أن أدوية‬ ‫س� � ��تاتينس رمبا تس� � ��اعد على عالج‪ ‬حاالت اإلصابة‬ ‫بااللتهاب الكبدي الوبائي (س� � ��ي)‪ ،‬كما قال الباحثون‬ ‫في دورية األمراض التي تصدرها الرابطة األمريكية‬ ‫ألبحاث أم� � ��راض الكبد‪ ،‬إن االختبارات التي أجريت‬ ‫رجح� � ��ت أن بعض األدوي� � ��ة التي تندرج حتت اس� � ��م‬ ‫«س� � ��تاتينس» قد تس� � ��اعد على وقف انتشار فيروس‬ ‫«سي»‪.‬‬ ‫ويق� � ��ول د‪ .‬مالك� � ��وم كيندريك مؤل� � ��ف كتاب لغز‬ ‫الكوليس� � ��ترول‪« :‬لم جُت َر س� � ��ابقاً دراسة استقصائية‬ ‫ورصدية للس� � ��تاتينات في مرحلة ما بعد التس� � ��ويق‪،‬‬ ‫ولذلك ال أحد يعلم حقيقة كيف تكون اآلثار االرتدادية‬ ‫وك� � ��م عدد الناس الذين ميكن أن يكونوا عانوا منها»‪.‬‬ ‫ويضي� � ��ف‪« :‬يرى البع� � ��ض أن اآلث� � ��ار اجلانبية نادرة‪،‬‬ ‫بي� � ��د أن كثيراً م� � ��ن املرضى الذي� � ��ن أفحصهم لديهم‬ ‫آثار جانبية محتملة من عقاقير س� � ��تاتينات‪ ،‬وحتدث‬ ‫تداعيات ملموسة على نوعية حياتهم»‪.‬‬

‫احلماية في التحسني والوقاية‬

‫يتف� � ��ق كثي� � ��ر من اخلب� � ��راء مع ال� � ��رأي القائل إن‬ ‫النس� � ��اء يعانني آثاراً جانبية أكثر من الرجال‪ .‬وتقول‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 151-155.indd 154‬‬


‫طب‬ ‫مؤسس� � ��ة أبحاث أم� � ��راض القلب إن واح� � ��داً من كل‬ ‫عشرة آالف شخص يتناولون الستاتينات يعاني آثاراً‬ ‫جانبية خط� � ��رة محتملة‪  .‬من ناحية أخرى‪ ،‬أظهرت‬ ‫عقاقير س� � ��تاتني في املختبرات أنها تعمل على إبطاء‬ ‫منو اخلالي� � ��ا الس� � ��رطانية‪ ،‬وعادة م� � ��ا كانت جترى‬ ‫األبح� � ��اث عليها بوصفه� � ��ا مقاومة للس� � ��رطان‪ ،‬وقد‬ ‫أظهرت هذه األبحاث نتائج متباينة‪ ،‬كما قال باحثون‬ ‫أمريكيون إن عقاقير س� � ��تاتينس قد تقلص أيضاً من‬ ‫مخاطر اإلصابة بالس� � ��رطان بنسبة تصل إلى ‪ 25‬في‬ ‫املائة‪ ،‬فقد ذكروا ف� � ��ي دورية املعهد القومي ملكافحة‬ ‫الس� � ��رطان أن نسبة اإلصابة بالسرطان بني متناولي‬ ‫عقاقير س� � ��تاتني من قدامى احملاربني بلغت ‪ 9.4‬في‬ ‫املائ� � ��ة مقارنة مع ‪ 13.2‬ف� � ��ي املائة بني من ال يتناولون‬ ‫هذه العقاقير‪.‬‬ ‫وق� � ��د أثارت معظم الدراس� � ��ات الكبرى ملجموعة‬ ‫عقاقير س� � ��تاتينس خالل الس� � ��نوات العشر األخيرة‬ ‫اجل� � ��دل ومازالت‪ ،‬حيث وجه� � ��ت األنظار حول عالج‬ ‫كوليس� � ��ترول ودهون الدم الض� � ��ارة‪ ،‬فقد أوهمتنا أن‬ ‫عقاقير ستاتينس هي األفضل‪ ،‬بل إنها العالج األمثل‬ ‫ل� � ��كل اضطراب� � ��ات الدهون‪ .‬ولكن عن� � ��د حتليل هذه‬ ‫الدراس� � ��ات لوحظ أن فاعلية ستاتينس في تخفيض‬ ‫احل� � ��وادث القلبية هي ‪ 35-30‬ف� � ��ي املائة فقط‪ ،‬وأن‬ ‫الثلثني الباقيني من املرض� � ��ى الذين أبدوا انخفاضاً‬ ‫ملس� � ��توى الكوليسترول الضار قد أصيبوا‪ ،‬رغم ذلك‪،‬‬ ‫بحوادث قلبية‪.‬‬ ‫فهل نكتفي بهذه النتائج أم نبحث عن حتسينها‪،‬‬ ‫مع األخذ بعني االعتبار األجزاء األخرى للكوليسترول‬ ‫وأهمه� � ��ا الكوليس� � ��ترول املفي� � ��د ونس� � ��بة اإلصابات‬ ‫القلبية‪ ،‬وهي عامل مهم قائم بذاته كما بينت دراسة‬ ‫فرامينجهام؟ لقد الحظت دراسات اضطراب الدهون‬ ‫األرب� � ��ع‪ ،‬أن ارتفاع الكوليس� � ��ترول املفي� � ��د بـمقدار ‪1‬‬ ‫مج‪ 100/‬مل يخفض بشكل نوعى احلوادث اإلكليلية‬ ‫بـ ‪ 2‬في املائة عند الرجال و‪ 3‬في املائة عند النساء‪.‬‬ ‫إن فكرة فوائد الكوليسترول تولدت عند استشعار‬ ‫خط� � ��ورة الكوليس� � ��ترول الضار في أم� � ��راض القلب‪،‬‬ ‫ولذا لوحظ عند املصابني بانخفاض مس� � ��توى نوعي‬ ‫الكوليس� � ��ترول معاً حدوث نسبة أعلى من اإلصابات‬ ‫اإلكليلية باملقارنة مع املرضى ذوي االرتفاع البسيط‬ ‫للكوليس� � ��ترول الضار (دون انخف� � ��اض النوع املفيد)‪،‬‬ ‫عقاقير ستاتينس‪ ...‬بني الوهم واحلقيقة‬ ‫‪12/1/16 8:34:39 AM‬‬

‫وهذا واضح مبقارنة احل� � ��وادث اإلكليلية احلادة في‬ ‫دراسات متعددة‪ .‬‬ ‫كان� � ��ت بع� � ��ض الدراس� � ��ات ق� � ��د قوم� � ��ت فوائد‬ ‫«ستاتينس» في الوقاية الثانوية‪ ،‬بينما قومت األخرى‬ ‫فوائ� � ��د الفيب� � ��رات في ه� � ��ذه الوقاية‪ ،‬وق� � ��د وجد أن‬ ‫املرض� � ��ى املعاجلني بعالج وهمي في دراس� � ��تي كاري‬ ‫‪ CARE‬وليبي� � ��د ‪ LIPID‬ذوي املس� � ��توى املرتفع بش� � ��كل‬ ‫بس� � ��يط لـلكوليسترول الضار‪ ،‬أصيبوا بحوادث قلبية‬ ‫على مدى خمس س� � ��نوات أقل من أولئك في دراسة‬ ‫فاهيت ‪ ،VA-HIT‬لذوي املس� � ��توى اخلفيف من نوعي‬ ‫الكوليسترول معاً‪ .‬‬ ‫الس� � ��بب الثاني الذي ال يق� � ��ل أهمية كان إيضاح‬ ‫أنه عندما يهدف العالج لرفع مس� � ��توى الكوليسترول‬ ‫املفيد من دون تغيير الكوليسترول الضار يؤدي وحده‬ ‫إلى تخفي� � ��ض االختالطات القلبي� � ��ة الوعائية‪ ،‬ولكن‬ ‫كيف نحسن مستوى الكوليسترول املفيد؟‬ ‫من األفضل محاولة رفع مس� � ��توى الكوليسترول‬ ‫املفيد‪ ‬باستعمال الفيبرات بدال من عقاقير ستاتينس‬ ‫التي تعم� � ��ل فقط على خفض الكوليس� � ��ترول الضار‬ ‫بش� � ��كل أساس� � ��ي‪ ،‬فإن ارتفاع مس� � ��توى النوع املفيد‬ ‫بعالج‪  ‬مجموعة س� � ��تاتينس ذو نتائج متوس� � ��طة من‬ ‫‪ 10 - 5‬ف� � ��ي املائ� � ��ة (مقارنة م� � ��ع ‪ 20 - 15‬في املائة‬ ‫بالعالج بالفيبرات)‪ ،‬وذلك عند املرضى ذوي املستوى‬ ‫املنخفض للكوليسترول املفيد‪ ،‬باإلضافة إلى أن عدد‬ ‫اإلصابات القلبية الذي لوحظ بعد العالج بأحد أدوية‬ ‫س� � ��تاتينس ويدع� � ��ى «سيمفاس� � ��تاتني ‪»Simvastatine‬‬ ‫املع� � ��روف جتاريا باس� � ��م ‪ ZOCOR‬في دراس� � ��ة ‪ 4S‬لم‬ ‫يكن متعلقاً مبستوى الكوليسترول املفيد قبل العالج‪،‬‬ ‫وهذه املالحظة نفس� � ��ها وجدت في دراس� � ��ة وسكوب‬ ‫‪ ،WOSCOP‬وكاري ‪ .CARE‬بينم� � ��ا عل� � ��ى العكس في‬ ‫دراس� � ��ة هلس� � ��نكي للقل� � ��ب ‪،Helsinky Heart Study‬‬ ‫فقد لوحظت ارتفاعات أكثر ملس� � ��توى الكوليسترول‬ ‫املفي� � ��د عند العالج ب � � �ـ «‪ »Gentibrozil‬ل� � ��دى املرضى‬ ‫ذوي املس� � ��توى األدنى أو املنخفض من الكوليسترول‬ ‫املفيد‪  ‬قبل العالج (خصوصاً أقل من ‪،)mmlo/L 0.9‬‬ ‫وهي أفضل نس� � ��بة النخفاض احلوادث اإلكليلية في‬ ‫دراس� � ��ة فاهيت‪ ،‬حيث كان مس� � ��توى الكوليس� � ��ترول‬ ‫املفيد للحاالت التي عوجلت بـ «‪ »Genfibrozil‬متعلقاً‬ ‫عكسياً باحلوادث اإلكليلية احلادة >‬ ‫‪155‬‬

‫‪jan 151-155.indd 155‬‬


‫علوم‬

‫تطور التليسكوب‬

‫عين باتساع األرض!‬

‫أحمد شعالن‬

‫رئيس الهيئة الوطنية للعلوم والبحوث ‪ -‬لبنان‬

‫ه���ل تخ ّي���ل جاليليو جاليلي‪ ،‬حين رف���ع منظاره الصغير‪ ،‬في تل���ك الليلة من‬ ‫خريف ‪ ،1609‬أن آلته هذه س���وف تغ ّير وجه العلم‪ ،‬ث���م تتطور نوع ًا ووظيفة‪،‬‬ ‫وتتحول «عينها» خالل أربعة قرون‪ ،‬من عدسة صغيرة إلى عين باتساع الكرة‬ ‫األرضية كلها‪ ،‬لتلتقط صور األجرام البعيدة‪ ،‬ليس باألش���عة المرئية وحدها‪،‬‬ ‫بل بالموجات الراديوية؟ وفق ما اقترحت الباحثة كاتي بومن‪ ،‬خريجة معهد‬ ‫ماساشوستس للتكنولوجيا‪ ،‬في بحث لها نشر في يونيو ‪.2016‬‬

‫‪156‬‬

‫‪12/7/16 11:35:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 156-162.indd 156‬‬


‫لم يغب عن بال جاليليو حينها‪ ،‬أنه باستكش� � ��اف‬ ‫الس� � ��ماء ل� � ��ن يرحم� � ��ه األوصي� � ��اء عليها م� � ��ن أمراء‬ ‫الالهوت ومحاكم التفتي� � ��ش التابعة‪ .‬وكانت أعماله‬ ‫ورصده للقمر والشمس والكواكب‪ ،‬ومتسكه بنظرية‬ ‫كوبرنيك� � ��وس حول مركزية الش� � ��مس‪ ،‬قد زادت من‬ ‫ضراوة املواجهة مع الكنيسة الكاثوليكية حينها‪ ،‬التي‬ ‫ألزمته في النهاية باإلقام� � ��ة اجلبرية داخل جدران‬ ‫بيته للسنوات الثماني األخيرة من عمره‪.‬‬ ‫اس� � ��تطاع جاليلي� � ��و عبر منظ� � ��اره املتواضع ذاك‬ ‫رؤية التضاريس عل� � ��ى القمر‪ ،‬وقياس ارتفاع جباله‪،‬‬ ‫كما أثبت وجود البقع الس� � ��وداء على سطح الشمس‬ ‫وراقب حتركها واستنتج دوران الشمس حول نفسها‪،‬‬ ‫كم� � ��ا تبني له وجود ماليني النجوم التي ال تس� � ��تطيع‬ ‫العني املج� � ��ردة رؤيتها‪ .‬ونظر جاليليو أيضاً مبنظاره‬ ‫إل� � ��ى كوك� � ��ب الزهرة واكتش� � ��ف أنه يُظه� � ��ر للراصد‬ ‫تطور التليسكوب‪ ...‬عني باتساع األرض!‬ ‫‪12/1/16 8:35:38 AM‬‬

‫األرض� � ��ي أوجهاً كما القمر‪ ،‬كذل� � ��ك نظر إلى كوكب‬ ‫املش� � ��تري ورص� � ��د أربع� � ��ة أقمار ت� � ��دور حوله وحدد‬ ‫مدده� � ��ا املدارية‪ ،‬وقد س� � ��ميت فيما بع� � ��د باألقمار‬ ‫اجلاليلية تيمن � � �اً به‪ .‬كما رصد كوك� � ��ب زحل وص ّور‬ ‫احللقات الغريبة التي تز ّنره‪.‬‬ ‫كل تلك الثورة في علم الفلك لم تكن ممكنة من‬ ‫دون ذلك املنظار البدائي الذي يتيح تكبيراً لـ ‪ 20‬مرة‬ ‫فقط‪ ،‬والذي كانت عدسته األولية (أو عينه) ال يتع ّدى‬ ‫قطرها خمسة سنتيمترات فقط! كان ذلك املقراب‬ ‫أو التليس� � ��كوب من النوع الكاسر للضوء‪ ،‬الذي يقوم‬ ‫على عدس� � ��ة بؤرية أساسية تستقبل األشعة القادمة‬ ‫من اجلسم املرصود‪ ،‬وعدس� � ��ة «عينية» أخرى تك ّبر‬ ‫ما التقطته العدس� � ��ة الرئيسة وتعرض الصورة لعني‬ ‫الراصد‪ .‬صحيح أن قطر عدسة منظار جاليليو هو‬ ‫‪ 5‬سم فقط‪ ،‬أي ‪ 50‬ملم‪ ،‬إال أن النظر بالعني املجردة‬ ‫‪157‬‬

‫‪jan 156-162.indd 157‬‬


‫يعتمد على عدس� � ��ة البؤبؤ التي ال يتعدى قطرها‬ ‫ملليمت� � ��رات فقط‪ ،‬أي أصغر بعش� � ��ر مرات من قطر‬ ‫ع� �ي��ن املقراب‪ ،‬وذلك يعني أن مس� � ��احة عني مقراب‬ ‫جاليليو كانت تس� � ��اوي مائة ضعف مس� � ��احة عدسة‬ ‫العني البشرية‪ ،‬أي باختصار أن عدسة املقراب ترفد‬ ‫ش� � ��بكية عني الراصد مبائة ضعف الطاقة الضوئية‬ ‫الت� � ��ي كان لبؤبؤ الع� �ي��ن وحده أن يس� � ��تقبلها بالعني‬ ‫املجردة‪.‬‬ ‫وكان ف� � ��ي عص� � ��ر جاليلي� � ��و محترف� � ��ون كثر في‬ ‫صناعة الزجاج والعدسات البصرية؛ لذلك سرعان‬ ‫م� � ��ا مت فهم أهمية مس� � ��احة العدس� � ��ة الالقطة في‬ ‫وضوح الرصد‪ ،‬وتس� � ��ابق الصانعون‪ ،‬خالل القرنني‬ ‫السابع عشر والثامن عشر‪ ،‬إلى صناعة تليسكوبات‬ ‫انكسارية ذات قطر أكبر‪ .‬ووصلت إحدى احملاوالت‬ ‫إلى تليس� � ��كوب ذي عدسة بقطر مائة سم وطول ‪42‬‬ ‫متراً (هيفيليوس عام ‪.)1673‬‬ ‫‪5‬‬

‫مشكالت التليسكوب االنكساري‬

‫إن التليس� � ��كوب االنكس� � ��اري‪ ،‬الذي يعتمد على‬ ‫عدس� � ��ة بؤرية رئيسة الس� � ��تقبال الضوء‪ ،‬سرعان ما‬ ‫كش� � ��ف عن محدودية قوته‪ ،‬نظ� � ��راً للصعوبات التي‬ ‫تطبع صناعة العدس� � ��ات‪ .‬وكلما زاد قطر العدس� � ��ة‬ ‫زادت مش� � ��كالت التليس� � ��كوب االنكس� � ��اري‪ ،‬فزيادة‬ ‫‪158‬‬

‫‪12/1/16 12:40:14 PM‬‬

‫القطر تلزم زيادة س� � ��ماكة العدس� � ��ة‪ ،‬ما يعني زيادة‬ ‫ظاهرة االضطراب اللوني التي ترافق تشتت الضوء‬ ‫إل� � ��ى مكوناته املوجية خالل عب� � ��وره للزجاج‪ ،‬وزيادة‬ ‫ضياع األشعة في زجاج العدسة‪.‬‬ ‫كم� � ��ا أن الوظيفة البؤرية للعدس� � ��ة (جمع حزمة‬ ‫الض� � ��وء امللتقطة ف� � ��ي نقطة بؤرية واح� � ��دة) تتراجع‬ ‫جودتها مع ازدياد قطر العدسة وسماكتها‪ .‬وللحصول‬ ‫على تكبير أكبر في التليس� � ��كوب االنكس� � ��اري‪ ،‬البد‬ ‫من عدس� � ��ة ذات مس� � ��افة بؤرية أكبر (أي املس� � ��افة‬ ‫من العدس� � ��ة حتى النقطة البؤري� � ��ة أو نقطة جتمع‬ ‫الضوء)‪ ،‬وهذا يعني تليس� � ��كوباً أطول وصعوب ًة أكبر‬ ‫في حمله ومنع انحناء محوره‪ .‬هذا باإلضافة إلى أن‬ ‫زجاج العدس� � ��ات البد أن يكون صافياً متاماً وخالياً‬ ‫من أي شوائب كالتشققات وفقاعات الهواء وامللوثات‬ ‫األخرى‪.‬‬ ‫ومن عام ‪ 1866‬حتى أواخر القرن الثامن عشر‪،‬‬ ‫بنيت تليسكوبات انكس� � ��ارية كبيرة عدة‪ ،‬وصل قطر‬ ‫عدس� � ��اتها الكاسرة إلى ‪ 46‬س� � ��م‪ .‬وفي عام ‪،1897‬‬ ‫وصل التليسكوب االنكس� � ��اري إلى حدوده القصوى‬ ‫ببناء مرصد «يركس» بقطر بلغ ‪ 100‬س� � ��م‪ ،‬إذ تأكد‬ ‫لصانعي هذه التليس� � ��كوبات صعوب� � ��ة احلفاظ على‬ ‫وظائف العدس� � ��ة الرئيس� � ��ة في مثل ه� � ��ذا احلجم‪،‬‬ ‫وصعوب� � ��ة حمل القس� � ��طل احلام� � ��ل واحلفاظ على‬ ‫اس� � ��تقامة اخلط احملوري‪ ،‬إذ وصل طول تليسكوب‬ ‫هيفيليوس مث ً‬ ‫ال إلى ‪ 42‬متراً!‬ ‫لذل� � ��ك أثبت� � ��ت التج� � ��ارب املتع� � ��ددة لصناع� � ��ة‬ ‫تليس� � ��كوبات انكس� � ��ارية كبيرة‪ ،‬أن مشكالتها كبيرة‪،‬‬ ‫وأن� � ��ه من غير املج� � ��دي العمل على عدس� � ��ات تفوق‬ ‫‪ 10‬أو في أحس� � ��ن األحوال ‪ 15‬س� � ��م‪ .‬والتليسكوبات‬ ‫االنكس� � ��ارية الكبرى التي بلغ طول بعضها عشرات‬ ‫األمتار‪ ،‬وقطر عدس� � ��اتها عشرات الس� � ��نتيمترات‪،‬‬ ‫منيت بفشل ذريع وبات مصيرها املتاحف‪.‬‬

‫إجناز نيوتن‪ ...‬التليسكوب االنعكاسي‬

‫من أحد إبداعات العالم اإلجنليزي الفذ إسحق‬ ‫نيوت� � ��ن‪ ،‬أنه قام‪ ،‬عام ‪ ،1668‬باس� � ��تبدال مرآة مق ّعرة‬ ‫بؤرية بالعدس� � ��ة الزجاجية الرئيس� � ��ة للتليس� � ��كوب‪،‬‬ ‫حَ َ‬ ‫وت ّكم مبسار الضوء املنعكس على هذه املرآة‪ ،‬عبر‬ ‫عكسه مبرآة مسطحة صغيرة نحو جدار التليسكوب‬ ‫اجلانبي‪ ،‬حيث صمم ثقباً فيه ووضع عدس� � ��ة عينية‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 156-162.indd 158‬‬


‫علوم‬ ‫مك ّبرة للنظر من خاللها‪.‬‬ ‫وس� � ��رعان ما تب � � � ّدت معال� � ��م الث� � ��ورة اجلديدة‬ ‫ف� � ��ي صناع� � ��ة التليس� � ��كوب االنعكاس� � ��ي وإمكاناته‬ ‫وجودة صورت� � ��ه واحتماالت تكبيره دون مش� � ��كالت‬ ‫تذكر‪ .‬وتتالت املبادرات إلى حتس� �ي��ن التليس� � ��كوبات‬ ‫االنعكاس� � ��ية وتطويره� � ��ا‪ .‬وف� � ��ي ع� � ��ام ‪ 1672‬ق� � ��ام‬ ‫بتعديل على تليسكوب نيوتن‪ ،‬فاستبدل‬ ‫كاس� � ��يغرين‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫باملرآة الثانوية الصغيرة املس� � ��طحة في تليس� � ��كوب‬ ‫نيوتن م� � ��رآة صغيرة مح ّدبة تعيد حزمة الضوء نحو‬ ‫قعر املرآة الرئيس� � ��ة‪ ،‬حيث ص ّمم ثقب � � �اً لتمر حزمة‬ ‫الضوء إلى العدسة العينية وعني الراصد‪ ،‬مضاعفاً‬ ‫تكبير التليسكوب النيوتوني‪.‬‬ ‫وقد فرضت حس� � ��نات املرآة نفس� � ��ها في إعطاء‬ ‫األفضلية للتليس� � ��كوب االنعكاسي على االنكساري‪.‬‬ ‫فظاهرة االنعكاس الضوئي‪ ،‬على عكس االنكسار‪ ،‬ال‬ ‫تنتج اضطراباً لونياً‪ ،‬وهي حتافظ على طاقة الضوء‬ ‫امللتقط حني انعكاس� � ��ه‪ ،‬واملرآة قادرة على عكس كل‬ ‫املوجات الكهروضوئية بالسهولة نفسها التي تعكس‬ ‫بها املوجات الضوئية‪.‬‬ ‫ث� � ��م إن صناعة املرايا أس� � ��هل بكثير من صناعة‬ ‫العدسات‪ ،‬وميكن تكبير قطر املرايا إلى أمتار عدة‪،‬‬ ‫إذ حتتاج العملية لصقل صفحة عاكسة واحدة مهما‬ ‫تكن مادة اجلسم الذي يحملها حتتها‪.‬‬ ‫ونظراً للصفات املميزة للتليس� � ��كوب االنعكاسي‪،‬‬ ‫فقد تسارع السباق‪ ،‬خاصة منذ أواسط القرن الثامن‬ ‫عشر‪ ،‬إلى تصنيع التليسكوبات البصرية االنعكاسية‬ ‫الكبيرة‪ ،‬ومازالت التليس� � ��كوبات االنعكاسية الكبيرة‬ ‫املنتش� � ��رة في بع� � ��ض أوربا وأمريكا‪ ،‬تس� � ��تخدم اليوم‬ ‫للرصد واألبحاث العلمية‪ ،‬نذكر منها تليسكوب وليم‬ ‫هرش� � ��ل الذي بُني في إجنلترا ع� � ��ام ‪ 1789‬بقطر ‪12‬‬ ‫متراً‪ ،‬وتليس� � ��كوب وليم بارس� � ��ونس ف� � ��ي أيرلندا عام‬ ‫‪ ،1845‬وتليسكوب هال ‪ Hale‬في مرصد جبل بالومار‬ ‫في سان دييغو‪-‬كاليفورنيا بقطر ‪ 5‬أمتار‪ ،‬وصوالً إلى‬ ‫«التليس� � ��كوب الكبير» الذي بنته إس� � ��بانيا عام ‪2010‬‬ ‫بقطر ‪ 10.4‬أمتار في «ال باملا»‪ ،‬إحدى جزر الكناري‪.‬‬

‫املرص� � ��د‪ ،‬وبعيداً عن إزعاج امل� � ��دن وتلوثها الضوئي‬ ‫والبيئ� � ��ي‪ .‬ثم س� � ��اعد تطور الصواري� � ��خ والنجاح في‬ ‫الرحالت املدارية ح� � ��ول األرض‪ ،‬والتحكم باألقمار‬ ‫االصطناعي� � ��ة م� � ��ن عل� � ��ى األرض‪ ،‬في جن� � ��اح وكالة‬ ‫الفضاء األمريكية (ناس� � ��ا) في إرسال أول تليسكوب‬ ‫فضائي عامل باألش� � ��عة املرئية‪( ،‬هابل)‪ ،‬عام ‪،1990‬‬ ‫ّ‬ ‫ليتخط� � ��ى كل امللوثات الضوئية ويز ّودنا بصور فائقة‬ ‫الدقة ع� � ��ن الكواك� � ��ب واملجرات والس� � ��دم‪ .‬واليزال‬ ‫«هاب� � ��ل» يعمل بدقة‪ ،‬بانتظار التليس� � ��كوب الفضائي‬ ‫ال��صري البديل‪« ،‬جاميس وِ ب» املقرر إطالقه أوائل‬ ‫عام ‪.2018‬‬ ‫وتليسكوب هابل ليس املرصد الفضائي الوحيد‬ ‫العامل باألشعة املرئية‪ ،‬ففي ‪ 7‬مارس من عام ‪2009‬‬ ‫أطلقت «ناس� � ��ا» تليسكوب «كبلر» البصري أيضاً في‬ ‫مهم� � ��ة مخصصة للبح� � ��ث عن الكواك� � ��ب اخلارجية‬ ‫جنوم غير الشمس‪ .‬وحتى أول سبتمبر ‪،2016‬‬ ‫حول‬ ‫ٍ‬ ‫كان كبل� � ��ر قد اكتش� � ��ف ‪ 3518‬كوكباً خارج املجموعة‬ ‫الشمسية‪.‬‬

‫تليسكوبات فضائية‬

‫تليسكوبات غير بصرية!‬

‫وملا كان الغالف اجلوي لألرض هو العد ّو األول‬ ‫للرصد الفلكي‪ ،‬كان عل� � ��ى الفلكيني بناء مراصدهم‬ ‫عل� � ��ى اجلب� � ��ال العالية لتخفيف س� � ��ماكة الهواء فوق‬ ‫تطور التليسكوب‪ ...‬عني باتساع األرض!‬ ‫‪12/1/16 12:40:19 PM‬‬

‫إن اخلاصي� � ��ة التي مت ّيز املراي� � ��ا‪ ،‬بقدرتها على‬ ‫عكس كل موجات الطيف الكهرومغناطيسي‪ ،‬فتحت‬ ‫أبواباً كثيرة إلمكانات الرصد الفلكي‪ ،‬سواء من على‬ ‫‪159‬‬

‫‪jan 156-162.indd 159‬‬


‫األرض‪ ،‬أو من املدار خارج الغالف اجلوي‪.‬‬ ‫ومن� � ��ذ ما قبل منتص� � ��ف القرن العش� � ��رين‪ ،‬قام‬ ‫املهندس األمريك� � ��ي غروت رِ ِب ْر‪ ،‬ع� � ��ام ‪ ،1937‬ببناء‬ ‫أول تليسكوب راديوي في غرب فرجينيا‪ ،‬قادر على‬ ‫تصوير األجسام التي ترسل موجات راديوية ضعيفة‬ ‫ال ميكن للتليسكوبات البصرية رؤيتها‪.‬‬ ‫وكان ه� � ��ذا األم� � ��ر ممكناً‪ ،‬ألن موج� � ��ات الراديو‬ ‫الفضائية قادرة على اختراق غالفنا اجلوي بسهولة‬ ‫والوصول إلى املراصد األرضية‪.‬‬ ‫لكن م� � ��اذا بالنس� � ��بة إل� � ��ى بقي� � ��ة الطيف غير‬ ‫املرئي‪ ،‬كاألش� � ��عة السينية أو أشعة جاما أو املوجات‬ ‫امليكروية؟ مثل هذه األش� � ��عة ال تصل إلى األرض‪ ،‬إذ‬ ‫تتص ّدى لها الطبق� � ��ات املتتالية من الغالف اجلوي‪،‬‬ ‫كاألوزون والتروبوسفير مث ً‬ ‫ال‪ .‬وكل من هذه املوجات‬ ‫ٍ‬ ‫ظروف مع ّينة‬ ‫هي لغة لنوع من األجرام السماوية في‬ ‫بعضها كارثي!‬ ‫ً‬ ‫أش� � ��عة جاما مثال تصدر عن انفجار جنم هائل‬ ‫الكتلة (س� � ��وبرنوفا)‪ ،‬واألشعة السينية (أشعة إكس)‬ ‫تصدر عن النج� � ��وم النيوترونية وعن محيط الثقوب‬ ‫السوداء‪ ،‬أما األشعة دون احلمراء فتصل من املذنبات‬ ‫والكواك� � ��ب الباردة وبات من الضروري لعلماء الفلك‬ ‫بكل‬ ‫أن يرسلوا إذن إلى املدار تليسكوبات متخصصة ٍ‬ ‫من هذه األشعة غير البصرية‪ ،‬وسأذكر أهمها‪.‬‬ ‫فف� � ��ي أبريل من عام ‪ 1991‬أطلقت «ناس� � ��ا» إلى‬ ‫الفضاء تليسكوب «كونتون» املخصص اللتقاط أشعة‬ ‫جاما النووية (أي أن الكاميرا التي حتل محل العني‬ ‫‪160‬‬

‫‪12/1/16 8:35:52 AM‬‬

‫اللتقاط األش� � ��عة القادمة‪ ،‬مصنّعة بحيث تستش� � ��عر‬ ‫ه� � ��ذا الن� � ��وع من األش� � ��عة)‪ ،‬وفي يوليو ع� � ��ام ‪،1999‬‬ ‫أطلقت «ناسا» مرصد «ش� � ��اندرا» الفضائي العامل‬ ‫باألشعة السينية‪ .‬وفي أغسطس عام ‪ 2003‬أطلقت‬ ‫إلى الفضاء تليس� � ��كوب س� � ��بيتزر العامل باألش� � ��عة‬ ‫امليكروية‪ ،‬ثم تليس� � ��كوب «وايز» العامل باألشعة دون‬ ‫احلمراء في ديسمبر ‪.2009‬‬ ‫وكان� � ��ت الوكال� � ��ة األوربية للفضاء (إيس� � ��ا)‪ ،‬قد‬ ‫أطلقت تليسكوب «إنتيغرال» الفضائي عام ‪.2002‬‬ ‫ولم تقتصر تليس� � ��كوبات الفض� � ��اء على أمريكا‬ ‫ووكالة ناس� � ��ا فقط‪ ،‬فق� � ��د أصبح لع� � ��دد من الدول‬ ‫املتطورة تليسكوباتها الفضائية العاملة على أكثر من‬ ‫موجة من الطيف الضوئي‪ ،‬كروسيا والصني والهند‬ ‫وإسبانيا‪.‬‬

‫ظاهرة التداخل‪...‬‬ ‫ثور ًة إضافية في عالم الرصد الفلكي‬ ‫إن أول جه� � ��از للتداخ� � ��ل املوج� � ��ي الضوئ� � ��ي‬ ‫‪ Interferometry‬صممه مايكلسون واختبر من خالله‬ ‫كيف أن اجتماع ضوئني متماثلني ميكن أن يؤ ّدي إلى‬ ‫ظالم‪ ،‬كما ميكن أن يضاعف قوة الضوء‪.‬‬ ‫أما ف� � ��ي حالة التليس� � ��كوب االنعكاس� � ��ي‪ ،‬فقد‬ ‫اختُبر التداخل الضوئي بتغطية معظم مساحة املرآة‬ ‫املق ّعرة العاكسة إ ّال قطاعني ض ّيقني‪ ،‬وكانت النتيجة‬ ‫أن التليسكوب ظل يعطي القدرة ذاتها على التكبير‪،‬‬ ‫ولكن ليس سطوع الصورة ذاته‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 156-162.indd 160‬‬


‫علوم‬

‫وهذا يعني أنه لو أبعدنا تليس� � ��كوبني صغيرين‬ ‫متش� � ��ابهني مس� � ��افة إكس كلم مث ً‬ ‫ووجهناهما إلى‬ ‫ال‪ّ ،‬‬ ‫النقط� � ��ة ذاتها ‪ -‬الهدف في الس� � ��ماء‪ ،‬فإننا نحصل‬ ‫على وظيفة تكبير كما لو أن لدينا تليسكوباً افتراضياً‬ ‫واحداً‪ ،‬قطر مرآته إكس كلم!‬ ‫بالطبع س� � ��وف نحتاج إلى تليس� � ��كوبات مماثلة‬ ‫إضافي� � ��ة لتجمي� � ��ع مزيد من ضوء اجل� � ��رم املرصود‬ ‫وزيادة س� � ��طوع الصورة‪ .‬وهذا األمر ش � � � ّكل ثورة في‬ ‫الرص� � ��د الفلكي‪ ،‬خاصة باس� � ��تخدام التليس� � ��كوبات‬ ‫العامل� � ��ة مبوجات الرادي� � ��و‪ ،‬منذ أربعيني� � ��ات القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬حيث تُنش� � ��ر الصحون الالقطة املتشابهة‬ ‫على مس� � ��احة كبيرة من األرض للحصول على تكبير‬ ‫دقيق وواضح لألجرام البعيدة‪.‬‬ ‫وكان مايكلس� � ��ون م� � ��ن أوائل الذين اس� � ��تخدموا‬ ‫التداخ� � ��ل في تليس� � ��كوبات بصرية ع� � ��ام ‪ ،1920‬في‬ ‫مرصد جبل ويلس� � ��ون‪ ،‬واستطاع قياس قطر النجمة‬ ‫«بتلجوز» (وهي س� � ��وبر عمالق أحم� � ��ر يبلغ قطرها‬ ‫‪ 1180‬مرة أكبر من قطر الش� � ��مس وتبعد عنا ‪642.5‬‬ ‫سنة ضوئية)‪.‬‬ ‫ومرصد «املصفوفة العظمى» ‪Very Large Array‬‬ ‫في نيو مكس� � ��يكو‪ ،‬الذي يتض ّم� � ��ن ‪ 27‬صحناً القطاً‪،‬‬ ‫كل منه� � ��ا بقطر ‪ 30‬متراً‪ ،‬موزع� � ��ة ضمن دائرة يبلغ‬ ‫قطرها ‪ 36‬كلم‪ ،‬يعطي تفاصيل األجسام املرصودة‪،‬‬ ‫وكأن لدينا تليس� � ��كوباً راديوي � � �اً افتراضياً بقطر ‪36‬‬ ‫كلم! واملصفوف� � ��ة التداخلية الكبرى امللليمترية ودون‬ ‫امللليمترية في أتاكاما في تشيلي تتضمن ‪ 66‬صحناً‬ ‫تطور التليسكوب‪ ...‬عني باتساع األرض!‬ ‫‪12/1/16 8:35:56 AM‬‬

‫قطر قسم منها ‪ 12‬متراً وقسم آخر ‪ 7‬أمتار‪.‬‬ ‫وتسعى «ناس� � ��ا» إلى نشر ش� � ��بكة من الصحون‬ ‫الراديوية على امتداد الواليات املتحدة في مش� � ��روع‬ ‫يع� � ��رف بــ «قاعدة التداخل الش� � ��ديدة الطول» ‪Very‬‬ ‫‪.Long Baseline Interferometry‬‬ ‫أما تليسكوبات التداخل العاملة باألشعة املرئية‪،‬‬ ‫فقد ط� � ��ورت ب� � ��دءاً من أواخ� � ��ر س� � ��بعينيات القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬مع التحس� � ��ينات الكبرى التي أدخلت إلى‬ ‫عالم الكمبيوتر‪ ،‬وظهرت املراصد العاملة باألش� � ��عة‬ ‫دون احلم� � ��راء (إم‪.‬ك‪ 1 ).‬و ‪ 2‬و‪ 3‬ث� � ��م تليس� � ��كوب‬ ‫التداخل املزدوج (كيك) ومرصد التداخل االختباري‬ ‫في بالومار‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ 1995‬اختبر التداخل باألشعة املرئية‪،‬‬ ‫ألول مرة‪ ،‬مبصفوفة من التليسكوبات البصرية‪ ،‬من‬ ‫قبل فريق كافن� � ��دش للفيزياء الفلكية‪ ،‬وأظهرت دقة‬ ‫غير مسبوقة لسطح النجوم احلمراء املرصودة‪.‬‬ ‫التقني� � ��ة ذاته� � ��ا بات� � ��ت تطب� � ��ق على ع� � ��دد من‬ ‫املصفوفات التليس� � ��كوبية‪ ،‬ليس فق� � ��ط في الرصد‬ ‫الراديوي‪ ،‬بل بالضوء املرئي واألش� � ��عة دون احلمراء‬ ‫كذلك؛ ولي� � ��س فقط على األرض‪ ،‬ب� � ��ل انطالقاً من‬ ‫مصفوفات تليسكوبية في الفضاء أيضاً‪.‬‬ ‫وبعد «قاعدة التداخل الش� � ��ديدة الطول»‪ ،‬التي‬ ‫مت ّث� � ��ل تليس� � ��كوباً عينه باتس� � ��اع الوالي� � ��ات املتحدة‬ ‫األمريكية‪ ،‬بات السؤال املنطقي يفرض نفسه‪ :‬ل َم ال‬ ‫تكون األرض كلها عيناً تليسكوبية واحدة؟ أي أن ينشر‬ ‫عل� � ��ى امتداد الكرة األرضية‪ ،‬ف� � ��ي أعالي املرتفعات‬ ‫‪161‬‬

‫‪jan 156-162.indd 161‬‬


‫علوم‬ ‫املناسبة‪ ،‬تليسكوبات متشابهة‪ ،‬خاصة راديوية‪ ،‬ألن‬ ‫املوج� � ��ات الراديوية تخترق بس� � ��هولة الغالف اجلوي‬ ‫ل� �ل��أرض مهما كانت الظ� � ��روف املناخية‪ .‬وتُربط كل‬ ‫هذه التليس� � ��كوبات عبر الش� � ��بكة العاملية بكمبيوتر‬ ‫يوجهها جميعاً باجتاه‬ ‫مركزي أساس� � ��ي (س� � ��يرفير) ّ‬ ‫نقطة واحدة في الفضاء بغية الرصد الفلكي‪.‬‬ ‫مثل هذا املشروع بات قيد التخطيط حتت اسم‪:‬‬ ‫«القاعدة الدولية التداخلية الش� � ��ديدة الطول» ‪Very‬‬ ‫‪.Long International Baseline Interferometry‬‬

‫األرض كصحن القط عمالق!‬

‫ه� � ��ذا التس� � ��اؤل ذهب عملي � � �اً باجتاه مش� � ��روع‬ ‫تليسكوب أفق احلدث ‪،Telescope Horizon Event‬‬ ‫الذي تعمل مؤسس� � ��ات ووكاالت فض� � ��اء متعددة من‬ ‫دول عدة على حتقيقه‪ .‬ومن بني الباحثني على هذا‬ ‫املش� � ��روع كاتي بومن‪ ،‬خريجة معهد ماساشوس� � ��تس‬ ‫للتكنولوجي� � ��ا (‪ ،)MIT‬واقترح� � ��ت منظوم� � ��ة من ‪12‬‬ ‫صحناً القطاً متش� � ��ابهاً توزع في أمكنة محددة حول‬ ‫العالم‪ ،‬مصممة اللتقاط املوج� � ��ات الراديوية بطول‬ ‫‪ 1.3‬ملم‪ ،‬جاعلة من كوكب األرض تليسكوباً راديوياً‬ ‫عمالق � � �اً‪ ،‬قادراً عل� � ��ى تصوير أف� � ��ق احلدث للثقب‬ ‫األس� � ��ود املركزي في مج� � ��رة درب التبانة‪ ،‬على بعد‬ ‫حوالي ‪ 26‬ألف سنة ضوئية عنا!‬ ‫واملع� � ��روف أن أفق احلدث ألي ثقب أس� � ��ود هو‬ ‫احل� � ��د الذي إذا ما تخطاه الض� � ��وء نحو املركز‪ ،‬فإن‬ ‫الكتل� � ��ة التفردية املس� � ��حوقة في املرك� � ��ز تبتلع هذا‬ ‫الضوء ومتنع انعكاسه أو ب ّثه‪.‬‬ ‫لذا ال ميكن ألي معلومة عن الثقب األس� � ��ود أن‬ ‫تصلن� � ��ا من خلف تل� � ��ك احلدود‪ ،‬ولذلك س � � � ّمي هذا‬ ‫اجلس� � ��م شديد اجلاذبية بالثقب األسود‪ .‬ما ميكن أن‬ ‫يصلنا من الثقب األس� � ��ود هو الضوء املخفف الطاقة‬ ‫كموجات راديوية منبعثة من األجس� � ��ام واملواد العالقة‬ ‫ف� � ��ي جذب الثقب األس� � ��ود التي تدور حوله بس� � ��رعة‬ ‫هائلة محاولة اإلفالت منه قبل أن يلتهمها خلف أفق‬ ‫احلدث‪.‬‬ ‫لكن لوضوح الصورة وإجناح وظيفة تكبيرها بهذه‬ ‫الظاهرة التداخلية (األنترفيرومترية)‪ ،‬البد من نشر‬ ‫عدد كبير من الصحون الراديوية الالقطة في مواقع‬ ‫مخت� � ��ارة حول العالم‪ ،‬بغية اس� � ��تقبال كمية كافية من‬ ‫الطاقة املوجية التي تتيح سطوعاً أفضل للصورة‪.‬‬ ‫‪162‬‬

‫‪12/1/16 8:36:00 AM‬‬

‫والتليسكوبات الراديوية املوجودة‪ ،‬املنتشرة حالياً‬ ‫في العالم‪ ،‬ال تعمل كلها على املوجة نفسها‪ ،‬وليست‬ ‫كلها متش� � ��ابهة؛ ولكن مع تط � � � ّور الكاميرات الرقمية‬ ‫وقدرة احلواس� � ��يب‪ ،‬ميكن االستفادة منها جميعاً إذا‬ ‫ما ُو ّجهت كلها في الوقت نفس� � ��ه إلى الهدف نفسه‪.‬‬ ‫وتعمل بوم� � ��ن على تطوير برنامج حاس� � ��وبي خاص‬ ‫ميكن� � ��ه حتليل البيانات اآلتية من كل التليس� � ��كوبات‬ ‫الراديوي� � ��ة املوج� � ��ودة‪ ،‬املوجهة إلى الهدف نفس� � ��ه‪،‬‬ ‫وتعديل تكبيرها ودقتها وسطوعها‪ ،‬وحذف املقاطع‬ ‫املتك� � ��ررة أو الش� � ��اذة‪ ،‬بغية أقلمته� � ��ا وجمعها إلنتاج‬ ‫صورة تفصيلية واحدة للهدف‪.‬‬ ‫وسوف تُس� � ��تقبل البيانات من تلك التليسكوبات‬ ‫لتعالج على ش� � ��بكة من احلواس� � ��يب املؤلفة من ‪800‬‬ ‫وحدة معاجلة مركزية (س� � ��ي بي يو) ترتبط بعضها‬ ‫ببعض بسرعة ‪ 40‬جيجابِت في الثانية الواحدة‪.‬‬ ‫ومن� � ��ذ التق� � ��اط البيان� � ��ات األولى في مش� � ��روع‬ ‫«تليس� � ��كوب أفق احلدث» عام ‪ ،2006‬بدأت مرحلة‬ ‫جديدة مدروس� � ��ة من نشر مصفوفة الشبكة العاملية‬ ‫للتليسكوبات الضرورية‪.‬‬ ‫ومن املتوق� � ��ع أن تُنت� � ��ج الصورة األول� � ��ى للثقب‬ ‫األسود هائل الكتلة‪« ،‬س� � ��اجيتاريوس أ» املوجود في‬ ‫مركز مجرتنا درب التبانة‪.‬‬ ‫إن دوالً ومراصد عدة س� � ��وف تشارك في إجناح‬ ‫مهم� � ��ة تليس� � ��كوب أفق احل� � ��دث‪ ،‬أهمه� � ��ا مجموعة‬ ‫كالتي� � ��ك للتليس� � ��كوبات دون امللليمتري� � ��ة ‪the Sub‬‬ ‫‪ ،Millimeter Array‬ومرصد هايس� � ��تاك التابع ملعهد‬ ‫ماساشوستس التكنولوجي‪ ،‬ومؤسسة ماكس بالنك‬ ‫لعل� � ��م الفلك الرادي� � ��وي‪ ،‬واملرصد الفلك� � ��ي الوطني‬ ‫في اليابان‪ ،‬وتليس� � ��كوب جيمس كالرك ماكس� � ��ويل‬ ‫في ه� � ��اواي‪ ،‬وتليس� � ��كوب هاينري� � ��خ ‪ -‬هيرتز حتت‬ ‫امللليمت� � ��ري املوجود في أريزونا‪ ،‬وتليس� � ��كوب غرين‬ ‫الند‪ ،‬وتليسكوب جامعة غوته في فرانكفورت بأملانيا‪،‬‬ ‫والتليسكوب امللليمتري الكبير املوجود في املكسيك‪،‬‬ ‫ومعهد علم الفل� � ��ك الراديوي امللليمتري املوجود في‬ ‫إس� � ��بانيا‪ ،‬وك ٌل من صفيفة أتاكام� � ��ا امللليمترية ودون‬ ‫امللليمترية املوجودتني في أتاكاما بتشيلي‪ ،‬وتليسكوب‬ ‫القطب اجلنوبي التابع جلامعة ش� � ��يكاغو‪ ،‬واملرصد‬ ‫األوربي اجلنوبي‪ ،‬ومرصد شنغهاي الفلكي‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى عدد من املؤسسات البحثية التي تنضم إلى هذا‬ ‫املشروع بشكل متواتر >‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 156-162.indd 162‬‬


‫البيت للعربي‬

‫الغذاء والمناخ في الثقافة المغربية‬ ‫ياسين عدنان‬

‫كاتب من املغرب‬

‫هناك موضوعات يستحسن ولوجها انطالق ًا من األسئلة األكثر بساطة‪.‬‬ ‫ولنب����دأ بس����ؤال م����ن صمي����م حياتن����ا اليومي����ة‪ :‬أال يختل����ف ما نس����تهلكه‬ ‫���تاء ع����ن أطباق الصي����ف؟ يمك����ن أن نفكر في‬ ‫م����ن وجب����ات وأطعمة ش� ً‬ ‫ال‬ ‫القطان����ي (البقول كالف����ول والحمص والفاصولي����اء والعدس‪ )...‬مث ً‬ ‫كيف نقبل عليها أيام البرد‪ ،‬بينما غالبية الناس يس����تثقلونها أيام الحر؟‬ ‫طبع ًا ما يس����ري عل����ى الطعام يس����ري عل����ى اللباس‪ .‬فظاه����رة انبعاث‬ ‫الغازات المس ّببة لالحتباس الحراري ساهمت بشكل ملحوظ في ارتفاع‬ ‫متوس����ط درجات الحرارة العالمية‪ ،‬والدليل أن أغلب دول العالم عاشت‬ ‫ارتفاع ًا استثنائي ًا لدرجات الحرارة خالل شهري سبتمبر وأكتوبر من العام‬ ‫يتوسع ليسطو على جزء من الخريف‪.‬‬ ‫الماضي‪ ،‬ما جعل الصيف‬ ‫ّ‬

‫الغذاء واملناخ في الثقافة املغربية‬ ‫‪12/7/16 9:31:40 AM‬‬

‫‪163‬‬

‫‪jan 163-167.indd 163‬‬


‫إن تأثير املناخ على اإلنس� � ��ان ال يبقى بالطبع في‬ ‫حدود طعامه ولباس� � ��ه‪ ،‬بل يطول أعمق من ذلك‪ :‬لون‬ ‫بش� � ��رته أيضاً‪ .‬ويش� � ��ير عبدالهادي البياض في كتابه‬ ‫«املن� � ��اخ واملجتمع» إلى أن التفكير الس� � ��ابق على العلم‬ ‫السود إلى حام بن نوح ويع ّ ُدهم من ساللته‬ ‫كان ينسب ّ ُ‬ ‫قب� � ��ل أن يصحح ابن خلدون هذا التصور لير ّد س� � ��واد‬ ‫البش� � ��رة أو بياضها إلى املميزات املناخية لهذا اجلزء‬ ‫أو ذاك من العالم‪.‬‬ ‫ومبا أن تأثير املناخ عل� � ��ى طبائع الناس وألوانهم‬ ‫وأش� � ��كالهم وهيئاتهم ومالبسهم وكذا أكلهم وشرابهم‬ ‫ثاب� � ��ت‪ ،‬فمن الطبيعي أن تكون عالق� � ��ة املناخ بالنظام‬ ‫الغذائي وطي� � ��دة‪ .‬فالغذاء لي� � ��س أك ً‬ ‫ال وطعاماً فقط‪،‬‬ ‫ولكن� � ��ه ثقافة وس� � ��لوك‪ ،‬له� � ��ذا نتحدث عن الس� � ��لوك‬ ‫الغذائي لألفراد واجلماعات‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وألن تاري� � ��خ الطبيعة كان دائما في حوار متواصل‬ ‫م� � ��ع تاريخ اإلنس� � ��ان‪ ،‬فمن الطبيعي أن يك� � ��ون للمناخ‬ ‫دور أساس� � ��ي في حتديد س� � ��لوك اإلنسان بشكل عام‪،‬‬ ‫وسلوكه الغذائي على وجه اخلصوص‪.‬‬

‫اجلدل املستمر بني اإلنسان والطبيعة‬

‫لق� � ��د كان املغ� � ��رب عبر تاريخه ُع َ‬ ‫رض� � ��ة للتقلبات‬ ‫املناخي� � ��ة‪ ،‬فاجلفاف مث ً‬ ‫ال يُعتب� � ��ر ظاهرة بنيوية للبيئة‬ ‫املغربي� � ��ة‪ ،‬حيث ظل� � ��ت القحوط واملجاع� � ��ات وجوائح‬ ‫اجلراد تتكرر على املغ� � ��رب بتواتر على امتداد األلف‬ ‫س� � ��نة املاضي� � ��ة‪ ،‬ما جع� � ��ل املغاربة يحاول� � ��ون التكيف‬ ‫والتعايش معها وتطوير أس� � ��اليب مقاومتها‪ .‬من ذلك‬ ‫مث ً‬ ‫ال ب ْذلُهم مجهوداً كبيراً في تطوير أساليب التخزين‬ ‫وسلوك االدخار‪ ،‬حيث تفنن مهندسو األهراء واملطامير‬ ‫ودنانات التمر في الصحراء‪ ،‬وكذا مخازن الغالل‪ ،‬في‬ ‫تطوي� � ��ر مخازنهم واختيار األماكن املناس� � ��بة لها‪ .‬كما‬ ‫ط ّوروا معارفهم في مجال تعقيم املس� � ��تودعات‪ .‬يشير‬ ‫ابن حجاج مث ً‬ ‫ال في كتابه «املقنع في الفالحة» إلى أن‬ ‫املغاربة واألندلسيني اهتدوا إلى بعض املستحضرات‬ ‫الطبيعي� � ��ة لتعقي� � ��م املس� � ��تودعات من اآلف� � ��ات‪ ،‬منها‬ ‫«حتضي� � ��ر طالء مكون من الط� �ي��ن والكبريت والرماد‬ ‫تطلى به جدران األهراء فيمنع قمحها من الس� � ��وس»‪.‬‬ ‫في املقابل‪ ،‬حتى الس� � ��يول والفيضانات كان لها تأثير‪،‬‬ ‫ويكف� � ��ي أن نذكر كي� � ��ف أن فيضان وادي تانس� � ��يفت‬ ‫هو الذي جع� � ��ل أمير املؤمنني يوس� � ��ف بن عبداملؤمن‬ ‫‪164‬‬

‫‪12/7/16 9:31:52 AM‬‬

‫املوحدي يأمر ببناء قنطرة تانسيفت سنة ‪1172‬م‪ .‬مع‬ ‫العلم بأنه إلى جانب س� � ��نوات اجلفاف‪ ،‬عرف املغرب‬ ‫عبر التاري� � ��خ‪ ،‬ومراكش بالذات‪ ،‬عديداً من الس� � ��يول‬ ‫اجلارفة واألمطار العاصفية‪.‬‬ ‫ويورد عبداله� � ��ادي البياض في كتاب� � ��ه (الكوارث‬ ‫الطبيعية وأثرها في س� � ��لوك وذهنيات اإلنس� � ��ان في‬ ‫املغرب واألندلس)‪ ،‬أن مراكش ش� � ��هدت س� � ��نة ‪1130‬م‬ ‫مطراً واب ً‬ ‫ال حكى عنه ابن القطان في «نظم اجلمان»‪،‬‬ ‫وس� � ��نة ‪1137‬م تس� � ��ببت أمطار عاصفية في مراكش‬ ‫دامت أربعني يوماً في سيول طامية خربت احملاصيل‬ ‫وجرفت التربة‪ ،‬وهو ما دفع املغاربة إلى االجتهاد في‬ ‫ّ‬ ‫واخلطارات‪.‬‬ ‫بناء القناطر والصهاريج والسدود‬ ‫يجب االعتراف بأن سلوك اإلنسان يتغير بتغير‬ ‫الظروف املناخية‪ ،‬خصوصاً حينما يضيق العيش‪.‬‬ ‫هك� � ��ذا مث ً‬ ‫ال في س� � ��نوات القح� � ��ط واجلفاف تكثر‬ ‫النزاعات ب� �ي��ن األفراد‪ ،‬والصراع� � ��ات بني القبائل‬ ‫املتج� � ��اورة‪ ،‬والنزاعات حول امل� � ��اء‪ ،‬أو حول املخازن‬ ‫واملطامر ومحتوياته� � ��ا‪ .‬وهنا جند مادة مهمة ليس‬ ‫فقط في كتب التاريخ‪ ،‬ولكن أيضاً في كتب النوازل‬ ‫والعقود‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أيضا في س� � ��نوات اجلفاف تكثر أعمال الس� � ��لب‬ ‫والنهب والس� � ��طو والغصب‪ ،‬بل حتى أجهزة الس� � ��لطة‬ ‫حتترف الس� � ��طو في كثير من األحيان‪ .‬أحيل هنا على‬ ‫«روض القرط� � ��اس» حي� � ��ث يحكي ابن أب� � ��ي زرع كيف‬ ‫أن املجاعة الش� � ��ديدة التي ش� � ��هدتها «ف� � ��اس» أواخر‬ ‫أيام مغراوة‪ ،‬دفعت أجه� � ��زة املخزن إلى اقتحام الدور‬ ‫واملنازل ونهب ما بحوزة أهلها من أقوات‪ .‬فيما يسجل‬ ‫اب� � ��ن عبدامللك صاحب «الذي� � ��ل والتكملة» أن التواطؤ‬ ‫كان مكش� � ��وفاً بني وزراء املس� � ��تنصر املوحدي وبعض‬ ‫العصابات من أجل السطو على ممتلكات الناس‪.‬‬ ‫وم� � ��ع تكاثر ن� � ��وازل الغص� � ��ب في امل� � ��ال والطعام‬ ‫واألرض وامل� � ��اء‪ ،‬يتطور فقه الغصب ال� � ��ذي أنتج فيه‬ ‫الفقه� � ��اء املغاربة عدداً مهماً من التآليف‪ ،‬أس� � ��تحضر‬ ‫منها هنا على سبيل املثال «كتاب الغصب» البن رشد‪.‬‬ ‫فق� � ��ه الغصب يبقى مجرد جان� � ��ب فقط من اجلوانب‬ ‫الت� � ��ي أ ّلف فيه� � ��ا املغاربة ف� � ��ي ارتباط غير مباش� � ��ر‬ ‫بالتغي� � ��رات املناخية‪ ،‬وإال فهناك أيض � � �اً ما ألفوه في‬ ‫مج� � ��ال الفالح� � ��ة‪ ،‬أو فيما كان يس� � ��مى أدب الفالحة‬ ‫كـ«كتاب الفالحة» البن العوام‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 163-167.indd 164‬‬


‫البيت العربي‬

‫إبدع شعراء املغرب في االحتفاء باخلبز حملوريته في احلياة املغربية‬

‫أم� � ��ا العل� � ��وم املرتبطة بش� � ��كل مباش� � ��ر باألرصاد‬ ‫اجلوي� � ��ة وتغيرات الطق� � ��س واألح� � ��وال املناخية فقد‬ ‫أف� � ��رد لها املغاربة‪ ،‬والعرب عموم � � �اً‪ ،‬علماً خاصاً وهو‬ ‫«عل� � ��م األن� � ��واء»‪ ،‬وهناك ع� � ��دد من الكتب والرس� � ��ائل‬ ‫ص� � ��درت حتت ه� � ��ذا العنوان نذكر م� � ��ن بينها «األنواء‬ ‫والبوارح» للفضل بن س� � ��لمة و«كتاب األنواء» البن البنا‬ ‫املراكشي‪.‬‬

‫جدل اجلوع والشبع‬

‫لك� � ��ن‪ ،‬م� � ��اذا كان املغاربة يأكلون أي� � ��ام املجاعات‬ ‫والقحوط؟‬ ‫يحكي أحمد التوفي� � ��ق في كتابه «املجتمع املغربي‬ ‫في القرن التاسع عشر» كيف أن نساء وأطفال إنولتان‬ ‫في منطق� � ��ة دمنات كانوا يخرجون أي� � ��ام املجاعة من‬ ‫الغذاء واملناخ في الثقافة املغربية‬ ‫‪12/7/16 9:32:40 AM‬‬

‫الق� � ��رى حاملني فؤوس � � �اً صغيرة ذاه��� �ي��ن إلى اخلالء‬ ‫للبح� � ��ث عن ع� � ��روق الدغفل (املعروف ل� � ��دى املغاربة‬ ‫باس� � ��م‪ :‬إيرني)‪ .‬فيم� � ��ا يقدم األس� � ��تاذ محمد األمني‬ ‫الب� � ��زاز في كتابه «تاريخ األوبئ� � ��ة واملجاعات باملغرب»‬ ‫الئحة ملا يسميه أطعمة اجلوع‪ .‬وتضم الالئحة إضافة‬ ‫إلى إيرني الذي كانت عروقه تُسلق ثم جتفف وتطحن‬ ‫لتعط� � ��ي دقيقاً يصنع منه خبز أبيض‪ ،‬اخلروب والنبق‬ ‫والبلوط واخل ّبيزة وال ّدوم واجلراد‪.‬‬ ‫فحني كان يكتس� � ��ح اجل� � ��راد الب� �ل��اد ويأتي على‬ ‫األخض� � ��ر واليابس‪ ،‬لم يكن الفق� � ��راء يجدون أمامهم‬ ‫طعام � � �اً غيره‪ .‬هكذا كانوا ينتقم� � ��ون منه فيصطادونه‬ ‫ويس� � ��لقونه في القدور ويأكلونه بع� � ��د أن يضيفوا إليه‬ ‫امللح والفلفل واخلل‪.‬‬ ‫ب� � ��ل إن الن� � ��اس في س� � ��نوات املجاعة ل� � ��م يكونوا‬ ‫‪165‬‬

‫‪jan 163-167.indd 165‬‬


‫تختلف ألوان الطعام في املغرب بني أيام القحط عنها‬ ‫في زمن الرخاء‬

‫يترددون ف� � ��ي افتراس احليوان� � ��ات األليفة من قطط‬ ‫وكالب‪ ،‬إضاف� � ��ة إلى أكلهم اخلنازي� � ��ر البرية‪ .‬بل لقد‬ ‫أكل الناس بعضهم بعضاً في بعض احلاالت‪.‬‬ ‫يحك� � ��ي صاحب «احللل املوش� � ��ية في ذكر األخبار‬ ‫املراكش� � ��ية» ع� � ��ن قح� � ��ط ‪1146‬م مبراك� � ��ش‪ ،‬حينم� � ��ا‬ ‫اجتمع� � ��ت عل� � ��ى املراكش� � ��يني املجاع� � ��ة واحلرب بني‬ ‫املرابطني واملوحدي� � ��ن‪ ،‬أن أهل مراكش «نفِ د طعامهم‬ ‫وفنيت مخازنهم حتى أكلوا دوابهم ومات منهم باجلوع‬ ‫م� � ��ا ينيف على مائة وعش� � ��رين ألفا‪ .‬ومل� � ��ا طال عليهم‬ ‫احلصار واش� � ��تدت أحوالهم هلك� � ��وا جوعا حتى أكلوا‬ ‫اجليف‪ ،‬وأكل أهل السجن بعضهم بعضا»‪.‬‬ ‫وإذا كان أكل حلم اخلنزير احمل ّرم ش� � ��رعاً قد ّ‬ ‫مت‬ ‫الس� � ��ماح به في القحوط واملجاعات انطالقاً من مبدأ‬ ‫«الضرورات تبي� � ��ح احملظورات»‪ ،‬فقد ّ‬ ‫مت الس� � ��ماح ‪-‬‬ ‫مث ً‬ ‫ال ‪ -‬زمن املرابطني بش� � ��رب اخلمور ملقاومة البرد‪,‬‬ ‫خصوصاً في جبال األطلس احمليطة مبراكش‪.‬‬ ‫هكذا أجاز املرابطون ش� � ��رب ال ّ ُرب الذي لم يكن‬ ‫مصامدة اجلبال يس� � ��تغنون عنه‪ ،‬بل يعتبرونه ضرورياً‬ ‫ملقاوم� � ��ة برد اجلب� � ��ل القارس‪ ,‬خصوصاً مع تس� � ��اقط‬ ‫الثل� � ��وج‪ .‬ب� � ��ل إن املرابطني‪ ،‬كما يؤكد اب� � ��ن فضل الله‬ ‫العمري في «مس� � ��الك األبصار في ممالك األمصار»‪،‬‬ ‫اعتبروه «ش� � ��راباً حالالً بدليل أنهم ضربوا رقابة على‬ ‫غيره من املس� � ��كرات وعينوا باب � � �اً خاصاً لدخوله إلى‬ ‫مراكش‪ ،‬وهو باب ال ّ ُرب ال يدخل هذا النوع إلاّ منه»‪.‬‬ ‫وميكن اعتماد مثال أكل حلم اخلنزير في املجاعات‬ ‫وش� � ��رب خمر (ال ّ ُرب) أيام البرد دلي ً‬ ‫ال على أن قساوة‬ ‫املناخ وتقلباته ُع ّدت لدى املغاربة من الضرورات التي‬ ‫تبيح احملظورات‪.‬‬ ‫‪166‬‬

‫‪12/7/16 11:54:42 AM‬‬

‫وإذا كانت قس� � ��اوة الظروف املناخي� � ��ة قد أباحت‬ ‫حتى احملظ� � ��ور من الطعام‪ ،‬وق� � ��ادت األهالي واحل ّكام‬ ‫أحياناً إلى عدد من التجاوزات مثل ما ذكرناه آنفاً من‬ ‫انتش� � ��ار السلب والنهب‪ ،‬فإنها أيضاً كانت وراء تكريس‬ ‫ثقافة التكافل داخل املجتمع‪ ،‬وهذا ما اضطلعت به عن‬ ‫جدارة نسبة معدودة من الزوايا ورباطات الصوفية‪.‬‬ ‫ويعتبر أبو العباس السبتي‪ ،‬الذي كان منهجه يقوم‬ ‫عل� � ��ى الصدقة‪ ،‬مرجعاً في هذا الب� � ��اب‪ .‬فهذا القطب‬ ‫الصوفي كان بارعاً في التفاوض مع السلطة بل وحتى‬ ‫مس� � ��اومتها‪ ،‬إذ كان يش� � ��ترط على احل ّكام في سنوات‬ ‫اجلف� � ��اف فتح مخازنهم في وجه عامة الناس والفقراء‬ ‫قبل أن يستس� � ��قي لهم‪ .‬وينقل عبدالهادي البياض عن‬ ‫صاح� � ��ب «اإلعالم مبن ح � � � ّل مبراك� � ��ش وأغمات من‬ ‫األعالم» كيف أن يعقوب املنصور املوحدي‪ ،‬بعدما طال‬ ‫اجلف� � ��اف مرة‪ ،‬اضط ّر إلى النزول عند طلب الس� � ��بتي‬ ‫«وأمر ال� � ��وكالء على بيت املال أن يعطوه كل ما يحتاج‪،‬‬ ‫فص� � ��ار يف ّرق املال على الفقراء واملس� � ��اكني والضعفاء‬ ‫ويق� � ��ول‪ :‬ال يرحم الله من عباده إال الرحماء مدة ثالثة‬ ‫أيام حتى لم يبق مس� � ��كني وال مس� � ��كينة إال ورضي» ثم‬ ‫نزل الغيث‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وحينما أخذ أبو الوليد ابن رش� � ��د علما بكرامات‬ ‫أبي العباس الذي كان بالصدقة واإلحسان يغ ّير مزاج‬ ‫الطبيعة ويجعل املناخ يغير رأيه والس� � ��ماء تتراجع عن‬ ‫إمس� � ��اكها فتمطر‪ ،‬قال عنه قولت� � ��ه البليغة‪« :‬هذا رجل‬ ‫مذهبه أ ّن الوجود ينفعل باجلود»‪.‬‬ ‫وألنه يحدث في املواسم العادية أن يصفو اجلو بعد‬ ‫أمطار اخلير وتزهو مراكش بربيعها الفاتن‪ ،‬فإن املناخ‬ ‫املعتدل كان يفتح أهالي مراكش على طقس «النزاهة»‬ ‫الذي يقوده� � ��م إلى عرصات املدينة وبس� � ��اتينها‪ .‬لكن‬ ‫النزاه� � ��ة ال تكتم� � ��ل إال بالطنجي� � ��ة املراكش� � ��ية‪ ،‬وهي‬ ‫يحضره الرجال ف� � ��ي الغالب من اللحم‬ ‫طبق ذك� � ��وري‬ ‫ّ‬ ‫والس� � ��من والليمون املص ّبر‪ ،‬يُطهى على رماد س� � ��اخن‬ ‫في «الفرناتش� � ��ي» لس� � ��اعات طويلة قبل أن يحمل إلى‬ ‫مجال� � ��س النزاهة في حدائق املن� � ��ارة وأكدال وغيرها‪.‬‬ ‫وعل� � ��ى الرغم م� � ��ن أن املغاربة يعتبرون األكل طقس � � �اً‬ ‫حميم � � �اً ميارس داخ� � ��ل البيوت وف� � ��ي األماكن املغلقة‪،‬‬ ‫ويس� � ��تهجنون األكل على ناصية الشوارع وفي األماكن‬ ‫العامة‪ ،‬فإن طقوس النزاهة ظلت تش ّكل استثناءات‪.‬‬ ‫وميك� � ��ن اعتماد طق� � ��س النزاهة املراكش� � ��ي نقطة‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 163-167.indd 166‬‬


‫البيت العربي‬ ‫عبور سلس� � ��ة باجتاه عالقة الطعام بالشعر واألدب في‬ ‫الثقافة املغربية‪ .‬ذاك أن النزاهة ال تقتصر فقط على‬ ‫أكل الطنجية وش� � ��رب الش� � ��اي املنعنع‪ ،‬بل تتجاوز ذلك‬ ‫إلى الس� � ��مر والتغنّي اجلماعي بقصائ� � ��د امللحون‪ .‬بل‬ ‫إن الش� � ��اي بالذات‪ ،‬هذا املش� � ��روب السحري الذي لم‬ ‫يدخ� � ��ل املغرب إال مع بداية القرن الثامن عش� � ��ر‪ ,‬ومع‬ ‫ذل� � ��ك اعتمده املغاربة مش� � ��روباً وطنياً رس� � ��مياً‪ ،‬يبقى‬ ‫األكثر حضورا في األدب من خالل عديد من األشعار‬ ‫الفصيح� � ��ة واملقام� � ��ات وقصائد امللحون وفي الش� � ��عر‬ ‫احلساني أيضاً‪.‬‬ ‫ويورد الباحثان عبداألحد السبتي وعبدالرحمان‬ ‫خلصاصي في كتابهما «من الشاي إلى األتاي‪ :‬العادة‬ ‫والتاريخ» عدداً م� � ��ن النصوص األدبية الرفيعة‪ ،‬نذكر‬ ‫من بينها قصيدة بلحاج املراكش� � ��ي «الزّهو ف الطبال‬ ‫حسن»‪ ،‬التي يقول فيها‪:‬‬ ‫ال � � � ّزه� � ��و ف ال � �ط � �ب �ل�ا ح � ْ�س ��ن‬ ‫ال � � � �ب� � � ��رارد زُوج وك� �ي� �س� �ـ� �ـ� �ـ ��ان‬ ‫وال � � �ب� � ��رارد ي� ��ا ف��ه��ي��م أوزان � � ��ي‬ ‫م� �ح ��زم�ي�ن ب � ْ�ه� �م ��ام السلطان‬ ‫وال� � �ب� � �ق � ��ارج م � �ث� ��لْ ال� �ف ��رس ��ان‬ ‫وال � � � ّزن� � ��اب� � ��ل م � �ث� ��ل ال � �ب � �ي� ��زان‬ ‫وامل � � � � � � � � � ّْ‬ ‫�راش ن � �ح � �ك� ��ي غ� � ��زالن‬ ‫ب�� � � � � ��ارزي�� � � � � ��ن ف ال� � �ط� � �ب �ل��ا‬ ‫وال � � �ع� � ��ود ف امل�� �ب� � ْ�خ� ��را ف��ان��ي‬ ‫ولقد أبدع ش� � ��عراء الصحراء بدورهم في التغنّي‬ ‫بالش� � ��اي ومجالس� � ��ه في ش� � ��عرهم احلس� � ��اني وحتى‬ ‫الفصيح‪ .‬من ذلك هذان البيتان للش� � ��اعر األمني ولد‬ ‫الشيخ املعلوم‪:‬‬ ‫�ارم‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫�رام‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫�ن‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫�رمي‬ ‫س� �ق ��ان ��ا ك � � �‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫العمائم‬ ‫كؤوس ًا كعني الديك بيض‬ ‫ِ‬ ‫�ول وأف � �ض� ��ل س��كّ � ٍ�ر‬ ‫أق��ي��م��ت مب� �ف� �ت � ٍ‬ ‫وأظ � � � ��رف ُج� �ل ��اس وأق � � � َي� � � ِ�م قائم‬ ‫وإذا كان للش� � ��اي في مجالس علية القوم طقوس‬ ‫معين� � ��ة‪ ،‬فإنه بالنس� � ��بة لعي� � ��ش الفقراء ال يس� � ��تطيع‬ ‫االس� � ��تغناء عن رفيق� � ��ه اخلبز خصوصاً في املواس� � ��م‬ ‫املجدبة‪ ،‬حيث تنتشر ثقافة «اخلبز وأتاي»‪.‬‬ ‫لذا من الطبيعي أن يحتفي الشعر املغربي باخلبز‬ ‫أيضا‪ .‬وهن� � ��ا نكتفي بإي� � ��راد هذين البيتني للش� � ��اعر‬ ‫عبدالرحم� � ��ان املج� � ��ذوب يلخص فيهم� � ��ا بإيجاز بليغ‬ ‫الغذاء واملناخ في الثقافة املغربية‬ ‫‪12/7/16 9:33:47 AM‬‬

‫محورية اخلبز في حياة املغاربة‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫اخل� � � � � � �ب � � � � � ��ز ي � � � � � � ��ا اخل � � � �ب� � � ��ز‬ ‫واخل � � � � �ب� � � � ��ز ه� � � � ��و اإلف � � � � � � � ��ادة‬ ‫ل� � � � � ��و م� � � � � ��ا ك� � � � � � � ��ان اخل � � �ب� � ��ز‬ ‫م � ��ا ي � �ك� ��ون دي � � ��ن وال ع� �ب���ادة‬ ‫ولقد ظ� � ��ل احتفاء األدب املغرب� � ��ي بطعام املغاربة‬ ‫وأكلهم متواص ً‬ ‫ال حتى اليوم‪ .‬وفي أدبنا احلديث مناذج‬ ‫عدة نذكر من بينها «ديوان املائدة» لس� � ��عد س� � ��رحان‪،‬‬ ‫وه� � ��و كتاب قارب بلغة أدبي� � ��ة رفيعة عدداً من األطباق‬ ‫املغربي� � ��ة‪ ،‬من الكس� � ��كس واملروزي� � ��ة واجللبانة والقوق‬ ‫وكعب غزال حتى باولو وحساء احللزون‪.‬‬ ‫وعلى ذكر حس� � ��اء احللزون‪ ،‬فقد توقفت شخصياً‬ ‫في روايتي «هوت ماروك» عند معركة انتخابية خاضها‬ ‫حزب الناقة اإلسالمي ضد حزب األخطوط احملسوب‬ ‫على الس� � ��لطة من أجل ش� � ��وربة احللزون‪ .‬فبعدما وزّع‬ ‫حزب األخطبوط عدداً من العربات اجلديدة على باعة‬ ‫احللزون ف� � ��ي مراكش في مب� � ��ادرة حتفّظ عنها حزب‬ ‫الناقة واعتبرها رشوة انتخابية سافرة يجب االحتجاج‬ ‫عليها‪ ،‬قام هذا األخير باستصدار فتوى شرعية حت ِّرم‬ ‫أكل احلل� � ��زون من األصل‪ .‬هكذا ج� � ��اء احلزب بفتوى‬ ‫لشيخ االسالم ابن تيمية يجزم فيها بأن «أكل اخلبائث‬ ‫وأكل احل ّي ِ‬ ‫ات والعقارب حرا ٌم بإجماع املس� � ��لمني‪ .‬فمن‬ ‫أكلها مس� � � ِ‬ ‫�تحلاّ لذلك فإن� � ��ه يُ ْس � � �تَتاب وإلاّ ُقتِل»‪ ،‬قبل‬ ‫ً‬ ‫أن يع � � �زِّز ُح ّ��جت ُه بفتوى أكث� � ��ر وضوحا لإلمام ابن حزم‬ ‫يقول فيه� � ��ا‪« :‬وال ِ‬ ‫يح ّ ُل أكل احللزون الب ّري وال ش� � ��يء‬ ‫من احلش� � ��رات كلها كالوزغ واخلنافس والنمل والنحل‬ ‫والذب� � ��اب وال ّدبور وال ّدود كله والقمل والبراغيث والبق‬ ‫والبع� � ��وض»‪ ،‬ثم ختم احلزب فتواه بتحرمي الش� � ��افعية‬ ‫الصريح لهذه ال ّ ُدودة‪ ,‬بعلّة إ ّنها ُمس� � ��تخْ َبثة‪ .‬وكالم الله‬ ‫واض ٌح في هذا الشأن‪ .‬فقد ح ّرم على عباده اخلبائث‬ ‫بنص صريح‪.‬‬ ‫ٍّ‬ ‫أما حزب األخطب� � ��وط‪ ،‬فيرد على غرميه من داخل‬ ‫املذه� � ��ب الرس� � ��مي للمملكة بفتوى اإلم� � ��ام مالك‪« :‬فقد‬ ‫ُس � � �ئِل مالك عن شيء يكون في املغرب يُقال له احللزون‬ ‫يعيش في الصحارى يتعلَّق ّ‬ ‫بالشجر‪ ،‬أَيُ ْؤ َكل؟ فأجاب‪ :‬أراهُ‬ ‫فس � � �لِق أو ُش� � ��وِ َي‪ ،‬فال أرى‬ ‫مثل اجلراد ما أُ ِخ َذ منه ح ًّيا ُ‬ ‫بأكله بأس � � �اً»‪ .‬هكذا صار حس� � ��اء احللزون الذي يعشقه‬ ‫املراكشيون خصوصا في الليالي الباردة قضية سياسية‪.‬‬ ‫إمنا من قال إن الطعام ليس شأناً سياسياً كذلك؟ >‬ ‫‪167‬‬

‫‪jan 163-167.indd 167‬‬


‫البيت للعربي‬

‫«زووم» على المطبخ الصحراوي‬ ‫النسق الغذائي عند مجتمع البيضان‬ ‫ح ْيسن‬ ‫إبراهيم ال َ‬

‫كاتب من املغرب‬

‫يتع َّلق موضوع هذ المقال بالبيضان ‪ ،Maures‬وهم الناطقون بالعربية‬ ‫(اللهجة‬ ‫س َّمى‬ ‫الحسانية)‪ ،‬الذين يعيشون داخل مجال جغرافي واسع يُ َ‬ ‫َّ‬ ‫اب الب ِ َ‬ ‫���ان»‪ ،‬يمتد م���ن وادي نون إلى نهر الس���نغال جنوب ًا‪ ،‬ومن‬ ‫يظ ْ‬ ‫بـ«تْ���رَ ْ‬ ‫المحيط األطلس���ي غرب ًا إلى مالي ش���رق ًا‪ .‬كما يتناول النسق الغذائي‬ ‫وآداب المائ���دة عند ه���ذا المجتمع العش���ائري الذي أس���س حياته على‬ ‫تدبي���ر الندرة والتكيف م���ع البيئة الصحراوي���ة واعتماد الب���داوة والترحال‬ ‫نمط عيش رئيس‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪12/7/16 11:49:28 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 168-171.indd 168‬‬


‫�ب الطعام ف� � ��ي ُع ْر ِف وثقاف� � ��ة البيضان دوراً‬ ‫يَل ْ َع� � � ُ‬ ‫رئيساً في نسج وتطوير العالقات االجتماعية‪ ،‬ويظهر‬ ‫�ات) التي تقام‬ ‫ذل� � ��ك جلياً من خ� �ل��ال الوالئم (لْ َع ْر َظ� � � ْ‬ ‫أساساً مبناس� � ��بة عديد من االحتفاليات االجتماعية‬ ‫والدينية وغيرهما‪.‬‬ ‫ً‬ ‫اهت� � ��م بدو الصحراء كثيرا بثقافة املطبخ وصنعوا‬ ‫(اظ � � � َو ْ‬ ‫عدي� � ��داً م� � ��ن األكالت والوجب� � ��ات ْ‬ ‫اگ) الت� � ��ي‬ ‫تالءمت مع ظروف ومنط عيش� � ��هم البدوي ومناخات‬ ‫احلي� � ��اة بالبوادي اخلاضعة لس� � ��لطة الطبيعة وحلجم‬ ‫املوجودات‪ ،‬اعتماداً على العالقة بالبيئة والفهم اجل ِّيد‬ ‫خلصوصياتها والقدرة على اس� � ��تغالل خاماتها وجني‬ ‫ثمارها‪ .‬وتتش � � � َّكل أطعمة مجتمع البيضان عموماً من‬ ‫أغذي� � ��ة نباتية وأخ� � ��رى حيوانية (أهلي� � ��ة أليفة وبرية‬ ‫متوحشة) وطائرة (أو مجنَّحة) وسابحة‪.‬‬ ‫في صح� � ��راء البيضان‪ ،‬ووفقاً للع� � ��ادات الغذائية‬ ‫الشائعة‪ ،‬تتبارى الطاهيات في مهارة مع احترام كامل‬ ‫للتقاليد البيضانية‪ :‬الكسكس اخلماسي‪ ،‬بأنواع دقيق‬ ‫حبوبه اخلمس� � ��ة واملرش� � ��وش بالدهن والعسل‪ .‬ما ُرو‪،‬‬ ‫الطبق القائم على األرز والس� � ��مك الذي حتتفظ بس ِّر‬ ‫إع� � ��داده قلة من اخلبيرات‪ .‬أما حتت اخليام‪ ،‬فيجري‬ ‫ارتش� � ��اف كؤوس الشاي الس� � ��اخن واملعطر بأعشاب‬ ‫الصح� � ��راء في جرع� � ��ات مدوية‪ ،‬كما تق� � ��ول الباحثة‬ ‫الفرنسية أوديت دو بيغودو‪.‬‬ ‫إن مطبخ البيضان يتم َّيز بالبساطة وعدم التعقيد‬ ‫بالنظر إل� � ��ى الظروف البيئية الصحراوية املوس� � ��ومة‬ ‫بقساوة املناخ ُّ‬ ‫والشح والندرة في العيش‪ ،‬لكن ذلك لم‬ ‫مينع من تف ُّرد ط� � ��رق الطبخ وثراء املائدة الصحراوية‬ ‫املك َّونة أساساً من األلبان واللحوم ودقيق الشعير‪ ،‬إلى‬ ‫أوان وأدوات مطبخية مناسبة لنمط‬ ‫جانب اس� � ��تعمال ٍ‬ ‫العيش في بادية الصحراء‪.‬‬

‫اللنب‪ ...‬أساس الغذاء‬

‫يلعب اللنب دوراً رئيس � � �اً في تغذية بدو الصحراء‪،‬‬ ‫البيضان على وجه التحديد‪ .‬فشرابهم اللنب قد غنوا‬ ‫به عن املاء‪ ،‬يبقى الرجل منهم ألش� � ��هر يشرب املاء ما‬ ‫دام عنده� � ��م لنب النُّوق‪ .‬ينقل علي ص� � ��ل ‪ A. Sall‬عن‬ ‫بعض البيضان‪:‬‬ ‫«إنهم يقض� � ��ون أحياناً فصل األمطار كله من دون‬ ‫أن يوقدوا النار للطبخ‪ ،‬مكتف� �ي��ن باللنب»‪ .‬ويعزِّز ذلك‬ ‫«زووم» على املطبخ الصحراوي‬ ‫‪12/7/16 9:34:26 AM‬‬

‫مالحظة صوليي ‪ Soleillet‬الذي أبرز أهمية اللنب في‬ ‫حي� � ��اة البيضان‪« :‬إذ قد يغنيهم عن بقية أنواع التغذية‬ ‫أ ّياماً وأس� � ��ابيع»‪ ،‬فالبيضان يُفضل� � ��ون الناقة ال َوارِ َّية‪،‬‬ ‫أي الس� � ��مينة‪ .‬فال حاجة للبيضان إلى املاء‪ ,‬خصوصاً‬ ‫في فصل الربيع‪ ،‬حيث تع َّودوا أن يشربوا في الصباح‬ ‫ملء إناء كبير من اللنب الس� � ��اخن فور ما يحلب «و ْق ْت‬ ‫لْ َعتْ� � � َم»‪ .‬فال َّ‬ ‫البنون من الب� � ��دو إذا أخصبوا ال يختارون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫غير اللنب قوت � � �ا وال يفضلون عليه مت� � ��را وال َح ّبا وال‬ ‫يوقدون ناراً وال يختبزون‪ .‬ويرتبط اللنب واحلليب في‬ ‫عرفهم باخلير والتفاؤل‪.‬‬

‫مأكوالت شعبية صحراوية‬

‫في ما يأتي‪ ،‬أبرز املأكوالت الش� � ��عبية التي تش ِّكل‬ ‫السند الغذائي لعوائل البيضان في الصحراء‪:‬‬

‫املشوي أو َّ‬ ‫الش ْي‬

‫يُ َع ُّد اللحم مادة الشواء األولى‪ .‬فقد بينَّ الرازي أن‬ ‫اللحم طعام كثير التغذية ج ِّيد يو ِّلد دماً متيناً صحيحاً‬ ‫كثيراً وجعله غ� � ��ذا ًء لألقوياء واألصحاء والكادحني ال‬ ‫يتح َّمل إدمان� � ��ه غيرهم‪ .‬يأكل البيض� � ��ان اللحم طر ّياً‬ ‫ومجفَّفاً‪ ،‬يشرحونه طواالً فيكون قديداً «ت ْ‬ ‫ِيش َطا ْر»‪.‬‬ ‫يجلس رب األس� � ��رة إل� � ��ى املائدة ليج � � �زِّئ اللحم‬ ‫املش� � ��وي ‪ Grillé‬عل� � ��ى اجلمر إلى قط� � ��ع َ‬ ‫ات)‪،‬‬ ‫(گ ْر َع ْ‬ ‫مفردها َ‬ ‫«گ ْر َعة» ‪ ،Part‬ويوزِّعها على احلاضرين من‬ ‫الع َّيال مع اخلبز الدافئ تس� � ��اعده ف� � ��ي ذلك زوجته‪.‬‬ ‫أما في الوقت احلالي‪ ،‬فصار الش� � ��واء يت ُّم بواس� � ��طة‬ ‫قضبان ‪ ،Brochettes‬واس� � ��تعمال ش � � � َّواية تقليدية أو‬ ‫كهربائية‪ .‬ويش� � ��مل الش� � ��واء أيضاً الكبد‪ ،‬وهي أفضل‬ ‫أجزاء احليوان طعماً‪.‬‬

‫ات ِْبيخَ ة‬

‫أكل� � ��ة مغذية يت ُّم حتضيرها بلحم اإلبل املطهو في‬ ‫املاء‪ ،‬مع إضافة القليل من امللح والس� � ��من فقط‪ ،‬ومن‬ ‫دون توابل‪ .‬وتُ َع ُّد اتْب َ‬ ‫�اي (حصيلة الكبدة‬ ‫ِيخة‪ ،‬أو أَ َف َش� � � ْ‬ ‫والرِ َّية وأ َف َدا ْن «شحم الدوراة الرقيق»)‪.‬‬

‫يت‬ ‫يد ِگ ْ‬ ‫ِت ْ‬

‫وجبة شعبية مرتبطة بالتجفيف والتقديد ملقاومة‬ ‫فسر النمط البدوي عادة جتفيف اللحم‪ ،‬إذ‬ ‫التعفُّن‪ .‬ويُ ِّ‬ ‫‪169‬‬

‫‪jan 168-171.indd 169‬‬


‫حتتاج القبائل املنتجعة إل� � ��ى زاد ال يتعفن وإلى طعام‬ ‫جاهز تأكل منه جامداً أو ذائباً على أقراص‪.‬‬ ‫يت جتفيف حلم اإلبل‬ ‫يتطلَّب إعداد وجبة تِي ْد ِگ ْ‬ ‫بعد تقطيعه في شكل حبال قصيرة ومتوسطة تبسط‬ ‫«اص َد ْر» (الشجر)‪.‬‬ ‫على ْ‬ ‫َّ‬ ‫هكذا‪ ،‬وبعد أن يتم تقطيع اللحم (اللحم املشطر)‬ ‫قطعاً صغي� � ��رة يُ َد ُّق ج ِّيداً وميزج م� � ��ع «لُو َد ْك» ويطبخ‬ ‫اجلمي� � ��ع من دون إضافات باس� � ��تثناء القليل من امللح‪،‬‬ ‫وبعد تناول هذه الوجبة يتم ش� � ��رب الشاي الساخن أو‬ ‫اللنب‪ ،‬مم� � ��ا مينح متناوليها مزيداً من القوة والصالبة‬ ‫يت» سوى‬ ‫واملناعة‪ .‬وال يت ُّم الش� � ��كل النهائي لـ«تِي ْد ِگ ْ‬ ‫بعد طبخ اللحم املجفَّف على نار هادئة مع القليل من‬ ‫املاء‪ ،‬ثم طحنه حتى يُقارب شكل العجني ويُضاف إليه‬ ‫املرق الذي طبخ فيه‪ ،‬وهناك من يزيد عليه الدسم‪.‬‬

‫زَينَا َبة‬

‫َزيْنَابَة‪ ،‬بتغليظ حرف الزاي‪ ،‬وجبة صحراوية تت ُّم‬ ‫بقطع َّ‬ ‫الذبيحة كلها وتجُ ْ َع ُل في معدتها في هيئة كيس‬ ‫الس� � ��اق املفتوح‬ ‫بفتحة واحدة ت َُش � � � ُّد على قطعة عظم َّ‬ ‫من رأس� � ��يه على شكل قصبة هوائية‪ ،‬ثم يُدفن الكيس‬ ‫في ال َّرمال احل َّرة امللتهبة من ج َّراء ما أوقد عليها من‬ ‫حطب‪ ،‬ورأس العظم (عظم الساق) إلى األعلى مفتوح‬ ‫من الرأسني ويُ َع ُّد املتنفَّس الوحيد لها‪.‬‬

‫ان‬ ‫َبلْغْ َم ْ‬

‫يس � � � َّمى ال َبل ْ ْغ َمان أيض � � �اً في الصح� � ��راء بـ«لُ ْوكِ ي ْل‬ ‫لَ ْك َح � � � ْل» (األكل األس� � ��ود)‪ ،‬وه� � ��و من أش� � ��هر األكالت‬ ‫وأيس� � ��رها لدى البيضان إع� � ��داداً وتهييئاً‪ ،‬حيث تقوم‬ ‫النساء بتنظيف الش� � ��عير من الشوائب (إنَ ُّ‬ ‫گو ا ْز َر ْع)‪،‬‬ ‫وبع� � ��د أن ينته� �ي��ن من هذه العملية يقم� � ��ن بطحنه في‬ ‫الرحي وغربلته‪ ،‬ليتح َّول من ش� � ��عير إلى دقيق يس َّمى‬ ‫گلِي)‪ .‬ومن أج� � ��ل أن يتح َّول لمْ َ ْ‬ ‫گ ِل� � ��ي‪ ،‬أو أَ َم ْ‬ ‫(لمْ َ ْ‬ ‫گلِي‬ ‫إل� � ��ى بَل َ ْغ َم� � ��ا ْن (األكلة)‪ ،‬يقمن بتحضي� � ��ر كمية مختارة‬ ‫م� � ��ن دقيق الش� � ��عير وخلطها مع قدر مالئ� � ��م من املاء‬ ‫املغلي ج َيّداً واحمللَّى بقليل من السكر‪ ،‬وقد تتم عملية‬ ‫ّ‬ ‫اخللط واملزج عن طريق عود س� � ��ميك في شكل دبوس‬ ‫ص َع� � ��ا ْد»‪ ،‬س� � ��واء بإزالة أو عدم إزال� � ��ة املاعون‪/‬إناء‬ ‫«لمْ َ ْ‬ ‫قدم ال َبل َ ْغ َما ْن في إناء‬ ‫الطبخ من فوق النار‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬يُ َّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫«الگ ْد َحة» توضع في وسطه «ن ْ‬ ‫گ َعة»‬ ‫خاص يُس � � � َّمى‬ ‫‪170‬‬

‫‪12/7/16 9:34:57 AM‬‬

‫الزبدة أو الدهن‪ ،‬حسب ما هو متو ِّفر‪.‬‬

‫يس‬ ‫َل ْب ِس ْ‬

‫يت‪،‬‬ ‫هناك في الصحراء من يس ِّمي هذه األكلة بال َّز ِّم ْ‬ ‫وهي وجبة ال تبعد طريق ُة حتضيرها عن طريقةِ حتضير‬ ‫ال َبلَ ْغ َم� � ��ا ْن‪ ،‬إمنا الفرق بينهما يتمث� � ��ل في تضاؤل كمية‬ ‫يت)‪ ،‬حيث يظهر بعد‬ ‫يس (ال َّز ِّم ْ‬ ‫املاء املس� � ��تعملة في لَبْ ِس ْ‬ ‫إعداده جا ّفاً وقاب ً‬ ‫يس املراد منه القليل‬ ‫ال للتفتُت‪ .‬وال َب ِس ُ‬ ‫الدقيق يُلَثُّ بزيت أو‬ ‫يس ُة‪ :‬التَّسويق أو َّ‬ ‫من الطعام‪ .‬وال َب ِس َ‬ ‫سمن أو نحوهما‪ ،‬ثم يؤكل غير مطبوخ‪ ،‬ويُراد بها كذلك‬ ‫اخلبز اجلاف الذي يُ َد ُّق و��يزج باملاء ثم يُشرب‪.‬‬

‫يسة‬ ‫ام َر ْي ِف َ‬ ‫ْ‬

‫يس� � ��ة وجبة ش� � ��عبية مك َّونة من قطع اخلبز‬ ‫ا ْم َريْفِ َ‬ ‫الفطير (من دون خميرة) التي تُسقى مبرق حلم اإلبل‬ ‫احملتفظ به بعد تناول أطباق رئيسة من اللحوم‪.‬‬

‫زاد ا ُملسافر‬ ‫داع‪ُ ...‬‬ ‫َما ُرو ال َو ْ‬

‫َم� � ��ا ُرو أو ال � � � َّر ْوزْ‪ ،‬ه� � ��و األُرز‪ ،‬وهن� � ��اك طريقت� � ��ان‬ ‫لتحضي� � ��ر أكلة َم� � ��ا ُرو‪ ،‬إحداهما يت ُّم فيه� � ��ا مزج األُرز‬ ‫وطهيه باحلليب أو اللَّ� �ب��ن (على األرجح)‪ ،‬وهذا النوع‬ ‫يقترن بال َبهط‪ ،‬وهو طعام من أصل هندي في ش� � ��كل‬ ‫أرز يطبخ باللنب والس� � ��من‪ .‬واألخرى هي األكثر شهرة‬ ‫من غيرها‪ ،‬تتس� � ��م بطهي األُرز مع اللحم (أو ِّت ْ‬ ‫يش َطا ْر‬ ‫في حاالت كثيرة) مع التوابل إن وجدت‪.‬‬

‫طعام الفقراء‬ ‫العيش‪...‬‬ ‫ُ‬

‫يُ َع ُّد العيش أو العصيدة‪ ،‬أو العيش ‪-‬التي اعتبرها‬ ‫احلس� � ��ن الوزَّان طعاماً خشناً ‪ -‬من األطعمة التي كانت‬ ‫من� � ��ذ العصر الق� � ��دمي‪ ،‬وأكثرها انتش� � ��اراً وحضوراً في‬ ‫البوادي عصيدة الش� � ��عير‪ ،‬طع� � ��ام الفقراء‪ ،‬وبعض أهل‬ ‫الزُّهد والتص � � � ُّوف‪ .‬والعصيدة «أُ ُّم الطبيخ»‪ ،‬اس� � ��تناداً‬ ‫إلى اللس� � ��ان‪ ،‬وهي التي تعصدها بامل ِْس َو ِ‬ ‫اط فتم ُّدها به‬ ‫فتنقلب وال يبقى في اإلناء منها ش� � ��يء إ َّال انقلب‪ ،‬وهي‬ ‫دقيق يُلَثُّ بالس� � ��من ويطب� � ��خ‪ .‬والعصيدة‪ ،‬أو العيش في‬ ‫ش ا ْد ِگي� � � ْ‬ ‫الصحراء نوع� � ��ان‪َ :‬عيْ ْ‬ ‫�گ (الدقيق) وخاصة‬ ‫الشعير‪ ،‬أو ال ْد ِش َ‬ ‫يشة‪ ،‬ومن أجل حتضيره تقوم النساء‬ ‫بوض� � ��ع لتر من املاء في آنية ( َم ْر َج � � � ْن) فوق النار حتى‬ ‫يظ)‪ ،‬ثم يضعن فيه ا ْد ِگ ْ‬ ‫يغلي (يْفِ ْ‬ ‫يگ أو ال ْد ِش َ‬ ‫يشة‪ ،‬بعد‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 168-171.indd 170‬‬


‫البيت العربي‬

‫سيدتان من الصحراويات تعدان الطعام‬

‫ذلك يقمن بتحريك هذا اخلليط بعود خش� � ��بي يس َّمى‬ ‫مْ«ل َ ْص َعا ْد» وتستمر عملية التحريك إلى أن يصبح العيش‬ ‫جاهزاً‪ ،‬وبعد طهيه يوضع العيش في وعاء كبير‪.‬‬

‫الكسكس وأنواعه‬

‫طريق� � ��ة إع� � ��داد وحتضير الكس� � ��كس تختلف عند‬ ‫فئات املجتم� � ��ع البيضاني‪ .‬ففي موريتانيا‪ ،‬مث ً‬ ‫ال‪ ،‬يتك َّون‬ ‫الكس� � ��كس م� � ��ن حبيبات الس� � ��ميد التي يُض� � ��اف إليها‬ ‫مس� � ��حوق ورق امللوخية املع� � ��روف بـ«ال َّت ْغ َي� � ��ة» (التقية)‬ ‫بصرف النظر عن نوع املرق الذي س� � ��يضاف إليه‪ .‬وإذا‬ ‫كان الكسكس يُ َع ُّد عموماً من أطباق املناسبات اخلاصة‬ ‫(األعياد‪ ،‬حفالت الزواج) ‪ -‬السيما في منطقة البراكنة‬ ‫املوريتاني� � ��ة‪ -‬فإنه يُعتب� � ��ر الطبق األكثر انتش� � ��اراً لدى‬ ‫غالبية بدو الصحراء‪ ،‬وقد الحظ املستكشف علي صل‬ ‫أن بيضان املناطق الوس� � ��طى والش� � ��رقية في موريتانيا‬ ‫يحضرون الكس� � ��كس م� � ��ع اللحم أو الده� � ��ن أو معهما‬ ‫معاً‪ ،‬وقد يجعلون معه الل� �ب��ن أو اللوبيا‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫«زووم» على املطبخ الصحراوي‬ ‫‪12/7/16 9:35:03 AM‬‬

‫عدد آخر من أنواع الكس� � ��كس‪ .‬وهناك بعض الوجبات‬ ‫األخرى التي ال تتسع املساحة لها‪.‬‬

‫الشاي وطقوسه في الصحراء‬

‫من طقوس الش� � ��اي في صح� � ��راء البيضان أنه ال‬ ‫يصلح إ َّال بتو ُّفر ثَ َ‬ ‫الثْ ِجي َم ٍات‪:‬‬ ‫أج َم ْر‪ :‬أي مادة الفحم اخلشبي‪.‬‬ ‫ ْ‬‫مدة إعداده‪ .‬يس � � � ِّميه البعض‬ ‫اج � � � ْر‪ :‬أي إطالة َّ‬ ‫ َّ‬‫ـ«ج ْر لَبْ ُرو ْد»‪ ،‬وهو التَّراخي في حتضير براريد وحالته‬ ‫ب َ‬ ‫الشاي‪ .‬واملُراد به نصب الشاي على النار وج ِّره‪ ،‬وهو‬ ‫التم ُّهل في إعداده وحتضيره‪.‬‬

‫اج َما َع‬ ‫ْ‬

‫أي جماعة من الناس اجلالسني واملتحلِّقني حول‬ ‫الطبلة ُ‬ ‫لش� � ��رب الش� � ��اي‪ ،‬وتبادل األحاديث واملشاركة‬ ‫في النقاش الذي يدور في مجلس الش� � ��اي ومائدته‪،‬‬ ‫وطبيعة املجلس وشكله >‬ ‫‪171‬‬

‫‪jan 168-171.indd 171‬‬


‫البيت للعربي‬

‫إلهام األلوان في حياتنا‬ ‫ياقوت شريط‬

‫كاتبة من اجلزائر‬

‫بي����ن األناقة‪ ،‬الغم����وض‪ ،‬الحزن واألس����اطير‪ ،‬يترب����ع ملك األل����وان‪ ،‬مكتفي ًا‬ ‫مس����تق ً‬ ‫ّ‬ ‫تتلق����ى عيوننا‬ ‫ال مس����يطراً متباهي ًا خ����ارج ألوان الطي����ف‪ ،‬فحين ال‬ ‫أي أش����عة ضوئية‪ ،‬وال تتحفز أي من مس����تقبالتها اللونية‪ ،‬نش����اهد اللون‬ ‫األسود‪.‬‬

‫ومل������ا كان األندر في األش������ياء أغالها‪ ،‬جند‬ ‫األثم������ن بني أكثر من أربع���ي��ن نوعاً من األحجار‬ ‫الكرمي������ة ما تف������ ّرد بلونه‪ ،‬مثل األملاس األس������ود‬ ‫الطبيع������ي واملعال������ج‪ ،‬اللؤل������ؤ األس������ود‪ ،‬العقيق‬ ‫والياقوت األسود املفضل عند امللوك‪.‬‬ ‫واحل������ال كذل������ك ف������ي النباتات؛ فم������ن أندر‬ ‫األزهار األوركيد السوداء‪ ،‬والوردة السوداء التي‬ ‫ال تنم������و إال في قرية هالفيت������ي التركية‪ ،‬يصفها‬ ‫البعض بأنها نذير ش������ؤم ونح������س‪ ،‬كما يوصف‬ ‫جتسد للجن ومردة‬ ‫القط األسود الذي يشاع أنه‬ ‫ُّ‬ ‫الشياطني‪.‬‬ ‫يعتبر س������واد العيون والش������عر ميزة عربية‪،‬‬ ‫لكن احلقيقة أن األس������ود في العني نادر‪ ،‬وينتج‬ ‫عن تك ّثف امليالنني املس������ؤول عن التصبغ‪ ،‬ويرى‬ ‫كثيرون أن أجمل العيون ما كانت شديدة السواد‬ ‫م������ع نصاعة بياضه������ا‪ ،‬كما مينح تغ������ازل هذين‬ ‫النقيضني للديك������ور طابعاً ملكي������اً‪ .‬أيضا يحوز‬ ‫األسود لقب سيد األلوان في األناقة‪ ،‬لكونه لوناً‬ ‫ال يأفل بريق حضوره مع الزمن‪.‬‬ ‫ف������ي رايات األمم اعتُمد األس������ود في س������تة‬ ‫وثالثني علماً من بني مائة وواحد وتسعني حسب‬ ‫دراس������ة حديثة‪ ،‬ويرمز إلى الوقار والعظمة‪ .‬أما‬ ‫قدمي������اً فكان������ت الرايات بلون واح������د‪ ،‬وللجيش‬ ‫‪172‬‬

‫‪12/7/16 9:35:37 AM‬‬

‫اثنتان؛ إن عاد منتصراً رف������ع البيضاء وإن ُمني‬ ‫بالهزمية رفع الس������وداء‪ .‬وقد اتخذ الرسول ‬ ‫األسود راية وس������ميت «ال ُعقاب»‪ ،‬كذلك اعتمده‬ ‫اخللفاء الراشدون والعباسيون بعده‪.‬‬ ‫اليوم األس������ود ه������و اليوم الرابع عش������ر من‬ ‫أبري������ل‪ ،‬يُحتفل به في كوريا اجلنوبية كل س������نة‬ ‫بتجمع أش������خاص مرتدين مالب������س داكنة‪ ،‬حيث‬ ‫يتناول������ون معكرون������ة بصلص������ة س������وداء خاصة‪،‬‬ ‫سمتهم املش������تركة أنهم غير مرتبطني بأحد من‬ ‫اجلنس اآلخر! ويطلق البعض صفة السواد على‬ ‫اليوم السيئ والقلب احلاقد‪ ،‬كما يلتصق األسود‬ ‫غالباً باحلزن واحلداد والغموض‪.‬‬ ‫ُطليت صنادي������ق الطائرات باللون األس������ود‬ ‫بداي������ة قب������ل تغييره إل������ي البرتقال������ي‪ ،‬لكن لقب‬ ‫الصندوق األسود بقي لصيقاً بها‪ ،‬ويقال إن هذا‬ ‫هو سبب التس������مية‪ ،‬فيما قيل كذلك إن السبب‬ ‫هو ارتباط الصندوق بالكوارث‪ ،‬حيث ال يفتح إال‬ ‫في حال وقوعها‪.‬‬

‫قف‪ ...‬أحمر‬

‫له قلب‪ ،‬كوكب‪ ،‬سجادة وخط محرم‪ ،‬وله يد‬ ‫ترفع فتقول‪« :‬كفى‪ ...‬توقف»‪.‬‬ ‫األحم������ر هو أحد ثالثة أل������وان أولية للضوء‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 172-175.indd 172‬‬


‫املرئ������ي إلى جان������ب األخض������ر واألزرق (‪.)RGB‬‬ ‫يعتبر لوناً مفض ً‬ ‫ال خاصة لدى اجلنس اللطيف؛‬ ‫إذ يرتب������ط مباش������رة باحل������ب ورس������مة القل������ب‬ ‫والفالنتاين واإلغراء‪ .‬يعزز الشعور باالنتماء؛ لذا‬ ‫استُخدم في العالج النفسي‪ ،‬وفرش سجادة من‬ ‫اللون نفسه الس������تقبال الدبلوماسيني والضيوف‬ ‫األجانب‪.‬‬ ‫في التب������ ّرج تتألق النس������اء بأحمر الش������فاه‬ ‫متعدد األلوان‪ ،‬لكن ظهوره األول كان أحمر‪ ،‬كما‬ ‫نراه مثال في الورد املقدم للمحبوب‪ ،‬وفي ش������فق‬ ‫املساء الساحر‪ ،‬وبعض الفواكه كالفراولة والكرز‪،‬‬ ‫وه������و لون ب������دالت الزفاف الس������ائد في الصني‬ ‫والهند وفيتنام‪ ،‬ألنه لون احلظ اجليد والتفاؤل‪،‬‬ ‫كما يُعد لون‪ ‬الثورة البلشفية‪ ‬الس������وفييتية ولقب‬ ‫جيشها‪ ‬ورمز‪ ‬احلركة الشيوعية‪.‬‬ ‫األحمر يس������تثير الغرائز‪ ،‬لذا يس������تخدم في‬ ‫أغ������راض املطاع������م واملطابخ اجلاذبة للش������هية‬ ‫إلهام األلوان في حياتنا‬ ‫‪12/7/16 9:35:43 AM‬‬

‫والغرف الب������اردة والديكورات احلميمة والثياب‪.‬‬ ‫إذا طلي������ت األظف������ار باألحمر فمن ش������أن هذا‬ ‫أن يرف������ع ضغط الدم‪ ،‬وإذا لُبس َّ‬ ‫نش������ط الدورة‬ ‫الدموي������ة‪ ،‬وزاد من دفء اجلس������د‪ ،‬كما يعد لوناً‬ ‫مناس������باً جداً لثوب س������هرة أو جلس������ة تفاوض‪،‬‬ ‫أم������ا إذا قيل عن أمر «خ������ط أحمر»‪ ،‬فال ينصح‬ ‫باالقتراب منه أو اخلوض فيه‪.‬‬ ‫الكوكب األحمر‪ ،‬لونه مائل إلى احلمرة بفعل‬ ‫نسبة غبار أكسيد احلديد الثالثي املكثفة‪ ،‬يسمى‬ ‫مريخاً نسبة إلى «أمرخ» أي ذا البقع احلمراء‪.‬‬ ‫تق������ول إح������دى الدراس������ات إن ردود أفعالنا‬ ‫تصبح أقوى وأس������رع عند تعرضنا للون األحمر‪،‬‬ ‫فهو إش������ارة مباشرة للممنوع واخلطر‪ ،‬لذا كانت‬ ‫إش������ارات املرور املانعة حمراء‪ ،‬وأضواء سيارات‬ ‫اإلس������عاف كذلك‪ .‬إضافة إل������ى تأثيره العالجي‪،‬‬ ‫حي������ث يُذكر أن طبيب امللكة إليزابيث اس������تخدم‬ ‫ش������االً أحمر لعالجها من اجلدري‪ ،‬ويس������تخدم‬ ‫‪173‬‬

‫‪jan 172-175.indd 173‬‬


‫أيضا في م������داواة فقر الدم‪ ،‬فتور الهمة‪ ،‬العجز‬ ‫اجلنسي ونقص التروية الدموية‪.‬‬ ‫يعتق������د كثيرون أن الل������ون األحمر الذي يلوح‬ ‫ب������ه مص������ارع الثيران هو املس������ؤول ع������ن إصابة‬ ‫الث������ور بحالة الهيجان‪ ،‬غي�� أن العلم أكد أن هذا‬ ‫احليوان غير قادر على متييز األلوان‪ ،‬إمنا تثيره‬ ‫حركة القماش مهما كان لونه‪.‬‬ ‫أخيراً‪ ،‬إذا أردت نصيحة العرافة وعلم الفنغ‬ ‫ش������وي جلذب مزيد من امل������ال‪ ،‬فيمكنك جتربة‬ ‫استعمال حافظة نقود حمراء‪.‬‬

‫لون السرور‬

‫رمبا ألن������ه اللون األجمل في نظري‪ ،‬أو ألنه‬ ‫رم������ز الذهب والثراء‪ ،‬رمب������ا لكونه األكثر إبهاجا‬ ‫بني كل األلوان على اإلطالق‪ ،‬أو ألني فقط أحبه‬ ‫أحابي اللون األصفر‪.‬‬ ‫إن األصف������ر لون يحث على الس������عادة‪ ،‬حيث‬ ‫ذكر في القرآن الكرمي مقروناً بالس������رور بشكل‬ ‫مباشر في قوله تعالى «بقرة صفراء فاقع لونها‬ ‫تسر الناظرين»‪ ،‬ويقال «إن من لبس نعال صفراء‬ ‫لم يزل في سرور مادام البسها»‪.‬‬ ‫وإذا ه������دأ األصفر وبهت ب������رزت معه بقية‬ ‫األلوان القوية‪ ،‬وم ّثل لها أنسب خلفية وأبهى جو‬ ‫لتتألق وتثبت وجوده������ا كاألحمر واألخضر في‬ ‫الديكور واللوحات الفنية مث ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫وينف������رد الباه������ت دون الفاقع من������ه بأغلب‬ ‫اإليحاءات الس������لبية من هم وحزن وذبول وكسل‬ ‫وموت؛ ذلك أنه مرتبط باخلريف وموت الطبيعة‬ ‫وصفرة وجوه املرضى‪ ،‬كما أن الضحكة اللئيمة‬ ‫توصف بالصفراء‪ ،‬وس������مي مستشفى األمراض‬ ‫العقلية بـ «السرايا الصفراء» في بعض البلدان‪،‬‬ ‫ألن جدرانه طليت باللون ذاته‪ ،‬وقد كانت السفن‬ ‫قدمياً‪ ،‬إذا تفشى املرض بني طاقمها‪ ،‬ترفع راية‬ ‫صفراء‪.‬‬ ‫أما األحجار الكرمية فال تخلو من احلضور‬ ‫القوي لهذا اللون ذي الشخصية البارزة والتأثير‬ ‫البائ������ن‪ ،‬حيث جنده ف������ي األملاس وك������ذا حجر‬ ‫األوبال (‪ )OPAL‬اجلميل‪ ،‬وحجر الزبرجد البهي‬ ‫وغيره‪.‬‬ ‫‪174‬‬

‫‪12/7/16 9:35:48 AM‬‬

‫ويستخدم األصفر في سيارات األجرة جلذب‬ ‫االنتباه إليها‪ .‬ويدل كذلك على االحتاد والعيش‬ ‫اجلماع������ي والصف������اء الفك������ري ورؤية األش������ياء‬ ‫بواقعية‪ .‬ويناس������ب غ������رف املكاتب والدراس������ة‬ ‫لقدرته عل������ى رفع التركيز‪ ،‬أم������ا إن أهديت لك‬ ‫وردة صف������راء فه������ذا تصري������ح واض������ح بالغيرة‪،‬‬ ‫كما يرمز التوليب األصف������ر إلى احلب البائس‪،‬‬ ‫والزنب������ق األصفر إلى الكذب‪ ،‬والقرنفل األصفر‬ ‫إلى الكبرياء شأنه شأن دوار الشمس‪.‬‬ ‫اعتمد األصفر ف������ي التصوير املصري كلون‬ ‫نق������ي أو ممزوج م������ع غيره معبراً ع������ن الذهب‪،‬‬ ‫كم������ا يعد هذا اللون مقدس������اً بش������كل خاص في‬ ‫احلض������ارة الصينية؛ إذ يرمز إلى س������لطة البالد‬ ‫واإلمبراطور‪ ،‬وترجع قداس������ته إلى اعتقاد سائد‬ ‫لدى الشعب الصيني أن اإلنسان خلق من الطني‬ ‫األصفر‪ .‬وكان هذا اللون حكراً على اإلمبراطور‬ ‫وثوبه وتاجه وسريره وأيضا قرميد قصره‪ ،‬وكان‬ ‫كل من يس������تخدمه عداه يُتهم بالتمرد ومحاولة‬ ‫اإلطاحة باحلاكم!‬

‫مثل القطن‬

‫ٍ‬ ‫صاف‪ ،‬واضح‪ ،‬مباش������ر‪ ،‬مالئكي‪ ،‬رائق‬ ‫أهو‬ ‫وناصع؟ إذن فهو أبيض‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يعتبر األبيض لوناً منفصال نظريا‪ ،‬لكنه في‬ ‫احلقيقة مجم������وع كل األلوان ف������ي طيف مرئي‬ ‫واحد‪.‬‬ ‫ل������ه من ال������دالالت نقيضان؛ ف������رح ليلة عمر‬ ‫املرأة بفستانها‪ ،‬ورمز املوت والعزاء في الثقافة‬ ‫الصينية واليابانية والكورية‪ ،‬يتصف من مييلون‬ ‫إليه في لباس������هم باألمانة والثقة‪ ،‬وبأنهم يحبون‬ ‫ج������ذب إعجاب اآلخرين‪ .‬يوح������ي الورد األبيض‬ ‫بالصفاء والصدق والطهارة في العالقات؛ فمن‬ ‫أراد االرتب������اط بش������خص قدم ل������ه وردة بيضاء‪،‬‬ ‫وقبولها من عدمه يعتبر رداً‪.‬‬ ‫بدلة الطبيب واملم������رض تكون بيضاء‪ ،‬حيث‬ ‫يرتبط هذا اللون باخلير بش������كل عام‪ ،‬ويع ّبر عن‬ ‫النقاء والصف������اء والوضوح‪ ،‬ويوحي بالس������كينة‬ ‫والطمأنين������ة ل������ذا اختير احلم������ام األبيض رمزاً‬ ‫للس���ل��ام‪ ،‬وإن رفعت راية باللون ذاته فإنها تعلن‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 172-175.indd 174‬‬


‫البيت العربي‬ ‫االستس���ل��ام‪ .‬و ُوصف القلب الطيب املتس������امح‬ ‫بالبي������اض‪ .‬هو ثان������ي األلوان ذكراً ف������ي القرآن‬ ‫الكرمي إذ ذكر اثنتي عش������رة مرة‪ ،‬داالً على لون‬ ‫وجوه أهل اجلنة وشرابهم‪ ،‬وإلى شروق الشمس‬ ‫والصباح‪.‬‬ ‫ً‬ ‫صحيا‪ ،‬يس������هم تس������ليط ضوء أبيض شديد‬ ‫عل������ى الكب������د ف������ي عالج م������رض الصف������راء‪،‬‬ ‫خصوصاً عن������د املواليد اجلدد‪ ،‬كما ينصح‬ ‫مرضى الس������ل بارتداء األبيض والس������ير‬ ‫حتت الشمس‪ .‬إال أن الثالثي؛ السكر‪،‬‬ ‫املل������ح‪ ,‬والطحني األبي������ض‪ ،‬يربطه‬ ‫بالس������م‪ ،‬لكون الثالثي يس������بب‬ ‫السكري والضغط والسمنة‪.‬‬ ‫أما إن ش������وهد هذا اللون‬ ‫في هالة املرأة الطاقوية‬ ‫فقد يش������ير إلى أنها‬ ‫حبلى أو س������تكون‬ ‫كذلك قريباً‪.‬‬ ‫م� � ��ن البي� � ��وت‬ ‫الـبــــيــــــض� � ��اء مـــــنزل‬ ‫رئيس الواليات املتحدة‬ ‫األمريكية‪ ،‬وســمي كــذلك‬ ‫نس� � ��بة لألحجار الت� � ��ي بُني‬ ‫به� � ��ا‪ .‬ف� � ��ي الش� � ��طرجن وطاولة‬ ‫الزه� � ��ر تُل � � � ّون اللوح� � ��ة باألبيض‬ ‫واألس� � ��ود‪ ،‬حيث يرمز أبيضهما إلى‬ ‫أح� � ��د الالعبني‪ ،‬وغالب � � �اً يكون أول من‬ ‫يبدأ اللعب باحلركة األولى‪.‬‬ ‫حتت األرض‪ ،‬وم������ع الزمن يُضغط‬ ‫الفحم األس������ود ويتش������كل لينتج أملاســـاً‬ ‫أبي������ض نقي������اً‪ ،‬كما يتأل������ق اللـــــؤل������ؤ بلـــونه‬ ‫الناص������ع‪ ،‬كذلك م������ن بني األحج������ار البيضاء‬ ‫العقي������ق اللــــبني الـــــذي لم يح������ظ لدى العــــرب‬ ‫بقيم������ة عالية مقارن������ة باألحمر‪ .‬كم������ا نراه في‬ ‫الثلج‪ ،‬احلليب‪ ،‬القطن‪ ،‬الس������حب‪ ،‬الكلس وشيب‬ ‫الش������عر‪ ،‬ومن احليوانات‪ ،‬الدب القطبي‪ ،‬األسد‬ ‫األبيض الن������ادر‪ ،‬والفيل األبيـــــ������ض أغلى وأنبل‬ ‫الفيـــــل������ة الـــذي يعتــــبر مطلــــوب������اً جداً خاصــــة‬ ‫فــــي تايلنـــــد >‬ ‫إلهام األلوان في حياتنا‬ ‫‪12/7/16 9:35:54 AM‬‬

‫‪175‬‬

‫‪jan 172-175.indd 175‬‬


‫البيت للعربي‬

‫من مآثر الحكمة الشعبية‪:‬‬ ‫مواجهة الموت والحياة‬ ‫فردريك معتوق‬

‫عميد كلية العلوم االجتماعية‬ ‫في اجلامعة اللبنانية‬

‫ليست المعرفة حكراً على األزمنة المعاصرة‪ ,‬وال حكراً على المجتمعات‬ ‫الحديثة الغزيرة اإلنتاج‪ ،‬وبخاصة في الغرب (أوربا) وغرب الغرب (أمريكا)‪.‬‬ ‫هذا ما يمكن أن نستش���فه من أخبار بالغة الداللة عاش���تها الش���عوب‬ ‫العربية في ما مضى ولم يتوقف أحد عندها في حينه‪ ،‬كما لم يكترث‬ ‫لها أحد الحق ًا‪.‬‬ ‫ومن هذه األخبار التي اليزال مغزاها ينبض حي ًا حتى اليوم قصة واقعية‬ ‫تتعل���ق بما حصل على متن الس���فينة تايتانيك وبعدها في إحدى قرى‬ ‫لبنان الشمالي الجبلية‪.‬‬

‫ف������ي قرية حردي������ن (قضاء البت������رون) كانت‬ ‫س������بل العيش تضيق بأبناء وبنات أس������ر زراعية‬ ‫تعيش على سفوح جبال تربتها ضعيفة ومراعيها‬ ‫محدودة‪ .‬لذلك كان الفقر منتشراً وحلم الهجرة‬ ‫في كل األذهان‪.‬‬ ‫ل������م يكن النظ������ام الضريب������ي ال������ذي كانــــت‬ ‫تعتــــمده الس������لطنة العثمانية يس������مح بعمليات‬ ‫اال ّدخار‪ ،‬وبالتالي كان التراكم املالي مستحي ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫بحدها‬ ‫وحياة الكف������اف البيولوجي مس������موحة‬ ‫ّ‬ ‫األدنى‪ ،‬كي تبق������ى اليد العاملة على قيد احلياة‬ ‫دون أن تتم ّك������ن من أن تث������رى وتخرج من د ّوامة‬ ‫الفقر‪.‬‬ ‫لذلك سافر على منت التايتانيك‪ ،‬في أبريل‬ ‫ال وامرأة وطف ً‬ ‫‪ ،1912‬تسعة عش������ر رج ً‬ ‫ال‪ ،‬غرق‬ ‫‪176‬‬

‫‪12/7/16 9:38:14 AM‬‬

‫منهم اثنا عشر ش������خصاً‪ ،‬فيما بقي سبعة على‬ ‫قيد احلياة‪.‬‬ ‫لك������ن القصة ليس������ت هن������ا‪ ،‬حي������ث إن هذه‬ ‫حد ما مآسي مشابهة أخرى‬ ‫املأس������اة تشبه إلى ّ‬ ‫حصلت في جميع البلدان التي سافر منها أناس‬ ‫يحلمون بحياة جدي������دة في أمريكا‪ ،‬حيث وعود‬ ‫القصة هي في ما سبق‬ ‫العيش الرغيد واآلمن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫غرق هذه الس������فينة املفت������رض بها أال تغرق وما‬ ‫تبع مأساتها‪.‬‬ ‫قبل ش������هرين من موعد السفر‪ ،‬كان شباب‬ ‫قرية َحردين يسهرون‪ ،‬كما هي العادة‪ ،‬في منزل‬ ‫أحد الشباب في كل ليلة‪ .‬وكانت بطبيعة احلال‬ ‫املجموعات الش������بابية الصغيرة في تواصل مع‬ ‫بعضها البعض‪ ،‬في العمل واحلقول‪ ،‬خالل اليوم‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 176-178.indd 176‬‬


‫التالي‪ .‬فانتش������ر خبر رغبة إح������دى مجموعات‬ ‫الش������باب في الهجرة إلى أمريكا‪ ،‬وس������رعان ما‬ ‫غزت عدوى السفر جميع املجموعات األخرى‪.‬‬ ‫غير أن السفر كان يحتاج إلى «ناولون»‪ ،‬أي‬ ‫إلى ثمن تذكرة س������فر من بيروت إلى مرس������يليا‬ ‫بحراً‪ ،‬ثم براً في القطار عبر فرنس������ا إلى مرفأ‬ ‫ش������يربور‪ ،‬ثم بحراً إلى الق������ارة األمريكية‪ .‬وقد‬ ‫اس������تعصى هذا األمر على عديد من الش������باب‪،‬‬ ‫فتراجعوا عن الفكرة‪.‬‬ ‫بقيت‪ ،‬بعد ش������هر‪ ،‬مجموعتان من الش������باب‬ ‫من مآثر احلكمة الشعبية‪ :‬مواجهة املوت واحلياة‬ ‫‪12/7/16 9:38:21 AM‬‬

‫تنويان خوض املغامرة الكبرى‪ .‬وكانت املجموعة‬ ‫األولى تتبع ش������يخ شباب‪ ،‬واألخرى شيخ شباب‬ ‫آخ������ر‪ .‬علماً ب������أن ه������ذا اللقب هو ال������ذي كان‬ ‫يعطى ف������ي حينه ملتزعم مجموعة ش������بابية في‬ ‫القرى اجلبلية اللبنانية ذات الكثافة الس������كانية‬ ‫الالفتة‪.‬‬ ‫إال أنه‪ ،‬خالل األس������بوع ا��ذي س������بق موعد‬ ‫النزول إلى مرفأ بيروت والش������روع في السفر‪،‬‬ ‫مرض ش������يخ ش������باب املجموع������ة الثانية‪ ،‬حيث‬ ‫أصيب بالدوس������نتاريا‪ ،‬وهو داء يش� ّ‬ ‫�����ل نش������اط‬ ‫‪177‬‬

‫‪jan 176-178.indd 177‬‬


‫صاحب������ه عملي������اً‪ ،‬إذ يقتضي مالزم������ة الفراش‬ ‫وامل������داواة‪ .‬وحيث إن امل������داواة التقليدية لم تكن‬ ‫ناجع������ة مبا في������ه الكفاية‪ ،‬ولم تك������ن املضادات‬ ‫احليوية قد اكتشفت بعد‪ ،‬اضطر شيخ الشباب‬ ‫املصاب إلى املكوث مط������والً في الفراش معدال‬ ‫عن فكرة السفر مكرهاً‪.‬‬ ‫وعدل������ت معه عن الس������فر أيض������اً مجموعة‬ ‫شبابه التي تضامنت معه وقالت له‪« :‬لن نتركك‪.‬‬ ‫سنبقى معك‪ .‬ثم سنلحق باملجموعة الحقاً‪ ،‬عند‬ ‫موعد السفر اجلديد‪ ،‬في الشهر القادم‪ ،‬أو بعد‬ ‫حصاد القمح في حزيران (يونيو)»‪.‬‬ ‫وهكذا كان‪ .‬سافرت املجموعة األولى بعدما‬ ‫و ّدع أهل القرية املسافرين بسهرة طويلة سادتها‬ ‫البهجة‪ ،‬في س������احة القرية العامة‪ ،‬الكائنة أمام‬ ‫كنيسة البلدة‪.‬‬ ‫ثم س������افر َمن س������افر وبقي من بقي‪ ،‬والكل‬ ‫راض بحاله‪.‬‬ ‫ل������م مي������ض أس������بوعان ونيف عل������ى مغادرة‬ ‫مجموعة املسافرين من أهل َحردين إلى أمريكا‬ ‫حت������ى جاء اخلبر األس������ود‪ :‬غرق������ت التايتانيك‬ ‫وغرق َمن فيها‪ ،‬ما عدا الرجال والنساء‪.‬‬ ‫وق������ع اخلب������ر كالصاعقة على أه������ل عبرين‬ ‫وحردين وس������رعل وزغرتا وجميع قرى اجلبال‬ ‫اللبنانية التي س������افر منها أف������راد‪ .‬غير أن وقع‬ ‫اخلبر كان أكث������ر إيالماً بالنس������بة إلى َحردين‪،‬‬ ‫حيث كان منها عدد الضحايا األكبر بني القرى‪.‬‬ ‫كانت الكارثة الت������ي حلّت بحردين جماعية بكل‬ ‫معن������ى الكلمة‪ .‬ولذلك تعام������ل معها أهل القرية‬ ‫جماعياً‪.‬‬ ‫فبعدما تأكد اخلبر تداع������ى أعيان َحردين‬ ‫وتداولوا في ما ينبغي القيام به محلياً‪ ،‬إال أنهم‬ ‫كانوا في حيرة من أمرهم‪ .‬فهل يكتفون باحلزن‬ ‫على ش������باب املجموع������ة األولى الذي������ن غرقوا‬ ‫جميعاً ف������ي هذا احمليط الب������ارد والبعيد؟ وفي‬ ‫هذه احلال‪ ،‬م������ا املوقف الذي ينبغي اتخاذه من‬ ‫شباب املجموعة الثانية الذين جنوا؟‬ ‫هل نحزن؟ هل نفرح؟‬ ‫بعد مداوالت طويلة بني وجهاء القرية الذين‬ ‫ض ّم������وا مختار القري������ة وكاهنها‪ ،‬وم������ن منطلق‬ ‫‪178‬‬

‫‪12/7/16 9:38:28 AM‬‬

‫احلكمة الش������عبية الت������ي ال حتتاج إل������ى علماء‬ ‫اجتماع أو أنثروبولوجيا‪ ،‬بل إلى بساطة التفكير‬ ‫االجتماعي واملعنوي العام‪ ،‬تق ّرر ما يلي‪:‬‬ ‫مل������دة ثالثة أيام متتالية س������تُعتمد ش������ــــعائر‬ ‫احل������زن األقصى في البلدة‪ ،‬ح������داداً على أرواح‬ ‫ملـــــدة‬ ‫الش������باب االثني عش������ر الذي������ن ماتــــ������وا‪ّ ،‬‬ ‫ثـــــالث������ة أيام متتالية‪ .‬ثم تقام بعدها ثالثــــة أيام‬ ‫متتالية م������ن الفرح العارم ف������ي القرية‪ ،‬احتفاء‬ ‫بنجاة وسالمة مجموعة الشباب التي بقيت في‬ ‫حردين‪.‬‬ ‫كان اجلمي������ع ي������ر ّدد‪« :‬كما أراد الل������ه لنا أن‬ ‫ميوت من بيننا اثنا عش������ر شاباً‪ ،‬أراد الله أيضاً‬ ‫أن ينعم علينا بحياة عشرة آخرين»‪.‬‬ ‫هك������ذا ُعلّق������ت البرادي الس������ود على جميع‬ ‫ش������بابيك بيوت حردين و ُد ِهنت عتبات األبواب‬ ‫باللون األس������ود‪ .‬ثم اس������تمر اجلرس يدقّ حزناً‬ ‫طوال ثالثة أيام متتالية مع مراسم الصالة على‬ ‫َمن غاب������وا‪ ،‬واعتماد اللون األس������ود حصراً في‬ ‫اللباس‪ ،‬مع انقطاع األصوات املرتفعة واألغاني‬ ‫ودقّ الك ّبة في اجل������رن وتعزية أهالي املفقودين‬ ‫والبكاء على ذكراهم‪ ،‬واألس������ف على ش������بابهم‬ ‫املهدور‪.‬‬ ‫ث������م‪ ،‬بعد ثالثة أي������ام‪ ،‬تغ ّير النه������ج بالكامل‪،‬‬ ‫حيث ُف ّك������ت ش������عائر احلزن وخُ لع������ت املالبس‬ ‫الس������وداء‪ ،‬وحت ّول������ت القرية بأمه������ا وأبيها إلى‬ ‫البهجة‪ .‬ف ُد ّق������ت الطبول وعال املزم������ار فرحاً‪،‬‬ ‫و ُد ّق������ت أجراس الكنيس������ة ابتهاج������اً بفرح جناة‬ ‫الذين جنوا‪ .‬وأقيمت س������هرات تش������به سهرات‬ ‫األعراس للش������باب الذين شاءت املشيئة اإللهية‬ ‫أن يبقوا على قيد احلياة‪.‬‬ ‫وبذل������ك ابتدع������ت احلكم������ة الش������عبية عند‬ ‫هؤالء القرويني اللبناني���ي��ن األ ّميني معادلة غير‬ ‫مس������بوقة‪ ،‬جعلت احلزن يأخذ موقع الصدارة‪،‬‬ ‫إكراماً لذكرى األم������وات‪ ،‬غير أنها أضافت إلى‬ ‫ملدة مس������اوية من‬ ‫احلزن االحتفاء بفرح احلياة ّ‬ ‫الزمن‪.‬‬ ‫ثالثة أيام من احلزن الغامر‪ ،‬تلتها ثالثة أيام‬ ‫حس احلياة‬ ‫من الفرح العارم‪ ،‬كانت كفيلة بجعل ّ‬ ‫حس املوت >‬ ‫يغلب ّ‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 176-178.indd 178‬‬


‫إعداد‪ :‬دينا هيكل‬

‫المسابقة الثقافية‬

‫كأس العالم لكرة القدم‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬

‫من� � ��ذ ع� � ��ام ‪ ،1930‬تقام بطول� � ��ة كأس العالم‬ ‫لكرة القدم‪ ،‬كل أربع سنوات‪ ،‬إال أنها تعطلت‬ ‫مرتني‪ ،‬بفعل حدث عاملي‪ ،‬وكان ذلك حتديداً‬ ‫في‪:‬‬ ‫أ‪ 1934 -‬و‪.1938‬‬ ‫ب‪  1942 -‬و‪.1946‬‬ ‫ج‪ 1950 -‬و‪.1954‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫كانت أول دولة تستضيف بطولة كأس العالم‬ ‫لك� � ��رة القدم‪ ،‬هي الدولة نفس� � ��ها التي فازت‬ ‫بهذه البطولة عام ‪ ،1930‬وهي‪:‬‬ ‫أ‪ -‬إسبانيا‪.‬‬ ‫ب‪ -‬البرازيل‪.‬‬ ‫ج‪ -‬أوروجواي‪.‬‬

‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬

‫تش� � ��ترك كل من فرنسا‪ ،‬وإجنلترا‪ ،‬وإسبانيا‪،‬‬ ‫ف� � ��ي أنها ف� � ��ازت ببطول� � ��ة كأس العالم لكرة‬ ‫القدم‪:‬‬ ‫أ‪ -‬الفوز مرة واحد فقط‪.‬‬ ‫ب‪ -‬الفوز مرتني‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الفوز ثالث مرات‪.‬‬

‫تش� � ��ترك كل من أملانيا وإيطاليا‪ ،‬في أن ك ً‬ ‫ال‬ ‫منهما تكرر فوزها ببطولة كأس العالم لكرة‬ ‫القدم‪ ،‬أكثر من مرة‪:‬‬ ‫أ‪ -‬الفوز مرتني‪.‬‬ ‫ب‪ -‬الفوز أربع مرات‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الفوز ثالث مرات‪.‬‬

‫بدأت إقـامة بـطولة كـأس الـعالم لكرة الـقـدم‬ ‫في عام ‪ ،1930‬واستمرت في االنعقاد حتى‬ ‫اآلن‪ ،‬بحي� � ��ث وصل� � ��ت‪ ،‬في ع� � ��ام ‪ ،2014‬إلى‬ ‫االنعقاد رقم‪:‬‬ ‫أ‪.20 -‬‬ ‫ب‪.22 -‬‬ ‫ج‪.18 -‬‬

‫فازت بعض الدول ببطولة كأس العالم لكرة‬ ‫القدم مرات عدة‪ .‬والدولة التي فازت بكأس‬ ‫العال� � ��م ألكبر عدد من املرات‪ ،‬بحيث وصلت‬ ‫إلى ‪ 5‬مرات‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أملانيا‪.‬‬ ‫ب‪ -‬البرازيل‪.‬‬ ‫ج‪ -‬إيطاليا‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫‪12/12/16 9:56:20 AM‬‬

‫‪jan 179-181.indd 179‬‬


‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬

‫تش� � ��ترك كل من األرجنتني وأوروجواي‪ ،‬في‬ ‫أن ك ً‬ ‫ال منهم� � ��ا تك� � ��رر فوزه� � ��ا ببطولة كأس‬ ‫العالم لكرة القدم‪ ،‬أكثر من مرة‪ ،‬حيث فازت‬ ‫كل منهما بالكأس‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أربع مرات‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ثالث مرات‪.‬‬ ‫ج‪ -‬مرتني‪.‬‬

‫لم تفز دولة تشيكوسلوفاكيا أو دولة املجر‪،‬‬ ‫بأي من بط� � ��والت كأس العالم لكرة القدم‪.‬‬ ‫إال أن ك ً‬ ‫ال منهما تأهلت للدور النهائي حتى‬ ‫عام ‪:2014‬‬ ‫أ‪ -‬مرتني‪.‬‬ ‫ب‪ -‬مرة واحدة‪.‬‬ ‫ج‪ -‬ثالث مرات‪.‬‬

‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬

‫الدولة التي جتم� � ��ع بني أكبر عدد من مرات‬ ‫الفوز باملركز األول‪ ،‬باإلضافة إلى أكثر عدد‬ ‫م� � ��ن مرات احللول في مرك� � ��ز الوصيف‪ ،‬في‬ ‫كأس العال� � ��م لكرة الق� � ��دم‪ ،‬حتى عام ‪،2014‬‬ ‫هي‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أملانيا‪.‬‬ ‫ب‪ -‬األرجنتني‪.‬‬ ‫ج‪ -‬إيطاليا‪.‬‬

‫استضافت قارة أمريكا اجلنوبية كأس العالم‬ ‫لكرة القدم‪ 5 ،‬مرات‪ ،‬واس� � ��تضافتها‪  ‬أمريكا‬ ‫الشمالية ‪ 3‬مرات‪ ،‬واستضافتها آسيا مرتني‬ ‫فقط‪ ،‬وإفريقيا مرة واحدة‪ ،‬بينما استضافتها‬ ‫قارة أوربا‪ ،‬حتى عام ‪:2014‬‬ ‫أ‪ 10 -‬مرات‪.‬‬ ‫ب‪ 11 -‬مرة‪.‬‬ ‫ج‪ 12 -‬مرة‪.‬‬

‫جوائز املسابقة‬ ‫اجلائزة األولى ‪ 100‬دينار‬ ‫اجلائزة الثانية ‪ 75‬دينا ًرا‬ ‫اجلائزة الثالثة ‪ 50‬دينا ًرا‬ ‫باإلضافة إلى ‪ 8‬جوائز تشجيعية قيمة كل منها‬ ‫‪ 40‬دينا ًرا‪.‬‬ ‫شروط املسابقة‬ ‫اإلجاب� � ��ة عن ‪ 9‬أس� � ��ئلة على األقل‪ ,‬يكت� � ��ب على الظرف‬ ‫مجلة العربي «مس� � ��ابقة العربي الع� � ��دد ‪ .»698‬آخر موعد‬ ‫لوص� � ��ول اإلجاب� � ��ات هو أول أبري� � ��ل ‪2017‬م‪ .‬يكتب االس ��م‬ ‫ثالثي� � ًا (بالعربية واإلجنليزية) والعنوان البريدي واضحني‪،‬‬ ‫ورق� � ��م الهاتف‪ ،‬عل� � ��ى أن تك� � ��ون البيانات البنكي� � ��ة املطلوبة‬ ‫ب � � �ـ «اإلجنليزية»‪ ،‬وهي اس� � ��م البنك والفرع وعنوانه واس� � ��م‬ ‫املستفيد ورقم احلساب واآليبان والسويفت كود‪.‬‬ ‫يرس ��ل املش ��اركون م ��ن داخ ��ل الكوي ��ت ص ��ورة البطاق ��ة‬ ‫املدنية‪.‬‬ ‫ل� � ��ن تقبل اإلجابات التي ترد إلى املجلة بواس� � ��طة البريد‬ ‫اإللكتروني‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫‪12/12/16 9:56:25 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 179-181.indd 180‬‬


‫المسابقة الثقافية‬

‫حل مسابقة العدد ‪ 695‬أكتوبر ‪2016‬‬

‫‪1‬‬

‫ُولد عام ‪ 1304‬م باملغرب‪ ،‬وس� � ��افر للحج في س� � ��ن‬ ‫‪ 21‬سنة من املغرب إلى مكة‪ ،‬ولم يرجع إال بعد ‪30‬‬ ‫عا ًما‪ ،‬وسجل رحالته في «حتفة النظار في غرائب‬ ‫األمصار وعجائب األسفار» (ابن بطوطة)‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫ولد عام ‪ 945‬م‪ ،‬وكرس حياته لدراس� � ��ة اجلغرافيا‪،‬‬ ‫بع� � ��د زيارت� � ��ه ملكة املكرم� � ��ة‪ ،‬ووضع ع� � ��دة مدونات‬ ‫أهمها‪« :‬أحس� � ��ن التقاس� � ��يم في معرف� � ��ة األقاليم»‬ ‫(محمد املقدسي)‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ألف كتاب «املسالك واملمالك» عام ‪930‬م‪ ،‬وهو أول‬ ‫من رس� � ��م خريطة للعالم اإلس� �ل��امي‪ ،‬حيث قسمه‬ ‫إل� � ��ى ‪ 20‬إقلي ًم� � ��ا اختص كل واحد منه� � ��ا بخريطة‬ ‫(االصطخري)‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫ول� � ��د باملغ� � ��رب ع� � ��ام ‪1099‬م‪ ،‬ومن أه� � ��م إجنازاته‬ ‫رسمه للكرة األرضية مع استخدام خطوط الطول‬ ‫وخطوط العرض‪ ،‬بش� � ��كل مق� � ��ارب لعلم اجلغرافيا‬ ‫املعاصر (محمد اإلدريسي)‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫ولد في فالنس� � ��يا س� � ��نة ‪ 540‬هـ ويقال إنه س� � ��افر‬ ‫ليتعزى عن فقد زوجته‪ ،‬فظل س� � ��نوات طواالً يتنقل‬ ‫بني مكة وبيت املقدس‪ ،‬وكتب مشاهداته في «تذكرة‬ ‫باألخبار عن اتفاقات األسفار» (ابن جبير)‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫عرف باس� � ��م هيرودوت العرب‪ ،‬ألف «مروج الذهب‬ ‫ومع� � ��ادن اجلواه� � ��ر»‪ ،‬ولد في بغداد ع� � ��ام ‪ 896‬م‪،‬‬ ‫وتعلم بها‪ ،‬وتوفي في فس� � ��طاط مصر (أبواحلسن‬ ‫املسعودي)‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫ُولد س� � ��نة ‪1418‬م‪ ،‬وارتبط اس� � ��مه باس� � ��م فاسكو‬ ‫داجاما‪،‬حيث ساعده في رحلته الشهيرة حول رأس‬ ‫الرجاء الصالح إل� � ��ى الهند‪ ،‬وله كتاب «الفوائد في‬ ‫أصول علم البحر والقواعد» (أحمد بن ماجد)‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫ولد في تركيا في القرن العاش� � ��ر امليالدي‪ ،‬وقضى‬ ‫آخر ‪ 30‬س� � ��نة من حياته في السفر وسجل رحالته‬ ‫ف� � ��ي كتاب� � ��ه‪« :‬ص� � ��ورة األرض» ع� � ��ام ‪977‬م (اب� � ��ن‬ ‫حوقل)‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫كتب عن رحلته في س� � ��فارة اخلليفة العباس� � ��ي إلى‬ ‫ملك الصقالبة (بلغار الفوجلا) يوم ‪ 12‬مايو ‪922‬م‪،‬‬ ‫وقد اتخذت تتارس� � ��تان املعاصرة من تلك املناسبة‬ ‫يوم عطلة دينية (أحمد بن فضالن)‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫توفي س� � ��نة ‪934‬م‪ ،‬ووضع كتاب «صور األقاليم» أو‬ ‫«تقومي البلدان» في اجلغرافيا الوصفية املسالكية‪،‬‬ ‫ورس� � ��م خرائ� � ��ط األقالي� � ��م اإلس� �ل��امية باألل� � ��وان‬ ‫(البلخي)‪.‬‬

‫أسماء الفائزين‬ ‫الفائز األول‬

‫أمني بن مبارك بن سالم الصواعي‪/‬سلطنة ُعمان‪.‬‬

‫الفائز الثاني‬

‫مصطفى بن عمر بوهالل‪/‬تونس‪.‬‬

‫الفائز الثالث‬

‫نفيسة خاتون عبداملجيد‪/‬الهند‪.‬‬

‫الفائزون باجلوائز التشجيعية‬

‫‪ - 1‬زيد منير الشعراوي ‪ -‬الظهران ‪ /‬السعودية‪.‬‬

‫املسابقة الثقافية‬ ‫‪12/12/16 9:56:29 AM‬‬

‫‪ - 2‬محمد علي بن احلافظ ‪ -‬عمان‪/‬األردن‪.‬‬ ‫‪ - 3‬أفنان أحمد طه ‪ -‬الفيحاء‪/‬الكويت‪.‬‬ ‫‪ - 4‬عام ��ر عب ��اس حس ��ن عب ��اس ‪ -‬اخلرط ��وم‪/‬‬ ‫السودان‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ميساء جميل خنافر ‪ -‬النبطية‪/‬لبنان‪.‬‬ ‫‪ - 6‬صالح أحمد علي‪/‬مملكة البحرين‪.‬‬ ‫‪ - 7‬سارة نبيه محمد عبدالرازق ‪ -‬الدقهلية‪/‬مصر‪.‬‬ ‫‪ - 8‬املدني بن أحمد رزقي ‪ -‬أغادير‪/‬املغرب‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫‪jan 179-181.indd 181‬‬


‫مسابقة التصوير‬

‫للتصوير الفوتوغرافي‬ ‫س� � ��عيها الكتش� � ��اف طاقات إبداعية عربية‪ ،‬تنش� � ��ر «العربي» نتائج مسابقتها الش� � ��هرية ألفضل الصور‬ ‫ضمن‬ ‫فوتوغرافية‪ .‬املس� � ��ابقة مفتوحة لكل املصورين في الوطن العرب� � ��ي‪ .‬وتختار جلنة حتكيم في «العربي» ثالث‬ ‫ال‬ ‫للحصول على ثالث جوائز ش� � ��هرية‪ .‬على أن مينح الفائزون التالون اش� � ��تراكات مجانية مبجلة العربي‬ ‫صور‬ ‫كجوائز تشجيعية ملدة عام كامل‪ ،‬كما تنشر الصور الفائزة باملراكز األولى‪.‬‬

‫املشاركون في املسابقات‬ ‫الثقافية والفوتوغرافية ومسابقات «العربي الصغير»‬ ‫من داخل دولة الكويت‪،‬‬ ‫يجب‬ ‫أن‬ ‫ترفق‬ ‫ر‬ ‫سائلهم‬ ‫بصور‬ ‫ال‬ ‫بطاقة‬ ‫ا‬ ‫ملدنية والهاتف‪،‬‬ ‫واملشاركون القصر ي‬ ‫رسلون‬ ‫صور‬ ‫ال‬ ‫بطاقة‬ ‫ا‬ ‫ملدنية ألحد األبوين‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫الفائز األول‪:‬‬

‫«الصيد بالصقور»‪ ،‬بعدسة‪ :‬مالك الهزاع‪/‬الكويت‪.‬‬

‫شروط املسابقة‬ ‫< املجاالت التي يتم التنافس فيها هي فنون الصور الشخصية‪ ،‬جماليات الطبيعة اخلالبة ورصد احلياة البرية‪ ،‬املدن والطرقات وحركة املجتمع في سعيه‬ ‫لبناء احلياة‪ ،‬التصوير في اإلضاءة املتاحة وتباين األبيض واألس� � ��ود‪ ،‬توثيق العمارة العربية واإلس� �ل��امية والتراث العاملي‪ ،‬ويحق لكل متنافس االش� � ��تراك في‬ ‫هذه املجاالت‪ < .‬األعمال الفائزة تصبح ملكاً ملجلة العربي‪ ،‬ويجوز لها نش� � ��رها بأي وس� � ��يلة إلكترونية أو طباعية مع االحتفاظ بامللكية املعنوية للمصور‪ ،‬وال‬ ‫يحق للمشارك املطالبة باسترجاع الصور غير الفائزة‪ < .‬على املشاركني مراعاة املعايير األخالقية والقانونية في الصور املقدمة‪ ،‬ومبشاركة املتسابق يتعهد‬ ‫بتحمل� � ��ه حق� � ��وق امللكية الفكرية واخلصوصية للصور‪ < .‬تكون الصور األصلية املطبوعة بحجم مناس� � ��ب ال يقل عن ‪( 5x7‬أقصر ضلع ‪ 12‬س� � ��م)‪ ،‬مع ضرورة‬ ‫تس� � ��جيل جميع البيانات اخلاصة باملوضوع (مثل مكان التصوير‪ ،‬وتاريخ التصوير وموضوع الصورة)‪ ،‬وعنوان املتس� � ��ابق‪ ،‬واسمه الثالثي (باللغة اإلجنليزية)‪،‬‬ ‫ورقم هاتفه‪ < .‬الصور الرقمية املرسلة بالبريد اإللكتروني‪ ،‬ال يقل طول (أقصر ضلع) في الصورة عن ‪ 1900‬بكسل‪( ،‬تعادل ‪ 5‬ميجا بكسل تقريباً) ويجب أن‬ ‫تكون صيغتها ‪ ، jpg‬مع ذكر جميع البيانات الس� � ��ابقة‪ < .‬لن تقبل الصور التي حتتوي على إطارات إضافية أو توقيع أو تاريخ أو عبارات مطبوعة‪ < .‬ترس� � ��ل‬ ‫الصور إلى عنوان «العربي»‪ :‬صندوق بريد ‪ ،748‬الرمز البريدي‪ ،13008 ،‬الصفاة‪ ،‬دولة الكويت‪ .‬ويكتب على املغلف بخط واضح‪ :‬مسابقة «العربي» الشهرية‬ ‫للتصوير الفوتوغرافي‪ ،‬أو على البريد اإللكتروني ‪photo@alarabi.info‬‬

‫‪182‬‬

‫‪12/12/16 9:57:03 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 182-183.indd 182‬‬


‫اجلائزة األولى‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪100‬‬

‫اجلائزة الثانية‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪75‬‬

‫اجلائزة الثالثة‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪50‬‬

‫‪2‬‬

‫الفائز الثاني‪:‬‬

‫«املنسج»‪ ،‬بعدسة‪ :‬ياسر‬ ‫محمد عالء‪/‬مصر‪.‬‬

‫‪3‬‬ ‫الفائز الثالث‪:‬‬

‫«منها تتغذى»‪ ،‬بعدسة‪:‬‬ ‫زعيمي شوقي بن نصيب‪/‬‬ ‫اجلزائر‪.‬‬

‫الفائزون باشتراكات مجانية في مجلة العربي‪:‬‬

‫< أحمد األسيري ‪ /‬السعودية < زهراء محمود سيد رضا‪/‬الكويت < دينا فتحي أبواخلير‪/‬مصر‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‬ ‫‪12/12/16 9:57:11 AM‬‬

‫‪183‬‬

‫‪jan 182-183.indd 183‬‬


‫من المكتبة األجنبية‬

‫«إسالمستان‪ ...‬وجوه األصولية»‬ ‫تأليف‪ :‬كلود غيبال‬ ‫عرض‪ :‬نجم الدين خلف اهلل‬

‫أستاذ وباحث جامعي ‪ -‬فرنسا‬

‫َمفه���وم األ ْدبَ َن���ة‪ ،‬ال���ذي نَقترض���ه م���ن ج���ون‬ ‫النص الش���عري»‪،‬‬ ‫كوه���ان ف���ي كتابِ���ه «أبْني���ة‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫يَعن���ي‬ ‫���ع أدب���ي ‪ -‬تخييل���ي عل���ى‬ ‫َ‬ ‫إضف���اء طابَ ٍ‬ ‫وقائع التاريخ وأحداث��� ِه المادية‪،‬‬ ‫إضفاء َجمال ً ّيا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫تل���ك الوقائعُ‬ ‫إل���ى َدرجة تفقد معها‬ ‫المصورة‬ ‫َّ‬ ‫تاريخ َّي َتها‪ ،‬وتصير مجرّد ثيمة (موضوع ًا) أدبي ٍة‪،‬‬ ‫ذات خصائ���ص أس���لوبية ووظائ���ف س���رديَّة‪،‬‬ ‫ضمن نسيج النص الشاعري‪.‬‬

‫ن ما يق� � ��وم به‬ ‫ه� � ��ذا التحوي� � ��ل النص� � ��ي هو ع� �ي � ُ‬ ‫الروائيون والشعراء مع تفاوت في الكيفيات السردية‬ ‫التي يوظفونها الستِعا َدة الواقِ ع مَ‬ ‫وتثيلهِ ‪ .‬ولكن أ ْن يَقوم‬ ‫بهذا التحويل ُمحلل للرهانات اجليو‪-‬اس� � ��تراتيجية أو‬ ‫مؤرخ سياسي‪ ،‬أو دارس للظواهر االجتماعية‪ ،‬فذلك‬ ‫َ‬ ‫ويخلط‬ ‫يلغي الوع� � ��ي الصحيح بالظاهرة املدروس� � ��ة‪،‬‬ ‫أجناس الكتابة ضمن اخلطاب املُنجزِ عنها‪ .‬وهذا ما‬ ‫َ‬ ‫فلسفي حول تَبعات التداخل بَني األدبي‬ ‫لسؤال‬ ‫يش ِّرع‬ ‫ّ‬ ‫والتحليلي في اخلطابات الفرنسية الراهنة التي تتخذ‬ ‫من الظاهرة اإلس� �ل��امية موضوعاً لها‪ ،‬والس� � ��يما إذا‬ ‫تناولت معضلة التَّشدد‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫عجالة‪ ،‬جُنري‬ ‫ولإلجابة عن هذا اإلش� � ��كال ف� � ��ي‬ ‫هذا التحليل لِكتاب «إسالمستان‪ ...‬وجوهُ األصولية»‪،‬‬ ‫الذي َص َد َر في باريس‪ ،‬في شهر أبريل ‪ 2016‬للصحفية‬ ‫الفرنس� � ��ية كلود غيبال (عن دار ستوك للنشر)‪ .‬وفيه‬ ‫تَعرض ه� � ��ذه الصحفية‪ ،‬من خ� �ل��ال الفصول الثالثة‬ ‫‪188‬‬

‫‪12/12/16 9:58:07 AM‬‬

‫َع َش � � � َر للكتاب‪ ،‬سلس� � ��ل ًة من البورتريه� � ��ات‬ ‫لطائفة من الش� � ��ابات والشبان املسلمني الذين اجن ّ ُروا‬ ‫ في مرحل� � ��ة ماً من حياتهم ‪ -‬إلى تيارات التش� � ��دد‬‫اإلس� �ل��امي واألصولية الدينية‪ .‬كما ت َُص ِّور من خالل‬ ‫متابعاتها التفصيلية ملسيرة هؤالء األشخاص والبيئات‬ ‫السياس� � ��ية والفكري� � ��ة الت� � ��ي حتدروا منه� � ��ا ومظاه َر‬ ‫التط ّ ُرف واالنكفاء التي باتت تَطول املجتمعات العربية‬ ‫اإلس� �ل��امية الراهنة‪ .‬وتش� � ��مل س� � ��ردياتها ك َّل الفئات‬ ‫العمري� � ��ة‪ ،‬مع التركي� � ��ز على فئة الش� � ��باب‪ ،‬كما تُعنى‬ ‫نسينْ مع التأكيد على املرأة العربية في توجهاتها‬ ‫باجلِ َ‬ ‫احلديث� � ��ة للتحرر من ربقة املاضي‪ ،‬أو في نُزوعها إلى‬ ‫االلتزام بالشعائر واملمارسات املاضو ّيَة‪.‬‬

‫‪Portrait‬‬

‫دالالت إيحائية‬

‫ِ‬ ‫أحداث عديد‬ ‫لقد س� � ��عت الكاتبة إلى تَغطي� � ��ة‬ ‫من البلدان اإلسالمية‪ ،‬املتباعدة ثقافاتُها‪ ،‬املتباينة‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 188-191.indd 188‬‬


‫أنظمتها السياسية والرمزية‪ ،‬مث َل مصر والسعودية‬ ‫وال َيمن وتونس وإيران‪ ،‬وطبعاً َفرنس� � ��ا التي صارت‬ ‫ بس� � ��بب جالياتها املس� � ��لمة ‪ -‬جزءاً ال يَت ََج َّزأ ُ من‬‫هذا الفض� � ��اء الداللي الكبير ال� � ��ذي يغطيه عنوان‬ ‫جار على‬ ‫الكتاب املثير «إسالمس� � ��تان»‪ ،‬وهو اس � � � ٌم ٍ‬ ‫أي اجلمع ب� �ي��ن كلمتَني‪ ،‬وهما «إس� �ل��ام»‬ ‫النح� � ��ت‪ْ ،‬‬ ‫َ‬ ‫حرف‬ ‫والالحقة الفارس� � ��ية «اس� � ��تان» الت� � ��ي تعتب ُر‬ ‫َموض� � � ٍ�ع مبعنى‪ :‬محافظ� � ��ة أو مقاطع� � ��ة أو إقليم‪،‬‬ ‫يُض� � ��اف ع� � ��اد ًة إلى أس� � ��ماء القبائ� � ��ل واجلماعات‬ ‫والقوميات لتخصيصها‪ ،‬والسيما في منطقة آسيا‬ ‫الوس� � ��طى وجنوبها‪ .‬وحتم� � ��ل الكلمة ‪ -‬م� � ��ن ج َّراء‬ ‫تالزمها في املخيال العربي احلديث بأفغانس� � ��تان‬ ‫الطالبانية ‪ -‬معاني شديدة السلبية‪ ،‬أرادت الكاتبة‬ ‫غيبال استذكا َرها وتوظيفها في الداللة على انتماء‬ ‫شخوصها إلى هذا الفَضاء املترامي‪ ،‬الذي ال يتقيد‬ ‫بح� � � ٍ‬ ‫�دود جغرافية‪ ،‬وإمنا ِب� � ����الالت إيحائية‪ ،‬يتصل‬ ‫ُ‬ ‫فيها ُمت ََخ َّيل اإلس� �ل��ام باملمارس� � ��ات الظالمية التي‬ ‫تعيد األذهان إلى القرون الوسطى‪.‬‬ ‫وقد استحضرت الصحفية ‪ -‬من خالل السرد‬ ‫الوصفي واحلِ واري ِ‬ ‫لس � � � َير الش� � ��خوص وأشكالهم‬ ‫وأعماقهم الس� � ��يكولوجية ‪ -‬العدي� � ��د من الظواهر‬ ‫االجتماعي� � ��ة والسياس� � ��ية الراهن� � ��ة‪ ،‬مث� � ��ل الربيع‬ ‫العربي والثورة السورية ومؤسسة إسالم أون الين‪،‬‬ ‫وتأثير يوس� � ��ف القرضاوي‪ ،‬والتحوالت االجتماعية‬ ‫في اململك� � ��ة العربية الس� � ��عودية‪ ،‬وحمل احلِ جاب‪/‬‬ ‫النقاب في املجتمعني املصري والتونس� � ��ي‪ ،‬وهيمنة‬ ‫رج� � ��ال الدين في إيران وعالقات العرب بالغرب‪...‬‬ ‫بطريق� � � ٍ�ة تضيء من خاللها س� � � َ‬ ‫�لوك ش� � ��خصياتها‬ ‫وتربطه مبؤثرات أيديولوجية وثقافية متداخلة‪.‬‬ ‫القص‬ ‫وقد أجادت الكاتبة ف� � ��ي توظيف آليات‬ ‫ّ‬ ‫وأس� � ��اليبه ونَ َّوعت منها حت� � ��ى كانت فصول الكتاب‬ ‫مبنزلة أقاصي� � ��ص قصيرة ممتع� � � ٍ�ة‪ ،‬تُ َذ ِّكر إلى ٍ‬ ‫حد‬ ‫بعي� � ��د باحلكاي� � ��ات القصي� � ��رة الت� � ��ي كتبها جنيب‬ ‫محفوظ في َمرحلة اإلنتاج الروائي الواقعي‪ .‬كتاب ٌة‬ ‫تعتم� � ��د الوص� � ��ف التفصيلي والومض� � ��ات ال َورائية‬ ‫اس� � ��ترجاعاً أو استش� � ��رافاً‪ ،‬واالس� � ��تبطان النفسي‬ ‫واحل� � ��وار والتداخل بني القِ ص� � ��ص واملصائر‪ .‬وقد‬ ‫صي � � � َغ ك ّ ُل ذلك في لغة فرنس� � ��ية َجز ٍْلة يغلب عليها‬ ‫أسلوب الس � � �جلاّ ت االس� � ��تعارية الراقي‪ .‬ومن هنا‬ ‫«إسالمستان‪ ...‬وجوه األصولية»‬ ‫‪12/12/16 9:58:11 AM‬‬

‫انبث� � ��ق إش� � ��كا ُل التمثيل األدبي للواق� � ��ع الذي يَغيب‬ ‫تدريجياً في ثنايا الصور البيانية احلاجبة للطبيعة‬ ‫املادية ملراجع النص‪ ،‬إذ يَتالش� � ��ى االمتداد الواقعي‬ ‫للحدث أما َم تتابع الصور واالستعارات التي مُ َ‬ ‫ت َّيعه‪،‬‬ ‫فيضي َع أثناءه الفهم العميق بالظاهرة قي َد الدرس‪.‬‬

‫خلط األجناس ونفي احلقيقة‬

‫وعلى ما تنتجه ق� � ��راءة هذا النص ذي الطبيعة‬ ‫الروائي� � ��ة من لذةٍ أدبية‪ ،‬ومع ما تحَ مله من إضاءات‬ ‫�اس عادي� �ي��ن‪ ،‬التحمت‬ ‫مفي� � ��دةٍ حول مس� � ��ارات أن� � � ٍ‬ ‫مبجرى التاري� � ��خ الكبير‪،‬‬ ‫مصائره� � ��م في وق� � � ٍ�ت ما َ‬ ‫فحاول� � ��وا التأثير فيه أو التأث� � ��ر بتياراته اجلارفة‪،‬‬ ‫تغيي� � ��راً وجتذيراً‪ ،‬ف� � ��إ َّن مالحظ� � � ٍ‬ ‫�ات عديدة تتصل‬ ‫بِتبعات اخللط بني اجلنس التحليلي واألدبي تَفرض‬ ‫نفس� � ��ها على املراقب للمش� � ��هد الثقافي الفرنسي‪،‬‬ ‫وهي مالحظات نود أن تس� � ��اه َم في تغذية النقاش‬ ‫حو َل اخلط� � ��اب الصحف� � ��ي الغربي ع� � ��ن الظاهرة‬ ‫األصولية في العالم اإلسالمي عموماً‪.‬‬ ‫ني اخلِ طابية ‪Focus‬‬ ‫ومن الواضح أ َّوالً أ َّن الع َ‬ ‫الت� � ��ي أبصرت م� � ��ن خاللها كلود غيب� � ��ال األحداث‬ ‫ني األديب‪ ،‬الناقل لألش� � ��ياء البسيطة للحياة‬ ‫هي ع ُ‬ ‫اليومية‪ ،‬وهذا توجه أدبِي عريق اش � � �تَهر به األديب‬ ‫ني احمللل‪ ‬املؤرخ‪،‬‬ ‫الفرنس� � ��ي بَلزاك‪ .‬ولكنها ليست َع َ‬ ‫الذي يش � � � ِّر ُح األحداث ويُعطيه� � ��ا داللتها احلقيقية‬ ‫بإدماجها في سياقها اجليو ‪ -‬ستراتيجي اإلقليمي‬ ‫الكامل‪َ .‬فالكاتبة ال تس� � ��تعيد من التفاصيل إ ّالَ تلك‬ ‫التي تَتماشى مع خطتها في السرد الروائي‪ ،‬فاملُه ّ ُم‬ ‫لديها هو بناء مش� � ��هد متخ َّي ٍل‪ ،‬تَتَكامل فيه عناصر‬ ‫القص أكثر م� � ��ن تقدمي حتلي� �ل��ات معمقة للحدث‬ ‫ّ‬ ‫وعوامِ ل� � ��ه ونتائج� � ��ه‪ ،‬وم� � ��ن ذلك تركيزه� � ��ا املفرط‬ ‫على مظاهر الش� � ��خصيات‪ ،‬ومالمحها اجلس� � ��دية‪،‬‬ ‫والديك� � ��ورات التي يتحركون فيه� � ��ا‪ ،‬وألوان املالبس‬ ‫التي يرت� � ��دون‪ ،‬وطريقة املش� � ��ي وا َ‬ ‫حلديث‪ ...‬حتى‬ ‫استعراض سطحي َخ ّطي‬ ‫صا َر النص برمته ُمج َّرد‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫رابط بينهم سوى حمل هذه‬ ‫ملس� � ��يرة أش� � ��خاص ال‬ ‫الب� � ��ذور املزعومة من التطرف‪ ،‬تكمن بالقوة في كل‬ ‫ٍ‬ ‫واحد منهم‪.‬‬ ‫ولعل امللمح األخطر في هذا التَّمشي هو خلط‬ ‫األجناس‪ ،‬فيتداخ ُل األدب والفكر‪ ،‬ال َوصف والتخيل‪،‬‬ ‫‪189‬‬

‫‪jan 188-191.indd 189‬‬


‫لدى تناولِ َظواهر اجتماعية ُمعقدة‪َ ،‬فال يَظه ُر من‬ ‫تَعقدها إال الش� � ��يء القليل الذي ال يَسمح بفهمها‪.‬‬ ‫ذلك أ َّن التمثيل الس� � ��ردي للمنحى األصولي يعرقل‬ ‫إدراك ماهيته‪ ،‬ويجعله ضباب ًّيا غائماً‪ ،‬بل قد يخلق‬ ‫تعاطفاً معه فيجعل من العسير اتخاذ مسافة نقدية‬ ‫منه الس� � ��تيعابه‪ ،‬والوقوف على مسبباته وأعراضه‬ ‫وكيفيات التصدي له‪ ،‬هذا ع� �ل��او ًة على كونه ينق ُل‬ ‫موضوع أنثروبولوجي إلى صورةٍ ورقية‪،‬‬ ‫طبيعتَه من‬ ‫ٍ‬ ‫ال وج� � ��و َد له خار َج النص‪ ،‬ينش� � ��أ ويتالش� � ��ى خاللَ‬ ‫القراءة‪ ،‬في حني أنه في الواقع ينشأ في بيئة مادية‬ ‫يغذيها نظام أيديولوجي وتخضع أساساً إلكراهات‬ ‫العوملة‪.‬‬

‫املركزية األوربية‬

‫م� � ��ن جه� � � ٍ�ة ثاني� � ��ة‪ ،‬يالح� � � ُ‬ ‫�ظ أ َّن الصحفي� � ��ة‬ ‫ق� � ��د اعتم� � ��دت مفه� � ��وم التش� � � ّ�دد أو األصولي� � ��ة‬ ‫‪ radicalisation‬مع ما فيه من العمومية والغُموض‪،‬‬ ‫ورغ َم نقدها‪ ،‬هي نفس� � ��ها‪ ،‬له� � ��ذا املصطلح الذي‬ ‫‪190‬‬

‫‪12/12/16 9:58:15 AM‬‬

‫اعتبرته (‪ ،)fourre-tout‬وهذه اللفظة اس� � ��تعارةٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ظرف حُتشى فيه كل العناصر‬ ‫فرنسية تد ّ ُل على‬ ‫املتباين� � ��ة دو َن ترتي� � ��ب‪ ،‬فإنها َجمع� � ��ت في كتابها‬ ‫ٍ‬ ‫أفراد‬ ‫ذكريات رحالته� � ��ا ولقاءاتها وتقاريرها عن‬ ‫من العالم العربي‪ ،‬جمعاً بني متناقضات ال رابط‬ ‫بيْنها س� � ��وى تطرف مزعوم ميك� � ��ن أن يحمله ك ّ ُل‬ ‫عربي‪-‬مس� � ��لم‪ ،‬مهم� � ��ا كانت درجت� � ��ه الثقافية أو‬ ‫مس� � ��تواه االجتماعي‪ .‬وبالتدقيق في هذا املفهوم‬ ‫الذي قاد كتابَتها واختياراتِها‪ ،‬يتض ُح أ َّن املقصود‬ ‫ٍ‬ ‫سلوك يخالف القيم اجلمهورية‬ ‫به االنتماء إلى ُك ّل‬ ‫الفرنسية املبنية على مب َدأ ال َعلمانية‪ ،‬أي اإلقصاء‬ ‫الت� � ��ام لكل مظاهر التدين من الفضاء العام‪ .‬فكل‬ ‫انح� � � ٍ‬ ‫�ال على البعد‬ ‫�راف عن هذا التمش� � ��ي وإقب� � � ٍ‬ ‫التد ّيُن� � ��ي‪ ،‬أ ًّيا كانت أش� � ��كاله داخلية أو خارجية‪،‬‬ ‫ميكن أن يتحول إلى أصولي� � ��ة‪ ،‬وهذه تقود حتماً‬ ‫إلى التشدد‪ ،‬ورمبا إلى اإلرهاب! الصحفية تقرأ‬ ‫الظاهرة من خالل شبكة تأويل َّية ضيقة‪ :‬ك َّل ما ال‬ ‫يتطابق مع النمط الغربي في التفكير أو الوجدان‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 188-191.indd 190‬‬


‫من المكتبة األجنبية‬

‫ميكن أن ينحدر نحو األصولية‪.‬‬ ‫والنتيجة املترتبة عن خلط األجناس األدبية ‪-‬‬ ‫اخلطابية هي تداخل املفاهيم واخلطابات وتشويه‬ ‫التص� � ��ورات عن الوقائع مما يُفض� � ��ي إلى تخطئة‬ ‫الوعي بالظاهرة املدروس� � ��ة‪ ،‬وابتسار معرفتنا به‪،‬‬ ‫فيغدو ك ّ ُل مس� � � ٍ�لم إسالمياً وكل إس� �ل��امي إ ْرهابياً‬ ‫وكل ما ليس جارياً على النسق الفرنسي أصول ًّياً‪.‬‬ ‫وم� � ��ع افتراض حس� � ��ن الني� � ��ة لدى الكاتب� � ��ة‪ ،‬فمن‬ ‫الواضح أنه� � ��ا مالت إلى انتقاء الثيمات واملواضيع‬ ‫املُربِحة‪ ،‬أي التي تروج بس� � ��هولة في أسواق الكتب‬ ‫وله� � ��ا جمه� � ��ور ق� � ��راءٍ مضم� � ��ون‪ ،‬فقد ص� � ��ار أفق‬ ‫انتظار القارئ الفرنس� � ��ي الراهن ‪ -‬الذي ش� � ��كلته‬ ‫اآللة اإلعالمية الس� � ��طحية والتكرارية ‪ -‬يجد في‬ ‫مث� � ��ل هذا النوع م� � ��ن «الوجوه األصولي� � ��ة» إرضا ًء‬ ‫حلساسيته الالواعية التي تربط اإلسالم بالتشدد‬ ‫مسلم إلى األصولية‪ ،‬وهو ما‬ ‫أي‬ ‫واحتمالية اجنرار ِ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫يتجلى في هذه القراءة السريعة السطحية لوقائع‬ ‫أعيت كبار احمللّلني السياسيني‬ ‫ش� � ��ديدة التعقيد‪ْ ،‬‬ ‫«إسالمستان‪ ...‬وجوه األصولية»‬ ‫‪12/12/16 9:58:20 AM‬‬

‫والباحثني‪ ،‬وهي هنا تُق َّدم في شكل أقاصيص تُقرأ‬ ‫لتزجية الوقت في قطارات األنفاق الباريسية‪.‬‬ ‫وحني تُصبح الكتابة عن التش� � ��دد مج َّر َد مترين‬ ‫أسلوبي‪ ،‬يُنجزه حتى أولئك الذين يفتقرون إلى آليات‬ ‫العلوم االجتماعية (مثل اللسانيات واألنثروبولوجيا‬ ‫وعلم النف� � ��س وعلم االجتماع وغيره� � ��ا)‪ ،‬قد تصير‬ ‫تل� � ��ك الكتابة هي األخرى َمظه� � ��راً لألصولية ووجهاً‬ ‫آخر من وجوهه� � ��ا‪ ،‬ألنها تقدم صورة َفضفاضة عن‬ ‫صعب املراس‪َ ،‬فيُكتفى فيها مبعانقة األعراض‬ ‫واقع‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫باألدب قد تنت ُج متع ًة عابرة‬ ‫الظاهرة‪ .‬مواجهة الواقع‬ ‫ِ‬ ‫ولكنها قد حتم ُل على االكتفاء بالقليل في استيعاب‬ ‫تضاريس املوضوع املحُ َلَّلِ ‪ ،‬الذي يتحول بفعل الطابع‬ ‫االس� � ��تعاري للخطاب الس� � ��ردي إلى مجرد عناصر‬ ‫في املقطع السردي‪« .‬إسالمس� � ��تان» تنضي ٌد لِوجوهٍ‬ ‫وتقاسيم يفترض أنها انس� � ��اقت إلى التشدد‪ ،‬ولكنه‬ ‫صنعت‬ ‫أي ٍ‬ ‫ال يش� � ��ير إلى ِ ّ‬ ‫دور للقوى اخلارجية التي َ‬ ‫بعض مظاهره ودعمته فجعلت من تلك الوجوه أقنع ًة‬ ‫ُّ‬ ‫تشف عما حتتها من املركزية األوربية >‬ ‫‪191‬‬

‫‪jan 188-191.indd 191‬‬


‫كتب مختارات‬

‫‪192‬‬

‫‪12/12/16 9:58:45 AM‬‬

‫تأمالت في أدب الرافعي‬ ‫وليد كساب‬ ‫دار البشير للثقافة والعلوم ‪-‬‬ ‫القاهرة‪2016 ،‬‬ ‫رص��د جل��وان��ب خفية متعددة‬ ‫حلياة الرافعي وفكره‪ ،‬وموقفه‬ ‫م��ن كثير م��ن القضايا األدبية‬ ‫واالج��ت��م��اع��ي��ة والسياسية‪،‬‬ ‫وتناوله لها كمفكر وأديب‪ ،‬ونقد‬ ‫فكر الرافعي وأدبه‪.‬‬

‫مدينة الكلمات‬ ‫أل��ب��رت��و م��ان �غ��وي��ل ‪ -‬ت‪ :‬يزن‬ ‫احلاج‬ ‫دار الساقي ‪ -‬لندن‪2016 ،‬‬ ‫يقترح امل��ؤل��ف أن نستمع إلى‬ ‫«الكلمات» التي يبثها احلاملون‬ ‫وال�ش�ع��راء وال��روائ �ي��ون وصنَّاع‬ ‫األف�ل�ام عبر ال��زم��ان واملكان‪.‬‬ ‫ف �ل �ع��ل ت��ل��ك ال��ق��ص��ص حتمل‬ ‫مفاتيح سرية للقلب البشري‪.‬‬

‫ملاذا نكتب؟‬ ‫م �ج �م��وع��ة م��ؤل��ف�ي�ن‪ ،‬حترير‪:‬‬ ‫ميريد�� ماران‬ ‫الدار العربية للعلوم (ناشرون)‬ ‫ بيروت‪.2016 ،‬‬‫ك�ت��اب ي�ت�ن��اول أف �ك��اراً أساسية‬ ‫ع ��ن ف ��ن ال �ك �ت��اب��ة األدب� �ي ��ة من‬ ‫خ�ل�ال تتبع ع��دد م��ن املؤلفني‬ ‫في إجاباتهم املتنوعة عن سؤال‬ ‫واحد هو‪ :‬ملاذا نكتب؟‬

‫امل��واج �ه��ة اجل�ن��ائ�ي��ة واألمنية‬ ‫جلرائم الهجرة غير الشرعية‬ ‫د‪.‬عمرو مسعد عبدالعظيم‬ ‫دار النهضة العربية ‪ -‬القاهرة‪،‬‬ ‫‪2016‬‬ ‫دراسة للتشريعات اخلاصة بجرائم‬ ‫الهجرة غير الشرعية‪ ،‬والكيفية‬ ‫التي يتم بها التعامل جنائياً مع تلك‬ ‫اجل��رائ��م وف�ق�اً للقوانني اجلنائية‬ ‫اخلاصة بهذا الشأن‪.‬‬

‫شهادات على القرن الفلسطيني‬ ‫األول‬ ‫إلياس نصرالله‬ ‫دار الفارابي ‪ -‬بيروت‪2016 ،‬‬ ‫ش� �ه ��ادات ح �ي��ة م ��ن شخصيات‬ ‫م �ع��اص��رة وم� ��ن ذاك�� ��رة الكاتب‬ ‫موثقة مبا يجعل من الكتاب نصاً‬ ‫تاريخياً إنسانياً عن الفلسطينيني‬ ‫الذين عاصروا النصف األول من‬ ‫القرن املاضي‪.‬‬

‫النظريات النقدية للعوملة‬ ‫شمس العجيلي وباتريك هايدن‬ ‫ ت‪ :‬هيثم الناهي‬‫امل�ن�ظ�م��ة ال�ع��رب�ي��ة للترجمة ‪-‬‬ ‫بيروت‪2016 ،‬‬ ‫ت� �ن ��اول ه� ��ذا ال��ك��ت��اب األبعاد‬ ‫االقتصادية والسياسية والثقافية‬ ‫للعوملة‪ ،‬ورؤي ��ة ح��رك��ات العوملة‬ ‫البديلة للممارسات واملؤسسات‬ ‫املتحولة نحو العوملة‪.‬‬

‫أندروماك‬ ‫جاك راسني ‪ -‬ت‪ :‬طه حسني‬ ‫دار الشروق ‪ -‬بنجوين‪2015 ،‬‬ ‫مسرحية لراسني تدور في فترة‬ ‫ح��رب ط � ��روادة‪ .‬بطلتها امللكة‬ ‫أن��دروم��اك األرملة التي أسرت‬ ‫ف��ي احل ��رب ووق ��ع ف��ي غرامها‬ ‫املنتصر‪ ،‬وق��د ترجمها للعربية‬ ‫د‪.‬طه حسني في عام ‪.1935‬‬

‫تخ ّيل ب��اب��ل‪ :‬مدينة ال�ش��رق القدمية‬ ‫وح�ص�ي�ل��ة م��ائ�ت��ي ع ��ام م��ن األبحاث‬ ‫ماريو ليفراني ‪ -‬ت‪ :‬د‪.‬عز الدين عناية‬ ‫مشروع كلمة ‪ -‬أبوظبي‪2016 ،‬‬ ‫يتمحور الكتاب ح��ول منطقة وادي‬ ‫ال��راف��دي��ن أث�ن��اء الفترة املمتدة بني‬ ‫(‪ 500-3500‬ق‪.‬م)‪ .‬وماريو ليفراني‬ ‫ه��و م� ��ؤرخ إي �ط��ال��ي وه ��و م��ن كبار‬ ‫امل��ؤرخ�ي�ن ال�ع��امل�ي�ين امل�خ�ت�ص�ين في‬ ‫تاريخ الشرق‪.‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 192-193.indd 192‬‬


‫كتب مختارة‬ ‫‪12/12/16 9:58:50 AM‬‬

‫مدارات اللغة‬ ‫د‪.‬عادل محلو‬ ‫م �ن �ش��ورات ض �ف��اف (ب� �ي ��روت)‪،‬‬ ‫منشورات االختالف (اجلزائر)‬ ‫ي�ع��رض امل� ��دارات ال�ت��ي سارت‬ ‫فيها اللغة العربية‪ ،‬لغة للتواصل‬ ‫والشعر وال��وح��ي‪ ،‬وغير ذلك‪،‬‬ ‫في املاضي واحلاضر‪ ،‬ويتأمل‬ ‫مسارها املستقبلي‪.‬‬

‫طبع في بيروت‬ ‫جبور الدويهي‬ ‫دار الساقي ‪ -‬لندن‪2016 ،‬‬ ‫رواي��ة جديدة للكاتب اللبناني‬ ‫جبور ال��دوي�ه��ي‪ ،‬وصفت بأنها‬ ‫م�ع��رك��ة ب�ين احل� ��واس اخلمس‬ ‫وم �ح��اول��ة ان�ت�ص��ار ل �ل��ورق‪ ،‬كي‬ ‫تبقى الطباعة في بيروت‪ ،‬وال‬ ‫تتحول إلى مجرد ذكرى‪.‬‬

‫جتارب التحول الدميقراطي‬ ‫س��ي��رج��ي��و ب� �ي� �ط ��ار‪ ،‬إب� ��راه� ��ام‬ ‫لوينثال‬ ‫دار الشروق ‪ -‬القاهرة‪2016 ،‬‬ ‫ح� � � ��وارات م� ��ع م �ج �م��وع��ة من‬ ‫القادة السياسيني حول مفهوم‬ ‫ال��دمي �ق��راط �ي��ة‪ ،‬ي�ل�ق��ون الضوء‬ ‫ع��ل��ى ب��ع��ض أب� � ��رز التجارب‬ ‫الدميقراطية املختلفة في أرجاء‬ ‫العالم‪.‬‬

‫صراع األقنعة‬ ‫كلكامش نبيل‬ ‫دار الفارابي ‪ -‬بيروت‪2016 ،‬‬ ‫ت �ل �ق��ي ه� ��ذه ال� ��رواي� ��ة الضوء‬ ‫على معاناة الشباب احملبطني‬ ‫الذين أجبرتهم الظروف على‬ ‫ترك بالدهم بحثاً عن السالم‬ ‫ف��ي املنافي البعيدة‪ ،‬ف��ي زمن‬ ‫الفوضى وموجات النزوح‪.‬‬

‫رقائم لروح الكون‬ ‫سركون بولص‬ ‫دار اجلمل ‪ -‬بيروت‪2016 ،‬‬ ‫م��خ��ت��ارات م ��ن م �ج �م��وع��ة من‬ ‫القصائد التي ترجمها الشاعر‬ ‫العراقي الراحل سركون بولص‬ ‫لعدد من أهم شعراء العالم في‬ ‫الغرب والواليات املتحدة‪.‬‬

‫التطور املبدع‬ ‫ه� �ن ��ري ب ��رج� �س ��ون‪ ،‬ت‪ :‬جميل‬ ‫صليبا‬ ‫امل�ن�ظ�م��ة ال�ع��رب�ي��ة للترجمة ‪-‬‬ ‫بيروت‪2016 ،‬‬ ‫إ ّن تاريخ تط ّور احلياة‪ ،‬يبني كيف تك ّون‬ ‫ال�ع�ق��ل ب�ت�ق� ّدم��ه امل�س�ت�م��ر‪ ،‬ع�ل��ى طريق‬ ‫صاعد مي ّر بسلسلة احليوانات الفقار ّية‬ ‫حتى يصل إل��ى اإلن�س��ان‪ .‬وه��و يبينّ لنا‬ ‫أيضاً أ ّن ملكة الفهم تابعة مللكة العمل‪.‬‬

‫الزن في فن الكتابة‬ ‫راي برادبيري‬ ‫الدار العربية للعلوم (ناشرون)‬ ‫ ب � �ي� ��روت‪ ،‬ت �ك��وي��ن للكتابة‬‫اإلبداعية ‪ -‬الكويت‪2015 ،‬‬ ‫يطلب املؤلف من الكاتب أن يتخفّف‬ ‫م��ن ب �ع��ض ال�ك�ل�ي�ش�ي�ه��ات املرافقة‬ ‫لهويته الكتابية (البؤس واملعاناة)‪،‬‬ ‫ليضفي على رحلته الكتابية كثيراً‬ ‫من االنتعاش‪.‬‬

‫وهم الوقت‬ ‫عبدالعزيز سعد املطيري‬ ‫الدار العربية للعلوم (ناشرون)‬ ‫ بيروت‪2013 ،‬‬‫مجموعة قصصية تضم عدداً‬ ‫م��ن النصوص التي تنحو ملزج‬ ‫ال�س��رد ب��األف�ك��ار‪ ،‬وتتسم بروح‬ ‫سردية ال تعدم التجريب‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫‪jan 192-193.indd 193‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫بمناسبة مرور ‪ 130‬عام ًا على طرحها للتداول‬

‫البنك المركزي الكويتي‬ ‫يصدر مسكوكة تذكارية‬

‫لـ«البيزة»‬

‫أصدر بنك الكويت المركزي نسخة تذكارية عن أول عملة وطنية في‬ ‫دولة الكويت‪ ،‬وذلك بمناس���بة مرور مائة وثالثين عام ًا على إصدارها‬ ‫وب���دء التداول بها ف���ي الكويت والمنطقة‪ ،‬وتوثيق��� ًا لتاريخ االقتصاد‬ ‫في الكويت‪.‬‬ ‫ففي عام ‪ 1886‬م (‪1304‬هـ) وفي عهد الشيخ عبداهلل الصباح الثاني‪،‬‬ ‫الحاك���م الخامس لدول���ة الكويت‪ ،‬ج���اءت المب���ادرة الفعلية إلصدار‬ ‫العمل���ة الوطني���ة األول���ى ف���ي الكوي���ت‪ ،‬كأول محاولة ج���ادة لبناء‬ ‫نظام نقد مستقل‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫‪12/12/16 9:59:13 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 194-199.indd 194‬‬


‫جاء إصدار هذه العمــــلة انعكــــاس������اً للوضع‬ ‫االقتصادي املتنامي ال������ذي متــــتعــــت به الكويت‬ ‫من������ذ بداية حك������م آل الصب������اح لهـــ������ا وعملهـــــم‬ ‫الــــ������دؤوب عل������ى تعزي������ز مكانتــه������ا وترس������يخ‬ ‫اس������تقــــالليتها السياس������ية واالقتصادي������ة عما‬ ‫جاورها م������ن بلدان‪ ،‬كم������ا جاءت ه������ذه املبادرة‬ ‫حلرص الكويتيني أنفس������هم عل������ى أن تكون لهم‬ ‫عملتهم الوطنية اخلاصة‪.‬‬

‫نبذة تاريخية‬ ‫عن تداول العمالت في الكويت‬ ‫عرف������ت الكويت حتى بداي������ات القرن الثامن‬ ‫عش������ر‪ ،‬بقلة عدد السكان وبساطة احلياة‪ ،‬حيث‬ ‫االعتماد األساسي على املوارد الطبيعة البحرية‬ ‫منها والبري������ة‪ ،‬التي تبادلها أه������ل الكويت فيما‬ ‫البنك املركزي الكويتي يصدر مسكوكة تذكارية لـ«البيزة»‬ ‫‪12/12/16 9:59:18 AM‬‬

‫بينه������م ُمقايض ًة‪ ،‬فل������م يكن هن������اك دوافع قوية‬ ‫تستوجب التداول املنتظم بالعمالت‪.‬‬ ‫وم������ع م������رور الزم������ن وتزايد عدد الس������كان‬ ‫وتزاي������د حاجته������م إل������ى الس������لع واخلدم������ات‬ ‫ولتداخ������ل املصالح بني األف������راد‪ ،‬بَرزت احلاجة‬ ‫إل������ى ُعملة يتم من خاللها تنظيم تبادل الس������لع‬ ‫واخلدمات فيما بني الس������كان من جهة وما بني‬ ‫الس������كان والتجار من جهة أخرى‪ ،‬فظهرت في‬ ‫األسواق‪ ،‬آنذاك‪ ،‬العديد من العمالت املتداولة‬ ‫ف������ي البلدان املجاورة في تل������ك احلقب الزمنية‬ ‫بأش������كالها وأنواعها وقيمه������ا املختلفة‪ ،‬و ُعرفت‬ ‫آن������ذاك عم���ل��ات منه������ا طويلة احلس������ا‪ ،‬الليرة‬ ‫العثمانية‪ ،‬الغران اإليراني‪ ،‬الريال النمساوي أو‬ ‫الريال الفرنسي‪ ،‬البرقش������ي الزجنباري‪ ،‬البيزة‬ ‫ال ُعمانية واجلنيه������ات اإلجنليزية الذهبية؛ وقد‬ ‫‪195‬‬

‫‪jan 194-199.indd 195‬‬


‫تداول الكويتيون ه������ذه العمالت من دون متييز‬ ‫أو تفضيل لعملة على أخرى‪ ،‬بالرغم من التباين‬ ‫الواض������ح في ه������ذه العمالت من حي������ث القيمة‬ ‫والشكل واملصدر‪.‬‬ ‫ ‬

‫ارتباط العملة باالستقرار السياسي‬ ‫في الكويت‬

‫تزامن انتظام تداول العمالت في الكويت مع‬ ‫استقرار املناخ السياسي بها‪ ،‬حيث يُؤرخ ارتباط‬ ‫العمــــلة ف������ي الكـــويــــــت باس������تقرار آل الصباح‬ ‫واختياره������م مــــن قِ بل أهل الكـــــويت حكاماً لها‪،‬‬ ‫فمع بدايات القرن الثامن عشر وبانتخاب الشيخ‬ ‫صباح األول عــــ������ام ‪1718‬م كأول حاكم للكويت‪،‬‬ ‫وبالرغـــم من تيارات التغيير والنزاع بني القوى‬ ‫االستعمارية املختلفة والسائدة في تلك األزمنــــة‪،‬‬ ‫فــــ������إن الكـــويت ش������هدت اس������تقراراً سياس������ياً‬ ‫ملحـــــوظــــ������اً منذ ولي احلكم آل الصـــــباح‪ ،‬حتى‬ ‫تســــلّم احلاكم اخلامس للكويت الشيخ عبدالله‬ ‫بن صباح الثاني مقاليد احلكم (‪1892-1866‬م)‪،‬‬ ‫الذي ش������هد عهده مزيداً من االستقرار والقوة‪،‬‬ ‫حيث أظهرت السجالت البريطانية أن الكويت‬ ‫كانت حتتفظ آنذاك بأس������طول جتاري وحربي‪،‬‬ ‫مما حدا بالش������يخ عبدالله بن صباح الثاني إلى‬ ‫بس������ك عملة نحاسية خاصة نُقش على‬ ‫أن يأمر َ‬ ‫أح������د وجهيها كلمة «الكوي������ت» وتاريخ اإلصدار‬ ‫(‪1304‬هـ) بينما حمل الوجه اآلخر ختم «طغراء»‬ ‫الشيخ عبدالله الصباح‪.‬‬

‫مواصفات البيزة الكويتية‬

‫بع������د أن أصدر الش������يخ عبدالل������ه الصــباح‬ ‫بسك عملة وطنية تعبيراً‬ ‫الثاني قراره التاريخي َ‬ ‫عن الوطنية والس������ـــيادة‪ ،‬أُنتـــجــــت هذه العملة‬ ‫من النحاس األحمر اخلالص وقيمتها «بيزة»‪ ،‬إذ‬ ‫بسك هذه العملة‪ ،‬وبالفعل‬ ‫أمر كبير احلداديـــــن َ‬ ‫مت سك بضع مئات منهـــا‪ ،‬وكانت طريقة السك‬ ‫املس������تخدمة آن������ذاك يدويـــ������ة‪ ،‬أي عــــن طريق‬ ‫املط������ارق‪ ،‬وقد انهمك احلدادون في س��������ك هذه‬ ‫وس������مكها‬ ‫البي������زة‪ ،‬وله������ذا كان وزنها وحجمها ُ‬ ‫‪196‬‬

‫‪12/12/16 9:59:21 AM‬‬

‫تختلف بني الواحدة واألخرى‪.‬‬

‫فترة تداول محدودة‬

‫وكان������ت محاولة الش������ـــيخ عبدالله بن صباح‬ ‫الثاني في ذلك الوقت تعكــــس مدى متتّع الكويت‬ ‫بالقوة على الصعيدين السياس������ي واالقتصادي‪،‬‬ ‫مما َش������جعه على اتخاذ هــذا القرار‪ ،‬وبالفعل مت‬ ‫طرح «البيــــزة» وتــــم التعـــامل بها ش������هوراً عدة‪،‬‬ ‫إال أنها سرعان ما تالشــــت من األســــواق بسبب‬ ‫األوضاع السياسية الس������ائدة باملنطقة في ذلك‬ ‫الوق������ت‪ ،‬وخصوصاً سياس������ات الدولة العثمانية‬ ‫بس������ك عملة لها‪،‬‬ ‫الت������ي عارضت انفراد الكويت َ‬ ‫خوفاً من التأثير الذي قد يحدث جراء سك مثل‬ ‫هذه العملة في املنطقة‪ ،‬باإلضافة إلى أس������باب‬ ‫أخرى منها عدم قبول ه������ذه البيزة لدى التجار‬ ‫بسبب اختالف األوزان‪.‬‬

‫إيقاف التداول بالبيزة‬

‫لكن الس������بب الرئيس لوق������ف التــداول بهذه‬ ‫العملة يعود إلى قرار سياس������ي حكيم من حاكم‬ ‫الكوي������ت‪ ،‬الذي ارت������أى أن األجواء السياس������ية‬ ‫ف������ي املنطقة ال تس������مح بإظهار ه������ذا القدر من‬ ‫االستقاللية االقتصادية واالنفراد بتداول عملة‬ ‫خاصة‪ ،‬وبناء على حس������اباته السياسية املتأنية‬ ‫ألح������وال املنطقة‪ ،‬جاء قرار الش������يخ عبدالله بن‬ ‫صباح الثاني‪ ،‬بس������حب البي������زة وإيقاف التداول‬ ‫به������ا‪ ،‬جتنباً ملش������كالت كانت الكوي������ت في غنى‬ ‫عنها آنذاك‪ ،‬ولم يتبق من هذه العملة سوى أربع‬ ‫قطع فقط معروضة حالي������اً في متحف الكويت‬ ‫الوطني‪.‬‬ ‫وبالرغ������م من ذلك‪ ،‬لم يتوق������ف تفكير ُحكام‬ ‫الكويت في س������ك عملة وطنية خاص������ة بالبلد‪،‬‬ ‫إلى أن جنحت مس������اعيهم ومت إص������دار الدينار‬ ‫الكويتي كأول ُعملة وطنية بناء على قانون النقد‬ ‫الكويتي الصادر مبوجب املرس������وم األميري رقم‬ ‫‪ 41‬لس������نة ‪1960‬م واعتم������اد الدين������ار ُعملة دولة‬ ‫الكويت الرسمية‪ ،‬والذي بدأ التداول به اعتباراً‬ ‫من أبريل ‪> 1961‬‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 194-199.indd 196‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫السفارة المصرية تحيي ذكرى‬ ‫الغيطاني وتؤبّن شوشة‬ ‫كمال ربيع‬

‫جمال الغيطاني‬

‫فاروق شوشة‬

‫أحيت الس���فارة المصرية في دولة الكويت ذكرى وفاة الكاتب المصري‬ ‫الراح���ل جم���ال الغيطاني‪ ،‬حي���ث قال الس���فير المصري ياس���ر عاطف إن‬ ‫الغيطان���ي أفضل َمن ّ‬ ‫مثلوا ضمير مصر الثقافي‪ ،‬وإنه أس���هم في إثراء‬ ‫س���احة الثقافة العربي���ة والمصرية بعديد من األعم���ال األدبية والفكرية‪،‬‬ ‫ولع���ب أدواراً مختلف���ة في تش���كيل الوع���ي بمصر لدى أجي���ال مختلفة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مراس�ل�ا‬ ‫كما أس���هم بالعمل الصحفي في دعم هذا الدور‪ ،‬وبينها عمله‬ ‫حربي ًا في فترة حرب أكتوبر المجيدة‪.‬‬

‫كان الس� � ��فير املصري ياسر عاطف قد أوضح‬ ‫أنه دعا الس� � ��يدة ماجدة اجلندي زوجة الغيطاني‬ ‫لكتابة كلمة لألمس� � ��ية نيابة عن أسرة الغيطاني‪،‬‬ ‫وأنها اس� � ��تجابت لدعوته‪ ،‬وقام السفير بقراءتها‪،‬‬ ‫حي� � ��ث قال‪ :‬الش� � ��كر واالمتنان‪ ،‬ح� � ��ق وواجب في‬ ‫املفتت� � ��ح لليلة تقام احتفاء بجم� � ��ال الغيطاني في‬ ‫السفارة املصرية حتيي ذكرى الغيطاني وتؤ ّبن شوشة‬ ‫‪12/12/16 9:59:25 AM‬‬

‫الكويت‪ ،‬البلد العرب� � ��ي الذي أدرك قيمة الثقافة‪،‬‬ ‫قبل غيره‪ ،‬في ذروة أن أنعم الله عليه بالثروة‪ ،‬فكان‬ ‫انحيازه للثقافة عبر إصدارات بارزة‪ ،‬أسهمت في‬ ‫تشكيل معالم فضاء مستنير‪ ،‬لكل العرب‪.‬‬ ‫ف َم������ن منّا لم يتابع مجل������ة العربي التي كانت‬ ‫تخصنا جميعاً مبس������تواها املتف ّرد منذ صدرت؟‬ ‫‪197‬‬

‫‪jan 194-199.indd 197‬‬


‫َمن منا لم يحرص عل������ى اقتناء «عالم املعرفة»‪،‬‬ ‫وقد فر َدت أشرعتها محلّقة في ثقافات الشرق‬ ‫بقوسه املنفرج الواسع‪ ،‬والغرب بكل أطيافه؟‬ ‫َمن ميكنه أن يتجاهل ريادة كويتية مب ّكرة‪ ،‬في‬ ‫توظيف املال العربي‪ ،‬خلدمة حقيقية النتش������ار‬ ‫الثقاف������ة الرفيعة‪ ،‬واملعرف������ة احلقّة‪ ،‬ومنذ عقود‬ ‫بعيدة‪ ،‬بغية اتس������اع مساحات الوعي بإصدارات‬ ‫ترتقي بالعق������ل العربي في مضمار الفن واألدب‬ ‫والعلم والتاريخ‪ ،‬وشتى صنوف املعرفة؟‬ ‫هذه حقيق������ة تاريخية راس������خة‪ ،‬لعبت فيها‬ ‫الكويت وفي فترة مبكرة‪ ،‬دوراً تأسيس������ياً رفيعاً‪،‬‬ ‫لإلس������هام في إزاح������ة أرتال من خف������وت الوعي‬ ‫الثقاف������ي‪ ،‬في حقبتنا العربية احلديثة‪ ،‬علينا أن‬ ‫نقر بها‪ ،‬ونحتفظ لها بخصوصية مت ّيزها‪.‬‬ ‫وأضافت اجلندي‪ :‬أق������ول إن الغيطاني كان‬ ‫جذره مصرياً عربياً إنس������انياً‪ ،‬بامتياز‪ ،‬نفذ إلى‬ ‫القاسم «املشترك» بني البش������ر‪ ،‬إلى «اجلوهر»‬ ‫الثابت الذي ال يختلف عليه اإلنس������ان أينما كان‬ ‫موطنه‪ ،‬أو كان مآله‪ .‬هو واحد من قامات الثقافة‬ ‫العربية‪ ،‬وضمائرها‪ ،‬التي «أنشدت احلياة» في‬ ‫البصاصني في‬ ‫كل م������ا كتبت‪ .‬فإن توقف عن������د‬ ‫ّ‬ ‫«الزيني بركات»‪ ،‬فألن احلرية «قيمة» أولية‪ ،‬ال‬ ‫يشابهها إال الشهيق والزفير‪ ،‬وإن فضح الفساد‬ ‫في «حكايات املؤسس������ة»‪ ،‬فألن الفس������اد يجور‬ ‫عل������ى «العدل» ويهدم البني������ان‪ .‬وإن طال وقوفه‬ ‫عند رقرقات القلب كما في «الصبابة والوجد»‪،‬‬ ‫فألن احل������ب هو ما يرط������ب ويعيننا على جفوة‬ ‫املع������اش‪ ،‬وإن نزفنا مع وجع «الفقد» اإلنس������اني‬ ‫كما في «جتلياته»‪ ،‬ف���ل��أن «املوت» هو احلقيقة‬ ‫التي يقف إزاءها كل البشر عاجزين‪ .‬وإن سطر‬ ‫دقائ������ق وتفاصيل حرب الوط������ن في «الرفاعي»‬ ‫و«أرض أرض»‪ ،‬ف���ل��أن إدراك������ه لقيمة األوطان‪،‬‬ ‫وال������دم املدفوع للحف������اظ عليه������ا‪ ،‬كان حاضراً‬ ‫كقيم������ة ثابتة ال تتزح������زح‪ ،‬وال تخضع ألي أمور‬ ‫نسبية‪ ،‬منذ وعى احلياة وحتى الثامن عشر من‬ ‫أكتوبر ‪ ،2015‬يوم اختاره الله س������بحانه وتعالى‬ ‫في ذروة جتليه إبداعاً‪ ،‬وحلكمة يدركها سبحانه‬ ‫وتعالى‪.‬‬ ‫وقدم الدكتور أحمد س� � ��عيد أس� � ��تاذ التاريخ‬ ‫‪198‬‬

‫‪12/12/16 9:59:30 AM‬‬

‫املص� � ��ري القدمي ورق� � ��ة عن الدور ال� � ��ذي قدمه‬ ‫الغيطان� � ��ي في تعريف املش� � ��اهد املص� � ��ري عبر‬ ‫برنامج� � ��ه التلفزيوني «جتلي� � ��ات الغيطاني» بعدد‬ ‫من محط� � ��ات اآلثار والتاريخ والقاهرة الفاطمية‪،‬‬ ‫وقدم تاريخها تفصيلياً‪ ،‬كما قدم الدكتور محمد‬ ‫السيد أستاذ الفلس� � ��فة في جامعة الكويت ورقة‬ ‫عن أدب احلرب في أعمال الغيطاني‪ ،‬استلهمها‬ ‫من خالل عمله مراس ً‬ ‫ال حربياً على جبهة القتال‬ ‫خالل حرب أكتوب� � ��ر‪ ،‬وتوقف عند نصني من بني‬ ‫أعمال الغيطان� � ��ي هما «الرفاع� � ��ي» و«الغريب»‪،‬‬ ‫موضحاً اخلصائص الفنية واملضمونية للعملني‪،‬‬ ‫وخصوصاً رواية الغري� � ��ب التي حت ّولت إلى عمل‬ ‫سينمائي‪ ،‬وتوقف عند بعض ردود الق ّراء الشباب‬ ‫وتعليقاته� � ��م على «الغريب» ال� � ��ذي يعد أحد أهم‬ ‫األعمال املهتمة بتأكيد البطولة وقيم الوطنية‪.‬‬ ‫وق� � ��دم الناق� � ��د والكاتب الصحفي الس� � ��وري‬ ‫د‪.‬نزار العاني شهادة عن الكيفية التي استقبل بها‬ ‫اجلمهور الس� � ��وري أعمال الغيطاني في ستينيات‬ ‫القرن املاضي‪ ،‬قال فيها‪:‬‬ ‫كانت أعم� � ��ال الغيطاني بالدرجة األولى‪ ،‬ومن‬ ‫بع� � ��ده رفيق درب� � ��ه‪ ،‬كما يصفه الغيطاني نفس� � ��ه‪،‬‬ ‫وأعني يوسف القعيد‪ ،‬في مقدم احلضور الروائي‬ ‫املصري في س� � ��ورية‪ ،‬وأنقل ع� � ��ن صاحب مكتبة‬ ‫نوبل في دمش� � ��ق‪ ،‬أن روايات الغيطاني كانت تنفد‬ ‫م� � ��ن الرفوف بعد أيام من طرحها في األس� � ��واق‪،‬‬ ‫وكأن روايات� � ��ه لم تخرج من معط� � ��ف غوغول‪ ،‬بل‬ ‫من معطف وجيوب جمال عبدالناصر‪ ،‬وخصوصاً‬ ‫أن املس� � ��موعات تؤكد أن األدي� � ��ب الغيطاني ينهل‬ ‫من خطوط النار كمراس� � ��ل حرب� � ��ي نكهة أعماله‬ ‫«رواية الرفاعي أمنوذجاً»‪ .‬وحضور حرب أكتوبر‬ ‫ف� � ��ي مخيلة الروائي املصري املقت� � ��در‪ ،‬زرعته في‬ ‫املخ ّيلة الس� � ��ورية‪ ،‬وللحرب هذه وقعها في الوعي‬ ‫جتسدت في عمل روائي‬ ‫السياسي الس� � ��وري‪ ،‬إذ‬ ‫ّ‬ ‫عنوانه «املرصد» حلنا مينة‪.‬‬ ‫وأضاف‪ :‬انكشف الغطاء بشكل شبه كامل عن‬ ‫أعم� � ��ال الغيطاني الروائية‪ ،‬وأحاطت الدراس� � ��ات‬ ‫النقدية الغزيرة مبوقع� � ��ه الريادي في دفع املوجة‬ ‫الروائي� � ��ة املؤسس� � ��ة «احملفوظي� � ��ة» إل� � ��ى ذروتها‪،‬‬ ‫ووصولها إلى ش� � ��واطئ لم تكن متاحة في مشروع‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 194-199.indd 198‬‬


‫المفكرة الثقافية‬ ‫جني� � ��ب محفوظ‪ .‬وال أود أن أعي� � ��د ما اتفق عليه‬ ‫النقّاد حول أدب هذا الرجل الفذ واالس� � ��تثنائي‪،‬‬ ‫ولكن‪ ،‬أريد أن أثير أس� � ��ئلة وأطرح بعض األفكار‬ ‫حول أدبه وبعض أعماله‪ ،‬لعلها تس� � ��تدعي اهتمام‬ ‫األقالم الش� � ��ا ّبة وحتفّز عندهم اله ّمة للعثور على‬ ‫إجابات‪.‬‬ ‫كما ألق� � ��ى األديب املص� � ��ري إبراهيم فرغلي‬ ‫ش� � ��هادة عن عالقته بأدب الغيطاني‪ ،‬وعن عالقته‬ ‫الشخصية به وبأسرته‪.‬‬ ‫وقال‪ :‬الغيطاني مل� � ��ن اقترب منه يعرف جيداً‬ ‫أن� � ��ه كان له من اس� � ��مه نصيب كبي� � ��ر‪ ،‬كان محباً‬ ‫للجم� � ��ال وصانعاً له‪ ،‬ومهدياً ل� � ��ه لكل َمن أحاطوا‬ ‫به‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وع ّوضنا عن غيابه اجلس� � ��دي عنا‬ ‫بتراثه األدبي والثقافي‪ .‬أس� � ��تاذ جمال‪ ...‬لروحك‬ ‫السالم أينما كانت‪.‬‬

‫تأبني فاروق شوشة‬

‫من جهة أخرى‪ ،‬أقام املكتب الثقافي أمس� � ��ية‬ ‫لتأبني الشاعر الكبير الراحل فاروق شوشة‪ ،‬الذي‬ ‫يعد أحد ح ّراس اللغة العربية‪ ،‬والذي س� � ��اهم في‬ ‫إثراء احلي� � ��اة الثقافية في الوط� � ��ن العربي‪ ،‬وكان‬ ‫هدف� � ��ه األول واألخير انتش� � ��ار اإلع� �ل��ام الثقافي‬ ‫الصحي� � ��ح‪ ،‬وكان� � ��ت األمس� � ��ية بحض� � ��ور عدد من‬ ‫الك ّت� � ��اب واملثقفني بالكويت‪ ،‬وش� � ��ارك في الندوة‬ ‫الت� � ��ي أداره� � ��ا الكات� � ��ب محمود حرب� � ��ي عدد من‬ ‫املثقفني واإلعالميني من مصر والكويت‪ ،‬وقدموا‬ ‫ش� � ��هادات عن األديب والشاعر الراحل‪ ،‬من بينهم‬ ‫َمن عمل معه في اإلذاعة الكويتية‪ ،‬اإلعالمية أمل‬ ‫عبدالله‪ ،‬والكاتب املس� � ��رحي عبدالعزيز السريع‪،‬‬ ‫واإلعالمي حبيب عبدالل� � ��ه‪ ،‬إضافة إلى الدكتور‬ ‫أمين بكر أس� � ��تاذ النقد في جامعة اخلليج‪ ،‬فيما‬ ‫أ ّكد املستشار الثقافي بالسفارة املصرية الدكتور‬ ‫نبيل بهجت في كلمته بافتتاح األمس� � ��ية أنه يعتبر‬ ‫نفسه مع أجيال عدة ممن درسوا على يد شوشة‬ ‫عبر برامجه اإلذاعية والثقافية املؤثرة في تشكيل‬ ‫الوعي بجمال اللغة العربية وبالقيم الثقافية‪ .‬وقال‬ ‫الس� � ��ريع إن عالقة وطيدة وقوي� � ��ة جمعته بفاروق‬ ‫شوشة استمرت نحو ‪ 50‬عاماً وحتى وفاته‪ ،‬وهذه‬ ‫العالق� � ��ة كانت عبارة عن محطات بدأت منذ عام‬ ‫السفارة املصرية حتيي ذكرى الغيطاني وتؤ ّبن شوشة‬ ‫‪12/12/16 9:59:33 AM‬‬

‫‪ .1964‬وأوض� � ��ح الس� � ��ريع أن مكتب شوش� � ��ة في‬ ‫اإلذاعة كان ملتقى لعدد من اإلعالميني والكتّاب‬ ‫الشباب‪.‬‬ ‫وق� � ��ال إن مس� � ��رح اخلليج كان يص� � ��در دورية‬ ‫بعنوان «الكلمة» كان الش� � ��اعر الكبير ينش� � ��ر فيها‬ ‫بعض قصائده‪ ،‬ذاك� � ��راً جهود الراحل الكبير التي‬ ‫بذلها في إعداد معجم الش� � ��عراء الذي صدر عن‬ ‫مكتبة البابطني‪ ،‬إضافة إلى جهوده املس� � ��تمرة في‬ ‫مجمع اللغة العربية‪.‬‬ ‫وأ ّكد اإلعالم� � ��ي محبوب عبدالله أن معرفته‬ ‫بشوشة س� � ��بقت وصوله إلى الكويت‪ ،‬حيث تعرف‬ ‫إليه في مكتب امللحق اإلعالمي بالسفارة الكويتية‬ ‫في القاهرة عبدالله الرومي‪.‬‬ ‫وخالل فترة عمل شوش� � ��ة في إذاعة الكويت‪،‬‬ ‫ق� � ��دم العديد من البرامج‪ ،‬إضافة إلى أنه س� � ��جل‬ ‫بصوته وأدائ� � ��ه اجلميل مذكرات بحار للش� � ��اعر‬ ‫«محم� � ��د الفاي� � ��ز» لإلذاعة‪ ،‬كما قدم� � ��ت له مجلة‬ ‫العرب� � ��ي كتاب «لغتن� � ��ا اجلميلة» الذي نش� � ��ر في‬ ‫سلسلة كتاب العربي عام ‪.2003‬‬ ‫وحتدث الناق� � ��د املصري الدكت� � ��ور أمين بكر‬ ‫قائ ً‬ ‫ال‪:‬‬ ‫«لغتنا اجلميلة» هي أكثر عبارة أذكر بها صوت‬ ‫فاروق شوشة‪ ،‬وهي ليست عبارة في ذاكرتي بقدر‬ ‫ما هي مفتاح لعالم كامل‪ ،‬كانت اإلذاعة ببرامجها‬ ‫املتنوعة تؤث� � ��ر فيه‪ ،‬في وعي جي� � ��ل كامل‪ ،‬ويبدو‬ ‫الي� � ��وم أن هذا في طريقه لالنحس� � ��ار التام بوفاة‬ ‫شوشة‪ .‬وأضاف بكر أن شوشة بدأ برنامجه «لغتنا‬ ‫اجلميلة» بع� � ��د عام واحد من صدور ديوانه األول‬ ‫«إلى مس� � ��افرة»‪ ،‬وهو ما يش� � ��ير إلى أن مشروعه‬ ‫كش� � ��اعر لم ينفصل عن مشروعه كإعالمي مهتم‬ ‫بحراس� � ��ة وصيان� � ��ة اللغة العربي� � ��ة‪ ،‬وبعدها تفرغ‬ ‫لبرنامج� � ��ه اإلذاعي قبل أن يع� � ��ود إلصدار ديوانه‬ ‫الثان� � ��ي «العي� � ��ون احملترق� � ��ة» ع� � ��ام ‪ .1972‬وقال‪:‬‬ ‫وفاء شوش� � ��ة إذن للعمل اإلذاع� � ��ي املرتبط باللغة‬ ‫وجمالياته� � ��ا كان موازي � � �اً حلضوره كش� � ��اعر منذ‬ ‫البداي� � ��ة‪ ،‬وإذا قلنا عن حض� � ��وره اإلذاعي احمل ّمل‬ ‫برس� � ��الة واضحة في ذهن شوش� � ��ة قد تغلب على‬ ‫حضوره كش� � ��اعر‪ ،‬فقد س� � ��اعده ف� � ��ي ذلك صوته‬ ‫الرخيم العميق ونطقه السليم >‬ ‫‪199‬‬

‫‪jan 194-199.indd 199‬‬


‫قصص على الهواء‬

‫قصص ألصوات شابة تنشر بالتعاون‬ ‫مـ ــع إذاع ـ ـ ــة «مــونــت كــارلــو» الدولي ــة *‬

‫ملــاذا اخ ـتــرت هــذه ال ـق ـصــص?‬ ‫عرض واختيار د‪ .‬سعيد يقطين ‪ /‬ناقد من المغرب‬ ‫أش������كر في البداية مجلة العربي الغراء على ثقتها بش������خصي املتواضع‪ ،‬وعلى اس������تمرارها في‬ ‫نشر «قصص على الهواء»‪ ،‬هذه التجربة الرائدة التي تعمل على اكتشاف املواهب السردية‪ ،‬وتقدمي‬ ‫الدعم والتش������جيع لتطوير جتاربها‪ ،‬بنش������ر األعمال وقراءتها‪ ،‬باالش������تراك مع إذاعة «مونت كارلو»‬ ‫الدولية‪.‬‬ ‫إن العم������ل الثقاف������ي الذي تقدم علي������ه «العربي» تقليد تاريخي ما برحت املجل������ة تعمل على ترهينه‬ ‫وتطويره‪ .‬ولعل تاريخها احلديث‪ ،‬وليد جتربة تاريخية عريقة‪ ،‬نتمنى لها االس������تمرار في خدمة الثقافة‬ ‫واملثقف العربي‪.‬‬ ‫اطلعت على خمس������ة عش������ر نصاً قصصياً تتفاوت قوة وضعفا‪ .‬ولقد اخترت منها خمس������ة نصوص‬ ‫رأيتها تتوافر على احلد املطلوب جلعلها متميزة عن نظيراتها‪.‬‬ ‫في النصوص املس������تبعدة ال جند اهتماماً جاداً باللغة‪ ،‬فكثرة األخطاء املطبعية والنحوية واإلمالئية‬ ‫تبني التس������رع في الكتابة‪ ،‬والرغبة في املس������ابقة من دون توفير الش������روط الالزمة لذلك‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫من أن بعض هذه النصوص لو متت العناية بها‪ ،‬صوغاً‪ ،‬وترقيما‪ ،‬وبناء‪ ،‬لكانت في مس������توى النصوص‬ ‫املنتقاة‪.‬‬ ‫كم������ا أن بع������ض النصوص ال تتوافر على مقومات القصة‪ ،‬فتقدمي س������يرة ذاتية على غرار ما يطلب‬ ‫للتوظيف فكرة جيدة لو استثمرت فنياً‪ ،‬ولقدمت لنا قصة متميزة‪ ،‬وميكن قول الشيء نفسه عن «قصة‬ ‫قصيرة جدا»‪.‬‬ ‫وعندم������ا انتهيت إلى النص العاش������ر وفق الترتيب ال������ذي ُحملت به النصوص‪ ،‬كم������ا وصلتني‪ ،‬بدأ‬ ‫يساورني بعض الشك في قيمة النصوص املرشحة‪ ،‬وأنه من املستحيل اختيار نص إذا كانت البقية على‬ ‫غرار ما قرأت‪ .‬لكني ما إن بدأت بقراءة النص احلادي عشر‪ ،‬وانتهيت إلى النص األخير‪ ،‬حتى تبني لي‬ ‫وكأن هناك من سبقني إلى االختيار‪ ،‬ورتبها وفق أهميتها‪.‬‬ ‫ومل������ا أعدت قراءة النص������وص املنتقاة‪ ،‬تبني ل������ي أن ترتيب النصوص األخيرة قاب������ل للتعديل في ضوء‬ ‫املالحظات التي أبرر بها إعطائي األسبقية لبعضها على حساب األخرى‪ ،‬من خالل ما يلي‪:‬‬ ‫* تُنشر القصة األولى الفائزة في هذا العدد‪ ،‬بينما تنشر بقية القصص الفائزة على موقع مجلة العربي وتُبث في إذاعة‬ ‫«مونت كارلو الدولية» على مدار شهر يناير ‪.2017‬‬

‫‪200‬‬

‫‪12/12/16 10:00:04 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 200-203.indd 200‬‬


‫عصام رفعت حامد ‪ /‬مصر عصام‬

‫«كيوبيد في مملكة النحل»‬ ‫سميرة عواد ‪ -‬سورية‬ ‫البح� � ��ر ملعبي م� � ��ذ َظهر الزغ� � ��ب على خدي‪,‬‬ ‫ٍ‬ ‫بأحداث ش� � ��تى إبان‬ ‫واحلياة فيه ش� � ��حنت ذاكرتي‬ ‫أس� � ��فاري الكثيرة‪ ,‬ولم تب� � ��رز أي ذكرى على حواف‬ ‫عقلي بوضوح كذكرى أولئك النس� � ��اء‪ ،‬وتلك الكارثة‬ ‫أقصه كذلك‪.‬‬ ‫إن كان ما ّ‬ ‫�جي كنت مرم ّي � � �اً بني زرقتني‪,‬‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫بنف‬ ‫فجر‬ ‫ف� � ��ي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫تفوح م ّن� � ��ي زنخة البحر التي عاص� � ��رت الطوفان‪،‬‬ ‫بع� � ��د أن ّ‬ ‫حتطمت س� � ��فينتي‪ .‬صارع� � ��ت العواصف‬ ‫بضراوة حتت س� � ��ياط األمواج الت� � ��ي ترغي وتزبد‪.‬‬ ‫فقذفني إلى جزيرة مش� � ��وية بالشمس مبحرة أبداً‬ ‫تلطمها األمواج من األزل‪ ,‬وتفرد النوارس أجنحتها‬ ‫البيض� � ��اء عليها‪ .‬مأهولة بنس� � ��اء خراف ّيات‪ ,‬كأنهن‬ ‫ولدن في وقت واحد‪ ,‬ليس عليهن كس� � ��اء إال خرقاً‬ ‫تنس� � ��دل من الكتف حت� � ��ى الركبتني‪ ,‬ك� � ��ن حور ّيات‬ ‫طازج� � ��ات خرج� � ��ن للتو م� � ��ن الفرن‪ ,‬ل� � ��كل واحدة‬ ‫لهن كوخ يش� � ��به كوخ احلكايات‪,‬‬ ‫مفاتنه� � ��ا اخلاصة‪ّ ,‬‬ ‫أمامه ش� � ��جرة يافعة اخلضرة‪ ،‬ومرج تناثرت عليه‬ ‫شعورهن طويلة تتأرجح‬ ‫صخور صغيرة مغس� � ��ولة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عيونهن س� � ��ود‬ ‫أكتاف مفعمة برائحة واخزة‪.‬‬ ‫عل� � ��ى‬ ‫ّ‬ ‫المعة كالفحم‪ ,‬مليئة باحلركة‪.‬‬ ‫النيلي‬ ‫س� � ��ررت بنجاتي بعد ضياع طويل ف� � ��ي‬ ‫ّ‬ ‫الواس� � ��ع‪ ,‬كدت أزف� � ��ر فيه روح� � ��ي‪ .‬رفعت قبضتي‬ ‫بانتصار نح� � ��و الش� � ��مس الغاربة‪ ،‬كأ ّنن� � ��ي هزمتها‬ ‫وطردتها من السماء‪.‬‬ ‫حني رأينني ثرن كأني دبور وحش� � ��ي تسلل إلى‬ ‫خلية ليسرق العسل‪ ،‬التففن حولي‪ ,‬وأطلقن صراخاً‬ ‫حا ّداً كزقزقة السنونو‪ ,‬كأنه صاد ٌر من حنجرة وروح‬ ‫واحدة‪ ,‬وأش� � ��هرن عص ّياً خشبية ثخينة في وجهي‪,‬‬ ‫هد ركبتي‪ .‬حني وجدت نفس� � ��ي بني‬ ‫مألن� � ��ي خوف ّ‬ ‫عدد هائل من اإلناث‪ ،‬قلت‪ :‬اآلن سيد ُق عنقي‪ ،‬ولن‬ ‫أستطيع اإلفالت‪.‬‬ ‫هب نسيم شيطاني في عقلي جلم اضطرابي‪,‬‬ ‫وات� � ��كأت على لس� � ��اني ف� � ��ي هذا الوق� � ��ت العصيب‬ ‫‪202‬‬

‫‪12/12/16 10:00:12 AM‬‬

‫معتم� � ��داً عل� � ��ى دائرة معارفي الواس� � ��عة بالنس� � ��اء‪،‬‬ ‫حش� � ��دت الكلم� � ��ات احللوة لتصب� � ��ح حبيبات زبدة‪.‬‬ ‫أسعفتني البديهة حاالً‪ ،‬قلت بلهجة مداهنة‪:‬‬ ‫أننت رائع� � ��ات! آه لو أس� � ��تطيع أن أفتح قلبي‬‫لتدخلن إليه معاً! ولكن مع من سأحتدث أوالً؟ لدي‬ ‫ما أقوله‪.‬‬ ‫ران صم� � ��ت مفاجئ بينهن‪ ,‬ث� � ��م اندفعن نحوي‬ ‫كالسيل الهادر‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫أفضل أكبركن س ّناً‪.‬‬‫تشنجت قسماتهن‪ ,‬وانحسرن جميعاً كاجلزر‪.‬‬ ‫أصغركن‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬حسناً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تقدم� � ��ت واحدة‪ .‬وقفت أمام� � ��ي بقامة متك ّبرة‪,‬‬ ‫أبي متغطرس‪ .‬ألقت عل� � � ّ�ي نظرة خالية من‬ ‫ووج� � ��ه ّ‬ ‫بتحد‪ ,‬وعقدت يديها خلف ظهرها‪.‬‬ ‫املعنى‪ .‬قهقهت ٍ ّ‬ ‫ثم قالت‪:‬‬ ‫ ل� � ��م يحدث أن دنس هواء هذه اجلزيرة نفس‬‫ذكوري‪.‬‬ ‫سددت إليها نظرات عيني الصقريتني‪ ,‬وعقدت‬ ‫يدي عل� � ��ى صدري‪ ,‬وبص� � ��وت كالزئي� � ��ر خاطبتها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫قائ ً‬ ‫ال‪:‬‬ ‫لكنه� � ��ا جزيرة محزنة ال تط� � ��اق‪ .‬كلها إناث ما‬‫ع� � ��دا ذكور الن� � ��وارس احلائمة فوقكن‪ .‬يا للحس� � ��ن‬ ‫البهي! إنك بنقاء ينبوع صخري‪ ،‬وتتأللئني كالفيروز‬ ‫صنع اخليال‪.‬‬ ‫فتبدين من ُ‬ ‫ملع ضوء في نوافذ قلبها‪ ,‬وتض ّرج وجهها الذي‬ ‫من عن اهتمام شديد‪ .‬تلفتت حولها‪ .‬نظرت إلي كمن‬ ‫أصاب� � ��ه دوار‪ .‬وو ّلَت هاربة‪ .‬انفردت بأخرى متتمت‬ ‫بهمس ونظراتي تفتح خالياها خل ّية‪ ،‬خل ّية‪:‬‬ ‫إنك ش� � ��فافة كضوء صحراوي‪ ،‬سحر عينيك‬‫الناعس� � ��تني يبهجني‪ .‬يداك الرقيقتان خلقتا للض ّم‬ ‫للحب‪.‬‬ ‫وليس للعراك‪ ,‬وقلبك الغض‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وهكذا تقوضت احلص� � ��ون‪ ,‬واحتدنا احتادا ال‬ ‫انفصام له‪ .‬اجتاحتني رياح الغطرس� � ��ة حني انطلت‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 200-203.indd 202‬‬


‫‪ /‬مصر عصام رفعت حامد ‪ /‬مصر‬

‫عليهن حيلتي‪ ,‬ونضجن للقطاف‬ ‫س� � ��ابحات ف� � ��ي بح� � ��ر العذوبة‬ ‫املتد ّفقة م� � ��ن لس� � ��اني‪ .‬حت ّولن‬ ‫إلى فراشات مبتهجات ترفرف‬ ‫بإيقاع واحد‪ .‬وخضعن بس� � ��عادة‬ ‫لقان� � ��ون طبيع� � � ّ�ي كان مخترق � � �اً‬ ‫لديه� � � ّ�ن‪ .‬اختلط� � ��ن بخيالي ولم‬ ‫أعد أميز بينهن‪.‬‬ ‫الوقت قبي� � ��ل حلول الظالم‬ ‫بقليل‪ ,‬والبحر الزوردي والنسيم‬ ‫داف� � � ٌ�ئ عاب� � ��ق بروائح ش� � ��تى‪...‬‬ ‫جلس� � ��ن حولي بعي� � ��ون مصعوقة‬ ‫مترعة بالشك‪ ,‬وش� � ��فاه كتومة‪,‬‬ ‫احلب‬ ‫ووجوه ساخطة‪ .‬إ ّنه حريق‬ ‫ّ‬ ‫توسع والتهم األخضر قبل‬ ‫الذي ّ‬ ‫الياب� � ��س‪ .‬توجهن إل� � ��ي بنظرات‬ ‫ضاري� � ��ة‪ ,‬وص� � ��رن ككوم� � ��ة من‬ ‫�ض ذيوله� � ��ا‪ .‬راح‬ ‫األفاع� � ��ي تع� � � ّ‬ ‫صدغاي ينبض� � ��ان‪ ...‬خفت من‬ ‫ُ‬ ‫البلل‪ ،‬وأن� � ��ا مه � � � ّدد بالطوفان‪.‬‬ ‫كي� � ��ف س� � ��أهادن تل� � ��ك النقم� � ��ة‬ ‫العارم� � ��ة؟ وقفت بعي� � ��داً‬ ‫عنهن‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫وضحكت ِضحك� � ��ة عا ّقة‪ .‬ومرة‬ ‫أخ� � ��رى اخترقت عقل� � ��ي ومضة‬ ‫نيرة‪ ،‬فقلت‪:‬‬ ‫ سنتكاش� � ��ف بقلب نظيف ومفتوح‪ .‬أننت نساء‬‫جامحات بحاجة إلى ترويض لتصبحن أكثر أنساً‪.‬‬ ‫خ � � � ّر بعضهن مغش� � ��ياً عليه� � ��ن‪ ,‬وفاضت عيون‬ ‫كثي� � ��رات بالدمع‪ ,‬وارتف� � ��ع عويل أخري� � ��ات‪ .‬هدأن‬ ‫بغتة‪ ...‬صمت عاصف‪ ...‬ثم ارتفعت أصواتهن‪:‬‬ ‫إن� � ��ك زئبقي مخ� � ��ادع و‪ ,‬و‪ ,‬و‪ ,‬ولكن لك نكهة‬‫خاصة ومبلسمة‪ .‬سنسامحك ألننا نحبك أكثر مما‬ ‫ّ‬ ‫حتبنا‪.‬‬ ‫ظنن� � ��ت بعده� � ��ا أنهن س� � ��يهجرنني‪ ...‬في خلوة‬ ‫ع� � ��ن األخريات كانت الواحدة تغمض عينيها نصف‬ ‫إغماضة‪ ,‬وتسألني‪:‬‬ ‫ من األغلى على قلبك واألقرب إليك؟‬‫في اللحظة الرخامية ومن جلة الغيبوبة أهمس‪:‬‬

‫أحب� � ��ك م� � ��ن صمي� � ��م قلب� � ��ي الذي تس� � ��كنني‬‫مفازاته‪.‬‬ ‫من بعيد كان ش� � ��بح هائل يطف� � ��و على وجـــه‬ ‫املاء‪ .‬لم أس� � ��تطع حتدي� � ��ده‪ ...‬كأنه مدينة عائمة‬ ‫مغمورة بالضباب‪ ,‬أو ثور السماء العظيم‪.‬‬ ‫ل ّوح� � ��ت بخرق� � � ٍ�ة بيض� � ��اء فأخ� � ��ذ يقت� � ��رب‪,‬‬ ‫ويقتــ� � ��رب‪ ...‬إن� � ��ه س� � ��فينة كبي� � ��رة‪ .‬هب� � ��ت رياح‬ ‫الرحيل في عقلي‪ ,‬واش� � ��تعل ف� � � ّ�ي فتيل اإلبحار‪.‬‬ ‫ش� � ��ققت األمواج فوصلت إليها‪ .‬ووجلت جوفــها‬ ‫كأخطب� � ��وط‪ .‬إيه‪ ...‬إنني ف� � ��ي رحم دافئ محاط‬ ‫باملياه البدئ ّية التي ولدت فيها‪ ،‬وس� � ��أموت فيها‬ ‫لتتح � � � ّول روحي إل� � ��ى زبد ورغ� � ��وة‪ .‬نظرت إليهن‬ ‫نظرة أخيرة >‬ ‫‪203‬‬

‫‪12/12/16 10:00:17 AM‬‬

‫‪jan 200-203.indd 203‬‬


‫عزيزي العربي‬

‫أنا وأنت‬ ‫مرت سنوات على فراقنا‪ ،‬‬ ‫التقين������ا ف������ي أح������د ش������وارع‬ ‫البلدة‪ ،‬أظن������ه ل������م يعرفني‪ ،‬أو‬ ‫أنكر عشرته لنا!‬ ‫ق������ال َم������ن أن������ت؟ أل������م‬ ‫تتذكرني؟‪ ‬أن������ا إس������ماعيل‪ ،‬أنا‬ ‫صديقك‪ ،‬أنا الذي كنت أدرس‬ ‫مع������ك ف������ي االبتدائ������ي‪  ،‬كنت‬ ‫أحمل������ك وحتملني‪ ‬وجنري في‬ ‫أرج������اء املكان‪ ،‬أل������م تتذكرني?‬ ‫ذل������ك اجل������دول ي������وم حملتك‬ ‫على كتفي لك������ي ال تبتل وكنت‬ ‫خائف������اً‪ ‬أن تغ������رق‪ ،‬أال تذك������ر‬ ‫يوم اصطدنا ذل������ك العصفور‬ ‫الصغير قرب املدرسة وعاقبنا‬ ‫املدير؟‪ ‬ق������ال ابتع������د عني‪َ ،‬من‬ ‫أنت؟‪ ،‬اذهب عني‪ .‬‬ ‫صديق������ي العزيـــ������ز‪ :‬كيف‬ ‫تنس������ى أياماً كنا ن������درس فيها‬ ‫مع������اً وجنل������س إل������ى طاولـــــة‬ ‫واحـــدة‪ ،‬كنا نش������اغب ونعاقب‬ ‫معاً‪ ،‬ال أحد يف ّرقنا‪ ،‬كنا جنري‬ ‫معاً حت������ى تخر قوان������ا‪  ،‬كنت‬ ‫أحض������رك إل������ى البي������ت معي‪،‬‬ ‫كانت أم������ي حت ّب������ك وتعطيك‬ ‫أشياء‪ ‬خاصة لك?‬

‫انتظ������ر‪ ‬ال تذه������ب‪  ،‬ماذا‬ ‫جرى لك؟‪ ‬ه������ل ظروف احلياة‬ ‫غ ّيرت������ك علينا؟‪ ‬س������معت أنك‬ ‫انضممت إلى اجلماعة‪  ،‬كيف‬ ‫هربت منهم‪ ،‬كيف وصلت إلى‬ ‫هذه احلال?‬ ‫أن������ا ‪ -‬م������ع األس������ف ‪ -‬لم‬ ‫أكمل الدراسة ألن جمـــاعتكم‬ ‫ل������م تس������مح لي‪ ‬ول������م تتركن������ا‬ ‫وش������أننا‪ .‬أنـــــ������ت اآلن م������ن‬ ‫أغنياء البل������دة‪ ،‬كيف ذلك?‪ ‬أنا‬ ‫صديق������ك ال������ذي كان يداف������ع‬ ‫عنــك‪ ...‬أتنــكر عشرتنا؟ كانت‬ ‫أمــــي تعـــتني بك‪  ،‬كأنك‪ ‬أحد‬ ‫أبنائه������ا‪ ،‬يومئذ كن������ت تناديها‬ ‫أم������ي القبائلية‪  ،‬كان������ت حتن‬ ‫علي������ك ومت ّي������زك عن������ا ألنك‬ ‫رد للجمي������ل?‬ ‫صديقي‪ ،‬أه������ذا ٌّ‬ ‫ال نري������د أناقت������ك أو أموالك‪،‬‬ ‫نريدك أنت كما كنت‪.‬‬ ‫هل مكانتك حالياً ال تسمح‬ ‫ل������ك مبكاملتنا‪ ،‬اذهب فلس������نا‬ ‫بحاجة إليك‪ ،‬لكن تذكر فقط‬ ‫أيامن������ا اجلميل������ة الت������ي م ّرت‬ ‫علينا‪.‬‬ ‫ما ب������ال الدنيا تغ ِّير األحبة‬

‫إلى هذا؟ َه َّم بالرحيل‪ ...‬أدار‬ ‫وجهه‪...‬‬ ‫انتظر‪ ...‬انتظر‪ ...‬‬ ‫تذكــ������رت ش������يئاً‪ ...‬اذهب‬ ‫قرب بيتكم القدمي‪ ،‬خلفه‪ ‬ذلك‬ ‫املكان الذي غرس������نا فيه ذلك‬ ‫احلجر الذي نقش������نا اس������مينا‬ ‫عليه‪ ،‬علّك تتذكر‪  ،‬اذهب‪ ‬أنت‬ ‫صديق������ي‪ ،‬رد وش������احه عل������ى‬ ‫وجه������ه‪ ،‬وذه������ب ول������م يعرني‪ ‬‬ ‫اهتماماً‪ ،‬ولكن حزّت ذكراه في‬ ‫قلبي‪ ،‬ودم������ع احلزن انهمر من‬ ‫عيني‪.‬‬ ‫ابتهج������ت ألن صديقـــ������ي‬ ‫بخير مهما كان بينــنا‪.‬‬ ‫سيصحو يوماً‪ ‬ويعــود إلى‬ ‫رش������ــده‪ ،‬أعرف أنه س������يــــعود‬ ‫إلينا‪ ،‬أن������ا وأنت ل������م نفـــترق‪،‬‬ ‫س������نلتقي‪ ،‬ومنــــ������رح كــما كنا‪،‬‬ ‫إمن������ا ه������ذه احلي������اة فــق������ط‪ ‬‬ ‫أبعــدتـــنا‪ ،‬س������أبقى أذك������رك‬ ‫مهم������ا كان������ت حالن������ا‪  ...‬أنا‬ ‫وأنت‪ ‬صديقي‪ ...‬تعانقنا‪.‬‬ ‫إسماعيل بالغن ‪-‬‬ ‫اجلزائر‬

‫يا هاجري‬ ‫شوق كبير‬ ‫يا هاجري أشتاقُ لك ٍ‬ ‫ياللي بوسط القلب شوقك يحتضر‬

‫دام الفراق بخاطرك خلّه يسير‬ ‫ارح ��ل وألن ��ي الج ��ل ش ��وفك منتظر‬ ‫أحالم ‪ -‬الكويت‬

‫‪204‬‬

‫‪12/12/16 10:00:47 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 204-209.indd 204‬‬


‫«توفيق بكار»‬ ‫سعادة الدكتور‪/‬رئيس التحرير‬ ‫حتية واحتراماً‬ ‫في العدد ‪( 694‬س� � ��بتمبر ‪ ،)2016‬وفي‬ ‫ركن «أوراق أدبي� � ��ة» للدكتور جابر عصفور‪،‬‬ ‫بعن� � ��وان «ذكريات امللتقى األول للرواية»‪ ،‬ورد‬ ‫في الصفحة ‪ ...« 33‬واألس� � ��تاذ توفيق بكار‬ ‫الناقد التونس� � ��ي األش� � ��هر في ذلك الوقت‪،‬‬ ‫رحم� � ��ة الله عليه‪ ،»...‬في حني أن األس� � ��تاذ‬ ‫توفيق بكار ‪ -‬أطال الله عمره ومتّعه بالصحة‬ ‫ مازال عل� � ��ى قيد احلياة‪ ،‬ل� � ��ذا يرجى من‬‫سيادتكم التصحيح‪ .‬وشكراً سلفاً‪.‬‬ ‫هدى احلاج سالم‬ ‫ً‬ ‫نيابة عن الكاتب‬ ‫< احملرر‪ :‬نعتذر‬ ‫عن هذا اخلطأ غير املقصود‬

‫‪E.mail: subscribe@alarabi.info‬‬

‫قسيمة جتديد اشتراك ‪ /‬اشتراك جديد‬ ‫االسم الثالثي‬ ‫العنوان البريدي‬ ‫العنوان اإللكتروني‬ ‫الهاتف‪( :‬املنزل) ‬

‫(العمل)‬

‫الهاتف اجلوال‬ ‫عزيزي العربي‬ ‫‪12/12/16 10:00:54 AM‬‬

‫‪205‬‬

‫‪jan 204-209.indd 205‬‬


‫تصحيح وتنويه‬ ‫الس������يد رئيس حتري������ر مجلة العربي احملت������رم‪ ...‬حتية‬ ‫طيب������ة خالصة وبعد‪ ...‬نُش������ر مقال بعنوان «أحمد ش������فيق‬ ‫اخلطيب‪ ...‬البيت العربي أشد فق ًرا في املعاجم» في العدد‬ ‫‪( ،692‬يولي������و ‪( ،)2016‬ص ‪ )102 - 99‬م������ن مجلتكم الغ ّراء‪،‬‬ ‫وهو عن األستاذ أحمد شفيق اخلطيب املعجمي الفلسطيني‬ ‫ رحمه الله ‪ -‬وأُرفق بهذا املقال صورة ُكتب حتتها «أحمد‬‫شفيق اخلطيب»‪ ،‬وهي ليست صورة األستاذ اخلطيب الذي‬ ‫يتح ّدث عنه املقال‪ ،‬بل صورة أستاذنا الدكتور أحمد شفيق‬ ‫اخلطيب (أس������تاذ اللغويات املتفرغ ‪ -‬قسم اللغة اإلجنليزية‬ ‫مصري‪...‬‬ ‫ كلي������ة اللغات والترجمة ‪ -‬جامعة األزهر) وهو‬‫ّ‬ ‫لذا وجب التنويه وأرجو تصحيح هذا‪ .‬ومرفق معه «ترجمة»‬ ‫شخصية ألستاذنا د‪ .‬أحمد شفيق اخلطيب (املصري)‪ .‬قد‬ ‫كتبها ترجم ًة لنفسه‪ ،‬ولكم خالص الو ّد والشكر والتقدير‪.‬‬ ‫ياسر سعيد أحمد‪/‬مصر‬ ‫< احملرر‪ :‬ش ��كر ًا للقارئ الكرمي عل ��ى التصويب‪ ،‬ونعتذر عن‬ ‫هذا السهو بطبيعة احلال‪.‬‬ ‫ضع عالمة ✓ أمام املطبوعة املطلوب االشتراك فيها‬ ‫(‪ )1‬قيمة االشتراك السنوي لـ «العربي» للمشتركني من الوطن العربي‪:‬‬ ‫‪ 8‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‪.‬‬ ‫باقي دول العالم ‪ 10‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‪.‬‬ ‫(‪ )2‬قيمة االشتراك السنوي لـ «العربي الصغير» للمشتركني من الوطن العربي‪:‬‬ ‫‪ 6‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‪.‬‬ ‫باقي دول العالم ‪ 8‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬قيمة االشتراك في كتاب العربي‪ 5 :‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‬ ‫باقي دول العالم ‪ 16‬دوال ًرا أمريك ًيا‪.‬‬ ‫توقيع طالب االشتراك‪:‬‬ ‫ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالدينار الكويتي باسم وزارة اإلعالم‬ ‫مع القسيمة على العنوان التالي‪:‬‬ ‫مجلة العربي ‪ -‬قسم االشتراكات‬

‫دولة الكويت ‪ -‬ص‪.‬ب‪ - 748 :‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ - 13008‬بدالة‪ - )00965( 22512086/82/81 :‬فاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫‪State of Kuwait - P.O. Box: 748 Safat 13008-Tel.: (00965) 22512086/82/81-Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪206‬‬

‫‪12/12/16 10:00:59 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 204-209.indd 206‬‬


‫عزيزي العربي‬

‫«نافذة على الشرق األقصى»‬ ‫محاس� � ��بة النف� � ��س أو مراقبة‬ ‫الذات ف� � ��ي آخر الي� � ��وم وفي كل‬ ‫ي� � ��وم‪ ،‬هي م� � ��ا دأب علي� � ��ه معظم‬ ‫األفراد في شرق آسيا‪ ،‬إذ ال مت ّر‬ ‫األيام ‪- ‬بل وال الساعات عندهم‬ ‫ م� � ��روراً اعتباطي � � �اً وعفوي � � �اً‪،‬‬‫فالبرمجة وح� � ��ب النظام والصبر‬ ‫عل� � ��ى املِراس وتقدير قيمة الوقت‬ ‫قب� � ��ل ف� � ��وات األوان‪ ،‬أمور ال غنى‬ ‫عنها في تلك األصقاع البعيدة‪.‬‬ ‫أذك� � ��ر أنن� � ��ي س� � ��افرت إل� � ��ى‬ ‫ماليزيا للمرة األولى‪ ‬عام ‪1996‬م‪،‬‬ ‫وكان يجل� � ��س بجانبي في الطائرة‬ ‫ش� � ��اب ماليزي ف� � ��ي مقتبل العمر‬ ‫كان يق� � ��رأ تقريباً ط� � ��وال الرحلة‬ ‫الطويل� � ��ة الش� � ��اقة‪ ،‬من الش� � ��رق‬ ‫األوس� � ��ط‪ ،‬عل� � ��ى عكس� � ��ي متاماً‪،‬‬ ‫وكان ال يتكل� � ��م مع� � ��ي إال قلي ً‬ ‫ال أو‬ ‫رمزاً‪ ،‬وقد س� � ��ألني ذات مرة ‪« ‬ما‬ ‫هو برنامج� � ��ك ف� � ��ي ماليزيا ملدة‬ ‫أس� � ��بوع من اآلن؟» ولشد ما هالَ ُه‬ ‫�دي برنامج واضح‪،‬‬ ‫أنن� � ��ي ليس ل� � � ّ‬ ‫وإمنا أس� � ��ير على غير هدى! فما‬ ‫كان من� � ��ه إال أن ذكر لي أن والديه‬ ‫كانا يشددان معه منذ السابعة من‬ ‫عمره ‪ ‬تقريباً عل� � ��ى برمجة يومه‬ ‫ووقت� � ��ه‪ ...‬أي ماذا ينبغي أن يفعل‬ ‫صباحاً‬ ‫وضحى وعصراً ومس� � ��ا ًء‬ ‫ً‬ ‫على مدار اليوم؟!‬ ‫كم� � ��ا ح ّدثن� � ��ي عن الدراس� � ��ة‬ ‫النوعية ذات املردود النافع واملباشر‬ ‫في املدارس عندهم التي ال تعتمد‬ ‫على السرد والكم فقط‪ ،‬بل تسعى‬ ‫إلى تنش� � ��يط العقل من خالل نوع‬ ‫من املش� � ��اركة والتدريب املبس� � ��ط‬ ‫الذي يُذكي الذاكرة بإعمال الفكر‬ ‫عزيزي العربي‬ ‫‪12/12/16 10:01:02 AM‬‬

‫ويرفع من درجة االس� � ��تيعاب من‬ ‫خالل التطوي� � ��ر اإلبداعي الذاتي‬ ‫املوجه بعناية‬ ‫باملجهود الشخصي‬ ‫َّ‬ ‫وح� � ��ذر‪ ،‬وبعي� � ��داً عن الدراس� � ��ات‬ ‫التلقيني� � ��ة فقط!‪ ‬وأن� � ��ه كيف كان‬ ‫يح� � ��اور معلميه في ه� � ��دوء وأدب‬ ‫جم بغية االس� � ��تزادة القصوى من‬ ‫جتاربهم الث � � � َّرة وطرائق التدريس‬ ‫التطبيقي� � ��ة لديه� � ��م غي� � ��ر املكررة‬ ‫وغير املُمِ لَّة واملُعِ لَّة‪.‬‬ ‫كان حديث� � ��ه غريب � � �اً عل� � ��ى‬ ‫مس� � ��معي بل صاعقاً‪ ،‬إذ لم نعتد‬ ‫عل� � ��ى ذلك ف� � ��ي مدارس� � ��نا‪ ...‬ال‬ ‫برمجة وال تخطيطاً اس� � ��تراتيجياً‬ ‫قريباً أو بعيد املدى! وال محاسبة‬ ‫للذات في آخر اليوم وال حتى في‬ ‫آخر العام! ‪ ‬فالدراسة عندنا في‬ ‫كثي� � ��ر من الب� �ل��اد العربية ما هي‬ ‫إال ك ٌم تراكمي من املعلومات التي‬ ‫ينس� � ��ى الدارس معظمها في آخر‬ ‫املط� � ��اف (عند تخرجه) وال يطبق‬ ‫القليل مما يذك� � ��ره منها إال نذراً‬ ‫محدوداً في حياته العملية!‪ ‬‬ ‫والغري� � ��ب أن الق ّيم� �ي��ن على‬ ‫األم� � ��ر عندن� � ��ا ‪ ‬يحس� � ��بون أنهم‬ ‫يحسنون صنعاً طاملا هنالك وفرة‬ ‫وكثْرة كاثرة في مستلزمات التعليم‬ ‫رصاً‪ ...‬بعيداً‬ ‫ووسائله املرصوصة َّ‬ ‫عن االنتقائي� � ��ة واملراقبة الذاتية‬ ‫ف� � ��ي ظ� � ��ل إعج� � ��اب كل ذي رأي‬ ‫برأيه‪ ،‬ومن غير ش� � ��ورى يتقاسم‬ ‫فيها ال� � ��كل الرؤى ويعيدون النظر‬ ‫والتدبي� � ��ر‪ ،‬ويتنازل� � ��ون ويتواصون‬ ‫بالصب� � ��ر واحلكم� � ��ة‪ ،‬مبن� � ��أى عن‬ ‫التنظير ملجرد التنظير وحسب!‬ ‫فال عج� � ��ب إن ارتق� � ��ت دول‬

‫في ش� � ��رق آس� � ��يا مكاناً عل َّياً في‬ ‫ش� � ��تى ميادين اإلب� � ��داع التعليمي‬ ‫والقي� � ��ادي واإلداري واالقتصادي‬ ‫الذي قادهم إلى التنمية الراسخة‬ ‫والباه� � ��رة‪ ،‬تلك الت� � ��ي تبدو ماثلة‬ ‫للعيان ف� � ��ي كل ش� � ��يء حولهم‪...‬‬ ‫كنتاج لتهيئة الش� � ��عوب منذ نعومة‬ ‫أظفارها حلب النظ� � ��ام واإلتقان‬ ‫والبرمجة املدروسة مسبقاً‪ ،‬والتي‬ ‫يع� � ��ود نفعها على اجلمي� � ��ع واقعاً‬ ‫ملموساً وغير منقوص‬ ‫مبنأى عن‬ ‫ً‬ ‫وهم واهم‬ ‫اجلعجعة والتخبط في ٍ‬ ‫يظل يراوح مكانه!‬ ‫وله� � ��ذا تعكف بع� � ��ض الدول‬ ‫«بطيئة النم� � ��و» واألخرى «عدمية‬ ‫النمو» على دراسة ونقل التجارب‬ ‫الرائدة لتلك ال� � ��دول التي تعرف‬ ‫بالنم� � ��ور االقتصادي� � ��ة الو ّثَابة من‬ ‫خ� �ل��ال ابتع� � ��اث أبنائه� � ��ا لها من‬ ‫املتميزين من الدارسني ‪ ‬واخلبراء‬ ‫ليس� � ��تفيدوا ويفي� � ��دوا باملقارن� � ��ة‬ ‫واملوازنة‪ ...‬باجلدي� � ��د واملفيد‪...‬‬ ‫بالرأي اآلخر واألسلوب املختلف‪،‬‬ ‫وبنَف ٍَس هادئ يتماش� � ��ى مع طبائع‬ ‫ش� � ��عوب شرق آس� � ��يا في التعامل‬ ‫ُّ‬ ‫بالتلطف‬ ‫الرزي� � ��ن ال� � ��ذي يؤم� � ��ن‬ ‫اللي‪ ،‬وبراعة‬ ‫ُّ‬ ‫والتفضل‪ ،‬والق� � ��ول نِّ‬ ‫االس� � ��تهالل‪ ،‬وحس� � ��ن التق� � ��دمي‬ ‫ولباقة التن� � ��ازل واالعتذار‪ ،‬وغير‬ ‫ذلك ليتس� � ��نى ‪ ‬للطموحني اللحاق‬ ‫بركبهم ‪ -‬على األقل ‪ -‬في ش� � ��تى‬ ‫امليادي� � ��ن والتخصص� � ��ات‪ ،‬إن لم‬ ‫يستطيعوا جتاوزهم!‬ ‫محمد املبارك التيرابي ‪-‬‬ ‫كواالملبور‬ ‫‪207‬‬

‫‪jan 204-209.indd 207‬‬


‫كيف نقلّم أظفار الفساد؟‬

‫الس� � ��يد رئي� � ��س حترير مجلة‬ ‫العربي‬ ‫حتية إكبار وتقدير ملجهودكم‬ ‫في نش� � ��ر الثقافة عب� � ��ر مجلتكم‬ ‫الغراء‬ ‫يعي� � ��ش مجتمعن� � ��ا العرب� � ��ي‬ ‫عديداً من الس� � ��لوكيات الس� � ��لبية‬ ‫واملغالط� � ��ات الديني� � ��ة التي تنذر‬ ‫مبخاط� � ��ر اجتماعية كبيرة‪ ،‬تؤدي‬ ‫في نهاي� � ��ة املطاف إل� � ��ى انحالل‬ ‫رواب� � ��ط املجتمع وتقط� � ��ع أواصر‬ ‫الصداقة وعالق� � ��ات الرحمة بني‬ ‫األفراد‪ ،‬من ج ّراء تفش� � ��ي ظاهرة‬ ‫الفساد التي تقف سداً منيعاً في‬ ‫وجه السلوك احلضاري والتطور‬ ‫االجتماع� � ��ي‪ ،‬وهذا ما خلص إليه‬ ‫الباح� � ��ث القدير الدكت� � ��ور عادل‬ ‫س� � ��الم العبداجلادر ف� � ��ي حديث‬ ‫الش� � ��هر ملجلة العرب� � ��ي حني كتب‬ ‫‪208‬‬

‫‪12/12/16 10:01:08 AM‬‬

‫«عن الفس� � ��اد والعباد» في العدد‬ ‫‪( 688‬مارس ‪.)2016‬‬ ‫على مر العصور تل ّون الفساد‬ ‫بألوان ع� � ��دة‪ ،‬واختلفت أش� � ��كاله‬ ‫وص� � ��وره باخت� �ل��اف اجله� � ��ة التي‬ ‫ميارس فيها الفس� � ��اد‪ .‬والفس� � ��اد‬ ‫يؤدي إل� � ��ى نتائج عكس� � ��ية تد ّمر‬ ‫القي� � ��م وتنش� � ��ر اجلرمي� � ��ة وتهدم‬ ‫األخ� �ل��اق وتخل� � ��ق التعصب الذي‬ ‫يقودنا إل� � ��ى التط � � � ّرف‪ ،‬وهو من‬ ‫أم� � ��ارات التخلف عند الش� � ��عوب‬ ‫املعاصرة‪.‬‬ ‫ويعد الفس� � ��اد الي� � ��وم ظاهرة‬ ‫عاملي� � ��ة ش� � ��ديدة االنتش� � ��ار‪ ،‬ذات‬ ‫ج� � ��ذور عميقة قد تأخ� � ��ذ أبعاداً‬ ‫واس� � ��عة وتتداخ� � ��ل فيه� � ��ا عوامل‬ ‫مختلف� � ��ة يصعب التم ّيز بينها‪ ،‬في‬ ‫حني ع ّبر عنه البعض بأنه الوريث‬ ‫املتوقع لإلرهاب‪ ،‬والذي س� � ��تجد‬

‫ال� � ��دول واملجتمعات نفس� � ��ها في‬ ‫مواجهته وفي حرب طويلة األمد‬ ‫وأكثر شراس� � ��ة وتكلف� � ��ة ملكافحته‬ ‫على األغلب‪.‬‬ ‫فما أس� � ��بابه؟ وكي� � ��ف ميكن‬ ‫التصدي له؟‬ ‫لق� � ��د ع � � � ّرف البن� � ��ك الدولي‬ ‫الفس� � ��اد بأن� � ��ه س� � ��وء اس� � ��تغالل‬ ‫السلطة العامة من أجل احلصول‬ ‫على مكاس� � ��ب ش� � ��خصية‪ ،‬وهذه‬ ‫نظ� � ��رة اقتصادي� � ��ة بامتي� � ��از‪ ،‬في‬ ‫ح� �ي��ن ذهب علم� � ��اء االجتماع إلى‬ ‫أن الفس� � ��اد يبن� � ��ى عل� � ��ى انحالل‬ ‫األخ� �ل��اق وضع� � ��ف الضواب� � ��ط‬ ‫الس� � ��لوكية في مؤسس� � ��ات الدولة‬ ‫واملجتمع عموماً‪ ،‬أما علماء الدين‬ ‫فقد توصلوا إلى نتيجة مفادها أن‬ ‫هذه اآلف� � ��ة جتب مقاومتها مبدى‬ ‫إقبال الشباب على التد ّين واتباع‬ ‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 204-209.indd 208‬‬


‫عزيزي العربي‬ ‫ما جاء به القرآن الكرمي‪.‬‬ ‫ف� � ��ي حقيقة األم� � ��ر يجب أن‬ ‫ندرك األسباب التي أوصلتنا إلى‬ ‫الفساد‪ ،‬والتي جعلته يستفحل في‬ ‫أوص� � ��ال املجتمع‪ ،‬وحتماً س� � ��نجد‬ ‫أن املغالط� � ��ة وإخف� � ��اء احلقائ� � ��ق‬ ‫عنصران مه ّمان في تفشي ظاهرة‬ ‫الفس� � ��اد ال� � ��ذي ينم� � ��و ويترعرع‬ ‫دائماً ف� � ��ي العتمة‪ ،‬ول� � ��و اعتمدنا‬ ‫على الش� � ��فافية والعمل في العلن‬ ‫في مؤسساتنا وس� � ��لوكنا وإظهار‬ ‫احلقائق للناس كفضح املمارسات‬

‫الفاسدة واحلد من الرشوة وسوء‬ ‫التص� � ��رف في املال العام‪ ،‬وحجب‬ ‫احلقائق عن الصحافة ومؤسسات‬ ‫الدولة‪ ،‬فسنجد أنفسنا في مأمن‬ ‫من الفساد‪.‬‬ ‫أم� � ��ا احلقيق� � ��ة الثاني� � ��ة بعد‬ ‫الش� � ��فافية فهي التعليم الس� � ��ليم‬ ‫ال� � ��ذي ل� � ��ه دور كبي� � ��ر ف� � ��ي تقليم‬ ‫أظفار الفس� � ��اد وتقليص حجمه‪،‬‬ ‫م� � ��ن خ� �ل��ال توفي� � ��ر بيئ� � ��ة مهنية‬ ‫نظيفة ال تراعي احملس� � ��وبية وال‬ ‫الطائفية وال احلسابات الضيقة‪،‬‬

‫بل تق� � ��وم على الكف� � ��اءة واألهلية‬ ‫لتخلق أجي� � ��االً تتمتع بقدرة كبيرة‬ ‫من الوعي حملاربة الفس� � ��اد بدالً‬ ‫من تعليمهم بأن الفس� � ��اد سلوك‪،‬‬ ‫فق� � ��د أصاب الفيلس� � ��وف األملاني‬ ‫إميانويل كانت كبد احلقيقة حني‬ ‫قال‪« :‬لك� � ��ي تغ ّيروا املجتمع ينبغي‬ ‫أوالً أن تغيروا العقليات الس� � ��ائدة‬ ‫فيه عن طري� � ��ق التعليم والتثقيف‬ ‫والتهذيب»‪ ،‬ألن الفساد في النهاية‬ ‫أشد التحاماً بالطبائع‪.‬‬ ‫شهاب جوادي ‪ -‬تونس‬

‫هرتز ال نيوتن‬ ‫السالم عليكم‪...‬‬ ‫أري�� ��د أن أن ّب�� ��ه مجل�� ��ة العربي‬ ‫الرائدة إلى وج�� ��ود خطأ في إحدى‬ ‫املق� � ��االت العلمي� � ��ة في الع� � ��دد ‪696‬‬ ‫(نوفمبر ‪ - )2016‬حس�� ��ب معلوماتي‬ ‫كقارئ ومتت ّبع البستمولوجيا العلوم ‪-‬‬ ‫واخلطأ موجود في الصفحة ‪.158‬‬ ‫حس� � ��ب معلوماتي أن صاحب‬ ‫نظرية «الطبيعة التموجية للضوء»‬ ‫‪ Nature Ondulatoire‬ه� � ��و العالم‬ ‫هرتز ‪ Hertz‬وليس نيوتن‪ ،‬وصاحب‬ ‫نظرية «الطبيعة اجلسيمية للضوء»‬ ‫ه� � ��و يون� � ��غ ‪ ،Young‬وال� � ��ذي حكم‬

‫ر‬ ‫س‬ ‫ا‬ ‫ئ‬ ‫وصلت لكم‬ ‫نا‬

‫عزيزي العربي‬ ‫‪12/12/16 10:01:11 AM‬‬

‫بينهما هو ألبرت أينش� � ��تاين وحسم‬ ‫الفكرة أن للض� � ��وء طبيعة مزدوجة‬ ‫جسيمية ومت ّوجية‪ .‬والله أعلم‪.‬‬ ‫بوساطة‪ :‬معروف‬ ‫عبدالرحيم‪/‬املغرب‬ ‫ املذك� � ��ور حرفي � � �اً باملق� � ��ال‪:‬‬‫«كان الصراع قائم � � �اً بني نظريتني‬ ‫متقابلت� �ي��ن ف� � ��ي تفس� � ��ير الضوء‪:‬‬ ‫النظــــري� � ��ة املوجـــــي� � ��ة ملاكس� � ��ويل‪،‬‬ ‫والنظري� � ��ة املوجية لنيوت� � ��ن»‪ ،‬ومن‬ ‫الواض� � ��ح أن الوص� � ��ف بـ«املوجية»‬ ‫عند االثنني يلغي التقابل‪ ،‬ويستقيم‬

‫املعنى معرفياً حني نقول «والنظرية‬ ‫اجلسيمية لنيوتن»‪.‬‬ ‫يبقى نيوتن هو األب احلقيقي‬ ‫لفرضي� � ��ة اجلس� � ��يم الضوئ� � ��ي‪،‬‬ ‫وماكسويل األب احلقيقي للنظرية‬ ‫املوجية‪ ،‬وإن كان هناك أشياع لهذا‬ ‫وذاك‪ ،‬وأن الفيزي� � ��اء احلديثة التي‬ ‫ترى أن «اجلس� � ��يم واملوجة وجهان‬ ‫لعملة واحدة» حس� � ��ب فيزياء الكم‪،‬‬ ‫مدين� � ��ة ألكثر م� � ��ن فيزيائي‪ ،‬وليس‬ ‫لواح� � ��د منه� � ��م‪ .‬ويبق� � ��ى أن املجلة‬ ‫تشكركم لهذا االهتمام والتنويه‪.‬‬ ‫«العربي»‬

‫محمد أحمد البيطار‪ /‬اليمن‪ ,‬عادل عبيدي‪/‬اجلزائر‪ ,‬خالد‬ ‫طالل‪/‬س ��ورية‪ ,‬خال ��د الفضلي‪/‬الع ��راق‪ ,‬إبراهي ��م هاش ��م‪/‬‬ ‫سورية‪ ,‬خالد عزت‪/‬مصر‪ ,‬عبدالهادي شروال‪/‬املغرب‪ ,‬سلوى‬ ‫مقبل‪/‬اليم ��ن‪ ,‬محم ��د أحمد أحمودة‪/‬ليبيا‪ ,‬محمد الس ��يد‬ ‫س ��ماحة‪/‬مصر‪ ,‬فاطم ��ة س ��الم‪/‬عمان‪ ،‬من ��ذر فؤاد‪/‬اليم ��ن‪،‬‬ ‫رمضان النجار‪/‬مصر ‪ -‬علي صبيح‪/‬العراق‬

‫‪209‬‬

‫‪jan 204-209.indd 209‬‬


‫إلى أن‬

‫نلتقي‬ ‫فاطمة حسين العيسى‬ ‫كاتبة من الكويت‬

‫الكويت‪...‬‬ ‫تفتح قلبها والعيون‬ ‫في صباح أجمل من اجلمال ذاته‪ ...‬وعلى مفترق الفصول ما بني الصيف والش� � ��تاء‪ ،‬كان لها ولنا‬ ‫موعد مع صباح االثنني (‪ )2016/10/31‬كان يوماً مضيئاً مصقوالً‪ ،‬اشتقّ ضياءه من صاحب الفكرة‬ ‫واإلرادة (س� � ��مو أمير البالد الش� � ��يخ صباح األحمد اجلابر الصباح)‪ ،‬ونثرها جنوماً على رؤوس خمسة‬ ‫من املواقع تعكس أشعة الشمس في مالحقة غزلية تتغنى فيها باملاضي وتغني للمستقبل‪.‬‬ ‫تصعد النش� � ��وة عند املدعوي� � ��ن في أثناء خطوهم إل� � ��ى القلب الدافئ بألوانه احلمراء والس� � ��وداء‬ ‫والذهبية‪ ،‬والبهجة تع ّم املكان وتز ّين الوجوه‪ ،‬كل الوجوه‪ ،‬الضيف واملضيف‪.‬‬ ‫وما إن يأخذ كل ضيف موقعه وينش� � ��غل باالنبهار بكل موقع يرس� � ��ل رأسه في اجتاهه حتى تصدح‬ ‫املوس� � ��يقى بالسالم األميري ليخ ّيم على الوجود هدوء االحترام واإلجالل ودفء احلب والسالم إيذاناً‬ ‫بدخول الصفحة األولى البالغة الس� � ��مو (القرآن الكرمي) الذي ُق ّدم بصورة ترقى لس� � ��مو القول‪ ،‬والتي‬ ‫املعد لهم‪ ،‬الذي‬ ‫رفعت احلضور من مواقعهم إلى نشوة اإلجالل‪ ،‬وأخذتهم بعد ذلك إلى حيث البرنامج ّ‬ ‫والتعجب بانبه� � ��ار غريب فيه الكثير من االعتبار واالحترام لكل العقول على اختالفها‪،‬‬ ‫علّ� � ��ق اإلعجاب‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫واألمزجة على تل ّونها‪ ،‬والنفوس على مشتهاها‪ ...‬فضال عن األلسن والثقافات واحلضارات واختالف‬ ‫األجناس واللغات واألعمار‪.‬‬ ‫ً‬ ‫نعم‪ ،‬لقد كان صباحاً اس� � ��تثنائيا‪ ،‬وكانت س� � ��اعات لألحالم أقرب من الواقع وشجاعة من الكويت‬ ‫والفريق املخطط واملنفذ لها ال تضاهى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لم يجرؤ أحد قبلنا أن يق ّدم «بحيرة البجع» للموسيقار الروسي الكبير تشايكوفسكي ملحقا بها أو‬ ‫معها أو قبلها «الفريسة»(*) الكويتية الشعبية اجلميلة‪.‬‬ ‫لقد غمرتني البهجة أمام الفريس� � ��ة ‪ -‬أعترف ‪ -‬مثلما غمرتني وأنا أرى بحيرة البجع للمرة املائة‬ ‫ رمبا ‪ -‬لكنها تظل بالنسبة إلي شجاعة غير عادية‪.‬‬‫قدم فكرة أو دقائق من وقته أو ّ‬ ‫صف حجراً أو م ّد سلكاً‪ ،‬ولكل َمن ساهم‬ ‫حتية من القلب لكل َمن ّ‬ ‫ف� � ��ي ترتيب حفل افتتاح صرح جابر األحمد الثقافي‪ ،‬وكانت س� � ��اعتان تأرجحنا فيهما ما بني األصالة‬ ‫واحلداثة‪ ،‬مشاعرنا كانت تقرع األجراس فتطلق األيادي التصفيق بنشوة لم تطلها نشوة من قبل >‬ ‫(*) حصان من خشب مز ّين باألشرطة واأللوان‪ ،‬ميتطيه فارس في األعراس الفولكلورية الكويتية‬

‫‪210‬‬

‫‪12/12/16 10:01:35 AM‬‬

‫العدد ‪ - 698‬يناير ‪2017‬‬

‫‪jan 210.indd 210‬‬


‫العدد ‪ > 698‬ربيع اآلخر ‪ 1438‬هـ > يناير ‪ 2017‬م ‪January‬‬

‫رحلة فاس ومكناس‬

‫تمنح شهية لحياة أخرى‬ ‫العدد ‪ 698‬يناير‬

‫‪2017‬‬

‫‪full cover.indd 2‬‬ ‫‪12/18/16 11:42:12 AM‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬

‫‪@alarabiinfo‬‬