Page 1

‫من �إ�صدارات م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‬

‫اجلـوبــة‬

‫قراءة في الساحة‬

‫التشكيلية مبنطقة اجلوف‬ ‫أهمية التأسيس للمتحق‬ ‫التعليمي بالوطن العربي‬

‫الكتابة النسوية تصنيف‬ ‫أدبي أم جندرية؟‬

‫كاتب ياسني‪ :‬املساءلة بني‬ ‫الكتابة والهوية والوطن‬ ‫ثنائية احللم والواقع في‬

‫قصصية “رائحة الطفولة”‬

‫ملف العدد عن األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬مبشاركة‪:‬‬

‫د‪ .‬عبدالفتاح أبو مدين‪ ،‬د‪ .‬فهد الهوميل‪ ،‬د‪ .‬فوزيـة أبو خالد‪ ،‬أ‪ .‬عبدالرحمن الدرعـــان‬ ‫د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي‪ ،‬د‪ .‬عبدالواحد احلميد‪ ،‬د‪ .‬عبدالعزيز الغزي‪ .‬د‪ .‬سعد البازعي‬

‫‪15‬‬


‫اجلـوبــة‬

‫مالب�س ن�سائية قدمية مبنطقة اجلوف‬

‫مئذنة م�سجد عمر الأثري بدومة اجلندل‬


‫الأمري تركي بن عبدالعزيز نائب وزير الدفاع والأمري‬ ‫عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري �أمري اجلوف خالل حفل‬ ‫�إفتتاح مطار اجلوف عام ‪1975‬م‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫‪1‬‬


‫العدد ‪15‬‬ ‫خريف ‪1427‬هـ ‪2006 -‬م‬

‫ملف ثقافي نصف سنوي‬ ‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫رئيس التحرير‬ ‫إبراهيم الحميد‬ ‫المراسالت‬ ‫توجه باسم رئيس التحرير‬ ‫ّ‬

‫هاتف‪)966+( )4( 6245992 :‬‬ ‫فاكس‪)966+( )4( 6247780 :‬‬ ‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬ ‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬ ‫‪aljoubah@yahoo.com‬‬ ‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬ ‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬ ‫‪ -1‬أن تكون المادة أصيلة‪.‬‬ ‫‪ -2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬ ‫‪ -3‬تراعي الجدية والموضوعية‪.‬‬ ‫‪ -4‬تخضع المواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬ ‫‪ -5‬ترتيب المواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ -6‬ترحب الجوبة بإسهامات المبدعين والباحثين‬ ‫والكتّاب‪ ،‬على أن تكون المادة باللغة العربية‪.‬‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‬ ‫مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬ ‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬ ‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬ ‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬ ‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وكذلك أنشأت جامع الرحمانية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫احملتويــــات‬

‫االفتتاحية‪ :‬هاجس ثقافي مبكر ‪4.....................‬‬ ‫قصائد‪ :‬ملهاة الكـائـن ‪ -‬زيـاد عبدالكريم السالم‪56....‬‬ ‫على مشارف الوجع‪ ..‬عمار الجنيدي ‪57...............‬‬

‫سيرة األمير ‪6..............‬‬ ‫ملف العدد‪:‬‬ ‫‪6‬‬ ‫>‪.........................‬‬ ‫هل نكتب عنه؟ ‪ -‬د‪ .‬زياد السديري‪9...............‬‬

‫ريادة لمؤسس طامح ‪ -‬عبدالفتاح أبو مدين ‪10.....‬‬ ‫بعض غرس األمير ‪ -‬أ‪ .‬د سعد البازعي‪15........‬‬ ‫رحلة حياتية ‪ -‬د‪ .‬فوزية أبو خالد ‪17..............‬‬ ‫الحياة مرتين ‪ -‬عبدالرحمن الدرعان‪19...........‬‬ ‫في رثاء رجل الوفاء ‪ -‬د‪ .‬أحمد العيسى‪21........‬‬ ‫السديري ومؤسسته ‪ -‬د‪ .‬حسن الهويمل ‪22.......‬‬ ‫وقفة مع سيرة أمير ‪ -‬إبراهيم السطام‪24.........‬‬ ‫الشعر والسياسة ‪ -‬د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي ‪26......‬‬ ‫مسيرة حافلة ‪ -‬د‪ .‬عبدالواحد الحميد ‪29.........‬‬ ‫الفكر الثاقب ‪ -‬سالم بن حمود الظاهر ‪31........‬‬ ‫في وداع والدي ‪ -‬ريم السديري ‪32................‬‬ ‫مواقف إنسانية وعبر ‪ -‬عـلي الراشــد ‪34..........‬‬ ‫أمير الحكمة والعطاء ‪ -‬فارس الروضان ‪36.......‬‬ ‫من مواقف األمير ‪ -‬د‪ .‬عبدالعزيز الغزي‪38.......‬‬ ‫جائزة التفوق العلمي ‪ -‬المبتعث بندر الشمري ‪40....‬‬ ‫ليرحمك الله أبا فيصل ‪ -‬ثامر المحيسن ‪42......‬‬ ‫دور رائد في خدمة الثقافة ‪ -‬محمد صوانه ‪43......‬‬

‫ار ِت ـب ـ ــاكٌ ‪ -‬ســعدي يوس ــف ‪58.........................‬‬ ‫قصائد ‪ -‬عبدالرحيم الماسخ ‪61.......................‬‬ ‫قصص‪ :‬الطريق إلى العدم ‪ -‬سعيد أحباط ‪62...........‬‬ ‫الرجل الذي ال ينام أبدا ‪ -‬محمد المزديوي ‪64........‬‬ ‫حلوى النعناع ‪ -‬طفول العقبي ‪66.......................‬‬ ‫هوس بنكهة القهوة ‪ -‬زياد العطية‪70...................‬‬ ‫ُ‬ ‫تور مدين ًة من نور ‪ -‬نادر الغنام ‪74.....................‬‬ ‫أمشاط الضوء ‪ -‬نوال الجبر ‪75.......................‬‬ ‫شمس غشت ‪ -‬أحمد الفطناسي‪78....................‬‬ ‫نشاطات ثقافية‪ :‬األسهم ما لها وما عليها ‪80.........‬‬ ‫النقد األدبي والنقد الثقافي‪81.........................‬‬ ‫نوافذ‪ :‬مصطلح الكتابة النسوية ‪ -‬د‪ .‬سناء شعالن ‪82............‬‬ ‫الحلم والواقع (رائحة الطفولة) ‪ -‬نور الدين بازين ‪85...‬‬ ‫كاتب ياسين‪ :‬الكتابة والهوية‪ ..‬ياسمينة صالح‪91......‬‬ ‫الموت واأللم في خائنة الشبه ‪ -‬عبدالحق ميفراني‪94...‬‬ ‫بين علم العقل والعاطفة ‪ -‬نبيل شبكة ‪98..............‬‬ ‫تنمية القراءة لدى األطفال ‪ -‬محمد صوانه ‪100.......‬‬ ‫المتحف التعليمي ‪ -‬د‪ .‬جميل الحميد‪103..............‬‬

‫> ‪43...............................‬‬

‫قراءات‪ :‬رواية‪ :‬وطن من زجاج ‪ -‬حازم إلياس ‪106.....‬‬ ‫فن تشكيلي‪ :‬الساحة التشكيلية بالجوف ‪ -‬مؤيد منيف‪112...‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫‪3‬‬


‫هاجس ثقافي مبكر‬ ‫> رئيس التحرير‬ ‫بقدر سعادتنا باستئناف صدور مجلة الجوبة‪ ،‬ابتداء من عددها الرابع عشر‪ ،‬بقدر ما أثلجت‬ ‫صدورنا تلك الحفاوة التي قوبل بها هذا الصدور‪ ،‬من مختلف األوساط الثقافية واإلعالمية‬ ‫محلياً وعربياً‪ .‬فقد حظيت المجلة بأوسع تغطية لصدورها‪ ،‬وكان لها شرف أن تحظى باهتمام‬ ‫بعض المبدعين الذين وصلت إليهم‪ ،‬إضافة إلى عشرات المطبوعات الثقافية والصحفية‬ ‫ومواقع االنترنت األدبية من المحيط إلى الخليج‪ ،‬ما يضيف إلى مسؤولياتنا مهمة شاقة‪ ،‬وهي‬ ‫أن نسعى للحفاظ على ثقة محبينا من مبدعين وقراء‪ .‬لم تكن رعشة‪ ،‬وال إحساساً مفاجئاً‬ ‫بالدهشة‪ ،‬فحسب بل معان أخرى تلك التي احتلتني‪ ،‬وأنا أراقب الرسائل التي بدأت تصل إلى‬ ‫المجلة عقب توزيعها من أطياف مختلفة حلّقت في فضاءات الجوبة‪.‬‬ ‫وإذ يتضمن هذا العدد مساحة مناسبة للمواد اإلبداعية‪ :‬قصة‪ ،‬وشعراً‪ ،‬ونثراً‪ ،‬ونقداً؛ وإذ‬ ‫تتشرف الجوبة أن تقدم لقرائها وجبة متنوعة من الكتابات‪ ،‬التي تمثل أطيافاً متعددة من كتّاب‬ ‫ومثقفي المملكة والعالم العربي‪ ،‬تجد الجوبة أنه من الوفاء الحديث عن مؤسسها‪ ،‬ومؤسس‬ ‫مؤسسة عبدالرحمن بن أحمد السديري الخيرية‪ ،‬وأمير منطقة الجوف األسبق معالي األمير‬ ‫عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬رحمه الله؛ إذ توثّق الجوبة بعضاً من صفحات سيرته‪ ،‬رحمه‬ ‫الله‪ ،‬بمناسبة رحيله عن دنيانا الفانية‪ ،‬بعد حياة حافلة بالعطاء‪ .‬وإن مجلة الجوبة إذ تخصص‬ ‫هذا الملف للمؤسس الراحل‪ ،‬فإنها تقوم بهذا العمل إيماناً منها بالدور الوطني الكبير‪ ،‬الذي‬ ‫أسداه الراحل الكبير لوطنه من خالل وجوده على رأس منطقة من مناطق المملكة العربية‬ ‫السعودية العزيزة‪ ،‬التي حقق فيها بعضاً من طموحه في سبيل االرتقاء بها وتنميتها‪.‬‬

‫ا فتتا حيــــة‬ ‫‪4‬‬

‫إن سيرة األمير الراحل تستحق أن تدرس‪ ،‬ألنها تمثل مرحلة زمنية عبّر فيها‪ ،‬خالل مراحل‬ ‫كثيرة‪ ،‬عن تقدّمه على عصره بفكره ومشاريعه‪ ،‬التي تأتي في مقدمتها «مؤسسة عبدالرحمن‬ ‫ال‬ ‫السديري الخيرية»‪ ،‬وهي على أي حال سيرة رجل‪ ،‬امتزجت حياته الشخصية امتزاجاً كام ً‬ ‫بالحياة العامة؛ نتيجة ُق ْربِهِ من أهالي المنطقة‪ ،‬وزيارته لكل بيت فيها‪.‬‬ ‫وإذا كان عبدالرحمن السديري قد رحل عنا بحضوره‪ ،‬فإنه بال شك قد نحت له وشماً في‬ ‫سجل الخالدين‪ ،‬من خالل مؤسسته الثقافية العمالقة التي يتمنى كثير من أهالي المناطق‬ ‫وجود نظير لها في مناطقهم‪ ،‬لما تقوم به هذه المؤسسة من جهود ثقافية‪ .‬وصلت أصداؤها‬ ‫إلى مختلف البلدان‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫إن مؤسسة عبدالرحمن السديري ليست مجرد‬ ‫كيان خيري‪ ،‬يتوقف على دور معين تقوم به كثير من‬ ‫المؤسسات األخ��رى‪ ،‬بل تعدى دوره��ا إلى االعتناء‬ ‫باإلنسان‪ ،‬واإلسهام في بناء ثقافته من خالل األدوار‬ ‫التي تقوم بها‪ ،‬ببرامجها الثقافية المميزة ومكتبتها‬ ‫الرائدة؛ لذا فقد أضفت هذه المؤسسة نكهة ثقافية‬ ‫على مدينة تاريخية موغلة في أعماق التاريخ‪ ،‬وإذا‬ ‫كانت كثير من المشروعات الثقافية التي تقام بالنيات‬ ‫الحسنة‪ ،‬تتكسر على صخرة التمويل واإلدارة‪ ،‬على‬ ‫المدى البعيد؛ فإن ثاقب بصيرة األمير عبدالرحمن‬ ‫السديري‪ ،‬قد بادرت إلى تبني عدد من المشروعات‬ ‫االستثمارية‪ ،‬التي يعود ريعها على المؤسسة لتمكينها‬ ‫من أداء عملها‪ ،‬وفقاً لما خطط له مؤسسها دون‬ ‫انتظار لمعونة‪ ،‬أو مساعدات‪ ،‬تأتي وقد ال تأتي‪ ،‬ما‬ ‫مكّن هذه المؤسسة أن تجتاز عقدين من الزمان‪،‬‬ ‫بكل تقدم وازده��ار في برامجها الثقافية والعلمية‪،‬‬ ‫بحمد الله‪.‬‬ ‫ك��م��ا أن خ��ط��ة ال��ن��ش��اط ال��ث��ق��اف��ي ال��ت��ي تبنتها‬ ‫المؤسسة‪ ،‬بدءاً من سلسلة المحاضرات والندوات‬ ‫التي تقيمها‪ ،‬وليس انتهاء بالمعارض التشكيلية‪،‬‬ ‫والندوات العلمية‪ ،‬والتظاهرات الثقافية‪ ،‬لهي أبلغ‬ ‫تأكيد على دور المؤسسة الحضاري الكبير‪ ،‬الذي‬ ‫أغلق باباً مشرعاً من الفراغ الثقافي‪ ،‬لم يكن ليغلق‬ ‫لو لم تتوفر ه��ذه المؤسسة الثقافية ال��رائ��دة‪ .‬كما‬ ‫أن اش���راك نخبة م��ن أب��ن��اء المنطقة ف��ي نشاطات‬ ‫المؤسسة واالستعانة بخبراتهم‪ ،‬كان له أبلغ األثر‬ ‫في تكوين أجيال من الشباب المنظّ م‪ ،‬القادر على‬ ‫إدارة مختلف النشاطات الوطنية‪ ،‬وخير مثال على‬ ‫ذل��ك ما ك��ان يقوم به أسبوع الجوف‪ ،‬بوصفه أبرز‬ ‫نشاط ثقافي شهدته المنطقة في تاريخها‪ ،‬من خالل‬ ‫دوره في التعريف بتراث المنطقة وثقافتها‪ ،‬وبمثقفي‬ ‫المنطقة والمملكة‪.‬‬ ‫وال ننسى للمؤسس م��ب��ادرات��ه المبكّرة للتكوين‬ ‫الثقافي وإق��ام��ة المهرجانات ف��ي مرحلة مبكرة‪،‬‬ ‫مقارنة بما شهدته بقية مناطق المملكة‪ ،‬ومنها بناء‬

‫المكتبة العامة‪ ،‬التي كانت نواة لمكتبة دار الجوف‬ ‫للعلوم‪ ،‬وتنظيم سباقات الهجن السنوية ومعارض‬ ‫المنسوجات‪ ،‬في ستينيات القرن الفائت‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى برامج تشجيع التفوق العلمي‪ ،‬من خالل جائزة‬ ‫التفوق العلمي‪ ،‬التي كان لها األثر األكبر في تشجيع‬ ‫الطالب وتحفيزهم على التفوق‪ ،‬والتي وصلت اليوم‬ ‫إلى ابتعاث عدد من الطالب المتفوقين إلى الواليات‬ ‫المتحده وغيرها‪.‬‬ ‫ل��ق��د ام��ت��زج��ت س��ي��رة ع��ب��دال��رح��م��ن السديري‬ ‫بمسيرة الوطن منذ تأسيسه‪ ،‬فقد عاصر المراحل‬ ‫الكبرى لتوحيد المملكة وتوطيد أركانها‪ ،‬وعاصر‬ ‫فترات واجهت الدولة فيها عواصف شتى من حروب‬ ‫إقليمية‪ ،‬ومحاوالت بعض ال��دول الخارجية التأثير‬ ‫على الداخل بالدعاية‪ ،‬إضافة إلى تفاعله مع قضايا‬ ‫أمته العربية واإلس�لام��ي��ة‪ ،‬ويتضح ه��ذا م��ن بعض‬ ‫أشعاره التي تؤكد حسه العروبي اإلسالمي المتفاعل‬ ‫مع محيطه‪.‬‬ ‫إن مسيرة األمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬تختصر‬ ‫المسافة التي يمثلها رج��ل آم��ن بالوطن والتنمية؛‬ ‫فأصبح جزءاً من هذا الوطن ليحكي سيرته لألجيال‪.‬‬ ‫وإننا ال يمكننا الحديث عن عبدالرحمن السديري‬ ‫اال كشخصية كان هاجسها الثقافي مبكراً‪ ،‬وخاصة‬ ‫عندما نتقصى الظرفين الزماني والمكاني؛ ففي‬ ‫حين كانت مشروعات توطين البادية ومحو األمية‬ ‫طابع تلك المرحلة نجد أن معاليه‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬كان‬ ‫كمن يستدرج المستقبل إلى تخوم الحاضر؛ فنواة‬ ‫هذه المؤسسة كما ال يعرف ذلك إال القليلون‪ ،‬بدأت‬ ‫في الثمانينيات الهجرية (الستينات الميالدية)‪ ،‬من‬ ‫خالل مكتبة دار الجوف للعلوم‪ ،‬التي أصبحت اليوم‬ ‫منارة فكرية كبيرة‪ ،‬يُشار إليها على مستوى الوطن‪،‬‬ ‫تعد الجوبة إحدى ثمراتها‪ ،‬التي تمتد إلى مختلف‬ ‫النشاطات الفكرية والمنبرية والعلمية والثقافية‪،‬‬ ‫إضافة إلى مشروعها الرائد «برنامج النشر ودعم‬ ‫األبحاث»‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫‪5‬‬


‫ملف العدد‬

‫صفحــات مـن ســيـرة‬

‫األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬

‫أمير منطقة اجلوف السابق‬ ‫ومؤسس مؤسسة‬

‫عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫س���ي���رة األم���ي���ر‬ ‫‪6‬‬

‫عبد الرحمن ب��ن أحمد ال��س��دي��ري‪ ..‬ول��د ف��ي ال��غ��اط سنة‬ ‫‪1338‬ه����ـ‪ ،‬وتلقى تعليمه على ي��د الشيخ عبدالمحسن بن‬ ‫عبدالعزيز بن منيع‪ ،‬ومن بعده الشيخ سلمان بن عبدالله بن‬ ‫إسماعيل‪ ،‬ونشأ في غمرة أحداث بناء الدولة السعودية على‬ ‫يد موحدها الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله‪ .‬تولى‬ ‫إمارة منطقة الجوف في الخامس من رمضان لعام ‪1362‬هـ‪،‬‬ ‫وهو في الرابعة والعشرين من عمره‪ ،‬واستمر في هذا المنصب‬ ‫إلى أن تقاعد في ‪1410/07/01‬ه��ـ‪ .‬وفي أثناء فترة إمارته في‬ ‫الجوف‪ ،‬قام بتمثيل حكومة المملكة العربية السعودية في‬ ‫اللجان التي شكّ لت لمعالجة مسائل الحدود‪ ،‬ومشاكل القبائل‬ ‫السعودية والعراقية‪ ،‬وذلك فيما بين ‪11368/07/05‬ه��ـ و ‪/12‬‬ ‫‪1375/11‬ه��ـ‪ .‬كما تولى إدارة مفتشية الحدود الغربية‪ ،‬وإمارة‬ ‫القريات بالوكالة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ي��ت��ح��دث ال���ذي���ن ع���رف���وا األم���ي���ر عبدالرحمن‬ ‫السديري وعملوا معه عن حنكته وتواضعه وحلمه‪،‬‬ ‫وع��ن فعالية أسلوبه ف��ي معالجته ل�لأم��ور العامة‪،‬‬ ‫وتفانيه في سبيلها‪ ،‬وعن نذره كل وقته للعمل‪ ،‬وفتحه‬ ‫أبواب مكتبه ومجلسه للمواطن والمقيم‪ ،‬دائماً دون‬ ‫ق��ي��ود؛ كما يتحدثون ع��ن نهجه ف��ي كسب القلوب‬ ‫والعقول‪ ،‬بالحكمة واح��ت��رام اإلن��س��ان‪ ،‬والمحافظة‬ ‫على حقوقه أي��اً ك��ان‪ .‬ويصف ه��ذا الحال؛ الدكتور‬ ‫أحمد اللهيب خالل تعليق له على ديوان «القصائد»‪،‬‬ ‫الذي ضم بعض أشعار األمير فقال‪« :‬المهم الذي لم‬

‫ملف العدد‬ ‫إدارة وتمويل مكتبة «دار الجوف للعلوم»‪ ،‬التي كان‬

‫األمير المؤسس قد وضع لبناتها األولى سنة ‪1383‬هـ‪،‬‬

‫وسعى ألن تكون بمجموعتيها العامة والخاصة مركزاً‬

‫ل��ل��دراس��ة والبحث وال��ن��ش��ر‪ ،‬تسهم ف��ي ب��ث الثقافة‬ ‫في منطقة الجوف‪ ،‬ونشر الدراسات المتعلقة بها‪،‬‬

‫وحفظ تراثها األدب��ي واألث��ري‪ .‬وقد حرص األمير‪،‬‬

‫على أن تكون ال��دار مكونة من مكتبتين متماثلتين‪،‬‬ ‫مكتبة عامة للرجال‪ ،‬وأخرى عامة للنساء‪ ،‬هي أول‬ ‫مكتبة نسائية عامة في المملكة العربية السعودية‪.‬‬

‫وفي مجال التعليم‪ ،‬عُني األمير بمتابعته افتتاح‬

‫أقرأه حسب إطالعي المحدود في الشعر الشعبي‪،‬‬

‫المدارس في منطقة الجوف‪ ،‬وحث المواطنين‪ ،‬سواء‬

‫واالجتماعية‪ ،‬بين األمير ورعيته‪ ،‬فهو يشكو ألم فراق‬

‫إلحاق أبنائهم وبناتهم في هذه المدارس‪ ،‬ومتابعة‬

‫العاطفية‪ ،‬كأنه يرسلها ألبنائه‪ ،‬وال يخص أحداً دون‬

‫األم���ور على تقّبل تعليم البنات وتفهّمهم ل��ه‪ ،‬حث‬

‫إال لهذا األمير‪ ،‬هو ما يتعلق بالناحيتين السياسية‬

‫كانوا من أهل الحاضرة‪ ،‬أو من أهل البادية‪ ،‬على‬

‫الجوف وأهله‪ ،‬إذا سافر عنهم‪ ،‬ويرسل لهم القصائد‬

‫تحصيلهم العلمي فيها‪ .‬وفي سبيل مساعدة أولياء‬

‫أحد‪ ،‬ويجيبونه بالمثل؛ فأهل الجوف في مساجالت‬ ‫شعرية ودية مع أميرهم‪ ،‬في حين أن كثيراً غيرهم‬ ‫مشغولون بالمساجالت الخالفية‪ .‬والحق يقال‪ ،‬أن‬ ‫هذه الناحية السياسية الهامة فريدة جداً‪ ،‬وهي صفة‬ ‫فعّالة وناجحة‪ ،‬استطاع األمير من خاللها أن ينتقل‬

‫معاليه كريماته على العمل في أول مدرسة للبنات‪،‬‬

‫افتتحت في الجوف‪ ،‬وبادر في لقاءاته مع المواطنين‬ ‫بالحديث ع��ن ف��ائ��دة تعليم ال��ب��ن��ات‪ ،‬والتأكيد على‬

‫أهميته‪ ،‬ما كان له أثره في تلك المرحلة المبكرة من‬

‫مسيرة التعليم في المنطقة‪.‬‬

‫من قصر اإلمارة ولغتها إلى عطف األبوة وشفقتها‪،‬‬

‫كما حرص األمير على تشجيع أهل البادية على‬

‫عُرف األمير عبدالرحمن السديري بحبه للعلم‪،‬‬

‫في تحقيق هذا الهدف‪ ،‬ومن ذلك على سبيل المثال‪:‬‬

‫والمجتمعات في أزمة من هذا النوع»‪.‬‬ ‫والزراعة‪ ،‬والرياضة‪ ،‬واهتمامه بتراث المنطقة‪ ،‬إلى‬ ‫جانب اهتمامه بنهضتها ورقيها‪ .‬وتعكس مؤسسة‬ ‫عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬التي صدر بها األمر‬ ‫الملكي الكريم رقم أ‪ 442/‬وتاريخ ‪1403/09/09‬هـ‬

‫االستيطان‪ ،‬وشارك في اقتراح المشاريع التي تسهم‬ ‫مشروع توطين البادية في وادي السرحان‪ ،‬إدراكاً‬ ‫تحضر أهل البادية‪ ،‬وتمكّينهم من تعليم‬ ‫ّ‬ ‫منه ألهمية‬

‫أبنائهم وبناتهم‪ ،‬وتحّ ولهم إلى مصالح وأعمال توفر‬ ‫قدراً أكبر من استقرار الحال ورغد العيش‪.‬‬

‫األهمية التي يوليها األمير لنشر الثقافة والعلم في‬

‫وي��ع��ك��س وع���ي األم��ي��ر ب��ه��ذا ال��ج��ان��ب واهتمامه‬

‫مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬هو تولي‬

‫وتخصيصها في باديء األمر لحديثي االستيطان من‬

‫منطقة الجوف‪ .‬فقد كان الغرض األساسي من تكوين‬

‫ب��ه مسابقة المزارعين التي ب��دأه��ا ع��ام ‪1385‬هـ‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫‪7‬‬


‫ملف العدد‬ ‫أهل البادية‪ ،‬ثم عممها لتشمل كل مزارعي المنطقة‪،‬‬

‫تنفذه المؤسسة من أعمال خيرية بالمنطقة‪.‬‬

‫وأرادها أن تكون من خالل الجوائز والمعلومات التي‬

‫وقد نعى الديوان الملكي معالي األمير عبدالرحمن‬

‫ودع��م المهمتين بصناعتها من خالل الجوائز التي‬

‫الصفحات اآلتية ملفاً يتضمن ش��ه��ادات لعدد من‬

‫تقدم فيها‪ ،‬وسيلة لتعريف المستفيدين من المسابقة السديري رحمه الله بالبيان التالي‪:‬‬ ‫بوسائل الزراعة الحديثة وتقنياتها المتجددة‪ ،‬وتعد‬ ‫بيان من الديوان الملكى ‪ /‬انتقل إلى رحمة الله تعالى‬ ‫مسابقة ال��م��زارع��ي��ن ب��ال��ج��وف‪ ،‬أول برنامج منظم‬ ‫فجر هذا اليوم األحد ‪ 26‬صفر ‪1427‬هـ (الموافق ‪26‬‬ ‫للمسابقات الزراعية بالمملكة‪.‬‬ ‫مارس ‪2006‬م) معالي االمير عبدالرحمن بن أحمد‬ ‫كما بدأ األمير منذ ‪1385‬هـ بتنظيم سباق الهجن‬ ‫بن محمد السديرى‪ ،‬خال خادم الحرمين الشريفين‬ ‫بالمنطقة‪ ،‬كان هدفه األول منه جمع أهل المنطقة‬ ‫الملك فهد بن عبدالعزيز‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وأمير منطقة‬ ‫في هذه المناسبة للجلوس معهم‪ ،‬واالستماع إليهم‪،‬‬ ‫الجوف سابقاً‪ ،‬بعد مرض عضال‪ .‬وسوف يصلى على‬ ‫ومعالجة بعض الظواهر التي تؤثر فيهم‪ ،‬والمسائل‬ ‫جثمان معاليه عصر هذا اليوم فى جامع اإلمام تركى‬ ‫التي تهمهم‪ ،‬وخلق جواً من التآلف والتعارف يسمح‬ ‫في الرياض ثم يدفن في الغاط‪ .‬والفقيد‪ ،‬رحمه الله‪،‬‬ ‫بتنامي العالقات االجتماعية واالقتصادية بينهم‪،‬‬ ‫عمل مدة طويلة فى خدمة دينه وبالده ومليكه‪ ،‬حيث‬ ‫إضافة إل��ى تشجيع أبناء المنطقة على االحتفاظ‬ ‫عين أميراً للجوف عام ‪1362‬ه��ـ‪ ،‬حتى تقاعد بناء‬ ‫بسالالت الهجن األصيلة‪ ،‬التي يملكونها‪ ،‬والمحافظة‬ ‫على طلبه عام ‪1409‬هـ‪ ،‬كما أسهم‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬فى‬ ‫على هذه الرياضة العربية القديمة‪ ،‬التي يحبونها‪.‬‬ ‫العديد من األعمال الخيرية واالجتماعية‪ .‬تغمده الله‬ ‫ويعد سباق الهجن‪ ،‬أول سباق منظم للهجن يقام في‬ ‫بواسع رحمته ومغفرته وأسكنه فسيح جنته‪.‬إنا لله‬ ‫المملكة‪ .‬ويرافق هذا السباق إقامة معرض للسجاد‬ ‫وإنا اليه راجعون‪.‬‬ ‫والمنسوجات‪ ،‬التي تصنعها أيدي نساء بادية المنطقة‪،‬‬ ‫ووف���اء لمعاليه‪ ،‬رح��م��ه ال��ل��ه‪ ،‬تُ��ق��دِّم ال��ج��وب��ة في‬ ‫استهدف منه األمير التعريف بهذه الصناعة المحلية‪،‬‬ ‫توزع فيها‪ ،‬وسوق البيع المصاحب لها‪ .‬وقد أسهمت‬

‫المعارض العديدة‪ ،‬التي أقيمت لهذا الغرض‪ ،‬في‬ ‫استمرارية هذه الصناعة التراثية المميزة وتطورها‪.‬‬

‫واألمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬شاعر مرهف‪،‬‬

‫يحب األدب والتاريخ والتراث‪ ،‬ويعشق الفروسية بكل‬ ‫معانيها‪ .‬صدر له «ديوان القصائد» مطبوعاً ومسجالً‪.‬‬

‫كما ص��در له كتاب عن تاريخ منطقة ال��ج��وف‪ ،‬هو‬ ‫كتاب «ال��ج��وف وادي النفاخ»‪ ،‬وج��رت ترجمته إلى‬

‫اللغة اإلنجليزية‪ .‬وقد خصص األمير ريع هذه الكتب‬

‫لصالح مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬فيما‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫المهتمين‪ ،‬ممن ك��ان��وا على صلة ومعرفة باألمير‬ ‫الراحل ومؤسسته الكبيرة‪ ،‬ومادة عن المؤسسة التي‬ ‫أسسها‪ .‬مؤكدين أننا لن نستطيع أن نوفي األمير‬ ‫الراحل ولو جزءاً يسيراً مما قدّ مه للثقافة والعلم في‬ ‫وطنه؛ فما الجوبة‪ ,‬ومكتبة دار الجوف للعلوم‪ ,‬ومركز‬ ‫الرحمانية الثقافي في الغاط‪ ,‬وغيرها كثير من فروع‬ ‫المؤسسة إال غ��راس يديه‪ ،‬وم��ا هي إال ثمرات ما‬ ‫بناه األمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬رحمه الله رحمة‬ ‫واسعة‪.‬‬

‫أسرة التحرير‬


‫ملف العدد‬

‫هل نكتب عنه؟‬

‫(‪)1‬‬

‫> د‪ .‬زياد بن عبدالرحمن السديري‬

‫«عندما يكتفي أه��ل ال��ج��وف م��ن ال��م��اء‪ ،‬عندها وشعوره نحوهم‪.‬‬ ‫أكتفي منه»‪.‬‬ ‫وبعد؛ فأنا لست خي َر َم ْن يكتب عن أبي فيصل أو‬

‫هذا ما أجابني به أبو فيصل رحمه الله‪ ،‬باسماً‬ ‫ومداعباً‪ ،‬عندما سألته ‪ -‬بعد أن أفاق من الغيبوبة‬ ‫التي ألمت به على أثر مرضه العضال سنة ‪1411‬هـ‬ ‫(‪1991‬م)‪ ،‬وك��ان ال يقدر على شرب الماء‪ ،‬فأقدمه‬ ‫ل��ه بملعقة صغيرة‪ ،‬وي��ح��ذرن��ي األط��ب��اء م��ن خطورة‬ ‫اإلف����راط ف��ي ذل���ك‪ ،‬ف��أك��ون بين خشية ال��وق��وع في‬ ‫المحظور والشفقة عليه‪ .‬وقد أمضى عدة أشهر ال‬ ‫يعرف الشرب إال بوسيلة األنابيب ‪ -‬إن كان قد اكتفى‬ ‫من الماء فأمنعه عنه‪.‬‬ ‫وقبل ذل��ك بنحو عقدين من ال��زم��ان‪ ،‬أوص��ى أبو‬ ‫فيصل أبناءَه‪ ،‬عشية عملية القلب التي أجراها في‬ ‫شتاء سنة ‪1394‬ه���ـ (‪1974‬م)‪ ،‬فكتب لهم‪« :‬رغبتي‬ ‫أن تهتموا ببناء المكتبة العامة بالجوف‪ ،‬وتنفذوها‬ ‫بموجب مخططاتها الموجودة ضمن المكتبة‪ ،‬وهذا‬ ‫كل ما أطلبه منكم‪ ...‬كما أرغب أن تصدروا الكتاب‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الذي نحن بصدد إخراجه عن منطقة الجوف» ‪.‬‬

‫يُق ّو َم عمله‪ ،‬ولكني أرى أن طرق هذا السبيل جدير‬ ‫باهتمام القادرين عليه‪ ،‬ليس من باب الحرص على‬ ‫تبجيل الشخص تعظيماً لذاته‪ ،‬وإنما من باب الرغبة‬ ‫باستنباط القيم التي تصلح ألن تكون نبراساً لنا‪.‬‬ ‫ال من‬ ‫فقد أمضى أبو فيصل في الجوف ردحاً طوي ً‬ ‫الزمن أميراً لها‪ ،‬وكانت له سيرته التي عرفها كثيرنا‪،‬‬ ‫وأعماله التي ما زالت تمثُل أمامنا‪ ،‬فما هو رأينا في‬ ‫ذلك كله؟ وما هي العبر التي نستوحيها؟‪ .‬هل مكتبه‬ ‫الذي كان مفتوحاً في كل وقت‪ ،‬ومجلسة الذي اختاره‬ ‫أن يكون غير ذي باب أو ح��ارس‪ ،‬ومائدته التي كان‬ ‫يشترك فيها مع كل زائر وضيف في كل وجبة غداء‬ ‫داع‪ ،‬صغر منزله أم كبُر‪ ،‬نأت‬ ‫أو عشاء؛ وإجابته لكل ٍ‬ ‫خيمته أم دنت؛ وموقفه من المواطن‪ ،‬أياً كان موقف‬ ‫المواطن منه أو تاريخه معه‪ ،‬ودوره ف��ي المنطقة‬ ‫وأسلوبه في التعامل مع قضاياها‪ ،‬ومنهجه في متابعة‬ ‫متطلباتها‪ ،‬واستقباله لصغار ضيوفها وكبارهم‪،‬‬ ‫وم��ب��ادرات��ه التي ق��اده��ا‪ ،‬وج��وائ��زه التي وضعها‪ ،‬هل‬ ‫في هذه وغيرها فوائد نستقيها‪ ،‬فنذكرها وننادي‬ ‫باإلقتداء بها‪ ،‬أم هي مما هو غير ذلك؟‬

‫وهكذا‪ ،‬كانت الجوف وأهلها هاجس أبي فيصل‬ ‫الدائم‪ .‬ربطته بهما عالقة تجاوزت ح��دود واجبات‬ ‫العمل‪ ،‬فصارا دون سواهما – حتى مسقط رأسه‬ ‫األمر لنا‪ ،‬والبحث في حقيقته ليس له أو عنه‪ .‬فهو‬ ‫المحبب له – مضرب مثله في كل وق��ت‪ ،‬وموضوع‬ ‫شعره عند االغتراب‪ ،‬ومقر مؤسسته الخيرية التي رحمه الله‪ ،‬لم يرهن عمله بالشكر أو عطاءَه بالتقدير‪.‬‬ ‫ط��ال��م��ا ع��م��ل ع��ل��ى إن��ش��ائ��ه��ا‪ .‬أق���ول ه���ذا م��ن جانب عمل ألنه أحب عمله وبذل ألنه جبل على ذلك‪.‬‬ ‫الشهادة بما أعرفه عن عالقة هذا الرجل – الذي‬ ‫رحمك الله يا أبا فيصل وأجزل لك الثواب وأسكنك‬ ‫أمضى نحو نصف قرن في الجوف – بأهل الجوف فسيح جناته بإذنه‪ ،‬إنه سميع مجيب‪.‬‬ ‫‪ 1‬كتبت هذا النص استجابة لطلب رئيس تحرير الجوبة الزميل إبراهيم الحميد الذي أشعرني أن الملف الرئيس في هذا العدد‬‫من المجلة سيكون عن معالي األمير عبد الرحمن بن أحمد السديري يرحمه الله‪ .‬فشكراً للزميل على هذه المبادرة وعلى‬ ‫إتاحة الفرصة لي للمشاركة فيها‪.‬‬ ‫‪ 2-‬وصية مكتوبة بخط أبي فيصل‪ ،‬وجدتها بين أوراقه‪ ،‬كتبها ليلة خضوعه لعملية القلب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫‪9‬‬


‫ملف العدد‬

‫ريادة معرفية ملؤسس طامح‬

‫> عبد الفتاح أبو مدين‬

‫تدفقت إلىّ المعاني حين حاولت أن أتحدث عن‬ ‫األمير عبدالرحمن السديري ‪ -‬أمير منطقة الجوف‬ ‫األسبق ‪ -‬رحمه الله‪ ،‬وبدءاً لهذه الكلمة التي أكتبها‬ ‫اليوم مشاركة في الملف ال��ذي سيصدر في مجلة‬ ‫الجوبة الثقافية‪ ،‬اخترت‪« :‬رؤية ريادية ثقافية لمؤسس‬ ‫استقرأ آف���اق المستقبل»‪ ،‬لكني رأي���ت أن��ه عنوان‬ ‫طويل‪ ،‬على الرغم من أنه شامل وخليق بأن يكون‪،‬‬ ‫لكني آثرت اإليجاز‪ ،‬فاخترت ما رأيت‪ ،‬ولعل الحديث‬ ‫يتعرض لجوانب شتى من جهود رجل طموح في وقت‬ ‫مبكر‪ ،‬وفي منطقة نائية‪ ،‬إال أن العاملين الجادين‪ ،‬ال‬ ‫يفت في سواعدهم المكان‪ ،‬سواء نأى أو قرب‪ ،‬وال‬ ‫الموقع مهما تواضع‪ ،‬ألن األعمال الطموحة تكبر بهِّم‬ ‫أصحابها وتوجهاتهم؛ ألن نفوسهم كبار‪ ،‬وقد وصفها‬ ‫المتنبي بأنها‪« :‬تتعب في مرادها األجسام»‪.‬‬

‫الحسن للناس‪ .‬وكان األمير عبدالرحمن السديري‪،‬‬ ‫فيه تلك السمات والسجايا الحميدة‪ .‬وق��د تحدث‬ ‫عنه الدكتور أحمد اللهيب‪ ،‬فيما يخص الجوانب‬ ‫السياسية واالج��ت��م��اع��ي��ة‪ ،‬بينه وب��ي��ن مواطنيه في‬ ‫الجوف‪ ،‬إلى الحد الذي يحس بأنه إذا سافر ‪ ،‬أدركه‬ ‫ألم البُعد؛ ولذلك‪ ،‬فهو يعالج حال الفراق بقصائد‬ ‫من الشعر الشعبي‪ ،‬ويتحدث عنهم وإليهم‪ ،‬وكأنهم‬ ‫أبناؤه وخاصته‪ ،‬وهذا اإلحساس المتدفق على لُحمة‬ ‫الترابط القوية‪ ،‬بين الحاكم واألمة التي وليّ عليها‪،‬‬ ‫وهذه خصائص قد تكون نادرة عبر التاريخ‪ .‬والحب‬ ‫واإلي��ث��ار مالمح وف��اء‪ ،‬وخصال كريمة‪ ،‬وه��ي مروءة‬ ‫وتالحهم غال وطيد‪ .‬والوفاء يثمر وفاءً؛ فالمواطنون‬ ‫ال��ذي��ن ربطتهم عالئق بأميرهم‪ ،‬يدخلون معه في‬ ‫مساجالت شعرية‪ ،‬شيمتها ال���وداد‪ ،‬م��ن خ�لال بث‬ ‫العواطف الصادقة‪ .‬وه��ذه ال���روح‪ ،‬حين تنداح في‬ ‫أمة‪ ،‬تخلق مناخاً غالياً من المودة وااللتحام‪ ،‬والوفاء‬ ‫ال��داف��ق‪ ،‬وح��ي��ن يشيع ه��ذا الخلق ف��ي أم���ة‪ ،‬يسعد‬ ‫الراعي والراعية‪ ،‬وتصبح للحياة قيمة ومعنى ومغنى‪.‬‬ ‫واألم��ة اإلسالمية عنوانها ه��ذا الترابط منذ فجر‬ ‫حياتها‪ ،‬وقد صوّر الكتاب العزيز ذلك أجمل تصوير‪،‬‬ ‫حين آخى رسول الله [ بين المهاجرين واألنصار‪،‬‬ ‫فأعطى األنصا ُر إلخوانهم أع َز ما عندهم وأع ّز ما‬ ‫يملكون‪ ،‬فقال عنهم الكتاب العزيز‪« :‬والذين تبوأوا‬ ‫الدار واإليمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم وال‬ ‫يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على‬ ‫أنفسهم ولو كان بهم خصاصة»‪.‬‬

‫ق����رأت ل��م��ح��ة ع��ن م��ع��ال��ي األم��ي��ر عبدالرحمن‬ ‫بن أحمد السديري‪ ،‬أمير منطقة الجوف السابق‪،‬‬ ‫ومؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة عبدالرحمن‬ ‫السديري الخيرية‪ ،‬الذي ولد في الغاط سنة ‪1338‬هـ‪،‬‬ ‫وتلقى تعليمه‪ ،‬ثم نشأ في غمرة أحداث بناء الدولة‬ ‫السعودية على يد موحدها‪ ،‬الملك عبدالعزيز آل‬ ‫سعود ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬وتولى إم��ارة منطقة الجوف‪،‬‬ ‫في مطلع شهر رمضان من عام ‪1362‬هـ‪ ،‬وظل فيها‬ ‫ثمانية وأربعين ع��ام��اً‪ ،‬ث��م تقاعد‪ .‬وك��ان ال��رج��ل ذا‬ ‫خصال حميدة وكريمة‪ ،‬تواضعاً وحلماً‪ ،‬وقد عرك‬ ‫الدهر وعركه؛ فنال خبرة واسعة في مدرسة الحياة‪.‬‬ ‫والذين يتولون المناصب ويفرغون للبناء واإلصالح‪،‬‬ ‫وتفان‪ ،‬يتحقق على أيديهم بتوفيق الله‬ ‫ٍ‬ ‫بهمة وعزيمة‬ ‫ون��ج��د ع��ن��د األم��ي��ر ع��ب��دال��رح��م��ن ال��س��دي��ري ‪-‬‬ ‫نجاح ما يمارسون‪ ،‬السيما حين يتحلون بخصائص رطب الله ثراه – مطامح أوحاها عقله‪ ،‬ونمت فيه‬ ‫جميلة‪ ،‬تعينهم على أداء أعمال تشبه المستحيل‪ ،‬ومعه‪ ،‬وه��ي خصائص يهبها الخالق لمن يشاء من‬ ‫وفي مقدمة ذلك الخلق الحسن‪ ،‬ثم الدراية‪ ،‬والقول عباده البناة‪ ،‬وال تختص بالذين يعيشون في المدن‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫للعلوم»‪ ،‬وك��ان��ت ف��ي ب��داي��ة التأسيس‪ ،‬لكني رأيتها‬ ‫في عام ‪1426‬ه��ـ‪ ،‬وقد أصبحت مرجعية للباحثين‬ ‫والدارسين‪ ،‬وعشاق الكتاب‪ ،‬ألنه خير جليس‪ .‬ولن‬ ‫أبالغ إذا قلت إن أثرياءنا في مدننا الكبرى‪ ،‬لم يُنشئوا‬ ‫مثل مكتبة مؤسسة السديري الخيرية‪ .‬فأين الذين‬ ‫يعملون للوطن من األغنياء واألثرياء؟ أين هم؟‬

‫وال��ع��واص��م‪ ،‬وإن��م��ا ف��ي ن��م��اذج م��ن خلق ال��ل��ه‪ ،‬فتبدو‬ ‫مشروعاتهم اإلنمائية حتى مع القل وضيق الجدوى‬ ‫والعوز‪ ،‬ذلك أن النفوس الكبار تتعب في طموحاته‪،‬‬ ‫وفعالياتها ليس لها ح���دود‪ ،‬وال��ب��ن��اء طموح نفوس‬ ‫خلقت لتكون ك��ذل��ك ف��ي ك��ل زم���ان وم��ك��ان‪ .‬وبذلك‬ ‫يعمر الكون‪ ،‬وتنمو الحياة وتزيّن وترقى‪ .‬فاألمير‬ ‫عبدالرحمن السديري‪ ،‬كما قرأت عن بعض سيرته‪،‬‬ ‫األم��ي��ر عبدالرحمن ال��س��دي��ري وأب���ن���اؤه‪ ،‬موّلوا‬ ‫أنه محبٌ للعلم والزراعة والرياضة‪ ،‬كما أنه كان له المكتبة ومشروعات المؤسسة‪ ،‬التي تتوسع مشروعاته‬ ‫اهتمام بتراث منطقة الجوف‪ ،‬التي حل فيها في وقت ك��ل ع��ام م��ن عطاء صاحبها وح���ده‪ ،‬وال��ذي��ن حملوا‬ ‫مبكر قبل نهضة الوطن‪.‬‬ ‫األمانة جديرين‪ ،‬وإنه لوفاء بنوة ألوبة خلفت‪ ،‬بفضل‬ ‫وال��رج��ل ال��م��ت��دف��ق ح��ي��وي��ة للعمل وال��ب��ن��اء‪ ،‬أخذ الله‪ ،‬من يرعى وينمّي مشروعاً ليس ريعه المعنوي‬ ‫ع��ل��ى نفسه أن ينهض بالمنطقة ال��ت��ي اخ��ت��ي��ر أن المعرفي ألصحابه‪ ،‬وإنما هو لمواطنين‪ ،‬بينهم وبين‬ ‫يكون أميرها‪ .‬وكانت لبنة من لبناته هناك‪ ،‬تأسيس أميرهم وخلفه ود وإيثار ووف��اء‪ .‬عالقة خليقة بأن‬ ‫«مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية»‪ ،‬لنشر تثمر وتؤتي خيرها كل حين بإذن ربها‪ ،‬ألنها أ ُنشئت‬ ‫الثقافة‪ ،‬والعلم في الجوف‪ .‬ولم يتوجه إلى تشييد ال ليقال إن فالناً عمل وقدّم‪ ،‬وإنما لنفع الناس‪ ،‬وهو‬ ‫العقارات أو االتجار بالمال‪ ،‬ليدر ماالً‪ ،‬لكن الرجل ما يمكث في األرض‪ ،‬كما جاء في الكتاب العزيز‪،‬‬ ‫رأى ب��ث��اق��ب ف��ك��رة أن رق����يّ ال��ح��ي��اة ل���ن ي��ك��ون إال «أما الزبد فيذهب جفا ًء وأما ما ينفع الناس فيمكث‬ ‫بالمعرفة‪ .‬وال��ذي يقرأ هذا التوجّ ه‪ ،‬الذي بدأ منذ في األرض»‪ .‬ولبنات هذه المكتبة الرائدة‪ ،‬بدأت في‬ ‫رب��ع ق��رن في قرية أو مدينة متواضعة شبه نائية‪ ،‬عام ‪1383‬هـ؛ فهي مركز للدراسة‪ ،‬والبحث والنشر‪،‬‬ ‫يتمنى أن يرى القادرين في وطنه‪ ،‬وهم كثر‪ ،‬فيكون «لإلسهام في بث الثقافة في منطقة الجوف»‪ ،‬وكذلك‬ ‫عندهم هذا التوجه والحماسة واإلنفاق‪ ،‬لرقي الحياة نشر الدراسات المتعلقة بها‪ ،‬وحفظ تراثها األدبي‬ ‫َ‬ ‫واألمة‪ ،‬وع ّد المتنبي أن‬ ‫نقص القادرين على التمامِ واألث��ري‪ .‬وهذه المكتبة من خالل حرص صاحبها‪،‬‬ ‫عيبٌ ‪ ...‬فأي َن أثرياؤها وأغنياؤها في األمس واليوم‪ ،‬ه��ي مكتبتان‪ :‬إحداهما للرجال‪ ،‬والثانية للنساء‪.‬‬ ‫وحتى الغد‪ ،‬ليعمل كل منهم عمل األمير عبدالرحمن والذي يُفرح بحق‪ ،‬أن المكتبة النسائية العامة هناك‪،‬‬ ‫السديري في الجوف‪ ،‬وقد أثمر العمل‪ ،‬ألنه أريد به هي أول مكتبة نسائية في المملكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫وأنا حين أزور بعض مكتبات جامعاتنا التي أنشئت‬ ‫إفادة المواطن‪ ،‬ورقيّه في حياته كلها!‬ ‫زرت م���ع ب��ع��ض األص����دق����اء ق��ب��ل ع��ق��دي��ن هذه منذ عقود‪ ،‬أجدها حفيلة باإلهمال‪ ،‬لذلك ال أرى‬ ‫المؤسسة الخيرية‪ ،‬فرأينا طموحاً يريد أن يحقق لها رواداً من الجنسين‪ ،‬وبعض هذه الجامعات‪ ،‬فيها‬ ‫طالب وطالبة‪ ،‬ولعل خواءها‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫أشيا ًء ذات قيمة لشرائح كثيرة من المواطنين‪ ،‬ومع أكثر من أربعين ألف‬ ‫الجد الذي غرسه األمير‪ ،‬وتولى أبناؤه الحرص على أن الطلبة من الجنسين‪ ،‬ال يكلفون بشيء من أمور‬ ‫تحقيق آمال الوالد الباني البار ومطامحه‪ ،‬الذي لم البحث‪ ،‬حتى يتوجهوا إلى المكتبة لالستفادة منها!‬ ‫ومن جوانب التعليم‪ ،‬رأينا أن األمير عبدالرحمن‬ ‫تشغله نفسه وبنوه‪ ،‬قبل أن ينشىء في البلد الذي‬ ‫أحب أهله وأحبوه‪ ،‬ما ينهض بحياتهم‪ ،‬مشاركة منه السديري‪ ،‬عُني بافتتاح المدارس في منطقة الجوف‪،‬‬ ‫خاصة‪ .‬رأينا يومئذ هناك المكتبة‪« ،‬مكتبة دار الجوف وح��ثَّ المواطنين من أهل الحاضرة والبادية‪ ،‬على‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪11 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫إل��ح��اق أبنائهم م��ن الجنسين إل��ى ه��ذه المدارس‪.‬‬ ‫وليس ه��ذا فقط‪ ،‬إنما أمتد اهتمام الرجل الباني‬ ‫الجاد الحريص على اإلف��ادة والنتائج المثمرة‪ ،‬إلى‬ ‫متابعة تحصيلهم العلمي في هذه المدارس‪ .‬ونرى‬ ‫من خالل نباهة األمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬وبُعد‬ ‫نظره‪ ،‬لكي يقتدي به أولياء أمور البنات في تعليمهن‪،‬‬ ‫اختار كريماته للعمل في أول مدرسة للبنات‪ ،‬افتتحت‬ ‫في الجوف‪ .‬ولم يتوقف عند هذا الحد‪ ،‬بل إنه سعى‬ ‫إلى لقاء المواطنين‪ ،‬ليعلمهم بجدوى تعليم البنات‪،‬‬ ‫والحث على االقتناع بذلك‪ ،‬ألن تعليم المرأة قيمة‪،‬‬ ‫وأن طالب العلم كما قال َم ْن ال ينطق عن الهوى‪ :‬العلم‬ ‫فريضة على كل مسلم ومسلمة‪ ،‬وأن النساء شقائق‬ ‫الرجال‪ .‬وربما قال أحدنا‪ :‬عجيب توجه األمير الباني‬ ‫واهتمامه بنمو قطاع من أمة في كل مرافق الحياة‪،‬‬ ‫الجادة المتطورة‪ .‬لقد أدرك األمير بثقافته ووعيه‬ ‫«أن األم مدرسة إذا أعددتها‪ ،‬أع��ددت شعباً طيب‬ ‫األعراق»‪ ،‬كما قيل‪ .‬ما أحوجنا إلى نماذج مثل األمير‬ ‫عبدالرحمن ال��س��دي��ري‪ ،‬ليكونوا رواف���د للمجتمع‬ ‫ليرقوا به وينموه ويصلحوه‪ ،‬ليحقق طموحات ولي‬ ‫األمر حفظه الله‪ ،‬واألمة بعامة؛ ألن التعليم في حاليه‬ ‫رق ّياً أو هبوطاً‪ ،‬عنوان األمة‪ ،‬أي أمة‪.‬‬

‫والحياة الكريمة؛ فالحياة عمل جاد‪ ،‬وسعي‪ ،‬ورقي‪،‬‬ ‫وتقدم‪ ،‬وطموح‪ ،‬وتحقيق أه��داف‪ ،‬وكما قيل‪ :‬اعمل‬ ‫لدنياك كأنك تعيش أب���داً‪ ,‬واع��م��ل ألخ��رت��ك كأنك‬ ‫تموت غداً‪.‬‬

‫كما عمل األمير الطموح‪ ,‬مسابقة للمزارعين في‬ ‫عام ‪1385‬ه��ـ‪ ,‬كانت من نصيب حديثي االستيطان‪،‬‬ ‫ثم عممت لتشمل كل مزارعي المنطقة‪ .‬ويعد هذا‬ ‫البرنامج األول في الجوف قبل أربعين سنة ونيف‪.‬‬ ‫وط��ف��ق ال���رج���ل ال��ط��م��وح م���ن خ�ل�ال س��ب��اق الهجن‬ ‫بالمنطقة‪ ,‬يسعى إل���ى ج��م��ع أه��ل��ه��ا ل�لال��ت��ق��اء بهم‬ ‫واالستماع إليهم‪ ,‬ومعالجة القضايا التي تعترض‬ ‫سبلهم وما يهمهم في شؤون حياتهم وشجونها بعامة‪ ,‬‬ ‫إلى جانب إتاحة فرص التآلف والتعارف‪ ,‬يرمي إلى‬ ‫تنامي العالقات االجتماعية واالقتصادية بينهم‪.‬‬ ‫إضافة إل��ى أن سباق الهجن ال��ذي اهتم به األمير‬ ‫السديري وأقيم في الجوف‪ ،‬كان أول سباق منظم‬ ‫للهجن في المملكة‪ ،‬ويصاحب ه��ذا السباق إقامة‬ ‫معرض للسجاد والمنسوجات التي تنتجها النسوة‬ ‫في بادية المنطقة‪ ,‬أراد األمير بذلك إيجاد إنتاج في‬ ‫منطقته لصناعة السجاد المحلي‪ ،‬دعماً للمهتمين‬ ‫بجوائز ينالها وسوقاً للبيع‪ ,‬ونجحت التجربة وساعدت‬ ‫وهذا الرجل الطموح‪ ،‬أحسن الله جزاءه على ما عمل في استمرار هذه الصناعة التراثية وتطورها‪.‬‬ ‫ال في‬ ‫وأسّ س وأنجز وسعى‪ ،‬ما استطاع إلى ذلك سبي ً‬ ‫إن ال�����ذي ي��ت��اب��ع ط���م���وح���ات م��ؤس��س��ة األمير‬ ‫مسيرة البناء المتقن الجاد‪ ،‬ألنه مدرك لرقي الحياة عبدالرحمن السديري‪ ,‬يكبر ذل��ك وي��ق��دره‪ ،‬ويشيد‬ ‫وأدواتها‪ ،‬وحوافزها‪ ،‬وكيف تكون‪ .‬هذه األلمعية قليلة بهذه ال��روح‪ ،‬وبالفكر الباني العامل القوي اإلرادة‪ ,‬‬ ‫في حياتنا‪ ،‬وهو توفيق الله عز وجل؛ لذلك نرى هذا وال��ب��دء ك��ان مفتاح نهضة ه��ادف��ة رائ����دة‪ ,‬ه��و نشر‬ ‫األمير الدؤوب‪ ،‬يسعى إلى إقناع البادية في منطقته الوعي والمعرفة من خالل ركائز العلم والثقافة في‬ ‫إلى االستيطان‪ ،‬وذلك بإسهامه في مشروعات تحقق مختلف توجهاتها‪ .‬والذي يقرأ نص النظام األساسي‬ ‫هذا التوجّ ه‪ .‬وهذه الرؤية الحضارية‪ ،‬تجعل من أميّة لهذه المؤسسة‪ ,‬يقف ويرى أهدافاً عالية رائدة‪ ,‬ربما‬ ‫البادية المعزولة عن الحياة‪ ،‬والقانعة بما تنال في ال ينهض بها ف��رد‪ ,‬وإنما مجموعة من أه��ل الرأي‬ ‫حياتها بسبلها المحدودة الضيقة‪ ،‬تتجه إلى االرتقاء‪ ،‬والعزيمة والثراء‪ ..‬أقرأوا معي بعض تلك المالمح‪:‬‬ ‫حين يتعلم أبناؤها‪ ،‬ويمارس شطر من األسرة أنماطاً «إدارة وتمويل مكتبة دار الجوف للعلوم‪ ,‬والعمل على‬ ‫من األعمال في المدينة التي في منطقتهم‪ ،‬ليخدموا تطويرها لتكون م��رك��زاً علمياً وثقافياً متميزاً في‬ ‫أنفسهم ووطنهم‪ ،‬حين يدركون وتهيأ لهم سُ بل النمو المنطقة‪ ,‬واإلسهام في حفظ التراث األدبي واألثري‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫في منطقة الجوف‪ ,‬والتعريف بهما‪ ,‬ودعم النهضة‬ ‫العلمية في منطقة الجوف‪ ,‬وإص��دار مجلة شهرية‬ ‫في المنطقة وإنشاء دار للحضانة‪ ,‬وروضة لألطفال‪ ,‬‬ ‫ومسجد ج��ام��ع»‪ .‬ه��ذه ال��م��ش��روع��ات ليس بالسهل‬ ‫إقامتها ورعايتها والحفاظ على رقيها ونجاحها‪ ,‬غير‬ ‫أن العزيمة تصنع المستحيل‪ .‬وأقول بال مبالغة‪ ,‬لو‬ ‫كان في كل مدينة ومحافظة من هذا الوطن العزيز‬ ‫الكريم مثل األمير عبدالرحمن السديري‪ ,‬لكان عندنا‬ ‫خي ٌر وفير يُضرب به المثل‪ ,‬وصدق المتنبي القائل‪:‬‬ ‫«على قدر أهل العزم تأتي العزائم»‪.‬‬ ‫إن السطور والكلمات التي وقفت عليها‪ ,‬أراه توثبًا‪ ,‬‬ ‫بدأه المؤسس الكريم‪ ,‬ثم دعمه ورعاه أبناؤه الذين‬ ‫ورثوا هذا الطموح المتميز‪ ،‬الذي ينفع اللّه به شرائح‬ ‫من المواطنين‪ ,‬ويدفعهم إلى التزود من المعارف‪ ,‬‬ ‫وقد هيئت لهم بين ديارهم‪ ,‬وما عليهم إال أن يقبلوا‬ ‫عليها مسرعين‪ ,‬لينالوا حظهم منها‪ ,‬بقدر طموحاتهم‬ ‫وتوجههم‪ ,‬وقد دعمت حكومة خادم الحرمين لبنات‬ ‫التأسيس نحو النور بإنشاء جامعة في الجوف‪ ,‬أرجو‬ ‫أن تكون في مستوى أمير الجوف الراحل‪ ,‬وأميرها‬ ‫الحالي‪ ,‬وال تكون نمطية ال تضيف جديداً ومفيداًً‪،‬‬ ‫ألمة فتحت عيونها منذ عقود بلغت الخمسة على نور‬ ‫المعرفة في منطقة نائية شبه معزولة‪ ,‬فأصبحت‬ ‫م��وئ��ل أص��ح��اب ال��م��ش��روع��ات ال��زراع��ي��ة‪ ,‬يقصدها‬ ‫المستثمرون‪ ,‬إذ توفرت فيها لبنات التفتح البصري‬ ‫والذهني على يد رج��ل وع��ى قيمة المعرفة‪ ,‬وإنها‬ ‫السبيل لحياة أرق��ى وأفضل ألي أمة تنشد الحياة‬ ‫الحقة الطامحة‪ ,‬التي ترى الغد‪ ,‬ال بعين األمس الذي‬ ‫مضى وانقضى‪ ,‬وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء‪ ,‬واللّه‬ ‫ذو الفضل العظيم‪.‬‬ ‫وق����د زرت ك��م��ا أش����رت آن���ف���اً م��ؤس��س��ة األمير‬ ‫عبدالرحمن ال��س��دي��ري ف��ي وق��ت مبكر‪ ,‬م��ع بعض‬ ‫الرفاق في النادي األدبي الثقافي بجدة‪ :‬د‪ .‬عبداللّه‬ ‫الغذامى‪ ,‬ود‪ .‬سعيد السريحي وآخرون‪ ,‬فقّدرنا ذلك‬ ‫التوثب لبث المعرفة في تلك المنطقة شبه النائية‪ ,‬‬

‫ملف العدد‬ ‫وه��ذا دليل على أن المعرفة ليست محصورة في‬ ‫المدن المزدحمة بسكانها وتجارها وأموالها‪ ,‬وفي‬ ‫أكثر األحيان ال نجد في هذه المدن الغاصة بسكانها‬ ‫وثرواتها توجهات إلى دعم المعرفة وسبلها‪ ,‬من إنشاء‬ ‫مكتبات ودعمها بما يُرى أننا نسير في نهضة‪ ،‬يسهم‬ ‫فيه األثرياء من كل نمط‪ ،‬بجانب الدولة التي لم تجنح‬ ‫إلى فرض ضرائب متصاعدة‪ ،‬لتعينها على االرتقاء‬ ‫بالوطن وطموحات أهله‪ ،‬وأثرياؤنا ليس كأمثالهم من‬ ‫رج��ال الغرب‪ ،‬يسعون إلى إنشاء المنشآت العلمية‬ ‫والصحية وأمثالها؛ أثرياؤنا لم يتعودوا العطاء‪ ،‬وإنما‬ ‫تعودوا األخذ وحـده‪ ،‬وهذه سبيل أمة أنانية خاملة‪.‬‬ ‫إن ه��ذا ال��ص��رح المعرفي المتجدد والمتطور‪،‬‬ ‫يدل على أن صاحبه استقرأ آف��اق المستقبل‪ ،‬ألنه‬ ‫لم يتوقف عند حـد‪ ،‬ولكنه يتجدد مع الزمن والحياة‪،‬‬ ‫وفق دأب األيام وتجددها‪ ،‬مركز إذا قلت إنه متكامل‬ ‫وقليل نظرائه في بالدنا‪ ،‬فإني ال أعدوا والواقع‪ ،‬ولو‬ ‫مد الله في حياة‪ ،‬صاحبة ألصبحت هذه المؤسسة‬ ‫شيئاً آخر‪ ،‬غير أني أقول إن أنجال الفقيد لم يتخلوا‬ ‫ولم يتوقفوا عن التجديد والدعم والتوسع في هذا‬ ‫الصرح أو الدوحة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها‪،‬‬ ‫فالبرامج الثقافية شقت طريقها منذ عقدين على‬ ‫مستوى متميز‪ ،‬وه��ذه الخطوات تجذب المبدعين‬ ‫والدارسين إلى اإلقبال على هذا الصرح‪.‬‬ ‫وقد عجبت حين ذهبت للجوف قبل عام ونيف‪،‬‬ ‫ظننت أنني سأجد النادي األدب��ي ال��ذي نشأ هناك‬ ‫منافساً لهذه المؤسسة الطموح‪ ،‬غير أنه لم يخط‬ ‫نحو المنافسة‪ ،‬وال المزاحمة والعطاء‪ ،‬لذلك أدركت‬ ‫أن الطموح يولّد العمل والعطاء واإلن��ج��از؛ فالعمل‬ ‫أي عمل ال��ذي ينطلق م��ن تخطيط وأداء مدروس‬ ‫ومتابعة‪ ،‬هو الذي يحالفه النجاح بإذن الله‪ .‬وحين‬ ‫حضرت الملتقى الذي كان عن دور األندية األدبية‬ ‫في بالدنا‪ ،‬قبل عام ونيف‪ ،‬رأيت صالة محاضرات‬ ‫م�لأى بالحضور‪ ،‬فأدركت أن الذين يخططون ألي‬ ‫عمل يقدمون ويجددون وينجزون‪ .‬وهذه المؤسسة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪13 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫التي تنجز ب��رام��ج ثقافية وبحوثاً علمية وتمولّها‪،‬‬ ‫خليقة أن تنفرد بعطاء ذي قيمة‪ ،‬ألن من جـد وجد‪،‬‬ ‫كما يقول المثل السائر‪ .‬والكتب والرسائل الجامعية‪،‬‬ ‫التي تعنى بها هذه المؤسسة‪ ،‬هو عمل مؤسساتي‬ ‫كبير‪ ،‬ال تنهض بعه إال جامعات ودور علمية كبيرة‪،‬‬ ‫هنا أو هناك‪.‬‬

‫وثماره‪ ،‬وهدفه الطموح‪ ،‬الذي يراد به وجه الله‪.‬‬

‫الحديث يطول‪ ،‬حين أريد أن أمضي في فجاجه‬ ‫فيمتد‪ ،‬ولكنه شائق ماتع‪ ،‬ألن أي إنجاز في حياة‬ ‫أي إنسان‪ ،‬وألجل وطن غال‪ ،‬ال يمل‪ ،‬فالحياة عمل‬ ‫وإخ�لاص وتضحية‪ ،‬ب��ورك في كل عمل كهذا‪ ،‬وإذا‬ ‫ذكر أي عمل ناجح‪ ،‬يفتش ويبحث من وراءه‪ .‬ورجل‬ ‫وحين أرى أعماالً وإن��ج��ازات ذات قيمة‪ ،‬ال أرد م��ث��ل األم��ي��ر ع��ب��دال��رح��م��ن ال��س��دي��ري‪ ،‬ه���ذا الرجل‬ ‫ذلك إلى وف��رة المال‪ ،‬وإنما إلى الجهود التي وراء الطموح‪ ،‬بعيد النظر‪ ،‬حفل بالمعرفة وأهلها‪ ،‬ألنها‬ ‫هذا العمل الطموح‪ ،‬ذلك أن المال وح��ده ال يحقق قيمة‪ ،‬وألنها الطريق إلى ارتقاء الشعوب واألمم‪.‬‬ ‫إن��ج��ازات‪ ،‬إال إذا ك��ان الذين بأيديهم ذل��ك عندهم‬ ‫وقد استوعب األمير المؤسس معاني ‪ -‬أقرأ – أول‬ ‫الحس الدافق للعمل والعطاء‪ ،‬وأنهم يتحدون أنفسهم‬ ‫نزول الوحي على خاتم الرسل [‪ ،‬في غار حراء‪.‬‬ ‫قبل أن يتحدوا اآلخرين‪ ،‬ولذلك فإن أعمالهم بتوفيق‬ ‫واستوعب صاحب الرؤى المتوثبة قول الحق‪« :‬يرفع‬ ‫الله تنجح وترقى‪ ،‬والحق يقول‪« :‬إن الله ال يضيع‬ ‫الله الذين آمنوا منكم‪ ،‬والذين أوتوا العلم درجات»‪،‬‬ ‫أج��ر م��ن أح��س��ن ع��م�لاً»‪ .‬ل���ذا‪ ،‬حين ي��رى أي زائر‬ ‫وق��ول��ه‪« :‬ق��ل ه��ل يستوي ال��ذي��ن يعلمون وال��ذي��ن ال‬ ‫للجوف‪ ،‬ويدلف إل��ى المؤسسة المتوهجة الدائبة‬ ‫يعلمون»؛ فاستقراء آفاق المستقبل‪ ،‬ال يسعى إليه وال‬ ‫في عطائها‪ ،‬وبرامجها المعرفية‪ ،‬يبهره ذلك الذي‬ ‫ينهض به إال إنسان ذو تطلعات إنتمائية وإنمائية‪ ،‬في‬ ‫ال يجده في المدن الكبرى من ب�لاده‪ .‬ألن األعمال‬ ‫مقدمتها المعرفة بكل معانيها وتوجهاتها‪ ،‬رغبة في‬ ‫تتحدث عن نفسها كما يقال‪ ،‬قلت وأك��رر‪ :‬ليت في‬ ‫إثمارها ومعطياتها الواعدة‪.‬‬ ‫بالدنا الكثير من هذا الرمز الطامح الذكي العامل‬ ‫وبعد‪ :‬فإن هذا الرجل الثاقب ال��رأي‪ ،‬لم تشغله‬ ‫األمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬ألننا نفتقر إلى هذا‬ ‫االنجاز‪ ،‬وألننا في حاالت كثيرة نقول ونسمع أقواالً‪ ،‬ال��دن��ي��ا ب��م��ال��ه��ا وج��اه��ه��ا‪ ،‬وإم���ارت���ه‪ ،‬وال��س��ع��ي نحو‬ ‫ولكنها تشبه ما قاله المثل السائر‪« :‬أسمع جعجعة المصالح ال��خ��اص��ة‪ ،‬ول��و ت��وجّ ��ه إل��ى ذل��ك الستطاع‬ ‫وال أرى طحناً»‪ .‬ليت ما في الجوف نجده ونراه في أن يحقق المزيد‪ ،‬لكنه رحمه الله ورطّ ب ثراه‪ ،‬أراد‬ ‫بتوفيق الله عز وجل‪ ،‬أن ينفع غيره‪ ،‬وهذا هو الحرث‬ ‫مدننا وقرانا‪.‬‬ ‫وأق��ول‪ :‬كما قال‪ :‬رسولنا محمد بن عبدالله [ للدار اآلخرة‪ ،‬وأكرر قول رسولنا عليه السالم – ربح‬ ‫لف المبارك‪ ،‬ال��ذي حافظ‬ ‫لصهيب الرومي‪ ،‬حين أعطى قريشاً ما يملك من مال البيع ‪ ،-‬وب��ورك في الخَ َ‬ ‫كوّنه بعمله وجهده‪ ،‬حتى ال يحولوا بينه وبين الهجرة على منجز الوالد الكريم‪ ،‬وإنهم ألبناء بررة‪ ،‬حراص‬ ‫إلى المدينة‪ ،‬قال‪ :‬من ال ينطق عن الهوى [‪« ،‬ربح على االرتقاء وتطوير هذا اإلرث الشامخ‪ ،‬في جزء‬ ‫البيع يا أبا عبدالرحمن»‪ ،‬وأقول‪ :‬عن هذه المؤسسة‪ :‬غال من الوطن العزيز الكريم‪ .‬رحم الله المنشيء‬ ‫لف الصالح للمضي‬ ‫أثمرت الجهود حين صح العزم‪ ،‬وصدقت النيات‪ ،‬والمؤسس‪ ،‬وغفر له‪ ،‬وأعان الخَ َ‬ ‫وب��ذل اإلن��ف��اق‪ ،‬من أج��ل المعرفة‪ ،‬ثقافة‪ ،‬وتعليماً‪ ،‬بهذا الصرح المتجدد العطاء والناجح‪ ،‬ألنه أنشئ‬ ‫وع��ل��وم��اً‪ .‬وه��ذا عمل رج��ل ه��و أم��ة‪ ،‬يتطلع إل��ى غد للخير‪ ،‬ولنفع الناس واالرتقاء بمعارفهم‪ ،‬وهذه رسالة‬ ‫مشرق‪ ،‬طموح واع��د‪ ،‬وال ريب أن العمل الذي ينفع المصلحين من أي أمة شامخة طموحة‪ .‬أسأل الله‬ ‫الناس أياً كان لونه‪ ،‬وأهدافه الخيرة‪ ،‬يحقق نتائجه مزيد التوفيق والسداد‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫بعض غرس األمير‪ ..‬بعض أثر املكتبة‬ ‫> أ‪ .‬د سعد البازعي‬

‫<‬

‫ف��ي أواس���ط الثمانينيات الهجرية‪ ،‬الستينيات‬ ‫الميالدية‪ ،‬كانت سكاكا بلدة صغيرة ال يتجاوز سكانها‬ ‫بضعة آالف‪ ،‬وليس فيها من السيارات سوى القليل‬ ‫الذي يعد على األصابع‪ ،‬ولم يكن فيها شارع واحد‬ ‫مسفلت‪ .‬المدارس قليلة جداً‪ ،‬والمستشفى الوحيد‬ ‫كان أقرب إلى مستوصف‪ .‬كانت المباني طينية‪ ،‬في‬ ‫في تلك األج���واء‪ ،‬وضمن تلك ال��ظ��روف الجافة‬ ‫ٍ‬ ‫األغلب‪ ،‬سوى قصر اإلمارة المبني من الحجر‬ ‫ومبان تنموياً‪ ،‬فوجئ سكان سكاكا بنبتة غريبة‪ ،‬بمكتبة‬ ‫محدودة أخرى‪ ،‬منها مدرسة ابتدائية قريبة من قصر عامة تفتتح مقابل قصر اإلمارة آنذاك‪ ،‬في مكان كان‬ ‫اإلمارة اسمها «المدرسة الجنوبية»‪.‬‬ ‫يمكن أن يتحول إلى مجرد دك��ان‪ .‬وكان أن فوجئتُ‬ ‫في تلك المدرسة‪َ ،‬درَسْ تُ معظم السنة السادسة بالمكتبة عند زي��ارت��ي لسكاكا مع العائلة‪ ،‬فقررت‬ ‫االبتدائية سنة ‪1382‬ه��ـ ألنتقل إل��ى الرياض نهاية زيارتها مع عدد من أصدقائي األوالد‪ ،‬وكنت حينها‬ ‫ال��س��ن��ة‪ ،‬وأك��م��ل متطلبات «ش��ه��ادة إت��م��ام الدراسة في المرحلة المتوسطة‪ .‬ولم يكن يدفعني إلى تلك‬ ‫االب��ت��دائ��ي��ة» هناك ف��ي وق��ت ك��ان بعض الحاصلين الزيارة سوى اعتداد بالنفس تولّد عن اكتشافي أنني‬ ‫على تلك الشهادة من «الكبار» – قياساً إلينا نحن الوحيد بين مجموعة األوالد المحيطين بي‪ ،‬الذي‬ ‫األطفال ‪ -‬يعلقونها في ص��دور مجالسهم اعتزازاً لديه ما كنت أسميه «مكتبة منزلية»‪ ،‬لم تكن أكثر‬ ‫ٍ‬ ‫وفخراً بنيلها‪ .‬فقد كانت البالد‪،‬‬ ‫حينئذ‪ ،‬تجتاز ببطء من مجموعة قصص وكتب تناسب سني‪ ،‬أذكر منها‬ ‫مرحلة‪ ،‬كان أقصى ما يحققه الفرد فيها من العلم «قصص جحا» وج��زءاً واح��داً من «أمثالنا الشعبية»‬ ‫هو ختم القرآن الكريم و «فك الخط»‪ ،‬أي القدرة لعبد الكريم الجهيمان‪ .‬شعرت أنني أقوم بزيارة إلى‬ ‫على القراءة‪ .‬كان نيل الشهادة االبتدائية يعادل نيل مكان أعرف ما يعنيه‪ ،‬كأنني أقوم بزيارة إلى مكتبة‬ ‫الشهادة الجامعية في أواسط التسعينيات الهجرية‪ ،‬شقيقة أو م��وازي��ة‪ ،‬فأتباهى أم��ام األوالد بأنني إذ‬ ‫الفترة التي دخلت فيها التعليم الجامعي مع كثير من أج��يء من الرياض بمكتباتها وبما لدي في المنزل‬ ‫أبناء جيلي‪.‬‬ ‫من «ذخائر» المعرفة‪ ،‬لم أكن مثلهم غريباً على الكتب‬ ‫كانت الثمانينيات الهجرية مرحلة مبكرة نسبياً والمكتبات‪.‬‬ ‫ف��ي التنمية بمراحل ع��دي��دة‪ .‬كانت جامعة الملك‬ ‫س��ع��ود ق��د افتتحت سنة ‪1377‬ه����ـ (‪1957‬م)‪ ،‬ولم‬ ‫يكن في الرياض سوى مكتبة عامة واح��دة متهالكة‬ ‫البنيان‪ ،‬قديمة الكتب‪ ،‬ومحصورة ضمن موضوعات‬ ‫تراثية في الغالب‪.‬‬

‫من مراحل التنمية في المملكة؛ فلم تكن الرياض‬ ‫حينذاك أكثر من مدينة صغيرة‪ ،‬إن لم نقل قرية‬ ‫كبيرة قياساً إلى المدن العربية الكبرى‪ ،‬التي سبقتها‬

‫لكن مفاجأة ما لبثت أن بددت كل ذلك االعتداد‬ ‫بالنفس حين وجدت في المكتبة الوليدة ‪ -‬المكتبة‬ ‫التي كان قد افتتحها الخال األمير عبد الرحمن بن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪15 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫أحمد السديري غفر الله له ‪ -‬ما لم أعتد أن أجده‬ ‫في المكتبات التي كان يأخذني إليها في الرياض‬ ‫أخي األكبر محمد أطال الله في عمره‪ ،‬وكانت تلك‬ ‫مكتبات تجارية كنت أظنها قد بلغت أقصى ما بلغته‬ ‫المكتبات في موجوداتها‪ .‬ومع أنني لم أكن أعرف‬ ‫المكتبة العامة بالرياض‪ ،‬فإنني تبينت‪ ،‬فيما بعد‪،‬‬ ‫أن مكتبة الجوف الوليدة لم تكن تقل عنها من حيث‬ ‫نوعية الكتب‪ ،‬إن لم تفقها‪.‬‬ ‫ف��ي تلك المكتبة بسكاكا‪ ،‬رأي��ت وأن��ا الطالب‬ ‫ف��ي المرحلة المتوسطة‪ ،‬كتباً ل��م أره��ا م��ن قبل‪،‬‬ ‫ومجالت أطالع عناوينها للمرة األولى في حياتي‪.‬‬ ‫رأيت «األغاني» و»العقد الفريد»‪ ،‬ورأيت كتباً لطه‬ ‫حسين‪ ،‬والعقاد وغيرهم‪ .‬وأهم من ذلك‪ ،‬بالنسبة‬ ‫لتكويني‪ ،‬رأيت أعداداً من مجلة «العربي» الكويتية‪.‬‬ ‫أم��ا أهمية «ال��ع��رب��ي»‪ ،‬فمما تكشّ ف ل��ي بعد أن‬ ‫أسترجعته بعد سنوات ألتبين الدور المفصلي الذي‬ ‫لعبته تلك المجلة في توجيه اهتماماتي‪ ،‬على النحو‬ ‫الذي يذكر بالدور الذي لعبته مجالت ثقافية وأدبية‬ ‫أخ��رى في حياة آخ��ري��ن‪ ،‬من أبناء الجيل السابق‬ ‫وال�لاح��ق‪ ،‬مجالت مثل «ال��رس��ال��ة» و»المقتطف»‬ ‫المصريتين‪ ،‬و»األديب» و»اآلداب» اللبنانيتين‪ ،‬وغير‬ ‫ذلك كثير‪.‬‬

‫جاء قرار التخصص في الجامعة‪ .‬ومع أن عوامل‬ ‫أخرى تدخلت في اختياري لقسم اللغة اإلنجليزية‬ ‫ف��ي جامعة ال��ري��اض آن����ذاك‪ ،‬ف��إن��ي ال أش��ك اآلن‬ ‫أن المحرضات األول��ى تعود إلى تلك المطالعات‬ ‫المبكرة‪ ،‬وأي���ن‪ :‬ف��ي سكاكا‪ ،‬ف��ي مكتبتها العامة‬ ‫ال��رائ��دة والفريدة في نوعها‪ ،‬في ما أسسه عبد‬ ‫الرحمن السديري‪ ،‬أجزل الله له المثوبة‪.‬‬ ‫إن ما أروي��ه هنا‪ ،‬ال يعدو بكل تأكيد أن يكون‬ ‫قصة فردية‪ ،‬أنموذجاً لتأثر شخص واحد بظروف‬ ‫ثقافية م��ح��ددة‪ .‬ل��م يكن ح��دث��اً وطنياً أو عظيماً‬ ‫لآلخرين؛ لكنه كان‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬ذا أثر يتجاوز‬ ‫الفرد‪ ،‬يتجاوزه إلى أف��راد آخرين‪ ،‬تماماً كما كان‬ ‫قرار تأسيس المكتبة في سكاكا‪ ،‬فقد كان قراراً‬ ‫فردياً اتخذه مؤسسها رحمه الله‪ ،‬وانتقل أثره إلى‬ ‫أجيال من الرواد‪ ،‬ال أدري كم عددهم وال عن عمق‬ ‫تأثرهم‪ ،‬لكن أث��راً ما قد تأسس‪ ،‬أث��راً يعرفه بين‬ ‫آخرين طالبي الذين درسوا األدب اإلنجليزي معي‪،‬‬ ‫ط��وال ما يزيد على العقدين‪ ،‬فقرأ معظمهم تلك‬ ‫القصيدة التي قرأتها مترجمة في مجلة «العربي»‬ ‫بمكتبة عبد الرحمن السديري العامة بسكاكا في‬ ‫أوائل الثمانينيات الهجرية‪ .‬الفرق هو أنهم قرأوها‬ ‫بلغتها األصلية وواجهوا ثقافة اآلخر‪ ،‬كما نسميها‬ ‫اآلن‪ ،‬وإن كنت ال أدري كيف ج��اء معظمهم إلى‬ ‫دراسة تلك الثقافة‪ .‬هل كان وراء أحد منهم مكتبة‬ ‫أخرى أو مجلة أخ��رى؟ ذلك ما أتمناه في ظروف‬ ‫جعلت معظم الطالب يذهبون إلى العلوم والمعارف‬ ‫المختلفة‪ ،‬مدفوعين بالبحث عن الوظيفة ليس‬ ‫إال‪.‬‬

‫كان لمجلة «العربي» التي طالعت أعدادها للمرة‬ ‫األولى في مكتبة سكاكا دوراً مفصلياً‪ ،‬أتبينه اآلن‬ ‫وأنا أتذكر على سبيل المثال مقالة بعنوان «شعراء‬ ‫البحيرة»‪ ،‬تضمنت قصيدة من الشعر اإلنجليزي‬ ‫ق��رأت��ه��ا مترجمة‪ ،‬وك��ان��ت أول ن��ص أدب���ي أجنبي‬ ‫أطالعه في حياتي‪ ،‬على ما أذكر‪ .‬كان بالتأكيد أول‬ ‫نص شعري من أدب أجنبي‪ .‬كانت القصيدة للشاعر‬ ‫رحم الله األمير عبد الرحمن السديري وأجزل‬ ‫الرومانسي وليم وردزورث وعنوانها «نحن سبعة»‪ ،‬م��ث��وب��ت��ه‪ ،‬وع��م��م ف���وائ���د م��ن��ج��زات��ه ع��ل��ى األجيال‬ ‫ترجمها‪ ،‬فيما أذكر‪ ،‬الباحث والكاتب السوري وليد المختلفة‪ ،‬فيما ينفع هذه البالد وغيرها من بالد‬ ‫إخالصي‪ .‬أما أهمية ذلك فلم تتضح لي إال حين المسلمين‪.‬‬ ‫< أ‪.‬د‪ .‬سعد البازعي‪ :‬عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود‪ ,‬أمين عام جائزة الملك خالد‪ ,‬رئيس نادي الرياض األدبي‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫رحلة حياتية إلى اجلوف‬ ‫> د‪ .‬فوزية عبدالله أبو خالد‬

‫<‬

‫قبل عشر س��ن��وات‪ ،‬وصلتني م��ع مجموعة من بين برزخ الرمل وبرزخ الماء‪.‬‬ ‫الصديقات الكاتبات واألكاديميات بالرياض‪ ،‬دعوة‬ ‫م��ن ال��س��ي��دة ال��ف��اض��ل��ة لطيفة ال��س��دي��ري‪ ،‬لزيارة السبب النسوي‪:‬‬ ‫إن منطقة الجوف في الدعوة المعنية الموجهة إلي‬ ‫منطقة الجوف‪ .‬ومع أنني شخصياً لست كلفة بتلبية‬ ‫الدعوات الرسمية‪ ،‬ليس لموقف ممن يتفضلون بها‪ ،‬والزميالت‪ ،‬تناديني للقاء سالالت ملكات الشمال من‬ ‫بقدر ما يرجع ذلك إلى الطابع الرسمي‪ ،‬الذي عادة نساء الجوف في ثلة من النساء المكلالت بعرق العمل‪،‬‬ ‫ما يرافق مراسم مثل تلك المناسبات‪ ،‬فيصيبني ممن يعملن على النول اليدوي في صناعة النسيج‬ ‫بالفتور والنفور معاً من أجوائها العامة‪ ،‬نظراً لما والمفروشات‪ ،‬فيفرشن المنطقة بمخمل المخيلة‪،‬‬ ‫تتطلبه م��ن مجامالت وب��روت��وك��والت‪ ،‬ال تعرف أن ويصدرن بساتين أرواحهن إلى أنحاء المملكة‪ ،‬لتوازن‬ ‫تتقنها تلك الشاعرة المتمردة على أنماط الحياة بحنان العمل النسوي قسوة الصحراء‪.‬‬ ‫الروتينية‪ ،‬فقد ج��اءت تلك الدعوة تحمل ما يُغري‬ ‫السبب الشعري‪:‬‬ ‫بتغيير العادات‪ .‬وك��ان ذلك لسببين رئيسين‪ :‬األول‬ ‫ك��ان ذل��ك هو السبب الكامن ال��ذي ل��وال ذهابي‬ ‫سبب تاريخي‪ ،‬والثاني سبب نسوي‪ ،‬وثمة سبب ثالث‬ ‫وقد يكون إفشائه مثيراً للدهشة‪ ،‬هو سبب شعري! إل��ى ال��ج��وف‪ ،‬ما ك��ان لي أن أكتشفه‪ .‬ب��دأ ذل��ك من‬ ‫عسل ابتسامات صباياها‪ ،‬من ضفائرهن الممتدة من‬ ‫فبالنسبة للسبب األول‪ ،‬قلت لنفسي كيف لي أن‬ ‫أعلى أعناقهن العالية إلى كعوب أقدامهن‪ ،‬وكأن أياً‬ ‫أفرط في رحلة تحملني من هضبة نجد إلى مشارف‬ ‫منهن لم تسمح لمقص قط أن يعتدي على خصلة‬ ‫الشمال‪ ،‬ألشهد على سعة عيوني‪ ،‬تلك الوشائج من‬ ‫من شعرها‪.‬‬ ‫العشق القدري بين الجغرافيا والتاريخ‪ ،‬التي تتدخل‬ ‫ولم تنته تلك اللحظة الشعرية عند ذلك الخشوع‬ ‫في نسج الحياة االجتماعية للمجتمعات اإلنسانية‬ ‫ول�لأف��راد‪ ،‬ضمن مثلث ع�لاق��ات المكان واإلنسان المعمر بعمر ال��ت��اري��خ‪ ،‬ال���ذي يجتاح الضيف عند‬ ‫والزمان‪ .‬وبالنسبة للسبب الثاني‪ ،‬سألت نفسي كيف مسجد سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه‪ ,‬فقد‬ ‫لي أن أق��اوم اللقاء بشريحة من نساء هذا الوطن؟ كانت هناك لحظة إلهام خاطفة وطويلة‪ ،‬تنبجس من‬ ‫ما سيتيح لي اكتشاف المزيد من المشتركات‪ ،‬في بلح الحلوة‪ ،‬ومن أخيلة الرجاجيل‪ ،‬تلك المنحوتات‬ ‫الطبيعية‪ ،‬الواقفة كفرسان ال تريد ان تترجل على‬ ‫أوجاع النساء وأفراحهن‪ ،‬وفي صبرهن وحلمهن‪.‬‬ ‫مر الزمان‪ ،‬وكذلك من غرز تلك النمنمات الرقيقة‬ ‫السبب التاريخي‪:‬‬ ‫المطرزة بتلك األلوان البدوية والغجرية‪ ،‬الصارخة‬ ‫إن منطقة الجوف في التاريخ الموغل في مجد على جسد المفروشات‪.‬‬ ‫التجربة االجتماعية م��ن ال��ك��ف��اح ال��ي��وم��ي ألهلها‪،‬‬ ‫البعد الثقافي للرحلة‪:‬‬ ‫على م��ر ال��ع��ص��ور‪ ،‬ليست مجرد منطقة نائية عن‬ ‫ما لم يكن في الحسبان‪ ،‬هو أن ألتقي بعدد من‬ ‫العواصم‪ ،‬التي تعاقبت على أرض الجزيرة العربية؛‬ ‫بل هي معراج القبائل من مضائق الجفاف إلى فضاء األصدقاء القدامى على أرض الجوف‪.‬‬ ‫الخصب؛ ومعبر التجار والمستشرقين والفاتحين‬ ‫لقد فوجئت والزميالت ب��أن من ضمن برنامج‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪17 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫الرحلة زي��ارة إل��ى مكتبة دار الجوف للعلوم‪ ،‬حيث‬ ‫ك��ان فيها ع��دد كبير م��ن الكتب ال��ن��ادرة ف��ي جميع‬ ‫المجاالت‪ ،‬من كتب األدب والعلوم االجتماعية‪ ،‬حيث‬ ‫أصدقاء عمري المهني‪ ،‬إلى كتب في التاريخ والتراث‬ ‫وال��ج��غ��راف��ي��ا‪ ،‬وم��خ��ط��وط��ات ت��اري��خ��ي��ة‪ ،‬وموسوعات‬ ‫علمية‪ ،‬وسواها من أوعية المعرفة التقنية الحديثة‪.‬‬ ‫وكانت المفاجأة أن نعرف أن هذه المكتبة تستقبل‬ ‫نساء المنطقة م��ن مختلف االهتمامات المعرفية‬ ‫واألعمار‪ ،‬كأول مكتبة عامة يجري إعدادها لتستقبل‬ ‫النساء بالمملكة العربية السعودية‪ .‬حيث تعود نشأة‬ ‫تلك المكتبة العامة في عام ‪1383‬هـ (‪1962‬م)‪ ،‬وكانت‬ ‫نواتها األولى تضم ما يزيد على ثالثة آالف كتاب‪.‬‬ ‫وهي تضم اليوم كما جددت معلوماتي الحقاً «ما يزيد‬ ‫عن مائة وستين ألف كتاب ومجلد‪ .‬إضافة إلى قسم‬ ‫ل��ل��دوري��ات‪ ،‬يفتح أب��واب��ه لقراء الصحف والمجالت‬ ‫والدوريات العربية واألجنبية في مختلف أصنافها‬ ‫واتجاهاتها‪ ،‬ويشتمل القسم على ما يزيد عن ‪250‬‬ ‫صحيفة ومجلة ودوري��ة‪ ،‬تستقطب ع��دداً كبيراً من‬ ‫القراء والقارئات يومياً‪ .‬كما تضم ال��دار مجموعة‬ ‫خاصة من أوعية المعلومات ذات القيمة المرتبطة‬ ‫بآثار المنطقة‪ ،‬وصوراً لمخطوطات يصل عددها إلى‬ ‫أكثر من خمس وستين مخطوطة‪ ،‬إضافة إلى وثائق‬ ‫ونقود تاريخية قديمة‪ ،‬وطوابع‪ ،‬وكتب نادرة وقيّمة‪،‬‬ ‫تتعلق بالمنطقة وتتصل بها بشكل خاص‪ ،‬وبالجزيرة‬ ‫العربية بشكل ع��ام‪ ،‬كما تضم أيضاً مجموعة من‬ ‫ال��وس��ائ��ل السمعية وال��ب��ص��ري��ة‪ ،‬إل��ى ج��ان��ب العديد‬ ‫من الوسائل االلكترونية المتنوعة‪ .‬وتتيح المكتبة‪،‬‬ ‫للراغبين من رواده���ا‪ ،‬استخدام شبكة المعلومات‬ ‫(اإلنترنت)‪ ،‬التي بدىء باستخدامها منذ مطلع عام‬ ‫‪1997‬م‪ .‬وجرى اآلن توفير خدمات الـ ‪( »DSL‬تقرير‬ ‫خاص عن المؤسسة‪1427 ،‬هـ‪2006 /‬م)‪.‬‬

‫لشغف أهلها بالعلم والثقافة‪.‬‬ ‫ل��ق��د ن���ص ال��ن��ظ��ام األس�����اس ل��م��ؤس��س��ة األمير‬ ‫عبدالرحمن السديري على تنوّع وتعدد في األهداف‬ ‫والنشاطات‪ ،‬التي تخدم طموح األهالي ومنها‪ :‬إنشاء‬ ‫وإدارة وتمويل مكتبة «دار الجوف للعلوم»‪ ،‬والعمل‬ ‫على تطويرها لتكون مركزاً علمياً وثقافياً متميزاً‬ ‫في المنطقة‪ ،‬والعمل على استعادة و حفظ التراث‬ ‫األدب���ي واألث���ري ف��ي منطقة ال��ج��وف‪ ،‬ونشر الوعي‬ ‫لتوسيع االهتمام بهذا النوع من الثقافة التراثية‪،‬‬ ‫إضافة إلى االهتمام بالجانب الحديث من الثقافة‪،‬‬ ‫بشقيها العلمي واألدبي؛ وذلك لربط ماضي الجوف‬ ‫الثقافي بالنهضة العلمية الحديثة‪ ،‬ودفعها لإلسهام‬ ‫في اإلنتاج الثقافي حاضراً‪ ،‬كما فعلت ماضياً‪ .‬ومن‬ ‫هنا جاءت إقامة نشاط ثقافي دائم في رحاب المكتبة‬ ‫من الندوات والمحاضرات‪.‬‬ ‫وم��ن هنا‪ ،‬ج��اء أيضا إص���دار مجلة ثقافية في‬ ‫المنطقة‪ ،‬وهي مجلة الجوبة راف��دا من رواف��د هذا‬ ‫الجهد الثقافي؛ لتكون المجلة حلقة وصل بين مثقفي‬ ‫الجوف وبين مثقفي بقية مناطق المملكة‪ ،‬وبينهم‬ ‫وبين المثقف العربي على امتداد الخارطة العربية‪.‬‬ ‫ويبدو لي‪ ،‬أن ما عمل المجلة على تخصيص ملف‬ ‫خاص عن شخصية األمير عبدالرحمن السديري‪،‬‬ ‫إال وقفة وف��اء على ما قدمه ذلك الرجل المستنير‬ ‫ل��ه��ذه المنطقة‪ .‬فشكراً لله ال���ذي إذا أراد بأرض‬

‫وقد علمت وقتها من مجموعة من نساء الجوف‪ ،‬خير‪ ،‬قيّض لها ثلة من األبناء والبنات من داخلها‬ ‫الناشطات والمهتمات بالقراءة‪ ،‬أن الريادة إلنشاء وخارجها‪ ،‬ليحملوا شعلة الفكر‪ ،‬ومعول العمل فيها‬ ‫ه��ذه المكتبة ت��ع��ود للمؤسس األم��ي��ر عبدالرحمن‬ ‫بإيديهم العارية‪ ،‬ليزيدوا نهارها ض���وءاً‪ ،‬وليزيدوا‬ ‫السديري يرحمه الله ويسكنه جنة الخلد‪ ,‬إذ لم‬ ‫تكن عملية إنشاء مكتبة عامة إال واح��دة فقط من أمجادها عزة‪ ،‬ويجددوا عهد إعمار األرض بمزيد‬ ‫طموحاته الثقافية والوطنية‪ ،‬تجاه المنطقة وتقديرا من اإلعمار‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫< استاذة الدراسات اإلجتماعية بكلية األداب جامعة الملك سعود‪Fowziyah@maktoob.com .‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫عبدالرحمن السديري‪ ..‬احلياة مرتني‬ ‫> عبدالرحمن الدرعان‬

‫<‬

‫قبل أكثر من ثالثين عاماً‪ ،‬كتب األمير الشاعر فيها أميراً‪ ،‬عرف خاللها أهلها فرداً فرداً‪ ..‬قرأ نُواح‬

‫عبدالرحمن السديري في ديوانه المنشور «القصائد» أشجارها حين يشح عنها الماء‪ ،‬وحفظ األغاني التي‬ ‫قصيدة شهيرة‪ ،‬ال أبالغ إذا قلت إنها واحدة من عيون تجعل نخيلها يثب من أدي��م األرض باتجاه السماء‪،‬‬ ‫الشعر النبطي‪ ،‬يرثي فيها نفسه على طريقة مالك بن وعرف كيف يشيم بروقها‪ ،‬وأتقن ترصيع الصفوف‬ ‫الريب‪ ،‬في قصيدة بقوله‪:‬‬ ‫المتأهبة على ضفة الغناء بملء صوته‪ ،‬في مناسبة‬ ‫أن����ا م���ن ال��دن��ي��ا خ��ل��ص��ت اعذروني‬

‫تحرير الجزائر ف��ي احتفال أق��ام��ه أه��ال��ي الجوف‬

‫ل��ي ج��ان��ب ال��ل��ه ع��ن ح��ي��اة وضيعة آنذاك‪:‬‬

‫رب��م��ا نتفق‪ ،‬م��ج��ازاً‪ ،‬على أن البيت م��ن الشعر ال��م��ج��د األول ع���اد ك��ل��ه م��ن جديد‬ ‫أح��ف��اد ط���ارق ش��م��روا واب���ن الوليد‬ ‫النبطي غير أنه فصيح‪ ،‬بما يتضمنه من الدالالت‪،‬‬

‫إضافة إلى أنه ال يحتاج إلى أي تعديل ليقرأ كما لو‬

‫الحديث عن الفقيد من جهة الشعر واألدب ‪-‬‬

‫ال‬ ‫أنه مجزوء من قصيدة عربية‪ ،‬أنشدها الشاعر في وهو شخصية متعددة الوجوه تشبه موشوراً هائ ً‬ ‫سوق عكاظ‪ ،،‬قبل ألف عام‪.‬‬ ‫ يقودنا بالضرورة إلى نزهة صغيرة في دار الجوف‬‫ظ��ل ي��س��ت��درج غيمة ب��ي��ض��اء‪ ،‬ينسج منها كفنه للعلوم‪ ،‬المنبثقة عن مؤسسة عبدالرحمن السديري‬

‫لسنوات طويلة‪ ،‬حتى وافاه األجل‪ ،‬بعد أن بقي رحمه الخيرية‪ ،‬وهي مؤسسة ثقافية رائدة‪ ،‬وضع مؤسسها‬ ‫الله على حافة الموت‪ ،‬في حالة احتضار موغلة‪ ،‬فإذا الراحل لبناتها األولى في الثمانينيات الهجرية‪ .‬فلم‬

‫بموته لم يكن مباغتاً وحسب‪ ،‬بل تحّ ول إلى لحظة تكن في ذلك الوقت‪ ،‬سوى مكتبة صغيرة‪ ،‬تعّهدها‬ ‫أكثر من تراجيدية‪ ،‬تشبه لحظة االنبعاث والوالدة!‬ ‫برعايته‪ ،‬حتى أصبحت مؤسسة ثقافية فريدة على‬

‫إذا ك��ان ال��ن��اس ي��ول��دون‪ ،‬بالمعنى البيولوجي‪ ،‬مستوى المملكة‪ ،‬تضم آالف الكتب‪ ،‬وتتوافر على‬ ‫ويموتون م��رة واح��دة‪ ،‬ف��إن القليلين منهم‪ ،‬بالمعنى أوعية المعرفة المختلفة‪ ،‬وتحتضن ك��أول مؤسسة‬

‫ال لقسم الرجال في سعي‬ ‫ال��س��ي��ك��ول��وج��ي‪ ،‬يعيشون حياتهم م��ض��اع��ف��ة‪« ،‬ظل قسماً خاصاً بالنساء‪ ،‬مماث ً‬ ‫ي��س��ت��درج غيمة بيضاء ينسج منها كفنه لسنوات دؤوب من أج��ل جعل الثقافة حقاً مشاعاً للجميع‪،‬‬ ‫طويلة»‪ ،‬عدة مرات‪ ،‬ويولدون مرة أخرى بعد موته‪ .‬لتسد الفراغ الذي شيّده غياب المؤسسات الثقافية‬ ‫وإذا كان الوطن‪ ،‬برحيل هذا الرجل‪ ،‬فقد شخصية‬

‫استثنائية؛ فإن منطقة الجوف وحدها التي انكسرت‬

‫الحكومية في منطقة الجوف‪ ،‬طوال عشرين عاماً‪.‬‬

‫لحسن حظي أنني في تلك الفترة‪ ،‬كنت أرافق‬

‫من جهاتها األربع‪ ،‬وثكلت مساحة من عمرها‪ ،‬تقدر عمي الذي كان يعمل آن��ذاك أميناً لمكتبة الثقافة‪،‬‬

‫بنحو نصف ق��رن‪ ،‬قضاها عبدالرحمن السديري حيث هناك وقف الطفل الذي كنت مأهوالً بالدهشة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪19 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫بإزاء عالم من كتب وروايات وقصص ودواوين شعر ال���رائ���دة‪ .‬وم���ن يتقصى س���ي���رورة ه���ذه ال����دار منذ‬ ‫متنوعة ومجالت وجرائد‪ ،‬لم ولن يكون من اليسير بداياتها‪ ،‬ويقرأ السياق الزماني والمكاني‪ ،‬فسوف‬ ‫الوصول إليها‪ ،‬وكانت الساعات تمضي كما لو كنت يُصاب بالذهول من الهمة العالية‪ ،‬في رجل يراهن‬ ‫أقوم بنزهة فاتنة‪ ،‬تعرفت فيها على اآلالف من العوالم على مشروع حضاري وثقافي‪ ،‬في الوقت الذي كان‬ ‫التي هدمت مساحات كبيرة من الفراغ في داخلي‪ ،‬توطين أبناء الصحراء وتعليمهم هاجساً حاضراً في‬ ‫ال يضج بالحياة‪ ،‬وعرفت كم ذهنه‪ ،‬فهو أحد األول��وي��ات التي كانت تعمل الدولة‬ ‫وشيّدت مكانها كوناً هائ ً‬ ‫على تحقيقها آنذاك‪ .‬ولم يكن يسيراً‪ ،‬على اإلطالق‪،‬‬ ‫كان كتاب الجغرافيا المدرسي جافاً وبخيالً‪.‬‬ ‫في تلك الممرات الصغيرة بين الرفوف كنت أ ُطل‬

‫فأرى الكرة األرضية أوسع بكثير مما نتصور‪ .‬وهناك‬

‫تعرفت على أح��دب نوتردام‪ ،‬وبائعة الخبز‪ ،‬ومجلة‬

‫ال��ع��رب��ي‪ ،‬ون���ورة ال��ح��وش��ان‪ ،‬وم��رش��د ال��ب��ذال‪ ،‬وحمد‬ ‫الجاسر‪ ،‬وياقوت الحموي‪.‬‬

‫ك��ان عمي يدربني على أع��م��ال المكتبة‪ ،‬وكنت‬

‫أتغافله وأنحني كخياط مبتدىء أم��ام اآلل��ة الكاتبة‬

‫المدهشة‪ ،‬بضع ضربات على تلك األزرار ليشرق‬

‫مرصعة‪ ،‬أتأملها بدهشة وما‬ ‫ّ‬ ‫بياض الورقة بحروف‬ ‫زال حبرها في ذاكرتي لم يجف‪.‬‬

‫ال ال يني‬ ‫م��ن أجمل المفارقات أن ضيفاً جمي ً‬

‫اسمه يتجدد كوشم أخضر هو (بندر السهيان)‪ ،‬على‬

‫الرغم من أنه كان أمياً وبسيطاً‪ ،‬كان يزور المكتبة‬

‫بشكل مستمر‪ ،‬ويطلب إلي أن أقرأ له قصائد شعر‬

‫وإن تعجبه قصيدة ما‪ ،‬أقرأ في عينيه أمنية صغيرة‬ ‫وأب���ادره‪ :‬هل أكتبها لك؟ فيزهر حقل الفل المنثور‬

‫على حواف ذقنه‪ :‬إي والله يابن أخي!! ذلك الرجل‬

‫األمي الذي تعلمت على يديه الكثير وحفظت دواوين‬

‫ال حصر لها آن��ذاك كلما فتحت اآلن كتاباً سمعت‬

‫حفيف خطواته على حواف الغالف‪ ،‬وصوته األخضر‬ ‫يمر بأوقاتي كعيدان النعناع!‬

‫تلك الدكان الصغيرة‪ ،‬كانت نواة هذه المؤسسة‬ ‫< ‪abdsmile@hotmail.com‬‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫أن يقبل التحدي ويتصدى لهذه المعادلة المعقدة‪،‬‬ ‫بكل ما فيها من مفارقات‪ ،‬سوى شخص يستطيع أن‬ ‫يطل من أكثر من شرفة‪ ،‬وعلى أكثر من فضاء‪ ،‬وكأن‬ ‫عبدالرحمن السديري ه��و ذل��ك الشخص الوحيد‬ ‫ال��ذي ك��ان في مقدوره أن يطل من أكثر من شرفة‬ ‫على أكثر من زمن أيضاً‪.‬‬

‫ال عن الصعيد الثقافي؛ فإن ما‬ ‫وإذا خرجنا قلي ً‬ ‫تجدر اإلش��ارة إليه تلك المدينة االفتراضية‪ ،‬التي‬ ‫شيدها األمير عبدالرحمن السديري في المنطقة‬ ‫ال��وس��ط��ى بين ال��ج��وف وال��غ��اط‪ ،‬المدينتين األشد‬ ‫ال به‪ ،‬إنها مدينة شاهقة ممزوجة برائحة الحب‬ ‫ثك ً‬ ‫والنخيل والماء والتربة الطيبة والزيتون‪ ،‬تحيط بها‬ ‫أس���وار ش��اق��ة م��ن ع�لاق��ات وث��ي��ق��ة‪ ،‬وط���دت أواصر‬ ‫القربى بين الكثيرين من أهالي الجوف والغاط؛ ففي‬ ‫الجوف نصف ق��رن من مدينة ال��غ��اط‪ ،‬وف��ي الغاط‬ ‫نصف ق��رن م��ن ال��ج��وف‪ ،‬وكلتاهما تتقاطعان معاً‬ ‫في قلب إنسان ووجدانه‪ ،‬أكثر بكثير مما هو نفسه‪،‬‬ ‫إنسان عاش أكثر من حياة ولم يمت‪ ،‬بل ظل باقياً في‬ ‫بصماته المنحوتة حتى بعد أن أصبح في ذمة الله‪،‬‬ ‫وإذاً فهو بهذا المعنى يمثل مساحة شاسعة هي هذه‬ ‫المدينة االفتراضية‪ ،‬العصية على االندثار‪ .‬لقد مات‬ ‫مرة واحدة‪ ،‬لكنه اآلن أكثر إلحاحاً في الحضور‪ ،‬كما‬ ‫لو أنه ولد من جديد‪.‬‬


‫ملف العدد‬

‫في رثاء رجل الوفاء‬

‫األمير الراحل عبدالرحمن بن أحمد السديري‬

‫الدكتور أحمد بن محمد العيسى‬

‫ارتبطت معرفتي القصيرة باألمير الشاعر‪ ،‬صاحب‬ ‫القلب الكبير والمعدن األصيل والحكمة‪ ،‬عبدالرحمن بن‬ ‫أحمد السديري‪ ،‬رحمه اللّه‪ ،‬بذكرى عزيزة على قلبي‪،‬‬ ‫قادتني لها المصادفة ليس إال؛ فعلى الرغم من أني ولدت‬ ‫وقضيت سنوات عمري األول��ى في مدينتي الغاط وهي‬ ‫مدينة أسرة السديري العريقة‪ ،‬إال إن والدي‪ ،‬رحمه اللّه‪،‬‬ ‫انتقل وأنا على مشارف الدراسة في المرحلة اإلبتدائية‬ ‫إل���ى ال��ع��م��ل ف��ي منطقة ال��ب��اح��ة‪ ،‬م��ع أح���د رج���ال أسرة‬ ‫السديري‪ ،‬وهو األمير سعود بن عبدالرحمن السديري‪،‬‬ ‫حتى عاد إلى الرياض واستقرت أسرتي فيها؛ لذا كانت‬ ‫صلتي بمدينة الغاط ضعيفة أثناء مراحل الدراسة‪ .‬وكان‬ ‫األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري أميراً لمنطقة‬ ‫الجوف في تلك الفترة‪ ،‬حيث خدم في موقعه القيادي‬ ‫لسنوات طويلة قاربت نصف قرن من الزمان‪ ،‬ولكن يسر‬ ‫اللّه لي في منتصف ع��ام ‪1408‬ه���ـ‪ ،‬وكنت حينها طالباً‬ ‫بالدراسات العليا في الواليات المتحدة‪ ،‬أن أتقدم لخطبة‬ ‫ابنة أح��د أع��ي��ان مدينة ال��غ��اط‪ ،‬وك��ان صديقاً ومرافقاً‬ ‫لألمير ال��راح��ل‪ ،‬ع��اش وأس��رت��ه معه ف��ي مدينة سكاكا‬ ‫ألعوام طويلة‪ ،‬وكان شاعراً مجيداً توفي‪ ،‬رحمه اللّه‪ ،‬في‬ ‫حادث سيارة‪ ،‬قبل خطبتي البنته بأشهر قليلة‪.‬‬ ‫وما أن علم األمير عبدالرحمن السديري وكان ما يزال‬ ‫أميراً لمنطقة الجوف بموعد زواج ابنة صديقه‪ ،‬حتى‬ ‫أصر رحمه اللّه‪ ،‬وفاء للرجل‪ ،‬الذي عمل معه لسنوات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫على أن يقيم حفل ال���زواج ويستضيف المدعوين على‬ ‫ال‬ ‫نفقته وفي قصره العامر في مدينة سكاكا؛ فكان حف ً‬ ‫ال عابقاً‬ ‫بهيجاً ال تزال ذكراه تجلجل بين أضلعي‪ ،‬كان حف ً‬ ‫بكل معاني الوفاء والكرم والسماحة‪ ،‬شاركت في إحيائه‬ ‫فرقة الفنون الشعبية في منطقة الجوف‪ ،‬التي أتحفت‬ ‫الحضور بألوان من األهازيج‪ ،‬والرقص الشعبي األصيل‪.‬‬ ‫تعرفت على األمير في تلك المناسبة العزيزة وفي‬ ‫< عميد كلية اليمامة بالرياض‪.‬‬

‫<‬

‫زي��ارات قصيرة للمنطقة‪ ،‬قبل أن يضطره المرض إلى‬ ‫التقاعد والراحة‪ ،‬فكنت أرى فيه تلك اللمحات اإلنسانية‬ ‫العظيمة‪ ،‬تلك السماحة وال��دم��اث��ة‪ ،‬والمعاملة الرقيقة‬ ‫لمن حوله‪ ،‬والفخر بمشروع الوحدة وتأسيس الدولة‪،‬‬ ‫واالن��ش��راح عند ال��ح��دي��ث ع��ن م��ش��اري��ع ال��دول��ة وخدمة‬ ‫المجتمع‪ .‬وكان الحديث في مجلسه يزخر بقصص الرواد‪،‬‬ ‫وشهامة الرجال‪ ،‬وشظف العيش في األيام الخوالي‪ ..‬كان‬ ‫االستنتاج ال��ذي خرجت به من أول لقاء به في مجلسه‬ ‫واستماعي لحديثه مع المحاضرين‪ ،‬أن المؤسس الملك‬ ‫عبدالعزيز رحمه اللّه لم يكن بحاجة إلى كثير من السالح‬ ‫والجنود إلنجاز مشروع توحيد الجزيرة‪ ،‬وإنما عرف كيف‬ ‫يختار الرجال‪ ،‬فكانت قيادتهم وسيرتهم كفيلة بالتفاف‬ ‫الناس ح��ول ذل��ك المشروع الجبار‪ ،‬ال��ذي لم يشهد له‬ ‫التاريخ المعاصر مثيالً‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬تعّرفت على إنجازات‬ ‫األمير ال��راح��ل في منطقة ال��ج��وف‪ ،‬وتعّرفت على حبه‬ ‫للعلم والمعرفة؛ فكان من مشاريعه التي ما تزال تؤدي‬ ‫دوراً حضارياً بالغ األهمية‪ ،‬إنشاء مؤسسة عبدالرحمن‬ ‫السديري الخيرية في مدينة سكاكا‪ ،‬وتضم مكتبة عريقة‬ ‫باسم دار الجوف للعلوم‪ ،‬ولها نشاطات ثقافية مهمة في‬ ‫دراسات شبه الجزيرة العربية‪.‬‬

‫وكان لي لقاء آخر مع الراحل الكبير قبل وفاته بأيام‬ ‫قليلة‪ ،‬ولكنه لم يكن لقاء شخصياً‪ ،‬وإنما كان لقا ًء معرفياً‬ ‫وسياحياً‪ ،‬خ�لال رحلة سياحية‪ ،‬ش��ارك فيها خمسين‬ ‫شخصاً ونيّف من أعضاء هيئة التدريس وأسرهم في كلية‬ ‫اليمامة بالرياض‪ ،‬ومن جنسيات عربية وأجنبية إلى مدينة‬ ‫الغاط ومنطقة القصيم‪ ،‬فكانت أولى محطات الرحلة في‬ ‫مكتبة الرحمانية بمدينة الغاط التي تكتسب اسمها نسبة‬ ‫إلى األمير الراحل عبدالرحمن السديري‪ ،‬والتي شيدها‬ ‫أبناؤه تكريماً ووفاء لوالدهم‪ ،‬فكان الوفد منبهراً بفكرة‬ ‫المكتبة وتصميمها المتميز‪ ،‬وبدورها الحضاري الرائد‪،‬‬ ‫في مدينة تتوسط صحراء الجزيرة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪21 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫السديري من خالل مؤسسته‬

‫> بقلم د‪ /‬حسن بن فهد الهوميل‬

‫<‬

‫عندما قضى األمير عبد الرحمن السديري نحبه‪ ،‬لم طالبها‪ ،‬ويضيء عتمة الحياة‪ ،‬وينجز موائد المعرفة‬ ‫تطو صفحات حياته‪ ،‬ولم ترفع أقالمها‪ ،‬بل ظلت كما هي للعقول المتعطشة لها في زمن يتنافس أهله في إشاعة‬ ‫تكتب سيرة حياة أخرى‪ ،‬حافلة بجالئل األعمال‪ ،‬وبما حضاراتهم‪ ،‬وتوهين حضارة اآلخرين‪.‬‬ ‫أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون‪ ،‬فإن المحسنين‬ ‫ومؤسسة كتلك التي نشهد بما علمنا فيها تبذل‬ ‫أحياء بمآثرهم عند من ينتفعون بصدقاتهم الجارية‪ ،‬من الجهد والمال ما يستجيب لكل متطلبات الثقافة‬ ‫كما قال الرسول [‪ « :‬إذا مات ابن آدم أنقطع عمله المعاصرة‪ ،‬إذ ال يقرب المعارف لطالبها إال المؤسسات‬ ‫إال من ثالث»‪ ،‬وأحسب أن لألمير النصيب األوفى من القائمة على أحدث األساليب‪.‬‬ ‫هذه البشارة‪ ،‬وال أزكي على الله أحداً‪ ،‬وكيف يموت من‬ ‫ل��ق��د ق��ل��ت ب��ع��ض م��ا أع���رف ع��ن ال��ح��اض��ر الغائب‬ ‫قامت مآثره تصل ما أنقطع دون منٍّ وال أذى‪.‬‬ ‫األم��ي��ر ع��ب��د ال��رح��م��ن ال��س��دي��ري – رح��م��ه ال��ل��ه‪ ،‬يوم‬ ‫وم��ن ب���وادر التوفيق‪ ،‬أن يستبق األب��ن��اء بالخيرات‬ ‫المستجيبة ل��ح��اج��ات ال��ع��ص��ر‪ ،‬وك���م م��ن محسن ظل‬ ‫مرتهناً ألنماط الصدقات التقليدية‪ ،‬وفات األكثرين أن‬ ‫ما يبذلونه في سبيل الله يتسع ألكثر مما هو متداول‪،‬‬ ‫ومعهود عند الناس من وجوه الصدقات‪ ،‬ومن مخارج‬ ‫الزكاة المفروضة (في سبيل الله)‪ ،‬ولقد اختلف الفقهاء‬ ‫والمفسرون حول مشموالت هذا الصنف‪ ،‬ولما كانت‬ ‫متطلبات العصر مواكبة لمتغيراته‪ ،‬فقد أدرك ذلك‬ ‫الراصدون لها‪ ،‬وسبقوا إلى وجوه النفع التي عجز عنها‬ ‫األك��ث��رون وإش��اع��ة العلم‪ ،‬والثقافة‪ ،‬وبناء المؤسسات‬ ‫العمالقة‪ ،‬بعض تلك ال��وج��وه‪ ،‬وق��د ال يمر بخلد أحد‬ ‫م��ن أص��ح��اب ال��دث��ور م��ا نشهده ال��ي��وم م��ن وج��وه البر‬ ‫واإلح��س��ان المتنوعة‪ ،‬مما عمد إليها المستشرفون‬ ‫للمستقبل المستجيبون لمتطلبات العصر الحديث من‬ ‫مكتبات زاخرة بأنواع المعارف‪ ،‬ومطبوعات‪ ،‬ودوريات‪،‬‬ ‫ومنتديات‪ ،‬ومؤسسات عمالقة‪ ،‬تستوعب ذلك كله‪ ،‬وتهيأ‬ ‫فيها أمكنة للقراءة‪ ،‬وخلوات للبحث‪ ،‬وأجهزة للتواصل‬ ‫مع مكتبات العالم‪ ،‬تنطلق فيها المطبوعات لتصل إلى‬ ‫طالب لمعرفة‪ ،‬حيث كانوا في آفاق المعمورة‪.‬‬

‫وفاته‪ ،‬وكانت الرغبة تراودني لالستكمال الحديث عن‬ ‫مآثره المتعددة المهمات‪ ،‬والمواقع لنرد له بعض ما‬ ‫له علينا وبخاصة أنني من ورث المعرفة من أبيه‪ ،‬ثم‬ ‫وصلها بمعرفة مباشرة‪ ،‬إذ كان لي شرف التواصل مع‬ ‫معاليه عن طريق تلك المنشأة المتعددة المهمات‪ ،‬وما‬ ‫كان لمثلي أن يقطع صلته‪ ،‬وقد ترك رحمه الله حبال‬ ‫التواصل ممتدة لمن شاء أن يفيد أو يستفيد‪ ،‬وكل من‬ ‫حمل هم الكلمة الطيبة‪ ،‬بكل ما تنطوي عليه من جمال‬ ‫وجالل‪ ،‬وإمتاع ونفع ال يجد ب ّداً من التواصل مع تلك‬ ‫المؤسسة المستجيبة لمتطلبات المرحلة المعاشة‪ ،‬وكل‬ ‫ما تعج به من مؤسسات ثقافية‪ ،‬ذات أهداف متعددة‪،‬‬ ‫ولئن كانت المؤسسة في منطقة أحبها الفقيد‪ ،‬وأنفق‬ ‫فيها زهرة شبابه‪ ،‬وترك فيها ما يحفظ الذكر الحسن‪،‬‬ ‫إال أنها من الجميع للجميع‪ ،‬فهي مشرعة األبواب لكل‬ ‫من أراد النفع‪ ،‬واالنتفاع‪ ،‬والمؤسسة وإن انتمت زماناً‬ ‫أو مكاناً‪ ،‬فإنها بتسبيل المنفعة‪ ،‬وتحبيس األصل تملك‬ ‫القدرة على االنطالق في اآلفاق‪ ،‬متخلصة من محدودية‬ ‫ال��زم��ان وال��م��ك��ان‪ ،‬وذل���ك عبر االس��ت��ق��ط��اب للكفاءات‬ ‫المعرفية واختراق كافة األجواء بالمطبوعات اإلعالمية‬ ‫والمعرفية‪.‬‬

‫إن مؤسسة عبد الرحمن السديري الفكرية تمارس‬ ‫ال حضارياً يستجيب لرغبات العلماء‪ ،‬والمفكرين‪،‬‬ ‫عم ً‬ ‫لقد حفظت لنا المخطوطات والمطبوعات‪ ،‬جهود‬ ‫واألدباء‪ ،‬وتسد حاجاتهم‪ ،‬ولست أعرف أشرف أو أعز علماء احترمتهم يد المنون قبل مئات السنين‪ ،‬عاشوا‬ ‫من ال��ذي يبني وينشئ الثقافة والمعرفة ويقربها إلى في أزمنة وأمكنة متباينة‪ ،‬وما استطاعت يد النسيان أن‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫تطمس معالمهم‪ ،‬وال أن تحول دون انطالقة أعمالهم‬ ‫عبر األمكنة واألزم��ن��ة‪ ،‬لتكون ح��اض��رة ف��ي ك��ل مكتبة‬ ‫وب��ي��ت‪ ،‬وم��درس��ة‪ ،‬وج��ام��ع��ة‪ ،‬والمسكونون بهم الكلمة‬ ‫يعرفون آالف العلماء والمفكرين واألدب���اء م��ن خالل‬ ‫آث��اره��م المخطوطة‪ ،‬والمطبوعة‪ ،‬والمعنيون بإشاعة‬ ‫المعرفة من خ�لال المطبعة‪ ،‬أو المكتبة‪ ،‬يصلون ما‬ ‫أنقطع ويمكّنون طالب العلم من التواصل مع من سلف‬ ‫من العلماء واألدباء‪.‬‬

‫ومؤسسة ال��س��دي��ري ستظل كما ل��و ك��ان صاحبها‬ ‫حياً يأكل الطعام‪ ،‬ويمشى في األسواق‪ ،‬تؤدي رسالتها‬ ‫ال��ح��ض��اري��ة ك��ل ح��ي��ن ب��أم��ر رب��ه��ا‪ ،‬فالمكتبة مشّ رعة‬ ‫األبواب والمطبوعات اإلعالمية‪ ،‬والمعرفية‪ ،‬والدورية‪،‬‬ ‫تجد طريقها إلى آفاق البالد‪ ،‬لتكون حاضرة عند كل‬ ‫ع��ال��م‪ ،‬وم��ف��كّ��ر‪ ،‬وأدي���ب‪ ،‬وك��ل ال��ذي ب��وده المؤسس أن‬ ‫تمتد يد المحتاج إلى ثمر المؤسسة الداني‪ ،‬وهو ثمر‬ ‫ال يقاس بالمحسوس م��ن م��أك��ل‪ ،‬وم��ش��رب‪ ،‬إن��ه غذاء‬ ‫األفكار‪ ،‬والمعقول‪ ،‬ومن ذا الذي ال يعرف قيمة الكتب‪،‬‬ ‫والدوريات‪ ،‬والمكتبة الحديثة‪ ،‬بكل ما تتوافر عليه من‬ ‫كتب في مختلف المعارف‪ ،‬وأجهزة حديثة تصل المنتفع‬ ‫بآفاق المعمورة‪ ،‬وتطوف به مكتبات العالم‪ ،‬وتهيئ له من‬ ‫المستجدات ما ال يقدر على توفيره بنفسه‪ ،‬ولقد أدت‬ ‫المكتبات العامة في عواصم العالم اإلسالمي أدواراً‬ ‫إيجابية‪ ،‬عرفها العلماء المهتمون‪ ،‬وإسهام األفراد في‬ ‫إشاعة المعرفة‪ ،‬ال يقاس بإسهام المؤسس‪ ،‬ومن ثم فإن‬ ‫قيام المشاريع الثقافية مؤذن بتواصل العطاء واستيفاء‬ ‫متطلبات العصر‪.‬‬

‫ملف العدد‬ ‫بها من ناشئة األمة التي هي أحوج ما تكون إلى تجسير‬ ‫الفجوات بينها وبين ق�لاع المعرفة وم��ص��ادر الثقافة‬ ‫المأمونة العواقب‪ ،‬والسيما أن دع��اة الفتنة والظالل‬ ‫يقعدون للشباب كل مرصد‪ ،‬ويهيئون لهم من الوسائل‪،‬‬ ‫ما يشدهم ويثير غرائزهم وفضولهم‪ ،‬وهذه المؤسسات‬ ‫التي يشرف عليها األك��ف��اء الناصحون‪ ،‬لله ولرسوله‬ ‫وألئمة المسلمين وعامتهم‪ ،‬تحول دون إضاعة الجهد‬ ‫والوقت والمال‪ ،‬للتهافت على مصادر الفتنة والتضليل‪.‬‬ ‫فالعناية بالكتاب‪ ،‬وال��دوري��ة‪ ،‬واألم��ك��ن��ة‪ ،‬واألجهزة‬ ‫الموصلة إل��ى ال��م��ع��رف��ة‪ ،‬وتيسير ذل��ك لطالبها‪ ،‬من‬ ‫المهمات الجسام‪ ،‬التي ال يقدر عليها إال أولو العزمات‬ ‫القوية المستشرفون للمستقبل‪ ،‬والتعهد بالعطاء‪ ،‬ال يلقاه‬ ‫إال الرجال األوفياء لعقيدتهم‪ ،‬ووطنهم‪ ،‬ومواطنيهم‪ ،‬وما‬ ‫كنت أعرف صدقة تنازع إشاعة الثقافة‪ ،‬وتهيئتها لمن‬ ‫أرادها‪.‬‬

‫والذين تواصلوا مع مآثر الفقيد‪ ،‬يدركون أنه الحريص‬ ‫على العطاء‪ ،‬السبّاق إلى اإلحسان‪ ،‬المتعددة الوجوه‪،‬‬ ‫ومن وجد اإلحسان‪ ،‬قيداً تقيداً‪ ،‬لقد م ّر بالحياة خلق‬ ‫كثير‪ ،‬ومضوا دون أن يبقى لهم ذكر حسن مع إمكانية أن‬ ‫يعيشوا بالذكر الحسن‪ ،‬وما دروا أن الذكر لإلنسان عمر‬ ‫��ان‪ ،‬وأن الصدقة الجارية‪ ،‬والعلم ال��ذي ينتفع به من‬ ‫ث ٍ‬ ‫ثوابت الذكر الحسن‪ ،‬بل ال بد من التحريض‪ ،‬والتحفيز‬ ‫لمزيد من العطاء‪ ،‬وما أكثر األثرياء المترددين‪ ،‬الذين‬ ‫يحبون الخير ويستبقون إليه‪ ،‬ولكنهم ال يتقنون من‬ ‫المبادرة‪ ،‬وال يجدون الثقة في المغامرة المحسوبة‪،‬‬ ‫ومثل ه��ذه المؤسسة بكل م��ا تعج ب��ه م��ن اإلمكانيات‬ ‫إن أج���واء المؤسسة مغرية لكل م��ن عايشها عن كافية‪ ،‬لكي تكون قوة للخيرين من أهل الدثور‪.‬‬ ‫قرب‪ ،‬وتلك المؤسسة بما هي عليه‪ ،‬وبما هي لها من‬ ‫لقد ك��ان ل��ي ش��رف ال��ت��واص��ل‪ ،‬م��ع تلك المؤسسة‬ ‫إمكانيات مادية‪ ،‬وفنية‪ ،‬لمّا تزل في حراك متواصل‪ ،‬الثقافية‪ ،‬في بواكير إنشائها‪ .‬وقد أدركت من خالل ذلك‬ ‫وتجديد مستمر‪ ،‬واستثمار لكل مستحداث العصر‪ ،‬التواصل‪ ،‬أنها تمتلك القدرة على االستمرار‪ ،‬والتطور؛‬ ‫ووجودها بهذه اإلمكانيات يضيف إلى المنطقة مزيداً فاإلمكانات المادية‪ ،‬ضمنت لها االستمرار واإلمكانيات‬ ‫من العلم والثقافة‪ ،‬كما أنها تخلق أجواء معرفية تغري المعرفية ضمنت لها التطور‪ ،‬ومواكبة الحياة المتغيرة‪،‬‬ ‫الهوات والشدات‪ ،‬وتهيئ لهم مكاناً قصياً يخلون فيه مؤشر وح��ي ث��اق��ب‪ ،‬يستشرف المستقبل‪ ،‬ويستوعب‬ ‫بما يريدون من الكتب ‪ ،‬واألجهزة الحديثة‪ ،‬التي تختصر تجارب من سبق‪ .‬والمؤمل من ذوي الثراء‪ ،‬أن يستبقوا‬ ‫الجهد والوقت‪.‬‬ ‫الخيرات قبل أن يسبق إليهم العجز أو الموت‪ ،‬فيحول‬ ‫وال��ح��دي��ث ع��ن المشاريع الثقافية العمالقة‪ ،‬يقّر بينهم‪ ،‬وبين ما يشتهون‪ .‬وما أكثر الذين فوّتوا الفرص‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪23 1427‬‬


‫وال��م��ؤس��س��ات ال��ث��ق��اف��ي��ة‪ ،‬إن ل��م تمتلك المرونة‪،‬‬ ‫واالستجابة للمتغيرات‪ ،‬تظل أثراً بعد عين‪.‬إن الحضور‬ ‫الفاعل لكثير من المؤسسات‪ ،‬مرده إلى مرونة الحركة‪،‬‬ ‫والتواصل االيجابي مع كل المستجدات‪ .‬قد توفرت‬ ‫تلك لمؤسسة العرقية‪ ،‬على المبادرة‪ ،‬والعمل الناجز‪،‬‬ ‫واستوعبت كل المستجدات التنظيمية‪.‬‬ ‫ومؤسسة السديري من ذلك النوع‪ ،‬إنها كما لو كانت‬ ‫بنت ساعتها‪ ،‬تستجيب لمتطلبات المرحلة‪ ،‬وإذا كان‬ ‫أبناء الفقيد‪ ،‬قد استجابوا لنداء الوطن‪ ،‬وبذلوا المال‬ ‫والجهد والوقت‪ ،‬فإن واجب النخبة شد أزرهم وتبادل‬ ‫المنافع مع تلك المؤسسة الحضارية‪ ،‬فما هي بكل‬ ‫امكانياتها إال ملتقى لتالقح األفكار‪.‬‬ ‫واس��ت��ج��اب��ة ال��ع��ل��م��اء‪ ،‬وال��م��ف��ك��ري��ن‪ ،‬واألدب�����اء‪ ،‬تمكن‬ ‫المؤسسة م��ن الحضور ال��ف��اع��ل‪ ،‬وم��ا دام���ت مشرعة‬ ‫األب���واب لكل ق��اص��د‪ ،‬ف��إن م��ن الخطأ التسويف‪ ،‬إنها‬ ‫قائمة الستيعاب أكثر عدد من طالب المعرفة‪.‬‬ ‫وحق المحسنين‪ ،‬أن نُعّرف بهم‪ ،‬وأن نمهد الطريق‬ ‫للوصول إلى منشآتهم‪ ،‬هنا وهناك‪ ،‬فالتواني والعزوف‬ ‫يعطالن المنافع المتداولة لكل منتفع‪ ،‬واالستفادة تسعد‬ ‫المؤسس في قبره‪ ،‬وتسعد أبناءه الذين يودون أن يمتد‬ ‫نفع المؤسسة‪ ،‬وماذا علينا وعليهم‪ ،‬وقد قامت المؤسسة‬ ‫بقاعاتها‪ ،‬وكتبها‪ ،‬ومجالتها‪ ،‬ومواسمها الثقافية‪ ،‬أن‬ ‫نواصل التواصل‪ ،‬حسب الطاقة‪ ،‬ووفق اإلمكانيات‪.‬‬ ‫ف���إن ق��ام��ت ح��اج��ات��ن��ا إل��ي��ه��ا‪ ،‬ف�لا ض��ي��ر أن نسعى‬ ‫إليها‪ ،‬وإن قامت حاجاتها إلينا‪ ،‬فمن حق المحسن أن‬ ‫تستجيب ل��ه‪ ،‬وبخاصة أن مواسمها الثقافية بحاجة‬ ‫إلى المشاركين‪ .‬إننا في زمن المجتمع المدني القائم‬ ‫على المؤسسات‪ ،‬واستجابة القادرين يعطيه مزيداً من‬ ‫القدرة على استكمال متطلباته‪ ،‬ول��ن يأخذ المجتمع‬ ‫زينته حتى يكون العمل فيه على قدر الطاقة‪ .‬رحم الله‬ ‫الفقيد‪ ،‬وجعل ما ق��دّم في ميزان حسناته‪ .‬وش�� ّد أذر‬ ‫عقبه‪ ،‬ومنحهم القوة لمزيد من العطاء‪.‬‬ ‫< رئيس النادي األدبي بالقصيم ‪ -‬سابقاً‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫> إبراهيم خليف مسلم السطام‬

‫وقفة مع سيرة أمير‬

‫ملف العدد‬ ‫على أنفسهم‪ ،‬وعلى من يحبون بالتسويف والتردد‪.‬‬

‫أث���ن���اء زي�����ارة ج�ل�ال���ة الملك‬ ‫سعود‪ ,‬رحمه الله‪ ,‬إل��ى منطقة‬ ‫ال��ج��وف ع���ام ‪ 1373‬ه���ـ‪ ،‬حضر‬ ‫إل��������ى م���خ���ي���م ج��ل�ال����ت����ه أح����د‬ ‫المواطنين‪ ،‬وه��و يحمل شكواه‬ ‫ض���د أم��ي��ر ال��م��ن��ط��ق��ة‪ ،‬وبسبب‬ ‫ت��زاح��م ال��م��راج��ع��ي��ن ت��ع��ذر على‬ ‫هذا الرجل الوصول إلى مكتب‬ ‫ال��م��ل��ك ف��ي ال��م��خ��ي��م‪ ،‬وتصادف‬ ‫م��رور األمير بجوار هذا الرجل‬ ‫فتناول شكواه‪ ،‬وسلمها لجاللة‬ ‫ال��م��ل��ك س��ع��ود‪ ،‬ف��ق��ال ل��ه الملك‬ ‫ه���ذه ال��ش��ك��وى ِض����دَّ ك‪ ،‬فأجاب‬ ‫األمير أعلم ذلك جيداً‪ .‬فإذا كان‬ ‫له حق عندي‪ ،‬فخذوه مني‪ ،‬وإن‬ ‫لم يكن فاألمر لجاللتكم‪.‬‬ ‫عن هذا الرجل أحدثكم‪ ،‬ذلكم‬ ‫هو األمير عبد الرحمن بن أحمد‬ ‫السديرى أمير منطقة الجوف‬ ‫سابقاً‪ ,‬رحمه الله‪ ،‬وهذه إضاءة‬ ‫سريعة على صفاته اإلنسانية‪ ,‬‬ ‫ال��ذي يستعصى علينا ف��ي هذا‬ ‫العصر‪ ،‬أن نجد منافساً له في‬ ‫ميدان الحكمة والتواضع‪ .‬ومن‬ ‫العسير أيضاً أن ينتزع أحد منه‬ ‫��ات عُ��رِ َف بها بين الخاصة‬ ‫ِص�� َف ٍ‬ ‫والعامة من سكان ه��ذه البالد‪،‬‬ ‫ع��ل��ى م���دى س��ن��وات ن��ح��و نصف‬ ‫ق��رن قضاها بيننا‪ .‬لقد كانت‬ ‫ش��ع��ارات��ه وم��درس��ت��ه األخالقية‬ ‫مضرب المثل للجميع‪ ،‬وإذا تعذر‬ ‫اإلتيان عليها بالتفصيل فلنذكر‬


‫ملف العدد‬ ‫ما تيسر منها بإيجاز‪:‬‬

‫من يلوذ به من أبناء هذه البالد ‪ ،‬ولعله من النادر أن‬ ‫يخلو مجلسه أو مكتبه من واحد أو أكثر من الوافدين‬ ‫إليه من ب��وادي المملكة وح��واض��ره��ا‪ ,‬يطلبون منه‬ ‫العون والشفاعة أمام والة األمر‪ ،‬ومن العسير عليه‬ ‫أن يرد أحداً خائباً‪.‬‬

‫يشاطر ال��ن��اس أفراحهم وأت��راح��ه��م‪ ،‬ويستجيب‬ ‫لدعواتهم ويحضر مناسباتهم‪ ،‬ويقضى ساعات من‬ ‫وق��ت��ه إلص�ل�اح ذات البين؛ لكي يَ��حُ ��لَّ ال��وئ��ام محل‬ ‫الخصام بين األسر وأهل الخصومات‪ .‬كان عوناً لكل‬

‫وننتظر ت��دوي��ن سيرة األم��ي��ر‪ ,‬و إص��داره��ا في‬ ‫ال وافياً لتاريخ األمير عبدالرحمن‬ ‫كتاب‪ ,‬يضم سج ً‬ ‫السديري‪ ,‬يوّثق أعماله ومبادراته خالل حياته‪ ,‬التي‬ ‫أمضى نحو نصف قرن منها أميراً لمنطقه الجوف‪.‬‬

‫الحلم سيد األخالق‪ :‬نعم لقد و ُِهبَ األمير ِحلماً‬ ‫وعاطفة و َِسعَتْ الجميع‪ ،‬حتى أولئك الذين جَ هِ لوا‬ ‫أو أس���اؤا بجانبه وم��ا أك��ث��ره��م‪ .‬ول��و ك��ان ف��ي هذا‬ ‫المقام متسع للحديث المتألت الصفحات بالروايات‬ ‫واألخبار‪ ,‬التي تتكرر على ألسنة الناس‪ ,‬هنا وهناك‪ ,‬‬ ‫كان يصغى إلى اآلخرين من حوله‪ ،‬من ذوي الرأي‬ ‫ع��ن مناقبه وم���آث���ره‪ ,‬وح��س��ن تعامله م��ع الخاصة والحكمة وم��ن ذوي االخ��ت��ص��اص‪ ،‬ول��م يكن يبخل‬ ‫والعامة‪.‬‬ ‫النصيحة يسديها لمن هو بحاجة إليه أو يطلبها‬ ‫وفي جميع األح��وال‪ ،‬وفى أيامه ولياليه‪ ،‬لم نَلْقَه منه‪.‬‬ ‫غاضباً‪ ،‬وال منفعالً‪ ،‬وال متعجالً‪ ،‬مهما كان الخطب‬ ‫وحتى في جانب العمل الرسمي‪ ،‬فقد كانت تَ ْغلُبُه‬ ‫ج��ل�لاً‪ ،‬وال��م��وق��ف ع��س��ي��راً‪ ،‬ف��ك��ان حظه عظيماً في‬ ‫النزعة اإلنسانية في تصرفاته وفى قراراته؛ َف ُق َبيْ َل‬ ‫حياته‪ ،‬ونرجو له ذلك في آخرته‪ .‬أما شعاره اآلخر‬ ‫إحداث البلديات في المنطقة‪ ،‬كان يحث الناس على‬ ‫فهو‪:‬‬ ‫توثيق تَ َمل ُِك أراضيهم تحسباً للتعقيدات اإلدارية‬ ‫من تواضع لله رفعه‪ :‬لقد ك��ان من اليسير على المنتظرة‪ .‬وعندما حلت السنوات العجاف بالمنطقة‬ ‫الشيخ والمرأة والضعيف وذي الحاجة‪ ،‬أن يوقفه أو خالل الفترة من ‪ 1370‬إلى ‪1380‬هـ سعى إلى إقامة‬ ‫يخلو به على إنفراد‪ ,‬وهو في طريقه أو في مكتبه‪ ،‬مشروع توطين البادية في وادي السرحان وصوير‬ ‫ِليُفْضى إليه بشكواه‪ ،‬و ِل َيبُثَّه ما يجيش في خاطره‪،‬‬ ‫وغيرهما‪ ،‬كما سعى إل��ى ص��رف مكافآت لطالب‬ ‫وم���ا أك��ث��ر أول��ئ��ك ال��ذي��ن حُ ��لَّ��ت مشاكلهم وق ُِضيَت‬ ‫المدارس بهدف تشجيعهم على مواصلة التعلم‪ .‬وكان‬ ‫حاجاتهم بفضل الله عليه‪ ،‬إذ منحه قلباً كبيراً يتسع‬ ‫رائ��داً للنهضة الزراعية‪ ,‬ومشجعاً للعلم والرياضة‪،‬‬ ‫لهموم اآلخرين‪.‬‬ ‫وم��ا أكثر مساعيه وم��ب��ادرات��ه اإلنسانية في خدمة‬ ‫أما عصاه السحرية‪ :‬فهي الصبر والصفح وهما أمته ووطنه‪.‬‬ ‫من ع��زم األم��ور‪ ،‬وبهما يَح ُّل المعضل من القضايا‬ ‫ولمن يريد التعرف إلى شخصية هذا األمير عن‬ ‫والشائك من األمور‪ .‬كان صاحب مدرسة فريدة في‬ ‫تعامله مع مواطنيه‪ ،‬كان أب��اً وأخ��اً للجميع؛ ينشغل قرب‪ ,‬فسوف يجد بُ ْغيَته في ديوانه (القصائد) وفى‬ ‫بقضية العاجز والضعيف‪ ،‬ويتابعها بنفسه حتى تُحَ لْ‪ ،‬قصيدته (الرفيق)‪ ،‬وسيجدهما مشحونان بالحكمة‬ ‫ويعفو ع��ن ال��ج��اه��ل‪ ،‬ويستجيب للشفاعة ف��ي غير والعاطفة‪ ،‬و تقطران بالوجدان واألحاسيس الفياضة‬ ‫نحو مجتمعه‪ ،‬ونحو محبيه‪ ،‬وذوى قرباه‪.‬‬ ‫الحدود‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪25 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‪..‬‬

‫الذي أحب الشعر والسياسة‪ ..‬واالخضرار‬ ‫> د‪ .‬عبد الرحمن الشبيلي‬ ‫أراد له ال��ق��در‪ ،‬منذ شهر ش��وال ‪1410‬ه���ـ ابريل السعودية األولى‪.‬‬ ‫‪1991‬م‪ ،‬أن يبقى فاقد الوعي‪ ،‬طريح الفراش‪ ،‬تحت‬ ‫كما اشتهر من هذه العائلة حفيده أحمد السديري‬ ‫رقابة األجهزة الطبية‪ ،‬تغذي عروقه‪ ،‬وتنظم نبضات (الثاني)‪ ،‬وهو والد األمير عبد الرحمن (شخصية‬ ‫قلبه؛ فال هو الذي ارت��اح‪ ،‬وال هو الذي فتح عينيه‪،‬‬ ‫هذا الموضوع) وجد الملك فهد وإخـوانه لوالدتهم‪،‬‬ ‫كي تقر بالمحيطين بحبهم حوله‪ ،‬ويرى كيف تحولت‬ ‫وق��د اسند إليه الملك عبدالعزيز مسؤوليات عدة‬ ‫الحياة طيلة فترة مرضه األخير‪.‬‬ ‫في الوشم والقصيم واألف�لاج والغاط‪ ،‬وتوفي عام‬ ‫وفي الوقت ال��ذي يتعذر على كاتب مراقب مثل ‪1354‬هـ ‪1934‬م‪ ،‬وخلف من األبناء ثمانية وهم‪ :‬تركي‬ ‫محرر هذه السطور‪ ،‬أن يكتب في عجلة عن إنسان وعبد العزيز وخالد ومحمد وعبد الرحمن ومساعد‬ ‫ل��م يجالسه‪ ،‬أو يعش قريباً م��ن��ه‪ ،‬لكن زم��ال��ة ابنه وسليمان وبندر‪ ،‬ومن البنات خمس عشرة‪ ،‬من بينهن‬ ‫األوس���ط (د‪ .‬زي���اد) ف��ي مجلس ال��ش��ورى‪ ،‬وصداقة حصة بنت أحمد السديري وال��دة األمير عبد الله‬ ‫إخوته‪ ،‬قد أتاحت لي فرصة ق��راءة بعض صفحات بن محمد بن عبد الرحمن والملك فهد وأشقائه‬ ‫سيرته‪ ،‬والتعرف على منهجه وتفكيره‪ ،‬وسماع شيء وشقيقاتهم‪.‬‬ ‫م��ن ش��ع��ره‪ ،‬وزي���ارة معشوقتيه‪( :‬ال��ج��وف والغاط)‪،‬‬ ‫ولد عبد الرحمن السديري في بلدة الغاط عام‬ ‫ومتابعة نشاط مؤسسته الخيرية‪ ،‬والتنزه في مزرعته‬ ‫‪1328‬هـ (‪1918‬م)‪ ،‬وتلقى تعليمه في الكتاتيب‪ ،‬على‬ ‫(الفاخرة)‪ ،‬وتذوق انتاجها من التمر الفاخر‪ ،‬والتجول‬ ‫يد عدد من مشايخ بلدته‪ ،‬والوافدين إليها من أقاليم‬ ‫مشياً على األقدام في المناطق المحيطة بالغاط‪ ،‬من‬ ‫م��ج��اورة‪ ،‬ث��م سعى لتطوير نفسه ف��ي زم��ن ل��م يكن‬ ‫سهل الحمادة ونفوذ الثويرات وعروقه‪ ،‬إلى المستوى‬ ‫يوجد في نجد أي ل��ون من أل��وان التعليم الحديث‬ ‫غرباً‪.‬‬ ‫(حتى منتصف الخمسينيات الهجرية الثالثينيات‬ ‫إن أسرة السديري المعروفة في محافظة الغاط الميالدية)‪.‬‬ ‫(بإقليم سدير التابع لمنطقة الرياض)‪ ،‬نزحت منذ‬ ‫لكنه‪ ،‬وقد نشأ‪ ،‬شأنه في ذلك شأن كل إخوانه‬ ‫قرون من جنوبي نجد‪ .‬وقد اشتهر منها جد معظم‬ ‫السبعة‪ ،‬في بيت منهمك مع المؤسس الراحل (الملك‬ ‫أفرادها الحاليين‪ :‬أحمد السديري (األول) وهو جد‬ ‫عبد العزيز) في جهوده المظفرة لتوطيد أركان الدولة‬ ‫الملك عبد العزيز لوالدته‪ ،‬وقد تولى إمارة اإلحساء‬ ‫الفتية‪ ،‬وتأمين أسباب األمن في إرجائها‪ ،‬وجد في‬ ‫في عهد اإلمام تركي بن عبد الله آل سعود‪ ،‬مؤسس‬ ‫بيئة أسرته المعروفة بالفروسية واألدب واالنفتاح‬ ‫الدولة السعودية الثانية‪ ،‬ثم أوكل إليه إمارة البريمي‬ ‫ال��ف��ك��ري تعويضاً ع��ن السير ف��ي مناهج الدراسة‬ ‫(وساحل عُمان) في حدود عام ‪ .1853‬وتذكر بعض‬ ‫كتب التاريخ أن صلة هذه العائلة باألسرة المالكة النظامية‪ ،‬المحرومة منها نجد أساساً‪.‬‬ ‫وفي الخامس من شهر رمضان المبارك ‪1326‬هـ‬ ‫السعودية ربما كانت قد ب��دأت منذ أواخ��ر الدولة‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫‪( 1943/9/5‬أي خالل عهد الملك عبد العزيز) عُين والمرجو‪ ،‬بالمنهج نفسه‪ ،‬أن يسعى إلعادة إصداره‬ ‫أميراً لمنطقة الجوف‪ ،‬الواقعة شمال غربي المملكة إلضافة كل ما جد عليه من قصائد أو مساجالت‪ ،‬مع‬ ‫العربية السعودية‪ ،‬وكان قد بلغ الرابعة والعشرين‪ ،‬استدراك ما قد يكون لوحظ عليه من تصويبات‪.‬‬ ‫واستمر في هذا المنصب ثمانية وأربعين عاماً‪ ،‬إلى‬ ‫صنفت في‬ ‫وقد تضمن الديوان نحو مائة قصيدة‪ُ ،‬‬ ‫أن تقاعد في ‪1410/7/1‬ه����ـ ‪1990/1/27‬م‪ .‬وقد‬ ‫خمسة فصول هي‪ :‬الشوارد‪ ،‬والوجدانيات‪ ،‬والغزل‪،‬‬ ‫شارك في بداية عمله بنشاط سياسي وأمني استمر‬ ‫والرثائيات‪ ،‬والعرضات‪ ،‬مع فصل إضافي خصص‬ ‫نحو سبع سنوات‪ ،‬يتعلق بمفاوضات الحدود الشمالية‬ ‫الغربية مع جيرانها‪ .‬وقد أقام له أهالي الجوف مساء للقصائد المتبادلة (الردود)‪ ،‬وقد قامت مؤسسة عبد‬ ‫ال الرحمن السديري الخيرية بنشره‪ ،‬وخصصت ريعه‬ ‫يوم الخميس ‪1410/10/29‬هـ (‪ )1990/5/24‬حف ً‬ ‫تكريمياً حضره األمير أحمد بن عبد العزيز‪ ،‬نائب لألهداف الخيرية‪.‬‬ ‫وزير الداخلية‪.‬‬ ‫ويمكن في هذا المقام أن يُستشهد بأبيات من‬ ‫لكن ال��ق��در ل��م يمهله ط��وي�لاً‪ ،‬بعد ت��رك العمل‪( ،‬وصيته) التي يقول فيها موجها حديثه إل��ى ابنه‬ ‫ليستمتع ب��راح��ة ب��ع��ي��دة ع��ن ال��ت��زام��ات الوظيفة‪ ،‬األكبر فيصل (وهي من تسعة أبيات)‪:‬‬ ‫وليسعد ب��أوق��ات يقضيها ق���رب أوالده وأحفاده‪ ،‬ال م��ت ف��ي رأس الشعيب ادفنوني‬ ‫فعاجله المرض‪ ،‬ليفرض عليه إقامة إلزامية دامت‬ ‫ب��ال��رج��م ف���وق ال��م��ال��ح��ة والبديعة‬ ‫خمسة عشر عاما‪ .‬وقد أنجب من األبناء خمسة هم‪:‬‬ ‫اض���ف���وا ع���ل���يّ ت��راب��ه��ا واحفظوني‬ ‫فيصل‪ ،‬وسلطان‪ ،‬ود‪ .‬زياد‪ ،‬وعبد العزيز‪ ،‬ود‪ .‬سلمان‪،‬‬ ‫وح��ط��وا ع��ل��ى ق��ب��ري ح��ص��اة رفيعة‬ ‫ومن البنات ثمان هن‪ :‬دليل‪ ،‬وحصة‪ ،‬وجهير‪ ،‬ولطيفة‪،‬‬ ‫أن����ا م���ن ال��دن��ي��ا خ��ل��ص��ت اعذروني‬ ‫وشيخة‪ ،‬وجواهر‪ ،‬ومشاعل‪ ،‬وريم‪.‬‬ ‫ل��ي ج��ان��ب ال��ل��ه ع��ن ح��ي��اة وضيعة‬ ‫إن من الصعب أن يوجز التاريخ في سطور‪ ،‬كما‬ ‫ويقصد بالبيت األول مزرعة له أخرى على ضفاف‬ ‫أن المقام أيضا ال يتسع لإلطالة‪ ،‬فنكتفي بلمحات‬ ‫شعبي الغاط‪.‬‬ ‫موجزة من حياته‪:‬‬

‫األولى‪:‬‬

‫الثانية‪:‬‬

‫لم يشتهر عبد الرحمن السديري كثيرًا بين الناس‬ ‫بشاعريته‪ ،‬لكن م��ن يتأمل ف��ي دي��وان��ه (القصائد)‬ ‫المطبوع عام ‪1403‬هـ ‪1983‬م سيجد أنه أمام شعر‬ ‫رق��ي��ق ال��ك��ل��م��ات‪ ،‬ج���زل األس���ل���وب‪ ،‬عميق المعاني‪،‬‬ ‫وأن ديوانه لم يأخذ نصيبه الجدير به من التوزيع‬ ‫وال��دراس��ة النقدية‪ ،‬وربما ك��ان ع��زوف الشاعر عن‬ ‫نشر إنتاجه في حينه قد أسهم في عدم شهرته‪.‬‬

‫أن األمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬الذي أمضى كما‬ ‫سلف‪ ،‬قرابة نصف قرن أميراً على منطقة الجوف‪،‬‬ ‫قد نشأت بينه وبين المنطقة حميمية خاصة‪ ،‬بلغ‬ ‫بها األمر أنه ال يكاد يغيب عنها عدة أيام‪ ،‬حتى يبث‬ ‫لهفته نحوها شعراً للعودة إليها‪ ،‬ثم يبادله األهالي‬ ‫تحاياه بأحسن منها‪.‬‬

‫على أن الديوان قد أعد بمنهجية عالية الجودة‬ ‫وهوامش مستوفية‪ ،‬وقّدم له ابنه (د‪ .‬زياد) بمقدمة‬ ‫حلل فيها شعر وال���ده‪ ،‬وضمنها دراس��ة عن الشعر‬ ‫ال��ن��ب��ط��ي‪ ،‬وع���ن األغ����راض ال��ش��ع��ري��ة ال��ت��ي طرقها‪،‬‬

‫ولقد ص��وّر أح��د األدب���اء وه��و د‪ .‬احمد اللهيب‬ ‫حالة المنطقة م��ع أميرها‪ ،‬بأنها حالة ف��ري��دة من‬ ‫األلفة والتآخي‪ ،‬وتبادل المساجالت المليئة بالود‬ ‫والمشاعر النبيلة من الطرفين‪ ،‬في وضع استطاع‬ ‫من خالله أن ينتقل من قصر اإلم��ارة ولغة السطوة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪27 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫إلى عطف األبوة وشفقتها‪ ،‬وإن المجتمعات في أزمة البالد)‪ ،‬كما اهتم بإقامة سباقات الهجن التي كان‬ ‫من هذا النوع‪ ،‬وقد تضمن ديوانه‪ ،‬فص ً‬ ‫ال مستقال لمنطقة الجوف أسبقية التفكير فيها‪ ،‬مع ما يرافقها‬ ‫لهذه المساجالت أطلق عليه اسم «الجوفيات»‪.‬‬ ‫من أنشطة تراثية‪ ،‬كمعارض السجاد والمنسوجات‬ ‫التي تتم بأيد نسائية محلية‪ ،‬فأصبحت تلك األنشطة‬ ‫الثالثة‪:‬‬ ‫من أهم المهرجانات السنوية التي يترقبها األهالي‬ ‫أنه كان من أوائل من سعى إلى تجسيد رغبته في وتجتذب إليها السائحين والزوار‪.‬‬ ‫تنمية منطقته ثقافياً بشكل مؤسسي باق لألجيال‪،‬‬ ‫ومن الجدير بالذكر‪ ،‬أنه قد دّون تاريخ منطقة‬ ‫فأنشأ عام ‪1403‬ه��ـ ‪1983‬م في أثناء توليه اإلمارة‬ ‫الجوف (ودومة الجندل)‪ ،‬التي تعد إحدى أبرز مخازن‬ ‫مؤسسة خيرية وقفية تحمل اسمه‪ ،‬وتعمل على نشر‬ ‫اآلث��ار في المملكة‪ ،‬وتضم معالم تاريخية إسالمية‬ ‫ال��وع��ي المعرفي والثقافة العامة‪ ،‬وخ��دم��ة التراث‬ ‫وثمودية ونبطية‪ ،‬وش��واه��د حضارية تمثل امتدادا‬ ‫الشعبي النابع من المنطقة‪ ،‬وكان من أبرز انجازات‬ ‫آلثار البتراء ومدائن صالح ووادي النيل وفلسطين‪،‬‬ ‫هذه المؤسسة مكتبة عامة عامرة للرجال وأخرى‬ ‫فألف كتاباً توثيقياً بعنوان‪« :‬الجوف‪ :‬وادي النفاخ»‪،‬‬ ‫للنساء (دار الجوف للعلوم)‪.‬‬ ‫صدر عام ‪1406‬هـ ‪ ،1986‬وتمت ترجمته إلى اللغة‬ ‫إن ه��ذه المكتبة التي ك��ان قد أس��س نواتها عام االنجليزية مع تخصيص ريعه لألهداف الخيرية‪،‬‬ ‫‪1882‬ه���ـ ‪1962‬م‪ ،‬ل��م تكن مكتبة تقليدية‪ ،‬ب��ل داراً التي أنشئت المؤسسة من أجلها‪ ،‬وقد صدرت الطبعة‬ ‫حقيقية للبحوث المتعلقة بتاريخ المنطقة وتراثها‪ ،‬الثانية (المزيدة والمنقحة) عام ‪1426‬هـ ‪200٥‬م‪.‬‬ ‫وتدوين ما يتعلق بدراسات الرحالة والمستشرقين‬ ‫وكانت جريدة «الشرق األوسط» في عددها الصادر‬ ‫التي تحدثت عنها‪.‬‬ ‫يوم ‪ ،1982/8/2‬قد استعرضت أبرز محتويات هذا‬ ‫ول��ع��ل م��ن أب���رز ان��ج��ازات ه��ذه المؤسسة أيضاً الكتاب‪ ،‬كما تطرق إليه كتّاب آخ��رون في الصحف‬ ‫جامعاً ومدارس ونزالً فندقيا بنيت على أحدث الطرز السعودية المحلية‪.‬‬ ‫المعمارية المستمدة من تراث المنطقة‪.‬‬ ‫لقد تطرقت م��راج��ع ع��دة إل��ى ذك��ر األم��ي��ر عبد‬ ‫الرحمن بن احمد بن محمد السديري‪ ،‬ومن بينها‬ ‫الرابعة‪:‬‬ ‫ك��ت��ب ب��ع��ض ال��رح��ال��ة ال��م��ع��اص��ري��ن األج��ان��ب الذين‬ ‫وكان عبد الرحمن السديري من أمراء المناطق‬ ‫م��روا بالشمال الغربي م��ن ال��ج��زي��رة العربية‪ ،‬مما‬ ‫الذين حرصوا على إقامة مزرعة نموذجية‪ ،‬تكون‬ ‫قامت مؤسسته الخيرية برصد كتاباتهم الجغرافية‬ ‫مدرسة تطبيقية تخدم التجارب الزراعية المناسبة‬ ‫التاريخية‪.‬‬ ‫لبيئة الجوف‪ .‬وقد أردف إنشاء هذه المزرعة بإقامة‬ ‫وه��ك��ذا‪ ،‬ف��ان اس��ت��ع��راض��اً س��ري��ع��اً لسيرة األمير‬ ‫مسابقة محكّمة ل��ل��م��زارع��ي��ن‪ ،‬م��ن��ذ ع���ام ‪1385‬ه���ـ‬ ‫‪1965‬م‪ ،‬تُقدم فيها الجوائز لألفضل في كل جوانب عبد الرحمن السديري‪ ،‬آخر أخوال خادم الحرمين‬ ‫اإلن��ت��اج ال��زراع��ي‪ ،‬وتنظيم البساتين‪ ،‬واالبتكارات الشريفين الملك فهد‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬وأشقائه وشقيقاته‪،‬‬ ‫يكشف عن كثير من أوجه التشابه بينه وبين إخوته‬ ‫الخاصة بالمهنة‪.‬‬ ‫ولم يتوقف تفكيره عن االهتمام بأمور الزراعة‪ ،‬السبعة أبناء احمد السديري‪ ،‬وبخاصة في النشأة‬ ‫بل شملت كذلك قضايا تنموية اجتماعية أوسع‪ ،‬مثل‪ :‬والمسؤوليات والشاعرية‪ ،‬وأمور أخرى‪.‬‬ ‫مشروع توطين البادية في وادي السرحان (شمالي‬ ‫< إعالمي سعودي‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫رحمه الله رحمة واسعة‬


‫ملف العدد‬

‫عبدالرحمن السديري‬

‫أمير اجلوف‪ :‬مسيرة حافلة‬ ‫> د‪.‬عبد الواحد احلميد‬ ‫فقدت المملكة أح��د رجاالتها البارزين‪ :‬األمير‬

‫ح��������������������اذور ل���������ي���������اك ت����خ����ف����ي����ه����ا‬

‫عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬ال��ذي انتقل إلى دار ورا ال�������ع�������رق م�������ن غ�������ادي‬ ‫ل��������و غ������ب������ت م������ان������ي������ب ن����اس����ي����ه����ا‬ ‫رحمة الله‪ ،‬بعد حياة حافلة بالعطاء واإلنجازات‪.‬‬ ‫وقد قضى معظم سني حياته أميراً لمنطقة الجوف‪ ،‬دار ب�����ه�����ا ال�������ج�������ود واج��������������وادي‬ ‫وارتبط تاريخه الشخصي بتاريخ هذه المنطقة‪ ،‬حيث‬ ‫ظل أميراً لها من عام ‪1362‬هـ إلى عام ‪1410‬هـ‪.‬‬

‫غ����ي����ر ال������وف������ا‪ ،‬ال����ض����ي����ف يغليها‬ ‫وك��ان األمير عبدالرحمن شاعراً كبيرا‪ ً،‬يرتجل‬

‫وعلى مدى تلك السنوات الطويلة‪ ،‬كان ارتباطه القصائد في المناسبات والعرضات الشعبية ويتغنى‬ ‫الوثيق بالمنطقة‪ ،‬فلم يكن مجرد حاكم إداري للمنطقة بالجوف‪ ..‬وحتى في سفره للعالج خارج المملكة‪ ،‬كان‬

‫وإنما ارتبط ارتباطاً حميمياً بها وبأهلها‪ ..‬فقد كتب يكتب القصائد عن الجوف‪ ،‬ويرسلها مع المسافرين‬ ‫عنها كتابه الشهير «الجوف‪ :‬وادي النفاخ»‪ ،‬الذي يُعد الذين يزورونه‪ ،‬ومنها قصيدة «المطراش»‪ ،‬التي كان‬

‫أهم وأشمل كتاب مرجعي عن المنطقة‪ ..‬كما كتب من ضمن أبياتها قوله‪:‬‬ ‫العديد من القصائد‪ ،‬التي يتغنى فيها بالجوف وأهلها هيه ياللي ن��وي��ت��وا على المطراش‬ ‫وكرمهم‪ ،‬ومنها «هجينية» شهيرة متداولة بعنوان «بلغ‬

‫خ����ب����رون����ي ع����ل����ى ال����������درب وادلّ��������ه‬

‫سالمي»‪ ،‬يخاطب فيها أحد مرافقيه وسائقه واسمه جسمي ال��ل��ي على شوفكم معتاش‬ ‫إن رح�����ل�����ت�����وا ت���ب���ي���ن ع����ل����ى خله‬ ‫«قادي» يقول فيها‪:‬‬ ‫������وص������ل ال������ق������ول ي������ا ق������ادي‬ ‫م������ا ت ّ‬ ‫ل��������ل��������دار وال��������ل��������ي س�����ك�����ن ف���ي���ه���ا‬ ‫ج���م���ل���ة ه�����ل ال�����ج�����وف وال����������وادي‬ ‫ل����ل����ح����ض����ر وال���������ب���������دو ت����ه����دي����ه����ا‬ ‫ب������لّ������غ س���ل��ام������ي ب����ل���ا اع������������دادي‬

‫خ����ب����رون����ي ع�����ن ال���������دار ي�����ا ه���نّ���اش‬ ‫وارف����ع����وا ل���ي ص����دى ص��وت��ك��م كله‬ ‫ج��ع��ل وب���ل ال��ح��ي��ا ال ن��ش��ا واهتاش‬ ‫ي��س��ق��ي ال���ج���وف م���ن ب��ي��ط لمظله‬ ‫دارن������ا ح��ب��ه��ا م���ن ص��م��ي��م الجاش‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪29 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫م���ن ن��س��اه��ا ع��س��ى ال���ن���ار م��ث��وى له النشر ودع��م األبحاث‪ ،‬تشرف عليه «هيئة النشر»‪،‬‬ ‫وف��ي مسيرة األمير السديري‪ ،‬استهواني دائماً وقد صدرت عنه كتب عديدة في مختلف المجاالت‪.‬‬ ‫اهتمامه بالجانب الثقافي؛ فقد أنشأ في الثمانينيات كما يوجد برنامج لتمويل البحوث الميدانية والرسائل‬ ‫الهجرية من القرن الماضي المكتبة العامة بالجوف العلمية‪ ،‬ال��ت��ي ت���درس م��وض��وع��ات تتعلق بمنطقة‬ ‫من حسابه الشخصي‪ ,‬ووفّر لها الكتب والمطبوعات‬ ‫الجوف‪ .‬كما تصدر عن المؤسسة مجلتان‪« :‬الجوبة»‪،‬‬ ‫وال��ص��ح��ف‪ ..‬ف��أص��ب��ح��ت م��رك��ز إش��ع��اع ث��ق��اف��ي في‬ ‫وهي مجلة ثقافية؛ ومجلة «أدوم��ات��و»‪ ،‬المتخصصة‬ ‫المنطقة‪ .‬وال زلت أذك��ر كيف كنت في فترة مبكرة‬ ‫م��ن العمر‪ ،‬أت���ردد على تلك المكتبة‪ ،‬وأم��ك��ث فيها في مجال اآلثار‪ ،‬التي تعد اآلن في طليعة المجالت‬ ‫الساعات الطويلة لقراءة الروايات العالمية‪ ،‬ودواوين اآلثارية المتخصصة المحكّمة على المستوى العربي‪،‬‬ ‫الشعر‪ ،‬والمجالت األدبية والثقافية‪.‬‬ ‫وحققت ش��ه��رة ف��ي األوس���اط األجنبية‪ ،‬م��ن خالل‬ ‫وق��د ت��ط��ورت ه��ذه المكتبة إل��ى مؤسسة ثقافية البحوث التي تنشر في القسم االنجليزي منها‪ .‬وقد‬ ‫ال في الجوف في ديسمبر‬ ‫كبرى‪ ,‬هي دار الجوف للعلوم‪ ,‬وهي جزء من مؤسسة نظمت مؤتمراً علمياً حاف ً‬ ‫عبدالرحمن ال��س��دي��ري الخيرية‪ .‬وق��د ح��دد نظام ‪2005‬م بعنوان «المدينة العربية»‪ ،‬حضره علماء‬ ‫المؤسسة أهدافها األس��اس��ي��ة‪ ،‬المتمثلة ف��ي جعل‬ ‫ب��ارزون في مجال اآلثار من داخل المملكة‪ ،‬والعالم‬ ‫دار الجوف للعلوم «مركزاً للبحث العلمي واألدبي‪،‬‬ ‫العربي‪ ،‬وأوروبا‪ ،‬واليابان‪.‬‬ ‫تتوفر فيه وسائل الدراسة واألبحاث العصرية‪ ،‬قادراً‬ ‫على اإلسهام في هذا المجال على مستوى البالد‬ ‫وتقيم دار الجوف للعلوم نشاطات منبرية‪ ،‬بشكل‬ ‫السعودية والدول العربية المجاورة»‪ ،‬و«حفظ التراث مستمر‪ ،‬يدعى لها أدباء وعلماء ومثقفون بارزون من‬ ‫األدب��ي واألث��ري في منطقة الجوف‪ ،‬وإنشاء متحف‬ ‫داخ��ل المملكة وخارجها‪ .‬كما إعتمدت المؤسسة‬ ‫لهذا الخصوص‪ ،‬ودعم الدراسات ونشر المعلومات‬ ‫ب��رن��ام��ج��اً الب��ت��ع��اث المتفوقين م��ن أب��ن��اء المنطقة‬ ‫المتعلقة بمنطقة ال���ج���وف‪ ،‬و«اإلس���ه���ام ف��ي دعم‬ ‫النهضة العلمية في منطقة ال��ج��وف‪ ،‬والعمل على للدراسة في الخارج‪ .‬إضافة إلى العديد من األنشطة‬ ‫رفع مستوى الفرد فيها‪ :‬ثقافياً‪ ،‬وصحياً‪ ،‬واجتماعياً‪ ،‬االجتماعية التي تهدف إل��ى إث��راء الحياة الثقافية‬ ‫واقتصادياً»‪.‬‬ ‫واالجتماعية بالجوف‪.‬‬ ‫ومع مرور الزمن تطورت دار الجوف للعلوم‪ ،‬حتى‬ ‫أصبحت اآلن واحدة من أبرز المكتبات العامة الرائدة‬ ‫في المملكة‪ .‬وقد أنشأت منذ البداية قسماً للنساء‬ ‫ال لقسم الرجال‪ .‬وتحتوي على أكثر من مائة‬ ‫مماث ً‬ ‫وخمسين ألف كتاب وأكثر من مائتين وخمسين دورية‪،‬‬ ‫إضافة إلى أوعية المعلومات األخرى‪ ،‬والمخطوطات‪،‬‬ ‫والوسائل السمعية والبصرية‪ ،‬واألفالم‪ ،‬واألشرطة‪.‬‬

‫وال يمكن اإلحاطة بكل عطاءات األمير عبدالرحمن‬ ‫السديري وإسهاماته‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬في مقالة صحفية‬ ‫سريعة؛ فهي متعددة تتوزع عبر مجاالت كثيرة‪ ،‬ربما‬ ‫يحين الوقت لرصدها في كتاب عن سيرة الرجل‪،‬‬ ‫تصدره المؤسسة الثقافية التي أسسها واهتم بها‬ ‫كثيراً‪ ..‬رحم الله األمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬الذي‬

‫وم��ن ضمن ب��رام��ج المؤسسة الثقافية‪ ،‬برنامج رحل عن دنيانا‪ ،‬بعد حياة حافلة وثرية‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫معالي األمير عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫الفكر الثاقب والرأي الصائب‬

‫> سالم بن حمود الظاهر‬ ‫عبد ال��رح��م��ن ب��ن أح��م��د ال��س��دي��ري‪ ،‬رج��ل سبق‬ ‫عصره بكل ما تحمله ه��ذه الكلمة من معنى‪ ،‬فقد‬ ‫كانت شفافية أف��ك��اره مدعمة بواقعية أق��وال��ه في‬ ‫كل المجاالت التي عمل بها منذ مطلع شبابه‪ ,‬فهو‬ ‫األدي��ب والمؤرخ والشاعر‪ ،‬الذي وضع نصب عينيه‬ ‫أهمية التربية والتعليم ألبناء الجوف‪ ،‬وفي الوقت‬ ‫نفسه‪ ،‬حثهم على مصادر الثقافة المتنوعة بوصفها‬ ‫المكمل األساس للحياة‪ ،‬مؤمناً تماماً بأن المدرسة‬ ‫تعطي مقومات التعليم بشتى صوره وألوانه‪ ،‬وتهيئ‬ ‫الطالب ليستمر بعد اجتيازه كافة مراحل تعليمه‬ ‫إلى مدرسة الحياة‪ ،‬التي تستمر كشعلة ال تنطفيء‪،‬‬ ‫وقودها الثقافة والكتاب والمكتبة‪ .‬وكذلك كانت نظرة‬ ‫معاليه إلى المرأة‪ ،‬بوصفها النصف الثاني والمكمل‬ ‫للمجتمع السليم الناهض‪ ،‬ولألبناء والبنات الذين هم‬ ‫رجال ونساء المستقبل‪.‬‬ ‫ف���ي ع����ام ‪1403‬ه������ـ ك��ان��ت دار ال���ج���وف للعلوم‬ ‫بقسميها‪ ،‬فكرة يتوق معاليه إل��ى تنفيذها‪ ،‬ويضع‬ ‫ثقافة األسرة بكاملها أمام حقيقة ساطعة‪ .‬ربما رأى‬ ‫البعض أن الوقت كانت مبكراً لتنفيذها‪ ،‬وكانت رؤية‬ ‫معاليه ثاقبة‪ ،‬ألن الثقافة ال يمكن أن تؤجل أو يوضع‬ ‫لها ج��دول زمني‪ .‬وك��ان معاليه يؤمن ب��أن االهتمام‬ ‫بالثقافة هو سبيل األم��ة إلى القوة‪ ،‬ودع��مٌّ لها على‬ ‫البقاء‪ ،‬وسال ٌح للتفوق‪ ،‬ورم ٌز لعزة المواطن السعودي‬ ‫وكرامته‪ ،‬بل وللمجتمع بأكمله‪.‬‬

‫وهكذا أصبحت دار الجوف للعلوم امتداداً لمكتبة‬ ‫الثقافة العامة‪ ،‬التي أنشأها معاليه ع��ام ‪1383‬هـ‬ ‫واستمرت حتى عام ‪1403‬ه��ـ‪ ،‬إذ تأسست مؤسسة‬ ‫عبد الرحمن السديري الخيرية وانتقلت مجموعاتها‬ ‫من الكتب والمصادر‪ ،‬إلى مبناها الحالي‪ ،‬واستمرت‬ ‫ط��وال ه��ذه السنوات تمثل عظمة رج��ل‪ ،‬ك��ان بعيد‬ ‫النظر حريصاً على الثقافة ‪.‬‬ ‫فقد كان معاليه – يرحمه الله – يرى في الكتب‬ ‫مؤنساً في الوحشة‪ ،‬وصاحباً ونديماً في الغربة‪،‬‬ ‫ومعيناً ومسانداً عند الضراء‪ ،‬وسالحاً قاطعاً ضد‬ ‫األع��داء‪ ،‬وعلى دربه سار كل أبنائه ومحبيه‪ ،‬تغمده‬ ‫الله بواسع رحمته‪.‬‬ ‫وال يفوتنا أن نذكر مجلسه الذي ظل عامراً طوال‬ ‫حياته باستقبال القاصي وال��دان��ي يومياً‪ ،‬متميزاً‬ ‫بالود‪ ،‬والزهد‪ ،‬والعلم‪ ،‬والتواضع‪ ،‬واألخالق الحميدة‪،‬‬ ‫والكرم‪ ،‬والذي ذكرنا بقول الشاعر‪:‬‬ ‫وذكّرني حلـو الزمان وطيبه‬ ‫مجالس قوم يملئون المجالسا‬ ‫حديث ًا وإشعار ًا وفقه ًا وحكمةً‬ ‫وبر ًا ومعروف ًا وإلفـ ًا مؤنسا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪31 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫في وداع‬ ‫والدي‬ ‫عبدالرحمن‬ ‫بن أحمد‬ ‫السديري‬ ‫يرحمه‬ ‫الله‬

‫> رمي بنت عبدالرحمن أحمد السديري‬ ‫وقفت عاجزة أمام شجرة الحياة‪ ..‬ألملم أجزائي المبعثرة‪،‬‬

‫ألجمعها في ص��رّة الحياة‪ ،‬وأحكم إغالقها‪ ،‬وأحملها على‬ ‫ظهري ألتابع المسير‪.‬‬

‫مددت يدي لتلتقط حزني‪ ..‬فيهتف بي صارخاً‪ ..‬ويحك‬

‫ريم‪ ..‬انتهى ماضيك!‪ ..‬انتهى حزنك!‪...‬‬

‫فصرخت بألم‪ ،‬جاثية على ركبتي‪ ..‬وق��د انحنى ظهري‬

‫وعجز ع��ن حملي‪ ،‬لجلل ال��م��ص��اب‪ ..‬مطلقة لدمعي العنان‬ ‫ليجري منهمراً ح ّراً‪ ..‬غير عابئة بحجمه أو غزارته‪..‬‬

‫ال يطرق ص��دري‪ ..‬يريد أن‬ ‫وألمي يهتف صارخاً مجلج ً‬

‫يتفلّت‪ ،‬ومحاولة كبحه يعقبها زل��زال يهزني‪ ..‬وصرخة بعد‬

‫صرخة‪ ..‬مكتومة بين حنايا صدري‪ ...‬و كتمان األلم يعتصرني‪..‬‬ ‫يؤلمني‪ ..‬فألملم كلتا يديّ حول صدري‪ ،‬أحاول تهدئة روعي‪..‬‬

‫فأعجز‪ ..‬فأنظر حولي‪ ،‬فأرى عيوناً تائهة حزينة‪ ،‬ووجوهاً‬ ‫شاحبة صامتة يعتصرها األل���م‪ ..‬ف��ي��زداد أل��م��ي؛ فهي إذن‬

‫حقيقة ماثلة‪ ..‬يحاول فكري الهروب منها إلى الخيال‪ ،‬وأبتعد‬ ‫عن الواقع األليم‪ ..‬لكن المصاب أكبر؛ فأفيق على الحقيقة‬

‫المرة ثانية‪ ..‬ويزداد ألمي‪ ..‬إنه قضاء الله وقدره‪ ..‬نستقبله‬ ‫بالتسليم والرضا‪ ..‬ولكن ألم الفقد يخيم علينا كشبح أسود‬

‫أمام العيون بالغبش‪ ،‬فتمتد لتنتزع من قلوبنا الصبر والرضا‪،‬‬

‫غير عابئ أو راحم عبرة محب‪..‬‬

‫وال���دي‪ ،‬بكيتك وتمنيت أال أبكيك‪ ..‬حزنت وتمنيت أال‬

‫أح���زن‪ ..‬وتمنيت أال أت��أل��م‪ ..‬فالله سبحانه وتعالى أكرمنا‬

‫بك‪ ..‬فوهبك ما لم يهب إال القلة من عباده‪ ..‬ميّزك بصفات‬

‫جليلة‪ ..‬قديرة‪ .‬لقد حملت لواء التقى والهدى؛ ففتح أمامك‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫طريق الخير لتكون نبراساً يقتدي به‪ ،‬ويستظل تحته األص��ي��ل��ة الجميلة‪ ..‬فوقفت بجانبها ح��اض��ن��اً لها‬ ‫الكثيرون‪ ..‬فكنت خير القائد وخير المعلم‪ ،‬وخير وداعماً‪ ..‬لترى النور من جديد؛ فيسلط عليها الضوء‬ ‫القدوة‪ ،‬وخير الحكيم‪ ..‬وهبك الله صفات جليلة ‪ ..‬وعلى مميزاتها التي تبعث على الفخر‪.‬‬ ‫تستمد طاقتها من ديننا اإلسالمي الحنيف‪ ..‬فكنت‬ ‫فكانت المدينة الفاضلة‪ ..‬هداها أجمل هدية‬ ‫مرشداً لنا إلى هدي الرسول الكريم‪ ..‬وآخذاً بأيدينا‬ ‫ت��ه��دى‪ ..‬هدية العلم والثقافة؛ ف��ب��رزت دار العلوم‬ ‫إلى واحة اإليمان لنرتع في رحابها‪..‬‬ ‫شامخة ل��ت��ؤدي دوره���ا عبر ال��زم��ن‪ ..‬ليرتقي على‬ ‫ب��دأت مسيرة حياتك صالحاً مصلحاً‪ ..‬حاضناً أعتابها المتميزون‪ ،‬وليكونوا ه��دي��ة عبدالرحمن‬ ‫معلماً‪ ..‬باراً مب ّراً عطوفاً داعماً‪ ..‬وسمو أخالقك‪ ..‬أحمد السديري للوطن وألنفسهم‪ ..‬فقد كان دائماً ‬ ‫وال����دي‪ ..‬يعكس معدنك األص��ي��ل‪ ..‬ففعلك موافق يؤمن بأبناء الجوف وقدراتهم‪..‬‬ ‫لفكرك‪..‬‬ ‫ولم تكن الجوف محط اهتمام الوالد يرحمه الله‬ ‫شققت طريقك‪ ..‬ون��ور اإلل��ه ي��رع��اك‪ ..‬والرؤية‬ ‫ ويسكنه فسيح جناته ‪ -‬فحسب‪ .‬فقد التفت إلى‬‫الواضحة تمهد مسيرتك‪ ..‬والهدف السامي يوصل‬ ‫الغاط‪ ،‬وفاء لها ولشعابها‪ ..‬فأعاد اإلهداء لها بمجال‬ ‫من حولك إل��ى الطريق القويم‪ ..‬فعملت وأجدت‪..‬‬ ‫ثقافي علمي‪ ..‬وبدعم من حرمه منيرة بنت محمد‬ ‫وب��ذل��ت واج��ت��ه��دت‪ ..‬وك��ان همّك إس��ع��اد اآلخرين‪..‬‬ ‫الملحم‪ ..‬فتقف الرحمانية شامخة بين نخيلها لتؤدي‬ ‫وتيسير أمورهم وحمايتهم‪ ..‬وإط�لاق ما لديهم من‬ ‫دورها في مجال العلم والثقافة‪ ..‬آثارك والدي‪ ..‬ما‬ ‫طاقات‪ ..‬وكانت هذه سعادتك‪ ..‬بأن ترى اآلخرين‬ ‫تزال شامخة‪ ..‬تنبض بروحك النبيلة‪ ..‬إنها عزائي‬ ‫س��ع��داء‪ ..‬استقبلت الكبير وال��ص��غ��ي��ر‪ ..‬واحترمت‬ ‫إلى أن ألقاك‪..‬‬ ‫واحتويت الجميع‪ ..‬وحنوت عليهم‪ ..‬وقدمت لهم يد‬ ‫ها أن��ذا أم�� ّد ي��دي ألقبض على تميمة الحياة‪..‬‬ ‫الضال‪..‬‬ ‫العون‪ ..‬قدرت الفاضل‪ ..‬وأدبت ّ‬ ‫ألع��ي��د لقلبي رض���اه ب��ال��ق��ض��اء‪ ..‬وص��ب��ره ع��ل��ى ألم‬ ‫ال يقتدى‪ ..‬ويحتذى‪ ..‬خططت وبنيت‪..‬‬ ‫كنت مث ً‬ ‫الفراق‪ ..‬ألخ��رج من كهف أحزاني وظلمته‪ ..‬رافعة‬ ‫وك��ن��ت ح��ري��ص��اً على مصالح ال��ج��وف داع��م��اً لها‪..‬‬ ‫فاستخرجت أجمل ما في ال��ج��وف‪ ..‬وكانت روضة رأس���ي‪ ..‬شامخة‪ ..‬أح��ث الخُ طى‪ .‬فيكفيني فخراً‬ ‫غ�� ّن��اء‪ ..‬يسودها األم���ن واألم�����ان‪ ...‬وحلّقت فوقها أنك وال��دي‪ ..‬وأني أحمل اسمك‪ ..‬سأسير في هذه‬ ‫حمائم ال��س�لام‪ ..‬ف��ت��م��ددت واستلقت وغ��ف��ت تنعم الحياة‪ ..‬ون��ور اإلي��م��ان يضيء طريقي‪ ..‬وأملي أن‬ ‫بالهدوء والسكينة‪ ..‬تسود فيها فضائل األخالق‪ ،‬يكتب الله لقيانا تحت ظله يوم ال ظل إال ظله‪ ..‬وأن‬ ‫وتحكمها أج��م��ل ال��رواب��ط اإلن��س��ان��ي��ة‪ .‬حميتها من يغفر الله لك والدي‪ ..‬ويغدق عليك شآبيب رحمته‪..‬‬ ‫الدخيل والمستغل‪ ..‬فالت ّم حولك أف��راده��ا كأسرة ويدخلك فسيح جناته‪ ،‬مع الصالحين والمتقين من‬ ‫واحدة بألفة ومحبة‪ ..‬كانت السعادة تغمرهم‪ ،‬واأللم عباده‪ ..‬وإنا لله وإنا إليه راجعون‪...‬‬ ‫يوحّ دهم‪.‬‬ ‫ومددت يدي أللتقط حزني‪ ،‬وأضعه في الصرّة مع‬ ‫أحييت من التراث ما حاولت الحضارة الحديثة شديد ألمي‪ ،‬وخوفي من المجهول‪ ..‬وتوكلت على رب‬ ‫أن تنهيه‪ ..‬فوقفت بفخر واع��ت��زاز لدعم موروثاتنا العباد‪ ،‬ألتابع المسير في خضم هذه الحياة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪33 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫مواقف إنسانية وعبر من سيرة األمير‬

‫عبد الرحمن بن أحمد السديري رحمه الله‬

‫> عـلي الراشــد‬

‫كان اللقاء األول مع معالي األمير‪ ،‬رحمه الله في إحدى‬ ‫ليالي شعبان من عام ‪1403‬هـ الموافق يناير‪1983‬م‪ ،‬وبدعوة‬ ‫كريمة من الدكتور زياد بن عبد الرحمن السديري‪ ،‬لمناقشة‬ ‫تجهيزات‪ ،‬مكتبة دار الجوف للعلوم‪ .‬لقد كانت ليلة جميلة‪،‬‬ ‫وعلى الرغم من ب��رودة طقسها‪ ،‬فقد أضفى عليها األمير‬ ‫عبد الرحمن دفئاً لطيفاً‪ ،‬ومرحاً‪ ،‬من خالل اهتمامه وفرحه‬ ‫بقرب تحقيق حلمه‪ ،‬الذي راوده طويالً‪ ،‬وهو افتتاح مكتبة‬ ‫دار الجوف للعلوم للرجال والنساء‪.‬‬

‫وجلس‪ ،‬وفي تلك األثناء حضر عامل باكستاني له مشكلة‬ ‫�لا في المجلس نفسه‪ .‬ثم انتقلنا‬ ‫مع كفيله‪ ،‬فوجد لها ح ً‬ ‫إلى البستان ‪ -‬مكان إقامة األمير – وعلى الغداء‪ ،‬جلست‬ ‫مجموعة من الرجال‪ ،‬فسألني الضيف‪ :‬هل هم من أسرة‬ ‫األمير وأقاربه؟‪ .‬فأجبته بأنهم من المواطنين والمقيمين؛‬ ‫فباب سفرته مفتوح مثل مجلسه ومكتبه‪ .‬وأثناء الغداء‪،‬‬ ‫حضر شاب غير سعودي ومعه أوراق‪ ،‬وكان يوم أربعاء وهو‬ ‫نهاية أسبوع عمل‪ ،‬فطلب من الشاب أن يجلس ليتناول طعام‬ ‫الغداء‪ ،‬لكنه كان على عجل؛ فما كان من األمير إال أن طلب‬ ‫من مدير ضيافته االتصال مع رئيس المحكمة‪ ،‬وإبالغه أن‬ ‫يطلع على األوراق التي مع الشاب؛ فإن كانت كافيه إلطالق‬ ‫س��راح وال��ده من السجن فليفعل‪ .‬كل ه��ذا والضيف يتابع‬ ‫ويسأل عن بعض الكلمات التي لم يفهمها‪ ،‬إذ ك��ان لديه‬ ‫إلمام باللغة العربية – وعندما ودّع األمير‪ ،‬قال له «بالحرف‬ ‫الواحد»‪« :‬والله إننا في بريطانيا بحاجة إلى حاكم مثلك»!‬

‫ زيارة أستاذ جامعي بريطاني من جامعة لندن – رافقته‬‫كالعادة ‪ -‬إلى مكتب األمير المفتوح للجميع‪ ،‬إذ ال تحتاج‬ ‫موعداً لزيارة األمير‪ ،‬فما عليك سوى الذهاب إلى مكتب‬ ‫األمير ثم تدخل وتجلس منتظراً دورك لعرض موضوعك‬ ‫الذي حضرت من أجله‪ ،‬ويتم ذلك بيسر وسهولة دون تدخّ ل‬ ‫من مدير مكتب أو حاجب؛ المهم سلّم الضيف على األمير‬

‫ وموقف ثالث‪ ،‬أثناء االحتفال في أحد األعياد التي‬‫رعتها مؤسسة عبد الرحمن السديري الخيرية‪ ،‬وفتحت‬ ‫مجال المشاركة بها‪ ،‬وبناء على توجيه األمير للجاليات‪،‬‬ ‫وقد حدث خالف بين أفراد إحدى الجاليات العربية على‬ ‫قصيدة تقال في أحد عروضها وتصاعد الخالف ‪ ،‬فعرضت‬ ‫األمر على األمير فما كان منه إال أن أعد لهم قصيدة من‬

‫وأق��ول بصدق‪ ،‬أني لم أتمكن من تمييز األمير عندما‬ ‫رأيته للوهلة األول��ى‪ ،‬إذ حضر مع أخوياه (مرافقيه)؛ فال‬ ‫فرق بينهم‪ ،‬ثم عرفته من خالل حركة الدكتور زياد وتعريف‬ ‫معاليه بالحضور – عندها بدأت رحلتي مع األمير على مدى‬ ‫الفترة الممتدة من ع��ام ‪1403‬ه���ـ‪ ،‬إل��ى أن أقعده المرض‪،‬‬ ‫رحمه الله‪ ،‬عام ‪1411‬هـ‪ .‬وقد كان لي شرف اللقاء اليومي‬ ‫معه‪ ،‬حيث أقدم لمعاليه ما يتم إنجازه في المكتبة‪ ،‬وأرافق‬ ‫زوار المكتبة القادمين من خ��ارج المنطقة لزيارة األمير؛‬ ‫ وموقف آخر شهدته‪ ،‬كتبت محضر الصلح الخاص‬‫فهم في حقيقة األمر زوار األمير وضيوفه‪ ،‬وهو يستقبلهم‪ ،‬به‪ ،‬وهو يتمثل في خالف على أرض مضت عليه سنوات في‬ ‫ويشاركوه وجبات الطعام ويسكنون ضيافته حتى مغادرتهم المحاكم‪ ،‬بين جماعتين من كبار أهالي الجوف – إذ حضر‬ ‫الجوف‪.‬‬ ‫أطراف القضية إلى مجلس األمير‪ ،‬وهم في غاية االنفعال‬ ‫وقد كان الهتمام األمير بضيوف المؤسسة األثر البالغ والغضب‪ ،‬فتحدث معهم بلغة نابعة من قلبه الكبير‪ ،‬فهدأ‬ ‫في نفوسهم‪ .‬وأود أن أع��رض لبعض األمثلة‪ ،‬والتي كانت خالفهما‪ ،‬فما كان منهم إ ّال أن تركوا األمر لمعاليه؛ فطلب‬ ‫مؤثرة إلى حد كبير‪ ،‬لكنها عادة األمير التي ال يستغربها من مني أن أكتب اتفاقهم‪ ،‬ووقع عليه الطرفان برضى‪ ،‬وانتهى‬ ‫الخالف‪ ،‬فهذا يعكس النهج القرآني الذي تربى عليه‪.‬‬ ‫عرفه‪ ،‬ومن هذه المواقف‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫رحمه الله‪ ،‬وكانت سعادته غامرة في تسليمهم الجوائز‬ ‫والشهادات‪.‬‬

‫نظمه رحمه الله منها‪:‬‬ ‫م����ن ي�������زور ال����ج����وف ي���ل���ق���ي م����ا ي���ري���ده‬ ‫وي������ن م�����ا ي���ل���ف���ي م���ض���ـ���اف���ات وك����رام����ة‬ ‫وكان رحمه الله‪ ،‬يفرح بكل مبدع من أبناء هذا الوطن‬ ‫ع����ـ����ادة م����ا ه����ي ع���ل���ى ال�����دي�����رة بعيدة‬ ‫ويهتم به؛ فقد احتفى بشكل كبير‪ ،‬بصاحب السمو الملكي‬ ‫ك���اس���ب���ي���ن أم����ج����اده����ا ورث وش���ه���ام���ة األمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز بعد عودة سموه‬ ‫كان اهتمامه رحمه الله‪ ،‬عظيماً بإعطاء المرأة فرصة من رحلة إلى الفضاء‪ ،‬وأق��ام معاليه احتفاالت عديدة في‬ ‫للتعبير عن نفسها‪ ،‬وإسهامها في خدمة مجتمعها؛ وخير المنطقة لسمو األمير سلطان‪ ،‬وحث الشباب على اإلبداع‬ ‫شاهد على ذلك‪ ،‬حرصه على أن يكون للمرأة مكتبة متكاملة‪ ،‬وأخ��ذ العبرة‪ .‬واحتفى معاليه كذلك بتميز الدكتور نايف‬ ‫مماثلة تماماً لمكتبة الرجال في دار الجوف للعلوم‪ ،‬وحرص ال��روض��ان في مجال طب األع��ص��اب وال��دم��اغ‪ ،‬و ّك��رم��ه في‬ ‫على تجهيز المكتبة النسائية بكل م��ا يلزمها م��ن الكتب دار الجوف للعلوم‪ ،‬وطلب من الدكتور نايف أن يتحدث عن‬ ‫والوسائل والمواد السمعية والبصرية واإلدارة النسائية‪ .‬تميزه العلمي لحث الشباب أيضاً على التميز‪ .‬وال أنسى‬ ‫فقد وكّل إدارة القسم النسائي عند إنشائه البنته السيدة اهتمام معاليه بحفل تكريم الدكتور عارف مفضي المسعر‬ ‫مشاعل العبد الرحمن السديري‪ ،‬وهي مؤهلة تأهي ً‬ ‫ال عالياً عند حصوله على درجة الدكتوراه‪ ،‬فقد كانت محل سعادة‬ ‫م��ن ال��والي��ات المتحدة األمريكية‪ ،‬وتابعت ب��داي��ات إنشاء غامرة لمعاليه‪.‬‬ ‫المكتبة النسائية وإدارة أنشطتها‪ ،‬التي كانت وم��ا تزال‬ ‫كما كان رحمه الله يفرح عندما يرى زوار المكتبة في‬ ‫محل اإلعجاب والتقدير‪ ،‬وقد حققت الريادة‪ ،‬نظراً ألنها‬ ‫تزايد‪ ،‬ويهتم بكل ما يقدم للمؤسسة من تبرعات عينية‪ ،‬أو‬ ‫أول مكتبة عامة نسائية ف��ي المملكة – كما أن المكتبة‬ ‫نقدية‪ ،‬أو معنوية‪ ،‬على شكل مقالة أو حتى خبر في صحيفة‪،‬‬ ‫اس��ت��ض��اف��ت وف���ي وق���ت مبكر س��ي��دات م��ن خ���ارج الجوف‬ ‫وك��ان يحرص على ال��رد على الجميع وش��ك��ره��م‪ ،‬وتوجيه‬ ‫إلقامة األنشطة الثقافية‪ ،‬و هي تعد اآلن من أبرز المكتبات‬ ‫الدعوة لمن هم من خارج الجوف لزيارة الجوف والتعرف‬ ‫العامة الخاصة بالمرأة‪ ،‬وأصبحت مركزاً لألنشطة الثقافية‬ ‫والتدريبية‪ ،‬تديرها السيدة لطيفة العبدالرحمن السديري‪ ،‬على مؤسسة عبد الرحمن السديري الخيرية وأنشطتها‪،‬‬ ‫واألمثلة على ذلك كثيرة ال يتسع المجال لذكرها‪.‬‬ ‫وهي الخبيرة في مجال التربية‪.‬‬ ‫لقد كان معاليه‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬بحق مدرسة في السلوك‬ ‫ال عن معاليه‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬ولألمانة‬ ‫وأسجل هنا كلمة نق ً‬ ‫– ب��أن��ه كلما كنت أع���رض عليه أم����راً‪ ،‬وب��ع��د أن ي��ك��ون قد المهذب والتعامل الراقي ‪ ،‬فلم أشهد خالل فترة تجاوزت‬ ‫اطلع عليه الدكتور زي��اد بن عبد الرحمن السديري مدير التسع سنوات أن سلم على شخص‪ ،‬كبر هذا الشخص أو‬ ‫عام المؤسسة ‪ -‬كان يلفت نظري بكلماته اللطيفة وصوته صغر‪ ،‬وه��و جالس‪ ،‬أو ن��ادى شخصاً باسمه المجرد‪ ،‬بل‬ ‫بأفضل وأحب األساليب‪ ،‬وهو األخ أو أبو فالن – ولم أسمعه‬ ‫الهاديء‪« :‬احرصوا على رأي لطيفة‪ ،‬ما لكم غنوة عنه»‪.‬‬ ‫وكان الهتمام معاليه وحرصه على مشاركته الشخصية‪ ،‬ينادي أو يناقش بصوت مرتفع أو غاضب‪.‬‬ ‫رحمه الله‪ ،‬في جميع أنشطة مؤسسة عبدالرحمن السديري‬ ‫الخيرية الثقافية ‪ -‬م��ا ل��م يكن م��وج��وداً خ��ارج المنطقة‪،‬‬ ‫حافزاً ومشجعاً للمشاركين في النشاط‪ .‬وقد كان رحمه‬ ‫الله يشارك أحياناً بمداخلة في بعض األنشطة – وكم كان‬ ‫سروره عظيماً‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬في حفل تخريج أول مجموعة من‬ ‫براعم روضة الرحمانية‪ ،‬عام ‪1407‬هـ‪ ،‬وقد تحلّق األطفال‬ ‫حوله‪ ،‬وكانت صورة جماعية معبّرة وجميلة لألطفال معه‬

‫ثمة م��واق��ف كثيرة شهدتها‪ ،‬تفيض إنسانية ومحبة‪،‬‬ ‫وتواضعاً‪ ،‬وستراً على عباد الله‪ ،‬وهو استمرار للنهج القرآني‪،‬‬ ‫الذي نشأ وتربى عليه‪ ،‬وكان هو ديدنه رحمه الله‪ ،‬فمن ستر‬ ‫مسلماً في الدنيا وأقال عثرته‪ ،‬ستره الله وأقال عثرته يوم‬ ‫المشهد العظيم يوم ال ينفع مال وال بنون إ ّال من أتى الله‬ ‫ال الله عز وجل أن تكون سيرته وأعماله‬ ‫بقلب سليم‪ ،‬سائ ً‬ ‫الخيّرة شفيعاً له وستراً ومغفرة‪ ..‬إنه سميع مجيب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪35 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫عبدالرحمن السديري أمير احلكمة والعطاء‬ ‫> فارس الروضان‬ ‫ي��ق��ول ال��ش��اع��ر األم��ي��ر ع��ب��دال��رح��م��ن السديري‬ ‫ رحمه الله‪-‬‬‫م��ا ي��ن��ف��ع ال��م��ح��روم ك��ث��ر الفصاحة‬ ‫وال ي���درك ال��م��ي��ت م��ص��وت وملواح‬ ‫ف��اج��ت��ن��ي ال���دن���ي���ا ب��غ��ل��ظ وشفاحة‬ ‫وال���ح���م���د ل���ل���ه ع����د م����ا ب�������ارق الح‬

‫هذا ما قاله األمير الراحل لحظة حزن ورثاء‪..‬‬

‫أما نحن فهل لدينا ألسنة لنقول غير ذلك؟!‬ ‫إذاً‪ ..‬رحل الفارس‪..‬‬ ‫رحل الحكيم‪..‬‬ ‫رحل القائد المحنك‪..‬‬

‫رح����ل م��ع��ال��ي األم���ي���ر ع��ب��دال��رح��م��ن ب���ن أحمد‬

‫السديري‪ ،‬أمير منطقة الجوف السابق‪..‬‬

‫تاريخ طويل طويل‪ ..‬ومجد ال يتكرر إال للرجال‬

‫العظماء‪ ،‬ال��ذي��ن حباهم الله م��ن المزايا‬ ‫والصفات االستثنائية‪..‬‬

‫أبو فيصل كان مجموعة من القدرات‪..‬‬

‫فكلما تحدث شخص ما عن الحكمة وبعد‬

‫النظر يتمثل بحكمته ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬في‬

‫فن اإلدارة‪ ،‬كان له صوالت وجوالت‪ ..‬وكم‬

‫من تلميذ تعلّم ونهل من علمه‪ ،‬خاصة في‬ ‫فنون التعامل‪..‬‬

‫ربما ل��م أك��ن ممن ع��اص��روه كثيراً‪،‬‬ ‫ولكن يكفيني ما سمعته عنه من‬

‫وال����دي ‪ -‬حفظه ال��ل��ه ‪ -‬الذي‬

‫ي��ذك��ر ل��ه ال��ع��دي��د م��ن السمات‬ ‫القيادية والقصص‪ ،‬التي تنم عن‬ ‫مدى ما يتمتع به الفقيد ‪ -‬رحمه‬ ‫الله ‪ -‬من شموخ‪..‬‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫إن شئتم فهو أمير‪ ،‬وإن شئتم فهو شاعر‪ ،‬ومثقف‪ ،‬وحتى الندامة ل��و تجرع احممها‬ ‫وهو فارس‪ ،‬وهو كريم‪ ،‬ومجدد‪ ،‬وحليم‪ ..‬تروى عنه‬

‫ما فات مات وساعة الغيب بالغيب‬

‫الكثير من القصص‪ ،‬التي تنم عن بعد النظر وحكمة أوصيك نفسك قبل ما اتالم لمها‬ ‫التعامل‪ ،‬ومن هذه الحكم‪ :‬يقال انه إذا ج��اءه رجل‬ ‫بديوان االم��ارة وبفراسته ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬يعرف ما‬ ‫عنده قبل أن يصله الرجل‪ ..‬وبحكمة القادة‪ ،‬يعرف‬ ‫ال��غ��اض��ب المحشو ب��ال��ك�لام فيعاكس م��ا ف��ي نفس‬ ‫الغاضب فيزيد له من الترحيب‪ ..‬وكلما حاول النطق‬ ‫يسكته‪ ،‬إما بطلب القهوة له أو بالسؤال عن أحواله‬ ‫وأح���وال الطقس‪ ..‬وكلما مر الوقت يبدأ الغاضب‬ ‫بالتخلي عن غضبه‪ ،‬ويعيد التفكير ملياً‪ ،‬يريد أن‬ ‫يقول فتتحسن لغته ويصغر ما في نفسه‪ ،‬ثم يخرج‬ ‫الكلمات منه أكثر حكمة وأقل حدة‪ ،‬ويخرج راضياً‬

‫احسب احسابك يا عريب المجاذيب‬ ‫قد تكون شهادتي مجروحة في الحديث عن‬ ‫الوالد عبدالرحمن السديري ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬ولكن‬ ‫كلمة الحق يجب أن تقال وال أظن مقالي هذا قادراً‬ ‫على إبراز مناقبه أو إحصاء تاريخه الطويل‪ ،‬ولكنه‬ ‫واجب ووفاء لرجل ميزه الله بالكثير‪ ،‬وقدم الكثير‪،‬‬ ‫وهو لي بمثابة الوالد وأجزم أن هناك غيري من‬ ‫يرغب في الحديث عن مناقبه‪ ،‬رحمه الله ‪.‬‬ ‫وبكوني أحد أبناء الجوف المهتمين بالثقافة؛‬

‫وفي يده الحل لكل ما يريد‪ ..‬وبهذا األسلوب الحكيم فإني أق��در لمعاليه ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬تبنيه إلنشاء‬ ‫ن��درك بُعد نظر أبي فيصل ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬في فن أول مكتبة ثقافية متكاملة للرجال والنساء ترعاها‬

‫التعامل مع الناس ألنه يعلم أن الغاضب ال يخضع مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ..‬فقد‬ ‫جاءت دار الجوف للعلوم لتكون منبراً ثقافياً‪ ،‬تميزت‬ ‫للمنطق‪ ،‬وال يرى األمور كما يجب أن ترى‪..‬‬ ‫بقدرتها على إبراز تراث المنطقة ومعالمها‪ ،‬وكانت‬ ‫وتبرز حكمته ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬في قصائده المليئة‬ ‫وال ت��زال المنبر الثقافي الكبير لنا‪ ،‬أسهمت في‬ ‫بالكنوز‪ ،‬والوصايا‪ ،‬والتي تنم عن تجربة طويلة ومنها‬ ‫إبراز الجوف بشكل يثلج الصدر‪..‬‬ ‫قوله‪:‬‬ ‫أخ��ي��راً‪ ..‬رح��ل أب��و فيصل ول��ن ي��رح��ل‪ ..‬فهو باق‬ ‫دن����ي����اك ي����ا م���ش���ك���اي ك����ل عدمها‬ ‫م��ن ش��ب فيها ش��اب واق��ف��ا ابترتيب بتاريخه وب��اق بوجوه أبنائه ال��ك��رام‪ ،‬الذين واصلوا‬ ‫سيرة والدهم العطرة؛ فنسأل الله أن يجعل قبره‬ ‫وت���رى ال��رج��ال اف��ع��ول��ه��ا م��ن اهمها‬

‫وك��ل ال��دروب إل��ى المراجل طنابيب روض��ة من ري��اض الجنة‪ ،‬وأن يغسله بالماء والثلج‪،‬‬ ‫وال��ب��رد‪ ،‬وأن ينقيه م��ن الخطايا كما ينقى الثوب‬ ‫م��ن ج���اد س���اد وم���ن ت��دان��ا حرمها‬ ‫وم��ن ال بنا مجده عدته المواجيب األبيض من الدنس‪ ،‬وأن يلحقه العلي القدير باألنبياء‬ ‫وم���ن ال ت��ن��دم ق��ب��ل ي��ل��ح��ق ندمها‬

‫والصالحين والشهداء‪ ،‬وأن يثبته على الحق‪ ،‬بإذنه‬

‫ي��ف��وت��ه ال��ف��اي��ت وع����ذب المشاريب تعالى‪ ،‬ويسكنه الفردوس األعلى‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪37 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫من مواقف األمير‬

‫عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫> د‪ /‬عبدالعزيز بن سعود الغزي‬ ‫لمعالي األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬

‫<‬

‫وهكذا ك��ان االمير عبدالرحمن السديري يفعل‬

‫فضائل كثيرة‪ ،‬وله باع طويل في خدمة العلم وفروعه‪ ،‬الخير ال يريد من وراءه جزا ًء وال شكوراً‪ ،‬ولكن فاعل‬ ‫وال��ت��ي منها علم األث���ار‪ ،‬ال���ذي أواله معاليه عناية الخير ال ينسى‪ .‬فالخير يُذكّر بأهله وإن طال الزمان‪.‬‬

‫خاصة‪ ،‬من خالل الجمعية التي أسسها لتخدم في وذك��رت��ن��ي مجلتا أدوم��ات��و وال��ج��وب��ة بمعالي االمير‬ ‫مجاالت شتى‪ ،‬ومنها برنامج النشر ودعم األبحاث‪ ،‬الراحل‪ ،‬الذي يعد بحق من الشخصيات السياسيه‬ ‫وإصدار المجالت‪ ،‬والتي من ضمنها ما يعني باآلثار‪ .‬والثقافيه المرموقة في بالدنا‪ ،‬خالل النصف الثاني‬ ‫ويبقى األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري علماً من القرن المنصرم‪.‬‬ ‫في هامة التاريخ‪ ،‬وله من المآثر الشيء الكثير‪ ،‬الذي‬

‫يجب أن يسجل في دفاتر ال��زم��ن‪ ،‬ليبقى لألجيال‬ ‫القادمة‪ ،‬تتلقى منه الدروس في كيف يكون اإلنسان‬ ‫البناء‪.‬‬

‫قال الشاعر‪:‬‬

‫رجل عرف اإلدارة فأجادها‪ ،‬وعرف الرجال فاختار‬

‫الصفوة منهم‪ .‬وع��رف الشعر فقال أج��وده‪ ،‬وعرف‬

‫الكرم فجاد بما يعجز أن يجود به الكثيرون‪ .‬ومن‬

‫قصص الكرم التي سمعتها عن االمير عبدالرحمن‬

‫السديري أنه ذات مرة دعي إلى وليمة أقيمت على‬

‫الخير يبقى وإن طال الزمان بـه والشر أخبث ما شرفه‪ ،‬ومعه عدد من الوجهاء‪ ،‬وقدمت على وجبة‬ ‫أوعيت من زاد‬ ‫ال��غ��داء ق��ع��دان م��ن اإلب���ل‪ ،‬وأغ��ن��ام‪ ،‬وش��يء كثير من‬ ‫يبقى ه��ذا البيت من أص��دق أبيات الشعر التي المآكل‪ ،‬وبعد الفراغ من الوليمه تحدث معاليه في‬ ‫قيلت‪ ،‬وأن كان قائله غير معروف‪ ،‬ولذا نسبه البعض المجلس ع��ن الشعر وفنونه‪ ،‬ث��م تحدث ف��ي الكرم‬ ‫إلى الجن قي قصة قراءتها مشوقة‪ ،‬ال يسمح المجال وضروبه‪ ،‬فأشاد بكرم أهل البلده التي يتنمي اليها‬ ‫ب��س��رده هنا‪ .‬وينطبق معنى ه��ذا البيت على منهج مضيفه ونصح مضيفه‪ ،‬إن ال يبالغ فيما يقدر وبعد‬

‫معالي االمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬ذلك أن فرغ معاليه أجابه المضيف‪ ،‬ما شاهده معاليه ال‬ ‫المنهج ال��ذي جعله ينظر إلى الخير وفعله دون أن يرقى لما يقدمه هو‪ ،‬وذكره بأنه ذات مرة وفي مأدبه‬ ‫ينتظر مقابل من أحد‪ ،‬فسعى‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬إلى فعل أقامهـا معاليـه قدم الجمال واألغنام للضيوف‪ ،‬بل‬ ‫الخير‪ ،‬فسطّ ر مواقف نبيلة سيذكرها التاريخ‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫لم يقتصر على ذلك فحشى أجوفة االبل باألغنام‪،‬‬


‫ملف العدد‬ ‫وأجوفة األغنام باألرانب‪ ،‬وال شك أنه بهذا بلغ النهاية إلى العمل الخيري‪ ،‬وتخدم نواحي عدة في منطقة‬ ‫القصوى للكرم‪.‬‬

‫الجوف‪ ،‬التي تولى إمارتها لمدة طويلة‪ ،‬فأنشأ فيها‬

‫أروي ه��ذه القصة كما سمعتها‪ ،‬ولكنني أؤكد مراكز ثقافية‪ ،‬وأص��در عنها العديد من الكتب‪ ،‬بل‬ ‫للقارئ الكريم أنني ال أعلم علم اليقين إن كانت قد أل ـ ّف هو عنها كتاباً بنفسه تُرجم إلى اللغة اإلنجليزية‪،‬‬

‫ال أم ال‪ ،‬وحتى وإن لم تقع بهذه الكيفية‪ ،‬وأسس مجلة ثقافية باسم «الجوبة»‪ ،‬وبعد أن صدر‬ ‫وقعت فع ً‬ ‫منها عدة أعداد‪ ،‬وانقطعت عن الصدور لمدة‪ ،‬لتحل‬ ‫تبقى رمزاً لكرم معاليه المتناهي‪.‬‬ ‫محلها مجلة علمية محكمه بمسمى أدوماتو ما زالت‬ ‫ولمعالي األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫تصدر حتى اآلن‪ ،‬ثم عادت مجلة الجوبة إلى الصدور‬ ‫صداقات واسعة مع العلماء والشعراء والمثقفين‪،‬‬ ‫من جديد‪ ،‬وفي ثوب جديد‪.‬‬ ‫وم��ن أق��رب أصدقائه عمي مساعد بن جارالله بن‬ ‫وب���ان���ج���ازات���ه ال��م��ت��ع��ددة ف���ي م��ن��ط��ق��ة الجوف‪،‬‬ ‫ح��م��د ال��غ��زي‪ ،‬ي��رح��م��ه ال��ل��ه‪ ،‬فيجمع االث��ن��ي��ن صفة‬ ‫الكرم‪ ،‬وقول الشعر‪ ،‬وحب الخير للناس‪ .‬وكان أول وبخاصه تلك التي لها صلة بالعلم والبحث‪ ،‬أصبح‬ ‫لقاء لي بمعاليه ليلة زواجي عندما دعاه عمي فلبى اسم عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬شامخاً في‬ ‫ال��دع��وة وك��ان على رأس المدعوين‪ ،‬ول��ف��ارق السن المحافل العلمي‪ ،‬ألنه أحب العلم وخدمه‪ .‬حقاً لم يكن‬

‫لم احتك به كثيراً‪ ،‬ولكن مواقفه المشرفة تذكرنا عبدالرحمن السديري باحثاً متخصصاً‪ ،‬أو قاصراً‬ ‫به دوم��اً‪ .‬فمن مواقفه التي يجب أن تسجل لتبقى وقته على البحث والعلم‪ ،‬فقد كانت لديه مسؤوليات‬

‫في التاريخ ‪،‬موقفه رحمه الله في السعي السقاط تستنفذ وقته‪ ،‬ومع ذلك لم يثنيه ذلك عن عشقه للعلم‬ ‫قرض البنك العقاري عن أسرة من عشيرتي عندما فأنشأ صروحاً لخدمته‪ .‬بل تجده من القالئل الذين‬ ‫علم بوفاة عائلها‪ ،‬فبعد أن أت��اه الساعي وبلّغه أن أن��ش��اوا المجالت‪ ،‬وأق��ام��وا ال��ن��دوات لخدمة تاريخ‬ ‫الرجل مات وت��رك أبنا ًء قاصرين‪ ،‬وط��رح بين يديه بالده‪ .‬فكثير هم أولئك الذين يملكون أمواالً أضعاف‬ ‫صك منزلهم‪ ،‬وبيّن له أنه مرهون للبنك العقاري‪ ،‬أضعاف ما يملك عبدالرحمن السديري‪ ،‬وكثير أولئك‬

‫لبى األمير النداء‪ ،‬وتذكّر الصداقة‪ ،‬وبحث عن األجر الذين انشأوا جوائز ومراكز بحثية‪ ،‬ولكنهم لم ينالوا‬ ‫والمثوبة من الله‪ ،‬فذهب بالصك مباشرة إلى الملك من الشهرة بين مجتمع المثقفين والباحثين‪ ،‬كما نال‬ ‫فهد بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين‪ ،‬يرحمه األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري ألن المسالة‬ ‫الله‪ ،‬ولم يخرج من مجلسه إال والصك بيده يحمل ليست ماالً‪ ،‬بل عشقاً‪ ،‬فالسديري عشق العلم‪ ،‬والعلم‬

‫أمر الملك باسقاط القرض ف��وراً‪ ،‬فجعل الله ذلك أذاع صيته في أرجاء الكون نظير إخالصه في عشقه‪،‬‬ ‫في حسنات الملك ال��راح��ل‪ ،‬والساعي‪ ،‬وم��ن سعى وأخيراً نتمنـى لمعالي األمير الراحل عبدالرحمن بن‬ ‫لمساعدة تلك األسرة‪.‬‬

‫أحمد السديري العفو والرحمة والمغفرة‪ ،‬وأن ينفعه‬

‫ومن محاسنه إنشاء جمعية ثقافية خيرية تهدف بما خلّف إنه القادر على كل شىء‪.‬‬ ‫< أستاذ اآلثار والتاريخ بجامعة الملك سعود‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪39 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫جائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‬

‫حلم طالب املنطقة‬

‫> املبتعث‪ :‬بندر بن مزعل الشمري‬

‫<‬

‫كنت قد أنهيت امتحان الثانوية العامة بالمملكة عام ‪1421‬ه��ـ‪ ،‬عندما علمت‬

‫بإعالن مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية للطلبة الحاصلين على المراكز‬ ‫األولى بالجوف‪ ،‬من أجل التقدم بطلب لجائزة األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للتفوق العلمي‪ .‬وكان أن تم اختياري ألكون أول مبتعث الستكمال دراستي الجامعية‪،‬‬

‫خارج المملكة في إحدى الجامعات األمريكية على حساب الجائزة‪.‬‬

‫وخ�لال السنوات التي أمضيتها من سنوات االبتعاث حتى اآلن في الدراسة‪،‬‬

‫شعرت كم كانت نظرة األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري رحمه الله ثاقبة‪،‬‬

‫وكم كان حبه للعلم وأهله عندما أطلق الجائزة في بداية عام ‪1410‬هـ التي انطلقت‬

‫وقتئذ بهدف تشجيع طالب وطالبات منطقة الجوف على مواصلة التفوق العلمي‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫واستمرت الجائزة منذ ذلك التاريخ‪ ،‬إذ قرّر مجلس االدارة في عام ‪1421‬هـ‪ ،‬أن تمنح‬

‫الجائزة سنوياً ألحد الطلبة المتفوقين في الدراسة الثانوية على مستوى مدارس‬

‫منطقة الجوف‪( ،‬وهناك أيضاً جائزة سنوية مشابهة للطالبة األولى على مستوى‬

‫المنطقة) ‪.‬‬

‫ لقد كان لحب األمير عبدالرحمن للعلم وأهله‪ ،‬أكبر األثر في إنشاء الجائزة‪ .‬‬

‫وبفضل دعم مجلس إدارة المؤسسة تحولت من جائزة تشجيعية الى مشروع بناء‬

‫أجيال من ط�لاب منطقة الجوف‪ ،‬ليأخذ المتفوقون منهم فرصهم في التعليم‬

‫والتدريب في أعرق الجامعات العالمية‪ ،‬ويعودون لخدمة الوطن‪ ،‬كل في تخصصه‪،‬‬ ‫متسلحين بتعليم حديث ومتطور‪ .‬وقد كان لبعد نظر القائمين على الجائزة‪ ،‬وإيمانهم‬

‫بدورها العلمي الكبير‪ ،‬بالغ األث��ر في تذليل المعوقات التي كانت أحياناً تواجه‬

‫المبتعثين خالل دراستهم‪.‬‬

‫عندما انطلقت الجائزة كانت الوحيدة على مستوى جوائز مناطق المملكة للتفوق‬

‫العلمي‪ ،‬التي تقدم للفائز بعثة للدارسة في إحدى الجامعات األمريكية‪ ،‬مع تكفّل‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫المؤسسة بنفقات المبتعث الشخصية والدراسية‪ .‬إلى الواليات المتحدة ولذلك اضطر بعض المبتعثين‬

‫ومما يدعو إل��ى الفخر أن ه��ذه الجائزة أق��رت في الستكمال دراسته في الجامعات األسترالية بدالً من ‬ ‫وق���ت ق��د ت��وق��ف��ت ف��ي��ه ال��ب��ع��ث��ات الحكومية لدرجة الجامعات األمريكية‪ .‬وعلى الرغم من ذلك استمر‬

‫البكالوريوس‪ ،‬والذي كان له األثر في تحفيز الكثيرين دع��م المؤسسة إيماناً من القائمين عليها بأهمية‬ ‫من أبناء المنطقة على االجتهاد في الدراسة من هذا البرنامج‪ ،‬الذي سوف يؤتي ثماره في المستقبل‬

‫أج��ل ال��ف��وز ب��ه��ا‪ .‬أض��ف ال��ى ذل��ك ارت��ب��اط الجائزة القريب إن شاء الله‪.‬‬ ‫باسم رائد النهضة العلمية في منطقة الجوف األمير‬ ‫وكان من أهم أولويات جائزة األمير عبدالرحمن‬ ‫عبدالرحمن السديري غفر الله له‪ .‬وك��ان ذلك من‬ ‫السديري للتفوق العلمي إيجاد كفاءات متخصصة‬ ‫أهم محفزات الفائز بالجائزة على مواصلة التفوق‬ ‫�لا علمياً متقدماً م��ن أب��ن��اء منطقة‬ ‫وم��ؤه��ل��ة ت��أه��ي ً‬ ‫العلمي الذي بدأه‪.‬‬ ‫الجوف؛ ليكونوا قادرين على العمل في المؤسسات‬ ‫وكان لي الشرف ألصبح أول من فاز بهذه الجائزة المختلفة الحكومية والخاصة‪ ،‬ما سوف ينتج أجياالً‬

‫عام ‪1421‬ه��ـ‪ ،‬ومنذ ذلك اليوم والمؤسسة ال تدّخر قادرة على االعتماد على النفس والتحدي والمثابرة‬ ‫جهداً في سبيل توفير كل ما نحتاجه أثناء الدراسة‪ ،‬والثقة بالنفس‪ ،‬وسينعكس ذلك إيجابياً على الوطن‪.‬‬ ‫وكم كنا وما زلنا نسعد بذلك التواصل األخوي بين وهذا مما ال شك فيه سوف ينتج كفاءات قيادية في‬ ‫أعضاء المؤسسة والمبتعثين‪.‬‬ ‫المستقبل القريب‪ .‬أم��ا الجانب األخ��ر وه��و ال يقل‬

‫ولعل أبرز ما شد انتباه زمالئنا الطلبة السعوديين أهمية‪ ،‬وهو «البحث العلمي»‪ ،‬و ال يخفى على الكثير‬ ‫المبتعثين في أمريكا‪ ،‬بعد أن تم ابتعاثنا‪ ،‬هو تلك أن الجامعات العاليمة العريقة توجد لديها مراكز‬

‫الجهة األهلية التي ابتعثتنا لدراسة البكالوريوس بحث متخصصة‪ ،‬وإن من أهم أهداف تلك المراكز‬ ‫نظراً ألن بعثات البكالوريوس الحكومية كانت قد ه��و إي��ج��اد ج��ي��ل م��ن خريجيها ق���ادر ع��ل��ى البحث‬ ‫توقّفت من زمن‪ ،‬واقتصرت على المبتعثين للدراسات واالكتشاف‪ ،‬ف��إذا ما حصل مبتعث المؤسسة على‬ ‫العليا فقط‪ .‬ومن تلك اللحظة أصبح اسم المنطقة تلك الفرصة فأنه سوف يكتسب كثيراً من الخبرة‬

‫مقروناً بجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق في مجال البحث العلمي أثناء فترة دراسته في تلك‬ ‫الجامعة‪ ،‬وسيرفد ذلك جامعاتنا بالخبرات المؤهلة‬ ‫العلمي لدى كثير من السعوديين هناك‪.‬‬ ‫تعد الجائزة لالبتعاث الخارجي من أهم البرامج‬

‫العلمية‪ ،‬وه���ي ف��ري��دة ف��ي ن��وع��ه��ا‪ .‬وق��د استمرت‬ ‫ال��ج��ائ��زة على ال��رغ��م م��ن الصعوبات ال��ت��ي واجهت‬

‫والمتخصصة في مجال البحث العلمي في الجامعات‬

‫والمراكز البحثية بالمملكة‪ .‬‬ ‫جزى الله القائمين على الجائزة خير الجزاء وغفر‬

‫المبتعثين‪ ،‬ومنها صعوبة الحصول على التأشيرات الله لمؤسس هذا الصرح وأسكنه فسيح جناته‪.‬‬ ‫< المبتعث األول في برنامج الجائزة‪ ،‬وهو في المرحلة األخيرة من دراسة ماجستير هندسة الحاسب الي واتصاالت ‪ -‬جامعة‬ ‫كوينزالند للتقنية – أستراليا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪41 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫ليرحمك الله أبا فيصل‬ ‫> ثامر احمليسن‬

‫يخضع اإلنسان في حياته لتقلب الزمن وحوادث كلمات صادقة مغسولة‪ .‬من كل زيف ونفاق؛ فمعاليه‬ ‫األي��ام؛ فالحياة‪ :‬فرح وح��زن‪ ،‬سعادة وشقاء‪ ،‬شروق استحق أوسمة اإلنسانية بكافة مزاياها‪ ،‬وهو أحق‬ ‫وأف��ول‪ .‬قال الحق سبحانه وتعالى‪ُ { :‬ك�� ُّل َم ْن عَ لَيْهَا بها وصاحبها‪ .‬نعم ذابت تلك الشخصية المتوهجة‬ ‫ف ٍَان َويَبْقَى وَجْ ُه َربِّكَ ذُو الْجَ اللِ وَاإل ْكرَامِ }‪.‬‬

‫النزيهة على منصة الضيافة والكرم‪ ،‬وانطفأ السراج‬

‫باألمس القريب‪ ،‬افتقدنا معالي األمير عبدالرحمن بعد أن أضاء الكثير من المعالم الحضارية في دار‬ ‫األح��م��د ال��س��دي��ري‪ ،‬رح��م��ه ال��ل��ه‪ ،‬فقد أص��اب��ه سهم الجوف‪ ،‬ودور العبادة والعلم‪ ،‬وفي شتى الميادين‪.‬‬ ‫القضاء؛ فغربت شمسه‪ ،‬واستكملت ساعاته دقاتها‪،‬‬

‫نعم انتقل األمير والمفكر واألديب والشاعر إلى‬

‫بعد أن ك��رّس حياته وطاقته لخدمة دينه ومليكه‪ ،‬جوار ربه‪ ،‬يرقد جسده في مسقط رأسه في مدينة‬ ‫ووطنه؛ فكان‪ ،‬يرحمه الله‪ ،‬مثاالً للوطنية وأنموذجاً الغاط‪ ،‬ولكن روحه ستظل ترفرف في حنايا أرواحنا‪،‬‬ ‫للوالء‪ ،‬ورم��زاً لإلخالص والقدوة الحسنة‪ ،‬وينبوعاً تحثنا على التشبث بمكارم األخالق‪ ،‬وهذا ما نتذكره‬ ‫متدفقاً‪ ،‬من الفكر التنظيمي والعطاء السخي‪ ،‬يحترم دائماً‪ ،‬عند قراءة ديوانه (القصائد) حين يقول‪:‬‬ ‫المواطنين ويقدّرهم‪ ،‬ويتحسس مشاكلهم‪.‬‬ ‫أن���ا رف��ي��ق��ي ل��و غ��ل��ط م��ق��در أجزيه‬ ‫مكانته ومنصبه لم يُغيرا من أخالقياته وتواضعه؛‬

‫إال ب���ص���ف���ح وع����ف����ة ع�����ن شناته‬

‫يقابل المواطنين ببشاشة‪ ،‬ويصغي ألحاديثهم‪ ،‬ويتبادل‬

‫أميرنا ووالدنا‪ ،‬قر عيناً وأخلد للراحة األبدية في‬

‫معهم ال��رأي والمشورة‪ ،‬ويدفع بهم‪ ،‬ويشجعهم إلى جنات الخلد‪ ،‬بإذن الله‪ ،‬والله أسأل أن يلهم الجميع‬ ‫طلب العلم والتفاني في العمل‪ ،‬ويحثهم على الزراعة الصبر وال��س��ل��وان‪ ،‬وكفى فيصل وإخ��وان��ه وأخواته‬ ‫والعمل النافع‪ .‬كان رحمه الله‪ ،‬فارساً من فرسان فخراً ما تركت لهم من (إرث)‪ ،‬ال يقيّم بمال‪ ،‬إنه‬ ‫المجتمع السعودي‪ ،‬عرف بفصاحة بيانه‪ ،‬وسرعة العمل الطيب‪ ،‬الذي سيظل ذكرى عطرة على مدى‬

‫ْس الْمُطْ َم ِئ َّن ُة ار ِْجعِ ي ِإلَى َرب ِِّك‬ ‫بديهته‪ ،‬وقوة رأيه وحكمته‪ ،‬ال يقف أمامه في سبيل الحياة‪{ .‬يَا أَ َّيتُهَا ال َّنف ُ‬ ‫الحق عائق‪.‬‬ ‫َاض َي ًة َّمر ِْض َّي ًة فَادْخُ لِي فِ ي ِعبَادِ ي وَادْخُ لِي جَ َّنتِي}‬ ‫ر ِ‬ ‫َاجعونَ}‪.‬‬ ‫هذا قليل من كثير‪ ،‬لكن عزائي أنني ال زلت أمسك و{ ِإنَّا ِللّهِ َو ِإنَّا ِإلَيْهِ ر ِ‬ ‫قلماً عاجزاً‪ ،‬هدّته الفاجعة‪ ،‬وحركني واجبي ألسطر‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫دور رائد في خدمة الثقافة والتنمية في منطقة اجلوف‬ ‫> كتب‪ :‬محمد صوانه‬

‫في الساحة الثقافية بالمملكة العربية السعودية اليوم مؤسسات ثقافية أهلية‬ ‫أصبحت مراكز إشعاع حضاري‪ ،‬ومحاضن لنهضة رائدة ترعي العديد من البرامج‬ ‫والنشاطات الثقافية والعلمية‪ ،‬في مختلف مناطق المملكة‪ .‬وق��د ج��اء تأسيس‬ ‫مثل هذه المؤسسات بمبادرات فردية يقف وراءها رواد قياديون عُ رِ فوا بحبهم للعلم‬ ‫والعمل الثقافي المؤسسي‪.‬‬ ‫وفي هذا التحقيق سنلقي الضوء على واحدة من المؤسسات الثقافية الرائدة في‬ ‫المملكة‪ ،‬أسسها معالي األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬وجعل مركزها في‬ ‫الجوف بشمالي المملكة‪ ،‬لتكون مركز إشعاع ثقافي وحضاري متعدد الجوانب‪.‬‬ ‫يعجب ال��زائ��ر ألول م��رة لمؤسسة عبدالرحمن‬ ‫ال��س��دي��ري��ن ال��خ��ي��ري��ة وه���و ي��ش��اه��د ب��ن��اء مؤسسياً‬ ‫متكامالً‪ ،‬ف��ي وس��ط مدينة سكاكا بالجوف‪ ،‬يضم‬ ‫مكتبة عامة ضخمة "دار الجوف للعلوم"‪ ،‬ومركزاً‬ ‫للنشاطات الثقافية العامة واحد للرجال وآخر للنساء‬ ‫بمدخل مستقل لكل منهما‪.‬‬

‫دار الجوف للعلوم التابعة للمؤسسة‪ ،‬حضرها حشد‬ ‫كبير م��ن المهتمين والمثقفين م��ن أه��ال��ي الجوف‪،‬‬ ‫وعلى هامش الندوة‪ ،‬أقام أعضاء المجلس الثقافي‬ ‫بالمؤسسة أمسية تراثية حفلت بفقرات جميلة ومعبّرة‬ ‫عن جوانب من الحياة الشعبية في منطقة الجوف‪.‬‬

‫وغ��ي��ر بعيد إل��ى الجنوب‬ ‫الغربي م��ن مبنى المؤسسة‬ ‫تقع مباني مدارس الرحمانية‬ ‫األهلية بفروعها االبتدائية‬ ‫والمتوسطة والثانوية‪ ،‬التي‬ ‫تتميز ب��م��راف��ق��ه��ا التعليمية‬ ‫وأنشطتها المتميزة‪.‬‬ ‫ك����ان����ت زي�����ارت�����ي األول������ى‬ ‫للمؤسسة لحضور فعاليات‬ ‫ن��دوة علمية عقدت في قاعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪43 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫وق��د أوض��ح فيصل ب��ن عبدالرحمن السديري‪،‬‬ ‫رئيس مجلس إدارة المؤسسة أن مثل هذه الملتقيات‬ ‫الثقافية تأتي انسجاماً مع أه��داف المؤسسة في‬ ‫اإلسهام في دعم الحركة الثقافية في منطقة الجوف‪،‬‬ ‫وانطالقاً من أهداف المؤسسة المنصوص عليها في‬ ‫نظامها األساس‪ ،‬بتبني نشر وتشجيع الحركة العلمية‬ ‫والثقافية واستنهاض همم المبدعين والباحثين‪.‬‬

‫مؤسسة ثقافية ترعى النشاطات الثقافية بالجوف‬ ‫تكون متنفساً ألبناء وبنات الجوف‪ ،‬المتطلعين إلى‬ ‫التعرف على ثقافات المجتمعات األخرى والمحبين‬ ‫للعلم والمطالعة‪ ،‬فأنشأ في البداية المكتبة العامة‬ ‫في عام ‪1383‬هـ (‪1962‬م) وبمجهود شخصي فريد‪،‬‬ ‫استطاع أن يجعلها مركزاً لمحبي العلم والمعرفة‬ ‫والمطالعة من أبناء الجوف‪ ،‬وزوده��ا باستمرار بما‬ ‫هو جديد من مطبوعات‪ .‬ووصف‬ ‫أحد أبناء الجوف‪ ،‬تلك المكتبة‪،‬‬ ‫> رؤية ريادية ثقافية‬ ‫أي���ام ك���ان ط��ال��ب��اً ف��ي المدرسة‪،‬‬ ‫ل����م����ؤس����س اس���ت���ق���رأ بقوله‪" :‬لقد كانت المكتبة العامة‬ ‫ب��ال��ج��وف م��ت��ن��ف��س��اً ح��ق��ي��ق��ي��اً لي‬ ‫آف���������اق ال��م��س��ت��ق��ب��ل لإلطالع على الكتب‪ ،‬في وقت لم‬ ‫تكن الكتب أو الصحف متوافرة‬ ‫���ي�ل�ا‬ ‫ف�������أراده�������ا ت���أص ً‬ ‫في الحياة العامة في منطقة نائية‬ ‫ل����ل����ب����ن����اء ال���ث���ق���اف���ي مثل الجوف آن��ذاك‪ ،‬وكنت أتردد‬ ‫عليها بشكل شبه ي��وم��ي‪ ،‬وأقرأ‬ ‫ً‬ ‫وم‬ ‫���وئ�ل�ا للمبدعين بنهم وش��غ��ف ك��ب��ي��ري��ن‪ ،‬وأم���ارس‬ ‫ال��ك��ت��اب��ة للصحف ال���ص���ادرة في‬ ‫والمتفوقين‬ ‫المدن السعودية‪ ،‬وكان لذلك شأن‬ ‫في حياتي فيما بعد"‪.‬‬

‫وخ��ل��ال زي���ارت���ك ل��م��ب��ن��ى دار‬ ‫ال����ج����وف ل��ل��ع��ل��وم ت��ل��ح��ظ أيضاً‬ ‫العديد من أبناء منطقة الجوف‪،‬‬ ‫وه��م ي��ت��واف��دون إل��ى المكتبة في‬ ‫زرافات ووحداناً‬ ‫ٍ‬ ‫ساعات المساء‪،‬‬ ‫وجماعات؛ لينهلوا من معين أمهات‬ ‫الكتب والمصادر والمراجع العلمية‬ ‫واألدب����ي����ة‪ ،‬وي��ط��ال��ع��ون الصحف‬ ‫والدوريات المحلية والعربية‪ ،‬التي‬ ‫توفرها إدارة المكتبة لمرتادي‬ ‫ال��دار بقسميها‪ .‬وفي لقاء مع أ‪.‬‬ ‫د‪ .‬عبدالرحمن الطيب األنصاري‬ ‫رئ���ي���س ت��ح��ري��ر م��ج��ل��ة أدوم���ات���و‬ ‫وصف "دار الجوف للعلوم" بأنها‬ ‫دوحة من دوحات العلم والمعرفة‬ ‫رؤية صائبة‬ ‫بالجزيرة العربية! مشيراً إلى ما تضمه من أمهات‬ ‫ت���ب���دو ال���م���واق���ف ال���ري���ادي���ة ل��ل��م��ؤس��س األمير‬ ‫الكتب والمصادر والمراجع القديمة والحديثة التي‬ ‫عبدالرحمن السديري جلية في مبادرته لتأسيس‬ ‫وضعتها الدار في خدمة الباحثين والقراء في منطقة‬ ‫المكتبة العامة‪ ،‬إذ بادر لتأسيس أول مكتبة للنساء‬ ‫الجوف‪.‬‬ ‫في المملكة العربية السعودية؛ إدراك��اً منه ألهمية‬ ‫وك��ان األم��ي��ر عبدالرحمن ب��ن أحمد السديري‪ ،‬تنشئة الفتاة السعودية وإتاحة المجال أمامها‪ ،‬ولتنهل‬ ‫منذ أن قدم إلى منطقة الجوف بعد أن والّه الملك من معين الثقافة بطواعية؛ وإيماناً من المؤسس‬ ‫عبدالعزيز أم��ي��راً ف��ي منطقة ال��ج��وف‪ ،‬يتطلع إلى ببصيرته الثاقبة بأهمية ال��دور الذي تلعبه الثقافة‬ ‫تنميتها ثقافياً وتعليمياً‪ ،‬إلى جانب اهتمامه بالقضايا في حياة المرأة أسوة بالرجل‪ ،‬في بناء مجتمع قويم‬ ‫االجتماعية واإلداري����ة‪ ،‬فكان م��ا يشغله ه��و إيجاد ومثقف‪ .‬وكانت ه��ذه ال��م��ب��ادرات تنبع من إحساس‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫عميق بالواجب تجاه أبناء منطقة الجوف ومن إدراكه‬

‫ألهمية العلم والثقافة في بناء المجتمع‪ .‬حقاً لقد‬

‫كانت المكتبة العامة التي أنشأها األمير المؤسس‬ ‫مفهوماً ف��ري��داً وج��دي��داً ف��ي ال��وق��ت والمكان الذي‬

‫نشأت فيهما‪.‬‬

‫ومع األيام تنامى لدى األمير عبدالرحمن السديري‬

‫اهتمامه بالشأن الثقافي والعلمي بالجوف فسعى‬

‫إلى تجسيد رغبته في تنمية منطقته ثقافياً بشكل‬

‫باق لألجيال‪ ،‬فأنشأ عام ‪1403‬هـ‪1983 -‬م‪،‬‬ ‫مؤسسي ٍ‬

‫أث��ن��اء توليه اإلم���ارة‪ ،‬مؤسسة خيرية وقفية تحمل‬ ‫اسمه‪ ،‬وتعمل على نشر الوعي المعرفي والثقافة‬ ‫العامة وخدمة التراث الشعبي األصيل في منطقة‬

‫ال��ج��وف‪ ،‬وك���ان م��ن أب���رز إن��ج��ازات ه��ذه المؤسسة‬

‫تطوير مكتبة الثقافة العامة التي كان قد أسس نواتها‬

‫عام‪1383‬هـ‪1962 -‬م؛ فأصبحت مكتبة عامة عامرة‪،‬‬

‫ملف العدد‬ ‫وف���ي ه���ذا التحقيق سنلقي م��زي��داً م��ن الضوء‬ ‫على نشأة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪،‬‬ ‫وأه��داف��ه��ا وب��رام��ج��ه��ا‪ ،‬المتنوعة وال��ت��ي تتركز في‬ ‫المجاالت الثقافية والتعليمية على وجه التحديد‪:‬‬

‫نشأة المؤسسة وأهدافها‬ ‫مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية مؤسسة‬ ‫خاصـ ــة‪ ،‬ذات شخصية اعتبارية مستقلة بموجب‬ ‫األم��ر الملكي رقم (أ‪ )442/‬عام ‪1403‬هـ‪1983/‬م‪،‬‬ ‫وق���د أراده����ا ال��م��ؤس��س أن ت��ك��ون ح��اض��ن��ة للمكتبة‬ ‫العامة‪ ،‬ما يشير إلى مدى االهتمام والتفكير الذي‬ ‫كان يوليهما األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للمكتبة‪ ،‬والدور المهم الذي تؤديه في مجتمع ناشىء‬ ‫يتطلع إلى المستقبل بأعين ملؤها األم��ل‪ ،‬ومتلهفة‬ ‫لتنهل من معين العلم والمعرفــة‪.‬‬

‫بل داراً حقيقية للبحث العلمي والدراسات المتعلقة أهداف ريادية تستقرئ آفاق المستبقل‬ ‫بتاريخ المنطقة وتراثها‪ ،‬وتدوين ما يتعلق بكتابات‬

‫إن نظرة فاحصة أله��داف مؤسسة عبدالرحمن‬ ‫ال���س���دي���ري ال��خ��ي��ري��ة‪ ،‬ت��ج��ع��ل��ك ت�����درك أن األمير‬ ‫عبدالرحمن إنما كان يؤسس صرحاً ثقافياً رائداً‪،‬‬ ‫أراده مركز إشعاع علمي وثقافي‪ ،‬ووف��ر له السند‬ ‫القانوني‪ ،‬ووض��ع له أهدافاً سامية‪ ،‬تستقرئ آفاق‬ ‫المستقبل الذي يتطلع له كل محب لوطنه ومجتمعه‪.‬‬

‫التأصيل الثقافي‪ ،‬والتفاعل مع المجتمع المحلي‬

‫وتترجم أهداف المؤسسة بوضوح مدى االهتمام‬ ‫والعناية بنشر الوعي والمعرفة والحث على العلم‬ ‫والثقافة بكل أب��ع��اده��م��ا؛ إذ ن��ص النظام األساس‬ ‫للمؤسسة على عدد من األهداف‪ ،‬منها‪ :‬إدارة وتمويل‬ ‫مكتبة "دار الجوف للعلوم" والعمل على تطويرها لتكون‬ ‫مركزاً علمياً وثقافياً متميزاً في المنطقة؛ واإلسهـام‬ ‫في حفظ التراث األدبي واألثري في منطقة الجوف‬ ‫والتعريف بهما؛ ودع��م النهضة العلمية في منطقة‬ ‫الجوف؛ وإصدار مجلة شهرية في المنطقة؛ وإنشاء‬

‫الرحالة والمستشرقين‪ ،‬الذين زاروا الجوف وسجّ لوا‬

‫مشاهداتهم ومالحظاتهم‪ ،‬عن مختلف أوجه الحياة‬ ‫االجتماعية واالقتصادية والسياسية آنذاك‪.‬‬

‫من هنا أدركت مدى الدور الريادي الذي تضطلع‬

‫ب��ه ه���ذه ال��م��ؤس��س��ة ال���رائ���دة ‪ -‬ب��ح��ق – ف��ي مجال‬

‫بمختلف فئاته‪ ،‬في منظومة متكاملة من األنشطة‬ ‫والبرامج الثقافية والتعليمية والتدريبية المتنوعة‪،‬‬ ‫المخصصة لفئات الرجال والنساء واألطفال وطالب‬

‫المدارس؛ إذ تجد البرامج الثقافية الموجهة للرجال‬ ‫والنساء على ح ٍ��د س��واء‪ ،‬وتجد م��دارس الرحمانية‬ ‫األهلية‪ ،‬التي تقدم خدماتها للبنين وال��ب��ن��ات‪ ،‬بلغ‬

‫ع��دده��م ف��ي ال��ع��ام ال��دراس��ي الحالي (‪ )877‬طالباً‬ ‫وطالبة من مختلف المراحل الدراسية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪45 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫دار للحضانة وروضة لألطفال ومسجد جامع‪.‬‬

‫طور اإلنتاج والعطاء‪ ،‬وعبر سنوات من الجهد والبذل‬ ‫وال يخفى أن العمل م��ن أج��ل تحقيق مثل هذه والتخطيط‪ ،‬تمكنت هذه المؤسسة من تحقيق قفزة‬ ‫نوعية كبيرة على هذا الطريق؛ فتطورت خدماتها‬ ‫األهداف والتطلعات الرائدة‪ ،‬يتطلب جهوداً متواصلة‬ ‫بشكل متسارع‪ ،‬فبعد أن كانت نواتها المكتبة العامة‬ ‫س��واء في التخطيط والعمل أو في توفير التمويل‬ ‫المتواضعة التي ك��ان قد أنشأها األمير المؤسس‬ ‫الالزم؛ فهذا المشروع الخيري االجتماعي والثقافي‪،‬‬ ‫قبل نيف وأربعين ع��ام��اً‪ ،‬وك��ان��ت تضم ثالثة آالف‬ ‫الذي أ ُسس لخدمة المنطقة‪ ،‬يحتاج إلى اهتمام أبناء‬ ‫كتاب‪ ،‬أصبحت اليوم مركزاً ثقافياً حيوياً‪ ،‬يشهد‪،‬‬ ‫المنطقة وتعاونهم وتفاعل طاقاتهم‪ ،‬حتى تتحقق تلك‬ ‫إلى جانب خدماته المكتبية التي‬ ‫األهداف السامية‪.‬‬ ‫نشاطات‬ ‫ٍ‬ ‫> دار ال���ج���وف للعلوم يقدمها ألبناء المنطقة‪،‬‬ ‫واس��ت��ن��اداً إل��ى األس��ت��اذ سالم‬ ‫اجتماعية وثقافية وعلمية متجددة‬ ‫ب����ن ح����م����ود ال����ظ����اه����ر مساعد‬ ‫م��رك��ز ث��ق��اف��ي أصبح في كال القسمين‪ :‬قسم الرجال‪،‬‬ ‫ال��م��دي��ر ال���ع���ام ل��ل��م��ؤس��س��ة؛ فقد‬ ‫وقسم النساء‪.‬‬ ‫ج���رى ت��م��وي��ل أع��م��ال المؤسسة دوح������ة م����ن دوح�����ات‬ ‫ويشير األستاذ سالم الظاهر‬ ‫وأن��ش��ط��ت��ه��ا ال��م��خ��ت��ل��ف��ة م���ن ريع‬ ‫ال����ع����ل����م وال���م���ع���رف���ة م��س��اع��د ال��م��دي��ر ال���ع���ام إل���ى أن‬ ‫وإي��رادات األم��وال المنقولة وغير‬ ‫ال���ن���ش���اط���ات ت���ت���ن���وع؛ إذ تشمل‬ ‫المنقولة التي وهبها لها مؤسسها‪ ،‬بالمملكة‬ ‫المحاضرات والندوات واألمسيات‪،‬‬ ‫وكذلك من استثمارات أموالها في‬ ‫التي تنظمها إدارة المؤسسة على‬ ‫أوج���ه االستثمار ال��م��أم��ون‪ ،‬ومن‬ ‫> ال����م����ؤس����س����ة تنفذ م��دار العام‪ ،‬ويحضرها ويشارك‬ ‫التبرعات التي تردها باستمرار‬ ‫فيها حشد كبير من المهتمين من‬ ‫من أهل الخير من داخل الجوف ب��������رام��������ج ث����ق����اف����ي����ة‬ ‫أبناء الجوف وضيوف الدار‪ .‬كما‬ ‫وخ���ارج���ه���ا‪ ،‬م��م��ن أح���سّ ���وا بنبل‬ ‫ودراس������������ات وت����م����وّ ل تشمل المراكز والدورات التعليمية‬ ‫الهدف‪ ،‬وسمو الغاية التي يرفعها‬ ‫والتدريبية‪ ،‬والمعارض الثقافية‬ ‫ه��ذا ال��م��ش��روع الثقافي الكبير‪ ،‬أبحاث ًا علمية‬ ‫والعلمية التي تقام في قاعة دار‬ ‫ويعمل من أجل تحقيقها‪.‬‬ ‫الجوف للعلوم‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫مراحل البناء واإلنجاز‬

‫مكتبة دار الجوف للعلوم‬

‫خطت المؤسسة خطوات واسعة متقدمة باتجاه‬ ‫تحقيق تلك األه��داف الكبيرة‪ ،‬ولعل في اإلنجازات‬ ‫المتالحقة والمشهودة التي تمكنت المؤسسة من‬ ‫تحقيقها ما يشير إل��ى ذل��ك الجهد المتواصل في‬ ‫السعي نحو تطوير األداء وبلوغ الغاية؛ فالمؤسسة‬ ‫استطاعت أن تنتقل من ط��ور البناء واإلن��ش��اء إلى‬

‫يقول السيد نبيل المنجي األمين المسؤول في‬ ‫دار الجوف للعلوم‪ ،‬أن عدد رواد الدار شهرياً يصل‬ ‫إلى حوالي أربعة آالف زائر من الرجال والنساء‪ ،‬من‬ ‫الباحثين والقراء‪ ،‬يستفيدون من خدمات المطالعة‬ ‫والبحث العلمي وتقنية المعلومات التي توفرها الدار‬ ‫لهم‪ ،‬في قسمي الرجال والنساء‪ .‬كما تستقبل الدار‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫أيضاً مجموعات من طالب‬ ‫وط��ال��ب��ات الكليات العلمية‬ ‫وال��ج��ام��ع��ات‪ ،‬ي��أت��ون بهدف‬ ‫اإلفادة من المصادر العلمية‬ ‫والمراجع المهمة المتوافرة‬ ‫ف���ي ال�����دار؛ وي���ؤك���د السيد‬ ‫المنجي أن جميع العاملين‬ ‫ب��ال��دار ال ي��أل��ون ج��ه��داً في‬ ‫خدمة ال��ق��راء والمطالعين‬ ‫ال‬ ‫والباحثين؛ فالمكتبة أص ً‬ ‫ج���اءت م��ن إح��س��اس عميق‬ ‫< لقطة داخلية في مكتبة دار الجوف للعلوم‬ ‫ب��ال��واج��ب ل���دى مؤسسها األم��ي��ر ع��ب��دال��رح��م��ن بن باستخدامها منذ مطلع ع��ام ‪1997‬م‪ .‬وج��رى اآلن‬ ‫أحمد السديري‪ ،‬ومن إدراكه بأهمية العلم في بناء توفير خدمات الـ ‪.DSL‬‬ ‫المجتمع‪.‬‬ ‫كما استطاعت الدار أن تؤسّ س مجموعة الوسائل‬ ‫ويشير األمين المسؤول إلى أن مكتبة دار الجوف السمعية وال��ب��ص��ري��ة‪ ،‬وه��ي مكتبة سمعية بصرية‬ ‫للعلوم تضم اآلن ما يزيد عن مائة وستين ألف كتاب وثائقية تحتوي رفوفها على عدد من أشرطة األفالم‬ ‫ومجلد‪ .‬إضافة إلى قسم للدوريات يفتح أبوابه لقراء السينمائية وأف�لام الفيديو في موضوعات ثقافية‬ ‫الصحف والمجالت والدوريات العربية واألجنبية في وتعليمية وعلمية متنوعة‪ ،‬ويتولى القائمون على هذه‬ ‫مختلف أصنافها واتجاهاتها‪ ،‬ويشتمل القسم على المجموعة مهمة تسجيل وأرشفة أنشطة المؤسسة‪،‬‬ ‫ما يزيد عن ‪ 250‬صحيفة ومجلة ودورية‪ ،‬تستقطب‬ ‫وبخاصة األنشطة الثقافية منها م��ن محاضرات‬ ‫عدداً كبيراً من القراء والقارئات يومياً‪.‬‬ ‫ولقاءات وندوات وغيرها‪.‬‬ ‫ك��م��ا ت��ض��م ال����دار م��ج��م��وع��ة خ��اص��ة م��ن أوعية‬ ‫وي��ج��ري ال��ت��زوي��د بالكتب وال��م��ط��ب��وع��ات بشكل‬ ‫المعلومات ذات القيمة المرتبطة بآثار المنطقة‪،‬‬ ‫مستمر من خالل الشراء المباشر من معارض الكتب‬ ‫وصوراً لمخطوطات يصل عددها إلى أكثر من خمس‬ ‫والمكتبات التجارية‪ ،‬ومن خالل اإله��داء والتبادل‪.‬‬ ‫وستين مخطوطة‪ ،‬إضافة إلى وثائق ونقود تاريخية‬ ‫وتتوافر في المكتبة أمام الباحثين والدارسين والقراء‬ ‫قديمة‪ ،‬وطوابع‪ ،‬وكتب نادرة وقيّمة‪ ،‬تتعلق بالمنطقة‬ ‫أمهات الكتب والمصادر وعدد غير قليل من الكتب‬ ‫وتتصل بها بشكل خاص‪ ،‬وبالجزيرة العربية بشكل‬ ‫النادرة الصادرة منذ تاريخ تأسيس المكتبة قبل نحو‬ ‫عام‪ ،‬كما تضم أيضاً مجموعة من الوسائل السمعية‬ ‫‪ 45‬ع��ام��اً؛ ما يجعلها مقصد الباحثين والمثقفين‬ ‫والبصرية‪ ،‬إلى جانب العديد من الوسائل االلكترونية‬ ‫والمهتمين داخ��ل منطقة ال��ج��وف‪ ،‬فأصبحت بحق‬ ‫المتنوعة‪ .‬وتتيح المكتبة‪ ،‬للراغبين م��ن روادها‪،‬‬ ‫منارة للمعرفة والعلم‪.‬‬ ‫استخدام شبكة المعلومات (اإلنترنت) التي بدىء‬ ‫تبلغ مساحة دار ال��ج��وف للعلوم ح��وال��ي ‪2350‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪47 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫عبدالعزيز للعلوم والتقنية والمركز الوطني للكلى‪،‬‬ ‫وأخيراً عبر االشتراك بشبكة اإلنترنت وحصول الدار‬ ‫على موقع دائم على الشبكة باسم المؤسسة‪ ،‬واتاحة‬ ‫الفرصة أمام من يرغب من رواد المكتبة لالستفادة‬ ‫من هذا النوع من الخدمة المتقدمة‪.‬‬

‫ويشير أمين الدار المسؤول إلى أن خطة التزويد‬ ‫يتم تطويرها سنوياً من خالل تقييم المجموعات‪،‬‬ ‫ومن ثم إشراك كافة الجهات ذات العالقة من قراء‪،‬‬ ‫وباحثين‪ ،‬وهيئات حكومية‪ ،‬وخاصة‪ ،‬باستبيان سنوي‪،‬‬ ‫يعرض على الجميع المشاركة في اختيار المطبوعات‬ ‫والوسائل السمعية والبصرية وااللكترونية‪ ،‬كذلك‬ ‫تتلقى الدار من كافة الناشرين عربياً ومحلياً وعالمياً‬ ‫قوائم الجديد في عالم النشر‪ ،‬إل��ى جانب متابعة‬ ‫وحضور المعارض الدولية للكتب واالتصال بالوزارات‬ ‫< بعض إصدارات برنامج النشر بالمؤسسة‬ ‫والمؤسسات الحكومية‪ ،‬والجامعات ومراكز البحث‬ ‫متراً مربعاً وتضم قسمين كبيرين منفصلين أحدهما‬ ‫والمكتبات الكبرى‪ ،‬لتفعيل برنامج تبادل اإلصدارات‬ ‫للرجال واآلخ��ر للنساء‪ ،‬وه��ي ليست مجرد مكتبة‬ ‫من الكتب على مدار السنة‪.‬‬ ‫عامة‪ ،‬بل هي اآلن‪ ،‬وبتوفيق من الله‪ ،‬مركز ثقافي‬ ‫يشهد مع خدماته المكتبية نشاطاً اجتماعياً وثقافياً برنامج النشر‬ ‫متجدداً في كال القسمين‪ .‬وتفتح الدار أبوابها للرواد‬ ‫منذ أن بدأت المؤسسة أعمالها اهتمت بنشر عدد‬ ‫لمدة ثماني ساعات يومياً‪ ،‬جميع أي��ام األسبوع ما من الكتب التي تتصل بمنطقة الجوف تاريخاً وتراثاً‬ ‫عدا يوم الجمعة‪.‬‬ ‫وحضارة‪ ،‬كان من أبرزها كتاب‬ ‫وبالنظر إل��ى تطلع المؤسسة‬ ‫دوماً إلى ما هو حديث ومتطور‪ ،‬فقد‬ ‫استخدمت ال��دار أح��دث الوسائل‬ ‫والتقنيات‪ ،‬ب��دءاً من أجهزة قراءة‬ ‫ال��م��ص��غ��رات الفيليمة واستخدام‬ ‫أج��ه��زة ال��ح��اس��وب ف��ي الفهرسة‬ ‫وال��ب��ح��ث‪ ،‬م����روراً ب��إت��اح��ة الفرصة‬ ‫أم���ام الباحثين ل�لات��ص��ال بمراكز‬ ‫المعلومات محلياً ودولياً عبر خط‬ ‫طرفي يربط ال��دار بمدينة الملك‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫> ت��ت��ب��ن��ى المؤسسة‬ ‫ب��رن��ام��ج ن��ش��ر علمي‬ ‫ت��ص��در عنه دراس���ات‬ ‫علمية وكتب ورسائل‬ ‫ج��ام��ع��ي��ة ب��م��ع��دل ‪6‬‬ ‫مطبوعات سنوي ًا‬

‫"ال��ج��وف وادي ال��ن��ف��اخ" لمؤلفه‬ ‫األم��ي��ر ع��ب��دال��رح��م��ن ب��ن أحمد‬ ‫السديري‪ ،‬وقد ص��درت الطبعة‬ ‫األول��ى ع��ام ‪1403‬ه��ـ (‪1984‬م)‪،‬‬ ‫ث��م ص���درت الطبعة االنجليزية‬ ‫للكتاب ب��ع��ن��وان (‪The Desert‬‬ ‫‪Frontier of Arabia: Al-Jawf‬‬

‫‪ ،)through the Ages‬كما نشر‬ ‫دي���وان القصائد للمؤسس‪ ،‬ثم‬ ‫أشرفت المؤسسة على ترجمة‬


‫ك��ت��اب ال��ص��ح��راء العربية لمؤلفه االي��ط��ال��ي الويس‬

‫موسيل‪.‬‬

‫كما ب��دأت المؤسسة بتعريب ونشر بعض كتب‬

‫الرحالة ال��ذي��ن م��روا بالمنطقة ف��ي ال��ق��رن التاسع‬

‫عشر‪ ،‬إذ ترجمت خمسة كتب منها‪ ،‬نشرت المؤسسة‬ ‫أحدها وهو كتاب‪" :‬الصحراء العربية ‪ -‬المالحق"‬

‫لمؤلفه ألويس موسيل‪ .‬كما أصدرت سنة ‪1411‬هـ‪/‬‬

‫‪1990‬م دوري��ة ثقافية نصف سنوية أطلقت عليها‬ ‫اسم "الجوبة" تعنى بالشئون الثقافية واالجتماعية‬

‫صدر منها ‪13‬عدداً ثم توقفت لعدة سنوات‪ ،‬وارتأت‬ ‫المؤسسة إع���ادة إص��داره��ا لما تمثله م��ن دور في‬

‫رعاية األقالم الشابة بالجوف‪ ،‬واستكتاب المبدعين‬ ‫والموهوبين في مجاالت األدب والشعر والمقالة من‬

‫أبناء المنطقة‪ ،‬واستأنفت المؤسسة إص��دار العدد‬

‫ملف العدد‬ ‫وأصبحت تحظى باهتمام معظم الجامعات العربية‬ ‫والعالمية ومراكز البحث العلمي الغربية‪ ،‬فيما يتعلق‬ ‫بالبحوث المنشورة عن آثار الجزيرة العربية والوطن‬ ‫العربي‪ .‬ويشير رئيس تحرير مجلة أدوماتو إلى أن‬ ‫قائمة المشتركين بمجلة أدوم��ات��و تضم جامعات‬ ‫ومراكز بحوث عالمية وأساتذة ومختصين ومهتمين‬ ‫ال عن‬ ‫من مختلف األقطار العربية والعالمية‪ ،‬فض ً‬ ‫المشتركين من داخل المملكة‪.‬‬ ‫وم���ع ت��ط��ور ب��رن��ام��ج ال��ن��ش��ر ارت�����أت المؤسسة‬ ‫تشكيل هيئة اس��ت��ش��اري��ة ل�ل�اش���راف ع��ل��ى برنامج‬ ‫"نشر الدراسات واإلبداعات األدبية وتمويل البحوث‬ ‫والرسائل العلمية" مكونة من ثالثة أساتذة أكاديميين‬ ‫من أبناء الجوف برئاسة الدكتور عبدالواحد بن خالد‬ ‫الحميد وعضوية الدكتور ميجان الرويلي والدكتور‬

‫الرابع عشر من الجوبة مع بداية عام ‪2006‬م‪ ،‬وخرج‬

‫بثوب جديد‪ ،‬يمثل خطوة واع��دة؛ وي��رأس تحريرها‬ ‫ٍ‬ ‫األستاذ إبراهيم موسى الحميد‪.‬‬

‫وفي يناير عام ‪2000‬م بدأت المؤسسة بإصدار‬

‫مجلة نصف سنوية محكّمة تعنى بآثار الوطن العربي‬ ‫أطلقت عليها اسم (أدوماتو)‪ ،‬وهي متخصصة بنشر‬ ‫الدراسات والبحوث المتعلقة بآثار وحضارة الجزيرة‬ ‫العربية والوطن العربي بشكل عام‪ ،‬وشكلت المؤسسة‬

‫للمجلة هيئة استشارية ضمت مختصين من مختلف‬ ‫أق��ط��ار العالم‪ ،‬وي���رأس تحريرها األستـاذ الدكتور‬

‫عبدالرحمن الطيب األنصاري‪ ،‬صدر منها حتى اآلن‬

‫أربعة عشر ع��دداً وتنشر أبحاثها باللغتين العربية‬

‫واإلنجليزية‪ ،‬وقد القت اهتماماً ملحوظاً في مختلف‬

‫األوس����اط العلمية ف��ي داخ���ل المملكة وخارجها‪،‬‬

‫واستناداً إلى أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن األنصاري أستاذ اآلثار‬ ‫فإن مجلة أدوماتو أصبح لها روا ٌد من المتخصصين‬

‫والمهتمين بآثار الجزيرة العربية والوطن العربي‪،‬‬

‫< غالف العدد الرابع عشر من مجلة أدوماتو‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪49 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫خ��ل��ي��ل ال��م��ع��ي��ق��ل‪ ،‬وبدأت‬ ‫ال��ه��ي��ئ��ة ب��ت��ن��ظ��ي��م أعمال‬ ‫النشر ووضع الئحة تحدد‬ ‫ش���روط ال��ن��ش��ر‪ ،‬تتضمن‬ ‫استقبال األعمال المقدمة‬ ‫للنشر وتحويلها للتحكيم‬ ‫وال��ت��ق��وي��م‪ ،‬ث��م يطلب من‬ ‫ص����اح����ب المخطوطة‬ ‫تنفيذ التوصيات الخاصة‬ ‫بالتحكيم‪ ،‬قبل أن يدفع‬ ‫العمل إلى المطبعة ويأخذ‬ ‫طريقه للنشر والتوزيع‪.‬‬

‫< قاعة الدوريات بدار الجوف للعلوم‬

‫خالد السعدون‪ ،‬وقصتان لألطفال "ري��م والصياد"‬

‫وق��د أص��درت هيئة النشر منذ توليها مسؤولية للدكتور أسد محمد‪ ،‬و"مفاجأة ماجد" لألستاذ محمد‬ ‫برنامج النشر ‪ 15‬كتاباً في مجاالت العلوم والتاريخ ص��وان��ه‪ .‬وم��ن أح���دث اإلص����دارات ك��ت��اب "تخطيط‬ ‫واآلثار واألدب‪ ،‬ومن هذه الكتب‪" :‬حي الدرع بدومة‬ ‫المدينة المنورة في العهد النبوي والخالفة الراشدة‪:‬‬ ‫الجندل – دراسة معمارية أثرية " لمؤلفته د‪ .‬حصة‬ ‫دراسة حضارية في ضوء المصادر التاريخية"‪ ،‬تأليف‬ ‫الشمري‪ ،‬والمجموعة القصصية "رائحة الطفولة"‬ ‫د‪ .‬حصة الشمري‪ .‬واستناداً إلى مكتب هيئة النشر‬ ‫لعبدالرحمن الدرعان‪ ،‬وكتاب "بحوث في آثار منطقة‬ ‫بالمؤسسة‪ ،‬ثمة ع��دد من المخطوطات والرسائل‬ ‫الجوف" للدكتور خليل بن إبراهيم المعيقل‪ ،‬وكتابان‬ ‫العلمية‪ ،‬ما تزال في مرحلة التحكيم والفسح اآلن‪،‬‬ ‫للدكتور سليمان الذييب "نقوش قارا الثمودية بمنطقة‬ ‫ينتظر صدورها قريباً‪.‬‬ ‫الجوف"و "نقوش صفوية من شمالي المملكة العربية‬ ‫السعودية "‪ .‬وكتاب "التنظيمات العسكرية النبطية" تمويل األبحاث العلمية الميدانية‬ ‫لمؤلفة صالح الدغيم‪ .‬وكتاب "تقويم أداء مديري‬ ‫والبرنامج الثاني الذي تشرف عليه هيئة النشر‬ ‫مراكز التدريب المهني في المملكة من وجهة نظر‬ ‫وت��ول��ي��ه المؤسسة اه��ت��م��ام��اً م��ل��ح��وظ��اً‪ ،‬ه��و برنامج‬ ‫المختصين بالتدريب" لدخيل الله الشمدين‪ ،‬وكتاب‬ ‫تمويل ودع��م البحوث العلمية‪ ،‬وهو يتعلق بالبحوث‬ ‫"اقتصاديات منطقة الجوف ‪ -‬نموذج جديد للتنمية‬ ‫والدراسات الميدانية التي تدرس قضايا مهمة في‬ ‫المحلية" لمؤلفه الدكتور محمد عبدالعال صالح‪،‬‬ ‫منطقة الجوف‪ ،‬من خالل البحث المبني على قواعد‬ ‫وك��ت��اب "دوم���ة الجندل م��ن عصر م��ا قبل اإلسالم"‬ ‫علمية ب��إش��راف متخصصين أكاديميين تساندهم‬ ‫لمؤلفه عبيد ال��ج��اب��ري‪ ،‬وك��ت��اب "ظ��ه��ور الخطوط‬ ‫الحديدية وآثارها في المشرق العربي" لمؤلفته نوف فرق فنية‪.‬‬ ‫بنت رزق الروضان‪ ،‬وكتاب "أنواع العقارب والثعابين‬ ‫وقد موّلت المؤسسة حتى اآلن أربعة بحوث علمية‬ ‫السامة في منطقة الجوف" لمؤلفه أ‪.‬د محمد بن هي‪ :‬دراسة بيئية وسمّية وإكلينيكية ألنواع العقارب‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫والثعابين السامة في منطقة الجوف بإشراف الباحث‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬محمد بن خالد السعدون من كلية العلوم بجامعة‬ ‫الملك سعود واستمرت الدراسة لمدة سنتين‪ ،‬وقامت‬ ‫الهيئة بطباعة ونشر نتائج الدراسة في كتاب صدر‬

‫في ع��ام ‪2004‬م بعنوان‪" :‬أن��واع العقارب والثعابين‬ ‫السامة في منطقة الجوف"‪.‬‬

‫والبحث العلمي الميداني الثاني ال���ذي موّلته‬

‫ملف العدد‬ ‫الحيوانات والطيور المتواجدة في منطقة الجوف‪ ،‬ما‬ ‫يشكل دراسة غير مسبوقة ستكون لها أهميتها‪ .‬وأما‬ ‫البحث الرابع‪ ،‬فهو ما يزال في بدايته وهو دراسة‬ ‫علمية في مجال علم النفس االجتماعي‪ ،‬باشراف‬ ‫الباحث بجامعة الملك سعود د‪ .‬فالح بن محروت‬ ‫العنزي‪ ،‬وسيكون ميدان البحث في الهجر البدوية‬ ‫والمدن الصغرى والكبرى بالمملكة‪.‬‬

‫المؤسسة ك��ان ب��إش��راف ب��اح��ث م��ن جامعة الملك مدارس الرحمانية‬

‫ف��ه��د ل��ل��ب��ت��رول وال��م��ع��ادن أ‪ .‬د‪ .‬م��ح��م��د الجارالله‬

‫بعنوان‪" :‬دراس��ة تركيز غاز ال��رادون المشع طبيعيا‬

‫في المساكن بمنطقة الجوف" وانجز البحث الذي‬

‫استغرق ‪ 12‬شهراً في صيف عام ‪2005‬م‪ ،‬ويجري‬ ‫اآلن االعداد إلصدار كتيب عن نتائج الدراسة يتوقع‬ ‫صدوره قريباً‪.‬‬

‫كما موّلت المؤسسة بحثاً ثالثاً بعنوان‪" :‬دراسة‬

‫ال��ت��ن��وع األح��ي��ائ��ي (ال��ح��ي��وان��ي) ف��ي منطقة الجوف‬

‫ب��اش��راف ال��ب��اح��ث د‪ .‬محمد ال��س��ع��دون‪ ،‬وتستمر‬ ‫ال��دراس��ة لمدة ثالثين ش��ه��راً‪ ،‬ويتوقع االن��ت��ه��اء من‬

‫الدراسة في شهر ديسمبر المقبل‪ ،‬ومن المنتظر أن‬

‫تكون من نتائج الدراسة إعداد أطلس مصور عن أهم‬

‫< زوار لدار الجوف للعلوم‬

‫ومن منطلق اهتمام المؤسس األمير عبدالرحمن‬ ‫ال��س��دي��ري بالتعليم‪ ،‬أن��ش��أت ال��م��ؤس��س��ة ف��ي عام‬ ‫‪1407‬ه���ـ داراً للحضانة وروض���ة لألطفال‪ ،‬والقت‬ ‫التجربة نجاحاً واهتماماً كبيراً من أهالي مدينة‬ ‫سكاكا‪ ،‬فأبدوا رغبتهم في التوسع في هذه التجربة‬ ‫وتأسيس مدرسة ابتدائية‪ ،‬فجرى افتتاح مدرسة‬ ‫اب��ت��دائ��ي��ة للبنين وأخ���رى للبنات ع��ام ‪1410‬ه����ـ ثم‬ ‫توسعت لتضم المرحلتين المتوسطة والثانوية‪،‬‬ ‫وأصبحت أول مدرسة أهلية بالمنطقة‪ ،‬وأسهمت‬ ‫ف��ي ت��ط��ور التعليم‪ ،‬وخ�� ّرج��ت أف��واج��اً متتالية من‬ ‫الطالب والطالبات‪ ،‬المتسلحين بالعلم والخبرات‬ ‫المتميزة‪ ،‬التي اكتسبوها من خالل برامج المدرسة‬ ‫الالمنهجية التي ترعى المواهب‬ ‫والنشاطات اإلبداعية‪.‬‬ ‫وتتمتع م��دارس الرحمانية‬ ‫ب��س��م��ع��ة ط��ي��ب��ة ف����ي مجتمع‬ ‫ال����ج����وف‪ ،‬ن����ظ����راً ل���م���ا توليه‬ ‫المؤسسة من عناية واهتمام‬ ‫وم���ت���اب���ع���ة ل���ه���ا‪ ،‬وم�����ن حرص‬ ‫على انتقاء ال��ك��وادر التعليمية‬ ‫المؤهلة والراغبة في ممارسة‬ ‫مهنة التعليم لتكون قادرة على‬ ‫العطاء واإلبداع‪ .‬وتضم مدارس‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪51 1427‬‬


‫ملف العدد‬

‫< مبنى مدارس الرحمانية األهلية‬

‫الرحمانية (بنين) في العام الدراسي الحالي ‪ 623‬الواحد بمائتي ألف ريال‪.‬‬ ‫طالباً موزعين كما يلي (‪ 330‬ابتدائي‪ 1٠6 ،‬متوسط‪،‬‬ ‫‪ 187‬ثانوي) يشرف على تدريسهم ‪ 56‬معلماً‪ ،‬أما‬

‫م����دارس ال��ب��ن��ات فتضم ‪ 254‬ط��ال��ب��ة (‪ 40‬روضة‪،‬‬

‫‪ 97‬ابتدائي‪ 42 ،‬متوسط‪ 75 ،‬ثانوي) باشراف ‪30‬‬

‫معلمة‪.‬‬

‫جائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‬ ‫واستكماالً للدور الريادي الذي اختطته المؤسسة‬

‫ف��ي م��ج��ال التعليم‪ ،‬اس��ت��ح��دث مجلس اإلدارة في‬ ‫ع��ام ‪1410‬ه��ـ جائزة األمير عبدالرحمن السديري‬

‫للمتفوقين علمياً ف��ي م��س��ارات التعليم المختلفة‪،‬‬

‫وت��ق��رر تقديمها ع��ل��ى ش��ك��ل بعثة دراس��ي��ة للطلبة‬

‫المتفوقين في مدارس منطقة الجوف‪ ،‬تمنح سنوياً‬

‫ألحد أبناء الجوف المتفوقين في الثانوية العامة‪ ،‬وفق‬

‫الئحة الجائزة‪ ،‬وقد بلغ عدد الحاصلين على الجائزة‬

‫ستة مبتعثين‪ ،‬يتابعون دراستهم في جامعات الواليات‬ ‫المتحدة األمريكية واستراليا‪ ،‬والتحق بعضهم في‬ ‫معاهد تعليم اللغة اإلنجليزية بالواليات المتحدة‬

‫األمريكية تمهيداً الستكمال تسجيله في الجامعات‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫األم����ري����ك����ي����ة؛ كما‬ ‫تمنح ج��ائ��زة نقدية‬ ‫ق����دره����ا ‪25.000‬‬ ‫ري��ال للحاصلة على‬ ‫ال���م���رك���ز األول في‬ ‫الثانوية العامة على‬ ‫م����س����ت����وى منطقة‬ ‫ال�����ج�����وف‪ ،‬لمتابعة‬ ‫دراس���ت���ه���ا باشراف‬ ‫ول��ي أم��ره��ا‪ .‬وتقدر‬ ‫ت���ك���ل���ف���ة االب����ت����ع����اث‬ ‫ال���س���ن���وي���ة للطالب‬

‫وت��ح��رص إدارة المؤسسة على متابعة مراحل‬ ‫دراس�����ة ال��ط��ال��ب ال��م��ب��ت��ع��ث ع��ل��ى ح��س��اب الجائزة‬ ‫وتحصيله ال��ع��ل��م��ي‪ ،‬وت��س��اع��ده ف��ي ال��ح��ص��ول على‬ ‫التأشيرة الالزمة والقبول في الجامعة التي يرغب‬ ‫الدراسة فيها‪ ،‬كما تصرف له مخصصات الدراسة‬ ‫والسكن والسفر والمصاريف طيلة فترة دراسته‬ ‫الجامعية‪ ،‬حسب شروط الئحة الجائزة‪.‬‬

‫المجلس الثقافي‬ ‫ويشرف على نشاطات المؤسسة الثقافية مجلس‬ ‫ثقافي مكون من عدد من أبناء الجوف‪ ،‬وهو هيئة‬ ‫تطوعية تضم نخبة من المثقفين من أبناء وبنات‬ ‫م��ن��ط��ق��ة ال���ج���وف ال��م��ت��ط��وع��ي��ن ب��ج��ه��ده��م ووقتهم‪،‬‬ ‫لإلسهام في إثراء الحركة الثقافية بالمنطقة‪ ،‬تعمل‬ ‫على اقتراح البرامج والنشاطات الثقافية بما فيها‬ ‫تنظيم الندوات والمحاضرات الثقافية العامة حول‬ ‫الموضوعات التي تهم مختلف القطاعات األهلية‬ ‫ب��ال��ج��وف‪ ،‬ويعقد المجلس اجتماعات دوري���ة لهذا‬ ‫ال��ش��أن‪ ،‬وي��ت��ك��ون المجلس م��ن هيئة ع��ام��ة وهيئة‬


‫ملف العدد‬ ‫تنفيذية‪.‬‬ ‫والمسابقات‪ ،‬التي من شأنها إبراز أصحاب المواهب‬ ‫وق���د أق���ام���ت ال��م��ؤس��س��ة ال��ع��دي��د م���ن الندوات والصناعات اليدوية التراثية والمشروعات الزراعية‬ ‫والمحاضرات والمعارض المتنوعة المواضيع زادت الناجحة ورعايتهم وتشجيعهم‪.‬‬ ‫وقد بادر األمير عبدالرحمن إلى تنظيم مسابقة‬ ‫ع��ل��ى ‪ 300‬ن��ش��اط بقسم ال��رج��ال ومثلها بالقسم‬ ‫النسائي‪ .‬وأسهمت ه��ذه النشاطات ف��ي التعريف للهجن ع��ام ‪1383‬ه���ـ‪ ،‬وك��ان��ت أول مسابقة منظمة‬ ‫بالمنطقة‪ ،‬من خ�لال ل��ق��اءات أبناء المنطقة بكبار تجرى للهجن على مستوى المملكة في ذلك الوقت‪.‬‬ ‫المسؤولين والمفكرين والكتاب والمثقفين من جميع واستمر األمير عبدالرحمن السديري على اهتمامه‬ ‫بإقامة هذا السباق‪ ،‬وقد أسهمت هذه السباقات في‬ ‫أنحاء المملكة والدول العربية أيضاً‪.‬‬ ‫حفظ هذه الرياضة العربية وتنميتها‪ ،‬وزيادة االهتمام‬ ‫الجمعية العمومية‬ ‫بها من قبل أهالي منطقة الجوف وما حولها‪.‬‬ ‫ول��ل��م��ؤس��س��ة ج��م��ع��ي��ة ع��م��وم��ي��ة ت��ج��ت��م��ع سنوياً‬ ‫ك���ان األم��ي��ر ال��م��ؤس��س‪ ،‬ينظر بعين ث��اق��ب��ة وهو‬ ‫للنظر في التقارير اإلدارية والمالية‪ ،‬وتقرير مدقق‬ ‫يرعى ه��ذه التظاهرة الثقافية السنوية‪ ،‬فقد آتت‬ ‫الحسابات المعتمد عن أعمال ونشاطات المؤسسة‬ ‫ثمارها‪ ،‬فاجتمع أهالي المنطقة وترسخت أواصر‬ ‫خالل العام‪ ،‬وتملك الجمعية التي تتشكل من نخبة‬ ‫العالقة والتعاون فيما بينهم‪ ،‬وازداد تشجيع هذه‬ ‫من أبناء الجوف وم��ن أصحاب الخبرة واالهتمام‬ ‫الرياضة العربية األصيلة‪ ،‬وزاد اهتمام أبناء البادية‬ ‫بالعمل ال��ع��ام – صالحيات واس��ع��ة تتضمن تعديل‬ ‫ب��االح��ت��ف��اظ ب��س�لاالت الهجن ال��م��م�� ّي��زة ال��ت��ي كانوا‬ ‫النظام األساسي‪ ،‬وتعيين األعضاء‪ ،‬واق��رار مشروع‬ ‫يقتنونها‪ ،‬وسعوا إلى تنميتها؛ كما أسهم المهرجان‬ ‫الميزانية للسنة المالية الجديدة‪ ،‬وتعيين مراقب‬ ‫السنوي لسباق الهجن ف��ي جلب أن��ظ��ار المهتمين‬ ‫الحسابات‪ ،‬وتصدر قراراتها باألغلبية المطلقة‪.‬‬ ‫لزيارة المنطقة وحضور السباق‪ ،‬واالستمتاع بهذه‬ ‫وتمثل الجمعية العمومية بأعضائها رافداً معنوياً الرياضة األصيلة‪.‬‬ ‫مهماً في تفعيل نشاطات المؤسسة‪ ،‬واقتراح ما يراه‬ ‫كما أقام المؤسس مسابقات للمزارعين رغبة في‬ ‫أعضاؤها م��ن فعاليات ثقافية‪ ،‬لتتولى المؤسسة‬ ‫تنمية هذا القطاع‪ ،‬وإطالع المزارعين على تقنيات‬ ‫دراستها وتنفيذها‪.‬‬ ‫الزراعة الحديثة‪ ،‬من خالل الجوائز والمعلومات التي‬ ‫مبادرات تراثية‬ ‫تقدم في مناسبة المسابقة‪.‬‬ ‫ك��ان الهتمام المؤسس األم��ي��ر عبدالرحمن بن‬ ‫أح��م��د ال��س��دي��ري‪ ،‬رح��م��ه ال��ل��ه‪ ،‬ب��ال��ت��راث المحلي‬ ‫لمنطقة الجوف‪ ،‬دور في أن تتبنى المؤسسة الخيرية‬ ‫العناية بالتراث الوطني األصيل‪ ،‬ورعاية المهتمين‬ ‫به وتشجيعهم على النهوض بهواياتهم وإبداعاتهم‪،‬‬ ‫وتطويرها‪ ،‬فقد نص نظامها األس��اس على إقامة‬ ‫أس���ب���وع ل��ل��ج��وف‪ ،‬ت��ق��ام ف��ي��ه ال��ن��ش��اط��ات التراثية‬

‫وأق���ام المؤسس األم��ي��ر عبدالرحمن السديري‬ ‫أيضاً معرضاً للسجاد اليدوي المصنوع في المنطقة‬ ‫بهدف إبراز هذه الصناعة‪ ،‬وعرض ما تنتجه منطقة‬ ‫الجوف أمام زوار المعرض‪ ،‬وتحفيز من يمارسونها‬ ‫على حفظها وتشجيعهم على التنافس لتطويرها‬ ‫واالب��داع فيها‪ ،‬من خالل الجوائز التي كان يقدمها‬ ‫لهم‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪53 1427‬‬


‫ملف العدد‬ ‫ومن المبادرات األخرى التي رعتها المؤسسة ونشطت جامع الرحمانية‬ ‫في تنظيم برامجها‪ ،‬مركز تحفيظ القرآن الكريم‪ ،‬الذي‬ ‫سعت المؤسسة منذ وقت مبكر إلى إنشاء مسجد‬ ‫كان يستقبل الطالب والطالبات منذ عام ‪1405‬هـ بواقع ج��ام��ع ح��دي��ث ف��ي م��دي��ن��ة س��ك��اك��ا‪ ،‬وق���د خ���رج هذا‬ ‫حلقتين في كل قسم‪ ،‬وكانت تشرف على التدريس به المشروع الحيوي إلى النور بدعم كريم من العديد‬ ‫الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في الجوف‪ ،‬من المتبرعين وفاعلي الخير‪ ،‬وفي مقدمتهم المغفور‬ ‫وقدمت المؤسسة مكافآت لطالب وطالبات المركز له بإذن الله تعالى الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود‬

‫قبل أن يتوقف المركز ويقتصر العمل على الفرع المقام – طيب الله ث��راه – وأقيمت فيه أول ص�لاة جمعة‬ ‫بالقسم النسائي بدار الجوف للعلوم‪.‬‬ ‫بتاريخ ‪1415/12/20‬هـ‪.‬‬ ‫كما بادرت المؤسسة أيضاً إلى تنظيم دورات تدريبية‬

‫في مجاالت الحاسب اآللي والخياطة‪ ،‬ودورات أخرى‬ ‫كلما دعت الحاجة مثل‪ :‬دورات تعليم اللغة اإلنجليزية‪،‬‬

‫وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها‪ .‬وكانت المؤسسة‬

‫تقوم بتلك المبادرات نظراً لعدم توافر من ينظمها في‬ ‫منطقة الجوف‪ ،‬وقد تخرج منها العديد من أبناء وبنات‬

‫الجوف‪ ،‬وبعد انتشار المراكز الخاصة التي تقوم بمثل‬ ‫هذه ال��دورات بالجوف‪ ،‬رأت إدارة المؤسسة التوقف‬

‫صمّم جامع الرحمانية‪ ،‬بأسلوب جمع بين األصالة‬ ‫ُ‬ ‫وال��ح��داث��ة‪ ،‬إذ أ ُدخ���ل ف��ي تصميمه استخدام نظام‬ ‫األبراج الهوائية للتبريد‪ ،‬وهو أسلوب قديم معروف‬ ‫جرى تحديثه مؤخراً‪ ،‬ويعد مسجد الرحمانية أول‬ ‫مسجد تستخدم فيه ه��ذه الطريقة للتبريد‪ ،‬كما‬ ‫تجري تدفئة المسجد خالل فصل الشتاء بوساطة‬ ‫نظام ضخ المياه الساخنة عبر شبكة ممتدة تحت‬ ‫أرضية المسجد‪.‬‬

‫وتبلغ المساحة اإلجمالية للمسجد (‪ )2702‬متر مربع‪،‬‬ ‫عن تنظيمها‪ ،‬واالهتمام بالنشاطات الثقافية المنبرية‬ ‫منها (‪ )1600‬متر مربع للمصلى الرئيسي‪ ،‬الذي يتكون‬ ‫األخرى‪.‬‬ ‫م����ن ص���ال���ة مربعة‬ ‫ال��ش��ك��ل تتوسطها‬ ‫أرب������ع������ة أع�����م�����دة؛‬ ‫ومصلى للنساء تبلغ‬ ‫مساحته (‪ )502‬متر‬ ‫مربع‪ ،‬وه��و الطابق‬ ‫ال��ع��ل��وي للمسجد‪،‬‬ ‫ول��������������ه م�������داخ�������ل‬ ‫م��س��ت��ق��ل��ة‪ ،‬وملحق‬ ‫ب��ه ح���وض للوضوء‬ ‫ودورات م����ي����اه‪،‬‬ ‫وي���ت���س���ع المسجد‬ ‫ب��ق��س��م��ي��ه (مصلى‬ ‫< جامع الرحمانية بسكاكا‬

‫‪54‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ال�����رج�����ال ومصلى‬ ‫ال���ن���س���اء) لحوالي‬ ‫مصل‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫(‪)3400‬‬

‫ملف العدد‬

‫وتعلو المسجد‬ ‫م��ن ال��خ��ارج قبتان‬ ‫مكسوتان بموازييك‬ ‫برونزي اللون‪ ،‬يبلغ‬ ‫ارت���ف���اع أحداهما‬ ‫(‪ )20.75‬متراً‬ ‫ب��ق��ط��ر (‪)14.30‬‬ ‫م��ت��راً‪ ،‬أم��ا الثانية‬ ‫ف��ي��ب��ل��غ ارتفاعها‬ ‫< فندق النزل بالجوف جمع بين عناصر التصميم المعمارية‪ :‬النجدية والخليجية واالندلسية‪.‬‬ ‫(‪ )17.35‬متراً‬ ‫وقطرها (‪)9.65‬‬ ‫مركز الرحمانية الثقافي بالغاط‬ ‫م��ت��راً‪ ،‬وللمسجد مئذنتان يبلغ ارت��ف��اع ك��ل منهما‬ ‫واستمراراً لنهج األمير عبدالرحمن السديري‪،‬‬ ‫(‪ )37.20‬متراً‪.‬‬ ‫ف��ي تأسيس محاضن ثقافية وري��ادي��ة‪ ،‬إي��م��ان��اً منه‬

‫فندق النزل‬

‫بأن المكتبات روافد مهمة للعلم والمعرفة والبحث‬

‫تمشياً مع السياسة االستثمارية ألموال المؤسسة العلمي‪ ،‬ج��رى تأسيس م��رك��ز الرحمانية الثقافي‬ ‫الهادفة إلى اإلسهام في التنمية االقتصادية لمنطقة بمدينة الغاط‪ ،‬وهو فرع من المؤسسة التي أنشأها‬ ‫الجوف‪ ،‬ونظراً لحاجة المنطقة إل��ى توافر فندق بالجوف‪ .‬ويتكون مركز الرحمانية من مكتبة األمير‬ ‫بمواصفات الدرجة األولى‪ ،‬رغب المؤسس أن تبادر عبدالرحمن السديري للرجال ومكتبة منيرة الملحم‬ ‫المؤسسة إل��ى إق��ام��ة ف��ن��دق ح��دي��ث ف��ي المنطقة؛ للنساء‪ ،‬وقاعة سمو األمير سلطان بن عبدالعزيز‬ ‫فتبنت المؤسسة فكرة إنشاء الفندق‪ ،‬واستثمرت للمحاضرات‪ ،‬ومسجد‪ ،‬وحديقة‪ ،‬وبستان‪ .‬وتضم‬ ‫في إقامته جزءاً من المال الموقوف عليها‪ .‬وتحقق المكتبة أمهات المصادر والمراجع التي تهم المثقفين‬ ‫لها ذلك في عام ‪1995‬م‪ ،‬وأطلقت على الفندق أسم وط�لاب العلم من أبناء الغاط‪ ،‬وقد فتحت المكتبة‬ ‫"ال��ن��زل"‪ ،‬وهو يستقبل نزالئه من زوار الجوف منذ‬ ‫أبوابها في يونيو ‪2003‬م‪ ،‬وتم افتتاحها رسمياً في‬ ‫ذلك الوقت‪ ،‬ويقدم لهم خدمات فندقية متكاملة‪.‬‬ ‫‪1425/11/17‬ه��ـ (‪2004/12/29‬م) برعاية صاحب‬ ‫وقد روعي في تصميم الفندق البساطة والجمال‪ ،‬السمو الملكي األمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود‪.‬‬ ‫ويحتوي الفندق على صالة للمناسبات‪ٍ ،‬‬ ‫وناد صحي‪ ،‬وقد القى افتتاح المركز ترحيباً واسعاً من قبل أهالي‬ ‫ومطعم خارجي‪ ،‬وصاالت جلوس عديدة‪ ،‬كما يعتمد الغاط‪ ،‬وتفاعل أبناء وبنات الغاط مع مختلف برامج‬ ‫استخدام نظام األبراج الهوائية للتبريد‪.‬‬ ‫المركز وأنشطته الثقافية المتنوعة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪55 1427‬‬


‫ملهاة الكـائـن‬

‫> زيـاد عبدالكرمي السالم‬

‫<‬

‫خُ ْذ الزنبي َل وعلّقه على الشجرة‪.‬‬ ‫حتى إذا مر به أول الطيور اصطفاه لنفسه وأغ��واه بخواتم‬ ‫زئبق يتسل ُل إل��ى نومنا ليحرس ساعته النيروز‪.‬‬ ‫ُك�� ْن حَ ��ذق��اً مثل ٍ‬ ‫اللزجة‪ ،‬حيث الحلم وأشكاله الالهية‪ ،‬إذ يتكون عال ٌم بال‬ ‫تهمّل إذاً‪.‬‬ ‫تأريخ‪.‬‬ ‫تمهل قبل أن تتهمه بدمية شمع ملقاة على الساحل‪.‬‬

‫ُك ْن عري المرآة وأكشف مكيدة األزل‪ ،‬حين يموّه الموت‬ ‫مبتدعاً حمامات منسية في ملهاة الكائن‪.‬‬ ‫ألتمس مهدك المائي أيّها المداهم في خلوة التابوت‪.‬‬ ‫قربك حجر ينزف في العتمة‪.‬‬

‫«««‬

‫مرايا النهر‬ ‫بادهتني الريح ُفوضعت ثيابي على شعر شقيقتي الممتد‬ ‫من قرية قصية تكاد تختفي اآلن‪.‬‬

‫ه��و ال��ذي ن��زع عنك وحشتك وآن��س��ك بالمسير وأوحى‬ ‫رأي���ت م��ن عيني ال��واق��ع��ة على ق��رن ح��ل��زون ذاه���ب في‬ ‫إليك أ ْن انتبذ مكاناً‪ .‬أهله يربّون عبّاد الشمس في حقولهم النعاس‪ ،‬رأيت صبية أشبه بذباب الفاكهة‪ ،‬يلعبون في النهر‬ ‫ويعرون تحت صارية المدينة‪ .‬عرائس أكثر طيشاً من مجون كأنهم يلهون في دمي‪.‬‬ ‫المياه‪ ...‬دليلهم الغواية‪ ،‬يمضون مهرقين الصاعقة برقاً برقاً‬ ‫قلت‪ :‬خلقت من هذا المكان ولن أبرح حتى يُريني الكلب‬ ‫على حجر الروح‪.‬‬ ‫زرقة قدميه!‬

‫«««‬

‫«««‬

‫ليس للنعامة إال أن تحنو عليك كلما ع��وى الذئب من‬ ‫لقطة زجاجيه‪ /‬مرايا البحر‪ .‬المالّحون نائمون على‬ ‫ورائك نفشت ريشها أو باضت في النهر‪ .‬حتى إذا أويت إلى‬ ‫خرائطهم الليلية‪.‬‬ ‫صخرة ترضع الغمام خفّ إليك توتي تترلق الشرانق بين يديه‬ ‫يرعون أعشاب البحر في قمرة أحالمهم‪.‬‬ ‫يُبلل الليل بلعابه ينتحل نفسك األليفة‪.‬‬ ‫يكتشفون فناراً يضيء نايات تنتحب في زوارق الليل‪.‬‬ ‫فيما يُسميك زجاجة المدى ‪.‬‬

‫قلت‪ :‬هذه السفينة مخلّعة األل��واح آن ألهلها أن يتأملوا‬ ‫وعند شجرة األغاني يُلمّع نايه بالحصى مأخوذاً بأطفال‬ ‫القطن وهو يدخل فترة الظل‪.‬‬ ‫يعقدون األعشاب على رؤوسهم ويرقصون‪.‬‬

‫ق���ص���ائ���ـ���د‬ ‫‪56‬‬

‫«««‬

‫طالما أن النوارس ترفو زرقة األماكن!؟‬

‫«««‬

‫ي��ا م��ن تلتقط ب��ق��ف��ازك بيضه ال��ه��ب��اء ث��م ت��ه��وي بها في‬ ‫األق��اص��ي‪.‬ت��م��ه��ل قبل أن ت���ؤذي النسناس النائم ف��ي خالء‬ ‫كنت مطارداً وموشكاً‪ ،‬مثل بالون يحاول التفلت من دائرة‬ ‫مشمس‪ .‬ذاك الذي كلما غنى أخضر ما حوله‪ .‬أال تراه يسرح القطط‪.‬‬ ‫دنانه متوس ًال بعين أخرى دالية تلوذ بها شهوة العنب‪.‬ستراه‪،‬‬ ‫نفرت إلى كوخ بين جذوع النخل‪ ،‬يغزل اللهو ألشخاص‬ ‫وسترى مالكاً يندلق الضحى من ثدييه‪.‬‬ ‫غامضين ذوي معاطف تثير الريبة‪ ،‬وغاليين مضيئة تتدلى‬ ‫إما رأيته رأيت المكان مزيناً بأباريق الظالل‪.‬‬ ‫من شفاههم‪ ،‬إال إنها مشغولة بغزالن فقدت قرونها ثم تاهت‬ ‫لكنه ك��ال��ورد ي���ذوب ف��ي ال��ت��ره��ة مرتشفاً حبر األنثى‪ .‬في البرية‪.‬‬ ‫< شاعر وقاص سعودي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫على مشارف الوجع‪..‬‬ ‫تهويمة‪..‬‬

‫مالي‪،‬‬ ‫جواد‬ ‫ٍ‬ ‫كلّما راهنتُ على‬ ‫كبا‪.‬‬ ‫صديق؛‬ ‫ٍ‬ ‫وكلّما راهنتُ على‬ ‫حاد عن جادة الوفاء‬ ‫وانتحى‪.‬‬ ‫وكلّما جاءني حاقدٌ؛‬ ‫نضوتُ غبار الحقد عن وجهه‬ ‫وسكبتُ في روحه أشجاني‪،‬‬ ‫والمنى‪..‬‬ ‫وكلّما رنوتُ إلى حظّ ي‬ ‫في صقيع الفنجان‪،‬‬ ‫يخرج مارد الذهول‬ ‫من غفوته الطويلة‬ ‫يبحث عن حظي المزعوم‬ ‫في جبال عجلون‬ ‫(‪)1‬‬ ‫في (تالل الصوان) (والمحافير)‬ ‫وكلّما أوغ َل في الفشل؛‬ ‫عاد‪،‬‬ ‫وهو ينسج للفجر‬ ‫من السواد كفناً‪..‬‬ ‫خيولي‪:‬‬ ‫خيولي التي َر َم َح الجنو ُن صهوتها؛‬ ‫ترثيني‪..‬‬ ‫فما عاد الفر ُق جل ّياً‬ ‫بين الصهيل ورجع الصدى …‬

‫عينيك‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫على رموش‬ ‫(‪)1‬‬

‫لم يكن الفرا ُق‬ ‫أغنية‬ ‫ٍ‬ ‫مجرد‬ ‫ردّدناها معاً‪.‬‬ ‫أو دمعتين‬ ‫تساتلتا‬ ‫من مقلتينا …‬ ‫ال؛‬ ‫وال كان الودا ُع شراعاً‪،‬‬ ‫طواه الموج‬ ‫وراء البعيد‪ ..‬البعيد‪:‬‬ ‫الغارق في التيه والضياع‪..‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫لم يكن بالبال رحيلك …‬ ‫ففي القلب خطايا كثيرة‪،‬‬ ‫محراب الروحِ‬ ‫ِ‬ ‫وفي‬ ‫ابتهاالت مؤجلة …‬ ‫غير أني‪:‬‬ ‫عينيك‬ ‫ِ‬ ‫من أجل‬ ‫أنزف شعراً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫من أجل وشم الكبرياء المرسوم‪:‬‬ ‫فوق أهدابك‪..‬‬ ‫وأستحلفك‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫يا محزونة العينين‪،‬‬ ‫بأن ال ترحلي‪،‬‬ ‫قبل أن أنصب‬ ‫عينيك‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫على رموش‬ ‫مشنقتي!!‪..‬‬

‫> عمار اجلنيدي <‬

‫عـبث‪..‬‬

‫مرّي‪:‬‬ ‫على سنابل تمرّدي‬ ‫ودعي‬ ‫غيث السماء‬ ‫يتهاطل سخيّا‬ ‫على حقولي‬ ‫وأسكري‬ ‫صهيل انتصاراتي‬ ‫بلفتة‬ ‫من مهجة الشوق‬ ‫فما زال في العمر متسع‬ ‫لك ّل هذا العبث‪..‬‬

‫جنـون‪..‬‬

‫أنت‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫والغول الذي يالحق الرعاة‬ ‫في غابات األرق‪،‬‬ ‫صرخة في زمن الثرثرة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مجرد‬ ‫تهويمة‬ ‫ٍ‬ ‫مجرد‬ ‫يشدو بها حادي الفصولِ الخمسةِ ‪..‬‬ ‫عنك‬ ‫فاخلعي ِ‬ ‫عباءة الندمِ المجنون‪..‬‬ ‫ثم اهبطي‬ ‫من علّية الوجومِ على عجل؛‬ ‫كيما نتصالح ونتف َق‬ ‫على المزيد من الجنون‪..‬‬

‫< شاعر من األردن‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أشهر األماكن الزراعية في جبال عجلون‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪57 1427‬‬


‫ارت ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ــبـــــاك‬ ‫> ســعدي يوس ــف‬

‫تنهب السـَّـهْ بَ مَ ـنْـ َهــب ًا‬ ‫الناس حتى إذا دجا بيَ الليلُ هَ ـب ّْت ُ‬ ‫ِ‬ ‫نهاري نها ُر‬ ‫جناح فراش ــةٍ‬ ‫ِ‬ ‫ـس هفيف ًا من‬ ‫عواصف ش ـ ّتــى‪ :‬الثلجُ والنا ُر ؛ بينما أ ُِحـ ُّ‬ ‫ُ‬ ‫على هُ ــدُ بي‪ .‬ما أضيقَ ال��ك��ونَ ! إنني أُسَ ��ـ��ـ��رِّحُ طَ ـرْفي في المـيــاهِ فال أرى‬ ‫س��ـ��ـ��وى ص������ورةٍ ُب��ـ��ـ�� ِّن��ـ��ـ�� ّي��ـ��ـ��ةٍ ‪ .‬أه���ـ���يَ ص��ـ��ـ��ورت��ي أَم األص�������لُ ؟ ه���ل ك����ان الصباحُ‬ ‫ّـاك‬ ‫الش ـب ِ‬ ‫ـرت من ُ‬ ‫ـلع الفجرِ عندما نظ ُ‬ ‫��اس؟ في مَ ْـطـ ِ‬ ‫حـقيقةً ؟ وأي��ن نها ُر ال��ن ِ‬ ‫الندي‬ ‫ُّ‬ ‫والعشب‬ ‫ُ‬ ‫األرض‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫الخريف وثِ ــيرةٌ على‬ ‫ِ‬ ‫��رت‪ ،‬بغــتةً ‪ ،‬غ���زاالً‪ .‬وأوراقُ‬ ‫أب��ص ُ‬ ‫����ون‪ ،‬أَنفاســي‪.‬‬ ‫��ت‪ ،‬مُ ��ـ��ص��ـ ِ��غ��ـ��ي�� ًا إل����ى ال����ك ِ‬ ‫���ات‪ .‬و َك��ـ��ـ�� ّت��ـ��مْ ُ‬ ‫َي����ـ����رِ ُّف ف���ي م���راي���ا ره���ي���ف ٍ‬ ‫ـيرات مَ ��ـ��رْسَ ��ـ��ـ��مٌ ‪ .‬وم��ا أف��ص��ح ْ��ت عـنـه‬ ‫الشــجَ ـ ُ‬ ‫التماثيل‪ُّ .‬‬ ‫ِ‬ ‫ال��غ��زالُ ك��أن��ه غ���زالُ‬ ‫كعهدها – تريدُ ح ــيا ًة ؛‬ ‫ِ‬ ‫منطق لــغيرِ العصــافيرِ ‪ .‬الحيــا ُة –‬ ‫ٌ‬ ‫العصافيرُ‬ ‫والج ـر ُْف الذي ليس دانياً‪ ،‬ولو ُحلُـماً؟‬ ‫ُ‬ ‫أينَ ِم ـ ّنــا مياهُ ـها العمــيقةُ ‪،‬‬ ‫يا َلـ ـل ـغ ـ ـ ـ ـ ــزال!‬ ‫لندن ‪2005/11/13‬‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫حلظة ُ‬ ‫شـــرود‬ ‫> د‪ .‬عبد البديع عراق‬ ‫����ط����اَن����ي السـكونُ‬ ‫َذه�������بَ ال���س���م���عُ وغ ّ‬

‫����أس ت��ك��ـ��وي��ن��ي الظنونُ‬ ‫���ت ال����ي َ‬ ‫واف���ت���رش���ـ ُ‬

‫واألوج�������ـ�������ة عَ ���ـ���لّ���ي‬ ‫ُ‬ ‫���������ب األف�������ـ�������وا َه‬ ‫أرق ُ‬

‫����ت عُ ���ـ���ي���ونُ‬ ‫أف����ه����مُ ال���م���ق���ص���ـ���وَد ل����و الح����ـ ْ‬

‫ق���ي���لَ ‪ :‬هَ ���ـ���يّ���ا‪ ،‬ع��ن��د (دك�����ت�����ورٍ ) قري ٍـب‬

‫�����ي أم����ـ����ي����نُ‬ ‫ه����ـ����ـ����و ل���ل���س���ـ���م���ع نَ�����ط�����ـ�����اس�����ـ ٌّ‬

‫َ��ل��ا إن���ن���ي ف���ي وح��ـ��دت��ي هذي‬ ‫���ت‪ :‬ك ّ‬ ‫ق���ل ُ‬

‫���س ل������يَ ال����ـ����ي����ـ����و َم مُ عــينُ‬ ‫س����ع����ي����دٌ ‪ ،‬ل���ي���ـ َ‬

‫ك����ل ي����ـ����ومٍ ن����ش����ر ُة األخ����ـ����ب����ارِ ُتلـقي‬

‫���ل���ال‪ ،‬ك�����ـ�����لُ م������ا ت����ح����ـ����وي ح���ـ���زي���ـ���ـ���نُ‬ ‫ب�������ت ٍ‬

‫وب�������ـ���ل���ادي ف������ي ح����ـ����ري����ق يتـل ّـظى‬

‫����ل ف����ـ����ي أه����ـ����ل����ي ف����ـ����ن����ونُ‬ ‫وب����ه����ـ����ا ل����ل����ق����ت ِ‬

‫����دس ت���ش���ك���و ده���� َره����ا‬ ‫������اب ال����ق����ـ ِ‬ ‫ورح������ـ ُ‬

‫����ج����ـ����ف����ونُ‬ ‫وي���ـ���ن���ـ���ـ���زُّ ال�����دم�����ـ�����عُ ت���غ���ـ���ل���ي���هِ ال ُ‬

‫����ف ُج����ـ����لُ����ود ًا‬ ‫�����ال قَ����بِ ����ل����وا ال����زي����ـ َ‬ ‫ورج�����ـ ٌ‬

‫������ص������دقَ ‪ ،‬وم������ا ف���ي���ه���مُ رزي������نُ‬ ‫ح����ـ����ا َرب����وا ال ِّ‬

‫���ف أو لسانٌ‬ ‫ل����م يَ���عُ ���ـ���دْ ل���ل���ح���قَّ س���ـ���ي ٌ‬

‫ه�����ا ه���ـ���ـ���و ال����ع����ـ����دلُ ش�����ري�����دٌ أو طعيـنُ‬

‫ه�����ـ�����ذه األي�����������ام تُ����س����ـْ����قَ����ى ب���ظ���ـ���ـ�ل�امٍ‬

‫�����م‪ ،‬إن���������ه ده�����ـ�����ـ�����رٌ خَ �����ـ�����ئ�����ـُ�����ونُ‬ ‫�����ظ�����ل�����ـ�����ـ�����ـ ٍ‬ ‫وب ُ‬

‫ه���ـ���ي دن����ي����ا ل��ل�أف����اع����ي وال���خ���ـ���ن���ازي���رِ‬

‫����وت ق���ـ���ري���نُ‬ ‫�����ت‪ ،‬ف���ـ���ـ���ه���ي ل����ل����م����ـ ِ‬ ‫فَ�����بِ �����ئ�����ـْ�����سَ ْ‬

‫ف��اتْ��رك��ون��ي ل ِ��ش��ق��ائ��ي‪ ،‬ال أري���د السمْ ع‬

‫وال�����دن�����ـ�����ي�����ا‪ ،‬ف����ه����ل ه����ـ����ـ����ذا ج����ـ����ـ����ن����ونُ ؟!‬

‫<<<‬ ‫أي���ه���ا ال���ش���اع���رُ ال ت���ك���ف���رْ‪ ،‬ب���ل اشـك ْر‬

‫���ون ع���ل���ى م����ا ك�������انَ ق����ـَ����دَّ ْر‬ ‫خ����ـ����ال����قَ ال���ـ���ك���ـ ِ‬

‫ْض ب����األق����دارِ وال���م���ق���س���ومِ دوم���� ًا‬ ‫و أر َ‬

‫����ظ يُ ���غ���ـ���ن���ي‪ ،‬أو َت��� َع���ـ���ـ���ـ���ثّ��� ْر‬ ‫أق����ب����ـ����لَ ال����ح����ـ ُ‬

‫����د ال����راح����ـ���� َة وال����بُ����ش����رى ج����ـ����زاءٌ‬ ‫ت����ج ِ‬

‫����ان ك���وثَ��� ْر‬ ‫ف���ال���رض���ا ك���ـ���ن���زٌ ‪ ،‬ع���ل���ى اإلن����س����ـ ِ‬

‫����ت وولّ���������ى خـيـرُ ها‬ ‫ن���ع���م���ةُ ض����ـ����اعَ ْ‬

‫����وف ي�� ْب��ـ��ق��ى م����ن ع���ط���ـ���اء ال���ل���ه أكُ ����ثَ���� ْر‬ ‫س����ـ َ‬

‫وام���ت���ح���ـ���انُ ال����ل����هِ ل��ل��خ��ـ��ل ِ��ق ابْ���تِ ���ـ�ل�اءٌ‬

‫ه��ل ستطغي ؟! أم س��ت��ن��س��اه��ا وت��ص��ب�� ْر ؟‬

‫وف���ل���س���ـ���ط���ي���نُ ف������ـ������ـِ������دّ اءٌ وعَ ����ـ����ـ����طَ ����اءٌ‬

‫بَ�������يْ�������ر ٌَق ل���ل���ح���ـ���قِّ يَ���عُ ���ـ���ل���ون���ا فَ���نَ���فْ ���ـ���خَ ���ـ���ـ��� ْر‬

‫<<<‬ ‫����ف���� ْر ل���ي ُش�����رودي‬ ‫���وك ال���ل���ه���مَّ ‪ ،‬واغْ ِ‬ ‫ع���ف َ‬

‫�������ك ال���ح���ـ���م���دُ ‪ ،‬أن������ا ال زل����ـ����ت ُأبْ���ص���ـ���ـِ��� ْر‬ ‫ول َ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪59 1427‬‬


‫إلى توم هانكس باكرا ً‬ ‫> محمد احلميد‬

‫"منذ شاهدت فلم (شيفرة دافنشي) وأنا أصارع الجدار‪ ،‬أينُّ ا يتأخر"‪.‬‬ ‫يتعينُ للعين أن تكشط السقف‪ ،‬تفتح فيه ال��دروب‪ ،‬لتسري األصابع‪،‬‬ ‫تمتص هذا السديم المُ َغبَّش‪ ،‬تطرقه في بياض الجدار‪ ،‬لتفسح في الدم‬ ‫اآلخرون بأسالفهم‪ .‬تستعير الكنائس أصواتها في الخلود‪..‬‬ ‫أول ما يلتقي ِ‬ ‫لتعرى‪.‬‬ ‫الممثل لم يذكر النحل في حرفه‪ ،‬تجرد حتى يكاد الزجاج المهيب‬ ‫على متحف (اللوفر) يدنو ليلمس أدنى النوايا‪ ،‬يعد الطالسم يكشف‬ ‫عن قاتل الجد (سينير)‪.‬‬ ‫(توم هانكس)‪:‬‬ ‫أبوء بعيني‪ ،‬ترف عليك كما البرق‪ ،‬تخطف أحراش تيك الحشائش‪،‬‬ ‫تقرفص فيك الديانات‪ ،‬تُجاوب أصدائها في الوجيب الممل‪ ،‬أال تترك‬ ‫الباب‪ ،‬تصعد فيك تآويلهم في الضحى‪ ،‬وأنت بـ (باريس ) تصرخ‪:‬‬ ‫صاعدون باتجاه (األنثروبولوجيا)‪ ،‬ولتكن فيكمُ بحة الفوت‪ ،‬يا أيها‬ ‫الناسكون بملح التأخر‪ .‬صباح (التشرذم) يا أيها الفلم‪ ،‬تكسو صباح‬ ‫(ال��ري��اض) بهذا الضباب المفخخ‪ ،‬أن��ادم بعدك ه��ذا الجدار الفسيح؟‬ ‫أسائله‪ ،‬من تراه على ضفة الصدق يفنى‪ ،‬ومن يتأخر؟‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫> عبدالرحيم املاسخ‬

‫هدنة‬

‫ق‬ ‫ص‬ ‫ا‬ ‫ئـ‬ ‫د‬

‫لروحك شرنقةٌ‬ ‫ِ‬ ‫مسامُ الحرير‬ ‫وأنا في حنيني أسير‬ ‫بال وتر تتوزَّعُ ه ثقة في الزوايا تدور‬ ‫تمزِّق أقبية الصمت‬ ‫ينصب أجراسه في ندى نشوتي‬ ‫ُ‬ ‫والوقت‬ ‫ُ‬ ‫مهب الغرور‬ ‫في ِّ‬ ‫ُتحيطين فجرا بأغنيةٍ‬ ‫وأنت ِ‬ ‫ِ‬ ‫وتفيضين من وَترِ القمر الُمن ِْص ِت‬ ‫الشجرِ المتلفِّ ِت‬ ‫والتشتت‬ ‫ِ‬ ‫بحرِ اللقا‬ ‫أنت وأنت وأنت‬ ‫ِ‬ ‫انسحبت فرحتي‬ ‫ْ‬ ‫ومن لوعتي‬ ‫احتضنت يقظتي غفوتي‬ ‫ْ‬ ‫فاحتجبت بقوس انتظاري‬ ‫ُ‬ ‫أهادِ نُ ثورة مائي وناري‬ ‫اقترابك يا حلوتي!‬ ‫ِ‬ ‫بوهم‬

‫إيغال‬

‫في وجوهِ الصبايا‬ ‫سقى الوردُ نايًا فنايا‬ ‫فأخر َج للعاشقين ثياب المرايا‬ ‫زالت الطيرُ ترعى خياال وعَ ى‬ ‫وما ِ‬ ‫للرحيل الوصايا‬ ‫والرياحين‬ ‫ِ‬ ‫أنا‬ ‫شوق دفين‬ ‫والصمت‪ٌ :‬‬ ‫ُ‬ ‫يرفرف ع ْب َر الحنايا‬ ‫ُ‬ ‫تتثاءب‬ ‫ُ‬ ‫وأغنية‬ ‫كالغيمة انكسرتْ‬ ‫العجائب‬ ‫ُ‬ ‫واحتوتْ مقلتيها‬ ‫معْ روقً ة بالثنايا‬ ‫أحبك‬ ‫ِ‬ ‫تنفلت الريح بي‬ ‫ُ‬ ‫الكوكب المستريح الخبايا‬ ‫ِ‬ ‫وتحط على‬ ‫ُّ‬ ‫أحبك‬ ‫ِ‬

‫<‬

‫فتنتفض‬ ‫ُ‬ ‫تسمعني الذكريات‬ ‫ض فيه الحياة بآمالها‬ ‫توم ُ‬ ‫الظلُّ ِ‬ ‫وتطلُّ على شجر يستعيد الزوايا‬ ‫ِ‬ ‫وأرحلُ معتصمً ا بانكساري‬ ‫أسوقُ على الماءِ داري‬ ‫إلى مُ نتهَى منتهايا!‬

‫إصرار‬

‫حائط الصمت أغنيتي‬ ‫ِ‬ ‫تستديرُ إلى‬ ‫مسدُ شع َر النسيم‬ ‫والخالء يُ ِّ‬ ‫ألملِ مُ وقتي‬ ‫همسات النجوم‬ ‫ُ‬ ‫وتهرب من حيرتي‬ ‫وأنت تطوفين يا نحلًة باألزاهير‬ ‫ِ‬ ‫موجة‪ .............‬بالخرير‬ ‫يا ً‬ ‫ويا قمرً ا‪ .......‬بالمساء الضرير‬ ‫موعد‬ ‫ٍ‬ ‫وال تحملين الوصايا إلى‬ ‫تتراكب أغصانه‪ :‬شجر ًا في مسام الحرير‬ ‫ُ‬ ‫الصمت أغنيتي‬ ‫ِ‬ ‫تدور إلى حائط‬ ‫يرجع موتي‬ ‫الخالءُ ِّ‬ ‫أنت‬ ‫وأنت كما ِ‬ ‫ِ‬ ‫وعدت الشذى بالخالء النضير‬ ‫ِ‬ ‫منذ‬ ‫الصبا بالغدير‬ ‫ريا َح َّ‬ ‫رياض السنا بالعصافير‬ ‫َ‬ ‫واخترت بيت ًا على ربوة الحلم‬ ‫ِ‬ ‫الليلُ يهمي‬ ‫األلم‬ ‫وتشتعل الذكريات على جمرة ِ‬ ‫المحتمي بالخالء المطير‬ ‫رف الغمامةِ‬ ‫تمسك الريحُ عُ َ‬ ‫ِ‬ ‫ولم‬ ‫والبرقُ تاه عن السريان‪ /‬العالمةِ‬ ‫بين الهُ دى والمسير‬ ‫أنت‬ ‫وأنت كما ِ‬ ‫ِ‬ ‫غبت‬ ‫لم تطلعي منذ ِ‬ ‫خلفك أوردتي‬ ‫ِ‬ ‫وأرسلت‬ ‫ُ‬ ‫موج المصير!!‬ ‫عكس ِ‬ ‫َ‬

‫< شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪61 1427‬‬ ‫· ‬


‫الطريق إلى العدم‬ ‫> سعيد أحباط‬

‫<‬

‫تكسيراً للرتابة والملل‪ ،‬عزمت أنا و صديقي السفر إلى إحدى المناطق‪ .‬حبذ‬ ‫صديقي الفكرة‪ ،‬وبدأ متحمساً‪ ،‬أعددنا أمورنا وانطلقنا‪ ،‬بعد يومين من السفر عبر‬ ‫الحافلة وصلنا للمكان المقرر‪ ..‬استقبلنا الهواء الساخن بتحّ ية حارّة؟‬ ‫في اليوم الثاني‪ ،‬استأجرنا سيارة تاكسي‪ ،‬خرجنا لنستكشف معالم الفضاء‬ ‫الصحراوي‪.‬‬ ‫ابتعدنا عن المنطقة التي كنا نتنزه فيها‪ .‬أثارت رؤية المناظر الرملية نشوة فينا‪.‬‬ ‫كانت منحوتات تقدم للعين دون استئذان‪.‬‬ ‫تبادل معي صديقي كلمات هامسة‪ ،‬مبدياً سعادته الفائقة لالختيار‪.‬‬ ‫سررت لسعادة صديقي‪ ،‬الحظ السائق همساتنا‪ ،‬وكأنه أدرك ما يدور بيننا‪.‬‬ ‫فأقترح علينا أن يأتي صباح الغد يأخذنا في رحلة أبعد‪ ،‬وباألجرة نفسها‪ ،‬مؤكداً‬ ‫رغبته في مساعدتنا‪ ،‬لمزيد في اكتشاف خبايا هذا الفضاء الصحراوي‪..‬‬

‫ق�����ص�����ص‬ ‫‪62‬‬

‫بعد وصولنا ألحد المطاعم‪ ،‬طلبنا من السائق أن يتوقف لنتناول طعام الغذاء‪.‬‬ ‫استحسن السائق الفكرة‪ ،‬وقال إنه سيشاركنا الطعام إذا ما وافقنا على ذلك‪ ،‬أردت‬ ‫أن أدفع ثمن الوجبتين‪ ،‬إال أن السائق اعترض‪ ،‬ودفع ثمن الوجبات الثالث!‪.‬‬ ‫في اليوم الثالث‪ ،‬وف��ور خروجي من باب الفندق‪ ،‬رأي��ت السائق يقف بجانب‬ ‫سيارته‪ ،‬حييته‪ ،‬ر َّد التحية بأحسن منها وصافحنا‪ .‬ركبنا "التاكسي"‪ ،‬أدار المحرك‪،‬‬ ‫و كعادته أخفض "طاقيته" على جانبه‪ .‬استرق بعض النظرات إلينا‪ ،‬مر بنا بإحدى‬ ‫"المداشر" الجميلة‪ .‬لدرجة أن صديقي كان يرد « ياه!‪»..‬‬ ‫كان السائق صامتاً طيلة الوقت‪ ،‬يتطلع إلينا من المرآة‪ ،‬حين نسأله يجيب‬ ‫إجابات دقيقة‪ ،‬لم يكن سائقاً "ثرثارا" كالسائقين اآلخرين‪ .‬بعد مضي فترة قصيرة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫م��ن السفر‪ ،‬همس ل��ي صديقي أن صمت السائق‬ ‫غ��ري��ب‪ ،‬أخ��ب��رت��ه أن م��ن األف��ض��ل لنا أن نصطحب‬ ‫سائقاً صموتاً على أن نصطحب سائقاً كثير الكالم‪.‬‬ ‫أدرك السائق ما يدور بيننا‪ .‬ولكي ينفي تهمة الهدوء‬ ‫المريب التي ألصقناها به‪ .‬شرع يتكلم ولكي يهدئ من‬ ‫حدة انفعالنا‪ ،‬ويلفت انتباهنا إلى المناطق الخارجية‪،‬‬ ‫اقترح علينا الذهاب إلى مناطق أخرى أكثر جماالً‪،‬‬ ‫قال ببساطه إنه يستحسن أن نستغل ضوء النهار‪.‬‬ ‫وضحك‪ ،‬وهو يقول لنا إن الفرصة ال تطرق أبواباً‬ ‫بحياتنا دائماً‪ ،‬ووافقنا السائق على الفكرة‪ ،‬وطلبنا‬ ‫منه أن يسرع ويأخذنا إل��ى األم��اك��ن األخ���رى التي‬ ‫يجدر بنا‪ ،‬أن نراها‪ ،‬أبدى استعداده التام بهمزة من‬ ‫رأسه‪ ،‬وابتسم ابتسامة شاحبة‪.‬‬ ‫انحرف بنا في اتجاه آخر‪ ،‬كانت تظهر في أوقات‬ ‫متباعدة س��ي��ارات ع��ادي��ة قليلة‪ ،‬وس��ي��ارات أخرى‬ ‫عسكرية‪ ،‬شعر بقلقنا‪ ،‬ابتسم وقال إن ثمة معسكرات‬ ‫موجودة في هاته المنطقة‪ ،‬لكنه أكد لنا أنه يعرف‬ ‫المنطقة‪ ،‬مثلما يعرف إصبع يده‪ ،‬كانت المنطقة التي‬ ‫دخلناها قاحلة وشديدة الحرارة‪ ،‬لدرجة تشعر معها‬ ‫أن الصخر والرمل وكل شيء سيشتعل‪ ،‬أشرت إليه‬ ‫أن الطريق مليئة بالخطر وتبعث القلق والرهبة‪ ،‬فهم‬ ‫صديقي ما يدور في داخلي‪ ،‬فقال إنه هو األخر قلق‬ ‫من هذه المنطقة القاحلة‪.‬‬

‫جبلي ضيق غير معبد‪ ،‬ثم ابتسم ابتسامة عريضة‪،‬‬ ‫وقال إن العجلة أصيبت بعطب‪ ،‬دب الذعر فينا‪ ،‬طلب‬ ‫منا بلطف أن ننزل لنساعد على تغيير العجلة قلنا‬ ‫له‪ ،‬إننا ال نستطيع أن نقضي ثانية واحدة في هذا‬ ‫الخالء الصحراوي‪ ،‬قال مبتسماً أننا سنتحّ مل ذلك‪،‬‬ ‫أكد لنا أن تغيير العجلة ال يستغرق أكثر من دقيقتين‬ ‫أطراف أصابع‬ ‫َ‬ ‫ل��م أع���د أط��م��ئ��ن إل���ى ك�لام��ه واب��ت��س��ام��ت��ه‪ ،‬لزمنا نزلنا من السيارة‪ ،‬لسع الرم ُل الحا َر‬ ‫الصمت وس���ارت بنا السيارة بسرعة‪ ،‬أدار مفتاح‬ ‫قدمينا‪ ،‬وانصبت أشعة الشمس الحارة على رأسينا‪.‬‬ ‫المسجل‪ ،‬انبعثت منه موسيقى خافية‪ ،‬طلبت منه‬ ‫ف��ي أث��ن��اء انشغالنا ب��ح��رارة ال��رم��ل‪ ،‬ع�لا صوتُ‬ ‫أن يغلقه‪ .‬الح��ظ م��دى قلقنا الظاهر على وجهينا‬ ‫فأخذ ي��ح��اول تبديده بمجاذبتنا أط���راف الحديث محرك السيارة ه���ادراً في صمت الصحراء‪ ،‬أطلَّ‬ ‫بصوت عال مودعاً‬ ‫ٍ‬ ‫مع االحتفاظ بابتسامته الشاحبة‪ .‬المنطقة تزداد السائق برأسه من النافذة‪ ،‬وصرخ‬ ‫وعورة وقسوة كان لسانه ال يهدأ وعيناه تنظران إلى إيانا متمينا لنا حظاً سعيداً في هذا العراء المخيف‪،‬‬ ‫الطريق وإلينا‪ ،‬والسيارة تنحدر بسرعة في طريق وقهقهاته الحارة تردد في الصدى!‪.....‬‬

‫< قاص من المغرب‪ ،‬صدرت له سنة ‪2003‬م مجموعة قصصية موسومة بـ "صباح سوريالي"‪ ،‬وسيصدر له قريباً مجموعة قصصية‬ ‫ثانية‪" :‬ال أرى وجوهاً"‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪63 1427‬‬


‫الرجل الذي ال ينام أبدا ً‬ ‫> ترجمة محمد املزديوي‪/‬باريس‬

‫إنه من نوع الرجال القادر على فعل كل شيء‪،‬‬ ‫وهو ال أحد‪ .‬هو من النوع الذي قام بكل شيء‪،‬‬ ‫تلقى دراسات وأشغاالً وضربات‪ .‬هو اآلن يدير‬ ‫معمالً‪ ،‬ولكن إدارة المعمل ليست هي الكلمة‬ ‫المناسبة‪ .‬أوساط األعمال تشبه باقي األوساط‬ ‫األخرى‪ .‬دائماً ثمة القانون األولي والبذيء ذاته‪.‬‬ ‫في كل مكان يوجد تعطش نحو اإلدارة ورغبة‬ ‫في اإلفناء‪ ،‬هو يعرف هذا القانون من دون أن‬ ‫يخضع لها‪ .‬إنه يشبه المغناطيس‪ ،‬الذي يجذب‬ ‫َصالِح والوضاعات الضرورية في‬ ‫إليه سُ حالة الم َ‬ ‫كل شُ غل‪ .‬هو يرى ويمرّ‪ .‬ال يُفس ُدهُ أبداً ما يقترب‬ ‫منه‪ .‬الكبرياء هو من يقوده‪ .‬كبرياء ال حدّ له‪،‬‬ ‫ه��و ال��ذي ح��دده بنفسه‪ .‬الكبرياء ال��ذي يجعله‬ ‫ال يتخلى عن أناقة العيش‪ ،‬كبرياء اإلفالت إلى‬ ‫حالته‪.‬‬ ‫يسير ف��ي ال��ع��ال��م مثل اختصاصي ف��ي علم‬ ‫الهندسة‪ .‬يقيس المسافات بغريزته‪ ،‬ويعرف‪،‬‬ ‫دف��ع��ة واح����دة‪ ،‬ال��م��رك��ز واألط�����راف‪ .‬حين يصل‬ ‫إلى مكان ما‪ ،‬يستمع‪ ،‬قبل األوان‪ ،‬إلى الكلمات‬ ‫التي س��وف يُتلفَّظ بها‪ .‬ي��رى ما س��وف يحدث‪،‬‬ ‫ويرى ما ل ْن يحدث‪ .‬يتجول في كل مكان‪ .‬يعاشر‬ ‫النبالء وثقيلي الظل وواسعي النفوذ‪ .‬يُرَحَّ ب به‬ ‫على موائدهم‪ ،‬ويَستَمع إلى أحاديثهم‪ .‬يقترب‬ ‫إلى أقصى درجة من هذه الرّجاالت مثلما نميل‬ ‫في الفراغ ويخاطر أن يسقط فيه‪ .‬يم ّر قريباً‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫جداً من مرحلة موت الروح وقريباً جداً من نهاية‬ ‫طفولة‪ .‬يفلت في آخر دقيقة من القهقهة ومن‬ ‫الوقاحة‪ .‬ثم يعود‪ ،‬في الثانية األخيرة‪ ،‬إلى ما‬ ‫ال يتوقف عن أن يكونه أال وهو ذلك الطفل الال‬ ‫مُحْ تَمل‪ ،‬والفُضولي لمعرفة كل شيء‪.‬‬ ‫الثعلب المهووس بالطريدة‪ .‬يعود أدراجه‪ ،‬في‬ ‫ضحكة ويبتعد‪ .‬األحداث الحقيقية نادرة في حياةٍ‬ ‫ما‪ ،‬كما أن األشياء الحقيقية نادرة هي األخرى‬ ‫في الحياة‪ .‬العالم ضيق وال يحتمل طموحه‪ ،‬إذ ْن‬ ‫فما الذي يتوجب فعله بالزمن المتبقي‪ ،‬بل ماذا‬ ‫يتوجّ ب أن يُفعَل بك ّل الزمن؟‬ ‫يمتلك‪ ،‬اليوم‪ ،‬هذا المصنع‪ ،‬وغ��داً سيمتلك‬ ‫شيئاً آخر‪ .‬يمنح لمن يو ّد أن يرى رؤية ال يمكن‬ ‫استبدالها ع��ن ع��الَ��م األع��م��ال‪ :‬مقاطعة‪ ،‬أرض‬ ‫أرض من دون سماء‪ ،‬ومن دون أمل‪ .‬يصنع‬ ‫واطئة‪ٌ ،‬‬ ‫فيها البالستيك والصلب والكارتون‪ .‬وتخترع فيها‬ ‫النفايات‪ .‬هذه هي الصناعة السائدة‪ ،‬مغامرة‬ ‫الصناعة الكبرى‪ ،‬وهو أال نعرف أب��داً ما نحن‬ ‫بصدد فعله‪ ،‬وأن ه��ذا ال يستحق الوقت الذي‬ ‫يُفعَل فيه‪ ،‬وه��و أيضا إقناع اآلخ��ري��ن بفعل ما‬ ‫هو أكثر‪ ،‬ثماني ساعات في اليوم‪ ،‬ثمانية قرون‬ ‫في الساعة! العالَم الصناعي هو العالم بأسره‪،‬‬ ‫خرافة س��وداء من أجل األطفال‪ ،‬أ َر ٌق سيء في‬ ‫النهار‪ .‬حضور المال‪ ،‬في هذا العالم‪ ،‬ها ّم جداً‪.‬‬


‫إنه (حضور المال) الذي يتوهّ ج دائماً‪.‬‬ ‫يسيطر على حركات األفكار كما على حركات‬ ‫الوجوه‪ .‬من يُصدرون األوامر يخدمونه‪ .‬ينفقون‬ ‫م���ن وق��ت��ه��م م���ن دون ح���س���اب‪ .‬ي��ع��ت��ق��دون أنهم‬ ‫يشتغلون في حين أنهم ال يفعلون سوى التمتّع‪.‬‬ ‫يعتقدون أنهم يحققون اللذة في الوقت الذي ال‬ ‫يفعلون فيه سوى طاعة رؤسائهم‪ .‬إنهم فخورون‬ ‫بهذه العبودية‪ .‬هم يعتقدون أن��ه من دونهم ما‬ ‫ك��ان يمكن توفر ث���روات‪ ،‬ال خبز وال معنى‪ ،‬وال‬ ‫أي شيء من العجائب على هذه األرض‪ .‬بمعنى‬ ‫ما‪ ،‬هم مُحقّون‪ .‬بمعنى ما‪ ،‬هم ضروريون لحالة‬ ‫األشياء‪.‬‬

‫أهمية له‪ .‬هو ينجح ألن األمر ال أهمية له‪ .‬وكان‬ ‫في مقدروه أيضاً أن ينجح في عالم اإلجرام‪ ،‬كما‬ ‫في عالم الصناعة‪ .‬هو الفوز نفسه‪ ،‬في نهاية‬ ‫المطاف‪ ،‬والعقبات نفسها‪ ،‬وقد تُ��جُ ��ووِ زَتْ أمام‬ ‫اآلخرين وأمام نفسه‪ .‬الناس تنظُ ُر إلى ما يُحيط‬ ‫به‪ ،‬تنظر إلى ما يجتازه وإلى ما يُضيءُ مرو َرهُ‪.‬‬ ‫بفضل الكتب‪ ،‬يمكن تعلّم ما هو خالد وما ال‬ ‫يتزحزح‪ .‬ولكن العالَم ال يمكن معرفته إال عبر هذه‬ ‫الطريقة‪ ،‬التي تقتضي اإلقامة فيه مع الهروب‬ ‫منه‪ ،‬إال عبر هذا الذكاء المحسوس والغاطس‬ ‫في ما يلتقطه‪ ،‬مثلما الماء مع الماء‪ .‬عند رؤيته‬ ‫نتعلم كل شيء عنه‪ ،‬ولكننا ال نعرف شيئاً عما‬ ‫نتعلمه‪ ،‬هو متحرك ورشيقٌ‪ ،‬هو موهوب بذكاء‬ ‫كبير ج��داً‪ ،‬أي ذكاء الغريزة‪ .‬هو ال يخاف على‬ ‫نفسه من أي شيء‪ ،‬سوى العزلة؛ عزلة تتجاوز‬ ‫يوماً واحداً تجعله يذوي مثل مصباح دون زيت‪.‬‬ ‫إنه يعيش من ما يتلقاه من العالم‪ ،‬ومن ما يأخذ‬ ‫منه‪ ،‬يتغذى منه جسدياً وذهنياً‪ .‬هي الحاجة‬ ‫الضرورية الوحيدة التي تنظم الباقي‪.‬‬

‫إنهم موجودون هنا‪ ،‬مكلفون باألموال‪ ،‬كما هو‬ ‫الحال في بعض القبائل‪ ،‬مع ه��ؤالء األشخاص‬ ‫المنبوذين والمنذورين لتجارة الموتى‪ .‬منظر‬ ‫حالهم كما ل��و ك��ان منظر ك�� ّن��اس��ي ال��م��ال‪ ،‬مثل‬ ‫عبيد من نوع جديد‪ ،‬عبيد مليونيريون‪ .‬يعطون‬ ‫أوام���ر‪ ،‬وي��ق��ررون ويحسمون األش��ي��اء ويتكلمون‬ ‫كثيراً‪ .‬الكال ُم هو مادتهم األولية‪ .‬يتكلمون كثيراً‬ ‫ولكن كالمهم ليس‪ ،‬بالمرة‪ ،‬كالماً شخصياً‪ .‬إنهم‬ ‫من وجهة نظركم أنتم‪ ،‬الذين تحتاجون إلى‬ ‫يتحدثون تبعاً لما يعملونه‪ ،‬تبعا لفكرة عامة عن العزلة كي تكتبوا‪ ،‬ولكن أيضاً كي ال تكتبوا كما‬ ‫ما يتوجب فعله في الحياة‪ ،‬فكرة تعلموها‪.‬‬ ‫ه��و ش��أن الجميع؛ ف��إن ه��ذه الحاجة لديه هي‬ ‫إن��ه��م ال��رج��ال ال��ج��دّ ّي��ون‪ ،‬ال��رج��ال ال��ذي��ن ال نقطة عمياء‪ ،‬تُتيح له أن يرى العالَم في الضوء‪،‬‬ ‫َميض المال يُعادل قسماتهم‪ .‬حتى ولكنها تحرمه م��ن ك��ل ض��وء آخ��ر‪ .‬ه��و بطبيعة‬ ‫ظ�� ّل لهم‪ .‬و ُ‬ ‫يمكن ال��ق��ول إن��ه��م ال��رج��ل نفسه ف��ي ك��ل مرة‪ ،‬الحال‪ ،‬ينفي وجود شيء آخر في العالَم باستثناء‬ ‫الغياب المُتعالي ذاته‪ ،‬الخراب ذاته لكل مغامرة هذه اللعبة‪ ،‬التي يعشق كثيراً ممارستها إلى درجة‬ ‫شخصية متفردة‪ .‬نجدهم باآلالف في المكاتب الفوز بها‪ .‬إنه يتحدث ويُدهش ويستميلُ‪.‬‬ ‫وفي المطارات وفي المطاعم الباذخة‪.‬‬ ‫ه��و يحب ص��داق��ة ال��رج��ال اآلخَ ��ري��ن‪ ،‬ولكنه‬

‫هو يخترق كل هذا‪ ،‬بسهولة‪ .‬هو ليس من هنا‪ .‬ليس على صلة‪ ،‬في معرفته عن نفسه‪ ،‬سوى مع‬ ‫هو ال مكان له‪ .‬هو ينجح أينما كان‪ ،‬ولكن هذا ال النساء‪ .‬اإلغواء عنده يشبه فناً قديماً جداً ورِ قّة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪65 1427‬‬


‫خشنة‪ .‬اإلغواء كما يفعل‪ ،‬هو القتل من دون جراح‪ .‬يتحدث بكالم‬ ‫فضيّ وبرّاق وحييّ ‪ .‬كالمه الالمع يفرض االستماع‪ ،‬وعقله الطيّار‬ ‫َفرض المشاهدة‪ .‬كلماته على صورته‪ ،‬إنها تنفلت في المفارقة‪،‬‬ ‫ي ُ‬ ‫بشيء‪.‬‬ ‫إن من يصدر األوامر لآلخَ رين يضع نفسه في مكانة الربّ ‪ .‬من‬ ‫يُصدر أوامر ويضحك من أوامره‪ ،‬يضع نفسه في مكانة الشيطان‪.‬‬ ‫إنه شيطان من دون سواد‪ ،‬شيطان طفولي‪ .‬إنه يتصرف تبعاً لفكرة‬ ‫هزيلة‪ .‬يتصرف تبعاً لفكرة هاربة جداً من نفسه‪ ،‬تبعاً لفكرة تفرض‬ ‫عليه أال يتذوق الرّاحة أبداً‪ ،‬اللهم إال في الحركة‪ .‬ينطبق األمر عليه‬ ‫وعلى كل الرجال الذين يحبون القوة المضيئة ل�لإرادة‪ ،‬إذ يمكن‬ ‫أن نعتقد أن��ه ال ينام أب���داً‪ .‬ال ش��يء يخفف م��ن سرعته‪ ،‬وال نوم‬ ‫يثقل كاهله‪ .‬يقول المرء حين يراه‪ ،‬حتى وهو نائم‪ ،‬أنه يظل يقظاً‪،‬‬ ‫بالمرصاد‪ ،‬تحت أوراق نومه الميتة‪.‬‬ ‫في المساءات السيئة يغرق في التفكير العقلي‪ .‬يستسلم للتعب‬ ‫وللصفاقة‪ .‬إنها حصته من السخافة‪ ،‬وه��ي دون ش��كّ ‪ ،‬مستحيلة‬ ‫االجتناب‪ .‬يستعيد ذكاءه عبر الحركة‪ .‬يبني فكره عبر العمل‪ .‬إنه‬ ‫في لجة قوة عمره‪ .‬وهو سيظل على هذه الحال طوال عمره‪ ،‬في قوّة‬ ‫الفراغ‪ .‬ليس هذا ما نطلق عليه تعبير الشخصية‪ ،‬ألنه ال يلعب دوراً‬

‫حلوى النعناع‬

‫وتُدمّر نفسها‪ ،‬ملغومة بضحك صامت‪ .‬يحرص على أن ال يؤمن‬

‫ال عابراً‪ ،‬من‬ ‫معيناً‪ ،‬وال يبقى في مكان ما‪ .‬إنه يجهل من حياته عم ً‬ ‫دون أرشيف وال بقايا‪ .‬إنها حياة في طريق االنقراض‪ ،‬إنّها بصدد‬ ‫اإلمّحاء‪ .‬هو رجل دون وجه‪ .‬هو موديل أسرع من الرسّ ام‪ ،‬أسرع من‬ ‫ريشته على قُماشَ ة الرسم‪.‬‬ ‫< قصة «كريستيان بوببين» ‪ Christian Bobin‬يعد الكاتب الفرنسي بوبان من أهم‬ ‫كتّاب القصة القصيرة في فرنسا اليوم‪ ..‬كاتب يبتعد عن األضواء ويكتفي بممارسة‬ ‫الكتابة واالستمتاع بهواء الريف الفرنسي الرائع‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫> طفول العقبي‬

‫<‬


‫تحمل بسطتها المعتقة برائحة‬ ‫ح���ل���وى ال���ن���ع���ن���اع‪ ..‬ال����ل����وز‪ ..‬السدر‬ ‫وال��ب��خ��ور‪ ،‬قبل أن ت��ش��رق الشمس‪،‬‬ ‫وتمضي من بيتها في (الغبيرة‪،)..‬‬ ‫وقد بدأت البيوت الرثة ذات الجدران‬ ‫المتالصقة و األبواب الضيقة تخرج‬ ‫أرواحاً كانت منحنية تحتها؛ لتبحث‬ ‫عن سبل عيش غير مأمونة بكفاح‬ ‫جديد‪ .‬تركب مع ابنها في السيارة‬ ‫(الوانيت)‪ ،‬ترقب وجهه الغض طوال‬ ‫ال��ط��ري��ق ال��ط��وي��ل م��ن خلف برقعها‬ ‫األس�����ود‪ ..‬تسمي عليه ف��ي نفسها‬ ‫وهي تنظر إلى تلك القطرات التي‬ ‫تناثرت على خضرة شاربه‪ ،‬فتترقرق‬ ‫في مخيلتها قطرات حليبها على فمه‬ ‫الصغير قبل فطامه من حوالي اثنا‬ ‫عشر عاماً‪.‬‬ ‫في قلب شمال الرياض النابض‪..‬‬ ‫في (العليا)‪ ،‬تقف عند باب المدرسة‬ ‫المترامية األطراف ببنائها الحديث؛‬ ‫ال��ذي يتناسب مع ما تحتاجه بنات‬ ‫األس��ر المترفة ال��ي��وم‪ .‬تنتظر حتى‬ ‫يحضر ال��ب��واب وينطلق اب��ن��ه��ا إلى‬ ‫(ع��ت�� ّي��ق��ة) ليساعد أم��ه ف��ي مشوار‬ ‫الكفاح‪.‬‬

‫حلوى غزل البنات‪ ،‬وهي تهلل تارة‪..‬‬ ‫وتترنم أخرى بتلك األهازيج البدوية‬ ‫الحزينة‪.‬‬ ‫م��ا أن تصبح الساعة التاسعة‪،‬‬ ‫وي��ن��ط��ل��ق ال���ج���رس ب��ب��ه��ج��ة معلنا"‬ ‫الفسحة‪ ،‬حتى تنطلق الصغيرات إلى‬ ‫الخالة أم ريان‪ .‬كانت بسطة الخالة‬ ‫أم ريان كصندوق العجائب بالنسبة‬ ‫لهؤالء الفتيات الصغار‪ ،‬رغم اختالف‬ ‫بيئاتهن فمنهن من توصيها أمها بأن‬ ‫ال تشتري من تلك الخالة‪ ،‬ومنهن من‬ ‫ال ت��ع��رف أم��ه��ا أص�ل�اً ع��ن صندوق‬ ‫العجائب‪ ،‬و ال تكترث مربيتها إلى‬ ‫قصصها البريئة عنه‪.‬‬ ‫ل��م تكن ال��خ��ال��ة أم ري���ان تجذب‬ ‫الصغيرات فقط بحلّواها و حنانها‪،‬‬ ‫ولكن حتى المدّرسات و المراقبات‬ ‫كنَّ يتسللن إليها ليأخذن نصيبهن من‬ ‫الفصفص‪ ..‬الديرم‪ ،‬وبعض الوصفات‬ ‫النسائية العتيقة‪ ،‬و ال��دع��وات التي‬ ‫تبعث األمل في مهاراتهن المدرسية‬ ‫الطويلة‪ .‬بابتسامتها الحييّة‪ ،‬تمتد‬ ‫يد الخالة أم ريان المعطرة برائحة‬ ‫ال��ح��ن��اء و نقشها ال��س��ري��ال��ي؛ لتلون‬ ‫فضاءات الفتيات و الصبايا بألوان‬ ‫شفقية شفيفة‪.‬‬

‫تدخل هي‪ ..‬تضع بصمة إصبعها‬ ‫على دفتر الحضور ثم تأخذ جانباً‬ ‫رن ج��رس الفسحة‪ ،‬و انطلقت‬ ‫م���ن م��ق��ص��ف ال����م����درس����ة‪ ..‬تفرش ال��ص��غ��ي��رات‪ ،‬ول��ك��ن م��ك��ان الخالة‬ ‫م��ف��رش��ه��ا األخ����ض����ر ذي ال���زه���ور أم ري��ان ك��ان ف��ارغ��ا"‪ .‬أي��ن مفرشها‬ ‫البيضاء المنثورة في أنحائه‪ ،‬وتبدأ األخ��ض��ر ال���ذي ت��ط��ل م��ن بينه تلك‬ ‫بترتيب بضاعتها البسيطة‪ ..‬العلك‪ ..‬الزهور البيضاء؟ أين كفها األرجواني‬ ‫حلوى المصاص و النعناع‪ ..‬اللوز‪ ..‬الذي يمتد إلى الصغيرات؟ أين رائحة‬

‫حلوى النعناع؟ أين صوت تهليلها و‬ ‫دعواتها؟ أين ابتسامة عينيها؟!‬ ‫كان مكان الخالة أم ريان صامتاً‪..‬‬ ‫الطاولة الخشبية المهترئة‪ ..‬الكرسي‬ ‫الجلدي األس���ود‪ ،‬و ذل��ك الصندوق‬ ‫المعدني الصغير‪ ،‬الذي كانت تجمع‬ ‫فيه رياالتها‪ .‬األشياء مكانها ولكنها‬ ‫ال ت��ش��ب��ه ت��ل��ك األش���ي���اء القديمة‪..‬‬ ‫الركن هو نفسه‪ ،‬ولكنه ال يشبه ذلك‬ ‫الركن‪ ..‬أين هو صندوق العجائب و‬ ‫األح�لام‪ ،‬الذي كان يصدر موسيقى‬ ‫وتغريداً في ساحة المدرسة؟! لم يعد‬ ‫جرس الفسحة ينطلق بالبهجة ذاتها‬ ‫للصغيرات‪ ..‬وبالحماسة نفسها‪..‬‬ ‫ليركضن جميعاً إلى الخالة أم ريان‪.‬‬ ‫بعد أسبوع‪ ،‬تأتي الخالة أم ريان‬ ‫إل���ى ال��م��درس��ة ال��ت��ي اس��ت��غ��ن��ت عن‬ ‫خ��دم��ات��ه��ا ب��خ��دم��ات أك��ث��ر ت��ق��دم��اً و‬ ‫حداثة لتأخذ معاشها األخير هنا‪.‬‬ ‫تلتفت الصغيرة لترى الخالة أم ريان‬ ‫تقف في ردهة المدرسة‪ ،‬بابتسامتها‬ ‫العذبة‪ ..‬بعينيها العسليتين السمحة‪..‬‬ ‫تهرع إليها الصغيرة فتدخل الخالة أم‬ ‫ريان يدها في جيبها لتناولها حلوى‬ ‫النعناع‪.‬‬ ‫ال���ي���وم س��ت��ك��م��ل ت��ل��ك الصغيرة‬ ‫العشرين و تستعد ألن تنتقل إلى‬ ‫ح���ي���اة ج���دي���دة م���ع زوج����ه����ا‪ ..‬تفتح‬ ‫ص��ن��دوق ال���ذك���ري���ات‪ ..‬ت��ط��ل حلوى‬ ‫النعناع التي احتفظت بها كذكرى‬ ‫للخالة أم ري��ان‪ ،‬فتلمع في ذاكرتها‬ ‫تلك العيون المبتعدة‪.‬‬

‫< قاصة سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪67 1427‬‬


‫قــداســة‬ ‫> مفلح العدوان‬ ‫أحبَّ حجراً‪ ،‬فنقله معه!!‬

‫<‬

‫م����رة‪ ،‬رآه����م متحلقين ح���ول ص���خ���رة‪ ،‬يريدون‬

‫كان يدري أن ال حول له وال حضور‪ ،‬ويعلم أنه ال زحزحتها …‪.‬‬ ‫يضر وال ينفع‪ ،‬ولكن بال إرادة منه صار يحمله بين‬

‫تأمّل العرق وهو ين ّز من جباههم‪ ،‬واللهاث‪ ،‬وهو‬

‫يديه أنّى سار‪ ،‬وحيثما اتجه‪ ،‬حتى ما عاد أحد يراه يحرق شفاههم!!‬ ‫إ ّال وهو يتلمّس الحجر ويداعبه‪ ،‬كأنه رفيق حميم!!‬ ‫في البدء استهزأوا به …‪..‬‬

‫ضحك كثيراً‪ ،‬فالتفتوا إليه …‪..‬‬ ‫َضوا م��ن ح��ول الصخرة …‪..‬‬ ‫أش��ار لهم ب��أن يَنف ّ‬

‫قالوا‪( :‬أي مهووس هذا الذي يترك البشر ويعشق واقترب منها!!‬ ‫الحجر؟!)‬

‫وضع حجره على الصخرة‪ ،‬فابتسموا …‪..‬‬

‫وكانوا يضحكون من طريقته في تحسّ س نتوءات‬ ‫حجره الذي كان يطنب في وصفه‪ .‬كلما سألوه عن‬ ‫سر قداسة الحجر؛ يسرح بعيداً ويجيب‪( :‬مهيب‪،‬‬ ‫جميل‪ ،‬وه��و م��رج��ع البشر وال��ش��ج��ر؛ ح��ج��ر‪ ،‬جدّه‬

‫أخذ يطرق الصخرة بالحجر …‪ ..‬فاندهشوا!!‬ ‫قال‪( :‬تأملوا فعل الحجر)‪.‬‬ ‫وأكمل الطرق‪ ،‬فاخذت المساحات التي تالمسها‬

‫التراب‪ ،‬وأبوه الطين‪ ،‬وأول جذره غبار وماء …… روح الحجر بالتفتّت حجارة صغيرة‪ ،‬تَ��وائ��م تشبه كتلة‬ ‫من غائب علم النبض‪ ،‬حجري!!)‪ .‬ويكثر في الوصف‪ ،‬الحجر التي بين يديه!!‬ ‫كأنه مالك أسراره وحافظ ناموسه!!‬ ‫يبتعدون ع��ن��ه‪ ،‬ويبقى ه��ائ��م��اً ف��ي ذك��ر محاسن‬ ‫حجره!!‬

‫‪68‬‬

‫«««‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫تساءلوا‪( :‬أيّة معجزة تسكن الحجر؟!)‪.‬‬ ‫إس��ت��ع��ادوا ص���ورة ال��ص��خ��رة حين ك��ان��ت باشقة‪،‬‬ ‫سامقة‪ ،‬وطاغية ككهل يحلم بأبد الخلود…‪ ..‬وأخذوا‬ ‫يتذّكرون الحجر أي��ام كان بين يديه وادع��اً‪ ،‬ساكناً‪،‬‬


‫كعصفور يشكو من طول السكون!!‬ ‫همسوا بال إرادة‪( :‬سبحان رب الحجر!!)‬ ‫تهافتوا إليه ش��اك��ري��ن‪ ،‬فوضع الحجر أمامهم‪،‬‬

‫ص َف َق الصخرةَ بالحجر‪ ،‬فصفقت عيونهم وقلوبهم‬ ‫َ‬ ‫الصخرة معه!!‬ ‫تأمّلوا األثر‪ ،‬فرأوا ش ّقاً على ما تبقى من مساحة‬

‫وأشار إليه منبّهاً‪( :‬ال تكلّموني … واستنطقوا الذي الصخرة‪.‬‬ ‫كنتم عنه غافلون!!)‬

‫نظر إليهم‪ ،‬وزجرهم قائالً‪( :‬لم تُرضوا الحجر‬

‫تلمّسوا الحجر‪ ،‬وهم يتقربون منه بدفء اندهاشهم!! بكامل قلوبكم‪ ،‬ولم تؤمنوا به بكل حضوركم‪ ،‬فامتنعت‬ ‫الصخرة أمامه‪ ،‬وأبت!)‬ ‫ت��أمّ��ل ط��واف��ه��م ح��ول الكتلة ال��ص��م��اء؛ فابتسم‪،‬‬ ‫تدافعوا بلهفة‪ ،‬وأخذوا يُقبّلون الحجر‪ ،‬ويتلمّسونه‪،‬‬ ‫وتداعت في ذاكرته مالمح وجوههم الساخرة منه في‬ ‫أول طواف له بالحجر بينهم …‪ .‬همس لروحه‪« :‬الله‪ ،‬ويُصفّقون له‪ ،‬ويصرخون ممجّ دين بقاءه‪ ،‬فزاد حجم‬ ‫كيف تدور االبتسامات على الشفاه كما األيام؟!!»‪.‬‬ ‫تلمّسوا الحجر باستالب‪ ،‬فأخذ يكبر ويتضخّ م‬

‫رأسه‪ ،‬وأطرافه‪ ،‬واتضحت أمامهم على فمه كشرة ال‬

‫تسر الناظرين!!‬

‫م��ن كثرة مدحهم ل��ه‪ ،‬ولمسهم لسطحه‪ ،‬وتقبيلهم‬

‫أخذتهم الرهبة‪ ،‬فخرّوا للحجر ساجدين …‪.‬‬

‫الستدارته …‪ ..‬ص��ارت النتوءات تنمو على جسده‪،‬‬

‫خافوا‪ ،‬فانكمشوا متكتلين على بعضهم‪ ،‬متقاربين‬

‫أيد‪ ،‬وأرجل‪ ،‬ورؤوساً‪ ،‬بدل أن يصير أملساً‬ ‫وتتشكّل ٍ‬ ‫مصقوالً كجدران البيوت!!‬ ‫بُ��ه��ت��وا م��م��ا رأوا‪ ،‬ف��ص��اروا ي��ص��رخ��ون م��ن هَ ول‬ ‫المعجزة‪( :‬حجر ويكبر!!)‬ ‫اقترب من حجره‪ ،‬وحمله مثل طفل بين يديه …‬ ‫حدّقوا به …‪.‬‬ ‫ق��ال وه��و يشير إل��ى ال��ص��خ��رة‪( :‬م��ن أراد منكم‬ ‫حجراً فليتبعني؟!)‪.‬‬ ‫تبعوه‪ ،‬قطيعاً من الحجّ ارين …‪.‬‬ ‫رف��ع حجره عالياً‪ ،‬فارتفعت أعينهم معه كأنهم‬ ‫ينتظرون برق البشارة من بين أصابعه!!‬

‫ومتراصين خشية سطوة حضوره!!‬ ‫ص���اروا ي��دع��ون للحجر ب��ط��ول العمر وبالبقاء‪،‬‬ ‫فاكتمل ال��رأس واألط��راف‪ ،‬وباقي الجسد‪ ،‬واستوى‬ ‫أمامهم عمالقاً أعظم من كل أحالم نومهم …‪.‬‬ ‫ازدادوا خ��وف��اً ل��مّ��ا رأوه‪ ،‬وت�لاش��ى نبضهم وهم‬ ‫متراصين كالصخرة أمامه …‬ ‫تركهم جامدين‪ ،‬والتفت إلى الصخرة التي فتتّها‪...‬‬ ‫تأملها وم ّد لها يداً‪ ،‬فصارت تنبض‪ ..‬لمسَ هَا‪ ،‬فتشكّلت‬ ‫أجساداً برؤوس وأطراف …‬ ‫ابتسم لها؛ فنهضت وتبعته بإجالل‪ ،‬أمام جحوظ‬ ‫أعين األجساد المتحجرة خوفاً!!‬

‫< قاص من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪69 1427‬‬


‫هوس بنكهة القهوة‬ ‫ُ‬ ‫> زياد العطية‬

‫<‬

‫كان الطقس رائعاً في ذلك العصر‪ ،‬أظنه عصر‬

‫ك��ان��ت الجملة طبيعية ف��ي سياقها إال الكلمة‬

‫منزو من شارع ال يعرف اسمه إال البلدية وصاحب‬ ‫ٍ‬

‫" سيدك‪َ ،‬م ْن سيدك؟ أنا لست بسيدك‪ ،‬إنني وبكل‬

‫اشتريت الصحف الثالث التي اقرأها يومياً‪ ،‬بعد‬

‫ه��ذا ال��رد ال��ذي كنت أود أن أق��ول��ه ل��ه‪ ،‬ل��وال أن‬

‫ركن األخيرة منها‪ ،‬استفزتني على نحو لم أتوقعه‪.‬‬ ‫يوم األربعاء‪ ،‬عرّجت على بقالة صغيرة تقبع في ٍ‬

‫تلك البقالة‪ ،‬وإن لم تخنِ ذاكرتي السيئة والتي تشبه فخر موظف محدود الدخل‪ ،‬ولم أكمل بعد أقساط‬ ‫قربة مثقوبة‪ ،‬إن اسمه كان "شارع األزهار الملونة"‪ .‬سيارتي الكورية حتى أ ُصبح سيدك!!"‪.‬‬ ‫أن أجبرني البائع على االستماع منه لفاصل إعالني مجموعة من الزبائن دخلوا دفعة واحدة‪ ،‬فانصرف‬ ‫عن علب الفول الجديدة‪ ،‬خرجت منزعجاً من ثرثرته‪ ،‬من أمامي بسرعة‪ ،‬ولم يعطني الفرصة ألحتج على‬

‫وتوجهت إلى مقهاي المعتاد حيث أتناول هناك قهوتي ك�لام��ه‪ ،‬قلت لنفسي بحزم عليَّ أن انقل ل��ه وجهة‬ ‫الكولومبية اللذيذة‪ ،‬فقد كنت معتاداً قراءة الصحف نظري هذه في كالمه غير الدقيق عني‪ ،‬وعليه أن‬

‫في المقهى‪ ،‬لئال انشغل عن قراءتي المؤجلة دوماً يختار المفردات التي تناسب شخصي‪.‬‬ ‫بالمنزل‪ ،‬وألكون أكثر صراحة في هذه النقطة‪ ،‬كان‬ ‫شدني البخار المنبعث من كوب القهوة‪ ،‬عندها‬ ‫هناك سبب أخر‪ ،‬وهو صراخ أوالدي األربعة‪ ،‬الذين‬ ‫ب��دأت أم��ارس طقوسي الخاصة في ش��رب القهوة‪،‬‬ ‫يجوبون شقتنا الصغيرة جيئة وذهابا كأنهم موظفون‬ ‫تلك الطقوس التي لم ألحظها أبداً‪ ،‬ولم انتبه لنفسي‬ ‫في دائرة حكومية تنعم ببطالة مقنعة‪.‬‬ ‫وأنا أمارسها‪ ،‬لوال تعليق ساخر من صديق لي دعوته‬ ‫كان نادل المقهى يقيم لي وزناً ال بأس به‪ ،‬ويبش للمقهى منذ زم��ن‪ ،‬ون��دم��ت على دع��وت��ي تلك‪ ،‬ألنه‬

‫بوجهي حين يلمحني ق��ادم��اً م��ن بعيد‪ ،‬وف��ي ذلك لم تعجبه القهوة وال المقهى‪ ،‬ونعتني أنا ومرتاديه‬ ‫العصر‪ ،‬قام بما جرت عليه العادة من مراسم‪ ،‬ورسم بـ"المتفرنجين"‪ ،‬ال أعلم بالضبط لماذا؟‬

‫على شفتيه ابتسامته المعهودة عند دخ��ول��ي إلى‬ ‫المقهى‪ ،‬وذهب من فوره يمسح طاولتي النظيفة التي‬ ‫تقبع في أخر الصالة!‪.‬‬

‫قد يكون السبب أنني قلت له إنها ألذ من قهوتنا‬

‫العربية! وعلى الرغم من ثقوب ذاكرتي الكثيرة‪ ،‬إال‬ ‫أنني أتذكر بدقة‪ ،‬ردود فعله‪ ،‬تغيّرت مالمحه كلياً‪،‬‬

‫وبعد أن وض��ع ك��وب القهوة على طاولتي‪ ،‬قال حتى أنفه أصبح مثل مسدس الماء ال��ذي يلهو به‬

‫لي‪":‬كيف حالك اليوم‪ ،‬يا سيدي"؟‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫األط���ف���ال‪ ،‬وف��م��ه اس��ت��ح��ال ل��ف��م ت��ن��ي��ن ي��ت��ط��اي��ر منه‬


‫اللهب‪ ،‬وشَ ��� َرعَ‪ ،‬سامحه الله‪ ،‬في اتهاماته‬

‫النادل عندما راءه قادماً‪ ،‬هب من مكانه لفتح‬

‫نصبح كالخواجات‪ ،‬أنت‪ ..‬أنتم‪ ."..‬وأزبد‪،‬‬

‫التَفّتُ للحظات ألشاهد عملية الدخول الكبرى‬

‫ل���ي‪ ":‬أن��ت ال تحترم تقاليدنا‪ ،‬وت��ري��د أن‬ ‫وأرع���د ه��ك��ذا‪ ،‬ث��م خ��رج غ��اض��ب��اً‪ .‬وتركني‬

‫وح��ي��داً‪ ،‬أمسح رذاذ لعابه ال��ذي ت��وزع بين‬ ‫وجهي والطاولة‪.‬‬

‫رفعت الكوب بكلتا يدي‪ ،‬وأخذت أتلذذ‬

‫بارتشاف القهوة‪ ،‬وأبقيته بين يدي للحظات‪،‬‬ ‫والبخار يتصاعد منه على نحو متتابع‪ ،‬ثم‬

‫وضعته على ال��ط��اول��ة‪ ،‬وتأملته لثوان‬ ‫م��ع��دودات‪ ،‬سحبت الصحيفة‬ ‫األول������ى وشرعت‬

‫ب���ال���ق���راءة‪ ،‬كنت‬ ‫م���ص���اب���اً بعادة‬

‫سيئة في قراءة‬ ‫ا لصحف ‪،‬‬

‫الجزء الثاني من الباب‪ ،‬ليسهل عملية دخوله!‬

‫تلك‪ ،‬وبعد نجاح العملية دون خسائر تذكر‪،‬‬ ‫عدت لصحيفتي مرة أخرى‪.‬‬

‫اتجه الرجل البدين نحو جهتي‪ ،‬ولم يكن في‬

‫الجهة التي أجلس فيها غيري أنا‪ ،‬و جلس على‬

‫الطاولة الكائنة أمامي‪ ،‬ال أعرف لماذا اختار‬

‫تلك الطاولة ب��ال��ذات‪ ،‬على الرغم من وجود‬

‫أماكن شاغرة في الناحية األخرى من‬

‫المقهى‪ .‬حدقت في وجهه‪ ،‬كان‬

‫كما قلت آنفا بديناً‪ ،‬ويلبس‬

‫ن��ظ��ارة ذات إط��ار سميك‪،‬‬ ‫وعدساتها محدبة على‬ ‫نحو لم أره في‬

‫ح�����ي�����ات�����ي‪.‬‬

‫وه�������������������ي‬

‫ول����م����ح����ت‬

‫أن����ي أقرأ‬

‫ك������ل ش����يء‬

‫با لصحيفة ‪،‬‬

‫ح��ت��ى زاوي������ة أخبار‬

‫الناس‪.‬‬

‫أن الشيب‬

‫غ�����زا شعر‬

‫رأس��ه‪ ،‬وأجزا ًء‬

‫م�������ن ل����ح����ي����ت����ه غير‬

‫ال��م��ح��ل��وق��ة أي���ض���اً‪ ،‬ي��ب��دو أن���ه في‬

‫شربت الكوب األول باسترخاء كامل‪ ،‬وبمجرد أن الخمسينات من عمره‪ ،‬وقد أعطته البدانة نوعاً ما‬ ‫رفعت رأسي‪ ،‬رأيت النادل قادماً نحوي وبيده إبريق من الهيبة‪ ،‬أبعدت عيني عنه بسرعة‪ ،‬عندما تالقت‬ ‫القهوة ليمأل كوبي‪ ،‬وهكذا مر الوقت‪ ،‬كوب بعد كوب‪ ،‬عيوننا وجهاً لوجه‪ ،‬كانت نظراته حادة‪ ،‬وبدت عيناه‬ ‫وصفحة بعد صفحة‪ ،‬وبينما كنت استمتع باستراحة كأنهما مضغوطتان على وجه عدسة مكبر‪ .‬شعرت‬ ‫محارب قصيرة‪ ،‬إذ كنت قد فرغت للتو من قراءة بتوجس ينذر بكارثة على وشك أن تقع‪.‬‬ ‫صحيفتين على التوالي‪ ،‬وقبل أن اشرع بالثالثة‪ ،‬دخل‬

‫و أنا في غمرة انشغالي في القراءة‪ ،‬سمعت نحنحة‬

‫رجل بدين جداً‪ ،‬ربما كلمة بدين جداً‪ ،‬ال تفي بالغرض قادمة من جهة طاولته‪ ،‬تلتها أصوات غريبة‪ .‬عندها‬

‫هنا‪ ،‬لكني ال أملك غيرها اآلن‪ ،‬كان بديناً لدرجة أن داهمني ذاك الهاجس مرة أخرى‪ ،‬وإن كان ممزوجاً‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪71 1427‬‬


‫بخوف حقيقي هذه المرة‪ ،‬حاولت أن أسيطر على وأمشي كطاووس‪ ،‬لكن سرعان ما تأكد لي حمق تلك‬ ‫مشاعري وأن اطمئن نفسي‪ ،‬لكنني لم أفلح‪.‬‬ ‫قلت لنفسي‪" :‬إن���ه ال يعنيك‪ ،‬فقط ان��ظ��ر إليه‬

‫النصيحة‪ ،‬فليأت ذلك المعالج هنا‪ ،‬ويأخذ مكاني‪.‬‬

‫ل��م يكن ل��ي ب��د م��ن التظاهر ب��ال��ق��راءة‪ ،‬ركزت‬

‫وأنت تعرف"‪ .‬أص��درت ق��راري باستجماع ما تبقى عيني على الصفحة التي في يدي‪ ،‬كانت الصفحة‬ ‫ل��ديّ من شجاعة‪ ،‬وأن انظر إليه خلسة‪ .‬بسملت‪ ،‬الثانية والعشرين على ما أظن‪ ،‬وما أذكره جداً‪ ،‬هي‬ ‫وأخذت أخفض صفحتي الجريدة المفتوحتين على الزاوية التي حاولت قراءتها‪ ،‬كان عنوانها " إعالنات‬ ‫مصراعيهما‪ ،‬وأنفاسي تتابع كأني في سباق للمائة فردية"‪ .‬وحين ما ب��دأت أق��رأ جملة كان مطلعها‪":‬‬ ‫متر‪ ،‬بدا رأسه يظهر لي رويداً‪ ،‬رويداً حتى وصلت يعلن السيد‪ /‬همام بن كريم المستريح بأن مكفولته‬

‫إلى مستوى عينيه‪ ،‬وإذا به يحدّ ق بي أنا بنظرات السيدة تاتي توفيق الله‪ ،‬اإلندونيسية الجنسية‪ ،‬قد‬ ‫بلهاء‪ ،‬كان موجهاً عينيه لي‪ ،‬تجاهي أنا‪ ،‬ألنه لم يكن ف��رت م��ن منزله‪ ،‬ويُ���رج���ى‪ ."...‬هنا ض��اع ك��ل شيء‬ ‫هناك من يجلس خلفي‪.‬‬ ‫ك��ان��ت ن��ظ��رات��ه م��ري��ب��ة‪ ،‬وي��ت��ف��رس ف��ي عناوين‬ ‫الصحيفة‪ ،‬عندها‪ ،‬لم أستطع أن أضبط أعصابي‪،‬‬ ‫فدقات قلبي تتدافع الواحدة تلو األخرى‪ .‬يا ربي‪،‬‬ ‫ح��ت��ى ي���داي ت��ج��م��دت بمكانهما‪ ،‬ول���م أق���در على‬ ‫تحريكهما ال ذات اليمين وال ذات الشمال‪ ،‬ومما‬ ‫زاد حالي سوءاً‪ ،‬هو تكرار األصوات السابقة وعلى‬ ‫نحو متقطع ومخيف في الوقت نفسه‪ .‬عرفت‪ ،‬أن‬ ‫ال��رج��ل هنا م��ن أجلي ال غير‪ ،‬إن��ه مرسل ل��ي أنا‬ ‫خصيصاً‪.‬‬

‫الكلمة والسطر‪ ،‬والصفحة وكلما حاولت أن أ ُه َّم‬

‫بالمواصلة‪ ،‬تفلت مني الكلمات‪ ،‬وتختلط األسطر‬ ‫مرعب‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫كصفير‬ ‫ٍ‬ ‫بعضها مع بعض‪ ،‬يأتي إليَّ صوتُه‬

‫وأحياناً نحنحة مجلجلة‪ ،‬فيزداد خوفي‪ ،‬بل هلعي‪،‬‬

‫لكني كلما عزمت على تجاهل األمر‪ ،‬تزداد حدة تلك‬

‫األصوات‪.‬‬

‫انتابتني حالة رهاب شاملة‪ ،‬وبدأ العرق بتصبب‪،‬‬

‫ويتجمع على ح��دود شعر رأس��ي وعلى ق��ف��اي‪ ،‬لم‬

‫أعد أطيق المكوث تحت وطأة هذا العذاب النفسي‬

‫الرهيب‪ ،‬ندت مني ضحكة غبية‪ ،‬قد يكون سببها هو‬ ‫خلق حالة من التوازن النفسي في ظل هذا المأزق‪،‬‬

‫يا ويحي‪ ،‬شعرت أن الكرة األرض��ي��ة كلها فوق شعرت بأزيز شيطاني بقرب أذني‪ ،‬يقول لي‪ ":‬أهرب‬ ‫رأسي‪ ،‬أه يا رأسي هل مازلت مكانك؟‬ ‫اآلن‪ ،‬ال تخف "‪.‬‬ ‫أصواته كانت تصلني بانتظام كأنها مضبوطة‬

‫استحوذ هذا األم��ر على كل اهتمامي‪ ،‬كان كل‬

‫على وق��ع س��اع��ة منبه ج��دي��دة‪ ،‬ف��ي تلك اللحظة‪ ،‬ما أحتاجه في تلك اللحظة هو أن استنهض بقايا‬ ‫تذكرت نصيحة غبية قرأتها لمعالج نفسي معتوه‪ ،‬شجاعتي‪ ،‬وأن أنسل بهدوء‪ ،‬وبالتالي سأجعله يحرج‬

‫ح���ول كيفية ال��س��ي��ط��رة ع��ل��ى ال��ش��ع��ور ف��ي حاالت من تعقبي مباشرة‪ ،‬طويت الصحيفة بخفة‪ ،‬وأنا‬ ‫ال��ط��وارئ المفزعة‪ ":‬تحكم بفعلك‪ ،‬تظاهر بالقوة مطرق الرأس‪ ،‬لملمت الصحيفتين الباقيتين‪ ،‬وأخذت‬

‫حتى تتحكم ب��ش��ع��ورك"؛ ل���ذا‪ ،‬ح��اول��ت أن أتصنع أرفع رأسي على نحو تدريجي‪ ،‬في تلك اللحظات‪،‬‬ ‫تعابير فروسية زائفة‪ ،‬وأن أنهض بثقة فارس شجاع‪ ،‬مررت بنظري على شباب كثر فكهين وملتفين حول‬

‫‪72‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫طاولتهم‪ ،‬وس��ح��ب دخ��ان��ي��ة متلبدة ف��وق��ه��م‪ ،‬وكلما‬

‫و فيما أنا أغادر قسراً كوب قهوتي‪ ،‬كنت استمع‬

‫اقتربت من النظر إليه‪ ،‬كلما كانت دقات قلبي أسرع‪ ،‬لشخير ال��رج��ل البدين بلذة استماعي لموسيقى‬

‫وأخيراً‪ ،‬أدركته‪ ،‬ووقع نظري عليه‪ ،‬يا إلهي‪ ،‬يا أمان شعبية‪ .‬توجهت للنادل ببطء واض��ح‪ ،‬وكأني أعد‬ ‫الخائفين‪ ،‬كان رأسه منسدال على صدره‪ ،‬ويصدر بالط المقهى‪.‬‬ ‫منه صوتاً غريباً‪ ،‬كالصوت الذي استخدمه إلخافتي‬

‫وعندما وقفت أم��ام منضدة ال��ن��ادل‪ ،‬تبسم لي‬

‫قبل قليل‪ ،‬حتى توقيت الصوت كان كالسابق تماماً‪ ،‬كالعادة‪ ،‬لكن هذه المرة بملء شدقيه‪ .‬أومأت إليه‬ ‫حمدت الله أنه كان نائماً‪.‬‬ ‫بأن يقترب‪ .‬وضع رأس��ه بجانب رأس��ي‪ ،‬وأن��ا انظر‬

‫اعتقدت بأنه تعب م��ن مراقبتي وسقط في ب��ات��ج��اه ال��رج��ل ال��ب��دي��ن‪ .‬س��أل��ت��ه‪ ":‬ه��ل ت��ع��رف ذلك‬

‫ل��ذة ال��ن��وم‪ ،‬ه��ن��ا‪ ،‬ان��ت��ه��زت ال��ف��رص��ة‪ ،‬وب��م��ج��رد ما ال��رج��ل؟"‪ .‬ه��ز رأس���ه مباشرة وأخ���ذ ي��واص��ل الهز‬

‫نهضت‪ ،‬أسقط في يدي‪ ،‬وحدث ما كنت أخشاه‪ ،‬حتى نهرته قائال‪" :‬من هو؟" استغرب سؤالي‪ ،‬ولكنه‬ ‫فبينما كنت على وش��ك التسلل‪ ،‬ك��ان هناك شيئاً الحظ شغفي بمعرفته‪ .‬اقترب مني أكثر‪ ،‬وهمس‬

‫ما ممسكاً بي من الخلف‪ ،‬ويشدني نحوه كل ما بأذني وبعد أن تلفت أكثر من م��رة كأنه سيفشي‬ ‫خطوت خطوة ل�لأم��ام‪ ،‬حسناً‪ ،‬إن��ه ه��و‪ ،‬لقد كان سراً نووياً‪ ،‬قال‪" :‬أنه العم خميس‪ ،‬السائق الخاص‬

‫ٍ‬ ‫يتصنع النوم‪ ،‬وها هو اآلن يقبض عليّ في‬ ‫كمين لسيدي صاحب المقهى"‪ .‬صعقت من إجابته تلك‪،‬‬

‫قذر وخسيس‪ .‬شعرت بدوار كاد يطرحني أرضاً‪ ،‬وم��ن ه��وي��ة ال��رج��ل‪ .‬ش��ع��رت بنسمات ب���اردة تلفح‬ ‫ولم أجرؤ على أن ألتفت أو حتى أن أرفع رأسي‪ .‬وجهي‪ ،‬واستعادت ركبتيّ مرونتهما‪ ،‬واعترتني رغبة‬ ‫في تلك األثناء‪ ،‬كان شاباً يافعاً يجلس وحيداً وعلى مجنونة في أن أطبع قبلة امتنان على جبين النادل‪،‬‬ ‫مقربة من موقع المواجهة‪ .‬تبسم لي‪ ،‬وهو يحرك ولكني تناسيت تلك الرغبة في الحال‪ ،‬خشية أن‬

‫يديه خلف ظهره وكأنه مضيف جوي يشرح لركاب تخدش صورتي الرزينة أمامه‪ .‬أخرجت محفظتي‬

‫رحلة طريقة ربط الحزام‪ .‬حدقت فيه‪ ،‬وحاولت بسرعة من جيبي‪ ،‬ولم أحفل بالوريقات الصغيرة‬

‫أن أفهم مقصده‪ ،‬لكن لم أع��رف م��اذا يريد‪ ،‬وكل التي تناثرت منها‪ .‬انتفض النادل‪ ،‬وأخذ من فوره‬

‫ما فهمته منه‪ ،‬أنه يحثني على النظر خلفي‪ .‬إذن‪ ،‬يجمعها من األرض‪ .‬لم انتظره كثيراً‪ ،‬دن��وت منه‪،‬‬ ‫ال مناص‪ .‬سأستسلم لذلك الرجل بشرف وكبرياء ودسست في يده عشرين رياالً دفعة واحدة‪ ،‬وبزهو‬

‫مقاتل نبيل‪ .‬نظرت خلفي‪ ،‬وكانت المفاجأة أنني ف��ارس منتصر همست بأذنه‪ ":‬الباقي ل��ك"‪ .‬عرف‬

‫لم أجد الرجل البدين‪ ،‬وتنفست الصعداء عندما دون تصريح مني بأن البخشيش هذه المرة أكثر من‬

‫اكتشفت أن ما كان يعيقني هو بضع خيوط منسلة أي مرة سابقة‪ .‬ناولني الوريقات‪ ،‬وشيعني إلى الباب‬

‫من عمامتي‪ ،‬التفت على ذراع كرسيي‪ .‬ومن فوري‪ ،‬وهو يقول‪ ":‬مع السالمة يا سيدي"‪ .‬عندها لم التفت‬ ‫قمت بتقطيع تلك الخيوط اللعينة‪ ،‬والتي كادت أو انتبه لكلماته تلك‪ ،‬وكل همي كان أن اذهب إلى‬

‫تفسد خطة هروبي‪.‬‬

‫البيت وأن أغط في نوم ع م ي ق‪........‬‬

‫< ‪ziadalatiyah@yahoo.com‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪73 1427‬‬


‫ً‬ ‫مدينة من نور‬ ‫تور‬ ‫> نادر الغنام‬

‫<‬

‫فوضى ال��ح��واس اجتاحتني من ُذ حطت ش���ارع م��ا‪ ،‬أو محطة ق��ط��ارات‪ ،‬أو محطة‬ ‫ق���دم���اي ب��م��ح��ط��ة ال���ق���ط���ارات ف���ي مدينة باص‪ ،‬أو ميدان ما‪ ،‬أو مقهى ما‪.‬‬ ‫ت���ور ال��ف��رن��س��ي��ة‪ ،‬ض��ج��ت ال��ح��ي��اة بالنشاط‬ ‫فيها أجمل مقاهي العالم‪ ،‬بين كل مقهى‬ ‫وال���ح���ي���وي���ة‪ ،‬وت���ش���اب���ك���ت ف��ي��ه��ا أح���ادي���ث ومقهى مقهى‪.‬‬ ‫ال��م��س��اف��ري��ن‪ ،‬واب��ت��س��ام��ات المتواجدين‪،‬‬ ‫وللمقاهي فيها نكهة خاصة‪ ،‬ال يمكن أن‬ ‫وص��اف��رات ال��ق��ط��ارات‪ ،‬لتشكل سيمفونية‬ ‫رائعة‪ ،‬يفقد المرء فيها نفسه‪ ،‬ويسّ لم ذاته تتلذذ بها خارج حدودها‪.‬‬ ‫لالرتفاع والتأرجح والدوار في هذه الفوضى‬ ‫تور‪ ..‬إنها المدينة الخالدة‪ ،‬أكثر خلوداً‬ ‫الجميلة‪.‬‬ ‫من روم��ا‪ ،‬إنها المدينة الرائعة‪ ،‬أكثر روع ًة‬ ‫لم أستطع فهم ذلك الشعور الذي غمرني من باريس أو لندن أو جنيف أو اله��اي أو‬ ‫وأصبح مالزماً لي في هذه المدينة‪ .‬شعور بروكسيل‪.‬‬ ‫باالنتماء تخّ لق‪ ،‬وشعور بالغربة تبّدد‪ .‬كأني‬ ‫من هنا‪ ،‬أو كأني أنا هي‪ ،‬أو هي أنا‪ .‬شعرت‬ ‫باالنتماء لكل األش��ي��اء‪ ...‬المكان‪ ،‬والمطر‪،‬‬ ‫والبشر‪ ،‬والهواء‪ ،‬وحتى لكأس الماء‪.‬‬

‫فلتغفر لي كل المدن‪ ،‬فأنا لم أعرف إال‬ ‫مدينة واحدة‪ ،‬زرعت بي مالمحها ألكره بعد‬ ‫ذلك كل المدن بعدها‪ ،‬فكل مدن العالم ما‬ ‫ع��دت أراه���ن‪ ،‬ب��ات��ت م��دن��اً ب�لا رائ��ح��ة وبال‬ ‫مالمح‪.‬‬

‫مدينة‪ ،‬كأني أعرفها من ُذ القدم‪ ،‬كأني‬ ‫أعرف ما سوف أراه بعد كل منعطف وخلف‬ ‫مد ٌن من دمى‪ ،‬ومد ٌن من ملح ومد ٌن من‬ ‫كل باب وفي كل مقهى‪.‬‬ ‫حجر‪ .‬أما تور فهي مدين ًة من نـ ـ ــور‪.‬‬ ‫ال��ن��اس واألط���ف���ال‪ ،‬أش��ع��ر أن���ي أعرفهم‬ ‫جميعاً‪ ..‬حيثما سرت وأينما كنت‪ ،‬لم أكن‬ ‫غريباً عنهم‪ ،‬ولم تكن غريبة عني (أي تور)‪،‬‬ ‫ذه��ب��ت ل��ك��ل م��ك��ان‪ ،‬وص��اف��ح��ت ك��ل الناس‪،‬‬ ‫حفظت كل الوجوه‪ ،‬كل بائعي السكاكر‪ ،‬كل‬ ‫ت���ور‪ ..‬م��ا زال��ت رائحتك ف��ي أن��ف��ي‪ ،‬وما‬ ‫المتسولين‪ ،‬وكل المسافرين والقادمين‪.‬‬ ‫زال��ت مالمحك أم��ام عيني‪ ،‬وم��ا زال طعم‬ ‫ت��ور‪ ..‬كل ش��يء فيها يشدني لها‪ ،‬اسم فناجين قهوتك بفمي‪.‬‬

‫م��دي��ن��ة ك��ال��م��ن��ارة ال��ت��ي ت��ه��دي السفن‪،‬‬ ‫تجذب فراشات الليل باآلالف‪ .‬وترتطم بها‬ ‫العصافير اآلتية من عرض البحار‪ ،‬مفضلة‬ ‫غالباً الموت على البقاء في الظلمة‬

‫< ‪nrhgk@yahoo.com‬‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫أمشاط الضوء‬ ‫> نوال اجلبر‬

‫<‬

‫تحت أقدامي تموتُ البتالتُ‬ ‫قبل أن أخر َج من خجلي‪ ،‬وبعد أن فقدتُ وجو َدهُم حولي‪ ..‬فقدتُ قدرتي على‬ ‫أمتص صور ًة للذاكرة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫التركيز‪ ،‬في أن‬ ‫الغياب‪ ،‬بين يده الغليظةِ ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫غابت أصواتُهُم عند خروجي‪ ،‬وأمشاطُ الضوء تلو ُح في‬ ‫كيف تخر ُج العذراءُ من‬ ‫الهروب‪ ،‬وصوتُ عقلي يقولُ‪ِ :‬‬ ‫ِ‬ ‫يقو ُد خطواتي كأن ُه يحثُني على‬ ‫الوقت توقّف عن َد عينيَّ ‪ ،‬حتى هالني غضبُهُ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫أعرف كم مِ نّ‬ ‫ُ‬ ‫بخطوات سريعة؟‬ ‫ٍ‬ ‫جنتِها‬ ‫والعربة تُقودنا في صمت؟!‬ ‫المباني العالي ُة والجبا ُل تلو ُح خلفْها‪ ،‬والطرقاتُ الملتوي ُة تخفي سراً أكا ُد أجهلَهُ‪..‬‬ ‫لفرط دهشتي‪ ،‬إلى أي َن سيأخذُني؟ ال ضو َء وال حتى بشر‪ ،‬حيثُ الصمتُ ال‬ ‫ِ‬ ‫بكيتُ‬ ‫زا َل مستمراً‪..‬‬ ‫توقف عن القياد ِة والسيارةُ ال زالت تعملُ!‬ ‫َ‬ ‫رعشات بي َن أطرافي الباردةِ‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫والخوف يأك ُل دهشتي‪ ،‬ويسري‬ ‫ُ‬ ‫الصعداء‪ ..‬ألقى بغـترتهِ البيضاء في‬ ‫وتنفس ُ‬ ‫َّ‬ ‫حاو َل أن يُزي َح أزرا َر ثوبهِ األبيض‪،‬‬ ‫المرتبةِ الخلفيةِ ‪ ،‬نظر إليَّ شزراً وقال‪:‬‬ ‫ال وأعود‪..‬‬ ‫ انتظريني هنا‪ ،‬سأذهب قلي ً‬‫أجابته فور أن أنهى جملته‪:‬‬ ‫ أشعر بالخـوف!‬‫عنك‪ ،‬تحدثّي وستسمعين صوتي‪..‬‬ ‫ببعيد ِ‬ ‫ٍ‬ ‫‪ -‬ال بأس‪ ،‬أنا لستُ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪75 1427‬‬


‫مكان نحن ؟‬ ‫ٍ‬ ‫ذه��بَ ‪ ،‬والكو ُن المظل ُم يُطْ ب ُق على حواسي‪ ،‬ماذا وفي أيِّ‬ ‫بيدي أن أفعل؟‬ ‫أ َِعدني إلى عائلتي‪ ..‬أعدُكَ أ ْن ال أ ُخبرهم عن ما‬ ‫ٍ‬ ‫مظلم‪ ،‬مع‬ ‫ٍ‬ ‫مكان‬ ‫ٍ‬ ‫في‬ ‫شخص ال تعر ُف ُه حواسي‪ ،‬حدث‪ ،‬فقط أعدني‪..‬‬ ‫ول��م تعتد عليه كلماتي‪ ..‬لفظت اسمه م��رات عدة‪،‬‬ ‫ستذهبين معي‪ ..‬قالها صارماً‪.‬‬ ‫كشخص سيسرقني لحياةٍ جديدة‪ ،‬أكو ُن فيها سيدة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مكان ال أعرفهُ‪،‬‬ ‫قلتُ لهُ‪ ،‬لكنني ال أري ُد الذهابَ إلى ٍ‬ ‫ولكنني هنا وحيدةُ‪..‬‬ ‫لون للفرح سيتبقى من ليلتي األولى معه من أري ُد أن أعو َد إلى أمي‪ ..‬أرجوكَ ‪..‬‬ ‫أيُّ ٍ‬

‫الوقت ؟ ماذا‬ ‫ِ‬ ‫حياتي الجديدة؟ وأين ذهبَ ك ُّل هذا‬ ‫ساعة متأخرةٍ كهذهِ؟!‬ ‫ٍ‬ ‫يفع ُل في‬ ‫جواب لها‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫تحرقُني األسئلةُ‪ ،‬وأتوهُ بحثاً عن‬

‫بالقرب من السيارةِ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫بكيت‪ ،‬وألقى بعباءَتي‬ ‫ويدي ال زالت تنتح ُر بين كفيهِ ‪..‬‬

‫ك��ان هناك حائطٌ ق��دي��مٌ‪ ،‬ليس مرتفعاً ج��داً وال‬

‫بكيتُ كثيراً ه��ل ع��ل��يَّ أن أتعل ّم ق��ي��ادةَ السيارةَ منخفضاً ‪..‬‬ ‫موحش ؟!‪ ..‬تل ُح عليَّ فكرةُ‬ ‫ٌ‬ ‫في وق ِ��ت كهذا ومكا ٌن‬ ‫والبوابة مفتوحةٌ‪ ،‬كأنها تنتظ ُر قدومَنا‪ ،‬غابت‬ ‫الهروب‪ ..‬أن أبتعدَ‪ ..‬أنق َذ نفسي‪ ..‬أعو ُد لتلك القاعة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫أجسادُنا في الظالمِ ‪ ..‬وتشبثتُ به وجسدي يرتجف‬ ‫وبالفستان األبيض نفسه‪ ،‬وبفارس قتل َ ُه الظالمُ!‬ ‫أكثر‪ ،‬حتى أن كلماتي تسقطُ ميت ًة قبل أن تخرجَ!‬ ‫جهشت نفسي ب��ال��ب��ك��اءِ ‪ ،‬حتى ع�لا ص���وتُ بكاءٍ‬ ‫دمو ُع ُه الساخن ُة تغم ُر يدي‪ ،‬وأن ُف ُه يسي ُل بشدةٍ ‪..‬‬ ‫على صوتي‪ ،‬خلتُّ ُه جنيُّ ‪ ..‬توقفت عن البكاء‪ ،‬كأنني‬ ‫الصوت الذي يعلو حيناً ويخفتُ حيناً‬ ‫ِ‬ ‫أبحثُ عن ذلكَ‬ ‫التراب‪ ،‬لم تعد قدماي قادرتان على‬ ‫ِ‬ ‫سقطتُ على‬ ‫آخر‪..‬‬ ‫أن تحمالني‪ ،‬وكفي بي َن يديهِ ‪ ،‬ال زا َل يشدُها بقوةٍ ‪،‬‬

‫أقتربَ مني ذلك الصوتُ ‪ ،‬أحسستُ به يالمسُ ني وفستاني األبيض تح َّو َل إلى رم��ادي‪ ..‬فقدتُ فردةَ‬ ‫تلتف‬ ‫ُّ‬ ‫حتى هج َم عليَّ ‪ ،‬وصرخاتي تعلو‪ .‬أكا ُد أفقأ عينيَّ ‪ ،‬حذائي األبيض‪ ،‬واألخ��رى بشريطها األبيض‬ ‫كلما أخفيتهما بشدةٍ تحتَ كفي البارد!‬ ‫على ساقي ‪..‬‬ ‫ُصمتي!‬ ‫جاوبني صارخاً‪ :‬أ ْ‬

‫توقف فجأةً‪ ،‬وحملني بين ذراعيه‪ ،‬بعد أن تمزقت‬ ‫َ‬

‫نظرتُ إليه‪ ،‬ه��ذا هو إذنَّ ‪ ..‬ك��ان جسدي يغتالُ ُه ساقي‪ ،‬وعلت صرخاتي من خلعِ ذراعي األيمن ‪..‬‬ ‫الخوف‪ ،‬وصمتُ قلبي يتساب ُق مع أضلعي‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫الباب المفتوحِ ‪ ،‬وأنيني ال ينقطعُ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫وضعني عند‬ ‫جديد‪ ،‬وضع رأسي على‬ ‫ٍ‬ ‫حاو َل أن يدف َع بابَ السيار ِة بقدمهِ ‪ ،‬بع َد أن فتحَ ُه سافرتُ في البكاء‪ ..‬عا َد من‬ ‫جديد يبكي‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫بيدِ ه قادني إلى الخارجِ ‪ ،‬حاولتُ أن أعو َد ولكنَّ يدي صدرِ ه‪ ،‬واحتضنني بشدةٍ ‪ ،‬وانها َر من‬ ‫بالخوف‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫شُ لَّت‬ ‫أَخَ َذ رأسي بين يديهِ ‪ ،‬وقبَّلني قُبل ًة طويلةً‪ ،‬ثم قال‪ :‬أال‬ ‫صرختُ ب��هِ ‪ ..‬أرج��وكَ تريثْ ‪ ،‬إل��ى أي�� َن تأخذُني؟ ترغبينِ برؤيةِ أمي! ؟‬ ‫< قاصـة سعودية‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫مقـايضـة‬ ‫> خالد ربيع السيد‬ ‫فتى صغير ًا في سنه‪ ،‬هادئ ًا في طبعه‪ ،‬ذو هيئة وتفكير محايد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ك��������ان ي����ق����ف ك�����ث�����ي�����ر ًا ع����ل����ى ش������اط������يء ال�����ب�����ح�����ر؛ فتمنى‬ ‫ل��������و أن�����������ه ت�����ع�����ل�����م ف��������ن ال��������غ��������وص ف��������ي أع��������م��������اق ال����م����ح����ي����ط‪.‬‬ ‫ذه��������ب ذات ن�����ه�����ار إل��������ى م����ت����ج����ر ل����ب����ي����ع م����س����ت����ل����زم����ات ال�����غ�����وص‪،‬‬ ‫و ه�����ن�����اك ت�����ع�����رف ع����ل����ى أح��������د ال�������زب�������ائ�������ن‪ ..‬ك��������ان ش����ي����خ���� ًا ح���ق���ي���ق���ي���اً‪.‬‬ ‫أخ��������������������������������������������������������������������������������ذا ي��������������������������������ت��������������������������������ح��������������������������������دث��������������������������������ان‪..‬‬ ‫وخ��ل��ال دق��ي��ق��ة واح������دة ف���ق���ط‪ ،‬ش���ع���را أن��ه��م��ا ص��دي��ق��ان ح��م��ي��م��ان م��ن��ذ زم���ن‪.‬‬ ‫ك�������ان ل���ل���ش���ي���خ خ����ب����رة واف����������رة ف�����ي ال�������غ�������وص‪ ..‬وح����م����اس����ة زائ����������دة للحياة‬ ‫بدأ الفتى الهادي يسائله بصفته غواص ًا عتيد ًا ريثما يفرغ البائع من زبون أمامه ـ‬ ‫إستمر نقـاشهما دائر ًا حول‪ :‬كيف يمكن للمرء المجازف أن يكون حيادي ًا في تفكيره‪.‬؟‬ ‫بقي الشاب ال��ه��ادئ ساكناً‪ ،‬وب��دأ مطمئن ًا يبتسم في دع��ه؛ بينما راح الغواص‬ ‫ال��ع��ج��وز ي����روي ع��ن ب��ط��والت��ه وم��غ��ام��رات��ه‪ ،‬ال��ت��ي خ��اض��ه��ا ف��ي ع���رض البحر‪.‬‬ ‫ك���ان م��س��ال��م�� ًا وم��زدح��م��اَ ب��األف��ك��ار‪ ،‬وب����دت ت��ج��ارب��ه عميقة ح��د الحكمة‪.‬‬ ‫لحظة إلتفت إليهما البائع‪ .‬كان الفتى الهادئ قد أخذ رداء الغواص‬ ‫المطاطي‪ ،‬والزعانف البالستيكية‪ ،‬وأنبوب التنفس‪ ،‬ونظارة الغوص من‬ ‫الرجل العجوز‪ .‬ومنحه في المقابل سنين شبابه وعمره الغض‪.‬‬ ‫ثم غ��ادر الرجالن المتجر دون أن يشتريا شيئاً‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪77 1427‬‬


‫شمس غشت‬ ‫مَ�� ْن ال��ذي يقوم برحلة ال��ع��ب��ور؟؟ أن��ا أم شخص‬ ‫آخر؟ هل الجسد أم العقل وحده‪ ،‬حين أختار أقصى‬ ‫عبور زمني كي يعيش لحظة ع��ب��وره‪ ،‬دون الحاجة‬ ‫للتفكير في الجسد؟ هذا األخير الذي طالما رغب‬ ‫أن يعيش حقيقة وجوده هنا واآلن‪ ،‬مستشعراً حالة‬ ‫العبور والحركة‪ ..،‬كيف يمكن أن نكون هنا على هذا‬ ‫المجسم ال��ح��دي��دي‪ ،‬وال���ذي قيل أن��ه ال يطفو على‬ ‫الماء؟ ِل َم يطفو إذن اآلن؟ في الرقعة‪ ..‬على يميني‪..‬‬ ‫على يساري‪ ..‬أمامي‪ ..‬ورائي‪ ..‬طنجة الجبل‪ ،‬وجبل‬ ‫طارق أهو الجبل بالتأكيد؟ يظلون هنا على امتداد‬ ‫مسافة العبور التي تصل إل��ى ساعتين ونصف من‬ ‫عمر هذا المجسم الحديدي‪ ،‬حتى يتسنى للنظرة‬ ‫أن تكتشف الوهم‪ .‬وثمة حقيقة أخرى‪ ،‬فكلما حفرت‬ ‫ال��ذاك��رة ن��واف��ذ البحث داخ��ل وعينا م��ن أج��ل تأمل‬ ‫اللحظة‪ ،‬لحظة العبور تلك‪ ،‬تزاحمت صور الوقائع‪،‬‬ ‫أو هكذا يبدو‪ .‬وضجيجها مع الحلم‪ ،‬ص��ور نخطو‬ ‫تجاهها عابرين تفاصيلها‪ ،‬كي ندرك هامش الوهم‬ ‫العريض‪..‬عبوري اآلن‪ ،‬هل هو عبور لهذا الفضاء‬ ‫اآلخ��ر؟ وحينها هل سأكون أن��ا أم اآلخ��ر؟ هو حين‬ ‫يعبر‪ ،‬أم أنا العابر اآلن؟ وهل سأصل إلى نفسي حين‬ ‫أعبر لضفة اآلخر؟‪.‬‬ ‫ ألهذا الحد يُعد عبوري حدثاً عظيماً؟!‬‫تعميق لسؤال عبوري‬ ‫ٍ‬ ‫تزيد لحظة التفتيش من‬ ‫االس��ت��ث��ن��ائ��ي‪ ،‬رج��ل األم���ن ال���ذي يتفحص األوراق‪،‬‬ ‫وجسدي‪ ،‬ومالمحي‪ ،‬وعيني‪ ..‬وكأنها لحظة استنطاق‬ ‫للحظتي‪ ،‬كالمه أشبه بالحجر‪ ،‬همهماته تالعب‬ ‫أعصابي‪ ،‬ماذا لو تغيّر لون بشرتي عن بشرة الصورة‬ ‫المثبتة بجواز السفر‪..‬‬ ‫ االسم؟؟‬‫‪ -‬العمل؟؟‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫> أحمد الفطناسي<‬

‫ ما هو اتجاهك؟؟‬‫‪......‬؟؟؟؟؟؟‬‫كنت أجيب وعيوني على مرفأ السفن‪ ،‬في لحظة‬ ‫استثنائية‪ ،‬جعلتني أت��س��اءل‪"..:‬ه��ل عبوري يستحق‬ ‫هذا االستنطاق؟؟" وألول مرة بدت ابتسامة خفيفة‬ ‫على محياه‪ ،‬قام مقاطعاً لحظة اندهاشي‪..‬‬ ‫ هل أنت ابن هذه القبيلة؟؟‬‫ ال‪..‬‬‫ع��ادت صالبة وجهه إلى وضعها المعتاد اآللي‪،‬‬ ‫حينها أع����دت التفكير ف��ي ه���ذا االس����م العائلي‪،‬‬ ‫وتساءلت في ق��رارة نفسي‪ :‬أحياناً يترك لنا اآلباء‬ ‫واألجداد وصايا نحملها‪ ،‬دون أن يكون لنا الحق في‬ ‫تغييرها أو حتى معرفة جذورها‪ .‬ظل بصري يحوم‬ ‫على بوابات المرور في الميناء‪ ،‬كنت على وجه رؤية‬ ‫الضفة األخرى‪ ،‬لكنني اآلن ال أهتم بهذا اآلخر إنه‬ ‫شبيه بالذي أمامي‪..‬‬ ‫ تحرك‪ ..‬خذ جوازك‪..‬‬‫ آه‬‫أمسكت ج��واز سفري‪ ،‬خطوت خطوتين‪ ،‬أدرت‬ ‫بصري للوراء‪ .‬تبدو طنجة كامرأة بحرية‪ ،‬كانت رغبتي‬ ‫أن أزورها من بوابة مقهى صاحب "الخبز الحافي"‪،‬‬ ‫كنت سأجلس على طاولة المقهى‪ ،‬وسأطلب شاياً في‬ ‫كأس‪ ،‬وسأنتظر قدومه ألسلم عليه‪ ،‬وألعبر له عن‬ ‫امتناني‪ ،‬وكالعادة سأغادر المقهى ألنه لم يأت‪ ..‬ولن‬ ‫يأتي أبداً!!‪.‬‬ ‫عادت خطواتي ترسم أفق عبوري‪ ،‬أنا المتأبط‬ ‫لحرقة األسئلة‪ ،‬نصل السيوف الحادة تعيد عقارب‬ ‫الرغبة لحياة نخاف أن نحياها ألن آالتنا صدئة‪..‬‬


‫يتحول العبور آلفاق جديدة لمغامرة اكتشاف صورة‪،‬‬ ‫ال تبدو ثابتة إال من خالل الصورة األخرى الوسيطة‬ ‫ولعلها ص��ورة ثابتة غير متحولة؛ ثابتة إل��ى الحد‬ ‫الذي تسكن فيه الوريقات البيضاء أو فيلماً تافهاً‪.‬‬ ‫ال زالت دقات ونبضات قلبي تعيد تركيب المشهد‪.‬‬ ‫أنا اآلن قائد خطواته‪ ،‬أنا الذي أعدت لحظة الشك‬ ‫لجسدي أت��س��اءل م��ا ه��و ثابت اآلن‪ ،‬ه��و أنني هنا‪،‬‬ ‫أما هو‪ ،‬فيوجد في الجهة المقابلة هناك‪ ..‬أمامي‬ ‫طنجة‪ ،‬على قمة الجبل تبتعد اآلن ك��ي ت��ول��د في‬ ‫األفق‪ ،‬وفي لحظة لالكتشاف بالنسبة لي ولها موعد‬ ‫ثابت في هذا اليوم من أيام غشت؛ حيث تكون طنجة‬ ‫جسراً وعشاً للعابرين إلى الوطن والحالمين بأوطان‬ ‫أخرى‪ ..‬اتجهت لمحطة العبور في الساعة الواحدة‬ ‫والنصف‪ ،‬أما هو فاختار الثالثة والنصف بعد الزوال‪،‬‬ ‫وحينما أص��ل سأتجه عبر مسالك ع��ب��وره نفسها‪.‬‬ ‫أرمق ببصري ساعتي المثبتة في معصمي‪ ،‬ستكون‬ ‫الساعة حينها الرابعة بعد الزوال‪ ،‬علماً أن الساعة‬ ‫في الميناء تشير إلى السادسة‪ ،‬أما هو‪ ،‬فحين يرفع‬ ‫عينيه إلى ساعة مفتشية شرطة الحدود‪ ،‬فسيكتشف‬ ‫أنها الرابعة فقط بعد الزوال من توقيت بالد الشمس‪.‬‬ ‫وللعبة الزمن‪ ،‬حكاية شد وج��ذب بيني وبينه‪ .‬لكن‬ ‫"أنا" رسمتها من عالم شفاف‪ ،‬متخيلي الباقي أمامي‬ ‫بكل نتوءاته ال��ع��اب��رة‪ ،‬ه��و العابر م��ن "النحن" وفي‬ ‫عبوري إعادة ترسيم لهوية "أنا" و"النحن"‪ ،‬وهو اآلخر‬ ‫المتشكك الحضور‪ .‬هنا بين حدود الشمال والجنوب‪،‬‬ ‫أنا الصدى لريحهما معا‪ ،‬أنا الحامل لحبيبات الماء‬ ‫والرمل‪ ،‬رمل الجنوب‪ ،‬الحار الساخن‪ ،‬والبحر هنا‬ ‫وسيظل لماء الشمال البارد‪ ،‬وكأنها تقاطعات نفسية‬ ‫لحاالت الحصار‪ ،‬كالنا امتطى سفينة العبور‪ .‬هو في‬ ‫قربي اآلن يشعر ب��وج��ودي‪ .‬ي��دي الساخنة الخشنة‬ ‫تالعب بضوء الشمس الالفح قسمات هذه البرودة‪،‬‬ ‫ولعلها إحدى أولى لحظات الصدام‪ ،‬صدام الجسد‬ ‫واللون والجيولوجيا‪ ،‬وما تبقى يكمله هذا العبور‪..‬‬

‫كنت هنا وكانت الباخرة التي تنقله إل��ى هناك‪ ،‬ال‬ ‫أراه وال يراني‪ ،‬أشعر بوجوده كشكل ظاهر للعيان‪،‬‬ ‫هو اآلن في الجهة الغربية من سطح الباخرة‪ ،‬ونظره‬ ‫في اتجاه الشرق‪ ،‬يتحسس بيديه رطوبة نقط الماء‬ ‫التي تكسو الحبال الغليظة للباخرة وفكره مشغول‬ ‫بسؤال هام‪:‬‬ ‫ لماذا تشرق الشمس دائما من هناك؟‬‫وج���ودي ف��ي الجهة الشرقية للباخرة‪ ،‬ونظري‬ ‫اتجاه الغروب‪ .‬وكعادتي‪ ،‬اختلفت مع نعلي الصيفي‬ ‫وتركته حراً طليقاً‪ ،‬كقدمي العاريتين‪ ،‬اللتين تجوبان‬ ‫سطح السفينة ذهاباً وإياباً كالنا ينظر إلى اآلخر‪،‬‬ ‫يستشعر وجوده‪ ،‬يتحسسه‪ ،‬كالنا سيصل إلى هنالك‪،‬‬ ‫هل كان مثلي يساءل حبيبات رذاذ البحر المنعكسة‬ ‫ف��ي فضاء السفينة؟ ه��و اآلن يعيد س��ؤال "هرقل"‬ ‫األس��ط��ورة‪ ،‬مثلي‪ ،‬كالنا ف��ي لحظة الصفر‪ ،‬ومنذ‬ ‫أن اجتاح "ه��رق��ل" حبيبات ال��م��اء‪ ،‬قاطعاً فضاءات‬ ‫عالمين ملتحمين‪ ،‬كانا امتداداً طبيعياً لتربتي‪ ،‬أنا‬ ‫اآلن مجبر على تشفير لغة الريح كي يظل هو بقربي‪،‬‬ ‫معي‪ ،‬وكي أظل قرب نفسي حتى ال يضطر "هرقل"‬ ‫للرحيل‪ ..‬وعلى باب الجزيرة الخضراء نزلنا كالنا‬ ‫ف��ي أول الخطو على أرض ت��رك ل��ي أج����دادي بها‬ ‫رسوماً لمعبر خطاي‪ ،‬أع��دت نعلي الريفي لقدمي‬ ‫كي ال أخال نفسي مجذوباً بطرف أبواب األندلس‪،‬‬ ‫الشرطي يتفحص جواز سفري‪ ،‬ويتحدث بلغة موليير‬ ‫التي كنت أرد عليه بها بطالقة‪ ،‬إلى أن أرغمني تكرار‬ ‫جملته‪ ،‬والتي تحمل إيقاعاً لحنياً خاصاً من الصمت‪،‬‬ ‫نهرني هو من الخلف قائال‪:‬‬ ‫ إنه يطلب منك أن تدلي له بدليل يزكي سبب‬‫عبورك؟!! فافعل إذن!!‪..‬‬

‫< كاتب ومسرحي من المغرب‪ ،‬ص��در ل��ه‪ :‬محكيات "ملح دادا"‪ :‬سنة ‪2003‬م‪ ،‬رواي��ة "الخطايا" سنة ‪2006‬م‪ ،‬كتب ع��دداً من‬ ‫المسرحيات وتولّى إخراجها‪ ،‬أقام عدة معارض تشكيلية‪ ،‬ومعرضاً للصور الفوتوغرافية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪79 1427‬‬


‫املؤسسة تنظم ندوة‪:‬‬

‫األسهم ما لها وما عليها وكيف ميكن‬ ‫فهم أسس تداولها؟‬

‫ضمن البرنامج الثقافي لمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬عقدت محاضرة في‬ ‫قاعة المحاضرات بمكتبة دار الجوف للعلوم‪ ،‬بعنوان‪« :‬األسهم ما لها وما عليها وكيف‬ ‫يمكن فهم أسس تداولها؟» للدكتور سعيد الشيخ‪ ،‬كبير االقتصاديين في البنك األهلي‪،‬‬ ‫وذلك يوم الخميس‪/17‬محرم‪1427/‬هـ الموافق ‪2006 /2/16‬م‪ ،‬قدم لها وأدارها وشارك‬ ‫فيها األستاذ نبيل المبارك‪ ،‬مدير عام شركة سمة‪ ،‬الذي قدم للدكتور الشيخ مبيناً أنه يعد‬ ‫من العالمات االقتصادية الكبيرة في المملكة‪ ،‬كما أجاب على كثير من أسئلة الجمهور‬ ‫بالتحليل والرد‪.‬‬ ‫وم��ن أه��م ما ج��اءت به المحاضرة تحذير الدكتور سعيد الشيخ كبير االقتصاديين‬ ‫بالبنك األهلي من األسهم التي يعد ارتفاع أسعارها غير مبرراً؛ ألنها قد تُفقد كثير من‬ ‫المستثمرين ثرواتهم‪ ،‬مشيراً إلى أن الشخص الذي يستثمر في مجال األسهم وال يتابع‬ ‫السوق‪ ،‬معرض لفقد أمواله في حالة حصول هبوط حاد في السوق نتيجة لما يحدث من‬ ‫مضاربات في هذه األسهم‪.‬‬ ‫وقد بدأ الدكتور سعيد الشيخ محاضرته مشيراً إلى أن سوق األسهم السعودي أصبح‬ ‫يُشغِ ُل معظم السعوديين‪ ،‬وأن جميع المهتمين باألسهم يدركون التقلبات التي تحدث فيه‪،‬‬ ‫ومدى ضخامة السوق وإلى أين يتجه‪.‬‬

‫نشاطات ثقافية‬ ‫‪80‬‬

‫وأوضح في محاضرته بعض المؤشرات التي تهم المتابعين للشأن االقتصادي بالمملكة‬ ‫والعاملين بالبنوك‪ ،‬وكيفية قراءة السوق‪.‬‬ ‫وبيّن أنه ال بد لمن يريد الدخول إلى سوق األسهم السعودي من النظر إليه على أنه‬ ‫مجموعة من الشركات العاملة‪ ،‬تؤدي وظيفة اقتصادية تقدم خدمات أو سـلعاً (وليست‬ ‫أوراق) تتبادلها في الصاالت مفيداً أنه منذ عام ‪2003‬م‪ ،‬تم تسجيل ‪ 12489‬شركة باستثناء‬ ‫الشركات المسجلة باسم شخص واحد‪ .‬وقال إن الشركات المساهمة في عام ‪2003‬م كانت‬ ‫‪ 121‬شركة لترتفع خالل الفترة من عام ‪2003‬م إلى عام ‪2005‬م إلى ‪ 388‬شركة‪ ،‬وقد وصل‬ ‫عدد هذه الشركات‪ ،‬مؤخراًً‪ ،‬إلى ‪ 425‬شركة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫«النقد األدبي والنقد الثقافي»‬ ‫ندوة عقدت بدار اجلوف للعلوم‬

‫ضمن خطة النشاط الثقافي لمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية لهذا العام‪ ،‬عقدت‬

‫المؤسسة بدار الجوف للعلوم ندوة بعنوان‪« :‬النقد األدبي والنقد الثقافي»‪ ،‬حضرها جمع من‬

‫المثقفين والمهتمين‪ ،‬بمشاركة كل من‪ :‬د‪ .‬سعد بن عبدالرحمن البازعي‪ ،‬أستاذ الشعر والنقد‬ ‫األدبي في جامعة الملك سعود‪ ،‬ود‪ .‬سعيد بن مصلح السريحي‪ ،‬الناقد المعروف ونائب رئيس‬

‫تحرير جريدة عكاظ‪ ،‬ود‪ .‬ناصر بن سعد الرشيد‪ ،‬أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك سعود‪،‬‬

‫وأدارها األستاذ الناقد حسين بن محمد بافقيه‪ ،‬مستشار وزير الثقافة واإلعالم‪.‬‬

‫وقد بدأت الندوة بكلمة األستاذ حسين الذي عرّف بالمشاركين‪ ،‬موضحاً أن النقد الثقافي‬

‫في السنوات العشر األخيرة أخذ يتلمس طريقه‪ ،‬من خالل الدقة في تطبيقه‪ ،‬أما مفهوم النقد‬

‫األدبي فهو معروف منذ القدم‪ ،‬ثم طرح عدة أسئلة حول موضوع الندوة تضمنت المفاهيم‬

‫والمصطلحات السائدة‪ ،‬ثم بدأت مداخالت المشاركين‪.‬‬

‫أوضح د‪ .‬ناصر الرشيد‪ ،‬أن النقد األدبي مصطلح مختلف‪ ،‬وينظر إليه على أنه مكون من‬

‫مقطعين هما‪( :‬النقد‪ ،‬واألدبي)‪ .‬النقد بدأ من علم الحديث ثم عاد إليه‪ ،‬وهو علم العلل (علل‬ ‫الحديث)‪.‬‬

‫أما د‪ .‬سعد البازعي‪ ،‬فقال إن النقد األدبي يجب أن ال يفهــم من وجــه واحد‪ ،‬ولكن من‬

‫عدة أوجــه‪ ،‬وأشار إلى أن هنــاك تيــارات ومدارس كثيــرة؛ فمنها ما وقف عند الحدود النقدية‬ ‫فقط‪ ،‬ومنها ما يربط األدب بالثقافة االجتماعية‪ ،‬ومنها ما يربط األدب بالحالة االقتصادية‪.‬‬ ‫ومن الصعب أن نقول أن النقد استنفذ أغراضه ألن له وجوهاً مختلفة‪.‬‬

‫وطالب د‪ .‬سعيد السريحي بتخليص النقد من النقد‪ ،‬مشيراً إلى أنه آن األوان لكي يسمى‬

‫التحليل؛ فالنقد يحلل النصوص‪ ،‬ويكتشف العالقة الكامنة بين النص ومجموعة جمل‪ ،‬من‬

‫خالل تحليل العالقات داخل النص‪ ،‬فاالنغالق على النص أدى إلى قطع حبل المشيمة التي‬ ‫تربطه مع المجتمع‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪81 1427‬‬


‫مصطلح الكتابة النسوية‪:‬‬

‫الكتابة النسوية تصنيف أدبي أم‬ ‫عنصرية جندريّة ذات تبخيسية؟‬

‫> د‪ .‬سناء شعالن‬

‫<‬

‫يظهر مصطلح أو صفة الكتابة النسوية قطعة فسيفسائية واضحة في املشهد‬ ‫اإلبداعي املعاصر‪ ،‬ال سيما إذا كان في معرض تقييم املنتج اإلبداعي الذي أنتجته‬ ‫املرأة‪ ،‬وهذا املصطلح الذي كاد يصبح حالة تصنيفية ثابتة للتمييز بني األدب الذي‬ ‫تنتجه املرأة‪ ،‬واألدب الذي ينتجه الرجل‪ ،‬بات من امللّح التوقف عنده ملياً؛ ألنه يجزم‬ ‫بأن األدب‪/‬اإلبداع يغدو متغيراً كبيراً في معادلة اجلنس‪ ،‬فهو يفترض‬ ‫بك ّل صراحة ّ‬ ‫أن له خصائص فارقة‬ ‫مسبقاً قبل إخضاع املنتج ملعايير اجلنس األدبي املنتمي إليه ّ‬ ‫مت ّيزه‪ ،‬أو لنقل تسمه بالنقص؛ أل ّنه أدب أنتجته املرأة‪ ،‬وبذا يصبح مصطلح الكتابة‬ ‫النسوية حكماً معيارياً مسبقاً على أدب املرأة‪ ،‬وهذا يجعله ذا أبعاد تبخيسية من‬ ‫وجهة نظر عنصرية جندرية‪ ،‬حت ّل أدب املرأة مواطناً ثانياً في دنيا اإلبداع‪َ ،‬و ْف َقاً‬ ‫جلنسها دون التو ّقف بعني احلياد عند عملها‪ ،‬ليُستنطق من ذاته‪ ،‬ويُحاكم بأدوات‬

‫ن�����واف�����ذ‬ ‫‪82‬‬

‫نقدية تنبع من جنسه األدبي‪.‬‬ ‫فمصطلح الكتابة النسوية محاولة جديدة بأسلوب عصري مقصود‪ ،‬يزاوج بفكر‬ ‫ذكوري عجيب بني هيمنة سلطة الرجل‪ ،‬وبني إرضاء احلركات التحريرية النسوية‪،‬‬ ‫بإضفاء صفة الشرعية املكتسبة على ما يكتنب داخل عباءة الرجل؛ وبذلك يغدو‬ ‫ّ‬ ‫الصف الثاني‬ ‫مصطلح الكتابة النسوية قيمة تبخيسية ملا تنتجه املرأة‪ ،‬ويجعلها في‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫بعد ال��رج��ل‪ ،‬ويسم منتجها ب��األن��وث��ة‪ ،‬ال��ع��دو األ ّول‬

‫كلّه تستطيع امل��رأة املبدعة أن تفرض منوذجاً على‬

‫لهيمنة الذكورة‪ ،‬في مجتمع وضع الرجل فيه معايير‬

‫الدراسات النقدية‪ ،‬يلغي الفروق بني الذكر واألنثى‬

‫وشروط احلكم والتلقي بل واإلنتاج‪.‬‬

‫مبا يسمى باجلنسوية‪ ،‬وتصرف االنتباه إلى الهوية‬

‫وهذا كلّه يقودنا إلى بدايات خروج املرأة عن قيود‬ ‫سعت حركات حترير‬ ‫الرجل وقهره‪ ،‬فمنذ الستينات‬ ‫ْ‬

‫الثقافية األدبية للمنتج‪ ،‬بصرف النظر عن كونه ذكراً‬ ‫أو أنثى‪.‬‬

‫املرأة في العالم‪ ،‬التي قادتها فرجينيا وولف وسيمون‬

‫أن مصطلح‬ ‫وفي ضوء ذل��ك‪ ،‬نستطيع أن ن��درك ّ‬

‫دي بوفوار اللتان هاجمتا املجتمع األبوي الغربي‪ ،‬الذي‬

‫الكتابة النسوية هو حتريف خبيث ملصطلح اخلطاب‬

‫مينع املرأة من حتقيق طموحاتها األدبية‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬

‫النسوي؛ ففي حني يتم ّثل األ ّول التمييز العنصري في‬

‫حرمانها اقتصادياً وثقافياً‪ ،‬إلى وضع املرأة في سياق‬

‫األدب وفق جنس مبدعه‪ ،‬ينطلق الثاني من خصوصية‬

‫هوية خاصة‪ ،‬تهدف إلى حترير اخلطاب النسوي من‬

‫النسق اللغوي الثقافي في دراسة ما يصدر عن النساء‬

‫سمة هيمنة الرجل‪ .‬وتع ّد سنة ‪1969‬م بداية لهذه‬

‫وفهمه‪ ،‬كما قد يصدر عن الرجال‪.‬‬

‫الثورة في الغرب‪ ،‬التي ج��اء ظهور التفكيكية على‬ ‫يد جاك ديريدا داعماً لها؛ أل ّنه ش ّكك مببدأ األدب‬

‫فما تكتبه امل���رأة‪ ،‬وإن ك��ان منتجاً نسائياً يُعنى‬ ‫بتصوير جتارب النساء اليومية‪ ،‬ومطالبهن ووعيهن‬

‫النظري للنقد األدب��ي‪ ،‬وأك�� ّد العالقة اخلالفية بني‬

‫ال��ف��ك��ري وال��ذات��ي واالج��ت��م��اع��ي ف��ي إط���ار شرطهن‬

‫فإن املجال‬ ‫احلضور والغياب‪ ،‬وما دام األمر كذلك‪ّ ،‬‬

‫االجتماعي واالقتصادي‪ ،‬إال أ ّنه ال ميكن أن ينفصم‬

‫مفتوح على مصراعيه أمام امل��رأة‪ ،‬لتتجاوز املعايير‬

‫عن اإلدراك اجلمعي؛ وبذلك ال تغدو جزءاً من هيمنة‬

‫والقوالب اجلامدة‪ ،‬وتشتق معايير أخرى جديدة‪.‬‬

‫الرجل اإلدراك��ي��ة‪ ،‬بل ج��زءاً فاع ً‬ ‫ال فيها‪ ،‬وف��ي رسم‬

‫أن امل��رأة اخلارجة عن نير الرجل‪ ،‬الذي‬ ‫وال ب ّد ّ‬ ‫قمع منتجها ق��رون��اً طويلة‪ ،‬ق��د بغت ف��ي تأكيدها‬ ‫على خصوصية أدب��ه��ا أن تبرز جتربتها العاطفية‬ ‫واإلنسانية‪ ،‬ومن ثم تُعنى باكتشاف التاريخ األدبي‬ ‫امل���وروث للمرأة‪ ،‬وه��و ت��اري��خ لطاملا ه ّمشته سطوة‬ ‫الرجل املبدع‪ ،‬ومن ثم تسعى بعد ذلك إلى حتديد‬ ‫سمات خاصة للغة املرأة وألسلوبها‪ ،‬وذلك من خالل‬

‫مح ّددتها‪ ،‬فاملرأة قادرة‪ ،‬دون شك‪ ،‬واعتماداً على ما‬ ‫كتبته‪ ،‬على أن تنحاز لقضايا املجتمع‪ ،‬دون الوقوع في‬ ‫فخ الذاتية‪ ،‬والصدور عن مشاكله ومعاناته‪ ،‬شأنها‬ ‫في ذل��ك ش��أن الرجل‪ ،‬دون أن تستبعد إمكانية أن‬ ‫تفوقه في ذلك؛ فهي حالة إدراكية ليست دون حالة‬ ‫بأي شكل من األشكال إذا تساوت الشروط‬ ‫الرجل ّ‬ ‫الثقافية واالجتماعية‪.‬‬

‫التكامل املوصول في األعمال التي تبدعها املرأة‪،‬‬

‫واإلصرار على مصطلح الكتابة النسوية‪ ،‬واتهامها‬

‫سواء كانت هذه األعمال قدمية أم معاصرة‪ ،‬وبذلك‬

‫بالرغبة في البقاء حتت عباءة الرجل‪ ،‬وفي حمايته‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪83 1427‬‬


‫ورفضت تبخيس‬ ‫إن رفضته‪ ،‬وحاولت اخلروج عليه‪،‬‬ ‫ْ‬

‫أن ت��ب�� ّن��ي م���ا ي��س��م��ى بجنس‬ ‫ف��ل��ي��س خ��ف��ي��اً َّ‬

‫أدبها‪ ،‬ما هو إال صورة من صور التق ّبل السلبي ملنتج األدي����ب‪ ،‬ه��و بُ��ن��ي��ة ثقافية أنتجتها التحيزات‬ ‫وبلت الذكورية السائدة في الثقافات التي تسم املذ ّكر‬ ‫املرأة؛ فهو ال يختلف كثيراً عن الرفض الذي ُق ْ‬

‫به امل��رأة في منتصف القرن امل��اض��ي‪ ،‬مثل اتهامها بااليجابية‪ ،‬بينما تصف األنثى بالسلبية‪ ،‬وفق‬ ‫بأن رجاالً يكتبون لها‪ ،‬كما جرى مع وردة اليازجي‪ ،‬تصنيف جنسوي قصده تبخيس منتج املرأة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بأن أباها وأخاها يكتبان الشعر لها‪ ،‬أو واحل��ف��اظ ع��ل��ى م��رك��زي��ة ال��رج��ل ال��ق��ائ��م��ة على‬ ‫تهمت ّ‬ ‫التي أ ُ ْ‬ ‫وعدها ثانوية أو مضادة ملؤسسات‬ ‫تزهيدهما في الكتابة وتخويفها منها‪ ،‬أو تعريضها تهميش املرأة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لليأس من الكتابة‪ ،‬أو اتهامها بالتطفّل على الكتابة‪ ،‬الرجل ولرغباته‪ ،‬وإقصائها عن دورها اإلنساني‬ ‫وأن كتابتها دلع‪ ،‬أو إيصالها إلى حافة اجلنون‪ ،‬كما والفكري واإلبداعي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫حدث مع مي زيادة‪.‬‬

‫فاملرأة قادرة على االتصال مبجتمعها‪ ،‬بعيداً عن‬

‫إذن‪ ،‬فالرجل مطالب ب��االع��ت��راف ب��أدب املرأة تلك األسئلة التي يبقيها الرجل في أتون اجلدل‪ ،‬حول‬ ‫صنواً له‪ ،‬ال تابعاً‪ ،‬يتق ّبله على مضض‪ ،‬ويعطيه قيمة إن كانت تكتب بشكل مختلف عن الرجل‪ ،‬وافتراض‬

‫تبخيسية مسبقة مبصطلح "الكتابة النسوية"‪ ،‬واملرأة‪ .‬ذل��ك ج��دالً‪ ،‬ثم ر ّد ذل��ك االخ��ت�لاف إل��ى البيولوجيا‬ ‫أي جندرية في تصنيف أدبها‪ ،‬والتجربة واخلطاب والالوعي والبعد االجتماعي؛‬ ‫األديبة مطالبة برفض ّ‬ ‫أن‬ ‫أن اخلطاب النسوي يؤكد فكرة مفادها ّ‬ ‫إنمّ ا إخضاعه وفق تصنيف يعتمد على جنس األدب في حني ّ‬ ‫خطاب مستق ٌل بذاته‪،‬‬ ‫ذات���ه‪ ،‬ال جنس كاتبه‪ ،‬وإح�ل�ال مصطلح اخلطاب التجربة النسوية للمبدعة هي‬ ‫ٌ‬

‫النسوي بدي ً‬ ‫درس من داخله‬ ‫ال عن مصطلح الكتابة النسوية‪ ،‬وذلك شأنه في ذلك شأن خطاب الرجل‪ ،‬يُ ُ‬ ‫يستوجب مسبقاً العمل على تأكيد دخ��ول املرأة ومن داللته دون التوقف عند جنس كاتبه‪ ،‬فال فرق‬

‫املبدعة تاريخ اإلب��داع العاملي‪ ،‬واسترداد األصوات بني ما تكتب امل��رأة وال��رج��ل‪ ،‬إال مبقدار الفرق بني‬ ‫شت عبر التاريخ‪ ،‬والتشاور والتنسيق بني ما يكتبه رجل وآخ��ر‪ ،‬وفق ما أعطي ك ّل منهما من‬ ‫التي ُه ّم ْ‬ ‫املبدعات واملفكرات‪ ،‬ثم ايجاد حوار ولغة مشتركة موهبة‪ ،‬وسانح ثقافة‪ ،‬وعميق إطالع؛ وبذلك يصبح‬ ‫ب�ين امل���رأة وال��رج��ل‪ ،‬تعمل على التح ّرر م��ن جميع اخل��ط��اب ال��ن��س��وي منتجاً ل��ه م��ي��زات��ه ال��ب��ع��ي��دة عن‬ ‫املوروثات املتخلّفة‪ ،‬التي ك ّبلت إب��داع امل��رأة لقرون العنصرية اجلنسية‪ ،‬التي يطرحها مصطلح "الكتابة‬ ‫طويلة‪ ،‬وص��والً إلى ربط امل��رأة بشروط ومعطيات النسوية"‪ ،‬فاملبدع إنسا ٌن بالدرجة األولى أرج ٌل كان‬ ‫واقعها وحياتها وحاجاتها‪.‬‬ ‫< محاضرة بالجامعة األردنية وقاصة وكاتبة‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫أم امرأة‪.‬‬


‫ثنائية احللم والواقع‪:‬‬

‫نوستاجليا تعبق بـ" رائحة الطفولة "‬ ‫في املجموعة القصصية‬

‫للقاص السعودي عبد الرحمن الدرعان‬ ‫> نور الدين بازين‬ ‫" ال أحد في شرق المدينة أو غربها إال يعرفها‪،‬‬ ‫ام���رأة ب�لا اس��م تعتل على كتفيها الناحلتين كفناً‬ ‫متأهباً لالنقضاض على بقية جسمها‪ ،‬وتمضي‬ ‫ف��ي ال��ط��رق ال��ش��ائ��خ��ة ك��أن��ه��ا تبحث ع��ن م��وق��ع ما‬ ‫يالئم ضريحها"(‪ ..)1‬بهذه الجملة الالقطة‪ ،‬واصفاً‬ ‫حالة إنسانية‪ ،‬استهل المبدع القاص السعودي عبد‬ ‫الرحمن الدرعان إضمامته "رائحة الطفولة"‪.‬‬ ‫وهذا المدخل الذي ابتدأ بال النافية‪ ،‬جاء ضمن‬ ‫قصة "رسالة" وهي القصة األولى في اإلضمامة‪ ،‬وبما‬ ‫أن للرسالة قوالب محددة في الكتابة‪ ،‬ال تشبه غيرها‬ ‫من أنواع األجناس األدبية‪ ،‬وال بد لها أن تحافظ على‬ ‫قالب وعالمات التراسل‪ :‬أي من مرسل إلى مرسل‬ ‫إل��ي��ه‪ ،‬لكن المالحظ ف��ي رس��ال��ة ال��ق��اص الدرعان‪،‬‬ ‫أنها تمردت على قانون كتابة الرسائل؛ وزاغت عن‬ ‫األسلوب المتعارف عليه في كتابة الرسائل‪ ،‬فالقاص‬ ‫لم ينضبط للخصائص الفنية في كتابة الرسالة‪،‬‬ ‫ال ككتابة التاريخ أو ذيلها بتوقيع أو طابع ما‪،‬‬ ‫مث ً‬ ‫فنراه بذلك يريد تمويه القارئ والتحايل عليه‪ ،‬حين‬ ‫ب��دأ األض��م��ام��ة بقصة "رس��ال��ة"‪ .‬فهو بتناوله لهذا‬ ‫العنوان المثير‪ ،‬يريد أن يشد القارئ إليه منذ الوهلة‬ ‫األولى‪ ،‬نافياً‪ ،‬ومستغرباً‪ ،‬ومعرفاً‪ ،‬وبانياً شكل القصة‬ ‫للمجهول‪ ،‬يقول‪" :‬ال أحد في شرق المدينة أو غربها‬

‫<‬

‫إال يعرفها"(‪ .)2‬فالمتأمل لتركيبة هذه الجملة‪ ،‬سيجد‬ ‫أن معنى التراسل حضر بقوة‪ ،‬لكن ه��ذا الحضور‬ ‫أضمره الكاتب عن قصد‪ ،‬إذ عمّم معنى الرسالة‬ ‫وجعلها تكتب بلغة أدبية متعارف عليها ومستهلكة‪،‬‬ ‫لكن بأسلوب مميز يحرض على القراءة‪ .‬المفارقة‬ ‫الغريبة المحصل عليها في تناولنا التحليلي هذا‪،‬‬ ‫نجد أن القصة كتبت بنوع من الغموض الناصح‪،‬‬ ‫فهو يثير فينا التساؤل‪ ،‬ويجعل المتلقي ينغمس في‬ ‫تقاطعات جدلية‪ ..‬فقصة "رسالة"– الرسالية تستفز‬ ‫قارئها وتجعله يتابع خاتمة المرأة بإحساس خجول‪،‬‬ ‫وكأنه يتلقى رسالة من صديق ما‪ ..‬تضطره كلماتها‬ ‫إلى المشاركة في إب��داء ال��رأي والجواب عن أسئلة‬ ‫كثيرة لم يضعها كاتبها‪.‬‬ ‫لنتسائل ونحلل قصة "رسالة"‪ ،‬من خالل ما تحبل‬ ‫ب��ه م��ن ال��رم��وز وال����دالالت‪ ،‬فالكاتب ش��فّ��ر رسالته‬ ‫المحكية‪ ،‬وترك للقارئ الحاذق حرية التأويل‪ ،‬فرمز‬ ‫المرأة في قصة "رسالة" هي‪ ،‬في اعتقادنا‪ ،‬البالد‬ ‫العربية؛ فليس المرأة هي المرأة بالمعنى المتداول‪..‬‬ ‫ولنا الحق أن نستحضر هذا المعنى االفتراض‪ ،‬ما‬ ‫دام أن النص أصبح ملكاً للقرّاء‪ .‬فالمرأة‪ /‬األمة‬ ‫العربية تعيش حالة بئيسة‪ ،‬فهي امرأة‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪85 1427‬‬


‫بال اسم بال زعيم حقيقي‪.‬‬ ‫تنتعل على كتفيها الناحلتين‪ :‬أي المشرق والمغرب‬ ‫العربيين‪.‬‬ ‫متأهبة ل�لان��ق��ض��اض ع��ل��ى بقية جسمها‪ :‬أي‬ ‫التناحر فيما بين األقطار العربية(‪.)3‬‬ ‫فالقاص عبد الرحمن الدرعان‪ ،‬برع في تصوير‬ ‫حال األمة بهذه االستعارة‪ ،‬وال عمري‪ ،‬أنه قرب بها‬ ‫الحالة التي يعيشها العرب ال��ي��وم‪ :‬وه��ي حالة أمة‬ ‫تشهد موتها في حياتها‪ ،‬ليبقى السؤال الجوهري‪،‬‬ ‫الذي رافقنا منذ قراءتنا األولى للقصة – الرسالة‪،‬‬ ‫هو‪ :‬لمن وجّ ه الكاتب رسالته التي يريد بها االلتفات‬ ‫نحو هذه المرأة‪ /‬األمة العربية‪ ،‬التي كان ماضيها‬ ‫ينعم باألمجاد واالنتصارات‪..‬؟‬ ‫يقول‪ " :‬فكرت ذات ضحى – بدافع الخوف على‬ ‫الماضي الجميل ال��ذي ش��رع ينقرض‪ -‬أن ألتقط‬ ‫ص���ورة"(‪ .)4‬الصورة التي فكّر الكاتب في التقاطها‬ ‫لهذه المرأة‪ ،‬لن تكتمل؛ فهو يأتي في آخر الرسالة‬ ‫ القصة‪ ،‬ويعترف أن هذه المرأة ماتت‪ ،‬ودليله في‬‫ذلك‪ ،‬تلك الرائحة التي فاحت من جنازتها يقول‪:‬‬

‫ناضجة‪ ،‬فألنه يكتسب حدساً وخياالً‪ ،‬وإذا كانت قصة‬ ‫(رسالة) حدثتنا عن حالة احتضار األمة العربية (في‬ ‫نظري) من خالل المرأة‪ ،‬فإن قصة (ليلة الحشر)‬ ‫هي ص��ورة مليئة بالفساد والضياع والتسلط‪ .‬ومن‬ ‫البديهي أن القاص الدرعان ينسج ذلك بكتابة أدبية‬ ‫متداخلة‪ ،‬تبرز ص��وراً من المجتمع‪ ،‬وخاصة فساد‬ ‫اإلدارة العربية‪ ،‬التي تنخرها الرشوة المتفشية بشكل‬ ‫الفت‪ ..‬وها هي قصة (ليلة الحشر)‪ ،‬توغل بالقارئ‬ ‫في صور الحشر الذي نعيشه‪ .‬القاص يعيد مالمح‬ ‫رحلة قصيرة في ليلة واح��دة‪ ،‬جعل القارئ يسافر‬ ‫معه بحذر كبير‪ ،‬استنزف جهده للفهم‪ ،‬فالقاص‬ ‫رغ��م الغموض ال��ذي ألبسنا في ه��ذه القصة‪ ،‬فقد‬ ‫بعث إشارات واضحة ورموزا تنم عن أشياء وأسماء‬ ‫���ور معيشية‪ ،‬يحتك بها اإلن��س��ان ف��ي ك��ل زمان‬ ‫وص ٍ‬ ‫ومكان عربيين‪.‬‬

‫يبدأ عبد الرحمن ال��درع��ان كتابة قصة (ليلة‬ ‫الحشر) بسؤال يصاحبه التعجب‪ ،‬عكس قصته األولى‬ ‫(رسالة)‪ ،‬التي بدأها بالنفي‪ ،‬فهو يقول في مستهل‬ ‫قصة (ليلة الحشر)‪" :‬هل ستتأخر عندهم‪..‬؟(‪ ،)6‬وهو‬ ‫بهذا المدخل يقدم لنا حالة استثنائية‪ ،‬تؤدي بنا إلى‬ ‫فهم معنى القصة‪ ،‬منذ البداية‪ ،‬رغم الضمور الذي‬ ‫"رائحة صالة ما تفوح من جنازتها‪ ..‬وعلى شفتيها‬ ‫يريد أن يُلبسه لها الكاتب عن قصد مسبق منه‪.‬‬ ‫جملة لم تكتمل"(‪ .)5‬والمالحظ‪ ،‬أن الكاتب حاول‪،‬‬ ‫فهو قسّ م القصة إلى أربعة أبواب حضيت بتقسيم‬ ‫مرة أخ��رى‪ ،‬استعمال المجاز‪ ،‬حين يقول إن هناك‬ ‫محكم وبناء جيد؛ فهناك ثالثة أبواب منها احتكمت‬ ‫صالة لها رائحة‪ ..‬وهل للصالة رائحة‪..‬؟‬ ‫مداخلها إلى أسئلة مباشرة‪ )1 :‬هل ستتأخر عندهم؟‪.‬‬ ‫ربما يرمز إلى طهارة المرأة أو دنسها‪ ..‬لنالحظ‬ ‫‪ )2‬أعتقوك أخـيراً‪..‬؟ ‪ )3‬أليس غريباً هذا الزحام في‬ ‫جيداً‪ ،‬فهو لم يعرف كلمة (صالة)‪ ،‬حيث قال‪" :‬رائحة‬ ‫البرد؟‪ .‬وهناك باب آخر يوشي مدخله بالمفاجأة ‪)4‬‬ ‫صالة "‪.‬‬ ‫فجأة ألمحت السائق‪ ..‬ال��خ‪ .)7(.‬وإذا أعدنا تفكيك‬ ‫أي صالة‪..‬؟ وأي رائحة‪..‬؟ فهو من كل ذلك يريد النص (ليلة الحشر)‪ ،‬فإن األب��واب األربعة المكّونة‬ ‫التأكيد على وج��ود صالة خاصة بهذه المرأة التي ل��ه‪ ،‬س��ت��ك��وَن لنا قصصاً قصيرة ج���داً‪ ،‬وف��ي حالة‬ ‫تركت لنا رسالة غير مؤرخة وغير موقعة‪ ،‬وتنتظر التفكيك وإعادة بناء النصوص األربعة في قصة (ليلة‬ ‫منا أن نتممها… إذا ك��ان ال��ق��اص ه��و ال���ذي يصور الحشر)‪ ،‬فإن هذا التفكك سوف ال يظهر للقارئ‪،‬‬ ‫أحوال الواقع بعناية أدبية راقية‪ ،‬ويرى األشياء برؤية فقد عمل الكاتب على تركيب القصة بعين محترفة‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫ال��دالالت واإلش��ارات‪ ،‬لتحيلنا إلى ال��ذات‪ ،‬ونستعيد‬ ‫معها اللحظات الهاربة من بين أناملنا الصغيرة‪ ،‬في‬ ‫فترة هي من أجمل وأروع فترات عمرنا‪ ،‬وهي مرحلة‬ ‫الطفولة؛ فمن خاللها‪ ،‬نسترجع ذكريات نمتحها من‬ ‫صور اليومي؛ فلذة الحلم والخـيال يمتزجان بالواقع‬ ‫المعـيشي‪ ،‬وهـذا ما تحـاول قصـة "رائحة الطفولة "‬ ‫الحاملة لعنوان المجموعة القصصية‪ ،‬وهي موسومة‬ ‫بأشجان الماضي‪،‬‬ ‫مهداة إلى رجل كث‬ ‫اللحية يسمى جار‬ ‫الله الحميد أن تبوح‬ ‫به‪.‬‬

‫وسلسلها بأسلوب سردي راق‪ ،‬يمكن تفكيكه دون أن‬ ‫يظهر ذلك في أبواب القصة األربعة‪ ،‬فالباب األول‬ ‫يجسد لنا مالمح الخوف والتسلط‪ ،‬يقول الكاتب‬ ‫فيه‪" :‬سأعتقلك حتى تتبول ف��ي م�لاب��س��ك‪ ،"..‬أما‬ ‫الباب الثاني فهو يجسد مالمح الظلم والذل‪" :‬أيعقل‬ ‫أن أقتل أحداً أو أنسف مصلحة حتى يوقفوني زهاء‬ ‫ساعة للتحقيق معي أمام المأل‪ ،‬إن ارتداء القميص‪،‬‬ ‫ي���ش���ك���ل بالنسبة‬ ‫ل����ي أح�����د األعمال‬ ‫الشاقة"‪ ..‬أما الباب‬ ‫فيصور‬ ‫ال����ث����ال����ث ّ‬ ‫م��ل�ام����ح الفوضى‬ ‫وال����ف����س����اد ي���ق���ول‪":‬‬ ‫ك��م��ا أن هناك‬ ‫أل���ي���س غ��ري��ب��اً هدا‬ ‫ت���ج���اذب ق����وي بين‬ ‫ال��زح��ام ف��ي البرد؟‬ ‫ال���زم���ن وب���ي���ن ذات‬ ‫وك��ذل��ك‪" :‬ف��ف��ي هذا‬ ‫القاص‪ ،‬حيث يعيد‬ ‫ال��م��ك��ان ادف���ع بالتي‬ ‫صور الماضي‪:‬‬ ‫ه���ي أح���س���ن وتوكل‬ ‫"‪ ..‬وع����اب����ث����ت‬ ‫ع��ل��ى ال���ل���ه"‪ ،‬ويقول‬ ‫خ����ي����ط عصابتها‬ ‫م����رة أخ������رى‪" :‬عند‬ ‫ال���ط���وي���ل المتدلي‬ ‫رك�����وب�����ن�����ا خ���رج���ت‬ ‫على كنفها اليابس‪،‬‬ ‫بحساب ذهني ثمن‬ ‫وحشرتني الرائحة‬ ‫ال��رش��وة‪ ،‬ومصاريف‬ ‫ف����ي م��ض��ي��ق مليء‬ ‫ال�����ط�����ري�����ق‪»..‬؛ أما‬ ‫ب���أش���ج���ار الحناء‪،‬‬ ‫ال���ب���اب ال���راب���ع فهو‬ ‫�لا أرك����ض فوق‬ ‫ط��ف ً‬ ‫������وض������ح ال���ض���ي���اع‬ ‫ي ّ‬ ‫ت���راب القرية خلف‬ ‫حيث يقول الكاتب‪:‬‬ ‫األغ����ن����ام السائبة‬ ‫"فجأة لمحت السائق‬ ‫يحاول أن يوقظ شاباً مرمياً في زاوية الصالة مثل مليئاً بالغبطة واألحالم والخوف المسن من عفاريت‬ ‫ال��ظ��ه��ي��رة"(‪ .)9‬إن المتأمل في نصوص المجموعة‪،‬‬ ‫بالة التبن‪.)8( "..‬‬ ‫حركات وأفعاالً يبدع فيه القاص‪ ،‬بطريقة‬ ‫ٍ‬ ‫سيرصد‬ ‫ك��ل ه���ذه األب����واب تنسجم م��ع بعضها البعض‪ ،‬تنم عن إمكانية وجود إحساس كبير لديه‪ ،‬والمبدع‬ ‫لتترك مساحة ح��رة للتسلسل أو التفكك‪ .‬تضمر مأخوذ بصور الماضي‪ ،‬وم��ش��دوه بصور الحاضر؛‬ ‫المجموعة القصصية "رائ��ح��ة الطفولة" كثيراً من يقتنص ك��ل لحظة م��ن حياته الماضية‪ ،‬لكي يعيد‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪87 1427‬‬


‫توازنه النفسي من خ�لال القصص الخمسة‪ ،‬التي‬ ‫احتوتها المجموعة‪ ،‬والتي اختار لها عنواناً يتغذى‬ ‫من طبق غني بذكريات الطفولة الموزعة بين الزمان‬ ‫والمكان والعائلة واألص��دق��اء‪ ،‬واضعاً أسئلة كثيرة‬ ‫حول المصير‪:‬‬

‫لوجدانه ووج��وده منذ أن كان طفالً‪ ،‬يواجه أحالمه‬ ‫الصغيرة بالتي هي أحسن‪ .‬كما أن وجود األب في‬ ‫المجموعة القصصية هو تأكيد ضمني على تأثيره‬ ‫في نفسية قاصنا‪ ،‬وكذلك تحديد مصيره‪ ،‬مع تبيان‬ ‫مفضوح للسلطة األبوية‪ ،‬يقول في نص "الصعلوك"‪:‬‬

‫"في الممر كنا وحدنا‪ ،‬أمي وأنا وأخي‪ ،‬ولم يكن‬ ‫"أخ���ي األك��ب��ر ال���ذي ك��ان مبتعثاً قبل أن يفتتح‬ ‫في الممر ثمة أحد غيرنا‪،‬أجلت عيني في خارطة الصندوق العقاري‪ ،‬يقول مخاطباً أبي‪:‬‬ ‫العائلة‪ ..‬ثم زويت عيني إلى أخي األصغر‪ ،‬فإذا به‬ ‫– بل هو االب��ن الشرعي ل�لأرض ال��ذي بقى وفياً‬ ‫يحدق بعينين تفيضان باإلحساس بالفقدان‪ ..‬لكني‬ ‫لها‪ ،‬لم يتخل عنها ولم يخجل من سمائها‪ ،‬ولم يشارك‬ ‫شعرت في هذه اللحظة‪ ،‬أنه أنا ذلك الطفل الصغير‪،‬‬ ‫في والئم الحزاب‪ ،‬وال في سرقة أموال المناقصات‬ ‫ال���ذي يتعين عليه أن يبحث ف��ي م�لام��ح أخ��ي��ه عن‬ ‫واالنتدابات الوهمية‪ ،‬أسوة بكم أيها الموظفون‪ .‬أبي‬ ‫مالمح أبيه‪.‬‬ ‫يفتح عينيه على اتساعهما‪ ،‬وبعد أن يبصق عليه‬ ‫ واب��ت��ل��ع��ت ال����س����ؤال‪ :‬م���ا ال�����ذي س����وف يبقى ويحاكمه بالطرد من البيت‪ ،‬متذرعاً بأنه وافق على‬‫(‪)10‬‬ ‫لنا؟!!‬ ‫بعثته من أجل العلم الغانم‪ ،‬ال من أجل أن يعود من‬ ‫وفي النص نفسه يقول‪:‬‬

‫ديار الكفار لكي يربينا هذا العاق"‪.‬‬ ‫ويقول كذلك في النص نفسه‪:‬‬

‫" كل الصور قد تذبل‪ ،‬ال تموت‪ ،‬لكنها لربما ذبلت‬ ‫لتتفتح من جديد‪ ،‬ولكن أي قوة في الكرة األرضية‬ ‫"‪ -‬بعد العشاء بقليل‪ ،‬سيعود أب��ي من الصالة‪،‬‬ ‫تستطيع أن تمحو من خاطره صورة الوداع المقعرة وينهرني‪:‬‬ ‫في تجاويف دماغه‪ ،‬والمرتدة على قبة روحه‪ ..‬في‬ ‫(‪)12‬‬ ‫ صليت؟" والقاص يعيد تراكيب صور الحياة‬‫لحظة ينخلع الغصن فيها عن أمه‪ ،‬تحت وحشية ريح‬ ‫الماضية‪ ،‬فإنه يتأثر بالنزعة العائلية‪ ،‬ويحدثنا عن‬ ‫(‪)11‬‬ ‫صرصر طائشة وعمياء"‪. ..‬‬ ‫أخ��ي��ه وأم���ه وأب��ي��ه وج��دت��ه واأله���ل واألس����رة؛ لذلك‬ ‫إن ك��ث��اف��ة األح��ل�ام ال��ت��ي ت��زخ��ر ب��ه��ا المجموعة نجد في قصصه لغة مختلفة إلى حد ما‪ ،‬نجد نوعا‬ ‫ال��ق��ص��ص��ي��ة‪ ،‬وال���ت���ي ت��ه��ط��ل ك��ق��ط��رات ال��م��ط��ر بين من الحنين إلى الماضي المجسد في ذكره ألسماء‬ ‫سطورها‪ ،‬ج��اءت لتطمس آث��ار الواقع المر‪ ،‬وتعيد األشخاص واألماكن‪.‬‬ ‫مالمح العربدة والصعلكة‪ ،‬وطقوس الماضي التي‬ ‫وي��ق��ول‪" :‬ه��و صديقنا جميعاً" صديق األشجار‬ ‫أسستها وج��وه��اً وش��خ��وص��اً م��رت ف��ي الحلم مرور‬ ‫والقطط العائدة من ط��واف النهار وم�لاذ األطفال‬ ‫الكرام‪ ،‬حيث نمضي برفقة المجموعة القصصية إلى‬ ‫الهاربين من المدرسة‪ ،‬خاصة عندما تمطر السماء‪،‬‬ ‫جدائل النخيل‪ ،‬ونصنع معه تصويراً دقيقاً للحاالت‬ ‫وتنادينا الغيوم البيضاء‪ ،‬لنعرف أغنيتنا األثيرة التي‬ ‫ال��ت��ي تنقشها ال��وج��وه وال��ك��ائ��ن��ات ب���م���رارة‪ ،‬تمتزج‬ ‫حفظناها بالتلقين‪ ،‬نستدعي الماء‪ ،‬ونؤلب األرض‪،‬‬ ‫بلذة تعيد القاص إلى طفولته وصعلكته‪ .‬إن وجود‬ ‫شخصية األم في المجموعة‪ ،‬له حضور قوي‪ ،‬إذ إنها أن تقوم من يأسها إلى الربيع القريب‪.)13("..‬‬ ‫يقول كذلك‪ ..." :‬يناديه المؤذن واإلمام‪ ،‬وصاحب‬ ‫المدد عند اإلحساس بالضياع والتيه‪ ،‬وهي مرجع‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫(‪)16‬‬ ‫البقالة البخيل‪ ،‬الذي ال تستطيع نملة أن تسرق منه بكثير من سنها‪. "..‬‬ ‫(‪)14‬‬ ‫حبة سكر‪. "...‬‬ ‫ثم يسترسل وصفاً فلنتأمل معه ه��ذه الصورة‬ ‫إن التجاور المتناسق في قصص عبد الرحمن الدالة على كثافة رمزية‪:‬‬ ‫الدرعان‪ ،‬بين الحلم والواقع‪ ،‬في استرجاع الذكريات‪،‬‬ ‫"وح���دي كنت أراق���ب الحلقة المرصعة بالنساء‬ ‫يضعنا أم��ام كاتب يتقن حرفته بالوصف الدقيق‪ ،‬ب���اس���ت���غ���راب‪ ..‬وأص���غ���ى إل���ى ص���وت ال��ع��ص��ي التي‬ ‫والتصوير ذو النبرة الحزينة‪ ،‬يخلع تقاليد حياة تتحكم تهوى على الطبول في ال��خ��ارج‪ ..‬أتحسس ظهري‪،‬‬ ‫بها أعراف األجداد واآلباء‪ ،‬وهو مع ذلك يحاول أن وأحول بكل ما أوتيت من خوفي من الغد‪ ..‬أن أجد‬ ‫يتجرد منها بصعلوكيته وتمرده‪ ،‬ولو بممارسة الحلم خالتي‪،‬التي لم تكن إال خالتي من الرضاعة‪ ،‬لعلي أجد‬ ‫واكتشاف ذاته‪ ،‬كما يدل حديثه هذا‪:‬‬ ‫في عباءتها المضرجة برائحة البرسيم خيطاً أرتق‬

‫"في الظل المنكسر عن الحائط الشرقي‪ ،‬جلسنا‬ ‫نحن الثالثة نراقب جدي‪ ،‬وهو يضع مزيداً من التبن‬ ‫على رغوة الطين‪ ،‬ويكلم نفسه بكلمات تفوح برائحة‬ ‫ال��رث��اء وال��ي��أس‪ .‬ك��ان الفناء م��م��ل��وءاً بالجلود التي‬ ‫تنتظر‪ ،‬الدبغ‪ ،‬طفت حواليها قليالً‪ ،‬ثم دلفت إلى‬ ‫غرفة أمي‪ ،‬فاستحسنت أن أجرب فستانها المعلق‬ ‫على ظهر الباب‪ ،‬وأفاجيء الجميع بأن أتقمص دور‬ ‫ام���رأة تتسول‪ ،‬لكنني أحجمت بسبب ال��ج��وع‪ ،‬من‬ ‫الخارج جاءني صوت أمي وهي تناديني ألول مرة في‬ ‫(‪)15‬‬ ‫حياتي‪. "..‬‬

‫به آثار الجروح‪ ،‬التي ستتفتح عندما يتنزه السوط‬ ‫على طول جسمي وأنا تحت قدمي أبي أرقب السماء‬ ‫البعيدة‪ ،‬ومن حدقتيه يتقادح شرر أحمر ممدداً على‬ ‫(‪)17‬‬ ‫بعد سيف أو شاهدة من موتي" ‪.‬‬

‫إن ثنائية الحلم وال��واق��ع تبقى ح��اض��رة داخل‬ ‫نصوص المجموعة "رائحة الطفولة"؛ فقد تعايشت‬ ‫الصفتان منذ أول نص فيها‪ ،‬وخلقت لنا نظريات‬ ‫وخالصات استمتعنا بها كل ما كررنا القراءة وأعدنا‬ ‫اكتشاف النصوص‪ .‬وقد كان في هذا التعايش حمولة‬ ‫للدالالت والرموز‪ ،‬يفطن لها من يدرك مغزى الرسائل‬ ‫ال يكاد القاص عبد الرحمن الدرعان‪ ،‬يجد ذاته داخل نصوص المجموعة‪ ،‬وخصوصاً في قصة‪" :‬دم‬ ‫الهائمة بين الحلم وال��واق��ع‪ ،‬حتى يحس من جديد الجمعة" مصوراً لنا صراعه مع األحالم يقول‪:‬‬ ‫بالضياع‪ ،‬ومع ذلك فهو يقاوم لكي يسترجع توازنه‬ ‫" ذلك اليوم – هو الجمعة بال ريب – ساعة ما‬ ‫ال��م��س��روق‪ ،‬ث��م يسيل ف��ي وص��ف ال��ح��ي��اة والطبيعة قبل المغيب تحديداً‪ ،‬ثمة شيء ما‪ ،‬ربما يد إنسان‬ ‫واإلنسان‪ ،‬حيث يسري في وصفه الجميل لألشياء تتحرش بك أن تخلد إلى نومك‪ ،‬لتصحو في الحلم‬ ‫بدقة‪ ،‬قد تخلو من مبالغة في الزيادة أو النقصان من على أث��ر ارت��ط��ام��ك بالمشهد ال��ب��ع��ي��د‪ ..‬تنتبه إلى‬ ‫زاوية اللغة‪ ،‬ثم يزرع في عقول القراء صوراً يكون قد الرضوض فإذا إنها قد كبرت وغارت بعيداً إلى الحد‬ ‫(‪)18‬‬ ‫خاضها في طفولته‪ ،‬ليجد نفسه في القصة‪ ،‬وال أدل العصي على االندمال" ‪.‬‬ ‫على ذلك من هذه الفقرة‪:‬‬ ‫ولعل وصف الشغب الطفولي‪ ،‬واكتشاف الذات‬ ‫"كانت النساء يشيدن أغنيات صغيرة ذات إيقاع والذكورة‪ ،‬هي من أبلغ الصور التي تبقى في مخيلة‬ ‫سريع واسم أمي يلتمع خطفاً بين الكلمات ثم يغيب‪ ،‬اإلن��س��ان‪ ،‬فال يجد اإلنسان من ذل��ك مهرباً‪ ،‬فيبدأ‬ ‫ووحدها كانت منكّسة الرأس داخل الزفة‪ ،‬والنظرات يحاول البحث عن صيد ثمين يزرع فيه أنيابه‪ ،‬ويبدأ‬ ‫تتجه إليها‪ ،‬ت��رت��دي ثياباً زاه��ي��ة‪ ،‬وق��د ب��دت أصغر ف��ي االه��ت��م��ام بشكله‪ ،‬وإث����ارة ف��ض��ول ب��ن��ات الحي‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪89 1427‬‬


‫وتنغمس عيناه في جسم إح��داه��ن‪ ،‬وتبدأ المناورة‬ ‫ولفت النظر‪ ..‬لكن حين ينفرد الذئب بصيده‪ ،‬تغيب‬ ‫ال��روم��ان��س��ي��ة وال��ل��ط��ف‪ ،‬ويغيب األدب واإلنسانية‪،‬‬ ‫وتحضر ب���دالً عنها الوحشية ال��ت��ي تسكن البشر‬ ‫وتظهر في وقتها‪ ،‬وهذا ما يريد القاص عبد الرحمن‬ ‫أن يوضحه في صورة خيالية حين يتحدث عن الفتاة‬ ‫" مريم" يقول‪:‬‬

‫تعلّقه الجميل بالمرأة من خالل أمه وجدته وأخته‪،‬‬ ‫وكذلك بنت الجيران التي يكشف عن حبها له‪ ،‬ذلك‬ ‫ال��دم وه��ي إحالة على زواجها من غيره‪ ،‬والصبر‬ ‫الذي لقيه من أمه‪ ..‬فحب الطفولة له لذة خاصة‬ ‫وجميلة‪ ،‬يحتل القلب ب��دون إذن من م��واله‪ ،‬وينزل‬ ‫بالجسم تغييراً كبيراً‪ ،‬فيبدل شكل صاحبه‪ ،‬وربما‬ ‫في بعض األحيان تصيبه حمى‪ ،‬فيتيه العقل في‬ ‫ال بصدمة أو حادثة‪،‬‬ ‫أحالم ال حدود لها‪ ،‬وال يفيق إ ّ‬ ‫تعيده إلى الواقع‪ ،‬يقول‪" :‬تصل إليك أسرارهن التي‬ ‫تمجّ د حالوة عينيها‪ ..‬ضحكتها الدافئة‪ ..‬شعرها‬ ‫الهارب سبطاً ناعماً‪ ،‬للدرجة التي تجعل الماشطة‬ ‫ت��ف��رش ل��ه��ا ب��س��اط��اً أث��ن��اء ال��ت��س��ري��ح‪ ،‬ت��ت��ذك��ر حتى‬ ‫أكاذيبها العذبة‪ ،‬وأن��ت تسترق السمع لكي تتخيل‬ ‫(‪)21‬‬ ‫هذه األسطورة‪ ،‬وتتمنى أن تراها‪. "..‬‬

‫< كاتب مغربي‪bazinenoureddine@yahoo.fr .‬‬ ‫‪ – 1‬المجموعة القصصية "رائحة الطفولة"‪ ،‬نص "رسالة"‪.‬‬ ‫‪ 2،3،4،5‬النص نفسه‪.‬‬‫‪ 6-‬نص ليلة الحشر من نفس المجموعة‪.‬‬

‫‪ - 8 ،7‬النص نفسه‪.‬‬ ‫‪ 11- ،9،10‬نص رائحة الطفولة‪.‬‬ ‫‪ 12،13،14،15،16،17‬نص الصعلوك‪.‬‬‫‪ 18،19،20،21-‬نص دم الجمعة‬

‫"ما كان يخطر ذلك في بالك أبداً وحين شاهدت‬ ‫"مريم" تتعثر في حاشية عباءتها‪ ،‬في ذلك اليوم الذي‬ ‫لن تنساه كمنعطف خطير في تاريخك الشخصي‪،‬‬ ‫وفسرت األم��ر على أنه من قبيل التجريب‪ ،‬وهكذا‬ ‫عانقتها مكباً على أطرافك األربعة‪ ،‬وشرعت تعوي‬ ‫ال في الحال مسرحية‪ ،‬أنت تستحوذ على‬ ‫خلفها مرتج ً‬ ‫دور الذئب الجائع إلى عنزته الجميلة‪ ،‬وكنت بالفعل‬ ‫مصمماً على أن تنضغ عباءتها‪ ،‬فلم يدر في خلدك‬ ‫إن القاص عبد الرحمن الدرعان يثير كثيراً من‬ ‫أنها سوف تختفي إلى األبد إال عندما انتهرتك أمك المشاهد في نصوصه‪ ،‬كما أن تجربته في نصوص‬ ‫بقسوة وكأنها تتقمص دور الراعي‪ ،‬لوال تلك الجدية " رائحة الطفولة "‪ ،‬تجربة تستحق أكثر من قراءة‬ ‫التي تعرفها جيداً قائلةً‪ :‬إن البنت كبرت (!!)"(‪.)19‬‬ ‫ووق��ف��ة؛ فهو على الرغم من تميزه بالوصف‪ ،‬فإنه‬ ‫وكذلك‪ ":‬عبود! هل يمكنني أن ألد كالنساء بسبب يكتنز بلغة تمتح من الرموز والدالالت‪ ،‬تورّط القارئ‬ ‫والناقد معاً وتجعلهما يبديان اجتهاداً في االقتراب‬ ‫الدم؟ ‪ -‬أي دم‪ ،‬هل جرحت أيضاً؟‬ ‫أكثر من نصوصه‪ ،‬وخلق حميمية معها؛ فهو ينهج في‬ ‫لكنها أجفلت حينما أفاقت على فضاعة السلوك‪ ،‬كتاباته لعبة السهل الممتنع‪ ،‬بلغة بسيطة وقريبة من‬ ‫الذي قامت به‪،‬‬ ‫واختفت إلى األبد تارك ًة الولد يلعق الواقع‪ ،‬يعتمد على محيطه وبيئته مختصراً الحياة‬ ‫(‪)20‬‬ ‫األسئلة تلو األسئلة" ‪.‬‬ ‫ف��ي ش��خ��وص ت��ع��د ع��ل��ى رؤوس األص���اب���ع‪ ،‬ل��ك��ن مع‬ ‫من الممتع حقاً أن نجد حضور المرأة في جميع خلق تغيّر في األسلوب والفكرة‪ ،‬كما يضع كثيراً من‬ ‫قصص المجموعة‪ ،‬فكل م��ا نالحظه ه��و منحها األسئلة والعناصر ليشركنا في عالمه الطفولي‪ ،‬وهو‬ ‫مكانة ج��ي��دة داخ���ل ال��ن��ص��وص‪ ،‬واح��ت��رام وضعها عالم البراءة والتلقائية‪ ،‬وكنز اإلنسان الذي ال يفنى‪،‬‬ ‫األن��ث��وي‪ ،‬وم��ن هنا يتجلى ب��وض��وح كبير النَفَس والرائحة التي تنبعث من الذاكرة‪ ،‬وبدون ذاكرة ليس‬ ‫الرومانسي ل��دى عبد الرحمن ال��درع��ان‪ ،‬وكذلك هناك طفولة وال تاريخ‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫«أعتقد أنني ألّفتُ كتاباً واحداً فقط‪ .‬كان في األصل شعراً تحّ ول إلى‬ ‫> ياسمينة صالح‬

‫<‬

‫روايات ثم إلى تمثيليات مسرحية‪ ،‬ولكنه بقي الكتاب ذاته‪ ،‬ولسوف أتركه‬ ‫كما «تنتهي من شيء تصنعه؛ فالمرء يحس في ق��رارة نفسه أن عمله لم‬ ‫يكتمل والجزائر لم تستكمل قدومها في العالم بعد»‪.‬‬

‫ك���ات���ب‬ ‫ي��اس�ين‪:‬‬ ‫املساءلة‬ ‫ب����ي���ن‬ ‫ا لكتا بة‬ ‫و ا لهو ية‬ ‫والوطن‪..‬‬

‫بهذا التعريف البسيط والعميق‪ ،‬لخّ ص «كاتب ياسين» ذات مقال تجربته‬ ‫اإلبداعية كلّها‪ ،‬تجربة تحّ ولت من عطاء إبداعي وإنساني إلى رؤية سياسية‬ ‫محضة‪ ،‬تبنتها عروش جزائرية تطلق على نفسها اسماً مشتركاً‪« :‬األمازيغية‬ ‫ال��ح��رة»‪ ،Le berbérisme libre ..‬وه��و المصطلح نفسه‪ ،‬ال��ذي أطلقه‬ ‫كاتب ياسين في تحليل رؤيته السياسية‪ ،‬كواحد من أهم األدباء المبدعين‬ ‫الجزائريين‪ ،‬الذين كتبوا بالفرنسية دون أن يفقدوا خاصيتهم الجزائرية‬ ‫الدقيقة والمميزة‪ .‬هو ال��ذي ق��ال عنه ال��روائ��ي الفرنسي الكبير «دانيال‬ ‫فرامون»‪ :‬حين أقرأ لكاتب ياسمين‪ ،‬و على الرغم من أنه يكتب بالفرنسية‬ ‫فهو يكتب عن الجزائر‪ ،‬ونحن بالتالي نقرأ عن الجزائر‪.‬‬ ‫قبل أكثر م��ن عشرين سنة‪ ،‬تبنّى األدي���ب وال��روائ��ي ال��ج��زائ��ري كاتب‬ ‫ياسين مطالبه التي صارت سياسية فجأة‪ ،‬وصارت تعني إلى اليوم ماليين‬ ‫من الجزائريين‪ ،‬على اختالف توجهاتهم‪ .‬إنه المطلب الجلي في الحوار‪،‬‬ ‫والتعبير‪ ،‬والحق في االختالف اللغوي الجزائري (اللغة األمازيغية التي‬ ‫تغطي أكثر من ثلث سكان الجزائر)‪ ،‬والحال أنه التغيير الذي حدث في‬ ‫الواجهة السياسية الجزائرية‪ ،‬وهو نفسه التغيير ال��ذي أخ��رج تشكيالت‬ ‫أمازيغية معتدلة‪ ،‬ومثلما أخرج تشكيالت متطرفة‪ ،‬وأحياناً راديكالية جداً‪،‬‬ ‫تطالب بالحق‪ ،‬ليس في الحرية فقط‪ ،‬بل وف��ي التحرر‪ ،‬كصيغة أخرى‬ ‫لالنفصال عن الدولة‪ ،‬ما أثار غضب السلطات التي عدَّ ت مجرد الكالم عن‬ ‫االنفصال خيانة كبرى (كما هو واضح في الجريدة الرسمية الجزائرية)؛‬ ‫وهو بالتالي ما عرف بالردع المناوئ لفكرة التشكيالت السياسية والفكرية‬ ‫األمازيغية المتطرفة‪ ،‬والتي تعرف في الجزائر باسم «العروش»‪.‬‬ ‫كان ذلك قبل أكثر من عشرين سنة‪ ..‬أيام كان كاتب ياسين يتكلم عن‬ ‫األمازيغيين‪ ،‬كما لو كانوا يعيشون مواطنين من الدرجة الثانية‪ ،‬وكما لو‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪91 1427‬‬


‫كانوا «أكراداً في الجزائر»! وربما كانت تلك الواجهة تراكمات األزم��ة البليدة والراكدة»‪ ،‬التي يقصد بها‬ ‫الثقافية األكثر معارضة للنظام نفسه‪ ،‬إلى درجة دخل آليا المنظومة السياسية في إطار ما كان يصطلح‬ ‫كاتب ياسين نفسه في صف المحظورين‪ ،‬إزاء سلطة على تسميته آنذاك بـ‪« :‬سياسة الحزب الواحد»‪.‬‬ ‫كانت ترى فيه زعيماً ثقافياً عرقياً غير مرغوب به !‬

‫ولد كاتب ياسين عام ‪1929‬م‪ ،‬في منطقة القبائل‬

‫بهذا التقاطع والتشابك‪ ،‬يعود الجدال الفكري في الجزائرية‪ .‬كان ذكياً ومشاغباً‪ ،‬وكان حاضراً ومصراً‬ ‫الجزائر عن «كاتب ياسين» األديب الروائي والشاعر في ظروف استثنائية‪ ،‬كان فيها اإلنسان الجزائري‬

‫والسياسي‪ ،‬داخل فكرة المساءلة بين اللغة والهوية ضحية آلية استعمارية رهيبة‪ .‬كانت الحقبة الزمنية‬ ‫والوطن‪ .‬وتعد تلك المساءلة‪ ،‬في حد ذاتها‪ ،‬شك ً‬ ‫ال في الثالثينات تدفعه إلى ذلك الخيار المدهش الذي‬

‫من أشكال الحوار الفكري في إطار االعتراف باآلخر‪ ،‬جعله ينحاز إل��ى الكتابة وه��و بعد في العاشرة من‬ ‫واالعتذار له على سنوات التغييب التي مورست ضد العمر‪ .‬بالنسبة إليه‪ ،‬ظلت الجزائر المحتلة هاجساً‬

‫جيل بأكمله؛ بيد أن ذلك اآلخر‪ ،‬الذي ربما أقصي حقيقياً فجّ ر قريحته‪ ،‬فتحّ ول من شخص بال قضية‬ ‫دوره طويالً‪ ،‬في السنوات التي أعتقد فيها السياسي‬ ‫إلى شخص يحمل الوطن على عاتقه؛ ومن مواطن‬ ‫أن بناء دولة ج��دران أهم من دولة الفكر والثقافة؛‬ ‫فقط إلى كاتب ارتبط الوطن عنده بجملة من الرموز‬ ‫ال في الجزائر‪ ،‬إذ‬ ‫وألن إشكالية الهوية مطروحة فع ً‬ ‫واإلي��ح��اءات داخ��ل قصائده األول���ى‪ ،‬ومقاالته ذات‬ ‫إنها تتحدد اليوم على أساسين أيديولوجي وسياسي‬ ‫الطابع السياسي الالذع‪ ،‬فكانت روايته‪ :‬نجمة‪..‬‬ ‫أكثر مما تتحدد على أس��اس ديني‪ ،‬والتي أري��د بها‬ ‫«نجمة» الرواية التي صدرت ألول مرة‪ ،‬في باريس‬ ‫«اإلصرار» على الدفاع عن ذاكرة أديب‪ ،‬أحب الوطن‬ ‫وكتب عنه في أجمل رواي��ة ما زالت تحتل المراتب ع��ام ‪1956‬م‪ ،‬ه��ي نفسها نجمة المدينة والوطن‬ ‫األولى من الكتب األكثر مبيعاً في أوروبا‪ ،‬وفي فرنسا والحلم‪ ،‬ال��ذي يسكنه الناس البسطاء والمتعبين‪..‬‬ ‫تحديداً‪ ،‬نظراً ألن كاتب ياسين ك��ان يكتب باللغة نجمة ال��م��رأة أيضاً في زم��ن متناقض بين المنفى‬

‫الفرنسية فقط‪.‬‬ ‫لم يكن «كاتب ياسين» مبدعاً فقط‪ ،‬كان التقاء‬

‫الذاتي والمنفى العام‪.‬‬

‫كانت نجمة هي الحرب التي حاصرتها ورمتها‬

‫ثقافتين أيضاً‪ ،‬وتقاطع حلم وحلم مضاد داخل فكرة في اللّغة األخرى‪ ،‬وفي الخيار الصعب‪ ،‬على مشارف‬

‫واحدة‪« :‬الكتابة واألنا الجماعية» وليس األنا الفردية تاريخ غامض جلي في الوقت نفسه‪ ،‬أم��ام قراءات‬

‫فحسب‪ ،‬ربما ألنه من مواليد مدينة هي قلب الفكر وترجمات كثيرة منحتها هذا التألق إلى يومنا هذا؛ ما‬ ‫األمازيغي الراهن (مدينة بجاية)؛ وبالتالي فهو من جعل المقاربة مدهشة في األدب الفرنسي الحديث‪،‬‬ ‫سكان األم��ازي��غ ال��ذي��ن ق��ال عنهم ذات م��رة‪« :‬إنهم ب��ي��ن م��ا ص��ن��ع��ه ك��ات��ب ي��اس��ي��ن‪ ،‬وم���ا ص��ن��ع��ه األديب‬

‫الحقيقة المقبلة في جزائر أخرى سوف تنظف من األمريكي «فوكنر»‪ ،‬بالرموز واإليحاءات والتداخالت‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫نفسها التي أحدثت التقارب فكريا وإبداعيا وإنسانياً يصنع انقساماً فكرياً وأيديولوجياً عميقاً‪ ،‬أمام راهن‬ ‫بينهما‪ ،‬كما كتب الناقد الفرنسي « جيل سانتان» في صعب وخطير‪ .‬ولعل األزمة البربرية التي انفجرت‬ ‫كتابه « الحوار والبناء الفكري»‪ ،‬الصادر في باريس للمرة الثالثة في نحو عشرة أعوام‪ ،‬تبقى هي البركان‬ ‫السنة الماضية‪.‬‬ ‫يقول كاتب ياسين في مدخل رواية «نجمة»‪:‬‬ ‫«سالم أيها الباب المغلق‬ ‫يا غالف كتاب علينا أطبق‬ ‫يا صفحات كتاب ممزق‬ ‫نجمة‪ ..‬يا نجمة‬ ‫افتحي بابك أو نافذتك‬ ‫أو اهربي من دهاليز دارك‬ ‫تكلمي أو اهتفي أو غني أو ابكي‬ ‫القي علينا الكذب الذي يستحقه المؤمنون‬ ‫أو دلو الماء على رؤوس المجانين‬ ‫أرسلي إلينا كلبك أو قطتك‬ ‫أو إحدى ذبابات بيتك‬ ‫انفضي على رؤوسنا سجادتك العتيقة‬ ‫فال طاقة لي بهذه الوحدة‬ ‫امرأة واحدة تشغلنا‬ ‫غيابها يجمعنا‬ ‫و حضورها يغرقنا»‬

‫الهوية واللّغة‪:‬‬

‫ال��ذي يهدد الهوية الجزائرية فعلياً‪ ،‬وم��ا يصطلح‬ ‫على تسميته حالياً بـ «الربيع األمازيغي»‪ ،‬هو في في‬ ‫الحقيقة القشة التي قصمت ظهر البعير‪ ،‬والتي ربما‬ ‫يعدها اآلخرون سبباً ألجل نقاش فكري‪ ،‬ال تعترف به‬ ‫السلطة الجزائرية كثيراً‪ ،‬بدليل أن اسم «كاتب ياسين»‬ ‫ظل مختفياً طوال أكثر من عشرين سنة‪ ،‬بوصفه أنه‬ ‫يمثل للجزائريين ولسكان القبائل تحديداً‪ ،‬نافذة‬ ‫فكرية على كل الحريات التي حُ رموا منها داخلياً‪،‬‬ ‫وعلى هوية بقيت رهن الخطب السياسية البراغماتية‬ ‫والبليدة‪ ،‬ورهن المساومات الكبيرة‪ ،‬التي أدت إلى‬ ‫ذل��ك ال��واق��ع ال��ج��زائ��ري ال��ض��ارب ف��ي العنف وفي‬ ‫التصفيات الجسدية والفكرية؛ ومن ثم في التطرف‬ ‫الفكري واللغوي‪ ،‬بين معربين وفرانكفونيين‪.‬‬ ‫لكن عودة الكالم عن األديب والروائي الجزائري‬ ‫ك��ات��ب ياسين ف��ي ال��س��اع��ة األدب��ي��ة ال��ج��زائ��ري��ة‪ ،‬هو‬ ‫العودة إل��ى ال��وراء رب��ع ق��رن‪ ،‬إذ يجب االع��ت��راف أن‬ ‫الكتابة ال يمكنها أن تتوقف بموت الكاتب‪ ،‬بل تستمر‬ ‫ألن رواي���ة نجمة لكاتب ياسين‪ ،‬تتجدد ال��ي��وم في‬ ‫واقع يعترف أن األمازيغية حقيقة صار من الصعب‬ ‫تجاوزها اآلن‪ ،‬على الرغم من أن الوطن في النهاية‬

‫لم يعد طرح تساؤل اللغة عفوياً في جزائر اليوم‪ ،‬هو الهوية الوحيدة المتبقية للجزائريين جميعاً‪ .‬ما‬ ‫ص��ار مرتبطاً باألزمة السياسية ذاتها‪ ،‬وبالتيارات يهم في الحقيقة هو أن ملتقى «كاتب ياسين» الفكري‬ ‫الموجودة على أرض الواقع‪ ،‬وهي تيارات متشعبة‪ :‬سينطلق هذه الصائفة في مدينة «تيزي وزو»‪ ،‬بوصفه‬ ‫ال لعالقة فكرية متصالحة مع الجميع‪.‬‬ ‫وطنية وأصولية‪ ،‬وبربرية‪ ،‬والئكية‪ ،‬أدت إلى ما صار مدخ ً‬ ‫< كاتبة روائية من الجزائر‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪93 1427‬‬


‫شعرية املوت واأللم في ديوان "خائنة الشبه"‬ ‫للشاعر السعودي حسن الصلهبي‬

‫> عبداحلق ميفراني‬

‫<‬

‫يمثل ديوان الشاعر السعودي حسن الصلهبي "خائنة الشبه" نموذجاً صارخاً لحالة االنكسار‪ ،‬التي مست‬ ‫عمق بعض التجارب الشعرية العربية‪ .‬وبعيداً عن تحديد اإلطار األجناسي لتأمل هذه التجربة‪ ،‬اقترحنا تتبع‬ ‫الجانب التوليدي للمعجم الشعري‪ ،‬الذي بدأ لنا غنياً إلى الحد الذي يمكنه أن يشكل نافذة حقيقية الستجالء‬ ‫البناء الداللي العام‪.‬‬ ‫يضم الديوان عشرين نصاً شعرياً تنقسم إلى فرعين‪ :‬األول بعنوان‪" :‬خائنة الشبه"‪ ،‬ويحتوي على خمس‬ ‫عشرة قصيدة‪ ،‬بما فيها قصيدة خائنة الشبه؛ والثاني بعنوان‪" :‬وطن للعابرين"‪ ،‬ويضم خمس قصائد‪ ،‬بما‬ ‫فيها قصيدة وطن للعابرين‪.‬‬ ‫الديوان الصادر عن نادي جازان األدبي‪ ،‬هو في األصل طبعة ثانية‪ ،‬إضافة إلى أنه متوّج بجائزة أدبية‪،‬‬ ‫بما يعني أن عوالم القائد في الديوان تقدم نفسها تحث هذا الوضع االعتباري‪ ،‬لكننا نتخلص كلياً من هذا‬ ‫الحافز (‪ )Motif‬عندما نلج جسد هذه القصائد‪ ..‬ثمة وعي بحالة الشعر كإيقاع‪ ،‬ولعل جمالة الترتيب‬ ‫الكتابي والطباعي وتسلسلها‪ ،‬قدمت بُعداً استقرائياً آخر‪ ،‬ليس مجال هذه الدراسة بحثه‪.‬‬ ‫النصوص في ديوان خائنة الشبه تستجيب لهذا التركيب الشعري األولي‪:‬‬ ‫لماذا أحرفي قلقة؟ قصيدة شهوة النار‪ ،‬ص‪.11‬‬ ‫والقلق هنا يتعرى في بعده الوجودي األنطولوجي‪ ،‬ليتسع ألفق الكتابة ووجعها‪ ،‬الذي هو توصيف تحديدي؛‬ ‫ما يجعل قصائد خائنة الشبه‪ ،‬خائنة حقيقية ألي شبه‪ ..‬إنها تعبر عن ذاتها وأفقها‪ ،‬خصوصاً إذا كان الشاعر‬ ‫"تسكنه حمى أبي تمام "‪:‬‬ ‫«حمى أبي تمام تسكنني»‪ ،‬قصيدة شهوة النار‪ ،‬ص ‪.12‬‬ ‫ولعل إشارة الشاعر إلى تجربة أبي تمام الشعرية دعوة صريحة لخصوصية المغامرة الشعرية؛ فالكتابة‬ ‫ترفض التنميط ووصاية النموذج‪ ،‬وهنا وعي بقدرة القصيدة على التجاوز واتساع أفق الشعر‪ ،‬الذي يتحول‬ ‫معه ديوان "خائنة الشبه" الستجابة صريحة لمقولة شيلنغ‪:‬‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫"الشعر تمثيل للمطلق والشمولي في ما هو خاص"‪.‬‬ ‫فمغامرة القصائد األنطولوجية مفتاح للعبور لهذا التعدد‪ ،‬وهنا تستطيع القصيدة أن تتحرر من تراث ال‬ ‫ترتضيه‪ ،‬ومن تحجّ ر النمط‪ ،‬فحتى التسلسل االختياري للشاعر في "خائنة الشبه" لقصائده‪ ،‬وبالشكل الذي‬ ‫ارتضته هذه القصائد‪ ،‬وحين يمتلك الشاعر لغته‪ ،‬فإنه يمارس انزياحاته عبر اللعب على طرائق التوظيف‬ ‫للغة الشعرية‪ ،‬وعبر إحدى أهم أسس هذا االنزياح ونقصد هنا الصورة الشعرية‪ ،‬وحتى وإن قدم الديوان"‬ ‫"سالسة" ملحوظة في هذا المنحى‪ ،‬نمثل إلشارتنا بهذا النموذج‪:‬‬ ‫أوق�������������ظ ال�����ل�����ي�����ل ب�������ال�������ح�������روف وأط�����ه�����و‬

‫ص�����ح�����وة ال����ص����ب����ح ف�������وق ن�������ار ال���ق���ص���ي���دة‬

‫ قصيدة "انتحال القصيدة"‪ ،‬ص ‪.25‬‬ ‫و على الرغم من هذا "اللعب" اللغوي المزدوج‪ ،‬فإن حصر ثنائية الكتابة في الحرف والقصيدة والليل‬ ‫والصباح‪ ،‬كفيل بتوضيح هذا التعامل السلس مع "الصورة الشعرية"‪ ،‬ومع تقنية الخرق اللغوي‪.‬‬ ‫وعودة للحقل المعجمي‪ ،‬الذي ينضبط ديوان "خائنة الشبه " داخله‪ ،‬فإننا نشير لوحدة داللية أساسية‬ ‫التي نعتنا بها قراءتنا هاته‪ ،‬أي شعرية الموت واأللم‪ ،‬والتي هي معادلة جامعة للتوصيف الرؤيوي للقصائد‬ ‫العشرين‪ .‬وعبرها نكتشف حقول الرؤية الشعرية في الديوان‪.‬‬ ‫ثمة فضاء سوداوي يلف جميع حقول الداللة في الديوان‪ ،‬وحسب الجرد الذي سنقدمه‪ ،‬يفاجئنا هذا‬ ‫االنكسار والوجع الموحد في شعرية مفتوحة‪ ،‬تنفتح عبر حقلين دالليين‪ :‬شعرية الموت‪ ،‬وشعرية األلم‪:‬‬ ‫صفحة‬

‫القصيدة‬

‫الحقل المعجمي‬

‫‪9‬‬

‫السواد‬

‫السواد – العراء‪ -‬الليل – أشالء – الظمأ – اللغو – الفراغ – الموت‬

‫‪11‬‬

‫شهوة النار‬

‫القلق – الصمت – اليأس – األلم – الذوبان – النار – الجنون – اختناق‬ ‫– الجراح – الدم – الموت – الليل – الشرخ – العري‬

‫‪15‬‬

‫خائنة الشبه‬

‫السراب – الكآبة – الرعب ‪-‬الخوف – الموت – الجراح – الوجع – العذاب‬ ‫– الرحيل – الغياب‬

‫‪18‬‬

‫ثرثرات الغبار‬

‫أنين – العقم – الفراغ – الصحراء – الغياب – العري – التيه – الجراح‬ ‫– الموت – الحزن ‪-‬‬

‫‪21‬‬

‫عنق الزجاجة‬

‫القلق – اغتيال – الشقوق – الجراح – الجنون‪ -‬الموت – البكاء – الوجع‬ ‫– هزائم‬

‫‪23‬‬

‫انتحال القصيدة‬

‫تالشي – الزحام – الليل – العطش‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪95 1427‬‬


‫‪26‬‬

‫الحطام – العراء – أوجاع – األلم – الحرقة – احتضار – العذاب – الدم‬ ‫في يدي يبرد الماء‬ ‫– الفراغ‬

‫‪31‬‬

‫حالة اشتباه‬

‫الجرح – السواد – الليل – الرماد – انكسار – الموت – الظمأ – الغياب‬ ‫– الجوع‬

‫‪34‬‬

‫هلع يغمس في شبه الهلع – العري – الحزن – الرمل – السراب – البؤس – الموت – الظالم‬ ‫– الهلع – الجنون – الفراغ – الغياب – األلم‬ ‫كالم‬

‫‪38‬‬

‫حطامك في ماء‬

‫انكسار – الموت – الخنوع – الشجون – احتضار – التواء – اللظى – العراء‬ ‫– الجرح – اللظى – الشوك – النار – الكدر – الفرار‬

‫‪41‬‬

‫وردة ال يكورها الليل – الميتون – الشك – النهاية – الشجون‪ -‬الحزن – الخيانة – الليل‬ ‫– انكسار – ضياع‬ ‫الزمن المستدير‬

‫‪45‬‬

‫دفء البياض‬

‫الدم – الظالم – الليل – عجاف‬

‫‪47‬‬

‫نشوة الالءات‬

‫الحزن الصمت – الشك – الجرح – البؤس – الصدأ‪ -‬النهاية – انتحار‬ ‫– الليل‬

‫‪51‬‬

‫الوجع الثاني‬

‫الوجع – القبح – عذاب – جراح – الخيانة – الصمت – الحزن‬

‫‪54‬‬

‫ال أحد‬

‫الوجع – الموت – الضيم – العري – الرمل – الحزن – التيه – الوهم‬ ‫– الليل – الظالم – الجراح – الجمر‬

‫‪59‬‬

‫النوى – تشظي – ص��دع – المساء – الليل – األل��م – السأم – الرحيل‬ ‫أخيرا سقط القمر‬ ‫– الفراغ – الجمر – الموت‬ ‫الليل – الوهم – احتراق – الدم‬

‫‪63‬‬

‫إذ أحرق في الماء‬

‫‪66‬‬

‫ع��ل��ى ج��س��د األرض الليل – الهم – القتل – الليل – الصمت – الجرح – الوجع – الحرب‬ ‫– البكاء‬ ‫أورقت‬

‫‪70‬‬

‫وطن للعابرين‬

‫الليل – التيه – الجراح‬

‫‪72‬‬

‫غيمة البرتقال‬

‫جريح – الجراح – الحزن – الوجع – الولع – القلق‬

‫ونضيف لهذا الجرد عناوين القصائد‪ ،‬التي نحصر حقلها المعجمي في‪:‬‬ ‫السواد – النار – الخيانة – الهلع – الوجع – الحريق‪.‬‬ ‫كما أننا نعُد اإلهداء عتبة أساسية تضاف لهذا الجرد‪ ،‬من خالل اآلتي‪:‬‬

‫الذبول – األثقال‬ ‫تُ َع ُّد شعرية الموت واأللم وحدة إنتاجية‪ ،‬ليس الحقل المعجمي إال مظهراً قوياً لتجليها‪ ،‬إذ إن توصيف‬ ‫الرؤية بهذا العمق االنكساري السوداوي‪ ،‬ال يمثل استثناء بحكم حضور هذا البعد في متن ممتد من المغرب‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫في أقصى المحيط الى التجربة الشعرية العراقية‬ ‫في حاضرها المزدوج‪ :‬المنفى والوجع‪.‬‬

‫لهذا تمثل مجموعة متجانسة‪ ،‬توصيف دقيق لوجع‬ ‫القصيدة قبل ولحظة التشكل وال���والدة‪ ،‬لكن يبقى‬ ‫هذا الحقل المعجمي أشد ارتباطاً بالكتابة الشعرية‪،‬‬ ‫أما م‪ 2‬فهي بوابة عوالم النصوص الشعرية إذ إنها‬ ‫مراكز داللية ومداخل لتوليد شعرية الموت واأللم‬ ‫التي تتلخص م‪ 3‬في إبراز حقولها‪.‬‬

‫ويكتسي هذا التوصيف ال��ذي يبدو قدرياً عمق‬ ‫اللغة الشعرية ف��ي انكشافها وتجليها‪ ،‬خصوصاً‬ ‫حين يحضر هذا االستدالل في المنحى الوجودي‬ ‫ال��ذي يبدو ق��دري��اً‪ .‬ويعمق ه��ذا المنحى استجالء‬ ‫حضور سؤال الكتابة الشعرية التي وسمناها بالقلق‬ ‫وفي هذا المنحى‪ ،‬تتعمق اختيارات نصوص ديوان‬ ‫األنطولوجي‪ ،‬وهنا يمتزج البعدان في ترسيمة دالة‪" :‬خائنة الشبه"‪ ،‬والتي تبرز عوالمها في مستويات‬ ‫ال��خ��رق ال��س��وداوي��ة ال��رؤي��ة‪ ،‬ال��ت��ي ه��ي منتهى ألفق‬ ‫معجم االنكسار‬ ‫مفتوح على األلم‪ ،‬وتعد م‪ 4‬ضوابط وفضاءات تجلي‪،‬‬ ‫شعرية الموت واأللم‬ ‫تنكشف عبرها مجاالت اإلخصاب الشعري‪.‬‬ ‫رحب الرؤية‬ ‫إن حصر المستوى المعجمي‪ ،‬بهذا الشكل في‬ ‫قلق القصيدة‬ ‫ديوان "خائنة الشبه"‪ ،‬يقدم لنا في النهاية مستويات‬ ‫ونستدرج مقوالت الحقل المعجمي‪ ،‬ونأمل عبر ال��رؤي��ا وتجلياتها‪ ،‬إذ عبر ه��ذه المغامرة‪ ،‬تمارس‬ ‫ه��ذا التمحيص‪ ،‬إدراك نقط االرت��ك��از المقوالت الكينونة صيرورتها‪ ،‬كموقع شعري داخل النصوص‪،‬‬ ‫المحددة الجامعة لهذا الحصر المعجمي‪ .‬إننا عبر والتي أياً كانت قيمتها اإلبداعية ما هي إال تمرين‬ ‫هذا االشتغال‪ ،‬نتمكن من تلمّس جوانب ومحددات إيحائي ل��ه��ذا ال��م��وت‪ ،‬ال���ذي اخ��ت��ارت��ه كما اختارت‬ ‫وأوجه شعرية الديوان‪ ،‬إذ إن األساس العام يظل هو المعنى‪ ،‬قصد تحفيز وجع الداللة وجرحها للتجلي‪.‬‬ ‫ثنائية الموت واأللم‪ ،‬لكن وفق أية استراتيجية تقدم‬ ‫وه��و تجلي تتحكم فيه م��ق��والت ال��ش��ك والقلق‬ ‫هذه الرؤية‪:‬‬ ‫أس���اس���اً إن���وج���اد إح��س��اس ال��ظ��م��أ ل��ل��ق��ول الشعري‬ ‫م‪ :1‬القلق‪ ،‬الصمت‪ ،‬الجنون‪ ،‬العطش‪ ،‬الفراغ‪ ،‬كخالص وتحرر من لعنة الكتابة‪.‬‬ ‫الشك‪.‬‬ ‫يكشف الشاعر السعودي حسن الصلهبي‪ .‬في‬

‫م‪ :2‬ال��ي��أس‪ ،‬ال���ذوب���ان‪ ،‬ال��ش��رخ‪ ،‬اخ��ت��ن��اق‪ ،‬كآبة‪،‬‬ ‫الرعب‪ ،‬الخوف‪.‬‬ ‫م‪ :3‬األل���م‪ ،‬ال��ج��راح‪ ،‬ال��ع��ري‪ ،‬ال��ع��ذاب‪ ،‬الحرقة‪،‬‬ ‫الوجع‪.‬‬ ‫م ‪ :4‬النار‪ ،‬الدم الموت‪ ،‬الليل‪ ،‬السراب‪ ،‬الرحيل‪،‬‬ ‫الغياب‪.‬‬ ‫ترتبط م‪ 1‬بحاالت الكتابة‪ ،‬ح��االت الشعر ذاته‪،‬‬

‫ديوانه‪ ،‬على قدرة تمثّل الموت واأللم كإحدى الثيمات‬ ‫األك��ث��ر خ��ص��وص��ي��ة ف��ي ال��ت��وظ��ي��ف ال���دالل���ي‪ ،‬ووفق‬ ‫هذا المنحى تنكشف رؤية الشاعر للعالم والوجود‬ ‫المحكومة بهذه ال��رؤي��ة السلبية‪ ،‬التي م��ا ه��ي إال‬ ‫ال تحفيزياً إلغناء عوالم المعنى وإخصابه‪ ،‬وإنتاج‬ ‫حق ً‬ ‫توليدي يمكننا من انتظار وتأمل تجربة هذا الشاعر‪،‬‬ ‫ال��ذي عمّق إضافة إلى شعراء آخرين وعياً شعرياً‬ ‫للقصيدة في الجسد الشعري السعودي‪.‬‬

‫< شاعر وناقد من المغرب‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪97 1427‬‬


‫بني علم العقل ‪ 000‬وأدب العاطفة‬ ‫> نبيل شبكة‬

‫<‬

‫معان؛‬ ‫استُخدِ مت كلمتا األدب والعلم في لغتنا العربية‪ ،‬على مر العصور‪ ،‬للتعبير عن عدة ٍ‬ ‫فاستخدمت كلمة األدب‪ ،‬أحياناً‪ ،‬للداللة على األخالق الحميدة والنفس المهذبة‪ ،‬واستعملت‬ ‫هذه الكلمة أيضاً بمعنىً أوسع‪ ،‬في أحيان أخرى‪ ،‬لتدل على االنتاج الشعرى لكبار الشعراء في‬ ‫مختلف العصور‪ ،‬بصرف النظر عما إذا كان هذا الشعر جيداً وملتزماً أم شعراً يتناول‪ -‬أموراً‬ ‫وموضوعات من الفسق والفجور‪ ،‬كما ورد في بعض أشعار جرير والفرزدق‪ ،‬وما نظمه أبو‬ ‫نواس في الخمريات والغلمانيات؛ وكذلك كانت كلمة العلم في بداية استخدامها‪ ،‬يقصد منها‬ ‫العلم الدينى فقط‪ ،‬ثم اتسعت في معناها لتشتمل على كل ما ينتجه العقل والفن‪.‬‬ ‫وفي عصرنا الحديث‪ ،‬أصبح هناك انفصال بين اللفظين‪ ،‬فهناك صحيفة أو مجلة أو‬ ‫برنامج أدبى محض‪ ،‬وهناك أيضاً ما يوصف بالعلمي فقط وبين االثنين نجد ما يطلق عليه‬ ‫لفظ األدبي العلمي في تعريفه‪ 0‬ولكن ما حدود ذلك؟ ليس هناك تعريف واضح؛ وذلك ألن‬ ‫كلمة األدب وكلمة العلم من األلفاظ الغامضة التى نفهمها جيداً ولكننا إذا أردنا تحديدهما‬ ‫وتعريفهما بالضبط‪ ،‬وجدنا أنفسنا في حيرة من أمرنا‪ .‬ومثل هذه الكلمات مثل الكثير من‬ ‫الكلمات األخرى‪ ،‬التي نعرفها وال نستطيع تعريفها كالجمال والعدل والخيال‪ ...‬إلخ‪ ،‬فكل فرد‬ ‫تبعاً لثقافته وميوله وأغراضه يضع تعريفه الخاص به لمثل هذه الكلمات وغيرها‪.‬‬ ‫وكذلك الحال بالنسبة لألديب والعالم‪ ،‬فكثيراً ما نرى أطباء وعلماء برعوا في كتابة األدب‬ ‫بمختلف أنواعه من شعر وقصة ومقالة‪ ،‬بينما نرى أيضاً في المقابل أدباء قدموا الكثير من‬ ‫األعمال الشهيرة للساحة األدبية بينما عملوا أيضاً في مجاالت علمية بحتة‪.‬‬ ‫األدب دوماً يخاطب العاطفة‪ ،‬أما العلم فإنه يخاطب العقل؛ فإذا قلنا إن المستقيم هو‬ ‫خط يصل بين نقطتين‪ ،‬فإننا نخاطب العقل وال نمس العاطفة‪ ،‬بينما لو قرأنا بيت‬ ‫أقصر ٍ‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫الشعر التالي للبارودي‪:‬‬

‫يقرؤها إال من أراد التعرف على تاريخ علم الهندسة‪،‬‬

‫س������ل������وا ع��������ن ف���������������ؤادي ق�����ب�����ل ش��������د ال�����رك�����ائ�����ب وكذلك الحال بالنسبة لكتب الرياضيات والفيزياء‬ ‫ف�����ق�����د ض����������اع م�����ن�����ى ب�����ي�����ن ت�����ل�����ك ال�����م��ل��اع�����ب والكيمياء‪ ...‬الخ‪.‬‬ ‫لوجدناه يمس العاطفة وليس له أي صلة بالعقل‪.‬‬ ‫فالعالم يقوم باجراء التجارب الستكشاف ظواهر‬ ‫وقوانين‪ ،‬وليضع أمام العالم القوانين التى ال تحتمل‬ ‫الشك‪ .‬بينما األدي��ب ينظر إل��ى األش��ي��اء من خالل‬ ‫تأثيرها على العواطف البشرية‪ ،‬ف��ال��وردة الجميلة‬ ‫يقوم العالم بدراستها من حيث فصيلتها وموطنها‬ ‫وطريقة زراعتها‪ ،‬ولكن األدي��ب يتغزل في جمالها‬ ‫ويذهب خياله إلى ما يعانيه مع محبوبته‪ ،‬وقد ينظم‬ ‫قصيدة رائ��ع��ة أوح���ت ل��ه بها ه��ذه ال���وردة الجميلة‬ ‫وجعلت بينها وبين قلبه وعاطفته نسباً‪ .‬كذلك يرى‬ ‫ع��ال��م األح��ي��اء المحبوبة كمجموعة م��ن العمليات‬ ‫واألب��ح��اث البيولوجية‪ .‬بينما ي��رى األدي��ب في تلك‬ ‫المحبوبة كل هذا العالم وكل النعيم إذا واصلته‪ ،‬وكل‬ ‫الجحيم إذا صدته وهجرته!!‬

‫وربما يرجع السبب في ذل��ك إل��ى أن العواطف‬ ‫لم تتقدم بالسرعة نفسها‪ ،‬التى تقدمت بها عقول‬ ‫البشر‪ .‬فعاطفة اإلحسان إل��ى الفقير متأصلة في‬ ‫نفوس الناس منذ قديم الزمان‪ ،‬وستظل وهى تأخذ‬ ‫أشكاالً متعددة من العطاء بدءاً بمنح الفقير درهماً‬ ‫وم���روراً باإلسهام في إنشاء المستشفيات للفقراء‬ ‫وتأسيس المالجىء لليتامى وكبار السن‪ ،‬بينما العقل‬ ‫تواق دائماً إلى األفضل في الشكل والمضمون‪ ،‬فهو‬ ‫يخترع األح��دث ويلغي القديم‪ ،‬وخير مثال نلمسه‬ ‫في حياتنا المعاصرة ما ح��دث ويحدث في مجال‬ ‫الحاسبات والهاتف المحمول وتكنولوجيا المعلومات‪،‬‬ ‫التى تتقدم بشكل فاق الكثير من التوقعات‪ ،‬بل إننا‬ ‫على وشك أن نرى الحاسب الذى سيكون من الذكاء‬ ‫بحيث يشاركنا في التفكير واختيار األفضل!‬ ‫وال ننسى أنه من الصعب أحياناً أن نفصل بين‬

‫لذلك‪ ،‬نرى أن ارتباط العاطفة باألدب‪ ،‬هو الذي العلم المتأدب وبين األدب المتعلم؛ فهناك‪ ،‬على‬ ‫يمنح هذا األدب صفة الخلود‪ ،‬على مر العصور؛ فال سبيل المثال‪ ،‬الكثير من كتب التاريخ التى لم تكتف‬

‫زلنا نعجب ون��ردد الكثير من قصائد ام��رؤ القيس ب��س��رد ال��وق��ائ��ع وتحديد زم��ن وق��وع��ه��ا‪ .‬ب��ل صاغته‬ ‫والمتنبي وجرير والفرزدق وغيرهم‪ ،‬دون الحاجة إال بصيغة أدبية رائعة‪ ،‬جعلت له وقعاً خاصاً في نفس‬ ‫إلى التعرف على ما غمض من األلفاظ والمعاني‪ ،‬كما من يقرأه وشعوره‪ ،‬لتولد لديه اإلعجاب أو الكراهية‪.‬‬ ‫إننا ال نمل من تكرار هذه األعمال الشعرية الخالدة‪ ،‬كما نجد أعماال فلسفية صيغت في قالب قصصي‪،‬‬

‫بل نحفظها ونشعر بالسرور في كل مرة نقرأها‪ ،‬بينما وهناك كيمياء وفيزياء قام بصياغتها أدباء وفنانون‬ ‫نجد نقيض ذلك في حالة العلم؛ فالعلوم وحقائقها ف��خ��رج��ت للعالم م��وض��وع��ات محببة‪ .‬شيقة تثير‬ ‫وقوانينها خالدة‪ ،‬بينما إنتاجها العلمي المكتوب غير عواطف الجمال وتنتزع اإلعجاب كل اإلعجاب بما‬ ‫خ��ال��د‪ ،‬فكتب نظريات الهندسة مث ً‬ ‫ال ألقليدس ال في عالمنا من إبداع وفن وسحر وجمال‪.‬‬

‫< األمين المسئول لدار الجوف للعلوم‪ ،‬مؤسسة عبدالرحمن السديرى الخيرية بالجوف ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪99 1427‬‬


‫نظرة في‬ ‫تنمية فاعلية القراءة لدى األطفال‬ ‫> محمد صوانه‬

‫<‬

‫يضطلع اآلب��اء واألم��ه��ات بمسؤولية كبيرة تجاه أبنائهم‪ ،‬نحو توجيههم لالعتياد على‬ ‫المطالعة‪ ،‬وتنمية ملكة القراءة لديهم باستمرار منذ سنواتهم األولى‪ ،‬وال يتحقق ذلك بكفاءة‬ ‫إال إذا كان اآلباء واألمهات أنفسهم مقتنعين بأهمية المطالعة وممارسين لها بشكل يومي‬ ‫في البيت على مرأى من أطفالهم‪ ،‬بل لعلهم يقومون أحياناً بمشاركة أبنائهم في قراءة بعض‬ ‫النصوص المختارة من كتب مفيدة ومالئمة ألعمار أبنائهم‪ ،‬ومناقشة بعض األفكار والمعاني‬ ‫في هذه الكتب‪.‬‬ ‫فالمطالعة كنز ثمين لمن اعتاد عليها‪ ،‬بل هي معين ال ينضب‪ ،‬يتيح وسائل وأدوات المعرفة‬ ‫لكل من يطلبها بين ثنايا الكتب النفيسة على تنوعها؛ فيحصل على نتاج ما كتبه العظماء من‬ ‫العلماء والمفكرين وكبار األدباء والكتّاب والباحثين‪ ،‬الذين بذلوا جهوداً كبيرة استغرق بعضها‬ ‫سنوات عديدة‪ ،‬فيجنيها القارئ في عدة أيام أو ساعات‪ ،‬وربما خالل دقائق معدودة‪ ،‬استناداً‬ ‫يحرص دائماً على أن يُدلي‬ ‫ُ‬ ‫إلى نوعية المعلومات التي يبحث عنها القارئ‪ .‬والقارئُ الف َِطن‬ ‫وعلوم ال غنى له‬ ‫ٍ‬ ‫ومعلومات‬ ‫ٍ‬ ‫بخبرات جديدةٍ ‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫دلوه في هذا المعين المتاح؛ ليتزود في كل يوم‬ ‫عنها في حياته‪ .‬قال أح ُد العلماء كنا في الصغر نقرأ كل كتاب يقع بين أيدينا لمجرد القراءة‪،‬‬ ‫نقرأ ثم نقرأ ثم نقرأ… وقال أحد األساتذة الجامعيين كنت أقرأ في صباح كل يوم قبل أن‬ ‫أذهب إلى الجامعة سبعين صفحة‪ ،‬ألذهب وقد تزودت بمعلومات وثقافة جديدة ( المقصود‬ ‫غير المقررات الجامعية التي يدرسّ ها لتالميذه )!‬ ‫نحن أمة «أقرأ « ومتهمة بأنها ال تقرأ !! وقد يكون ذلك صحيحاً إلى درجة كبيرة‪ ،‬بشكل‬ ‫عام ! سألت طالباً في الجامعة‪ :‬كم تُ َقدِّر عدد الكتب التي قرأتها خارج المناهج الدراسية؟‬ ‫فأجاب‪ :‬قرأت في حياتي كتاباً واحداً فقط !! تخيّلوا‪ ،‬كيف يصل طالب إلى مستوى المرحلة‬ ‫الجامعية‪ ،‬وال يكون للمطالعة نصيب ضمن اهتماماته أو نشاطاته الحياتية! إن ذلك بالتأكيد‬ ‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫نتيجة ع��دم وج��ود أدن��ى اهتمام مبكر ل��دى أسرته أن ال يكون ذلك على حساب المقررات والواجبات‬ ‫بتعويده على المطالعة منذ الصغر‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن دور المدرسية‪ ،‬مع األخ��ذ بعين االعتبار األوق��ات التي‬ ‫المدرسة المهم في هذا المجال‪.‬‬ ‫ومن الحكمة أن نستدرك‬ ‫م��ا ف��ات��ن��ا‪ ،‬ون��ب��دأ م��ن��ذ اآلن‬ ‫بتخصيص ج���زء م��ن وقتنا‬ ‫– الذي يضيع معظمه هدراً‬ ‫– ل��ل��م��ط��ال��ع��ة‪ .‬وف���ي الوقت‬ ‫نفسه نبدأ بإكساب أبنائنا‬ ‫ع����ادة ال���ق���راءة م��ن��ذ نعومة‬ ‫أظ��ف��اره��م‪ ،‬ون��ش��ج��ه��م علـى‬ ‫ذلك ونختار لهم ما يناسبهم‬ ‫م����ن ال��ك��ت��ي��ب��ات المالئمة‬ ‫ألع��م��اره��م وال��م��ف��ي��دة لهم‪،‬‬ ‫ون���ج���ري م��ن��اق��ش��ات داخل‬ ‫ال��ب��ي��ت ح���ول م���ا يطالعونه‬ ‫م��ن ك��ت��ب‪ ،‬وي��م��ك��ن أن نقدم‬ ‫لهم هدايا وجوائز على كل‬ ‫ن��ش��اط ف���ي ه���ذا المجال‪.‬‬ ‫وستجد أنك بعد فترة‪ ،‬ونظراً‬ ‫للحاجة الملّحة لتنمية عادة‬ ‫المطالعة‪ ،‬ستقوم بتأسيس‬ ‫مكتبة صغيرة ف��ي البيت‪ ،‬تضم مجموعة متنوعة‬ ‫ومفيدة من الكتب؛ لتكون في متناول جميع أفراد‬ ‫األسرة؛ فتترسخ مع األيام هذه العادة الحميدة‪ ،‬ولكن‬ ‫ذلك بحاجة إلى الصبر والمثابرة‪.‬‬

‫تضيع ه��دراً في الجلوس أمام التلفاز في مشاهدة‬ ‫ب���رام���ج وم��س��ل��س�لات قليلة‬ ‫ال��ف��ائ��دة‪ ،‬ب��ل ق��د ت��ك��ون غير‬ ‫ال عن عدم‬ ‫مالئمة لهم فض ً‬ ‫القدرة على التحكّم بها لكثرة‬ ‫الغث فيها‪ ،‬وصعوبة أن نتوقع‬ ‫محتواها بشكل دق��ي��ق قبل‬ ‫مشاهدتها من قبل أطفالنا‪،‬‬ ‫فأحياناً تعرض برامج تحتوي‬ ‫م����ف����ردات وع���ن���اص���ر رديئة‬ ‫المستوى‪ ،‬أو ذات مضامين‬ ‫غير مرغوبة اجتماعياً داخل‬ ‫األسر المحافظة‪.‬‬ ‫وتضطلع المدرسة بدور‬ ‫مهم في تنمية توجّ ه الطلبة‬ ‫ن��ح��و ال��م��ط��ال��ع��ة‪ ،‬وذل����ك من‬ ‫خ��ل��ال ن���ش���اط���ات وب���رام���ج‬ ‫متنوعة؛ مثل إجراء مسابقات‬ ‫بين المطالعين‪ ،‬وتخصيص‬ ‫ساعة أسبوعية‪ ،‬أو يوماً في الشهر للمطالعة‪ ،‬داخل‬ ‫المكتبة بإشراف معلم قدير‪ ،‬وتشجيع الطالب على‬ ‫ق��راءة كتيب أو جزء معين من كتاب وتلخيصه أمام‬ ‫زمالئه في الفصل‪ ،‬وإج���راء مناقشة قصيرة حول‬ ‫الموضوع بمشاركة المعلم‪ ،‬ما يركّز وي��رسّ ��خ عادة‬

‫وال ب��د لكل أس��رة م��ن تعهّد أبنائها‪ ،‬فتحفزهم القراءة عند األطفال منذ سنواتهم الدراسية االولى‬ ‫على المطالعة‪ ،‬باستمرار‪ ،‬دون أن تثقل عليهم‪ ،‬وعلى ال��ت��ي يتعرفون فيها على ال��ك��ت��اب‪ ،‬وي��ع��ت��ادون على‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪101 1427‬‬


‫ممارسة القراءة‪ .‬ويمكن في هذه المرحلة بسهولة‪،‬‬

‫كل م��رة؛ حتى يتمكن القارئ من اكتساب ثقافة‬

‫أن نجعلهم يدركون أن المطالعة ينبغي أن تكون من‬

‫في مختلف المعارف والعلوم‪ ،‬إذ ال يخلو كتاب من‬

‫أه��م وسائل المعرفة والتثقيف ال��ذات��ي‪ ،‬وأن ننمي‬

‫ص على تثقيف نفسه بالقراءة‪،‬‬ ‫فائدة‪ .‬ومن حَ ��رِ َ‬

‫فيهم القناعة بضرورة أن تصبح جزءا من نشاطاتهم‬

‫أخذ من كل علم طَ رَفاً‪.‬‬

‫اليومية‪.‬‬

‫‪ .5‬النصيحة الذهبية للقاريء أثناء المطالعة‪ ،‬هي‬

‫إن القارئ يحقق ذاته كفاعل ال منفعل‪ ،‬إذ أن له‬

‫«اق���رأ بأعين مفتوحة»‪ ،‬وال تأخذ ك��ل م��ا تقرأه‬

‫دوراً يؤديه أثناء المطالعة‪ ،‬ولكل قارئ قراءته الخاصة‬

‫كمسلّمات؛ فأحياناً تجد بعض المؤلفين يشتطون‬

‫به‪ ،‬وتحليالته الذهنية أثناءها‪ ،‬ولو طلبنا من عشرة‬

‫ويحيدون عن الصواب وخاصة في الكتب المؤلفة‬

‫أشخاص قراءة نص واحد لخرج كل منهم بانطباعات‬

‫من قبل كتّاب غير متخصصين أو ذوي مصالح‬

‫ومعاني وتأثيرات متباينة عن اآلخرين‪ ،‬بتباين الدور‬

‫شخصية‪.‬‬

‫ال��ذي قام به كل منهم أثناء قراءته‪ .‬فالقراءة عم ٌل ‪ .6‬استثمار أوقات الفراغ الطارئة‪ ،‬بمطالعة ما ينفع‬ ‫ينطوي على ب��ذل جهد عقلي يستهلك م��ق��داراً من‬ ‫من الكتب‪.‬‬ ‫الطاقة بقدر الجهد المبذول فيها‪ ،‬فيكون التحصي ُل‬

‫والتأ ّث ُر بقدر الجهد المبذول‪ ،‬وبتأثير وتفاعل مع‬ ‫ما يختزنه العقل الباطن من معلومات سابقة تشكّل‬ ‫إطاراً مرجعياً لكل إنسان‪.‬‬ ‫نصائح مهمة في مسألة المطالعة‪:‬‬ ‫‪ .1‬إعلم أنك إذا قرأت كتاباً فإنك تكون قد حصلت‬ ‫على خبرات سنوات طويلة لعقل مؤلف الكتاب‬ ‫بجهد قليل؛ فانظر كيف تستثمر تلك الخبرات في‬ ‫حياتك وتنمية معلوماتك ومهاراتك‪.‬‬ ‫‪ .2‬إن مطالعة الكتاب تعد رحلة مهمة في المعارف‬ ‫والخبرات توفّر الجهد والمال‪.‬‬

‫‪ .7‬ال��ت��ن��وي��ع ف��ي المطالعة لتوسيع دائ����رة الثقافة‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫‪ .8‬المناقشة م��ع أف����راد األس����رة ف��ي ال��ك��ت��ب التي‬ ‫يطالعونها‪.‬‬ ‫‪ .9‬اعتماد الكتاب إحدى الهدايا التي يمكن تقديمها‬ ‫لألصدقاء‪ ،‬لما يكتسبه الكتاب من فائدة وديمومة‪،‬‬ ‫بدالً من بعض الهدايا ذات القيمة األقل‪.‬‬ ‫وخالصة األمر أن نتعلم كيف نقرأ وماذا نقرأ ؟ كما‬ ‫ينبغي أن نولي أطفالنا االهتمام الالزم لكي يعتادوا‬ ‫القراءة منذ نعومة أظفارهم‪ ،‬ونرعاهم باستمرار‪،‬‬ ‫ال‬ ‫للترسخ لديهم ملكة القراءة وحب المطالعة‪ .‬فض ً‬

‫‪ .3‬تحديد وق��ت (ساعة أو أكثر) في اليوم أو في عن تعليمهم كيف يقرأون وم��اذا ي��ق��رأون‪ ،‬فالقراءة‬ ‫األسبوع للمطالعة‪.‬‬ ‫صنعة يجب أن نمارسها يوميا وهي شرط أساسي‬ ‫‪ .4‬حسن اختيار الكتاب‪ ،‬مع الحرص على التنوّع في من شروط الكتابة‪.‬‬

‫<‬

‫إعالمي ‪sswaneh@yahoo.com‬‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫أهمية التأسيس للمتحف التعليمي‬ ‫في الوطن العربي‬

‫> الدكتور‪ :‬جميل بن موسى احلميد‬ ‫يعد المتحف التعليمي في كثير من دول العالم المتطور أحد أهم مصادر‬

‫التعليم والتثقيف للمواطنين‪ .‬تقول ‪ )Green-Hill (1994‬أن مهمة المتحف هي‬ ‫إيجاد أفضل الطرق المناسبة والفعالة لتثقيف العامة‪ .‬ويؤكد ‪)Green (1998‬‬

‫أن األطفال في الفترة العمرية من ‪ 4‬إلى ‪ 12‬سنة‪ ،‬ينبغي إشراكهم في برامج‬

‫تثقيفية تعدها المتاحف المختلفة؛ لما لها من دور كبير في تثقيف هؤالء الطلبة‬

‫وتعليمهم‪ ،‬وإكسابهم خبرات ومهارات‪ ،‬تفيدهم في حياتهم الدراسية وبعدها‪ .‬إن‬

‫المتحف التعليمي يوفر بيئة علمية مناسبة‪ ،‬من خالل برامج مدروسة تهدف إلى‬ ‫خبرات علمية عملية‪ ،‬تعتمد على تفاعل الفرد مع برامج المتحف‬ ‫ٍ‬ ‫إكساب زواره‬

‫التعليمي بأكثر من حاسة‪ ،‬وهو ما يجعل للتعلم بالمتحف خاصية تمتاز بالمتعة‬

‫والتشويق‪ ،‬تختلف عن غيرها من البيئات التعليمية األخرى‪.‬‬

‫وال يختلف المتحف التعليمي هنا عن غيره من المتاحف‪ ،‬من حيث سبب‬

‫الوجود‪ .‬فهو المكان الذي يحتوي على األدوات والتحف والمقتنيات الصناعية‬ ‫والطبيعية‪ ،‬التي أنتجها واستعملها اإلنسان عبر العصور؛ إضافة إلى أن القائمين‬

‫على المتاحف التعليمية يحرصون على إيجاد بيئات علمية وعملية تمكِّن الزوار‪،‬‬

‫وهم غالباً من األطفال وط�لاب المدارس‪ ،‬من االحتكاك المباشر مع مختلف‬

‫ال تجد البيئات البحرية والبرية والغابات‪ ,‬‬ ‫الخبرات النظرية منها والعملية؛ فمث ً‬

‫وكذلك الفضاء والفنون والصناعة واأللعاب والخيال العلمي‪ ،‬حيث يتاح للزائر‬

‫فرصة التعامل والعيش‪ ،‬وتجريب هذه البيئات‪ ،‬لدرجة أن الزائر يمكنه أن يعود‬ ‫بفكره وتأمله إل��ى الماضي مئات بل آالف السنين‪ ،‬عندما يتجول بين هياكل‬

‫الديناصورات‪ ،‬كما هو الحال في متحف كليفالند بوالية أوهايو بالواليات المتحدة‬

‫األمريكية‪ ،‬حيث يشاهد الزائر عن ق��رب الحجم الطبيعي لهذة المخلوقات‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪103 1427‬‬


‫نحتاج إل��ى أن نؤسس لهذا النوع من المتاحف‪،‬‬ ‫والتي أثبتت الدراسات العلمية قيمة هذا النوع من‬ ‫المؤسسات المدنية كأحد مصادر التعلم‪ .‬تؤكد‬ ‫جرين هيل ‪ )Green-Hill (1994‬أن األطفال ال بد أن‬

‫يُعطوا فرصاً للنمو واالكتشاف واكتساب الخبرات‪،‬‬ ‫وذلك عن طريق بعض األنشطة من خالل مصادر‬ ‫غير المدارس االعتيادية‪ .‬إن التعلّم داخل أروقة‬ ‫المتحف له مزايا وخصوصيات تختلف عنه في‬ ‫المدارس؛ فهذا النوع من التعلّم ينتج تاثيراً يختلف‬ ‫عن تأثير التعلّم بالمدرسة‪ ،‬وذل��ك نظراً لطبيعة‬ ‫العالقة بين الطالب والمكان‪ ،‬وكذلك بينه وبين‬ ‫المرشد وأمين المتحف‪ .‬ويثير التعليم داخل أروقة‬ ‫المتحف الخيال عند الطالب‪ ،‬كما أنه يقوي ملكة‬ ‫المالحظة لالشياء من حولة ويثري الذكاء‪ .‬كما أن‬ ‫التعليم داخل المتحف يشجع على تقدير الثقافات‬ ‫األخرى‪ ،‬ويساعد على فهمها‪ ،‬وكذلك فهم الحياة‬ ‫الطبيعية والفنون التشكيلية وتقديرهما‪.‬‬ ‫وف��ي ال��وق��ت ال��ح��اض��ر‪ ،‬ي��رى كثير م��ن العلماء‬ ‫المختصين والمهتمين بالتعليم في المتاحف أن‬ ‫نتيجة التعلّم بالمتحف ت��أت��ي مختلفة عنها في‬ ‫المدارس االعتيادية‪ ،‬وذلك لعدة أسباب منها‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن التعليم بالمتحف يرتكز على الموجودات‬ ‫بالمتحف من أعمال فنية أو تحف ومقتنيات‪.‬‬ ‫‪ .2‬توفر هامش كبير من الحرية عند الطالب‪،‬‬ ‫وم��واط��ن��ه��ا الطبيعية‪ ،‬وأس��ل��وب حياتها‪ ،‬وأسباب الخ��ت��ي��ار م��ا يناسبة م��ن م��وض��وع��ات‪ ،‬أث��ن��اء زيارة‬ ‫ان��ق��راض��ه��ا‪ .‬ك��ل ه��ذة المعلومات ت��ع��رض بطريقة المتحف‬ ‫ال في‬ ‫مسلّية ومشوّقة‪ ،‬تجعل للمعلومة أث��راً طوي ً‬

‫‪ .3‬التعلم بالمتحف طوعي وليس جبرياً‪.‬‬

‫سلوك الزائر‪ ،‬وكذلك في إكسابه خبرة مباشرة‪ ،‬قد‬ ‫‪ .4‬التعلم بالمتحف غير مرتبط بمنهج متسلسل‪،‬‬ ‫ال تتوافر في أي موقف تعليمي آخر‪.‬‬ ‫وال يترتب على هذا النوع من التعلم اختبارات‪.‬‬ ‫وفي المملكة العربية السعودية والوطن العربي‪،‬‬ ‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫ل�لأس��ب��اب آن��ف��ة ال��ذك��ر‪ ،‬يشجع‬

‫‪Gartenhaus‬‬


‫المختلفة‪ ،‬وال��ت��ع��رف بشكل أكبر على منطقتهم‪،‬‬ ‫وتعلم سلوكيات جديدة في األماكن العامة‪ ،‬وتعلم ‬ ‫التاريخ وفهمه‪ ،‬وتعلم مهارات في عرض األعمال‬ ‫الفنية المختلفة‪ ،‬وممارسة بعض األشغال واألعمال‬ ‫اليدوية‪ ،‬واستخدام العلوم‪ ،‬والشعور بالمتعة والمرح‬ ‫أثناء الزيارات‪.‬‬ ‫وال يلغي المتحف التعليمي‪ ،‬حسب هذا الطرح‪،‬‬ ‫ال‬ ‫ال وعام ً‬ ‫دور المدارس االعتيادية ولكنه يُعد مكم ً‬ ‫مساعداً على جعل التعليم في المملكة وأكثر فاعلية‪،‬‬ ‫إذ يتعرض الطالب خالل زيارة هذه المتاحف إلى‬ ‫خ��ب��رات م��ب��اش��رة م��ع م���وج���ودات ال��م��ت��ح��ف‪ ،‬سواء‬ ‫باللمس أو الشم أو التذوق أو السمع أو اإلدراك‬ ‫البصري والذهني‪ ،‬وه��ذا هو الفرق بين من سمع‬ ‫ومن رأى‪ .‬فهذه دعوة لنبدأ عصراً تعليمياً جديداً‬ ‫‪ )(1984‬المدرسين على اصطحاب طالبهم إلى من خالل التأسيس لمتاحف تعليمية في المملكة‬ ‫المتاحف واألم��اك��ن المشابهة لها‪ ،‬المتوافرة في وفي وطننا العربي‪.‬‬ ‫مجتمعاتهم ال��م��ح��ل��ي��ة‪ ،‬ح��ي��ث يمكنهم التدريس‬ ‫باستخدام األعمال الفنية والمقتنيات المختلفة‪ ،‬ما‬ ‫يجعل للتعلم معنىً أكبر‪ ،‬وقيم ًة أكثر‪.‬‬ ‫وخ��ل��ال ت��ج��رب��ت��ي ال��ش��خ��ص��ي��ة ف���ي أطروحتي‬ ‫للدكتوراه المعنونة‪" :‬األثر التربوي لزيارة الصفوف‬ ‫المدرسية لمتحف كينيدي للفنون"‪ ،‬خلصت إلى أن‬ ‫هناك مجموعة مهارات وقدرات‪ ،‬اكتسبها الطالب‬ ‫خالل زياراتهم الميدانية لذلك المتحف؛ بعضها‬ ‫يتعلق بالمهارات الذهنية والعملية‪ ،‬وبعضها اآلخر‬ ‫يتعلق بالجانب النفسي والخبرات االجتماعية‪.‬‬

‫وم��ن نتائج تلك ال��دراس��ة‪ ،‬اآلت��ي‪ :‬تعلم مهارات‬ ‫جديدة‪ ،‬في الكتابة‪ ،‬والتعبير عن الذات‪ ،‬ومهارات في‬ ‫القيادة‪ ،‬والتعرف على بعض الثقافات والحضارات‬ ‫< رئيس قسم تكنولوجيا التعليم والتربية الفنية بكلية المعلمين بالجوف‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪105 1427‬‬


‫رواية‪ :‬وطن من زجاج‬ ‫> حازم إلياس‬

‫<‬

‫للروائية الجزائرية ياسمينة صالح‬ ‫المؤلفة‪ :‬‬ ‫الدار العربية للعلوم بيروت‪.‬‬ ‫الن ــاش ــر‪ :‬‬ ‫سنة النشر‪1427 :‬هـ (‪2006‬م)‪.‬‬ ‫عندما قرأت‪ ،‬قبل نحو عامين‪ ،‬روايتها األولى «بحر‬ ‫الصمت»‪ ،‬فوجئت كثيراً بتلك اللغة الغارقة في الشعر‬ ‫والثورة واإلدانة الصريحة‪ ،‬وبذلك النَفَس األدبي الذي‬ ‫أدخلني‪ ،‬مرة أخ��رى‪ ،‬عالم األدب الجزائري الحديث‬ ‫المكتوب باللغة العربية‪ .‬ياسمينة ص��ال��ح م��ن جيل‬ ‫االستقالل‪ ،‬جيل «ال يعرف االعتذار»‪ ،‬كما تقول على‬ ‫لسان بطلها السابق في رواية بحر الصمت؛ جيل يتيم‬ ‫ج��داً في وط��ن ينهار ويتكسر أم��ام أعين أبنائه‪ ،‬كما‬ ‫تقول على لسان بطلها الثاني في روايتها الجديدة‬ ‫«وطن من زجاج»‪.‬‬

‫ق���������راءات‬

‫ياسمينة صالح ال تعترف بالمقدمات أيضاً‪ ،‬وتعد‬ ‫التاريخ قالباً جاهزاً للتزوير والتشويه‪ ،‬إذ ليس هنالك‬ ‫حقيقة مجردة داخل تاريخ يكتبه أولئك الذين يزيفون‬ ‫ال��وط��ن أس��اس��اً‪ ،‬ويضحكون على ال��ش��ع��وب ويقتلون‬ ‫أحالمهم بالجملة أو بالتقسيط‪ .‬والتاريخ الذي يكتبه‬ ‫الشهداء‪ ،‬ال يمكن قراءته خارج الشهادة التي يختارونها‪.‬‬ ‫بهذه التلميحات الثورية‪ ،‬وبلغة شاعرية وثائرة‪ ،‬تفتح لنا‬ ‫األديبة الروائية الجزائرية ياسمينة صالح باب الدخول‬ ‫إلى األدب الجزائري الراهن‪ ،‬بنص‪ :‬وطن من زجاج!‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫لعل القارئ‪ ،‬في المشرق العربي تحديداً التقى عبر‬ ‫االنترنت بنصوص متفرقة للكاتبة الجزائرية ياسمينة‬ ‫صالح‪ ،‬وال أنكر شخصياً أنني توقفت كثيراً ذات مرة‬ ‫أما نصها‪ ،‬ال��ذي احترت أين أضعه ضمن التصنيف‬ ‫األدبي‪ ،‬فهو بين الشعر والنثر‪ ،‬وهي التي أسمته «لوحة‬ ‫أدب��ي��ة»‪ ،‬كي ال تتورط في الدخول إل��ى معارك أدبية‬ ‫مجانية‪ .‬ولكن نصها «رسالة اعتذار إلى الرئيس بوش»‬ ‫كان لوحة أدبية مدهشة‪ ،‬يعكس حالة الثورة والصراع‬ ‫الداخلي‪ ،‬بين ما هو كائن وبين ما هو مفروض‪ ،‬إذ‬ ‫إنها صرخة امرأة في واقع سلبي ومستسلم وانهزامي‬ ‫أيضاً‪.‬‬ ‫ك��ان ذل��ك النص األدب��ي نافذة دخولي إل��ى عوالم‬ ‫ياسمينة صالح األدب��ي��ة‪ ،‬قبل أن أق��رأ رواي��ت��ه��ا بحر‬ ‫ال��ص��م��ت‪ ،‬ال��ت��ي س��م��ع��ت أن��ه��ا ت��رج��م��ت إل���ى اللغتين‬ ‫الفرنسية واالسبانية‪.‬‬ ‫ما يجب التوقف عنده هو أن لياسمينة صالح حضور‬ ‫أدبي ملفت ومدهش‪ ،‬وغير صاخب في الوقت نفسه‪.‬‬ ‫هي األديبة الجزائرية التي تعي أنها تكتب في وطن‬ ‫استثنائي‪ ،‬في انكساراته منذ االستقالل السياسي إلى‬


‫يومنا هذا‪ .‬وطن يأكل مبدعيه بكل األشكال ومع ذلك‬ ‫تصر على «لعنة الكتابة»‪ ،‬وتعد أن البقاء داخل الوطن‬ ‫ج��زءاً من تلك اللعنة‪ ،‬التي تشبه القدر والتي ال يمكن‬ ‫التخلص منها إال بالموت! لذلك تبدو عناوين ياسمينة‬ ‫ص��ال��ح م��رادف��ة لكل تلك التناقضات ال��ت��ي ت��ح��اول أن‬ ‫تطرحها أمامنا؛ فبحر الصمت ك��ان حالة ص��راع بين‬ ‫جيلين‪ ،‬جيل الثورة وجيل االستقالل الجزائري‪ .‬صراع‬ ‫نكتشف متعته في تفاصيل الرواية‪ ،‬بحيث أننا ال نملك‬ ‫غير االنتباه إل��ى تلك اللعبة الخطيرة‪ ،‬التي تمارسها‬ ‫أمامنا األديبة‪ ،‬حين تعلن أن ال مكان لغير الوطن‪ ،‬وأن‬ ‫الوطن سرقوه منا‪ .‬فهي صورة تعكس اإلسقاطات التي‬ ‫تحرق أصابع الكاتبة وأنفاس القارئ معاً‪ ،‬وتصر في كل‬ ‫رواي��ة على نص‪« :‬نحن أيتام هذا الزمن الكئيب»‪ .‬إنه‬ ‫النص الذي تكرر في الكثير من النصوص التي كتبتها‬ ‫ال صورة جميلة وحزينة‬ ‫ياسمينة صالح‪ .‬بحر الصمت مث ً‬ ‫لواقع الجزائر بعد االستقالل‪ ،‬لصراع بين جيلين‪ ،‬جيل‬ ‫الثورة وجيل االستقالل‪ ،‬وبين حلم وسلطة قمعية‪ ،‬ال‬ ‫تعترف سوى بالقوة واإلره��اب السياسي‪ ،‬وديكتاتورية‬ ‫البقاء في السلطة‪ ،‬على جثث البسطاء والفقراء‪ .‬ولهذا‬ ‫ال أحد ينتصر في النهاية‪ ،‬بل يتحّ ول المشهد إلى واقع‬ ‫بعينه ضمن خارطة مرادفة للجرح المزمن‪ .‬هذه التراكيب‬ ‫ال��ت��راج��ي��دي��ة ف��ي ع��ال��م ال���رواي���ة ل���دى ياسمينة صالح‬ ‫نكتشفها‪ ،‬بشكل مغاير اليوم‪ ،‬في روايتها الجديدة‪« :‬وطن‬ ‫من زج��اج» الصادرة عن ال��دار العربية للعلوم ببيروت؛‬ ‫فالعنوان يبدو مركباً‪ :‬الوطن والزجاج‪ .‬وألن الراهن يميل‬ ‫إلى االعتقاد أن العنوان واقعي إلى أبعد الحدود‪ ،‬نجد‬ ‫أنفسنا ندخل إلى ذلك الوطن الزجاجي‪ ،‬لنكتشف مالمح‬ ‫جيل آخر‪ ،‬أكثر تعبا وفقداناً للهوية واألمان‪ ،‬جيل تقول‬ ‫عنه ياسمينة صالح إنه جيل المجزرة والقتل اليومي‪،‬‬ ‫وس��رق��ة األح��ل�ام‪ ،‬واإله��ان��ة ال��رس��م��ي��ة‪ ،‬ال��ت��ي تمارسها‬ ‫الدولة ضد البسطاء والفقراء‪ .‬فكيف نطلب من العالم‬ ‫أن يحترمنا حين ال يحترمنا حكامنا‪ ،‬وحين ال يحترمنا‬ ‫جيراننا‪ ،‬وحين ال نحترم أنفسنا أساساً؟! تقولها بلغتها‬ ‫المدهشة‪ .‬إنها المقاربة الجميلة بين الواقع والموت؛‬

‫بين الخير وال��ش��ر‪ ،‬أم��ام أعين ه��ذا الجيل ال��ذي تعده‬ ‫السلطة» غاشي» وه��و مصطلح يستعمله الجزائريون‬ ‫ليعنون به «قطيع األغنام» وألن الضغوطات الداخلية‬ ‫كبيرة‪ ،‬ح��دث ال��ص��دام بين الحياة في قمة عريها من‬ ‫جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬بين الوطن في قضية سياسية‬ ‫معقدة‪ ،‬يثيرها بطل الرواية‪ ،‬وهو صحفي يعايش موت‬ ‫زمالئه وأصدقائه وكل أحبابه‪.‬‬ ‫ألول مرة تبدو الرواية بعيدة عن إدانة اإلسالميين‪،‬‬ ‫فياسمينة ال تتهم َم ْن يصفون أنفسهم‪ ،‬باإلسالميين‪ ،‬بل‬ ‫تذهب إلى حد إدان��ة السلطة نفسها‪ ،‬بأنها تقف وراء‬ ‫ذل��ك الجحيم إلب��ادة ه��ذا الشعب تحت تسمية األرض‬ ‫المحروقة‪ ،‬ألجل أال يكون ثمة من يطالب بحقوقه‪ ،‬ومن‬ ‫يطلب بالمساواة على أرضه‪ ،‬ولتذهب إيرادات البترول‬ ‫إلى القتلة الرسميين دون أن يحاسبهم أحد! فاإلرهابي‬ ‫في منظور ال��رواي��ة هو السلطة‪ ،‬بكل ما تعنيه الكلمة‬ ‫من مؤسسات هشة‪ ،‬ومن سياسة قمعية وديكتاتورية‪،‬‬ ‫تحاسب الفقير على بقائه حياً‪ ،‬وتسعى إلى نشر الموت‬ ‫بين البسطاء!‬ ‫الرواية تطرح الكثير من األسئلة‪ ،‬ولكنها ترد على‬ ‫بعضها‪ ،‬وتعد الحرب على اإلرهاب حرباً على الفقراء‪،‬‬ ‫ألن أسباب اإلره��اب تظل قائمة ببقاء الفقر والجهل‪،‬‬ ‫والتسيب السياسي ال��ذي أس��س إيديولوجية «حاميها‬ ‫حراميها»‪ ،‬كما تقول الروائية‪.‬‬ ‫هذه ق��راءة أولية لرواية غارقة في الحزن والدموع‬ ‫والرحيل والغياب واليتم‪ ،‬الذي يجمع بين جيلين‪ :‬جيل‬ ‫الثورة (عمي العربي)‪ ،‬وجيل االستقالل (النذير)‪ .‬رواية‬ ‫تفوح منها رائحة الوطن المغتال‪ ،‬ونزيف الجرح الجزائري‬ ‫ط���وال س��ن��وات ال��م��وت ال��م��ج��ان��ي‪ .‬إن��ه��ا رواي���ة تستحق‬ ‫التوقف أكثر‪ ،‬وتستحق القراءة من جديد؛ ألنها ترسم‬ ‫بأنامل كاتبة جزائرية مرحلة سوداء من مراحل الجزائر‬ ‫الحديثة‪ ،‬وألنها وهذا هو األهم تؤكد أن ياسمينة صالح‬ ‫روائية مبدعة‪ ،‬بكل ما تعنيه الكلمة من معنى‪.‬‬

‫< طبيب عيون ومثقف سوري مقيم في باريس‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪107 1427‬‬


‫تخطيط املدينة املنورة في‬

‫العهد النبوي واخلالفة الراشدة‬

‫دراسة حضارية في ضوء املصادر‬ ‫التاريخية‬

‫المؤلفة‪ :‬حصة بنت عبيد بن صويان الشمري‬ ‫ تلقت تعليمها االبتدائي والمتوسط والثانوي بالجوف‪.‬‬‫ أستاذ مساعد في قسم التاريخ والحضارة بكلية التربية للبنات‪/‬األقسام األدبية‪-‬الرياض‪.‬‬‫الناشر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪.‬‬ ‫‪1427‬هـ (‪2006‬م)‪.‬‬ ‫سنة النشر‪ :‬‬ ‫يناقش الكتاب الموضوعات المتعلقة بتخطيط‬ ‫المدينة المنورة في العهد النبوي‪ ،‬منذ هجرة النبي‬ ‫[ إل��ى المدينة ال��م��ن��ورة‪ ،‬وال��ب��دء ببناء المسجد‬ ‫النبوي‪ ،‬والحجرات الشريفة‪ ،‬وعالقاتها بالمسجد‪،‬‬ ‫وخطط األنصار‪ ،‬والمهاجرين‪.‬‬ ‫اس��ت��ع��رض��ت ال��م��ؤل��ف��ة ن��م��و ال��م��دي��ن��ة المنورة‬ ‫وت��ط��وره��ا ف��ي عهد الخلفاء ال��راش��دي��ن رض��ي الله‬ ‫عنهم؛ وتناولت بالدراسة مرافق المدينة المنورة‬ ‫العمرانية ‪ :‬كالمنازل‪ ،‬ومساجد الخطط‪ ،‬والطرقات‬ ‫واألزقة‪ ،‬والمرافق العامة بأنواعها المتعددة‪.‬‬ ‫كما استعرضت أث��ر تخطيط المدينة المنورة‬ ‫على المدن اإلسالمية المبكرة‪ ،‬كالبصرة‪ ،‬والكوفة‪،‬‬ ‫والفسطاط‪ ،‬والقيروان‪ ،‬و واسط‪.‬‬

‫أهمية الدراسـة‬

‫‪ 1‬الكشف عن التغيير الجذري‪ ,‬الذي أحدثه النبي [‬‫في تخطيط المدينة المنـورة‪ ,‬بعد هجرته إليهـا‪.‬‬ ‫‪ 2‬بيان ابرز مالمح الحجرات الشريفة‪ ،‬و توضيح‬‫عالقتها بالمسجد النبوي‪.‬‬ ‫‪ 3‬معرفة الطريقة‪ ،‬التي اتبعهـا النبي [ في تنظيم‬‫خطط األنصار والمهاجرين‪.‬‬ ‫‪ 4‬الكشف عن التطور العمراني‪ ،‬الذي حدث للمدينة‬‫المنورة خالل عهد الخلفاء الراشدين‪.‬‬ ‫‪ 5‬التعرف على أنواع المرافق العمرانية الموجودة‬‫ف���ي ال��م��دي��ن��ة ال���م���ن���ورة‪ ،‬خ�ل�ال ال��ع��ه��د النبوي‬ ‫والخالفة الراشدة‪.‬‬ ‫‪ 6‬إب��راز أصالة تخطيط المدينة المنورة‪ ,‬ومدى‬‫تأثيره على تخطيط المدن اإلسالمية األولـى‬ ‫التي نشأت بعدها‪.‬‬

‫تنبع أهمية هذه الدارسة من سعيها إلى توضيح‬ ‫كما ض��م الكتاب تعريفات بأهم المصطلحات‬ ‫األمور‪ ،‬التي واكبت الفترة التالية لهجرة النبي [ ال���واردة فيه‪ ،‬إضافة إل��ى ملحق للخرائط والرسوم‬ ‫إلى المدينة‪ ،‬ومن بينها اآلتي‪:‬‬ ‫التوضيحية‪.‬‬ ‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫اقتصاديات التعليم‪:‬‬ ‫استثمار في أمة‬

‫المؤلف ‪ :‬الدكتور عبدالواحد بن خالد الحميد‪.‬‬ ‫(عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران ‪ -‬سابقا‪ -‬وكيل وزارة‬ ‫العمل للتخطيط والتطوير حالياً)‪.‬‬ ‫الناشر‪ :‬دار مصر للطباعة‪.‬‬

‫والجامعات تُخَ ِّر ُج بشراً يحملون الشهادات‪،‬‬ ‫ولكنهم لن يكونوا قادرين على اإلسهام في‬ ‫تنمية مجتمعاتهم‪ ،‬والخسارة هنا ال تقتصر‬ ‫على األموال التي صرفت على هؤالء الناس‬ ‫أثناء دراستهم‪ ،‬وإنما تتجاوز ذلك إلى اآلثار‬ ‫السلبية التي تنعكس على المجتمع من جراء‬ ‫دخول عناصر غير منتجة إلى ميادين العمل‬ ‫المختلفة ‪.‬‬

‫يُ��عِ �� ُّد االق��ت��ص��ادي��ون اإلن��ف��اق على التعليم‬ ‫استثماراً ف��ي رأس ال��م��ال ال��ب��ش��ري‪ ،‬ويفوق‬ ‫ال���ع���ائ���د م��ن��ه ال���ع���ائ���د م���ن االس���ت���ث���م���ار في‬ ‫المشروعات الصناعية واإلنتاجية عموماً‪،‬‬ ‫إال إن المشكلة تتمثل ف��ي أن ال��ع��ائ��د من‬ ‫االستثمار في رأس المال البشري ال يتحقق‬ ‫– في الغالب – إال في المدى الطويل‪ ،‬األمر‬ ‫ال��ذي ي��ؤدي‪ ،‬في بعض األحيان‪ ،‬إلى تأجيل‬ ‫ال��ت��وسّ ��ع ف��ي اإلن���ف���اق ع��ل��ى ال��ت��ع��ل��ي��م بسبب‬ ‫وقد يؤدي النقص في الموارد المخصصة‬ ‫االحتياجات االجتماعية الملحّ ة‪ ،‬التي يصعب للتعليم‪ ،‬إل���ى اإلخ��ل�ال ب��ال��ش��روط الواجب‬ ‫على الحكومات تأجيلها‪.‬‬ ‫توافرها في العملية التعليمية والتربوية ‪.‬‬ ‫يؤكد المؤلف أن االستثمار في اإلنسان‬ ‫وبعكس االستثمار في اآلالت والمعدات‪،‬‬ ‫يختلف عن االستثمار في اآلالت والمعدات؛ التي يكون عمرها اإلنتاجي م��ح��دوداً‪ ،‬فإن‬ ‫فاإلنسان ليس آلة‪ ،‬يتم التخلص منها إذا ثبتت خ��ري��ج��ي ال��م��ؤس��س��ات التعليمية يستمرون‬ ‫أنها غير منتجة أو غير صالحة لالستخدام‪ .‬ف��ي عملهم م��دى ال��ع��م��ر؛ فينعكس أداؤهم‬ ‫واإلنسان ليس محايداً كاآللة ‪ ،‬فهو يملك الضعيف على المجتمع كله‪ ،‬حينما يعجز‬ ‫فكراً ومشاعر‪ ،‬وعندما تُرتكب األخطاء في النظام التعليمي عن تقديم النوعيّة والكميّة‪،‬‬ ‫االستثمار التعليمي؛ فإن المدارس والمعاهد المالئمتين من التعليم للطلبة ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪109 1427‬‬


‫املنقول واملعقول‬

‫في التفسير الكبير لفخر الدين الرازي‬

‫المؤلف‪ :‬د‪ .‬عارف بن مفضي المسعر‪.‬‬ ‫‪ -‬مدير عام التعليم بمنطقة الجوف سابقا‪.‬‬

‫الناشر ‪ :‬مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات اإلسالمية‪.‬‬

‫يقول المؤلف ف��ي مقدمة كتابه «المنقول‬ ‫وال��م��ع��ق��ول ف��ي التفسير الكبير لفخر الدين‬ ‫الرازي»‪ :‬إن االهتمام بفكر الرازي يأتي بوصفه‬ ‫ص��اح��ب م��درس��ة توفيقية ف��ي التفسير‪ ،‬وهو‬ ‫ما يعني االهتمام بشأن األم��ة اإلسالمية في‬ ‫حاضرها وبمحاوالتها الجادة للتقدم على طريق‬ ‫الخير‪ ،‬وهو شأن تحتاج معه األمة الى اجتماع‬ ‫الكلمة ووضوح الرؤية أكثر من أي وقت مضى‪.‬‬

‫وي��رى الباحث أن مشكلة العالم اإلسالمي‬ ‫المعاصرة تتمثل في جمعه بين الجانب النقلي‬ ‫الذي يمثل التراث اإلسالمي بأصالته وعمقه‬ ‫وقيمته التاريخية و الروحية‪ ،‬وبين االتجاه العقلي‬ ‫المتمثل في التيارات العلمية الثقافية الغربية‪،‬‬ ‫حيث تبدو مالمح القضية الحديثة بارزة على‬ ‫شكل ح��وارات بين األصالة والمعاصرة‪ ،‬وتلك‬ ‫هي قضية المسلم المعاصر‪ ،‬مؤكداً أن قضايا‬ ‫اليوم في جوهرها شبيهة بعصر ال��رازي حين‬ ‫هب للم شتات األفكار المتناقضة‪.‬‬ ‫قسّ م الكتاب ال��ذي جاء في ‪ 589‬صفحة‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

‫ال��ى ثالثة أب���واب رئيسية مقسمة ال��ى عدة‬ ‫فصول لكل باب‪ ،‬تحدث في الباب األول عن‬ ‫شخصية فخر ال��دي��ن ال����رازي وم��وق��ع��ة بين‬ ‫المفسرين متحدثا عن حياته وعصره وكتبه‬ ‫وأث���اره‪ ،‬تحدث فيه أيضا ع��ن التفسير في‬ ‫القرن السادس الهجري‪.‬‬ ‫وت��ح��دث ف��ي ال��ب��اب ال��ث��ان��ي ع��ن االتجاه‬ ‫النقلي في تفسير الرازي‪ ،‬وقسمه الى فصول‬ ‫تحدث فيها عن المنقول من الحديث النبوي‬ ‫وكالم الصحابة والتابعين‪ ،‬وعن المنقول من‬ ‫الشعر الجاهلي واألمثال والحكم والمنقول‬ ‫من غير التراث اإلسالمي‪ .‬وفي الباب الثالث‬ ‫تحدث الباحث عن االتجاه العقلي في تفسير‬ ‫الرازي‪ ،‬وقسمه الى عدة فصول تحدث فيها‬ ‫عن أهمية التأويل وقانونه الكلي‪ ،‬وعن مدى‬ ‫اعتماده على العقل في تفسيره ومنهجه في‬ ‫ذل��ك‪ ،‬وعن قيمة العقل‪ ،‬وعن ح��دود العقل‪،‬‬ ‫وعن واقعيته وتحفظه‪ ،‬اضافة الى الخاتمة‬ ‫وقائمة بالمراجع والكشافات‪.‬‬


‫بحوث في آثار منطقة اجلوف‬

‫المؤلف‪ :‬الدكتور خليل بن إبراهيم المعيقل‪.‬‬ ‫(عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود) ‪.‬‬ ‫الناشر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ .‬‬

‫يعد البحث في تاريخ الجزيرة العربية وآثارها المليون عام‪ ،‬والمواقع األثرية العربية‪ ،‬التي‬ ‫مجاالً خصباً‪ ،‬وجديداً فهو ما يزال في مراحله تعود لفترات تاريخية مختلفة تعكس تسلسل‬ ‫األولى‪ .‬كما أن معلوماتنا المتوافرة عن التاريخ التاريخ الحضاري العام في الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫القديم واإلسالمي المبكر‪ ،‬يشوبها كثير من‬ ‫النقص؛ نتيجة قلة اهتمام العرب في عصر ما يشمل هذا الكتاب خمس دراس��ات‪ :‬األولى‬ ‫قبل اإلسالم بالتدوين التاريخي‪ ،‬إضافة إلى تناولت االستيطان ف��ي ال��ج��وف منذ أقدم‬ ‫أن ما ورد في المصادر التاريخية اإلسالمية العصور‪ ،‬وتناولت الدراسة الثانية المواقع‬ ‫غير دقيق وناقص ويعتمد على مراجع غير األث���ري���ة ب���ال���ج���وف‪ ،‬وركّ������زت ع��ل��ى تحديد‬ ‫عربية؛ لذا فإن كتابة التاريخ القديم للجزيرة الفترات التاريخية المختلفة؛ أما الدراسة‬ ‫العربية لن تتأتى إال من بوابة اآلث��ار‪ ،‬التي الثالثة فكانت عن وادي السرحان في ضوء‬ ‫تعد المصدر الوحيد لهذه المرحلة المهمة اإلكتشافات األث��ري��ة‪ ،‬مع مسح ع��ام للوادي‬ ‫من تاريخ الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫وف��ت��رات��ه ال��ت��اري��خ��ي��ة؛ وع��ال��ج��ت الدراسة‬ ‫وسوف يضيف البحث في آثار منطقة الجوف‬ ‫معلومات ج��دي��دة إل��ى السجل ال��ع��ام لتاريخ‬ ‫الجزيرة‪ .‬لقد أسهمت الجوف إسهاماً كبيراً‬ ‫في تاريخ التحضر في الجزيرة العربية‪ ،‬بل إن‬ ‫تاريخ الجوف الذي يمتد ألكثر من مليون وربع‬

‫الرابعة اآلثار اإلسالمية بالجوف؛ والدراسة‬ ‫الخامسة جاءت عن مسجد عمر بن الخطاب‬ ‫بدومة الجندل‪ ،‬وهي أول دراسة تنشر باللغة‬ ‫ال��ع��رب��ي��ة ع��ن المسجد وع��م��ارت��ه وأهميته‬ ‫األثرية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪111 1427‬‬


‫قراءة في‬

‫الساحة التشكيلية مبنطقة اجلوف‬ ‫> مؤيد منيف‬

‫<‬

‫ت��ش��ك��ي��ل‬

‫ف����ي ن���ظ���رة م��ت��ف��ح��ص��ة ع���ل���ى مشهد‬ ‫الساحة التشكيلية بمنطقة الجوف‪ ،‬خالل‬ ‫العشر سنوات الماضية‪ ،‬يأخذنا التساؤل‬ ‫عن األسباب التي رسمت الهوّة بين تلك‬ ‫ال��س��اح��ة وب��ي��ن ن��ظ��ي��رات��ه��ا ف���ي المناطق‬ ‫األخ����رى‪ ،‬وه��ي وإن ك��ان��ت ام���ت���داداً لواقع‬ ‫ال��س��اح��ة التشكيلية بالمملكة م��ن حيث‬ ‫غياب المتلقي‪ ،‬وقلة وعيه في أهمية هذا‬ ‫الركن من أركان الحالة الثقافية ألي بلد أو‬ ‫منطقة‪ ،‬إال أن ثمة عوامل من أهمها غياب‬ ‫الداعم الرئيسي‪ ،‬سواء من القطاع الخاص‬ ‫أو غ��ي��ره لرعاية ال��م��ع��ارض والمسابقات‬ ‫والملتقيات التشكيلية‪ ،‬ال��ت��ي ك��ان��ت تقام‬ ‫برعاية جهات حكومية على هامش فعاليات ثقافية‪ ،‬أو برامج أخ��رى‪ ،‬أو بجهود‬ ‫ذاتية من الفنانين أنفسهم‪ .‬إضافة إلى ذلك‪ ،‬قد يكون من الجهات ذات العالقة‬ ‫ال عن عدم‬ ‫كجمعية الثقافة والفنون‪ ،‬مثالً‪ ،‬دور في عدم تبني تلك الفعاليات‪ ،‬فض ً‬ ‫وجود فرع لها في المنطقة‪ .‬وعلى الرغم من ذلك إال أنه ظهرت أسماء لفنانين من‬ ‫المنطقة أسهمت في دفع عجلة تلك الحركة التشكيلية‪ ،‬وكان لها دور ملموس في‬ ‫ذاك الحراك الثقافي الخجول‪.‬‬ ‫وبالوقوف على تجارب ه��ؤالء الفنانين‪ ،‬نجد أن هناك تنوعاً في األساليب‬ ‫ال الفنان والكاتب‬ ‫والمدارس الفنية والقضايا في األعمال التي طرحت؛ فنجد مث ً‬

‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫والقاص عبدالرحمن الدرعان‪ ،‬وبتجريديته الغائبة‬ ‫الحاضرة ق��دّم أعماالً ناضجة‪ ،‬بألوانها الصريحة‬ ‫المباشرة والتي كان اإلنسان ‪ -‬وبكل أبعاده اإلنسانية‬ ‫ هو محورها األساسي‪ .‬على الرغم من ابتعاد الفنان‬‫عن الساحة التشكيلية منذ حين‪.‬‬ ‫أما الفنان نصير السمارة‪ ،‬فقد تناول في أعماله‬ ‫تراث منطقة الجوف وآثارها‪ ،‬بواقعية بسيطة ورتم‬ ‫ب��ط��يء‪ ،‬عكسا تلقائية ال��م��ك��ان وج��م��ال��ي��ات��ه ومدى‬ ‫إنعكاسه وتأثيره على الفنان‪.‬‬ ‫وإلى المدرسة ذاتها تنتمي أعمال الفنان سلمان‬ ‫الغنام‪ .‬وبتصويرية رسمت طبيعة الصحراء بالجوف‬ ‫وآثارها‪ ،‬ساعد ذلك اهتمام الفنان بتفاصيل الحالة‪،‬‬ ‫لتصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور‪.‬‬ ‫وبموتيفاته ذات ال��ط��اب��ع ال��ش��رق��ي‪ ،‬يطل علينا‬ ‫الفنان معجب حواس‪ ،‬حيناً‪ ،‬وبطبيعته الصامتة حيناً‬ ‫آخر‪ ،‬ليسبغ على المكان روح الصمت‪ ،‬عند لقاء تلك‬ ‫اللحظة بأبجديات جميلة‪.‬‬ ‫أما الفنان نواف الربيع فقد قدّم تجربته الفنية‬ ‫بسورياليته المعهودة‪ ،‬وشخوصه‪ ،‬المتواجدة دائماً‪،‬‬ ‫الضوئي‪ ،‬ثَ َّبتَت نفسها بقوة في هذا المجال‪ ،‬وشكّلت‬ ‫في أغلب أعماله‪ ،‬التي شكلت المرأة فيها أهم تلك‬ ‫دع��ام�� ًة أس��اس��ي��ة‪ ،‬ال تقل ع��ن غيرها ف��ي النهوض‬ ‫العناصر‪ ،‬تاركاً المجال أمام المشاهد ليغوص في‬ ‫بالحركة الثقافية بالمنطقة؛ فالفنان الفوتغرافي عواد‬ ‫جدلية تلك األل��وان الحارّة‪ ،‬والراسمة لعالمات من‬ ‫فالح‪ ،‬جلب زه��وره البرية ‪ -‬في أعماله – وقدّ مها‬ ‫اإلستفهام!‬ ‫للمتلقي؛ فهو دائماً يأخذنا في رحالت استكشافية‬ ‫وعندما نتناول تجربة الفنان ج�لال الخيرالله؛‬ ‫ماتعة‪ ،‬في صحراء منطقة الجوف يقطف لنا بعضاً‬ ‫فال بد أن نشير لذلك التنويع في التجربة بين فنه‬ ‫من زهور (شقائق النعمان)‪ ،‬ونبات (القيصوم)‪.‬‬ ‫التشكيلي وبين فن الكاريكاتير المثير للجدل‪ ،‬الذي‬ ‫دائماً ما يأخذه من عوالمه التشكيلية‪ ،‬التي يغلب‬ ‫أم��ا الفنان محمد غصاب‪ ،‬فغالباً ما تستوقف‬ ‫عليها اإلطار السوريالي ‪ .‬‬ ‫عدستُه المبدعة المشاه َد ألعماله‪ ،‬حينما يوقفنا‬ ‫وإضافة إلى ذلك‪ ،‬وعلى جانب آخر من الساحة ف��ي لحظة‪ ،‬على معاني إنسانية مكلوبة‪ ،‬ورغيف‬ ‫خبز داخل بيوت قديمه‪ ،‬خرج التاريخ منها‪ ،‬فأعادنا‬ ‫ٍ‬ ‫التشكيلية بالمنطقة‪ ،‬برزت أسماء مبدعة في التصوير‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪113 1427‬‬


‫وب�����اس�����ت�����ع�����راض تلك‬ ‫ال��ت��ج��ارب‪ ،‬يتبقى لنا القول‬ ‫ب���ض���رورة زي����ادة اإلحتكاك‬ ‫ب��ت��ج��ارب ال��ف��ن��ان��ي��ن‪ ،‬وفتح‬ ‫ق��ن��وات اإلت��ص��ال م��ع اآلخر‬ ‫بشكل أكثر فاعلية‪ ،‬مما هو‬ ‫عليه اآلن؛ وذل��ك من خالل‬ ‫ال��م��ش��ارك��ة ف��ي المعارض‪،‬‬ ‫وال���م���ن���اس���ب���ات الثقافية‪،‬‬ ‫وال��م��س��اب��ق��ات ال��ف��ن��ي��ة في‬ ‫سواء في داخل المملكة‪ ،‬أو‬ ‫الفنان إليها‪.‬‬ ‫خارجها؛ لنقف على محك التجربة والتقييم‪ ،‬ولزيادة‬ ‫وترك الفنان أحمد مبرد انطباعات جميلة لدى‬ ‫ال��وع��ي ب��األس��ال��ي��ب األخ����رى‪ ،‬واإلف����ادة م��ن األقالم‬ ‫جمهور اللقطة التصويرية‪ ،‬مستخدماً جميع أدواته‬ ‫النقدية‪ ،‬بما يعود بالنفع على الحركة التشكيلية‬ ‫ال��ب��ص��ري��ة‪ ،‬وح��س��ه ال��ف��ن��ي ع��ل��ى ال��رغ��م م��ن حداثة‬ ‫والثقافية‪.‬‬ ‫التجربة‪.‬‬

‫< مؤيد منيف‪ :‬فنان تشكيلي‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬


‫رس���ال���ة ال����ى احمل���رر‬

‫األستاذ رئيس التحرير‬ ‫تحية طيبة من هنا‪ ،‬من باريس‬ ‫في البداية أشكركم جزيل الشكر على تلبية طلبي برسالتي لكم بموافاتي‬ ‫بالعدد ‪ 14‬من مجلتنا الغراء الجوبة‪ ،‬وأعبر لكم عن مدى إعجابي بموادها‬ ‫انصب اهتمامي وجذلي على مادتين‬ ‫ّ‬ ‫التي قرأتها من دون توقّف‪ .‬وقد‬ ‫ْ أمدتاني بما سماه السيميولوجي الفنسي الراحل «روالن‬ ‫عاودت قراءتهما؛ إذ ّ‬ ‫بارث» بـ «متعة النص»‪ ،‬تلك المتعة التي كثيرًا ما تغيب عن نصوصنا‬ ‫الراهنة؛ أقصد بالمادتين حواركم الشيق مع علم من أعالم الشعر العربي‬ ‫والسعودي‪ :‬الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد‪ ،‬أطال اهلل عمرها‪ ،‬حتى تتحفنا‬ ‫وتمتعنا بدفق الشعر وعذوبته‪ ..‬والمادة الثانية كانت أيضاً‪ ،‬بالنسبة لي‪ ،‬سبب ًا‬ ‫لسعادة غامرة‪ ،‬وهي مادة الدكتور عوض البادي عن أهمية كتابة الرحالة‬ ‫األوروبيين لتاريخ منطقة الجوف المحلي‪ ،‬وهو رصد شامل‪ :‬أنثروبولوجي‪،‬‬ ‫وسوسيولوجي‪ ،‬وتاريخي‪ ،‬وأدبي‪ ،‬لمنطقة ال يعرفها العرب‪...‬‬ ‫قرأت موادًا جميلة ومغرية‪ ،‬وهذا هو الهدف الحقيقي من‬ ‫ُ‬ ‫المهم‬ ‫إصدار المجالت‪ ..‬كما أن شوقي بدا كبيرًا لالطالع على منشورات مؤسسة‬ ‫عبدالرحمن السديري‪ ،‬وعلى األخص منها‪ :‬كتاب‪ :‬دومة الجندل‪ ،‬وكتاب‪:‬‬ ‫ظهور الخطوط الحديدية في المشرق العربي‪ ،‬اللذان أتصور أنهما في غاية‬ ‫األهمية والرصانة‪ ،‬وأتمنى إرشادي لكيفية الحصول عليهما لقراءتهما كي‬ ‫ال «أموت غبياً»‪ ،‬كما يقول المثل الفرنسي‪..‬‬ ‫األستاذ الفاضل‪ ،‬أعاود شكركم وأتمنى لكم كل الصحة والعافية وقمة‬ ‫النجاح واالستمرارية بعون اهلل‪.‬‬ ‫محمد المزديوي‪/‬باريس‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪115 1427‬‬


‫اجلـــوبــة في الصحـافة‬ ‫الجوبة تستحوذ على اهتمام عدد من المطبوعات المحلية‬ ‫والعربية ومواقع االنترنت الثقافية‬ ‫استحوذت الجوبة على اهتمام ع��دد م��ن المطبوعات‬

‫ال��م��ح��ل��ي��ة و ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬ب��ع��د ص����دور ال��ع��دد ‪ 14‬ف��ي شكله‬

‫الجديد‪.‬‬

‫وتابعت تلك المطبوعات صدور المجلة باالهتمام‬

‫والعرض لمواد المجلة مع صورة لغالف المجلة‪ ،‬مثمنة‬

‫دور مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية في خدمة‬

‫الثقافة والعلم في المملكة‪.‬‬

‫وفيما يلي أهم المطبوعات التي نشرت تقارير عن‬

‫صدور العدد الرابع عشر من الجوبة‪:‬‬ ‫جريدة الجزيرة‬

‫جريدة التواصل المغربية‬

‫جريدة الرياض‬

‫جريدة القدس العربي – لندن‬

‫جريدة عكاظ‬

‫منبر الحوار واإلبداع‬

‫جريدة المدينة‬

‫جريدة إيالف االلكترونية‬

‫جريدة الوطن‬

‫موقع جهة الشعر – قاسم حداد‬

‫جريدة اليوم‬

‫ديوان العرب‬

‫جريدة الحياة‬

‫نسيج االخبارية‬

‫جريدة المستقبل اللبنانية‬

‫مفكرة االسالم‬

‫جريدة الخليج اإلماراتية‬

‫محيط االخبارية‬

‫جريدة الدستور األردنية‬

‫عرب ستان‬

‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1427‬‬

Joba-15  

‫تصنيف‬ ‫النسوية‬ ‫الكتابة‬ ‫العربي‬ ‫بالوطن‬ ‫التعليمي‬ ‫اخلريية‬ ‫ال�سديري‬ ‫عبدالرحمن‬ ‫ؤ�س�سة‬ � ‫م‬ ‫إ�سدارات‬ ‫ا‬ ‫من‬ :‫مبشاركة‬ ،‫ال...