Page 9

‫‪4‬‬

‫ملفات وقضايا‬

‫الأربعاء املوافق ‪ 16‬من كانون الثاين ‪ 2019‬العدد ‪ 4235‬ـ ال�سنة ال�ساد�سة ع�شرة‬ ‫‪Wednesday,16 January. 2019 No. 4235 Year 16‬‬

‫السنوات الحلوة والسنين المرة ‪ ..‬مذكرات ‪ :‬برزان التكريتي‬

‫احللقة (‪)51‬‬

‫برزان ‪ :‬ال�صحف العربية وال�سوي�سرية ن�شرت خرب وفاة زوجتي‬ ‫و�صحيفة بابل ن�شرت اخلرب حتت عنوان " على ذمة الوكاالت"‬ ‫ت�أليف ‪ -‬برزان �إبراهيم احل�سن التكريتي‬ ‫يف امل�ساء ذهب علي اىل الق�سم الداخلي لاللتحاق غدا بدرا�سته‬ ‫‪ ،‬بقيت مع البنات الثالثة ‪ ،‬طلبت من �سجا ان ت�أتي بالكا�سيت‬ ‫اخلا�ص بعيد ميالدها لكي ن�شاهده ‪ ،‬اننا عملنا لكل واح��د من‬ ‫الأط�ف��ال كا�سيت فديو لعيد ميالده منذ البداية ‪ ..‬فجلبت �سجا‬ ‫الكا�سيت وو�ضعته باجلهاز ‪ ،‬عندما �شاهدته ملدة ثالث �ساعات‬ ‫ذكرين ببع�ض املفردات التي �أكدت يل على عمق الرتابط الروحي‬ ‫والعائلي بيني وبني �شجرة الدر وكيف كنا نعي�ش حياة عائلية‬ ‫حميمة التوجد لدى كل الآخرين املعنيني بهم من حيث القرابة او‬ ‫املعارف وكذلك الأ�صدقاء ‪ ،‬كنا نحتفل باملنا�سبات العائلية لوحدنا‬ ‫ون�ستمتع لوحدنا ونعطي وقت لبع�ضنا ولأطفالنا ‪ ،‬نور قليلة‬ ‫الكالم كانت تراقب ما يعر�ضه الكا�سيت باهتمام ‪ ،‬علقت تعليق‬ ‫واحد قالت بعد ان �سمعت كالمهم وكلهم �صغار كانوا ينادون امهم‬ ‫يف كثري من الأحيان يف وقت واحد ماما مام ‪ ،‬قالت (�شكرث كنا‬ ‫ن�صيح ماما) ردت �سجا من مكانها الله ي�ساعدها ‪� ،‬شاهدت �صور‬ ‫ولقطات ل�شجرة الدر منذ البداية تقريبا ‪ ،‬كنت اقول لنف�سي (مو‬ ‫ح��رام تغيب ه��ذه ال�شخ�صية الرائعة اجلميلة يف ه��ذه ال�سرعة‬ ‫وبالوقت ال��ذي و�صلت اىل قمة ن�ضوجها والآن ا�صبح عطائها‬ ‫احلقيقي والفعلي لعائلتها ولنا�سها) و�أختتم كالمي مع كل الأ�سف ‪.‬‬ ‫كنت ا�شاهد الكا�سيت واتذكر ال�سرعة التي مرت بها العالقة انني‬ ‫ال �أ�صدق انني ق�ضيت منها �سبعة وع�شرون �سنة ‪ ،‬كنت دائما‬ ‫ا�شعر اننا التقينا منذ ا�شهر وكان لها الف�ضل والدور الأول لهذا‬ ‫ال�شعور لأنها كانت خالقة ومبدعة ومتجددة ‪ ،‬انها ا�سطورة بحق‬ ‫‪ ..‬ان هذه قناعتي منذ وقت طويل ولي�س الآن ب�سبب احلزن او‬ ‫ال�شوق ‪ ..‬تذكرت بدقة عندما كنت اجل�س اىل جانب �سريرها يف‬ ‫امل�ست�شفى وام�سك يدها واقبلها واقبل وجهها اجلميل ‪ ،‬وتذكرت‬ ‫بدقة ال�ساعة الثانية وخم�سة وخم�سون دقيقة بعد ظهر يوم اجلمعة‬ ‫‪ 1998/11/12‬عندما ب��د�أت تتنف�س ببطء وكيف ب��د�أ التنف�س‬ ‫يذهب ويعود مت�أخرا ‪ ،‬و�آخر مرة مل يعود مما جعلني ا�شعر ان‬ ‫كل �شيء انتهى ولكن من دافع الت�شبث ا�ستدعيت املمر�ضة ب�سرعة‬ ‫وطلبت التن�صت بوا�سطة ال�سماعة على قلب �شجرة الدر ‪ ،‬ففعلت‬

‫افراد البعثة العراقية‬ ‫يف جنيف مل يزوروين يف‬ ‫امل�ست�شفى عند وفاة زوجتي‬

‫ذلك فقالت كل �شيء انتهى (‪ )FINSH‬كنت وحدي مع �شجرة‬ ‫الدر يف الغرفة لأن �سجا ذهبت ملقابلة طبيب يف نف�س امل�ست�شفى‬ ‫لأن�ه��ا ك��ان��ت ت�شكو م��ن الأمل م��ن امل�ع��دة فقلت لها اطلبي طبيب‬ ‫ملعاينتك رغم انني اع��رف ال�سبب ال��ذي هو اجلو ال��ذي نعي�شه ‪،‬‬ ‫م�ضاف لذلك االرهاق الذي عانت منه يف نيويورك والزالت ب�سبب‬ ‫مرافقتها لأمها ‪ ،‬م�ضاف لذلك فرق الوقت بني اوربا وامريكا ‪ ،‬لذلك‬ ‫ذهبت ملقابلة الطبيب ‪� ،‬أما حممد فذهب للبيت لتبديل مالب�سه لأنه‬ ‫ينام مع �أمه ا�ضافة اىل �سجا ‪ ،‬فقمت بغلق عيونها وقر�أت �صورة‬ ‫الفاحتة واجه�شت بالبكاء ‪ ،‬فبعد دقائق و�صلت �سجا و�شاهدتني‬ ‫بتلك ال�صورة ‪ ،‬عرفت فبد�أت هي بدورها بالبكاء ‪ ،‬بعد دقائق‬ ‫قلت لنف�سي ان الوقت لي�س وقت البكاء بل وقت العمل وب�سرعة‬ ‫فات�صلت مع حممد وطلبت منه ان يجلب مالب�س لأمه �سبق وقمت‬ ‫باختيارها لأنني حت�سبت لهذا الأمر رغم انني كنت مت�شبث برحمة‬ ‫الله ‪ ،‬فعرف حممد وو�صل للم�ست�شفى بعد اقل من �ساعة ‪ ،‬طلب منه‬ ‫ان يطلب من ال�سائق ان يجلب علي للم�ست�شفى اي�ضا ‪ ،‬و�صل علي‬ ‫بنف�س الوقت الذي و�صل به اخوه ‪ ،‬قلت ملحمد ا�س�أل امل�ست�شفى‬ ‫عن امكانية م�ساعدتنا بتوفري �سيدة تقوم بتغ�سيل �أم��ك ‪ ،‬ذهب‬ ‫وعاد قال بابا يقولون الآن ال�ساعة تقرتب من اخلام�سة واليوم هو‬ ‫�آخر يوم باال�سبوع ‪ ،‬لذلك من غري املمكن توفري ما تطلبوه لذلك‬ ‫يتقرحون ت�أجيل املو�ضوع اىل يوم االثنني ‪ ،‬قلت له ال انا الذي‬ ‫يقوم بتغ�سيل �أمك لأن الت�أجيل غري ممكن لأنني اتفقت مع مركز‬ ‫�صحي متخ�ص�ص مبعاجلة االج�ساد للحفاظ عليها مثلما هي وعلى‬ ‫ان ات�صل بهم حال حدوث املكروه لذلك طلبت من ال�سيد اليا�س‬ ‫خوري اجازه الله ب�ألف خري ان يت�صل بهم لأنني كنت ا�صطحبه‬ ‫معي عندما اجتمع معهم ملناق�شة الأم��ر ‪ ..‬فقلت ملحمد انت تقر�أ‬ ‫ال�ق��ر�آن وان��ت يا�سجا ت�صبني لنا امل��اء وان��ا وعلي نقوم بعملية‬ ‫التغ�سيل ‪ ،‬فقمنا بذلك ‪ ،‬وبعد ذلك قمنا بو�ضع مالب�سها عليها ‪،‬‬ ‫انني اخرتت اجمل املالب�س رغم ان كل مالب�سها جميلة وفاخرة‬ ‫لأنها ذات ذوق رفيع جدا ‪ ،‬ولكنني �شخ�صت انها حتب املالب�س‬ ‫التي اخرتتها لأنها كانت ترتديها يف اكرث االحيان باملنا�سبات‬ ‫املهمة ‪ ،‬كانت من ماركة هرمز ‪ ،‬ات�صل بي ال�سيد اليا�س وبعد‬ ‫ذلك ح�ضر امل�ست�شفى وقال ان املركز �سوف ير�سل موكب �سيارات‬ ‫�صباح االثنني ويقولون اليهم بقائها يف مكان مكيف يف امل�ست�شفى‬ ‫‪ ،‬لذلك قمنا ب�س�ؤال امل�ست�شفى عن مثل هذا املكان قالوا نعم موجود‬

‫تاريخ العراق المعاصر‪ /‬العهد الملكي‬

‫‪ ..‬يف ال�ساعة ال�سابعة الن�صف اخذنا �شجرة الدر اىل هذه الغرفة‬ ‫كانت نظيفة وكانت الأ�ضوية خافتة والزهور يف �أركانها ‪ ،‬انها‬ ‫ذات جو رومان�سي ومريح جدا ‪ ،‬و�ضعنا ال�سرير الذي متتد عليه‬ ‫�شجرة الدر ‪ ..‬يف هذه الغرفة وقفنا حول ال�سرير نحن الأربعة‬ ‫‪ ،‬قر�أنا �صورة الفاحتة ‪ ،‬وذهبنا للبيت ‪ ،‬طبعا ال حاجة لو�صف‬ ‫حالنا وو�ضعيتنا ‪ ،‬يف الطريق بد�أنا نفكر بالطريق التي نفاحت‬ ‫بها البنات ال�صغريات باملو�ضوع وبال�شكل ال��ذي ال ي�سبب لهن‬ ‫م�شاكل نف�سية ‪ ..‬كلفت حممد و�سجا ان يتكلموا معهن بالتدريج‬ ‫لأننا البد ان ن�أخذهن معنا يوم االثنني عندما ن�أخذ �أمهم اىل املركز‬ ‫اخلا�ص باحلفظ ‪ ..‬فقام حممد و�سجا بالعملية طيلة م�ساء اجلمعة‬ ‫وال�سبت والأحد اىل ان و�صلوا للنقطة التي نريدها وبالتدريج‬ ‫‪ ..‬هنا البد ان ا�شري اىل ان البعثة بطاقمها اجلديد مل يزورنني‬ ‫يف امل�ست�شفى يوم االثنني ‪ ،‬علما انهم يعرفون مبا حدث ‪ ،‬جاءوا‬ ‫للجامع عندما اخذناها بعد عدة ايام لل�صالة عليها وطلبت منهم‬ ‫االن�سحاب ولكن ال�سيد �سعد عون ا�صر على البقاء وقام بقراءة‬ ‫القر�آن م�شكور ًا حلني ما متت ال�صالة عليها ‪ ،‬ولكنهم �أ�صروا على‬ ‫ح�ضور جمل�س الفاحتة فيما بعد معتذرين باعذار غبية مثلهم‬ ‫ف�سمحت لهم بذلك ‪.‬‬ ‫اخل�بر انت�شر قبل ان اعلنه بال�صحف العربية وال�سوي�سرية ‪،‬‬ ‫لأن �سيدة من االم��ارات كانت يف الغرفة املجاورة لغرفة �شجرة‬ ‫ال��در ويبدو انها من عائلة مهمة لأن �سفارة االم��ارات مهتمة بها‬ ‫وموظفي البعثة يزورونها و�سيارات البعثة دائما موجودة ‪ ،‬هي‬ ‫التي �أخ�برت ال�سفري الذي ات�صل ب��دوره وجاوبه ال�سيد عي�سى‬ ‫الذي يعمل عندنا بالبيت ‪ ،‬بعدها ن�شرته وكالة ال�صحافة الفرن�سية‬ ‫و�صحف الأمارات ‪ ،‬ولكن الغريب باملو�ضوع ‪� ،‬صحيفة بابل تن�شر‬ ‫اخلرب حتت عنوان على ذمة وكاالت الأنباء ويذكرون ا�سم الوكالة‬ ‫التي ن�شرت اخلرب ‪ ،‬ان ال�سيدة زوجة برزان التكريتي جرى لها ‪...‬‬ ‫الخ هل ي�ستطيع ان�سان عنده احلد الأدنى من الأخالق ان يت�صور‬ ‫مثل هذا الت�صرف ؟! ولكن اجلواب والت�صور �سهل عندما تعرف‬ ‫عقلية خريجي هذه املدر�سة اخلا�صة ‪.‬‬ ‫كل هذه املفردات تذكرتها بدقة وقبل هذا ومنذ ال�صباح مل �أتوقف‬ ‫عن البكاء وال�شعور بالآ�سى والأ�سف ملا فقدته والذي الميكن ان‬ ‫يعو�ض ‪ ،‬ولكن املنا بالله كبري ان يعو�ضنا بح�سن العاقبة وي�سكن‬ ‫�شجرة الدر اجلنة ‪.‬‬

‫احللقة (‪)12‬‬

‫املدفعي �ش ّكل وزارة تعتمد على االنتماءات ال�شخ�صية‬ ‫بد ًال من االنتماءات احلزبية ومل ت�ستمر �سوى ‪� 3‬أ�شهر‬ ‫د‪ .‬فيبي مار‬ ‫ترجمة ‪ :‬م�صطفى نعمان �أحمد‬ ‫ب��د�أت ال��دورة يف ‪ 1933‬مع وزارة املدفعي‪ ،‬التي حلت حمل وزارة‬ ‫الإخ��اء‪ .‬و�ش�أنه �ش�أن ن��وري والها�شمي‪ ،‬كان املدفعي �ضابط ًا �سابق ًا‬ ‫ومنا�صر ًا مبكر ًا حلركة في�صل‪ ،‬لكنه كان يفتقر �إىل املثابرة والثبات‬ ‫ال�سيا�سي‪ .‬ومنذ البدء‪ ،‬تخلى عن ال�سيا�سة احلزبية و�شكل وزارة‬ ‫تعتمد على االن �ت �م��اءات ال�شخ�صية ب��د ًال م��ن االن �ت �م��اءات احلزبية‬ ‫–مل ت�ستغرق الوزارة �سوى ثالثة �أ�شهر؛ �إذ ق�ضى عليها االن�شقاق‬ ‫ال�شخ�صي‪ .‬و�أ�سباب االن�شقاق مل تكن مهمة بحد ذاتها‪� ،‬إال �أنها �أو�ضحت‬ ‫نحو جلي الدوافع الأ�سا�سية وراء ال�سيا�سة يف هذه الفرتة‪ .‬تركز‬ ‫على ٍ‬ ‫معظم اجل��دل على ر�ستم حيدر‪ ،‬وزي��ر االقت�صاد ال��ذي ك��ان ل�سنوات‬ ‫م�ست�شار ًا لفي�صل ومعلمه اخلا�ص‪ .‬هوجم حيدر يف ال�صحافة لأ�صله‬ ‫الأجنبي (ال�سوري) والت�صاالته مع بع�ض �شيعة اجلنوب‪ .‬فقد بالغ‬ ‫ناجي �شوكت وزير الداخلية‪ ،‬وهو �سني‪ ،‬بت�ضخيم هذه االت�صاالت‬ ‫�إذ ادعى �أنها تنطوي على �أالعيب خطرية و�إث��ارة للم�شاعر ال�شيعية‪.‬‬ ‫وع ّقدت م�س�ألة �أخرى الو�ضع‪ ،‬حيث �أظهرت كيف �أن ال�صراع ال�سني‪-‬‬ ‫ال�شيعي املتوا�صل �أ�صبح متداخ ًال مع ال�سيا�سة البغدادية ومع الدوائر‬ ‫االنتخابية التي �أكرث منها ال�سا�سة البغداديون‪.‬‬ ‫متثلت امل�س�ألة اجلديدة يف م�شروع الغراف‪� ،‬سد كبري �سيتم بنا�ؤه‬ ‫يف الكوت لإرواء م�ساحات وا�سعة من الأرا�ضي الع�شائرية يف لواء‬ ‫الكوت واملنتفك‪ .‬مت تخ�صي�ص امل��وارد املالية لبناء ال�سد يف الوقت‬ ‫الذي �أثريت فيه م�س�ألة التجنيد‪ ،‬التي ت�ستلزم تخ�صي�صات �أكرب من‬ ‫املال‪� .‬آثر القوميون يف جمل�س ال��وزراء �إقرار قانون التجنيد‪ ،‬لي�س‬ ‫لأنهم ال ي�ؤمنون بح�شد �آليات الدولة فح�سب‪ ،‬بل لأنهم ي�ستفيدون من‬ ‫منو �أي جي�ش ‪ ،‬يف حني �آث��ر �أع�ضاء جمل�س ال��وزراء ال�شيعة �إقرار‬ ‫م�شروع ال�سد لأنه �سيجلب فوائد زراعية �إىل اجلنوب وي�ساعد على‬ ‫زي��ادة حم�سوبيتهم بني الزعماء الع�شائريني‪ .‬ولأن ع��دد ال�سنة يف‬ ‫جمل�س الوزراء كان يفوق عدد ال�شيعة‪ ،‬لذا انت�صر الر�أي امل�ساند لإقرار‬ ‫قانون التجنيد‪ .‬ت�سبب هذا الأمر يف ا�ستقالة وزيرين �شيعيني‪ ،‬ومن ثم‬ ‫ا�ستقالة الوزارة يف �شباط ‪.1934‬‬ ‫مل ُتكمل الوزارة التالية ال�سنة‪ ،‬ويف �آب ‪ 1934‬ت�شكلت وزارة ثالثة‪.‬‬ ‫ويف ه��ذه امل��رة ق��رر رئي�س ال ��وزراء علي ج��ودت الأي��وب��ي‪ ،‬الرئي�س‬ ‫ال�سابق للديوان امللكي‪� ،‬إقامة انتخابات جديدة‪ .‬وافق امللك على �إجراء‬

‫االنتخابات‪ ،‬مُبعد ًا العديد من زعماء الإخاء الذي مت يف العام املن�صرم‬ ‫رف�ض طلباتهم باال�شرتاك يف االنتخابات‪ ،‬لذا فقد بدءوا مع منا�صريهم‬ ‫الع�شائريني املتنفذين يف الفرات الأو�سط بدرا�سة اتخاذ �إجراءات غري‬ ‫د�ستورية ال�ستعادة ال�سلطة‪.‬‬ ‫�إن ه��ذه املكائد ال�سيا�سية �ستكون �أق��ل خطورة لو مل ت �� ِأت يف �أوج‬ ‫اال�ستياءات الع�شائرية التي‪� ،‬ش�أنها �ش�أن ال�شكاوى االخ��رى‪ ،‬كانت‬ ‫تنم عن غ�ضب مكبوت‪ ،‬ومع �أنها مل حتدث جراء ت�صرفات –�أو عدم‬ ‫ت�صرف‪ -‬الوزارات يف بغداد‪ ،‬ف�إن هذه ال�شكاوى وفرت املواد الأولية‬ ‫مي�ض الوقت طوي ًال‬ ‫للتمزق الذي كان ب�إمكان ال�سا�سة الت�أثري فيه‪ .‬ومل ِ‬ ‫قبل �أن يبد�أ زعماء الإخ��اء ال�ساخطون القيام بذلك الأم��ر ال��ذي �أنذر‬ ‫بعواقب وخيمة على الدولة الفتية وغري امل�ستقرة حلد الآن‪.‬‬ ‫التمرد الع�شائري الأول‬ ‫ينبغي فهم الأ�سباب املعقدة لال�ضطراب الع�شائري يف منطقة الفرات‬ ‫الأو�سط لإدراك �أهمية التمردات الع�شائرية التي هيمنت على امل�سرح‬ ‫ال�سيا�سي للعامني القادمني‪ .‬لقد �ش ّكل التمرد الع�شائري دوم� ًا‪� ،‬سيما‬ ‫يف اجلنوب‪ ،‬م�شكلة للحكومة املركزية يف بغداد حيث دعمه العداء‬ ‫ال�شيعي‪ ،‬لكن التمرد الع�شائري الآن ممزوج ب�شيء ما جديد‪ .‬فجذر‬ ‫التمرد الع�شائري يعود �إىل االنتقال من جمتمع يعتمد على التنظيم‬ ‫جمتمع يعتمد على الزراعة امل�ستقرة‪ .‬ويكمن‬ ‫والقيم الع�شائرية �إىل‬ ‫ٍ‬ ‫املظهر ال �ب��ارز ل�ه��ذا االن�ت�ق��ال يف ت��آك��ل ق��وة ال�شيخ و�سلطته �ضمن‬ ‫الع�شرية‪ .‬وطبيعي �أن وظيفة ال�شيخ الرئي�سة ذات طابع ع�سكري‪ ،‬فهو‬ ‫يحمي الع�شرية من جريانها ومن حكومة مركزية �ضارية‪ .‬والآن بات‬ ‫ال�شيخ وكي ًال لتلك احلكومة ويف الغالب ممثلها الرئي�س‪ ،‬حني ت�سلمت‬ ‫احلكومة م�س�ؤولية الدفاع الداخلي‪.‬‬ ‫�صب قانون التجنيد الذي مت �إق��راره يف كانون الثاين ‪ 1934‬الزيت‬ ‫على النار بحرمان ال�شيخ من رج��ال الع�شائر الأ�صحاء البنية ويف‬ ‫الوقت نف�سه حت�شيد قوة قادرة يف نهاية الأمر على �إخ�ضاعه‪ .‬وقد ت�آكل‬ ‫نحو متزايد ج��راء النمو املت�صلب‬ ‫موقع ال�شيخ الإداري �أي�ض ًا على ٍ‬ ‫للبريوقراطية وام�ت��داده��ا �إىل ال��ري��ف‪ .‬وجتلى ه��ذا الأم��ر بعدد من‬ ‫الإج��راءات‪ ،‬امل�صادق عليها يف الثالثينيات‪ ،‬امل�صممة لو�ضع ال�سلطة‬ ‫املحلية يف �أيادي رجال املدن املثقفني واحلد من اال�ستقالل الع�شائري‪.‬‬ ‫نحو متزايد على احلكومة املركزية‬ ‫فقد �أ�صبح ال�شيخ نف�سه معتمد ًا على ٍ‬ ‫للح�صول على االمتيازات والفوائد التي كان يهبها بنف�سه‪ .‬وتدريجي ًا‬ ‫حتول ميزان القوى من الع�شرية �إىل احلكومة‪ .‬ومع �إجراء انتخابات‬ ‫‪ ،1934‬التي ح��دت من النفوذ الع�شائري يف ال�برمل��ان‪ ،‬لعله مل يكن‬ ‫من املفاجئ �أن يرى الزعماء الع�شائريون �أن الوقت مالئم ال�ستعادة‬

‫ال�صراع مرتبط ًا بامل�صاعب الزراعية املعقدة الناجمة عن التحول‬ ‫من تربية املا�شية �إىل اقت�صاد زراعي ومن الزراعة مورد ًا للرزق �إىل‬ ‫الغلة مدفوعة الأجر‪ .‬وطوال الثالثينيات‪ ،‬تركز االهتمام على احلقوق‬ ‫الثابتة مللكية الأر� ��ض ومدتها �إىل ت�شجيع اال�ستثمار يف الزراعة‬ ‫وتو�سيع الأر�ض املزروعة‪ .‬و�أ�سا�س ًا متثلت امل�شكلة يف �أن الأر�ض التي‬ ‫تو ّرثها الع�شرية ‪-‬الديرة‪ -‬كانت مملوكة للع�شرية م�شاعي ًا‪ ،‬ذلك �أن لكل‬ ‫رجل يف الع�شرية حقوق ًا خا�صة �إجما ًال‪ .‬ومع ذلك ف�إن ممار�سة الزراعة‬ ‫احلديثة واحلاجة �إىل ت�شجيع اال�ستثمار ا�ستلزم �سندات ثابتة للملكية‬ ‫للقيام مب�شاريع حملية متخ�ص�صة‪ .‬وقد ت�صاعدت هذه احلاجة جراء‬ ‫انت�شار امل�ضخات والرغبة املالزمة للم�ستثمرين بت�شريع �سند امللكية‪.‬‬ ‫وبحلول الثالثينيات ف ��إن فو�ضى امل��زاع��م وامل��زاع��م امل�ضادة حول‬ ‫الأر�ض كانت جد معقدة بحيث ا�ستوجبت احلاجة �إيجاد حل ما‪ .‬ويف‬ ‫‪ 1929‬طلبت احلكومة من ال�سري �إيرن�ست دو�سون‪ ،‬خبري بريطاين‪،‬‬ ‫درا�سة امل�شكلة‪ .‬وكان تقريره‪ ،‬ال�صادر يف ‪ ،1932‬باعث ًا على �إ�صدار‬ ‫قانون الأر���ض ل�سنة ‪ .1932‬ومبوجب ه��ذا القانون‪ ،‬مت االعرتاف‬ ‫ب�صيغة جديدة من امللكية –اللزمة‪ -‬مع الطابو‪ .‬فقانون امللكية هذا‬ ‫بالإمكان منحه من قبل �سلطات اال�ستيطان �إىل �أي �شخ�ص كان يتمتع‬ ‫بحق االنتفاع من الأر�ض لفرتة تزيد على (‪ )15‬عام ًا‪ ،‬بيد �أن الأر�ض‬ ‫املمنوحة مبوجب هذا القانون ال ميكن بيعها خارج نطاق الع�شرية‬ ‫من دون موافقة احلكومة‪ .‬وكان مق�صد القانون حماية رجل الع�شرية‬ ‫م��ن حتويل ملكية الأر� ��ض‪ ،‬وع��دا ح��االت خا�صة‪ ،‬ك��ان امل�ستثمرون‬ ‫احل�ضريون وال�شيوخ الع�شائريون ي�ستخدمون هذا القانون فعلي ًا‬ ‫ل�ضمان ال�سند القانوين ولتحجيم مكانة املحا�ص�ص‪ .‬وب��د ًال من حل‬ ‫امل�شكلة‪ ،‬ت�سبب القانون بتناف�س �شديد على �سندات امللكية‪ ،‬الأمر الذي‬ ‫لعب دور ًا رئي�س ًا يف �إ�شعال فتيل التمرد الع�شائري‪.‬‬ ‫�إن التزاحم على حيازة الأر�ض كان م�صاحب ًا للطرد التدريجي للمزارع‪.‬‬ ‫ففي ‪ُ 1923‬ق��دِ َر �أن زهاء ع�شر املزارعني فقط كان ب�إمكانهم االدعاء‬ ‫بحقوق �شخ�صية تقليدية يف الأر�ض‪ ،‬يف حني كان الباقون حتت رحمة‬ ‫طبقة ال�شيوخ –مالكي الأرا�ضي املنبثقة حديث ًا‪ .‬وبحلول ‪،1930‬‬ ‫متخ�ض التدين يف مكانة رجل الع�شرية عن هجرة وا�سعة النطاق‬ ‫�إىل امل��دن‪ ،‬فعلى �سبيل املثال‪ ،‬ادع��ى م�س�ؤول بريطاين يف العمارة‬ ‫�أن ما يزيد على (‪ )300‬خيمة جرى نقلها من جمموعات ع�شائرية‬ ‫خمتلفة متركزت يف منطقة الب�صرة وحدها‪ .‬ت�سبب ه��ذا الو�ضع‪،‬‬ ‫الذي كان مالحظ ًا يف بغداد‪ ،‬يف حدوث احتجاج من بع�ض العنا�صر‬ ‫�سلطتهم واعتبارهم القدميني‪.‬وكان ال�صراع على الأر�ض واملاء‪� ،‬سيما يف ال�برمل��ان وال�صحافة‪ ،‬الذين �أل�ق��وا باللوم على �سيا�سة الأر�ض‬ ‫من جانب ال�شيوخ هو الأهم يف توليد �إقطاعية ع�شائرية‪ .‬وكان هذا الذي تتبعها احلكومة وحتويل ملكية الأرا�ضي �إىل ملكية خا�صة‪.‬‬

‫�صب قانون التجنيد الذي مت‬ ‫ّ‬ ‫�إقراره يف كانون الثاين ‪1934‬‬ ‫الزيت على النار بحرمان ال�شيخ‬ ‫من رجال الع�شائر الأ�صحاء‬

Profile for Al Mashriq Newspaper

4234 AlmashriqNews  

4234 AlmashriqNews

4234 AlmashriqNews  

4234 AlmashriqNews

Advertisement