Issuu on Google+

‫في‬

‫اجملتمعات اخلليجية‬ ‫] تمهيد [‬ ‫املؤسسات بأعضائها‪ ،‬وألاعضاء بمؤسساتهم‪ .‬هذا القول الذي يكاد يقترب من أن يشبه حلقة مفرغة‪ ،‬هو‬ ‫واقع يصف عالقة الفرد باملؤسسة باملجتمع‪ .‬واملقال التالي يصف دور مؤسسات املجتمع املدني في منطقة الخليج‪،‬‬ ‫ً‬ ‫واحتماالت تبلورها في أجواء التغيير التي يشهدها الخليج وسكانه‪ .‬وهو يرتبط أساسا بمدى احتماالت انتشار تلك‬ ‫املؤسسات في منطقة لم تكن الكثير من بقاعها تعرف من مؤسسات مدنية غير مؤسسات القبيلة والسلطة‬ ‫ّ‬ ‫فظل وجودها لعقود‬ ‫السياسية‪ ،‬وهي شحيحة ومحدودة‪ .‬وحد من انتشارها وفاعليتها‪ ،‬ربطها بالعمل السياس ي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫محرما لقلق السلطات من أن تشكل تلك املؤسسات حتى في أبسط صورها مواقع للفعل السياس ي‪ .‬وفي حقيقة ألامر‬ ‫ً‬ ‫لم يكن ذلك بعيدا عن الواقع‪ :‬فالتجمع يولد تبادل الهموم‪ ،‬والتبادل يعطي الطريق للبحث عن الحلول‪ ،‬وهو ما‬ ‫يؤدي للسياسة‪.‬‬ ‫أمور كثيرة ّ‬ ‫تغيرت‪ ،‬وبات الفرد الخليجي في حاجة إلى مؤسسات متينة تثري حياته وتسنده وتفسح املجال‬ ‫ً‬ ‫لتنشيط فعاليته‪ ،‬وتوسيع حرياته‪ .‬حينما يود الفرد الخليجي أن يفعل في واقعه‪ ،‬وينشط خاليا حياته بعيدا عن‬ ‫ألاطر الرسمية أو أطر املؤسسات الاقتصادية التي يعمل فيها ويحصل من ورائها على وسيلة عيشه‪ ،‬فإنه بحاجة إلى‬ ‫مؤسسات حديثة‪ ،‬وال نقول عريقة‪ .‬ولكن ضيق الفسحة التي كان يفردها املجتمع لبناء مثل تلك املؤسسات‪ ،‬تعني‬ ‫ً‬ ‫أن ألافراد سيفتقرون إلى وجودها‪ .‬ولربما يتوجب عليهم بناء بعضها منذ البدء لعدم وجودها أصال‪ .‬ولكن البدء‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً ً‬ ‫متأخرا خيرا من عدم البدء أبدا‪ ،‬كما يجري القول السائر‪ .‬ولقد بات الطريق مفتوحا على تفاوت في املدن وألارياف‬ ‫ً‬ ‫وحتى البوادي الخليجية‪ ،‬وما تبقى هو أن يشمر ألافراد ويعملوا إما للبناء على ما كان قائما‪ ،‬أو البدء لتشييد‬ ‫ألاساس‪ .‬وفي ذلك يجب أال يقع سالكو الطريق باالعتقاد أن كل ش يء بيد الدولة‪ ،‬وبها‪ ،‬وألجلها ومنها‪ .‬آن لألفراد أن‬ ‫يتحملوا مسؤولية إمساك أقدارهم بين أيديهم‪.‬‬ ‫العالم بأسره ُيعاد إنتاجه من جديد في ظل ما يشهده من متغيرات استراتيجية متالحقة‪ ،‬خاصة وقد أطل‬ ‫الدب الروس ي برأسه من خالل اجتياحه لجورجيا بعد عزلة خانقة يقوم بها الغرب منذ نهاية الحرب الباردة وتفتت‬ ‫الاتحاد السوفييتي‪ ،‬ليستعيد بذلك توازنه الاستراتيجي‪ ،‬وبهذا يدخل روسيا من جديد في معادلة قديمة جديدة‬ ‫مؤخرا ً‬ ‫ً‬ ‫كتابا بعنوان‬ ‫تسمى بالحرب الباردة‪ .‬وهنا يستحضر روبرت كيغان أحد منظري املحافظين الجدد حيث أصدر‬ ‫''عودة التأريخ ونهاية ألاحالم'' كنقيض لفكرة فرانسيس فوكوياما في ''نهاية التأريخ وإلانسان ألاخير'' إذ يصبح عالم‬ ‫اطية الليبر ّ‬ ‫ما بعد الحرب الباردة وأحالم الديمقر ّ‬ ‫الية ‪-‬حسب رؤية كيغان‪ -‬في مهب الريح‪ ،‬حيث يعود ضبط إلايقاع‬ ‫للعالقات الدولية على وتيرة الصراع من جديد بين معسكرين اثنين‪ :‬أحدهما ديمقراطي تتزعمه أميركا وأوروبا‬ ‫ّ‬ ‫واليابان والهند‪ ،‬وآلاخر استبدادي سلطوي تقوده الصين وروسيا‪ ،‬بمعنى أن الثنائية الاستر ّ‬ ‫الدولية تعود‬ ‫اتيجية‬ ‫صفحة | ‪1‬‬


‫اتيجيا باعتباره ً‬ ‫بشكل مختلف وموسع‪ ،‬مما حدا بـ كيغان نفسه أن يقدم اقتر ً‬ ‫احا استر ًّ‬ ‫معززا للدور الذي ينبغي أن‬ ‫ّ‬ ‫العاملية الصاعدة‪ ،‬من خالل بناء ''رابطة الديمقراطيات'' التي يكون هدفها هو‬ ‫يلعبه املعسكر الديمقراطي إزاء القوة‬ ‫مواجهة ''معسكر الدكتاتوريات''‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫القطبية'' وظهور أكثر من طرف‬ ‫يأتي مثل هذا الحديث في الوقت الذي تتصاعد حظوظ نظرية ''التعددية‬ ‫كمنافس استراتيجي على الصعيد الدولي كـ ''الصين والهند واليابان وروسيا باإلضافة ألوروبا'' مما يؤدي إلى انحسار‬ ‫فكرة ''القطب الواحد'' ومبدأ الانفراد والسيطرة‪ ،‬فالصين والهند كبلدين فقط تشهد فيهما سرعة حركة التصنيع‬ ‫ما يفوق أربعة أضعاف حجمها في أمريكا مثال‪ ،‬ناهيك عن الجوانب الحيوية ألاخرى‪.‬‬

‫] العالم ومساق الالقطبيّة[‬ ‫وبمعزل عن كل هذا التوصيف نستطيع القول إننا أمام حقيقة ال مفر منها‪ ،‬وكما يبدو أن العالم يتشكل‬ ‫ّ‬ ‫الالقطبية'' سواء كان الصراع والتنافس بين‬ ‫وفق ذلك‪ ،‬حيث إن املؤشرات الراهنة تدفع هذا العالم إلى دخول حيز ''‬ ‫جهتين أو جهات عدة‪ .‬بمعنى أن ثمة أطر ًافا ّ‬ ‫دولية بوصفها تمتلك من املرونة ما يجعلها منسجمة واملتغيرات‬ ‫إلاستراتيجية‪ ،‬وبالتالي تظل ال تبتعد عن دوائر النمو والتطور‪ ،‬بينما يغرق عاملنا العربي والخليجي في سديم العتمة‪،‬‬ ‫على اعتبار أن معظم حكوماته تبذل ما من شأنه أن يمنحها العمر املديد حتى لو كان على حساب شعوبها‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫واهم من يعتقد أنه وملجرد إطالق سراح مؤسسات املجتمع املدني؛ ذلك يعني بالضرورة قد يساهم بشكل‬ ‫أو بآخر في زعزعة القرار السياس ي وتوهينه على مستوى الوطن‪ ،‬هذه ‪ -‬وال شك ‪ -‬تعد مغالطة كبرى ال تستطيع‬ ‫الصمود وال الاستمرار لوال بعض العقول؛ املسكونة بالـ ''فوبيا'' والتي تخش ى التغيير والتجديد‪ ،‬حيث وجدت من‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫مالذا ً‬ ‫آمنا لتمرير عديد مجسات الانكفاء! يحدث هذا على الرغم من تأمثل التجارب إلانسانية‬ ‫دكاكين الجمود‬ ‫أمامنا والتي تؤكد ‪ -‬بشكل أو بآخر ‪ -‬على أن إلاقرار بالحداثة وبمؤسسات املجتمع املدني باعتبارها صمام ألامان‬ ‫لكافة املكونات ألاساسية للدولة‪ ،‬ملا لها من أبعاد معتبرة‪ ،‬تتسق مع الواقع السياس ي والاجتماعي ً‬ ‫معا‪ ،‬فهي والشك‬ ‫ُتسهم من جهة في تخفيف العبء عن املؤسسات الحكومية‪ ،‬ومن جهة أخرى تراهن على إيجاد أشبه ما يكون‬ ‫باملاكنزمات الحقوقية املدنية‪'' ،‬الحقوق املدنية للمواطنة‪ ،‬الحقوق ألاساسية املشتركة في الشؤون العامة‪ ،‬والحقوق‬ ‫الاجتماعية''‪ ،‬لترسم املعالم الرئيسة لبناء الدولة الحديثة‪ ،‬السيما أن رهان بلورة كل تلك املكونات يعتمد على مدى‬ ‫تفاعل العالقة ما بين ''املواطن‪ ،‬املجتمع‪ ،‬الدولة''‪ .‬إذ ال قيمة لها دون عالقة مجاذبة؛ ُتؤسس إلى حراك حيوي‬ ‫ّ‬ ‫وخالق‪ ،‬يجد املواطن من خالله فرصته الكبيرة للمشاركة في عمليات البناء والتطوير والتحديث‪ ،‬وكل ذلك ال يتأتى‬ ‫توفره إال برهانات الحرية والديمقراطية واحترام قضايا حقوق إلانسان‪.‬‬ ‫ومهما بلغ حجم التالزم الدينامي ما بين الدولة ومؤسسات املجتمع املدني؛ هذا ال يؤدي بأن تندفع الدولة‬ ‫باتجاه تحييد حراك املؤسسات‪ ،‬أو أن تأتي هذه ألاخيرة لتمارس الانفالت تحت مبرر الاستقاللية! بالتأكيد خاصة‬ ‫ّ‬ ‫خليجية للتو يتسرب إلى ‪ -‬الفعل الثقافي ‪ -‬الوعي لدينا ما يصدق عليه بمؤشرات إلاصالح‪ ،‬حيث‬ ‫ونحن كمجتمعات‬ ‫ّ‬ ‫ال وجه للمبالغة في القول إن مسيرة إلاصالح للمكونات السياسية في الخليج وإن بدت بطيئة في مضامينها العميقة‬ ‫إال أنها وال شك تظل مستمرة‪ ،‬وقابلة للتعاظم يوما بعد آخر‪ ،‬وهذا ما يلمسه املراقبون السياسيون على كافة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫سياسية‪ ،‬مما يشير إلى أن التغيير قادم ال محالة‪ ،‬ولو تطلب ألامر‬ ‫اجتماعية أو‬ ‫الاتجاهات الحيوية‪ :‬اقتصادية أو‬ ‫صفحة | ‪2‬‬


‫الكثير من الوقت! لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد‪ ،‬هو ما طبيعة هذا التغيير؟ فليست املراهنة على‬ ‫ّ‬ ‫الخليجية؛‬ ‫التغيير من أجل التغيير بقدر ما هو البحث عن تغيير ينسجم وطبيعة املكونات الرئيسة للمجتمعات‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫وسياسيا‪.‬‬ ‫وثقافيا‬ ‫اجتماعيا‬

‫] التأسيس لوعي وطني [‬ ‫ومن هذا املنطلق‪ ،‬نجد أن ألامور تدفعنا باتجاه اتخاذ تدابير عاجلة تؤسس إلى وعي وطني ينتظم مع أدوار‬ ‫التكوين ملؤسسات املجتمع املدني بل وتمكينها أيضا‪ ،‬على أن تكون مساحة الحرية بالنسبة لهذه الشعوب محل‬ ‫اك مدني واعد‪ ،‬وبالقدر الذي يوفر حالة من الانسجام والتجانس مع طبيعة القرار‬ ‫أهمية‪ ،‬من أجل تهيئة املناخ لحر ٍ‬ ‫السياس ي للدولة‪ ،‬وهذا كفيل في الوقت نفسه أن تكون فكرة مؤسسات املجتمع املدني بالنسبة للمجتمعات‬ ‫الخليجية في مختبر التجربة‪ ،‬إن لم تكن بمثابة العامل املساعد إلحداث التغيير والخروج من العديد من ألازمات‬ ‫العالقة‪ ،‬وهذا بالتأكيد لن يتم إال عبر مراحل عديدة من الدربة والتأهيل‪.‬‬ ‫وكتجربة حضارية وملجرد القناعة بالدور الذي ما تزال تلعبه مثل هذه املؤسسات املدنية في املجتمعات‬ ‫الغربية خاصة وأنها لم تعد كجهة ضاغطة فحسب‪ ،‬بل باتت شريكة في صناعة القرار السياس ي للدولة‪ ،‬سواء كان‬ ‫ّ‬ ‫املدنية الغربية‬ ‫ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي‪ ،‬وبالتالي إذا ما أرادت مجتمعات الخليج العمل وفق الصورة‬ ‫ّ‬ ‫التفصيلية فال بد لها من تلمس حجم التضحية التي قدمتها تلك الشعوب طيلة حقبة زمنية طويلة‪.‬‬ ‫بكل تداعياتها‬ ‫ّ‬ ‫خصوصية ينبغي مراعاتها‪،‬‬ ‫فقياس التجربة ال يعني بأي شكل من ألاشكال استنساخها من ألاصل‪ ،‬فإن لكل مجتمع‬ ‫وهذا ما تثبته الدراسات ومراكز ألابحاث بأن ال تطابق لدى الدول الغربية من حيث الدور الذي تلعبه مؤسسات‬ ‫تغايرا ً‬ ‫ً‬ ‫كبيرا في طبيعة العمل املدني من دولة إلى أخرى‪ ،‬ألنه مرهون بالخصوصية‬ ‫املجتمع املدني‪ ،‬بمعنى أن هناك‬ ‫الثقافية لكل دولة على حدة‪ ،‬ناهيك عن طبيعة الاختالفات املتبعة في تطبيق النظم الحقوقية فيها‪.‬‬ ‫إذن نحن أمام تجربة إنسانية حديثة‪ ،‬فهي بقدر ما تتمتع به من لياقة ومرونة في جوهرها‪ ،‬أيضا ال‬ ‫نستطيع أن ننفي عنها خاصية التعقيد والتشابك‪ ،‬خاصة إذا ما اعتبرنا ذلك انعكاسا طبيعيا ملدى الاختالف الذي‬ ‫تعيشه هذه املجتمعات في مختلف ألاصعدة‪ .‬وهذا ال يلغي طبيعة الدور الذي تأسست من أجله مؤسسات املجتمع‬ ‫ّ‬ ‫قابلية الاستفادة منها كتجربة ال يعني بأي حال من ألاحوال إفراغها من مضمونها الحقيقي!‬ ‫املدني‪ ،‬بمعنى أن‬ ‫ّ‬ ‫بوصفها الجزء املكمل لقوة الدولة الحديثة‪ .‬بكالم آخر‪ :‬إن أي ضعف ملؤسسات املجتمع املدني هو داللة واححة‬ ‫لضعف الدولة والعكس صحيح ً‬ ‫أيضا‪ .‬والدولة القوية هي التي تيهئ املناخ املناسب التساق املجتمع املدني بمؤسساته‬ ‫املتنوعة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫للمدنية في كونها تجربة بشرية رائدة‪ ،‬هذا ال يلغي‬ ‫وبغض النظر عن امتياز الفكر الغربي في ابتكاره وتطويره‬ ‫الدور الذي قامت به معظم ألادبيات العربية عندما تلقفت العديد من هذه ألافكار والتجارب البشرية على الرغم‬ ‫من املعوقات الكثيرة والتي حدت من تدفقها إلى الوعي العربي بكل سالسة وسهولة‪ .‬هذا من شأنه أن ينعكس على‬ ‫ّ‬ ‫والخليجية‪ ،‬يأتي هذا كنتيجة ملا قام به بعض‬ ‫عدم اكتمال تمظهراتها بصورة وافية لدى املجتمعات العربية‬ ‫املثقفين العرب في فترة السب��ينات من القرن املاض ي‪ ،‬عندما عزز هؤالء من دور الدولة كجهة منفردة عن دور‬ ‫ّ‬ ‫املدنية‪ ،‬ولم يكتفوا بذلك‪ ،‬بل كانت تتصدر معظم برامجهم السياسية والاقتصادية‬ ‫املجتمع بجميع مؤسساته‬ ‫صفحة | ‪3‬‬


‫ّ‬ ‫والاجتماعية كل ما ُيغلب الدولة على املجتمع من حيث الدور‬ ‫وألاهمية! بيد أن ألامر لم يقف عند هذا الحد‪ ،‬بل‬ ‫شهدت بعض املجتمعات العربية وفي فترة الحقة ظهور الكثير من الهيئات والنقابات والحركات الشعبية التطوعية‬ ‫واملؤسسات وغيرها‪ ،‬مما أدى بالبعض منهم إلى أن يستدرك في حينها حتمية إيجاد رؤية جديدة‪ ،‬تساهم في تنظيم‬ ‫العالقة ما بين السلطة وجميع مؤسسات املجتمع املدني‪ ،‬بمعنى إعادة إنتاج هذه العالقة بصورة عصرية يلعب‬ ‫فيها املجتمع بكل قواه الدور ألاهم وألابرز في عملية النهضة املعاصرة‪.‬‬

‫] صناعة النظام االجتماعي [‬ ‫ّ‬ ‫الكونية الهائلة التي وال شك ألقت بظاللها إلاستراتيجية على معظم‬ ‫ومن جهة أخرى وفي ظل التحوالت‬ ‫ّ‬ ‫الخليجية بمنأى عن كل هذه التحوالت واملتغيرات‪ ،‬كان لز ًاما عليها أن‬ ‫ألاقاليم العربية والتي لم تكن املجتمعات‬ ‫ّ‬ ‫إلانسانية والحضارية ألاخرى‬ ‫تتهيأ وتستعد ملرحلة جديدة وقادمة‪ ،‬بعد أن يسود الوعي الحقيقي إزاء مختلف الرؤى‬ ‫العبا ً‬ ‫والتي من أبرزها فكرة مؤسسات املجتمع املدني‪ ،‬بحيث تكون كافة القوى السياسية ً‬ ‫رئيسا‪ ،‬ليس في تهيئة‬ ‫املناخ املالئم فحسب‪ ،‬بل والذهاب إلى كل ما يجعل من هذه املؤسسات أن تتبوأ مكانة مهمة؛ تجعلها على مسافة‬ ‫واحدة من صناعة النظم الاجتماعية والسياسية‪ ،‬وفق رؤى عصرية تتناغم في مضمونها مع الفعل الثقافي الوطني‪.‬‬ ‫وبالتأكيد إن تسهيل عملية نشأة مثل هذه املؤسسات في الواقع؛ هو بحد ذاته ُيعد وثبة عالية لدفع ألامور‬ ‫باتجاه الديمقراطية وكافة عوامل التنمية‪ ،‬إذ ينبغي أن ُينظر إلى فكرة املجتمع املدني على أنها خطوة ناجزة وليست‬ ‫ّ‬ ‫مثالية بإمكانها‬ ‫بديلة عن الدولة‪ ،‬كما يحلو للبعض أن يصورها‪ ،‬كما ال ينبغي أن ُينظر إليها في جوهرها كتجربة‬ ‫ّ‬ ‫الخليجية أن تكون عالقة الدولة بمؤسسات‬ ‫معالجة مجمل القضايا العالقة!‪ .‬لذا من الطبيعي وفي املجتمعات‬ ‫املجتمع املدني عالقة تقوم على مبدأ تبادل الثقة‪ ،‬وإرساء دعائم التعاون بين الطرفين‪ .‬وأعتقد أن تجربة مؤسسات‬ ‫املجتمع املدني ليس في بعض الدول الخليجية فحسب‪ ،‬بل في معظم ألاقطار العربية ال تزال في معظمها تعتبر تجربة‬ ‫هشة‪ ،‬وينقصها عامل الخبرة‪ ،‬وال تزال تفتقر للش يء الكثير من عناصر التنظيم إلاداري واملالي‪ ،‬مما يجعلها كجهة‬ ‫ضعيفة أمام طود النظام السياس ي العام للدولة‪.‬‬

‫] المجتمع المدني ورهان االستقرار [‬ ‫من هذا املنطلق إذا ما أردنا أن نؤسس ملناخ يعقد الصلة القوية ما بين الدولة ومؤسسات املجتمع املدني‬ ‫في مجتمعات كاملجتمعات الخليجية ال بد أن ُنجذر الثقة بينهما عبر وفاق شفاف ومعلن يأتي من روح القانون‬ ‫وتكفله الدساتير‪ ،‬بحيث تستوعب الواحدة ألاخرى من أجل حراك حضاري يضمن لكل جهة حضورها ومضمونها‬ ‫في القناعة والدور والبناء‪ .‬وألن التجربة تعد حديثة عهد بالنسبة للمجتمعات الخليجية‪ ،‬فمن الطبيعي ًّ‬ ‫جدا أن‬ ‫تسود حالة الارتياب تجاهها‪ ،‬وبالتالي ينعكس ذلك على عدم بلورتها بشكل صحيح‪ ،‬في الوقت الذي تعتبر هذه‬ ‫املجتمعات بأمس الحاجة ألن ال ّ‬ ‫تفوت عليها الفرصة‪ ،‬وال يكفي أن تقتنع بها فحسب بل عليها أن تسعى جاهدة من‬ ‫أجل إيجاد عوامل ضاغطة ومساعدة من أجل إرسائها وكل ذلك بالطرق السلمية والالئقة‪ ،‬هذا إذا ما أرادت أن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حضاريا طاملا كان تترقبه وتنتظره‪.‬‬ ‫إنجازا‬ ‫تسجل لصالحها‬ ‫صفحة | ‪4‬‬


‫إذن القناعة بالفعل املدني باعتباره خطوة ناجزة أمر مطلوب‪ ،‬لكنه في الوقت نفسه ال يفي بالغرض إزاء‬ ‫ُ‬ ‫مشروع دولة متكامل‪ ،‬إن لم تدعم بمرتكزات عديدة بحيث تكون مؤسسات املجتمع املدني أشبه ما تكون بصمام‬ ‫أمان أمام أي خطر محدق يحاول أن ينال أو يقوض الدولة في خواصها ومسيرتها‪ّ ،‬‬ ‫ولعل من أهم ما ينبغي أن تتمتع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واملالية‪ ،‬فهي بذلك تجسد‬ ‫وإلادارية‬ ‫التنظيمية‬ ‫به هذه املؤسسات سمة ''الاستقاللية الكاملة'' في مختلف النواحي‬ ‫القدرة لديها للقيام بحراك مدني‪ ،‬من خالله تنأى بذاتها عن أي تدخل خارجي‪ ،‬من شأنه أن يوفر للمواطن‬ ‫مساحات كثيرة للمساهمة في مشروع بناء الدولة الحديثة‪ .‬وقد أثبتت تجارب الشعوب ألاخرى بالقدر الذي تصبح‬ ‫فيه مؤسسات املجتمع املدني مستقلة؛ بالقدر نفسه تستطيع أن تشترك في بناء الدولة الحديثة واملجتمع املدني‬ ‫ً‬ ‫معا‪ ،‬وهذا ما ينبغي أن تضعه ألانظمة السياسية في املنطقة بعين الاعتبار‪ ،‬وذلك من أجل عمل متكامل ومتكافئ‪،‬‬ ‫يسهل عمل تلك املؤسسات على مختلف ألاصعدة‪ ،‬خاصة أن العالم برمته يمر بمتغيرات عميقة‪ ،‬شئنا أم أبينا‬ ‫فالبد أن يشهد العالم العربي بكل أقاليمه تداعيات كل ذلك‪ ،‬وها نحن نعيش بعض تلك التحوالت والتي باتت‬ ‫واححة‪ ،‬حيث اتضحت معاملها على أكثر من صعيد‪ّ ،‬‬ ‫ولعل ظهور مؤسسات املجتمع املدني في أكثر من إقليم عربي‬ ‫من اتحادات‪ ،‬نقابات‪ ،‬هيئات‪ ،‬جمعيات وغيرها‪ ،‬خير شاهد على ذلك‪ ،‬ولم يقتصر ألامر على هذا الصعيد فحسب‪،‬‬ ‫بل ذهبت بعض الدول العربية إلى ما هو أبعد من ذلك؛ بعد أن عززت الوعي باتجاه إلاصالح السياس ي وجعلها‬ ‫كإستراتيجية لألمن الوطني‪ ،‬ناهيك ّ‬ ‫عما بذلته بعض الدول العربية من خطوات جادة إزاء الفعل الديمقراطي‪ ،‬حين‬ ‫عملت بمبدأ الانتخابات كتعبير عن املشاركة الشعبية في صناعة القرار‪ ،‬بينما سمح البعض آلاخر من هذه الدول‬ ‫لتوسيع هامش الحريات العامة‪ ،‬مما ألقى بظالله على دفع ألامور باتجاه أن تأخذ فكرة مؤسسات املجتمع املدني‬ ‫ّ‬ ‫ولعل ما‬ ‫اعتبارها الطبيعي لدى هذه املجتمعات‪ ،‬حتى أصبحت بمثابة خارطة الطريق للوصول للديمقراطية‪،‬‬ ‫أقدمت عليه هذه الدول سواء في تشكيل مجالس شورى أو في إقرار العمل بمبدأ الانتخابات في املجالس البلدية أو‬ ‫حتى في مشاركة املرأة في الحد ألادنى من منظومة الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية‪ ،‬فهو وال شك خير‬ ‫شاهد على تلك التحوالت إلايجابية والتي نرجو أن تستمر وتتواصل‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫استقاللية هذه‬ ‫وعودا على بدء ومن أجل بلورة مشروع الدول الحديثة ال بد من التأكيد على مبدأ‬ ‫املؤسسات املدنية عن مصدر القرار الحكومي إلى الحد الذي يحمي خصوصياتها كجهة متصلة بالواقع الاجتماعي‪،‬‬ ‫وفي الوقت نفسه ال تتغافل النظام العام السياس ي للدولة‪ ،‬وأراني مصطفا مع املترقبين للنهوض بالحال املدني على‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ّ‬ ‫تصاعديا يوما بعد آخر إلى درجة أن الوعي‬ ‫طابعا‬ ‫السيما ومؤشر إلاصالح يأخذ‬ ‫صعيد املجتمعات الخليجية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والتعددية واملشاركة‬ ‫الاجتماعي أخذ يعتاد على عناوين عديدة لم يكن يتداولها في قاموسه اليومي‪ ،‬كالديمقراطية‬ ‫الشعبية والحرية والعدالة واملساواة ومبادئ حقوق إلانسان‪ ،‬وكل ذلك من شأنه أن يدفع ألامور باتجاه العمل‬ ‫الوطني املشترك بين جميع القوى الفاعلة‪ ،‬ألانظمة والحكومات من جهة‪ ،‬وكافة القوى الاجتماعية من جهة أخرى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مترقبا‪ .‬في الوقت الذي تعلو فيه النداءات الوطنية والرسمية معا؛ لتعبر عن رأي وطني واحد‪،‬‬ ‫وهذا بالفعل ما كان‬ ‫يكفل لها القدرة على البناء ويحميها من أية ضغوطات محدقة في الحاضر واملستقبل‪.‬‬

‫] عودة التأريخ والسلوك الديمقراطي [‬ ‫ً‬ ‫في آلاونة ألاخيرة تشهد معظم الدول العربية وإلاسالمية موجة من التدافع السياس ي والاجتماعي معا تجاه‬ ‫بعض القيم السياسية املعاصرة‪ ،‬والتي تتسق و''مكنزمات'' ألانسنة بكل تفاصيلها الحقوقية واملدنية‪ ،‬وقيم الحرية‬ ‫صفحة | ‪5‬‬


‫والعدالة واملساواة والعمل بالديمقراطية بمعانيها املتعددة‪ ،‬كل ذلك من شأنه أن يعيد إنتاج الواقع بصورة مختلفة‬ ‫ّ‬ ‫ألاساسية ''السياسية والاقتصادية‪ ،‬الاجتماعية'' في صياغة جديدة‪،‬‬ ‫عن صورته ألاولى؛ لتدخل مختلف املكونات‬ ‫ولتعيد تشكيل طابع العالقات إلى نحو أقرب للتجانس والانسجام بين أبناء املجتمع الواحد منه لالختالف‬ ‫ّ‬ ‫واملثالية للعالقة ما بين الشعوب وحكوماتها‪ ،‬وهذا يسهم بشكل ال يدع‬ ‫والتداعي‪ ،‬على اعتبار بأنها الصيغة الشرعية‬ ‫مجاال للشك في التعايش السلمي واملشترك الذي يقوم على الحوار واحترام آلاخر وفق معطيات الاختالف الخالق من‬ ‫واقع يرسخ مبدأ التعددية بمختلف أنساقها ''فكرية أو مذهبية أو ّ‬ ‫قبلية'' مع الاعتبار بالخصوصية الاجتماعية‬ ‫للمجتمعات العربية‪ ،‬يأتي هذا الحديث في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة الاعتراف بالديمقر ّ‬ ‫اطية كقيمة أساس من‬ ‫بين جملة من القيم التي تفرضها الحياة الحديثة واملعاصرة‪ ،‬باعتبارها من ركائز التقدم الهائل الذي يشهده الغرب‬ ‫منذ إلارهاصات ألاولى للحداثة حتى الانفجار الضخم للمعلوماتية‪.‬‬ ‫وبمعزل عن موطن منشئها؟ كل تلك التحوالت ‪ -‬وملاذا وكيف‪ ،‬فإنه ومن واقع تراكم التجارب البشرية‬ ‫ً‬ ‫املوضوعية وبفعل عامل الزمن‪ ،‬إذا بها تتمدد وتتسق لتصبح أشبه ما يكون باألمر الواقع يوما بعد آخر‪ ،‬لتنتقل‬ ‫بكل انسيابية من مواطن الدفء الغربي‪ ،‬ليستيقظ الشرق‪ ،‬كل الشرق‪ ،‬على أهازيج عالم جديد يضج بعناوين‬ ‫ً‬ ‫الحداثة وما بعدها‪ ،‬والتي والشك تفرض ذاتها كمعادل تعويض ي‪ ،‬وليس بديال‪ ،‬عن النمط الشمولي السياس ي‪،‬‬ ‫والذي ولألسف الشديد أصبح ماركة مسجلة تمتاز به طبيعة بعض ألانظمة العربية‪ ،‬لينعكس ذلك في مظاهر‬ ‫التخشب التي تطال حتى بنيتها التحتية‪ ،‬مما يؤدي بها إلى الترهل في غالبية مواقفها إزاء الكثير من القضايا‬ ‫إلاستراتيجية على الصعيدين الداخلي والخارجي‪ .‬وهذا من شأنه أن يؤدي بها إلى أشبه ما يكون باالنفالت والعفوية‪،‬‬ ‫إذ ال غرو عندها أن يسبب ألامر اختراقات عدة ألهم وأبرز قضايا حقوق إلانسان بجوانبها املتعددة في الوقت الذي‬ ‫ً‬ ‫تشهد دول الغرب توازنا إلى حد ما يفوق مما عليه دول الشرق العربي مع فارق الخصوصية الاجتماعية والثقافية‬ ‫بينهما‪.‬‬

‫] أفق الديمقراطية في الخليج [‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الخارجية ذات الطابع السياس ي الضاغط وما تجسده‬ ‫وال شك أن ثمة فرقا كبيرا ما بين الضغوطات‬ ‫التجارب من ثقافات ّ‬ ‫حية تكون محط استفادة الشعوب أكثر منها الحكومات‪ ،‬بالتالي ال هرولة باتجاه تطبيق القيم‬ ‫اطية مثال بقالبها امليكانيكي بقدر ما يكون املقصد الديمقر ّ‬ ‫الحديثة كالديمقر ّ‬ ‫اطية بتصوراتها الحضارية‪ ،‬وهذا من‬ ‫شأنه أن يجسد الصورة الحيوية للشعوب حين تنزاح با��جاه فعل ثقافي يتراكم بشكل مطرد؛ ليشكل قاعدة للتغيير‬ ‫نحو ألافضل‪ ،‬مع الاعتبار بأن أي تحول ديمقراطي في الخليج لن يبلغ ذروته الحيوية إال بعد أن تتوفر قناعة ويقين‬ ‫راسخين لدى قطاع واسع بين عامة املواطنين على أن الديمقر ّ‬ ‫اطية هي السبيل ألانجع وألافضل في إحداث النظام‬ ‫ً‬ ‫دورا كبي ًرا في تقليص املسافة ما بين الحاكم واملحكومين‪ّ ،‬‬ ‫السيما‬ ‫الاجتماعي املتوازن‪ ،‬وألنها في الوقت نفسه تلعب‬ ‫ً‬ ‫وقد باتت مطلبا لكل الشعوب بوصفها حجر الزاوية ملعطيات تسهم بشكل رئيس في تحرير وتنظيم الطاقات‬ ‫الاجتماعية‪ .‬وهذا ال يجعلنا أن ُنسلم ألامر حيالها بكل ّ‬ ‫ّ‬ ‫مثالية‪ ،‬أو نضفي عليها طابع القداسة بحيث تصبح في الوعي‬ ‫لدينا على أنها الخالص النهائي!‪.‬‬ ‫وبطبيعة الحال أن مسار الديمقراطية في املجتمعات العربية يواجه خطرين اثنين‪ :‬ألاول في التوحش‬ ‫السياس ي وابتالعه لألدوار الحيوية كافة في املجتمع بحيث لم يقتصر ألامر على الاحتكار السياس ي فحسب‪ ،‬بل يطول‬ ‫صفحة | ‪6‬‬


‫ً‬ ‫ّ‬ ‫امللكية‬ ‫الجوانب الاقتصادية والاجتماعية أيضا‪ .‬وآلاخر يكمن في التابو الديني وانطالقه عن تصور جامع ومانع لتبني‬ ‫ّ‬ ‫التفصيلية أيضا‪ ،‬وبالتالي تصبح البيئة هنا ليست صالحة‬ ‫الخاصة للحقيقة املطلقة‪ ،‬الانزياح بذلك إلى الحياة‬ ‫ّ‬ ‫إلانسانية بمجملها عامة‪ ،‬ناهيك عن الديمقراطية باعتبارها ال تبرح خانة الجدل في كيفية تطبيقها‬ ‫الستزراع القيم‬ ‫لدى نخبة ال بأس بها من الشارع العربي وإلاسالمي‪ .‬وهذا من شأنه يساهم في إعاقة مسيرة إلاصالح برمتها‪ ،‬في الوقت‬ ‫ً‬ ‫الذي ينبغي أن يكون السعي ألجل إرساء معالم الديمقراطية مستوجبا من النظر فيها ال من إمكان تطبيقها‪ ،‬على‬ ‫اعتبار بأنها تمثل إلاطار الناظم والضروري إلحداث ّ‬ ‫عملية متوازنة ما بين املواطنين من جهة والحكومات من جهة‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫التجربة التاريخية القريبة املدى تكشف حجم الانكماش لبعض الدول العربية حيال القيم الديمقراطية‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تماما ُ‬ ‫ّ‬ ‫ألاهمية للحياة الديمقراطية‪ ،‬وبالتالي هي ال‬ ‫بعد‬ ‫بوصفها عنصر خالص‪ ،‬بمعنى أن الشعوب العربية ملا تدرك‬ ‫تندفع باتجاهها كمطلب ضروري ُوملح مقارنة بجوانب أخرى تضعها في قائمة ألاولويات‪ .‬وتجدر إلاشارة بأن فترة‬ ‫ً‬ ‫السبعينات وما تالها كان النفط مستحوذا على معظم اهتمامات الناس مما شغلهم عن جوانب أخرى هم بأمس‬ ‫الحاجة إليها؛ ألننا نعتقد بأن القيم الديمقراطية من شأنها أن تؤسس لنظام اجتماعي متماسك كفيل به للمراهنة‬ ‫على التنمية والتطور‪.‬‬ ‫وألن هذه الشعوب تعيش حالة من إلارباك في اتخاذ قراراتها حسب ألاولويات والضرورات‪ ،‬فهي تظل تراوح‬ ‫ّ‬ ‫السياسية الحديثة‪ ،‬هذا يجعلها أن تكتفي بالقبول بالحد ألادنى منها‪ ،‬وهي بهذه‬ ‫محلها أمام سيل هادر من القيم‬ ‫الحال ليس بمقدورها أن تعي ألامور على حقيقتها لتمييز ما بين التحول الديمقراطي الليبرالي الشامل والانفتاح‬ ‫السياس ي املحدود! وإن كان هناك ما يدعونا للدهشة بأن تقف هذه املجتمعات موقف املتفرج إزاء املشهد الدولي‬ ‫العام‪ ،‬وكأنها لم تغادر حقبة الاستعمار والاحتالل ألاجنبي ملعظم الدول العربية‪ ،‬وما كان ليحدث لوال (قابليتها‬ ‫لالستعمار) حسب رؤية املفكر الجزائري مالك بن نبي‪ ،‬والذي به ينهار آخر خط ثقافي استراتيجي للعالم إلاسالمي!‪.‬‬ ‫بينما يظل الغرب في حالة استنفار دائمة إزاء كل ما من شأنه أن ُيشكل حالة من الاستقرار السياس ي‬ ‫بالنسبة لهم إلى أقص ى حد ممكن‪ ،‬وهذا وال شك كفيل بإعادة إنتاج القيم الحديثة حسب متطلبات العصر‪ ،‬ففي‬ ‫ّ‬ ‫ألاميركية ''جون مكين'' فكرة (رابطة الديمقراطيات) التي هي عبارة عن‬ ‫أميركا مثال يتبنى املرشح الجمهوري للرئاسة‬ ‫تجمع يشمل كافة حلفائها ألاوروبيين وفق معايير النظم إلادارية العاملة بالديمقراطية‪ ،‬ومكين نفسه يجعل من‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫رئيسيا ال يستطيع أن يحيد عنه أبدا‪ ،‬خصوصا وأن‬ ‫تحقيق قمة للدول الديمقراطية بعد عام من ترشحه شرطا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫روبرت كيغان املستشار الخاص لـ ''ماكين'' نفسه وأحد منظري املحافظين الجدد قد أصدر حديثا كتابا بعنوان‬ ‫''عودة التأريخ ونهاية ألاحالم'' ليؤكد أن أميركا هي محور التغيير والسيطرة‪ ،‬ويوحح في الوقت نفسه محتوى هذه‬ ‫الرابطة والتي تكون غايتها الدفاع واملحافظة عن منظومة الدول الديمقراطية في قبال تصاعد موجة ''الدكتاتوريات‬ ‫العظمى'' كروسيا والصين وغيرهما حسب وصفه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ألاميركية في‬ ‫بيد أن مظاهر ترهل هذه النظرية سرعان ما تتكشف عندما يتناول روبرت كيغان السياسة‬ ‫ممارسة الضغوط على معظم الدولة العربية والخليجية من أجل نشر الديمقراطية فيها‪ ،‬إال أن وصول حركة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطينية يجعل من إلادارة ألاميركية أن تعيد النظر في‬ ‫إلاسالمية للحكم في الانتخابات التشريعية‬ ‫حماس‬ ‫ّ‬ ‫البحثية وإلاستراتيجية‬ ‫مخططاتها املعلنة‪ ،‬وذلك بعد موجة من التقارير والدراسات‪ ،‬والتي صدرت عن أغلب املراكز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ألاميركية بالتروي وإلابطاء في مسألة نشر الديمقراطية في معظم الدول‬ ‫والعربية‪ ،‬وعدم‬ ‫إلاسالمية‬ ‫الناصحة لإلدارة‬ ‫ّ‬ ‫ألاميركية من وصول إلاسالميين بالطرق‬ ‫ممارسة أي ضغوطات على الحكومات العربية‪ .‬يأتي ذلك خشية إلادارة‬ ‫صفحة | ‪7‬‬


‫ً‬ ‫الديمقراطية للحكم في معظم هذه الدول‪ ،‬خصوصا وأن هناك مكاسب حظي بها إلاسالميون في إيران‪ ،‬وفي مصر‬ ‫ً‬ ‫فضال عن فلسطين‪ ،‬فاملشروع ألاميركي الذي كان من جملة أهدافه نشر الديمقراطية في مسعى ملكافحة إلارهاب‪.‬‬ ‫تعود إلادارة ألاميركية لتتراجع عن ذلك في سبيل رعاية مصالحها الدائمة في املنطقة نفسها‪ .‬ومما ال يدع‬ ‫مجاال للشك بأن مثل هذا التراجع يلقي بظالله على شعوب الدول العربية برمتها‪ ،‬والتي ينبغي أن تتنبه بأن عملية‬ ‫ً‬ ‫التغيير تأتي عن قناعة ووعي من الداخل وليس من الخارج‪ ،‬والتجارب تشير لذلك أن أيا كان حجم الضغوطات التي‬ ‫تأتي من الخارج فإنها ال تساوي في تأثيرها مثل الداخل‪ ،‬وهذا ما ينبغي أن تدركه هذه املجتمعات تجاه ذلك‪.‬‬ ‫من هنا يأتي الحديث عن القيمة الديمقراطية لدى املجتمعات الخليجية‪ ،‬والذي لم يعد كما في السابق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حديثا مقتصرا على النخب منها‪ ،‬عندما أغرقوا الوعي العربي في النظريات واملعارف أكثر منها الوقائع واملستقبليات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وكان هذا قبل عقدين وأكثر عندما كان اهتمام النخبة منص ّبا على الثروة النفطية وكيفية الاستفادة منها‪ ،‬مما‬ ‫شغلهم ّ‬ ‫عما يتعلق بموضوعات السياسة ونحوها آنذاك‪ .‬وهذا ما يختلف عليه الحال بالنسبة للواقع اليوم‪ ،‬في حين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقد قطع الوعي الشعبوي شوطا كبيرا في مضمار التغيير والسعي إلى تحسين الحياة نحو ألافضل‪ ،‬يأتي ذلك بعد‬ ‫موجة من إلارهاصات الهائلة‪ ،‬والتي بالقدر ما كانت عائقة إلى حد ما‪ ،‬بالقدر نفسه قامت بعملية عكسية ساهمت‬ ‫في دفع ألامور باتجاه مختلف عززت بدورها كل ما يشحذ إلارادة لديهم نحو التغيير‪ ،‬ورسم معالم الطريق إزاء‬ ‫ّ‬ ‫التنظيمية‪.‬‬ ‫الديمقراطية بكل مقوماتها‬ ‫بكالم آخر‪ :‬إن معظم العناوين التي تتساوق مع الحياة الحديثة باتت في متناول العامة من الناس بعدما‬ ‫كانت محل اهتمام ‪ -‬النخبة ‪ -‬الفئة القليلة منهم‪ .‬في الوقت الذي كان العالم يبشر بمنظومة حديثة ومتطورة من‬ ‫ّ‬ ‫الكونية ووسائل الاتصاالت الحديثة‪ ،‬مما أدى إلى سهولة وسالسة نقل‬ ‫العالقات التي للتو تتشكل حسب ألاجندة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إلانسانية‪ ،‬والتي سلكت طريق التفاعل مع بعضها‬ ‫بانسيابية خالقة‪ ،‬انعكس ذلك على تدويل الثقافات‬ ‫''املعلوماتية''‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫البعض‪ ،‬مع ألاخذ في الاعتبار أن هذا التفاعل كما أنه ليس شرا مطلقا أيضا ال يجعلنا في محل تفاؤل إزاء ذلك‪ ،‬إذ‬ ‫ً‬ ‫ألامر ال ُيعد بريئا في صورته الكلية إذا ما استثني املشتركات إلانسانية العامة كافة‪ ،‬لتتشكل عندها قواسم مشتركة‬ ‫من املعاهدات واملواثيق وألانظمة‪ ،‬والتي وإن حاكت في مخرجاتها إلاطار ألادبي‪ ،‬لكنها في الوقت نفسه ال تبتعد عن‬ ‫ً‬ ‫جوهرها القانوني أبدا‪.‬‬

‫] سيوسولوجيا التحديث االجتماعي [‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الاجتماعية؛ تطلعا ألنساق‬ ‫إنه رهان الوعي الذي ما برح يقصد إرادة التغيير في البنية ألاساس من املكونات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املؤسساتية‪ ،‬عندها يعي ''املواطن الخليجي'' مدى الحاجة إلعادة إنتاج حياته (=‬ ‫املدنية الحديثة‪ ،‬وبشتى أشكالها‬ ‫فضائه السياس ي) من جديد وفق منظومة من القيم إلا ّ‬ ‫نسانية التي تنسجم وشرعة القانون‪ ،‬وبما يتوافق‬ ‫ً‬ ‫والخصوصية الثقافية لديه‪ ،‬هذا إذا ما أراد أن يكون قادرا على إدارة ألازمات والتحديات بكل مسؤولية‪ ،‬وأن يدخل‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫هامشيا من معادلة‬ ‫العالم املعاصر بكل تحدياته وتطلعات بروح الاستعداد والاستجابة‪ ،‬أي أن ال يكون رقما‬ ‫التغيير‪ ،‬وهذا وال شك يتطلب منه كفاءة عالية ّ‬ ‫جدا‪ ،‬ال تؤهله ألن يدرك حجم متطلبات املرحلة فحسب‪ ،‬بل‬ ‫تساعده؟ في الوقت نفسه؟ على الانخراط في عملية البناء الديمقراطي املقبلة ال محالة‪ّ ،‬‬ ‫السيما واملجتمعات في‬ ‫ّ‬ ‫بالفردانية كقيمة جادة في‬ ‫الخليج باتت تتهيأ إلى الدخول في طور العمل بإرادة جماعية‪ ،‬في عالم ما عاد ليعترف‬ ‫صفحة | ‪8‬‬


‫عملية التغيير‪ ،‬إذ يصبح بمقدوره ومن خالل ذلك أن يجاري معظم الرهانات السياسية‪ ،‬التقليدية منها أو‬ ‫الحديثة‪ ،‬والتي ‪ -‬والشك وعلى مدار فترات طويلة‪ -‬استطاعت أن تحد من استجابة هذه املجتمعات إزاء املعطيات‬ ‫الحديثة‪ ،‬لكنها في الوقت نفسه لم تتمكن من قطع الطريق أمام مسيرة حافلة بالعطاءات‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ولعل‬ ‫هذا ما تؤكده الحقائق على الواقع في دول مجلس التعاون الخليجي كافة مع الفارق في النسبة‪،‬‬ ‫تجربة املجتمع الكويتي والتي باإلمكان وضعها في خانة الصدارة بالنسبة للتجارب ألاخرى املجاورة‪ ،‬فهي كتجربة قد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ناهزت العقد الرابع من الزمن نستطيع القول‪ :‬بأنها تمتلك رصيدا طيبا من الفعل الديمقراطي باعتباره رافعة‬ ‫للتغيير نحو ألافضل‪ ،‬وهذا ال يعني التقليل من التجارب الحديثة لسائر الدول الخليجية ألاخرى‪ ،‬فتجربة املجالس‬ ‫البلدية في السعودية‪ ،‬والتي خضعت لعملية انتخاب شعبي بامتياز‪ ،‬ورغم أنها ال تلبي طموحات املواطن وتطلعاته‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تمهيدية إلى املشاركة الشعبية‪ .‬أيضا تجربة املجلس البلدي املركزي في قطر‪،‬‬ ‫إال أنها كتجربة باإلمكان اعتبارها بداية‬ ‫ًّ‬ ‫فهي وال شك تعد تجربة ديمقراطية غير مسبوقة‪ ،‬حيث يكون الاقتراع حرا وبصورة مباشرة‪ ،‬من شأنه أن يؤسس‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫إلى مشروع ديمقراطي حقيقي يكون للتشريع والرقابة دورا كبيرا وبارزا‪ ،‬وهذا الحال ينسحب أيضا على سائر الدول‬ ‫الخليجية ألاخرى كالبحرين وإلامارات وعمان‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫إلايجابية والتي تدفع باتجاه التغيير الديمقراطي إال أن معظم املكونات‬ ‫وعلى الرغم من كل تلك املؤشرات‬ ‫ً‬ ‫تلك تكون أكثر مقاربة للشكل أكثر منه املضمون‪ ،‬حيث ال تزال تلك املكونات ‪-‬ولألسف‪ -‬تؤدي أدوارا تقليدية وفي‬ ‫أطر ضيقة‪ّ ،‬‬ ‫ولعل ألاسباب تبدو في مجملها واححة‪ ،‬وربما يكون من أبرزها عامل ألاخذ بالتعيين لألعضاء‪ ،‬حيث ال‬ ‫يخلو ألامر من تداخل املحسوبيات واملنسوبيات في ذلك وفق توازنات قبلية أو مذهبية أو فكرية أو أي كانت!‪ .‬وهذا‬ ‫ً‬ ‫يعزز النظر الوفاق بأن كل هذه التجارب ال تزال في طور البناء للمنهج الديمقراطي املنشود‪ ،‬خصوصا والعالم يمر‬ ‫بتحوالت إستراتيجية هائلة وعودة توازن الرعب ما بين املعسكرين الشرقي والغربي بعد أن استشرس الدب الروس ي‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫في جورجيا وبات مهددا لنظرية ''أحادية القطب'' وكأن نذر العودة للحرب الباردة يلوح في ألافق‪ ،‬وهذا وال شك ُيلقي‬ ‫بظالله للمراهنات السياسية وعلى كافة املستويات ومختلف املسارات‪.‬‬

‫] خالصة القول [‬ ‫إذن هي الفرصة لإلقدام على مصالحة حضارية مع الشعوب في الوقت الذي تستنفد هذه الدول خياراتها‬ ‫كافة‪ ،‬إذ ال خيار الستقرارها وإطالة عمرها من دون ألاخذ بأسباب الديمقراطية إن لم تكن هي الضمانة الوحيدة‬ ‫لحفظ الاستقرار الداخلي‪ ،‬وهذا ال يتم إال أن يعاد إنتاج ألاداء السياس ي وفق منظومة حديثة‪ ،‬تمتاز بالرصانة‬ ‫واملتانة‪ ،‬وتؤصل بدورها إلى مبدأ الشراكة الشعبية والحقيقة في صناعة القرار‪ ،‬بكالم آخر‪ :‬أن تتبنى هذه الدول‬ ‫العمل بمبدأ املشاركة الشعبية‪ ،‬ملا لذلك من أثر كبير من شأنه املساهمة في مكافحة البيروقر ّ‬ ‫اطية املستحكمة‪،‬‬ ‫وتهيئة الفرصة املتكافئة‪ ،‬وفرض حالة من الرقابة واملتابعة‪ ،‬بل واملشاركة في عملية البناء والتطوير‪ ،‬ومحاولة‬ ‫التقليل من الوقوع في ألاخطاء‪ .‬وهذا من شأنه يسهم في الحد من اليد السياسية املبسوطة عن معظم مؤسسات‬ ‫ً‬ ‫الدولة ومؤسسات املجتمع املدني معا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لوكا ديمقر ًّ‬ ‫اطيا‬ ‫الديمقراطية أوال باعتبارها الحبل السري للمكونات املدنية الحديثة كافة‪ ،‬أو أن يكون س‬ ‫على ألاقل لكي يصل ألامر إلى ما يصدق عليه باملقاربة التحديثية والحداثوية في املجتمعات الخليجية‪ ،‬فالغرض‬ ‫صفحة | ‪9‬‬


‫ليس العمل بنسقية التمرحل أو التأرجح على حبال؛ أيهما يسبق آلاخر في منظور ألاولويات الدول العربية‬ ‫وإلاسالمية‪ ،‬الديمقراطية أم مؤسسات املجتمع املدني‪ ،‬بقدر ما يكون املقصد هو جوهر الحاجة ملنظومة اجتماعية‬ ‫ً‬ ‫رصينة تتعهد العدالة كقيمة إنسانية‪ ،‬وتلعب دورا كبيرا في ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة واملساواة‪ ،‬والعمل الجاد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لضمانة العمل بحقوق إلانسان‪ .‬لذا وقبل فوات ألاوان كان لزاما أن تدرك ؟ الشعوب والحكومات ؟ معا‪ ،‬ليس في‬ ‫مدى حاجتها للديمقراطية فحسب‪ ،‬بل ألنها العب رئيس ي في عملية التحديث والتطوير في عالم ال يقر وال يعترف‬ ‫بش يء من الثبات!‪.‬‬

‫علي آل طالب ‪ /‬السعودية‬ ‫مركز آفاق للدراسات والبحوث‬ ‫‪a.altaleb@yahoo.com‬‬ ‫مدونتي ‪http://www.elaphblog.com/altalebali‬‬

‫صفحة | ‪11‬‬


سيوسولوجيا التحديث