Page 1


‫ذات األصابع الست‬ ‫ليلى ذات الخمس سنوات‪ ،‬شعلة من الذكاء‪ ،‬كثيرة األسئلة التي يقف الكبار‬ ‫في حيرة أمامها‪ ،‬وولدت ليلى وفي كفها األيمن ستة أصابع وتستغرب‬ ‫عندما ترى أخيها سعد الذي يصغرها بسنة واحدة له خمسة أصابع في كفه‬ ‫األيمن وبنت عمها هند في كفها خمسة أصابع‪.‬‬

‫سألت أمها‪ :‬يا أمي لماذا في كفي أصبع ا زئد؟‬

‫إهداء‬ ‫إلى روح‬ ‫والدي وولدي‬ ‫(رحمهما اهلل)‬

‫فقالت أمها‪ :‬ألنك بنت ذكية ومميزة؟‬ ‫فقال ليلى‪ :‬إذا ً أنت يا أمي وأبي وأخي لستم مميزون وال أذكياء‪.‬‬ ‫ابتسمت األم ولم تستطع اإلجابة وغيرت الموضوع وأعطت ليلى حبة‬ ‫حلوى‪ ،‬وذهبت إلى المطبخ لتجهز الغداء‪.‬‬ ‫وكانت ليلى تالعب أخيها سعد الذي ال يهدي من الحركة يمينا ً وشماالً‬ ‫ويضرب أخته وكانت سهو عنه وهي تفكر بكفها وأصبعها ال ا زئد‪ ،‬وإذا‬ ‫بإصبع أخيها سعد يستقر بين حد الباب و ا زويته وفي يده األخرى دفع الباب‬ ‫وصرخ صرخة وبعدها أغمي عليه‪.‬‬ ‫كان الباب الحديدي سببا ً في بتر أصبع سعد‪.‬‬ ‫فقالت ليلى‪ :‬اآلن عرفت لماذا خلق هللا لي أصبع سادس؟‬

‫فقالت األم لماذا؟‬ ‫فقالت ليلى‪ :‬ألن أخي سعد أصبح له أربع أصابع‪ ،‬وسأعطيه أصبعي‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫فنكون جميعا ً متساويين كصديقتي هند وأنت وأبي وجميع الناس‪.‬‬

‫‪2‬‬


‫العلم أولا‬ ‫سالم طالب يدرس في المرحلة المتوسطة وكان ال يحب المدرسة وأحد‬

‫فاستحسن والده الفكرة‪ ،‬وأصبح لهم فرع آخر‪ ،‬وتطورت تجارتهم وازدادت‬

‫األسباب معلما ً لم يحسن التعامل مع سالم في موقف غير تربوي مما سبب‬

‫الفروع إلى أن وصلت إلى خمسة فروع‪ ،‬وأصبح سالم من رجال األعمال‪.‬‬

‫له كرها ً للمدرسة والذهاب إليها‪.‬‬

‫ولكن جاء اليوم الذي جعله يأكل أصابعه ندماً‪ ،‬عندما بدأ الترشيح لرئاسة‬

‫حاول والده أن يحببه بالمدرسة ولكن سالم قال لوالده‪ :‬اقتربت نهاية هذه‬

‫الغرفة التجارية‪ ،‬وكان الشرط األول أن يحمل الشهادة الجامعية‪ ،‬وكان ذلك‬

‫السنة وأستلم شهادتي وبعدها لن أدرس‪.‬‬

‫دافعا ً له إلكمال د ا رسته ليالً‪..‬‬

‫كان سالم مهمالً في تنفيذ واجبات المواد التي يدرسها وأيضا ً يأتي إلى‬

‫فقال لوالده‪ :‬فعالً يا أبي العلم هو الركيزة األساسية لبناء المجتمع‪..‬‬

‫المدرسة متأخ ا ًر‪ ،‬وينام في الحصص‪.‬‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫وجاء يوم الحسم وإذا بشهادته دوائر حم ا رء ولم ينجح إال بالتربية البدنية‬ ‫والفنية فقط‪.‬‬ ‫وعندما أ رى والده شهادته أسود وجهه‪ ،‬وقال‪ :‬يا سالم قررت أن تترك‬ ‫المدرسة وأعلمك التجارة معي يمكن أن تفلح فيها‪ .‬ففرح سالم ب أ ري والده‪.‬‬ ‫وقال لن أصحو للذهاب إلى المدرسة‪ ،‬وأتخلص من الد ا رسة ومشاكلها‪..‬‬ ‫وبدأ سالم يساعد والده في تجارة مواد البناء من أسمنت وحديد‪ ،‬وبعد فترة‬ ‫تعلم التجارة بشكل جيد‪ ،‬وأصبح الذ ا رع األيمن لوالده‪ ،‬وصار يتذوق طعم‬ ‫األرباح‪.‬‬

‫قال لوالده‪ :‬ما أ ريك يا والدي أن نتوسع في تجارتنا ونفتح فرع آخر‪ ،‬أكون‬ ‫مشرفا ً عليه‪ ،‬وأنت تبقى في المحل الرئيسي‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪4‬‬


‫أمة وسطا ا‬ ‫كان يعمل في وظيفة محترمة‪ ،‬ويجمع من رواتبه مبلغا ً كي يسافر إلى دول‬

‫وصار يحضر المحاض ا رت الدينية‪ ،‬وبعد سنة صار ي ا رفق بعضا ً من‬

‫شرق آسيا ليشبع رغباته ونزواته وكان منحرفا ً إلى أقصى نقطة في خط‬

‫المتشددين في الدين‪ ،‬ولكن لم يقتنع بأفكارهم‪ ،‬وأخذ يبحث عن الشيوخ‬

‫الحياة‪..‬‬

‫الوسطيين ووجد الشيخ حامد‪..‬‬

‫لم يتزوج بالرغم من بلوغه سن يتجاوز الخمس والثالثون‪..‬‬

‫جلس الشيخ معه وأقنعه بأننا أمة وسطا ً وإن الدين يسر وليس عسر‪،‬‬

‫ال ينفك والده وشقيقه سعد عن النصيحة له بالزواج واالستقرار‪..‬‬

‫واإلسالم دين التسامح‪ ،‬وال يجوز الخروج على والة األمر وال ترويع‬

‫وذات يوم وهو عائد من دولة متقدمة علميا ً متخلفة أخالقياً‪ ،‬وجد تجمعا ً‬

‫اآلمنين‪.‬‬

‫للسيا ا رت أمام منزلهم واستغرب هذا التجمع‪ ،‬فدخل المنزل مسرعا ً وكان‬

‫اقتنع بكالم الشيخ‪ ،‬وأصبح من الوسطيين المتسامحين الذين يحبون الخير‬

‫المنزل يعج باألقارب والجي ا رن وتوجه مسرعا ً إلى والده وقبل أ رسه‪....‬‬

‫للجميع ومن المنافحين عن الدين والوطن‪..‬‬

‫والدي‪ ...‬أمي فيها شيء!‬

‫وصار يلقي محاض ا رت في حب الوطن والمحافظة على منج ا زته‪ ،‬وعن‬

‫حضه والده ولم يتمالك نفسه فبكى‪ ....‬عظم هللا أجرك!‬

‫سبب هدايته وهو وفاة شقيقه سعد‪.‬‬

‫شقيقك سعد توفي قبل أسب وع في حادث سيارة على الطريق السريع‪..‬‬

‫الموت هو عبرة وعظة للجميع‪) ،‬كل من عليها فان(‪.‬‬

‫فبكى‪ ...‬وبكى‪ ...‬وبكى!‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫ذهب واغتسل وصلى جماعة صالة العشاء‪ ،‬وكانت صالة العشاء والفجر‬ ‫ثقيلة عليه وكان مقص ا ًر في إقامة شعائر هللا‪.‬‬ ‫وصار يصلي جميع الصلوات في المسجد‪ ،‬وتغير إلى األفضل وأصبح‬

‫ملتزما ً وطلب من والده بعد فترة أن يبحث عن بنت الحالل من أجل إكمال‬ ‫نصف دينه‪..‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪6‬‬


‫العودة إلى الوطن‬ ‫بدأت خيوط الشمس الذهبية تدخل من نافذة غرفة سالم الطينية؛ التي‬

‫أن ركب سالم ال ا رحلة األخرى‪ ،‬وصار الرجل ينشد بعض القصائد التي‬

‫تحتضن سالم وأحالمه‪ ..‬فتح عينيه وفركهما وخرج مسرعا ً حتى ال ت ا ره‬

‫يحفظها ويرد عليه سالم‪ ،‬واألرض تطوى‪ ،‬ووصل الرجل إلى منزله الطيني‬

‫زوجة أبيه التي ما فتئت عن ضربه منذ طفولته األولى ووفاة والدته‪.‬‬

‫في مدينة بريدة‪ ،‬ونام سالم بدون أن يهتز له مفصل من اإلرهاق وطول‬

‫سار هائما ً على وجهه يلتمس اتجاها ً يهديه إلى هللا‪ ،‬فكان قدره إلى جنوب‬

‫الطريق‪ ،‬وفي صبيحة اليوم الثاني قال سالم للرجل‪ :‬أريد يا عم أن أعمل‬

‫حائل‪ ،‬تارة يسير وتارة يهرول وكان يرى من مسافة رجالً يركب ا رحلة ويقود‬

‫معك وأساعدك في تجارتك‪.‬‬

‫أخرى‪ ،‬وصار يركض مسرعا ً وكأنه في سباق مع الزمن‪ ،‬وعندما اقترب من‬

‫قال الرجل‪ :‬على الرحب والسعة‪ ،‬ولكن ستعمل عند صديقي حمود ألن‬

‫الرجل صاح بأعلى صوته‪ :‬أيها الرجل‪ ...‬أيها الرجل‪ ..‬يا عم‪.‬‬

‫تجارته أوسع ويحتاج إلى صبي يساعده‪.‬‬

‫التفت الرجل خلفه وإذا بسالم ينكب على وجهه من التعب وشدة العطش‪،‬‬

‫وعمل سالم عند حمود‪ ،‬وبعد فترة تجهز سالم والتاجر حمود مع مجموعة‬

‫فنزل الرجل عن ا رحلته وأعطى سالم قربة الماء‪ ،‬وشرب سالم وبعد أن‬

‫من تجار القصيم يسمون العقيالت للذهاب في تجارة إلى بالد الشام‬

‫است ا رح‪..‬‬

‫ومصر‪ ،‬وفلسطين‪ ،‬ورحلتهم تكون على ظهور اإلبل قبل ظهور السيا ا رت‬

‫أنا سالم يا عم من حائل وأريد الذهاب معك يا عم إلى أي مكان تقصده‬

‫في الجزيرة العربية‪ ،‬وساروا في رحلتهم التجارية وكانت أول محطة لهم‬

‫وإنني أبحث عن عمل‪..‬‬

‫األردن‪ ،‬وبعد أسبوع من مكوثهم في األردن أ ا رد التاجر حمود أن يكمل‬

‫فقال الرجل‪ :‬أنا في طريقي إلى بريدة‪..‬‬

‫رحلته التجارية غلى مصر عن طريق فلسطين‪ ،‬فأشار على سالم أن يجهز‬

‫فقال سالم‪ :‬أنا معك إن شاء هللا‪.‬‬

‫نفسه‪ ..‬فقال سالم‪ :‬أريد منك يا عم حمود أن تسمح لي فسأبحث عن عمل‬

‫فصار الرجل يحدث نفسه صبيا ً في مقتبل العمر ال يتجاوز الثامنة عشر‬

‫وأستقر هنا‪ ،‬فأذن له حمود وتمنى له التوفيق‪.‬‬

‫يترك أهله؟ ويسير في الصح ا رء وال يملك ا رحلة وال ا زد‪ ،‬ولكن يجوز‬

‫التحق سالم في الجيش العربي وتزوج وأنجب بنينا ً وبنات وتدرج في الرتب‬

‫الظروف هي التي جبرته‪ ،‬فرفع صوته يحيي سالم ويرحب به وسا ا ر معا ً بعد‬

‫ووصل إلى رتبة عميد وتقاعد من الجيش‪ ،‬وبعد مضي أربعين عاما ً‪ ..‬عاد‬

‫‪7‬‬

‫‪8‬‬


‫الحب في زمن اإلنفلونزا‬ ‫سالم إلى وطنه األم ومسقط أ رسه ووطن آبائه وأجداده‪ ،‬وعندما تم اللقاء‬

‫كانت القرية تعيش في سعادة بأهلها وتكافلهم االجتماعي فيما بينهم‪،‬‬

‫األول مع أخوته‪ ،‬سألهم عن زوجة أبيه‪..‬‬

‫وتقارب منازلهم الطينية من بعضها أدى إلى الحميمية بينهم وكأنهم أسرة‬

‫فقالوا‪ :‬إنها توفيت وقبل وفاتها‪ ،‬قالت‪ :‬إذا كتب هللا لكم أن تلتقوا بأخيكم‬

‫واحدة وكانوا كالجسد الواحد بما فيهم طبيب المركز الصحي والممرضة‬

‫سالم‪ ،‬وكنت متوفية‪ ،‬فأطلبوا منه أن يسامحني ألنني قد جنيت عليه في‬

‫ومعلمي المدرسة شكلوا نسيجا ً متماسكا ً‪..‬‬

‫صغره‪ ،‬وأنا السبب في هروبه من المنزل من قسوتي عليه‪ ،‬وأذكركم بأن‬

‫أحمد رغم كونه مدرسا ً جديدا ً في القرية فقد كسب محبة القرية كلها ألن‬

‫أبوكم قد سامحه قبل وفاته‪ ،‬وكم كان مشتاقا ً لرؤيته ولكن القدر سبق‪..‬‬

‫نسائم الحب انتشر عبقها في أف ا رد القرية الطيبة‪.‬‬

‫فقال سالم‪ :‬هللا يسامحها ويسامح الجميع‪.‬‬

‫نامت القرية وخيم الظالم والهدوء عليها كأنه كان الهدوء الذي يسبق‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫العاصفة‪ ،‬بدأ األمر بسيطا ً في صباح ذلك اليوم‪ ،‬أخذت القرية تتكلم عن‬ ‫إصابة أحد أبناءها بمرض غامض وقد ساءت حالته بسرعة غريبة‪ ،‬حتى‬ ‫بدأت احتماالت وفاته وارادة‪..‬‬ ‫لكن األمر بدأ يتفاقم تدريجيا ً ألن شخصا ً آخر انتقلت إليه العدوى رويدا ً‬ ‫رويدا ً انتشر هذا المرض في القرية كانتشار النار في الهشيم‪..‬‬ ‫أطلقوا عليه اسم )انفلون ا ز الطيور(‪ ،‬وصل الخبر إلى و ا زرة الصحة فقامت‬ ‫بإرسال طاقم طبي وسيا ا رت اسعاف لنقل المصابين إلى مستشفيات المدينة‬ ‫المجهزة‪ ،‬وجاء األمر بإغالق المدرسة إلى إشعار آخر‪ ،‬وأعلنت الطوارئ‬

‫في القرية الصغيرة التي هاجت وماجت خوفا ً مما يمكن أن يصيبها‪.‬‬ ‫أغلقت المدرسة أبوابها‪ ،‬فكان أحمد مضط ا ًر لمغادرة البلدة عائدا ً إلى مدينته‪،‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪10‬‬


‫لكن الوقت كان متأخ ا ًر‪ ،‬فاضطر إلى المبيت‪ ..‬استيقظ في منتصف الليل‬

‫تغريه باإلس ا رع إليها ليفصح لها عن ما أحسه اتجاهها‪.‬‬

‫وجسمه يهتز تحت لهيب ح ا ررة مفرطة‪ ،‬واستغرب أحمد لذلك‪ ،‬ثم توجس‬

‫وبدأت الشمس تغزل خيوط الضياء‪ ،‬حينها ركض إلى المركز يرقص فرحا ً‬

‫خيفة أن يكون المرض قد انتقل إليه‪ ،‬فأسرع إلى المركز الصحي‪.‬‬

‫ألنه سيرى حبيبته‪..‬‬

‫كان ال بد أن تكون الممرضة قد وصلها صدى نبضه المتسارع نظرت إليه‬

‫توجه إلى غرفة اإلسعافات األولية فلم يجدها‪ ،‬ووقف ينتظرها وهو يحبس‬

‫مبتسمة‪ ،‬ثم سجلت مالحظاتها في ملف قدمته للطبيب الذي أسرع بمناولته‬

‫أنفاسه وإذا بها تدخل ومعها إبر وعلب من الشاش الطبي قد أحضرته من‬

‫دواء وطلب منه أن يأخذ قد ا ًر كافيا ً من ال ا رحة‪.‬‬

‫مستودع األدوية‪ ،‬اضط ربت لرؤيته فسقطت من يدها علبة إبر‪ ،‬أسرع‬

‫آ رها تغاد ره كحلم‪ ،‬بزيها األبيض اندست بين حشود المرضى الذين تكدسوا‬

‫لمساعدتها في نفس اللحظة التي نزلت لتلتقطها‪ ،‬تصادق نزولهما معا ً‬

‫جماعات في أروقة المستشفى‪.‬‬

‫والتقت نظ ا رتهما مرة أخرى‪ ،‬لم يشعر إال ولسانه يسبقه ببوحه لها بحبه‪،‬‬

‫عاد أحمد إلى غرفته تقوده خطاه‪ ،‬أما الفكر فقد غاب هناك حيث هي‬

‫نظرت إليه نظرة خجولة وابتسامة تنم عن رضى وسعادة‪ ،‬أدرك أحمد أن‬

‫متألقة بجمال وبهاء وجهها‪.‬‬

‫سهام الوجد وثقت محبة قلبيهما معا ً‪..‬‬

‫تحسنت حالته الجسدية كما تحسنت حالته النفسية‪ ،‬انشرح قلبه وهو يهيم‬

‫لم يشكر الطبيب ألن قلبه وعقله وفكره غاب عن إد ا رك ما يجب عليه فعله‬

‫باحثا ً عن مالمح وجه سلك مداخل قلبه واستقر‪ ،‬أدرك أنه أحبها ألول وهلة‬

‫أو حتى السبب الذي من أجله ذهب إلى المركز الصحي‪..‬‬

‫حبا ً حقيقيا ً صادقاً‪ ،‬لم يكون يؤمن بالحب من أول نظرة‪ ،‬لكنه اآلن أدرك‬

‫عاد أحمد إلى غرفته سعيدا ً منتشيا ً بلذة هذه الفرحة التي غمرته‪ ،‬كان الكون‬

‫أنه يمكن ذلك‪.‬‬

‫أمامه يشع فرحا ً وحبو ا ًر حتى مذياعه القديم شاركه الفرحة بصوت كوكب‬

‫جعله هذا الشعور سعيداً‪ ،‬وجعله يقرر إلغاء فكرة عودته إلى بلدته ألنه ال‬

‫الشرق وهي تشدو‪:‬‬

‫يمكن أن يبتعد عن من سكنت قلبه واستقرت فيه‪.‬‬

‫يا فؤادي ال تسل أين الهوى؟ كان صرحا ً من خيال فهوى‬

‫بدا له الليل طويالً‪ ،‬بدا يعد الساعات منتظر طلوع النهار‪ ،‬كانت الرغبة‬

‫استقني واشرب على أطالله واروي عني طالما الدمع روى‬

‫‪11‬‬

‫‪12‬‬


‫بسقوط الحماة‬ ‫وهو يستمع إلى األغنية كان يبتهل إلى مواله أن يجعل منها حبيبته على‬

‫كان يقول لها‪ ،‬حبيبتي ال أستطيع العيش بدونك‪ ،‬أنت الهواء الذي أتنفسه‪..‬‬

‫الدوام آ رها زوجة تستقبله كل مساء‪ ،‬آ رها أما تحتضن أطفاله نام أحمد وهو‬

‫نعم‪ ،‬لقد تزوجها بعد قصة حب‪ ،‬وكانت تبادله الحب ودائما ً تقول له‪ :‬أنني‬

‫يحلم بلباسها األبيض وليلة يأخذها بعيدا ً‪ ...‬بعيدا ً ليكون أسرة سعيدة‪.‬‬

‫أحبك أكثر‪.‬‬

‫وانجلى الليل بأحالمه وبدأ نور الحقيقة يظهر جليا ً مع صباح من صباحات‬

‫مر ثالثة أشهر على زواجهما وكل شيء في شقتهم الصغيرة ينطق حبا ً‬

‫الخريف وسقوط أو ا رق الشجر‪ ،‬وغبار كثيف بسبب هبوب عاصفة رملية‬

‫وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة كان الزوجان يلفهما حالة الحب الدافئ‪،‬‬

‫تصعب معه الرؤية‪.‬‬

‫وإذا هاتف الشقة يرن‪...‬‬

‫كيف يعقل أن تقاوم حبيبته مرضا ً لعينا ً وهي تقبل على المرضى دون‬

‫رفع الزوج السماعة وكانت والدته‪....‬‬

‫خوف أو تردد‪ ،‬ويصرعها هذا الثعبان‪.‬‬

‫كيف حالك يا ولدي‪ ...‬وصارت تبكي بحرقة شديدة‪ ،‬فتأثر من بكاء والدته‪.‬‬

‫نعم ثعبان شيع حبك يا أحمد إلى مثواه األخير‪.‬‬

‫ماذا بك يا والدتي؟‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫زوجة أخوك قد شربت العلقم من يديها‪ ،‬وتعاملني معاملة سيئة‪ ،‬وأخي ا ًر‬ ‫طردتني وأخوك ال يحرك ساكناً‪ ،‬ألنه ضعيف شخصية أمام زوجته‬ ‫الحرباء‪.‬‬ ‫ال تهتمي يا والدتي‪ ،‬وقررت منذ هذه اللحظة أن تعيش عندي‪ ،‬وزوجتي‬ ‫متعلمة وتحبني ومن المؤكد ستحب البطن الذي حملني‪ ،‬وتصبحين على‬ ‫خير وغدا ً لناظره قريب‪.‬‬

‫ي أن أعيش ما تبقى لي من عمر عندك هللا يرضى عليك‪.‬‬ ‫ال مانع لد ّ‬ ‫وفي اليوم الثاني‪ ،‬اشترى غرفة نوم لوالدته وجهز لها غرفة مستقلة‪ .‬ومنذ‬ ‫‪13‬‬

‫وصولها ومعاملة الزوجة لها معاملة حسنة وكأنها والدتها وليست حماتها‪.‬‬

‫‪14‬‬


‫بعد مرور شهرين‪ ،‬بدأت غيرة الحموات تسري في ش ا ريينها‪ ،‬وتقول ولدي‬

‫أ ا رد أن يستأجر شقة واسعة‪ ،‬ولكن والدته رفضت حتى توفر لولدها المال‬

‫ملكي ولي وحدي فقط‪ ،‬أن الذي حملت به وربيته وعانيت إلى أن أصبح‬

‫كما تقول‪ ،‬فقالت له‪ :‬خذ شقة صغيرة ولو كانت غرفة واحدة ال بأس‬

‫رجالً‪.‬‬

‫سيكون سعرها أقل وال مانع أن ننام جميعنا في غرفة واحدة‪.‬‬

‫أحست الزوجة بأن حماتها كثيرة الشكوى منها ألن زوجها بدأ يتغير ولم يعد‬

‫فقالت الزوجة والغضب في عينيها‪ :‬يا حماتي‪ ،‬نحن لم يمض على زواجنا‬

‫الزوج األول‪ ،‬وأصاب العالقة بعض الفتور‪.‬‬

‫سنة وتريدين النوم بيني وبين زوجي‪ ،‬وهللا‪ ...‬عيب‪.‬‬

‫كانت والدته تتدخل في كل شيء وحتى الخصوصيات الزوجية‪.‬‬

‫غضب الزوج‪ ...‬وكيف تقولين لوالدتي عيب‪ ،‬هل هي ب أ ريك قليلة حياء؟‬

‫أ ا ردت الزوجة أن تكسر الروتين ورتق الفجوة التي حصلت بينها وبين‬

‫خالص قررت العودة إلى الرياض‪.‬‬

‫زوجها‪ ،‬فطلبت من زوجها الذهاب إلى المنطقة الشرقية حيث البحر والجو‬

‫أ ا ردت الزوجة أن تردم الفجوة التي حصلت بينها وبين زوجها ولكن اتسعت‪.‬‬

‫ال ا رئع‪.‬‬

‫وأصبحت والدته تضايق زوجته وتنغص عليها حياتها بالكالم عليها أمام‬

‫وافق الزوج وقال‪ :‬البد من م ا رفقة والدتي لنا في هذه الرحلة‪.‬‬

‫األقارب والجي ا رن‪.‬‬

‫ابتسمت الزوجة ابتسامة صف ا رء‪ ،‬ولكن نستطيع يا زوجي الحبيب أن نضع‬

‫يذهب الزوج إلى عمله‪ ،‬ويعود متعبا ً فتستقبله والدته‪...‬‬

‫والدتك عند ابنتها لمدة يومين ونعود نأخذها ويومين ال تؤثر بالعكس ستغير‬

‫زوجتك نائمة صباحاً‪ ،‬ولم تعد لي قهوتي وفطوري‪...‬‬

‫جو الشقة للجو الفسيح في منزل زوج شقيقتك الواسع والحديقة المنزلية‬

‫زوجتك ال تحترمني‪ ،‬وتوجه لي األلفاظ النابية‪.‬‬

‫الجميلة‪ .‬فقال‪ :‬حسنا ً‪ ...‬سوف أكلمها ولها كامل الحرية‪.‬‬

‫زوجتك‪ ...‬زوجتك‪ ...‬زوجتك‪ ....‬زوجتك‪...‬‬

‫والدته لم توافق‪ ...‬بل قالت‪ :‬البد من الذهاب معكم ألرى البحر‪.‬‬

‫استمرت الحياة ولكن في توتر مستمر وكادت أن تصل بين الزوجين إلى‬

‫وصل هو وزوجته ووالدته إلى المنطقة الشرقية وبالتحديد مدينة الخبر‬

‫أبغض الحالل عند هللا سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫الساحلية الجميلة التي تقع على ضفاف الخليج العربي‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫‪16‬‬


‫زوجة مع وقت التنفيذ‬ ‫صبرت الزوجة من أجل الحب الذي يربطها مع زوجها والمولود المنتظر‪.‬‬

‫كانت ليلى تجلس في غرفتها المطلة على حديقة المنزل ومن عادتها‬

‫مرضت والدته فجأة‪ ،‬ونقلت إلى المستشفى في غيبوبة‪ ،‬وبعد شهر انتقلت‬

‫صباحا ً فتح النافذة والنظر إلى ورود وأشجار الحديقة والعصافير التي‬

‫إلى رحمة هللا‪.‬‬

‫تزقزق فوقها‪.‬‬

‫وبعد أسبوع من وفاتها‪ ،‬رزق هللا الزوجين بمولودة جميلة وأطلقت األم عليها‬

‫ترى عصفورين يقتربان من بعضهما فتقول في نفسها‪ :‬من المؤكد أنهما‬

‫اسم صابرة‪.‬‬

‫زوجين‪.‬‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫آه‪ ....‬آه الزمن يمر ولوحة العمر يغزوها اللون األبيض وبنات جيلي قد‬ ‫أصبحن جدات‪ ،‬ولم يأتني رجالً ولو كان ظل رجل سأقبل‪.‬‬ ‫في ليلة من ليالي الشتاء الباردة والجميع فرحون باألمطار التي هطلت‬ ‫وكانت ليلى من أكثر الفرحين وتقول ألمها‪ :‬أن هذا اليوم جميل‪ ،‬ومنذ‬ ‫الصباح وأنا فرحة‪ ،‬وإذا بوالدها يدخل وبعد السالم‪ ،‬تقف ليلى احت ا رما ً‬ ‫لوالدها وتقبل أ رسه‪ ،‬فيبتسم‪ ،‬يا ليلى لقد تقدم لك رجالً يكبرك بسنتين وأرى‬ ‫فيه صفات الرجل المناسب‪ ،‬وسيأتي بعد غد وبعد صالة العشاء فما أ ريك؟‬ ‫طأطأت ا رسها في األرض حياء‪ ،‬وكاد لسانها يزغرد فرحاً‪ ،‬وقالت‪ :‬افعل ما‬ ‫ت ا ره مناسبا ً يا أبي‪.‬‬ ‫تزوجت ليلى من صالح‪ ،‬وساف ا ر إلى دولة سياحية في شرق آسيا ليقضيا‬

‫شهر العسل‪ ،‬وقبل النزول في مطار الدولة الشرق آسيوية كادت أن تحدث‬ ‫كارثة في الطائرة لوال لطف هللا سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد أصيب بعض الركاب‬ ‫‪17‬‬

‫‪18‬‬


‫باإلغماء والهلع الشديد‪.‬‬

‫نذهب إلى مطعم للعشاء‪ ،‬ونكسر الروتين هذه الليلة‪ ،‬وممكن يتبدل أ ريك‪.‬‬

‫ليلى لم تزال عذراء واراد خالد أن تكون ليلة العمر في خارج المملكة‪.‬‬

‫فقال‪ :‬حسنا ً‪ ...‬أريد أن أتناول العشاء في بيت أهلي‪ ،‬وأنني اشتقت إلى‬

‫في الليلة األولى في الفندق ومن شدة التعب والخوف الذي حصل لهم‬

‫طبخ أمي‪ .‬فقال‪ :‬ال بأس‪ ،‬ولكن يجب على الزوجة حفظ أس ا رر زوجها‪.‬‬

‫بسبب الخلل الذي حدث في الطائرة ذهبت الليلة في النوم وال ا رحة‪.‬‬

‫هزت أ رسها‪ ،‬وصارت تتمتم الزوجة مع وقف التنفيذ!‪.‬‬

‫وفي اليوم الثاني حاول أن يمارس حقه الطبيعي مع زوجته ولكنه لم يقدر‬

‫كانت المسافة بين منزلها ومنزل أهلها ال تتجاوز خمسة كيلومتر‪ ،‬وتشعر‬

‫وكأنه يشبه زوجته فسيولوجيا‪ ،‬فأصبحت حياته كأنها جناح غ ا رب‪.‬‬

‫بأن المسافة وكأنها ألف كيلومتر‪.‬‬

‫حاولت ليلى أن تقنعه وتبرر له بأن الرعب الذي حدث لهم في الطائرة قد‬

‫دخلت ليلى مسرعة وسلمت على والدها وقبلت أ رسه‪ ،‬وأسرعت إلى أمها‪،‬‬

‫يكون السبب‪.‬‬

‫وبكت‪ ...‬بكت ووالدتها تبكي بغريزة األمومة وال تعرف ماذا حصل البنتها؟‬

‫وهو يفكر ويرسم ابتسامة على شفتيه ويهز أ رسه‪ ...‬احتمال كبير!‬

‫فقالت األم‪ :‬يا عزيزتي‪ ،‬كل مشكلة ولها حل‪.‬‬

‫انتهى شهر العسل‪ ...‬وكان بصالً بامتياز للزوجة‪.‬‬

‫نعم صحيح‪ ....‬أنه طيب وحنون وكريم ولكن‪..........‬‬

‫عاد صالح وزوجته مع وقف التنفيذ إلى الرياض‪ ،‬وقامت بزيارة لمنزل أهلها‬

‫لم تستطع أن تنطق‪....‬‬

‫واستقبلها والدها ووالدتها وتتظاهر أمامهم بالسعادة بالرغم من األلم الذي‬

‫تكلمي يا بنتي ماذا بك؟ هل ضربك صالح؟‬

‫يعتصرها‪.‬‬

‫صارت ليلى تزيد في البكاء وتصرخ‪ ....‬ال ‪...‬ال أنني ما زلت عذ ا رء‪.‬‬

‫مضى على زواجهم ثالثة أشهر وصالح لم يستطع قطف الوردة الحم ا رء‪.‬‬

‫حاولت األم أن تمتص غضبها‪ ،‬ضحكت‪ ،‬هذه ليست مشكلة في هذا‬

‫طلبت ليلى من زوجها أن يخلي سبيلها‪ ،‬غضب وقال‪ :‬ال سأجد حالً‪ ،‬وال‬

‫العصر‪ ،‬فمثالً والدك لقد تعدى عمره الستين ويستطيع أن يتزوج فتاة في‬

‫تفكري في هذا األمر مرة أخرى‪.‬‬

‫العشرين‪ ،‬والطب تقدم‪.‬‬

‫بكت‪ ...‬وصارت تتوسل له بأن يتركها وشأنها‪ .‬فقال‪ :‬ال ‪ ...‬اقترح أن‬

‫وهناك حبة لونها أزرق يأخذها والدك العزيز‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪20‬‬


‫فتاة الساعة الخامسة‬ ‫وعادت إلى البكاء وقالت‪ :‬لقد استخدم جميع ألوان الطيف ولم يفلح‪،‬‬

‫عندما هبطت الطائرة أرض المطار‪ ،‬أحسست بأن الطقس قد تغير وكأنني‬

‫فالمشكلة معه خلقية منذ والدته‪ ...‬وخالص ال أرغب في االفصاح عن‬

‫في فصل الربيع وليس الصيف الحار في بالدي‪.‬‬

‫المزيد‪.‬‬

‫ختم جوازي وخرجت من بوابة المطار أحمل حقيبة المالبس‪ ،‬وإذا بسيا ا رت‬

‫فقالت األم‪ :‬من حقك أن تكوني كالنساء ويكون لك أسرة وهذه هي سنة‬

‫األجرة تقف في صف منتظم‪ ،‬وكان من نصيبي أن أركب سيارة يقودها‬

‫الحياة‪.‬‬

‫رجل في منتصف العمر‪.‬‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫وتحركت السيارة إلى المدينة‪ ،‬فقلت للسائق‪ :‬أريد فندقا ً أو شقة صغيرة‪.‬‬ ‫نظر السائق إلى وجهي يتفحص مالمحي فبتبسم وقال‪ :‬طلبك عند صديقي‬ ‫عصام‪ ،‬وأتمنى أن ال تكون مسكونة ألننا في عطلة صيفية ويكثر الزوار‬ ‫من الخليج‪.‬‬ ‫وهناك ميزة ا رئعة في الشقة وقوعها في آخر الحي االرستق ا رطي ويفصلها‬ ‫عن حي الكادحين الحي الشعبي شارعا ً فقط‪.‬‬ ‫ووصلنا الشقة ولم تكن مسكونة‪ ،‬وكانت في الدور الثاني ولها منور عندما‬ ‫تجلس فيه تكشف الحي الشعبي كامالً ألنه أخفض من الحي االرستق ا رطي‬ ‫الذي يتكون من عما ا رت وبيوت وجد ا رن سميكة وخلف هذه الجد ا رن ال‬ ‫نعلم‬

‫ماذا يجري‪ ،‬أما الحي الشعبي فهو مكشوف للجميع بسبب الجد ا رن التي‬ ‫لعبت فيها عوامل التعرية والصفيح الذي يوجد فيه الكثير من الفتحات‬ ‫‪21‬‬

‫والذي يعلوه إطا ا رت قديمة وحجارة حتى ال يطير عندما تهب الرياح‪.‬‬

‫‪22‬‬


‫في الحي الشرقي الناس يعرفون بعضهم ويجلسون في المساء أمام منازلهم‬

‫الشعبية‪ ،‬وأكثر ما لفت انتباهي في أبو أحمد أنه يعرف في السياسة الشيء‬

‫رجاالً ونساء يتناولون القهوة والشاي عكس الحي الغربي الذي ال ترى إال‬

‫الكثير ويملك ثقافة عامة هائلة رغم كبره في السن والتعليم البسيط فهو‬

‫األشجار شامخة على رصيف المنازل والورود بألوانها الجذابة تمتطي‬

‫خريج جامعة الحياة‪..‬‬

‫الجد ا رن وتتسلق البنيان‪.‬‬

‫أوقفت سيارة أجرة وبدأت أتجول في المدينة واألماكن السياحية واألسواق‬

‫الساعة الجدارية تعلن الساعة السابعة مساء‪ ،‬والليل يسير قدما ً‪ ...‬والنجوم‬

‫الت ا رثية ال ا رئعة‪...‬‬

‫تتألأل في السماء الواسعة والشارع تسوده الحركة ذهابا ً وإيابا ً ومالمح‬

‫في الخامسة تماما ً كنت في البلكونة احتسي القهوة التركية بعد جولة في‬

‫الكادحين تق أ رها من تقاسيم الجسم وتجاعيد الزمن المرسوم على الخدود‪...‬‬

‫المدينة‪ ،‬وإذا الشارع يتحول إلى خلية نحل فمن الشباب من يرش الشارع‬

‫أما أصحاب الكروش في الحي االرستق ا رطي فهم ال يأتون إلى الشارع‪ ،‬فلهم‬

‫بالماء ومنهم من يرتب الك ا رسي ومنهم من يمدد أسالك الكهرباء‪ ،‬فعرفت‬

‫أماكنهم الخاصة‪.‬‬

‫أن هناك زواجا ً ألحد أبناء الحي الشعبي‪ ،‬فكنت في بلكونة الشقة من‬

‫جلست في البلكونة أفكر في هذا العالم الفسيح وبدأ شريط الذكريات يمر‬

‫المدعوين بدون كرت دعوة بحكم الحفلة ستكون أسفل الشقة‪.‬‬

‫من أمامي ويداعب خيالي ومشاعري‪ ،‬أحيانا ً أكون متفائالً وأقاوم حالة‬

‫وعند الثامنة مساء بدأ الناس يتوافدون على الحفلة وكل يأخذ مكانه وهناك‬

‫اليأس التي تمر في الشريط‪ ،‬فالمال وحده ال يجلب السعادة وهذه حقيقة ال‬

‫من يصب القهوة العربية ومن يوزع الشاي على المدعوين‪ ،‬وبدأ الشباب‬

‫يؤمن بها الفق ا رء‪....‬‬

‫بتشابك األيدي والعازف يتفنن في العزف على آلة النفخ الموسيقية التي‬

‫عندما دقت الساعة الثانية عشر ليالً‪ ،‬حضنت سريري ولم أفتح عيناي إال‬

‫تسمى القربة ويأتي بألحان ا رئعة مع أغاني جماعية من الذين يدبكون‪.‬‬

‫عندما دقت الساعة العاشرة صباحاً‪ ،‬فأخذت حماما ً باردا ً حتى أنفض غيار‬

‫انتهت الحفلة الساعة الثانية عشر ليالً‪ ،‬وفي اليوم الثاني يتكرر المشهد‪،‬‬

‫التعب والتفكير في الليلة السابقة‪.‬‬

‫وفي اليوم الثالث قاموا بزف العريس وهو يتوسط الشباب ويسيرون في‬

‫نزلت من شقتي أبحث عن مطعم قريب‪ ،‬فوجدت مطعم أبو أحمد لألكالت‬

‫الشارع العام وينشدون أناشيد خاصة في زفة العريس‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪24‬‬


‫إنني أحببت المكان جدا ً وكأنني أعيش فيه منذ زمن‪ ،‬وأصبحت عادة يومية‬

‫كما ترى أصابها شلل نصفي في أط ا رفها السفلى‪ ،‬ودائما ً تجلس أمام منزلهم‬

‫أن أجلس على البلكونة وأحتسي قهوة المساء وتبدأ الجلسة في الخامسة‬

‫في الساعة الخامسة إلى الساعة السابعة‪ ،‬وثم تدخل المنزل ولها سنة منذ‬

‫مساء حيث أن الشارع تزدحم به الناس‪.‬‬

‫إصابتها وهي على هذا الحال‪.‬‬

‫كنت أنظر إلى الحي الشعبي وإذا بفتاة تجلس مع ام أ رة عرفت فيما بعد‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫أنها أمها على باب منزلهم‪ ،‬ما شاء هللا نور وجهها كأنها خيطا ً من أشعة‬ ‫الليزر وشعرها كأنه ليل غاب عنه ضوء القمر‪ ،‬وابتسامة تكشف عن قلب‬ ‫يحمل مآسي الحياة‪.‬‬ ‫وفي السابعة تماما ً تدخل إلى منزلها‪ ،‬وكل شيء كان طبيعيا ً ولم أحس في شيء‪.‬‬ ‫وفي اليوم الثاني في الخامسة تماما ً أ ا رها جالسة هي وأمها على باب‬ ‫المنزل‪ ،‬فتج أ رت ورفعت فنجان القهوة كتحية لها ففهمت وبادلتني التحية‬ ‫ترافقها ابتسامة اخترقت قلبي وبدون عائق‪.‬‬ ‫ومرت األيام سريعاً‪ ،‬وفي يوم كان من أصعب األيام التي مرت علي في‬ ‫حياتي‪ ،‬أ ريت أمها وهي تحملها وتضعها على كرسي متحرك ودفعتها‬ ‫ودخلت منزلها‪ ،‬أحسست بأن الدنيا الواسعة أضيق من بيت النملة‪.‬‬ ‫سألت المعلم سميح معلم القهوة فقال‪ :‬هي فتاة جميلة ما شاء هللا‪ ،‬وكانت‬

‫مع والدها عندما انقلب الباص‪ ،‬وعلى إثره توفي والدها رحمه هللا وهي‬

‫‪25‬‬

‫‪26‬‬


‫اليتيم العصامي‬ ‫أبو علي رجل في العقد ال ا ربع من عمره ودرس إلى الصف الخامس ابتدائي‬

‫أمه أن تقنعه بأن يكمل د ا رسته وهي تعمل‪ ،‬ولكنه رفض وقال‪ :‬يا والدتي إذا‬

‫وترك الد ا رسة وكان يرى األغنام مع والده وكبر أبو علي وتزوج وأ ا رد أن‬

‫كان لي نصيب في إكمال د ا رستي سأكملها بإذن هللا‪.‬‬

‫يستقل بحياته فترك البادية وذهب إلى المدينة واشتغل بالتجارة ولكنه خسر‬

‫وفعالً عمل حارس أمن في أحد المواقع الذي ليس عليه حركة كثيرة وسجل‬

‫فيها وفضل أن يذهب إلى الوظائف الحكومية فتوظف وظيفة م ا رسل في‬

‫في الصف األول الثانوي في إحدى المدارس الليلية وكان يأخذ كتبه ويذاكر‬

‫إحدى الو ا ز ا رت و ا رتبه ال يكاد يغطي إيجار الشقة وكل من يسأله يقول‬

‫دروسه في الليل أثناء عمله وبمساعدة من زمالئه استطاع أن يؤمن لقمة‬

‫مستورة والحمد هلل وقد رزقه هللا بثالث بنات وولد وسماه علي حيث أن والده‬

‫العيش ألسرته )أمه وأخواته( ويكمل د ا رسته الليلة وأصبح في الصف الثالث‬

‫يناديه يا )أبو علي( قبل أن يتزوج ويأتيه علي‪ ،‬ومرت األيام وكبر علي‬

‫ثانوي وكان يحب المواد العلمية ودخل الثانوية المجال العلمي وعند‬

‫وكان أكبر من أخواته وهنا ا زدت مصاريف العائلة و ا رتب )أبو علي( يزيد‬

‫االختبا ا رت ساعده المسؤول عنه في العمل وأعطاه إجازة مدة االختبا ا رت‬

‫ولكن زيادة طفيفة كل سنة ألنه مستخدم وتحول إلى المرتبة الثانية‪.‬‬

‫وكان مجتهدا ً وبعد االختبا ا رت بفترة أعلنت النتائج وكان من ضمن‬

‫المهم أن حياة )أبو علي( وأسرته تسير على ما ي ا رم‪ ،‬إلى أن جاء يوم‬

‫الناجحين بتقدير جيد جدا ً مرتفع يقترب من الممتاز فجاءته بعثة للخارج‬

‫مرض )أبو علي( مرضا ً شديدا ً وفجأة انتقل أبو علي إلى رحمة هللا‪ ،‬ومن‬

‫لد ا رسة الطب ولكن والدته رفضت بسب ابتعاده عنهم خالل الد ا رسة وهن‬

‫هنا بدأت المأساة وكان عمر علي أربع عشرة سنة ويدرس في الصف‬

‫كلهن نساء والبد من وجود رجل بجانبهن فوافق وقدم على الجامعة وقبل في‬

‫الثاني المتوسط وبعد استالم مستحقات والده من العمل اتضح أن والده‬

‫تخصص الهندسة الكهربائية وصار يدرس ويعمل في نفس عمله السابق‬

‫مديون فدفع علي وأمه هذه الديون إلى مستحقيها ودفعوا إيجار الشقة لمدة‬

‫كحارس أمن إلى أن أكمل د ا رسته وتعين في وظيفة على مرتبة جيدة في‬

‫ستة شهور ولم يبق مصروف يكفي أسرة أبو علي‪ ،‬وبعد ستة شهور أخرى‬

‫القطاع الحكومي وهنا أخواته تزوجن وهو تزوج من إحدى األسر وأحضر‬

‫بدأ صاحب الشقة يطلب إيجارها وبدأت المصاريف تكثر على األسرة‪ ،‬وقد‬

‫سائقا ً خاصا ً لوالدته وخادمه وترقى في الوظيفة بعد إكماله الماجستير‬

‫فكر علي بأن يترك الد ا رسة ويعمل ليساعد أمه وأسرته بالمصاريف وحاولت‬

‫والدكتو ا رة وأصبح الدكتور علي وكيل لوا زرته التي يعمل بها‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫‪28‬‬


‫الصندوق األسود‬ ‫ألم تالحظ يا خالد أن المقهى لم يتغير منذ عشر سنوات‪ ،‬عندما التقيت بك‬ ‫ألول مرة وتم تعارفنا‪ ،‬فقاطعني خالد‪ :‬نعم يا أحمد ولكن أنت الذي تغيرت‬ ‫أصبحت من ذوي الوجاهة بكرشك الذي يتدلى أمامك‪ ،‬فتبسم أحمد إن هللا‬ ‫يحب أن يرى أثر نعمته على عبده‪ ،‬ولكن أنت لم تتغير أبد ا ً‪.‬‬

‫وعاد الصمت إلى الطاولة‪ ،‬وبعد رشفة من القهوة‪ ،‬بدأ يتحدث أحمد‬ ‫بكبرياء‪ :‬أتعرف أن هذا المقهى الشعبي لم يعد يتناسب مع وضعي‬ ‫االجتماعي والمالي‪ ،‬أال ترى الحمامة البيضاء ذات األرجل السوداء التي‬ ‫تقف أمام المقهى‪ .‬فقال خالد مندهشا ً‪ :‬حمامة! وأرجل سوداء!‪.‬‬ ‫نعم يا صديقي إنها سيارتي‪ ،‬وأيضا ً شيدت منزالً في الحي الذي يقطنه علية‬ ‫القوم‪ ،‬وفتح خالد فمه‪ ،‬وتوسعت حدقة العين مندهشاً‪ ،‬وأخذ يكرر ويسأل‪:‬‬ ‫كيف؟ ومن أين لك هذا؟ وأنا أعرف أنكم غادرتم منزلكم الشعبي‪ ،‬إلى حي‬ ‫شعبي آخر أقل في المستوى‪.‬‬ ‫وقهقه أحمد وقال‪ :‬إنني جئت إلى هذا المقهى ألستعيد ذكريات السنين‬ ‫الممحلة‪ ،‬واآلن أصبحت ربيعا ً مزه ا ًر‪ ،‬فقاطعه خالد‪ :‬إنني ال أسمعك جيدا ً‬ ‫بسب أصوات الكادحين نها ا ًر ورواد المقهى ليالً‪.‬‬

‫فقال أحمد‪ :‬إذا ً البد من الذهاب إلى مكان هادئ‪ ،‬وكل ما عليك يا صديقي‬ ‫أن تكون بجانبي في حمامتي أقصد سيارتي‪ ،‬وسأخذك إلى مكان جميل وهادئ‪.‬‬ ‫‪29‬‬

‫وكان المقهى هادئاً‪ ،‬وذو ألوان جذابة‪ ،‬واألضواء خافتة‪ ،‬والموسيقى الهادئة‬ ‫التي تأخذك إلى عالم آخر‪.‬‬ ‫فقال خالد وهو ينظر يمينا ً ويسا ا ًر وإلى األعلى مندهشا ً‪ :‬هل هذا المقهى في‬ ‫مدينتنا؟‬ ‫فضحك أحمد‪ :‬نعم يا صديقي‪ ،‬ولكن هذا للنخبة فقط‪.‬‬ ‫وقال خالد‪ :‬وكيف أصبحت من النخبة؟‬ ‫فقال أحمد‪ :‬كان هناك صندوق أسود أكل عليه الدهر وشرب ويضع الوالد‬ ‫جميع أو ا رقه ومستنداته وأغ ا رضه الخاصة فيه‪ ،‬وال نعرف ماهية هذه‬

‫األغ ا رض بالتحديد‪ ،‬وال نستطيع االقت ا رب منه‪ ،‬وبعد وفاة الوالد رحمه هللا‬ ‫رحمة واسعة ومرور شهر على وفاته‪ ،‬قررنا أنا ووالدتي وأخي حامد أن‬ ‫نفتح الصندوق‪ ،‬وبحثنا عن مفتاحه الخاص فلم نجده‪ ،‬وأخي ا ًر فتحناه وكأننا‬ ‫لصوصا ً محترفين‪ ،‬فوجدنا أو ا رقا ً وصكوكا ً ومستندات‪ ،‬وكان من ضمن‬ ‫الصكوك التي ال نعلم عنها صك لقطعة أرض مساحتها ألف متر مربع‪،‬‬ ‫ولماذا مندهشا ً يا خالد وكأنني أقص عليك قصة ألف ليلة وليلة‪.‬‬ ‫نعم‪ ...‬نعم أكمل‪.‬‬

‫وكانت المفاجأة يا خالد‪ ،‬بأن األرض تقع في وسط المدينة وعلى شارع‬ ‫تجاري‪ ،‬وعندما سمعت بثمنها عند البيع أغمي علي وقد نقلت إلى‬ ‫‪30‬‬


‫الزائر األبيض‬ ‫المستشفى‪ ،‬كان المبلغ كبير‪ ،‬وقد تقاسمناه شرعا ً أنا وأخي وأمي‪ ،‬واآلن‬

‫كنت أسير والثلوج تتساقط كالقطن‪ ،‬وتعترني النشوة من المنظر الذي يسحر‬

‫نحن من أصحاب الماليين‪.‬‬

‫األفئدة‪ ،‬فتقف سيارة أجرة فال ألتفت إليها‪ ،‬ألنني أجد متعة والثلوج تتساقط‬

‫فقال خالد‪ :‬أجزم بأن والدك اشترى األرض عندما كانت المدينة كقرية‬

‫على أ رسي‪ ،‬فال يلومني أحد ألن بالدي ال يزورها أبدا ً لقربها من خط‬

‫صغيرة‪ ،‬فقال أحمد نعم صحيح ألن تاريخ الصك قبل أربعين عاماً‪ ،‬ولكن‬

‫االستواء الذي يقوم على استواء األجساد صيفا ً‪.‬‬

‫أنت أخبرني عن وضعك‪.‬‬

‫مرت ساعة من وصول هدية الخالق إلى األرض‪ ،‬وإذا بكرة من الثلج تأتيني‬

‫فقال خالد بعد أن أخذ نفسا ً عميقاً‪ ،‬والدي توفي رحمه هللا وعليه ديون‬

‫بغتة؛ ألتفت خلفي وإذا بفتاة تبتسم ونصف ساقها في الثلج‪ ،‬فبادلتها‬

‫كثيرة ونسددها أنا وأخي‪ ،‬وأذهب إلى عملي ماشيا ً كي أوفر أجرة الطريق‪،‬‬

‫االبتسامة وغبطت ال ا زئر األبيض ألنه يداعب ساقيها‪.‬‬

‫وفي أثناء الحديث جاء النادل ووضع فاتورة الحساب للقهوة التي شربها‬

‫تأسفت لها ألن كرتها الثلجية لم أستقبلها في أحضاني وودت لو وصلت‬

‫أحمد وللعصير الذي شربه خالد على الطاولة فأمسك خالد بالفاتورة ونظر‬

‫إلى ثغري لشربتها ماء حتى الثمالة‪.‬‬

‫إلى الحساب وبدأ وجه خالد يتلون بألوان الطيف من سعر الفاتورة‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫تمنيت لو أن فصول السنة كلها ثلجا ً‪.‬‬

‫إن السعر يكفيني مصروفا ً لمدة أسبوع‪.‬‬

‫توقف السقوط إلى أسفل‪ ،‬وبدأت بالسقوط إلى أعلى المخ وأفكر في‬

‫فقال أحمد‪ :‬ال عليك يا صديقي أنت ضيفي ودع الحساب عنك‪.‬‬

‫ابتسامتها التي لن أنساها ما حييت‪ ،‬وفي الغد عدت إلى المكان في نفس‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫الزمان ولكن كانت الشمس هي سيدة الموقف في تحويل ال ا زئر األبيض‬ ‫سائالً تشربه مربعات حديدية في رحم الطريق‪.‬‬ ‫في مساء اليوم نفسه أعلنت الخطوط عن رحلة العودة إلى الرياض‪.‬‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫‪31‬‬

‫‪32‬‬


‫المتشرد‬

‫عين حارة‬

‫أسير في شوارع المدينة‪ ،‬والجو غائما ً وفجأة تهطل األمطار بغ ا زرة وينقطع‬

‫سعود في الصف الثاني متوسط‪ ،‬وكان العبا ً ماه ا ًر في كرة القدم‪ ،‬ويلعب‬

‫التيار الكهربائي ويخيم الظالم الدامس على المدينة‪ ،‬فأركض مسرعاً‪،‬‬

‫في فريق المدرسة‪ ،‬ومعجبا ً به مدرس التربية البدنية ويعتبره الورقة ال ا ربحة‬

‫فارتطمت بجسم كان على األرض فنظرت إليه وإذا رجل ذو شعر كثيف‬

‫في الفريق‪ ،‬وسبب حصول مدرسته على كأس المدارس المتوسطة‪.‬‬

‫ولحية وال تكاد ترى من الوجه إال عينين وأنف فقط فانطلقت من فمي ال‬

‫كان يلعب كرة القدم مع فريق حارته في ملعب قريب من منزله ورغم أنه‬

‫شعوريا ً )بسم هللا الرحمن الرحيم( ماذا؟‬

‫غير مجهز ال عشبا ً طبيعيا ً وال صناعيا ً إال أن سعود كان مبدعا ً في‬

‫فقلت‪ :‬أنت‪ ....‬من أنت؟ وأنا‪ ......‬من أنا؟‬

‫م ا روغة الخصم وتسجيل األهداف‪.‬‬

‫فاستدرك وقال‪ :‬نعم أنا متشرد في بالد الديمق ا رطية والحرية!‬

‫كان أحد رؤساء األندية الممتازة يشاهد المبا ا رة بالصدقة‪ ،‬وأعجب في أداء‬

‫ألتحف السماء وأشرب ماءها‪ ،‬وافترش األرض وطعامي خشاش‪.‬‬

‫سعود في الملعب‪ ،‬وقد أحرز هدفين‪ ،‬ب أ رسه هدفا ً وبقدمه هدفا ً‪.‬‬

‫ولكن من أنت؟‬

‫بعد المبا ا رة تقدم إليه رئيس النادي الممتاز وعرض عليه أن يلعب في درجة‬

‫فقلت مفتخ ا ًر‪ ....‬أنا ‪ .....‬عربي‪.‬‬

‫الشاب وبعدها سينتقل إلى درجة الفريق األول‪ ،‬ووافق سعود بدون تردد‪.‬‬

‫فقال‪ :‬إذا ً‪ ....‬أنت‪ ....‬إما أن تكون‪ .....‬إرهابي‪ .....‬أو متشرد مثلي‪.‬‬

‫وتدرج في الفريق ووصل إلى درجة الكبار‪ ،‬وأصبح سعود أ رس حربة لفريقه‪،‬‬

‫فالتفت يمينا ً وشماالً وأنا أضع يدي على قلبي‪.‬‬

‫واكتسب شهرة واسعة وأخذت العروض تنهال إليه من كل حدب وصوب‪،‬‬

‫فقلت وأنا ا رفعا ً أ رسي أنني متشرد وألف متشرد وسأتمدد في الجهة المقابلة‬

‫ولكنه ظل وفيا ً لناديه الذي أكسبه شهرة ورفع من وضعه المادي‬

‫كي أثبت لك ذلك‪.‬‬

‫واالجتماعي‪ ..‬وصل فريقه إلى المبا ا رة النهائية على كأس الدرجة الممتازة‪،‬‬

‫انتهت‪،،‬‬

‫وبدأت المبا ا رة وأحرز هدفا ً في الدقائق األخيرة للمبا ا رة وكان أغلى هدف في‬

‫حياته ألنه كان سببا ً في حصول فريقه على كأس البطولة‪ ،‬وأخذت تنهال‬ ‫عليه الهدايا من رئيس النادي ومن أعضاء الشرف‪ ،‬وكانت الهدية التي ال تنسى‬ ‫‪33‬‬

‫هي سيارة ال يقودها إال علية القوم‪.‬‬

‫‪34‬‬


‫فرح سعود في سيارته وعاد إلى منزلهم في حارتهم القديمة التي يحبها سعود‬

‫الحكومية إلنجاز معاملة تخصه‪ ،‬فقال للموظف‪ :‬أنا سعود الالعب القديم‬

‫كثي ا ًر ألنه نشأ وترعرع فيها وله ذكريات جميلة مما جعله يتمسك بحارته وال‬

‫أرجو إنجاز معاملتي‪.‬‬

‫ينتقل إلى مكان آخر مع أنه كان في استطاعته‪ ..‬وقفت السيارة أمام المنزل‬

‫قال الموظف‪ :‬من سعود أنا ال أعرفه وأيضا ً ال أحب كرة القدم؟‬

‫الذي ال يناسب نوعها وثمنها‪ ،‬ويستطيع سعود بثمن السيارة ش ا رء منزلين‬

‫فقال سع ود‪ :‬إذا عاملني كمعاق‪ ،‬وأرجو منك أن تنهي معاملتي والبد أن‬

‫في حارته لو أ ا رد‪.‬‬

‫تشفع لي إعاقتي بأن تكون األولوية لي عن باقي الم ا رجعين‪.‬‬

‫صارت في الحارة كأنها كائن فضائي غريب‪ ،‬وكل يقف عندها قليالً ثم‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫يذهب ويأتي اآلخر‪ ،‬ولكن محيميد وقف عندها طويالً‪ ،‬وعينيه تأكلها‬ ‫وكأنها قطعة لحم مشوية في زمن ما قبل النفط‪.‬‬ ‫وفي نفس الليلة أ ا رد سعود الذهاب إلى منزل شقيقته كي يبارك لها في‬ ‫المولود الجديد‪ ،‬ومنزلها يبعد عن منزل سعود خمسة عشر كيالً‪) ،‬وفي‬ ‫نصف المسافة بدأت عيون محيميد تأخذ طريقها إلى السيارة( وإذا بالسيارة‬ ‫تنحرف عن الطريق وتضرب بالحاجز الحديدي وتعود ثم تنقلب عدة م ا رت‪،‬‬ ‫وصارت كأنها كرة بسبب قوة االرتطام واالنقالب‪ ،‬ولكن مشيئة هللا أنقذت‬ ‫سعود من الموت‪ ،‬وأبقته مشلوالً على كرسي اإلعاقة باقي حياته‪.‬‬ ‫ا زره رئيس النادي وزمالؤه ومحبيه وكتبت عنه الصحف‪ ،‬وبعد فترة أخذت‬

‫األضواء تنحسر شئيا ً فشيئا ً عنه‪ ،‬وعاد لملعب الحارة ولكن على الكرسي‬ ‫المتحرك للمشاهدة واستعادة الذكريات‪ ..‬وبعد سنوات ا رجع إحدى الدوائر‬ ‫‪35‬‬

‫‪36‬‬


‫رأس المال‬

‫سارق األقالم‬

‫انتقل من قريته إلى المدينة ال يعرف المدينة وال أحد فيها وتمر األيام وهو‬

‫كان في الصف الثالث االبتدائي في عمر الزهور وكثير الحركة وب ا رءة‬

‫تائها ً في قاع المدينة ينام جائعا ً ويلتحف األرض‪ ،‬وجاءت أخي ا ًر فرصة‬

‫الطفولة تشع من عينيه‪.‬‬

‫العمل تجري مسرعة‪ ،‬وعمل مجتهدا ً ليالً ونها ا ًر‪ ،‬وتزوج ام أ رة قاسمته الحياة‬

‫وكان يسرق أقالم أق ا رنه في الفصل‪ ،‬وعاد بها إلى المنزل وأخبر والده‬

‫بم ا ررتها وحالوتها‪ ،‬وكون أسرة‪.‬‬

‫فابتسم في وجه وعندما أصبح في سن الشباب سطا على بنك وسجن‬

‫ومرت األيام واحدودب الظهر واألم ا رض تنهش بجسمه وكأنها أسود‬

‫عشرين عاما ً‪..‬‬

‫مجتمعة على غ ا زل تائها في صح ا رء قاحلة‪.‬‬

‫ديك مدلل‬

‫وفي لحظة تفكير هادئة في أمواله التي كان يملكها وبعد جمع وطرح وجد‬

‫ديك أمير القرية مدلل ويحبه كثي ا ًر‪ ،‬يمشي ا رفعا ً أ رسه‪ ،‬وال يستطيع أحد أن‬

‫نفسه في دائرة أثرياء المدينة‪.‬‬

‫ينظر إليه شذ ا ًر بل كل القرية تبتسم في وجه‪.‬‬

‫وتذكر يوم كان ال يجد درهما ً يقتات به‪ ،‬فحمد هللا وشكره‪.‬‬

‫وكان ديكا ً م ا زجيا ً ليس أي دجاجة تعجبه وفي أحد أيام فصل الربيع والجو‬

‫ولكن استدرك وقال‪ :‬ليتني بقيت فقي ا ًر صحيحا ً وال غنيا ً معتالً‪.‬‬

‫جميل والورود تتمايل تغازل النسيم العليل أ رى دجاجة ترقص يمينا ً وشماالً‪،‬‬

‫فالمال ال يعادل الصحة‪ ،‬فالصحة هي أ رس المال‪.‬‬

‫اقترب الديك منها يحاول أن يتحرش بها فلم تلتفت له ونهرته وأحس أنها‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫طعنته في ذكورته‪ ،‬ومكانته في قلب األمير‪ ،‬وأمسك بها وضربها وأغمي‬ ‫عليها واستغل ذلك الغتصابها‪ ،‬وبالصدفة شاهد المنظر صاحب الدجاجة‬ ‫وبدأ الدم يغلي في عروقه ويقول‪:‬‬ ‫ال يسم الشرف الرفع من األذى‪ ...‬حتى ي ا رق على جوانبه الدم‬ ‫وأخرج مطوى كانت معه وطعن الديك طعنة قاتلة‪ ،‬وعندما علم أمير القرية‬ ‫جعل ذلك اليوم أسودا ً للفالح صاحب الدجاجة‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪38‬‬


‫الحلم الجميل‬ ‫كشفت التحاليل الطبية أن ليلى حامل‪ ،‬وفرحت ليلى هي وزوجها بهذا‬

‫وفيما بعد نبني عليها منزلنا‪.‬‬

‫الخبر الذي ال يقدر بماليين‪ ،‬ال سيما أنه الحمل األول بعد خمس سنوات‬

‫فقال الزوج‪ :‬ال بأس فكرتك جميلة ولكن األرض تحتاج إلى نقود‪.‬‬

‫من الزواج‪ ،‬وم ا رجعة األطباء والمستشفيات الذي كلفهم الكثير من الوقت‬

‫فقالت‪ :‬سأخذ سيارة باألقساط المريحة وأسددها من ا رتبي‪.‬‬

‫والمال‪ ،‬وقرر الزوج أن تقوم في جولة في سيارته داخل المدينة‪ ،‬وركبت‬

‫وأخذت السيارة وعملت له توكيل ببيعها واستالم المبلغ‪ ،‬وعندما أصبحت‬

‫بجانبه وفجأة وهو يقود سيارته مستمتعا ً هو وهي وإذا بطفل يمر من أمام‬

‫النقود في حسابه أسرع إلى قريته وخالل أسبوع كان متزوج من ابنة عمه‪.‬‬

‫السيارة وداس على الف ا رمل وإذا بالزوجة تصرخ لن أنام معك في سرير واحد‬

‫انتهت‪،،،‬‬

‫كادت قدمك أن تخترق بطني‪ ،‬ليتك لم تصرخي‪.‬‬ ‫انتهت‪،،،‬‬

‫الوالدين‬ ‫كان با ا ًر بوالديه‪ ،‬وبعد أن كبر في السن وأصبح مقعد على كرسي متحرك‬ ‫تخاصم أوالده فيما بينهم على من يحصل له الشرف ويأخذه للحج‪.‬‬

‫اإلستغالل‬ ‫هو لم يكمل الثالث متوسط وهي جامعية وتعمل معلمة‪ ،‬وحصل النصيب‬ ‫وتزوجها وبعد سنة أنجبت له طفالً وكانت سعيدة بهذا الطفل الذي مأل‬ ‫حياتها‪.‬‬ ‫وقالت لزوجها اآلن يجب أن نخطط لمستقبل طفلنا‪ ،‬سنقوم بش ا رء أرضا ً‬ ‫‪39‬‬

‫‪40‬‬


Profile for Ibrahim

ذات الأصابع الست  

مجموعة قصصية للقاص محمد السميران

ذات الأصابع الست  

مجموعة قصصية للقاص محمد السميران

Advertisement