Issuu on Google+

‫فنـام ‪1913‬‬ ‫ـس ع‬ ‫األول فــي ب‬ ‫التشكيليـربـي‬ ‫الفنانـؤتـمـر الع‬ ‫الـم‬ ‫الباستيل‬ ‫صبري‪...‬ـاريرائد‬ ‫محمد‬ ‫العدد ‪669‬‬ ‫> شوال‬

‫‪ 1435‬هـ > أغسطس ‪ 2014‬م‬

‫وزارة اإلعالم‬

‫نستقبل إعالناتكم التجارية‬ ‫على صفحات مجلة‬

‫‪August 2014‬‬

‫‪7/20/14 2:03:16 PM‬‬

‫العدد ‪ 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬

‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫إدارة اإلعالن التجاري ‪ -‬وزارة اإلعالم‬ ‫بدالة ‪ )00965( 1802002‬داخلي ‪ 114 - 111‬فاكس‪)00965( 24824131 :‬‬

‫من َق ْصر «احلمراء»‬ ‫إلى َج َّنات العريف‬ ‫‪full cover.indd 3‬‬


‫العدد (‪)39‬‬ ‫من أرشيف‬

‫حضارات سادت‬ ‫بادت‬ ‫ثم َ‬ ‫َّ‬

‫لعل حب املعرفة وتقديرها واالقبال عليها في سائر صورها ومجاالتها هي امل ّيزة التي اتصفت بها حضارة اإلغريق القدمية‪ ،‬بل بدت بها‬ ‫َّ‬ ‫سائر احلضارات العريقة التي سادت ثم بادت‪ .‬وتتجلى تلك امليزة في انتشار التعليم واملدارس واجلامعات في حياة قدامى اليونان‪.‬‬

‫اآلن في األسواق مجلة‬ ‫رئيس التحرير‬

‫صالح منصور املباركي‬

‫وكيل وزارة اإلعالم‬

‫تصدر عن وزارة اإلعالم ‪-‬دولة الكويت‬

‫أمل في املستقبل‪ ..‬ونظرة إلى الغد‬

‫أغسطس‬ ‫‪2014‬‬

‫اقرأ في العدد‬ ‫ شرائط ومغامرات‬‫ قصص وحكايات‬‫ شخصيات ورحالت‬‫ علوم واكتشافات‬‫ من القراء وإليهم‬‫املجلة األولى للطفل العربي‬ ‫واألكثر انتشار ًا وتوزيع ًا في العالم العربي‬ ‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪7/20/14 2:03:14 PM‬‬

‫‪full cover.indd 2‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫تأسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫رئيس التحرير‬

‫صالح منصور املباركي‬ ‫وكيل وزارة اإلعالم‬

‫‪Editor in Chief‬‬

‫‪Salah Mansour Al-Mobarky‬‬ ‫‪Undersecretary of the‬‬ ‫‪Ministry of Information‬‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 1‬شارع ‪ - 47‬قسيمة ‪ - 3‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬

‫‪Editorial Tel:‬‬

‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫عناوين مراسلة العربي في اخلارج‬ ‫> القاه�� ��رة ‪ -‬اله�� ��رم ‪ 5 -‬ش�� ��ارع ترع�� ��ة املريوطي�� ��ة ‪ -‬عم�� ��ارات اخللي�� ��ج ‪ -‬عم�� ��ارة ‪-3‬‬ ‫ال� � ��دور الثال� � ��ث ‪ -‬ش� � ��قة ‪ - 40‬هــاتـ� � ��ف ‪ > 002039812448‬بي� � ��روت ص‪ .‬ب‬ ‫‪ 70827‬أنطلي� � ��اس‪ /‬لـبـنـ� � ��ان ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 009613408407‬فاك� � ��س ‪009614408448‬‬ ‫> دمش� � ��ق ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 00963114417653‬فاك� � ��س ‪ 00963114449567‬ص‪.‬ب ‪7699‬‬ ‫> الرباط هاتف ‪ 0021237679972‬فاك� � ��س ‪ 0021237778438‬ص‪.‬ب ‪ 7729‬دار احلديث‬ ‫شروط النشر في مجلة العربي‬ ‫> توجه املقاالت إلى رئيس حترير املجلة‪.‬‬ ‫تكتب املقاالت باللغة العربية وبخط واضح (للمقاالت املرسلة بالبريد)‪( ،‬يُفضل أن تكون املقالة مطبوعة‬ ‫على قرص حاسوبي مدمج ‪ ،)C.D‬ومرفقة مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬تعهد خطي من املؤلف أو املترجم بعدم نشر املقالة ساب ًقا في أي مجلة أخرى‪.‬‬ ‫‪ - 2‬سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف أو املترجم‪.‬‬ ‫‪ - 3‬األصل األجنبي للترجمة‪ ،‬إذا كانت املقالة مترجمة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬يفضل أن تكون املقاالت الثقافية مدعمة بصور أصلية عالية النقاء‪ ،‬مع ذكر مصادر هذه الصور‪،‬‬ ‫ومراعاة ترجمة تعليقات وشروح الصور واجلداول إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫> أولوية النشر تكون للمقاالت املدعمة باملصادر واملراجع والصور‪.‬‬ ‫> املوضوعات التي ال تنشر ال تعاد إلى أصحابها‪.‬‬ ‫> يفضل أال تقل املقالة عن ‪ 150‬كلمة وال تزيد على ‪ 1000‬كلمة‪.‬‬ ‫> يحق للمجلة حذف أو تعديل أو إضافة أي فقرة من املقالة متاش ًيا مع سياسة املجلة في النشر‪.‬‬ ‫> اخلرائ� � ��ط التي تنش� � ��ر باملجل� � ��ة مجرد خرائ� � ��ط توضيحي� � ��ة وال تعتب� � ��ر مرجعا للح� � ��دود الدولية‪.‬‬ ‫> ال يجوز إعادة النش� � ��ر بأي وس� � ��يلة ألي مادة نش� � ��رتها العربي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة‬ ‫خطية من اجلهات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬

‫> امل ��واد املنش ��ورة تعب ��ر ع ��ن آراء كتابه ��ا وال تعبر بالض ��رورة ع ��ن رأي املجلة‪,‬‬ ‫ويتحمل كاتب املقال جميع احلقوق الفكرية املترتبة للغير‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬

‫‪7/9/14 10:49:08 AM‬‬

‫‪3‬‬

‫‪august 4-5.indd 3‬‬


‫العدد ‪ - 669‬شوال ‪ 1435‬هـ‬ ‫أغسطس (آب) ‪2014‬م‬

‫‪ 8‬‬

‫حديث الشهر‬

‫‪66‬‬ ‫‪82‬‬

‫فكر‬

‫‪87‬‬

‫قصة الدميقراطية‪.‬‬

‫‪ 12‬د‪.‬ريت�� ��ا فرج‪ ..‬حس�� ��ام محي�� ��ي الدين اآللوس�� ��ي‪ ...‬وس�� ��ؤال‬ ‫الفلسفة‪.‬‬ ‫‪ 18‬د‪.‬ربى ناصر الش�� ��عراني‪ ...‬أزمة اإلبداع التعليمي في املجتمع‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫‪ 23‬مصطف�� ��ى النص�� ��راوي‪ ...‬ه�� ��ل تأث�� ��ر كارل جوس�� ��تاف يوجن‬ ‫بالتصوف اإلسالمي؟‬

‫ملف‬ ‫‪73‬‬ ‫‪74‬‬ ‫‪76‬‬ ‫‪79‬‬

‫أمني نخلة شاعر الـجمال‬ ‫سعيد أمني نخلة ‪ ...‬أبي أمني نخلة‬ ‫غالب غامن ‪ ...‬أمني نخلة في «املؤ َّلفات الكاملة»‬ ‫مم الفُصحى‬ ‫ربي ُع لبنان وذ ٌ‬ ‫ميشال جحا ‪ ...‬اللون والضوء في شعر أمني نخلة‬

‫استطالعات وحتقيقات‬ ‫‪ 36‬عاصم الشيدي‪ ...‬من قصر «احلمرا» إلى جنات العريف‪.‬‬ ‫‪ 50‬رياض توفيق‪ ...‬س�� ��بيل محمد علي‪ ...‬متحف للمنس�� ��وجات‬ ‫التاريخية‪.‬‬

‫أدب ونقد ولغة‬

‫‪ 29‬د‪.‬محم�� ��د فتحي ف�� ��رج‪ ...‬العقاد يفند املفتري�� ��ات حول اللغة‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫‪ 62‬د‪.‬لطيف زيتوني‪« ...‬وي‪ .‬إذن لست بإفرجني»‪.‬‬ ‫وكالء توزيع العربي ومطبوعاتها‬ ‫الكويت‪ :‬املجموعة اإلعالمية العاملية‬ ‫الهاتف‪00965-24826820/1/2:‬الفاكس‪00965- 24826823:‬‬ ‫لبنان‪ :‬الشركة اللبنانية لتوزيع الصحف ‪00961-1368007‬‬ ‫البريد االلكتروني‪colidi@inco.com.lb :‬‬ ‫البحرين‪ :‬مؤسسة األيام للنشر ‪00973-17617733‬‬ ‫فاكس‪000973-17617744:‬‬ ‫األردن‪ :‬وكالة التوزيع األردنية ‪00962-6535885‬‬ ‫فاكس ‪0096265337733‬‬ ‫قطر‪ :‬شركة دار الشرق ‪00974-44557809/ 11/10‬‬ ‫فاكس ‪00974 44557819‬‬ ‫اإلمارات‪ :‬شركة ابو ظبي لالعالم‬ ‫الهاتف‪ ..971-24145005/6 :‬الفاكس‪00971-24144340 :‬‬ ‫سلطنة عمان‪ :‬مؤسسة العطاء للتوزيع ‪00968-24492936‬‬ ‫‪ -24496748‬فاكس‪00968 24493200 :‬‬

‫‪7/17/14 12:55:29 PM‬‬

‫‪99‬‬ ‫‪104‬‬ ‫‪110‬‬ ‫‪114‬‬ ‫‪131‬‬ ‫‪136‬‬ ‫‪138‬‬ ‫‪174‬‬

‫أمني الباشا‪ ..‬الثقافة والفن وامللل‪.‬‬ ‫حتس��ي��ن يقني‪ ...‬حترر املس�� ��تقبل من اخل��ل��اص الغيبي في‬ ‫«كاشف األسرار»‪.‬‬ ‫محمد علي ش�� ��مس الدين‪ ...‬أنس�� ��ي احلاج من مجلة «شعر»‬ ‫إلى آخر «اخلوامت»‪.‬‬ ‫د‪.‬محمد الشحات‪ ...‬مغامرة السردية النسائية‪.‬‬ ‫ترجمة‪ :‬حسني عيد‪ ...‬ثمرة الرمان (قصة مترجمة)‪.‬‬ ‫عرض واختيار د‪.‬حمد عبيد العجمي‪ ...‬قصص على الهواء‪.‬‬ ‫د‪.‬عادل القريب‪ ..‬النقد الروائي عند مينى العيد‪.‬‬ ‫د‪.‬هايل الدهيس�� ��ات‪ ...‬اللغة اآلرامية‪ ...‬جس�� ��ر التواصل بني‬ ‫املاضي واحلاضر‪.‬‬ ‫د‪.‬عدنان مصطفى‪« ...‬سباعية أوراق الشجر» (شعر)‪.‬‬ ‫د‪.‬عماد عبداللطيف‪ ...‬في مديح الصمت والبراعة‪ ...‬إطاللة‬ ‫على بالغات منسية‪.‬‬ ‫مرزاق بقطاش‪ ...‬قدم هنا وأخرى هناك (قصة قصيرة)‬

‫لقاء‬

‫‪ 68‬حوار‪ :‬محمد بركة‪ ...‬الفنان التشكيلي محمد صبري‪...‬‬ ‫رائد فن التشكيل‪.‬‬

‫فن‬ ‫‪ 118‬ماجد صالح السمرائي‪« ...‬بغداديات» الفنان ستار لقمان‪.‬‬ ‫‪ 124‬د‪.‬أحمد شوقي عبدالفتاح‪ ...‬السينما امللحمية‪.‬‬

‫تاريخ وتراث وشخصيات‬

‫‪ 58‬محمد الغزي‪ ...‬عروة بن الورد‪ ..‬أبوالفقراء‪.‬‬ ‫‪ 94‬د‪.‬عصام احلاج علي‪ ...‬مانديال‪ ...‬رجل التاريخ املعاصر‪.‬‬ ‫‪ 106‬عبداحلكيم أبوجاموس‪ ...‬ذكرى القديسة بربارة‪.‬‬

‫السعودية‪ :‬الشركة الوطنية املوحدة للتوزيع‬ ‫الهاتف‪ 0096614871414 :‬فاكس‪0096614870809 :‬‬ ‫فلسطني‪ :‬شركة رام الله للتوزيع والنشر‬ ‫هاتف‪ 00967 022980800- :‬فاكس‪0097022964133 :‬‬ ‫مصر‪ :‬مؤسسة أخبار اليوم ‪00202-25806400‬‬ ‫‪ -25782701‬فاكس ‪00202 25782540-‬‬ ‫السودان‪ :‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع‬ ‫هاتف‪ 002491 83242702 :‬فاكس‪00249183242703 :‬‬ ‫تونس‪ :‬الشركة التونسية ‪00216-71322499‬‬ ‫فاكس‪00216 71323004 :‬‬ ‫اجلزائر‪ :‬شركة بوقادوم لنقل وتوزيع الصحافة‬ ‫هاتف‪ - 0021331909590 :‬فاكس ‪0021331909328‬‬ ‫املغرب‪ :‬الشركة العربية اإلفريقية ‪00212 - 522249200‬‬ ‫فاكس‪00212 522249214 :‬‬ ‫اليمن‪ :‬القائد للنشر والتوزيع ‪00967 1240883‬‬ ‫فاكس‪00967 1240883 :‬‬

‫‪august 4-5.indd 4‬‬


‫‪147‬‬ ‫‪150‬‬ ‫‪152‬‬ ‫‪154‬‬ ‫‪160‬‬

‫علوم‬

‫منة الله عبداملنعم‪ ...‬البكتيريا‪ ...‬منقذة البيئة‪.‬‬ ‫جنالء السايس‪« ...‬لوك»‪ ...‬ذراع اصطناعية جديدة متاثل املفقودة‪.‬‬ ‫عمار سليمان علي‪ ...‬هل للنباتات أعصاب وذكاء؟‬ ‫صفاء صادق‪ ...‬من مالمح العلم‪.‬‬ ‫أمجد قاسم‪ ...‬مس�� ��احيق املعادن‪ ...‬وقود حملركات وسائط نقل‬ ‫املستقبل‪.‬‬

‫البيت العربي‬

‫‪ 163‬إبراهيم علي أبورمان‪ ...‬الكيمياء والفيزياء في املطبخ‪.‬‬ ‫‪ 169‬د‪.‬ياسني األيوبي‪ ...‬احلية وحواء‪ ...‬واحلياة‪.‬‬ ‫‪ 170‬د‪.‬أمينة التيتون‪ ...‬اجتاهات تربوية‪ ...‬الذكاء الروحي‪.‬‬

‫ص ‪50‬‬

‫مكتبة العربي‬

‫‪ 184‬عرض‪ :‬محمود حربي‪ ...‬شاهد عيان على الغزو العراقي‬ ‫(من املكتبة العربية)‪.‬‬ ‫‪ 187‬عرض‪ :‬جوخة احلارثي‪« ...‬أمي سميكة ‪ -‬سندريال»‬ ‫(من املكتبة العربية)‪.‬‬ ‫‪ 190‬ع�� ��رض‪ :‬بدرالدين مصطفى‪ ...‬سياس�� ��ات س�� ��ينما هوليوود‬ ‫وسينما العالم العربي (من املكتبة األجنبية)‪.‬‬

‫أبواب ثابتة‬

‫‪7‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪142‬‬ ‫‪179‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪194‬‬ ‫‪200‬‬ ‫‪202‬‬ ‫‪210‬‬

‫عزيزي القارئ‪.‬‬ ‫قالوا‪.‬‬ ‫ثقافة إلكترونية‪.‬‬ ‫املسابقة الثقافية‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‪.‬‬ ‫منتدى احلوار‪.‬‬ ‫وتريات‪.‬‬ ‫عزيزي العربي‪.‬‬ ‫إلى أن نلتقي‪.‬‬

‫العراق‪ :‬شركة الظالل للتوزيع ‪009647704291208 :‬‬ ‫‪80662019 -807742504‬‬‫ليبيا‪ :‬شركة الناشر الليبي هاتف‪:‬‬ ‫‪00218217297779‬‬ ‫فاكس‪00218-217297779 :‬‬ ‫كندا ‪)416(741-7555 SPEED IMPEX‬‬ ‫باكستان‪ :‬براديس يوك ‪0092214314981/2‬‬ ‫أمري ��كا‪-3065 MEDIA MARKETING :‬‬ ‫‪001-718-786‬‬ ‫إيطاليا‪ :‬انتركونتيننتال ‪)39026(707-3227‬‬ ‫موريتانيا‪ :‬ام‪.‬بي‪.‬سي ‪)222(258-6232‬‬ ‫اجنلترا‪ :‬مؤسسة األهرام الدولية‬ ‫‪00442073883130‬‬ ‫;‪ Universal press‬هاتف ‪00442087499828‬‬ ‫فاكس‪00442087493904 :‬‬

‫‪7/17/14 12:55:41 PM‬‬

‫ص ‪68‬‬

‫ص ‪147‬‬ ‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو مايعادلها بالدوالر االمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم وزارة‬ ‫اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬ ‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـســـــودان ‪,500‬‬ ‫جني�� ��ه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪ ،‬اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـس� � �عـوديـــة ‪ 7‬ريـــاالت‪،‬‬ ‫الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬سلطنـة عمـان ‪ 500‬بيسـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪ ،‬سورية ‪ 30‬لـيرة‪،‬‬ ‫اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬ ‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 ,‬‬ ‫‪France 2‬‬ ‫‪, Austria 2‬‬ ‫‪, Germany 2‬‬ ‫‪, USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬

‫‪august 4-5.indd 5‬‬


‫اآلن في األسواق‬

‫‪97‬‬

‫‪AL ARABI BOOK‬‬

‫‪AL ARAB‬‬

‫‪I BOOK‬‬

‫‪97‬‬

‫ة من الكتاب‬

‫مجموع‬

‫يصدر عن وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫‪7/9/14 10:49:56 AM‬‬

‫‪august AD 6.indd 6‬‬


‫عــزيــزي الـقــارئ‬

‫زمن األسئلة‬ ‫ٍ‬ ‫منعطفات زمنية كثيرة تتوقف األمم لتس� � ��أل ذواتها‪ ،‬بحث� � ��ا عن حقائق الواقع‪،‬‬ ‫ف� � ��ي‬ ‫واس� � ��تعالما عن هوية اجلذور‪ ،‬واستش� � ��رافا لرؤى املستقبل‪ .‬ونحن نعيش زمن هذه‬ ‫األسئلة‪ ،‬وهو ما ينعكس على صفحات «العربي» بني يدي القارئ الكرمي‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫كسرد تاريخي ألحداث مضت‬ ‫نتس� � ��اءل ‪ -‬في حديث الشهر ‪ -‬عن قصة الدميقراطية‪ ،‬ليس‬ ‫جس� � ��ا حلتمية الواقع أو االعتبار من ه� � ��ذا احلدث التاريخي‪ ،‬وإمنا‬ ‫نس� � ��قطها على الواقع‪ ،‬وال ًّ‬ ‫الس� � ��تنطاق العقل لتحديد الفك� � ��رة‪ ،‬ومن ثم حتليلها من جميع زواياها ملعاينة اإلش� � ��كالية التي‬ ‫نعيش� � ��ها بواقع حجمها ال بشكل س� � ��طحها‪ ،‬والقضية امللحة هي‪ :‬هل الدميقراطية أفضل نظام‬ ‫س بإطالقها حتى حتت ُحكم األغلبية من الغوغاء؟ أم‬ ‫للحكم؟ وإذا كان اجلواب «نعم»‪ ،‬فهل مُتا َر ُ‬ ‫تكون ‪ -‬وفق ما يراها سقراط ‪ -‬دميقراطية مقيدة‪ ،‬ووفق رأي أفالطون‪ ،‬دميقراطية النخبة؟‬ ‫ورمب� � ��ا يؤكد نهج الولوج إلى فضاء األس� � ��ئلة ما يذهب إليه اس� � ��تطالع «العربي»‪ ،‬حيث يأتي‬ ‫تساؤله عن مصير املدن العربية في مقابل سقوط غرناطة‪ ،‬بعد أن شمخت في تاريخ احلضارة‬ ‫اإلسالمية قرونا‪.‬‬ ‫وماذا يتبقى من التاريخ؟‬ ‫س� � ��ؤال جديد نرى إجابته في متحف املنس� � ��وجات التاريخية التي بقيت شاهدة على صناعة‬ ‫اجلمال‪ ،‬آلالف الس� � ��نني‪ ،‬قبل أن تنتهك العوملة خصوصية األزي� � ��اء‪ ،‬فبات كلُّها مقولبا ومعولبا‬ ‫يأتي دون نكهة متيزه أو أيقونة بصرية تع ِّرفه‪.‬‬ ‫واألس� � ��ئلة ال تقف عند التاريخ وحس� � ��ب‪ ،‬بل تسائل احلاضر كذلك‪ ،‬سواء في اإلجناز العلمي‬ ‫للباحثة الكويتية الدكتورة فايزة اخلرافي أو إبداع التشكيليني؛ املصري محمد صبري والعراقي‬ ‫ستَّار لقمان‪ ،‬أو مسيرة الشاعر اللبناني أنسي احلاج‪ ،‬وسيرة املناضل اإلفريقي نيلسون مانديال‪،‬‬ ‫وغيرهم من أعالم الشرق والغرب تقدمهم «العربي» على مائدة اآلداب والفنون‪.‬‬ ‫ومتتد األس� � ��ئلة للمس� � ��تقبل حني نطالع القسم العلمي‪ ،‬حيث تدور رحى األسئلة بني أعصاب‬ ‫النباتات وذكائها‪ ،‬ومس� � ��احيق املعادن كوقود للمس� � ��تقبل‪ ،‬والبكتيريا كمنق� � ��ذ للبيئة‪ ،‬واألطراف‬ ‫االصطناعية الذكية التي تدخل السوق التجارية‪.‬‬ ‫أس� � ��ئلة دون حد‪ ،‬ألن الس� � ��ؤال بواب� � ��ة املعرفة‪ ،‬فأهال بكم عند بواب� � ��ة «العربي»‪ ،‬حيث تطفئ‬ ‫اإلجابات جذوات أسئلة الصيف املشتعلة‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪7/9/14 10:50:12 AM‬‬

‫‪august 7 .indd 7‬‬


‫ ‬

‫د‪ .‬عادل العبداجلادر‬

‫قصة الدميقراطية‬ ‫حديثن ��ا لهذا الش ��هر ليس س ��ردا‬ ‫تاريخيا ألحداث مضت نس ��قطها‬ ‫جس ��ا حلتمي ��ة‬ ‫عل ��ى الواق ��ع‪ ،‬وال ّ‬ ‫الواق ��ع أو االعتب ��ار م ��ن احل ��دث‬ ‫التاريخ ��ي‪ .‬إنّ اله ��دف م ��ن ه ��ذا‬ ‫احلدي ��ث ه ��و اس ��تنطاق العق ��ل‬ ‫لتحديد الفكرة‪ ،‬ومن ثم حتليلها‬ ‫من جميع زواياها ملعاينة اإلشكالية‬ ‫الت ��ي نعيش ��ها بواق ��ع حجمه ��ا ال‬ ‫بش ��كل س ��طحها‪ .‬ورمب ��ا نفت ��ح‬ ‫بذلك باب ًا لنقاش هادف نتش ��ارك‬ ‫في ��ه للوصول إل ��ى احلقيقة‪ .‬وقد‬ ‫توخين ��ا في حديثنا ه ��ذا التطرق‬ ‫ل ��كل اجلوانب احملتمل ��ة للنقاش‪،‬‬ ‫بأم ��ل أن يدرك الق ��ارئ موضوعية‬ ‫العرض وحيادية الطرح‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫‪7/9/14 10:50:37 AM‬‬

‫قص������ة «أثينا»‪ ،‬عاصم������ة احلضارة‬ ‫الهيلليني������ة ومركز احل������وار الفكري‬ ‫والطرح الفلس������في‪ ،‬جدال ومناظرة‪،‬‬ ‫قص������ة طويلة‪ ،‬ب������دأت بالصراع ض������د جارتها‬ ‫إس������بارطة في ح������روب أُطلق عليه������ا «حروب‬ ‫البلوبونيز»‪ .‬كانت عقيدتا الدولتني السياسيتني‬ ‫مختلفتني‪ ،‬فبينما اتخذت أثينا «الدميقراطية»‬ ‫نظاما سياس������يا لها‪ ،‬آمنت إس������بارطة بحكم‬ ‫األقلية املختارة من األرس������تقراطيني‪ ،‬أقلية‬ ‫اس������تطاعت أن ت َُس� ِّ‬ ‫�����خر األغلبية لبناء جيش‬ ‫قوي قوامه الش������عب والعبيد‪ ،‬حتى أنها بذلت‬ ‫األموال الطائلة لش������راء الصبي������ة من العبيد‬ ‫لتدريبهم وتأهيلهم عس������كريا للحروب‪ ،‬فصار‬ ‫لها جيش م������ن أقوى اجليوش‪ .‬أما أثينا فإنها‬ ‫سعت ألن تكون دميقراطيتها متقنة ومنضبطة‪،‬‬ ‫فوضعت نظام «إكليسيا» ‪ ،Ecclesia‬اجلمعية‬ ‫العامة‪ ،‬وهي املصدر األعلى واجلهاز الرسمي‬ ‫للسلطة‪ .‬تقابلها احملكمة العليا «ديكاستيريا»‬ ‫‪ ،Decasterya‬املكونة من ألف مواطن يقومون‬ ‫على درء الفس������اد والرش������وة من خالل س������ن‬ ‫التش������ريعات ومراقبتها‪ .‬كان نظام االنتخاب‪،‬‬ ‫بش������كل أو بآخر‪ ،‬يفرض الرش������وة ويعجز عن‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 8-11.indd 8‬‬


‫دعا سقراط إلى ترك النظام الدميقراطي واالستعاضة عنه بنظام حكم النخبة من العقالء واحلكماء‪.‬‬

‫رفض االس������تغالل بني النائب والناخب‪ .‬وعلى‬ ‫�����ن القوانني وتغيير التشريعات‪،‬‬ ‫الرغم من س� ّ‬ ‫بق������ي مرض الرش������وة واالس������تغالل مكينا في‬ ‫جس������د النظام الدميقراطي‪ ،‬حتى وصل األمر‬ ‫باحملكمة العليا إل������ى أن تعلن عن تغيير نظام‬ ‫االنتخ������اب بعد أن كان ع������ن طريق «االقتراع»‬ ‫إلى أن يك������ون بطريقة «القُرع������ة»‪ .‬كانت تلك‬ ‫هي آخر محاوالت «ديكاس������تيريا» لكي جتعل‬ ‫الرش������وة باهظ������ة التكاليف‪ ،‬حت������ى على أثرى‬ ‫احلد‪،‬‬ ‫أن األمر لم يقف عند هذا‬ ‫األثرياء‪ .‬إال ّ‬ ‫ّ‬ ‫بل تفش������ى مرض آخر في دميقراطية أثينا لم‬ ‫يكن آنذاك في احلس������بان هو «الدمياغوغية»‬ ‫«حك������م‬ ‫(‪ )Demagogy‬واصطل������ح بأنه������ا ُ‬ ‫الغوغاء»‪ .‬كان يُطلق على نواب الشعب األثيني‬ ‫لق������ب «اخلطب������اء»‪ ،‬وكان خلطبه������م تأثير في‬ ‫العام������ة‪ ،‬حيث كان اخلطباء أش������به بالصحف‬ ‫اليومي������ة في زمننا هذا‪ ،‬وس������نرى الحقا كيف‬ ‫قصة الدميقراطية‬

‫‪7/9/14 10:50:43 AM‬‬

‫كان حلكم الغوغاء أثره في س������قوط أثينا‪ .‬بدأ‬ ‫الشك في النظام السياسي يراود حكماء أثينا‬ ‫حال هزمي������ة أثينا من إس������بارطة في حروب‬ ‫البلوبونيز التي استمرت ثالثني عاما (‪–430‬‬ ‫‪ 400‬ق‪ .‬م)‪ .‬لقد ث������ار املثقفون األثينيون على‬ ‫احل������زب الدميقراطي احلاك������م‪ ،‬ولكن ثورتهم‬ ‫ب������اءت بالفش������ل‪ .‬قاد تل������ك الثورة املس������لحة‬ ‫«كريتياس» تلميذ سقراط وعم أفالطون‪ .‬من‬ ‫هنا بدأت أصابع االتهام تش������ير إلى سقراط‪.‬‬ ‫كان سقراط ش������خصا بس������يطا في معيشته‪،‬‬ ‫حيث جعل «األجورا»‪ ،‬وهي س������احة املركز في‬ ‫أثينا‪ ،‬مأوى ل������ه‪ ،‬فأهمل بيته وزوجته وعياله‪،‬‬ ‫في س������بيل البحث عن احلقيق������ة‪ ،‬عن طريق‬ ‫منهج «التوليد»‪ ،‬وهو توالي األس������ئلة املنطقية‬ ‫عل������ى خصمه حتى يوقعه ف������ي التعارض‪ ،‬وإن‬ ‫سأله خصمه عن شيء قال‪ :‬ال أدري‪ .‬انطلقت‬ ‫فلس������فة س������قراط من الش� ّ‬ ‫�����ك في كل شيء‪،‬‬

‫‪9‬‬

‫‪aug 8-11.indd 9‬‬


‫يشترط أفالطون في ما‬ ‫يشترط وجوب بلوغ املرشح‬ ‫سن الثالثني‪ ،‬واإلفصاح‬ ‫عن ذمته املالية‪ ،‬وأال يكون‬ ‫«إن الذين‬ ‫من طبقة التجار ّ‬ ‫يشغلهم جمع املال والسعي‬ ‫وراء الثروة ال يصلحون‬ ‫حلكم الدولة»‬ ‫وجترأ في فلس������فته على الدين والدولة‪ .‬كان‬ ‫تعدد اآللهة دي������ن أثينا والدميقراطية نظامها‬ ‫السياس������ي‪ ،‬أما هو فقد آمن بإله واحد ودعا‬ ‫إلى الفضيلة‪ ،‬فالقوانني التي تسير على هوى‬ ‫الغوغاء ليس������ت كافية لردع الفساد والرذيلة‪.‬‬ ‫أن كثي ًرا من الفس������اد‬ ‫لقد كان س������قراط يؤكد ّ‬ ‫والرذائ������ل كانت متارس بحك������م القانون‪ .‬وقد‬ ‫دعا أيض������ا إلى ت������رك النظ������ام الدميقراطي‬ ‫واالس������تعاضة عن������ه بنظام حك������م النخبة من‬ ‫العقالء واحلكماء‪ .‬من هن������ا رأت أثينا بقيادة‬ ‫احل������زب الش������عبي الدميقراطي إس������كات كل‬ ‫نقد لسياس������ة احلكومة فحكمت على سقراط‬ ‫باملوت‪.‬‬ ‫بعد موت أس������تاذه ومعلمه س��������قراط‪ ،‬ساح‬ ‫أفالطون ف������ي األرض غربا ثم ش������رقا‪ ،‬طالبا‬ ‫املزيد م������ن احلكمة واملعرف������ة‪ .‬كتب أفالطون‬ ‫كتاب������ه في السياس������ة ال������ذي اش������تهر بعنوان‬ ‫«جمهوري������ة أفالط������ون»‪ ،‬ذلك الكت������اب الذي‬

‫‪10‬‬

‫‪7/9/14 10:50:49 AM‬‬

‫س������طر فيه آراءه السياسية‪ ،‬وص ّرح فيه بأكثر‬ ‫من موضع بدميقراطي������ة النخبة‪ ،‬تلك النخبة‬ ‫قوامه������ا احلكم������اء ومتعلم������و فن������ون القي������ادة‬ ‫السياسية واالقتصادية واالجتماعية‪ .‬ويشترط‬ ‫أفالطون في ما يش������ترط وجوب بلوغ املرشح‬ ‫سن الثالثني‪ ،‬واإلفصاح عن ذمته املالية‪ ،‬وأال‬ ‫«إن الذين يشغلهم جمع‬ ‫يكون من طبقة التجار ّ‬ ‫املال والس������عي وراء الث������روة ال يصلحون حلكم‬ ‫الدول������ة»‪ ،‬أو قادة اجليوش‪« ،‬فرمبا يس������تخدم‬ ‫جيشه ويقيم حكومة عسكرية ديكتاتورية»‪ .‬لم‬ ‫يكن هذا الرأي األخير رأي أفالطون وحده‪ ،‬بل‬ ‫ش������اركه في هذا االجتاه كثيرون‪ ،‬منهم زينفون‬ ‫مؤرخ تلك الفترة‪.‬‬ ‫كانت هزمية أثينا في احلروب البلوبونيزية‬ ‫أمام إس� � ��بارطة‪ ،‬ث� � ��م اضطراره� � ��ا للدخول في‬ ‫حتالف عس� � ��كري معها ضد الزحف الفارسي‪،‬‬ ‫سببا في ضعف الدولتني‪ .‬وبرغم تقهقر الفرس‬ ‫فإن كلتا الدولتني عانت رهقا من‬ ‫واندحاره� � ��م‪ّ ،‬‬ ‫تع أثينا اخلطر الداهم‬ ‫أوضاعها االقتصادية‪ .‬لم ِ‬ ‫حولها‪ ،‬فقد كان فيليب املقدوني يرقب األحداث‬ ‫عن كثب‪ .‬كان األثينيون يرون املقدونيني برابرة‬ ‫بدائيني‪ ،‬ويحتقرونهم باحتقار ديكتاتورية حكم‬ ‫فيلي� � ��ب عليهم‪ ،‬ففي كل محف� � ��ل وفي كل مؤمتر‬ ‫تعلو أصوات خطباء أثينا بالش� � ��تائم ضد نظام‬ ‫الطاغي� � ��ة الرجع� � ��ي‪ .‬كان فيليب صب� � ��ورا ضد‬ ‫خطب دميوس� � ��ثنيس النارية‪ ،‬وكان حراكه سر ًيا‬ ‫عندما دس جواسيسه في املدن اليونانية لشراء‬ ‫أص� � ��وات وذمم العامة واخلاصة‪ ،‬السياس� � ��يني‬ ‫وقادة اجلند‪ ،‬بحيث ش � � � ّكل قوة سياسية له من‬ ‫مواطن� � ��ي أثينا تدعو إلى التحالف مع مقدونيا‪.‬‬ ‫اضطر دميوسثنيس حتت ضغط اجلمعية العامة‬ ‫(إكليسيا) أن يكون ضمن وفد التفاوض الذاهب‬ ‫إلى مقدوني� � ��ا لعقد اتفاق مع ملكها فيليب‪ .‬كان‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 8-11.indd 10‬‬


‫في «جمهورية أفالطون» دعوة لدميقراطية النخبة وقوامها احلكماء ومتعلمو فنون القيادة السياسية واالقتصادية‬ ‫واالجتماعية‪.‬‬

‫الوفد مؤلفا من عشرة خطباء‪ ،‬وصلوا إلى بلال‬ ‫‪ Pella‬عاصم� � ��ة مقدونيا‪ ،‬واس � � �تُقبلوا باحلفاوة‬ ‫والترحاب‪ .‬وقد الحظ دميوسثنيس أن اخلطاب‬ ‫السياس� � ��ي لرفاقه قد تغير‪ ،‬لقد أصبحوا أقوى‬ ‫دع� � ��اة التفاهم مع مقدونيا‪ ،‬فاتهمهم بالفس� � ��اد‬ ‫أن دميوسثنيس‬ ‫وتلقي الرش� � ��وة من العدو‪ .‬غير ّ‬ ‫لم يكن فوق الش� � ��بهات‪ ،‬فقد اقترح إرسال وفد‬ ‫إلى كسرى الفرس أردش� � ��ير الثالث لكي يطلب‬ ‫من� � ��ه عقد حلف ثنائي مع أثينا‪ .‬لكن فيليب كان‬ ‫أس� � ��رع‪ ،‬إذ عقد معاهدة صداقة وعدم اعتداء‬ ‫مع الفرس‪ .‬وحس� � ��م فيليب املقدوني األمر حني‬ ‫ش� � ��ن هجومه على أثين� � ��ا في معرك� � ��ة خيرونيا‬ ‫‪ ،Chaeronea‬فأصب� � ��ح بعده� � ��ا زعيم� � ��ا لبالد‬ ‫اإلغريق‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬ليس بغريب أن يختار فيليب‬ ‫لتربية ابنه اإلس� � ��كندر أعظم فالس� � ��فة العصر‬ ‫آنذاك‪ ،‬تلميذ أفالطون‪ ،‬أرس� � ��طو طاليس الذي‬ ‫قصة الدميقراطية‬

‫‪7/9/14 10:50:57 AM‬‬

‫كانت أخالقه األرس� � ��تقراطية كفيلة بأن جتعله‬ ‫مؤ ِّدب� � ��ا ألبن� � ��اء امللوك‪ .‬لم يكن أرس� � ��طو موحدا‬ ‫كأس� � ��تاذه ب� � ��ل كان وثنيا‪ ،‬كما ل� � ��م يكن من دعاة‬ ‫الدميقراطية بأي ش� � ��كل من أشكالها‪ ،‬فعيشته‬ ‫جعلته يرى في الديكتاتورية واقع حال ال بد من‬ ‫املصاحلة معها‪.‬‬ ‫والقضية املُلحة الت������ي نطرحها على هذه‬ ‫الصفح������ات هي‪ :‬ه������ل الدميقراطي������ة أفضل‬ ‫للحكم؟ وإذا كان اجل������واب «نعم»‪ ،‬فهل‬ ‫نظ������ام ُ‬ ‫مُت������ارس بإطالقها حتى حت������ت ُحكم األغلبية‬ ‫م������ن الغوغاء‪ ،‬أم تكون على حس������ب ما يراها‬ ‫س������قراط دميقراطي������ة مقيدة‪ ،‬وحس������ب رأي‬ ‫أفالطون دميقراطي������ة النخبة؟ أم هل يا ترى‬ ‫يك������ون النظ������ام الف������ردي (األوتوقراطي) هو‬ ‫األفضل‪ ،‬أو بني هذا وذاك؟ >‬

‫‪11‬‬

‫‪aug 8-11.indd 11‬‬


‫فكر‬

‫حسام محيي الدين اآللوسي‪...‬‬ ‫وسؤال الفلسفة‬ ‫د‪.‬ريتا فرج*‬ ‫شهدت األعوام املاضية رحيل علماء عرب كبار في ميادين علمية عدة‪ ،‬شكّ لت أطروحاتهم‬ ‫الفكرية‪/‬النقدي ��ة ح ��ول االجتماع والدي ��ن والثقافة أرضية معرفية حتت ��اج قراءتها إلى‬ ‫فعل تأسيس‪.‬‬ ‫ف� � ��ي مرم� � ��ى التح� � ��والت الكب� � ��رى التي‬ ‫مي� � ��ر بها العال� � ��م العرب� � ��ي‪ ،‬وعلى غفلة‬ ‫من الذاك� � ��رة اجلمعية العربي� � ��ة املثقلة‬ ‫بهواجس املاضي وتناس� � ��ي النتاج الفكري ملبدعينا‪،‬‬ ‫أتت وفاة الفيلس� � ��وف العراقي حسام محيي الدين‬ ‫اآللوس� � ��ي (‪ ،)2013-1936‬ال� � ��ذي ق� � ��دم للمكتب� � ��ة‬ ‫العربي� � ��ة مؤلفات فلس� � ��فية مهمة‪ ،‬لتطرح س� � ��ؤالني‬ ‫إشكاليني‪ :‬كيف ميكن سد الفراغ املعرفي إثر غياب‬ ‫اجليل املؤس� � ��س؟ وما الدور الذي يجب أن تضطلع‬ ‫به الفلس� � ��فة أم العلوم في تفسير وحتليل وتفكيك‬ ‫ومقاربة أزمات مجتمعاتنا ماض ًيا وحاض ًرا؟‬ ‫ليس اآللوس� � ��ي‪ ،‬ش� � ��يخ الفلس� � ��فة ف� � ��ي العراق‬ ‫املعاصر‪ ،‬وأحد أساطني فالسفة اجليل الثالث في‬ ‫بالد الرافدي� � ��ن‪ ،‬كما يصفه معاصروه‪ ،‬عاملًا عاد ًيا‪،‬‬ ‫بل هو صاحب مدرسة ومنهج فلسفي‪ .‬أعماله على‬ ‫كثافتها لم تقتصر على الفلس� � ��فة‪ ،‬فكان له إبداعه‬ ‫محق ًقا وشاع ًرا‪.‬‬

‫ميثل هذا الفيلسوف العتيق القادم من جرحنا‬ ‫الوج� � ��ودي في أزمن� � ��ة القلق واالنزياح� � ��ات الكبرى‬ ‫بقعة ض� � ��وء تضيء عتمة الطريق ف� � ��ي ظل تهافت‬ ‫املتفيهقني ودعاة التفلس� � ��ف‪ .‬هل ميكن أن تلخص‬ ‫هذه املقالة س� � ��يرة فيلس� � ��وفنا احلياتية والعلمية ال‬ ‫جنرؤ على اال ّدعاء؟‬

‫من رحاب بغداد إلى العالم‬

‫دخل اآللوس� � ��ي قسم الفلسفة في جامعة بغداد‬ ‫في الع� � ��ام ‪ 1952‬وتخ� � ��رج في الع� � ��ام ‪ .1956‬تابع‬ ‫دراسته في بريطانيا وحصل على شهادة الدكتوراه‬ ‫من جامعة كامبردج في العام ‪ ،1965‬حيث تخصص‬ ‫في الفلس� � ��فة اإلس� �ل��امية‪ ،‬وكان عن� � ��وان أطروحته‬ ‫املهم� � ��ة التي أش� � ��رف عليه� � ��ا املستش� � ��رق األملاني‬ ‫ اإلجنلي� � ��زي إرف� � ��ن روزنتال حتت عن� � ��وان (‪The‬‬‫‪Problem of Creation in Islamic Thought:‬‬ ‫‪.)Quran, Hadith, Commentaries, and Kalam‬‬

‫* باحثة في علم االجتماع الديني من لبنان‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫‪7/9/14 10:51:18 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 12-17.indd 12‬‬


‫وقد ُطبعت في بغ� � ��داد بنصها اإلجنليزي في العام‬ ‫‪ 1968‬وطواها النس� � ��يان على م� � ��دار أعوام طويلة‪،‬‬ ‫حت� � ��ى أبصرت النور ف� � ��ي اللغة العربي� � ��ة في العام‬ ‫‪( 2008‬را‪ :‬اآللوسي‪ ،‬حسام الدين‪ ...‬مشكلة اخللق‬ ‫في الفكر اإلسالمي‪ :‬القرآن ‪ -‬احلديث ‪ -‬التفسير‬ ‫ علم التفس� � ��ير‪ ،‬تعريب باس� � ��مة جاسم الشمري‪،‬‬‫بيت احلكمة‪ .)2008 ،‬لم يشأ اآللوسي ‪ -‬كما يؤكد‬ ‫أستاذ الفلس� � ��فة وتاريخها في جامعة املستنصرية‬ ‫(العراق) حس� � ��ن مجي� � ��د العبيدي‪ ،‬ال� � ��ذي صادقه‬ ‫وكانت له جتربته الفلس� � ��فية معه على مدار ثالثني‬ ‫عا ًما ‪ -‬ترجمتها بنفسه إلى «العربية» ألسباب عدة‪،‬‬ ‫من بينها خوفه أن يتهم بتهم ش� � ��تى من الس� � ��لطات‬ ‫الفكرية والدينية والسياسية في زمانه‪ .‬بعد عودته‬ ‫من بريطانيا عمل اآللوس� � ��ي أس� � ��تا ًذا للفلسفة في‬ ‫جامعات بغ� � ��داد وليبيا والكويت وصنعاء‪ ،‬وش� � ��غل‬ ‫منصب مستشار للعديد من املجالت العلمية‪.‬‬

‫فيلسوف ومحقق وشاعر‬

‫وضع حس� � ��ام الدين اآللوسي عشرات املؤلفات‬ ‫الفلس� � ��فية‪ ،‬وقام بتحقيق النصوص الفلسفية مثل‬ ‫كتاب «األسرار اخلفية في العلوم العقلية»‪ ،‬للع ّ‬ ‫المة‬ ‫احلس� � ��ن بن يوسف بن علي بن املطهر احللي (‪648‬‬ ‫ه � � �ـ ‪726 -‬ه � � �ـ)‪ ،‬وهو عمل مش� � ��ترك م� � ��ع الدكتور‬ ‫صالح مهدي الهاشم (ت ‪ .)2007‬وإلى جانب الهم‬ ‫الفلسفي كانت له جتربة شعرية ضمنها في ديوانه‬ ‫«زمن البوح» (بغداد ‪.)2009 -‬‬ ‫من مؤلفاته في الفلسفة‪« :‬حوار بني الفالسفة‬ ‫واملتكلمني» (‪« )1967‬من امليثولوجيا إلى الفلسفة»‬ ‫(‪« )1973‬الزم� � ��ان ف� � ��ي الفكر الديني والفلس� � ��في‬ ‫الق� � ��دمي» (‪« )1980‬دراس� � ��ات في الفكر الفلس� � ��في‬ ‫العربي اإلسالمي» (‪« )1980‬فلسفة الكندي‪ ،‬وآراء‬ ‫القدامى واحملدثني فيه» (‪« )1985‬التطور والنسبية‬ ‫في األخالق» (‪« )1989‬الفلسفة واإلنسان» (‪)1990‬‬ ‫«الفلس� � ��فة اليونانية قبل أرسطو» (‪« )1990‬مدخل‬ ‫إل� � ��ى الفلس� � ��فة» (‪« )2005‬حول العق� � ��ل والعقالنية‬ ‫العربية طبيعة ومس� � ��تقب ً‬ ‫ال وتن� � ��اوالً» (‪« )2005‬ابن‬ ‫رش� � ��د‪ ،‬دراس� � ��ة نقدي� � ��ة» (‪« )2005‬تقيي� � ��م العق� � ��ل‬ ‫العربي ودوره من خ� �ل��ال نقاده ومنتقديه» (‪)2007‬‬ ‫«الفن‪ ...‬البعد الثالث لفهم اإلنسان» (‪« )2008‬في‬ ‫حسام محيي الدين اآللوسي‪ ...‬وسؤال الفلسفة‬

‫‪7/9/14 10:51:25 AM‬‬

‫احلرية‪ ...‬مقاربات نظرية وتطبيقية» (‪« )2010‬نقد‬ ‫املناهج املعاصرة لدراس� � ��ة التراث الفلسفي العربي‬ ‫اإلسالمي» (‪.)2011‬‬ ‫نش� � ��ر اآللوس� � ��ي باإلضافة إل� � ��ى املؤلفات التي‬ ‫ذكرناها مجموعة من األبحاث في املجالت العلمية‬ ‫العراقي� � ��ة والعربية‪ ،‬من بينها على س� � ��بيل املثال ال‬ ‫احلص� � ��ر‪« :‬البني� � ��ة والعالق� � ��ة» (املجلة الفلس� � ��فية‬ ‫العربية‪ ،‬األردن‪ ،‬ش� � ��تاء ‪« )1990‬الفلس� � ��فة والعلوم‬ ‫األخرى» (ضمن كتاب سلس� � ��لة املائدة املس� � ��تديرة‪،‬‬ ‫بي� � ��ت احلكمة‪ ،‬م� � ��ارس ‪« )1998‬األنس� � ��نة عند ابن‬ ‫رش� � ��د» (مجلة مقابس� � ��ات البغدادية‪ ،‬العدد األول‬ ‫‪.)2005‬‬ ‫لدى فيلس� � ��وفنا مخطوط� � ��ات لم تنش� � ��ر بعد‪،‬‬ ‫وكان� � ��ت أمنيته‪ ،‬كما يقول صديقه العبيدي «أن يرى‬ ‫أعماله الكاملة منشورة في حياته»‪ .‬من هذه الكتب‬ ‫املخطوطة «موسوعة في الفكر الفلسفي اإلسالمي‪،‬‬ ‫الكالمي منه والفلسفي حتى ابن رشد»‪ ،‬وتقع هذه‬ ‫املوس� � ��وعة في ثالثة أجزاء كب� � ��رى‪ ،‬و«بحوث نقدية‬ ‫على ضوء املنهج التكاملي»‪ ،‬و«مواجهات في فلسفة‬ ‫الوج� � ��ود واملجتم� � ��ع واألدب»‪ ،‬و«فلس� � ��فة التطور»‪،‬‬ ‫و«نظرية التطور»‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫‪august 12-17.indd 13‬‬


‫وق� � ��د ُكتبت عن الفيلس� � ��وف جملة دراس� � ��ات‬ ‫وأبحاث ورس� � ��ائل جامعية‪ ،‬منها‪ :‬أطروحة حسني‬ ‫عبدالزهرة عن التجربة الفلس� � ��فية عند حس� � ��ام‬ ‫محي� � ��ي الدي� � ��ن اآللوس� � ��ي (بيت احلكم� � ��ة‪ ،‬بغداد‬ ‫‪ ,)2009‬وأطروح� � ��ة صب� � ��اح حم� � ��ودي نصيف عن‬ ‫نظرية املعرفة في الفكر العربي املعاصر‪ ،‬خصص‬ ‫فيه� � ��ا فص� �ل � ً‬ ‫ا عن الفيلس� � ��وف اآللوس� � ��ي‪ ،‬وبحث‬ ‫الدكتور علي حسني اجلابري عن «أصالة التجربة‬ ‫الفلسفية عند اآللوسي» (املجلة الفلسفية‪ ،‬عمان‪،‬‬ ‫األردن)‪ ،‬وأعيد نشره في مجلة اجلمعية الفلسفية‬ ‫املصرية (الع� � ��دد ‪ ،)2004 ،9‬وهذا العدد خصص‬ ‫محو ًرا من محاوره للحديث عن الفيلسوف ببحثني‬ ‫آخرين‪ ،‬األول لآللوسي نفسه‪ ،‬يتحدث عن جتربته‬ ‫الفلس� � ��فة‪ ،‬والثاني بحث أحمد عبداحلليم عطية‪،‬‬ ‫بعنوان «حس� � ��ام اآللوس� � ��ي‪ ..‬الرؤية واملنهج»‪ ،‬وقد‬ ‫أعيد نش� � ��ر هذا البحث ضمن كتاب تذكاري حمل‬ ‫عنوان «اآللوس� � ��ي املفكر واإلنسان» (بيت احلكمة‪،‬‬ ‫بغ� � ��داد‪( .)2011 ،‬را‪ :‬العبي� � ��دي‪ ،‬حس� � ��ن مجي� � ��د‪،‬‬ ‫الفيلس� � ��وف العراقي حسام محيي الدين اآللوسي‬ ‫(‪ )2013-1936‬دراسة في السيرة واملنهج)‪.‬‬ ‫ف� � ��ي املنهج التكاملي (التاريخي اجلدلي) حدد‬ ‫فيلسوفنا منهجه من خالل اخلطوات اآلتية‪ :‬أوالً‪،‬‬ ‫دراس� � ��ة املعلومة بحس� � ��ب منهجية تقوم على ربط‬ ‫النص أو املوضوع باألساس االجتماعي واملطروح‬ ‫العلمي والتراكم املعرفي‪ ،‬ثان ًيا‪ :‬االلتفات إلى الكل‬ ‫أو البنية عند دراس� � ��ة اجلزء أو النظرية للشخص‬ ‫أو الن� � ��ص‪ .‬ثال ًث� � ��ا‪ :‬احلذر من التعام� � ��ل اجلزيئي‪،‬‬ ‫راب ًعا‪ :‬االبتعاد عن األس� � ��لوب االنتقائي من التراث‬ ‫املدروس أو الفكر امل� � ��دروس‪ ،‬واملقصود هنا ليس‬ ‫الفيلس� � ��وف الواح� � ��د‪ ،‬ب� � ��ل املنظورات الفلس� � ��فية‬ ‫خامس� � ��ا‪ :‬اجلدلية‪،‬‬ ‫الس� � ��ائدة في زمان ومكان ما‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وه� � ��ذا واضح ف� � ��ي س� � ��ياقات نظرتنا إل� � ��ى تراثنا‬ ‫سادس� � ��ا‪ :‬التكاملية‪ ،‬وبعض‬ ‫الفلس� � ��في الفك� � ��ري‪،‬‬ ‫ً‬ ‫عناصرها االستعانة بكل العلوم‪ ،‬ساب ًعا‪ :‬التواصل‪،‬‬ ‫ضد الش� � ��وفينية مثل أكذوبة املعجزة اليونانية أو‬ ‫املغاالة في عقلنة الفالسفة اليونان‪( .‬حسام الدين‬ ‫اآللوسي‪ ،‬جتربتي الفلسفية‪ ،‬جريدة األديب‪ ،‬السنة‬ ‫الثانية‪ ،‬العدد ‪ 8 ،75‬يونيو ‪.)2005‬‬ ‫عرض اآللوس� � ��ي منهج� � ��ه الذي أطل� � ��ق عليه‬

‫‪14‬‬

‫‪7/9/14 10:51:31 AM‬‬

‫«املنهج التكاملي‪ :‬التاريخي اجلدلي» بشكل أوسع‬ ‫في كتابه «دراسات في الفكر الفلسفي اإلسالمي»‬ ‫(‪ )1980‬وطبقه على بقية كتبه وأبحاثه‪ ،‬والس� � ��يما‬ ‫كتب� � ��ه «امليثولوجي� � ��ا إل� � ��ى الفلس� � ��فة»‪ ،‬و«حوار بني‬ ‫الفالسفة واملتكلمني»‪ ،‬و«الزمان في الفكر الديني‬ ‫والفلسفي»‪ .‬وميكن حتديد مالمح املنهج التكاملي‬ ‫عنده‪ ،‬في أنه يقوم عل� � ��ى جملة ضوابط‪ ،‬هي‪ :‬أن‬ ‫التراث الفلسفي العربي اإلسالمي يجب أن ينظر‬ ‫إليه م� � ��ن خالل العالقات املتبادل� � ��ة بني الطبقات‬ ‫(الفئات االجتماعية) ومس� � ��توى النضال الطبقي‬ ‫في ه� � ��ذا املجتمع أو ذاك‪ ،‬فض� �ل � ً‬ ‫ا عن النظر في‬ ‫مس� � ��توى تطور العلوم‪ ،‬وحتدي ًدا العلوم الطبيعية‪،‬‬ ‫في هذا املجتم� � ��ع أو ذاك‪ ،‬مع االهتمام بالتواصل‬ ‫الفلس� � ��في والفك� � ��ري‪ ،‬أو ما يس� � ��مى باالحتياطي‬ ‫املتراك� � ��م من التصورات واملواد الفكرية‪ ،‬مع األخذ‬ ‫باالعتبار اخلصائص القومية والوطنية للمجتمع‪.‬‬ ‫وه� � ��ذه الضواب� � ��ط املنهجي� � ��ة بنظ� � ��ر الفيلس� � ��وف‬ ‫تعد أساس� � ��ية في كل مجال من مجاالت‬ ‫اآللوسي ّ‬ ‫ً‬ ‫العل� � ��وم اإلنس� � ��انية‪ ،‬فض� �ل �ا ع� � ��ن الفلس� � ��فة‪ ،‬ألن‬ ‫الفلسفة وفق اآللوسي هي نظرة عن العالم‪ ،‬وهي‬ ‫نظام ألكثر املفاهيم ش� � ��موالً ع� � ��ن العالم‪ ،‬ولعالقة‬ ‫اإلنسان بهذا العالم‪ ،‬وتع ِّبر عن الفئات والطبقات‬ ‫االجتماعية املعينة‪ ،‬وهي ش� � ��كل من أشكال الوعي‬ ‫االجتماعي‪ ،‬ولذلك فإن مهمة التفكير الفلس� � ��في‬ ‫عند الفيلسوف اآللوس� � ��ي وفق هذا املنهج ليست‬ ‫معرف� � ��ة اآلراء فقط‪ ،‬وال رص� � ��د الظاهر فقط‪ ،‬بل‬ ‫معرفة األس� � ��باب الت� � ��ي جتعل ظرو ًف� � ��ا معينة تلد‬ ‫بالضرورة هذه األف� � ��كار أو تلك اآلراء‪ .‬وذلك بأن‬ ‫منضي من الواقع إل� � ��ى األفكار ال من األفكار إلى‬ ‫الواقع‪ .‬أما املرجعيات التي استقى منها اآللوسي‬ ‫مالم� � ��ح منهجه هذا وحدد منطقه وتطبيقاته على‬ ‫خصوصا‪،‬‬ ‫الفك� � ��ر الفلس� � ��في عمو ًما واإلس� �ل��امي‬ ‫ً‬ ‫فهي مؤلفات كيللي وكوفالزون‪ ،‬املادية التاريخية‪،‬‬ ‫وكورنفورث‪ ،‬العلم ضد املثالية‪ ،‬ويوفتشول‪ ،‬موجز‬ ‫تاريخ الفلسفة‪ ،‬وبيوري‪ ،‬حرية الفكر‪ ،‬وجون لويسو‬ ‫املدخل إلى الفسلفة‪ ،‬وفرديريك إنغلز‪ ،‬االشتراكية‬ ‫الطوباوية واالشتراكية العلمية‪ ،‬وغيرها‪ ،‬ما يعني‬ ‫أن الفيلس� � ��وف اآللوس� � ��ي كان قد تبن� � ��ى مصادر‬ ‫املنهج املادي التاريخي اجلدلي الكالس� � ��يكية‪ ،‬مع‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 12-17.indd 14‬‬


‫تطوير ق� � ��ام به بنفس� � ��ه على هذا‬ ‫املنهج عبر به إلى حقل الفلس� � ��فة‬ ‫العربية اإلسالمية‪( .‬را‪ :‬العبيدي‪،‬‬ ‫حس� � ��ن مجيد‪ ،‬الفيلسوف العراقي‬ ‫حس� � ��ام محي� � ��ي الدين اآللوس� � ��ي‬ ‫(‪ )2013-1936‬دراسة في السيرة‬ ‫واملنهج)‪.‬‬

‫حملات خاطفة‬ ‫من فلسفة اآللوسي‬ ‫يُعد كتاب اآللوس� � ��ي «حوار بني‬ ‫الفالس� � ��فة واملتكلم� �ي��ن» أول بداية‬ ‫فلس� � ��فية محكم� � ��ة في اللغ� � ��ة العربية للفيلس� � ��وف‬ ‫العراق� � ��ي‪ ،‬عالج فيه موضوعات الفلس� � ��فة اإللهية‬ ‫وامليتافيزيقي� � ��ة ف� � ��ي واحدة من أعمق املش� � ��كالت‬ ‫الفلسفية في تاريخ الفلسفة إلى اليوم‪ ،‬فعرض فيه‬ ‫آلراء الفالسفة والالهوتيني‪ ،‬والسيما آراء أرسطو‬ ‫واملدرس� � ��ة الفيضية اإلس� �ل��امية وموقف املتكلمني‬ ‫من مش� � ��كلة الوجود ونقد الغزالي للفالسفة وردود‬ ‫ابن رش� � ��د‪( .‬العبيدي‪ ،‬حسن مجيد‪ ،‬شيخ فالسفة‬ ‫العراق املعاصرين وعميدهم حسام اآللوسي‪ ،‬موقع‬ ‫كتابات‪ 12 ،‬أكتوبر ‪.)2013‬‬ ‫اهتم� � ��ام اآللوس� � ��ي بالفكر الفلس� � ��في العربي‬ ‫اإلس� �ل��امي الوس� � ��يط‪ ،‬لم مينعه م� � ��ن النظر في‬ ‫العلم والفلس� � ��فة في الغ� � ��رب‪ ،‬وقد اطلع على أهم‬ ‫النظريات العلمية والفلسفية كالداروينية واملادية‬ ‫اجلدلية والتاريخية لدى املاركس� � ��يني‪ .‬آمن عميد‬ ‫فالسفة العراق بدور الفلسفة في العلم‪ ،‬فـ«الرؤية‬ ‫العلمي� � ��ة اجلزئي� � ��ة ال تفيد في تفس� � ��ير الظاهرة‬ ‫بنيو ًي� � ��ا وكل ًيا‪ ...‬لهذا جنده يصرح بأن رؤية اجلزء‬ ‫من الظاهرة فقط ال تفس� � ��ر حتى هذا اجلزء وال‬ ‫املعرفة به‪ ،‬إن معرفة اجلزء إمنا تس� � ��تمد قيمتها‬ ‫من بنية الكل‪ ...‬إذن‪ ،‬ال ميكن أن يكتفي اإلنس� � ��ان‬ ‫برؤية الكون ونفس� � ��ه واملجتمع بعني العالم فقط‪،‬‬ ‫وم� � ��ا ميتلكه م� � ��ن معرفة علمي� � ��ة متخصصة في‬ ‫مجاله‪ ،‬وهنا تظهر احلاجة إلى الفيلس� � ��وف ودور‬ ‫الفلس� � ��فة في ما ينتجه العل� � ��م‪ ،‬وكيف تقدم للعلم‬ ‫املنهج األمثل للوصول إلى احلقيقة الكلية؟ وذلك‬ ‫ألن العلوم معنية باجلزئيات‪ ،‬وبأشياء مخصوصة‪،‬‬ ‫حسام محيي الدين اآللوسي‪ ...‬وسؤال الفلسفة‬

‫‪7/9/14 10:51:41 AM‬‬

‫ت� � ��درس وقائع مح� � ��ددة‪ ،‬وفق كل‬ ‫علم‪ ،‬بينما رؤية األش� � ��ياء بكليتها‬ ‫ومنطقه� � ��ا وأبعاده� � ��ا املعرفي� � ��ة‬ ‫والكوني� � ��ة والقيمي� � ��ة‪ ،‬تك� � ��ون من‬ ‫مهمات الفلس� � ��فة»‪( .‬اآللوس� � ��ي‪،‬‬ ‫راج� � ��ح جم� � ��ال الدي� � ��ن‪ ،‬تكام� � ��ل‬ ‫الفلس� � ��فة والعل� � ��م‪ ،‬ملحق جريدة‬ ‫امل� � ��دى العراقي� � ��ة‪ 23 ،‬أكتوب� � ��ر‬ ‫‪.)2013‬‬ ‫ن� � ��ادى اآللوس� � ��ي بالعالق� � ��ة‬ ‫التواصلية أو «التواصل الفلسفي»‬ ‫بني الفكرين اإلس� �ل��امي والغربي‬ ‫الت� � ��ي ضمنها في كتابه «الزم� � ��ان في الفكر الديني‬ ‫والفلس� � ��في وفلس� � ��فة العلم»‪ .‬آمن مبفه� � ��وم التقدم‬ ‫«اخلطي» لإلنس� � ��انية‪ ،‬وع� � ��ارض مقول� � ��ة املركزية‬ ‫األوربي� � ��ة‪ ،‬وأن الفك� � ��ر اإلس� �ل��امي ل� � ��م ينطو على‬ ‫فكر فلس� � ��في أصيل‪ ،‬وأن قيمت� � ��ه تتركز في حفظه‬ ‫للفلس� � ��فة اليونانية في العصر الوس� � ��يط‪ .‬رأى أن‬ ‫كال م� � ��ن الفكر الغربي احلديث والفكر املس� � ��يحي‬ ‫الوس� � ��يط أخذ الكثير من التصورات الفلسفية عن‬ ‫وخصوصا في قضية الزمان‬ ‫الفلسفة اإلس� �ل��امية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وأدلة وجود الله وقدم العالم‪ .‬يقول في مقدمة كتابه‬ ‫املذكور «فكرت طوي ً‬ ‫ال في هذا التماثل الكامل للفكر‬ ‫القدمي حول الزمان‪ ،‬أو باألحرى مش� � ��كلته بقدر ما‬ ‫يتعل� � ��ق األمر بتناهيه أو التناهي� � ��ه‪ ،‬وبقدر ما يتعلق‬ ‫األمر بعالق� � ��ة الزمان بالل� � ��ه‪ ،‬وبأهمية رأي وحجة‬ ‫أوغس� � ��طني في تصور الزمان التي س� � ��تكون مف��اح‬ ‫التص� � ��ور لكثير من الناظرين في حقيقة الزمان من‬ ‫احملدثني‪ .‬أق� � ��ول نظرت وفكرت في ه� � ��ذا التماثل‬ ‫الصارخ‪ ،‬فوجدت أن اله � � � ّوة مازالت كبيرة تاريخ ًيا‬ ‫بني الفكر الفلس� � ��في القدمي والوسيط وبني الفكر‬ ‫احلدي� � ��ث منذ ديكارت وليبنت� � ��ز في ما بعد‪ ،‬وأعني‬ ‫بالضبط‪ ،‬أنه ل� � ��م توجه عناية كافية لدراس� � ��ة أثر‬ ‫الفكر الفلس� � ��في الوسيط وعلى األخص اإلسالمي‬ ‫في الفلسفة احلديثة‪.‬‬ ‫قدم اآللوسي قراءة نقدية لعدد من أطروحات‬ ‫َّ‬ ‫املفكرين العرب من الذين عاصرهم‪ ،‬بينهم حس� � ��ن‬ ‫حنفي ومحمد عابد اجلابري وصادق جالل العظم‬ ‫وحس� �ي��ن مروة وطيب تيزين� � ��ي وغيرهم‪ .‬أخذ على‬

‫‪15‬‬

‫‪august 12-17.indd 15‬‬


‫صاحب «النزعات املادية في الفلس� � ��فة اإلسالمية»‬ ‫ على سبيل املثال ال احلصر ‪ -‬خروجه من املنهج‬‫املاركس� � ��ي‪ ،‬وقال في إحدى املقابالت التي أجريت‬ ‫مع� � ��ه إن كتاب م� � ��روة «فيه مادة ل� � ��و تعزل األدجلة‬ ‫والتوفي� � ��ق يبقى‪ ،‬كت� � ��اب جيد من حي� � ��ث املصادر‪،‬‬ ‫واملراجع»‪.‬‬ ‫انتقد فيلس� � ��وفنا ً‬ ‫أيضا أيديولوجيات النهايات‪،‬‬ ‫معتب � � � ًرا أن التاري� � ��خ يتقدم ويتغي� � ��ر وال يقف عند‬ ‫النظريات التي تبش� � ��ر بوجود أمنوذج واحد‪ ،‬وعلى‬ ‫هذا األس� � ��اس رفض نظري� � ��ة نهاي� � ��ة التاريخ عند‬ ‫فرنس� � ��يس فوكوياما التي قصد به� � ��ا إعالء النظام‬ ‫الرأس� � ��مالي األمريكي بالذات‪ ،‬وحتى نهاية التاريخ‬ ‫عند هيغل ‪ -‬كما يقول ‪ -‬تتعلق بـ«الدولة البروسية»‪،‬‬ ‫«وه� � ��ذه أدجلة‪ ،‬وليس� � ��ت رؤية علمي� � ��ة‪ ،‬يريدون أن‬ ‫يقولوا م� � ��ا يخص مذه ًبا معي ًن� � ��ا‪ ،‬أو دولة معينة أو‬ ‫نظا ًما معي ًن� � ��ا»‪( .‬را‪ :‬موقع احل� � ��وار املتمدن‪ ،‬حوار‬ ‫اآللوسي مع سعدون هليل)‪.‬‬

‫سجال العقل‬

‫لم تلق أطروحة اآللوس� � ��ي «مش� � ��كلة اخللق في‬ ‫الفكر اإلس� �ل��امي» االهتمام الكافي على املستويني‬ ‫األكادمي� � ��ي واإلعالمي‪ ،‬وقد تناول� � ��ت فكرة اخللق‬ ‫في القرآن واحلديث الش� � ��ريف والتفاسير ومقارنة‬ ‫اآلراء‪.‬‬ ‫ونظ � � � ًرا ألهمي� � ��ة ه� � ��ذا الكتاب ال� � ��ذي هو في‬ ‫األساس أطروحة دكتوراه نالها اآللوسي من جامعة‬ ‫كامبردج في العام ‪ 1956‬كما أشرنا ساب ًقا‪ ،‬نرى من‬ ‫املهم اإلضاءة املوجزة على مضمونها‪ .‬اس� � ��تعرض‬ ‫فيلس� � ��وفنا في اجل� � ��زء األول رأي الق� � ��رآن الكرمي‬ ‫في اخلل� � ��ق ومعنى كلمة خلق ال� � ��واردة في اآليات‬ ‫وبي مصطلح� � ��ات اخللق ومفرداته بكل‬ ‫الكرمية‪ ،‬نّ‬ ‫معانيها الواردة في الكت� � ��اب العزيز‪ ،‬وكذلك تق ُّدم‬ ‫الله على العالم وف ًقا آلراء الفالس� � ��فة واملتكلمني‪.‬‬ ‫تن� � ��اول بعد ذلك صدور العالم ع� � ��ن الله‪ ،‬وطريقة‬ ‫تعام� � ��ل القرآن الكرمي مع مس� � ��ائل اخللق والعدم‪،‬‬ ‫وه� � ��ل قال القرآن بها أم ال؟ ثم اس� � ��تعرض مملكة‬ ‫الك� � ��ون وتنزيه الله عن اخلل� � ��ق املادي وخلق الكون‬ ‫مبا فيه خلق السماوات الس� � ��بع واخللق الزماني‪،‬‬ ‫لينته� � ��ي إلى مجمل اخللق وهو الغاية منه‪ ،‬وخلص‬

‫‪16‬‬

‫‪7/9/14 11:24:13 AM‬‬

‫بخ� �ل��اف األغلبية إلى أن الق� � ��رآن الكرمي يبني أن‬ ‫الله خل� � ��ق العالم من مادة‪ ،‬وأن م� � ��ا رآه املتكلمون‬ ‫واملفس� � ��رون من أن الله خل� � ��ق العالم من عدم هو‬ ‫اجتهاد منهم في قراءة النص‪ .‬وتناول فكرة اخللق‬ ‫في احلديث الش� � ��ريف‪ ،‬وبدأ بتعريف احلديث لغة‬ ‫واصطالحا ومكانته عند املس� � ��لمني وبيان أنواعه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ويس� � ��تعرض مجموعة أحاديث نبوي� � ��ة في اخللق‪،‬‬ ‫ومن ذلك جند عش� � ��رة أحاديث تركزت على كيفية‬ ‫وج� � ��ود الله وحده قبل خل� � ��ق العالم وخلق األرض‪،‬‬ ‫ليدخ� � ��ل إلى أه� � ��م الفصول التي قارن� � ��ت وقاربت‬ ‫النصوص اليهودية واملس� � ��يحية‪ ،‬ويعتبر أن القرآن‬ ‫الكرمي ال ميكن أن يكون قد أخذ شي ًئا من التوراة‪،‬‬ ‫وإن كان هناك تش� � ��ابه كبي� � ��ر‪ ،‬ألن القرآن والتوراة‬ ‫منزالن من عند الله‪ ،‬فال يعجز الله أن ينزل كتا ًبا‬ ‫على رسوله الذي اصطفاه‪ .‬في اجلزء الثاني تناول‬ ‫املؤل� � ��ف اخللق من العدم‪ ،‬وفيه رأي املعتزلة كام ً‬ ‫ال‬ ‫موضحا أن املعتزلة‬ ‫حول مسألة اخللق من العدم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مخلص� � ��ون للخلق م� � ��ن ع� � ��دم‪ ،‬والتوحيد‪ ،‬بخالف‬ ‫جميع الباحثني‪ ،‬قدامى ومحدثني‪ ،‬الذين اتهموهم‬ ‫بالقول بقدم العالم‪ .‬كما حلل مسألة صفة اإلرادة‬ ‫والفاع� � ��ل‪ ،‬والتأكيد هنا ً‬ ‫أيضا على املعتزلة مقارنة‬ ‫باألش� � ��اعرة‪ ،‬كما أخذ مبدارس ال� � ��كالم في خلق‬ ‫العالم‪ ،‬وهي مدرس� � ��ة اخللق املستمر عند املعتزلة‬ ‫ومدرس� � ��ة اخللق املتجدد عند األشاعرة‪ ،‬متحق ًقا‬ ‫من إش� � ��كالية‪ :‬هل اخللق دفع� � ��ة واحدة أم بتدرج؟‬ ‫إلى أن قارب األدلة الكالمية التي قدمها املتكلمون‬ ‫حول إثبات وجود الله تعالى وقِ دم العالم وحدوثه‬ ‫وق� � ��دم امل� � ��ادة وغيرها من األدل� � ��ة التي تصب في‬ ‫الفكر اإلس� �ل��امي‪( .‬را‪ :‬اآللوس� � ��ي‪ ،‬حسام محيي‬ ‫الدين‪ ،‬مشكلة اخللق في الفكر اإلسالمي‪ ،‬ص‪21‬‬ ‫وما بعدها)‪.‬‬

‫شعرا‪ :‬الغربة‪ ...‬الوطن‪ ...‬املوت‬ ‫الفلسفة ً‬

‫ف� � ��ي ديوانه «زمن البوح» وه� � ��و قصائد بدأ في‬ ‫كتابتها منذ اخلمس� � ��ينيات‪ ،‬يكش� � ��ف لنا اآللوس� � ��ي‬ ‫عن ش� � ��عرية فلس� � ��فية وجتربة حي� � ��اة ومعاناة وطن‬ ‫ووجداني� � ��ات‪ .‬كت� � ��ب ف� � ��ي ديوانه يق� � ��ول‪« :‬إنني في‬ ‫ش� � ��عري‪ ،‬أع ِّبر عن نفسي‪ ،‬بش� � ��كل مباشر وواضح‬ ‫وأكثر ش� � ��فافية‪ ...‬وهذه القصائ� � ��د التي أقدم لها‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 12-17.indd 16‬‬


‫تع ّبر عنّي منذ صباي‪ ،‬وإلى اآلن‪ ،‬وجدان ًيا وفكر ًيا‪،‬‬ ‫وفي كل منحى وناحية‪ ،‬من الفكر والشعور والعاطفة‬ ‫واملوقف‪ ،‬نعم املوقف‪ ...‬وهنا أحب أن أسجل لقضية‬ ‫تطبع شعري وقصائدي‪ ،‬هي أنها حتى عندما تع ّبر‬ ‫ع� � ��ن موقف وجداني وانفعالي عاطفي عن الطبيعة‬ ‫أو الوطن أو األهل‪ ،‬فإن املوقف أو الفكر أو املعاناة‬ ‫الفكرية‪ ،‬تبقى واضحة ب ّينة‪ ،‬تتوس� � ��ع أحيا ًنا‪ ،‬بحيث‬ ‫تكاد تقضي على براءة الشعر‪ ،‬وطفولته‪ ،‬ومباشرته‬ ‫وانفعاالته الوجدانية»‪.‬‬ ‫إن عدد قصائد اآللوس� � ��ي املنش� � ��ورة في ديوانه‬ ‫هو ‪ 244‬قصيدة مختلف� � ��ة الطول والبحر واملوضوع‪،‬‬ ‫غطت ‪ 740‬صفحة‪ .‬يبدو ش� � ��ديد االنشغال بتأمالته‬ ‫ح� � ��ول املوت واملصير ونهاية األش� � ��ياء‪ .‬م� � ��ن عناوين‬ ‫قصائده في امل� � ��وت‪« :‬م َّوتك املوت»‪« ،‬املفكر واملوت»‪،‬‬ ‫«املوت خارج الوطن»‪« ،‬صراع األحياء أو تعانق املوت‬ ‫واحلي� � ��اة»‪« ،‬امليت احل� � ��ي»‪« ،‬رقي للم� � ��وت وأغنيات‬ ‫للحي� � ��اة»‪« ،‬في حضرة اقتراب املوت»‪( .‬را‪ :‬اجلابري‪،‬‬ ‫علي حسني‪ :‬حسام الدين اآللوسي ولعبة الهروب من‬ ‫املوت باخللود‪ ،‬صحيفة الزمان‪ 18 ،‬نوفمبر ‪.)2013‬‬ ‫لم تع ِّبر قصائد اآللوس� � ��ي عن أس� � ��ئلة اخللود‬ ‫واملوت فق� � ��ط‪ ،‬إذ حملت في طياتها املآس� � ��ي التي‬ ‫تعرضت لها بالده‪ ،‬نقتبس جز ًءا منها‪:‬‬ ‫«يا غائبني وعن ُبعد أشاهدهم‬ ‫أنتم معي ها هنا في قلبي الصادي‬ ‫أقمت في وحدتي في الروح معبدكم‬ ‫ُ‬ ‫إليه أرفع أذكاري وأورادي‬ ‫حدثني بال ملل عنهم‬ ‫يا حادي الركب ّ‬ ‫ففي ذاك إيناسي وإسعادي»‬ ‫م� � ��ن جمل� � ��ة القصائ� � ��د األخيرة التي نش� � ��رها‬ ‫اآللوسي الفيلسوف والش� � ��اعر نورد هذه القصيدة‬ ‫(ملحق جريدة املدى العراقية «‪:)»2013/10/23‬‬ ‫ُ‬ ‫العراق‬ ‫نخلة‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫العراق‬ ‫ملك‬ ‫هي‬ ‫نخلة‬ ‫كل‬ ‫ِ‬ ‫هي ملكي‪ ،‬هي ٌ‬ ‫العراق‬ ‫لشعب‬ ‫ملك‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫الوسط‬ ‫في‬ ‫أو‬ ‫اجلنوب‬ ‫نخلة في‬ ‫كل‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫هي أم العراق‬ ‫العراق‬ ‫واد بكردستان عبر شمال‬ ‫وفي أي ٍ‬ ‫ِ‬ ‫هي رمزٌ ملن سكنوا‪ ،‬يسكنون العراقَ‬ ‫شعب بكل دماءِ بنيه اختلط‬ ‫ِ‬ ‫لوحدة ٍ‬ ‫حسام محيي الدين اآللوسي‪ ...‬وسؤال الفلسفة‬

‫‪7/9/14 10:51:53 AM‬‬

‫***‬

‫ُّ‬ ‫نخلة‬ ‫كل‬ ‫ٍِ‬ ‫ُ‬ ‫البشر‬ ‫تأريخنا هي تاريخ كل‬ ‫هي‬ ‫ِ‬ ‫الصعود‬ ‫املسيرة بدء احلضارة وبدء‬ ‫هي بدء‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫البشر‬ ‫لكل‬ ‫ِ‬ ‫سعفها ساقها‪،‬‬ ‫فمن ِ‬ ‫أوقد ابن العراقيني نا ًرا‬ ‫على ضوئها طارد اجلهل‬ ‫قال هنا يبدأ الدرب‬ ‫الدرب نحو التحضر‬ ‫مفترق‬ ‫ِ‬ ‫بدء الكتابة طقوس التواصل وضع احلروف‬ ‫الشوارع‪ ،‬وضع التقاومي‪،‬‬ ‫التمدن رصف‬ ‫ابتداء‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫سر اخلسوف وسر الكسوف‬ ‫ومن ساقها خيشها‪ ،‬سعفها‬ ‫صنعوا ً‬ ‫زورقا‪ ،‬عبروا الشاطئني‬ ‫دجنوا‪ ،‬عرشوا‪ ،‬خضعوا‬ ‫وفي فيئها ابتكروا‪ّ ،‬‬ ‫أعمروا الشاطئني‬ ‫أقاموا الصناعات‬ ‫واحلرب‬ ‫السلم‬ ‫أتقنوا مهن َة‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫السدود‬ ‫ووضع‬ ‫السهول‬ ‫زرعوا‬ ‫ِ‬ ‫السيوف‪.‬‬ ‫اجليوش وصنع‬ ‫بناء‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫زمن اآللوسي‪ ...‬وأزمنة العرب‬

‫عاصر اآللوس� � ��ي في أعوامه الس� � ��بعة والسبعني‬ ‫أبرز املتغيرات التاريخية والسياس� � ��ية التي ش� � ��هدها‬ ‫العالم العربي‪ .‬فيلس� � ��وفنا املخضرم كان شاه ًدا على‬ ‫احلراك العربي وعلى مقاتل العرب ونكستهم ونكبتهم‬ ‫وآمالهم ومآسيهم وتطلعاتهم واضطراباتهم وقلقهم‪.‬‬ ‫م������ع غياب ه������ذه القامة الفلس������فية الكبيرة‬ ‫نستعيد أحد األسئلة املطروحة في بداية املقال‪:‬‬ ‫ما ال������دور الذي يجب أن تضطلع به الفلس������فية‬ ‫(أ ُّم العلوم) في تفسير وحتليل وتفكيك ومقاربة‬ ‫أزمات مجتمعاتن������ا ماض ًيا وحاض ًرا؟ نترك باب‬ ‫مفتوحا علّنا نتدارك في حلظة تاريخية‬ ‫اإلجابة‬ ‫ً‬ ‫قادمة وعينا لذاتنا وماضينا ومستقبلنا انطال ًقا‬ ‫م������ن هذا اإلرث الفلس������في الضخ������م الذي تركه‬ ‫عميد فالس������فة العراق حس������ام محي������ي الدين‬ ‫اآللوس������ي وأبن������اء جيله م������ن املبدع���ي��ن العرب‬ ‫النقديني املؤسسني >‬

‫‪17‬‬

‫‪august 12-17.indd 17‬‬


‫قضايا عامة‬

‫أزمة اإلبداع التعليمي‬ ‫في املجتمع العربي‬ ‫د‪ .‬ربى ناصر الشعراني *‬ ‫التعلي ��م وس ��يلة أساس ��ية إلنتاج ف ��رد ومجتم ��ع وصياغتهما ف ��ي أروع صورة يبتغيه ��ا املجتمع‬ ‫لنفس ��ه وألبنائ ��ه‪ .‬فهو طريق أمثل رس ��مه لضمان وجوده وتطوير حيات ��ه‪ ،‬وذلك بانتقاء أفضل‬ ‫الثقاف ��ات والتعالي ��م واملبادئ لتجديده وتوس ��يع آف ��اق من ّوه‪ .‬وتتمثل ه ��ذه الثقافات على أرض‬ ‫الواقع‪ ،‬ليخرج إلى احلياة جيل محب ملجتمعه‪ ،‬فقيه بحاله‪ ،‬مدرك حلقوقه وواجباته إزاءه‪.‬‬ ‫لك� � ��ن الواق� � ��ع العرب� � ��ي دو ًما ينس� � ��ف‬ ‫املرجتى‪ ،‬فالتعليم فيه غدا ورقة رابحة‬ ‫بيد ال� � ��دول املس� � ��تعمرة القوي� � ��ة التي‬ ‫أدركت الس� � ��ر األكبر لإلمس� � ��اك بزمام األمور في‬ ‫املجتمعات العربية عبر إحكامها القيد على عقول‬ ‫الن� � ��شء اجلديد في أولى خط� � ��وات انطالقه نحو‬ ‫احلياة‪ ،‬قب� � ��ل أن تتكون لديهم احلصانة الداخلية‪.‬‬ ‫فاستثمرت أزمة التعليم املتأرجحة بني هيمنة بقايا‬ ‫فكرية استعمارية وس� � ��لطة محلية حاكمة رافضة‬ ‫ألي إب� � ��داع فكري‪ ،‬بالرغم م� � ��ن اجلهود املتواصلة‬ ‫لتثبيت رؤية تعليمية واضحة ترس� � ��م على أساسها‬ ‫األهداف والسياس� � ��ات‪ ...‬ولكن سرعان ما يكتب‬ ‫لها الفشل‪.‬‬ ‫ويستمر بالتالي التقليد الهمجي والعبثي للغرب‪،‬‬ ‫وتنمو في التعليم العالي نظم التعليم النظرية التي‬ ‫تنش� � ��ر الثقافة االس� � ��تهالكية على حس� � ��اب التعليم‬ ‫امليداني‪ ،‬املهن� � ��ي والعلمي الذي ضاقت مس� � ��احته‬ ‫إل� � ��ى أدنى حد‪ ،‬وما يترتب على ذلك من نتائج جتر‬ ‫الويالت عل� � ��ى املجتمع‪ ،‬فتتك ّدس ش� � ��هادات العلوم‬

‫النظرية وتضمحل ش� � ��هادات املنحى العلمي ليختل‬ ‫التوازن في تلبية حاجات املجتمع‪.‬‬ ‫ويت� � ��وه خريجو اجلامع� � ��ات باحثني عن عمل‪،‬‬ ‫ويت� � ��وه املجتم� � ��ع باح ًثا عن كف� � ��اءات في املجاالت‬ ‫العلمية‪ ،‬باح ًث� � ��ا عن كوادر تق� � ��وم بحمل املواطنة‬ ‫الصحيحة‪ ،‬عن ر ّواد يتولون تسييره وفق إبداعاتهم‬ ‫وومضاتهم الفكرية‪.‬‬ ‫األص� � ��ل في تعلي� � ��م الفرد خدمة نفس� � ��ه أوالً‬ ‫ومجتمعه ثان ًيا‪ ،‬فالب� � ��د إذن أن يترجم علمه على‬ ‫أرض الواقع في عمارة مجتمعه‪ ،‬فال يكون مجرد‬ ‫نظريات ومعلومات يتلقاها مبنأى عن املجتمع‪...‬‬ ‫وهذا يس� � ��تتبع بالتال� � ��ي العمل عل� � ��ى بناء طالب‬ ‫ذوي تفكير إبداعي مميز‪ ،‬األمر الذي يس� � ��توجب‬ ‫حتس� �ي��ن مخرجات مؤسس� � ��ات التعليم وتطعيمها‬ ‫بفكر مبدع متقد‪.‬‬ ‫وهن� � ��ا تتجلى ض� � ��رورة رفد املجتمع بش� � ��باب‬ ‫مفكري� � ��ن‪ ،‬يجي� � ��دون حل املش� � ��كالت‪ ،‬ويتقنون فن‬ ‫التعام� � ��ل مع الغير‪ ،‬وهذا يس� � ��تدعي ‪ -‬وال ش� � ��ك‬ ‫‪ -‬اعتم� � ��اد تعليم ف ّعال مغاي� � ��ر للتعليم املعتمد في‬

‫* أكادميية من لبنان‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫‪7/9/14 11:27:08 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 18-22.indd 18‬‬


‫مدرسة الشهداء من العهد العثماني‬

‫امل� � ��دارس الي� � ��وم‪ ،‬تعليم مثمر يهدف إلى إكس� � ��اب‬ ‫الط� �ل��اب العقلية املنفتحة التي تكس� � ��بهم حس� � ��ن‬ ‫التصرف ف� � ��ي مجابه� � ��ة التحديات الت� � ��ي ترتقب‬ ‫مجتمعهم وأمتهم‪.‬‬ ‫واألم� � ��ة العربية اليوم تئن م� � ��ن ثقل التحديات‪،‬‬ ‫م� � ��ن صدأ العقول املتحجرة الت� � ��ي نأت عن التفكير‬ ‫وارتض� � ��ت العيش على هامش احلي� � ��اة‪ ،‬وتفتقر إلى‬ ‫عقول مفكرة تعيد إليها لها عزّها املسلوب‪.‬‬

‫التعليم قوة ال يستهان بها‬

‫إن التعليم هو األزمة األولى في العالم العربي‪،‬‬ ‫وإن ال� � ��كالم عن حل لها ال معن� � ��ى له‪ ،‬ما لم يحدث‬ ‫تغيير جذري في أنظمة التعليم السائدة التي تعكس‬ ‫تلقائ ًي� � ��ا التخلف الفكري واجلم� � ��ود العقلي اللذين‬ ‫أصابا اإلنسان العربي‪.‬‬ ‫إنه ليس حرك� � ��ة نهضوية إصالحية فحس� � ��ب‪،‬‬ ‫وإمنا عملية تنموية إنسانية في الدرجة األولى‪ ،‬هو‬ ‫قوة ال يس� � ��تهان به� � ��ا‪ ،‬ولكن أي تعلّ� � ��م هذا؟ هل هو‬ ‫كيفما اتفق؟ وفي أي صورة ارتسم؟‬ ‫يق� � ��ول توني بوزان «ال ميكن للتعلم أن يكون ذا‬ ‫ش� � ��أن إال إذا كان العقل ال� � ��ذي وراءه يعرف جي ًدا‬ ‫أزمة اإلبداع التعليمي في املجتمع العربي‬

‫‪7/9/14 10:52:22 AM‬‬

‫كي� � ��ف يس� � ��تخدم كل كلمة مبهارة ش� � ��ديدة»‪ .‬إذن‬ ‫الب� � ��د أن يكون هذا التعلم قائ ًما على تفكير مميز‬ ‫متقن غير تقليدي‪ ،‬فقد اعتاد طالب هذا العصر‬ ‫اعتماد التفكير املرتكز على تذكر املعلومات التي‬ ‫مت تخزينه� � ��ا في الذاكرة‪ .‬ليصب� � ��ح هذا النوع من‬ ‫التفكي� � ��ر ‪ -‬أي احلفظ ‪ -‬ش� � ��ائ ًعا ج ًدا حتى غلب‬ ‫على البرامج املدرس� � ��ية‪ .‬وأضحى الطالب ميضي‬ ‫حوال� � ��ي ‪ 20‬في املائة من وقته في املدرس� � ��ة في‬ ‫مرحلت� � ��ي الطفولة واملراهق� � ��ة‪ ،‬أي مبعدل حوالي‬ ‫‪ 22000‬س� � ��اعة من عمره في الدراسة من الصف‬ ‫األول األساس� � ��ي إل� � ��ى الثال� � ��ث الثان� � ��وي مبعدل‬ ‫ساعتني يوم ًيا‪ ،‬وهو لم يتعلم بعد التفكير السليم‪،‬‬ ‫عل ًم� � ��ا بأن الناظر الي� � ��وم إلى الس� � ��يل العارم من‬ ‫املعلومات وحفظها‪ ،‬يدرك أن األمر يتعدى حدود‬ ‫الفكر التقليدي ليصل إلى تفكير تأملي‪ ،‬حتليلي‪،‬‬ ‫ناقد‪ ،‬إبداعي‪.‬‬ ‫فاألم� � ��ر إذن يحتاج إلى وقف� � ��ة جنول فيها على‬ ‫توزع الق� � ��وى املهيمنة على العال� � ��م‪ ،‬واملرتكزة بداية‬ ‫ونهاي� � ��ة على س� �ل��اح التعل� � ��م‪ .‬لنبدأ م� � ��ع الصاروخ‬ ‫الروس� � ��ي الذي س� � ��بق رفاقه إلى الفضاء في العام‬ ‫‪ ،1957‬لينقل� � ��ب الرئيس األمريكي إل� � ��ى التعلم في‬

‫‪19‬‬

‫‪august 18-22.indd 19‬‬


‫املدرسة القرطاوية العثمانية في طرابلس‬

‫بل� � ��ده‪ ،‬ويصدر القرارات مبراجع� � ��ة وتعديل املناهج‬ ‫التعليمية في املدارس‪ .‬يقول العالم األمريكي كارل‬ ‫الندروفر معل ًقا‪« :‬املدرس� � ��ة الروسية انتصرت على‬ ‫املدرسة األمريكية»‪.‬‬ ‫وف� � ��ي أمري� � ��كا الي� � ��وم يت� � ��م تغيي� � ��ر املناهج كل‬ ‫ثالث س� � ��نوات ملواكبة تطورات العلم والتكنولوجيا‬ ‫املتالحق� � ��ة‪ ،‬وتق � � � ّدر كلفة منهج العل� � ��وم في أمريكا‬ ‫للصف الس� � ��ادس بحوالي ‪ 600‬مليون دوالر‪ ،‬شارك‬ ‫في تأليفه ‪ 600‬شخص‪ ،‬منهم كبار رجال الصناعة‬ ‫في أمريكا‪ ،‬ليدلوا بدلوهم في التركيز على القضايا‬ ‫التي تهم الصناعة األمريكية‪.‬‬ ‫ويقول اجلنرال الياباني عن الصراع بني اليابان‬ ‫وروس� � ��يا‪« :‬انتصر املعل� � ��م اليابان� � ��ي عندما هزمت‬ ‫اليابان روس� � ��يا في مطلع هذا الق� � ��رن»‪ .‬وبدوره رد‬ ‫ديجول هزمية بالده إلى هزمية املدرسة الفرنسية‬ ‫أمام املدرسة األملانية‪.‬‬ ‫وبل� � ��د مثل الهند حقق جترب� � ��ة دميقراطية هي‬ ‫األكبر ف� � ��ي العالم‪ ،‬بالرغم من فقر ش� � ��عبه وتباين‬ ‫العقائ� � ��د والفلس� � ��فات‪ ،‬وذلك بفضل تف � � � ّوق نظامه‬ ‫التعليمي الذي اس� � ��تأثر به الفق� � ��راء واألغنياء على‬ ‫السواء‪.‬‬ ‫واألمثل� � ��ة على ذلك كثي� � ��رة ال حتصى‪ ،‬وهي إن‬

‫‪20‬‬

‫‪7/9/14 10:52:29 AM‬‬

‫دلت على أمر‪ ،‬فإمنا تدل على مدى فاعلية النظام‬ ‫التعليم� � ��ي في االرتقاء باألم� � ��ة وحتصينها ملواجهة‬ ‫أقسى التحديات‪.‬‬ ‫إن العلّة التي أملت بالعالم العربي اليوم وأطاحت‬ ‫به ه� � ��ي وأد اإلبداع والتجديد الفك� � ��ري في ثناياه‪،‬‬ ‫لينتهي إلى إصابة النفوس بعدوى التقليد عن غير‬ ‫هدى‪ ،‬فكانت الفوض� � ��ى الفكرية بكل ما حتمل من‬ ‫معان‪ ،‬ومتى افتُقد التفكير الس� � ��ليم افتُقد االهتداء‬ ‫إلى الصواب في الق� � ��ول والعمل‪ ،‬وفتح الباب على‬ ‫مصراعيه أمام التأثيرات األجنبية الوافدة‪ ،‬وهزت‬ ‫الوحدة العربية في صميمها‪ ،‬واستغل التنوع الفاقد‬ ‫لرابط يجمع� � ��ه‪ .‬وأصبح العقل العربي مش� � ��لوالً ال‬ ‫يقوى على اس� � ��تيعاب أفكار رفقائ� � ��ه‪ ،‬لتفقد األمة‬ ‫بذل� � ��ك وحدتها الروحية‪ ،‬وهذا ‪ -‬وال ش� � ��ك ‪ -‬أول‬ ‫انزالق تتعثر فيه‪ ،‬ثم تتوالى النكبات ليُنفى اخليال‬ ‫كمع� �ي��ن أساس� � ��ي للنظري� � ��ات العلمي� � ��ة واحلقائق‬ ‫املستجدة واالكتشافات الرائدة‪.‬‬ ‫استُبعد التأمل والتفكير ليستبعد معه كل إبداع‬ ‫ف� � ��ردي أو مؤسس� � ��اتي‪ ،‬ليوصم العال� � ��م العربي في‬ ‫نهاي� � ��ة املطاف بالدول النامية‪ ،‬أو بتعبير أدق الدول‬ ‫املتخلفة‪.‬‬ ‫إن الع� � ��رب هم م� � ��ن تخلوا عن االحت� � ��كام إلى‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 18-22.indd 20‬‬


‫العقل ملصلحة الدول األخرى‪ ،‬ولسان حالهم وحال‬ ‫مؤسس� � ��اتهم وأوطانه� � ��م ينطق بذل� � ��ك‪ ،‬لتنتهي بهم‬ ‫احلال إلى أمة استهالكية تأكل مما ال تنتج‪ ،‬وتلبس‬ ‫مما ال تصنع‪ ،‬أمة حتكم على نفسها باملوت‪.‬‬

‫أين مدارسنا من اإلبداع؟‬

‫إن املنه� � ��ج التعليمي يالزم الطالب طيلة حياته‪،‬‬ ‫فبعد أن يك� � ��ون محكو ًما بالقالب األس� � ��ري امللزم‪،‬‬ ‫ينتق� � ��ل إلى املدرس� � ��ة‪ ،‬حيث يتابع املعل� � ��م دوره في‬ ‫كبت حرياته األربع‪ :‬حرية احلركة‪ ،‬الكالم‪ ،‬التفكير‬ ‫واالختيار‪ ،‬ويبدأ في تدريبه على تس� � ��مير جس� � ��ده‬ ‫في املقعد م� � ��ن دون تفكير‪ ،‬وينص� � ��ب املعلم أمامه‬ ‫آم � � � ًرا ناه ًي� � ��ا معصو ًما من اخلطأ‪ ،‬فينش� � ��أ الطفل‬ ‫عل� � ��ى تقدمي اإلذعان والطاعة للغير‪ ،‬فال يناقش أو‬ ‫يحاور أو يفنّد‪ ،‬بل يسمع وينفذ‪ ،‬وتغدو هذه السمة‬ ‫مالزمة لشخصيته‪ ،‬طامسة كل مهارة قيادية لديه‪.‬‬ ‫وه� � ��ذا بحق جرمية كبرى ترتك� � ��ب في حق الطالب‬ ‫واملجتمع بأسره‪ ،‬والسيما أنه يفتقد القيادة املبدعة‬ ‫الواعية‪.‬‬ ‫والطفل العربي‪ ،‬وف ًقا ملا أثبتته بعض الدراسات‪،‬‬ ‫تفوق نسبة ذكائه وقدرته على االبتكار اخل ّ‬ ‫الق غيره‬ ‫م� � ��ن أطفال العالم مبراحل كثيرة‪ ،‬فهو بش� � ��كل عام‬ ‫يتس� � ��م باليقظة‪ ،‬إال أنه يفتقد احلافز على اإلبداع‬ ‫عند س� � ��ن السابعة‪ ،‬عام دراس� � ��ي واحد من النظام‬ ‫التعليم� � ��ي املرهق كفي� � ��ل بتثبيط الهم� � ��ة اإلبداعية‬ ‫لدي� � ��ه‪ ،‬فهذا النظام يقضي عل� � ��ى ‪ 15‬في املائة من‬ ‫قدرات الطالب مع كل عام دراسي‪ ،‬حتى إذا وصل‬ ‫إلى املرحلة اإلعدادية يك� � ��ون قد فقد قدراته كلها‬ ‫تقري ًبا‪.‬‬ ‫وقد اس� � ��تغربت اخلبي� � ��رات األجنبيات قدرات‬ ‫األبناء العرب على االس� � ��تيعاب الس� � ��ريع والتشوق‬ ‫للمزيد من املعلومات بشكل يفوق غيرهم من أطفال‬ ‫الغ� � ��رب‪ ،‬إال أن خبراء أجانب آخري� � ��ن لم يفاجأوا‬ ‫مب� � ��ا ح ّل بأطف� � ��ال العرب‪ ،‬ور ّدوا ذل� � ��ك إلى النظام‬ ‫املدرسي الصارم اخلانق لإلبداع‪ ،‬بقولهم‪ :‬جنلسهم‬ ‫على مكاتب ونطالبه� � ��م برفع أيديهم قبل التحدث‪،‬‬ ‫فنحن نش� � ��دد على االلتزام والنظ� � ��ام‪ ،‬ثم نعود بعد‬ ‫ذلك ونتس� � ��اءل عن الس� � ��بب في عدم قدرتهم على‬ ‫اإلبداع!‬ ‫ً‬ ‫ه� � ��ذا فضال ع� � ��ن إهمال الف� � ��روق الفردية بني‬ ‫أزمة اإلبداع التعليمي في املجتمع العربي‬

‫‪7/9/14 10:52:34 AM‬‬

‫الطلب� � ��ة والتركيز على أس� � ��اليب التدريب اجلمعية‬ ‫التي ت� � ��ؤدي إلى جتاه� � ��ل الطالب املب� � ��دع فتتدنى‬ ‫دافعيته‪ ،‬فأ ّنى له بعد ذلك البحث عن ذاتيته؟!‬ ‫وأضحى التعلي� � ��م دوامة مغلقة غير قادرة حتى‬ ‫على التأهيل الصحيح‪ ،‬األس� � ��اتذة حتكمهم قوالب‬ ‫محددة‪ ،‬والطالب يتزاحمون في انتظار ش� � ��هادات‬ ‫التخ� � ��رج‪ ،‬تخرج ط� �ل��اب غير قادري� � ��ن على حت ُّمل‬ ‫أعباء األمة‪ ،‬ففكرهم لم يتعود حل املشكالت‪ ،‬وإمنا‬ ‫التلقي وحسب‪.‬‬ ‫وق� � ��د ُع� � ��زي االرتف� � ��اع ف� � ��ي درج� � ��ة التحكمية‬ ‫(التس� � ��لطية)‪ ،‬التي يتعرض له� � ��ا الطالب في عمر‬ ‫(‪ 12-6‬س� � ��نة)‪ ،‬ال إلى األس� � ��رة‪ ،‬بل إلى املؤسس� � ��ة‬ ‫التعليمي� � ��ة الرس� � ��مية‪ ،‬إذ إن هذه املؤسس� � ��ة تعكس‬ ‫الس� � ��لطة الرسمية في املجتمع وفي معظم األحيان‬ ‫صورتها السياسية االقتصادية‪.‬‬ ‫م� � ��ن ه� � ��ذا املنطق ميك� � ��ن رصد فش� � ��ل النظام‬ ‫التعليم� � ��ي احلال� � ��ي ف� � ��ي توعية الط� �ل��اب مباهية‬ ‫النماذج الفكرية احلالية‪ ،‬لتبقى الفصول الدراسية‬ ‫تعقد على الكتاب املدرسي وتلقني املدرس‪ ،‬بالرغم‬ ‫من محاوالت اإلص� �ل��اح الكثيرة م� � ��ن قبل األفراد‬ ‫واجلماعات التي باءت بالفشل الذريع‪.‬‬ ‫ومن هنا فإنه البد من العمل على تغيير احلال‪،‬‬ ‫وإيجاد مناهج التفكير النقدي‪ ،‬إال أن هذه املناهج‬ ‫التعليمي� � ��ة حتت� � ��اج إلى دع� � ��م مالي ع� � ��ال ليتم نقل‬ ‫الش� � ��باب من ثقافة الكتاب إل� � ��ى ثقافة اإلبداع عبر‬ ‫نش� � ��اطات تس� � ��اعد على انطالق التفكير املتشعب‪،‬‬ ‫وه� � ��ذا بالطبع لي� � ��س باألمر الهينّ ‪ ،‬ب� � ��ل يحتاج إلى‬ ‫تأميم ورعاية‪.‬‬ ‫إن املجتم� � ��ع العرب� � ��ي ين� � ��وء بثق� � ��ل التحديات‬ ‫العلمية‪ ،‬فخالل املائة سنة املاضية كان نصيبه من‬ ‫االكتش� � ��افات واالبتكارات العلمية منعد ًما أو ش� � ��به‬ ‫منعدم‪ .‬وم� � ��ا األدوات واآلالت املس� � ��توردة إال دليل‬ ‫آخر على الفشل واخلنوع‪.‬‬ ‫إن املبال� � ��غ التي تنفق على التعليم احلكومي في‬ ‫الوطن العربي تصنع بها أفضل مدارس في العالم‪.‬‬ ‫فاملس� � ��ألة إذن ليس� � ��ت اقتصادية‪ ،‬وإمنا اخللل في‬ ‫إدارة املسألة‪.‬‬ ‫إن التعليم في املجتمع العربي بصيغته احلالية‬ ‫ل� � ��ه العديد من األهداف‪ ،‬وواحد من األهداف التي‬ ‫ناد ًرا ما تطفو على س� � ��طح إدراكنا مسألة احلفاظ‬

‫‪21‬‬

‫‪august 18-22.indd 21‬‬


‫على الوضع الراه� � ��ن‪ ،‬أي رفد املجتمع بأعضاء لن‬ ‫يقوموا بتحدي أي من اجلوانب األساسية للطريقة‬ ‫التي تسير بها األمور‪.‬‬ ‫وهذا يس� � ��توجب تأمني بيئة تعليمية يرغم فيها‬ ‫الطالب على تعلُّم الطاعة واإلذعان من دون تفكير‬ ‫أو تردي� � ��د‪ ،‬والقيام باملهام الوظيفي� � ��ة دون مت ّرد أو‬ ‫عصيان‪ ،‬فاملطلوب إع� � ��داد موظفني يعملون ضمن‬ ‫حدوده� � ��م الوظيفي� � ��ة ال غي� � ��ر‪ ،‬ال علم� � ��اء مبدعني‬ ‫مكتش� � ��فني مبقدورهم نقد ومتيي� � ��ز أو رفض كل ما‬ ‫يتقدم إليهم‪ ،‬قادرين على فعل أشياء جديدة وعدم‬ ‫االكتفاء بتمجيد ما فعلته األجيال السابقة‪.‬‬

‫فجوة بني التعليم وفن احلياة‬

‫إن هذه الفج� � ��وة بني التعلي� � ��م العربي واحلياة‪،‬‬ ‫وقف� � ��ت بالع� � ��رب في أوائ� � ��ل الطري� � ��ق‪ ،‬حني مضى‬ ‫اآلخ� � ��رون يعملون ليصلوا إل� � ��ى محطات من الرقي‬ ‫واإلبداع تثير الش� � ��غف‪ .‬فما سر هذه الفجوة‪ ،‬وإلى‬ ‫متى ستدوم؟‬ ‫إن األمة حتتاج إلى أن جتيد فن احلياة‪ .‬الطالب‬ ‫ي� � ��درس مرغ ًما‪ ،‬العام� � ��ل يعالج حرفت� � ��ه وهو ضائق‬ ‫منكم� � ��ش‪ ،‬املوظف يجل� � ��س إلى مكتب� � ��ه وهو مهدود‬ ‫مهزوم‪ ،‬التاجر يدخل متجره وهو خامل مستكني‪ ،‬إن‬ ‫أجهزتهم النفسية متوقفة كالساعة الفارغة ال يسمع‬ ‫لها رنني‪ ،‬وال ترى بها حياة‪ ،‬وال ينضبط بها وقت!‬ ‫احلاج� � ��ة هنا إل� � ��ى مواطنني س� � ��ليمي التفكير‬ ‫قبل كل ش� � ��يء‪ ،‬ليحسنوا حترير أنفسهم من القيود‬ ‫التقليدي� � ��ة‪ ،‬ليفك� � ��روا خ� � ��ارج الصن� � ��دوق‪ ،‬ليفكروا‬ ‫بأنفس� � ��هم ب� � ��دالً م� � ��ن أن يفكر أحد عنه� � ��م فيتولى‬ ‫أمورهم‪ .‬فم� � ��ن املفترض أن يك� � ��ون التفكير الناقد‬ ‫مب� � ��ادرة ذاتية من قبل الطال� � ��ب الذي يخوض غمار‬ ‫احلاضر واملس� � ��تقبل‪ ،‬إال أن غيابه في املؤسس� � ��ات‬ ‫التعليمية يش� � ��هد على العج� � ��ز املضني على التمييز‬ ‫بني سياقات التعليم املثمر وغير املثمر‪.‬‬ ‫ف� � ��ي التعليم املثم� � ��ر‪ ،‬إن الطالب ‪ -‬وإن خش� � ��ي‬ ‫اخلط� � ��أ ‪ -‬إال أن� � ��ه يعم� � ��ل ويثابر فيخط� � ��ئ ليتعلم‬ ‫ويقاسي‪ ،‬ثم يكسب املهارة في ممارسته ويتعزز لديه‬ ‫إميانه بذاته‪ .‬يقول فرانز س� � ��يربيك‪« :‬أجمل ما في‬ ‫إبداعات الطفل أخطاؤه‪ ،‬فعلمه رائع بقدر ما يحفل‬ ‫ب� � ��ه من األخطاء الفردية‪ ،‬وممل وبعيد عن س� � ��ماته‬ ‫الشخصية بقدر ما يزيل املعلم من أخطائه»‪.‬‬

‫يش� � ��ار هنا إلى أن� � ��ه ال ميكن اكتس� � ��اب اخلبرة‬ ‫والتعلم إال من األخطاء في التجارب‪ ،‬ولكن املدارس‬ ‫في العالم العربي تغفل عن هذا األمر‪ ،‬فال تس� � ��مح‬ ‫باألخطاء وتس� � ��ارع في احملاس� � ��بة عليها لكي يتعذر‬ ‫محوه� � ��ا‪ ،‬وعلى الطالب تفاديها بأي وس� � ��يلة كانت‪،‬‬ ‫حتى يؤدي به األمر إلى امتهان السلبية في مواقفه‬ ‫املستقبلية‪ ،‬وفي عمله في املؤسسات‪ ،‬فيقوم بأدنى‬ ‫ما ميكن من الواجب بغية حتقيق أمنه الوظيفي‪.‬‬ ‫في تقرير نش� � ��رته «لوس أجنليس تاميز» في ‪23‬‬ ‫يناي� � ��ر ‪2001‬م‪ ،‬مفاده أن حجم املواد التي يدرس� � ��ها‬ ‫الط� �ل��اب في مصر أضعاف ما يدرس� � ��ه الطالب في‬ ‫أمري� � ��كا‪ ،‬وكذا إن ما يقضي� � ��ه الطالب املصريون في‬ ‫املذاكرة أضعاف ما يقضيه الطالب األمريكيون‪ .‬فإالم‬ ‫يعود هذا التفاوت الكبير في املناهج واملقررات؟‬ ‫إن املناه� � ��ج الت� � ��ي ت� � ��درس في امل� � ��دارس في‬ ‫الوط� � ��ن العربي تفضي بالطالب ليكونوا كس� � ��ولني‬ ‫في تعاملهم م� � ��ع النصوص‪ ،‬وترس� � ��ي اعتقاداتهم‬ ‫ب� � ��أن املعرفة تتدلى فقط من رأس األس� � ��تاذ‪ .‬وإذا‬ ‫بالتمرينات املقدمة لهم تتجه لتكون نسخة لفظية‬ ‫م� � ��ن النصوص‪ ،‬فال حاجة إلعم� � ��ال خيالهم‪ ،‬وكأن‬ ‫قدراتهم الفكرية ق� � ��د أصابها نوع من الصدأ‪ ،‬وال‬ ‫داع� � ��ي إلمتاع أنفس� � ��هم بحرية التخ ّي� � ��ل واإلبداع‪،‬‬ ‫بالرغ� � ��م من أن الفضول والتفكي� � ��ر الناقد الواعي‬ ‫ميثالن أساس القراءة اخل ّ‬ ‫القة‪.‬‬ ‫إن قس � � � ًما كبي � � � ًرا من طالب الدراس� � ��ات العليا‬ ‫في عاملن� � ��ا العربي ين� � ��أون عن الكتاب� � ��ة مبفردهم‪،‬‬ ‫حتى يق� � ��ول أحدهم «إني ال أس� � ��تصعب الكتابة بل‬ ‫ال أس� � ��تطيع»‪ ،‬ويلجأون إلى االقتباس املس� � ��تمر عن‬ ‫مراجع أخ� � ��رى‪ ،‬بل رمبا األدهى م� � ��ن ذلك أن ترى‬ ‫كتبنا العربية منسوخة عن بعضها البعض‪.‬‬ ‫إن األمل بالله كبير‪ ...‬واملتأمل في واقع البلدان‬ ‫العربية يلحظ وجود نسبة كبيرة شابة من سكانها‪:‬‬ ‫«‪ 60‬في املائة من سكانها دون سن الثالثني»‪ .‬وهذا‬ ‫أمر يدعو إلى التفاؤل‪ ،‬فالشباب معقود عليهم األمل‬ ‫في التغيير والتخطيط ملستقبل تعليمي مشرق‪.‬‬ ‫وإن مجرد السير في مضمار التجديد التربوي‬ ‫ ولو كان محدو ًدا ‪ -‬يفتح تدريج ًيا آفا ًقا حتسينية‬‫في نواح متفرقة من النظ� � ��ام التعليمي‪ ،‬وقد تطرح‬ ‫عبر املس� � ��ار رؤية إصالحية جذري� � ��ة‪ ،‬رمبا تتحقق‬ ‫على املدى البعيد على أيدي اخللف املرتقَب >‬

‫‪22‬‬

‫‪7/9/14 10:52:40 AM‬‬

‫‪august 18-22.indd 22‬‬


‫علم نفس‬

‫هل تأثر كارل جوستاف يوجن‬ ‫بالتصوف اإلسالمي؟‬ ‫مصطفى النصراوي *‬ ‫يعتب ��ر كارل جوس ��تاف ي ��وجن (‪ )1961-1875‬الطبي ��ب واحملل ��ل النفس ��اني‬ ‫السويس ��ري من أهم الشخصيات العلمية التي طبعت العلوم اإلنسانية في‬ ‫القرن العش ��رين‪ ,‬فأثراه ��ا مبفاهيم مازالت نافذة إلى الي ��وم‪ ,‬مثل الالوعي‬ ‫اجلمعي واألمناط النفس ��ية والنموذج البدائي ‪ Archétype‬جتاوز تأثيرها‬ ‫االختصاص ��ات املذك ��ورة لتصب ��ح متداولة في ما يس ��مى بالثقاف ��ة العامة‪.‬‬ ‫ويع ��د أتب ��اع ي ��وجن اليوم مئ ��ات اآلالف‪ ،‬وتوجد ن ��واد فكرية تعتم ��د نظريته‬ ‫التي أطلق عليها اسم علم نفس األعماق وعيادات للعالج النفسي تستعمل‬ ‫طريقت ��ه ف ��ي التعامل م ��ع املرضى‪ .‬أدخل ث ��ورة في التفكي ��ر الغربي املوغل‬ ‫ف ��ي العقالنية والعلموي ��ة‪ ،‬فاعتمد في بحوثه مفاهي ��م كانت تعتبر نقيضا‬ ‫للعلم مثل احلدس والتخاطر ‪ Télépathie‬والرؤيا الصادقة‪ ،‬وكان من بني‬ ‫قل ��ة قليلة (نذكر منها خاصة الفيلس ��وف الفرنس ��ي برجس ��ون) اعتبرت أن‬ ‫لإلنسان أبعادا للمعرفة ليست بالضرورة عقلية في املفهوم الديكارتي‪.‬��� ‫من املفارقات الغريب� � ��ة أن يوجن املتحدر‬ ‫من أسرة عريقة التدين بدأ متأثرا بطبيب‬ ‫األعصاب النمس� � ��اوي فروي� � ��د (‪-1856‬‬ ‫‪ ،)1939‬مستش� � ��هدا بأعمال� � ��ه وه� � ��و الطبيب اخلالي‬ ‫م� � ��ن الروحانيات وال� � ��ذي يقر صراحة بع� � ��دم إميانه‬ ‫وال يخف� � ��ي إعجابه بداروين صاحب نظرية النش� � ��وء‬ ‫واالرتقاء‪ .‬وقبل أن يلتقي فرويد كان يوجن يبادر‪ ،‬كلما‬ ‫أنتج مؤلفا أو مقاال‪ ،‬بإرساله إليه منتظرا بلهفة ردوده‬ ‫وتعليقاته حول ما كتبه‪ ،‬لكن بعد سنوات من اإلعجاب‬ ‫والثقة تغيرت األمور وسارت إلى نقيضها‪.‬‬

‫فرويد ويوجن‪ ..‬من الصداقة إلى القطيعة‬

‫حتت تأثير أس� � ��تاذه بلوالر اطلع يوجن على نظرية‬ ‫فرويد الوليدة‪ ،‬فش� � ��غف بها ش� � ��غفا كبيرا خلق لديه‬

‫* أكادميي من تونس‬

‫كارل جوستاف يوجن‬

‫رغب� � ��ة ملحة في مالقاة صاحبه� � ��ا‪ ،‬وكان له ذلك في‬ ‫مارس ‪ ,1907‬وفي لقاء يش� � ��به الهيام دام ‪ 13‬س� � ��اعة‬ ‫متواصل� � ��ة‪ .‬وج� � ��د فروي� � ��د ضالته في ه� � ��ذا الطبيب‬ ‫الشاب ذي األصول املس� � ��يحية الراغب في االنضواء‬ ‫إلى مدرس� � ��ته‪ ،‬ألنه كان يخش� � ��ى مثلم� � ��ا صرح به في‬ ‫رسالة بعث بها إلى أحد أتباعه الطبيب األملاني كارل‬ ‫إبراهام (‪ ،)1925-1877‬أن ينعت «التحليل النفسي»‬ ‫بالعلم اليهودي في ظرف بدأ يتس� � ��م مبعاداة السامية‬ ‫في أوربا الوسطى والشرقية‪ ،‬وسيجبر فرويد الحقا‬ ‫على الرحيل واالستقرار بلندن‪ ،‬علما بأن كل تالميذ‬ ‫فرويد ف� � ��ي بداية مغامرته العلمي� � ��ة كانوا يهودا‪ .‬أما‬ ‫يوجن الذي لم يكن مييل إلى التفسير العضوي للمرض‬ ‫النفسي‪ ،‬فقد وجد في نظرية فرويد ما يروي تعطشه‬ ‫إلى سبر أعماق النفس البشرية واكتشاف خفاياها‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪7/9/14 10:52:56 AM‬‬

‫‪august 23-28.indd 23‬‬


‫يوجن في حديقة منزله‪ ،‬سويسرا‬

‫توطدت العالقة بني الرجلني إلى حد أصبح فيه‬ ‫فروي� � ��د يرى في يوجن خليفت� � ��ه‪ ،‬وكان يطلق عليه لقب‬ ‫«رجل األرض املوعودة للطب العقلي»‪ .‬أما هذا األخير‬ ‫فكان يلقب نفس� � ��ه‪ ،‬مثلم� � ��ا جاء في كتاب� � ��ه «حياتي»‪،‬‬ ‫بـ «ولي العهد»‪ .‬دافع يوجن دفاعا مس� � ��تميتا عن نظرية‬ ‫التحلي� � ��ل النفس� � ��ي وتص� � ��دى للمكذبني واملش� � ��ككني‪،‬‬ ‫وس� � ��افر مع فروي� � ��د في زيارة علمية س� � ��نة ‪ 1909‬إلى‬ ‫الوالي� � ��ات املتح� � ��دة األمريكية وللتعريف بها‪ ،‬وأس� � ��س‬ ‫بطلب منه املجلة العاملية للتحليل النفسي (جاهربوش‬ ‫‪ )Jahrbuch‬وترأس� � ��ها مثلم� � ��ا ت� � ��رأس املؤمت� � ��ر الثاني‬ ‫للجمعي� � ��ة العاملية للتحليل النفس� � ��ي (نورنبرغ‪ ،‬أملانيا‪،‬‬ ‫‪ ،)1910‬إضافة إلى عدي� � ��د امللتقيات العلمية األخرى‬ ‫التي حضرها مع أس� � ��تاذه‪ .‬لكن بعد سنوات من الوئام‬ ‫بدأ الفتور يظهر في عالقة الرجلني‪ ،‬فقلّت املراسالت‬ ‫وتقلص� � ��ت اللقاءات وانعدمت عب� � ��ارات الود التي كانا‬ ‫يتبادالنها إلى أن حصلت القطيعة سنة ‪ 1912‬بتقدمي‬ ‫يوجن اس� � ��تقالته من اجلمعية العاملية للتحليل النفسي‬ ‫وبعثه س� � ��نة ‪ 1914‬مدرسة خاصة به أطلق عليها اسم‬ ‫مدرسة علم نفس األعماق‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪7/9/14 10:53:01 AM‬‬

‫ال ميكن للعارف بتاري� � ��خ الرجلني أن يفاجأ بهذه‬ ‫القطيع� � ��ة‪ ،‬ففرويد كان يصرح علن� � ��ا بعدم إميانه وأنه‬ ‫نش� � ��أ في أس� � ��رة ال تولي للدين أهمية كبيرة وكتب في‬ ‫أكث� � ��ر من مرة أن التدين مظهر م� � ��ن مظاهر العصاب‬ ‫اجلمعي‪ ،‬كما ربط بني االعتقاد في وجود قوة متعالية‬ ‫والصورة املكبوتة لألب املتسلط‪ .‬وعلى عكسه‪ ،‬يتحدر‬ ‫يوجن من عائلة بروتس� � ��تانتية عميقة التدين‪ ،‬فأبوه كان‬ ‫قس� � ��ا وجده لألم كان أيضاً قسا مشهورا مبدينة بازل‬ ‫السويس� � ��رية‪ .‬أما أمه فلها شغف خاص بـ «استحضار‬ ‫األرواح» ‪ Spiritisme‬وتدعي أنها في اتصال مس� � ��تمر‬ ‫مع موتى العائلة وتقاس� � ��مها هذا االهتمام إحدى بنات‬ ‫خالته‪.‬‬ ‫نشأ يوجن في وسط مفعم باألسرار والروحانيات‬ ‫والغيبي� � ��ات وتأثر بذلك تأثرا كبيرا‪ ،‬م� � ��ا جعله يدافع‬ ‫عن ه� � ��ذا العالم اخلفي ب� �ي��ن أترابه املش� � ��ككني أثناء‬ ‫دراس� � ��ته الثانوية‪ ،‬وانعكس ذلك على حياته اجلامعية‪،‬‬ ‫فجعل موضوع أطروحته س� � ��نة ‪« 1901‬س� � ��يكولوجية‬ ‫الظواهر اخلفية ومدى ارتباطها باألمراض النفسية»‪،‬‬ ‫ث� � ��م تواصل ذلك خالل كل حيات� � ��ه العلمية إلى وفاته‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 23-28.indd 24‬‬


‫فكتب عديد الكتب املتصلة باألبعاد النفسية للظواهر‬ ‫الغيبية واخليمي� � ��اء ‪ ،Alchimie‬ومن بينها كتاب ألفه‬ ‫سنة ‪ 1916‬حتت عنوان «سبع مواعظ للموتى» ويتجلى‬ ‫فيه بعد صوفي عميق‪.‬‬ ‫لم يكن اخلالف بني فرويد ويوجن خالفا شخصيا‬ ‫يغذي� � ��ه طموحهما اجلارف للهيمن� � ��ة على حقل الطب‬ ‫النفس� � ��ي مثلما ذهب إليه البعض‪ ،‬بل كان خالفا ينبع‬ ‫م� � ��ن املنطلقات الفكرية للرجلني‪ ،‬فبعد فترة من الزمن‬ ‫تقاس� � ��ما فيها جملة من التص� � ��ورات املتصلة باآلليات‬ ‫النفس� � ��ية مثل الالوع� � ��ي والتحوي� � ��ل والترميز‪ ،‬بدأت‬ ‫األرضية املش� � ��تركة تتص� � ��دع وتباعدت األف� � ��كار التي‬ ‫يتقاس� � ��مها الطبيبان من خالل إضف� � ��اء معان جديدة‬ ‫عليها أو حتويره� � ��ا في اجتاه آخر‪ ،‬وخاصة من جانب‬ ‫يوجن‪ ،‬كتجاوزه لالوعي الفردي إلى الالوعي اجلمعي‪.‬‬ ‫لكن القطيعة احلقيقية برزت عندما انتقد هذا األخير‬ ‫األهمية التي يعطيها فرويد للعامل اجلنس� � ��ي في بناء‬ ‫ش� � ��خصية اإلنس� � ��ان واعتماده له لتفس� � ��ير األمراض‬ ‫النفسية‪ ،‬فاعتبر أن الطاقة الشبقية (ليبدو) ال تقتصر‬ ‫على اجلانب اجلنس� � ��ي للكائن البشري‪ ،‬بل هي طاقة‬ ‫شاملة جامعة لكل أبعاده املادية والروحية‪.‬‬ ‫وف� � ��ي املقاب� � ��ل انتقد فروي� � ��د اس� � ��تغراق يوجن في‬ ‫الغيبيات والظواهر اإلخفائية ‪ ،Occultisme‬معتبرا أن‬ ‫ذلك يناقض العقالنية واملقاربة العلمية‪ ،‬ولن يؤدي إلى‬ ‫اكتشاف احلقائق‪ ،‬وهو حكم يرفضه بالطبع يوجن الذي‬ ‫يصر على أن الوجود يتجاوز املدركات احلسية‪ ,‬وأنه ال‬ ‫ينبغي نفي الظواهر التي ال يس� � ��تطيع العلم تفسيرها‪،‬‬ ‫وكان يقول إن الروح البش� � ��رية متثل لغزا أكثر جاذبية‬ ‫من دراس� � ��ة التركيبة العضوية للجسم‪ .‬أما عن طريقة‬ ‫إدراك احلقيق� � ��ة فال يعتبر العقل إال وس� � ��يلة من بني‬ ‫الوسائل األخرى املتاحة مثل احلدس والتأمل الباطني‬ ‫واإللهام‪ ،‬وما فتئ يردد أن االنس� � ��ان ال ميكن أن يبدع‬ ‫فني� � ��ا وعلميا إال من خالل التأمل في ذاته‪ ،‬لذلك جند‬ ‫في مفرداته عبارات تذكرنا بالتصوف اإلسالمي‪ ،‬مثل‬ ‫التجلي والكشف واإللهام‪ ،‬فهل تأثر يوجن به؟‬

‫عالمات الفتة لالنتباه‬

‫لم يذك� � ��ر يوجن ‪ -‬على حد علمن� � ��ا ‪ -‬مصدرا من‬ ‫مصادر التصوف اإلس� �ل��امي في كتاباته ولم يستشهد‬ ‫صراح� � ��ة مبقولة من مق� � ��والت املس� � ��لمني‪ ،‬لكن تبني‬ ‫األح� � ��داث املختلفة التي عاش� � ��ها في حيات� � ��ه أنه كان‬ ‫هل تأثر كارل جوستاف يوجن بالتصوف اإلسالمي؟‬

‫‪7/9/14 10:53:06 AM‬‬

‫مطلعا على أدبيات هذا التيار الروحاني الذي ترعرع‬ ‫في العالم اإلس� �ل��امي‪ ،‬وبرز منه عديد األعالم الذين‬ ‫استهووا علماء الغرب فدرسوا إنتاجهم وترجموه إلى‬ ‫لغاتهم‪ .‬ولم يكن هذا التراث غائبا في فكر يوجن على‬ ‫خالف ما كان عليه في فكر فرويد الذي جتاهله متاما‪،‬‬ ‫فوالد يوجن بولس‪ ،‬القس بإحدى ضواحي مدينة بازل‪،‬‬ ‫أعد رسالة الدكتوراه حول نشيد األناشيد ‪Cantique‬‬ ‫‪ des cantiques‬ف� � ��ي أصله� � ��ا العرب� � ��ي املترج� � ��م إلى‬ ‫األملانية وه� � ��ي مجموعة قصائد مغناة باحلب اإللهي‪.‬‬ ‫كان الطبيب يوجن مولعا باملذاهب الباطنية واألس� � ��رار‬ ‫املبهم� � ��ة‪ ،‬ما جعل� � ��ه يغوص في دراس� � ��ة الرموز ومييل‬ ‫إلى التدقيق في أش� � ��كالها ومعانيه� � ��ا‪ ،‬مثل العالمات‬ ‫والشعارات املوجودة في نصوص اخليمياء‪ ،‬فبدأ يهتم‬ ‫بها منذ قطيعته مع فرويد إلى أن أصدر س� � ��نة ‪1944‬‬ ‫كتابه «علم النفس واخليمي� � ��اء»‪ .‬وعندما نتحدث عن‬ ‫اخليمياء‪ ،‬فال ميكن أن نتغافل عن رواجها في القرون‬ ‫الوس� � ��طى والدور احمل� � ��وري الذي لعب� � ��ه اخليميائيون‬ ‫املس� � ��لمون في ممارس� � ��تها وانتش� � ��ارها في أوربا عبر‬ ‫إس� � ��بانيا‪ ،‬حيث تهافت الباحثون على اس� � ��تحضار ما‬ ‫كان يسمى بحجر الفالسفة‪.‬‬ ‫البد من اإلش� � ��ارة ‪ -‬ونحن نستعرض هذه املرحلة‬ ‫التاريخية ‪ -‬إلى أن اخليمياء ال تقتصر على الس� � ��عي‬ ‫إلى حتويل املعادن اخلسيس� � ��ة إلى معادن نفيسة‪ ،‬بل‬ ‫تتجس� � ��م أيضا في الصب� � ��ر ومجابهة الصعاب وحتمل‬ ‫اإلحباط وممارسة الطقوس واألدعية واجلهد املضني‬ ‫لف� � ��ك الرموز املرتبطة ببع� � ��ض الكتابات العصية على‬ ‫الفه� � ��م‪ ،‬فالتغيير احلقيقي ال يكمن في حتويل املعادن‬ ‫بقدر ما يكمن في تغيير النفوس‪ ،‬إضافة إلى أن بعض‬ ‫املتصوفني وضعوا مؤلفات في اخليمياء مثل ذي النون‬ ‫املص� � ��ري (‪ ،)856-796‬فإن تعابير املتصوفني ال تخلو‬ ‫من مجازات واستعارات مستمدة من هذا املجال‪ ،‬فقد‬ ‫عنون محيي الدين بن عربي (‪ )1240-1165‬أحد كتبه‬ ‫ب � � �ـ «فصوص احلكم» ولقبه مريدوه بـ «الش� � ��يخ األكبر‬ ‫والكبري� � ��ت األحمر»‪ ،‬وكان يق� � ��ارن االنتقال الوجداني‬ ‫من الروح الظاهرة إل� � ��ى الروح الباطنة بتحول املعدن‬ ‫اخلسيس إلى الذهب النفيس‪.‬‬ ‫رمبا يتبادر إلى الذه� � ��ن أن يوجن اطلع فقط على‬ ‫املخطوطات األوربية املتصلة باخليمياء‪ ،‬والتي ال تخلو‬ ‫م� � ��ن عبارات صوفية‪ .‬إن هذا االعتقاد ال يصمد أمام‬ ‫حقائق ثابتة في حياته‪ ،‬فقد كانت له لقاءات منتظمة‬

‫‪25‬‬

‫‪august 23-28.indd 25‬‬


‫مدة عش� � ��رين سنة (من س� � ��نة ‪ 1933‬إلى سنة ‪)1953‬‬ ‫مع مستشرقني فرنسيني ذوي شهرة عاملية في دراسة‬ ‫التصوف اإلسالمي‪ :‬لويس ماسنيون (‪)1962-1883‬‬ ‫وهن� � ��ري كوربان (‪ ،)1978-1903‬وذلك في نطاق أيام‬ ‫«إيرانوس» التي كانت تنظمها كل سنة سيدة سويسرية‬ ‫برجوازية ش� � ��غوفة بالروحانيات تدعى أوجلا كابتاين‬ ‫ف� � ��روب ‪ )1962-1881( Olga KapteynFröbe‬ف� � ��ي‬ ‫منزلها الفخم قرب بحيرة «ماجور» جنوب سويس� � ��را‪،‬‬ ‫جاعلة من� � ��ه ‪ -‬مثلما كانت تق� � ��ول ‪ -‬نقطة التقاء بني‬ ‫الشرق والغرب‪.‬‬ ‫ع� � ��رف املستش� � ��رق األول برس� � ��الته الضخمة حول‬ ‫احلالج وترجمة ديوانه إلى اللغة الفرنس� � ��ية ودراس� � ��ة‬ ‫مس� � ��تفيضة حول املصطلحات الصوفية‪ ،‬وكان املؤسس‬ ‫ملؤمتر احلوار اإلسالمي املسيحي‪ ،‬وقد أطلق عليه البابا‬ ‫بيوس احلادي عش� � ��ر (‪ )1939-1857‬لقب «الكاثوليكي‬ ‫املسلم»‪ .‬أما املستشرق الثاني فكان من أكبر املختصني‬ ‫ف� � ��ي التص� � ��وف اإليران� � ��ي فألف في� � ��ه وترج� � ��م لعديد‬ ‫املتصوفني مثل الس� � ��هروردي‪ ،‬كما قام بدراس� � ��ات حول‬ ‫اب� � ��ن عربي‪ ،‬وكان أيضا من دع� � ��اة احلوار بني الديانات‬ ‫املوحدة‪.‬‬ ‫لم يكتف يوجن باللقاءات الفكرية بل تع ّرف مباشرة‬ ‫إلى بعض الثقافات خ� � ��ارج الثقافة املهيمنة آنذاك‪ ،‬أي‬ ‫الثقافة األوربية‪ .‬وفي هذا النطاق قام بزيارة إلى تونس‬ ‫س� � ��نة ‪ ،1920‬منتق� �ل��ا من مدينة إل� � ��ى مدينة ومن جهة‬ ‫إل� � ��ى جهة إلى أن حط الرح� � ��ال مبنطقة اجلريد (توزر‪،‬‬ ‫نفط� � ��ة‪ )...‬املعروفة بكث� � ��رة الفرق الصوفية الش� � ��عبية‬ ‫وبتراث عريض في املدائح واألذكار واالبتهاالت وحضر‬ ‫حفالت األهال� � ��ي التي ال تخلو من اس� � ��تعراضات هذه‬ ‫الفرق‪ ،‬وق� � ��د افتنت بذلك أميا افتت� � ��ان‪ ،‬مثلما صرح به‬ ‫في كتاب� � ��ه «حياتي»‪ .‬وخالل إقامته في تونس د ّون يوجن‬ ‫في مذكراته رؤية جتلت له في املنام‪ ،‬في ش� � ��كل صراع‬ ‫بدني بينه وبني ش� � ��اب عربي تبدو عليه مالمح األمراء‪،‬‬ ‫داخل قلعة شرقية الشكل‪ ،‬انتهت بانتصاره على الشاب‪.‬‬ ‫ل� � ��م يزهُ يوجن بانتصاره‪ ،‬ولم يقطع الصلة مع خصمه بل‬ ‫اقترب من� � ��ه واضعا ذراعه حول كتفه‪ ،‬راجيا منه بطيبة‬ ‫أبوية‪ ،‬مثلما يقول‪ ،‬أن يقرأ له خطا ش� � ��رقيا مكتوبا على‬ ‫ورق أبيض موجود بجواره‪ .‬حتتمل الرؤيا مثل كل الرؤى‬ ‫تأويالت عديدة‪ ،‬لكن نرى م� � ��ن وجهة نظرنا أنها ترمز‬ ‫إلى عجز القوة املادية للغرب أمام األس� � ��رار الروحانية‬ ‫للشرق‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫‪7/9/14 10:53:11 AM‬‬

‫ق� � ��ام ي� � ��وجن بعد ذل� � ��ك بزي� � ��ارة إلى ش� � ��رق إفريقيا‬ ‫(‪ )1926-1925‬قادته إلى كينيا ثم إلى السودان ومصر‪،‬‬ ‫وزار بع� � ��د ذلك فلس� � ��طني (‪ )1933‬والهند (‪ )1937‬في‬ ‫مس� � ��عى متواصل لس� � ��بر أغوار ثقاف� � ��ات أجنبية‪ ،‬باحثا‬ ‫عن عالمات خارج حضارته مثلما يقول‪ .‬هل س� � ��اهمت‬ ‫التج� � ��ارب املذك� � ��ورة واملتصل� � ��ة باالطالع عل� � ��ى التراث‬ ‫الصوفي اإلس� �ل��امي في ظهور املفاهيم التي اعتمدها‬ ‫يوجن في بن� � ��اء نظريته حول علم نفس األعماق وطرائق‬ ‫العالج التي اعتمدها؟‬

‫متاثالت مثيرة‬

‫تب� � ��دو بعض كتابات يوجن غامض� � ��ة وقابلة لتأويالت‬ ‫عديدة‪ ،‬ورمبا تعبر ع� � ��ن بعد وجودي عميق عصي على‬ ‫البيان‪ ،‬ألنها مستمدة من أعماق ذاته‪ ،‬فال غرو أن يترك‬ ‫أحيانا الكلمات ليعتمد الرسم مثلما نرى في كتابه الذي‬ ‫نش� � ��ر بعد وفاته املسمى بـ «الكتاب األحمر»‪ .‬ورغم ذلك‬ ‫جع� � ��ل من مفاهيم� � ��ه ركائز أساس� � ��ية لنظريته وطريقته‬ ‫في الع� �ل��اج‪ ،‬فاعتمدها تالمذته ثم انتش� � ��رت بعد ذلك‬ ‫ف� � ��ي مجال العلوم اإلنس� � ��انية‪ ،‬إال أن املطلع على التراث‬ ‫الصوف� � ��ي اإلس� �ل��امي ال ميكنه إال أن يالحظ التش� � ��ابه‬ ‫الكبي� � ��ر بني طريقته في البحث والطريقة التي اعتمدها‬ ‫املتصوفون املسلمون‪ ،‬وهي طريقة تتسم في كلتا احلالتني‬ ‫بالعسر والضنى وركوب اخلطر‪ ،‬مثلما سنرى‪.‬‬

‫الطريق إلى املعرفة‬

‫كان ي� � ��وجن يحب اخللوة ويهج� � ��ر الناس مبن فيهم‬ ‫مرضاه ليقضي س� � ��اعات طويلة ق� � ��رب بحيرة زوريخ‪،‬‬ ‫مس� � ��تغرقا في التأمل الذاتي يقل� � ��ب الرمل واحلصى‬ ‫وكأن� � ��ه غائب عن الوجود‪ .‬أما أطول انعزال عرفه فقد‬ ‫دام ست سنوات كاملة (‪ )1918-1912‬وأعقب مباشرة‬ ‫قطيعته م� � ��ع فرويد‪ ،‬وق� � ��د عرف فيه األل� � ��م الروحي‬ ‫والقلق الوجداني‪ ،‬وبدأت عالمات الذهان الذي أفقد‬ ‫نيتشه عقله س� � ��نوات قليلة قبل ذلك‪ ،‬تظهر عليه حتى‬ ‫خش� � ��ي على نفس� � ��ه مثلما يذكر في ترجمت� � ��ه الذاتية‬ ‫«حيات� � ��ي»‪ ،‬أما ابنه فرنز فيقول إن والده وضع بندقية‬ ‫في مكتبه مفكرا في االنتحار إذا ازدادت حالته سوءا‪.‬‬ ‫لكن بعد أن أش� � ��رف على اليأس وكاد يسقط في هوة‬ ‫ال قرار لها يتخلص من محنته‪ ،‬ال بس� � ��لطان العقل بل‬ ‫بنوع من اإللهام الروحاني والكش� � ��ف‪ ،‬فيخرج للوجود‬ ‫بنظ� � ��رة جديدة وبق� � ��درة فائقة على العط� � ��اء واإلنتاج‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 23-28.indd 26‬‬


‫تذكرنا مغامرة يوجن الوجودية احملفوفة‬ ‫باملخاط� � ��ر بهذا «البح� � ��ر العميق» الذي‬ ‫ت� � ��اه فيه كثير من املتصوفني املس� � ��لمني‬ ‫فعاشوا أزمات نفسية حادة وفي حلظة‬ ‫مميزة إلهية خارق� � ��ة يخرجون من هذا‬ ‫العال� � ��م الق� � ��امت‪ ،‬ال بس� � ��لطان العقل بل‬ ‫باإللهام والكش� � ��ف‪ ،‬مثلما يذكر الغزالي‬ ‫في كتابه «املنقذ من الضالل»‪.‬‬ ‫عاش يوجن مث� � ��ل عديد املتصوفني‬ ‫أزمة خالق� � ��ة خرجوا منها بروح جديدة‬ ‫يوجن مع أوجلا فروب‬ ‫ونظرة مغايرة لنظرتهم القدمية وقدرة‬ ‫فائقة عل� � ��ى العطاء واإلنتاج‪ .‬تس� � ��تند ه� � ��ذه التجربة ميكن تفس� � ��ير كل املظاهر الكوني� � ��ة انطالقا من مبدأ‬ ‫املمي� � ��زة إلى التأمل العميق ف� � ��ي الذات مصدر اإللهام الس� � ��ببية‪ ،‬فيبتعد عن الفلس� � ��فة العقالنية مثل فلسفة‬ ‫واملعرفة‪ .‬ورغم إميان يوجن بسلطان العقل فإنه يحصر ابن رش� � ��د الذي يقول في كتابه «الكش� � ��ف عن مناهج‬ ‫قدرته في إدراك احملسوس� � ��ات الت� � ��ي ال متثل إال ذرة األدلة»‪« :‬من أنكر وجود املسببات مرتبة على األسباب‬ ‫م� � ��ن ذرات الوجود‪ ،‬فيرد على ناقدي� � ��ه الذين يتهمونه ف� � ��ي األمور الصناعية أو لم يدركها فهمه‪ ،‬فليس عنده‬ ‫باخلروج عن املنه� � ��ج العلمي املتداول بالتس� � ��اؤل‪ :‬هل علم بالصناع� � ��ة وال بالصانع» لكن� � ��ه يتماثل متاما مع‬ ‫ينبغي أن نرفض باسم العلم الظواهر التي ال تستجيب فكرة الغزالي‪ ،‬وهو الفقيه واملتكلم وفي آن واحد شيخ‬ ‫لقوان� �ي��ن الزمان واملكان والس� � ��ببية‪ ،‬وال عجب في أن بارز من شيوخ الصوفية التي ضمنها في كتابه «تهافت‬ ‫جن� � ��د بعض مفاهيمه مثل النم� � ��وذج القدمي والالوعي الفالس� � ��فة»‪« :‬إن االقت� � ��ران بني ما يعتق� � ��د في العادة‬ ‫اجلمع� � ��ي‪ ،‬املرتبطة بالذات البش� � ��رية متضمنة ألبعاد س� � ��ببا وال يعتقد مس� � ��ببا ليس ضروريا عندنا‪ .‬بل كل‬ ‫ماورائية تتجاوز اإلنس� � ��انية‪ ،‬ولعل ما يقرب يوجن أكثر شيئني ليس هذا ذلك وال ذاك هذا‪ ،‬وال إثبات أحدهما‬ ‫متضم� � ��ن إلثبات اآلخر‪ ،‬وال نفيه متضمن لنفي اآلخر‪،‬‬ ‫من الصوفية هو التزامن اخلارق لقانون السببية‪.‬‬ ‫فلي� � ��س من ضرورة وجود أحدهما وجود اآلخر وال من‬ ‫التزامن ‪La synchronicité‬‬ ‫ضرورة عدم أحدهما عدم اآلخر مثل الري والش� � ��رب‬ ‫أصدر ي� � ��وجن العام ‪ ،1952‬أي قب� � ��ل انقطاعه عن والش� � ��بع واألكل والشفاء وش� � ��رب الدواء‪ ...‬وهل َّم جرا‬ ‫املش� � ��اركة النش� � ��يطة في أيام «إيران� � ��وس» الروحانية إلى كل املش� � ��اهدات من املقترنات في الطب والنجوم‬ ‫بجنوب سويس� � ��را‪ ،‬مؤلفا أطلق علي� � ��ه عنوان «التزامن والصناع� � ��ات واحل� � ��رف»‪ ،‬فاألمور تب� � ��دو أكثر تعقيدا‬ ‫بي فيه الصدفة التي وال ميكن األخذ مبظاهر األش� � ��ياء‪ ،‬ب� � ��ل ينبغي تخطي‬ ‫أو مبدأ العالقات غير السببية» نّ‬ ‫جتمع أحيانا بطريقة عفوية ومن دون عالقة س� � ��ببية الظاهر والنفاذ إلى األعماق‪.‬‬ ‫ظاهرة نفس� � ��ية وظاهرة مادية‪ ،‬مثل أن يفكر اإلنسان‬ ‫في ش�� ��يء ما وفجأة يج�� ��ده أمامه‪ ،‬فقد الحظ مرة أن الظاهر والباطن‬ ‫مريضة كانت تروي له حلما عاشته في إحدى الليالي‬ ‫م� � ��ن املعروف أن يوجن يول� � ��ي أهمية كبيرة للرموز‪،‬‬ ‫متمثال في جوهرة قدمت لها كهدية وكانت في ش� � ��كل ف� � ��كان يبحث عنها في اخليمياء واألحالم والطالس� � ��م‬ ‫خنفس� � ��اء ذهبية‪ ،‬وبينما كانت تسرد حكايتها ارتطمت التي تعتمدها اجلماعة اخلفية املنغلقة على نفس� � ��ها‪،‬‬ ‫بزجاج النافذة ذبابة ذهبية اللون‪ ،‬فاستغربت املريضة ويرى فيه� � ��ا تعبيرا تلقائيا لإلنس� � ��ان‪ ،‬مبين� � ��ا أن هذا‬ ‫ذلك وجت� � ��اوزت نزعتها العقالنية املتصلبة‪ ،‬التي كانت األخي� � ��ر ‪ -‬وإن كان ق� � ��ادرا عل� � ��ى خل� � ��ق العالمات في‬ ‫متث� � ��ل حس� � ��ب رأيه حجر عث� � ��رة أمام حتس� �ي��ن أدائها معنى اصطالحه� � ��ا ‪ -‬فإنه غير قادر على خلق الرموز‬ ‫الت� � ��ي تنبع عفويا م� � ��ن ذاته وتلعب دور الوس� � ��يط بني‬ ‫النفسي‪.‬‬ ‫واعتمادا على بعض مش� � ��اهداته يقول يوجن إنه ال الظاهر والباطن والوع� � ��ي والالوعي‪ .‬وعلى عكس ما‬ ‫هل تأثر كارل جوستاف يوجن بالتصوف اإلسالمي؟‬

‫‪7/9/14 10:53:18 AM‬‬

‫‪27‬‬

‫‪august 23-28.indd 27‬‬


‫ذهب إليه فرويد ف� � ��ي اعتقاده بأن اإلنتاج الفني يرمز‬ ‫إل� � ��ى خصائص صاحبه‪ ،‬فقام بتحليل لوحات الرس� � ��ام‬ ‫اإليطالي ليوناردو دي فنش� � ��ي (‪ )1519-1452‬وربطها‬ ‫ببعض س� � ��ماته الش� � ��خصية مثل والدته غير الشرعية‬ ‫واضط� � ��راب حيات� � ��ه اجلنس� � ��ية‪ ،‬وفق رأي� � ��ه‪ ،‬فإن يوجن‬ ‫ي� � ��رى أن الرموز مكونات أساس� � ��ية للنم� � ��اذج القدمية‬ ‫‪ Archétypes‬املتجاوزة لألفراد والش� � ��عوب واملنعكسة‬ ‫على نفوس� � ��هم وثقافاتهم‪ ،‬لذلك فإن حل ألغازها يبقى‬ ‫عصيا على القراءة السطحية والتأويل الشكلي‪ .‬ولسبر‬ ‫أغواره� � ��ا البد م� � ��ن النفاذ إلى أعماقه� � ��ا للوقوف على‬ ‫بنيتها األولى‪ ،‬ما يعيدن� � ��ا إلى النماذج القدمية الغائرة‬ ‫في الالوعي اجلمعي‪.‬‬ ‫إن موقف� � ����ه من الرم� � ��وز كمفاتيح الخت� � ��راق الظاهر‬ ‫واكتشاف الباطن يذكر مبوقف املتصوفني املسلمني إزاء‬ ‫ما يسمونهم بعلماء الرس� � ��وم‪ ،‬أي الفقهاء الذين يكتفون‬ ‫وف� � ��ق رأيهم بقراءة س� � ��طحية للكلم� � ��ات وال يبحثون عما‬ ‫خفي من معانيه� � ��ا‪ ،‬لذلك نرى عديد املتصوفني يبحثون‬ ‫عن العالقات بني احلروف والكلمات واألرقام‪ ،‬فيرى ابن‬ ‫عرب� � ��ي مثال أن احلروف‪ ،‬األولى للس� � ��ور القرآنية تكتنز‬ ‫معانيها كما ألفوا في أسرار احلروف‪ ،‬واستعملوا رموزا‬ ‫قد توحي باملجون لكنها ال متثل إال صورا مجازية لشعور‬ ‫عجز عنه الوصف‪ ،‬فاخلمر التي ميدحها أبو نواس غير‬ ‫اخلمر التي ميدحها ابن الفارض حينما يقول‪:‬‬ ‫ش� � ��ربنا على ذكر احلبيب مدامة سكرنا بها من قبل‬ ‫أن يخلق الكرم‬ ‫فال عجب أن نرى عديد املتصوفني في قفص االتهام‬ ‫من أج�� ��ل تعابير فهمت على أنها كفر‪ ،‬ويفس�� ��ر ذلك ابن‬ ‫عربي عندما يقول إن املتصوفني اصطلحوا ألفاظا أرادوا‬ ‫بها معاني غير املعاني املتعارفة عند الفقهاء‪ ،‬فمن حملها‬ ‫عل�� ��ى معانيها املعتادة وجد فيها كفرا‪ ،‬لذلك يحرم النظر‬ ‫في كتبهم وفق اعتق�� ��اده‪ .‬ومن بني املفاهيم التي جوبهت‬ ‫بالرفض من قبل الفقهاء بعض مواقفهم من الوجود‪.‬‬

‫وحدة الوجود‬

‫يعتق�� ��د يوجن أن وراء املظاهر املختلفة للوجود كاملادة‬ ‫وال�� ��روح والذكورة واألنوثة والوع�� ��ي والالوعي‪ ...‬جوهرا‬ ‫واحدا‪ ،‬فقد قال في كتابه «تأمالت نظرية حول الطبيعة‬ ‫البش�� ��رية» ال�� ��ذي أصدره س�� ��نة ‪ 1946‬إن امل�� ��ادة والروح‬ ‫مظهران مختلفان لش�� ��يء واحد‪ ،‬فهو ال ينكر املتناقضات‬ ‫وال يقل�� ��ل من تأثيرها في النفس‪ ،‬لكن�� ��ه يعتبر أنها قابلة‬

‫‪28‬‬

‫‪7/9/14 10:53:23 AM‬‬

‫للتآلف واالنصهار ف�� ��ي وحدة صماء غير قابلة للتجزئة‪.‬‬ ‫أما الشفاء فيكمن في إدماج األضداد داخل كائن متفرد‪،‬‬ ‫حتى ينسجم الوعي والالوعي واجلانب املشرق‪ ،‬واجلانب‬ ‫املظل�� ��م في ذاته وما يس�� ��ميه باألنيموس (البعد الذكوري‬ ‫لنفس�� ��ية املرأة) واألنيما (البعد األنوثي لنفسية الرجل)‪،‬‬ ‫إلى غير ذلك من األبعاد املتناقضة في الذات البش�� ��رية‪،‬‬ ‫وهو موق�� ��ف أثار حفيظ�� ��ة فرويد ال�� ��ذي اعتبر اجتاهه‬ ‫فلسفيا بحتا نابعا من مذهب الواحدية ‪.Monisme‬‬ ‫يلتق� � ��ي موقف يوجن الذي يرج� � ��ع االختالفات إلى‬ ‫أصل واحد ميكن أن تعود إليه في نهاية املطاف باعتقاد‬ ‫املتصوف� �ي��ن في وحدة الوجود‪ ،‬فابن عربي مثال يرى أن‬ ‫اإلنس� � ��ان يختزل داخله أس� � ��رار الكون‪ ،‬وه� � ��ذا األخير‬ ‫يعكس أعماق اإلنس� � ��ان‪ ،‬أما اخل� �ل��اص فيتم عبر الفناء‬ ‫في الواحد‪ .‬ولئن كانت هذه الفكرة قدمية وجندها عند‬ ‫بعض الفالسفة اإلغريق وخاصة أفلوطني مثلما جندها‬ ‫عن� � ��د املتصوفني املس� � ��يحيني‪ ،‬فإن منزل� � ��ة التوحيد في‬ ‫العقيدة اإلسالمية جعلتها تبرز بصفة خاصة في الفكر‬ ‫الصوفي اإلسالمي‪ ،‬علما بأن يوجن كان له موقف نقدي‬ ‫من التثليث املس� � ��يحي تس� � ��بب له ف� � ��ي قطيعة مع بعض‬ ‫رجال الدين املسيحيني الذين كانوا من املقربني إليه‪.‬‬

‫اخلامت ــة‬

‫يوجد أكثر من دليل على أن الطبيب واحمللل النفساني‬ ‫السويسري قد اطلع على التراث الصوفي اإلسالمي‪ ،‬من‬ ‫خالل مطالعته ومجالسته ملختصني في دراسته وحضوره‬ ‫الندوات الفكرية التي ش� � ��ارك فيها مستشرقون بارزون‪،‬‬ ‫وزيارته إلى عدد من األقطار اإلس� �ل��امية‪ .‬قد يكون هذا‬ ‫االطالع وراء ظه� � ��ور العديد من املفاهيم املطابقة متاما‬ ‫ملصطلحات الصوفي� � ��ة التي اعتمدها لبناء نظريته حول‬ ‫النفس البش� � ��رية وعالجها عند املرض‪ .‬لكن من املبالغة‬ ‫القول إن التصوف اإلس� �ل��امي كان املصدر الوحيد الذي‬ ‫اس� � ��تلهم منه يوجن نظريته وطريق� � ��ة تعامله مع مرضاه‪،‬‬ ‫فقد اطلع كذلك على حضارات غير إسالمية كاحلضارة‬ ‫الصيني� � ��ة وثقافة الش� � ��عوب البدائية والت� � ��راث الفكري‬ ‫األوربي في العصور الوس� � ��طى‪ .‬ومهما يكن من أمر فإنه‬ ‫لم يس� � ��قط املفاهيم التي استلهمها على نظريته ومنهجه‬ ‫في العالج إس� � ��قاطا‪ ،‬ب� � ��ل ق ّومها وعدله� � ��ا بالرجوع إلى‬ ‫جتربته الس� � ��ريرية كطبيب لألمراض النفس� � ��ية‪ ،‬فكانت‬ ‫حصيلة تأليفية طريفة جمعت أبعادا ظلت متنافرة عند‬ ‫كثير من مفكري عصره >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 23-28.indd 28‬‬


‫لغة‬

‫العقاد يفند بعض املفتريات‬ ‫حول اللغة العربية‬ ‫د‪ .‬محمد فتحي فرج*‬ ‫ني} (الشعراء‪ ،)195 :‬ورسول‬ ‫{ب ِل َس ٍان َع َر ِب ٍّي ُم ِب ٍ‬ ‫نزل القرآن الكرمي على قلب رسولنا األمني ِ‬ ‫اإلس�ل�ام‪ ،‬علي ��ه الصالة والس�ل�ام‪ ،‬عرب ��ي‪ .‬وتراثنا احلض ��اري الباهر الذي نفخ ��ر ونعتز به‪,‬‬ ‫ومتأل مناذج منه مكتبات العالم ش ��رقا وغربا‪ ,‬وتعلّم العالم كله في ضوء نوره وهداه‪ُ ,‬س � ِّ�ج َل‬ ‫باللس ��ان العربي املبني‪ ,‬على الرغم من أن كثيرا ممن أس ��هموا في صياغته َو َو ْضع لبناته لم‬ ‫يكون ��وا عربا‪ ,‬وإمنا اتخذوا اللس ��ان العرب ��ي نافذة ومنبرا‪ ,‬يطلون بعلمه ��م على العالم من‬ ‫خالله‪ ,‬منذ أن اتخذوا من اإلسالم ‪ -‬الذي أيقظ مواهبهم وشحذ هممهم ‪ -‬دينا‪.‬‬

‫يتحرق املسلم املعاصر في هذه األيام‬ ‫أملا‪ ,‬ويذوب كمدا وأسى لواقعه املؤلم‪,‬‬ ‫وأزمت������ه احلضاري������ة الطاحن������ة‪ ,‬وهو‬ ‫نفس������ه من أهم أس������بابها‪ .‬فقد أصبحنا نحارب‬ ‫ألعدائن������ا معاركهم‪ ,‬ونس������عى لتحقيق أهدافهم‬ ‫مببررات ممس������وخة‪ ,‬ومسوغات ش������وهاء‪ ,‬على‬ ‫حس������اب ماضينا وحاضرنا‪ ,‬بل وعلى حس������اب‬ ‫املس������تقبل الذي هو ملك ألبنائنا‪ ,‬واملفترض أننا‬ ‫أمن������اء عليه‪ .‬وكم������ا يتعرض العرب واملس������لمون‬ ‫ملسلس������ل من الهجمات واالنتكاس������ات‪ ,‬تتعرض‬ ‫لغتهم أيضا ملا يش������بهه‪ ,‬إال أن أكثر ما يؤملنا في‬ ‫ه������ذه احلالة هو أن يأت������ي الهجوم هذه املرة من‬ ‫داخلنا‪ ,‬وال أجد ما أقوله مما يتناس������ب مع هذا‬

‫* أكادميي من مصر‬

‫الت������ر ّدي إال قول زعيم األمناء املرحوم األس������تاذ‬ ‫أم���ي��ن اخلولي مما جاء في كتاب������ه «فن القول»‪,‬‬ ‫وكأني به اليزال بني ظهرانينا يشهد ما نحن فيه‬ ‫من م������آس ومحن‪ ,‬حيث قال‪« :‬وإذا لم تكن اللغة‬ ‫عند أهلها أنفسهم‪ ,‬في منزلة كرمية‪ ,‬فما مكانها‬ ‫في الدني������ا بعد ذلك؟ وم������ا منزلتها في الوجود‬ ‫وراء هذا؟ وليس بدعا أن نشعر بالصلة الوثيقة‪,‬‬ ‫والعالق������ة القريب������ة ج������د القرابة‪ ,‬ب���ي��ن وجودنا‬ ‫السياس������ي وحياتنا اللغوية‪ ,‬وب���ي��ن كياننا العاملي‬ ‫ووجودنا اللساني‪ ,‬وبني كرامتنا الدولية ومكانتنا‬ ‫األدبي������ة‪ .‬فتل������ك كلها ‪ -‬في نظ������ر االجتماعي ‪-‬‬ ‫وش������ائج متواصلة‪ ,‬وأواصر متداخلة‪ ,‬ال يش������عر‬ ‫بينها بانفصال‪ ,‬وال يجد تباعدا‪ .‬ونحن ال نعيش‬

‫‪29‬‬

‫‪7/9/14 12:25:10 PM‬‬

‫‪august 29-33.indd 29‬‬


‫إال بكرامتنا االجتماعية‪ ,‬وال نس������تطيع أن نعيش‬ ‫بغيرها»‪.‬‬ ‫فاللغ������ة هي مس������تودع الت������راث ووع������اء الفكر‪,‬‬ ‫وهي ظاهرة إنس������انية ‪ -‬اجتماعي������ة‪ ,‬تُعرف بها‬ ‫املالمح املمي������زة لكل مجتمع ف������ي كل عصر من‬ ‫عص������ور التاري������خ‪ ,‬فهي كما يقول اب������ن جنّي في‬ ‫كتاب������ه «اخلصائص»‪ :‬أصوات يع ّب������ر بها كل قوم‬ ‫ع������ن أغراضهم‪ .‬على أن اللغ������ة العربية لها حتى‬ ‫خصوصية تتمتع بها دون س������ائر اللغات األخرى‬ ‫تس������تمدها من كونها لغة الق������رآن الكرمي‪ ,‬الذي‬ ‫الي������زال عام ً‬ ‫ال في ضمير املس������لمني على تأكيد‬ ‫أن «العربية» جزء من احلقيقة اإلسالمية‪ ,‬وهي‬ ‫أيضاً إحدى دعائم عروبتنا األساسية إن لم تكن‬ ‫أهمها على اإلطالق‪ .‬وه������ذا االرتباط بني اللغة‬ ‫والعقيدة وال ُهوِ َّية ِسمة تفردت بها اللغة العربية‪,‬‬ ‫ما جعلها محل اس������تهداف أعداء اإلسالم الذين‬ ‫يرمون إلى تقويض العقيدة في النفوس بإعمال‬ ‫معاوله������م له������دم اللغ������ة العربية‪ ،‬لكونها س������ياج‬ ‫هوي������ة األمة‪ ,‬ال������ذي يوجد ب���ي��ن عواطف العرب‬ ‫ومش������اعرهم‪ ,‬في األفراح واألتراح‪ ,‬فتؤلف بني‬ ‫أسلوب تفكيرهم وآدابهم وسلوكهم‪.‬‬ ‫فكي������ف بالل������ه تصبح لغتن������ا العريقة‪ ,‬لغة‬ ‫الق������رآن الكرمي‪ ,‬لغ ًة مهجورة م������ن أبنائها‪ ,‬حتى‬ ‫بتنا نتمسح في لغات غيرنا‪ ,‬ونكتب على واجهات‬ ‫محا ّلنا وحوانيتنا هذا اخلليط العجيب‪ ,‬من لغات‬ ‫أهل األرض‪ ,‬الت������ي كان أصحابها يلهثون وراءنا‪,‬‬ ‫ويتعلمون لغتنا‪ ،‬لكى ينهضوا ويفيقوا من سباتهم‬ ‫الطويل؟ لقد أصبحت لغتنا لغة الـ «‪»Take away‬‬ ‫كما يقول������ون‪ ,‬ولكنهم يكتبونها باحلروف العربية‬ ‫وال يخجلون!‬

‫من الشعوبيني إلى املستشرقني‬ ‫اللغة العربية‪ ,‬دون غيرها من س������ائر اللغات‬ ‫تتعرض بني احلني واحلني ‪ -‬لألسباب التي أشرنا‬ ‫إليها آنفاً ‪ -‬إلى حمالت التشويه والتدمير‪ ,‬سواء‬ ‫من غير العرب من املستشرقني األوربيني أو ممن‬ ‫يس������يرون في فلكهم من الناطق���ي��ن بلغة الضاد‪,‬‬ ‫مثلما تعرضت قدمياً ملن يُعرفون بالش������عوبيني‪.‬‬ ‫فه������ي إذن حملة قدمي������ة ‪ -‬جديدة‪ ,‬تس������تهدف‬ ‫ف������ي األس������اس معتقداتنا وتراثن������ا وماضينا‪ ،‬بل‬

‫‪30‬‬

‫‪7/9/14 12:25:21 PM‬‬

‫ومستقبلنا‪ ،‬ملا لهذه اللغة ‪ -‬على وجه اخلصوص‬ ‫ م������ن االرتباط بالدين‪ ,‬ومن ث������م فهي مرتبطة‬‫بهوية املس������لم وتش������كيل عقله ووجدانه وثقافته‬ ‫بوجه عام‪.‬‬ ‫وقد وقف الشعوبيون القدماء موقف العداء‬ ‫م������ن لغة الق������رآن‪ ,‬فتصدى لهم علم������اء العربية‪,‬‬ ‫الواقفون على أس������رارها في ذلك الوقت ومنهم‬ ‫الدينوري (‪276-213‬هـ) القائل‪« :‬وقد‬ ‫ابن قتيبة ّ‬ ‫اعت������رض على كتاب الله بالطعن ُملحدون‪ ,‬ول َغ ْوا‬ ‫فيه وهجروا‪ ,‬واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة‬ ‫وابتغاء تأويله‪ ,‬بأفهام كليلة‪ ,‬وأبصار عليلة‪ ,‬ونظر‬ ‫وعدلوه‬ ‫مدخول‪ ,‬فحرفوا ال������كالم عن مواضعه‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫عن سبله‪ ,‬ثم قضوا عليه بالتناقض واالستحالة‪,‬‬ ‫في اللحن‪ ,‬وفساد النظم واالختالف‪ ,‬وأدلوا في‬ ‫ذلك بعلل رمبا أمالت الضعيف ال َغ ْمر‪ ,‬واحل َدث‬ ‫ُ‬ ‫بالش������ َبه ف������ي القلوب‪ ,‬وقدحت‬ ‫الغِ ر‪ ,‬واعترضت‬ ‫بالش������كوك في الصدور‪ ...‬فأحبب������ت أن أنضح‬ ‫ع������ن كتاب الله‪ ,‬وأرمي من ورائه باحلجج الن ِّيرة‪,‬‬ ‫والبراهني الب ِّينة‪ ,‬وأكشف للناس ما يلبسون»‪.‬‬ ‫وقد منيت «العربي������ة الفصحى» ‪ -‬كما يقول‬ ‫د‪.‬رمضان عبدالت������واب‪ ,‬رحمه الله ‪ -‬في العصر‬ ‫احلديث بخص������وم حاقدين‪ ,‬وأع������داء ألداء من‬ ‫الش������عوبيني اجلدد من أمثال املستشرق األملاني‬ ‫تي������ودور نولدكه وغيره‪ ,‬وليس������ت تل������ك الهجمة‬ ‫الضاري������ة إال ج������زءاً م������ن الهجوم عل������ى الدين‬ ‫اإلسالمي احلنيف‪ ،‬ملا فطن له أعداء هذا الدين‬ ‫م������ن االرتباط الوثي������ق بينه وبني اللغ������ة العربية‬ ‫الفصح������ى‪ ,‬ومن قبل������ه كانت دعوة املستش������رق‬ ‫األملاني ولهلم س������بيتا إلى التحول من الفصحى‬ ‫إلى العامية‪ ,‬وقد وضع كتاباً أسماه «قواعد اللغة‬ ‫العربية في مصر»‪ ,‬وكذلك املستشرق اإلجنليزي‬ ‫وليم ويلكوكس‪ ,‬الذي كان يعمل مهندساً للري في‬ ‫مصر‪ .‬أما املستشرق املش������هور ماسينيون فكان‬ ‫يدعو إلى استبدال احلروف الالتينية باحلروف‬ ‫العربية‪ ,‬وكان يدعو أيضاً إلى اللهجات العامية‪.‬‬ ‫وفي يقينهم أنهم إن أزالوا الفصحى عن مكانتها‬ ‫الراس������خة في القلوب منذ أربعة عشر قرنا من‬ ‫الزمان‪ ,‬فقد أزال������وا احلصن األكبر من حصون‬ ‫ه������ذا الدين احلنيف‪ ,‬ويغيب عنهم أن الله تبارك‬ ‫وتعالى هو الذي تكفّل بحفظها حني تكفّل بحفظ‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 29-33.indd 30‬‬


‫الق������رآن ف������ي قول������ه تعالى من‬ ‫سورة احلجر في اآلية التاسعة‬ ‫{إ َّن ��ا ن َْح ُن نَزَّ ْل َن ��ا الذِّ كْ َر َو ِإنَّا َلهُ‬ ‫ِ‬ ‫حَ َ‬ ‫ل ِاف ُظ ��ونَ }‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫ذلك‪ ،‬لم تهدأ احملاوالت اجلادة‬ ‫احلاقدة‪ ,‬التي استهدفت اللغة‬ ‫العربي������ة‪ ,‬والعمل احلثيث نحو‬ ‫إحالل اللهجات العامية محلها‬ ‫أم ً‬ ‫ال في اقتراب اللغة العربية‬ ‫م������ن نهايته������ا‪ ,‬في املس������تقبل‬ ‫القري������ب‪ ,‬كغيرها م������ن اللغات‬ ‫القدمية التي اندثرت‪ ,‬أو بقيت‬ ‫آثاره������ا البس������يطة كالالتينية‬ ‫والسنس������كريتية‪ ,‬حت������ى أن‬ ‫تش������ارلز فيرجس������ون‪ ,‬العال������م‬ ‫اللغ������وي األمريك������ي املعروف‪,‬‬ ‫تو ّقع أن تكون النهاية في العام‬ ‫‪2150‬م عندم������ا تظه������ر لغات‬ ‫رس������مية عربية تَرِ ث الفصحى‬ ‫أمث������ال املغربي������ة واملصري������ة‬ ‫والس������ورية والس������ودانية‪ ,‬كما‬ ‫يس������ميها‪ .‬ولكننا نق������ول‪ :‬لهم‬ ‫هيهات‪ ..‬هيهات! مهما مكرمت‬ ‫وفكرمت ودب������رمت! وصدق الله‬ ‫ي ُك � ُ�رونَ‬ ‫تعال������ى إذ يق������ول‪َ { :‬و مَ ْ‬ ‫ي ُك � ُ�ر ال َّلهُ َوال َّلهُ خَ ْي � ُ�ر المْ َ ِاك ِرينَ } (األنفال‪.)30 :‬‬ ‫َو مَ ْ‬ ‫ولن يس������تطيعوا أن يطفئوا ن������ور القرآن بإخماد‬ ‫{ي ِري � ُ�دونَ ِل ُي ْط ِفئُ وا نُو َر ال َّل � ِ�ه ِبأَفْ َو ِاه ِه ْم‬ ‫العربية‪ُ :‬‬ ‫ُور ِه َو َل � ْ�و َك � ِ�ر َه ا ْل َك ِاف � ُ�رونَ } (الصف‪:‬‬ ‫َوال َّل ��هُ ُم ِت � ُّ�م ن ِ‬ ‫‪ .)8‬وقد أوضح د‪.‬حس���ي��ن اله������راوي‪ ,‬منذ أوائل‬ ‫الق������رن املاض������ي‪ ,‬أن الدعوة إل������ى العامية كانت‬ ‫إح������دى الطرق التي تبناها املستش������رقون ورواد‬ ‫االستعمار وأذنابهم منذ زمن قدمي‪ ,‬وكانت هذه‬ ‫إحدى وس������ائلهم حتى ال يتفاهم املس������لمون وال‬ ‫يفهمون لغة قرآنهم‪.‬‬

‫الشعوبيون العرب‬

‫أما في الوطن العرب������ي‪ ,‬فقد ظهر كثير من‬ ‫الكت������اب في العصر احلدي������ث‪ ,‬ممن ي ْدعون إلى‬ ‫العامي������ة احمللية‪ ,‬أو إلى كتاب������ة العربية بحروف‬

‫العقاد يفند بعض املفتريات حول اللغة العربية‬

‫‪7/9/14 12:25:28 PM‬‬

‫التينية‪.‬‬ ‫وق������د ي������ؤدي كل ذلك إلى آث������ار وخيمة على‬ ‫الش������عور باالنتماء القومي‪ ،‬ذلك أن اللغة ليست‬ ‫مج������رد أص������وات أو ألفاظ منطوق������ة‪ ,‬أو كلمات‬ ‫مكتوب������ة‪ ,‬وإمن������ا هي كي������ان متكامل م������ن الفكر‬ ‫والوج������دان والت������راث والتاريخ والقي������م الدينية‬ ‫واألخالقية‪ ,‬كما أنها أداة اتصال وتواصل‪ ،‬ولذا‬ ‫فإن اس������تبدال لغة بأخرى في������ه إهدار لكل هذه‬ ‫األبعاد‪ ,‬وانسالخ املجتمع نفسه عن تاريخه وعن‬ ‫ماضيه وعن هويته الثقافية‪ ,‬كما أن فيه إضعافاً‬ ‫لعالقته الثقافي������ة والفكرية مع األقطار األخرى‬ ‫التي تش������ترك مع������ه في تلك اللغ������ة‪ ,‬وفرق كبير‬ ‫بني أن يتعلم املرء اللغات األجنبية لتكون وسيلة‬ ‫للتبادل الفك������ري مع الثقافات املختلفة‪ ،‬وبني أن‬ ‫يتبن������ى ه������ذه اللغة أو تلك لتكون ه������ي أداته في‬

‫‪31‬‬

‫‪august 29-33.indd 31‬‬


‫التفكير والتعبير‪ ،‬على حساب لغته األصلية‪.‬‬

‫العقاد يتصدى للدفاع عن العربية‬

‫أما بكاء البعض من كثرة احلروف الساكنة‬ ‫مقارنة بنظيراته������ا في اللغات األوربية «احلية»‪,‬‬ ‫ودعوته الختزالها فعجيب حقا‪ ,‬ويدل ذلك على‬ ‫أنه أبعد ما يكون عن مناقشة مثل هذه القضايا‪,‬‬ ‫إذ إن هذه إحدى مزايا العربية‪ ,‬ولبيان ذلك نقول‪:‬‬ ‫إن هذه احلروف ‪ -‬الزائدة عن احلاجة في نظر‬ ‫بعض املُتق ِّول���ي��ن ‪ُ -‬وجدت لتنهض بوظائفها في‬ ‫الوفاء باملخارج الصوتية التي تتميز بها العربية‪,‬‬ ‫عل������ى خير وجه‪ ,‬دون التباس أو تكرار أو تعقيد‪,‬‬ ‫يتمث������ل في اللجوء إلى أكثر من حرف أو حرفني‬ ‫كما في اإلجنليزية والفرنسية وغيرهما‪.‬‬ ‫ويوضح األس������تاذ عباس العق������اد (‪ 28‬يونيو‬ ‫‪ 12 - 1889‬م������ارس ‪ )1964‬هذه امليزة بش������يء‬ ‫من التفصيل‪ ,‬وعلى سبيل املثال فحرف «الذال»‬ ‫ف������ي «العربي������ة» يقابله في اإلجنليزي������ة حرفان‪:‬‬ ‫«‪ »th‬كما في اس������م اإلش������ارة «‪ .»this‬أما حرف‬ ‫«الثاء» فيقابله في اإلجنليزية احلرفان السابقان‬ ‫نفس������هما‪ ،‬كما في كلم������ة «‪ ،»thank‬ما يؤدي إلى‬ ‫االلتب������اس‪ .‬وهناك ما هو أكثر من ذلك‪ ،‬فحرف‬ ‫«الش���ي��ن» في العربية يقابله حرف������ان «‪ »sh‬كما‬ ‫ف������ي «‪ ،»shake‬وأحيان������ا أخرى ح������رف «‪ »s‬كما‬ ‫في الكلم������ة عربية األص������ل «‪ ,»sugar‬وكثيرا ما‬ ‫يقوم بذلك أكثر م������ن حرفني كما في «‪»nation‬‬ ‫و«‪ .»deficient‬أما ح������رف «الكاف» فال يقل في‬ ‫االلتباس عما س������بقه‪ ,‬فأحيان������ا يقوم مقامه في‬ ‫اإلجنليزية حرف «‪ ,»k‬وأحيانا أخرى حرف «‪»c‬‬ ‫كما في «‪ »camel‬و«‪ ,»Cairo‬وفي بعض الكلمات‬ ‫األخرى يؤدي ه������ذه الوظيفة حرفان «‪ ،»ch‬كما‬ ‫في كلمة «‪ »Chemistry‬مبعنى كيمياء‪.‬‬ ‫وعل������ى ذل������ك‪ ,‬فإن نط������ق ح������روف اللغات‬ ‫األخرى‪ ,‬التي ميتدحها البعض ويتخذونها مثال‬ ‫في البس������اطة والسالسة والوضوح كاإلجنليزية‪,‬‬ ‫اللغ������ة العاملية األول������ى اآلن‪ ,‬هو مش������كلة تؤدي‬ ‫إل������ى االلتباس والتش������ويش والتداخل‪ ,‬وال ميكن‬ ‫ح������ل «فوازير» وأحاجي نطقه������ا إال بحفظ هذه‬ ‫احلاالت كما ه������ي‪ ,‬حيث ال تفي حروفها مفردة‬ ‫باحلاجات الصوتية لهذه اللغة‪ .‬ومن جهة أخرى‬

‫‪32‬‬

‫‪7/9/14 12:25:35 PM‬‬

‫فإنهم يلجأون إلى نطق احلرف الواحد بأشكال‬ ‫متباينة ف������ي الكلمات املختلف������ة‪ ,‬فحرف الـ «‪»g‬‬ ‫مث���ل��ا ينطق «جيم������ا قاهرية»‪ ،‬كم������ا في «‪»God‬‬ ‫وجيما قرش������ية كما في «‪ ,»Gem‬وجيما معطشة‬ ‫كم������ا ف������ي «‪ ,»Religion‬ورمب������ا ال ينطق كما في‬ ‫«‪ .»Right‬أم������ا حروف العلة الت������ي يتيه بكثرتها‬ ‫األستاذ الشوباش������ي في اللغات الغربية‪ ,‬فيعتور‬ ‫نطقه������ا أيضا كثير من اخلل������ط وااللتباس‪ ,‬فمع‬ ‫اقترانه������ا تنطق عل������ى أربعة أص������وات‪ ،‬كما في‬ ‫هذه الكلمات ‪.blood, door, food and moon‬‬ ‫ومع ذل������ك متتاز العربية بح������روف ال توجد في‬ ‫اللغات األخرى‪ ،‬من أش������هرها الض������اد‪ ،‬ومن ثم‬ ‫فقد أصبحت علما على العربية‪ ,‬وكذلك حروف‬ ‫الظاء والعني والقاف واحل������اء والطاء‪ ,‬أو توجد‬ ‫ف������ي غيرها أحيان������ا ولكنها ملتبس������ة مترددة ال‬ ‫تضبط بعالمة واحدة‪.‬‬ ‫ويريد الشوباشى أن «يقتل» اإلعراب بحجة‬ ‫الغم������وض ف������ي نطق كلم������ة واحدة على عش������ر‬ ‫حاالت‪ ،‬كما في كلمة « قتلت»‪ ,‬ولست أدري ملاذا‬ ‫هذه الكلمة بالذات؟ ما علينا! اللغة العربية لغة‬ ‫منطقية عقالني������ة «ديناميكية» حتتاج في فهمها‬ ‫إلى إعمال العقل‪ ,‬الذي أمرنا خالقنا ‪ -‬جل وعال‬ ‫ أن نس������تخدمه ولنا بذلك األجر والثواب‪ ,‬ومن‬‫ثم فليس غريبا أن أطلق القدماء على الفلس������فة‬ ‫اإلس���ل��امية‪ ,‬وهي من أكثر العلوم اعتمادا على‬ ‫العق������ل‪« ,‬علم الكالم»‪ .‬فالكلم������ة تُفهم وظيفتها‬ ‫ومدلولها م������ن موقعها من اإلعراب حتى لو كان‬ ‫هناك تقدمي أو تأخير (وهو ال يتم عش������وائيا أو‬ ‫رفاهية‪ ,‬وإمنا هو أيض������ا له وظيفة ويؤدي دورا‬ ‫مهماً)‪ .‬وبهذه املناس������بة أريد باملنطق نفس������ه أن‬ ‫أسأل األس������تاذ الشوباش������ي‪ :‬هل كلمة «‪»You‬‬ ‫اإلجنليزي������ة التي تكتب وتنط������ق أيضا على وجه‬ ‫واح������د‪ ،‬بينما يراد بها معان كثي������رة مثل‪« :‬أنت»‬ ‫للمذكر و«أنت» للمؤنث و«أنتما» و«أنتم» و«أننت»‪,‬‬ ‫أدعى إل������ى االلتباس احلقيقي س������ماعا وقراءة‬ ‫وترجمة‪ ،‬أم كلمة تكت������ب على وجه واحد‪ ،‬بينما‬ ‫تنطق وفقاً ملوقعها من اإلعراب؟!‬

‫«العامية» ليست لغة علم‬ ‫أما بالنس� � ��بة للدع� � ��وة إلى اس� � ��تعمال اللغة‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 29-33.indd 32‬‬


‫العامية‪ ,‬في مجال العلوم والتقنية‪ ،‬فإن ذلك يؤدي‬ ‫إلى كارثة حقيقية من ج ّراء اخللط والتش� � ��ويش‪,‬‬ ‫وانحسار الدقة وتالشي التحديد‪ ,‬الذي يتميز به‬ ‫األسلوب العلمي‪ ,‬والتعبير عن احلقائق والنظريات‬ ‫والتجارب والبح� � ��وث العلمية‪ ,‬فضال عن افتقار‬ ‫«العامية» إلى إمكانات االش� � ��تقاق والتوليد الذي‬ ‫تتميز به الفصحى ملس� � ��ايرة التط� � ��ورات العلمية‬ ‫التي ال تتوقف‪ .‬وف� � ��ي حاالت التقدمي والتأخير‪,‬‬ ‫الت� � ��ي تتميز بها األس� � ��اليب العربي� � ��ة‪ ,‬فلن يكون‬ ‫من الس� � ��هل تعيني الفاعل ومتيي� � ��زه من املفعول‬ ‫م� � ��ع اختفاء اإلع� � ��راب‪ ,‬ما قد يترت� � ��ب عليه من‬ ‫مش� � ��كالت ال حتمد عقباها‪ ,‬والسيما في بعض‬ ‫املجاالت العملية كالكهرباء وامليكانيكا والكيمياء‬ ‫التطبيقي� � ��ة‪ ،‬إلى غير ذلك م� � ��ن مجاالت تتطلب‬ ‫التحديد الص� � ��ارم والدقة املتناهية‪ ,‬حيث إن أي‬ ‫التــــباس قــــد يكون قاتال!‬ ‫أما الدعوة إللغاء «نون النسوة»‪ ,‬فسوف تزيد‬ ‫الطني بلة‪ ,‬فاملقارنات مثال بني نتائج االختبارات‬ ‫والفحوص ملجموعتني من املرضى إحداهما من‬ ‫الذكور واألخرى من اإلناث‪ ,‬س������يحدث بصددها‬ ‫اخللط والتشويش متاما‪ ،‬مثلما يحدث في حالة‬ ‫األح������كام الفقهي������ة والضوابط الش������رعية التي‬ ‫تخ������ص الرجال من دون النس������اء أو عكس ذلك‪,‬‬ ‫فسوف يعتورها اخللط وعدم التحديد الذي قد‬ ‫يفضي إلى آثار خطيرة‪.‬‬ ‫وق������د كان األس������تاذ العق������اد ‪ -‬رحمه الله ‪-‬‬ ‫كثي������را ما يعلن أن اللغة العامية ليس������ت لغة علم‬ ‫وال أدب راق‪ ,‬ميكن أن يعيش مع األيام والسنني‪,‬‬ ‫هذا‪ ,‬فضال ع������ن أن الثروة اللفظية للعامية ج ُّد‬ ‫فقيرة باملقارنة مع الفصحى‪ ,‬فقد تبني في بعض‬ ‫اإلحص������اءات أنها ال تتجاوز اخلمس������مائة كلمة‪,‬‬ ‫بينم������ا تتطلب احلياة العلمية املتنامية عش������رات‬ ‫اآلالف بل ومئاتها من الكلمات‪ ،‬لنستطيع التعبير‬ ‫عن املدركات اجلديدة املتطورة واملسايرة حلركة‬ ‫الفكر العلمي واإلنساني بوجه عام‪ .‬وهذا الثراء‬ ‫اللفظ������ي ميزة تتميز به������ا «العربية»‪ ,‬وليس عيبا‬ ‫كما يظن من في قلوبهم مرض‪ ,‬أو على أحس������ن‬ ‫الظن من ليس عندهم علم!‬ ‫نعم‪ ,‬لغتن������ا في خطر‪ ,‬ولكن ليس معنى ذلك‬ ‫أن نلعنها ونلغيها‪ ,‬ونس������تبدل العامية بها‪ ,‬ولكن‬ ‫العقاد يفند بعض املفتريات حول اللغة العربية‬

‫‪7/9/14 12:27:20 PM‬‬

‫األج������دى من ذل������ك أن نبحث بالط������رق العلمية‬ ‫املنهجية حلل مشكالتها‪ ,‬وتيسيرها على ألسنة‬ ‫وأقالم الناطقني والكاتبني بها‪.‬‬ ‫إن الدع������وة إل������ى اللهجات العامية بهدف‬ ‫القضاء عل������ى االزدواج اللغوي‪ ,‬واتس������اق الفكر‬ ‫مع اللسان وتبس������يط القواعد بحذف معظمها‪,‬‬ ‫دعوة مش������بوهة تؤدي إلى االنسالخ عن العقيدة‬ ‫ونقض ُعرى الدين‪ ,‬من خالل االنقطاع عن أهم‬ ‫نصوصه‪ :‬القرآن الكرمي والسنة النبوية املطهرة‪,‬‬ ‫والت������راث الفقهي والش������رعي واألدبي والفكري‬ ‫املكتوب باللغ������ة العربية الفصيح������ة‪ ,‬ذلك الذي‬ ‫يض������رب في تاريخنا إلى نحو ألف وخمس������مائة‬ ‫عام‪ .‬إنها باختص������ار دعوة لطمس معالم الهوية‬ ‫العربية اإلس���ل��امية وإلغائها‪ ,‬وه������ي في النهاية‬ ‫دعوة مذمومة مسمومة فاشلة ال ميكن تنفيذها‪,‬‬ ‫وس������تنتهي قبل أن تبدأ‪ ,‬ش������أنها في ذلك ش������أن‬ ‫س������وابقها بل ولواحقها‪ ,‬أمام ما تع ّهد الله به من‬ ‫حف������ظ قرآنه الكرمي‪ ،‬كما ج������اء في قوله تعالى‪:‬‬ ‫{إ َّن ��ا ن َْح � ُ�ن نَزَّ ْل َن ��ا الذِّ كْ � � َر َو ِإ َّن ��ا َل ��هُ حَ َ‬ ‫ل ِاف ُظ ��ونَ }‬ ‫ِ‬ ‫(احلج������ر‪ )9 :‬وحتى نس������تيقن من ذلك‪ ,‬فإنه مع‬ ‫كل تط������ور علمي‪ ,‬وتقدم تقني‪ ,‬يتأكد ويترس������خ‬ ‫هذا العهد القرآني الناصع البيان‪ ,‬ليتحقق معه‬ ‫حف������ظ لغة القرآن‪ ,‬رغم أن������ف احلاقدين‪ ,‬وكيد‬ ‫الكائدي������ن‪ ,‬ورحم الله س������يبويه وأجزل له األجر‬ ‫قدم من عل������م يخلد ذكره ما‬ ‫والثواب‪ ,‬لق������اء ما ّ‬ ‫بقيت العربية‪ ,‬وستبقى بإذن الله‪.‬‬

‫العقاد يؤلف كتابني للدفاع عن اللغة‬ ‫ك������رس العقاد في أخري������ات حياته‪ ,‬احلافلة‬ ‫باجلهاد في جميع املجاالت‪ ,‬للغة العربية كتابني‬ ‫من كتبه‪ ,‬فضال عن دراسات كثيرة أودعها كتبه‬ ‫املختلف������ة‪ ,‬حتت عناوين كثيرة متنوعة‪ .‬وقد جاء‬ ‫كتابه األول (‪ )1960‬بعنوان «اللغة الش������اعرة»‪,‬‬ ‫أما الكتاب الثاني (‪ )1963‬فهو بعنوان‪« :‬أشتات‬ ‫مجتمعات في اللغ������ة واألدب»‪ ,‬وقد دافع فيهما‬ ‫َّي�� مزاياها املختلفة التي‬ ‫ع������ن اللغة العربية‪ ,‬وب �� نَّ‬ ‫متتاز بها على غيرها من لغات العلم واحلضارة‪,‬‬ ‫وال يتس������ع املجال هن������ا للتعرض ملا ج������اء فيهما‬ ‫من أف������كار وحقائق ومعلومات ح������ول هذه اللغة‬ ‫العريقة >‬

‫‪33‬‬

‫‪august 29-33.indd 33‬‬


‫قــالـوا‬

‫< الثورة أتاح� � ��ت أمام املتفلس� � ��فة فرصة تاريخية‬ ‫لالنخ� � ��راط في جتريب ميتافيزيقي غير مس� � ��بوق‬ ‫لكن‬ ‫على حدود هويتنا املس� � ��تقرة من� � ��ذ ألفي عام‪ّ .‬‬ ‫النتائ� � ��ج مخيب� � ��ة لآلم� � ��ال‪.‬‬ ‫وعلى كل التزال الثورة حد ًثا‬ ‫غي� � ��ر مرئ� � � ّ�ي بالنس� � ��بة إلى‬ ‫عديد املفكري� � ��ن لدينا‪ .‬دور‬ ‫الفيلسوف أن يصاحب اآلالم‬ ‫الكبرى‪ ،‬ال أن يش ّرع لها‪.‬‬ ‫فتحي املسكيني‪،‬‬ ‫فيلسوف ومفكر من تونس‪.‬‬ ‫< ثرثرة الكاتب ش� � ��يء يعجبني‪ ...‬أس� � ��تطيع أن‬ ‫أس� � ��تمع ليوم وليل� � ��ة لثرثرة كات� � ��ب مثل خورخي‬ ‫لويس بورخ� � ��س‪ ،‬حتى ل� � ��و كان يختلق األكاذيب‬ ‫ويقول أش� � ��ياء غير حقيقية‪ .‬أنا أكره فقط ثرثرة‬ ‫املزيف واملستعار واملهووس بنفسه على غير وجه‬ ‫حق إبداعي‪ .‬أي ببس� � ��اطة ُكن مبدعا وثرثر كما‬ ‫تش� � ��اء‪ ،‬فلن يزعجني األمر بتات� � ��ا‪ .‬أما إذا كانت‬ ‫الثرث� � ��رة تفوق حج� � ��م مس� � ��تواك اإلبداعي فمن‬ ‫فضلك الصمت أفضل‪.‬‬ ‫بشير مفتي‪،‬‬ ‫كاتب من اجلزائر‪.‬‬ ‫< اخلي� � ��ال العلمي هو أي فك� � ��رة مت ُّر في الرأس من‬ ‫دون أن تتحق� � ��ق ف� � ��ي الواقع‬ ‫بع� � ��د‪ ،‬لكنه� � ��ا س� � ��وف حتدث‬ ‫قريب� � ��ا‪ ،‬وتغي� � ��ر كل ش� � ��يء‬ ‫بالنس� � ��بة للجمي� � ��ع‪ ،‬وبعدها‬ ‫لن يصبح ش� � ��يئا كما كان في‬ ‫السابق‪ .‬وفور أن متتلك فكرة‬ ‫ميكنها أن تغير جز ًءا صغي ًرا‬ ‫من العالم فأن� � ��ت بإزاء كتابة‬

‫‪34‬‬

‫‪7/9/14 10:49:53 AM‬‬

‫خي� � ��ال علمي‪ .‬إنه دوما فن املمك� � ��ن‪ ،‬وأبدا ليس فن‬ ‫املستحيل‪.‬‬ ‫راي برادبيري‪،‬‬ ‫كاتب خيال علمي من أمريكا‪.‬‬ ‫إجماعا عا ًما‪.‬‬ ‫< ما من جائزة أدبية في العالم تثير‬ ‫ً‬ ‫من هنا‪ ،‬ليست اجلائزة هي املهمة‪ ،‬بل الكتابة‪ .‬أن‬ ‫نكتب ح ًقا فالب ّد أن يصل ما نكتبه إلى قراء يعنيهم‬ ‫ما نفع� � ��ل‪ ،‬ألن األدب هو ما يتبقى ف� � ��ي النهاية ال‬ ‫اجلوائ� � ��ز‪ ،‬إذ قد تتوقف اجلائ� � ��زة وتختفي وتصبح‬ ‫جزءا من التاريخ‪ ،‬أما الكتاب‪ ،‬فال ش� � ��ك في أن له‬ ‫حيوات كثيرة ستعود لتعيش من جديد‪.‬‬ ‫إسكندر حبش‪،‬‬ ‫شاعر وكاتب من لبنان‪.‬‬ ‫< ال معن� � ��ى لعمل مجرد من احل� � ��ب‪ ،‬وال جدوى‬ ‫م� � ��ن ح� � ��ب م� � ��ن دون أدنى‬ ‫عمل‪ .‬أن نحب ما نفعل هو‬ ‫أجم� � ��ل مثال عل� � ��ى التوازن‬ ‫بني قيم املذكر وقيم املؤنث‪،‬‬ ‫وهو مفت� � ��اح النجاح في كل‬ ‫امليادين‪.‬‬ ‫فاليري كوالن سيمار‪،‬‬ ‫كاتبة ومحللة نفسية من فرنسا‪.‬‬ ‫< أكره الصمت‪ ،‬والروايات التي أكتبها تسعى إلى‬ ‫إنهاء حالة الصمت وعدم القدرة على التعبير التي‬ ‫ظلت ترزح حتت وطأتها النساء اإلفريقيات قرو ًنا‬ ‫عدة‪.‬‬ ‫إيفون فيرا‪،‬‬ ‫كاتبة روائية من زميبابوي‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 34-35.indd 34‬‬


‫< أعتقد أن السبب في أن اجلميع يستمتعون بقراءة شكسبير‬ ‫يرجع ألن أعماله لم تتعرض للنقد‪ ،‬كان يكتب فقط‪ ،‬ولم تكن‬ ‫هناك مراجعات نقدية باس�� ��تثناء‬ ‫بعض أفراد اجلمهور الذين كانوا‬ ‫يلقون ببعض األشياء على خشبة‬ ‫املس�� ��رح‪ ،‬وهك�� ��ذا كان بإمكانه أن‬ ‫يكتب فقط‪.‬‬ ‫توني موريسون‪،‬‬ ‫روائية أمريكية حاصلة‬ ‫على نوبل لآلداب‪.‬‬ ‫< ميكننا أن نتحدث عن اإلبداع الفلس� � ��في عندما‬ ‫يكون لدينا آالف املشتغلني في هذا احلقل‪ ,‬وعندما‬ ‫يك� � ��ون مجتمعنا ق� � ��د و َّفر حرية التفكي� � ��ر والتعبير‬ ‫واالعتقاد‪ ،‬والتي تعتبر ش� � ��روطا أساسية ال ميكن‬ ‫للفلس� � ��فة أن تزدهر من دونه� � ��ا‪ ,‬ولكن في ظروف‬ ‫الرقابة املجتمعية والسياسية واإليديولوجية‪ ،‬فمن‬ ‫الصعب احلديث عن إبداع فلسفي‪.‬‬ ‫د‪.‬محمد سبيال‪،‬‬ ‫مفكر من املغرب‪.‬‬ ‫< الف�� ��ارس في وطنه ك�� ��رمي في حبه‪ ،‬ذل�� ��ك الكرم الذي‬ ‫يعني العدل في تقاس�� ��م الهناء والشقاء مع احملبوب‪ ،‬كما‬ ‫يعني أنه ال يصح إال الصحيح في إعداد األجيال القادمة‬ ‫وبقول‬ ‫ملس�� ��ؤوليات املس�� ��تقبل‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫آخر‪ :‬ال خي�� ��ر في من ال خير له‬ ‫ف�� ��ي وطنه‪ ،‬ال ف�� ��ي أهل بيته وال‬ ‫في األق�� ��ارب أو األباعد‪ .‬أنحني‬ ‫للفروس�� ��ية فى الوط�� ��ن‪ ،‬وأنحاز‬ ‫لنبالة الفرسان���.‬‬ ‫د‪.‬محمد املخزجني‪،‬‬ ‫كاتب وقاص من مصر‪.‬‬

‫أن األبراج طريق إلى احلداثة‪،‬‬ ‫< ال‬ ‫أبدا ّ‬ ‫أظن ً‬ ‫ّ‬ ‫فيما البرملان واالش������تغال على اإلنسان قد‬ ‫يو ّفران هذه الطريق‪ .‬امله ّم في النهاية إقامة‬ ‫األس������س‪ ،‬التي تسمح بنش������وء دوائر مدن ّية‬ ‫تقف خارج س������لطة الدين وأنظمة القرابة‪.‬‬ ‫�����ي بذاته‪،‬‬ ‫أ ّم������ا التحديث امل�‬ ‫ّ‬ ‫�����ادي والعمران� ّ‬ ‫والقرابي‬ ‫الديني‬ ‫فقد يعيد إنت������اج الرابطني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويق ّويهما‪.‬‬ ‫حازم صاغية‪،‬‬ ‫مفكر وكاتب من لبنان‪.‬‬ ‫< يداف� � ��ع الغ� � ��رب س� � ��واء ال� � ��دول األوربي� � ��ة أو‬ ‫أمري� � ��كا عن مصاحله‪ .‬والغرب ه� � ��و الذي رعى‬ ‫الديكتاتورية والطغيان‪ .‬ما‬ ‫أقوله للغ� � ��رب هو أنه ليس‬ ‫من حقه إعطاء الدروس في‬ ‫السلوك واألخالق‪ .‬فالغرب‬ ‫س� � ��اند كل الديكتاتوري� �ي��ن‬ ‫الع� � ��رب الذين تلفظهم اآلن‬ ‫شعوبهم‪.‬‬ ‫الطاهر بن جلون‪،‬‬ ‫كاتب روائي من املغرب‪.‬‬ ‫< الكيان البش� � ��ري ه� � ��و من محت� � ��وى الذاكرة‪.‬‬ ‫وكلما تصفني ذاتك‪ ،‬ميكنك أن تس� � ��تعيري أكثر‬ ‫من مخزون املكتبة البش� � ��رية‪ .‬أمتنى أن أستطيع‬ ‫أن أكون م� � ��ر ًة هذه الذاك� � ��رة العاملية‪ .‬أمتنى أنه‬ ‫ميكنن� � ��ي االتصال مرة بها‪ .‬ال يب� � ��دأ الكاتب من‬ ‫الصفر‪ ،‬هو يبني على ذاكرة اآلخرين‪.‬‬ ‫رجاء عالم‪،‬‬ ‫كاتبة من السعودية‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪7/9/14 10:50:07 AM‬‬

‫‪august 34-35.indd 35‬‬


‫استطالع‬

‫من َق ْصر «احلمراء»‬ ‫إلى َجنَّ ات العريف‬ ‫بقلم وعدسة‪ :‬عاصم الشيدي*‬

‫‪7/9/14 10:50:51 AM‬‬

‫‪august p36-49.indd 36‬‬


‫باكرا ونأوي إلى األحالم علّها تقرب لنا صباحا نعانق‬ ‫كان علينا أن نترك مساءات مدينة مربيال ً‬ ‫فيه مدينة غرناطة بكل ما حتمله من أبهة املجد والتاريخ‪ .‬املجد الذي صنعه أجدادنا العرب‬ ‫عندما عبروا إلى هنا فاحتني وحاملني مشاعل النور التي ظلت تنير سماء األندلس ثمانية‬ ‫قرون‪ .‬كنا على مدى خمسة أيام مضت ننتظر حلظة العناق املوعودة‪ ،‬وعناق املدن العريقة على‬ ‫شاكلة غرناطة‪ ،‬ليس أقل حميمية ولذة من عناق حسناء نافرة تختال بحسنها وهي تعبر «جنات‬ ‫قدت ‪ -‬على رأي كل من زارها ‪ -‬من جنان السماء‪.‬‬ ‫العريف» التي ّ‬

‫* كاتب وصحفي عماني‪.‬‬

‫‪7/9/14 10:51:04 AM‬‬

‫‪august p36-49.indd 37‬‬


‫أعلى تل الس� � ��بيكة على الضفة اليسرى لنهر الدارو‬ ‫شرقي غرناطة وأمام أحياء البيازين والقصبة‪.‬‬ ‫بن� � ��ي قصر احلم� � ��راء في املرحلة التي ش� � ��هدت‬ ‫تقل� � ��ص الدولة اإلس� �ل��امية من األندل� � ��س وتراجعها‬ ‫نتيجة حروب النصارى الس� � ��تعادة إس� � ��بانيا‪ ...‬وكان‬ ‫محمد األول‪ ،‬أول من بدأ في بناء القصر‪ ،‬يبحث عن‬ ‫مكان يحتمي فيه ويبق� � ��ي على بعض أمجاد عائلته‪.‬‬ ‫ولذلك اختار موقعا استراتيجيا يصلح أن يكون برج‬ ‫مراقبة لكل من يقترب من املدينة أو يحاول الصعود‬ ‫إلى تاللها‪.‬‬ ‫ووفق املراجع التاريخية فإن غرناطة لم تكن إال‬ ‫قري� � ��ة صغيرة يوم الفتح اإلس� �ل��امي لألندلس بداية‬ ‫القرن الثامن امليالدي‪ ،‬لكنها أخذت تنمو وتكبر منذ‬ ‫القرن العاشر‪ ،‬حتى أنها حلت الحقا محل البيرة مع‬ ‫بدء سقوط املمالك اإلسالمية هناك‪ ،‬لتصبح الحقا‬ ‫مملك� � ��ة غرناطة لقرنني ونص� � ��ف القرن ولتكون آخر‬ ‫معقل يس� � ��قط للمس� � ��لمني في األندلس‪ ،‬بتوقيع أبي‬ ‫عبدالله الصغير‪.‬‬

‫وألنن� � ��ا تركنا مربيال ب� � ��كل ما حتمله من‬ ‫جم� � ��ال ش� � ��واطئ‪ ،‬وجب� � ��ال تتماه� � ��ى مع‬ ‫البحر في مش� � ��هد أقرب إل� � ��ى التماهي‬ ‫واحللول الصوف� � ��ي‪ ،‬كان علينا أن نختار من غرناطة‬ ‫درته� � ��ا وجوهرتها‪ ،‬واحلق أنها درة إس� � ��بانيا كلها إن‬ ‫لم تكن أوربا ب� � ��كل عظمتها‪ .‬كان علينا إذن أن نوجه‬ ‫املس� � ��ير باجتاه «احلمراء» أعجوبة املسلمني في بالد‬ ‫األندلس‪ ،‬أو كما يحلو لنا اليوم أن نسميها «الفردوس‬ ‫املفقود»‪.‬‬ ‫في طريق الصعود إل� � ��ى «احلمراء» كانت فيروز‬ ‫تلح باحلضور وهي تش� � ��دو بصوتها املالئكي «جادك‬ ‫الغيث إذا الغيث همى‪ ،‬يا زمان الوصل باألندلس»‪...‬‬ ‫وتفتح املوشحات جراح األندلس يوم كان هذا القصر‬ ‫إمبراطورية عربية حتميها سباع متوقدة‪ ،‬وتهندسها‬ ‫عبقرية عربية ال تتكرر‪.‬‬ ‫كان نيكوالس ف� � ��ي انتظارنا عند بوابة احلمراء‪،‬‬ ‫ونيكوالس ليس مجرد دليل سياحي فقط‪ ،‬إنه عاشق‬ ‫للحمراء حد الهيام‪ ،‬وق� � ��د قرأ كل الكتب التي كتبت‬ ‫عن غرناطة‪ ،‬لكنه أكثر قربا وحبا لألمريكي واشنطن‬ ‫إيرفينج صاح�� ��ب كتابي «حكايات احلمراء» و«أخبار خطوة‪ ...‬خطوة‪ ...‬نحو القصر‪ ‬‬ ‫سقوط غرناطة»‪.‬‬ ‫كان� � ��ت غرناطة حتكم من داخ� � ��ل قصر احلمراء‬ ‫نيكوالس الذي اصطحبنا إلى أعلى الربوة التي ال� � ��ذي ل� � ��م يكن مجرد قص� � ��ر فقط‪ ،‬ب� � ��ل كان مدينة‬ ‫يق� � ��ع عليها مجم� � ��ع قصور احلمراء‪ ،‬ق� � ��رأ «حكايات متكاملة تق� � ��ول الروايات إنها تض� � ��م قرابة ‪ 40‬ألف‬ ‫احلمراء» وهو في العاشرة من عمره‪ ،‬فكان أن عشق جندي‪ ،‬غير عائلة بني نصر ووزراء بالطه‪.‬‬ ‫احلمراء إلى األبد واختارها مكانا لعمله اليومي‪.‬‬ ‫وكان بن� � ��و نصر قد وصلوا إلى احلكم في القرن‬ ‫أما نح� � ��ن القادمون من أعم� � ��اق جزيرة العرب‪ ،‬الثالث عش� � ��ر املي� �ل��ادي على يد محم� � ��د بن األحمر‬ ‫فكان علينا أن ننص� � ��ت لتفاصيل التاريخ وهي تروى (محم� � ��د األول ‪ )1273 - 1238‬ال� � ��ذي اتخ� � ��ذ م� � ��ن‬ ‫من دليلنا السياحي‪ ،‬ومن عشرات الكتب التي تستقر احلمراء مقرا لألسرة احلاكمة‪ .‬ليبدأ بذلك العصر‬ ‫بال ثقل على جهاز «اآليباد»‪ ،‬فهذه احلكايات ال تروى الذهبي للحمراء‪.‬‬ ‫مرتني‪.‬‬ ‫وعزز محم� � ��د األول «القصبة» التي كانت قائمة‬ ‫قبل أن يفكر في بناء قصر احلمراء‪ ...‬مخمنا بحسه‬ ‫‪ ‬‬ ‫شموخ بلون أحمر‬ ‫العسكري أن تلك املنطقة هي املكان األنسب حلماية‬ ‫تذهب أغل� � ��ب املراجع التاريخية إلى أن س� � ��بب أسرته من أي هجوم‪ ،‬وملراقبة حتركات العدو‪ ،‬فشيد‬ ‫تس� � ��مية «احلمراء» بهذا االسم عائد إلى نوع التربة برجا للحراس� � ��ة ليكون نواة ملا س� � ��يكون عليه القصر‬ ‫الت� � ��ي بني بها «القص� � ��ر»‪ ...‬فلونها أحم� � ��ر وهو لون الحقا‪ .‬واس� � ��تكمل ابنه محمد الثاني والحقا محمد‬ ‫حاض� � ��ر بق� � ��وة في كل القص� � ��ر أو اإلضاف� � ��ات التي الثالث مشوار البناء‪ ،‬وأحلق بالقصر املسجد اجلامع‬ ‫الذي أنشئت فوقه كنيسة سانتا ماريا احلالية‪ .‬وهو‬ ‫شهدها في املراحل التالية‪.‬‬ ‫ويب� � ��دو قصر احلم� � ��راء ش� � ��امخا‪ ،‬يحكي قصة حال كل املساجد في األندلس التي استبدل املنتصر‬ ‫حضارة كان� � ��ت تنير العالم في يوم م� � ��ن األيام‪ ،‬فوق كنائس بها»‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫‪7/9/14 10:51:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august p36-49.indd 38‬‬


‫بهو البركة الواقع مباشرة أمام قاعة السفراء إحدى‬ ‫أهم قاعات القصر‪ .‬وتعكس البركة صفحة السماء‬ ‫بشكل فني نادر‪.‬‬ ‫بذخ القصور وعظمة الهندسة املعمارية اإلسالمية‬

‫‪7/9/14 10:51:25 AM‬‬

‫‪39‬‬

‫‪august p36-49.indd 39‬‬


‫إال أن أغل� � ��ب املباني في قصر احلمراء تنس� � ��ب‬ ‫إلى يوس� � ��ف األول (‪ )1353-1333‬ومحمد اخلامس‬ ‫(‪ .)1391-1353‬على أن أبدع ما بناه يوس� � ��ف األول‬ ‫هو بهو األسود‪ ،‬وهو من أجمل أركان القصر‪.‬‬

‫قصر كارلوس اخلامس‬

‫بعد أن تنفس� � ��نا هواء احلمراء وشعرنا بقداسة‬ ‫امل� � ��كان والزم� � ��ان الذي مر عل� � ��ى ه� � ��ذه البقعة من‬ ‫ف� � ��ردوس العرب املفقود‪ ،‬ابتس� � ��م نيك� � ��والس وقال‪:‬‬ ‫لندخ� � ��ل إلى قصر كارلوس اخلامس‪ .‬وكان نيكوالس‬ ‫يعن� � ��ي ما يفع� � ��ل‪ ،‬أراد أن يرينا الفرق بني القصرين‪،‬‬ ‫قص� � ��ر احلمراء وقصر كارلوس‪ ،‬والفرق بني عبقرية‬ ‫الهندس� � ��ة اإلسالمية والهندسة اإلس� � ��بانية‪ .‬لم يكن‬ ‫قص� � ��ر كارلوس متناغما مع امل� � ��كان الذي وضع فيه‪،‬‬ ‫رغ� � ��م أن كارلوس كما يق� � ��ول تاريخ املدينة عاش� � ��ق‬ ‫للف� � ��ن‪ ...‬ولكن القصر ُظلِم كثي� � ��را ألنه بني في تلك‬ ‫املنطقة‪ ،‬كان ميكن أن تكون له مكانته التاريخية في‬ ‫ما ل� � ��و بني في أي مكان آخر‪ ...‬لكن ليس إلى جوار‬ ‫احلمراء‪.‬‬ ‫واحل� � ��ق أن م� � ��ا مييز قص� � ��ر كارلوس ه� � ��و بهوه‬ ‫املس� � ��تدير الن� � ��ادر‪ ،‬وهو لذلك يعتب� � ��ر أبرز عمل في‬ ‫عص� � ��ر النهض� � ��ة اإلس� � ��بانية‪ .‬عندم� � ��ا خرجنا كان‬ ‫نيكوالس يبتس� � ��م ويقول‪ :‬سنرى قصر احلمراء بعد‬ ‫قليل‪ .‬كنا نتقدم نح� � ��و الداخل‪ ،‬إلى القصر‪ ،‬منر بني‬ ‫الردهات واملمرات التي أصاخت الس� � ��مع للكثير من‬

‫سقوف مقرنصة في‬ ‫قاعة األختني وتعد من‬ ‫أجمل النقوش‬ ‫في القصر‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫‪7/9/14 10:51:32 AM‬‬

‫‪august p36-49.indd 40‬‬


‫لم يبق للسالح حضور في مشهد حصن احلمراء إال للزينة‪ ..‬وتبدو املدافع أمام قصر كارلوس اخلامس موجهة باجتاه غرناطة‪.‬‬

‫قاعة املصلى مليئة بالنقوش و”ال غالب إال الله”‬ ‫خولة القزويني‪ ...‬كشف أسرار املرأة‬

‫‪7/9/14 10:52:06 AM‬‬

‫‪41‬‬

‫‪august p36-49.indd 41‬‬


‫نقوش غاية في الدقة تعتمد على نظريات هندسية ورياضية‬

‫جنات العريف‬

‫احلكاي� � ��ات واملؤامرات وقصص احل� � ��ب والغرام‪ ،‬تلك‬ ‫التي انتهت بروائع األدب العربي حينا‪ ،‬وبجريان دماء‬ ‫الغدر واخليانة في أحيان أخرى‪:‬‬ ‫ه� � ��ذا هو قصر احلمراء إذن‪ ،‬كعبة زوار إس� � ��بانيا‬ ‫كم� � ��ا يصفه واش� � ��نطن إيرفين� � ��غ في كتاب� � ��ه حكايات‬ ‫احلم� � ��راء «للذين ينش� � ��دون رؤية اجلان� � ��ب التاريخي‬ ‫والشعري والرومنطيقي لتلك البالد‪ .‬فكم من أسطورة‬ ‫وتقليد صحيح ووهمي‪ ،‬وكم من رقصة وأغنية عربية‬ ‫وإس� � ��بانية حول احلب واحلرب والفروسية‪ ،‬مرتبطة‬ ‫بهذا الركن التاريخي‪ ،‬فهو س� � ��رير ملك العرب هناك‪،‬‬ ‫احمل� � ��اط بالروائع والعجائب م� � ��ن أفخم ما صنعته يد‬ ‫الفن اجلميل‪ ،‬بهدف تشخيص وتكريس تصور اجلنة‬ ‫السماوية عند املسلمني في إمبراطوريتهم اإلسبانية»‪.‬‬ ‫وصار اليوم لس� � ��ان كل زائر يزور احلمراء يقول‪« :‬إذا‬ ‫كان هذا تصور عن اجلنة السماوية‪ ...‬فكيف حقيقتها‬ ‫إذن»؟‬ ‫‪ ‬‬

‫حكاي� � ��ة الهندس� � ��ة املعماري� � ��ة‪ ،‬وعقلية البن� � ��اء التي‬ ‫ال يوازيه� � ��ا بن� � ��اء آخر في األندلس كله� � ��ا‪ .‬ومن أولى‬ ‫العتبات كان ش� � ��عار بنو األحم� � ��ر «ال غالب إال الله»‬ ‫حاضرا في كل م� � ��كان‪ ...‬أينما وليت فثمة «ال غالب‬ ‫ناس‪.‬‬ ‫إال الله» تذكر أي غافل أو ٍ‬ ‫أول مكان نصل إليه في داخل القصر هو املصلى‪،‬‬ ‫أو كما قال نيكوالس «املهراب» بنطق احلاء هاء‪ .‬وقاعة‬ ‫احملراب هي كل ما تبقى من جامع احلمراء الذي ال‬ ‫جند ل� � ��ه بقايا إال في ما كتب الش� � ��عراء واملؤرخون‪.‬‬ ‫ووف� � ��ق تلك األخبار ف� � ��إن اجلامع بني في عام ‪1308‬‬ ‫من قبل محمد الثالث‪ ،‬وظل اجلامع محتفظا مبعامله‬ ‫حت� � ��ى فترة االحتالل الفرنس� � ��ي الذي دمره بش� � ��كل‬ ‫كامل‪ .‬يصف لس� � ��ان الدين اب� � ��ن اخلطيب في كتابه‬ ‫«اإلحاطة ف� � ��ي أخبار غرناطة» اجلامع بالقول‪« :‬زين‬ ‫بعمل الفسيفساء‪ ،‬وتوريق من أجمل وأعقد النقوش‬ ‫متازجت مع وردات فضية وقناطر مش� � ��رقة‪ ،‬تستند‬ ‫إل� � ��ى دعائم من الرخام املصق� � ��ول‪ ،‬فعال ال يضاهيه‬ ‫ش� � ��يء بتلك األناقة في التصميم م� � ��ع صالبة البناء‬ ‫الذي حترى عنه الس� � ��لطان بنفسه‪ ،‬وجمال التناسق‪،‬‬

‫تبدأ الرحلة‪ ...‬وال تنتهي احلكاية‬

‫‪ ‬ندخل القص� � ��ر وتبدأ حكاي� � ��ات ال تنتهي أبدا‪،‬‬

‫‪42‬‬

‫‪7/9/14 10:52:16 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august p36-49.indd 42‬‬


‫بهو األسود‬

‫فال يوجد لهذا البناء مثيل في تلك البالد‪ ،‬وكثيرا ما‬ ‫سمعت أفضل مهندسينا يقولون إنهم لم يشاهدوا أو‬ ‫يسمعوا قط ببناء ميكن أن يقارن به»‪.‬‬ ‫لكن شيئا من ذلك لم يبق اليوم‪ ،‬وحده احملراب‬ ‫بقي شاهدا على جامع ال مثيل له‪ .‬واحملراب بشكله‬ ‫احلالي ج� � ��دد مطلع القرن العش� � ��رين‪ ،‬بعد أن بقي‬ ‫ف� � ��ي حالة س� � ��يئة نتيجة انفجار مخ� � ��زن للبارود في‬ ‫عام ‪ .1590‬وم� � ��ع االقتراب من احملراب تتضح أربع‬ ‫شرفات صغيرة ذات أقواس متطابقة ونوافذ صغيرة‬ ‫تكش� � ��ف الكثير م� � ��ن تفاصيل املدينة ف� � ��ي اخلارج‪،‬‬ ‫وتسمح للضوء بدخول املصلى على شكل خيوط من‬ ‫نور‪.‬‬ ‫ومن احملراب إلى فناء الريحان تس� � ��تمر الرحلة‬ ‫داخل القصر‪ ،‬حيث البرك� � ��ة األكبر التي تعكس في‬ ‫صف� � ��اء مائها قبة الس� � ��ماء‪ ،‬ويتس� � ��ابق زوار القصر‬ ‫للوقوف ثوان والتق� � ��اط صورة تذكارية تخلد الزيارة‬ ‫ولكنها تكشف عن روعة الهندسة املعمارية‪.‬‬ ‫وتبل� � ��غ مس� � ��احة احلوض ‪ 34‬مت� � ��را في ‪17.10‬‬ ‫ويقس� � ��م الفن� � ��اء بش� � ��كل طول� � ��ي‪ ،‬وتصل املي� � ��اه إلى‬ ‫من َق ْصر «احلمراء» إلى َجنَّات العريف‬

‫‪7/9/14 10:52:33 AM‬‬

‫احلوض عن طريق حوضني رخاميني واقعني في كل‬ ‫ط� � ��رف‪  .‬وعلى جانبي الفناء ميت� � ��د رواقان معمدان‬ ‫قائم� � ��ان على أعمدة ذات تيجان مكعبة ذات س� � ��بعة‬ ‫أقواس شبه دائرية مزخرفة بزخارف مفرغة معينة‬ ‫الشكل ونقوشات تسبيح لله‪ .‬وتبدو هندسة األقواس‬ ‫معتمدة على نظريات رياضية أبدعها العلماء العرب‪،‬‬ ‫فالق� � ��وس املركزي أكبر من الس� � ��تة اآلخرين‪ ،‬وعليه‬ ‫أشكال مثلثية مزينة بزخارف نباتية وتيجان أعمدة‬ ‫مقرنصة‪.‬‬ ‫وميك� � ��ن أن يق� � ��رأ الزائ� � ��ر الكثير م� � ��ن النقوش‬ ‫والكتابات على املمري� � ��ن‪ ،‬من قبيل «العون واحلماية‬ ‫من الل� � ��ه‪ ،‬والنصر املؤزر ملوالنا أب� � ��و عبد الله‪ ،‬أمير‬ ‫املس� � ��لمني»‪ .‬وميكن اعتب� � ��ار فناء الريح� � ��ان امتدادا‬ ‫لقاعة الس� � ��فراء‪ ...‬أو قاعة الع� � ��رش التي كان فيها‬ ‫عرش امللك‪ .‬وتعتبر قاعة السفراء من أفخم قاعات‬ ‫القصر‪ ،‬وكان امللك يس� � ��تقبل فيها زواره الرسميني‪،‬‬ ‫وكان مطلوبا أن تب� � ��دو القاعة مهيبة وتبعث اخلوف‬ ‫في نف� � ��وس الزوار حتى ال يطمع أحد في القصر‪...‬‬ ‫ومن ورائه مملكة غرناطة‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫‪august p36-49.indd 43‬‬


‫وتتصل القاعة بفن� � ��اء الريحان عن طريق قوس‬ ‫مزدوج‪ .‬وش� � ��عار بني األحمر في وسط القاعة متكن‬ ‫مش� � ��اهدته م� � ��ن كل االجتاه� � ��ات‪ ،‬أو هو كم� � ��ا يقول‬ ‫املهندسون محور النظر مع مكان جلوس امللك‪ .‬وفي‬ ‫كل ج� � ��دار من جدران القاعة ثالثة أقواس تصل إلى‬ ‫محاريب مفتوحة في اجلدار‪.‬‬ ‫والقاع� � ��ة متخم� � ��ة بالنقوش‪ ،‬وكلم� � ��ا تعمقنا إلى‬ ‫الداخل تزداد النقوش والزخارف حضورا وإبهارا‪.‬‬ ‫وه� � ��ذه القاعة م� � ��ن أكثر القاع� � ��ات ازدحاما بني‬ ‫قاع� � ��ات القصر‪ ،‬وم� � ��ن أكثرها أملا بالنس� � ��بة لزواره‬ ‫الع� � ��رب‪ ،‬ففيه� � ��ا ‪ -‬على أكث� � ��ر الرواي� � ��ات ‪ -‬و َّقع أبو‬ ‫عبدالل� � ��ه الصغي� � ��ر وثيق� � ��ة االستس� �ل��ام‪ .‬ولذلك لم‬ ‫أستغرب عندما سمعت شيخا عربيا كبيرا في السن‬ ‫ينش� � ��د بيتا شعريا بصوت مس� � ��موع وهو يقترب من‬ ‫مكان العرش‪:‬‬ ‫اب� � � ��ك م � �ث� ��ل ال� � �ن� � �س � ��اء م� �ل� �ك���ا م� �ض ��اع ��ا‬ ‫ل � � ��م حت�� ��اف�� ��ظ ع � �ل � �ي� ��ه م�� �ث� ��ل ال�� ��رج�� ��ال‬

‫أعاد الش� � ��يخ العربي الذي ال شك في أن املشهد‬ ‫كان موجعا بالنس� � ��بة ل� � ��ه‪ ،‬تفاصيل املش� � ��هد األخير‬ ‫خلروج أبي عبدالله الصغير من احلمراء واستسالمه‬ ‫ملصلح� � ��ة فرديناند‪ ...‬كان املش� � ��هد ينط� � ��ق الصخر‬ ‫عندم� � ��ا رأت أمه عائش� � ��ة دموعه تنهم� � ��ر‪ ،‬فقالت له‬ ‫ببديهة عربية وسليقة صافية البيت الذي سار مثال‪،‬‬ ‫وكثر ترديده الحقا مع توالي سقوط املعاقل العربية‬ ‫في كل مكان‪.‬‬ ‫اقترب� � ��ت من الش� � ��يخ ال� � ��ذي عرفت أنه س� � ��وري‬ ‫وسألته‪ :‬هل تبك على سقوط األندلس بعد كل هذه‬ ‫القرون؟‬ ‫فرد سريعا‪:‬‬ ‫«كل امل� � ��دن والعواصم العربية تس� � ��ير في طريق‬ ‫غرناطة ي� � ��ا ولدي»‪ .‬أرعبني الرد وأن� � ��ا أقترب أكثر‬ ‫من ساحة العرش التي كان يتربع فوقها أبو عبدالله‬ ‫الصغي� � ��ر بقل� � ��ق وارتباك في أيام� � ��ه األخيرة‪ ،‬وكانت‬ ‫أصوات اخلس� � ��ائر وسقوط مماليكه ال يحتاجان إلى‬ ‫حتى ورق األشجار املتساقط يتناغم مع‬ ‫املاء واألسماك في برك القصر‬

‫‪44‬‬

‫‪7/9/14 10:52:39 AM‬‬

‫العدد ‪ - 668‬يوليو ‪2014‬‬

‫‪august p36-49.indd 44‬‬


‫مشهد على مدينة غرناطة من احملراب‬

‫الصعود فوق األبراج العالية املنتشرة حول احلمراء‪،‬‬ ‫فهي تصله من كل النوافذ والشبابيك‪ ،‬بل وتسير في‬ ‫قنوات املاء وسواقيه‪ ...‬إنها النهاية بكل جتلياتها‪.‬‬

‫سباع حترس احلقيقة‬

‫ميض� � ��ي الوقت س� � ��ريعا ف� � ��ي القص� � ��ر دون أن‬ ‫نستطيع الوصول إلى كل ردهاته‪ ،‬ودون أن نستطيع‬ ‫رس� � ��م خارطة ذهنية كاملة له‪ ،‬نسأل مرافقنا‪ :‬أين‬ ‫نح� � ��ن اآلن؟ ال يبطئ في اإلجاب� � ��ة‪ :‬نحن في الربع‬ ‫اجلنوبي الشرقي من القصر‪ ...‬إنه بهو األسود‪ ،‬أو‬ ‫السباع كما يسميه البعض‪.‬‬ ‫وقف نيكوالس في وس� � ��ط البه� � ��و وحرك يديه‬ ‫وسط خصل ش� � ��عره املتس� � ��اقطة فوق وجهه وقال‬ ‫متذكرا واش� � ��نطن إرفينج‪« :‬ال يوجد قسم في هذا‬ ‫القصر من شأنه أن يعطينا فكرة كاملة عن جماله‬ ‫األصلي وروعته أكثر من هذا»‪.‬‬ ‫ويعلل نيكوالس كالم واش� � ��نطن بالقول إن هذا‬ ‫امل� � ��كان لم تطله ي� � ��د الزمان بالتخري� � ��ب إال قليال‪.‬‬ ‫وتقوم في وسط البهو النافورة املشهورة التي تغنى‬ ‫بها الش� � ��عراء وحبكت حولها احلكايات في الذاكرة‬ ‫من َق ْصر «احلمراء» إلى َجنَّات العريف‬

‫‪7/9/14 10:52:44 AM‬‬

‫العربية عندما تستعيد ذكريات األندلس‪ .‬وبجانب‬ ‫الناف� � ��ورة أحواض املرمر التي التزال ‪ -‬رغم تعاقب‬ ‫القرون ‪ -‬تصب قطراتها املاس� � ��ية‪ ،‬يدعمها االثنا‬ ‫عش� � ��ر أس� � ��دا جتعل نبعها البللوري يتدفق كما في‬ ‫أيام أبي عبدالله الصغير‪.‬‬ ‫‪ ‬بنى هذا البهو‪ /‬القصر محمد اخلامس الذي‬ ‫خلف� � ��ه والده يوس� � ��ف األول‪ .‬كان بهو األس� � ��ود وما‬ ‫يحي� � ��ط به ميثل قصر العائلة الذي بني على مقربة‬ ‫من احلمامات وفناء الريحان‪.‬‬ ‫وي� � ��رى الكثير م� � ��ن املتخصصني ف� � ��ي التراث‬ ‫األندلس� � ��ي وتراث بني نصر بشكل خاص أن ذروة‬ ‫فنه� � ��م وإبداعهم ظهر في ه� � ��ذا القصر الذي اهتم‬ ‫باألناق� � ��ة أكثر من الفخامة عل� � ��ى حد تعبير ألبرت‬ ‫كالفرت في كتابه «غرناطة وقصر احلمراء»‪ .‬وفي‬ ‫البه� � ��و يتناغم الض� � ��وء‪ ،‬واملاء‪ ،‬والل� � ��ون‪ ،‬والزخرفة‬ ‫ويش� � ��كالن س� � ��مفونية اإلبداع العرب� � ��ي التي ميكن‬ ‫سماعها بوضوح وأنت جتول ببصرك مشدوها في‬ ‫وسط البهو الباذخ والساحر‪ ...‬فتحسب أنك تسمع‬ ‫تفاصيل س� � ��هرة عود بطله� � ��ا األول زرياب وضيفها‬ ‫األوحد اخلليفة‪ ...‬أمير املؤمنني‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫‪august p36-49.indd 45‬‬


‫مكان العرش في قاعة السفراء حيث كان يجلس ملوك‬ ‫وسالطني بني نصر‪.‬‬

‫تعتبر احلمامات جزءا أساسيا في القصر واستخدمت فيها‬ ‫نقوش وفنيات تعادل القاعات الرئيسة في القصر‪.‬‬

‫يأس� � ��رنا بهو األسود‪ ،‬نقترب منها أكثر‪ ،‬عددها‬ ‫اثنا عش� � ��ر أس� � ��دا‪ ،‬تخرج املياه من أفواها‪ .‬وكانت‬ ‫الس� � ��لطات اإلس� � ��بانية قد أخذت ف� � ��ي عام ‪2002‬‬ ‫األس� � ��ود لتنظيف جوفها من الترسبات التي باتت‬ ‫تعي� � ��ق حركة املياه‪ ،‬ولكن بع� � ��د أن أعادتها في عام‬ ‫‪ 2011‬لم يس� � ��تطع اخلب� � ��راء أن يعي� � ��دوا املياه كما‬ ‫كانت!!‪ .‬وبعد أكثر من عام وبجهود مؤرخني وخبراء‬ ‫وعلماء متخصصني في قصر احلمراء عادت املياه‬ ‫لتخ� � ��رج من أفواه األس� � ��ود مرة أخ� � ��رى‪ ...‬على أن‬ ‫فكرة األسود كما يقول دليلنا السياحي والتاريخي‬ ‫كانت لداللة عل� � ��ى الوقت‪ ،‬حيث يخرج املاء من فم‬ ‫األسد األول في الس� � ��اعة الواحدة‪ ،‬ومن فم الثاني‬ ‫في الساعة الثانية‪ ،‬وهكذا على مدار الساعة لتُعلم‬ ‫سكان القصر بحركة الزمن من حولهم‪.‬‬ ‫تبدو األس� � ��ود مستكينة ومس� � ��تقرة بعد أن و ّقع‬ ‫أس��� � ��يادها صكوك االستس� �ل��ام‪ ،‬ولم يعودوا ملوكا‬ ‫لغرناط� � ��ة وال لضاحية من ضواحيها‪ ...‬فال صوت‬ ‫لزئير وال أي رهبة في شكلها‪ ...‬إنها كائنات وديعة‬ ‫ج� � ��دا‪ ...‬رغم أنها كانت في يوم من األيام الس� � ��باع‬

‫التي حتمي احلقيقة واملكان‪.‬‬ ‫يتك� � ��ون البهو من باحة حتيط بها األعمدة على‬ ‫طريقة األديرة املسيحية‪ ،‬والبهو يتمركز في نقطة‬ ‫حتيط بها كل القاعات األخرى املرتبط به‪ ...‬بدءا‬ ‫م� � ��ن قاعة القباب املقرنصة ف� � ��ي الغرب إلى قاعة‬ ‫املل� � ��وك في الش� � ��رق‪ ،‬وقاعة األختني في الش� � ��مال‬ ‫ومنظرة دار عائشة في اجلنوب‪.‬‬ ‫وقاع� � ��ة امللوك من القاع� � ��ات التي تبهر زائرها‬ ‫بزخارفها الغريبة‪ ،‬ومقرنصاتها املزخرفة باألملاس‬ ‫املفرغ‪ .‬وتنقس� � ��م القاعة لسبعة أجزاء‪ :‬ثالث غرف‬ ‫مربعة ومنفصلة بواس� � ��طة قس� � ��م مستطيل الشكل‬ ‫وقب� � ��اب ف� � ��ي األط� � ��راف‪ .‬ويخترق الض� � ��وء القاعة‬ ‫بسهولة‪ ،‬وتتباين فيها جاذبية األقواس مع زخارف‬ ‫جدرانها الرقيقة التي تكسوها النقوش‪.‬‬ ‫وفي ص� � ��در القاعة ميكن رصد الرس� � ��وم التي‬ ‫متث� � ��ل أول عش� � ��رة ملوك من س� �ل��الة بن� � ��ي نصر‪،‬‬ ‫ومشاهد متثل الفروسية ورحالت الصيد‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى مش� � ��اهد متثل اجلانب الرومانس� � ��ي في حياة‬ ‫غرناطة وقصر احلمراء‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫‪7/9/14 10:52:49 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august p36-49.indd 46‬‬


‫نترك البهو بتثاقل كبير إلى اجلانب اجلنوبي‪،‬‬ ‫حيث تقع «قاعة بني سراج»‪ ،‬ووفق دليلنا فإن الكثير‬ ‫من الروايات غير احملققة ترى أنها كانت مس� � ��رحا‬ ‫ألحداث مذبحة ‪ 36‬رجال من أعيان تلك األس� � ��رة‪،‬‬ ‫والتي ج� � ��رت بأمر أبي عبدالل� � ��ه الصغير‪ ،‬وميكن‬ ‫مشاهدة عرق محمر في األرضية الرخامية يشار‬ ‫إلي� � ��ه على أنه لطخات دم ضحاي� � ��ا يتعذر محوها‪.‬‬ ‫وواشنطن (صاحب كتاب حكايات احلمراء) يسخر‬ ‫كثيرا من هذه القصة ويعتبرها مثيرة للضحك‪.‬‬ ‫وب� �ي��ن حكاية وردهة ونافذة وش� � ��رفة تس� � ��تمر‬ ‫الرحلة ف� � ��ي قصر احلمراء‪ ،‬ومن زي� � ��ارة حماماته‬ ‫وأبراجه إلى غرف نسائه التي كانت شاهدا صامتا‬ ‫على الكثير من حكايات احلب والغرام‪ ...‬إلى متزين‬ ‫امللكة ودار عائشة وبرج قمارش‪ ،‬الذي يستقر فوق‬ ‫قاعة السفراء‪ ،‬وقاعة األختني وقاعة القضاء التي‬ ‫يبلغ بها اإلسراف والبذخ في الزخرفة مداه األكبر‬ ‫في القصر‪ .‬ويقال إنه في هذه القاعة‪  ‬كانت بركة‬ ‫للوضوء‪ ،‬هي اآلن في املتح� � ��ف‪ .‬وعليها منحوتات‬ ‫نافورة جميلة ألس� � ��ود‪ ،‬وغزالن ونس� � ��ور‪ .‬وفي هذه‬ ‫القاع� � ��ة بالتحديد أمر فرنان� � ��دو وإيزابيال بعد أن‬ ‫دانت لهم احلمراء وغرناطة بأكملها‪ ،‬بإقامة قداس‬ ‫لالحتفال بعودتهما إلى العرش‪.‬‬ ‫‪ ‬‬

‫إلى اجلنان‪ ...‬إلى جنة العريف‬

‫مرورا بحدائق دار عائشة وجدنا أنفسنا نخرج‬ ‫من قصر احلمراء إلى جناته املقابلة‪ :‬جنة اخلليفة‬ ‫وجنات العريف وفناء الس� � ��رو‪ .‬وعالم من اجلمال‬ ‫والس� � ��حر ال مثيل له‪ .‬ال تبعد ربوة الش� � ��مس التي‬ ‫تتمركز فوقها كل اجلنان‪.‬‬ ‫ورغم أن «جنة العريف» تعود إلى ثاني سالطني‬ ‫بني األحمر محمد الثاني فإن أول إش� � ��ارة تاريخية‬ ‫له� � ��ا تظهر في كتاب لس� � ��ان الدي� � ��ن ابن اخلطيب‬ ‫«اإلحاطة بتاريخ غرناطة»‪« ،‬والذي اعتبرها واحدة‬ ‫من بني سبعة عشر بس� � ��تانا تنتمي للتراث امللكي‪،‬‬ ‫وأش� � ��ار إلى متيزها بكثافة أشجارها التي حتجب‬ ‫أشعة الشمس‪ ،‬كما أش� � ��اد بسحر وعذوبة مياهها‬ ‫ونقاء هوائها»‪.‬‬ ‫وإذا كان الكثي� � ��رون ق� � ��د ربط� � ��وا بعالق� � ��ة بني‬ ‫بان� � ��ي قصر احلمراء وبني الس� � ��حر‪ ،‬ف� � ��إن الربط‬ ‫بينهما في إنش� � ��اء جنة العري� � ��ف أولى‪ ...‬إنها جنة‬ ‫من َق ْصر «احلمراء» إلى َجنَّات العريف‬

‫‪7/9/14 10:52:55 AM‬‬

‫نقوش دقيقة من الغرفة املذهبة‬

‫حقيقية وليس� � ��ت مجازية‪ ،‬تق� � ��ف بجمالها وبذخها‬ ‫في موازاة قصر احلمراء من حيث الروعة وتناغم‬ ‫التفاصيل‪.‬‬ ‫وال ش� � ��ك ف� � ��ي أن أجمل ما في جن� � ��ة العريف‬ ‫«فناء الس� � ��اقية» ال� � ��ذي بات يرمز إل� � ��ى اجلنة أو‬ ‫يرتبط ذهنيا باس� � ��مها‪ .‬وهو مكان مسور مستطيل‬ ‫الشكل مير باحملور الكبير للساقية من خالل القناة‬ ‫امللكية‪ .‬وتش� � ��كل نوافير املياه التي حتيط بالساقية‬ ‫وتلتقي في وسطها املشهد األجمل واألروع‪.‬‬ ‫كانت جنة العريف تش� � ��كل املالذ األجمل مللوك‬ ‫غرناطة حني تش� � ��تد اخلط� � ��وب‪ ،‬وتكون اجلنة هي‬ ‫امله� � ��رب األكثر أمن� � ��ا واألكثر برودة حينما تش� � ��تد‬ ‫حرارة اجلنوب‪.‬‬ ‫ويذكر غير مؤرخ أنه من الصعب متييز الشكل‬

‫‪47‬‬

‫‪august p36-49.indd 47‬‬


‫أجزاء بقيت كما هي لم تخضع ألي ترميم كما خضع الكثير من أجزاء القصر‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪7/9/14 10:53:02 AM‬‬

‫‪august p36-49.indd 48‬‬


‫منظر عام على مدينة غرناطة من فوق جنات العريف‪ ...‬ويبدو قصر احلمراء مشرف ًا على كل تفاصيل املكان‪.‬‬

‫األصل� � ��ي جلن� � ��ة العريف‪ ،‬فقد ش� � ��هدت الكثير من‬ ‫الترميم� � ��ات والكثير م� � ��ن التعديالت خالل احلقب‬ ‫اإلس� �ل��امية واملس� � ��يحية‪ .‬ويرى دليلنا السياحي أن‬ ‫أغل� � ��ب مالمح جنة العريف قد طمس� � ��ت‪ ،‬وما نراه‬ ‫اليوم ال ميت لش� � ��كل «اجلنة» كم� � ��ا كانت في عهد‬ ‫أصحابها من بني األحمر بصلة‪.‬‬ ‫‪ ‬‬

‫لكل شيء إذا ما مت نقصان‬

‫كان يومن� � ��ا في احلمراء هو يوم س� � ��بت النور‪ ،‬وفق‬ ‫روزنامة األعياد االسبانية‪ ،‬وكان يوما مناسبا ليذر زوار‬ ‫املدينة والقصر من املس� � ��لمني دموع احلسرة على ملك‬ ‫كان وم� � ��ا عاد‪ .‬وال بد في هذه احلض� � ��رة من تذكر ما‬ ‫أبدعه الش� � ��اعر األندلسي أبوالبقاء الرندي في رائعته‬ ‫«لكل شيء إذا ما مت نقصان»‪ .‬وصوال إلى البيتني‬ ‫ي� � � ��ا م� � � ��ن ل� � ��ذل� � ��ة ق� � � � ��وم ب� � �ع � ��د ع� ��زه� ��م‬ ‫أح� � � � � � ��ال ح� � ��ال � � �ه� � ��م ج� � � � � ��ور وط� � �غ� � �ي � ��ان‬ ‫ب� ��األم� ��س ك� ��ان� ��وا م� �ل ��وكً ��ا ف� ��ي منازلهم‬ ‫وال� � �ي � ��وم ه� ��م ف� ��ي ب� �ل��اد ال� �ك� �ف ��ر ع � �ب� ��دانُ‬ ‫من َق ْصر «احلمراء» إلى َجنَّات العريف‬

‫‪7/9/14 10:53:07 AM‬‬

‫نترك احلم� � ��راء تختفي كلما أمعنا في املس� � ��ير‬ ‫باجتاه املدينة التي بدأت حتتفل جديا بس� � ��بت النور‬ ‫وعيد القيامة‪ .‬وكان صوت الشاعر اللبناني املسيحي‬ ‫الولي� � ��د بن طعمة يرن في أذني وهو ينش� � ��د في رثاء‬ ‫األندلس‪:‬‬ ‫أه� � �ك � ��ذا ك� ��ان� ��ت «احل � � � �م� � � ��راء» م ��وح� �ش � ً�ة‬ ‫إذ ك� � �ن � ��ت ت� � ��رق� � ��ب أف� � � � � � ��واج امل� �غ� �ن� �ي� �ن ��ا‬ ‫ول � � �ل � � �ب� � ��رود ح � �ف � �ي� ��ف ف � � � ��وق م� ��رم� ��ره� ��ا‬ ‫وق � � � ��د ت� � �ض�� ��وع م � �ن � �ه� ��ا م�� �س� ��ك داري� � �ن�� ��ا‬ ‫وي � � ��ا غ� � �م � ��ام اف � �ت � �ق� ��د ج� � �ن � ��ات ُم� ��رس � �ي� � ٍ�ة‬ ‫ورد م � � ��ن زه � � ��ره � � ��ا ور ًدا ون� �س���ري� �ن���ا‬ ‫وأم� � �ط � ��ر ال� �ن� �خ ��ل وال � ��زي� � �ت � ��ون غ � ��ادي � ��ة ‪ ‬‬ ‫وال � � �ت� � ��وت وال � � �ك� � ��رم وال� � ��رم� � ��ان وال��ت��ي��ن��ا‬ ‫ك � �ن� ��ا امل � � �ل� � ��وك وك� � � � ��ان ال � � �ك� � ��ون مملكة‬ ‫ف� �ك� �ي ��ف ب� �ت� �ن ��ا امل� �م���ال� �ي���ك امل� �س ��اك� �ي� �ن ��ا؟‬ ‫وف � ��ي رق� � ��اب ال� � ِ�ع� ��دى ان� �ف� � ّل ��ت ص ��وارم� �ن ��ا‬ ‫وال � �ي� ��وم ق� ��د ن� ��زع� ��وا م� �ن ��ا ال �س �ك��اك �ي �ن��ا >‬

‫‪49‬‬

‫‪august p36-49.indd 49‬‬


‫متحف‬

‫سبيل محمد علي‪...‬‬

‫متحف للمنسوجات التاريخية‬ ‫حتقيق وتصوير‪ :‬رياض توفيق*‬ ‫عرفت احلضارة العربية مواطن اجلمال والذوق الرفيع قبل آالف عدة من الس ��نني‪ ،‬وبقيت‬ ‫ش ��واهد حض ��ارات اليمن وفارس والع ��راق ماثلة للتدليل على صناع ��ة اجلمال‪ ،‬ومن قبلها‬ ‫كذلك كانت احلضارة املصرية قدمت مناذج رفيعة جلمال املنسوجات‪.‬‬ ‫وق������د صن������ع اإلنس������ان ف������ي املنطقة‬ ‫العربية اإلسالمية أذوا ًقا من اجلمال‬ ‫واإلبداع������ات تركها ترا ًثا لإلنس������انية‬ ‫على مر التاريخ يحار الفكر اإلنس������اني كيف مت‬ ‫إبداعها في هذا الزمن املبكر للحياة البش������رية‪،‬‬ ‫وفي قلب القاهرة التاريخية جتمعت اآلن مناذج‬ ‫وقط������ع أثرية ن������ادرة لهذه الفن������ون العبقرية من‬ ‫«النس������يج» الذي ح َّوله إلى «ف������ن» تداخلت فيه‬ ‫كل فنون صناعة اجلم������ال من إبداعات األلوان‬ ‫إل������ى تداخالت طرازية بكل أن������واع التطريزات‪،‬‬ ‫حت������ى أنه عرف منذ ‪ 7‬آالف س������نة كيف يصنع‬ ‫األقمشة «البليسة» التي يفتخر بها الغرب اآلن‪،‬‬ ‫وترك������وا لنا في مقاب������ر الفراعنة قط ًعا من هذه‬

‫املنس������وجات‪ ،‬وكان قرار جتميع كل هذه التحف‬ ‫العربية واإلس���ل��امية داخ������ل متحف هو إضافة‬ ‫لشارع املعز بجانب التحف اإلسالمية املعمارية‬ ‫املنتشرة على امتداد الشارع العجوز الذي وصل‬ ‫عمره إلى ألف عام‪.‬‬ ‫ ‬

‫سبيل محمد علي‬

‫وكان اختيار س������بيل محمد علي باش������ا في‬ ‫النحاسني الرابط في أبهة وعظمة أمام مجموعة‬ ‫ّ‬ ‫«السلطان قالوون» اختيا ًرا موف ًقا‪ ،‬ذلك السبيل‬ ‫الذي يعد أحد أجمل عناصر العمارة اإلسالمية‬ ‫بالقاهرة التاريخية‪ ،‬وأح������د أدق النماذج الفنية‬ ‫اجلميلة التي تزخر بها مصر‪ ،‬والــــذي يـــعبر عن‬

‫* كاتب من مصر‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫‪7/9/14 11:03:06 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 50-57.indd 50‬‬


‫مدخل املتحف وفي األساس هو سبيل أنشأه محمد علي عام ‪1828‬‬ ‫سبيل محمد علي‪ ...‬متحف للمنسوجات التاريخية‬

‫‪7/9/14 11:03:23 AM‬‬

‫‪51‬‬

‫‪august 50-57.indd 51‬‬


‫قاعة مقتنيات إسالمية مصرية‬

‫حقب������ة تاريخــــية مهمة��� ،‬كما أن������ه ميــــثل تطـــو ًرا‬ ‫في عمارة األسبلة كعنصر من عناصر التشكيل‬ ‫العمراني‪ ،‬والتي انفردت بها العمارة اإلسالمية‪،‬‬ ‫كما ميثل طراز أحد املباني اخليرية اإلسالمية‬ ‫فــــهو منش������أة تعليمي������ة خيرية تعمل على خدمة‬ ‫املجتـــمع‪ ،‬وتلك اخلدمة جعلت القيمة الوظيــــفية‬ ‫لألثر من أهم القيم التي ساهمت في استمرارية‬ ‫وجوده وتألقه‪.‬‬ ‫ويحكي التاريخ أن الس������بيل الذي حتول إلى‬ ‫متحف للنس������يج كان قد أمر والي مصر محمد‬ ‫علي باش������ا الكبير بإنشائه س������نة ‪1828‬م‪ .‬وقد‬ ‫أنشأه كعمل خيري على روح ابنه إسماعيل باشا‬ ‫الذي توفي في السودان س������نة ‪1822‬م‪ .‬ويعتبر‬ ‫هذا الس������بيل «املتحف» من األس������بلة العثمانية‬ ‫مبصر الت������ي تظهر فيه������ا زخ������ارف «الباروك»‬ ‫و«الركوك������و» العثمانيني‪ ،‬وتوجد فوقه مدرس������ة‬ ‫صغيرة تتكون من حجرة مستطيلة مغطاة بقبة‬ ‫بيضاوية آية في زخارف «الباروك» و«الركوكو»‬ ‫العثمانيني‪ ،‬وهي ذات واجهة منحنية تطل على‬ ‫ش������ارع املعز بأربعة شبابيك للتسبيل‪ ،‬مغشى كل‬ ‫منها بالنحاس مشكلاً زخارف نباتية‪ ،‬كما جند‬

‫‪52‬‬

‫‪7/9/14 11:03:32 AM‬‬

‫الواجهة الرخامي������ة الرائعة وما عليها من أعلى‬ ‫من كتابات شعرية تركية‪ .‬وقد اتسع السبيل في‬ ‫طابقيه السفلي والعلوي إلنشاء ‪ 5‬قاعات تضمن‬ ‫مقتنيات نسيجية عصور وتضم كل قاعة قط ًعا‬ ‫رائعة التكوين واأللوان بقيت من كل هذه العصور‬ ‫وحتمل كل منها مالمح وفنون عصرها‪.‬‬ ‫ثم قطع من نس������يج الص������وف كلها زخارف‬ ‫منس������وجة بطريقة القباطي من العصر األموي‪،‬‬ ‫وقطع من نس������يج الكت������ان بزخارف منس������وجة‬ ‫باحلري������ر عليه������ا كتابات «فتح قري������ب لعبدالله‬ ‫وولي������ه نزار أب������ي منص������ور العزيز بالل������ه أمير‬ ‫املؤمنني» من العصر الفاطمي‪ .‬وقطع من نسيج‬ ‫الصوف عليها رس������وم لفرس النهر باأللوان من‬ ‫العص������ر الطولون������ي‪ ،‬وقطع من نس������يج احلرير‬ ‫باللون األزرق عليها كتابات باسم الناصر محمد‬ ‫بن قالوون‪ ،‬وس������جاد صالة للتعليق من احلريق‬ ‫األحم������ر املط������رز بالفض������ة املموه������ة بالذهب‪،‬‬ ‫أهداه������ا الوالي محمد علي باش������ا إلى كرميته‬ ‫زينب هامن عند زفافها‪ .‬والعديد من القطع من‬ ‫كسوة الكعبة «شعاره باب التوبة» عليها زخارف‬ ‫نباتي������ة وآيات قرآنية مطرزة بخيوط من الفضة‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 50-57.indd 52‬‬


‫حتتفظ أغلب قطع النسيج املتوافرة في املتحف مهما كانت عتيقة بألوانها كاشفة عن تاريخ مجيد لصناعة النسيج‬

‫بأسلوب «السيرما»‪.‬‬

‫املنسوجات اإلسالمية في اليمن‬

‫اشتهر اليمن بصناعة املنسوجات منذ أقدم‬ ‫العصور قبل اإلس���ل��ام‪ ،‬حيث كان يصنع كس������وة‬ ‫الكعبة من نس������يج أطلق عليه اسم «الوصايل»‪،‬‬ ‫أي الثي������اب املخطط������ة‪ ،‬وقد اس������تمرت صناعة‬ ‫الوصاي������ل في العصر اإلس���ل��امي مع احتفاظها‬ ‫بخصائصها الت������ي متيزها بني أقمش������ة العالم‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬وهي اخلطوط التي تتناسب طولية‬ ‫أو عرضي������ة‪ ،‬وتتص������ل وتنفص������ل لتعطي منظر‬ ‫أل������وان متع������ددة‪ ،‬حي������ث كانت تغط������ي خطوط‬ ‫السدى في بعض املواضع بالشمع‪ ،‬بحيث تظهر‬ ‫الصباغ������ة ف������ي األماكن غير احملج������وزة وتبقى‬ ‫املواض������ع احملجوزة بيضاء‪ ،‬وكان������ت تطرز على‬ ‫ه������ذه املنس������وجات القطنية الكتاب������ات الكوفية‬ ‫في القرن���ي��ن الثالث والراب������ع الهجريني‪ ،‬والتي‬ ‫اش������تملت على أسماء اخللفاء العباسيني وطراز‬ ‫صنعاء وتاريخ الصناعة‪.‬‬ ‫واش������تملت بعض املنس������وجات اليمنية على‬ ‫زخارف هندس������ية من خط������وط متعرجة ونقط‬ ‫سبيل محمد علي‪ ...‬متحف للمنسوجات التاريخية‬

‫‪7/9/14 11:03:38 AM‬‬

‫ومعينات‪ ،‬إما بتطريز أو بإحدى طرق الصناعة‬ ‫املركبة (النقش الزائد من الســــداة أو اللحمة)‪.‬‬

‫النسيج اإلسالمي في إيران‬

‫ال ش������ك في أن إيران قد برعت في صناعة‬ ‫املنسوجات احلريرية منذ أقدم العصور‪ ،‬ومتدنا‬ ‫املص������ادر التاريخية واألثري������ة مبعلومات غزيرة‬ ‫ع������ن املنس������وجات اإليرانية احلريري������ة املطرزة‬ ‫بخيوط من الذهب والفضة ومنسوجات الديباج‬ ‫املبطن من اللحمة‪ .‬وزينت املنسوجات بالرسوم‬ ‫احليواني������ة والزخارف النباتية والهندس������ية من‬ ‫جام������ات ودوائر حتص������ر بينها زخ������ارف نباتية‬ ‫مح ّورة‪.‬‬ ‫وازده������رت صناع������ة النس������يج ف������ي العصر‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬وخاصة في مدن خوزستان وشوشتر‬ ‫التي صنعت فيها كسوة الكعبة‪ ،‬ومدينة خوارزم‬ ‫وبخارى وسمرقند التي أنتجت منسوجات كتانية‬ ‫تشبه النسيج املصري‪ ،‬هذا باإلضافة إلى مدن‬ ‫عدة أخرى اشتهرت بصناعة أنواع مختلفة من‬ ‫النسيج‪ ،‬مثل مدينة آمل التي عرفت مبنسوجات‬ ‫سميكة استخدمت كأغطية للسروج‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫‪august 50-57.indd 53‬‬


‫عرف العراق صناعة النس������يج في العصور‬ ‫السابقة لإلسالم في عصر الساسانيني‪ ،‬حيث‬ ‫توافرت املواد اخلام من القطن والصوف واحلرير‬ ‫والكتان‪ ،‬وقد تكون مصانع النسيج التي أحلقت‬ ‫باملعابد قبل اإلس���ل��ام هي ن������واة لنظام الطراز‬ ‫الذي ازدهر في العصر اإلسالمي‪ ،‬وخاصة في‬ ‫العصر العباسي‪.‬‬ ‫استخدمت طريقة القباطي (اللحمات غير‬ ‫املمت������دة) في تنفيذ الزخارف على املنس������وجات‬ ‫الصوفية التي كانت تش������به املنسوجات املصرية‬ ‫املعاصرة لها‪ ،‬وخاصة في القرون األولى للهجرة‪،‬‬ ‫مع غلب������ة التأثيرات الساس������انية على العناصر‬ ‫الزخرفية املنفذة‪ ،‬على املنسوجات التي وصلت‬ ‫إلينا‪ ،‬مثل رسوم احليوانات والطيور والعناصر‬ ‫النباتية املجنحة وحبات املسبحة‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫الكتابات الكوفية‪ ،‬وباإلضافة إلى املنس������وجات‬ ‫الصوفي������ة وصلتن������ا مجموعة من منس������وجات‬

‫الطراز املصنوع������ة من القطن بطريقة نس������يج‬ ‫الس������ادة أو امللحم‪ ،‬والتي اشتملت على أشرطة‬ ‫كتابي������ة كوفية منس������وجة أو مط������رزة أو مكتوبة‬ ‫بامل������داد‪ ،‬مدون عليها أس������ماء اخللفاء والوزراء‬ ‫ودور الط������راز مث������ل «مدينة الس���ل��ام»‪« ،‬بغداد»‬ ‫وتاريخ الصناعة وأحيانا توقيعات الصناع‪.‬‬ ‫وع������رف العراقيون النول البس������يط األفقي‬ ‫والرأس������ي‪ ،‬كم������ا عرف������وا األصب������اغ النباتي������ة‬ ‫واحليوانية‪ ،‬فحصلوا على اللون األحمر ودرجاته‬ ‫م������ن حلاء ش������جر البل������وط‪ ،‬أو من احلش������رات‬ ‫والدي������دان التي تعيش على األش������جار وخاصة‬ ‫دودة القرم������ز‪ ،‬وذلك بعد جتفيفه������ا وغليها ثم‬ ‫وضعها في محلول ملحي حامض‪.‬‬ ‫وحصل������وا على اللون األزرق من نبات النيلة‪،‬‬ ‫وعرفوا مزج األلوان الس������تخراج ألوان جديدة‪،‬‬ ‫كما عرفوا استعمال الزعفران والورس‪.‬‬ ‫وكان������ت في الع������راق عند الفتح اإلس���ل��امي‬ ‫مراكز عدة لصناعة النسيج‪ ،‬نذكر منها مدينتي‬ ‫املدائن واألنبار اللتني اشتهرتا بنسيج الطيالس‬

‫نسيج من املرحلة القبطية‬

‫نسيج الكتان بتشكيالت وزخارف فرعونية‬

‫املنسوجات في العراق‬

‫‪54‬‬

‫‪7/9/14 11:03:46 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 50-57.indd 54‬‬


‫جزء من نسيج يعود إلى مرحلة قدمية من تاريخ مصر القدمية‬

‫من مناذج معروضات املتحف‬

‫(جم������ع طيلس������ان) الت������ي تلبس عل������ى األكتاف‪،‬‬ ‫وكذل������ك اجلزيرة التي اش������تهرت مبنس������وجات‬ ‫الصوف‪ ،‬واملوصل الت������ي ازدهرت فيها صناعة‬ ‫النس������يج وخاصة في العصر اإلس���ل��امي‪ ،‬ومن‬ ‫أه������م منس������وجاتها املالبس القطنية والش������اش‬ ‫واملنس������وجات الصوفية واملوس������لني (نسبة إلى‬ ‫املوصل)‪ ،‬وفي املناطق الكردية الشمالية ساعد‬ ‫املن������اخ املعت������دل واحلار على إنتاج املنس������وجات‬ ‫الصوفية والقطنية والستائر‪.‬‬ ‫وعندما فتح املس������لمون العراق أقاموا مدنا‬ ‫جدي������دة مثل البصرة والكوفة وواس������ط وبغداد‬ ‫وس������امراء‪ ،‬ازده������رت فيه������ا صناعة النس������يج‪،‬‬ ‫وخاصة عندما اس������توطنها ع������دد كبير من أهل‬ ‫اليم������ن الذين اش������تهروا مبهارته������م في صناعة‬ ‫النس������يج‪ ،‬واش������تهرت مدينة الكوف������ة بصناعة‬ ‫اخلز من احلري������ر والصوف كمالبس لألغنياء‪،‬‬ ‫وصنعت الكوفيات التي حول الرأس‪.‬‬ ‫وأصبح������ت بغ������داد (مدينة الس���ل��ام) منذ‬ ‫تأسيس������ها (‪145‬ه������ـ‪1750/‬م) من أه������م مراكز‬

‫صناعة النسيج من احلرير والصوف‪.‬‬ ‫وعرفت صناعة نسيج القصب وامللحم (وهو‬ ‫نس������يج حلمته من القطن أو الكتان وسداته من‬ ‫احلري������ر)‪ ،‬وكذلك اخلز م������ن احلرير والصوف‬ ‫والبز من القطن الدقيق‪ ،‬ومنسوجات الوشي من‬ ‫احلرير املطرز برس������وم األشخاص واحليوانات‪،‬‬ ‫وهو م������ن املالبس التي يفضله������ا اخللفاء وكبار‬ ‫رجال الدولة ومنس������وجات الديباج من احلرير‪،‬‬ ‫وغيرها من األن������واع املختلفة الت������ي تبني مدى‬ ‫االهتمام بصناعة النس������يج وخاصة في العصر‬ ‫العباسي في العراق‪.‬‬ ‫وم������ن أهم قطع املنس������وجات الت������ي وصلتنا‬ ‫من العصر العباس������ي قطعة من نسيج الصوف‬ ‫(مبتحف بوس������طن) باللون البني تزينها زخارف‬ ‫منس������وجة باللونني البني واألزرق الداكن‪ ،‬عبارة‬ ‫عن ش������كل وعل أو حمل بأسلوب زخرفي محور‬ ‫داخل منطقة هندسية‪ ،‬وتظهر عليها التأثيرات‬ ‫الساسانية وهي ترجع إلى القرن الثاني الهجري‬ ‫املوافق الثامن امليالدي‪.‬‬

‫سبيل محمد علي‪ ...‬متحف للمنسوجات التاريخية‬

‫‪7/9/14 11:03:54 AM‬‬

‫‪55‬‬

‫‪august 50-57.indd 55‬‬


‫قطعة من نسيج احلرير «ديباج» عليها منظر تصويري ميثل فارسني كل منهما ممسك بالباز في وسط غابة ‪-‬‬ ‫(إيران ‪ -‬العصر الصفوي‪ ،‬القرن ‪ 10‬هـ ‪ 16 /‬م)‬

‫ويحتفظ متحف كليفالند بقطعة من نسيج‬ ‫احلري������ر األصف������ر وخي������وط الفض������ة تزخرفها‬ ‫أشكال هندسية عبارة عن معينات تزينها حبات‬ ‫اللؤلؤ واألوراق النباتية‪ ،‬وتظهر عليها التأثيرات‬ ‫الساس������انية متمثلة في حب������ات اللؤلؤ وأنصاف‬ ‫املراوح التخيلي������ة‪ ،‬والزخرفة املنفذة بأس������لوب‬ ‫القباطي بألوان براقة حمراء وخضراء وزرقاء‪،‬‬ ‫كما استخدم اللونان الوردي واألبيض في بعض‬ ‫املناطق‪.‬‬ ‫وق������د وصلتنا قطع من منس������وجات الطراز‬ ‫صنع������ت في بغداد (مدينة الس���ل��ام) من القطن‬ ‫مطرزة عليها أشرطة طراز موزعة بني املتاحف‬ ‫واملجموع������ات املختلفة‪ ،‬وخاص������ة متحف الفن‬ ‫اإلس���ل��امي بالقاهرة ومتحف املنس������وجات في‬ ‫واشنطن ومتحف النسيج املصري‪.‬‬

‫آلهة النسيج‬

‫ولعل أكثر ما ميكن أن يثير دهشة الزائرين‬ ‫هذا اإلعجاز الفريد من ألوان املنسوجات التي‬ ‫بقيت عل������ى حالها‪ ،‬برغم مرور آالف الس������نني‬ ‫عل������ى صناعتها‪ .‬ويعرض املتح������ف قط ًعا رائعة‬

‫‪56‬‬

‫‪7/9/14 11:03:58 AM‬‬

‫من املنس������وجات الفرعونية م������ن «الكتان» الذي‬ ‫اش������تهر به الفراعن������ة‪ ،‬تتميز بالرق������ة والنعومة‬ ‫الت������ي تقترب م������ن نعومة احلري������ر‪ ،‬فقد كانت‬ ‫ه������ذه القطع ضمن الهداي������ا املتبادلة بني ملوك‬ ‫الفراعنة وملوك العالم القدمي! إذ برع املصري‬ ‫القدمي في غزل ونسج وصباغة ألياف الكتان‪،‬‬ ‫فعرفوا التراكيب النسجية املختلفة من النسيج‬ ‫الس������ادة والقباطي والنسيج احلرير‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلى متكنهم من تطريز منس������وجاتهم وبخاصة‬ ‫امللكي������ة منها باألس������اليب املختلفة‪ ،‬مثل ش������غل‬ ‫اإلبرة والتطعيم باألقمش������ة واس������تخدام اخلرز‬ ‫م������ن الفيانس وعجينة الزج������اج امللونة‪ ،‬وكذلك‬ ‫استخدام احلليات الذهبية‪.‬‬ ‫وبلغ عش������ق الفراعن������ة واهتمامهم بصناعة‬ ‫النس������يج أن ظهر في هذا الزمان «آلهة النسيج»‬ ‫الت������ي حتم������ي الصناع������ة ويتعبد ف������ي محرابها‬ ‫العاش������قون احملبون لهذه الفن������ون‪ ،‬وقد تضمن‬ ‫خاصا عرضت فيه متاثيل «آلهة‬ ‫املتحف قس ًما‬ ‫ً‬ ‫النسيج» في العصر الفرعوني‪.‬‬ ‫ويحكي التاريخ القدمي كيف كان بطليموس‬ ‫الثاني يس������تعني باملعلقات والوس������ائد في تزويد‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 50-57.indd 56‬‬


‫قطعة منسوجة من احلرير بطريقة الديباج تزخرفها رسوم حيوانات وطيور وأشجار‬ ‫(إيران ‪ -‬العصر الصفوي‪ ،‬القرن ‪17-11‬م)‬

‫زورق������ه وخيمته‪ ،‬وكانت مدينة اإلس������كندرية قد‬ ‫ش������هدت في العص������ر الروماني إنش������اء مصانع‬ ‫«اجلينس������يوم» التي كانت النس������اء تقوم بالنسج‬ ‫والتطري������ز فيها إلنتـــاج ما يحت������اج إليه البالط‬ ‫امللكي من أقمـــشة منـــــفذة بأســــــلوب «الزردخان»‬ ‫«‪ ،»Apolymita‬ومع انتش������ار املس������يحية جتمع‬ ‫الفنانان املصري والروماني في روحانية ورمزية‬ ‫وحتريري������ة وعب������رت املنس������وجات القبطية عن‬ ‫هذا الفن اجلديد‪ ،‬حي������ث متيزت بغناء وغزارة‬ ‫عناصره������ا الزخرفية ذات األلوان البراقة‪ .‬وقد‬ ‫اهتم األمراء املس������لمون بإنشاء مصانع النسيج‬ ‫والتي كانت تتميز بالكتابة عليه‪.‬‬

‫مئزر سباحة امللك توت!‬

‫وما يثير دهش� � ��ة الزائرين لهذا املتحف القطع‬ ‫الفرعونية التي تسمى «مئزرات»‪ ،‬والتي عثر عليها‬ ‫في مقبرة امللك توت عنخ آمون‪ ،‬وهو رداء بس� � ��يط‬ ‫يش� � ��به املثلث من نسيج الكتان امللكي الرقيق يلبس‬ ‫ً‬ ‫وأيضا قطع‬ ‫مثل «لباس البحر» في العصر احلالي‪.‬‬ ‫من نس� � ��يج ملون في مقبرة املل� � ��ك حتتمس الرابع‬ ‫نس� � ��جت بطريق القباطي مبه� � ��ارة فائقة وصبغت‬ ‫سبيل محمد علي‪ ...‬متحف للمنسوجات التاريخية‬

‫‪7/9/14 11:04:05 AM‬‬

‫باللونني األحم� � ��ر واألزرق‪ ،‬حتمل جز ًءا من اس� � ��م‬ ‫جده امللك حتتمس الثالث يرجح أنها جزء من رداء‬ ‫احتفالي موروث عبر األسرة‪.‬‬

‫أين مصممو األزياء العرب؟‬

‫إنه������ا قطع من الفنون الباهرة تصور مراحل‬ ‫م������ن اإلبداع في هذه الصناعة التي س������بقت كل‬ ‫الدنيا‪ ،‬وأغلب الظن أن ملوك األزياء في العالم‬ ‫سوف يحضرون ملشاهدة هذه التحف واقتباس‬ ‫بع������ض األذواق وإعادة صناعته������ا وطرحها في‬ ‫األسواق العاملية «كموضة جـــديــــدة» تبهر العالم‪،‬‬ ‫وبال������ذات قطع املالب������س التي كانــ������ت ترتديها‬ ‫ملكات مصــــر الفرعونـــية‪ ،‬وكذلك منس������وجات‬ ‫وأذواق سكان املنطقــــتيــــن العربية واإلسالمية‪،‬‬ ‫إنها تصلح ألن تــــكون قمــة في املوضــــة والذوق‪،‬‬ ‫وليت مصـــممي املوضة في املنطقة يسبقون في‬ ‫إع������ادة صنـــاعة هذه القطع م������ن األزياء امللكية‬ ‫والتـــاريخــية بخطوطه������ا وألوانها املذهلة‪ ،‬قبل‬ ‫أن يخطف الفكرة النشطاء من صانعي املوضة‬ ‫في كل أنحاء الدنيا ثــ������م إعــــادة تصديرها إلى‬ ‫املنطقة العربية >‬

‫‪57‬‬

‫‪august 50-57.indd 57‬‬


‫شخصيات‬

‫عروة بن الورد‪ ...‬أبو الفقراء‬ ‫محمد الغزي*‬ ‫ق ��ال عنه النقاد إن ��ه أضفى على الصعلكة الكثير من االحت ��رام والتقدير‪ ،‬وذلك مبا حتلّى‬ ‫به هذا الش ��اعر‪/‬الصعلوك من عطف وس ��خاء كبيرين على الفقراء‪ ،‬يس ��اعدهم وميد لهم‬ ‫دفاع ��ا عنهم‪ .‬ووصفه مؤرخو األدب قائلني‪ :‬لقد‬ ‫ي ��د العون‪ ،‬ورمبا ألقى بنفس ��ه إلى التهلكة ً‬ ‫ُع ��رف ب�ي�ن بني قومه بس ��ماحته وخلق ��ه القومي‪ ،‬وامتدح ��ه عبدامللك بن م ��روان قائ ًال‪َ :‬من‬ ‫�مح الناس فقد ظلم ��ه‪ .‬هذا الش ��اعر‪/‬الصعلوك هو ع ��روة بن الورد‬ ‫زع ��م أن حامت ��ا كان أس � َ‬ ‫يجمع الفقراء ويقوم بأمرهم إذا أخفقوا‬ ‫العبس ��ي الغطفاني‪ ،‬الش ��اعر اجلاهلي الذي كان‬ ‫ُ‬ ‫في غزواتهم ولم يكن لهم معاش أو مغزى‪ ،‬على حد عبارة أبي الفرج األصفهاني‪.‬‬ ‫ال تذكر كتب التاريخ سنة ميالده على وجه‬ ‫الدقة‪ ،‬مع أنها تش� � ��ير إلى أنه توفي قبل‬ ‫الهجرة النبوي� � ��ة بنحو ثالثني عا ًما‪ ،‬لكنها‬ ‫تتبس� � ��ط في وصف مغامرات� � ��ه وغزواته مع مجموعة‬ ‫ّ‬ ‫م� � ��ن الصعالي� � ��ك الذين نس� � ��بوا إليه‪ ،‬فع� � ��رف بعروة‬ ‫الصعالي� � ��ك‪ ,‬يحن� � ��و على مريضهم‪ ،‬ويرحم مس � � �نّهم‪،‬‬ ‫ويس� � ��اعد ضعيفهم‪ ،‬فيأخذ من هذا ليقيم أود ذاك‪،‬‬ ‫كما الحظ بعضهم‪.‬‬ ‫جاء في أخباره‪ ،‬كان ع� � ��روة إذا أصابت الناس‬ ‫س� � ��نة ش� � ��ديدة تركوا في دارهم املري� � ��ض والكبير‬ ‫والضعيف‪ ،‬فيجم� � ��ع هؤالء فيكنُ� � ��ف عليهم ال ُكنُف‬ ‫(أي يتخذ أماكن يؤويهم إليها) ويطعمهم‪ ،‬ومن قوي‬ ‫منهم إم� � ��ا مريض يبرأ أو ضعيف تثوب قوته‪ ,‬خرج‬ ‫ب� � ��ه فأغار وجعل ألصحابه الباقني في ذلك نصيبا‪،‬‬ ‫حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة أحلق‬ ‫كل إنس� � ��ان بأهله وقس� � ��م له نصيبه من غنيمة إن‬ ‫كانوا غنموها‪ ،‬فرمبا أتى اإلنس� � ��ان منهم أهله وقد‬ ‫* شاعر وأكادميي من تونس‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫‪7/9/14 11:04:32 AM‬‬

‫استغنى‪ ،‬ولذلك لقّب بعروة الصعاليك‪.‬‬ ‫أخب� � ��ار كثي� � ��رة تداولتها كتب الت� � ��راث تص ّور كرم‬ ‫عروة وإصراره على تقاس� � ��م ما ميل� � ��ك من غنائم مع‬ ‫فق� � ��راء قبيلته‪ ،‬وين ّبه الدكت� � ��ور عبداحلليم حفني إلى‬ ‫أن ه� � ��ذه اخلصال ل� � ��م تكن مج ّرد ك� � ��رم أو رغبة في‬ ‫اجل� � ��ود‪ ،‬وإمنا كانت خصاالً أصيلة فيه‪ ،‬ورمبا في كل‬ ‫الصعاليك توحي بإميانه� � ��م بأن ما في أيديهم ينبغي‬ ‫أن يكون ش� � ��ركة بينهم وب� �ي��ن غيرهم‪ ،‬وبأنه ينبغي آال‬ ‫يترك محروم أو بائس من دون عون أو رعاية‪ ,‬مضي ًفا‬ ‫أن كثرة احلديث عن كرمهم في القصائد التي نظموا‬ ‫ّ‬ ‫ال نستش� � � ّ‬ ‫دفاعا‬ ‫�ف منها فخ ًرا بقدر ما‬ ‫نستشف منها ً‬ ‫عن أنفسهم ضد الئميهم على اإلسراف وتبديد املال‪.‬‬ ‫يقول عروة‪:‬‬ ‫دع � � �ي � � �ن� � ��ي ل� � �ل� � �غ� � �ن � ��ى أس � � � �ع� � � ��ى ف � ��إن � ��ي‬ ‫�اس ش� � � � ُّ�ر ُه� � � ��م ال � �ف � �ق � �ي� � ُ�ر‬ ‫رأي� � � � � � � ُ�ت ال � � � �ن� � � � َ‬ ‫وأب� � � � �ع � � � � ُ�ده � � � ��م وأه � � � ��و ُن� � � � �ه � � � ��م ع� �ل� �ي� �ه ��م‬ ‫وإن أم� � � �س � � ��ى ل � � � � ��هُ ح� � � �س � � � ٌ�ب وخ � � �ي� � � ُ�ر‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 58-61.indd 58‬‬


‫و ُي� � �ق� � �ص� � �ي�� � ِ�ه ال� � � ��دن� � � � ُّ�ي وت� � � ��زدري� � � � ِ�ه‬ ‫الصغير‬ ‫ح �ل �ي �ل��تُ ��هُ وي � �ن � �ه� � ُ�ر ُه‬ ‫ُ‬ ‫وي � �ل � �ق� ��ى ذا ال � � ِ�غ� � �ن � ��ى ول� � � � ��هُ ج� �ل��الٌ‬ ‫طير‬ ‫ي� �ك ��ا ُد ف� � ��ؤا ُد َص ��اح � ِ�ب � ِ�ه َي ُ‬ ‫ق� � �ل� � �ي � � ٌ�ل ذن� � � � � ُب � � � ��هُ وال� � � � ��ذن� � � � � ُ�ب ج � � ٌّ�م‬ ‫رب غ � �ف� ��و ُر‬ ‫ول� � �ك � ��ن ل� �ل� �غ� �ن ��ى ٌّ‬ ‫قال اب� � ��ن اإلعرابي‪ :‬أجدب ناس من‬ ‫بني عبس في س� � ��نة أصابتهم‪ ،‬فأهلكت‬ ‫أمواله� � ��م وأصابهم جوع ش� � ��ديد وبؤس‪،‬‬ ‫فأتوا عروة بن الورد فجلس� � ��وا أم� � ��ام بيته‪ ،‬فلما رأوه‬ ‫صرخ� � ��وا‪« :‬يا أبا الصعاليك أغثن� � ��ا» فَرقَّ لهم‪ .‬وخرج‬ ‫ليغزو بهم‪ ،‬ويصيب معاشا‪ ،‬فنهته امرأته عن ذلك ملا‬ ‫تخ ّوفت عليه من الهالك فعصاها‪ ،‬وخرج غازيا وقد‬ ‫ص � � � ّور كل ذلك في إحدى قصائ� � ��ده اجلميلة‪ ،‬وأثبت‬ ‫احلوار الطريف الذي انعقد بينه وبينها‪ ،‬وخالل هذا‬ ‫احلوار ع � � � ّدد عروة القيم التي ينهض عليها «مذهب»‬ ‫الصعل� � ��وك‪ ،‬وهي قيم اإليث� � ��ار والفت� � ��وة واحلم ّية‪...‬‬ ‫فالصعلوك وإن خرج على سلطان القبيلة وسطوتها‪،‬‬ ‫فإ ّنه لم يخرج على قيمها وجملة نواميسها‪.‬‬ ‫وس� � ��ائ � � �ل� � � ٍ�ة أي � � � ��ن ال� � ��رح � � �ي� � � ُ�ل وس� � ��ائ� � � ِ�ل‬ ‫وم � ��ن ي� �س ��أل ال� �ص� �ع� �ل � َ‬ ‫�وك أي � ��ن مذاهبه؟‬ ‫م� � ��ذه � � �ب� � ��هُ أن ال�� � � ِ�ف� � � �ج�� � ��ا َج ع� ��ري � �ض� � ٌ�ة‬ ‫�ال أق � ��ارب � ��ه‬ ‫إذا ض� � � � َّ�ن ع� � �ن � ��هُ ب � ��ال� � �ف� � �ع � � ِ‬ ‫ف �ل�ا أت�� � � ُ‬ ‫�رك اإلخ� � � � ��وا َن م� ��ا ع� �ش ��ت ل� �ل ��ردى‬ ‫ُ‬ ‫ك � �م� ��ا أن � � � � ��هُ ال ي�� � �ت� � ��رك امل � � � � � ��ا َء ش� ��ارب� ��ه‬ ‫�ام ال � ��ده� � � َر ج � � ��اري وال أرى‬ ‫وال ي� �س� �ت� �ض � ُ‬ ‫ك� �م ��ن ب� � ��ات ت � �س� ��ري ل� �ل� �ص ��دي ��ق ع� �ق ��ارب ��ه‬ ‫�اح ببيتها‬ ‫وإن ج� � ��ارت� � ��ي أل� � � � ��وت ري� � � � � � ٌ‬ ‫ت� �غ ��اف� �ل � ُ�ت ح� �ت ��ى ي� �س ��تُ � � َر ال� �ب� �ي ��تَ جانبه‬ ‫ثمة صورة دأب النقّاد ومؤرخو األدب على رسمها‬ ‫احلس‪،‬‬ ‫لهذا الصعلوك‪ ،‬هي صورة الش� � ��اعر املرهف‬ ‫ّ‬ ‫املداف� � ��ع عن قيم العدالة‪ ،‬احلامي ش� � ��رف اجلارة‪ ،‬بل‬ ‫عمل� � ��وا على متييزه من بقية الصعاليك‪ ،‬وقالوا إنه ال‬ ‫يغزو للنهب والسلب كبقية ش� � ��عراء الصعاليك أمثال‬ ‫«الش� � ��نفري» و«تأبط ش ًرا»‪ ،‬وإمنا يغزو ليُعني الفقراء‬ ‫واملس� � ��تضعفني حتى أطلق عليه لق� � ��ب «أبي الفقراء»‬ ‫و«أب� � ��ي املس� � ��اكني»‪ ،‬مؤكدي� � ��ن أن عروة ل� � ��م يُغر على‬ ‫كرمي يب� � ��ذل ماله للناس‪ ،‬بل كان يخت� � ��ار لغارته ممن‬ ‫ُعرفوا بالبخل‪ ،‬ومن ال مي� � ��دون للمحتاج في قبائلهم‬ ‫يد العون‪ ،‬فال يراع� � ��ون ضع ًفا وال قرابة وال ح ًقا من‬ ‫عروة بن الورد‪ ...‬أبو الفقراء‬

‫‪7/9/14 11:04:37 AM‬‬

‫حق� � ��وق قومهم‪ ...‬وبلغ ع� � ��روة من ذلك‬ ‫أنه كان ال يؤثر نفس� � ��ه بش� � ��يء على َمن‬ ‫يرعاهم من صعاليكه‪ ،‬فلهم مثل حظه‪،‬‬ ‫سواء شاركوه في الغارات التي يشنها أو‬ ‫قعد بهم املرض أو الضعف‪ ،‬وهو بذلك‬ ‫يضرب مث ً‬ ‫ال رفي ًعا في الرحمة واإليثار‪.‬‬ ‫وقد فاق إعج� � ��اب الناس بكرمه لدرجة‬ ‫أن عبداملل� � ��ك بن مروان كان يقول‪« :‬من‬ ‫زعم أن حا ً‬ ‫متا أس� � ��مح الناس فقد ظلم‬ ‫ع� � ��روة بن الورد‪ ،»..‬بل ذهب� � ��وا إلى حد القول إنه كان‬ ‫يلقى العاش� � ��ق احملب الذي يش� � ��كو الصدود‪ ،‬فينظم‬ ‫من أجله الش� � ��عر ويطلب إليه أن ينس� � ��به إلى نفس� � ��ه‬ ‫ويلقيه على أسماع معش� � ��وقته‪ ،‬وكان يقابل الضعيف‬ ‫الذي يش� � ��كو الظلم‪ ،‬فيخلع عليه زيه ويعطيه حصانه‬ ‫وحسامه‪.‬‬

‫التأويل النفسي للصحة‬

‫لكن كيف ميكن أن نتأول أسباب جنوح عروة إلى‬ ‫الصعلك� � ��ة؟ البعض أ ّول هذا اجلنوح تأوي ً‬ ‫ال نفس � � � ًيا‪،‬‬ ‫فذه� � ��ب إلى أن أمه تنتهي إلى نهد من قضاعة‪ ،‬وهي‬ ‫بذلك أقل منزلة من أبيه‪ .‬وقد انعكس� � ��ت منزلة األم‬ ‫وفضل عليه‬ ‫على عالقة الولد بوالده الذي اضطهده ّ‬ ‫األخ األكبر‪ .‬كما أن قوم� � ��ه احتقروه لدن ّو منزلة أمه‪.‬‬ ‫فلم يك� � ��ن إقباله على الغزو غاية بق� � ��در ما كان وع ًيا‬ ‫واضحا و ّلده إحس� � ��اس بالغنب االجتماعي‪.‬‬ ‫ش� � ��عور ًيا‬ ‫ً‬ ‫فالظل� � ��م واالضطهاد الل� � ��ذان عانى منهم� � ��ا على يد‬ ‫والده دفعاه إل� � ��ى أن يصبح زعي� � ��م الصعاليك‪ ،‬وراح‬ ‫يغزو أصحاب الث� � ��روات والبخالء ويوزع الغنائم على‬ ‫جماعته وعلى الفقراء‪.‬‬ ‫لكن البعض اآلخر أ ّول هذا اجلنوح بتوق عروة إلى‬ ‫ّ‬ ‫حتقيق العدال� � ��ة االجتماعية‪ ،‬وهذا التأويل دافع عنه‬ ‫الناقد يوسف خليف في دراسته املوسومة بـ«الشعراء‬ ‫الصعاليك في العصر اجلاهلي»‪ ،‬وهي الدراسة التي‬ ‫والسبي‬ ‫أفرغت مصطلح الصعلكة من دالالت اإلغارة ّ‬ ‫وحب‬ ‫والقت� � ��ل‪ ،‬ومألته ب� � ��دالالت الف� � ��داء والتضحية‬ ‫ّ‬ ‫العدل‪ ،‬فتح � � � ّول الصعاليك‪ ،‬بس� � ��بب ذلك‪ ،‬من رجال‬ ‫ّ‬ ‫ويتخطفونه‬ ‫ينتهبون السائر في الصحراء‪ ،‬يلتعبون به‬ ‫ويأكل� � ��ون ماله‪ ،‬إلى فتيان يش� � ��ركون الفقراء في مال‬ ‫األغني� � ��اء ويجعلون لهم فيه نصي ًبا‪ ،‬بل ح ًقا يغتصبونه‬ ‫إن لم يؤد إليهم‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫‪august 58-61.indd 59‬‬


‫هكذا استق ّرت صورة الصعلوك في‬ ‫ذاكرتنا رمزًا للتمرد على القبيلة‪ ،‬للثورة‬ ‫من أجل العدال� � ��ة االجتماعية‪ ،‬للصراع‬ ‫ب� �ي��ن طبق� � ��ة الفقراء‪ ،‬ممثلة في ُش� � ��ذاذ‬ ‫القبائل وفقرائها‪ ،‬وطبق� � ��ة املالة ممثلّة‬ ‫ف� � ��ي األغنياء‪ .‬وهو الصراع الذي ضم ‪-‬‬ ‫في نظر يوسف خليف ‪ -‬براعم لم تتفتّح‬ ‫متا ًما من النظرية االشتراكية احلديثة‪.‬‬ ‫هذه املعاني أخذت شكل حقائق لم‬ ‫يقدم أح ٌد على متحيصها واستقصائها والنظر فيها‪،‬‬ ‫ربا وجدنا من كبار النقاد من سعى إلى توكيدها‬ ‫بل مّ‬ ‫وترسيخها في العقول واألذهان‪ .‬هكذا انتقلت أفكار‬ ‫يوس� � ��ف خليف إلى أعمال نقد ّية أخ� � ��رى وذابت في‬ ‫تضاعيفها‪ ،‬وهكذا تناس� � ��خت وتناس� � ��لت حتى نس� � ��ي‬ ‫النقّاد األصل الذي حتدرت منه‪ .‬ولعل أول من تلقّف‬ ‫هذه األفكار وق ّدمها في س� � ��ياق أكثر تناس ًقا وجاذبية‬ ‫هو أدونيس في كتابه «الثابت واملتح ّول»‪ ،‬حيث ذهب ‪-‬‬ ‫كما ذهب يوسف خليف من قبله ‪ -‬إلى أن الصعاليك‬ ‫كانوا يصدرون عن إحس� � ��اس عف� � ��وي برفض الفروق‬ ‫الطبقية‪ .‬ويتجلّى الرفض أقوى ما يتجلّى في قصائد‬ ‫عروة ب� � ��ن الورد الذي مت � � � ّرد على القراب� � ��ة الدموية‬ ‫والقبلية‪ ،‬وانفتح على اإلنس� � ��ان مبا هو إنسان‪ ،‬في ما‬ ‫يتجاوز الوالء القبل� � ��ي واللون والغنى‪ .‬ويؤكد أدونيس‬ ‫أن العالم الش� � ��عري الذي خلقه عروة في قصائده هو‬ ‫عالم االحتفاء باإلنسان واملعاناة من أجل حتقيق هذا‬ ‫االحتفاء‪ .‬لقد ح ّول هذا الشاعر حياته إلى كفاح ضد‬ ‫الراهن اجلائر الذي كان يس� � ��تغ ّل اإلنس� � ��ان ويستهني‬ ‫به‪ .‬وفي مرحل� � ��ة ثانية يتأمل أدوني� � ��س عالقة عروة‬ ‫باملوت فيقول إن بطولة عروة ال تؤمن بعالم آخر وراء‬ ‫املوت‪ ،‬بل تتخذ من اإلنس� � ��ان بدايتها ونهايتها‪ .‬فعروة‬ ‫ال مي� � ��وت طم ًعا في ما ينتظ� � ��ره وراء املوت‪ ،‬بل ميوت‬ ‫أخالقي يتمثل في تأصيل‬ ‫ألنه يريد حتقيق مش� � ��روع‬ ‫ّ‬ ‫مفهوم العدالة بني الناس‪.‬‬ ‫هذه املعاني ‪ -‬وغيرها كثير ‪ -‬ليست إال تردي ًدا ملا‬ ‫قاله يوسف خليف وتزكية جلملة من األفكار مازالت‬ ‫في حاجة إلى استقراء واستقصاء وفحص‪.‬‬

‫الصعلوك والتضحية‬

‫أما الناقد جابر عصفور فإنه يؤكد‪ ،‬بوضوح‪ ،‬أنه‬ ‫مازال مقتن ًعا مبا علّمه إ ّياه أستاذه يوسف خليف من‬

‫‪60‬‬

‫‪7/9/14 11:04:43 AM‬‬

‫املتفجر في ش� � ��عر الصعاليك‬ ‫أ ّن التم ّرد‬ ‫ّ‬ ‫ق� � ��د أبرز ‪ -‬في نظره ‪ -‬م� � ��ا قامت عليه‬ ‫حياة الصعل� � ��وك من معان� � ��ي التضحية‬ ‫بالنفس في سبيل املبدأ وارحتاله الدائم‬ ‫في بالد ليس فيها متسع‪.‬‬ ‫لقد ظل جابر عصف� � ��ور في مقالته‬ ‫التي نش� � ��رها في كتابه «غواية التراث»‬ ‫سنة ‪ 1995‬متشب ًثا بآراء يوسف خليف‪،‬‬ ‫يشهد بها ويسعى إلى توكيدها‪.‬‬ ‫لكن املعاني التي تضمنّها كتاب خليف لم تتس� � ��لل‬ ‫إلى األعم� � ��ال النقدية فحس� � ��ب‪ ،‬وإمنا تس � � �لّلت إلى‬ ‫األعم� � ��ال اإلبداعي� � ��ة ً‬ ‫أيضا‪ ،‬حيث أصب� � ��ح الصعلوك‬ ‫وقناعا للثائر الذي اس� � ��تدرك‬ ‫صورة للزعامة العادلة‬ ‫ً‬ ‫على نواميس الواقع وقوانينه‪.‬‬ ‫لقد ظلت قراءة يوس� � ��ف خليف لشعر الصعاليك‬ ‫ُوجه الدارسني واملبدعني على حد سواء‪.‬‬ ‫ت ِّ‬ ‫ال أحد من النقاد انعطف على هذا الشعر يتأوله‬ ‫من جدي� � ��د‪ ،‬وال أح� � ��د مت ّكن من نقض آراء يوس� � ��ف‬ ‫خليف أو االس� � ��تدراك عليها‪ .‬واحلال أن هذه القراءة‬ ‫كانت مشروطة بلحظتها التاريخية‪ ،‬موصولة بظروف‬ ‫سياس� � ��ية مخصوصة‪ ،‬ومن ثم لم تكن قراءة بريئة أو‬ ‫محايدة‪ ،‬وإمنا كانت قراءة ماكرة ال تقول املقروء‪ ،‬أي‬ ‫ش� � ��عر الصعاليك‪ ،‬بقدر ما تق� � ��ول القارئ‪ ،‬وال تفصح‬ ‫عن املوروث بقدر ما تفصح عن الوارث‪.‬‬ ‫لقد نش� � ��ر الدكتور خليف كتابه س� � ��نة ‪ ،1955‬أي‬ ‫حني حت ّول� � ��ت مصر إلى االش� � ��تراكية‪ ،‬وباتت العدالة‬ ‫االجتماعي� � ��ة خي� � ��ا ًرا سياس � � � ًيا انحاز إلي� � ��ه كثير من‬ ‫املثقفني‪.‬‬ ‫هذه املرحلة‪ ،‬مرحلة اخليار االشتراكي‪ ،‬هي التي‬ ‫كان� � ��ت وراء اس� � ��تحضار هذه الرموز الش� � ��عرية ووراء‬ ‫ضخها بدم� � ��اء جديدة‪ .‬وال غرابة ف� � ��ي ذلك‪ ،‬مبا أن‬ ‫كل حقبة من حقب التاريخ تُبطل‪ ،‬كما أوضح لومتان‪،‬‬ ‫س� � ��لطان رموز معينة‪ ،‬وتبعث من الرماد رموزًا أخرى‬ ‫تز ّكيها‪ .‬كل حقبة تهي� � ��ل التراب على نصوص‪ ،‬وتعيد‬ ‫خلق نصوص أخرى خل ًقا ثان ًيا‪.‬‬ ‫ف� � ��ي ه� � ��ذا الس� � ��ياق نفه� � ��م س� � ��بب الع� � ��ودة في‬ ‫اخلمسينيات من القرن املاضي إلى شعر الصعاليك‪،‬‬ ‫ونفهم خاصة سبب تأ ّولها تأوي ً‬ ‫ال اجتماع ًيا‪.‬‬ ‫لقد الحظ يوس� � ��ف خليف نفسه أن ديوان الشعر‬ ‫العرب� � ��ي قد أهم� � ��ل لقرون ع� � ��دة ش� � ��عر الصعاليك‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 58-61.indd 60‬‬


‫اس� � ��تبعده وح ّوله إلى هام� � ��ش‪ ،‬أي إلى‬ ‫بضع� � ��ة من األبيات املتناث� � ��رة التي يفزع‬ ‫إليها أهل اللغة كلما أرادوا شاهدا يؤكد‬ ‫قاعدة أو يثبت استثناء‪ .‬فهذا الشعر لم‬ ‫يكن مح ّل عناية ال ّرواة وال رعاية النقّاد‪،‬‬ ‫فال هؤالء أقبلوا على دراسته‪ ،‬وال أولئك‬ ‫عملوا على جمعه‪.‬‬ ‫�ب عن� � ��ه النقّاد‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫تن‬ ‫ما‬ ‫لكن بق� � ��در‬ ‫ّ‬ ‫القدم� � ��اء تع ّف ًف� � ��ا أو تر ّفع� � ��ا أو بحثا عن‬ ‫سالمة موهومة‪ ،‬أقبل عليه النقّاد املعاصرون يقرأونه‬ ‫من خالل وعي حديث‪ ،‬خالعني عليه من املعاني ما هو‬ ‫مستم ّد من ثقافتهم الفكرية والسياسية احلديثة‪.‬‬ ‫لهذا نحن نس� � ��تغرب قول يوسف خليف إن موضوع‬ ‫الصعاليك قد قفز إلى ذهنه‪ ،‬فجأة‪ ،‬من غير أن تس ّوغه‬ ‫أسباب موضوعية تس� � ��نده وتؤكده‪ .‬ونذهب إلى أن هذا‬ ‫املوضوع ما كان ليخطر بذهن الرجل لوال طبيعة املرحلة‬ ‫السياس� � ��ية التي كانت مت ّر بها مصر‪ .‬فهذه الدراس� � ��ة ال‬ ‫تكشف‪ ،‬في الواقع عن العصر اجلاهلي بقدر ما تكشف‬ ‫عن العصر احلديث‪ ،‬وال تقول هواجس الصعاليك بقدر‬ ‫ما تقول هواجس الكاتب وأحالمه‪.‬‬ ‫ونحب اآلن أن نسأل‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫التوسل مبقاربات أخرى نقرأ من خاللها‬ ‫هل ميكن‬ ‫ّ‬ ‫هذه القصيدة؟‬

‫التمرد أو ًال‬

‫إن ق� � ��راءة متأ ّنية لهذا الش� � ��عر تكش� � ��ف عن وجود‬ ‫مداخ� � ��ل أخرى كثي� � ��رة ميكن من خالله� � ��ا اإلنصات إلى‬ ‫قصيدة الصعاليك‪ ،‬واحتواء جتربتها‪ .‬فالصعلوك ‪ -‬كما‬ ‫نحب أن نزعم ‪ -‬هو قبل كل شيء‪ ،‬متم ّرد في قصيدته‪،‬‬ ‫فإذا كان يوس� � ��ف خليف قد أ ّكد أن الصعلوك خرج على‬ ‫تقاليد القبيلة ونواميسها‪ ،‬فنحن نؤكد أن الصعلوك قد‬ ‫خرج على تقاليد القصيدة اجلاهلية السائدة وقواعدها‪.‬‬ ‫فالصعلوك واجه الذاكرة اجلماعي� � ��ة بالذاكرة الفردية‪،‬‬ ‫فلم يستعد بنية القصيدة التقليدية ولم يسترجع صورها‬ ‫املتواترة‪ ،‬وإمنا أسس بنى جديدة وشكل صورا مستحدثة‬ ‫متحها من جتربته‪ ،‬من حياته‪ ،‬من أوجاعه‪ .‬فعالم النص‬ ‫ف� � ��ي قصائد الصعاليك ليس منفص� �ل � ً‬ ‫ا عن نص العالم‪:‬‬ ‫إنهما متداخالن متشابكان‪.‬‬ ‫قصي� � ��دة الصعلوك حت ّركت في أف� � ��ق جمالي وفنّي‬ ‫يختل� � ��ف عن اآلفاق التي حت ّركت فيها قصائد الش� � ��عراء‬ ‫عروة بن الورد‪ ...‬أبو الفقراء‬

‫‪7/9/14 11:04:59 AM‬‬

‫اجلاهلي� �ي��ن‪ .‬اختارت ه� � ��ذه القصيدة لغة‬ ‫اخلرافة وبنيته� � ��ا ورموزها‪ .‬فالدخول إلى‬ ‫فضائها دخ� � ��ول في فضاء متأله أش� � ��باح‬ ‫الغي� �ل��ان وتتجاوب فيه أص� � ��وات الذؤبان‪،‬‬ ‫ويت� � ��راءى فيه اإلنس� � ��ان بقن� � ��اع احليوان‪،‬‬ ‫واحلي� � ��وان بقناع اإلنس� � ��ان‪ ،‬ل� � ��كأن غرض‬ ‫هذا الش� � ��عر يتمثل في إخراجنا من عهد‪،‬‬ ‫وإدخالن� � ��ا في عهد آخر مختلف‪ ،‬إخراجنا‬ ‫م� � ��ن عه� � ��د اللوغ� � ��وس والقوان� �ي��ن الثابتة‬ ‫والتقاليد الراسخة إلى عهد امليتوس والفراديس الضائعة‬ ‫والبدايات الس� � ��عيدة‪ ،‬حيث احلدود بني املمالك الثالث‪:‬‬ ‫مملكة اإلنسان‪ ،‬ومملكة احليوان‪ ،‬ومملكة النبات لم تزل‬ ‫غامضة ملتبس� � ��ة‪ .‬في هذه القصيدة يتحول الصعاليك‬ ‫إلى ذئاب‪ ،‬يرفعون أصواته� � ��م بالعواء‪ ،‬ويرتقون املراقب‬ ‫يرص� � ��دون الفرائس‪ ،‬بينم� � ��ا تتحول األوابد والكواس� � ��ر‬ ‫إلى كائن� � ��ات عاقلة تخاطب اإلنس� � ��ان خط� � ��اب القرين‬ ‫للقرين‪ .‬الش� � ��عر هنا عو ٌد إلى م� � ��ا قبل الطبقات‪ ،‬إلى ما‬ ‫قبل الصراع‪ ،‬إلى ما قب� � ��ل القوانني‪ ،‬إلى ما قبل املمنوع‬ ‫واملباح‪ .‬فالصورة التي يرسمها الصعلوك عن نفسه هي‬ ‫التحضر بالتب ّدي‪ ،‬والناس‬ ‫صورة الرجل الذي اس� � ��تبدل‬ ‫ّ‬ ‫بالض� � ��واري‪ ،‬واألنس بالوحش� � ��ة‪ ،‬كل قصائد الصعاليك‬ ‫ليس� � ��ت إال وص ًفا لهذه الرحلة املعكوسة‪ :‬رحلة اإلنسان‬ ‫التوحش‪ ،‬من‬ ‫من احلاضر إلى املاضي‪ ،‬من احلضارة إلى‬ ‫ّ‬ ‫مملكة العقل إلى مملكة الغرائز والرغبات املضطربة‪.‬‬ ‫هذه الرحلة املعكوسة إمنا هي إيقاع متواتر في كل‬ ‫األعمال األدبية الكبرى‪ :‬ملحمة كلكامش‪ ،‬األوديسا‪ ،‬ألف‬ ‫حي بن يقظان‪ ،‬روبنس� � ��ون كروزو‪ ،‬عوليس‪،‬‬ ‫ليل� � ��ة وليلة‪ّ ،‬‬ ‫متاهات برخس‪.‬‬ ‫ف� � ��ي كل هذه األعمال حاول اإلنس� � ��ان أن يس� � ��تنبت‬ ‫أجنحة ويع� � ��ود إلى الفردوس الذي تركه منذ زمن بعيد‪،‬‬ ‫حاول أن يلغي كل أزمنة القهر والقمع‪ ،‬ويسترجع طفولة‬ ‫الكائ� � ��ن والك� � ��ون معا‪ .‬وس� � ��واء أكانت ه� � ��ذه الرحلة إلى‬ ‫الداخل أم إلى اخلارج فالنتيجة واحدة‪ ،‬وهي اس� � ��تدراج‬ ‫متوحش وبريء وغامض فينا‪ ،‬أي‬ ‫اللغة حتى تقول ما هو ّ‬ ‫أن تقول‪ ،‬بعبارة واحدة‪ ،‬رعش� � ��تنا أمام املجهول‪ ،‬مجهول‬ ‫الذات والعالم من حولنا‪ ،‬وقد مت ّكنت‪ ،‬في نظري‪ ،‬قصيدة‬ ‫الصعاليك من وصف هذه الرعش� � ��ة‪ ,‬وقالت ‪ -‬بطريقة‬ ‫باذخة ‪ -‬رغبتنا في العودة إلى شجرة املعرفة من جديد‪،‬‬ ‫وإصرارن� � ��ا على ارتكاب اخلطيئة نفس� � ��ها‪ ،‬خطيئة ح ّبنا‬ ‫لألرض‪ ،‬أي ح ّبنا للشعر >‬

‫‪61‬‬

‫‪august 58-61.indd 61‬‬


‫أدب‬

‫لست بإفرجني»‬ ‫إذن‬ ‫ُ‬ ‫«و ْي ‪ْ .‬‬ ‫َ‬ ‫د‪ .‬لطيف زيتوني *‬ ‫إذن لس � ُ�ت بإفرجني» بطبعة جديدة‬ ‫وي ‪ْ .‬‬ ‫من دار الفارابي في بيروت أطلت علينا رواية «َ ْ‬ ‫محقق ��ة ومص � ّ�درة مبقدمة‪ ،‬ومرفقة بدراس ��ة أكادميية تليق بالذكرى املائة واخلمس�ي�ن‬ ‫لص ��دور الطبع ��ة األول ��ى‪ ،‬وتليق أيض� � ًا مبكان ��ة خليل اخل ��وري‪ ،‬مؤلف الرواي ��ة العربية‬ ‫حرك الدكتور ش ��ربل داغر لتحقيق هذه الرواية؟ س ��ؤال تخيلت نفسي‬ ‫األولى‪ .‬ما الذي ّ‬ ‫أطرح ��ه عل ��ى احملقق‪ ،‬فأتاني اجلواب من الش ��رح والتعليقات والنص ��وص التي أحلقها‬ ‫بنص الرواية‪.‬‬ ‫أما السؤال الذي ال أمل في اجلواب‬ ‫عنه‪ ،‬فهو ذاك الــــذي تخيلت نفس������ي‬ ‫أطرحه على املؤلــف‪ :‬هل وعــى خلـــيل‬ ‫اخلوري دوره التأسيسي في النهضة حني أسس‬ ‫اجلريدة العربية األهلــــية األولــــى‪ ،‬وحني نش������ر‬ ‫�����در جيداً دوره‬ ‫الرواي������ة العربي������ة األولى؟ هل ق� ّ‬ ‫في حتدي������ث موضــوعات الش������عر ولغته‪ ،‬ودوره‬ ‫في تطويع أساليب العربية للترجمة‪ ،‬ودوره في‬ ‫وضع املصطلحات اجلديدة التي تعج بها أعداد‬ ‫جريدته «حديقة األخبار»؟‬ ‫أصدر خليل خوري الطبعة األولى من رواية‬ ‫�����ت بإفرجن������ي» عام ‪ 1859‬بعدما‬ ‫وي ‪ .‬إذ ْن لس� ُ‬ ‫َ« ْ‬ ‫نش������رها مسلس������لة في «حديقة األخب������ار» عام‬ ‫‪ ،1858‬أي قبل س������بع س������نوات من «غابة احلق»‬ ‫لفرنسيس املراش ‪ ،1865‬واثنتي عشرة سنة من‬ ‫«الهيام في جنان الشام» سليم البستاني ‪،1870‬‬ ‫وأربع وعش������رين س������نة من «علم الدي������ن» لعلي‬ ‫* أكادميي من لبنان‬

‫‪62‬‬

‫‪7/9/14 11:05:36 AM‬‬

‫مب������ارك ‪ ،1882‬وإحدى وأربعني س������نة من أول‬ ‫رواية نس������ائية عربية «حس������ن العواقب أو غادة‬ ‫الزاهرة» لزينب فواز ‪ ،1899‬وخمس وخمس���ي��ن‬ ‫سنة من «زينب» حلسني هيكل ‪ .1913‬أذكر هذا‬ ‫ألن كال من هذه الروايات وجدت من يدافع عن‬ ‫ريادتها ويحمل رايتها كأول رواية عربية‪ ،‬قبل أن‬ ‫�����ت بإفرجني»‬ ‫«وي ‪ .‬إذ ْن لس� ُ‬ ‫جاء من يرفع راية ْ‬ ‫فوق راي������ات اآلخرين ويكتب على غالفها عبارة‬ ‫«الرواية العربية األولى الرائدة»‪.‬‬ ‫ريادة خليل اخلوري للرواية العربية ال تظهر‬ ‫أس������بقيته‪ ،‬بل في أمر ال يقل عنه������ا أهمية هو‬ ‫لست‬ ‫وي ‪ .‬إذ ْن‬ ‫ُ‬ ‫اعترافه بفنه‪ .‬فحني نشر رواية َ« ْ‬ ‫بإفرجن������ي» كانت النظ������رة إلى الرواي������ة متأثرة‬ ‫باالنطباع الس������ائد عن احلكايات الش������عبية‪ ،‬بل‬ ‫ومتأثرة بالنظرة الفوقية إلى الفنون والفنانني‪.‬‬ ‫له������ذا كان اعتــــراف خليل اخلــــوري بروايته‬ ‫ودفاعه عن هــذا الفن‪ ،‬وهو الشاعر والصحافي‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 62-65.indd 62‬‬


‫املعروف‪ ،‬موقفاً ريادياً‪ .‬وتتــــضح لنا قـــيـــمة هذا‬ ‫االعتراف ل������و قـــار ّناه مبوقــــف محمد حس���ي��ن‬ ‫هيكل ال������ذي أصدر روايته «زينب» بعد أكثر من‬ ‫نصـــف قرن م������ن رواية اخلوري‪ ،‬لكنه لم يتجرأ‬ ‫على توقيعــها باســــمه احلقــيقي‪ ،‬فنشرها باسم‬ ‫مستعار هو «فالح مصري»‪.‬‬ ‫وريادة خلي������ل اخلوري الروائية تظهر‪ ،‬ثانيا‪ً،‬‬ ‫في اس������تخدام النص خلدم������ة املجتمع‪ .‬فهو لم‬ ‫يكتب الرواية للمتعة وحدها‪ ،‬بل للفائدة أيضا‪.‬‬ ‫وتظهر هذه الفائدة في النقد االجتماعي الذي‬ ‫يتركز خصوصاً في الفصول األولى من الرواية‪.‬‬ ‫وهذا املنحى النقي سوف جنده في كتابات كثير‬ ‫من قصاصينا في الوطن واملهجر‪.‬‬ ‫وري������ادة خليل اخلـــ������وري تظه������ر‪ ،‬ثالثا‪ ،‬في‬ ‫موض������وع احلكاي������ة وطريق������ة املعاجل������ة وغاية‬ ‫املؤلف‪ .‬فقد طرح اخلوري في ذلك الزمن املبكر‬ ‫موضوع������ة معاصرة هي العومل������ة‪ ،‬وبنى احلكاية‬ ‫على إش������كالية العالق������ة بني الع������رب والغرب‪،‬‬ ‫وعال������ج هذه العالقة بحس قوم������ي ناضج بعيد‬ ‫ع������ن اخلطابية‪ ،‬وبعيد ع������ن التفاخر باألمجاد‪،‬‬ ‫وع������ن كراهي������ة اآلخ������ر‪ .‬وال أدري إن كان خليل‬ ‫اخلوري اختار قصداً شخصيات مسيحية لكي‬ ‫لست بإفرجني»‬ ‫إذن ُ‬ ‫« َو ْي ‪ْ .‬‬

‫‪7/9/14 11:05:42 AM‬‬

‫يزي������ل عن بعض العيون الغـــــش������اوة التي منـــاها‬ ‫اجلهل بتاريخ العرب ومكـــــونات مجتمعهم‪ .‬غير‬ ‫أن حوادث احلكاية جتري بعيدة عن هذا اجلو‪.‬‬ ‫فميخالي يظن نفس������ه إفرجنياً لسبب واحد هو‬ ‫أن ج������ده األعلى تــــ������زوج بامرأة ش������ــــاهد زواج‬ ‫أخيها إفرجني‪ .‬وال ش������ك في أن القارئ يدرك‬ ‫من خالل هذه السخرية الكاريكاتيرية أن خليل‬ ‫اخلوري ال ي������رى قيمة ألي راب������ط غير الرابط‬ ‫القومي‪.‬‬ ‫وريادة خليل اخلوري الروائية تظهر‪ ،‬رابعاً‪،‬‬ ‫في األسلوب واأللفاظ‪ .‬فقد عاش خليل اخلوري‬ ‫في عراك مع اللغة يريدها أن تستجيب ملتطلباته‬ ‫صحفياً ومترجماً وش������اعراً عصرياً‪ .‬فكان عليه‬ ‫أن يكت������ب جلريدته نثراً تفهم������ه طبقات القراء‬ ‫كله������ا‪ ،‬وأن يس������ابق الوقت ف������ي ترجمة مقاالت‬ ‫الصحف األجنبية‪ .‬لهذا كان يعنيه كثيراً أن يحدد‬ ‫خصائص األسلوب الذي يناسبه ومميزات اللغة‬ ‫التي سيكتب بها‪ .‬وقد استقر رأيه على البساطة‬ ‫والسهولة في األسلوب وعلى األلفاظ التي تفي‬ ‫مبفاهي������م العصر‪ .‬وكان ال يتردد في اس������تعارة‬ ‫هذه األلفاظ من معجم الكتابة الصحفية إذا ما‬ ‫ردته لغة األدب الشائعة خائــبا‪ .‬وهــــكذا رســــم‬

‫‪63‬‬

‫‪august 62-65.indd 63‬‬


‫من حيث يدري خصائص أسلــــوب ومن حيث ال‬ ‫يدري خصائص األسلوب الروائي في زمنه‪.‬‬ ‫وريادة اخلوري تظهر‪ ،‬خامس������اً‪ ،‬في تأثيره‬ ‫في َم ْن أ ّلف الرواية بعده‪ .‬فعندما تصدى لكتابة‬ ‫الرواي������ة كان األدب الس������ردي العرب������ي املزدهر‬ ‫حين������ذاك ه������و أدب الرحلة‪ .‬وكان������ت الرحالت‬ ‫جتري ف������ي اجتاه���ي��ن‪ :‬األول وجهت������ه اخلارج‪،‬‬ ‫أي الب���ل��اد األجنبي������ة‪ ،‬وغايته تش������ويق القارئ‬ ‫بأخبار غريبة وحوادث طريف������ة‪ ،‬وصور لعوالم‬ ‫غير مألوفة‪ .‬واآلخ������ر وجهته الداخل‪ ،‬أي املدن‬ ‫العربي������ة القريبة‪ ،‬وغايته تعريف القارئ ببالده‪،‬‬ ‫مبدنها وطبيعتها وآثاره������ا وعاداتها وتاريخها‪.‬‬ ‫وقد س������لك خليل اخلوري االجتاه الثاني‪ ،‬ولكنه‬ ‫خط فيه طريقاً جديداً حيــــن ركز اهتمامه على‬ ‫احلكاية وجعل الرحلة مجرد إطار لها‪ .‬فليست‬ ‫احلكاية في رواية اخلوري جزءاً من زمن الرحلة‬ ‫وال من حوادثها‪ ،‬بل هي كيان مندرج في الرحلة‬ ‫ومس������تقل عنها ف������ي آن واحد‪ .‬فال صل������ة بيــــن‬ ‫الرحــل������ة إلى حلب وحكاية اإلفرجني س������وى أن‬ ‫الرحلة سمحت للرحالة بأن يطلع على احلكاية‬ ‫وينقلها إلى القارئ‪.‬‬ ‫وقد بق������ي االرتباط بني الرحل������ة واحلكاية‬

‫‪64‬‬

‫‪7/9/14 11:05:49 AM‬‬

‫قائماً في الس������رديات العربي������ة زمناً طوي ً‬ ‫ال بعد‬ ‫خليل اخلوري‪ ،‬ثم بدأت مساحة الرحلة تتراجع‬ ‫حت������ى ل������م يبق منها س������وى مدخل بس������يط إلى‬ ‫احلكاية الرئيسة‪.‬‬ ‫فف������ي روايتي س������ليم البس������تاني (الهيام في‬ ‫جنان الش������ام‪ ،‬وزنوبيا) احتلت الرحلة مس������احة‬ ‫كبيرة‪ ،‬بينما ضمرت هذه املس������احة في روايات‬ ‫بداية القرن العشرين‪ ،‬مثل «كتاب خالد» ألمني‬ ‫الريحاني و«كتاب مرداد» مليخائيل نعيمة‪ ،‬حيث‬ ‫حتولت إلى ترجيع أو موتيف س������ردي يرمي إلى‬ ‫تبرير وص������ول الراوي إلى مخط������وط احلكاية‪،‬‬ ‫وإلى إحاط������ة هذه احلكاية بج������و من الغموض‬ ‫بغية تشويق القارئ إلى مطالعتها‪.‬‬ ‫ولم يقتص������ر ترجيع الرحلة عل������ى الرواية‪،‬‬ ‫بل اس������تخدمته األقصوصة أيض������ا‪ .‬فكثير من‬ ‫قصص النصف األول من القرن العشرين تعتمد‬ ‫موضوع������ة املغترب العائد ال������ذي يخبر الراوي‬ ‫حكايته في بالد الغربة‪ .‬وجند أمثلة كثيرة منها‬ ‫في أقاصيص ميخائيل نعيمة وخليل تقي الدين‬ ‫وغيرهما‪.‬‬ ‫كثي������رة ه������ي ري������ادات خليل اخل������وري التي‬ ‫لست بإفرجني»‪،‬‬ ‫كش������فتها لنا رواية « َو ْي ‪ .‬إذ ْن‬ ‫ُ‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 62-65.indd 64‬‬


‫وكلها حتثنا علــــى إعادة نـــش������ر ه������ذه الرواية‪.‬‬ ‫وقــد حق������ق املجلس األعل������ى للثــــقافة مبـــصـــر‬ ‫هذا األمر بإعادة نش������ـر الرواية مصــــورة عــــن‬ ‫األصل‪ ،‬فم������ا الداعي إلى نش������رها مجدداً في‬ ‫بيروت؟‬ ‫إن قيمة هذه الرواي������ة قائمة في تاريخيتها‬ ‫قب������ل طاقتها على اإلمتاع‪ ،‬على األقل بالنس������بة‬ ‫إلى قارئ اليوم‪ .‬فنش������رها عارية من كل تعليق‪،‬‬ ‫على أهمية األمر‪ ،‬يخفي ريادتها وأهميتها‪ .‬كما‬ ‫أن نصه������ا يحمل من رواس������ب زمانها من حيث‬ ‫اإلمالء واأللفاظ واملس������ميات ما ال يصبر عليه‬ ‫س������وى املهتمني‪ .‬له������ذا كان يج������ب أن يرافقها‬ ‫دليل يع������ ّرف بها وصاحبها‪ ،‬ويوض������ح ألفاظـــها‬ ‫وعباراته������ا‪ ،‬ويضبط إش������اراتها واقتباس������اتها‪،‬‬ ‫ويفتح طريقها إل������ى زمن القارئ‪ .‬وهذا ما فعله‬ ‫شربل داغر‪.‬‬ ‫تل ّبس ش������ربل داغر دور احملقق في البداية‪.‬‬ ‫فقدم لن������ا املؤلف‪ ،‬وفك أغ���ل��ال اإلهمال عنه‪،‬‬ ‫وع ّرفنا به دورا وإبداعاً وتعدد مواهب‪ .‬ثم انتقل‬ ‫إلى نص الرواية‪ ،‬فقرنه إلى أصله املنشور على‬ ‫حلقات ف������ي جريدة «حديقة األخبار»‪ .‬وأتاح لنا‬ ‫أن نقرأ النصني معاً م������ن خالل الهوامش التي‬ ‫تنبه إلى االختالف‪ .‬وتوقف عند أسماء األماكن‬ ‫واألع���ل��ام‪ ،‬فعرف املجهول منه������ا‪ .‬وتوقف عند‬

‫املسميات كالغروش األسدية والفرتيكة والفابور‬ ‫والدوتة‪ ،‬ففسر املهمل منها‪.‬‬ ‫وتوق������ف عن������د بع������ض املفاهي������م اجلديدة‪،‬‬ ‫كالرومان������س‪ ،‬فبس������ط معانيه������ا‪ .‬وتوقف عند‬ ‫بعض األمثلة العامي������ة فأوضح داللتها‪ .‬وتوقف‬ ‫عند بعض الكلمات كاملوس������يقى ومئة‪ ،‬فأش������ار‬ ‫إل������ى االضط������راب ف������ي إمالئه������ا‪ .‬وتوقف عند‬ ‫التلميح������ات‪ ،‬فأوضح املقصود بها‪ .‬وتوقف عند‬ ‫اقتباسات املؤلف من املتنبي واإلربلي والمارتني‬ ‫فقارنها باألصل وعلق عليها‪.‬‬ ‫وبعدما انتهى نص الرواية نزع ش������ربل داغر‬ ‫قبع������ة احملقق‪ ،‬واعتم������ر قبعة الناق������د‪ .‬فدرس‬ ‫العناصر املكون������ة للرواية‪ ،‬وهي الراوي والقارئ‬ ‫وامل������كان والزمان واألح������داث والـــش������خصيات‬ ‫واحل������وار واحلبك������ة‪ .‬ثم نظر في املس������ائل التي‬ ‫طرحتها خصوصية هذه الرواية وهي املرجعية‬ ‫والري������ادة والعالق������ة باجلهــ������ود الس������ردية في‬ ‫زمانها‪.‬‬ ‫كل ه������ذا جعل من ه������ذا العم������ل كتابا على‬ ‫كتاب‪ ،‬يتخيله الناظر بعينيه ش������بيهاً بحواش������ي‬ ‫املصنف������ات القدمية‪ .‬ويجده الناظر بعقله عم ً‬ ‫ال‬ ‫علمياً منهجي������اً في تتبعه‪ ،‬غني������اً في املعلومات‬ ‫التي اس������تند إليها‪ ،‬وضرورياً ملن يريد تصنيف‬ ‫الكتاب كأول رواية عربية >‬

‫< يحكى أن رج ًال كان ُيعرف بدينار العيار‪ ،‬وكان له والدة صاحلة تعظه وهو ال يتعظ‪،‬‬ ‫عظما فتفت ��ت في يده ففكر في نفس ��ه‪ .‬وقال‪:‬‬ ‫فم ��ر ف ��ي بع ��ض األيام مبقبرة فأخ ��ذ منها‬ ‫ً‬ ‫ويح ��ك ي ��ا دينار كأني بك وقد صار عظمك هكذا رفاتا‪ ،‬واجلس ��م ترا ًب ��ا‪ ،‬فندم على فرطه‪،‬‬ ‫وعزم على التوبة‪ ،‬ورفع رأسه إلى السماء‪ ,‬وقال‪ :‬إلهي وسيدي‪ ،‬ألقيت إليك مقاليد أمري‬ ‫فاقبلني‪ ،‬وارحمني‪ ،‬ثم أقبل نحو أمه متغ ّير اللون‪ ،‬منكسر القلب‪ ،‬فقال‪ :‬يا أماه‪ ،‬ما يصنع‬ ‫بالعبد اآلبق إذا أخذه س ��يده؟ قالت‪ :‬يخش ��ن ملبس ��ه ومطعمه ويغل يديه وقدميه‪ .‬فقال‪:‬‬ ‫وأقراصا من ش ��عير وغلني‪ ،‬فافعلي بي كما ُيفعل بالعبد اآلبق‪ ،‬لعل‬ ‫أريد جبهة من صوف‪،‬‬ ‫ً‬ ‫موالي يرى ذلي فيرحمني‪.‬‬

‫لست بإفرجني»‬ ‫إذن ُ‬ ‫« َو ْي ‪ْ .‬‬

‫‪7/9/14 11:05:58 AM‬‬

‫‪65‬‬

‫‪august 62-65.indd 65‬‬


‫أدب وفن‬

‫الثقافة والفن وامللل‬ ‫بقلم وريشة‪ :‬أمني الباشا*‬ ‫ال حاج������ة لالهتمام بالفن‪ ،‬وال أهمية‬ ‫عندن������ا له‪ .‬ال أهمي������ة للمهم‪ .‬هذا ما‬ ‫جعل الفن معدوم الوج������ود‪ ...‬إال ما‬ ‫ن������در‪ ...‬كما الثقافة الصحيح������ة العميقة‪ ...‬إال‬ ‫ما ندر‪ ...‬يس������ألونك عن الفن والثقافة‪ ،‬فتحتار‬ ‫لتجد جوا ًب������ا مقن ًعا‪ ...‬ما الثقاف������ة؟ وما الفن؟‬ ‫و َمن يق ّرر ويوجد معنى للثقافة والفن والكل في‬ ‫ملهى عنهما‪ ...‬وغرباء في بالد تلهث وراء الربح‬ ‫وتكريس األوراق املالية البالية‪.‬‬ ‫ثقة وطمأنينة‪ .‬ثقة اجلاهل مبا يجهل حتى‬ ‫أمسى اجلهل عل ًما ومسل ًكا في احلياة‪.‬‬ ‫م������اذا يه ّمنا نحن مواليد هذا العالم‪ ،‬مواليد‬ ‫هذه األرض الشاسعة التي راحت منذ زمن تفلت‬ ‫من ب���ي��ن أصابعنا ومن ب���ي��ن اهتمامنا وفوضانا‬ ‫وجهلن������ا واتكالنا وبحثنا عن الس������ماء‪ ،‬واألرض‬ ‫راحت تضيع من بني أرجلنا?‬ ‫عندم������ا أقول «أنا حزين حت������ى املوت»‪ ,‬كما‬ ‫قالها الس������يد املس������يح ذات يوم‪ ،‬أك������ون صاد ًقا‪،‬‬ ‫وكأني صادق للمرة األول������ى‪ ...‬أقولها مرا ًرا‪...‬‬ ‫يوم ًيا‪ ...‬وال أحد يصدقني القول‪ ...‬الكل ّ‬ ‫كذابون‬ ‫إال ناد ًرا‪ ...‬وهكذا يقولون عني‪ ,‬وال أحد يدري‬ ‫* كاتب وفنان تشكيلي من لبنان‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫‪7/9/14 11:06:37 AM‬‬

‫ّ‬ ‫الكذابون املخلص������ون لكذبهم‪ ...‬ال‪...‬‬ ‫َمن ه������م‬ ‫ال ش������يء‪ ...‬مرا ًرا أذهب إلى ش������واطئ بيروت‬ ‫صباحا‪ ...‬ال أحد هن������اك‪ ...‬كلهم نائمون حتى‬ ‫ً‬ ‫الظهر وبعده‪ ...‬الشاطئ هادئ‪ ...‬اخترت املكان‬ ‫والساعة‪ ،‬ألس������تطيع أن أصرخ‪ ...‬أن أصرخ‪...‬‬ ‫«أريد أن أحيا»‪ ,‬ولصراخي تتطاير الطيور وتهدأ‬ ‫األمواج وت������ر ّدد‪« :‬أريد أن أحيا»‪ ،‬ثم أعود‪ ...‬ثم‬ ‫أعود من حي������ث أتيت‪ ...‬إلى جهن������م املدينة‪...‬‬ ‫وإلى الوحوش الكاسرة التي متأل الشوارع‪.‬‬ ‫ُوج������دت ألحي������ا ال ألعي������ش‪ .‬أكتف������ي بلقمة‬ ‫عيش‪ .‬غذائي اجلمال‪ .‬وال يوجد اجلمال سوى‬ ‫بالتصاق������ه باحلقيقة‪ ...‬انثر الف������رح‪ُ ...‬وجدنا‬ ‫لنفرح ف������ي احلياة‪ ...‬هل نس������ينا الفرح؟ ومتى‬ ‫سنفرح وننش������د األناش������يد التي ال نسمعها كل‬ ‫يوم‪ ...‬أناشيد بشعة وكاذبة؟ قال هذا صديقي‬ ‫وسكت‪ ،‬قلت له بصوت هادئ‪:‬‬ ‫ أرجوك‪ ...‬اس������مع ما أقوله‪ ...‬أشرت إليه‬‫ليرى عصف������و ًرا يتنقل من غصن إلى غصن‪ ،‬ثم‬ ‫صمت عندم������ا رأيته قد أغم������ض عينيه‪ ...‬هو‬ ‫ُّ‬ ‫ينام عندما أتكلم‪ ...‬يش������عر بامللل‪ ...‬هكذا قال‬ ‫أحدثه‪ ...‬هل أوقظه وقد‬ ‫لي م ّرة عندما كن������ت‬ ‫ّ‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 66-67.indd 66‬‬


‫ُولد نائ ًما يجر رجليه ويبقى مكانه؟‪ ...‬ينام ليل‬ ���نهار ويس������تيقظ ليتكلم ع������ن احلياة واملوت‪ ،‬عن‬ ‫العلم واجلهل‪ ،‬عن الثقافة والفن‪ ...‬لكنه نائم‪...‬‬ ‫يبق������ى نائ ًما‪ ...‬امللل‪ ...‬اخلل������ود الدائم‪ ،‬قلت له‬ ‫عال‪ :‬اس������تيقظ يا أخ������ي‪ ...‬انظر إلى‬ ‫بص������وت ٍ‬ ‫النّور‪ ...‬لم يتح ّرك‪ ...‬س������ألته‪ :‬هل قرأت فال ًنا‬ ‫وقصيدة فالن؟ وهل س������معت سيمفونية فالن؟‬ ‫وأغني������ة فالن؟ ل������م يجب‪ ...‬بق������ي نائ ًما‪ ،‬وعلى‬ ‫شفتيه ابتس������امة الرضا‪ ...‬هو يرضى بحاله‪...‬‬ ‫احلياة سنوات ومتضي ثم تنتهي‪ ...‬هكذا يقول‬ ‫دائ ًم������ا‪ ...‬وناد ًرا م������ا يقول ش������ي ًئا وهو مغمض‬ ‫الثقافة والفن وامللل‬

‫‪7/9/14 11:06:44 AM‬‬

‫العينني‪ ...‬ومرا ًرا ما يبدأ بقول جملة وال ينهيها‪،‬‬ ‫إذ يسبقه النعاس ويأخذه النوم‪.‬‬ ‫ اسمع‪ ...‬اسمع‪ ...‬ال يسمع‪ ،‬ول َم العذاب؟‬‫وفي فم������ه بقية دخان أرجيل������ة‪ ...‬يدغدغ عقله‬ ‫ويطرب أذنيه‪ ،‬لعلّي أتكلم مع ذاتي‪ ...‬ولذاتي‪...‬‬ ‫وأتكلّ������م بصوت قلمي‪ ...‬ع������دت إليه‪ ...‬انهض‪،‬‬ ‫اس������تيقظ‪ ...‬انتهى النهار‪ ...‬بسط الليل ستاره‬ ‫عل������ى الطبيع������ة‪ ...‬بقي نائ ًما‪ ...‬تركته وس������رت‬ ‫وحدي بع������د أن ظه������رت على وجهه ابتس������امة‬ ‫الرضا والس������عادة‪ .‬سرت وحدي‪ .‬لم أ َر سوى أن‬ ‫أسير مع وحدتي‪ ...‬وبقيت سائ ًرا >‬

‫‪67‬‬

‫‪august 66-67.indd 67‬‬


‫لـقـاء‬

‫الفنان التشكيلي‬ ‫محمد صبري‪...‬‬

‫رائد فن الباستيل‬

‫ال تغرنك بنيته اجلسدية الضئيلة‪ ،‬أو ن�ب��رة صوته‬ ‫ال��واه�ن��ة‪ ،‬أو خطواته ال��وئ�ي��دة‪ ،‬فخلف سنواته الست‬ ‫وال�ت�س�ع�ين‪ ،‬ي �ت��وارى ق�ل��ب مفعم ب�ح��ب احل �ي��اة‪ ،‬وروح‬ ‫مشاكسة نزقة التزال حتلم مبغامرات إبداعية وكأنها‬ ‫ترفع شعار‪« :‬األج�م��ل لم يبدأ بعد»‪ .‬في منزل ابنته‬ ‫بضاحية التجمع اخل��ام��س‪ ،‬على أط ��راف القاهرة‪،‬‬ ‫الي� ��زال ال �ف �ن��ان ال�ت�ش�ك�ي�ل��ي ال�ع�ت�ي��د م�ح�م��د صبري‬ ‫حريصا ع�ل��ى تقاليد ال��زم��ن اجلميل ف��ي استقبال‬ ‫ضيوفه‪ :‬انتظارهم عند مدخل البناية بقامة منتصبة‬ ‫ومالبس غير رسمية‪ ،‬لكنها أنيقة‪ ،‬ومخاطبتهم بلقب‬ ‫«بك»‪ ،‬خامة الباستيل أودعته أسرارها فتألق في الرسم بها حتى أطلق عليه النقاد في الشرق والغرب «أستاذ‬ ‫الباستيل»‪ .‬إقامته في إسبانيا ‪ 15‬عاما وزواجه من إحدى فتياتها جعال جتربته – إنسانيا وفنيا – جسرا بني‬ ‫الشرق والغرب‪ .‬استلهم روح مصر عبر أزقتها وحواريها وعمارتها التاريخية بطبعتيها الفرعونية واإلسالمية‪،‬‬ ‫فأصبحت لوحاته قصيدة موقعة بريشة الرهافة واجلمال‪ .‬سجل أبرز إجنازات عبدالناصر في لوحاته دون أن‬ ‫يتورط عاطفيا في «كاريزما الزعيم»‪ ،‬ويعترف بأنه انغلق على نفسه فلم ينقل خبراته إلى اجليل اجلديد‪.‬‬

‫أجرى احلوار محمد بركة *‬

‫< أث ��ار دهش ��تي قول ��ك املنش ��ور بالكتيب‬ ‫املصاح ��ب آلخ ��ر معارضك ب ��دار األوبرا‪،‬‬ ‫حيث تؤكد أنك أضعت الكثير من الوقت‬ ‫ولم حتس ��ن استغالل سنوات املاضي‪ ،‬وأنه لو عاد بك‬ ‫الزم ��ن لل ��وراء الختلف ��ت األم ��ور‪ ...‬كي ��ف ذلك وقد‬ ‫حقق ��ت كل هذا النج ��اح ونلت العديد من األوس ��مة‬ ‫واجلوائز الرفيعة مصريا وأوربيا؟‬ ‫ كان م� � ��ن املمك� � ��ن أن يزداد نش� � ��اطي ويصبح‬‫إنتاجي أكثر من هذا على مس� � ��توى الكم‪ ،‬أيضا على‬ ‫مستوى الكيف كان بودي لو أصبحت رسوماتي أكثر‬ ‫تنوعا‪ .‬صحيح أنني نل� � ��ت العديد من اجلوائز‪ ،‬منها‬

‫تعييني عضوا مدى احلياة بامللكية األكادميية س� � ��ان‬ ‫فرنان� � ��دو مبدري� � ��د‪ ،‬ألُصبح الفن� � ��ان العربي الوحيد‬ ‫ب� �ي��ن عظماء الفنان� �ي��ن العامليني ال� � ��ذي يحظى بتلك‬ ‫العضوي� � ��ة في واحدة من أعرق أكادمييات العالم في‬ ‫العام ‪ ،1967‬فضال عن جائزة الدولة التقديرية من‬ ‫مصر‪ ،‬بخالف عشرات األوسمة واجلوائز وشهادات‬ ‫التقدير‪ ،‬مثل وس� � ��ام االستحقاق من درجة فارس من‬ ‫احلكومة اإلس� � ��بانية في العام ‪ ،1961‬لكن ذلك على‬ ‫املس� � ��توى اخلارجي‪ .‬أنا اآلن أحدثك عن املس� � ��توى‬ ‫الداخل� � ��ي‪ ،‬وأعترف لك بأن نوعا من الش� � ��عور بعدم‬ ‫الرضا ينتابني إزاء الطريقة التي أدرت بها حياتي‪.‬‬

‫* كاتب من مصر‬

‫‪68‬‬

‫‪7/9/14 10:58:06 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 68-73.indd 68‬‬


‫< هل تش ��عر بأنك ‪ -‬على س ��بيل املثال ‪ -‬لم تعط‬ ‫الفن التش ��كيلي حقه من الوق ��ت والتفرغ‪ ،‬مبعنى أن‬ ‫متطلب ��ات احلياة ش ��غلتك عن اإلخالص ملش ��روعك‬ ‫اإلبداعي؟‬ ‫ ال أعتقد ذل� � ��ك‪ ،‬فقد تخرجت في كلية الفنون‬‫التطبيقية بالعام ‪« 1937‬مدرس� � ��ة الفنون التطبيقية‬ ‫العلي� � ��ا» كما كانت تس� � ��مى آنذاك‪ .‬كن� � ��ت األول على‬ ‫دفعت� � ��ي‪ ،‬لكني لم أحصل على البعثة التي كانت توفد‬ ‫فيها وزارة املعارف أوائل اخلريجني إلى أوربا بسبب‬ ‫نقص في امليزانية‪.‬‬ ‫ودعاني أحد أقاربي من األثرياء إلى اإلقامة لديه‬ ‫في األرياف‪ ،‬حيث رسمت العديد من روائع الطبيعة‬ ‫والفالحني في القرية املصرية‪ ،‬بعد ذلك عملت أمني‬ ‫متح� � ��ف جديد مت إنش� � ��اؤه هو متح� � ��ف التعليم‪ ،‬ولم‬ ‫أتزوج إال وأنا في اخلمسني‪.‬‬ ‫وهكذا طوال الوقت لم أبتعد عن الفن الذي ظل‬ ‫محور حياتي‪.‬‬ ‫< أي ��ن املش ��كلة إذن؟‪ ..‬ه ��ل يراودك إحس ��اس بأن‬ ‫أعمال ��ك منطي ��ة أو أنه ��ا حتول ��ت مل ��ا يش ��به بطاقات‬ ‫الدعاية السياحية في بعض األحيان؟‬ ‫ ضاحكا‪« ...‬تعجبني طريقتك في توجيه النقد‬‫عبر صيغة استفهام»‪ ،...‬ثم تكتسي مالمحه باجلدية‬ ‫وهو يتاب� � ��ع حديثه‪ :‬طوال مس� � ��يرتي وأنا أبحث عن‬ ‫جوه� � ��ر احلي� � ��اة وال أقف عن� � ��د احل� � ��دود اخلارجية‬ ‫للجمال الذي أعش� � ��قه وأجتهد إلب� � ��رازه في لوحاتي‪،‬‬ ‫لكن اجلمال عندي شك ً‬ ‫ال ومضموناً في وحدة واحدة‬ ‫ال تنفص� � ��ل‪ .‬اآلث� � ��ار الفرعوني� � ��ة الت� � ��ي صورتها في‬ ‫األقصر أو اإلسالمية في القاهرة الفاطمية اكتسبت‬ ‫بع� � ��دا جديدا في أعمالي‪ ،‬وهذا ليس كالمي بل كالم‬ ‫النقاد‪.‬‬ ‫وأذكر أنني ح� �ي��ن قدمت أول معارضي في العام‬ ‫‪ ،1949‬والذي تناول مش� � ��اهد من احلياة االجتماعية‬ ‫بالقرية واملدينة‪ ،‬أعجب به للغاية أحد رواد التشكيل‬ ‫املصري في القرن العشرين‪ ،‬وهو الفنان أحمد صبري‬ ‫ال� � ��ذي كان يترأس قس� � ��م التصوير مبدرس� � ��ة الفنون‬ ‫اجلميلة‪ ،‬ودعاني لالنضمام لقسم الدراسات احلرة‬ ‫باملدرس� � ��ة (الكلية اآلن)‪ ،‬وعدت طالبا حتت إشرافه‬ ‫مدة خمس س� � ��نوات‪ ،‬حيث كان يق� � ��ول طوال الوقت‬ ‫إنن� � ��ي أم ِّثل مس� � ��تقبل الفن املصري‪ ،‬بينما مس� � ��اعده‬ ‫الفنان والناقد العظيم حس� �ي��ن بيكار شهد لي في ما‬ ‫الفنان التشكيلي محمد صبري‪ ...‬رائد فن الباستيل‬

‫‪7/9/14 10:58:15 AM‬‬

‫بعد بأن هويتي الفنية كانت أقوى من أن تطمس� � ��ها‬ ‫مؤثرات الثقافة الغربية حني عشت في إسبانيا فترة‬ ‫ليست بالقليلة‪.‬‬ ‫< كيف حدث ذلك؟‪ ...‬أعني التفاعل مع الثقافة‬ ‫الغربية دون أن تفقد شخصيتك املصرية؟‬ ‫تأث� � ��رت بجوهر التج� � ��ارب اإليجابية احمليطة بي‬ ‫وه� � ��و الصدق والنق� � ��اء‪ ،‬لكن على مس� � ��توى التكنيك‬ ‫ظلل� � ��ت أتبع حدس� � ��ي اخلاص وأرف� � ��ض أن أنقل عن‬ ‫اآلخرين بزع� � ��م التطور أو مج� � ��اراة أحدث املدارس‬ ‫العاملية‪ .‬وكنت ط� � ��وال الوقت أعرف أنني إن لم أكن‬ ‫صادقا مع نفسي فلن أكون صادقا مع الناس‪ .‬وهذا‬ ‫م� � ��ا جعل «اآلخر» يهتم بتجربت� � ��ي ويحتفي بها‪ ،‬حيث‬ ‫أذكر أن أول معرض أقمته في إسبانيا‪ ،‬أقيم مبتحف‬ ‫الفن احلديث وليس قاعة عادية‪.‬‬ ‫< رغم أنك لم تكن أديبا أو ش ��اعرا‪ ،‬إال أن عميد‬ ‫األدب العرب ��ي د‪ .‬طه حس�ي�ن يش ��غل موقع ��ا دافئا في‬ ‫خارطة ذكرياتك‪ ...‬ملاذا؟‬ ‫ألنه ببساطة هو من أنصفني واتخذ قرار إيفادي‬ ‫في بعثة إلى إس� � ��بانيا ليحقق لي حل� � ��م حياتي الذي‬ ‫تأخر أكثر من عشر سنوات مرت على تخرجي كأول‬ ‫الدفعة‪.‬واملالبسات مازلت أذكرها كأنها وقعت باألمس‬ ‫فقط‪ ،‬ففي إحدى أمسيات الصيف‪ ،‬أقبل أحد الزوار‬ ‫وطاف مبعرضي األول وهو يسأل عن أعمال الفنان‬ ‫الرائ� � ��د أحمد صبري‪ ،‬باعتباره صاحب املعرض‪ .‬وملا‬ ‫عرف أن هذه األعمال خاصة بالفنان الشاب الواقف‬ ‫أمامه‪ ،‬ش� � ��د على يده مهنئا باملقال الذي كتبه الناقد‬ ‫الفرنسي موريل في «جريدة البروجريه» ورفعني فيه‬ ‫إلى الس� � ��ماء‪ ...‬أخذ الزائر يستفسر مني عن حالتي‬ ‫الوظيفية وحياتي الفنية‪ .‬وطلب تقريرا عن مؤهالتي‬ ‫وتدرجي الوظيفي‪ ..‬ونش� � ��اطي الفني وإرس� � ��اله إليه‬ ‫على مكتبه‪.‬‬ ‫وانص� � ��رف بعد أن ت� � ��رك بطاقته ألعرف أنه هو‬ ‫د‪ .‬توفيق ش� � ��حاتة مدير مكتب د‪ .‬طه حس� �ي��ن وزير‬ ‫املعارف‪ .‬ومضت األيام والشهور وأنا أترقب النتيجة‪،‬‬ ‫بع� � ��د أن أرس� � ��لت بالتقرير املطلوب وط� � ��ال االنتظار‬ ‫والغموض يلف الزيارة التي لم أكن أعرف الهدف من‬ ‫ورائها حتى نسيت هذا األمر متام النسيان وتالشى‬ ‫متاماً م� � ��ن ذاكرت� � ��ي وكأنه لم يك� � ��ن‪ ,‬وحتت ضغوط‬ ‫احلياة‪ ،‬أخذت مسيرته متضي في رتابة عادية‪.‬‬ ‫وفج� � ��أة حصل ما ل� � ��م يكن في احلس� � ��بان‪ .‬كان‬

‫‪69‬‬

‫‪august 68-73.indd 69‬‬


‫جنيب محفوظ أهداني أغلى تكرمي وطه حسني أعاد لي حقي املسلوب‪ ...‬الصورة للفنان يرسم جنيب محفوظ‬

‫اليوم اخلميس آخر األسبوع‪ ،‬حني تلقت كلية الفنون‬ ‫التطبيقية «إش� � ��ارة تليفونية» من مكتب وزير املعارف‬ ‫تطلب سرعة حضور محمد صبري للمقابلة‪.‬‬ ‫لم أك� � ��ن بالكلية وفوجئ� � ��ت بزمالئي يخبرونني‬ ‫يوم ذهابي السبت‪ .‬أس� � ��قط في يدي لعدم اعتيادي‬ ‫املقابالت الرس� � ��مية‪ ،‬وح� �ي��ن متت املقابل� � ��ة‪ ،‬وقعت‬ ‫املعجزة حيث اختارني د‪ .‬طه حس� �ي��ن وزير املعارف‬ ‫للسفر في بعثة رسمية إلى إسبانيا عض ًوا في معهد‬ ‫ف� � ��اروق األول مبدري� � ��د (املعهد املصري للدراس� � ��ات‬ ‫اإلسالمية في ما بعد) الستكمال دراستي في إحدى‬ ‫الكلي� � ��ات الفنية‪ .‬هنا هتفت‪ :‬يا س� � ��بحان الله‪ ...‬بعد‬ ‫‪ 13‬سنة من الترقب واالنتظار حتقق احللم وأنصفني‬ ‫العظيم طه حس� �ي��ن الذي ش� � ��د على يدي وقال لي‪:‬‬ ‫أنتم األمل‪.‬‬ ‫< ما هي أكثر لوحاتك قربا إلى قلبك؟‬ ‫ لوحة «معركة بورس� � ��عيد» التي تصور بطوالت‬‫هذه املدينة الباسلة في مواجهة العدوان الثالثي من‬

‫إس� � ��رائيل وبريطانيا وفرنس� � ��ا في العام ‪ .1956‬كما‬ ‫أعتز أيضا بلوحة «السد العالي» التي أهدتها الدولة‬ ‫املصري� � ��ة ممثلة في مجلس األمة (البرملان) إلى وفد‬ ‫مجلس الس� � ��وفييت األعلى الذي زار البالد في العام‬ ‫‪ 1970‬تعبي� � ��را عن الصداقة بني موس� � ��كو والقاهرة‪.‬‬ ‫وف� � ��ي ه� � ��ذا العام‪ ،‬رس� � ��مت آخ� � ��ر بورتري� � ��ه للرئيس‬ ‫عبدالناصر قبل يوم� �ي��ن من رحيله حني التقى عددا‬ ‫من الزعماء العرب‪.‬‬ ‫< باإلضاف���ة إل���ى ه���ذه اللوح���ات لدي���ك أعمال‬ ‫أخ���رى تؤرخ ملس���يرة عبدالناص���ر‪ ،‬أال يجعل ذلك من‬ ‫فنك بوقا للدعاية للنظام آنذاك؟‬ ‫ ال فأن� � ��ا لم أكن يوم� � ��ا ناصريا‪ ،‬ولم أجعل من‬‫أعمالي أداة لتمجي� � ��د حاكم‪ ،‬وإمنا لتخليد األحداث‬ ‫الكب� � ��رى في حياة الوط� � ��ن‪ ،‬مثل ح� � ��رب أكتوبر التي‬ ‫صورتها ف� � ��ي لوحة ضخمة بعد رحي� � ��ل ناصر‪ ،‬وقد‬ ‫نال� � ��ت اللوحة إعجاب الس� � ��يدة جيهان الس� � ��ادات –‬ ‫حرم الرئيس أنور الس� � ��ادات ‪ -‬وطلبت مني أن أرسم‬

‫لوحتي عن السد العالي أهدتها مصر‬ ‫إلى مجلس السوفييت األعلى الـعام ‪1970‬‬ ‫‪70‬‬

‫‪7/9/14 10:58:21 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 68-73.indd 70‬‬


‫الريف املصري من املوضوعات األثيرة للفنان محمد صبري‬

‫«بورتريه» لها‪ ،‬وقد اس� � ��تجبت بكل س� � ��رور حتى أنها‬ ‫داعبتن� � ��ي – في ما بعد ‪ -‬قائلة‪ :‬لقد رس� � ��مت امللكة‬ ‫صوفيا ملكة إسبانيا أفضل مما رسمتني!‬ ‫< م ��ا ه ��و أكثر بورتريه رس ��مته لش ��خصية عامة‬ ‫تعتز به؟‬ ‫ جنيب محفوظ‪ ،‬فبرغم أني لم أستغرق فيه وقتا‬‫كبيرا وأنهيته في مدة بس� � ��يطة ال تتجاوز أسبوعني‪،‬‬ ‫فإن� � ��ه وصف البورتريه قائال باحل� � ��رف الواحد‪ :‬هذا‬ ‫البورتريه أصدق ما ُرس� � ��م لي! وأعتبر هذه الشهادة‬ ‫أغلى تكرمي حصلت عليه في حياتي‪.‬‬ ‫< عذرا‪ ،‬ولكن «لقاء الس ��حاب» بينك وبني جنيب‬ ‫محف ��وظ ال ميكن أن مير هك ��ذا‪ ...‬دعنا نتعرف على‬ ‫املالبسات والكواليس التي جمعت بينكما؟‬ ‫ مت ذل� � ��ك عب� � ��ر إدارة أح� � ��د الفن� � ��ادق العاملية‬‫بالقاه� � ��رة‪ ،‬حيث خصصت مبطع� � ��م الفندق الرئيس‬ ‫«ركن الشيشة» ليكون الركن اخلاص‪ ,‬واللقاء اليومي‬

‫بني األديب العاملي جنيب محفوظ وبني حرافيش� � ��ه‪..‬‬ ‫تقديراً ملكانته‪.‬‬ ‫وقد طلبت إدارة املطعم مني عمل لوحة شخصية‬ ‫حملفوظ‪ ،‬ومت االتفاق بين� � ��ي وبينه‪ ،‬بحيث أذهب إليه‬ ‫يومي� � ��ا حيث يجلس في مقهى عل� � ��ي بابا املطل على‬ ‫مي� � ��دان التحرير‪ .‬يأتي من بيته ماش � � � ًيا ليعبر كوبري‬ ‫اجلالء ثم كوبري قصر النيل‪ .‬وبعد جلسة الرسم في‬ ‫الصباح الباكر‪ ،‬يذهب إلى مكتبه بجريدة األهرام‪...‬‬ ‫منتهى النشاط واحليوية‪.‬‬ ‫كانت هذه أول مرة ألتقيه فيها‪ ،‬حيث كان خالل‬ ‫جلسة الرس� � ��م يقوم بالتوقيع على مؤلفاته التي كان‬ ‫املعجبون بأدب� � ��ه يتوافدون عليه وهم يحملونها عربا‬ ‫وأجانب‪ .‬كان األديب العاملي شديد التواضع‪ ،‬وقوراً‪،‬‬ ‫لم تغير فيه جائزة نوبل شيئا‪ .‬وحني انتهيت من رسم‬ ‫اللوحة «بألوان الباس� � ��تيل» وم� � ��ا كاد يراها ألول مرة‪،‬‬ ‫حتى صاح معج ًبا‪« :‬أنا كنت فاكر انها اس� � ��كتش‪ ..‬دي‬

‫لم أحتول إلى بوق دعائي لعبدالناصر رغم أنني سجلت‬ ‫عبر لوحاتي أهم إجنازاته وكنت آخر من رسم «بورتريه» له‬ ‫الفنان التشكيلي محمد صبري‪ ...‬رائد فن الباستيل‬

‫‪7/9/14 10:58:25 AM‬‬

‫‪71‬‬

‫‪august 68-73.indd 71‬‬


‫أصدق لوحة رس� � ��مت لي في حياتي»‪ ،‬وكتب لي على‬ ‫اللوحة «حتية إعجاب وتقدير وشكر‪ ...‬للفنان محمد‬ ‫صبري‪ ...‬املخلص جنيب محفوظ ‪.»1989/1/26‬‬ ‫< عل ��ى ذكر الباس ��تيل‪ ،‬ما ه ��ي حكايتك مع هذه‬ ‫اخلامة التي صرت رائدا في الرسم بها؟‬ ‫ كان محم� � ��د محمود خليل ب� � ��ك رئيس مجلس‬‫الش� � ��يوخ ورئي� � ��س جمعي� � ��ة محبي الفن� � ��ون اجلميلة‪،‬‬ ‫يس� � ��تضيف س� � ��نو ًيا املعارض الفردية لكبار الفنانني‬ ‫العاملي� �ي��ن‪ ،‬بجانب إقام� � ��ة صالون القاه� � ��رة‪ .‬وكانت‬ ‫هذه املعارض تقام بالسراي الكبرى بأرض املعارض‬ ‫باجلزي� � ��رة‪ .‬ومن هذه املع� � ��ارض أقيم معرض خاص‬ ‫لفنان أجنبي عاملي لم أعد أذكر اسمه‪.‬‬ ‫كانت كل لوح� � ��ات املعرض بألوان «الباس� � ��تيل»‪،‬‬ ‫وكان ذل� � ��ك في أوائ� � ��ل األربعينيات‪ ،‬وقد ش� � ��د هذا‬ ‫املعرض انتباهي حتى أنني زرته أكثر من مرة لش� � ��دة‬ ‫تعلقي بهذه املادة التي س� � ��بق لي أن استعملتها وأنا‬ ‫تلميذ باملدرسة االبتدائية‪ ،‬ولكن هذه املرة شيء آخر‬

‫محمد صبري وحسني بيكار يتجوالن في مدريد‬

‫‪72‬‬

‫‪7/9/14 10:58:28 AM‬‬

‫مختلف كلي� � ��ة‪ ...‬وألهمية هذا املع� � ��رض‪ ،‬ألقى هذا‬ ‫الفنان «الباستيلي» عدة محاضرات عن فن الباستيل‬ ‫في كليتي الفنون اجلميلة والفنون التطبيقية‪.‬‬ ‫ومن هنا التصقت ألوان الباس� � ��تيل بتالبيب قلبي‬ ‫وأصبحت شغلي الشاغل‪ ،‬ال تفارق لوحاتي ألوانها‪...‬‬ ‫م� � ��رة تصيب ومرة تخيب‪ .‬أتفانى في كس� � ��ب مودتها‪.‬‬ ‫أحاوره� � ��ا وتعاندني‪ ...‬وكأن املادة الصماء البس� � ��يطة‬ ‫تختب� � ��ر وتتمهل حت� � ��ى إذا اطمأنت وأحس� � ��ت بالوفاء‬ ‫والصدق‪ ،‬باحت لي بس� � ��رها وأظهرت لي ش� � ��فافيتها‬ ‫ونقاء مادتها وعذوبتها‪ ،‬وأغدقت علي بألوانها املنيرة‬ ‫وضوئها الساطع‪.‬‬ ‫والباس� � ��تيل عبارة عن أصاب� � ��ع مكونة من عجائن‬ ‫جافة تكس� � ��بها الصالبة والتماسك‪ .‬وتتكون من ألوان‬ ‫مطحون� � ��ة مبواد لزجة وأهمها أبيض الزنك والكاولني‬ ‫والصمغ العربي‪ ،‬مع إضافة العسل والنشا وبعض املواد‬ ‫الكيماوية‪ .‬كان اس� � ��تعمالها في أواخر القرن اخلامس‬ ‫عش� � ��ر (عصر النهضة) وأول من استخدمها «املصور‬ ‫العاملي ليوناردو دافنش� � ��ي (‪ )1519-1452‬وفي العام‬ ‫‪ 1870‬تكونت جماعة الباس� � ��تيل ف� � ��ي باريس‪ ،‬وأقاموا‬ ‫أول معرض للوحاتهم في لندن بالعام ‪.1880‬‬ ‫ثم ج� � ��اء الفنان� � ��ون التأثيريون‪ :‬تول� � ��وز لوتريك‪،‬‬ ‫ميلي� � ��ه‪ ،‬رينوار‪ ،‬وكان أكثرهم الس� � ��تخدام الباس� � ��تيل‬ ‫الفنان الفرنسي الشهير ديجا (‪.)1917 – 1852‬‬ ‫< تتح ��دث عنه ��ا مث ��ل عاش ��ق حقيق ��ي يص ��ف‬ ‫محبوبت ��ه‪ ،‬ولكن ما ال ��ذي مييز هذه املادة عن غيرها‬ ‫حتديدا‪ ،‬ما الفارق بني تش ��كيلي يش ��تغل على الزيت‬ ‫وآخر على األلوان املائية وثالث على الباستيل؟‬ ‫ الفارق أن ألوان الباستيل تُستعمل على حالتها‬‫النقي� � ��ة اخلالص� � ��ة – دون تدخُّ ل أي م� � ��ادة أخرى –‬ ‫وهي املادة الوحيدة التي ال تقبل أي مش� � ��اركة‪ ،‬فهي‬ ‫حرة طليقة غير مقيدة بأدوات مس� � ��اعدة مثل ألوان‬ ‫الزيت وألوان املياه التي تتطلب في رسمها السوائل‬ ‫والفرشاة والبالت (احلامل) وغيرها‪.‬‬ ‫والباستيل مادة هشة‪ ،‬صلبة‪ ،‬صعبة سهلة في آن‬ ‫واحد‪ ،‬ش� � ��ديدة اخلصوصية‪ ،‬عزيزة النفس‪ .‬تتميز‬ ‫بأنها ميكن اإلجناز والرس� � ��م بها ف� � ��ي أي وقت على‬ ‫عكس أل� � ��وان الزيت التي تتطلب وقت � � �اً حتى جتف‪.‬‬ ‫وه� � ��ي تعيش أجياال عديدة وهي التزال على حالتها‪،‬‬ ‫بخالف ألوان الزيت التي تتأكسد ويخبو لونها وتتلف‬ ‫بفعل التقلبات اجلوية >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 68-73.indd 72‬‬


‫ملف‬

‫أمني نخلة‬

‫شاعر الـجمال‬ ‫يعيد صدور «األعمال الكاملة» الش ��عرية والنثرية ألمني نخلة إلى دائرة الضوء ش ��اعرا وناثرا عربيا‬ ‫كبي ��را كان الش ��عراء الع ��رب في مطلع الس ��بعينيات م ��ن القرن املاض ��ي قد دعوا لتكرمي ��ه ومبايعته‬ ‫بإم ��ارة الش ��عر بعد وفاة األخطل الصغي ��ر‪ ،‬ولكن ظروفا أمنية حالت دون إقام ��ة هذا املهرجان‪ .‬على‬ ‫أن أمني نخلة يبقى في ضمير األدب العربي املعاصر واحدا من أمراء الش ��عر والنثر‪ ،‬فهو موزع على‬ ‫الصناعت�ي�ن مع ��ا‪ ،‬ول ��ه فيهما ج ��والت وصوالت يعثر عليها امل ��رء في أعماله الص ��ادرة حديثا عن دار‬ ‫ص ��ادر ف ��ي بيروت‪ .‬وهو في ش ��عره كم ��ا في نثره مولع بالكلم ��ة التي تقع موقعها في الس ��ياق‪ ،‬فتأتي‬ ‫وفت‬ ‫حفرا وتنزيال كما يقولون‪ .‬وهو ش ��اعر بارع في ش ��ك اللؤلؤ كما كان يقول عنه حافظ إبراهيم‪ّ ،‬‬ ‫املس ��ك بالكفني‪ ،‬ألن املس ��ك ال تفوح رائحته إال متى س ��حق ُ‬ ‫وف َّت بالكفني‪ ،‬وكان في ذلك على س ��نة‬ ‫اجلاح ��ظ ال ��ذي كان يق ��ول‪« :‬الش ��أن في اللف ��ظ»‪ .‬وكان «األمني» ش ��اعرا مولعا باجلم ��ال تهزه املرأة‬ ‫اجلميلة كما تهزه الكلمة األنيقة‪ .‬وبعودته إلى املكتبات من جديد ش ��اعرا وناثرا له مكانته املتميزة‬ ‫في األدب العربي املعاصر‪ ،‬يتع ّرف القارئ على لون خاص من أدب اللبنانيني وإسهاماتهم الثقافية‪،‬‬ ‫ويطل من جديد عصر أدبي كان أبهى العصور وأكثرها احتفاال باجلمال على أنواعه‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫‪7/17/14 12:37:13 PM‬‬

‫‪aug 73-81.indd 73‬‬


‫ملـف‬

‫أمني نخلة‬

‫أبي أمني نخلة‬ ‫سعيد أمني نخلة *‬ ‫م ��ازال وال ��دي ماثال أمام ناظ ��ري‪ .‬مازلت أراه في ش ��يخوخته الهادئة وس ��يجارة «الياجني»‬ ‫املذهبة ال تفارق ش ��فتيه‪ .‬كان يش ��كو من ألم في املرارة وقرحة في املعدة‪ .‬اس ��تمر يقرأ كتب‬ ‫األص ��ول ودواوي ��ن الش ��عر حت ��ى آخ ��ر أيامه‪ .‬كان يف ��رح إذا قرأ أدبا أو ش ��عرا نض ��را فتنفرج‬ ‫أساريره على صفاء ذهن‪ .‬كان والدي يعاملني أنا وشقيقتي املرحومة مرسال معاملة الوالد‬ ‫احملب احلنون‪ .‬وكان ال يبخل في تأمني كل ما نحتاج إليه من لعب ولباس‪.‬‬ ‫لم أع�� ��رف جدي لوالدي‪ ،‬أمي�� ��ر الزجل في‬ ‫لبنان‪ ،‬رش�� ��يد نخلة‪ ،‬ألنه توفي س�� ��نة ‪1939‬‬ ‫وأنا عمري س�� ��نتان‪ .‬ولكني كنت أسمع أبي‬ ‫يتحدث عن�� ��ه‪ .‬كان معجبا به ويحترمه كل االحترام‪ ،‬كان‬ ‫مثله في احلياة��� .‬كان رجال قديرا وسياسيا وإداريا مميزا‪.‬‬ ‫وهذا جعل والدي يهوى السياس�� ��ة‪ ،‬فقد ترشح لعضوية‬ ‫املجلس النيابي سنة ‪ 1947‬وفاز‪ .‬وكانت عينه على رئاسة‬ ‫اجلمهورية وكان مرش�� ��حا دائما لتولي هذا املنصب‪ .‬كان‬ ‫والدي س�� ��يد الصناعتني‪ ،‬صناعة النثر والش�� ��عر‪ ،‬وكان‬ ‫صاح�� ��ب األناقتني أناقة اللفظ وأناق�� ��ة الهندام‪ .‬ما كنت‬ ‫أراه إال وهو دائما في كامل أناقته‪ .‬فهو في املجالس سيد‬ ‫الظرف والذوق واألناقة والكياسة ورقة احلاشية‪.‬‬ ‫يقول متذكرا والده في إحدى قصائده‪:‬‬ ‫ي� � � ��ا م� � � ��ن رآن � � � � � ��ي وأب � � � � � ��ي م � ��رة‬ ‫ه��ذا أخ ��ي‪ ،‬ف��ي جانبي ب��ل أخي‪..‬‬ ‫أس��ت��غ��ف��ر ال� �ه� �ي� �ب ��ة‪ ،‬ف� �ه ��و ال� ��ذي‬ ‫ب��دل �ن��ي ف��ي ال��رف��ق ش �م� ً�س��ا بفي!‬ ‫رت � �ع� ��ت ف � ��ي ب � � � � ّر‪ ،‬وف� � ��ي رح� �م���ة‪،‬‬ ‫ي �ل��وي��ه ل ��ي م ��ن ق �ل �ب��ه أل� ��ف شي‪.‬‬ ‫أم�� ��ا ه� �م ��وم ��ي ف� �ه ��و أدرى بها‪،‬‬ ‫�دي‪..‬‬ ‫ف �ف��ي ي��دي��ه ال� �ن ��ار‪ ،‬ال ف��ي ي� � ّ‬ ‫ك � � ��أن ق� �ل� �ب ��ي ك � � ��ان ف � ��ي ص � � ��دره‪،‬‬ ‫ي� �ش ��ق م� ��ن س� � � � ّري ل� ��ه ك� ��ل ط ��ي‪.‬‬ ‫* محام وجنل الشاعر أمني نخلة‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫‪7/17/14 12:37:39 PM‬‬

‫ويقول في قصيدة «س�� ��عيد» في السابعة يظهر حبه‬ ‫وحنانه ورأفته‪:‬‬ ‫وح �ق��ك‪ :‬م��ا م��ن أب‪ ،‬ي��ا «سعيد»‪،‬‬ ‫ي� �ح ��ب اب� �ن ��ه ف � ��وق ه � ��ذا امل ��زي ��د!‬ ‫ي� �ق���ول���ون‪ :‬إن � ��ي ك �ث �ي��ر احل� �ن���ان‪،‬‬ ‫ع� �ل� �ي���ك‪ ،‬وإن امل � ��رب � ��ي ش���دي���د‪.‬‬ ‫س� ��أل� ��ت إل� � ��ه ال � �ن � �ص� ��ارى يقيك‬ ‫ل �س��ان ال�ب�غ�ي��ض‪ ،‬وع�ي�ن احلسود‪.‬‬ ‫ول� � � �س � � ��ت أف� � � � ��اض� � � � ��ل‪ ،‬ل� �ك� �ن� �م ��ا‬ ‫إل � ��ه ال� �ن� �ص ��ارى أب ذو وح� �ي ��د‪..‬‬ ‫وله قصيدة عنوانها «سعيد» في اخلامسة والعشرين‬ ‫يقول فيها‪:‬‬ ‫إذا ك� ��ان ل�ل�أب� �ن ��اء ط �ع��م م�� ��رارة‪،‬‬ ‫«سعيدا» طعمه العسل الشهد‪.‬‬ ‫فإن‬ ‫ً‬ ‫ك � ��أن ف � � ��ؤادي ف� ��ي ج� � ��وار ف� � ��ؤاده‪،‬‬ ‫ف�م�ن��ه ل��ي ال �ش��م امل �ف �ي��ح‪ ،‬وال� ��ورد‪.‬‬ ‫وله قصيدة عنوانها «إلى بنتي» يقول فيها‪:‬‬ ‫فيا كوكب البيت‪ ،‬ال��ذي كلما بدا‬ ‫ت ��رن ��ح ل ��ي ق� �ل ��ب‪ ،‬وم�� ��اج صميم‪،‬‬ ‫كأن لم تلح شمس النهار مضيئة‪،‬‬ ‫ول� ��م ت��ت�ل�أأل ف ��ي ال �س �م��اء جن ��وم!‬ ‫ول ��م ت�ن�ت�ق��ل ف��ي ال�ك�ث�ي��ب غزالة‪،‬‬ ‫ول� ��م ي �ب��د م �ن �ه��ا رائ� � ��ع‪ ،‬ووس� �ي ��م!‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 73-81.indd 74‬‬


‫ووال �ل��ه م��ا ف��ي ال��وال��دي��ن كرقتي‪،‬‬ ‫وال ك �ف��ؤادي ف��ي ال �ص��دور رحيم!‬ ‫كان وال�� ��دي معج ًب�� ��ا بالزعي�� ��م ري�� ��اض الصلح بطل‬ ‫استقالل لبنان‪ ،‬وهو كان يدعم والدي سياس ًيا‪.‬‬ ‫عندم�� ��ا قتل ري�� ��اض الصلح في ع ّمان س�� ��نة ‪1949‬‬ ‫ش�� ��اهدت والدي ودمعة في عينه ألول مرة‪ .‬ولذلك نظم‬ ‫قصيدتني في رثائه‪ ،‬وهذا لم يفعله ألحد سواه‪ .‬قصيدة‬ ‫قالها «في حفلة تأبينه» يقول فيها‪:‬‬ ‫ما على احلب إن مضى األحباب!‬ ‫ت �س �ل��م ال���ذك���ري���ات واألس� � �ب � ��اب‪..‬‬ ‫ج�م��ع ال �ك��رم ف��ي ال��دن��ان‪ ،‬فكأس‪،‬‬ ‫وش� � �م� � �ي�� ��م‪ ،‬زم� � � ��ان� � � ��ه‪ ،‬وش � � � ��راب‬ ‫ف��ي القتيل ال ��ذي «ب �ع �م��ان» جرح‬ ‫ذل س�� �ي� ��ف ب � � � ��ه‪ ،‬وع � � � ��ز ق � � ��راب‬ ‫ج��ام��ع ال �ص��ف‪ ،‬بعد ط��ول شتات‪،‬‬ ‫ج� �م� �ع ��ت حت � ��ت زق � � ��ه األح� � � ��زاب‬ ‫وفي قصيدة ثانية «في حفل متثاله» يقول‪:‬‬ ‫ل ��والك ل��م ي�ط��أ امل��دائ� َ�ح خاطري‬ ‫�وم � ��ا‪ ،‬ول � �ك� ��ن امل � � � ��ودة ت ��وج ��ب‪.‬‬ ‫ي�� � ً‬

‫والدي لم ميدح رج ًال في حياته‬

‫كان وال�� ��دي يحب الطبيعة اللبناني�� ��ة اجلبلية‪ ،‬حيث‬ ‫اخلضرة واملياه العذبة والس�� ��ماء الزرقاء‪ ،‬وحيث يشاهد‬ ‫البحر املنبس�� ��ط على م ّد النظر‪ ،‬ف�� ��كان يتفنن بالزرقتني‬ ‫زرقة السماء وزرقة مياه البحر‪.‬‬ ‫وقد وصف كل ذلك في كتابه «املفكرة الريفية» الذي‬ ‫صدر سنة ‪ ،1942‬وجاء روعة في الكتابة النثرية الفنية‪.‬‬ ‫وكان على عالقة و ّد وإعجاب بأمير الش�� ��عراء أحمد‬ ‫ش�� ��وقي ونظم فيه قصائد عدة‪ .‬وكان يجتمع به كلما جاء‬ ‫إل�� ��ى لبنان‪ .‬وقد رث�� ��اه بقصيدة من أجمل م�� ��ا نظم قال‬ ‫فيها‪:‬‬ ‫نسجه‪،‬‬ ‫ش ��وق ��ي‪ ،‬وأي � ��ة ب � ��ردة ف ��ي‬ ‫ِ‬ ‫م �ن��وال �ه��ا غ� � �ز ُْل ال �ش �ع��اع الن ّي ِر!‬ ‫دي �ب��اج��ة ك��ال �ص �ح��و ي �ل �م��ع زرق� ��ة!‬ ‫ممطر‬ ‫�اب‬ ‫�‬ ‫ح‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫�ن‬ ‫وب �ه��ا م �ش��اب��ه م�‬ ‫ِ‬ ‫أ «أب ��ا ع �ل��ي»‪ :‬أدم �ع��ي‪ ،‬وقصائدي‬ ‫األطهر‬ ‫وق��ف ال��وف��اء ع�ل��ى ث ��راك‬ ‫ِ‬ ‫أوليتني ال�ش��رف ال��ذي ال ينتهي‬ ‫حمل � �ل� ��ه ع�� � ��زُّ ال�� �س�� �م� ��اك األن � � ��ور‬ ‫أبي أمني نخلة‬

‫‪7/17/14 12:37:45 PM‬‬

‫ت�ل��ك األب� ��وة ف��ي ال �ب �ي��ان أصونها‬ ‫غدا‪ :‬وفى ابن اخل ّير!‬ ‫ليقال فيك‪ً ،‬‬ ‫وكان يفضل أحمد ش� � ��وقي عل� � ��ى كل من حافظ‬ ‫إبراهيم وخليل مطران‪ ،‬لغنائية ش� � ��عر ش� � ��وقي الذي‬ ‫غناه املوسيقار محمد عبدالوهاب خاصة‪.‬‬ ‫وكان على مودة مع الشاعر املصري أحمد رامي‪،‬‬ ‫وكان يح� � ��ب املازني وال يحب العق� � ��اد‪ .‬كان يقول إنه‬ ‫معقد‪ .‬وكان يقدر أمني الريحاني واألخطل الصغير‪.‬‬ ‫كان والدي يزور دمش� � ��ق باستمرار للقاء أصدقاء‬ ‫له كثر‪.‬‬ ‫وكان عل� � ��ى صداقة مع املل� � ��ك فيصل‪ ،‬وكان يلبي‬ ‫دعواته لزي� � ��ارة اململكة العربية الس� � ��عودية‪ ،‬وقد زار‬ ‫قطر وبعض دول اخلليج العربي‪.‬‬ ‫ف� � ��ي أبري� � ��ل س� � ��نة ‪ 1973‬وجهت دع� � ��وة إلقامة‬ ‫مهرج� � ��ان لتكرميه في ‪ 15‬أبريل كان سيش� � ��ارك فيه‬ ‫كبار الش� � ��عراء العرب‪ .‬ولكن مع األس� � ��ف هذا احلفل‬ ‫ألغي بس� � ��بب مقتل الزعماء الفلسطينيني الثالثة في‬ ‫بي� � ��روت على يد إس� � ��رائيل‪ ،‬وكان من بينهم الش� � ��اعر‬ ‫كمال ناصر الذي كان س� � ��يلقي قصيدة في املهرجان‬ ‫باسم فلسطني‪.‬‬ ‫وفي ‪ 10‬ديسمبر سنة ‪ 1996‬أقامت وزارة الثقافة‬ ‫والتعلي� � ��م العالي برعاية وحض� � ��ور رئيس اجلمهورية‬ ‫اللبنانية األس� � ��تاذ إلياس اله� � ��راوي وحضور أعضاء‬ ‫احلكومة احتفاء بإحياء ذكرى عشرين عا ًما على وفاة‬ ‫أمني نخلة‪ ،‬مبش� � ��اركة ثلة من أدباء وشعراء من لبنان‬ ‫ومن البلدان العربية‪.‬‬ ‫وفي سنة ‪ 2002‬أقامت مؤسسة جائزة عبدالعزيز‬ ‫سعود البابطني لإلبداع الشعري حفال تكرمي ًيا له في‬ ‫الكويت مبناسبة مرور مائة سنة على والدته‪.‬‬ ‫وف� � ��ي لبنان أقيمت ن� � ��دوات ع� � ��دة تناولت أدبه‬ ‫وشعره‪ .‬وأخيرا نشرنا أعماله الكاملة التي صدرت‬ ‫ع� � ��ن دار صادر ف� � ��ي بيروت‪ .‬كان وال� � ��دي يبتعد عن‬ ‫املهاترات واملنازعات‪ ،‬وما كان يحفل بأي نقد يوجه‬ ‫إليه‪ .‬ولم يكن يتكلم بس� � ��وء عن أي أديب أو ش� � ��اعر‪.‬‬ ‫يكفيه أنه كان واثقا بنفس� � ��ه مال� � ��كا للغته العربية ال‬ ‫يقب� � ��ل فيها بأي حل� � ��ن‪ .‬كان عروب ًيا وف ًي� � ��ا ملبادئه ال‬ ‫يساوم ومتمسكا بأصالته‪ .‬فهو أمني لنهجه مخلص‬ ‫لفنه ال يقبل إال مبا يوحيه إليه ذوقه الرفيع وحس� � ��ه‬ ‫املرهف >‬

‫‪75‬‬

‫‪aug 73-81.indd 75‬‬


‫ملـف‬

‫أمني نخلة‬

‫أمني نخلة في «املؤ َّلفات الكاملة»‬

‫الفصحى‬ ‫ربيع لبنان‬ ‫وذمم ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬

‫غالب غامن *‬ ‫يخطئ الظانون أن النظرة إلى أمني نخلة تخضع لقياس األمس واليوم‪ ،‬والتقليد والتجديد‪،‬‬ ‫والنهضة واحلداثة‪ ،‬وما فات وانطوى وما اتصل بهموم الس ��احة والس ��اعة‪ .‬يخطئون خطأ‬ ‫عظيم ًا ألن من مغاني األدب ومن ثمرات «الكنز السائل» و«عطر الدفاتر» وهو احلبر بعرف‬ ‫أمني نخلة ما لم يعد مطروح ًا للجدل في سوق اليوميات وفي حمأة املذاهب‪.‬‬ ‫م� � ��ن ه� � ��ذه املغاني وه� � ��ذه الثم� � ��رات‪..‬‬ ‫وعبقريات القلم هذه‪ ..‬ما صار منتم ًيا‬ ‫إلى كتابة هي لألمس لليوم للغد‪ .‬أحببتها‬ ‫أم جفوت‪ .‬الءم� � ��ت مزاجك أم نفرت‪ .‬انتميت إليها‬ ‫أم ذهبت إلى معقل مواجه‪ .‬افت ّر ثغرك لها أم امتنع‬ ‫وامتق� � ��ع! كتابة لألمس لليوم للغد جتعلني أش� � ��عر‪،‬‬ ‫من زاوية ش� � ��هادة شخصية خالصة‪ ،‬ملاذا أقرأ آثا ًرا‬ ‫قدمي� � ��ة‪ ،‬ظانا‪ -‬في حلظة من حلظات االنس� � ��جام‬ ‫اخلفي ‪ -‬أنها مكتوبة لهذا الزمن‪.‬‬ ‫«كتاب� � ��ة لألمس للي� � ��وم للغد‪ .‬خط� � ��وط وألوان‬ ‫متناس� � ��قة‪ ،‬خلفها وجوه حي� � ��اة متصارعة‪ ،‬وخلفها‬ ‫جميع� � ��ا ق� � ��رارات نفس تعك� � ��س املراي� � ��ا اخلالدة‪،‬‬ ‫وعالمات لغ� � ��ة تتحرك باجتاه األزمنة جميعا» (من‬ ‫كتابي‪ :‬من الشائع إلى األصيل)‪.‬‬ ‫أم� �ي��ن نخلة‪ ،‬من مش� � ��ارف ه� � ��ذه الرؤية أتوجه‬ ‫إلي� � ��ك‪ ..‬إل� � ��ى أريكت� � ��ك العالية وبح� � ��رك اخلضم‬ ‫وبراعتك األملاسية وخفقات مواجديك وتذكاراتك‬ ‫وألالء أحرفك والثريات املتدلية في منائر قصائدك‬ ‫* باحث أكادميي من لبنان‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫‪7/17/14 12:37:53 PM‬‬

‫ومغامضها‪ ،‬وتخطرك ما بني خيالء الريشة ولواعج‬ ‫القلب وألفتك مع الصعب واملفرد ومكنتك في جعل‬ ‫اللغة قلعة آن تش� � ��اء‪ ،‬وآن تش� � ��اء من جعلها جنائن‬ ‫ودورا فيح� � ��اء وحينا زمردة وأحيانا دمعة ونس� � ��ما‬ ‫خفيا يهب من ديار احلبيب‪.‬‬ ‫ومن على ش� � ��رفات هذه الرؤي� � ��ة‪ ،‬أخيرا‪ ،‬وقبل‬ ‫لدي قرابات روح وقلم‪..‬‬ ‫انعطافة وجدانية أثارتها ّ‬ ‫وقبل ما قد يلي ذلك من وقفات أدبية‪ ..‬أقول بالفم‬ ‫املآلن‪ ،‬يا طاملا رغبت في الكتابة عنك يا أميرا في‬ ‫الشعر‪ ،‬وس� � ��احرا في النثر‪ ،‬وصانع جمال تستعير‬ ‫مادت� � ��ه من نقاء األرياف ومرامي الضفاف‪ ،‬وصوتا‬ ‫كان يحم� � ��ل من ضجيج الش� � ��عر مق� � ��دار ما حملته‬ ‫القصائ� � ��د‪ ..‬وهأن� � ��ذا اآلن‪ ،‬أحار من أي� � ��ن أبدأ‪..‬‬ ‫ولكنني مصمم عل� � ��ى الغوص ألن الآللئ في القاع‬ ‫مغرية ولو كانت املشقات أكيدة واملخاطر جلى‪.‬‬ ‫***‬ ‫في دراس� � ��ة له بعنوان «الشعر اللبناني باللغة‬ ‫الشعبية»‪ ،‬يقول والدي الشاعر عبدالله غامن‪« :‬أنا‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 73-81.indd 76‬‬


‫معجب برشيد نخلة‪ ..‬ومن أمهات قصائده ‪ -‬وهي‬ ‫من أجود ما قيل في الشعر الشعبي‪:‬‬ ‫يسعد صباحك كيف ما الدهر انقلب‬ ‫ل ��و حمل �ت��ك م �ث��ل م ��اه ��ون وحلب‬ ‫عندي أماني كلما تصبحت فيك‬ ‫لو كان شغلي بالتراب يقلب دهب‪.‬‬ ‫وينتهي قائال‪« :‬وش� � ��عر رش� � ��يد نخل� � ��ة أغنية‬ ‫احلقول والطرقات واحلفالت»‪.‬‬ ‫وف� � ��ي مقالة بعنوان «الش� � ��خصية في األدب»‪،‬‬ ‫كتب أمني نخلة عن السلف الدفاق‪:‬‬ ‫«ترع� � ��رع وال� � ��دي على امل� � ��اء والضي� � ��اء‪ ،‬في‬ ‫اجلب� � ��ال‪ .‬ف� � ��كان عود ش� � ��بابه يورق عن� � ��د ضفة‪،‬‬ ‫وتخف� � ��ق أوراقه على رابي� � ��ة‪ ،‬أو على حافات واد‪،‬‬ ‫فيس� � ��ابق ذلك الصبي الشاعر موجة الصبح حني‬ ‫تندفق على مباسط الهضبة‪ ،‬ويصرخ في عصفة‬ ‫الريح‪ ،‬ويطلق قدميه في حقل الس� � ��نبل‪ ..‬فترعرع‬ ‫عل� � ��ى الطالقة في ريف من أجمل أرياف الدنيا‪..‬‬ ‫وإن له «في ب� � ��اب الزجل» ديوانا يزخر‪ ،‬من الدفة‬ ‫إلى الدفة‪ ،‬على خ� � ��دود الصبايا‪ ،‬وخدود الصباح‬ ‫في الباروك‪ ..‬كلما حركنا أوراقه‪ ،‬عبق في البيت‬ ‫روائح العرعر‪ ،‬والريح‪ ،‬والشفاه‪ ،‬والوجنات‪.»..‬‬ ‫أضم� � ��ن كلمتي ه� � ��ذه االنعطاف� � ��ة الطيبة وأنا‬ ‫مدرك متام اإلدراك أنني‪ ،‬الساعة‪ ،‬في «ضيافة»‬ ‫مائ� � ��دة األمني‪ ،‬دون الرش� � ��يد‪ .‬ولكن ما جاش من‬ ‫وج� � ��ه القلم إلى‬ ‫خواط� � ��ر‪ ،‬وم� � ��ا الح من م� � ��ودات‪ّ ،‬‬ ‫الطراوة وطويات النفس وحالوة التذكر‪.‬‬ ‫هن� � ��ا معنّى رش� � ��يد نخل� � ��ة‪ ،‬وهن� � ��اك عندليب‬ ‫عبدالله غامن‪.‬‬ ‫هنا روائح العرعر‪ ،‬وهناك روائح الصعتر‪:‬‬ ‫«ه ��ون اشلحيني ب�ج��ب هالزعتر‬ ‫م� �ط ��رح م���ا ك��ن��ا ب ��ال� �ه ��وى نسكر‬ ‫بخور‬ ‫وش���و م �ع��دب��ك ت ��ا حت��رق��ي ّ‬ ‫األرض م��ن��دل وال��س��م��ا عنبر»‪.‬‬ ‫(عبدالله غامن)‬ ‫هنا النش� � ��يد الوطني‪ ،‬وهناك الوله باحلبيب‬ ‫الوطن‪.‬‬ ‫هنا الوفاء‪ ،‬من أمني (وهو ابن الشاعر رشيد‬ ‫نخلة) إلى سعيد (ابن الشاعر أمني نخلة)‪ ،‬وهناك‬ ‫ما جاور س� � ��تة عقود من الوفاء ومازلنا نتوكأ على‬ ‫أمني نخلة في «املؤلفات الكاملة» ربيع لبنان وذمم الفصحى‬

‫‪7/17/14 12:37:59 PM‬‬

‫أمني نخلة‬

‫عصا «العندليب»‪.‬‬ ‫هن� � ��ا األص� � ��االت والنهضوي� � ��ات‪ ،‬وهن� � ��اك‬ ‫مثيالتها‪.‬‬ ‫كأمن� � ��ا بيننا‪ ،‬وه� � ��م من حيث الروابي الش� � ��م‬ ‫ومداف� � ��ق املاء‪ ،‬ونحن من مقل� � ��ب آخر في اجلبل‪،‬‬ ‫خضيب خصيب‪ ..‬كأمنا بينن� � ��ا عصبة عمومة يا‬ ‫أخي «س� � ��عيد»‪ .‬وم� � ��ا أحيالها قراب� � ��ة تكون فيها‬ ‫الكلم� � ��ة أما والبيان أبا وجنائ� � ��ن الريف بعرعرها‬ ‫وصعترها مسرح مواعيد ومواجيد!‬ ‫***‬ ‫أول ما يلفت في موق� � ��ف األمني من املجادلة‬ ‫الرائج� � ��ة حول القدمي واجلدي� � ��د‪ ،‬وحول «العزل»‬ ‫األدب� � ��ي املتب� � ��ادل وصراع املذاهب‪ ،‬ه� � ��و اختراقه‬ ‫القشور وبحثه عن حقيقة اإلبداع في كيان اإلبداع‬ ‫ذاته‪ ،‬وإقراره بأن في كل جديد متأصل ذخائر من‬ ‫القدمي املؤسس أو السباق أو العابر األزمنة‪.‬‬ ‫التح� � ��دي الصحيح الذي يالزم الكتابة األدبية‬ ‫ف� � ��ي كل عصر هو الش� � ��يوع واألصال� � ��ة‪ ..‬األمحاء‬ ‫ف� � ��ي العمومية والتميز في اخلصوصية‪ ..‬التبعية‬

‫‪77‬‬

‫‪aug 73-81.indd 77‬‬


‫ملـف‬

‫أمني نخلة‬

‫والف� � ��رادة‪ ..‬االكتف� � ��اء بالهني وإغ� � ��راء العصي‪..‬‬ ‫الس� � ��هولة والوع� � ��ورة‪ ..‬عنيت وع� � ��ر األصيل‪ ،‬أي‬ ‫الوع� � ��ر الذي ال وصول لكاتب لم يس� � ��لكه‪ ..‬الوعر‬ ‫الذي تبدأ طريقه باألعماق وتنتهي باآلفاق!‬ ‫الق� � ��دمي واجلديد ق� � ��د يكون� � ��ان جاهليني وقد‬ ‫يكونان حديثني‪ .‬أصيلني أو ّ‬ ‫هشني‪ ..‬سهلني مبعنى‬ ‫مالزمة السطوح ووعرين مبعنى الذهاب إلى حيث‬ ‫الكنز وبس� � ��اط الريح وس� � ��ر العقدة في الس� � ��جادة‬ ‫الش� � ��رقية ومنازل الرخاء أو الشقاء في القصيدة!‬ ‫وقد يكونان مرين كل املرارة أو طيبني كل الطيب‪.‬‬ ‫عن فوزي املعلوف يقول أمني نخلة‪:‬‬ ‫ل ��م ي� ��زر ف � ��وزي ب��اجل��دي��د ال ��ذي‬ ‫ط� ��اب‪ ،‬ول ��م ي ��زر ب�ط�ي��ب العتيق‪.‬‬ ‫وله في الطرح الذي نعاجله آراء شتى‪ ،‬وأبيات‬ ‫منثورة‪ ،‬وقصيدة حتمل عنوان «القدمي واجلديد»‪،‬‬ ‫منها هذا املقتطف‪:‬‬ ‫ال � �ب � �ل � �ب� ��ل ال� � � �ط � � ��رب ال� �ن� �ظ� �ي ��م‬ ‫واف� � � � � ��ى وغ� � � � � ��رد ف � � ��ي ال � � �ك� � ��روم‬ ‫ه� � ��و الب�� � ��س ال� � ��ري� � ��ش اجل� ��دي� ��د‬ ‫وص � � ��اح � � ��ب ال� � � �ش � � ��دو ال� � �ق � ��دمي‬ ‫واحل � � � �ب� � � ��ة ال � � � � � �ع� � � � � ��ذراء‪ ،‬وه�� ��ي‬ ‫خ� � �ب� � �ي� � �ئ � ��ة ال� � � � � � � � ��زرع ال � � �ك� � ��رمي‬ ‫ك� � � �ن � � ��ز م� � � � ��ن امل� � � � ��اض� � � � ��ي إل � � ��ى‬ ‫آت م � � ��ن اخل� � �ي�� ��ر ال � �ع � �م � �ي� ��م‪..‬‬ ‫كأنه يصف نفس� � ��ه ف� � ��ي هذه األبي� � ��ات! كبير‬ ‫الش� � ��داة في الش� � ��عر صوغ� � ��ا وصوتا وأجراس� � ��ا‬ ‫داخلية‪ ،‬ع� � ��واد العوادين يوم تتغ� � ��اوى األوتار في‬ ‫مواس� � ��م الدالل‪ ..‬ألبس نظيمه الشعري والنثري‬ ‫حل� �ل��ا جديدة لم تتن ّكر ألصالة الس� � ��لف العبقري‬ ‫ولكنها أضافت إليها كثيرا من املاء والرونق‪ ،‬ومن‬ ‫الري� � ��ش اجلديد‪ ،‬ومن ربيع لبن� � ��ان‪ ..‬فبات البيان‬ ‫وترا على وتر‪ ،‬وسحرا على سحر‪:‬‬ ‫أي�� �ق� ��ول� ��ون‪ :‬ف� ��ي ال� �ب� �ي���ان ق ��دمي‬ ‫وج� ��دي� ��د‪ ،‬ون� �غ� �ت ��دي ف ��ي ح � ��واره!‬ ‫إنّ ذاك ال��ق��دمي ق �ي �ث��ارة العذب‬ ‫وه� � � ��ذا اجل � ��دي � ��د م � ��ن أوت� � � � ��اره‪.‬‬ ‫***‬ ‫في نظيم� � ��ه بعض من ربيع لبن� � ��ان‪ ،‬من ذاتية‬ ‫الكلمة اللبنانية في الش� � ��عر الت� � ��ي لي حولها قول‬

‫‪78‬‬

‫‪7/17/14 12:38:06 PM‬‬

‫مستفيض (يراجع كتابي‪ :‬من الشائع إلى األصيل)‪.‬‬ ‫إن النعم التي سكبتها اليد العليا على أرضنا نقع‬ ‫على مثلها في قصيدتنا‪:‬‬ ‫الثوب البهي‪ ،‬والس� � ��ياق احلر‪ ،‬وعمق االتصال‬ ‫بني املص� � ��در واملظهر‪ ،‬وغ� �ل��ال الكلمات‪ ،‬وهاجس‬ ‫النظ� � ��ام والضوابط‪ ،‬واجتن� � ��اب الذوبان في اآلخر‬ ‫املش ّرق أو املغ ّرب‪ ،‬وقطف الصور‪ ،‬واحتواء الهموم‬ ‫واملؤالف� � ��ة الذكية ب� �ي��ن األركان املتجاورة‪ ،‬ومحاذرة‬ ‫الثرث� � ��رة والفراغ‪ ...‬ه� � ��ذه كلها‪ ،‬ميكن أن تش� � ��كل‬ ‫منطلقا أول للدخول إلى ذاتي� � ��ات الكلمة اللبنانية‬ ‫الشعرية‪.‬‬ ‫صاح� � ��ب «املفك� � ��رة الريفية» و«دفت� � ��ر الغزل»‪،‬‬ ‫وسائر املذه ّبات‪ ،‬كان في صدارة اآلباء النهضويني‬ ‫الذين نقلوا احلالة اللبنانية من بهاء الطبيعة وأناقة‬ ‫احلياة ولعبة األنوار والظالل وش� � ��مخة الربى إلى‬ ‫سهول الورق‪ ،‬ولكنه كان أيضا في صدارة من رعوا‬ ‫ذمم الفصحى‪ .‬من منا لم يحفظ هذه األبيات في‬ ‫ذاكرته وفي دائرة اعتزازه بلبنان‪:‬‬ ‫اف �س �ح��وا ف��ي محفل ال�ش�ع��ر لنا‪،‬‬ ‫نحن من لبنان‪ ،‬من عليا الدنى!‬ ‫ج � �ي� ��رة األرز‪ ،‬وض � ��اح � ��ي ظله‬ ‫وال��رب��ى اخل�ض��ر‪ ،‬ووش��ي املنحنى‪.‬‬ ‫في اجلمال الزهو‪ ،‬واحلق الهدى‪،‬‬ ‫�كّ‬ ‫م�� ��كّ �� ��ن ال� � �ل�� ��ه ل�� �ن� ��ا م� � ��ا م � � �ن ��ا‬ ‫ن�ح��ن ف��ي ال�ف�ص�ح��ى رع�ي�ن��ا ذمما‬ ‫وش ��رع� �ن ��ا دون � �ه� ��ا س� �م ��ر القنا‪.‬‬ ‫وي� � ��ا مالئ العصر‪ ،‬واللغ� � ��ة وأجاجني اجلمال!‬ ‫أم� � ��ام ميزتني من ميزات مس� � ��ارك األدبي الباهر‬ ‫توقفت‪ ،‬وتركت منها أغمارا‪ ...‬رجوناك أال تترك‬ ‫الس� � ��اح خليالء الفراغ‪ ،‬وخواء الكلمات‪« .‬فامسح‬ ‫األرض عش� � ��با‪ ،‬وورق� � ��ا أخضر‪ ،‬وأطل� � ��ق حياض‬ ‫املاء‪ ،‬وامأل الصهاريج ومد بس� � ��اط الظل في أذى‬ ‫الهواجر» (من املفك� � ��رة الريفية)‪ ...‬وخذ بيدنا‪...‬‬ ‫ويد األجيال اجلديدة‪ ...‬ويد كل شغوف باجلمال‪،‬‬ ‫وبلبنان‪ ،‬وبالعربية‪.‬‬ ‫سالم عليك‪ ،‬وبارك الله أعمالك الكاملة‪ ،‬ومن‬ ‫س� � ��هر على إصدارها إنها مخزون الذهب يوم ال‬ ‫يعود لألوراق املتداولة في السوق األدبي قيمة أو‬ ‫شيمة أو سبب للبقاء >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 73-81.indd 78‬‬


‫اللون والضوء في شعر أمني نخلة‬ ‫ميشال جحا *‬ ‫ت���رك أم�ي�ن نخلة ثالث���ة دواوين‪« :‬دفت���ر الغزل» ‪« ,1952‬الدي���وان اجلدي���د» (‪ ,)1962‬و«ليالي‬ ‫الرقمت�ي�ن» (‪ ,)1966‬تض���م حوال���ي ألف���ي بي���ت ما عدا القصائ���د التي لم يجمعه���ا في هذه‬ ‫الدواوي���ن‪ ,‬أغلبه���ا م���ن بواكي���ره الت���ي نظمه���ا ف���ي العش���رينيات من الق���رن العش���رين‪ .‬إذا‬ ‫اس���تعرضنا دي���وان أمني نخل���ة «الديوان اجلديد» الذي يضم قصائ���د «دفتر الغزل» جند أن‬ ‫الل���ون األخض���ر ه���و األكث���ر ورودا فيه‪ ،‬فقد وردت كلم���ة «أخضر» ‪ 44‬مرة‪ .‬والل���ون الثاني هو‬ ‫األزرق فق���د ورد ‪ 15‬م���رة‪ ،‬وكذلك األس���ود ال���ذي ورد ‪ 15‬مرة‪ ،‬ثم األحم���ر أو القاني ‪ 10‬مرات‬ ‫واألبيض ‪ 7‬مرات واألسمر ‪ 5‬مرات‪.‬‬ ‫ف� � ��ي دي� � ��وان «ليال� � ��ي الرقمت� �ي��ن» جاء‬ ‫األخضر في الطليعة‪ ،‬فقد ورد ‪ 8‬مرات‬ ‫يلي� � ��ه األس� � ��ود ‪ 5‬مرات ث� � ��م ورد كل من‬ ‫األلوان األربعة الباقية مرة واحدة‪.‬‬ ‫بعض هذه األلوان وردت في عناوين القصائد‪.‬‬ ‫نس� � ��تنتج من هذا اإلحصاء أن الشاعر قد تأثر‬ ‫بالطبيع� � ��ة اجلبلية اجلميلة فج� � ��اء اللون األخضر‬ ‫الش� � ��ائع فيها ف� � ��ي الطليعة‪ .‬فلو كان الش� � ��اعر قد‬ ‫عاش في صحراء ملا كنا ننتظر أن جند في ش� � ��عره‬ ‫ذك� � ��راً لألخض� � ��ر واخلض� � ��رة كما ج� � ��اء في وصف‬ ‫الثوب األخضر‪ ،‬والدروب اخلضر والهوى‪ ،‬والربيع‬ ‫والضياء‪ ،‬واألغصان‪ ،‬واألح� �ل��ام‪ .‬واألخضر يوحي‬ ‫بالبهجة والنضارة واخلصب واحليوية والشباب‪.‬‬ ‫واألزرق مس� � ��توحى من زرقة السماء الصافية‪،‬‬ ‫وزرقة البحر الذي ينبس� � ��ط أمامه على مد النظر‪،‬‬ ‫وفي القميص األزرق والعيون الزرق‪.‬‬ ‫واألس� � ��ود الذي يُوحيه اللي� � ��ل والكحل والعيون‬ ‫الس� � ��ود واحلبر‪ .‬واألبيض يس� � ��توحيه من الصباح‬ ‫وهو نقيض السواد‪ ،‬س� � ��واد الليل‪ ،‬والفتاة السوداء‬ ‫التي يصفها في «القصيدة السوداء»‪ ،‬ومن األيادي‬ ‫* باحث أكادميي من لبنان‬

‫اللون والضوء في شعر أمني نخلة‬

‫‪7/17/14 12:38:12 PM‬‬

‫البيض‪ ،‬والش� � ��يب‪ ...‬واألحمر الذي يس� � ��توحيه من‬ ‫َ‬ ‫والشفَق ولون القرميد‪ .‬وهو‬ ‫الوردة والفم والش� � ��فة‬ ‫رمز للنار والدم والش� � ��هوة‪ :‬فالشفة (ياقوتة حمراء)‬ ‫و(شقيقة النعمان)‪.‬‬ ‫وجتدر اإلش� � ��ارة هنا إلى أن األل� � ��وان مرتبطة‬ ‫باحلالة النفسية عند اإلنسان‪ .‬فاللون األبيض لون‬ ‫ُمري� � ��ح يدل على الطهارة والب� � ��راءة والصفاء ‪ -‬فهو‬ ‫ثوب الزفاف ‪ -‬ولكن� � ��ه يُصبح مكروها وممقوتا إذا‬ ‫كلل ش� � ��ع َر الرأس وأصبح رمزا للش� � ��يخوخة وقرب‬ ‫انتهاء العمر‪.‬‬ ‫والش� � ��اعر يربط بني اللونني األسود واألخضر‪،‬‬ ‫والعرب وصفوا ا ُ‬ ‫خلضرة الكثيفة بالس� � ��واد‪ ،‬وسموا‬ ‫العراق بالد الس� � ��واد لكثافة غابات أشجار النخيل‬ ‫املوجودة فيه‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬ ‫ط��ول��ي‪ ،‬ليلتي‪ ،‬على امل��رم��ر الرخـ‬ ‫ص‪ ،‬وفي اللمح من سواد الزبرجد‬ ‫فالزبرجد م� � ��ن احلجارة الكرمي� � ��ة التي يغلب‬ ‫عليه� � ��ا اللون األخضر‪ .‬واللون األس� � ��ود موجود في‬ ‫أغلب أعالم البلدان العربية‪.‬‬ ‫ولنتتبع اآلن ذلك في شعره‪:‬‬

‫‪79‬‬

‫‪aug 73-81.indd 79‬‬


‫ملـف‬

‫أمني نخلة‬

‫فف� � ��ي قصي� � ��دة «ال ُكح� � ��ل» (ص‪ )29‬يق� � ��ول في‬ ‫مطلعها‪:‬‬ ‫آم� �ن ��ت ب ��ال� �ت ��دق� �ي ��ق‪ ،‬وال� �ض� �ب ��ط!‬ ‫ي� ��ا واض � � ��ع اخل�� ��ط ع� �ل ��ى اخل ��ط‬ ‫ك �ح �ل��ك أم ه� ��ذا س � ��واد ال ��دج ��ى‪،‬‬ ‫حت��ت ال�ت�م��اع ال�غ�ي��ث‪ ،‬والنقط؟!‬ ‫هنا أخذ الش� � ��اعر الس� � ��واد من الليل‪ ،‬والكحل‬ ‫الذي يس� � ��تدعي الس� � ��واد هو عنوان القصيدة‪ ،‬فهو‬ ‫ينح� � ��ت القصيدة ويرس� � ��مها‪ ،‬حي� � ��ث تتجلى الروح‬ ‫املبدعة والنفس اخلالقة واملخيلة املوحية واإليحاء‬ ‫املصور‪ ،‬فالشاعر يصف الفتاة التي تتكحل‪ ،‬بل إنه‬ ‫يرسمها رسما‪.‬‬ ‫وإذا كان اللون األسود يدل على احلزن واحلداد‬ ‫والكآبة واالنقباض فإن الش� � ��اعر استطاع في هذه‬ ‫القصي� � ��دة أن يخرج به من تلك الدائرة ويربط بينه‬ ‫وبني اجلمال والش� � ��هوة واإلثارة‪ ،‬فاملرأة احلس� � ��ناء‬ ‫التي يصفها زجنية‪ ،‬وهي صاحبة جمال آسر‪.‬‬ ‫وفي هذه القصيدة يستحضر الشاعر السواد‬ ‫ الفتاة الس� � ��وداء التي يصفه� � ��ا ‪ -‬ويدعونا فيها‬‫إلى وليمة اجلسد الذي يعربد السواد فيه وتنضح‬ ‫منه الشهوة‪ .‬في هذه القصيدة صراع وتزاحم بني‬ ‫س� � ��واد املرأة الزجنية وسواد الليل‪ ،‬فكلما تناقص‬ ‫الليل واقت� � ��رب بزوغ الفجر تناقص� � ��ت اللذة التي‬ ‫س� � ��تنتهي مع انتهاء الليل فتنتهي حلظات السعادة‬ ‫واملتع� � ��ة‪ ،‬فكأن� � ��ه يطلب من الض� � ��وء أن يتمهل وال‬ ‫يعجل!‬ ‫ظاهر في هذه القصي� � ��دة الرائعة دقة الصنعة‬ ‫وحس� � ��ن انتقاء اللفظ الذي يالئم اجلو الش� � ��عري‪،‬‬ ‫فكأمنا هو جو نؤاس� � ��ي بغدادي زم� � ��ن بني العباس‬ ‫هيأه لنا األمني وهو س� � ��يد التطري� � ��ب والترقيص‪،‬‬ ‫فكأن م� � ��ا يفعله في قصيدته هذه هو فت املس� � ��ك‬ ‫ويضوع‪ ،‬ثم يتركنا نش� � ��اوى‬ ‫بالكف� �ي��ن ليعبق الطيب ُ‬ ‫نرقص طربا مع هذا الدفق من اجلمال واملوسيقى‬ ‫املرقصة‪.‬‬ ‫وفي قصيدة «القميص األزرق» (ص‪ )40‬يصف‬ ‫الش� � ��اعر الفت� � ��اة ذات الث� � ��وب األزرق ويتغزل فيها‪،‬‬ ‫في� � ��ورد كلمة (أزرق) خمس م� � ��رات‪ ،‬وهي مقطوعة‬ ‫صغيرة تتألف من خمس� � ��ة أبيات‪ ،‬فتش� � ��ترك زرقة‬ ‫الثوب هنا بزرقة العيون‪:‬‬

‫‪80‬‬

‫‪7/17/14 12:38:19 PM‬‬

‫أمني نخلة مع امللك فيصل‬

‫أح �ب �ب� ُ�ت م ��ن أج �ل�اك ك ��ل غمامة‬ ‫زرق � ��اء‪ ،‬ي��ا ذات ال�ق�م�ي��ص األزرق‬ ‫وأح� ��ب ص��اح �ي��ة ال �س �م��اء‪ ،‬ألنهم‬ ‫ق��دوا قميصك م��ن س�م��اء املشرق‬ ‫أم� � ��ا ال � �ن � �ج� ��وم ف���إن� �ه���ا أزراره‪،‬‬ ‫رح�م��اك‪ :‬حني تفتقني بها اتقى!‬ ‫إن ال �ع �ي��ون ال�� ��زرق‪ ،‬ي ��وم لبسته‪،‬‬ ‫ودت ل ��و أن ن�س�ي�ج��ه ل ��م يخلق‪،‬‬ ‫كل العيون الزرق‪ ،‬لو ُجمعت‪ ،‬فدى‬ ‫للذيل‪ ،‬أو م��ا دون��ه‪ ،‬أو م��ا بقي‪...‬‬ ‫في هذه األبيات لطافة وصنعة وكياسة‪ ،‬ولكن ليست‬ ‫فيها عاطفة متأججة‪ .‬هذا شعر اجلمالية والتألق‪.‬‬ ‫إنك تقف حائرا إزاء هذه الزرقة وتتساءل‪ :‬هل‬ ‫خرجت من أنبوب اللون أم من الدواة؟‬ ‫وفي قصيدة «الشالل» (ص‪ )90‬يُجلي الشاعر‬ ‫ف� � ��ي دقة الصنع� � ��ة وروعة الوصف وق� � ��وة الرصف‬ ‫وبراعة القول‪ ،‬فكأن الش� �ل��ال عمود املاء أو عمود‬ ‫اجلالل الواقف بني األرض والس� � ��ماء‪ ،‬قد جس� � ��ده‬ ‫الش� � ��اعر ورفعه خطيبا فصيحا‪ ،‬يرقص الش� � ��عاع‬ ‫ويط� � ��رب البلبل ويرف� � ��ق باحلجر‪ ،‬يش� � ��ده حبل من‬ ‫الفضة يتدلى في الهواء‪:‬‬ ‫ط� ��اول ال �ه �ض��ب‪ ،‬ي ��ا ع �م��ود امل���اء‪،‬‬ ‫ومت � ��اي � ��ل ب ��ال� �ق ��ام ��ة ال� �ه� �ي� �ف ��اء‪.‬‬ ‫يا أبا األخضر املخطط في السهل‪،‬‬ ‫ك �ت �خ �ط �ي��ط م �ع �ط��ف احلسناء!‬ ‫ي��ا أب��ا األزرق امل�ص�ف��ق ف��ي النهر‪،‬‬ ‫ل ��رق ��ص ال� �ش� �ع ��اع ف� ��ي األف � �ي� ��اء!‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 73-81.indd 80‬‬


‫من اليمني أمني نخلة مع ألفرد نقاش وبشارة اخلوري ورياض الصلح‬

‫ِم� � ّن ��ة أن� ��ت م ��ن ح� �ي ��اة‪ ،‬وخصب‪،‬‬ ‫س �ق �ط��ت م ��ن ع ��ل ع �ل��ى األوداء‪.‬‬ ‫ت �ن �س� ُ�ج اخل� �ص ��ب ل��ل��م��روج رداء‪،‬‬ ‫ليت لي منك افضل ذاك الرداء‪...‬‬ ‫وأنا ابن الغمام‪ ،‬مخضوضر الذهن‪،‬‬ ‫وإن ك� �ن ��ت س� ��اك� ��ن ال� �ص� �ح���راء!‬ ‫إلى أن يقول‪:‬‬ ‫يا لسان اجلبال في ُخطبة العز‪،‬‬ ‫وراوي ال� �ق� �ص� �ي ��دة العصماء‪:‬‬ ‫ل��ك ت�ل��ك ال�ص�ي�ح��ات ف��ي ك��ل واد‪،‬‬ ‫م� ��ؤذن� ��ات ب���ال���دول���ة اخل � �ض� ��راء‪.‬‬ ‫ن��ق��ل ال �ب �ل �ب��ل ال � �ط� ��روب حديثا‬ ‫عنك رطب األلفاظ رطب األداء‪.‬‬ ‫م��ا ُت��رى قلت للصخور حواليك‪،‬‬ ‫ف ��رق ��ت ف���ي ال �ل �ي �ل��ة ال � ��زرق � ��اء‪...‬‬ ‫في هذه القصيدة تتزاحم األلوان فاألخضر واألزرق‬ ‫واألبيض‪ ،‬وكأن الش�� ��اعر قد أصبح فنانا تش�� ��كيليا يرسم‬ ‫الشالل في لوحة بديعة أو ينحته في منحوتة‪ .‬وهو يشبه‬ ‫الشالل بحرف األلف‪ ،‬وهو احلرف الوحيد في األبجدية‬ ‫العربية املستقيم‪ ،‬والذي ليس فيه انحناء‪ ،‬يقول مستخدما‬ ‫مراعاة النظير‪ :‬األلف ‪ -‬اخلط ‪ -‬القلم ‪ -‬الصحائف‪.‬‬ ‫أل� � ��ف أن� � ��ت خ� �ط� �ه ��ا ق� �ل ��م ال� �ل ��ه‪،‬‬ ‫ألح� �ل ��ى ال� �ص� �ح ��ائ ��ف ال� ��زه� ��راء‪.‬‬ ‫وهو مصور بارع في الرسم بالكلمات‪ ،‬يقول في‬ ‫قصيدة «الصورة» (ص‪:)128‬‬ ‫غ�م��س ال��ري�ش��ة ف��ي ال�ب�ح��ر‪ ،‬الذي‬ ‫ص� ��ور ال �ع �ي �ن�ين ك��ال �ل��ج الرقيق‪،‬‬ ‫اللون والضوء في شعر أمني نخلة‬

‫‪7/17/14 12:38:26 PM‬‬

‫وان�ث�ن��ى يغمس ف��ي رأد الضحى‪،‬‬ ‫م��رة أخ ��رى‪ ،‬وف��ي األف ��ق العميق‪.‬‬ ‫زرق � � � � ��ة ح � � � � ��ارت ب�� �ه� ��ا ري � �ش � �ت� ��ه‪،‬‬ ‫ف �ه��ي م ��ن ص �ن �ع��ة رس � ��ام أن� �ي ��ق‪...‬‬ ‫ونصل إلى قصيدته العصماء التي «ألقاها في‬ ‫مهرج� � ��ان أبي متام في دمش� � ��ق يق� � ��ول في مطلعها‬ ‫(ص‪:)304‬‬ ‫أف �س �ح��وا ف��ي محفل ال�ش�ع��ر لنا‪،‬‬ ‫نحن من لبنان‪ ،‬من عليا الدنى!‬ ‫ج � �ي� ��رة األرز‪ ،‬وض � ��اح � ��ي ظله‪،‬‬ ‫وال��رب��ى اخل�ض��ر ووش ��ي املنحنى‪.‬‬ ‫وف� � ��ي حفل تك� � ��رمي األخطل الصغير (بش� � ��ارة‬ ‫عبدالل� � ��ه اخل� � ��وري) (‪ )1968 - 1890‬يق� � ��ول‬ ‫(ص‪:)361‬‬ ‫ج� ��اءك ال �ش �ي��ب ب ��األزه ��ار بيضا‪،‬‬ ‫ف� �ع� �ل ��ى ك � ��ل ش�� �ع� ��رة م � �ن� ��ه ن � ��ور‪.‬‬ ‫فشبه الش� � ��يب باألزهار البيض‪ ،‬وجعل اشتعال‬ ‫الشعر يضيء فيشع منه النور‪ .‬وفي «ليالي الرقمتني»‬ ‫يقول ف� � ��ي قصيدة عنوانها «ليل� � ��ة الكويت» (ص‪)40‬‬ ‫حيث ميزج بني املوسيقى واللون والضوء واألريج‪:‬‬ ‫أن ��ا ب ��ال ��دف‪ ،‬وامل���زاه���ر‪ ،‬والصنج‪،‬‬ ‫وب � � ��ال � � ��ورد‪ ،‬وال�� � �ش� � ��ذا‪ ،‬ح� �ي� �ي � ُ�ت‪.‬‬ ‫ك� ��ل خ� ��د أط � ��ل م� ��ن ش� �ق ��ق اخل ��ز‬ ‫أت � � ��ان � � ��ي‪ ،‬ون� � � � ��ور ال � � �ي� � ��اق� � ��وت‪...‬‬ ‫أم ��ن ال� ��ورد أم م��ن اخل� ��د‪ ،‬أم من‬ ‫عبق الكأس طاب ليلي الشتيت؟!‬ ‫هذا هو الش� � ��اعر واألديب أمني نخلة الذي ُعرف‬ ‫عنه اهتمام� � ��ه باللغة العربية وبالفصي� � ��ح من الكالم‪،‬‬ ‫وحبه للبيان‪ ،‬وإيثاره للطبع‪ ،‬ومجاراة اخلاطر‪ ،‬ونزوعه‬ ‫للفصاحة‪ ،‬ومهارته في تشقيق الكالم وصناعته‪ ،‬بحيث‬ ‫قل أن يفري في هذا الباب فرية‪ .‬كما وقف على أسرار‬ ‫البالغة وعرف كيف يجلو اخلاطرة ويختار اللفظة في‬ ‫ذوق خاص مميز عرف به وطبع شعره ونثره‪.‬‬ ‫وهو إلى ذلك‪ ،‬س� � ��يد من أسياد الكلمة‪ ،‬ومن أبرع‬ ‫املنش� � ��ئني في العربية ف� � ��ي زماننا‪ ،‬يوف� � ��ق إلى اختيار‬ ‫اللفظة كما يوفق إلى إنزالها في اجلملة فتقع موقعها‬ ‫وتأتي‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬في س� � ��ياق الكالم‪ ،‬وكأنها حفر وتتزيل‬ ‫أو شك لؤلؤ >‬

‫‪81‬‬

‫‪aug 73-81.indd 81‬‬


‫نقد‬

‫حترر املستقبل من اخلالص الغيبي في‬

‫«كاشف األسرار»‬

‫*‬

‫حتسني يقني **‬ ‫يغف ��و الفت ��ى عمر وهو يزور املتحف البريطاني‪ ،‬ويتم غلق األبواب‪ ،‬فيحلم بأنه عاد للعيش‬ ‫في بغداد القدمية والقاهرة‪ ،‬على إثر مش ��اهداته ملقتنيات العالم اإلس�ل�امي‪ .‬تبني الكاتبة‬ ‫روايتها على هذا احللم مبقاربته باحلاضر‪ ،‬بتش ��وق وعمق حضاري وإنس ��اني‪ ،‬ورؤية نقدية‬ ‫للزمن�ي�ن‪ ،‬وهم ��ا في مرحلة هزمي ��ة‪ ،‬وكأنها حتلل بتكثيف وجمالي ��ة أدبية‪ ،‬ما حدث للعقل‬ ‫واإلرادة‪ ،‬ح�ي�ن مت تعطيلهم ��ا ملصلح ��ة انتظار احلل ��ول من اخلارج‪ ،‬بدال م ��ن االنطالق من‬ ‫الذات‪.‬‬ ‫التاريخ‪ :‬املاضي واحلاضر واملس� � ��تقبل‬ ‫أيضا‪ ...‬كيف؟‬ ‫أكان� � ��ت عودتن� � ��ا ل� � ��ه عل� � ��ى احلقيقة أم‬ ‫اخليال‪ ،‬فإننا ال نس� � ��تطيع إال أن نع� � ��ود‪ ،‬أما ملاذا‪:‬‬ ‫فاجلواب هو املس� � ��تقبل‪ ،‬وليس فقط فهم احلاضر‬ ‫شبيه الفترة التي نعود إليها‪.‬‬ ‫وه� � ��ي ع� � ��ودة حضاري� � ��ة قومية وإنس� � ��انية‪ ،‬بل‬ ‫ووجودي� � ��ة إذن‪ ،‬لكونها تعود للتاري� � ��خ عودة امللتزم‪،‬‬ ‫والباحث في تاريخ الشعوب واحلضارة‪.‬‬ ‫وهذا ما قرأناه في «كاش� � ��ف األس� � ��رار» الذي‬ ‫ع� � ��ادت إليه الراوية من خالل ش� � ��خصية عمر ابن‬ ‫عصرنا احلالي إلى القرن الثالث عش� � ��ر امليالدي‪،‬‬ ‫الذي غزا فيه املغول شرقنا العربي‪.‬‬

‫وهي عودة للزمن املاضي‪ ،‬وإن سلكت الروائية‬ ‫لها س� � ��لوكا فانتازيا‪ ،‬باس� � ��تخدام األسلوب الروائي‬ ‫والس� � ��ينمائي الذي يعتمد على آلة الزمن‪ ،‬في حني‬ ‫استخدم آخرون احللم‪.‬‬ ‫مبعن� � ��ى أن هناك احتماال قويا أن تكون الرواية‬ ‫رواية تاريخية‪ ،‬حدثت في الزمن املاضي‪ ،‬وليس� � ��ت‬ ‫رواية اآلن باستدعاء املاضي‪.‬‬ ‫وخالل هذه العودة يتحول الزمان‪ ،‬فنرى بغداد‬ ‫والقاهرة ف� � ��ي ما بعد‪ ،‬في ذل� � ��ك العصر‪ ،‬مبعماره‬ ‫وس� � ��كانه وأزيائه‪ ،‬وطعامه والش� � ��راب‪ ،‬واألس� � ��واق‪،‬‬ ‫وع� � ��ادات الله� � ��و‪ .‬وح� �ي��ن يدخل عمر م� � ��ع صاحبه‬ ‫املس� � ��تدعى من التاريخ إلى قصر اخلليفة‪ ،‬يكتسي‬ ‫الوص� � ��ف مالمح ألف ليلة وليلة‪ ،‬حيث يس� � ��تعرض‬

‫* الرواية صدرت عن دار الساقي‬ ‫** كاتب من فلسطني‬

‫‪82‬‬

‫‪7/9/14 11:02:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 82-86.indd 82‬‬


‫هدى الشوا القدومي مع غالف روايتها‬

‫بع� � ��ض صنوف الطعام واحللوى‪ ،‬اعتمادا على كتاب‬

‫«مروج الذهب ومعادن اجلوهر» للمسعودي‪ ،‬وبعض كاشف األسرار‬

‫صن� � ��وف الفن� � ��ون اعتمادا على كت� � ��اب «خيال الظل‬ ‫ومتثيليات دانيال»‪.‬‬ ‫ويزور عم� � ��ر مرحلة تهديد املغول لبغداد‪ ،‬حيث‬ ‫يش� � ��هد زائر املاض� � ��ي ردود فعل أه� � ��ل احلكم جتاه‬ ‫األخطار التي يتعرضون لها‪ ،‬بينما هم منشغلون في‬ ‫اللهو وانتظار املصائر‪.‬‬ ‫ولعل اختيار األس� � ��لوب الفانت� � ��ازي كان موفقا‪،‬‬ ‫لكون� � ��ه أضف� � ��ى احليوية والتش� � ��ويق على مس� � ��توى‬ ‫األحداث من جهة‪ ،‬وعلى مس� � ��توى املقارنة واملقاربة‬ ‫باحلاضر من جهة ثانية‪.‬‬ ‫عمر وك� � ��رمي وأمل في زيارة ملتح� � ��ف بريطاني‬ ‫(وه� � ��و ‪ The Trustees of British Museum‬ال� � ��ذي‬ ‫تش� � ��كره الكاتبة‪ ،‬لسماحه لها باستخدام آلة كاشف‬ ‫األس� � ��رار‪ ،‬وطبع� � ��ا هي لم تس� � ��تخدمها فيزيقيا‪ ،‬بل‬ ‫رمزيا)‪ ،‬يدخل عمر إلى مجموعة العالم اإلسالمي‪،‬‬ ‫وعندما يحني موعد إغ� �ل��اق املتحف‪ ،‬ال يجد عمر‬ ‫نفس� � ��ه إال وقد بقي داخل املتح� � ��ف وحده‪ ،‬وهناك‪،‬‬ ‫عبر احللم‪ ،‬يجد نفس� � ��ه في القرن الثالث عش� � ��ر‪،‬‬ ‫وبال� � ��ذات عام ‪ ،1241‬وهو الع� � ��ام الذي اخترع فيه‬ ‫العالم محمد بن ختلخ املوصلي الفلكي واملنجم آلة‬ ‫«كاشف األس� � ��رار»‪ ،‬حيث يجد عمر نفسه مصاحبا‬ ‫لهذا العالم في رحلته في العراق ومصر‪.‬‬ ‫حترر املستقبل من اخلالص الغيبي في «كاشف األسرار»‬

‫‪7/9/14 11:03:04 AM‬‬

‫مته� � ��د الرواي� � ��ة بعض احلديث ع� � ��ن اآللة‪ ،‬قبل‬ ‫دخول عمر للزمن املاضي‪:‬‬ ‫«إنها آلة لكل س ّر مستتر مبيح‬ ‫إنها تكشف الطالع تنبئ بالغيب‬ ‫تظهر املخفي وتشي باحلبيب‬ ‫فقلت‪ :‬لو في حوزتي آلة كهذي‬ ‫ألصبحت صاحب قوة وسلطان عجيب»‬ ‫وهي تقتبس من شرح املتحف لتعرف بها‪:‬‬ ‫«أداة عل� � ��م الرم� � ��ل‪ ،‬ل� � ��وح معدن� � ��ي مصنوع من‬ ‫النحاس األصفر والفضة‪ ،‬مش ّكل ّ‬ ‫بالطرق ‪ -‬القرن‬ ‫الثالث عشر ‪ -‬املوصل‪ /‬العراق‪ ،‬صناعة محمد بن‬ ‫ختلخ»‪.‬‬ ‫وتستمر باألسلوب نفسه‪ ،‬حيث تقتبس األبيات‬ ‫التالية التي تصف «كاشف األسرار»‪:‬‬ ‫أن � � � ��ا ك� � ��اش� � ��ف األس � � � � � � ��رار ف � � ��ي ب� ��دائ� ��ع‬ ‫م � � � ��ن ح� � �ك� � �م � ��ة وغ� � � � ��رائ� � � � ��ب وغ � � �ي� � ��وب‬ ‫ي� �خ� �ف���ي ال � �ل � �ب � �ي� ��ب ض � �م � �ي� ��ره ف ��أب� �ي� �ن ��ه‬ ‫ف� � � �ك � � ��أن أع � � �ض� � ��ائ� � ��ي خ�� �ل�� �ق� ��ن ق � �ل� ��وب‬ ‫ان� �ظ���ر إل�� ��ى ال � �ل� ��وح واح� �ف� �ظ���ه ف�� ��إن به‬ ‫م � �ع � �ن� ��ى م� � ��ن ال�� � �ل� � ��وح خ� � � � ّ‬ ‫�ط ب ��ال� �ق� �ل ��م‬ ‫محجبة‬ ‫ي � �ب� ��دي م� ��ن ال� �غ� �ي ��ب أس� � � � ��رارا‬ ‫ّ‬ ‫ك � ��ان � ��ت م � � �ق� � ��درة م� � ��ن س � ��ال � ��ف ال � �ق� ��دم‬

‫‪83‬‬

‫‪august 82-86.indd 83‬‬


‫االنتقال‬

‫أما حلظ� � ��ة االنتقال فتبدأ في الس� � ��وق‪ ،‬حيث‬ ‫يلتقي عمر العالم ختلخ‪ ،‬ويس� � ��معه وهو ينادي على‬ ‫الزبائن الستهالك آلته‪:‬‬ ‫يا صاحب الطالع‬ ‫املنجم‬ ‫أنا الكاتب احلاسب ّ‬ ‫أكت ��ب الكت ��اب وأحك ��م احلج ��اب وأحس ��ب‬ ‫احلساب‬ ‫وأخط باألقالم املطالب‪.‬‬

‫ملاذا سقطت بغداد?‬ ‫بانتق� � ��ال ختل� � ��خ م� � ��ن الس� � ��وق مبصاحبة عمر‬ ‫(الزائر للتاريخ) إلى قصر السلطان‪ ،‬يكون االنتقال‬ ‫من الشعب املس� � ��حوق إلى النخبة بانشغاالتها كما‬ ‫يظهر في مجلس احلكم‪.‬‬ ‫وثمة منحى للس� � ��خرية ف� � ��ي الوصف؛ ففي ظل‬ ‫االنش� � ��غال بالطعام والشراب واحللوى والتمثيليات‬ ‫املضحكة املسلية‪ ،‬تكون «جيوش املغول على أطراف‬ ‫املبجل يغط في ن� � ��وم عميق»‪،‬‬ ‫املدين� � ��ة‪ ،‬وس� � ��لطاننا ّ‬ ‫يتساءل أحد رجال احلاش� � ��ية‪ :‬من يقول احلقيقة؟‬ ‫ويدور حوار بني عمر والشيخ ختلخ‪:‬‬ ‫ ال نحت� � ��اج إلى منجم ي� � ��ا عمر لنتنبأ باخلطر‬‫احملدق بالدولة‪.‬‬ ‫ من هوالكو؟‬‫ نعم جيوش� � ��ه على أب� � ��واب املدينة‪ ،‬وال نحتاج‬‫إلى آلة لتتنبأ بهذا‪.‬‬ ‫في بح� � ��ث اخلليفة عن خالص م� � ��ا بالتنجيم‪،‬‬ ‫يخب� � ��ره ختلخ ب� � ��أن «التنجيم ليس في� � ��ه من العلم‬ ‫شيء»‪.‬‬ ‫يت� � ��رك ختلخ وعمر القص� � ��ر‪ ،‬فيلتقي عمر ابنة‬ ‫السلطان جلنار التي ترفض اخلرافات‪.‬‬

‫البحث عن امليكانيكا‬

‫يعل� � ��م الش� � ��يخ مصاحب� � ��ه عمر (ال� � ��ذي يحتمل‬ ‫أن يك� � ��ون قارئ� � ��ا أو قارئة للتاري� � ��خ‪ ،‬ولعلها الكاتبة‬ ‫نفس� � ��ها) بأنه كان أحد ‪ 3‬علماء في األندلس‪ ،‬وهم‬ ‫إضاف� � ��ة له‪ ،‬كل من اجلزري واملجريطي‪ ،‬ش� � ��جعهم‬ ‫اخلليفة األندلسي على االختراعات‪ ،‬حيث أودعوا‬ ‫علمهم في «كتاب األس� � ��رار في نتائج األفكار»‪ ،‬ومت‬

‫‪84‬‬

‫‪7/9/14 11:03:08 AM‬‬

‫إرسال نسخة منه إلى بغداد‪ ،‬لضمان وجود نسخة‬ ‫عن� � ��د احلاجة‪ .‬وبعد س� � ��قوط األندل� � ��س (قرطبة)‬ ‫قتل اجل� � ��زري‪ ،‬أما هو فهرب إل� � ��ى املغرب فمصر‬ ‫فاملوصل في الع� � ��راق‪ .‬أما املجريطي فباع نفس� � ��ه‬ ‫لألعداء‪ ،‬فصنع آالت حرب‪ ،‬وانش� � ��غل بالطلسمات‬ ‫واأللغ� � ��از‪ .‬أما ختلخ فمهتم جدا بنس� � ��خة بغداد كي‬ ‫يبني عليها‪ ،‬وهدف� � ��ه علمي‪ ،‬وهو تطوير امليكانيكا‪،‬‬ ‫لتصبح «حياتنا الش� � ��اقة أس� � ��هل وأقل قساوة» وهو‬ ‫س ّر الطاقة املولدة‪.‬‬

‫لست عراف ًا بل صانع آالت‬

‫في رحلة ختل� � ��خ وعمر وهروبهم� � ��ا من بغداد‪،‬‬ ‫حتدث العالم لعمر‪« :‬لس� � ��ت عرافا بل عالم وصانع‬ ‫آالت‪ ،‬املراصد الفلكية العظيمة التي أسس� � ��ها في‬ ‫بغداد ودمش� � ��ق هي مراكز دراس� � ��ة وتطوير أدوات‬ ‫فلكية ومراكز إنتاج علمي لصناعة االس� � ��طرالبات‬ ‫واحمللقات والكرات الس� � ��ماوية النحاسية‪ ،‬واآلالت‬ ‫الفلكي� � ��ة لرصد ورس� � ��م خرائط النجوم وللس� � ��ماء‪،‬‬ ‫ولرس� � ��م خرائط ل� �ل��أرض‪ ،‬ولتحدي� � ��د املواقع على‬ ‫األرض‪ .‬هذه املعرفة هي القوة التي تطور صناعتنا‬ ‫وزراعتنا وأدواتن� � ��ا للعيش الكرمي‪ .‬وهي القوة التي‬ ‫جتذب كل شعوب العالم للتعلم واالستفادة منها»‪.‬‬ ‫واالقتباس هنا له داللة نقدية ملا آل إليه املجتمع‬ ‫العربي في ذلك الزمن‪ ،‬والزمن احلاضر!‬

‫إلى مصر‬

‫حيث شجرة الدر‪ ،‬وحيث الصراع الدموي على‬ ‫احلكم بعد رحيل امللك الصالح‪.‬‬ ‫وش� � ��جرة الد ّر الت� � ��ي لم يعجب خليف� � ��ة بغداد أن‬ ‫تك� � ��ون حاكمة ملصر‪ ،‬هي التي كان رد فعلها «أنا التي‬ ‫حاصرت اإلف� � ��رجن في دمياط واملنصورة‪ ،‬وس� � ��جنت‬ ‫مل� � ��ك اإلفرجن لوي� � ��س»‪ .‬كان مقصد ختل� � ��خ مقصدا‬ ‫علميا‪ ،‬فحني سألته عن آلة كاشف األسرار‪ ،‬قال لها‪:‬‬ ‫«موالتي ال يكشف األسرار إال الله»‪ ،‬وأظهر لها رغبته‬ ‫ببناء مرصد علمي في جبل املقطم‪.‬‬ ‫وبح� � ��ث ختلخ عن حركة الت� � ��روس لتوليد الطاقة‬ ‫لتش� � ��غيل اآلالت‪ ،‬كان العال� � ��م ختلخ يفك� � ��ر بالنهضة‬ ‫العلمية في مصر‪ ،‬بعد هزمية العراق واألندلس‪ ،‬بينما‬ ‫وجد أهل مصر مهمومني مبن سيؤول له السلطان!‬ ‫لكن لم تتح الفرصة رمبا لشجرة الد ّر أن حتقق‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 82-86.indd 84‬‬


‫خلتلخ وملص� � ��ر النهضة العلمية؛ فقد راحت ضحية‬ ‫الصرا�� على السلطة‪.‬‬

‫تأكيد الرؤية النقدية‬

‫من خالل اقتباسات العالم ختلخ‪:‬‬ ‫«بعد أن كان العلماء من كل أنحاء املعمورة يُعملون‬ ‫عقولهم في صناعة اآلالت وفي علوم الطب والفلك‬ ‫والفلس� � ��فة وبناء املراصد العلمية لدراسة الظواهر‬ ‫الطبيعي� � ��ة‪ ،‬فقدوا هم البحث والش� � ��ك والس� � ��ؤال‪،‬‬ ‫واكتفوا باألجوبة واملسلمات‪ .‬لقد قضيت عمري في‬ ‫البحث والتنقيب عن أسرار الكون واملجرات‪ ،‬وبعد‬ ‫صناعة االسطرالبات واملزاول وغيرهما من اآلالت‬ ‫العلمية‪ ،‬ش� � ��غل الرعاة واخللف� � ��اء واألمراء بطالئع‬ ‫البروج واإلميان بالس� � ��حر والغيبيات‪ ،‬وبدال من أن‬ ‫يطلبني أحدهم لبناء مش� � ��فى أو مرصد أو صناعة‬ ‫تفيد‪ ،‬طلب مني أن أتنبأ بحكم وبعدد األعداء‪ ،‬وبكل‬ ‫ما يحتاج إليه احلكام لتثبيت سلطتهم‪ ...‬والسلطة‬ ‫املستبدة حتتاج إلى الكثير من السحر‪ ،‬والقليل من‬ ‫العلم»‪ .‬وأظن أن الكالم واضح بدالالته النقدية‪.‬‬ ‫لذلك حني س� � ��أله عمر عن قوة التروس‪ ،‬س � � � ّر‬ ‫الطاقة احملركة‪ ،‬قال له‪« :‬كفى كالما عن الس� � ��حر‪،‬‬ ‫فحان الوقت للرجوع إلى مستقبلك»‪.‬‬ ‫آلة «كاش� � ��ف األس� � ��رار»‪ ،‬لم تكش� � ��ف األسرار‬ ‫فعال‪ ،‬بقدر ما كشفت استسالم ليس العامة فقط‪،‬‬ ‫بل النخب� � ��ة احلاكم� � ��ة‪ ،‬التي تلجأ إلى األس� � ��طورة‬ ‫والتنب� � ��ؤات م� � ��ن أجل االطمئن� � ��ان إل� � ��ى البقاء في‬ ‫احلك� � ��م‪ ،‬فتفاجأ بالغزو‪ ،‬قدميا وحديثا‪ .‬لقد وفقت‬ ‫الكاتبة في توظيف «كاش� � ��ف األس� � ��رار» كآلة متثل‬ ‫اخلضوع لرؤية أسطورية‪-‬سحرية للمستقبل‪ ،‬صار‬ ‫العقل العربي وفقها أس� � ��ير اخلالص الغيبي‪ ،‬بدال‬ ‫م� � ��ن مواصلة درب النهضة العلمي� � ��ة التي كانت قد‬ ‫بدأت فعال في زمن ازدهار احلضارة العربية‪ ،‬حني‬ ‫اعتمدت عل� � ��ى العقل واملعرفة والعل� � ��وم‪ .‬وهي من‬ ‫خالل نقدها للماضي‪ ،‬إمنا توجه نقدها للحاضر‪،‬‬ ‫وه� � ��ذا هو التزامها‪ ،‬وهي بذلك إيجابية في رس� � ��م‬ ‫خارطة النه� � ��وض العلمي‪ ،‬الذي يتم عبر اإلخالص‬ ‫له‪ ،‬والتحرر من أسباب التواكل واخلضوع‪.‬‬

‫الدائرة اكتملت‬

‫ه� � ��ذه الدائرة من املتحف وإليه مرة أخرى‪ ،‬وما‬

‫حترر املستقبل من اخلالص الغيبي في «كاشف األسرار»‬

‫‪7/9/14 11:03:15 AM‬‬

‫بينهما الزمان‪ ،‬زمن هذه الرواية الدرامية التاريخية‬ ‫الرمزية‪ ،‬هو إقامة العالم ختلخ في بغداد ورحلته إلى‬ ‫مصر‪ ،‬واإلقام� � ��ة فيها‪ ،‬وما ظهر له من أهل احلكم‬ ‫من تهال� � ��ك عليه‪ ،‬وزهد بالعلم والعلماء‪ ،‬ولعلها هنا‬ ‫تكش� � ��ف من خالل نصها األدب� � ��ي القصصي رؤيتها‬ ‫الفكرية ألس� � ��باب الهزمية وعواملها‪ ،‬كيف سقطت‬ ‫بغداد وكيف مت تهديد مصر؟!‬ ‫ما الذي أرادت هدى الشوا قوله؟ وكيف قالته؟‬ ‫وما الذي تركته للقراء والنقاد؟‬ ‫م� � ��ا أرادت قوله‪ ،‬أوحت به إيح� � ��اء‪ ،‬العودة إلى‬ ‫تاريخ مشابه‪ .‬اختارت زمن هزميتنا على يد التتار‪.‬‬ ‫وقدمت لذل� � ��ك ب� � ��دالالت ورس� � ��ائل تاريخية‪ ،‬قبل‬ ‫الدخول إلى القرن الثالث عشر‪.‬‬

‫دموي ونهايات!‬ ‫تاريخ‬ ‫ّ‬

‫ هل هناك من نهاية لتاريخنا الدموي؟‬‫ املستقبل! املس� � ��تقبل بيديك يا عمر‪ ...‬املرء‬‫يصنع قدره ال اآلالت‪.‬‬ ‫نهاية املس� � ��تعصم‪ :‬وضعه هوالكو داخل سجادة‬ ‫وأمر برفس� � ��ه بأرجل خيل� � ��ه حتى امل� � ��وت! وجلنار‬ ‫ابن� � ��ة اخلليفة هربت م� � ��ع بقية أف� � ��راد العائلة إلى‬ ‫أصفهان‪.‬‬ ‫وشجرة الد ّر‪ :‬قتلتها نساء القصر‪.‬‬ ‫هل من تذكر لنهايات لسالطني آخرين؟‬ ‫وهل هناك مجال ألخذ العظة من التاريخ؟!‬

‫رموز‬

‫ثمة رموز كثيرة في النص‪:‬‬ ‫القرود‪ :‬خياط وصائغ ومتذوق الطعام لكش� � ��ف‬ ‫الس ّم‪.‬‬ ‫حي� � ��ر الوحوش‪ ،‬والتي من ع� � ��ادات اخللفاء في‬ ‫جمع احليوانات‪ ،‬وهطل حبيبات من الس� � ��ماء كأنها‬ ‫حجارة‪ ،‬واختفاء احليوانات‪.‬‬ ‫النساخون واخلطاطون واملصورون‪.‬‬ ‫س� � ��اكنو الكهف الذين لم يتحملوا نور الشمس‬ ‫في احلياة‪ ،‬وهم من املنجمني الفاشلني‪.‬‬ ‫حدي� � ��ث ختل� � ��خ ع� � ��ن الطاق� � ��ات واألقراص‬ ‫والبك� � ��رات والنواف� � ��ذ الت� � ��ي هي بي� � ��وت الطالع‪:‬‬ ‫احلي� � ��اة‪ ،‬وامل� � ��ال‪ ،‬واآلب� � ��اء واألمه� � ��ات‪ ،‬واإلخوة‪،‬‬ ‫واألوالد‪ ،‬واألمراض‪ ،‬والنس� � ��اء‪ ،‬واملوت‪ ،‬والسفر‪،‬‬

‫‪85‬‬

‫‪august 82-86.indd 85‬‬


‫وامللك‪ ،‬والسعادة‪ ،‬واألعداء‪.‬‬ ‫تأم� � ��ل تلك الرم� � ��وز ملا لها من عالق� � ��ة باإلدارة‬ ‫واحلك� � ��م وفهم الثقاف� � ��ة ودورها وفلس� � ��فة احلياة‪،‬‬ ‫تصب� � ��ح رم� � ��وزا حضارية‪ ،‬ميك� � ��ن تأويله� � ��ا‪ ،‬وبحث‬ ‫إس� � ��قاطاتها على عصرنا‪ ،‬من خالل ربطها بالرؤية‬ ‫النقدية ظاهريا لدى ختلخ‪ ،‬وعميقا لدى الكاتبة‪.‬‬

‫وحضاري‬ ‫تناص لغوي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫هن� � ��ا نذكر ما اقتبس� � ��ته مما كت� � ��ب على صحن‬ ‫الفخار في مجموعة العالم اإلسالمي في املتحف‪:‬‬ ‫وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا ما فاته‬ ‫أمر عاتب القدر‪.‬‬ ‫وح� �ي��ن نربطه مبا اقتبس� � ��ته الكاتبة ومهدت له‬ ‫في الكتاب‪ ،‬وه� � ��و قول يوليوس قيصر لبروتس في‬ ‫مقدمة الكتاب‪:‬‬ ‫‪The fault , dear Brutus, is not our stars,‬‬ ‫‪.but in ourselves‬‬

‫تكون أسباب الهزمية وفقا لـ «كاشف األسرار»‪:‬‬ ‫فس� � ��اد احلكم واالقتت� � ��ال عليه من أج� � ��ل املناصب‬ ‫واملكاس� � ��ب‪ ،‬واالنحط� � ��اط الثقافي والفن� � ��ي (الفن‬ ‫للضحك ال للرس� � ��الة) والعلمي واالنشغال بالكالم‪،‬‬ ‫فس� � ��اد اإلعالم الذي يزي� � ��ن للحكام س� � ��وء اإلدارة‬ ‫واحلك� � ��م‪ ،‬املجريطي مثاال‪ ،‬واالنحطاط االجتماعي‬ ‫والنظ� � ��رة النمطية الدونية للمرأة‪ ،‬وعدم التخطيط‬ ‫للمستقبل‪.‬‬

‫إنها حالة االستس� �ل��ام وانتظار ما سوف يأتي‪،‬‬ ‫وه� � ��ي احلال� � ��ة االنفعالية ال الفاعلي� � ��ة‪ ،‬لذلك ليس‬ ‫غريبا أن جند من كان يقصد «كاش� � ��ف األس� � ��رار»‬ ‫في املاضي‪ ،‬ومن يلج� � ��أ للعرافني واملنجمني اليوم‪،‬‬ ‫ويدخل ضمن هؤالء من هم أس� � ��رى فكرة اخلالص‬ ‫الغيبي‪.‬‬ ‫وميكن للقراء والقارئات استش� � ��فاف أس� � ��باب‬ ‫أخرى‪ ،‬تنطبق على املاضي واحلاضر أيضا‪.‬‬ ‫لذلك ليس عجيبا توق� � ��ف النهضة العلمية في‬ ‫القرون القدمية‪ ،‬وإصابة النهضة العربية احلديثة‬ ‫إصابة بالغة صرفتها عن مواصلة النهوض العلمي‬ ‫والتكنولوجي‪ ،‬بعد أن استعاضت بالغيبيات والتواكل‬ ‫واالستهالك عن العقل والعلم واملعرفة‪.‬‬

‫التاريخ‪ ...‬املاضي واحلاضر واملستقبل‬

‫لق� � ��د هزتنا هدى الش� � ��وا بعمق‪ ،‬م� � ��ن داخلنا‪،‬‬ ‫ووضعتن� � ��ا أم� � ��ام مس� � ��ؤولياتنا وأمام املس� � ��تقبل‬ ‫واس� � ��تحقاقاته القومية واحلضارية واإلنس� � ��انية‪،‬‬ ‫والوجود‪ .‬وجتلى ذل� � ��ك في لوحة الغالف‪ ،‬بوجود‬ ‫الطفل كعنصر أساسي فيها‪ ،‬ينظر جتاه الناظرين‪،‬‬ ‫إمنا يعني املس� � ��تقبل‪ .‬وهو ما ابتدأنا به احلديث‪،‬‬ ‫فإذا لم تكن العودة للماضي في سبيل نقده ونقد‬ ‫احلاضر‪ ،‬فس� � ��يطول إنتاج املاضي في احلاضر‪،‬‬ ‫واحلاض������ر في املاض������ي‪ ،‬ولن نحرر املس������تقبل‬ ‫منهما >‬

‫صر أربعمائة دينار‪ ،‬وقال للغالم‪ :‬اذهب بها إلى أبي‬ ‫< روي أن عمر بن اخلطاب  ّ‬ ‫عبي ��دة بن اجلراح ثم تر ّبص عنده في البيت س ��اعة حت ��ى تنظر ما يصنع بها‪ ،‬فذهب‬ ‫بها الغالم إليه وقال له‪ :‬يقول لك أمير املؤمنني عمر‪ :‬اجعل هذه في بعض حوائجك‪،‬‬ ‫قال‪ :‬وصله الله ورحمه‪ ،‬ثم دعا جاريته وقال لها‪ :‬اذهبي بهذه السبعة إلى فالن‪ ،‬وبهذه‬ ‫عد مثلها‬ ‫اخلمسة إلى فالن حتى أنفدها‪ ،‬فرجع الغالم إلى عمر فأخبره‪ ،‬فوجده قد ّ‬ ‫ملع ��اذ ب ��ن جب ��ل‪ ،‬فقال له‪ :‬انطلق بها إلى معاذ‪ ،‬وانظر ما يك ��ون من أمره‪ ،‬فمضى إليه‪,‬‬ ‫وقال له كما قال ألبي عبيدة ففعل معاذ‪ ،‬فرجع الغالم فأخبره عمر‪ ،‬فقال‪ :‬إنهم إخوة‬ ‫بعضهم من بعض‪ ،‬رضي الله تعالى عنهم أجمعني‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫‪7/9/14 11:03:22 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 82-86.indd 86‬‬


‫نقد‬

‫ُأنسي احلاج‬ ‫«اخلوات»‬ ‫آخر‬ ‫من مجلة «شعر» إلى ِ‬ ‫مِ‬ ‫محمد علي شمس الدين *‬

‫الشاعر في خوامته األخيرة‬ ‫الكتاب ��ة ع ��ن الش ��اعر‪ ،‬ف ��ي حلظة موت ��ه‪ ،‬غالبا م ��ا تأتي‬ ‫انفعالي ��ة‪ ،‬س ��ريعة‪ ،‬وب�ل�ا مرجعي ��ات ضروري ��ة لإلحاطة‬ ‫بهوية الشعر أو ماهيته‪ .‬لذا‪ ،‬كان البد من مسافة زمانية‬ ‫للكتابة عن الشاعر اللبناني أنسي احلاج (‪،)2014 - 1937‬‬ ‫ال ��ذي توف ��ي أخي ��ر ًا في بي ��روت بع ��د صراع م ��ع املرض‪،‬‬ ‫وق ��د غم ��رت الش ��هادات ش ��خصه الش ��عري بفي ��ض م ��ن‬ ‫االنفعاالت‪ ،‬والذكريات الشخصية‪ ،‬واملقابالت املستعادة‪،‬‬ ‫وه ��و أمر حجب ش ��خصه الش ��عري أكثر مم ��ا أظهر‪ ،‬ولم‬ ‫يراع في صيرورته الشعرية التحوالت التي خضعت لها‪،‬‬ ‫وإعادة النظر في مواقفه واختياراته الش ��عرية والنقدية‬ ‫مع ًا‪ ،‬ما ش ��كل انعطاف ًا جذري ًا ف ��ي موقفه النقدي الذي‬ ‫لطاملا ُعرف به من الشعر العربي‪...‬‬ ‫فهو على س������بيل املث������ال‪ ،‬وفي واحدة‬ ‫من آخ������ر مقاالته التي كان يس������ميها‬ ‫«خوامت ‪ »3‬وينش������رها كل س������بت في‬ ‫صحيف������ة األخبار اللبنانية‪ ،‬حت������ت عنوان «كلما‬ ‫�����ت ه������ذي البرتقالة‪ ،‬تبتس������م»‪ ،‬كتب ثالث‬ ‫َج َّرح� ُ‬ ‫فق������رات متكاملة‪ :‬األولى تتعلق بديوان «النازلون‬ ‫على الريح» الص������ادر لي عن دار اآلداب ‪،2013‬‬ ‫وقد بدأ باختيارات ش������عرية من الديوان وسجل‬ ‫جتاهه������ا مالحظات عميقة وبليغة‪ ،‬فأش������ار إلى‬ ‫عالمات اجلوهر الش������عري ف������ي «النازلون على‬ ‫* شاعر وباحث من لبنان‬

‫الري������ح»‪ ،‬وإل������ى «التدف������ق الغنائ������ي» و«التجرية‬ ‫اإلنس������انية املثخن������ة باجلروح» و«أن������وار الفجر»‬ ‫و«الس������رد» و«صفاء الوزن»‪ ...‬ويذكر أنه فوجئ‬ ‫بقصي������دة «طلل» التي لم يكن يس������تطيع أن يجد‬ ‫ما يش������بهها إال ف������ي ديوان الش������عر اجلاهلي‪...‬‬ ‫وينتهي إلى أن «الشعر ال يضيع بتنويع األداء»‪...‬‬ ‫ثم يعتبر‪ ،‬بجملة معب������رة‪ ،‬أن «النازلني على هذا‬ ‫الشعر‪ ،‬ضيوف محسودون»‪.‬‬ ‫في الفقرة الثانية م������ن مقالته‪ ،‬حتت عنوان‬ ‫«اعت������ذار مس������تمر»‪ ،‬ثمة اعتذار متكرر بش������أن‬

‫‪87‬‬

‫‪7/9/14 11:05:49 AM‬‬

‫‪august 87-93.indd 87‬‬


‫استناده مع أدونيس‪ ،‬إلى كتاب سوزان برنار عن‬ ‫قصيدة النثر من حوالي خمسني عاماً‪ ،‬واعتماده‬ ‫ذل������ك في مقدمة ديوانه األول «لن»‪ ...‬ويقول إنه‬ ‫كان ثمة «إغ������راق» في جملة أخط������اء‪ ،‬وإنه «لم‬ ‫يتوقف عن االعتذار عم������ا اقترفه من تنظيرات‬ ‫اعتباطية في شأن ال يحتمل إال التواضع»‪.‬‬ ‫أما ف������ي املقطع الثالث م������ن مقالته‪ ،‬بعنوان‬ ‫«ص������دق أو ال تصدق»‪ ،‬فهو يعي������د النظر في ما‬ ‫يسميه ركاماً في الشعر‪ ،‬كان يخلبه في زمن من‬ ‫األزمنة‪ ،‬حيث يشمل ضجره من رامبو وبودلير‪،‬‬ ‫م������روراً بالعش������ق اجلنس������ي اللزج ألب������ي نواس‪،‬‬ ‫واملتنبي الذي ال يشبع من حلس دمه‪ ،‬ويضيف‪:‬‬ ‫«نحن معش������ر ديوك احلداثة‪ ،‬أجهز أوالدنا على‬ ‫الباق������ي‪ ،‬بعدما فتحنا صندوق بندورا (طماطم)‬ ‫واندلعت منه أفاعي الكاوتشوك وعقارب القش‪.‬‬ ‫أعرنا أنفسنا لنكون جنود العدم‪ ،‬وبيادق القدر»‪.‬‬ ‫(جريدة األخبار اللبنانية‪ ،‬نوفمبر‪ /‬تشرين الثاني‬ ‫‪.)2013‬‬ ‫وقد اعتبرت هذه الكتابة اجلديدة من أنسي‬ ‫احل������اج‪ ،‬مبنزلة عم������ل انقالبي قام به الش������اعر‬ ‫على نفس������ه وعلى اآلخرين‪ ،‬وصاحبها الشجاع‪،‬‬ ‫أو فتاها الش������جاع‪ ،‬ظهر أنه قادر على أن يكون‬ ‫ثائراً على نفس������ه‪ ،‬وعلى اآلخرين‪ ،‬بعد أكثر من‬ ‫نصف قرن من قناعات ومعارك وكتابات شاهدة‬ ‫على ما نق������ول‪ ،‬وأن ما دفعه إلى هذا االنقالب‪،‬‬ ‫نصوص ش������عرية بعينها‪ ،‬ذكرها نصاً في ديوان‬ ‫«النازل������ون على الريح»‪ ،‬وكان������ت كفيلة بأن تلقي‬ ‫في املجتمع الراكد للش������عر العربي اليوم‪ ،‬خضة‬ ‫قوية‪ ،‬وتفتح بابا يكاد يكون مغلقاً للسجال حول‬ ‫صيرورة القصيدة العربية ومعناها وصلتها بلغتها‬ ‫وتاريخه������ا وباإليقاع‪ ،‬وصلته������ا باحلداثة ومعنى‬ ‫احلداثة ذاتها‪ ،‬وه������ل هي انقطاع في الصيرورة‬ ‫العربية أم تواصل وإضاف������ة؟‪ ...‬وصلة كل ذلك‬ ‫بالعربية كلغة وكحضارة‪ ،‬وهل الشعراء هم قادة‬ ‫األمم؟ فالش������عر العربي‪ ،‬على األرجح‪ ،‬هو الذي‬ ‫ك ّون األمة العربية على امت������داد التاريخ‪ ،‬مبعنى‬ ‫أن الش������عر اجلاهلي هو أص������ل القومية العربية‬ ‫في اجلاهلية‪ ،‬وقد تبنى القرآن الكرمي لغة هذا‬ ‫الش������عر‪ ،‬وانطلقت األمة العربي������ة محمولة على‬ ‫جناح لغ������ة القرآن الكرمي التي هي لغة الش������عر‬

‫‪88‬‬

‫‪7/9/14 11:05:53 AM‬‬

‫اجلاهل������ي في إح������دى لهجاته (لهج������ة قريش)‪،‬‬ ‫والش������عراء عل������ى امت������داد األزمنة‪ ،‬ه������م الذين‬ ‫حافظوا على الهوية العربية‪ ،‬ورمموا تصدعاتها‪،‬‬ ‫وصدعوها حني كانت فاس������دة‪ ...‬هذه األس������ئلة‬ ‫اجلوهرية حركتها مقالة أنس������ي احلاج املذكورة‪،‬‬ ‫الت������ي كتبها قبل موته بثالثة أش������هر ونيف‪ ،‬وقد‬ ‫كان لن������ا منه موقف في ما مض������ى‪ ،‬على امتداد‬ ‫خمس���ي��ن عاماً‪ ،‬برغم أننا ل������م نتبادل في حياته‬ ‫سوى بضع كلمات‪ ،‬بعد نشر مقالته تلك‪ ...‬وكان‬ ‫لنا حقل اش������تباك واسع‪ ،‬ذلك أن عالقتي به لم‬ ‫تكن ش������خصية قط‪ ،‬بل موضوعية موثقة توثيقاً‬ ‫كامال م������ن خالل مالحظاتي الت������ي كنت كتبتها‬ ‫على أعداد مجلة «ش������عر» التي كان احلاج أحد‬ ‫أركانها‪ ...‬وطريقتي في قراءة قصائده ومقاالته‬ ‫وأعمال������ه‪ ،‬حيث إن القراءة دائم������ا كانت نقدية‪،‬‬ ‫ومصحوبة بالقلم‪ ،‬ومعززة باحلواش������ي واألسئلة‬ ‫واحلوارات اجلوهرية مع املقروء‪ ،‬مس������جلة على‬ ‫بياض الصفحات والهوامش وبني السطور‪ ،‬حتى‬ ‫ت������كاد التعليق������ات توازي في كثير م������ن األحيان‪،‬‬ ‫األصل املقروء‪ ،‬أو تفيض عنه‪.‬‬

‫مجلة «شعر»‬

‫لدي منذ‬ ‫بدأت صورة أنس������ي احلاج حتضر ّ‬ ‫أن انطل������ق صوته ف������ي مجلة «ش������عر»‪ ،‬من لدن‬ ‫صدورها األول ف������ي يناير (كانون الثاني ‪)1957‬‬ ‫حتى اختفائها األخير في سنتها احلادية عشرة‬ ‫(خريف ‪ ...)1970‬فالرجل كان من الكتّاب الذين‬ ‫تنتظره������م‪ ،‬والكاتب الذي تنتظ������ره‪ ،‬هو الكاتب‬ ‫ال������ذي ال تعرف مس������بقا ما س������يقوله‪ ،‬فيأتيك‬ ‫باجلديد واملفاجئ‪ .‬وهكذا كان أنسي احلاج‪ ،‬بل‬ ‫لع������ ّل هذا كان أحد أس������باب توهجه على امتداد‬ ‫ما يزي������د على نص������ف قرن من عم������ر احلداثة‬ ‫الشعرية العربية‪ ،‬من ديوانه األول «لن» الصادر‬ ‫في طبعته األولى عن مجلة «شعر» العام ‪،1960‬‬ ‫وصوالً إلى كت������اب «الوليمة» (العام ‪ ،)1994‬وما‬ ‫بعد «الوليمة»‪ ،‬وم������ا قبلها‪« ،‬كلمات»‪ ،‬و«خوامت»‪،‬‬ ‫س������واء ما جمع منها في كت������اب‪ ،‬أو ما لم يجمع‬ ‫حتى اخلامت األخير‪.‬‬ ‫صحي������ح أنه ص ّوب س������هامه احلادة وغضبه‬ ‫العصب������ي ض������د املاضي‪ ،‬ولكن������ه كان يعتقد أنه‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 87-93.indd 88‬‬


‫بذلك يؤس������س للمس������تقبل أكثر‪ ،‬واملاضي عنده‬ ‫واحلاض������ر واآلت������ي هو صاح������ب «ماضي األيام‬ ‫اآلتي������ة»‪ ،‬يتركز في اللحظة الش������عرية‪ ،‬ولم يكن‬ ‫لديه متسع لتزاحم اللحظات‪ ...‬هذا املتسع تكون‬ ‫عنده في ما بعد‪ ،‬في مراحل الحقة‪ ،‬وفي صحوة‬ ‫ش������عرية من صحواته‪ .‬ول������ َم ال؟ فاحلداثيون في‬ ‫الغرب‪ ،‬والقلقون م������ن احلداثيني العرب‪ ،‬تنبهوا‬ ‫بحدس������هم الس������اطع‪ ،‬إلى أن حلظتهم الشعرية‬ ‫التي تس������تغرقهم اآلن‪ ،‬ليس������ت حجراً يقفلون به‬ ‫فم املاضي كما يقفل فم القبر بحجر‪ ،‬وليس������ت‬ ‫صنارة للصيد يلقونها ف������ي بحر الغد املتالطم‪،‬‬ ‫ألن هذا البحر شاس������ع واسع كالدهر أو كالشعر‬ ‫نفسه‪ ،‬وأن ما يحملونه بني جوانحهم من جوهر‬ ‫القصي������دة‪ ،‬هو جوهر طائر في الزمان‪ ،‬ومذرور‬ ‫في أمكنة ش������تى‪ .‬ولعل ه������ذا القلق املفتوح على‬ ‫مصراعيه من خالل الكلمات‪ ،‬هو أساس دميومة‬ ‫ش������اعر ما أو روائي أو مسرحي‪ ...‬إلخ‪ ،‬هل هو‬ ‫مم؟ من كل ش������يء‪ ...‬هل هو عدم‬ ‫اخلوف؟ نعم و َ‬ ‫مم؟ من كل شيء أيضا‪.‬‬ ‫الرضا؟ نعم و َ‬

‫كان يخاف‬

‫أنس� � ��ي احلاج ش� � ��اعر كان يخاف‪ ،‬كان يخاف‬ ‫كثيراً‪ ،‬وكان ذلك في أساس اندفاعاته الشرسة‪ .‬لم‬ ‫يكتب شيئا للعدد األول من مجلة «شعر»‪ ،‬منتظراً‬ ‫العدد الثاني ليكتب نقداً ذكياً لديوان عبدالوهاب‬ ‫البيات� � ��ي «املج� � ��د لألطفال والزيت� � ��ون»‪ .‬وضع يده‬ ‫على مك ّون من مكونات شعرية البياتي‪ ،‬ما يسميه‬ ‫أنس� � ��ي احلاج‪ ،‬العقد النفس� � ��ية العميقة‪ ،‬وأهمها‬ ‫عق� � ��دة النقص‪( ...‬من خ� �ل��ال قوله في أغنية إلى‬ ‫«فبكيت من عاري»)‪ ...‬ويس� � ��تطرد للكش� � ��ف‬ ‫يافا‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫عن بعض مصادر البياتي من نيرودا إلى ماوتسي‬ ‫توجن‪ ،/‬معتبرا بيتني أدخلهما الشاعر في قصيدته‬ ‫ملاو‪ ،‬أجم� � ��ل ما في القصيدة وهو يضرب ضربات‬ ‫موجعة على وتر االلتزام لدى الش� � ��اعر نفسه وفي‬ ‫الش� � ��عر امللتزم عامة‪ ،‬والس� � ��يما حني يحشر كلمة‬ ‫«رفيق» أو «رفاق» في القصيدة حشراً‪.‬‬

‫ضربات معوله املؤرقة‬

‫في الع������دد الثاني (صي������ف ‪ ،)1957‬يواصل‬ ‫أنس������ي ضرب������ات معول������ه النق������دي املؤرقة في‬

‫أنسي احلاج من مجلة «شعر» إلى آخر «اخلوامت»‬

‫‪7/9/14 11:05:58 AM‬‬

‫ثالث مجموعات ش������عرية م������ن إفريقيا‪« ،‬الطني‬ ‫واألظاف������ر» حملي������ي الدي������ن ف������ارس‪ ،‬و«أغاني‬ ‫إفريقي������ا» ملفت������اح الفيتوري (محم������د)‪ ،‬و«عبير‬ ‫األرض» لفوزي العنتيل‪ .‬يضع إصبعه مباش������رة‬ ‫عل������ى اخليط اجلامع بني ه������ذه الدواوين‪ ،‬وهو‬ ‫خيط اللون األس������ود أو العنصرية‪ ،‬حيث يضيع‬ ‫الفن في علو الصوت والصراخ‪ ...‬في الفيتوري‬ ‫يرى أن������ه متكلف األلم‪ ،‬وينته������ي احلقد به إلى‬ ‫ع������رض أخوي‪ ،‬وهو ما يكاد يك������ون مألوفا عند‬ ‫محيي الدين ف������ارس أيضا‪ .‬في نق������د العنتيل‪،‬‬ ‫يس������تطرد إلى نقد الناس الذين رأوا في ش������عر‬ ‫العنتيل الغنائي «س������ ّماً في نفوس الناش������ئة»‪...‬‬ ‫كما يس������خر م������ن الكآب������ة املرضية في الش������عر‬ ‫الرومانطيكي عامة‪.‬‬ ‫في عدد خريف ‪ ،1957‬أيضا‪ ،‬ضربة نقدية‬ ‫ألنس������ي احلاج هي هنا في «س������لة شعر» لنقوال‬ ‫قربان‪ ،‬وكان قربان صيداً س������ه ً‬ ‫ال افترس������ه نقد‬ ‫أنسي‪« :‬الش������عر الذي يحضنه ديوان سلّة شعر‬ ‫هو إلنسان مريض اخليال يتعلق بنجمة زانية‪...‬‬ ‫وهو ش������اعر ال يرتفع إلى مس������توى مش������كالت‬ ‫بيئته وعصره»‪ .‬إنه «ش������اعر بادي اإلعياء‪ ،‬بادي‬ ‫الطفولة‪ ،‬لكن طفولته في غير محلها»‪.‬‬ ‫ل������م يبدأ أنس������ي احلاج بنش������ر قصائده في‬

‫‪89‬‬

‫‪august 87-93.indd 89‬‬


‫مجلة «ش������عر» إال ابتداء من ش������تاء ‪ ،1958‬حيث‬ ‫نش������ر قصائ������ده الثالث‪ ،‬ج������اءت متج������اورة مع‬ ‫قصائ������د املاغوط وقباني ورفق������ة وجبرا وبدوي‬ ‫اجلبل واجليوس������ي ويوس������ف الصائ������غ‪ .‬ما كنت‬ ‫كتبت������ه من تعليق ح��������ول قصائده‪ ،‬كلم������ة واحدة‬ ‫ه������ي «لذيذ»‪ ،‬متام������ا إلى جانب البي������ت التالي‪:‬‬ ‫«أريديني كجماعات تنقبر عندما ينطفئ الليل‪،‬‬ ‫إذا أردت أال أزع������ل»‪ .‬أرجح اآلن أن س������ر اللذة‬ ‫كائن في الغرابة‪ .‬يغيب الش������اعر عن عدد ربيع‬ ‫وصي������ف وخري������ف ‪ ،1958‬ليطل ف������ي آخر عدد‬ ‫ش������تاء ‪ 1959‬من خ���ل��ال ترجمة س������بع قصائد‬ ‫جل������اك بريفير‪ ،‬وكتابة دراس������ة مركزة عنه وعن‬ ‫شعره‪ ،‬حيث رأى فيه شاعرا «تط َّعم بالسوريالية‬ ‫وآم������ن باالش������تراكية وج������اور الوجودي������ة»‪ .‬يرى‬ ‫فيه أنه ش������اعر صورة «س������ينما» ينبع شعره من‬ ‫العنصر اخلام غي������ر املتداول‪« ...‬ال أثر للغيبات‬ ‫السحابية في شعره‪ ،‬إمنا هو شاعر أرض»‪ .‬وال‬ ‫يتهي������ب احلاج من أن يقول في بريفير‪ ،‬إنه ثرثار‬ ‫ومشعوذ وس������طحي ودميا جوجي‪ ،‬وإنه لم يؤمن‬ ‫بالله ألنه لم ي������ره‪« ...‬ولكنه يكتب مثلما يحكي‪،‬‬ ‫ويحكي مثلما يكتب»‪.‬‬

‫عودة احلاج إلى نقده‬

‫في عدد ربيع ‪ ،1959‬يعود احلاج إلى النقد‪،‬‬ ‫فيضع حت������ت مجهره «مدينة ب���ل��ا قلب» ألحمد‬ ‫عبداملعطي حجازي‪ ،‬وقصائد عربية لس������ليمان‬ ‫العيس������ى‪ ،‬وما يجمع بينهم������ا‪ ،‬على اختالف‪ ،‬هو‬ ‫صدورهما معاً عن دار اآلداب‪ .‬ال يقس������و احلاج‬ ‫عل������ى حجازي‪ ،‬بل يراه ش������اعراً انتقالياً‪ ،‬يحاول‬ ‫التخلص من الرومانطيكية‪ ،‬وأنه يعطي املراهقة‬ ‫نصيبها من احلزن قبل أن يودعها‪ ...‬لكنه يضرب‬ ‫ضربات قاس������ية في ديوان س������ليمان العيسى‪...‬‬ ‫«تقرأ ديوانه م������ن األلف إلى الياء‪ ،‬لتعود فتقرأه‬ ‫من الدال إلى امليم‪ ،‬ومن امليم إلى الدال‪ ،‬وكأنك‬ ‫لم تبدأ ولم تنته‪ .»...‬وهو يقارن بني الش������اعرين‬ ‫ف������ي كلمات أخيرة «لقد جمع أحمد حجازي بني‬ ‫الث������ورة القومية والث������ورة الفني������ة‪ ،‬فكانت ثورته‬ ‫ثورة‪ ،‬وجمع سليمان العيسى بني الثورة القومية‬ ‫والعبودية الفنية فجاءت ثورته نصفية»‪.‬‬ ‫في عدد صيف ‪ ،1959‬نقد لديوان «عائدون»‬

‫‪90‬‬

‫‪7/9/14 11:06:02 AM‬‬

‫للشاعر الفلسطيني يوس������ف اخلطيب‪ ...‬وكأنه‬ ‫اس������تطراد لنق������د خطابية س������ليمان العيس������ى‪،‬‬ ‫فيقول فيهما‪« :‬إنهما ش������اعران منبريان يندبان‬ ‫امليت نفسه‪ ،‬ويس������تبكيان بالطرق نفسها العيون‬ ‫نفسها»‪.‬‬ ‫صيد خريف ‪ 1959‬ألنسي احلاج‪ ،‬كان ديوان‬ ‫«س������اق على الدانوب» لهالل ناجي‪ ،‬حيث يتو ّلى‬ ‫قارئ هذا الديوان‪ ،‬شعور طافح باألسف‪ ،‬يلجئه‬ ‫إلى نفض اليد من كل بارقة أمل بتغيير الش������عر‬ ‫العربي املعاصر‪ .‬بل هو مواصلة الحتضار الشعر‬ ‫العربي التقليدي‪ ...‬من خالل ش������عر صحراوي‬ ‫معاصر‪ .‬وينهي احلاج بقوله‪« :‬نحن املعاصرين‪،‬‬ ‫نطلب شعراً من نوع آخر»‪.‬‬ ‫ال أث������ر لقلم أنس������ي احلاج في عدد ش������تاء‬ ‫‪ ،1960‬ليط������ل بثالث قصائد ف������ي ربيع ‪،1960‬‬ ‫كانت مالحظتي عليها هي «شعر كابوسي»‪« :‬مائة‬ ‫ألف مالك حتاصر أنف������ي»‪ .‬بعد هذه القصائد‬ ‫مباش������رة‪ ،‬قصيدة لهاني أبي صالح بالفرنس������ية‬ ‫مع ترجمته������ا العربية‪ ،‬بعنوان «رمقتني ش������مس‬ ‫عوراء»‪ ...‬س������يكون من الالف������ت وصول اليأس‬ ‫الشعري وتش������ويه الراهن إلى أقصاه يومذاك‪.‬‬ ‫يكت������ب أدونيس في العدد نفس������ه‪« ،‬مرثية القرن‬ ‫األول»‪« :‬ذاهل حتت شاشة النبوءة (مأخوذ بعني‬ ‫احلرباء) يا رجل قل لنا آية تأتي‪ .»...‬مالحظتي‬ ‫كانت‪« :‬الشعراء يتمزقون»‪ .‬ولم يكن لنا وقتذاك‬ ‫(في العام ‪ )1960‬غير عسكر وانقالبات وأناشيد‬ ‫نهوض قومي‪ .‬الشعراء لم يصدقوا‪ .‬الالفت نقد‬ ‫احل������اج لديوان «أغاني احلري������ة» للعراقي كاظم‬ ‫ج������واد‪ ،‬حيث «االصطناع واضح‪ ،‬وليس ينعش������ه‬ ‫أي حيلة بارعة»‪ .‬ويس������أل‪ :‬ما الش������عر احلديث؟‬ ‫وما عيب اخلطابية؟ لينتهي إلى نسف التواصل‬ ‫م������ع الش������عر العرب������ي التقليدي بكامل������ه‪ .‬يقول‪:‬‬ ‫«أول ما يس������طع في الش������عر احلديث انقطاعه‪،‬‬ ‫شخصية ووجهة‪ ،‬عن الش������عر العربي التقليدي‬ ‫ال في اجلاهلية وعصور اإلس���ل��ام وحس������ب‪ ،‬بل‬ ‫كل ش������عر عربي تقليدي م������ن امرئ القيس حتى‬ ‫اجلواه������ري وأمني نخلة»‪ ...‬في تلك الفترة‪ ،‬كان‬ ‫أنس������ي احلاج قد انتهى من وضع كتاب «مالمح‬ ‫من الشعر الفرنسي املعاصر»‪.‬‬ ‫في عدد صيف ‪ ،1960‬ينتقد أنس������ي احلاج‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 87-93.indd 90‬‬


‫ديوان «غابة األبنوس» للس������وداني صالح أحمد‬ ‫إبراهيم‪ ،‬وديوان «الصمت والرماد» للس������وداني‬ ‫اآلخ������ر محمد عثمان صالح‪ ...‬وهو يس������أل من‬ ‫البداية‪ :‬الرفق أم القسوة؟ ليستبعد الوجهني من‬ ‫محاكمة ما بني يديه من ش������عر س������وداني‪ ،‬حيث‬ ‫«ينعدم التوتر الش������عري فيه» و«يقع على البرودة‬ ‫والثرثرة»‪ ...‬هناك أيضاً لدى الشاعرين‪« ،‬حواش‬ ‫تفسيرية مؤذية‪ ،‬وسخف وتش������ابيه ساقطة»‪...‬‬ ‫كق������ول صالح‪« :‬أنا صرص ��ور ال أنف ��ع‪ /‬صرصور‬ ‫يصرخ ال ينفع»‪.‬‬ ‫في خريف ‪ ،1960‬كانت ألنسي احلاج مادتان‬ ‫مهمتان في العدد‪ ،‬أربع قصائد‪ ،‬وترجمة إحدى‬ ‫عشرة قصيدة مع دراسة عن أنطونان آرتو‪ .‬في‬ ‫قصيدة «هوية» كلمة مفتاح للش������اعر‪« :‬أخاف»‪.‬‬ ‫يلي ذلك‪« :‬الصخر ال يضغط صندوقي وتنتشر‬ ‫نظارتاي‪.»...‬‬ ‫املدهش حق������اً‪ ،‬واملؤثر‪ ،‬كان ترجمة أنس������ي‬ ‫احل������اج لقصائد أنطونان آرتو‪ ،‬والدراس������ة التي‬ ‫كتبها عنه‪ .‬إنه يعترف‪« :‬لن أستطيع أن أعطي عنه‬ ‫علي وال أستطيع»‪.‬‬ ‫دراسة منسجمة‪ ،‬إنه يربض ّ‬ ‫يغلبه في آرتو‪ ،‬شخصه‪ ،‬وكتابته املهتزة‪ .‬أمضى‬ ‫حياته بني املس������رح واملصح‪ .‬الس������رطان كان فيه‬ ‫وكانت كتابته تش������بهه‪ .‬كان خنيق جس������ده‪ ،‬وما‬ ‫الكتابة كلها سوى «نوع من اخلنزرة»‪.‬‬ ‫ليس باملجان هذا اإلعجاب احللولي من أنسي‬ ‫احلاج بآرتو‪ .‬هو إعجاب شديد اخلطورة وحاسم‬ ‫في تكون ش� � ��خصية أنس� � ��ي احلاج وشعره‪ .‬مقالة‬ ‫أنس� � ��ي احلاج في آرتو تقرأ دائما وال ننتهي منها‪.‬‬ ‫لس� � ��ت أدري إلى أي حد ميكن للشاعر أن يندفع‬ ‫في ش� � ��اعر آخر؟ وهل عليه‪ ،‬إذا اس� � ��تلزم األمر‪،‬‬ ‫�ت على هامش مقالت� � ��ه بآرتو الكلمات‬ ‫قتله؟ كتب� � � ُ‬ ‫التالية‪« :‬اقتله لتنجو»‪.‬‬ ‫في ش� � ��تاء ‪ 1964‬أيضاً أربع قصائد‪ ،‬خطابها‬ ‫�اس جداً كف� � ��أس‪ .‬يقول في إحداه� � ��ا «ما وراء‬ ‫ق� � � ٍ‬ ‫احلسد»‪« :‬أيها السعيد أنتزع عينيك»‪ .‬وفي واحدة‬ ‫يقول‪« :‬أخاف أن أقول كل شيء عن عاهاتي»‪.‬‬ ‫واض������ح أن كتابة أنس������ي احل������اج‪ ،‬بني جميع‬ ‫الكتابات احمليطة بها‪ ،‬كانت موضوعة كلغم‪ ،‬وأن‬ ‫أي خطوة فوقها كفيلة بتفجيرها‪ ،‬من ش������دة ما‬ ‫هي متحفزة وقابلة لالنفجار‪ .‬واحلال أنني كنت‬ ‫أنسي احلاج من مجلة «شعر» إلى آخر «اخلوامت»‬

‫‪7/9/14 11:06:06 AM‬‬

‫أس������أل نفس������ي حياله‪ :‬من أين له قوة االحتمال‬ ‫هذه؟‬ ‫حني صدر أول دواوينه «لن» عن مجلة شعر‬ ‫‪ ،1960‬كتبت خالدة سعيد تذكر أن أنسي احلاج‬ ‫ثائ������ر قبل أن يكون ش������اعراً‪ .‬ول������م أكن أجد في‬ ‫هذه اجلمل������ة ما يفيد‪ .‬فقد رأيت فيه انتش������ارا‬ ‫رهيب������ا حلالة آرت������و‪ ...‬عدوى آرثوي������ة خطيرة‪.‬‬ ‫كان واضحاً ذلك منه‪ ،‬حيث س������لمنا هو مفتاحه‬ ‫في مقدمته «نحن في زمن الس������رطان هنا وفي‬ ‫الداخل»‪ .‬دعك من قصيدة النثر‪ ،‬وما أدراك‪...‬‬ ‫ومن الوزن‪ ،‬وم������ا أدراك أيضا‪ ،‬لتدخل في كتابة‬ ‫«يشرشر منها الدم»‪ ...‬حتبها حتى ولو أصابتك‬ ‫بكل كآبات العالم وكوابيسه‪ .‬ولم يكن أحد يشبه‬ ‫أنس������ي احلاج يومذاك‪ ،‬في هذه الكتابة‪ ،‬س������وى‬ ‫نفسه‪ .‬واستمر هذا التشنج اآلرثوي‪ ،‬في قصيدة‬ ‫«اخلنزي������ر البري» (صي������ف ‪« :)1961‬أعر ُفك يا‬ ‫ملاّ ح الف������روج» يقول‪ ،‬وهو يتخيل «العارية» أمام‬ ‫أنف وناب اخلنزير‪ .‬لغة كنهش الذئاب‪.‬‬ ‫أنس������ي احلاج خطير ف������ي اللغ������ة‪ ...‬ما من‬ ‫ش������اعر إال ويظه������ر في اللغة‪ .‬في العدد نفس������ه‬ ‫نقد ملجموعة شوقي أبي شقرا «خطوات امللك»‪،‬‬ ‫يعترف أمامها‪ :‬نحتاج إلى نقطة انطالق‪ ،‬ويختار‬ ‫ه������ذه النقطة من «اجلبل اللبنان������ي»‪ ،‬من نظافة‬ ‫الترب������ة وبراءته������ا‪ ،‬واللغة البيض������اء‪ ،‬لكنه يضع‬

‫‪91‬‬

‫‪august 87-93.indd 91‬‬


‫إصبعه على ما يسميه «السم ّو ‪-‬‬ ‫واقع» في ش������عر أبي شقرا‪ ،‬من‬ ‫خالل ق������ول روفردي‪« :‬نصل إلى‬ ‫(السم ّو ‪ -‬واقع) بتقريب األشياء‬ ‫بعضه������ا م������ن البع������ض اآلخ������ر‪،‬‬ ‫بعالئقها األكث������ر نأياً‪ ،‬حتى غير‬ ‫املوج������ودة ظاه������راً‪ ،»...‬وكان أبو‬ ‫ش������قرا لم يقطع متاما مع الوزن‪،‬‬ ‫فاختار له أنس������ي احلاج‪ ،‬املقطع‬ ‫اجلمي������ل التالي‪« :‬أرف � ُ�ع الصخر‬ ‫حتي ��ة‪ /‬وعل ��ى العال ��م أخط ��و‪/‬‬ ‫خطواتي امللكية»‪.‬‬ ‫في نقده ملجموعتي «البئر املهجورة» و«قصائد‬ ‫في األربعني» ليوسف اخلال‪ ،‬طرح أنسي احلاج‬ ‫سؤاالً حول قدرة يوسف اخلال (املسيحي) على‬ ‫إجناب ضده‪ ...‬وأنه ال بُد أن يكون قد وصل إلى‬ ‫الش������فير‪ ،‬وإال ملا كان لتعب������ه أي معنى‪ ،‬إال معنى‬ ‫الهرم واالجترار وبداية العفونة‪ ...‬فقد كش������ف‬ ‫ع������ن «عبثية اإلمي������ان» لدى اخلال‪ ،‬وهي أش������د‬ ‫تعقيداً من عبثية اليأس‪.‬‬

‫مع الترجمة‬

‫في ش������تاء ‪ ،1962‬نشر أنس������ي احلاج ثماني‬ ‫قصائد‪ ،‬منها «الوداع» وفيها‪« :‬لي مع السماء زوج‬ ‫كلمات‪ /‬س ��تنزاحني ويرون قوالب الدم»‪ .‬ال شيء‬ ‫في ربي������ع ‪ ،1960‬في صي������ف ‪ 1962‬قصيدتان‪،‬‬ ‫وفي خريف ‪ 1962‬ترجمة ثالث عش������رة قصيدة‬ ‫ألندره بريتون ودراسة عنه‪ ،‬يرى فيها أن بريتون‬ ‫والتوه������ج» وأنه‬ ‫«جن������ح في احلل������م‪ ،‬في الغن������اء‬ ‫ّ‬ ‫رف������ع احلد الفاصل بني احلل������م والواقع‪ ،‬فضال‬ ‫عن اس������تعماله لألسطورة‪ ،‬واس������تعماله األلفاظ‬ ‫املهج������ورة ش������عرياً‪ ...‬وأن������ه كش������ف الغطاء عن‬ ‫«اجلم������ال األرعن» (بعبارته)‪ .‬في ش������تاء ‪1963‬‬ ‫قصيدت������ان‪ ،‬وفي ربيع ‪ 1963‬قصي������دة «ماموت‬ ‫وش������عتقات» كتبت قربها «حياكة أساطير»‪ .‬وفي‬ ‫صيف ‪« ،1963‬األس������ئلة املميتة»‪ ،‬مقدمة العدد‪،‬‬ ‫يكتب فيها أنسي احلاج‪« :‬نحن متمردون‪ ،‬مشيراً‬ ‫إلى أن ثمة من فس������د في هذه املسيرة‪ ،‬املفتوحة‬ ‫على التع ّثر جتاه «االشتهاء حُ‬ ‫امليي للخلق»‪.‬‬ ‫في عدد شتاء ‪ -‬ربيع ‪ ،1964‬نشرت قصيدة‬

‫‪92‬‬

‫‪7/9/14 11:06:09 AM‬‬

‫منس������وبة إللي������اس ع������وض بعنوان‬ ‫«س������وقاء»‪ ،‬وه������ي كتاب������ة أقرب ما‬ ‫تك������ون من بالغة فارغ������ة أو بالهة‬ ‫مقص������ودة‪ ،‬كالقول‪« :‬أي ��ن الصفا؟‬ ‫متى الصفى؟ وإن هدى ‪/‬في الليل‬ ‫طي ��ر ط ��وى‪ /‬جناح ��ا لف الس ��ما‪/‬‬ ‫جف الهوا‪ /‬زُراق زها‪ ...‬إلخ»‪ .‬األهم‬ ‫مقال «مأزق ما وراء اللغة»‪ :‬سوقاء‬ ‫الدكتور إلياس عوض ألنسي احلاج‪،‬‬ ‫في نهاية العدد نفسه‪ ،‬يرى فيه أن‬ ‫كتابة عوض شهادة ضد اللغة ضد‬ ‫األلفاظ‪ .‬وأن������ه «يجب أال يؤخذ كالتجديد وإمنا‬ ‫كاحلق‪ .‬احلق في الضحك من اللغة‪ ،‬واحلق في‬ ‫إظهار غباوته������ا‪ ،‬ألنه (كما يقول)‪« :‬حيث حتجر‬ ‫العقل وضاقت املخيل������ة‪ ،‬هنا هدف الرصاص»‪.‬‬ ‫وكن������ت كتبت جتاه ذلك اجلمل������ة التالية‪« :‬اللعبة‬ ‫كلها مصنعة‪ .‬لقد صنعوا للعربية متثاال من قش‬ ‫وأشعلوا فيه النار‪ .‬خلقوا نصاً فاسداً ليقتلوه»‪.‬‬ ‫في شتاء ‪ ،1967‬ثالث قصائد‪« :‬ماذا صنعت‬ ‫بالذهب ماذا فعلت بالوردة؟» و«فتاة فراشة فتاة»‪،‬‬ ‫و«قتلها حبيبها التنني»‪ .‬هنا تتطامن لغة أنس� � ��ي‬ ‫احل� � ��اج‪ ،‬وتهدأ‪ .‬ولعله قطع مس� � ��افة ش� � ��ائكة مع‬ ‫آرتوه‪ ،‬ليصل إلى صفاء ينابيع «نش ��يد األناشيد»‪:‬‬ ‫«انقلوني إلى جميع اللغات لتس ��معني حبيبتي‪/‬‬ ‫انقلوني إلى جمي ��ع األماكن ألحصر حبيبي»‪...‬‬ ‫ولعل احلب جعله يرق ويصفو‪« :‬حلمت فتاة أنها‬ ‫فراش ��ة‪ /‬وقام ��ت‪ /‬فل ��م تعد تع ��رف إذا كانت فتاة‬ ‫حلمت أنها فراشة‪ /‬أو فراشة حتلم أنها فتاة»‪.‬‬ ‫في العدد ‪( 35‬صي� � ��ف ‪ )1967‬حوار مزدوج‬ ‫ومبتكر‪ ،‬ب� �ي��ن كل من «أ» (أنس� � ��ي احلاج) و«ش»‬ ‫(شوقي أبو شقرا)‪ ،‬وبني «أ» (احلاج) و«ن» (ناديا‬ ‫تويني) حول احلرب‪.‬‬ ‫في شتاء ‪ 1968‬خمس قصائد للحاج‪ ،‬املفاجأة‬ ‫فيه� � ��ا هي الثالثة بعنوان «الذئب»‪ ،‬تكتش� � ��ف أنها‬ ‫موزونة على مفاعلن وجوازاتها (مستفعلن‪)...‬‬ ‫من أوله������ا حتى آخرها‪« :‬في قص ��ص الكبار‬ ‫للصغ ��ار‪ /‬ذئ ��ب يك ��ون نائم ��ا‪ ...‬وراء بس ��تان من‬ ‫األزهار‪ ...‬ويوم لم يعد‪ /‬يأكلني الذئب لكي أنام‪/‬‬ ‫ومت من ش ��وقي إليك‪ /‬يا‬ ‫بكيت عش ��رين س ��نة‪ّ /‬‬ ‫ذئب من شوقي إليك»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 87-93.indd 92‬‬


‫غاب أنسي احلاج عن أعداد شتاء وربيع وصيف‬ ‫‪ ،1969‬ليظهر في ع� � ��دد خريف ‪ 1970‬في قصائد‬ ‫«حت� � ��ت حطب الغضب»‪« :‬ما ع ��دت أحتمل األرض‪/‬‬ ‫فاألكب ��ر م ��ن األرض ال يحتملها»‪ ...‬وكان ذلك آخر‬ ‫عهده باملجلة‪ ،‬وآخر عهد املجلة بالصدور‪.‬‬

‫الرهبة‪ :‬متماسك غير متماثل‬

‫ال انفصام بني نقد أنس������ي احلاج وقصائده‬ ‫وكلماته وخوامت������ه‪ .‬إنه يتحرك بكليته كفيلق أو‬ ‫كبح������ر‪ .‬وال يعني ذلك أن������ه متماثل على امتداد‬ ‫مراحل������ه‪ .‬فهو متماس������ك ولكنه غي������ر متماثل‪.‬‬ ‫إن������ه في هيجانه متماس������ك كما هو متماس������ك‬ ‫ف������ي تطامنه‪ .‬وه������و مش������مول بالرهب������ة‪ ،‬وهو‬ ‫م������ا يجمعني به‪ ،‬اخل������وف‪ .‬ولعل ذل������ك هو ما‬ ‫ص َوره‬ ‫جعلني أرس������م له عل������ى كتبه ومقاالت������ه‪ُ ،‬‬ ‫كغائ������ب‪ ...‬لكنني س������أذكر في النهاي������ة‪ ،‬األمر‬ ‫التالي‪ :‬إن������ه يتعلق بدي������وان «الوليم������ة»‪ .‬تاريخ‬ ‫صدور الطبعة األول������ى هو يناير كانون الثاني‪،‬‬ ‫‪( 1994‬عن دار رياض الر ّيس للكتب والنش������ر)‪.‬‬ ‫صور‬ ‫عمر الكتاب في مكتبتي عش������رون س������نة‪ُ .‬‬ ‫الوج������وه النس������ائية على الغ���ل��اف وبعض صور‬ ‫الداخل حملمود الزيباوي‪ ،‬منحها الزمن ش������يئاً‬ ‫م������ن التعتيق‪ ،‬فغل������ب عليها الل������ون الفخاري أو‬

‫النحاس������ي املطروق‪ .‬لكن ما أدهش������ني‪ ،‬هو ما‬ ‫خطه ماء تس������رب إلى بعض صفحات الكتاب‪،‬‬ ‫وترك أشكاالً غريبة بعدما ّ‬ ‫جف‪ ...‬وقد أحاط‬ ‫بالصفحة األولى البيضاء‪ ،‬رسم مائي محروق‪،‬‬ ‫هام������ش من أعلى إلى أس������فل‪ ،‬في داخله‪ ،‬كنت‬ ‫كتب������ت التالي حول الدي������وان‪« :‬قصائد الوليمة‬ ‫كثيرة الش������حن‪ ،‬حلدود ال تط������اق أحيانا‪ ،‬كثيرة‬ ‫املفاجآت‪ ...‬ال أش������كو جتاهه������ا من غموض بل‬ ‫من رهبة‪ .‬أنسي احلاج مجنون باحلرية‪ ،‬غ ّواص‬ ‫على ذاته املعقدة املطمورة حتت أجس������اد كثيرة‬ ‫من التوراة واإلجنيل وش������عراء من فرنسا‪ ،‬وهو‬ ‫يعرف بالتأكيد األس������اس اإليقاع������ي (الوزني)‬ ‫للش������عر العرب������ي‪ ،‬لكنه يتالفاه ويقدمه خلس������ة‬ ‫ف������ي مطلع نص واحد من قصي������دة بعنوان «من‬ ‫الذراع���ي��ن»‪ ،‬فيقول‪« :‬نازلة مع الهواء ش ��عرها‪/‬‬ ‫يطول من رموشها نحيبي» ثم يشوش بعد ذلك‬ ‫هذا االنتظام التفعيل������ي ليقول‪« :‬تضحك ألني‬ ‫األضع ��ف‪ /‬أضعف ألنه ��ا تضح ��ك»‪ ،‬لكنه يعود‬ ‫النتظامه من خالل قوله‪« :‬ال ش ��يء في آثارها‪/‬‬ ‫وكلم ��ا حلت ضحكتها»‪ ،‬ثم س������رعان ما يس������أم‬ ‫ه������ذا اإليقاع ليعود إلى قلقه الذي داخله‪ ،‬قلقه‬ ‫الش������هي البهي اجلوال‪ ،‬في احلال وفي البلبال»‬ ‫وأرخت صباح ‪> 1994/2/12‬‬

‫جدا‪ ،‬مدحه إنس ��ان بقصيدة‪ ،‬فقال له‪ :‬كم أملت منا‬ ‫< كان املتنب ��ي بخي�ل ً�ا ً‬ ‫عل ��ى مدحك؟! قال‪ :‬عش ��رة دنانير‪ ،‬ق ��ال له‪ :‬والله ل ��و ندفت قطن األرض‬ ‫بقوس السماء‪ ،‬على جباه املالئكة ما دفعت لك دانقً ا!‬ ‫< م ��دح رجل هش ��ام بن عبدامللك فقال له هش ��ام‪ :‬يا ه ��ذا‪ ،‬إنه قد نُهي عن‬ ‫مدح الرجل في وجهه‪ ،‬فقال له‪ :‬ما مدحتك وإمنا ذكرتك بنعم الله عليك‬ ‫شكرا‪ ،‬فقال له هشام‪ :‬هذا أحسن من املدح‪ ،‬وأمر له بصلة‪.‬‬ ‫لتجدد له ً‬

‫أنسي احلاج من مجلة «شعر» إلى آخر «اخلوامت»‬

‫‪7/9/14 11:06:13 AM‬‬

‫‪93‬‬

‫‪august 87-93.indd 93‬‬


‫شخصيات‬

‫مانديال‬ ‫املعاصر‬ ‫التاريخ‬ ‫َر ُج ُل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫د ‪ .‬عصام احلاج علي *‬

‫م ��ن ه ��و مانديال؟ إنه‪« :‬مناضل جنوب إفريقيا الذي ال يهزم» ولد في ‪ 18‬يوليو ‪ُ ،1918‬عرف‬ ‫في طفولته باس ��م عش ��يرته «ماديبا» وعاش ش ��بابه وكهولته حتى قضى ويس ��مى «نيلس ��ون‬ ‫ماندي�ل�ا»‪ ،‬وعرف في صغره بشراس ��ته وعن ��اده حتى لقبه والده بالعنيد و«املش ��اكس»‪ ،‬ولعل‬ ‫هذه الصفات اخللوقية‪ ،‬وحياة الفاقة التي عاشها واجلو املشحون بالظلم والقهر والتمييز‬ ‫العنص ��ري‪ ،‬جعل ��ت منه‪ ،‬وعلى مر الس ��نني‪ ،‬بطال قومي ًا تفتخر به األجي ��ال الصاعدة التي‬ ‫تنشد احلرية واحلياة الكرمية‬ ‫يعتب� � ��ره الباحث س� � ��عيد خطيبي»‪« :‬واحداً‬ ‫م� � ��ن أهم رموز مواجهة التمييز العنصري‪،‬‬ ‫وسطوة األبيض على األسود»‪ ،‬فهو الشاب‬ ‫املقاوم الش� � ��رس ال� � ��ذي هز الرأي الع� � ��ام الدولي‪ ،‬في‬ ‫النص� � ��ف الثاني من القرن املاض� � ��ي‪ ،‬والذي حتول مع‬ ‫األيام من منتفض محلي إلى بطل أممي وهو ش� � ��اهد‬ ‫عي� � ��ان على فت� � ��رة من أكث� � ��ر فترات التاري� � ��خ املعاصر‬ ‫أهله ليصير‪« :‬وش� � ��ما على الذاكرة‪ ،‬وأيقونة‬ ‫حرجا‪ ،‬ما ّ‬ ‫ثابت� � ��ة تتوارثها أجي� � ��ال القارة الس� � ��مراء وعنوانا بارزا‬ ‫في مش� � ��روع التأس� � ��يس لعالم مثالي‪ ...‬يخلص شعوب‬ ‫العالم الثال� � ��ث من بقايا وتراكم� � ��ات األنظمة األوربية‬ ‫التقليدية»‪.‬‬ ‫وماندي� �ل��ا‪ ،‬برأيي املتواضع‪ ،‬هو‪ :‬الفاحت األكبر في‬ ‫التاريخ املعاصر ‪ ،‬فقد فتح جس� � ��راً أمام شعب متعدد‬ ‫الهوي� � ��ات‪ ،‬لالنتقال بس� �ل��ام من ضفة االس� � ��تعباد إلى‬ ‫ضف� � ��ة التحرير ‪ ،‬والواض� � ��ح أن الرجل لم يصنع مجداً‬ ‫لنفس� � ��ه فحس� � ��ب‪ ،‬بل لش� � ��عب بأكمله عانى الكثير من‬

‫الظلم والقهر والتمييز العنصري بجميع أش� � ��كاله‪ .‬لذا‬ ‫أصب� � ��ح رمزاً من رموز العصر احلديث ومحط إجماع‬ ‫في الداخ� � ��ل واخلارج‪ ،‬وهو ب� � ��رأي البعض‪ :‬واحد من‬ ‫أهم ش� � ��خصيات األلفية الثاني� � ��ة وأجده بدوري‪ :‬رجل‬ ‫التاري� � ��خ املعاصر بعد أن وض� � ��ع قواعد حياة جديدة‪،‬‬ ‫وأس� � ��س لوطنية معاصرة بعيدة عن التسلط والهيمنة‬ ‫األجنبي� � ��ة‪ .‬وأن عمله النضالي رش� � ��حه ليكون مرجعية‬ ‫وحافزاً للمناضلني ضد االس� � ��تعمار واحملتل البغيض‪،‬‬ ‫وال مراء إذا قيل فيه‪ :‬إنه وهب حياته دفاعاً عن قضية‬ ‫عادلة‪ ،‬كما منح الش� � ��باب املتحمس رمزية يدافعون بها‬ ‫ع� � ��ن قضاياهم احملقة‪ ،‬وباختص� � ��ار فإن مانديال برأي‬ ‫اخلطيبي هو كتاب مفتوح ميكن العودة إليه متى شئنا‬ ‫لق� � ��راءة ماض قريب حتققت فيه إجن� � ��ازات كبرى في‬ ‫وقت قصير‪.‬‬ ‫ومن املف� � ��رح واحملزن ف� � ��ي آن‪ ،‬ما قي� � ����ل فيه أنه‪:‬‬ ‫«ولد ف� � ��ي املوت وكبر ف� � ��ي املوت»‪ ،‬بحس� � ��ب الباحث‬ ‫عماد س� � ��تيتو‪ ،‬مس� � ��تنداً في ذلك إلى قصيدة الشاعر‬

‫* أكادميي من لبنان‬

‫‪94‬‬

‫‪7/9/14 11:06:43 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 94-98.indd 94‬‬


‫مانديال‪ ...‬رجل التاريخ املعاصر‬

‫‪7/9/14 11:06:48 AM‬‬

‫‪95‬‬

‫‪august 94-98.indd 95‬‬


‫الس� � ��وداني محمد الفيتوري‪ ،‬والس� � ��ؤال املطروح‪ :‬هل‬ ‫صحي� � ��ح ما قي� � ��ل فيه؟ أم أن� � ��ه ولد من رح� � ��م احلياة‬ ‫الغاضب� � ��ة‪ ،‬وعاش حياة الكفاح والنض� � ��ال التي تنبض‬ ‫مبجاهدة احليف ومصارع� � ��ة الظلم لدفع املوت الذي‬ ‫يفتك بشعبه وأبناء أمته؟‬ ‫ول� � ��و تركنا هذه التس� � ��اؤالت وانتقلن� � ��ا إلى مرحلة‬ ‫ش� � ��باب مانديال‪ ،‬والتي انكب فيها على دراسة القانون‬ ‫رغب� � ��ة منه في الدفاع عن حق� � ��وق املظلومني من أبناء‬ ‫جلدت� � ��ه‪ ،‬وبالتالي ليتعرف عن كث� � ��ب ما للمواطنني من‬ ‫حق� � ��وق وم� � ��ا عليهم م� � ��ن واجبات ويك� � ��ون دفاعه وفق‬ ‫األنظمة السائدة في البالد‪ ،‬ولكن بعد عمله باحملاماة‬ ‫سرعان ما انخرط في العمل السياسي الذي استحوذ‬ ‫على كل وقته وتفكيره‪.‬‬

‫حياته العاطفية والزوجية‬

‫من الالف� � ��ت أن العمل السياس� � ��ي الذي عش� � ��قه‬ ‫مانديال لم ينس� � ��ه االس� � ��تجابة إلى رعشات قلبه‪ ،‬فقد‬ ‫كان ميتلك قلبا متلهف� � ��ا دائما للحب ألنه مصدر قوته‬ ‫وصم� � ��وده أم� � ��ام نكبات الزم� � ��ن‪ ،‬وفي يقينه بحس� � ��ب‬ ‫الباحث منير آوالد اجلياللي‪ :‬إن الذي يصنع املعجزات‬ ‫العظيم� � ��ة هو احل� � ��ب ‪ ،‬لذا جند م� � ��ن الصعب الفصل‬ ‫ب� �ي��ن حياة مانديال الش� � ��خصية والعاطفية وبني حياته‬ ‫السياس� � ��ية والنضالية‪ ،‬فالرج� � ��ل وحدة متكاملة جتمع‬ ‫كل املواصفات اإلنسانية والعاطفية إلى جانب حماسه‬

‫‪96‬‬

‫‪7/9/14 11:06:53 AM‬‬

‫النضالي املتأجج في داخله‪ ،‬والذي أحدث زلزاالً كبيراً‬ ‫في أمناط احلكم‪ ،‬ما أدى إلى إلغاء التس� � ��لط البغيض‬ ‫على الشعوب املغلوبة على أمرها‪.‬‬ ‫فماندي� �ل��ا املناضل الصلب‪ ،‬هو نفس� � ��ه العاش� � ��ق‬ ‫األني� � ��ق كما يصفه اجلياللي فقد ظل وفيا‪ ،‬حتى وهو‬ ‫يتنقل بني س� � ��جون جنوب إفريقيا ومستشفياتها‪ ،‬إلى‬ ‫نداء قلبه الذي تقاس� � ��مته وجوه نساء كثيرات مع حبه‬ ‫الكبير لوطنه‪ ،‬فهو ال يحب أن يكون خائفاً من احلب أو‬ ‫بعيدا عنه‪ ،‬ألن احلب بنظره‪ :‬عظيم اإللهام ‪.‬‬ ‫أح� � ��ب مانديال الكثيرات‪ ،‬إال أنه تزوج ثالث مرات‬ ‫وبدأت محاولته األولى لل� � ��زواج في عام ‪ 1940‬عندما‬ ‫رفض ال� � ��زواج ممن اختارتها له عائلت� � ��ه‪ ،‬وكان زواجه‬ ‫األول ال� � ��ذي كلل بالنجاح في العام ‪ 1944‬من الس� � ��يدة‬ ‫افلني نتوكماس� � ��ي‪ ،‬أجنب منها ابنتني وولدين‪ ،‬قبل أن‬ ‫ينفص� �ل��ا في العام ‪ ،1957‬بس� � ��بب التزاماته النضالية‬ ‫والثوري� � ��ة التي كانت تأخذ معظ� � ��م وقته‪ .‬بعدها عاش‬ ‫مانديال حلظات عاطفية قوية وس� � ��ط أوضاع سياسية‬ ‫متقلبة أس� � ��فرت ع� � ��ن زواجه الثاني ف� � ��ي العام ‪1958‬‬ ‫م� � ��ن ويني مد يكيزي� �ل��ا االخصائي� � ��ة االجتماعية بنت‬ ‫االثن� �ي��ن والعش� � ��رين ربيعا‪ ،‬وأجنب منه� � ��ا بنتني‪ ،‬وبعد‬ ‫عش� � ��ر س� � ��نوات من زواجهما ُحكم عليه بالسجن مدى‬ ‫احلياة ليقضي سبعة وعش� � ��رين عاماً من عمره خلف‬ ‫القضبان‪ ،‬وبعد مرور س� � ��نتني على إطالق سراحه من‬ ‫الس� � ��جن انفصل مانديال عن ويني في العام ‪ 1992‬ثم‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 94-98.indd 96‬‬


‫طلقها رسميا عام ‪ .1996‬ويعزز اجلياللي سبب ذلك‬ ‫إلى تورط ويني في فضائح سياس� � ��ية عديدة وقضايا‬ ‫فساد واستغالل نفوذ‪ ،‬وانخراطها في أعمال متطرفة‬ ‫أساءت كثيراً إلى رمزيته والتزامه وهو داخل زنزانته‪،‬‬ ‫ما أس� � ��اء إلى منهجه السياسي وخطه النضالي القائم‬ ‫عل� � ��ى املصاحلة الوطنية‪ ،‬والتجمي� � ��ع العرقي من أجل‬ ‫مناهضة االس� � ��تبداد والتمييز العنص� � ��ري‪ .‬وفي عيد‬ ‫ميالده الثمانني املصادف في يوليو ‪ /‬متوز ‪ 1998‬تزوج‬ ‫مانديال للمرة الثالثة من غراسا ماشيل أرملة سامورا‬ ‫ماشيل رئيس موزمبيق وحليف حزب املؤمتر الوطني‬ ‫اإلفريقي‪ ،‬والتي كانت أول وزيرة للتربية والثقافة بعد‬ ‫استقالل بالدها‪.‬‬

‫النمر األسمر خلف قضبان زنزانته‬

‫احلقيق� � ��ة أن املتتبع لس� � ��يرة حياة مانديال يالحظ‬ ‫بوض� � ��وح التغيير الكبير الذي حص� � ��ل في حياته‪ ،‬فقد‬ ‫أصبح إنساناً آخر بعد سبعة وعشرين عاماً من القهر‬ ‫والظلم والوحدة في زنزانته املظلمة‪ ،‬فبعد أن كان في‬ ‫أول حياته النضالية مجرد ناش� � ��ط سياس� � ��ي بصفته‬ ‫عضواً ف� � ��ي منظمة قيادة جن� � ��وب إفريقيا‪ ،‬وكرس كل‬ ‫أوقاته للعمل دون هواده‪ ،‬فجأة وجد نفسه وحيداً خلف‬ ‫القضبان‪ ،‬واعترته حالة من الهدوء والصفاء الذهني‪،‬‬ ‫وبدأ يسترجع مسلسل حياته املاضية‪ ،‬وبخاصة عندما‬ ‫خ� � ��ذل عائلته برفضه الزواج مم� � ��ن اختارتها له‪ ،‬وكان‬ ‫ذلك صدمة قوية لهم‪.‬‬ ‫وبحس� � ��ب تصريحاته في مقابلة أجرتها معه إحدى‬ ‫املذيعات األمريكيات وترجمتها راجية حمدي فقد كان‬ ‫يعاتب نفس� � ��ه وهو في السجن لعدم تقديره لألشخاص‬ ‫الذين قدموا له يد املساعدة إبان دراسته‪ ،‬وعقد العزم‬ ‫بعد إطالق س� � ��راحه على الوفاء لكل من وقف بجانبه‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬فقط داخل السجن بدأت التفكير في كل الوجوه‬ ‫الت� � ��ي وقفت بجانبي‪ ،‬أخذت أتس� � ��اءل‪ :‬مل� � ��اذا لم أبلغهم‬ ‫حينها بامتناني لكل ما فعلوه من أجلي؟ شعرت بضآلتي‬ ‫وسوء تصرفي جتاه كرمهم معي ودعمهم لي طوال تلك‬ ‫السنني‪ ،‬حينها‪ ،‬عاهدت نفس� � ��ي على أنه إذا تسنى لي‬ ‫اخلروج من السجن فسأرد اجلميل لكل من ساعدني ‪.‬‬ ‫كما انصب كل تفكيره ف� � ��ي الطبقة الكادحة التي‬ ‫يعاني أفراده� � ��ا العوز واملرض‪ ،‬وصمم على أن يقضي‬ ‫ما تبقى من حياته في مس� � ��اعدة الفقراء‪ ،‬بل مواجهة‬ ‫الفقر (العدو األكبر لإلنسانية)‪ ،‬إذا وفق بتحرير أبناء‬ ‫مانديال‪ ...‬رجل التاريخ املعاصر‬

‫‪7/9/14 11:06:57 AM‬‬

‫أمت� � ��ه من الفقر واجلهل يكون قد خطا نحو الس� � ��عادة‬ ‫التي يحلم بها‪.‬‬ ‫من هذا املنطق قرر مانديال أن يضع خطة حلياته‬ ‫املس� � ��تقبلية بعد خروجه من الس� � ��جن‪ ،‬وف� � ��ي طليعتها‬ ‫تأمني الس� � ��عادة للطبقة الكادحة ول� � ��و باحلد األدنى‪،‬‬ ‫وبرأي� � ��ه ميكن أن يتحقق ذلك م� � ��ن خالل بناء املدارس‬ ‫واملستش� � ��فيات وتق� � ��دمي املن� � ��ح الدراس� � ��ية‪ ،‬وبخاصة‬ ‫لألطف� � ��ال للتخفي� � ��ف من ظاهرة األمية املتفش� � ��ية في‬ ‫مجتمعه‪ ،‬لهذا كان خالل وجوده في الس� � ��جن يش� � ��جع‬ ‫أصحابه على متابعة حتصيلهم العلمي‪ ،‬حتى استطاع‬ ‫بعضهم اخلروج من االعتقال‪ ،‬وقد حصل على أكثر من‬ ‫درجة علمية‪ ،‬في هذا الس� � ��ياق كان يقول‪« :‬ال تستطيع‬ ‫أي أم� � ��ة النهوض من دون العلم‪ .‬فقط من أمتلكوا هبة‬ ‫العلم هم من يقودون تقدم األمم‪ ..‬وأن حتصني أنفسنا‬ ‫بالعلم كان مبنزلة امتالك السالح لنيل احلرية»‪.‬‬ ‫وفي الس� � ��جن املظلم‪ ،‬أمضى مانديال حوالي ربع‬ ‫ق� � ��رن من حياته‪ ،‬قض� � ��ى منها في جزي� � ��رة روبن أكثر‬ ‫من ثمانية عش� � ��ر عاماً‪ ،‬حينها رأى بناته عندما كانت‬ ‫أعمارهن تتراوح بني عامني وثالثة‪ ،‬وبعدها لم يراهن‬ ‫مرة أخرى حتى بلغن نحوالسادس� � ��ة عشرة‪ ،‬كما سجن‬ ‫في جنوب إفريقيا في س� � ��جن فيكتور فيرس� � ��ير‪ ،‬وكان‬ ‫الس� � ��جن محاصراً برج� � ��ال الش� � ��رطة واجليش‪ ،‬هذا‬ ‫بشهادة جان غيلوانو كاتب سيرة مانديال‪.‬‬ ‫ويصرح مانديال ف� � ��ي مقابلة مع املذيعة األمريكية‪،‬‬ ‫بأنه لم ير أحداً طوال م� � ��دة عقوبته‪ ،‬وفي نظره‪« :‬هذه‬ ‫واح� � ��دة من أقس� � ��ى العقوبات التي ميك� � ��ن أن يفرضها‬ ‫الس� � ��جن» وحقيقة األمر أنه م� � ��ن الصعب على املرء أن‬ ‫يتص� � ��ور احلياة م� � ��ن دون قدرته على مالمس� � ��ة أبنائه‬ ‫وعناقهم‪ ،‬أو عل� � ��ى األقل رؤيتهم‪ ،‬وهذه هي اخلس� � ��ارة‬ ‫األف� � ��دح التي تكبده� � ��ا مانديال بوج� � ��وده داخل جدران‬ ‫السجن‪.‬‬ ‫لق� � ��د كان مانديال في زنزانته يفعل كل ما يحلو له‬ ‫مثل أداء الرياضة صباحاً ومساء‪ ،‬كما وفر له السجن‬ ‫الطع� � ��ام ثالث مرات في الي� � ��وم‪ ،‬واملالبس الضرورية‪،‬‬ ‫واخلدمات الطبية‪ ،‬وكان ينام ملدة اثنتي عش� � ��رة ساعة‬ ‫متتالية‪ ،‬وهذا كان ينغص عليه حياته رغم مرارتها‪ ،‬ألن‬ ‫بعض الناس خارج السجن لم يحصلوا على ما يحصل‬ ‫عليه هو داخل الس� � ��جن‪ ،‬وعلى الرغ� � ��م من أن زنزانته‬ ‫كانت تغلق في الرابعة مساء وحتى اليوم التالي‪ ،‬ومتكن‬ ‫بدهائه وحنكته من أن يبقى على اتصال بأخبار العالم‬

‫‪97‬‬

‫‪august 94-98.indd 97‬‬


‫اخلارج� � ��ي‪ ،‬فق� � ��د أنش� � ��أ صداقة مع بع� � ��ض احلراس‬ ‫الذين كانوا يتكرم� � ��ون عليه في أخذه إلى مكان تفريغ‬ ‫النفايات‪ ،‬حيث يجد هن� � ��اك الصحف القدمية فيقوم‬ ‫بتنظيفها ويأخذها إلى زنزانته لقراءتها في السر‪.‬‬ ‫واملالحظ في شخصية مانديال‪ ،‬أنه كان متماسكا‬ ‫ومتفائ� �ل��ا بالعودة إلى احلرية عل� � ��ى الرغم من احملن‬ ‫الت� � ��ي كان يعانيها في س� � ��جنه‪ ،‬فهو يرى أن حريته هي‬ ‫حرية ش� � ��عبه وأبناء جلدته‪ ،‬ل� � ��ذا كان يقول‪ :‬احلرية ال‬ ‫ميكن أن تعطى على جرعات‪ ،‬فاملرء إما أن يكون حراً‬ ‫أو ال يكون ح� � ��را و اجلبناء ميوتون مرات عديدة قبل‬ ‫موتهم‪ ،‬والشجاع ال ميوت إال مرة واحدة ‪ .‬ومما ساعد‬ ‫مانديال على الصمود في س� � ��جنه‪ ،‬أنه كان يقرأ أشعار‬ ‫احلم� � ��اس التي تق� � ��وي عزميته‪ ،‬فذك� � ��ر الباحث عماد‬ ‫ستيتو أن مانديال قضى حوالي ربع قرن يكرر قصيدة‬ ‫واحدة كتبها ش� � ��اعر اسكتلندي بعنوان الرجل الذي ال‬ ‫ميكن قهره ومما جاء فيها‪:‬‬ ‫أشكر الرب في كل األحوال‪ /‬إذ رفع روحي إلى أعالي‬ ‫الس ��حاب‪ /‬أمام قبضة النصيب لم أفزع ولم أبكي جهر ًا‬ ‫وحتت مطرقة املصير نزف رأسي‪ ،‬ولكن لم ينحن‪...‬‬

‫مانديال على درب احلرية‬

‫وبع� � ��د طول معان� � ��اة مت اإلفراج ع� � ��ن مانديال في‬ ‫احلادي عشر من فبراير‪ ،1990‬وفق مقالة سارة تيسير‬ ‫وترجمة عبدالله كمون‪ .‬ولم يخرج من س� � ��جنه منهزما‬ ‫أو ذلي� �ل��ا‪ ،‬وإمن� � ��ا كان كالنمر املنتصر عل� � ��ى جالديه‪،‬‬ ‫فظهر من بني اجلموع ش� � ��اهراً قبضته‪ ،‬وزوجته ويني‬ ‫آخ� � ��ذة بذراعه‪ ،‬وما إن نال حريته حتى أصبح إنس� � ��انا‬ ‫آخ� � ��ر‪ ،‬فبع� � ��د أن كان في بدايات حياته ش� � ��اباً مغروراً‬ ‫س� � ��رعان ما تخلص من تل� � ��ك الصفة التي لم جتلب له‬ ‫شيئاً‪ ،‬بحسب قوله‪ :‬إال األعداء ‪ .‬فقد كان يعمل‪ ،‬وهو‬ ‫في زنزانته‪ ،‬على ترويض نفس� � ��ه حتى صار أقل غروراً‬ ‫وعدائية مما كان عليه قبل دخوله الس� � ��جن‪ ،‬فقد كان‬ ‫يسلح نفسه بقراءة روائع األدب وبخاصة رواية عناقيد‬ ‫الغضب‪ ،‬فيقول عن نفسه في إحدى املقابالت‪« :‬تركت‬ ‫الس� � ��جن أكثر وعياً عما كنت عليه‪ ،‬وعندما يزيد وعي‬ ‫املرء تقل عدائيته وغروره»‪.‬‬

‫تأثيره في الشعر والسينما والفن‬

‫وإلى جانب كون ماندي� �ل��ا نقطة اجتماع املبدعني‬ ‫في الشعر‪ ،‬والس� � ��ينما‪ ،‬واملوسيقى‪ ،‬يرى سعد خطيبي‬

‫‪98‬‬

‫‪7/9/14 11:07:05 AM‬‬

‫أنه أصبح الرمز والصورة احلاضرة في كل مكان‪ :‬في‬ ‫املقاه� � ��ي‪ ،‬األمكنة العامة‪ ،‬امل� � ��دارس‪ ،‬اجلامعات‪ ،‬على‬ ‫جدران الش� � ��وارع‪ ،‬وعلى القمص� � ��ان‪ ،‬وواجهات احملال‬ ‫التجارية‪ ،‬وعلى شاش� � ��ات الهواتف اجلوالة‪ .‬وكل ذلك‬ ‫ألن مانديال بش� � ��هادة الكاتبة نادين غوردميير هو «أبو‬ ‫أمة جنوب إفريقيا» بعد أن أسس لوطنية جديدة ‪ ،‬وأن‬ ‫عمله امليداني رشحه ليكون مرجعية حياتية فهو حكيم‬ ‫بزي إنسان بسيط‪.‬‬

‫نهاية رجل شجاع‬

‫في ‪ 18‬يوليو ‪ 2013‬بلغ مانديال اخلامسة والتسعني‬ ‫من عم� � ��ره‪ ،‬بعد أن حقق ألمته كل م� � ��ا تصبو إليه من‬ ‫املجد‪ ،‬كما حقق الش� � ��هرة العاملية الواس� � ��عة ملشروعه‬ ‫النضال� � ��ي‪ ،‬بعد أن تخطى كل احملن واملآس� � ��ي‪ .‬وأثبت‬ ‫بحق إن إفريقيا تلك القارة املظلومة دائماً‪ ،‬هي بحاجة‬ ‫ماس� � ��ة إلى رجل ش� � ��جاع وحكيم مثله‪ ،‬وقد برهن على‬ ‫ذل� � ��ك حينما جنح في إنقاذ ب� �ل��اده من احلرب األهلية‬ ‫احملتملة‪ .‬وفي ‪ 5‬ديسمبر ‪ 2013‬وبعد صراع طويل مع‬ ‫الغاصبني واملرض‪ ،‬واجه مانديال املوت بشجاعة‪ ،‬كما‬ ‫واجه احلياة بشجاعة وثبات‪.‬‬ ‫وإن رحل مانديال! فس� � ��يبقى ش� � ��علة نضال تنير‬ ‫الدرب أمام املجاهدين الش� � ��رفاء الذين يتطلعون إلى‬ ‫غد مشرق باألمل واحلرية واحلياة الشريفة >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 94-98.indd 98‬‬


‫نقد‬

‫السردية النسائية‪...‬‬ ‫مغامرة‬ ‫ّ‬

‫حول ُهو ّية املرأة وجنس الرواية‬ ‫د‪ .‬محمد الشحات *‬

‫ً‬ ‫سلطة عليا وسالحا فتّاكا ملواجهة اخلارجني أو‬ ‫تتكئ املجتمعات على «اللغة» باعتبارها‬ ‫املرتدين‪ ،‬اجتماعيا أو دينيا أو سياسيا أو أيديولوجيا‪ ،‬وهي تستخدم في ذلك‬ ‫املارقني أو‬ ‫ّ‬ ‫أسلحتها‬ ‫املعدة سلفا‪ ،‬عبر سنوات من التمييز والعنصرية والتحزّب؛ وذل��ك ألن أغلب‬ ‫ّ‬ ‫املجتمعات التقليدية متتاح من بنية مجتمعية هرمية الشكل‪ ،‬ذكورية الطابع واللغة‪،‬‬ ‫بطرياركية الوعي والسلوك‪ ،‬تهدف إلى السيطرة واإلخضاع واالستغالل والتمويه‪ ،‬بهدف‬ ‫دفع املارقني إلى منطقة الصمت أو حبسهم في مساحة الظل أو بقعة التهميش املرسومة‬ ‫ثم‪ ،‬متتلك أمثال هذه املجتمعات ذخيرتها املعجمية‬ ‫لهم سلفا بعناية ومكر فائقني‪ .‬ومن ّ‬ ‫العريضة التي تؤ ّدي وظيفة السهام اللفظية املنطلقة من أفواه املهرة من أرباب الكالم‬ ‫واألقالم والقراطيس‪ ،‬باجتاه األقليات واملستض َعفني‪ .‬هذا إذا كان املارق أو اآلبق رجال‪ ،‬فما‬ ‫بالك لو كان امرأة؟!‬

‫في هذه احلالة‪ ،‬س������وف تهبط عليها‬ ‫م������ن الس������ماء كل القوال������ب اجلاهزة‬ ‫في معج������م احلي������اة اليومي������ة‪ ،‬فهي‬ ‫إما‪« :‬عاطفي������ة غريرة»‪ ،‬أو «ثرث������ارة ال حتتفظ‬ ‫بس������ر» أو «ضعيفة ال تصلح ل���ل��إدارة أو اتخاذ‬ ‫ق������رار» أو «اتّكالية» أو «دمية جميلة» أو «ناقصة‬ ‫عقل ودي������ن» أو «امرأة لع������وب»‪ ،‬وغير ذلك من‬ ‫الصف������ات التي يجود بها املجتمع على النس������اء‪،‬‬ ‫على سبيل الهزل حينا أو اجلد حينا آخر‪ ،‬ومن‬ ‫خالل س������ياقات لغوية عدة‪ ،‬منها ما هو شفاهي‬ ‫أو مكتوب‪ ،‬رسمي أو ش������عبي‪ ،‬عفوي تلقائي أو‬ ‫من ّمق مد ّبر‪.‬‬ ‫* ناقد وأكادميي من مصر‪.‬‬

‫لعبت املرأة العربية عموما‪ ،‬والشامية على‬ ‫وجه اخلصوص‪ ،‬دورا بارزا في نش������أة الرواية‬ ‫العربية‪ ،‬في فترة باكرة‪ ،‬وخصوصا لدى كل من‬ ‫أليس بطرس البستاني (‪ )1926-1870‬ولبيبة‬ ‫هاش������م (‪ )1947-1880‬وزينب فواز (‪-1860‬‬ ‫‪ ،)1914‬جنبا إلى جنب رائدة االجتاه النسوي‬ ‫دون منازع عائش������ة التيمورية (‪،)1902-1840‬‬ ‫حيث قامت الترجمة‪ ،‬في هذا الس������ياق‪ ،‬بدور‬ ‫كبير في إنطاق املسكوت عنه من حياة املجتمع‬ ‫العربي آن������ذاك‪ .‬وأ ّنى لذل������ك أن يكون متاحا‬ ‫�����و‪ ،‬يقوم على احترام‬ ‫إال ف������ي فضاء مديني مغ� ٍ‬ ‫خصوصي������ة امل������رأة وتعزي������ز حرك������ة الطباعة‬ ‫وانتش������ار الصحف واملجالت وترجمة نصوص‬

‫‪99‬‬

‫‪7/9/14 11:09:00 AM‬‬

‫‪august 99-103.indd 99‬‬


‫اآلخ������ر اإلبداعي������ة (القصصي������ة‬ ‫حتديدا في هذا الس������ياق الباكر)؛‬ ‫األمر الذي جعل من حركة ترجمة‬ ‫فنون القص احلديثة على صفحات‬ ‫الصح������ف واملج���ل��ات‪ ،‬آن������ذاك‪،‬‬ ‫مبنزلة الزم������ة مفصلية من لوازم‬ ‫التحديث الذي انشغلت به املدينة‬ ‫وقامت عليه باألس������اس‪ .‬ولم تكن‬ ‫موج������ة الترجمة‪ ،‬عبر هذا الفهم‪،‬‬ ‫بعيدة بحال عن «إشكال الهوية»‪.‬‬ ‫ولذلك‪ ،‬فإذا كانت بعض السرديات‬ ‫الرجالية قد تناولت إشكال الهوية‬ ‫من زواي������ا متباينة (مثل س������ردية جوخة احلارثي‬ ‫امل������ ّراش الت������ي انش������غلت بالدعوة‬ ‫إل������ى أولوية العقل والعدل‬ ‫والتمدن‪ ،‬وس������ردية‬ ‫ّ‬ ‫الشدياق التي اهتمت بضرورة مقاومة أشكال‬ ‫التعصب الديني الغاش������م‪ ،‬وسردية الطهطاوي‬ ‫التي احتفت مببادئ احلكم وأنظمة الدساتير‬ ‫(الفرنس������ية حتديدا)‪ ،‬وس������ردية ف������رح أنطون‬ ‫التي ر ّكزت على قيم التسامح والدولة املدنية‪،‬‬ ‫وسردية خليل اخلوري التي ش َّيدها على قضية‬ ‫الهوية مباشرة)؛ فإن السرديات النسائية لتلك‬ ‫احلقبة الباكرة (مثل أليس بطرس البس������تاني‪،‬‬ ‫ولبيبة هاشم‪ ،‬وزينب فواز‪ ،‬وعائشة التيمورية)‬ ‫قد تقاطعت بكل تأكيد عند نقطة بعينها تتم ّثل‬ ‫في اإلعالء من شأن الهوية العربية مبا ميايزها‬ ‫عن غيره������ا‪ ،‬ومبا يحف������ظ خصوصيتها التي‬ ‫هي خصوصي������ة االنفتاح والتالق������ح والتثاقف‬ ‫واحل������وار‪ ،‬ال االنغالق أو التقوق������ع أو الصدام‬ ‫أو الص������راع‪ ،‬وبعيدا عن أكاذيب اليزال البعض‬ ‫ير ّوج لها في منطقتنا العربية الشاسعة من آن‬ ‫آلخر‪ ،‬من قبيل‪ :‬املسلمني واألقباط‪ ،‬املشارقة‬ ‫واملغاربة‪ ،‬العرب العاربة والعرب املستعربة‪...‬‬ ‫وهل َّم ج ّرا‪.‬‬ ‫لكن الس������ؤال الذي يفرض نفس������ه هنا هو‪:‬‬ ‫مل������اذا أطل������ق عبداحملس������ن طه ب������در على هذه‬ ‫الرواي������ات في كتابه التأسيس������ي (تطور الرواية‬ ‫العربية احلديثة في مصر) اس������م «رواية التعليم‬ ‫والتسلية»؟ وهل كان دقيقا في وصفه؟ وهل كان‬ ‫الوصف يعني إقصاء هذا القطاع من النصوص‬

‫‪100‬‬

‫‪7/9/14 11:09:05 AM‬‬

‫زينب فواز‬

‫القصصية خارج دائرة الرواية باملعنى الفني‪ ،‬أو‬ ‫نص كتابه؟ اإلجابة الضمنية‬ ‫الرواية الفنية‪ ،‬كما َّ‬ ‫ه������ي‪« :‬نعم»‪ .‬وهذا م������ا يقوله‪ ،‬مث���ل��ا‪ ،‬د‪ .‬جابر‬ ‫عصفور في الفصل اخلتامي من كتابه «الرواية‬ ‫واالس������تنارة»‪( ،‬ص‪ ،)361‬وهو كتاب يثير الكثير‬ ‫من التس������اؤالت في ذهن القارئ والباحث معا‪:‬‬ ‫فمن ناحية أولى‪ ،‬تتكرر بعض أفكار الكتاب في‬ ‫أكثر من موضع‪ ،‬ويت������م اإلحلاح عليها بأكثر من‬ ‫طريقة‪ .‬ورمب������ا يعود هذا ‪ -‬كم������ا أتصور‪ -‬إلى‬ ‫منجمة قبل أن يجمعها‬ ‫حترير فصول الكت������اب ّ‬ ‫جامع واح������د‪ .‬ومن ناحية ثانية‪ ،‬تنس������رب وراء‬ ‫بعض مق������والت الكتاب رؤية «وضعي������ة»‪ ،‬علّية‪،‬‬ ‫تربط نشأة جنس الرواية (وحدها!) باملدينة‪.‬‬ ‫إن رواي������ات التعليم والتس������لية والترفيه هي‬ ‫أق������رب إلى روايات التربي������ة ‪،Bildungsroman‬‬ ‫وهي نص������وص قصصي������ة أقرب إل������ى هالمية‬ ‫احلكاي������ة ‪ Tale‬منها إلى طبيعة الرواية مبعناها‬ ‫الفن������ي ‪Novel‬؛ أي أن روايات االس������تنارة كانت‬ ‫تقت������رب كثيرا في تلك املرحل������ة من روح روايات‬ ‫من قبي������ل «دافي������د كوبرفيلد» لتش������ارلز ديكنز‬ ‫و«التربية العاطفية» جلوستاف فلوبير و«سنوات‬ ‫تعليم فيلهلم مايس������تر» جلوت������ه‪ ،‬وغير ذلك من‬ ‫روايات عاملية ش������هيرة‪ .‬إن مثل ه������ذا النوع من‬ ‫الكتاب������ة القصصية لم ينش������غل بطبيعة اجلنس‬ ‫األدبي وال بتقاليد النوع وال أعراف األس������لوب‪،‬‬ ‫بل هي كتابة س������ردية أو قصصي������ة فضفاضة‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 99-103.indd 100‬‬


‫باسمة يونس‬

‫رجاء عالم‬

‫مت������زج الذاتي باملوضوعي‪ ،‬اخليال������ي بالواقعي‪،‬‬ ‫األدبي بالوثائقي‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫مسار الرواية للكاتبة اخلليجية‬

‫إذا تأملنا مسار رواية املرأة اخلليجية مثال‪،‬‬ ‫فقد يك������ون اجلمع بني ما ال يجتمع من نصوص‬ ‫هذه املد ّونة في س������لّة واحدة ضربا من ضروب‬ ‫�����ن القيام بذل������ك‪ ،‬في ما‬ ‫اخلل������ط املنهج������ي‪ .‬لك� ّ‬ ‫أتصور‪ ،‬س������وف يكون أمرا مفيدا إلى حد بعيد‬ ‫بالنسبة إلى أي دراسة تنزع منزعا جتريبيا؛ ألننا‬ ‫من خالل أمثال هذه الدراسات االستكشافية‪،‬‬‫التجريبي������ة‪ -‬ميك������ن أن نتبينّ ما متت������از به هذه‬ ‫األصوات اجلديدة التي أس������همت في تش������كيل‬ ‫مالمح الرواية النس������ائية في اخلليج واجلزيرة‬ ‫العربية‪ ،‬وأن نفحص حدود اإلضافات اجلمالية‬ ‫أو الثقافي������ة التي أرهصت بها ه������ذه الرواية أو‬ ‫تلك‪ ،‬وذلك بهدف االنفتاح على حت ّوالت املشهد‬ ‫السردي العربي في منطقة اخلليج واجلزيرة‪.‬‬ ‫ال ميك������ن الزع������م ببس������اطة أن هن������اك أدبا‬ ‫رجوليا خالصا وآخر نسائيا نق ّيا‪ ،‬أو أدبا ذكوريا‬ ‫وآخر أنثويا‪ ،‬أو أدبا خشنا وآخر ناعما‪ ،‬إلى غير‬ ‫ذلك من مس ّميات يغلب عليها الطابع الصحافي‬ ‫الب ّراق أو الس������طحي في بع������ض األحيان‪ .‬وكما‬ ‫أن الرجل هو األقدر على تش������ييد سرديته التي‬ ‫تنطلق من هموم بني جنس������ه‪ ،‬ف������إن املرأة ذاتها‬ ‫هي األقدر على التعبير عن مجمل مش������كالتها‬ ‫مغامرة السرد ّية النسائية‪ ...‬حول هُ و ّية املرأة وجنس الرواية‬

‫‪7/9/14 11:09:09 AM‬‬

‫والق������ادرة على إط���ل��اق صرخاتها‪،‬‬ ‫والب������وح «روائي������ا» مبا لم يس������تطع‬ ‫الرجل متثيله جماليا‪ ،‬أو كتابته في‬ ‫نصوص أدبي������ة راقية‪ ،‬يحاول فيها‬ ‫كل مؤ ّل������ف رجل (س������واء كان راويا‬ ‫أو ش������خصية من الشخصيات) أن‬ ‫يتم ّث������ل وجهة نظر امل������رأة (األنثى‪،‬‬ ‫احلبيب������ة‪ ،‬األم‪ ،‬األخت‪ ،‬الزوجة‪.. ،‬‬ ‫إلخ)‪ .‬والعكس صحيح أيضا بالقدر‬ ‫�����ن االصط���ل��اح القائل‬ ‫نفس������ه‪ .‬لك� ّ‬ ‫بأدب نس������ائي‪ ،‬ال «نس������وي»‪ ،‬يُشار‬ ‫به إلى كل م������ا تكتبه املرأة املبدعة‬ ‫بغض النظر عن مدى‬ ‫من نصوص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مالمسة قضايا املرأة أو الدفاع عن‬ ‫حقوقها أو الشكوى والتم ّرد ضد قيم الذكورة أو‬ ‫لكن األدب النسوي هو ما تكتبه املرأة‬ ‫الرجولة‪ّ .‬‬ ‫في ما يتصل بالدفاع عن قضاياها االجتماعية‬ ‫أو القانوني������ة أو السياس������ية‪ ،‬وخصوصيته������ا‪،‬‬ ‫وكيانها امله ّمش‪ ،‬مقارن ًة بهيمنة الرجل‪ ،‬وسطوة‬ ‫قيم الذكورة‪ .‬إنه مبنزلة محاولة جا ّدة من املرأة‬ ‫لتغيي������ر أوضاعه������ا االجتماعي������ة واالقتصادية‬ ‫ّ‬ ‫املنظم‬ ‫والسياس������ية عن طريق العمل اجلماعي‬ ‫الذي يه������دف إلى تغلغل اخلطاب النس������وي في‬ ‫التفكير على مستوى احلياة اليومية‪.‬‬ ‫فاألنثوي� � ��ة (‪ ،)Femininity‬أو النس� � ��ائية‪،‬‬ ‫أم� � ��ر بيولوج� � ��ي‪ ،‬أما األنوث� � ��ة فتنبع م� � ��ن التراكيب‬ ‫والتص� � ��ورات االجتماعية‪ .‬وكما تقول س� � ��يمون دي‬ ‫بوفوار في كتابها «اجلنس الثاني» إن «املرأة ال تولد‬ ‫امرأة‪ ،‬ب� � ��ل تصبح امرأة»‪ ،‬فإن األنوثة هي مجموعة‬ ‫القواعد التي حتكم س� � ��لوك املرأة ومظهرها‪ ،‬وغاية‬ ‫القصد منها جعل املرأة متتثل لتصورات الرجل عن‬ ‫اجلاذبية اجلنس� � ��ية املثالية‪ .‬بينما مصطلح النسوية‬ ‫«‪ »Feminist‬يش� � ��ير إل� � ��ى كل م� � ��ن يعتق� � ��د أن املرأة‬ ‫حتت� � ��ل مكانة أدنى من الرجل ف� � ��ي املجتمعات التي‬ ‫تضع الرجال والنس� � ��اء في تصنيفات اقتصادية أو‬ ‫ثقافية أو طبقية مختلفة‪ .‬إن هدف املسعى النسوي‬ ‫ه� � ��و تغيير وضع املرأة ف� � ��ي املجتمعات املنحازة إلى‬ ‫الرجل‪ .‬أما القول بأن الرجل ميكن أن يتبنّى موقفا‬ ‫نس� � ��ويا فهو أمر مح ّل خالف؛ إذ متيز مودلس� � ��كي‬ ‫مثال بني إس� � ��هام الرجل ال� � ��ذي ينطوي على حتليل‬

‫‪101‬‬

‫‪august 99-103.indd 101‬‬


‫الس� � ��لطة الذكورية وبني إس� � ��هام‬ ‫الرجل الذي يق� � ��وم على احلديث‬ ‫نيابة ع� � ��ن امل� � ��رأة أو انطالقا من‬ ‫موقفها‪ .‬وترى شوالتر أن كتابات‬ ‫املرأة تش� � ��به الكتابات النابعة من‬ ‫أي ثقاف� � ��ة أخرى تابعة‪ ،‬حيث إنها‬ ‫مت � � � ّر بثالث مراحل م� � ��ن التطور‪:‬‬ ‫محاكاة األشكال السائدة للتقاليد‬ ‫األدبي� � ��ة املهيمن� � ��ة‪ ،‬واالعت� � ��راض‬ ‫على هذه املعايير والقيم‪ ،‬وأخيرا‬ ‫اكتش� � ��اف الذات؛ أي البحث عن‬ ‫فوزية رشيد‬ ‫هوية نس� � ��وية خاصة بها‪ .‬وتصف‬ ‫ش� � ��والتر هذه املراح� � ��ل بأوصاف‬ ‫«املؤ ّنثة ‪ »feminine‬و«النس� � ��وية‬ ‫‪ »feminist‬و«األنثوي� � ��ة ‪.»female‬‬ ‫ومن الواضح أن ش� � ��والتر تفضل‬ ‫النمط الثالث من النصوص؛ ألنها‬ ‫نصوص ال مت ّثل عملية احملاكاة أو‬ ‫ر ّد الفعل املقاوم وحسب‪ ،‬بل تقدم‬ ‫للمرأة «أدبا خاصا بها»‪.‬‬ ‫لقد ق ّدمت نظريات الس� � ��يرة‬ ‫الذاتية النسائية أسئل ًة كثير ًة حول‬ ‫مفهومي الهوية والذات‪ ،‬كما أكدت ليلى العثمان‬ ‫معظ� � ��م هذه النظري� � ��ات اختالف‬ ‫عالقات التأليف تاريخياً بني املرأة والرجل‪ ،‬مثلما‬ ‫تشير نانسي ميلر ‪ Nancy Miller‬التي ترى «فعل‬ ‫ما بعد احلداثة الذي مُييت املؤلف ال ميكن تطبيقه‬ ‫على املرأة؛ إذ مينع س� � ��ؤال املؤسسة بالنسبة لهن؛‬ ‫ألن النساء ليس� � ��ت لديهن نفس العالقة التاريخية‬ ‫للهوي� � ��ة مع األصل واملؤسس� � ��ات مقاب� � ��ل تلك التي‬ ‫حصل عليها الرجل»‪.‬‬

‫محاولة استبطان املاضي والتراث‬

‫لم يتخلّف األدب النسائي اخلليجي‪ ،‬في بعض‬ ‫جتلياته‪ ،‬عن إبداع النساء العربيات في املناطق‬ ‫األخ������رى‪ .‬فإذا كانت ظاهرة اإلبداع النس������ائي‬ ‫العربي قد بدأت مع األربعينيات واخلمسينيات‬ ‫من القرن العش������رين‪ ،‬باس������تثناء بعض املناطق‪،‬‬ ‫ف������إن إبداع املرأة اخلليجية بدأ في الس������تينيات‬ ‫تقريبا بش������كل متواتر‪ ،‬وهناك أس������ماء خليجية‬

‫‪102‬‬

‫‪7/9/14 11:09:13 AM‬‬

‫كثيرة ش������قّت طريقها منذ ذلك‬ ‫الوق������ت‪ ،‬حي������ث أس������هم النفط‬ ‫في إتاحة الفرص������ة أمام املرأة‬ ‫اخلليجية كي تش������ارك مشاركة‬ ‫حياتية أعم������ق في كل املجاالت‬ ‫االقـــتــصـــادي������ة واالجــتـــماعـــية‬ ‫والثقافية‪.‬‬ ‫ثـــــم������ة أس������ماء خلــيـــجـــية‬ ‫اس������تطاعت أن تتج������اوز تر ّدد‬ ‫البداي������ات وعث������رة ا َ‬ ‫حلبْ������و في‬ ‫عال������م الكتاب������ة البِ ْك������ر‪ .‬فعلى‬ ‫س������بيل املثال ال احلصر ميكن‬ ‫أن نذك������ر م������ن البحرين‪ :‬فوزية‬ ‫رش������يد («احلصار»‪« ،‬حتوالت‬ ‫الف������ارس الغري������ب ف������ي البالد‬ ‫العاربة»‪« ،‬القلق السري»)‪ ،‬ومن‬ ‫الكويت‪ :‬ليل������ى العثمان («املرأة‬ ‫والقط������ة»‪« ،‬وس������مية تخرج من‬ ‫البح������ر»‪« ،‬العصعص»‪« ،‬صمت‬ ‫الفراشات»‪« ،‬خذها ال أريدها»‪،‬‬ ‫«حلم الليلة األول������ى»)‪ ،‬وفوزية‬ ‫ش������ويش الس������الم («مزون وردة‬ ‫الصحراء»‪« ،‬حجر على حجر»‪،‬‬ ‫«رجيم الكالم»)‪ ،‬و َميْس العثمان‬ ‫(«غرفة الس������ماء»‪« ،‬عرائس الصوف»‪« ،‬عقيدة‬ ‫ورقص»)‪ ،‬وبثينة العيس������ى («س������عار»‪« ،‬عروس‬ ‫املطر»‪« ،‬حتت أقدام األمهات»‪« ،‬عائش������ة تنزل‬ ‫إلى العالم الس������فلي»)‪ ،‬ومن الس������عودية‪ :‬رجاء‬ ‫عالم («ستر»‪« ،‬خامت»‪« ،‬أربعة‪-‬صفر»‪« ،‬سيدي‬ ‫وحدانة»‪« ،‬طريق احلرير»‪« ،‬مس������رى يا رقيب»‪،‬‬ ‫«طوق احلمام» التي نالت جائزة البوكر العربية‬ ‫عام ‪2011‬م مناصف ًة مع الكاتب املغربي محمد‬ ‫األشعري عن روايته «القوس والفراشة»)‪ ،‬ومن‬ ‫اإلمارات‪ :‬باسمة يونس («مالئكة وشياطني»)‪،‬‬ ‫وميسون صقر («ريحانة»)‪ ،‬ومن سلطنة عمان‪:‬‬ ‫�����حي («الط������واف حي������ث اجلمر»‪،‬‬ ‫بدري������ة الش� ّ‬ ‫«فيزي������اء‪ ،)»1‬وجوخ������ة احلارث������ي («منامات»‪،‬‬ ‫«س������يدات القمر»)‪ ،‬وغالية آل سعيد («صابرة‬ ‫وأصيلة»‪« ،‬جنون اليأس»‪« ،‬سنني مبعثرة»‪« ،‬أيام‬ ‫في اجلنة»)‪ ،‬وفاطمة الشيدي («حفلة املوت»)‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 99-103.indd 102‬‬


‫وه������دى اجله������وري («األش������ياء‬ ‫ليس������ت ف������ي أماكنه������ا»)‪ ،‬ومن‬ ‫قطر‪ :‬مرمي آل س������عد («تداعي‬ ‫الفص������ول»)‪ ،‬ودالل خليف������ة‬ ‫(«أسطورة اإلنسان والبحيرة»‪،‬‬ ‫«أش������جار الب������راري البعي������دة»‪،‬‬ ‫البح������ار الق������دمي إليك»‪،‬‬ ‫«م������ن‬ ‫َّ‬ ‫«دنيانا»)‪.‬‬ ‫يقوم قطاع كبير من قطاعات‬ ‫الكتابة الروائية النس������ائية في‬ ‫اخلليج على اس������تبطان املاضي‬ ‫عائشة التيمورية‬ ‫والت������راث دون الق������درة‪ ،‬ف������ي‬ ‫بعض األحيان‪ ،‬على الولوج إلى‬ ‫األزمات العصري������ة واملعاصرة‬ ‫بنفس الدرج������ة‪ .‬وهي‪ ،‬إجماال‪،‬‬ ‫س������مة مرافقة للكتاب������ة العربية‬ ‫ل������دى اجلنس���ي��ن‪ :‬احلديث عن‬ ‫املعاص������ر من خالل اإلس������قاط‬ ‫عل������ى املاض������ي أو التماهي معه‬ ‫وس������بر أغواره العميقة وجذوره‬ ‫املمتدة‪ ،‬كأنن������ا بالفعل في زمن‬ ‫دائري يك������ ّرر ذاته حت������ى يكاد‬ ‫املعاص������ر يش������به التاريخي في لبيبة هاشم‬ ‫جوه������ره وإن اختلف في مظهره‬ ‫وديك������وره اخلارجي‪ .‬وبرغم ذل������ك‪ ،‬فإن هاجس‬ ‫اخل������روج من إط������ار احليز الضيق إل������ى اإلطار‬ ‫املفت������وح هو هاجس أغل������ب الروائيات العربيات‬ ‫وأيضا اخلليجيات‪.‬‬ ‫ال تخلو أمثال هذه اآلثار السردية من جعل‬ ‫امل������رأة بؤر ًة لها‪ ،‬ومن ث������م فإنه يتم التركيز على‬ ‫املرأة بوصفها مضطهدة‪ ،‬منت َهكة احلقوق‪ ،‬في‬ ‫معظم األحيان‪ ،‬ويتجلّى ذلك في التربية القاسية‬ ‫العاطفي أو‬ ‫أو االنتهاك اجلس������دي أو االبتزاز‬ ‫ّ‬ ‫الرمزي» باملعنى الذي كان يس������تخدمه‬ ‫«العنف‬ ‫ّ‬ ‫بيير بورديو (‪ ،)2002 -1930‬وبوصفها ضحية‬ ‫للعادات والتقاليد اجلائرة‪ ،‬والس������يما قي��م هذه‬ ‫األعمال الروائية بطرق مختلفة تنهض كلها على‬ ‫االجتماعي الذي يو ّلد تناقضات‬ ‫فضح النف������اق‬ ‫ّ‬ ‫كثيرة من ش������أنها أن حُ ْ‬ ‫ت������دِ ث صدعا في كيان‬ ‫األسرة وتشق حلمة املجتمع‪.‬‬ ‫مغامرة السرد ّية النسائية‪ ...‬حول هُ و ّية املرأة وجنس الرواية‬

‫‪7/9/14 11:09:21 AM‬‬

‫ليست الكتابة النسائية في‬ ‫مد ّونة الرواية اخلليجية كتاب ًة‬ ‫نضالي ًة باملعن������ى األيديولوجي‬ ‫الذي ميكن أن نحشر فيه كتابات‬ ‫الروائي���ي��ن (أو الروائيات) ذوي‬ ‫�����ي‬ ‫(أو ذوات) املنح������ى االلتزام� ّ‬ ‫بقضاي������ا الطبقات املس������حوقة‬ ‫أو الش������عوب املظلومة‪ ،‬بل هي‬ ‫كتاب������ات تنطق مبعان������اة فردية‬ ‫في العم������ق‪ ،‬مت تعميمها بحكم‬ ‫تش������ابه الوضعيات وانس������داد‬ ‫اآلف������اق وتراك������م االحتق������ان‪.‬‬ ‫وال يخف������ى توظي������ف األدوات‬ ‫احلضاري������ة التقني������ة اجلديدة‬ ‫في تطريز خيوط هذا النسيج‬ ‫الـــــس������ردي ملــــــدون������ة الرواية‬ ‫النس������ائية اخلليجي������ة‪ ،‬س������واء‬ ‫عبر رسائل البريد اإللكتروني‬ ‫(كما في «بن������ات الرياض») أو‬ ‫رسائل البلوتوث (كما في «ثمن‬ ‫الش������وكوالتة»)؛ األم������ر ال������ذي‬ ‫احلداثي لم‬ ‫أن الوع������ي‬ ‫يعن������ي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتـــج������اوز مرحل������ة اس������تهالك‬ ‫املنتج������ات الغربي������ة إال نح������و‬ ‫توظيفه������ا ف������ي اإليه������ام بعالم واقع������ي أو عالم‬ ‫يشاكل الواقع‪.‬‬ ‫لقد اعتم������دت مد ّون������ة الرواية النس������ائية‬ ‫اخلليجي������ة على ذوات ش������خصية نس������ائية مت ّر‬ ‫بتحوالت اجتماعية وثقافية واقتصادية ش������تّى‪،‬‬ ‫شهدتها مجتمعات اخلليج مع ثورة النفط وثورة‬ ‫احلداثة ومجتمع املعلومات واالتصاالت‪ ،‬بحيث‬ ‫نزع قطاع كبير من قطاعات الرواية النس������ائية‬ ‫اخلليجي������ة منزعا رومانس������يا‪ ،‬إم������ا الرتباطها‬ ‫بنوس������تاجليا ماضوية‪ ،‬أو هروب������ا من ضغوط‬ ‫الواق������ع الالهث والضاغط على املرأة جس������دا‬ ‫وروحا وعقال‪ .‬لق������د تغلغل هاجس احلرية في‬ ‫جنس رواية املرأة اخلليجية ذاتها‪ ،‬اعتمادا على‬ ‫لتجدد‬ ‫تنامي الوعي بالهوية النس������ائية املوازي‬ ‫ّ‬ ‫خطاب امل������رأة اخلليجية في الكثير من مناحي‬ ‫احلياة >‬

‫‪103‬‬

‫‪august 99-103.indd 103‬‬


‫قصة مترجمة‬

‫الرمان‬ ‫ثمرة ّ‬ ‫تأليف‪ :‬ياسوناري كاواباتا*‬ ‫ترجمة‪ :‬حســني عيــد **‬ ‫ج ّردت الرياح القو ّية شجرة الر ّمان‪ ،‬في‬ ‫تلك الليلة‪ ،‬من أوراقها‪ .‬استقرت األوراق‬ ‫على شكل دائرة حول قاعدتها‪ .‬اندهشت‬ ‫«كيميكو»‪ ،‬وهي ترى الش� � ��جرة عاري� � ��ة في الصباح‪،‬‬ ‫وتعجب� � ��ت من هج� � ��وع األوراق حول القاع� � ��دة‪ ،‬فقد‬ ‫توقعت أن تكون الريح قد ذرتها بعيدا‪.‬‬ ‫بقيت هن� � ��اك ثمرة ر ّمان واح� � ��دة رائعة جدا في‬ ‫اجلزء اخللفي من الشجرة‪ .‬نادت على أمها‪:‬‬ ‫ تعالي هنا وانظري إليها‪.‬‬‫ألقت أمها نظرة سريعة على الشجرة‪ ،‬ثم هرولت‬ ‫راجعة إلى املطبخ‪ ،‬وهي تقول‪:‬‬ ‫ لقد نسيت‪.‬‬‫بدت ثمرة الرمان فوق الش� � ��رفة شديدة الوحدة‪،‬‬ ‫مم� � ��ا جع� � ��ل «كيميك� � ��و» تف ّكر في‬ ‫منس� � ��ية هن� � ��اك‪ّ ،‬‬ ‫وحدتهما‪.‬‬ ‫قبل أس� � ��بوعني أو نحو ذلك‪ ،‬جاء لزيارتهما ابن‬ ‫ش� � ��قيقتها البالغ من العمر س� � ��بع س� � ��نوات‪ ،‬فالحظ‬ ‫على الفور ثمار الر ّمان‪ ،‬وس� � ��ارع إلى تسلق الشجرة‪.‬‬ ‫شعرت «كيميكو» بأنها في حضرة احلياة‪ .‬نادت عليه‬ ‫من الشرفة‪:‬‬ ‫ هناك ثمرة كبيرة بأعلى‪.‬‬‫ لكن� � ��ي إذا قطفته� � ��ا فل� � ��ن أس� � ��تطيع أن أهبط‬‫ثانية‪.‬‬ ‫كان ذلك صحيحا‪ ،‬أل ّنه س� � ��يلزم اس� � ��تخدام يديه‬

‫اإلثنني كي يكون هبوط الش� � ��جرة س� � ��هال‪ .‬ابتس� � ��مت‬ ‫«كيميكو»‪ .‬كان الولد عزيزا‪.‬‬ ‫ح� �ي��ن دخل الولد إلى املنزل‪ ،‬كان قد نس� � ��ي أمر‬ ‫شجرة الر ّمان‪ .‬وقد نس� � ��ياها هما أيضا‪ ،‬ثم اختفت‬ ‫الثمرة بني األوراق‪ ،‬وها هي الشجرة تقف اآلن عارية‬ ‫أمام الس� � ��ماء‪ .‬كانت هناك ق ّوة في الثمرة وفي دائرة‬ ‫األوراق املتمركزة حول القاعدة‪ .‬مضت «كيميكو» إلى‬ ‫الش� � ��جرة وهزّت أفرعها بعصا م� � ��ن اخليزران حتى‬ ‫أسقطت الثمرة‪.‬‬ ‫ش� � ��عرت بأنها ارتكبت خطأ م� � ��ا ينبغي االعتذار‬ ‫عنه‪.‬‬ ‫كانت بالطابق األعلى تخيط والساعة تقترب من‬ ‫العاشرة‪ ،‬حني س� � ��معت صوت «كيكيشي»‪ .‬وبرغم أن‬ ‫الباب لم يك� � ��ن مغلقا‪ ،‬فقد بدا أن� � ��ه دخل من خالل‬ ‫احلديقة‪ .‬كان هناك إحلاح في صوته‪ .‬نادتها أمها‪:‬‬ ‫ «كيميكو»‪« ...‬كيميكو»‪.‬‬‫ثم استطردت‪:‬‬ ‫ كيكيشي هنا؟‬‫ترك� � ��ت كيميكو اإلبرة دون خيط‪ ،‬ودفعت بها إلى‬ ‫وسادة الدبابيس الصغيرة‪.‬‬ ‫ كم قالت كيميك� � ��و إنها تو ّد أن تراك ثانية قبل‬‫أن تغادر‪.‬‬ ‫كان كيكيشي ذاهبا إلى احلرب‪.‬‬ ‫‪ -‬أن� � ��ت لم تأت‪ ،‬ولم يكن ممكنا أن نذهب لنراك‬

‫* يعتبر ياسوناري كاواباتا (‪ )1972-1899‬من أهم كتاب القصة والرواية اليابانيني‪ .‬نالت أعماله شهرة عاملية‪ .‬حصل على‬ ‫جائزة نوبل عام ‪.1968‬‬ ‫** كاتب من مصر‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫‪7/9/14 11:09:54 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 104-105.indd 104‬‬


‫من دون دعوة‪ .‬كان أمرا ط ّيبا أن تأتي اليوم‪.‬‬ ‫طلبت منه األم أن يبقى لتناول الغداء‪ ،‬لكنه كان‬ ‫على عجلة من أمره‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ إذن على األقل تن� � ��اول ثمرة الر ّمان هذه‪ ،‬لقد‬‫رعيناها بأنفسنا‪.‬‬ ‫نادت على «كيميكو» م ّرة أخرى‪.‬‬ ‫ح ّياها بعينيه‪ ،‬كما لو أنه لم يصبر على االنتظار‬ ‫حتى تهبط‪ .‬توقفت على الساللم‪ .‬بدا أن شيئا دافئا‬ ‫يتدفق إلى عينيه‪ ،‬وس� � ��قطت ثم� � ��رة الرمان من يده‪.‬‬ ‫نظر ك ّل منهما إلى اآلخر وابتسما‪.‬‬ ‫ح� �ي��ن أدركت أ ّنه يبتس� � ��م ت� � ��و ّرد وجهه� � ��ا‪ .‬تقدم‬ ‫كيكيشي من الشرفة‪ ،‬قائال‪:‬‬ ‫ اعتني بنفسك يا كيميكو‪.‬‬‫ وأنت أيضا‪.‬‬‫كان قد اس� � ��تدار وهو يو ّدعها‪ .‬تطلعت كيميكو‬ ‫إلى بوابة احلديقة بعد أن غادر‪.‬‬ ‫قالت أمها‪:‬‬ ‫ كان على عجلة من أمره‪.‬‬‫ثم استطردت ناظرة إلى ثمرة الرمان‪:‬‬ ‫ وهذه ثمرة ر ّمان رائعة‪.‬‬‫لقد ترك ثمرة الر ّمان في الش� � ��رفة‪ ،‬بعد أن كان‬ ‫على وش� � ��ك أن يفتحها‪ .‬يبدو أنه تركها تسقط حني‬ ‫تدفق ذلك الدفء إلى عينيه‪ .‬إنه لم يشقها متاما إلى‬ ‫نصفني‪ .‬لقد ظلت حبوبها بازغة ألعلى‪ .‬أخذتها أمها‬ ‫إلى املطبخ وغسلتها‪ ،‬وناولتها لكيميكو‪.‬عبست كيميكو‬ ‫وتراجع� � ��ت لل� � ��وراء‪ ،‬ثم تو ّردت وجنتاه� � ��ا م ّرة أخرى‪،‬‬ ‫وأخذته� � ��ا بارتباك‪ .‬بدا أن كيكيش� � ��ي قد تناول بضع‬ ‫ح ّبات منها‪ .‬س� � ��يبدو أمرا غريبا إذا رفضت كيميكو‬ ‫الرمان (قصة مترجمة)‬ ‫ثمرة ّ‬

‫‪7/9/14 11:10:00 AM‬‬

‫أن ت� � ��أكل منها وأمها تراقبها‪ .‬قضمت بالمباالة‪ .‬مأل‬ ‫طعم حامض فمها‪ .‬ش� � ��عرت بنوع من سعادة حزينة‪،‬‬ ‫بدا كما لو أنها تنساب عميقا بداخلها‪.‬‬ ‫وقفت أمها دون اهتمام‪ .‬مضت إلى مرآة وجلست‬ ‫أمامها‪:‬‬ ‫ انظري إلى ش� � ��عري‪ .‬ه� � ��ل تفعلني؟ لقد و ّدعت‬‫كيكيشي وكانت هناك كتلة شعر جامحة‪.‬‬ ‫أمكن لكيميكو أن تس� � ��مع صوت املش� � ��ط‪ .‬قالت‬ ‫أمها بليونة‪:‬‬ ‫ كنت أخاف أن ّ‬‫أمشط شعري حتى مات أبوك‪.‬‬ ‫عندما كنت ّ‬ ‫أمشط شعري كنت أنسى ما أفعل‪ ،‬وحني‬ ‫أنتبه لنفس� � ��ي يبدو األمر كما ل� � ��و كان والدك ينتظر‬ ‫حتى أنتهي‪.‬‬ ‫تذ ّكرت «كيميكو» عادة أمه� � ��ا في تناول ما تركه‬ ‫والدها في طبقه من طعام‪ .‬شعرت بشيء ما يجتذبها‪.‬‬ ‫ربا أعطتها أمها‬ ‫سعادتها جعلتها ترغب في البكاء‪ .‬مّ‬ ‫ثمرة الرمان بس� � ��بب إحجامها ع� � ��ن التخلص منها‪.‬‬ ‫فقط بس� � ��بب ذلك‪ .‬لقد أصبحت لديه� � ��ا عادة عدم‬ ‫التخلص من األش� � ��ياء‪ .‬ش� � ��عرت كيميكو‪ ،‬وحيدة مع‬ ‫س� � ��عادتها اخلاصة‪ ،‬بخجل أمام أ ّمه� � ��ا‪ .‬وف ّكرت في‬ ‫مما كان فيمكن لكيكيش� � ��ي أن‬ ‫أ ّنه كان وداعا أفضل ّ‬ ‫ألي وقت حتى‬ ‫تنتظره‬ ‫أن‬ ‫اآلن‬ ‫يتص ّور‪ ،‬وأ ّنه ميكنه� � ��ا‬ ‫ّ‬ ‫يعود‪.‬‬ ‫نظرت باجتاه أمها‪ .‬كانت الش� � ��مس تسقط على‬ ‫األبواب املكس � � � ّوة بالورق في ما وراء مجلس� � ��ها أمام‬ ‫املرآة‪.‬‬ ‫كانت تخشى على نحو ما أن تقضم ثمرة الر ّمان‬ ‫الكائنة فوق ركبتها >‬

‫‪105‬‬

‫‪august 104-105.indd 105‬‬


‫تراث‬

‫القديسة بربارة‪...‬‬ ‫ذكرى َّ‬ ‫إخاء بالقمح واللوز والزبيب‬ ‫عبداحلكيم أبو جاموس*‬

‫القديسة بربارة‪ ،‬على‬ ‫اعتادت املوظفة الفلسطينية نيفني مصلح أبوالليل إحياء ذكرى‬ ‫ّ‬ ‫طريقتها اخلاصة‪ ،‬وسط زمالئها وزميالتها في العمل‪ ،‬وهم جميع ًا مسلمون‪ ،‬وباتت املناسبة‬ ‫ُع ً‬ ‫أيضا‪ ،‬وينتظرون طعام البربارة الذي‬ ‫رفا لها ولهم‪ ،‬حُت ّضر لها ُمبكّ ًرا‬ ‫ويستعدون هم لها ً‬ ‫ّ‬ ‫كثيرا‪ ،‬كما تقول أبو الليل‪.‬‬ ‫ُيح ّبونه ً‬ ‫في ليلة حلول الذكرى‪ ،‬تقوم أبو الليل‬ ‫ه� � ��ي ووالدته� � ��ا وش� � ��قيقتها‪ ،‬بتجهيز‬ ‫القمح وتنقيته وغسله‪ ،‬متهي ًدا لسلقه‬ ‫باملاء‪ ،‬كما تقوم بش� � ��راء توابل وبهارات ما يُعرف‬ ‫بـ «أكلة البربارة»‪ ،‬التي تعتمد على القمح بالدرجة‬ ‫الرئيس� � ��ة‪ ،‬وش� � ��راء الل� � ��وز واجل� � ��وز‪ ،‬والصنوبر‬ ‫والزّبي� � ��ب‪ ،‬والفواك� � ��ه املُجفّفة الت� � ��ي تضاف إلى‬ ‫القمح وتز ّينه‪.‬‬

‫إحياء ذكرى القديسة‬

‫ويحيي املس� � ��يحيون في الرابع من ديس� � ��مبر‬ ‫(كان� � ��ون األول) م� � ��ن كل عام‪ ،‬ذكرى استش� � ��هاد‬ ‫القديس� � ��ة برب� � ��ارة‪ ،‬رم� � ��ز الثبات عل� � ��ى املبادئ‬ ‫واإلميان‪ ،‬التي مت تعذيبها ببش� � ��اعة قبل إعدامها‬ ‫عام ‪ 303‬م بقطع رأسها بالفأس من قبل والدها‪،‬‬ ‫عقا ًبا لها على إميانها بالس� � ��يد املسيح ورفضها‬

‫عبادة األوثان التي كانت ديانة والدها‪.‬‬ ‫وتش� � ��ير أبو��للي� � ��ل إلى أن برب� � ��ارة كانت على‬ ‫ق� � ��در كبير م� � ��ن العلم والفهم والذكاء‪ ،‬وعاش� � ��ت‬ ‫فت� � ��رات طويلة م� � ��ن التأ ّمل‪ ،‬األمر ال� � ��ذي جعلها‬ ‫تُدرك أن عبادة األوثان تناقض اإلميان‪ ،‬فغضب‬ ‫منها والدها وح� � ��اول أن يثنيها عن هذه األفكار‪،‬‬ ‫جدا‬ ‫والتجأ إل� � ��ى التهديد والوعي� � ��د‪ ،‬وكان غن ًّيا ًّ‬ ‫ووثن ًّيا متح ّم ًس� � ��ا يكره املس� � ��يحيني‪ ،‬أ ّما والدتها‬ ‫فقد مات� � ��ت وهي طفلة صغي� � ��رة‪ ،‬وكانت بربارة‪،‬‬ ‫وهي ابنته الوحي� � ��دة‪ ،‬جميلة جداً وذك ّية‪ ،‬فخاف‬ ‫حصنًا عالي‬ ‫عليه� � ��ا أبوها‪ ،‬فبن� � ��ى لها قص� � ��راً ُم ّ‬ ‫األس� � ��وار‪ ،‬ووضع لها اخلدم واحلراس‪ ،‬وأحضر‬ ‫لها أس� � ��اتذ ًة ليعلّموها علوم ذل� � ��ك العصر‪ ،‬حتى‬ ‫تنشأ على ُح ّب آلهتهم‪ .‬وأتاحت لها وحدتها عادة‬ ‫التأ ّمل والتفكير‪ ،‬وقادتها كثرة التأ ّمل إلى البحث‬ ‫عن اإلله احلقيقي الذي خلق الس� � ��ماء واألرض‬

‫* كاتب من فلسطني‬

‫‪106‬‬

‫‪7/9/14 11:10:43 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 106-109.indd 106‬‬


‫يتناسون الس� � ��بب الرئيس لالحتفال بهذا العيد‪،‬‬ ‫وهو تضحية القديس� � ��ة بربارة بنفسها في سبيل‬ ‫مسيحيتها‪.‬‬ ‫وي� � ��رى البع� � ��ض أن القديس� � ��ة برب� � ��ارة بينما‬ ‫كانت تهرب م� � ��ن والدها الذي يري� � ��د قتلها بعد‬ ‫اعتناقها للمسيحية‪ ،‬مرت بحقل مزروع بالقمح‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وغطتها‪،‬‬ ‫ولكي يخفيها الرب منت س� � ��نابل القمح‬ ‫ويعتب� � ��رون أن التن ّكر تقلي� � ��د متّبع في العيد‪ ،‬وإن‬ ‫كانت الكنيسة ال ترفضه ولكنها ال حت ّبذه وتدعو‬ ‫للصلوات واالبتهاالت في هذا العيد‪.‬‬

‫سيرة حياة الشهيدة‬

‫صورة توضيحية للقديسة بربارة‬

‫والنجوم‪ُ ،‬منكر ًة أن تكون األوثان آلهة‪.‬‬

‫حكاية القمح املسلوق‬

‫وتقول‪ :‬من العادات والتقاليد أن نأكل القمح‬ ‫القديسة العظيمة في الشهيدات‬ ‫املسلوق في عيد ّ‬ ‫ألن ح ّبة القم� � ��ح ال تُثمر وال تأتي‬ ‫برب� � ��ارة‪ ،‬وذلك ّ‬ ‫بس� � ��نبلة إال إذا ماتت‪ ،‬باإلضاف� � ��ة إلى أن بربارة‬ ‫ُ‬ ‫كان� � ��ت تعتاش في غرفة «احل ّمام» التي حبس� � ��ها‬ ‫فيها أبوها على حب� � ��ات القمح التي كانت تُلقيها‬ ‫إليها إحدى احلمامات عب� � ��ر طاقة صغيرة‪ ،‬من‬ ‫هنا جاءت أهمية القمح في حكاية القديسة‪.‬‬ ‫ويحتفل املس� � ��يحيون الغربيون بعيد البربارة‬ ‫ف� � ��ي الرابع من ديس� � ��مبر (كان� � ��ون األول) من كل‬ ‫عام‪ ،‬والشرقيون في السابع عشر منه‪ ،‬ويقولون‬ ‫املي من‬ ‫ف� � ��ي األمثال‪« :‬في عيد البرب� � ��ارة بتطلع ّ‬ ‫قدوح الفارة»‪ ،‬لغ� � ��زارة هطالن األمطار في هذا‬ ‫الوقت من العام‪ .‬وفي عيد البربارة يأكلون القمح‬ ‫والقطاي� � ��ف ويتنك� � ��رون بأزياء غريب� � ��ة‪ ،‬وأحيانا‬ ‫ذكرى الق ّ َديسة بربارة‪ ...‬إخاء بالقمح واللوز والزبيب‬

‫‪7/9/14 11:10:50 AM‬‬

‫ولدت القديسة بربارة في أوائل القرن الثالث‬ ‫للمسيح‪ ،‬كان أبوها‪ ،‬واس� � ��مه ذيوسقورس‪ ،‬يكره‬ ‫املسيحيني ويزدريهم‪ ،‬وكانت بربارة ابنته الوحيدة‬ ‫جميلة جداً وذكية فخاف عليها أبوها‪ ،‬فبنى لها‬ ‫قصراً عالي األسوار‪ ،‬جعل فيه كل أنواع البهجة‬ ‫كي ال يكون لها كسجن تقيم فيه‪ ،‬ووضع لها خداماً‬ ‫وحراساً وأحضر لها أساتذة مهرة ليعلموها علوم‬ ‫ذلك العصر حتى تنشأ على حب آلهتهم‪.‬‬ ‫لكن برب� � ��ارة تع ّرفت على الديانة املس� � ��يحية‬ ‫وجتسد املسيح وافتدائه للبشر‪،‬‬ ‫املقدس‬ ‫والكتاب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأُعجبت ببتول ّية الس� � ��يدة العذراء مرمي‪ ،‬فآمنت‬ ‫بذلك‪ ،‬ومن ذلك الوقت خصصت بتوليتها للرب‬ ‫على مثال العذراء‪ .‬وملا أخبرت أباها أنها ال تريد‬ ‫أن تتزوج ألنها أصبحت مسيحية ونذرت نفسها‬ ‫للرب يس� � ��وع‪ ،‬غض� � ��ب غضباً ش� � ��ديداً‪ ،‬وخاصة‬ ‫بع� � ��د أن رأى أنها قد حطمت األصنام في البيت‬ ‫ووضعت صلباناً بدالً منها‪ ،‬فاست ّل سيفه ليقتلها‬ ‫ولكنه� � ��ا هربت منه‪ ،‬فلحق بها عند صخرة كبيرة‬ ‫فانفتح� � ��ت الصخ� � ��رة ‪ -‬كما تق� � ��ول الروايات ‪-‬‬ ‫وعبرت بربارة فيها ث� � ��م أطبقت الصخرة عليها‪،‬‬ ‫وملا ع� � ��رف أبوه� � ��ا مكانها أمس� � ��كها وج ّرها من‬ ‫شعرها ووضعها في قبو مظلم‪.‬‬ ‫وملا عل� � ��م الوال� � ��ي (مركيانوس) ب� � ��أن بربارة‬ ‫أصبحت مس� � ��يحية‪ ،‬أرس� � ��ل لها وطل� � ��ب منها أن‬ ‫تت� � ��رك املس� � ��يحية وتعود إل� � ��ى عب� � ��ادة األصنام‬ ‫فرفضت‪ ،‬فأمر بجلدها فجلدوها وج ّروا جسمها‬ ‫املكسر وجرحوها وعلّقوها‬ ‫على قطع من الفخّ ار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في الفضاء ورأس� � ��ها إلى أسفل وضربوها ورشوا‬

‫‪107‬‬

‫‪august 106-109.indd 107‬‬


‫مكونات البربارة‬

‫على جس� � ��دها اجلريح ملحاً لك� � ��ي يزيدوا آالمها‬ ‫إال أنها لم تستسلم‪ ،‬فأعادوها إلى السجن‪ ،‬وفي‬ ‫اليوم التالي وجدوا أنها قد ُش� � ��فيت من جروحها‪،‬‬ ‫فس� � ��ألوها كيف ش� � ��فيت؟ فقالت لهم‪« :‬إن الذي‬ ‫شفاني هو الرب يسوع املسيح»‪ .‬فثار احلاكم وأمر‬ ‫بأن ّ‬ ‫يعذبوها ويع ّروها من ثيابها ويطوفوا بها في طبق بربارة‬ ‫الشوارع حتى يبصق عليها كل من يراها‪ ،‬أما هي‬ ‫فصلّ� � ��ت وتض ّرعت إلى الل� � ��ه أن ينقذها من هذا العيون واشتداد الصواعق واملهن اخلطرة‪ُ ،‬‬ ‫وش ّيد‬ ‫العقاب‪ ،‬وأن يس� � ��تر جسدها حتى ال يراه الناس‪ ،‬على اسمها كثير من الكنائس في العالم‪.‬‬ ‫ويعتق� � ��د كثيرون أن جس� � ��د القديس� � ��ة بربارة‬ ‫وم� � ��ا كادت تنهي صالتها حتى ش� � ��اهد الناس أن‬ ‫جروحها قد ش� � ��فيت‪ ،‬فخاف احلاكم وأمر بقطع موج� � ��ود حال ًي� � ��ا في كنيس� � ��ة باس� � ��مها في مصر‬ ‫رأس� � ��ها‪ ،‬فأخرجه� � ��ا أبوها خ� � ��ارج املدينة‪ ،‬وقطع القدمية‪ .‬وقد رأى بعض املؤرخني أنها استشهدت‬ ‫انصب عليه في هليوبوليس مبصر‪.‬‬ ‫رأس� � ��ها بضربة من فأس� � ��ه‪ ،‬حينئ� � ��ذ‬ ‫ّ‬ ‫وتختلف املصادر في حتديد هويتها‪ ،‬فمن قائل‬ ‫غضب الله بصاعقة أحرقته وأحرقت مركيانوس‬ ‫احلاكم الظالم معه‪ ،‬وذاع صيت بربارة بني الناس‪ ،‬إنها ولدت في نيقودمييا (في آسيا الصغرى)‪ ،‬إلى‬ ‫وكث� � ��رت العجائب التي نالها الن� � ��اس بتضرعاتها قائ� � ��ل إنها ولدت في لبنان‪ ،‬في مدينة بعلبك‪ ،‬إلى‬ ‫واتخذها الناس شفيعة لهم‪ ،‬وخاصة في أمراض قائل إنها ولدت في فلس� � ��طني‪ ،‬وحتى في مصر‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫‪7/9/14 11:10:59 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 106-109.indd 108‬‬


‫قمح مسلوق‬

‫القمح أثناء عملية السلق‬

‫وجرت العادة أن يرتدي األطفال في عيد القديسة‬ ‫بربارة األقنعة‪ ،‬في إشارة إلى رؤية بربارة للمسيح‬ ‫الطفل وقد ش ّوه األلم منظره‪ .‬وأما القمح املسلوق‬ ‫فيرمز في تراث الكنيسة للقيامة‪.‬‬

‫قرية فلسطينية حتيي ذكراها‬ ‫قرية عابود الفلسطينية التي تقع في الشمال‬ ‫الغرب� � ��ي من مدينة رام الله ونصف س� � ��كانها من‬ ‫املس� � ��يحيني‪ ،‬حتتف� � ��ل كعادتها ف� � ��ي كل عام بعيد‬ ‫القديس� � ��ة الش� � ��هيدة بربارة‪ ،‬حيث هنالك كنيسة‬ ‫ذكرى الق ّ َديسة بربارة‪ ...‬إخاء بالقمح واللوز والزبيب‬

‫‪7/9/14 11:11:07 AM‬‬

‫تاريخية تقع فوق جب� � ��ل مطل على القرية حتمل‬ ‫اسم القديسة الش� � ��هيدة بربارة‪ ،‬وحسب التقليد‬ ‫احمللي املتداول فإن الش� � ��هيدة عاش� � ��ت في هذا‬ ‫امل� � ��كان‪ ،‬وفي هذا املوس� � ��م يحتفى به� � ��ذا العيد‪،‬‬ ‫حيث إن أهالي القرية يعتبرون الش� � ��هيدة بربارة‬ ‫ش� � ��فيعتهم‪ ،‬إضافة إلى الس� � ��يدة العذراء شفيعة‬ ‫كنيسة البلدة‪.‬‬ ‫وف� � ��ي ه� � ��ذا الع� � ��ام‪ ،‬ش� � ��ارك الكثي� � ��رون في‬ ‫االحتفال رغم تراكم الثلوج والبرد الشديد‪ ،‬حيث‬ ‫بدأ بصالة الغروب في كنيس� � ��ة السيدة العذراء‪،‬‬ ‫ومن ثم مت تنظيم مس� � ��يرة احتفالية إلى كنيس� � ��ة‬ ‫القديسة بربارة فوق اجلبل‪ ،‬وبعدها تناول اجلميع‬ ‫طع� � ��ام البربارة التقلي� � ��دي في قاعة الكنيس� � ��ة‪.‬‬ ‫وترأس االحتفال س� � ��يادة املط� � ��ران عطا الله حنا‬ ‫رئيس أس� � ��اقفة سبسطية للروم األرثوذكس‪ ،‬وهو‬ ‫ش� � ��خص يحظى بالتقدير واالحترام في أوساط‬ ‫الفلسطينيني مسيحيني ومسلمني >‬

‫‪109‬‬

‫‪august 106-109.indd 109‬‬


‫قصص على الهواء‬

‫قـصـص عـلـى الـ ـهــواء‬

‫قصص ألصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي‪ .‬بي‪ .‬سي العربية *‬

‫ملــاذا اخ ـتــرت هــذه ال ـق ـصــص?‬

‫عرض واختيار‪ :‬د‪.‬حمد عبيد العجمي **‬ ‫ل���و أخذن���ا العناصر الفني���ة واألدبية للقص���ة القصيرة احلديث���ة (مثل العنوان‪ ،‬املوض���وع‪ ،‬الزمان‬ ‫واملكان‪ ،‬احلبكة والعقدة‪ ،‬األس���لوب‪ ،‬وعناصر أخرى مثل املفاجأة في نهاية النص األدبي‪ ،‬وفلس���فة‬ ‫الكاتب أو الكاتبة) بعني االعتبار‪ ،‬لوجدنا أن معظم هذه املعايير سوف تنطبق على واحدة من تلك‬ ‫القص���ص املختارة من بني خمس عش���رة قصة تق���دم بها كتاب وكاتبات إلى مجل���ة العربي الغراء‪.‬‬ ‫أرشح هذه القصة للمقام األول ولألسباب التالية‪:‬‬

‫من بني مجموعة القصص املش���اركة في املس���ابقة‪ ،‬اخترت النصوص التي تضمنت احلد‬ ‫األدنى من املعايير الفنية‪ ،‬والتي حافظت في تقديري على عدد من الس���مات‪ ،‬من بينها‬ ‫التميز باألسلوب األدبي الرصني‪ ،‬وقوة التصوير‪ ،‬سواء للحدث اخلارجي أو انعكاسه على‬ ‫الش���خصيات‪ ،‬وأحيانا بس���بب قوة احلوار‪ ،‬أو لعمق التأمالت الفلس���فية والنفسية‪ .‬وعلى‬ ‫الرغ���م من اعتماد الكثير من القصص على الس���رد الزمن���ي التقليدي‪ ،‬فإن قصة واحدة‬ ‫متيزت عن غيرها هي القصة األولى بني القصص املختارة‪ ،‬اتسمت بالتناول الزمني غير‬ ‫التقليدي لألحداث‪ ،‬والتي حتمل عنوان «مرايا»‪.‬‬

‫القصة األولى «مرايا» لـ العيد بالح من اجلزائر‪:‬‬

‫اخترت هذه القصة ملا تتمتع به من أس������لوب أدبي رصني يعتمد على الوصف الدقيق‬ ‫للح������دث اخلارجي وما تختلج به النفس من تأمالت‪ .‬تب������دأ حبكة هذا النص من احلدث‬ ‫القري������ب إل������ى البعيد ثم األبعد‪ ،‬م������ا ميزها عن غيرها من القصص املش������اركة والتي ظهرت كلها‬ ‫بتركيبة تقليدية لتسلس������ل األحداث‪ .‬تبدأ القصة بتأمالت راك������ب في نوافذ القطار التي حتولت‬ ‫إل������ى مرايا تعكس صورا للركاب غير واضحة‪ ،‬ما يظهر مفارقة بينها وبني املرايا احلقيقة‪ ،‬إال أن‬ ‫الكات������ب يجعل من تلك املرايا الضبابي������ة مرايا تبدو فيها الصور أكثر جماال من املرايا احلقيقية‪.‬‬ ‫يح������اول هذا الراك������ب (بطل القصة) أن يتفرس في وجه فتاة جتلس إلى جانبه من خالل انعكاس‬ ‫صورتها على نافذة القطار‪ ,‬فتعود به الذاكرة عن طريق تأمله في نفس������ه واستطعام مذاق القهوة‬ ‫املمزوجة بالتبغ في فمه إلى جلوس������ه في مقهى محطة القطار قبيل هذه الرحلة‪ .‬يتذكر اس������تراق‬

‫* (القصص األخرى املختارة تنشر جميعها في موقع مجلة العربي اإللكتروني وتبث في إذاعة الـ«بي بي سي»)‪.‬‬ ‫** أكادميي من الكويت‬

‫‪110‬‬

‫‪7/9/14 11:11:39 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 110-113.indd 110‬‬


‫الس������مع هناك حلديث فتاة جميلة مع النادل‪ ,‬يحتس������ي القهوة‪ ,‬يبحث عن قداحة الس������جائر‪ ,‬ال‬ ‫يجدها فتس������عفه الفتاة بوالعتها‪ ,‬يش������كرها فيندم على تفويت فرصة التعرف إليها‪ .‬يتذكر بطل‬ ‫القصة أنه اش������ترى قداحة وجريدة ولكنه نس������يها عند البائع عندما فوجئ هناك بأنه نس������ي أن‬ ‫يدهن ش������عره ونسي أن ينظر إلى نفس������ه في املرآة الستيقاظه متأخرا‪ ,‬فها هي القصة تعود إلى‬ ‫نقط������ة البداي������ة التي نس������ي فيها البطل النظر إلى نفس������ه في امل������رآة احلقيقي������ة‪ .‬وبهذا متيزت‬ ‫القص������ة باملفارقة بني مرايا احلياة احلقيقية منها واملضبب������ة‪ ,‬بني احلقيقة واخليال‪ ,‬وبني الواقع‬ ‫والتطلعات‪.‬‬

‫القصة الثانية «الرحلة األخرى» لـ محمد أحمد الشرقاوي‪:‬‬

‫على الرغم من أن هذا القصة تبدأ وتنتهي بالطريقة التقليدية في فن القصة القصيرة‪ ,‬فإنها‬ ‫امتازت بسهولة األس������لوب ومنطقية تسلسل األحداث من حيث العلة واملعلول‪ .‬تدور القصة حول‬ ‫فتاة من األرياف تركب في س������يارة األجرة كل يوم لتبيع اللنب في املدينة‪ .‬وتصادف في كل رحلة‬ ‫لبيع اللنب رجال يكبرها بكثير‪ ,‬تعجب به وتتمنى لو أنها ترتبط به بدال من خطيبها‪ ,‬ذلك الشاب‬ ‫األرع������ن‪ .‬تبدأ العقدة في هذه القصة من اختفاء الرجل الذي كانت تصادفه بطلة القصة‪ .‬فتعود‬ ‫الفت������اة إلى أمها وتضرب بس������طل اللنب عرض احلائط‪ ,‬ولكنها تفاج������أ بوجود خطيبها في البيت‬ ‫ليأخذها إلى الرحلة األخيرة‪ ,‬إلى بيت الزوجية‪ .‬تتميز هذه القصة بوضوح الهدف‪ ,‬ولعلها جتسد‬ ‫احلسرة على املاضي واليأس من املستقبل‪.‬‬

‫القصة الثالثة «تأمالت مبهمة» لـ يوسف علي حسن‪:‬‬

‫مليئة هذه القصة بالتأمالت النفسية والفلسفية التي يشوبها كثير من اإلبهام‪ .‬ولكن اختياري‬ ‫وقع عليها ألنني وجدتها قد كتبت بأس������لوب أدبي رفيع مبقارنتها بغيرها من القصص املش������اركة‪.‬‬ ‫تب������دأ القصة باس������تيقاظ البطل في غرفته على ص������وت املنبه ثم يعود للنوم في������رى حلما مبهما‬ ‫تتدحرج فيه كرة بالس������تيكية من على س������لم رخامي‪ ,‬يأخذها بطل القصة فيطير بها في فضاء‬ ‫فس������يح ثم يعود بها ليقدمها إلى عصافير كانت في حديقة‪ .‬يستيقظ من حلمه متأخرا عن عمله‬ ‫فيق������رر البق������اء في البيت يتأمل من خالل نافذة غرفته في الس������ماء والغيوم والش������مس والنجوم‬ ‫والقمر‪ ،‬يراوده النوم مرة أخرى فينام‪.‬‬

‫القصة الرابعة «ثالثون سنة» لـ بن بوزة نور الدين من اجلزائر‪:‬‬

‫األحداث قليلة جدا إال أن اختياري لها كان بسبب لغة الكاتب األدبية وقوة التصوير اخلارجي‬ ‫والنفس������ي عنده‪ ,‬واعتماد القصة على عنصر التشويق بشكل جيد‪ .‬فهي حتكي قصة رجل يخرج‬ ‫من الس������جن بعد حبس دام ثالثني س������نة‪ .‬يخرج بطل القصة من الس������جن إل������ى مقهى قريب من‬ ‫السجن‪ ,‬يطلب فنجانا من القهوة‪ ,‬وعند دفعه احلساب أخرج قطعة نقود كانت في سرواله‪ ,‬ولكن‬ ‫النادل اس������تنكر األمر‪ ,‬ألن قطعة النقود تلك قد انتهت صالحيتها واس������تبدلت عملة جديدة بها‪.‬‬ ‫فكان الكاتب في هذه القصة يصور لنا احلالة النفسية تصويرا جيدا لذلك الرجل الذي خرج من‬ ‫ظلمة السجن إلى نور احلياة بأناسها واتساع أفقها‪ ,‬نور يجتاح ناظريه‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫‪7/9/14 11:11:43 AM‬‬

‫‪aug 110-113.indd 111‬‬


‫مرايـا ‪ ..‬العيد بالح ‪ -‬اجلزائر‬

‫بع� � ��د أن أطلَ� � ��ق صفارت� �ي��ن‬ ‫َ‬ ‫الغض� � ��ب‪،‬‬ ‫متحفّزت� �ي��ن تُالمس� � ��ان‬ ‫الرؤوس‬ ‫حت � � � ّرك القطار فراح� � ��ت‬ ‫ُ‬ ‫رأيت‬ ‫عينني‬ ‫تهتزّ‪ ،‬ف� � ��ي أكثر م� � ��ن‬ ‫ُ‬ ‫بق ّي� � ��ة من نع� � ��اس‪ ،‬الظ� �ل��ام مازا َل‬ ‫خارجا ومعه نسائ ُم باردة‪ ،‬أ ّما‬ ‫يخ ّيم‬ ‫ً‬ ‫داخل القطار فقد اعتكف الدفء‬ ‫ور ّد الضوءُ الساطع زجا َج النوافذِ‬ ‫�ت أكثر من واحد‬ ‫إل� � ��ى مرايا‪ ،‬حمل� � � ُ‬ ‫وواحدة ُ‬ ‫ينظ ُر إل� � ��ى وجهه وتتملىّ‬

‫‪112‬‬

‫‪7/9/14 11:11:53 AM‬‬

‫ربا من‬ ‫وجهها رغب ًة ف� � ��ي التأ ّكد مّ‬ ‫أن ك ّل ش� � ��يء مت� � ��ام‪ ،‬التس� � ��ريحة‪،‬‬ ‫تشذيب الش� � ��ارب‪ ،‬وضعية اخلمار‬ ‫وظال َل األلوان التي ُوضعت بعجل‬ ‫عل� � ��ى الش� � ��فتني والوجنت� �ي��ن وما‬ ‫ّ‬ ‫ربا كان بعضها‬ ‫يحف العينني‪ ،‬أو مّ‬ ‫ُلح على صاحبها‬ ‫نرجسي ًة مرضية ت ّ‬ ‫أن ُ‬ ‫ينظ� � ��ر وباس� � ��تمرار لع ّل ش� � ��يئاً‬ ‫ال استج ّد أو ًّ‬ ‫جمي ً‬ ‫خطا ساح ًرا لم‬ ‫ينتبه إليه‪ ،‬ال يعدو اختياري للمرايا‬

‫كمش ّبه به إ ّال أن يكون فش ً‬ ‫ال وخل ّو‬ ‫مما هو أبلَغ‪ ،‬أق ّر وأعترف‪،‬‬ ‫(ز ّوادة) ّ‬ ‫مينح� � ��ك‪ ،‬خال ًفا‬ ‫فزج� � ��اج النوافذ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫على‬ ‫ة‬ ‫�ور‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ص‬ ‫للمرايا العادية‪،‬‬ ‫قدرٍ‬ ‫م� � ��ن البهوت‪ ،‬أقرب إل� � ��ى األبيض‬ ‫أبيضها شفّاف وأسودها‬ ‫واألسود‪ُ ،‬‬ ‫يُداني ظ� �ل��ا َل ش� � ��جرةٍ كـــثيفة في‬ ‫ي� � ��وم غائم‪ ،‬أما تل� � ��ك التي جندها‬ ‫معلّقة جوا َر األبواب وتعلو املغاسل‬ ‫أبواب‬ ‫ـــــتوس� � ��ط‬ ‫َ‬ ‫في احل ّمامات وت ّ‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪aug 110-113.indd 112‬‬


‫خزائ� � ��ن غرفن� � ��ا فق� � ��د خُ لقَت من‬ ‫أجل منح األلوان بهرجتها وزهوها‬ ‫«ربا كانت‬ ‫ونشازَها وارتباكها‪ ...‬مّ‬ ‫النوافذ متنحن� � ��ا غبطة النظر إلى‬ ‫أوجهن� � ��ا الت� � ��ي تبدو أكث� � ��ر جماالً‬ ‫في املرايا وأق � � � ّل إظهاراً للحواف‪،‬‬ ‫وهو ما يغلّفها بالبهاء أو باألحرى‬ ‫الس� � ��حر»‪ ،‬هكــــــذا وجدتُنــــي أقول‬ ‫ّ‬ ‫لنفس� � ��ي وأنا أنـــــظ ُر إلى النافـــذة‬ ‫ال ألتأ ّم� � ��ل وجهـــي أو تس� � ��ريحتي‪،‬‬ ‫بل ألتأ ّكد مــــــن ش� � � ٍ‬ ‫�كوك دهمتني‬ ‫حول فتاة ليست في مجال بصري‬ ‫إلي النظر‪ ،‬داخ َل‬ ‫ظننتُها تس� � ��تر ُق ّ‬ ‫فمي م� � ��ازال ذل� � ��ك امل� � ��ذاق الذي‬ ‫امتزجت فيه نكه� � ��ة القهوة وفتات‬ ‫َ‬ ‫م� � ��ن قطع� � ��ة امليلفاي ته� � � ّ�ب عليها‬ ‫أنفاسا مش ّبعة برائحة‬ ‫زفرت‬ ‫كلما‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫أفطرت في مقهى‬ ‫كنت قد‬ ‫ُ‬ ‫التب� � ��غ‪ُ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫احملط� � ��ة عند حكي� � ��م‪ ،‬وحكيم أ ّيها‬ ‫اإلخوة رج ٌل ف� � ��ي عقده اخلامس‪،‬‬ ‫حل ُو اللسان‪ ،‬كلماته ذات موسيقى‬ ‫عيني‬ ‫متأصل� � ��ة‪ ،‬ذو‬ ‫تش� � ��ي بطيبة‬ ‫نْ‬ ‫ّ‬ ‫تي االبتس� � ��ام خل� � ��ف ّ‬ ‫نظارةٍ ال‬ ‫دائ َم ْ‬ ‫أعقاب‬ ‫ُجاجها كثي ًرا عن‬ ‫ُ‬ ‫يختلفُ ز ُ‬ ‫الكؤوس التي يُق � � � ّدم فيها القهوة‪،‬‬ ‫فيعن‬ ‫صباحا‬ ‫مي ّر عليه املُسافرون‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫له أن يق� � ��رأ الوج� � ��وه ومالمِ حها‪،‬‬ ‫احلزين� � ��ة منها والس� � ��عيدة‪ ،‬وتلك‬ ‫التي ال تقو ُل ش� � ��ي ًئا‪ ،‬فاملسافرون‪،‬‬ ‫في ق ّمة انش� � ��غالهم مب� � ��ا هم فيه‪،‬‬ ‫ينس� � ��و َن عاد ًة إخفا َء مش� � ��اعرهم‬ ‫نصوصا‬ ‫األوجه‬ ‫التي ترتس ُم على‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫وصو ًرا وأطيافا‪ ،‬سمعته اليو َم وأنا‬ ‫أس ُكب قطرات من ماء الزهر في‬ ‫إحداهن‪ ،‬كانَت‬ ‫القهوة يتح ّدث إلى‬ ‫ّ‬ ‫�ص العصير‬ ‫تق� � ��فُ بجانبي ومتت� � � ّ‬ ‫بتل � � � ّذذ ومت ّهل وهمهم� � ��ة من تق ّبل‬ ‫حبي ًب� � ��ا‪ ،‬كانا يتح ّدثان بش� � ��يء من‬ ‫التعريض ح� � ��ول حماقات صديق‬

‫مش� � ��ت َرك أو ج� � ��ار‪ ،‬ف� � ��ي صوته� � ��ا‬ ‫ستحب وق ُعه‪ ،‬في‬ ‫وضعفٌ ُم‬ ‫خفوت ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫�ت رنينًا وسقسقة‪،‬‬ ‫ضحكتها ملس� � � ُ‬ ‫ِ‬ ‫أستطع تقييدها‬ ‫أما مالمحها فلم‬ ‫�ترقت إليه� � ��ا نظر ًة‬ ‫إ ّال حلظ َة اس� � � ُ‬ ‫وهي تس� � ��تدير بعد أن ر َمت شي ًئا‬ ‫في س � � �لّة املهمالت أظ ّن� � ��ه مندي ً‬ ‫ال‬ ‫ورقي� � ��ا‪« ،‬ال بُ ّد أن يك� � ��و َن قد تبقّع‬ ‫باألحم� � ��ر لون ش� � ��فتيها» لم أتأخّ ر‬ ‫الورقي‬ ‫في رس� � � ِ�م صورة للمنديل‬ ‫ّ‬ ‫وهو يقبع في تلك الس � � �لّة‪ ،‬إن كا َن‬ ‫ح ًّق� � ��ا مندي ً‬ ‫ال ورق ًيا م� � ��ا ر َمت به‪ .‬‬ ‫ناي‬ ‫وبحك� � ��م الع� � ��ادة‪ ،‬لم تك� � ��د يمُ َ‬ ‫ُ‬ ‫تفر ُغ من س� � ��كب ماء الزهر وتعي ُد‬ ‫القارورة إل� � ��ى وقفتها األولى حتى‬ ‫س � � � َبقَتها اليس� � ��رى مف ّتش � � � ًة ع� � ��ن‬ ‫القداحة بعد أن ث ّبتت سيجارة بني‬ ‫َّ‬ ‫القداحة لم ت ُكن ال‬ ‫الش� � ��فتني‪ ،‬لكن َّ‬ ‫بجيبي سروالي‪،‬‬ ‫بجيبي معطفي وال‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫وربا تشكي ًكا‬ ‫الغياب‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫د‬ ‫وتأكي‬ ‫ً‬ ‫مّ‬ ‫أضرب أماكن اجليوب‬ ‫جعلت‬ ‫فيه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫براحة ي� � ��دي على نحوٍ أثا َر فضو َل‬ ‫من كانوا حولي‪ ،‬ما لم أ ُكن أتوقعه‬ ‫حدث‪ ،‬قداحة ش � � �فّافة تسب ُح في‬ ‫غازها وردةٌ أو سمكة مل ّونة‪ ،‬متت ّد‬ ‫بها أصاب ٌع بيضاءُ رفيعة‪ ،‬أظفارها‬ ‫بالوردي تلم ُع فيها جُنيمات‬ ‫مطل ّي ٌة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فض ّية‪ ،‬تتحلى بخ� � ��وامت ذهبية لم‬ ‫كنت فيه من مفاجأة من‬ ‫يسمح ما ُ‬ ‫ع ّده� � ��ا وتأ ّملها‪ ،‬كانت جارتي التي‬ ‫كانت من حلظات تلته ُم عصيرها‬ ‫ه� � ��ي م� � ��ن أغاثتن� � ��ي بقداحته� � ��ا‪،‬‬ ‫اقتنيت قداحة منذ‬ ‫«أش ُكرك‪ ،‬لقد‬ ‫ُ‬ ‫حني لك� � ��ن أظنّني نس� � ��يتها هناك‬ ‫أعدت‬ ‫عند البائع»‪ ،‬به� � ��ذه العبارة‬ ‫ُ‬ ‫القداحة إل� � ��ى املغرومة بالعصير‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫في ند ًما على كل الكالم‬ ‫ّ‬ ‫مم� � ��ا أثا َر َّ‬ ‫الذي تال عبارة «أش � � � ُكرك»‪ ،‬فقد‬ ‫كان� � ��ت جمل� � ��ة مجاني� � ��ة ال طائ � � � َل‬

‫منها‪ ،‬وما ال طائ � � � َل من ُه فهو ضا ّر‬ ‫ابتس � � � َمت ل� � ��ي دو َن أن‬ ‫بالضرورة‪َ ،‬‬ ‫القداحة في‬ ‫تتف� � ��وه وه� � ��ي تدف� � ��ن َّ‬ ‫ّ‬ ‫احملطة‬ ‫الزيتوني‪ ،‬وغادرت‬ ‫معطفها‬ ‫ّ‬ ‫إلى الشارِ ع ال إلى أرصفة الركوب‪،‬‬ ‫األعي وك ّل منها تتمنّى لو‬ ‫تتتبعها‬ ‫نُ‬ ‫َ‬ ‫اقتنيت‬ ‫تقف يو ًما موقف العصير‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫قداح� � ��ة م� � ��ن عند حكي� � ��م وك ّررت‬ ‫َّ‬ ‫نفس ما قلتُه للعصيرية «أش ُكرك‪،‬‬ ‫اقتنيت قداحة منذ حني لكنّني‬ ‫لقد‬ ‫ُ‬ ‫أظنّني نسيتها هناك عند البائع»‪،‬‬ ‫غي َر أ ّنني في هذه امل ّرة لم أش� � ��عر‬ ‫بأي ندم عل� � ��ى العب� � ��ارة الطويلة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫رجل عليه إلى‬ ‫يختلِفُ احلديثُ إلى ُ‬ ‫ام� � ��رأة أو هذا ما يُفتَ َرض‪ ،‬وضعت‬ ‫القداح� � ��ة داخ� � ��ل علبة الس� � ��جائر‬ ‫َّ‬ ‫جيب‬ ‫ش� � ��به الفارغة واخترت أأم َن ٍ‬ ‫�ت إغالقه عل� � ��ى االثنتني‪،‬‬ ‫وأحكم� � � ُ‬ ‫�ت أس� � ��ي ُر متم ّهال على‬ ‫وفيم� � ��ا كن� � � ُ‬ ‫الرصيف ً‬ ‫نافخا دخا َن س� � ��يجارتي‬ ‫رحت أس� � ��تعي ُد َ‬ ‫كيف‬ ‫إل� � ��ى األعلى‪ُ ،‬‬ ‫اقتنيت اجلريدة م� � ��ن عند إلياس‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وطلبت ً‬ ‫أيضا‬ ‫احملطة‪،‬‬ ‫قبل بلوغي‬ ‫ُ‬ ‫القداح� � ��ة‪ ،‬أذ ُك ُر أ ّنه وضعها أمامي‬ ‫َّ‬ ‫كنت أطوي فيه اجلريدة‬ ‫في وقت ُ‬ ‫وأد ّكها داخل احملفظة‪ ،‬لم ي ُكن هذا‬ ‫هو الس� � ��بب الوحيد‪ ،‬فقد نسيتُها‬ ‫أيضا بس� � ��بب انش� � ��غالي َ‬ ‫ً‬ ‫بش� � ��عري‬ ‫�فت أ ّنني‬ ‫بعد أن مس� � ��حتُه واكتش� � � ُ‬ ‫�تيقظت متأخّ ًرا‬ ‫لم (أُجلجله) اس� � �‬ ‫ُ‬ ‫ليلة بال ن ٍ‬ ‫�س دقــــائق بعد ٍ‬ ‫ــــوم‬ ‫بخم� � � ِ‬ ‫ــــلت بال وعي منّي‬ ‫تقري ًب� � ��ا‪ ،‬لذا جع ُ‬ ‫أتخلّى عــــن بـــــن� � � ٍ‬ ‫�ود من برنامجي‬ ‫احملسوب بالدقيقة فكان الضح ّي ُة‬ ‫ُ‬ ‫شعري‪ ،‬وغي َر شعري كانت ضح ّي ٌة‬ ‫أخرى هي النظ � � � ُر إلى وجهي في‬ ‫املرآة قبل خروجي‪ ،‬مرآةٌ أخرى ال‬ ‫ب ّد أن تتبعها مرايا‪ ....‬هي احلياة‬ ‫مرايا ومرايا >‬

‫‪113‬‬

‫‪7/9/14 11:11:59 AM‬‬

‫‪aug 110-113.indd 113‬‬


‫نقد‬

‫النقد الروائي عند‬ ‫مينى العيد‬ ‫د‪.‬عادل القريب*‬ ‫صدر عن دار البوكيلي للطباعة والنش� � ��ر‬ ‫ف� � ��ي طبعت� � ��ه األولى كتاب نقدي موس� � ��وم‬ ‫بـ«النقد الروائي عند مينى العيد‪ :‬دراسة‬ ‫في اخللفي� � ��ات واملفاهيم» للدكت� � ��ور أحمد اجلرطي‪،‬‬ ‫وهو كتاب يح� � ��اول من خالله املؤلف مناقش� � ��ة جملة‬ ‫م� � ��ن املفاهيم النقدية‪ ،‬التي أغنت بها الناقدة اللبنانية‬ ‫مينى العيد الساحة النقدية العربية‪ ،‬والرد في مقابل‬ ‫ذلك عل� � ��ى العديد من الدراس� � ��ات النقدي� � ��ة التي لم‬ ‫تس� � ��تطع الوصول إلى كنه املمارس� � ��ة النقدية للباحثة‪،‬‬ ‫مما طبع الكتاب بس� � ��مة مميزة‪ ،‬فه� � ��و من جهة يعتبر‬ ‫متن� � ��ا متميزا يتدثر بأفق نقدي ينم عن اطالع واس� � ��ع‬ ‫للباحث باملشروع النقدي ليمنى العيد‪ ،‬كما يعكس من‬ ‫جهة ثانية الضب� � ��ط املنهجي الذي يعود إلى القراءات‬ ‫املتعددة ملعظم الدراسات التي قدمت حول مشروعها‬ ‫النق� � ��دي‪ ،‬ومن هنا تأتي احلاجة إلى هذه الورقة التي‬ ‫نعم� � ��د فيها إلى تقدمي ه� � ��ذا الكتاب‪ ،‬وذلك من خالل‬ ‫الوق� � ��وف عند محورين أساس� � ��يني‪ ،‬هم� � ��ا‪ :‬األهداف‬ ‫واختبار الصحة‪.‬‬

‫د‪ .‬مينى العيد‬

‫األهداف‬ ‫إن م� � ��ا قدمه املؤلف في كتابه يبرز بجالء الطموح‬ ‫النظري الكبير‪ ،‬واملمارس� � ��ة العلمي� � ��ة اجلادة للوقوف‬ ‫عند املش� � ��روع النقدي ليمنى العي� � ��د‪ ،‬وقفة متأنية من‬ ‫أج� � ��ل تصحيح جملة من املغالط� � ��ات التي رافقت هذا‬ ‫املشروع‪ ،‬والسيما عند بعض النقاد الذين رأى الباحث‬ ‫أنهم تس� � ��رعوا ف� � ��ي احلكم على مين� � ��ى العيد‪ ،‬ومن ثم‬ ‫تصنيفه� � ��ا ضمن مناهج نقدية بعي� � ��دة عنها كل البعد‪.‬‬ ‫ولعل هذا ما أدى بالدكتور أحمد اجلرطي إلى حتديد‬ ‫جمل� � ��ة م� � ��ن األهداف الت� � ��ي دفعته إلى اختي� � ��ار النقد‬ ‫الروائي عن� � ��د مينى العيد موضوعا لهذا الكتاب‪ ،‬ومن‬ ‫بينها أن معظم تركيز النقاد العرب الذين واكبوا تطور‬ ‫انصب على التأريخ للرواية العربية‬ ‫الرواية العربية قد‬ ‫ّ‬ ‫و«متابعة حتوالتها الفنية واملرجعية مع إهمال شبه تام‬ ‫إلجنازات النقاد العرب في مجال نقد الرواية» (ص‪،)7‬‬ ‫ب� � ��ل ينضاف إل� � ��ى ذلك أن جل الدراس� � ��ات التي عنيت‬ ‫بتتب� � ��ع اجله� � ��ود النقدية للنقاد العرب ف� � ��ي مجال نقد‬ ‫الرواية ظلت مش� � ��دودة إلى طاب� � ��ع التلخيص والعرض‬

‫* كاتب من املغرب‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫‪7/10/14 9:54:42 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 114-117.indd 114‬‬


‫في غياب تام للسجال النقدي‪ ،‬ويقدم الباحث كشاهد‬ ‫على ذل� � ��ك جملة من الكت� � ��ب النقدية‪ ،‬منه� � ��ا‪« :‬حتليل‬ ‫اخلطاب األدبي على ض� � ��وء املناهج النقدية احلداثية‬ ‫دراس� � ��ة في نقد النقد» حملمد ع� � ��زام‪ ،‬و«النقد األدبي‬ ‫العربي اجلديد في القصة والرواية والسرد» لعبدالله‬ ‫أبوهيف‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬ ‫ونالحظ هن� � ��ا أن الباحث منش� � ��غل بإعادة النظر‬ ‫ف� � ��ي تلك الدراس� � ��ات التي غلب عليها طابع التس� � ��رع‪،‬‬ ‫فه� � ��و يطمح إلى تقدمي قراءة نقدية تتعالى عن إصدار‬ ‫األح� � ��كام املتس� � ��رعة‪ ،‬وتس� � ��تحضر ف� � ��ي مقاب� � ��ل ذلك‬ ‫الس� � ��ياقات الفاعلة في تلقي املنهج النقدي وتوظيفه‪،‬‬ ‫النقد الروائي عند مينى العيد‬

‫‪7/9/14 11:12:42 AM‬‬

‫ولع� � ��ل هذا ما دفعه إلى الدخ� � ��ول في جدال نقدي مع‬ ‫كل من عبدالعزيز حمودة‪ ،‬وعبدالله أبو هيف‪ ،‬وس� � ��عد‬ ‫البازعي وغيرهم‪ ،‬ممن حاولوا الوقوف عند املش� � ��روع‬ ‫النق� � ��دي ليمنى العيد‪ ،‬مؤكدا في الس� � ��ياق نفس� � ��ه أن‬ ‫خصوصية الدراس� � ��ة التي يقدمها تسعى إلى الكشف‬ ‫«ع� � ��ن أهم اخللفي� � ��ات الفكرية والنقدية التي ش� � ��كلت‬ ‫منطلقات أساس� � ��ية للجه� � ��از املفاهيمي الذي اعتمدته‬ ‫الناق� � ��دة في البحث عن خصوصي� � ��ة نقدية ال تتماهى‬ ‫مع النموذج الغربي‪ ،‬بل حترص على تنسيبه من خالل‬ ‫استحضار الس� � ��ياق االجتماعي والثقافي الذي يحف‬ ‫بعملية استقباله» (ص‪.)10‬‬

‫‪115‬‬

‫‪august 114-117.indd 115‬‬


‫وه� � ��ي خصوصي� � ��ة أخفقت جل‬ ‫الدراس� � ��ات ف� � ��ي تلمس� � ��ها والوصول‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫وهذا ه� � ��دف آخر دف� � ��ع املؤلف‬ ‫إل� � ��ى اختيار النقد الروائي عند مينى‬ ‫العيد موضوعا لدراسته‪ ،‬يقول‪« :‬كما‬ ‫ينضاف إلى هذه القناعات السابقة‪،‬‬ ‫عامل آخر س� � ��اهم ف� � ��ي تخصيصنا‬ ‫مش� � ��روع مينى العيد النقدي الروائي‬ ‫به� � ��ذه الدراس� � ��ة‪ ،‬جتلى ف� � ��ي إخفاق‬ ‫معظ� � ��م الدراس� � ��ات الت� � ��ي تناول� � ��ت‬ ‫مش� � ��روعها النقدي في الكش� � ��ف عن‬ ‫خصوصية هذا املش� � ��روع‪ ،‬وإب� � ��راز خلفياته ومفاهيمه‬ ‫واس� � ��تراتيجياته» (ص‪ .)13‬وهو ما ح ّركه إلى البحث‬ ‫من أجل جتاوز التعثر الذي وقعت فيه تلك الدراسات‬ ‫الس� � ��ابقة‪ ،‬وهو مطمح آخر أشار إليه املؤلف في ثنايا‬ ‫الكتاب‪.‬‬ ‫وم� � ��ن ثم نلح� � ��ظ أن غاية املؤلف تن� � ��أى عن كونها‬ ‫مجرد دراسة في مشروع نقدي فحسب‪ ،‬بل إنها تسعى‬ ‫إلى إعادة وضعية مينى العيد ضمن اخلريطة النقدية‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬وإنصافها من خالل الكش� � ��ف عن اخللفيات‬ ‫الفكري� � ��ة واإلبس� � ��تيمية الناظمة ملمارس� � ��تها النقدية‪،‬‬ ‫فبرغم املوس� � ��وعية التي تتميز به� � ��ا مينى العيد والتي‬ ‫دفعتها إلى اس� � ��تدعاء جملة من املفاهيم النقدية التي‬ ‫تتوزع بني مناهج نقدية عدة‪ ،‬فإن اخللفية الناظمة لكل‬ ‫ذلك تظل الفلس� � ��فة املاركسية‪ ،‬واملنهج السوسيولوجي‬ ‫على وجه التحديد‪ ،‬وهذا ما يود الباحث الوصول إليه‪،‬‬ ‫بل ويؤكده في دراسته‪.‬‬ ‫أما في ما يخص اجلانب املنهجي للكتاب‪ ،‬فيمكننا‬ ‫التأكيد أنه جاء متساوقا وطبيعة الدراسة‪ ،‬حيث اجلمع‬ ‫بني املس� � ��تويني النظري والتطبيقي من خالل الوقوف‬ ‫عند التنظير الروائي ليمنى العيد‪ ،‬ثم انتقاء جملة من‬ ‫النماذج في املمارس� � ��ة النقدية لديه‪ ،‬وكل ذلك يؤش� � ��ر‬ ‫على االستيعاب الرصني ملشروع الباحثة‪ ،‬والسيما من‬ ‫خالل االنتقال من املستوى األول إلى املستوى الثاني‪.‬‬

‫اختبار الصحة‬

‫قبل أن نقدم بعض املالحظات النقدية حول الكتاب‪،‬‬ ‫الب� � ��د أوال أن نؤكد أن الكت� � ��اب يضم متهيدا حاول من‬ ‫خالله الكاتب الوقوف عند أهم التحوالت التي عرفها‬

‫‪116‬‬

‫‪7/9/14 11:12:46 AM‬‬

‫النق� � ��د الروائي العربي‪ ،‬ثم أعقبه بفصل‬ ‫أول ح� � ��ول التنظير النقدي الروائي عند‬ ‫مين� � ��ى العيد‪ ،‬وقد وق� � ��ف فيه عند جملة‬ ‫من املفاهيم النقدي� � ��ة التي فصلت فيها‬ ‫القول م� � ��ن قبيل ماهية النقد‪ ،‬ووظيفته‪،‬‬ ‫وكيفية توظيف املنــهج النقدي‪ ،‬والعالقة‬ ‫اجلدلية بني النص والواقع املرجعي‪ ،‬ثم‬ ‫أهمية املوق� � ��ع في حتديد بنية الش� � ��كل‬ ‫الروائ� � ��ي‪ ،‬وغيرها‪ ،‬أما الفص� � ��ل الثاني‬ ‫فقد خصص� � ��ه الباحث للتقومي اجلمالي‬ ‫من خــ� �ل��ال انتقاء بع� � ��ض األعمال التي‬ ‫طبقت عليها مينى العيد مهنجها‪ ،‬بينما‬ ‫جاءت خامتة الكتاب في ش� � ��كل اس� � ��تنتاجات هي في‬ ‫احلقيقة خالصة ما توصل إليه املؤلف‪.‬‬ ‫لق� � ��د اتضح لنا أن املؤلف يتمتع باضطالع واس� � ��ع‬ ‫على املش� � ��روع النقدي ليمنى العيد‪ ،‬وهو ما قدم مادة‬ ‫دس� � ��مة وغنية تدفع الباحث إل� � ��ى مزيد من التأمل في‬ ‫هذا املشروع‪ ،‬كما يتضح مدى التزام املؤلف مبا قدمه‬ ‫من أس� � ��ئلة خالل مس� � ��ار الدراس� � ��ة‪ ،‬فقد ظل حريصا‬ ‫على أن تنس� � ��جم تلك األس� � ��ئلة مع ما يبتغي الوصول‬ ‫إليه‪ ،‬ولكن ما ال نتفق معه فيه‪ ،‬هو الغياب ش� � ��به التام‬ ‫للسجال النقدي مع الناقدة‪ ،‬فاملؤلف بصرف النظر عن‬ ‫بعض اإلشارات البسيطة‪ ،‬تظل كل األفكار الواردة في‬ ‫الكتاب هي عبارة عن دفاع عن الطرح النقدي للناقدة‬ ‫اللبناني� � ��ة‪ ،‬وما يعزز هذه املالحظ� � ��ة هو اجلدال الذي‬ ‫دخل فيه املؤلف مع العديد م� � ��ن النقاد الذين اتخذوا‬ ‫من مش� � ��روعها مجاال للبحث‪ ،‬يق� � ��ول‪« :‬ولذلك نخالف‬ ‫مجموعة من النقاد ف� � ��ي تلك األحكام التي أصدروها‬ ‫حول كتاب «في معرفة النص» ليمنى العيد التي ظلت‬ ‫بعيدة كل البعد عن التحديد الدقيق خللفياتها املعرفية‬ ‫والنقدية» (ص‪.)42‬‬ ‫ب� � ��ل إن حدة النقد املوجه إلى هؤالء س� � ��تصل إلى‬ ‫درجة اتهامهم بالتعسف‪ ،‬واخللط‪ ،‬واملغالطة في إصدار‬ ‫األح� � ��كام النقدية‪ ،‬يقول‪« :‬إن مظاهر اخللط واملغالطة‬ ‫الت� � ��ي طبعت عملي� � ��ة تلقي اخلطاب النق� � ��دي الروائي‬ ‫ليمنى العيد لم تقف عند حدود الرأيني السابقني‪ ،‬بل‬ ‫نلمس آثارها عند الناقد س� � ��عد البازعي الذي انتهــى‬ ‫في دراس � � �ــــة موجزة عن جتربة مين� � ��ى العيد النقــدية‬ ‫من خالل كتابها «في معرفة النص» إلى املوقف نفسه‬ ‫الذي تبناه عبدالعزي� � ��ز حمـــودة‪ ،‬وعــــبدالله أبـــو هيف‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 114-117.indd 116‬‬


‫مـ ــمثال فـ ــي وسم تنظيرها الروائي‬ ‫بالتلفيقي������ة‪ ،‬والتداخ������ل بني خطوط‬ ‫منه ــجية متعارضة عدة» ( ص‪.)46‬‬ ‫غير أن م������ا يالم علي������ه املؤلف‬ ‫ه������و املغاالة ف������ي االنتق������اد‪ ،‬وتقدمي‬ ‫االتهامات اجلوفاء مع غياب الشاهد‬ ‫احلقيق������ي‪ ،‬ولنقف مع������ه عند القول‬ ‫ال������ذي يقدم������ه كدليل التهام س������عد‬ ‫البازع������ي ليمنى العي������د بالتلفيقية‪،‬‬ ‫حيث يقول س������عد البازعي‪« :‬ويأتي‬ ‫مفه������وم ف������ي معرف������ة الن������ص الذي‬ ‫تطرحه مينى العيد في س������ياق هذا‬ ‫التوجه النقدي الذي يتوسط بني الشكالنية والواقعية‪،‬‬ ‫ولك������ن إدخاله������ا لوكاتش وغولدمان في هذا الس������ياق‬ ‫يخلق وضع������ا مضطربا يخ������رج باملنهج ع������ن البنيوية‬ ‫التكوينية التي س������بق أن نسبتها إلى لوسيان غولدمان‪،‬‬ ‫مع أن الناقدة تصف هذا املس������ار بأنه املسار النقدي‬ ‫القلق الذي ينكشف نتيجة هذا االضطراب قلقا مركبا‬ ‫مبعن������ى أنه قلق منهجي في الوق������ت الذي يوصف فيه‬ ‫ضمنا بأن������ه قلق إبداعي‪ ،‬أو بتعبي������ر آخر تقول مينى‬ ‫العيد إن في منهجه������ا قلقا إبداعيا ولكن الواقع يقول‬ ‫إن في منهجها اضطرابا غي������ر إبداعي نتيجة تداخل‬ ‫اخلطوط املنهجية» (ص‪.)46‬‬ ‫وما يس������ترعي االنتباه هو أن مصطل������ح التلفيقية‬ ‫الذي أورده املؤلف منتقدا به رؤية سعد البازعي ملؤلف‬ ‫مين������ى العيد «في معرفة النص» ال وج ـ ــود له البتة في‬ ‫الش������اهد الذي ق ّدمه لتعضيد طرح������ه‪ ،‬وهو ما يؤكد‬ ‫لنا انس������ياق املؤلف وراء األطروحة األساس من وضع‬ ‫الكتاب‪ ،‬األمر الذي جعله يتخب ــط ه ــو اآلخر في مثل‬ ‫هذه األحكام املتس������رعة‪ ،‬فالقول بتداخل اخلطوط‪ ،‬ال‬

‫يعني بالضرورة القول بالتلفيقية‪.‬‬ ‫إلى جانب ه������ذه املالحظة‪ ،‬ميكننا‬ ‫التأكي������د أيضا أن الت ـ ـق������ومي اجل ــمالي‬ ‫ظل ضئيال مقارن������ة مع جملة األع ــمال‬ ‫احملللة من ل������دن مينى العيد‪ ،‬فاملؤل ـ ــف‬ ‫اكتفى ببعض النماذج وه������ي كالت ـ ــالي‪:‬‬ ‫قص ـ ــة «أشياء ال متوت» حملمد عيتاني‪،‬‬ ‫و«موس������م الهجرة إلى الشمال» للطيب‬ ‫صال������ح‪ ،‬و«التي������ه» لعبدالرحمن منيف‪،‬‬ ‫وهي كلها أعمال تدع������م األفكـ ــار التي‬ ‫تناولهـ ــا س������ابقا‪ ،‬ولكن ما ال نتفق معـ ــه‬ ‫فـ ــيه هو كيف تس������نى له حصر التقومي‬ ‫اجلمالي في ثالث ــة مناذج مــقارنة املشروع النقدي ليمنى‬ ‫العيد ككل؟ ولعل قلة النماذج املنتقاة هي التي انعكس������ت‬ ‫بشكل س������لبي على الطابع املنهجي للكتاب بكامله‪ ،‬حيث‬ ‫البون الشاس������ع بني الفصل األول ال������ذي ميتد إلى مائة‬ ‫صفح������ة‪ ،‬والفصل الثاني الذي لم يتعد األربعني صفحة‪،‬‬ ‫ونحن ال نرمي من خالل هذا القول البحث عن السيمترية‬ ‫في البحث العلمي‪ ،‬ولكن نشدد على نوع من التوافق أثناء‬ ‫االنتقال من التنظير إلى املمارسة‪.‬‬ ‫وإجماال‪ ،‬فهذه املالحظات البس������يطة ال تقلل من‬ ‫أهمية الكت������اب الذي زخ������ر بالعديد م������ن اإلضافات‬ ‫التـ ــي المس������ت مش������ـ ــروع مي ــنى العيد‪ ،‬فالكتاب يقدم‬ ‫م������ادة غنية للبحـ ــث والنقاش‪ ،‬من خالل إحاطة مؤلفه‬ ‫باملس ــار التط ـ ــوري للتجربة النقدية للناقدة اللبنان ــية‪،‬‬ ‫وهو م ــا أتـ ــاح لن������ا الفرصة أيضا ملواكبة هذا التطور‬ ‫الذي أتى متس ًقا مع جملة من التحوالت التي عرف ــتها‬ ‫الساحة النقدية العرب ــية بشكل عام‪ ،‬وهو ما أملح إليه‬ ‫هذا الكتاب الذي اتس������م بالدقة واالنسجام بني طبيعة‬ ‫األهداف املسطرة‪ ،‬والنتائج املتوصل إليها >‬

‫< حك������ي أن جعفر الصادق كان له غالم وقف يصب املاء على يديه‪ ،‬فوقع اإلبريق‬ ‫من يد الغالم في الطس������ت‪ ،‬فطار الرش������اش في وجهه‪ ،‬فنظر جعفر إليه نظر مغضب‬ ‫فق������ال‪ :‬يا موالي «والكاظم���ي��ن الغيظ»‪ ،‬قال‪ :‬قد كظمت غيظ������ي‪ ،‬قال‪« :‬والعافني عن‬ ‫الن������اس»‪ ،‬قال‪ :‬قد عفوت عنك‪ ،‬قال‪« :‬والله يحب احملس������نني»‪ ،‬قال‪ :‬اذهب فأنت حر‬ ‫لوجه الله تعالى‪.‬‬ ‫النقد الروائي عند مينى العيد‬

‫‪7/9/14 11:12:51 AM‬‬

‫‪117‬‬

‫‪august 114-117.indd 117‬‬


‫فن تشكيلي‬

‫«بغداديات» الفنان ستار لقمان‬

‫‪ ...‬أو البحث عن العجائبي‬ ‫في احلكاية الشعبية‬ ‫ماجـد صالح الســامرائي *‬ ‫يعد نفسه امتداد ًا للمدرسة البغدادية في الفن‬ ‫إذا كان الفنان التشكيلي ستار لقمان ّ‬ ‫العراقي احلديث‪ ،‬فإنه يجد في املؤسس لهذه املدرسة‪ ،‬الفنان جواد سليم (‪،)1961-1919‬‬ ‫معلمه األول‪ ،‬وحارس خطواته على دربها‪.‬‬ ‫وإن كان قد ذهب في «مغامرته الفنية»‬ ‫إلى ما يؤكد به مساره الشخصي فناناً‪،‬‬ ‫فــي تعالق أوس� � ��ع‪ ،‬وأش� � ��مل مع ذلك‬ ‫«الك� � ��ون اجلمــيل» الذي ابتنـــاه أس� � ��تاذ اجليل‪..‬‬ ‫ف� � ��إذا هو يبحث عما هو أكـــث� � ��ر إثارة من مجالي‬ ‫احلياة التي تنفرد بخصوصـــــية التسمــــــية هذه‪،‬‬

‫فاحت � � �اً باب رؤيته الفنية على كل ما يكش� � ��ف ما‬ ‫لهذا العالم من تعدد املعطي� � ��ات‪ ،‬مكاناً وزماناً‪..‬‬ ‫مع احتفاء خاص منه بنش� � ��وة اخلط واللون‪ ،‬تلك‬ ‫النــــش� � ��وة التي جندها في «بغداديات» األس� � ��تاذ‬ ‫املعلّم جواد‪ ،‬مع ِّمقاً إحساسه باالنتماء إلى تقليد‬ ‫فن� � ��ي‪ ،‬إن كان له عمقه التاريخي عند جواد فإنه‬

‫* كاتب من العراق‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫‪7/9/14 11:13:22 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 118-123.indd 118‬‬


‫يج� � ��يء بتركيز أوس� � ��ع‪ ،‬ورؤية أش� � ��مل واقعاً عند‬ ‫ستار لقمان‪ ،‬مشحوناً مبا للحياة الفولكلورية من‬ ‫طابع‪ ،‬وعالم خاص هو عالم احلكايات الشعبية‪،‬‬ ‫مب� � ��ا لها من مرجعيات لعل أكثرها حضوراً وثرا ًء‬ ‫«ألف ليلة وليلة»‪.‬‬ ‫وإذا كن� � ��ا جند للحي� � ��اة البغدادية‪ ،‬في بُعدها‬ ‫الشعبي األسطوري هذا‪ ،‬وقعها السحري في نفس‬ ‫الفنان وفي عمله الفني‪ ،‬فإنه سيجعل‪ ،‬كما جعل‬ ‫جواد‪ ،‬لـ «فعل اللون» خصوصيته وعمقه‪ ،‬وخصوصاً‬ ‫في األعمال التي رك� � ��ز على ما لها من «حقيقة»‬ ‫في الوجدان الشعبي‪ ،‬معتمداً ما ميكن أن نصفه‬ ‫بـ «اإلفاضة» في تفصيالت الشكل املك ِّون للعمل‬ ‫إزاء غياب� �ي��ن‪ :‬غياب تلك احلي� � ��اة من بعد تقلّص‬ ‫«بغداديات» الفنان ستار لقمان‬

‫‪7/9/14 11:13:26 AM‬‬

‫حضورها في واقع املدين� � ��ة االجتماعي الراهن‪،‬‬ ‫وغي� � ��اب ناس تلك احلي� � ��اة ممن مثل� � ��وا‪ ،‬وتتم ّثل‬ ‫فيهم‪ ،‬معطياتها احلية‪.‬‬ ‫فما أصبح غائباً‪ ،‬أو في حكم الغياب‪ ،‬يستعيده‬ ‫الفن‪ ،‬لنجد الفنان‪ ،‬في عملية االس� � ��تعادة هذه‪،‬‬ ‫يركز على ما لألشياء من «أثر إنساني»‪ ،‬فيقبض‬ ‫على احللم أو ما هو من عامله‪ ،‬مستجمعاً شظايا‬ ‫ما تبدد‪ ،‬خارجاً برؤاه هذه عبر «الش� � ��كل»‪ ،‬ومن‬ ‫خالل «اللون»‪ ...‬فالشكل‪ ،‬في عمل هذا الفنان‪،‬‬ ‫يؤلف‪ /‬ويتألف من هيئة متكاملة احلضور‪ .‬ولعل‬ ‫األكثر أهمية في هذا التكوين هو‪ :‬االنتقال الذي‬ ‫يعتم� � ��ده من «املرئ� � ��ي» عيناً‪ ،‬وبرؤي� � ��ة العني‪ ،‬إلى‬ ‫«اإلحساس» بهذا املرئي‪ ..‬ما يجعله يوزع رؤيته‪،‬‬

‫‪119‬‬

‫‪august 118-123.indd 119‬‬


‫الفنية‪ ،‬في غير اجتاه‪ ،‬شاحناً ذاته مبا يستعني به‪،‬‬ ‫ويعين� � ��ه‪ ،‬في عمله هذا‪ :‬الرؤية التخييلية‪ ،‬واللون‬ ‫املتواش� � ��ج مع عواملها الزمانية واملكانية‪ ،‬جاع ً‬ ‫ال‬ ‫منها منطلقه ف� � ��ي «تكوين» لوحته‪ .‬وبذلك أوجد‬ ‫ألعماله نس� � ��قها اخلاص الدال على ش� � ��خصيته‬ ‫الفنية‪ .‬أما اللون عنده‪ ،‬واملستخدم من قبله‪ ،‬فهو‬ ‫ما يُعطي احليوية لهذا كله‪ ،‬مبا يجعل من اللوحة‬ ‫نسيجاً خشناً قوياً‪.‬‬

‫قراءات فنية للواقع‬

‫وكان الفنان قد اتخذ من هذا منطلقاً قائماً‬ ‫عل� � ��ى التواصل مع ما له� � ��ذا التوجه في الفن من‬ ‫أصول كان جواد قد أكد عليها يوم التأس� � ��يس لـ‬ ‫«جماعة بغداد للفن احلديث» (‪ ،)1951‬إذ شدد‬ ‫على أن ما يثيرهم‪ ،‬كفنانني‪ ،‬هو «ما في طبيعتنا‬ ‫ومحيطن� � ��ا احمل� � ��ض‪ ..‬وأنه� � ��م‪« ،‬جماع � � � ًة»‪ ،‬إمنا‬ ‫«يُهيئون األس� � ��س لألجيال الشابة القادمة»‪ .‬فإذا‬ ‫ما نظرنا إلى عمله من خالل ذلك فسنجد تأثير‬ ‫جواد علي� � ��ه‪ ،‬هو «تأثير املو ّل� � ��د» للرؤية‪ /‬الرؤيا‪،‬‬ ‫ال «اس� � ��تجابة املقلّد»‪ .‬وإذا كان جواد قد أكد أن‬ ‫«الفن لغ� � ��ة‪ ،‬وهذه اللغة يج� � ��ب أن نتع ّرف عليها‬ ‫ولو قلي ً‬ ‫ال»‪ ،‬فس� � ��نجد ملثل هذا التوجه انعكاساته‬ ‫ف� � ��ي عمل فناننا‪ ،‬وإن ل� � ��م يكن كما كان في ما له‬ ‫ف� � ��ي عمل جواد الذي وضع هذه اللغة «في قالب‬ ‫جديد يتبع مؤثرات العصر احلديث»‪ ،‬إذ ش� � � ّ�دد‬ ‫على أن «الفنان احلق يجب أن يعرف ماذا يرسم‬ ‫وملاذا هو يرسم»‪.‬‬ ‫وتأسيساً على هذا ميكن القول إن رؤية الفنان‬ ‫هذه رؤي� � ��ة غنية بالتفاصيل‪ .‬فه� � ��و في «قراءاته‬ ‫الفنية» للواقع كمن يعمد إلى إيقاظ ما لإلنسان‬ ‫من تاري� � ��خ اجتماعي‪ ،‬حام ً‬ ‫ال ذل� � ��ك التاريخ على‬ ‫ِّ‬ ‫مستويني‪ :‬مس� � ��توى الواقع املتمثل فيه‪ ،‬ومستوى‬ ‫احلل� � ��م ال� � ��ذي يرتقي به إلى ما يأم� � ��ل أن يرى‪..‬‬ ‫وجند للمستويني أصداءهما في لوحته‪ .‬وهو هنا‬ ‫يتص َّيد األحالم والرؤى أكثر مما يثير التساؤالت‪.‬‬ ‫فقراءت� � ��ه هذه كم� � ��ا جتد الواقع الذي تتأس� � ��س‬ ‫ب� � ��ه‪ /‬وعليه‪ ،‬فإنها تُوجد الواقع الذي تؤس� � ��س بـ‬ ‫«الش� � ��كل» الذي تتخذ‪ ،‬ومن خالل «اللون» الذي‬ ‫«حسي» يبلغ أعلى‬ ‫يستخدم‪ ،‬وهو فيهما كليهما‪،‬‬ ‫ّ‬

‫‪120‬‬

‫‪7/9/14 11:13:31 AM‬‬

‫درجات احلس ّية‪ ..‬وفي الوقت نفسه جنده يؤكد‬ ‫على املوضوع احلديث واحلي‪ ،‬مبا له من جتانس‬ ‫خاص مع حياتنا‪ ،‬فض� �ل � ً‬ ‫ا عن متكنه من حتقيق‬ ‫مجسدة لطبيعته‪.‬‬ ‫هذا التعبير في صور وأشكال‬ ‫ِّ‬ ‫فإذا كنا جن� � ��ده يضع «موضوعه» في س� � ��ياقات‬ ‫متقاربة التعبير‪ ،‬فإن ذلك هو ما يحقق ألس� � ��لوبه‬ ‫نزعة االسترسال التي تُع ّمق حضور موضوعاته‬ ‫هذه من دون أن تكرر نفسها‪.‬‬ ‫فكلما ّ‬ ‫توغل أكثر ف� � ��ي تفاصيل عالم لوحاته‬ ‫ً‬ ‫أصبح أكثر انفتاحا على هذا العالم الذي يتشكل‬ ‫من� � ��ه عمله‪ ..‬فإذا هو عمل متصل مبا للحياة من‬ ‫ّ‬ ‫يحف بها من‬ ‫مس� � ��تويات الرؤية والنظر‪ ،‬وفي ما‬ ‫حقائق مرئية‪.‬‬

‫آفاق املوضوع واستخدام اللون‬

‫غير أن قراءتنا عمل الفنان ال حتاصر نفسها‬ ‫مبثل ه� � ��ذا «التعينّ املرجعي» للعمل‪ ،‬وإمنا تخرج‬ ‫من� � ��ه إلى ما تفتح به أفقاً آخ� � ��ر لرؤية عمل هذا‬ ‫الفن� � ��ان الذي امتاز بخصوصيته في مس� � ��تويني‪:‬‬ ‫املوض� � ��وع‪ ،‬واس� � ��تخدام اللون (وهذا م� � ��ا ينبغي‬ ‫للعمل الفني أن يكون به)‪ ،‬ما يعني في أخص ما‬ ‫يعني� � ��ه أنه فنان يعمل وفقاً ملا يتبنى من ُمثُل فنية‬ ‫وأخرى موضوعية‪ ،‬فهناك‪:‬‬ ‫ لغ� � ��ة العم� � ��ل الفن� � ��ي التي تعتم� � ��د‪ ،‬عنده‪،‬‬‫استعادة املاضي اس� � ��تعادة تخيلية‪ ،‬معيدة تعيينه‬ ‫في صور وأش� � ��كال دالة تعتم� � ��د‪ ،‬أكثر ما تعتمد‪،‬‬ ‫«حس ّية املتخ َّيل»‪.‬‬ ‫ وهناك املعنى املتولد من تشكيالت املاضي‬‫التاريخي املجتمعي ال� � ��ذي يتفاعل معها تفاع ً‬ ‫ال‬ ‫ذاتي � � �اً‪ ،‬كم� � ��ا هو تفاع� � ��ل متخ َّيل الفن� � ��ان في ما‬ ‫يجم� � ��ع‪ /‬أو يجتمع له من رؤى‪ ،‬مبا يش� � ��ير إلى‪/‬‬ ‫ويؤكد «مبنى» وعي الفنان القائم على فعل ثنائي‬ ‫توجه واحد‪ ،‬وهما‪:‬‬ ‫احلركة‪ ،‬وإن ص َّبا في اجتاه‪ّ /‬‬ ‫االس� � ��تعادة (متم َّثلَ� � ��ة)‪ ..‬وإحياء م� � ��ا للمكان‪ ،‬في‬ ‫وجوده الفعلي املتعينِّ فيه‪ ،‬من «داللة مفترضة»‪.‬‬ ‫ وم� � ��ن اجتم� � ��اع «اللغة» ف� � ��ي إطارها الفني‬‫ه� � ��ذا‪ ،‬و«املعنى» الذي تؤ ّلفه‪ ،‬يتش� � ��كل املش� � ��هد‬ ‫ال� � ��ذي يتحرك‪ ،‬تش� � ��كيلياً‪ ،‬من خ� �ل��ال‪ /‬وبثالثة‬ ‫عناصر‪ :‬املوضوع القائم‪ ،‬أساس � � �اً‪ ،‬على احلكاية‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 118-123.indd 120‬‬


‫للحياة البغدادية‪ ،‬في ُبعدها الشعبي األسطوري هذا‪ ،‬وقعها السحري في نفس الفنان‬

‫ف� � ��ي ما لها من أصول فانتازية‪ ..‬والتناس� � ��ب بني‬ ‫الش� � ��كل واللون‪ ..‬والتواصل الذي ينبني على ما‬ ‫ندع� � ��وه بـ «املغامرة الفنية»‪ ،‬فهو‪ ،‬هنا‪ ،‬ال يُحاكي‪،‬‬ ‫وإمنا يتم ّث� � ��ل من خالل عملي� � ��ة تخييل ال تبتعد‬ ‫ع� � ��ن الواقع‪ ،‬ف� � ��إن حص� � ��ل وابتعدت قلي� �ل � ً‬ ‫ا‪ ،‬أو‬ ‫جزئياً‪ ،‬فلكي تعود بعناص� � ��ر تخييلية تقترب بها‬ ‫من العجائبي تش� � ��كي ً‬ ‫ال وص� � ��ورة‪ ..‬تعزز هذا كله‬ ‫جمالية لها طابعه� � ��ا اخلاص‪ ،‬جمالية تتألف من‬ ‫توالي األش� � ��كال واأللوان التي تتداخل في نسيج‬ ‫اللوحة لتؤلفها تكويناً‪.‬‬ ‫ف� � ��إذا م� � ��ا قلنا إن ع� �ي��ن الفنان ع� �ي��ن مثقفة‬ ‫«ثقافة صورة»‪ ،‬مبا له� � ��ذه الصورة من تكوينات‪،‬‬ ‫و«ثقافة مكاني� � ��ة»‪ ،‬مبا للمكان من حضور زماني‬ ‫هو اليوم‪ ،‬بالنسبة له‪« ،‬حضور مستعاد» استعادة‬ ‫تخيلية‪ ..‬فإن خيال الفنان‪ ،‬وحس � � � ّية هذا اخليال‬ ‫هي م� � ��ا يجعل من أعماله ص� � ��وراً قائمة‪ ،‬في ما‬ ‫لها من تكوين‪ ،‬على‪ /‬ومبا يستجمعه هذا اخليال‬ ‫من رؤى أكثر مما هو جتس� � ��يد ملش� � ��اهد قائمة‪،‬‬ ‫أو تعبير ع� � ��ن «متثيالت» متعينة وج� � ��وداً زمانياً‬ ‫«بغداديات» الفنان ستار لقمان‬

‫‪7/9/14 11:13:35 AM‬‬

‫ومكاني � � �اً‪ .‬فاللوحة قائمة عل� � ��ى ما جتتمع به من‬ ‫«وجود افتراضي» لعناصرها التكوينية‪ ،‬كما أنها‬ ‫جت� � � ٍ�ل لواقع هو‪ ،‬بدوره‪ ،‬التجل� � ��ي لـ «ذات الفنان»‬ ‫التي تس� � ��تجمع هذا الواقع في ما تتخيله وتضعه‬ ‫فيه‪.‬‬

‫فتنة املكان‬

‫فه� � ��ل «فتنة املكان» الذي يع� � ��ود إليه مرجعاً‪،‬‬ ‫و«فتنة الزم� � ��ان»‪ ،‬الذي يـــــتألف في� � ��ه‪ ،‬همــــا ما‬ ‫يشد الفنان ويغــــويه بدخـــــول ما يؤ ّلف منه عاملاً‬ ‫أقرب ما يكون إلى العالم العجــائبي‪ ،‬يأخذه بعيداً‬ ‫في تش� � ��كيالته أكثر مما تأخذه معانيه؟ هذا من‬ ‫جانب‪ ..‬ومن جانب آخر‪ :‬هل للمكان‪ ،‬واالرتباط‬ ‫املتحقق به على هـــذا النحـــو من طرف الفنان هو‬ ‫ما يــــجع� � ��ل لعمله هـــويـــته املكانية الزمانــية هذه‬ ‫وهي هو ّية متش� � ��كلة‪ ،‬بُعداً ومعـــنى وداللــــة‪ ،‬فيما‬ ‫يعتــــمد في تكوينه� � ��ا‪ ،‬عـــم ً‬ ‫ال فـــنياً‪ ،‬من مقاربات‬ ‫في قراءة هــــذا الواقع الذي يتدافع به في مدينة‬ ‫زحفت إلي� � ��ه بحداثتها املموه� � ��ة التي تعمل على‬ ‫إلغاء ما له من خصائص احلضور والتكوين؟‬

‫‪121‬‬

‫‪august 118-123.indd 121‬‬


‫خيال الفنان‪ ،‬وحس ّية هذا اخليال هي ما يجعل من أعماله صور ًا قائمة‬

‫ف������إذا ما قلنا ع������ن الفنان إن������ه م ـت ــون بواقع‬ ‫قرأ عنه ومتثله متث���ل�� ً‬ ‫ا تخي ـ ــيلياً أكثر من حتقق‬ ‫ً‬ ‫معاينته واقعاً مش������خصا‪ ،‬ف������إن عمله الفني جاء‬ ‫مرتوي������اً من روح هذه الفتنة مب������ا لها من جوهر‬ ‫تبدل وتغ ّير‬ ‫متحرك‪ ..‬وهذه احلركة ليست حــركة ّ‬ ‫بقدر م������ا هي حركة تعدد وتن������ ّوع‪ :‬فإذا كنا جند‬ ‫فني له املرأة تتكئ إلى آلتها املوس������يقية‬ ‫في عمل ّ‬ ‫ً‬ ‫(الع������ود مثال)‪ ،‬جنده في لوح������ة أخرى يفتح لها‬ ‫فضاء أوس������ع لتكون بحركة جس������دها‪ ،‬ومبعايير‬ ‫هذه احلركة‪ ،‬أو ما يُضفي عليها من تش������كيالت‪،‬‬

‫‪122‬‬

‫‪7/9/14 11:13:39 AM‬‬

‫محققاً اللقاء بني حالت���ي��ن‪ /‬ذاتني‪ :‬ذات الرائي‪،‬‬ ‫وذات املرئ������ي‪ ..‬في الوقت الذي يضعنا فيه أمام‬ ‫حلظتني متخيلت���ي��ن‪ :‬حلظة الواقع كما متثله من‬ ‫خ���ل��ال ما قرأ عنه‪ ..‬وحلظ������ة متثيل هذا الواقع‬ ‫في «عمل فني» له خصوصيته املوضوعية‪ .‬فعتبة‬ ‫الفنان في عمله ه������ذا هي عتبة بغداد القدمية‪:‬‬ ‫بأحيائه������ا الت������ي لكل حي منها حال������ة تكاثف مع‬ ‫نفس������ه‪ ،‬وبأناس������ه في ما يُعرفون ب������ه من خالل‬ ‫انتمائهم إلي������ه‪ ..‬ولهذا احلضور حيواته وحيويته‬ ‫التي جتتمع لتتواش������ج في نسيج فني يرمز إلى‪/‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 118-123.indd 122‬‬


‫ويُجس� � ��د التفاعل بني املكان قائماً بذاته وما هو‬ ‫منه‪ ،‬واحلركة التي ميثلها اإلنسان بداللة حضوره‬ ‫في هذا املكان (الذي فتح الفنان أبوابه املرصودة‬ ‫على ما في داخلها وكأنه يكشف عما هنالك من‬ ‫عالم يعيش فتنته اخلاصة مبا وراء تلك األبواب‬ ‫من «أسرار»!‬ ‫وعلى هذا‪ ،‬جن� � ��د «املوضوع»‪ ،‬مبا له من بُعد‬ ‫تشكيلي‪ ،‬يتقدم فيكتسب «بُعد حــضور الذات» من‬ ‫خالل عالقة ه� � ��ذه الذات باملكان فــي ما لها من‬ ‫«زماني� � ��ة العالقة» به‪ ،‬التي هي عــــالقة «الرائي»‬ ‫بـ «املرئ� � ��ي»‪ ،‬كون هذا «املرئي موضوعاً»‪ ،‬محققاً‬ ‫ضرباً من حركية التراسل بني املستوى الرؤوي‪/‬‬ ‫التخييلي واملستوى التعبيري عند الفنان‪.‬‬ ‫فنحن‪ ،‬في أعمال هذا الفـــنان‪ ،‬أمام لوحة إن‬ ‫كانت جتس� � ��د «إطاراً مكانياً» حاضراً (هو البيت‬ ‫البغدادي بتكوينه التراثي الدال على ما كان لهذه‬ ‫املدينة من واقع معماري)‪ ،‬فإن «الزمانية املتم َّثلة»‬ ‫في هذا املكان‪ /‬ومن خالله هي «زمانية املتخ َّيل»‬ ‫في بُعده االجتماعي‪ ،‬وف� � ��ي ما له من خصائص‬ ‫احلضور اإلنساني‪.‬‬ ‫والفنان‪ ،‬هنا‪ ،‬وهو يتابع هذا املتخ َّيل‪ ،‬ويُعنى‬ ‫بتفاصيله ويش� � ��دد على تأكيد ما له من دالالت‪،‬‬ ‫حداً معيناً مما ندعوه‬ ‫يبدو حريصاً على أن يحقق ّ‬ ‫«شعرية العمل الفني» التي ال تنفصل عن طبيعة‬ ‫املكان‪ ،‬وال عن احلالة اإلنسانية (الزمانية) التي‬ ‫«يتأثث» بها هذا املكان‪ ..‬فبالنس� � ��بة ملوضوعاته‪،‬‬ ‫في هذا املس� � ��ار الفني ال� � ��ذي اتخذ‪ ،‬جنده كمن‬

‫لغة العمل الفني التي تعتمد استعادة املاضي استعادة تخيلية‪،‬‬ ‫معيدة تعيينه في صور وأشكال دالة‬

‫يجعل من الش� � ��خوص‪ ،‬في تشكيالت حضورهم‪،‬‬ ‫« ُمسنداً»‪ ،‬ومن املكان «املُس� � ��ند إليه»‪ .‬ولعل هذا‬ ‫هو ما قد يجعل مش� � ��اهد لوحت� � ��ه (الرائي للعمل‬ ‫الفن� � ��ي) يبق� � ��ى‪ ،‬في مش� � ��اهدته هذه‪ ،‬منش� � ��غ ً‬ ‫ال‬ ‫بعناصرها املك ِّون� � ��ة‪ ،‬ومبا تتفجر به من «عناصر‬ ‫التكوي� � ��ن املوضوع� � ��ي»‪ ،‬ملا حتتازه من «مش� � ��هد‬ ‫حياتي» يتوافر على عناصر اجلذب والفتنة‪ ،‬وال‬ ‫نقول اإلثارة‪.‬‬ ‫فالفنان ستار لقمان‪ ،‬شأنه شأن معلمه الفنان‬ ‫الــــكبــــير جــــواد سليم‪ ،‬فنان يمُ ِّجد احلــــيـــاة فــــي‬ ‫فنّه‪ ،‬ويُقبــــل عليها بانفـــتاح كبـــــير >‬

‫< تفاخ ��ر جري ��ر والفرزدق عند س ��ليمان بن عبداملل ��ك فقال الفرزدق‪ :‬أن ��ا ابن محيي‬ ‫اها َف َكأَ مَّنَا‬ ‫املوت ��ى‪ ،‬فأنكر س ��ليمان قوله‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير املؤمنني قال الل ��ه تعالى‪َ {:‬و َم ْن أَ ْح َي َ‬ ‫يعا} (‪ 32‬سورة املائدة)‪ ،‬وجدي فدى املوؤدات فاستحياهن‪ ،‬فقال سليمان‪:‬‬ ‫َّاس َج ِم ً‬ ‫أَ ْح َيا الن َ‬

‫إنك مع شعرك لفقيه‪ .‬وكان صعصعة جد الفرزدق أول َمن فدى املوؤدات‪.‬‬

‫«بغداديات» الفنان ستار لقمان‬

‫‪7/9/14 11:13:46 AM‬‬

‫‪123‬‬

‫‪august 118-123.indd 123‬‬


‫سينما‬

‫السينما‬ ‫امللحمية‬ ‫د‪ .‬أحمد شوقي عبدالفتاح *‬ ‫الس������ينما امللحمية هي السينما التي‬ ‫متج������د اإلنس������ان عل������ى األرض بكل‬ ‫طموحه ومش������اعره وآالمه وأخطائه‪.‬‬ ‫وقد قدم������ت الس������ينما األمريكي������ة العديد من‬ ‫األفالم التي تعد اليوم من كالسيكيات السينما‬ ‫العاملية‪ ،‬والتي س������نتناول بعض������ا منها في هذا‬ ‫املقال‪.‬‬ ‫سنحاول في الس������طور التالية أن نستعرض‬ ‫أهم مالم������ح الس������ينما امللحمي������ة‪ ،‬ونقدم كيف‬ ‫تناوله������ا كل فيلم‪ ،‬أو كيف مت������ت معاجلتها في‬ ‫األفالم املختلفة‪:‬‬

‫أو ًال‪ :‬البطل الفرد‬

‫الكثير من األفالم امللحمية يحمل اسم هذا‬ ‫البطل الفرد‪ ،‬مثل‪« :‬س������بارتكوس» (‪ )1960‬من‬ ‫بطولة كيرك دوجالس‪ ،‬لورانس أوليفييه‪ ،‬جني‬ ‫س������يمونز ومن إخراج س������تانلي كوبريك‪ ،‬وفيلم‬ ‫«بن ه������ور» الذي قدم مرات عدة في الس������ينما‬ ‫األمريكي������ة‪ ،‬أوالها كانت فيلما صامتا في العام‬ ‫‪ ،1907‬ث������م كان الفيلم الصامت الثاني في العام‬ ‫‪ ،1925‬م������ن بطول������ة رومان نافارو‪ ،‬وفرانس������يز‬ ‫بوش������مان وماي ماكفوي‪ ،‬وم������ن إخراج فرد نبلو‬ ‫ولكن النس������خة األشهر هي نس������خة ‪ 1959‬من‬ ‫بطولة شارلتون هس������تون وهايا هراريت وجاك‬ ‫* كاتب وناقد سينمائي من مصر‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫‪7/9/14 11:14:40 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 124-130.indd 124‬‬


‫مشهد من فيلم بن هور‬

‫إشكالية تلقي اخلطاب النقدي عند مينى العيد‬

‫‪7/9/14 11:15:55 AM‬‬

‫‪125‬‬

‫‪august 124-130.indd 125‬‬


‫هوكنز وم������ن إخراج وليام ويل������ر‪ ،‬والبطل الفرد‬ ‫ميثل اس������تثناء ويعك������س الطبيعة البش������رية في‬ ‫مجموعه������ا‪ ،‬وكيف ميكن لإلنس������ان باإلميان أن‬ ‫يكون بط ً‬ ‫ال‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬قضية احلرية‬ ‫مأس������اة أبطال األف���ل��ام امللحمي������ة هي في‬ ‫البحث عن احلرية املسلوبة منهم‪ ،‬ومن عائالتهم‪،‬‬ ‫وممن يعيش������ون معهم‪ ،‬في «س������بارتكوس» يدور‬ ‫الصراع ب���ي��ن مجموعة م������ن املصارعني العبيد‬ ‫وبني الس������ادة الروم������ان الذين يعتب������رون هؤالء‬ ‫العبيد من األش������ياء‪ ،‬ويدفعونه������م للقتال بينهم‬ ‫حت������ى املوت‪ ،‬لكن الصراع يحتدم عندما يرفض‬ ‫أح������د املصارعني قت������ل زميله ف������ي احللبة‪ ،‬بل‬ ‫ويتج������رأ ويق������ذف برمحه على منصة الس������ادة‪،‬‬ ‫فيتم عقابه بقتله وتعليق جثته في ساحة السكن‬ ‫الذي يقيم في������ه املصارعون‪ ،‬ليكون أمثولة لهم‪،‬‬ ‫لكنهم في صباح اليوم التالي يقتلون حراس������هم‬ ‫ويستولون على املكان ويبدأون ثورة ضد «روما»‬ ‫نفسها‪ ،‬التي تش������عر باخلطر على الدولة كلها‪،‬‬ ‫القائم������ة على نظ������ام صارم‪ ،‬يحت������ل العبيد فيه‬ ‫مكاناً مركزياً‪ .‬ويرسل مجلس النواب الروماني‬ ‫القائد العسكري والسياس������ي الكبير «ماركوس‬ ‫ليس������ينوس» ‪ -‬لوران������س أوليفيي������ه ‪ -‬على رأس‬ ‫جيش جرار ملواجهة جيش «سبارتكوس» املكون‬ ‫من املصارعني احملرري������ن والهاربني والفالحني‬ ‫البس������طاء الذين كانت اجلي������وش الرومانية قد‬ ‫جلبته������م من أرج������اء اإلمبراطوري������ة للعمل لدى‬ ‫النبالء الرومان‪ ،‬بينما كان «سبارتكوس» يخطط‬ ‫للذهاب للبحر وركوب السفن لإلبحار بعيداً عن‬ ‫إيطاليا والتنعم باحلري������ة‪ .‬وينتهي الفيلم مبوت‬ ‫«س������بارتكوس» على عمود خش������بي‪ ،‬بينما ينظر‬ ‫لزوجت������ه وحبيبته «فيرونيا» ‪ -‬جني س������يمونز ‪-‬‬ ‫تبتع������د هي وابنه الرضيع بع������د أن أكدت له أن‬ ‫ابنه سيكون حراً وسيعرف من هو أبوه ونضاله‬ ‫من أجل احلرية‪.‬‬ ‫في فيلم «بن هور» تبدو القصة أكثر تعقيدا‪،‬‬ ‫فنب هور من عائل������ة يهودية ثرية تقطن القدس‬ ‫إبان الس������يطرة الرومانية على املنطقة والعالم‪،‬‬ ‫لكن مؤامرة تودي به وأمه وش������قيقته للس������جن‬

‫‪126‬‬

‫‪7/9/14 11:16:01 AM‬‬

‫بتهمة محاولة قتل احلاكم الروماني‪ .‬ويتم نقله‬ ‫لروم������ا وينتهي به األمر للعمل على مجذاف في‬ ‫سفينة حربية مقيداً بالسالسل مع العبيد وكأنه‬ ‫واح������د منهم‪ .‬لكنه في إحدى املعارك ينقذ حياة‬ ‫أدميرال روماني هو «كوينتس أرياس»‪ ،‬الذي كان‬ ‫معجباً بإميان «بن هور» بربه وثقته بنفسه التي‬ ‫ال تتفق مع وضع������ه االجتماعي وعمله‪ .‬ونتيجة‬ ‫له������ذه الصداق������ة العجيب������ة يق������رر اإلمبراطور‬ ‫الروماني بعد عودته������م إلى روما أن يهدي هذا‬ ‫العبد إلى األدميرال كهدية للنصر الذي أحرزوه‬ ‫في املعركة‪ .‬وفي احلفل الذي يقيمه األدميرال‬ ‫ف������ي قصره يفاج������ئ اجلميع ب������أن يجعل «جودا‬ ‫ب������ن هور» في منزلة ابن������ه ويعطيه خامته (دليل‬ ‫الس������لطة)‪ ،‬لكن بن هور يصر عل������ى العودة إلى‬ ‫وطنه لينقذ أمه وش������قيقته من الس������جن وينتقم‬ ‫من صديق طفولته القائد العس������كري الروماني‬ ‫للقدس «ميساال»‪.‬‬

‫فكرة العودة للوطن بني اإلنساني والسياسي‬

‫استعملت الس������ينما العاملية الفيلم امللحمي‬ ‫في بداياتها ‪ -‬ورمبا حتى اآلن ‪ -‬كشكل دعائي‬ ‫مؤثر من أجل ش������حن املتفرج���ي��ن بقيم وأفكار‬ ‫ومش������اعر تخدم األهداف الت������ي يرونها‪ ،‬وهذه‬ ‫احلقيقة السينمائية أكدتها الدراسات املتوالية‬ ‫الت������ي قام عليها باحثون جادون من جميع أنحاء‬ ‫العال������م‪ ،‬وفي فترات تاريخي������ة متباعدة‪ ،‬بحيث‬ ‫نزع������ت عنها فكرة التأثير السياس������ي والتوجيه‬ ‫العقدي‪.‬‬ ‫ل������ذا يج������ب أال نس������تغرب من تك������رار فكرة‬ ‫العودة للوطن في كل األف���ل��ام امللحمية تقريباً‪،‬‬ ‫التي غالباً ما تقترن بش������عور إمياني عميق لدى‬ ‫البطل‪ ،‬يصل في بعض األفالم إلى اإليحاء بأنه‬ ‫وعد من الرب بتحقيق اللقاء بالعائلة هناك‪.‬‬ ‫ف������ي فيل������م املص������ارع (‪ )2000‬األمريكي ‪-‬‬ ‫البريطاني املش������ترك‪ ،‬من إخراج ريدلي سكوت‬ ‫وبطولة راس������ل كراو وجواك���ي��ن فينيكس وكوني‬ ‫نيلس������ن‪ ،‬وبعد أن يقت������ل املص������ارع اإلمبراطور‬ ‫ف������ي احللبة أم������ام اجلمهور وأعض������اء البرملان‬ ‫احلاضري������ن‪ ،‬متيل ش������قيقة اإلمبراط������ور على‬ ‫املصارع الذي قتل ش������قيقها وتهمس له‪« :‬اذهب‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 124-130.indd 126‬‬


‫سبارتكوس‪ ...‬ملحمة تاريخية وقصة خالدة‬

‫إليه������م‪ ...‬اذهب»‪ ،‬وتس������تعرض الكاميرا صورة‬ ‫احللم الذي كان يتكرر ط������وال الفيلم في خيال‬ ‫البط������ل‪ ،‬فنرى الزوجة واالبن وكأنهما في منزل‬ ‫العائلة ينتظرانه‪ .‬ونشعر بأنه سيلتقي بهما في‬ ‫اجلنة بعد أن تعذر اللقاء على األرض‪.‬‬ ‫لكن هذا املعن������ى اإلنس������اني الرقيق يصبح‬ ‫ملتبس������اً مبعنى سياس������ي صارخ حامل������ا يصبح‬ ‫الوطن هو «األراضي املقدس������ة في فلس������طني»‬ ‫وعندم������ا يكون البط������ل يهودياً بش������كل صريح‪،‬‬ ‫وه������و ما جنده ف������ي فيلمي «بن ه������ور» (‪)1959‬‬ ‫و«باراب������اس» (‪ )1961‬املأخوذ عن قصة بعنوان‬ ‫«باراباس اليهودي» للكاتب بار الجركيفست وهي‬ ‫ش������خصية خيالية تظهر ألول مرة في مسرحية‬ ‫للكاتب كريستوفر مارلو بعنوان «يهودي مالطا»‬ ‫والتي كتبها في العام ‪ 1589‬أو ‪.1590‬‬ ‫لكن العالقة ب���ي��ن العودة والبطل تتحول في‬ ‫فيل������م «ذهب مع الريح» إل������ى عالقة مع األرض‬ ‫السينما امللحمية‬

‫‪7/9/14 11:16:06 AM‬‬

‫املتمثلة في مزرعة «تارا» التي نشأت فيها البطلة‬ ‫سكارليت أوهارا وشهدت فيها أيام الصبا ومنو‬ ‫احلب والعائلة من حوله������ا‪ ،‬قبل اندالع احلرب‬ ‫األهلي������ة األمريكية التي جت������ري أحداث الفيلم‬ ‫أثناءها‪ .‬وتتحول فكرة العودة إلى األمل األخير‬ ‫لها بعد أن متوت ابنتها «بوني» ويهجرها زوجها‬ ‫«ريت باتل������ر» (كالرك جيبل) وينتهي الفيلم بها‬ ‫وهي تتمتم باس������م «تارا» وجتل������س وحيدة على‬ ‫سلم البهو بعد أن ودعها «ريت» نهائياً‪.‬‬

‫قصة احلب اخلالدة‬

‫في جمي������ع األفالم امللحمية جند قصة حب‬ ‫خالدة‪ :‬بني «سبارتكوس» و«فيرونيا»‪ ،‬وبني «بن‬ ‫هور» و«إس������تر»‪ ،‬وبني «املصارع» و«زوجته»‪ .‬لكن‬ ‫ه������ذه القصة تتس������ع لتصبح مح������ور الفيلم في‬ ‫«ذهب م������ع الريح»‪ ،‬فحب «إس������كارليت أوهارا»‬ ‫للس������يد «أشلي وليكس» يس������يطر على األبطال‬

‫‪127‬‬

‫‪august 124-130.indd 127‬‬


‫واألحداث بش������كل مؤثر‪ .‬وفي املقابل جند قصة‬ ‫احل������ب اليائس من القائ������د الروماني «ماركوس‬ ‫ليسينوس» لـ «فيرانيا»‪ ،‬الذي يصرح لها به عندما‬ ‫كانت في قصره بعد أن اس������تولى عليها مخالفاً‬ ‫عهده لـ «باتيتاس» مالك العبيد املصارعني‪ ،‬الذي‬ ‫يلعب دوره «بيتر أستينوف»‪ ،‬الذي كان قد وعده‬ ‫بأن يكون هو املسؤول عن بيع العبيد بعد النصر‬ ‫عليه��������م‪ .‬ودون أن يعلم أنه سيس������رقها بعد قليل‬ ‫ملصلحة خصمه اللدود السيناتور «جراكوس» ‪-‬‬ ‫يلعب دوره تش������ارلز ليتون ‪ -‬الذي منحها وابنها‬ ‫صكك احلرية الذي س������ينتقالن به في أمان مع‬ ‫«باتيتاس»‪.‬‬ ‫قالت فيرانيا ملاركوس ليسينوس‪ :‬إنه يستطيع‬

‫أن يحصل على جس������دها‪ ،‬لكنه لن يحصل على‬ ‫حبه������ا‪ ،‬أو قلبه������ا‪ ،‬ألنهم������ا ملك «س������بارتكوس»‬ ‫وحده‪ .‬وواجهته بحقيقة أنه من ش������دة خوفه من‬ ‫«سبارتكوس» يريد أن يحصل على شيء يخصه‬ ‫عساه يتخلص من هذا اخلوف‪.‬‬ ‫وهذه هي مش������كلة ري������ت باتلر ف������ي «ذهب‬ ‫مع الريح» مع س������كارليت أوهارا‪ ،‬فحتى عندما‬ ‫تزوجها لم يستطع أن يجعلها تنسى حبها ألشلي‬ ‫وليكس‪ .‬إن هناك ش������يئاً غامضاً يش������به احللم‬ ‫ويتعدى املال والثروة والس������لطة‪ ،‬وحتى اجلسد‪،‬‬ ‫يأس������ر خيال املرأة ويس������يطر عليه������ا‪ ،‬بحيث ال‬ ‫تس������تطيع الفكاك منه‪ ،‬وهو احلب الذي يبحث‬ ‫عن������ه كل ه������ؤالء احملبون التعس������اء لدى بطالت‬

‫مشهد من فيلم «ذهب مع الريح»‬

‫‪128‬‬

‫‪7/9/14 11:16:12 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 124-130.indd 128‬‬


‫األف���ل��ام امللحمية دون جدوى‪ .‬وه������ذا ما يجعل‬ ‫خصومهم ينتصرون عليهم قبل أن يقابلوهم‪.‬‬

‫اإلنتاج واملناظر‬ ‫ملا كانت األفالم امللحمي� � ��ة تهدف إلى التأثير‬ ‫في وجدان املتفرجني‪ ،‬وإقناعهم بصدق األحداث‬ ‫التاريخية التي يش� � ��اهدونها‪ ،‬ورمبا صدق القضية‬ ‫الت� � ��ي ميثلها البطل ويدافع عنه� � ��ا‪ ،‬كانت الفخامة‬ ‫والبذخ والدقة التاريخية ‪ -‬قدر املس� � ��تطاع ‪ -‬من‬ ‫مقومات الفيلم امللحمي‪.‬‬ ‫ف� � ��ي فيلم «ب� � ��ن هور» هناك مش� � ��هد لس� � ��باق‬ ‫اخليل بني «جودا بن هور» وخصمه اللدود القائد‬ ‫الروماني «ميساال» ويستغرق املشهد على الشاشة‬

‫(‪ 9‬دقائ� � ��ق) مازال حتى اليوم يعد أعظم مش� � ��هد‬ ‫لسباق اخليل في املوروث السينمائي العاملي كله‪.‬‬ ‫ولتصوي� � ��ر هذا املش� � ��هد به� � ��ذه الروعة‪ ،‬قامت‬ ‫الش� � ��ركة املنتجة بتمهيد قطع� � ��ة من األرض بتكلفة‬ ‫بلغت مليون دوالر ف� � ��ي العام ‪ ،1959‬وقد عمل في‬ ‫هذه املهمة ‪ 1000‬عامل ملدة عام كامل‪ .‬ومت استيراد‬ ‫‪( 400000‬أربعمائة ألف طن) من الرمال الصفراء‬ ‫احملببة الصغيرة من شواطئ البحر املتوسط‪ .‬كما‬ ‫جلبت الشركة ‪ 78‬حصاناً من يوغوسالفيا وصقلية‬ ‫ ف� � ��ي إيطاليا ‪ -‬لكي تكون جاهزة للمش� � ��اركة في‬‫املش� � ��هد‪ .‬وقامت الشركة ببناء حلقة شبيهة للحلقة‬ ‫األصلية بجوارها لكي تتدرب فيها اخليول واملمثلون‬ ‫قبيل التصوير‪ ،‬كما استخدمت ملبيت اخليل‪ .‬وهنا‬ ‫يج� � ��ب أن نذكر أن تكلف� � ��ة الفيلم مب� � ��ا فيها أجور‬ ‫املمثل� �ي��ن واإلقامة كانت ما يقارب ‪ 15‬مليون دوالر‪،‬‬ ‫لكنه حق� � ��ق عوائد عند الع� � ��رض األول بلغت ‪147‬‬ ‫ملي� � ��ون دوالر‪ ،‬لكن هذه األرب� � ��اح اخليالية ال تقارن‬ ‫مع أرباح فيل� � ��م «ذهب مع الريح» الذي تكلف فقط‬ ‫م� � ��ا يقرب م� � ��ن أربعة ماليني‪ ،‬بينم� � ��ا تعدت عوائد‬ ‫ش� � ��باك التذاكر عند العرض األول م� � ��ا يزيد على‬ ‫‪ 309‬ماليني دوالر‪ .‬ويعود هذا إلى ش� � ��هرة القصة‬ ‫التي كتبتها مارجريت ميتشيل وحصلت على جائزة‬ ‫«بوليتزر» لآلداب‪ ،‬بجانب أنها تتناول مرحلة مهمة‬ ‫من التاريخ األمريكي‪.‬‬ ‫وإلدراك ضخام� � ��ة هذه األرق� � ��ام نذكر أن فيلم‬ ‫املص� � ��ارع (‪ )2000‬من بطولة راس� � ��ل كراو تكلف ما‬ ‫يق� � ��رب من ‪ 103‬ماليني دوالر‪ ،‬ول� � ��م تتجاوز عوائد‬ ‫ش� � ��باك التذاكر عن� � ��د الع� � ��رض األول ‪ 458‬مليوناً‪.‬‬ ‫وبرغم ضخامة الرقم‪ ،‬فإن التكلفة العالية نس� � ��بيا‬ ‫والفارق الزمني‪ ،‬وزيادة عدد دور العرض السينمائي‬ ‫بش� � ��كل مذهل‪ ،‬جتعل املقارنة متيل إلى فيلم «ذهب‬ ‫مع الريح» بالتأكيد‪.‬‬

‫اجلوائز والدعاية‬

‫تعد اجلوائز السينمائية من أهم وسائل الدعاية‬ ‫غير املباشرة لألفالم‪ .‬فبجانب أن األفالم الفائزة‬ ‫ بل وحتى املرش� � ��حة ‪ -‬تنال قس� � ��طا من الدعاية‬‫أثن� � ��اء حفل توزيع اجلوائز والت� � ��ي غالباً ما حتظى‬ ‫بتغطي� � ��ة إعالمية كبي� � ��رة ‪ -‬تلفزيونية وصحفية ‪-‬‬ ‫جند أن اجلمهور بدأ يتأثر بتلك اجلوائز‪ ،‬وخاصة‬ ‫السينما امللحمية‬

‫‪7/9/14 11:16:16 AM‬‬

‫‪129‬‬

‫‪august 124-130.indd 129‬‬


‫تيتانيك ‪ ...‬من حقيقة تاريخية إلى ملحمة سينمائية‬

‫«األوس� � ��كار» التي حتظى بتقدي� � ��ر كبير لدى النقاد‬ ‫واجلمهور العادي على السواء‪.‬‬ ‫لكن ما ال يعرفه الكثيرون أن الشركات الكبرى‬ ‫متارس ضغوطا كبيرة لكي حتقق أفالمها اجلوائز‪،‬‬ ‫سواء بالرشى العينية املتمثلة في الهدايا والدعوات‬ ‫لإلقام� � ��ة في أفخم الفنادق ألعضاء جلان التحكيم‬ ‫والصحفي� �ي��ن والنقاد‪ ،‬أو من خالل اإلعالنات التي‬ ‫تنش� � ��رها في الصح� � ��ف واملجالت وف� � ��ي القنوات‬ ‫التلفزيونية لتلك األفالم‪.‬‬ ‫ويرى البعض أن هذه «التربيطات» هي جزء من‬ ‫الصناعة والتس� � ��ويق‪ .‬ويرى البعض اآلخر أن هذه‬ ‫«التربيطات» تخل مببدأ املساواة في التنافس‪ ،‬ألن‬ ‫بعض األفالم املس� � ��تقلة ال متتل� � ��ك إمكانيات مادية‬ ‫ضخم� � ��ة مثل ش� � ��ركات اإلنتاج الكب� � ��رى‪ .‬لكنها قد‬ ‫تصنع أفالماً جميلة وتستحق اجلوائز‪.‬‬ ‫لكن الش� � ��فافية واس� � ��تقالل الصحف النسبي‪،‬‬ ‫جعال م� � ��ن األفالم التي تفوز وال تس� � ��تحق عرضة‬ ‫لهجوم كبير‪ ،‬مما قلل من تدخالت الشركات للتأثير‬ ‫في جلان التحكيم‪ ،‬وإال تعرضت املهرجانات وفكرة‬

‫‪130‬‬

‫‪7/9/14 11:16:21 AM‬‬

‫اجلوائز نفسها للخطر‪.‬‬ ‫واحلقيقة أن األف� �ل��ام امللحمية كانت دائما ما‬ ‫حتصد اجلوائز في املسابقات الدولية واملهرجانات‪،‬‬ ‫ففيلم «ذهب مع الريح» فاز بثماني جوائز أوسكار‪،‬‬ ‫وكان قد ترش� � ��ح ل � � �ـ ‪ 13‬جائزة أوس� � ��كار‪ .‬أما فيلم‬ ‫«بن هور» فقد فاز بـ ‪11‬جائزة‪ ،‬وكان ترش� � ��ح لـ ‪12‬‬ ‫جائزة أوسكار‪ .‬وظل هو الفيلم األكثر فوزا بجوائز‬ ‫األوس� � ��كار من عام ‪ 1959‬وحتى عام ‪ 1998‬عندما‬ ‫جن� � ��ح فيلم «تيتانيك»‪ ،‬بطولة ليون� � ��اردو دي كابريو‬ ‫وكي� � ��ت وينس� � ��لوت‪ ،‬ومن إخراج جيم� � ��س كاميرون‪،‬‬ ‫في احلصول على العدد نفس� � ��ه من اجلوائز‪ ،‬الذي‬ ‫س� � ��رعان ما حصل عليه فيلم ملحمي آخر في عام‬ ‫‪ ،2004‬وه� � ��و فيل� � ��م «ملك اخلوامت‪ ،‬ع� � ��ودة امللك»‪،‬‬ ‫بطولة‪ ،‬إليا وود‪ ،‬وش� �ي��ن إس� �ت��ن وم� � ��ن إخراج بيتر‬ ‫جاكسون‪.‬‬ ‫أما فيلم املصارع بطولة راس� � ��ل كراو وجواكني‬ ‫فينيكس‪ ،‬ومن إخراج ريدلي سكوت‪ ،‬فبرغم جناحه‬ ‫اجلماهي� � ��ري الكبير‪ ،‬فإنه لم يس� � ��تطع أن يحصل‬ ‫سوى على خمس جوائز أوسكار >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 124-130.indd 130‬‬


‫لغة‬

‫ُ‬ ‫اآلرامية‪...‬‬ ‫اللغة‬ ‫َّ‬ ‫واحلاضر‬ ‫التواصل بنيَ املاضي‬ ‫ِج ْس ُر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫د‪ .‬هايل الدهيسات *‬

‫م ��ا كان للب ��دوي العرب ��ي الناش ��ئ بني ظمأ رم ��ال الصحراء ووهج الش ��مس ليس ��توقفنا لو‬ ‫ل ��م يك ��ن قد أدهش البش ��رية بعد أن اس ��تقر في مك ��ة وأكاد وبابل ونينوى وم ��اري وأوغاريت‬ ‫وأورسالم (القدس) وتدمر والبتراء وجرش‪ ،‬وغيرها من املدن العربية القدمية‪ ،‬التي حملت‬ ‫لغتنا‪ ،‬وع ّبر فيها اإلنس ��ان العربي عما يحتاج إليه ليحفظ تراثه وإبداعه وقيمه من جيل‬ ‫إلى جيل‪ ،‬فهي جسر التواصل بني ماضي العرب وحاضرهم ومستقبلهم‪.‬‬ ‫وما كان للموجات البدوية التي استقرت‬ ‫في امل� � ��دن القدمية لتس� � ��توقفنا طوي ً‬ ‫ال‬ ‫ل� � ��وال أنها قدمت املادة البش� � ��رية لبناء‬ ‫أس� � ��س التقدم احلضاري املرتكز على أكتاف أبناء‬ ‫اجلزيرة العربية واألكاديني والبابليني واآلشوريني‬ ‫والكلداني� �ي��ن واآلموريني واآلرامي� �ي��ن والكنعانيني‬ ‫والفنيقيني والنبطيني والتدمريني وغيرهم‪.‬‬ ‫ونالحظ أن اللغة اآلرامية س� � ��ادت من البحر‬ ‫املتوس� � ��ط إلى الفرات‪ ،‬ومن أرض الرافدين حتى‬ ‫بالد العرب جنوباً‪ ،‬وكان انتشارها أكبر بكثير من‬ ‫املجال السياس� � ��ي الذي امتدت إليه‪ ،‬إذ اس � � �تُخدِ َم‬ ‫اصطالحه� � ��ا من� � ��ذ أواخر القرن التاس� � ��ع عش� � ��ر‬ ‫امليالدي‪ ،‬لي� � ��دل على اللغات الت� � ��ي تكلم بها أهل‬ ‫األرض اخلصيبة التي متت بنداء سواحل اجلزيرة‬

‫العربية ودجلة والفرات والعاصي وبردى واألردن‪،‬‬ ‫وغيرها من الينابيع واألنهار املمتدة في املعمورة‪.‬‬ ‫وهك� � ��ذا‪ ،‬تنتمي اللغة اآلرامي� � ��ة إلى مجموعة‬ ‫لُغوية واح� � ��دة متعددة اللهج� � ��ات‪ ،‬إال أنه في عام‬ ‫‪1871‬م‪ ،‬أطلق عالم الالهوت النمس� � ��اوي شلوتزر‬ ‫اصطالح «الس� � ��امية» على اللغة اآلرامية جتاوزاً‪،‬‬ ‫وألول مرة في مقال نش� � ��ره ع� � ��ن الكلدانيني‪ ،‬وقد‬ ‫تبن� � ��ى املستش� � ��رقون هذا االصط� �ل��اح حتى صار‬ ‫شائعاً ومتداوالً في األوساط العلمية حتى الوقت‬ ‫احلاضر‪ ،‬إذ جند أن أقدم ذكر للس� � ��اميني يرد في‬ ‫سفر التكوين‪ ،‬اإلصحاح العاشر‪ ،‬الفقرة ‪« :1‬هؤالء‬ ‫مواليد بني نوح سام وحام ويافث ومن ولدهم من‬ ‫البنني بعد الطوفان»‪.‬‬ ‫وفي هذا اإلطار‪ ،‬اهتم املستش� � ��رق الفرنس� � ��ي‬

‫* أكادميي من األردن‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫‪7/10/14 10:00:31 AM‬‬

‫‪august 131-135.indd 131‬‬


‫آرنس� � ��ت رينان في «اجلوانب العرقية واحلضارية‬ ‫للنظرية الس� � ��امية»‪ ،‬فوصم الساميني بأنهم عرق‬ ‫متخلف حضارياً عن اجلنس اآلرِ ي ‪ -‬جنس جتمعه‬ ‫بع� � ��ض اخلصائص اللغوية واجلنس� � ��ية‪ ،‬بعضه في‬ ‫الهن� � ��د وإيران‪ ،‬وبعضه ف� � ��ي أوربا ‪ -‬وهكذا جاءت‬ ‫نظرية آرنس� � ��ت عب� � ��ار ًة عن متهيد فك� � ��ري لتبرير‬ ‫اس� � ��تعمار اجلنس اآلري الس� � ��يد‪ ،‬للعرق السامي‬ ‫املتخل� � ��ف‪ ،‬به� � ��دف متزي� � ��ق ال ُهوِ ّية العربي� � ��ة التي‬ ‫ترسخت منذ آالف السنني‪.‬‬ ‫واآلرامي� � ��ة – بحروفه� � ��ا القدمي� � ��ة االثن� �ي��ن‬ ‫والعشرين ‪ -‬تكتب من اليمني إلى اليسار‪ ،‬كاخلط‬ ‫املرب� � ��ع‪ ،‬منفصلة بعضها ع� � ��ن بعض‪ ،‬وفي «املعجم‬ ‫الوس� � ��يط»‪ ،‬تتبع أبجدية اآلرامي� � ��ة ترتيب أغلبية‬ ‫األبجديات «السامية» القدمية‪ ،‬أي مبعنى «أبجد‪،‬‬ ‫هوز‪ ،‬حطي‪ ،‬كلمن‪ ،‬سعفص‪ ،‬قرشت»‪ ،‬التي جمعت‬ ‫فيه� � ��ا حروف الهجاء‪ ،‬بترتيبها عند «الس� � ��اميني»‪،‬‬ ‫وذل� � ��ك قبل أن يرتبها نصر ب� � ��ن عاصم الليثي (ت‬ ‫‪ 89‬هـ)‪ ،‬وه� � ��و الترتيب املع� � ��روف اآلن‪ ،‬أما «ثخذ‬ ‫وضظ� � ��غ»‪ ،‬فحروفهما من أبجدي� � ��ة اللغة العربية‪،‬‬ ‫وتسمى الروادف‪.‬‬

‫بني اآلرامية والكنعانية‬

‫وف� � ��ي اآلرامي� � ��ة‪ ،‬ال إعراب ألواخ� � ��ر الكلمات‬ ‫في اجلمل‪ ،‬وأقرب اللغات التي س� � ��بقتها في بالد‬ ‫الشام هي الكنعانية اجلنوبية‪ ،‬وبينها وبني العربية‬ ‫احلديثة عناصر مش� � ��تركة ف� � ��ي النطق واملفردات‬ ‫والتصري� � ��ف‪ ،‬إذ تعب� � ��ر اللغ� � ��ة اآلرامي� � ��ة عن واقع‬ ‫أبنائه� � ��ا‪ ،‬فتعكس مس� � ��توى حياته� � ��م وتقدمهم في‬ ‫تلك األيام التي ش� � ��كلت وحدة ثقافية لُغوية بقيت‬ ‫منتش� � ��رة برغم كل التأثيرات‪ ،‬ولعب� � ��ت دوراً مهماً‬ ‫في وحدة املش� � ��رق القدمي‪ ،‬واستمرت بقوتها حتى‬ ‫بدايات العهد اإلسالمي‪.‬‬ ‫وق� � ��د تأثرت بع� � ��ض اللغات مبا فيه� � ��ا العربية‬ ‫احلديثة باآلرامية‪ ،‬علماً بأن اس� � ��م «عرب» لفظة‬ ‫تأخرت بالظهور‪ ،‬فأقدم إش� � ��ارة مدونة تس� � ��تعمل‬ ‫فيها كلمة «عرب» تقع في نقش آشوري يعود لسنة‬ ‫‪ 853‬قب� � ��ل املي� �ل��اد‪ ،‬إذ جاء في الوثيق� � ��ة أن امللك‬ ‫اآلش� � ��وري سلمنصر الثالث (ش� � ��لما نصر) انتصر‬ ‫على ملوك املدن الس� � ��ورية املتحالفني ضده‪ ،‬وعلى‬ ‫حليفهم «جنديب� � ��و» العربي زعيم إح� � ��دى القبائل‬

‫‪132‬‬

‫‪7/10/14 10:00:36 AM‬‬

‫العربية‪ ،‬وذلك في معركة قرقر (كركر)‪ ،‬وبعد ذلك‬ ‫أخذ اس� � ��م «العرب» يرد عل� � ��ى التوالي في الوثائق‬ ‫اآلشورية كموطن وشعب‪ ،‬وفي حوالي سنة ‪530‬م‪،‬‬ ‫تظهر في النص� � ��وص الفارس� � ��ية املكتوبة باخلط‬ ‫املسماري إشارات إلى ‪ Arabaya‬أي «العرب»‪.‬‬ ‫وقد ورد لفظ «ع� � ��رب» في القرآن الكرمي في‬ ‫َاب ُف ِّص َل ْت‬ ‫{كت ٌ‬ ‫مواضع متع� � ��ددة‪ ،‬منها قوله تعالى‪ِ :‬‬ ‫آ َيا ُتهُ ُق ْرآنًا َع َر ِب ًّيا ِلق َْو ٍم َي ْع َل ُمونَ }‪( ،‬س� � ��ورة فصلت‪:‬‬ ‫اآلية ‪ .)3‬ومنها قوله تعالى‪ُ :‬‬ ‫{ق ْرآنًا َع َر ِب ًّيا َغ ْي َر ِذي‬ ‫ِع َو ٍج َل َع َّل ُه ْم َيتَّ قُ ونَ }‪( ،‬سورة الزمر‪ :‬اآلية ‪.)28‬‬ ‫وق� � ��د اختلف علماء اللغات في تفس� � ��ير لفظة‬ ‫«عرب» ومصدر اشتقاقها‪ ،‬فاألصمعي (ت ‪217‬هـ)‬ ‫يذك� � ��ر أن اللغ� � ��ة العربية منس� � ��وبة إل� � ��ى يعرب بن‬ ‫قحطان‪ ،‬وهي مش� � ��تقة من اسمه‪ ،‬وفي هذا املعنى‬ ‫قال الشاعر حسان بن ثابت األنصاري (توفي بني‬ ‫عامي ‪ 35‬و‪40‬هـ) مخاطباً العرب‪:‬‬ ‫تعلمتم من منطق الشيخ يعرب‬ ‫أبينا ف�ص��رمت معربينا ذوي نفر‬ ‫وجند ل� � ��دى ابن منظ� � ��ور (‪711‬ه � � �ـ‪1311/‬م)‬ ‫صاحب «لس� � ��ان العرب»‪ ،‬وياق� � ��وت احلموي (‪626‬‬ ‫هـ) ف� � ��ي «معجم البلدان»‪ ،‬أن العرب س� � ��موا عرباً‬ ‫نس� � ��بة إلى بلدهم وديارهم التي تس� � ��مى عربة أو‬ ‫عربات‪ ،‬والعربة هي باحة العرب وس� � ��احتهم‪ ،‬في‬ ‫حني ذكر األلوس� � ��ي (ت ‪1324‬ه � � �ـ) في كتابه «بلوغ‬ ‫األرب في معرفة أح� � ��وال العرب»‪ ،‬أن لفظة عرب‬ ‫مش� � ��تقة من الفعل يعرب‪ ،‬أي يُفصح في احلديث‪،‬‬ ‫وأصبح يدل على العرب لفصاحتهم في اللسان‪.‬‬

‫أبجدية ما بعد انهيار اإلمبراطورية اآلشورية‬

‫وقد تط� � ��ورت اآلرامية ليتوص� � ��ل أهلها لكتابة‬ ‫خاصة بهم في منتصف القرن السابع قبل امليالد‬ ‫بالترتي� � ��ب األبجدي كما ذكرنا س� � ��ابقاً‪ ،‬إذ إنه مع‬ ‫انهيار اإلمبراطورية اآلش� � ��ورية ف� � ��ي نهاية القرن‬ ‫السابع قبل امليالد حتت ضربات التحالف امليدي‬ ‫الكلداني‪ ،‬ازدادت أهمية اآلرامية كلغة دبلوماسية‬ ‫دولية‪ ،‬وأصبحت تشكل مع اإلمبراطورية اإلخمينية‬ ‫ أسرة ملكية فارسية أسست لها إمبراطورية في‬‫فارس عام ‪ 559‬قبل امليالد وامتدت في أوجها إلى‬ ‫جميع أرجاء الش� � ��رق األدنى ‪ -‬إحدى لغات األدب‬ ‫واإلدارة واحلكم بخطها اليدوي‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 131-135.indd 132‬‬


‫معلوماتنا عن اآلرامية املوغلة في التاريخ القدمي محصورة ببعض النقوش والكتابات املكتشفة حديثا‬

‫ويذك� � ��ر د‪ .‬محمد محفل في كتابه «مدخل إلى‬ ‫اللغة اآلرامية»‪ ،‬أنه بعد سقوط الدولة اإلخمينية‪،‬‬ ‫فقدت اآلرامية السند الذي جعل منها لغة خطية‬ ‫رسمية متجانس� � ��ة ذات لهجة موحدة في مختلف‬ ‫امل� � ��دن‪ ،‬وبدأت تتراجع أمام اللغ� � ��ة اليونانية لفترة‬ ‫زمني� � ��ة محدودة‪ ،‬لتتبدل احل� � ��ال من جديد وحتتل‬ ‫مكان � � �اً مرموق � � �اً في املش� � ��هد الثقافي للمش� � ��رق‬ ‫القدمي‪.‬‬

‫نقوش آرامية‬

‫واملالحظ أن معلوماتنا ع� � ��ن اآلرامية املوغلة‬ ‫ف� � ��ي التاريخ الق� � ��دمي محصورة ببع� � ��ض النقوش‬ ‫والكتاب� � ��ات املكتش� � ��فة حديثاً‪ ،‬وهي أث� � ��ر من آثار‬ ‫احلض� � ��ارة اآلرامية القدمية في مناطق بالد آرام‪.‬‬ ‫ويقول د‪ .‬محمد حرب فرزات في كتابه «موجز في‬ ‫تاريخ سورية القدمي»‪ ،‬إن السم آرام هذا أو آرامي‬ ‫صلة بالسمو والسيادة واالرتفاع‪ ،‬وقد أطلقت هذه‬ ‫الكلمة في بادئ األمر على املنطقة الشمالية لبالد‬ ‫الرافدين‪ ,‬حيث انتشر اآلراميون قبل أن يؤسسوا‬ ‫ممالكهم‪ ،‬في العراق وسورية واألردن وغيرها‪.‬‬ ‫اللغة اآلرامية‪...‬جسر التواصل بني املاضي واحلاضر‬

‫‪7/10/14 10:00:41 AM‬‬

‫وبناء على نتائ� � ��ج حمالت التنقيب التي قامت‬ ‫بها البعث� � ��ات الغربية واحمللية في عدد من املواقع‬ ‫األثرية‪ ،‬واس� � ��تناداً إلى الدراس� � ��ات اللغوية‪ ،‬ميكن‬ ‫حص� � ��ر النق� � ��وش اآلرامية وإحالتها إل� � ��ى القرنني‬ ‫التاس� � ��ع والثامن قبل امليالد‪ ،‬وقد نقش� � ��ت بالقلم‬ ‫الكنعاني اجلنوبي مع بعض املفردات اآلرامية ومن‬ ‫بينها‪ :‬ن� � ��ص منقوش على مذبح ن� � ��ذري عثر عليه‬ ‫ف� � ��ي غوزانا‪( ،‬ت� � ��ل حلف حالياً في س� � ��ورية)‪ ،‬التي‬ ‫كانت عاصم� � ��ة ململكة بيت بخياني اآلرامية ويعود‬ ‫تاريخها إلى القرن التاسع قبل امليالد‪.‬‬ ‫ومن النقوش أيضاً مس� � ��لة زاكير‪ ،‬ملك مملكة‬ ‫حم� � ��اة اآلرامية‪ ،‬إذ وجدت املس� � ��لة في موقع آفس‬ ‫الواقعة بالقرب من س� � ��راقب جنوبي حلب‪ ،‬ويرجع‬ ‫تاريخها إلى منتصف القرن التاس� � ��ع قبل امليالد‪،‬‬ ‫وهنالك نصوص آرامية منقوش� � ��ة على مس� �ل��ات‬ ‫عدة اكتشفت في منطقة السفيرة (جنوبي شرقي‬ ‫حلب) تعود إلى منتصف القرن التاسع قبل امليالد‪،‬‬ ‫ونصوص أخرى منقوشة على لُقى أثرية عثر عليها‬ ‫ف� � ��ي كيليكيا عن� � ��د جبال أمان� � ��وس احلدودية بني‬ ‫تركيا وسورية‪ ،‬ويبدو أنها كانت متأثرة بالكنعانية‪،‬‬

‫‪133‬‬

‫‪august 131-135.indd 133‬‬


‫توزعت اللقى بني العراق وسورية التي احتفظت بالنصوص اآلرامية‬

‫وكذلك النقوش اآلرامية في تل الفخار في اجلزء‬ ‫الشرقي من مدينة احلسكة السورية‪.‬‬ ‫وق� � ��د تبل� � ��ورت الثقافة اآلرامية ف� � ��ي عدد من‬ ‫ممال� � ��ك آرام كمملكة بيت عدين� � ��ي وعاصمتها تل‬ ‫برس� � ��يب (تل أحمر)‪ ،‬وإمارة بيت أغوشي وتسمى‬ ‫أرباد أو أرفاد أو تل رفعت‪ ،‬وهي مدينة سورية تقع‬ ‫على بعد ‪ 35‬كيلومتراً شمال مدينة حلب‪.‬‬ ‫ومن بني املمالك اآلرامية مملكة صوبا البقاع‬ ‫ف� � ��ي لبنان‪ ،‬ومملك� � ��ة معكا في اجل� � ��والن‪ ،‬ومملكة‬ ‫آرام دمش� � ��ق‪ ،‬وكان آخر ملوكها رصني‪ ،‬ومن أشهر‬ ‫املواقع اآلرامية عني دارا مبنطقة عفرين بالقرب‬ ‫م� � ��ن مدين� � ��ة حلب‪ ،‬وفيه� � ��ا عثر على آث� � ��ار آرامية‬ ‫محفوظة في متحف حلب‪.‬‬ ‫ومن املخطوطات التي كتبت باآلرامية نصوص‬ ‫قمران أو مخطوطات البح� � ��ر امليت اآلرامية التي‬ ‫تع� � ��د من أهم ما عثر عليه ف� � ��ي عقد األربعينيات‬ ‫من القرن العش� � ��رين‪ ،‬ويرجح أنها تع� � ��ود تاريخياً‬ ‫إل� � ��ى القرنني الثال� � ��ث والثاني قب� � ��ل امليالد‪ ،‬وهي‬ ‫مخطوطات كتبت باآلرامي� � ��ة‪ ،‬وقد عثر على عدد‬ ‫منه� � ��ا في ُمغر قريبة من البحر امليت عام ‪1947‬م‪،‬‬

‫‪134‬‬

‫‪7/10/14 10:00:49 AM‬‬

‫األم� � ��ر ال� � ��ذي أدى إلى الكش� � ��ف ع� � ��ن مضمونها‬ ‫مبقارنتها بنصوص مماثلة لها في لغات ش� � ��رقية‬ ‫أخ� � ��رى معاصرة‪ .‬ومن بني نص� � ��وص قمران التي‬ ‫عثر عليها أربع مخطوطات من س� � ��فر طوبيا‪ ،‬وما‬ ‫من شك في أن هذا السفر كان قد كتب أول األمر‬ ‫باللغ� � ��ة اآلرامية‪ ،‬ومن احملتمل أن ذلك كان ما بني‬ ‫القرنني الراب� � ��ع والثالث قبل امليالد‪ ،‬وهناك ً‬ ‫أيضا‬ ‫س� � ��فر أخنوخ‪ ،‬الذي يضم الكتاب السماوي وكتاب‬ ‫احلراس وكتاب األمثال وكتاب احلكماء ورس� � ��الة‬ ‫أخنوخ وغيرها من الكتب‪.‬‬ ‫ويرى د‪ .‬محفل أن اآلراميني كانوا قد اقتبسوا‬ ‫أبجديتهم من الكنعانية اجلنوبية كوسيلة للكتابة‪،‬‬ ‫وطوروه� � ��ا في م� � ��ا بعد وفق متطلب� � ��ات لغتهم من‬ ‫خالل اس� � ��تعمالهم القلم املعدني أو اخلش� � ��بي في‬ ‫الكتاب� � ��ة على ورق البردي أو الفخار أو جلد بعض‬ ‫احليوانات‪ ،‬إال أنهم كانوا قد هجروا اللغة الكنعانية‬ ‫بسرعة مذهلة‪ ،‬واستعملوا لغتهم اخلاصة بهم‪.‬‬

‫لهجات محلية‬

‫وعندم������ا نق������ول إن اآلرامي���ي��ن ق������د تأثروا‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 131-135.indd 134‬‬


‫بالكنعانية لغة وكتابة فهذا ال يعني أنهم هجروا‬ ‫لغتهم نهائياً‪ ،‬فمن������ذ القرن الـــثامن قبل امليالد‪،‬‬ ‫بدأ س������كان م������دن األنب������اط يس������تعملون لغتهم‬ ‫اخلاصة بهم بأحرف كنعاني������ة جــنوبية قبل أن‬ ‫يط������وروا كتابة خاص������ة بهم‪ ،‬وس������نجد بدءاً من‬ ‫الق������رن الرابع قب������ل امليالد من������اذج عديدة من‬ ‫اخلطوط اآلرامية‪.‬‬ ‫وتط������ورت اآلرامي������ة مولدة لهج������ات محلية‬ ‫ع������دة ‪ -‬ب���ل��اد الرافدي������ن وعلى أرض س������ورية‬ ‫واألردن وفلس������طني ‪ -‬م������ع كتاباته������ا اخلاصة‬ ‫بها‪ ،‬إذ يتج������ه الرأي العام ل������دى الباحثني إلى‬ ‫تقس������يم اللهجات والكتابات اآلرامية إلى أقالم‬ ‫ع������دة بدءاً من القرن األول ق‪.‬م‪ ,‬وذلك بتوزيعها‬ ‫على مجموعتني أساس������يتني‪ :‬تض������م املجموعة‬ ‫الغربية اليهودية اآلرامية‪ ،‬واآلرامية املس������يحية‬ ‫الفلس������طينية‪ ،‬والنبطية والتدمرية‪ .‬واملجموعة‬ ‫الش������رقية تضم الس������ريانية‪ ،‬لهجة تلمود بابل‪،‬‬ ‫املنداعي������ة‪ ،‬ولهج������ة مدينة ح������ران‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫الس������ريانية التي تنطق «لشانا س������ريايا»‪ ،‬وهي‬ ‫لهجة مدينة الرها‪ ،‬والره������ا أورهي باآلرامية‪،‬‬ ‫وأوديس������ا باليوناني������ة‪ ،‬ويطـــــل������ق عليه������ا اليوم‬ ‫بالتركية اسم أورفا‪ ،‬ويسمـــــيها البعض اآلرامية‬ ‫الش������رقية احلديثة‪ ،‬وهي بعيدة ع������ن اآلرامية‬ ‫القدمي������ة‪ ،‬إال أنها تط������ورت واغتنت مبفردات‬ ‫بعض اللغات الت������ي عاصرتها مع مرور الزمن‪،‬‬

‫كاآلرامية والتركــية والفارسية والعربية‪.‬‬ ‫وفي السياق ذاته‪ ،‬نلقي الضوء على ما بقي‬ ‫متداوالً حتى هذا اليوم من اآلرامية التي مازال‬ ‫قس������م من الس������كان القاطنني بني بحيرة «وان»‬ ‫الواقعة جنوب شرقي تركيا وبحيرة «أورميا» في‬ ‫إيران ينطقون لهجات آرامية ويعتنقون املذهب‬ ‫النسطوري نس������بة إلى نس������طوريوس بطريرك‬ ‫القس������طنطينية ‪ 451/ 386‬م الذي نادى مببدأ‬ ‫الطبيعتني اإللهية والبشرية‪.‬‬ ‫في حني يحتفظ املسيحيون اليعاقبة‪ -‬أنصار‬ ‫املفكر الديني القدي������س يعقوب البرادعي الذي‬ ‫نادى بوحدة طبيعة املسيح‪ -‬والذين يقيمون في‬ ‫جبال طور عابدي������ن الواقعة بني نصيبني وديار‬ ‫بكر بلهج������ة آرامية‪ ،‬وم������ازال الكلدانيون الذين‬ ‫ضرب من‬ ‫يقيمون ش������مال املوصل لغتهم ه������ي‬ ‫ٌ‬ ‫اآلرامية‪.‬‬ ‫وأخي������راً‪ ,‬هنال������ك أثر م������ن اللغ������ة اآلرامية‬ ‫السائدة هي اللهجة احمللية لسكان بعض القرى‬ ‫السورية (شمالي دمش������ق)‪ ،‬هي «معلوال وبخعا‬ ‫ج������ب عدين»‪ ،‬ويقول د‪ .‬محف������ل‪ :‬عندما نصغي‬ ‫للمحلي���ي��ن وهم يتحدثون‪ ،‬نلح������ظ أن املفردات‬ ‫العربية ق������د دخلتها بصورة كثيفة‪ ،‬وأن تركـــــيب‬ ‫اجلمــ������ل هو أقرب إل������ى اآلرامية م������ن العربية‬ ‫احلديثة‪ ،‬كما أن النطق هو أقــــرب إلى اللس������ان‬ ‫اآلرامي من اللسان العربي >‬

‫يوم ��ا‪ ،‬فنظر إليه‬ ‫< وق ��ف عبدالل ��ه ب ��ن عب ��اس بن احلس ��ن العلوي عل ��ى باب املأم ��ون ً‬ ‫احلاجب ثم أطرق‪ .‬فقال عبدالله لقوم معه‪ :‬إنه لو أذن لنا لدخلنا‪ ،‬ولو صرفنا النصرفنا‪،‬‬ ‫ولو اعتُ ذر إلينا لقبلنا‪ ،‬وأما النظرة بعد النظرة والتوقف بعد التع ّرف فال أفهم معناه‪ ،‬ثم‬ ‫متثل بهذا البيت‪:‬‬ ‫وما على رضى كان احلمار مطيتي‬ ‫ولكن َمن ميشي سيرضى مبا ركب‬ ‫�ديدا‪ ،‬وأم ��ر لعبدالله بصلة‬ ‫ث ��م انصرف‪ ،‬فبل ��غ ذلك املأمون فضرب احلاجب ضر ًبا ش � ً‬ ‫جزيلة وعشر دواب‪.‬‬

‫اللغة اآلرامية‪...‬جسر التواصل بني املاضي واحلاضر‬

‫‪7/10/14 10:00:55 AM‬‬

‫‪135‬‬

‫‪august 131-135.indd 135‬‬


‫شعر‬

‫اع َي ُة َأ ْو َر ِاق ال َْش َج ْر»‬ ‫«س َب ِ‬ ‫ُ‬

‫د ‪ .‬عدنان مصطفى *‬

‫‪ -1‬م � � ��ا ن � � � ��اح ن � � � ��اي م � � ��ع ال� � �ع� � �ش�� ��اق إذ س� � �ك � ��روا‬ ‫إال وق� � � �ل� � � �ب � � ��ي ب� � � �ك � � ��ى واج� � � � �ت�� � � ��اح�� � � ��ه ال� � � �ق � � ��در‬ ‫‪ -2‬ك� � � ��ل ال � � �ن � � �س� � ��ور م� � �ض � ��ت ت�� �ب�� �غ� ��ي م� ��واط � �ن � �ه� ��ا‬ ‫ل� � � �ك�� � ��ن ن� � � � � �س � � � � ��ر ًا ك�� � � �س�� � � �ي� � � ��ر ًا ف � � � ��ات � � � ��ه ال� � �س� � �ف � ��ر‬ ‫‪ -3‬أم� � � �ض � � ��ى ب� � � �ق � � ��اء ب� � � �ق � � ��اع ال � � �ل � � �ي� � ��ل ي� �س� �ت� �ت ��ر‬ ‫ف� � �ه�� ��و ال�� � �ص� � ��ري� � ��ع «ب� � � � �ب�� � � ��اب» ال� � �ع� � �ش�� ��ق ي� �خ� �ت� �ب ��ر‬ ‫‪ -4‬ح� � � ��ار األط� � � � َّب � � ��ا ب� �ج� �ب���ر ال� � �ط� � �ي � ��ر‪ ،‬ف���ان� �ك� �س���روا‬ ‫ب�� � ��ل أس � � �ل � � �م� � ��وا األم� � � � � ��ر ل� � �ل� � �خ �ل��اق واص � � �ط � � �ب� � ��روا‬ ‫‪ -5‬م � � ��ا ح � �ي � �ل� ��ة ال� � �ع� � �ق � ��ل واألق� � � � � � � � ��دار حت� �ك� �م� �ن ��ا؟‬ ‫ف� � ��امل � � �س � � �ت � � �ق � � �ي� � ��م ب� � � �ف� � � �ض � � ��ل ال � � � � �ل� � � � ��ه ي � �ن � �ت � �ص� ��ر‬ ‫‪ -6‬ص� � � ��اح احل � � ��زي � � ��ن‪ :‬أم� � � ��ا م� � ��ن ه � ��ده � ��د ط � �ل� ��ق؟!‬ ‫ي � � �ل � � �ق� � ��ي ك� � � �ت � � ��اب � � ��ي مل� � � � ��ن ب� � � � ��ال� � � � ��ود اش� � � �ت� � � �ه � � ��روا‬ ‫‪ -7‬ف� � ��ال � � �ل� � ��ه ي� � �ع� � �ل � ��م ك � � � ��م أش� � � � �ت � � � ��اق أع � �ي � �ن � �ه� ��م‬ ‫ع� � � � � ��دد ال� � � �ن� � � �ج � � ��وم وم� � � � � ��ا ق � � � ��د ي � � � � � � ��ورق ال � �ش � �ج� ��ر‬ ‫حلمت هذا الصب�� ��اح‪ :‬وأنا أهيم على وجهي‬ ‫التقيت راعيا جاء‬ ‫في ريف الباب الغرب�� ��ي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫من الع�� ��راق‪ ،‬قال لي‪ :‬لقد تعب�� ��ت كثيرا في‬ ‫البح�� ��ث عنك‪ ،‬قلت له ملاذا؟‪ ،‬ومن أنت؟‪ ،‬قال أنا صديق‬ ‫ابن عمك علي بن اجلهم‪ ،‬وعندما ودعته و َغنَمِ ي متوكلني‬ ‫عل�� ��ى الله‪ ،‬قال لي‪ :‬اذهب إلى ت�� ��ل رحال في ريف الباب‬ ‫الغربي‪ ،‬واس�� ��أل أخ�� ��ت عدنان مصطف�� ��ى عنه هناك ‪،‬‬ ‫وسلمه هذه األبيات‪ ،‬حيث يقول ابن عمك الشعر أعاله‪.‬‬ ‫ثم بكى كثيرا‪ ،‬حتى خفت عليه‪ ،‬وعندها نهضت مذعورا‬ ‫من حلمي‪ ،‬ألجدني في دمش�� ��ق البائسة‪ .‬وعندما أرسلت‬ ‫حلمي لبع�� ��ض األحباء‪ ،‬اقترحت أختي الدكتورة هند (أم‬

‫حسن) أن توزع س�� ��بع نسخ من القرآن على روح علي بن‬ ‫اجلهم في أحد مس�� ��اجد الكويت‪ ،‬فقلت لها وعلى روحي‬ ‫ِ‬ ‫أرجوك‪ ،‬كما زارني صديقنا احلبيب الطبيب احلكيم‬ ‫معه‬ ‫أكرم السكيف وتبرع بأن يذهب اليوم‏األربعاء‏ (‪ 1‬‏‪ 2‬مايو‪،‬‬ ‫‪ )2014‬ليوقد شمعتني في الكنيسة لراحة نفس علي بن‬ ‫اجلهم وابن عمه عدنان مصطفى‪.‬‬ ‫‪ -1‬الن�� ��اي‪ :‬ه�� ��و أعظ�� ��م أدوات التعبير ع�� ��ن الذات‬ ‫املكلوم�� ��ة بفراقها عن أصل وجودها‪ ،‬فالناي ينو ُح عندما‬ ‫يقوم الزمار بالنفخ فيه‪ ،‬مذكراً إياه بأمه (شجرة القصب‬ ‫املائي�� ��ة) الت�� ��ي مت قطعه عنها من قبل اإلنس�� ��ان الظالم‪،‬‬ ‫والن�� ��اي مصنوع من قصاب املاء‪ ،‬ال�� ��ذي كان قبل صنعه‬

‫* أكادميي وناقد من سورية‬

‫‪136‬‬

‫‪7/10/14 10:01:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 136-137.indd 136‬‬


‫من قبل اإلنس�� ��ان ميج�� ��د اخلالق على‬ ‫ص�� ��در أمه عن�� ��د ماء احلي�� ��اة‪ ،‬وعندما‬ ‫يقطع هذا القصاب عن أمه ليصنع منه‬ ‫الناي فإنه عن�� ��د إمرار الهواء فيه يبكي‬ ‫نائحاً متذكراً وجوده املاضي الس�� ��عيد‪،‬‬ ‫لهذا يبدو ص�� ��وت الناي حزين� � �اً دوماً‪،‬‬ ‫كصوت عدنان مصطفى‪ .‬العش�� ��ق‪ :‬هو‬ ‫إفراط احملبة‪ ،‬فإذا عم احلب اإلنس�� ��ان‬ ‫بجملته‪ ،‬وأعماه كل شيء سوى محبوبه‪،‬‬ ‫وس�� ��رت تلك احلقيقة في جميع أجزاء‬ ‫بدنه وقواه وروح�� ��ه‪ ،‬وجرت فيه مجرى‬ ‫الدم في عروقه وحلمه‪ ،‬وغمرت جميع‬ ‫مفاصل�� ��ه‪ ،‬فاتصلت بوج�� ��وده‪ ،‬وعانقت‬ ‫جميع أجزائه جس�� ��ماً وروح� � �اً‪ ،‬ولم يبق‬ ‫فيه متس�� ��ع لغيره‪ ....‬حينئذ يسمى ذلك‬ ‫احلب عشقاً (الش�� ��يخ محيي الدين بن‬ ‫عربي‪ ،‬الفتوحات املكي�� ��ة)‪ .‬وأما القدر‪:‬‬ ‫فهو ما يقدره الله‪ ،‬ومن لم يؤمن بالقدر‬ ‫فق�� ��د كفـر‪ :‬قال الله ع َّز وج� � � ّْل‪َ { :‬وال َّلهُ‬ ‫َّاس اَل‬ ‫َغ ِال � ٌ�ب َع َلى أَ ْم � ِ�ر ِه َو َل ِك � َّ�ن أَ ْك َث� � َر الن ِ‬ ‫َي ْع َل ُمونَ} (سورة يوسف‪.)21 :‬‬ ‫‪ -2‬واحسرتاه‪ ،‬أنا نسر علم عربي‪،‬‬ ‫أس�� ��رني قطعان اإلرهاب‪ ،‬أع�� ��داء الله‪:‬‬ ‫كسروا جناحي ألقع ضمن عش الدجاج‬ ‫العربي اليوم‪.‬‬ ‫‪ -3‬الصريع هنا هو العاش�� ��ق املطروح تولهاً وينطبق‬ ‫عليه القول‪:‬‬ ‫‪When the heart goes empty,‬‬ ‫‪Dreams vanishes,‬‬ ‫‪Desires flies,‬‬ ‫‪Left in anguish and pain .‬‬

‫‪« -4‬إذا ابتليت بقطع طريق العش�� ��ق‪ ،‬فكيف ميكنك‬ ‫ح ّل أس�� ��راره؟‪ .‬وإن ابتلي�� ��ت بقطع طريق العش�� ��ق‪ ،‬فألق‬ ‫بأس�� ��لحتك ملا أنت فيه من بالء!» (فري�� ��د الدين العطار‪،‬‬ ‫منط�� ��ق الطير)‪ .‬عندما يحار اإلنس�� ��ان بني عقله وقلبه ال‬ ‫بد له أن يتيقظ‪ ،‬واليقظ�� ��ة تكون بالقومة إلى الله‪ ،‬الذي‬ ‫قال عز وجل‪ُ :‬‬ ‫وموا ِل َّل ِه}‬ ‫{قلْ ِإ مَّنَا أَ ِع ُظ ُك ْم ِب َو ِاح َد ٍة أَ ْن تَقُ ُ‬ ‫(س ��بأ‪ .)46 :‬وعندما حتصل القومة يتبني القائم «أن باب‬ ‫الله مفتوح دوماً‪ ،‬بل متى كان مغلقاً؟»‪.‬‬ ‫َاموا َف اَل خَ ْوفٌ‬ ‫اس َتق ُ‬ ‫‪ِ { -5‬إنَّ ال َِّذينَ َقا ُلوا َر ُّبنَا ال َّلهُ ُث َّم ْ‬ ‫«س َب ِاع َي ُة أَ ْو َر ِاق ا ْلشَ َج ْر»‬ ‫ُ‬

‫‪7/10/14 9:54:55 AM‬‬

‫َع َل ْي ِه ْم َو اَل ُه ْم َي ْح َزنُونَ} (األحقاف‪.)13 :‬‬ ‫‪ .6‬في القرآن الك�� ��رمي‪ :‬وردت قصة الهدهد والنبي‬ ‫س�� ��ليمان‪ .‬والهدهد مخلوق يرى امل�� ��اء من حتت األرض‪.‬‬ ‫قال سعيد بن جبير ملا ذكر ابن عباس رضوان الله عليهما‬ ‫هذه احلقيقة قال له نافع بن األزرق‪« :‬كيف يبصر املاء من‬ ‫حتت األرض وال يبصر الف�� ��خ إذا غطي بـقـدر إصبع من‬ ‫تراب ؟»‪ ،‬ق�� ��ال ‪« :‬ويحك ! إذا جاء القدر عمي البصر»‪.‬‬ ‫وروى قتادة ع�� ��ن أنس بن مالك رضوان الله عليهما قال‪:‬‬ ‫«قال رس���� ��ول الله صلى الله عليه وس�� ��لم‪ :‬أنهاكم عن قتل‬ ‫الهدهد فإنه كان دليل س�� ��ليمان عل�� ��ى املاء»‪ ،‬واملاء أصل‬ ‫احلياة‪.‬‬ ‫‪ -7‬لتس�� ��هيل إدراك ع�� ��دد النج�� ��وم نذكر ب�� ��أن موالً‬ ‫(‪ )mole‬من املاء قدره ‪ 18‬جراماً يس�� ��اوي فيزيائيا عدد‬ ‫آفوغادرو بل (‪ 1023 x 6‬جزيئاً)‪ ،‬أما «كم يورق الشجر»؟‬ ‫فهو س�� ��ؤال يوازي «كم من أحياء بني البش�� ��ر‪ ،‬ينال رضا‬ ‫الله في كل ٍآن؟» >‬

‫‪137‬‬

‫‪august 136-137.indd 137‬‬


‫بالغـة‬

‫في مديح الصمت والبراعة‪...‬‬ ‫إطاللة على بالغات منسية‬ ‫د‪.‬عماد عبداللطيف *‬ ‫عل ��ى م ��دار التاري ��خ كان التنازع هو جوه ��ر العالقة بني احلض ��ارات واألمم‪ .‬لم يقتصر هذا‬ ‫التن ��ازع عل ��ى ادعاء احلق في الث ��روات أو األراضي أو النفوذ‪ ،‬بل تع ��داه إلى ادعاء احلق في‬ ‫تأسيس العلوم وتدشينها‪ .‬ومن الطبيعي وفقً ا لقانون هيمنة الغالب على املغلوب أن ُينسب‬ ‫إنشاء العلوم إلى األقوى‪ .‬وهكذا فإن البشر بحاجة إلى التشكك من وقت إلى آخر في تاريخ‬ ‫العلوم‪ ،‬ومراجعة األفكار السائدة حول نشأتها وتطورها‪ .‬وهذا املقال محاولة ملراجعة تاريخ‬ ‫أحد أبرز العلوم اإلنس ��انية وأقدمها‪ ،‬أعني علم البالغة الذي اختص بدراس ��ة الكالم املقنع‬ ‫املؤثر بني األفراد واجلماهير‪.‬‬ ‫عادة م� � ��ا يُرج� � ��ع الباحثون نش� � ��أة علم‬ ‫البالغ� � ��ة إلى اليوناني� �ي��ن‪ ،‬إذ يُنظر إلى‬ ‫السوفسطائيني األثينيني على أنهم أول‬ ‫م� � ��ن وضع قواعده وتنظيراته وحوله إلى ممارس� � ��ة‬ ‫تعليمية احترافية‪ .‬وفي إطار هذا التصور املهيمن‪,‬‬ ‫حتت� � ��ل املؤلفات اليونانية والروماني� � ��ة البارزة حول‬ ‫البالغ� � ��ة‪ ،‬مثل «مح� � ��اورة جورجي� � ��اس» ألفالطون‪,‬‬ ‫وكتاب «في اخلطابة» ألرس� � ��طو‪ ،‬وكتاب «اخلطيب»‬ ‫لشيش� � ��رون‪ ،‬مكانة محورية في تاريخ البالغة‪ .‬غير‬ ‫أن واق� � ��ع االكتش� � ��افات احلديثة للمنج� � ��ز املعرفي‬ ‫للحض� � ��ارات القدمي� � ��ة في مصر والع� � ��راق وفارس‬ ‫والهند والص� �ي��ن وغيرها‪ ،‬في س� � ��بيله إلى زعزعة‬ ‫هذا التصور املتحيز لتاريخ البالغة‪ .‬إذ تتعزز شي ًئا‬ ‫فش� � ��ي ًئا فك� � ��رة أن البالغة ‪ -‬س� � ��واء بوصفها عل ًما‬

‫إنتاج� � ��ا للكالم البليغ‪ -‬لم تكن‬ ‫وتدري ًبا أو بوصفها‬ ‫ً‬ ‫اختراع� � ��ا يونان ًيا‪ ،‬بل هي ثمرة من ثمرات كل تطور‬ ‫ً‬ ‫حضاري‪ ،‬حيث تتالزم البالغة مع العمران‪.‬‬ ‫ومع ذل� � ��ك‪ ،‬فإن مراجعة التأريخات املس� � ��تقرة‬ ‫تتم على اس� � ��تحياء ش� � ��ديد‪ ،‬وتواجهها مش� � ��كالت‬ ‫عملي� � ��ة وأيديولوجي� � ��ة‪ .‬أب� � ��رز املش� � ��كالت العملية‬ ‫هي اندث� � ��ار الكثير من آثار احلض� � ��ارات القدمية‪،‬‬ ‫وخاص� � ��ة األعمال الفكرية التي لم تندمج في إطار‬ ‫املعتق� � ��دات الدينية الق� � ��ارة أو الع� � ��ادات املتوارثة‪.‬‬ ‫وت� � ��زداد صعوب� � ��ات العثور على النتاج� � ��ات الفكرية‬ ‫النظرية مثل التنظي� � ��رات البالغية‪ ،‬إذا وضعنا في‬ ‫احلس� � ��بان حقيقة أن معظم النشاط املتعلق بتداول‬ ‫املعرفة في هذه احلض� � ��ارات القدمية كان يتم في‬ ‫سياق نخبوي مغلق‪ ،‬متا َرس فيه أشكال متعددة من‬

‫* أكادميي وناقد من مصر‬

‫‪138‬‬

‫‪7/10/14 10:02:49 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 138-141.indd 138‬‬


‫احت� � ��كار املعرفة‪ .‬فقد كان الكهنة في‬ ‫مصر القدمية ‪ -‬على س� � ��بيل املثال ‪-‬‬ ‫ينقلون املعرفة النظري� � ��ة والتجريبية‬ ‫م� � ��ن املعلم إل� � ��ى التلميذ ع� � ��ن طريق‬ ‫املش� � ��افهة والتقلي� � ��د‪ .‬وكان من نتائج‬ ‫ذلك أن ُدفن الكثير من «أس� � ��رارهم»‬ ‫معهم‪ ،‬واندثرت باندثارهم‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى األس� � ��باب العملية‬ ‫املع ِّوقة لكتاب� � ��ة تاريخ جديد للبالغة‪،‬‬ ‫هناك أسباب أيديولوجية‪ ،‬لعل أهمها‬ ‫النزعة املركزية األوربية‪ .‬فهناك نزوع‬ ‫راسخ في التقاليد العربية األكادميية‬ ‫للتعامل م� � ��ع املعرفة عل� � ��ى أنها نتاج‬ ‫حص� � ��ري للغرب‪ ،‬س� � ��واء ف� � ��ي حقبته‬ ‫القدمي� � ��ة (اليوناني� � ��ة والروماني� � ��ة)‪،‬‬ ‫أو ف� � ��ي حقبت� � ��ه احلديث� � ��ة (األوربية‬ ‫واألمريكي� � ��ة)‪ .‬وتتجلى ه� � ��ذه النزعة‬ ‫أش� � ��د ما تكون في كتب تاريخ العلم‪،‬‬ ‫حيث تتجاهل الكتابات املؤرخة للعلوم‬ ‫اإلسهامات غير الغربية‪ ،‬أو تقلل من‬ ‫تأثيرها‪ ،‬أو تقدمها بوصفها خالفية‬ ‫وغير مؤكدة‪ .‬ويُعد علم البالغة حالة‬ ‫منوذجي� � ��ة لذلك‪ ،‬إذ اعت� � ��ادت الكتب‬ ‫املؤرخ� � ��ة للبالغ� � ��ة على م� � ��دار قرون‬ ‫طويلة التعام� � ��ل مع هذا العلم بوصفه منجزًا غرب ًيا‬ ‫حصر ًيا‪ .‬ول� � ��م تتم مراجعة ه� � ��ذه الكتابات إال منذ‬ ‫عقود قليلة‪.‬‬ ‫تُعد كتابات جورج كينيدي في تسعينيات القرن‬ ‫العشرين أول محاولة شاملة تُعيد النظر في مسلَّمة‬ ‫أن البالغة نتاج غربي حصر ًيا‪ .‬ففي كتابه الش� � ��هير‬ ‫الذي نش� � ��رته جامع� � ��ة كمبريدج بعن� � ��وان «البالغة‬ ‫املقارن� � ��ة‪ :‬مدخل تاريخ� � ��ي عبر ثقاف� � ��ي» (‪)1998‬‬ ‫ً‬ ‫تأريخا مغاي ًرا للبالغة‪ ،‬يُدرج فيه إس� � ��هامات‬ ‫يقدم‬ ‫احلض� � ��ارات املصرية والصيني� � ��ة والهندية القدمية‬ ‫على قدم املساواة مع إسهام احلضارة اليونانية في‬ ‫تأسيس البالغة‪.‬‬ ‫وق� � ��د كان لكتابات كيني� � ��دي املرموقة في إطار‬ ‫الدراس� � ��ات البالغية املعاصرة أثر طيب في بعض‬ ‫الكتابات الالحقة‪ ،‬فقد تضمنت موس� � ��وعة البالغة‬ ‫التي أصدرتها جامعة أكسفورد عام ‪ 2001‬مداخل‬ ‫في مديح الصمت والبراعة‪ ...‬إطاللة على بالغات منسية‬

‫‪7/10/14 10:11:09 AM‬‬

‫عن البالغة العربية واإلفريقية والصينية والهندية‬ ‫والس� �ل��افية وغيرها‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن مس� � ��احة هذه‬ ‫املداخل كانت مح� � ��دودة للغاية‪ ،‬مقارنة باملس� � ��احة‬ ‫الهائلة التي ش� � ��غلتها مداخل البالغة الغربية‪ ،‬حيث‬ ‫ال تكاد نس� � ��بتها تزيد على سبعة في املائة من حجم‬ ‫املوسوعة‪.‬‬

‫بالغة الشرق وبالغة الغرب‬

‫ترجع أهمية دراس� � ��ة املبادئ والتعاليم البالغية‬ ‫في احلضارات الشرقية القدمية إلى الرؤى املغايرة‬ ‫الت� � ��ي تقدمها لنا‪ ،‬حني نقارنه� � ��ا بالبالغة الغربية‪.‬‬ ‫وعلى م� � ��دار ما تبقى من هذا املقال‪ ،‬س� � ��وف أقدم‬ ‫بع� � ��ض األمثلة على التباين الش� � ��ديد ف� � ��ي األفكار‬ ‫واملمارس� � ��ات البالغي� � ��ة في حضارت� �ي��ن قدميتني‪،‬‬ ‫إحداهما شرقية واألخرى غربية‪ ،‬هما احلضارتان‬ ‫املصرية واليونانية‪ .‬وس� � ��وف أعتمد على دراس� � ��ات‬

‫‪139‬‬

‫‪august 138-141.indd 139‬‬


‫علماء املصريات املهتم� �ي��ن باألدب والبالغة‪ ،‬أمثال‬ ‫ميريام ليش� � ��ثم وميش� � ��يل فوكس وباربرا ليس� � ��يكو‬ ‫وديفي� � ��د هوتو وآخرين‪ .‬وقد توصل هؤالء الباحثون‬ ‫إل� � ��ى أفكارهم ع� � ��ن البالغة املصري� � ��ة القدمية من‬ ‫خ� �ل��ال حتليل كتاب� � ��ات هيروغليفي� � ��ة عديدة تنتمي‬ ‫إلى األدب والنصوص املقدسة وتسجيالت الوقائع‬ ‫اليومية‪ ،‬أش� � ��هرها حكاية الفالح الفصيح‪ ،‬وتعاليم‬ ‫بتاح حوت� � ��ب‪ ،‬التي يُنظر إليه� � ��ا بوصفها أول كتاب‬ ‫تعليمي بالغي في التاريخ‪.‬‬

‫اخلطباء من جمهوريته‪ ،‬التي وضع الفالس� � ��فة على‬ ‫عرش� � ��ها‪ .‬وعلى خالف‪ ،‬ذلك فإن البالغة املصرية‬ ‫القدمية‪ ،‬دافعت عن بالغة تكون األخالق قاعدتها‬ ‫األساسية‪ ،‬وبحس� � ��ب ميشيل فوكس‪ ،‬فإن «األخالق‬ ‫والقيم هي الطريقة األساسية للحجاج في البالغة‬ ‫املصري� � ��ة»‪ .‬وم� � ��ع ذلك‪ ،‬ف� � ��إن الربط ب� �ي��ن البالغة‬ ‫واألخالق (السائدة) كانت له تأثيرات جانبية سلبية‬ ‫لعل أبرزها تس� � ��خير البالغة للحفاظ على الوضع‬ ‫القائم‪.‬‬

‫االحتفاء ببالغة احلق‬ ‫في مقابل تقنني التالعب‬

‫بالغة احلفاظ على الوضع القائم‬ ‫في مقابل بالغة التغيير‬

‫اس� � ��تندت البالغة املصرية القدمية إلى أسس‬ ‫أخالقي� � ��ة في تقييماتها لل� � ��كالم‪ ،‬فالقول الصادق‪،‬‬ ‫الذي يتحرى احلق والعدل هو األكثر بيا ًنا واألعلى‬ ‫بالغ� � ��ة‪ .‬وعلى خالف ذلك‪ ،‬ف� � ��إن البالغة اليونانية‬ ‫احتفت بالقدرات التي مت َّكن الش� � ��خص من الدفاع‬ ‫ع� � ��ن اآلراء أو املواق� � ��ف الضعيفة وغي� � ��ر احملبوبة‪،‬‬ ‫واملناهض� � ��ة للعرف العام أو األخالقيات الس� � ��ائدة‪.‬‬ ‫وكانت ممارسات السوفسطائيني اليونانيني ‪ -‬على‬ ‫دروس� � ��ا وتدريبات هدفها‬ ‫وجه التحديد ‪ -‬تتضمن‬ ‫ً‬ ‫متكني دارس البالغة م� � ��ن الدفاع عن أي أفكار أو‬ ‫آراء أو ميول أو توجهات أو معتقدات‪ ،‬بغض النظر‬ ‫عن درجة أخالقيتها أو متاشيها مع القيم السائدة‪.‬‬ ‫كما تضمنت الدروس البالغية اليونانية ممارسات‪،‬‬ ‫مثل الدفاع عن الش� � ��يء ونقيضه‪ ،‬ومهارات التحول‬ ‫في املواقف املتباينة بحس� � ��ب املصلحة‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫ذل� � ��ك‪ ،‬كان ش� � ��باب أثينا يتعلمون وس� � ��ائل التالعب‬ ‫باجلمهور‪ ،‬والس� � ��يطرة عل� � ��ى مش� � ��اعره‪ ،‬والتحكم‬ ‫في نفس� � ��يته‪ ،‬وتوجيه� � ��ه خلدم� � ��ة مصاحلهم‪ .‬ومت‬ ‫تصوير الكالم بوصفه حر ًبا‪ ،‬يُس� � ��مح للمتكلم فيها‬ ‫أن يس� � ��تخدم كل األدوات املتاحة‪ ،‬بغض النظر عن‬ ‫أخالقيتها‪.‬‬ ‫لقد كانت هذه املمارس� � ��ات وراء النقد العنيف‬ ‫الذي ش� � ��نه أفالطون عل� � ��ى املمارس� � ��ات البالغية‬ ‫اليوناني� � ��ة‪ ،‬مف ِّن� � ��داً انتهاكها ملب� � ��ادئ اخلير واحلق‬ ‫والع� � ��دل‪ .‬غير أن البديل الذي اقترحه أفالطون لم‬ ‫يكن يسير في اجتاه بالغة أخالقية أقل تالع ًبا‪ ،‬بل‬ ‫سعى بدال من ذلك إلى القضاء على البالغة ذاتها‪،‬‬ ‫ووضع اجلدل األكادميي املتخصص مكانها‪ ،‬فطرد‬

‫يش� � ��ير دارس� � ��و البالغة املصرية القدمية إلى‬ ‫أن التعاليم البالغي� � ��ة في ذلك الوقت كانت تربط‬ ‫البالغة بالس� � ��لوك القومي في املجتمع‪ .‬فالشخص‬ ‫البليغ هو الذي يح� � ��رص من خالل كالمه على أن‬ ‫يكون مواطنًا صا ً‬ ‫حلا‪ .‬وفي ظل مجتمع أبوي طبقي‬ ‫يقوم عل� � ��ى التقليد وتفاوت الس� � ��لطة‪ ،‬فإن صالح‬ ‫املواطن كان يعني باألس� � ��اس احلفاظ على الوضع‬ ‫القائ� � ��م‪ ،‬واحترام� � ��ه إلى حد التقدي� � ��س‪ .‬بصياغة‬ ‫أخرى‪ ،‬كان احلفاظ على عالقات السلطة القائمة‬ ‫وترس� � ��يخها عبر ال� � ��كالم‪ ،‬هو البوابة األساس� � ��ية‬ ‫للوص� � ��ف بالبالغ� � ��ة‪ .‬ويتجلى هذا املب� � ��دأ بوضوح‬ ‫ف� � ��ي التعاليم التي تأمر املتكلم� �ي��ن مبراعاة مكانة‬ ‫َ‬ ‫املخاطب االجتماعية‪ ،‬واستخدام ألقاب التبجيل‪،‬‬ ‫وعالم� � ��ات اخلضوع غير اللغوية أثناء احلديث مع‬ ‫ذوي السلطة‪ ،‬مثل انحناء القامة وخفوت الصوت‪،‬‬ ‫واإلشارات احلركية احملدودة‪.‬‬ ‫عل� � ��ى خالف ذل� � ��ك‪ ،‬ف� � ��إن البالغ� � ��ة اليونانية‬ ‫كانت ترس� � ��خ فكرة دور الكالم في مقاومة الوضع‬ ‫القائ� � ��م وتغيي� � ��ره ملصلح� � ��ة املتكلم� �ي��ن‪ .‬فقد كانت‬ ‫البالغة وس� � ��يلة للترقي املجتمعي‪ ،‬ووسيلة للتنازع‬ ‫على الس� � ��لطة مع من ميتلكونه� � ��ا أو يطالبون بها‪.‬‬ ‫وميكن أن نفهم سر إقبال شباب أثينا على دروس‬ ‫تعليم البالغ� � ��ة ‪ -‬رغم تكلفته� � ��ا الباهظة مبعايير‬ ‫ذل� � ��ك الزمان‪ -‬إذا وضعنا ف� � ��ي االعتبار حقيقة أن‬ ‫مفتاحا للس� � ��لطة‪ ،‬أي أنها كانت في‬ ‫البالغة كانت‬ ‫ً‬ ‫ذاته� � ��ا أداة خللق عالقات س� � ��لطة جديدة‪ .‬وهكذا‬ ‫يتجل� � ��ى التناقض بني املجتمعني املصري واليوناني‬ ‫القدميني‪ ،‬ففي حني كان� � ��ت البالغة املصرية أداة‬

‫‪140‬‬

‫‪7/10/14 10:03:00 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 138-141.indd 140‬‬


‫إلنتاج واس� � ��تمرار عالقات الس� � ��لطة االجتماعية‬ ‫والسياس� � ��ية املجحفة‪ ،‬كانت البالغة اليونانية أداة‬ ‫لتغيير عالقات الس� � ��لطة االجتماعية والسياسية‪.‬‬ ‫وبالتأكيد‪ ،‬فإن اس� � ��تمرار نظ� � ��ام احلكم الفرعوني‬ ‫املص� � ��ري على م� � ��دار آالف الس� � ��نني‪ ،‬ف� � ��ي مقابل‬ ‫التقلب� � ��ات والتغيرات اجلذرية ف� � ��ي أنظمة احلكم‬ ‫اليونانية في م� � ��دى زمني أقل من قرنني‪ ،‬ال ميكن‬ ‫فهمه مبعزل ع� � ��ن البحث في العالقة بني البالغة‬ ‫والسلطة‪ .‬وهي عالقة كان أبرز جتلياتها االحتفاء‬ ‫بالصمت احلكيم‪.‬‬

‫بالغة الصمت في مقابل بالغة الكالم‬

‫لقد احتفت البالغ� � ��ة اليونانية بالبراعة في‬ ‫ال� � ��كالم‪ ،‬والقدرة على إنت� � ��اج خطاب مؤثر مقنع‪.‬‬ ‫وفي ظل دميقراطية أثينا‪ ،‬كانت القدرات البالغية‬ ‫للمواط� � ��ن األثيني متطل ًبا أساس � � � ًيا من متطلبات‬ ‫الترقي السياسي واالجتماعي‪ .‬في ظل هذا الولع‬ ‫بالبيان‪ ،‬كان من الطبيعي أن تكون العبارة األكثر‬ ‫داللة على دور الكالم في احلياة هي عبارة «تكلم‬ ‫حتى أراك»‪ ،‬التي ينسبها القدماء إلى الفيلسوف‬ ‫س� � ��قراط‪ .‬وهي عبارة جتعل اعت� � ��راف اآلخرين‬ ‫بوجود املرء مرهو ًن� � ��ا بكالمه‪ ،‬في ظل إميان بأن‬ ‫َم ْن ال يُرى (أي يتكلم)‪ ،‬رمبا ال يوجد‪.‬‬ ‫لم تكن هذه هي احلال في احلضارة املصرية‬ ‫القدمية‪ .‬فاملصريون القدماء قدس� � ��وا الصمت‪،‬‬ ‫وجعلوا من الكالم مغامرة غير محسوبة العواقب‪.‬‬ ‫وال تزال العديد من األمثال الشعبية التي جتري‬ ‫عل� � ��ى ألس� � ��نة املصري� �ي��ن ترس� � ��خ ه� � ��ذا التقدير‬ ‫االس� � ��تثنائي للصمت‪ ،‬مثل «لسانك حصانك‪ ،‬إن‬

‫صنته صانك‪ ،‬وإن هنته هانك»‪ ،‬و«إن كان الكالم‬ ‫من فضة يبقى السكوت من ذهب»‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا التقدير االس� � ��تثنائي للصمت ميكن أن‬ ‫يرجع إلى الضواب� � ��ط االجتماعية الصارمة التي‬ ‫خضع لها املصريون‪ ،‬في ظل مجتمع استبدادي‪،‬‬ ‫يرسخ عالقات س� � ��لطة ظاملة‪ ،‬ويضفي الشرعية‬ ‫ِّ‬ ‫عليها بواس� � ��طة تقديس الصمت‪ .‬وبذلك يتجنب‬ ‫النظ� � ��ام االجتماعي القار التع� � ��رض للتحدي أو‬ ‫املس� � ��اءلة أو النقد‪ ،‬ويكتس� � ��ب قوة رمزية متكنه‬ ‫من االستمرار‪ .‬وقد تعزز تغلغل تقديس الصمت‬ ‫بسبب حجب املصريني العاديني عن املشاركة في‬ ‫احلياة العامة‪ ،‬وانحس� � ��ار البالغة في س� � ��ياقات‬ ‫ش� � ��خصية أو اجتماعية محدودة‪ ،‬إضافة بالطبع‬ ‫إلى سياق الش� � ��كوى والتقاضي الذي ميثله نص‬ ‫«شكاوى الفالح الفصيح»‪.‬‬ ‫إن املقارنة التفصيلية بني البالغات القدمية‬ ‫تكش������ف عن أهمية مراجعة الروايات املس������تقرة‬ ‫ح������ول نش������أة العل������م‪ .‬كما تب������رز ض������رورة بلورة‬ ‫اإلس������هامات املهمة للحضارات القدمية التي مت‬ ‫تهميش������ها ألكثر م������ن نصف ألفية م������ن الزمان‪،‬‬ ‫انف������ردت فيها أوربا وورثتُها بكتابة تاريخ العلوم‪.‬‬ ‫واملفارق������ة املؤمل������ة التي ال ت������زال حاضرة هي أن‬ ‫عملية تصحيح ومراجعة التـــاريخ السائد للعلم‪،‬‬ ‫ال يزال يتصدى لها ‪ -‬غال ًبا ‪ -‬باحثون غربيــــون‪،‬‬ ‫إذ إن ه������ذه املهم������ة تقع باألس������اس عل������ى عاتق‬ ‫الباحث���ي��ن املنتم���ي��ن إلى احلضارات الش������رقية‪.‬‬ ‫واألمل معقود على األجيال الشابة من الباحثني‬ ‫مم������ن يجدر بهم أن يعملوا على إجناز تاريخ غير‬ ‫متحيز للعلوم >‬

‫اعت ��رض رج ��ل املأمون فقال‪ :‬يا أمير املؤمنني‪ ،‬أن ��ا رجل من العرب‪ ،‬قال‪ :‬ما‬ ‫ذاك بعج ��ب‪ ،‬ق ��ال‪ :‬وإني أريد احلج‪ ،‬قال‪ :‬الطريق أمامك نهج‪ ،‬قال‪ :‬ليس ��ت لي‬ ‫نفقة‪ ،‬قال‪ :‬قد س ��قط عنك الفرض‪ ،‬قال‪ :‬إني جئتك مس ��تجديا ال مس ��تفتيا‪،‬‬ ‫فضحك وأمر له بصلة‪.‬‬

‫في مديح الصمت والبراعة‪ ...‬إطاللة على بالغات منسية‬

‫‪7/10/14 10:03:04 AM‬‬

‫‪141‬‬

‫‪august 138-141.indd 141‬‬


‫ثقافة إلكترونية‬

‫ألعاب الفيديو اإللكترونية‪...‬‬ ‫تسهم بعصر جديد للحوسبة‬ ‫إبراهيم فرغلي‬ ‫جمه ��ور يتابع العبني أللعاب إلكترونية؟ وماذا أيض ��ا؟ الالعبون أصبحوا جنوما لهم‬ ‫جماهيري ��ة هائل ��ة! أعت ��رف بأنن ��ي حني ق ��رأت عن ه ��ذا املوضوع وجدت ��ه غريبا بعض‬ ‫الش ��يء‪ ،‬قناة تلفزيونية على اإلنترنت مختصة ببث مباريات بني متس ��ابقني يتبارون‬ ‫ف ��ي ألعاب الفيديو اإللكترونية‪ ،‬املوقع يعرف باس ��م «تويت ��ش» ‪ ،Twitch‬قلت لنر ماذا‬ ‫لديه ��م‪ ،‬وهك ��ذا تصفحت عددا م ��ن املواقع وخصوص ��ا املوقع املذكور‪ ،‬وب ��دأت املتابعة‪،‬‬ ‫وانهمك ��ت حتى ضبطت نفس ��ي متحمس ��ا ومتابعا لواح ��دة من املباري ��ات بني العبني‬ ‫قوي�ي�ن في لعبة فيدي ��و قتالية! فأدركت أنني تورطت مع اجلمه ��ور الكبير الذي يتابع‬ ‫مثل هذه املواقع‪.‬‬ ‫‪142‬‬

‫‪7/10/14 10:04:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 142-146.indd 142‬‬


‫جتربتي للموقع ج������اءت بعد التعرف‬ ‫على بعض املعلومات حول هذا املوقع‬ ‫الذي يتقدم اليوم في عالم ش������ركات‬ ‫اإلنترنت بسبب اإلقبال الش������ديد عليه من قبل‬ ‫املستخدمني‪ ،‬حيث يبلغ عدد املترددين عليه ‪45‬‬ ‫مليون ش������خص‪ ،‬ويبلغ عدد األلعاب اإللكترونية‬ ‫الت������ي يبثها نحو ملي������ون لعبة ش������هريا‪ ،‬ما جعل‬ ‫شركة جوجل تبدأ مباحثات لشراء املوقع مببلغ‬ ‫يصل إلى مليار دوالر‪.‬‬ ‫وبهذه األرق������ام‪ ،‬أصبح ه������ذا املوقـــــع الذي‬ ‫أسس فـــــي العام ‪ 2011‬واحدا من املواقــــع ذات‬ ‫القيــــمــة الس������وقـــية الكبــــــيــــرة‪ ،‬وأحد املواقـــــع‬ ‫التي تقدمت على كل من فيــــسبوك ‪Face Book‬‬ ‫وأم������ازون ‪ Amazon‬وتامبلر ‪ Tumblr‬من حيث‬ ‫ع������دد املترددين عليه‪ ،‬وال يس������بقه اآلن س������وى‬ ‫كل م������ن جوجل ويوتي������وب ‪ ،YouTube‬محتفظا‬ ‫بخصوصي������ة متي������زه باعتب������اره موق������ع تواصل‬ ‫افتراضياً تفاعلياً ترفيهياً‪.‬‬ ‫حني تطالع املوقع ستجد شاشة البث املباشر‬ ‫التي تنقل املباريات وتتنقل بني تصوير املتبارين‬ ‫أثناء اللعب‪ ،‬ثم ترك������ز على تفاصيل املباراة‪ ،‬مع‬ ‫وجود معلقني اثنني يقومان بالتعليق على أسلوب‬ ‫لع������ب كل من املتبارين وما يقوم به كل منهما من‬ ‫كشف ملهارات الالعب االفتراضي على الشاشة‬ ‫ال������ذي يؤدي اللعب������ة‪ ،‬وقد تكون لعب������ة قتالية أو‬ ‫مبارزة في إطار درامي‪ ،‬حيث توجد في اخللفية‬ ‫موس������يقى تأثيرية‪ ،‬وأحيانا موس������يقى تبث من‬ ‫غرفة اللعب نفس������ها‪ ،‬وصور ملش������اهد لسيارات‬

‫ألعاب الفيديو اإللكترونية‪ ...‬تسهم بعصر جديد للحوسبة‬

‫‪7/10/14 10:05:00 AM‬‬

‫عابرة أو ديناصورات تنفث لهيبا في اخللفية‪...‬‬ ‫إلخ‪.‬‬

‫دوافع جماهيرية‬

‫قد يك� � ��ون من املفهوم أن يجد أي ش� � ��خص ميارس‬ ‫لعبة من ألعاب الفيديو الدافع ملمارس� � ��ة اللعبة‪ ،‬س� � ��واء‬ ‫لالس� � ��تمتاع واإلثارة والتنافسية أو إظهار املهارة‪ ...‬إلخ‪،‬‬ ‫ولكن م� � ��اذا عن املش� � ��اهد‪ ،‬ما الذي يجعل األش� � ��خاص‬ ‫يندفعون ملش� � ��اهدة مباري� � ��ات إلكترونية على شاش� � ��ات‬ ‫اإلنترنت وبهذا العدد الكثيف جدا؟‬ ‫رمب� � ��ا اإلجابة األول� � ��ى لها عالقة مباش� � ��رة بدوافع‬ ‫ممارس� � ��ة اللعب نفس� � ��ه‪ ،‬فأي فرد يهوى لعب كرة القدم‬ ‫مثال حني يش� � ��اهد مباراة سيرغب في متابعتها‪ ،‬وكذلك‬ ‫العب التن� � ��س أو أي رياضة أخرى‪ .‬وبالتالي من ميارس‬ ‫لعب� � ��ة فيديو معينة فغالبا ما س� � ��يود متابعة اللعبة لو أن‬ ‫غيره يقوم باللعب‪.‬‬ ‫لكن لوس� � ��ي جيمس‪ ،‬وهي إحدى املتخصصات في‬ ‫هذا املجال‪ ,‬حيث تعمل ف� � ��ي قناة تلفزيونية متخصصة‬ ‫في تغطية ألعاب الفيديو ‪ ،Ginx TV‬ومقرها في لندن‪،‬‬ ‫بررت ذلك‪ ،‬وفق تقرير نش� � ��رته مجلة «نيوساينتس� � ��ت»‪،‬‬ ‫ب� � ��أن األمر يتعلق أوال بأن األش� � ��خاص يرغبون في لعب‬ ‫عش� � ��رات من ألع� � ��اب الفيديو التي ال تت� � ��اح لهم فرصة‬ ‫ممارس� � ��تها ألس� � ��باب عديدة‪ ،‬س� � ��واء لضي� � ��ق الوقت أو‬ ‫عدم توافر بع� � ��ض تلك األلعاب‪ ،‬وبالتالي يجدون فرصة‬ ‫لتحقيق هذه الرغبة بش� � ��كل ما‪ ،‬من خالل مشاهدة هذه‬ ‫األلعاب‪ ،‬ومبرور الوقت‪ ،‬أصبح لالعبني أنفس� � ��هم الذين‬ ‫ميتلكون مهارات عالي� � ��ة في اللعب جمهور مثل جماهير‬ ‫املشاهير‪ ،‬فهؤالء الالعبون لهم شهرة ومعجبون‪.‬‬ ‫على س� � ��بيل املث� � ��ال‪ ،‬هن� � ��اك بع� � ��ض الالعبني مثل‬ ‫فيلكس كيل بيرج ‪ ،Felix Kjellber ‬أو بيو داي باي ‪Pew‬‬ ‫‪  DiePie‬يتمتع� � ��ان بش� � ��هرة كبيرة‪ ،‬واألخير على س� � ��بيل‬ ‫املثال له صفحة على موقع «يوتيوب» باس� � ��مه يبث فيها‬ ‫فيديوهات من املباريات الت� � ��ي يقوم بلعبها‪ ،‬ويصل عدد‬ ‫متابعيه إلى ‪ 27‬مليون شخص‪.‬‬ ‫وف� � ��ي صفحة موق� � ��ع «تويتش» هن� � ��اك عموما زاوية‬ ‫خاص� � ��ة بالدردش� � ��ة ‪ ،Chat room‬يق� � ��وم فيها اجلمهور‬ ‫واملتابعون بوضع تعليقاتهم أثناء املباراة‪ ,‬وأحيانا يقدمون‬ ‫نصائ� � ��ح لالع� � ��ب الذي يتحمس� � ��ون له ممثل� � ��ة في كلمة‬ ‫واحدة‪ ،‬أحيانا ينبهونه إلى حركة قتالية معينة أو طريقة‬ ‫للدفاع عن نفس� � ��ه‪ ،‬ويقوم املعلقون بنق� � ��ل هذه النصائح‬

‫‪143‬‬

‫‪august 142-146.indd 143‬‬


‫لالعب� �ي��ن‪ ،‬أو يقوم الالعبون أنفس� � ��هم بقراءة التعليقات‬ ‫على الشاشة‪.‬‬ ‫لكن� � ��ي ال أظن أن هذا هو املب� � ��رر الوحيد‪ ،‬ألننا إذا‬ ‫تابعن� � ��ا مثال موقعا آخر مث� � ��ل ‪ ،Daylite‬وهو متخصص‬ ‫في بث ألعاب وأخب� � ��ار مباريات ألعاب الفيديو اخلاصة‬ ‫بالزومب� � ��ي وعدد آخر من تيمات الرعب‪ ،‬فس� � ��نجد أنها‬ ‫في الواقع متأثرة بالسينما‪ ،‬مبعنى أن مصممي األلعاب‬ ‫ميتحون أو يس� � ��تلهمون من أفكار أفالم هوليوود األفكار‬ ‫الرئيس� � ��ة لفكرة اللعبة‪ ،‬معتمدين عل� � ��ى عوامل اجلذب‬ ‫اخلاصة بجذب املش� � ��اهدين هواة أف� �ل��ام الرعب ملتابعة‬ ‫أو لعب هذه األلعاب‪.‬‬ ‫أما قناة ‪ ،Ginx TV‬فتقدم جانبا آخر يبدو مستلهما‬ ‫من السينما أيضا‪ ،‬وهو عرض لعدد من األلعاب‪ ،‬التي‬ ‫تبدو كأنها أفالم سينمائية‪ ،‬ألن الشخصية االفتراضية‬ ‫التي تؤدي دور الالعب االفتراضي على الشاش� � ��ة هي‬ ‫ش� � ��خص له صفات البطل في أي فيلم س� � ��ينمائي من‬ ‫أف� �ل��ام احلركة‪ ،‬ولكن الف� � ��رق أن الالع� � ��ب هو الذي‬ ‫يتحكم في مصير هذا الشخص أمامه‪ ،‬على الشاشة‪،‬‬ ‫من خالل توجيهه الجتي� � ��از املخاطر التي قد يتعرض‬ ‫لها وكيفية التغلب عليها‪ ،‬وخصوصا في األلعاب التي‬ ‫تتأسس على سيناريو كامل من املرور مبناطق وبيئات‬ ‫مختلف� � ��ة أو تت� � ��م في أجواء غريبة‪ ،‬مث� � ��ل الكهوف في‬ ‫أزمن� � ��ة غابرة‪ ،‬أو األحراش أو حتى املدن احلديثة بكل‬ ‫عناصر هذه البيئات من شخصيات وعناصر الطبيعة‬

‫‪144‬‬

‫‪7/10/14 10:05:07 AM‬‬

‫أو ما شابه ذلك‪.‬‬ ‫كم� � ��ا أن تصمي� � ��م هذه األلع� � ��اب بتقنية التجس� � ��يم‬ ‫وباإلمكانات اجلدي� � ��دة لتحريك الص� � ��ورة أصبح مياثل‬ ‫الواق� � ��ع بالفع� � ��ل‪ ،‬إضافة إلى أن املؤث� � ��رات الصوتية من‬ ‫ش� � ��أنها أن تضع الالعب أو املشاهد باألحرى في أجواء‬ ‫شبيهة بأجواء األفالم السينمائية‪.‬‬ ‫أما بالنسبة ملصممي األلعاب‪ ،‬فإن تعليقات اجلمهور‬ ‫وردود أفعالهم والطريقة التي يحذرون بها الالعبني في‬ ‫بعض مراحل اللعبة وفقا لتوقعاتهم أو معرفتهم مبراحل‬ ‫اللعب� � ��ة‪ ،‬تقدم له� � ��م – أي للمصممني‪ -‬أف� � ��كارا لتطوير‬ ‫األلع� � ��اب‪ ،‬أو البت� � ��كار ألعاب جديدة‪ .‬وكم� � ��ا كل ظاهرة‬ ‫جديدة تنش� � ��أ على شاش� � ��ات اإلنترنت فإنها سرعان ما‬ ‫تتطور وتتحول إلى وس� � ��يلة معرفة‪ ،‬باعتبار اإلنترنت في‬ ‫األس� � ��اس هي شبكة معلوماتية‪ ،‬على الرغم من املجاالت‬ ‫العديدة التي تسهم فيها‪ ،‬وبينها اجلانب الترفيهي‪.‬‬ ‫فقد أعلنت ش� � ��ركة جوجل قبل فترة عن شاش� � ��ات‬ ‫جديدة تعرف باس� � ��م «جوجل ج� �ل��اس» ‪،Google Glass‬‬ ‫وهي عبارة عن شاشات صغيرة متنقلة‪ ،‬توجد في إطار‬ ‫بالس� � ��تيكي يضعه الشخص حول رأسه كأنه يعتمر قبعة‬ ‫رأس أو «كاب»‪ ،‬توجد به شاش� � ��ة‪ ،‬تتوافر عليها معلومات‬ ‫حول ما يراه الش� � ��خص‪ ،‬فلو توقف مثال أمام مبنى معني‬ ‫فس� � ��رعان ما تظهر على الشاش� � ��ة معلوم� � ��ات وافية عن‬ ‫املبنى وتاريخه‪ ...‬وهكذا‪.‬‬ ‫وعل� � ��ى الفور بدأ مصممو األلع� � ��اب اإللكترونية في‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 142-146.indd 144‬‬


‫التفكير في كيفية االستفادة من الفكرة اجلديدة بتطوير‬ ‫ألعاب مس� � ��تلهمة من وقائع تاريخية محددة‪ .‬على سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬فإن شركة ‪ AMA‬الفرنسية املتخصصة في مجال‬ ‫تصميم ألعاب الفيديو‪ ،‬وهي واحدة من أولى الش� � ��ركات‬ ‫التي س� � ��تصمم ألعابا ألجهزة ‪ ،Google Glass‬بدأت في‬ ‫تصميم ألعاب تستند إلى وقائع تاريخية‪.‬‬

‫التاريخ االفتراضي ينتصر على الواقعي!‬

‫يقول جيل�� ��وم كامبيون ‪ Guillaume Campion‬الذي‬ ‫يرأس قس�� ��م اإلنتاج في الشركة‪« :‬تخيل أنك استخدمت‬ ‫شاش�� ��ة اجلهاز في قراءة وقائع معركة «واترلو»‪ ،‬فسوف‬ ‫ت�� ��رى املعلومات الكاملة عن املعركة‪ ،‬وهنا ميكنك أن ترى‬ ‫إمكان ممارس�� ��ة لعبة إلكترونية عن املعركة‪ ،‬حيث يصبح‬ ‫بإمكانك أن تعود إلى ذل�� ��ك التاريخ افتراضيا‪ ،‬وحتريك‬ ‫فريقك‪ ،‬بل وقد يكون بإمكانك أن تغير النتائج التاريخية‬ ‫التي حدثت في الواقع»!‬ ‫يق�� ��ول كامبيون إن هذه اإلمكان�� ��ات اجلديدة أللعاب‬ ‫الفيديو تتحقق مع الطفرة اجلديدة التي تشهدها أجهزة‬ ‫احلواس�� ��يب اإللكترونية التي تتطور من جيل آلخر عبر‬ ‫تصغير حجم األجهزة وزيادة إمكاناتها بش�� ��كل كبير‪ ،‬كما‬ ‫نرى ف�� ��ي أجهزة الكمبيوتر احملمول�� ��ة واآليباد والهواتف‬ ‫النقالة على سبيل املثال‪ .‬مع ذلك‪ ،‬فالكثير من مصممي‬ ‫األلع�� ��اب اإللكتروني�� ��ة ال ي�� ��رون في تقني�� ��ة مثل «جوجل‬ ‫جالس»‪ ،‬املصير املقبل كوسيلة الستخدام ألعاب الفيديو‪،‬‬

‫ألعاب الفيديو اإللكترونية‪ ...‬تسهم بعصر جديد للحوسبة‬

‫‪7/10/14 10:05:19 AM‬‬

‫بل يرونها مجرد وسيلة جديدة ملمارسة األلعاب‪ ،‬لكنها ال‬ ‫ميكن أن تقضي على الوس�� ��ائل التقليدية األخرى‪ .‬ويرون‬ ‫أن «جوجل جالس» ق�� ��د تكون مجرد مرحلة بدائية جدا‬ ‫من وس�� ��يلة جديدة حتتاج إلى بع�� ��ض الوقت حتى تتطور‬ ‫وتبلور شك ً‬ ‫ال تقن ًيا جدي ًدا‪.‬‬ ‫فالفكرة الرئيس�� ��ة لـ «جوجل ج��ل��اس» هي أن يضع‬ ‫الش�� ��خص هذه النظارة – الكمبيوتر على عينيه‪ ،‬ويسير‬ ‫مثال في الطريق فيرى ما حوله في الواقع بشكل طبيعي‪،‬‬ ‫لكن هناك جزءاً في أعلى النظارة يظهر كشاشة صغيرة‬ ‫يضم املعلومات اإللكتروني�� ��ة أو األلعاب‪ ،‬وال يتم التحكم‬ ‫فيه باستخدام اليدين‪.‬‬

‫تاريخ «جوجل جالس»‬

‫لذلك من امله� � ��م أن نلقي نظرة على حقيقة «جوجل‬ ‫جالس»‪ ،‬وهي كما أش� � ��رنا سابقا تتخذ هيئة جهاز يشبه‬ ‫نظارة مجهزة بعدد من التقنيات احلاسبية‪ ،‬تظهر كجزء‬ ‫ش� � ��فاف في أعلى ميني مركز الرؤي� � ��ة في حجم اإلصبع‬ ‫تقريبا‪ ،‬وه� � ��ذه التقنيات هي كاميرا صغيرة‪ ،‬وحاس� � ��ب‬ ‫مياثل حواس� � ��يب أجه� � ��زة الهواتف النقال� � ��ة‪ ،‬وإمكانات‬ ‫اتصال بالواي فاي ‪ ،Wi- Fi‬كما ميكنه من خالل وسيلة‬ ‫اتص� � ��ال مثل «بلوتوث» أن يتص� � ��ل بأجهزة حتديد املكان‬ ‫واخلرائ� � ��ط عبر الس� � ��تاليت‪ ،‬مث� � ��ل ‪ ،GPS‬وتتلقى هذه‬ ‫التقنيات التعليمات من املس� � ��تخدم باستخدام الصوت‪،‬‬ ‫ويتضمن ذلك جميع اس� � ��تخدامات احلاسوب التقليدية‪،‬‬

‫‪145‬‬

‫‪august 142-146.indd 145‬‬


‫مثل إرسال واستقبال البريد اإللكتروني وغيرهما‪.‬‬ ‫في مرحلة اختبار اجلهاز‪ ،‬قام بعض خبراء الكمبيوتر‬ ‫باس� � ��تخدامه‪ ،‬وبينهم‪ ،‬نيلس� � ��ون بالها ‪،Nelson Blaha‬‬ ‫أحد التقنيني من والية داالس األمريكية‪ ،‬الذي يرى في‬ ‫التقنية اجلديدة إمكانات مهم� � ��ة في مجال املعلوماتية‪،‬‬ ‫وعلى س� � ��بيل املثال‪ ،‬يقول إنك إذا كنت تس� � ��تخدم كتابا‬ ‫خاصا عن الطيور فس� � ��وف ميدك بكل أنواع الطيور في‬ ‫العالم‪ ،‬لكنك مع استخدام هذه التقنية اجلديدة (جوجل‬ ‫ج� �ل��اس) إذا رغبت في البحث عن أنواع الطيور فإن ما‬ ‫س� � ��يتوافر لك من معلومات هو كل أنواع الطيور املعروفة‬ ‫واملوجودة فقط في إطار املنطقة من حولك‪.‬‬ ‫كما قام إريك جونسون وهو أحد مصممي البرامج‬ ‫بابت� � ��كار تطبيق جدي� � ��د بعن� � ��وان ‪ Glassnost app‬يقوم‬ ‫املستخدمون من خالله ببث الصور وتلقي التعليقات من‬ ‫األصدقاء على شاشة النظارة‪ ،‬وهو بهذه اخلاصية يكون‬ ‫أسرع في استخدامه وأسهل مقارنة بالتطبيقات الشبيهة‬ ‫التي تستخدم بواسطة أجهزة الهاتف احملمول‪.‬‬ ‫هناك تطبيق آخر باسم ‪ ThroughGlass‬مت ابتكاره‬ ‫بواسطة مبرمج كمبيوتر يدعى أندرو سكوتزكو ‪Andrew‬‬ ‫‪ Skotzko‬بالتع� � ��اون مع درو بوم� � ��ان ‪،Drew Baumann‬‬ ‫ومن شأن هذا التطبيق أن يوفر للمستخدم نظاما يعرف‬ ‫باس� � ��م «التشغيل مس� � ��تمر» أو ‪ ،Always on‬وهو تطبيق‬ ‫يوفر ملس� � ��تخدم النظارة – الكمبيوتر استخدام حسابه‬ ‫على الفيس� � ��بوك‪ ،‬س� � ��واء ببث الصور والتعليق عليها أو‬ ‫التفاعل مع أصدقائه من خالل تعليمات صوتية‪ ،‬وهو ما‬ ‫مياثل استخدام الهاتف لكن بطريقة أسهل كثيرا‪.‬‬

‫الطب يدخل امليدان‬ ‫يب� � ��دو أن ه� � ��ذه التطبيقات اجلدي� � ��دة قد أوحت‬

‫‪146‬‬

‫‪7/10/14 10:05:31 AM‬‬

‫لقطاع� � ��ات مختلفة ببعض احللول التي ميكن‬ ‫توفيره� � ��ا من خ� �ل��ال هذا االبت� � ��كار اجلديد‪،‬‬ ‫فعلى سبيل املثال‪ ،‬قام مصمم برامج حاسوبية‬ ‫يدعى الن� � ��س نانك� � ��ن ‪ Lance Nanek‬بابتكار‬ ‫تطبيق جديد هو ‪ MedRefGlass‬يستخدم في‬ ‫مجال الطب‪ ،‬وهو برنامج يوفر للطبيب معرفة‬ ‫م� � ��دى حتققه من كون مريض من املرضى قد‬ ‫سبقت له زيارته من قبل أم ال‪ .‬فهذا التطبيق‬ ‫يقوم بالتقاط صورة للمريض ثم يقوم بتحليل‬ ‫الص� � ��ورة عب� � ��ر برنامج آخر مخت� � ��ص بتحليل‬ ‫الص� � ��ور يدعى ‪ ،BetaFace‬من ش� � ��أنه مقارنة‬ ‫صورة املريض بصور املرضى الذين سبقت لهم زيارة‬ ‫الطبي� � ��ب من قب� � ��ل‪ ،‬وإذا تبني له تطاب� � ��ق الصورة مع‬ ‫ص� � ��ورة من الصور املوجودة فإنه يق� � ��دم للطبيب على‬ ‫الفور التاريخ املرضي للزائر بشكل تفصيلي‪.‬‬ ‫ومن الواضح أن هذا االبتكار اجلديد يلقى اليوم‬ ‫االهتمام من الش� � ��ركات املنتجة لنوعيات الزجاج التي‬ ‫ميكن اس� � ��تخدامها في هذا االبتكار (جوجل جالس)‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى العديد من املجاالت املختلفة التي ميكن‬ ‫أن تس� � ��تفيد م� � ��ن إمكانات جه� � ��از كمبيوتر محمول ال‬ ‫يحتاج الستخدام اليدين‪.‬‬ ‫وعودة إل� � ��ى مجال ألع� � ��اب الفيدي� � ��و فإنها تضع‬ ‫أعينها على االبتكار اجلديد ملا قد يوفره من إمكانات‬ ‫جديدة بعمل أنواع جديدة من األلعاب‪ ،‬التي ميكن أن‬ ‫يتداخ� � ��ل فيها الواقع مع الترفي� � ��ه مثل برنامج بعنوان‬ ‫«اكتش� � ��اف مجموعات النجوم»‪ ،‬الذي يقوم من خالله‬ ‫أكثر من مس� � ��تخدم باس� � ��تخدام اجلهاز ف� � ��ي التعرف‬ ‫على أقرب مجموعة جنمية موجودة في الس� � ��ماء‪ ،‬أو‬ ‫حتى اس� � ��تخدام ألعاب تعتمد على محاولة شخصني‬ ‫حتديد املوقع اجلغرافي لكل منهما‪ ،‬ويفوز من يتمكن‬ ‫من الوصول لصديق� � ��ه أوال والتقاط صورة له‪ ،‬وذلك‬ ‫باس� � ��تخدام تطبيق «وينكي» الذي يتيح ملستخدمه أن‬ ‫يلتقط صورة باستخدام بصمة الصوت‪.‬‬ ‫إن احلوس� � ��بة اآللي� � ��ة عب� � ��ر التقني� � ��ات اجلديدة‬ ‫املختلفة تتس� � ��م بس� � ��مة خاصة جدا‪ ،‬وهي التش� � ��ابك‬ ‫املذه� � ��ل بني وس� � ��ائل الترفي� � ��ه واملتعة م� � ��ن جهة وبني‬ ‫املعرفة واملعلوماتية من جهة أخرى‪ ،‬فتطبيق لأللعاب‬ ‫ميكن أن يتحول إلى وس� � ��يلة معرفية مهمة أو وس� � ��يلة‬ ‫خدمية مميزة‪ .‬فش� � ��ئنا أم أبينا‪ ...‬نحن نعيش عصراً‬ ‫جديداً من احلوسبة >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 142-146.indd 146‬‬


‫علـوم‬

‫البكتيريا ‪ ECOLI‬كما تبدو حتت‬ ‫املجهر تعد اكثر انواع البكتيريا‬ ‫استخداما في بحوث الهندسة الوراثية‬

‫البكتيريا‪ ...‬منقذة البيئة‬ ‫منة الله عبداملنعم*‬ ‫تع ��د البكتيري ��ا م ��ن أكثر الكائن ��ات تفردا‪ ,‬فهي ش ��ديدة التنوع م ��ا بني فصائل وأن ��واع‪ ,‬كما‬ ‫أنه ��ا أكث ��ر الكائنات تكيفا مع مختلف الظروف البيئية‪ ,‬فهي تعيش داخل جس ��م اإلنس ��ان‬ ‫واحليوان والنبات وأعماق األرض والبحار وحتى الفضاء اخلارجي‪.‬‬ ‫على الرغم من وج� � ��ود مليارات األنواع من‬ ‫البكتيريا فإن أغلبها مازال مجهول الصفات‬ ‫بالنس� � ��بة لنا‪ ,‬والفكرة العامة عن البكتيريا‬ ‫أنها تسبب األمراض‪ ،‬وعلى الرغم من أن عددا محدودا‬ ‫جدا من البكتيريا هو املتسبب بأمراض‪ ،‬فإن األمراض‬ ‫البكتيري� � ��ة كالكوليرا والزهري واجلم� � ��رة اخلبيثة تقتل‬ ‫نحو مليوني شخص سنويا معظمهم في إفريقيا‪ ،‬وكذلك‬ ‫تتسبب في عدوى تتلف احملاصيل الزراعية والتي تعالج‬ ‫في ال� � ��دول النامية مببيدات ومض� � ��ادات حيوية تترتب‬ ‫عليها أضرار الحقة على صحة اإلنس� � ��ان والبيئة‪ .‬وفي‬ ‫الصناعة ترتبط البكتيريا بصناعة منتجات األلبان عبر‬ ‫عمليات التخمي� � ��ر‪ ،‬وترتبط البكتيري� � ��ا كذلك مبعاجلة‬

‫الذهب والنحاس وإنتاج الكيماويات واملضادات احليوية‬ ‫ومج� � ��االت أخرى مح� � ��دودة‪ ،‬لك� � ��ن في املج� � ��ال البيئي‬ ‫حتدي� � ��داً تط� � ��ورت البكتيريا كثيراً حتى ال يس� � ��تبعد أن‬ ‫تصبح صديقة البيئة األولى في العالم واملدافعة األولى‬ ‫عنها في الغد القريب‪ ،‬والتالي سيخبرنا بذلك‪.‬‬

‫البكتيريا تنقي البيئة من الكافيني‬

‫من الش� � ��ائع إدمان البشر للمش� � ��روبات املنبهة ملا‬ ‫حتويه من مادة الكافيني احملفزة للجهاز العصبي‪ ،‬لكن‬ ‫أن توجد بكتيريا مدمنة للكافيني فقد يبدو مزحة‪ ،‬وال‬ ‫يعني هذا أنها بكتيريا محبة للشاي والقهوة‪ ،‬لكن وكما‬ ‫كش� � ��ف بحث علمي جديد فقد الح� � ��ظ العالم جيفري‬

‫* كاتبة من مصر‬

‫‪147‬‬

‫‪7/10/14 10:07:26 AM‬‬

‫‪august 147-149.indd 147‬‬


‫باريك وزم� �ل��اؤه أن مادة الكافيني وامل� � ��واد الكيميائية‬ ‫املرتبط� � ��ة بها تعد م� � ��ن أكثر ملوثات امل� � ��اء واملخلفات‬ ‫املائية والبيئة عموما س� � ��واء كان مصدر هذه امللوثات‬ ‫عمليات صناعة هذه املواد الداخلة في الشاي والقهوة‬ ‫واملياه الغازية ومش� � ��روبات الطاقة ومش� � ��تقات الكاكاو‬ ‫واألدوية الشائع استخدامها لعالج مرض الربو وغيره‬ ‫م� � ��ن األم� � ��راض الرئوية‪ ,‬أو كان مصدر ه� � ��ذه امللوثات‬ ‫االس� � ��تهالك البشري املباش� � ��ر للمش� � ��روبات املنبهة‪.‬‬ ‫وهكذا متكن االستفادة من هذه املعرفة املسبقة لفريق‬ ‫البح� � ��ث بوجود أحد أنواع البكتيري� � ��ا املوجودة طبيعيا‬ ‫ف� � ��ي التربة تتغ� � ��ذى على الكافيني ومركباته الش� � ��بيهة‬ ‫وه� � ��ي بكتيريا تع� � ��رف علميا باس� � ��م ‪Pseudomonas‬‬ ‫‪ putida CBB5‬تتمثل هذه االس� � ��تفادة في استخدامها‬ ‫لتنظي� � ��ف هذه املركبات واحلد من التلوث البيئي‪ ،‬وألن‬ ‫هذه البكتيريا معقدة للغاية كانت الفكرة بنقل موروثها‬ ‫اجليني املس� � ��ؤول عن غذائها بالكافي� �ي��ن إلى بكتيريا‬ ‫أخرى أكثر بساطة وقابلية للسيطرة والتطويع الوراثي‬ ‫وه� � ��ي بكتيريا اإلش� � ��ريكية القولوني� � ��ة املعروفة علميا‬ ‫ب � � �ـ ‪ ،Escherichia coli‬الت� � ��ي تعد فتحا ف� � ��ي التعديل‬ ‫الوراث� � ��ي للبكتيري� � ��ا واس� � ��تخدمت ف� � ��ي العدي� � ��د من‬ ‫الدراس� � ��ات املشابهة‪ ،‬ولذا فقد مت إنتاج هذه البكتيريا‬ ‫احملبة للكافيني‪ ،‬وتوضح الدراسة مبدئيا نتائج ال بأس‬ ‫بها في احلد من التلوث البيئي وخصوصا في املياه‪.‬‬

‫املرشح البكتيري‪...‬‬ ‫بكتيريا تنقي الهواء امللوث باملبيدات‬

‫يع� � ��د «إي كولي» ‪ E COLI‬اختصاراً لالس� � ��م العلمي‬ ‫األصل� � ��ي لبكتيري� � ��ا ‪ Escherichia coli‬وباللغ� � ��ة العربية‬ ‫اإلش� � ��ريكية القولونية‪ ،‬وبرغم املعروف عنها أنها توجد‬ ‫ف� � ��ي الغذاء ولها خطر على صحة اإلنس� � ��ان‪ ،‬فإنها أكثر‬ ‫أنواع البكتيريا انتش� � ��ارا في البح� � ��وث البيولوجية‪ ،‬ويتم‬ ‫تطويعها من مس� � ��بب الضرر إلى جالب النفع الش� � ��ديد‬ ‫ليس لإلنسان فحسب‪ ،‬إمنا للبيئة أيضا‪.‬‬ ‫وتعد املبيدات احلش� � ��رية من أكثر مشكالت البيئة‬ ‫إزمانا وبوجه خاص املس� � ��تخدم منها في الدول النامية‬ ‫ملعاجلة احملاصيل الزراعية‪ ،‬حيث ال تؤثر في اإلنسان‬ ‫بطريق مباشر فقط من خالل تغذيته بالنباتات امللوثة‪،‬‬ ‫ب� � ��ل تنتقل إلى التربة وتفقدها خصوبتها مبرور الوقت‪،‬‬ ‫وتنتق� � ��ل كذلك إلى املي� � ��اه فتصبح البيئ� � ��ة دائرة مغلقة‬ ‫تتفاقم فيها امللوثات‪ .‬وقد س� � ��بق اس� � ��تخدام مرشحات‬

‫‪148‬‬

‫‪7/10/14 10:07:32 AM‬‬

‫حيوي� � ��ة تعتمد على بعض أن� � ��واع البكتيريا وامليكروبات‬ ‫الت� � ��ي تقوم بتنظيف الهواء والترب� � ��ة واملاء من املبيدات‬ ‫احلش� � ��رية ونواجتها‪ ،‬لكن هذه املرشحات لم تكن ذات‬ ‫فاعلية‪ .‬ومنذ وقت قريب أعلن� � ��ت األكادميية الصينية‬ ‫للعل� � ��وم في بكني عن توصلها جلي� � ��ل جديد من بكتيريا‬ ‫«إي كولي» املعدلة وراثياً‪ ،‬كي تس� � ��تخدم كمرشح حيوي‬ ‫للهواء للتخلص من املبيدات احلشرية واملواد التي تتحلل‬ ‫إليه� � ��ا وتكون أكثر خطرا من املواد األصلية‪ ،‬وخصوصا‬ ‫الباراثيون وميثيل الباراثيون ‪parathion and methyl‬‬ ‫‪ parathion‬الناجتني عن مبيدات الفوس� � ��فور العضوية‬ ‫التي تعد من أوس� � ��ع املبيدات احلش� � ��رية اس� � ��تخداما‬ ‫واألشد خطورة على مس� � ��توى العالم‪ ،‬وقد فاق البحث‬ ‫كل النتائ� � ��ج الس� � ��ابقة له‪ ،‬فقد متكن م� � ��ن إزالة ‪95 .2‬‬ ‫في املائة للباراثيون و‪ 98.6‬في املائة مليثيل الباراثيون‪،‬‬ ‫لذا فمع بعض التحس� �ي��ن ميكن الوصول لنسبة اإلزالة‬ ‫الكاملة‪ ،‬وكذلك ركز فريق البحث على إزالة هذا النوع‬ ‫من املبيدات من الهواء فقط‪ ،‬مع إنه بإمكانه التراكم في‬ ‫التربة واملاء‪ ،‬لذا ينتظره مزيد من التطوير والشمولية‪،‬‬ ‫ومع ذلك يعد حتى اآلن اكتشافاً بيئياً مذه ً‬ ‫ال‪.‬‬

‫البكتيريا حامية املعادن‬

‫تتآكل املعادن بس�� ��بب الصدأ‪ ،‬أي ما تنتجه العوامل‬ ‫البيئية من عمليات أكس�� ��دة‪ ،‬وكذلك تتفاعل بعض أنواع‬ ‫البكتيري�� ��ا كيميائيا مع املعدن وتس�� ��بب عملية التأكس�� ��د‬ ‫الت�� ��ي ينتج عنها الص�� ��دأ‪ ,‬ولكن وج�� ��د أن أنواعا أخرى‬ ‫من البكتيريا تقوم بعكس ه�� ��ذه العملية عند تفاعلها مع‬ ‫املعادن‪ ،‬ليس هذا فحسب‪ ،‬بل حتميها كذلك من مسببات‬ ‫الص�� ��دأ اخلارجية‪ ،‬لذا ط�� ��ور بعض الباحث��ي��ن بجامعة‬ ‫«شيفلد هاالم» البريطانية محلوال هالميا‪ ،‬يحوي نوعني‬ ‫م�� ��ن البكتيريا احلاملة له�� ��ذه الصف�� ��ة‪ ،‬ومت دهنها على‬ ‫أنواع مختلفة من املع�� ��دن‪ ،‬وبغمس عينات معدنية طليت‬ ‫باحمللول مع أخرى لم تطل به داخل املاء ملدة شهر كامل‪،‬‬ ‫وج�� ��د أن العينات غير املطلية تآكلت ثالث مرات أس�� ��رع‬ ‫من العينات املطلية بالس�� ��ائل احملتوي البكتيريا‪ ،‬ومع أن‬ ‫طالءات املعادن الكيميائية منتشرة بشدة للغرض نفسه‪،‬‬ ‫إال أنها حتوي مواد ضارة بالبيئة واإلنس�� ��ان‪ ،‬أما احمللول‬ ‫البكتيري اجلديد فهو صديق للبيئة‪.‬‬

‫دور البكتيريا في مناجم النحاس‬

‫تعد دولة ش� � ��يلي في أمريكا الالتينية أكبر مصدر‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 147-149.indd 148‬‬


‫مختبرات بيوسيجما التشيلية حيث يجري تطوير البكتيريا العاملة في مناجم النحاس‬

‫للنحاس في العالم‪ ،‬ويعتبر مصدر دخلها الرئيس‪ ،‬حيث‬ ‫ميثل نحو‪ 70‬في املائة م� � ��ن إجمالي صادراتها‪ .‬ويعد‬ ‫النحاس س� � ��لعة عالية الطلب من الناحية االقتصادية‪،‬‬ ‫فيدخل في صناع� � ��ة األجهزة الكهربية واإللكترونيات‬ ‫والهوات� � ��ف واملجوه� � ��رات ومواد البناء‪ .‬واملش� � ��كلة أن‬ ‫اس� � ��تخراجه من املناجم عملية مرهقة ومكلفة للغاية‬ ‫وملوث� � ��ة للبيئة كذلك‪ ،‬وحتوي خطورة ش� � ��ديدة‪ ،‬حيث‬ ‫ميوت ‪ 12‬ألف ش� � ��خص في حوادث املناجم س� � ��نويا‪.‬‬ ‫لذا ومن منطلق «احلاجة أم االختراع» طورت ش� � ��يلي‬ ‫طريقة جديدة الس� � ��تخراج معدنها األثير‪ ،‬حيث قامت‬ ‫ش� � ��ركة «بيوس� � ��يجما» ‪ -‬الش� � ��يلية ‪ -‬وتع� � ��د رائدة في‬ ‫مجالها‪ ,‬بالتعاون مع ش� � ��ركات يابانية بتطوير طريقة‬ ‫تعتمد على تفاعل البكتيريا مع الصخور احملتوية على‬ ‫النحاس‪ ،‬ومن ثم ��عمل على اس� � ��تخراجه من الصخور‬ ‫بدال م� � ��ن احلفر أو االس� � ��تخراج التقلي� � ��دي‪ ،‬وتقارب‬ ‫كف� � ��اءة هذه الطريقة املطورة ‪ 90‬ف� � ��ي املائة‪ ،‬أي تزيد‬ ‫مرة ونصف امل� � ��رة على كفاءة الط� � ��رق التقليدية (‪60‬‬ ‫في املائة)‪ ،‬إضافة إل� � ��ى أن تكلفتها تقل كثيرا‪ .‬ويقول‬ ‫أحد الكيميائيني في الش� � ��ركة إن السر في جناح هذه‬ ‫التقنية هو اعتمادهم على أنواع من البكتيريا موجودة‬ ‫فع� �ل��ا في مناج� � ��م النح� � ��اس الطبيعي� � ��ة‪ ،‬وتعمل هذه‬ ‫البكتيريا على استخراج النحاس بطريقة طبيعية‪ ،‬لكن‬ ‫ذلك يتطلب مئات الس� � ��نني‪ ،‬لذا جتري الشركة بعض‬ ‫عمليات الترشيح احليوي لتس� � ��ريع العملية‪ .‬وانتقلت‬ ‫البكتيريا‪ ...‬منقذة البيئة‬

‫‪7/10/14 10:07:38 AM‬‬

‫هذه الطريقة أخيراً إلى البرازيل وأس� � ��تراليا وجنوب‬ ‫إفريقيا‪ ،‬وال تقتصر على استخراج النحاس فقط‪ ،‬بل‬ ‫وتصلح للذهب واليورانيوم كذلك‪ .‬ويطلق البعض على‬ ‫مثل هذه التقني� � ��ة التعدين احليوي‪ ،‬ويتوقع أنه تعدين‬ ‫املس� � ��تقبل لتقليل التكلفة االقتصادي� � ��ة‪ ،‬واألهم تقليل‬ ‫التلوث الناجت عن التعدين التقليدي‪.‬‬

‫بكتيريا معدلة وراثيا حملاربة تغير املناخ‬

‫جتربة فريدة قام بها فريق متخصص في الكيمياء‬ ‫احليوي� � ��ة مبعه� � ��د لورنس بيركل� � ��ي بالوالي� � ��ات املتحدة‬ ‫األمريكية‪ ,‬وفكرتهم عن محاربة تغير املناخ قائمة على‬ ‫س� � ��حب غاز ثاني أكسيد الكربون من اجلو إلى صخور‬ ‫ميكن دفنها في القشرة األرضية‪ ،‬ووجدوا أن البكتيريا‬ ‫تس� � ��اعد على تسريع عملية الس� � ��حب‪ ،‬فقاموا بتعديلها‬ ‫وراثي� � ��ا ملزيد من الكفاءة‪ .‬وثاني أكس� � ��يد الكربون عند‬ ‫ضخه ف� � ��ي الصخور املس� � ��امية في القش� � ��رة األرضية‬ ‫يتفاعل مع ذرات املعادن املوجودة باملاء اجلوفي القريب‬ ‫من الصخ� � ��ور‪ ،‬ويتحول إلى أمالح معدنية كربونية مثل‬ ‫م� � ��ادة كربون� � ��ات الكالس� � ��يوم‪ ،‬وقد ق� � ��ام العلماء بوضع‬ ‫البكتيريا في محلول كلوريد الكالس� � ��يوم‪ ،‬ثم عند ضخ‬ ‫ثاني أكس� � ��يد الكربون وجدوا أن كربونات الكالس� � ��يوم‬ ‫الناجت� � ��ة ذات تركيب بلوري مختلف كثيرا عما ينتج في‬ ‫الطبيع� � ��ة‪ ,‬ويقوم العلماء مبزيد م� � ��ن التطوير للبكتيريا‬ ‫لتهيئتها للنمو في ظروف مماثلة ألعماق األرض >‬

‫‪149‬‬

‫‪august 147-149.indd 149‬‬


‫علـوم‬

‫«لوك»‪...‬‬

‫ذراع اصطناعية جديدة متاثل املفقودة!‬ ‫جنالء السايس*‬ ‫منحت إدارة األغذية والعقاقير األمريكية قرارا باملوافقة على طرح ذراع اصطناعية في السوق‬ ‫التجاري أطلق عليها اسم «لوك» نسبة إلى شخصية «لوك سكاي ووكر» بطل فيلم «حرب النجوم»‪،‬‬ ‫وهي شخصية فقدت ذراعها أثناء املبارزة‪ .‬وقامت مؤسسة «ديكا» للبحث والتطوير في مانشستر‪،‬‬ ‫نيو هامبشير‪ ،‬بتطوير نظام الذراع االصطناعية «لوك»‪ ،‬وذلك باستخدام أقطاب كهربائية تلتقط‬ ‫اإلشارات الناجتة عند انقباض عضالت الشخص املوصل بها‪ ،‬أو عن طريق وحدة حتكم السلكية‬ ‫تعمل بحركات القدم بواسطة مجموعة من التحويالت وأجهزة االستشعار‪ ،‬التي حتول هذه‬ ‫اإلشارات إلى ردة فعل وهي احلركة املقصودة من قبل ا ُملستخدم‪.‬‬ ‫قد متت املوافقة على الذراع االصطناعية‬ ‫بناء على دراسة أجريت‪ ،‬شارك بها ‪36‬‬ ‫ش� � ��خصا من املصابني ببت� � ��ر األطراف‪،‬‬ ‫حي� � ��ث قاموا بتجربتها من خالل القيام بنش� � ��اطات‬ ‫منزلية ورعاية ذاتية‪ ،‬والتي نتج عنها جناح تس� � ��عة‬ ‫من كل عشرة أش� � ��خاص‪ ،‬والذي يعني جناح الذراع‬

‫بنس� � ��بة ‪ 90‬ف� � ��ي املائة في أداء وظائف ونش� � ��اطات‬ ‫ومه� � ��ام كان م� � ��ن الصعب ج� � ��دا أو من املس� � ��تحيل‬ ‫أداؤه� � ��ا مقارنة باألط� � ��راف االصطناعية التقليدية‬ ‫غير الفعالة‪ ،‬ومنها على س� � ��بيل املثال‪ ،‬إمكان إعداد‬ ‫الطعام وتناوله بأنفسهم‪ ،‬وغسل أسنانهم بالفرشاة‪،‬‬ ‫متشيط شعرهم‪ ،‬اس� � ��تخدام السحابات‪ ،‬اإلمساك‬

‫* كاتبة من مصر‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫‪7/10/14 10:08:19 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 150-151.indd 150‬‬


‫بالعمالت املعدنية الصغيرة‪ ،‬فضال عن اس� � ��تخدام‬ ‫املفاتيح واألقفال‪.‬‬ ‫وأضاف ت������وم دي������ون‪ ،‬مدير املش������روع في‬ ‫مؤسس������ة ديكا أن املوافقة تع������د عالمة فارقة‬ ‫حقيقية س������وف متكنهم اآلن من التركيز على‬ ‫اخلطوة التالية وهي طرح الذراع في األسواق‪،‬‬ ‫مؤكدا أن الذراع لم تتم زراعتها جراحيا‪ ،‬لكن‬ ‫يت������م تركيبه������ا عن طريق بالس������تيك مخصص‬ ‫أو ألي������اف الكربون املج������وف ليربط األطراف‬ ‫االصطناعية بأطرافهم املتبقية‪.‬‬ ‫كم������ا أش������ار إل������ى أن ال������ذراع بالنس������بة‬ ‫للمستخدمني من الس������هل التعود عليها‪ ،‬وتعلم‬ ‫كيفي������ة أداء بعض املهام يس������تغرق منهم فقط‬ ‫بضع س������اعات‪ ،‬أما التدريب عليها بشكل كامل‬ ‫وأداء كل املهام اليومية‪ ،‬فقد يستغرقان أسابيع‬ ‫قليل������ة‪ ،‬باإلضافة إل������ى أن اجلهاز يتحكم بدقة‬ ‫«لوك»‪ ...‬ذراع اصطناعية جديدة متاثل املفقودة!‬

‫‪7/10/14 10:08:24 AM‬‬

‫وإتقان في األش������ياء‪ ،‬س������واء من خ���ل��ال أخذ‬ ‫األوامر م������ن حركات العضالت املباش������رة من‬ ‫اجلزء املتبقي من الذراع (املبتورة)‪ ،‬أو من خالل‬ ‫القدم املوصولة بوحدة التحكم الالس������لكية‪ ،‬أو‬ ‫قد يكون مزيجاً من االثنني‪.‬‬ ‫وقد أكدت إدارة األغذية واألدوية األمريكية‬ ‫أن هذه الذراع هي أول ذراع اصطناعية ميكنها‬ ‫القي������ام بحركات متعددة ف������ي وقت واحد ويتم‬ ‫التحكم فيها‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فق������د رفضت التعلي������ق على ما‬ ‫إذا كانت ه������ذه األطراف االصطناعية تعد من‬ ‫األجهزة «الذكية» أم ال‪ ،‬مشيرة إلى أنها حاليا‬ ‫قيد النظر‪.‬‬ ‫إل������ى جانب ه������ذا‪ ،‬فقد مت تطوي������ر أجزاء‬ ‫عدة أخرى من اجلس������م كالقدمني والساقيــن‬ ‫واليدين >‬

‫‪151‬‬

‫‪august 150-151.indd 151‬‬


‫علـوم‬

‫هل للنباتات أعصاب وذكاء؟‬ ‫عمار سليمان علي*‬ ‫أ ّدت مالحظ ��ات واس ��تنتاجات متفرقة توصل إليها بعض علماء النبات حول وجود نش ��اط‬ ‫وذكاء‪ .‬وعزز‬ ‫كهربائي في األنسجة النباتية‪ ,‬إلى تطور وتبلور فكرة تقول إن للنباتات أعصا ًبا‬ ‫ً‬ ‫أخيرا بعض األبحاث والتجارب التي اس ��تنتجت وج ��ود نوع من صناعة القرار‬ ‫ه ��ذه الفكرة‬ ‫ً‬ ‫والذكاء اجلماعي لدى احلشود النباتية‪ ,‬األمر الذي يشبه إلى حد بعيد ما هو موجود عادة‬ ‫لدى احليوانات ولدى اإلنسان‪.‬‬ ‫تتعل� � ��ق ه� � ��ذه األبح� � ��اث األخي� � ��رة بجذور‬ ‫النباتات‪ ,‬التي تستقر حتت األقدام‪ ,‬وتظل‬ ‫خارج دائرة التقدي� � ��ر‪ ,‬رغم أنها ‪ -‬وفق ما‬ ‫استنتج الباحثون ‪ -‬ميكن أن تشرح احلكمة اجللية من‬ ‫احلشود‪ ,‬متا ًما كما ميكن حلشود النحل أو احليوانات‬ ‫أو الناس أن تفعل‪.‬‬ ‫وفي هذا الس� � ��ياق‪ ،‬اقت� � ��رح علماء نبات أن اجلذور‬ ‫التي تنمو بهذه الطريقة أو تلك في عالم تربتها املظلم‬ ‫توضيحا عما يُس� � ��مى ذكاء‬ ‫واخلطير‪ ,‬ميكن أن تش� � ��كل‬ ‫ً‬ ‫َجماع ًيا‪ ,‬حي� � ��ث يقوم كل طرف ف� � ��ي منظومة اجلذور‬ ‫باكتس� � ��اب أو حتصيل معلومات منفصل� � ��ة مبدئ ًيا على‬ ‫األقل‪ ,‬ثم تتم مشاركة تلك املعلومات عبر تفاعالت مع‬ ‫جذور أخرى ومن ثم ضمن الكتلة الكلية‪ ,‬لتكوين صورة‬ ‫إجمالية تقدم حلاً إلش� � ��كالية‪ :‬ما الذي ينبغي اعتباره‬ ‫مس� � ��ألة معرفية؟ هذا ما يقول� � ��ه عالم بيولوجيا اخللية‬ ‫النباتية فرانتيسك بالوس� � ��كا ‪ František Baluška‬من‬ ‫جامعة بون في أملانيا‪ ,‬مش� � ��ي ًرا إلى أن ذلك يتم بطريقة‬ ‫ال يس� � ��تطيع جذر واحد أن ينجزه� � ��ا‪ ,‬ما يجعل العملية‬ ‫نوعا من الذكاء ا َ‬ ‫جلماعي أو حكمة احلشود‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويب� � ��دو أن ما تُظهره اجلموع واحلش� � ��ود من حكمة‬

‫غريبة وخفية‪ ,‬عبر القرارات التي تصدر عنها مجتمعة‪,‬‬ ‫وليس كأف� � ��راد‪ ,‬بدأت تثي� � ��ر اهتمام طيف واس� � ��ع من‬ ‫الباحثني‪ .‬فلو أخذنا كمثال النحل الذي يصنع العسل‪,‬‬ ‫فهو عندما يبحث عن موطن جديد ألعشاش� � ��ه‪ ,‬ينجح‬ ‫دو ًما ‪ -‬بشكل َجماعي ‪ -‬في اختيار موقع ممتاز‪ ,‬برغم‬ ‫وجود أفراد منه يقومون بدور املستكشفني‪ ,‬ك ٌّل مبفرده‪,‬‬ ‫ويقدمون للجموع تش� � ��كيلة من اخلي� � ��ارات املتاحة‪ .‬كما‬ ‫أنن� � ��ا لو الحظنا تقييم� � ��ات مجموعة م� � ��ن الناس حول‬ ‫بعض األمور مث� � ��ل عدد قطع الرخام املوجودة في جرة‬ ‫أو مزهرية‪ ,‬أو ما هو احليوان ‪ -‬ضمن سوق بيع ريفي‪-‬‬ ‫الذي س� � ��وف يعطي كميات أكب� � ��ر من اللحم بعد ذبحه‪,‬‬ ‫فإن النتيجة احلاصلة من دمج تلك التقييمات غال ًبا ما‬ ‫تكون قريبة ج ًدا من اإلجابة الصحيحة‪.‬‬ ‫وعلى هذا النمط‪ ،‬يب� � ��دو أن حياة النبات قد تُظهر‬ ‫ً‬ ‫أيضا وجود عملية صناعة قرار َجماعية‪ ,‬وفق ما اقترح‬ ‫بالوس� � ��كا وزم� �ل��اؤه في عدد ديس� � ��مبر ‪ 2010‬من دورية‬ ‫اجتاهات علم البيئة والتطور ‪Trends in Ecology and‬‬ ‫‪ ,Evolution‬مش� � ��ددين على ضرورة البحث في ما وراء‬ ‫مملكة احليوان وفي داخل س� � ��لوك ج� � ��ذور النباتات عن‬ ‫أدلة على حكمة َجماعية‪ ,‬مقترحني‪ ,‬في الس� � ��ياق نفسه‪,‬‬

‫* كاتب من سورية‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫‪7/10/14 10:08:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 152-153.indd 152‬‬


‫أن املعلوم� � ��ات ميكن أن متر عبر ذرا اجلذور بواس� � ��طة‬ ‫مواد كيماوية ُمفرزة‪ ,‬أو غازات متحررة‪ ,‬أو حتى فعالية‬ ‫كهربائية تربط بني مراكز قيادة «شبيهة بالدماغ» في ذرا‬ ‫اجلذور‪ ،‬إمنا بغض النظر عن طريقة انتقال املعلومات‪,‬‬ ‫من الواضح أن التفاعالت ميكن أن تنتج قرارات ش� � ��به‬ ‫َجماعية للجذور حول أين وكم عليها أن تنمو‪.‬‬ ‫وإذا كان النبات يس� � ��تطيع أن ينش� � ��ر أعدا ًدا كبيرة‬ ‫ج ًدا من اجلذور (تبلغ ‪ 13,815,672‬لنبات الشعير وف ًقا‬ ‫لدراس� � ��ة قدمية)‪ ،‬فإن بالوسكا يرى أن الدليل األفضل‬ ‫على الذكاء اجلماعي‪ ,‬قد يُكتشف في حتري كيفية منو‬ ‫اجلذور الوافرة لكي تس� � ��تثمر أو تستغل مناجم الغذ��ء‬ ‫التي تصادفها في التربة‪ .‬وألنه يجب على تلك اجلذور‬ ‫ً‬ ‫أيض� � ��ا أن تناف� � ��س ج� � ��ذور نباتات أخرى عل� � ��ى الغذاء‬ ‫واملاء‪ ,‬فمن الواضح أن أخبار تلك املناوش� � ��ات س� � ��وف‬ ‫تنتق� � ��ل بعي ًدا عن اجلبهة‪ .‬ويلفت بالوس� � ��كا إلى جتارب‬ ‫أصيصني‪ ,‬حيث‬ ‫س� � ��ابقة قس� � ��مت جذور النباتات بني‬ ‫َ‬ ‫بقي� � ��ت اجلذور في األصيص الثاني تبدي اس� � ��تجابات‬ ‫لنظائرها في اإلناء األول عندما كانت تقابل أو تتصادم‬ ‫م� � ��ع متطفل ما ماص لألغذية‪ ,‬كم� � ��ا أن قطع جزء من‬

‫هل للنباتات أعصاب وذكاء؟‬

‫‪7/10/14 10:09:03 AM‬‬

‫ارتكاسا في مكان آخر‪.‬‬ ‫منظومة اجلذر كان يح ّرض‬ ‫ً‬ ‫ولع� � ��ل اآللي� � ��ة التي تفس� � ��ر هذا األم� � ��ر (أي كيفية‬ ‫معلومات ّ‬ ‫ٍ‬ ‫اطلع عليها جذر آخر)‬ ‫اكتشاف أحد اجلذور‬ ‫ميك� � ��ن أن تكون اجل� � ��زء األكثر إثارة للج� � ��دل في فكرة‬ ‫اجلذور الذكي� � ��ة‪ .‬وقد وضع بالوس� � ��كا وزمالؤه في ما‬ ‫ّ‬ ‫سطروه طي ًفا من االحتماالت والتفسيرات املمكنة‪ ,‬لعل‬ ‫أبرزه� � ��ا وأكثرها إثارة لالهتمام ‪ -‬من وجهة نظرهم ‪-‬‬ ‫هي فكرة أن األخبار أو املعلومات تنتقل عبر إش� � ��ارات‬ ‫كهربائي� � ��ة ش� � ��بيهة باألعص� � ��اب‪ .‬ويعلل� � ��ون ميلهم لهذا‬ ‫التفسير بكون اإلشارات الهرمونية املتسربة على طول‬ ‫مليمتر بعد مليمتر سوف تكون بطيئة ج ًدا‪ ,‬بينما حتتاج‬ ‫النباتات ‪ -‬خال ًفا للنظ� � ��رة التقليدية عنها بأنها تعيش‬ ‫حياة بطيئة ‪ -‬إلى طريقة نقل معلومات سريعة للتكيف‬ ‫مع الظروف‪ ,‬وهو ما تتيحه اإلشارات الكهربائية‪.‬‬ ‫وكانت ه� � ��ذه الفكرة حتدي ًدا‪ ,‬أي فكرة أن النباتات‬ ‫أساسا متتلك ما يش� � ��به األعصاب‪ ,‬قد أثارت عاصفة‬ ‫ً‬ ‫بني علماء النبات في السنوات األخيرة‪ ،‬مع العلم بأنها‬ ‫مجرد اس� � ��تنتاج نش� � ��أ من مالحظات يصعب تفسيرها‬ ‫حول نشاط كهربائي في النسيج النباتي‪.‬‬ ‫فم� � ��ن جهته‪ ,‬يرى جينس كراوس ‪ Jens Krause‬من‬ ‫جامع� � ��ة هومبول� � ��دت ‪ Humbold‬في برل� �ي��ن‪ ,‬أن ذكاء‬ ‫اجلذور احملتشدة هو أمر قابل للتصديق ومتو ّقع متا ًما‪,‬‬ ‫معلنًا أنه بعد بحثه الذي نشره عام ‪ 2013‬حول الذكاء‬ ‫اجلماعي لدى احليوان واإلنس� � ��ان‪ ,‬س� � ��وف يعمل على‬ ‫إجناز بحث واسع يحاول فيه أن يقدم املزيد من األمثلة‬ ‫م� � ��ن عالم النبات‪ ,‬منطل ًقا من أن «تطبيق مفهوم الذكاء‬ ‫اجلماعي عل� � ��ى النباتات‪ ,‬وليس فقط على احليوانات‪,‬‬ ‫ه� � ��و أمر مثير لالهتمام في إدراك أن الذكاء ا َ‬ ‫جلماعي‬ ‫قد يدل عل� � ��ى وجود قيادة ل� � ��كل مجموعة تعيش حياة‬ ‫عضوية بش� � ��كل عام»‪ .‬أما عالم النبات ديفيد روبنسون‬ ‫‪ David Robinson‬من جامعة هيدلبيرج ‪Heidelberg‬‬ ‫ف� � ��ي أملانيا‪ ,‬وعل� � ��ى الرغم من أنه ال يش� � ��كك في قدرة‬ ‫النباتات على حل مس� � ��ائل اس� � ��تراتيجية معقدة‪ ,‬فإنه‬ ‫يسخر من اس� � ��تخدام كلمة ذكاء‪ ,‬قائلاً ‪« :‬إن استخدام‬ ‫كلمة ذكاء (مع أو من دون َجماعي) ‪ -‬ببساطة ‪ -‬يؤنسن‬ ‫املوقف (أو يُ َحيْوِ نه‪ ,‬مب� � ��ا أنهم يتكلمون عن جماعات)‪،‬‬ ‫كما أن اس� � ��تخدام مصطلحات س� � ��اذجة كهذه‪ ,‬يخفّض‬ ‫عصي على الفهم»‪,‬‬ ‫سوية علم النبات املهم إلى مستوى‬ ‫ّ‬ ‫لكن� � ��ه يعترف بصراح� � ��ة ووضوح بأن للج� � ��ذور النباتية‬ ‫إمكانات «معرفية» >‬

‫‪153‬‬

‫‪august 152-153.indd 153‬‬


‫علـوم‬

‫المح العلْم‬ ‫ْ‬ ‫من َم ِ‬ ‫صفاء صادق*‬ ‫لعل أبلغ تعبير عن العلم هو أنه إبداع ممنهج يقع في قمة املعرفة اإلنس ��انية‪ .‬ويقوم‬ ‫أي ف ��رع من العلوم على أس ��اس مجموعة تعريفات دقيق ��ة ومجموعات من البديهيات‬ ‫واملسلمات‪ ،‬تنتج عنها بالبرهان وعلى أساس من املنهج العلمي نظريات‪ ،‬ميكن التأكد‬ ‫م ��ن صحتها واقع ًّيا‪ .‬مُ‬ ‫وت ِّكن هذه النظريات اإلنس ��ان من فهم الظواهر املختلفة‪ ،‬ومن‬ ‫استخدام نشاط الناس في ما يحقق تقدم البشرية وحتقيق الرخاء للجماهير‪.‬‬

‫* أستاذ الرياضيات بجامعة عني شمس ‪ -‬مصر‬

‫‪154‬‬

‫‪7/10/14 10:04:54 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 154-159.indd 154‬‬


‫تعن� � ��ي كلمة «علم» م� � ��ن الناحية اللغوية‬ ‫املعرف� � ��ة‪ ،‬ويُقصد باملعرف� � ��ة املعلومات‬ ‫املنهجي� � ��ة ع� � ��ن الظواه� � ��ر املادي� � ��ة‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬وعليه يكون العلم هو انعكاس الظواهر‬ ‫املادية واالجتماعية في الوعي اإلنساني‪.‬‬ ‫ومن املعروف أنه على عكس العلم‪ ،‬فإن اجلهل‬ ‫بشيء يعني غياب املعلومات عن هذا الشيء‪ .‬وميكن‬ ‫متثيل عملية التطور املعرفي (التقدم العلمي) بعملية‬ ‫غم� � ��ر العقل اإلنس� � ��اني في بحر الواق� � ��ع؛ فالوعي‬ ‫اإلنس� � ��اني يتقدم من املعرفة السطحية (البدائية)‬ ‫إلى املعرفة متزايدة التعمق والتوسع‪.‬‬ ‫واملعرفة قيمة إنس� � ��انية يتميز بها اإلنسان عن‬ ‫بقية الكائنات‪ .‬فمن املعروف أن اإلنس� � ��ان قد تعلم‬ ‫منذ فجر التاريخ كيف يُشعل النار ليتمكن من إنضاج‬ ‫الطعام‪ ،‬كما تعلم التجارة والزراعة وتربية الدواجن‬ ‫واحليوان� � ��ات املنزلي� � ��ة‪ ،‬كما متكن من بناء مس� � ��كن‬ ‫ي� � ��أوي إلي� � ��ه‪ ،‬ومتكن كذلك من عم� � ��ل بعض اآلالت‬ ‫البس� � ��يطة التي تعينه على احلياة وعلى الس� � ��يطرة‬ ‫على الطبيعة‪ .‬وقد بدأت هذه املعارف البدائية في‬ ‫التحول إلى معرفة علمية‪ ،‬عندما بدأ اإلنس� � ��ان في‬ ‫ترتيب الوقائع (احلقائق) املختلفة‪ ،‬وإجراء املقارنة‬ ‫بينها ودراستها دراسة منظمة‪ ،‬ليحاول استخالص‬ ‫مبادئ وقوانني عامة حتكم الظواهر املتشابهة‪.‬‬ ‫ومتكن مالحظة أن النشاط البشري حتى القرن‬ ‫الس� � ��ادس عشر‪ ،‬كان يسير بشكل عام في اجتاهني‬ ‫منفصلني إلى حد كبير‪ ،‬أولهما االجتاه الفلس� � ��في‬ ‫أو الذهن� � ��ي‪ ،‬ويُعالج في� � ��ه العلم النظ� � ��ري األفكار‬ ‫والنظريات التي حتكم الظواهر املختلفة‪ .‬وثانيهما‬ ‫االجتاه اليدوي‪ ،‬الذي يتضمن عمل احلرفيني‪ ،‬وهو‬ ‫الذي يس� � ��تفيد من األف� � ��كار والنظريات التي يصل‬ ‫إليها االجتاه األول دون اس� � ��تيعابها‪ .‬وميكن اعتبار‬ ‫نوعا من االنفصال بني‬ ‫االنفصال بني االجتاه� �ي��ن ً‬ ‫ال� � ��رأس واليد‪ .‬وقد التق� � ��ى االجتاهان في العصور‬ ‫الوسطى‪ ،‬ويعتبر هذا االلتقاء بداية العلم احلديث‪،‬‬ ‫الذي يقوم عل� � ��ى إجراء التج� � ��ارب ومتابعتها‪ ،‬كما‬ ‫يقوم على تق� � ��دمي النظريات‪ ،‬الت� � ��ي صارت تعتمد‬ ‫أكثر فأكثر على الرياضيات‪ .‬ولم يعد العلم احلديث‬ ‫يكتفي مبج� � ��رد فهم ما يدور ف� � ��ي البيئة احمليطة‪،‬‬ ‫بل أصبح يسعى كذلك للس� � ��يطرة على هذه البيئة‬ ‫والتحكم فيها خلدمة اإلنسان‪.‬‬ ‫المح العلْم‬ ‫ْ‬ ‫من َم ِ‬

‫‪7/10/14 10:05:07 AM‬‬

‫وبرغ� � ��م أن العلم يس� � ��عى إلش� � ��باع احتياجات‬ ‫البش� � ��ر‪ ،‬فإن هناك من يشعر باخلوف والرعب من‬ ‫العلم‪ ،‬فعلى س� � ��بيل املثال‪ ،‬هناك من يرفض قانون‬ ‫بقاء املادة «املادة ال تفنى وال تستحدث»‪ ،‬بل وهناك‬ ‫م� � ��ن يرتعب من احتمال أن يقود هذا القانون بعض‬ ‫الناس إلى تساؤالت من قبيل «أال تعتبر قصة اخللق‬ ‫ال� � ��واردة في معظ� � ��م األديان اس� � ��تحدا ًثا للمادة من‬ ‫العدم؟»‪ ،‬وهنا يجب لفت االنتباه في ما يتعلق مبثل‬ ‫هذه األسئلة إلى أن العلم ال يقدم إجابة نهائية من‬ ‫القضايا التي يعاجلها‪ ،‬وإمنا يقدم رؤية‪ ،‬من املعلوم‬ ‫أنها سوف تتغير وتتطور‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬يربط‬ ‫العل� � ��م احلديث بني املادة والطاق� � ��ة‪ ،‬فيمكن للمادة‬ ‫أن تتح� � ��ول إلى طاقة والعك� � ��س صحيح‪ .‬وبناء على‬ ‫ذلك يرى البعض أن مصدر اخللق اإللهي هو طاقة‬ ‫موجودة منذ األزل‪ ،‬ثم حتولت عند اخللق إلى مادة‪،‬‬ ‫وهو ما يرونه متف ًقا مع الرؤية الدينية‪.‬‬ ‫وق� � ��د كان مفهوم القان� � ��ون العلمي موضع جدل‬ ‫ومناقشات منذ القرن الثامن عشر‪ .‬وكان هناك رأي‬ ‫ينادي بفصل العلم عن األديان والفلسفة‪ ،‬ويعتقد أن‬ ‫مهمة العلم هي الس� � ��عي الكتشاف القوانني العلمية‬ ‫مبعزل ع� � ��ن أي قضايا وأفكار فلس� � ��فية أو دينية‪.‬‬ ‫ويعتق� � ��د كثير من العلماء أن البح� � ��ث عن القوانني‬ ‫العلمية والعمل في مج� � ��ال البحث العلمي يعتبران‬ ‫في حد ذاتهما تقر ًبا إل� � ��ى اإلله وتعب ًدا وتأم ً‬ ‫ال في‬ ‫الذات اإللهية وقدراتها وحكمتها‪.‬‬ ‫وم� � ��ن امله� � ��م مالحظ� � ��ة أن القوان� �ي��ن العلمية‬ ‫«النهائية» ‪ Ultimate‬هدف بعيد املنال‪ ،‬وذلك ألن‬ ‫العل� � ��م واملعرفة عملية ذات طبيعة تراكمية النهائية‬ ‫‪ ،Infinitely accumulating‬فاملعرف� � ��ة تنمو وتتقدم‬ ‫داخ� � ��ل العقل اإلنس� � ��اني الفردي واجلمعي بش� � ��كل‬ ‫تدريج� � ��ي متواص� � ��ل‪ ،‬وما يتوصل إلي� � ��ه العلماء من‬ ‫ح� �ي��ن إلى آخر ه� � ��و في نهاية األمر تصور بش� � ��ري‬ ‫في حلظة محددة للعالقات بني العناصر املختلفة‪،‬‬ ‫التي يستطيعون رصدها لهذه الظواهر‪ ،‬وهو تصور‬ ‫يختلف عما ميكن تس� � ��ميته بـ«العالقات احلقيقية»‬ ‫ب� �ي��ن هذه العناصر‪ ،‬إضافة إلى أن مدى تعبير هذه‬ ‫العناصر عن الظواهر هو أمر محل بحث مستمر‪.‬‬ ‫ويصف هذا التصور البشري املؤقت هذه العالقات‬ ‫بشكل تقريبي ‪ ، Approximate‬ما يعني أن التقدم‬ ‫العلمي ه� � ��و في حقيقة األمر تزايد في دقة وصف‬

‫‪155‬‬

‫‪august 154-159.indd 155‬‬


‫هذه العالقات‪ .‬ولهذا ميكن وصف املفاهيم والنتائج‬ ‫والنظريات العلمية بأنها نسبية‪ ،‬واملقصود بالنسبية‬ ‫هو نسبتها إلى «احلقيقة املطلقة» ‪Absolute truth‬‬ ‫‪ ،‬أي درجة اقترابها منها‪ ،‬كما تعني النسبية كذلك‪،‬‬ ‫أن املعرفة العلمية تنتسب إلى حلظة زمنية معينة‪،‬‬ ‫حي� � ��ث إنها تتغير وتتطور م� � ��ع الزمن‪ ،‬وبهذا فالعلم‬ ‫ه� � ��و عملية ال نهاي� � ��ة لها من التقدم املس� � ��تمر نحو‬ ‫«احلقيقة»‪.‬‬ ‫وميكن من جهة أخرى وصف القوانني العلمية‬ ‫بأنها إحصائية‪ ،‬مبعنى أنه ميكن التحقق إحصائ ًيا‬ ‫من انطباقه� � ��ا في عدد كبير م� � ��ن احلاالت أو في‬ ‫عدد كبير من التج� � ��ارب‪ ،‬وفي ظل ظروف محددة‬ ‫ولي� � ��س في جمي� � ��ع احلاالت وفي جمي� � ��ع الظروف‬ ‫بشكل مطلق‪ .‬وعليه يكون التقدم العلمي هو مبعنى‬ ‫من املعان� � ��ي «التوصل إلى قوانني تنطبق على عدد‬ ‫أكبر من احلاالت التي كان يتم التعامل معها ساب ًقا‬ ‫تنوعا»‪.‬‬ ‫وفي ظل ظروف أكثر ً‬

‫‪156‬‬

‫‪7/10/14 10:05:18 AM‬‬

‫ولعل� � ��ه من املفيد اإلش� � ��ارة إلى أن ما يس� � ��مى‬ ‫بالقوان� �ي��ن العلمية‪ ،‬ال يعبر ع� � ��ن الواقع واحلقيقة‬ ‫مائة في املائة‪ ،‬وإمنا هو من إبداع واكتش� � ��اف فكر‬ ‫العلماء اخلالق‪ ،‬وإن كانت إبداعات ليست منقطعة‬ ‫الصل� � ��ة بالواقع‪ ،‬بل على العك� � ��س‪ ،‬فإنها تنبع من‬ ‫التفاع� � ��ل مع الواقع‪ ،‬ولذل� � ��ك فهي إبداعات مفيدة‬ ‫ورائعة‪ ،‬وهي في حقيقته� � ��ا انعكاس للواقع املادي‬ ‫في عقول هؤالء العلماء‪ .‬وميكن للتبس� � ��يط تشبيه‬ ‫العالق� � ��ة بني الواقع املادي وبني العلم بالعالقة بني‬ ‫جس� � ��ر (كوبري) وظله‪ ،‬فظل اجلس� � ��ر ال ميكن أن‬ ‫يوجد إال إذا كان اجلسر موجو ًدا‪ ،‬ولكنهما بالطبع‬ ‫غير متطابق� �ي��ن‪ ،‬فقد يكون اجلس� � ��ر داف ًئا نتيجة‬ ‫لتأثير حرارة الشمس‪ ،‬بينما يكون ظله على سطح‬ ‫املاء بار ًدا‪.‬‬

‫موضوع العلم‬

‫يدرس العلم الظواهر التي تتوافر فيها شروط‬ ‫أهمها‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أن تكون ظواهر متكررة احلدوث‪.‬‬ ‫ب‪ -‬أن تكون جدي� � ��رة ببذل اجلهد في إدراكها‬ ‫بالس� � ��عي إلى الوصول إل� � ��ى القوانني احلاكمة لها‪،‬‬ ‫مبعنى أن تكون هناك فائدة متوقعة تس� � ��تحق بذل‬ ‫اجلهد من أجل بحث الظاهرة‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬أن يك� � ��ون هناك إمكان ملتابعتها بش� � ��كل أو‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫ويبني تاريخ العلم أن العقل البش� � ��ري يستفيد‬ ‫من اإلحساس� � ��ات البش� � ��رية‪ ،‬ولكنه ينف� � ��ذ إلى ما‬ ‫وراءه� � ��ا ليصل إلى ما ال تس� � ��تطيع اإلحساس� � ��ات‬ ‫وحدها النفاذ إليه‪.‬‬ ‫ومن الطبيعي أن يتمتـــع األفـــراد على املستوى‬ ‫الشخصي بدرجة أو أخرى من التـفكير العلمي‪ ،‬أو‬ ‫ما يسمى أحيا ًنا بالتـــفكـــير العقالني‪ .‬كما أنه من‬ ‫الطبيع� � ��ي كذلك أن يــكون هن� � ��اك من يعادي العلم‬ ‫والتفكي� � ��ر العلمي‪ ،‬كما أنه م� � ��ن الطبيعي أن يكون‬ ‫هناك من يؤمـــن مبا يسمى بالتفكير اخلرافي‪.‬‬ ‫ويبني التاريخ أن مسيرة العلم كانت دائ ًما‬ ‫مس� � ��يرة ظافرة وإن كان هذا ال ينفي‬ ‫تعرضه� � ��ا خلس� � ��ائر عارض� � ��ة‬ ‫مؤقتة ف� � ��ي بعض الفترات أو‬ ‫اللحظ� � ��ات‪ ،‬كتع� � ��رض بعض‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 154-159.indd 156‬‬


‫العلم� � ��اء لإلع� � ��دام أو احلبس عقا ًب� � ��ا لهم على ما‬ ‫توصل� � ��وا إليه م� � ��ن نتائج علمية تتع� � ��ارض مع آراء‬ ‫بع� � ��ض أصحاب النفوذ السياس� � ��ي أو الديني‪ .‬فما‬ ‫من معركة دخلها العلم إال وانتصر فيها على املدى‬ ‫الطويل‪ .‬وال ش� � ��ك في أن هذا يع� � ��ود إلى أن العلم‬ ‫قوة صديقة لإلنس� � ��ان تس� � ��عى خليره‪ .‬ويبني تاريخ‬ ‫البش� � ��رية أنه ما من تقدم حتقق في حياة اإلنسان‬ ‫إال وكان للعل� � ��م الفض� � ��ل األول فيه‪ .‬ومع األس� � ��ف‪،‬‬ ‫توه� � ��م معظم املعادين للعلم في جميع املعارك التي‬ ‫اصطنعوه� � ��ا مع العلم أن العلم يش� � ��كل خط ًرا على‬ ‫الدين أو على املجتمع‪.‬‬

‫العلم والدين‬

‫تختلف طبيعة املعرفة العلمية جذر ًّيا عن طبيعة‬ ‫العقيدة الدينية‪ ،‬التي تعني الثقة املطلقة والتس� � ��ليم‬ ‫اإلميان� � ��ي غير املش� � ��روط اخلالي من أي ش� � ��كوك‬ ‫باملعتقدات الدينية‪ ،‬دون وضعها على محك التجربة‬ ‫أو اشتراط البرهان املنطقي عليها‪ ،‬وإن كان هذا ال‬ ‫يعني أن املعرفة العلمية ليست محل ثقة‪ ،‬فالثقة ميكن‬ ‫المح العلْم‬ ‫ْ‬ ‫من َم ِ‬

‫‪7/10/14 10:05:25 AM‬‬

‫أن تقوم على أساس علمي يعي أن املعرفة العلمية ال‬ ‫تكتمل أب ًدا بشكل نهائي‪ ،‬وأنها متثل أقصى ما أمكن‬ ‫لإلنس� � ��ان أن يصل إليه في حينه‪ ،‬ومع ذلك فالشك‬ ‫العلمي فيها وإع� � ��ادة تقييمها مطلوبان دائ ًما‪ ،‬وميد‬ ‫العلم اإلنس� � ��ان بالنظريات والقوانني التي تساعده‬ ‫على مواجهة الطبيعة واحلياة‪.‬‬

‫العلم والفن‬

‫يختل� � ��ف اإلب� � ��داع العلمي كذلك عن األش� � ��كال‬ ‫انعكاسا‬ ‫اإلبداعية اجلمالية للفن‪ ،‬وإن كان كالهما‬ ‫ً‬ ‫للواق� � ��ع‪ ،‬فبينما يحدث هذا االنعكاس في العلم عن‬ ‫طريق التعريفات والبديهيات واملسلمات والنظريات‪،‬‬ ‫فإن هذا االنعكاس يحدث في الفن عن طريق أشكال‬ ‫جمالية أخ� � ��رى مختلف� � ��ة‪ ،‬وإن كان كالهما جتري ًدا‬ ‫وتعـمي ًم� � ��ا للواق� � ��ع‪ .‬ويبني تاريخ العل� � ��م أنه خالصة‬ ‫الوعي اإلنساني‪ ,‬وأن العلم يقضي أثناء تقدمه على‬ ‫األفكار التي تتسم بالذاتية‪ ،‬فال بقاء في العلم لغير‬ ‫املوضوعي� � ��ة‪ ،‬وذلك على عك� � ��س الفن‪ ،‬حيث يرتبط‬ ‫اإلبداع الفني بذاتية املبدع‪ ،‬أي بتجربته الشخصية‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫‪august 154-159.indd 157‬‬


‫فالعل� � ��م هو نتيجة مجردة لعملية تاريخية طويلة من‬ ‫التطور‪ ،‬بينما في الفن يكون الفنان نفس� � ��ه مصدر‬ ‫اإلبداع الذي ينتج ع� � ��ن التجربة الذاتية للفنان‪ ،‬أي‬ ‫أنه يعبر عن تفاعل ذات الفنان مع الواقع اخلارجي‪،‬‬ ‫أم� � ��ا إذا كان اإلنت� � ��اج ال يعبر ع� � ��ن تفاعل الذات مع‬ ‫املوضوع‪ ،‬مبعن� � ��ى أنه ناجت عن الواق� � ��ع دون تفاعل‬ ‫معه‪ ،‬فإنه يكون نس� � � ً‬ ‫�خا للواقع‪ ،‬أم� � ��ا في العلم فإنه‬ ‫البد من استبعاد كل ما هو شخصي وذاتي فتُستبعد‬ ‫كل املفاهيم القائمة على جتربة ش� � ��خصية متميزة‬ ‫(مبعنى أنها فريدة من نوعها)‪.‬‬

‫العلم واملجتمع‬

‫العلم ف������ي جوهره عملية اجتماعية مرتبطة‬ ‫باإلنس������ان املبدع (العالم)‪ ،‬وته������دف نتائجه إلى‬

‫‪158‬‬

‫‪7/10/14 10:05:35 AM‬‬

‫خدمة اإلنسان‪ ،‬كما أن نشأة العلم وتطوره هما‬ ‫جزء ال يتجزأ من تاريخ اإلنسانية‪ ،‬وهناك تأثير‬ ‫متبادل بني العل������م واملجتمع‪ ،‬فال ميكن أن تقوم‬ ‫للعلم قائمة من دون اإلنس������ان‪ ،‬كما ال ميكن أن‬ ‫يوج������د مجتم������ع متقدم من دون عل������م‪ .‬والهدف‬ ‫األساسي للعلم هو االستجابة ملتطلبات اإلنسان‬ ‫وتلبية احتياجاته‪.‬‬ ‫كما يخض������ع اختيار مواضيع البحث العلمي‬ ‫واجتاهاته������ا‪ ،‬وكذل������ك معدالت التق������دم فيها‪،‬‬ ‫واجتاهات املجتمع والدول في اس������تخدام نتائج‬ ‫العلم‪ ،‬لتأثير العديد م������ن العوامل االجتماعية‪،‬‬ ‫مث������ل االحتياج������ات املادي������ة للمجتم������ع وطبيعة‬ ‫البناء االقتص������ادي واالجتماعي ونوعية األفكار‬ ‫الفلس������فية واالقتصادية الس������ائدة في املجتمع‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 154-159.indd 158‬‬


‫وأهم هذه العوامل هي االحتياجات املادية وهي‬ ‫تتضم������ن متطلب������ات التقدم العلم������ي من أدوات‬ ‫وأجهزة وتصنيع أدوات اإلنتاج مثل آالت املصانع‪،‬‬ ‫وال يرتبط جناح العالم في بحثه مبدى عبقريته‬ ‫فق������ط‪ ،‬وإمن������ا يرتب������ط كذلك بتواف������ر األجهزة‬ ‫الالزم������ة للبحث‪ ،‬وعلى ذلك ميكن اس������تنتاج أن‬ ‫التقدم التكنولوج������ي هو الضامن لتوفير أجهزة‬ ‫البح������ث العلمي‪ ،‬مثل أجهزة القي������اس بالفيمتو‬ ‫ثانية‪ .‬ومن جهة أخرى فإن التطبيق واملمارس������ة‬ ‫هما أحد معايي������ر تقدير قيمة املعارف العلمية‪،‬‬ ‫كما أن استخدام نتائج البحث العلمي في إنتاج‬ ‫املتطلب������ات االجتماعية هو داف������ع قوي للبحث‬ ‫العلمي‪ ،‬ويبني تاريخ العلم أن االستخدام العملي‬ ‫الكتش������اف علمي ما يقود إلى تقدم تكنولوجي‪،‬‬ ‫المح العلْم‬ ‫ْ‬ ‫من َم ِ‬

‫‪7/10/14 10:05:43 AM‬‬

‫ويقود التق������دم التكنولوجي بدوره إلى مزيد من‬ ‫التقدم العلمي‪.‬‬ ‫وميــــك������ن تصنيـــ������ف االحتياج������ات املادي������ة‬ ‫للمجتم������ع الت������ي يس������تهدف العل������م تلبيتها إلى‬ ‫احتياج������ات امل������دى القري������ب‪ ،‬واملقص������ود به������ا‬ ‫االحتياجات املطلوبة بسرعة وفو ًرا‪ ،‬واحتياجات‬ ‫امل������دى البعي������د‪ ،‬إلى هذا احل������د أو ذاك‪ ،‬والتي‬ ‫تتضمن االحتياجات االستراتيجية واالحتياجات‬ ‫التي تفتح أبواب التقدم البش������ري‪ ،‬مثل البحث‬ ‫في مجال اخلريطة اجلينية وفي مجال س������فن‬ ‫الفضاء‪ .‬والبد من مالحظة أن قصر استخدام‬ ‫نتائج البح������ث العلمي على املتطلب������ات العاجلة‬ ‫للحياة اليومية يؤدي إلى حتجيم وإبطاء التقدم‬ ‫العلمي >‬

‫‪159‬‬

‫‪august 154-159.indd 159‬‬


‫علـوم‬

‫مساحيق املعادن‪...‬‬ ‫وقود لـمحركات وسائط نقل املستقبل‬ ‫أمجد قاسم *‬ ‫تس ��تهلك وس ��ائط النق ��ل املختلف ��ة جانب ًا كبي ��ر ًا من الوق ��ود األحفوري الذي يت ��م إنتاجه‬ ‫عاملي ��ا‪ ،‬وه ��ذه الكمي ��ات الكبي ��رة م ��ن الوقود التي يت ��م حرقها‪ ،‬تع ��د مصدر ًا رئيس� � ًا للتلوث‬ ‫البيئ ��ي وخصوص� � ًا ف ��ي املدن‪ ،‬وقد س ��عى كثي ��ر من الباحثني إل ��ى تطوير أن ��واع جديدة من‬ ‫مح ��ركات وس ��ائط النقل التي تعمل عل ��ى مصادر أخرى من الطاقة‪ ،‬فت ��م تطوير احملركات‬ ‫الكهربائي ��ة ومحركات خاليا الوق ��ود والهيدروجني‪ ،‬ومحركات الهواء املضغوط‪ ،‬وفي مطلع‬ ‫الق ��رن احلال ��ي تبلورت فكرة تطوير أن ��واع جديدة من احملركات تعمل على حرق مس ��احيق‬ ‫املعادن‪ ,‬وهي ما أطلق عليها اسم محركات االحتراق املعدني‪.‬‬ ‫تعود فكرة اس� � ��تخدام مساحيق املعادن‬ ‫لتشغيل احملركات إلى ثمانينيات القرن‬ ‫املاض� � ��ي‪ ،‬عندم� � ��ا ط� � ��ور مدي� � ��ر املعهد‬ ‫الهندسي في كييف الكيميائي األوكراني سولومون‬ ‫البين� � ��وف ‪ Solomon Labinov‬مح� � ��ركا يتحم� � ��ل‬ ‫درجات حرارة عالية تبلغ ‪ 2200‬درجة سلس� � ��يوس‪،‬‬ ‫التي س� � ��وف تنتج عن حرق مسحوق معدن احلديد‬ ‫فيه (محرك احتراق اجلازولني ينتج حرارة تتراوح‬ ‫بني ‪ 900‬و‪ 1500‬درجة سلس� � ��يوس)‪ ،‬حيث مت حرق‬ ‫جزيئ� � ��ات حديد ميكرومترية احلجم ‪Micrometry‬‬ ‫‪ Sized‬في محرك االحتراق الداخلي املعدل‪.‬‬ ‫ويعتمد إنتاج الطاقة من مس� � ��حوق املعدن على‬ ‫حرق امل��دن بشكل مباشر بوجود األكسجني‪ ،‬حيث‬ ‫س� � ��يتكون أكس� � ��يد املعدن وتنطلق كمي� � ��ة كبيرة من‬ ‫الطاقة احلرارية التي ميكن اس� � ��تغاللها لتش� � ��غيل‬ ‫محرك مت تعديله‪ ،‬حيث يتم تزويده مبسحوق املعدن‬ ‫على ش� � ��كل رذاذ ممزوج مع الهواء في اس� � ��طوانات‬ ‫احملرك‪ ،‬إال أن مح� � ��رك البينوف توقف عن العمل‬

‫بعد وقت قصير من تشغيله‪ ،‬بسبب التفاعل السريع‬ ‫الذي مت بني مس� � ��حوق احلديد واألكسجني وتراكم‬ ‫أكسيد احلديد داخل اسطوانات احملرك‪.‬‬ ‫وبالرغم من إخفاق هذا احملرك‪ ،‬فإن البينوف‬ ‫اس� � ��تأنف أبحاثه وتع� � ��اون مع فريق م� � ��ن الباحثني‬ ‫الكيميائي� �ي��ن ف� � ��ي مختب� � ��ر «أوك ري� � ��دج الوطن� � ��ي‬ ‫‪ »National Laboratory Oak Ridge‬ف� � ��ي والي� � ��ة‬ ‫تينيس� � ��ي األمريكي� � ��ة وذلك في ع� � ��ام ‪ ،2003‬حيث‬ ‫اس� � ��تفاد من األبحاث الت� � ��ي مت حتقيقها في مجال‬ ‫اجلسيمات الدقيقة النانوية ‪ Nanoparticules‬ذات‬ ‫النق� � ��اء العال� � ��ي‪ ،‬التي مت إنتاجها ف� � ��ي نهاية القرن‬ ‫املاضي‪.‬‬ ‫وهكذا حتققت فكرة تش� � ��غيل أول محرك يعمل‬ ‫مبس� � ��احيق املعادن‪ ،‬حيث مت اس� � ��تخدام مس� � ��حوق‬ ‫احلديد بقطر يبلغ ‪ 50‬نانومترا ‪ -‬النانو يساوي جزءا‬ ‫م� � ��ن ألف مليون جزء من امللليمتر‪ -‬من أجل حدوث‬ ‫األكس� � ��دة على درجة حرارة ‪ 800‬درجة سلسيوس‪،‬‬ ‫وإعط� � ��اء الكمية املناس� � ��بة من الطاق� � ��ة احلرارية‬

‫* مهندس وكاتب علمي من األردن‬

‫‪160‬‬

‫‪7/10/14 10:09:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 160-162.indd 160‬‬


‫مسحوق احلديد يوفر طاقة لالنطالق مسافة أطول بثالثة أضعاف‬

‫الالزمة لتشغيل احملرك‪ ،‬وهذا مينع تشكل األبخرة‬ ‫املؤكسدة‪ ،‬وخصوصا أكاسيد النيتروجني والغازات‬ ‫السامة ويحقق أداء جيدا للمحرك‪.‬‬ ‫وتب� �ي��ن التج� � ��ارب التي أجريت على مس� � ��احيق‬ ‫املعادن‪ ،‬أن كمي� � ��ة الطاقة التي يتم احلصول عليها‬ ‫عن� � ��د حرقها‪ ،‬تبل� � ��غ أكثر من ضعف� � ��ي الطاقة التي‬ ‫ميك� � ��ن احلصول عليها من ح� � ��رق اجلازولني مثال‪،‬‬ ‫وهذا يعتمد على نوع املعدن‪ ،‬ويبني خبير النمذجة‬ ‫من مختبر أوك ريدج الباحث بوبي سومبتر ‪Bobby‬‬ ‫‪ Sumpter‬بقول� � ��ه «إن الس� � ��يارة التي يتم تش� � ��غيلها‬ ‫على وقود مس� � ��حوق احلديد‪ ،‬تقطع مس� � ��افة تبلغ‬ ‫ثالثة أضعاف املس� � ��افة التي تقطعها س� � ��يارة تعمل‬ ‫باجلازولني عند تس� � ��اوي حجم خزان الس� � ��يارتني‬ ‫وتس� � ��اوي وزنهما‪ ،‬باإلضافة إلى أن الوقود املعدني‬ ‫قابل للتدوير وإعادة االستخدام من جديد»‪.‬‬ ‫ويتميز الوق� � ��ود املعدني بأنه غير ضار بالبيئة‪،‬‬ ‫حي� � ��ث ال تنبعث منه غ� � ��ازات ض� � ��ارة بالبيئة كثاني‬ ‫أكس� � ��يد الكربون والهيدروكربون� � ��ات غير احملترقة‬ ‫وغيرها م� � ��ن الغ� � ��ازات امللوثة‪ ،‬أما إع� � ��ادة تدويره‬ ‫فتكون من خالل عملية نزع األكسجني من مسحوق‬ ‫مساحيق املعادن‪ ...‬وقود لـمحركات وسائط نقل املستقبل‬

‫‪7/10/14 10:10:02 AM‬‬

‫املع� � ��دن‪ ،‬إذ يتم تفاعل األكس� � ��جني مع الهيدروجني‬ ‫على درجة حرارة ‪ 425‬درجة سلس� � ��يوس‪ ،‬وتسمى‬ ‫ه� � ��ذه العملية تفاع� � ��ل اختزال‪ ،‬حي� � ��ث يتكون بخار‬ ‫املاء ومسحوق املعدن بش� � ��كل نقي‪ ،‬ويصبح جاهزا‬ ‫لالس� � ��تخدام من جديد‪ ،‬أيضا فق� � ��د اقترح أن يتم‬ ‫تدوير الوقود املعدني املستنفذ بواسطة أول أكسيد‬ ‫الكربون إلنتاج ثاني أكس� � ��يد الكربون‪ ،‬الذي ميكن‬ ‫جمعه واستخدامه في بعض الصناعات‪.‬‬ ‫ويقت� � ��رح الباحث� � ��ون أكثر من طريقة لتنش� � ��يط‬ ‫املعدن املؤكس� � ��د في احملرك‪ ،‬حي� � ��ث ميكن أن يتم‬ ‫جتميع املعدن املستنفذ في خزان داخل املركبة‪ ،‬يتم‬ ‫تفريغه الحقا في محط� � ��ات خاصة إلعادة تدويره‬ ‫م� � ��ن جديد‪ ،‬أو أن تتم هذه العملي� � ��ة داخل املركبة‪،‬‬ ‫ضمن نظام خاص مع توفي� � ��ر مصدر للهيدروجني‬ ‫واالس� � ��تفادة من ح� � ��رارة احملرك الت� � ��ي نتجت عن‬ ‫عملية احتراقه‪.‬‬ ‫وبالرغم من مميزات هذا الوقود‪ ،‬فإن استعماله‬ ‫يواجه حتديات تقنية تتطلب ابتكار حلول مناسبة‪،‬‬ ‫إذ إن مساحيق املعادن تتفاعل مع األكسجني بشكل‬ ‫سريع جدا يبلغ جزءاً من مليون من الثانية‪ ،‬وتنطلق‬

‫‪161‬‬

‫‪august 160-162.indd 161‬‬


‫خلفة وزنهم� � ��ا‪ ،‬وتدل التجارب أن‬ ‫مس� � ��حوق األملنيوم األكثر مناسبة‬ ‫الس� � ��تخدامـــه كـــوقـــود مـــعـــدني‪،‬‬ ‫فباإلضاف� � ��ة إلى كثافت� � ��ه القليلة‪،‬‬ ‫فإن لدى الباحثني معلومات كافية‬ ‫عنه وعن استخدامه كوقود‪ ،‬حيث‬ ‫مت استخدامه كوقود في عمليات‬ ‫إطالق عدد من صواريخ الفضاء‬ ‫خالل السنوات القليلة املاضية‪.‬‬ ‫ويوض� � ��ح مدير مختبر ‪LCSR‬‬ ‫في أورلي� � ��ان ‪ Orleans‬بفرنس� � ��ا‬ ‫الباح� � ��ث إس � � �كــــنــــدر غــــوكال� � ��ب‬ ‫‪ Iskander Gokalp‬بـــــــقــول� � ��ه «إن‬ ‫استخدام مسحوق األملنيوم كوقود‬ ‫معدني مناس� � ��ب‪ ،‬حي� � ��ث إن ملء‬ ‫خزان س� � ��يارة متوسطة مبسحوق‬ ‫األملني� � ��وم لقط� � ��ع مس� � ��افة ‪500‬‬ ‫جدول العالقة بني الطاقة الناجتة من كل وحدة مقابل الوزن والكمية‬ ‫كيلومت� � ��ر‪ ،‬ل� � ��ن يتج� � ��اوز وزن هذا‬ ‫كامل الطاقة منها بش� � ��كل فوري‪ ،‬وه� � ��و ما يتجاوز املس� � ��حوق ‪ 45‬كيلوجراما‪ ،‬وهذا يوازي تقريبا وزن‬ ‫عملية االستثمار امليكانيكي الالزم حتقيقها لتشغيل اخلزان نفسه اململوء باجلازولني»‪.‬‬ ‫احملرك بشكل مناسب‪ ،‬وحلل هذه املعضلة‪ ،‬اقترح‬ ‫من جهت� � ��ه‪ ،‬ذكر الباحث دي� � ��ف بيتش ‪Dave‬‬ ‫الباحث� � ��ون أن يتم تقليص مس� � ��احة س� � ��طح املعدن ‪ Beach‬ف� � ��ي مختب� � ��ر أوك ري� � ��دج الوطن� � ��ي‪ ،‬أن‬ ‫املتماس مع األكسجني‪ ،‬من خالل جتميع املسحوق اس� � ��تخدام الوق� � ��ود املعدني لي� � ��س مقتصرا على‬ ‫على شكل عناقيد ‪ ،Clusters‬ما يؤدي إلى السيطرة تش� � ��غيل مح� � ��ركات الس� � ��يارات‪ ،‬ب� � ��ل ميك� � ��ن أن‬ ‫عل� � ��ى معدل االحتراق‪ ،‬وق� � ��د بينت التجارب أنه قد يس� � ��تخدم في تش� � ��غيل عدد كبير م� � ��ن احملركات‬ ‫حتقق إبطاء في عملية أكسدة احلديد‪ ،‬حيث بلغت ووحدات التدفئة املنزلية ومحركات توليد الطاقة‬ ‫‪ 500‬مللي ثانية‪ ،‬وهذا مناس� � ��ب لتشغيل احملركات‪ ،‬الكهربائية وغيره� � ��ا‪ ،‬وأن عملية حتويل محركات‬ ‫ويوضح الباحث سومبتر ذلك بقوله «إن فريق العمل االحتراق كالتوربين� � ��ات الغازية ومحركات اآلليات‬ ‫أجرى جتاربه في حجرة احتراق في محرك معدل‪ ،‬الضخم� � ��ة التقليدية إلى مح� � ��ركات تعمل بالوقود‬ ‫لك� � ��ن يلزم مزيد من األبح� � ��اث للتوصل إلى التوازن املعدني أمر ممكن فنيا‪ ،‬وه� � ��و بحاجة إلى تعديل‬ ‫الدقي� � ��ق بني س� � ��رعة االحتراق واحل� � ��رارة الناجتة أنظمة الت� � ��زود بالوقود وإيجاد حل� � ��ول تصميمية‬ ‫لتجميع الوقود املس� � ��تنفذ‪ ،‬إال أن املعضلة الكبرى‬ ‫وقدرة وكفاءة احملرك»‪.‬‬ ‫كذل� � ��ك ف� � ��إن من س� � ��لبيات مس� � ��احيق املعادن‪ ،‬التي تواجه مح� � ��رك االحتراق املعدني‪ ،‬هي توفير‬ ‫ثق� � ��ل وزنها بس� � ��بب كثافتها العالي� � ��ة‪ ،‬فخزان وقود اجلسيمات النانوية املعدنية باألقطار املناسبة‪ ،‬إذ‬ ‫الس� � ��يارة العادية يس� � ��توعب حوالي ‪ 40‬كيلوجراما إن ما يتم إنتاجه اآلن يبلغ بضعة كيلوجرامات في‬ ‫م� � ��ن اجلازول� �ي��ن‪ ،‬بينم� � ��ا ل� � ��و مت مل� � ��ؤه مبس� � ��حوق اليوم وبكلفة عالية‪.‬‬ ‫هذه املعوقات التي تواجه تقنية محرك االحتراق‬ ‫احلدي� � ��د فإن وزنه س� � ��يبلغ ‪ 195‬كيلوجراما‪ ،‬أضف‬ ‫إلى ذل� � ��ك أن احلديد ليس مثالي� � ��ا إلنتاج الطاقة‪ ،‬املعدني‪ ،‬يتوق� � ��ع أن يتم تذليلها خالل العقد الثالث‬ ‫ولذلك تتجه األنظار الس� � ��تخدام مس� � ��حوق معدن من هذا القرن‪ ،‬وأن تصبح مساحيق املعادن‪ ،‬الوقود‬ ‫األملنيوم أو الب� � ��ورون أو غيرهما من املعادن‪ ،‬نظرا املثالي حملركات املستقبل >‬

‫‪162‬‬

‫‪7/10/14 10:10:07 AM‬‬

‫‪august 160-162.indd 162‬‬


‫الكيمياء والفيزياء في املطبخ‬ ‫إبراهيم علي أبورمان*‬ ‫املطبخ ليس مكانا إلع��داد الطعام الشهي فقط‪ ،‬ب��ل ه��و مكان جُت��رى فيه جت��ارب في‬ ‫الكيمياء والفيزياء ثبتت فعاليتها عبر العصور‪ ،‬واعتمدت من قبل الناس في حتضير‬ ‫ومن يرغب في أن يكون حاذقا وملما مبهنة فن الطبخ‪ ،‬فعليه أن‬ ‫صنوف األطعمة املختلفة‪َ ،‬‬ ‫يكون ملما بأساسيات حتضير األطعمة ومدى مجانسة أصناف الطعام لبعضها البعض‪،‬‬ ‫واالستفادة مما ميكن لها أن تقدمه في سبيل إعداد طبق شهي‪.‬‬ ‫احملض� � ��رة في املطبخ‬ ‫أغلب الوصفات‬ ‫ّ‬ ‫تكون من خ� �ل��ال جت� � ��ارب الطهاة ومن‬ ‫خالل التجربة واخلطأ من خالل مزج‬ ‫املكون� � ��ات بطريقة ما إلعداد صن� � ��ف الطعام املراد‬ ‫حتضيره‪ ،‬ومن خالل هذه الوصفات يشتهر الطهاة‬ ‫ويتميزون في ما بينهم‪.‬‬ ‫علم� � ��اء الكيمياء ينظ� � ��رون إلى عملي� � ��ة الطبخ‬ ‫وحتضي� � ��ر الطعام بوصفها عملي� � ��ة كيميائية تدخل‬ ‫فيه� � ��ا املكونات وحتت� � ��اج إلى مصدر ح� � ��رارة‪ ،‬ومن‬

‫خالل الوس� � ��ط املائي يتم إعداد املنتج وهو الطعام‬ ‫منتجا كيميائ ًيا‪.‬‬ ‫بصفته‬ ‫ً‬ ‫تع� � ��ود فك� � ��رة االهتم� � ��ام بتطبيق العل� � ��م في فن‬ ‫الطبخ إلى علماء الكيمياء الذين ينظرون ملا يحدث‬ ‫أثن� � ��اء عملية إعداد الطعام على أنه تفاعل كيميائي‬ ‫معروفة امل� � ��واد الداخلة به إلنتاج مواد مختلفة من‬ ‫امل� � ��واد الداخلة في التفاعل‪ .‬أما بالنس� � ��بة للطهاة‪،‬‬ ‫فهم غير مقتنعني بجدوى البحث في هذا املوضوع‬ ‫خشية أن يتحقق ما يدور في أفالم اخليال العلمي‬

‫* باحث من األردن‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫‪7/9/14 10:56:20 AM‬‬

‫‪august 163-168.indd 163‬‬


‫من الطاهي اآللي الذي ميكنه إعداد الوجبات من‬ ‫املواد األولية بطعم ممي� � ��ز بناء على رغبة املتذوق‬ ‫للطعام‪ ،‬وهذا ما نشاهده في أفالم ستارك تريك‬ ‫وحرب النجوم‪.‬‬ ‫م� � ��ن الناحية العملية‪ ،‬س� � ��يذهب عص� � ����ر الطهاة‬ ‫الذهبي ألنه ميكن حتديد الكميات املطلوبة لتحضير‬ ‫طبق شهي بسهولة في املختبر‪ ،‬وإن أسرار املهنة هي‬ ‫مبنزلة أحجية ال يعرفها س� � ��واهم عفى عليها الزمن‪،‬‬ ‫والت� � ��ي يتباهى به� � ��ا الطهاة في م� � ��ا بينهم ويحصلون‬ ‫على أجور ورواتب خيالي� � ��ة مقارنة بزمالئهم الطهاة‬ ‫الذين لم يسعفهم احلظ في معرفة سر الصنعة‪.‬‬ ‫وميكن أن تكون طاه ًيا جي ًدا من دون التمس� � ��ك‬ ‫بالعادات واملمارسات التي تعلمها الطهاة األقدم في‬ ‫املهنة‪ ،‬ولكن مبعرفة األس� � ��س العلمي� � ��ة التي حتضر‬ ‫مبوجبها أصناف الطعام‪ .‬وفي ما يلي بعض الوصفات‬ ‫التي ميكن للعلماء تفسيرها بسهولة‪.‬‬

‫حتضير الكسترد‬

‫الطه� � ��اة‪ ،‬مث� �ل��ا‪ ،‬يضيف� � ��ون كمي� � ��ات صغيرة من‬ ‫الطحني عند تس� � ��خني الكس� � ��ترد ‪ custards‬كي ال‬ ‫تتخثر‪ .‬كما يتبعون الطرق اخلاصة في إعدادها بكل‬ ‫دقة‪ ،‬ويتقيدون بنس� � ��ب املكون� � ��ات املذكورة في كتيب‬ ‫الوصف� � ��ات متاما‪ .‬ولهذا الس� � ��بب اس� � ��تمرت جتارب‬ ‫الطهاة السابقني وكذلك خبرات األمهات في إيصال‬ ‫خبراتهن إلى بناتهن‪ ،‬مع أنه ميكن من الناحية العلمية‬ ‫التجريبية املستندة إلى جتارب في الفيزياء والكيمياء‬ ‫معرف� � ��ة النس� � ��ب الداخلة في حتضير الكس� � ��ترد من‬ ‫الطحني‪ ،‬على س� � ��بيل املثال أغلب املواد الداخلة في‬ ‫حتضير وصفات املطبخ تكون من الزيوت أو البودرة‬ ‫وامل� � ��اء‪ ،‬وتكون عملية إعداد الطع� � ��ام من خالل قيام‬ ‫الطاه� � ��ي بخلط املكونات بنس� � ��ب معينة لكي يحصل‬ ‫عل� � ��ى ما يري� � ��ده من أن� � ��واع الطعام‪ ،‬لذا ف� � ��إن علماء‬ ‫الفيزياء قاموا بدراس� � ��ة املس� � ��تحلبات ‪emulsions‬‬ ‫(املتبددات)‬ ‫واملعلَّق� � ��ات ‪ suspensions‬واملبعثَرات‬ ‫ِّ‬ ‫‪ dispersions‬الصلب� � ��ة والرغ� � ��وة ‪ foames‬الت� � ��ي‬ ‫كثيرا ما يصادفونها أثناء عملية الطبخ‪.‬‬

‫فن الطبخ اجلزيئي والفيزيائي‬ ‫‪molecular and physical gastronomy‬‬ ‫كان� � ��ت البداي� � ��ة مبعرف� � ��ة مكون� � ��ات الطعام‪،‬‬

‫‪164‬‬

‫‪7/9/14 10:56:33 AM‬‬

‫حي� � ��ث كان بإم� � ��كان العلم� � ��اء بواس� � ��طة الط� � ��رق‬ ‫واألجهزة احلديثة ف� � ��ي التحليل الكروماتوجرافي‬ ‫‪chromotagraphy‬ع� � ��زل مكون� � ��ات األطعم� � ��ة‬ ‫املسؤولة عن روائحها ومذاقها‪ .‬وقد قاموا بتجارب‬ ‫سابقة من حل بعض األحاجي التي تباهى بها الطهاة‬ ‫من خالل معرفة املكون� � ��ات الداخلة في األطعمة‪،‬‬ ‫ألن لكل نوع من املواد الداخلة في الطعام رس� � ��مه‬ ‫اخلاص املميز في التحلي� � ��ل‪ ،‬والذي ميكن للعلماء‬ ‫معرفته بس� � ��هولة وبخاصة عل� � ��م جديد بدأ بالنمو‬ ‫هو فن الطهي (فن الطب� � ��خ) اجلزيئي والفيزيائي‬ ‫‪،molecular and physical gastronomy‬‬ ‫أي علم الطعام واالس� � ��تمتاع به‪ .‬وميكن من خالل‬ ‫املعلوم� � ��ات املتواف� � ��رة والتي س� � ��نحصل عليها من‬ ‫دراس� � ��ة خصائص اجلزيئات تفسير وإعداد بعض‬ ‫اخللطات‪ ،‬ومنها ‪ -‬على س� � ��بيل املثال ال احلصر ‪-‬‬ ‫البيض املسلوق مع املايونيز‪.‬‬ ‫‪ ‬هذا العل� � ��م يقدم لنا فرصة مثالية لدراس� � ��ة‬ ‫اخلصائص الفيزيائية واجلزيئية للمس� � ��تحلبات‪.‬‬ ‫فاملايوني� � ��ز والقش� � ��دة والزب� � ��دة كله� � ��ا أمثل� � ��ة عن‬ ‫املس� � ��تحلبات‪ .‬املس� � ��تحلب يتكون من سائلني غير‬ ‫ممزوج� �ي��ن يكون أحدهم� � ��ا مبعث ًرا بش� � ��كل دقيق‬ ‫متجانس على شكل قطيرات ضمن السائل الثاني‪،‬‬ ‫ويتم تثبيت اجلملة بوجود عامل استحالبي‪.‬‬ ‫تتألف املس� � ��تحلبات عادة من مزيج طور مائ ًيا‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 163-168.indd 164‬‬


‫مع عدد م� � ��ن الزيوت أو الش� � ��موع‪ ،‬وميكن أن منيز‬ ‫مس� � ��تحلبا من منط ماء‪/‬زيت أو زيت‪/‬ماء‪ .‬وهناك‬ ‫إمكان تشكيل مس� � ��تحلبات متعددة مثل ماء‪/‬زيت‪/‬‬ ‫ماء‪ ،‬حيث نقوم ببعثرة عدد من قطيرات املاء ضمن‬ ‫قطيرة زيت أكبر حج ًما‪ ،‬والتي يتم بعثرتها بعد ذلك‬ ‫ضمن املاء‪ ،‬كما ميكن حتضير مستحلب متعدد زيت‬ ‫‪/‬ماء‪/‬زيت‪.‬‬ ‫عندما تكون أبعاد قطيرات الطور املبعثر ضمن‬ ‫املجال الغروي‪ ،‬عندها يس� � ��مى املستحلب مستحلبا‬ ‫دقيق� � ��ا‪ ،‬ويك� � ��ون ش� � ��فافا‪ ،‬وخل� � ��ط قط� � ��رات الزيت‬ ‫بجزيئات املاء لتبدو متماس� � ��كة‪ ،‬م� � ��ع أنها ال متتزج‬ ‫مع بعضها البعض وتكون فيها قطرات صغيرة على‬ ‫ش� � ��كل (قطيرات) ألحد الس� � ��وائل معلقة في سائل‬ ‫آخر ال متتزج به‪.‬‬

‫مم يتكون املايونيز؟‬ ‫‪َ  ‬‬

‫يتكون املايونيز ‪ -‬كما هو معروف لدى الطهاة‪-‬‬ ‫من زيت نباتي وخل (أو عصارة ليمون) ومح (صفار)‬ ‫البي� � ��ض‪ .‬وملا كان نص� � ��ف املح ماء‪ ،‬يك� � ��ون املايونيز‬ ‫في الواقع مس� � ��تحلبا قوامه زيت ف� � ��ي ماء‪ .‬وعادة‪،‬‬ ‫مهما كانت ش� � ��دة خفق خليط املاء والزيت‪ ،‬ينفصل‬ ‫املكونان إلى طبقتني متمايزتني‪ .‬واملايونيز مستقر‪،‬‬ ‫ألن مح البيض يحتوي على ما يسمى جزيئات فعالة‬ ‫السطح ‪ ،surfactant‬وهي الليسيثني ‪.lecithins‬‬ ‫وهذه اجلزيئ� � ��ات عصوية الش� � ��كل ويتمتع طرفاها‬ ‫بخاصيت� �ي��ن مختلفتني‪ ،‬فأحد الطرفني جاذب للماء‬ ‫واآلخر طارد له‪ .‬والكرية الزيتية في معلق املايونيز‬ ‫تغط� � ��ى على األق� � ��ل بطبقة واحدة من الليس� � ��يثني‪،‬‬ ‫وهذا يسمح لها أن متتزج جيدا مع املاء‪ ،‬ألن اجلزء‬ ‫اجل� � ��اذب (احملب) للماء يالمس املاء‪ ،‬في حني يكون‬ ‫اجلزء الطارد (الكاره) للماء على متاس مع الزيت‪.‬‬ ‫وال تلتح� � ��م القط� � ��رات الصغيرة بعضه� � ��ا مع بعض‬ ‫مباش� � ��رة‪ ،‬ألن األطراف اجلاذبة للماء والبارزة من‬ ‫سطوحها تكتسب عادة ش� � ��حنات كهربائية متماثلة‬ ‫صغيرة فيتنافر بعضها مع بعض‪.‬‬ ‫ومب� � ��ا أن مح بيضة واحدة يس� � ��تحلب ما يتراوح‬ ‫بني ‪ 150‬و‪ 250‬مل من الزيت‪ ،‬وهي كما هو متعارف‬ ‫عليه مع الطه� � ��اة مختلفة عن تلك التي توصل إليها‬ ‫املح يحوي نحو جرامني من‬ ‫العلماء في املختبر‪ ،‬ألن ّ‬ ‫الليس� � ��يثني‪ ،‬ومبا أن قطر كرية الزيت في املايونيز‬

‫‪ 0.01‬م� � ��ل‪ ،‬لذا فإن محا واح� � ��دا بإمكانه أن يث ِّبت‬ ‫‪ 3.5‬لترات من الزيت‪ ،‬حسب ما وصل إليه الباحث‬ ‫املعد للدراسة ماكگي‪ ،‬أي أكبر من الكمية املتعارفة‬ ‫بعش� � ��رين مرة‪ .‬وتكمن البراعة في إضافة ما يكفي‬ ‫من املاء أو اخل� � ��ل أو النبيذ أو محاليل مائية أخرى‬ ‫للمحافظ� � ��ة عل� � ��ى قطرات الزي� � ��ت منفصلة بعضها‬ ‫عن بع� � ��ض بالتدريج وباخللط اجليد‪ ،‬وهو يش� � ��ابه‬ ‫ما يعمل به ف� � ��ي الصناعات الدوائية‪ ،‬إال أن الطهاة‬ ‫ال يس� � ��تطيعون أن ميضوا أكبر ف� � ��ي املزج واخللط‪،‬‬ ‫فيكتفون مبا حصلوا عليه من املايونيز‪ ،‬وهذا يفسر‬ ‫أيضا س� � ��بب انخفاض س� � ��عر املايونيز احملضر في‬ ‫الصناعة مقارنة مبا يكلفه حتضيره في املنزل‪.‬‬ ‫وحتى نتمكن من القضاء على مش� � ��كلة التسمم‬ ‫بالساملونيال‪ ،‬والتي تشكل السبب الرئيس لعمليات‬ ‫التس� � ��مم باملايونيز‪ ،‬ق� � ��د يلجأ البعض الس� � ��تخدام‬ ‫البيض اخلفيف الس� � ��لق‪ ،‬ألن بكتيريا الس� � ��املونيال‬ ‫متوت عند تعريضها بضع دقائق لدرجة حرارة ‪59‬‬ ‫مئوية‪ ،‬فينبغي إذن أن تضمن طريق ُة الطهي السليمة‬ ‫أال تتجاوز حرارة املح الدرجة ‪ 62‬مئوية‪ ،‬بل تبقى ما‬ ‫لست دقائق على األقل‪ .‬ألنه كلما‬ ‫بني ‪ 59‬و‪ 61‬مئوية ّ‬ ‫زادت مدة السلق‪ ،‬أدى إلى التأثير في قوام املايونيز‬ ‫املشكل فيبدو أقل متاسكا وكثافة‪.‬‬ ‫وبالطبع ميك� � ��ن قياس درجة حرارة مح البيضة‬ ‫باس� � ��تخدام‪ ‬املزدوجة احلرارية ‪thermocouple‬‬

‫‪165‬‬

‫‪7/9/14 10:56:41 AM‬‬

‫‪august 163-168.indd 165‬‬


‫يس� � ��ر هذا اجلهاز تطوي� � ��ر وصفة لتحويل‬ ‫وقد َّ‬ ‫البيضة امللوثة إلى بيضة سليمة خفيفة السلق‪.‬‬ ‫حت� � ��ى ال يتخثر احملل� � ��ول بزيادة التس� � ��خني يتم‬ ‫احتساب مدة التسخني ووضع البيضة في وعاء‬ ‫مملوء باملاء الس� � ��اخن واالستفادة من معلومة أن‬ ‫درجة احل� � ��رارة التي تقتل الس� � ��املونيال عندها‬ ‫أخفض من درجة حرارة تخثر املح‪.‬‬ ‫ألن البيض� � ��ة امللوث� � ��ة مبلي� � ��ون جرثومة‬ ‫س� � ��املونيال إنتريتي� � ��دس ‪salmonella‬‬ ‫‪ enteritidis‬ص� � ��ارت صاحل� � ��ة ل� �ل��أكل بفضل‬ ‫هذه املعاجل� � ��ة بعد ‪ 18‬دقيقة م� � ��ن الطهي‪ ،‬كما‬ ‫أن الطهاة بدورهم يلجأون إلى إضافة رشة من‬ ‫الطحني لتحول دون حدوث التخثر‪.‬‬ ‫يعم� � ��ل الباحث� � ��ون اآلن على بح� � ��ث آلية حل‬ ‫الطهاة لتلك املشكلة‪.‬‬

‫ملاذا يحدث التخثر؟‬

‫يح� � ��دث التخث� � ��ر ألن جزيئ� � ��ات البروت� �ي��ن‬ ‫الطويل� � ��ة في م� � ��ح البيضة تتحرر ف� � ��ي احمللول‬ ‫املائ� � ��ي من بعض قوى االرتب� � ��اط الضعيف (مثل‬ ‫الروابط الهيدروجينية واجلسور الكبريتية) التي‬ ‫ترب� � ��ط بعضها ببعض في تش� � ��كيالت حلزونية‪.‬‬ ‫والتسخني الكافي يحطم هذه الروابط‪ ،‬فتشكل‬ ‫القطع البروتينية الناجتة روابط ضعيفة جديدة‬ ‫مع جزيئ� � ��ات أخرى‪ .‬وعندما تتالقى البروتينات‬ ‫تتكت� � ��ل بعضها مع بعض ف� � ��ي جتمعات ويحدث‬ ‫التخثر‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لدور الطحني‪ ،‬فبإمكانه أن يعيق‬ ‫عملية التخثر ألن دقائقه تتألف‪ ،‬بش� � ��كل رئيس‪،‬‬ ‫من نوعني من النش� � ��اء‪ :‬األميل� � ��وز‪ ،‬وهو البوليمر‬ ‫من اجللوكوز‪ ،‬واألميلوبكتني‪ ،‬وهو بوليمر شديد‬ ‫التشعب للس� � ��كر نفسه‪ .‬فبارتفاع درجة احلرارة‬ ‫ينفصل ه� � ��ذان النوعان من النش� � ��اء عن حبيبة‬ ‫الطح� �ي��ن ويذوب� � ��ان‪ .‬ويبدو أن جزيئات النش� � ��اء‬ ‫الطويلة متنع التخثر‪ ،‬ألنها حتد من حرية حركة‬ ‫البروتينات ومتنعها من التجمع أو التخثر‪ .‬وهذا‬ ‫التعلي� � ��ل مقبول من الناحية العملية ولكنه يحتاج‬ ‫إلى حتديد الكمي� � ��ات املطلوبة بدقة من الدقيق‬ ‫ملنع التخثر ونوع النشاء األفضل‪ .‬وحتى ال يبقى‬ ‫األمر بناء على خبرات الطهاة العملية‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫‪7/9/14 10:56:53 AM‬‬

‫عجينة الكيك والبيتزا‬

‫أما بالنس������بة لعجينة الكيك والبيتزا‪ ،‬فهي‬ ‫أعق��������د لتعدد املكونات‪ ،‬وألنها تعتمد في قوامها‬ ‫على جتانس املكونات واخللط اجليد لها‪ .‬وتتألف‬ ‫مكوناتها األساسية من بياض البيض املخفوق‪،‬‬ ‫ومستحضر لزج مكون من زبدة ودقيق وحليب‪،‬‬ ‫وغالبا م������ا يدخل فيها صف������ار البيض‪ .‬يضاف‬ ‫أحيانا السمك أو اجلنب أو الشوكوالتة أو فواكه‬ ‫مطحون������ة‪ ،‬وميك������ن إضافة الفانيلي������ا ومكونات‬ ‫أخ������رى تعمل كمنكه������ات‪ .‬وتختل������ف الوصفات‬ ‫املع������دة م������ن الطهاة في نس������ب ه������ذه املكونات‬ ‫بعضه������ا لبعض‪ .‬لكنها جميعها تتفق على أهمية‬ ‫اخللط املتجانس للمس������تحضر اللزج مع البيض‬ ‫املخفوق‪ .‬كما تؤكد أيض������ا ضرورة االنتباه عند‬ ‫تشتيت الرغوة حتى ال يخرج الهواء الذي أ ُ ْد ِخل‬ ‫باخلفق‪.‬‬ ‫‪ ‬املهم ف� � ��ي طريقة حتضير الكيك أنها البد أن‬ ‫تقدم لألكل مباشرة‪ ،‬ألنها إذا انتفخت جيدا بشكل‬ ‫ملحوظ‪ ،‬فس� � ��تبدأ بالتداعي والهب� � ��وط خالل ثوان‬ ‫أو دقائق بعد إخراجها من الفرن‪ ،‬وأس� � ��باب انتفاخ‬ ‫النفيخ� � ��ة وهبوطه� � ��ا غير واضحة مع أن التفس� � ��ير‬ ‫العام يبدو بس� � ��يطا‪ ،‬وقد تفس� � ��ر بأنه عند تسخني‬ ‫املزيج ومح البيض‪ ،‬تتم� � ��دد فقاعات الهواء وترتفع‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 163-168.indd 166‬‬


‫عجين� � ��ة الكي� � ��ك‪ .‬فتخ ّثُر البيض ما ب� �ي��ن الفقاعات‬ ‫يجعلها قاس� � ��ية بحيث حتول دون تهاوي الكيكة إلى‬ ‫أن تنخف� � ��ض درجة احلرارة عل� � ��ى األقل‪ .‬وكلما زاد‬ ‫التس� � ��خني يزيد حجم الكيكة مبقدار ‪ 20‬في املائة‬ ‫فقط من الزيادة في حجمها‪ ،‬علما بأنها في املختبر‬ ‫قد ترتف� � ��ع حتى يصبح حجمها ثالثة أمثال حجمها‬ ‫األصل� � ��ي‪ ،‬ألن بخار املاء هو ال� � ��ذي ينفخها وميكن‬ ‫مالحظتها من خالل نزع قطعة من س� � ��طح الكيكة‬ ‫فيبدأ بخار املاء بالتسرب خارجا منها‪.‬‬ ‫ميكن التحكم في درجة احلرارة بقياسها على‬ ‫فترات‪ ،‬إال أنه من الناحية العملية مراقبتها عن بعد‬ ‫في الفرن وسيلة مريحة جدا‪.‬‬

‫حتضير الشوربة املركزة من اللحم (األساس)‬

‫تحُ ضر الش� � ��وربة بغلي اللح� � ��م واخلضار في‬ ‫املاء‪ ،‬وفضال عن قيمة الش� � ��وربة بحد ذاتها كغذاء‪،‬‬ ‫يتم إعداد الشوربات أو اخلالصات املركزة منها عن‬ ‫طريق خفض احلجم مرات عدة بغلي الش� � ��وربة إلى‬ ‫أن يصل حجمها إلى احلجم املطلوب‪ ،‬ولكن هل تكون‬ ‫املكون� � ��ات هي تلك املخففة من الش� � ��وربة األصلية‪،‬‬ ‫حيث إن تركيب البخار عادة قد يختلف عن تركيب‬ ‫السائل‪ ،‬ألن السوائل تكون مخلوطة بأمالح ذائبة ال‬ ‫تتبخر والذي يتبخر هو املاء على سبيل املثال؟ فهل‬ ‫تختلف الش� � ��وربة أو ما ميك� � ��ن اعتبارها اخلالصة‬ ‫(األساس) احملضرة بتركيز املرق عند درجة حرارة‬ ‫‪ 100‬مئوية عن تلك احملضرة عند درجة حرارة ‪80‬‬ ‫أو ‪ 60‬مئوية؟‬ ‫عملية التس� � ��خني في الطبخ التقليدي تعتمد‬ ‫على طريقتني أساسيتني لتسخني األغذية‪ ،‬تتمثل‬ ‫إحداهما في تعريض املادة لس� � ��ائل حار‪ ،‬وعادة ما‬ ‫يكون املاء أو القلي اخلفيف بالزيت أو الغاز احلار‬ ‫كما في الش� � ��واء في الفرن أو على الفحم‪ .‬فعندما‬ ‫تصطدم جزيئات َو َسط التسخني بسطح الطعام‪،‬‬ ‫فإنه� � ��ا تنقل طاقتها احلركي� � ��ة إليه‪ .‬تصل احلرارة‬ ‫إل� � ��ى داخل مادة الطعام بالنق� � ��ل والتوصيل فقط‪.‬‬ ‫وملا كان� � ��ت األجزاء املختلفة من الطعام تتمايز في‬ ‫تعرضها للس� � ��خونة أثناء طبخها‪ ،‬ال يكون مذاقها‬ ‫وقوامها متجانس� �ي��ن‪ .‬ويتأثر استمتاعنا بشريحة‬ ‫من اللحم (ستيك) من النوع املمتاز‪ ،‬أو رغيف خبز‬ ‫مح ّمص‪ ،‬أو عجة هشة إلى حد بعيد بهذا التدرج‬

‫احلراري واختالف التجانس في القوام والبنية‪.‬‬ ‫‪ ‬ظهرت فكرة تس� � ��خني املادة‪ ،‬داخلها وسطحها‬ ‫مع� � ��ا كما ف� � ��ي امليكروويف والتي مت� � ��ت مالحظتها‬ ‫بالصدف� � ��ة في احلرب العاملية الثانية‪ ،‬بأن املوجات‬ ‫امليكروي� � ��ة التي طولها نحو ‪10‬س� � ��م ميكنها اختراق‬ ‫مسافة كبيرة عبر املواد وتعطي أثناء مرورها طاقة‬ ‫على شكل حرارة‪.‬‬ ‫يحضر اللحم في فرن امليكروويڤ‬ ‫عندم� � ��ا‬ ‫ّ‬ ‫يسخن بصورة متجانس� � ��ة إلى الدرجة ‪ 100‬مئوية‬ ‫ويبقى عند تلك الدرجة م� � ��ادام يحوي ماء‪ .‬ولهذه‬ ‫الطريق� � ��ة ف� � ��ي طهي اللح� � ��م باملوج� � ��ات امليكروية‬ ‫ميزتان‪ :‬هي أسرع وتستهلك طاقة أقل‪ .‬من ناحية‬ ‫أخرى فإن الغلي التقليدي‪ ،‬بوجود الش� � ��وربة التي‬ ‫حتتوي على أعش� � ��اب وخض� � ��راوات‪ ،‬يعطي اللحم‬ ‫نكهات إضافية‪.‬‬ ‫إذا ما خير ش� � ��خص بني تناول اللحم املشوي‬ ‫أو املسلوق فهو يختار اللحم املشوي‪ ،‬ألنه ألذ من‬ ‫ناحية الطعم‪ ،‬كما أن لون الش� � ��واء األحمر والذي‬ ‫ينتج عن تفاعل الس� � ��كاكر واألحم� � ��اض األمينية‬ ‫املوج� � ��ودة في اللحم الت� � ��ي تترابط بعضها ببعض‬ ‫وتش� � ��كل أنواعا كثيرة من املركب� � ��ات بعضها يثير‬ ‫الشهية‪ ،‬وبعضها اآلخر ذو لون بني غامق‪ .‬ويطلق‬ ‫بتقصف وتشقق‬ ‫عليها تفاعالت ميالرد وتتس� � ��م‬ ‫ّ‬ ‫اللح� � ��م املش� � ��وي‪ ،‬وتش� � ��كل الكراميل من الس� � ��كر‬

‫‪167‬‬

‫‪7/9/14 10:56:59 AM‬‬

‫‪august 163-168.indd 167‬‬


‫احملروق وهذا ال يحدث في فرن امليكروويف‪.‬‬

‫البوظة (اآليس كرمي)‬

‫تعد البوظ� � ��ة من األغذية األكث� � ��ر تعقيدا التي‬ ‫نواجهه� � ��ا؛ كل من الرغوة واملس� � ��تحلب يحتوي على‬ ‫بلورات ثلجية وخليط مائي غير مجمد وعلى كم وافر‬ ‫من الفقاعات الهوائية (حتى تكون خفيفة)‪ .‬تضاف‬ ‫املس� � ��تحلبات خالل عملية التجميد لتطوير تكوين‬ ‫أكثر سالس� � ��ة وضمان أن البوظة لن تذوب سريعا‬ ‫بعد التقدمي‪ .‬كما أنها حتسن من عملية التحول بني‬ ‫التجمد والذوبان‪ .‬تستخدم اجللسيريدات الثنائية‬ ‫واألحادية لألحماض الدهنية (أي ‪ ،)٤٧١‬الليسيثني‬ ‫(أي ‪ )٣٢٢‬وعديد الس� � ��وربات (أي ‪ ،٤٣٢‬أي ‪)٤٣٦‬‬ ‫بش� � ��كل عام ف� � ��ي صناعة البوظة‪ .‬كم� � ��ا أن جميعها‬ ‫يستخدم في صناعة حلويات أخرى مثل السوربيت‪،‬‬ ‫امليلك شيك واللنب‪ ،‬واملوس املجمدة أيضا‪.‬‬ ‫طريقة التحضي� � ��ر التقليدية لتحضير البوظة‬ ‫تت� � ��م بخف� � ��ق البيض والس� � ��كر واملن ِّكه� � ��ات وتترك‬ ‫لتتجمد ببطء‪ ،‬يؤدي اخلفق إلى إدخال الهواء في‬ ‫املادة كما يحطم بلورات الثلج الكبيرة باس� � ��تمرار‪.‬‬ ‫وهناك طريقة أبس� � ��ط وذات م� � ��ردود أعلى وهي‬ ‫صب النتروجني الس� � ��ائل مباش� � ��رة في املكونات‪.‬‬ ‫فعند درج� � ��ة حرارة ‪ 196‬مئوية يجمد النتروجني‬ ‫مزي� � ��ج البوظ� � ��ة بس� � ��رعة ال تس� � ��مح إال لبلورات‬ ‫الثل� � ��ج الصغيرة بالتكون‪ .‬فح� �ي��ن يغلي النتروجني‬ ‫ويفور بش� � ��دة يشكل في الس� � ��ائل كمية وافرة من‬

‫‪168‬‬

‫‪7/9/14 10:57:07 AM‬‬

‫الفقاعات الغازية‪ .‬كما أن البرودة تش� � ��كل غمامة‬ ‫من ضباب كثيف يتمت� � ��ع الناظر برؤيته‪ ،‬وهذا ما‬ ‫يضيف إلى البوظة ملس� � ��ة تثي� � ��ر البهجة‪ .‬وبالطبع‬ ‫ال ميك� � ��ن حتضير البوظ� � ��ة في املن� � ��زل‪ ،‬ألنه من‬ ‫الصعوبة إحض� � ��ار النتروجني الس� � ��ائل املبرد‪ ،‬إذ‬ ‫يباع للمصانع املخصصة‪ ،‬ومتت إضافته هنا فقط‬ ‫لتوضيح ضرورة اخلفق اجليد للبيض والسكر مع‬ ‫مترير غاز بارد‪ ,‬وأقرب ش� � ��يء ل� � ��ه في املنزل هو‬ ‫بياض البيض الذي يخفق بس� � ��رعة فيكبر حجمه‬ ‫إلنتاج الكرمية‪ ،‬وتضاف مع عملية اخلفق الفانيال‬ ‫واملنكهات والعصائر‪ ،‬بحي� � ��ث إن بيضتني تكفيان‬ ‫إلعداد طبق حلوى‪.‬‬ ‫يس� � ��تطيع العلم أن يفسر أي شيء يحدث في‬ ‫ه� � ��ذا العالم‪ ،‬وميك� � ��ن للعلم أن يصن� � ��ع املواد بطرق‬ ‫كيماوية في املختبر‪ ،‬وبخاصة أن املواد ميكن معرفة‬ ‫تركيبها اجلزيئي‪ ،‬وذلك يسهل على علماء الكيمياء‬ ‫العضوية وغير العضوية ابت� � ��كار طرق لتحضيرها‬ ‫من املواد الكيميائية‪ ،‬فعلم الكيمياء بحر واسع جدا‬ ‫يستطيع اجلميع اخلوض فيه واإلبحار فيه‪ ،‬بشرط‬ ‫توافر امل� � ��واد األولية ومعرفة س� � ��لوك امل� � ��واد أثناء‬ ‫التفاع� � ��ل‪ .‬قد يأتي يوم نس� � ��تغني فيه عن الطاهي‬ ‫كم� � ��ا ذكرنا في مقدمة املقال� � ��ة‪ ،‬ويكون على برنامج‬ ‫احلاس� � ��وب أن يقوم بتحضير الطب� � ��ق الذي نريده‪.‬‬ ‫ولكن س� � ��يبقى للطاه� � ��ي دور ما في املس� � ��تقبل في‬ ‫ابت� � ��كار الوجب� � ��ات اللذيذة‪ ،‬التي س� � ��نقوم بتحويلها‬ ‫كبرنامج في احلاسوب >‬ ‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 163-168.indd 168‬‬


‫احلائي»‪...‬‬ ‫أزل ّية العالقة بني «الثالوث‬ ‫ّ‬

‫وحواء‪ ...‬والـحياة‬ ‫ـحية‬ ‫ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫د‪.‬ياسني األيوبي*‬

‫كثي � � � ًرا ما ْ‬ ‫يط� � ��رب الناس ألش� � ��ياء وأخبار‬ ‫محفوف� � ��ة باملخاطر واملهالك‪ .‬وما ذلك إ ّال‬ ‫الس َير‬ ‫أل ّن اإلنس� � ��ان يرتاح إلى استعراض ِّ‬ ‫يس� � ��مو بها خياله‬ ‫واحلكايات املرعبة‪ ،‬وهو بعيد عنها‪ْ ،‬‬ ‫وينأى إلى آفاق وأزمان شاسعة‪ .‬ال فرق في أن يقرأها‬ ‫أو يشاهدها‪ ،‬أو يسمع بها‪.‬‬ ‫وم� � ��ن هذه األخب� � ��ار املثي� � ��رة للهواج� � ��س‪ ،‬ما كان‬ ‫يصادفن� � ��ي في طفولتي‪ ،‬وأنا أجت ّول في حقول قريتي‪،‬‬ ‫وأتس � � �لّق األش� � ��جار‪ ،‬وأهبط األودية‪ ،‬أو أقوم بحراثة‬ ‫األرض وتنظيفه� � ��ا م� � ��ن ال َهيْ َش� � ��ر – أو ال َهش� � ��ير‪ ،‬كما‬ ‫تس � � � ّميه العام� � ��ة – فتصادفني األفاع� � ��ي من مختلف‬ ‫األحجام واملقاييس واألل� � ��وان‪ ،‬فأخوض معها صنوف‬ ‫الع� � ��راك الذي غال ًبا ما ينتهي باالنتصار عليها‪ ..‬فإنك‬ ‫وكنت في‬ ‫ال تس� � ��تطيع أن ترى أفعى ما‪ ،‬في أي مكان‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وضع ٍ‬ ‫نفسك بضربها ضر ًبا‬ ‫مؤات حيالها‪ ،‬إ ّال راو َدتْك ُ‬ ‫لمت‪ ،‬انتابك‬ ‫وس ْ‬ ‫يؤدي إلى موتها‪ ...‬حتى إذا ما فاتتْك َ‬ ‫احلز ُن والقلق‪ ،‬لنجاتها‪ ،‬م� � ��ن جهة‪ ،‬والحتمال عودتها‬ ‫إليك‪ ،‬من جهة ثانية‪.‬‬ ‫وال أش� � � ّ‬ ‫�ك في أن هذا العداء الش� � ��ديد من قِ بلنا‪،‬‬ ‫متباد ٌل بيننا وبينها؛ فهي ال تخاف ش� � ��ي ًئا كاإلنس� ��� ��ان‪،‬‬ ‫واإلنس� � ��ان كذلك‪ ،‬مهما اجته� � ��د العلماء واحلكماء في‬ ‫تخفيف الوق� � ��ع واألثر‪ ،‬من خالل حكاي� � ��ات وأحاديث‬ ‫وأس� � ��اطير‪ ،‬ع� � ��ن فوائدها وقيامها ب� � ��أدوار كانت فيها‬ ‫النصير واملداوي واحلارس‪..‬‬ ‫وأم� � ��ا العالقة األزل ّية التي ترب� � ��ط احل ّية باحلياة‪،‬‬ ‫من جهة‪ ،‬وبح ّواء‪ ،‬من جهة ثانية‪ ،‬فهي من األمور التي‬ ‫�دت أن املعاجم‬ ‫تدعو إل� � ��ى البحث والتأمل‪ .‬فقد وج� � � ُ‬ ‫واحلي‪ ،‬واحلياة‪،‬‬ ‫العرب ّية توقفت طويلاً أم� � ��ام احلية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فربط� � ��ت بني احل ّية والنح ّوي‪ ،‬أي االس� � ��تدارة؛ وكذلك‬ ‫بينه� � ��ا وبني الط� � ��راوة واالهتزاز من النبات� � ��ات‪ ،‬وبينها‬ ‫وبني احلياة الطويلة التي حيكت ألجلها بعض األمثال‪،‬‬ ‫فقيل‪:‬‬ ‫«ما ه� � ��و إ ّال ح ّي ٌة‪ ،‬وما هي إال ح ّي� � ��ة‪ ،‬وذلك لطول‬ ‫عم� � ��ر احل ّي� � ��ة‪ »...‬كأمنا س � � � ِّميا ح ّية لط� � ��ول حياتهما‬

‫(لسان العرب‪ :‬حيا)‪ .‬وقيل‪« :‬هو أبصر من ح ّية‪ ،‬حل ّدة‬ ‫بصرها‪ ،‬أو أظل ُم من ح ّية»‪.‬‬ ‫احلي‪،‬‬ ‫ومن العالقات التي تربط احل ّية باحلياة‪ ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫اإلقبال والس� � ��رعة إلى احلياة‪ ،‬ف� � ��كان حديث األذان‪:‬‬ ‫حي على الفالح! أي‪ :‬هل ّموا إليها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫حي عل� � ��ى الصالة‪ّ ،‬‬ ‫وأقبلوا مس� � ��رعني‪ ...‬أال يعني ذلك الس� � ��رعة املذهلة‬ ‫َّ‬ ‫منقضة على فريس� � ��تها‪ ،‬أو‬ ‫التي تتمتع بها احلية‪ ،‬وهي‬ ‫عدوها؟‬ ‫مو ِّلي ٌة هاربة من ِ ّ‬ ‫ولكن هذه املعاجم‪ ،‬لم تُول العناية الالزمة لتوضيح‬ ‫ّ‬ ‫العالقة اللغوية ما ب� �ي��ن احلية وحواء‪ ...‬فغاب الكالم‬ ‫وردت‬ ‫على ح ّواء‪ ،‬فيما عدا إش� � ��ارة عاب� � ��رة وخاطفة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫في لس� � ��ان العرب بقول� � ��ه‪« :‬وح � � � ّواء‪ :‬زوج آدم‪ ،‬عليهما‬ ‫الس� �ل��ام» (اللسان‪ :‬حوا)‪ .‬بينما قال ابن دريد‪( :‬ح ّواء‪:‬‬ ‫أحوى)‪ .‬واألحوى‪ ،‬هو األسود من الليل أو َّ‬ ‫الشعر‪،‬‬ ‫أنثى ْ‬ ‫واحل ّواء واحلاوي‪ :‬صاحبا احلية‪.‬‬ ‫وليس هناك من س� � ��بب لغياب كلم� � ��ة «ح ّواء» عن‬ ‫أعجمي‪ُ ،‬س ِّميت به املرأة األولى‪،‬‬ ‫املعجم‪ ...‬أهو اس� � ��م‬ ‫ّ‬ ‫قبل تك � � � ّون العربية؟ االش� � ��تقاق اللغ� � ��وي ال يؤيد هذا‬ ‫االفتراض‪.‬‬ ‫أما العالقة األولى ب� �ي��ن احل ّية وح ّواء‪ ،‬فقد بدأت‬ ‫من ج ّراء دخول إبليس في جوف احل ّية‪ ،‬بعد طرده من‬ ‫اجلنة‪ ،‬واستجابة ح ّواء له بعصيان األمر اإللهي‪ ،‬واألكل‬ ‫من الشجرة التي نُهي عنها ك ٌّل من آدم وح ّواء‪ ...‬وهي‬ ‫أ ّول فتن� � ��ة دخلت على الرجال من النس� � ��اء (القرطبي‬ ‫ج‪.)308 /1‬‬ ‫مهم� � ��ا يكن‪ ،‬فإ ّن العالقة األزلية بني احل ّية وح ّواء‪،‬‬ ‫وثيق� � ��ة وعميق� � ��ة‪ :‬كلتاهم� � ��ا متلك صف� � ��ات ومقومات‬ ‫متش� � ��ابهة‪ ،‬وأحيا ًنا متطابقة‪ ..‬كلتاهما شغلت الرجل‬ ‫واإلنسان‪ ،‬واحتلّت احل ّيز األكبر من التفكير‪.‬‬ ‫وإذا كان هناك من فرق يذكر بينهما‪ ،‬فهو أن احل ّية‬ ‫ش � � � ٌّر ُمحدق على الدوام‪ ،‬يتجنّبه اإلنسان‪ ...‬وقانا الله‬ ‫شر احل ّيات‪ ،‬في عالمَ ْي احليوان واإلنسان‪،‬‬ ‫من ِ ّ‬ ‫وأكس � � � َبنا منها ن ْعمة تس� � ��بيحه على ما أودعه في‬ ‫خلْقه من لطيف األسرار‪ ،‬وعظيم االعتبار! >‬

‫* كاتب من لبنان‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫‪7/9/14 10:58:16 AM‬‬

‫‪august p169.indd 169‬‬


‫اجتاهات تربوية ‪...‬‬

‫الذكاء الروحي‬

‫د ‪ .‬أمينة التيتون *‬

‫مع نهاية القرن العش ��رين‪ ،‬أصب ��ح مصطلح الذكاء‬ ‫الروح ��ي أو (‪ ،)SQ‬من املصطلحات التي تناقش في‬ ‫األوساط العلمية‪ ,‬الفلس ��فية والنفسية‪ ،‬والدينية‪،‬‬ ‫كذكاء ثالث يطرح س ��ؤال «مل ��اذا؟»‪ ,‬التي تتكامل مع‬ ‫كل م ��ن «م ��اذا؟» ال ��ذكاء املنطقي التقلي ��دي (‪،)IQ‬‬ ‫و«كي ��ف؟» الذكاء العاطف ��ي (‪ ،)EQ‬لتكتمل الصورة‬ ‫بالرب ��ط ب�ي�ن التفكير بالعق ��ل وبالقل ��ب‪ ،‬وبالروح‪.‬‬ ‫وللذكاء الروحي تعريفات عديدة‪ ،‬منها «القدرة على‬ ‫إيجاد معنى وهدف وقيم في حياتنا‪ ،‬وربط ما نقوم‬ ‫به وما نعيش ��ه بس ��ياق أكبر‪ ،‬وأغن ��ى‪ ،‬وأعـــمق»‪ ،‬فـــهو‬ ‫مبنزل ��ة الدليل الباطني الذي ميكن أن يقودنا إلى‬ ‫السالم‪ ،‬والنجاح‪ ،‬والسعادة‪.‬‬

‫* أكادميية من البحرين‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫‪7/9/14 10:59:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 669‬أغسطس ‪2014‬‬

‫‪august 170-173.indd 170‬‬


‫ع� � ��ادة ما يك� � ��ون األذكياء روحي � � �اً محبني‪،‬‬ ‫ومرحني‪ ،‬ومس� � ��املني‪ ،‬ويتمتع� � ��ون باملرونة‪،‬‬ ‫وبدرجة عالية من الوعي بالذات‪ ،‬والقدرة‬ ‫عل� � ��ى مواجه� � ��ة املعاناة والتعل� � ��م منه� � ��ا‪ ،‬وحتمل األلم‬ ‫والتغلب عليه‪ ،‬وضبط النفس في املواقف الصعبة‪ .‬كما‬ ‫مييلون لطرح أسئلة مثل «من أنا؟»‪ ،‬و«من أين أتيت؟»‪،‬‬ ‫و«مل� � ��اذا أنا هنا؟»‪ ،‬و«ماذا ميك� � ��ن أن أفعل؟»‪ ،‬ويبحثون‬ ‫ع� � ��ن إجابات‪ ،‬وع� � ��ن روابط جتمع األش� � ��ياء املختلفة‪،‬‬ ‫ويس� � ��تلهمون من الرؤى والقيم‪ ،‬وم� � ��ن صفاتهم أيضاً‪،‬‬ ‫اللطف‪ ،‬وقوة اإلميان‪ ،‬وحب اخلير‪ ،‬واالستقاللية‪.‬‬

‫الطريق إلى الذكاء الروحي‬

‫ميكن للذكاء الروحي أن يتحقق‪ -‬كما يرى ريتش�� ��ارد‬ ‫بوول في كتابه «اخلطوات الس�� ��بع للذكاء الروحي»‪ -‬عبر‬ ‫الوع�� ��ي‪ ،‬والبحث عن معنى‪ ،‬وتقيي�� ��م األمور‪ ،‬ثم التمركز‬ ‫حول الذات‪ ،‬وطرح أس�� ��ئلة مثل «مل�� ��اذا أفعل ما أفعل؟»‪،‬‬ ‫بعد ذلك‪ ،‬تكوين رؤية خاصة‪ ،‬والعمل ‪ -‬بعد التخطيط‪-‬‬ ‫إلظهار الفاعلية املوصل�� ��ة للخطوة األخيرة‪ ،‬وهي معرفة‬ ‫املهمة احلقيقية في احلياة‪.‬‬

‫اختبارات قياس‬

‫مع اتس� � ��اع ت� � ��داول املصطل� � ��ح‪ ،‬أصبح� � ��ت هناك‬ ‫محاوالت لوضع اختبارات لقياس واكتشاف هذا النوع‬ ‫من الذكاء‪ ،‬وفي هذا الصدد‪ ،‬جتد مولي بينتون‪ ،‬وهي‬ ‫طبيبة نفس� � ��ية‪ ،‬ومتخصصة في روحانية األطفال‪ ،‬أنه‬ ‫من املمكن اكتش� � ��اف املوهوبني روحياً من خالل سبعة‬ ‫فروع من شجرة احلياة‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪ -1‬احلكم�� ��ة واحل�� ��دس ‪ -2‬التعاط�� ��ف‪ ،‬واالنتماء‪،‬‬ ‫واالرتباط ‪-3‬املوت اجلس�� ��دي ‪ -4‬عال�� ��م الروح ‪ -5‬النور‬ ‫والظالم‪ ،‬واخلير والشر ‪-6‬اللعب العالجي ‪-7‬التحول‪.‬‬ ‫وذلك بطرح أسئلة تستطلع مشاعر الفرد‪ ،‬وخبراته‬ ‫الباطنية من خيال‪ ،‬وش�� ��عور‪ ،‬وممارس�� ��ات‪ ،‬كاإلحساس‬ ‫بالوج�� ��ود ف�� ��ي العالم لتأدي�� ��ة مهمة خا