Issuu on Google+

‫االفتتــاح ّية‬ ‫كانـت القدس تتهيّ ـأ للدخول يف عـام تكريسهـا عاصمـة للثقافـة العربيّـة‪ ،‬واالحتفاء‬

‫غزة‬ ‫هبـا مدينـة للروح والـتوق واألمل‪ ،‬عنـدما انـدلعت النـريان اجلهنميّـة عىل ختومهـا‪ ،‬يف ّ‬ ‫هـاشـم‪ ،‬فتح ّــولت األعــراس هنـاك إىل مــآتم‪ ،‬واألغـنيـات إىل ن ٍ‬ ‫لكن غ ّـزة‬ ‫ـدب وعـويـل‪ّ .‬‬

‫ال‬ ‫األي ـام ال ّـص عبـة‪ ،‬أمـام عيـون العـامل‪ ،‬فص ً‬ ‫البطـولــة والصمـود أعـادت‪ ،‬عىل امتـداد تلك ّ‬ ‫جديـد ًا من فـصول املـقاومـة والتصـدي للغـزاة‪ ،‬التـي عرفـها تـارخيهـا الطـويل‪ ،‬وعـاشتـها‬ ‫أرضها املباركة‪.‬‬ ‫قـبل ّأيام قلـيلة مـن دخولنـا هذا العـام‪ ،2009 ،‬وهو العـام الذي اختـاره وزراء الثقـافة‬

‫الـعرب ليكـون عام ثقـافة القـدس يف بالد العرب‪ ،‬وعـام الثقافـة العربيّـة يف مدينـة القدس‪،‬‬ ‫ثقافية لأل ّمة‪ ،‬بعد‬ ‫وفيام كانت العروس ختطو نحو صمدهتا‪ ،‬لكي يليق هبا اختيارها عاصمة ّ‬

‫تكرسـت حقيقتها‪ ،‬وعىل مـدى تاريخ طويـل‪ ،‬عاصمة للـروح وعنواناً للـقداسة‪ ،‬إجتهت‬ ‫أن ّ‬ ‫أنظـار العـامل إىل بـوابـة اجلحـيم الـتي فـتحهــا اجليـش اإلرسائـييل‪ ،‬وبق ـرار سيــايس إرسائييل‬

‫عـدواين‪ ،‬يف غ ّــزة البطـولــة والصمـود‪ .‬وقـد شـاهـد العـامل‪ ،‬بـأم عـينه‪ ،‬مئـات الصــواريخ التي‬ ‫فوهـات الدبـابات‬ ‫اهنالـت عىل املديـنة‪ ،‬تلقـيها الـطائـرات املغرية‪ ،‬وأطـنان القـذائف ُتطلقهـا ّ‬

‫احلربية الرابضة يف البحر‪.‬‬ ‫الغازية‪ ،‬تعززها البوارج‬ ‫ّ‬

‫لقــد وقفت القـدس مـذهـولـة أمـام محـأة النـار املـشتعلـة يف جــزء ال ينفـصل من بـدهنـا‬

‫ال آخر من‬ ‫غزة هاشـم‪ ..‬وفص ً‬ ‫وروحها‪ ،‬لـتشهد صـورة من صور املـأساة والبطـولة املاثلـة يف ّ‬ ‫فصول املحرقة املتواصلة‪ ،‬دون انقطاع‪ ،‬عىل أرض فلسطني‪.‬‬

‫‪4‬‬


‫األول من هذا العـام (‪ ،)2009‬تكثّف البُعد الداليل للعبارة التي أطلقها‬ ‫خالل الشهر ّ‬

‫غزة بأهنا "أرض البؤس والبأس"‪ .‬ومل يعش‬ ‫ّ‬ ‫الشاعر الراحل حممود درويش‪ ،‬عندما وصف ّ‬ ‫ٍ‬ ‫وبشكل‬ ‫مجاعي عاصف‪،‬‬ ‫الشاعر الرائي الكـبري‪ ،‬لريى مشهد البؤس يف أجل جتلياته‪ :‬موت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متـواصل‪ .‬فام أن ُتنـتشـل جثث أرسة بكـاملهـا من حتت ركـام البـيوت اهلـابطـة عىل سـاكنيـها‬ ‫الـسكنيـة‪ ،‬ح ّتى حتـصد النـريان اآلتية مـن ّ‬ ‫كل مكان‬ ‫بفعـل القذائف املـتالحقة عـىل األحياء‬ ‫ّ‬

‫أرسًا كـاملة الذت بـمدرسـة‪ ،‬ظنـاً منهـا أهنا تلـجأ إىل مكـان آمن‪ ،‬وأهنـا أمام عـدو حيرتم دور‬ ‫الدولية يف احلروب‪.‬‬ ‫تنص عىل ذلك االتفاقيات‬ ‫العلم والعبادة‪ ،‬كام ّ‬ ‫ّ‬

‫أ ّما البـأس‪ ،‬فقد ّ‬ ‫جتـىل يف صور الصمـود األسطوري الـذي مارسه اإلنـسان الفلـسطيني‬

‫غزة البـطولة واملقاومة‪ .‬فـرغم اجلوع واحلصار وعواصف املـوت والنار التي مل ختمد طوال‬ ‫يف ّ‬ ‫الشعب الفـلسطـيني هنـاك موقفـاً بطـولياً ثـابتاً‪ .‬وشـهدت تلك‬ ‫نحـو شهر‪ ،‬فقـد وقف أبنـاء ّ‬ ‫األّيام‪ ،‬عـىل جبهة املـواجهة‪ ،‬صـورة من صور الـوحدة الـوطنيـة لرفـاق النضـال‪ ،‬متنينـا هلا أن‬ ‫ٍ‬ ‫تستمـر وتتواصل يف ّ‬ ‫زمـان ومكان‪ .‬فمـواجهة العـدوان اإلرسائييل ومططـاته يف القدس‬ ‫كل‬ ‫وغزة و ّ‬ ‫كل مكان يف فلسطني‪ ،‬ينبغي هلا أن تتسم بالديمومة والثبات‪ ،‬كون العدوان هو فعل‬ ‫ّ‬ ‫ائييل مستمر ومتواصل دون انقطاع ‪.‬‬ ‫إرس ّ‬

‫ائـيليـة‪ ،‬خالل شهـر آذار املــايض‪ ،‬عن شهــادات جلنـود‬ ‫لقـد كـشفت الـصحـافـة اإلرس ّ‬

‫إرسائيليني شاركوا يف احلـرب‪ ،‬إنطوت عىل اعرتافات ودالئل‪ ،‬تشري إىل اقرتاف هؤالء اجلنود‬ ‫ـصهيونيـة‪ ،‬أمام تلك‬ ‫جـرائم حرب أثنـاء العدوان اإلرسائييل عىل غ ّـزة‪ .‬ومل جتد آلة الـدعاية ال‬ ‫ّ‬ ‫احلقــائق الــدامغـة‪ ،‬ســوى معـاودة احلـديـث عن أخـالقيــات اجلنـدي اإلرسائـييل وطهـارة‬

‫سالحه!‬ ‫وطــوال أيــام الـقتـل والتــدمري والـتخــريب الـتي مــارسهــا اجليـش اإلرسائـييل يف غـ ّـزة‪،‬‬ ‫وبعدهـا‪ ،‬كان الـفعل العدواين اإلرسائيـيل يتواصل عىل القـدس‪ ،‬التي أصبحت هتـوي شيئاً‬ ‫املتحـركـة‪ ،‬يف حني يـتضـاءل عـدد األيـدي‪ ،‬عىل املـستـويني العـريب‬ ‫فـشيئـاً يف رمـال التهـويـد‬ ‫ِّ‬ ‫واإلسـالمي‪ ،‬املمـدودة النـتشـاهلـا‪ ،‬يف ٍ‬ ‫الربيـة‪ :‬إنقـذوا‬ ‫وقت يـضيع فـيه الصـوت ّ‬ ‫الصـارخ يف ّ‬ ‫‪5‬‬


‫مديـنة الـروح وعاصـمة الـثقافـة من اخلطـر الداهـم الذي يـتهددهـا‪ ..‬ولنتح ّـرك مجيـعاً‪ ،‬عىل‬

‫املستويني العريب واإلسالمي‪ ..‬فالقدس يف خطر‪.‬‬

‫***‬ ‫قـدسـة مـن أخطـار‪ ،‬هـي تلك املـتع ِّلقــة بمحـاوالت‬ ‫تتعـرض له املــدينـة امل ُ ّ‬ ‫إن ّ‬ ‫أشـد مــا ّ‬

‫تكونت عرب الرتاكم‬ ‫إرسائيل املتواصلة سلب املدينة‬ ‫ّ‬ ‫العربية هويتها‪ ،‬وتغيري شخصيتها التي ّ‬

‫الزمني الطويل‪.‬‬

‫اهلوية‪ ،‬هو السؤال الذي تعمل إرسائيل عىل نفيه‪ ،‬وعىل متزيق حقيقته الثّابتة‪.‬‬ ‫وسؤال ّ‬

‫ـوية‪ ،‬فـإننـا نفهم‬ ‫الـفعالـية اإلنـسان ّـية واحل‬ ‫فإذا كـانت الـثقافـة هي‬ ‫ـضاريـة التي تـؤ ِّكد اهل ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫ـنية‪ ،‬ومعـاركها املتـواصلة من‬ ‫ائـيلية عـىل الثقافـة العرب ّـية الفلـسطي ّ‬ ‫أسبـاب تلك احلرب اإلرس ّ‬

‫أجل تكريس مالمح ثقافيّة بديلة يف القدس املحت ّلة‪.‬‬

‫ائيليـة الكـاملـة عىل القـدس‪ ،‬بعـد حزيـران ‪ ،1967‬شنّت سلـطات‬ ‫فمع اهلـيمنـة اإلرس ّ‬ ‫ـقدسـة‪ .‬طاردت‬ ‫ـينيـة يف املديـنة امل ُ ّ‬ ‫ـافيـة الفلـسط ّ‬ ‫اإلحتالل محلـة شعـواء عىل املـؤسسـات الثق ّ‬ ‫املثقفـني واملبـدعـني وفتحـت هلم أبـواب سجـوهنـا‪ .‬حـاربـت ِ‬ ‫ـرسحيـة واألغـنيـة‬ ‫الكتـاب وامل‬ ‫ّ‬ ‫واللـوحـة الـتشـكيليّـة‪ ،‬وعـملت عىل تـدمـري البنـى الـتحتيّـة الثقـافيّـة يف املـدينـة‪ ،‬والـتي هتيء‬ ‫العريب يف املدينة‪.‬‬ ‫اهلوية‪ ،‬وتعمل عىل تكريس وجهها‬ ‫ّ‬ ‫بقوة عىل سؤال ّ‬ ‫لنتاجات جتيب ّ‬

‫الرشسة يف القـدس هي‪ ،‬يف وجه من وجوههـا‪ ،‬جزء ال ينفصل‬ ‫االستيطانـية ّ‬ ‫إن اهلجمـة‬ ‫ّ‬

‫اهلـويـة األصيلـة للقـدس‪ .‬فـأهـداف االسـتيطـان ال تتـو ّقف عنـد إسكـان‬ ‫من معـركـة تبـديـد ّ‬ ‫املهاجـرين من املستوطنني اليهود وإحالهلم يف األرض الفلـسطينيّة املُحت ّلة واملُصادرة‪ ،‬وإنام‬

‫هوية بديلة‪.‬‬ ‫اهلوية األصيلة للمكان وإحالل ّ‬ ‫أيضاً حماولة نزع ّ‬

‫ائيلية تـنجح‪ ،‬إىل حني‪ ،‬يف االستيالء عىل األرض‬ ‫القـوة اإلرس ّ‬ ‫ولكـن‪ ،‬إذا كانت سيـاسة ّ‬

‫ـيليـة يف املـدينـة‬ ‫وإقـامـة املـستـوطنــات وحشـدهـا بـالغـربـاء‪ ،‬فـإن أكرب املـستـوطنـات اإلرسائ ّ‬ ‫قدسـة‪ ،‬بل وجمموع املستوطنـات االرسائيليّة التي وبجدار الـفصل العنرصي بالغ الزيف‪،‬‬ ‫امل ُ ّ‬ ‫الضاربـة يف عمق املكان والزمان‪ ،‬والتي ُيشري إليها‬ ‫تبقـى عاجزة عن نفي املالمح‬ ‫احلضارية ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪6‬‬


‫الدينية‬ ‫حجر واحد مـن احلجارة التي تتعـانق منذ زمن بعيـد‪ ،‬لتبني أسوار القـدس ومبانيهـا‬ ‫ّ‬

‫هـوية املدينة‪ .‬فام بـالنا بدورها الـتارخيي كحارضة عربيّـة إسالميّة ومركز ًا‬ ‫والـتارخييّة‪ ،‬وتصوغ ّ‬ ‫لـلثقـافــة واآلداب والعلـوم ودور الـكتـب‪ ،‬وقيـمتهــا كمـتحف إسالم ّـي مفتـوح بـسع ٍـة عىل‬ ‫الكون؟!‬ ‫***‬ ‫ورغم عمليـات احلفر والتـنقيب التي يقـوم هبا االحتالل منـذ أكثر من أربعـة عقود من‬ ‫ائيلية املختلفـة‪ ،‬متكاتفة‬ ‫الـزمن‪ ،‬ورصف املليارات لتهـويد املدينـة‪ ،‬وجهود املؤسسـات اإلرس ّ‬

‫أي من‬ ‫ومتعـاضدة‪ ،‬يف العـثور عىل مـا يشـري إىل‬ ‫"هويـة إرسائيل ّـية" عـرفها تـاريخ املكـان يف ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫اهلوية امل ُ ّدعاة‪ ،‬مل ُيعثر عىل ما يؤكدها أو يومئ‬ ‫حقبه املتعاقبـة منذ آالف القرون‪ .‬إالّ أن تلك ّ‬

‫إليها من بعيد أو قريب‪.‬‬

‫هلـويـة اآلخـر يف القـدس وعىل أرض فـلسـطني‪ ،‬طلع‬ ‫أمـام مثل هـذا الغيـاب الكـاسح ّ‬

‫عـلينـا عبـاقـرة الـتضلـيل التـورايت يف إرسائـيل‪ ،‬من مـروجي فكـرة "احلق اإلهلي"‪ ،‬بـمرشوع‬ ‫اتية" يف القدس!‬ ‫أطلقوا عليه "املتنزهات التور ّ‬

‫املرشوع املقرتح‪ ،‬واملـايض يف طريقه إىل التنفـيذ‪ ،‬يعتدي عىل أرايض القـدس الرشقيّة‬ ‫عــربيّـة امل ُلـكيّ ــة والتــاريخ‪ ،‬كجـزء مـن مطـط التهـويـد الــذي متيض بـه إرسائيل بـشكل‬ ‫متسارع‪ .‬وهيـدف املرشوع إىل إنشاء تـسع حدائق عا ّم ة حـول املدينة القـديمة‪ ،‬ويف موقع‬

‫قلب منها‪.‬‬ ‫ـويــة مفربكـة للقـدس‪ ،‬عرب‬ ‫مـرة أخـرى يـواصل‬ ‫الـتطـرف الـسيــايس اليهـودي اخرتاع ه ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬

‫اتيـة مل يثبـت وجودهـا يف املديـنة‪ ،‬يف حـني تورد الـتوراة نفـسها ن ّـصاً‬ ‫احلـديث عن أمكـنة تـور ّ‬ ‫ٍ‬ ‫وجود هيودي‪ ،‬عىل اإلطالق‪ ،‬يف مدينة اليبوسيني!‬ ‫يشري إىل أنه مل يكن ث ّمة‬ ‫عربيـة يف القدس القديمة‪،‬‬ ‫األنكـى من ذلك أن املرشوع ال يقتيض فحسـب هدم بيوت ّ‬

‫أثريـة إسالميّـة يف املديـنة‪ .‬األمـر الذي سـيؤجج الـرصاع يف املديـنة‪،‬‬ ‫وإنام أيضـاً هدم مـواقع ّ‬ ‫وحي ِّـوله إىل ش ٍ‬ ‫ـكل من أشكـال النـزاع الــديني الـذي يقـوده‬ ‫وعىل أرض فـلسـطني‬ ‫التـارخييـة‪ُ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪7‬‬


‫متطـرفون هيـود ال يعرتفـون باآلخـر‪ ،‬أو باحلـوار معه‪ ،‬وغري مقـتنعني عىل اإلطالق بـالسالم‬ ‫وسيلة ّ‬ ‫حلل الرصاع التارخيي بني اجلانبني‪.‬‬ ‫وال يـمكن املـرور هنـا دون اإلشــارة إىل خطـورة جـدار الفـصل العـنرصي الـذي حيـيط‬ ‫باملـدينـة‪ ،‬واحلزام االسـتيطـاين املمـتد واملـتصل من جـبعات زئـيف يف الشامل إىل جـنوب رام‬ ‫اهلل‪ ،‬مـرور ًا بمـستـوطنـات القـدس ومعـالـيه أدوميـم‪ .‬ويعمل اجلــدار عىل استكـامل املرشوع‬ ‫ال مع مسـتوطـنة‬ ‫االستيـطاين الـذي يسـتهدف إغـالق القدس‪ ،‬يف مـا يسمـى بـ ‪ ،E1‬متـواص ً‬ ‫كـيدار‪ ،‬وصـوالً إىل أبوغـنيم يف اجلنـوب‪ ،‬وامتـداد ًا إىل ميشـور أدوميم وكفـار أدوميـم وأرحيو‬ ‫لـيتم إغـالق القدس بـكامـلها وجيـري فصلهـا عن الضفـة الغربـية‪،‬‬ ‫قرب أرحيـا إىل الرشق‪ّ ،‬‬ ‫وتق ّطع إىل أجـزاء متناثـرة‪ .‬كل ذلك يعرض يف إطـار ما يسمـى بعملية الـسالم‪ ،‬حتت عنوان‬ ‫(الكتل االستيطانية) التي تطالب إرسائيل هبا‪.‬‬ ‫***‬ ‫إحتفاليـة تزداد كثـافتها يف‬ ‫ثقافيـة‬ ‫ّ‬ ‫هوية القـدس‪ ،‬ليست جم ّـرد فعاليـات ّ‬ ‫إن معركـة تأكيـد ّ‬ ‫ـنفض مع رحيـل العام ‪ ،2009‬ولكـنها معـركة‬ ‫ـكرس لل��ـدس عاصمـة‬ ‫ثم ت ّ‬ ‫ثقافـية‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫العام امل ُ ّ‬ ‫دائمـة ومتـواصلـة تنـدرج يف املرشوع الـتنمـوي الـفلسـطينـي‪ ،‬ويف مرشوع مـواجهـة املرشوع‬ ‫الصهيوين يف فلـسطني وأطامعه يف القدس الرشيف‪ .‬وهو أمر يقتيض إيالء اإلهتامم بالعمل‬ ‫الثقايف الفلـسطيني‪ ،‬ووضع االسرتاتـيجيات التي حتـرس ذاكرة املدينـة من عمليات الـتبديد‬ ‫تتعـرض هلــا برشاسـة من اجلـانـب اإلرسائييل‪ .‬وإذا كـانـت التقـديـرات تـشري إىل مبـالغ‬ ‫التـي ّ‬

‫خهـا املنظامت الصهيونيّة يف العـامل إىل إرسائيل‪ ،‬وتتجاوز العرشة مليارات دوالر‬ ‫ضخمة تض ُّ‬ ‫ـسؤولية امللقاة عىل‬ ‫قدسـة‪ ،‬فإننا نُدرك حجم امل‬ ‫سنويـاً‪ ،‬لتُرصف عىل مشاريع هتويـد املدينة امل ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫عاتق جبهـة مواجهة عمليات التهـويد‪ ،‬عىل املستويني العريب واإلسالمـي‪ ،‬سياسياً‪ ،‬ومالياً‪،‬‬

‫وثقافياً‪.‬‬ ‫وتتط ّلـب املواجهة‪ ،‬إىل جـانب بناء وتطـوير القدرات الـذاتيّة‪ ،‬العمل عىل ع ّـدة جبهات‬

‫العربية حارضة يف أذهان العامل‪.‬‬ ‫هوية القدس‬ ‫ّ‬ ‫دولية‪ ،‬حتّى تبقى ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪8‬‬


‫فالقدس حتتاج إىل ُم طـط إعالمي واسع النطاق‪ ،‬يتجاوز االكـتفاء برتديد خطاب‬ ‫"القـدس لنـا"‪ ،‬والـوقـوف عنـد حـدوده كـشع ٍ‬ ‫ـاطفي ‪ ،‬بل يـذهـب إىل أن يسـتثمـر‬ ‫ـار ع‬ ‫ّ‬ ‫بـذكـاء معـطيـات العـوملـة وإمكـانيـاهتـا الـواسعـة لتـأكيـد احلق العـريب الفلـسـطيـني يف‬ ‫ـاري ـة للمـدينـة‪ ،‬ومـوروثهـا الثقـايف‬ ‫القـدس‪ ،‬وتـرويـج حقيقـة‬ ‫اهلـوي ـة التـارخييّ ـة واحلض ّ‬ ‫ّ‬

‫املرتاكم عرب آالف السنني‪.‬‬

‫وال ّ‬ ‫شك يف أن العـمل اإلعالمي ال ينـفصل عن الـعمل الثقـايف عىل املسـتوى العـاملي‪،‬‬ ‫اهلوية‬ ‫وذلك ّ‬ ‫يتم عرب زيـادة وتكثيف عملنا يف اليونـسكو‪ ،‬واحلرص عىل إعادة تأكـيد ثوابت ّ‬ ‫ائيلية فيها‪ ،‬من أعامل حفر وتنقيب غري مرشوعة‪.‬‬ ‫املقدسية‪ ،‬والتذكري باالنتهاكات اإلرس ّ‬ ‫ّ‬ ‫خط م ٍ‬ ‫وهـذا األمـر‪ ،‬يقـتيض بـذل اجلهــد‪ ،‬والعمـل يف ّ‬ ‫ـواز ومـتالزم ‪،‬عىل تـفعيـل جبهـة‬

‫املـواجهة القـانونيّـة عىل الصعيـد الدويل‪ ،‬ومتـابعة طـرح مسـألة انـتهاكـات إرسائيل للقـانون‬ ‫ٍ‬ ‫يومي‪ ،‬ووضعها حتت طائلة العقاب عىل تدمريها الرتاث الوطني للبلد الذي‬ ‫الدويل بشكل ّ‬ ‫الدولية وقوانينها املُلزمة‪.‬‬ ‫الرشعية‬ ‫حتت ّله‪ ،‬بام يتناىف مع أسس ومبادئ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫وعـندما نطـرح سؤال القدس واحلـال الفلسطينـي يف هذه احلقبة‪ ،‬فـإن احلزن يتسلل إىل‬ ‫النفـوس رغام ً عـنّا‪ .‬فـعاصـمة الـدولة الـفلسـطين ّـية املـأمولـة‪ ،‬تتـط ّلع إليـنا بـأسى‪ ،‬ملـا أصاب‬ ‫الوطنية من خلل بنيوي ال يمكن حجب حقيقته عن العيون‪.‬‬ ‫وحدتنا‬ ‫ّ‬

‫غري أن احلـرص عىل مـواجهـة هـذا اخللل‪ ،‬ومـواصلـة احلـوار بقلـوب صــافيـة وعقـول‬

‫مفتوحة‪ ،‬سـوف يصل إىل النتيجة التي يتـط ّلع إليها الشعب الفلسـطيني بكامله‪ ..‬يف الوطن‬ ‫والشتات‪.‬‬ ‫ــذاتيـة‪ ،‬وتـطـويـرهـا ملــواجهــة التحـديـات‪ ،‬هـي من أولـويـات‬ ‫كام أن جتـديـد الـبنـى ال ّ‬

‫بقوة وشجاعـة استثنائيـتني‪ ،‬سواء عىل صعيد‬ ‫مـسؤولياتنـا‬ ‫ّ‬ ‫التارخيية‪ ،‬التـي علينا أن نتحملهـا ّ‬ ‫إطـارنا الـوطني العـريض‪ ،‬املتـمثِّل بمـنظمـة التـحريـر الفلـسطـينيّـة‪ ،‬أو عىل صعـيد سـلطتـنا‬

‫ـطينيـة الرائـدة‪ ..‬حركـة التحـرير الـوطني‬ ‫الوطنـية‬ ‫الفلـسطينـية‪ ،‬أو عىل صـعيد حـركتنـا الفلس ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪9‬‬


‫الفلـسـطيـني (فـتح)‪ ..‬التـي تنـتظـر عقـد مـؤمتـرهـا وجتـديـد دمهــا وتطـويـر رؤاهـا وبـراجمهـا‬ ‫واسرتاتيجياهتا املستقبليّة‪.‬‬

‫ولن ّ‬ ‫كررنـاه صارخـني‪ :‬القدس يف خطـر‪ ..‬القدس يف‬ ‫نكل من طـرح النداء الـذي طاملـا ّ‬

‫خطر!‬

‫ال‪ ،‬ونـعمل عىل جتـاوز‬ ‫ـنيـة‪ ،‬من أن نـنحنـي قلي ً‬ ‫وال ّ‬ ‫بـد لنـا‪ ،‬عىل مـستـوى الـوحـدة الـوط ّ‬

‫خالفـاتنـا قـدر املسـتطـاع‪ ،‬حتّـى ختـرج القـدس من أرسهـا‪ ،‬وتنجـو مـن مشـاريع إرسائـيليّـة‬

‫تتـهدد عـروبتهـا وروحهـا اإلسالم ّـية ‪ -‬املـسيح ّـية‪ ،‬وتـسلب منـها‬ ‫جـد ّية‪ ،‬وبـالغـة اخلطـورة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫التارخيية الدامغة!‬ ‫حريتها‪ ..‬وهويتها‪ ..‬وحقيقتها‬ ‫ّ‬

‫أمحــد قريــع‬ ‫(أبـو عـالء)‬

‫‪10‬‬


المقدمة 157