Page 1

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ 2014/05/11‬م‬ ‫العدد (‪)139‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫‪01‬‬

‫ا�سبوعية‪�-‬سيا�سية‪-‬م�ستقلة‬ ‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫رئي�س التحرير ‪ :‬ح�سام مريو‬ ‫‪www.al-badeel.org‬‬

‫‪Issue (139) 11/05/2014‬‬

‫ما بعد حم�ص‪� ..‬أبواب احللول املغلقة‬

‫خرج املقاتلون من حم�ص القدمية‪ ،‬ومتكن النظام من‬ ‫ب�سط �سيطرته على �أنقا�ض مدينة لها رمزيتها العالية‬ ‫يف حراك ال�سوريون من �أجل احلرية‪ ،‬و�أتى خروج‬ ‫املقاتلني كما بات معروف ًا عرب �إرادة �إيرانية بالدرجة‬ ‫الأوىل‪ ،‬وبعد ح�صار دام ‪ 700‬يوم للمدينة القدمية‪ ،‬ومل‬ ‫يعد مبقدور املقاتلني اال�ستمرار لفرتة �أطول‪� ،‬إذ انعدمت‬ ‫من الناحية الع�سكرية �أية �إمكانية جدية لفك احل�صار‬ ‫عنهم‪.‬‬ ‫لكن الأ�سئلة التي يح�رض حتت وقع هذا احلدث كثرية‪،‬‬ ‫ومنها ‪ :‬ماذا بعد �إحكام النظام �سيطرته على حم�ص؟‬ ‫هل �سيتقدم نحو حلب ونحو �إدلب‪ ،‬مب�ساندة احللفاء‬ ‫من حزب اهلل والف�صائل العراقية؟ وماذا يعني لو‬ ‫ب�سط النظام �سيطرته من جديد على كامل اجلغرافيا‬ ‫ال�سورية؟‪.‬‬ ‫الكارثة ال�سورية جتاوزت ال�رصاع على اجلغرافيا‪ ،‬فلو‬ ‫افرت�ضنا جد ًال �أن النظام �سيتمكن من ب�سط �سيطرته‬ ‫على كامل اجلغرافيا ال�سورية فهل لنا �أن نتخيل‬ ‫�إمكانية �أن يحكمها من جديد‪ ،‬وما ينطبق على النظام‬ ‫ينطبق على �أي قوة �أخرى من الف�صائل امل�سلحة‪� ،‬إذ‬ ‫يبدو �رضب ًا من �رضوب اخليال توليد حكم جديد لكامل‬ ‫الأر�ض ال�سورية من دون توافق ال�سوريني �أنف�سهم‪ ،‬ومن‬ ‫اخليال �أي�ض ًا ت�صور �أية فر�صة لدولة حتكم مركزي ًا من‬ ‫دم�شق‪ ،‬لقد بات هذا الأمر من املا�ضي‪ ،‬والتم�سك به‪،‬‬ ‫يعني الإجهاز فعلي ًا على ما تبقى من �سورية‪ ،‬ويبدو‬

‫وا�ضح ًا �أن هناك من ال يريد �أن يفكر بغري هذه الطريقة‪،‬‬ ‫�أي تدمري �سورية دون �أي �إح�سا�س مب�س�ؤولية جتاه‬ ‫م�ستقبل البالد‪ ،‬ووقف الكارثة عند احلد الذي �آلت �إليه‬ ‫من معطيات‪.‬‬ ‫�إ�رصار النظام على احلل الع�سكري مل يعد خيار النظام‬ ‫ال�سوري‪ ،‬لقد بات �إ�رصاراً من احلليف الإيراين على‬ ‫ا�ستثمار الكارثة ال�سورية �إىل �أبعد حد ممكن‪ ،‬ووفق ًا‬ ‫ملنطق الأوراق التي ميكن �أن تزيد من قدراته على‬ ‫التفاو�ض مع الغرب‪ ،‬لي�س فقط على ملفه النووي‪،‬‬ ‫وحدود التخ�صيب‪ ،‬وما �إىل هنالك من ق�ضايا تقنية‪،‬‬ ‫بل مفاو�ضات على موقع �إيران امل�ستقبلي يف جممل‬ ‫ق�ضايا ال�رشق الأو�سط‪ ،‬ويف جممل امل�صالح التي‬ ‫تت�ضمنها املنطقة‪ ،‬خا�صة يف جمال النفط والغاز‪.‬‬ ‫الإيرانيون‪� ،‬أي�ضاً‪ ،‬مل يعودوا فقط خلفاء للنظام‪� ،‬إنهم‬ ‫على الأر�ض‪ ،‬وهو ما ت�ؤكده جمموعة من الوقائع‪،‬‬ ‫ولي�ست مفاو�ضات خروج املقاتلني من حم�ص �إال‬ ‫�إحدى تلك الدالئل‪ ،‬وهم لن ي�سمحوا من حيث املبد�أ‬ ‫ب�أي وقف للنزيف ال�سوري دون �أن يكونوا مكون ًا‬ ‫رئي�سي ًا يف �صياغة �أي حل م�ستقبلي ‪ ،‬و�أن ي�ضمنوا‬ ‫م�صاحلهم اال�سرتاتيجية‪.‬‬ ‫باملقابل‪ ،‬ف�إن الأطراف الإقليمية والدولية لي�ست‬ ‫جاهزة بعد لأي حل يف �سوريا‪� ،‬إذ من غري املتوقع‬ ‫�أن يتوقف اال�ستثمار الإقليمي والدويل يف امل�أ�ساة‬ ‫ال�سورية قبل �إن�ضاج جملة من التفاهمات بني الأطراف‬

‫ح�سام مريو‬

‫املنخرطة يف الأزمة‪ ،‬وما زال من املبكر التكهن فيما‬ ‫�إذا كان ال�رصاع �سينتهي �إىل تفاهمات من بينها امللف‬ ‫ال�سوري‪� ،‬أم �أن ال�رصاع الإقليمي �سي�ستمر‪ ،‬وت�ستمر معه‬ ‫الأزمة ال�سورية يف ف�صول جديدة‪.‬‬ ‫وحدهم ال�سوريون يدفعون الثمن يف دراما ال تبدو‬ ‫مالمح نهايتها قريبة‪ ،‬بل هي مر�شحة للمزيد من‬ ‫امل�أ�ساوية‪ ،‬خا�صة �أن الأطراف ال�سورية من نظام‬ ‫ومعار�ضة مل تعد تقرر �سري الأحداث وتطورها‪ ،‬لكنها‬ ‫مرغمة على ا�ستكمال دورها يف هذه اللعبة القاتلة‪.‬‬ ‫لقد بكى �سوريون كرث خروج املقاتلني من حم�ص‪،‬‬ ‫وخون البع�ض الف�صائل املوجودة يف �أماكن �أخرى‬ ‫ّ‬ ‫لتخاذلها عن م�ساندة مقاتلي حم�ص‪ ،‬وهو ما يذكر‬ ‫فعلياً مبا جرى يف الق�صري والقلمون �سابقاً من تبادل‬ ‫لالتهامات‪ ،‬لكن امل�س�ألة مل تعد خ�سارة قوى "الثورة"‬ ‫�أمام ميلي�شيا نظام‪� ،‬إنها م�س�ألة ان�سداد �أفق �أمام بزوغ‬ ‫عوامل حقيقية ميكن البناء عليها حلل �سوري‪� -‬سوري‪،‬‬ ‫وما يجب الت�أثر به وجداني ًا و�أخالقي ًا ووطني ًا هو‬ ‫عدم قدرتنا ك�سوريني على بناء حلول حتفظ �سوريا‬ ‫من الدمار‪ ،‬ومتهد الطريق �أمام معاجلة �آثار املرحلة‬ ‫املا�ضية‪ ،‬وامل�ضي نحو م�ستقبل جديد‪.‬‬ ‫باخت�صار‪� ،‬إن ما جرى يف حم�ص ي�ؤكد على �أن �أبواب‬ ‫احللول ما زالت مغلقة حتى �إ�شعار �آخر‪ ،‬لكن امل�شكلة �أن‬ ‫مفاتيح احللول مل تعد يف �أيدي ال�سوريني‪ ،‬فهل ثمة من‬ ‫�سيعمل على ا�ستعادتها؟‪.‬‬


‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬ ‫تقارير ‪02‬‬ ‫منظمات املجتمع املدين بني الرباميل املتفجرة والأعالم ال�سوداء‬ ‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫ا�سطنبول‪ -‬يا�سر بدوي‪:‬‬

‫ال يختلف كثريا امل�شهد املدين الفرعي عن ال�صورة‬ ‫الكلية والعامة للعمل ال�سيا�سي والع�سكري‪ .‬احلالة‬ ‫ال�سورية تقع خارج املنطق وامل�ألوف‪ ،‬والتباينات‬ ‫حادة يف الفكر وال�سيا�سة والعي�ش ‪ .‬الأزمة واحلرب‬ ‫جتمعات ال‬ ‫والثورة‪ ،‬خلقت وقائع كارثية‪ ،‬و�أنتجت‬ ‫ً‬ ‫متار�س الفو�ضى وتعيق التطور فح�سب‪ ،‬بل تدعي‬ ‫لنف�سها حاكمية م�ستمدة من اهلل ‪ ,‬تلغي وتكفر كل‬ ‫ن�شاط ال يقا�س وفق �رشعها املنحرف عن معايري‬ ‫الب�رش‪.‬‬ ‫بعدما خنق نظام البعث املجتمع املدين ال�سوري‬ ‫لعقود‪ ،‬جند من املفجع �أن يف�شل املجتمع الدويل‬ ‫الآن يف �إطالق طاقته البناءة فيما يتعلق بالو�صول‬ ‫�إىل �إجماع �أكرث و�ضوح ًا جتاه املعار�ضة‪ ،‬وك�سبيل‬ ‫�أي�ضا لتح�سني الو�ضع (�أو على الأقل تقليل ن�سبة‬ ‫تدهوره)‪ .‬بل كان ينبغي دعم ذلك منذ فرتة طويلة‬ ‫على اعتبار �أن حركة االحتجاج يف حد ذاتها كانت‬ ‫جت�سيداً ملجتمع مدين ين�شد انتقا ًال �سلمي ًا �إىل نظام‬ ‫دميقراطي‪.‬‬ ‫واليوم احلاجة ملحة �أكرث لدعم جمتمع مدين حملي‪،‬‬ ‫وذلك لتقليل خماطر ن�شوب حرب �أهلية مرتقبة‪.‬‬ ‫فالدعم القوي جلماعات جمتمع مدين منتقاة‬ ‫بعناية ميكن �أن يعمل على احلد من ال�رصاعات‬ ‫الطائفية والت�صعيدات الفو�ضوية النا�شئة عن هذا‬ ‫ال�رصاع‪ ،‬وحتد من بروز ال�صور النمطية ملجاهدي‬ ‫القاعدة الذين احتلوا امل�شهد و امل�ساحات الفائ�ضة‬ ‫يف التغطيات الإعالمية‪ ،‬وراح اخلوف يزداد حدة‬ ‫من �أن تتحول �أية م�ساعدات خلدمة العلم الأ�سود‬ ‫‪ .‬فجماعات املعار�ضة التي ت�شجع على العالقات‬ ‫الإيجابية واحلوار بني خمتلف الف�صائل الدينية‬ ‫والعرقية ال�سورية تعترب حموراً �أ�سا�سيا لتوحيد‬ ‫ن�سيج املجتمع ‪.‬‬ ‫رغم كل هذا الواقع امل�أ�ساوي ووط�أة احلاجات‬ ‫ما يزال املجتمع املدين يبحث عن نف�سه يف‬ ‫االغرتاب‪ ،‬ل�صعوبة �إن مل يكن ا�ستحالة العمل يف‬ ‫الداخل ‪ ،‬فالرباميل املتفجرة و "داع�ش" عدوان لكل‬ ‫ما هو مدين ‪ ،‬ويعترب الطرفان النظام و القاعدة‬ ‫الروابط املدنية كفراً وم�ؤامرة ‪ ،‬ففي تركيا يحاول‬ ‫دعاة املجتمع املدين بناء م�ؤ�س�ساتهم يف جميع‬ ‫املجاالت‪ ،‬لكن �إىل اليوم مل تتبلور ب�ؤرة وا�ضحة �أو‬ ‫وعاء يحتوي العمل املدين ‪.‬‬ ‫عقدت العديد من امل�ؤمترات لبلورة �صيغة تنطلق‬ ‫منها م�ؤ�س�سات وجمعيات �أهلية‪ ،‬لكنها كما �أ�سلفنا‬ ‫حمكومة بالظرف ال�سوري املتعدد الأقطاب‪،‬‬ ‫واخلائف من التوظيف ال�سيا�سي‪ ،‬ولع ّل �أهم ما‬ ‫يحكم تبعرث ال�صورة العامة هو �ضعف الوعي‬ ‫ب�أهمية وجود هذه املنظمات ‪ ،‬ف�ض ًال عن الت�ضارب‬ ‫و الت�ضاد يف فهم طبيعية عمل هذه امل�ؤ�س�سات بني‬ ‫كونها عمل تطوعي حمكوم بن�شاط حول م�صالح‬ ‫وقيم و�أهداف م�شرتكة للمواطن ال�سوري وما‬ ‫يتطلب من تقدمي اخلدمات �أو دعم للتعليم و التنمية‪،‬‬ ‫وبني كونها و�سيلة ا�سرتزاق وربح‪ ،‬ما يجعل‬ ‫بع�ض القوى تت�رس بها لتحقيق �أهداف خا�صة‪،‬‬

‫املجال�س املحلية يف الغوطة ال�رشقية‬

‫رغم كل هذا الواقع امل�أ�ساوي ووط�أة‬ ‫احلاجات ما يزال املجتمع املدين‬ ‫يبحث عن نف�سه يف االغرتاب‬ ‫و�إن كانت م�رشوعة يف عملية البناء املدين‪� ،‬إال‬ ‫�أن لها ح�سا�سيتها يف الظرف الراهن ‪ ،‬ف�ض ًال عن‬ ‫�ضعف االخت�صا�صات التي ت�ستطيع ت�أهيل الكوادر‬ ‫الب�رشية القادرة على النهو�ض يف هذا امل�سار ‪.‬‬ ‫يف عملية البحث ال�شاقة عن منظمات املجتمع‬ ‫املدين‪ ،‬تبزر ب�صعوبة م�شقة العثور على بناء وا�ضح‪،‬‬ ‫مما يدل على �ضعف الإنتاج‪ ،‬فنجد احتاد منظمات‬ ‫املجتمع املدين ال�سوري (‪ )ouscs‬ي�ضم االحتاد‬ ‫�أكرث من ثمانني رابطة وهيئة وم�ؤ�س�سة جلها م�شكلة‬ ‫يف دول العامل ‪.‬‬ ‫م�ؤ�س�سة "وطن" ت�ضم جمموعة من امل�ؤ�س�سات‬ ‫يعرف عنها ملهم اجلندي املتحدث با�سمها �أنها‬ ‫تهدف لرت�سيخ العمل امل�ؤ�س�ساتي اجلماعي املنتظم‪،‬‬ ‫وتتكون "وطن" من ثمانية م�ؤ�س�سات يف جماالت‬ ‫الأعمال اخلريية والإعالمية والدرا�سات ‪.‬‬ ‫جمموعة "نه�ضة وطن" قيد الت�أ�سي�س‪ ،‬وهناك‬ ‫العديد من امل�ؤ�س�سات املدنية التي تولد يومي ًا‪ ،‬لكن‬ ‫ي�صعب حتديد مقدار ت�أثريها الفعلي على الأر�ض‪،‬‬ ‫ما خال تقدمي امل�ساعدات الطبية و الإغاثة و�إقامة‬ ‫دورات متنوعة يف التنمية والت�أهيل والتطوير ‪.‬‬ ‫�إن احلاجة ما�سة وملحة لدعم هذه امل�ؤ�س�سات‬ ‫الوليدة بعد �أن تقدم نظام ًا م�ؤ�س�سي ًا يراعي اجلودة‬ ‫واملعايري الدولية املتعارف عليها‪ ،‬وعلى ر�أ�سها‬ ‫االخت�صا�ص الذي ي�ضمن �إنتاجا يلعب دوراً يف‬ ‫املتجمع ال�سوري الذي يتعر�ض �إىل جميع �صنوف‬ ‫القهر والقتل والإلغاء‪ ،‬وهذه املهمة تقوم بها جميع‬ ‫املنظمات الدولية ذات ال�صلة والدول ال�صديقة‬ ‫لل�شعب ال�سوري‪ ،‬ف�ض ًال من الفعاليات ال�سورية‬ ‫االقت�صادية ورجال الأعمال ‪ ،‬دون االنزالق �إىل‬

‫م�سار الربحية‪ .‬ويف هذا املجال البد من التمييز بني‬ ‫�أنواع م�ؤ�س�سات املجتمع املدين‪ ،‬و�أن يكون �إعالنها‬ ‫ووثائق ت�أ�سي�سها وا�ضحة الأهداف‪ ،‬و�أن يكون‬ ‫هناك �آليات تك�شف عن مدى فعاليتها ودورها‪.‬‬ ‫تدرك جميع الأنظمة اال�ستبدادية �أن التجمعات‬ ‫ال�شعبية املنظمة هي �أكرب عامل يهدد وجودها‬ ‫و�سيطرتها وثباتها ‪ ،‬لذلك عمل النظام ال�سوري‬ ‫جاهداً خالل �سنوات حكمه على حتجيم دور‬ ‫املجتمع املدين‪ ،‬و�إخ�ضاعه ل�سلطته التع�سفية‬ ‫املخابراتية ‪ ،‬وقد جنح يف حتويل النقابات العمالية‬ ‫واالحتادات املهنية من منظمات يفرت�ض �أن تدافع‬ ‫عن حقوق منت�سبيها �إىل مراكز �أمنية ت�سوق للأ�رسة‬ ‫احلاكمة‪ ،‬وما يزال يحاول �إف�شال �أي جتمع مدين‬ ‫لذلك �رشده و ق�صفه ‪.‬‬ ‫العوائق التي حالت دون حتول كيانات الثورة‬ ‫كثرية ‪ ،‬مل ت�ستطيع �أغلب الكيانات ال�سورية التحول‬ ‫�إىل م�ؤ�س�سات قادرة على مراكمة اخلربات و �إدارة‬ ‫الطاقات بال�شكل الذي ي�ضمن جتاوز العقبات و‬ ‫�ضمان �سالمة �سري �أعمال امل�ؤ�س�سة‪ .‬و لعل توافر‬ ‫عن�رص اال�ستقرار يعترب �رشط ًا �أ�سا�سي ًا للعمل‬ ‫امل�ؤ�س�سي‪ ،‬بينما الواقع �أن هذا العن�رص هو من �أكرث‬ ‫الأمور ندر ًة يف امل�شهد ال�سوري منذ بداية الأحداث‬ ‫اجلارية‪.‬‬ ‫رمبا تكون النظرة متباينة بني �ضعف الفعالية‬ ‫ب�سبب التعدد والتدفق لهذه امل�ؤ�س�سات وبني‬ ‫�رضورة تنوعها حتى ال تقع يف حظرية جهة‬ ‫�سيا�سية واحدة جتري ل�صاحلها‪ ،‬وتعيد �إنتاج احلزب‬ ‫الواحد‪ ،‬وبالتايل ت�ؤثر يف التعددية ال�سيا�سية‬ ‫واالنتقال الدميقراطي املن�شود يف �سوريا ‪ ،‬لكنها‬ ‫وفق ر�أينا تبقى حالة �صحية ا�ستطاعت تقدمي‬ ‫التغذية املعنوية واملادية يف املجتمع ال�سوري‪،‬‬ ‫و�إن ب�صورة غري مرتبة ب�سبب قوة الإظهار ل�صورة‬ ‫املدافع والطريان والرايات ال�سوداء ‪.‬‬


‫تقارير‬

‫‪03‬‬ ‫تناق�ضات ال�صراع ‪« :‬اجلبهة اجلنوبية» حتاول الترب أ� من «الن�صرة»‬ ‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫ليزا لندكوي�ست‪� -‬إعداد وترجمة «البديل»‪:‬‬

‫جتمع �أكناف بيت املقد�س يف درعا‬

‫تتواجد يف النزاع ال�سوري احلايل عدد ال يح�صى‬ ‫من الف�صائل واملجموعات املقاتلة‪ ،‬وتقوم و�سائل‬ ‫الإعالم الر�سمية واملعار�ضة بتقدمي روايات‬ ‫متناق�ضة عما يجري‪ ،‬وال يقت�رص الت�ضارب يف‬ ‫الروايات الإعالمية على النظام واملعار�ضة‪ ،‬و�إمنا‬ ‫�أي�ض ًا جماعات املراقبني‪ ،‬والأمم املتحدة‪ ،‬والإعالم‬ ‫الدويل‪ ،‬والدول املختلفة‪ ،‬الكل يقدم وجهة نظره‬ ‫اخلا�صة‪ ،‬وبات من ال�صعب �أن نف�صل بني الواقعي‬ ‫واخليايل‪.‬‬ ‫يتحدث تقرير لوكالة فران�س بر�س عن حتالف ن�ش�أ‬ ‫منذ �شهرين يف اجلبهة اجلنوبية‪ ،‬وقال �أن الت�شكيل‬ ‫اجلديد يتكون من ‪� 30‬ألف مقاتل ينتمون �إىل ‪55‬‬ ‫ف�صي ًال من اجلماعات املقاتلة جنوب البالد‪.‬‬ ‫و يهدف التحالف اجلديد �إىل التخفيف من املخاوف‬ ‫الغربية حول �إمكانية و�صول امل�ساعدات املقدمة‬ ‫من الغرب �إىل ف�صائل مرتبطة بتنظيم القاعدة‪،‬‬ ‫وو�صول الأ�سلحة �إىل املتطرفني‪ ،‬كما يهدف‬ ‫التحالف اجلديد �إىل "توحيد الف�صائل التي تقاتل‬ ‫للإطاحة بنظام ب�شار الأ�سد‪ ،‬والعمل على خلق دولة‬ ‫دميقراطية من �ش�أنها �أن حتافظ على حقوق جميع‬ ‫ال�رشائح و الأقليات" وذلك بح�سب ابراهيم اجلباوي‪،‬‬ ‫وهو عميد �رشطة �سابق وحتول �إىل متحدث با�سم‬ ‫التحالف‪.‬‬ ‫وقال اجلباوي �إن "هذه الف�صائل خا�ضت معارك‬ ‫كبرية �ضد قوات الأ�سد ‪ ،‬وحققت االنت�صارات"‪.‬‬ ‫وتابع‪" :‬يف الأيام الأخرية على �سبيل املثال‪،‬‬ ‫مقاتلني من �أكرث من ‪ 16‬ف�صي ًال حرروا موقعا‬ ‫ا�سرتاتيجيا تابع ًا للواء ‪ ،" 61‬وهو اللواء امل�س�ؤول‬ ‫عن حرا�سة احلدود ال�سورية مع �إ�رسائيل‪.‬‬ ‫وقال �أبو املجد ‪ ،‬املتحدث با�سم لواء الريموك ‪ ،‬وهو‬ ‫�أحد �أقوى الأع�ضاء يف التحالف �إن اجلبهة كانت‬ ‫ن�شطة منذ ف�شل حمادثات ال�سالم يف جنيف يف‬

‫وقت �سابق هذا العام‪.‬‬ ‫اململكة العربية ال�سعودية ‪ ،‬واحدة من الداعمني‬ ‫الرئي�سيني لالنتفا�ضة �ضد الأ�سد ‪ ،‬لديها ت�أثري قوي‬ ‫على املتمردين يف اجلنوب ‪ ،‬حيث �أنها عملت مع‬ ‫الأردن للم�ساعدة يف توحيد الف�صائل املختلفة ‪،‬‬ ‫وفقا مل�صادر يف املعار�ضة ال�سورية‪.‬‬ ‫اجلباوي وغريه ي�رصون على �أن حتالفهم ال يوجد‬ ‫فيه مكان جلبهة الن�رصة‪ ،‬وهو اجلناح ال�سوري‬ ‫لتنظيم القاعدة ‪� ،‬أو لتنظيم الدولة الإ�سالمية يف‬ ‫العراق وال�شام "داع�ش"‪.‬‬ ‫وقال اجلباوي‪ " :‬تعدد الف�صائل ال ي�ؤدي �إىل نتائج‬ ‫�إيجابية ‪ ،‬وهذا هو ال�سبب الذي دفعنا �إىل توحيد‬ ‫الف�صائل املعتدلة حتت مظلة واحدة"‪ .‬و�أ�ضاف �أن‬ ‫"الن�رصة‪ ،‬التي لديها ت�أثري حمدود يف اجلنوب‪ ،‬لي�س‬ ‫لديها �أي دور يف اجلبهة اجلنوبية ‪ ،‬واجلماعات‬ ‫الإ�سالمية الأخرى يف اجلنوب حمدودة ولي�ست‬ ‫قوية‪" .‬‬ ‫امل�شكلة مع هذه الق�صة �أننا ن�شعر بالر�ضا بادئ‬ ‫الأمر‪ ،‬خا�صة �أن كون املعتدلني هم النواة الأ�سا�سية‬ ‫لهذا التحالف‪ ،‬لكننا‪� ،‬إذا دققنا قلي ًال يف جمريات‬ ‫الأحداث يف اجلبهة اجلنوبية نف�سها‪� ،‬سنكت�شف‬ ‫�أن وجود "الن�رصة" لي�س �ضعيف ًا‪ ،‬كذلك القوى‬ ‫الإ�سالمية الأخرى‪ ،‬مثلما هو الأمر يف جميع �أنحاء‬ ‫البالد‪ ،‬ففي �شهر �أبريل‪ /‬ني�سان املا�ضي �شنت‬ ‫الن�رصة واجلبهة هجوم ًا قوي ًا يف حمافظة درعا‬ ‫لب�سط نفوذها يف املحافظة‪ ،‬و�أي�ض ًا يف القنيطرة‪.‬‬ ‫يف ‪� 25‬أبريل‪ /‬ني�سان املا�ضي ‪� ،‬أفاد املر�صد‬ ‫ال�سوري �أن العديد من الف�صائل الع�سكرية الإ�سالمية‬ ‫مبا يف ذلك جبهة الن�رصة جنحت يف ك�رس احل�صار‬ ‫الذي دام عام ًا كام ًال على مدينة نوى‪ ،‬و�أن الدور‬ ‫الكبري يف املعركة تولته "الن�رصة"‪ ،‬وفر�ضوا‬ ‫�سيطرتهم على تل اجلابية ‪ ،‬مقر اللواء ‪. 61‬‬

‫كما �أن القائد امليداين للجبهة الإ�سالمية قتل يف‬ ‫معارك مع قوات النظام لل�سيطرة على تل اجلابية ‪،‬‬ ‫وجاء يف بيان ن�رشته جبهة الن�رصة يوم ‪� 26‬أبريل‪/‬‬ ‫ني�سان املا�ضي �أنها قامت بتحرير تل اجلابية‪،‬‬ ‫وجاء يف البيان �أن املعركة خا�ضها "الأ�سود من‬ ‫جبهة الن�رصة مب�شاركة ف�صائل �أخرى"‪.‬‬ ‫وبالتايل ف�إن ادعاء اجلباوي املتحدث با�سم اجلبهة‬ ‫اجلنوبية �أن ‪ 16‬ف�صي ًال من اجلبهة اجلنوبية قاموا"‬ ‫بتحرير موقع ا�سرتاتيجي تابع �إىل اللواء ‪ " 61‬يغفل‬ ‫احلقيقة احلرجة‪ ،‬وهي �أن جلبهة الن�رصة والف�صائل‬ ‫الإ�سالمية دور كبري وحا�سم يف املعركة‪.‬‬ ‫تل اجلابية ميتلك �أهمية كبرية للنظام ال�سوري‪،‬‬ ‫حيث يتواجد فيه اللواء ‪ ،61‬وهو �أحد �أكرب �ألوية‬ ‫اجلي�ش ال�سوري‪ ،‬وفيه حمطات ا�ستطالع وت�شوي�ش‪.‬‬ ‫�إن ت�أكيدات اجلباوي حول "الن�رصة" والف�صائل‬ ‫الإ�سالمية الأخرى ال ميكن ت�صديقها‪ ،‬فنحن نعلم‬ ‫�أن لواء الريموك‪ ،‬وهو �أحد الف�صائل يف التحالف‬ ‫اجلديد "اجلبهة اجلنوبية" كان قد تعاون يف‬ ‫�سبتمرب‪� /‬أيلول من العام املا�ضي مع "�أكناف بيت‬ ‫املقد�س" وهي جماعة جهادية متحالفة مع تنظيم‬ ‫القاعدة يف عملية هدفت �إىل ال�سيطرة على املعرب‬ ‫احلدودي بني درعا والأردن‪.‬‬ ‫ما نراه‪ ،‬وما �سوف ن�ستمر يف ر�ؤيته‪ ،‬هو ا�ستمرار‬ ‫القتال جنب ًا �إىل جنب بني الف�صائل املعتدلة‬ ‫والف�صائل الإ�سالمية‪ ،‬على الرغم من كل الت�أكيدات‬ ‫الغربية على �أن الدعم لن يوجه �إال للمعتدلني‪ ،‬فلي�س‬ ‫احلر�ص على حتديد من هو املعتدل بني الف�صائل‬ ‫الذي يحدد الواقع‪ ،‬ولكن‪ ،‬هذا ال يعني �أن الغرب‬ ‫ال يبحث عن ف�صائل حمددة يقوم هو بدعمها‪،‬‬ ‫كما حدث م�ؤخراً مع "حزم" التي تتلقى دعم ًا من‬ ‫الواليات املتحدة الأمريكية‪.‬‬


‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫ر�أي‬

‫‪04‬‬

‫تق�سيم املق�سم من �سايك�س بيكو �إىل الأ�سد‬ ‫فيكتوريو�س بيان �شم�س‬

‫بد�أت منذ فرتة‪ ،‬وعلى خلفية احلرب الدائرة على‬ ‫الأر�ض ال�سورية‪ُ ،‬تطرح م�س�ألة م�صري �سورية‬ ‫املوحدة ب�شكلها احلايل على ب�ساط البحث‪ .‬ويف‬ ‫ّ‬ ‫الطرح �إيحاء ب�أن امل�س�ألة قد ت�صبح واقع ًا فعلياً‪ ،‬يف‬ ‫ظل عمليات "تران�سفري" ملناطق ب�أكملها‪ ،‬وخا�صة‬ ‫بيتة لدى النظام‬ ‫مدينة حم�ص‪ ،‬وحديث عن نوايا ُم ّ‬ ‫باالنكفاء �إىل "دولة علوية" كاجرتار مفل�س للتاريخ‬ ‫وحماولة لتكراره والعودة به �إىل العام ‪1922‬عندما‬ ‫ق�سم اال�ستعمار الفرن�سي �سورية �إىل خم�سة كيانات‬ ‫�سيا�سية‪ ،‬فيما ُعرف بـ "االتحّ اد ال�سوري" وقتها‪،‬‬ ‫وتوحدت يف العام ‪ .1925‬يحدث هذا يف‬ ‫عادت‬ ‫ّ‬ ‫ظل و�ضع �إقليمي بالغ التعقيد‪ ،‬وال يق ّل �سوءاً‪ ،‬حيث‬ ‫ُق ّ�سمت ال�سودان بني �شماله وجنوبه يف العام ‪2011‬‬ ‫بالفعل‪ ،‬والق�صة مل تنته‪ ،‬فدارفور م�شكلة �أخرى‬ ‫تواجه ال�سودان‪ ،‬فيما بد�أت تعلو �أ�صوات بع�ض‬ ‫املطالبني مبنحها اال�ستقالل‪ ،‬مثل ح�سن الرتابي‪ .‬عدا‬ ‫عن النوايا بتق�سيم اليمن �إىل �ستة �أقاليم‪ .‬وممار�سات‬ ‫مق�سمة بني‬ ‫توحي �أي�ض ًا ب�أن ليبيا على الطريق‪ّ ،‬‬ ‫�رشق وغرب‪ .‬ف�ض ًال عن �أن العراق ُفدرل بالفعل‪.‬‬ ‫متحركة‬ ‫تبدو اخلريطة ال�سيا�سية يف هذه املنطقة‬ ‫ّ‬ ‫ومتغيرّ ة ب�شكل دائم‪ ،‬فهي حتت االحتالل العثماين‬ ‫�شيء‪ ،‬وبعده �شيء �آخر‪ .‬حتت االحتالل الفرن�سي‬ ‫�شيء‪ ،‬وبعده �شيء �آخر‪ .‬وال �شيء مينع تغيرّ ها بعد �أن‬ ‫ت�ضع هذه احلرب �أوزارها‪ ،‬البل قد تكون احلرب �سبب ًا‬ ‫ومربراً لتق�سيم جديد‪ ،‬يتماهى مع ما يح�صل‬ ‫مكم ًال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يف املحيط القريب‪ .‬فتق�سيم جديد ل�سورية‪� ،‬سينهي‬ ‫حقبة تاريخية كاملة متكاملة‪ ،‬لتبد�أ �أخرى‪� .‬إذ‪ ،‬من‬ ‫غري املعروف ما هو م�صري الأرا�ضي ال�سورية املحتلة‪،‬‬ ‫�سواء تلك التي يف اجلوالن‪� ،‬أو تلك التي يف ال�شمال حتت‬ ‫ال�سيطرة الرتكية منذ العام ‪� ،1938‬أو حتى م�صري‬ ‫الالجئني الفل�سطينيني يف �سورية‪ ،‬والذين �شرُ ّ دوا مع‬ ‫ال�شعب ال�سوري‪ ،‬وعددهم يتجاوز الن�صف مليون‪.‬‬ ‫ومن املعلوم‪� ،‬أن �أي عملية تق�سيم ل�سورية �ستقوم‬

‫بال�رضورة على �أ�سا�س طائفي‪ ،‬وامل�س�ألة لي�ست‬ ‫م�س�ألة "فدرلة" حتمي الأقليات كما قد يتبادر‬ ‫للذهن‪ ،‬لأن منوذج العراق مازال ماث ًال‪ ،‬ومازال‬ ‫م�ستمراً مل يتوقف حلظة واحدة‪.‬‬ ‫ال�رصاع فيه‬ ‫ّ‬ ‫الفدرالية‪ ،‬هي عملية توحيد لكيانات �سيا�سية‪،‬‬ ‫بتوحدها‪ ،‬تتنازل فيها هذه‬ ‫بتفرقها‪ ،‬قوية‬ ‫ّ‬ ‫�ضعيفة ّ‬ ‫الكيانات للدولة الفدرالية عن �سلطاتها ال�سيادية‬ ‫الثالث‪� :‬ش�ؤون املال‪ ،‬وحق �إ�صدار العملة‪ ،‬والتمثيل‬ ‫اخلارجي‪� ،‬إ�ضافة لتخليها عن جيو�شها ل�صالح‬ ‫جي�ش واحد بقيادة الدولة الفدرالية‪ .‬خري منوذج‬ ‫قدم يف التاريخ عن ذلك "الفدرالية الأمريكية" يف‬ ‫ّ‬ ‫العام ‪ ،1776‬والتي اعتمدت د�ستورها احلايل منذ‬ ‫العام ‪ .1787‬اتحّ دت‪ ،‬فا�ستطاعت اال�ستقالل‪ ،‬لتبني‬ ‫الهامة والكربى‬ ‫�أعظم قوة يف العامل‪� .‬أغلب الدول‬ ‫ّ‬ ‫يف �أوروبا فدرالية‪ ،‬مثل �أملانيا‪ ،‬وايطاليا‪ ،‬واململكة‬ ‫امل ّتحدة‪ ،‬وهولندا‪ ،‬و�سوي�رسا‪ ،‬والقائمة تطول‪.‬‬ ‫لكن الفدرلة ُتطرح يف بلداننا من زاوية �أخرى‪� ،‬أي‬ ‫من منطلق تفتيت الكيانات ال�صغرية ال�ضعيفة‬ ‫�أ�ص ًال‪ ،‬حتى لو كانت هذه الكيانات مب�ساحة‬ ‫(‪10,000‬كم)‪ ،‬مثل لبنان‪� ،‬أو (‪320‬كم) مثل‬ ‫غزة التي تبدو منف�صلة بالكامل عن �سلطة رام‬ ‫اهلل‪ ،‬مع �أن م�ساحتهما جمتمعتني ال ت�ساوي‬ ‫(‪ )13%‬من م�ساحة فل�سطني التاريخية‪.‬‬ ‫وامل�شكلة التي تزيد الأمور تعقيداً‪� ،‬أن "املعار�ضة"‬ ‫ال�سورية تفتقد لأي ر�ؤية حول هذه امل�س�ألة‪� ،‬إذ يبدو‬ ‫جمرد ردود �أفعال على‬ ‫عملها وك�أ ّنه يف جممله‬ ‫ّ‬ ‫وح�شية النظام‪ ،‬وطموحات بالو�صول لل�سلطة ب�أي‬ ‫�شكل من الأ�شكال‪ .‬لكن هذا على �سوئه ال ُي�ساوي‬

‫احتمــــاالت التق�ســـيم مرتبطة‬ ‫بال�ضبــــــط باحتمـــاالت طــــول‬ ‫بقاء النظام‬

‫�شيئ ًا �أمام ممار�سات النظام وحلفائه‪" ،‬الوحدويني"‬ ‫منهم بالتحديد‪" .‬فاحلزب القومي ال�سوري" الذي‬ ‫يطالب بتوحيد دول و�أقاليم "الهالل اخل�صيب"‪،‬‬ ‫والذي �إ�ضافة �إىل �سوريا الطبيعية‪ ،‬يعترب قرب�ص‬ ‫ابتداء من دجلة‬ ‫و�سيناء امل�رصية وغرب العراق‬ ‫ً‬ ‫جزءاً منها‪ ،‬مل ي ُقم هذا احلزب بنقد واحد لأدائه‬ ‫مب�ؤازرة النظام يف عمليات القتل والتهجري‪ ،‬على‬ ‫حت�سب ًا �إذا‬ ‫الأقل لرفع امل�س�ؤولية التاريخية عنه‪� ،‬أو ّ‬ ‫ما كانت "اخلطة ب" لدى النظام‪ ،‬تقت�ضي تق�سيم‬ ‫البالد ما مل ت�ستقم له الأمور على كامل ترابها‪،‬‬ ‫برمتها‪ .‬وق�س‬ ‫لأن �أي تق�سيم �سي�ؤ ّثر على املنطقة ّ‬ ‫على موقف هذا احلزب‪ ،‬مواقف كل الأحزاب التي‬ ‫تدور يف فلك النظام‪ ،‬من رافعي لواء القومية‪.‬‬ ‫يف بداية الأحداث‪ ،‬كان النظام يرمي ا ّتهاماته‬ ‫على ال�شعب ال�سوري �رشق ًا وغرب ًا كيفما ا ّتفق‪ ،‬يف‬ ‫حماولة لتلفيق النية بتق�سيم البالد‪ ،‬قبل �أن تت�ش ّكل‬ ‫"املعار�ضة" ب�شكلها احلايل‪ .‬فيما عبرّ م�س�ؤولون‬ ‫مرة عن خوفهم‬ ‫فرن�سيون رفيعي امل�ستوى يف �أكرث من ّ‬ ‫على الأقليات‪ ،‬وبالتحديد امل�سيحيني‪ .‬وعليه‪ ،‬فقد‬ ‫حتم�س ًا ل�رضبة ع�سكرية للنظام‬ ‫كانوا �أكرث الأطراف ّ‬ ‫عندما ح�شدت �أمريكا �سفنها قبالة ال�سواحل ال�سورية‬ ‫يف �أوا�سط �آب‪ ،2013 /‬لرت�سل فرقاطتها "�شيفالييه‬ ‫�رصح الرئي�س‬ ‫�رساً يف ال�رضبة‪ ،‬فيما ّ‬ ‫بول" للم�شاركة ّ‬ ‫الفرن�سي عقب رف�ض "جمل�س العموم" الربيطاين‬ ‫بامل�شاركة‪�" :‬إن رف�ض جمل�س العموم للم�شاركة لن‬ ‫حترك متنا�سب‬ ‫ي�ؤ ّثر على موقف فرن�سا الداعي �إىل ّ‬ ‫ذكر بامل�شاركة‬ ‫وحازم �ضد دم�شق"‪ .‬وهو ما ُي ّ‬ ‫الربيطانية الفعالة كقوة �أ�سا�سية يف احتالل العراق‬ ‫يف ني�سان‪ ،2003 /‬والتي انتهت �إىل فدرلته بال�شكل‬ ‫الذي هو عليه اليوم‪ .‬بريطانيا التي احتلت العراق‬ ‫يف العام ‪ ،1914‬وخرجت منه يف العام ‪ ،1947‬مل‬ ‫ُيعرف ما �إذا كانت عودتها نتيجة طموحات با�سرتداد‬ ‫م�ستعمرتها القدمية‪� ،‬أم من باب معرفتها مبخابئ‬ ‫و�أ�رسار هذا البلد‪ .‬ما ينطبق على بريطانيا يف احلالة‬ ‫العراقية‪ ،‬ينطبق على فرن�سا يف مثيلتها ال�سورية‪.‬‬ ‫معمق‪ ،‬ال محُ ّرمات فيه‪،‬‬ ‫هذه م�س�ألة بحاجة لنقا�ش ّ‬ ‫ينطلق من �س�ؤال كالتايل‪ :‬هل يدافع النظام عن حدود‬ ‫�سوريا التي ر�سمتها ا ّتفاقية "�سايك�س – بيكو" يف‬ ‫العام ‪� ،1916‬أم لديه ر�ؤية �أخرى؟‪ .‬و�إن كان هذا‪،‬‬ ‫هكذا‪ ،‬ما هي ا�سرتاتيجية "املعار�ضة" (بعيداً عن‬ ‫الف�صاحة واخلطابة) يف مواجهة هذا ال�سيناريو؟ لأن‬ ‫كل امل�ؤ�شرّ ات‪ ،‬بالإ�ضافة ملمار�سات النظام‪ ،‬و�صمت‬ ‫توجه نحو التق�سيم‪� ،‬أو ب�أح�سن‬ ‫"املعار�ضة"‪ُ ،‬‬ ‫تدل على ّ‬ ‫الأحوال حما�ص�صة على غرار النموذج اللبناين‪ ،‬الذي‬ ‫بال�رضورة �سيالقي ترحيب ًا من الالعبني الدوليني يف‬ ‫�سوريا مبا هو �ضمانة لأمن الكيان ال�صهيوين‪ .‬وحده‬ ‫ال�شعب ال�سوري مبا هو �صاحب امل�صلحة الأ�سا�سي‪،‬‬ ‫من ي�ستطيع �إف�شال هذا ال�سيناريو‪� ،‬رشيطة �أن يقوم‬ ‫بثورته الثانية على كل هذه ال�سيناريوهات‪ ،‬والتي‬ ‫�سيكون �أ�سو�أها على الإطالق ا�ستمرار هذا النظام يف‬ ‫ال�سلطة‪ ،‬لأن احتماالت التق�سيم‪ ،‬مرتبطة بال�ضبط‬ ‫عمق ال�رشخ املجتمعي‬ ‫باحتماالت طول بقائه‪ ،‬الذي ُي ّ‬ ‫�أكرث ف�أكرث‪.‬‬


‫‪05‬‬

‫ر�أي‬

‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫ب�شار الأ�سد مر�شح ًا وك�أن ال�سوريني مل يكتفوا!‬ ‫غازي دحمان‬

‫�أن ير�شح ب�شار الأ�سد نف�سه النتخابات جديدة‪ ،‬فذلك‬ ‫له معاين �أبعد بكثري من �صفة االنف�صام عن الواقع‬ ‫التي و�صفه بها �سيا�سيون ومفكرون كانوا قد التقوا‬ ‫به يف الفرتة الأخرية‪� ،‬أو عاينوا جملة ت�رصفاته يف‬ ‫الآونة الأخرية‪ ،‬فالواقع يقول �أن الرجل رمبا كانت‬ ‫لديه �أحالم ما يف الواقع امليداين‪ ،‬كان يبعد اخلطر‬ ‫عنه �أو حتى ينفذ رغبات حلفاءه وم�شغليه‪� ،‬أو لرمبا‬ ‫ليزيد هام�ش امل�ساومة لديه بالتفاو�ض على خروجه‬ ‫و�أ�رسته �أمنا من �سورية مع بع�ض ال�ضمانات‪ ،‬وهذه‬ ‫قد يح�صلها نتيجة اقتناع بع�ض الأطراف ب�أنه من‬ ‫الأف�ضل �إخراجه من ا�ستمرار قتاله والتفاو�ض معه‬ ‫على هذا الأ�سا�س‪.‬‬ ‫ح�سنا‪ ،‬هذا الأمر كان ممكنا‪ ،‬وحتى املعار�ضة‬ ‫ال�سورية نف�سها تهي�أت ملثل هذا االحتمال‪ ،‬وكان‬ ‫ممكنا لب�شار الأ�سد �أن ي�ستخدم مادة د�ستورية من‬ ‫الد�ستور الذي �صممه بنف�سه‪ ،‬والتي تن�ص على �أنه‬ ‫يحق للرئي�س متديد فرتة الرئا�سة ل�سنتني �إذا كانت‬ ‫الظروف غري منا�سبة لإجراء انتخابات رئا�سية‪ ،‬وكان‬ ‫�سيكون براغماتيا بارعا لو فعل ذلك‪ ،‬فهو ا�ستطاع‬ ‫املماطلة والتهرب من ا�ستحقاق جنيف‪ ،‬وما ي�ستلزمه‬ ‫من ت�شكيل هيئة انتقالية ت�رشف على التح�ضري‬ ‫لالنتخابات الرئا�سية وملرحلة ال يكون للأ�سد دور‬ ‫فيها‪ .‬ب�شار الأ�سد جتاوز هذا الأمر وهي�أ املناخ لقبول‬ ‫حالة التمديد التي بدت �أنها اخليار الأن�سب والأكرث‬ ‫واقعية للجميع‪ ،‬خا�صة و�أن �أمريكا والغرب لي�س‬ ‫لديهم رغبة يف �إزاحة ب�شار الأ�سد نهائياً‪ ،‬نظرا لعدم‬ ‫تبلور بديل وا�ضح‪.‬‬ ‫�أما �أن يتجاوز ب�شار الأ�سد كل هذه املعطيات ويتجه‬ ‫�إىل �إعادة انتخاب نف�سه فتلك م�س�ألة ترفع درجة‬ ‫التحدي �إىل مديات غري م�سبوقة ‪ ،‬ذلك �أن ب�شار‬ ‫الأ�سد لي�س طرف ًا براني ًا يف الأزمة‪ ،‬كما �أنه يكاد ال‬ ‫ي�شبه �أحداً يف الأزمة ال�سورية‪ ،‬هو حمور احلدث‬ ‫وجوهر و�صلب الق�ضية‪ ،‬وهذه ال�صفات مينحها له‬ ‫طبيعة النظام ال�سيا�سي ال�شديد الرتكز حول �شخ�صية‬

‫الرئي�س‪ ،‬والذي ال يكتفي غالبا بدور ووظيفة الرئي�س‬ ‫رغم �صالحياتها الوا�سعة‪� ،‬إذ جنده دائما ي�ستفيد من‬ ‫�أحزمة القوة التي تتيحها �صفات الزعيم والقائد‪،‬‬ ‫و�سواها من �صفات القوة تلك‪.‬‬ ‫كل الدالئل ت�شري �إىل �أن ب�شار الأ�سد‪ ،‬ب�صفته تلك‪ ،‬كان‬ ‫وراء كل �أمر �صغري فيما خ�ص عمليات القتل والدمار‬ ‫والتهجري‪ ،‬الكثري من الوثائق جرى ت�رسيبها خال‬ ‫الفرتة املا�ضية �أو�ضحت مبا ال يدع جماال لل�شك‪ ،‬ب�أن‬ ‫ب�شار الأ�سد كان يتابع بنف�سه كل عملية اعتقال وقتل‬ ‫واغت�صاب‪ ،‬كانت حت�صل على الأر�ض ال�سورية‪ ،‬ثمة‬ ‫بع�ض العمليات التي مل يكن على علم بتفا�صيلها‪،‬‬ ‫�أو مل يكن يعرف �أكرث عن حيثياتها‪ ،‬وهي تلك التي‬ ‫كانت تقع يف قطاعات جرى ت�سليمها للجماعات‬ ‫ال�شيعية العراقية او جلماعة حزب اهلل‪� ،‬أو للمخابرات‬ ‫الإيرانية عموما‪ ،‬هنا وبحكم عدم وجود عامل الثقة‬ ‫ف�إنه مل يكن يجري �إطالع ب�شار الأ�سد يف قطاعات‬ ‫املوت التي �سلمها‪ ،‬على �شكل تعهد‪ ،‬لإيران و�أذرعها‪.‬‬ ‫�إذاً ما الوعد الذي يحمله ب�شار الأ�سد‪ ،‬ملا تبقى من‬ ‫�شعب �سورية؟ ‪ .‬مزيدا من اخلراب واملوت والت�رشيد‪،‬‬ ‫وهل هذه ال ميكن حتقيقها �إال �إذا �أخذت �صفة ر�سمية‬ ‫وطابع َا �رشعيا!‪ ،‬الطغاة وقحون دائما‪ ،‬املهم عندهم‬ ‫دائما ال�شكل اخلارجي للعملية‪ ،‬بالن�سبة للنظام ‪،‬‬ ‫جمرد �إعالن �إطالق العملية وفق الأطر الر�سمية كان‬ ‫كافي ًا بحد ذاته ليغطي عن كل عيوب العملية‪� ،‬أمل‬ ‫ي�أتي ب�شار الأ�سد نف�سه اىل ال�سلطة وفق عملية �شكلية‬ ‫ركزت على تعديل واحدة من فقرات الد�ستور‪ ،‬بغ�ض‬ ‫الب�رص عن الآلية التي متت بها واملناخ الذي رافقها‬ ‫والظروف التي �أنتجتها‪ ،‬واالهم من كل ذلك‪ ،‬طبيعة‬ ‫النتائج التي ترتبت عليها‪.‬‬ ‫كل قتيل وكل معاق وكل م�رشد من �سورية‪ ،‬كل‬ ‫خمفي وكل معتقل يف �سورية هو ق�ضية بذاتها‬ ‫تنت�صب يف وجه مهزلة �إعادة انتخاب ب�شار الأ�سد‪.‬‬ ‫مل يح�صل يف تاريخ ال�سيا�سة �أن جرى �إعادة تدوير‬ ‫اجلرمية لتعيد �إنتاج �رشوط عملها اجلديدة‪� ،‬أي مبعنى‬

‫�إعادة تر�شيق اجلرمية‪ ،‬ولكن هذه املرة وفق ا�شرتاط‬ ‫امل�ساهمة الفعلية لل�ضحايا يف �إكمال ِن�صاب اللعبة‪،‬‬ ‫والأهم �أنها يجب �أن تتمظهر على �شكل م�شهد مملوء‬ ‫بالرموز وال�صور امل�صممة جيدا لتعطي االنطباع‬ ‫الكايف عن العملية‪ -‬العر�س‪ ،‬واال�ستحقاق التاريخي‪،‬‬ ‫والدميقراطية التي فا�ضت عن الكيل‪ ،‬والتي مل يوجد‬ ‫مثلها حتى يف الغرب نف�سه‪ ،‬خمرتع الدميقراطية‪.‬‬ ‫لكن مه ًال‪ ،‬ثمة �أ�سئلة كثرية تننت�صب يف وجه مثل‬ ‫هذا التزوير الفا�ضح‪ ،‬من �أين لأي عملية انتخابية‬ ‫�أن جتري يف ظروف كهذه ؟‪ ،‬هل يكفي �إجراء العملية‬ ‫بالأ�شخا�ص املوجودين يف املناطق التي ي�سيطر‬ ‫عليها النظام؟‪ ،‬وماذا عن ماليني ال�سوريني امل�رشدين‬ ‫يف املخيمات وعلى احلدود‪ ،‬هل �ستفقدهم العملية‬ ‫االنتخابية هويتهم ال�سورية‪ ،‬على اعتبار �أن ما بعد‬ ‫االنتخابات لي�س كما قبلها‪ ،‬وخا�صة على �صعيد‬ ‫الهوية الوطنية؟‪.‬‬ ‫لكن ال�س�ؤال الأهم هو ما يتعلق بامل�رشوع والربنامج‬ ‫االنتخابي لب�شار الأ�سد‪ ،‬وما دامت هذه انتخابات‬ ‫تعددية‪ ،‬فال �شك ان كل مر�شح �سيكون ملزما ب�رشح‬ ‫ف�ضائله وتعدداها و�إبرازها عن مناف�سيه الآخرين‪،‬‬ ‫حتى يت�سنى للنا�س انتخابها؟‪ ،‬الغالب ان ب�شار الأ�سد‬ ‫رجل من جن�س املالئكة‪ ،‬هكذا يرى نف�سه‪ ،‬وهكذا يراه‬ ‫م�ؤيديه وبيئته فال داعي ال�ستعرا�ض برامج انتخابية‪،‬‬ ‫الرجل ي�سطر بالدم والبارود والدخان والرباميل �أعظم‬ ‫م�أ�ساة على ج�سد �سورية‪ ،‬فما احلاجة لأ�سطر من‬ ‫حرب؟‪.‬‬ ‫من امل�ؤكد �أن برنامج ب�شار االنتخابي �سيحتوي‬ ‫�ضمانات مل�شغليه الرو�س والإيرانيني‪ ،‬وت�أكيدات‬ ‫ب�أنه �سيتابع امل�شوار الذي بد�أه بقتل ال�سوريني‪ ،‬كما‬ ‫�أنه �سيعد �أن�صاره ومواليه ب�إنزال مزيد من الدمار‬ ‫والقتل بال�سوريني كي ي�شحذ هممهم‪ ،‬ومينحهم دافع‬ ‫اال�ستمرار بت�أييده‪ ،‬لكن ال�س�ؤال �أين ال�سوريني من‬ ‫كل ذلك؟‪ ،‬ماليني امل�رشدين ال رئي�س وال برنامج‬ ‫انتخابي وال عزاء‪.‬‬


‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫ق�ضايا‬

‫‪06‬‬

‫الإ�سالموية‪ :‬الف�شل الأخالقي يف ممار�سة ال�سيا�سة‬ ‫حكم عاقل‬

‫رمبا كانت ال�سمة املميزة ملعظم البلدان املو�صوفة‬ ‫بامل�سلمة هو �ضعف املتطلب الدميقراطي‪ .‬ويتوجب‬ ‫علينا بداية البحث عن �أ�سباب �ضعف هذا املتطلب يف‬ ‫الذهنية ال�سيا�سية الإ�سالمية نف�سها‪.‬‬ ‫فنقي�ض اال�ستبداد يف هذه الذهنية لي�س احلرية‪،‬‬ ‫بل ي�شكل مطلب العدل النقي�ض ملمار�سة اال�ستبداد‪،‬‬ ‫و امل�صطلح املتداول تراثيا هو " احلاكم العادل"‪.‬‬ ‫ويكت�سب العدل مفهوما ف�ضفا�ضا �أكرث من كونه‬ ‫م�صطلحا حتدده هذه الذهنية بدقة‪� .‬إذ تتعامل الكتب‬ ‫الرتاثية مع م�صطلح "احلاكم العادل" من خالل‬ ‫تو�سيع دالالته لي�شمل ممار�سات �أخالقية عدة بدءا‬ ‫من متابعة �ش�ؤون الرعية مهما كانت �صغرية و�صوال‬ ‫�إىل حفظ احلرمات‪� .‬أما املعار�ضة لال�ستبداد فت�أخذ‬ ‫طابع ًا �أخالقيا �أكرث من كونها مطلبا دميقراطيا �أو‬ ‫احتجاج ًا من �أجل ممار�سة احلرية‪� .‬إذ يغدو �أخطر‬ ‫�أ�شكال اال�ستبداد هو انتهاك احلرمات‪ :‬الدين‪ ،‬العر�ض‪،‬‬ ‫املال‪ ،‬النف�س‪...‬الخ‬ ‫ال وجود للدولة يف الذهنية ال�سيا�سية الإ�سالمية‪ ،‬بل‬ ‫�إن املجتمع املثايل هو الأمة‪ ،‬ويعبرّ عنها �سيا�سيا‬ ‫بالتوحيد‪ ،‬وهو يف �أحد �أعمق معانيه يعني امل�ساواة‪،‬‬ ‫و�إنكار كافة التمايزات العرقية والطبقية‪ .،‬فالتمايز‬ ‫لي�س معطى �سو�سيولوجيا بقدر ما هو خطيئة‪ ،‬هكذا‬ ‫يبتعد ال�سيا�سي عن �أحكام الوجود لي�صبح حكم ًا قيمياً‪.‬‬ ‫واملفا�ضلة بني الأفراد يف املجتمع ال تقوم على �أ�سا�س‬ ‫الكفاءة‪ ،‬بل على �أ�سا�س "التقوى"‪� ،‬أي االلتزام الديني‬ ‫«�إن �أكرمكم عند اهلل �أتقاكم»‪.‬‬ ‫�إن اال�سالم مل يطور مفهوم ًا �سيا�سيا عن احلرية‪،‬‬ ‫فالعدل ال احلرية هو املتعلق بال�سيا�سي‪� ،‬أما احلرية‬ ‫فهي مطلب ميار�س يف �إطار احلياة ال�شخ�صية‪ .‬حتى �أن‬ ‫الرواية ال�شهرية حول زجر عمر بن اخلطاب البن �أحد‬ ‫الوالة (عمر بن العا�ص) و�إطالقه مقولته ال�شهرية‪« :‬متى‬ ‫ا�ستعبدمت النا�س وقد ولدتهم امهاتهم �أحرارا؟» ومهما‬ ‫كانت تقدمية مبقايي�س ذلك الع�رص ف�إنها تبقى دون‬ ‫املفهوم ال�سيا�سي احلديث والأعمق للحرية‪ .‬فاحلرية‬ ‫هنا ما اكت�سب بالوالدة‪ ،‬فما كان لعمر �أن يحتج لو �أن‬ ‫املعتدى عليه هنا �أحد العبيد �أو املوايل‪ ،‬ناهيك عن �أن‬ ‫الإ�سالم ا�ستبدل بتحرمي العبودية املعاملة الأخالقية‬

‫وحث على اعتاقهم �أخالقيا مع غياب‬ ‫احل�سنة للعبيد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الت�رشيع امللزم لهذا الإعتاق‪ .‬هكذا يهيمن املفهوم‬ ‫الأخالقي للحرية فتخرج من �إطار ال�سيا�سي‪.‬‬ ‫هذه الذهنية ال�سيا�سية الكال�سيكية ت�شكل �أحد‬ ‫املرجعيات للإ�سالموية املعا�رصة بحركاتها‬ ‫املتنوعة‪ .‬فاليوم مل يعد هناك �أمة �إ�سالمية باملعنى‬ ‫التقليدي‪ ،‬بل دول‪ ،‬وهذا الت�رشذم من وجهة نظر‬ ‫�إ�سالموية هو خطيئة‪ .‬وتبقى املهمة الأ�سا�سية هي‬ ‫�إعادة توحيد الأمة التي تعك�س وحدانية اهلل‪ ،‬ومن هنا‬ ‫تلك النزعة العاملثالثية التي متيز احلركات الإ�سالموية‬ ‫املعا�رصة‪.‬‬ ‫فامل�صطلح املركزي يف الفكرة الإ�سالموية‬ ‫ ‬ ‫هو احلاكمية‪� .‬إن احلاكمية هلل و�شتان ما بني �رشع‬ ‫اهلل و�رشع الب�رش‪ .‬فالقوانني الو�ضعية هي عبودية‬ ‫للب�رش من دون اهلل‪ .‬واملجتمع الفا�ضل املثال هو الذي‬ ‫يطبق ال�رشيعة‪ ،‬والو�صول اىل ال�سلطة هو ال�سبيل لهذا‬ ‫املجتمع �إما عرب الدعوة (ح�سن البنا) و�إما عرب اجلهاد‬ ‫( �أبو الأعلى املودودي و�سيد قطب)‪ .‬ويف كال احلالني‪،‬‬ ‫احلاكم امل�ستبد هو الذي ال يطبق �رشع اهلل‪� ،‬أما املجتمع‬ ‫اخلا�ضع للقوانني الو�ضعية فهو جمتمع غارق يف‬ ‫اجلاهلية لأنه ينكر �سلطة اهلل‪ .‬وهذه اجلاهلية �أ�سو�أ من‬ ‫جاهلية ما قبل الإ�سالم‪ ،‬ففي حني قامت الأوىل على‬ ‫اجلهل‪ ،‬ف�إن اجلاهلية املعا�رصة هي مترد على اهلل‪ .‬و‬ ‫اجلاهلية لي�ست حقبة زمنية‪ ،‬بل هي عند قطب (معامل‬ ‫على الطريق) حالة متكررة يف كل مرة ينحرف فيها‬ ‫املجتمع عن الطريق الإ�سالمي يف املا�ضي واحلا�رض‬ ‫وامل�ستقبل‪.‬‬ ‫�إن الدعوة ك�أحد و�سائل الزحف نحو ال�سلطة تفرت�ض‬ ‫خلق مثال �إ�سالمي‪ .‬فمن واجب الإ�سالموي �أن يحاكي‬ ‫�سلوك النبي حممد قو ًال وفع ًال‪� .‬إن هذا املثال هو‬ ‫يف النهاية لي�س �سيا�سيا بل �أخالقيا‪� .‬أما الهيكلية‬ ‫التنظيمية للحركات الإ�سالموية فهي �أبعد ما تكون‬ ‫عن �أن ت�شكل حزبا‪ ،‬بل هي �أقرب �إىل املجتمع امل�ضاد‪.‬‬ ‫ومن هنا كانت هيمنة ت�سمية "اجلماعة" والتي هي يف‬ ‫الذاكرة اجلمعية الإ�سالموية‪ ،‬مالذ للم�ؤمن بو�صفها‬ ‫نوعا من الهجرة الداخلية اتقاء من �رش �أعداء الإ�سالم‪.‬‬ ‫�أما اجلهاد فهو كما يرى املودودي‪« :‬كفاح ثوري‬

‫لال�ستيالء على ال�سلطة من �أجل خري الب�رشية جمعاء»‬ ‫ويبدو �أن مفهوم اخلري هنا ال يحمل معنى �سيا�سي ًا‬ ‫يحيله �إىل مفهوم امل�صلحة‪ .‬واجلهاد الذي مل يرد‬ ‫ك�أحد �أركان الإ�سالم اخلم�سة �أ�صبح لدى الإ�سالمويني‬ ‫فري�ضة غائبة‪ .‬وهو ال يكون على م�ستوى الدولة بل‬ ‫على م�ستوى الأمة‪ .‬ف�ألوف ال�شبان توافدوا للجهاد من‬ ‫هنا وهناك �إىل �أفغان�ستان و�سوريا والعراق وغريها‬ ‫متجاوزين االعتبارات ال�سيا�سية والعرقية‪ .‬وهو �أمر‬ ‫ال يتعلق بالنتيجة املتوخاة منه بقدر ما هو �أمر بني‬ ‫املرء وربه ولي�س بني املرء وعدوه‪.‬‬ ‫�أما التعددية احلزبية فهي مرفو�ضة لأن اخلالف‬ ‫يف الأمة يجب �أن يكون بني �أفراد‪� ،‬أما على م�ستوى‬ ‫الأمة فهناك الإجماع الذي ي�ضمن وحدتها‪ .‬فالإجماع‬ ‫هنا هو الوجه الثاين لعملة الأمة التي ي�شكل التوحيد‬ ‫وجهها الأول‪.‬‬ ‫الإ�سالمويني الذين انتقدوا ذهنية العلماء التقليديني‬ ‫يف الإفراط يف الفقهية الأخالقية وعدم مباالتهم‬ ‫بال�سيا�سي‪� ،‬آل فكرهم لأن يغرق يف الناحية القيمية‬ ‫الأخالقية‪ ،‬ومل يكن فكراً �سيا�سيا‪ ،‬حقيقيا‪ .‬وجتربة‬ ‫«الإخوان امل�سلمني» يف م�رص تربهن �أنه حتى حماولة‬ ‫تطبيق ال�رشيعة كانت م�ضادة ملنطق الدولة احلديثة‪،‬‬ ‫و�أدرك «الإخوان» عدم قدرتهم على �أ�سلمة املجتمع‬ ‫فاكتفوا بـ «�أخونة» الدولة‪� .‬أما �إ�صالح املجتمع فكان‬ ‫�إ�صالحا �أخالقيا و�شكلي ًا قبل كل �شيء‪ ،‬فاحلجاب‬ ‫كان �أهم بكثري من ق�ضايا احلريات والتنمية والبطالة‬ ‫والفقر‪ ،‬وحتى �أهم من جمموع ديون م�رص‪.‬‬ ‫الإ�سالموية يف حلظات عدة ال�سيما يف حلظات الف�شل‬ ‫وتعر�ضها للقمع‪ ،‬متاهت مع تطرف احلركات اجلهادية‬ ‫ال�سلفية‪ ،‬رغم الفارق يف تقبل الإ�سالموية للحداثة‬ ‫ب�شكل عام‪ .‬ولكن كال االجتاهني �أ�صيب ب�إخفاق‬ ‫�سيا�سي وحتى �أخالقي ذريع‪ .‬فلم تنت�رص الأمة‪ ،‬ومل‬ ‫تفلح هذه احلركات يف ال�سيطرة على الت�رشذم التقليدي‪،‬‬ ‫فانت�رصت اخلطيئة ومنطق الدولة تارة والدويالت‬ ‫والإمارات (�سوريا – �أفغان�ستان‪ -‬غزة) تارة �أخرى‪.‬‬ ‫وحتى يف �إيران التي حققت ثورتها الإ�سالمية نتائج‬ ‫ملمو�سة تخلت عن النزعة العاملثالثية ل�صالح التقوقع‬ ‫داخل حدود الدولة‪ ،‬وخلف جدران جمتمع حمافظ‪.‬‬


‫‪07‬‬

‫عربي‬

‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫�شباب ثورة يناير يخ�شون عودة القب�ضة الأمنية‬ ‫القاهرة‪« -‬البديل»‪:‬‬

‫تنظر قطاعات وا�سعة من ال�شباب امل�رصي �إىل التطورات‬ ‫التي �شهدتها ثورتهم �ضد نظام مبارك بكثري من‬ ‫الإحباط‪ ،‬فالبع�ض يعتقد �أن الثورة مل حتقق �أهدافها‬ ‫التي �أعلنتها «عي�ش‪ ،‬حرية‪ ،‬عدالة اجتماعية»‪ ،‬بل اجتهت‬ ‫الأمور نحو الأ�سو�أ‪ ،‬فاملواجهة بني الع�سكر والإخوان‬ ‫�أفرغت الكثري من م�ضامني ثورة ال�شباب‪ ،‬و�أبقت معادلة‬ ‫التغيري يف حالة ا�ستقطاب‪ ،‬وال تظهر �أية مالمح جدية‬ ‫لنهاية هذا اال�ستقطاب‪.‬‬ ‫املحاكمات الأخرية يف م�رص �أفزعت الكثري من‬ ‫ال�شباب الذين �شاركوا يف ثورة ‪ 25‬يناير ‪ ،2011‬و�إن‬ ‫مل يكن ه�ؤالء ال�شباب من منا�رصي الإخوان‪ ،‬لكنهم‬ ‫ي�شعرون بعودة القب�ضة الأمنية على البالد‪ ،‬خا�صة‬ ‫بعد املحاكمات ال�رسيعة التي �أف�ضت �إىل �إ�صدار �أحكام‬ ‫بالإعدام على �شباب من «اجلماعة»‪ ،‬و�إ�صدار �أحكام‬ ‫بال�سجن �ضد �شباب من حركة ‪� 6‬أبريل‪.‬‬

‫من جهة �أخرى‪ ،‬يرى بع�ض ال�شباب امل�رصي �أنه ال ميكن‬ ‫العودة �إىل الوراء‪ ،‬و�أي حماولة من هذا النوع �ستكون‬ ‫كارثة حقيقية‪� ،‬إذ مل يعد ممكن ًا �إقناع النا�س بال�شعارات‪،‬‬ ‫«نحتاج �إىل خطوات ملمو�سة‪ ،‬و�إىل م�شاركة حقيقية‪ ،‬وال‬ ‫يبدو �أن هذا هو املنحى»‪ ،‬بهذه العبارة يلخ�ص �شاب‬ ‫م�رصي ر�ؤيته للأحداث‪ ،‬وهي ر�ؤية ي�شاركه فيها كرث‬ ‫من جيله‪ ،‬وهم من ال�شباب الذي �شارك يف �إ�سقاط نظام‬ ‫مبارك‪ ،‬لكنه ي�شعر اليوم بالتهمي�ش‪ ،‬فقد عادت الكثري‬ ‫من الرموز �إىل الواجهة ب�شكل مبا�رش �أو غري مبا�رش‪ ،‬كما‬ ‫�أن الإعالم امل�رصي مل يبارح حقبة مبارك‪ ،‬ومل يحدث‬ ‫فيه �أي تغيري جدي‪ ،‬وما زال اخلطاب هو نف�سه‪ ،‬وهو ما‬ ‫�أ�صبح ي�شعر قطاعات وا�سعة من امل�رصيني ب�أن الأمل‬ ‫يف �أن يتحول الإعالم �إىل �إعالم لكل الآراء هو جمرد‬ ‫�رساب‪.‬‬ ‫ومع كل ذلك ف�إن احلركة املطلبية امل�رصية ما زالت‬

‫موجودة‪ ،‬خا�صة �أن الوعود بتغيري �أو�ضاع العاملني‬ ‫قد ذهبت �أدراج الرياح‪ ،‬وتعول احلركة املطلبية على‬ ‫تنظيم نف�سها لتكون قادرة على حتقيق مطالبها‪ ،‬لكن‬ ‫كل هذه املطالب ت�صطدم بواقع اقت�صادي �صعب‪،‬‬ ‫وترهل الكثري من امل�ؤ�س�سات التي تفتقد �إىل �أية قدرات‬ ‫حقيقية لتح�سني البيئة املنا�سبة لتنمية الواقع امل�رصي‪،‬‬ ‫وافتقادها �إىل �أي خطط م�ستقبلية‪.‬‬ ‫ورغم كل امل�ؤ�رشات ال�سلبية �إال �أن احلراك ال�شبابي‬ ‫يحاول �إعادة تنظيم نف�سه‪ ،‬وبناء قياداته‪ ،‬وهو ما تعرب‬ ‫عنه الكثري من �أن�شطة هذا احلراك‪ ،‬حيث يبدو الإ�رصار‬ ‫على موا�صلة الن�ضال من �أجل الدميقراطية‪ ،‬وهو ما‬ ‫يعرب عنه �أحد قادة هذا احلراك بالقول‪« :‬م�رص ال حتتمل‬ ‫االختناق من جديد‪ ،‬علينا �أن نفتح النوافذ‪ ،‬و�إال ف�إن ما‬ ‫ينتظر البلد خطري»‪.‬‬

‫فوز املالكي وم�ستقبل الدميقراطية يف العراق‬ ‫خا�ص «البديل»‪:‬‬ ‫ملن منح العراقيون �أ�صواتهم يف االنتخابات‬ ‫الربملانية العراقية؟ ووفق ًا لأية قناعات كان‬ ‫ت�صويتهم؟ وما هي الأولويات التي اختار من خاللها‬ ‫العراقيون كتلتهم ال�سيا�سية؟‪ .‬هذه الأ�سئلة وغريها‬ ‫تك�شف عن �أزمة الدميقراطية يف العراق‪ ،‬ورمبا عن‬ ‫الأزمة البنيوية يف طريقة حكم العراق و�إدارته‪.‬‬ ‫توقعت الكثري من التقارير فوز نوري املالكي‬ ‫(ائتالف دولة القانون) بوالية ثالثة‪ ،‬وعلى الرغم من‬ ‫عدم �صدور النتائج بعد‪� ،‬إال �أن الرتجيحات ت�أتي يف‬ ‫هذا املنحى الذي ي�ؤكد على �أن املالكي �سيمكث يف‬ ‫رئا�سة الوزراء لوالية جديدة‪.‬‬ ‫و�سبقت االنتخابات احلالية مواجهات بني اجلي�ش‬ ‫العراقي وتنظيم الدولة الإ�سالمية يف العراق وال�شام‬ ‫يف منطقة الأنبار‪ ،‬وحماولة املالكي االتفاق مع‬ ‫الع�شائر على التهدئة‪ ،‬ويطمح املالكي من خالل ذلك‬

‫الت�أكيد على �إمكانية الدولة يف مواجهة الإرهاب‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬وكما بات معروفاً‪ ،‬ف�إن �أزمة احلكم يف العراق‬ ‫ال ميكن حلها من خالل الهروب �إىل الأمام‪ ،‬وو�ضع‬ ‫ق�ضية الإرهاب يف مقدمة م�شكالت العراق‪ ،‬فالقوى‬ ‫ال�سيا�سية واملجتمعية ما زالت �أ�سرية املحا�ص�صة‬ ‫الطائفية التي كر�سها الد�ستور العراقي‪ ،‬ولي�س من‬ ‫املتوقع �أن تتغري املعادلة يف الأمد املنظور‪.‬‬ ‫�أحكم املالكي قب�ضته على الكثري من مفا�صل الدولة‬ ‫العراقية‪ ،‬وحتديداً اجلي�ش العراقي‪ ،‬كما �أ�سهمت‬ ‫االنتهازية ال�سيا�سية يف بناء حتالف قوي �ضد �أي‬ ‫�إمكانية لتغيري قواعد العمل ال�سيا�سي بعيداً عن‬ ‫الطائفية‪ ،‬و�أكرث مالم�سة لهموم املواطن العراقي‬ ‫الذي يفتقد �إىل عدد كبري من اخلدمات يف �شتى‬ ‫املجاالت‪ ،‬و�أولها الكهرباء‪.‬‬ ‫عراقيون كرث �أدلوا ب�أ�صواتهم مل�صلحة املالكي على‬ ‫قاعدة �أنه الرجل القادر على مواجهة التنظيمات‬

‫املتطرفة‪ ،‬و�إعادة اال�ستقرار �إىل العراق‪ ،‬كما حدث‬ ‫يف عام ‪ ،2008‬بعد عامني من االقتتال الأهلي‬ ‫(‪.)2007-2006‬‬ ‫خا�ض املالكي خالل العامني �ألأخريين �رصاعات‬ ‫كبرية مع خ�صومه ال�سيا�سيني‪ ،‬ومتكن من �إق�صاء‬ ‫العديد من املناف�سني‪ ،‬وبنى العديد من الوالءات‬ ‫داخل �أجهزة احلكم‪ ،‬وهي اليوم تعود تخدم طموحاته‬ ‫من خالل �صناديق االقرتاع‪ ،‬لي�س لأن الدميقراطية‬ ‫ال�سيا�سية تفرز الأف�ضل‪ ،‬بل لأن العراق ما زال يعاين‬ ‫من �ضعف النخب ال�سيا�سية ذات امل�رشوع الوطني‬ ‫اجلامع‪ ،‬وهو ما ت�ؤكده خطابات القوى ال�سيا�سية‬ ‫التي تتناف�س على الطوائف واملكونات املذهبية‬ ‫والع�شائرية‪ ،‬وميكن بهذا ال�ش�أن مراجعة خارطة‬ ‫القوى ال�سيا�سية‪ ،‬ور�صد جذورها الطائفية امل�ؤ�س�سة‬ ‫لوجودها وا�ستمراريتها‪.‬‬


‫‪ájô```M‬‬ ‫‪ádGó``Y‬‬ ‫‪áæWGƒe‬‬

‫العدد (‪ 2014/05/11 )139‬م‬

‫الأخرية‬

‫‪08‬‬

‫الثقافة العربية و�صدمة امل�ستقبل‬ ‫د‪ .‬عبداهلل تركماين‬

‫بداية‪ ،‬يطرح واقع الثقافة العربية جمموعة ت�سا�ؤالت‪:‬‬ ‫ماهي م�شكالت الثقافة العربية ؟ وهل هناك تف�سري‬ ‫لأ�سباب هذه امل�شكالت ؟ وما هي التحديات اجلديدة‬ ‫التي تطرحها العوملة على الثقافة العربية ؟ وهل‬ ‫ن�ستطيع �أن نبلور �أ�سئلة حتدد �أجوبتها ا�سرتاتيجية‬ ‫ثقافية ؟‬ ‫عر�ضت الثورات املعرفية والتكنولوجية‬ ‫لقد‬ ‫ّ‬ ‫واملعلوماتية العامل العربي ملا ي�سمى بـ «�صدمة‬ ‫امل�ستقبل»‪ ،‬بكل ما تنطوي عليه من حتديات مت�س‬ ‫الكيان العميق للعرب‪ .‬وتزداد الأخطار ت�أثرياً ب�سبب‬ ‫ما يعانيه الكيان العربي نف�سه من عوامل ال�ضعف‬ ‫املتمثلة يف انت�شار الأمية‪ ،‬وتخ ّلف برامج الرتبية‬ ‫والتعليم عن حاجات املجتمعات العربية ومتطلبات‬ ‫الع�رص‪ ،‬ونق�ص احلريات‪ ،‬وانعدام امل�شاركة ال�شعبية‬ ‫احلقيقية والفاعلة‪ ،‬وعدم �شمولية ال�سيا�سات الثقافية‪،‬‬ ‫و�ضعف ال�صناعات الثقافية‪ ،‬و�سيادة الإعالم ال�سطحي‪.‬‬ ‫� ّإن النظام الثقايف العربي �ساهم‪� ،‬إىل حد بعيد‪ ،‬يف‬ ‫�إبعاد العرب عن دائرة امل�شاركة الفعلية يف النظام‬ ‫الثقايف الكوين‪ ،‬وجعلهم �أ�رسى الثقافة اال�ستهالكية‪.‬‬ ‫حول الثقافة الرتاثية �إىل قالع ُمغلقة‬ ‫ويف املقابل‪ّ ،‬‬ ‫حتاول ت�سوير نف�سها خوف ًا من رياح التغيري‪ ،‬وحتتمي‬ ‫وراء التقليد وترديد مقوالت ال�سلف ال�صالح‪.‬‬ ‫وال �شك � ّأن �أزمة الثقافة العربية هي جزء ال يتجز�أ‬ ‫من �أزمة الدولة الوطنية العربية من جهة‪ ،‬وهي‪ ،‬من‬ ‫جهة ثانية‪� ،‬أزمة بنية ثقافية عربية تندرج يف �إطار‬ ‫بنية اقت�صادية ‪ -‬اجتماعية متوارثة منذ عقود طويلة‬ ‫من الركود والت�أخر‪ .‬مما ي�سمح لنا ب�أن نطرح ال�س�ؤال‬ ‫املقلق الذي �أثاره الأمري �شكيب �أر�سالن يف مطلع القرن‬ ‫الع�رشين‪ :‬ملاذا تراجع العرب وتقدم غريهم ؟ وت�سا� َؤل‬ ‫عبداهلل العروي يف كتابه «الإيديولوجية العربية‬ ‫املعا�رصة» عن واقع الثقافة العربية‪ ،‬وتف�سريه �أزمتها‬ ‫ب�أنها �أزمة وعي‪� ،‬أو بالأحرى �أزمة انعدام الوعي‬ ‫بواقعها اخلا�ص‪ .‬على �أنه يف كتابه « مفهوم العقل»‬ ‫ال�صادر عام ‪ ،1996‬انتهى �إىل � ّأن �أزمة الفكر العربي‬

‫هي �أزمة الفعل يف منهجه العقلي‪� ،‬أو بالأحرى �أزمة‬ ‫انعدام الفعل‪� .‬أي � ّأن �أزمة الثقافة العربية املعا�رصة‬ ‫تتمثل يف اختالل العالقة بني الوعي والفعل‪ ،‬بني‬ ‫الوعي املنقو�ص والفعل العاجز‪ ،‬بني التوفيقية‬ ‫امللتب�سة وافتقاد القدرة على احل�سم ؟!‬ ‫املهددة‬ ‫املخاطر‬ ‫ويف زمن العوملة‪ ،‬ف� ّإن طبيعة‬ ‫ّ‬ ‫للثقافة العربية ال تتعلق بعمليات العوملة وتداعياتها‬ ‫الثقافية وال�سيا�سية واالجتماعية‪ ،‬بقدر ما تتعلق مبدى‬ ‫قدرة هذه الهوية الثقافية العربية على جتاوز �أزمتها‪،‬‬ ‫خا�صة ما يتعلق منها بالتنمية ال�شاملة وتو�سيع �إطار‬ ‫الدميقراطية‪ ،‬وتعزيز م�ؤ�س�سات املجتمع املدين‪ ،‬وتفعيل‬ ‫قيم احلوار والتعددية‪ ،‬وقبول الر�أي والر�أي الآخر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وتوفري حرية البحث العلمي‪ ،‬و�إن�شاء نظام تعليمي‬ ‫خمتلف عن النظم القائمة حالياً‪ ،‬خمتلف يف مادته‬ ‫وفل�سفته‪ ،‬يقوم يف الأ�سا�س على ت�أهيل و�إعداد كوادر‬ ‫تعليم عالية املهارات‪ ،‬واحرتام عقل املتل ّقي‪ ،‬وتوفري‬ ‫و�سائل متكينه من اال�ستيعاب الناقد للمعلومات‬ ‫والآراء و�إبداع الأفكار‪ ،‬واخت�صار الزمن يف مناهجنا‬ ‫التعليمية‪ ،‬و�إطالق العنان للطاقات ال�شابة يف كل‬ ‫املجاالت لكي تفكر وتبدع وتعزز ثقتها ب�إمكاناتها‪.‬‬ ‫وللخروج من هذه احلالة ال�ضعيفة للثقافة العربية‪،‬‬ ‫بد من الت�أكيد على‬ ‫خا�صة يف ظل ثقافة العوملة‪ ،‬ال َّ‬ ‫ّ‬ ‫جمموعة جوانب مرتابطة للتغيري الثقايف‪ ،‬الذي مي ّكننا‬ ‫من القطيعة مع الت�أخر واالنطالق �إىل م�سارات النمو‬ ‫والتحرر من املحنة العربية‪:‬‬ ‫والتنمية الذاتية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫(‪ - )1‬ثقافة الدور �أو الواجب احل�ضاري‪� ،‬أي �إحياء فكرة‬ ‫الإعمار التي هي من �أهم الأر�صدة الثقافية للح�ضارة‬ ‫العربية ‪ -‬الإ�سالمية‪ ،‬مبا هي واجب الإن�سان يف الكون‪.‬‬ ‫خا�صة و� ّأن القول قد ح َّل حمل الفعل يف �أداء ر�سالة‬ ‫الدور احل�ضاري يف ثقافتنا العربية‪ ،‬حني اطم�أن‬ ‫العرب �إىل دورهم يف املا�ضي‪ ،‬فعكفوا على متجيده‪،‬‬ ‫دون الإ�ضافة �إليه‪.‬‬ ‫(‪ - )2‬ثقافة االمتياز والإجناز‪� ،‬إذ � ّأن الفائزين يف‬ ‫املناف�سة احل�ضارية هم َم ْن ي�سعون لتحقيق �أعلى‬

‫معدالت و�أرقى م�ستويات الأداء يف جماالت احل�ضارة‬ ‫املختلفة‪ ،‬وبخا�صة جماالت الإنتاج واالقت�صاد‪.‬‬ ‫وتتطلب ثقافة الأداء واالمتياز الت�أكيد على معنى‬ ‫رئي�سي وهو � ّأن العامل قد هجر التفاخر بالأ�صل‪،‬‬ ‫والنوع‪ ،‬والهوية‪ ،‬وجعل القيمة احلقيقية الالزمة‬ ‫لالحرتام والهيبة هي الإجناز‪.‬‬ ‫(‪ - )3‬االنفتاح واملبادرة الإيجابية‪ ،‬حيث � ّأن االنكما�ش‬ ‫واتخاذ موقف الدفاع حيال ما ي�سميه البع�ض بـ‬ ‫«الغزو الثقايف» هو ا�سرتاتيجية بائ�سة وفا�شلة متاماً‪،‬‬ ‫فلم تعد اال�سرتاتيجيات الدفاعية والف�صامية قادرة‬ ‫على �إنقاذ الذات احل�ضارية من الهزمية �أو التبعرث‪،‬‬ ‫و�إمنا �صار الأمل احلقيقي يف ال�صمود رهن ًا بالتعلم‬ ‫وا�ستيعاب واتقان ما لدى الآخرين من ر�صيد املعارف‬ ‫وفنون الإنتاج‪ ،‬ثم يف الثقة بالذات وال�شعور بالواجب‬ ‫احل�ضاري‪ ،‬و�إ�صالح �ش�ؤوننا الداخلية بعدما ف�سدت‬ ‫وتدهورت‪.‬‬ ‫ثمة �أهمية‬ ‫أعاله‪،‬‬ ‫�‬ ‫املو�صوفة‬ ‫املعطيات‪،‬‬ ‫من‬ ‫وانطالقا‬ ‫َّ‬ ‫كربى ل�صياغة ا�سرتاتيجية عربية للحوار مع الثقافات‬ ‫الأخرى‪ ،‬مما ي�ستدعي القيام بدور نقدي مزدوج‪:‬‬ ‫اال�ستيعاب النقدي لفكر الآخر‪ ،‬مبعنى املتابعة الدقيقة‬ ‫للحوار الفكري العميق الذي يدور يف مراكز التفكري‬ ‫العاملية‪ ،‬ويف العوا�صم الثقافية الكربى‪ .‬والنقد الذاتي‬ ‫للأنا العربية‪ ،‬باعتبار � ّأن ذلك هو اخلطوة الأوىل يف �أي‬ ‫جاد‪.‬‬ ‫حوار ح�ضاري ٍّ‬ ‫وهنا تربز مهمة املثقفني بالتوجه �إىل احلداثة كهدف‬ ‫وككل متكامل‪ ،‬مبا ينطوي عليه ذلك من تب ّني ل�سلطان‬ ‫العقل على النقل‪ ،‬والف�صل بني الديني وال�سيا�سي‪،‬‬ ‫والتخ ّلي عن ال�شعارات والأوهام‪ ،‬وفهم اجتاه احلقبة‬ ‫التاريخية املعا�رصة‪ ،‬والدعوة �إىل التحديث ال�سيا�سي‬ ‫باعتباره املدخل احلقيقي لأي حتديث �آخر‪ ،‬والدفاع‬ ‫عن املواطنة التي قوامها امل�ساواة بني املواطنني‬ ‫يف احلقوق والواجبات‪ ،‬والتم�سك باحرتام احلق يف‬ ‫االختالف انطالق ًا من ن�سبية املعتقدات والقناعات‪.‬‬

Al badeel 139  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you