Issuu on Google+

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ 2014/03/2ádGó``Y‬م‬ ‫العدد (‪)129‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫‪01‬‬

‫ا�سبوعية‪�-‬سيا�سية‪-‬م�ستقلة‬ ‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫رئي�س التحرير ‪ :‬ح�سام مريو‬ ‫‪www.al-badeel.org‬‬

‫‪Issue (129) 2/03/2014‬‬

‫�إعادة تعريف الو�ضع ال�سوري �سبي ً‬ ‫ال للحل‬

‫ح�سام مريو‬

‫ما من �أحد ميتلك و�صفة للحل يف �سورية‪ ،‬ال القوى‬ ‫الداخلية‪ ،‬وال القوى الإقليمية والدولية‪ ،‬وال يتعلق‬ ‫الأمر فقط برغبة الأطراف �أو عدم رغبتها يف �إيجاد‬ ‫جل‪ .‬واحلديث عن نظرية امل�ؤامرة لي�س مفيداً‪،‬‬ ‫فالنظام حتدث وما يزال عن م�ؤامرة‪ ،‬كما �أن معظم‬ ‫القوى املعار�ضة‪ ،‬وخا�صة امل�سلحة منها‪ ،‬يتحدث‬ ‫عن م�ؤامرة لعدم �إيجاد حل‪ ،‬عرب حجب ومنع القوى‬ ‫الدولية تزويد الأطراف املعار�ضة بالأ�سلحة النوعية‬ ‫التي من �ش�أنها تغيري املعادالت على الأر�ض‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬ويف �سياق ال�شعور العارم بعبثية ا�ستمرار‬ ‫الو�ضع الراهن‪ ،‬فقد يكون من �ش�أن �إعادة تعريف‬ ‫الو�ضع ال�سوري �أحد مداخل احلل‪� ،‬أو امل�ساحة التي‬ ‫تتالقى فيها احللول‪.‬‬ ‫يف الو�ضع ال�سوري اليوم ثمة ثورة‪ ،‬لكنها ال تخت�رص‬ ‫تعريف الو�ضع ال�سوري‪ ،‬ويجب �أال تخت�رصه‪ ،‬فمنطق‬ ‫اال�ستمرار بتعريف كل ما يجري على �أنه ثورة‪،‬‬ ‫وفقط ثورة‪ ،‬لن يخدم م�س�ألة �إيجاد حلول واقعية‬ ‫وتدرجية‪.‬‬ ‫من املعروف �أن جل الع�سكر يف النظام واملعار�ضة‪،‬‬ ‫وخا�صة �أ�صحاب اليد الطوىل يف القرار‪ ،‬يعولون‬ ‫على احل�سم الع�سكري‪ ،‬مع معرفتهم �شبه امل�ؤكدة �أن‬ ‫عوامل هكذا انت�صار تبدو معدومة‪ ،‬من حيث الواقع‬ ‫العملي امليداين‪� ،‬أو من حيث التوازنات الإقليمية‬ ‫والدولية‪ ،‬وموقعها يف الو�ضع ال�سوري‪.‬‬

‫بالطبع‪ ،‬نحن ال ن�ستطيع �أي�ض ًا القفز من فوق‬ ‫التاريخ‪ ،‬فقد �أتى االنفجار املجتمعي ال�سوري‬ ‫بو�صفه ثورة على عقود تراكمت فيها كل عوامل هذا‬ ‫االنفجار‪ ،‬ومل يعد من املمكن اال�ستمرار يف ال�سياق‬ ‫الذي كان موجوداً قبل منت�صف �آذار ‪. 2011‬‬ ‫من جهة �أخرى‪ ،‬ف�إن �سياق الو�ضع ال�سوري �أفرز‬ ‫العديد من الظواهر التي ال ينبغي �إغفالها حلظة‬ ‫تعريف الو�ضع ال�سوري‪ ،‬فنحن اليوم �أمام دولة‬ ‫مركزية تقل�صت حدود �سيطرتها على اجلغرافيا‬ ‫واالقت�صاد‪ ،‬وفقد جي�شها م�صداقيته حني ُزج به يف‬ ‫مواجهة املحتجني‪ ،‬ومن ثم القتال‪ ،‬و�أمام تدخل‬ ‫�إقليمي �رش�س من قبل �إيران ملنع �سقوطه‪ ،‬و�إدارة‬ ‫رو�سية ارتكبت كل الأخطاء املمكنة من منطق‬ ‫اتخاذ الأزمة ال�سورية مطية لتعظيم دورها الدويل‪.‬‬ ‫ويف ال�ضفة املقابلة‪� ،‬أي املعار�ضة والف�صائل‬ ‫امل�سلحة‪ ،‬فهي الأخرى ما زالت م�شتتة الربامج‪،‬‬ ‫يجمعها �شعار نظري عام‪ ،‬وهو �إ�سقاط النظام‪،‬‬ ‫وبع�ضها فقد حتى االهتمام بهذا ال�شعار مل�صلحة‬ ‫�أولويات �أخرى‪ ،‬مثل تعظيم دوره يف ال�رصاع‪،‬‬ ‫خا�صة ال�رصاع على متثيل املعار�ضة �أكانت‬ ‫�سيا�سية �أم م�سلحة‪.‬‬ ‫والأهم‪ ،‬رمبا من هذا كله‪� ،‬أن ال�شعب ال�سوري (يف‬ ‫كتل كبرية منه) مل يعد معني ًا بال�رصاع‪ ،‬وفاقداً‬ ‫للأمل يف �إيجاد نهاية مل�أ�ساته املتعددة‪ ،‬واملر�شحة‬

‫ملزيد من التفاقم‪ ،‬مع عدم وجود ما يلوح يف الأفق‬ ‫من حلول �سيا�سية‪� ،‬أو ع�سكرية‪.‬‬ ‫يف تو�صيفنا ال�سابق‪ ،‬ثمة حماولة للقول �إن فرز‬ ‫عنا�رص ال�رصاع قد يكون �أمراً حيوي ًا وال غنى عنه‬ ‫يف �إعادة تعريفه‪ ،‬ك�رشط ومقدمة لإنتاج حلول‪� ،‬إذ‬ ‫�أن التمرت�س وراء فهم حمدد و�أحادي لل�رصاع مل يعد‬ ‫ممكن ًا‪ ،‬لي�س فقط نظري ًا‪ ،‬و�إمنا واقعي ًا‪ ،‬بل هذا الفهم‬ ‫الأحادي هو �أحد �أ�سباب ا�ستمرار ال�رصاع‪.‬‬ ‫قد يكون احلديث عن �إعادة تعريف ال�رصاع هو‬ ‫الآخر �أمر غري واقعي‪ ،‬مبعنى �أدق ‪ :‬لي�س هناك من‬ ‫هو م�ستعد لتغيري احل�صان يف منت�صف ال�سباق‪.‬‬ ‫ما زال الرهان م�ستمراً على توازن ال�ضعف من قبل‬ ‫كل طرف‪ ،‬فالنظام يعتقد �أن الأطراف الأخرى ميكن‬ ‫�أن تت�آكل بفعل عوامل التناق�ض فيما بينها‪ ،‬كما‬ ‫تعتقد �أطراف يف املعار�ضة �أن الو�ضع الإقليمي‬ ‫والدويل لن ي�سمح بانت�صار النظام‪ ،‬لكن يف احلقيقة‪،‬‬ ‫ف�إن ما يت�آكل خالل كل هذا الوقت هو �سوريا‪،‬‬ ‫وكل ما ينطوي حتت ا�سم هذا البلد من هوية‪ ،‬ومن‬ ‫�إمكانات التعاي�ش امل�ستقبلية‪ ،‬ومن هدرٍ للكرامة‬ ‫الإن�سانية‪ ،‬وا�ستمرار اقت�صاد العنف يف �إنهاك‬ ‫البالد‪ ،‬واملوت املجاين‪ ،‬وتهجري املدنيني‪ ،‬و�إعدام‬ ‫�أي فر�صة لنهو�ض �سوريا مرة �أخرى‪ ،‬فهل ثمة من‬ ‫هو م�ستعد لإعادة تعريف ال�رصاع‪ ،‬واالنخراط يف‬ ‫حلول من طبيعة مغايرة ملا طرح حتى الآن؟‪.‬‬


‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬ ‫تقارير ‪02‬‬ ‫حتجيم القاعدة ‪ :‬هل �ستنخرط �إ�سرائيل يف ال�صراع ال�سوري؟‬ ‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫جانثان �سباير‪� -‬إعداد وترجمة “البديل”‬

‫زيارة رئي�س الوزراء اال�رسائيلي بنيامني نتنياهو‬ ‫الأ�سبوع املا�ضي �إىل امل�ست�شفى امليداين جلي�ش‬ ‫الدفاع الإ�رسائيلي‪ ،‬حيث يتلقى اجلرحى ال�سوريني‬ ‫العالج‪ ،‬ي�سهم يف ت�سليط ال�ضوء على اجلهود‬ ‫"الإن�سانية" الإ�رسائيلية للرد على الأزمة التي‬ ‫تواجه املدنيني ال�سوريني املحا�رصين يف ال�رصاع‬ ‫الدائر‪ .‬وت�شري التقارير الأخرية �إىل �أن الرتكيز‬ ‫الإ�رسائيلي على الأحداث يف جنوب �سوريا يتجاوز‬ ‫ال�شواغل الإن�سانية البحتة‪.‬‬ ‫ويوىل اهتمام متزايد من قبل املخططني‬ ‫الإ�رسائيليني �إىل تراكم القوى الإ�سالمية ال�سنية‬ ‫املتطرفة على مقربة من احلدود مع ه�ضبة اجلوالن‪.‬‬ ‫هناك دالئل ت�شري �إىل �أن �إ�رسائيل قد بد�أت بالفعل‬ ‫يف تنفيذ ا�سرتاتيجية تهدف �إىل ت�أمني احلماية من‬ ‫اجلهاديني على احلدود ‪.‬‬ ‫ووفق ًا لتقرير �صادر عن املحلل اال�رسائيلي البارز‬ ‫ايهود يعاري ُن�رش م�ؤخرا يف معهد وا�شنطن ل�سيا�سة‬ ‫ال�رشق الأدنى‪ ،‬ف�إن �إ�رسائيل تتجه حاليا نحو‬ ‫" اال�ضطالع بدور متوا�ضع يف احلرب الأهلية‬ ‫ال�سورية "‪.‬‬ ‫يالحظ يعاري �أن مدى العملية الإ�رسائيلية‬ ‫الإن�سانية داخل �سوريا ي�شري �إىل �أن " حماولة فتح‬ ‫ات�صاالت مع الف�صائل املعار�ضة املحلية"‪.‬‬ ‫وتف�رس تقارير املحلل الإ�رسائيلي خلفية زيادة‬ ‫امل�شاركة بفقدان نظام الأ�سد ال�سيطرة على معظم‬ ‫املنطقة احلدودية بني جنوب �سوريا ومرتفعات‬ ‫اجلوالن‪ ،‬و�إن االت�صاالت الإ�رسائيلية مع الف�صائل‬ ‫املعار�ضة يف هذا املجال تعمل على ت�سهيل التمثيل‬ ‫لهذه القوى كعازل �ضد اجلهاديني‪.‬‬ ‫وهناك قلق �إ�رسائيلي وا�سع من الدور املتزايد الذي‬ ‫تلعبه العنا�رص اجلهادية و اال�سالمية ال�سنية يف‬ ‫الأزمة ال�سورية‪.‬‬ ‫و�أ�شار �ضابط يف اجلي�ش الإ�رسائيلي مقال ن�رش‬ ‫م�ؤخراً يف �أخبار الدفاع �إىل �أن "اليوم ‪ ،‬الثوار‬ ‫ي�سيطرون على معظم منطقة جنوب ه�ضبة اجلوالن‬ ‫‪ ...‬وهم من القوى املعتدلة "‪ ،‬و�أ�ضاف " �إنهم ال‬ ‫يقاتلون �ضدنا ‪ ،‬ولكننا نعرف عقيدتهم ‪ ... .‬ميكن �أن‬ ‫يكون ذلك‪ ،‬يف الأ�شهر املقبلة ‪ ،‬ميكن �أن جند �أنف�سنا‬ ‫ننجر اىل مواجهة معهم "‪.‬‬ ‫رئي�س اال�ستخبارات الع�سكرية اجلي�ش الإ�رسائيلي‬ ‫جاكي كوخي ‪ ،‬ويف الوقت نف�سه ‪ ،‬يف خطاب يف‬ ‫معهد درا�سات الأمن القومي يف تل �أبيب يف ‪29‬‬ ‫يناير‪ /‬كانون الثاين املا�ضي يقدر �أن حوايل‬ ‫‪ 30000‬مقاتل جهادي ين�شطون يف �سوريا ‪.‬‬ ‫يعاري ‪ ،‬ويف الوقت نف�سه ‪ ،‬قدر قوة جبهة الن�رصة‬ ‫و "داع�ش" بحوايل ‪ 40000‬مقاتل‪ ،‬لكن يف كل‬ ‫الأحوال‪ ،‬من ال�صعوبة مبكان حتديد تقديرات دقيقة‬ ‫للقوات املقاتلة �إىل جانب الف�صائل املعار�ضة‬ ‫ال�سورية‪.‬‬ ‫هذا ي�شري �إىل �أن التقديرات الإ�رسائيلية قد ت�ستغرق‬ ‫تعريفا �أو�سع �إىل حد ما‪ ،‬وذلك من �أجل حتديد قوة‬

‫�إ�سرائيل تتجه حاليا نحو‬ ‫اال�ضطالع بدور متوا�ضع يف‬ ‫احلرب الأهلية ال�سورية‬ ‫ال�سلفيني املرتبطني بالقاعدة‪.‬‬ ‫القوة ال�سلفية هي القوة الثالثة‪ ،‬وتلعب دوراً رئي�س ًا‬ ‫يف �شمال �سوريا ‪ .‬هذه املجموعة هي �أحرار ال�شام‬ ‫‪ ،‬ويعتقد �أن عددهم حوايل ‪ 20000‬مقاتل‪ .‬هذه‬ ‫املجموعة لي�س لها �صالت معروفة مع القيادة‬ ‫املركزية لتنظيم القاعدة‪ .‬ومع ذلك تتم�سك‬ ‫ب�أيديولوجية �سلفية متطرفة‪.‬‬ ‫�إذا كان هذا هو احلال‪� ،‬أن املحللني الإ�رسائيليني‬ ‫�سي�شملون �أحرار ال�شام و جمموعات من هذا النوع‬ ‫حتت عنوان قوات يحتمل �أن تكون خطرة من‬ ‫الف�صائل ال�سنية اجلهادية (وهناك �أ�سباب وجيهة‬ ‫للقيام بذلك) يف الواقع ‪ ،‬ف�إن هذا له �آثار مثرية‬ ‫لالهتمام‪.‬‬ ‫�أحرار ال�شام هم جزء مكون من اجلبهة الإ�سالمية ‪،‬‬ ‫والتي هي �أكرب ت�شكيل معار�ض ‪ ،‬الذين يبلغ عددهم‬ ‫�أكرث من ‪ 60000‬مقاتل‪ ،‬وي�ستفيدون من م�ساعدات‬ ‫وا�سعة النطاق من قطر واململكة العربية ال�سعودية‪.‬‬ ‫خماوف �إ�رسائيل فيما يتعلق باجلهاديني ال�سنة‬ ‫ال تقت�رص على املنطقة احلدودية‪ .‬مت القب�ض على‬ ‫خلية مرتبطة بالقاعدة‪ ،‬حني كانت ت�ستعد لدخول‬ ‫�شمال �سوريا عرب تركيا لأغرا�ض التدريب‪.‬‬ ‫كما �أن االهتمام الإ�رسائيلي ينبع فعلي ًا من م�س�ألة‬ ‫اخرتاق اجلهاديني للكثري من املناطق يف �سورية‪،‬‬ ‫مثل الرقة‪ ،‬ويف العراق "الأنبار"‪ .‬مثل هذا اجليب‬ ‫مل يكن موجودا يف بالد ال�شام من قبل‪ .‬اجلهاديون‬ ‫م�شغولون مبحاربة الأ�سد‪ ،‬و والقوات التي حتارب‬

‫�إىل جانبه ‪ .‬ولكن رغبتهم يف االنخراط �أي�ضا �ضد‬ ‫�إ�رسائيل موجودة‪.‬‬ ‫بينما ينبغي �إيالء اهتمام وثيق ملخاوف �إ�رسائيل‬ ‫من اجلهاديني ال�سنة ‪ ،‬و يرتتب على ذلك �إقامة‬ ‫عالقات مع الف�صائل املقاتلة يف اجلنوب ‪ ،‬وهناك‬ ‫�أي�ضا عوامل من املرجح �أن تعمل �ضد �أي تدخل‬ ‫�إ�رسائيلي �أو�سع يف احلرب ال�سورية‪.‬‬ ‫�أوال ‪ ،‬ال تزال الكتلة الإقليمية التي تقودها �إيران و‬ ‫�إىل حد بعيد حتالف �أقوى و خطورة حتدي �إ�رسائيل‬ ‫يف الوقت احلا�رض ‪ .‬كما قال كوهايف يف خطابه ‪:‬‬ ‫"�إن ظاهرة جديدة من اجلهاد العاملي يف حدودنا‬ ‫مثرية للقلق ‪ ،‬لكننا يجب �أن ال نخلط بني الأمور ‪.‬‬ ‫ال يزال لدينا عدواً لدوداً هو املحور املت�شكل من‬ ‫�سوريا و�إيران وحزب اهلل"‪.‬‬ ‫وقد �أكدت م�س�ؤولية �إيرانية يف الأحداث ال�سورية هذه‬ ‫النقطة‪ ،‬وهو ما عرب عنه نتنياهو يف ت�رصيحاته‬ ‫التي قدمت يف امل�ست�شفى امليداين ‪ .‬ي�شمل الكتلة‬ ‫التي يقودها عمالء �إيران من قوى �شبه ع�سكرية‪،‬‬ ‫وبقيادة دولة قوية مع طموحاتها النووية ‪ ،‬يف‬ ‫الوقت الذي ال يوجد فيه �أي حمور مواز لهذا على‬ ‫اجلانب اجلهادي ال�سني‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬ال�صدمة من تورط �إ�رسائيل يف لبنان ال تزال‬ ‫موجودة لدى القادة واملخططني الإ�رسائيليني‪،‬‬ ‫وهناك نفوال عميق من تورط �إ�رسائيل يف الأزمة‬ ‫ال�سورية‪ ،‬ورمبا هذه الذاكرة امل�ؤ�س�سية البارزة هي‬ ‫ال�ضمان لعدم انخراط �إ�رسائيل يف �سوريا على الرغم‬ ‫من املخاوف التي ال ميكن �إنكارها‪.‬‬ ‫بعد هذا ف�إن اال�شتباك يجري‪ .‬وب�شكل يومي ‪ ،‬على‬ ‫بعد ب�ضعة كيلومرتات �إىل ال�شمال ال�رشقي من‬ ‫طربيا‪ ،‬وت�شارك القوات الإ�رسائيلية يف املهمة‬ ‫املعقدة املتمثلة يف احلفاظ على �إبقاء تنظيم‬ ‫القاعدة على م�سافة �آمنة من ه�ضبة اجلوالن و‬ ‫اجلليل ال�شمايل ‪.‬‬


‫‪03‬‬

‫تقارير‬

‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫بعد مرور �أجيال‪ :‬م�سيحيون فارون من �سوريا يعودون ملوطنهم يف تركيا‬ ‫مديات (تركيا) (رويرتز)‬

‫عندما خرج لوي�س بندك هاربا من العنف الدائر يف‬ ‫�سوريا �سعى للجوء �إىل البلد الذي ا�ضطر جده �إىل التخلي‬ ‫عنه قبل ‪ 90‬عاما بالتمام والكمال‪.‬‬ ‫وقال بندك وهو يجل�س حتت �شم�س ال�شتاء الدافئة خارج‬ ‫دير مور �أبروهوم الذي يرجع تاريخه �إىل القرن اخلام�س‬ ‫يف بلدة مديات على م�سافة ‪ 50‬كيلومرتا �شمايل احلدود‬ ‫"رغم �أنني مل �أزر هذا املكان من قبل ف�أنا ال �أ�شعر‬ ‫بالغربة‪ .‬فهذا �أي�ضا موطني‪.".‬‬ ‫ورغم �أن �أغلب الالجئني امل�سيحيني ذهبوا اىل لبنان �أو‬ ‫االردن‪ ،‬حيث تربطهم ب�شعوب هذه البالد روابط اللغة‬ ‫والثقافة‪ ،‬فقد جل�أ عدة االف �إىل تركيا‪ .‬وبالن�سبة لكثريين‬ ‫منهم ميثل ذلك رحلة عودة لهجرة �أجدادهم من تركيا قبل‬ ‫نحو قرن‪ ،‬عندما �أ�صبحت تركيا �أر�ضا معادية ملاليني‬ ‫امل�سيحيني بفعل احلرب العاملية الأوىل‪ ،‬وما �أعقبها من‬ ‫بناء الدولة الرتكية عقب انهيار االمرباطورية العثمانية‪.‬‬ ‫وال ت�سجل االمم املتحدة الالجئني ال�سوريني ح�سب‬ ‫دياناتهم‪ ،‬لذلك ال ميكن حتديد عدد الالجئني امل�سيحيني‪،‬‬ ‫لكن التقديرات ترتاوح بني ‪� 300‬ألف و‪� 500‬ألف الجئ‬ ‫على حد قول مارك �أوهانيان مدير برامج جماعة دولية‬ ‫للجمعيات اخلريية للم�سيحيني الأرثوذك�س تعمل يف‬ ‫�سوريا‪.‬‬ ‫ومن �أ�سباب فرارهم من �سوريا �أن امل�سيحيني كانوا‬ ‫يعتربون م�ؤيدين للرئي�س ال�سوري ب�شار الأ�سد‪،‬‬ ‫وا�ستهدفهم مقاتلو املعار�ضة يف بع�ض مناطق �سوريا‪،‬‬ ‫و�أ�صبحوا ي�شعرون ب�أنهم مهددون من قبل مقاتلني‬ ‫�إ�سالميني يزدادون ت�شددا‪.‬‬ ‫وقال �أوهانيان �إن بع�ضهم الذ بالأمان يف القرى اجلبلية‬ ‫يف �إقليم كرد�ستان ب�شمال العراق‪ ،‬و�إن حوايل ‪� 20‬ألفا من‬ ‫�أ�صول �أرمنية جل�أوا �إىل �أرمينيا‪.‬‬ ‫وظلت الأقلية امل�سيحية التي متثل نحو ع�رشة يف املئة‬ ‫من �سكان �سوريا على احلياد يف القتال الدائر‪.‬‬ ‫وينتمي بندك �إىل الطائفة ال�رسيانية التي يبلغ عدد‬ ‫�أفرادها ‪� 180‬ألفا يف �سوريا‪ ،‬ولها �أي�ضا جيوب يف‬ ‫العراق و�إيران وتركيا‪ .‬ومازال كثريون منهم يتحدثون‬ ‫بلهجة من اللغة الآرامية التي كانت م�ستخدمة يف عهد‬ ‫ال�سيد امل�سيح‪.‬‬

‫ويهرب امل�سيحيون عرب تركيا لأن لها حدوداً م�شرتكة مع‬ ‫�أوروبا‪ ،‬حيث الفر�صة �أف�ضل للجوء يف نهاية املطاف كما‬ ‫يقول �سايت �سو�سني رئي�س م�ؤ�س�سة ال�رسيان االرثوذك�س‬ ‫يف ا�سطنبول التي تعتمد على تربعات الطائفة املحلية يف‬ ‫تغطية نفقات �سكن وغذاء ‪ 500‬من �أ�شقائهم ال�سوريني‪.‬‬ ‫وهو يقدر �أن �أكرث من ‪� 5000‬رسياين مروا عرب تركيا‪،‬‬ ‫لكن العدد غري معروف على وجه الدقة‪ ،‬لأن �أغلبهم‬ ‫ي�صلون ب�شكل غري ر�سمي‪ ،‬ويق�ضون فرتة بني ع�رشة �أيام‬ ‫وحتى عام كامل يف التنقل‪.‬‬ ‫ومنذ �أواخر ‪ 2012‬تزايدت �أعدادهم باطراد مع �شعور‬ ‫امل�سيحيني بتهديد �أكرب من جراء تنامي الت�شدد‪.‬‬ ‫ويف �أحد �أحياء الطبقة العاملة يف ا�سطنبول يعي�ش نحو‬ ‫‪� 55‬شخ�صا يف بيت من ثالثة طوابق تديره م�ؤ�س�سة‬ ‫"�سو�سني"‪ ،‬بينما ينتظر نحو ‪� 150‬آخرين دورهم‪.‬‬ ‫وتتكد�س عائالت ب�أكملها يف حجرات �صغرية‪ ،‬بينما ينام‬ ‫نحو ‪� 20‬شابا على �أ�رسة من دورين يف عنابر‪ .‬ويجتمع‬ ‫الكل مرة واحدة خالل اليوم يف كني�سة كاثوليكية غري‬ ‫بعيدة لتناول وجبة م�شرتكة‪.‬‬ ‫وتقدم بع�ضهم بطلبات للح�صول على ت�أ�شريات لدول‬ ‫�أوروبية‪ ،‬لكن قلة منهم فقط هي التي ت�شعر بالتفا�ؤل نظراً‬ ‫لأن احلكومات ت�شدد القيود على طالبي اللجوء الوافدين‬ ‫من �سوريا‪.‬‬ ‫وبدال من ذلك يلج أ� كثريون �إىل تدبري الع�رشة االف يورو‬ ‫(‪ 13700‬دوالر) التي يتقا�ضاها املهربون لتهريبهم‬ ‫بحرا �إىل اليونان قبل �أن يلتقوا ب�أقاربهم يف دول �أخرى‪،‬‬ ‫مثل املانيا �أو ال�سويد‪.‬‬ ‫وي�شعر ميالد (‪ 24‬عاما) املجند ال�سابق الذي هرب من‬ ‫اخلدمة الع�سكرية يف جي�ش الأ�سد‪ ،‬بعد �إ�صابته بجرح‬ ‫�شديد يف العام املا�ضي‪ ،‬بالت�شا�ؤم �إزاء فر�ص جمع املال‬ ‫الكايف للعبور �إىل �أوروبا‪.‬‬ ‫ويق�ضي ميالد الذي �أ�صيب ب�شظايا يف يونيو‪ /‬حزيران‬ ‫املا�ضي وقته نائماً‪� ،‬أو ي�ؤدي مترينات لتقوية ذراعه‬ ‫امل�صابة التي متل�ؤها الندوب واجلروح احلية‪.‬‬ ‫ويقول ميالد "وقعت بني نارين يف حرب لي�ست حربي‪.‬‬ ‫مل �أكن �أريد مغادرة بلدي قط‪ .‬والآن ال �أ�ستطيع العودة‬ ‫للأبد‪.".‬‬

‫ويف مديات املدينة القدمية التي تتكون من بيوت من‬ ‫احلجر الرملي تعي�ش �أ�رسة بندك بني نحو ‪� 500‬سوري‬ ‫يف بيوت خا�صة تخ�ص الطائفة ال�رسيانية الرتكية التي‬ ‫هجرت املنطقة منذ �سنوات‪.‬‬ ‫ورف�ض اجلميع �سوى �أ�رستني �سوريتني الإقامة يف خميم‬ ‫افتتح العام املا�ضي للم�سيحيني ال�سوريني على �أر�ض‬ ‫دير مور ابروهوم‪.‬‬ ‫وتبدو خيام نا�صعة البيا�ض وم�ست�شفى و�سوق خلف‬ ‫الأ�سالك ال�شائكة يف �أر�ض ف�ضاء كان الرهبان يزرعون‬ ‫فيها ال�شعري يف املا�ضي جاهزة ال�ستقبال ‪4000‬‬ ‫�شخ�ص �إذا ت�صاعد العنف يف �سوريا‪.‬‬ ‫وتقيم عائلة بندك يف مديات منذ ت�سعة �أ�شهر‪ ،‬وال‬ ‫ت�ستطيع فتياتها الذهاب �إىل املدر�سة‪ .‬وهم يعي�شون على‬ ‫مدخراتهم‪ ،‬وعلى ما جتود به الكني�سة املحلية يف انتظار‬ ‫ت�أ�شريات لل�سفر �إىل �أملانيا‪ ،‬حيث لزوجة بندك نينورتا‬ ‫�أقارب هناك‪.‬‬ ‫ويقول بندك (‪ 48‬عاما) وهو �صائغ ذهب من حلب �إنه‬ ‫كان عازما على البقاء يف �أكرب مدن �سوريا حتى بعد‬ ‫تدمري �سوقها القدمي الذي يرجع للع�رص العثماين وقلعتها‬ ‫التاريخية التي تعود للع�صور الو�سطى‪.‬‬ ‫وجاء قرار الرحيل يف الربيع املا�ضي عندما �أوقف‬ ‫مقاتلون �أجانب حافلة كان ي�ستقلها �إىل دم�شق‪ ،‬و�أطالوا‬ ‫فح�ص بطاقة الهوية اخلا�صة به‪ ،‬وا�سمه غري الإ�سالمي‪،‬‬ ‫ثم اتهموه بالتعاون مع الدولة‪.‬‬ ‫وقال "قلت �إنني كهربائي فقري فرتكوين‪ .‬ومتلكتني رع�شة‬ ‫مل �أ�ستطع التخل�ص منها‪ .‬كنت �أفكر يف بناتي بال �أب‪.".‬‬ ‫و�ضع بندك كل ممتلكات اال�رسة يف حجرة ب�شقته‬ ‫و�أغلقها‪ ،‬وا�ست�أجر �سيارة لنقل �أ�رسته �إىل احلدود‪ ،‬ومعها‬ ‫ب�ضع حقائب حتتوي على مالب�س وقر�ص �صلب به كل‬ ‫�صور اال�رسة‪.‬‬ ‫ويقول ايرول دورا وهو �رسياين‪ ،‬و�أول نائب م�سيحي يف‬ ‫تركيا منذ ن�صف قرن‪� ،‬إن �أولئك الذين يغادرون املنطقة‬ ‫ال يفعلون ذلك �إال كحل �أخري بعد �أن فقدوا ممتلكاتهم‪.‬‬ ‫و�أ�ضاف "عندما يرحلون يكونون يف العادة فقدوا كل‬ ‫�شيء حتى الأمل‪ .‬وتال�شت كل ثقتهم يف �إمكانية ال�شعور‬ ‫بالأمان مرة �أخرى‪.".‬‬ ‫ويعد جبل طور عبدين وهو ه�ضبة عالية تقع بني نهري‬ ‫دجلة والفرات ثاين �أقد�س موقع لل�رسيان بعد القد�س‪.‬‬ ‫ويعد هذا اجلبل مركز �أحد �أقدم التقاليد امل�سيحية يف‬ ‫العامل‪ ،‬وينت�رش نحو ‪ 80‬ديرا �أغلبها �أطالل على امتداد‬ ‫الأفق يف الأحرا�ش‪.‬‬ ‫وملأ و�صول بندك وغريه من ال�رسيان مق�صورات‬ ‫الكنائ�س يف مديات والتي ترجع �إىل ‪ 1600‬عام‪.‬‬ ‫وقالت هايدي ارمرب�سرت باحثة الأنرثوبولوجيا بجامعة‬ ‫�ساوثامبتون �إن الفقر والعنف بني الأتراك والأكراد يف‬ ‫الثمانينات والت�سعينات من القرن املا�ضي �أديا �إىل‬ ‫تقلي�ص عدد ال�رسيان يف طور عبدين �إىل ‪ 2500‬من نحو‬ ‫‪� 50‬ألفا يف عام ‪ .1950‬ويعي�ش يف ا�سطنبول ‪� 15‬ألفا‬ ‫من ال�رسيان‪.‬‬ ‫ويف ال�سنوات الأخرية �سعت تركيا �إىل حت�سني ظروف‬ ‫ال�رسيان‪ ،‬ووعدت ب�إعادة �أرا�ض م�صادرة‪ ،‬و�سمحت‬ ‫للطائفة بفتح �أول مدر�سة لها منذ ‪ 86‬عاما‪.‬‬ ‫يقول زعماء الطائفة �إن رئي�س الوزراء الرتكي رجب‬ ‫طيب اردوغان وجه دعوة �إىل بطريرك دم�شق لل�رسيان‬ ‫االرثوذك�س والذي يعي�ش يف املنفى يف بريوت الآن‬ ‫للعودة �إىل تركيا مقر البطريركية منذ عام ‪ 37‬ميالدية‬ ‫حتى طردتها تركيا �إىل �سوريا عام ‪.1925‬‬


‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫حتليل �سيا�سي‬

‫‪04‬‬

‫معركة حوران تبد�أ من كييف‬ ‫غازي دحمان‬

‫يتزايد احلديث هذه الأيام عن معركة كبرية ي�شنها ت�أخذ معركة حوران �أهمية خا�صة‬ ‫اجلي�ش احلر من منطقة حوران باجتاه دم�شق‪،‬‬ ‫ويتزامن ذلك مع فتح جبهات عديدة على الأر�ض يف التقديرات الع�سكرية وال�سيا�سي‬

‫ال�سورية‪ ،‬من حلب �إىل القلمون �إىل القنيطرة يف‬ ‫�أق�صى اجلنوب ال�سوري‪.‬‬ ‫ت�أخذ معركة حوران �أهمية خا�صة يف التقديرات‬ ‫الع�سكرية وال�سيا�سية‪ ،‬وذلك لكونها ت�أتي يف ظروف‬ ‫�سيا�سية خمتلفة‪ ،‬فالبع�ض يحاول �إدراجها يف �إطار‬ ‫حتريك الو�ضع ال�سيا�سي بعد حالة ان�سداد الأفق‬ ‫التي �أعقبت م�ؤمتر جينيف‪ 2‬نتيجة تعنت النظام‬ ‫وداعميه الإقليميني والدوليني‪ ،‬ويف �أعقاب تولد‬ ‫قناعة را�سخة لدى الإدارة الأمريكية ب�أن الأ�سد‬ ‫ومن خلفه مو�سكو وطهران لن يقتنعوا بتقدمي‬ ‫تنازالت مهمة طاملا هم ي�شعرون بالقوة‪ ،‬وطاملا‬ ‫لديهم قناعة ب�إمكانية حتقيق احل�سم الع�سكري يف‬ ‫امليدان‪ ،‬ما يجعلهم ال يفكرون بتقدمي �أية تنازالت‬ ‫جدية‪.‬‬ ‫هذه النتيجة كان قد �أكدها م�س�ؤولون يف اال�ستخبارات‬ ‫من فرن�سا وبريطانيا وال�سعودية وتركيا وقطر‬ ‫و�آخرين‪ ،‬اجتمعوا يف وا�شنطن م�ؤخراً‪ ،‬حيث باتوا‬ ‫مقتنعني �أن الدبلوما�سية �ستكون غري جمدية حتى‬ ‫ترتاجع ثقة الأ�سد يف �إمكانية احل�سم الع�سكري‪ .‬‬ ‫و�أ�شارت تقارير �أخرى �إىل قيام الواليات املتحدة‬ ‫الأمريكية ب�إعداد مدرجات لطائرات اال�ستطالع‬ ‫بالقرب من احلدود الأردنية ‪ -‬ال�سورية‪ ،‬واىل‬ ‫نقل ال�سعودية خالل الأ�سابيع الأخرية �شحنات‬ ‫من ال�سالح والعتاد ا�شرتتها من �أوكرانيا ومن‬ ‫باك�ستان‪ ،‬وهي ت�شمل �أ�سلحة ثقيلة و�صواريخ‬ ‫م�ضادة للطريان حممولة على الكتف تعرف‬ ‫با�سم “مان بادز”‪� ،‬إىل القواعد الع�سكرية يف‬ ‫الأردن‪ ،‬كما مت �إعداد لوائح بف�صائل املعار�ضة‬ ‫ال�سورية التي �ستح�صل على ال�سالح املتطور‪.‬‬ ‫ويت�ضح �أن الهجوم الذي يجري الإعداد له هدفه‬ ‫حتقيق اجنازات ع�سكرية للمعار�ضة‪ ،‬وذلك من‬

‫�أجل �إجبار نظام الأ�سد على العودة �إىل طاولة‬ ‫املفاو�ضات‪ ،‬ومناق�شة م�س�ألة احلكومة االنتقالية‬ ‫التي رف�ض نقا�شها يف “جنيف‪ .”2‬كما يهدف‬ ‫الهجوم �إىل �إن�شاء نوع من منطقة �أمنية خا�ضعة‬ ‫للمعار�ضة ال�سورية بالقرب من احلدود مع الأردن‪.‬‬ ‫ويف ر�أي عدد من املراقبني �أن �إقالة القائد ال�سابق‬ ‫لـ”اجلي�ش ال�سوري احلر” اللواء �سليم �إدري�س وتعيني‬ ‫العميد عبد الإله الب�شري خلف ًا له يدخل يف �سياق‬ ‫الإعداد للهجوم املنتظر الذي �سينطلق من درعا‬ ‫جنوب ًا يف اجتاه العا�صمة دم�شق‪.‬‬ ‫من جهته‪ ،‬نظام الأ�سد وداعموه‪ ،‬بد�أوا باال�ستعداد‬ ‫لهذه املعركة‪ ،‬فقد وردت تقارير عديدة عن عودة‬ ‫بع�ض اخلرباء الرو�س �إىل �سورية‪ ،‬وب�أمر مبا�رش من‬ ‫الرئي�س الرو�سي فالدميري بوتني‪ ،‬وذلك بهدف �إعداد‬ ‫م�رسح العمليات‪ ،‬وتقدمي امل�شورة لقيادات وحدات‬ ‫الأ�سد الع�سكرية‪� ،‬إ�ضافة �إىل تقدمي دعم تقني هائل‬ ‫للمراقبة والر�صد‪ ،‬فيما ت�ؤكد تقارير �أخرى توا�صل‬ ‫الدعم باملعدات عن طريق مرف�أ طرطو�س الذي ال‬ ‫يهد�أ العمل فيه لي ًال نهاراً ح�سب تلك التقارير‪.‬‬ ‫من جهة ثانية‪ ،‬بدا النظام حربه الإعالمية على‬ ‫الأطراف التي يتهمها بامل�شاركة يف هذه العملية‪،‬‬ ‫و�صب جام غ�ضبه الإعالمي على الأردن‪ ،‬التي‬ ‫اتهمها بقيادة معركة” �صهيو وهابية” الهدف‬ ‫منها ت�أمني حزام �آمن لإ�رسائيل‪.‬‬

‫�أثبتت معركة �أوكرانيا انعدام الثقة‬ ‫الأمريكي بنظام بوتني وال�سيا�سة‬ ‫الرو�سية‬

‫بالطبع‪ ،‬ويف حال �صحة هذه التقديرات‪ ،‬ف�إن هذه‬ ‫املعركة �ستكون خمتلفة عن املعارك التي �سبقتها‪،‬‬ ‫لي�س من حيث التجهيز والإعداد لها وح�سب‪ ،‬و�إمنا‬ ‫من حيث �أثرها امليداين وال�سيا�سي‪ ،‬ذلك �أنها تفتح‬ ‫جبهة مرهقة للنظام على امتداد ‪ 90‬كلم‪ ،‬كما �أنها‬ ‫تفتح املجال ملحا�رصة دم�شق من كل النواحي‬ ‫يف حال جرى �إعادة فتح خطوط الإمداد باجتاه‬ ‫الغوطتني الغربية وال�رشقية و�صو ًال �إىل القلمون‪،‬‬ ‫كما يتم ربطها بالقلمون والبادية ال�سورية‪،‬‬ ‫ويتزامن ذلك مع الن�شاط الع�سكري للمعار�ضة يف‬ ‫حمافظة القنيطرة‪ ،‬حيث حتقق الف�صائل املعار�ضة‬ ‫هناك جناحات مهمة يف هذا القطاع‪ ،‬وتهدد فعلي ًا‬ ‫مبحا�رصة دم�شق من ريفها الغربي‪.‬‬ ‫وبعيداً عن التفا�صيل الع�سكرية واللوج�ستية‪ ،‬ف�إنه‬ ‫من الوا�ضح �أن هذه املعركة ت�أتي يف �إطار �سياق‬ ‫�سيا�سي دويل بات مقتنع ًا ب�رضورة نقل امل�س�ألة‬ ‫�إىل �إطار �آخر‪ ،‬بعد �أن تبني حجم الأ�رضار التي‬ ‫�سواء بالن�سبة للم�صالح الغربية يف‬ ‫باتت ت�سببها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫املنطقة‪� ،‬أو بالن�سبة لدول اجلوار �أو الدول العربية‬ ‫اخلليجية‪ ،‬وبعد قناعة با�ستحالة �إمكانية احلل‬ ‫ال�سيا�سي من دون �ضغط ع�سكري مبا�رش‪ ،‬وقد �أثبتت‬ ‫جتربة �أوكرانيا هذه احلقيقة‪ ،‬حيث �سلطت ال�ضوء‬ ‫على طبيعة ال�سلوك الرو�سي وانعدام الثقة فيه‪ ،‬بعد‬ ‫�أن حاول الكرملني دفع الرئي�س الأوكراين املخلوع‬ ‫�إىل �إتباع نهج ب�شار الأ�سد يف القتل والتدمري‪،‬‬ ‫وحتري�ضه على �سحق املعار�ضة بكل الو�سائل‪.‬‬ ‫الوا�ضح �أي�ض ًا �أن الإدارة الأمريكية ا�ستوعبت‬ ‫الدر�س الأوكراين جيداً‪ ،‬وفهمت �أن الطريقة الوحيدة‬ ‫لثني بوتني عن دعم احلكام امل�ستبدين هي جعل‬ ‫كلفة ذلك �أعلى مما هو م�ستعد لتحمله‪ ،‬وال �شك �أن‬ ‫الأمريكيني يعرفون جيداً �أن الرو�س ين�سحبون فقط‬ ‫عندما ي�شعرون بالأخطار تدق �أبوابهم‪ ،‬ولذلك ف�إن‬ ‫معركة حوران تبدو وك�أنها تبد�أ من حيث تنتهي‬ ‫خال�صات معركة �أوكرانيا‪.‬‬


‫‪05‬‬

‫ر�أي‬

‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫عقدة النظام لوحة �سوريالية متجددة يف القوى الثورية واملعار�ضة‬ ‫يا�سر بدوي‬

‫حركات التغيري التي �شهدها العامل خالل التاريخ‬ ‫�سواء كانت حركة التغيري دينية �أم اجتماعية‬ ‫‪،‬‬ ‫ً‬ ‫اقت�صادية ‪� ،‬أو ب�أبعادها جمتمعة ‪ ،‬ما �إن تبد�أ‬ ‫وتنطلق حتى تب�رش بجديد خمتلف ومتناق�ض‬ ‫مع القائم وال�سائد ‪� .‬إن النظرة �إىل م�سار انتفا�ضة‬ ‫ال�شعب ال�سوري ت�ؤ�رش �إىل وجود عقدة النظام‬ ‫املتمثلة ب�آليات تفكريه يف عقول النا�س عامتهم‬ ‫ونخبهم الثقافية والدينية وال�سيا�سية ‪ ،‬هذه‬ ‫العقدة ت�أخذ �أ�شكاال خمتلفة وتعابري متعددة‬ ‫ح�سب النظريات النف�سية والفنية‪ ،‬وميكن حتليلها‬ ‫مبدر�سة "ال�سوريالية"‪ ،‬حيث تقبع جميع ممار�سات‬ ‫النظام و�سلوكياته يف الال�شعور والعقل الباطن‬ ‫وحترك �سلوك الب�رش‪ ،‬مما �أثر كثرياً يف م�سار الثورة‬ ‫واملعار�ضة ال�سيا�سية‪ ،‬و�أ�ضاف بعداً متاهى مع‬ ‫دعاية النظام حلرف امل�سار‪ ،‬وت�شويه القيم اجلديدة‬ ‫التي عمل عليها من يب�رشون ب�سوريا جديدة ‪ ،‬خالية‬ ‫من اال�ستبداد ‪.‬‬ ‫�صدحت كلمة احلرية يف حواري دم�شق وب�ساتني‬ ‫الغوطة و�أزقة حم�ص وعلت يف �سماء �سورية‪ ،‬لت�أتي‬ ‫القوى ال�سيا�سية الوليدة الت�شكل ‪ ،‬واحلركات الثورية‬ ‫والع�سكرية وتغتال �أثري هذه الكلمة‪ ،‬ودون الدخول‬ ‫يف فل�سفة احلرية �إال �أنها مطلب ما يزال غائبا عن‬ ‫احلياة ال�سيا�سية ال�سورية‪� ،‬سواء �أكانت الذرائع‬ ‫حاكمية اهلل �أم ال�رضورات ال�سيا�سية ‪� ،‬أو ت�سرتت‬ ‫خلف مقوالت ثورية حمنطة ومقولبة يف مدار�س‬ ‫البعث ‪.‬‬ ‫الف�ساد الذي ا�شتغل عليه النظام كثرياً ما يزال‬ ‫م�ستمرا‪ ،‬وي�أخذ �أ�شكا ًال خميفة يف حدة ت�أثريه‪ ،‬وهذا‬ ‫ينطبق �أكرث ما ينطبق على الأمور املالية ‪ ،‬حيث‬ ‫�أ�صبحت كتل املعار�ضة وم�ؤ�س�سات الإغاثة �أ�شبه‬ ‫مبقرات �أمنية ال ي�ستطيع نا�رش الأخبار احل�صول‬ ‫على معلومة واحدة منها ‪ ،‬بل يلج�أ اجلميع �إىل‬

‫�أ�صبحت ُكتل املعار�ضة وم�ؤ�س�سات‬ ‫الإغاثة �أ�شبه مبقرات �أمنية حتجب‬ ‫املعلومات لتغطية الف�ساد‬ ‫ا�ستئجار "�إعالميني " لت�صوير مقاطع دعائية‬ ‫تر�ضي املمولني ‪ ،‬وت�سرت العورات ‪.‬‬ ‫ومن �أ�شكال الف�ساد القائمة ‪ ،‬املح�سوبيات‪ ،‬فحتى‬ ‫الآن مل تظهر م�ؤ�س�سة واحدة تعلن عن م�سابقة عن‬ ‫حاجتها الخت�صا�صيني يف �أي جمال ‪ ،‬بل ا�ستمرت‬ ‫ذهنية النظام يف جلب وتوظيف الأبناء و�أوالد العم‬ ‫واملقربني والأزالم ‪ ،‬وتكفي زيارة واحدة لوحدة‬ ‫الإعالم التابعة للإئتالف الوطني لقوى املعار�ضة‬ ‫والثورة لر�ؤية حجم هذا الف�ساد ‪ ،‬ومتابعة �سطحية‬ ‫لوحدة الدعم ميكن لها �أن تك�شف حجم هذا الف�ساد‬ ‫واللعب من �أجل �إخفائه ‪.‬‬ ‫ومن �أ�شكال الف�ساد احلادة �سيطرت نزعة الت�سلط‪،‬‬ ‫ففي �سلوك كل �سيا�سي وقائد ع�سكري �أو رئي�س‬ ‫جمعية دكتاتور مبوا�صفات نظام الأ�سد �أو �ضباط‬ ‫ا�ستخباراته ‪ ،‬وت�ضخم الأنا �إىل درجات مر�ضية‪،‬‬ ‫و�أغلب من احتلوا مراكز قيادية يت�رصفون وفق‬ ‫نظرية �أنا �أو خراب البلد ‪.‬‬ ‫كثرية هي املجاالت التي ميكن من خاللها ر�ؤية‬ ‫عقلية النظام امل�ستمرة يف الثورة واملعار�ضة‬ ‫و�أذهان النا�س‪ ،‬ولع ّل براعة النظام ال�ساقط �أخالقيا‬ ‫و�رشعيا وقانونيا وبكل املقايي�س‪ ،‬تكمن يف قدرته‬

‫مقولة “�إىل الأبد” ما زالت را�سخة‬ ‫كعقدة لدى من تبو�أوا منا�صب‬ ‫القيادة يف املعار�ضة ال�سيا�سية‬

‫على خلق عقدة لدى اجلميع ال ي�ساويها ويجاريها‬ ‫ويربرها �سوى جناح النظام يف الف�شل و�إف�شال كل‬ ‫�شيء ‪.‬‬ ‫�إن عجز الثورة والثوار عن بلورة خطاب �سيا�سي‬ ‫و�إعالمي واجتماعي ميكن تلم�س الأعذار عند‬ ‫احلديث عنه ‪ ،‬لكن عجز املعار�ضة ال�سيا�سية وهي‬ ‫تعي�ش بعيدا عن عنف النظام املبا�رش‪،‬ال ميكن‬ ‫�إيجاد الأعذار واملربرات لهذا العجز‪� ،‬إال توجيه‬ ‫الإتهام املبني على النتائج والواقع ‪.‬‬ ‫�إن هذه املعار�ضة ما زالت تعي�ش عقدة النظام‬ ‫وعقليته و�سلوكه ‪ ،‬وما تزال عقدة الدونية والرهاب‬ ‫واحلقد واالنتقام هي ال�سائدة وحتكم �سلوك‬ ‫مكوناتها‪ ،‬وعلى ر�أ�س هذه العقد ا�ستمرار حفريات‬ ‫مقولة و�شعار " �إىل الأبد " يف العقول‪ ،‬مما ينتج‬ ‫�سلوك ًا �سورياليا ‪ ،‬فتخت�رص امل�سار املتعرث الذي‬ ‫يعطي املربرات لدول العامل الفاعلة للتن�صل من‬ ‫التزاماتها الأخالقية جتاه ال�شعب ال�سوري ‪.‬مع �أنني‬ ‫مل �أتطرق �إىل قوى الإجرام والظالم مثل تنظيمات‬ ‫القاعدة‪.‬‬ ‫ولع ّل �أهم الأبعاد ال�ضبابية لهذه احلالة ال�سوريالية‬ ‫هي عدم االكرتاث لإرادة ال�شعب و�أو�ضاعه‪ ،‬والكل‬ ‫يدعي متثيل ال�شعب‪ ،‬وهذا امل�أزق الكبري زرعه‬ ‫النظام يف العقول ‪ ،‬وتالي ًا عندما توجد القوى‬ ‫ال�سيا�سية التي تتعامل مع الإرادة اجلمعية لل�شعب‬ ‫ال�سوري الذي دفع الأثمان الغالية‪ ،‬وتطرح خطابها‬ ‫املختلف واملب�رش بوطن جديد ‪ -‬وهي مهمة �شاقة‬ ‫– ن�ستطيع القول �إن عقدة النظام بد�أت تتال�شي ‪،‬‬ ‫ومرحلة التب�شري باجلديد الذي لن يبد�أ �إال بعد �أن‬ ‫نخلع عقد النظام الباقية فينا ‪ ،‬وعندها ننتقل‬ ‫وتنتقل القوى ال�سيا�سية من الواقع اىل لوحات‬ ‫�سلفادور دايل ال�سوري‪.‬‬


‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫ق�ضايا‬

‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫ًّ‬ ‫الرقة و«العهدة الداع�شية»‬ ‫مدينة‬

‫‪06‬‬

‫ح�سام امليالد‬

‫منذ �أكرث من عام ي�سيطر تنظيم الدولة الإ�سالمية‬ ‫يف العراق وبالد ال�شام «داع�ش» على مدينة الرقة���.‬‬ ‫الأربعاء املا�ضي فر�ض التنظيم �سل�سلة من الأحكام‬ ‫على ال�سكان املحليني من امل�سيحيني‪ .‬ف�أعلن‬ ‫التو�صل �إىل اتفاق من ‪ 12‬قاعدة‪ ،‬يهدف �إىل �ضمان‬ ‫«حماية» امل�سيحيني‪ ،‬مهدداً باعتبار �أن من ال‬ ‫يحرتمها �سيعامل كعدو‪.‬‬ ‫ت�ضمنت هذه القواعد �أن يدفع امل�سيحيون «اجلزية»‪.‬‬ ‫من �أثريائهم مبقدار ‪ 4‬دنانري ذهبية (ما يعادل ‪17‬‬ ‫غراما من الذهب) �سنوي ًا‪ ،‬ون�صفها من متو�سطي‬ ‫احلال‪ ،‬وربعها من فقرائهم‪ .‬كما ن�ص االتفاق �أي�ضا‪،‬‬ ‫على �أن ميتنع امل�سيحيون عن ر�سم ال�صليب على �أي‬ ‫�شيء �أو مكان يف الأ�سواق �أو الأماكن التي يكون‬ ‫فيها م�سلمون‪ ،‬وكذلك عدم ا�ستخدام مكبرّ ال�صوت‬ ‫�أثناء �صلواتهم‪ .‬كما مينع االتفاق �إقامة امل�سيحيني‬ ‫�شعائرهم خارج الكنائ�س‪ .‬و�أ�شار تنظيم «داع�ش»‬ ‫�أي�ض ًا �إىل �أنه لن ي�سمح للم�سيحيني برتميم الأديرة‬ ‫والكنائ�س يف املدينة �أو نواحيها‪ .‬كما مينع على‬ ‫امل�سيحيني حمل ال�سالح �أو التعاون ب�أي �شكل مع‬ ‫املطلوبني من قبل «داع�ش»‪.‬‬ ‫هكذا ي�رص «داع�ش»‪ ،‬انطالق ًا من �سلفيته على‬ ‫�أن يعيد عجلة التاريخ �إىل الوراء‪ ،‬منتقي ًا من‬ ‫املا�ضي فهم ًا ما للإ�سالم مقتطع ًا من �سياقه‬ ‫التاريخي ليجعله فكراً فوق التاريخ ويقدمه على‬ ‫�أنه النموذج الإ�سالمي اخلال�ص‪ .‬ولكن �إذ عدنا �إىل‬ ‫الرتاث الإ�سالمي وتاريخ «الفتوحات»‪ ،‬جند �أن‬ ‫املعاهدات واملواثيق مع غري امل�سلمني مل ت�ستقر‬ ‫على منوذج واحد‪ ،‬بل تغريت وفق مقت�ضيات‬ ‫احلال والزمان واملكان‪ .‬يف البداية مل ينا�صب‬ ‫امل�سلمون امل�سيحيني العداء‪ ،‬لكن مع اليهود كانت‬ ‫احلال خمتلفة‪� ،‬إذ ر�أى فيهم امل�سلمون يف حينه‪،‬‬ ‫خطرا على الدعوة الإ�سالمية والدولة الواعدة‪ ،‬وقد‬ ‫عك�س القر�آن هذا الواقع‪ « :‬لتجدن �أ�شد النا�س عداوة‬ ‫للذين �آمنوا اليهود والذين �أ�رشكوا ولتجدن �أقربهم‬ ‫مودة للذين �آمنوا الذين قالوا �إنا ن�صارى ذلك‬ ‫ب�أن منهم ق�سي�سني ورهبانا و�أنهم ال ي�ستكربون»‬ ‫(املائدة ‪ .)82/‬لذلك مت طرد بني قينقاع و�إجالء‬ ‫بني الن�ضري‪ ،‬ومبوجب حتكيم �سعد بن معاذ مت قتل‬ ‫رجال بني قريظة و�سبي ن�سائهم وتق�سيم �أموالهم‪.‬‬ ‫لكن احلال مع امل�سيحيني �ستتغري بعد هزمية‬ ‫امل�سلمني يف م�ؤتة قرب دم�شق عام ‪629‬م والتي‬ ‫كان �أهم �أ�سبابها املبا�رشة مقتل احلارث بن عمري‬ ‫الذي �أُر�سل يدعو عظيم ب�رصى للإ�سالم‪« :‬قاتلوا‬ ‫الذين ال ي�ؤمنون باهلل وال باليوم الآخر وال يحرمون‬ ‫ما حرم اهلل ور�سوله وال يدينون دين احلق من‬ ‫الذين �أوتوا الكتاب حتى يعطوا اجلزية عن يد وهم‬ ‫�صاغرون» (التوبة‪ ،)29/‬وروت �أم امل�ؤمنني عائ�شة‬ ‫عن النبي (�ص)‪ « :‬ال يرتك بجزيرة العرب دينان"»‬ ‫(رواه �أحمد)‪ .‬فقاد النبي (�ص) بنف�سه غزوة �أخ�ضع‬ ‫بها تبوك ودومة اجلندل‪.‬‬ ‫غياب النموذج الواحد يف التعامل مع غري‬ ‫امل�سلمني ا�ستمر يف عهد اخللفاء الرا�شدين‪ ،‬فقد عقد‬ ‫�أهل جنران معاهدة مع النبي(�ص) ا�ستمرت يف عهد‬ ‫خليفته �أبي بكر‪ ،‬لكن عمر بن اخلطاب �ألغى املعاهدة‬ ‫و�أمر ب�إجالئهم‪� .‬أما احلرية التي ا�ست�سلمت خلالد بن‬ ‫الوليد فرتك لأهلها دينهم وكنائ�سهم ومعابدهم ومل‬

‫مينع حمل ال�صلبان ومنحهم حرية اللبا�س دون‬ ‫�أن يت�شبهوا بامل�سلمني‪ .‬ونظراً لقوة بني تغلب فلم‬ ‫تفر�ض عليهم اجلزية‪ ،‬و�إمنا جمعت منهم الزكاة‬ ‫م�ضاعفة‪� .‬أما �أهل بعلبك فبعد املعاهدة مع �أبي‬ ‫عبيدة التي �ضمنت �أرواحهم و�أموالهم وكنائ�سهم‬ ‫�أجربوا كما ي�ؤكد ابن ع�ساكر على التخلي عن ن�صف‬ ‫ما ميلكون ودفعوا اخلراج واجلزية معا‪ .‬علينا �أن‬ ‫نبحث عن املرجعية «الداع�شية» التي ت�شكل �أ�س ًا‬ ‫فقهي ًا لالتفاق املعلن يف الرقة بني ركام احلوادث‬ ‫التاريخية املتغرية‪.‬‬ ‫بالعودة �إىل القواعد التي �أعلن عنها تنظيم‬ ‫«داع�ش»‪ ،‬فيبدو �أنها‪ ،‬مع االخت�صار‪ ،‬تتطابق مع‬ ‫«ال�رشوط العمرية» التي خرجت من كونها رواية‬ ‫تاريخية لت�صبح لدى الفكر ال�سلفي عموم ًا مرجعية‬ ‫فقهية‪ ،‬وهي ال�رشوط التي �أوردها حممد بن �أبي بكر‬ ‫�أيوب الزرعي املعروف بـ ( ابن القيم اجلوزية) يف‬ ‫كتابه («�أحكام �أهل الذمة»‪ ،‬ج‪ )1162/3‬رواها عن‬ ‫�سفيان الثوري عن م�رسوق عن عبد الرحمن بن غنم‪.‬‬ ‫والغريب يف الأمر �أنه بالرغم من �ضعف هذا ال�سند‬ ‫لالنقطاع احلا�صل بني ابن القيم نف�سه و�سفيان‬ ‫الثوري من جهة‪ ،‬وبني م�رسوق بن الأجدع و�سفيان‬ ‫الثوري من جهة �أخرى‪ ،‬ي�رص ال�سلفيون على الأخذ‬ ‫بهذه ال�رشوط معللني ذلك بابن القيم اجلوزية‬ ‫نف�سه‪ ،‬الذي اعرتف ب�ضعف الرواية ب�سبب انقطاع‬ ‫ال�سند‪ ،‬لكنه ر�أى معلق ًا على ذلك ب�أن‪� « :‬شهرة هذه‬ ‫ال�رشوط تغني عن �أ�سانيدها»!‬ ‫مييز �آخرون بني هذه «ال�رشوط العمرية» التي‬ ‫�أوردها ابن القيم اجلوزية وبني «العهدة العمرية»‬ ‫التي متت بني عمر و�أهل �إيلياء (القد�س) والتي‬ ‫مييلون �إىل الوثوق ب�صيغتها الواردة عند الطربي‬ ‫(«تاريخ الر�سل وامللوك» م‪/2‬ج‪.)159-158/4‬‬ ‫هنا جند �أن عمر بن اخلطاب قد حافظ على بع�ض‬ ‫القوانني الرومانية التي فر�ضت على مدن فل�سطني‪،‬‬ ‫ومنها �أال ي�سمح لليهود ب�سكنى القد�س‪ ،‬كما يبدو �أن‬ ‫كلمة اجلزية التي �أوردها الطربي ال متثل ت�رشيعا‬ ‫جديداً بقدر ما تعني اخلراج الذي فر�ضه الرومان‬ ‫على مدائن فل�سطني‪« :‬و�أن يعطوا اجلزية كما يعطي‬

‫�أهل املدائن» فاملقارنة مع �أهل املدن الفل�سطينية‬ ‫الأخرى التي تدفع اخلراج كتقليد قانوين روماين‪،‬‬ ‫والتي مل تقع حتت حكم امل�سلمني بعد‪ ،‬ت�سمح لنا‬ ‫بتف�سري كلمة جزية على هذا النحو‪.‬‬ ‫ويف الوقت الذي مي�ضي فيه تنظيم "داع�ش" برفع‬ ‫الن�سبي واملتغري �إىل درجة املطلق‪ ،‬يهاجم عمر‬ ‫عثمان (�أبو قتادة) قاعة املحكمة يف الأردن تنظيم‬ ‫«داع�ش»‪ ،‬ويرى �أن فر�ض اجلزية على م�سيحيي‬ ‫الرقة عمل «غري جائز �رشع ًا لأنها عقد بني طرفني‬ ‫وثمة طرف غائب»‪ .‬كما ر�أى �أن «املجاهدين يف‬ ‫�سوريا لي�سوا متمكنني بعد وال ي�ستطيعون حماية‬ ‫ارواح الن�صارى و�أموالهم يف مثل هذه الأو�ضاع‬ ‫ومن غري املقبول �رشع ًا �أن ن�أخذ منهم الأموال‬ ‫وال نقدم لهم اخلدمة»‪ .‬تبدو هذه الفتوى متقنة‬ ‫فقهيا ومنطقيا‪ ،‬لكن امل�شكلة �أن تنظيم «داع�ش» مل‬ ‫يعجز فقط عن حماية امل�سيحيني بل قام هو نف�سه‬ ‫باالعتداء على كنائ�سهم وممتلكاتهم‪ ،‬وهو ما يغيب‬ ‫عن بال �أبي قتادة‪ ،‬حتى امل�سلمون من �أبناء الرقة‬ ‫مل ي�سلموا من بط�ش تنظيم «داع�ش» و غريه من‬ ‫التنظيمات التي تتفق مه يف الفكر واملنهج‪.‬‬ ‫اجلزية وغريها من الت�رشيعات والقوانني‬ ‫ ‬ ‫املختلفة التي �سنها «الفاحتون» العرب يف تعاطيهم‬ ‫مع غري امل�سلمني �آنذاك‪ ،‬قد �أخذت بعني االعتبار‬ ‫تلك املكانة التي تلعبها الع�صبية الدينية �إىل جانب‬ ‫الع�صبية القبلية يف ر�سم معامل الوالء واالنتماء‪،‬‬ ‫و�إدراك ًا منهم بحدود قليلة �أو كثرية خلطورة‬ ‫وجود �أتباع ديانة �أخرى تناف�س الدين الإ�سالمي‬ ‫الذي ي�شكل الأيديولوجيا الر�سمية للدولة العربية‬ ‫النا�شئة والرامية اىل الوحدة‪ .‬عندها ر�أت الدولة‬ ‫عد معوق ًا‬ ‫العربية �أن تتعامل مع هذا اخلطر الذي ّ‬ ‫لعملية التوحيد ال�سيا�سي واالجتماعي‪ .‬اليوم وبعد‬ ‫�أن مل تعد الع�صبية القبلية �أو الدينية �أ�سا�س ًا لقيام‬ ‫الدول احلديثة ولوحدتها ال�سيا�سية واالجتماعية‬ ‫بل املواطنة والتعاقد‪ ،‬وباتت التعددية الثقافية‬ ‫مبا فيها التعددية الدينية عامل غنى و�إثراء‪ ،‬ي�صبح‬ ‫الدين على يد «داع�ش»‪ ،‬والذي كان يف ما م�ضى‬ ‫عام ًال لوحدة الدولة‪ ،‬عامال حا�سم ًا يف تفتيتها‪.‬‬


‫‪07‬‬

‫عربي‬

‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫يف مغزى اعتزال مقتدى ال�صدر لل�سيا�سة‬ ‫اعتربت حكومة املالكي‪ ،‬وبع�ض ممثليها‪� ،‬أن اعتزال‬ ‫مقتدى ال�صدر لل�سيا�سة �أمراً �شخ�صي ًا‪ ،‬وب�أنه قرار‬ ‫«يعود لل�سيد مقتدى ال�صدر»‪ ،‬ومل ت�رش احلكومة �أو‬ ‫من ميثلها �إىل مغزى هذا االعتزال ال�سيا�سي‪ ،‬والذي‬ ‫من �ش�أنه �أن يعقد الأمور يف امل�شهد العراقي‪ ،‬وهو‬ ‫م�شهد معقد �أ�ص ًال‪ ،‬مع تنامي العلميات والتفجريات‪،‬‬ ‫والتي ذهب �ضحيتها حوايل ‪ 1000‬مواطن عراقي‬ ‫خالل �شهر يناير‪ :‬كانون الثاين املا�ضي‪.‬‬ ‫حتاول حكومة املالكي التقليل من �أهمية اعتزال‬ ‫ال�صدر للحياة ال�سيا�سية‪ ،‬لكن �أياد عالوي رئي�س‬ ‫ائتالف «الوطنية» اعترب �أن قرار ال�صدر ي�شري �إىل‬ ‫جوهر الأزمة يف العراق‪ ،‬وهي احتكار ال�سلطة من‬ ‫قبل املالكي‪ ،‬وهو ما كان قد قاله ال�صدر يف بيان‬

‫اعتزاله املتلفز‪ ،‬والذي ا�ستمر ‪ 11‬دقيقة‪ ،‬متهم ًا‬ ‫فيه نوري املالكي بالديكتاتورية‪ ،‬ورف�ض فيه ما‬ ‫يجري من قتل با�سم «القانون �أو الدين»‪.‬‬ ‫البع�ض يعترب �أن اعتزال ال�سيد ال�صدر مناورة‬ ‫�سيا�سية‪ ،‬والبع�ض الآخر اعتربه �ضغط ًا �إيراني ًا على‬ ‫ال�صدر‪ ،‬لكن مواقف ال�صدر الأخرية �ضد دخول قوات‬ ‫اجلي�ش �إىل الأنبار ت�ؤكد على �أن ال�صدر‪ ،‬يحاول‬ ‫و�ضع كل الأطراف �أمام حجم الكارثة يف العراق‪،‬‬ ‫و�أن يوجه ر�سالة �إىل الداخل واخلارج‪ ،‬خا�صة‬ ‫�إيران‪ ،‬مفادها �أن ا�ستمرار الو�ضع العراقي على‬ ‫احلال الذي و�صل �إليه من �ش�أنه �أن ميزق العراق‪،‬‬ ‫و�أن يجعل من مطالب التق�سيم مطالب حمقة‪ ،‬بل ر‬

‫مبا احلل الوحيد‪.‬‬ ‫يعرب مقتدى ال�صدر عن تيار «الأحرار» �سيا�سي ًا‪،‬‬ ‫لكنه يعك�س مواقف �رشيحة كبرية من ال�شيعة‬ ‫الفقراء الذين �أ�صبحوا عبارة عن كم ا�ستثماري‬ ‫للقوى ال�سيا�سية‪ ،‬من دون �أن يطالهم �أي �شيء من‬ ‫العوائد املالية للنفط العراقي‪ ،‬كما يعرب ال�صدر‬ ‫عن التوافق ال�شيعي ال�سني حول �رضورة �إنهاء‬ ‫ديكتاتورية املالكي‪ ،‬وتو�سيع م�شاركة الأطراف‬ ‫املهم�شة‪ ،‬وحماربة الف�ساد املايل وال�سيا�سي‪ ،‬وهو‬ ‫باعتزاله يدق ناقو�س اخلطر عن احلجم الكارثي‬ ‫الذي و�صلت �إليه �أو�ضاع الف�ساد يف العراق‪ ،‬وغياب‬ ‫امل�رشوع الوطني‪ ،‬وتف�شي البعد الطائفي‪.‬‬

‫�آفاق التنمية يف م�صر بعد عودة الع�سكر‬ ‫تن�شغل الكثري من الدرا�سات حول م�رص‪ ،‬وجلها‬ ‫غربي‪ ،‬حول قدرة الع�سكر العائدين �إىل احلكم‪ ،���بعد‬ ‫عزل مر�سي‪ ،‬يف فتح �آفاق التنمية يف م�رص‪ ،‬وال‬ ‫تبدو الدرا�سات �أو التحليالت حول �إمكانية �إحداث‬ ‫تنمية حقيقية يف م�رص متفائلة‪.‬‬ ‫املع�ضالت الرئي�سية كما يراها حمللون كرث‪ ،‬تكمن‬ ‫يف �أن عودة الع�سكر تعني ف�شل القوى ال�سيا�سية‬ ‫يف �إنتاج بديل دميقراطي من جهة‪ ،‬لكن يف الوقت‬ ‫نف�سه‪ ،‬تعني قوة امل�ؤ�س�سة الع�سكرية‪ ،‬ورغبتها‬ ‫يف الدفاع عن م�صاحلها ومكت�سباتها التي‬ ‫حققتها خالل عقود طويلة‪ ،‬خا�صة يف املجال‬ ‫االقت�صادي‪ ،‬حيث تهيمن امل�ؤ�س�سة الع�سكرية على‬ ‫الكثري من القطاعات االقت�صادية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل‬ ‫نفوذ امل�ؤ�س�سة الع�سكرية يف �أجهزة الدولة‪.‬‬ ‫م�ؤخراً‪� ،‬رسبت دوائر مقربة من امل�شري عبد الفتاح‬

‫ال�سي�سي م�رشوعه االنتخابي‪ ،‬والذي يقوم على‬ ‫دعم التنمية‪ ،‬وخا�صة يف �سيناء‪ ،‬و�إحداث م�شاريع‬ ‫اقت�صادية ميكن �أن ت�ستوعب �أعداد كبرية من‬ ‫ال�شباب العاطلني عن العمل‪ ،‬كما يركز م�رشوع‬ ‫ال�سي�سي على دعم ال�رشائح الأكرث فقراً‪ ،‬وهي كلها‬ ‫م�سائل مهمة للتنمية‪ ،‬لكن ما هي �أدوات ال�سي�سي‬ ‫لتحقيق هذه املعجزات؟‪.‬‬ ‫�إن القوى التي تدعم ال�سي�سي هي يف جزء منها‬ ‫تابعة للنظام القدمي "نظام ح�سني مبارك"‪ ،‬وهي‬ ‫كانت جزءاً ال يتجز�أ من امل�شكلة االقت�صادية يف‬ ‫م�رص‪ ،‬فهل ميكن �أن ت�سمح هذه القوى ب�إق�صاء‬ ‫م�صاحلها‪ ،‬على الرغم من دعمها للم�شري؟‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬ما هو مثري للقلق‪� ،‬أن احلراك الثوري ال�شبابي‬ ‫الذي كان معو ًال عليه يف �إحداث فرق داخل م�رص‪،‬‬ ‫يعاين اليوم من متزق يف ن�سيجه العام‪ ،‬وثمة‬

‫خالفات كبرية داخل حركة "مترد"‪ ،‬كما �أن القوى‬ ‫التقليدية ال تبدو �أنها مت�صلة بال�شعب‪ ،‬ولي�س لها‬ ‫قواعد مهمة‪ ،‬ما يجعل امل�ؤ�س�سة الع�سكرية هي‬ ‫الأقدر على قيادة البالد‪ ،‬لكن هذا ال يعني‪� ،‬أنها‬ ‫قادرة على �إحداث التنمية‪ ،‬ما يهدد الحق ًا مبوجة‬ ‫من االحتجاجات املطلبية وال�سيا�سية‪.‬‬ ‫من جهة �أخرى‪ ،‬ف�إن معظم التقارير التي‬ ‫�أ�صدرتها منظمات حقوقية يف الآونة الأخرية‪،‬‬ ‫ت�ؤكد على تراجع احلريات ال�سيا�سية والإعالمية‪،‬‬ ‫وعودة الإعالم امل�رصي �إىل لعب دور الداعم‬ ‫للم�ؤ�س�سة الع�سكرية ورموزها‪ ،‬وهو ما ال ي�سهم‬ ‫يف فتح املجال �أمام �صعود قوى جديدة‪ ،‬ميكن‬ ‫لها �أن تكون �رشيك ًا مهم ًا يف التوازن ال�سيا�سي‪،‬‬ ‫ويف العملية التنموية‪.‬‬


‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫الأخرية‬

‫العدد (‪ 2014/03/2 )129‬م‬

‫‪08‬‬

‫العلمانية « امل�ؤمنة » �ضمانة للتقدم العربي‬ ‫د‪ .‬عبداهلل تركماين‬

‫بات من الوا�ضح اليوم � ّأن الب�رشية هي يف طور التغيرّ ات‬ ‫الكربى يف جمتمعاتها ويف قيمها ومفاهيمها‪ ،‬ويف‬ ‫التغيات تبدو العلمانية �أحد حماور االختالف‬ ‫�سياق هذه رّ‬ ‫يف ج�سد االجتماع ال�سيا�سي العربي الراهن‪ ،‬خا�صة بعد‬ ‫ال�صخب املفتعل الذي �أحدثته بع�ض الفتاوى‪ ،‬لي�س يف‬ ‫املجتمعات العربية – الإ�سالمية فح�سب‪ ،‬بل بني �صفوف‬ ‫العرب وامل�سلمني املقيمني واملواطنني يف دول �أوروبية‪.‬‬ ‫ويبدو � ّأن العلمانية لي�ست �شعاراً يرفع‪ ،‬بل هي اجتاه‬ ‫تاريخي‪ ،‬وجملة مواقف‪ ،‬وقوى اجتماعية‪ ،‬تدرك‬ ‫التطور التاريخي للمجتمعات‪ ،‬وتتوافق مع الرتقي‪ ،‬ومع‬ ‫التحوالت االجتماعية على ال�صعيدين العربي والعاملي‪.‬‬ ‫ومن ثم‪ ،‬فالعلمانية ‪ -‬مبا يراد لها �أن تكون ت�شخي�ص ًا‬ ‫عربي ًا ‪ -‬ترى يف التعاطي املجدي مع التناق�ضات‬ ‫وال�رصاعات الطائفية واملذهبية والإثنية‪ ،‬التي ُت�ؤَ َّجج‬ ‫يف العامل العربي‪� ،‬أمراً حا�سم ًا يف �صالح اخلطوة الأوىل‬ ‫باجتاه فعل تاريخي عربي مفتوح نحو امل�ستقبل‪ .‬وبهذا‪،‬‬ ‫ف� ّإن العلمانية املعنية هنا ال عالقة لها مبا تل�صقه‬ ‫الأ�صولية الإ�سالموية من مماهاة بينها وبني الإحلاد‪،‬‬ ‫ومن االعتقاد ب�أنها م�ؤامرة غربية لتدمري الإ�سالم من‬ ‫داخله‪.‬‬ ‫� ّإن ح�سم وجتاوز اجلدل القائم منذ قرنني حول �رضورة‬ ‫العلمانية بات ي�شكل املدخل الرئي�سي لإقامة الدولة‬ ‫الع�رصية‪ ،‬املدنية بطبيعتها‪ ،‬حيث يبدو من ال�صعب‬ ‫التقدم نحو احلرية والدميوقراطية من دون اخلروج‬ ‫من التناق�ضات االجتماعية العميقة والقفز فوق‬ ‫م�س�ألة التمييز الديني �أو املذهبي �أو القومي‪ ،‬على‬ ‫كافة م�ستويات احلياة العامة العربية مبا فيها ق�ضايا‬ ‫الأحوال ال�شخ�صية‪.‬‬ ‫لقد �آن �أوان تبلور اخلطاب النقدي العلماين داخل العامل‬ ‫العربي ويف املهاجر العربية‪ ،‬الذي يلخ�ص عملية التغيري‬ ‫احل�ضاري الواجبة وامل�ست�رشفة لآفاق التقدم العربي‪.‬‬ ‫ينظم العالقات بني الأفراد‬ ‫فالعلمانية نظام عام عقالين ّ‬ ‫واجلماعات وامل�ؤ�س�سات‪ ،‬فيما بينها‪ ،‬وفيما بينها‬ ‫والدولة‪ ،‬على �أ�سا�س مبادئ وقوانني عامة م�ستمدة‬ ‫من الواقع االجتماعي والتجربة التاريخية‪ ،‬يت�ساوى‬

‫�أمامها جميع �أع�ضاء املجتمع وفئاته ب�رصف النظر عن‬ ‫االنتماءات الدينية والقومية واخللفيات الفكرية‪ .‬وملا‬ ‫كان الأمر كذلك‪ ،‬ف� ّإن العلمانية جتد مرتعها اخل�صب يف‬ ‫�إطار من الدميقراطية‪ ،‬التي متار�س عقالني ًا وتنويرياً‪،‬‬ ‫وذلك على نحو تغدو فيه الدميقراطية والعقالنية‬ ‫والتنوير �أحد �أوجه العلمانية و�صيغة من �صيغ التحفيز‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫ارتبطت العلمانية ب�أكرث من معنى‪ ،‬فهي لي�ست فقط‬ ‫مبعنى ف�صل الدين عن الدولة‪ ،‬كما هو �شائع يف العامل‬ ‫العربي‪ ،‬بل كان االرتباط الأوثق بني العلمانية والدولة‬ ‫القومية‪ ،‬حني انبثقت من ثقافة دميقراطية و�رصاع يف‬ ‫�سبيل التقدم وكرامة الإن�سان‪ ،‬وجاءت مبثابة ت�أكيد‬ ‫على قدرته على تنظيم �ش�ؤونه تنظيم ًا عقالنياً‪ .‬لذا‬ ‫فاملبد�أ الأ�سا�سي يف العلمنة ي�ؤكد � ّأن الدين �أمر �شخ�صي‪،‬‬ ‫وينبغي‪ ،‬بالتايل‪ ،‬ف�صله عن الدولة واملدر�سة والأحوال‬ ‫ال�شخ�صية‪.‬‬ ‫كرث ال يدركون متام ًا ماهية العلمانية هذه‪ ،‬ومدى‬ ‫�أهميتها من �أجل بناء جمتمعات عربية دميقراطية على‬ ‫م�ستوى حتديات الع�رص‪ .‬ولرمبا ال�سبب يف رف�ضهم‬ ‫العلمانية هو �أنهم يخ�شون �أن تكون مرادف ًا ملعاداة‬ ‫الدين‪ ،‬على � ّأن هذا اخللط ال �أ�سا�س له‪ ،‬بل � ّأن العلمانية‬ ‫من �ش�أنها �أن حترر الدين من ا�ستغالل ال�سلطة له‪.‬‬ ‫تقوي ُبعد القناعة‬ ‫وبالتايل ف� ّإن العلمانية من �ش�أنها �أن ّ‬ ‫الفردية احلرة من العقيدة الدينية‪ ،‬وذلك من خالل فك‬ ‫االرتباط بني الدين وال�سلطة‪ .‬بل � ّأن العلمانية هي‪ ،‬يف‬ ‫جوهرها‪ ،‬لي�ست �سوى الت�أويل احلقيقي والفهم ال�صحيح‬ ‫للدين‪ ،‬على الأقل يف جانب املعامالت والقيم العامة‬ ‫التي يحملها‪.‬‬ ‫وعندما تطرح العلمانية‪ ،‬مبعنى عدم تدخل الدولة يف‬ ‫ال�ش�ؤون الدينية ملواطنيها وبحيث تكون املواطنة هي‬ ‫�أ�سا�س العالقة بني الدولة واملواطن‪ ،‬ف�إنها ‪ -‬يف هذه‬ ‫احلالة ‪� -‬أقرب لأن تكون مفهوم ًا �سيا�سياً‪ ،‬ي�شكل �ضمانة‬ ‫�أكيدة للم�ساواة ولتالحم املجتمع‪ ،‬حيث تكون العالقة‬ ‫بالوطن والدولة عالقة �سيا�سية‪ ،‬ولي�ست عالقة دينية‬

‫قد حتد من امل�ساواة ال�سيا�سية بني �أ�صحاب الديانات‬ ‫والقوميات املختلفة‪.‬‬ ‫� ّإن العلمنة منظومة عقلية منطقية غري قابلة للتجزئة‪،‬‬ ‫تت�أ�س�س على دعامتني‪� :‬ألأوىل‪ ،‬اعتبار الدولة العلمانية‬ ‫�ضمانة وحدة املواطنني‪ ،‬بحكم قدرتها على جتاوز‬ ‫االنق�سامات االجتماعية التي تنخر اجل�سم ال�سيا�سي‪،‬‬ ‫ومن ثم قدرتها على التعبري عن امل�صلحة العامة (يف‬ ‫حال كونها دولة حق وقانون)‪ .‬والثانية‪ّ � ،‬أن الدولة لي�ست‬ ‫جمرد �أداة لإدارة ال�ش�أن العام‪ ،‬بل هي مو�ضع حلول‬ ‫العدالة الكاملة واخلري الأعظم‪ ،‬ما يعطيها م�رشوعية‬ ‫التدخل لإ�شاعة قيمها وت�صوراتها املفرت�ض فيها �أن‬ ‫تكون القيم العامة والكلية للمجتمع‪.‬‬ ‫ومن امللفت لالنتباه � ّأن مفكري النه�ضة العربية‬ ‫احلديثة يف القرن التا�سع ع�رش‪ ،‬مبا فيهم تيار الإ�صالح‬ ‫الإ�سالمي‪ ،‬طرحوا كيفيات حتديث الدولة العربية‬ ‫وفق ر�ؤية علمانية‪ .‬فقد �أقامت الإ�صالحية الإ�سالمية‬ ‫م�ساوقة بني «الإ�سالم ال�صحيح والعقل» وبني العقل‬ ‫الو�ضعي واحلداثة‪ ،‬ف�أ�صبح من املمكن يف هذا الو�ضع‬ ‫�أن تقوم املماهاة بني الإ�سالم واحلداثة بعامة‪ ،‬و�أن‬ ‫يكون �أ�سا�س ًا ملدنية �سوية ال تتميز عن املدنية العلمانية‬ ‫احلديثة‪ ،‬وهي الأمنوذج العملي‪� ،‬إال متييزاً ِق َيمياً‪ .‬وعلى‬ ‫هذا الأ�سا�س‪� ،‬أعادت الإ�صالحية الإ�سالمية االعتبار �إىل‬ ‫املرجعية الإ�سالمية التي �أعيد ت�أويلها‪ ،‬فكان الإ�سالم‬ ‫النفعي ( مقا�صد ال�رشيعة ) التابع للت�أويل العلماين‬ ‫بالفعل �أو بالقوة‪ ،‬دون اللفظ‪ ،‬م�ضمون ًا للإ�سالم املعياري‬ ‫الذي و�ضعته الإ�صالحية الإ�سالمية مرجع ًا لها‪.‬‬ ‫وعليه‪ ،‬لقد بات مطلوب ًا التخ ّلي عن فكرة � ّأن العلمانية‬ ‫هي �أمنوذج غربي غري �صالح لتعميمه �رشقاً‪ ،‬وعن � ّأن‬ ‫العلمانيني هم م�ستوردو �أفكار ومناذج‪ .‬وللخروج من‬ ‫هذه امل�آزق ال بد من �إقامة حوار هادئ يهدف �إىل �إنتاج‬ ‫�صيغة جديدة تقوم على �أ�سا�س تغيري بنيوي جوهري‬ ‫تدرجي عرب املعاجلات العلمانية‪ ،‬على �أن ال تنخرط‬ ‫تيارات هذا احلوار يف منطق احلاكم العربي امل� ِّؤجل‬ ‫للإ�صالح والتغيري حتت �أية حجة �أو �شعار‪.‬‬


Al badil 129