Page 6

‫الثالثاء املوافق ‪ 19‬من �شباط ‪ 2019‬العدد ‪ 4264‬ـ ال�سنة ال�ساد�سة ع�شرة‬ ‫‪Tuesday,19 February. 2019 No. 4264 Year 16‬‬

‫كتــــــاب‬ ‫يف حلقات‬

‫| كتاب |‬

‫‪7‬‬

‫احللقة اخلام�سة‬

‫ثورة ‪ 14‬متوز ‪ ..1958‬الأ�سباب والأحداث والنتائج‬ ‫حامد احلمداين‬ ‫يف الوقت ال��ذي �أ�شتد فيه �ضغط املندوب ال�سامي وحكومته على امللك في�صل واحلكومة‬ ‫واملجل�س الت�أ�سي�سي من �أجل الإ�سراع ب�إقرار املعاهدة العراقية الربيطانية دون ت�أخري‪ ،‬ودون‬ ‫�إجراء �أي تعديل �أو تغري عليها‪� ،‬صعد ال�شعب العراقي كفاحه �ضد املعاهدة‪ ،‬و�سري املظاهرات‬ ‫ال�صاخبة املطالبة بتعديل بنودها مبا يحقق ال�سيادة احلقيقية‪ ،‬واال�ستقالل التام للعراق‪.‬‬ ‫لقد �أراد ال�شعب‪ ،‬وقواه ال�سيا�سية الوطنية تقدمي الدعم الأق�صى للنواب الوطنيني يف املجل�س‬ ‫الت�أ�سي�سي ليكون موقفهم قوي ًا �أثناء مناق�شة املعاهدة‪.‬‬ ‫وملا بلغ �أ�سماع �أبناء ال�شعب �أن املعاهدة �ستناق�ش يوم ‪� 29‬أي��ار ‪ ،1924‬خرجت مظاهرة‬ ‫�صاخبة تندد باملعاهدة‪ ،‬وتطالب بتعديلها‪ ،‬وتوجهت املظاهرة �إىل مقر املجل�س الت�أ�سي�سي‪،‬‬ ‫و�أحاطت به‪ ،‬وكانت �أ�صوات الغ�ضب املنبعثة من حناجر املتظاهرين قد دخلت القاعة‪ ،‬مما‬ ‫ا�ضطر رئي�س املجل�س [عبد املح�سن ال�سعدون] �إىل اخلروج والتحدث �إىل قادة املظاهرة طالب ًا‬ ‫منهم التفرق واالعتماد على املندوبني‪ ،‬واعد ًا �إياهم بعدم التفريط بحقوق ال�شعب‪ ،‬وحرية‬ ‫العراق وا�ستقالله‪.‬‬ ‫لكن حديثه مل ينجح يف �إقناع املتظاهرين‪ ،‬وحاولت ال�شرطة تفريقهم بالقوة ولكنها ف�شلت يف‬ ‫ذلك‪ ،‬ووقعت ِ�صدامات عنيفة بينهم وبني املتظاهرين‪ ،‬مما دفع [ نوري ال�سعيد] وزير الدفاع‪،‬‬ ‫�إىل ا�ستدعاء قوات اجلي�ش‪ ،‬حيث جرت م�صادمات عنيفة بني عنا�صر اجلي�ش واملتظاهرين‬ ‫بعد �أن ا�ستخدم اجلي�ش الر�صا�ص لتفريق املظاهرة‪ ،‬ووق��وع �إ�صابات عديدة يف �صفوف‬ ‫املتظاهرين العزل من ال�سالح‪ ،‬وا�ستطاع اجلي�ش تفريق املظاهرة‪.‬‬ ‫�سارعت احلكومة �إىل �إ�صدار بيان ر�سمي‪ ،‬يف حماولة منها لتربير ا�ستدعاء اجلي�ش وا�ستخدام‬ ‫ال�سالح �ضد �أبناء ال�شعب املطالب بحريته وا�ستقالل وطنه‪.‬‬ ‫كما �أ�صدر رئي�س املجل�س الت�أ�سي�سي يف ‪� 29‬أيار ‪ 1924‬بيان ًا تطميني ًا �إىل �أبناء ال�شعب معلن ًا‬ ‫�أن املجل�س �سوف لن يفرط بحقوق ال�شعب مهما كانت الأح��وال‪ ،‬وطالب ًا من �أبناء ال�شعب‬ ‫انتظار قرار املجل�س بكل اطمئنان‪.‬‬ ‫وعلى اثر تلك الأحداث الدامية قرر املجل�س ت�أجيل مناق�شة املعاهدة �إىل يوم ال�سبت‪� 31‬أيار‪،‬‬ ‫لكن عدد من املندوبني تغيبوا عن احل�ضور يف ذلك اليوم‪ ،‬وكانت �آثار اخلوف والقلق بادية‬ ‫على وجوه احلا�ضرين منهم حتى �أنهم رف�ضوا الدخول �إىل القاعة‪ ،‬مما ا�ضطر رئي�س املجل�س‬ ‫�إىل ت�أجيل االجتماع �إىل يوم ‪ 2‬حزيران‪.‬‬ ‫وفيما ب��د�أ احلا�ضرون يف م�غ��ادرة بناية املجل�س ح�ضر امل�ن��دوب ال�سامي [ه�نري دوب�س]‬ ‫وب�صحبته م�ست�شار وزارة الداخلية امل�سرت [كرونوالي�س] وا�ضطر �أع�ضاء املجل�س �إىل العودة‬ ‫�إىل القاعة لي�ستمعوا �إىل املندوب ال�سامي الذي حتدث �أمام الأع�ضاء احلا�ضرين بلهجة تنم‬ ‫عن التهديد قائ ًال‪:‬‬ ‫{ بلغني �أن بع�ض النواب قدموا تقرير ًا يقولون فيه �أن املجل�س ال يقبل �إب��رام املعاهدة ما‬ ‫مل تعطي بريطانيا �ضمان ًا بالتعديل على �أ�سا�س تقرير اللجنة التي �شكلها املجل�س لدرا�سة‬ ‫بنود املعاهدة‪ ،‬وهذا يعني يف حقيقة الأمر تعديل املعاهدة‪ ،‬وهذا ما تعتربه حكومتي رف�ض ًا‬ ‫للمعاهدة‪ ،‬وعلى املجل�س �أن يالحظ ت�أثري ذلك على �سري املفاو�ضات مع تركيا حول والية‬ ‫املو�صل‪ ،‬فقد �أخذنا معلومات ب�أن ال�سري[بري�سي كوك�س] عند و�صوله �إىل اال�ستانة �شاهد‬ ‫ت�سهيالت يف املعاملة لإبقاء والية املو�صل للعراق‪.‬‬ ‫ولكن عند ما بلغ الأتراك �سري �أعمال املجل�س الت�أ�سي�سي العراقي‪ ،‬وموقف النواب من املعاهدة‬ ‫تغريوا‪ ،‬و�صاروا يطلبون والي��ة املو�صل‪ ،‬و�إنهم يرف�ضون �إحالة الأم��ر �إىل جمل�س ع�صبة‬ ‫الأمم‪)33( .‬‬ ‫كانت كلمة املندوب ال�سامي �أم��ام احلا�ضرين من �أع�ضاء املجل�س الت�أ�سي�سي مبثابة‬ ‫�إنذار لهم‪ ،‬ف�إما �إقرار املعاهدة‪ ،‬و�إما �سلخ والية املو�صل من العراق م�ستخدم ًا ق�ضية‬ ‫املو�صل ورقة �ضغط كربى لغر�ض �إقرار املعاهدة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقبل �أن يغادر القاعة طلب �إقرار املعاهدة ب�شكلها احلايل واعدا �أع�ضاء املجل�س‬ ‫ب�أجراء مفاو�ضات لتعديل ما طالبت به اللجنة يف تقريرها‪� ،‬شرط �أن يكون ذلك‬ ‫بعد �إقرار املعاهدة‪.‬‬ ‫ويف ‪ 2‬حزيران ‪� 1924‬أجتمع املجل�س الت�أ�سي�سي من جديد‪ ،‬وح�ضر االجتماع‬ ‫‪ 63‬ع�ضو ًا م��ن جمموع ‪ ،100‬وب��د�أ املجل�س مبناق�شة بنود املعاهدة و�أثناء‬ ‫املناق�شة حدثت م�شادات عنيفة بني الأع�ضاء امل�ؤيدين للحكومة واملعار�ضني‬ ‫وا�ستخدمت فيها �أق�سى العبارات‪.‬‬ ‫لها‪ُ ،‬‬ ‫يف تلك ال�ساعات احلرجة‪ ،‬كان امللك في�صل ي�شعر نف�سه‬ ‫واقع ًا بني نارين‪ ،‬نار املندوب ال�سامي الربيطاين‬ ‫و�ضغطه املتوا�صل لإب��رام املعاهدة‪ ،‬مبا فيها‬ ‫من م�س خطري بحقوق ال�ع��راق وم�ستقبله‪،‬‬ ‫ونار املعار�ضة ال�شعبية العارمة والراف�ضة‬ ‫لتلك املعاهدة‪ ،‬وبقي يف حرية من �أمره ال‬ ‫يدري ماذا يفعل‪ ،‬وكيف ير�ضي املندوب‬ ‫ال�سامي‪ ،‬وير�ضي ال�شعب العراقي يف‬ ‫الوقت نف�سه‪.‬‬ ‫حاول امللك من خالل اللقاء الذي دعا‬ ‫�إليه �أع�ضاء املجل�س الت�أ�سي�سي يوم‬ ‫‪ 9‬حزيران ‪ 1924‬الو�صول �إىل حل‬ ‫ما لهذه الأزمة‪ ،‬حيث حتث امللك مع‬ ‫�أع�ضاء املجل�س قائ ًال ‪:‬‬ ‫{�أنا ال �أقول لكم �أقبلوا املعاهدة‬ ‫�أو ارف�ضوها‪ ،‬و�إمن��ا �أق��ول لكم‬ ‫اعملوا ما ترونه الأنفع مل�صلحة‬ ‫ب�لادك��م‪ ،‬ف��ان �أردمت رف�ضها فال‬ ‫ترتكوا في�ص ًال معلق ًا بني ال�سماء‬ ‫والأر�ض‪ ،‬بل �أوجدوا لنا طريق ًا‬ ‫غ�ير امل�ع��اه��دة‪ ،‬ف�لا ت�ضيعوا ما‬ ‫يف �أيديكم من و�سيلة للمحافظة‬ ‫على كيانكم‪ ،‬وحتينوا الفر�صة‬ ‫لتح�صلوا على ما هو �أكرث مما يف‬ ‫�أيديكم}‪.‬‬ ‫ويف ‪ 10‬ح ��زي ��ران ‪ 1924‬عقد‬ ‫املجل�س الت�أ�سي�سي جل�سته الثالثة‬ ‫والع�شرين‪ ،‬و�أعلن رئي�س املجل�س‬ ‫�أن هناك اقرتاح ًا من عدد من �أع�ضاء‬ ‫املجل�س بت�أجيل البت يف املعاهدة �إىل‬ ‫حني االنتهاء من م�شكلة والية املو�صل‪.‬‬ ‫ثم طلب رئي�س ال��وزراء [ جعفر الع�سكري‬ ‫] احلديث وطلب من املجل�س عدم ت�أجيل‬

‫البت يف املعاهدة ب�سبب �أمور �سيا�سية خارجية ا�ستوجبت ذلك‪ ،‬وكان رئي�س الوزراء ي�شري‬ ‫بذلك �إىل التهديدات الربيطانية املت�صاعدة للملك واحلكومة لإقرار املعاهدة‪.‬‬ ‫لكن املجل�س �صوت على ت�أجيل اجلل�سة �إىل اليوم التايل‪ ،‬وقد �أث��ار قرار الت�أجيل املندوب‬ ‫ال�سامي الذي �صمم على فر�ض املعاهدة فر�ض ًا‪.‬‬ ‫فقد حتدث املندوب ال�سامي مع امللك في�صل بالهاتف‪ ،‬و�أعلمه ب�أنه �سوف يكون عنده ع�صر‬ ‫ذلك اليوم لأمر هام‪ ،‬فيما كان قد �أعد مذكرة خطرية يطلب فيها �إ�صدار قانون بحل املجل�س‬ ‫الت�أ�سي�سي‪ ،‬و�إ�صدار �أمر باحتالل بناية املجل�س‪.‬‬ ‫وعند و�صول املندوب ال�سامي �إىل البالط ع�صر ذلك اليوم‪ ،‬ويف بداية لقائه مع امللك‪� ،‬سلمه‬ ‫ن�ص املذكرة والتي جاء فيها ‪:‬‬ ‫{ال ت�ستطيع حكومة �صاحب اجلاللة الربيطانية يف مثل هذه الظروف �أن ت�سمح با�ستمرار‬ ‫احلالة الراهنة التي ين�ش�أ عنها خطر عظيم يهدد �سالمة العراق الداخلية واخلارجية‪ ،‬ف�أن‬ ‫امل��ذاك��رات الأخ�يرة للمجل�س الت�أ�سي�سي التي ج��رت يف ه��ذا اليوم مل تظهر �أي اق�تراب من‬ ‫االتفاق‪ ،‬وال �أي �أمل يف اتخاذ املجل�س قرار ًا �صريح ًا و�سريع ًا‪ ،‬لذا ُطلب‬ ‫�إ ّ‬ ‫يل �أن �أوجه �أنظار جاللتكم ك�شرط ال�ستمرار ت�أييد حكومة �صاحب‬ ‫ً‬ ‫اجل�لال��ة الربيطانية �أن ت���ص��دروا ف ��ورا بعد ا�ست�شارة جمل�س‬ ‫وزارتكم‪ ،‬وبوا�سطته‪ ،‬تعدي ًال لقانون املجل�س الت�أ�سي�سي يخولكم‬ ‫حق ف�ض املجل�س يف �أي وق��ت �شئتم‪ ،‬خ�لال الأرب�ع��ة �أ�شهر من‬ ‫تاريخ افتتاح جل�ساته‪ ،‬و�أن ت��أم��روا مبوجب ه��ذا التعديل حل‬ ‫املجل�س اع�ت�ب��ار ًا م��ن ال�ساعة الثانية ع�شرة م��ن ليلة ‪11 / 10‬‬ ‫حزيران‪ .‬و�أرى من واجبي �أن اطلب من جاللتكم �أن تبلغوا الأمر‬ ‫ر�سمي ًا‪ ،‬بوا�سطة رئي�س وزرائكم‪� ،‬إىل رئي�س املجل�س الت�أ�سي�سي‬ ‫قبل ال�ساعة ال�سابعة من �صباح اليوم احل��ادي ع�شر من حزيران ‪،‬‬ ‫و�أن ت�صدروا التعليمات بوا�سطة وزير الداخلية لغلق بناية املجل�س‬ ‫فورا‪ ،‬و�إحاطتها وما يجاورها بقوة من ال�شرطة تكفي لتنفيذ‬ ‫هذا الأمر}‪)34( .‬‬ ‫حاول امللك في�صل‪ ،‬بح�ضور رئي�س الوزراء‬ ‫[ج �ع �ف��ر ال �ع �� �س �ك��ري] وزع��ي��م املعار�ضة‬ ‫[يا�سني الها�شمي] �إيجاد حل لهذه الأزمة‬ ‫م��ع امل� �ن ��دوب ال �� �س��ام��ي وج� ��رى بحث‬ ‫م�ستفي�ض ح��ول ال�سبل املمكنة لذلك‪،‬‬ ‫وق��د طلب املندوب ال�سامي �أن يدعى‬ ‫املجل�س الت�أ�سي�سي �إىل عقد جل�سة‬ ‫له فوق العادة‪ ،‬وقبل منت�صف الليل‬ ‫من هذا اليوم‪ ،‬ويربم املعاهدة‪ ،‬كحل‬ ‫�أخ�ير ونهائي‪ ،‬و�إال يجب �أن يحل‬ ‫املجل�س‪.‬‬ ‫وعلى ال�ف��ور �أم��ر امللك با�ستدعاء‬ ‫رئ �ي ����س امل�ج�ل����س �إىل احل�ضور‪،‬‬ ‫وطلب �إليه امللك واملندوب ال�سامي‬ ‫�أن يجمع �أع �� �ض��اء املجل�س هذه‬ ‫الليلة ويق ّر املعاهدة دون ت�أخري‪.‬‬ ‫خ��رج رئي�س املجل�س وب�صحبته‬ ‫رئ�ي����س ال � ��وزراء‪ ،‬واح ��د مرافقي‬ ‫امل�ل��ك‪ ،‬وبقي امل�ن��دوب ال�سامي يف‬ ‫البالط ليوا�صل ال�ضغط على امللك‬ ‫لإق��رار املعاهدة قبل ال�ساعة الثانية‬ ‫ع�شرة لي ًال ‪ ،‬و��ص��ار مدير ال�شرطة‪،‬‬ ‫يرافقه م��راف��ق امل�ل��ك‪ ،‬وع��دد م��ن �أف��راد‬ ‫ال�شرطة‪ ،‬يدورون على �أع�ضاء املجل�س‪،‬‬ ‫ويرغمونهم على ح�ضور اجلل�سة لأجل‬ ‫�إق ��رار امل�ع��اه��دة يف تلك الليلة‪ ،‬فقد ذكر‬ ‫احل��اج ن��اج��ي �أح��د �أع���ض��اء املجل�س‪� ،‬أن‬ ‫ال�شرطة انتزعته م��ن �سريره وح�شرته‬ ‫يف ال���س�ي��ارة وه��و ال ي�ع��رف �إن كانوا‬ ‫�سي�أخذونه �إىل امل�شنقة �أم �إىل ال�سجن‪،‬‬ ‫فقد كان من معار�ضي املعاهدة‪)35( .‬‬

‫ا�ستطاع مدير ال�شرطة ورجاله جمع ‪ 68‬نائب ًا يف ليلة ‪ 11 / 10‬حزيران ‪ ،1924‬قبل منت�صف‬ ‫الليل‪ ،‬و�أعلن رئي�س املجل�س [عبد املح�سن ال�سعدون] عن افتتاح اجلل�سة‪ ،‬حيث حتدث �إىل‬ ‫احلا�ضرين من �أع�ضائه قائ ًال‪:‬‬ ‫{كان جمل�سكم العايل قد �أجل جل�سته �إىل يوم الغد ( الأربعاء )‪ ،‬غري �أن جاللة امللك �أبلغني ب�أن‬ ‫فخامة املندوب ال�سامي قد �أبلغ جاللته ب�أنه ال ميكن ت�أجيل املذاكرات �إىل الغد‪ ،‬لأنه يعد ذلك‬ ‫رف�ض ًا للمعاهدة‪ ،‬وعليه فقد دعوتكم �إىل االجتماع‪ ،‬ومن وظيفتي �أن �أبلغكم ذلك}‪.‬‬ ‫مل يكن �أمام املجل�س �إال �إقرار املعاهدة يف تلك الليلة‪ ،‬حيث جرى الت�صويت عليها على عجل‪،‬‬ ‫وحتت التهديد بحل املجل�س‪ ،‬وقد وافق عليها ‪ 37‬نائب ًا‪ ،‬وعار�ضها ‪ ،24‬وامتنع عن الت�صويت‬ ‫‪� 8‬أع�ضاء‪ ،‬وبذلك �أقرت املعاهدة من قبل املجل�س الت�أ�سي�سي‪.‬‬ ‫ُ�س ّر املندوب ال�سامي لإقرار املعاهدة‪ ،‬وهرع �إىل البالط امللكي‪ ،‬حيث اجتمع �إىل امللك في�صل‪،‬‬ ‫و�أبلغه �أن احلكومة الربيطانية تعترب ت�صويت املجل�س على املعاهدة وذيولها‪ ،‬على النحو‬ ‫الذي مت يفي بال�شروط املطلوبة يف املادة ‪ 18‬من املعاهدة‪ ،‬و التي تن�ص على �أن املعاهدة ال‬ ‫تربم من قِبل‬ ‫الفريقني ال�ساميني املتعاقدين �إال بعد قبولها من املجل�س الت�أ�سي�سي‪.‬‬ ‫وبعد توقيع املعاهدة‪ ،‬وح�صول الإمربياليني الربيطانيني على االمتيازات النفطية‪� ،‬صادقت‬ ‫ع�صبة الأمم يف ‪ 16‬كانون الأول ‪ 1925‬على عائدية والي��ة املو�صل للعراق‪ ،‬وجعل حدود‬ ‫ال�ع��راق وفق ًا ملا ي�سمى [ خط بروك�سل]‪ ،‬ودع��ت ع�صبة الأمم ال�ع��راق �إىل عقد معاهدة مع‬ ‫بريطانيا ت�ضمن ا�ستمرار االنتداب على العراق ملدة ‪� 25‬سنة‪.‬‬ ‫وبالفعل مت �إق��رار املعاهدة اجلديدة يف الربملان يف ‪ 18‬كانون الثاين ‪ ،1926‬رغم معار�ضة‬ ‫النواب الوطنيني الذين طلبوا �إحالتها �إىل جلنة برملانية لدرا�ستها‪ ،‬ولكن دون جدوى‪ ،‬فقد‬ ‫�أ�صر املندوب ال�سامي الربيطاين على الت�صديق على املعاهدة بو�ضعها الذي �صاغته وزارة‬ ‫امل�ستعمرات الربيطانية دون تغيري‪ ،‬وهدد بحل املجل�س الت�أ�سي�سي يف حالة رف�ضه الت�صديق‬ ‫عليها‪ ،‬كما جرى تهديد امللك في�صل كذلك‪� .‬أما تركيا فقد خ�ضعت لل�ضغط الربيطاين‪ ،‬ووافقت‬ ‫على بقاء والية املو�صل �ضمن العراق‪ ،‬وذلك مبوجب املعاهدة العراقية الربيطانية الرتكية‪،‬‬ ‫املعقودة يف ‪ 5‬حزيران ‪ ،1926‬على �أن متنح احلكومة الربيطانية تركيا ن�صف مليون لرية‬ ‫بريطانية تعوي�ض ًا عن ح�صتها يف البرتول‪ ،‬بعد �أن ف�شلت يف �إقناع بريطانيا مبنحها والية‬ ‫املو�صل لقاء منحها بريطانيا امتياز ا�ستخراج النفط وا�ستثماره فيها‪.‬لكن احلكومة الربيطانية‬ ‫رف�ضت العر�ض الرتكي لأنها وجدت م�صلحتها يف �إعادة الوالية �إىل العراق‪ ،‬بعد �أن �ضمنت‬ ‫هيمنتها املطلقة على العراق �سيا�سي ًا وع�سكري ًا واقت�صادي ًا‪ ،‬مبوجب املعاهدة التي فر�ضتها‬ ‫على املجل�س الت�أ�سي�سي وعلى امللك في�صل الأول‪ )36( .‬وهكذا جرى �إقرار املعاهدة التي قيدت‬ ‫العراق بقيود ثقيلة ال فكاك منها‪ ،‬و�أ�صبحت بريطانيا مبوجبها متلك ال�سلطة احلقيقية يف‬ ‫البالد‪ ،‬وبات على ال�شعب العراقي �أن يخو�ض الن�ضال �ضد الهيمنة الربيطانية من جهة‪ ،‬و�ضد‬ ‫ال�سلطة احلاكمة التي ن�صبتها من جهة �أخرى‪ ،‬فكان ال�صراع بني ال�شعب وحاكميه يخبو تارة‬ ‫وينفجر تارة �أخرى منذ ذلك التاريخ وحتى تكلل كفاحه بالنجاح يف ثورة الرابع ع�شر من‬ ‫متوز ‪ 1958‬عندما تالحمت اجلماهري ال�شعبية مع الطالئع الثورية يف القوات امل�سلحة يف‬ ‫�صبيحة ذلك اليوم‪ ،‬والتي قادها بنجاح خاطف الزعيم الركن عبد الكرمي قا�سم‪ ،‬وبذلك ا�سقط‬ ‫النظام امللكي املرتبط بالإمربيالية‪ ،‬ومت �إعالن النظام اجلمهوري يف العراق‪ ،‬وجرى ت�شكيل‬ ‫�أول وزارة عراقية دون فر�ض �أو تدخل من قبل بريطانيا و�سفارتها يف بغداد ‪.‬‬ ‫التوثيق‬ ‫(‪ )21‬نف�س امل�صدر ‪.‬‬ ‫(‪ )22‬تاريخ الوزارات العراقية ـ احل�سني ـ اجلزء الأول ـ �ص ‪. 111‬‬ ‫(‪ )23‬امل�صدر ال�سابق ‪.‬‬ ‫(‪ )24‬نف�س امل�صدر ‪.‬‬ ‫(‪ )25‬نف�س امل�صدر ال�سابق ـ �ص ‪.131‬‬ ‫(‪ )26‬مذكرات امل�س بيل ـ �ص ‪. 366‬‬ ‫(‪ )27‬تاريخ الوزارات العراقي ـ احل�سني ـ اجلزء الأول ـ �ص ‪.214‬‬ ‫(‪ )28‬امل�صدر ال�سابق ـ اجلزء الأول ـ �ص ‪. 218‬‬ ‫(‪)29‬نف�س امل�صدر ال�سابق‪.‬‬ ‫(‪ )30‬امل�صدر ال�سابق ‪.‬‬ ‫(‪� )31‬صحيفة العامل العربي ـ العدد ‪ 65‬ـ ‪ 10‬حزيران ‪. 1928‬‬ ‫(‪� )32‬صفحات من تاريخ العراق احلديث ـ الكتاب الأول ـ حامد احلمداين ـ �ص ‪ 66‬ز‬ ‫(‪ )33‬تاريخ الوزارات العراقية ـ احل�سني ـ اجلزء الأول ـ �ص ‪. 228‬‬ ‫(‪ )34‬مذكرات امل�س بيل ـ �ص ‪. 348‬‬ ‫(‪ )35‬تاريخ الوزارات العراقية ـ اجلزء الأول ـ احل�سني ـ �ص ‪. 145 – 144‬‬ ‫(‪ )36‬نف�س امل�صدر ال�سابق‪.‬‬

Profile for Al Mashriq Newspaper

4264 AlmashriqNews  

4264 AlmashriqNews

4264 AlmashriqNews  

4264 AlmashriqNews

Advertisement