Issuu on Google+

‫الفعل اجلماعي باعتباره حاجة حضارية‬

‫بقلم‪ :‬علي آل طالب *‬ ‫بمتابعة عادية ًّ‬ ‫جدا لتاريخ الانجازات البشرية‪ ،‬سنجد بأن معظمها ال يخرج عن إلاطار الفردي أكثر منه‬ ‫ّ‬ ‫الفردانية لإلنجاز تبقى السمة الرئيسة والطاغية على سيرورة الانجازات البشرية‪ .‬فاألمر ليس‬ ‫الجماعي‪ ،‬وأن الصورة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫بدعا بقدر ما هو حالة طبيعية ال تستدعي الوقوف عندها مطوال‪ ،‬السيما وتأريخ البشرية يحمل في جعبته العديد من‬ ‫ألاسماء املبدعة‪ ،‬وعلى أكثر من صعيد‪ ،‬وفي مختلف حقول املعرفة والعلم والابتكار‪ ،‬أفالطون وأرسطو وسقراط‪ ،‬أو‬ ‫روجر بيكون والفوازيه ولوك‪ ،‬وابن سينا وابن الهيثم والخوارزمي والبيروني وابن النفيس‪ ..‬وغيرهم أيضا ممن كانت لديه‬ ‫محاوالت التواصل الاجتماعي املباشر؛ بصورة متجاوزة للفعل الفردي‪ ،‬أي السعي الحثيث ألن تأخذ العلوم سواء‬ ‫التجريبية منها أو الحيوية مجاالتها املتنوعة للدخول في الفعل الاجتماعي املتسق‪ ،‬وهذا ما تم الاصطالح عليه بالظاهرة‬ ‫الاجتماعية ونشأة ما يسمى بـ "علم الاجتماع الحديث"‪.‬‬ ‫بيد أنه وكما يبدو أن املسافة بين الفعل الفردي إلى الجماعي؛ بقيت مرهونة بحجم التفاعل الذي يحدثه‬ ‫إلانسان نفسه مع الكون والحياة‪ ،‬ومن حيث ألاداء إذا ما كان هو أقرب للفعل الجماعي منه الفردي‪ ،‬حتى بات ً‬ ‫قريبا من‬ ‫الوصول إلى ما يدعى بالحضارة باعتبارها ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الجماعية هي الامتياز ملقومات معنى الحضارة‬ ‫جماعيا‪ ،‬لتصبح الظاهرة‬ ‫نتاجا‬ ‫على مر التأريخ البشري‪ ،‬ووصوال إلى الواقع املعاصر‪ ،‬والذي يضيف مكنزمات أخرى لرهانات النهوض والتقدم؛ أصبح‬ ‫ً‬ ‫ألاداء الجماعي واملدني صورة مكثفة تعكس ً‬ ‫حديثا‪ ،‬قد ال يختلف ّ‬ ‫عما كانت عليه الحضارات القديمة‪ ،‬غير أن‬ ‫واقعا‬ ‫صبغة الحداثة وما بعدها ظلت السمة البارزة لحجم التطور الهائل الذي ينعم به إلانسان املعاصر‪ .‬ولعل من املائز‬ ‫للحضارة املعاصرة على سائر الحضارات السابقة هو أن الغالب من مكتسباتها تنعم به البشرية قاطبة‪ ،‬حتى لو أصبح‬ ‫املنتج واملستهلك على حد سواء من حيث الحاجة والاستخدام‪ ،‬إال أن ذلك ال يقلل من قيمة إلانسان املنتج‪ ،‬وال يفقده‬ ‫امتيازه ً‬ ‫الكيانية؛ بوصفها نظا ًما ًّ‬ ‫ّ‬ ‫مدينا‪ُ ،‬يعاد انتاجه وفق‬ ‫بتاتا‪ .‬إذن ألاداء الجماعي املتسق هو الذريعة للدخول في كنف‬ ‫املعطيات الحديثة في أشكال وصيغ مختلفة؛ كاملؤسسات‪ ،‬واملنظمات‪ ،‬والدول أيضا‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من محاوالت التقليد واملحاكاة مع تجارب الشعوب والدول ألاكثر ً‬ ‫تقدما يبقى العالم العريي‬ ‫ّ‬ ‫الفردانية‪ ،‬بمختلف أشكالها؛ ألايدلوجية والحراكية وإلانتاجية‪ ،‬بالتالي ليس علينا إال واحتساب‬ ‫بصورته الراهنة أسير‬ ‫مثل هذه املحاوالت أشبه ما تكون بصور شوهاء عن الشكل واملفهوم املدني الحديث‪ ،‬على اعتبار بأن النموذج املدني هو‬ ‫بمثابة حجز الزاوية في مسيرة التقدم والتطور الذي يشهده معظم مجتمعات الدول املتقدمة‪ ،‬من الشرق إلى الغرب‪ ،‬إذ‬ ‫ليس باإلمكان أن تكتمل الصورة الحضارية دون أن يسبق ذلك قناعة منها بأدنى موجبات العمل الجمعي املتدثر‬ ‫باملدنية‪ ،‬ألامر الذي يستدعي بالضرورة التفلت من النزعة الفردانية باعتبارها‪ ،‬عملية أسهل بكثير من أن تكون على خط‬ ‫ً‬ ‫مواز إلى ما يصدق عليه القول والفعل بـ "الوعي الجمعي" أو "الظاهرة الاجتماعية"‪ .‬إذ ال وجه للمبالغة إطالقا إذا ما‬ ‫‪ |1‬صفحة‬


‫اعتبرنا وصول معظم املجتمعات تلك إلى مصاف التقدم ومنتهى النظام الاجتماعي؛ جاء كنتيجة طبيعية‪ ،‬ليس للقناعة‬ ‫الجماعية فحسب‪ ،‬بل أيضا للفعل املتسق مع املسألة الحضارية والكونية بصورة عامة‪.‬‬ ‫ومما ال يدع مجاال للشك؛ وإن لعبت ألادوار الفردانية فيها الش يء الكثير‪ ،‬هذا ال يقلل من مكانة الفعل‬ ‫الجماعي الحضاري في معالجاتها للمسائل الحضارة املعقدة‪ ،‬والسعي الحثيث للوصول باإلنسان املعاصر أعلى درجات‬ ‫ً‬ ‫منحى؛ أن إلانسان اجتماعي بطبعة‪ ،‬وإنه‬ ‫الذروة‪ ،‬وإلى القدر الذي يضمن عملية التفاعل الخالق بين أبناء املجتمع‪ ،‬وفق‬ ‫جماعيا وبصورة ّ‬ ‫ًّ‬ ‫مثالية دون أن يحتكم لتعاقد اجتماعي؛‬ ‫وحسب متطلبات الحاجة أو الرغبة ليس بمقدوره أن يتدافع‬ ‫ال يساهم في ضبط الحاجة والرغبة لديه أو كبحهما‪ ،‬بقدر ما يكون التأسيس عليه في صناعة التجربة الحضارية‬ ‫لإلنسان املعاصر‪ .‬ونعتقد بأن تجارب النهوض املدني للعديد من املجتمعات الحديثة خير مثال لذلك؛ فاليابانيون وفي‬ ‫غضون نصف قرن أو يزيد أصبحوا ً‬ ‫رقما مهما في معادالت التكنولوجيا وثورة الاتصاالت‪ ،‬فضال عن دول النمور‬ ‫ً‬ ‫آلاسيوية الذين قطعوا شوطا كبيرا في مضمار التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياس ي‪ ،‬إضافة للدول الغربية؛ أوربا‬ ‫وأمريكا والتي ضربت شعوبها أروع التجارب في مضمار الديمقراطية والحرية ومجاالت حقوق إلانسان‪ ،‬بعد أن تمكنت‬ ‫من بناء منظومة قيم اجتماعية تحت رعاية القانون املدني بوصفه؛ قد وضع كافة أبناء املجتمع على قدر عال من‬ ‫املساواة والعدالة‪.‬‬ ‫وإن لم تكن املجتمعات العربية قد ركبت قطار الحضارة ومعطياتها‪ ،‬فهذا وال شك ال يقلل ً‬ ‫أبدا من أهميتها‬ ‫ومكانتها في قبال التجارب البشرية الهائلة إزاء دورة الحضارة‪ ،‬إذا ما اعتبرنا بأن كل ما ينعم اليوم به الغرب من تقدم‬ ‫وتطور ما هو إال تراكم ثقافي لتجربة إلانسان نفسه وتفاعله مع الكون والحياة في غمرة من التشكل املجتمعي‪ ،‬وقد‬ ‫شهدت الحالة العربية بالذات حالة الهروب من الحياة الفردية العارية إلى حياة النظام الاجتماعي‪ ،‬من املجتمع البدوي‬ ‫ً‬ ‫إنجازا دراميا‪ ،‬لم يكن بفعل املتغيرات الاجتماعية وتطوراتها فحسب‪ ،‬بل أن‬ ‫إلى املجتمع املدني‪ .‬وهذا بحد ذاته ُيعد‬ ‫الزمن وما يحمله من مجموعة من املؤثرات كان له ألاثر ألاكبر في مثل هذا التحول‪ .‬مع ألاخذ بعين الاعتبار للخصوصية‬ ‫الاجتماعية والثقافية من بيئة عن أخرى‪ ،‬ومن مجتمع عن آخر‪ .‬ويبقى السؤال ألاهم في هذا املضمار ؛ هل بالفعل أن‬ ‫املجتمعات العربية بالتحديد قد دخلت حيز املدنية الحقيقية واملنشودة!؟‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املدنية‪ ،‬ومن خالل دخوله في فضاء‬ ‫فقد يكون ثمة توافق على أن إلانسان ومن خالل هذا التحول باتجاه‬ ‫النظام املدني قد تجاوز تلك حالة العزلة والفردانية التي كانت تفرضها طبيعة الحالة البدوية‪ ،‬وهنا بإمكاننا أن‬ ‫نستحضر فكرة "العقد الاجتماعي" حسب الفيلسوف الفرنس ي جان جاك روسو‪ ،‬الذي وصف الحالة املدنية الجديدة‬ ‫أشبه ما تكون بالقانون الصناعي الضاغط‪ .‬بمعنى أن جملة التعاقدات واملعاهدات الاجتماعية بين أبناء املجتمع الواحد‬ ‫هي تعبر بالضرورة عن روح القانون باعتباره الجهة الخارجية واملسؤولة عن تنظيم طبيعة العالقة الاجتماعية‪ ،‬بينما‬ ‫تبقى ألاخالق منبعها ألاساس يأتي من جوهر إلانسان نفسه‪ .‬وهذا ال يلغي دور البيئة واملحيط وألافكار في التأثير على‬ ‫ّ‬ ‫السلوك الاجتماعي‪ ،‬فقد تكون الطبيعة البدوية والدة لإلبداع املحدود أو الفرداني‪ ،‬إال أنه ذلك ال يمكن مقارنته بما‬ ‫تترجمه الظاهرة املدنية والاجتماعية‪ ،‬كما أنه ً‬ ‫أيضا ال يمكن املقارنة بين صيرورة حضارية مسكونة بالتدافع الجماعي‬ ‫واملدني املنظم‪ ،‬مع مساع وأخالقيات ومنجزات ال تتجاوز الصورة الفردانية!‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املدنية باعتبارها‬ ‫وبالعودة إلى مضمون السؤال‪ ،‬فاملجتمعات العربية أمام اختبار حقيقي إزاء تجربة الثقافة‬ ‫حاضنة واقعية للتأسيس لعمل جماعي يتفاعل فيه إلانسان مع الحياة والكون‪ ،‬بالتالي نستطيع القول بأنها قد بلغت‬ ‫ّ‬ ‫املدنية الراهنة؛ حالة من التعبئة‬ ‫البدايات من طريق ما يسمى بالحضارة‪ ،‬وتساؤالت أخرى‪ :‬ملاذا لم تؤسس الصورة‬ ‫الجماعية لدى املجتمعات العربية؟‪ .‬هل ثمة فرق ما بين التجربة املدنية لدى املجتمعات املتقدمة وبين تجربة الشعوب‬ ‫العربية؟‪ .‬بالتأكيد وبكل سهولة نستطيع أن ندرك الفرق بالنظر إلى النتائج واملخرجات‪ ،‬فالعقل الغريي ما انفك ويشكل‬ ‫‪ |2‬صفحة‬


‫مكثف ومستمر من إعادة انتاج الرؤية الجماعية ‪ ،‬سواء فيما يخص املكونات الاجتماعية على الصعيد الداخلي؛ من‬ ‫جمعيات ونقابات واتحادات وكل ما من شأنه أن يحمل طابعا ًّ‬ ‫مدنيا‪ ،‬أو فيما يتعلق بشؤون الدول وألاطر التي تسوسها‬ ‫ّ‬ ‫املدنية الفاضلة؛ يظل‬ ‫عبر منظمات عاملية ومواثيق وشراكات اقتصادية وغيرها‪ .‬وعلى الرغم من ادعائه الدخول في كنف‬ ‫العقل العريي أسير الاستهالك واملحاكاة والتقليد‪ ،‬وحبيس ذاتويته‪ ،‬وتصوراته‪ ،‬وأعرافه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الغربية" و" ّ‬ ‫ّ‬ ‫وإن جاز لي التعبير؛ فالفرق بين " ّ‬ ‫العربية" بأن هذه ألاخيرة؛ كانت مفرغة من‬ ‫املدنية‬ ‫املدنية‬ ‫مضمونها الحيوي‪ ،‬أال وهو "حرية الاختيار" التي ال تقف عند ألاحكام وطبيعتها‪ ،‬بل وألاشخاص املنفذين لها أيضا‪ .‬فقد‬ ‫يتوفر لدى املجتمعات العربية شيئا من روح القانون‪ ،‬الذي وال شك هو عنصر مهم من عناصر الضبط وتوفر ألامن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫املدنية املشوهة قد أضافت له الش يء الكثير في مسيرة البناء والنهضة والتطوير‬ ‫لكن ذلك ال يعني بالضرورة أن مثل هذه‬ ‫ً‬ ‫وعلى مدار عقود من الزمن‪ ،‬فهناك اختالف كبير بين الحالة التي يعيشها الناس – أفرادا وجماعات ‪ -‬منفلتين‪،‬‬ ‫ويخوضون طريقهم الشاق من الذات إلى الذات!‪ .‬وبين الحالة التي يكون الناس فيها أحرارا في رغباتهم واختياراتهم‪.‬‬ ‫يتدافعون نحو الحضارة‪ ،‬مؤثرين ذاوتهم‪ ،‬ومنصهرين في أنساقهم العامة؛ ألجل رسم البراديغم الجماعي‪ ،‬تلك هي شيفرة‬ ‫الحل للمعادالت الحضارية!‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املدنية الحديثة ال يمكن أن يتحول القانون إلى مجرد ضوابط مكانيكية وضاغط‪ ،‬فهذا املعنى‬ ‫وحسب الرؤية‬ ‫من القانون موجود دائما على امتداد تاريخ املجتمعات البشرية‪ ،‬إنما القانون املقصود؛ هو الذي يستمد طاقته من‬ ‫مقومات العقد الاجتماعي‪ ،‬وغلبة الرضا العام للناس وفيما يتوافقون عليه‪ ،‬حسب موقع الاختيار لديهم‪ ،‬وليس القهر‬ ‫ّ‬ ‫باملدنية الناقصة والتي ال يمكن من خاللها الوصول إلى القناعة أو‬ ‫وإلاجبار!‪ .‬إذن؛ ال يكفي املجتمعات العربية تدثرها‬ ‫الفعل الجماعيين‪ ،‬دون أن تحقيق ألادنى من اشتراطات الحضارة وسبلها املتعددة‪ .‬وتجدر إلاشارة هنا إلى شرط‬ ‫الجماعية والتي عبر عنها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنس ي إميل دوركهايم في فكرة "الظاهرة الاجتماعية" والتي ال يرى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ساعيا من خاللها إلى تظهير املجتمع؛ باعتباره أولوية قصوى‪ ،‬وهو ألاهم في‬ ‫انسجاما وتناغما مع النزعة الفردانية‪،‬‬ ‫فيها إال‬ ‫مقابل الفرد‪ ،‬ألامر الذي يتطلب استدعاء مختلف العناوين الكبرى الجامعة املانعة ذات الضمانة الشاملة ألن يعيش‬ ‫الناس جميعا أحرارا متساوين في إلانسانية وفي املواطنية‪ ،‬فذلكم قنطرة الوصول إلى الفعل الجماعي‪ .‬فالجماعية هي تلك‬ ‫القيمة املضافة والضاغطة على الفرد وليس العكس‪ .‬بل هي املفتاح السحري لعملية الاستنهاض الحضارية والتي باتت‬ ‫املجتمعات العربية بأمس الحاجة إليها اليوم قبل الغد!‪.‬‬

‫*مركز آفاق للدراسات والبحوث ‪ -‬السعودية‬ ‫‪twitter: @Ali_Altaleb‬‬ ‫‪facebook: Ali Altaleb‬‬

‫‪ |3‬صفحة‬


الفعل الجماعي كحاجة حضارية