Issuu on Google+

‫العدد ‪ > 697‬ربيع األول ‪ 1438‬هـ > ديسمبر ‪ 2016‬م ‪December‬‬

‫العدد ‪ 697‬ديسمبر‬ ‫‪2016‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬

‫«سعير»‪...‬‬ ‫حرّمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬

‫‪@alarabiinfo‬‬ ‫‪11/20/16 12:52:35 PM‬‬

‫‪full cover.indd 2‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫تأسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‬

‫‪Editor in Chief‬‬

‫‪Dr. Adel S. Al-Abdul Jader‬‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 2‬شارع ‪ - 76‬قسيمة ‪ - 105‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬ ‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬ ‫‪Editorial Tel:‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫عناوين البريد اإللكتروني‬

‫املشاركات واملقــاالت ‪:‬‬ ‫الـمتابـعة الـمالية ‪:‬‬ ‫االشـتراك بالـمجــلة ‪:‬‬ ‫مسابقة التصوير ‪:‬‬

‫‪alarabi@alarabi.info‬‬ ‫‪fin@alarabi.info‬‬ ‫‪subscribe@alarabi.info‬‬ ‫‪photo@alarabi.info‬‬

‫‪@alarabiinfo‬‬ ‫شروط النشر في مجلة العربي‬ ‫> توجه املقاالت إلى رئيس حترير املجلة‪.‬‬ ‫تكتب املقاالت باللغة العربية وبخط واضح وترسل على البريد اإللكتروني‪ ،‬ومرفقة مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬تعهد خطي من املؤلف أو املترجم بعدم نشر املقالة ساب ًقا في أي مجلة أخرى‪.‬‬ ‫‪ - 2‬سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف أو املترجم‪.‬‬ ‫‪ - 3‬األصل األجنبي للترجمة‪ ،‬إذا كانت املقالة مترجمة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬يفضل أن تكون املقاالت الثقافية مدعمة بصور أصلية عالية النقاء‪ ،‬مع ذكر مصادر هذه‬ ‫الصور‪ ،‬ومراعاة ترجمة تعليقات وشروح الصور واجلداول إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫> املوضوعات التي ال تنشر ال تعاد إلى أصحابها‪.‬‬ ‫> يفضل أال تقل املقالة عن ‪ 150‬كلمة وال تزيد على ‪ 1000‬كلمة‪.‬‬ ‫> يحق للمجلة حذف أو تعديل أو إضافة أي فقرة من املقالة متاش ًيا مع سياسة املجلة في النشر‪.‬‬ ‫> اخلرائ������ط التي تنش������ر باملجل������ة مجرد خرائ������ط توضيحية وال تعتب������ر مرجعا للح������دود الدولية‪.‬‬ ‫> ال يجوز إعادة النش������ر بأي وس������يلة ألي مادة نشرتها العربي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة‬ ‫خطية من اجلهات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬ ‫> االس������م الكامل حس������ب الوثائق الرس������مية‪ ،‬واس������م الدولة‪ ،‬واس������م البنك‪ ،‬ورقم احلساب اخلاص‬ ‫باملستفيد‪ ،‬وكذلك رقم اآليبان (‪)IBAN‬‬

‫> امل ��واد املنش ��ورة تعبر ع ��ن آراء كتابه ��ا وال تعبر بالضرورة ع ��ن رأي املجلة‪,‬‬ ‫ويتحمل كاتب املقال جميع احلقوق الفكرية املترتبة للغير‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬ ‫‪3‬‬


‫العدد ‪ - 697‬ربيع األول ‪ 1438‬هـ‬ ‫ديسمبر (كانون األول) ‪2016‬م‬

‫حديث الشهر‬ ‫‪ 72‬عاطف س������ليمان‪ ...‬مالك حداد وشجرة صنوبر‬ ‫على راحة اليد‪ ...‬يده‪.‬‬ ‫‪ 8‬د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‪...‬‬ ‫‪ 76‬د‪ .‬ريــــت������ا ع������وض‪« ...‬حــكــــاي������ات حارتــــنــــ������ا»‬ ‫أحزان ذاكرة مخذولة‬ ‫لنجــــيـــــ������ب محف������وظ‪ ...‬رج������وع إل������ى احلكاية‬ ‫فكر وقضايا عامة‬ ‫الشرقية‪.‬‬ ‫‪ 26‬ج������ورج ق������رم‪ ...‬ثغ������رة خطيـــ������رة ف������ي الذاكرة ‪ 172‬عرض واختيار‪ :‬محمد العباس‪...‬‬ ‫«قصص على اله������واء» بالتعاون مع إذاعة مونت‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫كارلو الدولية‪.‬‬ ‫‪ 32‬فيـــــصــل الـمـــرش������د‪ ...‬وس������طـــيـــــة اإلس������ـــالم‬ ‫وسماحــته‪.‬‬ ‫وجه ًا لوجه‬ ‫‪ 48‬نزهة صادق‪ ...‬املجتمع العربي وجدلية احلداثة‬ ‫‪ 144‬املخرج الس������ينمائي يس������ري نصرالل������ه ونضال‬ ‫والتحديث‪.‬‬ ‫ممدوح‪.‬‬ ‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية‬ ‫تاريخ وتراث وشخصيات‬ ‫‪ 58‬محم� � ��د العوضي‪ ...‬دور الكوي� � ��ت في دعم الثقافة‬ ‫‪ 52‬إبراهيم املليف� � ��ي‪ ...‬في الذكرى الس� � ��نوية لصدور‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬ ‫مجلة العرب� � ��ي‪ ...‬رحلة البحث ع� � ��ن عريس العدد‬ ‫استطالعات وحتقيقات‬ ‫األول خليل املريخي‪.‬‬ ‫‪ 36‬بثين� � ��ة حم� � ��دان‪« ...‬س� � ��عير»‪ ...‬ح ّرمته� � ��ا الت� � ��وراة ‪ 116‬د‪ .‬عبداجلليل غزال� � ��ة‪ ...‬النكتة والتلقي في األدب‬ ‫الشفهي اإلفريقي‪.‬‬ ‫واستباحها االحتالل!‬ ‫‪ 122‬جهاد فاضل‪ 400 ...‬س� � ��نة عل� � ��ى رحيله‪ ...‬هل كان‬ ‫ملف‬ ‫شكسبير من أصول عربية؟‬ ‫‪ 126‬د‪ .‬ميشال جحا‪ ...‬ياس� �ي��ن رفاعية وأمل ج ّراح في‬ ‫‪ 84‬في حب «لغتنا اجلميلة»‪.‬‬ ‫رواياته‪.‬‬ ‫‪ 86‬دهبية مش� � ��دال‪ ...‬ح� � ��وار مع الدكت� � ��ور عبداملالك‬ ‫مرتاض‪ :‬يوم اللغة العربية إقرار بعظمتها وجمالها ‪ 130‬عبدالعزي� � ��ز التميم� � ��ي‪ ...‬الفنان أحم� � ��د صبري‪...‬‬ ‫تشكيلي عرفه الغرب قبلنا‪.‬‬ ‫ووظيفتها‪.‬‬ ‫‪ 92‬د‪ .‬بسام بركة‪ ...‬حوار مع البروفيسور تشووي ليه‪:‬‬ ‫فن‬ ‫تعلي� � ��م اللغة العربية في الص� �ي��ن اليزال يحتاج إلى‬ ‫‪ 136‬نبيل س� � ��ليمان‪ ...‬س� � ��لفادور دالي يرس� � ��م بالكلمات‬ ‫مزيد من جهود التطوير‪.‬‬ ‫نيويورك واحلرب‪.‬‬ ‫‪ 99‬د‪ .‬رياض عثمان‪ ...‬عراقي� � ��ل في ترجمة املصطلح‬ ‫النحوي من املصدر إلى الهدف‪.‬‬ ‫علوم‬ ‫‪ 105‬عمر القطان‪ ...‬إمام النحو في املوصل‪.‬‬ ‫‪ 108‬د‪ .‬نزار العان� � ��ي‪ ...‬خواطر ح� � ��ول العامية واملعجم ‪ 150‬د‪ .‬ليل� � ��ى صال� � ��ح العل� � ��ي‪ ...‬الزج� � ��اج الذك� � ��ي أو‬ ‫الكهرومغناطيسي‪.‬‬ ‫واللغة والعلم‪.‬‬ ‫‪ 154‬عل� � ��ي محمد الهاش� � ��م‪ ...‬إخ� �ل��اء الطائ� � ��رات عند‬ ‫أدب ونقد ولغة‬ ‫الطوارئ‪.‬‬ ‫‪ 12‬فاروق شوشة‪ ...‬البياتي وقمر شيراز‪.‬‬ ‫البيت العربي‬ ‫‪ 18‬د‪ .‬جابر عصفور‪ ...‬في ذكرى طه حسني‪.‬‬ ‫‪ 68‬عبداملجيد زراقط‪ ...‬في مفهوم السيرة الذاتية ‪ 158‬د‪ .‬أمين� � ��ة التيت� � ��ون‪ ...‬الس� � ��يلفي وبحوث الس� � ��يرة‬ ‫الذاتية‪.‬‬ ‫وخصائصها‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫طرائف‬ ‫‪ 112‬صالح عبدالستار الشهاوي‪...‬‬ ‫(طرائف عربية)‪.‬‬ ‫‪ 114‬محمد حسن أحمد‪...‬‬ ‫(طرائف غربية)‪.‬‬ ‫مكتبة العربي‬ ‫‪ 170‬عرض د‪ .‬محمد س������يف اإلس���ل��ام بوفالقة‪...‬‬ ‫قراءة في كت������اب «النقد املس������رحي العربي‪...‬‬ ‫إطالل������ة عل������ى بدايته وتط������وره» (م������ن املكتبة‬ ‫العربية)‪.‬‬

‫ص ‪36‬‬

‫املفكرة العربية‬ ‫‪ 168‬كمال ربيع‪ ...‬السفارة املصرية ك ّرمت الرفاعي‪.‬‬ ‫الفهرس العام‬ ‫‪ 179‬إعداد‪ :‬حافظ فاروق‪ ...‬فهرس عام ‪.2016‬‬ ‫أبواب ثابتة‬ ‫‪6‬‬ ‫‪7‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪163‬‬ ‫‪166‬‬ ‫‪176‬‬ ‫‪210‬‬

‫كاريكاتير (عبدالوهاب العوضي)‪.‬‬ ‫عزيزي القارئ‪.‬‬ ‫قالوا‪.‬‬ ‫املسابقة الثقافية‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‪.‬‬ ‫عزيزي العربي‪.‬‬ ‫إلى أن نلتقي‪.‬‬

‫ص ‪58‬‬

‫ص ‪116‬‬

‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‪.‬‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‪:‬‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم وزارة اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬

‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـســـــودان ‪ 500‬جنيه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪،‬‬ ‫اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـسعـوديـــة ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬سلطنـة عمـان ‪ 500‬بيسـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪ ،‬سورية ‪ 30‬لـيرة‪،‬‬ ‫اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬ ‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 € , France 2 € , Austria 2 € , Germany 2 € ,‬‬ ‫‪USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬

‫الفهرس‬

‫‪5‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫عزيزي‬

‫القارئ‬ ‫األمل في لغتنا الجميلة‬ ‫يحتفل العالم عبر مؤسسة اليونس������كو بـ «لغتنا العربية اجلميلة» هذا الشهر‪ ،‬باعتبار‬ ‫يوم ‪ 18‬ديس������مبر يوماً عاملياً للغة العربية‪ ،‬أقرته املنظمة الدولية قبل س������نوات عدة على‬ ‫ج������دول اللغات التي حتتفي بها‪ ،‬وهو اعتراف دولي بأهمية‪ ،‬ليس فقط لغتنا العربية‪ ،‬بل‬ ‫وبالثقاف������ة التي تعبر عنها هذه اللغة‪ ،‬التي تتنوع روافده������ا بني اآلداب والفنون‪ ،‬والفكر‬ ‫والفلسفة‪ ،‬والفقه والعلوم‪ ،‬وغيرها‪ .‬وال عجب فهي تعد واحدة من أقدم اللغات السامية‪،‬‬ ‫������ارا في العالم‪ ،‬يتحدثها أكثر من ‪ 422‬مليون نس������مة‪ ،‬ويتوزع‬ ‫وإح������دى أكثر اللغات انتش ً‬ ‫متحدثوه������ا في أرجاء الوطن العربي‪ ،‬باإلضافة إلى عديد من املناطق األخرى املجاورة‪،‬‬ ‫ومنوا‪،‬‬ ‫استخداما في اإلنترنت‪ ،‬وكذلك األكثر‬ ‫وهي من بني اللغات األربع األكثر‬ ‫ً‬ ‫انتشارا ً‬ ‫ً‬ ‫متفوق ًة على اللغتني الفرنسية والروسية‪.‬‬ ‫ولهذا حتتفي «العربي» بهذه املناسبة مبلف شامل حول لغتنا العربية‪ ،‬باحلوار مع املهتمني‬ ‫بش������ؤونها‪ ،‬وبالتحليل والنقد والتأريخ‪ ،‬إذ إن «العرب������ي» تعتبر االعتداد باللغة العربية من‬ ‫بني أبرز الرسائل التي حملت لواءها منذ صدورها وعلى امتداد عمرها الذي يواكب هذا‬ ‫العام الذكرى الثامنة واخلمس���ي��ن‪ ،‬التي حتتفي بها املجلة عبر موضوع مصور تتبع محرره‬ ‫واحدا من نخب الثقافة من البحرين ممن مروا على صفحات «العربي» في عددها األول‪،‬‬ ‫وعادت للبحث عنه في هذا العدد‪ .‬وإذا كان العالم العربي‪ ،‬مع األسف‪ ،‬يشهد اليوم عدداً‬ ‫من عوارض التمزق والتشتت بسبب أحداث متر بها املنطقة‪ ،‬ال تخفى على القارئ‪ ،‬وهو ما‬ ‫يتناوله رئيس التحرير في حديثه الشهري‪ ،‬مشيراً إلى أن الكاتب الكبير والشاعر الراحل‬ ‫فاروق شوش������ة‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬قد رحل عن عاملنا مع األسف وهو ميور بهذه املتغيرات‪ ،‬فإننا‬ ‫نأم������ل أن جت������د لغتنا اجلميلة وروافدها الثقافية‪ ،‬وف������ي اإلرث الكبير مما خلفه لنا علماء‬ ‫اللغة واملبدعون والشعراء وأهل الفكر‪ ،‬ما ميكن له أن يجمع شمل أمتنا العربية مرة أخرى‪،‬‬ ‫لتستعيد مكانتها في هذا التوقيت الدقيق الذي يعيشه العالم‪.‬‬ ‫وف������ي نهاية عام كامل حملت فيه الكويت مش������عل الثقافة اإلس���ل��امية كعاصمة‪ ،‬تُبرز‬ ‫«العربي» دور الكويت في دعم الثقافة اإلس���ل��امية عبر العديد من األنش������طة التي قامت‬ ‫بها املؤسس������ات الثقافية واإلس���ل��امية املختلفة‪ ،‬كما حتتفي بذك������رى ميالد أديب «نوبل»‬ ‫ال من أعماله الذي عاد لتراث الش������رق رافداً وملهماً‬ ‫جنيب محفوظ‪ ،‬مبوضوع يقرأ عم ً‬ ‫وأمالً‪.‬‬ ‫حتتفي «العربي» بلغتن������ا العربية‪ ،‬بلغة هذه األمة الكبيرة‪ ،‬وحتتفي بثقافتها فناً وأدباً‪،‬‬ ‫أمال في أن يكون في هذه املناهل ما يعيد ألمتنا العربية مجدها التليد‪ ،‬وعلى مش������ارف‬ ‫عام جديد ال متل «العربي» من التحلي باألمل‪ ،‬وال بالتذكير بأن العلم والثقافة والفنون‪،‬‬ ‫وعلى اتساع العالم شرقاً وغرباً‪ ،‬كثيراً ما أنقذت مجتمعات من كبوات قاسية‪ ،‬وكل عام‬ ‫وأنت بخير عزيزي القارئ >‬ ‫عزيزي القارئ‬

‫‪7‬‬


‫حديـث الشهـر‬

‫أحزان ذاكرة مخذولة‬ ‫د‪ .‬عادل سالم العبدالجادر‬ ‫ر َ َح َ‬ ‫أن‬ ‫ل‬ ‫األديب الكبي ُر فاروق شوش���ة عن الدنيا ول���م يرحل ع ّنا‪ ،‬بعد ْ‬ ‫ُ‬ ‫���طر للعربية الفصحى مقاالت لها ّ‬ ‫وس َّ‬ ‫كل‬ ‫ّ‬ ‫ق���دم كثيراً مما نتمنى‪َ ،‬‬ ‫معنى‪ ،‬حفظت ما فات وأقرت الجديد من المفردات‪ ،‬التي اصطلح‬ ‫عليها في مجامع اللغ���ة والمنتديات‪ ،‬فأثرى بعمله وكتاباته مجلة‬ ‫لم يُن َت َفع‬ ‫العرب���ي والمكتبة العربية‪ ،‬وأفاد القارئ فائدة عظيمة ِ‬ ‫بع ٍ‬ ‫به‪ ،‬فكان قلمه ش���علة أض���اءت دروب ًا‪ ،‬وكان ن���دى كلماته من أدبه‬ ‫يحي���ي قلوب��� ًا‪ ...‬ندع���و اهلل تعال���ى أن يرحم األس���تاذ فاروق‬ ‫الع���ذب ْ‬ ‫شوش���ة ويس���كنه فس���يح جناته‪،‬‬ ‫ف���إن فقدن���ا له كبي���ر‪ ،‬وإنّ���ا بفراقه‬ ‫ّ‬ ‫لمحزونون‪.‬‬

‫وتتوال������ى األح������زان‪ ،‬ح���ي��ن يش������تعل العالم‬ ‫العربي من حولنا‪ ،‬وتنش������غل الشعوب باحلروب‬ ‫والصراع������ات السياس������ية‪ ،‬وتعص������ف باألوطان‬ ‫الفِ نَت ليعلو غبارها الننت‪ ،‬وتقصف مدافع أعداء‬ ‫اإلنس������انية األبري������اء‪ ،‬لتقتل األطف������ال والعجائز‬ ‫والنس������اء‪ .‬هنالك‪ ،‬يعجز اإلنس������ان عن التفكير‪،‬‬ ‫فال يجد للفنت تفس������يراً أو للقت������ل تبريراً! أهي‬ ‫حرب عاملي������ة ثالثة؟ أم مؤامرة لتقس������يم العالم‬ ‫من جديد؟ وإن لم يك������ن هذا وال ذاك‪ ،‬ف َم ْن هو‬ ‫املُستفيد؟ ملاذا تقوم الواليات املتحدة األمريكية‬ ‫وروس������يا بتقدمي الدعوم احلربية للعالم الثالث‪،‬‬ ‫م������ن دون أن تنتهج نهج الس���ل��ام احلقيقي؟ ملاذا‬ ‫‪8‬‬

‫جتوع شعوبنا وتظمأ‪ ،‬والثروات بني يديها واملاء‬ ‫فوق ظهر أراضيها محمو ُل؟ ملاذا يُ َخ َّر ُب التاريخ‬ ‫ُحَُ‬ ‫نس������ى املاضي ويبقى اخلراب‪،‬‬ ‫وت َّط ُم اآلثار‪ ،‬ليُ َ‬ ‫كأطالل تهرب عنها األرواح وال يس������كنها س������وى‬ ‫األشباح؟!‬ ‫م� � ��اذا نس� � ��تطيع – نحن الع� � ��رب – أن نُق َّدم‬ ‫السبْق‬ ‫اليوم للحياة والعالم؟ ضاع من بني أيدينا َّ‬ ‫ف� � ��ي ك ّل ميادي� � ��ن التقدم العلم� � ��ي‪ ،‬وأصبحنا من‬ ‫امل ُ ْس � � �تَ ْهلِكني‪ ،‬ال إبداع وال إنت� � ��اج‪ ،‬والقليل مما ال‬ ‫يكفينا م� � ��ن الزراعة‪ ،‬وأقل من ه� � ��ذا القليل في‬ ‫الصناعة‪ .‬ومما يحيرن� � ��ي كثيراً‪ ،‬هو توافر املواد‬ ‫األولية والثروات الطبيعية وجميع عناصر الطاقة‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫أحزان ذاكرة مخذولة‬

‫‪9‬‬


‫بالكراهية استطاع األعداء أن‬ ‫يفرقونا ويمزقوا أوصال األمة‪،‬‬ ‫بذروا الطائفية وسقيناها بدمائنا‪،‬‬ ‫وغرسوا الطبقية فحصدنا‬ ‫أشواكها‪ ،‬وفلسفوا االقتصاد حكرا‬ ‫عليهم فما نالنا إال الفقر‪ ،‬وا ْلتحفوا‬ ‫السياسة فجنينا الغدر‬

‫وأراض شاسعة صاحلة للزراعة‬ ‫واإلنتاج من مياه‬ ‫ٍ‬ ‫والرع� � ��ي‪ .‬ال نعيب أنفس� � ��نا أو جنلد الذات حني‬ ‫نقول بأننا نس� � ��تورد أس� � ��اس طعامنا‪ :‬من القمح‬ ‫واأل ُ ْرزِ والضأن واألبقار والدواجن‪ .‬وال نلبس إال‬ ‫من نس� � ��يج اآلخرين‪ ،‬وال ننتقل أو نسافر إال من‬ ‫صناع� � ��ة الغير‪ ،‬فنحن ال نصنع الدراجة الهوائية‬ ‫أو الدراجة البخارية أو الس� � ��يارة أو الطائرة‪ ،‬أو‬ ‫حتى ال� � ��زورق‪ .‬وال نصنع أو ن� � ��زرع ما ننافس به‬ ‫غيرنا‪ .‬وفي عص� � ��ر التكنولوجيا‪ ،‬ترانا مذهولني‬ ‫بالتط� � ��ور الس� � ��ريع‪ ،‬هواتف متنقلة وحواس� � ��يب‪،‬‬ ‫وأجهزة ع� � ��رض تلفازية وس� � ��ينمائية‪ ،‬ووس� � ��ائل‬ ‫سمعية وبصرية متطورة‪ ...‬ومع هذا كله نستورد‬ ‫األقالم وال َو َرق‪ ...‬أصبحنا جنتر التاريخ‪ ،‬وينكص‬ ‫احلاضر إل� � ��ى املاضي‪ ،‬فال نرى لنا مس� � ��تقب ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫وتضيع اآلمال بني اخلوف من القادم وعدم القدرة‬ ‫عل� � ��ى مواكبة احلاض� � ��ر‪ ،‬ويضط� � ��رب التخطيط‬ ‫إن األمن احلقيقي للمجتمع وأفراده‬ ‫للمستقبل‪ّ .‬‬ ‫منوط بالس� �ل��ام‪ ،‬فال علم وال تقدم وال حياة في‬ ‫‪10‬‬

‫احلرب‪ .‬والسالم يبدأ من النفس‪ ،‬وسالم النفس‬ ‫واحلب يبدأ بالعطاء‪ ،‬ويكبر‬ ‫باحلب‪،‬‬ ‫ال يك� � ��ون إال‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫بالعمل‪ ،‬وينمو بالتصال� � ��ح‪ ،‬ويقوى باملودة‪ ،‬ويدوم‬ ‫ويبقى بالتسامح‪.‬‬ ‫أما الكراهية‪ ،‬فهي بذرة الش������يطان يزرعها‬ ‫في قل������ب اب������ن آدم لتفتح عليه ب������اب اجلحيم‪.‬‬ ‫وبالكراهية استطاع األعداء أن يفرقونا وميزقوا‬ ‫أوصال األمة‪ ،‬بذروا الطائفية وسقيناها بدمائنا‪،‬‬ ‫وغرس������وا الطبقية فحصدنا أشواكها‪ ،‬وفلسفوا‬ ‫االقتص������اد حكرا عليه������م فما نالن������ا إال الفقر‪،‬‬ ‫والْتحفوا السياسة فجنينا الغدر‪ ،‬وأدخلوا علينا‬ ‫ال وتثقلنا كس ً‬ ‫تقنيات متطورة تفيدهم عم ً‬ ‫ال‪ ،‬ثم‬ ‫ضربوا علينا اخلنوع والذلة واملسكنة‪ ،‬وطالبونا‬ ‫بالثورة على أنفس������نا بشعارات ظاهرها احلرية‬ ‫والدميقراطي������ة وباطنها الفوض������ى والغوغائية‪.‬‬ ‫�����أن مفهوم الثورة ه������و التجديد‪،‬‬ ‫وإن كنّا نعي ب� ّ‬ ‫فإنن������ا ال ن������رى إال الرجعية‪ ،‬وإن نش������دنا األمن‬ ‫فال جند إال التجس������س‪ ،‬وإن متنينا االس������تقرار‬ ‫فيكون مصيرنا الش������تات والتهجير‪ .‬إنها ليست‬ ‫مؤامرة‪ ،‬فاملؤامرة ال تكون إال بالعمل الس������ري‪،‬‬ ‫ولكنها تخطي������ط علني لتقس������يم العالم العربي‬ ‫وتدمير كيان������ه القومي واالقتص������ادي‪ ،‬وتفريق‬ ‫مجتمعاته املس������املة‪ ،‬من خالل تغليب عصابات‬ ‫إرهابي������ة ضال������ة وتزويده������ا بالقوة والس���ل��اح‬ ‫والعتاد‪ ،‬عصابات حتمل رايات التعصب باس������م‬ ‫الدين‪ ،‬وترفض النّقد واحلوار‪ ،‬وتهيم كالعناكب‬ ‫الفن‬ ‫ألنها ال تعرف التعايش الس������لمي‪ .‬ح ّرموا‬ ‫ّ‬ ‫بألوان������ه وأنواعه‪ ،‬وس������جنوا قلوبهم بصدورهم‬ ‫الضيقة كما سجنوا عقولهم بفكرة اخلالص من‬ ‫الدنيا في س������بيل حياة أخرى‪ ،‬وظنوا أ ّنهم فيها‬ ‫أن أكثرهم من الظاملني ولكنهم‬ ‫من الناجني‪ ،‬إال ّ‬ ‫بأن من قتل نفس������ا بغير حقّ‬ ‫مازالوا ال يُدركون ّ‬ ‫فكأمنا قتل الن������اس جميعاً‪ ،‬ومأواه جهنم وبئس‬ ‫املصير‪ ،‬فيا ليتهم يعلمون‪.‬‬ ‫حب الوطن‪ ،‬صغاراً ننشد‪:‬‬ ‫تربينا على ّ‬ ‫ب�� �ل � ��اد ال� � � � � � ُ�ع� � � � � � ْ�ر ِب أوط � � ��ان � � ��ي‬ ‫وك� � � � � ��لّ ال�� � � � � ُ�ع�� � � � � ْ�ر ِب إخ� � ��وان� � ��ي‬ ‫ودي � � � � � � � ��نُ ال� � � �ل � � ��ه ل � � � ��ي ِدي�� � � � � ٌ�ن‬ ‫�رآن‬ ‫ب� � � � � ��إجن�� � � � � �ي� � � � � � ٍ�ل وق� � � � � � � � � � � � � ِ‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫أين مني اليوم «اليمن»؟! التي كنا ال نصفها إال‬ ‫بالسعادة‪ ،‬وهي أ ّ ٌم تذرف دمع األلم‪ ،‬يقتل أبناؤها‬ ‫أبناءها‪ ،‬فتستجير لتنجد‪ ،‬حتى يأتيها من جوارها‬ ‫أش� � ��قاؤها العرب طوعا والتزاما وح ّبا وكرامة‪ ،‬ال‬ ‫يري� � ��دون منها جزاء وال ش� � ��كورا‪ ،‬يكفكفون دمعها‬ ‫وينهرون الشقي ويعينون املظلوم‪ ،‬ويفتحون قلوبهم‬ ‫وأوطانهم للصلح بني أبناء اليمن‪ .‬واحسرتاه على‬ ‫اليمن التي قيل فيها‪:‬‬ ‫دع رام� ��ة ال � ��وادي ودع سمراتها‬ ‫وات ��رك ب�ي��وت ّ‬ ‫الشعر ف��ي أبياتها‬ ‫اجل��ن��ان أم ��ا ت ��رى أنهارها‬ ‫ت�ل��ك ِ‬ ‫قد أعربت بالطيب من ثمراتها‬ ‫ب��رزت بها األغصان شبه عرائس‬ ‫نظمت ع �ق��ود ال��زه��ر ف��ي آياتها‬ ‫ف��ي ك��لّ ع��ود م��ن س��واج��ع طيرها‬ ‫ع��ود ي��ري��ك اللحن م��ن نغماتها‬ ‫أين ب� �ل��اد الرافدين! وإلى أي� � ��ن صار العراق‬ ‫اخلصيب األصيل؟ أين أش� � ��عار الغن� � ��اء ومواويل‬ ‫الليل اجلميل؟ أين النس� � ��يم العليل حتت َس � � � ْع ِف‬ ‫النخي� � ��ل؟ صار النس� � ��يم دخانا وغب� � ��ارا‪ ،‬وأصبح‬ ‫الغناء بكا ًء أو ش� � ��به عويل‪ .‬يا لهذه الذاكرة! التي‬ ‫ال تنسى دجلة وشواطيها بكل ما فيها من سعادة‬ ‫بأفراح لياليها‪:‬‬ ‫َ‬ ‫خَ‬ ‫َو ِر ْد َن � � � ��ا َم � ��ا َء ِد ْج � �ل � �ة � � ْي� � َر م ��اءٍ‬ ‫و ُز ْرن�� ��ا أش� � � َر َف ال �ش �ج � َر النخيال‬ ‫أدج� �ل ��ة إنّ ف ��ي ال��ع��ب��رات نُطقا‬ ‫�ح� � ِ ّ�ي� ��ر ف� ��ي ب�ل�اغ� �ت ��ه العقوال‬ ‫ُي� � َ‬ ‫مقال‬ ‫�إن َم � َن �ع��وا ل �س��ان��ي ع��ن‬ ‫ف� � ْ‬ ‫ٍ‬ ‫ف �م��ا م �ن �ع��وا ض �م �ي��ري أ�� يقوال‬ ‫خذي َس ْج َع ا َ‬ ‫�ام ف��ذاك ِش ْعر‬ ‫حل� َ�م� ِ‬ ‫ن� � �ظ� � �م� � �ن � ��اه ف�� ��رت� � �ل�� ��ه ه� ��دي �ل�ا‬ ‫أين تلك البالد! أم أين سورية دار أقدم مدينة‬ ‫في التاريخ‪« ،‬دمشق» التي قال فيها أمير الشعراء‪،‬‬ ‫وكأن التاري� � ��خ يعيد جراحاته� � ��ا التي حتدث عنها‬ ‫ّ‬ ‫أحمد شوقي‪:‬‬ ‫س� �ل ��ام م � ��ن ص� �ب���ا ب � � � � � َردى أرق‬ ‫ودم � � ��ع ال ي �ك �ف �ك��ف ي� ��ا دم� �ش ��قُ‬ ‫وب� ��ي مم ��ا َر َم� � � ْت � � ِ�ك ب ��ه الليالي‬ ‫ج��راح��ات ل�ه��ا ف��ي ال�ق�ل��ب ُع ْمقُ‬ ‫أحزان ذاكرة مخذولة‬

‫َ‬ ‫يبق لنا إال أن نق ّدم‬ ‫لم‬ ‫للحياة ما نراه معينا ال‬ ‫ينضب‪ ،‬يجذب إلينا‬ ‫من يختلف معنا‪ ،‬ويحببه‬ ‫لحياة ملؤها أدب‬ ‫وثقافة وفن‬

‫وق� �ي���ل م� �ع ��ال ��م ال� �ت���اري���خ دكّ � ��ت‬ ‫وح � � � ْ�رقُ‬ ‫وق� �ي ��ل أص ��اب� �ه ��ا َت � � َل� � ٌ�ف َ‬ ‫ب � �ل � �ي� � ٍ�ل ل � �ل � �ق� ��ذائ� � ِ�ف وامل � �ن� ��اي� ��ا‬ ‫وص � ْ�ع ��قُ‬ ‫وراء س �م��ائ��ه خَ � � ْ‬ ‫�ط� � ٌ�ف َ‬ ‫ب� �ل ��اد م � � ��ات ف� �ت� �ي� �ت� �ه ��ا لتحيا‬ ‫وزال� � � ��وا دون ق��وم��ه��م ِل َي ْبقوا‬ ‫ول��ل ��أوط� � ��ان ف � ��ي دم ك� � ��لّ ح�� ّ�ر‬ ‫َحقُ‬ ‫ي� � ٌ�د َس� � َل� � َف ��ت و َد ْي� � � � ٌ�ن ُم ْست َ‬ ‫ولع� � ��ل بارقة أم� � ��ل في أن ينبثق ن� � ��ور ويتفجر‬ ‫نهر من العط� � ��اء‪ ،‬فيطهر األرض والهواء‪ ،‬من بُقَع‬ ‫الدم� � ��اء والغيوم الس� � ��وداء‪ ،‬التي حجبت ش� � ��مس‬ ‫احلرية وزُرقة السماء‪ .‬هنالك‪ ،‬في السماء‪ ،‬تُرفع‬ ‫األرواح وتردد‪ :‬يَا لَيْتَن� � ��ي َق َّد ْم ُت لحِ َ َياتي‪ ...‬وبني‬ ‫نقدم للحياة ما نراه‬ ‫ه� � ��ذا وذاك‪ ،‬لم يب َق لنا إال أن ّ‬ ‫معين� � ��ا ال ينضب‪ ،‬يجذب إلينا م� � ��ن يختلف معنا‪،‬‬ ‫ويحببه حلي� � ��اة ملؤها أدب وثقاف� � ��ة وفن‪ .‬وليس‬ ‫من بداية ننتهجها في هذا الس� � ��بيل سوى التركيز‬ ‫على وس� � ��ائل اإلعالم‪ ،‬وبخاصة وسائل التواصل‬ ‫االجتماعي‪ ،‬إلبراز الدور الفاعل ملس� � ��يرة الدولة‬ ‫واإلنسان >‬ ‫‪11‬‬


‫جمـال العـربية‬

‫تنويـ ـ ـ ــه‬

‫ذكرنا في كلمة الوداع للراحل الكبير فاروق شوش� � ��ة ومهرتها «العربي» بتوقيعها في شهر نوفمبر‬ ‫املاضي‪ ،‬أن مقالته حول مهيار الديلمي هي آخر ما ّ‬ ‫خطه قلمه الش� � ��اعري‪ ،‬ولكننا لم ندرك ما يحمله‬ ‫لنا البريد من عطاء متدفق‪ ،‬فقد جاء حام ً‬ ‫ال مقالة جديدة ملن غربت شمسه‪ ،‬يستعيد بها ذكريات عن‬ ‫الس � � � ّياب والبياتي‪ ،‬وكأن آخر ما المس� � ��ه قلم شوشة هو وحشة املوت التي طوت صفحة البياتي‪ ،‬ومع‬ ‫انطوائها تنطوي أيضاً صفحة فاروق شوشة‪ ...‬ميوت الشعراء ويبقى الشعر‪.‬‬ ‫«العربي»‬

‫البياتي وقمر شيراز‬ ‫فاروق شوشة‬ ‫طغى حبي لش�� ��عر السياب على حبي لشعر مجايليه‬ ‫جمي ًع�� ��ا ف�� ��ي العراق‪ ،‬وف�� ��ي مقدمته�� ��م ن�� ��ازك املالئكة‬ ‫وعبدالوهاب البياتي‪ .‬رمبا كان للصحبة اجلميلة‪ /‬املريرة‬ ‫معه في عامه األخير‪ ،‬راق ًدا على سرير ضيق باملستشفى‬ ‫األميري في الكويت‪ ،‬ومتابعتي ل ُذبالة حياته األخيرة وهي‬ ‫تنطف�� ��ئ يو ًما بعد يوم‪ ،‬وإلصراره على اإلبداع الش�� ��عري‬ ‫ال�� ��ذي نتخاطفه منه كل صباح ف�� ��ي زياراتنا اليومية له‪،‬‬ ‫وقد أماله على ممرضته‪ ،‬فاختلطت الكلمات واألخطاء‪.‬‬ ‫رمبا كان لهذه الصحبة التي عاش�� ��ها معي علي الس�� ��بتي‬ ‫وناجي علوش تأثيرها في اكتش�� ��اف عوالم هذا الشاعر‬ ‫الف ّذ‪ ،‬ومعايش�� ��ة قصائده عن قرب‪ ،‬وتأمل رحلة العذاب‬ ‫التي عاش�� ��ها متنقلاً بني بيروت و َدر ْم والكويت‪ ،‬والتعرف‬ ‫على أسرار لغته ومعمار قصائده‪ ،‬حيث تقبع كالسيكيته‬ ‫الباذخ�� ��ة‪ ،‬تتقد في أبهاء قصيدة الش�� ��عر اجلديد‪ ،‬التي‬ ‫كان�� ��ت ما ت�� ��زال هش�� ��ة تتحس�� ��س طريقها‪ ،‬وتن�� ��زع إلى‬ ‫العصرية ولغة الطريق التي تر َّفع عنها الس�� ��ياب‪ ،‬ليشيد‬ ‫هذا النموذج الفذ لقصيدة الشعر احلر‪ ،‬الشعر اجلديد‪،‬‬ ‫�يكي في الشعر العربي‪ ،‬و ُمشع ً‬ ‫ال‬ ‫متح ِّد ًيا النَّفس الكالس�� � ّ‬ ‫ناره املقدسة في قصائده املدهشة‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫أج�� ��ل‪ ،‬كان ش�� ��عر الس�� ��ياب يباعد بيني وبني ش�� ��عر‬ ‫البياتي الذي كانت قصائد دواوينه األولى تضج بالنقمة‬ ‫والش�� ��تائم والهجائيات‪ ،‬وكأنها محرقة أش�� ��علها في كل‬ ‫الكون م�� ��ن حوله‪ ،‬لعله يفتح لوجود جديد بوابة تقتحمها‬ ‫الش�� ��مس ويسكنها ربيع هارب من ش�� ��باك املنفى‪ .‬وحني‬ ‫فتحت عيني ذات يوم على قصيدته أغنية زرقاء لفيروز‪،‬‬ ‫أدركت كم ظلمته وكنت بعي ًدا عن وجدانه احلقيقي وعن‬ ‫جوهره‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬ ‫للشمس‬ ‫الزرقاء‬ ‫افتحي النافذة‬ ‫ِ‬ ‫فأحلى أغني َة‬ ‫في حكايات بالدي‬ ‫خضبت وهي جتوب األودية‬ ‫ّ‬ ‫بدم البلبل أوتار املغني‬ ‫يا عبير األودية‬ ‫في ربيع األغنية‬ ‫افتحي للشمس بوابة سجني‬ ‫ليرى العالم جرحي‬ ‫صامتا‪ ،‬كالليل‪ ،‬في صحراء ملح‬ ‫ليرى العالم شعبي‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫البياتي وقمر شيراز‬

‫‪13‬‬


‫صامدا في وجه أعداء احلياة‬ ‫ً‬ ‫رائعا كاألغنيات‬ ‫ً‬ ‫اً‬ ‫حامل‪ ،‬كاألرض‪ ،‬في أحشائه‪ ،‬بذرة خصب‬ ‫ُم اً‬ ‫ثقل بالورد واألشعار في ليلة حب‬ ‫إنه أغنيتي األولى وزادي وصباحي‬ ‫الكفاح‬ ‫وعزائي في‬ ‫ِ‬ ‫السالح‬ ‫في‬ ‫ورفيقي‬ ‫ِ‬ ‫إنه شعبي فحسبي‬ ‫يا عبير األودية‬ ‫في ربيع األغنية‬ ‫افتحي للبلبل‬ ‫اجلبل‬ ‫في طريق‬ ‫ِ‬ ‫األغنيات‬ ‫ك ّوة في‬ ‫ِ‬ ‫ليرى العالم منها صرخاتي‬ ‫***‬ ‫الكلمات‬ ‫إنها رحلتنا في عالم اإلنسان عبر‬ ‫ِ‬ ‫للحياة‬ ‫فافتحي الكوة للشمس‪ ،‬وغنِّي‬ ‫ِ‬ ‫قلت لنفس�� ��ي‪ :‬أين هذا الش�� ��عر الرائق الصافي من‬ ‫قوله عن املخبر؟‪:‬‬ ‫السيد البرميل‬ ‫قفاه بطنه‪ ،‬وبطنه قفاه‪ِ ،‬ذرب اللسان‬ ‫يحفظ شعر املتنبي‪ ،‬ويقول الشعر أحيانا بال أوزان‬ ‫لكنه يخطئ في اإلمالء واإلعراب‬ ‫يلقط في عيونه احلروف واخلطوط واألرقام‬ ‫يحص ��ي نق ��ود العابري ��ن‪ ،‬وه ��ي ف ��ي جيوبه ��م تنقص أو‬ ‫تزداد‬ ‫يعيد ما يقوله أو قاله اإلمام‬ ‫في خطبة اجلمعة أو في مأمت يقام‬ ‫يتقن فن الكذب والتزوير في األحكام‬ ‫***‬ ‫ث�� ��م كانت أيام‪ ،‬وانهمر تاريخ‪ .‬حني وجدت أنفاس�� ��ي‬ ‫الهث�� ��ة حتاول اللحاق بالبياتي ف�� ��ي مرحلة نافذة العمق‪،‬‬ ‫مكتملة البهاء‪ ،‬مر ّوية بالشاعرية املتدفقة وهو يعانق أفق‬ ‫ش�� ��يراز‪ .‬وكأمنا قمر هذه املدينة أعاد تش�� ��كيله ونبضه‬ ‫وانطالقات خياله وجتس�� ��يد حلمه‪ .‬وكأمنا يؤكد البياتي‬ ‫أن لكل ش�� ��اعر ش�� ��يرازه‪ ،‬وأنه ‪ -‬على عتبات ش�� ��يرازه ‪-‬‬ ‫قد هدأ واس�� ��تقر وباح وغنَّى وتهيأ ليوم الرحيل‪ ،‬والقمر‬ ‫الشيرازي األخضر يفتنه ويش� � � ّ ُده ويحاوره‪ ،‬فهنا الوطن‬ ‫‪14‬‬

‫الذي يعبده‪ ،‬وهنا يتمنى اإلقامة واملوت‪.‬‬ ‫يقول البياتي في قصيدته الفاتنة‪« :‬قمر شيراز»‪:‬‬ ‫‪-1‬‬‫أج ��رح قلبي‪ ،‬أس ��قي من دمه ش ��عري‪ ،‬تتأل ��ق جوهرة‬ ‫ف ��ي قاع النهر اإلنس ��اني‪ ،‬تطير فراش ��ات ُحم � ٌ�ر‪ ،‬تولد من‬ ‫قمرا ش ��يراز ًّيا في س ��نبلة من ذهب‬ ‫ش ��عري‪ ،‬امرأة حاملة ً‬ ‫مضف ��ورا‪ ،‬يتوه ��ج في عينيها عس ��ل الغاب ��ات وحزن النار‬ ‫شمسا نائمة‬ ‫األبدية‪ ،‬تنبت أجنحة في الليل لها‪ ،‬لتوقظ ً‬ ‫ف ��ي ح ّبات الع ��رق املتأللئ‪ ،‬فوق جبني العاش ��ق‪ ،‬في حزن‬ ‫األلوان املخبوءة في اللوحات‪ :‬امرأة حاملة قمرا شيرازيا‪،‬‬ ‫ف ��ي الليل تطي ��ر‪ ،‬حتاصر نومي‪ ،‬جترح قلبي‪ ،‬تس ��قي من‬ ‫دمه ش ��عري‪ ،‬أتعبد فيها‪ :‬ف ��أرى مدنًا غارقة في قاع النهر‬ ‫النابع من عينيها‪ ،‬يتوهج سحر‬ ‫عسلي يقتل من يدنو‪ ،‬أو‬ ‫ٌّ‬ ‫ضد التيار‪ .‬أرى كل نساء العالم في واحدة‬ ‫يرنو‪ ،‬أو يسبح ّ‬ ‫تولد من ِش ��عري‪ ،‬أمتلّكها أسكن فيها‪ ،‬أعبدها‪ ،‬أصرخ في‬ ‫يتكس � ُ�ر ف ��وق األلوان املخبوءة‬ ‫وج ��ه الليل‪ ،‬ولكن جناحي ّ‬ ‫في اللوحات‪.‬‬ ‫‪-2‬‬‫مجنونًا بالنهر النابع من عينيها‬ ‫الناري املتوهج في نهر النار‬ ‫بالعسل‬ ‫ّ‬ ‫ضد التيار‪.‬‬ ‫أسبح ّ‬ ‫‪-3-‬‬

‫أكتب تاريخ األنهار‬ ‫الذهبي األشجار‬ ‫وبالنهر‬ ‫احلب‬ ‫أبدؤه‬ ‫بطيور ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫بدمي يغتسل العشاق‬ ‫وبشعري يبني الغرباء‬ ‫في املنفى «شيراز»‬

‫‪-4-‬‬

‫‪-5-‬‬

‫أمتلكها‪ ،‬أسكن فيها‬ ‫أعبدها‬ ‫ُ‬ ‫أرسم في ريشتها مدنًا فاضلة يتعبد فيها‬ ‫الشعراء‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫‪-6‬‬‫مجنونًا بالنهر النابع من عين ْيها‬ ‫بالسيل اجلامح والفيضان‬ ‫باللهب املفترس اجلوعان‬ ‫ِ‬ ‫أسبح من غير وصول للشاطئ‪ ،‬أغرقُ سكران‬ ‫‪-7‬‬‫«أف ��رد أجنحت ��ي وأطي ��ر إليها ف ��ي منتصف اللي ��ل‪ ،‬أراها‬ ‫�يرازي األخضر ف ��وق البوابات‬ ‫نائم ��ة حتلم بالقم ��ر الش � ّ‬ ‫احلجري ��ة يبك ��ي‪ ،‬يتدل � ّ�ى م ��ن أغص ��ان حديقته ��ا ويظل‬ ‫وحيدا يتعبد فيها‪ ،‬ما كان يكون‪ .‬حياتي كانت في األرض‬ ‫ً‬ ‫غيا ًبا وحضو ًرا متلؤه الوحش ��ة والترحال وأش ��باح املوتى‪.‬‬ ‫كون ��ي أيته ��ا ال ُـمش ��ربة الوجن ��ة بالت ��وت األحم ��ر والورد‬ ‫اجلبل � ّ�ي األبيض‪ ،‬زادي في هذه الرحلة‪ .‬كوني آخر منفى‬ ‫وطن‪ ،‬أعبد ُه‪ ،‬أسكن فيه وأموت»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫‪-8‬‬‫قولي للحب «نعم» أو قولي «ال»‬ ‫‪-9‬‬‫قولي‪ :‬ارحل‪ ،‬فسأرحل في احلال‬ ‫قولي «أهواك»‬ ‫أو قولي «ال أهواك»‬ ‫‪-10‬‬‫عيناك‬ ‫ذهب‬ ‫ِ‬ ‫قنديال ٍ‬ ‫ويداك شراعان‬ ‫ِ‬ ‫‪-11‬‬‫أخفي فاجعة حتت قناع الكلمات‪ ،‬أقول جلرحي «ال تبرأ»‪،‬‬ ‫وحلزني «ال تبرد» وأقول «اغتسلوا بدمي» للعشاق‪.‬‬ ‫‪-12‬‬‫الرح ��ل في‬ ‫«تلته ��م الن ��ار الن ��ا َر وتخب ��و أح ��زان العش ��اق ّ‬ ‫صح ��راء احل ��ب وتبقى «ش ��يراز»‪ ،‬ونبقى نرح ��ل في الليل‬ ‫إليه ��ا محترق�ي�ن بنار احل ��زن األبدية‪ ،‬تنب ��ت أجنحة في‬ ‫الفج ��ر لن ��ا‪ ،‬فنطي � ُ�ر‪ ،‬ولك ّن ��ا قب ��ل وص ��ول الرك ��ب إليه ��ا‪،‬‬ ‫نتملّكها‪ ،‬نسكن فيها‪ ،‬ونعود»‪.‬‬ ‫‪-13‬‬‫وجدون ��ي عند ينابيع النور قتيال‪ ،‬وفمي بالتوت «األحمر‬ ‫البياتي وقمر شيراز‬

‫وال ��ورد اجلبلي األبيض مصبوغا‪ ،‬وجناحي مغروس ��ا في‬ ‫النور»‪.‬‬ ‫هذه هي شيراز في ُعمق شاعرية البياتي‪ ،‬وهذا هو‬ ‫البياتي شهيد الرحلة إلى «شيراز»‪ ،‬املدينة األبدية‪ ،‬التي‬ ‫نبحث عنها ‪ ،‬ونستش�� ��هد عند بابها‪ ،‬ويظل احللم يسكن‬ ‫الشعراء من بعده‪ ،‬ويغويهم مبدينة احللم «شيراز»‪.‬‬ ‫ف�� ��ي فضاء عال�� ��م هذه الش�� ��اعرية الرحب�� ��ة‪ ،‬وهذا‬ ‫الصوفي املتوهج‪ ،‬وهذه الس�� ��كينة التي تس�� ��بق‬ ‫الوج�� ��د‬ ‫ّ‬ ‫الرحيل واالستش�� ��هاد‪ ،‬تتجل�� ��ى جماليات ش�� ��عر البياتي‬ ‫ف�� ��ي أوج تألقه وش�� ��موخه‪ ،‬لم يرحل ش�� ��اعر عربي مثله‪،‬‬ ‫ف�� ��ي الزمان واملكان‪ .‬ول�� ��م تكتحل عينا ش�� ��اعر عربي ‪-‬‬ ‫كما اكتحل�� ��ت عيناه ‪ -‬بالعواصم وامل�� ��دن واألوطان‪ ،‬ولم‬ ‫يرتطم باألرصفة شاعر عربي مثله‪ ،‬عرف عذاب الغربة‬ ‫واملنفى‪ ،‬وذاق مرارة الوحش�� ��ة والتوح�� ��د‪ ،‬وتقلب في كل‬ ‫األجواء وك ّل األحوال‪ ،‬صان ًعا من الفريدة في تخوم الكون‬ ‫معادلاً حلياته اإلنسانية البائسة الفقيرة‪ ،‬وثرا ًء لوجدانه‬ ‫املفعم بالتجارب واخلب�� ��رات‪ ،‬واملقامات واألحوال‪ ،‬يتب َّدد‬ ‫حي ًن�� ��ا ويتجمع حينًا آخر‪ ،‬وينفتح مرة وينغلق أخرى‪ ،‬لكن‬ ‫صاحبه يرى ما ال نراه‪ ،‬ويتكشف له من حقائق احلياة ما‬ ‫ال يتكشف لنا‪ ،‬ويتاح له من فيض البؤس والنعيم ‪ -‬م ًعا ‪-‬‬ ‫ما لم نذقه نحن‪ ،‬وال حلمنا به على هذه الصورة املتفردة‬ ‫البديعة‪ .‬هذا األفق «الشيرازي» في شعر البياتي يضيف‬ ‫لش�� ��عره من الفتوح�� ��ات والتجليات ما لم يت�� ��ح لغيره من‬ ‫مجايليه‪ ،‬وهو أفق متحقق باالكتمال‪ :‬في العمر واخلبرة‬ ‫والعرفان‪ ،‬ومنفتح على تطلعات هذه الفرش�� ��اة الشعرية‬ ‫النّهمة‪ ،‬ترس�� ��م وتص ّور وتل ّون‪ ،‬وتضفي على رؤاها ش�� ��ي ًئا‬ ‫ً‬ ‫وبعضا من أقباس نورانية يضيء‬ ‫م�� ��ن جاذبية ما ال يُرى‪،‬‬ ‫بها شعره‪.‬‬ ‫من هنا‪ ،‬ميكنن� � ��ا أن نتفهم كيمياء املقطع الذي‬ ‫اس� � ��توقف البياتي من ش� � ��عر ناظم حكمت‪ ،‬فجعله‬ ‫مفتتحا لديوانه «قمر شيراز»‪:‬‬ ‫ً‬ ‫إني أستنشق الهواء العذب اخلارج من فمك‬ ‫وأتأمل كل يوم في جمالك‬ ‫وأمنيتي هي أن أسمع صوتك احلبيب‬ ‫الذي يشبه حفيف ريح الشمال‬ ‫إن احلب سيعيد الشباب إلى أطرافي‬ ‫أعطني يدك التي تمُ سك بروحك‬ ‫وسوف أحتضنها وأعيش بها‬ ‫نادني باسمي مرة أخرى وإلى األبد‬ ‫‪15‬‬


‫أبدا بال إجابة عنه‬ ‫لن يصدر نداؤك ً‬ ‫(صلوات وجدت مكتوب�� ��ة على لوح ذهبي حتت قدم‬ ‫مومياء‪ ،‬وقد أزيل اسم كاتبها)‪.‬‬ ‫وقال لي‪:‬‬ ‫إنك ستحترق بنار صوتك‬ ‫وستغدو رمادا‬ ‫مثل كرمي‬ ‫الذي احترق بحبه‬ ‫(من قصيدة «مثل كرمي» لناظم حكمت)‬ ‫وفي واحدة من قصائد ديوانه «قمر شيراز» عنوانها‪:‬‬ ‫«أولد وأحترق بحبي»‪ ،‬يقول البياتي‪:‬‬ ‫‪-1‬‬‫تس ��تيقظ «الرا» ف ��ي ذاكرت ��ي‪ًّ :‬‬ ‫قطا تتر ًّي ��ا‪ ،‬يتربص بي‪،‬‬ ‫يتمط ��ى‪ ،‬يتث ��اءب‪ ،‬يخدش وجهي احملم ��وم ويحرمني النوم‪.‬‬ ‫أراه ��ا ف ��ي قاع جحيم امل ��دن القطبي ��ة تش ��نقني بضفائرها‪،‬‬ ‫وتعلّقن ��ي مث ��ل األرن ��ب ف ��وق احلائ ��ط مش ��دو ًدا ف ��ي خي ��ط‬ ‫دموع ��ي‪ .‬أص ��رخ‪« :‬الرا»‪ ،‬أع ��دو خل ��ف الريح وخل ��ف قطارات‬ ‫الليل وأسأل عاملة املقهى‪ ،‬ال يدري أحد‪ ،‬أمضي حتت الثلج‬ ‫وحيدا‪ ،‬أبكي حبي العاثر في كلّ مقاهي العالم واحلانات‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪-2‬‬‫في لوحات «اللوفر» واأليقونات‬ ‫في أحزان عيون امللكات‬ ‫في سحر املعبودات‬ ‫كان ��ت «الرا» تثوى حتت قناع املوت الذهبي‪ ،‬وحتت ش ��عاع‬ ‫النور الغ ��ارق في اللوحات تدعون ��ي‪ ،‬فأقرب وجهي منها‪،‬‬ ‫يدا متت � ّ�د‪ ،‬فتمس ��ح كلّ اللوحات أو‬ ‫محموم ��ا أبك ��ي لكن ً‬ ‫ً‬ ‫تغطي كل األيقونات‬ ‫نور لنهار مات‬ ‫الذهبي‬ ‫تاركة فوق قناع املوت‬ ‫ً‬ ‫بصيصا من ٍ‬ ‫ّ‬ ‫‪-3-‬‬

‫«الرا» رحلت‬ ‫«الرا» انتحرت‬ ‫قال البواب وقالت جارتها‪ ،‬وانخرطت ببكاء حار‬ ‫قالت أخرى‪ :‬ال يدري أحد‪ ،‬حتى الشيطان‬ ‫‪-4‬‬‫أرمي قنبلة حتت قطار الليل املش ��حون بأوراق خريف في‬ ‫‪16‬‬

‫أتلمس دربي في أوحال حقول‬ ‫ذاكرتي‪ ،‬أزحف بني املوتى‪ّ ،‬‬ ‫ل ��م حترث‪ ،‬أس ��تنجد باحلرس الليلي ألوق ��ف في ذاكرتي‬ ‫هذا احلب املفترس األعمى‪ ،‬هذا النور األس ��ود‪ ،‬محموما‬ ‫أبكي حتت املطر املتس ��اقط‪ ،‬أطلق في الفجر على نفسي‬ ‫النار‪.‬‬ ‫‪-5-‬‬

‫منف ًّيا في ذاكرتي‬ ‫محبوسا في الكلمات‬ ‫ً‬ ‫أشرد حتت األمطار‬ ‫أصرخ‪« :‬الرا»‬ ‫فتجيب الريح املذعورة‪« :‬الرا»‬

‫‪-6-‬‬

‫في قصر احلمراء‬ ‫في غرفات حرمي امللك الشقراوات‬ ‫أسمع عودا شرقيا‪ ،‬وبكا َء غزال‬ ‫أدن ��و مبه ��ورا من هاالت احل ��رف العرب � ّ�ي املضفور بآالف‬ ‫األزهار‬ ‫أسمع آهات‬ ‫الوهاج‬ ‫كانت «الرا» حتت األقمار السبعة والنور ّ‬ ‫محموما أبكي‪،‬‬ ‫تدعوني فأق ّرب وجهي منها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫متتد‪ ،‬فتقذفني في بئر الظلمات‬ ‫ّ‬ ‫لكن يدي ّ‬ ‫تاركة فوق السجادة قيثاري‬ ‫لنهار مات!‬ ‫نور ٍ‬ ‫وبصيصا من ٍ‬ ‫‪-7-‬‬

‫«لم تترك عنوانا»‬ ‫قال مدير املسرح وهو ُّ‬ ‫ميط الكلمات‬ ‫‪-8‬‬‫تسقط في غابات البحر األسود أوراق األشجار‬ ‫تنطفئ األضواء ويرحتل العشاق‬ ‫وأظلّ أنا وحدي‪ ،‬أبحث عنها‪ ،‬محموما أبكي حتت األمطار‪.‬‬ ‫‪-9-‬‬

‫أصرخُ ‪« :‬الرا»‬ ‫فتجيب الريح املذعورة‪« :‬الرا» في‬ ‫كوخ الصياد‪.‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫‪- 10 -‬‬

‫أرسم صورتها فوق الثلج‬ ‫فيشتعل اللون األخضر في عينيها‬ ‫الكرزي‬ ‫والعسلي الداكن‪ ،‬يدنو فمها‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫أبدي‪،‬‬ ‫الدافئُ من وجهي‪ ،‬تلتحم األدبي‬ ‫بعناق ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫متتد‪ ،‬فتمسح صورتها‪،‬‬ ‫لكن ً‬ ‫يدا ُّ‬ ‫تاركة فوق اللون املقتول بصيصا‬ ‫نور لنهار مات‬ ‫من ٍ‬ ‫‪-11‬‬‫شمس حياتي غابت‪ .‬ال يدري أحد‪.‬‬ ‫أحد‬ ‫احلب وجود أعمى ووحيد‪ .‬ما من ٍ‬ ‫أحدا‪ ،‬الكلّ وحيد‪.‬‬ ‫يعرف في هذا املنفى ً‬ ‫حجر في هذا املنفى ‪-‬‬ ‫قلب العالم من ٍ‬ ‫امللكوت‪.‬‬ ‫ونختت�� ��م ه�� ��ذه الرحلة الش�� ��عرية الثرية م�� ��ع ديوان‬ ‫عبدالوه�� ��اب البياتي «قمر ش�� ��يراز» ال�� ��ذي ميثل واحدة‬ ‫من ذرى شاعريته وقممها الش�� ��امخة املتعددة‪ ،‬لكنه بني‬ ‫�رمدي ال يغيب‪ ،‬نختتمها‬ ‫ك ّل هذه القمم ينفرد بضوءٍ س�� �‬ ‫ٍّ‬ ‫بقصيدة عنوانها «املوت والقنديل» يقول فيها‪:‬‬ ‫‪-1‬‬‫صيحات ��ك كان ��ت ف ��أس احلط ��اب املوغل ف ��ي غابات‬ ‫اللغ ��ة العذراء‪ ،‬وكان ��ت َم ِلكً ا أس ��طور ًّيا‪ .‬يحكم في مملكة‬ ‫العق ��ل الباط ��ن واألصق ��اع الوثني ��ة‪ ،‬حي ��ث املوس ��يقى‬ ‫والس ��حر األس ��ود واجلن ��س‪ ،‬وحيث الث ��ورة وامل ��وت‪ .‬قناع‬ ‫املل ��ك األس ��طوري املمتقع الوجه وراء زج ��اج نوافذ قصر‬ ‫الصي ��ف‪ ،‬وكان ��ت عربات احلرب اآلش ��ورية حت ��ت األبراج‬ ‫احملروقة‪ ،‬كان ��ت صيحاتك صوت نبي يبكي حتت األبراج‬ ‫املهدومة شع ًبا ُمستل ًبا مهزوما‪ ،‬كانت ً‬ ‫برقا أحمر في مدن‬ ‫العش ��ق أض ��اء متاثيل الر ّبات وقاع اآلب ��ار املهجورة‪ .‬كانت‬ ‫صيحات ��ك صيحاتي وأنا أتس ��لق أس ��وار امل ��دن األرضية‪،‬‬ ‫أرح ��ل حت ��ت الثلج‪ ،‬أواصل موت ��ى في األصق ��اع الوثنية‪،‬‬ ‫حيث املوسيقى والثورة واحلب‪.‬‬ ‫‪-2-‬‬

‫لغة األسطورة‬ ‫تسكن في فأس احلطاب املوغل في غابات اللغة العذراء‬ ‫البياتي وقمر شيراز‬

‫األسطوري احلطاب؟‬ ‫فلماذا رحل امللك‬ ‫ّ‬ ‫‪-3-‬‬

‫مات ُمغنّي األزهار البرية‬ ‫مات مغني النار‬ ‫مات مغني عربات احلرب اآلشورية حتت األسوار‪.‬‬ ‫‪-4-‬‬

‫صيحاتك كانت صيحاتي‬ ‫فلماذا نتبارى في هذا املضمار؟‬ ‫فسباق البشر الفانني‪ ،‬هنا‪ ،‬أتعبني‬ ‫وصراع األقدار‬ ‫‪-5‬‬‫كان الروم أمام‪ ،‬وسوى الروم ورائي‪ ،‬وأنا كنت‬ ‫منتحرا حتت الثلج‪ ،‬وقبل أفول‬ ‫أميل على سيفي‬ ‫ً‬ ‫النجم القطبي وراء األبراج‬ ‫فلماذا سيف الدولة ولّى األدبار؟‬ ‫(ف ��ي ه ��ذا املقط ��ع تضمني من ق ��ول املتنبي ميدح س ��يف‬ ‫الدولة احلمداني‪:‬‬ ‫روم‬ ‫وسوى الروم خلف ظهرك ٌ‬ ‫أي جانب ْي َك ُ‬ ‫متيل؟)‬ ‫فعلى ّ‬ ‫‪-6‬‬‫ري سماء الصحراء‬ ‫عار ُع َ‬ ‫ها أنذا ٍ‬ ‫غجري‬ ‫حصان‬ ‫حزين حزن‬ ‫ٍ‬ ‫ًّ‬ ‫مسكونٌ بالنار‬ ‫وطني املنفي‬ ‫منفاي الكلمات‬ ‫َ‬

‫‪-7-‬‬

‫‪-8-‬‬

‫صار وجودي شكل‬ ‫والشكل وجو ًدا في اللغة العذراء!‬ ‫املنفي‪ ،‬يعانق‬ ‫ويبقى صوت البياتي‪ ،‬ش�� ��اعر الع�� ��راق‬ ‫ّ‬ ‫في ج�� ��واره صوت «اجلواهري» ش�� ��اعر الع�� ��راق األكبر‪،‬‬ ‫يضمهما م ًعا ثرى «دمش�� ��ق» وعبق العروبة اجلريحة في‬ ‫عصر الشتات >‬ ‫‪17‬‬


‫أوراق أدبية‬

‫في ذكرى طه حسين‬ ‫د‪ .‬جابر عصفور‬ ‫تقوم «الحرية» في فكر طه حس���ين مقام األص���ل الذي تتفرع عنه كل‬ ‫ما يكمل عناصر هذا الفكر‪ .‬وس���واء كنا نتحدث عن النزعة اإلنسانية أو‬ ‫التطلع إلى المستقبل أو العدالة المعرفية – بوصفها مرادفة للعدالة‬ ‫االجتماعية أو متفرعة عنها ‪ -‬فإننا نتحدث عن مرادفات للحرية أو لوازم‬ ‫لها‪ ،‬فقد ظل طه حسين مؤمنا بأن الحرية هي أصل الوجود والطاقة‬ ‫الخالق���ة الت���ي ينط���وي عليه���ا اإلنس���ان‪ ،‬كي يتج���اوز ش���روط الضرورة‪،‬‬ ‫ويص���ل إلى أعل���ى آفاق الحري���ة‪ ،‬مؤكداً حض���وره الفاعل ف���ي الوجود‪،‬‬ ‫ومقاوم��� ًا ما يحول بين هذا الحض���ور واكتماله في هذا الكون‪ .‬ويعني‬ ‫هذا عند طه حس���ين تصور اإلنسان بوصفه الكائن الذي يقاوم شروط‬ ‫الض���رورة‪ ،‬فيصن���ع التاريخ على عينيه‪ ،‬مجدداً باس���تمرار آف���اق النظر إلى‬ ‫الحضور الحي لإلنسان‪.‬‬

‫وليست احلرية – عند طه حسني ‪ -‬منفصلة‬ ‫عن العقالنية بوصفها أداة للمعرفة وأسلوباً في‬ ‫التفكير وطريقة ف� � ��ي إدراك العالم والكون على‬ ‫السواء‪ .‬والعقالنية هي الوجه اآلخر من احلرية‬ ‫والزمة من لوازمها‪ ،‬ف� � ��إذا كانت احلرية مرادفة‬ ‫للمس� � ��ؤولية‪ ،‬وأساس � � �اً منطقياً لها‪ ،‬فإن احلرية‬ ‫هي أساس الفعل اخلالق لإلنسان‪ .‬أعني الفعل‬ ‫ال� � ��ذي يترتب عليه وعي اإلنس� � ��ان بوجوده احلر‬ ‫الفاعل في الوجود من ناحية‪ ،‬ومبس� � ��ؤوليته عن‬ ‫هذا الفعل ونتائجه م� � ��ن ناحية أخرى‪ .‬واإلميان‬ ‫باحلرية هو اإلميان بالعقالنية من هذا املنظور‪.‬‬ ‫فاألصل في الفعل احلر هو العقل‪ .‬والفعل احلر‬ ‫هو ما يقترن باملس� � ��ؤولية الوجودي� � ��ة من ناحية‪،‬‬ ‫واألس� � ��اس املنطق� � ��ي للفع� � ��ل االجتماع� � ��ي الذي‬ ‫‪18‬‬

‫هو التجس� � ��يد املادي للوع� � ��ي باحلرية من ناحية‬ ‫أخرى‪ .‬ولذل� � ��ك ارتبط مفهوم احلرية بالعقالنية‬ ‫دائما‪ ،‬سواء من املنظور السياسي الليبرالي الذي‬ ‫يجع� � ��ل من الفرد مركزاً للوج� � ��ود‪ ،‬أو من املنظور‬ ‫الفلس� � ��في الذي يؤكد حض� � ��ور الفرد احلر؛ بدءاً‬ ‫من الكوچيتو الديكارتي (نس� � ��بة إلى الفيلسوف‬ ‫دي� � ��كارت ‪ )1650 - 1596‬الذي يرد وعي الوجود‬ ‫إلى وعي الفرد احلر الذي يعرف أنه موجود ألنه‬ ‫يفكر‪ ،‬وموجود لك� � ��ي يفعل‪ ،‬وينقل ما ميليه عليه‬ ‫عقله‪ ،‬أو يتس� � ��ق معه‪ ،‬أو يك� � ��ون مبرراً للقيام به‪،‬‬ ‫فذلك وحده هو ما يجعل احلرية مسؤولية‪ .‬وهو‬ ‫ما ينزل بهذه املس� � ��ؤولية إلى مدى الفعل املعرفي‬ ‫واالجتماعي والثقافي في آن‪ ،‬وذلك في س� � ��ياق‬ ‫الوج� � ��ود الفاعل للمثقف الذي ينطوي فكره على‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫في ذكرى طه حسني‬

‫‪19‬‬


‫عنصري احلرية والعقالنية معا‪ .‬وهما عنصران‬ ‫يقودان – في تفاعلهما اخلالق في وعي املثقف‬ ‫ إلى اإلميان بقدرته على مساءلته كل األشياء‪،‬‬‫والش� � ��ك حتى في وجودها‪ ،‬بعي� � ��داً عن أي وازع‬ ‫دين� � ��ي أو رادع اجتماعي‪ .‬وظني أن طه حس� �ي��ن‬ ‫عندما ق� � ��رأ ديكارت وجد فيه أصداء مما عرفه‬ ‫عن مذاهب الش� � ��ك في الفكر االعتزالي القدمي‬ ‫عند الع� � ��رب وما أدرك� � ��ه من أن الش� � ��ك عالمة‬ ‫العافي� � ��ة‪ ،‬وأنه ليس ثمة يقني إال إذا س� � ��بقه نوع‬ ‫من الش� � ��ك‪ .‬هكذا اختلط املوروث القدمي مبعناه‬ ‫اخلالق عند املعتزلة بالفكر الفرنس� � ��ي احلديث‬ ‫الذي يصل احلري� � ��ة بالعقالني� � ��ة‪ ،‬وذلك بالقدر‬ ‫الذي يصل كليهما مبعنى الشك في آن‪.‬‬

‫احلرية العقالنية‬

‫وم� � ��ن املؤكد أن من� � ��اخ احلرية الذي عاش� � ��ه‬ ‫طه حسني في فرنس� � ��ا‪ ،‬والذي رأى جتلياته في‬ ‫الدراس� � ��ات اإلنس� � ��انية‪ ،‬هو الذي جعله يعود إلى‬ ‫مصر بوعي جديد وبإدراك مختلف لتراثه‪ .‬أعني‬ ‫إدراكاً يج� � ��رؤ على أن يخال� � ��ف الثوابت واملعايير‬ ‫التي يحس� � ��بها اآلخرون ثوابت مقدس� � ��ة‪ .‬وهكذا‬ ‫يعاود طه حسني النظر في أوجه احلياة املصرية‬ ‫املختلفة من منظور احلرية العقالنية التي تنطوي‬ ‫على نزع� � ��ة إنس� � ��انية بالضرورة‪ .‬ه� � ��ذه النزعة‬ ‫العقالنية للحرية‪ ،‬مضفورة بالنزعة اإلنس� � ��انية‪،‬‬ ‫هي ما جعلت طه حسني – بعد عودته من فرنسا‬ ‫ منطوي � � �اً على ن� � ��وع من «الث� � ��ورة األبدية» التي‬‫حتدث عنها أحد أحفاد السيد أحمد عبداجلواد‬ ‫– في اجلزء األخير م� � ��ن الثالثية ‪ -‬عندما قال‪:‬‬ ‫«إني أؤمن باحلياة والناس‪ ،‬وأرى نفس� � ��ي ملزماً‬ ‫باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها احلق‪ ،‬إذ‬ ‫النكوص عن ذلك جنب وهروب‪ ،‬كما أرى نفس� � ��ي‬ ‫ملزماً بالثورة على مثلهم ما اعتقدت أنها باطلة‪،‬‬ ‫إذ النكوص عن ذلك خيانة‪ .‬وهذا هو معنى الثورة‬ ‫األبدية»‪ .‬ولذلك كان طه حسني يُ ِ‬ ‫خضع كل شيء‬ ‫حوله ملبدأ املس� � ��اءلة ف� � ��ي كل مجال من مجاالت‬ ‫احلي� � ��اة املصرية التي اس� � ��تقبلته بعد عودته من‬ ‫فرنسا في عام ‪.1919‬‬ ‫وعندم� � ��ا يعاود طه حس� �ي��ن النظر في تاريخ‬ ‫‪20‬‬

‫األدب العرب� � ��ي عل� � ��ى نحو ما اس� � ��تقرت صورته‬ ‫ف� � ��ي مذهب القدم� � ��اء الذي قرر أن� � ��ه ال مهادنة‬ ‫مع أفكاره� � ��م‪ ،‬وتعريتها مبا انط� � ��وى عليه وعيه‬ ‫اجلديد‪ ،‬فإنه يرفض هذه النظرة‪ ،‬ويستبدل بها‬ ‫نظرة جديدة‪.‬‬ ‫وتعتمد هذه النظ� � ��رة اجلديدة‪ ،‬على االلتزام‬ ‫مبجموعة من املبادئ األساس� � ��ية التي تعلمها في‬ ‫فرنس� � ��ا‪ ،‬أولها‪ :‬وحدة الظواهر األدبية بوصفها‬ ‫نتيجة تترتب على وحدة اإلنسانية كلها وخضوعها‬ ‫لقوان� �ي��ن صارم� � ��ة‪ .‬فقد أخذ طه حس� �ي��ن يؤمن‬ ‫بأن احلركة التاريخي� � ��ة ال تنقطع أبدا‪ ،‬واحلركة‬ ‫االجتماعية مس� � ��تمرة أبدا‪ ،‬وكلتاهما أشبه بنهر‬ ‫متج� � ��دد ال يكف عن التدفق‪ .‬ويصل طه حس� �ي��ن‬ ‫بني ما قاله «أوجس� � ��ت كونت» و«ابن خلدون» عن‬ ‫اخت� �ل��اف أحوال العالم واألمم وانتقالها من حال‬ ‫إلى حال؛ «فاجلماعات اإلنس� � ��انية تتغير وتتطور‬ ‫في نوع من اجلب� � ��ر التاريخي الذي يتجاوز إرادة‬ ‫الفرد‪ ،‬وأن كل جماعة من اجلماعات اإلنس� � ��انية‬ ‫نتيجة القوانني الكلية التي تنطبق عليها‪ ،‬تنطوي‬ ‫على ش� � ��يء ثابت ال يتغير‪ ،‬وه� � ��و أصل اجلماعة‬ ‫وأس� � ��اس نظامها‪ ،‬وشيئاً فش� � ��يئاً يتغير ويتحول‪،‬‬ ‫ففي اجلماعة عند أوجست كونت سكون وحركة‪،‬‬ ‫أو ثبات واس� � ��تحالة‪ ،‬فبفضل السكون أو الثبات‬ ‫حتف� � ��ظ اجلماعة وحدتها على اختالف األزمنة‪.‬‬ ‫وبفضل احلركة تتفق اجلماعة مع ما يطرأ عليها‬ ‫من ظروف احلياة وأطوارها»‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا الفهم الوضع� � ��ي الذي ي� � ��رد الظواهر‬ ‫االجتماعية إلى قانون� �ي��ن متضادين‪ ،‬هما قانونا‬ ‫الثب� � ��ات والتح� � ��ول‪ ،‬ه� � ��و ال� � ��ذي يح� � ��دد املنظور‬ ‫التاريخي لتعامل طه حسني مع األدب العربي إذا‬ ‫أردنا التخصيص‪ .‬إنه يؤكد أن األمة العربية مثل‬ ‫غيره� � ��ا من األمم‪ ،‬خضعت خضوعاً تاماً ملؤثرين‬ ‫مختلف� �ي��ن اختالف � � �اً تاماً‪ ،‬فبينم� � ��ا كان أحدهما‬ ‫يدفعه� � ��ا دفع� � ��ا قويا إل� � ��ى األمام فتندف� � ��ع‪ ،‬كان‬ ‫اآلخر يجذبها جذب � � �اً قوياً إلى الثبات فتنجذب‪.‬‬ ‫ولذل� � ��ك يؤكد‪« :‬إن أخص م� � ��ا نالحظه في حياة‬ ‫أدبن� � ��ا العربي منذ أقدم العص� � ��ور أنه يأتلف من‬ ‫عنصري� � ��ن خطيرين ال يحتاج استكش� � ��افهما إلى‬ ‫جه� � ��د أو عناء‪ .‬أحدهما داخلي يأتيه من نفس� � ��ه‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫ومن طبيعة األم� � ��ة التي أنتجته‪ .‬واآلخر خارجي‬ ‫يأتيه من الشعوب التي اتصلت بالعرب أو اتصل‬ ‫الع� � ��رب بها‪ ،‬ويأتيه من الظروف الكثيرة املختلفة‬ ‫التي أحاطت بحياة املسلمني وأثرت فيها على مر‬ ‫العصور»‪( .‬ألوان‪ ،‬ص ‪.)13‬‬

‫الثبات والتغير‬

‫ويعني ذل� � ��ك – أوال ‪ -‬أن التركيز على قانون‬ ‫التطور في حتديد حرك� � ��ة التاريخ األدبي‪ ،‬وفهم‬ ‫ه� � ��ذا القانون بوصفه حتمي� � ��ة متعالية‪ ،‬وبوصفه‬ ‫عنص� � ��راً خارجياً ال يتخلق م� � ��ن داخل الظواهر‬ ‫االجتماعي� � ��ة‪ ،‬ويعني ذلك – ثاني � � �اً ‪ -‬أن التاريخ‬ ‫األدب� � ��ي لألعمال األدبية ‪ -‬عند طه حس� �ي��ن ‪-‬‬ ‫يق� � ��وم على عملي� � ��ات عدة ترتبط كله� � ��ا بتحديد‬ ‫عنصري الثبات والتغير‪.‬‬ ‫أما عنص� � ��ر الثبات فيرتب� � ��ط بالتقاليد التي‬ ‫تف� � ��رض على الش� � ��عر صورة ثابت� � ��ة ال عالقة لها‬ ‫بتغير املجتمعات التي تتعاقب على هذا الش� � ��عر‪.‬‬ ‫وأم� � ��ا عنصر التغي� � ��ر فيرتبط بالتح� � ��والت التي‬ ‫حتدث في هذا الش� � ��عر نتيجة تغير املجتمع أوال‪،‬‬ ‫ونتيجة تغير الشعر أو األدب بوجه عام من حيث‬ ‫إن� � ��ه مرآة للمجتمع املتغير أصال‪ .‬ويعني ذلك في‬ ‫النهاية أن تاريخ األدب العربي ال يختلف اختالفاً‬ ‫جذري � � �اً عن تاريخ اآلداب اإلنس� � ��انية بوجه عام‪،‬‬ ‫فما يربطه بها هو وحدة الظواهر اإلنسانية وما‬ ‫تنطوي عليه هذه الظواهر من قانوني التش� � ��ابه‬ ‫والتغير‪.‬‬ ‫ولي� � ��س هذا الفهم ببعيد ع� � ��ن القول بأن ما‬ ‫ينطب� � ��ق عل� � ��ى تاريخ أي أدب م� � ��ن آداب املعمورة‬ ‫اإلنس� � ��انية ينطبق بالضرورة على أي تاريخ ألدب‬ ‫آخر أو ألدب مغاير داخل هذه املنظومة اإلنسانية‬ ‫الواحدة التي كان يؤمن بها طه حسني‪ ،‬كما يؤمن‬ ‫بوحدة ظواهرها متعددة األبعاد واجلوانب‪.‬‬ ‫ولذلك لم يكن غريباً أن يحضر طه حس� �ي��ن‬ ‫مؤمت� � ��راً للدراس� � ��ات التاريخية في «بروكس� � ��ل»‬ ‫عاصم� � ��ة بلـﭽي� � ��كا‪ ،‬وقد كان – رس� � ��ميا ‪ -‬معيناً‬ ‫بدرجة أستاذ التاريخ باجلامعة املصرية األهلية‪،‬‬ ‫وأن يستمع إلى مناقشات‪ ،‬الكتشاف مبدأ الثبات‬ ‫والتغير وعوامله في التاريخ اإلنساني الذي كانت‬ ‫في ذكرى طه حسني‬

‫الوضعية تس� � ��ود النظرة إليها‪ ،‬فيحدثنا عن عالم‬ ‫أملاني اس� � ��مه «وولف»‪« :‬كان ق� � ��د نهض في هذا‬ ‫العصر إلى املعبد الذي يقيم فيه صنم هوميروس‬ ‫ففتح� � ��ه ودخله ورأى حجرات� � ��ه وغرفه‪ ،‬ثم خرج‬ ‫فأعل� � ��ن إلى الن� � ��اس أنه لم يجد صنم � � �اً واحداً‪،‬‬ ‫وإمنا وج� � ��د أصناماً‪ ،‬وأن هومي� � ��روس ليس كما‬ ‫كان الناس يعتقدون هذا الش� � ��اعر اإللهي العليم‬ ‫العظيم الذي ال يجارى وال يبارى‪ .‬وإمنا هو أكبر‬ ‫الظن شاعر نابغة قد جاراه من غير شك الكثير‬ ‫من الش� � ��عراء‪ ،‬فبرعوا كما ب� � ��رع ونبغوا كما نبغ‪،‬‬ ‫ونسبت آثارهم اخلالدة إليه دونهم‪ ،‬فزعم الناس‬ ‫أنه وحده صاحب اإللياذة واألوديس� � ��ة على حني‬ ‫أن نصيبه من هاتني اآليتني يسير»‪( .‬من بعيد)‪.‬‬ ‫ولذل� � ��ك فإن الصورة التي انتهى إليها البحث‬ ‫العلمي ‪ -‬في ما يتصور طه حس� �ي��ن ‪ -‬أو البحث‬ ‫الوضعي بعبارة أدق عن الشاعر اليوناني القدمي‬ ‫هوميروس هي صورة تنكر شخصية هوميروس‪،‬‬ ‫كما روت� � ��ه األس� � ��اطير‪ ،‬وتزعم أن هناك أس� � ��رة‬ ‫كانت تسمى أس� � ��رة الهوميرويني توارثت الشعر‬ ‫القصص� � ��ي في م� � ��ا بينه� � ��ا وأذاعته ف� � ��ي البالد‬ ‫اليوناني� � ��ة‪ .‬وما حدث مع الش� � ��عر اليوناني حدث‬ ‫مثله م� � ��ع الفلس� � ��فة اليونانية‪ ،‬فقد دف� � ��ع الروح‬ ‫العلمي ‪ -‬في ما يقول طه حسني ‪ -‬أحد دارسي‬ ‫هذه الفلسفة‪ ،‬وهو األستاذ «دوبريل»‪ ،‬إلى تأليف‬ ‫كتاب عن تاريخ الفلس� � ��فة اليونانية‪ ،‬وإلى عرض‬ ‫نتائج بحوثه في املؤمتر الذي حضره طه حسني‬ ‫في بلـﭽيكا‪ ،‬وأكد «دوبريل» في هذا املؤمتر‪« :‬أن‬ ‫البحث التاريخي الصحي� � ��ح ينتهي بالباحث إلى‬ ‫أن س� � ��قراط شخص خرافي لم يوجد ولم يعرفه‬ ‫التاريخ‪ ،‬وأن خالصة حكم التاريخ فيه كخالصة‬ ‫حكم التاريخ في «هوميروس»‪ .‬كالهما ش� � ��خص‬ ‫آمن به القدماء‪ ،‬وأظهر التاريخ أنه لم يوجد قط‪،‬‬ ‫وكالهما ش� � ��خص اتخذ رمزاً لن� � ��وع من اآلداب‪،‬‬ ‫فاتخ� � ��ذ هوميروس رمزاً لكل الش� � ��عر القصصي‬ ‫الذي عرفه اليونان وتناقلوه قبل القرن الس� � ��ابع‪،‬‬ ‫واتخذ س� � ��قراط رمزاً لهذه الفلسفة التي عرفها‬ ‫اليونان‪ ،‬وافتتنوا بها‪ ،‬منذ أواخر القرن اخلامس‬ ‫وطوال القرن الرابع قبل املسيح»‪( .‬من بعيد‪ ،‬ص‬ ‫‪.)85-84‬‬ ‫‪21‬‬


‫إن إعجاب طه حس� �ي��ن به� � ��ذه النتيجة التي‬ ‫توصل� � ��ت إليها النظرة الوضعي� � ��ة العقالنية التي‬ ‫اقترنت بالش� � ��ك‪ ،‬سواء في تاريخ األدب اليوناني‬ ‫أو الفلس� � ��فة اليونانية‪ ،‬قد دفعت� � ��ه إلى أن يطبق‬ ‫مبدأها الذي شاهد نتائجه في مؤمتر الدراسات‬ ‫التاريخية الذي حضره‪ .‬ومن الواضح أن حضور‬ ‫هذا املؤمتر قد أضاف إلى األسس الفكرية التي‬ ‫ظل يعتمد عليها في التاريخ األدبي‪ ،‬وهي النظرة‬ ‫الت� � ��ي ترتبط بقانون الثبات والتغير في الظواهر‬ ‫اإلنس� � ��انية‪ ،‬إضافة مؤداها‪ :‬إننا ينبغي أال ننظر‬ ‫إلى هذه الظواهر نظرة بريئة تخلو من الش� � ��ك‪،‬‬ ‫فإن اإلميان بوحدتها يدفعنا إلى مالحظة قانون‬ ‫الشك الذي يؤكد لنا أن عدداً من الظواهر التي‬ ‫تقع على مح� � ��ور قانون الثب� � ��ات أو محور قانون‬ ‫التغي� � ��ر ينبغ� � ��ي أال تؤخذ مأخذ التس� � ��ليم‪ ،‬وإمنا‬ ‫ينبغ� � ��ي أن نتقبلها بش� � ��يء من الش� � ��ك الذي قد‬ ‫يدفعنا إلى التصديق الكامل بحضورها أو النفي‬ ‫الكامل لهذا احلضور‪.‬‬ ‫وعندم� � ��ا مضى طه حس� �ي��ن في املمارس� � ��ة‪،‬‬ ‫أضاف إلى القانونني السابقني مبدأً جديداً يرى‬ ‫أن املاضي يس� � ��تعيده احلاضر ليدرسه مبقاييس‬ ‫احلاض� � ��ر نفس� � ��ه‪ ،‬وم� � ��ن منظ� � ��وره الصاعد إلى‬ ‫املس� � ��تقبل‪ .‬وأضاف إلى هذا املب� � ��دأ‪ ،‬مبدأً آخر‬ ‫يؤكد أن احلاضر املتقدم الصاعد إلى األمام هو‬ ‫احلاضر الذي ينظر إليه طه حس� �ي��ن من منظور‬ ‫املركزية األوربية ومقاييس� � ��ها‪ .‬ول� � ��م يكن مؤه ً‬ ‫ال‬ ‫في ذلك الوق� � ��ت إلدراك مزالق املركزية األوربية‬ ‫ومقاييسها من ناحية‪ ،‬وعدم انطباقها على التنوع‬ ‫اإلنس� � ��اني اخلالق ل� �ل��آداب القومية م� � ��ن ناحية‬ ‫موازية‪ .‬ولذلك لم يتش� � ��كك طه حسني في قانون‬ ‫وحدة اإلنسانية وخضوعها للقوانني نفسها‪ ،‬وفي‬ ‫أن هذا القانون هو قانون ال يدرك املتغيرات‪ ،‬وال‬ ‫يضع في اعتباره أن التنوع البشري اخلالق يؤكد‬ ‫مبدأ اخلصوصية الذي يتناقض مع قوانني وحدة‬ ‫اإلنسانية اخلاضعة للقوانني نفسها‪ ،‬فهذه الوحدة‬ ‫ال تتعارض وال تتناقض مع مبدأ اخلصوصية‪.‬‬ ‫وحت� � ��ى لو س� � ��لمنا بقان� � ��ون الثب� � ��ات والتغير‪،‬‬ ‫بوصفه جانباً من اجلدلية التاريخية نفسها‪ ،‬فإن‬ ‫هذا القانون البد من احلذر في تطبيقه خصوصاً‬ ‫‪22‬‬

‫عندما يؤدي إلى نتائج دارونية تفرض مبدأ فرعياً‬ ‫لفكرة التطور احلتمي‪ .‬أما مبدأ دراسة احلاضر‬ ‫أو املاض� � ��ي من منظور يضع املركزية األوربية في‬ ‫الالوعي من بنيته‪ ،‬فإنه مبدأ ال بأس به إذا وضع‬ ‫في اعتباره مبادئ أخرى ترتبط بالنوع واالنقطاع‬ ‫واخلصوصية في آن‪.‬‬ ‫ولكن طه حسني لم يكن يضع املبادئ والقوانني‬ ‫التي تعلمها في فرنسا موضع املساءلة‪ ،‬ألنه كان‬ ‫الي� � ��زال في مرحل� � ��ة االنبهار مب� � ��ا رآه وتعلمه في‬ ‫عاصمة العلم ومركز احلضارة في تقديره‪ ،‬ولذلك‬ ‫كان م� � ��ن الطبيع� � ��ي أن يق� � ��دم ألطروحته عن ابن‬ ‫خلدون التي تقدم بها إلى «الس� � ��وربون» بالكلمات‬ ‫التي تؤكد انبهاره التام باحلضارة الفرنسية‪ ،‬على‬ ‫نحو كان يعني تعطيل مبدأ املس� � ��اءلة أو الش� � ��ك‬ ‫حتى في بعض ما تعلمه‪ ،‬ولذلك كان من املنطقي‬ ‫أن يؤس� � ��س في ذهنه القوانني واملبادئ التي سبق‬ ‫أن أش� � ��رنا إليها‪ ،‬التي جعلته يضعها في اعتباره‬ ‫عندما يطبق مبدأ الش� � ��ك التاريخي الذي تعلمه‬ ‫من كبار أساتذة التاريخ أمثال «وولف» و«دوبريل»‬ ‫ويأخذه مأخذ التسليم مبا دفعه إلى تطبيق هذه‬ ‫النظرة على األدب العربي‪.‬‬

‫األدب العربي وتاريخه‬

‫هك� � ��ذا تكونت منظومة فكري� � ��ة في ذهن طه‬ ‫حس� �ي��ن‪ ،‬تقوم على قانونني ومبدأين‪ ،‬وقد انطلق‬ ‫في تطبيقهما على تاري� � ��خ األدب العربي‪ ،‬مؤمنا‬ ‫بأن التاريخ األدبي فرع من التاريخ العام‪ ،‬ويختلف‬ ‫اختالفاً جذرياً عن النق� � ��د األدبي واألدب‪ .‬فقد‬ ‫كان طه حس� �ي��ن يرى أن األدب صنفان‪ ،‬أولهما‪:‬‬ ‫أدب إنشائى‪ ،‬وهو اإلبداع األدبي‪ ،‬وثانيهما‪ :‬أدب‬ ‫وصف� � ��ي‪ ،‬وهو النقد األدبي‪ ،‬وكالهما يختلف في‬ ‫طبيعته عن تاريخ األدب الذي هو فرع من التاريخ‬ ‫الع� � ��ام‪ .‬وكان ذلك هو املهاد الذي انطلق منه طه‬ ‫حسني في موقفه من تاريخ األدب العربي‪ ،‬الذي‬ ‫رآه فرعاً من التاريخ العربي العام‪ ،‬وكانت البداية‬ ‫الزمني� � ��ة هي ع� � ��ام ‪ ،1923‬عام حض� � ��وره مؤمتر‬ ‫البحث التاريخي في بروكس� � ��ل وم� � ��ا تأثر به من‬ ‫ش� � ��يوع النظرة العقالنية القائمة على الشك في‬ ‫أبحاث ه� � ��ذا املؤمتر‪ .‬وعلى هذا األس� � ��اس بدءاً‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫طه حس� �ي��ن متدرجاً في صدمة جمهوره القارئ‪،‬‬ ‫بدءاً من مقاالته «الغزل والغزليون» (س� � ��بتمبر‪-‬‬ ‫ديس� � ��مبر ‪ )1924‬فينته� � ��ي إل� � ��ى أن بعض هؤالء‬ ‫الشعراء‪ ،‬خصوصاً قيس بن امللوح ووضاح اليمن‬ ‫وأمثالهما‪« :‬إما أن يكونوا أثرا من آثار اخليال قد‬ ‫اخترعهم اختراعاً‪ ،‬وإما أال تكون لهم ش� � ��خصية‬ ‫بارزة وال خطر عظيم‪ ،‬وإمنا ّ‬ ‫عظم اخليال أمرهم‬ ‫وأضاف إليهم ما لم يقولوا وما لم يعملوا‪ ،‬واخترع‬ ‫حولهم من القصص ألوانا وأش� � ��كاال‪ ،‬جعلت لهم‬ ‫ف� � ��ي األدب العربي هذا الش� � ��أن العظيم الذي ال‬ ‫يكاد يقوم على ش� � ��يء»‪( .‬حديث األربعاء‪ ،‬ط ‪،1‬‬ ‫ص ‪.)90‬‬ ‫ويق� � ��رن الش� � ��ك ‪ -‬من ه� � ��ذا املنظ� � ��ور ‪ -‬بني‬ ‫شخصيات الغزليني العذريني وما بني محبوباتهم‬ ‫ليقول طه حسني‪« :‬واحلقيقة التي ما أحسب أنها‬ ‫تتعرض للش� � ��ك هي أن ليلى ولبن� � ��ى وعزة وبثينة‬ ‫وعفراء وهند ودعد وس� � ��عاد‪ ،‬كل هذه أس� � ��ماء ما‬ ‫أظ� � ��ن أنها تعني مس� � ��ميات متعين� � ��ات‪ ،‬وإمنا هي‬ ‫أسماء نس� � ��اء اتخذها الشعراء لهذا املثل األعلى‬ ‫الذي كانوا يلتمس� � ��ونه‪ ،‬ويطمحون إليه حني كانوا‬ ‫يتغن� � ��ون باحلب‪ ،‬س� � ��واء منهم في ذلك الش� � ��عراء‬ ‫املعروفون والشعراء املجهولون‪ ،‬ليلى ولبنى وبثينة‬ ‫بالقياس إلى هذا النوع من الغزل أس� � ��ماء تش� � ��به‬ ‫هيالنة بالقياس إلى القصاص من شعراء اليونان‬ ‫املتقدمني‪ ،‬لس� � ��نا ن� � ��دري أوجدت حق� � ��ا‪ ،‬بل أكثر‬ ‫الظن أنها لم توجد‪ ،‬وإمن� � ��ا هي املثل األعلى في‬ ‫اجلمال واحلب واللني والرقة والدعة‪ ،‬وغير ذلك‬ ‫من اخلص� � ��ال التي يتغناها الغزلي� � ��ون»‪( .‬حديث‬ ‫األربعاء‪ ،‬ط‪.)218/1‬‬ ‫ولم يكن طه حس� �ي��ن‪ ،‬في نظرت� � ��ه هذه يتابع‬ ‫جهود املستش� � ��رقني أمثال «مارجلي� � ��وث» في ما‬ ‫يتعلق بتوثيق الش� � ��عر اجلاهل� � ��ي‪ ،‬على نحو ما هو‬ ‫مس� � ��تقر في أذه� � ��ان الكثير‪ ،‬وإمن� � ��ا كان يتابع ما‬ ‫تعلم� � ��ه من أص� � ��ول البحث التاريخ� � ��ي في مؤمتر‬ ‫الدراس� � ��ات التاريخية الذي حض� � ��ره في بلـﭽيكا‬ ‫سنة ‪.1923‬‬ ‫وم� � ��ن املؤك� � ��د أن إمي� � ��ان طه حس� �ي��ن بوحدة‬ ‫التراث اإلنس� � ��اني الذي يؤدي إل� � ��ى خضوع هذه‬ ‫الوحدة لظواهر وقوانني متشابهة‪ ،‬هو الذي جعله‬ ‫في ذكرى طه حسني‬

‫ي� � ��رى أن ما ينطبق عل� � ��ى األدب اليوناني القدمي‬ ‫ينطبق على األدب العربي القدمي بالقدر نفس� � ��ه‪،‬‬ ‫ولذل� � ��ك يؤكد‪ ،‬قبل عامني م� � ��ن صدور كتابه «في‬ ‫الش� � ��عر اجلاهلي»‪« :‬أفه� � ��م األدب العربي وأحكم‬ ‫على ظواهره‪ ،‬كما ينبغ� � ��ي أن يفهمه ويحكم على‬ ‫ظواهره رجل يعيش في القرن العشرين‪ ...‬ويرى‬ ‫كيف يفه� � ��م األوربيون أدب اليون� � ��ان والرومان»‪.‬‬ ‫(حدي� � ��ث األربعاء‪ ،‬ط‪ ،)186/1‬ويعني ذلك أن طه‬ ‫حس� �ي��ن قد تواصل مع تقالي� � ��د البحث التاريخي‬ ‫(الوضعي) ف� � ��ي اآلداب اليوناني� � ��ة بوجه خاص‪،‬‬ ‫وحاول تطبيقها على الشعر العربي‪ ،‬فبدأ بالشك‬ ‫في الصورة التاريخية املأثورة عن العصر العباسي‬ ‫من أنه عص� � ��ر مجون كامل وأعقبه بالش� � ��ك في‬ ‫وجود بعض ش� � ��عراء الغزل اإلسالمي سنة ‪1924‬‬ ‫ثم تصاعد بالش� � ��ك فشمل أغلب الشعر اجلاهلي‬ ‫سنة ‪.1926‬‬ ‫وقد س� � ��بق أن قلت إن النتائ� � ��ج التي توصل‬ ‫إليها نق ً‬ ‫ال عن «وولف» و«دوبريل» وأمثالهما – في‬ ‫اليونانيات ‪ -‬كانت أقرب إليه من نتائج الدراسات‬ ‫االستشراقية في الشعر العربي‪ ،‬بدءاً من «فلهلم‬ ‫آلف� � ��رت» ‪ Wihelm Ahlwardt‬في دراس� � ��ته عن‬ ‫الشعر اجلاهلي سنة ‪ 1872‬مروراً بسير «تشارلز‬ ‫اليل» الذي كتب عن الش� � ��عر اجلاهلي سنة ‪1918‬‬ ‫وانتهاء مبرجليوث الذي ذهب مذهب الش� � ��ك في‬ ‫كثير من الش� � ��عر اجلاهلي عام ‪ 1925‬في دراسة‬ ‫ل� � ��م يعرفها طه حس� �ي��ن إال بع� � ��د أن أصدر كتابه‬ ‫«في الشعر اجلاهلي» في مارس من العام نفسه‪.‬‬ ‫ولم يكن م� � ��ن الغريب‪ ،‬واألمر كذل� � ��ك‪ ،‬أن يقارن‬ ‫طه حس� �ي��ن بني حضور امرئ القيس وشخصية‬ ‫هوميروس‪ ،‬مؤكداً أن ما صيغ حول امرئ القيس‬ ‫من قصص‪ ،‬وما نس� � ��ب إليه من ش� � ��عر يشبه في‬ ‫دوافعه ما صيغ حول الش� � ��اعر اليوناني ونس� � ��ب‬ ‫إليه‪.‬‬ ‫كانت هذه هي األس� � ��س الفكري� � ��ة التي أقام‬ ‫عليها طه حس� �ي��ن دراس� � ����ته في الطبع� � ��ة األولى‬ ‫من «حديث األربعاء» س� � ��نة ‪ ،1925‬و«في الش� � ��عر‬ ‫اجلاهلي» س� � ��نة ‪ .1926‬ولم يك� � ��ن من الغريب أن‬ ‫يش� � ��عر وهو ميلي كتابه «في الشعر اجلاهلي» أنه‬ ‫سيخالف النظرة السائدة لدراسة األدب العربي‪،‬‬ ‫‪23‬‬


‫فقد كانت هذه النظ� � ��رة تنظر إلى األدب العربي‬ ‫مبعزل تام عن غيره م� � ��ن اآلداب‪ ،‬كما كانت هذه‬ ‫النظ� � ��رة اتباعية تبقى على ما أث� � ��ر عن القدماء‬ ‫ف� � ��ي دراس� � ��ة األدب القدمي‪ .‬وأخي� � ��راً كانت هذه‬ ‫النظرة تدرس اآلداب العربية‪ ،‬مرتبة ترتيباً زمنياً‬ ‫آلياً‪ ،‬حس� � ��ب تاريخ احلكومات وتتابع العصور أو‬ ‫األزمنة‪ ،‬فجاء طه حس� �ي��ن ليقلب ذلك كله‪ ،‬رأساً‬ ‫على عقب‪ ،‬ويؤكد أن األدب العربي يش� � ��به غيره‬ ‫من اآلداب‪ ،‬وأنه يجتمع وإياها في وحدة واحدة‪،‬‬ ‫وتنطبق عليه قوانني واحدة‪ ،‬ولذلك فإن دراس� � ��ة‬ ‫األدب العربي أو تاريخ� � ��ه ينبغي أن تخضع لهذه‬ ‫القوانني التي تضع في اعتبارها‪ ،‬أن هذه الوحدة‬ ‫تنطوي عل� � ��ى قانونني ثابتني هم� � ��ا قانونا الثبات‬ ‫والتغير‪ ،‬وأن م� � ��ا ينطبق على أي أدب من اآلداب‬ ‫اإلنس� � ��انية ينطبق على غيره بالضرورة‪ .‬وأخيراً‪،‬‬ ‫فإن املدخل إلى التاريخ األدبي يبدأ بالش� � ��ك كي‬ ‫ينتهي إلى اليقني‪.‬‬

‫احلداثة غير املألوفة‬

‫وكان طه حس� �ي��ن يرى في مبادئ نظرته هذه‬ ‫نوع � � �اً مميزاً م� � ��ن احلداثة التي س� � ��وف تغضب‬ ‫معاصري� � ��ه من القدم� � ��اء أو الذي� � ��ن ينظرون إلى‬ ‫احلياة مبنطق القدماء‪ .‬ولذلك يبدأ طه حس� �ي��ن‬ ‫كتابه «في الش� � ��عر اجلاهلي» بكلماته احلاسمة‪:‬‬ ‫«ه� � ��ذا نحو من البحث عن تاريخ الش� � ��عر العربي‬ ‫القدمي‪ .‬لم يألفه الن� � ��اس عندنا من قبل‪ ...‬ولقد‬ ‫اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعاً ما أعرف أني‬ ‫قد ش� � ��عرت مبثله في تلك املواقف املختلفة التي‬ ‫وقفته� � ��ا من تاريخ األدب العرب� � ��ي‪ .‬وهذا االقتناع‬ ‫القوي ه� � ��و الذي يحملني على تقييد هذا البحث‬ ‫ونش� � ��ره في ه� � ��ذه الفصول‪ ،‬غير حافل بس� � ��خط‬ ‫الساخط وال مكترث بازورار املزور‪ ،‬وأنا مطمئن‬ ‫إل� � ��ى أن ه� � ��ذا البحث وإن أس� � ��خط قوماً وش� � ��ق‬ ‫على آخرين فس� � ��يرضي ه� � ��ذه الطائف� � ��ة القليلة‬ ‫من املس� � ��تنيرين الذين هم في حقيقة األمر عدة‬ ‫املس� � ��تقبل وقوام النهضة احلديث� � ��ة وذخر األدب‬ ‫اجلديد»‪.‬‬ ‫ه� � ��ذه الكلمات التي صدر بها كتابه الذي فرغ‬ ‫م� � ��ن إمالئه في الثامن عش� � ��ر من م� � ��ارس ‪1926‬‬ ‫‪24‬‬

‫وس� � ��لمه إلى مطبعة دار الكتب املصرية لتصدره‬ ‫بعد أس� � ��ابيع معدودة إلى الناس‪ ،‬فيستهل الكتاب‬ ‫عواصف م� � ��ن االختالف الفكري الذي لم ينقطع‬ ‫إل� � ��ى الي� � ��وم‪ ،‬ويغدو مؤش� � ��راً داالً عل� � ��ى ما ميكن‬ ‫أن تص� � ��ل إليه حرية الرأي وح� � ��ق االختالف في‬ ‫املجتمع‪ .‬ومن املؤكد أن العاصفة التي هبت على‬ ‫كتاب طه حس� �ي��ن‪ ،‬وكادت تطيح به من اجلامعة‪،‬‬ ‫كم� � ��ا أطاح� � ��ت بصديقه عل� � ��ى عبد ال� � ��رازق من‬ ‫منصب� � ��ه في القضاء‪ ،‬إمنا كانت تعبيراً عن جمود‬ ‫املجتمع املصري في أوضاعه الفكرية من ناحية‪،‬‬ ‫وعلى عدم قدرته على تقبل أفكار النخبة احملدثة‬ ‫التي كان عليها أن تهز املبادئ الراس� � ��خة في هذا‬ ‫املجتمع من ناحية مقابلة‪.‬‬ ‫صحيح أن اجلامعة قامت بدورها في حماية‬ ‫طه حس� �ي��ن وأن البرملان قد توافق على أن يضع‬ ‫األمر بني يدي القضاء‪ ،‬وأن القضاء قام مبحاكمة‬ ‫طه حسني‪ ،‬بواسطة نائب مصر العمومي محمد‬ ‫ن� � ��ور‪ -‬وقام بتبرئته من التهم التي اتهم بها‪ ،‬األمر‬ ‫الذي اضطر طه حسني إلى إصدار طبعة جديدة‬ ‫م� � ��ن الكت� � ��اب س� � ��نة ‪ ،1927‬لم يتغير منها ش� � ��يء‬ ‫أساس� � ��ي س� � ��وى بعض اجلمل القليلة التي وجد‬ ‫مس � � �اً‬ ‫فيها احملافظون ما ميس عقائدهم الدينية ّ‬ ‫مباش� � ��راً‪ .‬لكن ما ينبغي أن يلفت االنتباه حقاً هو‬ ‫أن طه حس� �ي��ن أضاف إلى كتاب� � ��ه القدمي فص ً‬ ‫ال‬ ‫جديداً بالغ األهمي� � ��ة افتتح به الكتاب‪ ،‬وفي هذا‬ ‫الفصل يؤك� � ��د مبدأه املقدس في دراس� � ��ة األدب‬ ‫وتاريخه على الس� � ��واء‪ ،‬وهو مبدأ احلرية‪ .‬والبد‬ ‫هنا أن نعود إلى مقدمته األساس� � ��ية لهذا الكتاب‬ ‫ونتأمل ما كتبه عن احلرية واألدب عندما يقول‪:‬‬ ‫«أري� � ��د أن يظفر األدب به� � ��ذه احلرية التي متكنه‬ ‫من أن يدرس لنفس� � ��ه‪ ،‬والتي متكنه من أن يكون‬ ‫غاية ال وسيلة»‪.‬‬ ‫ونصل ذلك مبا يقوله م� � ��ن أن «احلرية بهذا‬ ‫املعنى شرط أساسي لنش� � ��أة التاريخ األدبي في‬ ‫لغتنا العربي� � ��ة‪ .‬فأنا أريد أن أدرس تاريخ اآلداب‬ ‫بحرية وش� � ��رف‪ ،‬كما ي� � ��درس العلم الطبيعي علم‬ ‫احليوان والنبات‪ ،‬وال أخشى في هذا الدرس أي‬ ‫س� � ��لطان‪ .‬وأنا أريد أن يكون شأن اللغة واآلداب‬ ‫ش� � ��أن العلوم التي ظفرت بحريتها واستقلت بها‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫من قبل‪ ،‬والتي اعترفت لها كل السلطات بحقها‬ ‫في احلرية واالس� � ��تقالل‪ ...‬وقد وصل األدب في‬ ‫أورب� � ��ا اآلن إلى ه� � ��ذه املنزلة‪ ،‬ووص� � ��ل بعد جهد‬ ‫ومش� � ��قة‪ ،‬ولم يصل إال في ه� � ��ذا العصر األخير‪،‬‬ ‫ولكن� � ��ه قد وصل بالفعل وأصبح يدرس لنفس� � ��ه‪،‬‬ ‫وأصبح يس� � ��تمتع من احلرية مبثل ما تستمتع به‬ ‫الطبيعة والكيمياء‪ ،‬وأصبح خصومه ال يحاربونه‬ ‫بالس� �ل��اح اإلداري أو القضائي كما كانوا يفعلون‬ ‫من قبل‪ ،‬وإمن� � ��ا يحاربونه بس� �ل��اح العلم األدبي‬ ‫اخلال� � ��ص‪ ،‬فيقيمون احلجة ويجادلونه مبا يالئم‬ ‫مزاجهم من ق� � ��وة أو ضعف ومن لني أو عنف‪...‬‬ ‫على هذا الش� � ��رط وحده يستطيع األدب العربي‬ ‫أن يحي� � ��ا حي� � ��اة مالئمة حلاج� � ��ات العصر الذي‬ ‫نعيش فيه من الوجهة العلمية والفنية»‪.‬‬ ‫وكان طه حس� �ي��ن يري� � ��د أن يؤس� � ��س نظرته‬ ‫إلى التاري� � ��خ األدبي في ض� � ��وء منهجه العقالني‬ ‫الوضعي بعناصره الثالث� � ��ة التي تعتمد أوال على‬ ‫وح� � ��دة الظواهر اإلنس� � ��انية‪ ،‬وتعتم� � ��د ثانياً على‬ ‫وحدة هذه الظواهر في خضوعها لقانوني التغير‬ ‫والثبات‪ ،‬وتعتم� � ��د ثالثاً على البدء باملس� � ��اءلة أو‬ ‫الشك بوصفه سبي ً‬ ‫ال إلى اليقني‪.‬‬ ‫وكانت ه� � ��ذه النظرة الوضعية ف� � ��ي املنهجية‬ ‫العلمية استجابة إلى أفكاره السياسية الليبرالية‬ ‫اخلاص� � ��ة بحلم� � ��ه في أن يك� � ��ون مواطن � � �اً فاع ً‬ ‫ال‬ ‫في دول� � ��ة مدنية دميقراطية حديث� � ��ة‪ ،‬ينعم فيها‬ ‫املواطن� � ��ون بحق االخت� �ل��اف امل� � ��وازي حلرياتهم‬ ‫الفكري� � ��ة والسياس� � ��ية واالعتقادي� � ��ة والناجت عن‬ ‫إميانه� � ��م مبذاهب سياس� � ��ية وفكري� � ��ة ومنهجية‬ ‫تؤك� � ��د وحدة املعم� � ��ورة اإلنس� � ��انية‪ ،‬فتضيف إلى‬ ‫الليبرالية صفة العقالنية بوصفها املقياس الذي‬ ‫ال يتخل� � ��ى عنه العقل ف� � ��ي نظرته إلى األش� � ��ياء‬ ‫والبش� � ��ر‪ ،‬كما تضيف إليها صفة اإلنسانية التي‬ ‫ال تفارق مضمون الليبرالية نفسها من حيث هي‬ ‫مذهب يؤكد املساواة بني البشر جميعاً‪ ،‬ويراعي‬ ‫حقوقهم ف� � ��ي احلياة احلرة في التن� � ��وع الثقافي‬ ‫والبش� � ��ري اخلالق في الوقت نفس� � ��ه‪ .‬لكن هذه‬ ‫النظ� � ��رة ميكن أن نأخذ عليها ما تنطوي عليه من‬ ‫وضعية بالغة‪ ،‬انتهى األمر بها إلى اإلس� � ��راف في‬ ‫املقياس الوضعي مبعن� � ��اه االجتماعي فجعل من‬ ‫في ذكرى طه حسني‬

‫البشرية نسخة واحدة ومنوذجاً واحداً‪ ،‬وذلك مبا‬ ‫ينفي مبدأ التنوع اخلالق الذي تنهض عليه حتى‬ ‫املفاهيم الليبرالية املعاصرة‪.‬‬

‫وحدة الظواهر اإلنسانية‬

‫فاملؤك� � ��د أن وحدة الظواهر اإلنس� � ��انية ال تعني‬ ‫التطاب� � ��ق احلرفي بينها‪ ،‬كم� � ��ا ال تعني أن كل جتربة‬ ‫إنسانية تتخذ هذه السمة الوضعية الالإنسانية التي‬ ‫جتعلها بعيدة ع� � ��ن الزمان واملكان‪ ،‬وما يحققانه من‬ ‫خصوصية‪ .‬ومن املؤكد أن وحدة الظواهر اإلنسانية‬ ‫مس� � ��ألة ميك� � ��ن قبولها عق� �ل � ً‬ ‫ا‪ ،‬لكن ه� � ��ذا القبول ال‬ ‫يعني أن كل جتربة إنس� � ��انية هي نسخة من غيرها‪،‬‬ ‫ذل� � ��ك ألن كل جتربة إنس� � ��انية تتعام� � ��د على التاريخ‬ ‫وتنبس� � ��ط على اجلغرافيا‪ ،‬وه� � ��ذا يعني أن اختالف‬ ‫ما يترت� � ��ب على تنوع الزمان وامل� � ��كان يضع بصماته‬ ‫عل� � ��ى التجارب اإلنس� � ��انية املختلف� � ��ة‪ ،‬ولذلك فنحن‬ ‫نس� � ��تخدم كلمة التنوع بني ظواهر اإلنس� � ��انية وليس‬ ‫كلمة التشابه أو التطابق‪ .‬ولكن يبدو أن دراسات طه‬ ‫حسني األكادميية في علوم االجتماع التي كان يغلب‬ ‫عليها النزعة الوضعية التي أسسها «أوجست كونت»‬ ‫هي الت� � ��ي أدت إلى هذه النظ� � ��رة اآللية التي جعلته‬ ‫يتص� � ��ور أن ما ينطبق عل� � ��ى األدب العربي هو بعينه‬ ‫م� � ��ا ينطبق على األدب اليوناني‪ ،‬رغم اختالف املكان‬ ‫والزمان وما يتركانه من خالف نوعي بني األدبني‪.‬‬ ‫صحيح أن األدب العربي ميكن أن يش� � ��به األدب‬ ‫اليونان� � ��ي القدمي في ه� � ��ذه الظـــــاهرة أو تلك‪ ،‬ولكن‬ ‫ليس إل� � ��ى الدرجة الت� � ��ي جتعل األدب� �ي��ن خاضعني‬ ‫لقوانني واحدة جتع� � ��ل كليهما صورة مرآوية لآلخر‪.‬‬ ‫واألقرب إلى الصواب وإلى منطق العلم االجتماعي‬ ‫املــــعاصر‪ ,‬أن نقــــــول إن األدبني يتشابهان في دائرة‬ ‫التنوع البش� � ��ري اخل� �ل��اق التي ال تعن� � ��ي حرفية أو‬ ‫مرآوية التشابه بالضرورة‪ .‬ولذلك فنحن ال ننجرف‬ ‫إل� � ��ى هذه املقارنات الوضعية اآللية‪ ،‬وإمنا ننظر إلى‬ ‫دائ� � ��رة التأثر والتأثير في اآلداب العاملية من منظور‬ ‫أوسع‪ ،‬ومن منظور التنوع البشري والثقافي اخلالق‪،‬‬ ‫وهو منظور يتعامد على مفهوم الزمان واملكان‪ ،‬حيث‬ ‫يجعالن وضع األدب عند كل أمة مغايراً لنظيره عند‬ ‫غيره� � ��ا مهما تعددت املش� � ��ابهات الت� � ��ي لن تختفي‬ ‫بالقطع‪ ،‬وال ميكن أن ينفيها عقل >‬ ‫‪25‬‬


‫فكر‬

‫ثغرة خطيرة في الذاكرة العربية‪...‬‬ ‫نسيان تعددية وغنى مصادر الثقافة‬ ‫جورج قرم‬

‫باحث أكادميي ووزير لبناني سابق‬

‫يب���دو أكثر وأكثر أن تطور الثقاف���ة العربية في العقود األخيرة يؤدي إلى‬ ‫نوع من التصحر الناتج عن عوامل عدة‪ ،‬ومنها بشكل خاص ذوبان هذه‬ ‫الثقافة في مناقش���ات حادة حول الدين اإلس�ل�امي بي���ن نظرة معتدلة‬ ‫إليه ونظرة متش���ددة وراديكالية‪ .‬وقد اجتاح���ت القضايا الدينية معظم‬ ‫الح ّيز العقلي والثقافي والسياسي للمجتمعات العربية‪.‬‬

‫إن هذا التطور اخلطير ناجت عن وطأة وس� � ��ائل‬ ‫اإلعالم العربية والغربي� � ��ة على هذه األمور‪ ،‬وكذلك‬ ‫أعم� � ��ال أكادميي� � ��ة الطاب� � ��ع من قبل ع� � ��دد كبير من‬ ‫املثقفني العرب والغربي� �ي��ن‪ .‬أضف إلى ذلك العديد‬ ‫من املؤلفات العربية الت� � ��ي تعيدنا إلى املاضي‪ ،‬مثل‬ ‫الكتابات ح� � ��ول الفتن� � ��ة الكبرى وح� � ��ول اخلالفات‬ ‫الدينية والعقيدية التي برزت في القرون األولى من‬ ‫نشر الديانة اإلسالمية ومدارسها الفقهية املتعددة؛‬ ‫أو املؤلف� � ��ات التي تس� � ��عى إلى تبي� � ��ان ماهية العقل‬ ‫العربي وتكوينه‪ ،‬وكأنه عقل جامد يعتمد بشكل شبه‬ ‫حصري على رؤية دينية إلى العالم‪.‬‬ ‫وق� � ��د نتج عن ذلك نوع من االنقطاع في الذاكرة‬ ‫العربية أ ّدى إلى نس� � ��يان املص� � ��ادر املتعددة للثقافة‬ ‫العربي� � ��ة وغنى وتن� � ��وع الفكر العربي‪ ،‬س� � ��واء خالل‬ ‫فترة الق� � ��رون األولى م� � ��ن تألق احلض� � ��ارة العربية‬ ‫اإلس� �ل��امية أو في عصرنا احلدي� � ��ث منذ أن أدرك‬ ‫العرب اله� � ��وة العميقة بني التق� � ��دم الكبير احلاصل‬ ‫‪26‬‬

‫ف� � ��ي أوربا وتأخ� � ��ر املجتمعات العربية واإلس� �ل��امية‬ ‫تقنياً وعلمياً وحضارياً‪ .‬فهذه الثغرة في الذاكرة هي‬ ‫مزدوج� � ��ة إذن‪ ،‬األولى تعود إل� � ��ى تن ُّكر تعدد مصادر‬ ‫الفكر العربي‪ ،‬والثانية تتعلق بنسيان حركة النهضة‬ ‫العربية الب ّراقة‪ ،‬التي بدأت مع كتابات الشيخ رفاعة‬ ‫الطهط� � ��اوي وتواصلت مع عديد من املفكرين العرب‬ ‫من كل االجتاهات الفكرية‪.‬‬

‫املتعددة للثقافة العربية وغنى الفكر‬ ‫اجل��ذور‬ ‫ّ‬ ‫السياسي العربي املعاصر‬

‫أو ّد التذكير أوالً بأن جذور الثقافة العربية تكمن‬ ‫في الشعر العربي‪ ،‬وفي ثراء اللغة العربية وعبقريتها‪.‬‬ ‫واليزال الش� � ��عر نواة الثقافة العربية إلى يومنا هذا‪.‬‬ ‫ومشاهير الشعراء العرب القدامى واجلدد يك َّرمون‬ ‫ويُحتف� � ��ى بهم في كل مكان ف� � ��ي املجتمعات العربية‪.‬‬ ‫جتاراً‬ ‫وينبغ� � ��ي اإلش� � ��ارة أيضاً إلى أن الع� � ��رب كانوا ّ‬ ‫لهم مكانته� � ��م واتصاالتهم باحلضارتني الفارس� � ��ية‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫التجار على‬ ‫والبيزنطية‪ .‬ولم يقتص� � ��ر حضور هؤالء َّ‬ ‫ش� � ��به اجلزيرة العربية‪ ،‬بل ش� � ��مل س� � ��ورية وبالد ما‬ ‫بني النهرين‪ .‬وهناك ع� � ��دد من القبائل العربية التي‬ ‫لكن الفتوحات‬ ‫حت ّولت إلى اليهودي� � ��ة أو النصرانية‪ّ .‬‬ ‫العربية في القرن السابع حتت راية الدِّين اإلسالمي‬ ‫التوحيدي اجلديد استطاعت «تعريب» بالد املشرق‪،‬‬ ‫حيث حافظت ش� � ��رائح سكانية كبيرة على انتماءاتها‬ ‫املسيحية واليهودية والزرادشتية ولم تعتنق اإلسالم‪.‬‬ ‫ومع أ ّن الفاحتني العرب نش� � ��روا اإلسالم في شمال‬ ‫إفريقيا‪ ،‬فقد حافظت قبائل بربرية كثيرة على لغتها‬ ‫اخلاصة‪ ،‬وبالتالي لم تس� � ��تعرب‪ .‬بعبارة أدقّ ‪ ،‬لم يكن‬ ‫الع� � ��رب مجموعة منغلقة مت ّي� � ��زت بنمط حياة بدوية‬

‫على س� � ��بيل احلصر‪ ،‬بل كانوا أناس � � �اً مل ّمني بالعالم‬ ‫الكبير الذي عاشوا فيه‪.‬‬ ‫عندم� � ��ا أقيمت اخلالفت� � ��ان املتتاليت� � ��ان األموية‬ ‫(‪750-661‬م)‪ ،‬والع ّباس� � ��ية (‪1258-750‬م)‪ ،‬ش � � � ّرع‬ ‫اخللف� � ��اءُ العرب أب� � ��واب اخلالفتني أم� � ��ام التأثيرات‬ ‫الثقافية الرئيس� � ��ة الت� � ��ي ُوجدت حولهم� � ��ا‪ ،‬ودمجتا‬ ‫املس� � ��يحيني واليهود في املجتمع اإلسالمي اجلديد‬ ‫الذي كان في طور النش� � ��وء‪ .‬بل إ ّنهم ش � � � ّرعوا أبواب‬ ‫اخلالفتني أم� � ��ام التأثيرات الهندي� � ��ة والصينية من‬ ‫توس� � ��ع التجارة العربية‪ .‬والشيء الذي ميكننا‬ ‫خالل ّ‬ ‫وصفه باحلضارة العربية اإلس� �ل��امية التي ازدهرت‬ ‫فيها العلو ُم الطبيعية والفلسفة والتاريخ وعلوم الفلك‬

‫ثغرة خطيرة في الذاكرة العربية‪ ...‬نسيان تعددية وغنى مصادر الثقافة‬

‫‪27‬‬


‫واجلغرافياواألنثروبولوجي� � ��ا إمن� � ��ا كان نت� � ��اج تفاعل‬ ‫عميق بني النخبة العربية والواقع املعرفي القائم في‬ ‫احلضارات الكبرى األخرى‪ .‬وأضحت العربي ُة اللغ َة‬ ‫املش� � ��تركة جلميع املف ّكرين على اخت� �ل��اف أصولهم‬ ‫اإلثنية‪ ،‬ورجال ال ِّدي� � ��ن‪ ،‬باإلضافة إلى العلماء‪ .‬وكان‬ ‫الع� � ��رب على إملام ق� � ��وي باللغة اآلرامية الس� � ��ريانية‬ ‫بخاصة‪ ،‬وباملعارف الس� � ��ائدة في أغلب بالد املشرق‬ ‫ّ‬ ‫وبالد ما بني النهرين‪.‬‬ ‫وليس هنا املجال للتذكير بعظمة املفكرين الكبار‬ ‫والعلماء في ش� � ��تى أنواع املعرفة البش� � ��رية في هذه‬ ‫احلقبة املجيدة من تاريخنا العربي‪ ،‬حيث تفاعل في‬ ‫ما بينه� � ��م علماء من جميع اجلنس� � ��يات واملجتمعات‬ ‫وبش� � ��كل خاص إلى جانب العرب‪ ،‬الفرس واألتراك‬ ‫الذين برعوا جميع � � �اً في علم الكالم والفلك والطب‬ ‫والرياضيات واجلغرافيا والتاريخ البش� � ��ري واملنطق‬ ‫والفلسفة والسياس� � ��ة‪ .‬في حينه كان العلماء العرب‬ ‫م� � ��ع زمالئهم من الفرس واألتراك في طليعة التطور‬ ‫احلض� � ��اري خاصة باملقارن� � ��ة مع أورب� � ��ا‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلى عدد من الش� � ��عراء الكب� � ��ار والكتابات الصوفية‬ ‫الطابع‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا ّ‬ ‫يدل مبا ال لبس فيه على أن العقل العربي‬ ‫في ذل� � ��ك احلني كان ف� � ��ي غاية االنفت� � ��اح واإلبداع‪،‬‬ ‫ولذلك س� � ��ادت اللغة العربية املتطورة والغنية للغاية‬ ‫كلغة علم اعتمدها مثقفو ومفكرو الش� � ��عوب األخرى‬ ‫التي اعتنقت الديانة اإلسالمية أو حتى بالنسبة إلى‬ ‫مثقفي أوربا الذين درس� � ��وا اللغة العربية لالستفادة‬ ‫من العلوم والفنون التي كانت حتملها‪.‬‬ ‫لذلك عندما نشهد التقوقع واالنغالق الكبيرين‬ ‫اللذين أصابا احل ّيز الثقافي ‪ -‬السياس� � ��ي ‪ -‬الديني‬ ‫ف� � ��ي العديد من املجتمعات العربي� � ��ة‪ ،‬وحالة التز ّمت‬ ‫الذي يأخذ أش� � ��كاالً دموية في ح� � ��روب أهلية تتميز‬ ‫مبوجات إرهابي� � ��ة ق ّل نظيرها‪ ،‬نتس� � ��اءل بقلق كبير‬ ‫ح� � ��ول ه� � ��ذا االنهيار الهائ� � ��ل في مقوم� � ��ات الذاكرة‬ ‫العربية وما هو مصدره؟‬

‫نسيان مكونات النهضة العربية احلديثة وجتاهل‬ ‫غنى الفكر والثقافة الوضعيني العربيني‬ ‫تركز الفكر العرب� � ��ي احلديث منذ حملة نابليون‬ ‫بوناب� � ��رت على مصر في أواخر القرن الثامن عش� � ��ر‬ ‫‪28‬‬

‫على القضايا الرئيس� � ��ة التالية‪ :‬ما هو س� � ��بب تخلّف‬ ‫املجتمع� � ��ات العربية وضعفها؟ ما ه� � ��ي ُهويتنا؟ ملاذا‬ ‫نح� � ��ن متف ّرق� � ��ون وعاجزون ع� � ��ن بناء أ ّم� � ��ة عصرية‬ ‫متماس� � ��كة حتظ� � ��ى باحترام األمم األخ� � ��رى؟ التزال‬ ‫هذه األسئلة الرئيسة الثالثة التي م ّيزت ك ّل املؤ ّلفات‬ ‫السياس� � ��ية منذ بداية القرن التاس� � ��ع عشر موضوع‬ ‫البح� � ��ث عن الذات إلى يومنا ه� � ��ذا‪ .‬واحلوادث التي‬ ‫وقع� � ��ت أخيراً منذ بداية س� � ��نة ‪ 2011‬زادت املوضوع‬ ‫إحلاحاً‪ .‬لكن بقي الر ّد على تلك القضايا السياسية‬ ‫والثقافية الرئيسة الثالث املذكورة هنا سبب انقسام‬ ‫حا ّد في احلياة الفكرية العربية في الوقت عينه‪.‬‬ ‫واحلقيق� � ��ة أننا إل� � ��ى اليوم لم نص� � ��ل إلى اقتناع‬ ‫مش� � ��ترك ح� � ��ول اإلجاب� � ��ة ع� � ��ن التس� � ��اؤالت الثالثة‬ ‫املذك� � ��ورة‪ .‬وعلى س� � ��بيل املث� � ��ال فإن االتف� � ��اق الذي‬ ‫حصل في خمسينيات وستينيات القرن املاضي بأن‬ ‫ما يجم� � ��ع العرب هو قومية واح� � ��دة مبنية على لغة‬ ‫مشتركة وتاريخ مشترك قد ّ‬ ‫متت ضعضعته بتضخيم‬ ‫عنص� � ��ر الهوية الدينية على حس� � ��اب الهوية القومية‬ ‫الثقافية اللغوية‪ ،‬وصعود ش� � ��عار «اإلسالم هو احل ّل»‬ ‫كش� � ��عار مبس� � ��ط جامع أ ّدى إلى مزيد من الفنت في‬ ‫ما بني العرب وساهم في ذوبان الشخصية الثقافية‬ ‫العربية في ش� � ��عارات عقيدية دينية الطابع‪ ،‬وتعاظم‬ ‫املظاهر اخلارجية للتد ّين‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫أم� � ��ا بالنس� � ��بة إلى البح� � ��ث عن أس� � ��باب تخلف‬ ‫املجتمعات العربية اقتصادي � � �اً واجتماعياً‪ ،‬فقد كان‬ ‫االتفاق على أن االس� � ��تعمار املتحالف بقوى اإلقطاع‬ ‫احمللي هو س� � ��بب التخلف وجتب معاجلته بسياسات‬ ‫اقتصادية واجتماعية جريئة تكس� � ��ر احللقة املفرغة‬ ‫للتخل� � ��ف‪ ،‬وق� � ��د كان عديد من االجتاه� � ��ات الفكرية‬ ‫والعملي� � ��ة مييل نحو إجراءات اش� � ��تراكية الطابع من‬ ‫أجل حتقيق تنمية ش� � ��املة تُخرج اجلماهير الفقيرة‬ ‫من تهميش� � ��ها لتدخل في املس� � ��اهمة في بناء الوطن‬ ‫وإخراجه من التخلف‪.‬‬ ‫أم� � ��ا البح� � ��ث عن أس� � ��باب التفرقة ف� � ��ي ما بني‬ ‫األنظم� � ��ة العربي� � ��ة‪ ،‬وبالتال� � ��ي العجز ع� � ��ن بناء أمة‬ ‫عصرية متماس� � ��كة حتظى باحت� � ��رام األمم األخرى‪،‬‬ ‫�ب جميعها في‬ ‫فقد كان� � ��ت االجتاهات الفكرية تص� � � ّ‬ ‫حتقيق احل ّد األدنى من التنسيق بني األقطار العربية‬ ‫في مجال السياس� � ��ة اخلارجي� � ��ة‪ ،‬خاصة عبر تقوية‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫أجه� � ��زة اجلامع� � ��ة العربية املختلف� � ��ة مجابه ًة جلهود‬ ‫القوى االستعمارية القدمية لبسط أنواع جديدة من‬ ‫الهيمنة السياسية واالقتصادية على الدول العربية‪.‬‬ ‫وقد أصبحت الواليات املتح� � ��دة قوة جديدة لم يكن‬ ‫هاجس� � ��ها إ ّال محارب� � ��ة ا��لحتاد الس� � ��وفييتي وكذلك‬ ‫األفكار القومية والتقد ّمية التي كانت تنتشر بسرعة‬ ‫ف� � ��ي كل العالم الثالث‪ .‬جدير بالذك� � ��ر هنا أن العالم‬ ‫العربي حينذاك كان إحدى الركائز األساسية حلركة‬ ‫ع� � ��دم االنحي� � ��از وأبطالها رئي� � ��س وزراء الهند نهرو‪،‬‬ ‫ورئيس يوغس� �ل��افيا تيتو‪ ،‬والرئي� � ��س املصري جمال‬ ‫عبدالناصر‪.‬‬ ‫وق� � ��د ّ‬ ‫مت� � ��ت محارب� � ��ة قومي� � ��ات العال� � ��م الثالث‬ ‫الصاع� � ��دة واجتاهاته� � ��ا التحرري� � ��ة واالش� � ��تراكية‬ ‫بأس� � ��اليب عديدة من قبل الواليات املتحدة وحلفائها‬ ‫م� � ��ن الدول األوربية‪ ،‬فأصبحت كتل� � ��ة الدول الغربية‬ ‫ال ونهاراً‬ ‫هذه املتجمعة باحللف األطلس� � ��ي تعم� � ��ل لي ً‬ ‫عل� � ��ى بث التفرقة بني ال� � ��دول العربية‪ .‬وقد نتج عن‬ ‫هذه اجله� � ��ود تقس� � ��يم املجموعة العربي� � ��ة إلى دول‬ ‫«معتدل� � ��ة» ودول «راديكالية»‪ ،‬حتظ� � ��ى الكتلة األولى‬ ‫برعاية ومساندة متواصلة‪ ،‬بينما تواجه الكتلة الثانية‬ ‫بشتى أساليب العداء ومحاوالت زعزعة استقرارها‬ ‫الداخلي‪ .‬أضف إلى ذلك التنافس بني رؤساء الدول‬ ‫لتزعم مجموعة الدول العربية‪ ،‬ما أدى إلى‬ ‫العربي� � ��ة ُّ‬ ‫محاوالت متكررة فاشلة لتجارب الوحدة بني دولتني‬ ‫عربيتني أو أكثر‪.‬‬ ‫وفي هذه األجواء املضطربة ش� � ��هدت الس� � ��احة‬ ‫مت أيضاً‬ ‫العربية صعود حركات اإلسالم السياسي‪ ،‬و ّ‬ ‫إنشاء منظمة الدول اإلسالمية واملؤسسات الثقافية‬ ‫واالقتصادية املتفرعة عنها‪ ،‬وهي أصبحت تزاحم ك ً‬ ‫ال‬ ‫من جامعة الدول العربية وحركة عدم االنحياز اللتني‬ ‫كانتا تتميزان بثقافة سياس� � ��ية وضعية ال تس� � ��تنجد‬ ‫باألدي� � ��ان وبالقي� � ��م الدينية‪ .‬وقد ش� � ��هدت الس� � ��احة‬ ‫الفكري� � ��ة العربي� � ��ة بالتدريج صعود تي� � ��ارات فكرية‬ ‫تدعو إلى وحدة الش� � ��عوب اإلس� �ل��امية وعودة الدين‬ ‫اإلسالمي كمخزون رئيس للهوية على حساب الفكر‬ ‫القومي احلديث‪ ،‬وعلى رأسها فكرة القومية العربية‬ ‫الوضعية التي ال تتنكر إلى أهمية الديانة اإلسالمية‬ ‫في التاريخ العربي املشترك والوعي اجلماعي‪ ،‬إمنا‬ ‫ال جتعل من� � ��ه العامل احلصري للهوية‪ ،‬الذي يقصي‬

‫العوامل األخرى الوضعية في تكوين األمم‪.‬‬ ‫في هذا السياق أصبح بعض من اإلعالم العربي‬ ‫وعديد من الدراس� � ��ات األكادميية‪ ،‬سواء في الدول‬ ‫الغربية أو العالم العربي‪ ،‬يبرز بش� � ��كل مثير ومتكرر‬ ‫األفكار الراديكالية الدينية اإلسالمية الطابع لكل من‬ ‫سيد قطب وابن تيمية وأبي العالء املودودي‪ ،‬ما أدى‬ ‫إلى إقصاء الفكر اإلس� �ل��امي لكبار الفقهاء املسلمني‬ ‫العرب‪ ،‬مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي‪ ،‬واإلمام محمد‬ ‫عبده‪ ،‬وعبدالرحمن الكواكبي‪ ،‬والش� � ��يخ أحمد أمني‬ ‫والش� � ��يخ بن باديس‪ ،‬واألمير عبدالقادر اجلزائري‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال ع� � ��ن جمال الدين األفغاني‪ ،‬واألمير ش� � ��كيب‬ ‫أرسالن‪ ،‬وجميعهم عملوا وناضلوا من أجل التوفيق‬ ‫بني احلداث� � ��ة والقيم الدينية اإلس� �ل��امية‪ ،‬وكان لهم‬ ‫أكبر األثر في موجة التحديث للبنى املؤسساتية في‬ ‫املجتمعات العربية ودولها‪.‬‬ ‫وجدت هذه احلركة احلداثية عديداً من األتباع‬ ‫ممن لم يتلقّ تعليماً دينياً من املس� � ��لمني‬ ‫في املجتمع‪ّ ،‬‬ ‫واملس� � ��يحيني على الس� � ��واء‪ ،‬كما في مصر وس� � ��ورية‬ ‫ولبن� � ��ان والعراق‪ .‬وف� � ��ي هذا الص� � ��دد‪ ،‬ميكن للمرء‬ ‫االس� � ��تدالل بش� � ��خصيات مؤ ّثرة‪ ،‬مث� � ��ل أحمد لطفي‬ ‫الس � � � ّيد‪ ،‬وهو مف ّكر مصري كبير‪ ،‬أدخل حتس� � ��ينات‬ ‫جوهرية عل� � ��ى الصحافة املصرية‪ ،‬وكان بالغ التأثير‬ ‫بتطلّعاته احلداثي� � ��ة والعلمانية‪ .‬لكن ذاع صيت كثير‬ ‫من املف ّكرين اآلخرين‪ ،‬من املسلمني واملسيحيني‪ ،‬في‬ ‫القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين‪.‬‬

‫تط ّور فكر نقدي عربي في مواجهة إخفاقات‬ ‫العرب‬ ‫على أثر النكبات املتتالية التي أصابت املجموعة‬ ‫العربية‪ ،‬وبش� � ��كل خ� � ��اص العجز العس� � ��كري الهائل‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي ظهر على أثر احلرب العربية ‪ -‬اإلس� � ��رائيلية‬ ‫في عام ‪ ،1967‬واحتالل إسرائيل ملزيد من األراضي‬ ‫الفلسطينية والعربية في كل من مصر وسورية‪ ،‬ظهر‬ ‫فك� � ��ر نقدي عرب� � ��ي غني‪ .‬وقد برزت هذه املدرس� � ��ة‬ ‫الفكرية بقوة عقب إخفاقني عرب َّيني مد ّويَني‪ ،‬أولهما‬ ‫إخف� � ��اق أولى جت� � ��ارب الوحدة التي لم ت� � ��دم طوي ً‬ ‫ال‬ ‫بني مصر وس� � ��ورية (‪1961-1958‬م)‪ ،‬والتي اعتُبرت‬ ‫بداي ًة حلركة وح� � ��دة عربية كبرى تزيل احلدود التي‬ ‫فرضتها اتّفاقية «س� � ��ايكس بيكو» في س� � ��نة ‪1916‬م‪.‬‬

‫ثغرة خطيرة في الذاكرة العربية‪ ...‬نسيان تعددية وغنى مصادر الثقافة‬

‫‪29‬‬


‫أما اإلخفاق الثاني فقد ظهر في الهزمية العسكرية‬ ‫النكراء التي نزلت بالعرب في حربهم مع إس� � ��رائيل‬ ‫في س� � ��نة ‪ ،1967‬والتي أفضت إلى اس� � ��تيالئها على‬ ‫شبه جزيرة سيناء املصرية‪ ،‬وعلى مرتفعات اجلوالن‬ ‫الس� � ��ورية‪ ،‬وعلى الضفة الغربية الفلس� � ��طينية التي‬ ‫كانت خاضع� � ��ة لإلدارة األردنية‪ .‬لقد أفس� � ��ح هذان‬ ‫احلدثان املأس� � ��اويان املجال أمام توجي� � ��ه انتقادات‬ ‫منتم‬ ‫ح� � ��ا ّدة من عدد من املف ّكرين الع� � ��رب‪ ،‬بعضهم ٍ‬ ‫إلى مدرسة الفكر املاركسي ومدرسة الفكر القومي‪.‬‬ ‫أع ّد هؤالء دراسات وكتباً كثيرة ق ّوموا فيها األسباب‬ ‫الرئيس� � ��ة لعج� � ��ز العرب ع� � ��ن حتقيق الوح� � ��دة أمام‬ ‫حت ّديات عديدة واجهته� � ��ا املنطقة العربية‪ .‬وح ّددوا‬ ‫تل� � ��ك التح ّديات بأنها اإلخف� � ��اق في مواجهة احتالل‬ ‫دولة إس� � ��رائيل احلديثة لفلس� � ��طني‪ ،‬وفي مس� � ��اعدة‬ ‫الفلسطينيني على اس� � ��ترجاع ولو جزء من األراضي‬ ‫الت� � ��ي خس� � ��روها في حرب ع� � ��ام ‪1967‬م‪ ،‬والفش� � ��ل‬ ‫ف� � ��ي مواجهة سياس� � ��ات االس� � ��تعماريني اجلدد التي‬ ‫الواليات املتّحدة وحلفاؤها‪ ،‬والفش� � ��ل في‬ ‫انتهجته� � ��ا‬ ‫ُ‬ ‫حتقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متسارعة‪.‬‬ ‫شجبت هذه املدرسة السياس� � � ِ‬ ‫�ات الفاشلة التي‬ ‫انتهجتها االنقالبات العسكرية كما حصل في مصر‬ ‫وس� � ��ورية والعراق‪ ،‬والتي ُعلّقت عليه� � ��ا آمال كبيرة‪.‬‬ ‫وقد رأى بعض هؤالء‪ ،‬من أمثال جالل صادق العظم‪،‬‬ ‫أن املش� � ��كلة الرئيس� � ��ة تكمن في الدور السلبي الذي‬ ‫بقيت املؤسسات الدينية تقوم به في الدول العربية‪،‬‬ ‫وهو ما يحول دون من � � � ّو الطاقات والقدرات العربية‬ ‫وإس� � ��هامها في مكافحة التخلّ� � ��ف‪ .‬ورأى آخرون‪ ،‬من‬ ‫أمثال ياس� �ي��ن احلافظ‪ ،‬ومهدي عام� � ��ل‪ ،‬وهو مف ّكر‬ ‫لبناني المع اغتيل في سنة ‪ ،1987‬أ ّن العامل الرئيس‬ ‫الذي أ ّدى إلى إخفاق املجتمعات العربية كان إخضاع‬ ‫«البرجوازية الصغي� � ��رة» احلديثة للبرجوازية احمللّية‬ ‫األعلى مقاماً بس� � ��بب الثورات الت� � ��ي قادها ض ّباط‬ ‫عسكريون‪.‬‬ ‫يظهر أن ياس� �ي��ن احلافظ ومه� � ��دي عامل تأ ّثرا‬ ‫مبؤلفات فرانتز فانون‪ ،‬وهو طبيب وعالم نفس� � ��اني‬ ‫من ج� � ��زر «األنتيل» التي اس� � ��تعمرها الفرنس� � ��يون‪،‬‬ ‫وال� � ��ذي التحق بجبهة التحري� � ��ر الوطني اجلزائرية‪.‬‬ ‫أس� � ��هب فانون في كتابه ‪Les damnés de la terre‬‬ ‫(املعذب� � ��ون ف� � ��ي األرض) في وصف أخط� � ��ار ما بعد‬ ‫‪30‬‬

‫التح ّرر واحلص� � ��ول على االس� � ��تقالل‪ .‬إذ تك ّهن بأن‬ ‫القيادات اجلديدة في تلك الدول ستستسلم إلغراء‬ ‫تقليد سلوك أسيادها املستعمِ رين السابقني وتتح ّول‬ ‫بس� � ��هولة إلى حلفاء لهم‪ .‬ولذلك أوص� � ��ى ببقاء تلك‬ ‫القي� � ��ادات اجلديدة قريبة من اجلماهير الش� � ��عبية‪،‬‬ ‫وبخاصة سكان املناطق الريفية كونهم اخلزّان األمثل‬ ‫ّ‬ ‫للس� � ��ير في الطريق املؤ ّدي إلى االستقالل احلقيقي‬ ‫والتغيير االجتماعي ونص� � ��رة احملرومني‪ .‬وح ّذر من‬ ‫املتحجرة إلبقاء اجلماهير‬ ‫س� � ��وء اس� � ��تغالل التقاليد‬ ‫ّ‬ ‫حتت الس� � ��يطرة‪ ،‬وهو ما يجعلها تعبي� � ��راً فولكلورياً‬ ‫لل ُهو ّية‪.‬‬ ‫وميك� � ��ن اإلتيان عل� � ��ى ذكر عديد م� � ��ن املف ّكرين‬ ‫العلمانيني هنا‪ ،‬الس� � ��يما الشاعر الس� � ��وري الشهير‬ ‫أدوني� � ��س (ال� � ��ذي انتق� � ��ده مه� � ��دي عام� � ��ل ملقاربته‬ ‫اجلوهرانية جتاه الدِّين اإلس� �ل��امي)‪ ،‬وسمير أمني‪،‬‬ ‫العال� � ��م االقتص� � ��ادي املص� � ��ري األص� � ��ل‪ ،‬وكثير من‬ ‫الوطني� �ي��ن احلداثيني العرب غير املاركس� � ��يني‪ ،‬مثل‬ ‫عبدالله عبدالدامي وقسطنطني زريق‪ ،‬وهما مف ّكران‬ ‫س� � ��وريان عظيما التأثي� � ��ر‪ .‬املف ّكر املؤ ّث� � ��ر اآلخر هو‬ ‫املغربي عبدالله العروي املجاهر مباركس� � ��يته‪ ،‬الذي‬ ‫حلّ� � ��ل ب� � ��ذكاء الفجوة املتك� � ��ررة بني التغ ّي� � ��رات التي‬ ‫تشهدها احلياة الفكرية الغربية والتغ ّيرات الالحقة‬ ‫التي ش� � ��هدها الفكر العربي ونظرته إلى العالم حتت‬ ‫تأثير التغيرات الفكرية األوربية‪ .‬يرى العروي أنه ال‬ ‫ميك� � ��ن للحياة الفكرية العربي� � ��ة أن تقضي على هذا‬ ‫التخلف بالش� � ��كل املناس� � ��ب على صعيد احلداثة إ ّال‬ ‫باعتماد نظ� � ��رة عاملية مبنية على النزعة التاريخانية‬ ‫املاركسية‪.‬‬ ‫وبالع� � ��ودة إلى موضوع إخف� � ��اق املجتمعات العربية‬ ‫ف� � ��ي االنخ� � ��راط في تنمي� � ��ة اقتصادية متس� � ��ارعة في‬ ‫س� � ��بعينيات القرن املاضي‪ ،‬ش � � � ّكك عدد م� � ��ن اخلبراء‬ ‫االقتصاديني العرب في اعتم� � ��اد االقتصادات العربية‬ ‫املتعاظ� � ��م على ريع النف� � ��ط‪ .‬كما ش � � � ّككوا في تصدير‬ ‫الق� � ��وة العاملة املاهرة وغير املاه� � ��رة إلى خارج الوطن‬ ‫العربي‪ ،‬وامليل إلى زيادة اس� � ��تهالك الكماليات وإهمال‬ ‫س � � � ّكان املناطق الريفية والق� � ��درة الزراعية على إنتاج‬ ‫الغذاء لالستهالك احمللّي‪ ،‬باإلضافة إلى اإلخفاق في‬ ���حتصيل العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬وبالتالي ش � � � ّدة االعتماد‬ ‫عل� � ��ى ال� � ��واردات م� � ��ن املكائ� � ��ن واملع� � ��دات الصناعية‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫نش� � ��ير في هذا الس� � ��ياق إلى الراحل يوسف الصايغ‪،‬‬ ‫أحد أش� � ��هر اخلبراء االقتصاديني الع� � ��رب‪ ،‬الذي أ ّلف‬ ‫كتاب «مح� � ��ددات التنمية االقتصادي� � ��ة العربية» (‪The‬‬ ‫‪)determinants of Arab Economic Development‬‬ ‫في سنة ‪ .1978‬اليزال هذا الكتاب أبلغ وأسهب وصف‬ ‫إلخفاقات السياسات احلكومية في العالم العربي‪ .‬كما‬ ‫أ ّلف الصايغ كت ّيباً ق ّيماً في س� � ��نة ‪ 1961‬بعنوان «اخلبز‬ ‫مع الكرامة» ‪ّ ،Bread with Dignity‬‬ ‫خلص فيه القضايا‬ ‫االجتماعي� � ��ة االقتصادية األساس� � ��ية ف� � ��ي املجتمعات‬ ‫العربية‪ .‬وعلى ضوء التظاهرات الشعبية العارمة التي‬ ‫شهدها معظم املجتمعات العربية في سنة ‪ ،2011‬التي‬ ‫طالب� � ��ت بتوفير العدد الكافي من فرص العمل‪ ،‬وتأمني‬ ‫العدال� � ��ة االجتماعية‪ ،‬واحل ّريات السياس� � ��ية ومحاربة‬ ‫الفس� � ��اد‪ ،‬تُظهر مقالة الصايغ التي نُش� � ��رت قبل سنني‬ ‫كثي� � ��رة م� � ��ن ح� � ��دوث االضطراب� � ��ات االجتماعية مدى‬ ‫بُ ْعد نظ� � ��ر الكاتب‪ .‬وحلّل أنطوان زح� �ل��ان‪ ،‬وهو خبير‬ ‫اقتصادي فلس� � ��طيني آخر وعال� � ��م فيزيائي‪ ،‬بكثير من‬ ‫التفصيل األسباب العديدة إلخفاق املجتمعات العربية‬ ‫وحكوماتها في فهم القضايا املتصلة باالستحواذ على‬ ‫العلوم والتكنولوجيا وتوطينها محلياً‪.‬‬

‫اإلق�لاع عن مناقشة ال نهاية لها لألمور الدينية‬ ‫والعودة إلى مناقشات أسباب الفشل العربي الذريع‬ ‫في متلّك وتوطني العلم والتكنولوجيا‬ ‫لق� � ��د آن األوان لاللتفات إل� � ��ى القضايا املتّصلة‬ ‫بتعاظم اإلخفاق� � ��ات االجتماعي� � ��ة واالقتصادية في‬ ‫أغلب ال� � ��دول العربية على صعيد اس� � ��تيعاب العلوم‬ ‫والتكنولوجيا‪ ،‬والتصنيع واملناش� � ��ط االقتصادية ذات‬ ‫القيمة املضاف� � ��ة العالية‪ ،‬واش� � ��تمال أفقر الطبقات‬ ‫الس� � ��كانية ومتكينها‪ .‬إن املاليني من الشباب العرب‬ ‫العاطلني ع� � ��ن العمل وامله َّمش� �ي��ن ف� � ��ي مجتمعاتهم‬ ‫يش ّكلون بيئة محلية سلبية ميكن أن تتيح للمنظمات‬ ‫العنيفة واإلرهابي� � ��ة جتنيدهم‪ .‬وفي هذا اخلصوص‬ ‫الب ّد م� � ��ن التذكير بأن املنطقة العربية تعاني أس� � ��وأ‬ ‫معدالت البطالة من بني س � � � ّكان س� � ��ائر املناطق في‬ ‫وبخاصة العنصر الش� � ��اب‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫العالم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ث� � ��راء بعض الدول العربية‪ ،‬لم يُبذل ش� � ��يء لتصحيح‬ ‫أمناط اخت� �ل��ال التوازن االجتماع� � ��ي وتأمني فرص‬ ‫عم� � ��ل الئقة وبأعداد كافي� � ��ة‪ .‬وبوجود عدد كبير من‬

‫العرب من أصح� � ��اب املاليني‪ ،‬يصبح الوضع أش � � � ّد‬ ‫خزياً‪ .‬هذا هو س� � ��بب وجوب إي� �ل��اء القضايا املتّصلة‬ ‫بهذه اإلخفاق� � ��ات اهتماماً فكرياً أكب� � ��ر بكثير‪ ،‬خاصة‬ ‫باملقارن� � ��ة بالنجاحات ف� � ��ي مناطق أخرى ف� � ��ي العالم‬ ‫الثالث في أمريكا الالتينية وجنوب ش� � ��رق آس� � ��يا‪ .‬لقد‬ ‫عانت دول أخرى غير الدول العربية من عدوان القوى‬ ‫االستعمارية الغربية‪ ،‬لكنها جنحت في استيعاب العلوم‬ ‫والتكنولوجيات احلديث� � ��ة وأضحت اقتصادات دينامية‬ ‫ومبتكِ رة (كوريا اجلنوبية‪ ،‬تايوان‪ ،‬الصني‪ ،‬سنغافورة‪ ،‬بل‬ ‫واليابان في القرن التاس� � ��ع عشر)‪ .‬كما أنها تخلّت عن‬ ‫احلب ‪/‬الكراهية امللتبس� � ��ة مع العالم الغربي‪،‬‬ ‫عالقات‬ ‫ّ‬ ‫وتكاملت مع احلداثة العاملية التي أشاعتها املجتمعات‬ ‫الغربية في سياق ديناميات العوملة االقتصادية‪.‬‬ ‫لذلك‪ ،‬ينبغي أن يصبح التحقيق في أسباب وكيفية‬ ‫إخف� � ��اء وطمس غنى وتع� � ��دد الثقافة والفك� � ��ر العربي‬ ‫املعاصر وجلم النزعة احلداثوية في املجتمعات العربية‬ ‫قضي ًة مركزية في الدراس� � ��ات األكادميي� � ��ة عن العالم‬ ‫العرب� � ��ي‪ .‬القضية األخرى هي ض� � ��رورة قيام الباحثني‬ ‫الع� � ��رب بالتقليل من اهتمامه� � ��م بالعالقات بني العرب‬ ‫واملجتمع� � ��ات والثقافات الغربية‪ ،‬ليتس � � �نّى لهم التركيز‬ ‫على دراس� � ��ة عملي� � ��ة التحديث الناجح� � ��ة للمجتمعات‬ ‫اآلس� � ��يوية واألمريكية الالتينية األكثر دينامية‪ .‬وهناك‬ ‫بالتأكي� � ��د دروس كثيرة ميكن تعلّمها من جتاربهم‪ .‬غير‬ ‫أن قلّة قليلة من املف ّكرين درس� � ��تها حتى هذه الساعة‪.‬‬ ‫وأنا أرى أن الوقت قد حان لتعديل األجندة األكادميية‬ ‫املتّصلة بالعالم العربي للخروج من املناقشات العقيمة‬ ‫الت� � ��ي تر ّكز على الديانة اإلس� �ل��امية‪ ،‬ذل� � ��ك أن الدين‬ ‫وتفس� � ��يراته املتن ّوعة ليس� � ��ت ظاهرة جام� � ��دة‪ ،‬بل هي‬ ‫تتط� � ��ور وتتغير حس� � ��ب الظروف التاريخي� � ��ة‪ ،‬وإذا كان‬ ‫الدي� � ��ن مصدراً من مصادر تط� � ��ور الفكر‪ ،‬فهو ال ميكن‬ ‫أن يك� � ��ون بدي ً‬ ‫ال عن النس� � ��يج املتع� � ��دد األطراف للفكر‬ ‫والثقافة‪.‬‬ ‫ا الهوتياً‬ ‫لذل� � ��ك‪« ،‬العق� � ��ل العرب� � ��ي» ليس عق� �ل � ً‬ ‫إقصائي � � �اً‪ .‬وهو قد ش� � ��هد على م � � � ّر التاريخ تغ ّيرات‬ ‫كثيرة؛ وثقافته س� � ��واء اإلس� �ل��امية أو التي س� � ��بقت‬ ‫اإلس� �ل��ام مبنية على طرائ� � ��ق متن ّوع� � ��ة للتعبير عن‬ ‫الذات‪ ،‬بدءاً بالش� � ��عر وانتها ًء بالفلس� � ��فة واملوسيقى‬ ‫والرس� � ��م واألدب بكل أش� � ��كاله‪ ،‬لذلك ف� � ��إن اختزاله‬ ‫بعقل ديني الهوتي هو مج ّرد سخافة >‬

‫ثغرة خطيرة في الذاكرة العربية‪ ...‬نسيان تعددية وغنى مصادر الثقافة‬

‫‪31‬‬


‫فكر‬

‫وسطية اإلسالم وسماحته‬ ‫فيصل المرشد‬

‫رئيس مجلس القضاء األعلى في الكويت سابقا ً‬

‫ك َذ ِل َ‬ ‫جل جالله { َو َ‬ ‫ع ْلن َ ُ‬ ‫قال اهلل ّ‬ ‫س ً�طا} (سورة البقرة‬ ‫ك َ‬ ‫اك ْ‬ ‫ج َ‬ ‫م أ ُ َّم ًة َو َ‬ ‫ اآلي�ة‪ ،)143 :‬ألن أح���ب األعم���ال إل���ى اهلل تعال���ى أوس���طها‪ ،‬واألمة‬‫اإلس�ل�امية أمة وس���ط باعتدالها واس���تقامتها على األخ�ل�اق الفاضلة‬ ‫والقي���م الس���امية التي ّ‬ ‫بثه���ا فيها اإلس�ل�ام تهذيب ًا للنف���وس‪ ،‬والتي‬ ‫تش���هد على الن���اس جميع ًا‪ ،‬فتقي���م بينهم العدل والقس���ط‪ ،‬وتضع‬ ‫لهم الموازين والقيم‪ ،‬وهي عقيدة وشريعة وسلوك‪ ،‬فلذلك تكون‬ ‫أمة وسط ًا في كل شيء‪ ،‬تأمر بالخير‪ ،‬وتنهى عن المنكر‪ ،‬فال‬ ‫تعصب‬ ‫ّ‬ ‫ض���د اآلخرين‪ ،‬وال رفض لهم وال إكراه أو إرهاب أو ترويع بغير حق أو قتل‬ ‫األنفس البريئة‪.‬‬

‫املس� � ��لم ال يظل� � ��م وال يج� � ��ور وال يبغي‪ ،‬لق� � ��ول الله‬ ‫َس ��ا َد ِف ��ي أَْ‬ ‫ال ْر ِض ِإنَّ ال َّل� � َه اَل‬ ‫تعال� � ��ى‪َ { :‬و اَل َت ْب � ِ�غ ا ْلف َ‬ ‫ُي ِح ُّب المْ ُفْ ِس � ِ�دينَ } (سورة القصص ‪ -‬اآلية‪ ،)77 :‬ولقول‬ ‫النبي عليه الصالة والس� �ل��ام‪« :‬ال ت َر ِّوعوا املس� � ��لم‪ ،‬فإن‬ ‫روعة املسلم ظلم عظيم‪ ،‬و َمن أشار ألخيه بحديدة‪ ،‬فإن‬ ‫املالئك� � ��ة تلعنه حتى ينته� � ��ي‪ ،‬وإن كان أخاه ألبيه وأمه»‪.‬‬ ‫كما نهى عليه الصالة والس� �ل��ام ع� � ��ن املغاالة في الدين‬ ‫والغلو والت� � ��رف‪ ،‬فقال‪« :‬إياكم والغل� � ��و في الدين‪ ،‬فإمنا‬ ‫َهلَ� � ��ك من كان قبلك� � ��م بالغل ّو في الدي� � ��ن»‪ .‬واملفارقة أنه‬ ‫ال توج� � ��د حضارة ارتبطت بدين س� � ��ماوي أو غيره‪ ،‬كما‬ ‫احلضارة اإلس� �ل��امية‪ ،‬وديننا دين س� � ��ماحة‪ ،‬أي املعتدل‬ ‫واأليس� � ��ر من األديان‪ ،‬مع االعت� � ��راف باحلرية لآلخرين‪،‬‬ ‫الس� � ��يما الدينية منها‪ ،‬فال يجوز إجبارهم على الدخول‬ ‫في اإلس� �ل��ام مصداقاً لقول احلق تب� � ��ارك وتعالى‪ :‬اَ‬ ‫{ل‬ ‫الدي � ِ�ن} (س ��ورة البق ��رة ‪ -‬اآلي ��ة‪ .)256 :‬مع‬ ‫ِإ ْك� � َرا َه ِف ��ي ِّ‬ ‫دع� � ��وة الناس إل� � ��ى دين التوحي� � ��د باحلكم� � ��ة واملوعظة‬ ‫يل‬ ‫احلس� � ��نة‪ ،‬تطبيقاً لقول احلق تعالى‪{ :‬ا ْد ُع ِإ َلى َس � ِ�ب ِ‬ ‫‪32‬‬

‫َر ِّب � َ‬ ‫الكْ َم � ِ�ة َوالمَْ ْو ِع َظ ِة حَْ‬ ‫ال َس� �ن َِة َو َج ِادل ُْه ْم ِبال َِّتي‬ ‫�ك ِب حْ ِ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ِه � َ�ي أ ْح َس ��نُ } (س ��ورة النح ��ل ‪ -‬اآلي ��ة‪ )125 :‬ح ّب � � �ا في‬ ‫إسعاد البشرية‪ .‬واألحكام الش� � ��رعية قائمة على اليسر‬ ‫والس� � ��ماحة والتوسط واالعتدال‪ ،‬مصداقاً لقوله تعالى‪:‬‬ ‫اَ‬ ‫{ل ُي َك ِّل � ُ�ف ال َّل ��هُ َنفْ ًس ��ا ِإ اَّل ُو ْس� � َع َها} (س ��ورة البقرة ‪-‬‬ ‫َ‬ ‫َاك ِإلاَّ‬ ‫اآلية‪ - )268 :‬ولقول الله س� � ��بحانه‪َ { :‬و َما أ ْر َس� � ْلن َ‬ ‫َر ْح َم ًة ِل ْل َع مَ ِالنيَ} (س ��ورة األنبي ��اء ‪ -‬اآلية‪ .)107 :‬ولقوله‬ ‫عليه الصالة والسالم‪« :‬إن الدين يسر‪ ،‬ولن يشاد الدين‬ ‫أحد إال غلبه‪ ،‬فس � � � ّددوا وقاربوا وأبشروا»‪ .‬وقوله أيضاً‪:‬‬ ‫ُعسروا‪ّ ،‬‬ ‫وبش� � ��روا وال تنف ّروا»‪ ،‬و«إمنا بُعثت‬ ‫ِّ‬ ‫«يسروا وال ت ّ‬ ‫باحلنفية السمحة»‪ .‬وقوله أيضاً‪« :‬من ال يَ ْرحم ال يُ ْر ُحم»‬ ‫و«ارحم� � ��وا من ف� � ��ي األرض يرحمكم من في الس� � ��ماء»‪،‬‬ ‫والرحمة عامة للمسلم وغير املسلم‪.‬‬ ‫وال يرفض اإلسالم التعددية الدينية في املجتمعات‬ ‫اإلنسانية بدليل قوله تعالى‪َ { :‬و َل ْو شَ ا َء َر ُّب َك لآَ َمنَ َم ْن‬ ‫ِف ��ي أَْ‬ ‫َّاس َحتَّ ى‬ ‫ال ْر ِض ُك ُّل ُه ْم َج ِم ً‬ ‫يع ��ا أَ َفأَنْتَ ُتكْ � ِ�ر ُه الن َ‬ ‫وجه‬ ‫َي ُكو ُن ��وا ُمؤ ِْم ِننيَ} (س ��ورة يونس ‪ -‬اآلي ��ة‪ ،)99 :‬لذا ّ‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫سبحانه وتعالى خطابه ونداءاته في السور املك ّية بقوله‪:‬‬ ‫{يا أ ّيها الن� � ��اس‪ }...‬وليس {يا أيه� � ��ا الذين آمنوا‪}...‬‬ ‫تس ُع الناس جميعاً‬ ‫لوجود رابطة إنس� � ��انية وأخ ّوة بشرية َ‬ ‫مسلمهم وغير مسلمهم‪ ،‬والله جلّت حكمته يدعو املؤمنني‬ ‫إلى أن يغفروا حتى للذين ال يرجون أيام الله‪ ،‬وجند ذلك‬ ‫في قوله ج ّل وعال‪ُ :‬‬ ‫آمنُوا َيغْ ِف ُروا ِل َّل ِذينَ‬ ‫{قلْ ِل َّل ِذي ��نَ َ‬ ‫اَل َي ْر ُج ��ونَ أَ َّيا َم ال َّل ِه} (س ��ورة اجلاثي ��ة ‪ -‬اآلية‪ )14 :‬كما‬ ‫ك ّرمهم ربهم ملجرد أنهم بشر لقوله تعالى‪َ { :‬و َلق َْد َك َّر ْمنَا‬ ‫َب ِني آ َد َم} (سورة اإلسراء ‪ -‬اآلية‪.)70 :‬‬ ‫واملس� � ��لم ميارس أخالقه الس� � ��امية الهادية مع كل‬ ‫مخلوقات الل� � ��ه‪ ،‬حتى مع اجلماد والنب� � ��ات واحليوان‪،‬‬ ‫فإماطة األذى ع� � ��ن الطريق من اإلمي� � ��ان‪ ،‬وفي رعاية‬ ‫النبات وغرس فس� � ��يلة ‪ -‬ولو كانت القيامة تقوم ‪ -‬أجر‬ ‫و«في كل كبد رطبة صدقة»‪ .‬وبالرغم من إشارة القرآن‬ ‫الكرمي إلى االختالفات املهمة‪ ،‬فإنه يحثّ املسلمني على‬ ‫وسطية اإلسالم وسماحته‬

‫اكتش� � ��اف القواسم املش� � ��تركة بينهم وبني أهل الكتاب‪،‬‬ ‫واالس� � ��تفادة منه� � ��ا ف� � ��ي التواصل معهم‪ ،‬ب� � ��ل والتعاون‬ ‫معه� � ��م على الب ِّر والتقوى مبا ال يُخالف عقيدتنا‪ ،‬وهذه‬ ‫القواس� � ��م املش� � ��تركة‪ :‬الوحدانية وأن رس� � ��الة اإلسالم‬ ‫رحمة للعاملني‪ ،‬وقوله تعالى‪ ...{ :‬وتُقسطوا إليهم‪}...‬‬ ‫أي تعطوهم أموالهم على وجه الصلة‪.‬‬ ‫كما يدعو اإلس� �ل��ام إلى العدل الشامل مع اجلميع‬ ‫مبن في ذلك غير املسلم وحتى مع األعداء‪:‬‬ ‫{ َو اَل َي ْج ِر َمن َُّك � ْ�م شَ � �نَآنُ َق� � ْو ٍم َع َل ��ى أَ اَّل ت َْع ِد ُل ��وا‬ ‫اع ِد ُل ��وا ُه َو أَقْ َر ُب ِللتَّقْ َوى} (س ��ورة املائدة ‪ -‬اآلية‪.)8 :‬‬ ‫ْ‬ ‫وقال أحد احلكم� � ��اء‪« :‬اجعل بينك وبني عد ّوك العدل‪،‬‬ ‫وبينك وبني صديقك الرضا»‪.‬‬ ‫وهنا دعوة للقارئ الكرمي ليضرب بس� � ��هم وافر من‬ ‫ثاقب فكره‪ ،‬حواراً رشيداً‪ ،‬وعطاء موصوالً حول منهجية‬ ‫اإلسالم نحو الوسطية واالعتدال‪ ،‬فكراً ومنهجاً >‬ ‫‪33‬‬


‫قــالـوا‬ ‫< لو كان في إمكاني أن أكتب مباشرة على الطابعة‬ ‫أو جهاز الكمبيوتر لفعلت‪ ،‬لكن لوحة الطباعة تثير‬ ‫مخاوف� � ��ي‪ .‬ال ميكنني أن أفك� � ��ر البتّة وأصابعي في‬ ‫وض� � ��ع التأه� � ��ب عل� � ��ى اآللة‬ ‫الكاتب� � ��ة‪ .‬القلم ف� � ��ي املقابل‬ ‫أداة كتابة فطرية‪ ،‬إذ تش� � ��عر‬ ‫معه أن الكلم� � ��ات تخرج من‬ ‫جسدك مباشرة فتنقلها إلى‬ ‫الورق‪.‬‬ ‫بول أوستر‪،‬‬ ‫كاتب روائي من أمريكا‪.‬‬ ‫< ف������ي األدب ميكن أن جن������د احلياة احلقيقية‬ ‫فتح������ت قن������اع التخيي������ل‪ ،‬ميكن������ك أن تق������ول‬ ‫احلقيقة‪.‬‬ ‫جاو كسينغجيان‪،‬‬ ‫روائي من الصني‪ ،‬حاصل على «نوبل» في األدب‪.‬‬ ‫< األدب يج� � ��ب أن يوظ� � ��ف الوس� � ��ائط اللغوي� � ��ة‬ ‫والش� � ��كلية‪ ،‬ليعبر بها عن صوغ بانوراما للمجتمع‬ ‫ككل‪ ،‬وف� � ��ي األثن� � ��اء يق� � ��وم‬ ‫بتمزي� � ��ق األقنعة ع� � ��ن هذا‬ ‫املجتم� � ��ع‪ ،‬وهذا م� � ��ا أرى أن‬ ‫من شأنه أن يستحق جائزة‪.‬‬ ‫ألفريدة يلنيك‪،‬‬ ‫كاتب ��ة روائي ��ة م ��ن النمس ��ا‪،‬‬ ‫حاصلة على «نوبل» في األدب‪.‬‬ ‫< أكتب لنفسي دائماً‪ ،‬ألكتشف األشياء‪ ،‬وأختبرها‬ ‫بنفس� � ��ي‪ ،‬ألفهم‪ ،‬بش� � ��كل باطني وداخل� � ��ي ما الذي‬ ‫يجري في احلقيقة‪.‬‬ ‫هيرتا موللر‪،‬‬ ‫كاتبة روائية من أصل مجري‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫‪11/8/16 7:52:20 AM‬‬

‫< أنظر إلى كتبي جميعاً كما ينظر اآلباء ألطفالهم‪،‬‬ ‫وعدم جناح كتاب من بينها ال يعني أنني سأش� � ��عر‬ ‫جتاهه بعاطفة أقل‪.‬‬ ‫أليكس هيلي‪،‬‬ ‫كاتب روائي من أمريكا‪.‬‬ ‫< اإلب� � ��داع في حد ذاته ال يهتم بالنتائج‪ ،‬فالش� � ��يء‬ ‫الوحيد الذي يتوق إليه ه� � ��و العملية اإلبداعية في‬ ‫ح� � ��د ذاتها‪ .‬فلنتعلم أن نح� � ��ب عملية اإلبداع ولندع‬ ‫م� � ��ا يحدث بعد ذلك يحدث‪ .‬اعمل كراهب‪ ،‬أو بأي‬ ‫استعارة متثيلية أخرى للمثابرة‪ ،‬أحب العمل‪ ،‬بغض‬ ‫النظر عما سوف يدبره القدر معك‪.‬‬ ‫إليزابيث جيلبرت‪،‬‬ ‫كاتبة من أمريكا‪.‬‬ ‫< الذاك� � ��رة هي الطريقة التي‬ ‫نحكي بها ألنفس� � ��نا حكاياتنا‪،‬‬ ‫والتي نحكي بها نسخا مختلفة‬ ‫من هذه احلكايات لآلخرين‪.‬‬ ‫أليس مونرو‪،‬‬ ‫كاتبة من كندا‪،‬‬ ‫حاصلة على «نوبل»‪.‬‬ ‫< التقنيات احلديثة ليس� � ��ت سوى مجرد أداة‪ ،‬لكن‬ ‫حني يتعل� � ��ق األمر بتحفيز األطفال للعمل معا‪ ،‬فإن‬ ‫املدرس هو األكثر أهمية‪.‬‬ ‫بيل جيتس‪،‬‬ ‫مبتكر وخبير معلومات من أمريكا‬ ‫< م� � ��ن اجلدير بالذك� � ��ر أن درب التبان� � ��ة هي املجرة‬ ‫الوحي� � ��دة فقط‪ ،‬ب� �ي��ن ‪ 150‬مليار مج� � ��رة أخرى‪ ،‬التي‬ ‫متكنت التليسكوبات الفضائية اخلاصة بنا أن تراها‪،‬‬ ‫ولكل من تلك املجرات مكمالتها من الكواكب‪.‬‬ ‫سيث سوشتاك‪،‬‬ ‫عالم فضاء من أمريكا‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 34-35.indd 34‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫< س������وف متوت‪ ،‬رمب������ا بعد ‪ 20‬عام������ا‪ ،‬أو رمبا‬ ‫غدا‪ ،‬في أي وقت‪ .‬وأنا أيضا‪ .‬أعني أننا جميعا‬ ‫راحلون‪ .‬وسوف يستمر العالم من دوننا‪ .‬عليك‬ ‫إذن أن تؤدي عملك في مواجهة هذه احلقيقة‪.‬‬ ‫أما م������دى اجلدي������ة التي‬ ‫س������تأخذ بها نفسك‪ ،‬فهذا‬ ‫قرارك وحدك‪.‬‬ ‫بوب ديالن‪،‬‬ ‫موسيقي وكاتب أغان من‬ ‫أمريكا‪ ،‬حاصل على «نوبل»‬ ‫في األدب‪.‬‬ ‫< كي������ف ميك������ن التعبير عن ألم س������مكة؟ كان‬ ‫هذا الدافع األول لي ك������ي أصبح كات ًبا؛ ألنني‬ ‫�����دت أننا نحن الصغ������ار كذلك ميكننا أن‬ ‫اعتق� ُ‬ ‫جن َع������ َل غيرن������ا يفهمنا جيداً‪ ،‬أصبح������ت كاتباً‬ ‫ألعك������س أل������م س������مكة‪،‬‬ ‫واليوم أش������عر أنني خبير‬ ‫ف������ي التعبي������ر ع������ن األلم‬ ‫اإلنس������اني‪ ،‬ال������ذي أحاول‬ ‫ِّ‬ ‫التط� َ‬ ‫�����أدق ما‬ ‫�����رق إلي������ه ب�‬ ‫ميكن‪.‬‬ ‫كينزابورو أوي‪،‬‬ ‫كاتب روائي من اليابان‪.‬‬ ‫< اللغة ال تصي������ر أعجوبة األعاجيب إال في‬ ‫يد سلطان اسمه املبدع‪ .‬في يد هذا الساحر‬ ‫اخلرافي تستقيل اللغات عن هوياتها كلغات‪،‬‬ ‫لتصي������ر خ������ارج الكلمات‪ .‬تصير لغ������ة الروح‬ ‫الت������ي ترفض الب������كاء حبيس������ة داخل حدود‬ ‫الرطانات‪ .‬وأس������تطيع أن أعترف أن الفالح‬ ‫في العمل اإلبداعي رهن باكتشاف هذه اللغة‬ ‫التي يروق للبعض أن يطلق عليها اس������م لغة‬ ‫قالوا‬ ‫‪11/8/16 7:52:35 AM‬‬

‫املتون املقدسة‪ ،‬هذا االكتشاف «أو رحلة هذا‬ ‫االستكش������اف» جتربة أخ������رى ال بد أن ندفع‬ ‫الدم قرباناً في سبيل الفوز بها‪.‬‬ ‫إبراهيم الكوني‪،‬‬ ‫كاتب من ليبيا‪.‬‬ ‫< ش� � ��يء ما يحدث بني الرواية وقارئها يشبه تطور‬ ‫عملية التصوير‪ ،‬في عصر ما قبل الصورة الرقمية‪،‬‬ ‫فالصورة خالل طباعتها ف� � ��ي الغرفة املعتمة تبدأ‬ ‫تفاصيلها في الظهور ش� � ��يئاً‬ ‫فش� � ��يئاً‪ .‬عندما تق� � ��رأ رواية‬ ‫م� � ��ا فإن العملي� � ��ة الكيميائية‬ ‫نفسها تتم مع النص‪.‬‬ ‫باتريك موديانو‪،‬‬ ‫كاتب من فرنسا‬ ‫حاصل على «نوبل»‬ ‫< فوكنر هو الروائي األول الذي قرأت له ممسكا‬ ‫بيدي الورقة والقلم‪ ،‬ألني كنت مأخوذا بتكنيكه‬ ‫الفني‪،‬وهو الروائ������ي األول الذي حاولت بوعي‬ ‫أن أعيد ص������وغ أعماله‪ ،‬مح������اوال اقتفاء أثره‪،‬‬ ‫على س������بيل املثال‪ ،‬في تنظيم������ه الوقت‪،‬تداخل‬ ‫الزمان واملكان‪،‬التغيرات في الس������رد‪ ،‬والقدرة‬ ‫التي ميتلكه������ا على رواية القص������ة من وجهات‬ ‫نظر مختلفة‪ ،‬من أجل أن يخلق غموضا معينا‪،‬‬ ‫وليمنحها عمقا إضافيا‪ ،‬وباعتباري من أمريكا‬ ‫الالتينية‪ ،‬فأنا أعتق������د أنه كان من املفيد جدا‬ ‫بالنسبة لي قراءة كتبه‪ ،‬ألنها متثل ثروة عظيمة‬ ‫من تقني������ات الوصف التي تنطب������ق على عالم‬ ‫ليس مختلفا إلى حد ما عن ذلك الذي وصفه‬ ‫فوكنر >‬ ‫ماريو فارغاس يوسا‪،‬‬ ‫روائي من بيرو‪ ،‬حاصل على «نوبل» في األدب‪.‬‬ ‫‪35‬‬

‫‪dec 34-35.indd 35‬‬


‫استطالع‬

‫«سعير»‪...‬‬ ‫حرّمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬

‫‪36‬‬

‫‪11/8/16 7:54:42 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 36-47.indt 36‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫بثينة حمدان‬

‫كاتبة وإعالمية من فلسطني‬

‫بي���ن ن���ور الق���دس و َمدف���ن األنبي���اء خلي���ل الرحم���ن‪ ،‬تح���ط بل���دة س���عير بجباله���ا‬ ‫المرسومة بالعنب والزيتون‪ ،‬تقدم وديانها طريق ًا للولوج إليها‪ ،‬وتروي بعيونها‬ ‫ٌ‬ ‫ملعونة‬ ‫«العيص»‪ ،‬ومن هنا تبدأ حكاية بلدة‬ ‫قلبها والمحيط‪ ...‬فيها جامع النبي‬ ‫ِ‬ ‫مح���رم دخولها عل���ى اليهود كما ج���اء في الت���وراة‪ ،‬أو حتى قِتال س���كانها‪ ،‬فقد‬ ‫ٌ‬ ‫س���كنها «العيص» األخ التوأم للنبي يعقوب أبناء النبي إس���حق عليهم السالم‪،‬‬ ‫أمام اس���تباحة االحتالل للبل���دة؛ قت ً‬ ‫ً‬ ‫ال‪ ،‬واقتحام��� ًا‪ ،‬ومصادرة‬ ‫عاجزة‬ ‫محرّم���ات وقفت‬ ‫َ‬ ‫ألراضيها‪ ،‬وهدم ًا لمنازلها‪.‬‬

‫«سعير»‪ ...‬ح ّرمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬ ‫‪11/8/16 7:54:47 AM‬‬

‫‪37‬‬

‫‪dec 36-47.indt 37‬‬


‫متس� � ��كوا جزئياً بالوصية الدينية فلم يس� � ��كنها‬ ‫اإلسرائيليون رمبا‪ ،‬إال أنهم أحاطوها باالستيطان‪...‬‬ ‫التزا ٌم ملعو ٌن بعي ٌد عن مطا ِلبِهم َ‬ ‫الشرسة‪ :‬االعتراف‬ ‫بـ«الدولة اليهودية»‪ ...‬التزام تُ َبدِّ ُده أطماعهم!‬

‫إلى اجلنوب‬

‫اجتهت‬ ‫إلى ذلك اجلزء البعيد من فلس� � ��طني‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حيث املس� � ��افة املستحيلة التي فرضها االحتالل‪،‬‬ ‫ومع ذلك بق َيت مس� � ��افة ممتلئة بال� � ��روح‪ُ ،‬مت ّوقة‬ ‫باحل� � ��ب إلى اجلنوب؛ يبدأ ُ من اخلليل ثم يتداخل‬ ‫بالغرب قلي ً‬ ‫ال حيث رائحة غزة احملاصرة واملُبعدة‬ ‫قس� � ��راً والقريبة بحكم احلقيق� � ��ة الثابتة‪ ،‬هي ما‬ ‫بقي لنا من الس� � ��احل‪ ،‬ثم إلى بئر السبع املشمولة‬ ‫َ‬ ‫باحلص� � ��ار الغزي‪ ،‬وصحراء النق� � ��ب التي لم يُبقِ‬ ‫االحتالل لنا منها ش� � ��يئاً‪ ،‬فأتبعها إلى ما يس� � ��مى‬ ‫اليوم «دولة إس� � ��رائيل»‪ ،‬التي مارست اضطهادها‬ ‫على س� � ��كانها الب� � ��دو مبزاجية مفرط� � ��ة‪ ،‬وينتهي‬ ‫اجلنوب بأم الرشراش الواقعة على البحر األحمر‬ ‫في خليج العقبة‪ ،‬الذي تشترك فيه أربع دول هي‬ ‫األردن والسعودية ومصر وفلسطني‪ ،‬هذه املدينة‬

‫اليوم هي «إيالت» اإلس� � ��رائيلية‪ ،‬تلتصق حدودها‬ ‫مع مدينتي طابا املصرية والعقبة األردنية‪.‬‬ ‫هذا ه� � ��و اجلنوب الذي لم يس� � ��تطع أحد أن‬ ‫يغن� � ��ي له مثل جنوب لبنان‪ ،‬ففي� � ��ه عذابات كثيرة‬ ‫ال يكفيها حلن واح� � ��د‪ .‬التصق اجلنوب بذاكرتي‬ ‫وأنا في طريقي إلى بلدة س� � ��عير التابعة حملافظة‬ ‫اخللي� � ��ل‪ ،‬طري� � ��ق يس� � ��تحيل أن تكتم� � ��ل إل� � ��ى كل‬ ‫اجلنوب‪ ،‬فالسيارة التي أستقلها مسموح بها في‬ ‫الضفة‪ ،‬وألخترق حدود «إس� � ��رائيل» فأنا أحتاج‬ ‫إلى تصريح خاص وس� � ��يارة برقم إسرائيلي‪ ،‬وهو‬ ‫تصريح ال يشمل غزة وال أم الرشراش‪ ،‬والفرصة‬ ‫مهيأة يومياً لس� � ��قوط أمطار من تصاريح أخرى‬ ‫وأخرى وأخرى‪ ...‬من يدري؟!‬

‫املسافة‪ ...‬حتت االحتالل‬

‫ع� � ��ادة ما تكون املس� � ��افة ب� �ي��ن مدينة وأخرى‬ ‫محددة وواضحة‪ ،‬تقاس بالساعة والكيلومترات‪،‬‬ ‫لكن األمر هنا يش� � ��به تقلبات الطقس‪ ،‬وتوقعاته‬ ‫املجنونة‪ ،‬كون� � ��ه خاضعاً لفعل االحتالل وبامتياز‪.‬‬ ‫س� � ��اعتان تفص� �ل��ان رام الل� � ��ه عن اخللي� � ��ل‪ ،‬لكن‬

‫أحد مداخل بلدة سعير التابعة حملافظة اخلليل‬ ‫‪38‬‬

‫‪11/8/16 7:54:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 36-47.indt 38‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫احلواجز اإلس� � ��رائيلية الثابت� � ��ة والطيارة‪ ،‬ومزاج‬ ‫اجلن� � ��ود‪ ،‬واللجوء إلى طرق التفافية‪ ...‬كلها أمور‬ ‫تضاع� � ��ف الوقت‪ ،‬عدا عن إغ� �ل��اق القدس التي‬ ‫عبرها تصبح املسافة أقصر بكثير‪.‬‬ ‫مررن� � ��ا بقرى الق� � ��دس الت� � ��ي أخرجها جدار‬ ‫الضم والفصل العنصري من قلب املدينة‪ ،‬ومنها‬ ‫العيزرية وأبوديس والس� � ��واحرة الش� � ��رقية‪ ،‬هذه‬ ‫لوحة إس� � ��رائيلية تشير إلى مس� � ��توطنة «معاليه‬ ‫أدومي� � ��م» التي تعمل احلكومة اإلس� � ��رائيلية على‬ ‫توس� � ��عتها وضمه� � ��ا ملدينة القدس على حس� � ��اب‬ ‫أراضي وممتلكات الفلسطينيني‪ ،‬أراقب امتدادها‬ ‫بصمت‪ .‬نتوق� � ��ف عند حاج� � ��ز «الكونتينر» الذي‬ ‫يفصل الوس� � ��ط عن اجلنوب‪ ،‬ث� � ��م ننحدر باجتاه‬ ‫وادي النار‪ ،‬أشهر األودية الفلسطينية‪ٍ ،‬‬ ‫واد ُمتع ِّرج‬ ‫وش� � ��ديد االنحدار‪ ،‬لذا تكثر فيه احلوادث‪ .‬نصل‬ ‫بلدة العبيدية التابعة لبي� � ��ت حلم‪ ،‬يلتفت الر ّكاب‬ ‫تلقائياً إلى اليمني‪ ،‬تبزغ الشمس من جديد‪ ،‬نعم‬ ‫إنها أشعة القبة الذهبية للقدس‪ ،‬التي لم يستطع‬ ‫«سعير»‪ ...‬ح ّرمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬ ‫‪11/8/16 7:54:55 AM‬‬

‫اجلدار حجبها‪ ...‬نقترب م� � ��ن اخلليل‪ ...‬وصلنا‬ ‫«سعير»‪.‬‬

‫قرية بحجم مدينة‬

‫هذه املرة أدخل البل� � ��دة من مفرق النبي يونس‬ ‫بدالً من وادي س� � ��عير الذي أغلقته ق ّوات االحتالل‪،‬‬ ‫وتك� � ��رر األمر ملداخل أخرى الس� � ��يما خ� �ل��ال ه ّبة‬ ‫القدس احلالي� � ��ة‪ ،‬هي بحجم مدين� � ��ة‪ ،‬فقد حدثنا‬ ‫الدكتور كايد ج� � ��رادات رئيس البلدي� � ��ة بأن البلدة‬ ‫مكون� � ��ة من مجالس اندماجية عدة منذ عام ‪،2005‬‬ ‫مثل بيت عنون والعديس� � ��ة و ْكوازيبا وراس الطويل‬ ‫والدوارة ووادي الرمي‪ ،‬يقطنها نحو ‪ 26‬ألف مواطن‬ ‫مقيم عدا عن ‪ 12‬ألفاً يعيشون بني رام الله والقدس‬ ‫والش� � ��تات‪ ،‬هي بلدة يعمل س� � ��كانها بنسبة ‪ 30‬في‬ ‫املائة ف� � ��ي الزراعة‪ ،‬عدا عن العم� � ��ل في احلكومة‬ ‫وفي إسرائيل واحملاجر وتربية املواشي‪.‬‬ ‫أش� � ��ار املهندس نضال جبارين ابن البلد العامل‬ ‫في مؤسس� � ��ة دولية‪ ،‬الذي أشرف على إعداد هذه‬ ‫‪39‬‬

‫‪dec 36-47.indt 39‬‬


‫اجلولة‪ ,‬إلى أن عائالت البلدة تقس� � ��م إلى قسمني‪:‬‬ ‫املش� � ��اعلة والوهيبات‪ ،‬ويض� � ��م كل منهما عدداً من‬ ‫العائالت‪ ،‬يسكنون في مناطق محددة‪ ،‬فهذه منطقة‬ ‫املش� � ��اعلة تقطنها عائالت اجل� � ��رادات واجلبارين‬ ‫والفروخ‪ ،‬أما القس� � ��م الثاني فيض� � ��م مث ً‬ ‫ال الكوازبة‬ ‫والش� �ل��الدة وهكذا‪ ،‬ويفصل القسمني شارع ُمع ّبد‬ ‫وعني سعير‪.‬‬

‫قرية كبيرة‪ُ ...‬تفرحها صورة‬

‫وصلنا العني‪ ،‬التي تس� � ��مى أيضاً عني س� � ��انت‬ ‫هيالنة‪ ،‬وهي أش� � ��هر عيون البلدة التي قامت والدة‬ ‫اإلمبراطور قس� � ��طنطني الكبي� � ��ر بإصالحات عدة‬ ‫فيها‪ ،‬وال ي� � ��زال الدكتور كايد يذك� � ��ر أهالي القرى‬ ‫املجاورة عندما كانوا يأتون على احلمير من الشيوخ‬ ‫وحلحول والعروب إلى عني املاء‪.‬‬ ‫تعد فكرة التقاط صورة في البلدة مثيرة النتباه‬ ‫املارة‪ ،‬فماذا إذا كان� � ��ت املصورة هي املرأة الوحيدة‬ ‫بال حجاب؟! كانت أنظارهم ترنو إلي‪ ،‬تعلو وجوههم‬ ‫عالمات اس� � ��تفهام عدة‪ ،‬ما إن أمس� � ��كت بالكاميرا‬ ‫حتى حترروا م� � ��ن صمتهم‪ ،‬فركض بعضهم ليكونوا‬ ‫قطعة من الص� � ��ورة‪ ،‬قالها الكبار أيضاً‪« :‬صورينا»‪.‬‬ ‫قري� � ��ة كبيرة تفرحها صورة وتت� � ��وق إليها‪ ،‬هي قرية‬ ‫تريد أن تعيش‪.‬‬

‫من نبيذها‪ ...‬إلى زيتها‬

‫تد ّل� � ��ت عناقيد العن� � ��ب من الدوالي املنتش� � ��رة‬ ‫بهدوء كأنها أنث� � ��ى في صمتها وبصخب كأنها فت ّوة‬ ‫في قمته� � ��ا‪ ،‬تقول األغني� � ��ة الش� � ��عبية‪« :‬ت حَ‬ ‫ْلولي يا‬ ‫دالية على غصون العالية‪ ،‬تلوحلي عرضني وطول‪،‬‬ ‫تلوحلي‪ ،‬ألقدر أطول»‪ .‬نعم تشتهر محافظة اخلليل‬ ‫بالعنب‪ ،‬فيما متيزت س� � ��عير بشهرتها خالل الفترة‬ ‫البيزنطية بتصديرها للنبيذ‪ ،‬لكن مساحات العنب‬ ‫قلّت ملصلحة االهتمام بزراعة الزيتون‪ ،‬التي بدأت‬ ‫ف� � ��ي ثمانينيات القرن املاض� � ��ي‪ ،‬ويعد زيت اجلنوب‬ ‫إجماالً من أجود األنواع في فلسطني‪.‬‬ ‫مررنا مبزارعها املترامية وهي جزء من املساحة‬ ‫الكلية للبل� � ��دة البالغة ‪ 147‬ألف دومن‪ ،‬لكن مخطط‬ ‫البلدية هو س� � ��بعة آالف دومن‪ ،‬وال تستطيع البلدية‬ ‫تأمني اخلدمات املطلوبة للمزارع‪ ،‬فش� � ��بكة املياه ال‬ ‫‪40‬‬

‫‪11/8/16 7:54:58 AM‬‬

‫تصلهم واآلبار ال تكفي إلشباع احملاصيل‪.‬‬ ‫ومن مذاق عنبها العس� � ��لي‪ ،‬إل� � ��ى ذهبها األبيض‬ ‫وما تش� � ��تهر به من حجر يسمى «النجاصة» وجلودته‬ ‫بات يصدر إلى ال� � ��دول العربية‪ ،‬وهذه احملاجر برغم‬ ‫مضارها البيئية‪ ،‬فإنها تش� � ��غل نحو ‪ 500‬عامل‪ ،‬عدا‬ ‫عن األعم� � ��ال الناجتة عن هذا القطاع من مناش� � ��ير‬ ‫وشاحنات ناقلة وعوائد ذلك على االقتصاد الوطني‪.‬‬ ‫يعمل في البلدة نحو ألفي عامل في إس� � ��رائيل‪ ،‬فيما‬ ‫يخاط� � ��ر نحو أل� � ��ف بالعمل بال تصاريح إس� � ��رائيلية‪،‬‬ ‫ويبقى عدد كبير من الش� � ��باب في رحلة بحث موجعة‬ ‫عن عمل‪.‬‬

‫بحث ًا عن قارئ!‬

‫عن� � ��د «أم امل� � ��دارس» توقفن� � ��ا‪ ،‬التقطنا صورة‬ ‫«صورينا»‪ ،‬وافقت‪ ،‬است َع ّدا‬ ‫للمدرسة‪ ،‬صرخ طفالن‪َ :‬‬ ‫صامتني للصورة‪َ ،‬رجوتُهما االبتس� � ��ام‪ ،‬فرفعا شارة‬ ‫النصر‪ .‬هذه هي أقدم مدرس� � ��ة في البلدة أُسست‬ ‫عام ‪1935‬م‪ ،‬وهي اليوم مدرسة الشهيد عبدالقادر‬ ‫جرادات‪ ،‬وهناك سبع عشرة مدرسة أخرى‪.‬‬ ‫كان التعلي� � ��م قبلها ف� � ��ي الكتاتي� � ��ب‪ ،‬حدثنا عنه‬ ‫األس� � ��تاذ املتقاعد عل� � ��ي س� � ��لمان داوود‪ ،‬الذي كان‬ ‫أحد أساتذة رئيس البلدية للغة العربية‪ ،‬وهكذا بدأ‬ ‫حديث الذكريات؛ ال ُكتَّاب عبارة عن غرفتني يدرس‬ ‫فيهما اثنان وثالثون طالباً وطالبة‪ ،‬من بني األساتذة‬ ‫مصطفى السفاريني من طولكرم وحمدان األطرش‪،‬‬ ‫اعتاد الطلبة على إحض� � ��ار الفطور من بيض وخبز‬ ‫وعنب لألس� � ��اتذة كونهم ضيوفاً غرب� � ��اء عن البلدة‪.‬‬ ‫ضحك ج� � ��رادات وهو يق� � ��ول‪« :‬كان� � ��ت العصاة أداة‬ ‫التربية‪ ،‬بل كان اآلباء يطلبون من األس� � ��اتذة ضرب‬ ‫أبنائه� � ��م‪ ،‬ألن الرغبة ف� � ��ي تعليمهم كان� � ��ت كبيرة!»‪.‬‬ ‫ويضيف‪َ « :‬من تصله رسالة من ابنه الذي يدرس في‬ ‫اخلارج‪ ،‬كان يجوب البلدة بحثاً عمن يقرأها»‪.‬‬

‫اجلمعية بلدية‬

‫أخبرني األس� � ��تاذ علي داوود أنه من مؤسس� � ��ي‬ ‫جمعية سعير اخليرية عام ‪ ،1963‬التي كانت تنظم‬ ‫جوانب النش� � ��اط الثقافي واالجتماعي ومد شبكة‬ ‫املي� � ��اه في البل� � ��دة‪ ،‬وهكذا دار احلدي� � ��ث عن رحلة‬ ‫التأس� � ��يس وافتت� � ��اح روضة لألطف� � ��ال وبناء غرف‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 36-47.indt 40‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫قبة مسجد بلدة سعير املعروف باسم مسجد النبي العيص عليه السالم‬ ‫«سعير»‪ ...‬ح ّرمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬ ‫‪11/8/16 7:55:02 AM‬‬

‫‪41‬‬

‫‪dec 36-47.indt 41‬‬


‫صف ّية ومدرسة للبنني‪ ،‬كانت تفكر اجلمعية في كل‬ ‫م� � ��ا ميكن أن يخدم البلدة‪ ،‬فصنعت رفوفاً لألحذية‬ ‫في اجلامع‪ ،‬وأنارت مقرها بالطاقة الشمسية قبل‬ ‫الكهرب� � ��اء‪ ،‬وواجه� � ��ت ضغوط االحت� �ل��ال لتحويلها‬ ‫إلى بلدي� � ��ة تابعة له فيما يس� � ��مى «روابط القرى»‪،‬‬ ‫إال أن اجلمعي� � ��ة رفضت بش� � ��كل قاط� � ��ع‪ ،‬وكان لها‬ ‫موقفها السياس� � ��ي‪ ...‬هي فلس� � ��طينية قلباً وقالباً‪،‬‬ ‫وكان تأس� � ��يس أول مجلس بلدي بعد قيام السلطة‬ ‫الفلسطينية عام ‪.1997‬‬

‫كنعانية االسم‪ ...‬متعددة احلضارات‬

‫َس� � ��عِ ير بفتح أولها وكسر ثانيها‪ ،‬التي تقوم على‬ ‫صيعور‪ ،‬هي كلم� � ��ة كنعانية‬ ‫صعي� � ��ر أو َ‬ ‫موق� � ��ع بلدة َ‬ ‫تعني «صغير»‪ ،‬وترجح املراجع التاريخية أن اسمها‬ ‫يع� � ��ود إلى ج� � ��د س� � ��كان املنطقة «س� � ��عير احلوري»‬ ‫الذي س� � ��كنها قبل الكنعانيني‪ .‬وفي العهد الروماني‬ ‫أضحت «س� � ��يور» مشتقة من «سار» األرامية وتعني‬ ‫الصخ� � ��ر الش� � ��اهق‪ ،‬ويش� � ��يع بني الناس أن س� � ��عير‬ ‫هي الن� � ��ار ولهيبه� � ��ا‪ ،‬وهو ما ذك� � ��ره محمد وجدي‬

‫ف� � ��ي «دائرة معارف القرن العش� � ��رين»‪ .‬وذكرت في‬ ‫املراجع العبرية بكسر الس� �ي��ن نسبة للنبي العيص‬ ‫الذي سكنها وتعني الشعر الكثيف‪.‬‬

‫بالد أدوم‬

‫مش� � ��ينا في بالد أدوم أنا ونضال جبارين الذي‬ ‫رافقني طوال اجلولة‪ ،‬ينطلق كل يوم في رحلة عبثية‬ ‫إلى مكان عمله في بلدة الرام التابعة للقدس والواقعة‬ ‫خارج اجلدار‪ ،‬تبعد عنه القدس نصف الساعة‪ ،‬لكن‬ ‫عليه االلتفاف عبر بيت حلم ورام الله‪ .‬طري ٌق طويلة‬ ‫تشبه احلضارات التي م ّرت على البلدة‪.‬‬ ‫هنا عاش احلوريون ثم الكنعانيون فاألدوميون‪،‬‬ ‫وأصبحت جزءاً من أرض أدوم والتي تعني «أحمر»‬ ‫في إش� � ��ارة إلى النبي العيص أو عيس� � ��و الذي كان‬ ‫لونه أحمر‪ .‬وجاء في العهد القدمي – سفر التكوين‬ ‫‪« :‬هؤالء بنو سعير احلوري سكان األرض وهؤالء‬‫هم امللوك الذين ملكوا ف� � ��ي أرض أدوم قبلما َملَك‬ ‫َمل ٌ‬ ‫ِك لبني إسرائيل»‪.‬‬ ‫مررنا على جامع النبي العيص في البلدة‪ ،‬حيث‬

‫هنا عاش احلوريون ثم الكنعانيون فاألدوميون وأصبحت جزء ًا من أرض أدوم‬ ‫‪42‬‬

‫‪11/8/16 7:55:06 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 36-47.indt 42‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫يوجد في سعير أكثر من ‪ 90‬أثر ًا من مقابر وبقايا كنائس تعود للعصر الروماني‬

‫مقامه أيضاً‪ ،‬قيل إنه مدفون هنا‪ ،‬وكتب التاريخ أن‬ ‫املقام هو قيمة معنوية وليس قبراً‪.‬‬

‫حرام على اليهود‬

‫ُذكرت س� � ��عير في اإلجنيل والتوراة‪ ،‬ففي سفر‬ ‫التثنية (‪« :)2 - 33‬جاء الرب من سيناء وأشرق لهم‬ ‫من سعير وتألأل من جبل فاران»‪ ،‬ووفق التوراة فقد‬ ‫طل� � ��ب الله منهم أال يحاربوا بني عيس� � ��و أو العيص‬ ‫ألنهم أخوة (‪« :)4 - 2‬وأوصى الش� � ��عب اً‬ ‫قائل‪ :‬أنتم‬ ‫مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنني في سعير‪،‬‬ ‫فيخافون منكم‪ ،‬فاحترزوا ج ًدا‪ .‬ال تهجموا عليهم‪.‬‬ ‫ألن� � ��ي ال أعطيكم من أرضه� � ��م وال وطأة قدم‪ ،‬ألني‬ ‫لعيسو قد أعطيت‪ ‬جبل سعير‪ ‬ميرا ًثا»‪ .‬وجاء أيضاً‬ ‫َص َع ُدوا َوالَ‬ ‫(‪َ « :)42-1‬فقَا َل ال � � � َّر ّ ُب لِي‪ُ :‬ق ْل لَ ُه ْم‪ :‬الَ ت ْ‬ ‫َ‬ ‫تارِ بُوا‪ ،‬ألَ ِ ّني لَ ْس ُت فِ ي َو َس ِط ُك ْم ِلئَ َّ‬ ‫حُ َ‬ ‫ال تَنْ َك ِس ُروا أ َما َم‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫صيْتُ ْم‬ ‫ع‬ ‫ل‬ ‫ب‬ ‫وا‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫َس‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ف‬ ‫‪)43‬‬ ‫‬‫‪1‬‬ ‫(‬ ‫‪.‬‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫ئ‬ ‫ا‬ ‫د‬ ‫ُْ ْ َ ْ ْ َ ُ َ َ َ‬ ‫أَ ْع َ ْ‬ ‫ت ِإلَى جْ َ‬ ‫صعِ ْد مُ ْ‬ ‫ال َبلِ » أي جبل‬ ‫َق ْو َل ال � � � َّر ِ ّب َو َط َغيْتُ ْم‪َ ،‬و َ‬ ‫سعير‪ ،‬وأيضاً (‪َ « :)44-1‬و َك َس � � � ُرو ُك ْم فِ ي ِسعِ ي َر ِإلىَ‬ ‫ُح ْر َم � � � َة‪َ )45-1( .‬ف َر َج ْعتُ ْم َوبَ َكيْتُ ْم أَ َم� � ��ا َم ال َّر ِ ّب‪َ ،‬ولَ ْم‬ ‫صغَى ِإلَيْ ُك ْم»‪.‬‬ ‫يَ ْس َم ِع ال َّر ّ ُب ل َ‬ ‫ِص ْو ِت ُك ْم َوالَ أَ ْ‬ ‫«سعير»‪ ...‬ح ّرمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬ ‫‪11/8/16 7:55:10 AM‬‬

‫وهكذا لم يسكنها اإلسرائيليون إلى اليوم‪ ،‬وبنوا‬ ‫مستوطنتني على أرض الــــشـــــيــــوخ احملاذية «متساد‬ ‫أصفر» عام ‪ 1983‬ومستوطنة «متساد شمعون» عام‬ ‫‪ ،1991‬لك� � ��ن هذا ال يعني أنهم ل� � ��م يصادروا مئات‬ ‫الدومنات من سعير لتوسيع االستيطان‪ ...‬شيء من‬ ‫التحايل على التوراة‪ ،‬فالسكن يختلف عن التوسع‪...‬‬ ‫سبحان الله!‬

‫وحالل ذبحها!‬

‫القري� � ��ة الفاصلة بني اثنني م� � ��ن أقدس أحالم‬ ‫الفلسطينيني‪ ،‬بني القدس واخلليل هي قلعة الشهداء‬ ‫ف� � ��ي ه ّبة القدس احلالية‪ ،‬رفعت إلى الس� � ��ماء أكثر‬ ‫من اثني عشر شهيداً منذ أكتوبر املاضي‪ ،‬استشهد‬ ‫أبن� � ��اء العمومة واألخوة في ه� � ��ذه البلدة‪ ،‬فقد رحل‬ ‫رائد وإياد جرادات في يوم واحد بعد ثالثة أسابيع‬ ‫من انطالقة اله ّبة‪ ،‬ثم عبدالله ومحمود من حمولة‬ ‫الش� �ل��الدة‪ ،‬فأحمد الكوازبة وبع� � ��د يومني حلق به‬ ‫أربعة ش� � ��هداء في يوم واحد بينهم ابن عمه مهند‪،‬‬ ‫هكذا كان املشهد ثنائياً أو جماعياً في االستشهاد‪.‬‬ ‫هذه هي البلدة احمل ّرمة عل� � ��ى اليهود‪ ،‬فماذا لو لم‬ ‫‪43‬‬

‫‪dec 36-47.indt 43‬‬


‫تظهر مدرسة عبدالقادر جرادات أقصى يسار الصورة‬ ‫‪44‬‬

‫‪11/8/16 7:55:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 36-47.indt 44‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫«سعير»‪ ...‬ح ّرمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬ ‫‪11/8/16 7:55:21 AM‬‬

‫‪45‬‬

‫‪dec 36-47.indt 45‬‬


‫تك� � ��ن كذل� � ��ك؟! تهاجمها القوات اإلس� � ��رائيلية لي ً‬ ‫ال‬ ‫وتطلق نيرانها‪ ،‬تغلق ش� � ��وارعها بالس� � ��واتر الترابية‬ ‫وتوزع إخطارات الهدم‪ ،‬وه� � ��دم املنازل الواقعة في‬ ‫مناط� � ��ق (جيم)‪ ،‬وتلك التي تعود ملعتقلي الس� � ��جون‬ ‫اإلس� � ��رائيلية‪ ...‬وهكذا كان آخر الش� � ��هداء عريف‬ ‫جرادات من ذوي االحتياجات اخلاصة‪.‬‬

‫نساء العنب‪ ...‬وآلهة احلرب‬

‫في مكان فيه كل هذا العنب‪ ،‬تبدع النس� � ��اء في‬ ‫االستفادة منه‪ ،‬فهو ليس فاكهة أو وجبة غداء‪ ،‬فقد‬ ‫حدثتنا عبلة الفروخ عضو املجلس البلدي‪ ،‬أن النساء‬ ‫«السعيريات» يحولن العنب إلى دبس وزبيب وعِ نَّبية‬ ‫وهي مربى العنب‪ ،‬الذي لش ّدة حالوته الطبيعية يتم‬ ‫طبخه بال حاجة إلضافة السكر بخالف أنواع املربى‬ ‫وع ْن َطبيخ «مرب� � ��ى عصير العنب»‪ ،‬وطبق‬ ‫األخرى‪َ ،‬‬ ‫حلو اس� � ��مه «الش � � � ّدة» وهو مكون من دبس وس� � ��بعة‬ ‫به� � ��ارات وقمح محمص وزيت زيتون بلدي ُح ْر تطبخ‬ ‫جميعها لس� � ��بع ساعات‪ ،‬وتقدم للمرأة املرضعة‪ ،‬كما‬ ‫أنها إجماالً متنح اجلس� � ��د طاق� � ��ة تكفي ليوم كامل‪،‬‬ ‫طاقة يحتاجونها لقضاء يوم كامل في الزراعة‪.‬‬

‫وف� � ��ي بلدة حلح� � ��ول املجاورة‪ ،‬تش� � ��ارك عبـــلة في‬ ‫مهرجان العنب‪ ،‬ولـــــدى القـــــرية عشـــر نساء أصبحن‬ ‫عضوات في الغرفة التجارية‪ ،‬يديرن جتمعاً للتصنـــيع‬ ‫الغـــــذائي فــــي منطقة بيت عنون‪ ،‬على أطراف سعير‪،‬‬ ‫حيث نصب االحتالل حاجزاً وصار من أخطر مناطق‬ ‫التم� � ��اس‪ .‬أخذني نضال هناك واس� � ��تطعت تخيل كل‬ ‫قصص القتل واستعادة كل األخبار العاجلة عن شهداء‬ ‫وجرحى البلدة‪ .‬وقد ال يكون اختيار هذا املكان صدفة‪،‬‬ ‫ألن بيت عنون املرتبط باحلضارة البيزنطية هو اس� � ��م‬ ‫آللهة احلرب واحلب‪ ،‬لكنهم طبعاً ال يعرفون احلب‪.‬‬

‫ثاني أقدم بلدة في العالم‬

‫أه� � ��ل القرية يرون رمبا متجيداً ورمبا جه ً‬ ‫ال أن‬ ‫بلدته� � ��م هي ثاني أقدم بل� � ��دة في العالم‪ ،‬وورد ذلك‬ ‫ف� � ��ي بعض الكتب عن البل� � ��دة‪ ،‬لكن محمد جرادات‬ ‫اب� � ��ن القرية واخلبير في علم اآلثار أكد لنا أن أقدم‬ ‫الشواهد فيها عمره ستة آالف عام‪ ،‬أي من العصر‬ ‫احلج� � ��ري النحاس� � ��ي‪ ،‬وهو كهوف ف� � ��ي بيت عنون‬ ‫ووادي الشرق وليس� � ��ت أبنية مثل أريحا أقدم مدن‬ ‫العالم‪ ،‬عمرها أكثر من عشرة آالف عام‪ .‬أشار لنا‬

‫مشهد بانوراما ملدينة سعير‬ ‫‪46‬‬

‫‪11/8/16 7:55:26 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 36-47.indt 46‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫متتلئ البلدة ببقايا آثار من عصر الرومان‬

‫محمد إلى أن سعير ذكرت بلغة الرحالة مثل ياقوت‬ ‫احلموي وبطرس البس� � ��تاني ومراد الدباغ وفيليب‬ ‫حتّي وعبدالغني النابلسي‪.‬‬ ‫فوجئت خ� �ل��ال اجلولة وأن� � ��ا أرى بقايا كنائس‬ ‫وقب� � ��ور رومانية‪ ،‬بل إن البلدة البعيدة عن املش� � ��هد‬ ‫الس� � ��ياحي الفلس� � ��طيني حتتوي على تسعني موقعاً‬ ‫أثري � � �اً تقع في مس� � ��احة تزيد على مائ� � ��ة كيلومتر‬ ‫مرب� � ��ع‪ ،‬وتصل ح� � ��دود القري� � ��ة إلى البح� � ��ر امليت‬ ‫ش� � ��رقاً‪ ،‬وتلتقي باخلليل والقدس وبيت حلم‪ ،‬وفيها‬ ‫مقاب� � ��ر من العصر البرونزي املتوس� � ��ط في منطقة‬ ‫العديس� � ��ة وبئر اجلرادات املعروفة ومغاور منقورة‬ ‫ف� � ��ي الصخر‪ ،‬فيما توجد دالئ� � ��ل العصر احلديدي‬ ‫األول والثاني في الفترة الفارسية في منطقة رأس‬ ‫الطويل‪ ،‬وحسب محمد فقد قام األردنيون وبعدهم‬ ‫اإلس� � ��رائيليون بعمليات تنقيب‪ ،‬ليتبني وجود مدينة‬ ‫مسورة‪ ،‬مما قد يعني أنه مفتاح املواقع في سعير‪.‬‬ ‫في البلدة قبور رومانية هي عبارة عن حجرات‬ ‫في الصـــخر‪ ،‬توضع فيــــها اجلـــثث‪ ،‬وبعد أن تتحلل‬ ‫«سعير»‪ ...‬ح ّرمتها التوراة واستباحها االحتالل!‬ ‫‪11/8/16 7:55:30 AM‬‬

‫تنـــقل بقايـــاها إلى صناديق حجرية ويعاد استخدام‬ ‫احلجرات‪ ،‬املقبرة تس� � ��تخدم إل� � ��ى يومنا هذا على‬ ‫الطريقة اإلسالمية طبعاً‪.‬‬

‫مقلوبة «العنب»‪ ...‬املن ّومة!‬

‫البلدة التي تشتهر باللحوم‪ ،‬فيذبحون عشرات‬ ‫األغن� � ��ام في أعراس� � ��هم‪ ،‬وال يعرفون وجبة للضيف‬ ‫غير املنسف املزين بقطع كبيرة من حلم اخلروف‪،‬‬ ‫استطعت ألول مرة في التاريخ أن أتذوق فيها وجبة‬ ‫أخرى‪ ،‬رفضت مس� � ��بقاً كل دعوات الغداء‪ ،‬فكانت‬ ‫نهاية اجلولة في منزل عائل� � ��ة نضال‪ ،‬وإذ مبقلوبة‬ ‫ورق عنب والكوس� � ��ة تهبط مث� � ��ل طائرة تأتي جندة‬ ‫للجوع� � ��ى! نعم هذا هو موس� � ��م العن� � ��ب‪ ،‬وهذه هي‬ ‫الوجبة املكررة‪ ،‬فمرة باللح� � ��م ومرة بالدجاج ومرة‬ ‫بالكوس� � ��ة ومرة بالباذجن� � ��ان‪ ...‬وطبعاً املش� � ��روب‬ ‫اليومي الس� � ��تمرار «خفة الظ� � ��ل» وقوة الدم في كل‬ ‫س� � ��عير هو عصير العنب‪ ...‬وهك� � ��ذا كان مصيري‬ ‫«النوم» في سيارة العودة >‬ ‫‪47‬‬

‫‪dec 36-47.indt 47‬‬


‫قضايا عامة‬

‫المجتمع العربي‬ ‫وجدلية الحداثة والتحديث‬ ‫نزهة صادق‬

‫باحثة من املغرب‬

‫تع���د الحداث���ة حركة فكري���ة ورؤية للعالم‪ ،‬تس���تمد وجوده���ا من العقل‪،‬‬ ‫وتس���عى إل���ى التنوي���ر‪ ،‬وتش���كل إرث��� ًا كوني��� ًا‪ ،‬وه���ي ليس���ت مفهوم��� ًا‬ ‫سوس���يولوجي ًا‪ ،‬أو سياس��� ًا‪ ،‬أو تاريخي��� ًا بحصر المعن���ى‪ ،‬وإنما هي صيغة‬ ‫مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد‪ ،‬كما تعتبر مفهوم ًا يتضمن في‬ ‫دالالته إجما ًال اإلش���ارة إلى تطور تاريخي بأكمله‪ ،‬وإلى تبدل في الذهنية‬ ‫وف���ق تعبير جون بودريار‪ .‬يضعنا هذا التعريف أمام س���ؤال محوري يخص‬ ‫العال���م العربي‪ :‬لماذا لم يح���اول العرب بناء حداث���ة واكتفوا بمحاوالت‬ ‫تحديثية؟ هل يرجع ذلك ألسباب موضو��ية أم ذاتية؟‬

‫منذ أن س� � ��رق بروميثيوس الن� � ��ار من اآللهة ‪-‬‬ ‫ومنح اإلنس� � ��ان قبس � � �اً من جذوته� � ��ا ‪ -‬إلى إعالن‬ ‫هابرماس عن «مش� � ��روع احلداث� � ��ة الذي لم يكتمل‬ ‫بع� � ��د»‪ ،‬ما انفك املفك� � ��رون والباحثون يتس� � ��اءلون‬ ‫ع� � ��ن مفه� � ��وم احلداث� � ��ة‪ ،‬ال� � ��ذي عل� � ��ى الرغم من‬ ‫جتلي� � ��ه كمصطلح متجانس من حيث الس� � ��ؤال‪ :‬ما‬ ‫احلداثة؟ فإنه ينطوي في عمقه على قدر كبير من‬ ‫«الالوحدة» والتناقض والنس� � ��بية‪ ،‬على املستويني‬ ‫السوس� � ��يولوجي واإلبداع� � ��ي‪ ،‬وبالتالي فليس من‬ ‫السهل اإلمساك مبصطلح احلداثة‪ ،‬والوقوف على‬ ‫تعريف شامل له‪ ،‬ولعله من الصعوبة مبكان ضبط‬ ‫مفهوم محدد لها؛ فهي مفهوم زئبقي‪.‬‬ ‫يع� � ��ود مصطل� � ��ح احلداث� � ��ة‪ ،‬لغة‪ ،‬إل� � ��ى لفظة‬ ‫«حداثة»‪ ،‬وهي كلمة مش� � ��تقة م� � ��ن الفعل الثالثي‬ ‫«حدث» مبعن� � ��ى «وقع»‪ ،‬وأحدث الش� � ��يء أوجده‪،‬‬ ‫‪48‬‬

‫‪11/8/16 7:55:58 AM‬‬

‫واحمل� � ��دث هو اجلدي� � ��د من األش� � ��ياء‪ ،‬ومن الفعل‬ ‫«حدث» تش� � ��تق ألفاظ دالة على معاني اللسان في‬ ‫احلديث‪.‬‬ ‫أما على املس� � ��توى االصطالح� � ��ي‪ ،‬فهناك من‬ ‫يراها «حال� � ��ة ثقافية وحضارية ومجتمعية‪ ،‬جاءت‬ ‫كتعبير ع� � ��ن حالة املجتمع� � ��ات الصناعية الغربية‬ ‫الت� � ��ي بدأت منذ القرنني ال � � �ـ ‪ 19‬والـ‪ ،20‬وهي في‬ ‫الوقت نفس� � ��ه امت� � ��داد جلهود حثيثة ب� � ��دأت منذ‬ ‫الق� � ��رن الـ ‪ 16‬في أوربا»‪ ،‬بينما يردها البعض إلى‬ ‫كونها نظرة جديدة للعال� � ��م‪ ،‬يتم مبوجبها إحداث‬ ‫قطيعة مع س� � ��لطة املاضي‪ ،‬وبالتالي البزوغ الرائع‬ ‫للش� � ��مس‪ ،‬بتعبير هيجل‪ ،‬فيم� � ��ا يعدها فريق ثالث‬ ‫ظاهرة نش� � ��أت عن بعض التح� � ��والت العميقة في‬ ‫التنظي� � ��م االقتصادي واالجتماع� � ��ي‪ ،‬وقد حتققت‬ ‫على مس� � ��توى الع� � ��ادات وطرائ� � ��ق العيش وأمناط‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 48-51.indd 48‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫احلياة اليومية‪ ،‬وهي في حتول دائم‪ ،‬ألنها ليس� � ��ت‬ ‫ثابتة وغير قابلة للرجوع إال كمنظومة من القيم‪.‬‬

‫ظاهرة شمولية‬

‫وقد ميز املفك� � ��ر اجلزائري محمد أركون‪ ،‬في‬ ‫تعريف� � ��ه للحداثة‪ ،‬بني نوعني م� � ��ن احلداثة‪ ،‬هما‪:‬‬ ‫احلداثة املادية التي تعنى بتحديث احلياة اليومية‪،‬‬ ‫واحلداثة العقلية التي تعن� � ��ى بتحديث الفكر؛ أي‬ ‫حتديث نظرة اإلنس� � ��ان إلى العالم‪ ،‬إلى ذاته وإلى‬ ‫اآلخري� � ��ن‪ .‬ويبق� � ��ى متييزه إجرائي � � �اً‪ ،‬ألن احلداثة‬ ‫ظاه� � ��رة ش� � ��مولية تتداخ� � ��ل فيها أبع� � ��اد متعددة‪:‬‬ ‫اقتصادية‪ ،‬واجتماعية وسياسية وفكرية‪ ،‬كما أنها‬ ‫تعد معطى متشابكاً تتالحم فيه األسطورة بالواقع‪،‬‬ ‫وبس� � ��ياق تتقاطع فيه كل املجاالت‪ :‬دولة عصرية‪،‬‬ ‫وتقنية عصرية‪ ،‬وموسيقى‪ ،‬ورسم وعادات وأفكار‬ ‫املجتمع العربي وجدلية احلداثة والتحديث‬ ‫‪11/8/16 7:56:03 AM‬‬

‫عصرية على هيئ� � ��ة مقولة عامة وضرورة ثقافية‪،‬‬ ‫كم� � ��ا أنها ال ت� � ��ر ّد إلى مجرد حقب� � ��ة تاريخية و ّلت‬ ‫ومض� � ��ت‪ ،‬ألنها قيم� � ��ة ومعيار فكر وعم� � ��ل‪ ،‬إنها‬ ‫«مفهوم باهر نفتح به كل األبواب»‪.‬‬ ‫ته� � ��دف احلداث� � ��ة إلى إقامة نوع م� � ��ن التوافق‬ ‫والت� �ل��اؤم والتطاب� � ��ق بني ثقافة علمي� � ��ة‪ ،‬ومجتمع‬ ‫منظ� � ��م‪ ،‬وأفراد أحرار‪ ،‬بوس� � ��اطة قوان� �ي��ن العقل‬ ‫الكفيل� � ��ة بالس� � ��ير باإلنس� � ��ان في اجت� � ��اه الوفرة‪،‬‬ ‫واحلرية‪ ،‬والس� � ��عادة‪ .‬لقد بني «تُورين» أن التصور‬ ‫الكالسيكي للحداثة يتس� � ��م بنوع من العنف‪ ،‬فمن‬ ‫بني ما يقوم علي� � ��ه هذا التصور رفض التوافق مع‬ ‫األش� � ��كال التقليدية‪ ،‬وخلق عالم وإنسان جديدين‬ ‫بالتخلي عن املاضي والعصور الوس� � ��طى‪ ،‬وإعمال‬ ‫العقل كأداة تعطي أهمية مركزية للعمل والتنظيم‬ ‫واإلنتاج‪ ،‬وحرية التبادل لعمومية القوانني‪ ،‬وإقامة‬ ‫‪49‬‬

‫‪dec 48-51.indd 49‬‬


‫سلطة عقالنية مشروعة وأخالق مسؤولة عن هذه‬ ‫املب� � ��ادئ التي تقوم عليها احلداثة‪ .‬كما أدت الثورة‬ ‫الفرنس� � ��ية والتصنيع البريطاني إلى نقل األفكار‬ ‫السابقة إلى املمارسة الفعلية على الواقع‪ ،‬ما أنتج‬ ‫نوعاً من احلنني إلى الكينونة ومبدأ وحدة العاملني‬ ‫الطبيعي والبش� � ��ري‪ .‬إجم� � ��االً تعتبر احلداثة بنية‪،‬‬ ‫مما يدع� � ��و إلى عدم جتزيء عناصرها‪ ،‬بل النظر‬ ‫إلى هذه األخيرة من خ� �ل��ال عتباتها ومظاهرها‪،‬‬ ‫ففه� � ��م مضمونها ال ميك� � ��ن إرجاع� � ��ه إلى عنصر‬ ‫وحيد‪.‬‬ ‫حتي� � ��ل احلداث� � ��ة إذن إل� � ��ى ن� � ��وع م� � ��ن اإلرادة‬ ‫اجلماعية في زمان ومكان معينني‪ ،‬وتس� � ��عى إلى‬ ‫تعميم مناذج من األحداث واملكاس� � ��ب التي وقعت‬ ‫في زمان وم� � ��كان معينني‪ ،‬فداخل كل بلدان أوربا‪،‬‬ ‫كان� � ��ت احلداثة ش� � ��أنها في ذلك ش� � ��أن الديانات‬ ‫التوحيدي� � ��ة في الس� � ��ابق واألنظم� � ��ة االجتماعية‬ ‫األبوية‪ ،‬قد مت فرضها على األغلبية من الس� � ��اكنة‬ ‫من طرف جماعة محدودة‪ ،‬وهنا جند ذلك الشعاع‬ ‫االجتماع� � ��ي للتغيير‪ ،‬أي فئة املثقفني أو ما يعرف‬ ‫بـ«األنتلجنسيا»‪ ،‬التي توحي أو تقود وتوجه‪ ،‬سواء‬ ‫كانت هذه الفئة سياسية أو عسكرية أو دينية‪.‬‬

‫حداثة أم حتديث؟‬

‫حتمل احلداثة معها انقالباً في عوائد التفكير‪،‬‬ ‫واملمارسة على السواء‪ ،‬إذ متكنت من نقل اإلنسان‬ ‫نحو عوال� � ��م جديدة غير مألوف� � ��ة‪ ،‬علما بأن هذه‬ ‫النقلة لم جتر بسالس� � ��ة‪ ،‬بل نتج� � ��ت عن مخاض‬ ‫عس� � ��ير انعكس على القناعات‪ ،‬الشيء الذي جرح‬ ‫الوع� � ��ي وأحلق به أضراراً بليغة‪ ،‬مثال االنتقال من‬ ‫حض� � ��ارة احلجر املصقول إلى حض� � ��ارة النار كان‬ ‫تغييراً ثورياً بامتياز‪ ،‬كما قال رائد األنثروبولوجيا‬ ‫احلديثة كلود ستراوس‪ ،‬فهل ميكن إدراج ما يعيشه‬ ‫العالم العربي اليوم من انتقاالت اجتماعية وتقنية‬ ‫ضمن دائرة التحديث‪ ،‬أم ضمن دائرة احلداثة؟‬ ‫إن ال� � ��كالم عن احلداث� � ��ة ال يضعنا فقط أمام‬ ‫مسارها التاريخي كحركة كونية مرتبطة باإلنسان‬ ‫وحضارات� � ��ه ووج� � ��وده فق� � ��ط‪ ،‬بل يف� � ��رض علينا‬ ‫التوق� � ��ف أمام نس� � ��ق تو ّلد من خ� �ل��ال الصراع مع‬ ‫التقليد واملاضي‪ ،‬وتعد سمات الصراع مع القرون‬ ‫‪50‬‬

‫‪11/8/16 7:56:05 AM‬‬

‫الوس� � ��طى وفضاءاتها العقلية بالدرجة األولى كما‬ ‫ميزها جاك لوغوف من أهم احملددات التي ميكن‬ ‫من خاللها فهم‪ ،‬ولو بشكل ضمني‪ ،‬وضعية العالم‬ ‫العربي في عالقته باحلداثة‪.‬‬ ‫وف� � ��ي هذا الص� � ��دد‪ ،‬ميكن مقارنة ما يعيش� � ��ه‬ ‫العالم العربي اليوم مع ما عاشته البلدان األوربية‬ ‫في العصور الوسطى‪ ،‬فإذا ع َرف املجتمع األوربي‬ ‫آن� � ��ذاك هيمنة للعقيدة الالهوتية املس� � ��يحية على‬ ‫العقول‪ ،‬حيث إن مجرد اخلروج عنها يعني اخلروج‬ ‫عن الالمفكر فيه‪ ،‬ألن الفلس� � ��فة كانت في خدمة‬ ‫الالهوت‪ ،‬فباملقابل عرفت املجتمعات العربية في‬ ‫العقود األخي� � ��رة مداً للفك� � ��ر األصولي املتطرف‪،‬‬ ‫وللسلفية التي ترفض كل جديد وكأنه لعنة‪ ،‬وتقمع‬ ‫صوت العق� � ��ل املبطن في كائن اإلنس� � ��ان العربي‪،‬‬ ‫وتدع� � ��وه إلى االكتفاء مبا ق� � ��در له‪ ،‬وعوض دعوته‬ ‫حلياة مفعمة باألمل والعيش الكرمي والتسامح في‬ ‫إطار أخالق غيرية‪ ،‬تغ ُرس في أعماقه أحاس� � ��يس‬ ‫التش� � ��اؤم والضعف واخلوف من ارتكاب اخلطايا‬ ‫والذن� � ��وب في كل حلظة‪ ،‬وتزرع ف� � ��ي روحه طابعاً‬ ‫يحتفي باملوت مقابل احلياة‪ ،‬ويتميز بطابع الزهد‬ ‫في احلياة الدنيا التي يعتبرها دار عبور إلى الدار‬ ‫اآلخرة التي جتس� � ��د احلياة األبدي� � ��ة ومتثل حياة‬ ‫النعيم واخللود‪ ،‬الشيء الذي ينتج عنه أن اإلنسان‬ ‫ال ين� � ��ال من متع الدنيا إال القليل أو الالش� � ��يء إذا‬ ‫أمكن‪.‬‬ ‫كم� � ��ا أن املرجعي� � ��ة الديني� � ��ة املتطرفة كونت‬ ‫تص� � ��وراً‪ ،‬خاص� � ��ة بني الفئ� � ��ات املتدين� � ��ة التي تتم‬ ‫الس� � ��يطرة عليها من قبل الس� � ��لطة الفقهية‪ ،‬حيث‬ ‫يع� � ��د الفق� � ��ر من س� � ��مات التقرب من الل� � ��ه وتقبل‬ ‫حكمه في احلي� � ��اة‪ ،‬وهذا التصور يعود إلى هيمنة‬ ‫العقلية الرمزي� � ��ة أو اخليالية عل� � ��ى وعي الناس‪،‬‬ ‫كما كان س� � ��ائداً في العصور الوسطى‪ ،‬حيث كان‬ ‫الناس سريعي التصديق ملا يروى لهم‪ ،‬فكلما كانت‬ ‫احلكاية بعيدة عن الواقع ومبالغاً فيها‪ ،‬كانت أقوى‬ ‫وحتظى بإعجابه� � ��م أكثر‪ ،‬وهذا م� � ��ا كان يجعلهم‬ ‫يؤمنون باملعجزات وبكل ما هو ساحر خالب بذلك‬ ‫الشكل الكبير‪ ،‬أي إن الوعي األسطوري هو الذي‬ ‫كان مهيمناً على الوعي التاريخي أو الواقعي‪.‬‬ ‫وعلى الرغم م� � ��ن أن بعض املظاهر في العالم‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 48-51.indd 50‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫العرب� � ��ي توحي بتطورات مادي� � ��ة تتجلى في تطور‬ ‫عمراني وتكنولوجي‪ ،‬في حني أن الس� � ��ياق العربي‬ ‫اإلس� �ل��امي اليزال في حاجة ماس� � ��ة إلى مساءلة‬ ‫ذاته في مسألة احلداثة والتحديث‪ ،‬فإن الذي وقع‬ ‫ويقع في الفضاء العرب� � ��ي هو مجهودات حتديثية‬ ‫وليس عم ً‬ ‫ال يروم إلى تأسيس احلداثة‪ ،‬كما أنه من‬ ‫الصعب الفصل بني هذه األخيرة ومس� � ��ار التاريخ‪،‬‬ ‫اخلاضع لقوان� �ي��ن وحتميات محددة وإيقاع معني؛‬ ‫أي لقوانني احتمالية‪ ،‬ومبا أنه ليس مساراً جزافياً‬ ‫خاضعاً للن� � ��زوات واملصادف� � ��ات واإليحاءات‪ ،‬كما‬ ‫يق� � ��ول عبدالله العروي؛ فبالتالي ليس له إال اجتاه‬ ‫واحد‪ ،‬مما يجعل قوانني التطور التاريخي تتس� � ��م‬ ‫بقدر من الثبات‪ ،‬وتفرض نوعاً من حتمية املراحل‪,‬‬ ‫إضافة إلى أن نس� � ��بية احلقائق تتجلى في تطليق‬ ‫األحكام املطلق� � ��ة‪ ،‬واعتبار أن العل� � ��م ليس مجرد‬ ‫قراءة وتأويل ألقوال العارفني‪ ،‬وأن السياسة جهد‬ ‫إنس� � ��اني وتوافق بني ذهنيات ومصالح عن طريق‬ ‫النقاش املوضوعي والتجريب املستمر‪.‬‬

‫احلداثة العربية‬

‫كما أن جتاوز واس� � ��تدراك التراجع التاريخي‬ ‫للعالم العرب� � ��ي يتطلبان متلك روح احلداثة وفكر‬ ‫احلداث� � ��ة انطالق � � �اً م� � ��ن منوذجه� � ��ا الكوني‪ ،‬مع‬ ‫اس� � ��تيعاب مقومات ومكاسب العقل احلديث من‬ ‫عقالنية وتاريخانية ونس� � ��بية وفردانية‪ ،‬والتمييز‬ ‫بني أيديولوجيا وسياس� � ��ة الغرب احلالي‪ ،‬والفكر‬ ‫األورب� � ��ي العقالني احلديث ذات� � ��ه؛ أي بني املنهج‬ ‫واأليديولوجي� � ��ا‪ .‬فلو لم حتصل احلداثة في بقعة‬ ‫من األرض ملا تبل� � ��ور املفهوم‪ ،‬وهذا أمر ال نقاش‬ ‫فيه‪ ،‬لكن ه� � ��ذا الواقع ّ‬ ‫نطلع علي� � ��ه من خالل ما‬ ‫يقول� � ��ه املؤرخ� � ��ون الذي� � ��ن يس� � ��تعملون بدوره� � ��م‬ ‫مفاهيم محددة لكل حدث وظاهرة‪ .‬وعليه ينبغي‬ ‫االحت� � ��راس دائماً من االندف� � ��اع وراء التعميمات‬ ‫واحلكم املس� � ��بق قبل االس� � ��تماع إلى املؤرخ الذي‬ ‫يس� � ��جل أن احلداثة متت على مراحل وتش� � ��كلت‬ ‫كثورة مستمرة‪.‬‬ ‫إن الفص� � ��ل بني احلداث� � ��ة والتحديث كما يرى‬ ‫أالن تورين يسهل «توضيحه اليوم أكثر من املاضي؛‬ ‫فف� � ��ي املاضي كان االعتقاد الس� � ��ائد هو أن الدول‬ ‫املجتمع العربي وجدلية احلداثة والتحديث‬ ‫‪11/8/16 7:56:08 AM‬‬

‫األكثر حداثة هي أكثرها أخذاً بوسائل التحديث‪،‬‬ ‫أم� � ��ا اليوم فاألمور تغيرت‪ ،‬حيث أصبح من املمكن‬ ‫لبل� � ��دان غير حداثي� � ��ة أن تكون أكث� � ��ر حتديثاً من‬ ‫أكثر البل� � ��دان تقدماً ف� � ��ي احلداث� � ��ة»‪ ،‬وبناء على‬ ‫هذا الطرح ‪ -‬وهذا ما يقع على مس� � ��توى البلدان‬ ‫العربية ‪ -‬ميكن مالحظة أن ما تقدمه احلكومات‬ ‫من سياس� � ��ات توحي بتحديث القطاعات وتلفيقها‬ ‫للحداثة‪ ،‬ما هو إال مس� � ��ألة سياسية‪ ،‬فاملجتمعات‬ ‫العربية لم تش� � ��هد بعد ث� � ��ورة اقتصادية أو علمية‬ ‫مبني� � ��ة عل� � ��ى املالحظة والتجرب� � ��ة‪ ،‬فاإلصالحات‬ ‫الدينية التزال خجول� � ��ة‪ ،‬يحتكرها حراس التأويل‬ ‫‪ ،‬وم� � ��ا وقع من ثورات فكرية تعتمد على العقل‪ ،‬ما‬ ‫هي إال مشاريع خجولة واجهت الفشل أمام صنم‬ ‫االستبداد‪ ،‬وانحصرت في نقاش معيقات احلداثة‬ ‫من داخل عالم األفكار‪ ،‬ونسيت أن املعيق األساسي‬ ‫لكل حتديث أو حداثة مرتبط في األساس باإلرادة‬ ‫السياسية التي تستعيض بالتحديث عن احلداثة؛‬ ‫إيهاماً ومخاتلة‪.‬‬ ‫كما أن اصط� � ��دام الش� � ��عوب العربية بظاهرة‬ ‫االس� � ��تعمار تركها أمام إش� � ��كاليات عميقة‪ ،‬ليس‬ ‫فقط مع مفاهيم م� � ��ن قبيل الفرد والدميقراطية‬ ‫واحلرية‪ ،‬بل حتى في مواجهتها للعنصر املؤس� � ��س‬ ‫للتق� � ��دم‪ ،‬وهو العل� � ��م التجريبي ال� � ��ذي قدم منافع‬ ‫للناس ف� � ��ي ميادين الطب واملواصالت وحتس� �ي��ن‬ ‫اإلنتاج‪ ،‬وكذلك العقل الذي س� � ��اعد على تخطيط‬ ‫السياسة االستعمارية وجناحها‪.‬‬ ‫إجماالً‪ ،‬يعود اس� � ��تنبات احلداث� � ��ة في التربة‬ ‫العربية إلى انعدام اإلرادة السياس� � ��ية‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إل� � ��ى العوامل الناجتة عن غياب هذه اإلرادة‪ ،‬وعن‬ ‫تكريسها للقمع‪ ،‬ومادام هناك عوامل تعيق حترير‬ ‫الفرد سياس� � ��ياً واجتماعي � � �اً وعائلياً وعش� � ��ائريا‬ ‫وفكرياً‪ ،‬واحلريات املدنية والسياس� � ��ية للفرد‪ ،‬وما‬ ‫يعوق الدميقراطية في سيادة الشعب‪ ،‬والعقالنية‬ ‫العلمي� � ��ة (منطق التجريب واالس� � ��تقراء) من جراء‬ ‫اللجوء إل� � ��ى الغيبيات في احلياة وفي الس� � ��لوك‪،‬‬ ‫فإن احلداثة التزال مس� � ��ألة لم تشق طريقها كما‬ ‫ينبغي في املجتمعات العربية‪ ،‬وعليه البد من وعي‬ ‫تل� � ��ك املعيقات ألجل جتاوزها في أفق اس� � ��تيعاب‬ ‫احلــــداثة التي تستحقها مجتمعاتنا >‬ ‫‪51‬‬

‫‪dec 48-51.indd 51‬‬


‫ذاكرة «العربي»‬

‫في الذكرى السنوية لصدور مجلة العربي‬

‫رحلة البحث عن عريس العدد األول‬

‫خليل المريخي‬ ‫إبراهيم المليفي‬

‫خليل بن محمد املريخي‬

‫لطالم���ا اكتس���ب الع���دد األول م���ن مجل���ة‬ ‫العرب���ي الص���ادر ف���ي ديس���مبر ‪1958‬م‪،‬‬ ‫خصوصي���ة س���حرية تزاي���دت مع م���رور الزمن‪،‬‬ ‫كما اكتسبت أسماء وصور ومواضيع ذلك‬ ‫الع���دد ش���هرة اس���تثنائية تج���اوزت الش���هرة‬ ‫التقليدي���ة‪ ،‬الت���ي تتوق���ف غالب��� ًا عن���د غ�ل�اف‬ ‫الع���دد األول وتكتف���ي ب���ه‪ ،‬خاص���ة افتتاحية‬ ‫العدد التي كتبها رئيس التحرير األول لمجلة‬ ‫العرب���ي الراح���ل الدكت���ور أحمد زك���ي‪ ،‬التي‬ ‫تع���د منه���اج «العرب���ي» وسياس���تها العامة‬ ‫كمجل���ة تص���در م���ن الكوي���ت ل���كل العرب‪،‬‬ ‫وهي السياسة التي مازالت تحافظ عليها‪.‬‬

‫‪ ‬إن محتويات العدد األول ملجلة العربي ش� � ��ملت‬ ‫فيما أتى بع� � ��د افتتاحية رئي� � ��س التحرير‪ ،‬ما ميكن‬ ‫أن نطل� � ��ق عليه التطبيق� � ��ات الالزمة التي جعلت من‬ ‫تلك االفتتاحية واقعاً ملموساً ملفهوم املجلة الثقافية‬ ‫الشاملة لفروع املعرفة‪ ،‬واملنفتحة على جميع األقطار‬ ‫العربية‪ ،‬س� � ��واء في إحيائه� � ��ا ألدب الرحلة املعاصرة‬ ‫(االس� � ��تطالعات)‪ ،‬أو في األقالم املميزة التي أنارت‬ ‫صفحاته� � ��ا‪ ،‬األمر الذي أحدث دوياً ُمس� � ��تحقاً على‬ ‫الس� � ��احة الثقافية العربية‪ ،‬ازداد حضوراً وتكريس � � �اً‬ ‫‪52‬‬

‫ملكانتها مع دخولها في صلب قضايا التحرر العربي‬ ‫من االس� � ��تعمار‪ ،‬ودفاعها املمنه� � ��ج عن اللغة العربية‬ ‫وقضاياها‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫الفاصل بني ‪ 50‬سنة راحلة و‪ 50‬سنة قادمة‬ ‫في ديسمبر من عام ‪ 2007‬أطلقت مجلة العربي‬ ‫احتفاالته� � ��ا مبناس� � ��بة اليوبي� � ��ل الذهب� � ��ي (الذكرى‬ ‫اخلمسون على تأسيسها)‪ ،‬وفي الشهر نفسه عادت‬ ‫فتاة الغالف األول الش� � ��هير نفس� � ��ها لتتصدر غالف‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية‬

‫دور الكويت في دعم‬

‫الثقافة اإلسالمية‬

‫محمد العوضي‬

‫كاتب من الكويت‬

‫ال ش�ك في أن اختي�ار دولة الكوي�ت عاصمة للثقافة اإلسلامية‬ ‫يمث�ل اس�تحقاق ًا لل�دور ال�ذي لعبته الكويت في ترس�يخ ونش�ر‬ ‫ه�ذه الثقاف�ة‪ .‬فاألوج�ه الت�ي س�اهمت به�ا الكويت ف�ي دعم‬ ‫الثقاف�ة اإلسلامية متع�ددة‪ ،‬ول�م تقتص�ر فق�ط على النش�اط‬ ‫الدع�وي النمط�ي‪ ،‬المتمث�ل ف�ي إنش�اء المس�اجد أو تنظي�م‬ ‫الندوات والمؤتمرات‪ ،‬أو تأس�يس المجالت اإلسلامية‪ ،‬وإنما امتد‬

‫‪58‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫إلى مس�اهمات فاعلة‪ ،‬س�اعدت على تمكين الفقه اإلسلامي‬ ‫وتطويع�ه ف�ي واق�ع عمل�ي ملم�وس يتفاع�ل م�ع التط�ورات‬ ‫العلمي�ة والفكرية الت�ي أنتجتها الحضارة اإلنس�انية في العصر‬ ‫الحديث في مجاالت الطب واالقتصاد والتش�ريع‪ ،‬كي يس�تطيع‬ ‫المس�لمون أن يتعايش�وا بقناعاته�م م�ع العال�م المعاص�ر‪،‬‬ ‫ويضيفوا إليه قيم ًا جديدة سامية مستمدة من دينهم الحنيف‪.‬‬

‫دور الكويت في دعم الثقافة اإلسالمية‬ ‫‪11/3/16 8:04:46 AM‬‬

‫‪59‬‬

‫‪dec 58-67.indd 59‬‬


‫وقد ظه� � ��ر مفهوم الثقافة ف� � ��ي أوربا في نهاية‬ ‫القرن الثامن عش� � ��ر‪ ,‬وعرفت بأنها تقومي السلوك‬ ‫للفرد أو املجتم� � ��ع‪ ،‬عن طريق اخلوض في املعارف‬ ‫والعقائد والفنون‪ .‬وتعرف منظمة اليونسكو الثقافة‬ ‫بأنها جميع الس� � ��مات الروحية واملادي� � ��ة والفكرية‬ ‫والعاطفية التي متيز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية‬ ‫بعينها‪ ,‬وهي تشمل الفنون واآلداب وطرائق احلياة‪،‬‬ ‫كما تشمل احلقوق األساسية لإلنسان ونظم القيم‬ ‫والتقاليد واملعتقدات‪.‬‬ ‫وق� � ��وع الكويت في الركن الش� � ��مالي الش� � ��رقي‬ ‫للجزيرة العربية‪ ،‬منبع الرسالة احملمدية التي ختم‬ ‫الله عز وجل بها رس� � ��االته السماوية‪ ,‬جعل للثقافة‬ ‫اإلس� �ل��امية خصوصية واهتماماً م� � ��ن قِ َبل أهلها‪,‬‬ ‫وساعدت ببيئتها البحرية على انفتاحهم وتفاعلهم‬ ‫مع احلضارات والثقافات املختلفة‪ ,‬فقد مر بجزيرة‬ ‫فيلكا‪ ,‬أهم جزر الكويت‪ ,‬اإلس� � ��كندر املقدوني‪ ،‬كما‬ ‫تش� � ��ير بعض املصادر التاريخية‪ ،‬وأمر بتس� � ��ميتها‬ ‫«إيكاروس» نس� � ��بة إلى اجلزي� � ��رة املوجودة في بحر‬ ‫إيجة‪ ,‬وت� � ��رك فيها آثاره‪ .‬وش� � ��هدت منطقة كاظمة‬ ‫الواقعة في ش� � ��مال الكويت يوماً من أيام املسلمني‬ ‫اخلال� � ��دة‪ :‬معركة ذات السالس� � ��ل الت� � ��ي وقعت في‬

‫الس� � ��نة الثانية عشرة للهجرة‪ ،‬التي هزم فيها جيش‬ ‫املسلمني بقيادة الصحابي اجلليل‪ :‬خالد بن الوليد‬ ‫(س� � ��يف الله املسلول)‪ ,‬جيش الفرس بقيادة هرمز‪.‬‬ ‫وازدهرت منطقة اخلليج العربي منذ القرن السابع‬ ‫امليالدي‪ ،‬حيث انتش� � ��ر اإلسالم في آسيا وإفريقيا‬ ‫وج� � ��زء من أورب� � ��ا‪ ،‬وأصبحت وس� � ��يطاً جتارياً بني‬ ‫الش� � ��رق والغرب‪ .‬وق� � ��د تفاعلت الكوي� � ��ت مع هذا‬ ‫املوروث الثقافي منذ أن أسست ككيان مستقل في‬ ‫القرن الثامن عش� � ��ر امليالدي‪ ،‬وساعد تسلُّح شعبها‬ ‫بثوابت الدين اإلسالمي في إلهامهم الصبر واجللَد‬ ‫لتح ُّمل مصاعب وأجواء طبيعة بيئتهم الصحراوية‬ ‫اجلافة‪ ,‬وقس� � ��وة اخلوض في غمام البحر للغوص‬ ‫في أعماقه بحث � � �اً عن اللؤلؤ‪ ,‬والس� � ��فر من خالله‬ ‫للتجارة إلى شرق إفريقيا والهند‪.‬‬ ‫وبعد اكتشاف النفط واس� � ��تقالل دولة الكويت‬ ‫وبدء النهضة احلديثة الشاملة‪ ,‬استلهمت األجيال‬ ‫الصاعدة من جيل اآلباء واألجداد الثوابت الدينية‬ ‫والقومية التي ترس� � ��خت على مدى تاريخ الكويت‪,‬‬ ‫فعملوا عل� � ��ى نش� � ��ر الثقافة اإلس� �ل��امية مبفاهيم‬ ‫حضارية جديدة‪ ,‬فالثقافة ليس� � ��ت نش� � ��راً للمعرفة‬ ‫الفقهي� � ��ة والعقيدية للدين اإلس� �ل��امي فقط‪ ،‬وإمنا‬

‫الرئيس األسبق ملعهد العالم العربي في باريس السيد جاك الجن مكرم ًا من الشيخ سلمان احلمود الصباح وزير اإلعالم‬ ‫ووزير الدولة لشؤون الشباب‬ ‫‪60���‬

‫‪11/3/16 8:04:49 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 58-67.indd 60‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫جانب من معرض الفن في احلضارة اإلسالمية الذي نظمته دار اآلثار اإلسالمية في مدينة اسطنبول‬

‫هي ممارس� � ��ة س� � ��لوكيات ه� � ��ذا الفق� � ��ه على أرض‬ ‫الواقع‪ ,‬والتي جتلت في شكل مفاهيم عملية‪ ,‬شكل‬ ‫كل منها ثقافة في حد ذاته‪ ,‬والتي سنس� � ��ردها على‬ ‫النحو التالي‪:‬‬

‫ثقافة التعايش‬

‫متيز املجتمع الكويتي بتنوع نسيجه االجتماعي‬ ‫الذي متازج فيه من خالل بوتقة تشكلت فيها ثقافة‬ ‫خاصة عبر عقود متتالية‪ ,‬منفتحة ومتعايشة‪ ,‬فقد‬ ‫تعايش احلضري مع القبلي‪ ،‬واألبيض مع األس� � ��ود‪،‬‬ ‫والس� � ��ني مع الشيعي‪ ,‬ويش� � ��هد على ذلك املساجد‬ ‫التراثية لكال املذهبني‪ ,‬التي تقع بالقرب من بعضها‬ ‫البعض في قلب مدينة الكويت‪ ،‬لتدل على التعايش‬ ‫احلضري بني األهالي‪ ،‬وفهم سليم ملقاصد الدين‪.‬‬ ‫الكويت منفتحة على الديانات األخرى منذ القدم‪,‬‬ ‫فقد استوطن فيها بعض املسيحيني واليهود‪ ،‬وجاءت‬ ‫إليها إرس� � ��الية من الواليات املتحدة األمريكية في‬ ‫بداية القرن العش� � ��رين‪ ،‬وأسس� � ��ت أول مستش� � ��فى‬ ‫نظامي فيها يعرف باملستش� � ��فى األمريكاني‪ ,‬وبنت‬ ‫إلى جانبه كنيسة‪ .‬الكويت كانت منفتحة كذلك على‬ ‫التن� � ��وع الفقهي‪ ,‬فلم تع� � ��رف التعصب املذهبي ولم‬ ‫تكن اخلالفات في فروع الدين س� � ��بباً لالختالف‪,‬‬ ‫دور الكويت في دعم الثقافة اإلسالمية‬ ‫‪11/3/16 8:04:53 AM‬‬

‫فاملجته� � ��د له أج� � ��ران إذا أصاب‪ ,‬وأج� � ��ر واحد إذا‬ ‫أخطأ‪.‬‬ ‫ويشهد التاريخ على وقوف الكويتيني إلى جانب‬ ‫وطنهم في أوقات الش� � ��دة‪ ,‬فعب� � ��ر تاريخهم املديد‬ ‫تعاونوا على بناء ثالثة أسوار حلماية مدينتهم‪ ,‬وكانوا‬ ‫يداً واحدة في كل املواقع‪ ,‬وخالل محنة غزو النظام‬ ‫العراقي البائد للكويت‪ ,‬قدمت الكويت ش� � ��هداء من‬ ‫جميع األطياف التي ينتمي إليها أبناؤها دفاعاً عن‬ ‫وجودهم وعن ش� � ��رعيتهم‪ ,‬وفي احملاولة اإلرهابية‬ ‫اجلبانة التي استهدفت مسجد اإلمام الصادق في‬ ‫ش� � ��هر رمضان لعام ‪ 1436‬هـ‪ ,‬وقف الكويتيون وقفة‬ ‫رجل واحد في مواجهة ذلك اإلرهاب‪ ,‬وكان س� � ��مو‬ ‫األمير الشيخ صباح األحمد أول من تفقَّد الضحايا‬ ‫واملصابني في مكان احلادث‪ ,‬وذرفت دموعه عليهم‬ ‫قائ ً‬ ‫ال‪« :‬هذوال عيالي»‪.‬‬

‫ثقافة التكافل‬

‫البيئ� � ��ة الفقي� � ��رة الصعب� � ��ة التي تعاي� � ��ش فيها‬ ‫الكويتيون في احلقبة الس� � ��ابقة للنفط‪ ،‬خلقت في‬ ‫نفوسهم نزعة للتكافل‪ ,‬وقد ظهر ذلك جلياً في عام‬ ‫الهيلك (عام الفقر)‪ ،‬وهي س� � ��نة أرخ بها الكويتيون‬ ‫مجاع� � ��ة خطيرة في جزيرة الع� � ��رب من عام ‪1868‬‬ ‫‪61‬‬

‫‪dec 58-67.indd 61‬‬


‫املستشفى األمريكاني‪ ،‬مقر دار اآلثار اإلسالمية في الكويت‬

‫وحتى عام ‪ ,1871‬وقام احملسنون من أبناء الكويت‬ ‫بنثر الطع� � ��ام في األس� � ��واق والطرق� � ��ات‪ .‬وعندما‬ ‫انتش� � ��ر في الكويت وباء اجلدري ف� � ��ي عام ‪،1931‬‬ ‫ال� � ��ذي أص� � ��اب كثيرا من أهلها ف� � ��ي وقت لم يوجد‬ ‫فيه غير طبيب واحد ضمن اإلرس� � ��الية األمريكية‪،‬‬ ‫أصدر أمير الكويت آنذاك‪ ,‬الش� � ��يخ أحمد اجلابر‬ ‫الصباح‪ ،‬أمراً بتطعيم جميع األهالي‪ .‬شهد التاريخ‬ ‫أيض � � �اً تكاف� � ��ل الكويتيني في س� � ��نة «الهدامة» عام‬ ‫‪ 1934‬عندما سقطت أمطار غزيرة على البالد في‬ ‫الثامن من ديس� � ��مبر من ذلك العام‪ ،‬أدت إلى هدم‬ ‫كثير من البيوت‪.‬‬ ‫وكان دع� � ��م الكوي� � ��ت لقضاي� � ��ا األم� � ��ة العربية‬ ‫حاض� � ��راً حتى في أوقات الع� � ��وز والفاقة‪ ,‬فبالرغم‬ ‫من الكساد الذي كان يشهده االقتصاد الكويتي بعد‬ ‫‪62‬‬

‫‪11/3/16 8:05:00 AM‬‬

‫انهي� � ��ار حرفة الغوص على اللؤلؤ نتيجة اكتش� � ��اف‬ ‫الياباني� �ي��ن اللؤلؤ الصناعي ف� � ��ي بداية ثالثينيات‬ ‫القرن املاضي‪ ,‬س� � ��اهم جتار الكويت في تش� � ��كيل‬ ‫جلنة ملناصرة الش� � ��عب الفلسطيني‪ ،‬قامت في ذلك‬ ‫الوق� � ��ت بجمع التبرعات وإرس� � ��الها للمناضلني في‬ ‫فلسطني ضد االستيطان الصهيوني املبرمج‪.‬‬ ‫وبعد اكتشاف النفط‪ ،‬عملت األجيال املتعاقبة‬ ‫عل� � ��ى حفظ هذه ال� � ��روح التكافلية التي ورثوها عن‬ ‫آبائهم في مساعدة املسلمني املنكوبني واحملرومني‬ ‫في ش� � ��تى بقاع األرض‪ ،‬مستلهمني املعاني السامية‬ ‫وم‬ ‫لآلي� � ��ة الكرمية { َوال َِّذي ��نَ ِف ��ي أَ ْم َو ِال ِه ْم َح � ٌّ�ق َم ْع ُل ٌ‬ ‫وم} (سورة املعارج‪ ,‬اآلية‪,)25 - 24:‬‬ ‫لس � ِ�ائ ِل َو مْحَ ْ‬ ‫ال � ُ�ر ِ‬ ‫ِل َّ‬ ‫فتم إنشاء مؤسسات حكومية لتنظيم العمل اخليري‬ ‫ف� � ��ي الكويت‪ ،‬س� � ��اهمت ف� � ��ي إيصال املس� � ��اعدات‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 58-67.indd 62‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫للمس� � ��لمني وغيره� � ��م من املنكوبني في ش� � ��تى بقاع‬ ‫األرض وف� � ��ي جميع األوقات‪ ،‬مث� � ��ل‪ :‬جمعية الهالل‬ ‫األحمر الكويتي والهيئة اخليرية اإلسالمية العاملية‬ ‫وبيت الزكاة واألمانة العامة لألوقاف‪.‬‬ ‫وإلى جانب تل� � ��ك املنظم� � ��ات احلكومية يوجد‬ ‫ف� � ��ي الكويت كثير من اجلمعي� � ��ات األهلية واملبرات‬ ‫والوقفيات التي ترعى العمل اخليري الشعبي‪ ,‬مثل‬ ‫جلنة التعريف باإلس� �ل��ام‪ ،‬وصندوق إعانة املرضى‪،‬‬ ‫وجمعية عبدالله الن� � ��وري اخليرية‪ ،‬وجمعية العون‬ ‫املباش� � ��ر‪ ،‬وجمعي� � ��ة النج� � ��اة اخليرية‪ ,‬ول� � ��م تنقطع‬ ‫التبرع� � ��ات الكويتية ع� � ��ن العالم حت� � ��ى أثناء الغزو‬ ‫العراقي‪.‬‬ ‫واختارت األمم املتحدة الكويت مركزاً إنس� � ��انياً‬ ‫عاملياً‪ ,‬نتيجة لتاريخ طويل وعطاء متواصل لش� � ��عب‬ ‫دور الكويت في دعم الثقافة اإلسالمية‬ ‫‪11/3/16 8:05:05 AM‬‬

‫الكويت في مجال العمل اإلنس� � ��اني‪ ,‬وفي منتصف‬ ‫ش� � ��هر يناير من عام ‪ ،2014‬جاء التقدير على لسان‬ ‫األمني العام لألمم املتحدة بان كي مون‪ ,‬في اختتام‬ ‫مؤمتر املانحني الثاني لس� � ��ورية‪ ،‬الذي اس� � ��تضافته‬ ‫الكويت‪ ,‬عندما ذكر أن س� � ��مو األمير الشيخ صباح‬ ‫األحم� � ��د يس� � ��تحق أن يوصف بأنه قائد إنس� � ��اني‪,‬‬ ‫نظراً للدور الكبير الذي أداه س� � ��موه على الصعيد‬ ‫اإلنس� � ��اني‪ ,‬وهو ما جعل من الكويت مركزاً إنسانياً‬ ‫عاملياً‪.‬‬

‫دعم االقتصاد اإلسالمي ومتكينه‬

‫تعتبر الكويت إحدى الدول الرائدة في إنش� � ��اء‬ ‫البنوك اإلس� �ل��امية وش� � ��ركات التأمني وش� � ��ركات‬ ‫االس� � ��تثمار الت� � ��ي تعم� � ��ل وفقاً لضوابط الش� � ��ريعة‬ ‫‪63‬‬

‫‪dec 58-67.indd 63‬‬


‫توقيع السيد جاك الجن في الكتاب التذكاري لضيوف دار اآلثار اإلسالمية في الكويت خالل زيارته األولى للكويت قبل عامني‬

‫اإلس� �ل��امية‪ .‬وأس� � ��س بيت التموي� � ��ل الكويتي الذي‬ ‫يع� � ��د م� � ��ن أوائ� � ��ل البنوك اإلس� �ل��امية ف� � ��ي العالم‬ ‫بدعم ومس� � ��اهمة من حكومة الكوي� � ��ت عام ‪.1978‬‬ ‫فق� � ��د م َّك� � ��ن إنش� � ��اء مثل ه� � ��ذا البنك من ترس� � ��يخ‬ ‫مب� � ��ادئ العم� � ��ل املصرفي اإلس� �ل��امي املوجودة في‬ ‫كتب الفقه وتكييفها لتتناس� � ��ب م� � ��ع الواقع العملي‪,‬‬ ‫فاستطاعت البنوك اإلس� �ل��امية استيعاب األدوات‬ ‫البنكية املتداولة في البنوك التقليدية‪ ،‬مثل الودائع‬ ‫وحس� � ��ابات التوفير وبطاق� � ��ات االئتمان‪ ،‬وأضافت‬ ‫أدوات جديدة لالس� � ��تثمار املصرفي‪ ,‬مثل املرابحة‬ ‫واملضاربة واملشاركة والصكوك واإلجارة والتورق‪.‬‬ ‫‪64‬‬

‫‪11/3/16 8:05:12 AM‬‬

‫كما أصدر مجل� � ��س األمة الكويتي قان� � ��ون البنوك‬ ‫اإلس� �ل��امية عام ‪ ،2003‬الذي م َّكن من إنشاء بنوك‬ ‫إس� �ل��امية جديدة أو حتول بعض البنوك التقليدية‬ ‫إل� � ��ى العمل بنظام البنوك اإلس� �ل��امية‪ .‬ويوجد في‬ ‫الكويت اليوم خمس� � ��ة بنوك إس� �ل��امية تعمل جنباً‬ ‫إلى جنب مع البنوك التقليدية‪ ,‬في دعم قطاع املال‬ ‫واألعمال‪.‬‬ ‫وأصبح التمويل اإلس� �ل��امي اليوم ش� � ��ائعاً في‬ ‫أرجاء العالم اإلسالمي وغير اإلسالمي‪ ,‬وأصبحت‬ ‫قواعده تخض� � ��ع للنقد والتحليل من خالل البحوث‬ ‫األكادميية واملؤمت� � ��رات االقتصادية‪ ,‬وقد أصدرت‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 58-67.indd 64‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫خزانة البنك الدولي في السنوات األخيرة مجموعة‬ ‫متنوعة من أدوات التمويل اإلسالمي‪ ،‬لتمويل بعض‬ ‫املشروعات التنموية في العالم اإلسالمي‪.‬‬

‫ومش� � ��روع تعديل بع� � ��ض أحكام القان� � ��ون املدني‬ ‫ومش� � ��روع قانون املصارف وش� � ��ركات االستثمار‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬

‫أسلمة القوانني‬

‫املنظمة اإلسالمية للعلوم الطبية‬

‫أسست اللجنة االستشارية للعمل على أسلمة‬ ‫القوانني وتطبيق الش� � ��ريعة اإلس� �ل��امية في عام‬ ‫‪ ,1991‬ونصت املادة األولى ملرسوم إنشائها على‬ ‫أن الهدف من تأسيس تلك اللجنة هو وضع خطة‬ ‫لتهيئة األجواء الستكمال تطبيق أحكام الشريعة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬مع مراعاة واقع البالد ومصاحلها‪ ,‬‬ ‫ولها في س� � ��بيل ذلك دراس� � ��ة القوانني الس� � ��ارية‬ ‫في مختل� � ��ف املجاالت واقتراح ما تراه بش� � ��أنها‬ ‫لضمان توافقها مع أحكام الش� � ��ريعة اإلسالمية‪.‬‬ ‫وصرح رئيس اللجنة السابق د‪ .‬خالد املذكور بأن‬ ‫اللجنة حققت األهداف التي أنش� � ��ئت من أجلها‪،‬‬ ‫وأنه� � ��ا قطعت ش� � ��وطاً كبيراً في عمله� � ��ا متمثلة‬ ‫في إجنازات عدة‪ ,‬ش� � ��ملت اجلانب التش� � ��ريعي‬ ‫والتربوي واإلعالمي واالقتصادي واالجتماعي‪,‬‬ ‫فقد أجرت اللجنة تعديالت على مش� � ��روع قانون‬ ‫املرافعات وقانون اجلزاء ومشروع قانون اإلثبات‪،‬‬

‫أنش� � ��أت الكويت املنظم� � ��ة اإلس� �ل��امية للعلوم‬ ‫الطبية مبرس� � ��وم أمي� � ��ري ع� � ��ام ‪ ،1984‬باعتبارها‬ ‫جهة عاملية ذات س� � ��يادة‪ ,‬وقد تكفلت دولة الكويت‬ ‫برعايتها مالياً‪ ,‬وشيدت لها مبنى مستق ً‬ ‫ال‪ .‬وتهدف‬ ‫ه� � ��ذه املنظمة إل� � ��ى حتديث البحوث والدراس��� � ��ات‬ ‫الت� � ��ي وضعها ال� � ��رواد من األطباء املس� � ��لمني على‬ ‫ضوء التق� � ��دم العلمي املعاصر وتطبيقها بأس� � ��لوب‬ ‫علم� � ��ي حدي� � ��ث‪ ,‬خلدم� � ��ة اإلنس� � ��انية والعمل على‬ ‫تضافر اجلهود الطبي� � ��ة والفقهية‪ ,‬بهدف الوصول‬ ‫إل� � ��ى رأي موحد ف� � ��ي تطبيق ما يس� � ��تجد من أمور‬ ‫البحث الطبي احلديث‪ ,‬وتوفير اإلمكانات الالزمة‬ ‫ملتابعة األبحاث الطبية اجلدي� � ��دة‪ ,‬وإيجاد البدائل‬ ‫الصحيحة للوس� � ��ائل والعقاقير احملظور استعمالها‬ ‫إسالمياً‪ ,‬والتعاون مع الهيئات واجلمعيات الوطنية‬ ‫والدولي� � ��ة التي تعنى باألهداف نفس� � ��ها في ش� � ��تى‬ ‫أنحاء العالم‪.‬‬

‫املوسوعة الفقهية التي أصدرتها وزارة األوقاف في دولة الكويت‬ ‫دور الكويت في دعم الثقافة اإلسالمية‬ ‫‪11/3/16 8:05:15 AM‬‬

‫‪65‬‬

‫‪dec 58-67.indd 65‬‬


‫نقش من املعدن ومخطوط نادر من مقتنيات دار اآلثار اإلسالمية في الكويت‬

‫كما ساهمت املنظمة اإلسالمية للعلوم الطبية‬ ‫في إنشاء مركز الطب اإلسالمي في الكويت‪ ،‬الذي‬ ‫يق� � ��دم خدماته الطبية والبحثي� � ��ة في مجال الطب‬ ‫اإلسالمي‪.‬‬

‫املوسوعة الفقهية‬

‫يكف� � ��ي للكوي� � ��ت مثل ه� � ��ذا اإلجناز ك� � ��ي تكون‬ ‫عاصمة للثقافة اإلسالمية لعام ‪ ,2016‬فقد أهدت‬ ‫أكبر موسوعة فقهية إلى املكتبة اإلسالمية‪ .‬القيمة‬ ‫املوسوعية الفريدة لهذا اإلنتاج الثقافي‪ ,‬أنها جتمع‬ ‫ش� � ��تات اآلراء في مختلف املسائل باملذاهب األربعة‬ ‫في مرجع واحد مرتب أبجدياً في خمس� � ��ة وأربعني‬ ‫مجلداً‪.‬‬ ‫وقد تطل� � ��ب التحضي� � ��ر لهذا العم� � ��ل الضخم‬ ‫اس� � ��تخراج مصطلحات الفقه من مظانها في كتب‬ ‫الفق� � ��ه املتع� � ��ددة‪ ،‬ومن ثم فرز ه� � ��ذه املصطلحات‪،‬‬ ‫وط� � ��رح م� � ��ا لم مي� � ��ت إل� � ��ى املصطلح� � ��ات الفكرية‬ ‫بصلة‪ ,‬وم� � ��ن بعد ذلك تصنيف ه� � ��ذه املصطلحات‬ ‫إل� � ��ى مصطلح� � ��ات أصلي� � ��ة ومصطلح� � ��ات إحالة‬ ‫ومصطلحات داللة‪ ،‬وم� � ��ن بعد ذلك التخطيط لكل‬ ‫مصطلح ومن ثم طرحه لالستكتاب‪ ،‬ومن بعد ذلك‬ ‫إرس� � ��اله إلى املراجعني في العالم اإلسالمي‪ ,‬لذلك‬ ‫استغرق العمل في هذا املشروع املوسوعي الضخم‬ ‫نحو ثالثة عقود تقريباً‪.‬‬ ‫ال إسالمياً‬ ‫لقد كان إجناز مثل هذه املوسوعة أم ً‬ ‫‪66‬‬

‫‪11/3/16 8:05:18 AM‬‬

‫قدمياً‪ ،‬فقد تطلع إلى ذلك كثير من املهتمني بنهضة‬ ‫األمة اإلسالمية‪ ,‬وصدرت توصية بتأليف مثل هذه‬ ‫املوس� � ��وعة في مؤمتر أس� � ��بوع الفقه اإلسالمي في‬ ‫باري� � ��س عام ‪ .1951‬وج� � ��رت محاولتان لتنفيذ هذه‬ ‫التوصية‪ ,‬األولى كانت في كلية الش� � ��ريعة بجامعة‬ ‫دمشق عام ‪ ،1956‬والثانية كانت من وزارة األوقاف‬ ‫املصري� � ��ة عام ‪ ,1961‬إال أن النج� � ��اح لم يكن حليفاً‬ ‫لهاتني احملاولتني في استكمال هذا املشروع‪.‬‬ ‫فقامت وزارة األوقاف الكويتية بوضع املوسوعة‬ ‫التي يت� � ��م حتديثها من وقت إلى آخر على ش� � ��بكة‬ ‫اإلنترنت وكذلك على ش� � ��كل أقراص مدمجة تزود‬ ‫به� � ��ا الباحثني وط� �ل��اب العلم الش� � ��رعي‪ .‬وقد بادر‬ ‫مجمع الفقه اإلس� �ل��امي في الهن� � ��د أخيراً بترجمة‬ ‫هذه املوسوعة إلى اللغة األردية‪.‬‬

‫دار اآلثار اإلسالمية‬

‫دار اآلثار اإلس� �ل��امية مؤسس� � ��ة ثقافية قامت‬ ‫على الترويج ملجموعة الصباح للفنون اإلس� �ل��امية‪،‬‬ ‫الت� � ��ي عمل الش� � ��يخ ناصر صب� � ��اح األحمد وزوجته‬ ‫الش� � ��يخة حص� � ��ة صباح الس� � ��الم على تأسيس� � ��ها‬ ‫ورعايتها منذ س� � ��بعينيات الق� � ��رن املاضي‪ .‬وضمت‬ ‫هذه الدار ما يق� � ��ارب ‪ 30‬ألف حتفة‪ ،‬ومخطوطات‬ ‫ومجوهرات ومعادن وس� � ��يراميك وأقمش� � ��ة ترجع‬ ‫إل� � ��ى عهود مختلفة م� � ��ن التاريخ اإلس� �ل��امي‪ ,‬بدءاً‬ ‫من الق� � ��رن الس� � ��ابع امليالدي‪ ,‬م� � ��ن مختلف أرجاء‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 58-67.indd 66‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫العالم اإلسالمي‪ ،‬من إسبانيا مروراً بالهند وإيران‬ ‫ووصوالً إلى الصني‪.‬‬ ‫وفي ‪ 23‬فبراير ‪ 1983‬مت افتتاح املباني اخلاصة‬ ‫بهذه الدار في متحف الكويت الوطني في احتفال‬ ‫رس� � ��مي عام‪ .‬وقد متت س� � ��رقة معظ� � ��م محتويات‬ ‫متحف الكويت الوطني مبا تضمه من هذه املقتنيات‬ ‫من قبل القوات العراقية الغازية في أغسطس عام‬ ‫‪ ,1990‬وبع� � ��د التحري� � ��ر ‪ -‬وبدعم م� � ��ن هيئة األمم‬ ‫املتحدة ‪ -‬مت استرداد معظم هذه املقتنيات‪ ,‬وأحلق‬ ‫الضرر ببعضها‪ ,‬بحيث َّ‬ ‫تعذر إصالحها‪.‬‬ ‫وأصبحت دار اآلثار اإلس� �ل��امية سفيراً للفنون‬ ‫اإلس� �ل��امية حول العالم من خ� �ل��ال املعارض التي‬ ‫تتج� � ��ول بها في أكب� � ��ر متاحف العال� � ��م‪ ,‬تعرض من‬ ‫خاللها بع� � ��ض مقتنياتها التي متث� � ��ل بعض الكنوز‬ ‫اخلاصة باحلضارة اإلسالمية‪.‬‬ ‫مثل تلك اإلسهامات التي قدمتها دولة الكويت‬ ‫للثقافة اإلس� �ل��امية تدعم القيم السامية التي دعا‬ ‫دور الكويت في دعم الثقافة اإلسالمية‬ ‫‪11/3/16 8:05:26 AM‬‬

‫له� � ��ا الدين اإلس� �ل��امي في التآخ� � ��ي والتراحم بني‬ ‫املس� � ��لمني‪ ،‬وتب� �ي��ن قدرة اإلس� �ل��ام عل� � ��ى االندماج‬ ‫والتعاي� � ��ش م� � ��ع بقية العال� � ��م‪ ,‬وتظهر نت� � ��اج الفكر‬ ‫والفنون والعلوم التي أنتجتها احلضارة اإلسالمية‪.‬‬ ‫وتهدف الرس� � ��الة احملمدية إلى نش� � ��ر الوحدانية‬ ‫والعدل واإلحسان‪ ،‬وجتعل من األمة اإلسالمية وسطاً‬ ‫ليكونوا ش� � ��هداء عل� � ��ى الناس ويكون الرس� � ��ول عليهم‬ ‫شهيداً‪ ,‬وما يظهر على الساحة اليوم من تطرف وغلو‬ ‫وقتل عش� � ��وائي باس� � ��م الدين‪ ,‬ينافي ما نادت به تلك‬ ‫الرسالة الس� � ��ماوية‪ ,‬ويضع على كاهل املسلمني كافة‬ ‫مهمة إظهار القيم الوس� � ��طية املعتدلة لإلس� �ل��ام أمام‬ ‫العالم‪ ،‬وتبيان مقاصد الدين وغاياته‪ ،‬أي مبعنى آخر‪,‬‬ ‫نشر الثقافة اإلسالمية الصحيحة بني املسلمني‪ ،‬حتى‬ ‫يتم القضاء على هذا التطرف‪ .‬فالسنن الكونية والعِ َبر‬ ‫التاريخي� � ��ة تخبرنا بحتمية زوال مث� � ��ل هذا اإلرهاب‪،‬‬ ‫َّاس‬ ‫{ َفأَ َّم ��ا الزَّ َب � ُ�د َف َيذْ َه � ُ�ب ُج َف � ً‬ ‫�اء َوأَ َّم ��ا َم ��ا َي ْن َف � ُ�ع الن َ‬ ‫َف َي ْم ُك ُث ِفي أْ َ‬ ‫ال ْر ِض}(سورة الرعد‪ ,‬اآلية‪> )17 :‬‬ ‫‪67‬‬

‫‪dec 58-67.indd 67‬‬


‫أدب‬

‫السيرة الذاتيَّة‬ ‫في مفهوم ِّ‬ ‫وخصائصها‬ ‫عبدالمجيد زراقط‬

‫باحث وأكادميي من لبنان‬

‫بغية تحديد مفهوم السيرة الذاتية‪ ،‬نعود إلى كتب هذه السيرة‪ ،‬فنجد‬ ‫مم���ا بينها من االتفاق»‪ ،‬ويعود ذلك إلى‬ ‫ّ‬ ‫أن «م���ا بينها من االختالف أكثر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن لكل عمل أدبي فرديّته‪ ،‬ولكل أديب أسلوبه‪.‬‬ ‫فرديّة العمل األدبي؛ إذ َّ‬ ‫أدبي ما‪ ،‬ينظر إلى‬ ‫لكن الباحث عندما يسعى إلى تحديد مفهوم نوع‬ ‫ٍّ‬ ‫الخصائص العا َّمة المش���تركة‪ ،‬في الوقت نفس���ه الذي يقرّ فيه بوجود‬ ‫التف��� ُّرد‪ ،‬ويعمل على تب ّين���ه‪ ،‬وتب ُّين تل���ك الخصائص التي تُ ّتخ���ذ معياراً‬ ‫للتصنيف‪.‬‬

‫نبدأ بتمييز السيرة الذاتية من أنواع أدب َّية أخرى‬ ‫تش� � ��ترك وإ ّياها في عدد من اخلصائص‪ ،‬وأ ّول هذه‬ ‫األنواع املذكِّرات‪ .‬ففي املذ ِّكرات يُعنى كاتبها بتسجيل‬ ‫ما يحدث‪ ،‬ويبدي رأيه فيه‪ ،‬أو يس� � � ّ�جل ما يجري من‬ ‫نصه‪،‬‬ ‫أحداث م� � ��ن منظوره‪ ،‬من دون أن يُعنى بأدب َّية ِّ‬ ‫وم� � ��ن دون أن ير ّكز على تدوين وقائع حياته‪ ،‬فتخرج‬ ‫كتابت� � ��ه إلى ٍ‬ ‫نوع آخر س� � ��وى الس� � ��يرة الذاتية‪ ،‬فكأ ّنه‬ ‫يكتب سيرة تاريخية من منظوره‪ ،‬وثانيها الذكريات‪،‬‬ ‫وفيها يس� � ��ترجع كاتبها ما ح� � ��دث‪ ،‬من دون أن يلتزم‬ ‫بوقائع الس� � ��يرة‪ ،‬إذ إ ّن الذاكرة هي التي متلي ما يت ّم‬ ‫تس� � ��جيله‪ ،‬وفي هذه احلالة تهيم� � ��ن األحداث األكثر‬ ‫السيرة‪،‬‬ ‫حضوراً في الذاكرة‪ ،‬فتت ّم كتابة انتقائية من ِّ‬ ‫يسجل الكاتب ما يجري في‬ ‫وثالثها اليوميات‪ ،‬وفيها ّ‬ ‫أيامه من أحداث‪ ،‬ويعلّق عليها‪ ،‬ويكون هذا التسجيل‬ ‫ِّ‬ ‫نص ّية متكاملة ومتماس� � ��كة‪،‬‬ ‫متقطعاً‪ ،‬ال يش � � � ّكل بنية ّ‬ ‫‪68‬‬

‫‪11/3/16 8:06:00 AM‬‬

‫صعي َد ْي‬ ‫وفي الغالب ال تت ّم العناية بأدبية النص على َ‬ ‫البنية الكلِّية واألسلوب‪ ،‬ورابعها االعترافات‪ ،‬وفيها‬ ‫يس� � � ّ�جل الكاتب ما يو ّد أن يعترف به من أمور يو ّد أن‬ ‫يوصله� � ��ا لآلخر‪ ،‬وقد تتض ّمن األنواع س� � ��الفة الذكر‬ ‫اعترافات‪ .‬وه� � ��ذه االعترافات مت ّثل بعض ما ينبغي‬ ‫أن تتض َّمنه السيرة الذاتية من أحداث ووقائع‪.‬‬ ‫إ ّن املذكرات والذكريات واليوميات واالعترافات‬ ‫أنواع من الكتابة فيها عناصر من الس� � ��يرة الذاتية‪،‬‬ ‫السيرة‬ ‫وليس� � ��ت س� � ��يراً ذاتية‪ ،‬وليست س� � ��يراً‪ ،‬أل ّن ّ‬ ‫شخص ما متم ّيز‪ ،‬تتّصف مبا تتّصف به‬ ‫قصة حياة‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫القصة من خصائص‪ ،‬في الوقت نفسه الذي تختلف‬ ‫َّ‬ ‫في� � ��ه عنها‪ ،‬من حي� � ��ث روايتها قصة حياة ش� � ��خص‬ ‫��‪ ،‬ما يعن� � ��ي أ ّنها‪ ،‬في الوقت نفس� � ��ه‪ ،‬بناء أدبي‬ ‫مع� �َّي� َّنّ‬ ‫معي‪ ،‬وهنا‬ ‫متخ َّيل‪ ،‬وتسجيل لوقائع حياة شخص ما نَّ‬ ‫تتم ّثل إش� � ��كاليتها‪ ،‬فكاتبها ينبغي عليه أن يجعل من‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 68-71.indd 68‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫التس� � ��جيل الوثائقي بنا ًء أدبياً متخ َّي ً‬ ‫ال‬ ‫ناطق � � �اً برؤية إلى عامل� � ��ه‪ ،‬فمن ثنائية‬ ‫تضاد هي‪ :‬تسجيل‪ /‬تخ ّيل‪ ،‬ينبغي أن‬ ‫نص أدبي متم ِّيز بخصائصه‬ ‫يتش � � � ّكل ّ ٌ‬ ‫أدبي‪ ،‬س� � ��ردي‬ ‫التي مت ّيزه من أي ٍ‬ ‫نوع ٍّ‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫الس� � ��يرة؟ وما خصائص‬ ‫هي‬ ‫فما‬ ‫ِّ‬ ‫السيرة الذاتية؟‬ ‫ّ‬

‫السيرة وأنواعها‬ ‫ِّ‬

‫تفي� � ��د املعاج� � ��م اللغو ّيَ� � ��ة ب� � ��أ ّن‬ ‫الس� � ��يرة تعن� � ��ي «الطريق� � ��ة»‪،‬‬ ‫كلم� � ��ة ّ‬ ‫و«الطريق� � ��ة احملم� � ��ودة املس� � ��تقيمة»‪ ،‬و«حدي� � ��ث‬ ‫األوائ� � ����ل»‪ .‬ويفه� � ��م م� � ��ن ه� � ��ذه الكلم� � ��ة‪ ،‬اصطالحاً‪،‬‬ ‫أ ّنه� � ��ا كانت ت� � ��دل عل� � ��ى الترجم� � ��ة املأث� � ��ورة حلياة‬ ‫النبي محمد ([)‪.‬‬ ‫الس� � ��يرة عصوراً‬ ‫ّ‬ ‫يقول يحيى عبدالدامي‪« :‬ظلت ّ‬ ‫يقتصر اس� � ��تعمالها على بيان حياة الرس� � ��ول ([)‪،‬‬ ‫ث ّم تط ّور االس� � ��تعمال‪ ،‬في عصور تالية‪ ،‬فاس� � ��تعملت‬ ‫مبعنى حي� � ��اة الش� � ��خص بصفة عا ّم� � ��ة»‪ .‬ومي ّيز بني‬ ‫والس� � ��يرة الذاتي� � ��ة‪ ،‬فيقول‪« :‬نرى‬ ‫الترجم� � ��ة الذاتية ّ‬ ‫كلم� � ��ة ترجمة يج� � ��ري االصطالح على اس� � ��تعمالها‬ ‫ّ‬ ‫لتدل على تاريخ احلياة املوجزة للفرد‪ ،‬وكلمة س� � ��يرة‬ ‫ّ‬ ‫يصطلح على اس� � ��تعمالها لتدل على التاريخ املسهب‬ ‫للحي� � ��اة»‪ .‬ويضيف‪ ،‬فيقول‪« :‬وإذا كان الس� � ��ابقون ‪-‬‬ ‫على ما نرى ‪ -‬يف ّرقون في االستعمال بني اللفظتني‪،‬‬ ‫ف� � ��إ ّن االصطالح احلديث ال يف � � � ّرق بينهما كثيراً‪ ،‬بل‬ ‫يس� � ��تخدم إحداهما مرادفة لألخ� � ��رى‪ ،‬ومن ث ّم جاء‬ ‫السيرة الذاتية»‪.‬‬ ‫االصطالح املعاصر‪ :‬الترجمة أو ّ‬ ‫ال نوافق على ما ذهب إليه عبدالدامي في التسوية‬ ‫السيرة بعا ّمة‪ ،‬هي‬ ‫والس� � ��يرة‪ ،‬ونرى أ ّن ّ‬ ‫بني الترجمة ّ‬ ‫قصة حياة ش� � ��خص ما‪ ،‬وهي أن� � ��واع‪ ،‬منها الترجمة‪،‬‬ ‫وه� � ��ي كما ق� � ��ال عبدال� � ��دامي «تاريخ احلي� � ��اة املوجز‬ ‫للف� � ��رد»‪ ،‬فتقرب بذلك من التاري� � ��خ أو تكونه‪ ،‬ومنها‬ ‫القصة‪ ،‬وفيها ت� � ��ؤ َّدى املادة التاريخية من‬ ‫الس� � ��يرة ‪/‬‬ ‫ًّ‬ ‫ّ‬ ‫منظور ال� � ��راوي‪ ،‬في بناء متخ ّيل ينطق برؤية كاتبها‪،‬‬ ‫فتكون أدباً‪ ،‬أو تأ ّ ُم ً‬ ‫ال في الوقائع يؤ َّدى في بناء يقرب‬ ‫م� � ��ن األدب أو يبتع� � ��د عنه‪ ،‬مبقدار قرب� � ��ه من إقامة‬ ‫الس� � ��يرة ‪/‬‬ ‫البناء األدبي املتخ ّيل أو بعده عنه‪ ،‬ومنها ّ‬ ‫السيرة الذات ّ َية وخصائصها‬ ‫في مفهوم ِّ‬ ‫‪11/3/16 8:06:04 AM‬‬

‫البح� � ��ث‪ ،‬التي تتّبع منهجية علم ّية في‬ ‫تقدمي معرفة بوقائ� � ��ع التاريخ‪ :‬تاريخ‬ ‫الفرد أو املجتمع وحقائقه‪.‬‬ ‫م� � ��ا يعن� � ��ي الباحث‪ ،‬ف� � ��ي النص‬ ‫الس� � ��يرة األدب َّي� � ��ة‪ ،‬أي‬ ‫األدب� � ��ي‪ ،‬ه� � ��و ّ‬ ‫الس� � ��يرة‪ :‬املتخذة ترجمة احلياة مادة‬ ‫ّ‬ ‫أول ّية إلقامة بنائها القصصي الناطق‬ ‫برؤية صاحبها‪ ،‬وهي إ ّما سيرة شعبية‬ ‫مث� � ��ل «س� � ��يرة بني ه� �ل��ال» و«س� � ��يرة‬ ‫عنترة»‪ ،...‬أو سيرة ذاتية مثل «األيام»‬ ‫لطه حس� �ي��ن‪ ،‬و«رحلة جبلية‪ ...‬رحلة‬ ‫صعبة»‪ ،‬و«الرحل� � ��ة األصعب» لفدوى‬ ‫طوقان‪ ،‬وسيرة ش� � ��خص آخر‪ ،‬أي سيرة غيرية‪ ،‬مثل‬ ‫س� � ��يرة «جبران خليل جب� � ��ران» مليخائيل نعيمة‪ ،‬وقد‬ ‫نصا روائ ًّيا‪ ،‬من دون‬ ‫يعمد األديب إلى كتابة سيرة ما ًّ‬ ‫أن يعلن عن ذلك‪ ،‬مثل «بقايا صور» حلنا مينة‪.‬‬ ‫الس� � ��يرة وأنواعها‪،‬‬ ‫بعد أن تع ّرفن� � ��ا على مفهوم ّ‬ ‫جنيب عن السؤال الثاني‪ ،‬وهو‪:‬‬ ‫ما خصائص السيرة الذاتية؟ ث ّم ما مفهومها؟‬ ‫اخلصيصة األولى تتم ّثل ف� � ��ي املا َّدة القصص ّية‪،‬‬ ‫السيرة‬ ‫الس� � ��يرة بعا َّمة‪ ،‬وفي ّ‬ ‫فاملادة القصصية‪ ،‬في ّ‬ ‫معي‪،‬‬ ‫ما‬ ‫�خص‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ش‬ ‫حياة‬ ‫وقائع‬ ‫بخاصة‪ ،‬هي‬ ‫الذاتية‬ ‫نَّ‬ ‫َّ‬ ‫الس� � ��يرة الذاتية ينبغي أن يلتزم بتقدمي هذه‬ ‫فكاتب ّ‬ ‫الوقائ� � ��ع‪ ،‬ال أن يقدِّم وقائ� � ��ع متخ ّيلة‪ ،‬أو يقحم وقائع‬ ‫ال عالقة عضوية لها مب� � ��ا يرويه‪ ،‬والثانية تتم ّثل في‬ ‫االختي� � ��ار‪ ،‬أي اختي� � ��ار وقائع يرويها م� � ��ن ذلك الك ّم‬ ‫املتش � � � ِّكل من تفاصي� � ��ل كثيرة‪ ،‬وذل� � ��ك أل ّن أي كاتب‬ ‫يسجل‬ ‫مهما بلغ مس� � ��تواه من الد َّقة ال يس� � ��تطيع أن ِّ‬ ‫تفاصيل احلياة جميعها‪ ،‬مّ‬ ‫وإنا يس� � ��تطيع أن يختار‪.‬‬ ‫وتتم ّثَل البراعة في اختيار اللحظات امله َّمة من سيرة‬ ‫احلياة‪ .‬ونعني باللحظات امله َّمة‪ ،‬اللحظات املفصل َّية‪/‬‬ ‫احملطات‪ ،‬وقد يك� � ��ون منها تفاصيل صغي� � ��رة دا ّلَة‪.‬‬ ‫تكش� � ��ف هذه اللحظات امله ّمة الواق� � ��ع وال َّرؤية إليه‪،‬‬ ‫فعندما روى طه حس� �ي��ن‪ ،‬على س� � ��بيل املثال‪ ،‬حادثة‬ ‫السياج‪ ،‬في أ ّيامه‪ ،‬في قريته‪ ،‬كشف‬ ‫سعيه إلى جتاوز ِّ‬ ‫عنصراً أساسياً من عناصر شخصيته الساعية إلى‬ ‫التجاوز‪ ،‬كما أ ّن روايته حلادثة تناول الطعام‪ ،‬وتقريره‬ ‫أال يتن� � ��اول نوع � � �اً معيناً منه تكش� � ��ف عنص� � ��راً آخر‬ ‫أساس � � �اً من عناصر شخصيته‪ ،‬وهو احترامه لنفسه‬ ‫‪69‬‬

‫‪dec 68-71.indd 69‬‬


‫في الشعر‪ .‬وفي الغالب يكون مسار‬ ‫وتقدي� � ��ره لها‪ ،‬وق � � � ّوة إرادته وصالبة‬ ‫الس� � ��يرة الذاتي� � ��ة خط ّيا‪ً،‬‬ ‫عزم� � ��ه على حتقيق م� � ��ا يريده‪ ،‬وهذا‬ ‫الزمن في ّ‬ ‫ما بدا واضحاً طوال مس� � ��ار حياته‪.‬‬ ‫ميضي وفاقاً لترابط س� � ��ببي مقنع‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫والثالثة‪ ،‬نظم ه� � ��ذه الوقائع في بناء‬ ‫وق� � ��د يعتمد بع� � ��ض كتَّاب الس � � � ّيرة‬ ‫سردي متكامل متماسك‪ ،‬تنتظم فيه‬ ‫املفارقة السردية‪ ،‬كما فعل ميخائيل‬ ‫عناص� � ��ره لتنطق بدالل� � ��ة كل ّية‪ .‬وهذه‬ ‫نعيم� � ��ة‪ ،‬ل� � ��دى كتابته س� � ��يرة جبران‬ ‫العناصر هي الوقائع والش� � ��خصيات‬ ‫خليل جب� � ��ران‪ ،‬وهي س� � ��يرة غيرية‪،‬‬ ‫عندم� � ��ا بدأ م� � ��ن النهاي� � ��ة‪ ،‬من وفاة‬ ‫والزم� � ��ان وامل� � ��كان‪ .‬ونظمه� � ��ا يتح َقّق‬ ‫جبران في املستش� � ��فى‪ ،‬ث ّم عاد إلى‬ ‫من منظ� � ��ور يقي� � ��م البناء الس� � ��ردي‬ ‫الس� � ��يرة‬ ‫الناط� � ��ق بالرؤي� � ��ة إلى العال� � ��م‪ ،‬هذا‬ ‫املاض� � ��ي‪ .‬وإن يك� � ��ن كاتب ّ‬ ‫ّ‬ ‫اخلطي‪ ،‬فإ ّنه‬ ‫الذاتية يعتمد املس� � ��ار‬ ‫املنظور يحكم جمع املادة القصص َّية‪ ،‬غالف كتاب األيام‬ ‫م� � ��ن ذكري� � ��ات‪ ،‬ويوميات‪ ،‬ورس� � ��ائل‪،‬‬ ‫يقيم بناء تتّسق فيه األحداث بعضها‬ ‫ومذكرات ومدونات‪ ،...‬واالختيار منها وترتيبها‪ ،‬أي في إثر بعض‪ ،‬يحكم تعاقبها مبدأ السبب َّية‪ ،‬وتتمثلّ‬ ‫إقامة نظام س� � ��ردي تترتَّب فيه الوحدات الس� � ��رد ّية‪ ،‬املفارقات الس� � ��ردية في اختي� � ��ار األحداث من نحو‬ ‫�ان‪ ،‬وتقنيات‬ ‫لتنطق بالداللة الكل ّية‪ .‬وهذا املنظور يش � � � ِّكل الفضاء أ ّول‪ ،‬وف� � ��ي إيقاع الس� � ��رد م� � ��ن نحو ث� � � ٍ‬ ‫الس� � ��يري‪ ،‬أي املكان اجلغرافي وأش� � ��ياءه‪ ،‬وعالقات اإليقاع كثيرة‪ ،‬منها ما يس � � � ِّرعه كالتلخيص‪ ،‬ويعني‬ ‫هذي� � ��ن بالش� � ��خصية‪ ،‬ليكون فضا ًء خ ّ‬ ‫الق � � �اً للداللة‪ ،‬أداء أحداث زمنية طويلة في مقطع س� � ��ردي قصير‬ ‫في الوقت نفس� � ��ه الذي يؤ ّدي فيه وظائف املرجع َّية‪ ،‬يلخّ ص م� � ��ا حدث‪ ،‬والثغ� � ��رة‪ ،‬وتعني جت� � ��اوز بعض‬ ‫السرد‪ ،‬والتشويق‪ ،...‬كما املراحل في الس� � ��يرة‪ ،‬واالكتفاء باإلشارة إليها‪ ،‬مثل‬ ‫واإليهام بالصدق ّية‪ ،‬وتنمية َّ‬ ‫أ ّن هذا املنظور يش � � � ّكل الشخصية‪ ،‬من حيث هويتها القول‪« :‬وم َّرت سنتان‪ ،»...‬ومنها ما يبطئه كاملشهد‪،‬‬ ‫نصي‬ ‫على املس� � ��تويات اجلس� � ��د ّيَة واالجتماعية والثقافية ويعن� � ��ي آونة زمنية قصيرة تتم ّث� � ��ل في مقطع ّ‬ ‫والنفسية واألخالقية‪ ،‬فيحرص على أن يدل اخلارج طويل‪ ،‬يق ِّدم حلظات مش� � ��حونة‪ ،‬ويدفع األمور إلى‬ ‫على الداخل‪ ،‬أي أن يش � � � ّكل الشخصية‪ ،‬وهي تعمل‪ ،‬الذروة‪ .‬في التلخيص يصغ� � ��ي القارئ إلى الراوي‪،‬‬ ‫ولي� � ��س من طريق الوصف املباش� � ��ر فحس� � ��ب‪ ،‬مّ‬ ‫وإنا في املشهد يش� � ��ارك القارئ‪ ،‬من طريق احلوار‪ ،‬في‬ ‫م� � ��ن طريق احلدث واحل� � ��وار والعالقات‪ ،‬ومن حيث رؤية الشخصيات‪ ،‬وهي تتح ّرك‪ ،‬ومتشي وتتكلم كأ ّنه‬ ‫موقعها ودورها‪ ،‬وبرنامجها السردي الذي تسعى إلى في مس� � ��رح‪ ،‬واحلوار ينبغي أن يؤ ّدي وظائف‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫حتقيقه‪ ،‬تساعدها ش� � ��خصيات وتناوئها شخصيات تنمية الس� � ��رد‪ ،‬بيان خصائص الشخصية‪ ،...‬ومنها‬ ‫أخ� � ��رى‪ ،‬فتخ� � ��وض صراعاً‪ ،‬ق� � ��د حُت َقّق ف� � ��ي نهايته ما يوقف السرد‪ ،‬كالوقفة وتعني تو ّ ُقف الزمن تو ّ ُقفاً‬ ‫اإلجن� � ��از‪ ،‬وقد تخفق في حتقيق� � ��ه‪ ،‬ما يعني ضرورة تاماً‪ ،‬فيتح ّرك النص من دون أي حركة زمنية‪ ،‬وهذا‬ ‫يحدث في مقاطع الوصف الذي ينبغي أن يكس� � ��ب‬ ‫الصدقية في هذا الشأن‪.‬‬ ‫السيرة‪ .‬السرد صدقيته‪ ،‬وأن يكون خ َّ‬ ‫القاً للمعنى‪ .‬ومن هذه‬ ‫زمن‬ ‫بناء‬ ‫يقيم‬ ‫الذي‬ ‫أن املنظور هو‬ ‫كما ّ‬ ‫ّ‬ ‫والزم� � ��ن‪ ،‬كما هو معروف‪ ،‬مقي� � ��اس اتفاقي ابتدعه التقنيات احلديث الذاتي الذي يكثف الس� � ��رد‪ ،‬فقد‬ ‫اإلنس� � ��ان َّ‬ ‫لينظم ش� � ��ؤون حياته‪ ،‬وليس كائناً حس ّياً يسترجع‪ ،‬وقد يستبق‪ ،‬وقد يكشف‪.‬‬ ‫ملموس � � �اً‪ ،‬وهو في النص األدبي ذاتي ال موضوعي‪،‬‬ ‫إ ّن ه� � ��ذه العناصر ينبغي أن تش � � � ّكل بن� � ��اء كلياً‪،‬‬ ‫أي إنساني نفسي مي ّثل خبرة الفرد الذاتية وحياته والبناء‪ ،‬بعا ّمة هو «ك ّل مك ّون من عناصر متماس� � ��كة‪،‬‬ ‫الداخلي� � ��ة‪ .‬وبناؤه هو نظام خاص‪ ،‬يس � � � ّميه النقاد يتو ّقف ك ّل منها على ما عداه‪ ،‬وال ميكنه أن يكون ما‬ ‫«حبك� � ��ة»‪ ،‬وهذه تعني إج� � ��ادة إح� � ��كام البناء‪ ،‬وهي هو إ ّال بفضل عالقته مبا عداه»‪.‬‬ ‫يق� � ��ام هذا البناء الكلّي من منظور قصصي‪ ،‬كما‬ ‫حت ّت� � ��م إثارة الفضول‪ ،‬والتش � � � ّ ُوق ملعرفة ما س� � ��وف‬ ‫القص تعادل اإليقاع قلنا‪ ،‬أي إ ّن الكاتب ينظر إلى وقائع س� � ��يرته الذاتية‬ ‫يل� � ��ي من أحداث‪ .‬واحلبكة في‬ ‫ِّ‬ ‫‪70‬‬

‫‪11/3/16 8:06:08 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 68-71.indd 70‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫البناء األدبي الس� � ��يري‪ ،‬فالبدهي أن‬ ‫م� � ��ن موقع ما‪ ،‬أو من زاوي� � ��ة رؤية ما‪،‬‬ ‫تكون لغة س� � ��ليمة‪ ،‬معجمه� � ��ا اللغوي‬ ‫فتحك� � ��م رؤيت� � ��ه اختيار ما َّدة الس� � ��يرة‬ ‫مأخ� � ��وذ م� � ��ن لغ� � ��ة احلي� � ��اة اليوم َّية‬ ‫وانتظامها في بناءٍ ينبثق منها‪ ،‬وينطق‬ ‫املتداول� � ��ة‪ ،‬وق� � ��د تس� � ��تخدم ألفاظ � � �اً‬ ‫بها عند اكتمال تش ّ ُكله‪.‬‬ ‫عام ّي� � ��ة إن اقتض� � ��ى األم� � ��ر ذلك‪ ،‬أو‬ ‫واملنظ� � ��ور مي ّثل� � ��ه ف� � ��ي العم� � ��ل‬ ‫ً‬ ‫القصص� � ��ي‪ ،‬ال َّراوي‪ ،‬وه� � ��و أداة البثِّ‬ ‫ألفاظ � � �ا أعجمية‪ ،‬ش� � ��ريطة أن تصاغ‬ ‫وفقاً ألنس� � ��اق واشتقاقات عربية‪ ،‬وأن‬ ‫الت� � ��ي يبدعها الكات� � ��ب‪ ،‬ويف ِّوض إليها‬ ‫القص‪ ،‬والراوي في السيرة‬ ‫أداء عملية‬ ‫توضع بني مزدوجني‪ ،‬وتركيب عبارتها‬ ‫ِّ‬ ‫الذاتية‪ ،‬يروي بضمير املتكلِّم‪ ،‬بوصفه‬ ‫بس� � ��يط‪ ،‬ويح َّبذ اس� � ��تخدام التركيب‬ ‫الش� � ��خصية األساس في السيرة‪ ،‬وقد‬ ‫القصي� � ��ر‪ ،‬اخلال� � ��ي م� � ��ن الزخرف� � ��ة‬ ‫البديعية‪ ،‬والتحذلق البياني‪ ،‬من دون‬ ‫راو من خارج‬ ‫يحدث ويوكل الكاتب إلى ٍ‬ ‫أن يعن� � ��ي ه� � ��ذا التخلي ع� � ��ن جمالية‬ ‫الس� � ��يرة‪ ،‬كما فعل طه‬ ‫األحداث رواية ّ‬ ‫ال مباشرا‪ً،‬‬ ‫حس� �ي��ن في كتاب «األي� � ��ام»‪ ،‬وذلك ليكس� � ��ب الرواية التعبير‪ ،‬واملهم أن يكون األداء اللغوي سه ً‬ ‫موضوعية‪ ،‬فيروي بضمير الغائب‪ ،‬كأ ّنه يتح َّدث عن من دون تعقيد‪ ،‬فيأتي س� � ��رداً موضوعياً ال يخلو من‬ ‫ش� � ��خصية أخرى‪ ،‬ويكون هذا ال� � ��راوي عليماً يعرف ذاتية وبوح‪ ،‬في احلاالت التي تقتضي ذلك‪.‬‬ ‫ك َّل ش� � ��يء‪ ،‬ويس� � ��تطيع أن يصل إلى املشاهد جميعها‬ ‫عب�� ��ر جدران املن�� ��ازل‪ ،‬وأن يدرك ما ي�� ��دور في خلد مفهوم السيرة ال ّ َذات ّ َية‬ ‫الشخصيات ورغباتهم الدفينة‪ ،‬والشخصيات نفسها‬ ‫ميكن‪ ،‬في ضوء ما س� � ��بق‪ ،‬اخللوص إلى حتديد‬ ‫ال تعي ذلك‪ ,‬وهذا هو الس� � ��رد املوضوعي‪ ،‬في حني مفهوم للسيرة الذاتية كما يأتي‪:‬‬ ‫الس� � ��يرة الذاتية بنية قصصية يتش � � � ّكل نسيجها‬ ‫أ ّن الراوي‪/‬الش� � ��خصية يكون محدود املعرفة‪ ،‬يروي‬ ‫ّ‬ ‫م� � ��ا يتيح له موقعه أن يعرف� � ��ه‪ .‬وهذا يعني أ ّن اختيار من عناصر هي‪ :‬السرد‪ ،‬الوصف‪ ،‬احلواران‪ :‬الثنائي‬ ‫الراوي حتدِّده رؤية الكاتب‪ ،‬وهدفه من كتابة سيرته‪ ،‬والذاتي‪ ،‬اخلطاب‪ ،‬الوثائ� � ��ق‪ ،‬تتم ّثل مادتها األول ّية‪/‬‬ ‫معي‪،‬‬ ‫فهل يريد تقدمي ما يعرفه في حدود معرفة الراوي‪ /‬متنها الس� � ��يري ف� � ��ي وقائع حياة ش� � ��خص ما نَّ‬ ‫الشخص ّية‪ ،‬أو يريد تقدمي ما يعرفه في حدود معرفة مج َّردة من أي لبوس يز ِّيف احلقائق‪ ،‬يتح ّول الراوي‪،‬‬ ‫الراوي‪ /‬العليم؟ اإلجابة تنطق بها رؤية الكاتب التي من منظوره‪ ،‬بها إلى مبنى سيري يلتزم فيه احلقائق‬ ‫يش ّكلها هدفه من الكتابة‪ ،‬فما الذي يريد قوله؟ وما التاريخية في الوقت نفس� � ��ه الذي يكون فيه متخ َّي ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫الرس� � ��الة التي يريد إيصالها؟ وما املوقع الذي يريد تتش � � � ّكل عناص� � ��ره‪ :‬الوقائع‪ ،‬الش� � ��خصيات‪ ،‬الزمان‪،‬‬ ‫لس� � ��يرته أن تتخذه في البنية املجتمعية؟ اإلجابة عن امل� � ��كان‪ ...‬في نظام متكامل متماس� � ��ك‪ ،‬ينطق‪ ،‬لدى‬ ‫هذه األس� � ��ئلة هي التي تش � � � ّكل املنظ� � ��ور‪ ،‬وهو ‪ -‬أي اكتمال تش � � � ّكله‪ ،‬بالرؤية التي ص� � ��در عنها‪ ،‬ما يعني‬ ‫أ ّنه اس� � ��تعادة قصصية لتاريخ حياة شخص ما ينطق‬ ‫املنظور ‪ -‬ما يش ّكل البناء السيري‪.‬‬ ‫اجلدي� � ��ر بال ِّذكر أ ّن املنظور األيديولوجي‪ ،‬ويعني بداللة ويؤ َّدى بلغة سليمة‪ ،‬سهلة‪ ،‬بسيطة‪ ،‬ال تخلو من‬ ‫بوح شعري في احلاالت التي تقتضي ذلك‪ .‬وبقدر ما‬ ‫«منظوم� � ��ة القيم العا َّمة لرؤي� � ��ة العالم ذهنياً»‪ ،‬ينبغي‬ ‫ٍ‬ ‫أ ّال تكون مباش� � ��رة‪ ،‬مّ‬ ‫النص يكون مستوى متثيل السيرة ثنائية الوقائع ـ احلقائق‪/‬‬ ‫وإنا ينبغي أن تُستقى من‬ ‫ّ‬ ‫الس� � ��يري لدى اكتمال تش ّكله‪ ،‬أي تؤخذ كما تبدو في املبنى املتخيل بقدر ما يكون مستوى أدبيتها‪ ،‬وقدمياً‬ ‫النّص السيري‪ ،‬وليس كما يص ِّرح به الكاتب‪ ،‬وينبغي قال جوته في تقدميه لس� � ��يرته الذاتية‪« :‬أنا لم أغ ِّير‬ ‫أال تظهر منفصلة عن الس� � ��يرة‪ ،‬وإ ّالَ غدت الس� � ��يرة شيئاً يتعلق مبا أعلمه‪ ،‬ومع ذلك الب ّد من أن أكون قد‬ ‫َّ‬ ‫تتكش� � ��ف في داللة كلية لدى غ ّيرت أش� � ��ياء كثيرة من غير علمي»‪ .‬فإعادة احلياة‬ ‫خطاباً‪ ،‬وإمنا ينبغي أن‬ ‫تكون في الغالب إعادة حقيقة‪ ،‬متخ َّيلة‪ ،‬في آن متليها‬ ‫اكتمال التش ّكل‪.‬‬ ‫يبقى عنصر أس� � ��اس‪ ،‬وهو اللغة التي يقام منها الذاكرة‪ ،‬ويبنيها التخ ّيل >‬ ‫السيرة الذات ّ َية وخصائصها‬ ‫في مفهوم ِّ‬ ‫‪11/3/16 8:06:11 AM‬‬

‫‪71‬‬

‫‪dec 68-71.indd 71‬‬


‫نقد‬

‫مالك حداد وشجرة صنوبر‬ ‫على راحة اليد‪ ...‬ي ِده‬ ‫عاطف سليمان‬

‫كاتب من مصر‬

‫من الــمفارقات أن بعض ًا من أعذب نصوص األدب العربي قد كتب بلغة‬ ‫غير عربية؛ كتبها مالك حداد‪ ،‬هذا الذي من قس���نطينة؛ بقلمه الفرنسي‪،‬‬ ‫من منتهى ناموسه الشاعري‪ ،‬ومن صميم وجوده العربي‪ ،‬الجزائري‪.‬‬ ‫ً‬ ‫غزالة؛ غزالة حية‪ ،‬حقيقية‪ .‬وكتب‬ ‫كت���ب مالك حداد بقصد أن يهب قارئه‬ ‫ً‬ ‫كلمة‬ ‫بخالصة الش���قاء ال���ذي هو تبصي ٌر كما ه���و تنغيص‪ .‬وإذ ب���ه يخط‬ ‫لحق إليه���ا‪ ،‬وإذ به تحلو بقربه‬ ‫بع���د كلمة وتس���توي نصوصه بادرات لم يُ َ‬ ‫اللغة وتمضي في حد ثاقب من الدقة وفريد من المطواعية‪ ،‬وتس���توي‬ ‫ً‬ ‫ملهمة ذات عدوى بال را ٍد‪ ،‬وتغ ِّني معه‪ .‬مع لغة مالك حداد الخاصة تأتي‬ ‫أف���كاره الخاصة التي ما من س���بيل إليه���ا إال على ذاك النح���و حصراً‪ ،‬فما‬ ‫ً‬ ‫تطفي���ف في بناء‬ ‫وس���يلة لغيره���ا؛ اللغة هي األف���كار‪ ،‬وأي‬ ‫كان���ت اللغة‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫تطفيف في مضمونها‪.‬‬ ‫اللغة هو‬

‫تب� � ��دأ قصص مال� � ��ك حداد محقق ًة ناموس� � ��ه‬ ‫عل� � ��ى الفور‪ ،‬ومتضي «مالكي ًة»‪ ،‬وتنتهي كغصن في‬ ‫شجرة الصنوبر املنتصبة في راحة يده‪ .‬في رواية‬ ‫«التلميذ والدرس» يتفش� � ��ى ظهور «فضيلة»‪ ،‬التي‬ ‫هي أ ٌم ش� � ��ابة تريد اإلجهاض؛ س� � ��اعية إلس� � ��قاط‬ ‫جنينها املتك� � ��ون لها من حبيبها «عمر»‪ ،‬الش� � ��اب‪،‬‬ ‫طالب الطب‪ ،‬املناضل‪ ،‬املقاتل في معارك التحرير‬ ‫اجلزائرية ضد االحتالل الفرنسي‪ .‬وتلجأ فضيلة‬ ‫إلى أبيها الطبيب إيدي� � ��ر صالح‪ ،‬لكي يعاونها في‬ ‫«إس� � ��قاط هذا الولد»‪ ،‬متعللة بأن مجيئه في أثناء‬ ‫هذه الظروف غير املناسبة «سوف يعقد كل شيء»‪.‬‬ ‫وتطال� � ��ب فضيلة أباها إيدير كذلك بأن يخفي في‬ ‫‪72‬‬

‫‪11/3/16 8:06:31 AM‬‬

‫بيته حبيبها عمر‪ ،‬املطارد واملطلوب من السلطات‪.‬‬ ‫ه� � ��ي‪ ،‬ف� � ��ي الوقت نفس� � ��ه‪ ،‬تطاعن أباه� � ��ا تلميحاً‬ ‫باإلشارة إلى أن السلطات ال تتشكك فيه ألنه غير‬ ‫مش� � ��ارك – تخاذالً أو خيان ًة‪ ،‬حسبما ترى فضيلة‬ ‫ في النضاالت التي تنخرط هي فيها مع حبيبها‬‫الث� � ��وري‪ .‬واألب‪ ،‬إيدي� � ��ر‪ ،‬يت� � ��ذوق كل كلمة تقولها‬ ‫ابنت� � ��ه وكل ما ال تقول� � ��ه وكل حركة وكل معيار وكل‬ ‫تصرف منها‪ ،‬مبحبة واستيعاب أب البنته املختلفة‬ ‫عنه‪ ،‬غير أنه يرفض فكرة ابنته إلس� � ��قاط الولد‪،‬‬ ‫يرفضه� � ��ا كإهانة فظة‪ ،‬قبل أي ش� � ��يء‪ .‬وإن يغفر‬ ‫فإنه‪ ،‬باملطلق‪ ،‬لن يغفر لفضيلة وعمر وقاحة أنهما‬ ‫فكرا في كونه يس� � ��تطيع القبول والقيام بـ«إسقاط‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 72-75.indd 72‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫يده‬ ‫مالك حداد وشجرة صنوبر على راحة اليد‪ِ ...‬‬ ‫‪11/3/16 8:06:35 AM‬‬

‫‪73‬‬

‫‪dec 72-75.indd 73‬‬


‫الول� � ��د»‪ ،‬حتى من دون اخلوض في التعقيد الكائن‬ ‫أص� �ل � ً‬ ‫ا مبوجب أن أم «الولد» وأباه غير متزوجني‪.‬‬ ‫يكتب مالك حداد على لس� � ��ان األب‪« :‬احلب الذي‬ ‫يدع� � ��ي التعق� � ��ل ال يبعث ف� � � َّ�ي أي طمأنينة»‪ ،‬لكنه‬ ‫يكتب أيض � � �اً‪« :‬أريد حصتي من اضطراب ابنتي»‪.‬‬ ‫عس� � ��ى ذلك هو الدرس ال� � ��ذي يتماله التلميذ‪ ،‬وال‬ ‫ح� � ��ول له على البوح به جهراً‪« :‬فضيلة‪ ،‬حينما كان‬ ‫يصاب إصبعك أو كنت تصابني بحرق‪ ،‬كنت أنفث‬ ‫على جرحك الصغير‪« :‬بييييففف‪ ...‬انتهى‪ ،‬انتهى‬ ‫اجل� � ��رح الصغير»‪ ،‬ويكون اجل� � ��رح الصغير اليزال‬ ‫رابض � � �اً إال أنك ال تعودين تتأملني‪ .‬كنت أنفث فيه‪،‬‬ ‫وكان ذل� � ��ك يعادل كل املراهم‪ .‬اليوم‪ ،‬يا فضيلة‪ ،‬لم‬ ‫تعد في تلك الطاقة‪ ،‬واجل� � ��رح غدا أكثر خطورة‪،‬‬ ‫وصارت رياح العواص� � ��ف الهوجاء هي التي تنفث‬ ‫فيه‪.»...‬‬

‫إيقاع موسيقى احلروف‬

‫يستوفي مالك حداد اإلس� � ��ناد املوسيقي لكل‬ ‫حرف يكتبه‪ ،‬ويكترث إلبداع الس� � ��ياقات الصائبة‬ ‫الـمهيئة للش� � ��عر الكامن والطافر في قصصه من‬ ‫دون أن يتكت� � ��م على حوادثها‪ ،‬وإن يكاد ال يبوح إال‬ ‫تسريباً أو توري ًة‪ ،‬كأمنا القصة نبات ينمو وال تتاح‬ ‫مالحظ� � ��ة منوه إال بعد منوه‪ .‬إلى ذلك تظهر قصة‬ ‫سعدية التي تزوجها إيدير ألجل مواءمة اجتماعية‬ ‫حتمي� � ��ة تكاد ترقى إلى مس� � ��توى الفرض الديني‪.‬‬ ‫س� � ��عدية التي أه� � ��دت إيدير خصل ًة م� � ��ن جديلتها‬ ‫كان� � ��ت قد أحبته كرجل حبيب تش� � ��تهي أن يولدها‬ ‫أطفاالً‪ ،‬لكن إيدير أحب س� � ��عدية كأخت‪ .‬كان أهل‬ ‫س� � ��عدية اليزالون من الـمالك القرويني املوسرين‪،‬‬ ‫حني كان والد إيدير يبي� � ��ع أفدنة أرضه ومعصرة‬ ‫الزيت� � ��ون املوروثة وحقل العنب‪ ،‬س� � ��نة بعد س� � ��نة‪،‬‬ ‫لتدبير نفقات دراس� � ��ة إيدير للط� � ��ب في باريس‪.‬‬ ‫في املقاب� � ��ل؛ لم يكن لدى آل س� � ��عدية مبعوث في‬ ‫مث� � ��ل مقام إيدي� � ��ر يدرس في باري� � ��س ويرجع إلى‬ ‫قريت� � ��ه في أثناء اس� � ��تراحات الصي� � ��ف كأنه مج ٌد‬ ‫يتحقق أمام األنظار وكأنه جاهٌ بال نظير‪ .‬ومرضا ًة‬ ‫للمش� � ��يئة االجتماع��ة لم يكن غريباً أن يجد والد‬ ‫إيدير فس� � ��ح ًة أثناء احتضاره لتوصية ابنه بالزواج‬ ‫من س� � ��عدية‪ .‬ولقد تزوجه� � ��ا إيدير‪ ،‬ثم أجنب منها‬ ‫‪74‬‬

‫‪11/3/16 8:06:38 AM‬‬

‫فضيلة‪ ،‬لكنه داوم على اصطناع االنش� � ��غال عنها‪،‬‬ ‫إلى أن هجرها فماتت في مصحة عقلية‪ .‬ستؤنبه‬ ‫ابنته فيما بع� � ��د وتعيره «وظللت خ� � ��اوي اليدين»‪،‬‬ ‫فم� � ��ا أوخم الذنب واخلس� � ��ارة والعقوبة وقد باتت‬ ‫جميعه� � ��ا تغذي بعضها بعضاً من غير ما إبراء‪ .‬لن‬ ‫ينجو إيدير‪ ،‬حتى لو كانت جناته في مس� � ��تطاعه‪،‬‬ ‫ذل� � ��ك أن احلياة متصلة وابنت� � ��ه فضيلة قد كبرت‬ ‫وص� � ��ارت تش� � ��هر ل� � ��ه نذالته ف� � ��ي حق أمه� � ��ا ولو‬ ‫باإلمي� � ��اءة‪ ،‬ولو بالصمت‪ ،‬ول� � ��و مبالمحها املوروثة‬ ‫عنها‪ .‬واليزال الوضع ذا تعقيد‪ ،‬إذ ال ميكن إغفال‬ ‫وج� � ��ود جرمني‪ ،‬الفرنس� � ��ية‪ ،‬زميلته في الدراس� � ��ة‬ ‫اجلامعية‪ ،‬ومحبوبته‪ ،‬التي انطلق في حبها احلب‬ ‫الذي يصير بوس� � ��ع املرء عنده أن يطول املدى وأن‬ ‫«يقطف النجمات»‪ ،‬وقد دعي لزيارة أسرتها حيث‬ ‫أمضى أس� � ��بوعني‪ ،‬لكن جرمني لم تصارحه بأنها‬ ‫مخطوب� � ��ة إال بعد أن كان قد تو َّل � � � َه فيها إلى غير‬ ‫رجعة‪ ،‬وبع� � ��د أن عرض عليها الزواج‪ ،‬وقتما كانت‬ ‫سعدية تنتظر في اجلزائر أن تعلن كعروس له‪.‬‬

‫النبرة أم الكلمة؟!‬

‫الكلمات! ما الكلمات إذا لم تؤخذ في االعتبار‬ ‫النب� � ��رة التي قيلت بها؟ النبرة أه� � ��م من الكلمات؛‬ ‫فكيف إذاً يسوغ للمرء أن يتشكى إذا كانت الكلمات‬ ‫غير مس� � ��يئة كثيراً بينما النبرة هي املس� � ��يئة وهي‬ ‫غير املتفهمة وهي الـمهينة؟‬ ‫هذا الكتاب هو ع� � ��ن النبرة؛ عن نبرات االبنة‬ ‫فضيلة‪ ،‬وعن خلجاتها أيضا‪ .‬إننا‪ ،‬القراء‪ ،‬بعيدون‪،‬‬ ‫لكن أباها إيدير هو من يس� � ��مع وهو من يرى‪ ،‬وهو‬ ‫من ينقل إلينا‪ ،‬فيصير لنا أن نستفيق على الرعونة‬ ‫التي يتعامل بها الثوريان عمر وفضيلة مع اجلنني‪،‬‬ ‫مع احلي‪ ،‬مع احلقيق� � ��ي‪ ،‬ويصير لنا أن نرتاع من‬ ‫قلة الرش� � ��اد التي ال تبشر مبا يشرح الصدور عن‬ ‫مستقبل اجلزائر احلرة‪ ،‬بل تنذر بأن ذلك املستقبل‬ ‫غاضب‪ ،‬وأن‬ ‫هو قيد اإله� � ��دار‪ .‬لن جنهل أن عمر‬ ‫ٌ‬ ‫عم� � ��ر حانقٌ‪ ،‬وأن� � ��ه ميزق بطاقة انتس� � ��ابه للحزب‬ ‫الشيوعي بعد أن اتخذ احلزب موقفاً خائباً‪ ،‬على‬ ‫خالف املأمول منه‪ ،‬ولن جنهل إخبار فضيلة ألبيها‬ ‫بأن ثالثة إخوة لعمر قد قضوا نحبهم في املعارك‪،‬‬ ‫فيتعج� � ��ب أبوها‪ ،‬في خاطره‪ ،‬م� � ��ن إصرارها هي‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 72-75.indd 74‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫فضيلة‪ ،‬على قتل «ولدها»؛ أهذا من أجل أن يزداد‬ ‫أعمامه الثالثة قتي ً‬ ‫ال؟! لن جنهل أبداً أن مستقبل‬ ‫اجلزائ� � ��ر ‪ -‬على الرغم من أناش� � ��يد االس� � ��تقالل‬ ‫والتحرير ‪ -‬كان في عسر‪ .‬عساه هو الدرس‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬أيضاً‪ ،‬هذا الكتاب ليس فقط عن النبرة‬ ‫وال اخللج� � ��ة وال التصارع وال احلنني‪ ،‬وليس فقط‬ ‫ع� � ��ن مصير اجلنني املتنازع علي� � ��ه فكرياً‪ ،‬إمنا هو‬ ‫إنصات هائ � � � ٌم للجزائ� � ��ر ولروح اجلزائ� � ��ر وتبلي ٌغ‬ ‫ٌ‬ ‫عنها‪ .‬األب يس� � ��مع ويحس ابنته لكنه يتسمع‪ ،‬في‬ ‫املقابل‪ ،‬نبرة اجلزائر‪ ،‬ويتشوف‪ ،‬في املقابل‪ ،‬خلجة‬ ‫اجلزائ� � ��ر‪ .‬وال يني الكاتب يب� � ��ث‪ ،‬مع حفاوته بروح‬ ‫قس� � ��نطينة وروح اجلزائر‪ ،‬وطن� � ��ه‪ ،‬حفاوته بالروح‬ ‫اإلنس� � ��انية وقد متلصت من ش � � �ـحنة الش� � ��عارات‬ ‫وعبوة األيديولوجيات‪ .‬هذا الكتاب يدرج حكايات‪،‬‬ ‫إال أن مأثرت� � ��ه هي في حتري أص� � ��داء احلكايات‬ ‫على القلب‪ ،‬وهي كذلك في تقصي املش� � ��اعر التي‬ ‫تزوبعها أحداث احلكايات‪ ،‬ولوال النسغ األساسي‬ ‫األصي� � ��ل الذي هو ش� � ��اعرية الكات� � ��ب فيما يتقدم‬ ‫من كتاب� � ��ه وما يتأخر‪ ،‬ولوال إح� � ��راز الكاتب للغته‬ ‫اخلاصة وألس� � ��لوبه اخلاص‪ ،‬ما استطاع الذهاب‬ ‫إلى ذلك الزائغ وال إلى ذلك النفيس‪.‬‬ ‫يحتف� � ��ي مالك حداد مبا له؛ باللقلق والصنوبر‬ ‫واحللزون‪ ،‬وتتندى ب� �ي��ن أصابعه كؤوس الليموناده‬ ‫املثلجة‪.‬‬ ‫كان من ضمن أنصبة الدكتور إيدير صالح أن‬ ‫يك� � ��ون هو الطبيب املجبور بالت� � ��زام الصدق حيال‬ ‫إخب� � ��ار صديقه وزميله اجلراح روبير كوس� � ��ت بأن‬ ‫«األمر انتهى»؛ بأن الس� � ��رطان قد متكن من إنهاء‬ ‫حياته؛ حي� � ��اة اجلراح الذي لم يت� � ��وان في اإلتيان‬ ‫باملعجزات ألجل جبر حيوات اآلخرين‪ .‬س� � ��يموت‬ ‫الدكتور كوس� � ��ت الليلة‪ ،‬وصديق� � ��ه الدكتور إيدير‬ ‫س� � ��يصاحبه بخياله حتى تفاصيل مثوله بني يدي‬ ‫الل� � ��ه‪ .‬سيس� � ��ارع الدكت� � ��ور إيدير إلى بي� � ��ت أرملة‬ ‫صديقه ملواساتها‪ ،‬إال أنه لن يرجع إلى بيته وحده‬ ‫ب� � ��ل – دومنا ادع� � ��اءات وال تبجحات ‪ -‬في صحبة‬ ‫عمر الذي كان الدكتور كوس� � ��ت يوف� � ��ر له اإليواء‬ ‫واملخبأ‪ ،‬قبل أن يتس� � ��لم املهمة صديقه إيدير‪ ،‬ولو‬ ‫تأتى ذلك بغير توحد في األفكار بني إيدير وعمر‬ ‫وبغي� � ��ر إلزام‪ ،‬ول� � ��و تأتى ذلك من ب� � ��اب الرأفة ال‬ ‫يده‬ ‫مالك حداد وشجرة صنوبر على راحة اليد‪ِ ...‬‬ ‫‪11/3/16 8:06:43 AM‬‬

‫التضامن؛ إكراماً فحسب البنته احملبوبة فضيلة‪،‬‬ ‫وإعماالً لسنن صديقه الغالي كوست‪.‬‬ ‫احل� � ��رب هي هي‪ ،‬حتى لو كانت حرب حترير‪،‬‬ ‫حتى ل� � ��و كانت هي حرب حترير اجلزائر‪ .‬احلرب‬ ‫أوصدت باب التضامن وفتحت باب الشك واالتهام‬ ‫وجلبت احلطة‪ .‬يكتب مالك‪« :‬احلرب هي أعتى ما‬ ‫ميكن أن يصله اإلنسان من خروج عن املعنى»‪.‬‬ ‫هذا الكتاب هو مساءٌ‪ .‬وذلك املساء كان وقدة‬ ‫ن� � ��ار على الروح‪ ،‬وكان إيدير ش� � ��قياً ومزعزعاً عن‬ ‫مكانه‪ .‬ما بال اجلزائر بعيدة! إن اجلزائر لبعيدة‪،‬‬ ‫وإنها لقصية مثل جنمات ال تقطف‪ .‬وهذا الكتاب‬ ‫هو وحش� � ��ة الدكت� � ��ور إيدير‪ .‬لقد ص� � ��ار راغباً في‬ ‫املوت‪ ،‬ويرجتي أن تتس� � ��لم ابنته اعت� � ��ذاره‪« :‬ليس‬ ‫لي من عتب على الس� � ��نونوة‪ ،‬ف� �ل��ا تعتبي علي إن‬ ‫أنا مضيت»‪ .‬مات صديقه وزميله الدكتور كوست‪،‬‬ ‫وهو يكاد يحس� � ��ده على موته‪ ،‬ويرثي نفسه‪« :‬عند‬ ‫عتب� � ��ات خريف عمري أجدني دون فرح‪ ،‬ومن دون‬ ‫مدع� � ��اة إلى ذل� � ��ك‪ .‬أضف إلى ذل� � ��ك أنني أحتاط‬ ‫من الن� � ��اس الفرحني‪ .‬ال أمقته� � ��م‪ ،‬أحتاط فقط؛‬ ‫فه� � ��م يثيرون قلقي‪ .‬اعتقدت دوماً بأن تفاؤلهم هو‬ ‫في مرتب� � ��ة اجلهل أو التجدي� � ��ف»‪« ،‬كم أرغب في‬ ‫أن يكون لي اس � � � ٌم آخر‪ ،‬أن أكون من جنس مغاير‪،‬‬ ‫أن أغي� � ��ر لون ذاكرتي وأوهام� � ��ي‪ .‬من يعلم؛ فرمبا‬ ‫عند نهاية الطري� � ��ق يوفر لي احلظ الظفر بامرأة‬ ‫تك� � ��ون في انتظاري‪ ،‬وأجده� � ��ا جميلة‪ ،‬من يعلم؟»‪،‬‬ ‫«يا إلهي! كم هي عل� � ��ى خطأ تلك العبارة الرائجة‬ ‫التي تدعي أننا ال منوت س� � ��وى مرة واحدة»‪ .‬لكن‬ ‫الوحش� � ��ة جتفل من طيف العشق‪« :‬لن يكون لليلة‬ ‫أن تنته� � ��ي من دون أن تتدخ� � ��ل جرمني بطريقة أو‬ ‫بأخرى‪ .‬أنا مس� � ��تدعى من قب� � ��ل جرمني‪ ،‬علي أن‬ ‫أتعود على هذه البداهة‪« :‬أنا عجوزٌ‪ ،‬أنا طاع ٌن في‬ ‫الس� � ��ن‪ ،‬وأنا أحب جرمني قبل كل شيء‪ .‬حبي هو‬ ‫نفي للزمن»‪.‬‬ ‫ٌ‬

‫مساء‬ ‫هذا الكتاب هو‬ ‫ٌ‬

‫النج� � ��وم في س� � ��ماء ليل اجلزائ� � ��ر منثورة مثل‬ ‫ش� � ��واهد اليقني‪ ،‬والكاتب يتأه� � ��ب للصمت أو أنه‬ ‫يتأه� � ��ل له‪« .‬أنا مقي ٌم غي� � ��ر بعيد عن القطاف‪ .‬أنا‬ ‫ميت في رفقة العنب‪> »...‬‬ ‫ٌ‬ ‫‪75‬‬

‫‪dec 72-75.indd 75‬‬


‫نقد‬

‫«حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ ‪...‬‬ ‫رجوع إلى الحكاية الشرقية‬ ‫د‪ .‬ريتا عوض‬

‫كاتبة من لبنان‬

‫كع����ادة «العرب����ي»‪ ،‬تحتفي ه����ذا العدد بذك����رى مي��ل�اد أديب نوبل‬ ‫موسعة‬ ‫نجيب محفوظ‪ ،‬في ذكراه السنوية‪ ،‬من خالل قراءة نقدية‬ ‫ّ‬ ‫في عمل من أعماله‪ ،‬الذي احتفى فيه بتراث الش����رق العربي الذي‬ ‫كان دائم ًا رافداً من روافد فكره‪ ،‬رحمه اهلل‪.‬‬

‫ال يكتم����ل ما لإلبداع األدبي من دور فاعل في الحياة الثقافية في عصره‪،‬‬ ‫ومن حضور في التاريخ الثقافي‪ ،‬ما لم تواكبه حركة نقدية يتوالها ّ‬ ‫نقاد‬ ‫مبدع����ون يعملون على س����بر أغ����وار ذلك اإلبداع وإدراك أبعاده وكش����ف‬ ‫طبيعة العالقات القائمة بينه وبين النوع األدبي الذي ينتمي إليه‪ ،‬وبينه‬ ‫وبي����ن الواقع الذي أبدع فيه‪ .‬وفي زمن‬ ‫التحوالت األدب ّية والف ّنية يضطلع‬ ‫ّ‬ ‫التحول‬ ‫النقاد المبدعون الكبار بدور رائد يفلس����فون من خالله مفهوم‬ ‫ّ‬ ‫ف����ي الرؤي����ة والتجرب����ة وأدوات التعبي����ر الفني واألدبي ويكش����فون دوافع‬ ‫التحول ويضعون األسس الفكرية للمسيرة اإلبداعية الجديدة‪.‬‬ ‫ذلك‬ ‫ّ‬

‫‪76‬‬

‫‪11/3/16 8:07:23 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 76-83.indd 76‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫هؤالء النق� � ��اد املبدعون ينيرون الس� � ��بيل للمبدع‬ ‫نفس� � ��ه ويس� � ��اهمون في خلق حساس � � � ّية فنّية جديدة‬ ‫للمتل ّق� �ي��ن‪ ،‬ليتق ّبلوا اإلبداع اجلدي� � ��د وليتفاعلوا معه‪،‬‬ ‫فتغتني احلياة الثقافية بذلك اإلبداع بش � � �قّيه األدبي‬ ‫والنقدي‪ .‬غير أن� � ��ه يتبينّ للباحث املتأمل في احلركة‬ ‫النقدية العربية في العصر احلديث أن النقد بش� � ��كل‬ ‫قصر في مواكبة اإلبداع األدبي العربي احلديث‪،‬‬ ‫عام ّ‬ ‫ولع ّل هذا التقصير يتجلّى ف� � ��ي نقد الرواية خاصة‪.‬‬ ‫وميكن أن يك� � ��ون ذلك عائداً إلى أس� � ��باب ع ّدة منها‬ ‫أن حرك� � ��ة النقد األدبي العربي التزال‪ ،‬بش� � ��كل عام‪،‬‬ ‫تعتم� � ��د إلى ح ّد كبير على النظريات النقدية الغربية‪،‬‬ ‫وأن النقد الغربي للرواية مازال حديث العهد نس� � ��ب ّياً‬ ‫ألن الرواية نفسها شكل أدبي جديد نسب ّياً في الغرب‬ ‫قياس � � �اً على الشعر واملس� � ��رح وامللحمة‪ .‬كما أن تع ّدد‬ ‫االجتاهات الغرب ّية في نق�� الرواية التي قد تصل إلى‬ ‫ح ّد التعارض والتناقض أحيانا‪ ،‬ساهم فيما اتصفت‬ ‫ب� � ��ه الكتابات النقدية العربي� � ��ة حول الرواية عامة من‬ ‫تش � � �تّت وضياع‪ ،‬وكأن النقاد العرب تتن ّوع اختياراتهم‬ ‫من تلك االجتاه� � ��ات تن ّوع أهوائه� � ��م وقراءاتهم‪ .‬ولم‬ ‫يُتح للنقد العربي احلديث صوغ نظر ّية نقد ّية عرب ّية‬ ‫جدي� � ��دة وأصيل� � ��ة تنبع م� � ��ن طبيعة الرواي� � ��ة العرب ّية‬ ‫وتواكب مسارها‪.‬‬ ‫وق� � ��د ع ّب� � ��ر مبدع� � ��ون عرب كب� � ��ار‪ ،‬من ش� � ��عراء‬ ‫وروائيني خاصة‪ ،‬مع انطالق ح� � ��ركات التجديد منذ‬ ‫منتصف القرن العش� � ��رين‪ ،‬عن قناعتهم بأن احلركة‬ ‫توجه‬ ‫النقد ّي� � ��ة العرب ّية لم تواكب‪ ،‬ول� � ��م تعاضد‪ ،‬ولم ّ‬ ‫اإلب� � ��داع اجلديد كما كان مأموالً‪ .‬وقد أش� � ��ار جنيب‬ ‫محفوظ‪ ،‬أحد أبرز الروائيني العرب في هذا العصر‪،‬‬ ‫إلى تقصير النقد األدبي العربي‪ ،‬وع ّد ذلك مسؤولية‬ ‫يتح ّملها الروائيون والنقّاد في الوقت ذاته‪ ،‬برغم أنه‬ ‫ح ّمل النقاد اجلانب األعظم من هذه املسؤولية‪ ،‬يقول‬ ‫(مجلة حوار‪ ،‬مارس ‪:)1963‬‬ ‫«‪ ....‬ف َق َّل أن ندرس رواية دراس� � ��ة نقد ّية تكتيك ّية‬ ‫على وجه مشبع‪ .‬وال شك في أن الروائيني مسؤولون‬ ‫عن ذلك‪ .‬ولكن مس� � ��ؤول ّية النق� � ��د أفدح‪ ،‬إذ كان عليه‬ ‫يبصر الروائيني بشكلهم‬ ‫أن ينشر مفهوم الرواية وأن ّ‬ ‫الفنّي‪ .‬ولكن النقّاد عندنا ال يَفْضلون الروائيني كثيرا‬ ‫في هذا املجال‪ .‬س� � ��تجد نقّاداً م� � ��ن طراز ممتاز في‬ ‫املسرح والشعر‪ ،‬ولكن يندر أن جتد ناقداً في املستوى‬

‫ذاته في الرواية‪ .‬وأنا أعرف نقّادا يقولون بكل بساطة‬ ‫فن بال تكنيك وال قيود‪ ،‬أو يقولون بالبساطة‬ ‫إن الرواية ّ‬ ‫نفسها‪ :‬ال ّ‬ ‫شك في أن املسرح أشقّ بكثير من الرواية‬ ‫للسبب الس� � ��ابق نفسه‪ .‬لذلك ال تعجب إذا غلب على‬ ‫إنتاجنا الروائي مفهوم احلكاية‪ ،‬أو إذا تس� � ��اءل ناقد‬ ‫قصة واقع ّي� � ��ة‪ ،‬أو إذا انتقد‬ ‫عن كث� � ��رة التفاصيل في ّ‬ ‫آخر اختفاء املؤلف من قصة‪ ،‬إلى آخره»‪.‬‬ ‫ال ش� � ��ك في أن األس� � ��لوب النقدي اجل� � ��ا ّد يتم ّثل‬ ‫في دراس� � ��ة عمل روائي مح ّدد دراسة حتليل ّية نقد ّية‪،‬‬ ‫وهذا أمر نادر في نتاجنا النقدي في مجال الرواية‪.‬‬ ‫ولعل هذا م� � ��ا عناه الروائي والناقد البريطاني إي إم‬ ‫فورس� � ��تر ‪ ،E.M. Forster‬حني ق� � ��ال إن على القارئ‬ ‫أن يجل� � ��س وحيداً ويصارع الكاتب‪ ،‬وهذا ما لن يفعله‬ ‫العالِم الزائف الذي قد يقيم رابطا بني الكتاب وتاريخ‬ ‫عصره‪ ،‬ويورد احلوادث التي م ّيزت حياة مؤلفه ويروي‬ ‫احلوادث التي يص ّورها الكتاب‪ ،‬وفوق ك ّل ذلك يربط‬ ‫تلك الرواية باجتاه� � ��ات مع ّينة‪ .‬ويالحظ الدارس أن‬ ‫عديداً مما يُس � � � ّمى بنقد الرواية العربية يندرج ضمن‬ ‫تلك األس� � ��اليب‪ ،‬و َق َّل أن يجد دراسة حتليل ّية متع ّمقة‬

‫«حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ ‪ ...‬رجوع إلى احلكاية الشرقية‬ ‫‪11/3/16 8:07:27 AM‬‬

‫‪77‬‬

‫‪dec 76-83.indd 77‬‬


‫إلحدى الروايات‪ .‬ولع ّل أكثر األساليب النقد ّية العرب ّية‬ ‫ش� � ��يوعاً هو تصنيف الروايات في اجتاهات ومدارس‬ ‫مختلفة‪ .‬ويبدو مما أورده فورس� � ��تر بش� � ��أن غلبة هذا‬ ‫األس� � ��لوب على النقد الغربي للرواية‪ ،‬أن هؤالء النقاد‬ ‫العرب اقتبسوا هذا االجتاه من دون التفكير في جدواه‬ ‫أو أهميته‪ ،‬ومن دون الس� � ��ؤال عن قيمة َمن اتّبعه من‬ ‫النقاد الغربيني‪ .‬وقد كان أمراً شائعاً تصنيف روايات‬ ‫كل منها اجتاهاً‬ ‫جنيب محف� � ��وظ في مراحل يُس � � � ّمى ٌّ‬ ‫ميت ّد ضمن سنوات مح ّددة‪ ،‬فهي تارة واقعية وأخرى‬ ‫ميتافيزيقية وثالثة رمزية‪ ،‬إلى ما غير ذلك‪.‬‬ ‫غي� � ��ر أن ذلك ال يُقصد ب� � ��ه القول إن محفوظ‬ ‫ل� � ��م يتأثر مبدارس غرب ّية مع ّين� � ��ة في مراحل مختلفة‬ ‫من مس� � ��يرته اإلبداعية‪ ،‬لكنه لم يكن «واقع ّياً» صرفاً‬ ‫أو «تاريخ ّي � � �اً» صرفاً أو «رومانس � � � ّيا» صرفاً‪ ،‬بل كانت‬ ‫رواياته مزيجاً من تي� � ��ارات مختلفة متيل ناحي ٌة فيها‬ ‫إل� � ��ى التغلّب على األخرى‪ .‬ويب� � ��دو لي أن محفوظ لم‬ ‫يلتزم باجتاهات أدبي� � ��ة مع ّينة في مراحل مح ّددة‪ ،‬بل‬ ‫كان يختار االجتاه حس� � ��ب التجربة التي ينوي التعبير‬ ‫عنه� � ��ا‪ ،‬أو أن االجتاه األدبي املع� �ّي��نّ كان يفرض ذاته‬ ‫نفس� � ��ه ع ّبر ع� � ��ن ذلك بقوله (األس� � ��بوع‬ ‫علي� � ��ه‪ ،‬وهو ُ‬ ‫العربي‪ ،‬مارس ‪:)1975‬‬ ‫«ولم تصادفني مش� � ��كلة في املوضوع واملضمون‪،‬‬ ‫فهم� � ��ا حتماً ينبعان من حيات� � ��ي اخلاصة والعامة‪ ،‬من‬ ‫أسرتي‪ ،‬من مصر‪ ،‬من الوطن العربي‪.‬‬ ‫أما الش� � ��كل‪ ،‬فكنت أُل ّم باألش� � ��كال كما وردت في‬ ‫األدب الكالس� � ��يكي والرومانسي والواقعي والتعبيري‬ ‫والرمزي والس� � ��ريالي والالمعقول والالرواية‪ .‬ثم عند‬ ‫الكتابة أترك نفسي تختار تلقائ ّياً ما أشعر بغريزتي أنه‬ ‫يناس� � ��ب رؤيتي‪ ،‬غير معتمد اإلخالص ألسلوب بعينه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مكترث بقِ دمه أو بحداثت� � ��ه‪ ،‬فلم يكن للموضة‬ ‫وغي� � ��ر‬ ‫علي أبدا‪ .‬وقد آويت إلى ظالل الواقعية وأنا أقرأ‬ ‫أثر ّ‬ ‫نعيه� � ��ا بقلم فيرجينيا وولف ‪ Virginia Woolf‬وط ّورتها‬ ‫فيما بعد مستلهما إحساسي الداخلي‪ ،‬وهكذا»‪.‬‬ ‫التوجه إلى‬ ‫ويبدو لي أن األس� � ��لوب األقوم هو‬ ‫ّ‬ ‫روايات مح ّددة ودراستها دراسة حتليل ّية عميقة بديل‬ ‫االنشغال بحش� � ��ر ما ال يُحشر ضمن أصناف جاهزة‬ ‫وتيارات مح � � � ّددة‪ .‬ولع ّل رواي� � ��ات محفوظ منذ مطلع‬ ‫س� � ��بعين ّيات الق� � ��رن املاض� � ��ي يصع� � ��ب أن تُصنَّف في‬ ‫اجتاهات مختلفة أو أن تحُ شر في اجتاه واحد بسبب‬ ‫‪78‬‬

‫‪11/3/16 8:07:29 AM‬‬

‫طبيعته� � ��ا املر ّكبة من ناحية‪ ،‬ولك� � ��ون االختالف فيما‬ ‫بينه� � ��ا كبيراً من ناحية ثانية‪ .‬ولع ّل هناك حت ّوالً كبيراً‬ ‫ف� � ��ي األس� � ��لوب الروائي جتلّى في «حكاي� � ��ات حارتنا»‬ ‫الصادرة في عام ‪ ،1975‬أشار إليه جنيب محفوظ في‬ ‫حواره هذا بقوله‪:‬‬ ‫علي تط ّور جديد ميكن تلخيصه في‬ ‫«اليوم ط� � ��رأ ّ‬ ‫كلمتني هما‪ :‬االش� � ��مئزاز من األس� � ��لوب الغربي الذي‬ ‫التزمت به طوال حياتي‪ ،‬اش� � ��مئزاز وجداني ليس إلاّ ‪،‬‬ ‫أي من دون اقتناع عقلي به‪ .‬فليس لي اعتراض عقلي‬ ‫على هذه األساليب وما تؤ ّديه من خدمة للعمل الفنّي‪.‬‬ ‫ولكنن� � ��ي ضقت به� � ��ا وجدان ّياً‪ .‬فبع� � ��د أن انتهيت من‬ ‫روايت� �ي��ن هما «قلب الليل» و«حضرة احملترم»‪ ...‬كتبت‬ ‫«حكايات حارتنا» ‪ -‬نُشرت قبلها ألسباب اضطرارية‬ ‫ وه� � ��ي رجوع إل� � ��ى احلكاية الش� � ��رقية‪ .‬ولم يكن من‬‫املستطاع أن أستم ّر في الكتابة من دون هذه املغامرة‪.‬‬ ‫و«حكايات حارتنا» ليس� � ��ت قصصاً قصيرة وليس� � ��ت‬ ‫رواية ولكنها بني بني‪ .‬فيها حكايات ولكنها مستخ َدمة‬ ‫له� � ��دف روائي‪ ،‬وبها وجدت نفس� � ��ي في آخر أطوارها‬ ‫في أحضان وطني القدمي»‪.‬‬ ‫ولع� � ��ل ما يعنيه محف� � ��وظ بالرواية الش� � ��رقية هو‬ ‫األس� � ��لوب الروائي لـ «ألف ليلة وليلة» التي تتألف من‬ ‫مجموعة قصص يكاد ال يربط بعضها بالبعض اآلخر‬ ‫قصة امللك شهريار وشهرزاد‬ ‫سوى اإلطار العام‪ ،‬وهو ّ‬ ‫لليال ألف وواحدة‪ ،‬لتنقذ‬ ‫التي حت ّدثه بقصص مختلفة ٍ‬ ‫أحس‬ ‫محفوظ‬ ‫جنيب‬ ‫بفن الرواية حياته� � ��ا‪ .‬ويبدو أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫أنه يرتب� � ��ط وجدان ّيا وثقاف ّيا وتراث ّيا بهذا األس� � ��لوب‬ ‫القصص� � ��ي‪ .‬وجتدر اإلش� � ��ارة إلى أن هذا األس� � ��لوب‬ ‫مي ّيز عدداً كبيراً من الروايات الغربية احلديثة‪ ،‬إذ إن‬ ‫روائيني غربيني عادوا هم أيضا إلى اس� � ��تلهام التراث‬ ‫الشرقي‪ ،‬مو ّلدين بذلك أشكاالً حديثة مغايرة لطبيعة‬ ‫الرواية الغربية في القرن التاسع عشر‪.‬‬ ‫نالحظ أن جنيب محفوظ ال يستطيع أن يصنّف‬ ‫«حكايات حارتنا» في شكل أدبي مح ّدد‪ ،‬فهي بالنسبة‬ ‫إليه‪ ،‬ليس� � ��ت رواية كما أنها ليس� � ��ت قصصاً قصيرة‪.‬‬ ‫والتس� � ��مية هنا ليست ذات شأن عظيم‪ ،‬فقد وقف تي‬ ‫إس إليوت ‪ T.S. Eliot‬أمام يوليس� � ��يز ‪ Ulysses‬حائراً‬ ‫في إيجاد تس� � ��مية للعمل الكبي� � ��ر الذي ق ّدمه جيمس‬ ‫جوي� � ��س ‪ ،James Joyce‬وتس� � ��اءل إن كان رواي� � ��ة أم‬ ‫ملحم� � ��ة‪ ،‬ليخلص إلى القول إن ذلك ال يش � � � ّكل فارقاً‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 76-83.indd 78‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫كبيراً‪« ،‬فإن لم تكن يوليسيز رواية فليس ذلك ببساطة‪،‬‬ ‫ألن الرواية ش� � ��كل لم يعد يجدي نفعاً‪ ،‬بل ألن الرواية‬ ‫بدالً من أن تكون شك ً‬ ‫ال‪ ،‬كانت مج ّرد تعبير عن عصر‬ ‫َّ‬ ‫لم يفقد مبا فيه الكفاية كل شكل ليشعر باحلاجة إلى‬ ‫ش� � ��يء أكثر حتديداً‪ ...‬لقد انته� � ��ت الرواية مع فلوبير‬ ‫‪ Flaubert‬وهنري جيمس ‪.»Henry James‬‬ ‫قد يب� � ��دو ما يقوله إليوت غريب � � �اً للوهلة األولى‪،‬‬ ‫ولع � � � ّل ما ق � � � ّرره من أن الرواية ق� � ��د انتهت يحتاج إلى‬ ‫تفس� � ��ير‪ .‬إن ما يعنيه إليوت هو أن الشكل الكالسيكي‬ ‫للرواية الذي كان س� � ��ائدا في القرن التاسع عشر قد‬ ‫انتهى ولم يعد صاحلاً للتعبير عن العصر الذي نعيش‬ ‫الفن‪ ،‬أ ّدت‬ ‫فيه‪ .‬وق� � ��د حصلت حت ّوالت كبيرة في هذا ّ‬ ‫ببعض النقّاد إلى أن يرفضوا إطالق اسم الرواية على‬ ‫النتاج القصصي اجلديد‪.‬‬ ‫لكن روائيني ون ّق� � ��اداً آخرين رأوا أن هذا التح ّول‬

‫أمر طبيعي‪ ،‬وقالوا إن الرواية القدمية هي التي انتهت‬ ‫وحلّ� � ��ت محلّها الرواية اجلدي� � ��دة‪ .‬وبرغم أن «الرواية‬ ‫اجلديدة» أصبحت اس� � ��ماً علماً حلركة جتديدية في‬ ‫فرنس� � ��ا ابتدأت مع أالن روب‪-‬جرييه ‪Alain Robbe-‬‬ ‫‪ Grillet‬حني نش� � ��ر في ع� � ��ام ‪ 1955‬مجموعة مقاالت‬ ‫قصي� � ��رة وواضحة حول مس� � ��تقبل الرواية‪ ،‬فإن حركة‬ ‫التجديد تعود إلى العقد الثاني من القرن العش� � ��رين‬ ‫في إجنلترا حلني ق ّدم ك ّل من فيرجينيا وولف وجيمس‬ ‫جوي� � ��س نتاجهما الروائي‪ .‬غير أن روب‪-‬جرييه ش� � � ّ�ن‬ ‫في مقاالته حول الرواية أعنف هجوم على األش� � ��كال‬ ‫التعبيري� � ��ة القدمية في الرواية‪ ،‬وعل� � ��ى النقاد الذين‬ ‫رفضوا التجديد‪ .‬وقال إن األش� � ��كال حتيا ومتوت في‬ ‫الفنون جميعاً‪ ،‬وهي يجب أن تتج ّدد بشكل مستم ّر في‬ ‫ك ّل عصر من العصور‪ ،‬ورأى أن أس� � ��لوب كتابة الرواية‬ ‫في القرن التاسع عش� � ��ر كان يتّفق مع أسلوب احلياة‬

‫«حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ ‪ ...‬رجوع إلى احلكاية الشرقية‬ ‫‪11/3/16 8:07:33 AM‬‬

‫‪79‬‬

‫‪dec 76-83.indd 79‬‬


‫منذ مائة عام‪ ،‬وهو ليس اآلن س� � ��وى معادلة فارغة ال‬ ‫تصلح إلاّ مثاالً حمل� � ��اكاة ته ّكمية مملّة‪ .‬وأضاف‪« :‬إنه‬ ‫كان وم� � ��ازال هناك‪ ،‬بخاصة في فرنس� � ��ا‪ ،‬نظر ّية في‬ ‫الرواية مقبولة ضمناً لدى اجلميع يستخدمها الناس‬ ‫مثل احلائط يقابلون به� � ��ا ك ّل ما ننتج من كتب‪ ،‬فكان‬ ‫يقال لنا‪ :‬إنكم ال تخلقون ش� � ��خصيات‪ ،‬لذلك فأنتم ال‬ ‫تكتبون روايات حقيقي� � ��ة‪ ،‬إنكم ال تروون قصة‪ ،‬لذلك‬ ‫فأنت� � ��م ال تكتب� � ��ون روايات حقيقية‪ ،‬إنك� � ��م ال تق ّدمون‬ ‫دراس� � ��ة للش� � ��خصيات أو اجل ّو وال حتلّلون العواطف‪،‬‬ ‫لذل� � ��ك فأنتم ال تكتبون روايات حقيقية‪ .‬لكننا بالرغم‬ ‫من اتهامنا بأنن� � ��ا نظريون‪ ،‬فإن العكس هو الصحيح‪،‬‬ ‫نح� � ��ن ال نعرف كيف يجب أن تكون الرواية احلقيقية؛‬ ‫ك ّل ما نعرفه أن الرواية اليوم ستكون ما نق ّدمه اليوم‪،‬‬ ‫وإن عملن� � ��ا ليس إنتاج ما هو ش� � ��بيه ملا كان يوجد في‬ ‫األمس‪ ،‬بل التق ّدم إلى األمام»‪.‬‬ ‫ويج� � ��در بنا أن نالح� � ��ظ أن التجديد ليس قض ّية‬ ‫هامش � � � ّية تتعلّ� � ��ق بالش� � ��كل اخلارجي‪ ،‬لكنه� � ��ا قض ّية‬ ‫فلس� � ��ف ّية تقوم في األس� � ��اس على نظرة اإلنسان إلى‬ ‫الوجود واإلنس� � ��ان واملجتمع‪ .‬من هنا كان التح ّول في‬ ‫نظرة اإلنس� � ��ان إلى الواقع الذي يعيش فيه أص ً‬ ‫ال لك ّل‬ ‫حت ّول ف ّن� � ��ي‪ .‬وقد كان روب ‪ -‬جريي� � ��ه على حقّ حني‬ ‫يظن نفس� � ��ه واقع ّيا‪ ،‬فك ّل مدرس� � ��ة‬ ‫ق� � ��ال إن ك ّل كاتب ّ‬ ‫أدبي� � ��ة جديدة كان� � ��ت تبتغي القضاء عل� � ��ى تلك التي‬ ‫س� � ��بقتها باس� � ��م الواقعية‪ .‬فالواقعية هي كلمة الس � � � ّر‬ ‫التي اس� � ��تخدمها الرومانطيقيون ضد الكالس� � ��يكيني‬ ‫املستحدثني‪ ،‬وبعدهم الطبيعيون ض ّد الرومانطيقيني‪،‬‬ ‫وحتى الس� � ��رياليني كانوا يقولون إن عاملهم ليس سوى‬ ‫عالم الواق� � ��ع‪ .‬ويؤكد روب‪-‬جرييه أنه� � ��م جميعاً على‬ ‫صواب وإن لم يتفقوا‪ ،‬ألن لك ّل منهم مفهومه اخلاص‬ ‫للواقعية‪.‬‬ ‫ولع � � � ّل ج� � ��ورج ل� � ��وكاش ‪ ،Georg Lukacs‬الناقد‬ ‫والفيلس� � ��وف املاركس� � ��ي املجري‪ ،‬على م� � ��ا بينه وبني‬ ‫روب ‪ -‬جرييه من اختالف‪ ،‬كان يقصد الش� � ��يء ذاته‬ ‫حني قال إن الواقعية ليس� � ��ت أس� � ��لوباً واحداً من بني‬ ‫أس� � ��اليب أخرى‪ ،‬لكنّها أس� � ��اس األدب‪ ،‬فاألس� � ��اليب‬ ‫جميع � � �اً‪ ،‬حتى تلك التي تب� � ��دو ظاهراً األكثر معارضة‬ ‫للواقعي� � ��ة‪ ،‬تنش� � ��أ منه� � ��ا‪ ،‬أو أنها ترتبط به� � ��ا ارتباطاً‬ ‫كبي� � ��راً‪ .‬ويرى الناقد البريطان� � ��ي إيان وات ‪Ian Watt‬‬ ‫أن النظرة األدبية «للواقعيني الفرنس� � ��يني» كان يجب‬ ‫‪80‬‬

‫‪11/3/16 8:07:36 AM‬‬

‫نظن أنه إذا كان‬ ‫ألاّ تؤ ّث� � ��ر في مفهومنا للعبارة‪ ،‬بحيث ّ‬ ‫بلزاك ‪« Balzac‬واقعياً» فإننا نحتاج إلى عبارة أخرى‬ ‫لنصف بها بروست ‪.Proust‬‬ ‫لع� � ��ل الروائي� � ��ة فيرجينيا وول� � ��ف أصابت جوهر‬ ‫القضية حني ن ّبهت إلى أن الواقعية ال تعني مش� � ��ابهة‬ ‫احلي� � ��اة‪ .‬ويبدو ل� � ��ي أن هذه املالحظة تش � � � ّكل مفتاح‬ ‫اكتش� � ��اف الف� � ��وارق املختلف� � ��ة الس� � ��تخدام مصطلح‬ ‫الواقعية‪ .‬والقضية في أساس� � ��ها نقدية فلسفية تتعلّق‬ ‫مبفهوم اإلنس� � ��ان ل� �ل��أدب ودوره‪ :‬ه� � ��ل األدب محاكاة‬ ‫للواقع أم أنه إعادة خلق لذلك الواقع؟‬ ‫يق� � ��ول الروائ� � ��ي األميركي هن� � ��ري جيمس في‬ ‫مقالة له نُش� � ��رت في ع� � ��ام ‪ 1884‬إن املب � � � ّرر الوحيد‬ ‫لوجود الرواية هو أنها حت� � ��اول تصوير احلياة‪ .‬ويرى‬ ‫الناقد البريطاني بيرس� � ��ي لوب� � ��وك ‪Percy Lubbock‬‬ ‫أن األمر في غاية البساطة‪« :‬فالرواية صورة للحياة‪،‬‬ ‫واحلي� � ��اة معروفة ج ّي� � ��داً بالنس� � ��بة إلينا‪ ،‬د ْعن� � ��ا أ ّوالً‬ ‫«نحقّقها» ثم باس� � ��تخدام ذوقن� � ��ا دعنا نحكم إذا كانت‬ ‫ومتوهجة ومقنعة‪ ،‬أي مثل احلياة»‪ .‬وال ش� � ��ك‬ ‫حقيقية‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫في أن نظرة كهذه إلى األدب تلغي أساسا فكرة اخللق‬ ‫الفني وتقضي على عمل الناقد‪.‬‬ ‫التوجه الذي أخذ به لوبوك أدى إلى نتيجة‬ ‫ه� � ��ذا‬ ‫ّ‬ ‫خطيرة كان لها انعكاس س� � ��لبي على تط � � � ّور الرواية‪،‬‬ ‫وعل� � ��ى النقد األدبي الذي يتناولها في الوقت ذاته‪ ،‬ملا‬ ‫كان لكتابه «‪ »The Craft of Fiction‬من أهمية ِ‬ ‫وس � � � َعة‬ ‫انتشار في الربع األول من القرن العشرين‪ .‬فقد ق ّرر‬ ‫أن الرواية حالة خاص� � ��ة تختلف عن الفنون األخرى‪،‬‬ ‫وبالتال� � ��ي ال تنطبق عليها القوان� �ي��ن التي «تك ّبل» تلك‬ ‫الفن� � ��ون‪ .‬ويقول إن هناك رواي� � ��ات يُق ّر «اجلميع» أنها‬ ‫ذات بن� � ��اء رديء‪ ،‬لكن ذلك ال يؤ ّثر ف� � ��ي قيمتها ألنها‬ ‫ممتلئة حياة‪ .‬ويستنتج أن للش� � ��كل والتصميم والبناء‬ ‫تأثيراً مختلفاً على الرواي� � ��ة عن تأثيرها على الفنون‬ ‫األخرى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫التوجه‬ ‫هذا‬ ‫بخطورة‬ ‫شعروا‬ ‫آخرين‬ ‫ا‬ ‫نقاد‬ ‫أن‬ ‫غير‬ ‫ّ‬ ‫«النقدي» وس� � ��عوا إلى مناقشته ودحضه‪ .‬فقد ناقش‬ ‫إدوي� � ��ن موئير ‪ Edwin Muir‬كتاب بيرس� � ��ي لوبوك كما‬ ‫ناقش كتاب إي إم فورستر «‪،»Aspects of the Novel‬‬ ‫وق� � ��ال إن النقاد الذين يربطون ب� �ي��ن الرواية واحلياة‬ ‫يبحثون شؤون احلياة وينسون الرواية‪ .‬وأضاف قائال‬ ‫إن الناق� � ��د الب ّد له كي يتذ ّكر الرواية‪ ،‬أن يفترض‪ ،‬أي‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 76-83.indd 80‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫أن ينسى‪ ،‬أنها تدور حول احلياة‪ .‬فحقيقة أن الروائي‬ ‫يكتب عن احلياة ليست أمراً غير عادي‪ ،‬ألنها الشيء‬ ‫الوحيد الذي يُل ّم الكاتب بشيء عنه‪ .‬ويقول بول وست‬ ‫‪ Paul West‬إن مهم� � ��ة الروائي ه� � ��ي اإليهام بالواقع‬ ‫وليس� � ��ت نقل صورة للحياة‪ ،‬ألن املب ّرر الوحيد لوجود‬ ‫فن‬ ‫الفن ليس هو احلياة‪ .‬وإذا كان يوجد ّ‬ ‫الف� � � ّ�ن هو أن ّ‬ ‫ال ميكن التفري� � ��ق بينه وبني احلياة‪ ،‬فإن الفن ال يعود‬ ‫جدي� � ��راً بأن يُخلق‪ .‬ويؤكد إدمون ويلس� � ��ون ‪Edmund‬‬ ‫‪ Wilson‬أن� � ��ه من اخلطأ أن جنعل ش� � ��رع ّية األعمال‬ ‫الفنية تعتمد على مماثلتها للواقع‪ ،‬ألن للفن شرع ّيته‬ ‫اخلاص� � ��ة‪ ،‬وارتطامه بالواقع يقضي عليه ويلغي عمل‬ ‫الفنان‪.‬‬ ‫م� � ��ن هنا اجته نقّاد عدي� � ��دون إلى الربط بني‬ ‫الرواية والشعر‪ ،‬ألن اإلنتاج األدبي واحد في جوهره‪:‬‬ ‫إنه رؤية تغ ّذيه� � ��ا التجربة وتع ّبر ع� � ��ن ذاتها بالكلمة‪.‬‬ ‫وكلّما تع ّمقت التجربة وكانت الرؤية أكثر نفاذا ارتقى‬ ‫التعبي� � ��ر الفنّي عنها إلى مس� � ��توى يتّحد فيه اخلاص‬ ‫ّ‬ ‫تتخطى‬ ‫بالعام ويغدو ش� � ��اعر ّياً في كونه نظرة جديدة‬ ‫الواقع وتعيد خلق األش� � ��ياء من جديد‪ .‬ولع ّل التجديد‬ ‫ف� � ��ي الفنون ف� � ��ي العص� � ��ر احلديث س� � ��اهم في هذا‬ ‫التقارب‪ :‬لم يعد الش� � ��عر في مفه� � ��وم احلداثة مج ّرد‬ ‫كالم ع� � ��ادي منظوم‪ ،‬كما لم تعد الرواية مج ّرد حكاية‬ ‫تقوم على احلبكة والشخصيات‪ ،‬وغدا ك ّل من الشعر‬ ‫ويتجس� � ��د‬ ‫والرواية ف ّناً يتم ّيز برؤية تعيد خلق الواقع‬ ‫ّ‬ ‫في اللغة‪.‬‬

‫وفي ه� � ��ذا االجتاه كت� � ��ب الناقد الفن� � ��ي واألدبي‬ ‫هربرت ريد ‪ Herbert Read‬في مقالة له عام ‪،1936‬‬ ‫قائال‪« :‬إ ّن الرواي� � ��ة من حيث هي حكاية نثرية تنتظر‬ ‫حت ّوالً شام ً‬ ‫ال‪ .‬وبقدر ما تبتغي أن تب ّرر ذاتها بوصفها‬ ‫فنّا‪ ،‬عليها أن تتح ّول إلى الشاعرية‪ .‬ألنه في األساس‪،‬‬ ‫الفن النثري والفن الشعري؛ هناك‬ ‫ال يوجد فارق بني ّ‬ ‫فن كالمي واحد هو الش� � ��اعرية»‪ .‬كذلك يقول‬ ‫فق� � ��ط ّ‬ ‫ُدني سورا ‪ Denis Saurat‬في مقالته حول الرواية في‬ ‫موسوعة األدب العاملي إن أكبر مشكلة تواجه الروائي‬ ‫في الوقت احلاضر هي مشكلة ك ّل كاتب‪ :‬إنها مشكلة‬ ‫اللغة‪ .‬ويضيف أن الكتابة الرديئة قد تكون أكثر خطراً‬ ‫عل� � ��ى الروائي منها على أي فنان أدبي آخر‪ ،‬رغم أنها‬ ‫خط� � ��ر مميت على اجلميع‪ ،‬ألن جمه� � ��ور الروائي أق ّل‬ ‫تش ّددا بشأن مس� � ��ألة اللغة من جمهور الشاعر‪ .‬فمن‬ ‫األس� � ��هل أن يكون اإلنس� � ��ان كاتباً رديئاً وأن ينجح في‬ ‫فن كالمي آخر‪.‬‬ ‫الرواية من أن يكون كاتباً رديئاً في أي ّ‬ ‫غي� � ��ر أن جميع الروايات العظيمة ف� � ��ي املاضي كتبها‬ ‫أس� � ��ياد في اللغة‪ :‬فمن املمك� � ��ن أن تقرأ ك ّل كلمة عند‬ ‫رابوليه ‪ Rabelais‬وس� � ��يرفانتس ‪ Cervantes‬بالدقة‬ ‫نفسها وباللذة ذاتها التي يُقرأ بها الشعراء‪ .‬وفي ذلك‬ ‫كما في أشياء كثيرة أخرى‪ ،‬فالروائي احلقيقي ينبغي‬ ‫أن يكون ش� � ��اعراً حقيقياً‪ :‬عليه أن يتخ ّيل عالم العقل‬ ‫والش� � ��عور‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن أن يص ّور جزئياً العالم املوجود‪،‬‬ ‫كم� � ��ا أن عليه أن يعطي ك ّل كلمة يس� � ��تخدمها قيمتها‬ ‫احلقيقية متاماً كما يفعل الشعراء‪.‬‬

‫«حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ ‪ ...‬رجوع إلى احلكاية الشرقية‬ ‫‪11/3/16 8:07:43 AM‬‬

‫‪81‬‬

‫‪dec 76-83.indd 81‬‬


‫غي� � ��ر أن عملي� � ��ة التخ ّي� � ��ل واخلل� � ��ق واالجتاه إلى‬ ‫الش� � ��اعرية ال تعني أن الروائي ينفصل عن الواقع أو‬ ‫أن� � ��ه يطلّق الواقعية ويتجه اجتاه� � ��ا آخر يوجب علينا‬ ‫أن نبحث عن اس� � ��م مناسب له‪ .‬يقول إدوين موئير إن‬ ‫حبكة الرواية هي بالضرورة شاعر ّية أو فن ّية كما هي‬ ‫حبكة أي شكل آخر من أشكال اإلبداع اخليالي‪ ،‬إنها‬ ‫ستكون صورة للحياة‪ ،‬وليست مجرد تسجيل للتجربة‪،‬‬ ‫غير أنها بوصفها صورة ستلتزم حتماً بالشروط التي‬ ‫وحدها جتعل الصورة تا ّمة وكلّية‪ ،‬وتلك ميكن اختزالها‬ ‫في كونها متثي ً‬ ‫ال للفعل إما أن يكون غالباً في الزمان‪،‬‬ ‫وإم� � ��ا أن يك� � ��ون غالباً في امل� � ��كان‪ .‬فبرؤية احلياة في‬ ‫الزمان أو برؤيتها في املكان‪ ،‬ميكن للكاتب أن يكتشف‬ ‫العالقات والقي� � ��م الف ّعالة واحليو ّي� � ��ة حلبكته بصورة‬ ‫حسه الغامض باحلياة‬ ‫ُمرضية وإلى غاية‪ ،‬وأن يح ّول ّ‬ ‫إلى صورة إيجابية‪ ،‬إلى ُحكم خيالي‪ .‬ويضيف قائال إ ّن‬ ‫لنا احلق في أن نطلب ذلك احلكم اخليالي من الرواية‬ ‫كحقّنا في طلبه من التراجيديا الشعرية وامللحمة‪ ،‬ألن‬ ‫الرواية ش� � ��كل فنّي‪ ،‬مثلهما‪ ،‬أو أنها ال ش� � ��يء‪ .‬وإذا لم‬ ‫يتحقّق ذلك التح ّول في معظم الروايات‪ ،‬فنعرف إذن‬ ‫أنها ليست أدباً بل مج ّرد اعترافات‪ .‬كذلك إذا اكتفى‬ ‫الكات� � ��ب في الرواية املختصة بفترة زمن ّية مح ّددة بأن‬ ‫يرس� � ��م صورة التح ّوالت املعاصرة في املجتمع‪ ،‬فإننا‬ ‫نعرف مجدداً أن ذلك ليس أدباً بل صحافة‪.‬‬ ‫ال شك في أنه من املفيد أن نتذ ّكر هذه القضايا‬ ‫النقدي� � ��ة حني نتن� � ��اول الرواية العربية بالدراس� � ��ة‬ ‫وبخاصة نت� � ��اج جنيب محفوظ‪ .‬وعلين� � ��ا أن نتذ ّكر‬ ‫أيض� � ��ا أن تصنيف االجتاهات املختلفة ليس عملية‬ ‫بسيطة كما قد يبدو للوهلة األولى‪ ،‬فلم يكن محفوظ‬ ‫واقع ّياً ثم ميتافيزيق ّياً فرمز ّياً فعبث ّياً كما شاع القول‬ ‫بني عديد من الذين تناولوا نتاجه الروائي‪ ،‬بل كان‬ ‫دائم � � �اً واقع ّياً باملعنى احلقيقي العميق للكلمة‪ .‬لكن‬ ‫واقع ّيت� � ��ه غلبت عليها أحيان � � �اً النظرة االجتماع ّية‪،‬‬ ‫وأحيان � � �اً أخرى النظرة النفس � � � ّية‪ ،‬أو امليتافيزيق ّية‬ ‫والنظرة اإلنسان ّية الشاملة‪ .‬ولم يكن محفوظ أبداً‬ ‫يقدم ص� � ��ورة فوتوغرافية‬ ‫واقع ّي � � �اً مبعنى أن� � ��ه كان ّ‬ ‫لبعض من جوانبها‪ ،‬إذ إن ما م ّيزه دائماً‬ ‫للحي� � ��اة أو‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وجع� � ��ل منه أديب � � �ا كبيرا‪ ،‬كان امتالك� � ��ه رؤية نافذة‬ ‫ونظرة خاصة به إلى األش� � ��ياء‪ ،‬كما كان إحساس� � ��ه‬ ‫الفنّي اخلاص الذي أرشده إلى اجلوانب احليات ّية‬ ‫‪82‬‬

‫‪11/3/16 8:07:49 AM‬‬

‫للفن‪.‬‬ ‫واإلنسان ّية التي تصلح موضوعاً ّ‬ ‫كذلك مت ّيز محف� � ��وظ بطاقة كبيرة على التجديد‬ ‫وكان دائماً صادقاً لتجربت� � ��ه ومخلصاً لتراثه وبيئته‪:‬‬ ‫قرأ الروايات الغرب ّية‪ ،‬لكنّه لم يقلّد أ ّياً من اجتاهاتها‬ ‫املختلف� � ��ة‪ ،‬بل ترك التجرب� � ��ة والرؤية تتخذان الصيغة‬ ‫املناس� � ��بة لهما‪ ،‬فظ ّل بذلك وف ّياً للترب� � ��ة التي أنبتته‪،‬‬ ‫وكان محل ّي � � �اً إنس� � ��ان ّياً في الوقت ذات� � ��ه‪ ،‬وتلك إحدى‬ ‫مم ّي� � ��زات العمل األدبي الكبير‪ .‬يق� � ��ول موئير إن «في‬ ‫خاصاً‪ ،‬وفي‬ ‫العم� � ��ل األدبي العظي� � ��م يبدو ك ّل ش� � ��يء ّ‬ ‫الوقت نفس� � ��ه ف� � ��إن ك ّل ش� � ��يء يبدو كلّي � � �اً‪ ،‬وحني يت ّم‬ ‫بل� � ��وغ الكلّي يطبع األج� � ��زاء جميعاً بطابع� � ��ه ويتغلغل‬ ‫في الش� � ��كل كلّه أو في احلركة بأس� � ��رها»‪ .‬فالتجربة‬ ‫اإلنسانية واحدة في جوهرها‪ ،‬لكن تفاصيلها تختلف‬ ‫من زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر‪ .‬وقد اس� � ��تطاع‬ ‫محفوظ أن يب� � ��رز هذه االختالفات والتح ّوالت ضمن‬ ‫إطار إنس� � ��اني ش� � ��امل‪ .‬ولعل «حكايات حارتنا» تش ّكل‬ ‫أفضل مثال على مقدرة محفوظ على التج ّدد الدائم‬ ‫وعلى التج ّذر في التربة احمللّية واالنطالق إلى أجواء‬ ‫إنسانية رحبة‪.‬‬ ‫و«حكايات حارتنا» ليس� � ��ت رواية وليست قصصاً‬ ‫قصي� � ��رة‪ ،‬كما ق� � ��ال محفوظ‪ ،‬إذا أخذن� � ��ا بالتعريفات‬ ‫التقليدية لهذين الفنّني‪ .‬لكنّنا إذا اعتمدنا اسم الرواية‬ ‫لألش� � ��كال اجلديدة لهذا الفن‪ ،‬ولم نقصر استخدامه‬ ‫على الشكل الذي س� � ��اد في القرن التاسع عشر‪ ،‬فإن‬ ‫«حكايات حارتنا» ه� � ��ي رواية جديدة‪ .‬وليس املقصود‬ ‫بذلك أن محفوظ يقلّد «الرواية اجلديدة» التي شاعت‬ ‫في فرنس� � ��ا‪ ،‬أو أنه ينس� � ��ج على منواله� � ��ا‪ ،‬بالرغم من‬ ‫وجود جوانب مش� � ��تركة بني رواية محفوظ هذه وبني‬ ‫«الرواية اجلديدة»‪ .‬لكن املقصود أ ّن محفوظ طلّق هنا‬ ‫نهائياً‪ ،‬الش� � ��كل الكالس� � ��يكي للرواية واجته إلى شكل‬ ‫جديد ألغى فيه التسلس� � ��ل الزمني واحلكاية الطويلة‬ ‫املتتالي� � ��ة األحداث‪ ،‬كما ألغى دراس� � ��ة الش� � ��خصيات‬ ‫املع َّرفة الرئيسة والثانوية وألغى احلبكة‪ ،‬وأبدع بديل‬ ‫هذه جميعاً لوحات متع ّددة في إطار روائي‪ ،‬مستلهماً‬ ‫احلكاية الشرق ّية‪.‬‬ ‫تقع «حكاي� � ��ات حارتنا» في مائة وتس� � ��ع وثمانني‬ ‫ثمان‬ ‫صفح� � ��ة م� � ��ن القط� � ��ع الصغي� � ��ر وتتألف م� � ��ن ٍ‬ ‫وس� � ��بعني حكاي� � ��ة يت� � ��راوح ط� � ��ول الواح� � ��دة منها بني‬ ‫صفحة واحدة وصفح� � ��ات أربع‪ .‬تدور «الرواية» حول‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 76-83.indd 82‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫ش� � ��خصيات ومواقف تظهر في ومضات س� � ��ريعة من‬ ‫خالل نظرة طفل من س� � ��كان احل� � ��ارة يتح ّدث بصيغة‬ ‫املتكلّ� � ��م‪ .‬وم� � ��ن خالل ه� � ��ذه الش� � ��خصيات واملواقف‬ ‫يق � � � ّدم محفوظ صورة مصغّرة للنواح� � ��ي االجتماع ّية‬ ‫والسياس � � � ّية واإلنس� � ��ان ّية حل� � ��ارة فقيرة م� � ��ن أحياء‬ ‫القاه� � ��رة في العقد الثاني من القرن العش� � ��رين‪ .‬وقد‬ ‫اس� � ��تطاع محفوظ ف� � ��ي «حكايات حارتن� � ��ا» أن ينطلق‬ ‫م� � ��ن اخلاص إلى الع� � ��ام‪ ،‬من احملس� � ��وس إلى قضايا‬ ‫ما ورائ ّية‪ ،‬فيص ّور أموراً نفسان ّية واجتماع ّية وسياس ّية‬ ‫ودين ّي� � ��ة وغيب ّية من خالل مئات األس� � ��ماء التي ال تُع ّد‬ ‫شخصيات باملعنى التقليدي للمصطلح‪ ،‬ألنها ال تظهر‬ ‫إلاّ من خالل قض ّية مع ّينة يرغب محفوظ في إبرازها‪.‬‬ ‫كذلك ال يوجد تسلس� � ��ل زمني في الكتاب‪ ،‬فبرغم أن‬ ‫معظم اللقطات التي يص ّورها تدور أحداثها حني كان‬ ‫املتح � � � ّدث طف ً‬ ‫ال‪ ،‬فه� � ��و أحيانا في قف� � ��زة واحدة يعود‬ ‫ويلتقط الشخص ّية ذاتها بعد عشرات السنني‪.‬‬ ‫هذه القض ّية الفنّية تس� � ��تحقّ وقفة تأمل‪ ،‬ألنها‬ ‫على ما يبدو لي‪ ،‬املنطلق األساس� � ��ي الذي يكس� � ��ب‬ ‫«حكاي� � ��ات حارتن� � ��ا» أهمي� � ��ة خاصة‪ .‬فاألس� � ��لوب‬ ‫القصصي الذي يعتمده محف� � ��وظ في هذا الكتاب‬ ‫يقوم على إلغاء الزمن من حيث هو امتداد عمودي‬ ‫والتوجه نحو بسط العمل األدبي في‬ ‫متد ّرج‬ ‫ومتتال‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ح ّي� � ��ز مكاني أفقي ميكن النظ� � ��ر إليه دفعة واحدة‪،‬‬ ‫فيتج� � ��اور املاض� � ��ي واحلاضر ويتفاع� �ل��ان في ح ّيز‬ ‫زمني‪ .‬ويتح ّول اخلي� � ��ال التاريخي خياالً‬ ‫مكان� � � ّ�ي ال‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫أس� � ��طوريا ينتفي فيه الزمان ألنه يعلو على الزمن‪.‬‬ ‫وتولد عوالم أس� � ��طورية ال تاريخية في كونها تصهر‬ ‫ف� � ��ي ذاته� � ��ا ك ّل العصور‪ ،‬ويتحقق الرمز اإلنس� � ��اني‬ ‫الكلّ� � ��ي الذي يكش� � ��ف حقيق� � ��ة النفس اإلنس� � ��انية‬ ‫بأبعادها وأعماقها كافة‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا التح ّول في التعبير األدبي من الزمان إلى‬ ‫املكان ه� � ��و ما ع ّده الناقد األمريكي جوزيف فرانك‬ ‫‪ Joseph Frank‬في مقالته املهمة «األسلوب املكاني‬ ‫ف� � ��ي األدب احلدي� � ��ث» ‪Spatial Form in Modern‬‬ ‫‪ Literature‬مي� � ��زة أساس� � ��ية من مم ّي� � ��زات احلداثة‬ ‫في األدب‪ .‬ويرى فرانك أن األدب احلديث يتح ّرك‬ ‫باجتاه الش� � ��كل املكاني مما يدفع القارئ إلى إدراك‬ ‫العمل األدبي مكان ّيا في برهة من الزمن ال أن ينظر‬ ‫إليه على أنه تسلس� � ��ل متتابع‪ .‬ويقول إن هذا املبدأ‬

‫ه� � ��و صلة الوصل ما بني الش� � ��عر احلديث والرواية‬ ‫احلديثة‪ ،‬حيث ال ينغمس القارئ في مجرى الزمن‬ ‫مبتابع� � ��ة ش� � ��خصيات تتط ّور بش� � ��كل تصاعدي‪ ،‬بل‬ ‫يواجهه املؤلف بلقطات مختلفة لهذه الش� � ��خصيات‬ ‫«س� � ��اكنة في حلظة رؤيوية» في مراحل مختلفة من‬ ‫حياتها‪ .‬ويرى أن هذا ما قصد إليه مرسيل بروست‬ ‫حني س� � ��عى إلى التغلّب على الزمن بإدراك املاضي‬ ‫واحلاضر معاً في حلظة من «الزمن الصافي» الذي‬ ‫لي� � ��س زمناً على اإلطالق‪ ،‬بل مكان � � �اً في كونه رؤية‬ ‫تتجسد في حلظة من الزمن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وهذا م� � ��ا يفعله جنيب محف� � ��وظ في «حكايات‬ ‫حارتن� � ��ا» حني ير ّكز على لقطات س� � ��ريعة للحارة ال‬ ‫تخضع لتسلس� � ��ل زمني بل تتجاور كأنها فسيفساء‬ ‫تش ّكل لوحة متكاملة يدركها القارئ دفعة واحدة‪.‬‬ ‫ولي� � ��س التح ّول ف� � ��ي أس� � ��لوب التعبي� � ��ر الفنّي‬ ‫مج ّرد تغيير ش� � ��كلي‪ ،‬لكنّه تعبير عن موقف الفنّان‬ ‫من احلي� � ��اة والوجود في عصر فقد فيه اإلنس� � ��ان‬ ‫انس� � ��جامه مع واقع� � ��ه‪ ،‬فحاول ّ‬ ‫تخطي ه� � ��ذا الواقع‬ ‫بأعم� � ��ال فنّية مغاي� � ��رة لطبيعة ذل� � ��ك الواقع‪ .‬ولعل‬ ‫الرعب من الزمن املنتهي بالبشر إلى املوت هو أبرز‬ ‫بالفن إلى‬ ‫ما يواجهه اإلنس� � ��ان في حياته‪ ،‬فيتج� � ��ه‬ ‫ّ‬ ‫إبداع عالم الزمني يحقق فيه لنفسه االنتصار على‬ ‫الزمن العاتي‪.‬‬ ‫م� � ��ن هن� � ��ا يظه� � ��ر االرتب� � ��اط احلتم� � ��ي بني‬ ‫مضم� � ��ون «حكايات حارتنا» وأس� � ��لوب محفوظ في‬ ‫التعبير‪ .‬فالرواية تص � � � ّور مجتمعاً مفككاً في حارة‬ ‫تس� � ��يطر عليها الفت ّوات وال تخضع لس� � ��لطة واحدة‬ ‫متس� � ��ك بزمام األمور‪ .‬والرواية تبرز حالة سياسية‬ ‫متضعضعة تس� � ��ود فيه� � ��ا التظاهرات ويع � � � ّم القتل‬ ‫وتكث� � ��ر الفوضى في ظل اس� � ��تعمار يقاومه التح ّرك‬ ‫حب واحدة‪،‬‬ ‫الوطني‪ .‬والرواية ال تتح ّدث عن قصة ّ‬ ‫عدة يتعلّق به� � ��ن الراوي في فترات‬ ‫بل تظهر نس� � ��اء ّ‬ ‫والتفسخ والتعدد ّية‬ ‫التضعضع‬ ‫هذا‬ ‫مختلفة‪ .‬وسط‬ ‫ّ‬ ‫يوحد ما‬ ‫منطقي أو نفس� � � ّ�ي أو‬ ‫ال يبرز رابط‬ ‫روحي ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األدبي في تعبيره‬ ‫العمل‬ ‫فيأتي‬ ‫احلياة‪،‬‬ ‫تفس� � ��خ في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالومضات واللمحات واللوحات موازياً لرؤية األديب‬ ‫للحياة ويش ّكل وحده س� � ��بيال إلى اخلالص‪ .‬وحتتّم‬ ‫الرؤي� � ��ة اجلديدة إبداع تعبير جديد فتكون «الرواية‬ ‫اجلديدة» وسيلة الفنان إلى مصاحلة احلياة >‬

‫«حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ ‪ ...‬رجوع إلى احلكاية الشرقية‬ ‫‪11/3/16 8:07:52 AM‬‬

‫‪83‬‬

‫‪dec 76-83.indd 83‬‬


‫ملـــف‬

‫في حب «لغتنا الجميلة»‬ ‫لعل جيال أو جيلني من عاملنا العربي قد نش ��آ على حب «لغتنا اجلميلة»‪ ،‬إما بصوت الش ��اعر واللغوي‬ ‫البارز الراحل فاروق شوش ��ة‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬أو في مصادر تراثنا اللغوي الس ��ردي والش ��عري العديدة‪ ،‬في زمن‬ ‫كان ��ت الصحف واإلذاعة والتلفاز تش ��ارك وتس ��اند وتدعم ش ��يوع جم ��ال لغتنا اخلصب ��ة الفاتنة بدالالتها‬ ‫املتعددة وفصاحتها وحسن قدراتها على البيان والوصف والتعبير‪.‬‬ ‫لك ��ن «لغتن ��ا اجلميلة»‪ ،‬مع ش ��ديد األس ��ف أصبح ��ت تعاني منذ فت ��رة من االعتالل واإلهم ��ال معا في‬ ‫التعلي ��م‪ ،‬ومن ��ه انتقلت اآلفة إل ��ى اإلعالم والكتابة واحلياة‪ ،‬وظهر جيل جدي ��د تعلم في املدارس األجنبية‬ ‫لف ��ظ جم ��ال لغته األم واستمس ��ك بلس ��ان ثقاف ��ات واردة بحكم الدراس ��ة ومناهج التعليم‪ ،‬م ��ا جعل اللغة‬ ‫العربية في حال بالغة السوء‪.‬‬ ‫لكن منظمة اليونسكو الدولية أعادت األمل لهذه اللغة التي يتحدث بها اليوم ما يزيد على ‪ 48‬مليون‬ ‫ش ��خص ف ��ي العالم‪ ،‬محتلة املرتب ��ة الرابعة في قائمة اللغات وفق عدد املتحدثني به ��ا‪ ،‬باعتبار يوم الثامن‬ ‫عش ��ر من ديس ��مبر يوما عاملي ��ا للغة العربية‪ ،‬وهو ما أحي ��ا األمل في نفوس القائمني عل ��ى اللغة العربية‪،‬‬ ‫ومحبيها‪ ،‬في أن جتد بعض الرعاية لكي تستعيد ألقها وأمجادها‪ ،‬وإميانا من «العربي» بدورها في مجال‬ ‫العناية باللغة العربية التي كان لها دوما أقسام خاصة على صدر صفحاتها‪ ،‬تفتح ملف اللغة العربية أمال‬ ‫في غد أجمل للغة ال تعدم الفصاحة أو اجلمال‪.‬‬

‫الدكتور عبدالمالك مرتاض‪ :‬يوم اللغة العربية إقرار بعظمتها‬ ‫وجمالها ووظيفيّتها‬

‫حوار‪ :‬دهبية مشدال‬

‫البروفيسور تشو وي ليه‪ :‬تعليم اللغة العربية في الصين اليزال يحتاج‬ ‫إلى مزيد من جهود التطوير‬

‫حوار‪ :‬د‪ .‬بسام بركة‬

‫عراقيل في طريق ترجمة المصطلح النحوي من المصدر إلى الهدف‬ ‫د‪ .‬ريـــاض عثمــان‬

‫إمام النحو في الموصل‬ ‫عمر عبدالغفورالقطان‬

‫خواطر حول العاميّة والمعجم واللغة والعلم‬ ‫د‪ .‬نزار العاني‬ ‫‪84‬‬

‫‪11/3/16 8:10:12 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 84‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫‪85‬‬

‫‪11/3/16 8:10:19 AM‬‬

‫‪dec 84-111.indd 85‬‬


‫الدكتور عبدالمالك مرتاض‪:‬‬

‫يوم اللغة العربية إقرار‬ ‫بعظمتها وجمالها ووظيفيّتها‬ ‫أجرت الحوار‪ :‬دهبية مشدال‬

‫كاتبة من اجلزائر‬

‫عالقته باللغة العربية‪ ،‬في خوفه المس���تمر‬ ‫عليه���ا وقلق���ه عل���ى أحواله���ا‪ ،‬وغيرته على‬ ‫مستقبلها‪ ،‬قد تبدو مثل عالقة أب مع ابنته‪،‬‬ ‫وه���ي مش���اعر قديم���ة‪ ،‬جعلت���ه يب���ذل ألجل‬ ‫االهتم���ام باللغ���ة جه���داً كبي���راً ومش���هوداً‬ ‫ف���ي مراح���ل مبك���رة ف���ي حيات���ه‪ ،‬ح���اول بها‬ ‫أن يحميه���ا مم���ن يدع���ون إتقانه���ا‪ .‬وإذ ب���دأ‬ ‫في دراس���تها تلمي���ذاً مخلص ًا‪ ،‬ودارس��� ًا نهم ًا‬ ‫لمعرفته���ا ح���ق المعرف���ة‪ ،‬فقد انتهى إل���ى أن يكون كذلك أح���د أبرز من‬ ‫درس���وها ف���ي الجامع���ات الجزائري���ة‪ ،‬بإص���رار ال يلين عل���ى أن يعي���د إليها‬ ‫وهجه���ا الذي خف���ت كثيراً ألس���باب عديدة يتعرض للكثي���ر منها في هذا‬ ‫الحوار الذي بدأ وانتهى أيض ًا من وعن وإلى «العربية»‪.‬‬

‫ويأمل من الكتَّاب والش� � ��عراء وحتى اإلعالميني أن‬ ‫يلتزم� � ��وا بأبجدياتها احلقة وصحيحها اجلميل‪ ،‬ويدعو‬ ‫لهم أن يجتنبوا شرور غزو اللغات األجنبية خلطاباتهم‬ ‫وكتاباته� � ��م اإلبداعية‪ .‬في هذا احل� � ��وار يقدم الدكتور‬ ‫عبدامللك مرتاض‪ ،‬األكادمي� � ��ي واألديب والناقد‪ ،‬وأحد‬ ‫أبرز مراجع الدراس� � ��ات النقدي� � ��ة واللغوية في اجلزائر‬ ‫والعالم العربي‪ ،‬تشخيصه ملا تعانيه اللغة العربية اليوم‪،‬‬ ‫من أهله� � ��ا وأبنائها‪ ،‬كما يقترح ع� � ��دداً من االقتراحات‬ ‫‪86‬‬

‫‪11/3/16 8:10:24 AM‬‬

‫التي يرى أنها ميكن أن تس� � ��هم في اس� � ��تعادة «العربية»‬ ‫ألقها املفقود‪ ،‬في مناس� � ��بة إقرار «اليونس� � ��كو» ليوم ‪18‬‬ ‫ديسمبر من كل عام ليكون يوماً عامليا للغة العربية‪.‬‬ ‫< بداي ��ة‪ ،‬كي ��ف ت ��رون اختي ��ار «اليونس ��كو» ليوم ‪18‬‬ ‫ديسمبر يوم ًا عامل ّي ًا للغة العرب ّية؟‬ ‫ أعتقد أ ّن ه� � ��ذا التاريخ ليس إ ّال مج � � � ّرد اتّفاقِ هِ‬‫التنفيذي‬ ‫مع انعقاد الدورة التسعني بعد املائة للمجلس‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫اليوم يوماً عامل ّيا للغة‬ ‫لليونس� � ��كو‪ ،‬حيثُ تق ّر َر ج ْع ُل هذا ِ‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 86‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫لت لل ُ ٍ‬ ‫غات عامل ّية‬ ‫كسوِ ا ِه من األ ّيام األُ َخرِ التي ُجعِ ْ‬ ‫العرب ّية‪َ ،‬‬ ‫أخرى‪ ،‬مثلِ اإلجنليز ّية واإلسبان ّية والفرنس ّية؛ أفلم يكُ‬ ‫حتتفي بها‪،‬‬ ‫من حقّ اللغة العرب ّية على البشر ّية كا ّف ًة أن‬ ‫َ‬ ‫ومتج َدها‪ ،‬م ّر ًة واحد ًة في السنة؟ ذلك بأ ّنها اللغة التي‬ ‫ّ‬ ‫أعطت هذه البش� � ��ر ّي َة َطوا َل ثمانية ق� � ��رون من التاريخ‬ ‫احلضاري‪ ،‬في آسيا‪ ،‬وش� � ��مال إفريقيا‪ ،‬وجنوب أوربا‪،‬‬ ‫أي لغةٍ أخرى‪ ،‬على عهدها‪،‬‬ ‫وشرقها أيضاً‪ ،‬ما لم تُ ْع ِطهِ ّ ُ‬ ‫إ ْذ كانت اللغ َة األولى عامل ّياً‪ ،‬تشبه اللغة اإلجنليز ّية على‬ ‫عهدنا هذا‪.‬‬ ‫< ما مدلول ذلك في تقديركم؟‬ ‫ قد يستم ّد هذا اليوم العظي ُم داللتَه من اعتراف‬‫البش� � ��ر ّية به� � ��ذه اللغة الت� � ��ي أعطتْها األرق� � ��ام العرب ّية‬ ‫ّ‬ ‫والنظ� � ��ارات (ابن الهيث� � ��م)؛ واجلراحة‬ ‫(اخلوارزم� � ��ي)؛‬ ‫وأس� � ��س علم‬ ‫بقرطبة)؛‬ ‫�راوي‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫(الز‬ ‫رة‬ ‫الطبي� � ��ة املتط ّو‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫االجتم� � ��اع (ابن خلدون)؛ والكِ يمِ ي� � ��اء (جابر بن ح ّيان)؛‬ ‫�وي في حتليل الش� � ��عر (ابن قتيبة‪،‬‬ ‫وأس� � ��س املنهج البن� � � ّ‬ ‫وال� � ��رأي ألمجد الطرابلس� � ��ي في املوس� � ��وعة العامل ّية)؛‬ ‫(اإلدريسي)‪ ،‬بعد أن كان قدماء اإلغريق‬ ‫و ُكرو ّية األرض‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأس� � ��س نظر ّي� � ��ة الطيران‬ ‫يعتق� � ��دون أ ّنها مس� � ��طحة؛ ُ‬ ‫(املهن� � ��دس عباس بن فرناس)؛ و«أل� � ��ف ليلة وليلة» في‬ ‫َس على هذا ما لم يُ َق ْل‪ ،‬أل ّن‬ ‫الس� � ��رد ّيات العجائب ّية؛ ولْيُق ْ‬ ‫هذا املقام ال يتّسع لعرضه وتفصيله‪.‬‬ ‫ضمني‪ ،‬أو صري ٌح‪ ،‬بعظمة‬ ‫إ ّن مدلول ذلك هو إقرار‬ ‫ٌّ‬ ‫اللغة العرب ّي� � ��ة وجمالها ووظيف ّيتها ف� � ��ي حقول البحث‬ ‫املختلفة‪.‬‬ ‫< كي ��ف ميك ��ن للثقاف ��ة العرب ّي ��ة اس ��تثما ُر ه ��ذه‬ ‫املناس ��بة الس ��نو ّية ملصلح ��ة نشْ ��ر اللغة العرب ّي ��ة خارج‬ ‫العربي‪ ،‬وتقو َية استخدامها‪ ،‬داخله؟‬ ‫الوطن‬ ‫ّ‬ ‫العرب ال نكاد نستثمر شيئاً ملصلحتنا‪ ،‬لهذه‬ ‫نحن‬ ‫‬‫َ‬ ‫ّ‬ ‫املناسبة أو ألخرى! فقد كنت أو ّ ُد لو أ ّن املنظمة العرب ّية‬ ‫متجد‬ ‫للثقافة والعلوم اتّخذت من هذا اليوم عيداً لغو ّياً ّ‬ ‫من خالله ك ّل َمن منَح هذه اللغة ما اس� � ��تطاع من جهده‬ ‫واجتهاده واهتمامه في القدمي واحلديث‪ .‬وكنت أو ّد لو‬ ‫يتنافس املتنافسون‬ ‫دت جوائ ُز َس � � � ِن ّي ٌة ألولئك حتّى‬ ‫ُر ِص ْ‬ ‫َ‬ ‫ف� � ��ي تطوير ه� � ��ذه اللغ� � ��ة‪ ،‬وض ْربها باإلجنليز ّي� � ��ة‪ ،‬حتّى‬ ‫�ص لغتَنا لكيْما تس� � ��تعي َد مكانتَها العامل ّية‬ ‫ننظ َر ما ينق� � � ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ثمانيةِ‬ ‫قرون‪ ،‬وح َدها‪ :‬ال ثانية‬ ‫التي ظلّت تتب ّوأها طوال‬ ‫لها‪ :‬ال فارس � � � ّي َة‪ ،‬وال التين ّية‪ ،‬وال َسوا َءهما‪ ،‬على العهود‬ ‫الزاه� � ��رة للحضارة العرب ّية اإلس� �ل��ام ّية‪ ،‬ث ّم فجأ ًة ه َو ْت‬ ‫يوم اللغة العربية إقرار بعظمتها وجمالها ووظيف ّيتها‬ ‫‪11/3/16 8:10:27 AM‬‬

‫�رت الكتب التي‬ ‫إلى مكانةٍ ال تليق بها؟ وكنّا نو ّد لو نُش� � � ْ‬ ‫كانت أَ َما َرةَ حت ّ ُو ٍل الفِ ٍت في تاريخ العلوم البش� � ��ر ّية‪ ،‬مثل‬ ‫عجز عن‬ ‫كتاب أبي القاسم‬ ‫ّ‬ ‫الزهراوي‪« :‬التصريف‪ ،‬ملن َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫التأليف»‪ ،‬نشراً شعب ّيا بني عا ّمة القراء‪ ،‬ومِ ن ث ّم ترويج‬ ‫ترجمت� � ��ه‪ ،‬أو إعادتها‪ ،‬إن كانت الترجمات األولى رديئة‪،‬‬ ‫فه� � ��ذا أحد مفاخر اللغة العرب ّي� � ��ة‪ ،‬إذ لم نّ‬ ‫يقن اجلراح َة‬ ‫الطب ّية املعقّدة بعد ابن س� � ��ينا‪ ،‬وال� � ��رازي‪ ،‬مثلُه؛ بل كان‬ ‫له دور عظيم في تأس� � ��يس أصول الصيدلة أيضاً‪ ،‬كما‬ ‫األملاني جوتنبرج في وضع األسس النظر ّية لطبْع‬ ‫سبق‬ ‫ّ‬ ‫األوراق الت� � ��ي توض� � ��ع على زجاجات األدوي� � ��ة التي كان‬ ‫يخترعها بقرطبة‪.‬‬ ‫وق� � ��د رأي� � ��ت األدوات التي كان عمي� � ��د اجل ّراحني‬ ‫العامل ّيني يصطنعها في إجراء العمل ّيات اجلراح ّية املعقّدة‬ ‫(على الع� �ي��ن‪ ،‬وال ُكلْية وغيرهم� � ��ا) معروض ًة في مدينة‬ ‫قرطبة‪ ،‬بعد أن تخ ّيلها ومت ّثلها جماعة من الباحثني من‬ ‫إخواننا في املغرب‪ ،‬وذكر لي الصديق األس� � ��تاذ محمد‬ ‫القباج‪ ،‬ونحن ب� � ��أرض األجداد‪ :‬األندلس‪ ،‬أ ّنه هو الذي‬ ‫صنعت من مادة‬ ‫أشرف على صناعة تلك األدوات التي ُ‬ ‫الفضة بفاس‪ ،‬والتي ال أعتقد أ ّن تس� � ��عني في املائة من‬ ‫ّ‬ ‫اجلراحني العرب ِ‬ ‫أنفس� � ��هم يعرفونها‪ ،‬أل ّنه� � ��م ال يُ ْعنَ ْون‬ ‫العربي وتكنولوج ّيات� � ��ه‪ ،‬بل يأخذونه من‬ ‫بتاريخ الط� � � ّ�ب‬ ‫ّ‬ ‫ال َغ ْرب « َفطيراً»‪.‬‬ ‫وتوجد كتب عرب ّية كثيرة في تأس� � ��يس العلوم‪ ،‬ولم‬ ‫َ‬ ‫يُس� � ��بق أصحابُها إلى موضوعها‪ ،‬وهي التزال مجهولةً‬ ‫لدى الق ّراء العرب ِ‬ ‫أنفسهم‪.‬‬ ‫املنظمة العرب ّية للثقافة والعلوم شيئاً‬ ‫وإذ لم تصنع ّ‬ ‫احلكومات العرب ّية ممثل ًة في‬ ‫مما ذك ْرنا‪ ،‬فأي� � ��ن‬ ‫ذا ٍ‬ ‫ُ‬ ‫بال ّ‬ ‫وزارات تربي ِته� � ��ا‪ ،‬وف� � ��ي وزارات تعليمِ ه� � ��ا العالي‪ ،‬وفي‬ ‫هيئات بحثها؟ ما كان ص َر َفها عن أن حتتف َل بهذا اليوم‬ ‫العربي بعد أن فقَد هو هذه الثق َة‬ ‫إلعادة الثقة لإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫بنفسه‪ ،‬وتاريخه‪ ،‬وأمجاد أجداده؟‬ ‫ث � � � ّم إ ّن مدلول ه� � ��ذا اليوم أخيراً يج� � ��ب أن يذ ّكرنا‬ ‫مب� � ��ا قامت به دولة الكويت منذ س� � ��نة ‪ 1960‬من إنفاق‬ ‫على ترجمة الوثائق إلى اللغة العرب ّية‪ ،‬فهي التي تكفّلت‬ ‫بتلك النفقات‪ ,‬ج� � ��زى الله الكويت وأهلها جزاء عظيماً‬ ‫عل� � ��ى ما ق ّدموه خدمة للغة العرب ّية‪ ،‬إ ْذ لوال ذلك لكانت‬ ‫هيئة األمم املتّحدة تعلّلت بعدم وجود األموال التي تنفق‬ ‫عل� � ��ى تعريب ك ّل الوثائق والقوان� �ي��ن واألنظمة الداخل ّية‬ ‫ف� � ��ي هيئات هذه ّ‬ ‫املنظم� � ��ة العامل ّية‪ ،‬ولكان� � ��ت «العرب ّية»‬ ‫‪87‬‬

‫‪dec 84-111.indd 87‬‬


‫ظل ْ ْت بعيد ًة عن االستعمال في هذه‬ ‫املنظمة العامل ّية‪.‬‬ ‫وليس يس� � ��عنا أثن� � ��اء ذلك‪ ،‬من‬ ‫باب ذِ ْكر الفضل ألهله‪ ،‬إ ّال أن نن ّوه‬ ‫نهضت‬ ‫بعا ّم� � ��ة الدول العرب ّي� � ��ة مبا‬ ‫ْ‬ ‫ب� � ��ه ف� � ��ي منظم� � ��ة األمم املتح� � ��دة‪،‬‬ ‫وفي هيئاتها الفرع ّية كاليونس� � ��كو‪،‬‬ ‫الصعاب‪ ،‬من‬ ‫من جهد لتذلي� � ��ل ك ّل ِّ‬ ‫أجل أن تكون العرب ّي ُة اللغ َة العامل ّية‬ ‫سمت في هيئاتها‪.‬‬ ‫اخلامسة‪ ،‬ف ُر ْ‬ ‫< كي ��ف ت ��رى اليوم واق ��ع اللغة‬ ‫العرب ّي ��ة عل ��ى ي � ِ�د أهله ��ا‪ ،‬مقارن ��ة‬ ‫بوضعه ��ا ف ��ي زم ��ن امل � ّ�د القوم � ّ�ي‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫خصوص ًا في الستين ّيات؟‬ ‫ووضعها‬ ‫لس� � ��نا متفائلني مبكان� � ��ة اللغة العرب ّي� � ��ة ْ‬‫احلاسة اللغو ّية‬ ‫العربي‪ ،‬وذلك النعدام‬ ‫الراهن في العالم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي حني يتكل� � ��م لغته‪ ،‬فهو ال يُعنَى ال‬ ‫لدى اإلنس� � ��ان‬ ‫ّ‬ ‫بنحوها‪ ،‬وال بص ْرفها‪ ،‬وال بنطقها أيضاً‪ .‬وإذ كانت اللغة‬ ‫العرب ّية متناهية احلساس � � � ّية لتغ ّير الصوت الذي يتغ ّير‬ ‫معه املعنى؛ وإ ْذ كان أهلُوها ال يكادون يُعيرون ذلك شيئاً‬ ‫من االهتمام‪ ،‬فإ ّني أخش� � ��ى أن تظ ّل لغتُنا اجلميل ُة لغ َة‬ ‫طائر في اله� � ��واء‪ :‬ال يحمل د ّقة‪ ،‬وال ينتظم قانوناً‬ ‫كالم ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫لغو ّياً صارماً؛ ذلك بأ ّنه علينا تنق َي ُة العرب ّية من األخطاء‬ ‫الش� � ��ائعة الفاحشة واملخيفة‪ ،‬والتي ال يكاد يلتفت إليها‬ ‫أح ٌد حتّى من بعض األس� � ��اتذة اجلامع ّيني‪ ،‬والش� � ��عراء‬ ‫والروائ ّي� �ي��ن والكتّاب اإلعالم ّي� �ي��ن بعا ّم� � ��ة‪ ...‬فتَفاري ُق‬ ‫املعاني َ‬ ‫تنش� � �أُ عن مج ّرد نُ ْطقِ وس� � � ِ�ط لفظ (ال أحت ّدث‬ ‫هنا عن النحو فأمره ق� � ��د يكون أهون مما نحن بصدد‬ ‫ع ْرض� � ��ه) بالض ّم وهو بالفتح؛ أو بالفتح وهو في األصل‬ ‫لينقلب املعنى‬ ‫بالضم؛ أو بالكسر وهو في أصله بالفتح‪،‬‬ ‫َ‬ ‫رأساً على عقِ ٍب‪ ،‬فتق َع الفوضى‪ ،‬ويع ّم االِختالل‪.‬‬ ‫ويعود ذلك إلى ضعف التعليم في مؤسسات التعليم‬ ‫العرب� � � ّ�ي‪ ،‬في مس� � ��توياته الثالث� � ��ة؛ ودون النهوض بثورة‬ ‫حقيق ّية ومخلصة ومس� � ��ؤولة وممن َهج� � ��ة إزا َء تصحيح‬ ‫نطق اللغة العرب ّية‪ ،‬فإ ّنها لن تكون لغة علوم وتكنولوجيا‪،‬‬ ‫وتظ ّل «تظلَ ُع» في مس� � ��يرتها‪ ،‬كما ه� � ��ي عليه في راهن‬ ‫عهدنا‪ ،‬الذي ما كنّا لنرتضيه أل ّمتنا أبداً‪:‬‬ ‫�اس ش �ي �ئ � ًا‬ ‫�وب ال � � �ن� � � ِ‬ ‫ول� � � � ْ�م َأر ف � ��ي ع� � �ي � � ِ‬ ‫ك � �ن� ��قْ � ��ص ال � � �ق� � ��ادري� � ��ن ع � �ل� ��ى ال� � َّ�ت�� �م� ��ام‬ ‫‪88‬‬

‫‪11/3/16 8:10:32 AM‬‬

‫< م ��ا هي أب ��رز املش ��كالت التي‬ ‫تواجه اللغة العرب ّية اليوم؟‬ ‫ املش� � ��كلة اجلوهر ّية‪ ،‬والتي‬‫قد يكون من المْ ُ ْعتاص حلّ ُها‪ ،‬أ ّن هذه‬ ‫اللغة تتح ّدثها ش� � ��عوب مختلفة في‬ ‫املشرق واملغرب‪ ،‬وبعض دول إفريقيا‬ ‫وآس� � ��يا‪ ،‬وك ّل دولة حتكم شعباً من‬ ‫هذه الشعوب‪ ،‬تسعى‪ ،‬مجتهد ًة‪ ،‬إلى‬ ‫لغوي‬ ‫تطويره� � ��ا‪ ،‬في غياب جه� � ��د ّ‬ ‫منهجي مشترك جا ّد‪ .‬إ ّنا كنّا‪ ،‬يوماً‬ ‫ّ‬ ‫اقترحنا في أح� � ��د املؤمترات‬ ‫م� � ��ا‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ببيروت‪ ،‬تأسيس مجمع واحد للغة‬ ‫العربية‪ ،‬مي ّث� � ��ل ك ّل الهيئات اللغو ّية‬ ‫في الدول العرب ّية‪ ،‬أل ّن العرب ّية ليس� � ��ت خالصة لشعب‬ ‫عرب� � � ّ�ي واحد‪ ،‬ولكنّها لغة ش� � ��عوب مختلفة‪ ...‬فأجابني‬ ‫أح� � ��د األصدق� � ��اء املصر ّيني بأ ّن مجم� � ��ع القاهرة يعقد‬ ‫ٍ‬ ‫اجتماعات دور ّي ًة ويش� � ��ارك فيه� � ��ا ك ّل هذه الهيئات من‬ ‫العربي‪ ...‬ونح� � ��ن ال نرى هذا الرأي‪ ،‬فمثل هذه‬ ‫العالم‬ ‫ّ‬ ‫ال ّد ْو ِ‬ ‫رات تُعقد لالسترخاء واملجامالت‪ ،‬مع تقدمي شيء‬ ‫م� � ��ن االعتذار على هذه القس� � ��وة‪ ،‬وهي تك ّرس األخطاء‬ ‫الت� � ��ي يقع فيه� � ��ا اإلعالم ّيون العرب الذي� � ��ن ال يعرفون‬ ‫العرب ّية‪ ،‬فت َْجتَزِ ُئ باإلفتاء بجوازها‪ ،‬كتعديَة ف ْعل « َربَ َك»‬ ‫بالهمز‪ ،‬مع أ ّنه متع ّد بنفسه أص ً‬ ‫ال‪ ،‬فال يحتاج إلى هذا‬ ‫يلطخه تلطيخاً‪ ،‬ويش � � � ّوهه تش� � ��ويها‪ً،‬‬ ‫الهمز اللعني الذي ّ‬ ‫إذ تقول العرب‪ :‬ربَك الش� � ��ي َء يَربُكه َربْكاً‪ ،‬فا ْرتبك (وال‬ ‫يوج� � ��د «أربك» إ ّال في «مجامع اللغ� � ��ة العرب ّية» التي لم‬ ‫َ‬ ‫بال! واحلديث عن هذه‬ ‫تط ّور من ش� � ��أن العرب ّية أمراً ذا ٍ‬ ‫املسألة طويل‪ ،‬وال يتّسع لتفصيله مث ُل هذا املقام‪.‬‬ ‫< كيف ترى ظاهرة اس ��تخدام العامي ��ة في الكتابة‬ ‫األدب ّي ��ة‪ ،‬والتي أصبحت ظاهرة في عدد من دول العالم‬ ‫العربي‪ ،‬تقريب ًا‪ ،‬بال استثناء؟‬ ‫ّ‬ ‫أ ّما عن اصطن� � ��اع العام ّيات احمللّ ّية فكان أ ّول من‬‫دش� � ��نها‪ ،‬ور ّوجها ف� � ��ي روايته‪ ،‬وأرج� � ��و أال أكون مخطئاً‬ ‫ّ‬ ‫املصري إحس� � ��ان عبدالق ّدوس‪ ،‬فكان‬ ‫في قولي‪ ،‬الكاتب‬ ‫ّ‬ ‫يكتب رواياته‪ ،‬ومنها‪« :‬في بيتِنا رجل»‪ :‬احلوار بالعا ّم ّية‬ ‫احمللّ ّية‪ ،‬والسرد بالفصحى‪ ،‬وذلك ِطبْقاً للنظر ّية النقد ّية‬ ‫الروائي‬ ‫الفاس� � ��دة التي تتح ّدث عن أ ّن مثل هذا الفعل‬ ‫ّ‬ ‫يجس� � ��د ص ْدق الواقع‪ ،‬ولذل� � ��ك ال ميكن لفالح (إذا كان‬ ‫ّ‬ ‫�ردي)‪ ،‬وال لعامل‪ :‬أن يُج َرى على‬ ‫شخص ّية في عمل س� � � ّ‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 88‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫ألس� � ��نتِهما ِحوا ٌر فصي� � ��ح‪ ،‬أل ّن ذلك‬ ‫ُم ٍ‬ ‫ونسي هؤالء‬ ‫ناف للصدق الفن ّّي!‬ ‫َ‬ ‫أ ّن الرواي� � ��ة في ح ّد ذاتها ليس� � ��ت‬ ‫ص َراحاً‪ ،‬فيُتَح َّدثَ‬ ‫تاريخاً‪ ،‬وال واقعاً ُ‬ ‫ع� � ��ن واقع ّي� � ��ة أحدا ِثه� � ��ا‪ ،‬وتاريخ ّية‬ ‫يجسد‬ ‫واقعِ ها‪ ،‬ولكنّها مج ّرد ٍ‬ ‫خيال َّ‬ ‫في كتاب� � ��ة‪ .‬وك ّل مك ّوناته� � ��ا‪ ،‬وأولُها‬ ‫ٍ‬ ‫كائنات من‬ ‫ات‪ ،‬مج � � � ّر ُد‬ ‫الش� � ��خص ّي ُ‬ ‫و َر ٍق‪ ،‬فكي� � ��ف‪ ،‬إذن‪ ،‬يقع «االحتيال»‬ ‫على إفس� � ��اد اللغة العرب ّية بدعوى‬ ‫والفن ال واقع ّية فيه‪،‬‬ ‫واقع ّي� � ��ة الفن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يوجد م� � ��ن احلقيقة في‬ ‫وال ش� � ��ي َء َ‬ ‫الرواية إ ّال لغتُها؟!‬ ‫ُ‬ ‫ومن األمور األ َخ� � ��رِ التي تهدِ م‬ ‫حتول دون انتش� � ��ارها الصحيح‪« ،‬اللغة»ُ‬ ‫اللغة العرب ّية و ُ‬ ‫متجد اللّ ُغَى األجنب ّي َة‬ ‫اإلش� � ��هار ّية الرديئة التي أمس� � � ْ‬ ‫�ت ّ‬ ‫فتكتبه� � ��ا باحل� � ��روف العرب ّي� � ��ة‪ ،‬للدعاي� � ��ة لبضاعة من‬ ‫البضائ� � ��ع؛ فقد رأيت في لوحة إش� � ��هار ّية بأحدِ أقطار‬ ‫املغ� � ��رب العرب� � � ّ�ي عبارة ناش� � ��ز ًة‪ ،‬نافر ًة‪ ،‬بش� � ��عة‪ ،‬قذر ًة‪،‬‬ ‫مؤذيَة للذوق‪ ،‬وهي مع االعتذار للقارئ الكرمي‪« :‬رابِيد‪،‬‬ ‫تُوت َْس� � ��وِ يت»! (ومعناها باللغة الفرنسية‪ :‬سريع‪ ،‬وفوراً)‪.‬‬ ‫بل رأينا قنا ًة فضائ ّية تس ِّمي اس َمها بارتكاب ْ‬ ‫فظيع‬ ‫حلن ٍ‬ ‫حام‬ ‫فيه‪ ،‬وتص ّر على إبقائه‪ ،‬وع� � ��دم تصحيحه‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫لغياب ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫يحمي هذه اللغة املس� � ��كينة التي أمست يتيمة‪ .‬ومثل ما‬ ‫ٍ‬ ‫ذك ْرنا‪ُ ،‬م ٍ‬ ‫لغوي س� � ��ليم‬ ‫�تهج ٌن لصناعة‬ ‫محيط ّ‬ ‫ناف ومس� � � َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫مِ ن مثل ه� � ��ذه املنكرات‪ ،‬ورأيت املعلقني على كرة القدم‬ ‫يستنكِ فون من استخدام مصطلح «خطأ» في تعليقاتهم‪،‬‬ ‫في لعبة كرة القدم‪ ،‬فيصطنعون «فا ْول» اإلجنليز ّية!‪...‬‬ ‫وهم يستعملون ذلك بتباهٍ وخُ َيالء‪ ،‬ال مياثله إ ّال استعمالُهم‬ ‫لفظ األريح ّية‪ ،‬في موضع الراحة! وال ُف ُروق‪ ،‬في موضع‬ ‫الفِ َرق‪ .‬ومثل هذه األمثلة البسيطة‪ ،‬واحملدودة‪ ،‬حتملنا‬ ‫على االعتقاد بأ ّن املشارقة واملغاربة يتنافسون جميعاً‪،‬‬ ‫«ج ْهد المْ ُقِ � � � ّل»‪ ،‬في تدمير‬ ‫ويصطنع� � ��ون في ذلك مب� � ��دأَ ُ‬ ‫لغتهم من حيث ال يشعرون!‬ ‫< ي ��رى بعض الكتاب واملهتمني باللغ ��ة أنّ االل ِْتها َء‬ ‫العام ّية لدى الشباب العرب سيكون ملصلحة‬ ‫باللهجات‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫اس ��تئثار ق� � َوى الت ّي ��ارات املتش � ّ�ددة‪ ،‬باللغ ��ة الفصح ��ى‪،‬‬ ‫وم ��ن َث� � ّ َم‪ ،‬س ��ترتبط الفصحى به ��ذه التي ��ارات‪ ،‬مبعنى‬ ‫أنّ بع ��ض ّ‬ ‫هجر اللغ ��ة الفصحى من‬ ‫املنظري ��ن يرون أنّ ْ‬ ‫يوم اللغة العربية إقرار بعظمتها وجمالها ووظيف ّيتها‬ ‫‪11/3/16 8:10:37 AM‬‬

‫النخب العرب ّية الش ��ا ّبة‪ّ :‬إما للّغات‬ ‫العام ّية‪،‬‬ ‫وإم ��ا للّهج ��ات‬ ‫ّ‬ ‫األجنب ّي ��ة‪ّ ،‬‬ ‫س ��يجعل العرب ّي ��ة ف ��ي فت ��رة م ��ا‪،‬‬ ‫متخصصة فقط في الفقه والدين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ولن تكون لغة علوم وحداثة‪.‬‬ ‫ ق� � ��د تعود املعضل� � ��ة كلّها إلى‬‫غي� � ��اب م� � ��ا اقترحناه م� � ��ن ذي قبل‬ ‫في هذا اللقاء‪ ،‬فلو كان للحكومات‬ ‫العرب ّية عناية حقيق ّية باللغة لكانت‬ ‫مؤسس� � ��اتها التعليم ّي � � � ُة ه� � ��ي التي‬ ‫ُ‬ ‫حتول دون وقوع مثل هذا اإلشكال‪،‬‬ ‫ودون التصري� � ��ح مبحاربته‪ ،‬فتكون‬ ‫الوقاي ُة خيراً م� � ��ن العالج‪ .‬ولك ْن لمَ ّا‬ ‫كانت العرب ّية أَ َم � � � ًة ال ب ْع َل لها يغار‬ ‫ودب‬ ‫عليها‪ ،‬ويتيم� � ��ة ال َ‬ ‫هب ّ‬ ‫أب لها يحميها‪ ��‬ف� � ��ك ّل َمن ّ‬ ‫ي ْع ُدو عليها‪ ،‬فيصيبُها َّ‬ ‫بالضيْرِ واألذاة‪ ،‬فماذا كنّا ننتظر‬ ‫من وراء هذا‪ ،‬غير الذي هو كائ ٌن؟!‬ ‫< ما رأيك في اللغة املستعملة في الكتابات األدب ّية‬ ‫عند األدباء العرب املعاصرين؟‬ ‫ مضى علينا عه ٌد كنّا نقرأ فيه املقالة والقصيدة‬‫والكتاب فنس� � ��تمتع باللغة العرب ّي� � ��ة الناضرة‪ ،‬والنق ّية‬ ‫ُ‬ ‫نحفظ مما‬ ‫األس� � ��ر‪ ،‬وإلى ح � � � ّد أ ّنا‬ ‫الصاف َية‪ ،‬إلى ح ّد ْ‬ ‫ك ّن� � ��ا نقرأ من تلك الكتابات األدب ّي� � ��ة الرفيعة أطرافاً‪،‬‬ ‫مما يُعجبنا من الش� � ��عر‪ ،‬والتي كانت تُكتَب‬ ‫كما نحفظ ّ‬ ‫بها تلك األعمال لدى أمثال طه حس� �ي��ن‪ ،‬واملنفلوطي‪،‬‬ ‫�ري‪ ،‬ومحمد البش� � ��ير‬ ‫والرافع� � ��ي‪ ،‬وعبد العزيز البش� � � ّ‬ ‫اإلبراهيم� � ��ي‪ ...‬وال نتحدث عن ش� � ��عرا َء أمثالِ أحمد‬ ‫ش� � ��وقي‪ ،‬وحافظ إبراهيم‪ ،‬ومعروف الرصافي‪ ،‬وأبي‬ ‫القاس� � ��م الش� � ��ابي‪ ...‬والعدد كثي� � ��ر‪ ...‬فأمثال هؤالء‪،‬‬ ‫أحس� � ��ن الله إليهم‪ ،‬جعلوا اللغ� � ��ة العرب ّية تعيش أجمل‬ ‫أيامها‪ ،‬بعد ما كانت عاشتْه في القرنني اللذين سبقا‬ ‫ظهور اإلس� �ل��ام‪ ،‬والقرون األربعة التي جاءت بعده‪...‬‬ ‫فال ت� � ��زال األجيال حتف� � ��ظ لهؤالء الش� � ��عراء العرب‬ ‫مكانتهم ف� � ��ي قلوبها‪ ،‬وال تزال تختزن أش� � ��عاراً كثير ًة‬ ‫مما قالوه في ذواكرها‪ ...‬لك ْن خل َ َف خلْفٌ من بعدهم‪،‬‬ ‫كتاتيب‬ ‫ّاب‪ ،‬أو‬ ‫ربع القرن األخي� � ��ر‪ ،‬كت ٌ‬ ‫ُ‬ ‫وخصوص � � �اً في ِ‬ ‫(‪ )Ecrivants‬بلغة روالن بارت‪ ،‬أضاعوا اللغة العرب ّية‬ ‫فضاعت منهم الكتابة األدب ّية الرفيعة‪ .‬لقد‬ ‫الصحيحة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫أي ش� � ��يء في احلياة‪،‬‬ ‫كان ميكن أن يكون‪ ،‬مثل هؤالء‪َّ ،‬‬ ‫‪89‬‬

‫‪dec 84-111.indd 89‬‬


‫إ ّال أن يكونوا ُكتّاباً‪ ،‬فأبلغُهم تعبيراً‪،‬‬ ‫وأنصعهم بياناً‪ ،‬ال يكاد يصطنع إ ّال‬ ‫لغة مسترذلة مستهجنة مستقبحة‬ ‫مستس � � � َمج ًة‪َ ،‬فهِ ي َه ًة َع ِي ّية‪ ،‬فيس ّود‬ ‫بها صفائح رواياته‪ ،‬وهو ال يشعر‬ ‫بأ ّن� � ��ه كان عليه أن يتعلّ� � ��م العرب ّية‬ ‫العالي� � ��ة أ ّو ُل (وال علي� � ��ه أن ال‬ ‫يصطنعها كلَّها كتاب ًة في إبداعه)‪،‬‬ ‫حج ًة للقراء‪ ،‬ومتاعاً‬ ‫لتكون كتاباتُ ُه ّ‬ ‫للمتلقّني‪ .‬ول� � ��و ُر ِّخص للمعجم ّيني‬ ‫العرب املعاصرين بصناعة معاج َم‬ ‫عصر ّي� � ��ة‪ ،‬وم� � ��ن ذل� � ��ك ال يك� � ��ون‬ ‫استش� � ��ها ُدهم بأرج� � ��از األع� � ��راب‬ ‫البادي� � ��ن‪ ،‬وأرجاز رؤب� � ��ة والعجاج‪،‬‬ ‫وأش� � ��عار امرئ القيس والف� � ��رزدق واألخطل وجرير‪،‬‬ ‫واحلجاج‪ ،‬ولكنِ استش� � ��ها ُدهم بشيء من‬ ‫وخطب ز ّياد‬ ‫ّ‬ ‫العرب ّي� � ��ة الصحيحة في كتابات هؤالء املعاصرين‪ ،‬كما‬ ‫تفع� � ��ل املعاجم األورب ّية مث ً‬ ‫ال‪ ،‬لمَ َا ألْ َف ْوا ش� � ��يئاً من اللغة‬ ‫ّ‬ ‫مما هم يكتبون!‪ ...‬وكل ذلك‬ ‫صحيحاً يستشهدون به ّ‬ ‫ولكن املالمة ك َّل املالمة‪ ،‬تقع‬ ‫ال ينشأُ عنه لو ٌم لهؤالء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عل� � ��ى اضطراب برام� � ��ج مؤسس� � ��ات التعليم‪ ،‬وضعف‬ ‫معلّميها وأس� � ��اتذتها‪ ،‬فاملدرس� � ��ة الرديئة ال ينبغي لها‬ ‫أن تخ � � � ّرج إ ّال كاتب � � �اً رديئاً‪ ،‬وفاقد الش� � ��يء ال يُعطيه‪،‬‬ ‫تعطي إ ّال‬ ‫وأجمل امرأة ف� � ��ي الوجود ال تس� � ��تطيع أن‬ ‫َ‬ ‫م� � ��ا عندها‪ ،‬كما يقول الفرنس � � � ّيون! ونحن أثناء ذلك‪،‬‬ ‫وت� � ��ارة أخرى‪ ،‬نس� � ��تثني من هؤالء الك ّت� � ��اب َمن طلبوا‬ ‫العرب ّية بأنفس� � ��هم‪ ،‬وأمعنوا في طلبه� � ��ا‪ ،‬وتع ّمقوا في‬ ‫تدقيقه� � ��ا‪ ،‬ولكنّي أراهم قلي ً‬ ‫ال! فاملدار‪ ،‬إذن‪ ،‬كلّه يدور‬ ‫على مراجعة الطرائق املس� � ��تخدمة في التدريس في‬ ‫مؤسسات التعليم‪ ،‬كما يس� � ��توجب األم ُر إعادة النظر‬ ‫في هيئة املعلمني واألس� � ��اتذة ال ّراهنني‪ ،‬وإمكانِ إعادة‬ ‫تكوينه� � ��م وتأهيلهم‪ ،‬لترقية املدرس� � ��ة العرب ّية وج ْعلِها‬ ‫منار ًة مضيئة لنشر العرب ّية الصحيحة بني الناس‪ ،‬مع‬ ‫احلاس� � ��ة‬ ‫القومي بهذه اللغة‪ ،‬وترس� � ��يخ‬ ‫تأجيج الوعي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بها‪ .‬وهي اللغة التي شاء التاريخ أن يتح ّدثها أرب ُع ٍ‬ ‫مائة‬ ‫واثنانِ وعشرون مليوناً من العرب‪ ،‬يُضاف إليهم أكث ُر‬ ‫ممن يصلّون بها‪ ،‬ويتع ّبدون‪.‬‬ ‫من مليارِ‬ ‫مسلم‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫< عل ��ى الرغ ��م من اجله ��ود التي تبذله ��ا دول أوربا‬ ‫في إحياء لغاتها‪ ،‬وإمدادها باحليو ّية من خالل تضمني‬ ‫‪90‬‬

‫‪11/3/16 8:10:40 AM‬‬

‫كلم ��ات جدي ��دة ف ��ي معاجمه ��ا‪،‬‬ ‫�تج ّد‬ ‫وخصوص� � ًا م ��ا يتع ّل ��ق باملس � َ‬ ‫واملبتكر في حياة الناس اليوم ّية‪ ،‬ال‬ ‫نشعر أنّ جهد ًا مماث ًال يبذله علماء‬ ‫اللغ ��ة العرب‪ ،‬أو مجامع اللغة التي‬ ‫يفت ��رض أن يك ��ون هذا واح ��د ًا من‬ ‫أبرز أدوارها‪.‬‬ ‫كنّا قلنا ف� � ��ي بعض اإلجابات‬‫السابقة‪ ،‬من هذا اللقاء‪ِ :‬إ ّن اجلهود‬ ‫الت� � ��ي تبذله� � ��ا ال� � ��دول العرب ّية هي‬ ‫جهود‪ ،‬عل� � ��ى الرغم من إخالصها‪،‬‬ ‫مؤس ٍس لها‪ ،‬فإن ك ً‬ ‫ال‬ ‫سا َذجة‪ ،‬وغي ُر َّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يصر ُخ في واد‪ ،‬و ُكال ينفخ في رماد!‬ ‫يوم تطلع‬ ‫إ ّن م� � ��ن املع� � ��روف أ ّن ك ّل ٍ‬ ‫ت ّ ُد ُ‬ ‫آالف املصطلحات التي‬ ‫الشمس فيه على الغبراء‪ ،‬جَ ِ‬ ‫معان جديدة في حقول املعرفة املختلفة‪...‬‬ ‫أُطلقت على ٍ‬ ‫ً‬ ‫�رب ال ننتج تَقانة‪ ،‬وال نخترع حضارة‪،‬‬ ‫وملّا كنّا نحن الع� � � َ‬ ‫نؤسس معرفة‪ ،‬على عهدنا هذا املظلم‪ ،‬فإ ّن علما َءنا‬ ‫وال ّ‬ ‫املخلصني تراهم يلهث� � ��ون‪ ،‬جاهدين َج ْه َد ُه ْم‪ ،‬في إيجاد‬ ‫ِالت لت َ‬ ‫ِيك املصطلح� � � ِ‬ ‫مقاب ٍ‬ ‫يصاً‪.‬‬ ‫�ات في اإلجنليز ّية ِخ ِّص َ‬ ‫إ ّن� � ��ا‪ ،‬ما دمنا غي � � � َر مقتدرين على االبت� � ��كار واالختراع‪،‬‬ ‫فنس ِّمي مبتكراتِنا ومخترعاتِنا بلغتنا‪ ،‬فإ ّن لغتنا ستظ ّل‬ ‫الهث � � � ًة وراء اللغ� � ��ات األخرى‪ ،‬تنقل منه� � ��ا‪ ،‬وجتتهد في‬ ‫إيجاد مقاب ٍ‬ ‫ِالت ملا فيها من مخت َرعاتها‪.‬‬ ‫وتتح ّدثني‪ ،‬س� � ��امحك الله! ع ّما يتس � � � َّمى‪« :‬مجامع‬ ‫اللغة العرب ّية»‪ ،‬وقد ِ‬ ‫رأيت أ ّني متش� � ��ائم بدورها القاصر‬ ‫ف� � ��ي تطوير العرب ّي� � ��ة‪ .‬وأنا أعرف مِ � � ��ن أعضائها َمن ال‬ ‫يُحس� � ��ن التعامل مع «اإلنترنت»‪ ،‬وال الكتابة باحلاسوب؛‬ ‫فإ ّني أعرف‪ ،‬مث� �ل � ً‬ ‫ا‪ ،‬مجمع ّياً كبيراً ال يزال يكتب ّ‬ ‫بخط‬ ‫رجى من‬ ‫يده على القرطاس‪ ،‬والله ف ّعا ٌل ملا يريد! فهل يُ َ‬ ‫أمثال هؤالء تطوي ُر العرب ّية‪ ،‬وهم يعيشون بأذهانهم في‬ ‫عهود القرون الوسطى؟‬ ‫�مي في‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫الر‬ ‫دولة‪،‬‬ ‫أي‬ ‫الدولة‪،‬‬ ‫ه� � ��ل يؤ ّثر توجي� � ��ه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احلفاظ على اللغة وس� �ل��امتها؟ أم أ ّن التأثير يأتي من‬ ‫ّ‬ ‫املنظمات األهل ّية؟‬ ‫لقد استوى املاءُ واخلشب َة! كما يقول بعض النحو ّيني‬ ‫ِ‬ ‫هيئات!‬ ‫حكومات وال‬ ‫في متثيالتهم للمفعول معه‪ .‬فال‬ ‫َ‬ ‫صارم‬ ‫ومنهجي‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫عل‬ ‫وإ ّنه لَفِ ي غي� � ��اب تخطيط‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الثالث‪،‬‬ ‫لتطوي� � ��ر اللغة العرب ّي� � ��ة‪ :‬في التعلي� � ��م مبراحله‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 90‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫وفي السياس� � ��ة‪ ،‬وفي اإلعالم‪ ،‬وفي‬ ‫ٍ‬ ‫مجتمعات‪ ،‬ال نرى‬ ‫هيئات البح� � ��ث‪،‬‬ ‫من َمخ � � � َر ٍج له� � ��ذه اللغ� � ��ة العزيزة‬ ‫مم� � ��ا هي فيه‪ ،‬فالي� � ��د ال تصفّق إ ّال‬ ‫ّ‬ ‫بأختها‪ .‬وم� � ��ا اقترحناه من تضافر‬ ‫جه� � ��ود ك ّل الهيئ� � ��ات ال ينبغ� � ��ي أن‬ ‫يقتصر على دول� � ��ة دون أخرى‪ ،‬بل‬ ‫ك ّ ُل ال� � ��دول العرب ّي� � ��ة معن ّي � � � ٌة بهذا‪،‬‬ ‫ولذل� � ��ك عليها أن تقت� � ��رح اجتماعاً‬ ‫واحداً ف� � ��ي تاريخ قِ َممه� � ��ا التي لم‬ ‫تخصصه‬ ‫تُثمر إل� � ��ى اليوم ش� � ��يئاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لتطوير اللغة العرب ّية‪ ،‬بعد أن تكون‬ ‫الهيئ� � ��ات اللغو ّية ق� � ��د ق ّدمت إليها‬ ‫عمل له� � ��ذا التطوير‪ ،‬فيكون‬ ‫أوراق ٍ‬ ‫من وظيفة هذه الق ّمة‪ ،‬إصدا ُر قرارات سياس ّية ُملزمة‪،‬‬ ‫يتمحض ملراحل التعليم‪ ،‬ومجمع اللغة‬ ‫وخصوصاً فيما‬ ‫ّ‬ ‫�� أو يُ َ‬ ‫نتخب فيه‬ ‫املوح� � ��د الذي يج� � ��ب أن يُع� �َّي� َّنّ‬ ‫العرب ّي� � ��ة َّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ممن‬ ‫و‬ ‫‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ق‬ ‫ح‬ ‫عليها‬ ‫�ارون‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫غ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫مم‬ ‫و‬ ‫‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ق‬ ‫ح‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫علم� � ��اءُ للعرب ّ‬ ‫ً‬ ‫يضحون من أجلها ح ّقا‪ ،‬وأ ّول ذلك أ ّنهم يصطنعون في‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫صحى ال يأتيها اللحن من‬ ‫ف‬ ‫ة‬ ‫لغ‬ ‫ومفاوضاتهم‬ ‫عروضهم‬ ‫َ‬ ‫بني يديها وال من خلفها‪ ،‬فالعربية ال تُط َّور باس� � ��تعمال‬ ‫العام ّي� � ��ة احملل ّية في هيئاتها املفت َرض فيها أ ّنها حتميها‬ ‫من ا َ‬ ‫خل َطاءِ ‪ ،‬وتكلؤها من الفساد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫< م ��ا ه ��ي اجلهات التي ميكنها‪ ،‬حقّ ا‪ ،‬أن تُعيد للغة‬ ‫العرب ّية مكانتها‪ ،‬في أوطانها العرب ّية؟‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫مْ‬ ‫أضيف هن� � ��ا للتوكيد والتقرير‪ :‬أ ّول الهيئات الن ِ‬ ‫ُوط‬ ‫سات التعليم‪ ،‬باختيار املعلمني‬ ‫مؤس ُ‬ ‫بها تطوي ُر العرب ّية‪ّ ،‬‬ ‫واألساتذة األ ْكفَاءِ الذين يعرفون العرب ّية وال يلحنون في‬ ‫دروسهم ومحاضراتهم أما َم تالميذهم ُ‬ ‫وط ّ‬ ‫البهم‪ .‬وليس‬ ‫رات لمِ َن ال يعرفون العرب ّية معرفة‬ ‫مستهجناً أن تُعق َد د ْو ٌ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الوسمِ ِ ّي‪.‬‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫أ‬ ‫وهذا‬ ‫ة‪،‬‬ ‫ي‬ ‫غو‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫معارفهم‬ ‫لتعميق‬ ‫عال َية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ونح� � ��ن‪ ،‬أثناء ذل� � ��ك‪ ،‬ال نق� � ��ذِ ف بهذا ك ّل أس� � ��اتذة‬ ‫اجلامع� � ��ات ومعهم بعض رجال األعمال‪ ،‬بل نس� � ��تثنيهم‬ ‫استثنا ًء؛ ذلك بأ ّنهم‪ ،‬بنعمة الله‪ ،‬يعرفون العرب ّية معرفة‬ ‫عالي� � ��ة‪ ،‬ورمبا دقيقة‪ ،‬وهؤالء هم َمن ال يزالون يحمونها‬ ‫ولو على َه ٍون ما‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ا��لؤسس� � ��ات التي تس� � ��توجب العناي � � �ة بها‪،‬‬ ‫وثان� � ��ي ّ‬ ‫�ات‬ ‫والتعوي� � ��ل عليها أيضاً‪ ،‬ف� � ��ي هذا املجال‪ ،‬املؤسس� � � ُ‬ ‫اإلعالم ّي� � ��ة‪ ،‬ولكن بتكوين ط ّ‬ ‫البها‪ ،‬ف� � ��ي املدارس العليا‬ ‫يوم اللغة العربية إقرار بعظمتها وجمالها ووظيف ّيتها‬ ‫‪11/3/16 8:10:43 AM‬‬

‫وكلّ ّي� � ��ات اإلعالم‪ ،‬بوض� � ��ع برنامج‬ ‫مك ّثف وف ّع� � ��ال وناجع للغة العرب ّية‪،‬‬ ‫لكي يب ّثوا‪ ،‬بع ُد‪ ،‬بني عشرات املاليني‬ ‫من املتلقّني عرب ّي ًة فصيحة بسيطة‪،‬‬ ‫فتنتش� � ��ر ب� �ي��ن املتعاملني انتش� � ��اراً‬ ‫الوسمي‪.‬‬ ‫صحيحاً‪ ،‬وهذا ثاني‬ ‫ّ‬ ‫وقد رأينا أ ّن كثيراً من الشركات‬ ‫األجنب ّي� � ��ة (ش� � ��ركات الس� � ��يارات‪،‬‬ ‫وشركات األدوات املنزل ّية‪ ،‬وشركات‬ ‫اآللي واحلواسيب والهواتف‬ ‫اإلعالم ّ‬ ‫الذك ّية) هي التي تس َعى اآلن‪ ،‬لغايات‬ ‫جتار ّية‪ ،‬إل� � ��ى ج ْعل العرب ّي� � ��ة رديفاً‬ ‫ُك ُف� � ��ؤاً للغات األجنب ّي� � ��ة التي تخترع‬ ‫ِتي� � � َ‬ ‫�ك املخت َر ِ‬ ‫عات الت� � ��ي تصنَّع لدى‬ ‫غال‪ .‬ولع ْمري‪ ،‬إ ّن هذا األم َر هو‬ ‫أهلها‪ ،‬وتباع لدينا بثمن ٍ‬ ‫رام‪ .‬وميكن اإلفادة من هذه اجلهود التي‬ ‫َر ْمي ٌة من غي� � ��ر ٍ‬ ‫كانت في األصل لغير نش� � ��ر العرب ّية‪ ،‬ولك ْن لالستفادات‬ ‫التجار ّي� � ��ة؛ فأرادوا‪ ،‬هم‪ ،‬أن تك� � ��ون ذات أهداف جتار ّية‪،‬‬ ‫هي‪ ،‬إ ّال أن تكون لفائدة انتش� � ��ار العرب ّية وتط ّورها‬ ‫ْ‬ ‫وأبت‪َ ،‬‬ ‫بعض التط ّور‪ ،‬على ك ّل حال‪.‬‬ ‫األدبي‬ ‫< ما دو ُر البرامج التي تُعنَى بالشعر واإلبداع‬ ‫ّ‬ ‫بعامة‪ ،‬كاملسابقات التي تعقدها بعض القنوات العرب ّية‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫راهن� �ا‪ ،‬في تقو َية اللغة العرب ّي ��ة‪ ،‬وضمان احلفاظ على‬ ‫مكانتها؟‬ ‫ّ‬ ‫ لي� � ��س ل� � ��ي إال أ ْن أن � � � ّوهَ بهذه املش� � ��اريع األدب ّية‬‫تنويهاً عظيماً‪ ،‬فقد أتى على الش� � ��عراء العرب الشباب‬ ‫ني من الدهر لم يكونوا يكتبون إ ّال ألنفسهم‪،‬‬ ‫خصوصاً‪ ،‬ح ٌ‬ ‫جنمت مثل هذه املسابقات‬ ‫أو لبعض أصدقائهم‪ ،‬وبغت ًة‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫وبعضها باملغرب‬ ‫الكبرى في بعض القنوات باملش� � ��رق‪،‬‬ ‫فأمس � � � ْوا يلتقُون‬ ‫أيضاً‪ ،‬فعثر الش� � ��عراء على ضا ّلتهم‬ ‫َ‬ ‫في صعيد واح� � � ٍ�د‪ ،‬من اثنتني وعش� � ��رين دول ًة عرب ّية‪،‬‬ ‫للتعارف أ ّوالً‪ ،‬ث ّم للتب� � ��اري والتح ّدي آخراً‪ :‬أ ّيُهم يكون‬ ‫متشاعر محروم‪.‬‬ ‫الشاعر اخلِ نْذيذ‪ ،‬وأ ّيُهم يكون مج ّرد‬ ‫ٍ‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫للشعر‬ ‫أعادت‬ ‫وأعتقد أ ّن مثل هذه املسابقات‬ ‫ّ‬ ‫خصوصاً‪ ،‬مكانته وألَقَه‪ ،‬وأ ُ ْح ِي َي ِت املقولة التي أرسلتْها‬ ‫شعب‬ ‫املستشرقة األملان ّية سيجريد هونك بأ ّن «العرب‬ ‫ٌ‬ ‫من الش� � ��عراء»‪ ،‬بعد املقولة العرب ّية الشائعة منذ القِ دم‬ ‫بأ ّن «الشعر ديوان العرب» >‬ ‫‪91‬‬

‫‪dec 84-111.indd 91‬‬


‫البروفيسور تشو وي ليه‪:‬‬

‫تعليم اللغة العربية في الصين‬ ‫اليزال يحتاج إلى مزيد من جهود التطوير‬ ‫حاوره‪ :‬د‪ .‬بسام بركة‬

‫أكادميي من لبنان‬

‫يع���د البروفيس���ور تش���و وي لي���ه واحداً م���ن أبرز دارس���ي ومعلم���ي اللغة‬ ‫العربي���ة وآدابها في الصي���ن‪ ،‬وأحد المخلصين في نق���ل التراث الثقافي‬ ‫العرب���ي للغ���ة الصينية‪ ،‬فهو‪ ،‬ربم���ا على خالف كثيرين ممن يش���اركونه‬ ‫التخص���ص في الصين‪ ،‬ال يتوقف عند علوم اللغ���ة وآدابها فقط‪ ،‬بل يرى‬ ‫أن هذا االهتمام باللغة العربية ال بد أن يوازيه جهد كبير آخر لفهم الثقافة‬ ‫العربي���ة؛ بم���ا يقتضي���ه ذلك من فه���م للظواه���ر االجتماعي���ة والظروف‬ ‫السياسية والقوانين وعلوم اإلدارة وغيرها من مجاالت‪.‬‬

‫وقد ق� � ��دم جهداً ب� � ��ارزاً في نق� � ��ل العديد من‬ ‫األعمال التراثية العربية إلى الصينية‪ ،‬وكذلك من‬ ‫النصوص املعاصرة‪ ،‬وبينها كتاب «البحث عن آفاق‬ ‫أرحب‪ ...‬مختارات من القصة الكويتية املعاصرة»‪،‬‬ ‫م� � ��ن إعداد الدكتور مرس� � ��ل العجمي‪ ،‬الذي صدر‬ ‫عن سلس� � ��لة كتاب العربي ف� � ��ي احتفالها بيوبيلها‬ ‫الذهبي‪ .‬وقد حصل املس� � ��تعرب الصيني قبل فترة‬ ‫وجي� � ��زة على جائزة امللك عبدالل� � ��ه بن عبدالعزيز‬ ‫العاملية للترجمة‪ ،‬وس� � ��بقها عدد آخر من اجلوائز‬ ‫والتكرميات من مؤسسات عربية ثقافية‪ ،‬وارتأينا‬ ‫أن نبدأ هذا احلوار من اجلائزة قبل أن نعرج على‬ ‫قضايا اللغة والتبادل الثقافي العربي ‪ -‬الصيني‪.‬‬ ‫< البروفيس ��ور «تش ��و وي ليه»‪ ،‬أو إذا س ��محت‬ ‫لي أن أناديك باس ��مك العربي «عبداجلبار»‪ ،‬لقد‬ ‫‪92‬‬

‫‪11/3/16 8:10:46 AM‬‬

‫نلت أخير ًا جائزة كبيرة على مؤلفاتك في مجال‬ ‫اللغ ��ة العربية وعلى أعمال ��ك الكثيرة في مجال‬ ‫تعري ��ف أه ��ل الص�ي�ن بالت ��راث العرب ��ي‪ ،‬وتعريف‬ ‫الع ��رب بالفك ��ر الصين ��ي‪ ...‬هل لك أن تش ��رح لنا‬ ‫ماهي ��ة هذه اجلائزة؟ وتصف لنا ش ��عورك عندما‬ ‫تلقيت خبر حصولك عليها؟‬ ‫ بالفعل شعرت بالفرح والفخر عندما بلغني‬‫خبر ف� � ��وزي بجائ� � ��زة خادم احلرمني الش� � ��ريفني‬ ‫امللك عبدالله بن عبدالعزيز (رحمه الله) العاملية‬ ‫للترجمة‪ .‬لقد س� � ��بق لي أن حصلت على شهادات‬ ‫عدة للتقدير من اجلانب العربي‪ ،‬مثل وزارة التعليم‬ ‫العالي املصرية واملجلس األعلى للثقافة‪ ،‬وجائزة‬ ‫مجلس التعاون لس� � ��فراء دول اخلليج العربية في‬ ‫أن ه� � ��ذه اجلائزة متثل في نظري أعلى‬ ‫بكني‪ ،‬إال ّ‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 92‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫د‪ .‬بسام بركة مع البروفيسور تشو وي ليه‬

‫مس� � ��توى في مج� � ��ال الترجمة للمحي� � ��ط الثقافي‬ ‫العربي‪ ،‬وأوس� � ��ع تأثيراً على الصعيدين اإلقليمي‬ ‫والعاملي‪ ،‬كما تتمتع بالس� � ��معة الطيبة لدى العلماء‬ ‫العرب وكبار املستعربني األجانب‪.‬‬ ‫لقد أرس� � ��لت مخت� � ��ارات من أعم� � ��ال الترجمة‬ ‫التي نش� � ��رتها‪ ،‬وه� � ��ي بعنوان «بصم� � ��ات العمر» (‪3‬‬ ‫مجلدات) وتتعلق مواضيعه� � ��ا بالتاريخ واجلغرافيا‬ ‫واألدب والفن� � ��ون والعل� � ��وم االجتماعي� � ��ة‪ ،‬و ُقم� � ��ت‬ ‫بترجمته� � ��ا ومتابع� � ��ة طباعتها طوال عش� � � ٍ‬ ‫�رات من‬ ‫�يح قوي من الطرفني‬ ‫الس� � ��نني‪ .‬وقد تشرفت بترش� � � ٍ‬ ‫الصيني والس� � ��عودي رس� � ��مياً وعلمياً‪ .‬وباملناسبة‪،‬‬ ‫أتقدم بأسمى آيات الش� � ��كر واالمتنان إلى السفير‬ ‫الصيني لي تشني وين بالرياض‪ ،‬والسفير السعودي‬ ‫يحي� � ��ى الزي� � ��د‪ ،‬وكب� � ��ار املفكرين الس� � ��عوديني‪ ،‬مثل‬ ‫األمني العام ملركز امللك فيصل للبحوث والدراسات‬ ‫اإلس� �ل��امية د‪ .‬يحيى بن جنيد‪ ،‬ورئيس مدينة امللك‬ ‫عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا السابق‬ ‫املتخصصني‬ ‫د‪ .‬محمد السويل‪ ،‬واألساتذة الصينيني‬ ‫ّ‬ ‫إلي‬ ‫بالترجمة‪ .‬فالش� � ��رف بني� � ��ل اجلائ� � ��زة ال يعود ّ‬ ‫ش� � ��خصياً فقط‪ ،‬وإمنا ينتمي إل� � ��ى الصني وجميع‬ ‫املستعربني الصينيني‪.‬‬ ‫تعليم اللغة العربية في الصني‬ ‫‪11/3/16 8:10:49 AM‬‬

‫< ف ��ي نظ ��رك‪ ،‬ه ��ل تكف ��ي مثل ه ��ذه اجلوائز‬ ‫وحده ��ا ف ��ي النهوض بالفك ��ر العرب ��ي وبالثقافة‬ ‫العربية ونشرهما في األوساط الثقافية العاملية؟‬ ‫وإذا كان هن ��اك م ��ن أعم ��ال أخ ��رى يج ��ب القي ��ام‬ ‫به ��ا في هذا املجال‪ ،‬فما ه ��ي برأيك‪ ،‬وكيف ميكن‬ ‫تنفيذها؟‬ ‫ هذا الس� � ��ؤال حول النهوض بالفكر العربي‬‫والثقافة العربية ونشرهما في األوساط الثقافية‬ ‫العاملية‪ ،‬يتك ّون م� � ��ن جزأين‪ :‬كيفية النهوض بهما‪،‬‬ ‫والطريقة الفعالة لنشرهما في العالم‪.‬‬ ‫أن الفك� � ��ر العربي كن ٌز‬ ‫م� � ��ن املعترف به عاملياً ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نفيس للمجتمع البش� � ��ري قدميا وحديثا‪ ،‬فهو من‬ ‫أهم ُمك ّون� � ��ات النهضة العربي� � ��ة التي ظلت األمة‬ ‫العربية تس� � ��عى إل� � ��ى حتقيقها جي� �ل � ً‬ ‫ا بعد جيل‪،‬‬ ‫ب� � ��ل صار يحتل مكانة ملحوظة في مواد الس� � ��باق‬ ‫الدول� � ��ي لبناء قوة الدول العربية الناعمة بني دول‬ ‫العالم‪ .‬ل� � ��ذا يتوقف النهوض بالفكر والثقافة أوالً‬ ‫عل� � ��ى إرادة صاحبهما ‪ -‬ال� � ��دول العربية حكومة‬ ‫ومؤسس� � ��ات ومفكري� � ��ن وعلم� � ��اء ‪ -‬وتخطيط� � ��ه‬ ‫ودعمه‪ .‬ومن دواعي سرورنا أننا الحظنا‪ ،‬خاصة‬ ‫منذ دخول القرن اجلديد‪ ،‬أن بعض الدول العربية‬ ‫‪93‬‬

‫‪dec 84-111.indd 93‬‬


‫قد أعارت االهتم� � ��ام املتزايد ببناء قوتها الناعمة‬ ‫من خالل إقامة معرض الكتاب الدولي واألسبوع‬ ‫الثقاف� � ��ي العرب� � ��ي ومهرجان اجلنادري� � ��ة للثقافة‬ ‫والتراث‪ ،‬ومهرجان القاهرة لألفالم السينمائية‪،‬‬ ‫وإنشاء جوائز شتى مثل اجلائزة العاملية للترجمة‬ ‫التي حصلت عليها‪ ،‬وجائزة الشيخ زايد اإلماراتية‬ ‫للكتاب‪ ،‬إضافة إلى امللتقى الدولي للترجمة الذي‬ ‫أقي� � ��م بالقاهرة وقد ش� � ��اركت في� � ��ه بصفتي أحد‬ ‫املُك ّرمني األجانب العش� � ��رة في االحتفال بصدور‬ ‫األلف األول من املش� � ��روع القوم� � ��ي للترجمة عام‬ ‫‪.2006‬‬ ‫إن كل هذه اجلهود املبذولة من الدول العربية‬ ‫تستحق بال ش� � ��ك التش� � ��جيع اإليجابي والتقدير‬ ‫تصب في مصلحة نشر الفكر العربي‬ ‫البالغ‪ ،‬فهي‬ ‫ّ‬ ‫والثقافة العربية في العالم‪.‬‬ ‫على وجه العموم‪ ،‬يعتمد نش� � ��ر الفكر العربي‬ ‫والثقاف� � ��ة العربية في األوس� � ��اط العلمية العاملية‬ ‫أساس � � �اً على املس� � ��تعربني األجان� � ��ب‪ ،‬وخصوصاً‬ ‫مس� � ��تعربي الدول الكب� � ��رى‪ ،‬إذا اتخذن� � ��ا تعريف‬ ‫املس� � ��تعرب على أنه «عالم ثقة ف� � ��ي كل ما يتصل‬ ‫بالع� � ��رب وبالد الع� � ��رب أو اللغ� � ��ة العربية واألدب‬ ‫العرب� � ��ي»‪ .‬وفي الواقع قام املس� � ��تعربون الغربيون‬ ‫كبير في هذا املجال عبر التاريخ‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بدور ٍ‬ ‫وبدأ املس� � ��تعربون الصينيون يهتمون بترجمة‬ ‫األعمال العربية منذ زمن غير وجيز‪ ،‬بهدف س� � ��د‬ ‫حاج� � ��ة احلي� � ��اة الدينية إلى املس� � ��لمني الصينيني‬ ‫وزي� � ��ادة فهم احلض� � ��ارة العربية اإلس� �ل��امية من‬ ‫أجل التبادل الثقافي بني الصني والعرب‪ .‬وبذلك‬ ‫تراكم تدريجياً رصي ٌد علمي يتجسد في األبحاث‬ ‫وأعمال الترجمة‪.‬‬ ‫وتنقس� � ��م املؤلفات العربية املترجمة للصينية‬ ‫إل� � ��ى نوعني‪ ،‬أولهما يتض ّمن معاني القرآن الكرمي‬ ‫وصحيح البخاري‪ ،‬وس� � ��ائر أمهات الكتب العربية‬ ‫الكالس� � ��يكية‪ ،‬مثل «فج� � ��ر اإلس� �ل��ام»‪ ،‬و«ضحى‬ ‫اإلسالم»‪ ،‬و«ظهر اإلسالم»‪ ،‬و«رحلة ابن بطوطة»‪،‬‬ ‫و«مقدمة ابن خل� � ��دون»‪ ،‬و«املعلقات»‪ ،‬و«البخالء»‪،‬‬ ‫و«األدب الكبير واألدب الصغير»‪ ،‬و«املقامات»‪.‬‬ ‫أما النوع الثاني فينتس� � ��ب إلى مجال األدب‪.‬‬ ‫إن املؤلف� � ��ات العربية املترجمة ف� � ��ي مجال العلوم‬ ‫‪94‬‬

‫‪11/3/16 8:10:52 AM‬‬

‫ألن‬ ‫اإلنس� � ��انية واالجتماعي� � ��ة قليل� � ��ة أو ن� � ��ادرة‪ّ ،‬‬ ‫الصينيني شأنهم شأن العرب اعتادوا في بحوثهم‬ ‫العلمي� � ��ة عل� � ��ى املراج� � ��ع واملص� � ��ادر الغربية‪ ،‬كما‬ ‫أن املس� � ��تعربني الصينيني ال يعرف� � ��ون في الغالب‬ ‫ّ‬ ‫األعم� � ��ال العربية املمتازة لتقدميه� � ��ا إلى العلماء‬ ‫الصينيني‪ .‬ونتمنى من الط� � ��رف العربي دائماً أ ْن‬ ‫يقيم جوانب نشاط دورية لتقومي أعماله الفكرية‬ ‫للعلوم اإلنسانية واالجتماعية‪ ،‬وأ ْن ّ‬ ‫يرشح أفضلها‬ ‫لألوس� � ��اط الثقافية العاملية‪ .‬وس� � ��بق أن نش� � ��رنا‬ ‫«البحث ع� � ��ن آفاق أرحب‪ ...‬مختارات من القصة‬ ‫الكويتي� � ��ة املعاص� � ��رة»‪ ،‬وق� � ��د ّ‬ ‫مت ذل� � ��ك من خالل‬ ‫مش� � ��اركتي في حفل اليوبيل الذهبي إلنشاء مجلة‬ ‫«العربي» (يناي� � ��ر ‪ .)2008‬واآلن‪ ،‬في الوقت الذي‬ ‫طرحت حكومة الصني فيه املشروع االستراتيجي‬ ‫لبناء طريق احلرير اجلديد البري والبحري‪ ،‬نزيد‬ ‫اهتمامنا بالبحوث والدراس� � ��ات ألح� � ��وال الدول‬ ‫العربي� � ��ة ومنطقة الش� � ��رق األوس� � ��ط في مختلف‬ ‫امليادي� � ��ن‪ .‬إذا كانت هناك أعم� � ��ال عربية ممتازة‬ ‫فكرياً أو نظرياً ومرش� � ��حة من قبل أمثالكم أو من‬ ‫املؤسسات الفكرية والثقافية العربية‪ ،‬فيطيب لنا‬ ‫أن ننظر فيها بالنظرة اإليجابية واجلدية‪ ،‬وميكن‬ ‫أن نترجمها إذا تالءمت م� � ��ع احتياجاتنا البحثية‬ ‫والظروف الداخلية الصينية‪.‬‬ ‫باختص� � ��ار‪ ،‬يج� � ��ب عل� � ��ى الطرف� �ي��ن الصيني‬ ‫والعرب� � ��ي أ ْن يُعزّزا معاً التبادل الثقافي والتواصل‬ ‫اإلنساني‪ .‬وعلى أي حال‪ ،‬نحن والعرب منثل أقدم‬ ‫حضارت� �ي��ن ُمه ّمتني في العالم‪ ،‬وميكن لكل منا أن‬ ‫يقتبس ذكا ًء وحكم ًة وخب� � ��ر ًة من حضارة الطرف‬ ‫اآلخر وجتاربه التطبيقية املفيدة‪ .‬وإني ش� � ��خصياً‬ ‫أرغب في أ ْن نبقى نحن املستعربني الصينيني مع‬ ‫أمثالك� � ��م من كبار املفكري� � ��ن العرب على االتصال‬ ‫الدائم والتواصل العلمي لزيادة معرفتنا باألعمال‬ ‫العربية الفكرية والعلمية اجلديدة من أجل تطوير‬ ‫وتعميق الصداقة التقليدية بيننا‪.‬‬ ‫< صحي ��ح متام� � ًا‪ .‬نح ��ن منث ��ل أكب ��ر وأق ��دم‬ ‫حضارت�ي�ن بش ��ريتني باملضم ��ون اإلنس ��اني كم ��ا‬ ‫بالتاري ��خ الطوي ��ل‪ .‬واملع ��روف أنّ العالق ��ات ب�ي�ن‬ ‫الص�ي�ن والعال ��م العرب ��ي واإلس�ل�امي قدمي ��ة‬ ‫وعريقة‪ ،‬وهي التزال قائمة حتى يومنا هذا‪ .‬وهي‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 94‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫ل ��م تكن ترتبط فحس ��ب مبجال التب ��ادل العلمي‬ ‫والفك ��ري والثقاف ��ي‪ ،‬ب ��ل كانت تدخ ��ل كذلك في‬ ‫�خص‬ ‫إط ��ار التج ��ارة والصناعة‪ ،‬لكن‪ْ ،‬‬ ‫يتبوأ ش � ٌ‬ ‫أن ّ‬ ‫مثلك أرفع مس ��تويات املعرف ��ة والتبحر في تاريخ‬ ‫الت ��راث العرب ��ي‪ ،‬فهذا أم ��ر يدعو إل ��ى الكثير من‬ ‫اإلعج ��اب والتقدي ��ر‪ .‬كي ��ف ب ��دأت مس ��يرتك ف ��ي‬ ‫رح ��اب العربي ��ة ولغ ��ة الض ��اد؟ وم ��ا الظ ��روف أو‬ ‫ُقبل على دراسة احلضارة‬ ‫األس ��باب التي جعلتك ت ِ‬ ‫والتبحر في آدابها وعلومها؟‬ ‫العربية‬ ‫ّ‬ ‫ احل� � ��ق معكم ف� � ��ي احلديث ع� � ��ن العالقات‬‫الصيني� � ��ة ‪ -‬العربية التي كان� � ��ت تربط أ ّمتيْنا عن‬ ‫طري� � ��ق احلرير براً وبحراً‪ .‬وف� � ��ي العهد احلديث‪،‬‬ ‫أقام� � ��ت جمهوري� � ��ة الص� �ي��ن الش� � ��عبية العالقات‬ ‫الرس� � ��مية مع كل البالد العربية‪ ،‬وتشهد عالقاتنا‬ ‫الثنائي� � ��ة تطوراً س� � ��ريعاً ومتواص ً‬ ‫ال على أس� � ��اس‬ ‫املبادئ اخلمس� � ��ة للتعايش الس� � ��لمي‪ ،‬وتستمر في‬ ‫بتقدم العص� � ��ر والتك ّيف مع التغ ّير الهائل‬ ‫اللحاق‬ ‫ّ‬ ‫الطارئ على نظام العالم السياسي واالقتصادي‪،‬‬ ‫حتى أنش� � ��ئ عام ‪ 2004‬منتدى التعاون بني الصني‬ ‫وال� � ��دول العربية‪ ،‬ثم وصلت ه� � ��ذه العالقات عام‬ ‫‪ 2010‬إلى مس� � ��توى التعاون االستراتيجي الشامل‬ ‫في مختلف امليادين‪ ،‬سياس� � ��ياً وأمنياً واقتصادياً‬ ‫وثقافي � � �اً وتعليمي � � �اً وإعالمياً‪ .‬كل ه� � ��ذه احلقائق‬ ‫التاريخية واألهداف الواقعية حتثّ املس� � ��تعربني‬ ‫الصيني� �ي��ن على أ ْن يبذلوا جهوده� � ��م لتنمية هذه‬ ‫العالقات الودية واملهمة وتعميقها‪.‬‬ ‫لعلّ� � ��ي اآلن أُعتب� � ��ر م� � ��ن أكب� � ��ر املس� � ��تعربني‬ ‫الصينيني العاملني سناً‪ .‬أتذكر حني دخلت جامعة‬ ‫بكني لاللتحاق بقس� � ��م اللغة العربية قبل ‪ 55‬سنة‪،‬‬ ‫كنت أحمل الهدف والش� � ��عور باملسؤولية نفسيهما‬ ‫اللذي� � ��ن أحملهما اليوم‪ ،‬أال وهما تطوير العالقات‬ ‫الودية بني الصني والدول العربية‪ ،‬وزيادة املعرفة‬ ‫والتفاه� � ��م املتبادل بني ش� � ��عبينا‪ .‬بع� � ��د أن متتعت‬ ‫بتزكية من ناظر مدرس� � ��تي في شنغهاي‪ ،‬سمعت‬ ‫في حفلة اس� � ��تقبال الطلبة اجلدد كلمة الترحيب‬ ‫الت� � ��ي ألقاها عميد كلية اللغات الش� � ��رقية د‪ .‬جي‬ ‫ش� � ��يان لني‪ ،‬وهو أشهر املستش� � ��رقني الصينيني‪،‬‬ ‫ومتخصص بالسنس� � ��كريتية والدراسات الهندية‪.‬‬ ‫ُعد اللغة العربية أصع� � ��ب اللغات األجنبية‬ ‫ق� � ��ال‪ :‬ت ّ‬ ‫تعليم اللغة العربية في الصني‬ ‫‪11/3/16 8:10:55 AM‬‬

‫ولكن وطننا الصيني في‬ ‫بالنس� � ��بة إلى الصينيني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ماس� � ��ة إلى كفاءات جتيدها‪ .‬ومن حس� � ��ن‬ ‫حاجة ّ‬ ‫احل� � ��ظ انضممت إلى صف اللغ� � ��ة العربية املكون‬ ‫م� � ��ن ‪ 15‬زمي ً‬ ‫ال من بني ‪ 150‬طالباً جعلوا من اللغة‬ ‫العربي� � ��ة أول خياراتهم‪ .‬وكنت س� � ��عيداً أيضاً أني‬ ‫تعلمت طوال أعوام الدراسات اخلمسة على أيدي‬ ‫مدرس� �ي��ن ممتازين برئاسة األستاذ الكبير محمد‬ ‫مك� �ي��ن (‪ ،)1978 - 1906‬وهو املترجم األول ملعاني‬ ‫القرآن الكرمي باللغة الصينية الفصحى‪.‬‬ ‫اللغ� � ��ة العربية في نظري جميل� � ��ة رنانة‪ ،‬لبقة‬ ‫مع ّبرة‪ ،‬لكنها صعبة في النطق والصرف والنحو‪،‬‬ ‫وفي االس� � ��تيعاب ش� � ��فوياً وكتابي � � �اً‪ .‬أما احلضارة‬ ‫العربي� � ��ة والت� � ��راث العربي فهم� � ��ا مبنزلة اخلِ َ‬ ‫ضم‬ ‫من املع� � ��ارف والعل� � ��وم‪ ،‬ميكن للمرء أن يرتش� � ��ف‬ ‫منه سلس� � ��بيل العرف� � ��ان‪ ،‬ولكن يس� � ��تحيل معه أن‬ ‫يع� � ��رف حدوداً ل� � ��ه‪ .‬لذا كنت ومازل� � ��ت أحب هذه‬ ‫اللغ� � ��ة‪ ،‬وأعمل من� � ��ذ دخولي إل� � ��ى اجلامعة على‬ ‫دراسة احلضارة العربية مبا فيها اآلداب والعلوم‬ ‫اإلنسانية واالجتماعية‪ .‬وهذه مهمة جليلة‪.‬‬ ‫في غمضة ع� �ي��ن‪ ،‬ها قد مضت اخلمس� � ��ون‬ ‫عام � � �اً في حيات� � ��ي اجلامعية وأن� � ��ا أد ّرس العربية‬ ‫وأستعملها‪ .‬وقد عملت بها بعض األعمال املفيدة‬ ‫لوطن� � ��ي ولتطوير العالقات الصيني� � ��ة ‪ -‬العربية‪،‬‬ ‫ولك� � � ّ�ن هن� � ��اك أعم� � ��االً أكث� � ��ر وأهم لم أس� � ��تطع‬ ‫إجنازها‪ ،‬وأنا أنتظر أ ْن يتحملها اجلي ُل الناش� � ��ئ‬ ‫من املس� � ��تعربني الصينيني‪ ،‬وأرى أنهم سيتف ّوقون‬ ‫علي وعلى جيلنا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كان� � ��ت اللغة العربية تُس� � ��تعمل في الصني في‬ ‫التعليم الديني املسجدي ملدةٍ طويلة عبر التاريخ‪،‬‬ ‫ودخلت إل� � ��ى اجلامعة ألول مرة بفضل األس� � ��تاذ‬ ‫محمد مكني‪ ،‬الذي تف ّرغ لدراسة العربية والعلوم‬ ‫اإلس� �ل��امية بجامعة األزهر لثماني سنوات‪ ،‬وهو‬ ‫أنش� � ��أ في جامعة بكني ع� � ��ام ‪ 1946‬قس� � ��ماً للّغة‬ ‫العربي� � ��ة‪ .‬وكان ه� � ��و وزمالؤه في هيئ� � ��ة التدريس‬ ‫يبذلون جهوداً جهيدة لتربية الطلبة املس� � ��تعربني‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مجموعات من األكف� � ��اء توزّعوا‬ ‫حت� � ��ى مت إع� � ��داد‬ ‫ف� � ��ي مناصب دبلوماس� � ��ية‪ ،‬وجتاري� � ��ة‪ ،‬وإعالمية‪،‬‬ ‫وتعليمي� � ��ة‪ ...‬لكن ل� � ��م يكن في حس� � ��باننا اندالع‬ ‫«الثورة الثقافي� � ��ة» التي ابتدأت عام ‪ 1966‬ودامت‬ ‫‪95‬‬

‫‪dec 84-111.indd 95‬‬


‫حوالي عشر سنوات‪ ،‬تع ّرض فيها املثقفون ألنواع‬ ‫ال ّته� � ��م الباطل� � ��ة والعذابات األليم� � ��ة حتى توقفت‬ ‫�ت في حالة‬ ‫اجلامعات عن قب� � ��ول الطلبة‪ ،‬ووقع� � � ْ‬ ‫ألي فرد في‬ ‫جم� � ��ود غير طبيعي� � ��ة‪ ،‬وكان ال مُيكن ّ‬ ‫تلك األيام املُستعصية التفكير أو احلديث في بناء‬ ‫التخصصات اجلامعية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بعد التخل� � ��ص من هذه الثورة عل� � ��ى الثقافة‪،‬‬ ‫اس� � ��تأنفت الصني س� � ��يرها في طري� � ��ق التحديث‬ ‫الس� � ��ليم‪ ،‬وبدأت تنتهج سياسة اإلصالح واالنفتاح‬ ‫عل� � ��ى اخلارج‪ .‬ومن ثم ط� � ��رأ على مصير املثقفني‬ ‫الصينيني التغير اجلذري‪ ،‬إذ أصبح زمام أمورهم‬ ‫في أيديهم‪ ،‬وتبعاً لذلك أتيحت لي أيضاً الفرصة‬ ‫الس� � ��تكمال الدراس� � ��ات في جامع� � ��ة القاهرة من‬ ‫ضمن الدفعة األولى للمدرسني املبعوثني للخارج‬ ‫عام ‪ ،1978‬ثم اش� � ��تغلت بالتدريس في ش� � ��نغهاي‬ ‫‪ 13‬س� � ��نة‪ .‬بعدها‪ ،‬وألكثر من ‪ 30‬س� � ��نة من بداية‬ ‫ثمانيني� � ��ات الق� � ��رن املاضي حتى اآ��ن‪ ،‬مارس� � ��ت‪،‬‬ ‫من ناحية‪ ،‬أعمال التدري� � ��س والبحوث والترجمة‬ ‫واإلش� � ��راف عل� � ��ى ش� � ��ؤون حترير مجل� � ��ة «العالم‬ ‫العربي» (أنش� � ��ئت عام ‪ 1980‬و ُع ّدل اس� � ��مها إلى‬ ‫ٍ‬ ‫ناحية‬ ‫«دراسات العالم العربي» عام ‪ .)2005‬ومن‬ ‫أخرى‪ ،‬توليت بعض املناص� � ��ب اإلدارية والعلمية‪،‬‬ ‫منه� � ��ا عمي� � ��د الكلي� � ��ة ورئي� � ��س أكادميي� � ��ة العلوم‬ ‫االجتماعية ومدير معهد الدراسات‪ ،‬ونائب رئيس‬ ‫جمعيات علمي� � ��ة صينية عدة‪ ،‬مث� � ��ل مجمع اللغة‬ ‫العربي� � ��ة وجمعية بح� � ��وث األدب العربي وجمعية‬ ‫دراسات الش� � ��رق األوسط‪ .‬بذلك عملت على بناء‬ ‫تخصص اللغة العربية واالرتقاء به إلى املس� � ��توى‬ ‫املطلوب حس� � ��ب املواصفات واملقاييس املرسومة‬ ‫من قبل الوزارة واملعمول بها دولياً‪.‬‬ ‫وفي النص� � ��ف األخير من تس� � ��عينيات القرن‬ ‫انتخبت رئيس � � �اً لفرقة اإلرشاد لتدريس‬ ‫املاضي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫اللغة العربية حتت قي� � ��ادة وزارة التعليم‪ ،‬ومتكنت‬ ‫من تنظيم كل أقس� � ��ام اللغة العربية املنتش� � ��رة في‬ ‫فوضعت «منهج تعليم اللغة العربية في‬ ‫اجلامعات‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫اجلامعات الصينية» (صدر في جزأين)‪ ،‬و«جدول‬ ‫املفردات» امللحق لهذا املنهج‪ ،‬وصدرا عام ‪،2000‬‬ ‫بينم� � ��ا ظه� � ��رت مجموع� � ��ات متنوعة م� � ��ن الكتب‬ ‫املدرس� � ��ية للعربية في بكني وش� � ��نغهاي‪ ،‬وحصلت‬ ‫‪96‬‬

‫‪11/3/16 8:11:00 AM‬‬

‫بع� � ��ض اجلامعات على حق منح الدكتوراه وما بعد‬ ‫الدكتوراه‪ ،‬وبذلك انتقل اهتمام األساتذة والطلبة‬ ‫م� � ��ن اإلمل� � ��ام باللغ� � ��ة العربية وحدها إلى دراس� � ��ة‬ ‫والتبحر ف� � ��ي آدابها وعلومها‪،‬‬ ‫احلض� � ��ارة العربية‬ ‫ّ‬ ‫وذلك متاش� � ��ياً مع حاجاتهم في رسائل املاجستير‬ ‫بأمر‬ ‫والدكتوراه ومشاريعهم البحثية‪ .‬وهذا ليس ٍ‬ ‫طبيعي فقط‪ ،‬بل يعكس االجت� � ��اه احلتمي لتطور‬ ‫اللغ� � ��ة العربية باعتباره� � ��ا تخصص � � �اً علمياً في‬ ‫اجلامعات الصينية‪.‬‬ ‫في أثناء تلك املس� � ��يرة‪ُ ،‬قمت بد ْور املُش� � ��ارك‬ ‫واملُد ّبر واملنظم بجه� � ��ودي الفردية املمكنة‪ .‬ومما‬ ‫تخصص العربية‬ ‫أن‬ ‫يستدعي س� � ��رورنا وارتياحنا ّ‬ ‫ُّ‬ ‫في جامعتنا وصل إلى درجة االمتياز في شنغهاي‬ ‫(أي مس� � ��توى احملافظة وال� � ��وزارة) عام ‪ ،2001‬ثم‬ ‫ارتق� � ��ى إلى مس� � ��توى الدولة ع� � ��ام ‪ .2007‬أما في‬ ‫مجال البحوث والدراس� � ��ات‪ ،‬فق� � ��د جنح معهدنا‪،‬‬ ‫«معهد دراس� � ��ات الش� � ��رق األوس� � ��ط»‪ ،‬في تقدير‬ ‫اخلبراء تقوميهم‪ ،‬وصار في عداد املراكز واملعاهد‬ ‫احملورية في مجال العلوم اإلنسانية واالجتماعية‬ ‫ف� � ��ي اجلامع� � ��ات الصينية‪ ،‬وذل� � ��ك مبوافقة وزارة‬ ‫التعلي� � ��م عام ‪ .2000‬رمب� � ��ا ميكن الق� � ��ول هنا إن‬ ‫املس� � ��تعربني الصيني� �ي��ن وأنا فرد منه� � ��م قد أ ّدوا‬ ‫واجبهم قدر املستطاع‪.‬‬ ‫< م ��ن املع ��روف عن ��ك أن ��ك تتمي ��ز عن س ��ائر‬ ‫املس ��تعربني الصيني�ي�ن الكب ��ار بأن ��ك ال حتص ��ر‬ ‫اهتمامات ��ك باللغ ��ة العربي ��ة وآدابه ��ا وحدها‪ ،‬بل‬ ‫توس ��عت في س ��بر أغوار الثقافة العربي ��ة برمتها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أدب� � ًا وسياس ��ة ومجتمع� � ًا‪ .‬ه ��ل لك أن تص ��ف لنا‬ ‫اجلوان ��ب األساس ��ية الت ��ي لفت ��ت انتباه ��ك ف ��ي‬ ‫احلض ��ارة العربية والت ��ي تو ّد أن تدعو الدارس�ي�ن‬ ‫الصينيني املس ��تعربني إل ��ى االهتمام بها أكثر من‬ ‫غيرها؟ وملاذا؟‬ ‫تخص� � ��ص اللغة العربية في الصني‬ ‫ ال يزال‬‫ّ‬ ‫بحاجة إل� � ��ى بذل اجلهود املس� � ��تمرة في س� � ��بيل‬ ‫تعدي� � ��ل منهج تعليمها وحتس� �ي��ن طرق تدريس� � ��ها‬ ‫باالس� � ��تفادة من العق� � ��ل اإللكترون� � ��ي واإلنترنت‪.‬‬ ‫والواقع أن الهدف من تربي� � ��ة طلبة اللغة العربية‬ ‫في أه� � ��م اجلامعات الصينية قد حت ّول من مجرد‬ ‫املترج� � ��م الكفء إلى إعداد كفاءة دولية جتمع بني‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 96‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫إجادة العربية واالقتدار على ممارسة الدراسات‬ ‫والبحث في الش� � ��ؤون العربية‪ .‬فمن الضروري أن‬ ‫يتوس� � ��ع اهتما ُم املس� � ��تعربني الصينيني من اللغة‬ ‫العربي� � ��ة وآدابه� � ��ا وحده� � ��ا إلى الثقاف� � ��ة العربية‬ ‫املتعددة املج� � ��االت والعلوم العربية اخلاصة‪ ،‬لكي‬ ‫يتالءموا مع متطلب� � ��ات املجتمع الصيني املتط ّورة‬ ‫ف� � ��ي مج� � ��االت األدب العربي أو التاري� � ��خ أو علم‬ ‫االجتم� � ��اع‪ ،‬أو العالق� � ��ات الدولي� � ��ة‪ ،‬أو اإلع� �ل��ام‬ ‫واالتص� � ��ال‪ ،‬أو االقتص� � ��اد والتج� � ��ارة واملالية‪ ،‬أو‬ ‫علم القان� � ��ون واإلدارة‪ ...‬وإال تأخّ روا هم أو عد ٌد‬ ‫متزايد منهم عن حاجة سوق التشغيل املتغ ّير في‬ ‫الصني‪.‬‬ ‫أما مواضيع احلضارة العربية التي تهمنا فهي‬ ‫متعددة‪ .‬وهي ميكن أن تنقسم إلى قسمني‪،‬‬ ‫كثيرة‬ ‫ّ‬ ‫أولهما يتصف بصفة البنية التحتية لبناء دراسات‬ ‫الش� � ��رق األوس� � ��ط ذات اخلصائ� � ��ص الصيني� � ��ة‪،‬‬ ‫ومهمات� � ��ه‪ ،‬مث� �ل � ً‬ ‫ا التنظي� � ��م املس� � ��تمر للمترجمني‬ ‫األكفاء لترجمة أمهات الكتب العربية الكالسيكية‪،‬‬ ‫وكذلك إكمال سلس� � ��لة «املجتم� � ��ع والثقافة للدول‬ ‫الشرق أوس� � ��طية املعاصرة» التي طبعنا منها حتى‬ ‫اآلن عش� � ��رة مجلدات‪ ،‬وننتظر مواصلة العمل في‬ ‫املجلدات األخرى‪ ،‬وخصوصاً تلك املتعلقة باملغرب‬ ‫العربي‪ .‬باإلضاف� � ��ة إلى تنظيم ترجمة كتب موثقة‬ ‫عن تاريخ كل دولة من الدول العربية‪.‬‬ ‫ويتضمن القس � � � ُم الثاني البحوث والدراسات‬ ‫التطبيقية في املسائل الواقعية وامللفات الساخنة‬ ‫في الش� � ��رق األوس� � ��ط‪ ،‬مثل وس� � ��طية اإلس� �ل��ام‬ ‫والتيارات الفكرية الس� � ��ائدة ف� � ��ي العالم العربي‪،‬‬ ‫ومكافح� � ��ة التط� � ��رف الدين� � ��ي‪ ،‬وتغي� � ��ر املعادل� � ��ة‬ ‫اجليوسياس� � ��ية واجليواقتصادي� � ��ة ف� � ��ي املنطقة‪،‬‬ ‫الحظت‬ ‫والصحاف� � ��ة واألجهزة اإلعالمي� � ��ة‪ .‬وقد‬ ‫ُ‬ ‫بس� � ��رور أن بعض املستعربني الصينيني قد أخذوا‬ ‫بع� �ي��ن االعتب� � ��ار أعمال البح� � ��وث والدراس� � ��ات‪،‬‬ ‫وباش� � ��روا مبش� � ��روعات بحثية عدة على مستوى‬ ‫الدولة والوزارة‪ ،‬ولك� � ��ن األرقام اإلحصائية طوال‬ ‫هذه السنوات األخيرة تُبينّ أن أغلبية املشروعات‬ ‫البحثي� � ��ة اخلاص� � ��ة بالش� � ��رق األوس� � ��ط حت ّملها‬ ‫الباحثون غير املستعربني‪ ،‬مما ّ‬ ‫يدل على أن هناك‬ ‫آفاقاً أرحب ميكن للمستعربني الباحثني أن يسعوا‬ ‫تعليم اللغة العربية في الصني‬ ‫‪11/3/16 8:11:02 AM‬‬

‫إليها من خالل رفع قدرتهم البحثية‪.‬‬ ‫< من خالل جتربتك الكبيرة التي تنوف على‬ ‫نص ��ف قرن في مجال االس ��تعراب‪ ،‬وخصوص ًا من‬ ‫خالل عملك في ترجمة التراث العربي والتعريف‬ ‫به ف ��ي األوس ��اط الثقافية والعلمي ��ة في الصني‪،‬‬ ‫كي ��ف تق ّي ��م الصورة الت ��ي يرى اإلنس ��ان الصيني‬ ‫الع ��ادي به ��ا اإلنس ��ان العرب ��ي عموم� � ًا واحلضارة‬ ‫العربية خصوص ًا؟‬ ‫ ظلل� � ��ت أؤمن من بداية تعلُّ� � ��م اللغة العربية‬‫يكن املش� � ��اعر‬ ‫حت� � ��ى اآلن ّ‬ ‫أن الش� � ��عب الصين� � ��ي ّ‬ ‫الطيب� � ��ة جت� � ��اه الش� � ��عب العربي‪ .‬هذه املش� � ��اعر‬ ‫تُبنى عل� � ��ى الصداقة التاريخي� � ��ة التقليدية وعلى‬ ‫التبادل والتواصل بني األمتني الصينية والعربية‪،‬‬ ‫كما تع� � ��ود إلى املُعاناة املش� � ��تركة ف� � ��ي تعرضهما‬ ‫للع� � ��دوان واالحت� �ل��ال واالس� � ��تعمار اخلارجي في‬ ‫العص� � ��ر احلديث‪ .‬ش� � ��خصياً أش� � ��عر دائم � � �اً من‬ ‫خالل االخت� �ل��اط والتواصل مع األصدقاء العرب‬ ‫مفكرين‪ ،‬أدباء‪ ،‬دبلوماسيني‪ ،‬إعالميني‪ ،‬أساتذة‬‫وطلبة ‪ -‬بأن الش� � ��عب العرب� � ��ي طيب الطبع كرمي‬ ‫اخللق س� � ��هل املعاملة والتفاهم‪ ،‬وجدير باالحترام‬ ‫إن صورة‬ ‫والتب� � ��ادل والتع� � ��اون‪ .‬خالصة الق� � ��ول ّ‬ ‫العرب إيجابية في نظري ونظر اإلنسان الصيني‬ ‫يعد الثقاف� � ��ة العربية جزءاً ال يتجزأ‬ ‫العادي‪ ،‬فهو ّ‬ ‫من الث� � ��روة القيمة املهمة للمجتمع البش� � ��ري‪ .‬إال‬ ‫أن مس� � ��توى التبادل والتعارف بني الصني والعرب‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عموما ال ميكن أن يقارن باملس� � ��توى احلالي بينها‬ ‫وبني دول اآلس� � ��يان أو الدول األوربية‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫الواليات املتحدة وروس� � ��يا واليابان‪ .‬على أي حال‪،‬‬ ‫أعتقد أن ما أقدر عليه اآلن هو دفع املس� � ��تعربني‬ ‫وتشجيعهم ليهتموا بترجمة التراث العربي وروائع‬ ‫املؤلفات العلمي� � ��ة العربية املعاصرة والتعريف بها‬ ‫في األوساط الثقافية والعلمية‪ ،‬مما يزيد معرفة‬ ‫القارئ الصيني بها تدريجياً‪.‬‬ ‫< كان ��ت العالق ��ات ب�ي�ن املس ��لمني الع ��رب‬ ‫وب�ل�اد الص�ي�ن قوي ��ة جد ًا ف ��ي املاضي‪ ،‬ف ��ي جميع‬ ‫املجاالت‪ ،‬وعلى األخص على الصعيدين الثقافي‬ ‫والتج ��اري‪ .‬وخير دليل على ذلك وجود عدد كبير‬ ‫م ��ن املس ��لمني هناك‪ .‬لك ��ن اليوم‪ ،‬كي ��ف ترى هذه‬ ‫العالق ��ة؟ ولك ��ي تتوطد أواص ��ر الصداقة العربية‬ ‫‪97‬‬

‫‪dec 84-111.indd 97‬‬


‫ الصيني ��ة ف ��ي املس ��تقبل‪ ،‬ماذا يج ��ب في نظرك‬‫أن يفعل املس ��تعربون الصينيون والعرب املهتمون‬ ‫بالدراسات الصينية؟‬ ‫ صدقت� � ��م‪ ،‬في الصني الكثير من املس� � ��لمني‬‫يض ّم عشر أقليات قومية ويبلغ تعدادهم اإلجمالي‬ ‫حوال� � ��ي ‪ 23‬مليون نس� � ��مة‪ .‬وكان النواب ُغ املثقفون‬ ‫منهم أوائل املستعربني بالذات‪ .‬واليوم صار كثي ٌر‬ ‫من املس� � ��لمني البارزين يتولون مناصب مهمة في‬ ‫مختلف القطاعات‪ .‬وفي مجال االستعراب‪ ،‬انبثق‬ ‫منهم أيضاً نخبة بالتتابع من األساتذة واملترجمني‪،‬‬ ‫مثل األس� � ��تاذ محمد مكني واألستاذ عبدالرحمن‬ ‫ناتشونغ واألستاذ إسماعيل ما جني بونغ (املترجم‬ ‫لرحل� � ��ة اب� � ��ن بطوطة) واألس� � ��تاذ علي لي تش� �ي��ن‬ ‫تش� � ��ونغ (املترجم ملقدمة ابن خلدون) واألس� � ��تاذ‬ ‫املس� � ��اعد حبيب الله جي شوه يي واألستاذ أحمد‬ ‫(املترجمي لصحيح البخاري)‪،‬‬ ‫لطيف دينغ جونغ‬ ‫نْ‬ ‫وبعضهم ك ّرس حياته لهذا العمل اجلليل‪ ،‬وبعضهم‬ ‫اآلخر مازال يجتهد بدأب في مثل هذا العمل مع‬ ‫املستعربني غير املسلمني‪.‬‬ ‫أم� � ��ا فيما يتعل� � ��ق بتوطيد أواص� � ��ر الصداقة‬

‫الصيني� � ��ة ‪ -‬العربي� � ��ة ف� � ��ي املس� � ��تقبل‪ ،‬فال يكفي‬ ‫أن يقوم املس� � ��تعربون الصيني� � ��ون بدورهم‪ .‬أوالً‪،‬‬ ‫ألن� � ��ه يجب على كل دولة أن تطب� � ��ق خطة التنمية‬ ‫(‪ )2024 - 2014‬وبرام� � ��ج العمل (‪)2016 - 2014‬‬ ‫املنص� � ��وص عليهم� � ��ا ف� � ��ي الوثيقة امللحق� � ��ة التي‬ ‫أجيزت ف� � ��ي االجتماع الوزاري الس� � ��ادس ملنتدى‬ ‫التع� � ��اون الصين� � ��ي ‪ -‬العربي ف� � ��ي ‪ 5‬يونيو ‪.2014‬‬ ‫وثاني � � �اً‪ ،‬ال ميكن أن ينفصل تطوي ُر الصداقة بيننا‬ ‫عن جهود طرفينا‪ .‬ونحن املس� � ��تعربون نأمل دائماً‬ ‫أن يتح ّمس الطرف العربي ويستجيب ملشروعات‬ ‫العمل احملددة في إطار منتدى التعاون الصيني ‪-‬‬ ‫العربي‪ .‬وما يش� � ��جعني أننا الحظنا اهتمام الدول‬ ‫العربي� � ��ة بالصينية من� � ��ذ بداية الق� � ��رن اجلديد‪،‬‬ ‫فأُ ِّس� � ��س بضعة عشر معهداً كونفوشيوسيا وقسم‬ ‫للّغة الصينية من املش� � ��رق إلى املغرب‪ .‬وبدأ يزداد‬ ‫عدد الطلبة الوافدين العرب في الصني والعلماء‬ ‫العرب املهتمني بالدراس� � ��ات الصينية س� � ��نة بعد‬ ‫أخ� � ��رى‪ ،‬ويحتمل أن ينبثق منهم عد ٌد من ّ‬ ‫املطلعني‬ ‫عل� � ��ى لغة الص� �ي��ن وحضارتها وش� � ��ؤونها العلمية‬ ‫والثقافية مع مرور الزمن >‬

‫تشو وي ليه في سطور‬ ‫< رئي������س أكادميية العل������وم االجتماعية‬ ‫بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية‏‪,‬‏ ورئيس‬ ‫حترير مجل������ة العالم العربي التي تصدر في‬ ‫الص���ي��ن منذ عام‏ ‪1980‬‏ حت������ى اآلن باللغتني‬ ‫العربية والصينية‏‪.‬‏‬ ‫< تلق������ى تعليمه في قس������م اللغة العربية‬ ‫بكلية اللغات الش������رقية بجامع������ة بكني عام‏‬ ‫‪1978‬‏‪ ،‬واس������تكمل الدراس������ة ف������ي جامع������ة‬ ‫القاهرة‏‪.‬‬ ‫< عمل بعد ذلك مدرس������ا للغة العربية‬ ‫وآدابها ف������ي جامعة ش������نغهاي للدراس������ات‬ ‫الدولية‪ ،‬ثم رئيسا ملركز بحوث اللغة العربية‬ ‫واحلض������ارة العربية واإلس���ل��امية‏‪,‬‏ وهو إلى‬ ‫‪98‬‬

‫‪11/3/16 8:11:12 AM‬‬

‫جانب ذلك عضو مش������ارك في مجمع اللغة‬ ‫العربي������ة املصري واملجلس األعلى للش������ؤون‬ ‫اإلس���ل��امية ف������ي القاهرة‏‪,‬‏ وعضو مراس������ل‬ ‫للمجمع امللكي لبحوث احلضارة اإلسالمية‬ ‫‏(‏مؤسسة آل البيت‏ ‏) باألردن‏‪.‬‏‬ ‫< ترجم عدداً م������ن الكتب املصرية إلى‬ ‫اللغ������ة الصينية‪ ،‬منها روايات جنيب محفوظ‬ ‫ويوسف السباعي ويوسف الشاروني‏‪,‬‏ وترجم‬ ‫أخيراً إل������ى اللغة الصينية كتاب���ي��ن للدكتور‬ ‫حس���ي��ن كام������ل بهاء الدي������ن‪ ،‬هم������ا «التعليم‬ ‫واملس������تقبل» و«الوطنية في عالم بال هوية»‪.‬‬ ‫وترجم أيض������اً مختارات من القصة الكويتية‬ ‫الصادر عن سلسلة كتاب العربي بالكويت‪.‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 98‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫عراقيل في طريق ترجمة المصطلح‬ ‫النحوي من المصدر إلى الهدف‬ ‫د‪ .‬رياض عثمان‬

‫أكادميي من لبنان‬

‫عل���ى الخائض غم���ار ترجمة المصطل���ح النحوي إلى لغات غي���ر العربية‪،‬‬ ‫تخص اللغتين‪ :‬المنقول‬ ‫أن يس���تند إلى مجموعة أسس ومبادئ علمية‬ ‫ّ‬ ‫منه���ا (األصل) والمنقول إليها (الهدف)‪ .‬وعل���ى المترجم أن يكون عارف ًا‬ ‫ملم ًا بعاداتهما وطباعهما‪،‬‬ ‫بأصول اللغتين‪ ،‬وفق ما أش���ار إليه الجاحظ‪ّ ،‬‬ ‫ويمكنني أن أضي���ف‪ :‬مراعي ًا خصوصية المصطل���ح العلمي؛ ألن ترجمة‬ ‫المصطلح محكومة بمجموعة نقاط‪:‬‬

‫املترجم واحلاجةِ إليه‪.‬‬ ‫ أهميةِ النص‬‫َ‬ ‫�ص اللغ� � ��ةِ املنق� � ��ولِ إليه� � ��ا واملنقولِ‬ ‫ خصائ� � � ِ‬‫منها (خصائص املصطل� � ��ح النحوي وخصوصياته‬ ‫نفسه)‪.‬‬ ‫أفص� � ��ل القول في‬ ‫ ش� � ��خصيةِ املترج� � � ِ�م‪ ،‬وال ّ‬‫البن� � ��د الثالث منف� � ��رداً‪ ،‬بل في ش� � ��عث متناثر بني‬ ‫السابقتني‪.‬‬ ‫لكن قضية ترجمة املصطلح بشكل عام تتطلب‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خصوصية معرفية‪ ،‬كون دراس� � ��ته علما له مبادئُه‬ ‫وأصولُه املرتبط� � ��ة باملفاهيم والتصورات واحلدود‬ ‫التي يحملها (السيمولوجية وغير السيمولوجية)‪،‬‬ ‫ألن مس� � ��يرة املصطل� � ��ح مرهون� � ��ة باالس� � ��تقرار‬ ‫والتبدل‬ ‫واالس� � ��تمرار وما يطرد منه وما لم يطرد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫م� � ��ن مجتمع آلخر‪ ،‬ومن مدرس� � ��ة ألخرى ومذهب‬ ‫آلخر وجيل جليل‪ ،‬وأخ� � ��رى مرتبطة باملترجم‪ ،‬ما‬ ‫يعن� � ��ي ضرورة فهم املصطلح ف� � ��ي اللغة األم فهماً‬ ‫عراقيل في طريق ترجمة املصطلح النحوي‬ ‫‪11/3/16 8:11:32 AM‬‬

‫دقيق � � �اً‪ ،‬ليص� � ��ار إلى تقريب املصطل� � ��ح من ذهنية‬ ‫�ي الثقافة‬ ‫األش� � ��خاص املقصودي� � ��ن ف� � ��ي مجتمع� � � ْ‬ ‫املنقول منها وإليها‪.‬‬ ‫فما بالك باملصطلح النحوي الذي يدخل في‬ ‫إطار الترجمة املتخصصة الدقيقة‪ ،‬وما يحمله من‬ ‫اتهامات باالضطراب املنهجي‪ ،‬والتنوع العشوائي‪،‬‬ ‫والتع� � ��دد اللفظ� � ��ي واملفهوم� � ��ي‪ ،‬واالخت� �ل��اف بني‬ ‫البصريني والكوفي� �ي��ن الذي أدى إلى اختالف في‬ ‫مصطلحاتهما النحوي� � ��ة‪ ،‬فواقع األمر االضطراب‬ ‫ليس في وضع املصطلح ووضعيته‪ ،‬إمنا في مسألة‬ ‫فهمه‪.‬‬ ‫وعلي� � ��ه تبرز إلى الواجهة مجموعة تس� � ��اؤالت‬ ‫معرفية‪:‬‬ ‫ما الفائدة من نق� � ��ل املصطلحات النحوية إلى‬ ‫غير لغة؟ ما يس� � ��توجب اإلش� � ��ارة إلى التساؤل ما‬ ‫هي الكتب األول� � ��ى التي نُقلت إلى غير «العربية»؟‬ ‫‪99‬‬

‫‪dec 84-111.indd 99‬‬


‫أقصد تاريخ حركة ترجمة التراث النحوي؟‬ ‫هل يت ّم النقل حرفياً؟ وهل يكون اعتماد املبنى؟‬ ‫وهل جند املقابل املناس� � ��ب لكل مصطلح في اللغة‬ ‫الهدف؟ وهل نس� � ��تعني باالقتراض االصطالحي؟‬ ‫حد؟ هل نستخدم املقابل األجنبي األقرب‬ ‫وإلى أي ّ‬ ‫إل� � ��ى املعنى؟ ه� � ��ل يُثبت املترج � � � ُم املصطل َح بلفظه‬ ‫العرب� � ��ي ونضيف إلي� � ��ه احلد والتعري� � ��ف؟ مبعنى‬ ‫أدق‪ :‬ه� � ��ل تتوافق مصطلح� � ��ات النحو العربي مع‬ ‫مصطلحات قواعد اللغة األخرى املنقول إليها؟‬ ‫إذاً‪ ،‬هناك إش� � ��كاليات تعرقل مسيرة املترجم‬ ‫املخت� � ��ص‪ ،‬وبخاص� � ��ة مترجم املصطل� � ��ح النحوي‪.‬‬ ‫ما يجعلنا نرج� � ��ع إلى أ ّولي� � ��ات الترجمة في حملة‬ ‫ُعجلى‪ ،‬لرصد بدايات تل� � ��ك العراقيل التي نرمي‬ ‫إلى إبرازها‪.‬‬

‫حملة من تاريخ حركة ترجمة النحو العربي‬

‫عرفت الس� � ��احة اللغوي� � ��ة األجنبي� � ��ة اهتماماً‬ ‫بالغاً بالقواعد العربية منذ بداية القرن الس� � ��ادس‬ ‫عش� � ��ر‪ ،‬أما قبل ذلك التاريخ فعثر الدارسون على‬ ‫ذك� � ��ر أس� � ��ماء كتب عربي� � ��ة ككتاب اب� � ��ن جناح في‬ ‫كتاب التنقيح املؤلف م� � ��ن قاموس كتاب األصول‪،‬‬ ‫وكتاب اللم� � ��ع من خالل الباحث ج� � ��ودة بن داود‬ ‫حي� � ��وج املتحدر م� � ��ن أصل مغرب� � ��ي – (فاس)‪ ،‬ثم‬ ‫وضع كتابني مهمني‪ :‬كت� � ��اب األفعال ذوات حروف‬ ‫اللني ‪،Traite Des Verbes A Radicales Faibles‬‬ ‫وكتاب األفع� � ��ال ذوات املثلني ‪Traite Des Verbes‬‬ ‫‪ A Deux Radicales Identiques‬وكان ق� � ��د وضع‬ ‫عنوان الكتاب بالعربية‪ ،‬وال ضير من اس� � ��تخدامه‬ ‫ذلك‪ ،‬أمام عرقلة الترجمة أو إيجاد املقابل الدقيق‬ ‫ال التقريبي‪.‬‬

‫بداية طباعة كتب النحو بـ«العربية»‬ ‫في فرنسا‬ ‫هن� � ��اك مجموعة ال تتع� � ��دى األربعة من الكتب‬ ‫طبعت بالعربية في نهاية القرن الس� � ��ادس عش� � ��ر‬ ‫وبداية الس� � ��ابع‪ ،‬منه� � ��ا املقدم� � ��ة اآلجرومية البن‬ ‫آجروم‪ ،‬وهي في الصوتيات وفي علم جتويد القرآن‬ ‫الك� � ��رمي وتالوته (توفي ‪ 723‬هـ ‪1323 -‬م)‪ ،‬وكتاب‬ ‫القافية البن احلاجب (ت ‪ 646‬هـ ‪ ،)1249 -‬وكتاب‬ ‫‪100‬‬

‫‪11/3/16 8:11:35 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 100‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫العوام������ل املئ������ة لعبدالقاهر اجلرجان������ي (‪471‬هـ‪-‬‬ ‫‪ 1078‬م)‪ ،‬كما ذكر أس������تاذنا أندريه رومان‪ ،‬رحمه‬ ‫الله‪ ،‬في كتابه ‪ ،Grammaire Generale‬وبعد ذلك‬ ‫التاريخ ُطبعت ألفية ابن مالك ثم كتاب س������يبويه‬ ‫في جزأين؛ األول سنة ‪ 1881‬واآلخر سنة‪،1889 ،‬‬ ‫والله أعلم‪.‬‬

‫بداية حركة ترجمة كتب النحو‬

‫لع������ ّل فض������ل ترجم������ة أول كتاب نح������وي إلى‬ ‫الالتينية يعود إلى بيتر كيرس���ت��ن ‪Peter Kirsten‬‬ ‫في ترجمته لكتاب ابن آجروم السابق الذكر‪ ،‬وفي‬ ‫السنة نفس������ها ترجم العالم جان بابتيست رميوند‬ ‫‪ Jean Baptiste Raymond‬ف������ي روما نصوصاً من‬ ‫كتاب التصريف للزجنان������ي (عزالدين بن إبراهيم‬ ‫الزجنان������ي)‪ ،‬ثم قدم جان توماس (‪)G. Thomas‬‬ ‫ترجمة ثانية للمقدمة اآلجرومية في حدود س������نة‬ ‫‪1617‬م‪ ،‬ثم أعاد ترجمة كتاب العوامل املئة (حسب‬ ‫جيرار تروبو ‪.)Gerard Troupeau‬‬ ‫طبع������ا كان������ت النس������خة األولى م������ن املقدمة‬ ‫اآلجرومية متوافرة ل������دى توماس الذي عمل على‬ ‫ترجمته������ا ثاني������ة‪ ،‬ومعه بدأت مالمح إش������كاليات‬ ‫ترجمة املصطل������ح النحوي واللغوي القدمي‪ ،‬وبدأنا‬ ‫نالح������ظ تلك الفروق������ات التي كان������ت حافزاً على‬ ‫إعادة الترجمة‪.‬‬ ‫وبعد ذل������ك تلحظ حركة الترجم������ة النحوية في‬ ‫فرنس������ا على يد ليون بنتو ‪ Leon Pinto‬الذي ترجم‪،‬‬ ‫حسب أندريه رومان‪ُ ،‬ملحة اإلعراب للقاسم بن علي‬ ‫بن احلريري البصري‪.‬‬ ‫وبعدها وجدن������ا ترجمات ألنط������وان جوجييه‬ ‫‪ Antoine Goguyer‬عل������ى كتاب «قطر الندى وب ّل‬ ‫الص������دى» البن هش������ام‪ ،‬وألفية اب������ن مالك وكتابه‬ ‫«المية األفعال» سنة ‪ ،1887‬وغير ذلك‪.‬‬

‫بداية التأليف األجنبي في النحو العربي‬

‫إزاء ه������ذا الواقع برزت طائف������ة من الباحثني‬ ‫يدبجون دراس������اتهم وأبحاثهم حول النحو العربي‬ ‫باللغة األجنبية‪ .‬طبع غويام بوس������تل ‪Guillaume‬‬ ‫‪ Postel‬ف������ي باري������س س������نة ‪ 1543‬م مختارات من‬ ‫قواعد العربية‪ .‬وأصدر جابرييل سيونيتا ‪Gabriel‬‬ ‫عراقيل في طريق ترجمة املصطلح النحوي‬ ‫‪11/3/16 8:11:39 AM‬‬

‫‪101‬‬

‫‪dec 84-111.indd 101‬‬


‫‪ Sionita‬وج� � ��ان حس� � ��رونيتا ‪Jean Hesronita‬‬ ‫س� � ��نة ‪1616‬م كت� � ��اب ‪La Grammair Arabe Des‬‬ ‫‪ ،Maronites‬وبعد ذلك نش� � ��ر غيرهم‪ ،‬مثل هنري‬

‫فليش‪ ،‬هنري لوكمت قواعد العربية في سلس� � ��لة‬ ‫«هل تعلم» ? ‪.Que Sais-Je‬‬

‫أهمية النص املترجم واحلاجة إليه‬

‫أنتجت تلك الترجمات بذور اللسانيات احلديثة‬ ‫ومناهجه� � ��ا‪ ،‬على ي� � ��د أعالمها‪ ،‬حي� � ��ث إن تفاعل‬ ‫العلم واستمراره يقضيان بالتأثر والتأثير وتالقح‬ ‫أن العرب‬ ‫الثقافات والعل� � ��وم ومصطلحاتها‪ ،‬ومبا ّ‬ ‫كانوا مب ّرزين في مجال البحث اللغوي والصوتي‪،‬‬ ‫وفق� � ��ه اللغة وعلم اللغ� � ��ة‪ ،‬كان نتاجهم مادة وفيرة‬ ‫لغيرهم من األمم والشعوب في هذا املجال‪.‬‬ ‫فه� � ��ذا دي سوس� � ��ير ق� � ��د حف� � ��ظ اآلجرومية‬ ‫م� � ��ع ش� � ��روحاتها‪ ،‬وه� � ��ذا جاكبس� � ��ون ال� � ��ذي أنتج‬ ‫مصطلح األفازي� � ��ا الكالمية ‪ ،Aphasie‬ومتفرعاته‬ ‫االصطالحي� � ��ة‪ ،‬قد تقاطعت أف� � ��كاره مع اجلاحظ‬ ‫كلم� � ��ة كلمة وفك� � ��رة فكرة‪ ،‬والس� � ��يما مع مصطلح‬ ‫عيوب النطق‬ ‫احلبسة الكالمية وقسمها تقسيمات‬ ‫ِ‬ ‫اللفظية واملعنوية املرتبطة بوعي املتكلم وال وعيه‪،‬‬ ‫كما تغنّت بذلك الدراس� � ��ات احلديث� � ��ة‪ ،‬علما بأن‬ ‫بينهما ما يزيد على ‪ 1100‬س� � ��نة فاصلة بني بنات‬ ‫أفكار كل منهما‪ ،‬فهل ذلك من قبيل املصادفة؟ أم‬ ‫هل هذا ما نسميه توارد خواطر؟‬ ‫من هن� � ��ا أدعو‪ ،‬وم� � ��ن هذه األهمي� � ��ة‪ ،‬إلى أن‬ ‫يخت� � ��ار طالب الدراس� � ��ات العلي� � ��ا مواضيعهم في‬ ‫هذه العناوين‪ ،‬كما أدعو أس� � ��اتذتهم املشرفني إلى‬ ‫ذلك‪ ،‬وحبذا إن كانوا من طالب الترجمة أو اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬شرط إجادة غير لغة‪.‬‬ ‫من هذه العناوين على سبيل املثال‪:‬‬ ‫< احلبس� � ��ة الكالمي� � ��ة ب� �ي��ن جاكبس� � ��ون‬ ‫واجلاحظ‪.‬‬ ‫< النظرية األلسنية بني دي سوسير وصاحب‬ ‫اآلجرومية‪.‬‬ ‫< ب� � ��ذور األلس� � ��نية احلديث� � ��ة ف� � ��ي الت� � ��راث‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫< دراس� � ��ة املصطل� � ��ح النح� � ��وي بني الش� � ��رق‬ ‫والغرب‪.‬‬ ‫‪102‬‬

‫‪11/3/16 8:11:42 AM‬‬

‫< املصطل� � ��ح النحوي بني املش� � ��رق واملغرب‪...‬‬ ‫إلخ‪.‬‬ ‫وذلك إلزكاء املنهج األلس� � ��ني املقارن وتفعيله‪،‬‬ ‫باعتم� � ��اد اجلد ّي� � ��ة العلمي� � ��ة كما عند األلس� � ��نيني‬ ‫الغربي� �ي��ن‪ ،‬ال كما عند اجلاحظ ف� � ��ي هزله الذي‬ ‫أعطى نتائج علمية باهرة‪ ،‬فكيف به لو اس� � ��تخدم‬ ‫جدِّ ه؟ وجاكبسون في جدِّ ه أعطى نتائج مماثلة‪.‬‬ ‫وبعد ذل� � ��ك أهميات جمة وفوائ� � ��د كبيرة بني‬ ‫عليها الدرس النحوي في الغرب‪ ،‬في أقسام اللغة‬ ‫العربية خ� � ��ارج موطنها‪ ،‬ف� � ��ي التخصصات العليا‬ ‫كالسوربون وجامعة ليون وكل أقسام اللغة العربية‬ ‫في بلدان العالم ولغاتها‪.‬‬

‫واملنقول منها‬ ‫املنقول إليها‬ ‫اللغة‬ ‫خصائص‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫متت� � ��از كل لغة بخصائ� � ��ص اجتماعية وداللية‬ ‫ولفظية ومنهجية وعلمية‪ .‬وكما استهللت بضرورة‬ ‫فإن طباع اللغتني‬ ‫إملام املترج� � ��م بتلك اخلصائص‪ّ ،‬‬ ‫املصدر والهدف تخفي شروطاً اجتماعية وتقاليد‬ ‫مبنزل� � ��ة أعراف يج� � ��ب أن حُتترم‪ :‬ف� � ��إذا كان لك‬ ‫عمل في مكتب ما في بلد فرنس� � ��ي ووجدت فتاة‬ ‫يافعة شابة وراء املكتب‪ ،‬وأنت متأكد من أنها غير‬ ‫متزوجة‪ ،‬وقلت لها ‪ Bonjour Mademoiselle‬فقد‬ ‫تنزع� � ��ج منك وتغضب‪ ،‬ألنك أهنتها بقلَّة احترامك‬ ‫له� � ��ا‪ ،‬على عك� � ��س مجتمعاتنا الش� � ��رقية‪ ،‬فهي قد‬ ‫تغض� � ��ب إذا قلت له� � ��ا «مدام»‪ ،‬وه� � ��ذه أول واحدة‬ ‫علي� � ��ك‪ ،‬بداية عرقلة الترجمة احلرفية‪ ،‬فعليك أن‬ ‫حت ّمل النص شحنة اجتماعية‪.‬‬ ‫من هنا يعتبر ابن خلدون أن ش� � ��روط الترجمة‬ ‫كي تكون مثمرة ‪ -‬يجب أن تتساوى مع أهدافها‪،‬‬‫ذاك� � ��راً جناح الع� � ��رب في نقل علومه� � ��م عن األمم‬ ‫األخرى عندما «تش � � � َّوفوا إلى علوم األمم فنقلوها‬ ‫بالترجم� � ��ة إل� � ��ى علومه� � ��م وأفرغوها ف� � ��ي قالب‬ ‫أنظارهم‪ ،‬وجردوها من تلك اللغات األعجمية إلى‬ ‫لس� � ��انهم‪ ،‬وأربوا فيها عل� � ��ى مداركهم‪ ،‬وبقيت تلك‬ ‫الدفاتر التي بلغتهم األعجمية نسياً منسياً َ‬ ‫وطلَال‬ ‫مهجوراً وهبا ًء منث� � ��وراً»‪ .‬فاعتبر جناحهم ظاهراً‬ ‫في ثالث نقاط تتعلق بشخصية املترجم‪:‬‬ ‫ اإلقرار بالفرق بني قال� � ��ب وهيكلية اللغتني‬‫املص� � ��در والهدف‪« :‬أفرغوها في قالب أنظارهم»‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 102‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫ترجمات قواعد اللغة العربية أنتجت بذور اللسانيات احلديثة ومناهجها‬

‫أي غيروا قوالبها‪ ،‬وطريقة التفكير باللغة املنقول‬ ‫منها‪ ،‬إلى قالب اللغة املنقول إليها‪.‬‬ ‫ جتريد اللغة الهدف من ألفاظ اللغة املصدر‪:‬‬‫«ج ّردوها من تلك اللغات»‪ ،‬أي عمدوا إلى استخدام‬ ‫اللفظ املعتمد في اللغة الهدف وروحه‪.‬‬ ‫ إعطاء حرية فهم املترجم للفكرة املنقولة‪« :‬أربوا‬‫فيها على مداركهم»‪ ،‬أي زادوا فيها مبا يتناس� � ��ب مع‬ ‫أفهامهم‪ ،‬وهي الترجمة باملعنى والتص ّرف والتمسك‬ ‫بروح النص‪ ،‬واالبتعاد عن الترجمة احلرفية والتق ّيد‬ ‫بالنصني‪ :‬املصدر والهدف‪.‬‬ ‫أن ط � � � ْرح ابن خلدون‬ ‫جتدر بنا اإلش� � ��ارة إلى ّ‬ ‫وضع معايير الوفاء للنصني معاً‪ :‬املصدر والهدف‪،‬‬ ‫مع ميله إلى أن القائمني على العلوم يحتاجون إلى‬ ‫«معرف� � ��ة الدالالت اللفظية واخلطية في لس� � ��انهم‬ ‫دون ما سواه من األلسن‪ ،‬لدروسها وذهاب العناية‬ ‫فإن طرحه قد ينطبق على الترجمة األدبية‬ ‫به� � ��ا»‪ّ .‬‬ ‫واحلضاري� � ��ة خصوص � � �اً‪ ،‬يُس� � ��تثنى منه� � ��ا ترجمة‬ ‫املصطلح� � ��ات النحوية على وجه التحديد لعراقيل‬ ‫يفرضها واقع اللغتني تفضي إلى حد استحالة نقل‬ ‫املصطل� � ��ح النحوي إلى «الفرنس� � ��ية» مبقابل دقيق‬ ‫عراقيل في طريق ترجمة املصطلح النحوي‬ ‫‪11/3/16 8:11:45 AM‬‬

‫مناسب‪ ،‬وسأحدد منها اللغة املنقول إليها‪ ،‬وعنيت‬ ‫خصائص املصطلح النحوي العربي‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫< عدم وجود مقابل دقيق ملعظم املصطلحات‬ ‫العربية في األجنبي� � ��ة‪ ،‬وإن وجدت فتكون ترجمة‬ ‫تقريبي� � ��ة كمصطل� � ��ح الفاع� � ��ل‪ Sujet :‬فه� � ��و في‬ ‫«العربية» بعد الفعل‪ ،‬أما في «الفرنس� � ��ية» فقبله‪،‬‬ ‫فكي� � ��ف يتصور الفرنس� � ��ي تركي� � ��ب اجلملة‪ ،‬وفي‬ ‫العربية إذا سبقه فهو مبتدأ عند البصريني؟‬ ‫< عدم دقة إملام اللغة األجنبية بالتأصيل كما‬ ‫ف� � ��ي «العربي� � ��ة» ‪ Epistemologie‬التأصيل أو علم‬ ‫دراس� � ��ة األصول‪ ،‬وهو موجود عند العرب يضاف‬ ‫إلي� � ��ه مصطل� � ��ح أدق هو التأثيل ال� � ��ذي هو معرفة‬ ‫أصول الفروع املك ّونة لألصول‪.‬‬ ‫< دقة الداللة املفهومية للمصطلحات العربية‪،‬‬ ‫ومتفرعاته� � ��ا‪ ،‬كما في مصطل� � ��ح املفعول له الذي‬ ‫ينقس� � ��م إلى مفعول ألجله‪ ،‬ومفعول من أجله‪ ،‬وهو‬ ‫عذر وقوع الفعل‪ ،‬ويكون جواباً لـ «ل َم»؟‬ ‫< ع� � ��دم اس� � ��تقرار املصطل� � ��ح النح� � ��وي ف� � ��ي‬ ‫مسيرته‪ :‬كمصطلح املمنوع من الصرف الذي كان‬ ‫أصله املتمكن األمك� � ��ن واملتمكن غير األمكن‪ ،‬وما‬ ‫‪103‬‬

‫‪dec 84-111.indd 103‬‬


‫يجري وم� � ��ا ال يجري‪ ،‬وما يصرف وما ال يصرف‪،‬‬ ‫وم� � ��ا ينصرف وما ال ينصرف‪ ،‬ومنه حت ّول على يد‬ ‫ابن هش� � ��ام إل� � ��ى املمنوع من الص� � ��رف‪ ،‬من خالل‬ ‫استخدام الزمخشري له بادئ األمر ُمنع الصرف‪،‬‬ ‫فتحول إلى مصدر مجاز بلفظ اسم املفعول‪.‬‬ ‫وكذلك مصطلح األسماء الستة في كتب التراث‬ ‫ما قبل القرن الس� � ��ادس الهجري‪ ،‬الذي حت ّول إلى‬ ‫مصطلح األس� � ��ماء اخلمسة بناء على مراعاة عادة‬ ‫املجتمع‪ ،‬بحذف االس� � ��م اخلامس منها‪ ،‬وهو لفظ‬ ‫«ه ٌن» الذي يحمل معنى يس� � ��تقبح ذكره وهو عورة‬ ‫َ‬ ‫املرأة‪.‬‬ ‫فكي� � ��ف للمترجم أن ينق� � ��ل أي لفظ من تلك‬ ‫األلفاظ؟‬ ‫< املش� � ��ترك اللفظي في املصطلحات النحوية‬ ‫عينه� � ��ا‪ ،‬وتداخله� � ��ا ب� �ي��ن املصطلح� � ��ات الصرفية‬ ‫والبالغية والعروضية والفقهية وغير ذلك‪.‬‬ ‫< صعوبة التفرقة بني املعنيني األصلي‪ ،‬اللغوي‬ ‫للمصطل� � ��ح‪ ،‬من املصطلح الفن� � ��ي في العلم الذي‬ ‫ينتمي إليه املصطلح كالنحوي مث ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫فمعظ� � ��م األلف� � ��اظ االصطالحية ف� � ��ي النحو‬ ‫العرب� � ��ي مأخوذة من البيئة واملجتمع‪ ،‬فالنصب من‬ ‫نصب اخليم� � ��ة‪ ،‬والرفع من رف� � ��ع أوتادها‪ ،‬واجلر‬ ‫م� � ��ن جرها‪ ،‬وكذلك اخلفض الذي يس� � ��اوي اجلر‪،‬‬ ‫وأطلقوا عليه اجلزم‪ ،‬أي عالمة الس� � ��كون‪ ،‬وكذلك‬ ‫مج� � ��اري أواخر الكلم كمج� � ��اري املياه حول البيت‪،‬‬ ‫فمن� � ��ه البناء واإلعراب‪ .‬ما ال جنده مش� � ��تركاً بني‬ ‫خصائص اللغتني املصدر والهدف‪.‬‬

‫حلول‬

‫ننصح ب������إدراج املصطلح النحوي العربي في‬ ‫الن������ص األجنبي بثالث������ة ألفاظ‪ :‬لفظ������ه العربي‬ ‫وصورت������ه‪ ،‬ثم لفظ������ه العربي باخل������ط الالتيني‬ ‫بحس������ب دائرة املعارف اإلس���ل��امية‪ ،‬ثم تقريب‬ ‫معن������اه االصطالحي في قواع������د اللغة الهدف‪،‬‬ ‫وتقريب معناه اللغوي املعجمي م�� اللغة الهدف‬ ‫ذاتها‪.‬‬ ‫أن يك� � ��ون املترجم عارفاً مبزاي� � ��ا العربية أوال‪ً،‬‬ ‫ألنن� � ��ا نفق� � ��د كثيراً م� � ��ن مقومات لغتن� � ��ا‪ ،‬ونتهمها‬ ‫جتن‬ ‫بالتعقيد‪ ،‬ونتهم منهجها باالضطراب‪ ،‬وهذا ٍّ‬ ‫‪104‬‬

‫‪11/3/16 8:11:47 AM‬‬

‫عليها‪ ،‬فاملشكلة فينا ال فيها‪.‬‬ ‫أمثلة من استحالة الترجمة أو أخطائها‪:‬‬ ‫من ألفية ابن مالك‬ ‫ب� ��اجل� ��ر وال � �ت � �ن� ��وي� ��ن وال� � �ن�� ��دا وألْ‬ ‫وم � �س � �ن� ��د ل �ل��اس � ��م مت� �ي� �ي ��ز ح� �ص ��لْ‬ ‫كي� � ��ف فس� � ��رها ‪ Goguyer La Alfiyyah‬ف� � ��ي‬ ‫شرحه ألفية ابن مالك؟‬

‫«‪Le Nom Se Distingue Par Le Genetif ,‬‬ ‫‪ Le Tanwin , L’appel, Le Prefixe‬أل ‪Ou Un‬‬ ‫‪.»Attribut‬‬ ‫اخلط� � ��أ األول‪ :‬تفس� � ��ير ‪ Genetif‬ب � � �ـ «اجلر»‬

‫واملعن� � ��ى ف� � ��ي االصط� �ل��اح النحوي ح� � ��رف اجلر‬ ‫عند البصري� �ي��ن ‪ Attirement‬أو حرف اخلفض‬ ‫‪ Abaissement‬عن� � ��د الكوفيني‪ ،‬واملعنى احلقيقي‬ ‫للفظة املستخدمة اإلضافة‪.‬‬ ‫التنوي� � ��ن‪ :‬ل� � ��م يعث� � ��ر املترج� � ��م عل� � ��ى لف� � ��ظ‬ ‫مقابل‪ ،‬ألن� � ��ه ليس في عادة اللغة الفرنس� � ��ية تلك‬ ‫اخلصوصية كعالمة إعرابية لالسم املنون النكرة‬ ‫‪ .Indetermine‬ث� � ��م أضافوا إلى القاموس اللغوي‬ ‫لفظ ‪ Notation‬للدالل� � ��ة على التنوين‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫تعدد أنواع التنوين‪:‬‬ ‫ تنوين العوض‪ :‬عوض عن حرف‪ ،‬عوض عن‬‫جملة‪ ،‬عوض عن كلمة‪.‬‬ ‫ تنوين األمكنية‪.‬‬‫ تنوين الترمن‪.‬‬‫ تنوي� � ��ن التمك� �ي��ن (الالحق لالس� � ��م املعرب‬‫املنصرف كزيد)‪.‬‬ ‫ تنوي� � ��ن املقابل� � ��ة (الالح� � ��ق جلم� � ��ع املؤن� � ��ث‬‫السالم)‪.‬‬ ‫ تنوي� � ��ن التنكير‪ :‬التنوين على آخر األس� � ��ماء‬‫املبنية األصل‪ ،‬مث ً‬ ‫ال‪ :‬صهِ تصبح ٍ‬ ‫صه‪.‬‬ ‫ تنوين الغالي الالحق بالفعل‪.‬‬‫هذا منوذج من استحالة نقل املصطلح النحوي‬ ‫إل� � ��ى غير لغ� � ��ة‪ ،‬واالعتماد بالض� � ��رورة على لفظه‬ ‫العربي في اللغة املنق� � ��ول إليها‪ ،‬وعلى املترجم أن‬ ‫يضع احلد واملفهوم واملقابل اللفظي باللغة الهدف‪،‬‬ ‫هذا إذا كان املترجم متيقناً من فهمه اللغة املصدر‬ ‫ودراس� � ��ته مصطلحات النحو العرب� � ��ي وفروقاتها‬ ‫املفهومية والداللية >‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 104‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫إمام النحو في الموصل‬ ‫عمر عبدالغفورالقطان‬

‫كاتب من العراق‬

‫عن���د البحث في تاريخ مدين���ة عريقة مثل مدينة الموصل‪ ،‬يقف اإلنس���ان‬ ‫مط���و ًال أمام ش���خصيات ذكرتها كتب التاريخ والس���ير‪ ،‬قدم���ت كثيراً في‬ ‫ميادي���ن كثي���رة‪ ،‬منه���ا اإلق���راء (ت�ل�اوة الق���رآن الكري���م) والتفس���ير والفقه‬ ‫والنح���و والطب والفلك والتاريخ وغيرها‪ ،‬خاصة في العصور اإلس�ل�امية‪،‬‬ ‫ولكن من الممكن أن تغفل بعض المصادر سير وجهود قسم من تلك‬ ‫الش���خصيات‪ ،‬مثل الشخصية التي س���أقدمها لكم اليوم‪ ،‬حيث تعرفت‬ ‫عليه���ا أول مرة من خ�ل�ال كتاب ال���درس النحوي في الموص���ل للدكتور‬ ‫عباس علي األوسي‪.‬‬

‫إمام النحو في املوصل‬ ‫‪11/3/16 8:11:58 AM‬‬

‫‪105‬‬

‫‪dec 84-111.indd 105‬‬


‫ب� � ��دأت أبحث عن املص� � ��ادر التي أوردت هذه‬ ‫الش� � ��خصية‪ ،‬من مثل الس� � ��يوطي في كتابه «بغية‬ ‫الوعاة في طبقات النح� � ��اة»‪ ،‬والذهبي في كتابه‬ ‫«تاريخ اإلسالم»‪ ،‬اللذين كانا قد نقال ما جاء عنه‬ ‫من ابن الشعار في كتابه املهم «قالئد اجلمان»‪.‬‬ ‫إن� � ��ه اإلم� � ��ام العالم� � ��ة أبو حف� � ��ص عمر بن‬ ‫أحمد بن أبي بكر بن مهران النحوي العيس� � ��فني‬ ‫الضرير‪ ...‬الشهير مبجد الدين العراقي السوادي‬ ‫(يعني من س� � ��واد العراق)‪ ...‬قالوا عنه إنه أنحى‬ ‫أهل عص� � ��ره‪ ،‬وهو بحق إمام النحاة باملوصل في‬ ‫القرن الس� � ��ادس وأوائل القرن السابع الهجري‪،‬‬ ‫كان مولده بقرية من سواد العراق تسمى موهرر‪،‬‬ ‫وق� � ��دم صغيراً إلى عني س� � ��فني وه� � ��ي قرية من‬ ‫نواحي املوصل‪ ،‬فس� � ��كنها مدة فنس� � ��ب إليها ثم‬ ‫ورد املوصل‪ ،‬حف� � ��ظ كتاب الله وطلب العلم وجد‬ ‫في االش� � ��تغال‪ ،‬والزم الش� � ��يخ أبا احلرم مكي بن‬ ‫ري� � ��ان املاكس� � ��يني (ت‪603‬ه � � �ـ‪1206/‬م) النحوي‪،‬‬ ‫فبرع فيما قرأ عليه حتى صار أنحى أهل زمانه‬ ‫وأعلمهم بالنحو والعروض والقوافي والتصريف‬ ‫واللغ� � ��ة ومعاني الس� � ��فر وس� � ��ائر فن� � ��ون األدب‪،‬‬ ‫فلما توفي ش� � ��يخه أبواحلرم ق� � ��ام مقامه وجلس‬ ‫مكانه‪ ،‬وكان مفرط الذكاء وسريع التحفظ قوي‬ ‫النف� � ��س‪ ،‬لم يقبل من أحد ج� � ��زاء وال ثواباً وقت‬ ‫الق� � ��راءة عليه‪ ،‬وكانت له يد في علوم أخرى كعلم‬ ‫احلس� � ��اب‪ ،‬والفقه على مذهب اإلمام الشافعي‪،‬‬ ‫وأقرأ الناس النحو واآلداب‪ ،‬وتصدر وأفاد خلقاً‬ ‫كثي� � ��راً واجتمع عليه جماع� � ��ة كثيرة ممن هو في‬ ‫طبقتهم من أصحاب الشيخ أبي احلرم‪ ،‬وأخذوا‬ ‫عن� � ��ه حتى أقر له كل عال� � ��م واعترف بفضله كل‬ ‫أدي� � ��ب‪ ،‬وممن قرأ علي� � ��ه‪ :‬إبراهيم ب� � ��ن علي بن‬ ‫احلسن النحوي املوصلي‪ ،‬صحبه مدة من حياته‪،‬‬ ‫وأحمد بن عبدالرحمن بن عبدالرزاق القزويني‬ ‫املوصل� � ��ي‪ ،‬وأحمد بن عبداملل� � ��ك بن أبي منصور‬ ‫الهمداني املوصلي‪ ،‬الذي قرأ عليه علوم العربية‪،‬‬ ‫وإسحاق بن مروان املوصلي النحوي العروضي‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي درس عليه فن� � ��ون األدب كالنح� � ��و واللغة‬ ‫والعروض والقوافي‪ ،‬ومن أشهر تالميذه صاحب‬ ‫قالئ� � ��د اجلمان املبارك ب� � ��ن أحمد (أبي بكر) بن‬ ‫حمدان املعروف بابن الشعار املوصلي (ت ‪،)654‬‬ ‫‪106‬‬

‫‪11/3/16 8:12:04 AM‬‬

‫حيث كان يصفه بـ «ش� � ��يخنا»‪ ،‬وعلي بن سالم بن‬ ‫إسماعيل الكاتب املوصلي الربعي النحوي‪ ،‬وعلي‬ ‫بن احلس� � ��ن بن موهوب األربلي النحوي‪ ،‬األمير‬ ‫قلي� � ��ج بن هرون بن م� � ��ودود التكريتي‪ ،‬وأحمد بن‬ ‫املبارك بن نوف� � ��ل النصيبي الضرير‪ ،‬صحبه في‬ ‫املوصل وأخذ عنه علوم العربية وقرأ عليه أشعار‬ ‫الع� � ��رب واللغة والعروض وس� � ��ائر فن� � ��ون األدب‪،‬‬ ‫وجنم الدين محمد بن قيصر بن بلك البغدادي‪،‬‬ ‫سمع منه باملوصل شعر املتنبي‪ ،‬واحلسن بن علي‬ ‫بن احلس� � ��ن األربلي األوس� � ��ي األنصاري سمعه‬ ‫باملوصل‪ ،‬وأخيراً ش� � ��مس الدين بن اخلباز‪ .‬وذكر‬ ‫السيوطي‪ :‬أن أبا الثناء حمود بن احلسن اإلربلي‬ ‫املعروف بابن األرملة النحوي قد خشي مناظرته‪،‬‬ ‫ومع ذلك لم يك� � ��ن مجد الدين العراقي في عمل‬ ‫الش� � ��عر كبي� � ��ر اليد وكان يرفع نفس� � ��ه عن نظمه‬ ‫ورمب� � ��ا وقع له معن� � ��ى فيقول فيه أبياتاً يس� � ��يرة‪،‬‬ ‫قال ابن الش� � ��عار‪ :‬أنشدني أبو يعقوب إسحاق بن‬ ‫روان بن سمكان املوصلي النحوي العروضي‪ ،‬قال‬ ‫أنشدني شيخي اإلمام أبو حفص الضرير لنفسه‬ ‫وقد سأله بعض الرؤساء أن يضع أبياتاً يضمنها‬ ‫هذا البيت‪:‬‬ ‫ت� �ش ��اغ� �ل� �ت ��م ع � �ن� ��ا ب� �ص� �ح� �ب ��ة غ� �ي ��رن ��ا‬ ‫وأظ� � �ه � ��رمت ال � �ه � �ج� ��ران م� ��ا ه� �ك���ذا كنا‬ ‫فأنش� � ��أ أبوحف� � ��ص ه� � ��ذه األبي� � ��ات (م� � ��ن بحر‬ ‫الطويل)‪:‬‬ ‫إالم أق���اس���ي الع� ��ج ال� �ش���وق واحل ��زن ��ا‬ ‫ويضني هواكم واجلفا جسدي املضنى‬ ‫أأح � �ب� ��اب � �ن� ��ا إن ح� �ل� �ت ��م ع � ��ن ع� �ه ��ودن ��ا‬ ‫ف ��إن ��ا ع� �ل ��ى ت� �ل ��ك امل���واث� �ي���ق م� ��ا حلنا‬ ‫رع� � ��ى ال � �ل� ��ه أي� ��ام� ��ا ت��ق��ض��ت بقربكم‬ ‫ف� �م ��ا ك� � ��ان أح�ل��اه� ��ا ل� � ��دي وم� � ��ا أهنا‬ ‫أح � � � ّ�ن إل� �ي� �ه ��ا ب� ��األص� ��ائ� ��ل وال��ض��ح��ى‬ ‫وم� ��ا ي �ن �ف��ع ال� �ص ��ب ال �ك �ئ �ي��ب إذا حنا‬ ‫ي� �ك ��اد مل���ا ي �ل �ق��ى م���ن ال���وج���د واألس� ��ى‬ ‫ي��ح� ُّ�ن اش �ت �ي��اق � ًا ف ��ي ال� �ظ�ل�ام إذا جنّا‬ ‫إذا ل ��م ي �ك��ن ل ��ي ع �ن��دك��م م �ث��ل مالكم‬ ‫ب�ق�ل�ب��ي ف�ل�ا أج� ��دى احل �ني��ن وال أغنى‬ ‫ف�ق��د ك ��ان يغشى ال �ن��وم عيني بقربكم‬ ‫فمذ غبتم ما صافح الغمض لي جفنا‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 106‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫وأح� �س� �ن ��ت ظ� �ن ��ي ف �ي �ك��م ال عدمتكم‬ ‫ف� �م ��ا ب ��ال� �ك ��م أخ� �ل� �ف� �ت ��م ذل� � ��ك الظنا‬ ‫ف � � ��إن ك � � ��ان أغ � �ن� ��اك� ��م س�� ��وان�� ��ا ف��إن��ن��ا‬ ‫ع �ل��ى ك ��ل ح� ��ال ل ��م جن ��د ع �ن �ك��م مغنى‬ ‫ت� �ش ��اغ� �ل� �ت ��م ع � �ن� ��ا ب� �ص� �ح� �ب ��ة غ� �ي ��رن ��ا‬ ‫وأظ� �ه ��رمت ال� �ه� �ج ��ران‪ ...‬م ��ا ه �ك��ذا كنَّا‬ ‫كان� � ��ت وفات� � ��ه ي� � ��وم الفط� � ��ر باملوصل س� � ��نة‬ ‫‪613‬ه � � �ـ‪1215/‬م‪ ،‬ودف� � ��ن ظاه� � ��ر البل� � ��د‪ ،‬مبقبرة‬ ‫املعافى بن عمران (في منطقة باب سنجار)‪.‬‬ ‫رثاه الش� � ��اعر محم� � ��د بن أحمد بن س� � ��عيد‬ ‫األزري املوصلي الباعشيقي فقال‪:‬‬ ‫إال َم ل � �ن� ��ادي ال� �ف� �ض ��ل أص� �ب���ح باكيا‬ ‫وروض ال �ن �ه��ى ف ��ي أرض � ��ه آض ذاوي� ��ا‬ ‫وع�� �ه� ��دي ب� ��ه م� ��ن ق� �ب ��ل ي� �ب� �س ��م ن� �ي ��ر ًا‬ ‫ف� ��أوش� ��ك م� ��ا أم� �س���ى ي� �ع� � ِّب ��س داج� �ي� �اً‬ ‫وم � � � ��ا ذاك إال أن ب � � � ��در س� �م ��ائ ��ه‬ ‫ع� � ��راه خ� �س���وف ل� ��ن ي � ��رى ب� �ع ��د ب ��ادي ��ا‬ ‫ِأم� � ْ�ن ب �ع��د م �ج��د ال��دي��ن حت �م��د المرئ‬ ‫م �س��اع وإن أض �ح��ى إل��ى امل �ج��د ساعيا؟‬ ‫م� � �ب �ي��ن أع � � �ل � ��ام ال � � �ع � � �ل� � ��وم وم� �ظ� �ه���ر‬ ‫دق� ��ائ� ��ق س� �ب ��ل ك � � َّ�ن م� ��ن ق� �ب ��ل خوافيا‬ ‫أال ق� ��ات� ��ل ال � �ل� ��ه اخل� � �ط � ��وب بفعلها‬ ‫ل �ق��د ه��ذب��ت ط� � ��ود ًا م ��ن امل��ج��د عالي ًا‬

‫وب � � �ح� � ��ر ع � � �ل� � ��وم غ � �ي � �ض � �ت� ��ه وط � ��امل � ��ا‬ ‫رأي � � �ن� � ��ا ب� � ��ه ذك� � � ��ر ال� � �ب �ل��اغ � ��ة ط ��اف� �ي ��ا‬ ‫حسبنا ال� ��ردى ل��م ي�س��ق ك ��أس مصابه‬ ‫س � ��وان � ��ا وم � � ��ا ذق�� �ن� ��ا أذاق امل� �ع ��ال� �ي ��ا‬ ‫ع�� �ق� ��رن� ��ا ع � �ل � �ي� ��ه ك � � ��ل ل � � ��ب وخ� ��اط� ��ر‬ ‫إذا ن �ح��ن ل ��م ن �ع �ق��ر ع �ل �ي��ه النواجيا‬ ‫وق� ��ائ�� �ل� ��ة م� � ��ا ب�� � ��ال دم� � �ع � ��ك ج� ��ام� ��دا‬ ‫وك � ��ان ل ��ك اخل� ��ل ال � �ص� ��دوق املصافيا‬ ‫ف� �ق� �ل ��ت ل � �ه� ��ا ن � � ��ار ال� �ت� �ل� �ه ��ف نشفت‬ ‫ب ��إي� �ق ��اده ��ا م� �ن ��ي ال � ��دم � ��وع اجل� ��واري� ��ا‬ ‫ك ��ذل ��ك ش��م��س اإلف� � ��ك ع��ن��د غروبها‬ ‫ي� ��رى ك ��ل جن ��م ف ��ي ال� �س� �م ��اوات هاويا‬ ‫أرى م �ع �ش��ر ًا م ��ن ب �ع��د م��وت��ك جادلوا‬ ‫ل��ي��رق��وا م ��ن ال �ع �ل �ي��اء م ��ا ك �ن��ت راقيا‬ ‫ل� �ع� �ل� �م� �ه ��م أن ق� � ��د ن � ��أي � ��ت م� �ف���ارق���ا‬ ‫ول� � ��و ك� �ن ��ت ف��ي��ه��م م� ��ا رأي � � ��ت م��ب��اري��ا‬ ‫ل�ئ��ن ن��ال أه��ل ال�ن�ق��ص منصبك الذي‬ ‫غ ��دا ال��ي��وم ق��ف��ر ًا م��ن ج �م��ال��ك خالي ًا‬ ‫ف� �غ� �ي ��ر ع� �ج� �ي ��ب ل� �ل� �ث� �ع ��ال ��ب وط� ��ؤه� ��ا‬ ‫ح� �م ��ى أس� � ��د ح ��ام� �ي ��ه أص � �ب� ��ح نائيا‬ ‫ول� ��ن ت �س �ك��ن ال� �ب ��وم ال� �ق� �ص ��ور مشيدة‬ ‫إذا ل��م جت��د ف��ي ذروة ال �ف �خ��ر ب��اري��ا >‬

‫ما ُقدر له‬ ‫دخ ��ل علي بن أبي طالب ] املس ��جد‪ ,‬وق ��ال لرجل كان واقفا على باب‬

‫املس ��جد‪ :‬أمس ��ك عل ��ي بغلتي‪ .‬فأخذ الرج ��ل جلامها ومضى وت ��رك البغلة‪.‬‬ ‫فخرج علي وفي يده درهمان ليكافئ بهما الرجل على إمساكه بغلته‪ ،‬فوجد‬ ‫البغلة واقفة بغير جلام‪ ،‬فركبها ومضى ودفع لغالمه درهمني يش ��تري بهما‬ ‫جلام ��ا‪ ،‬فوج ��د الغالم اللجام في الس ��وق ق ��د باعه الس ��ارق بدرهمني‪ ،‬فقال‬ ‫علي ]‪ :‬إن العبد ليحرم نفسه الرزق احلالل بترك الصبر وال يزداد على‬ ‫ما قدر له‪.‬‬

‫إمام النحو في املوصل‬ ‫‪11/3/16 8:12:09 AM‬‬

‫‪107‬‬

‫‪dec 84-111.indd 107‬‬


‫خواطر حول العاميّة والمعجم‬ ‫واللغة والعلم‬ ‫د‪ .‬نــزار العانــي‬ ‫دأبت مجل���ة العرب���ي من���ذ بداياتها على‬ ‫االهتم���ام باللغ���ة العربي���ة الفصح���ى‬ ‫والدف���اع عنه���ا‪ ،‬ألن اللغ���ة ه���ي الخ���ط‬ ‫الدفاع���ي األول ع���ن وجود األم���ة العربية‬ ‫وتاريخهاوفكرهاوتراثهااألدبيوالثقافي‪،‬‬ ‫وكذل���ك ع���ن جوه���ر وجوده���ا الروح���ي‪.‬‬ ‫ولم تقف «العربي» عند نش���ر الدراس���ات‬ ‫اللغوية الحاضن���ة للفصحى‪ ،‬بل ذهبت‬ ‫إلى أبعد من ذل���ك نحو تخصيص إحدى‬ ‫ندواته���ا حول «الثقاف���ة العربية في ظل‬ ‫وس���ائط االتصال الحديثة» ومن مداميك‬ ‫هذه الثقافة اللغة‪.‬‬

‫في تلك الندوة ذك������ر د‪ .‬كمال عبد اللطيف‬ ‫في ورقت������ه كثيراً من األمثلة الت������ي تؤكد وجود‬ ‫«عالمات التح������ول الصانعة لتط������ور اللغة‪ ،‬في‬ ‫حلظات مواجهته������ا لتحديات كبرى في املعرفة‬ ‫والعل������وم‪ ،‬كم������ا أظهرت محدودي������ة املرونة التي‬ ‫يتمتع بها نظامها النس������قي‪ .‬وقد تزايدت صور‬ ‫انكماشها اليوم‪ ،‬أمام التقدم العلمي والكشوف‬ ‫املتالحقة لتقانة املعلومات» (‪.)1‬‬ ‫وكل دف������اع ع������ن اللغة العربي������ة الفصحى ال‬ ‫يأخ������ذ هذه احملاذير واحلقائ������ق بعني االعتبار‪،‬‬ ‫‪108‬‬

‫‪11/3/16 8:12:14 AM‬‬

‫أي التحدي������ات التي تواجه اللغة ونقص مرونتها‬ ‫وانكماش������ها في ظل ثورة االتصاالت‪ ،‬سيتهافت‬ ‫دفاع������ه أمام محاوالت الغ������زو الثقافي واللغوية‬ ‫املتك������ررة قدمياً وحديثاً ألمتن������ا العربية‪ .‬وعلى‬ ‫اللغويني العرب أن يستوعبوا الدروس اجلديدة‬ ‫لعل������م اللغة‪ ،‬الذي يبحث اليوم في قابلية تطبيق‬ ‫املنطق الرياضي على اللغات البش������رية‪ ،‬ووضع‬ ‫معادالت رياضية تش������كل مدخ���ل�� ً‬ ‫ا أعمق لفهم‬ ‫بنيته������ا اجلوهرية‪ ،‬وهو العل������م الذي فتح أبوابه‬ ‫نعوم تشومس������كي‪ ،‬وأش������اد بجهوده كيث ديفلني‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 84-111.indd 108‬‬


‫طرائف عربية‬

‫أطالع ��ه فأفه ��م م ��ا لدي ��ه‬ ‫ول ��م أفه ��م بجهدي م ��ا لديها‬

‫إحدى ضرتيها‬ ‫يقول الش� � ��اعر محمود عماد مصوراً حال‬ ‫زوجته مع ضرتها األزلية (الكتاب)‪:‬‬ ‫تغ ��ار م ��ن الكت ��اب إذا رأتن ��ي‬ ‫أطالع ��ه وأت ��رك وجنتيه ��ا‬ ‫تض ��ن بفكرت ��ي في م ��ا عداها‬ ‫وتنك ��ر نظرت ��ي إ ّ َ‬ ‫ال إليه ��ا‬ ‫وتنف ��ر من مق ��ال لي ��س فيها‬ ‫ولو ش ��مل احلي ��اة وملحقيها‬ ‫وحتسب هيكلي ومحيط نفسي‬ ‫بقي ��ة إرثه ��ا م ��ن والديه ��ا‬ ‫وقد ظف ��ر الكتاب ببعض هذا‬ ‫لذل ��ك كان إح ��دى ضرتيه ��ا‬ ‫فنظم «أب ��ي العالء» أحب منه‬ ‫حدي ��ث ع ��ن نظ ��ام ذؤابتيه ��ا‬ ‫ونث ��ر اب ��ن املقف ��ع ال ي ��وازي‬ ‫نث ��ار ال ��ورد من إح ��دى يديها‬ ‫وعل ��م الك ��ون إن لم ي ��رو عنها‬ ‫ف ��ذا ال ينطل ��ي أب ��د ًا عليه ��ا‬ ‫ولك ��ن م ��ن كتاب ��ي ل ��ي اعتذار‬ ‫فه ��ل هو رائ ��ج في مس ��معيها‬

‫‪112‬‬

‫‪11/3/16 8:13:08 AM‬‬

‫القدر ال ُيغالب‬ ‫كان الوزي� � ��ر األدي� � ��ب ابن العمي� � ��د قبل أن‬ ‫يتصل به املتنبي ينقم عليه ش� � ��هرته‪ ،‬ويش� � ��كو‬ ‫ضع� � ��ف احليلة في إخمال ذك� � ��ره‪ ،‬والغض من‬ ‫قدْرِ هِ‪ ،‬ق� � ��ال بعض صحبه‪ :‬دخل� � ��ت عليه يوماً‬ ‫فوجدت� � ��ه واجماً‪ ،‬وكانت أخت� � ��ه قد ماتت عن‬ ‫قريب‪ ،‬فظننته واجماً ألجلها‪ ،‬فقلت‪ :‬ال يُحزن‬ ‫الله الوزير‪ ،‬فما اخلبر؟ قال‪ :‬إنه ليغيظني أمر‬ ‫هذا املتنبي واجتهادي في أن أخمل ذكره‪ ،‬وقد‬ ‫ورد علي نيف وستون كتاباً في التعزية ما منها‬ ‫صدر بقوله‪:‬‬ ‫إال وقد ّ‬ ‫طوى اجلزيرة حتى جاءني نبأ‬ ‫فزعت فيه بآمالي إلى الكذب‬ ‫حتى إذا لم يدع لي صدقه أم ًال‬ ‫شَ ِرقْ ُت بالدمع حتى كاد يشرقُ بي‬ ‫فكيف الس� � ��بيل إلى إخم� � ��ال ذكره؟ قلت‪:‬‬ ‫القدر ال يُغالب‪ ،‬والرجل ذو حظ من إش� � ��اعة‬ ‫الذكر‪ ،‬وإش� � ��هار االس� � ��م‪ ،‬فاألولى أال تش� � ��غل‬ ‫فكرك بهذا األمر‪.‬‬ ‫وال تتنحنح‬ ‫ع� � ��ن اب� � ��ن األعرابي ق� � ��ال‪ :‬ق� � ��ال رجل من‬ ‫األعراب ألخيه‪ :‬أتش� � ��رب اخلاث� � ��ر من اللنب وال‬ ‫تتنحنح؟ فقال‪ :‬نعم‪ .‬فلما شربه آذاه فقال‪ :‬كبش‬ ‫أملح‪ ،‬ونبت أقبح‪ ،‬وأنا فيه أسجح‪ .‬فقال أخوه‪:‬‬ ‫قد تنحنحت‪ .‬فقال‪ :‬من تنحنح فال أفلح‪.‬‬ ‫ً‬ ‫غليظا‪،‬‬ ‫(خ ّثَ� � ��ر اللَّنبَ‪ :‬ونح َوه جعل� � ��ه ثخينًا‬ ‫رائ ًبا‪ ،‬ح َّوله من ما َّدة س� � ��ائلة إلى ما َّدة جامدة‬ ‫ص ْوتُ ُه‬ ‫َنحنَ َح ال َّر ُج ُل‪ :‬تَ� � � َر َّد َد َ‬ ‫أو ش� � ��به جامدة‪ ،‬ت ْ‬ ‫فِ � � ��ي َحن َْج َرتِهِ ‪ ،‬ر ّدد في جوف� � ��ه صوتًا كال ُك ّحة‬ ‫استرواحا)‪.‬‬ ‫ً‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 112-115.indd 112‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫يغنِّ ي لي‬ ‫كان بش� � ��ار بن برد يحشو شعره إذا أعوزته‬ ‫القافية واملعنى باألش� � ��ياء التي ال حقيقة لها‪،‬‬ ‫فمن ذلك أنه أنشد يوماً شعراً له فقال فيه‪:‬‬ ‫غنني للغريض يا ابن قنان‬ ‫فقيل له‪َ :‬من ابن قنان هذا؟ لس� � ��نا نعرفه‬ ‫بني املغنني في البصرة!‬ ‫فقال بشار‪ :‬وما عليكم منه؟ ألكم عليه َديْن‬ ‫فتطالبون� � ��ه به؟ أو ثأر تري� � ��دون أن تدركوه؟ أو‬ ‫كفلت لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره؟‬ ‫ُ‬ ‫فقال� � ��وا‪ :‬ليس بيننا وبينه ش� � ��يء من هذا‪،‬‬ ‫وإمنا أردنا أن نعرفه‪.‬‬ ‫فق� � ��ال‪ :‬هو رج � � � ٌل يغنِّي ل� � ��ي وال يخرج من‬ ‫بيتي‪.‬‬ ‫فقالوا له‪ :‬إلى متى؟‬ ‫فقال‪ :‬منذ يوم ُولدت وإلى يوم ميوت!‬ ‫دخان جاري‬ ‫قيل ألشعب‪ :‬ما بلغ من طمعك؟ قال‪ :‬أرى‬ ‫فأفت خبزي‪.‬‬ ‫دخان جاري‬ ‫ُّ‬ ‫أربع حرائر‬ ‫ً‬ ‫قال احلجاج يوم � � �ا وعنده أصحابه‪ ،‬أما‬ ‫إن� � ��ه ال يجتمع لذة لرجل حت� � ��ى جتتمع أربع‬ ‫حرائ� � ��ر في منزل� � ��ه يتزوجهن‪ ،‬فس� � ��مع ذلك‬ ‫ش� � ��اعر من أصحاب� � ��ه يقال ل� � ��ه الضحاك‪،‬‬ ‫فعم� � ��د إلى كل ما ميلك فباع� � ��ه وتزوج أربع‬ ‫نس� � ��وة‪ ،‬فلم توافقه واحدة منهن‪ ،‬فأقبل إلى‬ ‫احلجاج‪ ،‬فقال‪ :‬سمعتك أصلحك الله تقول‪:‬‬ ‫ال جتتمع لرجل لذة حتى يتزوج أربع حرائر‪،‬‬ ‫فعمدت إل� � ��ى قليلي وكثيري‪ ،‬فبعته وتزوجت‬ ‫أربع � � �اً فلم توافقني واحدة منهن‪ ،‬أما واحدة‬ ‫منهن فال تعرف الل� � ��ه وال تصلي وال تصوم‪،‬‬ ‫والثانية حمقاء ال تتمالك‪ ،‬والثالثة متبرجة‪،‬‬

‫والرابعة وره� � ��اء ال تعرف ضرها من نفعها‪،‬‬ ‫وقد قلت فيهن شعراً‪ ،‬قال‪ :‬هات ما قلت لله‬ ‫أبوك‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫تزوجت أبغي قرة العني أربع ًا‬ ‫في ��ا ليتن ��ي والل ��ه ل ��م أتزوج‬ ‫ويا ليتني أعمى أصم ولم أكن‬ ‫تزوجت بل يا ليتني كنت مخدج‬ ‫فواح ��دة ال تع ��رف الل ��ه ربها‬ ‫ولم تدر ما التقوى وال ما التحرج‬ ‫وثانية حمقاء رعناء سخيفة‬ ‫فكل الذي تأتي من األمر أعوج‬ ‫وثالث ��ة م ��ا إن تق ��ر ببيته ��ا‬ ‫مــــذك ��رة مــــش� �هــــــورة تتب ��رج‬ ‫ورابع ��ة ورهاء ف ��ي كل أمرها‬ ‫مفروكة هوجاء من نسل أهوج‬ ‫فه ��ن ط�ل�اق كله ��ن بوائ ��ن‬ ‫ثالث ًا بتات ًا فاشهدوا ال أجللج‬ ‫فضحك احلجاج حتى كاد يس� � ��قط من‬ ‫سريره‪ ،‬ثم قال له‪ :‬كم مهورهن؟ قال‪ :‬أربعة‬ ‫آالف دره� � ��م‪ .‬فأم� � ��ر ل� � ��ه باثني عش� � ��ر ألف‬ ‫درهم >‬

‫‪113‬‬

‫‪11/3/16 8:13:14 AM‬‬

‫‪dec 112-115.indd 113‬‬


‫طرائف غربية‬

‫«واشنطن بوست»‪ ،‬وبأن السيدة املدع ّوة حلضور‬ ‫حفل الزفاف امللكي ال متلك نفقات الرحلة إلى‬ ‫إجنلترا‪ ،‬فعرضت عليها أن تدفع لها ألف دوالر‬ ‫ وه� � ��و مبلغ كبي� � ��ر في ذلك الوق� � ��ت ‪ -‬على أن‬‫تك� � ��ون مندوبة لها هناك وتوافيها مبش� � ��اهداتها‬ ‫ومالحظاتها أوالً فأوالً بلغتها البس� � ��يطة وبغير‬ ‫تكلّ� � ��ف‪ .‬وقد قامت الس� � ��يدة بالرحل� � ��ة‪ ،‬وتابعت‬ ‫الصحيفة نشر رسائلها التلقائية البسيطة التي‬ ‫لقيت ترحيباً كبيراً من الق ّراء‪.‬‬

‫امللكة إليزابيث‬

‫هدية مقبولة‬ ‫في أعق� � ��اب أحداث احلرب العاملي� � ��ة الثانية‪،‬‬ ‫وبعد مرور عامني على انتهائها‪ ،‬قرأت س� � ��يدة‬ ‫أمريكي� � ��ة متوس� � ��طة احلال مق� � ��االً في إحدى‬ ‫الصح� � ��ف عن زواج األمي� � ��رة إليزابيث ‪ -‬ملكة‬ ‫إجنلت� � ��را فيما بعد ‪ -‬جاء في� � ��ه أن األميرة لن‬ ‫تشتري سوى عدد محدود من الثياب للعرس‪،‬‬ ‫ألن املالبس كانت توزع بالبطاقات‪ .‬وس� � ��رعان‬ ‫م� � ��ا قامت هذه الس� � ��يدة بإع� � ��داد ثوب عرس‬ ‫بسيط‪ ،‬أرسلته إلى األميرة مع رسالة شرحت‬ ‫فيه� � ��ا الدافع له� � ��ا إلهداء هذا الث� � ��وب لها‪...‬‬ ‫وذك� � ��رت أنها وإن كانت تتمنى أن تقبل األميرة‬ ‫هديتها املتواضعة‪ ،‬ولكنها تترك لها كل احلرية‬ ‫في عدم قبولها وإعادة الثوب لها‪.‬‬ ‫وكان أن قبل� � ��ت األميرة إليزابيث هدية الس� � ��يدة‬ ‫األمريكية‪ ،‬وكتبت إليها تش� � ��كرها وتدعوها إلى‬ ‫مشاهدة حفلة الزفاف‪ ...‬وعلمت بذلك صحيفة‬

‫‪114‬‬

‫‪11/3/16 8:13:18 AM‬‬

‫املال ملن؟‬ ‫كان الدكت� � ��ور أنطونيو س� � ��االزار رئيس � � �اً لوزراء‬ ‫البرتغال في القرن املاض� � ��ي‪ ،‬وكانت له تعليقات‬ ‫طريفة يد ّونها على املذكرات التي تقدم له‪ .‬وذات‬ ‫ي� � ��وم ُطلب إلي� � ��ه أن يعتمد مبلغاً م� � ��ن املال إعانة‬ ‫لفرقة من املغنني كانت تعتزم السفر خارج البالد‪،‬‬ ‫فرفض الطلب وكتب على املذكرة التي قدمت له‪:‬‬ ‫«كي� � ��ف أعطي ماالً ملن يغنون‪ ،‬في الوقت الذي ال‬ ‫أجد فيه املال الكافي ملن يبكون؟!»‪.‬‬ ‫برود‬ ‫وقف رجل على جس� � ��ر واترلو يدخن غليونه في‬ ‫مساء كثيف الضباب‪ ،‬وفجأة برزت من الضباب‬ ‫امرأة مشعثة الش� � ��عر‪ ،‬جاحظة العينني‪ ،‬وأخذت‬ ‫تغمغم‪:‬‬ ‫«كل يوم خميس منذ سنتني وهو يأتي في املوعد‪.‬‬ ‫ف� � ��ي الثامن� � ��ة متاماً م� � ��ن مس� � ��اء كل خميس كان‬ ‫يأتي‪ ...‬وها هو اليوم لم يحضر! وقلبي يح ّدثني‬ ‫أنه لن يحضر بعد اليوم!»‪ .‬وما إن قالت هذا حتى‬ ‫تسلقت السور وألقت بنفسها في نهر التاميز‪.‬‬ ‫وظل الس� � ��يد الوقور يدخن الغلي� � ��ون وحده وهو‬ ‫يرق� � ��ب هذا املش� � ��هد‪ ،‬وبعد أن انته� � ��ى متاماً من‬ ‫تدخني غليونه راح يطرق السور بغليونه ليفرغه‪،‬‬ ‫وه ّز رأسه وهو يقول بهدوء تام‪:‬‬ ‫ يا لها م� � ��ن مغفلة‪ ،‬فاليوم ه� � ��و األربعاء وليس‬‫اخلميس!‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 112-115.indd 114‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫أمام األطباء‬ ‫نظم������ت أكادميي������ة الطب ف������ي «تورونتو»‬ ‫مؤتـــمراً طبــــي������اً ذات يــــ������وم‪ ،‬وجـــــاء دور‬ ‫صحفي يدعى روبرتس������ون ديفيز ليلــــقي‬ ‫كلم������ة أم������ام احلاضري������ن ومعظمهم من‬ ‫األطب������اء‪ ،‬فش������عر ببع������ض اخلج������ل أمام‬ ‫امليكروف������ون‪ ...‬وق������ال معت������ذراً‪« :‬س������وف‬ ‫تتفهمون س������بب اضطرابي عندما تعرفون‬ ‫أنن������ي لم أعتد التحدث إل������ى األطباء وأنا‬ ‫ٍ‬ ‫مرتد ثيابي!»‪.‬‬ ‫اختبار‬ ‫سأل طبيب إدارة التجنيد املجند اجلديد‪:‬‬ ‫ هل لديك أي عيوب طبيعية؟‬‫فقال‪:‬‬ ‫ أجل يا سيدي‪ ...‬ليس عندي شجاعة!‬‫سبب مقنع‬ ‫ُسئل السياسي األمريكي ادالي ستيفنسن‪:‬‬ ‫«ه������ل ترش������ح نفس������ك النتخابات رئاس������ة‬ ‫اجلمهورية مرة أخرى؟» فرد برواية القصة‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫«د ّمرت احلرب النووية األرض و َمن عليها‪،‬‬ ‫وأس������فر اخلراب عن جناة ق������رد خرج من‬ ‫أحد الكه������وف‪ ،‬ليجد قردة تخرج من كهف‬ ‫مجاور‪ .‬وبعد فترة ش������عر باجلوع‪ ،‬فسألها‪:‬‬ ‫«هل لديك ش������يء نأكله؟»‪ ...‬دخلت القردة‬ ‫إل������ى الكهف ال������ذي كانت تختب������ئ فيه‪ ،‬ثم‬ ‫عادت لتقدم له تفاحة‪.‬‬ ‫فنظ������ر القرد إل������ى التفاحة في ت������ردد‪ ،‬ثم‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ ال‪ ...‬لن نكرر تلك «املأساة» مرة أخرى!‬‫عالج امللل‬ ‫كان املخت������رع األمريك������ي إديس������ون رج ً‬ ‫ال‬

‫املخترع األمريكي إديسون‬

‫بس������يطاً ال يح������ب احلفالت وم������ا يتبعها‬ ‫من رس������ميات وتكلّف‪ ،‬ولكن������ه كان يضطر‬ ‫أحيان������اً إلى حضور بعضها بعد إحلاح من‬ ‫الداعني‪.‬‬ ‫فـــــي إحــــــدى هذه احلـــــفالت شعر بامللل‬ ‫والس������أم‪ ،‬فـــقــــرر أن ينسحب فــــي هــــدوء‬ ‫من دون أن يالحـــــظه أحد‪ ،‬كي يس������ـــتأنف‬ ‫جتارب������ه مبعـــمـــل������ه‪ ،‬فجــــع������ل يتــقـــهــــقـــر‬ ‫بـــــه������دوء إل������ى أن نــــجـــح ف������ي الوصــــول‬ ‫إلى بــــ������اب اخلـــروج لينتـــه������ز الــــفرصــــة‬ ‫للهــــرب خلس������ة‪ ...‬ولك������ن صاحب الدعوة‬ ‫حمله‪ ،‬فأعلن بأعل������ى صــوتــــه أنه يفــخـــــر‬ ‫بأن يك������ون املخت������رع العظـــيـــم م������ن بيــــن‬ ‫مـــدعــــ ّوي������ه‪ ،‬وبالص������وت العــــالي نفــــس������ه‬ ‫س������أله‪« :‬ترى ماذا يش������غل عقلك العظـــيم‬ ‫اآلن؟»‪.‬‬ ‫ولم يتردد إديس������ون في أن يجيب‪« :‬دراسة‬ ‫فن االنسحاب» >‬

‫‪115‬‬

‫‪11/3/16 8:13:23 AM‬‬

‫‪dec 112-115.indd 115‬‬


‫تراث‬

‫النكتة والتلقي‬ ‫في األدب الشفهي اإلفريقي‬ ‫د‪ .‬عبدالجليل غزالة‬

‫كاتب من املغرب‬

‫َك ْي� َ‬ ‫���م تش����كيل النكت����ة ف����ي األدب‬ ‫���ف يت� ُّ‬ ‫الش����فهي اإلفريق����ي؟ م����ا تقني����ات س����ردها‬ ‫وعناصر تكوينها؟ كيف ازدهرت موضوعاتها‬ ‫عب����ر تاري����خ الق����ارة الس����مراء؟ ه����ل يمك����ن‬ ‫التميي����ز بينه����ا وبي����ن بع����ض المصطلحات‬ ‫المش����ابهة كالن����ادرة‪ ،‬والطرف����ة‪ ،‬والملح����ة‪،‬‬ ‫والدعاب����ة أو المزح����ة؟ م����ا أه����م نظري����ات‬ ‫التلقي‬ ‫المفس����رة ألنماطها المعروفة عند‬ ‫ّ‬ ‫األكاديميين والباحثين؟ ما أنواعها الرائجة‬ ‫ف����ي مجتمعات الق����ارة ونماذجها المؤ َّولة‬ ‫حسب هذه النظريات؟‬

‫متثل النكت� � ��ة في األدب الش� � ��فهي اإلفريقي‬ ‫منطاً م� � ��ن القص� � ��ص‪ ،‬أو املواقف والس� � ��ياقات‬ ‫الشعبية املضحكة والقصيرة جداً‪ ،‬أو الومضات‬ ‫الس� � ��ريعة مبختلف دوا ّلها ومدلوالته� � ��ا‪ .‬قد يت ّ ُم‬ ‫تش� � ��كيلها أحياناً من خالل جملة واحدة أو قول‬ ‫س� � ��ردي مقتضب‪ ،‬لكنها مع ذلك تتأس� � ��س على‬ ‫تقنيات س� � ��ردية خاص� � ��ة (بداية‪ ،‬حبك� � ��ة‪ ،‬نهاية)‬ ‫برغم ش� � ��يوع بعض عملي� � ��ات االختزال واحلذف‬ ‫لتفاصيل اتفاقي� � ��ة ع� � ��دة ‪ Conventional‬تكون‬ ‫مألوفة بني طياتها‪.‬‬ ‫يَ ْذ ُك ُر الروائي واألكادميي النيجيري املعروف‪،‬‬ ‫‪116‬‬

‫‪11/3/16 8:13:46 AM‬‬

‫إيزيدور أوكبييهو ‪ Isidore Okpewho‬في كتابه‬ ‫«األدب الش� � ��فهي في إفريقيا» أن النكتة احمللية‬ ‫تكون مقتضبة ج� � ��داً‪ ،‬وال تنج� � ��ز بطريقة كافية‬ ‫وتأن‪ ،‬لكنها ترسم بدقة‬ ‫أو يتم قياس� � ��ها بإحكام‬ ‫ّ‬ ‫اخلصائ� � ��ص اجلمالية واخليال املتنوع املش� � ��كل‬ ‫للعمل املس� � ��رود‪ .‬ويرى ه� � ��ذا الباحث أنها حتمل‬ ‫وظيفة عملية غير مح� � ��دودة في احلياة اليومية‬ ‫اخلاص� � ��ة والعامة‪ ،‬وهو م� � ��ا يجعلها تضارع زيت‬ ‫سعف النخل املتوهج‪ ،‬ألنها تنعش احلياة لتصبح‬ ‫مش� � ��عة وطريفة‪ ،‬كم� � ��ا أنها متنح حياة اإلنس� � ��ان‬ ‫اإلفريق� � ��ي طعماً ومذاقاً خاص � � �اً‪ ،‬فهي مثل امللح‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 116-121.indd 116‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫بالنسبة إلى الطعام‪.‬‬ ‫تَ ْرتَك ُز بعض النكت اإلفريقية على سلسلة من‬ ‫الكلمات الناجزة‪ ،‬إذ تش� � ��يع بني طيات مصادرها‬ ‫ومراجعه� � ��ا املتخصصة مناذج ومت� � ��ون عدة يتم‬ ‫اس� � ��تهاللها بأفع� � ��ال إجنازي� � ��ة ‪Performative‬‬ ‫(يكتب‪ ،‬يش� � ��اه ُد‪،‬‬ ‫مص َّرف� � ��ة ف� � ��ي زمن املض� � ��ارع‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يصي ُح‪ ،‬يقو ُم‪ ،‬يقات ُل‪ ،‬يراو ُغ‪ ،‬يتخلى‪ ،‬يد ّب ُر‪ ،‬يواج ُه‬ ‫‪ /‬يستس� � ��ل ُم‪ )...‬إلث� � ��ارة انتباه املتلقي‪ ،‬وتس� � ��ليته‬ ‫وإبهاجه‪.‬‬ ‫تُ َع ّ ُد النكت أحد ثوابت املجتمعات اإلنس� � ��انية‬ ‫القدمية واحلديثة‪ ،‬ألنها جتس� � ��د مس� � ��توى رقي‬ ‫أو انحط� � ��اط الثقافة واحلض� � ��ارة اخلاصة بكل‬ ‫مجتمع‪ ،‬كما أنها تتميز بعملية «التكثيف» اللغوي‬ ‫والداللي واملقامي‪ ،‬وس� � ��رعة االستمالة واإلقناع‬ ‫للمتلقي‪.‬‬ ‫وقد ازدهر منط النكتة في األدب الش� � ��فهي‬ ‫اإلفريق� � ��ي من خالل س� � ��رد احلكايات الش� � ��عبية‬ ‫املتنوعة التي اهتم� � ��ت مبوضوعات عدة تتحدث‬ ‫ع� � ��ن‪ :‬البخيل‪ ،‬الغني‪ ،‬احملت� � ��ال‪ ،‬الغبي‪ ،‬األحمق‪،‬‬ ‫الذكي‪ ،‬اجلاهل‪ ،‬املدم� � ��ن‪ ،‬العائلة (تربية األبناء‪،‬‬ ‫النكتة والتلقي في األدب الشفهي اإلفريقي‬ ‫‪11/3/16 8:13:51 AM‬‬

‫ال� � ��زواج‪ ،‬الطالق)‪ ،‬امله� � ��ن والوظائ� � ��ف املختلفة‬ ‫(املعلمون‪ /‬العلم� � ��اء‪ ،‬األطباء‪ ،‬التج� � ��ار‪ ،‬العمال‪،‬‬ ‫الفنانون‪ ،‬احلرفي� � ��ون‪ ،)...‬احليوانات‪ ،‬املعامالت‬ ‫والعالقات االجتماعية بني الناس‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫وق� � ��د زامل من� � � َ‬ ‫�ط النكت� � ��ة عب� � ��ر تاريخ هذا‬ ‫األدب منط الن� � ��ادرة والطرفة وامللحة والدعابة‪،‬‬ ‫لكن� � ��ه يتمي� � ��ز عنها باخلف� � ��ة واإلضح� � ��اك‪ ،‬كما‬ ‫أنه يه� � ��دف دائماً إلى نش� � ��ر البس� � ��مة والبهجة‪،‬‬ ‫متج� � ��اوزاً كل التحديدات والتصنيفات التاريخية‬ ‫واالصط��لح� � ��ات املنهجي� � ��ة‪ ،‬والنم� � ��اذج املق ّنن� � ��ة‬ ‫لألشكال األخرى املماثلة‪.‬‬

‫الفرق بني النادرة والطرفة‬ ‫في األدب الشفهي اإلفريقي‬

‫يَ ْذ ُك ُر أوكبييه� � ��و أن كثيراً من الناس يخلطون‬ ‫ب� �ي��ن النادرة والطرف� � ��ة‪ ،‬إذ يوظفونهما في أغلب‬ ‫األحيان على أنهما مصطلحان أدبيان قصصيان‬ ‫مرادفان ومتالزمان لبعضهما مالزمة تامة‪.‬‬ ‫واحلقيق � � � ُة أن النادرة هي ف ّ ٌن قدمي يجس� � ��د‬ ‫حكاي� � ��ة أو قصة أو خبراً قصيراً يصف موقفاً أو‬ ‫‪117‬‬

‫‪dec 116-121.indd 117‬‬


‫حدثاً أو واقعة معينة‪ ،‬مثل نوادر أشعب املشهورة‬ ‫في األدب العربي‪ .‬أما الطرفة فتدل على املوضوع‬ ‫القصير الذي يحتوي على القصد الكبير‪ ،‬حيث‬ ‫يت� � ��م بناؤها بطريقة بس� � ��يطة ومضحكة لوصف‬ ‫موقف موجز بأسلوب دعابي مرح و ُم َس ّل‪ ،‬لكنها‬ ‫مع ذلك تكتنز ب� �ي��ن ثناياها عبراً ومواعظ ج َّمة‪،‬‬ ‫كم� � ��ا أنها تهدف إل� � ��ى خلق املتعة والتس� � ��لية في‬ ‫النفس‪ ،‬ونشر معاني األخالق والتربية احلسنة‪.‬‬ ‫اش� � ��ته َر اجلاحظ ف� � ��ي أدبنا العرب� � ��ي بكتابة‬ ‫أروع الن� � ��وادر والطرائ� � ��ف م� � ��ن خالل رس� � ��ائله‬ ‫املتنوعة‪ ،‬والثعالبي ف� � ��ي كتابه «خاص اخلاص»‪،‬‬ ‫واألصفهاني في مصنَّفه «األغاني»‪ ،‬واألبش� � ��يهي‬ ‫في إجنازه املوس� � ��وم بـ «املس� � ��تطرف في كل فن‬ ‫مستظرف»‪.‬‬ ‫وجن ُد بعض التماثل بني النادرة والطرفة من‬ ‫خالل اش� � ��تمالهما على دالالت ورموز صريحة‪،‬‬ ‫وبراه� �ي��ن ترتب� � ��ط بقضايا الن� � ��اس الفعلية‪ ،‬كما‬ ‫أنهما متيالن معاً إلى نقد بعض أنواع الس� � ��لوك‬ ‫أو الصفات اخللقية واملثالب البارزة التي يسعى‬ ‫الكاتب إلى جعل املتلقي يبتعد عنها‪ .‬وتش� � ��ترك‬ ‫الطرف� � ��ة والنادرة أيضاً في س� � ��رد حدث محدود‬ ‫دون االلتزام بالش� � ��كل البالغي املن َّمق‪ ،‬بل إنهما‬ ‫ترك� � ��زان على التلقائية في الس� � ��رد للوصول إلى‬ ‫عقل املتلق� � ��ي وعاطفته م� � ��ن دون أي حواجز أو‬ ‫مثبطات‪.‬‬

‫أهداف النادرة والطرفة في األدب اإلفريقي‬

‫إ ّنَها تتجلَّ� � ��ى واضحة املعالم من خالل تكرار‬ ‫وسيطرة بعض املكونات والعناصر احملورية على‬ ‫أغلب األعمال املعروفة في هذا املجال‪:‬‬ ‫‪ - 1‬االهتمام بنشر العبرة واملوعظة والتربية‬ ‫واألخالق احلسنة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬االعتماد على مناذج من احلياة اإلنسانية‬ ‫بتجاربها ومواقفها املختلفة‪.‬‬ ‫‪ - 3‬االختزال اجليد للفضاء «الزمكاني» في‬ ‫احلياة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬التركيز على عملية اإلمتاع والس� � ��خرية‬ ‫الطريفة‪.‬‬ ‫‪ - 5‬االس� � ��تعمال االصطالحي للغة الرسمية‬ ‫‪118‬‬

‫‪11/3/16 8:13:57 AM‬‬

‫العام� � ��ة‪ ،‬واالعتماد في أثناء الس� � ��مر على قضاء‬ ‫الوقت وحسن تدبيره‪ ،‬والتسلية‪ ،‬واالستفادة من‬ ‫العبر والتجارب‪.‬‬ ‫واملالح� � � ُ‬ ‫�ظ أ َّن من� � ��ط الن� � ��ادرة والطرف� � ��ة‬ ‫املنتش� � ��رتني في األدب الش� � ��فهي اإلفريقي يعالج‬ ‫موضوع� � ��ات جدية وواقعية تقوم بس� � ��رد أحداث‬ ‫تتعلق بشخصيات وأحداث معروفة‪.‬‬ ‫ويتمي ُز أدبن� � ��ا العربي القدمي على مس� � ��توى‬ ‫العالم بتو ُّفره على أرق� � ��ى النوادر والطرائف من‬ ‫حيث قوة البالغة وعمق التصوير وجودة اإليحاء‬ ‫والكثرة والتنوع‪ ،‬وهو ما يس� � ��تميل املتلقي ويثيره‬ ‫بشدة‪.‬‬ ‫َمِ‬ ‫كما يَ ْعت � � � ُد بناء النكتة في األدب الش� � ��فهي‬ ‫اإلفريقي على عناصر موسومة‪:‬‬ ‫أ‪ -‬متي � � � ُز اخلصائ� � ��ص اجلمالي� � ��ة والفكرية‬ ‫واملقامية عند الواضع الضمني‪/‬السارد الفعلي‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬شيو ُع اخليال املرح واإلضحاك والفكاهة‬ ‫والدعابة اآلنية على حساب اآلخرين‪.‬‬ ‫ج‪ -‬وج� � ��و ُد بع� � ��د ثان� � ��وي للحكم� � ��ة واجل� � ��د‬ ‫واملوضوعية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫توظيف اللغة الواصفة ‪Metalanguage‬‬ ‫د‪-‬‬ ‫الشعبية احملكية‪.‬‬ ‫هـ ‪ -‬تنو ُع الرموز والتلقي واملقاصد‪.‬‬ ‫يَنْت َِش � � � ُر إلقاء النكتة وتت� � ��م إذاعتها بني املأل‬ ‫في املجتمع اإلفريقي عن طريق بعض امللتقيات‬ ‫والتجمعات واجللس� � ��ات واالحتفاالت والطقوس‬ ‫التي يختل� � ��ف فيها عدد احلاضرين‪ .‬ويرى بعض‬ ‫الفولكلوريني في القارة السمراء أن النكتة احمللية‬ ‫مستقر‪ ،‬وإمنا تتطور عبر‬ ‫ال يتم اختراعها بشكل‬ ‫ٍّ‬ ‫السنني ومن خالل سمات وعقليات الرواة‪ ،‬حيث‬ ‫بحلَّ� � � ٍ�ة مختلفة‪،‬‬ ‫تتجلى ف� � ��ي كل مرحلة تاريخية ُ‬ ‫راس� � ��مة بذلك أد َّق معالم الوسط الثقافي الذي‬ ‫ينتجها‪ .‬ويذكر بعض الباحثني احملليني الغيورين‬ ‫على ه� � ��ذا الفن األدبي أنه يحم� � ��ل قيماً جمالية‬ ‫متنوعة تخل� � ��ق ردود أفعال عن� � ��د أفراد املجتمع‬ ‫من خالل احلركة التي جتسدها عملية الضحك‬ ‫الفعلي ال� � ��ذي يحرك خمس عش� � ��رة عضلة في‬ ‫الوجه‪ .‬إن هذه التجرب� � ��ة األدبية اجلمالية تفيد‬ ‫اجلس� � ��م صحي � � �اً‪ ،‬ألنها مت� � ��د ال� � ��دم املتدفق في‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 116-121.indd 118‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫ّض من نسبة‬ ‫اجلسم مبزيد من األكسجني‪ ،‬وتخف ُ‬ ‫هرمونات التوتر والقلق‪ ،‬وتق ّوي مناعة اجلسم‪.‬‬ ‫َواْلواض ُح أن عملية الضحك تعد وثيقة الصلة‬ ‫بالنكتة وطرافتها وتغلغلها في املجتمع اإلفريقي‪،‬‬ ‫لكن القابلية لهذه العملية تختلف بني األشخاص‬ ‫تبعاً لنوع التربية‪ ،‬واجلنس‪ ،‬والعمر‪ ،‬والوس� � ��ط‪،‬‬ ‫واجلانبني النفسي‪ ،‬والعقلي‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ :‬نظرية التنافر‬

‫نظريات التلقي للنكتة‬ ‫في األدب الشفهي اإلفريقي‬ ‫أو ًال‪ :‬نظرية التفوق‬

‫ثالث ًا‪ :‬نظرية الترويح‪:‬‬

‫يَ َرى بعض األكادمييني األفارقة املتخصصني‬ ‫أن هذه النظرية تس� � ��عى إلى حتديد النكتة على‬ ‫أنه� � ��ا ف ّ ٌن أدبي يتوخى خلق الس� � ��عادة الس� � ��ريعة‬ ‫النكتة والتلقي في األدب الشفهي اإلفريقي‬ ‫‪11/3/16 8:14:03 AM‬‬

‫واملباغتة عند املتلقي‪ ،‬وإضحاكه ونش� � ��ر البهجة‬ ‫والتسلية في نفسه‪.‬‬ ‫وح َوار ّيُوها أن‬ ‫يذك� � ��ر أرباب ه� � ��ذه النظري� � ��ة َ‬ ‫النكتة تنش� � ��أ من خالل املزج والتداخل بش� � ��كل‬ ‫مباغ� � ��ت بني األم� � ��ور املنطقية الالئق� � ��ة أخالقياً‬ ‫واجتماعياً واألمور العبثية غير العابئة‪.‬‬ ‫يفس� � ��ر املهتمون والراسخون في هذا املجال‬ ‫العالق� � ��ة القائمة بني الضح� � ��ك والنكتة الرائجة‬ ‫ف� � ��ي األدب اإلفريق� � ��ي‪ ،‬حي� � ��ث يرى س� � ��يجموند‬ ‫فروي� � ��د ‪ Freud‬من خالل بع� � ��ض متون ‪Corpus‬‬ ‫‪119‬‬

‫‪dec 116-121.indd 119‬‬


‫التحليل النفسي التي وظفها في أبحاثه أن هناك‬ ‫«نكتاً» ماكر ًة حترر الشخص الضاحك من القلق‬ ‫واألفكار السلبية والسوداوية‪.‬‬ ‫لذلك فإن الهدف األسمى لهذا الفن الشفهي‬ ‫في القارة الس� � ��مراء هو القضاء على حالة القلق‬ ‫والتوتر من خالل حتريك عضالت الوجه واجلهاز‬ ‫التنفسي‪ ،‬وهو ما يجعل النكتة تشيع حسب هذه‬ ‫النظرية الضحكة‪ ،‬وتغسل خبايا النفس‪ ،‬وتطرد‬ ‫العواطف السلبية‪ ،‬وتقاوم احلزن والتشاؤم‪.‬‬

‫أنواع النكت‬ ‫في األدب الشفهي اإلفريقي املعاصر‬

‫ص ّن� � � ُ‬ ‫�ف الباحث� � ��ون األفارق� � ��ة املتخصصون‬ ‫يُ َ‬ ‫أمناط � � �اً عدة من النكت� � ��ة تعد فاعل� � ��ة ومحورية‬ ‫في ه� � ��ذا األدب باالعتماد على تقنيات الس� � ��رد‬ ‫‪ Narrative‬التي توجهها‪ .‬جند عندهم‪:‬‬

‫‪ - 1‬النكتة السياسية‬

‫طابع الدعابة والتسلية والسخرية اخلفيفة‪.‬‬

‫‪ - 3‬النكتة االجتماعية‬

‫تشكل في األدب الشفهي اإلفريقي املعاصر‬ ‫أحد أبرز مظاهره النقدية واملرايا العاكس� � ��ة‪ ،‬إذ‬ ‫تتن� � ��وع وتتعدد التلميحات بالنس� � ��بة إلى املواقف‬ ‫واملش� � ��كالت والظواه� � ��ر االجتماعي� � ��ة مبختلف‬ ‫طقوسها ومواسمها‪ ،‬وتتداخل الصفات والنعوت‬ ‫العارض� � ��ة عند أف� � ��راد املجتمع‪ ،‬كم� � ��ا أنها متزج‬ ‫احلقيقة باخليال والسحر وبعض أعمال الشعوذة‬ ‫(شخصية املارد‪ /‬العفريت‪ ،‬الغول (ة)‪ ،‬آكل حلوم‬ ‫البشر‪ ،‬التميمة ‪ /‬التعويذة‪ ،‬اجلنّي‪ ،‬الساحر (ة) ‪/‬‬ ‫املبج ُل‪ ،‬اإلله‪ ،‬أنواع العالقات واملعامالت‬ ‫الكاهن‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫في األس� � ��واق والوظائف واملهن‪ ،‬احلياة العائلية‪،‬‬ ‫املؤسسات املتنوعة‪ ،‬املعابد الدينية‪ ،‬صورة البالد‬ ‫واملواطن‪.)...‬‬

‫‪ - 4‬النكتة االقتصادية‬

‫تعالج األوض� � ��اع والقضاي� � ��ا االقتصادية في‬ ‫املجتمعات اإلفريقية بطريقة س� � ��اخرة ومسلية‪،‬‬ ‫وتبرز قوة تأثيرها على املتلقي‪.‬‬

‫تعال� � ��ج موضوع� � ��ات وقضاي� � ��ا االس� � ��تبداد‬ ‫والدكتاتوري� � ��ة وال � � � ّرقّ ف� � ��ي الق� � ��ارة الس� � ��مراء‪.‬‬ ‫وتتك� � ��رر كلمات معجمي� � ��ة ومصطلحات منهجية‬ ‫خاصة في هذا الصدد (الزعيم‪ ،‬س� � ��يد القبيلة‪،‬‬ ‫اجلماعة العرقي� � ��ة‪ ،‬احلرب‪/‬االغتيال‪ ،‬املؤامرة‪،‬‬ ‫احلدود‪ ،‬الع� � ��دو‪ ،‬التحالف‪ ،‬احلاكم العس� � ��كري‪،‬‬ ‫الوثيق� � ��ة‪ ،‬القرار السياس� � ��ي‪ ،‬البرمل� � ��ان‪ ،‬الهيئة‪،‬‬ ‫الصراع‪ ،‬املخابرات‪ ،‬الشفرة‪ ،‬اجلاسوس‪ /‬صياد‬ ‫اجلواسيس‪ ،‬الهدنة‪ ،‬االجتماع‪ ،‬املجلس الوطني‪،‬‬ ‫الهزمية ‪ /‬النصر‪ ،‬القروي ‪ /‬احلضري‪ ،‬األهالي‬ ‫‪ /‬األجنبي‪ ،‬املستعمر‪ ،‬الدخيل‪ ،‬التدخل‪ ،‬املواطن‪،‬‬ ‫احلكوم� � ��ة‪ ،‬االئت� �ل��اف‪ ،‬حط� � ��ام األس� � ��لحة‪،) ...‬‬ ‫واستعارات عدة ورموز وصفات ونعوت متشابهة‬ ‫سياسياً‪.‬‬

‫يتمي� � ��ز هذا اجلنس األدبي الس� � ��ردي في القارة‬ ‫الس� � ��مراء ببع� � ��ض الس� � ��مات واأله� � ��داف واملقاصد‬ ‫اخلاصة‪:‬‬ ‫أ‪ -‬إبعاد الهموم واالضطهاد والتفرقة العنصرية‬ ‫عن أفراد املجتمع احمللي‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬إطالع القيادات واملس� � ��ؤولني على القضايا‬ ‫املهمة واملستعجلة‪.‬‬ ‫ج‪ -‬تنوير املتلقي بالواقع واملقاصد املهمة‪.‬‬ ‫د‪ -‬توظيف اللغة احملكية‪ ،‬واالبتعاد عن االجترار‬ ‫واالستهالك السالب للشخصية والهوية احمللية‪.‬‬

‫‪ - 2‬النكتة التاريخية‬

‫مناذج من نكت املجالس اإلفريقية‬

‫ترتب� � ��ط موضوعاته� � ��ا بالزعم� � ��اء واملل� � ��وك‬ ‫والس� �ل��اطني واألمراء احملليني وقادة اجلماعات‪،‬‬ ‫واألح� � ��داث والتقلب� � ��ات الت� � ��ي س� � ��اهموا فيها أو‬ ‫صاحبتهم ف� � ��ي حقبة زمنية محددة م� � ��ن التاريخ‬ ‫احمللي‪ .‬ويضفي هذا النوع من النكتة على القضايا‬ ‫‪120‬‬

‫‪11/3/16 8:14:06 AM‬‬

‫سمات النكتة في األدب اإلفريقي الشفهي‬

‫حملت إح� � ��دى اإلفريقيات بثالثة توائم‪،‬‬ ‫‪-1‬‬ ‫ْ‬ ‫وعند الوالدة أخرج الطبيب الطفل األول فوجده‬ ‫نائماً‪ ،‬فضربه حتى صرخ‪ ،‬ثم أخرج الطفل الثاني‬ ‫وفعل معه الشيء نفسه‪ .‬بحث عن الطفل الثالث‬ ‫فل� � ��م يجده‪ ،‬فطلب من املمرض� � ��ة إمتام العملية‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 116-121.indd 120‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫بحث� � ��ت بدورها ع� � ��ن هذا الطف� � ��ل‪ ،‬فرأته يخرج‬ ‫رأس� � ��ه بحذر‪ ،‬وهو يس� � ��أل متوجس � � �اً‪ :‬هل ذهب‬ ‫الرجل الذي يضرب األطفال أم مازال هنا؟‬ ‫‪َّ - 2‬‬ ‫مت تعيني أحد املدمنني مبستش� � ��فى إفريقي‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫حكومي‪ ،‬ف� � ��ازداد عدد الوفيات‪ ،‬ومل� � ��ا مت البحث في‬ ‫املوضوع وجد املسؤولون أنه كان يفصل تيار اإلنعاش‬ ‫عن املرضى ليشحن هاتفه الن َقّال‪.‬‬ ‫‪ - 3‬سأل الولد السنغالي والده‪ :‬ما أصلنا يا أبت؟‬ ‫أج� � ��اب الوالد‪ :‬نحن من أصل آدم وحواء يا بني‪ .‬طرح‬ ‫السؤال نفس� � ��ه على أمه‪ ،‬فردت عليه‪ :‬أصلنا قرود يا‬ ‫بني‪ .‬تعجب الولد‪ ،‬فعاد إلى والده يجادله‪ :‬هل أصلنا‬ ‫فع� �ل � ً‬ ‫ا قرود يا أبت؟ س� � ��أله أبوه‪ :‬م� � ��ن قال ذلك؟ رد‬ ‫كنت أقص ُد أصل عائلتي‪،‬‬ ‫الول� � ��د‪ :‬أمي‪ .‬قال األب‪ :‬أنا ُ‬ ‫وال عالقة لي بأصل عائلة أمك يا بني‪.‬‬ ‫تزوجت إحدى نساء زجنبار املُوسرات رج ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫‪-4‬‬ ‫ْ‬ ‫وملا دخل منزلها وجد ثالث ق َّبعات معلَّقة‪ ،‬فلما سألها‬ ‫أجابت‪ :‬القبعة األولى لزوجي الذي مات غرقاً‪ ،‬والثانية‬ ‫لزوجي الذي مات محترقاً‪ ،‬والثالثة هي لزوجي الذي‬ ‫مات مغ� � ��دوراً‪ ،‬فقال لها‪ :‬خذي ه� � ��ذه قبعتي‪ ،‬وقولي‬ ‫للناس‪ :‬هي لزوجي الذي نَ َف َذ بجلده‪.‬‬ ‫النكتة والتلقي في األدب الشفهي اإلفريقي‬ ‫‪11/3/16 8:14:10 AM‬‬

‫‪ - 5‬قال أحد األفارقة لزوجته‪ :‬قرأت في كتب‬ ‫تاريخ األدب العربي أنهم كانوا يستعملون أسما ًء‬ ‫مثل املنتصر بالله‪ ،‬واملعتصم بالله‪ ،‬واحلاكم بأمر‬ ‫الله‪ ،‬فماذا كانوا سيس� � ��مونني ل� � ��و كنت موجوداً‬ ‫س� � ��اعتئذ؟ فردت عليه بس� � ��رعة‪ :‬أكي� � ��د‪ ،‬كانوا‬ ‫سيس ّ ُم َ‬ ‫ونك أعوذ بالله‪ ،‬أو منك لله‪.‬‬ ‫لقد أخضع نف ٌر من الباحثني األفارقة التطوريني‬ ‫األوائ� � ��ل هذه النك� � ��ت وغيرها للنظريات التفس� � ��يرية‬ ‫املذكورة س� � ��ابقاً‪ ،‬كما أضاف بعض أندادهم وتابعيهم‬ ‫املتأخري� � ��ن تأويالت جديدة جتنح نحو أنواع من النقد‬ ‫والتحليل التي سيطرت في نهاية القرن املاضي‪ ،‬كالنقد‬ ‫الش� � ��كالني‪ ،‬والبنيوي‪ ،‬ونقد ما بعد احلداثة‪ ،‬ونظرية‬ ‫التلق� � ��ي‪ ،‬والتفكيك‪ ،‬واملاركس� � ��ية اجلدي� � ��دة‪ ،‬واملادية‬ ‫الثقافية‪ ،‬والتاريخية اجلديدة‪ ،‬والنقد الثقافي‪ ،‬والنقد‬ ‫النسوي‪ ،‬ومنهجيات منبثقة عن املجال األنثروبولوجي‪.‬‬ ‫حتظ� � ��ى بعض األعم� � ��ال اإلفريقية املعاص� � ��رة املهتمة‬ ‫بفن النكتة بنصيب األس� � ��د‪ ،‬حيث تُو ّلي وجهها شطر‬ ‫املنهجيات املعروفة حالياً كاللسانيات‪ ،‬والسيميائيات‪،‬‬ ‫والتداوليات‪ ،‬ولس� � ��انيات الن� � ��ص واخلطاب والبالغة‬ ‫احلجاجية اجلديدة وغيرها >‬ ‫‪121‬‬

‫‪dec 116-121.indd 121‬‬


‫شخصيات‬

‫‪ 400‬سنـــــة علـــــى رحيلــــه‬

‫هل كان شكسبير من أصول عربية؟‬ ‫جهــاد فاضـــل‬ ‫قد يبدو عن���وان المقال غريب��� ًا للوهلة‬ ‫األول���ى‪ ،‬إذ أي صل���ة يمكن أن يعقدها‬ ‫الباح���ث بي���ن الش���اعر والمس���رحي‬ ‫اإلنجليزي وليم شكس���بير‪ ،‬الذي عاش‬ ‫في القرن السادس عشر وبين العرب‪،‬‬ ‫وهو ل���م يزر الب�ل�اد العربية يوم��� ًا‪ ،‬ولم‬ ‫يكن يع���رف العربية أص�ل�ا‪ ،‬ولم يطلع‬ ‫بالتالي على ما خ ّلفه العرب من تراث‬ ‫ليتأثر به أو ليحذو حذوه؟‬

‫إن هذا الش� � ��اعر واملس� � ��رحي اإلجنليزي لم يكن‬ ‫مجرد واحد من الش� � ��عراء واملس� � ��رحيني اإلجنليز‪ ،‬بل‬ ‫كان فخر «الصناع� � ��ة» األدبية اإلجنليزية عبر التاريخ‪،‬‬ ‫مثله مث� � ��ل املتنبي عند العرب‪ ،‬أو جوت� � ��ه عند األملان‪،‬‬ ‫أو هيغو عند الفرنس� � ��يني‪ .‬وال ش� � ��ك ف� � ��ي أن اإلجنليز‬ ‫لو بلغه� � ��م أن الع� � ��رب ينازعونهم شكس� � ��بير‪ ،‬وي ّدعون‬ ‫عروبت� � ��ه‪ ،‬لفقدوا عقولهم‪ ،‬ونس� � ��بوا ه� � ��ذا اال ّدعاء إلى‬ ‫العنجهية والغرور‪ ،‬ولتس� � ��اءلوا‪ :‬وهل كثير على إجنلترا‬ ‫أن تنجب شاعراً ومسرحياً عظيماً مثل شكسبير وهي‬ ‫الت� � ��ي أجنبت عدداً كبيراً من األدباء والش� � ��عراء الكبار‬ ‫في تاريخها؟ فإذا استيقظوا من التعجب واالستغراب‬ ‫عادوا إلى التفاخر بأعظم كاتب في تاريخهم‪ ،‬وتذكروا‬ ‫كلمة أديبهم الكبير اآلخر برنارد ش� � ��و‪ ،‬التي يقول فيها‬ ‫إن اإلجنلي� � ��ز لو خُ ّيروا بني شكس� � ��بير والهند الختاروا‬ ‫شكسبير حتماً!‬ ‫‪122‬‬

‫‪11/3/16 8:15:10 AM‬‬

‫إل� � ��ى هذه الدرجة بلغ ويبل� � ��غ تعلُّق اإلجنليز بأغلى‬ ‫«د ّرة» ف� � ��ي الت� � ��اج البريطان� � ��ي‪ ،‬وفي ت� � ��اج أدبهم على‬ ‫اخلصوص‪ .‬فإلى اليوم اليزال شكسبير «بطل» األدب‬ ‫والش� � ��عر األول عند اإلجنلي� � ��ز‪ ،‬وإلى اليوم لم يش� � ��بع‬ ‫الباحثون والدارس� � ��ون في بالده من دراس� � ��ته‪ ،‬بل إنهم‬ ‫يكادون يش� � ��ترطون على كل طالب ف� � ��ي كليات اآلداب‬ ‫عندهم أن يكتب بحثاً لم يس� � ��بق إليه أحد حول جانب‬ ‫من جوانب هذه الش� � ��خصية األدبية الف ّذة‪ ،‬التي ال مير‬ ‫عليها الزمن أبداً بنظرهم‪.‬‬ ‫ولكن على الرغم من ه� � ��ذا االهتمام الكبير الذي‬ ‫يحيط به اإلجنليز كاتبه� � ��م األول‪ ،‬كما على الرغم من‬ ‫أنهم لم يفصلوا حتى الس� � ��اعة في ما إذا كان شخص‬ ‫اس� � ��مه وليم شكس� � ��بير قد وجد عنده� � ��م بالفعل‪ ،‬وما‬ ‫إذا كانت األعمال األدبية املنس� � ��وبة إليه هي من صنع‬ ‫ش� � ��خص أو أش� � ��خاص آخرين‪ ،‬فإن للع� � ��رب كلمة في‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪DEC 122-125.indd 122‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫املوضوع قد تبدو غريبة أو غير فاصلة‪ ،‬ولكنها جديرة‬ ‫بأن يُستمع إليها‪ .‬فالعرب‪ ،‬وبإيجاز‪ ،‬يرون أن شكسبير‬ ‫لم يكن إجنليزياً‪ ،‬وإمن� � ��ا كان عربي األرومة‪ .‬قال ذلك‬ ‫باحثون عرب كثيرون‪ ،‬منه� � ��م الدكتور صفاء خلوصي‪،‬‬ ‫الذي نش� � ��ر عام ‪ 1978‬مبجل� � ��ة مجمع اللغ� � ��ة العربية‬ ‫بدمش� � ��ق بحثاً بهذا املعنى‪ ،‬حاول فيه فصل شكس� � ��بير‬ ‫عن بيئته اإلجنليزية‪ .‬ولكن هناك باحثني آخرين‪ ،‬عرباً‬ ‫وأجانب‪ ،‬ال يقولون مب� � ��ا قال به صفاء خلوصي‪ ،‬وإمنا‬ ‫يرون أن شكس� � ��بير «م ّر» بالت� � ��راث العربي بصورة من‬ ‫الصور عندما وضع أش� � ��عاره ومسرحياته‪ ،‬بدليل وجود‬ ‫ما ال يُحصى من األدلة والش� � ��واهد على هذا «املرور»‬ ‫والتأث� � ��ر‪ .‬فه� � ��و وإن لم يتأكد أحد م� � ��ن إثبات «عروبة»‬ ‫تس� � ��ري في دمه‪ ،‬فال ش� � ��ك في وجود «عروبة ثقافية»‬ ‫تس� � ��ري في أدبه‪ .‬وحول هذه العروبة الثقافية كتبوا ما‬ ‫ال يُحصى من الصفحات التي نادراً ما التفت الباحثون‬ ‫اإلجنليز إليها‪.‬‬ ‫فشكس� � ��بير عندهم هو فخر أدبهم‪ ،‬كما ذكرنا‪ ،‬وال‬ ‫مان� � ��ع عندهم من وجود «مؤثرات أجنبية» في ما كتب‪،‬‬ ‫ألن التأثر والتأثير م� � ��ن القوانني األدبية التي ال ينجح‬ ‫في اإلفالت منها أي أديب من األدباء مهما كان حجمه‬ ‫ومهم� � ��ا بلغت عظمت� � ��ه‪ .‬ولكن أن يكون شكس� � ��بير غير‬ ‫إجنليزي‪ ،‬فهذا أمر ال يُص ّدق أبداً بنظرهم‪.‬‬

‫الشيخ زبير!‬

‫الباحث� � ��ون العرب الذين يؤكدون عروبة شكس� � ��بير‬ ‫كش� � ��خص‪ ،‬اختلفوا حول البلد العربي الذي خرج منه‪.‬‬ ‫فالدكتور كمال أبوديب‪ ،‬وهو ناقد سوري يعمل أستاذاً‬ ‫في جامعة لندن‪ ،‬يذهب إلى أن شكسبير سوري األصل‪،‬‬ ‫وأنه من قرية سورية مجاورة لبلدة صافيتا الواقعة على‬ ‫الساحل السوري‪ ،‬واسمه احلقيقي «الشيخ زبير»‪.‬‬ ‫ويق ّدم كمال أبوديب اقتراحاً يقضي بأن يت ّم إجراء‬ ‫بح� � ��ث حول امل� � ��ادة املتعلقة مبنطقة البحر املتوس� � ��ط‪،‬‬ ‫وبش� � ��كل خاص املنطقة العربية‪ ،‬في أعمال شكسبير‪.‬‬ ‫فمث ً‬ ‫ال تدور مس� � ��رحية «أنطونيو وكليوباترا» في مصر‪،‬‬ ‫ومس� � ��رحية «بريكلس» حول أمير في س� � ��ورية‪ .‬وتدور‬ ‫مسرحية «تاجر البندقية» في إيطاليا‪ ،‬وكذلك مسرحية‬ ‫«روميو وجولييت»‪ .‬أما «عطيل» بطل املس� � ��رحية التي‬ ‫حتمل هذا االسم‪ ،‬فهو شخصية عربية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويتساءل أبوديب‪ :‬هل كان أمراً عاديا في إجنلترا‪،‬‬ ‫هل كان شكسبير من أصول عربية؟‬ ‫‪11/3/16 8:15:13 AM‬‬

‫في القرن الس� � ��ادس عش� � ��ر‪ ،‬وقبل بناء اإلمبراطورية‪،‬‬ ‫أن ميلك ش� � ��اعر إجنليزي كل هذا الق� � ��در من املعرفة‬ ‫عن ه� � ��ذه املناطق النائية من العالم‪ ،‬ويهتم بها كل هذا‬ ‫املوجهني‬ ‫االهتمام ويس� � ��تخدمها في شعره ومس� � ��رحه ّ‬ ‫إلى جمهور إجنليزي يعيش ف� � ��ي جزيرة بعيدة معزولة‬ ‫ّ‬ ‫يغطيه� � ��ا الضب� � ��اب‪ ،‬حديثة العهد نس� � ��بياً باخلروج من‬ ‫أغوار القرون الوسطى‪.‬‬ ‫ولكن الدكتور صفاء خلوصي‪ ،‬وهو عراقي‪ ،‬ينسب‬ ‫شكس� � ��بير إلى بلده العراق ال إلى س� � ��ورية كما نس� � ��به‬ ‫أبوديب الس� � ��وري‪ .‬فقد رأى أن والد شكسبير أو ج ّده‪،‬‬ ‫م� � ��ن أهالي البصرة في الع� � ��راق ال من أهالي قرية تقع‬ ‫قرب صافيتا الس� � ��ورية‪ ،‬ولكنه يتفق مع أبوديب في أن‬ ‫اسم شكس� � ��بير العربي هو «الش� � ��يخ زبير»‪ ،‬ويعتبر أن‬ ‫كلمة شكس� � ��بير لي� � ��س لها معنى في اللغ� � ��ة اإلجنليزية‬ ‫ومعاجمها‪.‬‬

‫شكسبير العراقي!‬

‫ولكن للباحثني املصريني رأياً آخر حول البلد الذي‬ ‫هاجر منه شكسبير إلى بريط��نيا‪ ،‬هو أو أبوه أو ج ّده‪.‬‬ ‫فهم يرون أن شكسبير مصري من أصول نوبية مهاجرة‬ ‫إلى الغرب في وقت س� � ��ابق‪ ،‬لنبوغ شكس� � ��بير وظهوره‬ ‫في احلياة الثقافية في ب� �ل��اده‪ .‬وهم يقولون إن اللقب‬ ‫احلقيقي لعائلة شكسبير حينما كانوا مبنطقة «ب ّ‬ ‫النة»‬ ‫النوبي� � ��ة في مصر قب� � ��ل هجرتهم إلى ب� �ل��اد اإلجنليز‬ ‫كان «الش� � ��يخ زبير»‪ ،‬وإن بعضاً من بقايا العائلة اليزال‬ ‫موجوداً في املنطقة نفس� � ��ها‪ .‬وهذا اللقب‪ ،‬أي «الشيخ‬ ‫زبير» مت دمجه وحتويره هناك طبقاً للثقافة اإلجنليزية‬ ‫املولعة باالختصار‪ ،‬وسهولة النطق‪ ،‬إلى شكسبير‪.‬‬ ‫ومما يؤك� � ��د في نظر الباحثني العرب «اجلنس� � ��ية‬ ‫العربية» لشكسبير أن مجلة «كانتري اليف» البريطانية‬ ‫نشرت مرة «بورتريه» قالت إنه صورة شخصية للشاعر‬ ‫واملسرحي اإلجنليزي األشهر وليم شكسبير‪ُ ،‬رسمت له‬ ‫في أثناء حياته‪ .‬ويرى املدقق في هذه الصورة أن هذا‬ ‫«البورتريه» يظهر ش� � ��اباً له حلية ويضع على رأسه تاج‬ ‫غار على الطراز الروماني وميس� � ��ك في يده ثمرة ذرة‬ ‫عثر عليها عال� � ��م النباتات واملؤرخ مارك غريفيث‪ .‬كما‬ ‫يبدو الوجه الش� � ��احب الطولي املرس� � ��وم وجهاً مختلفاً‬ ‫متاماً ع� � ��ن الصورة املرس� � ��ومة لشكس� � ��بير بعد ذلك‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا الوجه الطولي يحمل س� � ��مات الوجه العربي مبا‬ ‫‪123‬‬

‫‪DEC 122-125.indd 123‬‬


‫يفتح الباب للحديث ع� � ��ن اآلراء املختلفة التي رأت أن‬ ‫شكسبير من أصول عربية‪.‬‬

‫عروبة ثقافية‬

‫ولكن شكسبير إذا كان قد صمت عن أصله العربي‬ ‫كشخص‪ ،‬فقد أفصح في أعماله الشعرية واملسرحية‬ ‫عن «عروبة ثقافية» يحار الباحث املعاصر‪ ،‬عربياً كان‬ ‫أو غير عربي‪ ،‬في تفس� � ��يرها‪ ،‬وفي كيفية تس ّربها إليه‬ ‫في الوقت الذي كانت فيه إجنلترا لم تدخل بعد عصر‬ ‫االستعمار ولم يكن أسطولها أو جيوشها تذرع البحار‬ ‫واحمليطات‪ .‬ففي تلك الفترة التي عاش فيها شكسبير‪،‬‬ ‫كانت إجنلترا كما وصفها كم� � ��ال أبوديب جزيرة نائية‬ ‫منعزلة‪ ،‬كما لم تكن الثقافة فيها مزدهرة‪ .‬فكيف أمكن‬ ‫هذا املثقف النابه أن يكتب ما كتب عن العرب والشرق‬ ‫لو أن زاده املعرفي كان محلياً صرفاً؟‬ ‫إذا بدأنا بالسونيتات الشكسبيرية‪ ،‬وهي من أج ّل‬ ‫ما كتبه شكسبير‪ ،‬ملسنا مدى التأثير العربي فيها‪.‬‬ ‫بعض الباحثني يرى أن هذه الس� � ��ونيتات ليس� � ��ت‬ ‫سوى النسخة الشكسبيرية من املوشحات األندلسية‪.‬‬ ‫وقد أثب� � ��ت الباحثون الغربيون خصوصاً‪ ،‬انتقال أوزان‬ ‫الشعر العربي األندلس� � ��ي واملوشحات األندلسية‪ ،‬إلى‬ ‫البل� � ��دان األوربية‪ ،‬حتى بع� � ��د زوال الوجود العربي من‬ ‫إسبانيا‪.‬‬ ‫تفحصنا مس� � ��رحيات شكسبير الشهيرة‪ ،‬مثل‬ ‫وإذا ّ‬ ‫«عطي� � ��ل»‪ ،‬و«تاج� � ��ر البندقية» و«العاصفة»‪ ،‬فس� � ��نجد‬ ‫عناصر عربية كثيرة ك ّما ونوعاً‪ .‬فـ«عطيل» تدور حول‬ ‫مغرب� � ��ي نبيل يخنق زوجت� � ��ه «ديدمونة»‪ ،‬لظنه اخلاطئ‬ ‫بأنها تخونه‪ ،‬وحني يتحقق له خطأ ظنونه يقتل نفس� � ��ه‬ ‫تكفيراً عن خطيئته‪ .‬ويرى دارسو التراث الشكسبيري‬ ‫أن هذه املس� � ��رحية تش� � ��به بصورة م� � ��ن الصور حكاية‬ ‫«قمر الزمان ومعش� � ��وقته»‪ .‬بل إن بعضهم يرى أن اسم‬ ‫«عطيل» قد يكون تصحيفاً الس� � ��م عبيدالله اجلوهري‬ ‫بطل إحدى حكاي� � ��ات «ألف ليلة وليل� � ��ة»‪ .‬وفي حكاية‬ ‫ه� � ��ذا اجلوهري تتماثل اخلامتة مع خامتة املس� � ��رحية‬ ‫الشكس� � ��بيرية‪ :‬ف� � ��كال البطل� �ي��ن‪ ،‬عطي� � ��ل شكس� � ��بير‪،‬‬ ‫واجلوهري ف� � ��ي حكاية «قمر الزم� � ��ان»‪ ،‬يخنق زوجته‬ ‫بس� � ��بب الظن باخليانة‪ .‬بل إن اجلوهري يخنق زوجته‬ ‫وجاريته� � ��ا أيض � � �اً‪ .‬غير أن الفارق ه� � ��و أن ديدمونة لم‬ ‫تك� � ��ن خائنة‪ ،‬في حني أن زوجة اجلوهري كانت تخونه‬ ‫‪124‬‬

‫‪11/3/16 8:15:19 AM‬‬

‫بالفعل مبساعدة جاريتها‪ .‬ويقول البروفيسور آربري‪،‬‬ ‫وهو مستشرق بريطاني بارز‪ ،‬إن شكسبير كان متأثراً‬ ‫إلى حد كبي� � ��ر بحكايات «ألف ليلة وليلة» حني نس� � ��ج‬ ‫مسرحية عطيل‪.‬‬ ‫وليس� � ��ت مس� � ��رحية «تاجر البندقي� � ��ة» ببعيدة عن‬ ‫أص� � ��ول حكايات أل� � ��ف ليل� � ��ة وليلة‪ .‬فف� � ��ي رأي بعض‬ ‫الدارسني تشبه هذه املسرحية حكاية «مسرور التاجر‬ ‫وزين املواصف»‪ ،‬غير أن خامتة اليهودي في ألف ليلة‬ ‫وليلة أش � � � ّد هوالً م� � ��ن مصير اليهودي في مس� � ��رحية‬ ‫شكسبير‪.‬‬ ‫وإذا تت ّبعنا القصص واملس� � ��رحيات الشكس� � ��بيرية‬ ‫األخ� � ��رى‪ ،‬عثرنا عل� � ��ى كثير م� � ��ن العناص� � ��ر العربية‪.‬‬ ‫فمسرحية «هنري السادس» تكاد تكون عربية األصول‬ ‫المتالئه� � ��ا باملج� � ��ازات واالس� � ��تعارات العربية‪ ،‬وحتى‬ ‫مبضامني أشعار عربية‪ .‬يقول «سافواك» فيها‪« :‬ليست‬ ‫األرض بغيتي‪ ،‬فلو كنت هناك لغدا القفر املوحش أه ً‬ ‫ال‬ ‫ونسيباً»‪ ،‬وهذا شبيه بالبيت العربي املشهور‪:‬‬ ‫وم ��ا ح � ُّ�ب الدي ��ار ش ��غفن قلب ��ي‬ ‫ولك ��ن ح ��ب م ��ن س ��كن الدي ��ارا‬ ‫وال ش� � ��ك ف� � ��ي أن الثقاف� � ��ة العربي� � ��ة كانت قد‬ ‫انتش� � ��رت في كثير من أنحاء أورب� � ��ا حني بدأ وليم‬ ‫شكسبير كتابة أشعاره ومس� � ��رحياته‪ .‬وقد مت هذا‬ ‫االنتقال بوسائل مختلفة‪ ،‬منها احلمالت اإلسالمية‬ ‫العثماني� � ��ة‪ ،‬والرحالة األوربيون الذين عبروا البحر‬ ‫وتنقّلوا في ش� � ��مال إفريقيا‪ ،‬ووصلوا إلى فلسطني‬ ‫والش� � ��ام والع� � ��راق‪ ،‬لنقل آث� � ��ار احلض� � ��ارة العربية‬ ‫اإلس� �ل��امية إلى بلدانهم‪ .‬وأغلب الظن أن شكسبير‬ ‫كان مطلعاً على الكتب التي سجلت تلك الرحالت‪،‬‬ ‫الرحالة معهم‪.‬‬ ‫وعلى الكتب التي استقدمها هؤالء‬ ‫ّ‬ ‫ويس� � ��تطيع ق� � ��ارئ مس� � ��رحياته أن يعث� � ��ر على‬ ‫إش� � ��ارات كثيرة إلى العرب واألماكن العربية‪ ،‬األمر‬ ‫الذي يدل على أنه كان على معرفة بالعالم العربي‪.‬‬ ‫ففي مس� � ��رحية «أنطونيو وكليوباترا» يذكر العراق‬ ‫وس� � ��ورية‪ ،‬ويذكر أحد ملوك العرب في مس� � ��رحية‬ ‫«يوليوس قيص� � ��ر»‪ ،‬وفي مس� � ��رحية «كوريوالنوس»‬ ‫يشير إلى السيف العربي ومواطنه‪.‬‬ ‫ثمة أدلة كثي� � ��رة‪ ،‬كما رأينا‪ ،‬عل� � ��ى «عروبة» ما‬ ‫تسري في أعمال شكس� � ��بير‪ ،‬ورمبا سرت في دمه‬ ‫بعد ‪ 400‬سنة على رحيله‪ ،‬ولم يعد من املمكن العثور‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪DEC 122-125.indd 124‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫على آثار تتصل بأصله أو أصوله‪ .‬أما في ما يتعلق‬ ‫باملؤثرات العربية في أعماله‪ ،‬فهناك ما ال يحصى‬ ‫من األدلة عل� � ��ى تأثره بالثقاف� � ��ة العربية القدمية‪،‬‬ ‫وف� � ��ي طليعتها األثر اخلالد «ألف ليلة وليلة»‪ .‬ولكن‬ ‫املؤث� � ��رات‪ ،‬مهما كانت‪ ،‬ال تنهض وحدها دلي ً‬ ‫ال على‬ ‫أن كاتب � � �اً ما كان عي� � ��االً على أدب أجنبي ملجرد أنه‬ ‫تأثر بجوانب في هذا األدب‪ .‬فالتأثر والتأثير قانون‬ ‫معروف في كل اآلداب خض� � ��ع له كبار األدباء‪ .‬وال‬ ‫ش� � ��ك في أن شكس� � ��بير لو ثبت اطالعه على كتاب‬ ‫«أل� � ��ف ليلة وليلة» الذي لم يك� � ��ن قد نُقل في زمانه‬ ‫إل� � ��ى اإلجنليزية‪ ،‬الس� � ��تفاد منه اس� � ��تفادة عظيمة‪.‬‬ ‫ويب� � ��دو أنه اطل� � ��ع على حكايات كثي� � ��رة فيه‪ ،‬بدليل‬ ‫وجود تشابه بني مسرحيات له وبني حكاياته‪ .‬املهم‬ ‫أن يتاب� � ��ع «األدب املقارن» رحلته الش� � ��ائقة هذه مع‬

‫أدب شكس� � ��بير وأن يضيف إليها أدلة جديدة تعزز‬ ‫وجه� � ��ة النظر القائلة بوج� � ��ود عروبة ما في ذاته أو‬ ‫في أدبه‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن علينا احل� � ��ذر من الوقوع ف� � ��ي املبالغات‬ ‫الت� � ��ي تقضي عل� � ��ى رصان� � ��ة األبح� � ��اث وعلميتها‪.‬‬ ‫فشكس� � ��بير كاتب وش� � ��اعر إجنليزي انتفع بس� � ��وق‬ ‫تيس� � ��ر له في عصره‪ ،‬وليس أي شيء‬ ‫الثقافة الذي ّ‬ ‫آخ� � ��ر‪ .‬اخلوارزمي يقول‪« :‬املرء حيث يوجد ال حيث‬ ‫يولد‪ ،‬حي� � ��ث يثبت ال حيث ينب� � ��ت»‪ ،‬وهو معيار إذا‬ ‫أخضعنا له «هوية» شكسبير الشخصية والثقافية‪،‬‬ ‫تأكدت إجنليزيته وضع� � ��ف أي افتراض آخر حول‬ ‫ه� � ��ذه الهوية‪ .‬وعندها ال ميكن أن ينهض تأثره بأي‬ ‫أدب أجنب� � ��ي‪ ،‬دلي ً‬ ‫ال دامغاً على كونه يس� � ��تبطن أي‬ ‫هوية أخرى >‬

‫رثاء‬ ‫نفق البن عنني الشاعر حمار فتملح في رثائه حني عد الليلة التي مات فيها ليلة‬ ‫مهولة وحني اعتبر موت احلمار نكبة عظمى ال حتتملها جماعة من الناس‪ ،‬فضال عن‬ ‫ف ��رد ضعي ��ف مثله‪ ،‬فقد كان يعلق على هذا احلمار أكبر اآلمال‪ ،‬فال عجب في أن يدعو‬ ‫لقبره بالبقاء والسقيا‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫ل� �ي ��ل ب� � � ��أول ي� � ��وم احل � �ش� ��ر متصل‬ ‫وم � �ق � �ل� ��ة أب � � � � ��د ًا إن � �س� ��ان � �ه� ��ا خضل‬ ‫وه � � ��ل أالم وق � � ��د الق�� �ي� ��ت داه � �ي� ��ة‬ ‫ي �ن �ه� ّ�د ل ��و ح�م�ل�ت�ه��ا ب �ع��ض ُ‬ ‫اجل� �ب � ُ�ل?‬ ‫ث� ��وي امل��ص��ك ال � ��ذي ق ��د ك �ن��ت آمله‬ ‫ع � ��ون� � � ًا وخ � �ي� ��ب ف� �ي ��ه ذل� � ��ك األم � ��ل‬ ‫ال ع� ��اج� ��زا ع� �ن ��د ح� �م ��ل امل� �ث� �ق�ل�ات‬ ‫وال«ميشى الهوينا كما ميشى الوجي الوحل»‬ ‫ف��ف��ي األب� ��اط� ��ح ه��ي��ق راع� � ��ه قنص‬ ‫وف ��ي اجل �ب��ال امل �ن �ي �ق��ات ال� ��ذرى وعل‬ ‫ال ت� �ب� �ع ��دن ت���رب���ه ض� �م ��ت شمائله‬ ‫وال ع��دا جانبيها ال �ع��ارض الهطل‪.‬‬

‫هل كان شكسبير من أصول عربية؟‬ ‫‪11/3/16 8:15:23 AM‬‬

‫‪125‬‬

‫‪DEC 122-125.indd 125‬‬


‫شخصيات‬

‫ياسين رفاعية وأمل جرّاح في رواياته‬ ‫د‪ .‬ميشال جحا‬

‫أكادميي وباحث من لبنان‬

‫رحل الروائي والقاص الس���وري ياس���ين رفاعية‪ ،‬الذي ُول ِ َد س���نة ‪ 1934‬في‬ ‫ش���عبي بدمش���ق‪ ،‬وعاش في بيروت منذ س���تينيات القرن الماضي‬ ‫حي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وتُوف���ي فيها في ‪ 2016/5/22‬عن ‪ 82‬عاما‪ .‬وقد جمعتني به صداقة امتدت‬ ‫نصف قرن‪ .‬عمل ياسين في الصحافة وكتب في صحف ومجالت عديدة‪:‬‬ ‫«األح���د» و«الراص���د» و«الجمه���ور الجدي���د» و«الكف���اح العربي» و«الش���رق‬ ‫األوس���ط» و«المحرر» وس���واها‪ .‬ونش���ر قصص���ه ومقاالت���ه ومقابالته‪ .‬كما‬ ‫عاش في لندن فترة في أثناء الحرب اللبنانية‪.‬‬

‫تزوج ياس� �ي��ن رفاعية من الشاعرة أمل ج ّراح‬ ‫التي توفيت عام ‪ 2004‬مبرض القلب‪ ،‬ولكنها بقيت‬ ‫ح ّية ف� � ��ي مخيلته يخاطبها ويناجيها ويتحدث عنها‬ ‫باستمرار‪.‬‬ ‫ال أعرف كاتباً كياس���ي��ن رفاعية اس������توحى‬ ‫زوجت������ه ف������ي رواياته‪ ،‬وكت������ب عنها قب������ل وفاتها‬ ‫وبعده������ا في ثالث روايات‪ ،‬ه������ي «رأس بيروت»‬ ‫الصادرة س������نة ‪ ،1992‬و«وميض البرق» الصادرة‬ ‫س������نة ‪ ،2003‬و«احلي������اة عندم������ا تصب������ح وهماً»‬ ‫الص������ادرة س������نة ‪ 2006‬بعد رحي������ل زوجته التي‬ ‫يسميها «أمنية»‪.‬‬

‫«رأس بيروت»‬

‫في روايته «رأس بيروت» يقول (ص ‪:)15‬‬ ‫«عدت إلى بيتي‪ ،‬غسلت وجهي‪ ،‬حلقت‪ ،‬وكانت‬ ‫زوجت� � ��ي (أي أمل أو أمنية) ق� � ��د صحت‪ ،‬فصنعت‬ ‫لي فنجان قهوة حملته إلى الش� � ��رفة‪ ،‬وجلست بني‬ ‫أصص املزروعات الت� � ��ي برعت في تنويعها‪ ،‬وظلت‬ ‫ُ‬ ‫تخاف عليها من القصف أكثر من خوفها على كتبي‬ ‫‪126‬‬

‫‪11/3/16 8:20:32 AM‬‬

‫وأوراقي وأثاث املنزل»‪.‬‬ ‫واض� � ��ح مم� � ��ا يقوله عنه� � ��ا أنها ام� � ��رأة تهتم‬ ‫بزوجها وتهتم كذلك بزراع� � ��ة األزهار وتعتني بها‬ ‫باستمرار‪.‬‬ ‫ث� � ��م يتابع‪« :‬كانت ش� � ��رفة بيتي بس� � ��بب عناية‬ ‫زوجتي بها‪ ،‬من أجمل شرفات البيوت املجاورة»‪.‬‬ ‫وف� � ��ي (ص ‪ )24‬يتكلّم عن الن� � ��زول إلى امللجأ‬ ‫يشتد القصف‪ ،‬فيقول‪« :‬وكانت زوجتي كلّما‬ ‫عندما‬ ‫ّ‬ ‫فعلن� � ��ا ذلك‪ ،‬تصطحب معها مِ حفظة تض ّم األوراق‬ ‫والهويات وجوازات السفر‪ ،‬باإلضافة إلى ألبومات‬ ‫الصور‪ .»...‬وهنا يظهر حرص الزوجة على صور‬ ‫تقدر بثمن‪.‬‬ ‫العائلة واألوالد‪ ،‬خصوصاً ألنها ال ّ‬ ‫في (ص ‪ )179‬يذكر لن� � ��ا ح ّبه لزوجته‪ ،‬حيث‬ ‫يق� � ��ول‪« :‬كم أحب هذه امل� � ��رأة اجلميلة‪ ،‬لم أعطها‬ ‫حقّها من العناية‪ .‬لم أكن منتبهاً إلى امرأة عظيمة‬ ‫كانت تعيش معي‪.‬‬ ‫في القس� � ��م الثالث «احلص� � ��ار» ‪ -‬أي حصار‬ ‫بيروت من قبل اجليش اإلسرائيلي ‪ -‬وفي الفصل‬ ‫احل� � ��ادي والعش� � ��رين تعود صورة أم� � ��ل جراح إلى‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 126-129.indd 126‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫الروائي والقاص ياسني رفاعية‬

‫الواجه� � ��ة‪ .‬هي ص� � ��ورة األم اخلائف� � ��ة على ولديها‬ ‫من الغارات اإلس� � ��رائيلية على بيروت‪ ،‬فتحملهما‬ ‫إلى امللج� � ��أ هرباً من ذلك‪ ،‬ثم م� � ��ا تلبث أن تظهر‬ ‫شفقتها على األوالد من أهوال احلرب فتقول (ص‬ ‫‪« :)305‬كم ّ‬ ‫يتعذب هؤالء األوالد‪ .‬إنهم يرون الهول‬ ‫في الوق� � ��ت الذي يجب أن يكون� � ��وا فيه في أحلى‬ ‫وأشد‬ ‫حاالتهم‪ .‬ماذا س� � ��يخبئ لهم املستقبل أكثر‬ ‫ّ‬ ‫شراسة مما يعيشونه اآلن؟»‪.‬‬ ‫وهو يخبرنا بأنها كانت تطهو الطعام لعشرات‬ ‫املقاوم� �ي��ن أثن� � ��اء احلرب‪ ،‬ث � � � َّم خرج� � ��ت املقاومة‬ ‫الفلسطينية من لبنان إلى تونس سنة ‪ .1982‬أمنية‬ ‫تبكي لرحيل أبي الطيب أحد رجال املقاومة‪ ،‬الذي‬ ‫كان م� � ��ن أصدقائهم‪ ،‬بعد أن بكت ملش� � ��اهدة جنود‬ ‫اجليش اإلسرائيلي يسرحون وميرحون في محلة‬ ‫رأس بيروت‪.‬‬ ‫هذه هي رواية «رأس بيروت» للروائي ياسني‬ ‫رفاعية الواقعي� � ��ة‪ ،‬التي تص ّور احلرب األهلية في‬ ‫لبنان والغزو اإلس� � ��رائيلي له س� � ��نة ‪ 1982‬بكل ما‬ ‫فيه� � ��ا من رعب وقتل وتنكيل كما عاش� � ��ها الكاتب‪،‬‬ ‫والتي تصور أمل ج ّراح امرأة جميلة وزوجة محبة‬ ‫ياسني رفاعية وأمل ج ّراح في رواياته‬ ‫‪11/3/16 8:20:36 AM‬‬

‫وأماً مثالية تدافع عن املقاومة الفلسطينية وتعت ّز‬ ‫بها‪.‬‬

‫«وميض البرق»‬

‫تبدأ رواي� � ��ة «وميض البرق» الص� � ��ادرة عن «دار‬ ‫اخل ّيال» عام ‪ 2003‬مبش� � ��هد ام� � ��رأة تقف أمام املرآة‪،‬‬ ‫ش� � ��اهدها الكاتب من غرفته التي تقع مقابل غرفتها‪،‬‬ ‫ث� � ��م ينتقل إلى وص� � ��ف منزله الصغير‪ ،‬حيث س� � ��اعة‬ ‫احلائط ّ‬ ‫املعطلة‪ ،‬ويصبح وحيداً بعد أن أغوى كثيرات‬ ‫من النس� � ��اء‪ ...‬يقتل الوقت بالقراءة أو باالستماع إلى‬ ‫املوس� � ��يقى واألخبار من الراديو‪ ،‬ث� � ��م يحلم بأنه مات‬ ‫وانتقل إلى عالم آخر! إنه يحترق‪ ...‬هل هي نار جهنم‬ ‫التي ح ّدثت عنها األديان؟! فكأنه تق ّمص ظلّه أو ِشقّه‬ ‫فهو مازال على قيد احلياة‪ ،‬والذي مات ما هو س� � ��وى‬ ‫ِشقّه الشيطاني‪.‬‬ ‫يس� � ��تعرض الناس الذين يسكنون بجواره‪ .‬املرأة‬ ‫صاحب� � ��ة الدكان‪ .‬الرجل الذي يبي� � ��ع الغاز‪ .‬ثم يتذكر‬ ‫أصدق� � ��اءه الذين مات� � ��وا ولم يعد باإلم� � ��كان أن يجد‬ ‫مثلهم‪ ،‬لذلك آث� � ��ر أن ميكث في منزله وحيداً يتحاور‬ ‫مع نفسه‪ ،‬ومع خياله‪ .‬هذه العزلة التي تُدنيه من ذاته‬ ‫‪127‬‬

‫‪dec 126-129.indd 127‬‬


‫ومن أعماق نفسه‪ ،‬هي حتليل للنفس وتعرية لها‪ .‬وهو‬ ‫في صراع مع الزمن الذي يسحقنا ويفنينا ويبقى هو‬ ‫من دون أن يشيخ!‬ ‫في هذه الرواية يس� � ��تعجل وفاة زوجته املريضة‪،‬‬ ‫فكأنه يرثيها قب� � ��ل أن متوت‪ .‬هذا ما قالته له عندما‬ ‫قرأت الرواية قبل وفاتها‪.‬‬ ‫يقول (ص ‪« :)27-26‬م� � ��ا أصعب أن يفقد املرء‬ ‫الزوجة الت� � ��ي اعتاد عليها‪ .‬اعت� � ��اد أن ينام معها في‬ ‫ف� � ��راش واح� � ��د‪ ،‬أن يُح ِّبها‪ ،‬وأن يأكل ويش� � ��رب معها‪،‬‬ ‫ويس� � ��افر معها إلى بلدان قريبة وبعيدة‪ ،‬يشرب قهوته‬ ‫معها على الش� � ��رفة التي ز ّينته� � ��ا بيديها‪ ،‬ملتصقاً بها‬ ‫ال ي� � ��كاد يتركها‪ ،‬ث ّم فجأة تنخطف م� � ��ن حياته كأنها‬ ‫لم تكن»‪.‬‬ ‫ث� � ��م يأخذ ف� � ��ي وصف رتاب� � ��ة احلياة بع� � ��د وفاة‬ ‫زوجته‪ .‬يتذ ّكر رائحتها ونَف ََس� � ��ها وتش� � ��ابك حياتيهما‬ ‫العاطفية واحلس ّية‪ ...‬فيسمو الكاتب في حديثه عن‬ ‫ح ّبه لزوجته‪ /‬حبيبته التي يش ّبهها باملمثلة األمريكية‬ ‫كيم نوفاك‪ .‬يتكلّم عن جس� � ��دها ولون بشرتها ورائحة‬ ‫طيبه� � ��ا‪ ،‬عن ح ّبه� � ��ا للزهور‪ ،‬وعن اجل � � � ّو الذي تَخلقه‬ ‫الزوجة في البيت‪ ،‬وكيف أنها متف ّهمة ال تس� � ��أله أين‬ ‫كان ومع من كان إذا تأخّ ر في العودة إلى املنزل! هذا‬ ‫احلب بني الرجل وزوجته‪.‬‬ ‫الكالم الراقي عن‬ ‫ّ‬ ‫هذه الرواية ذات صوت واحد هو صوت الكاتب‪...‬‬ ‫هي مونولوج مع الذات‪ ...‬هي حديث النفس‪.‬‬ ‫في (ص ‪ )133‬يصف لنا ش� � ��عوره عندما أدخلت‬ ‫زوجته إلى غرفة العمليات في مستشفى بلندن إلجراء‬ ‫عملية في القلب‪ ،‬فيقول‪« :‬جاءوا مبالبسهم البيضاء‪،‬‬ ‫حقنوها باملخ ّدر‪ ،‬عيناها عالقتان بي‪ ،‬انكمش وجهي‬ ‫�مت‬ ‫كأن قبض� � ��ة قوية تهصره هصراً ش� � ��ديداً‪ ،‬ابتس� � � ْ‬ ‫بتردد‪ ،‬أش� � ��ارت بعينيها أن أقترب فاقتربت‪ ،‬انحنيت‬ ‫متسد لي‬ ‫نحوها‪ ،‬فرفعت يدها ببطء ش� � ��ديد وراحت ّ‬ ‫وجهي‪.»...‬‬ ‫في رواية «وميض البرق» يغوص ياس� �ي��ن رفاعية‬ ‫في الواقعية‪ .‬يص ّور أحداثاً ومش� � ��اهد وش� � ��خصيات‬ ‫ويسجل لنا ما يجول في فكره‪ ،‬متو ّقفاً أحياناً‬ ‫عرفها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عن� � ��د أدق التفاصي� � ��ل‪ ...‬يتماهى الكات� � ��ب مع ما في‬ ‫املنزل من أمتعة وأدوات وأجهزة لكثرة ما أطال البقاء‬ ‫معها حتى ألفها فباتت تواس� � ��يه في وحدته وتشاركه‬ ‫همومه‪ .‬فكأن البيت بات يسكن فيه كما يسكنه هو!‬ ‫‪128‬‬

‫‪11/3/16 8:20:41 AM‬‬

‫يص � � � ّور رفاعية في روايته هذه وضعه املضطرب‬ ‫املتضعض� � ��ع لهول ما أصابه بس� � ��بب «م� � ��وت» زوجته‬ ‫أحب ويكرر أش� � ��ياء سبق له أن ذكرها‪ ،‬ذلك ألن‬ ‫التي ّ‬ ‫الرواية ارتدادية‪ ،‬أي إن الذاكرة ال تستطيع أن تذهب‬ ‫إلى املس� � ��تقبل الذي يختبئ وراء حجاب الغيب‪ .‬هذا‬ ‫مجاله املخيلة‪ .‬احلياة مج ّرد حلم‪ ،‬إنها وميض برق ال‬ ‫تلبث أن تنتهي‪ ،‬هذا ما يخلص إليه‪.‬‬ ‫في «وميض الب� � ��رق» يغرف رفاعية من الذاكرة‪.‬‬ ‫وهي أقرب إلى السيرة الذاتية منها إلى الرواية‪ ،‬هي‬ ‫قصة حب‪ ،‬هي ص� � ��راع بني احلياة واملوت‪ ،‬بني املوت‬ ‫ّ‬ ‫واحلياة‪ ،‬كل شيء في املنزل يذ ّكره بزوجته بعد وفاتها‬ ‫متسكه بالواقع‬ ‫التي استبقها قبل أن حتصل! ولش ّدة ّ‬ ‫ميزج ب� �ي��ن احلقيقة واخلي� � ��ال‪ ،‬ليجعل الق� � ��ارئ أكثر‬ ‫حتفزاً وأكثر ش� � ��غفاً وليبقى مش� � ��دوداً ب ٍ‬ ‫ِسرد طفولي‬ ‫متخ ّيل ساذج وآسر ال ينتهي‪.‬‬ ‫يص ّور ياسني رفاعية مأساة زوجته التي أقعدها‬ ‫م� � ��رض القل� � ��ب وألزمها إج� � ��راء عدد م� � ��ن العمليات‬ ‫اجلراحية في أشهر املستشفيات العاملية والذي أ ّدى‬ ‫في النهاية إلى رحيله� � ��ا تاركة إياه يعاني األم ّرين من‬ ‫فقدها وخسارته لها‪ ،‬متابعاً رحلة العذاب‪.‬‬ ‫وهو ف� � ��ي روايته هذه‪ ،‬التي م� � ��ن دون فصول أو‬ ‫مقاطع‪ ،‬يروي من َمعني جتاربه ويس� � ��كب من دم قلبه‬ ‫وينقل الواقع بدقة ولباقة ويص ّور القلق واملوت وير ّكز‬ ‫حب‬ ‫على التخ ّيل ودمج الواقعي باملتخ ّيل‪ ...‬هي رواية ّ‬ ‫بامتياز‪.‬‬

‫«احلياة عندما تصبح وهم ًا»‬

‫يقول رفاعية في مقابلة معه نش� � ��رت في ملحق‬ ‫جريدة «الثورة» الس� � ��ورية ف� � ��ي ‪ 2007/7/3‬عن هذه‬ ‫الرواية‪:‬‬ ‫«في مراقبة أنفس� � ��نا جيداً‪ ،‬وخالل فترة الوعي‬ ‫التي تبدأ بالشباب األول‪ ،‬ننتبه في احملصلة النهائية‬ ‫إلى أن احلي� � ��اة مجرد حلم‪ ،‬وكاب� � ��وس‪ ،‬بل وكوابيس‪،‬‬ ‫نعيش احلياة‪ ،‬من دون أن ننتبه إلى ذلك إال متأخرين‬ ‫مع األس� � ��ف‪ ...‬نعيش� � ��ها زيف � � �اً وبهرج� � ��ة ولصوصية‬ ‫وتكدي� � ��س األموال واخليانات الكبرى‪ ،‬ثم في اللحظة‬ ‫األخي� � ��رة نكتش� � ��ف كل هذا اخللل‪ ،‬ولك� � ��ن بعد فوات‬ ‫األوان وعدم احلصول على وقت لتصحيحه والبدء من‬ ‫جديد‪ ...‬ليس لنا في هذه احلياة إال فرصة واحدة ال‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 126-129.indd 128‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫تتكرر‪ ،‬وإال كنا أعدنا النظر بكل ما م ّر بنا واستبدلنا‬ ‫املعوجة كي تكون احلياة أكثر صفاء وأكثر‬ ‫األس� � ��اليب‬ ‫ّ‬ ‫ب� � ��راءة‪« .‬احلي� � ��اة عندما تصبح وهم � � �اً» هي الصحوة‬ ‫األخيرة على واقع لم نكن نتلمسه جيداً‪ ،‬وعلى وقائع‬ ‫غالباً ما نهرب منها ألنها ال تناس� � ��ب هوانا وأحالمنا‬ ‫وطموحاتنا‪ ،‬وإذا قيل عن هذه الرواية إنها شبه سيرة‬ ‫ذاتية لأليام األخيرة لرحيل الش� � ��اعرة «زوجتي» أمل‬ ‫جراح‪ ،‬فإمنا كانت في احملصلة للتطهير النفسي من‬ ‫كل إس� � ��قاطات املاضي‪ ،‬حيث في النهاية ال يصح إال‬ ‫الصحيح‪ .‬والصحيح هو امل� � ��وت الذي يوقظ بنا هذا‬ ‫ثوان عابرة في هذه السنني‬ ‫الوهم الذي عشناه‪ ،‬وكأنه ٍ‬ ‫الطويلة‪.»...‬‬ ‫كتب ياسني رفاعية هذه الرواية بعد وفاة زوجته‬ ‫أمل ج ّراح في ‪ ،2004/2/6‬ونش� � ��رها في سنة ‪.2006‬‬ ‫هي حوار مع امل� � ��وت الذي يخلّف احلزن العميق لدى‬ ‫َم� � ��ن فقد قريبه أو حبيبه‪ ،‬وعلى الرغم من أنه متو ّقع‬ ‫ومنتظر فهو يدهمنا ويصعقنا‪ .‬اإلنسان ال ينسى َفقْد‬ ‫حبيب أو قريب ولكنه يعتاد مع الزمن‪.‬‬ ‫ياس� �ي��ن يتم ّثل قول املتنبي ال� � ��ذي يقول‪َ « :‬فزِ ْع ُت‬ ‫الكذب»‪ ،‬أي إنه لم يص � � � ّدق أن أمل قد‬ ‫بآمالي إل� � ��ى‬ ‫ِ‬ ‫مات� � ��ت برغم أنه بيديه غس� � ��ل جثمانه� � ��ا وأنزلها في‬ ‫التراب‪ .‬فهو يتخ ّيلهاعلى قيد احلياة حتاوره وجتالسه‬ ‫ويظهر طيفها أمامه‪.‬‬ ‫ملاذا ال ميوت املوت؟! هو الوحيد الذي يستقوي‬ ‫على املوت! في هذه الرواية التي تتأ ّلف من ستة عشر‬ ‫فص ً‬ ‫ال يتح ّدث ع� � ��ن وفاة زوجته التي فقدها‪ ،‬بعد أن‬ ‫كان ف� � ��ي روايته «وميض البرق» قد اس� � ��تبق رحيلها‪.‬‬ ‫ويس� � ��ترجع ماضيه معها من� � ��ذ أن تزوجها وعرف أن‬ ‫قلبه� � ��ا معطوب فبدأت معه رحلة الع� � ��ذاب‪ .‬ويحدثنا‬ ‫عن ح ّبها لولديها وألسرتها ويصفها لنا جميلة تعتني‬ ‫بجمالها‪ .‬وهو مت ّيم بها وقد وجد فيها ضالته‪ ،‬إذ إنها‬ ‫ينغص‬ ‫واحلب ولكن مرض قلبها كان‬ ‫أحاطته باحلنان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عليهما حياتهما‪.‬‬ ‫وه� � ��و يعترف بفضلها عليه ألنها حتملت نزواته‪.‬‬ ‫ويش� � ��عر بالندم وبالعرفان‪ ،‬ألنها صبرت عليه وكانت‬ ‫رحوم� � ��ة به وتعتني ب� � ��ه وتد ِّللُه وق� � ��د تخلّت عن رغبة‬ ‫ش� � ��قيقها في أن تتز ّوج من مدير الش� � ��ركة التي يعمل‬ ‫وفضلت الزواج من‬ ‫فيها والذي يكبرها بعشرين سنة ّ‬ ‫ياس� �ي��ن‪ ،‬الذي يكبرها باثنتي عشرة س� � ��نة‪ ،‬هو يغار‬ ‫ياسني رفاعية وأمل ج ّراح في رواياته‬ ‫‪11/3/16 8:20:45 AM‬‬

‫عليها‪ ،‬ولكنه ال يس� � ��مح لها مبا يس� � ��مح لنفسه‪ .‬كانت‬ ‫ش� � ��جاعة ولكن قلبه� � ��ا الذي أجرت ل� � ��ه أربع عمليات‬ ‫جراحية قد خذلها‪.‬‬ ‫نصل إلى الفصل الس� � ��ادس عش� � ��ر‪ ،‬فإذا بسياق‬ ‫الرواي� � ��ة يتغ ّي� � ��ر‪ .‬الواقعية التي س� � ��ادت في الفصول‬ ‫الس� � ��ابقة والتي وصفه� � ��ا الكاتب بدق� � ��ة حت ّولت إلى‬ ‫خي� � ��ال‪ .‬يتخ ّيل أنه أمض� � ��ى الليل ف� � ��ي املقبرة‪ ،‬حيث‬ ‫أش� � ��باح املوتى تنتش� � ��ر في الليل ويؤمن أن زوجته لم‬ ‫متت‪ ،‬وأنها كانت تغفو وأنها س� � ��تفتح عينيها وتس� � ��أل‬ ‫ماذا حدث لها‪ .‬إنها س� � ��تعود إلى احلياة‪ .‬بعد رحيلها‬ ‫اختلطت عليه األش� � ��ياء وبات يأل� � ��ف الهذيان‪ .‬احلياة‬ ‫مج ّرد وهم كبير‪ .‬يتخيل أنه انعتق من جس� � ��ده وبات‬ ‫مج ّرد روح‪ ،‬بحيث يس� � ��تطيع أن يراها ترفل بهالة من‬ ‫النور‪ .‬إنها هي‪ ...‬بعباءتها الزرقاء الطويلة‪ ،‬تسحبها‬ ‫على األرض كذيل الطاووس‪ ،‬إنها هي في ع ّز صباها‪،‬‬ ‫جميلة‪ ،‬تتهادى كأنها ال متشي على شيء‪.‬‬ ‫قالئل هم الكتّاب أو الش� � ��عراء الذين يستوحون‬ ‫أو يذكرون زوجاتهم فيما يكتبون أو ينظمون‪ .‬وإني ال‬ ‫أعرف أديبة اس� � ��توحت أو ذكرت زوجها فيما كتبت‪.‬‬ ‫لع ّل ياسني رفاعية من الروائيني القالئل الذين كتبوا‬ ‫صراحة ع� � ��ن زوجاتهم في رواياته� � ��م‪ ،‬فقد كتب عن‬ ‫زوجته في ثالث من رواياته كما أس� � ��لفنا‪ .‬وذلك عائد‬ ‫إلى ح ّبه لزوجته الشاعرة ذات الروح احلساسة وإلى‬ ‫العذابات التي عانت منها بسبب ضعف قلبها فماتت‬ ‫وتركته وحيداً ولكن الكاتب خلّدها في رواياته‪.‬‬ ‫هذه ه� � ��ي صورة أمل ج ّراح في روايات ياس� �ي��ن‬ ‫رفاعية الثالث‪ :‬امرأة ش� � ��اعرة جميل� � ��ة حنونة محبة‬ ‫ش� � ��فافة متف ّهمة وطنية مؤمنة بقدره� � ��ا‪ ،‬وفوق ذلك‬ ‫أنيقة تعتني بجمالها وزينتها‪ ،‬وهي لم تش� � ��أ أن تواجه‬ ‫وجه ر ّبها إ ّال وهي في أجمل زينتها‪.‬‬ ‫أمل ج ّراح كانت والتزال ح ّية في وجدان زوجها‬ ‫ياس� �ي��ن رفاعية ولم متت‪ .‬يخاطبها ويناجيها ويعيش‬ ‫على ذكراها‪ .‬صوره� � ��ا بأحجامها الكبي� � ��رة وألوانها‬ ‫متأل املنزل وكرس � � � ّيها الذي كانت جتلس عليه مازال‬ ‫مكانه ينتظر عودتها‪.‬‬ ‫لق� � ��د ارتاح رفاعية أخيراً بع� � ��د أن جمعه اللحد‬ ‫بزوجته وح ّل مكان البيت الذي جمعهما في احلياة‪.‬‬ ‫أدبي‪ ،‬برغم غيابه‬ ‫وه� � ��و بفضل ما ترك من نتاج ّ‬ ‫يظل حاضراً >‬ ‫‪129‬‬

‫‪dec 126-129.indd 129‬‬


‫شخصيات‬

‫الفنان أحمد صبري‪...‬‬ ‫تشكيلي عرفه الغرب قبلنا‬ ‫عبدالعزيز التميمي‬ ‫ُولد أحمد صب���ري بالقاهرة في‬ ‫‪ 1889/4/20‬وانتقل إلى رحمة‬ ‫اهلل ف���ي ‪ ،1955/3/8‬وبي���ن‬ ‫التاريخين تراث جميل يس���تحق‬ ‫التأ ّم���ل والبح���ث والتحقي���ق‬ ‫والدراس���ة‪ ،‬فش���ددت الرح���ال‬ ‫إل���ى مص���ر العروب���ة والتاري���خ‬ ‫للوق���وف على حقيقة ما كان‪،‬‬ ‫وألنقله بكل أمانة وصدق إلى‬ ‫صفح���ات مجلة العربي‪ ،‬جس���ر‬ ‫الثقافة العربية بين كل القراء‬ ‫العرب‪.‬‬

‫رائد البورتريه أحمد صبري‬

‫عندما تش������رفت بالدخول إل������ى بيت الفنان‬ ‫التشكيلي املصري العربي الدكتور أحمد صبري‬ ‫رائد البورتريه األول‪ ،‬شعرت بالهيبة في الشقة‬ ‫الفس������يحة العتيقة التي تقع في منطقة الظاهر‬ ‫بـوس������ط القاهــــرة القدمية‪ ،‬ف������ي عمارة كانت‬ ‫ومازال������ت حتاكي الرقي واجلم������ال‪ ،‬وفي الدور‬ ‫الراب������ع دخلنا وبرفقـــتنا الفن������ان الدكتور خالد‬ ‫محمد السماحي‪ ،‬أحد أشهر املتأثرين بالفنان‬ ‫أحمد صبري وصدي������ق العائلة‪ ،‬فكان املهندس‬ ‫أحمد نزار أحمد صـــبري وشقيقه عمر حفيدا‬ ‫‪130‬‬

‫‪11/3/16 8:21:31 AM‬‬

‫فنان تشكيلي من الكويت‬

‫الفنان الكبير في استقبالنا‪.‬‬ ‫غمرتني الس������عادة وأنا أتأم������ل أعماالً فنية‬ ‫جت������اوز عمرها املائة عام‪ ،‬وبعضها اخلمس���ي��ن‬ ‫عاماً‪ ،‬وأتصفّح املستندات والشهادات والوثائق‬ ‫التي تش������هد على تاريخ هذا الفنان الذي عرفه‬ ‫الغرب قبل أن نعرف������ه نحن العرب‪ ،‬وكان جنماً‬ ‫في سماء الفن التش������كيلي‪ .‬أحمد صبري رائد‬ ‫التأثيرية‪ ،‬وفن������ان البورتري������ه األول قدم لوحة‬ ‫«تأمالت» أو «الراهبة»‪ ،‬وهي رائعة فنية قورنت‬ ‫بأعمال فناني عصر النهضة دافنش������ي ومايكل‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 130-135.indd 130‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫أجنلو بش������هادة أهل الفن وجل������ان التحكيم في‬ ‫باري������س في عام ‪ ،1929‬حيث فازت هذه اللوحة‬ ‫بامليدالي������ة الذهبية واملرك������ز األول على فناني‬ ‫أوربا وفرنس������ا بالتحديد‪ ،‬وه������م مهد املدارس‬ ‫الفنية احلديثة املتنوعة‪.‬‬ ‫أحمد صبري ذخــــــيرة فـــــنية يسعى الزمن‬ ‫ مع األس������ف ‪ -‬إلى طمس تاريخــــــه ومجــــده‬‫الفن������ي ال������ذي مبنزل������ة تاريــــخ وحدي������ث الفـــن‬ ‫الصادق في عاملنا العربي بأس������ره ال في مصر‬ ‫وحدها‪.‬‬ ‫جلس������ت مع أحفاده نشاهد األعمال واحداً‬ ‫تلو اآلخر‪ ،‬ونس������تقرئ املس������تندات‪ ،‬وكلها تقدم‬ ‫الدليل الس������اطع والواضح عل������ى إهمالنا لهذا‬ ‫التاريخ العظيم‪ ،‬كلنا مسؤولون عن ذلك‪ ،‬وواجبنا‬ ‫احلف������اظ عل������ى كل مفردات حياة ه������ذا النبوغ‬ ‫الفني املميز‪ ،‬وال أستثني أحداً‪ ،‬الفنان املعاصر‬ ‫الذي يعرف قيمة الفنان أحمد صبري‪ ،‬الكاتب‬ ‫الصحف������ي‪ ،‬كلي������ة الفنون اجلميلة‪ ،‬األس������اتذة‪،‬‬ ‫وزارات الثقاف������ة في عاملن������ا العربي‪ ،‬اجلمهور‪،‬‬ ‫والكل مس������ؤول عن احملافظة على تاريخ وتراث‬ ‫الفنان أحمد صبري‪ ،‬فأس������رته ال حول لها وال‬ ‫حيلة‪ ،‬فمش������اغلها وقدراتها مح������دودة‪ ،‬وال لوم‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تعالوا نؤسس لألجيال القادمة متحفا يكون‬ ‫مدرس������ة ومرجعاً بصرياً دقيقاً على زمن يحق‬ ‫لنا أن نفخر به‪.‬‬ ‫أحمد صبري مِ ل������ك للعرب كلهم‪ ،‬ويحق لنا‬ ‫جميعاً أن نفخر به كفنان شق طريقه وع ّبده ملن‬ ‫بع������ده‪ ،‬عندما لم يجد الفن طريقه إلينا‪ ،‬ونحن‬ ‫من مجلة العربي نناش������د تلك العقول أن تسعى‬ ‫إلى احلفاظ على أعمال وتاريخ الفنان الدكتور‬ ‫أحمد صبري‪.‬‬ ‫التأثيري������ة ف������ي أعماله ب������ارزة بوضوح‪ ،‬من‬ ‫خالل عين������ه الثاقبة في التصوير الواقعي‪ ،‬كما‬ ‫ش������هدت عليها األعمال التي رس������مها كمص ّور‬ ‫فاقت ملساته قدرات اآللة وأجهزة التصوير‪.‬‬ ‫رسم صبري شيخ األزهر محمود شلتوت ‪-‬‬ ‫رحمه الله ‪ -‬حيث جلس أمامه‪ ،‬فأبدع في توثيق‬ ‫صورته للتاريخ بعمامة األزهر وج ّبة املش������يخة‪،‬‬ ‫الفنان أحمد صبري‪ ...‬تشكيلي عرفه الغرب قبلنا‬ ‫‪11/3/16 8:21:44 AM‬‬

‫الفنان الراحل أحمد صبري وزوجته الفرنسية‪.‬‬

‫في عام ‪ 1929‬فازت‬ ‫لوحته «الراهبة»‬ ‫بالميدالية الذهبية‬ ‫في باريس‬

‫‪131‬‬

‫‪dec 130-135.indd 131‬‬


‫كاتب املوضوع مع احلفيد أحمد نزار صبري في منزل الفنان الكبير‪.‬‬

‫لوحة «تأمالت»‬ ‫ألحمد صبري‪...‬‬ ‫«موناليزا» العرب‬ ‫رائد البورتريه األول‬ ‫جلس له شيخ األزهر‬ ‫ليرسمه‬

‫‪132‬‬

‫‪11/3/16 8:21:49 AM‬‬

‫بطاقة مشاركة من مصر في باريس عام ‪.1929‬‬

‫موثقاً للعامة أن الرسم كان مباحاً بشهادة أهل‬ ‫العلم والدين‪.‬‬ ‫ص������ ّور أحمد صبري ف������ي كثير من أعماله‬ ‫املرأة كأيقونة جميلة هي األم واالبنة والزوجة‪،‬‬ ‫كما ص������ ّور أصدقاءه‪ ،‬وص������ ّ��ر املصري القدمي‬ ‫موثقاً بذل������ك مفردات ذاك الزم������ان من لباس‬ ‫وقيافة ونظام اجتماعي‪ ،‬ووصل بني احلضارتني‬ ‫اإلس���ل��امية والقبطية بلوحته «الراهبة»‪ ،‬فوجد‬ ‫الغ������رب بهذا العمل الص������دق والبرهان على أن‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 130-135.indd 132‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫عاملنا العرب������ي يعيش الوس������طية وينبذ احلقد‬ ‫والكراهي������ة والتفرق������ة العنصري������ة‪ ،‬فوصل������ت‬ ‫الرس������الة عبر هذه اللوحة التي تشتكي الغربة‬ ‫من������ذ ما يزيد على اخلمس���ي��ن عاماً‪ ،‬حيث هي‬ ‫حبيسة في أحد مرافق الدولة املصرية‪ ،‬محروم‬ ‫منها جمهور ومتحف الفن املعاصر بالقاهرة‪.‬‬ ‫«الراهبة» التي رفض الفنـــان أحمد صبري‬ ‫وفض������ل أن تباع في‬ ‫أن يبيعه������ا ملتحف اللوفر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مص������ر بس������عر زهيد لم يتج������اوز مائ������ة جنيه‪،‬‬ ‫خرجت من مصر منذ س������تينيات القرن املاضي‬ ‫إل������ى متحف ف������ي نيويورك‪ ،‬وبقي������ت هناك إلى‬ ‫يومنا هذا مشتاقة إلى تراب مصر وحضنها‪.‬‬ ‫أحمد صبري كان يعرف قيمة أعماله‪ ،‬فلم‬ ‫يقبل بتركها خارج مصر‪ ،‬وكان دائماً‬ ‫يفضل أن‬ ‫ّ‬ ‫تبقى أعماله في املتاحف املصرية ولم يرخصها‬ ‫للغير خارج مصر‪.‬‬ ‫كان فناناً يحب وطنه وبني وطنه‪ ،‬فترك لهم‬ ‫تراثاً فنياً صادقاً من اللوحات الفنية‪ ،‬كل واحدة‬ ‫منها مدرس������ة بذاتها‪ ،‬بل ميك������ن أن تكون مادة‬

‫من أعمال الفنان الراحل‬

‫الفنان أحمد صبري‪ ...‬تشكيلي عرفه الغرب قبلنا‬ ‫‪11/3/16 8:21:53 AM‬‬

‫خطاب من الفنان الرائد محمد ناجي‬

‫لوحة «الراهبة»‬

‫‪133‬‬

‫‪dec 130-135.indd 133‬‬


‫«الرداء األزرق» ‪ ...‬اللوحة التي لم يكملها الفنان‬

‫في هذه اللوحة وغيرها تظهر براعة عناية الفنان الكبير‬ ‫بالتفاصيل والعالقة مع الضوء‬ ‫‪134‬‬

‫‪11/3/16 8:21:57 AM‬‬

‫لوحة الشيخ محمود شلتوت شيخ األزهر‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 130-135.indd 134‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫دراسية منفصلة عن بقية األعمال األخرى‪.‬‬ ‫ل������ه «بالتت������ه» اخلاص������ة وألوان������ه املمي������زة‬ ‫بش������فافيتها وتناسقها اجلميل من حيث التاريخ‬ ‫والتكوين واإلحساس‪ ،‬كل تفاصيل أعماله كاملة‬ ‫من حيث التش������ريح واألبعاد واختي������ار الزاوية‬ ‫واملنظ������ور العام‪ ،‬فت������رى عنده مس������اقط الظل‬ ‫والض������وء حقيقية ال خداع فيه������ا‪ ،‬عندما تقف‬ ‫أمام لوحة من لوحاته تش������عر باملوديل املرسوم‬ ‫وهو يحاورك أو حتاوره‪.‬‬ ‫أحمد صب������ري صدق مع نفس������ــه‪ ،‬فجاءت‬ ‫أعماله صادقـــة مع ّبرة عن نفسها‪ ،‬فال يستطيع‬ ‫أي ناق������د أو متل� ٍ‬ ‫�����ق أن يخــتلف عل������ى روعـــتهــــا‬ ‫وجماله������ا الفن������ي‪ ...‬وق������د اس������تطاع بهـــــ������ذه‬ ‫املجـــــموع������ة التـــي بحوزة أس������رته وأحفاده أن‬ ‫يتـــرك تراثاً يد ّرس في كليات الفـــــنون اجلمــــيلة‬ ‫فـــي العـــــالم كل������ه وليس في مصر وحـــــدها أو‬ ‫العالم العربي‪.‬‬ ‫فق������دت مصر الفنان الرائ������د أحمد صبري‬

‫كفنان أدى دوره‪ ،‬وفق������ده العالم العربي كذلك‪،‬‬ ‫فهل نس������مح للزم������ن والعوام������ل الطبيعية التي‬ ‫تعيش������ها األعمال من حرارة ورطوبة وسوء في‬ ‫التخزين يص������ل إلى درجة اإلهم������ال‪ ،‬بتدميــــر‬ ‫هذه األعمال العظيمة؟‬ ‫لقد عش������ت حلظ������ات من أجــم������ل حلظات‬ ‫حيات������ي وأنا أتنق������ل مع املهنـــ������دس أحمد نزار‬ ‫صبري‪ ،‬يرافقنا الفنان الدكتور خالد السماحي‪،‬‬ ‫بني جنبات محراب الف������ن األصيل لفنان مبدع‬ ‫جهلن������ا قدره وعرفه اآلخرون‪ ،‬وخرجت أس������أل‬ ‫نفسي‪ :‬إلى أي جهة أتوجه بالسؤال الذي يشغل‬ ‫فك������ر وبال كل مح ّبي الفنون التش������كيلية؟ كيف‬ ‫نحافظ على تراث أحمد صبري الفني الذي لو‬ ‫تُرك كما هو اآلن ولم ينقل إلى متحف أو مكان‬ ‫تقدر بثمن‪،‬‬ ‫مخصص ملثل هذه الترك������ة التي ال ّ‬ ‫س������وف نفقد ماسة ثمينة من عقد ثمني للتراث‬ ‫التشكيلي العربي‪ ،‬وس������وف نحرم األجيــال من‬ ‫راق؟ >‬ ‫تاريــخ كله جـــمال وإبداع ِ‬

‫تدبير مضاد‬ ‫يذك ��ر أن املأم ��ون أصاب بخراس ��ان كانونا من الذهب مرصع ��ا باجلواهر‪ ،‬قيل‬ ‫أنه ليزدجر بن ش ��هريار الفارس ��ي‪ ،‬فقال له ذو الرئاس ��تني (الفضل بن س ��هيل بن‬ ‫الصول ��ت)‪ :‬ي ��ا أمير املؤمنني ال ��رأي أن جتعله في الكعبة يوقد في ��ه العود بالليل‬ ‫والنه ��ار‪ ،‬فقال املأمون‪ :‬أفعل‪ .‬وأمر بحمل الكان ��ون إلى مكة املكرمة‪ ،‬اتصل اخلبر‬ ‫بيزي ��د اب ��ن ه ��ارون حُ َ‬ ‫امل ِّدث‪ ،‬فأمر مس ��تمليه (كاتب ��ه) أن يقف ي ��وم اخلميس عند‬ ‫اجتماع الناس وأصحاب احلديث فيشكر املأمون ويدعو له ويخبر بخبر الكانون‪،‬‬ ‫ففعل املس ��تمل ذلك‪ ،‬فلما س ��مع يزيد كالمه صاح وانتهره وقال له‪ :‬ويلك اس ��كت‬ ‫إن أمير املؤمنني أجل قدرا وأعلم بالله عز وجل من أن يجعل بيته تعالى بيت نار‬ ‫(كاملج ��وس) فكت ��ب أصحاب البريد بذلك إلى املأمون فأمر بكس ��ر الكانون وبطل‬ ‫ما كان دبره ذو الرئاستني!‬

‫الفنان أحمد صبري‪ ...‬تشكيلي عرفه الغرب قبلنا‬ ‫‪11/3/16 8:22:00 AM‬‬

‫‪135‬‬

‫‪dec 130-135.indd 135‬‬


‫فنون‬

‫سلفادور دالي‬ ‫يرسم بالكلمات نيويورك والحرب‬ ‫نبيل سليمان‬

‫كاتب من سورية‬

‫تضاع���ف إيمان���ي بعبقري���ة س���لفادور دال���ي‬ ‫عندما قرأت روايته «وجوه خبيئة»‪ .‬فهذا الفنان‬ ‫االس���تثنائي ف���ي تاريخ الفن‪ ،‬بدا ف���ي الرواية‬ ‫كاتب ًا من الدرجة األولى‪ ،‬س���واء في تش���ييد‬ ‫العم���ارة الروائي���ة أو في بناء المش���هديات‪،‬‬ ‫أو ف���ي الغ���وص ف���ي أغ���وار الش���خصيات‪،‬‬ ‫وبالطب���ع ف���ي التخييل ال���ذي ال يفتأ يغدق‬ ‫نعم���اءه عل���ى الق���راءة‪ ،‬ل���كأن الكات���ب‬ ‫يرس���م‪ ،‬والرحم���ة لن���زار قبان���ي ال���ذي أبدع‬ ‫الرسم بالكلمات‪.‬‬

‫كان� � ��ت املفاجأة أن هذا الفن� � ��ان التجريبي جداً‪،‬‬ ‫واحلداثي جداً‪ ،‬بدا في الرواية كالسيكياً جداً‪ ،‬وإن‬ ‫تكن كالس� � ��يكيته مط ّعمة بحداثيت� � ��ه‪ .‬وقد ازداد كل‬ ‫ذلك توكيداً عندما قرأت ما كتب من سيرته (احلياة‬ ‫السرية)‪ ،‬حيث حتضر الرواية بقوة‪ ،‬لكأمنا «احلياة‬ ‫السرية» سيرة روائية أو رواية سيرية‪ .‬ومن فيضانها‬ ‫الذي ال يدع للكتابة عنها إال أن تستعير كتابتها‪ ،‬ثمة‬ ‫ما يخاطب يومنا العربي والعاملي‪ ،‬األول في بؤرة ما‬ ‫يعصف بنا منذ ‪ ،2011‬والثاني في البؤرة األمريكية‬ ‫الت� � ��ي تلخص العال� � ��م‪ ،‬وهي التي ت� � ��كاد تتلخص في‬ ‫نيويورك‪.‬‬

‫احلرب العاملية واألهلية‬

‫بجسارته املعهودة أعلن دالي أنه مناهض للسياسة‬ ‫‪136‬‬

‫‪11/3/16 11:23:31 AM‬‬

‫وللتاريخ‪ .‬وعلل ذلك إما بس� � ��بقه لعصره‪ ،‬وإما بتخلفه‬ ‫عنه‪ .‬وكما كان حديث الثورة في التاريخ حديث حرب‪،‬‬ ‫كتب دالي عن ثورة برش� � ��لونة‪ ،‬عندما تفجرت املذاهب‬ ‫فيها كقناب� � ��ل يطلقها االحتاد اإليبي� � ��ري‪ ،‬وكان إعالن‬ ‫اجلمهورية الكاتالونية‪ ،‬ومأل املسلحون الشوارع‪ ،‬فحذر‬ ‫رئيس البنائني‪« :‬سينتهي هذا كله بدكتاتورية عسكرية‬ ‫س� � ��تضعفنا جميعاً ولن تس� � ��مح لنا بالتنفس»‪ .‬وقد ف ّر‬ ‫دالي وزوجته وملهمته غاال من برشلونة‪ ،‬لكن الصحف‬ ‫أدركت� � ��ه في اليوم التالي على احلدود الفرنس� � ��ية بنبأ‬ ‫إخماد الثورة‪ ،‬وقتل قادتها أو اعتقالهم‪ ،‬وها هو املوال‬ ‫يترجع‪ ،‬بينما فريق برش� � ��لونة ال يفتأ‬ ‫الكاتالوني اليزال ّ‬ ‫يعزز تربعه على عرش كرة القدم‪.‬‬ ‫في صورة ال يرس� � ��مها أو يكتبه� � ��ا إال من هو مثل‬ ‫دال� � ��ي‪ ،‬الذي ال يني يجزم‪ :‬ليس لي مثيل يقرن بني كرة‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 136-143.indd 136‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫من أعمال دالي‬

‫البين� � ��غ بونغ واحلرب‪ .‬فالكرة تب� � ��دو للفنان أو الكاتب‬ ‫مثل رأس موت صغي� � ��ر‪ ...‬فارغة وكارثية في عبثيتها‪،‬‬ ‫جتسد السياسة «املسلوخة»! أما الصمت بعد َجمجمة‬ ‫الكرة فهو يجعل دالي يحس باقتراب «وحشية تاريخنا‬ ‫املسلحة العظيمة‪ ،‬وحشية حربنا األهلية القادمة»‪ .‬وقد‬ ‫تنبأ دالي باحلرب اإلسبانية في لوحته التي رسمها في‬ ‫باريس وسماها «نذير احلرب األهلية»‪ ،‬وفيها تخرج من‬ ‫جسم بشري ضخم ناميات هائلة من األذرع والسيقان‪،‬‬ ‫متزق إحداها األخرى ف� � ��ي هذيان من اخلنق الذاتي‪.‬‬ ‫وفي خلفية هذه «الهندس� � ��ة من اللحم املسعور» الذي‬ ‫تلتهمه جائح ٌة نرجس� � ��ية وبيولوجية‪ ،‬رسم دالي منظراً‬ ‫طبيعياً جيولوجياً‪ ،‬وزخرف البنية الطرية لكتلة اللحم‬ ‫في احلرب األهلية ببعض الفاصولياء املسلوقة!‬ ‫عن احل� � ��رب األهلية اإلس� � ��بانية‪ ،‬يخاطب ما كتبه‬ ‫دالي قبل أكثر من س� � ��بعني س� � ��نة‪ ،‬تلك احلرب األهلية‬ ‫الت� � ��ي اكتوى بها لبن� � ��ان (‪ ،)1990-1975‬فاجلزائر في‬ ‫العش� � ��رية األخيرة من القرن املاضي‪ ،‬فالعراق وسورية‬ ‫واليمن وليبيا منذ خمس س� � ��نوات‪ ،‬وإلى يوم عسى أال‬ ‫سلفادور دالي يرسم بالكلمات نيويورك واحلرب‬ ‫‪11/3/16 11:23:35 AM‬‬

‫يك� � ��ون بعيداً‪ .‬يق� � ��ول دالي إن املاضي ق� � ��د نُبش‪ ،‬و ُرفع‬ ‫لينهض على قدميه‪ ،‬وس� � ��ار بني األموات األحياء‪ ،‬وكان‬ ‫مسلحاً‪ ،‬وتعلم الناس أن يحب أحدهم اآلخر بأن يقتل‬ ‫أحدهم اآلخر‪ ،‬ومن جميع أجزاء إسبانيا انبعثت رائحة‬ ‫ّ‬ ‫املقطع‪.‬‬ ‫«اللحم الروحاني»‬ ‫كان الش� � ��عب اإلس� � ��باني (أو اللبناني أو اجلزائري‬ ‫أو السوري أو‪ )...‬عندما يلتهم أحدهم اآلخر‪ ،‬يقاتلون‬ ‫‪137‬‬

‫‪dec 136-143.indd 137‬‬


‫من دون وعي منهم‪ ،‬وبشكل جماعي‪ ،‬من أجل التقاليد‬ ‫املتق� � ��دة التي تش� � ��كل بلده� � ��م‪ .‬كانوا جميع � � �اً يقاتلون‬ ‫بشجاعة وفخر‪ ،‬صليب ّيي اإلميان‪ :‬امللحدون واملؤمنون‬ ‫والقديس� � ��ون وا��لجرم� � ��ون واجلالدون وحف� � ��ارو القبور‬ ‫ونابش� � ��وها‪ .‬والناس في احلرب األهلية يقتل أحدهم‬ ‫اآلخر‪ ،‬ليس من أجل األفكار فقط‪ ،‬بل من أجل أسباب‬ ‫فردية أيضاً‪ ،‬من جراء اضطراب ش� � ��خصية املرء‪ .‬وقد‬ ‫بدت احل� � ��رب لدالي أش� � ��به بع� � ��راك أوالد على زاوية‬ ‫شارع‪ ،‬لكن هذا الشجار بدأ يصدر كثيراً من الضجيج‪،‬‬ ‫وأصبح واقعياً أكثر مما يجب‪.‬‬ ‫م� � ��ا حتتاج إليه بالدنا – ق� � ��ال لدالي صديق ثوري‬ ‫حارب من أجل اجلمهورية – هو التخلص من فرانكو‪،‬‬ ‫وأن تعود إسبانيا ملكية دستورية‪.‬‬ ‫لقد انطلق الفوضويون اإلس� � ��بان – يكتب دالي –‬ ‫إلى الشوارع املدمرة‪ ،‬رافعني الفتاتهم السوداء وعليها‬ ‫«يحيا املوت»‪.‬‬ ‫أقبل دالي على الرس� � ��م اثنتي عش� � ��رة س� � ��اعة في‬ ‫الي� � ��وم‪ ،‬عندما ف ّر من الثورة إلى اس� � ��تراحة في جبال‬

‫‪138‬‬

‫‪11/3/16 11:23:38 AM‬‬

‫البيرينيه‪ .‬وعمل ف� � ��ي أثناء احلرب بجد‪ ،‬كما لم يعمل‬ ‫من قبل‪ ،‬مفعماً بإحساس حارق من املسؤولية الفكرية‪.‬‬ ‫وباملض� � � ّ�ي إلى ما بعد احلرب تفج� � ��ر دالي غيظاً مما‬ ‫عده الفقر الروحي لهذه احلقبة‪ :‬فقر انعدام الش� � ��كل‬ ‫الف� � ��ردي ال� � ��ذي ابتلعه انع� � ��دام ش� � ��كل اجلماعة‪ ،‬فقر‬ ‫احلضارة ال� � ��ذي يدمر املرء ويجعله عبداً للش� � ��ك في‬ ‫حريته اجلدي� � ��دة‪ .‬إنه الفقر الذي أدب� � ��ر عن الفخامة‬ ‫املقدس� � ��ة للهندس� � ��ة املعمارية‪ ،‬وأقبل على الهندس� � ��ة‬ ‫بعمومه� � ��ا‪ ،‬وهي الت� � ��ي يعدها دالي األكث� � ��ر انحطاطاً‪.‬‬ ‫وين� � ��دب دالي احلرية الفردية الت� � ��ي أبدلتها مرحلة ما‬ ‫بع� � ��د احلرب باإلميان بطغي� � ��ان اليوتوبيات املالية‪ .‬أما‬ ‫الفقر األيديولوجي واملجاع� � ��ة الروحية حلقبة ما بعد‬ ‫احلرب‪ ،‬فهما ما سيحمالن وزر احلرب القادمة‪.‬‬ ‫يرى دالي أوربا ما بعد احلرب ميت ًة بسبب جتاربها‬ ‫الثورية والسياسية واجلمالية واألخالقية التي التهمتها‬ ‫بالتدريج‪ .‬كما يرى أوربا‪ ،‬في مقام آخر‪ ،‬على وشك أن‬ ‫متوت بسبب غياب اجلمال السياسي‪ ،‬وبسبب التصلب‬ ‫األيديولوجي والتزمت األخالقي‪ ،‬والش� � ��ك والعس� � ��ف‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 136-143.indd 138‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫املفاهيم واألفكار كما عبر عنها دالي في لوحاته‬

‫والكآب� � ��ة‪ ،‬ونقص الفلس� � ��فة الكوني� � ��ة‪ ،‬ونقص اإلميان‪،‬‬ ‫وبسبب تكاثر املذاهب وفوضاها‪ :‬التكعيبية والدادائية‬ ‫واملس� � ��تقبلية والس� � ��ريالية والش� � ��يوعية واالش� � ��تراكية‬ ‫القومية وكثير س� � ��واها‪ .‬فلكل من ه� � ��ذه املذاهب قادة‬ ‫وأبطال وأنص� � ��ار‪ ،‬وكل منها يدع� � ��ي معرفة احلقيقة‪،‬‬ ‫لك� � ��ن احلقيقة الوحيدة التي قدمته� � ��ا املذاهب‪ ،‬كانت‪،‬‬ ‫كم� � ��ا يحكم دالي‪ ،‬ه� � ��ي أنه ما إن تُنس� � ��ى – وكم كانت‬ ‫تُنسى بس� � ��رعة – حتى ال يبقى بني أطاللها إال أفراد‬ ‫معدودون‪.‬‬

‫ما بعد احلرب املجنونة‬

‫يس� � ��أل دالي غ� � ��اال عما تقول س� � ��اعة التاريخ بعد‬ ‫احل� � ��رب‪ ،‬فتأتي النبوءة بس� � ��اعة الفرد‪« :‬س� � ��اعتك يا‬ ‫س� � ��لفادور» توش� � ��ك أن تقرع‪ ،‬بينما انحطت حساسية‬ ‫الرجال الذين حولتهم احلرب إلى همجيني‪ .‬لقد خرج‬ ‫الناس من احلرب‪ :‬ظهور من الرصاص‪ ،‬قلوب كيميائية‬ ‫من تلفزيونات ال� � ��دم‪ .‬واخلوف اخلوف أن نخرج نحن‬ ‫سلفادور دالي يرسم بالكلمات نيويورك واحلرب‬ ‫‪11/3/16 11:23:42 AM‬‬

‫عرب اليوم من حربنا املجنون� � ��ة على هذه الهيئة‪ ،‬وأن‬ ‫نكون كما رس� � ��م دالي اإلنسان في فرنسا بعد احلرب‪:‬‬ ‫هو هو كم� � ��ا كان بانتظارها‪ :‬تضخم الش� � ��عور اجلبان‬ ‫باخلم� � ��ول‪ ،‬وبالدوران حول ال� � ��ذات‪ ،‬مترافقاً مع بعض‬ ‫املتع� � ��ة املنحرفة من ج� � ��راء معرفة امل� � ��رء أن اجليران‬ ‫التاريخيني (اإلس� � ��بان) ق� � ��د ذبح بعضه� � ��م بعضاً‪ ،‬في‬ ‫واحدة من أكثر احلروب رعباً في التاريخ‪.‬‬ ‫من التجليات التي ال حتصى إلبداع دالي في رسم‬ ‫الش� � ��خصية الروائية في اللحظ� � ��ة احلرجة القصوى‪،‬‬ ‫كلحظة احلرب‪ ،‬ال أنسى كيف رسمت كلمات الفنان في‬ ‫رواية «وجوه خبيئة» دخيلة الطيار الذي يخاطب بيتكا‬ ‫بأنه لم يش� � ��عر قط في حياته كما ش� � ��عر عندما أصبح‬ ‫وجه � � �اً لوجه مع العدو‪ .‬وإذا كان الطيار قد أصبح منذ‬ ‫ذلك اليوم ذلك الش� � ��يء الغامض الذي يس� � ��مى بط ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫فه� � ��و ينفي عن البطولة أي جرأة‪ ،‬ففي احلرب ال يفكر‬ ‫املرء أبداً بأنه س� � ��يموت‪ .‬وحني ميسك ببندقيته اآللية‬ ‫بقوة‪ ،‬يشعر كأن ارتداداتها جتعل براغيث خوفه تقفز‬ ‫‪139‬‬

‫‪dec 136-143.indd 139‬‬


‫تبدو بعض أعمال دالي كأنها نص روائي أو سردي مبا يعبر فيه عن أفكار ودالالت‬

‫هارب� � ��ة‪ .‬ويكتب – يرس� � ��م دالي أن املهم ف� � ��ي املعركة‬ ‫اجلوية هو أن املرء يشعر بأنه يصبح مرة أخرى قطرة‬ ‫من زالل بيض� � ��ة‪ ،‬من حياة غريزي� � ��ة قابلة للعطب في‬ ‫مركز قذيفة‪ ،‬وسط السماء‪ ،‬وحيث يبدأ الدماغ بالعمل‬ ‫فتغذي جناحي الطائرة االنقباضات واالنبساطات في‬ ‫قل� � ��ب الطيار‪ ،‬واملكونات الكيميائي� � ��ة لعصارته‪ ،‬ونقرأ‪:‬‬ ‫حس� � ��ناً‪ ،‬ليس هذا عم ً‬ ‫ال أدبياً‪ .‬فأنت تش� � ��عر حقاً من‬ ‫أعمق نقطة في أحش� � ��ائك إل� � ��ى رؤوس أظفارك‪ ،‬أنك‬ ‫ٍ‬ ‫وعندئذ‪،‬‬ ‫أن� � ��ت العيون واملكونات الداخلي� � ��ة لطائرتك‪،‬‬ ‫لن تكون باريس موجودة وال السريالية‪ ،‬فكل مخاوفك‬ ‫ونظريات� � ��ك وتناقض� � ��ات أفكارك والندامة‪ ،‬كل ش� � ��يء‬ ‫يختفي ليفس� � ��ح للتدفق الغاضب‪ ،‬حلزم� � ��ة النار التي‬ ‫تندفع من املدفع األوتوماتيكي‪.‬‬ ‫وف� � ��ي رواية «وجوه خبيئ� � ��ة» يدقق دالي في ما بني‬ ‫السياس� � ��ة واحلرب‪ ،‬معرياً اخلبث واملكر الذي يس� � ��م‬ ‫السياسيني‪ ،‬إذ تدخل السياس� � ��ة في ما يسميه الطور‬ ‫القم� � ��ري‪ ،‬طور الغبش والبرق‪ ،‬فيكون من العس� � ��ير أال‬ ‫تبي ضي� � ��اء الوجوه األليفة‪ ،‬وانعكاس� � ��ات‬ ‫تخطئ في نّ‬ ‫اخليان� � ��ة واجلاسوس� � ��ية عليها‪ .‬ويش� � ��به دال� � ��ي ما في‬ ‫احلرب والسياس� � ��ة من شراس� � ��ة وتضافر الش� � ��جاعة‬ ‫والوالء واخليانة بتمثال سيرابيس من الذهب اخلالص‬ ‫‪140‬‬

‫‪11/3/16 11:23:52 AM‬‬

‫الس� � ��اطع‪ ،‬وهو الوحيد امل� � ��زروع في قل� � ��ب الصحراء‪،‬‬ ‫عارضاً ظ ً‬ ‫ال حزيناً متطاوالً يتالشى على حدود الرمل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الذي كان جافا متعطشا للدم اجلديد للتاريخ‪.‬‬ ‫أي سرد هذا؟ أي رسم بالكلمات؟‬

‫أمريكا – نيويورك‬

‫يخاطب دالي نيوي� � ��ورك بقوله‪« :‬أنت مصر‪ ،‬لكنك‬ ‫مص� � ��ر انقل� � ��ب باطنه� � ��ا ظاهرها»‪ .‬ويوض� � ��ح ذلك بأن‬ ‫األهرامات بنيت من العبودي� � ��ة حتى املوت‪ ،‬بينما بنت‬ ‫نيويورك أهراماتها من الدميقراطية مع أنابيب برتقال‬ ‫عمودية من ناطحات س� � ��حاب‪ ،‬تلتقي جميعاً في نقطة‬ ‫احلرية التي بال حدود‪.‬‬ ‫هذه الصورة السحرية التي رسمها دالي لنيويورك‬ ‫رسمت أمامي‬ ‫تعبر عن افتتانه بها منذ أن القاها‪« :‬لقد‬ ‫ْ‬ ‫باللون األبيض العاجي الوردي الصدئ‪ ،‬وبدت كقطعة‬ ‫جنب روكفور هائلة»‪ .‬وألنه يحب هذه اجلبنة الفرنسية‪،‬‬ ‫فقد جزم بأن نيويورك ترحب به‪ .‬وال ينس� � ��ى دالي في‬ ‫لقائه األول بها «فخر كريستوف كولومبس الكاتالوني»‬ ‫الذي يج� � ��ري في عروقه‪ ،‬لذل� � ��ك أدى التحية «لعظمة‬ ‫العلم األمريكي الكونية وأصالته البكر»‪.‬‬ ‫نيوي� � ��ورك في عين� � ��ي دالي هي ح� � ��ارس غرانيتي‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 136-143.indd 140‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫سلفادور دالي يرسم بالكلمات نيويورك واحلرب‬ ‫‪11/3/16 11:23:56 AM‬‬

‫‪141‬‬

‫‪dec 136-143.indd 141‬‬


‫لوحة نذير احلرب األهلية‬

‫يواجه آسيا‪ ،‬وهي بعث احللم األطلسي‪ ،‬وهي أطلنتس‬ ‫ٍ‬ ‫بخاف‬ ‫الوعي الباطن‪ .‬وكيفما تك� � ��ون نيويورك‪ ،‬فليس‬ ‫على دال� � ��ي أن كاتدرائياتها حتيك ف� � ��ي ظالل البنوك‬ ‫الضخمة‪ ،‬اجلوارب والقفازات لتوائم الزنوج‪ ،‬ولطيور‬ ‫الس� � ��نونو التي ثملت بالكوكاكوال‪ ،‬وضاعت في مطابخ‬ ‫األحياء اإليطالية الق� � ��ذرة‪ ،‬وتعلقت بحواف الطاوالت‬ ‫مثل ربطات العنق اليهودية السوداء الغارقة في املطر‪،‬‬ ‫منتظر ًة ضربة مفاجئة من «مكواة» االنتخابات القادمة‪،‬‬ ‫لتجعلها مقرمشة مثل قطعة من حلم اخلنزير املقدد‪.‬‬ ‫من الول� � ��ه إلى النق� � ��د الالذع والس� � ��اخر‪ ،‬تصيب‬ ‫س� � ��ردية نيويورك هذه امل� � ��رء بالدوار وه� � ��و يلهث من‬ ‫عب� � ��ارة‪ /‬صورة إلى عبارة ‪ /‬ص� � ��ورة‪ ،‬وكل واحدة متور‬ ‫بفكريته� � ��ا‪ .‬وكان صيت دالي قد س� � ��بقه إلى نيويورك‬ ‫‪142‬‬

‫‪11/3/16 11:23:59 AM‬‬

‫التي اس� � ��تقبلته كما يرغب‪ .‬وفيها كانت له جوالت مع‬ ‫محالت عرض األزياء‪ ،‬لذل� � ��ك يخاطب املدينة بقوله‪:‬‬ ‫«نيوي� � ��ورك‪ :‬إن دمى عرض أزيائ� � ��ك مقطوعة الرأس‬ ‫غارقة في النوم س� � ��لفاً‪ ،‬وتري� � ��ق كل دمها الدائم الذي‬ ‫يتدفق مثل النوافير اجلراحية للدعاية داخل واجهات‬ ‫العرض املتألقة باألضواء الكهربائية‪ ،‬امللونة بالسريالية‬ ‫التي تغط في نوم عميق»‪.‬‬ ‫أذهلت دالي عروض واجه� � ��ات احملالت التجارية‬ ‫التي حتاول أن تقلده في اجلادة النيويوركية اخلامسة‪.‬‬ ‫وكان ميقت دم� � ��ى العرض العصري� � ��ة املريعة الصلبة‪،‬‬ ‫وغير «القابلة ل� �ل��أكل»‪ .‬لقد أصابه بالضياع الضجيج‬ ‫املراف� � ��ق ملدينة ميكانيكي� � ��ة هائلة‪ .‬ولعل م� � ��ا كتبه عن‬ ‫الش� � ��عر في نيويورك يعبر عن جوهر جتربته الروحية‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 136-143.indd 142‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫واإلبداعية والعملية واحلياتي� � ��ة النيويوركية‪ .‬فقبل أن‬ ‫يذهب إل� � ��ى النوم في ليلته الثانية فيها‪ ،‬وفي غش� � ��اوة‬ ‫النعاس‪ ،‬راحت تتضارب الصور النيويوركية التي رآها‬ ‫ف� � ��ي اليوم األول‪ ،‬فجزم‪ :‬ال‪ ،‬وألف ال‪ ،‬ليس الش� � ��عر في‬ ‫نيو��ورك كم� � ��ا أخبرت عنه أوربا‪ .‬لي� � ��س في جماليات‬ ‫اخلط� � ��وط الزائفة العقيمة لصالبة «روكفيلر س� � ��نتر»‪.‬‬ ‫ليس الثالجات التي يُرثى لها‪ ،‬ويرغب متذوقو اجلمال‬ ‫األوربي� � ��ون «البغيضون» أن يقفلوها عل� � ��ى البقايا غير‬ ‫الصاحلة لزيفهم احلديث الشاب – يكتب!‬ ‫ويكتب أن الشعر في نيويورك قدمي وعنيف كالعالم‬ ‫في ح� � ��د ذاته‪ ،‬وهو ليس جماليات هادئة‪ ،‬بل مادة حية‬ ‫وهائجة‪ .‬ليس من النيكل‪ ،‬بل هو رئات متشعبة‪ ،‬وطرق‬ ‫األنفاق إلى نيويورك ال تس� � ��ير على سكك حديدية‪ ،‬بل‬ ‫على س� � ��كك الرئات املتشعبة‪ ،‬وهذا التعبير‪ ،‬يذكر دالي‬ ‫أنه اقتبس فكرته عن رميوند راس� � ��ل الذي يعده أعظم‬ ‫كاتب فرنسي تخيلي‪.‬‬ ‫واآلن‪ ،‬لنتأم� � ��ل بعين� � ��ي دالي كي� � ��ف تتخذ ناطحات‬ ‫الس� � ��حاب في نيويورك كل مس� � ��اء أش� � ��كاالً مجس� � ��مة‬ ‫عمالقة من لوحة ميليت املس� � ��ماة أجنيلوس‪ ،‬مس� � ��تعدة‬ ‫ألداء الوظيفة اجلنس� � ��ية‪ ،‬وألن تفت� � ��رس الواحدة منها‬ ‫األخرى قبل اجلماع‪ ،‬كس� � ��رب من حشرات فرس النبي‪:‬‬ ‫«إن الرغب� � ��ة الدموية غير املش� � ��بعة ه� � ��ي التي تضيئها‬ ‫وتسبب دوران احلرارة املركزية والشعر املركزي ضمن‬ ‫بنيتها العظمية احلديدية»‪.‬‬ ‫تلك هي ش� � ��عرية العمارة النيويوركي� � ��ة‪ .‬لكن دالي‬ ‫يتابع أن الش� � ��عر في نيويورك ليس مزيفاً‪ ،‬بل حقيقياً‪،‬‬ ‫وهو ليس ميكانيكي اإليقاع‪ ،‬بل هو زئير األس� � ��د الذي‬ ‫أيقظ دالي في صباحه النيويوركي األول‪ .‬والش� � ��عر في‬ ‫نيويورك هو حنني الشرق والغرب‪ ،‬وهو أرغن وعصاب‬ ‫قوطي‪ ،‬ومخطوطة عاكس� � ��ة للنور ف� � ��ي هيئة مقطوعة‬ ‫موس� � ��يقية‪ ،‬وواجه� � ��ة مبن� � ��ى يتصاع� � ��د من� � ��ه الدخان‪،‬‬ ‫ومص� � ��اص دم� � ��اء اصطناع� � ��ي‪ ،‬وذوق فارس� � ��ي ينثر مع‬ ‫عطس� � ��ته رذاذ معدن البرونز الذهبي‪ .‬إنه بوق يجذبك‬ ‫بقوة حتى املوت‪ .‬ويندفع دالي بحرارة مؤكداً أن الشعر‬ ‫ف� � ��ي نيويورك أرغن‪ ،‬أرغن‪ ،‬أرغن‪ ،‬أرغن رئات العجول‪،‬‬ ‫أرغن القوميات‪ ،‬أرغن بابل‪ ،‬أرغن ذوق الواقعية السيئ‪،‬‬ ‫أرغن ما قبل اخلليقة الع� � ��ذري‪ ،‬وذاك األرغن الضخم‬ ‫العاجي األحمر الذي ال يخدش السماء‪ ،‬بل يدوي فيها‬ ‫ببوصلة انقباض أنشودة علم األحياء وانبساطها‪.‬‬ ‫ال يخفى اجلذر السوريالي في هذا املفهوم الدالي‬ ‫سلفادور دالي يرسم بالكلمات نيويورك واحلرب‬ ‫‪11/3/16 11:24:02 AM‬‬

‫للشعر في الكتابة واحلياة والعمران والطبيعة‪ ...‬هكذا‬ ‫يوالي رس� � ��م نيوي� � ��ورك كهرم دائري‪ ،‬وكك� � ��رة من اللحم‬ ‫املدبب الذي يش� � ��ير إلى القمة‪ ،‬إنها كرة أحشاء األلفية‬ ‫املتبلورة‪ ،‬والياقوت األحمر التذكاري غير الصقيل‪.‬‬ ‫يروي دالي أنه كان يتمش� � ��ى وحيداً وسط نيويورك‬ ‫في صباحات مش� � ��رقة‪ ،‬يحدوه رغيف خبزه الفرنس� � ��ي‬ ‫ال� � ��ذي ابتدعته مخيلته في باريس بطول ‪15‬م‪ .‬وأظهرته‬ ‫املخيل� � ��ة الت� � ��ي طاملا وصف� � ��ت باجلنون‪ ،‬ف� � ��ي العواصم‬ ‫األوربي� � ��ة بطول ‪30‬م‪ ،‬ثم في أمري� � ��كا بطول ‪45‬م‪ .‬وبعد‬ ‫ابتداع هذا الرغيف الهائل جاءت أرغفة اخلبز الدالية‪،‬‬ ‫لتأكل األخب� � ��ار األخرى عن أحداث العالم السياس� � ��ية‬ ‫واجلنس� � ��ية‪ .‬إنها بيض� � ��ة كولومبس‪ ،‬كما يس� � ��مي خبزه‬ ‫الذي س� � ��يصنع منه «عناصر س� � ��ريالية» كمحبرة اخلبز‬ ‫السريالية‪ :‬ليس أسهل من ثقب فتحتني أنيقتني في قفا‬ ‫الرغيف‪ ،‬وتثبيت محبرة في كل ثقب‪ ،‬تتلون تدريجياً عبر‬ ‫االستخدام‪ ،‬مع مستطيل – حمالة صغيرة لألقالم‪.‬‬

‫عطش عربي‬ ‫يتس� � ��اءل دالي عما إن كان ثمة ش� � ��يء جمالي مهني‬ ‫أكثر من هذه احملبرة‪ .‬ويصف خبزه بأنه مناهض شرس‬ ‫للخبز اإلنس� � ��اني‪ .‬إنه خبز انتقام الفخامة التخييلية من‬ ‫نفعية العال� � ��م العقالني‪ .‬إنه خبز جمالي أرس� � ��تقراطي‬ ‫ارتيابي راق ظاهراتي ويس� � ��وعي‪ .‬وقد قاد دالي هوس� � ��ه‬ ‫باخلب� � ��ز إل� � ��ى فكرة تأس� � ��يس مجتمع س� � ��ري يهدف إلى‬ ‫التشويه املمنهج للحشود‪.‬‬ ‫لم ينس دالي العرب في سيرته وفي روايته‪ .‬ومن ذلك‬ ‫ما يذكر من شعوره بـ «عطش عربي» يصعد من األعماق‬ ‫احلش� � ��وية لس� � ��لفيته الش� � ��مال إفريقية‪ .‬وه� � ��ذا العطش‬ ‫يرس� � ��مه دالي قادماً على حصان أس� � ��ود ليم ّدن إسبانياً‪.‬‬ ‫وحني أغمض دالي عينيه ليسمع ما يحدث بداخله‪ ،‬شعر‬ ‫بدمدمات قصر احلمراء في غرناطة تطن في مركز فناء‬ ‫معدته املظلل بالسرو‪ .‬وألنه كان يشعر بالعطش كعربي‪،‬‬ ‫ش� � ��عر أيضاً بالولوع بالقتال‪ ،‬مثل العربي‪ ،‬فعن أي عربي‬ ‫هو هذا احلديث؟ عن واحد من أجداد دالي أم عن واحد‬ ‫من عرب القرن احلادي والعشرين؟‬ ‫بعد سبعني سنة من نشر دالي لسيرته‪ ،‬وهو لم يبلغ‬ ‫األربع� �ي��ن‪ ،‬يرمينا بنيويورك ‪ /‬أمريكا زمننا‪ ،‬بعدما رمانا‬ ‫بحروب زمننا‪ ،‬فهل س� � ��يزيدنا ذلك وعي � � �اً مبا نحن فيه‬ ‫وما نحن مقبلون عليه‪ ،‬أم سيجعلنا نزداد شبهاً بكائنات‬ ‫سلفادور دالي الشوهاء؟ >‬ ‫‪143‬‬

‫‪dec 136-143.indd 143‬‬


‫وجه ًا لوجه‬

‫يسري نصر اهلل‪ :‬الخوف من اآلخر‬ ‫مفتاح فهم أفالمي السينمائية‬ ‫أجرت الحوار‪ :‬نضال ممدوح‬

‫كاتبة من مصر‬

‫املخرج السينمائي يسري نصر الله‬

‫في فيلمه الجديد « الماء والخضرة والوجه الحسن» خاض المخرج يسري‬ ‫نص���راهلل تجربة جديدة تضاف إلى تاريخه الفني‪ ،‬وبدا حريص ًا على تمييزه‬ ‫ع���ن أول أفالمه «س���رقات صيفية»‪ ،‬ثم «مرس���يدس»‪ ،‬وم���روراً بكل أعماله‬ ‫وبينها ملحمة «باب الش���مس»‪ ،‬ال���ذي يعتبر الفيلم العربي الوحيد الذي‬ ‫ع���رض في شاش���ات الع���رض على جزأين بس���بب طول���ه‪ ،‬والمأخوذ عن‬ ‫رواي���ة إلي���اس خوري بالعنوان نفس���ه‪ ،‬التي قدم فيها وجه��� ًا آخر للقضية‬ ‫الفلس���طينية‪ ،‬هي وجه المواطن البسيط الذي ال يعرف العالم العربي‬ ‫عنه شيئ ًا‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫‪11/3/16 11:24:40 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 144-149.indd 144‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫لقطة من فيلم باب الشمس‬

‫الفيلم اجلديد ليس������ري نصر‬ ‫الل������ه معزوف������ة عذبة ع������ن مواضع‬ ‫اجلم������ال ف������ي احلي������اة‪ ،‬وض������رورة‬ ‫التمس������ك بها والقبض عليها آلخر‬ ‫نفس‪ ،‬ع������ن التمتع ب������كل تفاصيله‪،‬‬ ‫فحت������ى وال������د بطلي الفيل������م طباخ‬ ‫ماهر يعت������ز بتاريخه في مهنته وإن‬ ‫كانت مجرد الطهي في األفراح‪ ،‬يرى نفسه فناناً‬ ‫يعت������ز بكرامته‪ .‬وفي حلظة موت������ه يقتنص آخر‬ ‫مل������ذات احلياة‪ ،‬بل يوص������ي أوالده وعائلته كلها‬ ‫بأال يرتدي أحد الس������واد أو يبكيه‪ ،‬يوصيهم بأن‬ ‫يخرجوا في اليوم السابع من وفاته إلى احلقول‪،‬‬ ‫مصطحبني م������ن يحبونه������م‪ ،‬ليمرح������وا ويأكلوا‬ ‫ويبتهجوا باحلياة‪ .‬وبالفعل جاء الوجه احلس������ن‬ ‫دعوة بس������يطة من دون تعقي������دات تنظيرية حول‬ ‫احلياة والكرامة والتمس������ك بكلتيهما‪« .‬العربي»‬ ‫التقت املخرج الكبير‪ ،‬وكان هذا احلوار‪.‬‬ ‫< ف ��ي اللقط ��ات األولى من فيلم ��ك األخير‬ ‫«امل ��اء واخلض ��رة والوجه احلس ��ن» رمبا يتس ��لل‬ ‫إحس ��اس لدى مشاهده بأنه يشهد فص ً‬ ‫ال جديد ًا‬ ‫من حكاية الطفلني الصديقني ياس ��ر وليل بعد‬ ‫ما يناهز نصف القرن‪ ،‬فما التحوالت التاريخية‬ ‫التي انعكست ظاللها على حكاية ياسر وليل؟‬ ‫‪ -‬املتتبع لكل أفالمي يجد أنها فصول مختلفة‬

‫من عالقة «ياسر وليل»‪ ،‬وهي فكرة‬ ‫العالقة بني طبقتني‪ ،‬وهو ما جنده‬ ‫في العالقة ما ب���ي��ن عفيفة ونوبي‬ ‫في «مرس������يدس»‪ ،‬بني علي ونادية‬ ‫في «املدينة»‪ ،‬وبني عالقته بفرنسا‬ ‫وعودت������ه‪ ،‬دائما هناك الش������خص‬ ‫املختلف ع������ن اآلخرين‪ ،‬وفي «باب‬ ‫الش������مس» حدث������ي وال حرج عن فك������رة الهجرة‬ ‫الداخلي������ة‪ ،‬مبعنى آخ������ر أن تكون ف������ي اخلارج‬ ‫لكنك جتد الصلة لداخل������ك مرة أخرى‪ .‬في كل‬ ‫أفالمي هناك فكرة إيجاد طريقة ما للعثور على‬ ‫طريق������ة للحياة املنفتحة على اآلخر‪ .‬بهذا املعنى‬ ‫يتماهى فيلم «املاء واخلضرة والوجه احلس������ن»‬ ‫مع «سرقات صيفية»‪.‬‬ ‫< ه ��ل ه ��ذا اخل ��ط كان مقصود ًا من ��ذ بداية‬ ‫عملك السينمائي؟‬ ‫ً‬ ‫ ليس بالضبط‪ ،‬إمنا كن������ت مهموما بفكرة‬‫االنغالق‪ ،‬وأن اآلخر ميثل خوفاً وأنه عدو وشيء‬ ‫غامض نخاف االقت������راب منه‪ ،‬بل وميثل مصدر‬ ‫رع������ب لن������ا‪ .‬وكل هذه األمور متنافي������ة متاماً مع‬ ‫تكويني‪ ،‬فقد تربيت ونشأت في عائلة برجوازية‬ ‫كبيرة‪ ،‬وبداخل مدرس������ة أملاني������ة‪ ،‬وبالتالي كانت‬ ‫أول جتربة حياتية لي هي احلركة الطالبية في‬ ‫اجلامعة‪ ،‬وكانت عبارة عن مقابلة بشر وأشخاص‬

‫يسري نصر الله‪ :‬اخلوف من اآلخر مفتاح فهم أفالمي السينمائية‬ ‫‪11/3/16 11:24:44 AM‬‬

‫‪145‬‬

‫‪dec 144-149.indd 145‬‬


‫ألول مرة في حياتي لم ألتق مثلهم من قبل‪ .‬ناس‬ ‫قادم������ون من الصعيد ومن الريف أو من األحياء‬ ‫الش������عبية‪ ،‬وتقوم بيني وبينهم صداقات عميقة‪.‬‬ ‫وكان من بني األش������ياء الس������اذجة التي يصطدم‬ ‫به������ا املرء تلك األقوال اجلاه������زة التي أواجه بها‬ ‫من نوعية أن������ك مؤمن باالش������تراكية ألنك «ابن‬ ‫ن������اس» وهؤالء طماعون‪ .‬أو أن الفقير ال يعرفك‬ ‫إال ألن ل������ه مصلحة مع������ك‪ .‬وال يعرفون أن هذا‬ ‫صحي جداً‪ ،‬فالفقير هو من سيغير األحوال إلى‬ ‫األفضل‪ .‬ومبعنى آخر أن العقلية متخوفة دائماً‬ ‫م������ن املختلف عنها س������واء في الديان������ة أو اللون‬ ‫أو اجلنس أو الطبقة أو التفضيالت اجلنس������ية‬ ‫والعاطفي������ة اخلاصة به‪ .‬هذه النماذج والعقليات‬ ‫دائماً موجودة في كل أفالمي‪.‬‬ ‫< ه ��ل تعتقد أن هاج ��س التخوف من اآلخر‬ ‫هو نتاج اجلهل به؟‬ ‫ ال أعتقد أنه ن������اجت من اجلهل باآلخر‪ ،‬بل‬‫هو خوف ناجت من نظام تعليمي واجتماعي‪ ،‬عن‬ ‫طريقة تفكير تبن������ي وتدعم هذا اجلهل باآلخر‪،‬‬ ‫وتش������جع على النظر لآلخر نظرة تشكك‪ .‬ليس‬ ‫فق������ط ب���ي��ن املس������لم واملس������يحي‬ ‫باملناس������بة‪ ،‬فمثال س������تجدين حتى‬ ‫أن ممارس������اتنا مع منوذج املواطن‬ ‫النوبي متثل عنصرية حقيقية تشبه‬ ‫عالقة املسلمني باألقباط‪ ،‬فالنظام‬ ‫التعليم������ي أنت������ج تركيب������ة تخ������اف‬ ‫م������ن اآلخر وتتش������كك في������ه‪ ،‬بينما‬ ‫احلقيقة أن حتقيق املعرفة باآلخر‬

‫عملية ميكن أن تكون شديدة السهولة عن طريق‬ ‫التعليم‪ .‬فعلينا ببس������اطة أن نعلم األوالد التاريخ‬ ‫القبطي‪ ،‬كم������ا نعلمهم التاريخ اإلس���ل��امي‪ ،‬وأن‬ ‫يتم التعريف بآي������ات من اإلجنيل‪ ،‬مما يفتح باباً‬ ‫ملعرفة اآلخر للجميع‪ .‬ومبناس������بة هذا املوضوع‪،‬‬ ‫فأنا شاركت في مؤمتر عقد في لندن عام ‪2006‬‬ ‫مبناس������بة مرور خمسني عاما على حرب ‪،1956‬‬ ‫وحتدث فيه عديد من املثقفني الكبار في العالم‪،‬‬ ‫وحتدثت أنا عن الس������ينما‪ ،‬لك������ن ما لفت نظري‬ ‫أن كل الدول وكل األطراف املشاركة في املؤمتر‬ ‫كانت قد نش������رت الوثائق اخلاصة بتلك احلرب‬ ‫إال مصر‪ ...‬ملاذا؟ ألنه������ا تعتبر أن االطالع على‬ ‫تل������ك الوثائق قضية أمن قوم������ي‪ ،‬وإذا أراد أحد‬ ‫االطالع على إحدى الوثائق في دار احملفوظات‪،‬‬ ‫فعليه أن مير بعش������رين جهة ألخذ تصريح أمني‬ ‫منها للسماح بذلك‪ ،‬بينما هذا األمر متاح جلميع‬ ‫الناس في كل الدول حول العالم‪ .‬هنا عزل للناس‬ ‫ع������ن املعرفة مما يتيح كتاب������ة التاريخ كما ترغبه‬ ‫السلطة إلى جانب خلق حالة التشكك في اآلخر‬ ‫وحيلة «فرق تسد»‪.‬‬ ‫< كي ��ف حتول ��ت فك ��رة «امل ��اء‬ ‫واخلضرة والوجه احلس ��ن» لباسم‬ ‫س ��مرة إل ��ى س ��يناريو مش ��ترك بني‬ ‫يس ��ري نصر الله وأحم ��د عبدالله‬ ‫حتى خرج ��ت الصورة املبهجة هذه‬ ‫على الشاشة الزرقاء؟‬ ‫ كنت قد س������افرت إلى مدينة‬‫«بلقاس»‪ ،‬في محافظة الدقهلية مع‬

‫لقطة من فيلم احكي يا شهرزاد‬ ‫‪146‬‬

‫‪11/3/16 11:24:53 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 144-149.indd 146‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫لقطة من فيلم مرسيدس‬

‫باسم سمرة لتصوير فيلم تسجيلي‬ ‫ليس������ت السياس������ة وال الكالش������يه‬ ‫عن باس������م‪ ،‬وفي حقيقة األمر كان‬ ‫املكرر عن النائب الفاسد‪ ،‬بل هي‬ ‫املوضوع في األساس عن احلجاب‪،‬‬ ‫العالق������ة باحلي������اة واألكل واحلب‬ ‫ً‬ ‫وعن إش������كالية وجود احلب داخل‬ ‫وبهذه احلسية‪ ،‬ولم أكن راغبا في‬ ‫مجتم������ع محاف������ظ ومنغل������ق‪ ،‬وهو‬ ‫التشويش عليها‪ ،‬لذا فقد استغرق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫موض������وع كان يش������غلني خالل ذلك‬ ‫من������ي الفيل������م وقت������ا طوي���ل��ا حتى‬ ‫الوق������ت‪ .‬وهن������اك التقي������ت بعائلة‬ ‫اس������تطعت أن أبلوره في الش������كل‬ ‫باس������م وجميعهم يعملون في مجال‬ ‫الذي خرج به أخيراً‪ .‬باملناسبة أنا‬ ‫الطهي‪.‬‬ ‫أعش������ق الطهي وفي الوقت ال������ذي ال أصنع فيه‬ ‫يس������تعينون بهم ف������ي إقامة والئ������م األفراح‪ .‬األف���ل��ام أطهو‪ ،‬لذا أعرف جيداً ما أحتدث عنه‬ ‫انبه������رت بطبيعة حياته������م‪ ،‬وحريتهم وكيف أنهم في فيلم «املاء واخلضرة والوجه احلس������ن» وهي‬ ‫ينتقلون من فرح إلى آخر‪ ،‬فخورين جدا مبهنتهم‪ .‬أشياء ليست بعيدة عني‪.‬‬ ‫ومما شاهدته بنفس������ي هناك‪ ،‬وما‬ ‫< «امل ��اء واخلض ��رة والوج ��ه‬ ‫حكاه لي باسم كتبنا الفيلم‪ .‬بعدها‬ ‫احلس ��ن» اللقاء الفني الس ��ادس‬ ‫بدأن������ا ف������ي تتبع أص������ل العائلة عن‬ ‫لك مع باس ��م س ��مرة بع ��د أفالم‬ ‫الوالد ال������ذي كان يعمل طاهيا لدى‬ ‫«مرس ��يدس»‪« ،‬املدين ��ة»‪« ،‬ب ��اب‬ ‫الباش������ا‪ .‬في تلك الفترة كنت أعمل‬ ‫الش ��مس ‪ -‬الع ��ودة والرحي ��ل»‪،‬‬ ‫م������ع ناصر عب������د الرحم������ن‪ ،‬فقام‬ ‫«جنين ��ة األس ��ماك»‪ ،‬و«بع ��د‬ ‫بتوجيه السيناريو باجتاه السياسة‪،‬‬ ‫املوقعة»‪ .‬ملاذا باس ��م سمرة؟ وهل‬ ‫وجع������ل من ش������خصية فريد أبو رية‬ ‫هن ��اك أس ��باب ما جتم ��ع املخرج‬ ‫عضو مجلس نواب فاسداً‪ ،‬وجالل‬ ‫م ��ع ممثل معني يعرف تالزمهما‬ ‫كتجارب عاط ��ف الطيب مع نور‬ ‫يدخ������ل الس������جن وتقوم ث������ورة فيه‪.‬‬ ‫الشريف على سبيل املثال؟‬ ‫لم أحب هذا الش������كل ألنها ليس������ت‬ ‫حدوت������ة‪ ،‬حكايت������ي الت������ي تخصني املمثل باسم سمرة‬ ‫ م������ن امله������م أن يك������ون مع‬‫يسري نصر الله‪ :‬اخلوف من اآلخر مفتاح فهم أفالمي السينمائية‬ ‫‪11/3/16 11:24:59 AM‬‬

‫‪147‬‬

‫‪dec 144-149.indd 147‬‬


‫لقطة ملمثلي فيلم املاء واخلضرة والوجه احلسن‬

‫املخرج ممثل يش������عر بأنه يستطيع أن‬ ‫يحكي أشياء مهمة من خالله‪ .‬وبرأيي‬ ‫أن باسم سمرة ممثل كبير ومهم ومن‬ ‫أفضل املمثلني ف������ي مصر‪ .‬وفي فيلم‬ ‫«احكي يا ش������هرزاد» أراد باسم بشدة‬ ‫أن يلعب ال������دور الذي كان من نصيب‬ ‫محمد رمضان‪ ،‬لكن������ه لم يكن يصلح‬ ‫لهذا ال������دور‪ ،‬ألن ال������دور كان يتطلب‬ ‫ممث ً‬ ‫ال صاحب بنيان غير قوي‪ .‬وباسم‬ ‫على عكس ذلك صاحب بناء جس������دي‪ ،‬لن يكون‬ ‫مقنعاً أنه تع������رض العتداء من ثالث فتيات كما‬ ‫حدث في الفيلم‪.‬‬ ‫اللطيف أن باس������م ع������رض أن يقوم هو بدور‬ ‫البن������ت الكبي������رة رحاب اجلمل‪ ،‬ول������م يكن ميزح‬ ‫نهائيا‪ .‬فبالنس������بة له هو يأخ������ذ موضوع األداء‬ ‫الفني بجدية ش������ديدة جدا‪ ،‬التمثيل متثيل‪ ،‬وهو‬ ‫مس������تعد أن يقوم بأي دور‪ .‬باسم يعشق التمثيل‪،‬‬ ‫ويستطيع التقاط تفاصيل في الشخصيات دائما‬ ‫ما تثري الفيلم‪ .‬وبصراحة ش������ديدة لم يسبق له‬ ‫أب������داً أن خذلني في هذه اجلزئي������ة أبداً في أي‬ ‫فيلم عمل به معي‪ .‬فه������و يتقمص الدور ويعيش‬ ‫احلالة‪ ،‬فإذا ارتدى جلباباً فس������يظهر كـ «معلم»‪،‬‬ ‫‪148‬‬

‫‪11/3/16 11:25:03 AM‬‬

‫أو نظ������ارة في جنينة األس������ماك‬ ‫فسيظهر كمهندس‪.‬‬ ‫بالنس������بة ل������ي أن������ا أعش������ق‬ ‫املالم������ح املصري������ة‪ ،‬بجان������ب‬ ‫أنني أحب مالم������ح بطلي‪ ،‬لكي‬ ‫أصوره‪ ،‬ألنه يشبه مالمحي‪ ،‬لذا‬ ‫ال أتردد في اختيار باس������م حتى‬ ‫لو اعترض املنتجون ألنني أضع‬ ‫وجوده ش������رطاً إلجن������از الفيلم‬ ‫ف������ي مثل تلك احلاالت‪ .‬معرفتي بباس������م ترجع‬ ‫إلى عام ‪ 1991‬أثناء أدائه التجريبي مع يوس������ف‬ ‫ش������اهني‪ ،‬والحظت أنه رائع شك ً‬ ‫ال وأدا ًء‪ ،‬اشتغل‬ ‫على نفسه جيداً‪ ،‬وطوال الوقت يطور من نفسه‬ ‫من������ذ أول عمل له في مش������اريع التخرج وهو في‬ ‫معهد التمثيل كطالب حر‪.‬‬ ‫< حدثن ��ا عن جتربتك في الس ��ينما العربية‬ ‫«باب الشمس»‪ ...‬وملاذا لم تكررها؟‬ ‫ البطل في «باب الش� � ��مس» مقاتل قوي‪ ،‬ال‬‫تشعرين جتاهه بالشفقة على حاله‪ ،‬وبعد عرض‬ ‫الفيلم س� � ��ألني كثي� � ��رون كيف تخ� � ��رج فيلما عن‬ ‫القضية الفلس� � ��طينية وأنت بعيد عن التفاصيل؟‬ ‫أو ألن إخراج فيلم بهذا الشكل به نوع من املباشرة‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 144-149.indd 148‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫واالستخدام الفني للسياسة‪ .‬فأجبتهم بأنه ليس‬ ‫عن فلس� � ��طني أو قضيتها‪ ،‬إمنا عن الفلسطينيني‬ ‫كبشر‪ ،‬فيلم عن عاش� � ��ق‪ ،‬وبطولة الفيلم ال تقوم‬ ‫عل� � ��ى أن البط� � ��ل مقاوم ومقاتل‪ ،‬بل ألنه عاش� � ��ق‬ ‫ف� � ��ي األس� � ��اس‪ .‬وبطولت� � ��ه لرجل لي� � ��س لطبيعة‬ ‫القضية وأنه مقاتل بل ألنه عاشق‪ .‬وبعض أوجه‬ ‫االستنكار كانت أيضا تعود العتقاد وزعم البعض‬ ‫بأن الفلسطينيني باعوا قضيتهم فلماذا نتبناها؟‬ ‫لكن حني نتأمل األمور بالعقل‪ ،‬هل كل الشعب‬ ‫الفلس� � ��طيني ميلك أراضي؟! أليس مثلهم كمثل كل‬ ‫الشعوب‪ ،‬فيهم من ميتلك ومن يشتغل مثله مثل أي‬ ‫شخص آخر ال ميلك شيئاً؟! وعندما نناقش األمر‬ ‫علينا أن نتس� � ��اءل ما الذي دفع من باع أرضه لهذا‬ ‫الفعل‪ ،‬س� � ��نجد أنهم أجب� � ��روا على هذا‪ ،‬ألن البنك‬ ‫الوحيد الذي كان موجودا آنذاك هو بنك التسليف‬ ‫اإلجنلي� � ��زي في عش� � ��رينيات الق� � ��رن املاضي في‬ ‫فلسطني‪ ،‬حيث كان ممنوعا أن ينشئ العرب بنوكا‬ ‫ف� � ��ي املنطقة‪ ،‬بينما كان هذا احل� � ��ق متاحاً لليهود‪،‬‬ ‫فأنش� � ��أوا بنوكا لإلقراض من دون فوائد‪ ،‬وعندما‬ ‫يكون هناك فلس� � ��طيني ميلك قطعة أرض صغيرة‬ ‫ويجد نفسه مديوناً للبنك اليهودي الذي يجبره على‬ ‫بيع هذه األرض لتس� � ��ديد ديونه للبنك‪ .‬ألم يسمع‬ ‫ه� � ��ؤالء أو يقرأوا في التاري� � ��خ أن الوكالة اليهودية‬ ‫وحتى اليوم في القدس تفرض على الفلسطينيني‬ ‫ممن ميتلكون بيوتا كبيرة تس� � ��كني اليهود معهم في‬ ‫البيت نفس� � ��ه‪ ،‬وإذا رفض الفلسطيني هذا تفرض‬ ‫عليه الضرائب الباهظة‪ ،‬وبالتالي يجد الفلسطيني‬ ‫نفسه مدينا بديون ال يستطيع سدادها مما يجبره‬ ‫ف� � ��ي النهاية على بي� � ��ع بيته وأرضه ون� � ��زع ملكيته‬ ‫بعق� � ��د بيع في حقيقته أجبر عليه وإال فالبديل هو‬ ‫السجن‪ ،‬فهل هذا يسمى بيعاً؟!‬ ‫تقدي������ري أن النقاش به������ذه الطريقة عقيم‪،‬‬ ‫خاصة اإلصرار على ذريعة «حماس»‪ ،‬وكأنهم هم‬ ‫من أتوا بها واإلس������رائيليون ليضربوا بها منظمة‬ ‫التحري������ر‪ .‬جتربة «باب الش������مس» كانت وراءها‬ ‫قصة منذ عملي بجريدة السفير اللبنانية‪ ،‬وهناك‬ ‫تعرفت على إلياس خوري‪ ،‬وكان قد أصدر رواية‬ ‫«باب الشمس»‪ .‬وقرأتها ووجدتها رواية عظيمة‬ ‫متنيت أن أخرجه������ا فيلما س������ينمائياً‪ .‬لكن كان‬ ‫دور الكويت في دعم الثقافة اإلسالمية‬ ‫‪11/3/16 11:25:15 AM‬‬

‫الس������ؤال‪ :‬من س������يقدم على إنتاج فيلم كهذا في‬ ‫الداخل أو حتى في اخلارج؟ من سيقبل أن ينتج‬ ‫فيلماً عن الفلسطينيني بهذه الطريقة؟‬ ‫وف������ي عام ‪ 2002‬قابلت املنتج هامبير بالزان‪،‬‬ ‫وأخبرني أن إحدى املؤسس������ات الفرنس������ية تريد‬ ‫مني إخراج فيلم عن الفلس������طينيني فاندهشت‪.‬‬ ‫ملاذا أنا وهناك مخرجون فلس������طينيون يصنعون‬ ‫هذه األفالم؟ فأجابني بأنهم يريدونني باالسم‪.‬‬ ‫وظنن������ت أنهم يريدون قصة لطيفة على ش������اكلة‬ ‫«روميو وجولييت»‪ ،‬فلس������طيني مث���ل�� ً‬ ‫ا يحب فتاة‬ ‫يهودية وه������ذه األجواء‪ ،‬وأخبرت������ه بأنني أرفض‬ ‫عمل هذا النوع من املوضوعات أو األفالم‪ .‬فرد‬ ‫بأنهم ال يريدون هذا إطالقاً‪ ،‬ويتركون لي حرية‬ ‫اختيار العمل الذي أحب������ه‪ .‬وهنا فكرت أن هذه‬ ‫هي فرصت������ي لتنفيذ أو حتويل «باب الش������مس»‬ ‫للس������ينما‪ .‬وبعدها اتصل جابي خوري مبمدوح‬ ‫الليثي والتلفزيونات العربية‪ ،‬وكلها بال اس������تثناء‬ ‫رفضت املش������اركة في إنتاج الفيلم‪ .‬وفي النهاية‬ ‫جاء كل متويل الفيلم من فرنسا وأملانيا وبلجيكا‪،‬‬ ‫وحتى مكتب يوسف شاهني لإلنتاج انسحب ألنه‬ ‫كان مشغوال بإنتاج فيلم «إسكندرية ليه»‪.‬‬ ‫وملا خرج «باب الشمس» وعرض في مهرجان‬ ‫«كان» وقابلت هناك ممدوح الليثي‪ ,‬قال إن الفيلم‬ ‫عظي������م وكان يجب أن تنتج������ه اجلامعة العربية‪،‬‬ ‫رغم أنه رفض املش������اركة ف������ي إنتاجه بحجة أن‬ ‫ش������خصياته كثيرة‪ .‬ثم قامت القيامة على الفيلم‬ ‫بحجة أنه معاد إلس������رائيل‪ ،‬ومن خالل موظفني‬ ‫في املهرجان نفسه‪.‬‬ ‫< كيف ترى حال السينما العربية‪ ،‬وما رأيك‬ ‫ف ��ي جتاربها خاصة في املغ ��رب العربي (اجلزائر‬ ‫وتونس واملغرب)؟‬ ‫ أعتق������د أن جت������ارب الس������ينما العربي������ة‪،‬‬‫خصوصاً تل������ك املوجودة أو التي يتم إنتاجها في‬ ‫املغرب العربي أو ش������مال إفريقي������ا‪ ،‬رائعة وغنية‬ ‫جداً‪ .‬وأعتقد أن أحد أسباب متيز هذه التجارب‬ ‫هو انفتاح صناع السينما في املغرب العربي على‬ ‫جتارب السينما األوربية‪ ،‬بحكم اطالعهم الواسع‬ ‫على الثقافة الفرنس������ية والفرانكوفونية بش������كل‬ ‫خاص‪ ،‬مما أثرى تلك التجربة >‬ ‫‪149‬‬

‫‪dec 144-149.indd 149‬‬


‫علوم‬

‫الزجاج الذكي‬ ‫أو الكهرومغناطيسي‬ ‫د‪ .‬ليلى صالح العلي‬

‫أكادميية وكاتبة من العراق مقيمة في اإلمارات‬

‫كلنا نتجنب في أيام الصيف دخول أش���عة الش���مس وحرارتها الشديدة‪،‬‬ ‫فنس���دل الس���تائر على الش���بابيك‪ .‬لكن هذه الممارس���ة س���تصبح شيئ ًا‬ ‫م���ن الماضي بوس���اطة تقني���ة جديدة لم يتج���اوز عمرها بضع س���نوات‪،‬‬ ‫س ُيس���تعمل ف���ي صناع���ة ما‬ ‫وه���ي الزج���اج الكهرومغناطيس���ي ال���ذي َ‬ ‫يس���مى النوافذ الذكية‪ ،‬حيث س���تتغير ش���فافية الزجاج م���ن اإلعتام إلى‬ ‫الشفافية وبالعكس من خالل كبسة زر كهربائي‪ ،‬فالتقنية تعتمد على‬ ‫تس���ليط فرق جهد كهربائي (أي فولتية) بين قطبين كهربائيين رقيقين‬ ‫متموضعين داخل اللوح الزجاجي‪.‬‬

‫هذه التقنية ال تعد اليوم من الكماليات‪ ،‬فلها‬ ‫منافع كبيرة على البيئة‪ ،‬فهي عندما تتحول إلى‬ ‫اإلعتام تعكس حوالي ‪ 98‬ف������ي املائة من الضوء‬ ‫الس������اقط عليه������ا‪ ،‬وبذلك تق������ل حاجتنا لتكييف‬ ‫املكان‪ .‬ومبا أ َّن البيوت الذكية أصبحت ش������ائعة‬ ‫ومنتش������رة‪ ،‬فيمكن اآلن تش������غيل النوافذ الذكية‬ ‫قب������ل الوصول للمن������زل أو املكتب‪ .‬ويقول مختبر‬ ‫الطاقات املتج������ددة األمريكي‪ ،‬إ َّن توفير الطاقة‬ ‫لبناية تس������تعمل ه������ذا النوع م������ن النوافذ يصل‬ ‫إلى حوال������ي ‪ 8‬في املائة من االس������تهالك الكلي‬ ‫للبناية‪.‬‬ ‫وللحصول على زجاج ذكي‪ ،‬يُطلى الزجاج بطبقة‬ ‫من أكاس� � ��يد معدنية حتافظ وتسيطر على مقدار‬ ‫الضوء واحلرارة الداخلة ملنازلنا ومكاتبنا‪ ،‬فتحافظ‬ ‫‪150‬‬

‫‪11/3/16 11:26:52 AM‬‬

‫عليها باردة في الصيف ودافئة في الشتاء‪.‬‬

‫ماذا نعني بالزجاج الكهرومغناطيسي؟‬

‫تطلق تسمية الزجاج الذكي أو الكهرومغناطيسي‬ ‫على الزج� � ��اج الذي تتغير خواص� � ��ه البصرية عند‬ ‫تسليط فرق جهد كهربائي عليه‪ .‬وميكن االستفادة‬ ‫م� � ��ن تغ ّيرات خواصه هذه في تغيير مقدار أو كمية‬ ‫احلرارة العابرة خالل الزجاج‪ .‬وهذا سيساعد في‬ ‫التحكم مبقدار اختياراتنا ملا ينفذ من ضوء وحرارة‬ ‫إلى داخل منازلنا ومكاتبنا‪ ،‬وهذا بدوره سيؤثر في‬ ‫مقدار حاجتنا للتدفئة أو التبريد‪ .‬وبذلك سنتحكم‬ ‫في مقدار توفيرنا من الطاقة‪.‬‬ ‫وتوج� � ��د ثالثة أنواع م� � ��ن الزج� � ��اج الذكي في‬ ‫األسواق حالياً‪:‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 150-153.indd 150‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫إلى اليمني يبدو الزجاج بشكله الطبيعي املعتم كما جاء من املصنع‪ .‬وفي الصورة إلى اليسار يتحول الزجاج إلى الشفافية‬ ‫حاملا يسلط جهد كهربائي عليه‪.‬‬

‫• زجاج تلّو ْن كهربي ‪.Electrochromic‬‬ ‫•زجاج بجسيمات عالقة ‪.Suspended Barticle‬‬ ‫• زج� � ��اج البوليمي� � ��ر ببلورات س� � ��ائلة ُم َش � � �تَّتة‬ ‫(‪Bolymer Dispersed Liquid Crystal .(PDLC‬‬ ‫ولكل من هذه الفئ� � ��ات طريقة عملها اخلاصة‬ ‫وفوائده� � ��ا وعوائقها أو أضراره� � ��ا‪ .‬والفئة األولى‬ ‫هي األكثر شيوعاً وتستند إلى طالء الزجاج بغشاء‬ ‫تلّو ْن كهرب� � ��ي يحوي طبقة خازنة لأليونات وموصل‬ ‫لأليون� � ��ات‪ ،‬ويوض� � ��ع الغش� � ��اء بني طبقت� � ��ي زجاج‬ ‫ش� � ��فافتني‪ ،‬ويُصنع عاد ًة من أكس� � ��يد التنغس� � ��تون‪.‬‬ ‫وبتس� � ��ليط جهد كهربائي على طرفي لوح الزجاج‪،‬‬ ‫يبدأ التفاعل التلّوني للغش� � ��اء وتتغير درجة شفافية‬ ‫الزجاج‪.‬‬ ‫وف� � ��ي حال� � ��ة الفئ� � ��ة الثاني� � ��ة (أي الزجاج ذي‬ ‫اجلس� � ��يمات العالقة)‪ ،‬لدينا جسيمات إبر ّية الشكل‬ ‫عالقة خ� �ل��ال هالم عضوي يتموض� � ��ع بني قطبني‬ ‫كهربائيني‪ .‬وفي حال عدم تسليط فرق جهد كهربائي‬ ‫بني القطبني‪ ،‬س� � ��تتوزع هذه اجلسيمات اإلبر ّية في‬ ‫أوضاع عش� � ��وائية خالل الهالم‪ ،‬ما يجعل سماحية‬ ‫انتقال الضوء خالل الزجاج ضعيفة‪ .‬وحاملا يسلط‬ ‫اجلهد الكهربائي س� � ��تصطف اجلس� � ��يمات اإلبر ّية‬ ‫بصفوف متوازية‪ ،‬مما يسمح مبرور سلس للضوء‪.‬‬ ‫ويعمل النوع الثالث من الزجاج الذكي بش� � ��كل‬ ‫يش� � ��ابه عمل الفئة الثانية‪ ،‬لكن الف� � ��رق أ َّن الطبقة‬ ‫الوسطى هي بلورات س� � ��ائلة ُم َشتَّتة ‪ DLC‬وضعت‬ ‫في مصفوفة بوليميرية بني قطبني كهربائيني‪ .‬وفي‬ ‫الزجاج الذكي أو الكهرومغناطيسي‬ ‫‪11/3/16 11:26:56 AM‬‬

‫ح� � ��ال عدم تس� � ��ليط فرق جهد ب� �ي��ن القطبني‪ ،‬فإن‬ ‫البلورات الس� � ��ائلة ال تتوزع بش� � ��كل منتظم‪ ،‬وبذلك‬ ‫يكون الزج� � ��اج قلي� � ��ل التمرير للضوء ولن يس� � ��مح‬ ‫إال للقلي� � ��ل منه باملرور‪ .‬وحاملا يس� � ��لط فرق اجلهد‬ ‫س� � ��تنتظم البلورات السائلة بشكل صفوف منتظمة‬ ‫فتسمح مبرور الضوء من خاللها‪.‬‬

‫كيف تعمل النوافذ الذكية؟‬

‫يستند عمل النوافذ الذكية إلى ظواهر معروفة‬ ‫ف� � ��ي علمي الكيمياء واملواد‪ ،‬حيث تعمل بعض املواد‬ ‫على تغيير مستوى الشفافية للزجاج‪ .‬ومن الظواهر‬ ‫نعدد‪ ،‬اللون ّية الكهربائية واللون ّية الضوئية واللو ِن ّية‬ ‫احلراري� � ��ة وظاهرة اجلس� � ��يمات العالق� � ��ة وظاهرة‬ ‫البل� � ��ورات الس� � ��ائلة‪ ،‬حيث ق� � ��د تتم إضاف� � ��ة املواد‬ ‫وجعلها جزءاً مدمجاً ومتكام ً‬ ‫ال من تركيبة الزجاج‪،‬‬ ‫أو يُعم� � ��ل من هذه املواد غش� � ��اء رقيق جداً ويلصق‬ ‫على أس� � ��طح ألواح الزجاج املطلوبة‪ .‬وعلى س� � ��طح‬ ‫اللوح الداخلي‪ ،‬الس� � ��طح املواجه للغرفة‪َ ،‬س � � �يُقحم‬ ‫فاصل ب� �ي��ن ش� � ��ريحتني زجاجيتني وعل� � ��ى جانبي‬ ‫الفاصل يرس� � ��ب قطبان كهربائيان‪ ،‬واحد على كل‬ ‫جانب من الفاصل‪ ،‬ثم تأتي طبقة من مادة موصلة‬ ‫كهربائياً على جانب كل قطب كهربائي‪.‬‬ ‫يستند أساس العمل إلى انتقال أيونات الليثيوم‬ ‫ذهاباً وإياباً بني القطب� �ي��ن من خالل الفاصل‪ .‬ولو‬ ‫كان الزج� � ��اج في حال� � ��ة من الش� � ��فافية الصطفت‬ ‫أيونات الليثيوم على القطب الداخلي (على يس� � ��ار‬ ‫‪151‬‬

‫‪dec 150-153.indd 151‬‬


‫زجاج ذكي يوفر استهالك الطاقة داخل البيوت‬

‫الش� � ��كل)‪ ،‬والذي يكون مصنوعاً من أكسيد كوبالت‬ ‫الليثيوم ‪ .LiCoO2‬وعند تسليط جهد كهربائي بني‬ ‫القطب� �ي��ن تنتقل األيونات عبر الفاصل نحو القطب‬ ‫اخلارجي (على ميني الشكل)‪ .‬عند تسرب األيونات‬ ‫إلى هذه الطبقة تصبح هذه الطبقة عاكسة للضوء‬ ‫نحو اخلارج‪ ،‬أي تصبح معتمة ملن هو داخل الغرفة‪.‬‬ ‫وتبقى األيونات في مكانها هناك إلى أ َّن يتم عكس‬ ‫اجت� � ��اه الفولتية‪ ،‬فتتح� � ��رك األيون� � ��ات رجوعاً إلى‬ ‫موضعها السابق‪ ،‬وهكذا تستعيد النافذة الشفافية‬ ‫مر ًة أخرى‪.‬‬

‫أهم املساوئ والعوائق لهذه التقنية‬

‫م� � ��ع أ َّن اس� � ��تعماالت وتطبيقات الفئ� � ��ات الثالث‬ ‫تختل� � ��ف باختالف الفئة‪ ،‬إال أنها جميعاً تش� � ��ترك في‬ ‫عال‪ ،‬مما ميثل أهم‬ ‫حاجتها ملصدر «فولتية» ذي جهد ٍ‬ ‫س� � ��يئات الزجاج الذكي‪ ،‬فهذا يعقد عمليات التركيب‬ ‫وكذل� � ��ك عمليات التصنيع‪ .‬وأهم املس� � ��اوئ جميعاً هو‬ ‫الكلفة العالية لتركيب زجاج من هذا النوع‪ .‬كذلك تقل‬ ‫كف� � ��اءة عمل الزجاج الذكي بعد مرور ‪ 10‬إلى ‪ 20‬عاماً‬ ‫عل� � ��ى تصنيعها‪ ،‬وهذا أقل بكثير من أعمار العديد من‬ ‫‪152‬‬

‫‪11/3/16 11:27:00 AM‬‬

‫يسلط فرق جهد بني القطبني فتتحرر أيونات الليثيوم‬ ‫(الدوائر الزرقاء في الرسم)‪ ،‬وتتحرك من اليسار إلى‬ ‫اليمني في هذا الرسم‪.‬‬

‫األجهزة املنزلية األخرى‪ .‬والعائق اآلخر هو أنها تأخذ‬ ‫بضع دقائق‪ ،‬وليس بضع ثوان‪ ،‬للتحول من الش� � ��فافية‬ ‫إلى اإلعت� � ��ام وبالعكس‪ .‬لكن العلم� � ��اء مازالوا يعملون‬ ‫لتحسني سرعة االستجابة‪.‬‬ ‫ومازالت هذه الس� � ��يئة مح� � ��ط اهتمام عدد من‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 150-153.indd 152‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫يستعمل الزجاج الذكي اآلن في صناعة العدسات‪ ،‬وستعتم العدسة عندما نكون في محيط خارجي شديد الضياء وتصبح‬ ‫ضياء‪.‬‬ ‫شفافة حاملا ندخل إلى أماكن أقل‬ ‫ً‬

‫أماك� � ��ن البح� � ��ث واجلامعات‪ ،‬مثل كوري� � ��ا والواليات‬ ‫املتح� � ��دة والص� �ي��ن وس� � ��نغافورة‪ ،‬لتطوي� � ��ر طريقة‬ ‫جديدة‪ .‬وتعتمد طرقهم اجلديدة على تنضيد عدد‬ ‫من طبق� � ��ات البوليمير التي تع� � ��ارض األيونات (أي‬ ‫تظهر املادة ش� � ��حنة مضادة للشحنة املرتبطة باملادة‬ ‫املصنوعة منها)‪ ،‬ولها القابلية على التحول التلقائي‬ ‫(األوتوماتيكي) من حالة الشفافية إلى حالة اإلعتام‬ ‫وبالعكس‪ ،‬اعتماداً على كمية الضوء الس� � ��اقط على‬ ‫الزجاج‪.‬‬

‫التحسينات املستقبلية‬

‫يوجد اآلن نوع� � ��ان من هذا الزجاج‪ ،‬في النوع‬ ‫األول تكون املواد املس� � ��تعملة لإلعتام مدمجة كلياً‬ ‫بتركيب� � ��ة الزجاج‪ .‬والنوع الثان� � ��ي عبارة عن طبقة‬ ‫غشاء ضخمة املساحة تلصق على الزجاج املوجود‬ ‫ف� � ��ي النوافذ لتحيلها إلى نواف� � ��ذ ذكية من غير أ َّن‬ ‫نضطر إل� � ��ى خلع النافذة وأخذها للمعمل‪ .‬وتعتبر‬ ‫مبان قيد اإلنش� � ��اء‬ ‫كلفة تركيب الزجاج الذكي في ٍ‬ ‫أقل من الكلفة املادية الستبدال زجاج ذكي بنوافذ‬ ‫األبني� � ��ة القدمي� � ��ة‪ .‬لذلك ش� � ��رع العلم� � ��اء بتركيز‬ ‫تطوير تقنياتهم لتصنيع طالء غش� � ��ائي بالغ الرقة‬ ‫ميك� � ��ن وضعه على زجاج النواف� � ��ذ املوجودة حالياً‬ ‫في املباني‪ .‬وهذا س � � �يُ َخ ِّفض الكلفة املادية بشكل‬ ‫كبير‪.‬‬ ‫أما عائق احلاج� � ��ة ملصدر جهد كهربائي‪ ،‬فهو‬ ‫في طريق� � ��ه للحل من خالل تقني� � ��ة جديدة متزج‬ ‫الزجاج الذكي أو الكهرومغناطيسي‬ ‫‪11/3/16 11:27:04 AM‬‬

‫تقنيات تصنيع الزجاج الذكي مع تقنية الكهربائية‬ ‫الضوئي� � ��ة ‪ ،)Bhotovoltaic) PV‬حيث يتولد فرق‬ ‫اجلهد الكهربائي نتيجة س� � ��قوط الضوء‪ .‬فالغشاء‬ ‫الكهربائي الضوئي الذي سيلصق على زجاج ذكي‬ ‫س� � ��يقوم بتزويد الزجاج بفرق الفولتية التي يحتاج‬ ‫إليه� � ��ا‪ .‬وطبعاً س� � ��تنخفض كلفة تصني� � ��ع الزجاج‬ ‫وسيُ َس � � � ِّهل ذلك عملية تركيب‬ ‫الذكي بش� � ��كل كبير َ‬ ‫الزجاج على النوافذ واألبواب بشكل ملموس‪.‬‬ ‫ومن األش� � ��ياء األخ� � ��رى التي يعم� � ��ل العلماء‬ ‫عليها هو اجلمع بني خاصيتي التلُّون الكهربائي‬ ‫واخلاليا الشمس� � ��ية‪ ،‬بحيث تقوم ه� � ��ذه النوافذ‬ ‫بت ََش � � � ّ ُر ِب الطاق� � ��ة الشمس� � ��ية بدالً من عكس� � ��ها‬ ‫وتخزينها ألجل استعماالت الحقة‪َ .‬سيُ ْمكِ ُن لهذه‬ ‫النوافذ تس� � ��لم الطاقة الشمسية الساقطة عليها‬ ‫خالل النهار وتخزينها في بطاريات واستعمالها‬ ‫إلن� � ��ارة مصابي� � ��ح املن� � ��زل لي ً‬ ‫ال‪ .‬وطبع � � �اً ال ميكن‬ ‫اجلمع بني التقنيتني بكفاءة تامة‪ ،‬لذلك س� � ��تكون‬ ‫التحس� � ��ينات ف� � ��ي كفاءة إحداهما على حس� � ��اب‬ ‫كفاءة التقنية األخرى‪.‬‬ ‫وق� � ��د جنح العلماء كذلك‪ ،‬ومنهم علماء قس� � ��م‬ ‫الكيمياء والكيمياء العضوي� � ��ة في معهد جورجيا‪،‬‬ ‫في ع� � ��ام ‪ 2015‬باحلصول عل� � ��ى بوليميرات تلُّون‬ ‫كهربائي تتيح احلصول على طالء بألوان مختلفة‪.‬‬ ‫وتس� � ��تعمل التقنية اآلن‪ ،‬لكنه� � ��ا مازالت في نطاق‬ ‫َ‬ ‫ض ِّيق‪ ،‬ف� � ��ي تصنيع النظارات وتصنيع زجاج فتحة‬ ‫سقف السيارات >‬ ‫‪153‬‬

‫‪dec 150-153.indd 153‬‬


‫علوم‬

‫إخالء الطائرات عند الطوارئ‬

‫علي محمد الهاشم‬

‫خبير في علوم الطيران من الكويت‬

‫قد يتس���اءل كثير من الناس حول اس���تمرار الخبراء بمجال النق���ل الجوي في ثقتهم بأن‬ ‫الطائرات التزال أكثر وس���ائل المواصالت البش���رية أمان ًا عل���ى اإلطالق‪ ،‬وذلك على الرغم‬ ‫م���ن تك���رار الح���وادث الجوية‪ ،‬وربم���ا يرجع الس���بب في ذلك إلى حساس���ية ه���ذا المجال‬ ‫وحرص عديد من ش���ركات النقل الجوي ومصانع الطائرات على دوام إجراءات الس�ل�امة‬ ‫بالمركبات الجوية؛ وخير مثال على ذلك حادثة اشتعال وتحطم طائرة بوينغ ‪ 777‬تابعة‬ ‫لطي���ران اإلمارات‪ ،‬عن���د محاولتها الهبوط في مطار دبي مطلع ش���هر أغس���طس ‪.2016‬‬ ‫فعل���ى الرغم من بش���اعة الح���ادث‪ ،‬فإنه لم ينتج عن���ه أي وفيات؛ وهذا ب���دوره يدعونا إلى‬ ‫إلقاء الضوء على عملية إخالء الطائرة عند الطوارئ‪.‬‬ ‫‪154‬‬

‫‪11/3/16 11:27:32 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 154-157.indd 154‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫في البداية يج� � ��ب أن نتطرق إلى مرحلة الهبوط‪،‬‬ ‫التي تعتبر م� � ��ن أكثر مراحل التحليق بالطائرة صعوبة‬ ‫وخطورة‪ ،‬وتتطلب من الطيار انتباهاً ومسؤولية كبيرة‬ ‫نس� � ��بياً‪ ،‬حيث تتدخل عوامل عدة في إجناح أو إفشال‬ ‫تل� � ��ك العملي� � ��ة‪ ،‬أهمها طول م� � ��درج الهب� � ��وط ونوعية‬ ‫أرضيته‪ ،‬إضافة إل� � ��ى حالة الطقس‪ ،‬واألهم هو خبرة‬ ‫ومعرف� � ��ة الطيار الذي يقود الطائ� � ��رة وحالته الذهنية‬ ‫ونس� � ��بة الوعي لديه‪ ،‬والسبب أن مرحلة الهبوط تعتبر‬ ‫آخر مراحل التحليق‪ ،‬وبالتالي إذا كانت الرحلة اجلوية‬ ‫طويل� � ��ة نس� � ��بياً أو متعددة‪ ،‬كما في ش� � ��ركات الطيران‬ ‫املنخفضة التكاليف‪ ،‬فإن الدراس� � ��ات بينت أن الطيار‬ ‫يكون ف� � ��ي أدنى درج� � ��ات اللياقة اجلس� � ��دية خاللها‪،‬‬ ‫ويصب� � ��ح اجلهد امللقى على عاتقه كبي� � ��راً‪ ،‬ولهذا تكثر‬ ‫احلوادث في تلك العملية‪.‬‬

‫نوع الطائرة‬

‫تختل� � ��ف الطائرات النفاثة عن املروحية الدفع في‬ ‫س� � ��رعة اقترابها م� � ��ن املدرج للهب� � ��وط‪ ،‬وبالطبع تعتبر‬ ‫الطائرات ذات الدفع النفاث أعلى سرعة‪ ،‬حيث تتراوح‬ ‫سرعة اقترابها حسب النوع بني ‪ 200‬و‪ 300‬كلم‪/‬ساعة‬ ‫وهي س� � ��رعة عالية‪ ،‬وكلما كانت الطائرة النفاثة أثقل‬ ‫كانت س� � ��رعة اقترابها من املدرج للهبوط أعلى‪ ،‬وكانت‬ ‫املسافة التي حتتاج إليها للتوقف أطول‪ .‬وتؤثر عوامل‬ ‫عدة في تل� � ��ك العملية‪ ،‬كدرجة احلرارة وارتفاع املدرج‬ ‫عن مستوى سطح البحر‪ ،‬فكلما ارتفعت درجة احلرارة‬ ‫إخالء الطائرات عند الطوارئ‬ ‫‪11/3/16 11:27:36 AM‬‬

‫وزاد ارتفاع املدرج عن س� � ��طح البحر تطلب ذلك زيادة‬ ‫في طول املدرج‪ ،‬واألهم ينبغي أن تكون أرضية املدرج‬ ‫املوازية لطوله حتتوي على أخاديد دقيقة بواقع إنشني‬ ‫عرضاً (‪ 5‬سم تقريباً) حتى تسمح هذه الهيئة إلطارات‬ ‫الطائرة عند مالمستها ملدارج املطار في أثناء تغطيتها‬ ‫باملي� � ��اه الناجتة ع� � ��ن األمط� � ��ار أو أي كان بإزاحة املاء‬ ‫بس� � ��هولة‪ ،‬والثب� � ��ات أكثر نتيجة االحت� � ��كاك الناجت عن‬ ‫التالمس املباش� � ��ر لإلطارات مع أرضية املدرج‪ ،‬بعكس‬ ‫األرضية املس� � ��توية التي تكون فيها املياه حاجزاً ما بني‬ ‫اإلطارات واألرضية فتنزلق نتيجة لذلك‪.‬‬

‫تقنية (تكتيك) االقتراب‬ ‫تتطلب م� � ��ن الطيارين املن� � ��اورة بالطائرة في أثناء‬ ‫تنفيذ عملية الهبوط مبس� � ��احة ثالثية األبعاد‪ ،‬فعندما‬ ‫تهبط الطائ� � ��رة وتالمس عجالتها أرض املدرج‪ ،‬ينبغي‬ ‫اإلبقاء عليها ضمن خط مس� � ��تقيم‪ ،‬واألهم هو اإلبطاء‬ ‫من س� � ��رعتها‪ ،‬إما بوساطة استعمال إجراء عكس دفع‬ ‫احمل� � ��ركات‪ ،‬كما هو ش� � ��ائع‪ ،‬أو عند تعذر اس� � ��تخدام‬ ‫مثبطات الس� � ��رعة اإليروديناميكية مع كوابح العجالت‬ ‫(عادة تستخدم بعد استخدام عواكس الدفع)‪ ،‬والتوقف‬ ‫بأقصر مسافة ممكنة‪ .‬ويلعب اجتاه الرياح دوراً مهماً‬ ‫ف� � ��ي التحكم بعملية االقتراب من املدرج للهبوط‪ ،‬حيث‬ ‫تؤثر الرياح اجلانبية بصورة سلبية عليها‪ ،‬ومنها يعمد‬ ‫الطي� � ��ارون إلى خفض أحد األجنح� � ��ة املواجهة للرياح‬ ‫اجلانبية لألس� � ��فل‪ ،‬مع إمالة الدفة الرأسية في اجلهة‬ ‫‪155‬‬

‫‪dec 154-157.indd 155‬‬


‫املعاكسة للرياح اجلانبية لضمان عدم اجنراف مقدمة‬ ‫الطائ� � ��رة عن اجتاه املدرج‪ ،‬ومن ثم يت� � ��م تعديل الد ّفة‬ ‫بوضعية احلياد كما كانت لتس� � ��تقيم الطائرة على خط‬ ‫مستوٍ مع املدرج‪.‬‬

‫اخلطر الصامت‬

‫إن أش� � ��د ما يخش� � ��اه الطيارون في أثناء االقتراب‬ ‫بالطائ� � ��رة للهبوط ه� � ��و املقصات الهوائي� � ��ة – ‪Wind‬‬ ‫‪ - Shear‬وه� � ��و التغي� � ��ر الفجائي لس� � ��رعة الرياح‪ ،‬مع‬ ‫تغير االجتاه تعاكسياً (تيار عكس اآلخر) مع العصف‪،‬‬ ‫وهو يك� � ��ون مكثفاً في أثناء حدوث العواصف الرعدية‬ ‫والتغي� � ��ر املفاج� � ��ئ في الطق� � ��س اجل� � ��وي‪ .‬وفي هذه‬ ‫احلال� � ��ة يكون التجنب هو خير احلل� � ��ول‪ ،‬والتوجه إلى‬ ‫الدوران ومحاولة الهبوط مرة أخرى أو حتويل املس� � ��ار‬ ‫والهبوط في املطار البديل حتى تتحسن حالة الطقس‪.‬‬ ‫واخلالص� � ��ة أن عملية الهبوط مازال� � ��ت تعتمد بصورة‬ ‫مكثفة على القرار البشري‪ ،‬وبالتالي يجب أن نضع في‬ ‫حسباننا التدريب الصحيح والكافي وعمليات إخضاع‬ ‫الطياري� � ��ن لل� � ��دورات التدريبي� � ��ة إلج� � ��راءات الطيران‬ ‫والتقيد بها مع متابعتها‪.‬‬

‫الكبح‬

‫احلياة‪ ،‬وبالفعل هو سؤال وجيه‪ .‬وتنقسم اإلجابة عنه‬ ‫إلى قسمني كالتالي‪:‬‬ ‫األول‪ :‬غير املتوقع‪ :‬أي في أثناء تش� � ��غيل الطائرة‬ ‫ودخول ال� � ��ركاب إليها ويصادف ح� � ��دوث حريق وهي‬ ‫على األرض قبل اإلقالع‪ ،‬وبالطبع يتم حتديد اإلخالء‬ ‫بس� � ��رعة عن طري� � ��ق قائد الطائرة‪ .‬والثان� � ��ي‪ :‬املتوقع‪:‬‬ ‫أي عن� � ��د حدوث أمر طارئ ما بالطائ� � ��رة‪ ،‬ويتم اتخاذ‬ ‫اإلج� � ��راءات الالزم� � ��ة وإبالغ قائد الطائ� � ��رة عن حالة‬ ‫قم� � ��رة القيادة والركاب‪ ،‬مع أخذ املضيفني املس� � ��ؤولني‬ ‫عن مخ� � ��ارج الطوارئ مواقعهم‪ .‬وتت� � ��م عملية اإلخالء‬ ‫سواء على األرض أو على سطح املاء‪ ،‬إذا ما اضطرت‬ ‫الطائرة إلى الهبوط عليه‪ ،‬وعموما فإن إخالء الطائرة‬ ‫وهي على األرض أس� � ��هل منه وهي على س� � ����ح املاء‪،‬‬ ‫وت� � ��زود الطائ� � ��رات احلالي� � ��ة عن� � ��د كل ب� � ��اب بقوارب‬ ‫جناة م� � ��زودة بجميع املع� � ��دات الالزمة لإلعاش� � ��ة من‬ ‫أطعم� � ��ة مجففة ومظلة واقي� � ��ة‪ ،‬وكذلك مضخة للهواء‬ ‫الس� � ��تخدامها عند حدوث خرق بالقارب أو عطب به‪،‬‬ ‫وهي مزودة بأجهزة ملياه للش� � ��رب‪ ،‬إضافة إلى حقيبة‬ ‫لإلسعافات األولية‪ ،‬وجهاز إرسال مثبت بالقارب يعمل‬ ‫أوتوماتيكياً ويبث إش� � ��ارات استغاثة فور نزول القارب‬ ‫للماء مبدة ‪ 48‬ساعة‪ ،‬ومبدى ألفي كلم وتصل إشاراته‬ ‫إلى ارتفاع ‪ 40‬ألف قدم‪.‬‬

‫يؤث� � ��ر الس� � ��طح املغطى بامل� � ��اء على كف� � ��اءة الكبح‬ ‫للمركبة‪ ،‬وبالنس� � ��بة للطائرات‪ ،‬ف� � ��إن الوضع قد يكون‬ ‫ملصلحتها‪ ،‬نظراً الحتوائه� � ��ا على تكنولوجيا تكون أكثر‬ ‫تقدم � � �اً في مقابل املركبات األخرى‪ ،‬ولكن هذا ال يكون‬ ‫ضمان � � �اً لعدم تعرضها لالنزالق م� � ��ن على املدرج‪ ،‬وقد‬ ‫زودت معظم الطائرات احلالية بنظام كبح عالي اجلودة‬ ‫يعتمد على الكوابح ذات الس� � ��طوح الكربونية املصنوعة‬ ‫من األلياف الكربونية (مواد مركبة)‪ ،‬بدالً من املعدنية‪،‬‬ ‫وهذه من شأنها أن تعزز من قدرتها على التوقف‪ ،‬وهي‬ ‫قادرة على امتصاص أكثر من ‪ 60‬مليون قدم لكل رطل‬ ‫م� � ��ن الطاقة‪ ،‬ويتم تعزيزها بنظام منع االنزالق‪ ،‬وتعزيز‬ ‫التماس� � ��ك على الطريق‪ ،‬ال� � ��ذي يعمل على توزيع الكبح‬ ‫حسب احلاجة على اإلطارات بصورة منفصلة‪.‬‬

‫يجب إخراج الركاب ف� � ��ي مدة زمنية ال تزيد على‬ ‫‪ 90‬ثاني� � ��ة بش� � ��رط أن تكون ‪ 50‬في املائ� � ��ة من املخارج‬ ‫متوافرة‪ ،‬والس� � ��بب عند حدوث حري� � ��ق بأحد جوانب‬ ‫الطائرة فإنه من املتعذر إخراج الركاب من تلك اجلهة‪.‬‬ ‫لذلك فإنه يجب أن يكون نصف عدد املخارج بالطائرة‬ ‫الطاقم‪،‬‬ ‫ق� � ��ادراً على إخراج جميع الركاب‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫ِ‬ ‫وبذل� � ��ك تصبح عملية اإلخالء صحيحة‪ .‬ويؤثر احلجم‬ ‫وعدد الركاب واخت� �ل��اف املعدات اخلاصة بالطوارئ‪،‬‬ ‫واخت� �ل��اف األبواب والتجهيزات للطائ� � ��رة على عملية‬ ‫اإلخالء‪ ،‬لكنها يجب أن تبقى ضمن حدود الـ ‪ 90‬ثانية‬ ‫التي تنص عليها قوانني السالمة الدولية‪.‬‬

‫إخالء الطائرة‬

‫أخطاء شائعة‬

‫مت� � ��ى يجب إخ� �ل��اء الطائرة؟ وعن� � ��د أي ظروف؟‬ ‫اإلخالء ه� � ��و أحد أهم اإلج� � ��راءات التي حتافظ على‬ ‫‪156‬‬

‫‪11/3/16 11:27:40 AM‬‬

‫‪ 90‬ثانية‬

‫من األخطاء الشائعة التدافع والهلع الشديد وغير‬ ‫املبرر‪ ،‬وعدم االمتث� � ��ال لتعليمات طاقم الطائرة‪ ،‬وهي‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 154-157.indd 156‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫احلجم‬ ‫يأتي العامل الثان� � ��ي وهو طبيعة تصميم وحجم‬ ‫الطائ� � ��رة ومخارجها‪ ،‬وتلك الت� � ��ي للطوارئ‪ ،‬وطبيعة‬ ‫املع� � ��دات املزودة بها‪ ،‬وقوارب النجاة التي هي عبارة‬ ‫ع� � ��ن املزالق التي تطف� � ��و على امل� � ��اء عندما تضطر‬ ‫الطائ� � ��رة إل� � ��ى الهبوط على س� � ��طح امل� � ��اء‪ ،‬فيتحول‬ ‫املزلق إلى قارب جناة أتوماتيكي مزود بجميع س� � ��بل‬ ‫اإلعاشة‪ ،‬أما على األرض فإن املزلق يضمن وصول‬ ‫الركاب إلى األرض بأس� � ��رع وقت ممكن‪ ،‬وبأمان من‬ ‫دون إصاب� � ��ات‪ ،‬وهي تختلف م� � ��ن طائرة إلى أخرى‪،‬‬ ‫ولعل هذا هو أكبر ٍ‬ ‫حتد تواجهه الطائرات العمالقة‬ ‫التي حتمل عدداً كبيراً من الركاب‪ .‬لذلك يجب وضع‬ ‫خطط حلاالت الطوارئ‪ ،‬وكيفي� � ��ة إخالء الطائرات‬ ‫رغم تفاوت أعداد الركاب من ناحية س� � ��رعة إجناز‬ ‫اإلخالء عند حدوث أمر طارئ‪.‬‬

‫عامل الوعي‬

‫أهم تلك النق� � ��اط‪ ،‬فطاقم الطائرة م� � ��درب للتصرف‬ ‫في مثل هذه احلاالت‪ ،‬بينما الركاب تتفاوت معرفتهم‬ ‫بعناصر الس� �ل��امة واألم� � ��ان‪ .‬لكن عملي� � ��ات التدريب‬ ‫الدورية واالختبارات تقوم بتقليل نس� � ��بة اخلطأ‪ ،‬حيث‬ ‫يتم عم� � ��ل تطبيق عمل� � ��ي للحالتني مبرك� � ��ز التدريب‪،‬‬ ‫س� � ��واء تلك التي على األرض أو على سطح املاء‪ ،‬وذلك‬ ‫لضمان س� �ل��امة الركاب والطاقم عن� � ��د حدوث حالة‬ ‫طارئة تتطلب اإلخالء‪.‬‬

‫عوامل مؤثرة‬

‫تلع� � ��ب عوامل عدة دوراً مهماً في ضمان س� �ل��امة‬ ‫الركاب وطاق� � ��م الطائرة‪ ،‬ومن تل� � ��ك العوامل‪ :‬تدريب‬ ‫الطاقم‪ ،‬لذلك يخضع منتس� � ��بو ضيافة الطائرات في‬ ‫�اس حول عملي� � ��ات الطوارئ‪،‬‬ ‫ب� � ��ادئ األمر لتدريب ق� � � ٍ‬ ‫وكيفية التعامل معها والتصرف الس� � ��ليم والسريع في‬ ‫الوقت نفس� � ��ه‪ ،‬ويتم اختبارهم في نهاية التدريب‪ ،‬كما‬ ‫يتعرف� � ��ون على أنواع الطائ� � ��رات إضافة إلى مخارجها‬ ‫وإتقان عمليات اإلخالء واحلرص على سالمة الركاب‪،‬‬ ‫ويجب أن يتم إخالء أكبر الطائرات حجماً في أقل من‬ ‫‪ 90‬ثاني� � ��ة‪ ،‬أي دقيقة ونصف الدقيقة‪ ،‬وإال فإن عملية‬ ‫اإلخالء تصبح غير فعالة‪.‬‬ ‫إخالء الطائرات عند الطوارئ‬ ‫‪11/3/16 11:27:45 AM‬‬

‫يعتبر العامل الثالث وهو وعي الركاب من أصعب‬ ‫بالركاب الذين يتفاوتون س� � ��ناً‬ ‫العوام� � ��ل‪ ،‬ألنه يتعل� � ��ق‬ ‫ِ‬ ‫ومق� � ��درة ووعياً عن الركاب اآلخرين‪ ،‬فهناك العجائز‬ ‫واملرض� � ��ى واملعاق� � ��ون واألطفال‪ ،‬وغيره� � ��م ممن قد‬ ‫ِ‬ ‫الطائرات‪ ،‬لكن ما دلت عليه التجارب‬ ‫يخافون ركوب‬ ‫أن عامل الوعي واالمتثال للش� � ��رح املسبق قبيل إقالع‬ ‫الطائرة الذي يتم عرضه أو تطبيقه من قبل شاشات‬ ‫الع� � ��رض بالطائ� � ��رة أو أطق� � ��م الضيافة وس� � ��ماع كل‬ ‫اإلرش� � ��ادات تلك‪ ،‬من أهم عوامل الس� �ل��امة وضمان‬ ‫احلياة بالنس� � ��بة لل� � ��ركاب‪ ،‬الذين يج� � ��ب عليهم عدم‬ ‫إهمال االستماع ومشاهدة عرضها وشرحها‪ .‬وكذلك‬ ‫زود كل مقعد بكتب ش� � ��رح لعملي� � ��ات اإلخالء وكيفية‬ ‫التعام� � ��ل معها‪ .‬لذلك يجب عل� � ��ى الركاب إلقاء نظرة‬ ‫عليه� � ��ا‪ ،‬ويجب عليه� � ��م أيضاً االمتث� � ��ال ألوامر طاقم‬ ‫الضيافة عند اإلخالء من دون مناقش� � ��ة‪ ،‬وعدم أخذ‬ ‫أي من املتعلقات الش� � ��خصية‪ ،‬فعامل الوقت مهم في‬ ‫ه� � ��ذه احلالة‪ ،‬ويجب أيضاً عدم الت� � ��ردد بالقفز على‬ ‫املزلق ألنه صمم إليصال الراكب إلى األرض بسالم‪،‬‬ ‫وفي حالة الهبوط على س� � ��طح املاء‪ ،‬فإن النزول على‬ ‫قارب النجاة الذي هو املزلق أساساً البد أن يكون عن‬ ‫طريق احلبو بدالً من املش� � ��ي‪ ،‬كي ال يخل ذلك بتوازن‬ ‫القارب ومن ثم السقوط في املاء >‬ ‫‪157‬‬

‫‪dec 154-157.indd 157‬‬


‫البيت العربي‬

‫وبحــوث‬ ‫السيرة‬ ‫الذاتيــة‬ ‫د‪ .‬أمينة التيتون‬

‫أكادميية من البحرين‬

‫على الرغم من صعوبة تعريف بحوث السيرة الذاتية‪ ،‬نظراً لوجود منطقة تداخل‬ ‫معقدة بين أش���كال ومسميات كالتاريخ الشخصي‪ ،‬وقصة الحياة‪ ،‬والحكي الحر‪،‬‬ ‫والدراس���ات اإلثنوجرافي���ة؛ واعتماده���ا على علوم عدي���دة كالتاري���خ وعلم النفس‬ ‫والعل���وم االجتماعية والش���خصيات العامة والموس���يقى واألدب والتاريخ الطبي‬ ‫والقان���ون‪ ،‬كما ه���ي الحال في م���ا ينش���ر بمجل���ة ‪ Biography‬المتخصصة‪ ،‬التي‬ ‫تتمتع بسحر خاص وجاذبية فريدة‪.‬‬ ‫‪158‬‬

‫‪11/3/16 11:28:16 AM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 158-161.indd 158‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫إن بحوث السيرة الذاتية تستثير الفضول وتشد‬ ‫االهتم� � ��ام‪ ،‬ومتن� � ��ح القارئ فرص التمت� � ��ع باحلكايات‬ ‫وبرؤية عوالم جديدة بعيون العقول والقلوب‪ ،‬فيستمع‬ ‫املرء ويرافق األش� � ��خاص في مغامراتهم ويزور أماكن‬ ‫ال يعرف عنها ش� � ��يئاً‪ ،‬ويعيش ف� � ��ي مجتمعات غريبة‬ ‫عنه‪ ،‬في محاوالته لسبر أغوار هذا الشخص أو ذاك‬ ‫املجتمع؛ فيكتشف أسراراً‪ ،‬ويتعلم من جتارب اآلخرين‪،‬‬ ‫ورمبا يضع يده على مفاتيح وطرق لالستجابة املثلى‬ ‫لعقب� � ��ات وحتديات الذات واملجتمع والعالم بأس� � ��ره‪،‬‬ ‫على أمل أن يجد السبيل لتحقيق جناح أو سعادة‪ ،‬أو‬ ‫جتنب ما قد يقود إلى تعثره على أقل تقدير‪.‬‬

‫اهتمام مضاعف‬

‫من الواض� � ��ح ‪ -‬كما تؤكد الدراس� � ��ات ‪ -‬أن هذا‬ ‫بالس � � � َير وبحوثها بأنواعه� � ��ا قد تضاعف‬ ‫االهتم� � ��ام ِّ‬ ‫بص� � ��ورة كبيرة‪ ،‬حي� � ��ث أصدر مركز الس� � ��يرة الذاتية‬ ‫الدولي ‪ IBC‬بكامبريدج وحده مليون س� � ��يرة ‪ -‬ويعود‬ ‫الفض� � ��ل في ذلك إلى متغي� � ��رات تطور أدوات التوثيق‬ ‫وحفظ املعلومات غير املسبوقة‪ ،‬والسيما تلك املتعلقة‬ ‫بالتكنولوجيا الرقمية‪ ،‬التي س� � ��اهمت في تقدمي سير‬ ‫نابضة باحلياة أو «س� � ��ير متحركة» كما يصفها برايان‬ ‫روبرت‪ ،‬في مقال له حول التقدم في طرق بحث السير‪.‬‬ ‫وملزيد من التوضيح ضرب روبرت بعض األمثلة على‬ ‫التطبيقات التكنولوجية املبدعة املستخدمة في توثيق‬ ‫حلظات وأحداث من احلياة‪ ،‬كاستخدام «السيلفي»‪،‬‬ ‫وتكنولوجي� � ��ا الهواتف واألدوات الش� � ��خصية النقالة‬ ‫‪ ،PMDT‬التي متكن م� � ��ن توفير بيانات مفصلة حول‬ ‫املواقف والنش� � ��اط اليومي عب� � ��ر الكلمات املكتوبة أو‬ ‫املسموعة والصور الثابتة منها واملتحركة‪ ،‬مما ميكن‬ ‫أن يشرح أموراً كتلك املتعلقة مبا يعتري مشاعر املرء‬ ‫واجتاهات� � ��ه وعالقاته االجتماعية م� � ��ن تقلب وتغيير‪،‬‬ ‫وردود األفع� � ��ال املصاحب� � ��ة لذلك‪ ،‬الت� � ��ي تتضح في‬ ‫تعليق� � ��ات ومالحظات وحتليالت فوري� � ��ة‪ .‬أما دوافع‬ ‫اس� � ��تخدام هذه التكنولوجيا فه� � ��ي متباينة ‪ -‬بطبيعة‬ ‫احل� � ��ال ‪ -‬كالرغبة في مش� � ��اركة التج� � ��ارب‪ ،‬والتعبير‬ ‫عن الذات‪ ،‬والس� � ��عي إلعداد س� � ��جل شخصي مبنزلة‬ ‫يوميات؛ وقد يكون الدافع دعائياً‪ ،‬أو ملجرد التفاخر‪،‬‬ ‫أو رمب� � ��ا ملقابلة إدمان عل� � ��ى تصوير‪ ،‬يصاب به بعض‬ ‫األش� � ��خاص فيعتادون على تصوير أنفسهم عشرات‬ ‫«السيلفي» وبحوث السيرة الذاتية‬ ‫‪11/3/16 11:28:22 AM‬‬

‫‪159‬‬

‫‪dec 158-161.indd 159‬‬


‫الصور يومياً‪ .‬واجلميل‬ ‫أن كل ذلك يحدث مبتعة‬ ‫وسالسة ويس� � ��ر‪ ،‬مقارنة‬ ‫بطرق التوثي� � ��ق التقليدي��‬ ‫الش� � ��اقة كتألي� � ��ف كت� � ��اب‬ ‫ورقي‪.‬‬ ‫لق� � ��د اس� � ��تفاد الق� � ��راء‬ ‫والباحث� � ��ون من ه� � ��ذا التقدم‬ ‫التكنولوج� � ��ي م� � ��ن دون ش� � ��ك‪،‬‬ ‫فص� � ��ار مس�� ��موحاً للباح� � ��ث أو‬ ‫املؤلف أن يرى بطل السيرة التي‬ ‫يعم� � ��ل عليها في صور أرش� � ��يفية‪،‬‬ ‫أو ف� � ��ي مقاطع فيديو‪ ،‬أو يس� � ��تمع‬ ‫إليه في تس� � ��جيالت صوتي� � ��ة‪ .‬كما‬ ‫يس� � ��تطيع القارئ للمادة اإللكترونية‬ ‫ عل� � ��ى اخل� � ��ط ‪ -‬من الدخ� � ��ول على‬‫مواقع أو وثائق مرفقة‪ ،‬أو مش� � ��ار إليها‬ ‫ف� � ��ي الكتاب‪ ،‬ب� � ��ل إن ناش� � ��راً إلكترونياً‬ ‫مثل ‪ Metabook‬جن� � ��ح أخيراً في جتاوز‬ ‫حدود النشر التقليدي بخلق مغامرة قراءة‬ ‫جديدة ومثيرة‪ ،‬تفاعلية ومتعددة الوسائط‬ ‫ومذهلة بصرياً‪ ،‬حيث تصاحب املوس� � ��يقى‬ ‫بعض الكتب األدبية‪ .‬وكذلك احلال بالنس� � ��بة‬ ‫إلى الفنانني الذي� � ��ن متكنوا من تقدمي بحوث‬ ‫س� � ��ير مرئية ومس� � ��موعة عبر أفالم ومعارض‬ ‫وحفالت موسيقية قائمة بذاتها‪ ،‬أو معززة لسير‬ ‫سبقت كتاباتها‪ ،‬ولكنها لم تنجح في االنتشار‪.‬‬

‫في البحث التربوي‬

‫لم يختلف األمر عل� � ��ى صعيد البحث التربوي‪،‬‬ ‫فقد ش� � ��هد هو اآلخر تزايداً ف� � ��ي االهتمام مبداخل‬ ‫الس� � ��ير ‪ -‬الذاتية‪/‬الغيري� � ��ة ‪ -‬الت� � ��ي انتش� � ��رت منذ‬ ‫تس� � ��عينيات الق� � ��رن املاضي‪ ،‬بعد محاوالت س� � ��اذجة‬ ‫ومح� � ��دودة‪ .‬واعترف باحثون أخي� � ��راً بإيجابيات هذه‬ ‫املداخ� � ��ل البحثي� � ��ة‪ ،‬مثل دورها في تدف� � ��ق املعلومات‬ ‫الصادق� � ��ة والعفوية التي جتمع عبر مقابالت يش� � ��عر‬ ‫املش� � ��اركون فيها بالراحة ويتش� � ��جعون على احلديث‬ ‫بحرية وصراحة وعمق؛ حت� � ��ى أصبح هناك مصنف‬ ‫بحثي يركز على منهجيات ومداخل احلكي والس� � ��ير‬ ‫‪160‬‬

‫‪11/3/16 11:28:31 AM‬‬

‫في البحوث التربوي� � ��ة‪ ،‬كما هي احلال‬ ‫مبركز جامعة برايتون للبحوث التربوية‬ ‫باململك� � ��ة املتح� � ��دة‪ ،‬حيث يتم االس� � ��تماع‬ ‫حلكاي� � ��ات املعلمني واملتعلمني التي تعرض‬ ‫جوان� � ��ب من حياتهم ملزيد من الفهم للخبرات والرؤى‬ ‫الكونية‪ .‬وس� � ��بق أن قام املركز املذكور بدراسة واسعة‬ ‫النط� � ��اق اس � � �تُخدمت فيه� � ��ا املقاب� �ل��ات واملالحظات‬ ‫ومدخل تاريخ احلياة لتتبع س� � ��ير تعلُّم ملدى واسع من‬ ‫البالغني في سياقات ومراحل مختلفة من احلياة‪.‬‬ ‫وبعد تعمي� � ��ق الفهم لتعقيدات التعلم عبر مراحل‬ ‫احلياة‪ ،‬مت حتديد وتنفيذ وتقومي التعليم وإستراتيجيات‬ ‫التدريس املوجهة في ما يتعلق بالفرص واملمارسات‪.‬‬ ‫كما أجريت دراس� � ��ة أخرى اس� � ��تخدمت فيها منهجية‬ ‫احلك� � ��ي‪ ،‬إلعطاء معن� � ��ى لع� � ��ودة اجلي� � ��ل الثاني من‬ ‫املهاجرين إلى أرض األجداد ومسقط رأس اآلباء من‬ ‫أجل بحث قضايا الهوية واالنتماء‪.‬‬ ‫وفي مقال نشر باملجلة األوربية للبحوث التربوية‬ ‫وتعليم الكبار بعنوان‪« :‬بحث السيرة الذاتية‪ :‬الذاكرة‬ ‫والزمن واحلكايات من منظور الش� � ��خص األول»‪،‬‬ ‫أكدت املؤلف� � ��ة ماريا هيلينا أبراه� � ��او في جامعة‬ ‫‪ PUCRS‬بالبرازي� � ��ل‪ ،‬أن س� � ��رد قص� � ��ص احلياة‬ ‫واس� � ��ترجاع الذكريات وخط احلكي الزمني من‬ ‫العوامل األساس� � ��ية في بحث الس� � ��يرة الذاتية‪،‬‬ ‫فتاريخ احلياة مبنزلة املنهجية التي تس� � ��تخدم‬ ‫مصادر إمبريقية متنوعة تساعد الباحث على‬ ‫إعادة بن� � ��اء احلكايات في أثن� � ��اء حتليل تلك‬ ‫املصادر املشار إليها‪ ،‬وذلك عبر حوار نقدي‬ ‫يتناول النتائج‪.‬‬ ‫كما تعد الذكريات عنصـــــراً مفتاحــــياً‬ ‫وملمحاً ضرورياً من مالمح القص‪ ،‬حيث‬ ‫جترى عملية جمع احلقائق املخــــتلفة في‬ ‫س� � ��ياقات قصصية مختلف� � ��ة ومن تدفق‬ ‫الذكريات ‪ -‬الذي يس� � ��مح بظهور املاضي‬ ‫وكأنه حاض� � ��ر‪ -‬تبنى املعاني‪ .‬وعبر ه� � ��ذا الفعل من‬ ‫إعــــادة التفس� � ��ير املس� � ��تمرة حلقائ� � ��ق املاضـــــي في‬ ‫احلاضـــــر‪ ،‬ينس � � �ـــــج القاص والسامع خيوط احلكاية‬ ‫التي تولد من ذاكرة مشتركة‪.‬‬ ‫وال يريد الباحث في هذا النوع من دراسة السير‬ ‫أن يعرف احلقائق «ف� � ��ي الواقع»‪ ،‬بل كيف كان يفكر‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 158-161.indd 160‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫أصبح «السيلفي» مجا ًال حتى ألخطر اللحظات التي مير بها بعض املغامرين لتوثيقها‬

‫القاص فيه� � ��ا في ذلك الوقت؟ وكي� � ��ف يتذكرها في‬ ‫زمن احلكي؟ ويش� � ��ير منح املعاني اجلديدة للحقائق‬ ‫املروي� � ��ة إلى أن الباحث يحاول القبض على احلقيقة‬ ‫م� � ��ع الوعي بأمر انتقائية س� � ��رد الذكري� � ��ات‪ ،‬وإعادة‬ ‫بنائه� � ��ا قص� � ��داً أو بغير قصد‪ ،‬حيث م� � ��ن املمكن أن‬ ‫يشعر الراوي بقيود جديدة قد تولدت مع تقدمه في‬ ‫العمر وتغي� � ��ر اجتاهاته‪ ،‬مما قد يجبره على االلتزام‬ ‫مبعايي� � ��ر وقيم مرجعية ‪ -‬لم يعرفها من قبل ‪ -‬توجه‬ ‫حديثه‪ .‬وهنا يضع الباح� � ��ث في اعتباره وجود أبعاد‬ ‫مختلفة للحكاية‪ ،‬كالبعد األخالقي والبعد السياسي‪،‬‬ ‫وس� � ��وى ذلك؛ ويتبني‪ ،‬بصورة واعية أيضاً‪ ،‬أن الواقع‬ ‫االجتماعي متعدد الوجوه ومعق� � ��د ومبني اجتماعياً‬ ‫من جانب من يعيش� � ��ون حياتهم بطريقة كلية شاملة‬ ‫ومتداخلة‪.‬‬ ‫وهكذا يعتبر بحث السيرة الذاتية طريقة حتمل‬ ‫إمكانات ملخاطبة أسئلة للفرد والبيئة االجتماعية ‪/‬‬ ‫الثقافية‪ ،‬ومرجعية لنظ� � ��ام يتميز بتعددية التوقعات‬ ‫والذكري� � ��ات كنتيجة بديهية لوج� � ��ود تعددية العوامل‬ ‫وتعددي� � ��ة األزمن� � ��ة االجتماعية‪ .‬كما ت� � ��ؤدي العالقة‬ ‫ب� �ي��ن الزم� � ��ن واحلكي إل� � ��ى أن ينق� � ��ب الباحث عن‬ ‫أصول احلكايات التاريخية وعن الرؤى املس� � ��تقبلية‪،‬‬ ‫فيختلط احلاضر باملاضي وباملس� � ��تقبل في منظور‬ ‫ثالثي األبعاد‪.‬‬ ‫«السيلفي» وبحوث السيرة الذاتية‬ ‫‪11/3/16 11:28:35 AM‬‬

‫تعليم املعلم‬

‫تتناول البحوث التربوية أحياناً س� � ��يراً فكرية‪،‬‬ ‫تقوم عل� � ��ى التحليل املفاهيم� � ��ي لدوافع ومعتقدات‬ ‫ومشاعر ذاتية في عالم األفكار‪ ،‬وسيراً ذاتية تعطي‬ ‫أهمية للبعد الزمني‪ .‬ومن النماذج البحثية في هذا‬ ‫املجال مش� � ��روع ‪ -‬لعبت أبراه� � ��او‪ ،‬املؤلفة‪ ،‬فيه دور‬ ‫املنس� � ��ق ‪ -‬املعني بتعلي� � ��م املعل� � ��م‪ ،‬وبالتوثيق لتاريخ‬ ‫التعليم عبر جتارب ش� � ��خصية مهنية لستة وثالثني‬ ‫معلم � � �اً ومعلمة من املتميزين وامللتزمني مهنياً‪ ،‬ممن‬ ‫خدم� � ��وا في أماكن مختلفة‪ ،‬في فرنس� � ��ا وبريطانيا‬ ‫وإس� � ��بانيا وإيطاليا والبرتغال والبرازيل؛ على أمل‬ ‫أن تتحول قصص حياة ه� � ��ؤالء املعلمني التي جرى‬ ‫حتليله� � ��ا حتلي ً‬ ‫ال نقدياً إلى مص� � ��در معلومات مثير‬ ‫للتأمل ف� � ��ي مهنة التعليم‪ ،‬ومفيد للمعلمني الطالب‬ ‫وللباحثني ف� � ��ي تعليم املعلم وتاري� � ��خ التعليم؛ حيث‬ ‫تق� � ��دم املس� � ��اهمة بالقصص الس� � ��ياقية من جانب‬ ‫املعلم� �ي��ن بأبعادها الش� � ��خصية وغير الش� � ��خصية‬ ‫على املس� � ��توى املهني واالجتماعي والسياسي نوعاً‬ ‫م� � ��ن املقارنة بني األمس واليوم والغد باستش� � ��راف‬ ‫املس� � ��تقبل؛ على اعتبار أنه ال ميك� � ��ن فصل الذات‬ ‫الش� � ��خصية عن ال� � ��ذات املهني� � ��ة‪ ،‬وال املاضي عن‬ ‫احلاضر وعن املس� � ��تقبل‪ ،‬السيما في مهنة مشربة‬ ‫بالقيم واألفكار >‬ ‫‪161‬‬

‫‪dec 158-161.indd 161‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫المسابقة الثقافية‬ ‫أشهر مخرجي السينما العاملية‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬

‫مخ� � ��رج س� � ��ينمائي م� � ��ن مواليد ‪ ،1946‬اش� � ��تهر‬ ‫بأف� �ل��ام املغامرات‪ ،‬ومن أش� � ��هر أفالم� � ��ه‪« :‬إي‪.‬‬ ‫ت� � ��ي» (‪« ،)1982‬أنديانا جون� � ��ز» (‪،)2008 ،1984‬‬ ‫«العودة إلى املس� � ��تقبل» (‪،)1990 ،1998 ،1985‬‬ ‫«قائم� � ��ة ش� � ��اندلر» (‪« ،)1993‬الف� � ��ك املفت� � ��رس»‬ ‫(‪« ،)1975‬إنقاذ اجلندي ريان» (‪« ،)1998‬حديقة‬ ‫الديناصورات» (‪.)2001 ،1997 ،1993‬‬ ‫أ‪ -‬تشارلي شابلن‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ألفريد هيتشكوك‪.‬‬ ‫ج‪ -‬ستيفن سبيلبيرج‪.‬‬ ‫مخرج سينمائي من مواليد ‪ ،1942‬اشتهر بأفالم‬ ‫اجلرمية‪ ،‬ومن أش� � ��هر أفالمه‪« :‬سائق التاكسي»‬ ‫(‪« ،)1976‬كازينو» (‪« ،)1995‬عصابات نيويورك»‬ ‫(‪« ،)2002‬الراح� � ��ل» (‪« ،)2006‬هيغو» (‪،)2011‬‬ ‫و«ذئب شارع وول ستريت» (‪.)2013‬‬ ‫أ‪ -‬مارتن سكورسيزي‪.‬‬ ‫ب‪ -‬يوسف شاهني‪.‬‬ ‫ج‪ -‬كلينت ايستوود‪.‬‬

‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬

‫مخرج س�� ��ينمائي من مواليد ‪ ،1963‬اشتهر بتمثيل‬ ‫أدوار صغي�� ��رة جداً في أفالمه الت�� ��ي يدور أغلبها‬ ‫حول فكرة االنتقام‪ ،‬ومن أشهر أفالمه‪« :‬من الغسق‬ ‫حت�� ��ى الفج�� ��ر» (‪« ،)1996‬ض�� ��د امل�� ��وت» (‪،)2007‬‬ ‫«األوغاد األنذال» (‪« ،)2009‬اقتل بيل» (‪.)2012‬‬ ‫أ‪ -‬فيدريكو فيللني‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬كويننت تارانتينو‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬أكينو كيروساوا‪.‬‬ ‫مخرج س� � ��ينمائي م� � ��ن مواليد ‪ .1937‬اش� � ��تهر‬ ‫بتق� � ��دمي أف� �ل��ام ع� � ��ن الش� � ��خصيات واألحداث‬ ‫التاريخية‪ ،‬ومن أش� � ��هر أفالم� � ��ه‪« :‬ثيلما ولويز»‬ ‫(‪« ،)1991‬املجالد» (‪« ،)2000‬نسر أسود سقط»‬ ‫(‪« ،)2001‬مملكة السماء» (‪« ،)2005‬روبن هود»‬ ‫(‪« ،)2010‬املريخي» (‪.)2015‬‬ ‫أ‪ -‬ريدلي سكوت‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬اجنمار برجمان‪.‬‬ ‫ج‪ -‬فرانسيس فورد كوبوال‬

‫مخ� � ��رج س� � ��ينمائي م� � ��ن مواليد ‪ ،1946‬اش� � ��تهر‬ ‫باألفالم ذات الطابع السياس� � ��ي‪ ،‬ومن أشهرها‪:‬‬ ‫«شارع وول س� � ��تريت» (‪« ،)1987‬جي‪ .‬إف‪ .‬كيه»‬ ‫(‪« ،)1991‬قتل� � ��ة بالفطرة» (‪« ،)1994‬نيكس� � ��ون»‬ ‫(‪« ،)1995‬اإلسكندر» (‪« ،)2004‬دبليو» (‪.)2008‬‬ ‫أ‪ -‬كويننت تارانتينو‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ريدلي سكوت‪.‬‬ ‫ج‪ -‬أوليفر ستون‪.‬‬ ‫مخرج سينمائي من مواليد ‪ ،1899‬اشتهر بأفالم‬ ‫الرع� � ��ب واإلثارة‪ ،‬من أش� � ��هر أفالم� � ����ه‪« :‬ابتزاز»‬ ‫(‪« ،)1929‬أن� � ��ا أعت� � ��رف» (‪« ،)1953‬فيرتيج� � ��و»‬ ‫(‪« ،)1958‬الش� � ��مال الغربي» (‪« ،)1959‬سايكو»‬ ‫(‪« ،)1960‬الطيور» (‪.)1963‬‬ ‫أ‪ -‬ألفريد هيتشكوك‪.‬‬ ‫ب‪ -‬مارتن سكورسيزي‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬فرانسو تريغو‪.‬‬

‫‪163‬‬


‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬

‫مخرج سينمائي من مواليد ‪ ،1928‬اشتهر بأفالم‬ ‫الكوميديا الس�� ��وداء التي تدور حول مرارة الفشل‪،‬‬ ‫ومن أشهر أفالمه‪« :‬سبارتاكوس» (‪« ،)1960‬لوليتا»‬ ‫(‪« ،)1962‬أوديس�� ��ا الفض�� ��اء» (‪« ،)1968‬اللمعان»‬ ‫(‪« ،)1980‬جاك�� ��ت معدني كام�� ��ل» (‪« ،)1987‬أعني‬ ‫مغمضة متاما»‪.)1999( ،‬‬ ‫أ‪ -‬مايكل مور‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬مارتن سكورسيزي‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬ستانلي كوبريك‪.‬‬

‫مخرج سينمائي من مواليد ‪ ،1939‬اشتهر بأفالم‬ ‫الرع�� ��ب واجلرمية‪ ،‬من أش�� ��هر أفالم�� ��ه‪« :‬ثالثية‬ ‫العراب» (‪« ،)1990 ،1974 ،1972‬نهاية العالم اآلن»‬ ‫(‪« ،)1979‬قلب األسد» (‪« ،)1987‬دراكوال ستوكر»‬ ‫(‪« ،)1992‬صانع املطر» (‪« ،)1997‬جيبرز كريبرز»‬ ‫(‪« ،)2003 ،2001‬الراعي الطيب» (‪.)2006‬‬ ‫أ‪ -‬فرانسيس فورد كوبوال‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬وودي آالن‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬جان لوك جودار‪.‬‬

‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬

‫مخرج س�� ��ينمائي من مواليد ‪ ،1935‬اشتهر بأفالمه‬ ‫الكوميدي�� ��ة الت�� ��ي ت�� ��دور ح�� ��ول الهم�� ��وم الوجودية‬ ‫والعاطفي�� ��ة لإلنس�� ��ان املعاصر‪ ،‬من أش�� ��هر أفالمه‪:‬‬ ‫«آن�� ��ي ه�� ��ول» (‪« ،)1977‬هانا وأخواته�� ��ا» (‪،)1986‬‬ ‫«جرائ�� ��م ورذائ�� ��ل» (‪« ،)1989‬حكاي�� ��ات نيوي�� ��ورك»‬ ‫(‪« ،)1989‬ظالل وضباب» (‪« ،)1991‬جرمية قتل في‬ ‫مانهاتن» (‪« ،)1993‬تفكيك هاري» (‪« ،)1997‬نهايات‬ ‫هوليوودية» (‪« ،)2002‬ميلندا وميلندا» (‪.)2004‬‬ ‫أ‪ -‬مارتن سكورسيزي‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬كيرتش هاتسون‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬وودي آالن‪.‬‬ ‫مخرج س�� ��ينمائي من مواليد ‪ ،1930‬اشتهر بأفالم‬ ‫األكش�� ��ن واحلركة‪ ،‬ومن أش�� ��هر أفالمه‪« :‬جس�� ��ور‬ ‫مقاطع�� ��ة ماديس�� ��ون» (‪« ،)1995‬س�� ��لطة مطلق�� ��ة»‬ ‫(‪« ،)1997‬رع�� ��اة بق�� ��ر الفض�� ��اء» (‪« ،)2000‬أعمال‬ ‫دموية» (‪« ،)2002‬قناص أمريكا» (‪« ،)2014‬سولي»‬ ‫(‪.)2016‬‬ ‫أ‪ -‬كلينت ايستوود‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬أوليفر ستون‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬سرجيوليون‪.‬‬

‫جوائز املسابقة‬ ‫اجلائزة األولى ‪ 100‬دينار‬ ‫اجلائزة الثانية ‪ 75‬دينا ًرا‬ ‫اجلائزة الثالثة ‪ 50‬دينا ًرا‬ ‫باإلضافة إلى ‪ 8‬جوائز تشجيعية قيمة كل منها‬ ‫‪ 40‬دينا ًرا‪.‬‬ ‫شروط املسابقة‬ ‫اإلجاب� � ��ة عن ‪ 9‬أس� � ��ئلة على األقل‪ ,‬يكت� � ��ب على الظرف‬ ‫مجلة العربي «مس� � ��ابقة العربي الع� � ��دد ‪ .»696‬آخر موعد‬ ‫لوص� � ��ول اإلجابات هو أول م� � ��ارس ‪2017‬م‪ .‬يكتب االس ��م‬ ‫ثالثي� � ًا (بالعربية واإلجنليزية) والعنوان البريدي واضحني‪،‬‬ ‫ورق� � ��م الهاتف‪ ،‬عل� � ��ى أن تك� � ��ون البيانات البنكي� � ��ة املطلوبة‬ ‫ب � � �ـ «اإلجنليزية»‪ ،‬وهي اس� � ��م البنك والفرع وعنوانه واس� � ��م‬ ‫املستفيد ورقم احلساب واآليبان والسويفت كود‪.‬‬ ‫يرس ��ل املش ��اركون م ��ن داخ ��ل الكوي ��ت ص ��ورة البطاق ��ة‬ ‫املدنية‪.‬‬ ‫ل� � ��ن تقبل اإلجابات التي ترد إلى املجلة بواس� � ��طة البريد‬ ‫اإللكتروني‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫حل مسابقة العدد ‪ 694‬سبتمبر ‪2016‬‬

‫‪1‬‬

‫ص� � ��درت «مجلة الكويت» ألول مرة في ‪ 20‬يونيو‬ ‫‪ ،1928‬واعتبرت أول مجلة كويتية‪ ،‬وتولى رئاسة‬ ‫حتريرها عبدالعزيز الرشيد‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫صدرت مجلة الش� � ��عب في ‪ 5‬ديس� � ��مبر ‪1957‬‬

‫‪2‬‬

‫مجلة «كويتي» هي مجلة شهرية مصورة تصدر‬ ‫عن شركة نفط الكويت‪ ،‬وقد صدر العدد األول‬ ‫منها في عام ‪.1961‬‬

‫‪7‬‬

‫أصدرت دائرة املع�� ��ارف الكويتية العدد األول من‬ ‫اجلـريدة الرس�� ��مية في ‪ 11‬ديسمبر ‪ 1954‬لتشكل‬ ‫ن�� ��واة لإلعالم املقروء‪ ،‬حيث ظه�� ��رت احلاجة إلى‬ ‫رب�� ��ط دوائر احلكومة برجال األعمال والش�� ��ركات‬ ‫واملواطنني‪ ،‬وتسمى «الكويت اليوم»‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫صحيفة «ع� � ��رب تاميز» م� � ��ن أولى الصحف‬ ‫اإلجنليزية التي صدرت في الكويت عن «دار‬ ‫السياس� � ��ة»‪ ،‬وقد صدر العدد األول منها في‬ ‫عام ‪.1977‬‬

‫‪8‬‬

‫مجل� � ��ة علمية كويتية صدر عدده� � ��ا األول في عام‬ ‫‪ 1986‬عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي‪ ،‬وتختص‬ ‫بنشر وترجمة املواضيع اخلاصة مبجلة ساينتيفك‬ ‫أميريكان‪ ،‬وتقدمي العلوم بطريقة مبس� � ��طة للقارئ‬ ‫العربي‪ ،‬وهي‪ :‬مجلة «العلوم»‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫صدر الع� � ��دد األول من مجل� � ��ة «البعثة» عام‬ ‫‪ ،1939‬يحرره� � ��ا طلب� � ��ة البعث� � ��ة الطالبي� � ��ة‬ ‫الكويتي� � ��ة‪ ،‬وكان صاح� � ��ب فك� � ��رة إصدارها‬ ‫عبدالعزيز حسني‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫مجلة ش� � ��هرية مخصصة لألطف� � ��ال‪ ،‬تصدر‬ ‫م� � ��ع مجل� � ��ة العرب� � ��ي‪ .‬وقد صدرت مس� � ��تقلة‬ ‫ف� � ��ي فبراير ع� � ��ام ‪ .1986‬بعد أن كانت تصدر‬ ‫كمطوية مجاني� � ��ة داخل «العرب� � ��ي» منذ عام‬ ‫‪ ،1958‬هي‪ :‬مجلة «العربي الصغير»‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫طبعت عام ‪ 1948‬لتكون أول مجلة مطبوعة‬ ‫ف� � ��ي الكوي� � ��ت‪ ،‬وه� � ��ذه املجل� � ��ة ه� � ��ي‪ :‬مجلة‬ ‫«كاظمة»‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫مجلة دورية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي‪،‬‬ ‫وتهدف إلى نش� � ��ر اجلهود املبذولة من املواطنني في‬ ‫مجال العلوم‪ ،‬هي‪ :‬مجلة «التقدم العلمي»‪.‬‬

‫كمجلة اجتماعية سياسية‪ ،‬لكنها توقفت عن‬ ‫الصدور بعد عام واحد‪.‬‬

‫أسماء الفائزين‬ ‫الفائزة األولى‬

‫منى علي محمد ‪ -‬احملرق‪/‬البحرين‪.‬‬

‫الفائزة الثانية‬

‫سناء ناصر سليمان ‪ -‬القيروان‪/‬الكويت‪.‬‬

‫الفائزة الثالثة‬

‫إميان رمضان األسود ‪ -‬دمياط‪/‬مصر‪.‬‬

‫الفائزون باجلوائز التشجيعية‬

‫‪ - 1‬محمد سالم محمد ‪ -‬مسقط‪/‬سلطنة ُعمان‪.‬‬

‫املسابقة الثقافية‬

‫‪ - 2‬عبدالله محمد أحمد ‪ -‬الشامية‪/‬الكويت‪.‬‬ ‫‪ - 3‬غسان وصفي حجازي ‪ -‬عمان‪/‬األردن‪.‬‬ ‫‪ - 4‬نبيل حمدي مصطفى ‪ -‬أبوظبـ ــي‪/‬اإلمـ ــارات‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ب��ل�ال حس����ن ص��ل�اح الدي����ن ‪ -‬بن����ي س����ويـ ــف‪/‬‬ ‫مصر‪.‬‬ ‫‪ - 6‬محمد تركي السيف ‪ -‬الرياض‪/‬السعودية‪.‬‬ ‫‪ - 7‬وصام احلاج خليفة ‪ -‬املنستير‪/‬تونس‪.‬‬ ‫‪ - 8‬منذر أنور عبده حداد ‪ -‬عمان‪/‬األردن‪.‬‬

‫‪165‬‬


‫للتصوير الفوتوغرافي‬ ‫س� � ��عيها الكتش� � ��اف طاقات إبداعية عربية‪ ،‬تنش� � ��ر «العربي» نتائج مسابقتها الش� � ��هرية ألفضل الصور‬ ‫ضمن‬ ‫فوتوغرافية‪ .‬املس� � ��ابقة مفتوحة لكل املصورين في الوطن العرب� � ��ي‪ .‬وتختار جلنة حتكيم في «العربي» ثالث‬ ‫ال‬ ‫للحصول على ثالث جوائز ش� � ��هرية‪ .‬على أن مينح الفائزون التالون اش� � ��تراكات مجانية مبجلة العربي‬ ‫صور‬ ‫كجوائز تشجيعية ملدة عام كامل‪ ،‬كما تنشر الصور الفائزة باملراكز األولى‪.‬‬

‫املشاركون في املسابقات‬ ‫الثقافية والفوتوغرافية ومسابقات «العربي الصغير»‬ ‫من داخل دولة الكويت‪،‬‬ ‫يجب‬ ‫أن‬ ‫ترفق‬ ‫ر‬ ‫سائلهم‬ ‫بصور‬ ‫ال‬ ‫بطاقة‬ ‫ا‬ ‫ملدنية والهاتف‪،‬‬ ‫واملشاركون القصر ي‬ ‫رسلون‬ ‫صور‬ ‫ال‬ ‫بطاقة‬ ‫ا‬ ‫ملدنية ألحد األبوين‪.‬‬

‫شروط املسابقة‬

‫‪1‬‬

‫الفائز األول‪:‬‬

‫«أمل»‪ ،‬بعدسة‪ :‬نبيل علي البواب‪/‬تونس‪.‬‬

‫< املجاالت التي يتم التنافس فيها هي فنون الصور الشخصية‪ ،‬جماليات الطبيعة اخلالبة ورصد احلياة البرية‪ ،‬املدن والطرقات وحركة املجتمع في سعيه‬ ‫لبناء احلياة‪ ،‬التصوير في اإلضاءة املتاحة وتباين األبيض واألس� � ��ود‪ ،‬توثيق العمارة العربية واإلس� �ل��امية والتراث العاملي‪ ،‬ويحق لكل متنافس االش� � ��تراك في‬ ‫هذه املجاالت‪ < .‬األعمال الفائزة تصبح ملكاً ملجلة العربي‪ ،‬ويجوز لها نش� � ��رها بأي وس� � ��يلة إلكترونية أو طباعية مع االحتفاظ بامللكية املعنوية للمصور‪ ،‬وال‬ ‫يحق للمشارك املطالبة باسترجاع الصور غير الفائزة‪ < .‬على املشاركني مراعاة املعايير األخالقية والقانونية في الصور املقدمة‪ ،‬ومبشاركة املتسابق يتعهد‬ ‫بتحمل� � ��ه حق� � ��وق امللكية الفكرية واخلصوصية للصور‪ < .‬تكون الصور األصلية املطبوعة بحجم مناس� � ��ب ال يقل عن ‪( 5x7‬أقصر ضلع ‪ 12‬س� � ��م)‪ ،‬مع ضرورة‬ ‫تس� � ��جيل جميع البيانات اخلاصة باملوضوع (مثل مكان التصوير‪ ،‬وتاريخ التصوير وموضوع الصورة)‪ ،‬وعنوان املتس� � ��ابق‪ ،‬واسمه الثالثي (باللغة اإلجنليزية)‪،‬‬ ‫ورقم هاتفه‪ < .‬الصور الرقمية املرسلة بالبريد اإللكتروني‪ ،‬ال يقل طول (أقصر ضلع) في الصورة عن ‪ 1900‬بكسل‪( ،‬تعادل ‪ 5‬ميجا بكسل تقريباً) ويجب أن‬ ‫تكون صيغتها ‪ ، jpg‬مع ذكر جميع البيانات الس� � ��ابقة‪ < .‬لن تقبل الصور التي حتتوي على إطارات إضافية أو توقيع أو تاريخ أو عبارات مطبوعة‪ < .‬ترس� � ��ل‬ ‫الصور إلى عنوان «العربي»‪ :‬صندوق بريد ‪ ،748‬الرمز البريدي‪ ،13008 ،‬الصفاة‪ ،‬دولة الكويت‪ .‬ويكتب على املغلف بخط واضح‪ :‬مسابقة «العربي» الشهرية‬ ‫للتصوير الفوتوغرافي‪ ،‬أو على البريد اإللكتروني ‪photo@alarabi.info‬‬

‫‪166‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫اجلائزة األولى‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪100‬‬

‫اجلائزة الثانية‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪75‬‬

‫اجلائزة الثالثة‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪50‬‬

‫‪2‬‬

‫الفائز الثاني‪:‬‬

‫«الصفار!»‪ ،‬بعدسة‪:‬‬ ‫علي صبيح كاظم‪/‬العراق‪.‬‬

‫‪3‬‬ ‫الفائز الثالث‪:‬‬

‫«بلورات األوراق»‪،‬‬ ‫بعدسة‪:‬‬ ‫أيهم سامي‪/‬األردن‪.‬‬

‫الفائزون باشتراكات مجانية في مجلة العربي‪:‬‬

‫< محمد املتولي كحيل‪/‬مصر < اسليماني حفيظ‪/‬املغرب < محمد صالح جودة‪/‬مصر‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‬

‫‪167‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫في أمسية تقنية حاشدة‬

‫السفارة المصرية كرّمت الرفاعي‪...‬‬ ‫قامة أدبية مبدعة لها حضور كبير‬ ‫كمال ربيع‬ ‫كرّمت الس���فارة المصرية بالكويت الكات���ب الكويتي طالب الرفاعي‪،‬‬ ‫حي���ث أه���داه الس���فير المص���ري لدى دول���ة الكويت ياس���ر عاط���ف درع ًا‬ ‫وتضمنت أمسية التكريم قراءة نقدية لرواية «ظل الشمس»‬ ‫تكريمية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫قدمه���ا الكاتب ش���ريف صالح‪ ،‬كم���ا قدم���ت الكاتبة هدى الش���وا قراءة‬ ‫نقدية لرواية «في الهنا»‪ ،‬أحدث روايات الرفاعي‪ ،‬وأدارت األمسية الكاتبة‬ ‫عواطف العلوي‪.‬‬

‫أ ّكد الس�� ��فير ياس�� ��ر عاط�� ��ف في بداية األمس�� ��ية أن‬ ‫تكرمي األدي�� ��ب الكويتي طالب الرفاعي يأتي ضمن أواصر‬ ‫العالقات الثقافية املتينة بني الكويت ومصر‪.‬‬ ‫وقال عاطف إن الرفاعي قامة أدبية لها حضور كبير‪،‬‬ ‫وإنه أحد املهمومني باإلبداع في الكويت واملنطقة العربية‪.‬‬ ‫بينما أش�� ��ار امللح�� ��ق الثقافي د‪ .‬نبي�� ��ل بهجت إلى أن‬ ‫الرفاعي أحد األس�� ��ماء اإلبداعية التي لديها هم بأن تكون‬ ‫الثقافة احمل ّرك األساس�� ��ي في املنطقة‪ ،‬من خالل ممارسة‬ ‫املثق�� ��ف لدوره احلقيقي كفاعل في احلراك على مس�� ��توى‬ ‫املجتمع واملنطقة‪.‬‬ ‫وفي الورقة التي قدمها بعنوان «ظل الشمس وازدواجية‬ ‫الصوت الس�� ��ردي»‪ ،‬قال الكاتب شريف صالح‪ ،‬إن الرواية‬ ‫حتيلنا إلى فن «التغريبة»‪ ،‬تلك الهجرة القس�� ��رية بحثاً عن‬ ‫الرزق‪ ،‬واس�� ��تدعى «تغريب�� ��ة بني هالل» للش�� ��اعر الراحل‬ ‫عبدالرحمن األبنودي الذي كتب كلمة الغالف‪ ،‬مشيراً إلى‬ ‫‪168‬‬

‫أن التغريبة الهاللية خرجت من اجلزيرة العربية (اجلنوب)‬ ‫نحو الشمال‪ ،‬على عكس تغريبة «ظل الشمس»‪ ،‬فكانت من‬ ‫الشمال إلى اجلنوب‪.‬‬ ‫وتناول صالح تقنية السرد في الرواية من خالل املؤلف‬ ‫احلقيقي والضمني والس�� ��ارد والبطل‪ ،‬حيث أش�� ��ار إلى أن‬ ‫الرفاع�� ��ي عكس نظري�� ��ة روالن بارت عن «م�� ��وت املؤلف»‪،‬‬ ‫مبعنى حتييده خارج النص واالنشغال بالنص وحده‪ ،‬حيث‬ ‫استحضرت الرواية «املؤلف احلقيقي» كشخصية روائية‪/‬‬ ‫بط�� ��ل ثانوي‪ ،‬وتقريب� � �اً أبقت عليه بالصف�� ��ات واملواصفات‬ ‫نفسها‪.‬‬ ‫بينم� � ��ا أش� � ��ارت الكاتبة هدى الش� � ��وا في ورقتها‬ ‫عن رواية «في الهن� � ��ا» إلى أنها تأخذ من عالقة حب‬ ‫ملتبسة‪ ،‬منطلقاً للكش� � ��ف عن شروخات في املجتمع‬ ‫تشمل اخلالفات الطائفية عبر رصد «األنا» األنثوية‬ ‫لتكشف عن تشظيات رؤيتها لذاتها‪ ،‬وملجتمعها‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫السفير املصري ياسر عاطف وامللحق الثقافي د‪ .‬نبيل بهجت يكرمان الرفاعي‬

‫وأ ّكدت الش�� ��وا أن الرواية حققت له�� ��ا املتعة الروائية‪،‬‬ ‫س�� ��واء في التنقل بني األصوات الروائي�� ��ة املختلفة‪ ،‬أو في‬ ‫سالس�� ��ة السرد الروائي‪ ،‬مش�� ��يرة إلى التركيز على عنصر‬ ‫اخلطاب النسائي في السرد الروائي‪ ،‬من خالل شخصيات‬ ‫كوث�� ��ر والزوجة وموض�� ��ي أم املؤلف‪ ،‬متس�� ��ائلة عن تعددية‬ ‫األص�� ��وات الروائي�� ��ة وتوزيعه�� ��ا‪ ،‬ومتنت الش�� ��وا أن يكتب‬ ‫الرفاعي قصة موضي يوماً ما‪ ،‬ويفرد لها مساحات سردية‬ ‫بضمير املتكلم‪.‬‬ ‫وأش�� ��اد األديب عبدالل�� ��ه خلف بتك�� ��رمي الرفاعي من‬ ‫الس�� ��فارة املصرية‪ ،‬وهو ما عده تعبيراً عن عمق العالقات‬ ‫الوطيدة بني مصر والكويت‪.‬‬ ‫وق�� ��ال خلف إن أهم ما مي ّيز أعمال الرفاعي أنها عن‬ ‫البسطاء وامله ّمشني وحتمل ه ّماً إنسانياً‪.‬‬ ‫وفي س� � ��ؤال للرفاعي إن كان تأثر بغسان كنفاني‬ ‫في روايته «رجال في الش� � ��مس»‪ ،‬قال إن رواية «ظل‬ ‫الش� � ��مس» ُولدت في مقهى مصري أثناء جلوسه مع‬ ‫األدي� � ��ب الراحل جمال الغيطان� � ��ي وطلب منه حلمي‬ ‫(بطل الرواية) مس� � ��اعدته للعمل ف� � ��ي الكويت‪ ،‬وأنه‬ ‫كتب الرواية عن هؤالء امله ّمش� �ي��ن الذين عاش بينهم‬ ‫ملدة ‪ 15‬عاماً وشاهد يومياتهم عن قرب‪.‬‬ ‫السفارة املصرية ك ّرمت الرفاعي‬

‫بينما أجاب عن سؤال يتعلق بورود اسمه احلقيقي في‬ ‫رواياته‪ ،‬بأنه يعتمد على مدرسة التخييل الذاتي‪ ،‬ويرى أن‬ ‫األعم�� ��ال الروائية توثيق حلياة املجتمع والكاتب‪ ،‬ولذا يقدم‬ ‫أجزاء من سيرته احلقيقية في أعماله‪.‬‬ ‫بينما ق�� ��ال املنصف اخلمي�� ��ري (مترج�� ��م رواية «ظل‬ ‫الش�� ��مس» إلى الفرنسية) إنه يعمل في اللغة الفرنسية منذ‬ ‫‪ 30‬عاماً‪ ،‬ولم يس�� ��بق له التع� � � ّرف على األدب الكويتي‪ ،‬لكن‬ ‫ترجمته لرواية «ظل الش�� ��مس» حفّزته عل�� ��ى قراءة أعمال‬ ‫كويتية أخرى‪ ،‬مؤكداً أن أه�� ��م ما مييز الرواية أنها تناقش‬ ‫هماً إنسانياً بعيداً عن األسلوب التعليمي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وأش� � ��ار الرفاعي تعليقاً على طلب الش� � ��وا أن يكتب‬ ‫الس� � ��يرة الس� � ��ردية لوالدت� � ��ه موضي إل� � ��ى أن أمه دفعت‬ ‫ضريبة غالية بعد أن تزوج زوجها بأخرى‪ ،‬وأنها أكثر َمن‬ ‫تأث� � ��ر بها في احلياة‪ ،‬كما حتدث عن دور زوجته ش� � ��روق‬ ‫التي أ ّكد أنه لوالها ملا أس� � ��س واس� � ��تمر امللتقى الثقافي‬ ‫الذي يش� � ��رف عليه‪ ،‬حيث أ ّكد أنها س� � ��اعده األمين في‬ ‫اإلعداد والتجهيز ألمس� � ��يات امللتقى‪ ،‬وش� � ��كر الرفاعي‬ ‫مصر على هذا التكرمي‪ ،‬مؤكداً امتنانه للكلمة التي تعلي‬ ‫اإلنسان والتي كانت السلم الذي صعد عليه خالل رحلته‬ ‫اإلبداعية >‬ ‫‪169‬‬


‫من المكتبة العربية‬

‫«النقد الـمسرحي العربي»‪...‬‬ ‫إطاللة على بدايته وتطوره‬ ‫تأليف د‪ .‬حسن الـمنيعي‬ ‫عرض‪ :‬د‪ .‬محمد سيف اإلسالم بوفالقة‬

‫كاتب من اجلزائر‬

‫لع ��ل أب ��رز الدراس ��ات الج ��ادة والمتمي ��زة‪ ،‬الت ��ي قدمت‬ ‫مجموعة م ��ن الرؤى عن بدايات النقد المس ��رحي في‬ ‫الوط ��ن العرب ��ي‪ ،‬ورصدت التطورات الت ��ي عرفها من‬ ‫مرحل ��ة إلى أخ ��رى‪ ،‬دراس ��ة الناق ��د والباح ��ث المغربي‬ ‫د‪.‬حس ��ن المنيعي الموس ��ومة بـ‪« :‬النقد المس ��رحي‬ ‫العربي‪ ...‬إطاللة على بدايته وتطوره»‪ ،‬وهي الدراسة‬ ‫التي يس ��عى من خاللها ‪ -‬كم ��ا يذكر ‪ -‬إلى تقديم‬ ‫إطالل ��ة عل ��ى تط ��ور النق ��د المس ��رحي العرب ��ي‪ ،‬مع‬ ‫الوقوف على خطاب تلقيه لمشروع تأصيل الحركة‬ ‫المسرحية العربية‪.‬‬

‫يضعنا د‪ .‬حسن املنيعي أمام مقاربة جديدة‪،‬‬ ‫ومتعمق� � ��ة لقضايا النقد املس� � ��رحي العربي‪ ،‬حيث‬ ‫يتس� � ��اءل لدى رص� � ��ده للممارس� � ��ات األولى للنقد‬ ‫املس� � ��رحي األدبي العربي‪ ،‬ماذا كان رد فعل النقد‬ ‫املسرحي جتاه هذا الفن اجلديد الذي يسعى إلى‬ ‫خلق عالقات قوية مع املجتمع‪ ،‬وإلى احلرص على‬ ‫أن يظ� � ��ل دوماً في تفاعل م� � ��ع أوضاعه احلياتية‪،‬‬ ‫والسياسية‪ ،‬واالقتصادية؟‬ ‫إن اإلجابة عن هذا السؤال تطلبت من املؤلف‬ ‫القي� � ��ام بجرد تاريخي حلرك� � ��ة النقد احلديث في‬ ‫العال� � ��م العرب� � ��ي‪ ،‬وذلك للوق� � ��وف عل� � ��ى أبعادها‬ ‫(حركة النقد) املس� � ��رحية‪ ،‬مش� � ��يراً إل� � ��ى أن هذا‬ ‫النقد «ارتبط في الغالب بأوضاع املس� � ��رح العربي‬ ‫‪170‬‬

‫الذي كان يعيش من حني آلخر حاالت تأرجح بني‬ ‫االزدهار‪ ،‬واالنحسار‪ ،‬كما ارتبط أيضاً بندرة النقاد‬ ‫املتخصص� �ي��ن‪ ،‬وهذا ما دف� � ��ع الكثير من الباحثني‬ ‫إلى التأكيد على عدم وجود نقد مس� � ��رحي عربي‬ ‫حقيقي في مرحلة التأس� � ��يس‪ ،‬في حني ظهر نقد‬ ‫بديل يهتم بالنص املس� � ��رحي‪ ،‬م� � ��ن حيث هو كتابة‬ ‫أدبية‪.‬‬ ‫ألح النقاد في املرحلة األولى على ضرورة‬ ‫لقد َّ‬ ‫إنتاج حركة مسرحية عربية ترتكز على االقتباس‬ ‫والترجمة‪ ،‬نظ� � ��راً لوجود نصوص جاهزة لإلعداد‬ ‫املس� � ��رحي‪ ،‬وفي املرحلة الثانية مت تعميق العالقة‬ ‫باملسرح عن طريق االطالع على الكتابات األوربية‪،‬‬ ‫وتقليد مجموعة من النماذج املتميزة منها‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫وبالنس� � ��بة إلى ميالد النقد املسرحي األدبي‪،‬‬ ‫فالدكت� � ��ور املنيع� � ��ي‪ ،‬يش� � ��ير إلى أن� � ��ه عندما كتب‬ ‫أحمد شوقي مس� � ��رحياته متأثراً بأساليب األدباء‬ ‫الفرنس� � ��يني‪ ،‬والبريطاني� �ي��ن‪ ،‬الذي� � ��ن ينتمون إلى‬ ‫املدرسة الكالس� � ��يكية من أمثال‪ :‬راسني‪ ،‬وكورني‪،‬‬ ‫وشكس� � ��بير‪ ،‬عرف املسرح العربي تطورات‪ ،‬وقفزة‬ ‫نوعية في مجال الكتابة الش� � ��عرية الدرامية‪ ،‬بيد‬ ‫أن النقد كان قاس� � ��ياً مع ه� � ��ذه القفزة‪ ،‬فقد ملس‬ ‫فيها حدثاً يكتسي أهمية كبيرة‪ ،‬ولكنه قد يتعرض‬ ‫النحس� � ��ار م� � ��ع الزمن‪ ،‬كون األس� � ��لوب الش� � ��عري‬ ‫الدرامي ال� � ��ذي نهجه أحمد ش� � ��وقي يتناقض مع‬ ‫أذواق اجلماهي� � ��ر‪ ،‬الت� � ��ي ل� � ��م تكن مؤهل� � ��ة لتلقي‬ ‫موضوعات ش� � ��عرية بعيدة عن القضايا احليوية‪،‬‬ ‫واجلوهرية‪.‬‬ ‫ووف� � ��ق منظور مؤلف الكت� � ��اب‪ ،‬فميالد النقد‬ ‫املس� � ��رحي ارتبط الحقاً بالتحوالت التي أحدثتها‬ ‫ثورة يوليو ‪1952‬م‪ ،‬والتي كان من نتائجها حتديث‬ ‫مناهج التعليم‪ ،‬وبرمجة مادة املسرح في اجلامعة‬ ‫من خ� �ل��ال الدروس الت� � ��ي كان يلقيه� � ��ا د‪ .‬محمد‬ ‫من� � ��دور على طلبته‪ ،‬ومن جان� � ��ب آخر فهذه الثورة‬ ‫خول� � ��ت للمس� � ��رح العربي حتقيق إجن� � ��ازات مهمة‬ ‫في جل البل� � ��دان العربية التي تخلصت من هيمنة‬ ‫االستعمار األجنبي‪ ،‬فقد سارعوا إلى إنتاج أعمال‬ ‫درامية تعالج مواضيع إنسانية حساسة‪ ،‬وذلك من‬ ‫منظور جمالي متطور يعكس تش� � ��بعهم باألساليب‬ ‫الدرامية الغربية‪ ،‬كما عكس مس� � ��تقب ً‬ ‫ال نضجهم‪،‬‬ ‫وطموحهم‪ ،‬إل� � ��ى إيجاد صيغة مس� � ��رحية عربية‪،‬‬ ‫وم ّهد إلى بروز حداثة املسرح العربي انطالقاً من‬ ‫بداية سبعينيات القرن املاضي‪.‬‬ ‫أم� � ��ا النقد الذي يجمع بني ما هو أدبي وفني‪،‬‬ ‫فقد أخذت بشائره تظهر من حني إلى آخر ابتدا ًء‬ ‫من منتصف خمسينيات القرن املاضي‪ ،‬وذلك في‬ ‫دراسات نقدية تؤشر إلى تقنية اإلخراج‪ ،‬والديكور‪،‬‬ ‫وأداء املمثلني واملوسيقى كما يذكر د‪ .‬املنيعي‪.‬‬ ‫قدم املؤلف مجموعة من مناذج النقد املسرحي‬ ‫األدب� � ��ي الفني‪ ،‬حيث يعتبر الناق� � ��د محمد مندور‬ ‫الرائ� � ��د األول في مجال النقد املس� � ��رحي األدبي‬ ‫والفني معاً‪ ،‬ويعده مؤس� � ��س الدرس املسرحي في‬ ‫مص� � ��ر‪ ��‬وقد متي� � ��ز بخصائص مح� � ��ددة في نقده‬ ‫«النقد الـمسرحي العربي»‪ ...‬إطاللة على بدايته وتطوره‬

‫املس� � ��رحي‪ ،‬فق� � ��د كان ينطلق من نظرية أرس� � ��طو‬ ‫حول التراجيديا‪ ،‬ليصل إلى نظرية برتولد برشت‬ ‫حول املسرح امللحمي‪ ،‬كما كان يبرز في نقده مدى‬ ‫اطالعه على أهم التيارات التي ارتبطت باملس� � ��رح‬ ‫كالكالس� � ��يكية‪ ،‬والرومانسية‪ ،‬والرمزية‪ ،‬والواقعية‬ ‫االش� � ��تراكية‪ ،‬والتعبيري� � ��ة‪ ،‬والوجودي� � ��ة‪ ،‬والعبث‪،‬‬ ‫للدراما‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫وق� � ��د توق� � ��ف د‪ .‬املنيع� � ��ي مع جترب� � ��ة جورج‬ ‫وفسر‬ ‫طرابيشي‪ ،‬الذي قرأ أعمال توفيق احلكيم‪َّ ،‬‬ ‫أبعادها‪ ،‬وعبر د‪ .‬املنيعي عن رؤيته لهذه التجارب‪،‬‬ ‫بأنها متثل مؤسسة للنقد املسرحي األدبي‪ ،‬والتي‬ ‫ركزت في الغالب على دراس� � ��ة اإلنت� � ��اج الدرامي‬ ‫لتوفي� � ��ق احلكيم من منظور الواقعية االش� � ��تراكية‬ ‫حصراً‪ ،‬أو مطعمة مبنهج نفساني‪.‬‬

‫تطور النقد الـمسرحي العربي‬

‫يرى املؤلف أن منهج النقد الواقعي االشتراكي‬ ‫ه� � ��و الذي س� � ��اد ف� � ��ي عدد م� � ��ن ال� � ��دول العربية‪،‬‬ ‫والس� � ��يما في سورية التي شهدت في سنة ‪1974‬م‬ ‫ظهور كت� � ��اب‪« :‬األدب واأليديولوجيا في س� � ��ورية‬ ‫‪1973 - 1967‬م» لنبيل س� � ��ليمان وبوعلي ياس� �ي��ن‪،‬‬ ‫وق� � ��د أثار ه� � ��ذا الكتاب كثيراً من اجلدل بس� � ��بب‬ ‫خطابه النقدي الصارم‪ ،‬فهو يرصد في األس� � ��اس‬ ‫األيديولوجيا التي يقحمها األدباء في إنتاجهم‪ ،‬أو‬ ‫التي ينطلقون منها‪.‬‬ ‫تناول د‪ .‬املنيعي في كتابه عوامل حتول اخلطاب‬ ‫النقدي املسرحي‪ ،‬والحظ أنه كان أدبياً في معظم‬ ‫مقاربات� � ��ه‪ ،‬وكان تواقاً إلى تطوي� � ��ر أدواته‪ ،‬وذلك‬ ‫م� � ��ن حيث التوحيد بني ما ه� � ��و أدبي وفني ويرجع‬ ‫د‪.‬املنيعي نضج اخلطاب النقدي املس� � ��رحي‪ ،‬الذي‬ ‫ل� � ��م يعد يقيم اإلنتاج املس� � ��رحي من خالل معايير‬ ‫تقليدية تهتم ببنية النص‪ ،‬ومتاس� � ��ك أطرافه‪ ،‬إلى‬ ‫االطالع عل� � ��ى النظرية الغربية وش� � ��عرياتها‪ ،‬فقد‬ ‫أكد أن النقد املس� � ��رحي العرب� � ��ي عرف جملة من‬ ‫التحوالت‪ ،‬وأضحى يهتم بشكل العرض‪ ،‬وجمالياته‬ ‫(كتاب� � ��ة وإخراجاً ومتثي ً‬ ‫ال)‪ ،‬وه� � ��ذا ما فتح املجال‬ ‫الزدهاره‪ ،‬وتن� � ��وع مجاالته املعرفية‪ ،‬وذلك في ظل‬ ‫تبلور حداثة مسرحية عربية‪ ،‬بدأ زمنها احلقيقي‬ ‫في نهاية ثمانينيات القرن املنصرم >‬ ‫‪171‬‬


‫قصص على الهواء‬

‫قصص ألصوات شابة تنشر بالتعاون‬ ‫مـ ــع إذاع ـ ـ ــة «مــونــت كــارلــو» الدولي ــة *‬

‫ملــاذا اخ ـتــرت هــذه ال ـق ـصــص?‬ ‫عرض واختيار ‪ :‬محمد العباس ‪ /‬ناقد من السعودية‬ ‫من بني القصص املرس������لة اخترت هذه القصص التي تبدو أكثر متاس������كا وعناية باللغة وإقناعاً على‬ ‫املستوى الفني‪ ..‬وهذه القصص رأيت أفضليتها على النحو التالي‪:‬‬

‫القصة األولى‪« :‬بسمة وياسمني» لـنجالء رفيع بنت محماد‪/‬املغرب‬

‫هذه واحدة من أكثر القصص إقناعاً‪ ،‬فهي قصة حتاول أن ترس������م بورتريهاً يومياً لش������خصية تكمن‬ ‫أزمتها في عاديتها‪ .‬ليس من الناحية املظهرية وحسب‪ ،‬بل في أبعادها وأعماقها النفسية‪ .‬إذ تشتمل على‬ ‫وصف تفصيلي لش������خصية تاريزي‪ ،‬إلى جانب عرض للفضاءات الزماني������ة واملكانية املصاحبة‪ ،‬وذلك من‬ ‫خالل حدث الذهاب اليومي إلى املدرس������ة‪ ،‬ومش������اهد العمل املنزلي‪ ،‬حيث حتتش������د كل تلك العناصر في‬ ‫حبكة ليست على تلك الدرجة من التعقيد‪ .‬إال أنها تتشكل بصورة أفقية‪ .‬كذلك حتضر اللغة كمك ّون بنيوي‬ ‫في النص‪ .‬فهي لغة مع ّبرة‪ .‬دا ّلة ومتخففة من احلشو والفذلكة‪ .‬وكذلك تتعادل إلى حد ما البنية الداللية‬ ‫للقصة مع بنيتها الشكلية‪ .‬وعلى الرغم من وجود سارد يحكي معاناة تاريزي الوجودية‪ ،‬فإن القصة توحي‬ ‫بأنها هي التي تتحدث بصوتها‪ .‬وذلك بسبب التجسيد العالي لشخصيتها‪ .‬مبعنى أنها شخصية من القوة‬ ‫بحيث ش������دت كل عناصر الس������رد ناحيتها‪ ،‬حيث ال يس������تظهرها الكاتب بصورة ناصعة‪ ،‬بل يطرحها بكل‬ ‫كيميائيتها البش������رية‪ .‬أي من خالل ضعفها وارتباكاته������ا وأحالمها املؤجلة وخيباتها مقابل ما تتميز به من‬ ‫جمال ومثابرة‪ .‬وهذا التعادل هو ما يضفي عليها بشريتها‪ .‬فهي مقدودة من الواقع من دون أي مبالغات‪.‬‬ ‫مبعنى أن القصة حتركت باجتاه عرض منوذج إنس������اني يقاتل مبطامحه البس������يطة من أجل حياة أجمل‪،‬‬ ‫وليس نحت متثال مثقل بالصفات واإلكسسوارات الزائدة عن احلاجة‪.‬‬

‫القصة الثانية‪« :‬العائلة» لـعبداملجيد رفيع بن محمد‪/‬املغرب‬

‫تدور القصة حول مها بنت مؤذن املس������جد وارتباطها بالـ «س������ي» اجلياللي‪ .‬فهي حتتوي على جوانب‬ ‫تفصيلية في ش������خصية البطلة والفضاءات التي تش������كلت فيها مبنس������وب لغوي معقول‪ .‬إال أنها تفتقر إلى‬ ‫احلبكة‪ ،‬حيث بدت وكأنها عرض أفقي لسيرة عادية ومكررة‪ .‬وهذا هو بالتحديد ما جعل القصة تسير في‬ ‫* تُنشر القصة األولى الفائزة في هذا العدد‪ ،‬بينما تنشر بقية القصص الفائزة على موقع مجلة العربي وتُبث في إذاعة‬ ‫«مونت كارلو الدولية» على مدار شهر ديسمبر ‪.2016‬‬

‫‪172‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬

‫هذا االجتاه‪ .‬أي الكالم الوصفي الذي ال يتخذ منحى درامياً الختبار الشخصية ورصد أفعالها ودوافعها‪.‬‬ ‫فالق� � ��رار الذي اتخذته في آخر احلكاية ال يش� � ��كل أي مفاجأة‪ ،‬ال على مس� � ��توى القصة وال بالنس� � ��بة إلى‬ ‫شخصية مها التي جاءت مقدماتها متناسبة مع ما آلت إليه‪.‬‬ ‫وكأن القص� � ��ة حت� � ��اول أن حتدث مفارقة حياتي� � ��ة من خالل مواقف على درجة م� � ��ن العادية‪ .‬حيث لم‬ ‫يتصاعد احلدث لينتج في النهاية ما ال ميكن توقعه‪.‬‬

‫القصة الثالثة‪« :‬رمبا» لـفرج األرقط‪/‬ليبيا‬

‫هذه القصة يوحي عنوانها باالحتمالية‪ .‬وهي منطقة غامضة ميكن اللعب فيها س� � ��ردياً‪ .‬وهذا هو ما‬ ‫يفس� � ��ر الغموض الذي يلف حياة «أس� � ��ماء» على املس� � ��تويني‪ :‬احلياتي واحلكائي‪ .‬ورمبا يعود ذلك إلى خفة‬ ‫السرد وحيويته في القصة‪.‬‬ ‫فالكلمات س� � ��ريعة ذات إيقاع رشيق‪ .‬وتكاد ال تس� � ��تقر في جملة طويلة‪ .‬وكأن القصة حتاول أن تتبني‬ ‫موقفاً من احلياة مبقتضى الروائح باعتبارها مفتاح الوجود للشخصية‪ .‬أي ما بني رائحتها األثيرية العطرة‬ ‫ورائحة احلاج مس� � ��عود النتنة‪ .‬وما يس� � ��تتبع ذلك من مالبس قذرة وألفاظ س� � ��وقية‪ .‬واجلميل أن أس� � ��ماء‬ ‫مبرورها اآلس� � ��ر ما هي إال عابرة طارئة مقابل القبح الثاب� � ��ت في يوميات احلياة‪ .‬أو هذا بعض ما أرادت‬ ‫القصة أن تقوله في مضمراتها‪.‬‬

‫القصة الرابعة‪« :‬اختيار ‪ »100‬لـعثمان اجلوهري‪/‬مصر‬

‫هذه القصة نس� � ��جت كحكاية وعظية‪ ،‬تكتب بش� � ��كل دوراني‪ ،‬بحيث تتحرك الشخصيات كلها مبوجب‬ ‫إرادة كاتبها‪ .‬ألنها قصة تب ّيت مراداتها الوعظية منذ أول جملة فيها‪ .‬مبعنى أنها غير معنية مبباغتة أفق‬ ‫القارئ مبا ال يتوقعه‪ .‬فهي قصة تعليمية أقرب ما تكون إلى األسلوب املدرسي‪ .‬ولذلك بدت عناصر السرد‬ ‫منقادة إلى خط احلكاية الذي سطا‪.‬‬ ‫مبا في ذلك اللغة التي اس� � ��تجابت بش� � ��كل طوعي إلى سياقات القصة ومآالتها‪ .‬وكأن العمدة «عويس»‬ ‫هو صوت كاتب القصة وممثله على مستوى املوضوع داخلها‪ .‬فالبطل داخل القصة ميارس العظة كامتداد‬ ‫للنزعة الوعظية عند الكاتب بشكل يبدو على درجة من التطابق‪.‬‬

‫القصة اخلامسة‪« :‬ذاكرة خربة ترمي بالصور» للهادي عزالدين‪/‬السودان‬

‫ف� � ��ي هذه القصة حتضر العظة أيضا‪ ،‬ولكن من منطل� � ��ق آخر‪ .‬وكأن الكاتب يريد إجراء مناظرة بني‬ ‫جيلني من خالل مجابهة ش� � ��خصيتني‪ :‬الشامي ومحمد حفيد العم أحمد ُعشاري‪ .‬العجوز القابض على‬ ‫كتابه مبا هو مخزن القيم‪ ،‬والشاب الطائش بسيارته الفارهة التي حتيل إلى جيل اخلفة واالستهتار‪.‬‬ ‫اجلي� � ��ل اخلاوي من املعرفة والقي� � ��م كما حتاول القصة أن تقدمه من خالل مصادمة ذاتني أو وعيني‬ ‫متخالفني‪ .‬وكل ذلك على لسان الشيخ املغرم بالقراءة الذي لم يغادر كنبته التي كان يجلس عليها شاباً‪.‬‬ ‫وكأنه ال يريد التزحزح عن مواقعه النفسية والقيمية‪ ،‬حيث تبلغ القصة حدها امليلودرامي بالدمعة التي‬ ‫تهرب من عني العجوز‪ ,‬فتسيل على خده رثا ًء جليل يراه الكاتب مغترباً ومستلباً‪.‬‬

‫‪173‬‬


‫عصام رفعت حامد ‪ /‬مصر عصام‬

‫«بسمة وياسمين»‬ ‫نجالء رفيع بنت محماد ‪ /‬المغرب‬ ‫صب������اح جدي������د يأتي‪ ،‬ليضي ـ������ف يـوم������اً آخـر من‬ ‫الـمعـاناة الكاملة القس������وة إلـى طفولتهـا‪ .‬الش������تـاء حل‬ ‫باك������راً هذا الـعــام‪ ،‬س������يفاقم من ش������ظف العيش لدى‬ ‫«تازي������ري»‪ ،‬األنث������ى الوحيدة التـي ربع������ت ثالثة ذكـور‬ ‫لعمي «اسعـيد» قبل عشر سنوات‪.‬‬ ‫ح���ي��ن تتأملهـا وه������ي خارجة جلم������ع احلطب أو‬ ‫ف������ي طريقها إلى املدرس������ة تلتقط صورة إنس������ان في‬ ‫رقة الـحم���ل��ان وبراءة العصافير‪ ،‬يطغ������ى الـجد على‬ ‫ثلج‬ ‫حركاته������ا رغم صغ������ر س������نها‪ ،‬وجنتاهـا قطعت������ا ٍ‬ ‫صافيتا الدواخل تس������كنهمـا غمازت������ان تزيدان الوجه‬ ‫حس������ناً وازدهارا‪ ،‬عيناه������ا كأنهمـا زمردتان ش������ربتا‬ ‫ٍ‬ ‫رقراقة ذات‬ ‫عني‬ ‫ربيع دائم اإلقـامة حول ٍ‬ ‫األخضر من ٍ‬ ‫ماءٍ‬ ‫رضاب‪ ،‬كانت أسنانهـا مفلجة كزهر األقحوان أمت‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫حالق‬ ‫نضارت������ه توا‪ ،‬وضفيرتان لم يلمس������همـا مقص‬ ‫ٍ‬ ‫فتل حبي ٍـك‬ ‫وال موس������ى حجام‪ ،‬تناسقت شعورهمـا في ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يش������هد مبهارة ماش ٍ‬ ‫محترفة لم تكن إال والدتهـا‪،‬‬ ‫������طة‬ ‫جتميل وال‬ ‫واحلصيل������ة جم������ال طبيعي بال مس������احيق‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫������رطنة‪ ،‬ولكنه ترجمة للـحس������ن الذي يسكن‬ ‫مواد مس‬ ‫قمم اجلبال‪.‬‬ ‫لم يكن يعكر صفاء هذا الـبهاء ��ـوى أشغال البيت‬ ‫التي كانت تنهك جس������دها وته������زم جهدهـا‪ .‬كانت لها‬ ‫أعمال قبل غس������ل الوجه وأخرى بعد غسله‪ ،‬وأعمال‬ ‫قبل اإلفطار وأخرى بعده‪.‬‬ ‫بعد أداء الواجب الش������اق حتم������ل محفظتهـا التي‬ ‫أهدتها إياهـا إحدى اجلمعيات عبر إدارة املدرس������ة‪.‬‬ ‫تنطلق س������الك ًة طريق������اً عبدته أقدام امل������ارة القليلني‬ ‫وحوافر الدواب‪ ،‬ال يهمهـا حال الس������كة الـوحيدة نحو‬ ‫املدرس������ة ما دامت ال تكسر فيها عظماً إن هي زلقت‬ ‫مطر‪ ،‬وال تفدع لها رسغاً وال مفصال‪( ..‬وإن وقع‬ ‫ذات ٍ‬ ‫ش������ر ال قدر الل������ه) فلن ينصت حلجاجهـ������ا أحد‪ ،‬ولن‬ ‫بطلب‬ ‫يلتفت ملقالهـا مسؤول‪ ،‬وهل تصلح الطرقـات إال ٍ‬ ‫������فوع مبقابل؟ وكيف تتج������رأ لتطلب ذلك وقد باع‬ ‫مش ٍ‬ ‫والدهـا صوته (في االنتخابات األخيرة) بقالب س������كر‬ ‫‪174‬‬

‫فحس������ب عليه قبض الثمن مقدمـاً‪،‬‬ ‫وقطعتي صابون‪ُ ،‬‬ ‫ولم يعد يس������تحق شيئاً إن طلب أهل املدشر إصالحاً‬ ‫أو رف������ع ضرر‪ .‬وألن الفيضان������ات عندما تأتي ال تأتي‬ ‫صباح ومعه‬ ‫معها األس������ماك فقد حضر املرشح ذات‬ ‫ٍ‬ ‫األعوان واألعي������ان وهكتارات من الوعود‪ ،‬ولم حتضر‬ ‫معهم شاحنات الرمل واألسمنت لإلعـمــار‪.‬‬ ‫تنس������ى تازيري كل شيءٍ حينما تولي وجهها شطر‬ ‫املدرس������ة‪ ،‬تنطلق حيوي������ ًة بالرضـا‪ ،‬مفعم ًة بالنش������اط‬ ‫تنف������ض عنهـ������ا عالئق التع������ب‪ ،‬وتلبس راح������ ًة مؤقتة‪،‬‬ ‫نهر من اخليال الـجميل واألحالم‬ ‫متشي س������ابح ًة في ٍ‬ ‫الوردية‪ ،‬واألسئلة املتدفقة بال حابس‪ :‬ترى‪ ،‬كم عليها‬ ‫ٍ‬ ‫قافلة‬ ‫أن تدرس لتصبح طبيب������ ًة كالتي حضرت ضمن‬ ‫ٍ‬ ‫طبية إلى قريتهـا الش������هر الـمــاضي؟ أو تصبح معلم ًة‬ ‫كمعلمتهـا في املوسم الدراسي السابق؟ فإن لم تستطع‬ ‫معلم‪.‬‬ ‫أن تك������ون معلم ًة فأضعف احللم أن تكون زوجة ٍ‬ ‫هذا احللم األخير كانت تس������تقرب حدوثه وتس������توقع‬ ‫حصوله‪ ،‬خصوص������اً عندمـا خاطبهـا مدرس������هـا ذات‬ ‫تأخر من تأخراتهـا العديدة‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ـ إن عيني الـمها التي متلكني تدفع عنك عقابي يا‬ ‫تازيري‪ ،‬فال تتأخري ثانية‪.‬‬ ‫تأخر آخــر‪:‬‬ ‫وقال لهـا عند ٍ‬ ‫������غب ألعدتك إلى‬ ‫ـ������ـ لوال وجهك البريء من كل ش ٍ‬ ‫البيت حتى يأتيك نصيبك‪.‬‬ ‫كان غزالً صريحاً من املعل������م‪ ،‬وعفيفاً أيضـاً‪ ،‬وال‬ ‫يـجوز الظن بغير ذلك‪ ،‬فنوايا املعلمـني دائمـاً حس������نة‪،‬‬ ‫ومن جهتهـا يستس������اغ الزواج في عش������يرتهـا بعد سن‬ ‫الـعاشرة‪ ،‬واملعلم من مصلحته الـقيام بـ «حجة وزيارة»‬ ‫بني ٍ‬ ‫������فر واح������د‪ .‬توصلت ف������ي قرارة‬ ‫������ة واحدة في س ٍ‬ ‫نفس������هـا إلى أن الـخي������ار األخـيـر هو الـس������هل الـمتاح‬ ‫واحللم املباح‪ ،‬أما غيره فال س������بيل إليه من لدن فتاة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يائسة لكتابة اسمهـا‬ ‫محاولة‬ ‫سنوات في‬ ‫قضت ثالث‬ ‫صحيحاً دون توفيق‪.‬‬ ‫بعد س������اعةٍ من الـمش������ي احلثيث قطعت خاللهـا‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫‪ /‬مصر عصام رفعت حامد ‪ /‬مصر‬

‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫أميال تصل تازيري إلى باب املدرس� � ��ة‪ ،‬فتتنفس‬ ‫ثالثة‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫م� � ��لء رئتيهـا ثم تط� � ��رح زفرة تخ� � ��رج معهـا مضغة من‬ ‫التعب واليأس‪ ،‬فهي حتب املدرس� � ��ة حباً كثيرا وإن لم‬ ‫يكن لـهـا من احلس� � ��نات سوى التنزه في سكة الذهـاب‬ ‫والـرواح ومعه الفرار من شغل البيت‪.‬‬ ‫ومـ� � ��ر ًة أخرى تصل متأخرة كعادتهـا‪ ،‬لكن املعلم لم‬ ‫يقل لها ش� � ��يئاً هذه الـمرة‪ ،‬وغالب الـظن أنه فطن بي‬ ‫أكتب بعضاً من سيرتها فانكفأ‪.‬‬ ‫تأخذ تازيري مكانهـا وس� � ��ط زميالتهـا‪ ،‬أربعة في‬ ‫املقعد‪ ،‬ع� � ��دد مقبول في طاول� � ��ةٍ طولهـا متر ونصف‪.‬‬ ‫تفضل توس� � ��طهن أيام البرد واجلل� � ��وس على الطرف‬ ‫ساعات الـحر‪ .‬تدرك احلصة في منتصفهـا‪ ،‬لكن األمـر‬ ‫عندهـا سواء أحضرت في بداية احلصة أو وسطهـا أو‬ ‫حتى آخرهـا‪ ،‬فهي لن تستوعب أكثر مما استوعبت من‬ ‫قبل‪ ،‬فقط تريـد أن تسجل حضورهـا وال تعد منقطعة‬ ‫ع� � ��ن الدراس� � ��ة فيتخذها أهلهـا حج � � � ًة حلصارهـا في‬ ‫والرعي وجمع احلطب‪ ،‬فـاآلباء‬ ‫الكنس واحللب‬ ‫سيـاج‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫هناك ال ينتظرون الـصغ� � ��ار حتى يكبروا ليكلفوهم ما‬ ‫يطيق� � ��ون وم� � ��ا ال يطيـقون‪ ،‬وال الصغيـ� � ��رات أيضاً‪ ،‬بل‬ ‫يلحقونه� � ��م أحاي� �ي��ن كثير ًة مبا ال يناس� � ��ب جهدهم وال‬ ‫س� � ��نهم‪ .‬إنهـا تشفق على أبيهـا من مشاق ما يالقي من‬ ‫أجلهـا وأجل إخوتهـا‪ ،‬وتنتظر منه أن يش� � ��فق عليهـا هو‬ ‫أيض � � �اً‪ ،‬لكنهـا تتنازل عن ه� � ��ذا احلق عندما ترى يديه‬ ‫قد ش� � ��نفت من شاق األشغال‪ ،‬ونبتت فيها الـمجال من‬ ‫حمل املجرفة والفأس أو قطع أشجار البلوط وتقطيع‬ ‫جذوعهـ� � ��ا لصنع الـفحم‪ ،‬ال يخش � � �ـى عاقب ًة إال مباغتة‬ ‫احلرجي أو ترصد أعوان السلطة وأعينهم التي تتعقبه‬ ‫في كل حركة وتتحرش به في كل سكون‪ ،‬بغية أن تبطل‬ ‫حنكت� � ��ه في «الزوغان» من حبالهم‪ .‬وكما حتب والدهـا‬ ‫وجتله تكن ألخيها البكر احلب والتقدير نفسيهما‪ ،‬فهو‬ ‫سند أبيه في اجلري والسعي واجلهد والعول‪ .‬يجرض‬ ‫بري� � ��ق الكهل في يفاعته املغبونة‪ .‬لقد كان أعز إخوتها‬ ‫عليه� � ��ا وأقربهم إلى فؤادها‪ ،‬وقد أصبح كذلك منذ أن‬ ‫أحضر لهـا دمي ًة ذات مناسبة زار فيها املدينة‪ ،‬لم تكن‬ ‫تبرعاً سخياً منه أو هدية بال مقابل‪ ،‬لكنهـا جاءت بعد‬ ‫ٍ‬ ‫وعد منه لم يكن ليخلفه صباح أن س� � ��اعدته في جني‬ ‫بعض ثمـار القطلب ليبيعهـا ألهـل املدينة‪.‬‬ ‫كانت التزال متس� � ��مر ًة على مقع� � ��د الفصل‪ ،‬ترى‬

‫ذاهل � � � ًة كعادتهـ� � ��ا دون انتب� � ��اه‪ ،‬حاض� � ��رة ببدنها راحلة‬ ‫صروح منهـا‪ ،‬ليعلن املعلم‬ ‫بفكرهـا‪ ،‬فق� � ��ط أحالم وبناء‬ ‫ٍ‬ ‫انتهاء الـحصة‪ ،‬وكأنهـا لم تقطع تلك املس� � ��افة وحتضر‬ ‫الدرس إال لتس� � ��تريح من املشي ثم تستأنفه مرة أخرى‬ ‫في اجتاه البيت‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تعود تازيري أدراجهـا متلحفة بأفكارهـا وأحالمهـا‪،‬‬ ‫ال تختل� � ��ف رحلة اإلياب عنها في الذهـاب س� � ��وى في‬ ‫الـرفقة التي تصاحبهـا مع بداية مشوار العودة لتواصل‬ ‫املس � � �يـر وحدهـا بعد الكيلومتر الثالث‪ ،‬عندمـا يتفرق‬ ‫عنهـا اخلالن‪ ،‬ويتنصل من رفقتهـا األصدقاء‪ ،‬الـزمرة‬ ‫بعد الـزمرة والرفيقة بعد الرفيق مع وصـول كل ٍ‬ ‫فرد أو‬ ‫مجموعةٍ إلى مدشرها حتى تبقى وحيد ًة كما خرجت‬ ‫في الصباح‪.‬‬ ‫الزمن نفس� � ��ه تس� � ��تغرقه في طريق العودة‪ ،‬وذات‬ ‫الـمحط� � ��ات تقف عندهـا‪ :‬البئر القدمية‪ ،‬وعش القبرة‬ ‫ومطل الـشعب‪ ،‬واملسارب نفسها تسلكها‪.‬‬ ‫عصر غادر قبل قليل لتس� � ��تأنف‬ ‫تصل منهك ًة بعد‬ ‫ٍ‬ ‫واجبهـا نـحو البيت بعد أن تتزود مبـا تيسر من بسيط‬ ‫عيش � � �هـا‪ ،‬فيس� � ��تقيم صلبهـ� � ��ا ويدعم على ق� � ��وةٍ حتى‬ ‫ٍ‬ ‫وكسرات من خبز‬ ‫تستطـيع االس� � ��تمرار‪ .‬بعض الشاي‬ ‫التنور حاضرة أكثر من حضورهـا هي في املدرسة‪.‬‬ ‫بع� � ��د ملء املعدة تنفق جهد ما تناولت في أش� � ��غال‬ ‫العش� � ��ي‪ ،‬ومر ًة أخرى أش� � ��غال قبل األكل وأشغال بعد‬ ‫األكل إلى حني حلول موعد العش� � ��اء عندمـا يجتمع كل‬ ‫أفراد األسرة حول صفيحةٍ من عصيدة الشعـيـر‪.‬‬ ‫في املس� � ��اء كما في الصباح‪ ،‬هناك أشغال مسائية‬ ‫يش� � ��ترك في إجنازهـ� � ��ا جميع األفراد‪ ،‬مبـ� � ��ا توفر من‬ ‫ق� � ��وة وما فضل من جهد‪ ،‬أش� � ��غال تتف� � ��اوج فيهـا طاقة‬ ‫اإلنس� � ��ان مع عوامـل الزمان وامل� � ��كان‪ ،‬أوالهـا حتصني‬ ‫مربض الـمع� � ��ز ليبيتـوا في دفءٍ وراحة وأمـان‪ ،‬ووجبةٍ‬ ‫حليب أوفر وأجود‪،‬‬ ‫أساسهـا نخالة وش� � ��عيــر من أجل ٍ‬ ‫بعدهـا ال يبقى إال الـخلود إلى األفرش� � ��ة البائسة بؤس‬ ‫أصحابهـا‪ .‬تستفيد من النوم باكراً من أجل استيـق ٍ‬ ‫ـاظ‬ ‫باكر‪ ،‬فاملداومة على هذا اخللق تغس� � ��ل التعب وتصفي‬ ‫ٍ‬ ‫الـروح وتقوي الـجسد وتقتل صناديد اإلحباط واليأس‬ ‫والـمرض‪.‬‬ ‫مع فجر اليوم املوالي يبدأ صباح آخر من الـمعاناة‬ ‫واألحــالم والبسمة وحقول الياسمني >‬ ‫‪175‬‬


‫عزيزي العربي‬

‫إلى سا ِدن «لغ ِتنا الجميلة» الراحل فاروق شوشة‬ ‫و َي ْدعون ��ي ّ َ‬ ‫الش ��جى‪ ،‬فأَصــ َ� ُّ�د عن ��ه‬ ‫ـــــــعه ِب ُأ ْذنـــــ ��ي‬ ‫�ا‬ ‫�‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ماز ْل � ُ�ت أَ ْس� �م ُ‬ ‫ِ‬ ‫َن َعـــ � َ‬ ‫أن ق ��د َل ِبث ��تَ‬ ‫�وك!‪ ،‬وم ��ا َد َروا ْ‬ ‫ً‬ ‫ُمقيـــــم� �ا بينن ��ا‪ُ ،...‬‬ ‫وخــــــ ��ذو ُه َعنّي‪:‬‬

‫�وت ُأس� �ت ٌ‬ ‫فلي ��س مَي � ُ‬ ‫ليــــ � ٍ�ل‬ ‫ــــــاذ جِ ِ‬ ‫َي ��ذوقُ جمـــــ � َ‬ ‫�ال ُف ْصحــــان ��ا بفــ َ��نِّ‬ ‫�ان‬ ‫دار ِب ُخــــ ْل � ٍ�د ف ��ي ِجنــــــــ � ٍ‬ ‫إل ��ى ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وح ��ك ف ��ي امل ��دى ا ْزدا َن � ْ�ت ِبل ْح ِن‬ ‫و ُر ُ‬ ‫أماني حامت بسيسو ‪ -‬األردن‬

‫خسرت الحياة شاعر ًا وفق َد العالم قصيدة‬ ‫ِ‬ ‫فاروق شوشة شاعر مصري‬ ‫كبي� � ��ر ال أعرفه ش� � ��خصياً‪ ،‬على‬ ‫الرغم من أنن� � ��ي التقيت به عند‬ ‫زيارت� � ��ه األخي� � ��رة إل� � ��ى ليبيا في‬ ‫إح� � ��دى دورات مع� � ��رض الكتاب‬ ‫في طرابل� � ��س‪ ،‬ولكنن� � ��ي أعرف ُه‬ ‫من خالل إنتاجه الشعري‪ ،‬الذي‬ ‫�ت عل� � ��ى بعض من� � ��ه‪ ،‬غير‬ ‫اطلع� � � ُ‬ ‫بهِ‬ ‫أن م� � ��ا ع َّرفني وش� � ��دني إليه‬ ‫أكثر ه� � ��و مقالته الش� � ��هرية في‬ ‫مجلة العرب� � ��ي الكويتية وعنوانها‬ ‫«جمال العربية» والتي كان يطل‬ ‫علينا عبرها باختياراته اجلميلة‬ ‫لشعراء العرب قدميهم وحديثهم‬ ‫املشاهير منهم واملغمورون‪.‬‬ ‫ا من هن� � ��ا وقلي ً‬ ‫قلي� �ل � ً‬ ‫ال من‬ ‫هناك وتنعقد حتت قبة اجلمال‬ ‫اجلـــلســــة وباســـتعراض الناقد‬ ‫شوش� � ��ة إلنتاج الش� � ��اعر الذي‬ ‫يختاره لتأثيث مقالته الش� � ��هرية‬ ‫العام� � ��رة باألطاي� � ��ب يك� � ��ون قد‬ ‫اقتنص شيئا من اجلمال املخبأ‬ ‫وغي� � ��ر الالف� � ��ت إلي� � ��ه‪ ,‬وبتعليق‬ ‫فاروق شوش� � ��ة عل� � ��ى القصائد‬ ‫‪176‬‬

‫واس� � ��تحضار روح الش� � ��اعر‬ ‫من خالله� � ��ا وبإس� � ��باغ بصمته‬ ‫اخلاصة وأسلوبه السهل املمتنع‬ ‫في الكتابة يكون قد التأم شمل‬ ‫العذوبة حتت قبة اجلمال‪ ،‬ذلك‬ ‫هو فاروق شوش� � ��ة ‪ -‬رحمه الله‬ ‫وغف� � ��ر ل� � ��ه ‪ -‬صاح� � ��ب الفضل‬ ‫الكبي� � ��ر عل� � ��ى كثير م� � ��ن القراء‬ ‫الع� � ��رب اجلادي� � ��ن الذي� � ��ن أخذ‬ ‫بيدهم ودلهم على كنوز العربية‬ ‫باستعراضه ألهم شعرائها وأهم‬

‫القصائ� � ��د التي نُظم� � ��ت بها‪ ،‬إذ‬ ‫كنت كقارئ أضع ثقتي الكاملة‬ ‫ُ‬ ‫فيما يختاره الش� � ��اعر ش� � ��هريا‬ ‫وأج� � ��د كل مرة ما يس� � ��رني ولم‬ ‫تخذلن� � ��ي االختيارات أبدا‪ ،‬ذلك‬ ‫أن شوشة الناقد وصاحب اللغة‬ ‫اجلميلة والعبارة الرشيقة ميتلك‬ ‫م� � ��ن امله� � ��ارة واخلب� � ��رة والقدرة‬ ‫م� � ��ا يخوله ألن يقتن� � ��ص الغالي‬ ‫والنفيس من أشعار العرب‪ ،‬وهو‬ ‫املتبحر ف� � ��ي ديوانه� � ��م‪ ،‬قبل أن‬ ‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫الكويت عاصمة الثقافة اإلسالمية ‪2016‬‬ ‫ميررها للمتلقي بعد أن يُس� � ��بغ‬ ‫عليها من رؤيته وقراءته الواعية‬ ‫والناضج� � ��ة التي تراع� � ��ي أكثر‬ ‫ما تراع� � ��ي‪ ،‬اجلان� � ��ب اجلمالي‬ ‫والتركيبات البليغة‪.‬‬ ‫كثي� � ��رون يدين� � ��ون للراح� � ��ل‬ ‫الكبي� � ��ر بالفض� � ��ل ف� � ��ي تكوينهم‬ ‫األدبي‪ ،‬وأعتق� � ��د أنني واحد من‬ ‫العديدين الذين اس� � ��تفادوا أميا‬ ‫اس� � ��تفادة واس� � ��تمتعوا مبا قدمه‬ ‫الراحل جليل كامل من الشعراء‬ ‫واألدب� � ��اء واملهتم� �ي��ن العرب في‬ ‫املش� � ��رق واملغرب وأينما وصلت‬ ‫مجلة العربي‪.‬‬ ‫رح� � ��م الله ش� � ��اعرنا الكبير‬ ‫وأسكنه فسيح جناته‪.‬‬ ‫ناصر سالم املقرحي ‪ -‬ليبيا‬

‫يقول مغرورة‬ ‫ي��ق��ول م� �غ���رورة وال��ط��ي��ب يسكبني‬ ‫�ام ق� ��ال� ��ه يعيده‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫�ه‬ ‫�‬ ‫ت‬ ‫وأن � � ��ا رج� �ي� �‬ ‫ِ‬ ‫�وه ��اب واهبني‬ ‫أن ��ا ش �م��وخ��ي م��ن ال � ّ‬ ‫وأب� ��وي ع � �زّي وج� ��ودي ج� ��وده يزيده‬ ‫ح�س��ن وج �م��ال وح �ل�اوة دم تشربني‬ ‫وغ �ن��ج وع��ن��اد ودالل ول �ل��وف��ا سيده‬ ‫أش ��رب ف ��رات ال�ع�ف��اف وزي ��ن خابرني‬ ‫ومن اللي يبي زّلتي من عمري آبيده‬ ‫َم��ن ال عرفني وه��و بالقصد يغدرني‬ ‫م ��اب� �ي ��ه وال� �ق� �ل ��ب ي �ص �ط �ب��ح عيده‬ ‫ع� ّ�س��اف ل �ك��ن ب �ع �ي��ده ع �ن��ه يعسفني‬ ‫ص� ّي��اد لكن م��ن ال�ل��ي ي�ق��در يصيده؟‬ ‫أن ��ا ال��وف��ا وال��دف��ا وال �ع �ش��ق يلهبني‬ ‫وال �ف �ك��ر ف ��وق ال�س�م��ا دامي معاويده‬ ‫ك��أن��ه ش �م��وخ��ي غ� ��روري ف �ي��ه يكتبي‬ ‫�ص��ه وال ت�ك�ث��ر ت ��رادي ��ده‬ ‫ف��ال �ه��رج ت �ق� ّ‬ ‫أحالم ‪ -‬الكويت‬

‫‪E.mail: subscribe@alarabi.info‬‬

‫قسيمة جتديد اشتراك ‪ /‬اشتراك جديد‬ ‫االسم الثالثي‬ ‫العنوان البريدي‬ ‫العنوان اإللكتروني‬ ‫الهاتف‪( :‬املنزل) ‬

‫(العمل)‬

‫الهاتف اجلوال‬ ‫عزيزي العربي‬

‫‪177‬‬


‫المناسبات العربية واإلسالمية‬ ‫األعداد األولى من «العربي»‬ ‫أس������تاذي الفاض������ل رئي������س‬ ‫حترير مجلة العربي الغ ّراء‬ ‫ص������ادق حتيات������ي واحترامي‬ ‫وأنا من ذل������ك الرعيل الذي بدأ‬ ‫ق������راءة واقتناء مجلة العربي منذ‬ ‫بداي������ات صدوره������ا حت������ى اآلن‬ ‫باستثناء تلك األعداد التي تع ّثر‬ ‫صدورها ألس������باب نرجو املولى‬ ‫تعالى أال يعيدها‪.‬‬ ‫أس������تاذي الفاض������ل‪ :‬أود أن‬ ‫أش������ير إلى كت������اب العربي الذي‬ ‫ضم قصصاً قصي������رة مترجمة‬ ‫حت������ت عن������وان «الكاجن������ارو‪...‬‬ ‫وقصص أخرى»‪ ،‬فأقول إن ذلك‬

‫الكتاب اجلمي������ل ض ّم القصص‬ ‫الت������ي ص������درت ضم������ن أعداد‬ ‫«العرب������ي» العش������رين األخيرة‪،‬‬ ‫ولكن ماذا ع������ن القصص التي‬ ‫ص������درت م������ع ص������دور األعداد‬ ‫األولى من «العربي»؟‬ ‫لقد نشرت لي قصة مترجمة‬ ‫حت������ت عن������وان «احملت������االن» في‬ ‫العدد رقم ‪ 333‬في س������نة ‪،1986‬‬ ‫وكم كان سيسعدني لو أنها كانت‬ ‫ضمن األعداد التي ض ّمها كتاب‬ ‫العربي املشار إليه‪.‬‬ ‫وأس������أل ألي������س باإلم������كان‬ ‫إص������دار مجموعة أخ������رى تضم‬ ‫القصص األقدم؟‬

‫علماً بأن ذلك سيمدنا ‪ -‬نحن‬ ‫الر ّواد من املترجمني ‪ -‬بالسعادة‬ ‫والفخ������ر ويش������عرنا عل������ى األقل‬ ‫باملساواة مع زمالئنا اآلخرين!‬ ‫آم ً‬ ‫ال أن يتم ذلك‪.‬‬ ‫عدنان ال ّرمياوي ‪ -‬محاضر‬ ‫مبركز اللغات ‪ -‬اجلامعة‬ ‫األردنية‪.‬‬ ‫< األخ الكرمي‪ :‬شكر ًا لرسالتك‬ ‫والقتراح ��ك الذي س ��وف نعرضه‬ ‫عل ��ى رئي ��س التحري ��ر ولرمبا في‬ ‫ق ��ادم األي ��ام ق ��د تتحق ��ق األمنية‬ ‫باختي ��ارات تنصف أس ��ماء الذين‬ ‫غابوا‪.‬‬

‫ضع عالمة ✓ أمام املطبوعة املطلوب االشتراك فيها‬ ‫(‪ )1‬قيمة االشتراك السنوي لـ «العربي» للمشتركني من الوطن العربي‪:‬‬ ‫‪ 8‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‪.‬‬ ‫باقي دول العالم ‪ 10‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‪.‬‬ ‫(‪ )2‬قيمة االشتراك السنوي لـ «العربي الصغير» للمشتركني من الوطن العربي‪:‬‬ ‫‪ 6‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‪.‬‬ ‫باقي دول العالم ‪ 8‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬قيمة االشتراك في كتاب العربي‪ 5 :‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‬ ‫باقي دول العالم ‪ 16‬دوال ًرا أمريك ًيا‪.‬‬ ‫توقيع طالب االشتراك‪:‬‬ ‫ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالدينار الكويتي باسم وزارة اإلعالم‬ ‫مع القسيمة على العنوان التالي‪:‬‬ ‫مجلة العربي ‪ -‬قسم االشتراكات‬

‫دولة الكويت ‪ -‬ص‪.‬ب‪ - 748 :‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ - 13008‬بدالة‪ - )00965( 22512086/82/81 :‬فاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫‪State of Kuwait - P.O. Box: 748 Safat 13008-Tel.: (00965) 22512086/82/81-Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪178‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬


‫كشـاف العربـي لعـام‬

‫‪ 2016‬م‬

‫مـن العـدد ‪ 686‬إلـى العـدد ‪697‬‬

‫كشاف العربي لعام ‪2016‬م‬ ‫‪11/20/16 1:05:02 PM‬‬

‫‪179‬‬

‫‪dec 179-209.indd 179‬‬


‫أو ًال‪ :‬فهرس أسماء الكتّاب‬ ‫‪1‬‬

‫إبراهيم احلجري‬

‫‪694‬‬

‫‪2‬‬

‫إبراهيم املليفي‬ ‫د‪ .‬إبراهيم بيضون‬

‫‪697 - 689 - 682‬‬ ‫‪693‬‬

‫‪4‬‬

‫إبراهيم حسني مصطفى‬

‫‪692‬‬

‫‪5‬‬

‫إبراهيم خليل العالف‬

‫‪695‬‬

‫‪6‬‬

‫إبراهيم فرغلي‬

‫‪693 - 692‬‬

‫‪7‬‬

‫د‪ .‬أبوبكر خالد سعدالله‬

‫‪696 - 692‬‬

‫‪8‬‬

‫أبواحلسن اجلمال‬

‫‪695‬‬

‫‪9‬‬

‫د‪ .‬أحمد اجلرطي‬

‫‪692‬‬

‫‪10‬‬

‫د‪ .‬أحمد الدوسري‬

‫‪695‬‬

‫‪11‬‬

‫أحمد الشبلي‬

‫‪696‬‬

‫‪12‬‬

‫د‪ .‬أحمد الصغير‬

‫‪686‬‬

‫‪13‬‬

‫أحمد الوارث‬

‫‪695‬‬

‫‪14‬‬

‫أحمد حسني حميدان‬ ‫د‪ .‬أحمد شعالن‬

‫‪687‬‬ ‫‪692‬‬

‫‪16‬‬

‫أحمد طاهر‬

‫‪690‬‬

‫‪17‬‬

‫د‪ .‬أحمد علبي‬

‫‪695‬‬

‫‪18‬‬

‫د‪ .‬أحمد فؤاد باشا‬

‫‪691‬‬

‫‪19‬‬

‫أريان مايير‬

‫‪688‬‬

‫‪20‬‬

‫أسعد مخول‬

‫‪695‬‬

‫‪21‬‬

‫إسماعيل فقيه‬

‫‪690‬‬

‫‪22‬‬

‫أشرف أبواليزيد‬

‫‪689 - 688 - 686‬‬

‫‪23‬‬

‫أشرف سعد‬ ‫الزبير مهداد‬

‫‪688‬‬ ‫‪692‬‬

‫‪25‬‬

‫د‪ .‬الزواوي بغورة‬

‫‪687‬‬

‫‪3‬‬

‫‪15‬‬

‫‪24‬‬

‫‪180‬‬

‫‪11/20/16 1:05:07 PM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 179-209.indd 180‬‬


‫‪26‬‬

‫إلياس سحاب‬

‫‪696 - 689‬‬

‫‪27‬‬

‫أمجد ناصر‬

‫‪691‬‬

‫‪28‬‬

‫أمير الزاوي‬

‫‪686‬‬

‫‪29‬‬

‫أمير الغندور‬

‫‪696‬‬

‫‪30‬‬

‫د‪ .‬أمير زكي‬

‫‪695 - 689‬‬

‫‪31‬‬

‫د‪ .‬أمينة التيتون‬

‫‪697 - 695 - 694 - 690 - 689 - 688 - 686‬‬

‫‪32‬‬

‫أمني الباشا‬ ‫أمني الزاوي‬

‫‪695 - 686‬‬ ‫‪686‬‬

‫‪34‬‬

‫د‪ .‬أنور املرجتى‬

‫‪687‬‬

‫‪35‬‬

‫د‪ .‬أنور محمود زناتي‬

‫‪695‬‬

‫‪36‬‬

‫د‪ .‬إميان محمد‬

‫‪687‬‬

‫‪37‬‬

‫أمين عبدالسميع حسن‬

‫‪696‬‬

‫‪38‬‬

‫د‪ .‬إيهاب النجدي‬

‫‪692 - 689‬‬

‫‪39‬‬

‫أيهم العاني‬

‫‪691‬‬

‫‪40‬‬

‫باسل النيرب‬

‫‪695‬‬

‫‪41‬‬

‫د‪ .‬بسام بركة‬

‫‪697‬‬

‫‪42‬‬

‫بثينة حمدان‬

‫‪697 - 693‬‬

‫‪43‬‬

‫بشرى البستاني‬

‫‪691‬‬

‫‪44‬‬

‫د‪ .‬بلكبير بومدين‬

‫‪690‬‬

‫‪45‬‬

‫بندر عبداحلميد‬

‫‪696 - 694‬‬

‫‪46‬‬

‫بيان الصفدي‬

‫‪696 - 687‬‬

‫‪47‬‬

‫حتسني الناشئ‬

‫‪676‬‬

‫‪48‬‬

‫حتسني يقني‬

‫‪695 - 690‬‬

‫‪49‬‬

‫د‪ .‬جابر عصفور‬

‫‪697 - 694 - 693 - 692‬‬

‫‪50‬‬

‫جاك صبري شماس‬

‫‪686‬‬

‫‪51‬‬

‫جمال املراغي‬

‫‪688‬‬

‫‪52‬‬

‫جمال بخيت‬

‫‪695 - 689‬‬

‫‪33‬‬

‫كشاف العربي لعام ‪2016‬م‬ ‫‪11/20/16 1:05:14 PM‬‬

‫‪181‬‬

‫‪dec 179-209.indd 181‬‬


‫‪53‬‬

‫جمال عمر‬

‫‪691‬‬

‫‪54‬‬

‫جهاد فاضل‬

‫‪697 - 691 - 687 - 692‬‬

‫‪55‬‬

‫جورج قرم‬

‫‪697‬‬

‫‪56‬‬

‫د‪ .‬حامت الطحاوي‬

‫‪690‬‬

‫‪57‬‬

‫حازم محمود فرج‬

‫‪695‬‬

‫‪58‬‬

‫د‪ .‬حامد فضل الله‬

‫‪694 - 688‬‬

‫‪59‬‬

‫حسن البوهي‬

‫‪694‬‬

‫‪60‬‬

‫د‪ .‬حسن املودن‬

‫‪690‬‬

‫‪61‬‬

‫حسن عبداحلميد حجاج‬

‫‪686‬‬

‫‪62‬‬

‫د‪ .‬حسن نورالدين‬

‫‪686‬‬

‫‪63‬‬

‫حسنات احلكيم‬

‫‪696‬‬

‫‪64‬‬

‫حسني بوكبر‬

‫‪695‬‬

‫‪65‬‬ ‫‪66‬‬

‫حمزة قناوي‬ ‫د‪ .‬خالد حربي‬

‫‪694‬‬ ‫‪686‬‬

‫‪67‬‬

‫د‪ .‬خالد التوزاني‬

‫‪688‬‬

‫‪68‬‬

‫خليل صويلح‬

‫‪695‬‬

‫‪69‬‬

‫دالل محمد املطيري‬

‫‪694 - 693‬‬

‫‪70‬‬

‫دهبية مشدال‬

‫‪697 - 696‬‬

‫‪71‬‬

‫ربى شعراني‬

‫‪696 - 686‬‬

‫‪71‬‬

‫رجاء جنيد عبدالقادر‬

‫‪696 - 694‬‬

‫‪72‬‬

‫رشا عدلي‬

‫‪694 - 692 - 689‬‬

‫‪74‬‬

‫رضوان بليبط‬

‫‪695‬‬

‫‪76‬‬

‫رضوى فاضل األسود‬

‫‪691 - 689‬‬

‫‪77‬‬

‫رنا القاضي‬

‫‪696‬‬

‫‪78‬‬

‫رياض توفيق‬

‫‪693 - 692‬‬

‫‪79‬‬

‫د‪ .‬رياض عثمان‬

‫‪697 - 687‬‬

‫‪80‬‬

‫د‪ .‬رياض عصمت‬

‫‪694 - 687‬‬

‫‪182‬‬

‫‪11/20/16 1:05:17 PM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 179-209.indd 182‬‬


‫‪81‬‬

‫د‪ .‬ريتا عوض‬

‫‪697 - 689‬‬

‫‪82‬‬

‫د‪ .‬زهور كرام‬

‫‪691‬‬

‫‪83‬‬

‫د‪ .‬سعاد محمد الصباح‬ ‫د‪ .‬سعيد إسماعيل علي‬

‫‪686‬‬ ‫‪692‬‬

‫‪82‬‬

‫سعيد عبيد‬

‫‪696 - 688‬‬

‫‪83‬‬

‫سعيدة الزغبي‬ ‫سلوى صعب‬

‫‪688‬‬ ‫‪696‬‬

‫‪88‬‬

‫سليمان بختي‬

‫‪694‬‬

‫‪89‬‬

‫د‪ .‬سليمان الشطي‬ ‫د‪ .‬سماح السالوي‬

‫‪694‬‬ ‫‪689‬‬

‫‪91‬‬

‫د‪ .‬سمر الفالحي‬

‫‪693‬‬

‫‪92‬‬

‫سناء محمود‬

‫‪686‬‬

‫‪93‬‬

‫سها شريف‬ ‫سيف الرحبي‬

‫‪687‬‬ ‫‪692‬‬

‫‪95‬‬

‫شريف اجلهني‬

‫‪689‬‬

‫‪96‬‬

‫شريف سنبل‬

‫‪696‬‬

‫‪97‬‬

‫شريف صالح‬

‫‪695‬‬

‫‪98‬‬

‫د‪ .‬شيرين محمود‬

‫‪687‬‬

‫‪99‬‬ ‫‪100‬‬

‫صالح تقي‬ ‫د‪ .‬صباح السويفان‬

‫‪689‬‬ ‫‪694‬‬

‫‪101‬‬

‫صبحي احلديدي‬

‫‪692‬‬

‫‪102‬‬

‫د‪ .‬صفا لطفي األلوسي‬

‫‪687‬‬

‫‪103‬‬

‫د‪ .‬صفية فرجاني‬

‫‪692‬‬

‫‪104‬‬

‫طارق راشد‬

‫‪693 - 686‬‬

‫‪105‬‬

‫طالب الرفاعي‬

‫‪692‬‬

‫‪106‬‬

‫الطاهر لبيب‬

‫‪696‬‬

‫‪107‬‬

‫د‪ .‬طلعت شاهني‬

‫‪696‬‬

‫‪81‬‬

‫‪87‬‬

‫‪90‬‬

‫‪94‬‬

‫كشاف العربي لعام ‪2016‬م‬ ‫‪11/20/16 1:05:22 PM‬‬

‫‪183‬‬

‫‪dec 179-209.indd 183‬‬


‫‪108‬‬

‫عادل البشراوي‬

‫‪688‬‬

‫‪109‬‬

‫د‪ .‬عادل القريب‬

‫‪691‬‬

‫‪110‬‬

‫عادل درغام‬

‫‪686‬‬

‫‪111‬‬

‫د‪ .‬عادل زيتون‬

‫‪112‬‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‬

‫‪113‬‬

‫عاطف سليمان‬

‫‪695 - 692 - 688‬‬ ‫‪- 692 - 691 - 690 - 689 - 688 - 687 - 686‬‬ ‫‪697 - 696 - 695 - 694 - 693‬‬ ‫‪697‬‬

‫‪114‬‬

‫عاطف محمد عبداملجيد‬

‫‪691‬‬

‫‪115‬‬

‫عامر أحمد عامر‬

‫‪690 - 686‬‬

‫‪116‬‬

‫عامر ذياب التميمي‬

‫‪690 - 688‬‬

‫‪117‬‬

‫د‪ .‬عبداحلي عباس‬

‫‪690‬‬

‫‪118‬‬

‫د‪ .‬عبداجلليل غزالة‬

‫‪697 - 687‬‬

‫‪119‬‬

‫د‪ .‬عبدالرحمن أبواملجد‬

‫‪693‬‬

‫‪120‬‬

‫عبدالرحمن حالق‬ ‫عبدالرحيم نورالدين‬

‫‪690‬‬ ‫‪690‬‬

‫‪122‬‬

‫عبدالعزيز التميمي‬

‫‪697 - 696 - 688‬‬

‫‪123‬‬

‫عبدالغني كرم الله‬

‫‪692‬‬

‫‪124‬‬

‫عبدالقادر حميدة‬

‫‪696‬‬

‫‪125‬‬

‫عبدالكرمي الرحيوي‬

‫‪691‬‬

‫‪126‬‬

‫عبدالكرمي املقداد‬

‫‪693‬‬

‫‪127‬‬

‫عبدالله الشوربجي‬ ‫د‪ .‬عبدالله القتم‬

‫‪696‬‬ ‫‪687‬‬

‫‪129‬‬

‫د‪ .‬عبدالله بدران‬

‫‪688‬‬

‫‪130‬‬

‫عبدالله بشارة‬

‫‪693‬‬

‫‪131‬‬

‫د‪ .‬عبدالله عطية عبداحلافظ‬

‫‪691‬‬

‫‪132‬‬

‫عبداملجيد اجلرادات‬

‫‪696‬‬

‫‪133‬‬

‫عبداملجيد زراقط‬

‫‪697‬‬

‫‪134‬‬

‫عبداحملسن الشمري‬

‫‪695‬‬

‫‪121‬‬

‫‪128‬‬

‫‪184‬‬

‫‪11/20/16 1:05:28 PM‬‬

‫العدد ‪ - 697‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫‪dec 179-209.indd 184‬‬


‫‪135‬‬

‫د‪ .‬عبداملالك خلف التميمي‬

‫‪695 - 689‬‬

‫‪136‬‬

‫عبداملنعم عجب الفيا‬

‫‪691 - 690‬‬

‫‪137‬‬

‫عبدالواحد أبجطيط‬ ‫عبده حقي‬

‫‪692‬‬ ‫‪688‬‬

‫‪139‬‬

‫د‪ .‬عدنان بدر‬

‫‪696‬‬

‫‪140‬‬

‫ِعذاب الركابي‬

‫‪693 - 689‬‬

‫‪141‬‬

‫عزالدين عناية‬

‫‪688‬‬

‫‪142‬‬

‫عزت عامر‬

‫‪686‬‬

‫‪143‬‬

‫د‪ .‬عصام احلاج علي‬

‫‪687‬‬

‫‪144‬‬

‫عصام رفعت حامد‬

‫‪694‬‬

‫‪145‬‬

‫عصمت معتصم البشير‬

‫‪686‬‬

‫‪146‬‬

‫د‪ .‬عقيل مهدي‬

‫‪696‬‬

‫‪147‬‬

‫د‪ .‬عالء عبداملنعم إبراهيم‬

‫‪690‬‬

‫‪148‬‬

‫علي بن شافي الشرجي‬

‫‪688‬‬

‫‪149‬‬

‫علي علي عوض‬

‫‪691‬‬

‫‪150‬‬

‫علي قعيق‬

‫‪686‬‬

‫‪151‬‬

‫علي محمد الهاشم‬

‫‪697 - 691‬‬

‫‪152‬‬

‫عمر احلسني‬

‫‪686‬‬

‫‪153‬‬

‫عمر القطان‬

‫‪697‬‬

‫‪154‬‬

‫عناية جابر‬

‫‪694‬‬

‫‪155‬‬

‫د‪ .‬عواطف عبداللطيف‬

‫‪695‬‬

‫‪156‬‬

‫عوض كمال‬

‫‪693‬‬

‫‪157‬‬

‫د‪ .‬عيسى املصري‬

‫‪696‬‬

‫‪158‬‬

‫غادة احللواني‬

‫‪696‬‬

‫‪159‬‬

‫غالية قباني‬

‫‪689‬‬

‫‪160‬‬

‫غنام الديكان‬

‫‪161‬‬

‫فاروق شوشة‬

‫‪683‬‬ ‫‪- 692 - 691 - 690 - 689 - 688 - 687 - 686‬‬ ‫‪697 - 696 - 695 - 694 - 693‬‬

‫‪138‬‬

‫كشاف العربي لعام ‪2016‬م‬ ‫‪11/20/16 1:05:32 PM‬‬

‫‪185‬‬

‫‪dec 179-209.indd 185‬‬


‫‪162‬‬

‫فاروق يوسف إسكندر‬