Issuu on Google+


‫م َّ‬ ‫مغيَّب‬ ‫ثقف ال ُ‬ ‫ال ُ‬ ‫رئيس التحرير‬

‫فـالــح بن حســـين الهـاجـــري‬ ‫مدير التحرير‬

‫خـــالد العــودة الفـضـــلي‬ ‫التحرير‬

‫محـســن العـتيقـي‬ ‫اإلخراج والتنفيذ‬

‫عمرو الكفراوي‬ ‫رشا أبوشوشة‬ ‫هـــنـد آلبنسعيد‬ ‫فلوه الهاجري‬

‫جميــع المشــاركات ترســل باســم رئيــس‬ ‫التحريــر ويفضــل أن ترســل عبــر البريــد‬ ‫االلكترونــي للمجلــة أو علــى قــرص مدمــج‬ ‫فــي حــدود ‪ 1000‬كلمــة علــى العنــوان اآلتــي‪:‬‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022295 :‬‬ ‫تليفون ‪ -‬فاكس ‪)+974( 44022690 :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 22404 :.‬الدوحة ‪ -‬قطر‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪editor-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪aldoha_magazine@yahoo.com‬‬

‫مكتب القاهرة‪:‬‬ ‫وحيد الطويلة‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬

‫‪aldoha.cairo@gmail.com‬‬

‫المــواد المنشــورة فــي المجلــة ُتعبِّــر عــن‬ ‫عبــر بالضــرورة عــن رأي‬ ‫آراء كتّابهــا وال ُت ِّ‬ ‫ـرد‬ ‫الــوزارة أو المجلــة‪ .‬وال تلتــزم المجلــة بـ ّ‬ ‫أصــول مــا ال تنشــره‪.‬‬

‫كل المثقَّفي ــن ف ــي بلــٍد م ــا لحض ــور فعالي ــة أو‬ ‫م ــن‬ ‫المؤك ــد صعوب ــة اس ــتدعاء ّ‬ ‫َّ‬ ‫مؤتم ــر‪ ،‬لك ــن غي ــاب أو تغيي ــب أس ــماء ثقافي ــة وازن ــة وع ــدم دعوته ــا للمس ــاهمة‬ ‫العربيـــة‪ .‬األمـــر الـــذي يتطلَّـــب‬ ‫تتكـــرر فـــي بالدنـــا‬ ‫فـــي إثـــراء النقـــاش‪ ،‬صـــورة‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫المثقَّـــف مـــن فـــرط‬ ‫دراســـة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وافيـــة لتحديـــد أســـباب هـــذا التهميـــش الـــذي يجعـــل ُ‬ ‫الفعال ــة‪ ،‬والح ــال أن إس ــهامه دعام ــة‬ ‫إقصائ ــه عازفــ ًا ع ــن الحض ــور والمش ــاركة َّ‬ ‫أساســـية ألي ِحـــراك ثقافـــي منشـــود‪.‬‬ ‫مفكـــرون وأدبـــاء وفاعلـــون فـــي جميـــع‬ ‫علـــى امتـــداد الوطـــن العربـــي لدينـــا ِّ‬ ‫والمتخصصـــة فـــي‬ ‫التخصصـــات‪ ،‬لهـــم إصـــدارات تتناقلهـــا المراكـــز البحثيـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جمي ــع األقط ــار‪ ،‬كم ــا تت ـ ّـم ترجم ــة الكثي ــر م ــن أعماله ــم إل ــى اللّغ ــات األجنبي ــة‪،‬‬ ‫الفكريـــة صـــدى واعترافـــ ًا فـــي الخـــارج‪ ،‬فـــي‬ ‫ومـــن المؤســـف أن تجـــد جهودهـــم‬ ‫ّ‬ ‫فكـــر‬ ‫مقابـــل ٍ‬ ‫صمـــاء داخـــل أوطانهـــم‪ .‬فمـــا معنـــى أن يتلقّـــى ُمثقَّـــف أو ُم ِّ‬ ‫آذان َّ‬ ‫دعـــوات لإلســـهام فـــي المؤتمـــرات العلميـــة مـــن دول أجنبيـــة‪ ،‬وال يتلقّاهـــا مـــن‬ ‫ٍ‬ ‫كبيـــر فـــي التواصـــل والتفاعـــل بيـــن‬ ‫خلـــل‬ ‫وطنـــه؟! أال ينـــم هـــذا عـــن وجـــود‬ ‫ٍ‬ ‫والمفكري ــن ف ــي ش ــتى المج ــاالت؟!‬ ‫الجه ــات الثّقافي ــة أو ذات الصل ــة م ــع المثقَّفي ــن‬ ‫ِّ‬ ‫آن معــاً‪ ،‬ف ــي ص ــورة ه ــذا التغيي ــب‪ ،‬ال ــذي ي ــكاد‬ ‫وم ــن الالف ــت والمؤل ــم‪ ،‬ف ــي ٍ‬ ‫ِ‬ ‫فك ــر أو عال ـ ٍـم عرب ــي بع ــد االحتف ــاء ب ــه خ ــارج‬ ‫بم ِّ‬ ‫يك ــون ُم َّ‬ ‫تعم ــدًا أحيان ـاً؛ االحتف ــاء ُ‬ ‫ـــا‪ ،‬ولـــوال تكريمـــه مـــن جهـــات أجنبيـــة لمـــا‬ ‫وطنـــه‪ ،‬كمـــا لـــو كان‬ ‫هم ً‬ ‫ّ‬ ‫وم َ‬ ‫منســـي ًا ُ‬ ‫والمؤكـــد الـــذي ال اختـــاف عليـــه أن التكريـــم ودعـــوات المشـــاركة‬ ‫ـــت إليـــه!‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫التِف َ‬ ‫التـــي تأتـــي مـــن أرض الوطـــن ومـــن جهـــات االختصـــاص يكـــون أثرهـــا علـــى‬ ‫ٍ‬ ‫دعـــوة مـــن الخـــارج‪ ،‬لمـــا فـــي ذلـــك مـــن ُبعـــٍد‬ ‫تكريـــم أو‬ ‫المثقَّـــف أعمـــق مـــن أي‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫وطنـــي فطـــري وأصيـــل‪.‬‬ ‫وهنـــا أدعـــو إلـــى اغتنـــام الفـــرص علـــى هامـــش المؤتمـــرات واالجتماعـــات‬ ‫الرســـمية وغيـــر الرســـمية والنـــدوات والمهرجانـــات الموســـمية فـــي الوطـــن‬ ‫رواد الفكـــر والثّقافـــة والمبدعيـــن فـــي جميـــع المجـــاالت‪.‬‬ ‫العربـــي لتكريـــم َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ـرور وبهج ــة ف ــي‬ ‫ـرح وس ـ ٍ‬ ‫م ــا دعان ــي لط ــرح ه ــذا الموض ــوع م ــا وجدت ــه م ــن ف ـ ٍ‬ ‫كرمي ــن م ــن أبن ــاء دول الخلي ــج م ــن وزراء الثّقاف ــة ف ــي دول مجل ــس‬ ‫الم َّ‬ ‫نف ــوس ُ‬ ‫التعـــاون الخليجـــي علـــى هامـــش اجتماعهـــم الثانـــي والعشـــرين‪ ،‬والـــذي ُأقيـــم‬ ‫بالعاصمـــة الســـعودية (الريـــاض) فـــي الثانـــي عشـــر مـــن أكتوبر‪/‬تشـــرين األول‬ ‫كل دول ــة خليجي ــة‪ ،‬وج ــرت الع ــادة عل ــى‬ ‫الماض ــي‪ ،‬بواق ــع ثالث ــة مبدعي ــن م ــن ّ‬ ‫تكريـــم ثالثـــة مبدعيـــن ســـنوي ًا فـــي دول الخليـــج‪ ،‬أي بواقـــع ‪ 18‬مبدعـــ ًا فـــي‬ ‫مختلـــف جوانـــب اإلبـــداع‪ ،‬وكان الحضـــور أشـــبه بالكرنفـــال الخليجـــي الثّقافـــي‪،‬‬ ‫الرســـمي والشـــعبي‪ ،‬وآمـــل لـــو يتـــم تطبيـــق مثـــل هـــذه اللفتـــة الرائعـــة علـــى‬ ‫ـن ين ــوب‬ ‫مس ــتوى جامع ــة ال ــدول العربي ــة‪ ،‬واجتم ــاع وزراء الثّقاف ــة الع ــرب أو َم ـ ْ‬ ‫عنه ــم‪ ،‬أو م ــن خ ــال منظم ــة المؤتم ــر اإلس ــامي‪ ،‬عل ــى أن تك ــون الش ــخصيات‬ ‫كرمـــة لهـــا إســـهامات ثقافيـــة واضحـــة وملموســـة علـــى مســـتوى دول‬ ‫الم َّ‬ ‫ُ‬ ‫المنطقـــة‪ ،‬والتـــي تســـتحق التكريـــم واالحتفـــاء مـــن أصحـــاب الشـــأن‪.‬‬ ‫رئيس التحرير‬


‫الغالف‪:‬‬

‫مجان ًا مع العدد‪:‬‬

‫ثــقــافـيـة شــــهــريــة‬

‫العدد‬

‫‪110‬‬

‫السنة التاســعة ‪ -‬العـدد مئة وعشرة‬ ‫ربيع األول ‪- 1438‬ديسمبر ‪2016‬‬

‫تصدر عن‬ ‫إدارة البحوث والدراسات الثقافية‬

‫وزارة الثقافة والرياضة‬ ‫الـــدوحــــة ‪ -‬قـــــطــــر‬

‫لوحة غالف المجلة‪:‬‬ ‫الفنّان‬ ‫الشرق‬ ‫نشأت‬ ‫شيرين‬

‫د‪.‬زكي نجيب محمود‬

‫صورة غالف الكتاب‪:‬‬ ‫الشيخ مصطفى الغالييني‬

‫صدر العدد األول في نوفمبر ‪ ،1969‬وفي يناير ‪ 1976‬أخــذت توجهها العربي واستمرت‬ ‫فــي الــصــدور حــتــي يــنــايــر ع ــام ‪ 1986‬لتستأنف الــصــدور مــجــددًا فــي نوفمبر ‪.2007‬‬ ‫توالى على رئاسة تحريرالدوحة إبراهيم أبو ناب‪ ،‬د‪ .‬محمد إبراهيم الشوش و رجاء النقاش‪.‬‬

‫االشتراكات السنوية‬ ‫داخل دولة قطر‬ ‫األفراد ‬ ‫الدوائر الرســمية‬

‫‪ 120‬ريــا ًال‬ ‫‪ 240‬ريا ًال‬

‫خارج دولة قطر‬ ‫دول الخليــج العربــي‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫باقــــــي الدول العربية‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 75‬يورو‬

‫أمـــــــــــــــــــيــــركـــــــا‬

‫‪ 100‬دوالر‬

‫كــــنــــدا وأسترالــــيا‬

‫‪ 150‬دوالرًا‬

‫الموقع اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪www.aldohamagazine.com‬‬

‫تقارير‬

‫التوزيع واالشتراكات‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022338 :‬‬ ‫فـاكـس ‪)+974( 44022343 :‬‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪distribution-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪doha.distribution@yahoo.com‬‬

‫الشؤون المالية واإلدارية‬

‫‪finance-mag@moc.gov.qa‬‬

‫ترســـل قـيمة االشـــتراك بموجـب حـــوالة‬ ‫مصــــرفية أو شــــيك بالريـال القــطــري‬ ‫باسـم وزارة الثقافـة والرياضـة علـى‬ ‫عنـوان المجلـة‪.‬‬

‫الموزعون‬ ‫وكيل التوزيع في دولة قطر‪:‬‬ ‫دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة ‪ -‬ت‪ 44557810 :‬فاكس‪44557819 :‬‬

‫وكالء التوزيع في الخارج‪:‬‬ ‫المملكة العربية السعودية ‪ -‬الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع ‪ -‬الرياض‪ -‬ت‪0096614871262 :‬‬ ‫ فاكــس‪ /0096614870809 :‬مملكــة البحريــن ‪ -‬مؤسســة الهــال لتوزيع الصحــف ‪ -‬المنامة ‪-‬‬‫ت‪ - 007317480800 :‬فاكــس‪/007317480819 :‬دولــة اإلمارات العربية المتحدة ‪ -‬المؤسســة‬ ‫العربيــة للصحافــة واإلعــام ‪ -‬أبــو ظبــي ‪ -‬ت‪ - 4477999 :‬فاكس‪ /4475668 :‬ســلطنة ُعمان‬ ‫ مؤسســة ُعمان للصحافة واألنباء والنشــر واإلعالن ‪ -‬مســقط ‪ -‬ت‪ - 009682493356 :‬فاكس‪:‬‬‫‪ /0096824649379‬دولــة الكويــت ‪ -‬شــركةالمجموعة التســويقية للدعايــة واإلعــان ‪ -‬الكويت‬ ‫ ت‪ - 009651838281 :‬فاكــس‪ /0096524839487 :‬الجمهوريــة اللبنانيــة ‪ -‬مؤسســة‬‫نعنــوع الصحفيــة للتوزيــع ‪ -‬بيــروت ‪ -‬ت‪ - 009611666668 :‬فاكــس‪/009611653260 :‬‬ ‫الجمهوريــة اليمنيــة ‪ -‬محــات القائــد التجاريــة ‪ -‬صنعــاء ‪ -‬ت‪- 00967777745744 :‬‬ ‫فاكــس‪ / 009671240883 :‬جمهوريــة مصــر العربيــة ‪ -‬مؤسســة األهــرام ‪ -‬القاهــرة ‪ -‬ت‪:‬‬ ‫‪ - 002027704365‬فاكــس ‪/002027703196‬الجماهيريــة الليبية ‪ -‬دار الفكر الجديد الســتيراد‬ ‫ونشــر وتوزيــع المطبوعات ‪ -‬طرابلــس ‪ -‬ت‪ - 0021821333260 :‬فاكس‪00218213332610 :‬‬ ‫‪ /‬جمهورية السودان ‪ -‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع ‪ -‬الخرطوم ‪ -‬ت‪0024915494770 :‬‬ ‫ فاكس‪ / 00249183242703 :‬المملكة المغربية ‪ -‬الشــركة العربية اإلفريقية للتوزيع والنشــر‬‫والصحافة‪ ،‬سبريس ‪ -‬الدار البيضاء ‪ -‬ت‪ - 00212522249200 :‬فاكس‪/00212522249214:‬‬ ‫الجمهورية العربية الســورية ‪ -‬مؤسســة الوحدة للصحافة والطباعة والنشــر والتوزيع ‪ -‬دمشق ‪-‬‬ ‫ت‪- 00963112127797 :‬فاكس‪00963112128664:‬‬

‫‪22‬‬

‫صعود ترامب‪ ..‬سقوط نظرية «اإلعالم يعرف أكثر»‪(................‬د‪.‬ياسر ثابت)‬ ‫عرب بريطانيا في مملكة عظمى أم في جزيرة معزولة؟‪( .......‬لندن‪ :‬هيثم حسين)‬ ‫ُ‬ ‫العربية بال أجنحة!‪(........‬فرانكفورت‪ :‬محمد األصفر )‬ ‫معرض فرانكفورت للكتاب‪..‬دور النشر ّ‬ ‫«معرض بيروت للكتاب»‪..‬المرور إلزامي! ‪( .........................‬بيروت ‪ -‬نسرين حمود)‬ ‫السلطان قابوس للثّقافة والفنون واآلداب‪( ..........................‬الدوحة)‬ ‫جائزة ُّ‬

‫‪32‬‬

‫ميديا‬

‫متاحف بال حدود ‪( ......................................................‬عبداهلل بن محمد )‬

‫قطر واألعوام الثقافية‪..‬‬ ‫جسر يمتد وحوار يستمر‬

‫ قطر والصين‪ ..‬بانوراما العام الثقافي‬‫ محمد ناصر العثمان‪ :‬األعوام الثقافية وجه قطر المنفتح‬‫محمد آي قاج‪ :‬العام الثقافي بين قطر وتركيا حقق أهدافه‬‫لي تشن سفير الصين لدى قطر‪ :‬خطوة لتعزيز الثقافتين‬‫مثقفون من قطر‪ :‬تعزيز التواصل ونشر السالم‬‫‪-‬جميلة آل شريم‪ :‬المعارض لغة للحوار‬

‫األسعار‬ ‫دولة قطر‬ ‫مملكة البحرين‬

‫‪ 10‬رياالت‬

‫الجمهورية اللبنانية‬

‫دينار واحد‬

‫الجمهورية العراقية‬

‫اإلمارات العربية المتحدة‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫سلطنة عمان‬

‫‪ 800‬بيسة‬

‫دولة الكويت‬ ‫المملكة العربية السعودية‬ ‫جمهورية مصر العربية‬ ‫الجماهيرية العربية الليبية‬ ‫الجمهورية التونسية‬ ‫الجمهورية الجزائرية‬ ‫المملكة المغربية‬ ‫الجمهورية العربي�� السورية‬

‫دينار واحد‬ ‫‪ 10‬رياالت‬ ‫‪ 3‬جنيهات‬ ‫‪ 3‬دنانير‬ ‫‪ 2‬دينار‬ ‫‪ 80‬دينارًا‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 80‬ليرة‬

‫المملكة األردنية الهاشمية‬ ‫الجمهورية اليمنية‬

‫‪ 3000‬ليرة‬ ‫‪ 3000‬دينار‬ ‫‪ 1.5‬دينار‬ ‫‪ 150‬ريا ًال‬

‫جمهورية السودان‬

‫‪ 1.5‬جنيه‬

‫موريتانيا‬

‫‪ 100‬أوقية‬

‫فلسطين‬ ‫الصومال‬

‫‪ 1‬دينار أردني‬ ‫‪ 1500‬شلن‬

‫بريطانيا‬

‫‪ 4‬جنيهات‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 4‬يورو‬

‫الواليات المتحدة األميركية‬

‫‪ 4‬دوالرات‬

‫كندا واستراليا‬

‫‪ 5‬دوالرات‬

‫مل‬

‫ف خاص‬

‫‪4‬‬


‫ملف‬

‫الحروب اللُّغوية‬ ‫وموت اللّغات!‬ ‫وئام المددي‬ ‫حسين السوداني‬ ‫فتحي المسكيني‬ ‫عبد الرحيم الرحموني‬ ‫عادل الجادر‬ ‫سالم لبيض‬

‫أدب‬

‫‪88‬‬

‫ليلى سليماني في عقبة «غونكور» ! ‪( ..............................‬عبد اهلل كرمون)‬ ‫الكتابة بشفرات الحالقة ‪(...........................................‬حسن بحراوي )‬ ‫«غونكور» الفرنسية بنكهة عربية شابّة‪(................................‬دينا قابيل )‬ ‫عبدالهــادي سعدون‪:‬اإلســبانية أنقذتنــي مــن التشـ ُّـرد!» ‪( .......‬حوار‪:‬أحمــد ســراج)‬ ‫فيليـــب فوريســـت‪..‬الكتابة عـــن الـــذات‪ ،‬وحدودهـــا ‪(..‬حـــوار‪ :‬محمـــد الداهـــي )‬

‫قراءات‬

‫‪104‬‬

‫نصوص‬

‫‪110‬‬

‫ترجمات‬

‫عبدالهادي‬ ‫سعدون‪:‬‬ ‫اإلسبانية‬ ‫أنقذتني‬ ‫من‬ ‫التشر ُّد!‬

‫أدب‬

‫إصدارات‬

‫سينما‬

‫‪134‬‬

‫هويـــات‪( .................................‬أوراس زيبـــاوي)‬ ‫هويـــة داخـــل ّ‬ ‫«روحـــي»‪ّ ..‬‬ ‫«آرك» آلة االنتصار‪..‬التكرار والحدث المتوقع أفسدا األحجية ‪( .......‬أحمد ثامر جهاد)‬ ‫نوبـــل لـــأدب‪ ..‬هـــل ُلكّتـــاب الســـينما نصيب؟‪(...................‬أمجـــد جمـــال)‬ ‫مواســم ســينمائية عربية فــي أوروبــا‪( .........................‬تحقيق‪ :‬نديم جرجوره)‬

‫معارض‬

‫‪144‬‬

‫بطــرس المعــري‪ :‬لســت متأثِّ ــرًا بشــاغال!‪( ..............‬حــوار‪ :‬علــي جــازو ‪-‬بيــروت)‬

‫مقاالت‬ ‫‪34‬‬

‫الهوي ــة ُمج ـ َّـددا ً‪(................................‬بنس ــالم ِحـ ـ ِّـميش)‬ ‫ع ــن ّ‬ ‫كل العص ــور ‪(......................‬عب ــد العزي ــز المقال ــح) ‪148‬‬ ‫بغداد‪..‬مدين ــة ّ‬ ‫الرحلــة األندلســية فــي بحــر الظلمــات ‪(....................‬طالب الدغيم) ‪150‬‬ ‫زيـــارة إلـــى متحـــف طـــه حســـين ‪(.....................‬عـــا ســـالم) ‪153‬‬

‫«فوانيـــس َحّية‪..‬أضـــاء بهـــا اإلنســـان ‪(........‬ن ــورا أحم ــد هب ــة واص ــل) ‪156‬‬ ‫غـــادة الســـمان تتحـــدث عـــن بيـــروت ‪(...........‬حـ ـوار‪ :‬عبـ ـداهلل الش ــيتي) ‪158‬‬

‫ليلى ســـليماني‬ ‫«غونكور» ألغنية هادئة‬

‫سون ‪-‬ترجمة‪ :‬صفوان الشلبي)‬ ‫تو ْ‬ ‫بال مالذ‪(............................‬يالْت ِشن ْ‬ ‫ضوء الشعر!‪(.....................‬أزارين صادق ‪-‬ترجمة‪:‬محمد حلمي الريشة)‬ ‫حكومي‪(...........‬أنطون تشيخوف‪-‬ترجمة‪:‬رضوان السائحي)‬ ‫موظف‬ ‫موت َّ‬ ‫ّ‬ ‫هل يساعد األدب في العيش؟‪(....‬هيلواز ليريتي ترجمة‪:‬أ‪ .‬محمد اإلدريسي)‬ ‫كيف تصير كاتباً؟‪..‬عشر نصائح من ريبيكا سولنت‪(...‬ترجمة وتقديم‪ :‬باسم محمود)‬

‫‪126‬‬

‫مجدي بن صوف‬

‫ـــر ّي بجـــوار حصـــان ُم َّ‬ ‫ـــروض ‪(...........‬هـــدى حمـــد) ‪160‬‬ ‫حصـــان َب ِّ‬

‫‪114‬‬

‫التكنولوجيا تعيد األدب إلى الشفافية‪( .......................‬ممدوح ّفراج النابي)‬ ‫الرواية موسوعة عصر‪( ..............................................‬سعد القصاب)‬ ‫«أزمنة الدم» المستقبل الذي كان في الماضي‪( ...........‬د‪ .‬نادية هناوي سعدون)‬ ‫صدر حديثا‪( .............................................................‬هويدا صالح)‬

‫‪50‬‬

‫حوار‬

‫«أصابع لوليتا» نفي السيرة وحضور التخييل‪( ...................‬د‪.‬ميمون سهيلة)‬ ‫ُ‬ ‫نباتات‪ ..‬ال تشبه المزحة‪( .....................................‬محمد عفيف الحسيني )‬ ‫حالل دم الغزال‪( ..........................................................‬ميسلون هادي)‬ ‫جمو)‬ ‫لحظات شديدة الصفاء‪( .......................................................‬ماهر ّ‬

‫روالن ج‪ .‬ل‪ .‬بروطون‬ ‫وليالي كندو‬ ‫لويس ‪ -‬جان كالفي‬ ‫عبد الفتاح كيليطو‬

‫‪88‬‬

‫مؤتمر المناخ ‪.. 22‬‬ ‫حتى ال نغرق!‬ ‫جمال الموساوي‬ ‫زكية حادوش‬ ‫محمد جليد‬ ‫حسن الهيثمي‬

‫‪36‬‬

‫قضية‬


‫ملف خاص‬


‫قطر واألعوام الثّقافية‪..‬‬ ‫جسر يمتد وحوار يستمر‬ ‫عالــم اليــوم أحــوج مــن أي وقــت إلــى الســام والحــوار‬ ‫والتعايــش‪ .‬فمــع ازديــاد مناطــق النــزاع والتوتــر‬ ‫األمنــي‪ ،‬وكذلــك صعــود الخطابــات العرقيــة‪ ،‬بــل‬ ‫واختــاط األولــى بالثانيــة‪ ،‬باتــت مســألة الحيــاة‬ ‫المشــتركة والمتعـ ِّـددة علــى َكـ ّ‬ ‫والمتأمــل فــي‬ ‫ـف عفريــت‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مــم‬ ‫بعــض جغرافيــات واقعنــا العربــي‪ ،‬وفــي واقــع ُأ ٍ‬ ‫أخــرى مشــابهة ُيعايــن كيــف تأتــي خطابــات التفرقــة‬ ‫والعنصريــة والطائفيــة علــى األخضــر واليابــس‪...‬‬ ‫بــات العالــم إذًا فــي غنــى عــن شــعارات الحــوار‬ ‫ـش وشــوق لحيــاة بديلــة‬ ‫والتعايــش‪ ،‬وأصبــح فــي عطـ ٍ‬ ‫يســودها الحــوار الثّقافــي والمحبــة اإلنســانية التــي هــي‬ ‫الســبيل إلــى الســلم والتعــاون والتنميــة‪.‬‬ ‫ارتباط ـ ًا بهــذا الحــال‪ ،‬وضمــن هــذا العــدد الــذي يتزامــن‬ ‫مــع احتفــال دولــة قطــر باليــوم الوطنــي‪ ،‬ارتأينــا‬ ‫فــي هــذا الملــف الخــاص تســليط الضــوء علــى تجربــة‬ ‫األعــوام الثّقافيــة المشــتركة التي ســنَّتها دولــة قطر عبر‬ ‫متاحــف قطــر بالتعــاون مــع وزارة الثّقافــة والرياضــة‪،‬‬ ‫وذلــك مــن خــال رصــد التجربــة ودورهــا فــي ترســيخ‬ ‫قيــم الحــوار والتعايــش بيــن األمــم‪ ،‬وهــي تجربــة‬ ‫كل‬ ‫دخلــت عامهــا الخامــس بعــد األعــوام الثّقافيــة مــع ٍّ‬ ‫مــن اليابــان والمملكــة المتحــدة والبرازيــل وتركيــا‪،‬‬ ‫فيمــا يســدل العــام الثّقافــي مــع الصيــن ســتاره خــال‬ ‫نهايــة هــذا العــام انتظــارًا لبدايــة عــام ثقافــي جديــد مــع‬ ‫ألمانيــا‪.‬‬ ‫إعداد‪ :‬طه عبد الرحمن وعبد الفتاح مرسي‬ ‫‪5‬‬


‫علــى مدى عام كامل‪ ،‬شــهدت العاصمتان الدوحة وبكين‪ِ ،‬حراك ًا ثقافيــ ًا الفتاً‪ ،‬وذلك في إطار‬ ‫الســنة الثّقافية التي جمعت قطر والصين للعام ‪ ،2016‬وذلك في إطار الســنوات الثّقافية التي‬ ‫تقيمها قطر مع دول العالم‪ ،‬في إطار من التواصل الثّقافي المشترك‪.‬‬ ‫كل من قطر والصين‪ ،‬من‬ ‫هــذه الســنة أتاحت لجمهور البلدين‪ ،‬الوقوف على مســتوى الحالة الثّقافية فــي ّ‬ ‫شــكل جســرًا ثقافياً‪ ،‬لم يتوقَّف إشعاعه الثّقافي على مدى‬ ‫خالل األنشــطة والفعاليات‬ ‫المتنوعة‪ ،‬وهو ما َّ‬ ‫ِّ‬ ‫‪ 12‬شهراً‪.‬‬

‫بانوراما للعام الثّقافي‬ ‫بين قطر والصين‬

‫اختيار الصين‪ ،‬لتشـارك قطر في سنة‬ ‫ثقافيـة بيـن العاصمتين‪ ،‬جـاء لما تتصف‬ ‫به الصين من ثقافة عريقة‪ ،‬كما هو شـأن‬ ‫مكون ًا‬ ‫الثّقافـة العربيـة‪ ،‬والتي تعتبر قطر ِّ‬ ‫ال منها‪ ،‬وهو التزاوج بين الثّقافتين‪،‬‬ ‫أصي ً‬ ‫الذي يمكن أن يحقّق هدفه بأن يكون جسرًا‬ ‫ثقافيـ ًا للتعـاون وتطويـر العالقـات بيـن‬ ‫البلدين‪ ،‬انطالق ًا من نجاح مبادرة السنوات‬

‫‪6‬‬

‫الثّقافيـة‪ ،‬التي بدأتها قطـر مع اليابان عام‬ ‫‪ ،2012‬ثم المملكة المتحدة ‪ ،2013‬وبعدهما‬ ‫البرازيـل ‪ ،2014‬ثـم تركيـا ‪ ،2015‬لتأتـي‬ ‫لتتـوج هـذه السـنوات الخمـس في‬ ‫الصيـن ِّ‬ ‫العام ‪.2016‬‬ ‫وجاءت مبادرة األعوام الثّقافية القطرية‬ ‫مع دول العالم‪ ،‬حرص ًا على تعزيز الحوار‬ ‫الذي يبني الجسور الثّقافية والمعرفية بين‬

‫الشعوب‪ ،‬على نحو ما تجلَّى في استكشاف‬ ‫أوجـه التشـابه الثّقافـي بيـن قطـر‪ ،‬ودول‬ ‫العالـم‪ ،‬التي أقامت معها سـنوات ثقافية‪،‬‬ ‫وسـط أجـواء مفعمـة بـروح االنفتـاح‬ ‫واالبتـكار‪ ،‬وتبـادل األفـكار وإثارة النقاش‬ ‫بين ثقافـات دول العالم‪.‬‬ ‫تضمـن برنامـج‬ ‫وفـي هـذا السـياق‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫السنة الثّقافية بين قطر والصين فعاليات‬


‫مكثّفـة ألقت الضـوء على الثّقافة التقليدية‬ ‫والمعاصرة في البلدين بهدف بناء الروابط‬ ‫بين شـعبيهما‪ .‬وشـملت تنظيم المعارض‬ ‫والمهرجانات والعروض والبرامج التعليمية‬ ‫والتبادالت الثّقافية‪ ،‬استهدفت جميعها إبراز‬ ‫كل دولة‬ ‫تتميز بهـا ّ‬ ‫الجوانـب الفريـدة التـي ّ‬ ‫واالهتمامات المشتركة للشعبين‪.‬‬ ‫والتنـوع‪ ،‬وكذلـك‬ ‫للتعـدد‬ ‫وتجسـيدًا‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫تـم هـذه السـنة‪،‬‬ ‫إلشـعاع أرحـب؛ فقـد ّ‬ ‫التعبير بثالث لغات‪ :‬لغة الماندرين واللّغة‬ ‫العربيـة واللّغة اإلنجليزية‪ ،‬بالشـكل الذي‬ ‫المتعـددة فـي‬ ‫يعبـر عـن طمـوح الثّقافـات‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫احتفاليـات العـام الثّقافـي‪ ،‬بغرض تعزيز‬ ‫التفاهم والتقدير المتبادل من خالل مجموعة‬ ‫متنوعـة مـن المعـارض والمهرجانـات‬ ‫ِّ‬ ‫والمسـابقات واألنشـطة‪.‬‬ ‫وعلـى الرغـم مـن االختالفـات الكبيـرة‬ ‫بيـن الثّقافتيـن القطريـة والصينيـة‪ ،‬فـإن‬ ‫برنامـج األعـوام الثّقافيـة الـذي أطلقتـه‬ ‫«متاحف قطر»‪ ،‬بالتعاون مع وزارة الثّقافة‬ ‫والرياضة‪ ،‬حرص على خلق فضاء للحوار‬ ‫الثّقافي والتفاعل بين األمم‪ .‬ولذلك جاء لقاء‬ ‫مجموعة من طالب جامعة قطر بنظرائهم‬ ‫الصينيين ِمن جامعة بكين في مركز الَتعليم‬ ‫ـن اإلسلامي حدث ًا مهمـاً‪ ،‬حيث‬ ‫بمتحـف َ‬ ‫الف ّ‬ ‫للتعرف إلى ثقافة‬ ‫فرصة‬ ‫بمثابة‬ ‫كان اللقاء‬ ‫ُّ‬

‫َجديدة‪ ،‬كما شاركوا في ورشة عمل الخط‬ ‫العربي‪ ،‬أسـهمت في إثـراء الحوار الثّقافي‬ ‫المشترك‪.‬‬ ‫وبالمقابـل‪ ،‬فقـد اسـتقبلت جامعة قطر‬ ‫زيـارة ‪ 14‬طالبـ ًا فـي جامعة بكيـن‪ ،‬كجزء‬ ‫من شراكة مستمرة بين الجامعتين‪ ،‬وهو‬ ‫عزز من فرص التبادل الثّقافي‬ ‫اللقـاء الـذي َّ‬ ‫المتنـوع‪ ،‬ليـس فقـط بيـن قطـر والصين‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ولكن بين الصين ودول الجزيرة العربية‪،‬‬ ‫حيث أعطت هذه الزيارات انطباعات إيجابية‬ ‫تصورات الطالب الصينيين عن الثّقافة‬ ‫عن ُّ‬ ‫القطرية والخليجية على وجه الخصوص‪.‬‬ ‫وكان للمتحف اإلسالمي بالدوحة تجربة‬ ‫تمكن قسم‬ ‫في تعزيز الحوار الثّقافي‪ ،‬عندما َّ‬ ‫الترميم بالمتحف من دراسة وترميم لفيفة‬ ‫إسلامية صينيـة مـن مجموعـة مقتنيـات‬ ‫المتحف‪ .‬أظهرت هذه القطعة تداخل الخط‬ ‫العربي مع التقليد الصيني الشهير ��لمتمثِّل‬ ‫فـي صناعـة اللفائـف الورقيـة‪ ،‬وهـي مـن‬ ‫القطع النادرة في مجموعة المتحف‪.‬‬ ‫ومـن خلال دراسـة مـادة القطعـة‬ ‫وتصميمها َتّم استكشاف السياق اإلنتاجي‬ ‫لهـذا النـوع من الفنـون في الصين‪ ،‬وتقديم‬ ‫صـورة أفضـل حـول هـذه القطعـة تحديـدًا‬ ‫الفّن‬ ‫وحول موقعها في السياق األوسع من َ‬ ‫اإلسلامي‪ .‬وبما أن اللفيفة كانت في حالة‬

‫سـيئة فقـد خضعـت إلى معالجـة ترميمية‬ ‫أهلها للعرض في‬ ‫في مختبرات المتحف ما َّ‬ ‫صـاالت العـرض الدائم‪.‬‬ ‫وكان للخيـال واإلبـداع دوره في تعزيز‬ ‫هـذا الحـوار الثّقافـي‪ ،‬عندمـا اسـتضاف‬ ‫ـن اإلسلامي بالدوحـة‪ ،‬سـاي‬ ‫متحـف َ‬ ‫الف ّ‬ ‫جـوو تشـانغ‪ ،‬وهـو فنـان صيني معاصر‬ ‫ـن‬ ‫قـدم معرضـه «مـاذا عـن َ‬ ‫ـن؟ َف ّ‬ ‫الف ّ‬ ‫شـهير‪َّ ،‬‬ ‫معاصر من الصين»‪ ،‬عرض خالله لمحات‬ ‫عـن أعمـال خمسـة عشـر فنانـ ًا رائديـن من‬ ‫الصيـن‪ ،‬األمـر الـذي عكـس معـه المعرض‬ ‫الفنّانون‬ ‫يقدمهـا َ‬ ‫المسـاهمات الفريـدة التي ِّ‬ ‫ـن المعاصر‪.‬‬ ‫الصينيـون بشـأن َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ومـن أجـل تعزيـز الشـخصية الفردية‪،‬‬ ‫اختـار سـاي جـوو تشـانغ عـرض مزيـج‬ ‫ـن األكثـر إثـارة لالهتمام في‬ ‫مـن بعـض َ‬ ‫الف ّ‬ ‫كل فنان‬ ‫الصيـن حاليـاً‪ .‬ولذا عرض أعمـال ّ‬ ‫في مساحات منفصلة‪ ،‬لتسليط الضوء على‬ ‫التقنيات التعبيرية المختلفة‪ ،‬سعي ًا منه إلى‬ ‫للفّن المعاصر في‬ ‫تفحص الروايات النمطية َ‬ ‫يتعمق أبعد من المظهر‬ ‫الصين‪ .‬واختار أن َّ‬ ‫الحّية‬ ‫ّقافات‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫عن‬ ‫السطحي لمعرفة المزيد‬ ‫َ‬ ‫تجسدها الصين‪ ،‬لحرصه على دعوة‬ ‫التي ِّ‬ ‫الجمهور إلى اسـتنباط المضمون اإلبداعي‬ ‫ّية‪.‬‬ ‫المعروض باألعمال َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ولكـون منطقـة الخليـج العربيـة تزخر‬

‫‪7‬‬


‫بالآللئ الطبيعية األجمل في العالم‪ ،‬فقد كان‬ ‫اللؤلؤ المصدر الرئيسي للدخل في قطر حتى‬ ‫اكتشاف النفط والغاز في أوائل السبعينيات‬ ‫مـن القـرن الماضـي‪ .‬مـن هنا جـاء معرض‬ ‫«اللؤلؤ‪ :‬كنوز من البحار واألنهار»‪ ،‬والذي‬ ‫نظمته متاحف قطر في الصين‪ ،‬وسبق أن‬ ‫‪8‬‬

‫كل من لندن وإسطنبول‪ ،‬ضمن‬ ‫أقامته في ّ‬ ‫فعاليات األعوام الثّقافية مع المملكة المتحدة‬ ‫وتركيا‪ ،‬وحظى باهتمام الفت في األوساط‬ ‫الثّقافية للبلدين‪.‬‬ ‫ولذلـك‪ ،‬كان هـذا المعرض بمثابة نقلة‬ ‫نوعية في التعريف بأهمية الثّقافة بمنطقة‬

‫الخليـج العربيـة‪ ،‬وإنتـاج المجوهـرات‬ ‫فضلا‬ ‫ّيـة الرائعـة علـى َم ّـر العصـور‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫الفنّ‬ ‫عـن أصـل اللؤلـؤ المسـتنبت‪ ،‬حيـث تمثِّـل‬ ‫الآللـئ ظاهـرة عالميـة تعـود إلـى آالف‬ ‫السـنين‪ ،‬عالوة على قيمتها الكبيرة نظرًا‬ ‫لندرتهـا وجمالهـا السـاطع‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫الحكايـات الشـعبية التـي كانـت تحيط بها‬ ‫دائمـاً‪ ،‬خاصـة فـي ما يتصل بتفسـير سـر‬ ‫تكوينها‪ .‬وتضمن محتوى المعرض سلسلة‬ ‫ض ْت في ‪22‬‬ ‫مـن القطع التاريخية التـي ُعِر َ‬ ‫تم صنعها في نهاية‬ ‫من الخزائن الحديدية ّ‬ ‫القرن الـــ‪ 19‬لشركة الهند الشرقية‪ ،‬حيث يتم‬ ‫الفّن المعقّد‪ ،‬والحـرف اليدوية‬ ‫المـزج بيـن َ‬ ‫والهدايا الطبيعية الثمينة من البحار واألنهار‬ ‫فـي العالم‪.‬‬ ‫شـكل معـرض «حريـر مـن طريـق‬ ‫كمـا َّ‬ ‫ـل ضيفـ ًا علـى متاحف‬ ‫الحريـر»‪ ،‬والـذي َح ّ‬ ‫قطـر‪ ،‬أهميـة ثقافيـة كبيـرة فـي تعزيـز‬ ‫الثّقافـات بيـن البلديـن‪ ،‬علـى نحـو مـا‬ ‫ّية مـن عالقات تجارية‬ ‫تعكسـه القطـع َ‬ ‫الفنّ‬ ‫بيـن الجانبين‪ ،‬أسـهمت في تعزيـز الحوار‬ ‫المشـترك‪ ،‬وذلـك عبـر «طريـق الحريـر»‪،‬‬ ‫والذي كان يربط العالم اإلسالمي بالصين‪،‬‬ ‫حيـث كان يتم جلب الخزف والمنسـوجات‬ ‫والـورق للشـرق األوسـط‪ ،‬فـي حيـن كان‬ ‫يتم تصدير الزجاج والمعادن والتوابل إلى‬ ‫ّية‬ ‫الصيـن‪ .‬وعكـس المعـرض البراعـة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫لفّن منسـوجات الحريـر الصينية‪،‬‬ ‫الغنيـة َ‬ ‫ّ‬ ‫وتقنيـات نسـج حريـر التـوت‪ ،‬وتصميـم‬ ‫وقـدم نظـرة ثاقبـة علـى الحريـر‬ ‫األزيـاء‪َّ .‬‬ ‫كمنتـج محلّـي خاص بمقاطعـة جيجيانغ‬ ‫الذي يلعب دورًا مهم ًا في التجارة على طول‬ ‫طريـق الحرير‪.‬‬ ‫شـكل‬ ‫العـام الثّقافـي قطـر‪ -‬الصيـن‪َّ ،‬‬ ‫مناسبة لالحتفاء بالقيم المشتركة للثّقافة‬ ‫القطريـة مع نظيرتها الصينية‪ ،‬وتسـليط‬ ‫الضـوء عليهـا‪ ،‬بمـا يسـهم فـي تحطيـم‬ ‫وتعزيـز هـذه‬ ‫الحواجـز‪ ،‬وفتـح العقـول‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشـراكة بالترويـج لدولـة قطـر كوجهـةٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ثقافية تفتح ذراعيها للعالم‪ ،‬لتصبح أكثر‬ ‫انفتاح ًا على الثّقافات األخرى‪ ،‬وفي طريق‬ ‫هـذا االنفتـاح المسـتمر تعـرف القطريـون‬ ‫والمقيمـون عـن قرب إلـى الثّقافة الصينية‬ ‫بفنونهـا وتراثها‪.‬‬


‫أكــد الســيد محمــد ناصــر‬ ‫َّ‬ ‫العثمــان‪ ،‬مديــر العالقــات‬ ‫العامــة والدوليــة في متاحــف قطر‪ ،‬أن‬ ‫مبــادرة األعــوام الثّقافيــة التــي تقيمها‬ ‫متاحف قطر بالتعاون مع وزارة الثّقافة‬ ‫والرياضــة مــع عدد مــن بلــدان العالم‪،‬‬ ‫نجحت في إحداث التقريب المنشــود بين‬ ‫الشعوب‪.‬‬ ‫وقــال فــي حديثــه لـ«الدوحــة» إن لغــة‬ ‫تتخطــى الحــدود اإلقليمية ولها‬ ‫اإلبــداع‬ ‫ّ‬ ‫القدرة على تقريب الشعوب مهما اختلفت‬ ‫مثمنــ ًا‬ ‫لغاتهــم أو ألوانهــم أو عاداتهــم‪ِّ ،‬‬ ‫هــذه المبادرة بعد مرور خمس ســنوات‬ ‫عبر‬ ‫الم ِّ‬ ‫عليهــا‪ ،‬كما أنها أبرزت وجه قطر ُ‬ ‫عــن الثّقافــة العربيــة والمنفتــح علــى‬ ‫عمق فكرة التعايش‬ ‫العالــم‪ ،‬األمر الذي ُي ِّ‬ ‫المشــترك وتقدير الثّقافــات واحترامها‪،‬‬ ‫وتقبل اآلخر‪ .‬وفي‬ ‫مما يزيد من التسامح ُّ‬ ‫ما يلي تفاصيل الحوار‪:‬‬

‫محمد ناصر العثمان‬

‫مدير العالقات العامة والدولية يف متاحف قطر‪:‬‬ ‫األعوام الثّقافية‬ ‫أبرزت وجه قطر الحضاري المنفتح على العالم‬ ‫حوار‪(:‬الدوحة)‬ ‫‪  ‬مضى خمس سنوات على مبادرة‬ ‫العام الّثقافي مع دول العالم‪ ،‬كيف‬ ‫تقيمون هذه التجربة من ناحية تكريس‬ ‫ِّ‬ ‫الحوار بين الّثقافات؟‬

‫ خالل السنوات الخمس الماضية‪،‬‬‫وبتوجيه من سعادة الشيخة المياسة‬ ‫بنت حمد آل ثاني رئيس مجلس أمناء‬ ‫متاحف قطر قمنا باستثمار تأثير‬

‫المتاحف الّثقافي في توطيد عالقاتنا مع‬ ‫شعوب الدول األخرى‪ ،‬إيمان ًا منا بأن‬ ‫ّ‬ ‫تتخطى‬ ‫لغة الّثقافة والفنون واإلبداع‬ ‫الحدود اإلقليمية ولها القدرة على تقريب‬ ‫‪9‬‬


‫الشعوب مهما اختلفت لغاتهم أو ألوانهم‬ ‫أو عاداتهم‪.‬‬ ‫وإذا توقفنا اليوم وألقينا نظرة على‬ ‫األعوام الخمسة الماضية‪ ،‬فسنرى أننا‬ ‫جنينا ثمارًا كثيرة من هذه المبادرة‪،‬‬ ‫فمن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب‪،‬‬ ‫نسجل حضورًا ثقافي ًا قوياً‪،‬‬ ‫استطعنا أن ّ‬ ‫وأن نكون سفراء للّثقافة العربية في‬ ‫دول تفصل بيننا وبينها مسافات بعيدة‪،‬‬ ‫من اليابان إلى المملكة المتحدة مرورًا‬ ‫بالبرازيل وتركيا وأخيرًا الصين في هذا‬ ‫الفّنّية واألنشطة‬ ‫العام‪ ،‬فعبر المعارض َ‬ ‫الّثقافية واإلبداعية والمهرجانات نقلنا‬ ‫لشعوب هذه الدول جانب ًا من حضارتنا‬ ‫وثقافتنا مما ساهم في تغيير وإزالة‬ ‫الكثير من المفاهيم غير الصحيحة التي‬ ‫ربما تكون سائدة عن ثقافات دول‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬ونجحنا في إبراز وجه‬ ‫دور قطر الحضاري المنفتح على جميع‬ ‫َّاء بيننا‬ ‫العالم‪ ،‬وفتحنا حوارًا ثقافي ًا بن ً‬ ‫وبين اآلخر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كل ذلك ترك أثرًا كبيرًا في وعي الشعوب‬ ‫وتغيير مفاهيمها‪ ،‬ودفع بدوره أفراد‬ ‫هذه الشعوب لزيارة دولتنا ومنطقتنا‬ ‫واستكشاف ما لدينا‪ ،‬بل وعلى مستوى‬ ‫الحكومات أدى الى تقارب الشعوب بفعل‬ ‫اقتصادي وتفاهم‬ ‫قوة الّثقافة إلى تقارب‬ ‫ّ‬ ‫سياسي بين الدول‪.‬‬ ‫وبالمقابل‪ ،‬جلبنا إلى أفراد المجتمع‬ ‫القطري من المواطنين والوافدين أفضل‬ ‫تقدمه ثقافات الدول األخرى‪ ،‬وأتحنا‬ ‫ما ِّ‬ ‫لهم‪ ،‬صغارًا وكبارًا وأفرادًا وعائالت‪،‬‬ ‫الفرصة على مدار عام كامل الستكشاف‬ ‫العوامل المشتركة واالختالفات بيننا‬ ‫وبين غيرنا من الدول عبر الّثقافة‬ ‫‪10‬‬

‫والفنون‪ ،‬تعميق ًا لفكرة التعايش‬ ‫المشترك وتقديرًا للّثقافات األخرى‬ ‫واحترامها‪ ،‬وهو ما يزيد تلقائي ًا من‬ ‫وتقبل اآلخر بين أفراد‬ ‫صفات التسامح‬ ‫ُّ‬ ‫مجتمعنا ال سيما وأننا مجتمع يعيش فيه‬ ‫تفرقة من العالم‪.‬‬ ‫وافدون من أنحاء ُم ِّ‬ ‫‪  ‬ما مدى شعور الشعب القطري بهذه‬ ‫النتائج؟‬ ‫تم إعداد هذا البرنامج لمختلف فئات‬ ‫ ّ‬‫الجماهير‪ ،‬وبنظرة واحدة على جدول‬ ‫برنامج العام الّثقافي تدرك أن طبيعة‬ ‫البرنامج معتمدة في المقام األول على‬ ‫مخاطبة رجل الشارع العادي وإطالعه‬ ‫تتعدد‬ ‫على ثقافات الدول األخرى‪ ،‬حيث‬ ‫َّ‬ ‫األنشطة إلى اجتماعات اقتصادية‬ ‫وندوات حصرية للمثقَّفين والمساهمة‬ ‫المتخصصة للشباب‪،‬‬ ‫في المؤتمرات‬ ‫ّ‬ ‫موجهة‬ ‫وهناك أنشطة َفّنّية وترفيهية‬ ‫َّ‬ ‫لمختلف الجماهير‪ ..‬فجميع المعارض‬ ‫والمهرجانات واألنشطة التي ُتقام في‬ ‫إطار البرنامج على مدار العام مفتوحة‬ ‫ألفراد المجتمع جميع ًا بال تحديد لفئة‬ ‫أو جنس‪ ،‬إيمان ًا منا بأن االطالع على‬ ‫الّثقافات واالستمتاع بالفنون واإلبداع‬ ‫حق للجميع‪ ،‬وليس َّ‬ ‫ّ‬ ‫أدل على ذلك من‬ ‫عدد الزائرين الذين يتوافدون باآلالف‬ ‫على فعاليات البرنامج‪ ،‬وآخر هذه‬ ‫الفعاليات على سبيل المثال المهرجان‬ ‫الصيني الذي ُأقيم مطلع شهر نوفمبر‪/‬‬ ‫ّ‬ ‫تشرين الثاني ‪ 2016‬في حديقة متحف‬ ‫الفّن اإلسالمي‪ ،‬والذي حضره أربعة‬ ‫َ‬ ‫وأربعون ألف زائر في أربعة أيام‪ .‬ومن‬ ‫َثّم‪ ،‬نجد أن المتأثر األول بهذه الفعاليات‬ ‫هم أفراد المجتمع على اختالف أطيافهم‪.‬‬ ‫‪ ‬‬

‫ما هي المجاالت التي تحقَّقت فيها‬

‫االستفادة أكثر؟‬ ‫ أكثر المجاالت بطبيعة الحال هي‬‫تقدمه‬ ‫الجوانب التعليمية والتوعوية لما ِّ‬ ‫فعاليات البرنامج من وجبة متكاملة‬ ‫ُتشبع الجانب الّثقافي والفكري لدى أفراد‬ ‫المجتمع‪ ،‬ويلي ذلك الجانب الدولي‬ ‫بتعزيز قطر لعالقاتها مع دول مختلفة‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال عن المردود االقتصادي بإبرام‬ ‫شراكات تعاون في مجاالت مختلفة مع‬ ‫دول صديقة‪.‬‬ ‫‪  ‬هل وجدتم ردود أفعال لدى الجانب‬ ‫شجع على استمرار هذه المبادرات‬ ‫اآلخر ُت ِّ‬ ‫الّثقافية؟‬ ‫شجعة‬ ‫ بكل تأكيد وجدنا استجابة ُم ِّ‬‫وتعاون ًا طيب ًا من الدول األخرى‪ ،‬و��وال‬ ‫ذلك ما استمررنا في تنظيم البرنامج‬ ‫للعام الخامس على التوالي‪ ،‬فال يقتصر‬ ‫التعاون على مستوى التنسيق الرسمي‬ ‫بين البلدين فقط‪ ،‬بل على مستوى‬ ‫يتحمسون‬ ‫الفنّانين والمبدعين الذين‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫للمشاركة في فعاليات البرنامج‪ ،‬فهذا‬ ‫العام مث ً‬ ‫ال شارك ‪َ 15‬فنّان ًا صيني ًا في‬ ‫معرض واحد تحت إشراف واحد من كبار‬ ‫الفنّانين في الصين والعالم‪ ،‬وهذا نموذج‬ ‫َ‬ ‫واحد فقط‪.‬‬ ‫وعلى مستوى الشعوب‪ ،‬نلمس أيض ًا‬ ‫شغف ًا باستكشاف الّثقافة العربية‪ ،‬وينم‬ ‫عن هذا الشغف األعداد الكبيرة التي‬ ‫تتحمس لحضور المعارض التي ُتنظمها‬ ‫َّ‬ ‫قطر في البلدان المشاركة‪ ،‬كما حدث‬ ‫هذا العام في معرض اللؤلؤ في الصين‪،‬‬ ‫ويرجع سبب هذا التجاوب إلى ُبعد‬ ‫هذه البلدان عن بالدنا واختالف بيئتهم‬ ‫وعاداتهم عنّا‪ ،‬وربما لمعرفتهم المحدودة‬


‫زوايا مختلفة»‪ ،‬حيث شارك ‪ 4‬مصورين‬ ‫صينيين في هذا المعرض بصور مدهشة‬ ‫التقطوها من داخل قطر أبرزت العادات‬ ‫والتقاليد العريقة في المجتمع القطري‬ ‫َّ‬ ‫التطور العمراني والطبيعة التي‬ ‫ووثقت‬ ‫ُّ‬ ‫تمتاز بها قطر‪.‬‬

‫عن ثقافتنا‪ ،‬لذا يكون الشغف كبيرًا‬ ‫لمعرفة نمط حياتنا وثقافتنا وتاريخنا‪.‬‬ ‫‪  ‬هذا العام كان العام الّثقافي قطر‪-‬‬ ‫ميزت‬ ‫الصين‪ ،‬ما طبيعة الفعاليات التي َّ‬ ‫هذا العام عن األعوام السابقة؟‬ ‫ لم تتغّير أجندة الفعاليات هذا العام‬‫مع الصين عن سابقيه‪ ،‬ولكن التغيير‬ ‫المميز‬ ‫الذي حدث هذا العام هو االنتقاء‬ ‫َّ‬ ‫للفعاليات وإدخال بعض التحسينات‬ ‫والتطوير عليها‪ ،‬أذكر هنا‪ ،‬على سبيل‬ ‫المثال‪ ،‬جلب محاربي جيش التراكوتا‬ ‫الشهير إلى قطر في معرض كنوز من‬ ‫الصين‪ ،‬وهو من أهم النجاحات التي‬ ‫تحقَّقت خالل هذا العام‪ ،‬نظرًا للشهرة‬ ‫الفّنّية‬ ‫ذائعة الصيت لهذه التحف األثرية َ‬ ‫في جميع أنحاء العالم‪ .‬ومن ذلك أيض ًا‬ ‫معرض اللؤلؤ الذي أقمناه في المتحف‬ ‫الوطني الصيني وضم ‪ 130‬قطعة نادرة‬ ‫من مقتنيات متحف قطر الوطني من‬ ‫الجواهر واللؤلؤ واأللماس واألحجار‬ ‫الكريمة‪ ،‬إلى جانب بعض التحف‬ ‫الصينية المدهشة من مجموعة المتحف‬ ‫الصيني الوطني والتي تعود للعصر‬ ‫اإلمبراطوري‪.‬‬

‫ً‬ ‫الفنّان «ليو‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬أمضى َ‬ ‫شياو دونغ» ما يقرب من شهرين في‬ ‫قطر ليسجل بريشته مشاهد التقطتها‬ ‫عيناه في قطر في لوحات َفّنّية مذهلة‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى حضور فنانين صينيين‬ ‫والتحدث مع أفراد المجتمع‬ ‫إلى الدوحة‬ ‫ُّ‬ ‫القطري عن طريق الحرير ونشأته‬ ‫وصناعة الحرير‪ ،‬خالل معرض «حرير‬ ‫من طريق الحرير‪َ -‬فّن الحرير الصيني»‬ ‫فتتح في مارس‪/‬آذار الماضي‪.‬‬ ‫الذي ُا ُ‬ ‫‪ ‬‬ ‫كيف كانت ردود األفعال حول‬ ‫الفعاليات القطرية في الصين؟‬ ‫ ردود أفعال من أفراد الشعب الصيني‬‫امتزجت فيها الدهشة بالتقدير واالحترام‪،‬‬ ‫كثير منهم عن إعجابه بهذا‬ ‫فقد أعرب‬ ‫ٌ‬ ‫النوع من التعاون بين البلدين‪ ،‬السيما‬ ‫وأن الّثقافة القطرية لم تكن حاضرة‬ ‫في أذهانهم بالقدر المناسب‪ .‬ومع‬ ‫تردد اسم قطر في اآلونة األخيرة على‬ ‫ُّ‬ ‫الساحة الدولية الستضافتها كأس‬ ‫والتطور السريع الذي‬ ‫العالم في ‪2022‬‬ ‫ُّ‬ ‫تشهده حالي ًا كان الشغف بمعرفتها‬ ‫كبيرًا‪ .‬فمث ً‬ ‫ال علَّق بعض الصينيون خالل‬ ‫زيارتهم لمعرض اللؤلؤ في الصين أن‬ ‫كل معلوماتهم عن قطر قبل ذلك كانت‬ ‫مقتصرة على أنها دولة غنّية بالنفط‪،‬‬ ‫فيما أعرب آخرون عن دهشتهم المتالك‬ ‫الفّنّية المذهلة وهذه‬ ‫قطر هذه المجموعة َ‬ ‫الثروة الهائلة من اللؤلؤ‪.‬‬

‫والفنّانين في‬ ‫‪  ‬ما مدى إقبال المثقَّفين َ‬ ‫الصين على التفاعل مع مفردات الّثقافة‬ ‫القطرية؟‬

‫الفنّانين القطريين‬ ‫‪  ‬وكيف كان تفاعل َ‬ ‫مع الفعاليات الّثقافية الصينية؟‬

‫ً‬ ‫بداية‬ ‫ كان إقبا ًال فاق َحّد توقعاتنا‪،‬‬‫من مئات الصينيين المقيمين بالدوحة‬ ‫الذين حضروا حفل افتتاح العام الّثقافي‬ ‫في مطلع هذا العام مرورًا بالمهرجان‬ ‫الصيني‪ ،‬واستمتعوا بفعالياته‪ ،‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫متعددة‬ ‫َ‬ ‫الفنّانين الذين انخرطوا في أنشطة ِّ‬ ‫التصوري «ثقافات‪ ،‬من‬ ‫منها المعرض‬ ‫ُّ‬

‫ كما وجدت الفعاليات القطرية تفاع ً‬‫ال‬ ‫الفنّانين الصينيين‪ ،‬كان هناك تفاعل‬ ‫من َ‬ ‫الفنّانين القطريين‪ .‬فمث ً‬ ‫ال‬ ‫من‬ ‫المقابل‬ ‫في‬ ‫َ‬ ‫مصوران قطريان في معرض‬ ‫شارك‬ ‫ّ‬ ‫التصوير الفوتوغرافي باالنطالق في‬ ‫رحلة إلى الصين لمدة أسبوعين عبروا‬ ‫وسجلت عدساتهم‬ ‫خاللها أنحاء الصين‪،‬‬ ‫َّ‬

‫أفضل اللقطات للطبيعة الصينية‬ ‫وأنماط الحياة المختلفة للشعب الصيني‬ ‫وعادوا لعرضها هنا في الدوحة‪ ،‬ومن‬ ‫النماذج األخرى الدالة على هذا التعاون‬ ‫الفنّانون‬ ‫الترحاب الكبير الذي استقبل به َ‬ ‫القطريون المقيمون في مبنى مطافئ‬ ‫المقر إلتمام‬ ‫«جينفير وان ما» عندما زارت ّ‬ ‫الفنّي أثناء مشاركتها في معرض‬ ‫عملها َ‬ ‫الفّن‪َ :‬فّن معاصر من الصين»‪،‬‬ ‫«ماذا عن َ‬ ‫الذي ُعقد في بداية العام الّثقافي قطر‪-‬‬ ‫الصين‪ .‬فقد كان التفاعل بينهم كبيرًا‬ ‫ودارت مناقشات مثمرة‪.‬‬ ‫‪  ‬ماذا عن الخطط المستقبلية للتعاون‬ ‫الّثقافي بعد انتهاء العام الّثقافي مع أي‬ ‫دولة؟ وما هي أشكال التعاون؟‬ ‫ برنامج العام الّثقافي ليس نشاط ًا‬‫ترفيهي ًا ينقضي أثره فور انتهائه‪ ،‬بل‬ ‫إننا أطلقنا البرنامج في المقام األول‬ ‫ليترك أثرًا مستداماً‪ ،‬فالبرنامج انطالقة‬ ‫للتعاون مع الدول المشاركة‪ ،‬فهو‬ ‫يؤسس لهذا التعاون ويغرس بذوره‬ ‫ِّ‬ ‫عبر التنسيق بين الجهات الّثقافية‬ ‫المختلفة في البلدين وبناء العالقات التي‬ ‫تسهل بعد ذلك تنشيط التبادل الّثقافي‬ ‫ِّ‬ ‫الفنّي واإلبداعي‬ ‫واستكمال حركة التبادل َ‬ ‫بين الجهات المختصة في الدولتين‪.‬‬ ‫ويتخذ هذا التعاون أشكا ًال ِعّدة‪ ،‬منها‬ ‫الفنّانين واستضافة معارض‬ ‫زيارات َ‬ ‫لهم والمشاركة في مؤتمرات وتشجيع‬ ‫برامج السياحة والتبادل الطالبي‪ ،‬إلى‬ ‫غير ذلك‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫الحظنا وجود عناصر مشتركة‬ ‫في التراث الّثقافي في كال البلدين فما‬ ‫التخطيط المستقبلي الستثماره؟‬ ‫ برغم بعد المسافات التي تفصل قطر‬‫عن الصين واختالف العادات بينهما فإنه‬ ‫توجد قواسم مشتركة كثيرة بين البلدين‪،‬‬ ‫منها سعيهما لمواكبة الحداثة دون‬ ‫التفريط في الماضي والتقاليد العريقة‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال عن قيم العائلة وكرم الضيافة‬ ‫المشتركة بين البلدين‪ ،‬وهو ما سنحاول‬ ‫استثماره في المستقبل بالتنسيق بيننا‬ ‫وبين الجانب الصيني لتنظيم أنشطة‬ ‫مختلفة تعزِّز هذه القواسم‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫شكل العام الثّقافي بين قطر وتركيا للعام ‪ 2015‬نموذج ًا للسنوات الثّقافية الالفتة التي تقيمها‬ ‫َّ‬ ‫قطــر مع دول العالم‪ ،‬إذ انعكســت العالقــات الثّقافية التي تربط البلدين علــى هذا العام‪ ،‬الذي‬ ‫وفنّي كبيرين في البلدين‪.‬‬ ‫حفل بزخم ثقافي َ‬ ‫للوقوف على تفاصيل هذا الحدث كان لـ (الدوحة) هذا اللقاء بالدكتور محمد آي قاج‪ ،‬مدير المركز الثّقافي‬ ‫التركي بالدوحة «يونس إمره»‪ ،‬والذي تتواجد فروعه بحوالي ‪ 50‬دولة حول العالم‪.‬‬

‫د‪ .‬محمد آي قاج‪ ،‬مدير المركز ال ّثقايف التركي بالدوحة‪:‬‬ ‫العام الثّقافي مع قطر َّ‬ ‫حقق أهدافه‬ ‫ونطمح في المزيد‬ ‫حوار‪ :‬طه عبد الرحمن‬ ‫بعد مرور أكثر من عام على السنة‬ ‫الّثقافية المشتركة لكم مع قطر‪ ،‬ما‬ ‫تداعيات هذا العام على التعاون الّثقافي‬ ‫القائم بين البلدين؟‬ ‫ هذا التعاون كان إيجابي ًا للغاية‪،‬‬‫ونتمنّى االستزادة من الفعاليات‬ ‫والفّنّية والتراثية التي ُأقيمت‬ ‫الّثقافية‬ ‫َ‬ ‫بين البلدين‪ ،‬بالشكل الذي يعكس عمق‬ ‫العالقات الّثقافية بين الجانبين في‬ ‫مختلف المجاالت‪.‬‬ ‫ودائم ًا أنشطتنا ال تنقطع على مدار‬ ‫العام‪ ،‬حتى قبل إقامة العام الّثقافي‬ ‫المشترك‪ ،‬حيث كانت هناك فعاليات‪،‬‬ ‫بلغت ذروتها خالل السنة المشار إليها‪.‬‬ ‫واليوم‪ ،‬وبعد مرور عام على هذه السنة‬ ‫الّثقافية‪ ،‬هناك المزيد من الفعاليات‬ ‫تميزة‬ ‫الّثقافية َ‬ ‫والفّنّية‪ .‬ولكون العالقات ُم ِّ‬ ‫بيننا‪ ،‬فإننا نطمح إلى المزيد من هذه‬ ‫الفعاليات‪ ،‬خاصة مع التجانس الّثقافي‬ ‫والفنّي الكبيرين بين البلدين‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ما دور مركزكم في الدفع تجاه تنمية‬ ‫‪12‬‬

‫مثل هذه الفعاليات على مختلف مجاالتها‬ ‫والفّنّية؟‬ ‫الّثقافية َ‬ ‫ للمركز دور مهم في تنمية مثل هذه‬‫الفعاليات‪ .‬ولكون هذا الصرح تابع ًا‬ ‫توجه ًا‬ ‫للحكومة التركية‪ ،‬فإن هناك‬ ‫ُّ‬ ‫رسمي ًا بزيادة أعداد فروعه في قرابة‬ ‫‪ 100‬دولة حول العالم‪ ،‬وذلك مع حلول‬ ‫تتوزع فروع هذا المركز‬ ‫عام ‪ ،2023‬حيث‬ ‫َّ‬ ‫حالي ًا في ‪ 50‬دولة حول العالم‪ ،‬لتزيد‬ ‫خالل السنوات القادمة إلى العدد المشار‬ ‫إليه‪ ،‬وذلك لمناسبة الذكرى المئوية‬ ‫لتأسيس الجمهورية التركية‪.‬‬ ‫وفي هذا اإلطار‪ ،‬يعمل المركز على إقامة‬ ‫والفّنّية والتراثية‪،‬‬ ‫الفعاليات الّثقافية‬ ‫َ‬ ‫والتي تعزِّز من الحوار والتواصل‬ ‫اإلنساني بين تركيا ودول العالم‪ ،‬وعلى‬ ‫رأس هذه الدول‪ ،‬دولة قطر‪ .‬ولدينا رغبة‬ ‫التوسع بإنشاء مركز يونس إمره‬ ‫في‬ ‫ُّ‬ ‫بدول الخليج العربية‪ ،‬إضافة إلى العديد‬ ‫من دول العالم‪ ،‬وفق الخطة الموضوعة‬ ‫في هذا الشأن‪.‬‬

‫ما داللة أن تكون البداية في قطر‪،‬‬ ‫لتكون الدولة الخليجية األولى التي تشهد‬ ‫إنشاء مثل هذا الصرح؟‬ ‫ هي داللة كبيرة‪ ،‬تأتي من خالل حرص‬‫الدولة التركية في التواصل مع دولة قطر‬ ‫والفّنّية‬ ‫في مختلف المجاالت الّثقافية‬ ‫َ‬ ‫والتراثية‪ .‬وكان تركيزنا باألساس على‬ ‫قطر‪ ،‬لتكون المحطة األولى إلنشاء هذا‬ ‫المركز في دول الخليج العربية‪ ،‬انطالق ًا‬ ‫من العالقات الّثقافية القوية التي تربطنا‬ ‫بها‪.‬‬ ‫التنوع الّثقافي الذي تواجهه فروع‬ ‫مع‬ ‫ُّ‬ ‫مركز يونس إمره بالدول القائمة بها‪ .‬هل‬ ‫ثمة إشكالية ثقافية‬ ‫تعتقدون أن هناك ّ‬ ‫التنوع؟‬ ‫أمام هذا‬ ‫ُّ‬ ‫ نحن ندرك أهمية وضرورة التواصل‬‫اإلنساني بين الدول والشعوب‪ ،‬وأن‬ ‫التواصل هو األساس‪ ،‬خاصة التراث‬ ‫اإلنساني‪ ،‬الذي يجمع جميع دول العالم‪،‬‬ ‫وتنوع‪ ،‬دون‬ ‫فيذيب ما بينها من فوارق‬ ‫ُّ‬


‫إغفال‪ -‬بالطبع‪ -‬للخصوصية الّثقافية‪.‬‬ ‫وهذه هي نظرتنا في تركيا‪ ،‬والتي‬ ‫ننطلق فيها من تعاليم ومبادئ ديننا‬ ‫اإلسالمي الحنيف���.‬‬ ‫وأؤكد أن هذا التراث هو تراث لإلنسانية‬ ‫جمعاء‪ ،‬ما يجعلنا نؤمن بأن اإلنسانية‬ ‫يجمعها تراث واحد‪ ،‬هو التراث اإلنساني‪.‬‬ ‫وهذا التراث هو تراث الفطرة السمحاء‬ ‫للدين اإلسالمي‪ ،‬والذي يربط بين بني‬ ‫البشر‪.‬‬ ‫يفسر هذا أن الحضارات والّثقافات‬ ‫وهل ِّ‬ ‫ينبغي ّأل تتصادم‪ ،‬ألن مرجعيتها واحدة؟‬ ‫ بالطبع من الضروري ّأل تتصادم‬‫الّثقافات‪ ،‬ألن األصل بين الحضارات أن‬ ‫تتواصل فيما بينها‪ ،‬لصالح الشعوب‪،‬‬ ‫ومن أجل التعايش المشترك‪ ،‬فالهدف‬ ‫ينبغي أن يكون خدمة اإلنسان‪.‬‬ ‫وحال التخلِّي عن الحوار أو التواصل‪،‬‬ ‫فإن التناحر والعنف سيكون هو البديل‪.‬‬ ‫وهذا أمر ال يقبله أحد‪ ،‬وال ينبغي ألحد‬ ‫يروج له‪ ،‬أو يعمل على انتشاره‪،‬‬ ‫أن ّ‬ ‫فالجميع ينبغي أن يكون حريص ًا على‬ ‫إشاعة روح السالم والوئام بين بني‬ ‫البشر‪ ،‬عبر الحوار بين حضاراتها‪،‬‬ ‫وتواصل ثقافاتها‪.‬‬ ‫لكن ربما تكون اللّغة عائق ًا بين الّثقافة‬ ‫التركية وبين نظيرتها من الّثقافات‬ ‫األخرى‪ ،‬أال ترى ذلك؟‬ ‫ ال أرى أن اللّغة يمكن أن تكون عائق ًا‬‫مطلقاً‪ ،‬فنحن في مركز يونس إمره‬ ‫المنتشر بحوالي ‪ 50‬دولة حول العالم‪،‬‬ ‫كما سبق وأشرت‪ ،‬نعمل على إذابة مثل‬ ‫هذا العائق من خالل تعليم اللّغة التركية‪،‬‬ ‫وذلك بهدف االنفتاح على ثقافات ولغات‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫عرفنا َم ْن هو يونس إمره الذي ُينسب‬ ‫ِّ‬ ‫إليه المركز‪ ،‬وفروعه األخرى المنتشرة‬ ‫حول العالم؟‬ ‫ المركز يستمد اسمه من الشاعر يونس‬‫إمره الذي عاش في األناضول خالل‬ ‫فترة القرنين الثالث عشر والرابع عشر‬ ‫الميالديين‪ ،‬ويرمز اسمه إلى القيم‬ ‫اإلنسانية وحبه للسالم‪ ،‬حيث يستلهم‬ ‫المركز هذه الصفات لنشر ثقافة التسامح‬ ‫سعي ًا إلى بناء عالم مسالم‪.‬‬ ‫ويونس إمره‪ ،‬هو شاعر شعبي‪ ،‬ترك‬

‫د‪ .‬محمد آي قاج‬

‫أثرًا كبيرًا في األدب التركي منذ وقته‬ ‫إلى يومنا‪ .‬إذ إنه كان أحد أول الشعراء‬ ‫المعروفين الذين تتألَّف أعمالهم من اللّغة‬ ‫التركية المستخدمة في عصره ومنطقته‬ ‫بد ًال من اللّغة الفارسية أو اللّغة العربية‪.‬‬ ‫وتوفي عن عمر ناهز السبعين عاماً‪.‬‬ ‫وأذكر أن مركز يونس إمره بالدوحة‪،‬‬ ‫تم افتتاحه خالل شهر نوفمبر‪/‬تشرين‬ ‫ّ‬ ‫الثاني من العام ‪ ،2015‬ومن وقتها يشهد‬ ‫إقامة العديد من الفعاليات المختلفة‪،‬‬ ‫وعلى رأسها دورات لتعليم اللّغة‬ ‫التركية‪ ،‬على نحو ما نشاهده من إقبال‬ ‫للمواطنين القطريين‪ ،‬والمقيمين في‬ ‫الدوحة‪.‬‬ ‫وجاء إنشاء هذا المركز في الدوحة‪ ،‬كون‬ ‫العالقة بين قطر وتركيا‪ ،‬قائمة على‬ ‫عالقة بين دولتين شقيقتين‪ ،‬وهي عالقة‬ ‫حارة للغاية‪ ،‬تنطلق من باب العالقات‬ ‫األخوية بين البلدين‪.‬‬ ‫ومن هذا المنطلق‪ ،‬فإن التعاون الّثقافي‬ ‫والفنّي بين البلدين ال يتوقَّف‪ ،‬فقد شهدت‬ ‫َ‬ ‫الفترة الماضية إقامة المعرض التعليمي‬ ‫في جامعة قطر‪ ،‬ودائم ًا ما يتم التعاون‬ ‫المؤسسة العامة للحي الّثقافي‬ ‫مع‬ ‫َّ‬ ‫(كتارا)‪.‬‬ ‫وفي مركزنا‪ ،‬نتيح تعليم اللّغة التركية‬ ‫للراغبين في تعلُّمها من المواطنين‬ ‫القطريين والمقيمين‪ ،‬وهي الدورات التي‬ ‫ُتقام على مدى أربعة أيام في األسبوع‪،‬‬ ‫تبدأ من األحد إلى األربعاء‪ ،‬وتتواصل‬ ‫على مدى شهور السنة‪.‬‬ ‫وهل تعتقدون أن مثل هذه الدورات‬

‫تسهم في التقريب بين الّثقافات‪ ،‬وتعمل‬ ‫على تشجيع الحوار فيما بينها؟‬ ‫ ّ‬‫بكل تأكيد‪ ،‬فتعليم اللّغة يكون تعليم ًا‬ ‫للسان‪ ،‬وتدريب ًا له في التحاور مع‬ ‫اآلخرين‪ .‬فنحن في العالقات مع قطر‪،‬‬ ‫حينما تكون هناك رغبة جارفة من‬ ‫القطريين والمقيمين في تعلُّم اللّغة‬ ‫التركية عبر مركزنا‪ ،‬وبالمقابل‪ ،‬إقبال‬ ‫األتراك على تعلُّم اللّغة العربية في‬ ‫تركيا‪ ،‬فإن هذا يسهم في تعزيز التواصل‬ ‫الحضاري‪ ،‬والتقريب بين أبناء الّثقافة‬ ‫الواحدة‪ ،‬ألننا نعتبر أنفسنا أبناء ثقافة‬ ‫واحدة‪ ،‬هي الّثقافة اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومن هي أكثر الجاليات إقبا ًال على‬ ‫تعلُّم اللّغة التركية في الدوحة‪ ،‬عبر‬ ‫مركزكم؟‬ ‫ أكثرهم من المصريين والسوريين‪،‬‬‫والفلسطينيين واألردنيين‪ ،‬وقبلهم‬ ‫بالطبع القطريون‪ ،‬الذين يفدون إلى‬ ‫مركزنا بنسبة كبيرة‪ ،‬بشكل يعكس‬ ‫والتعرف‬ ‫رغبتهم في تعلُّم اللّغة التركية‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫إليها‪ ،‬خاصة أن بالدنا تتمتَّع بزيارات‬ ‫كبيرة من جانب القطريين‪ ،‬وربما كان‬ ‫القطريون بالفعل هم أكثر زيارة مني إلى‬ ‫تركيا‪ ،‬خالل العام الواحد‪.‬‬ ‫ومثل هذه الزيارات للمواطنين القطريين‬ ‫إلى تركيا‪ ،‬تسهم في دعم التقارب بين‬ ‫الشعبين‪ ،‬ما يجعل تعلُّم اللّغة التركية‪،‬‬ ‫ضرورة لسانية‪ ،‬وذات أهمية كبيرة في‬ ‫التقريب بين الشعوب‪ ،‬وتدعيم عالقاتها‬ ‫المشتركة‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫السيد «لي تشن»‬

‫في هذا الحوار ُيشــيد الســيد «لي تشن» ســفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة قطر بنجاح‬ ‫العــام الثّقافــي بين قطــر والصين في خلق حالــة من الحــوار الثّقافي والتعريــف بالثّقافة في‬ ‫البلديــن‪ ،‬داعيــ ًا إلى اســتمرار التعاون الثّقافي لتحقيــق مزيد من التقارب والتبــادل المعرفي‪،‬‬ ‫كما كشــف لـ«الدوحة» ســعي الجانب الصيني إلى إنشاء مركز ثقافي في العاصمة القطرية (الدوحة) وآخر‬ ‫لتعليم اللّغة الصينية‪.‬‬

‫«يل تشن» سفير الصين لدى قطر‪:‬‬ ‫خطوة لتعزيز الثقافتين‬ ‫حوار‪ :‬عبد الفتاح مريس‬ ‫العام الّثقافي بين قطر والصين‬ ‫ماذا تحقّق من أهدافه حتى اآلن ونحن‬ ‫نقترب من اختتام فعالياته؟ وهل‬ ‫النتائج مرضية للجانب الصيني؟‬ ‫‪14‬‬

‫ تربط الصين بدولة قطر عالقات‬‫تاريخية ووثيقة وهي عالقة صداقة‬ ‫وتعاون في كافة المجاالت‪ ،‬سياسياً‪،‬‬ ‫اقتصادياً‪ ،‬وتجارياً‪ ،‬وهي عالقات‬

‫متميزة‪ ،‬وفي عام ‪ 2014‬أثناء زيارة‬ ‫ِّ‬ ‫حضرة صاحب السمو الشيخ تميم‬ ‫بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر‬ ‫للصين أعلن الطرفان إقامة عالقة‬


‫شراكة استراتيجية وهذه الشراكة‬ ‫متنوعة ومن‬ ‫شاملة‪ ،‬فالعالقات‬ ‫ِّ‬ ‫ضمنها العالقات الّثقافية وتزداد‬ ‫أهميتها باستمرار‪ ،‬وجاء اتخاذ قرار‬ ‫إقامة العام الّثقافي بين البلدين من‬ ‫القيادتين أثناء تلك الزيارة على أن‬ ‫ُتقام السنة الّثقافية قطر‪ -‬الصين‬ ‫‪.2016‬‬ ‫تم‬ ‫ومنذ انطالق هذه السنة الّثقافية ّ‬ ‫خاللها إقامة العديد من الفعاليات‬ ‫والمتنوعة في الدوحة وفي‬ ‫الّثقافية‬ ‫ِّ‬ ‫الصين‪ ،‬وقد ُقوبلت بترحاب في كال‬ ‫البلدين وحقّقت نجاح ًا كبيرًا‪.‬‬ ‫هل كان ثأثير تلك الفعاليات‬ ‫الّثقافية نخبوي ًا أم انعكس على‬ ‫بشكل عام؟‪.‬‬ ‫الشعبين‬ ‫ٍ‬ ‫ من خالل استعراض الفعاليات‬‫التي ُأقيمت في البلدين في يناير كان‬ ‫هناك افتتاح رسمي في قطر بحضور‬ ‫عدد كبير من الشخصيات الّثقافية‬ ‫المرموقة على رأسهم وزيرا الّثقافة‬ ‫تم مشروع‬ ‫في البلدين‪ ،‬وعقب ذلك ّ‬ ‫تعاون بين جامعة بكين وجامعة قطر‬ ‫بين الطالب لتبادل الزيارات والتطلع‬ ‫إلى معرفة طبيعة الحياة في البلدين‪،‬‬ ‫الفّن الصيني المعاصر‬ ‫ثم ُأقيم معرض َ‬ ‫ّ‬ ‫في قطر وحضرت الصين كضيف‬ ‫شرف مهرجان األغذية الدولي‪ ،‬وفي‬ ‫مارس‪/‬آذار ُأقيم معرض طريق‬ ‫الحرير‪ ،‬ثم معرض كنوز من الصين‬ ‫القيمة‬ ‫الذي َ‬ ‫ضّم مجموعة من التحف ِّ‬ ‫من الصين‪ .‬وكان افتتاح المهرجان‬ ‫الصيني مؤخرًا في حديقة متحف‬ ‫تضمن مجموعة‬ ‫الفّن اإلسالمي الذي‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫من األعمال اليدوية والفنون المختلفة‬ ‫والمأكوالت الصينية‪ ،‬وفي المقابل‬ ‫كانت قطر حاضرة بفعالياتها في‬ ‫الصين‪ ،‬ومنها معرض اللؤلؤ الذي‬ ‫ُأقيم في المتحف الوطني واستقطب‬ ‫تم تقديم فنون‬ ‫آالف الزائرين‪ ،‬كما ّ‬

‫السنوات الثّقافية‬ ‫خطوة لتعزيز‬ ‫الثّقافتين والبد‬ ‫من استمرار‬ ‫التعاون‬ ‫لتحقيق األهداف‬ ‫المشتركة‬ ‫موسيقية قطرية في أربع مدن صينية‬ ‫وغير ذلك فكانت موجهة إلى عامة‬ ‫الشعب ومختلف الفئات‪ ،‬ولم تكن‬ ‫محددة‪ ،‬بل بمشاركة واسعة‬ ‫لفئة‬ ‫َّ‬ ‫للجمهور في البلدين‪.‬‬ ‫سعادة السفير بما أنك تقيم‬ ‫وتتعرف عن قرب إلى‬ ‫في الدوحة‬ ‫َّ‬ ‫الّثقافة القطرية‪ .‬هل نجحت الفعاليات‬ ‫القطرية بالصين في التعريف بمفردات‬ ‫الّثقافة القطرية؟‬ ‫ بالفعل نجحت الفعاليات القطرية في‬‫ذلك‪ ،‬بتنظيم معرض اللؤلؤ وزيارة‬ ‫الفرقة الموسيقية القطرية لمدن‬ ‫صينية وغير ذلك أدى إلى المزيد من‬ ‫التناول اإلعالمي في الصين‪ ،‬وكان‬ ‫هناك إقبال كبير من قبل الجمهور‬ ‫الصيني لزيارة المتحف الوطني‬ ‫وحضور العروض‪ ،‬وقد وصلتني‬ ‫معلومات تفيد بتحقيق نجاح كبير‪.‬‬ ‫ما هو مستقبل التعاون الّثقافي‬ ‫بين قطر والصين خصوص ًا وبين‬ ‫الصين والعرب عموماً؟ وهل هناك‬ ‫رغبة في إنشاء مركز ثقافي في‬ ‫الدوحة أو إحدى العواصم العربية‬ ‫للتعريف بالّثقافة الصينية؟‬ ‫التنوع وعمق الّثقافة عند‬ ‫ بسبب‬‫ُّ‬

‫الطرفين فهذه الفعاليات ال تؤدي إلى‬ ‫تحقيق األهداف الكلية في مناسبة أو‬ ‫اثنتين‪ ،‬لذلك البد أن تستمر الجهود‬ ‫لدعم هذا التواصل‪ ،‬فإذا كان لدينا‬ ‫عام ثقافي نركز عليه فهذا ال يعني‬ ‫أن التبادل الّثقافي يقتصر على هذا‪،‬‬ ‫بل هناك تواصل مستمر ونعمل على‬ ‫تعزيزه ونرغب في مزيد من التواصل‬ ‫الّثقافي مع العالم العربي بشكل عام‬ ‫ومع دولة قطر بشكل خاص من خالل‬ ‫تعزيز التواصل‪ .‬ومن ضمن األفكار‬ ‫المقترحة تأسيس مركز ثقافي صيني‬ ‫في الدوحة‪ ،‬ونحن بصدد مناقشة‬ ‫التفاصيل واإلجراءات إلنشائه‪.‬‬ ‫هل من تفاصيل عن هذا المركز‬ ‫واهتماماته؟‬ ‫ أعتقد أنه بوجود هذا المركز‬‫ستتم إقامة فعاليات أكثر تشمل‬ ‫كافة الجوانب الّثقافية من العروض‬ ‫السينمائية والمسرحية وحتى دراسة‬ ‫اللّغة الصينية‪ ،‬وهذا يعزِّز التواصل‬ ‫بشكل أكبر‪.‬‬ ‫بمناسبة الحديث عن تعليم اللّغة‬ ‫الصينية والتعريف بآدابها‪ .‬هل‬ ‫توجد مشاريع مستقبلية لترجمة‬ ‫األدب الصيني إلى العربية والعكس‬ ‫بالتعاون مع الجانب القطري؟‬ ‫ نحن في الصين لدينا جامعات تدرس‬‫اللّغة العربية منذ الخمسينيات‪،‬‬ ‫وفي الوقت الحالي فإن عدد الطالب‬ ‫الدارسين للغة العربية في ازدياد‪،‬‬ ‫وفي المقابل هناك اهتمام متزايد من‬ ‫الدول العربية بتعلُّم اللّغة الصينية‪.‬‬ ‫البداية كانت في جامعة عين شمس‬ ‫وجامعة القاهرة‪ ،‬وفي السنوات‬ ‫األخيرة بدأنا إنشاء معاهد تعليمية‬ ‫لتدريس اللّغة الصينية والتعريف‬ ‫بالّثقافة الصينية وأنشأنا منذ سنوات‬ ‫هذه المع��هد في مصر واإلمارات‬ ‫‪15‬‬


‫والبحرين‪ ،‬ونحن بصدد التشاور‬ ‫لدراسة فتح معهد في الدوحة يركز‬ ‫على تعليم اللّغة الصينة‪.‬‬ ‫وما يمكن قوله حول مشروع الترجمة؛‬ ‫هو إننا ننظر إلى الّثقافة العربية‬ ‫بشكل عام وهناك جهود من خالل‬ ‫منتدى التعاون العربي الصيني‬ ‫لترجمة مؤلَّفات أدبية لدى الطرفين‪،‬‬ ‫ولدينا هيئة للنشر والطباعة تقوم‬ ‫باختيار المؤلفات‪.‬‬ ‫في نظركم هل الجهود الحكومية‬ ‫واألعوام الّثقافية المشتركة كافية‬ ‫لخلق حالة من الحوار الّثقافي؟ أم‬ ‫هناك حاجة إلى جهود مجتمعية‬ ‫وشعبية؟‬ ‫ أعتقد أن التواصل ينبغي أن يكون‬‫على كافة المستويات‪ ،‬ألن العالقات‬ ‫بين الدول والشعوب واسعة في‬ ‫مختلف المجاالت وإن كان الجانب‬ ‫الّثقافي يأخذ أهمية أكثر ألنه السبب‬ ‫الرئيسي في زيادة المعرفة وتحقيق‬ ‫التبادل بين الشعوب‪ّ ،‬‬ ‫وكل هذا أيض ًا‬ ‫ال ُيقلِّل من العوامل األخرى ألن جوهر‬ ‫العالقة بين الّثقافتين هو المودة‬ ‫والتسامح ويستفيد ّ‬ ‫كل طرف من‬ ‫اآلخر في الجانب المضيء لدى اآلخر‪.‬‬ ‫وهنا البد أن نذكر أن نجاح هذه‬ ‫الفعاليات جاء نتيجة جهود مشتركة‬ ‫من الجانبين سواء من وزارة الّثقافة‬ ‫في الصين أو وزارة الّثقافة والرياضة‬ ‫ومتاحف قطر والبد من اإلشادة‬ ‫باهتمام سعادة الشيخة المياسة بنت‬ ‫حمد آل ثاني رئيس مجلس أمناء‬ ‫متاحف قطر التي حرصت شخصي ًا‬ ‫على إنجاحها‪.‬‬ ‫العالقات الّثقافية العربية ‪-‬‬ ‫الصينية ممتدة تاريخياً‪ ..‬هل مثل هذه‬ ‫األعوام الّثقافية تعمل على إحياء مثل‬ ‫هذا التحاور بين الّثقافتين‪ ،‬خاصة أن‬ ‫‪16‬‬

‫الصينيون‬ ‫يعرفون رموز‬ ‫األدب العربي‬ ‫ونحتاج أن يتعرَّف‬ ‫العرب إلى األدب‬ ‫الصيني بشكل‬ ‫أكبر‬ ‫هذا العام كانت تقيم سنة ثقافية مع‬ ‫مصر أيضاً؟‬ ‫ عالقة الصين بالعالم العربي عالقة‬‫متعددة وأشهرها‬ ‫قديمة في مجاالت‬ ‫ِّ‬ ‫كان طريق الحرير الذي كان يربط‬ ‫الصين بالعالم العربي تجاري ًا وثقافي ًا‬ ‫وظّل التواصل بين الطرفين‪ ،‬والصين‬ ‫َ‬ ‫مميزة وفي المقابل فإن‬ ‫لديها حضارة َّ‬ ‫العالم العربي يمتلك حضارة قديمة‬ ‫ومميزة والتواصل بين الحضارتين‬ ‫َّ‬ ‫الكبيرتين في َحّد ذاته شيء مهم‬ ‫نمي‬ ‫بالنسبة للشعبين‪ ،‬ألن هذا ُي ِّ‬ ‫التبادل المعرفي والحضاري بين كال‬ ‫الطرفين‪.‬‬ ‫وفي إطار منتدى التعاون الصيني ‪-‬‬ ‫العربي فهناك جزء مهم من التبادل‬ ‫الّثقافي وفيه تركيز على جوانب‬ ‫متعددة لدى العرب ومنها‬ ‫ثقافية‬ ‫ِّ‬ ‫ترجمة المؤلَّفات وتبادل الزيارات‬ ‫الفّنّية وإقامة مهرجانات للفنون‬ ‫للفرق َ‬ ‫العربية في الصين وفي المقابل إقامة‬ ‫مهرجانات صينية في الدول العربية‪،‬‬ ‫وليس على شكل السنة الّثقافية فقط‪.‬‬ ‫ما مدى إقبال المثقَّف في الصين‬ ‫على التفاعل مع األعوام الّثقافية؟‬ ‫ هذه الفعاليات ُاستقبلت بترحاب‬‫ومشاركة كبيرة وتفاعل من المثقَّفين‬

‫وغيرهم‪ ،‬فالعالقات بين الدول هي‬ ‫العالقة بين الشعوب وأحسن ما يربط‬ ‫تعرف‬ ‫بين الشعوب هو الّثقافة التي ِّ‬ ‫شعب ًا بآخر وهذا هو الهدف من وراء‬ ‫مثل هذه الفعاليات الّثقافية‪ ،‬ونحن‬ ‫في الصين نولي الجانب الّثقافي‬ ‫اهتمام ًا كبيرًا‪ ،‬وبالمقابل لمسنا نفس‬ ‫االهتمام من الدول العربية‪.‬‬ ‫ما هي عناصر الّثقافة الصينية‬ ‫التي تركزون على إبرازها لدى الجانب‬ ‫العربي؟‬ ‫ومتنوعة؛‬ ‫ الّثقافة الصينية غنّية‬‫ِّ‬ ‫أراض واسعة‬ ‫كون الصين لديها‬ ‫ٍ‬ ‫وقوميات عديدة (حوالي ‪ 56‬قومية)‪.‬‬ ‫ال يمكننا أن ننفرد بثقافة دون أخرى‪.‬‬ ‫نقدم للشعوب العربية‬ ‫إننا نحاول أن ِّ‬ ‫تنوع‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫ما لدينا من ُّ‬ ‫وجود تباين بين ثقافتينا فإنه أحيان ًا‬ ‫توجد تشابهات باعتبارنا ننتمي إلى‬ ‫الشرق‪.‬‬ ‫ما أكثر ما يلفت نظرك في الّثقافة‬ ‫العربية كدبلوماسي؟‬ ‫ لدى الّثقافة العربية خيرات كثيرة‬‫من األدب‪ ،‬وإذا كنا تناولنا جانب‬ ‫الترجمة فلدينا مجموعة كبيرة من‬ ‫األدباء العرب ترجمت أعمالهم إلى‬ ‫اللّغة الصينية‪.‬‬ ‫الكتَّاب العرب الذين لهم‬ ‫من هم أبرز ُ‬ ‫وتْر ِجَم ْت أعمالهم؟‬ ‫حضور في الصين ُ‬ ‫ يحضر أغلب مشاهير األدب العربي‬‫في الصين من خالل ترجمة أعمالهم‪،‬‬ ‫أدونيس‪ ،‬نجيب محفوظ‪ ،‬طه حسين‪،‬‬ ‫جبران خليل جبران‪ ،‬توفيق الحكيم‪،‬‬ ‫إحسان عبدالقدوس‪ ،‬محمود درويش‪،‬‬ ‫وآخرين‪ .‬هذا في مقابل حضور أدباء‬ ‫من الصين في العالم العربي وإن كان‬ ‫َأ ّ‬ ‫قل‪ ،‬لكن هذا ما يمكن االهتمام به‬ ‫مستقبالً‪.‬‬


‫والفنّانين القطريين مبادرة األعوام الثّقافية التي تقيمها دولة قطر ُممثَّلة‬ ‫ثمن عدد من المثقَّفين َ‬ ‫َّ‬ ‫أتمت هذه المبــادرات عامها‬ ‫حيــث‬ ‫والرياضة‪،‬‬ ‫ّقافــة‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫وزارة‬ ‫مــع‬ ‫بالتعاون‬ ‫قطر‬ ‫متاحــف‬ ‫فــي‬ ‫َّ‬ ‫كل من اليابــان‪ ،‬والمملكة المتحــدة‪ ،‬والبرازيل‪،‬‬ ‫الخامــس بعــد التعاون والتبــادل الثّقافي مع ّ‬ ‫وتركيا‪ ،‬والصين‪.‬‬ ‫وأكــدوا فــي تصريحات خاصة لـ«الدوحة» أن مثل هذه األعوام فرصة للتبادل المعرفي والتعريف بالثّقافة‬ ‫َّ‬ ‫مكــن من اطالع المثقَّفين والمهتمين علــى ثقافات جديدة بما‬ ‫ت‬ ‫كما‬ ‫الدول‪،‬‬ ‫تلك‬ ‫في‬ ‫والعربيــة‬ ‫بــل‬ ‫القطريــة‪،‬‬ ‫ُ ِّ‬ ‫يعزز التواصل الحضاري ونشر السالم بين الدول والشعوب‪.‬‬ ‫ِّ‬

‫األعوام الثّقافية تُعزِّز التواصل الحضاري‬ ‫ونشر السالم‬ ‫استطالع‪( :‬الدوحة)‬ ‫المتعددة في ِظّل الطفرة الكبيرة‬ ‫اآلليات‬ ‫ِّ‬ ‫في وسائل اإلعالم واالتصال‪ ،‬تحمل في‬ ‫طّياتها مكنون هذه الّثقافة وجوهرها‬ ‫النابع من الحضارة العربية واإلسالمية‬ ‫مع االحتفاظ بخصوصياتها ومفرداتها‪.‬‬

‫فالح العجالن الهاجري‪:‬‬ ‫نحتاج إلى تقييم حتى ننتقل‬ ‫إلى مرحلة جديدة‬ ‫في البداية أكَّد السيد فالح العجالن‬ ‫الهاجري مستشار وزير الّثقافة‬ ‫والرياضة للشؤون الّثقافية أهمية‬ ‫السنوات الّثقافية في تأكيد حوار‬ ‫الّثقافات بين دولة قطر وغيرها من‬ ‫البالد األجنبية‪،‬ألنها تستضيف حالي ًا‬ ‫ومستقب ً‬ ‫ال فعاليات كبرى من أبرزها‬ ‫استضافة كأس العالم عام ‪2022‬م‪ ،‬ومن‬ ‫هنا تأتي أهمية التواصل بين الشعوب‬ ‫ليتعرف اآلخرون إلى الّثقافة والتراث‬ ‫َّ‬ ‫في قطر وتوجيه رسالة إلى العالم وفق‬

‫وقال الهاجري «إن مبادرة األعوام‬ ‫الّثقافية ناجحة ومستمرة حتى عام‬ ‫وتقام بالتعاون بين ّ‬ ‫كل من‬ ‫‪ُ ،2022‬‬ ‫وزارة الّثقافة والرياضة ومتاحف قطر‪،‬‬ ‫ومع مرور خمس سنوات عليها نحتاج‬ ‫إلى تقييم حتى ننتقل إلى مرحلة جديدة‬ ‫من منطلقات ثابتة»‪ ،‬مشيرًا إلى أن هناك‬ ‫دو ًال أجنبية في أجندة األعوام الّثقافية‬ ‫تنطلق من وجود تعاون ثقافي سابق‬ ‫متميزة مع دولة قطر‪ ،‬مثل‬ ‫ولها عالقات ِّ‬ ‫فرنسا ودول الفرانكفونية‪ ،‬فهي ترتبط‬ ‫بعالقات قائمة ومستمرة تدعم الحوار‬ ‫الّثقافي وتعزِّز التواصل بين الطرفين‪،‬‬ ‫الفت ًا إلى أن الدول المختارة في تلك‬ ‫يعبر عن‬ ‫تم اختيارها بشكل ِّ‬ ‫المبادرة ّ‬ ‫مختلف الّثقافات في العالم ويتم فيه‬

‫انتقال الّثقافة القطرية إلى قارات العالم‪.‬‬ ‫وأشار الهاجري إلى أن الفعاليات خالل‬ ‫مبادرة األعوام الّثقافية تشمل كافة‬ ‫مفردات الّثقافة في قطر من الموسيقى‬ ‫والفنون والسينما والفنون التشكيلية‬ ‫إلى التراث والحرف القديمة‪ ،‬وحتى‬ ‫العادات والتقاليد واألكالت تدخل ضمن‬ ‫ثقافة الدولة‪ ،‬حيث ال يقتصر التراث‬ ‫والّثقافة في دولة ما على جهة معّينة‪،‬‬ ‫ولكن ّ‬ ‫تعبر عن ثقافة‬ ‫كل‬ ‫المؤسسات ِّ‬ ‫َّ‬ ‫البلد‪ ،‬فاالقتصاد والرياضة واإلعالم في‬ ‫ّ‬ ‫كل دولة ينقل ثقافتها‪ ،‬ولدينا تجربة‬ ‫قناة الجزيرة التي نجحت في إيصال‬ ‫قدمت قطر‬ ‫صوت قطر إلى العالم‪ ،‬كما َّ‬ ‫تراثها وثقافتها في كثير من المحافل‬ ‫العالمية التي تحظى بجماهيرية كبيرة‬ ‫مثل السباقات العالمية الكبرى في فرنسا‬ ‫وفي المملكة المتحدة‪.‬‬ ‫وأوضح أن الفعاليات الّثقافية ُتظهر‬ ‫الثراث المادي وغير المادي‪ ،‬كما ُتقام‬ ‫الندوات والمحاضرات حسب ّ‬ ‫كل دولة‬ ‫‪17‬‬


‫وتأثيرها وحسب التعاون الّثقافي‬ ‫معها‪ ،‬فهناك دول أصبحت تعرف‬ ‫تعبر في‬ ‫الكثير عن قطر وثقافتها التي ِّ‬ ‫كثير من مفرداتها عن الّثقافة العربية‬ ‫واإلسالمية‪ ،‬حيث ُتنشر بعض األفكار‬ ‫الخاطئة عن اإلسالم وتحتاج إلى مزيد‬ ‫من اإليضاح والتعريف بالحضارة‬ ‫اإلسالمية التي ساهمت في التراث‬ ‫اإلنساني‪.‬‬

‫د‪ .‬أحمد عبدالملك‬ ‫من جانبه أوضح د‪ .‬أحمد عبدالملك‪،‬‬ ‫أكاديمي وروائي قطري‪ ،‬أن األعوام‬ ‫الّثقافية تساهم في تقريب الشعوب‬ ‫فهم ّ‬ ‫كل طرف لقضايا واتجاهات‬ ‫َ‬ ‫وت ُّ‬ ‫ترمم ما ُتفسده‬ ‫وهي‬ ‫اآلخر‪،‬‬ ‫المجتمع‬ ‫ِّ‬ ‫تروج للمبدع المحلّي‬ ‫السياسة‪ ،‬كما أنها ِّ‬ ‫وتجعله على الساحة في البلد اآلخر‪،‬‬ ‫مشيرًا إلى أن المبدعين في قطر في‬ ‫حاجة إلى مثل تلك المبادرات‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫ودعا إلى أن تصطبغ تلك الفعاليات‬ ‫بصبغة شعبية ّ‬ ‫وأل تهيمن عليها الرسمية‬ ‫الفائقة‪ ،‬وأن تقوم األعوام الّثقافية‬ ‫بنقل تلك الشمولية اإلبداعية وال تركِّز‬ ‫على ملمح أو اثنين من نماذج الّثقافة‪،‬‬ ‫األمر الذي يطرح قضية تبديل نهج إقامة‬ ‫المعارض أو الفعاليات الّثقافية في‬ ‫الخارج كي تكون أكثر استيعاب ًا لنماذج‬ ‫المتنوعة‪ ،‬حيث لم أشهد دعوة‬ ‫الّثقافة‬ ‫ِّ‬ ‫قاص أو روائي ألي من المعارض التي‬ ‫ُتقام؟!‪ ،‬مضيفاً‪« :‬صحيح لدينا فنّانون‬ ‫تشكيليون ومعارض لألزياء أو الحناء‬ ‫أو عزف الصوت الخليجي‪ّ ،‬إل أنني‬ ‫أعتقد أن نقل الفكر القطري مهم‪ ،‬وكيف‬ ‫المفكِّر القطري؟ كيف يرى القاص‬ ‫يفكِّر ُ‬ ‫القطري الحياة؟ ما هي نماذج الرواية‬ ‫في قطر؟ وال أقلِّل من أهمية األدب‬ ‫عموماً‪ ،‬والشعر‪ ،‬والمسرح‪ ،‬والفنون‬ ‫القولية والرقصات بأنواعها»‪ ،‬الفت ًا‬ ‫إلى أن الجمهور الغربي أو اآلسيوي قد‬ ‫عجب ببعض نماذج الّثقافة المادية‪،‬‬ ‫ُي َ‬ ‫لكنه في األغلب يريد أن يعرف كيف يفكِّر‬ ‫المجتمع القطري؟ كيف يعيش؟ كيف‬ ‫يتعامل مع العصر؟ وهذا قد يوفره الفيلم‬ ‫القصير‪ ،‬اللوحة التشكيلية‪ ،‬القصة‬ ‫القصيرة‪ ،‬الرواية‪ ،‬المسرح؛ ومن هنا‬ ‫تأتي أهمية الشمولية الّثقافية للتعبير‬ ‫عن الّثقافة القطرية‪.‬‬

‫االطالع على اآلخر عن قرب‪ ،‬بخالف‬ ‫وسائل اإلعالم‪ ،‬ومن هذا المنطلق‬ ‫يكون إسهامنا الّثقافي في التأكيد على‬ ‫مشاركتنا بأطروحاتنا الهادفة إلى‬ ‫تحقيق ��لسالم في العالم وهذا لن يتحقَّق‬ ‫ّإل بالوقوف على أرضية مشتركة بين‬ ‫الجميع‪.‬‬ ‫وقال «إن ّ‬ ‫يقدم في الفعاليات‬ ‫كل ما َّ‬ ‫مهم ألن الّثقافة شاملة في‬ ‫الّثقافية ّ‬ ‫مفهومها‪ ..‬فمن العادات والتقاليد‬ ‫والتراث واألدب إلى الطعام والملبس‬ ‫فكلها من مكونات الّثقافة ونحن بحاجة‬ ‫يتعرف اآلخرون إليها‪ ،‬وينبغي‬ ‫إلى أن‬ ‫َّ‬ ‫ّأل تقتصر المشاركات على الفنون‬ ‫والموسيقى‪ ،‬رغم أهميتها‪ ،‬لكننا بحاجة‬ ‫ِّ‬ ‫لنوضح للعالم أن‬ ‫إلى تكثيف الجهود‬ ‫هذه المنطقة ليست «بترول» فقط‪،‬‬ ‫بل لديها إرث ثقافي ومعرفة إنسانية‬ ‫ساهمت من قبل في البناء الحضاري‬ ‫لإلنسانية»‪.‬‬ ‫تتوسع أنشطة السنوات‬ ‫وطالب بأن‬ ‫َّ‬ ‫الّثقافية وتنتقل إلى الساحات العامة‬ ‫ليصل تأثيرها إلى الشعوب بشكل أكبر‬ ‫المؤسسات الّثقافية‪ ،‬وأن‬ ‫وال تقتصر على‬ ‫َّ‬ ‫يتم فتح نوافذ جديدة مثل المحاضرات‬ ‫والندوات واستضافة أكاديميين من هذه‬ ‫البالد وأن يذهب أكاديميون قطريون‬ ‫موسعة عن‬ ‫إليها لتقديم محاضرات‬ ‫َّ‬ ‫الّثقافة‪ ،‬الفت ًا إلى ضرورة أن يتم فتح‬ ‫حوار مع المثقَّفين في المجتمع لمناقشة‬ ‫األبعاد المختلفة إلثراء المشهد الّثقافي‬ ‫خالل الفعاليات‪.‬‬

‫جمال فايز‬ ‫أما الكاتب والقاص جمال فايز فيرى أن‬ ‫الوقت الحالي والظروف الراهنة تدعو‬ ‫إلى التقارب المعرفي والتبادل الّثقافي‪،‬‬ ‫حيث ُت َعّد نافذة الّثقافة من أهم النوافذ‬ ‫تقرب شعوب العالم‪ ،‬ليطلع ّ‬ ‫كل‬ ‫التي ِّ‬ ‫منا على اآلخر ومخزونه الّثقافي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وكل الفعاليات‬ ‫فالسنوات الّثقافية‬ ‫الدولية من أسابيع ثقافية وغيرها يتيح‬

‫د‪ .‬نورة محمد فرج‬ ‫وعلى الجانب اآلخر قالت الدكتورة‬ ‫والكاتبة نورة محمد فرج األستاذة‬ ‫بجامعة قطر‪« :‬إن هذه األعوام الّثقافية‬


‫قرت كان هدفها هو تقديم أشكال‬ ‫عندما ُأ ّ‬ ‫مختلفة من الّثقافة القطرية إلى شعوب‬ ‫الدول األخرى‪ ،‬وبالمقابل تعريف‬ ‫اإلنسان القطري بثقافات أخرى‪ ،‬لكن‬ ‫فيما يبدو بالنسبة لي أن هذه األعوام لم‬ ‫تحقِّق هدفها»‪.‬‬ ‫وأضافت‪« :‬اقترح االستغناء عن الندوات‬ ‫ألنها ال تجذب الناس‪ ،‬ومن َثّم فهي‬ ‫قاصرة عن تحقيق الهدف المراد منها‪،‬‬ ‫وإذا كنا نرغب بالتواصل مع مثقَّفين من‬ ‫دول أخرى فيمكن استضافتهم فضائياً‪،‬‬ ‫عبر السكايب أو غيره»‪.‬‬ ‫وأضافت «أعرف أن الكثير يحضرون‬ ‫مسرحيات وعروض ًا ومعارض عند‬ ‫سفرهم خارج قطر‪ ،‬لكنهم ال يحضرونها‬ ‫داخلها‪ ،‬ربما بسبب االزدحام الشديد‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى طول يوم العمل‪ ،‬كما‬ ‫يوجد تراجع في األنشطة الّثقافية‬ ‫والتفاعل معها بشكل عام»‪.‬‬ ‫واقترحت أن يتم إجراء استبيانات في‬ ‫المدارس والجامعات والمهتمين حول‬ ‫ما يريده الناس‪ ،‬من أجل توفيره لهم‪،‬‬ ‫بد ًال من جلب أشكال ثقافية مكلِّفة وال‬ ‫تستهوي الجمهور هنا‪.‬‬

‫وجود فوائد عديدة تكمن في إطار هذا‬ ‫التبادل الّثقافي‪ ،‬فقد توالت أكثر من‬ ‫الفّن القطري‬ ‫فعالية َفّنّية تألَّق فيها َ‬ ‫المعاصر‪ ،‬خاصة أن الشعب التركي‬ ‫الفنّانين‬ ‫لم تكن لديه فكرة واضحة عن َ‬ ‫القطريين‪.‬‬ ‫تم استعراض‬ ‫وأضافت أنه عندما ّ‬ ‫الفّنّية كانت مفاجأة بالنسبة‬ ‫األعمال َ‬ ‫لكثيرين من الجانب التركي الذين لم‬ ‫الفّن القطري بلغ هذا الحّد‬ ‫يعتقدوا أن َ‬ ‫التطور‪ ،‬وكان لهذا أثره في التبادل‬ ‫من‬ ‫ُّ‬ ‫والتعرف إلى تقنيات المشاركين‬ ‫الّثقافي‬ ‫ُّ‬ ‫الفّنّية المختلفة في قطر‪.‬‬ ‫واألساليب َ‬

‫هنادي الدرويش‬ ‫الفنّانة هنادي الدرويش‬ ‫من جانبها قالت َ‬ ‫التي شاركت في معرضين في إطار العام‬ ‫الّثقافي قطر‪ -‬تركيا‪ ،‬إن تجربة المشاركة‬ ‫في معارض دولية تجمع بين فنانين‬ ‫قطريين وآخرين تدل على االهتمام‬ ‫بالتبادل الّثقافي‪ ،‬وقد حرصت الدولتان‬ ‫على حضور الّثقافة والفنون الرفيعة‬ ‫باعتبارها إحدى الركائز األساسية في‬ ‫التواصل بين األمم والشعوب‪ ،‬مؤكِّدة‬

‫أحمد المسيفري‬ ‫الفنّان التشكيلي أحمد‬ ‫من جانبه أكَّد َ‬ ‫المسيفري‪ ،‬وهو أحد المشاركين في‬ ‫فعاليات العام الّثقافي مع البرازيل‬

‫ضمن معرض مشترك بين فنانين‬ ‫من قطر والبرازيل‪ ،‬على أهمية دعم‬ ‫وتفعيل ثقافة الحوار مع اآلخر في‬ ‫مختلف الفنون ومنها التشكيلية‪،‬‬ ‫مشيرًا إلى أهمية األعوام الّثقافية في‬ ‫توطيد العالقات الّثقافية مع كثير من‬ ‫الدول‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن كونها تصدر صورة‬ ‫واقعية لما وصل إليه المشهد الّثقافي‬ ‫القطري خالل األعوام األخيرة‪ ،‬وكذلك‬ ‫استيرادها لفنون اآلخر لعرضها على‬ ‫جمهورها‪.‬‬ ‫وأضاف أنه من خالل التجربة‬ ‫والمشاركة مع فنانين من دولة أخرى‬ ‫نتعرف إلى الحالة الّثقافية لديهم‬ ‫َّ‬ ‫الفّن‪ ،‬وخاصة إذا كانت‬ ‫في‬ ‫وأساليبهم‬ ‫َ‬ ‫نتعرف‬ ‫ألننا‬ ‫إقليمية‬ ‫تلك الدول غير‬ ‫َّ‬ ‫الفنّانين في المحيط‬ ‫بشكل أو بآخر إلى َ‬ ‫بالّثقافات‬ ‫فاالحتكاك‬ ‫اإلقليمي‪،‬‬ ‫والتعرف إليها يزيد في تجاربنا أبعادًا‬ ‫ُّ‬ ‫يتعرف‬ ‫جديدة‪ ،‬وفي الوقت نفسه‬ ‫َّ‬ ‫يعبر عن‬ ‫هؤالء إلى َ‬ ‫الفّن في قطر ألنه ِّ‬ ‫ويتعرفون إلى أهم ما‬ ‫البيئة القطرية‬ ‫َّ‬ ‫الفّنّية الحديثة‪ّ ،‬‬ ‫وكل‬ ‫يميزه وأساليبه َ‬ ‫ِّ‬ ‫هذه األمور تعمل على تقارب الشعوب‬ ‫وهو من أهم األهداف المرجوة‪.‬‬ ‫‪19‬‬


‫الفنانة القطرية جميلة آل شــريم‪ ،‬واحدة من الفنانات الالتي شــاركن في ِعّدة معارض تشكيلية‬ ‫والفنّي مع دول العالم‪ ،‬وترى في هذه‬ ‫خارج الدوحة‪ ،‬وكان لها دور في تعزيز التواصل الثّقافي َ‬ ‫المشــاركة فرصة لمّد جســور الحضــور والتواصل الثّقافي‪ ،‬ليس فقط بيــن الفنانين‪ ،‬ولكن بين‬ ‫الدول أيضاً‪.‬‬ ‫الفّن يلعب دورًا كبيرًا فــي توثيق العرى بين الشــعوب‪ ،‬وأداة للتواصل‬ ‫فــي حديثهــا لـ«الدوحة» ِّ‬ ‫تؤكــد أن َ‬ ‫ّية بمثابة لغة للحوار بين دول العالم‪ ،‬ونافذة لمّد جســور الحوار‬ ‫الثّقافــي بيــن الدول‪ ،‬كــون المعارض َ‬ ‫الفنّ‬ ‫وفنّي مشرق‪.‬‬ ‫الثّقافي‪ ،‬وطموح في الوقت نفسه من أجل َغٍد ثقافي َ‬

‫التشكيلية القطرية جميلة آل شريم‪:‬‬ ‫المعارض ال َ‬ ‫فنّيّة لغة للحوار بين دول العالم‬ ‫حوار‪( :‬الدوحة)‬ ‫ً‬ ‫الفّنّية‬ ‫بداية‪ ،‬كيف يمكن للمعارض َ‬ ‫أن تكون وسيلة لمّد جسور التواصل‬ ‫الّثقافي بين الدول؟‬

‫القطري قادر على تعزيز مثل هذا التواصل‬ ‫الّثقافي على الصعيد الدولي‪ ،‬في ّ‬ ‫ظل ما‬ ‫يحقّقه من صعود على المستوى العربي؟‬ ‫الفنّي القطري مشهد معطاء‪،‬‬ ‫ المشهد َ‬‫ولدينا أسماء قطرية ونتاجات سواء في‬ ‫مجال النحت أو الرسم أو الخزف‪ ،‬ولكن‬ ‫ما زالت الحركة التشكيلية تحتاج إلى‬ ‫تجديد وتطوير‪ ،‬ولن نحقّق صعودًا ّإل‬ ‫برعاية المبدعين القطريين ومشاركتهم‬ ‫في المعارض المحلّية والعربية والعالمية‬ ‫وتسويق أعمالهم‪ ،‬فاألمة التي ال تلد‬ ‫فنانين مبدعين ال تلد حضارة واألمم ال‬ ‫بالفّن والّثقافة‪.‬‬ ‫تتكامل ّإل َ‬ ‫وفي هذا السياق‪ ،‬أدعو «متاحف قطر»‬ ‫إلى تنظيم معرض سنوي للفنّانين‬ ‫القطريين‪ ،‬لينتقل بعد ذلك إلى الدول‬ ‫العربية‪ ،‬ليطوف بعدها حول العالم‪،‬‬ ‫وحينها فقط يكون الفنان القطري تحت‬ ‫مظلة داعمة وراعية‪ ،‬فالمعارض تضيف‬ ‫للفّن والفنّان الكثير‪ ،‬منها أن يرسم اسم‬ ‫َ‬ ‫الفّن التشكيلي في‬ ‫دولة قطر على خارطة َ‬ ‫العالم‪.‬‬

‫الفّنّية بمثابة‬ ‫ الشك في أن المعارض َ‬‫لغة للحوار بين الشعوب‪ ،‬ونافذة لمّد‬ ‫جسور التواصل الّثقافي بين البالد‪،‬‬ ‫وطموح في الوقت نفسه من أجل َغٍد‬ ‫وفنّي مشرق‪ ،‬على نحو األعوام‬ ‫ثقافي َ‬ ‫الّثقافية التي تقيمها قطر مع دول العالم‪،‬‬ ‫الفّنّية القطرية في‬ ‫ومنها المشاركات َ‬ ‫تركيا‪ ،‬والتي سجلت حضورها من خالل‬ ‫تم اختيار مقتنياته‬ ‫معرض تشكيلي‪ّ ،‬‬ ‫ِب ِل قسم الفنون‬ ‫بعناية شديدة من قَ‬ ‫البصرية بوزارة الّثقافة والرياضة‪.‬‬ ‫وَل ّ‬ ‫الفّن التشكيلي‬ ‫عل مشاركة رواد َ‬ ‫الفّن‬ ‫بمثل هذه المعارض‪ ،‬داللة على أن َ‬ ‫يلعب دورًا كبيرًا في توثيق العرى بين‬ ‫الشعوب‪ ،‬وأداة للتواصل الّثقافي بين‬ ‫الدول‪ ،‬فقد كانت المشاركات القطرية‬ ‫بدول العالم مرآة عاكسة لرؤى فلسفية‬ ‫تتسم بمثبوتاتها الفكرية الجديدة على‬ ‫مستوى طرق المعالجة مع اختالفات‬ ‫الفّنّية وتعكس في الوقت ذاته‬ ‫التجارب َ‬ ‫الفنّي لدى الفنان‬ ‫مدى‬ ‫تطور النضج َ‬ ‫ُّ‬ ‫القطري المعاصر‪.‬‬

‫الفنّي القطري عربي ًا‬ ‫ومع هذا الصعود َ‬ ‫وعالمياً‪ ،‬هل تعتقدين أن هناك حركة‬ ‫الفنّي خارجياً؟‬ ‫نقدية تواكب هذا الحضور َ‬

‫الفّن التشكيلي‬ ‫يفسر أن َ‬ ‫هل هذا ِّ‬

‫‪ -‬لألسف‪ ،‬يعيش عالمنا اليوم أزمة‬

‫‪20‬‬

‫نقدية؛ فالنقد حالة إبداعية قائمة بذاتها‬ ‫ومن المهام الصعبة‪ ،‬فهو أحد أبرز‬ ‫أضالع مثلث اإلبداع التشكيلي ولن تقوم‬ ‫للفّن التشكيلي قائمة أو تواجد حقيقي‬ ‫َ‬ ‫بدون وجود حركة نقدية مساندة‪،‬‬ ‫فمتابعته ضرورة لتعديل مسار المنتج‬ ‫الفنّي‪ ،‬ولن يكون هناك َفّن حقيقي بدون‬ ‫َ‬ ‫نقد ناضج‪.‬‬ ‫وربما يكون العائق وراء عدم إيمان‬ ‫الفنّي بأهمية الناقد‬ ‫القائمين في المجال َ‬ ‫الفنّي الموهوب والنقد الجاد‪،‬‬ ‫والكاتب َ‬ ‫تقبل الكثير من الفنانين‬ ‫عدم‬ ‫يرجع إلى‬ ‫ُّ‬ ‫للنقد وحمل األمر على الشخصنة وعدم‬ ‫التحمل لجلد الذات‪ ،‬واالستفادة من‬ ‫ُّ‬ ‫النقد سبب في عدم وجود الناقد والكاتب‬ ‫الجاد‪ ،‬بل إن غياب النقد في المعارض‬ ‫أدى إلى عدم االرتقاء بالذوق العام‪،‬‬ ‫ولذلك البد من ضرورة خلق تيار نقدي‬ ‫حتى تكون لدينا نهضة إبداعية تضم‬ ‫ُكتّاب ًا وفنانين ونقَّادًا مبدعين‪.‬‬ ‫وهل لهذا الغياب النقدي انعكاس على‬ ‫الفّنّية‬ ‫الحضور الجماهيري للمعارض َ‬ ‫القطرية؟‬ ‫ ما زال الحضور الجماهيري لمعارضنا‬‫قليالً‪ ،‬وربما يرجع هذا إلى ِقلّة الوعي‬ ‫الفنّي وعدم تشجيع الجمهور على‬ ‫َ‬ ‫الحضور‪ ،‬ما يتطلَّب ضرورة الحضور‬


‫للفّن‬ ‫الفنّي على مختلف األصعدة دعم ًا َ‬ ‫َ‬ ‫القطري‪ ،‬خصوص ًا أنه حقّق انتشارًا‬ ‫عربي ًا وعالمي ًا على النحو المشار إليه‪،‬‬ ‫األمر الذي أحدث شك ً‬ ‫ال من أشكال‬ ‫التواصل الّثقافي مع نظرائنا من الفنّانين‬ ‫العرب والدوليين‪.‬‬ ‫كان لك حضورك بالحوار الّثقافي‬ ‫المشترك بين قطر وتركيا من خالل‬ ‫السنة الّثقافية بينهما‪ ،‬فما تقييمك لهذه‬ ‫التجربة؟‬ ‫ومتميزة في الوقت‬ ‫ هي تجربة فريدة‬‫ِّ‬ ‫احبها عرض‬ ‫ص‬ ‫أنه‬ ‫نفسه‪ ،‬خصوص ًا‬ ‫َ َ‬ ‫الفنّي‬ ‫المشهد‬ ‫تاريخ‬ ‫حول‬ ‫لفيلم ثقافي‬ ‫َ‬ ‫ِب ِل‬ ‫القطري وإلقاء الضوء عليه من قَ‬ ‫الفّن التشكيلي يوسف أحمد‪ ،‬حيث‬ ‫رائد َ‬ ‫الفّن‬ ‫الفّنّية لرواد َ‬ ‫استعرض أهم األعمال َ‬ ‫القطري‪ ،‬باإلضافة إلى إلقاء الضوء على‬ ‫الفّن القطري المعاصر‪.‬‬ ‫َ‬ ‫هذا الفيلم أسهم في حضور حشد‬ ‫جماهيري كبير‪ ،‬عكس توق األتراك‬ ‫والجالية العربية المقيمة في تركيا إلى‬ ‫والفّن بدولة قطر‪.‬‬ ‫التعرف على الّثقافة َ‬ ‫ُّ‬ ‫حدثينا عن أبرز مشاركاتك الخارجية‬ ‫التي عكست تواص ً‬ ‫ال ثقافي ًا على النحو‬ ‫المشار إليه؟‬ ‫ كانت لي مشاركة أخيرًا في معرض َفنّي‬‫بالعاصمة البريطانية‪ ،‬وكان محوره‬ ‫الخيول العربية‪ ،‬بشكل يظهر أسطورة‬ ‫خيول الشقب‪ ،‬فكان ذلك تدوين ًا وتوثيق ًا‬ ‫لهذه األسطورة‪ ،‬عبر لوحات َفّنّية‪ ،‬نهل‬ ‫منها الحضور من منابع إرثنا لسالالت‬ ‫تعود إلى الخيل األم في الصحراء‬ ‫العربية‪ .‬وبتجربة «أيقونة الخيول»‬ ‫كمحاولة َفّنّية‪ ،‬فإنها سعت إلى أن تكون‬ ‫رسالة إلى العالم وفق رؤية حدسية‬ ‫تقول‪ :‬إن روح الحياة وسر ديمومتها‬ ‫تكمن في قوة حفظ النوع لساللة‬ ‫الوجود‪ ،‬فذلك أفضل ما في الحياة ومن‬ ‫الحب يحصد روح الحياة‪.‬‬ ‫يزرع ُ‬ ‫من خالل هذا الحضور العربي‬ ‫والدولي‪ ،‬ما هي المحطة التي حظيت‬ ‫بانعكاسات ثقافية لديك؟‬ ‫ بشكل عام‪ ،‬هي المحطة التي يكون‬‫فيها اتجاه نحو َفّن التجريد‪ ،‬ألنه لغة‬ ‫وفّن تتالقح حوله المنظومة‬ ‫الروح‪َ ،‬‬ ‫الخيالية باألخرى العقلية‪ ،‬ويتجلَّى‬

‫جميلة آل شريم‬

‫هذا في الخطاب البصري ضمن مشروع‬ ‫َفنّي لروح الحياة والبحث الجمالي في‬ ‫تفرد هذه‬ ‫لغة األشكال واأللوان‪ ،‬نتيجة ُّ‬ ‫التجربة قياس ًا بغيرها‪.‬‬ ‫يبدو في أعمالك جنوح إلى تزاوج‬ ‫أيقونة الخيل مع الخط العربي‪ ،‬ليظهر‬ ‫الفنّي بلوحة شعرية تشكيلية‪،‬‬ ‫العمل َ‬ ‫يمكن أن تضفي بريقها على أصحاب‬ ‫الفّنّية من دول العالم‪ ،‬فما‬ ‫الذائقة َ‬ ‫تفسيرك لهذا المزج؟‬ ‫تحول أسلوبي‬ ‫ أحب أن يكون هناك‬‫ُّ‬ ‫وتقني بين ّ‬ ‫كل تجربة؛ فذلك يكشف مدى‬ ‫لدي‪ .‬ولذا تتملكني‬ ‫تطور النضج َ‬ ‫الفنّي ّ‬ ‫ُّ‬ ‫رغبة في التغيير والتطوير في أعمالي‬ ‫وتوظيف الخط العربي‪ ،‬خصوص ًا أن‬ ‫بعض الحروف مأخوذة من شكل الخيل‬ ‫والشغف بحكايات الشعر والرواية‬ ‫المستقاة من الحياة الحالمة في أطراف‬ ‫الصحراء المسكونة بالشمس المشرقة‪،‬‬ ‫وتحت ضياء قمرها المنير‪.‬‬ ‫ولهذا بدأت في أعمالي األخيرة الرسم‬ ‫بالكلمات وعزف سيمفونية للوحات‬ ‫شعرية من أساطير وقصص خيالية‬ ‫الفّن‬ ‫بين الخيل والشعر يترابط فيها َ‬ ‫الفّنّية لم‬ ‫والجمال‪ ،‬وبتدريج تجربتي َ‬ ‫أجد أّية صعوبة لهذا المزج‪ ،‬ألنني بدأت‬ ‫بمراحل وبأبهى صورها نحو الوصول‬

‫إلى إدراك الجليل عبر حدود الجميل‪.‬‬ ‫الفّن التشكيلي‬ ‫النبوغ النسائي في َ‬ ‫الفت في المشهد القطري‪ ،‬ما تفسيرك‬ ‫لهذا الصعود‪ ،‬خاصة أنه يفوق غيره من‬ ‫الفّنّية والّثقافية؟‬ ‫المجاالت َ‬ ‫ الواقع‪ ،‬فإن النبوغ النسائي بالمشهد‬‫الفنّي القطري بدأ منذ ‪ ،1973‬بالرغم من‬ ‫َ‬ ‫خصوصية المجتمع خالل هذه الفترة‪،‬‬ ‫إلى أن حدث االنفتاح بشكل أوسع‪،‬‬ ‫وأصبح للفنانة دور أكبر وحضور‬ ‫الفنّي‪،‬‬ ‫الفت من حيث‬ ‫التميز والصعود َ‬ ‫ُّ‬ ‫الفّنّية‬ ‫بشكل يفوق غيره من المجاالت َ‬ ‫والّثقافية‪ ،‬وخصوص ًا بعدما كانت‬ ‫الفنانة خلف اللوحة‪ ،‬اليوم أصبحت‬ ‫بجانبها‪ ،‬بل ولها الدور الرئيسي في‬ ‫المشاركات الخارجية‪.‬‬ ‫ويعود السبب في ذلك إلى حرص دولتنا‬ ‫على تشجيع المرأة الفنّانة‪ ،‬على نحو ما‬ ‫الفّنّية التي‬ ‫تشهد به الكثير من المعارض َ‬ ‫تشارك فيها المرأة القطرية‪ ،‬وخصوص ًا‬ ‫في القطاع الخاص‪ ،‬على نحو مشاركاتي‬ ‫بأحد معارض مركز سوق واقف للفنون‪،‬‬ ‫والتي أقامها في إيطاليا بعنوان «أصالة‬ ‫خيل» عام ‪ ،2015‬وكذلك مشاركاتي‬ ‫محلّي ًا وعربي ًا وعالمياً‪ ،‬وهو ما يعزِّز من‬ ‫الفنّي القطري‪ ،‬ويعكس‬ ‫تطوير المشهد َ‬ ‫إسهامات المرأة القطرية‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫تقارير‬

‫صعود ترامب‪..‬‬

‫سقوط نظرية «اإلعالم يعرف أكثر»‬ ‫د‪.‬ياسر ثابت‬ ‫يبـدو فـوز المرشـح الجمهـوري دونالـد‬ ‫ترامـب فـي انتخابـات الرئاسـة األميركيـة‬ ‫مهد لتغييـر خارطة العالم‪،‬‬ ‫لحظـة فارقة ُت ِّ‬ ‫وليـس الشـرق األوسـط فقـط‪.‬‬ ‫ال ساطعــ ًا‬ ‫ليقـدم دلي ً‬ ‫ربمـا جـاء هـذا الفـوز ِّ‬ ‫التحـول الدرامـي لمفاهيـم‬ ‫علـى ذلـك‬ ‫ُّ‬ ‫السياسـة العتيقـة‪ ،‬وأن هنـاك ناخبيـن‬ ‫يصمـون المخضرميـن فـي عالم السياسـة‬ ‫بالفشـل والمنـاورة أو حتـى الخـداع‪ ،‬وأن‬ ‫الوقـت قـد حـان للتخلُّص من هـذه الوجوه‬ ‫القديمـة مـن محترفي السياسـة‪ ،‬وخوض‬ ‫نـوع آخـر مع وجـوه تخاطب‬ ‫مغامـرة مـن ٍ‬ ‫البسـطاء ورجل الشـارع العـادي‪ ،‬بد ًال من‬ ‫‪22‬‬

‫أن تغـازل النخـب ودوائـر صنـع القـرار‪.‬‬ ‫أول التأثيـرات لفـوز ترامـب علـى الذهنيـة‬ ‫العربية قد يكون إيجابيـاً؛ إذ إن هذا النصر‬ ‫ّ‬ ‫قدم درسـ ًا مهمـ ًا بشأن إمكانية‬ ‫االنتخابي ُي ِّ‬ ‫السياسية‬ ‫انتزاع شخص من خارج الدائرة‬ ‫ّ‬ ‫الفوز من براثن محترفي السياسة‪.‬‬ ‫فـن الممكن‪ ،‬فإن‬ ‫وإذا كانـت السياسـة هي ّ‬ ‫االنتخابات بدت لنا في التجربة األميركية‬ ‫فـن تحـدي المسـتحيل‪ .‬لـم يكـن ترامـب‬ ‫ّ‬ ‫المرشـح األقـوى‪ ،‬حتـى داخـل صفـوف‬ ‫الحـزب الجمهـوري‪ ،‬وتوقَّـع كثيـرون أن‬ ‫تنطفـئ نـاره وتنتهـي مغامرتـه سريعــاً‪،‬‬ ‫فـن القفـز فـوق الحواجـز‬ ‫لكنـه أجـاد ّ‬ ‫والموانع‪ ،‬حتى وصل إلى نهاية السـباق‬ ‫فائز اً‪.‬‬

‫رمـزت كلينتـون إلـى «الحـرس القديم» في‬ ‫السياسـة‪ ،‬وشـعرت نسـبة ال ُيستهان بها‬ ‫مـن الناخبيـن أنهـا غيـر جديـرة بثقتهـم‬ ‫وغيـر نزيهـة‪ .‬أمـا ترامـب‪ ،‬فلـم يكـن لديـه‬ ‫مـا يخسـره‪ ،‬وكان مثـل حصـان جامح‪ ،‬ال‬ ‫يوقفـه شـيء‪ ،‬فـكان لـه مـا أراد‪.‬‬ ‫بالغـة الممكـن‪ ،‬قد تكون ملهمـة في العالم‬ ‫العربـي‪ ،‬عـن طريـق صناديـق االنتخـاب‬ ‫ومراكـز االقتراع‪.‬‬ ‫فـي ٍ‬ ‫َّل سـباق البيت األبيض‬ ‫ث‬ ‫م‬ ‫خـط ٍ‬ ‫مواز‪َ َ ،‬‬ ‫المرة درســ ًا قاسيــ ًا لوسائل اإلعالم‬ ‫هذه ّ‬ ‫ومراكـز اسـتطالعات الـرأي و«خبـراء»‬ ‫السياسة‪ ،‬لكي يتفادوا القفز إلى النتائج‪.‬‬ ‫وربمـا يالحـظ كثيـرون أنـه فـور وصـول‬ ‫دونالـد ترامـب وهيلاري كلينتـون إلـى‬


‫المحطة قبل األخيرة من السباق الرئاسي‪،‬‬ ‫تـروج الفتـراض‪-‬‬ ‫طفقـت وسـائل اإلعلام ِّ‬ ‫وإن كان مواربــاً‪ -‬بـأن كلينتـون سـتفوز‬ ‫بالسـباق‪ ،‬لكـن النتائـج الفعليـة أظهـرت‬ ‫تبيـن للجميـع‪ -‬وِإ ْن حدث ذلك‬ ‫غيـر ذلـك‪َّ .‬‬ ‫متأخـراً‪ -‬أن نتائـج اسـتطالعات الـرأي‬ ‫تتبـدل علـى نحـو أسـرع مـن ريشـة فـي‬ ‫َّ‬ ‫مهـب العاصفـة‪.‬‬ ‫أثبـت هـذا األمـر أن أغلبيـة المراقبيـن‬ ‫والكّتاب‬ ‫والمحلليـن والخبراء والمتابعين ُ‬ ‫نظريـن سـواء فـي داخـل الواليـات‬ ‫والم ِّ‬ ‫ُ‬ ‫المتحـدة أم خارجهـا لـم يكونـوا يعرفـون‬ ‫حقيقـة شـعور الناخبيـن األميركييـن‪ ،‬أو‬ ‫لـم يدرسـوا فكـرة التصويـت العكسـي‪،‬‬ ‫انتقامــ ًا من مرشح ليسوا راضين عنه أو‬ ‫صـوت كثيـر مـن األميركييـن‬ ‫عـن حزبـه‪َّ .‬‬ ‫لصالح المرشـح الجمهـوري ترامب‪ ،‬على‬ ‫الرغـم مـن عـدم اتفاقهـم معـه‪ ،‬ألنـه يمثـل‬ ‫رفضــ ًا لالتجـاه العـام‪ ،‬كمـا أن انتخابـه‬ ‫جسـد قدرتهـم على التغييـر في المجتمع‪.‬‬ ‫ُي ِّ‬ ‫بالمثل‪ ،‬لم يركز الكثير من الخبراء على أن‬ ‫جـزءًا كبيـرًا مـن الديموقراطيين كان ينظر‬ ‫إلـى كلينتون بملـل‪ ،‬وبعضهم كان يتمنّى‬ ‫صعـود بيرنـي سـاندرز األكثـر يسـارية‬ ‫وراديكالية‪.‬‬ ‫العربيـة‬ ‫المنطقـة‬ ‫فـي‬ ‫كثيـرون‬ ‫سـيجد‬ ‫ّ‬ ‫والشـرق األوسـط‪ ،‬فرصـة إلعـادة النظـر‬ ‫في تقديرهم لدور وسائل اإلعالم من جهة‪،‬‬ ‫وقدرتهـا علـى الحشـد لمصلحة مرشـح أو‬ ‫سياسـي بعينـه‪ ،‬ولتأثيـر اسـتطالعات‬ ‫الرأي ومراكز بحوث الرأي العام من جهة‬ ‫أخـرى‪ .‬وقـد يسـيء البعـض فهم الرسـالة‬ ‫فيقـرر تجاهـل تلـك‬ ‫علـى نحـو مغلـوط‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫البحـوث‪ ،‬والتهويـن مـن شـأن اإلعلام‬ ‫وتأثيـره فـي الحشـد والتعبئـة‪.‬‬ ‫في المقابل‪ ،‬يبدو فوز ترامب رمزًا لصعود‬ ‫نجم الشـعبوية وسياسـة الصوت العالي‬ ‫وتوجيه السـباب‪ ،‬وشـن هجمات شرسـة‬ ‫يخـل مـن‬ ‫علـى الخصـوم‪ .‬وفـي سـباق لـم ُ‬ ‫وكْي ِ‬ ‫ـل االتهامـات‪ ،‬كان ترامـب‬ ‫البـذاءات َ‬ ‫«المدفـع المنفلـت»‪ ،‬كمـا وصفه خصومه‪،‬‬ ‫فلم يترك أحدًا ّإل وهاجمه بقوة وقسـوة‪.‬‬ ‫طـوال حملـة االنتخابـات الرئاسـية‪ ،‬بـدا‬ ‫ترامب هجوميــ ًا متغطرسـ ًا يصعب التنبؤ‬ ‫بأفعاله خصوصـ ًا ضد النساء والمهاجرين‬ ‫والمسـلمين‪ ،‬لكنـه فـاز في نهايـة المطاف‬ ‫قدم‬ ‫بالسباق إلى البيت األبيض‪ ،‬وهو ما ُي ِّ‬ ‫نموذجــ ًا آخـر إلمكانيـة إحـراز أصحـاب‬

‫الصـوت العالـي والنهـج الشـعبوي‪ ،‬بـل‬ ‫والعنصري‪ ،‬مكاسـب انتخابية ملموسـة‪.‬‬ ‫لـم يكـن ترامـب‪ -‬بـكل عيوبـه‪ -‬نبتــ ًا‬ ‫شيطانيــاً‪ ،‬فقـد تنافـس وفـاز علـى ‪17‬‬ ‫مرشحــ ًا جمهوريــ ًا قبل أن يواجه هيالري‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫كلينتون فى االنتخابات الرئاسية ّ‬ ‫مجموعة حفلة الشاي األكثر يمينية داخل‬ ‫الحـزب الجمهـوري موجـودة وتـزداد قوة‬ ‫يـوم وليلة‪.‬‬ ‫منـذ سـنوات‪ ،‬ولـم تظهر بين ٍ‬ ‫صحيـح أن عـددًا كبيـرًا مـن قـادة الحـزب‬ ‫الجمهـوري لـم يكونـوا سـعداء بصعـود‬ ‫ترامب‪ ،‬وبعضهم أعلن معارضته العلنية‬ ‫له‪ ،‬بل قالوا إنهم سيصوتون ضده‪ ،‬غير‬ ‫اسـتقر به‬ ‫أنه واصل رحلة الصعود حتى‬ ‫ّ‬ ‫األمـر علـى أبـواب المكتـب البيضـاوي فـي‬ ‫البيـت األبيض‪.‬‬ ‫هـذا النهـج‪ ،‬حتـى وإن ُقوِب َـل فـي البدايـة‬ ‫بانتقـادات ال تخلـو مـن سـخرية‪ ،‬كسـب‬ ‫هـذه الجولـة‪ ،‬في بلٍد له وزنه الثقيل على‬ ‫الساحة الدولية‪ ،‬وهذا أمر ستكون له آثاره‬ ‫على المشهد السياسي العربي‪ ،‬سواء من‬ ‫ناحية تحفيز القوى والجماعات الشعبوية‬ ‫أو الشخصيات المثيرة للجدل على خوض‬ ‫غمـار السياسـة‪ ،‬بل واالنتخابات‪ ،‬طمعــ ًا‬ ‫عربيــاً‪.‬‬ ‫في تكرار نموذج ترامب‬ ‫ّ‬ ‫شـعبوية ترامـب‪ ،‬قـد تعني عنـد الناخبين‬ ‫الذين اختاروه تشكيل إدارة تعطي أولوية‬ ‫لتقويـة الشـأن الداخلـي‪ ،‬وإقامة تحالفات‬ ‫جديـدة ال ُتعَنـى كثيـرًا بمعاييـر حقـوق‬ ‫اإلنسـان‪ ،‬وال بالديموقراطيـة وإرسـاء‬ ‫دعائمها في دول ومناطق من العالم‪ .‬وهذا‬ ‫خبـر سـار للبعض ومحـزن للبعض اآلخر‬ ‫وخاصـة المنظمات‬ ‫في الشـرق األوسـط‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المدنيـة والجمعيـات األهليـة وجماعـات‬ ‫ّ‬ ‫حقوق اإلنسـان والمنادين بالديموقراطية‬ ‫سـيحرر بعض‬ ‫التحول‬ ‫فـي المنطقـة‪ .‬هـذا‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫العربيـة مـن ضغـوط أميركيـة‬ ‫األنظمـة‬ ‫ّ‬ ‫تتعلَّـق بحقـوق اإلنسـان والديموقراطية‪،‬‬ ‫لكنـه فـي الوقـت نفسـه سـيجعل نشـطاء‬ ‫حقـوق اإلنسـان فـي العالـم العربـي‪ ،‬فـي‬ ‫موقـف أكثـر ضعفــ ًا مـن ذي قبـل‪ ،‬بعـد أن‬ ‫فقـدوا غطـاء دوليــ ًا لـه وزنـه واعتباره‪.‬‬ ‫الالفـت فـي األمـر هو أن النصـر االنتخابي‬ ‫الـذي حققـه ترامـب‪ ،‬يقرع أجـراس الخطر‬ ‫العربية‪ ،‬على‬ ‫فـي المنطقـة‪ ،‬وفي العقلية‬ ‫ّ‬ ‫عبر‬ ‫ي‬ ‫بـل‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫فرد‬ ‫َحـٍد سـواء‪ .‬ترامـب لـم يكن‬ ‫ُ ِّ‬ ‫عـن صعـود تيـار أكثـر يمينيـة‪ ،‬ليـس في‬ ‫أميركا فقط‪ ،‬بل في أغلبية أنحاء العالم‪،‬‬

‫صعود اليمين نراه في النمسا‪ ،‬وألمانيا‪،‬‬ ‫وفرنسا‪ ،‬والدول اإلسكندنافية‪ .‬هذا التيار‬ ‫يسـتغل انتشـار اإلرهـاب ورهـاب الخوف‬ ‫من األجانب والمهاجرين‪ ،‬وتباطؤ التجارة‬ ‫العالميـة‪ ،‬وهـو ما أثر علـى تراجع عملية‬ ‫التنمية وزيـادة عدد العاطلين‪.‬‬ ‫شـيء مـن هـذا يمكن أن نلمسـه في عالمنا‬ ‫العربـي‪ ،‬وقـد تنفـخ ريـح ترامـب فـي‬ ‫أشـرعته‪ ،‬وهو التخويف من المّد الديني‪،‬‬ ‫واستثمار ذلك لمصلحة جماعات مصالح‬ ‫عينـة‪ ،‬بـل‬ ‫سياسـية‬ ‫وقـوى‬ ‫واقتصاديـة ُم َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫و«عسـكرة السياسـة» بدعـوى حمايـة‬ ‫المجتمـع مـن األصوليـات‪.‬‬ ‫فـي حالـة ترامـب‪ ،‬كان النجاح حليفه ألنه‬ ‫خاطـب همـوم الشـعب األميركـي القلق من‬ ‫التطرف على يد‬ ‫تنامـي اإلرهـاب وصعود‬ ‫ُّ‬ ‫تنظيمات مختلفة ضربت بعنف في الغرب‬ ‫خلال العاميـن األخيريـن‪ .‬تـرك هـذا بـكل‬ ‫تأكيـد أثـره علـى مـزاج الناخـب األوروبي‬ ‫التطرف‬ ‫واألميركـي‪ ،‬علمــ ًا بـأن جماعـات‬ ‫ُّ‬ ‫الديني قد تكون من أبرز الرابحين من فوز‬ ‫ترامـب‪ ،‬ذلـك أنـه وفَّر لهم ُقبَلـة الحياة‪.‬‬ ‫عند هذه النقطة‪ ،‬قد يلتقي ترامب والذهنية‬ ‫العربيـة‪ ،‬خاصـة فـي حـال قـرر الرئيـس‬ ‫ّ‬ ‫األميركي المنتخب التخلِّي عن النهج الحذر‬ ‫الـذي التـزم بـه أوبامـا‪ ،‬وخاضـت قواتـه‬ ‫حربــ ًا ضـد التنظيمـات الدينيـة المسـلحة‬ ‫وأبرزهـا تنظيـم «داعـش»‪ -‬فـي أبـرز‬‫معقليـن للجهادييـن في العراق وسـوريا‪.‬‬ ‫تظل قائمة‬ ‫غيـر أن الهواجـس‬ ‫والتخوفات ّ‬ ‫ُّ‬ ‫بيـن ذهنيتيـن متباينتيـن؛ إذ إن مواقـف‬ ‫ترامـب خلال حملتـه االنتخابيـة كانـت‬ ‫معادية للمسلمين والمهاجرين والالجئين‪،‬‬ ‫كما أنه قال صراحة في أكثر من مناسـبة‬ ‫يتعيـن على بعـض دول المنطقة دفع‬ ‫إنـه َّ‬ ‫ثمـن الحمايـة األميركية لها‪ .‬هـذه المنطقة‬ ‫الشـائكة‪ ،‬قـد تدفـع شـعوب المنطقـة إلـى‬ ‫االتجاه نحو الطرف األقصى من اتجاهين‪:‬‬ ‫إما تعميق الجفوة مع إدارة ترامب جديدة‪،‬‬ ‫أو الخضـوع لهـا وفـق قواعـد لعبـة جديدة‬ ‫يمليهـا السـيد الجديد للبيـت األبيض‪.‬‬ ‫وفـي كلتـا الحالتيـن‪ ،‬علينـا أن نـدرك أن‬ ‫يتغيـر‪ ،‬نتيجـة‬ ‫المـزاج العربـي أيضــ ًا قـد َّ‬ ‫التحـوالت فـي العاصمة واشـنطن‪،‬‬ ‫لتلـك‬ ‫ُّ‬ ‫العربيـة‬ ‫المنطقـة‬ ‫علـى‬ ‫أثرهـا‬ ‫تركـت‬ ‫التـي‬ ‫ّ‬ ‫بالتطـورات السـاخنة‪.‬‬ ‫الحافلـة‬ ‫ُّ‬ ‫‪23‬‬


‫عرب بريطانيا‬ ‫ُ‬ ‫في مملكة عظمى أم في جزيرة معزولة؟‬

‫لندن‪ :‬هيثم حسـين‬ ‫ُو ِ‬ ‫البريطانييـن للخـروج‬ ‫ـف تصويـت‬ ‫صَ‬ ‫ّ‬ ‫األوروبي «البريكسـت» بأنّه‬ ‫مـن االّتحـاد‬ ‫ّ‬ ‫ومؤسسات‬ ‫الهجرة‪،‬‬ ‫ارتفاع‬ ‫ضد‬ ‫احتجاج‬ ‫َّ‬ ‫وتدخالتها‪ ،‬باإلضافة‬ ‫االّتحـاد األوروبي ّ‬ ‫المصرفيين في لندن‪،‬‬ ‫إلى مناهضة مدينة‬ ‫ّ‬ ‫ناهيـك عـن عـودة شـعارات االسـتقالل‬ ‫والتحـرر مـن التبعيـة واسـترجاع الهيبة‬ ‫ُّ‬ ‫البريطاني‪ ،‬وحماية‬ ‫واسـتقاللية القـرار‬ ‫ّ‬ ‫الحـدود الوطنية‪.‬‬ ‫ُيلقـي كثيـر مـن البريطانييـن بالالئمـة‬ ‫على المهاجرين الذين يعتبرونهم أساس‬ ‫االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬وأنّه‬ ‫المشاكل‬ ‫ّ‬ ‫يتم إقحامهم في بنية المجتمع في الوقت‬ ‫ّ‬ ‫‪24‬‬

‫وثقافيـاً‪،‬‬ ‫فكريـ ًا‬ ‫ّ‬ ‫الـذي ال ينتمـون إليـه ّ‬ ‫وتكـون هناك كثير مـن الحواجز تمنعهم‬ ‫أن‬ ‫مـن االندمـاج والتفاعـل‪ ،‬ويعتقـدون ّ‬ ‫تشـكل عبئـ ًا علـى النظـام‬ ‫هـذه األعـداد ّ‬ ‫االجتماعية والقيم‬ ‫والتركيبة‬ ‫االقتصادي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التاريخيـة والمعاييـر الثّقافيـة معـاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويتجاهلـون مشـاكلهم األخـرى األكثـر‬ ‫تأثيـرًا علـى حياتهـم ومسـتقبلهم‪.‬‬ ‫أن‬ ‫يعتقـد بعـض أبنـاء الجاليـة‬ ‫العربيـة ّ‬ ‫ّ‬ ‫متفعـل بأكثـر صيغـه‬ ‫الطبقـي‬ ‫النظـام‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫البريطانـي‪ ،‬وربمـا‬ ‫المجتمـع‬ ‫فـي‬ ‫تجلّيـ ًا‬ ‫ّ‬ ‫البريطانييـن مع‬ ‫كان تصويـت كثيـر مـن‬ ‫ّ‬ ‫األوروبـي خطوة‪،‬‬ ‫الخـروج مـن االّتحـاد‬ ‫ّ‬ ‫أو صرخة ضّد الفروقات المتعاظمة بين‬ ‫أن‬ ‫الفقـراء واألغنيـاء‪ ،‬إذ اعتقـد هـؤالء ّ‬

‫ينصـب‬ ‫األوروبـي‬ ‫البقـاء ضمـن االّتحـاد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فـي مصلحـة األغنيـاء ويحـرم الفقـراء‬ ‫مـن فـرص العمـل وتحسـين أوضاعهـم‪،‬‬ ‫ويبقيهم أسرى أنظمة معقّدة تحاصرهم‪  .‬‬ ‫البريطانييـن على الخروج‬ ‫قبـل تصويـت‬ ‫ّ‬ ‫مؤشـرات‬ ‫مـن االّتحاد‬ ‫األوروبي‪ ،‬ظهرت ّ‬ ‫ّ‬ ‫متباينـة ومتناقضـة‪ ،‬يمكـن وصـف‬ ‫بعضها بأنّه خطوة على مسار التعايش‬ ‫بالعدوانيـة‬ ‫الواجـب‪ ،‬وبعضهـا اآلخـر‬ ‫ّ‬ ‫واإلجـرام‪ .‬حيـن ُاختيـر صـادق خـان‬ ‫باكسـتاني كعمـدة‬ ‫المنحـدر مـن أصـل‬ ‫ّ‬ ‫لمدينـة لنـدن‪ ،‬استبشـر دعـاة البقـاء في‬ ‫األوروبي خيرًا بذلك‪ ،‬واعتبروه‬ ‫االّتحاد‬ ‫ّ‬ ‫قويـة علـى طريـق البقـاء ضمـن‬ ‫خطـوة‬ ‫ّ‬ ‫األوروبيـة وداخـل الفضـاء‬ ‫المنظومـة‬ ‫ّ‬


‫األوروبـي الشاسـع بألوانـه المختلفـة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهنـاك َمـن اعتبـر األمر حركـة انتخابية‬ ‫ال تتجـاوز لعبـة االنتخابـات ومقاصدها‬ ‫والخفيـة‪.‬‬ ‫المعلنـة‬ ‫ّ‬ ‫اكتسـب صـراع البقـاء والمغـادرة صفـة‬ ‫دموية مع إقدام أحدهم يوم ‪ 16‬يونيو‪/‬‬ ‫ّ‬ ‫العمالية‬ ‫النائبة‬ ‫قتل‬ ‫على‬ ‫‪2016‬‬ ‫حزيران‬ ‫ّ‬ ‫جـو كوكـس فـي بلـدة بيرسـتال شـمال‬ ‫بـأن بريطانيـا أوالً‪،‬‬ ‫إنجلتـرا‪ ،‬وهتـف ّ‬ ‫وعـرف عـن نفسـه الحقـ ًا فـي المحكمـة‬ ‫ّ‬ ‫الحرّيـة‬ ‫ّ‬ ‫بـأن اسـمه «المـوت للخونـة‪ّ ..‬‬ ‫لبريطانيـا»‪ .‬وكانـت النائبـة كوكـس‬ ‫معروفـة بمسـاندتها لقضيـة الشـعب‬ ‫السوري‪ ،‬ومناصرة للمهاجرين‪ ،‬ومنادية‬ ‫ّ‬ ‫األوروبـي‪...‬‬ ‫حـاد‬ ‫ت‬ ‫اال‬ ‫ضمـن‬ ‫بالبقـاء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫منـذ عقـود لـم يكـن هنـاك سـجناء رأي‬ ‫فـي بريطانيـا‪ ،‬لكـن مـع مقتـل النائبـة‬ ‫مدوية‬ ‫جـو كوكـس أطلقـت صافرة إنـذار ّ‬ ‫أقرت قوانين‬ ‫فـي األرجاء‪ ،‬فالدولـة التي ّ‬ ‫احتـرام الـرأي وكفلتـه لـم تتعـْد علـى مـا‬ ‫أقرتـه وكفلتـه‪ ،‬بـل كان هنـاك مـا هـو‬ ‫ّ‬ ‫السياسـي‪ .‬وتلك‬ ‫أخطـر‪ ،‬وهـو االغتيال‬ ‫ّ‬ ‫سـتؤرخ لـدروس جديـدة فـي‬ ‫الحادثـة‬ ‫ّ‬ ‫السياسـي المعاصر لبريطانيا‪.‬‬ ‫التاريـخ‬ ‫ّ‬ ‫وقـد تحفّـظ كثيرون من خـارج بريطانيا‬ ‫وداخلهـا علـى اّتهـام المجرم الـذي اغتال‬ ‫عقليـ ًا ويعانـي‬ ‫جـو كوكـس بأنّـه‬ ‫ّ‬ ‫مختـل ّ‬ ‫النفسـية‪ ،‬ألنّهـم‬ ‫االضطرابـات‬ ‫بعـض‬ ‫ّ‬ ‫يتم تقديمها‬ ‫اعتبروا هذه من الذرائع التي ّ‬ ‫وتسويقها حين يكون المجرم في الغرب‬ ‫الشـرقي‪،‬‬ ‫غربيـاً‪ ،‬أو «أشـقر» بالمفهـوم‬ ‫ّ‬ ‫أو بطريقـة أكثـر دقّـة وتحديـداً‪ ،‬حيـن ال‬ ‫عربيـ ًا أو أوروبيـ ًا مـن‬ ‫يكـون مسـلم ًا أو ّ‬ ‫أصـل عربـي أو أصـل مسـلم‪.‬‬ ‫العربي‬ ‫ُيعيـد المهاجر العربـي‪ ،‬والمثقَّف‬ ‫ّ‬ ‫ضمنـاً‪ ،‬أسـئلة متعلّقـة بواقـع الحيـاة‬ ‫فـي المملكـة المّتحـدة بعـد اسـتفتائها‬ ‫الشـهير الـذي لـن تتوقّـف تداعياتـه‬ ‫وأصـداؤه عنـد حـدود المملكـة وحدهـا‪،‬‬ ‫بـل سـتكون عالميـة شـاملة‪ ،‬وال يعـرف‬ ‫أي حّد سـتكون مؤثّرة في رسـم‬ ‫بعد إلى ّ‬ ‫خريطة جديدة ألوروبا‪ ،‬وكيف سـتكون‬ ‫الحركـة ضمـن هـذه الحـدود التجاريـة‬ ‫والسياسـية والثّقافيـة‬ ‫واالقتصاديـة‬ ‫ّ‬

‫التي ستكون موضع تفاوض ومساومة‬ ‫ومؤسسـات االتحـاد‬ ‫مؤسسـاتها‬ ‫بيـن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األوروبـي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يحـاول المثقَّـف افتـراض إجابـات عـن‬ ‫خيار البريطانيين اعتبار بلدهم الجزيرة‬ ‫المعزولـة‪ ،‬المنعزلـة‪ ،‬أو اعتبـاره مركزًا‬ ‫المهـم‪،‬‬ ‫عالميـ ًا ال يتنـازل عـن دوره‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وبحثهم عن التعايش بطريقة مختلفة لم‬ ‫وآلياتها‪ .‬هل‬ ‫يستدلّوا بعد إلى تفاصيلها ّ‬ ‫يتعاملـون مـع واقعهـم ومسـتقبلهم على‬ ‫أسـاس أنّهم ورثـة المملكة العريقة التي‬ ‫يصفونها بالعظمى‪ ،‬واإلمبراطورية التي‬ ‫لـم تكـن تغيـب عنهـا الشـمس ذات يـوم‪،‬‬ ‫أم أنّهـم سـيبحثون عـن تقوقـع ضمـن‬ ‫المائيـة يحتمـون مـن المخاطر‬ ‫حدودهـم‬ ‫ّ‬ ‫التـي يبالغـون فـي تضخيمهـا والتحذيـر‬ ‫منها‪..‬؟‬ ‫العربـي فـي بريطانيا على‬ ‫يقـف المثقَّـف‬ ‫ّ‬ ‫أرض متقلِّبة‪ ،‬ربما تشبه طبيعة الطقس‬ ‫أن هناك كثيرًا‬ ‫المتقلِّبـة فـي البالد‪ ،‬ذلك ّ‬ ‫مـن البريطانييـن يتلقّفـون األخبـار عـن‬ ‫العربـي من وسـائل اإلعلام التي‬ ‫العالـم‬ ‫ّ‬ ‫تنقـل إليهـم أجـزاء مـن الصورة‪ ،‬بحسـب‬ ‫وجهـات النظـر القيميـن عليها‪ ،‬وال تخلو‬ ‫تلـك الزوايـا الملتقطـة من جانب مشـوب‬ ‫بسياسة إبقاء الشرق‪ ،‬والعالم العربي‪،‬‬ ‫فـي صورتـه النمطيـة الدارجـة‪ .‬ويكـون‬ ‫ٍ‬ ‫خاص‪ ،‬والمهاجر‬ ‫العربي‬ ‫المثقَّف‬ ‫بشـكل ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫تحـد متجـّدد يكمـن في‬ ‫عـام‪ ،‬أمـام ٍّ‬ ‫بشـكل ّ‬ ‫محاولـة تغييـر هـذه الصـورة النمطيـة‪،‬‬ ‫وطـرح أسـئلة شـائكة‪ ،‬وربمـا جارحـة‬ ‫الهويـة‬ ‫أحيانـ ًا عـن تموضـع مسـتقبل‬ ‫ّ‬ ‫الثّقافية العربية واإلسلامية والمشرقية‬ ‫ظـل وجـود أعداد‬ ‫عمومـ ًا فـي الغـرب فـي ّ‬ ‫مـن الالجئيـن مـن دول عربية (سـورية‪،‬‬ ‫العراق��� ،‬الصومال‪ ،‬إريتريا‪ ،)..‬وإمكانية‬ ‫هؤالء في تغيير الصور النمطية الشائعة‬ ‫عنهم‪.‬‬ ‫كمـا يتمثّـل التحـّدي اآلخـر فـي إثبـات‬ ‫الـوالء واالنتمـاء للبلـد الجديـد مـع عـدم‬ ‫األصلية‪ ،‬والحرص‬ ‫االنسالخ عن الثّقافة‬ ‫ّ‬ ‫عليـه‪ ،‬وعـدم التعاطـي معـه مـن منطلق‬ ‫الغريـب الـذي سـيهجره ويعـود إلى بلده‬ ‫األصـل ذات يـوم‪ ،‬فلا يلتفـت إلـى بنـاء‬

‫أي‬ ‫ذاتـه وال ُيعيـر اندماجـه مـع محيطـه ّ‬ ‫اهتمـام يذكـر‪ ،‬بل يعـّد حياته فيه مرحلة‬ ‫مؤقّتـة بانتظـار العـودة إلـى بلـده الـذي‬ ‫لفظـه وهـرب منه‪.‬‬ ‫يـدرك المهاجـرون فـي بريطانيـا أنّـه‬ ‫البريطانييـن مـع‬ ‫لـن تكـون مفاوضـات‬ ‫ّ‬ ‫األوروبـي وحدهـا الشـاقّة‪،‬‬ ‫االّتحـاد‬ ‫ّ‬ ‫البريطانييـن إلـى‬ ‫عـودة‬ ‫سـتكون‬ ‫بـل‬ ‫ّ‬ ‫بنـاء الداخـل وترميـم الصدوعـات التـي‬ ‫يخلّفها البريكست أكثر مشقّة‪ ،‬فالتركيبة‬ ‫االجتماعيـة تتبـّدى مهلهلة قابلة للتصّدع‬ ‫ّ‬ ‫الكراهيـة ضـّد‬ ‫جـراء تصاعـد خطـاب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تفكك يلوح‬ ‫المهاجرين‪ ،‬وربما يقود إلى ُّ‬ ‫يتجسـد‬ ‫فـي األفـق بين الفترة واألخرى‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فـي دعـوة رئيسـة وزراء إسـكتلندا إلـى‬ ‫اسـتفتاء جديـد علـى اسـتقالل بلدهـا عن‬ ‫المملكـة المّتحـدة‪..‬‬ ‫أن األجـواء السياسـية ُتلقـي‬ ‫ال يخفـى ّ‬ ‫بظاللها على الفضاءات الثّقافية بدورها‪،‬‬ ‫فلا يمكـن لكثيـر مـن البريطانييـن ّ‬ ‫فـك‬ ‫االرتبـاط بيـن مـا يشـهده العالـم العربـي‬ ‫وما يريدون اكتشـافه وقراءته في األدب‬ ‫إن‬ ‫العربـي المنقـول إلـى اإلنجليزيـة‪ ،‬إذ ّ‬ ‫المرئي والمسموع تطغى‬ ‫سـلطة اإلعالم‬ ‫ّ‬ ‫محوري ًا‬ ‫ا‬ ‫دور‬ ‫وتلعب‬ ‫الكتاب‪،‬‬ ‫على سلطة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فـي تشـكيل رأي عـام إزاء قضايـا العالـم‬ ‫العربي ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المثقَّف باعتباره صاحب الكلمة الواصلة‬ ‫اإلعالمـي الـذي قـد‬ ‫الوازنـة والحضـور‬ ‫ّ‬ ‫تلقائيـة‬ ‫بطريقـة‬ ‫ينهـض‬ ‫يكـون مؤثّـراً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لهويته مختلفة‬ ‫صورة‬ ‫تقديم‬ ‫بـدوره فـي‬ ‫ّ‬ ‫عن تلك الصورة التي يبلورها السائرون‬ ‫نيامـ ًا وراء المقـوالت الشـائعة واألحكام‬ ‫المسـبقة‪ ،‬تلـك الصـورة التـي ال تنفصل‬ ‫عـن المشـاهدات والمعاينـات واألخبـار‬ ‫المنقولـة‪ ،‬فتواتـر نقـل أخبـار االحتـراب‬ ‫التوجس إزاء العربي‬ ‫واالقتتال‪ ،‬يزيد من‬ ‫ُّ‬ ‫والمسـلم‪ ،‬ويعـاد بـه إلى طـور العداء أو‬ ‫المشـكوك بأمـره‪ ،‬وهـذا ينعكـس علـى‬ ‫تظل مجروحة‪ ،‬ومخدوشـة‬ ‫الهوية التي ّ‬ ‫ّ‬ ‫بغض النظر عن‬ ‫جراء الحمولة المسيئة‪ّ ،‬‬ ‫أي احتكام للتعقّل أو فصل عن السياق أو‬ ‫ّ‬ ‫دراسـة للحاالت المستعرضة وخلفياتها‬ ‫والتراكمـات واألسـباب التي أفرزتها‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫فرانكفورت للكتاب‬

‫دور النشر العربيّة بال أجنحة!‬

‫فرانكفـورت‪ :‬محمد األصفر‬ ‫منذ زمن طويل كنت أحلم بزيارة معرض‬ ‫فرانكفورت للكتاب‪ ،‬قرأت عنه كثيرًا من‬ ‫قبـل‪ ،‬وتاريخه متواصل لخمسـة قرون‪.‬‬ ‫قبـل المعـرض بشـهور راسـلت إدارة‬ ‫فرحبوا بمشـاركتي كصحافي‬ ‫المعرض‪َّ ،‬‬ ‫عربـي‪ .‬ال تعقيـدات وال تربيطـات‪ ،‬وال‬ ‫وسـاطة كما يحـدث في بعض معارضنا‬ ‫كل‬ ‫تـم ّ‬ ‫العربيـة‪ .‬عبـر البريـد اإللكترونـي ّ‬ ‫شيء‪ ،‬إلى أن وصلتني بطاقة المشاركة‬ ‫والدخـول المجانـي‪ ،‬وحرصـت أن أكون‬ ‫فـي الموعد‪.‬‬ ‫هكـذا تسـنَّى لـي ككاتـب ليبـي مهاجـر‬ ‫حضـور الـدورة الثامنـة والسـتين مـن‬ ‫معـرض فرانكفورت للكتاب‪ .‬دور النشـر‬ ‫المشـاركة فـي الـدورة بلـغ‪ 7272 :‬دارًا‬ ‫تمثِّـل ‪ 113‬دولـة‪ .‬ووصـل عـدد الكتـب‬ ‫المنشـورة‪ 382 :‬ألـف كتابـ ًا تقريبـاً‪،‬‬ ‫بينمـا وصل عدد زوار المعرض حوالي‪:‬‬ ‫‪ 287‬ألفـاً‪ ،‬منهـم ‪ 183‬ألـف زائـر نوعـي‬ ‫مختـص بالكتـاب‪ .‬فيمـا حضر حوالي ‪11‬‬ ‫ألـف صحافـي مـن ‪ 66‬بلـداً‪.‬‬ ‫كل أجنحـة المعـرض تحتفـي بمثقَّفيهـا‬ ‫ّ‬ ‫وأدبائها‪ ..‬جناح األرجنتين تزينه صور‬ ‫بورخيـس ونبـذة عـن حياتـه‪ ،‬والحـال‬ ‫نفسـه مـع بقيـة األجنحـة‪ ،‬أمـا الجنـاح‬ ‫الضخـم فـكان لضيـف الشـرف لهـذا العام‬ ‫وهمـا‪ :‬هولنـدا وإقليـم مقاطعـة فالنـدرز‬ ‫البلجيكيـة‪.‬‬ ‫الندوات تشبه المعارض العربية؛ بعضها‬ ‫‪26‬‬

‫ال يالقـي إقبـاالً‪ ،‬فيمـا أخـرى اكتظـت‬ ‫ومعظمهـا تنـاول القضايا السياسـية في‬ ‫أوروبـا‪ :‬المهاجرين‪ ،‬االتحاد األوروبي‪،‬‬ ‫واألزمـات االقتصادية‪..‬‬ ‫كنـت فـي شـوق للحصـول علـى بعـض‬ ‫الكتـب العربيـة ألقرأهـا‪ ،‬حيـث إني بعيد‬ ‫عـن مكتبتـي المتناثـرة فـي ِعـّدة مـدن‬ ‫ليبية‪ ،‬ولكن لألسـف المشـاركة العربية‬ ‫كانـت ضعيفـة جداً‪ ،‬اللهـم حضور رمزي‬ ‫المؤسسات الثّقافية الرسمية في‬ ‫لبعض‬ ‫َّ‬ ‫بعض الدول العربية‪ ،‬خاصة الخليجية‪،‬‬ ‫بينما دور النشـر الخاصة العربية قليلة‬ ‫جـداً‪ ،‬وليـس بهـا كتـب جديدة‪.‬‬ ‫في أحد األجنحة العربية الرسمية وجدت‬ ‫كتابـ ًا وحيـدًا باللّغـة العربيـة‪ ،‬طلبـت أن‬ ‫أشتريه‪ ،‬ولكن المشرف رفض‪ ،‬وقال إنه‬ ‫عهـدة مـال عـام والبـد أن أرجـع بـه إلـى‬ ‫أرض الوطن‪ ،‬أما جناح اتحاد الناشرين‬ ‫العـرب‪ ،‬فأهدانـي مجلـة االتحـاد‪،‬‬ ‫وأعجبنـي كتـاب أطفـال لتوفيـق الحكيم‬ ‫فطلبتـه منـه فوافـق علـى أن يلتقـط لـي‬ ‫معـه صـورة بالهاتـف المحمـول حتـى ال‬ ‫يتعـرض للمسـاءلة!‬ ‫َّ‬ ‫دور النشـر العربيـة المعروفـة غيـر‬ ‫صرح‬ ‫مشـاركة‪ ،‬ألسـباب ِعّدة‪ ،‬حسب ما ّ‬ ‫الكّتـاب والناشـرين العـرب‬ ‫لـي بعـض ُ‬ ‫المشـاركين فـي المعـرض‪ ،‬الذيـن التقيت‬ ‫بهم‪ ،‬وكان سؤالي األساسي لهم هو أين‬ ‫العـرب فـي هـذا المعـرض المهـم؟‬ ‫يقول محمد البعلي صاحب دار صفصافة‪،‬‬ ‫وهـو مـن المشـاركين الدائميـن فـي‬

‫السـنوات األخيـرة‪ :‬معـرض فرانكفـورت‬ ‫ُيعـّد نافـذة مهمـة ورئيسـية علـى سـوق‬ ‫النشـر العالمية‪ ،‬سـواء من جهة االطالع‬ ‫علـى العناويـن الجديـدة أو التقنيـات‬


‫التعـرف‬ ‫المسـتحدثة أو حتـى مـن خلال‬ ‫ُّ‬ ‫إلـى األنشـطة الثّقافيـة الدوليـة التـي‬ ‫المؤسسـات الوطنيـة المختلفـة‬ ‫ترعاهـا‬ ‫َّ‬ ‫المعنية بانتشار ثقافاتها وآدابها دولياً‪.‬‬ ‫المشاركة العربية في معرض فرانكفورت‬ ‫يغلـب عليهـا الطابـع الرسـمي‪...‬‬ ‫سـألته أيضـ ًا عـن سـبب نـدرة ترجمـة‬ ‫الكتـاب العربـي إلـى اللّغـة األلمانيـة‪..‬‬ ‫فأجاب‪ :‬الحقيقة أن ترجمة أي كتاب في‬ ‫ألمانيـا أو أوروبـا بعامـة تتطلَّـب ثالثـة‬ ‫أمـور‪ ،‬األول أن يكـون الكتـاب ناجحـ ًا‬ ‫مميزة‪،‬‬ ‫فـي لغتـه األم ومحقِّقـ ًا لمبيعـات َّ‬ ‫وأن يكون موضوعه يالقي اهتمام ًا لدى‬ ‫القـارئ الغربـي (األلمانـي فـي حالتنـا‬ ‫هذه)‪ ،‬وأن تكون تكلفة الترجمة معقولة‪،‬‬ ‫والثالثة ال تتحقَّق أبدًا ألن تكلفة الترجمة‬ ‫مـن العربيـة إلـى األلمانيـة عاليـة لنـدرة‬ ‫المترجميـن الجيديـن‪.‬‬ ‫أمـا الروائـي العراقـي المقيـم فـي برليـن‬ ‫فتحدث لي عـن المعرض‬ ‫برهـان شـاوي‬ ‫َّ‬

‫قائلا‪ :‬ال أبالـغ إذا مـا قلـت بـأن معـرض‬ ‫ً‬ ‫فرانكفـورت العالمـي للكتاب ُيعد من أهم‬ ‫وأكبـر معـرض للكتـب في العالـم‪ ..‬ليس‬ ‫فقـط لجديتـه وحسـن تنظيمـه والعـدد‬ ‫الضخـم مـن دور النشـر مـن مختلف دول‬ ‫العالم التي تشارك فيه والتي تصل إلى‬ ‫آالف من دور النشر فحسب‪ ،‬ال‪ ،‬وال بسبب‬ ‫كثافة زواره التي تصل في غالب األحيان‬ ‫إلـى ربـع مليـون خلال أيـام‪..‬وال إلى ما‬ ‫يقـام فيـه مـن لقـاءات ونـدوات سـواء‬ ‫ضمـن برنامجـه أو علـى هامشـه‪ ..‬وإنما‬ ‫بحّد ذاته حدثـ ًا ثقافي ًا عالمي ًا‬ ‫ألنـه‬ ‫ِّ‬ ‫يشـكل َ‬ ‫ينشـط‬ ‫وألمانيـاً‪ ..‬فمعـرض فرانكفـورت ّ‬ ‫الحيـاة الثّقافيـة والفكريـة في ألمانيا لما‬ ‫كل دور‪ ،‬حيث‬ ‫يخصصـه مـن محاور فـي ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقام حولها الندوات والنقاشـات‪ ..‬وهي‬ ‫محـاور تخـص الوضـع العالمـي بشـكل‬ ‫عـام وعالقتـه بالثّقافـة أو باقتصـادات‬ ‫الكتـاب أو مهمـة الكتـاب التربويـة‪ ..‬كمـا‬ ‫كثيرًا ما تطرح محاور لها نبرة اقتصادية‬

‫لكنهـا تخـص عالم الكتـاب مثل القرصنة‬ ‫اإللكترونية للكتاب‪ ..‬ومن ناحية أخرى‬ ‫فإنـه يرفـد اإلعلام األلمانـي‪ ،‬المقـروء‬ ‫والمسـموع والمرئي‪ ،‬باألخبار الثّقافية‪،‬‬ ‫حيـث يكـون للكتـاب وللثّقافة حصة غير‬ ‫اعتيادية في مجمل األخبار‪ ..‬ناهيك عن‬ ‫كل دورة يمنح جائزة‬ ‫أن المعرض وفي ّ‬ ‫خاصـة للسلام تكـون قيمتهـا المعنويـة‬ ‫كبيـرة جداً‪.‬‬ ‫وربمـا يمكـن هنـا الحديـث عـن الحضـور‬ ‫العربـي فـي المعـرض‪ ..‬فيمكننـا هنـا‬ ‫القول بأنه ال يمكن للكثير من دور النشر‬ ‫العربية المشاركة فيه ألسباب مختلفة‪..‬‬ ‫السـيما دور النشـر الخاصة‪ ..‬وحتى إذا‬ ‫ما شاركت فكثيرًا ما تكون هذه المشاركة‬ ‫رمزية‪.‬‬ ‫وعـن المعـرض وأهميتـه والمشـاركة‬ ‫تحـدث لنـا الناشـر‬ ‫العربيـة والترجمـة‬ ‫َّ‬ ‫الليبـي علـي جابـر‪ ،‬صاحـب دار البيـان‬ ‫وعضـو اتحـاد الناشـرين العـرب بقوله‪:‬‬ ‫«إن معـرض فرانكفـورت هـو أكبـر وأهم‬ ‫معـارض الكتـاب عالميـاً‪ ،‬وهـو أيضـ ًا‬ ‫أكبـر ملتقـى لناشـري وموزعـي الكتـاب‬ ‫فـي العالـم وتعقـد خلال فتـرة انعقـاده‬ ‫أكثـر عقـود الترجمـة وتبـادل النشـر بين‬ ‫ناشري الكتب من مختلف لغات العالم»‪.‬‬ ‫وتسـعى دور النشر العربية‪ ،‬ومن بينها‬ ‫الليبيـة‪ ،‬إلـى أن تكـون حاضـرة فـي هذا‬ ‫المعـرض ولكـن هـذه الرغبـة تصطـدم‬ ‫ِ‬ ‫بعـّدة معوقـات فـي مقدمتهـا صعوبـة‬ ‫ثـم‬ ‫الحصـول علـى التأشـيرة األلمانيـة ّ‬ ‫التكاليـف الماديـة المترتبـة علـى شـحن‬ ‫الكتـب للمعـرض وتكاليـف مشـاركة‬ ‫وحضـور مندوبـي الـدار‪ ،‬وهو ما شـجع‬ ‫اتحاد الناشرين العرب للمشاركة بجناح‬ ‫يتـم فيـه عرض كافة منشـورات‬ ‫جماعـي ّ‬ ‫دور النشر العربية األعضاء في االتحاد‪.‬‬ ‫نتمنى في المستقبل أن نرى من حكوماتنا‬ ‫العربيـة دعمـ ًا لمشـاركة ناشـريها فـي‬ ‫المعرض بالنظر إلى الفائدة العائدة على‬ ‫دولنا العربية من خالل ترجمة الكتب من‬ ‫مختلف اللّغات إلى اللّغة العربية وأيض ًا‬ ‫ترجمـة منشـوراتنا العربيـة إلـى مختلف‬ ‫اللّغـات األخـرى وهـو مـا لـن يتحقّـق في‬ ‫ظـل غيـاب الكتاب العربي عن المعارض‬ ‫ّ‬ ‫العربيـة الكبـرى وفـي مقدمتهـا معـرض‬ ‫فرانكفورت‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫معرض بيروت للكتاب‪..‬‬ ‫المرور إلزامي!‬ ‫بيروت ‪ -‬نسـرين حمود‬ ‫ككل عـام‪ ،‬ومـع انطلاق دورة جديدة من‬ ‫ّ‬ ‫معـرض بيـروت العربـي الدولي للكتاب‪،‬‬ ‫تطـول الئحـة المالحظـات حـول هـذه‬ ‫ّقافيـة‬ ‫الفعاليـة األبـرز علـى األجنـدة الث ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفعاليـة‪ ،‬التـي اسـتقطبت مـا‬ ‫اللبنانيـة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ُيقـارب مـن نصف مليون زائر في دورتها‬ ‫وجهنـا حولهـا مالحظـات إلـى‬ ‫الفائتـة‪ّ ،‬‬ ‫نظـم لهـذا‬ ‫العربـي»‪،‬‬ ‫الثقافـي‬ ‫«النـادي‬ ‫الم ِّ‬ ‫ُ‬ ‫اللقـاء السـنوي‪ ،‬إللقـاء نظرة مـن الداخل‬ ‫علـى «المعـرض» في دورته التي انطلقت‬ ‫ـن ديسـمبر وتسـتمر حتـى‬ ‫فـي ّ‬ ‫األول ِم َ‬ ‫الرابـع عشـر منـه‪.‬‬ ‫تغوص المالحظات حول «المعرض» في‬ ‫أهـداف هـذا النشـاط السـنوي‪ ،‬بعيـدًا عـن‬ ‫بيـع وشـراء الكتـب‪ ،‬والجهـود المبذولـة‬ ‫السـتقطاب الشـباب إليه‪ ،‬ومـدى مواكبة‬ ‫يعول‬ ‫ّ‬ ‫المنظمين اهتمامات هذه الفئة التي ّ‬ ‫سـيما اسـتخدام‬ ‫عليهـا للمسـتقبل‪ ،‬وال ّ‬ ‫وسـائط التواصـل الحديثـة لجذبهـا‪،‬‬ ‫ومـدى اللحـاق بركـب الكتـاب اإللكتروني‬ ‫(إي بـوك) المرغـوب مـن ِقَبِلهـا‪ .‬وال توفّر‬ ‫هذه المالحظات الفوضى التي قد يواجهها‬ ‫الزائرون‪ ،‬أحياناً‪ ،‬داخل أروقة الـ«بيال»‪،‬‬ ‫حيث تربض «غابة الكتب» هذه وخارجها‪.‬‬ ‫علم ًا بأن الـ«بيال» يبعد عن نبض بيروت‬ ‫ويصعـب بلوغـه مـن وسـطها (الحقيقـي)‬ ‫وأطرافهـا‪ .‬وتطـال المالحظـات أيض ًا بدل‬ ‫السـيارات المرتفع الذي يوازي ثمن‬ ‫ركـن ّ‬ ‫كتـاب‪ ،‬عناويـن األنشـطة الدائرة خالله‪،‬‬ ‫والجـو الرتيـب المسـيطر علـى المـكان‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫أهمية‬ ‫لكن‪ ،‬ما تقّدم من مالحظات ال يلغي ّ‬ ‫‪28‬‬

‫المهتمون به‪ ،‬ال‬ ‫«المعـرض» الـذي يتكاثـر‬ ‫ّ‬ ‫سـيما مـع النـزوع إلـى إصـدار الروايـات‬ ‫ّ‬ ‫ّقافيـة فـي‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫الصفحـات‬ ‫يرفـد‬ ‫مـا‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أخيـر‬ ‫ّ‬ ‫نقديـة جديـرة‬ ‫الصحـف‬ ‫ّ‬ ‫والمجلات بمـواد ّ‬ ‫بالقـراءة أحيانـاً‪ ،‬وال يقطـع النميمـة‬ ‫ّقافيـة «المحببـة» عـن رداءة األكـداس‬ ‫الث ّ‬ ‫الورقيـة التـي تترافـق التواقيـع عليهـا‬ ‫ّ‬ ‫وتصرفـات‬ ‫الوافـرة‪،‬‬ ‫التصويـر‬ ‫وعدسـات‬ ‫ّ‬ ‫الكّتاب والمثقّفين األزوار في‬ ‫«طواويس» ُ‬ ‫هـذا المـكان‪ ،‬حيـث للـورق ورائحته ألق‪.‬‬ ‫تتخطـى «فـرادة»‬ ‫كمـا أن المالحظـات ال‬ ‫ّ‬ ‫معـرض البيـروت الـذي ال يخضـع لرقابة‬ ‫قانـون المطبوعات‪.‬‬

‫«بالء الوجاهة»‬ ‫اللقـاء برئيـس «النـادي الثقافـي العربي»‬ ‫سـميح البابـا يبـّدد الظنـون‪ .‬الرجـل فـي‬ ‫متحمسـ ًا ومؤمن ًا‬ ‫عقـده الثامـن‪ ،‬وال يـزال ّ‬ ‫بأهميـة «معـرض بيروت العربـي الدولي‬ ‫ّ‬ ‫مزهـواً‪ ،‬يفيد‬ ‫للكتـاب» فـي حيـاة المدينة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أنّـه وقـف خلـف فكـرة تنظيم هذا النشـاط‬ ‫الذي انطلق من قاعة الـ«وسـت هول» في‬ ‫األميركيـة فـي بيـروت» سـنة‬ ‫«الجامعـة‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،1956‬وكان قـد افتتحـه األديـب اللبناني‬ ‫يؤكـد سـميح البابـا أن‬ ‫ميخائيـل نعيمـة‪ّ .‬‬ ‫أهميـة هذا المعرض لما كان اسـتمر‬ ‫«لـوال ّ‬ ‫لسـّتين سـنة بـدون انقطـاع‪ ،‬علـى الرغـم‬ ‫كل الظـروف المتوّتـرة التـي عاشـها‬ ‫مـن ّ‬ ‫لبنـان خلال هـذا الوقـت‪ ،‬ولمـا كان عرف‬ ‫هـذا اإلقبـال‪ ،‬سـواء مـن الـدور المشـاركة‬ ‫أو مـن الزائريـن‪ ،‬اإلقبـال الـذي يـزداد‬ ‫دورة عـن دورة»‪ .‬يتفّـق رئيـس النـادي‬ ‫ً‬ ‫التذمـر‬ ‫الثقافـي العربـي ّ‬ ‫وإيانـا فـي أمـر ّ‬

‫مـن موقـع المعـرض فـي الـ«بيـال» غيـر‬ ‫الغالبيـة‪ ،‬ويتفّهم شـكوانا‬ ‫المرغـوب مـن‬ ‫ّ‬ ‫كل مـا يرافـق الرحلـة إلـى المـكان من‬ ‫مـن ّ‬ ‫عوائـق‪ ،‬ويعلّـق ضاحـكاً‪« :‬كالقطـط‪،‬‬ ‫انتقـل المعـرض بيـن موقـع وآخـر‪،‬‬ ‫ابتـداء من الـ«وسـت هـول»‪ ،‬مرورًا بقصر‬ ‫ً‬ ‫العربيـة‬ ‫بيـروت‬ ‫وجامعـة‬ ‫الـ«أونيسـكو»‬ ‫ّ‬ ‫الزجاجيـة وسـاحة الشـهداء‬ ‫والقاعـة‬ ‫ّ‬ ‫حـط الرحال‬ ‫و«إكسـبو بيـروت»‪ ،‬إلـى أن ّ‬ ‫في الـ«بيال» منذ سنة ‪ ،2004‬حيث ُيردم‬ ‫البحر لغاية االستثمار العقاري‪ .‬ومن َثّم‪،‬‬ ‫شـكل الـ«بيال» المساحة األكبر المتوفّرة‬ ‫ُي ّ‬ ‫حاليـ ًا في المدينة لهـذه الغاية»‪ .‬ويضيف‬ ‫موضحـاً‪« :‬المعـرض الحالـي يمتـّد علـى‬ ‫ثمانيـة آالف متـر مربـع‪ ،‬المسـاحة التـي‬ ‫لـم نوفّـق في الوقوع عليها في مكان آخر‬ ‫ببيـروت»‪ ،‬مشـيرًا إلـى أن «هنـاك طلبات‬ ‫فـي توسـيع المعـرض لتمسـي مسـاحته‬ ‫عشـرة آالف متـر مربـع‪ ،‬بمـا يسـتوعب‬ ‫اإلضافيـة الراغبـة فـي المشـاركة‪،‬‬ ‫الـدور‬ ‫ّ‬ ‫وهذا األمر لن نستطيع تلبيته في الدورة‬ ‫السـتين لألسـف»‪.‬‬ ‫ندعـو سـميح البابـا إلـى مقابلتنـا بسـعة‬ ‫الصـدر‪ ،‬ونوالـي الشـكاوى‪ ،‬سـائلين عن‬ ‫جـدوى جمهـرة «لبنـان الرسـمي» يـوم‬ ‫يحـق للثّقافـة أن‬ ‫افتتـاح المعـرض‪ :‬أال‬ ‫ّ‬ ‫تختـال فـي عيدهـا السـنوي الممثّـل فـي‬ ‫«معرض بيروت للكتاب»‪ ،‬وأن يتقّدم أحد‬ ‫األدباء والشعراء هذه المناسبة!؟ يتنفّس‬ ‫مطالعـة عن بالء‬ ‫محّدثنـا عميقـاً‪ ،‬ويلقـي‬ ‫ً‬ ‫سيما‪ .‬يقول هامساً‪« :‬سبق‬ ‫الوجاهة‪ ،‬وال ّ‬ ‫أن وردتنا طلبات من سياسيين‪ ،‬بصورة‬ ‫غير مباشرة‪ ،‬ليتصّدروا صورة االفتتاح‪،‬‬ ‫وتلا رفضنـا لذلـك انسـحاب بعـض دور‬


‫اللبنانية الموالية لهم من المشاركة‬ ‫النشر‬ ‫ّ‬ ‫فـي بعـض دورات المعـرض‪ .‬ولـذا‪ ،‬نحن‬ ‫كل هذا الجدل عبر جعل‬ ‫ّ‬ ‫كمنظمين نتالفى ّ‬ ‫موقـع رئاسـة الوزراء (كائنـ ًا من كان من‬ ‫يشـغل هذا المنصب أو توجهه السياسـي)‬ ‫الشـرين!»‪.‬‬ ‫فـي الواجهـة‪ ،‬وهـذا أهـون‬ ‫ّ‬ ‫وهنـا‪ ،‬يفتـح مزدوجيـن‪ ،‬يضـع بينهمـا‬ ‫أمثلة وشواهد عن رفض «النادي الثقافي‬ ‫ً‬ ‫ّيـة‬ ‫ل‬ ‫المح‬ ‫والمسـاهمات‪،‬‬ ‫الهبـات‬ ‫العربـي»‬ ‫ّ‬ ‫حل عن أي‬ ‫منها‬ ‫والعربية‪ ،‬ما يجعله في ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ضغط‪ ،‬ويحصر اهتمامه‬ ‫تمن أو‬ ‫أو‬ ‫مون‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫الهـم الثقافـي وتقريـب الكتـاب مـن‬ ‫فـي ّ‬ ‫العامة»‪ .‬يقول البابا إن «في سنة ‪،1952‬‬ ‫ّ‬ ‫وأدينا‬ ‫كان هوانا السياسي قومي ًا عربياً‪ّ ،‬‬ ‫قسـطنا فـي هـذا المجال‪ ،‬ولكنّنـا رأينا أن‬ ‫«التمنطق» بشهادات عالية غير ٍ‬ ‫كاف‪ ،‬لذا‬ ‫جاءتنـي فكـرة تأسـيس «النـادي الثقافي‬ ‫العربـي»‪ ،‬مـع األصدقـاء‪ .‬اسـتأجرنا‬ ‫هيئـة‬ ‫مقـرًا لهـذه الغايـة‪ ،‬ووضعنـا‬ ‫ً‬ ‫ونظمنـا المحاضـرات والحفلات‬ ‫إداريـة ّ‬ ‫ً‬ ‫وكل ذلـك لـم يكـن رائجـ ًا‬ ‫والمسـابقات‪ّ ..‬‬ ‫ُ‬ ‫س تنظيـم‬ ‫أ‬ ‫«إن‬ ‫قائلا‬ ‫حينـذاك»‪ .‬ويـردف‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫المعرض يعود إلى امتعاضي‪ ،‬حينما كنت‬ ‫شـاباً‪ ،‬من نوع الكتب المنشـورة‪ ،‬وجلّها‬

‫وضيع‪ ،‬فطرقت أبواب الدور ونقلت فكرة‬ ‫بالمجان‪ ،‬رامي ًا إلى تحسين‬ ‫عرض كتبها‬ ‫ّ‬ ‫جـودة المضاميـن‪ ،‬فكانـت الـدورة األولى‬ ‫األميركية‪،‬‬ ‫في الـ«وسـت هول» بالجامعة‬ ‫ّ‬ ‫شـتوي ًة‪ ،‬كما هي‬ ‫ربيعي ًة وليسـت‬ ‫وكانت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫أيامهـا‬ ‫فـي‬ ‫ال‬ ‫إقبـا‬ ‫وشـهدت‬ ‫اليـوم‪،‬‬ ‫حالهـا‬ ‫ّ‬ ‫وكرت السـبحة‬ ‫الثالثة‪ ،‬ما فاجأ الجميع‪ّ .‬‬ ‫بعدها»‪.‬‬ ‫نسـأل عـن االختلاف الـذي نلحظـه بيـن‬ ‫«المعـرض الفرنكفونـي» الـذي يسـبق‬ ‫عـادة‪،‬‬ ‫انعقـاده «المعـرض العربـي»‬ ‫ً‬ ‫وخصوص ًا النفس الشبابي الطاغي على‬ ‫إجابة‬ ‫األول والغائـب عـن الثانـي‪ ،‬فنلقى‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مقتضبـة مفادهـا أن «الجهـود المبذولـة‬ ‫ً‬ ‫السـتقطاب المراهقيـن والشـباب إلـى‬ ‫معـرض الكتـاب العربـي كثيـرة‪ ،‬ولكـن‬ ‫يتـم‬ ‫نظـرًا إلـى أن حضـور صغـار‬ ‫ّ‬ ‫السـن ّ‬ ‫الصباحيـة باالتفـاق مـع‬ ‫فـي الفتـرات‬ ‫ّ‬ ‫إدارات المـدارس‪ ،‬ال تبـدو هـذه الفئـة فـي‬ ‫جلية حين تقصد الغالبية‬ ‫الفترة المسائية ّ‬ ‫المنتميـة إلـى مرحلـة منتصـف العمـر فمـا‬ ‫فـوق الـ«بيـال»‪.‬‬ ‫الدوليـة‬ ‫الصفـة‬ ‫عـن‬ ‫ا‬ ‫وأيضـ‬ ‫نسـأل أيضـ ًا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الملصقـة بالتعريـف عـن المعـرض‪ ،‬إلـى‬

‫العربية‪ ،‬في الوقت الذي ال نعثر فيه على‬ ‫ّ‬ ‫عربيـة فـي المـكان‪ ،‬فنعـرف أن‬ ‫غيـر‬ ‫دور‬ ‫ّ‬ ‫من شأن استقطاب األخيرة إلى «معرض‬ ‫و«يشـوش» علـى‬ ‫بيـروت» أن «يضـارب»‬ ‫ّ‬ ‫بهمـة‬ ‫ـم‬ ‫نظ‬ ‫الم‬ ‫الفرنكفونـي»‬ ‫«المعـرض‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫السـفارات‪ ،‬لـذا يتالفـى «النـادي الثقافـي‬ ‫العربـي» األمر‪.‬‬ ‫في شـأن الوضع األمني الذي يضع البلد‬ ‫علـى ّ‬ ‫«كف عفريت» وينعكس أحيان ًا على‬ ‫الحضـور‪ ،‬وخصوصـ ًا جمهـور النـدوات‬ ‫(ولـو أن بعضهـا يجافـي الجاذبيـة)‬ ‫المسـائية‪ ،‬يؤمن رئيـس «النادي الثقافي‬ ‫ّ‬ ‫كل التلميحـات عـن الوضـع‬ ‫العربـي» أن ّ‬ ‫المسـتقر «لـن يردعنـا عـن‬ ‫األمنـي غيـر‬ ‫ّ‬ ‫تنظيـم «معـرض الكتـاب»‪ ،‬علمـ ًا بـأن مـا‬ ‫مررنا به من قبل يتجاوز ما نسمعه أخيرًا‬ ‫شكل خطرًا على‬ ‫من تهويل‪ .‬المعرض ال ُي ّ‬ ‫أحـد‪ ،‬ولـن يحول أمـر دون انعقاد دورته‬ ‫الحاليـة فـي موعدها»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الدورة السّتون‪..‬‬ ‫من يبحث في الدورة السّتين من المعرض‬ ‫عـن الجديـد لناحيـة التنظيـم لـن يوفّـق‬ ‫فـي مسـعاه‪ ،‬ولـو أن مـن بين النشـاطات‬ ‫المتوقّعـة أن تلقـى االهتمـام‪ ،‬إلـى بعـض‬ ‫التواقيـع‪ ،‬التحيتـان الموجهتـان إلـى‬ ‫الراحليـن كلوفيـس مقصـود (‪- 1926‬‬ ‫‪ )2016‬والدكتور محمد المجذوب (‪- 1932‬‬ ‫الفلسطينية سيدر‬ ‫‪ ،)2016‬وحفل الفنّانة‬ ‫ّ‬ ‫َّت لسميح القاسم‪ ،‬وندوة‬ ‫زيتون التي َغن ْ‬ ‫بعنـوان «التواصـل بالعربيـة» حفرت مع‬ ‫المعلّميـن والتالمذة في أسـباب البعد عن‬ ‫شبابية‬ ‫وكتابة‪ ،‬وقراءات‬ ‫«الضاد» شفوي ًا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مسرحية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫نعايـن صفحـة «النادي الثقافـي العربي»‬ ‫علـى «فيسـبوك» فنفاجـأ أن حتـى كتابـة‬ ‫يهتـم سـوى ‪ 234‬فـردًا‬ ‫هـذه السـطور ال ّ‬ ‫بهـا‪ ،‬بـدون القفـز عـن حقيقـة أن الكتـاب‬ ‫كماليـ ًا في حياة النـاس! آملين أن‬ ‫أمسـى ّ‬ ‫يتمدد الحضور الرقمي المواكب لـ«معرض‬ ‫َّ‬ ‫جوالنـا‬ ‫رنيـن‬ ‫«يزعجنـا»‬ ‫وأن‬ ‫الكتـاب»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتذكرنـا يومـ ًا‬ ‫تـروج للمعـرض ّ‬ ‫برسـائل ِّ‬ ‫بأهـم التواقيـع والنشـاطات‪ ،‬نحـن‬ ‫بيـوم ّ‬ ‫«إلزاميـاً»‬ ‫يـزال‬ ‫ال‬ ‫المـرور‬ ‫أن‬ ‫مسـرورون‬ ‫ّ‬ ‫كل دورة من دورات شـيخ المعارض‬ ‫في ّ‬ ‫العربيـة‪« ،‬معـرض بيـروت» الذي ال يزال‬ ‫ّ‬ ‫حيا ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪29‬‬


‫السلطان قابوس لل ّثقافة والفنون واآلداب‬ ‫جائزة ُّ‬

‫وسام ثقافي للمبدعين العرب‬ ‫ـن فـي السـادس عشـر‬ ‫(الدوحـة)‪ُ :‬أ ْعِل َ‬ ‫مـن نوفمبر‪/‬تشـرين الثانـي الماضـي‪،‬‬ ‫عـن نتائـج الـدورة الخامسـة لجائـزة‬ ‫السـلطان قابـوس للثّقافـة والفنـون‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫مؤتمـر صحافي‬ ‫واآلداب‪ ،‬وذلـك خالل‬ ‫السـلطان قابـوس العالـي‬ ‫عقـده مركـز ُّ‬ ‫للثّقافـة والعلـوم‪ ،‬بالقاعـة الكبـرى‬ ‫بمبنـى المركـز بحضـور سـعادة حبيـب‬ ‫بـن محمـد الريامـي أميـن عـام المركـز‬ ‫ونخبـة مـن اإلعالمييـن والمدعويـن من‬ ‫العالـم العربـي‪.‬‬ ‫وككل دورة‪ ،‬ومـن أجـل إشـعاع‬ ‫ّ‬ ‫واسـع للجائـزة‪ ،‬أعلـن المركـز فتـح‬ ‫بـاب الترشـيحات منـذ فبراير‪/‬شـباط‬ ‫الماضـي عبـر مختلف وسـائل اإلعالم‪،‬‬ ‫التعريفيـة‬ ‫باإلضافـة إلـى الحملـة‬ ‫ّ‬ ‫‪30‬‬

‫بالجائـزة‪ ،‬والتـي نفّذهـا المركـز مـن‬ ‫المؤسسـات‬ ‫خلال زياراتـه لعـدد مـن‬ ‫َّ‬ ‫ّقافيـة؛ وذلك لضمان وصول فكرتها‬ ‫الث ّ‬ ‫ودعـوة لتعميـم المشـاركة‬ ‫للمهتميـن‬ ‫ً‬ ‫للمشـتغلين والمبدعين العمانيين ضمن‬ ‫مجـاالت الجائـزة الثالثـة‪.‬‬ ‫بخصـوص هـذه الـدورة كانـت لجـان‬ ‫لـكل مجـاالت الجائـزة‬ ‫التحكيـم‬ ‫األوليـة ّ‬ ‫ّ‬ ‫قد أشارت إلى «أن الجائزة ستستطيع‬ ‫تقديـم أعمـال وأسـماء ثالثـة مشـرفة‬ ‫لعمـان وللعمانييـن مـن واقـع األعمـال‬ ‫المترشـحة لهـا‪ ،‬خاصـة إذا‬ ‫واألسـماء‬ ‫ِّ‬ ‫الترشح‬ ‫أخذنا باالعتبار أن أحد شروط‬ ‫ُّ‬ ‫للجائـزة فـي الـدورة العمانيـة هـو عدم‬ ‫المقدم‬ ‫مضي ثالث سـنوات على العمل‬ ‫َّ‬ ‫ممـا يحصـر عدد األعمال التي تسـتطيع‬

‫التقـدم للمشـاركة»‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫وأسـفرت نتائـج الجائـزة هـذا العـام‬ ‫فـي دورتهـا الخاصـة بالعمانييـن فـي‬ ‫ثالثـة مجاالت‪ ،‬وهـي الترجمة عن فرع‬ ‫الثّقافـة‪ ،‬والفنـون الشـعبية العمانيـة‬ ‫عـن فـرع الفنـون‪ ،‬والروايـة عـن فـرع‬ ‫اآلداب‪ ،‬عـن فـوز‪ :‬حمـد بـن سـنان‬ ‫بـن حمـد الغيثـي فـي مجـال الترجمـة‪،‬‬ ‫عـن العمـل‪« :‬أشـكال النهائيـة غايـة‬ ‫فـي الجمـال»‪ ،‬وفـي مجـال الفنـون‬ ‫الشـعبية العمانيـة فـازت‪ :‬فرقـة بشـائر‬ ‫الخيـر للفنـون الشـعبية‪ ،‬عـن عملهـا‪:‬‬ ‫«الرزحـة والعـازي»‪ ،‬أمـا فـي مجـال‬ ‫ـت بالجائـزة‪ :‬جوخـة‬ ‫فت ِو َج ْ‬ ‫الروايـة ُ‬ ‫الحارثيـة‪ ،‬عـن‬ ‫خليفـة‬ ‫بـن‬ ‫بنـت محمـد‬ ‫ّ‬ ‫روايتهـا «نارنجـة»‪ .‬وستسـلَّم الجوائـز‬


‫فـي ٍ‬ ‫حفـل خاص نهاية ديسـمبر‪/‬كانون‬ ‫األول الجاري‪ ،‬حيث سيتم فيه تدشين‬ ‫مجـاالت الـدورة السادسـة التقديريـة‬ ‫والمخصصـة للمبدعيـن والباحثيـن‬ ‫ّ‬ ‫السلطان قابوس‬ ‫مركز‬ ‫د‬ ‫تعه‬ ‫كما‬ ‫العرب‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫َّلا بمكتـب‬ ‫العالـي للثّقافـة والعلـوم ممث ً‬ ‫الجائـزة بعقـد ِعـّدة مشـاريع تعريفيـة‬ ‫بالفائزيـن ومجاالتهـم‪ ،‬مسـتفيدين مـن‬ ‫خبـرات الفائزيـن فـي تلـك المجـاالت‬ ‫ومتطلِّعيـن إلـى إثراء المحتوى العربي‬ ‫بأعمـال وأسـماء عمانية ليتسـنَّى بذلك‬ ‫تحقيـق أهـداف الجائـزة‪.‬‬ ‫السـلطان قابـوس للثّقافـة‬ ‫وجائـزة ُّ‬ ‫والفنون واآلداب‪ ،‬هي جائزة سنوية‪،‬‬ ‫كل سنتين؛‬ ‫يتم منحها بالتناوب دوري ًا ّ‬ ‫بحيث تكون تقديرية في عام؛ يتنافس‬

‫العمانيـون إلـى جانـب إخوانهـم‬ ‫فيهـا ُ‬ ‫للعمانييـن‬ ‫العـرب‪ ،‬وفـي‬ ‫ٍ‬ ‫عـام آخـر ُ‬ ‫السلطان قابوس‬ ‫جائزة‬ ‫فقط‪ .‬وتشمل‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫التقديريـة للثّقافـة والفنـون واآلداب؛‬ ‫السـلطان‬ ‫ويمنـح الفائـز بهـا‪ :‬وسـام ُّ‬ ‫قابـوس للثّقافـة والعلـوم والفنـون‬ ‫واآلداب‪ ،‬باإلضافـة إلـى مبلـغ مالـي‬ ‫وقـدره مئـة ألف ريـال عماني‪ .‬وجائزة‬ ‫السـلطان قابـوس للثّقافـة والفنـون‬ ‫ُّ‬ ‫واآلداب؛ ويمنـح الفائـز بهـا‪ :‬وسـام‬ ‫االسـتحقاق للثّقافـة والعلـوم والفنـون‬ ‫واآلداب‪ ،‬باإلضافـة إلـى‪ :‬مبلـغ مالـي‬ ‫وقـدره خمسـون ألـف ريـال عمانـي‪.‬‬ ‫تم إطالق الجائزة عام ‪2011‬‬ ‫هذا‪ ،‬وقد ّ‬ ‫السـلطان قابـوس‬ ‫مـن‬ ‫واهتمـام‬ ‫بدعـم‬ ‫ُّ‬ ‫باإلنجـاز الفكـري والمعرفـي للتأكيـد‬

‫علـى الـدور التاريخـي لسـلطنة ُعمـان‬ ‫فـي ترسـيخ الوعـي الثقافـي ماضيـ ًا‬ ‫وحاضـر ًا ومسـتقبالً‪ ،‬ورفـد الحضـارة‬ ‫اإلنسـانية بالمنجزات المادية والفكرية‬ ‫والمعرفيـة‪ .‬كمـا جـاءت الجائـزة لدعـم‬ ‫والفنّانين واألدباء العمانيين‬ ‫المثقَّفيـن َ‬ ‫والعـرب‪ ،‬بغـرض غـرس قيـم األصالـة‬ ‫والتجديـد لـدى األجيـال الصاعـدة؛ مـن‬ ‫خلال توفيـر بيئـة خصبـة قائمـة علـى‬ ‫التنافس المعرفي والفكري واإلبداعي‪،‬‬ ‫بمـا يضمـن تكريمـ ًا مسـتحق ًا للمثقَّفيـن‬ ‫والفنّانيـن واألدبـاء علـى إسـهاماتهم‬ ‫َ‬ ‫الحضاريـة فـي تجديـد الفكـر واالرتقـاء‬ ‫بالوجـدان اإلنسـاني‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫ميديا‬

‫متاحف بال حدود‬

‫عبـداهلل بن محمد‬ ‫بعـد منعهـا داخل قاعات العرض لسـنوات‬ ‫عديـدة‪ ،‬اّتجهـت معظـم المتاحـف الكبـرى‬ ‫فـي العالـم إلـى تشـجيع الـزوار علـى‬ ‫اسـتخدام هواتفهـم المدعومـة بتقنيـات‬ ‫المعزز‪ ،‬والواقع‬ ‫جديدة على ِغرار الواقع‬ ‫ّ‬ ‫االفتراضـي‪ ،‬والجـوالت الصوتيـة حسـب‬ ‫الطلب‪ ،‬وذلك بهدف تعزيز تجربة الزائر‪،‬‬ ‫ولكـن دون المسـاس بقيمـة العمـل الفني‪.‬‬ ‫واعتمـدت عديـد المتاحـف العالمية تجربة‬ ‫الفـن مـن خلال‬ ‫التكنولوجيـا فـي خدمـة ّ‬ ‫مبـادرات عديـدة علـى ِغـرار فكـرة المنصة‬ ‫ّيـة‬ ‫العالميـة عبـر رقمنـة مجموعاتهـا َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ّيـة‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫بواسـطة تقنيـات كاميـرا غوغـل َ ّ‬ ‫فائقـة الجـودة‪ ،‬وإنشـاء منصـة غوغـل‬ ‫للفنـون والثّقافـة علـى شـبكة اإلنترنـت‬ ‫أو كتطبيـق علـى الهواتـف الذكيـة‪ ،‬وهـو‬ ‫مـا مكنهـا مـن تحميـل المحتـوى لتسـهيل‬ ‫مشـاركته علـى نطـاق واسـع ببـادرة مـن‬ ‫المؤسسـة غيـر‬ ‫المعهـد الثقافـي لغوغـل‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ومقرهـا فـي باريـس‪.‬‬ ‫الربحيـة‪ّ ،‬‬ ‫وفـي الواليـات المتحـدة تجـاوز متحـف‬ ‫بالتيمـور للفنـون فكـرة تحميـل التطبيـق‬ ‫الذي قد يكون حاجزًا أمام الزوار‪ ،‬بتطوير‬ ‫تطبيـق «غـو موبايـل»‪ ،‬الذي يمكـن الزائر‬ ‫من استخدامه داخل أروقة العرض لوسم‬ ‫ّية‬ ‫شـعار «غـو موبايـل» على القطعـة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫التـي يختارهـا ووصلهـا بصاحـب العمـل‬ ‫ومـكان عرضهـا وتنزيلها في خانة البحث‬ ‫‪32‬‬

‫فـي الموقـع علـى هواتفهـم الذكيـة حتـى‬ ‫يتسـنى لهـم االسـتماع إلـى المقابلات أو‬ ‫الخاصة بها‪ .‬في مجال آخر من‬ ‫التعليقات‬ ‫ّ‬ ‫طور المتحف خدمة‬ ‫التكنولوجي‪،‬‬ ‫االبتكار‬ ‫َّ‬ ‫المشـاهد الصوتيـة (‪)soundscapes‬‬ ‫ّيـة المعروضـة‪،‬‬ ‫المرافقـة للقطـع َ‬ ‫الفنّ‬ ‫والتـي تسـاعد الـزوار علـى استكشـاف‬ ‫والهوية‪ .‬داخل‬ ‫مفاهيم الوطن‪ ،‬والمكان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المتحف وعند االقتراب من سجادة أفغانية‬ ‫طرزة‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬يسمع الزائر‬ ‫ُم َّ‬ ‫األغاني التقليدية للنساء األفغانيات وهن‬ ‫بصـدد صنع السـجاد‪.‬‬ ‫وأدخـل المتحـف البريطانـي تقنيـات‬ ‫الواقـع المعـزز والواقـع االفتراضـي‬ ‫والترميـز وغيرها بمناسـبة افتتاح «مركز‬ ‫ديسـكفري سامسـونج الرقمـي» تشـجيع ًا‬ ‫لألطفـال واألسـر مـن خلال أنشـطة مثـل‬ ‫ورشـة عمـل الترميـز الرقمـي باسـتخدام‬ ‫الهاتـف المحمـول لفـك الرمـوز الثّقافيـة‪،‬‬ ‫مـن الكتابـة الهيروغليفيـة القديمـة إلـى‬ ‫الرمـوز التعبيريـة فـي العصـر الحديـث‪.‬‬ ‫وفي اآلونة األخيرة‪ ،‬أعاد المتحف تطوير‬ ‫دليل الصوت كتطبيق على الهاتف لمعرفة‬ ‫ردود أفعال الزوار‪ ،‬ويقّدم اآلن في إحدى‬ ‫عشـرة لغـة‪ ،‬بمـا فـي ذلـك لغـة اإلشـارة‪،‬‬ ‫يسـمح للـزوار بالدخـول في جوالت ذاتية‬ ‫التوجيـه وسـماع تعليقـات مـن القيميـن‬ ‫والخبـراء حـول البحـوث التـي ُأجريـت‬ ‫ّية‪ .‬باإلضافة إلى‬ ‫مؤخـرًا على القطـع َ‬ ‫الفنّ‬ ‫خريطـة تفاعليـة لتتبـع مسـارات ومواقع‬

‫رواد المتاحـف لمسـاعدة التائهيـن منهـم‬ ‫علـى إيجـاد طريـق الخـروج مـن صـاالت‬ ‫لخـص كريـس مايكلـز‪،‬‬ ‫العـرض‪ .‬وقـد ّ‬ ‫رئيس المبادرات الرقمية والنشر بالمتحف‬ ‫المبـادرة بأنهـا ثقافـة «فهـم احتياجـات‬ ‫الجمهـور»‪.‬‬ ‫وبهـدف خلـق تفاعـل فـوري مـع‬ ‫طـورت شـركة‬ ‫ّيـة‪،‬‬ ‫المعروضـات َ‬ ‫َّ‬ ‫الفنّ‬ ‫ومقرهـا لنـدن‪ ،‬منصـة رقميـة‬ ‫‪Smartify‬‬ ‫َّ‬ ‫ّية‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫األعمال‬ ‫مع‬ ‫الفوري‬ ‫بالتفاعل‬ ‫تسمح‬ ‫ّ‬ ‫بالمتحـف‪ ،‬وبمجـرد مسـح العمـل يحصـل‬ ‫الزائـر على معلومـات بخصوص تاريخها‬ ‫وصاحبهـا وعمليـة إنتاجهـا والمعلومـات‬ ‫فاقية‬ ‫المهمـة األخـرى‪ .‬وأبرمـت الشـركة اّت ّ‬ ‫مـع المعـرض السـنوي «نحـت فـي مدينـة‬ ‫ّيـة المعاصـرة‬ ‫عـام ‪ ،»2016‬لألعمـال الفنّ‬ ‫الـذي يقـام فـي لنـدن‪ ،‬وأخـرى مـع متحف‬ ‫الغونـا بالواليـات المتحـدة ‪.‬‬ ‫وبعـد أن أصبحـت وسـائط االنسـتجرام‬ ‫والتويتـر والسـناب شـات الطريقـة‬ ‫األساسـية للتفاعل والتواصل االجتماعي‬ ‫اليوم‪ ،‬اضطرت معظم المتاحف إلى تركيز‬ ‫جهودهـا فـي اسـتقطاب جمهـور أصغـر‬ ‫تنوعـ ًا باالعتمـاد علـى هـذه‬ ‫سـن ًا وأكثـر ُّ‬ ‫الوسائط باألساس لبناء أسس للتواصل‬ ‫والمشاركة والتعليم‪ .‬وفي الربيع الماضي‬ ‫أثـار متحـف مقاطعـة لـوس أنجلـوس‬ ‫للفنـون ضجـة إعالميـة واسـتهجان ًا بعـد‬ ‫استخدامه خدمة السناب شات للمزج بين‬ ‫ّية التي تعود‬ ‫موسيقى البوب والقطع َ‬ ‫الفنّ‬


‫لمئـات السـنين‪ .‬ومـن خلال هـذا التطبيق‬ ‫الموجـه إلـى جيـل األلفيـة‬ ‫التعبيـري‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والمراهقيـن‪ ،‬تهدف اسـتراتيجية المتحف‬ ‫الجديـدة إلـى اسـتقطاب الجمهور األصغر‬ ‫سـن ًا إلطالعهـم علـى مـا يتضمنـه متحـف‬ ‫مقاطعة لوس انجلوس من فنون وكنوز‪.‬‬ ‫وقد فاز حساب المتحف على سناب شات‬ ‫بجائـزة ويبـي ‪ ، Webby Award‬أو‬ ‫وسـام اإلنترنـت‪ ،‬مـن األكاديميـة الدوليـة‬ ‫للفنـون والعلـوم الرقميـة‪.‬‬ ‫وعلـى ِغـرار متحف لوس انجلوس‪ ،‬تركز‬ ‫اسـتراتيجية مديـري وسـائل التواصـل‬ ‫ّيـة فـي‬ ‫االجتماعـي‬ ‫بالمؤسسـات َ‬ ‫الفنّ‬ ‫َّ‬ ‫جميـع أنحـاء العالـم علـى التواصـل مـع‬ ‫المتابعين عبر المشـاركات في الفيسـبوك‬ ‫واالنسـتجرام والسـناب شـات وتويتـر‪،‬‬ ‫وتقديـم المحتـوى التعليمـي الجيـد للفـت‬ ‫انتباه جمهور جديد عبر فيديوهات قصيرة‬ ���لجوالت تعرض تفاصيل المتحف بواسطة‬ ‫كاميـرا الفيسـبوك مباشـر‪ ،‬أو عبـر أخبار‬ ‫انسـتجرام الحينيـة‪ ،‬أو دردشـات تويتـر‬ ‫وغيرهـا‪ .‬وقـد نجـح المتحـف فـي كسـب‬ ‫اهتمـام الفئـات الشـابة‪ ،‬ليكـون بذلك أول‬ ‫متحف عالمي ينظم لخدمة السـناب شـات‬ ‫فـي عـام ‪ ،2014‬وفـي حسـابه أكثـر مـن‬ ‫‪ 220‬ألـف متابـع ومـا يقـرب مـن ‪ 85‬ألـف‬ ‫مصـورة‪ .‬وتواصـل‬ ‫مشـاهدة لـكل لقطـة‬ ‫َّ‬ ‫قنـاة سـناب شـات اسـتقطاب الشـباب‬ ‫الذيـن تتـراوح أعمارهـم بيـن ‪ 18‬و‪،24‬‬ ‫ويقدر عددهم بحوالي ‪ 46.8‬في المئة من‬ ‫مجموع المستخدمين في ديسمبر الماضي‪.‬‬ ‫وفـي الوقـت الحالـي يقوم المتحـف‪ ،‬الذي‬ ‫يحتـوي علـى أكثـر مـن ‪ 130‬ألـف قطعـة‬ ‫أثريـة يرجـع تاريخهـا إلـى العصـور‬ ‫القديمـة‪ ،‬بتصويرهـا وتضمينهـا بتعليـق‬ ‫ومعبـر لنشـرها على قناة السـناب‬ ‫موجـز‬ ‫ِّ‬ ‫شـات والقنـوات األخـرى‪ .‬فـي العـام‬ ‫سـجل الموقع حضـور ‪ 500‬ألف‬ ‫الماضـي ّ‬ ‫متابع (اليوم ما يقرب من مليوني مشترك‬ ‫الخاصة به)‪ ،‬وأكثر‬ ‫عبـر جميـع المنصات‬ ‫ّ‬ ‫وتسـجل صفحـة‬ ‫مـن ‪ 89‬مليـون مشـاهد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المتحـف علـى الفيسـبوك أكثر مـن مليون‬ ‫مستخدم أسبوعياً‪ ،‬ومشاركات افتراضية‬ ‫تعـدت حاجـز ثالثـة مالييـن مشـاركة‪-‬‬ ‫َّ‬ ‫متجـاوزة بذلـك بكثير مجموع ‪ 1.4‬مليون‬ ‫زائر للمتحف سنوياً‪ .‬وفي متاحف أخرى‪،‬‬ ‫شـكل تنامـي جمهـور وسـائل التواصـل‬ ‫ّ‬

‫االجتماعـي ظاهـرة الفتـة لالنتبـاه أيضاً‪.‬‬ ‫منـذ عـام ‪ ،2011‬سـجلت أعـداد زوار‬ ‫الفـن فـي شـيكاغو زيـادة منقطعـة‬ ‫معهـد ّ‬ ‫النظيـر‪ ،‬وقفـزت أعـداد متابعـي صفحتـه‬ ‫علـى الفيسـبوك إلـى حوالـي ‪ 447‬ألـف‪.‬‬ ‫تطور العدد من ‪ 25‬ألف ًا إلى‬ ‫وعلى تويتر‪َّ ،‬‬ ‫‪ 159‬ألفـاً‪ ،‬علاوة علـى أكثر من ‪ 100‬ألف‬ ‫متابـع علـى انسـتجرام‪ .‬هذا الزخـم الكبير‬

‫مـرة أخـرى أن منحـى‬ ‫فـي التفاعـل ّ‬ ‫يؤكـد ّ‬ ‫التعلُّـم لوسـائل التواصـل االجتماعيـة‬ ‫تغيـر مسـتمر‪ -‬فلا يوجد كتـاب قواعد‬ ‫فـي ُّ‬ ‫لوسـائل التواصل االجتماعية‪ -‬وهذا جيد‬ ‫للتطـور‪ ،‬وانعكـس إيجابي ًا على المتاحف‬ ‫ُّ‬ ‫متفردة‬ ‫طويلـة‬ ‫فتـرة‬ ‫منذ‬ ‫د‬ ‫عـ‬ ‫ت‬ ‫كانـت‬ ‫التـي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫صارمـة فـي أسـلوبها َحـّد‬ ‫فـي قوانينهـا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الملل‪.‬‬ ‫‪33‬‬


‫رأي‬

‫ـميش‬ ‫بنسالم ِح ِّ‬

‫عن الهويّة ُمج َّدد ًا‬

‫إنهــا مســألة محوريــة‪ ،‬مفصليــة‪ ،‬تتقاطــع مــع مســائل أخــرى‬ ‫متعالقــة‪ ،‬وتســتحق أن نخصهــا بكثيــر مــن التقصيــات واألبحــاث‪،‬‬ ‫نتحــدث عنهــا علــى نحــو ُمغايــر لمــن ليــس فــي‬ ‫لكــن شــريطة أن‬ ‫َّ‬ ‫«الهويــة المتع ـّددة» الــذي ال غايــة لــه‬ ‫أفواههــم وكتاباتهــم ّإل شــعار‬ ‫ّ‬ ‫المؤسســة الرتقيــة‪ ،‬وإفراغهــا مــن‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الهوي‬ ‫ســوى إضعــاف وتشــويه ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل قــوة حيويــة‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ث‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫وم‬ ‫ـدة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الموح‬ ‫كل النوابــض والرافعــات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫مؤثــرة‪ .‬ويلــزم أيض ـ ًا تخليــص دائــرة االهتمــام بهــا مــن الخطابــات‬ ‫الهويتيــة المتقادمــة‪ ،‬المكـ ِ‬ ‫ـرورة المضجرة‪ ،‬وهي من الشــيوع‪ ،‬بحيث‬ ‫ُنعفــى هنــا مــن الوقــوف عندهــا وعرضهــا‪.‬‬

‫حول المسألة المذكورة‪ ،‬هي ذي اآلن بعض‬ ‫العناصر والتدقيقات‪:‬‬ ‫ا وقائمـ ًا أبــد‬ ‫متجمــدًا محصـ ً‬ ‫الهويــة بـ ّ‬ ‫إن ّ‬ ‫ـكل مكوناتهــا ليســت جوهــرًا ّ‬ ‫ـيرورة‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ر‪،‬‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫متط‬ ‫ـان‬ ‫ـ‬ ‫كي‬ ‫‪،‬‬ ‫ـتمر‬ ‫ـ‬ ‫مس‬ ‫ـح‬ ‫ـ‬ ‫فت‬ ‫ـك‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ذل‬ ‫ـس‬ ‫ـ‬ ‫عك‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫إنه‬ ‫الدهــر؛‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫شــرعنة باالســتحقاقات المكتســبة والمضافــة‪ ،‬لكــن انطالقــ ًا مــن‬ ‫قاعدتها الصلبــة الدينامية‬ ‫ل‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫يش‬ ‫ارتكاز‪،‬‬ ‫ـط‬ ‫ـ‬ ‫ونق‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫مرجعي‬ ‫ـة‬ ‫مجموعـ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ـاض متقاســم وتاريــخ ذاكرتــي للعيــش المشــترك‪ ،‬كمــا هــو وضــع‬ ‫مـ ٍ‬ ‫الغالبيــة العظمــى للبلــدان المتقّدمة‪ ،‬التي تبدو أساســياتها وقوانينها‬ ‫مــن القــوة والمتانــة‪ ،‬بحيــث ال يمكــن أن تدحضها بعض االســتثتاءات‬ ‫المهـ َّـددة اليــوم‬ ‫الشــاذة (والشــاذ علميـ ًا ال يقــاس عليــه)‪ ،‬مثــل بلجيــكا ُ‬ ‫باالنقسام بين الفالمن والوالون‪ ،‬وسويسرا ذات الكانتونات الثانية‬ ‫والعشــرين منــذ مؤتمــر فيينــا فــي ‪ ،1815‬والمعتمــدة ألربــع لغــات‬ ‫إن همــا‪ ،‬كما نعلم‪،‬‬ ‫كدولــة فيدراليــة بــدءًا مــن ‪ .1848‬وكلتــا الحالتيــن ْ‬ ‫ّإل مــن تبعــات الحــروب النابولونيــة‪.‬‬ ‫الممتحنــة‬ ‫هويتنــا مثـاً‪،‬‬ ‫الهويــة‪ّ ،‬‬ ‫ـاء علــى تلــك المعطيــات‪ ،‬فــإن ّ‬ ‫بنـ ً‬ ‫َ‬ ‫والمنهكــة مــن طرف العنف االســتعماري باألمس وعــودة الهيجمونيا‬ ‫الهويــة تتق ـّدم اليــوم (بفعــل‬ ‫الســافرة أو المقنعــة لهــذا العهــد‪ ،‬هــذه ّ‬ ‫عمــل لوبيــات الداخــل والخــارج) فــي صــف مفــكك مفــروث‪ ،‬ومــن‬ ‫‪34‬‬

‫َثـّـم فــي حالــة مــن الهشاشــة واإلنهــاك‪ .‬وكلهــا عناصــر ســالبة‬ ‫التمزقــات االجتماعيــة والقبليــة‪ ،‬ومــن‬ ‫تعرضهــا لمخاطــر‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫الهويتيــة المتناميــة‪ .‬وفــي‬ ‫ـواءات‬ ‫ـ‬ ‫االنط‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫مظاهرهــا الملموس‬ ‫ّ‬ ‫الهويات‬ ‫هــذا المنحــى يمكننــا القــول إن أمين معلوف فــي كتابة ّ‬ ‫القاتلــة قــد أهمــل إبانــة‪ ،‬كمــا يجــب‪ ،‬الوجــه اآلخــر للمســألة‪،‬‬ ‫الهويــات القتيلــة أو الجريحــة‪ ،‬فلــم يأخــذ بالمنهــج‬ ‫أي وجــه ّ‬ ‫كل أعمالــه‪ ،‬وهــو‬ ‫الــذي نــادى بــه إدوارد ســعيد وطبقــه فــي ّ‬ ‫القــراءة التقابليــة (‪ ،)contrapuntal reading‬العاملة على‬ ‫التناظــر المرآتــي بيــن المفاهيــم واألشــياء المتعارضــة‪ ،‬منهــا‬ ‫ا المعقــول والالمقــول‪ ،‬االســتعمار واإلمبرياليــة مــن وجــه‬ ‫مثـ ً‬ ‫وحــركات التحـ ُّـرر واالنعتــاق مــن وجـٍـه آخــر‪.‬‬ ‫هويــة شــعب بتبخيــس ثقافتــه‪ ،‬ومــن َثـّـم لغتــه‬ ‫عندمــا نطمــس ّ‬ ‫وآدابــه وفنونــه وإنتاجاتــه؛ عندما ال نخــص مبدعيه ومفكريه‬ ‫بــأي اعتبــار‪ ،‬حتــى األحيــاء منهــم‪ ،‬حالئــذ فــإن دعــوة هــذه‬ ‫المستنقصِة المهانة إلى دوائر الحوارات بين‪ -‬ثقافية‪،‬‬ ‫الهوية‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فإنمــا ذلــك مــن أجــل إناطتهــا بــدور ثانــوي وذيلــي‪.‬‬ ‫ـيطر عليها تبدو‬ ‫الهويــات الغالبــة المهيِمنة‬ ‫والهويات المسـ َ‬ ‫ّ‬ ‫بيــن ّ‬ ‫عالقــات القــوى مدخلي ـ ًا مختلــة وغيــر متكافئــة‪ .‬كمثــال علــى‬ ‫ذلــك‪ :‬يمكــن لمثقــف غربــي شــهير إعالمي ـ ًا أن ينتــزع ســلطة‬ ‫ـكل ثقــة وأمان‪،‬‬ ‫الحديــث والكتابــة فــي اإلســام كديــن وثقافــة بـ ّ‬ ‫ولــو لــم يكــن لــه فــي الموضــوع ّإل نتـ ٌ‬ ‫ـف وفتــات؛ أمــا واجــب‬ ‫معرفــة النصــوص وإحســان لغــة واحدة علــى ا َألقـّـل (العربية‪،‬‬ ‫الفارســية‪ ،‬التركيــة)‪ ،‬فــا اهتمــام لــه بذلــك وال عنايــة‪ ،‬بحيــث‬ ‫ال يصمد أمام اختبار للمعارف والمعلومات ولو كان متوســط‬ ‫المســتوى‪ .‬وهكــذا بالمثــال اقتــرف ميشــل أونفــري مؤخــرًا‬ ‫كتابـ ًا ســماه «التفكيــر فــي اإلســام»‪ ،‬حيــث تكثــر المغالطــات‬ ‫يثبــت فيــه صاحبــه‬ ‫والتلفيقــات واالختــزاالت الســافرة؛ كتابـ ًا ِّ‬ ‫القــرآن علــى جداريــة «جوهرانيــة» ‪ essentialisme‬صريحة‬ ‫ـل لهــا مــن التصريــف واإلعــراب‪.‬‬ ‫معلنــة‪ ،‬ال محـ َّ‬


‫فشل الهوية ال ّلغوية المزدوجة‬ ‫إن غالبيــة المثقَّفيــن‪ ،‬حســب مــا نالحــظ‪ ،‬فقــدوا رهــان االضطــاع‬ ‫تمكــن فــي تجنيــب بالدهــم هذا‬ ‫بازدواجيــة لغويــة صحيحــة‪ ،‬أي ذات ُّ‬ ‫الصــدام اللســاني‪ ،‬الــذي نحــن شــاهدوه مكلوميــن عاجزيــن‪ .‬ومــن َثـّـم‬ ‫فــإن تلــك االزدواجيــة‪ ،‬بــدل أن تقوينــا وتصيرنــا أحســن وأكفــأ مــن‬ ‫واحديـ�ي اللّغـ�ة‪ ،‬فقـ�د آلـ�ت باألحـ�رى إلـ�ى مأسـ�اة تشـ�قق لسـ�اني( (�‪di‬‬ ‫لفرقــة ثقيلـٍـة ســميكة بيــن النفــوس‪،‬‬ ‫‪ )glossie‬معيب‪،‬ومــن َثـّـم ِّ‬ ‫مولـٍد ُ‬ ‫ولخالفــات عميقــة المنتجــة‪ ،‬تجــد لهــا غطــاء ذرائعي ـ ًا فــي شــعاري‬ ‫كل «ســينرجية» ثقافية محايثة‪،‬‬ ‫التنوع‬ ‫والتعدد‪ .‬ومن َث َّم ينشــأ فشــل ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ــم أيضــ ًا بــروز حقــل‬ ‫ث‬ ‫ومــن‬ ‫والتالشــي‪،‬‬ ‫بالوهــن‬ ‫مصابــة‬ ‫فنجدهــا‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ثقافــي زاخــر بالطفيــات والفاعليــن الســلبيين‪.‬‬ ‫إن من المحق التفكير في أن أسباب ذلك الرئيسية تثوي في تضاؤل‬ ‫موحدة (فيدرالية)‪ ،‬لغة تخاطب وتواصل‪،‬‬ ‫االعتماد على لغة جامعة ّ‬ ‫كمــا فــي تعريضنــا لتلقــي أســافين االزدراء الذاتــي واالســتالب‪ ،‬التــي‬ ‫ال تتوّفــق فــي حجبهــا المدائــح الذاتيــة والعالقــات البينيــة الحميميــة‪.‬‬ ‫وعليــه‪ ،‬فــإن تعريــف أنــدري مالــرو للثّقافــة بكونهــا «أقــرب طريــق‬ ‫بيــن إنســان وإنســان»‪ ،‬ال حجــة لنــا علــى أن هــذا التعريــف قــد ينطبق‬ ‫حقـ ًا علــى أوســاط بلداننــا أو يســري فيه‪.‬‬ ‫إن هنــاك مــن يــرى أن تبنــي ثقافتيــن بالتســاوي ليــس ســوى تعبيــر‬ ‫عــن عجــز فــي اختيــار الفــرد لمعســكره وقبلتــه‪ .‬وهكــذا تذهــب فئــات‬ ‫إلــى معانقــة ثقافــة ولغــة بــاد تبــدوان لهــم األكثــر قــوة ومردوديــة‪.‬‬ ‫وفــي المقابــل نجــد أقليــة مــن ذوي النفــوس الســيادية المتعطشــين‬ ‫للمعرفــة والشــغوفين (كتيرانــس ومونتايــن والجاحــظ وآخريــن)‬ ‫الهويــة وأيض ـ ًا بلقنتهــا؛ أمــا‬ ‫بـ ّ‬ ‫ـكل مــا هــو إنســاني ويقــاوم تخنــدق ّ‬ ‫الغالبيــة فمــن ضيقــي الصــدور والــرؤى‪ ،‬الذيــن ينتهــون إلــى التقوقع‬ ‫ٍ‬ ‫أي انغــراس لغــوي‬ ‫اتجــاه‬ ‫فــي‬ ‫أحــادي البعــد‪ ،‬إذ ُيعرضــون عــن ِّ‬ ‫ّ‬ ‫كل‬ ‫وأي مواطنــة ثقافيــة‪ .‬وهــؤالء ينقســمون إجمــا ًال إلــى فريقيــن‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫المصغــر المحــدود‪ ،‬ويقّدمــان مع ـ ًا مشــهد‬ ‫منهمــا ينخــرط فــي عالمــه‬ ‫ّ‬

‫هويــة مشــتركة ووطــن واحــد‪ :‬األول‬ ‫كونهمــا ال ينتميــان إلــى ّ‬ ‫فرنكوفوني‪ ،‬ال اهتمام له مطلق ًا بما ُيكتب بالعربية‪ ،‬يســتحلي‬ ‫ممثلوه جهلهم المبرم بها وبأســمائها وعناوينها‪ّ ،‬إل من بعض‬ ‫االســتثناءات النــادرة تترجــم بالفرنســية وتكــون منطبعــة‬ ‫باإلثــارة االجتماعيــة والسياســية والجنســية؛ أمــا الفريــق‬ ‫الثانــي‪ ،‬المســمى بفريــق «المعربيــن» الــذي‪ ،‬فــي مــا يشــبه ردة‬ ‫فعــل‪ ،‬يعــرض عــن الثّقافــة المكتوبــة بالفرنســية‪ ،‬بــل يقطــع‬ ‫الصلــة بهــا‪ ،‬أو يغــذي إزاءهــا مشــاعر غامضــة متقلبــة‪ .‬وهــذا‬ ‫الفريــق يتســم‪ ،‬هــو اآلخــر‪ ،‬بنقائــص واختــاالت‪ ،‬أضرهــا عنــد‬ ‫شــريحة واســعة ُمَبْد َونـ ٍـة اســتخدام الثّقافــة عــوض خدمتهــا‪،‬‬ ‫ـاد‪ ،‬ذاهبيــن أحيانـ ًا‬ ‫ُّ‬ ‫والتعلــق بريعهــم فيهــا‪ ،‬متصفيــن بعنــف حـ ّ‬ ‫حتــى إلــى التنكــر للمنافحيــن عــن قضيــة ثقافــة وطنيــة قويــة‬ ‫بمرجعيتهــا ومعالمهــا‪ ،‬وبوحدتهــا التنافســية الرافعــة‪.‬‬ ‫يتجلــى فــي عجزهمــا عن‬ ‫غيــر أن للفريقيــن معـ ًا قاســم ًا مشــترك ًا َّ‬ ‫التخلــص مــن عالقاتهمــا التبعيــة الفرنكــو‪ -‬مشــرقية‪ ،‬ولــو أنهــم‬ ‫ُّ‬ ‫متنوعة؛ عالقات كثيرًا ما تســتصغرهم‪،‬‬ ‫يتألمون منها بأشــكال ِّ‬ ‫تحيدهــم‪ ،‬كمــا لــو أن إنتاجاتهــم إن هــي ّإل هوامش وزوائد‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫مقلــق‬ ‫وأي منــاخ‬ ‫ٍ‬ ‫أي خســارات مهولــة! َّ‬ ‫وفــي آخــر المطــاف‪َّ ،‬‬ ‫متــآكل‪ ،‬حيــث تعيــث عالمــات مرضيــة وســلوكات رســوبية‬ ‫بينــة‪ .‬ويشــهد علــى هــذا الوضــع المثقفــون األصــاء الذيــن إذا‬ ‫مــا نشــروا أعمالهــم بلغــة (العربيــة مثالً) يقيســون مــدى إهمالها‬ ‫الفــادح مــن طــرف الغالبية مــن مواطنيهم الفرنكوفــون‪ ،‬مثقَّفين‬ ‫ـورع بأنهــم لــم‬ ‫وإعالمييــن‪ ،‬يعتــرف كثيــر منهــم بــا حـ ٍ‬ ‫ـرج وتـ ُّ‬ ‫يقــرأوا طــوال حياتهــم كتاب ـ ًا واحــدًا بالعربيــة؛ ومــن َثـّـم فــإن‬ ‫ثقافــة شاســعة‪ ،‬مرتكزهــا هــذه اللّغــة‪ ،‬تســقط عندهــم فــي ثقــب‬ ‫أســود ال قــاع لــه‪ .‬ألســنا هنــا أمــام وضــع مأســاوي مفجــع؟!‬ ‫‪35‬‬


36


‫قضية‬

‫مؤتمر المناخ ‪.. 22‬‬ ‫حتى ال نغرق!‬ ‫قبــل الوصــول إلــى محطــة مؤتمــر المنــاخ الثانــي والعشــرين بمراكــش‬ ‫(‪ )COP22‬المنعقــد خــال الشــهر الماضــي‪ ،‬كانــت األخبــار قــد تناقلــت «األزمــة»‬ ‫تمــت المصادقــة‬ ‫المحتملــة بيــن روســيا والواليــات المتحــدة فــي حالــة مــا إذا ّ‬ ‫يتعلــق‬ ‫علــى قــرارات وإجــراءات تضــع قيــودًا علــى الــدول الصناعيــة فــي مــا َّ‬ ‫باالنبعاثــات الغازيــة‪ ،‬المتهــم األول فــي قضيــة ارتفــاع حــرارة األرض‪.‬‬ ‫اإلعــان الروســي االســتباقي لمواجهــة هــذه اإلجــراءات هــو فــي الواقــع امتــداد‬ ‫طبيعــي للصــراع بيــن البلديــن فــي مناطــق مختلفــة مــن العالــم بــدءًا من الشــرق‬ ‫ـل األزمــة االقتصاديــة‪ ،‬أي اإلنتــاج‬ ‫األوســط إلــى أهــم مجــاالت التنافــس فــي ِظـّ‬ ‫الصناعــي واألســواق‪.‬‬ ‫التغيــرات المناخيــة‪ ،‬حيــث‬ ‫التحديــات التــي تطرحهــا‬ ‫هــذا إذن وجــه مــن أوجــه‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫ويتأجــج الصــراع بيــن قوتيــن اقتصاديتيــن‬ ‫تمتــزج السياســة باالقتصــاد‬ ‫َّ‬ ‫وعســكريتين وعضوتيــن دائمتيــن فــي مجلــس األمــن‪ ،‬وبينهمــا وبيــن أطــراف‬ ‫أخــرى بالتأكيــد كالصيــن‪ ،‬علــى ســبيل المثــال‪ .‬لكــن هنــاك وجهـ ًا آخــر قائمـ ًا‬ ‫علــى خلفيــات أيديولوجيــة َّ‬ ‫يتمثــل فــي المواجهــة القائمــة بيــن أنصــار العولمــة‬ ‫متعــددة الجنســية والعابــرة للقــارات‬ ‫مــن دول رأســمالية كبــرى وشــركاتها‬ ‫ِّ‬ ‫ومناهضيهــا مــن أحــزاب ومنظمــات يســارية شــيوعية أساسـاً‪ ،‬باإلضافــة إلــى‬ ‫أنصــار البيئــة‪ ،‬ســواء فــي أحــزاب الخضــر أم المنظمــات غيــر الحكوميــة‪.‬‬ ‫لهــذه االعتبــارات مــن المنتظــر أن يشــهد العالــم خــال الســنوات المقبلــة جــد ًال‬ ‫ـادًا بشــأن تنفيــذ اتفــاق باريــس بمناســبة القمــة الـــ ‪ 21‬للمنــاخ التــي انعقــدت‬ ‫حـ ّ‬ ‫فــي نهايــة الســنة الماضيــة بالعاصمــة الفرنســية‪ ،‬والتي شـ َّـكل مؤتمــر مراكش‬ ‫األخيــر محطــة لتحديــد التدابيــر واإلجــراءات الضروريــة لتفعيــل مــا ورد فــي‬ ‫االتفــاق المذكــور‪.‬‬ ‫َتّم إعداد القضية بالتنسيق مع‪ :‬جمال الموساوي‬

‫‪37‬‬


‫التغيُّرات المناخية‬ ‫بنكهة الصراع السياسي‬ ‫واالقتصادي‬ ‫جامل املوساوي‬

‫التغيرات‬ ‫تبنِّي األمم المتحدة لقضية‬ ‫ُّ‬ ‫المناخيـة‪ ،‬واعتبارهـا إشـكالية عالميـة‬ ‫التصـدي لهـا‬ ‫ينبغـي العمـل علـى‬ ‫ِّ‬ ‫تفرق آراء العلماء‬ ‫ومعالجتها‪ ،‬لم يمنع ُّ‬ ‫وتباينها بشأن حقيقة الخطر الذي تمثله‬ ‫وثانيـا بشـأن مسـؤولية اإلنسـان‬ ‫أوالً‪،‬‬ ‫ً‬ ‫عـن تفاقمها‪.‬‬ ‫يتأمـل الباحـث مجمـوع‬ ‫وعندمـا‬ ‫َّ‬ ‫كل طـرف‪ ،‬والتـي‬ ‫الحجـج التـي يقّدمهـا ّ‬ ‫تبـدو علـى جانـب مـن الوجاهـة ال يمكن‬ ‫الطعـن فيـه‪ ،‬ينتهـي إلـى قناعـة بـأن‬ ‫تغيـرات تحـدث بالفعـل‪ ،‬سـواء‬ ‫هنـاك ُّ‬ ‫أكان اإلنسـان مسـؤو ًال عنهـا بقـدر مـا أم‬ ‫كان ذلـك صيـرورة طبيعيـة باالسـتناد‬ ‫‪38‬‬

‫التحـوالت التـي وقعـت فـي عصور‬ ‫إلـى‬ ‫ُّ‬ ‫سـابقة‪ .‬أكثـر مـن ذلـك‪ ،‬هنـاك خطـر‬ ‫جـراء‬ ‫محتمـل محـدق بالبشـرية مـن ّ‬ ‫ارتفـاع درجـة حـرارة األرض اعتبـارًا‬ ‫لالنعكاسـات المحتملـة أيضـ ًا علـى‬ ‫المصـادر الحيويـة مـن مـاء وغـذاء‪.‬‬ ‫ّإل أن هـذه القناعـة ال تخفـي أن‬ ‫اإلشـكالية بالغـة التعقيـد‪ ،‬وأن أبعادها‬ ‫متعددة بين السياسة واالقتصاد‪ ،‬وأنها‬ ‫ِّ‬ ‫جـزء مـن الصـراع بيـن الـدول‪ ،‬خاصـة‬ ‫المتقدمـة‪ ،‬مـن أجـل الهيمنة علـى العالم‬ ‫ِّ‬ ‫قـل‪ ،‬بحيـث يمكـن‬ ‫اقتصاديـ ًا علـى ا َأل ّ‬ ‫تطـور نـوع مـن السـوق‬ ‫الحديـث عـن‬ ‫ُّ‬ ‫مرتبطـة بالبيئـة والحفـاظ عليهـا مـع‬

‫استحضار قضية التنمية المستدامة التي‬ ‫شـكل فـي الوقت الحالي رهان ًا رئيسـي ًا‬ ‫ُت ِّ‬ ‫في أفق سـنة ‪ ،2030‬بعد االنتهاء سـنة‬ ‫‪ 2015‬مـن البرنامـج األول المتمثِّـل فـي‬ ‫األهـداف اإلنمائيـة لأللفيـة‪.‬‬

‫اتفاق باريس‪ :‬تحدّ يات‬ ‫اإلجراءات‬ ‫فـي هـذا السـياق‪ ،‬وقبـل الوصـول‬ ‫إلـى محطـة مؤتمـر المنـاخ الثانـي‬ ‫والعشـرين بمراكـش المنعقـد خلال‬ ‫الشـهر الماضـي‪ ،‬كانـت األخبـار قـد‬ ‫تناقلـت «األزمـة» المحتملـة بين روسـيا‬


‫والواليـات المتحـدة فـي حالـة مـا إذا‬ ‫تمـت المصادقـة على قـرارات وإجراءات‬ ‫ّ‬ ‫تضـع قيـودًا علـى الـدول الصناعيـة في‬ ‫مـا يتعلَّـق باالنبعاثـات الغازية‪ ،‬المتهم‬ ‫األول فـي قضيـة ارتفاع حرارة األرض‪.‬‬ ‫اإلعلان الروسـي االسـتباقي لمواجهـة‬ ‫هـذه اإلجـراءات هـو فـي الواقـع امتـداد‬ ‫طبيعي للصراع بين البلدين في مناطق‬ ‫مختلفـة مـن العالـم بـدءًا مـن الشـرق‬ ‫األوسـط إلـى أهـم مجـاالت التنافس في‬ ‫ـل األزمـة االقتصاديـة‪ ،‬أي اإلنتـاج‬ ‫ِظ ّ‬ ‫الصناعـي واألسـواق‪.‬‬ ‫هـذا إذن وجـه مـن أوجـه التحّديـات‬ ‫التغيرات المناخية‪ ،‬حيث‬ ‫التي تطرحها‬ ‫ُّ‬ ‫تمتـزج السياسـة باالقتصـاد ويتأجـج‬ ‫الصـراع بيـن قوتيـن اقتصاديتيـن‬ ‫وعسـكريتين وعضوتيـن دائمتيـن فـي‬ ‫مجلـس األمـن‪ ،‬وبينهمـا وبيـن أطـراف‬ ‫أخـرى بالتأكيـد كالصيـن‪ ،‬علـى سـبيل‬ ‫المثال‪ .‬لكن هناك وجه ًا آخر قائم ًا على‬ ‫خلفيات أيديولوجية يتمثَّل في المواجهة‬ ‫القائمـة بيـن أنصـار العولمـة مـن دول‬ ‫متعـددة‬ ‫رأسـمالية كبـرى وشـركاتها‬ ‫ِّ‬ ‫الجنسـية والعابرة للقارات ومناهضيها‬ ‫من أحزاب ومنظمات يسـارية شـيوعية‬ ‫أساسـاً‪ ،‬باإلضافـة إلـى أنصـار البيئـة‬ ‫سـواء فـي أحـزاب الخضـر أو المنظمات‬ ‫غيـر الحكوميـة‪.‬‬ ‫لهذه االعتبارات من المنتظر أن يشهد‬ ‫العالم خالل السنوات المقبلة جد ًال حادًا‬ ‫بشأن تنفيذ اتفاق باريس بمناسبة القمة‬ ‫الــ ‪ 21‬للمنـاخ التـي انعقـدت فـي نهايـة‬ ‫السـنة الماضيـة بالعاصمـة الفرنسـية‪،‬‬ ‫شـكل مؤتمـر مراكـش األخيـر‬ ‫والتـي‬ ‫َّ‬ ‫محطـة لتحديـد التدابيـر واإلجـراءات‬ ‫الضروريـة لتفعيـل مـا ورد فـي االتفـاق‬ ‫المذكـور‪ .‬وسـتتمثَّل أهـم محـاور الجدل‬ ‫المحتمـل فـي جملـة قضايـا منها‪:‬‬ ‫• مـدى الوفـاء بااللتزامـات التـي‬ ‫علـى جميـع األطـراف المعنيـة تحملهـا‪،‬‬ ‫خاصة الجوانب المتعلِّقة بالدعم المالي‬ ‫للدول النامية والفقيرة لمسـاعدتها على‬ ‫تغيـرات‬ ‫تكييـف سياسـاتها لمواجهـة ُّ‬ ‫المنـاخ‪ ،‬وأيضـ ًا بنقـل التكنولوجيـا‬ ‫للتصدي للظاهرة‪ ،‬أي كما هو‬ ‫الموجهة‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫واضـح فـإن هـذه اإلجـراءات المرتبطـة‬ ‫بالتكنولوجيـا والمـال ذات اتجـاه واحد‬ ‫المتقدمة‬ ‫نحـو بلـدان الجنوب من الـدول‬ ‫ِّ‬

‫الصناعيـة‪ .‬هذه األخيرة المتهمة بشـكل‬ ‫كبير بالتسبب في أكبر قدر من انبعاثات‬ ‫الغاز‪ ،‬لم يرضها أن تظل الصين والدول‬ ‫النفطيـة غير معنية بالمسـاهمة خاصة‬ ‫فـي الــ ‪ 100‬مليـار دوالر سـنوي ًا المتفق‬ ‫علـى منحهـا كدعم للـدول الناميـة ابتداء‬ ‫مـن سـنة ‪.2020‬‬ ‫• مـدى اسـتعداد األطـراف المعنيـة‬ ‫بشـكل مباشـر للتخلِّـي عـن جـزء مـن‬ ‫مقومـات اقتصادهـا لفائـدة الخفـض من‬ ‫والتحـول إلى اقتصاد‬ ‫انبعاثـات الغـاز‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫نظيـف‪ ،‬وذلـك فـي غيـاب ضمانـات‬ ‫باحتـرام الجميـع لاللتزامـات المتفـق‬ ‫عليها‪ .‬وكما سبقت اإلشارة فإن روسيا‬ ‫اسـتبقت أي إجـراءات محتملـة باإلعالن‬ ‫عـن الرغبـة فـي عرقلتهـا فـي سـياق‬ ‫التنافس مع الواليات المتحدة األميركية‬ ‫اقتصادياً‪ ،‬وأيض ًا لشعور الروس بأنهم‬ ‫المستهدفون األوائل بهذه اإلجراءات‪ ،‬ألن‬ ‫روسـيا ُتعـّد واحـدًا مـن البلـدان الكبـرى‬ ‫في مجال الصناعات المتعلِّقة بالبترول‬ ‫والغاز‪.‬‬ ‫• التأثيـر المحتمـل لتنفيـذ االتفـاق‬ ‫علـى الـدول المنتجة للنفط‪ ،‬ومنها دول‬ ‫تضمـن‬ ‫عربيـة وروسـيا وغيرهمـا‪ .‬فقـد‬ ‫َّ‬ ‫اتفاق باريس تشجيع ًا لالعتماد المتزايد‬ ‫علـى الطاقـات البديلـة اعتبـارًا لألضرار‬ ‫البيئيـة للوق��ود األحفـوري المسـتمد من‬ ‫البتـرول والغـاز ومسـؤوليته على جزء‬ ‫كبيـر مـن االنبعاثـات الكربونيـة التـي‬ ‫ُينظـر إليهـا كأحـد العوامـل المسـببة‬ ‫الرتفـاع حـرارة األرض‪ .‬بهـذا الشـكل‬ ‫ستصبح تلك الدول في مأزق اقتصادي‬ ‫واجتماعـي قـد يصعب تدبيـره‪ .‬من جهة‬ ‫سـتتدهور المداخيـل الماليـة من عائدات‬ ‫شـكلت حتـى اآلن المصـدر‬ ‫النفـط التـي َّ‬ ‫الرئيسـي لتمويـن الميزانيـات العامـة‪،‬‬ ‫ومـن جهـة أخـرى سـيتراجع حجـم‬ ‫الصناعة االستخراجية مع ما يتبع ذلك‬ ‫من تسريح للعمال وارتفاع البطالة مما‬ ‫سيبطئ الدورة االقتصادية بشكل عام‪.‬‬ ‫• المشـاكل البيئيـة الكبيـرة التـي‬ ‫تعرفهـا الدول الفقيـرة‪ ،‬وتلك المرتبطة‬ ‫بضعف التعليم وصعوبة ولوج السكان‬ ‫إلى مصادر المعرفة‪ ،‬ستحد من استفادة‬ ‫المتطـورة‬ ‫هـذه الـدول مـن التكنولوجيـا‬ ‫ِّ‬ ‫أكـد اتفـاق باريـس علـى ضـرورة‬ ‫التـي َّ‬ ‫نقلها وتقاسـمها للمسـاعدة في التصدي‬

‫للتغيرات المناخية‪ .‬وقد ال يسمح ضعف‬ ‫ُّ‬ ‫المـوارد الماليـة فـي هـذه الـدول برصـد‬ ‫اعتمـادات مهمـة‪ ،‬خـارج المسـاعدات‬ ‫المقـررة فـي االتفـاق‪ ،‬للمرور‬ ‫المحتملـة‬ ‫َّ‬ ‫إلى أنواع الطاقات الجديدة واالستغناء‬ ‫عن المصادر التقليدية للطاقة المسؤولة‬ ‫عن التلوث وعن انبعاثات ثاني أكسـيد‬ ‫الكربـون‪ .‬يضـاف إلـى ذلـك أن تغييـر‬ ‫أنماط الحياة ليس باألمر السـهل سـواء‬ ‫المتقدمـة التـي تعودت‬ ‫فـي المجتمعـات‬ ‫ِّ‬ ‫علـى سـلوك اسـتهالكي وإنتاجـي ال‬ ‫يراعـي‪ -‬فـي الغالـب‪ -‬النتائـج التـي‬ ‫قـد تترتـب عنـه‪ ،‬أم فـي المجتمعـات‬ ‫الناميـة والفقيـرة التي تكون فيها تلبية‬ ‫الحاجيـات األساسـية الهاجـس األول‬ ‫للسـكان قبل التفكير في أي شـيء آخر‪.‬‬ ‫• سـيحتاج تنفيـذ االتفـاق إلـى جهود‬ ‫كبيـرة في مجـاالت التواصـل والتوعية‬ ‫التغيـرات‬ ‫بالتحديـات التـي تطرحهـا‬ ‫ُّ‬ ‫المناخيـة وتأثيرهـا علـى األجيـال‬ ‫الحاضـرة والمسـتقبلية‪ ،‬بهـدف ضمـان‬ ‫التصـدي‬ ‫انخـراط كافـة األطـراف فـي‬ ‫ِّ‬ ‫والحـّد مـن تأثيراتهـا‬ ‫التغيـرات‬ ‫لهـذه‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫السـلبية وأساسـ ًا لإلبقـاء علـى معـدل‬ ‫ٍ‬ ‫قـل‬ ‫ارتفـاع حـرارة الكوكـب فـي‬ ‫حـدود َأ ّ‬ ‫مـن درجتيـن مئويتيـن‪ .‬هـذه الجهـود قد‬ ‫ال تكـون نتائجهـا مضمونـة علـى المـدى‬ ‫ٍ‬ ‫عقليات‬ ‫المنظور‪ .‬إن األمر يتعلَّق بتغيير‬ ‫وبحمل أخرى على اإلدراك والفهم حسب‬ ‫كل بلد‪ ،‬ومعلوم‬ ‫تقدم أو تخلُّف ّ‬ ‫مستوى ُّ‬ ‫أن أي تغييـر فـي العقليـات ينتـج عنـه‬ ‫تغييـر فـي السـلوك الفـردي والجماعـي‬ ‫طويلا جداً‪.‬‬ ‫معـ ًا يتطلَّـب وقتـ ًا قـد يكون‬ ‫ً‬

‫الرهانات االقتصادية‬ ‫لمواجهة التغيُّرات المناخية‬ ‫شـكل مؤتمـر باريـس فـي نظـر‬ ‫التغيـرات المناخيـة‬ ‫المهتميـن بقضيـة‬ ‫ُّ‬ ‫لحظـة تاريخيـة في مـا يتعلَّق بضرورة‬ ‫العمـل الدولـي المشـترك لمواجهتهـا‪.‬‬ ‫وبغـض النظـر عـن التحّديـات التـي قـد‬ ‫تعتـرض تنفيذه في ضوء النتائج التي‬ ‫مؤكدًا‬ ‫أسـفر عنهـا مؤتمـر مراكش‪ ،‬بـات ِّ‬ ‫أن سـكان األرض عليهـم أن يـؤدوا فـي‬ ‫كل الحـاالت كلفـة قـد تكـون مرتفعـة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫القيـام بعمليـات في هـذا االتجاه يتطلَّب‬ ‫تضحيـات فـي مـا يتعلَّـق بالجوانـب‬ ‫‪39‬‬


‫السلوكية الفردية والجماعية وفي أنماط‬ ‫اإلنتاج واالستهالك‪ ،‬كما أن عدم القيام‬ ‫بأي مبادرات لمواجهة الظاهرة سيرفع‬ ‫مـن كلفـة الحياة بسـبب التأثيـرات التي‬ ‫سـتحّد مـن األنشـطة اإلنتاجيـة وتقلَّص‬ ‫من الموارد الحيوية وربما بسبب أضرار‬ ‫جانبيـة أخـرى لـن تظهـر فـي الحيـن‪.‬‬ ‫إذا أفلـح العالـم فـي حصـر معـدل‬ ‫قـل مـن درجتيـن‬ ‫ارتفـاع الحـرارة فـي َأ ّ‬ ‫وفق ًا التفاق باريس‪ ،‬سيكون من الممكن‬ ‫أيضـ ًا توقـع حجـم اآلثار التي سـتترتب‬ ‫التغيرات المناخية‪ّ ،‬إل أن باحثين‬ ‫على‬ ‫ُّ‬ ‫يعتقـدون أنـه مـن الصعـب القيـام بذلـك‬ ‫يتغيـر بسـرعة‬ ‫اعتبـارًا لكـون المنـاخ‬ ‫َّ‬ ‫كل التوقعـات‪ ،‬بمـا يعنـي أن‬ ‫تتجـاوز ّ‬ ‫هذه اآلثار ينبغي النظر إليها في سياق‬ ‫هـذه الديناميـة‪.‬‬ ‫فـي سـنة ‪ 2006‬صـدر تقريـر أنجزه‬ ‫نيكـوالس سـتيرن حـول األضـرار‬ ‫لتغيـر المنـاخ‪ ،‬منطلقـ ًا مـن‬ ‫االقتصاديـة ُّ‬ ‫التغيـرات المناخيـة حقيقـة‬ ‫مسـلمة أن‬ ‫ُّ‬ ‫ثابتة‪ ،‬وكذلك آثارها‪ .‬كان تقريرًا قاتم ًا‬ ‫سـاهم أكثـر فـي إثـارة االنتبـاه إلـى أن‬ ‫الجهـود المبذولـة ينبغـي أن تتضاعـف‬ ‫أكثـر وأن ينخـرط الجميـع فيها‪ ،‬أغنياء‬ ‫مؤسسـات الدولـة‬ ‫العالـم وفقـراؤه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫والقطاع الخاص والمجتمع المدني‪ .‬وال‬ ‫شـك أن هـذا التقريـر زرع ديناميـة أكبر‬ ‫التغيـرات‬ ‫فـي العمـل الدولـي لمواجهـة‬ ‫ُّ‬ ‫المناخية وصو ًال إلى اتفاق باريس بعد‬ ‫‪40‬‬

‫‪ 10‬سـنوات‪ .‬وتمثلت النقطة األساسـية‬ ‫أعده بتكليف من‬ ‫في تقرير ستيرن الذي َّ‬ ‫الحكومة البريطانية في التنبيه إلى أنه‬ ‫التحـرك ارتفعت‬ ‫كلمـا تأخـر العالـم فـي‬ ‫ُّ‬ ‫التكاليـف التـي يجـب تحملها‪.‬‬ ‫وجـد تقريـر سـتيرن صـدى كبيـرًا‬ ‫لـدى المهتميـن بالموضـوع‪ ،‬وتلقـف‬ ‫معـدو تقريـر التنميـة البشـرية لسـنتي‬ ‫وقـدروا أن‬ ‫‪ 2008/2007‬نتائجـه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الصـواب قـد حالفـه عندمـا اهتـم بشـكل‬ ‫كبيـر بضـرورة وضـع أجيال المسـتقبل‬ ‫فـي الحسـبان‪ ،‬واعتبـار التحملات مـن‬ ‫أجل التخفيف من المخاطر استثمارًا من‬ ‫أجل تفادي النتائج الوخيمة المستقبلية‬ ‫علـى هذه األجيـال‪ ،‬وهو ما يتقاطع مع‬ ‫أهـداف األمـم المتحـدة بشـأن التنميـة‬ ‫المسـتدامة‪.‬‬ ‫إن تزايد الظواهر الطبيعية المرتبطة‬ ‫بالمنـاخ‪ ،‬مثـل الفيضانـات واألعاصيـر‬ ‫وارتفاع حرارة البحر وغيرها مما يحدث‬ ‫سنوي ًا على كوكب األرض‪ ،‬سيؤدي إلى‬ ‫تـآكل الناتـج الداخلـي اإلجمالـي بنسـب‬ ‫متفاوتـة عبـر العالم‪ ،‬على أن يكون هذا‬ ‫التـآكل قاسـي ًا أكثر على الـدول النامية‪.‬‬ ‫فـي هـذا السـياق‪ ،‬إذا لـم يفلـح العالـم‬ ‫فـي تحقيق هدف اتفاق باريس باإلبقاء‬ ‫علـى معـدل ارتفـاع الحرارة فـي ما دون‬ ‫درجتيـن مئويتيـن فـإن خسـائر الناتـج‬ ‫الداخلى اإلجمالي ستتراوح خالل القرن‬ ‫المقبـل بيـن ‪ 5‬و‪ 10‬فـي المئة‪ ،‬وأن هذه‬

‫النسـبة سـتتجاوز الــ ‪ 10‬فـي المئـة فـي‬ ‫الـدول الفقيرة‪.‬‬ ‫وبالحديث عن تآكل الناتج الداخلي‪،‬‬ ‫فإنـه سيشـهد تراجـع مسـاهمة قطاعات‬ ‫مثـل الفالحـة نتيجـة التقلـص المحتمـل‬ ‫لألراضـي بسـبب ارتفـاع مسـتوى‬ ‫البحار‪ ،‬وأيض ًا بسـبب النزوح والهجرة‬ ‫التـي سـتؤدي إليهـا موجـات الجفـاف‬ ‫والتصحـر‪ .‬إن أسـئلة األمـن الغذائـي‬ ‫ستطرح نفسها بشّدة على هذا المستوى‬ ‫وقـد تنضـاف إليها إشـكاليات أخرى في‬ ‫مناطـق مثـل إفريقيـا والشـرق األوسـط‬ ‫وأماكـن أخـرى تتعلَّـق بحـروب المياه‪،‬‬ ‫وهي وضعية كما هو واضح سـتعاني‬ ‫منهـا الـدول الفقيـرة أكثـر مـن غيرهـا‪.‬‬ ‫قليلا إلـى الـوراء‪،‬‬ ‫بيـد أن العـودة‬ ‫ً‬ ‫تخوفات من نوع آخر‪.‬‬ ‫تجعلنا نقف على ُّ‬ ‫فـإذا كانـت الواليـات المتحـدة األميركية‬ ‫قـد صادقـت إلـى جانـب الصيـن والهنـد‪،‬‬ ‫كأكبر ُم ْصدري االنبعاثات الغازية‪ ،‬فإن‬ ‫موقفهـا كان حاسـم ًا فـي بدايـة األلفيـة‬ ‫من بروتوكول كيوتو لسنة ‪ .1992‬كان‬ ‫تقديـر اإلدارة األميركيـة بقيـادة بـوش‬ ‫سـيفقد‬ ‫االبـن‪ ،‬أن تنفيـذ البروتوكـول ُ‬ ‫الواليـات المتحـدة ريادتهـا الصناعيـة‬ ‫لفائدة دول أخرى نتيجة تقلُّص عائدات‬ ‫االسـتثمار فـي المشـاريع الصناعيـة‬ ‫وحتـى الفالحيـة وانخفـاض األربـاح‬ ‫بسـبب الضرائـب التـي سـتفرض علـى‬ ‫الوقـود وارتفـاع أسـعار الطاقـة‪.‬‬ ‫إن هـذا الموقـف األميركـي مـن‬ ‫بروتوكـول كيوتـو الـذي يقابله الموقف‬ ‫الروسـي الـذي سـبقت اإلشـارة إليـه‪،‬‬ ‫بخصـوص توصيـات مؤتمـر مراكـش‪،‬‬ ‫يعكـس بمـا ال يـدع مجـا ًال للشـك فـي‬ ‫التغيـرات المناخيـة تمثـل‬ ‫أن إشـكالية‬ ‫ُّ‬ ‫حقلا مـن حقـول الصـراع االقتصـادي‬ ‫ً‬ ‫ويعيـد إلى األذهان السـؤال‬ ‫العالـم‪.‬‬ ‫فـي‬ ‫ُ‬ ‫التغيـرات المناخية‬ ‫الكبيـر حـول حقيقة‬ ‫ُّ‬ ‫وحجـم آثارهـا علـى البشـرية‪ ،‬ومـا إذا‬ ‫كانـت حلقـة مـن حلقـات حـرب األقوياء‬ ‫اقتصاديـ ًا وعسـكري ًا على الفقراء وعلى‬ ‫الدول التي تحاول الخروج من التخلُّف‪،‬‬ ‫وذلـك بالرغـم مـن شـبه اإلجمـاع بيـن‬ ‫العلماء حول المخاطر المحدقة باألرض‬ ‫التغيـرات‬ ‫جـراء اسـتمرار هـذه‬ ‫ُّ‬ ‫مـن ّ‬ ‫وتسـارعها‪.‬‬


‫يوم الجمعة ‪ 4‬نوفمبر‪/‬تشرين الثاني ‪ ،2016‬نزل خبر دخول اتفاق باريس حول المناخ َح ِّيز‬ ‫كل ما يليق بهذا النبأ من االحتفالية في النشــرات اإلخبارية‪ .‬والبارحة‪ ،‬تهاطلت‬ ‫التطبيق‪ ،‬مع ّ‬ ‫«أمطــار الخيــر» األولى على العاصمة الرباط وبعض المدن المغربية األخرى؛ لكن على شــكل‬ ‫ذكرنا‬ ‫زخات قوية غمرت بعض الطرقات‬ ‫وتسببت في بعض الخسائر المادية‪ .‬فهل كان من الضروري أن ُت ِّ‬ ‫َّ‬ ‫مرة أخرى بضعفنا أمام قواها‪ ،‬وبتمادينا كبشر في سياسة النعامة والمغرب يحتضن المؤتمر‬ ‫الطبيعة ّ‬ ‫‪ 22‬ألطراف اتفاقية األمم المتحدة حول المناخ (كوب ‪)22‬؟‬

‫عن «الكوب ‪ » 22‬وأشياء أخرى‪...‬‬ ‫زكية حادوش‬ ‫«هـل نحن شـعب بال ذاكرة؟»‪ ...‬سـؤال‬ ‫طرحتـه علـى ُثلّـة مـن الخبـراء واألسـاتذة‬ ‫األجلاء فـي نـدوة دولية تحضيرية لكوب‬ ‫َّ‬ ‫‪ 22‬انعقـدت بكليـة الطب والصيدلـة بالدار‬ ‫البيضاء في غضون الشهر الماضي‪ .‬سؤال‬ ‫حـارق‪ ،‬ألننـا تصرفنا منذ بوادر التحضير‬ ‫لهـذا المؤتمـر العالمـي كأننا لـم ننظم قبله‬ ‫سنة ‪ 2001‬كوب ‪ ،7‬وكأننا ال نتوافر على‬ ‫رصيـد وال علـى تراكـم فـي مجـال البيئـة‬

‫التغيـرات المناخيـة‪ ،‬وكأننـا‬ ‫وخصوصـ ًا‬ ‫ُّ‬ ‫كـدول جنـوب ننطلـق دائمـ ًا مـن الصفـر‬ ‫ونعـود إليـه في نهايـة المطاف!‬ ‫بعيـدًا عـن اإلفـراط فـي التشـاؤم أو‪،‬‬ ‫تظل‬ ‫علـى العكس‪ ،‬المبالغة فـي التفاؤل‪ّ ،‬‬ ‫الواقعيـة أفضـل ُع َّـدة نتسـلَّح بهـا حتـى ال‬ ‫وتظل معرفة‬ ‫مرتين وأكثر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫نلدغ من الجحر ّ‬ ‫الحقيقة وكشفها أفضل دواء ضد النسيان‬ ‫أو األحرى التناسي‪ ،‬حتى ال نمحو النقط‬

‫المضيئـة فـي تاريخنـا وحتـى نسـتخلص‬ ‫العبـر مـن أخطائنا‪ ،‬وباألخـص في ميدان‬ ‫حساس ومصيري مثل التعامل مع البيئة‪.‬‬ ‫وكما صرح الدكتور أحمد عراق��‪ ،‬كاتب‬ ‫الدولة المغربي في البيئة السابق‪ ،‬في أحد‬ ‫حواراته معي‪ ،‬فالنقد الذاتي ليس خياراً‪،‬‬ ‫بـل هو ضـرورة‪ .‬وانطالق ًا من ذلك‪ ،‬يجب‬ ‫أن نهنئ أنفسـنا على احتضان كوب ‪،22‬‬ ‫لكـن ال نريدهـا أن تكـون مجـرد «ملحقـة‬ ‫‪41‬‬


‫لكـوب ‪ .»21‬ولكـي يتأتـى ذلـك‪ ،‬ال بـد‬ ‫مـن اسـترجاع الذاكـرة‪ ،‬بـدءًا مـن تصحيح‬ ‫بعـض المعلومـات التاريخية التـي جاءت‬ ‫فـي الموقـع اإللكترونـي الرسـمي للكـوب‬ ‫بالعربيـة المترجمـة عـن الفرنسـية هكـذا‪:‬‬ ‫«بسـبب انفتاح المغـرب على العالم وعلى‬ ‫أهميـة السـياحة فـإن غالبيـة المغاربـة‬ ‫ويتحدثون الفرنسـية واإلسبانية‬ ‫يفهمون‬ ‫َّ‬ ‫واإلنجليزية»‪...‬عجباً! هل غالبية المغاربة‬ ‫مرشـدون سـياحيون غيـر مرخـص لهم؟!‬ ‫ال ننكـر انفتـاح المغـرب بالنظـر إلـى‬ ‫موقعـه الجغرافـي والحضـاري‪ ،‬لكننـا ال‬ ‫ننكـر أيضـ ًا رابطنـا التاريخـي الوثيـق مع‬ ‫اللغتين الفرنسية واإلسبانية‪ ،‬والمتجسد‬ ‫في التاريخ االستعماري‪ ،‬وال نغفل عالقتنا‬ ‫باللغـة اإلنجليزيـة باعتبـار هيمنتهـا منـذ‬ ‫«اسـتتباب النظـام العالمـي الجديـد»‪ .‬ولن‬ ‫يفيـد إنـكار حقائـق تاريـخ اإلنسـانية فـي‬ ‫تقييـم التعامـل البشـري مع البيئـة عموم ًا‬ ‫التغيرات المناخية الناتجة عن أفعال‬ ‫ومع‬ ‫ُّ‬ ‫اإلنسـان علـى وجـه التدقيق‪.‬‬ ‫إضافـة إلـى هـذا التصحيـح األول‬ ‫الـذي يتطلَّـب النزاهـة العلميـة الالزمـة في‬ ‫اسـتحضار التاريـخ المشـترك للبشـرية‪،‬‬ ‫ثـان يتطلَّـب قـدرًا مـن‬ ‫البـد مـن تصحيـح ٍ‬ ‫الشـجاعة الفكرية إلعادة النظر في بعض‬ ‫المصطلحـات المتداولـة بكثـرة فـي هـذا‬ ‫المجـال‪ .‬وعلـى سـبيل المثـال ال الحصـر‪،‬‬ ‫يتكـرران فـي‬ ‫مفهومـان اثنـان مـا لبثـا‬ ‫َّ‬ ‫خطابات السياسـيين والخبراء والمجتمع‬ ‫المدنـي خلال هذا المؤتمر وعلى هامشـه‪،‬‬ ‫أال وهما «العدالة المناخية» و«االستقاللية‬ ‫الطاقيـة»‪ ،‬اللـذان ال يتطابقـان مـع القواعد‬ ‫ّ‬ ‫الطبيعيـة األزليـة‪ .‬إذ إن البيئـة ال تعتـرف‬ ‫بالحـدود الزمكانيـة‪ ،‬وال بعدالة التوزيع‪،‬‬ ‫وال باسـتقاللية كائـن عـن اآلخـر‪ .‬علميـاً‪،‬‬ ‫ومـن َث ّـم اسـتراتيجيا‪ ،‬ليـس هناك سـوى‬ ‫الطاقية‬ ‫التكامل والتضامن‪ .‬إن االستقاللية‬ ‫ّ‬ ‫مستحيلة ألن توزيع الطاقات والموارد غير‬ ‫ثـم إن توافـر‬ ‫ِّ‬ ‫المتجـددة متفـاوت طبيعيـاً‪ّ ،‬‬ ‫المتجـددة متفـاوت كذلـك بسـبب‬ ‫الطاقـات‬ ‫ِّ‬ ‫الهوة بين دول الشمال والجنوب في مجال‬ ‫تقنيـات اسـتغالل هـذه الطاقات‪ .‬شـئنا أم‬ ‫أبينـا ال وجـود السـتقاللية فـي الطبيعـة‪،‬‬ ‫ومن األفضل تعويض مصطلح االستقاللية‬ ‫الطاقيـة بمصطلـح التكامـل الطاقـي علـى‬ ‫ّ‬ ‫صعيـد الكوكـب‪ّ ،‬‬ ‫وإل سـنواجه الحـروب‪،‬‬ ‫وهذا ما يحصل اليوم في الشـرق األوسـط‬ ‫‪42‬‬

‫وإفريقيـا وأميـركا الجنوبية‪.‬‬ ‫أمـا فيمـا يخـص العدالـة المناخيـة‪،‬‬ ‫فالطبيعة ال تعترف بكالم البشر وال يمكن‬ ‫التعامـل معهـا سـوى بالتضامـن وليـس‬ ‫باالحتجاجات‪ .‬من جهة أخرى‪ ،‬حتى بين‬ ‫غير المواجهة اللفظية أو‬ ‫البشر أنفسهم‪ ،‬ال ُت ِّ‬ ‫العنيفة شيئاً‪ ،‬بل تزيد من تأزيم األوضاع‬ ‫كما أثبتـت التجربة‪.‬‬ ‫التصحيـح الثالـث يجـب أن ينكـب‬ ‫علـى الفعـل‪ .‬فانطالقـ ًا مـن شـعار المؤتمر‬ ‫‪ 22‬للمنـاخ المنعقـد مؤخـرًا فـي مراكـش‬ ‫«لنعمل!»‪ ،‬نسـتخلص أن الرهان كله على‬ ‫الفعـل‪ ،‬وليـس على الكالم حتـى وإن كان‬ ‫إعالن ًا لحسن النوايا فيما يتعلَّق بمكافحة‬ ‫التغيـرات المناخيـة أو التأقلم معها‪ .‬ولكن‬ ‫ُّ‬ ‫بالعـودة إلـى الشـعار األممـي لالحتفـال‬ ‫باليوم العالمي للبيئة في السنة المفصلية‬ ‫‪ ،2000‬نجـد أنـه يقـول بالحـرف «حـان‬ ‫مرت ‪ 16‬سـنة‪ ،‬هل‬ ‫وقـت العمـل!»‪ .‬وهـا قد َّ‬ ‫كنـا خاللهـا كبشـرية نفعـل شـيئ ًا لصالـح‬ ‫بيئتنا المشتركة ولصالح مناخنا المترابط‬ ‫ولصالـح أجيالنـا القادمة؟‬ ‫سـؤال قـد ُنعيـد طرحه على كـوب ‪.22‬‬ ‫لكـن‪ ،‬بـدل انتظـار الجـواب‪ ،‬المفـروض‬ ‫أن نفعـل شـيئاً‪ ،‬حتـى وإن كان شـيئ ًا مـن‬ ‫قبيل فتح ورش تصحيح بعض المفاهيم‬ ‫التغيـرات المناخيـة‪.‬‬ ‫المرتبطـة بموضـوع‬ ‫ُّ‬

‫التغيُّرات المناخية‪ :‬لمحة‬ ‫تاريخية‬ ‫للتعامـل بشـكل صحيـح مـع مؤتمـر‬ ‫المنـاخ يجـب العـودة إلـى التاريـخ‪ :‬فقبـل‬ ‫الحـرب العالميـة الثانيـة‪ ،‬وبعـد تكشـف‬ ‫مسـاوئ الثـورة الصناعيـة وانعكاسـاتها‬ ‫السـلبية على البيئة‪ ،‬كانت هناك مواجهة‬ ‫نظريـة بيـن مدرسـتين‪ ،‬همـا اإليكولوجيا‬ ‫ثم نشبت‬ ‫العميقة واإليكولوجيا المتمركزة‪ّ .‬‬ ‫مجـددًا بيـن اإلخـوة األعـداء‬ ‫حـرب عالميـة َّ‬ ‫جعلت الجميع ُيعيد البحث عن نموذج جديد‬ ‫للتنميـة خصوصـ ًا بعـد أن تضـع الحـرب‬ ‫واالستعمار المجالي أوزارهما‪ .‬سنة ‪1947‬‬ ‫كانـت المفاوضـات األولـى‪ ،‬وهـي تجارية‬ ‫تم تبني الميثاق‬ ‫باألساس‪ ،‬في الوقت نفسه ّ‬ ‫األممـي لحقـوق اإلنسـان‪ ،‬وبرزت القضية‬ ‫البيئيـة إلـى الوجـود عبـر معادلـة بيئية‪/‬‬ ‫اقتصاديـة‪ ،‬إلـى حين ظهور بوادر الكارثة‬ ‫الطبيعيـة علـى سـلم الكوكـب‪ .‬ابتـداء مـن‬ ‫تطرق نادي روما‬ ‫ستينيات القرن الماضي َّ‬

‫ثم‬ ‫إلى المسألة عبر دراسته للمستقبليات‪ّ .‬‬ ‫فـي سـنة ‪ 1972‬انعقـد مؤتمـر سـتوكهولم‬ ‫الـذي صـار علـى المنوال نفسـه‪ ،‬واندلعت‬ ‫ظل مواجهة‬ ‫أزمة البترول سنة ‪ 1973‬في ّ‬ ‫مفتوحـة بين القطبين الشـرقي والغربي‪،‬‬ ‫إلـى أن جـاء تقريـر السـيدة برنتالنـد‬ ‫تحـدث‬ ‫‪ Brundtland‬سـنة ‪ 1987‬الـذي َّ‬ ‫مـرة عـن مفهـوم التنميـة المسـتدامة‬ ‫ألول ّ‬ ‫باعتبارها «تلبية حاجيات األجيال الحالية‬ ‫دون المسـاس بقدرة األجيال المقبلة على‬ ‫تلبية حاجياتها»‪ .‬ما نغفله عادة بخصوص‬ ‫تتحـدث عـن تنميـة‬ ‫هـذا التقريـر هـو فقـرة‬ ‫َّ‬ ‫المبادالت التجارية الدولية من أجل مساعدة‬ ‫إفريقيـا علـى مقاومة التلـوث‪ ...‬علم ًا بأن‬ ‫هذه المبادالت هي أسـاس النهب والتفقير‬ ‫وال وجـود لتلـوث سـببه إفريقيـا (آنـذاك‬ ‫لم تكن إفريقيا تسـاهم سـوى بنسـبة ‪0.5‬‬ ‫من انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى‬ ‫الكوكب)‪.‬‬ ‫بعـد ذلك‪ ،‬انعقدت قمة األرض األولى‪،‬‬ ‫وتـم توقيـع بروتوكـول‬ ‫بريـو فـي ‪ّ ،1992‬‬ ‫كيوطـو سـنة ‪ 1997‬وإفريقيـا لـم تكـن‬ ‫حاضرة‪ ،‬حتى ‪ 1999‬سنة إحداث «اللجنة‬ ‫الوزاريـة اإلفريقية للبيئـة» (‪ )CMAE‬في‬ ‫مـرة ينتظـم فيها‬ ‫أبوجـا‪ .‬وكانـت تلـك أول ّ‬ ‫األفارقـة للحديـث عن البيئة‪ .‬لقد اسـتغرق‬ ‫العالـم قرونـ ًا للوصـول إلـى أول قمـة‬ ‫للأرض‪ ،‬وانعقـد أول مؤتمر للمناخ سـنة‬ ‫‪ ،1995‬مـن دون إفريقيـا ومـن دون أخـذ‬ ‫رأيهـا‪ .‬وإذَّاك وضعـت المملكـة المغربيـة‬ ‫ترشـيحها لتنظيـم «كـوب ‪ .»7‬وكان لهـا‬ ‫ذلك‪ ،‬كأول دولة من دول الجنوب تحتضن‬ ‫مؤتمر أطراف االتفاقية األممية اإلطار حول‬ ‫التغيـرات المناخية‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫تم تأسيس‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬سنة ‪ّ 1989‬‬ ‫الفريـق (البيحكومـي) لدراسـة المنـاخ‬ ‫(‪ )GIEC‬الـذي أصـدر في ‪ 1991‬أول تقرير‬ ‫التغيرات‬ ‫يعترف بالمسؤولية البشرية في‬ ‫ُّ‬ ‫المناخية‪ .‬رغم اسـتناده إلى العلم‪ ،‬يبقى‬ ‫هـذا الفريـق خاضعـ ًا العتبـارات ومصالح‬ ‫سياسـية نظـرًا لطبيعتـه الحكوميـة‪ .‬إثـر‬ ‫تـم تبنـي مقاربة تلاؤم التنمية مع‬ ‫ذلـك‪ّ ،‬‬ ‫البيئة مع استراتيجيتين فرعيتين اثنتين‪:‬‬ ‫«البيئـة مـن أجـل التنميـة» موجهـة لـدول‬ ‫الشـمال و«التنمية من أجل البيئة» موجهة‬ ‫لـدول الجنـوب‪ .‬ونتـج عـن ذلـك‪ ،‬تبـادل‬ ‫االنتظـارات بيـن دول الشـمال والجنـوب‪،‬‬ ‫أصلا إلـى ظـروف إحـداث‬ ‫والعيـب يعـود‬ ‫ً‬


‫االتفاقيـة اإلطـار‪ .‬فمـن أصـل ‪ 185‬وقعتهـا‬ ‫‪ 177‬دولة فقط ولم يوقعها كبار الملوثين‪،‬‬ ‫أمـا المصادقـة عبـر األجهـزة التقريريـة‬ ‫الوطنية فلم تتم حتى لدى الدول الموقعة‪.‬‬ ‫سـنة ‪ ،1995‬انعقـد أول مؤتمـر لألطـراف‬ ‫التغيـرات‬ ‫(كـوب ‪ )1‬كأعلـى جهـاز لتتبـع‬ ‫ُّ‬ ‫ثم‬ ‫بشـأنها‪،‬‬ ‫المناخية وااللتزامات الدولية‬ ‫ّ‬ ‫بروتوكـول كيوطـو فـي ‪ 1997‬الـذي منـح‬ ‫بعـض األمـل‪ ،‬لكنـه حتـى وإن كان فـي‬ ‫صالح دول الشمال‪ ،‬لم توقع عليه أغلبيتها‬ ‫بسـبب تضارب المصالح فيما بينها‪ .‬لذلك‬ ‫ظـل تقليص انبعـاث الغازات الدفيئة على‬ ‫ّ‬ ‫المسـتوى الكونـي بنسـبة ‪ 5‬بالمئـة حبـرًا‬ ‫على ورق‪ ،‬إلى أن ُأقِبر بروتوكول كيوطو‬ ‫في كوبنهاغن سنة ‪ 2009‬ألسباب تتعلَّق‬ ‫باألزمة المالية ‪ .2008‬وأخيراً‪ ،‬جاء اتفاق‬ ‫باريس الذي صدر العام الماضي عن كوب‬ ‫‪ .21‬اتفـاق باريـس يتبنّـى مقاربـة طبـق‬ ‫األصـل عمـا سـبق‪ ،‬وهـو نسـخة منقَّحـة‬ ‫سـلب ًا عـن بروتوكـول كيوطو‪.‬‬ ‫مـن المهـام المعلنـة لمؤتمـر األطـراف‬ ‫متابعة تقليص الغازات الدفيئة بنسـبة ‪5‬‬ ‫بالمئة مقارنة مع سنة ‪ ،1990‬وإبان كوب‬ ‫تم تسجيل زيادة ‪ 37‬بالمئة‬ ‫‪ 15‬سنة ‪ّ 2009‬‬ ‫في تلك االنبعاثات على المستوى العالمي‪،‬‬ ‫وكذلك إبان مؤتمر باريس‪ ،‬أي كوب ‪،21‬‬ ‫سـنة ‪ ،2015‬يمكـن تقدير هـذه الزيادة بما‬ ‫يناهز ‪ 50‬بالمئة! ومن َثّم‪ ،‬فالسياق الذي‬ ‫انعقدت فيه مؤتمرات الكوب بعد «األزمة»‬ ‫المالية لعام ‪ 2008‬اتسم باشتداد المنافسة‬ ‫الملوثة على الصعيد‬ ‫االقتصادية بين الدول ِّ‬ ‫الكوني وإعطاء األولوية إلعادة التوازنات‬

‫الماليـة ومن َث ّـم االقتصادية العالمية على‬ ‫حسـاب التعامـل مـع مسـببات ومخلفـات‬ ‫االحتبـاس الحـراري اآلخـذ فـي االرتفـاع‬ ‫بشكل مهول‪.‬‬

‫ما العمل اآلن؟‬ ‫التوجس أو‬ ‫بعد ترقُّب َحَبس‪ ،‬من شّدة‬ ‫ُّ‬ ‫التشفِّي المسبق‪ ،‬أنفاس األميركيين ومعهم‬ ‫تأكـد ليلة‬ ‫جـزء كبيـر مـن سـكان الكوكـب‪َّ ،‬‬ ‫األربعـاء ‪ 9‬نوفمبـر ‪ 2016‬مـا كان مجـرد‬ ‫مزحة وأصبح السيد دونالد ترامب الرئيس‬ ‫رقم ‪ 45‬للواليات المتحدة األميركية‪.‬‬ ‫تباينت ردود الفعل بين احتفال األنصار‬ ‫صوتـوا لصالحـه واسـتياء مـن‬ ‫والذيـن ّ‬ ‫سـاندوا هيلاري كلينتـون أو لم يناصروا‬ ‫أيـا مـن المرشـحين لكـن اعتبـروا ترامـب‬ ‫ًّ‬ ‫أسـوأ اختيـار‪ .‬منهـم مـن نـزل لالحتجـاج‬ ‫في مظاهرات صاخبة رافع ًا شـعار «ليس‬ ‫ظـل‬ ‫رئيسـي‪ ،‬ليـس اليـوم»‪ ،‬ومنهـم مـن ّ‬ ‫مصدق‬ ‫يضـرب األخمـاس باألسـداس غيـر ِّ‬ ‫بعد ما حدث‪ .‬أما المعسكر الرابح فقد حاول‬ ‫يصـوت‬ ‫مـا أمكـن طمأنـة الشـعب الـذي لـم‬ ‫ِّ‬ ‫لصالحه‪ ،‬من خالل توجيه دونالد لعبارات‬ ‫االمتنان إلى هيالري كلينتون و«عائلتها»‬ ‫على عملهم «لصالح األمة»؛ بل ِمن معسكر‬ ‫ترامـب هنـاك مـن لـم يفكر سـوى في كيان‬ ‫آخر بعيد عن واشنطن لكن قريب من نائب‬ ‫الرئيـس «جـو بايـدن»‪ ،‬أال وهـو إسـرائيل‬ ‫التـي سـارع هذا األخير إلـى طمأنتها أوالً‪،‬‬ ‫حتى قبل دول أهانها دونالد مثل المكسيك‬ ‫ِ‬ ‫«المغتصبين» حسب عباراته أو‬ ‫تصدر‬ ‫التي ِّ‬

‫األحرى طلقاته االنتخابية الطائشـة‪.‬‬ ‫تظـل تلـك ردود أفعـال‪ ،‬واألفضـل‬ ‫لكـن ّ‬ ‫تحليل المسار والعوامل التي أدت إلى تلك‬ ‫تفرق‬ ‫النتيجة‪ ...‬أوالً‪ ،‬اجتمع في دونالد ما َّ‬ ‫فـي غيـره‪ ،‬فهـو «صاحـب المـال» والرجـل‬ ‫المتحـرك فـي زمـن «ديموقراطيـة صناعـة‬ ‫ِّ‬ ‫الفرجـة»‪ ،‬ومـن َث ّـم كانـت حظوظـه أوفـر‬ ‫للظفـر بالكرسـي‪ .‬ثانيـاً‪ ،‬راهنـت غريمتـه‬ ‫كليـ ًا علـى «مقاربـة النـوع» معتقـدة أن‬ ‫كونهـا امـرأة وكـون ترامـب معادي ًا للنسـاء‬ ‫فـي خطاباتـه كافيـان للدفـع بهـا إلى نفس‬ ‫الكرسي عبر الحصول على أصوات النساء‪.‬‬ ‫والواقـع أن المصالـح المالية واالقتصادية‬ ‫واالعتبـارات الطبقيـة أقـوى من أي ثنائية‬ ‫مصطنعة قائمة على الجنس‪ .‬أما المسـألة‬ ‫العرقيـة‪ ،‬فالمراهنـة عليها تشـبه المراهنة‬ ‫علـى األبيـض واألسـود فـي زمـن األجهـزة‬ ‫العاليـة الدقـة (‪ ،)HD‬مـا دامـت السـيادة‬ ‫والحالـة هاته‪ -‬لألخضـر‪ ،‬أي الدوالر‪ .‬وال‬‫داعـي للتفصيـل أكثر‪.‬‬ ‫أما األخضر باعتباره لون البيئة‪ ،‬فعلينا‬ ‫أن ننساه إلى ٍ‬ ‫سمى ما دام دونالد‬ ‫أجل غير ُم َّ‬ ‫ترامـب قـد وصـل إلى مركز القـرار الكوني‪،‬‬ ‫التغيرات المناخية «عملية نصب‬ ‫ألنه يعتبر ُّ‬ ‫صينيـة»‪ ،‬والتزامـات أوبامـا فـي المجـال‬ ‫البيئـي الغيـة (وسـيلغيها مـا دام الحـزب‬ ‫الجمهـوري قـد صـار يتوافـر علـى األغلبية‬ ‫كل مـا يرتبـط‬ ‫فـي الكونغـرس)‪ .‬هكـذا إذاً‪ّ ،‬‬ ‫بما ُسمي اتفاق باريس التاريخي سيذهب‬ ‫أدراج الريـاح مـع دونالد ترامب‪.‬‬ ‫لذلـك‪ ،‬توالـت ردود الفعـل مـن جانـب‬ ‫ونظمت المنظمات غير‬ ‫المدافعين عن البيئة‪َّ ،‬‬ ‫‪43‬‬


‫الحكومية المشاركة في مؤتمر المناخ كوب‬ ‫‪ 22‬بمراكش مباشرة بعد اإلعالن عن نتائج‬ ‫االنتخابـات الرئاسـية بالواليـات المتحـدة‬ ‫األميركية مظاهرات احتجاجية للتعبير عن‬ ‫التغيرات‬ ‫موقفها من انتخاب شخص ينكر‬ ‫ُّ‬ ‫المناخيـة وال يعتـرف بااللتزامـات الدولية‬ ‫فـي هـذا اإلطـار كرئيـس دولـة كانـت تحتل‬ ‫المرتبـة األولـى فـي قائمـة الـدول المصدرة‬ ‫النبعاثـات الغـازات الدفيئـة التـي تتسـبب‬ ‫فـي االحتبـاس الحراري الشـامل‪ ،‬ومـن َثّم‬ ‫التغيـرات المناخية وكوارثهـا‪ ،‬قبل أن‬ ‫فـي‬ ‫ُّ‬ ‫تتجاوزهـا الصين فـي أحدث ترتيب‪.‬‬ ‫بـدون انضمـام الدول األكثر تلويث ًا على‬ ‫الصعيد الكوني إلى الجهود الدولية الرامية‬ ‫التغيرات المناخية‪،‬‬ ‫إلى تقليص مسـببات‬ ‫ُّ‬ ‫لـن يكون مصيرنـا ومصير أجيالنا المقبلة‬ ‫سوى ما أنذر به النجم «ليوناردو ديكابريو»‬ ‫قـدم يـوم ‪ 21‬أكتوبـر ‪ 2016‬وثائقـي‬ ‫الـذي َّ‬ ‫«قبـل الطوفـان» (‪)Before the Flood‬‬ ‫التغيرات المناخية‪ .‬شريط استغرق‬ ‫حول‬ ‫ُّ‬ ‫إنتاجـه ثالث سـنوات واسـتغل فيه «ليو»‬ ‫شهرته إلجراء حوارات حول الموضوع مع‬ ‫شخصيات يصعب االقتراب منها لوال ذلك‪،‬‬ ‫مثـل «بـاراك أوبامـا» وبابـا الفاتيكان‪ ،‬كما‬ ‫استغل إمكانياته للتصوير في أماكن عديدة‬ ‫ومتفرقـة حـول العالـم‪ .‬والخالصة هي أن‬ ‫ِّ‬ ‫‪44‬‬

‫الطوفان في انتظارنا جميع ًا إذا اسـتمررنا‬ ‫التغيرات المناخية وفي التعامل‬ ‫فـي إنـكار‬ ‫ُّ‬ ‫مـع الطبيعـة بنفس الطريقـة التي تعاملنا‬ ‫بهـا منذ الثورة الصناعية‪.‬‬ ‫مع ذلك‪ ،‬يبقى األفضل ممكناً‪ .‬ووصفته‬ ‫حسب الدكتور أحمد عراقي هي أن يحتفظ‬ ‫التحكم بمجريات‬ ‫كل واحد منا بقدرته على‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫األحداث‪ ،‬بشروط‪ :‬أولها‪ ،‬النقد الذاتي‪ ،‬أي‬ ‫كل واحـد لطريقـة تعاملـه سـواء‬ ‫مراجعـة ّ‬ ‫مـع المجتمـع أو مـع الطغيـان أو حتـى مع‬ ‫الحلفاء‪ ،‬علم ًا بأن خطاب تحمل المسؤولية‬ ‫يمر بسـهولة‪ .‬ثاني الشـروط‬ ‫هو خطاب ال ّ‬ ‫هـو االحتـكام إلـى العلـم والمعرفـة‪ ،‬وإذا‬ ‫توافر الشـرطان في الشـخص‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫فاعلا‪ .‬الشـرط‬ ‫القناعـة الراسـخة‪ ،‬يكـون‬ ‫ً‬ ‫الثالث هو ترشـيد التعامل مع البيئة‪ ،‬عبر‬ ‫ملفين اثنين‪ :‬ملف األخالقيات البيئية التي‬ ‫عـادة مـا تأتـي بعد وقوع الكوارث‪ ،‬سـواء‬ ‫ً‬ ‫فـي العالقـات االجتماعيـة أو الطبية‪ ...‬في‬ ‫عهـد سـقراط وأبقـراط أعطـي لهـا مفهـوم‬ ‫حورهـا السياسـيون‪ -‬ليـس‬ ‫ثـم َّ‬ ‫الفضيلـة ّ‬ ‫عندنـا فقـط‪ -‬إلى سـلطة جديدة من منطلق‬ ‫أنهم في جميع أنحاء العالم وعبر التاريخ‬ ‫يبيعون القرد ويضحكون على من اشتراه‪.‬‬ ‫هـي إذًا أخلاق بعديـة والمطلـوب للمضـي‬ ‫القبليـة‬ ‫قدمـ ًا هـو األخلاق االسـتباقية أو ْ‬

‫فـي التعامـل مع البيئـة ألن الطبيعة تنتقم‬ ‫لنفسـها‪ .‬مثالً‪ ،‬إذا دمرت غابة أركان اليوم‬ ‫يجـب البـدء بإعـادة غرسـها اآلن وانتظـار‬ ‫مليـون سـنة لكـي تعـود كمـا كانـت! ورش‬ ‫األخالقيـات ورش ضخـم وليـس قريب ًا وال‬ ‫حددنا اليوم ا ُألسس‬ ‫سهل اإلنجاز‪ ،‬لكن إذا َّ‬ ‫المرجعيـة لهـا مثـل سـقراط نكون قـد بدأنا‬ ‫االشـتغال فعالً‪.‬‬ ‫الشـرط الرابع‪ ،‬وهو الهدف الذي سـطر‬ ‫تقـدم بترشـيح المغـرب‬ ‫المغـرب حيـن َّ‬ ‫مـرة هـو إحـداث‬ ‫ألول‬ ‫الحتضـان الكـوب‬ ‫ّ‬ ‫للتغيرات المناخية ألن الحاجة ملحة‬ ‫مرصد‬ ‫ُّ‬ ‫إلـى تنسـيق دولـي شـمال‪/‬جنوب فـي هذا‬ ‫المجال‪ ،‬وفي توفير المعلومة المناخية في‬ ‫وقتها الحقيقي واستعمال الخبرة المالئمة‬ ‫تمكن في‬ ‫والتقنيات الموثوق فيها‪ ،‬بحيث ِّ‬ ‫نهايـة المطـاف مـن اتخـاذ القـرار المناخـي‬ ‫المناسـب في الوقت المناسـب‪.‬‬ ‫كبديل للفريق البيحكومي للمناخ السالف‬ ‫الذكـر‪ ،‬ينبغـي إحـداث فريـق (بيأكاديمـي)‬ ‫يتكـون مـن خبـراء وعلماء‬ ‫لدراسـة المنـاخ ّ‬ ‫في هذا الميدان ويعمل على التنسيق الدولي‬ ‫بين الباحثين والجامعات والمعاهد العلمية‬ ‫التي تشـتغل على المناخ‪ ،‬سـواء في دول‬ ‫الشمال أو دول الجنوب‪.‬‬


‫علــى امتداد القرن العشــرين‪ ،‬ارتفعت حرارة األرض درجة كاملة‪ .‬فأفــرز هذا االرتفاع مجموعة‬ ‫مــن الظواهر الطبيعية‪ ،‬ظهرت جلِّي ًا من خالل ذوبان القطبين المتجمدين الشــمالي والجنوبي‪،‬‬ ‫متطرفة‪ ،‬مثــل البرد القارس أو الحرارة المفرطة‪ ،‬وتواتر الكــوارث البيئية كالفيضانات‬ ‫وبــروز مناخات‬ ‫ِّ‬ ‫التغير الطــارئ في مناخ كوكب األرض بانفجار‬ ‫واألعاصيــر البحريــة والزوابع الرملية‪ ،‬إلخ‪ .‬إذ ُينذر هذا‬ ‫ُّ‬ ‫االستقرار الطبيعي خالل العقود المقبلة‪.‬‬

‫التغيُّر المناخي‪..‬‬ ‫المصير المجهول!‬ ‫محمد جليد‬ ‫فـي سـنة ‪ ،2008‬استبشـر الفالحـون‬ ‫فـي شـمال إفريقيـا باألمطار الغزيـرة التي‬ ‫تهاطلـت علـى المنطقـة أخيـراً‪ ،‬بعـد فتـرة‬ ‫جفـاف دامـت نحـو عقديـن مـن الزمـن‪ .‬لكن‬ ‫هطولهـا المتواصـل والبرودة الموازية لها‬ ‫تحوال إلى نقمة بعد أن حاال دون مباشـرة‬ ‫ُّ‬ ‫الحـرث والزراعـة وباقـي أعمـال الفالحـة‬

‫المرتبطـة بفصـل الخريـف‪ .‬حينهـا تسـاءل‬ ‫يسـتمر الجفـاف‬ ‫النـاس‪ :‬كيـف يعقـل أن‬ ‫ّ‬ ‫ثـم تتسـاقط األمطـار بلا‬ ‫سـنوات مديـدة‪ّ ،‬‬ ‫انقطـاع طيلـة شـهور؟ كان مشـهد المطـر‬ ‫المدرار يبعث القلق في النفوس‪ ،‬والحيرة‬ ‫فـي العقـول‪.‬‬ ‫بعـد تلـك السـنة‪ ،‬بـدأ يسـود الوعـي‪،‬‬

‫ليـس فقـط بيـن مواطنـي شـمال إفريقيـا‪،‬‬ ‫بـل فـي العالم أجمع‪ ،‬أن ما تشـهده األرض‬ ‫ليـس أمـرًا معتادًا أو معطى طبيعياً‪ .‬كانت‬ ‫تحـل بمناطق‬ ‫الكـوارث والمآسـي قد بدأت ّ‬ ‫كثيـرة مـن العالـم‪ ،‬أبرزها «التسـونامي»‪،‬‬ ‫ذلـك المـّد البحـري الـذي ضـرب شـواطئ‬ ‫آسـيا فـي أواخـر أيـام سـنة ‪ .2004‬إذ‬ ‫‪45‬‬


‫سـاهمت هـذه الكوارث والمآسـي في نشـر‬ ‫هـذا الوعـي بيـن النـاس البسـطاء‪ .‬وحتى‬ ‫ال تسـود حالـة البلبلـة‪ ،‬مـا كان علـى‬ ‫الخبـراء وعلمـاء المنـاخ‪ ،‬الذيـن كانـوا‬ ‫يعلمـون حقيقـة األمـر قبـل ذلـك بكثيـر‪،‬‬ ‫ّإل أن يخرجـوا مـن مختبراتهـم ليكشـفوا‬ ‫ويعممـوا المعلومات‬ ‫خبايـا حـال األرض‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫تغير‬ ‫وشـروحها وتفسيراتها حول ظواهر ُّ‬ ‫ال بالقاعدة التي تقول‪« :‬معرفة‬ ‫المناخ‪ ،‬عم ً‬ ‫األشـياء خيـر مـن جهلهـا»‪.‬‬ ‫كان علـى هـؤالء العلمـاء والخبـراء‬ ‫أن يحتـووا مظاهـر التشـكيك فـي ظاهـرة‬ ‫التغيـر المناخـي‪ ،‬قبـل أن يسـعوا إلـى‬ ‫ُّ‬ ‫تعريفهـا وتوسـيع دائـرة الوعـي بهـا‪.‬‬ ‫إذ كان هنـاك‪ ،‬إلـى جانـب المتشـبثين‬ ‫بالتفسـير الدينـي التقليـدي‪ ،‬مـن يـرى أن‬ ‫التغيـر المناخـي واهيـة‪ ،‬ذلـك ألن‬ ‫حجـج‬ ‫ُّ‬ ‫التحـوالت الطارئـة فـي السـنوات األخيرة‬ ‫ُّ‬ ‫التنوعـات‬ ‫مـن‬ ‫ا‬ ‫جـزء‬ ‫تكـون‬ ‫أن‬ ‫تعـدو‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫الطبيعيـة التـي يشـهدها منـاخ األرض‬ ‫ودرجـة حرارتهـا‪ .‬كمـا ال يوجـد فرق‪ ،‬عند‬ ‫التغيـر المناخـي وأي حـدث‬ ‫هـؤالء‪ ،‬بيـن‬ ‫ُّ‬ ‫طقسـي أو جـوي عـادي‪ ،‬مثـل األعاصيـر‬ ‫والعواصـف والزوابـع الرمليـة‪ ،‬إلـخ‪ .‬من‬ ‫التغيـر المناخـي‬ ‫هنـا‪ ،‬فاالهتمـام بآثـار‬ ‫ُّ‬ ‫والسـعي إلـى معالجتهـا يبقيـان أهـم مـن‬ ‫التأمـل‬ ‫عمليـة إقنـاع ال تحتـاج سـوى إلـى ُّ‬ ‫مليـ ًا فيمـا يجـري‪ .‬لكـن مـا الـذي يجـري‬ ‫حاليـاً؟‬ ‫التغيـر المناخـي! فهـذه‬ ‫ببسـاطة‬ ‫إنـه‬ ‫ُّ‬ ‫الظاهـرة‪ ،‬التـي ُيطَلـق عليهـا كذلـك اسـم‬ ‫«االحتبـاس الحراري»‪ُ ،‬تحيل على ارتفاع‬ ‫في متوسـط درجة حرارة سـطح األرض‪.‬‬ ‫التغير‬ ‫ثمة إجماع بين العلماء مفاده أن‬ ‫ُّ‬ ‫إذ ّ‬ ‫المناخـي يعـود أساسـ ًا إلـى تأثيـرات‬ ‫المـواد األحفوريـة‪،‬‬ ‫اسـتعمال اإلنسـان‬ ‫َّ‬ ‫مثـل الفحـم الحجـري والفحـم النفطـي‬ ‫األسـود والغـاز الطبيعـي والبتـرول؛ أي‬ ‫تلـك المـواد التـي تطلـق ثانـي أوكسـيد‬ ‫الكربون وباقي غازات االحتباس الحراري‬ ‫بكثافة في الهواء‪ .‬وهذه الغازات تشـترك‬ ‫بالحـرارة داخـل الغلاف الجـوي‪ ،‬فتلحـق‬ ‫كثيـر ًا مـن األضـرار بالنظـام البيئي‪ ،‬على‬ ‫هـذا النحـو أو ذاك‪ ،‬بمـا فـي ذلـك ارتفـاع‬ ‫مسـتويات البحـار وبـروز ظواهـر مناخية‬ ‫متطرفـة وتوالـي سـنوات الجفـاف وكثرة‬ ‫ِّ‬ ‫الحرائـق‪ ،‬إلـخ‪.‬‬ ‫التغيـر‬ ‫غيـر أن هنـاك مـن يـرى أن هـذا‬ ‫ُّ‬ ‫‪46‬‬

‫قد يحدث‪ ،‬كذلك‪ ،‬بسـبب الطبيعة نفسـها؛‬ ‫أي بسـبب اختلال التـوازن بيـن الطاقـة‬ ‫التي مصدرها الشـمس‪ ،‬وتلك التي تغادر‬ ‫النظـام األرضـي‪ .‬ذلـك أن األرض ينبغـي‬ ‫أن ترسـل مـن الطاقـة إلـى األجـواء العليـا‬ ‫قـدر مـا تسـتقبله من الشـمس‪ .‬وكلما اختل‬ ‫التـوازن بيـن اسـتقبال الطاقـة وإعـادة‬ ‫إرسـالها‪ ،‬انعكـس ذلـك علـى حـرارة‬ ‫سـطح األرض‪ .‬إذ تكمـن قـوة هـذه الحجـة‬ ‫التغيـرات المناخية التي‬ ‫تفسـر‬ ‫ُّ‬ ‫فـي كونهـا ِّ‬ ‫شـهدتها األرض قبـل ظهـور آثـار عصـر‬ ‫الصناعـة وتفشـيها فـوق سـطح األرض‪.‬‬ ‫توصـل العلمـاء‪ ،‬فـي هـذا الباب‪ ،‬إلى‬ ‫وقـد َّ‬ ‫نتائـج باهـرة اسـتخلصوها مـن دراسـة‬ ‫التغيـرات الحاصلـة في مدار األرض حول‬ ‫ُّ‬ ‫الشمس‪ ،‬ومن تحليل محاور الجليد وطول‬ ‫األنهـار الجليدية وحلقات جذوع األشـجار‬ ‫وأنويـة اللقـى والبقايا األثرية وترسـبات‬ ‫المحيطـات‪ ،‬إلـخ(‪ .)1‬هنا‪ ،‬يالحظ العلماء‬ ‫أن حجم انبعاثات ثاني أوكسـيد الكربون‬ ‫لـم يتجـاوز ‪ 300‬جـزيء فـي المليـون منذ‬ ‫ظهـور الحضـارة اإلنسـانية منـذ نحـو ‪10‬‬ ‫آالف سـنة إلـى بدايـة القـرن العشـرين‪.‬‬ ‫التغيرات‬ ‫يفسـر العلماء‬ ‫فض ً‬ ‫ُّ‬ ‫ال عن هذا‪ِّ ،‬‬ ‫المناخيـة التـي سـبقت الثـورة الصناعيـة‬ ‫فـي القـرن السـابع عشـر أيضـ ًا بالرجـوع‬ ‫إلى أسباب طبيعية أخرى‪ ،‬ومنها الطاقة‬ ‫والتغيرات‬ ‫الشمسـية والثـورات البركانية‬ ‫ُّ‬ ‫الطبيعيـة لغـازات االحتبـاس الحـراري‪،‬‬ ‫التغيـر المناخـي‬ ‫إلـخ‪ .‬لكنهـم ال يـرون فـي‬ ‫ُّ‬ ‫الراهن نتاج ًا لألسـباب الطبيعية وحدها‪،‬‬ ‫تبين أبحاثهم أن للنشاط اإلنساني‪،‬‬ ‫حيث َّ‬ ‫وخاصـة منـذ منتصـف القـرن العشـرين‪،‬‬ ‫تغيـر منحـى‬ ‫دور ًا كبيـر ًا ومؤثِّـر ًا فـي ُّ‬ ‫المنـاخ‪ .‬إذ يتجلَّـى هـذا الـدور مـن خلال‬ ‫عرقلـة عمليـة تبادل الطاقة الشمسـية بين‬ ‫األرض والغلاف الجـوي‪ ،‬علـى اعتبار أن‬ ‫األنشـطة البشـرية‪ ،‬مثل اجتثـاث الغابات‬ ‫والتعميـر المفـرط والمنشـآت الصناعيـة‬ ‫تغير مناخ‬ ‫وغيرهـا‪ ،‬غالبـ ًا ما تسـاهم فـي ُّ‬ ‫األمكنـة التـي تحصـل فيهـا هذه األنشـطة‪.‬‬ ‫وكلما اتسعت دائرة هذه األنشطة‪ ،‬اختلَّت‬ ‫دورة المناخ العادي واتسعت دائرة آثاره‬ ‫المباشـرة وغير المباشـرة‪.‬‬ ‫أضـف إلـى هـذا أن األنشـطة البشـرية‬ ‫سـاهمت‪ ،‬علـى العمـوم‪ ،‬فـي ارتفـاع عـدد‬ ‫جسيمات األيروسول في الغالف الجوي‪-‬‬ ‫وهـو عبـارة عـن كتـل جزيئيـة عالقـة فـي‬

‫الجـو‪ .‬فـي هـذا السـياق‪ ،‬يـرى العلمـاء أن‬ ‫أثـر عـدد الجسـيمات التـي أفرزها النشـاط‬ ‫التغيـر‬ ‫قـدر أثـره فـي‬ ‫البشـري فـي الجـو ُي ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫المناخـي بنحـو الثلـث مـن مجمـوع آثـار‬ ‫انبعـاث غـازات االحتبـاس الحـراري‪ .‬إذ‬ ‫تركـز ثانـي أوكسـيد‬ ‫يقـول العلمـاء إن ّ‬ ‫الكربـون بلـغ ‪ 400‬جـزيء فـي المليـون‪،‬‬ ‫وهـو مسـتوى لـم يصلـه منـاخ األرض منذ‬ ‫‪ 400‬ألـف سـنة‪ .‬لكـن مـا ُيثير االسـتغراب‬ ‫هو أن العلماء يرون أن تقليص انبعاثات‬ ‫األيروسـول سـيؤدي إلـى مزيـد مـن‬ ‫االحتبـاس بـدل الحـّد منـه؛ فيمـا سـينتهي‬ ‫تقليص انبعاثات غاز الكربون إلى نتيجة‬ ‫إيجابيـة(‪.)2‬‬ ‫اآلن‪ ،‬بعد هذه الشروح حول تمظهرات‬ ‫التغيـر المناخـي‪ ،‬نصـل إلـى مـا يمكـن أن‬ ‫ُّ‬ ‫يحدثه من آثار‪ .‬ال شـك أن ارتفاع ًا طفيف ًا‬ ‫فـي حـرارة سـطح األرض قـد ينتهـي إلـى‬ ‫بين‬ ‫عواقب وخيمة‪ .‬فالواقع الراهن‪ ،‬كما ُت ِّ‬ ‫نتائـج البحـث فـي الظـروف المناخيـة‪،‬‬ ‫يكشـف أن حـرارة سـطح األرض ارتفعـت‬ ‫بــ‪ 1.4‬درجـة طـوال القـرن الماضـي‪،‬‬ ‫وهـي مرشـحة ألن ترتفـع أكثـر‪ ،‬لتصـل‬ ‫إلـى ‪ 11.5‬درجـة خلال القـرن المقبـل‪ ،‬إذا‬ ‫ظلَّـت األمـور علـى حالهـا‪ .‬قـد تبـدو هـذه‬ ‫الدرجة مفرطة في المبالغة‪ ،‬لكن متوسط‬ ‫الحـرارة الحاليـة يزيـد بأربـع درجات عما‬ ‫كان عليـه األمـر خلال العصـر الجليـدي‬ ‫األخيـر‪ .‬ومـن نتائـج ذلـك‪ ،‬ال محالـة‪،‬‬ ‫ذوبـان القطبيـن الجليدييـن الشـمالي‬ ‫والجنوبـي‪ ،‬ممـا سـيرفع مسـتوى البحـار‬ ‫والمحيطـات‪ .‬وينبغـي ّأل يخفـى علينـا‪،‬‬ ‫كذلك‪ ،‬أن ارتفاع درجة حرارة المحيطات‬ ‫سيؤدي إلى عواصف وفيضانات هوجاء‪،‬‬ ‫متطرفة‪ ،‬مثل البرد‬ ‫وإلـى ظواهـر مناخيـة‬ ‫ِّ‬ ‫القاسي أو الحرارة المفرطة‪ ،‬وإلى حرائق‬ ‫تأتـي علـى األخضـر قبـل اليابـس‪ ،‬وإلـى‬ ‫مـدود بحريـة هائجـة‪ ،‬إلـخ‪.‬‬ ‫فـي هـذا السـياق‪ ،‬تتوقـع الهيئـة‬ ‫بالتغيـر‬ ‫الحكوميـة الدوليـة المعنيـة‬ ‫ُّ‬ ‫التغير‬ ‫المناخـي (‪ )IPCC‬أن تـزداد مظاهر‬ ‫ُّ‬ ‫المناخـي وتداعياتـه‪ ،‬وأن ترتفـع تكلفتـه‬ ‫خلال العقـود المقبلـة‪ ،‬وربمـا طيلـة‬ ‫القـرن الحـادي والعشـرين كذلـك‪ .‬فعلـى‬ ‫سـبيل المثـال‪ ،‬سـجلت الهيئـة زيـادة فـي‬ ‫والحـر بمعـدل وتقلـص‬ ‫مواسـم الصقيـع‬ ‫ّ‬ ‫فتـرات الرطوبـة واالعتـدال المناخـي التي‬ ‫تسـمح بممارسـة النشـاط الزراعـي فـي‬


‫عـدد مـن البلدان‪ ،‬ومنهـا الواليات المتحدة‬ ‫تغيـر ًا واضحـ ًا‬ ‫األميركيـة‪ .‬كمـا الحظـت ُّ‬ ‫فـي انتظـام تسـاقط األمطـار وكثافتهـا‬ ‫وأماكنهـا‪ ،‬مشـيرة إلـى مـا ينتـج عـن ذلك‬ ‫تتعـود‬ ‫مـن فيضانـات تضـرب بلدانـ ًا لـم‬ ‫َّ‬ ‫علـى الطقـس الماطـر‪ ،‬أو جفـاف طويـل‬ ‫يحـل بالمناطـق الزراعيـة والخضـراء‪ ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫تصحـر يزحـف علـى المسـاحات الصالحـة‬ ‫ُّ‬ ‫فضلا عـن هـذا‪ ،‬ظلَّـت‬ ‫للزراعـة‪ ،‬إلـخ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كثافة أعاصير المحيط األطلسـي الشمالي‬ ‫وتواترهـا ومدتهـا تسـجل ارتفاعـ ًا متزايـد ًا‬ ‫منـذ الثمانينيـات‪ .‬وتبقـى خطورتهـا‬ ‫مرشـحة ألن تتفاقـم خلال السـنوات‬ ‫والعقود المقبلة‪ ،‬حسـبما تراه هذه الهيئة‬ ‫أسسـتها األمـم المتحـدة سـنة ‪1988‬‬ ‫التـي َّ‬ ‫«لتقديـم تقديـرات شـاملة لحالـة الفهـم‬ ‫والفنّـي واالجتماعي واالقتصادي‬ ‫العلمـي َ‬ ‫لتغير المناخ وأسبابه وتأثيراته المحتملة‬ ‫ُّ‬ ‫التغيـر»‪.‬‬ ‫واسـتراتيجيات االسـتجابة لهـذا‬ ‫ُّ‬

‫فـي حيـن‪ ،‬ارتفـع مسـتوى البحـر‬ ‫بأكثـر مـن عشـرة سـنتيمترات‪ ،‬حيـث مـن‬ ‫المحتمـل أن يتواصـل ارتفاعـه ليصـل‬ ‫إلـى أربـع أقـدام مـع حلـول سـنة ‪،2100‬‬ ‫وذلـك نتيجـة ذوبـان الجليـد فـي القطبين‬ ‫الشـمالي والجنوبـي‪ .‬إذ يعتقـد العلماء أن‬ ‫القطـب الشـمالي سـيخلو تمامـ ًا مـن الجليد‬ ‫منتصـف القـرن الجـاري‪ .‬هكـذا‪ ،‬ستشـهد‬ ‫األرض خلال العقـود المقبلـة‪ ،‬نتيجـة‬ ‫ارتفـاع مسـتوى البحـر‪ ،‬عواصـف ومدود ًا‬ ‫بحريـة هائجـة‪ ،‬بـل سـتغمر ميـاه البحـر‬ ‫وربما مساحات‬ ‫بعض شـواطئ اليابسـة‪َّ ،‬‬ ‫صالحـة الزراعـة‪ ،‬فـي حـال أصبـح معدل‬ ‫حرارة سطح األرض أكثر من درجتين‪ .‬ما‬ ‫من شك حينها أن تتوقَّف حركة الموانئ‪،‬‬ ‫مثالً‪ ،‬ما أن تستقر هاتان الدرجتان نهائياً‪.‬‬ ‫مـا مـن شـك أن مصيـر ًا مجهـو ًال ينتظـر‬ ‫الجميع‪ ،‬ما لم يغير سكان األرض معادلة‬ ‫الخدمة بين اإلنسان واألرض‪ :‬فهل سيخدم‬

‫اإلنسـان األرض في األعوام المقبلة؟ نعم‪.‬‬ ‫عليه أن يفعل‪ّ ،‬‬ ‫وإل عليه أن يواجه نتائج‬ ‫التغير المناخي المجهولة‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪1- IPCC (2013). Climate Change 2013:‬‬ ‫‪The Physical Science Basis. Contribution‬‬ ‫‪of Working Group I to the Fifth Assess‬‬‫‪ment Report of the Intergovernmental‬‬ ‫‪Panel on Climate Change [Stocker, T.F.,‬‬ ‫‪D. Qin, G.-K. Plattner, M. Tignor, S.K.‬‬ ‫‪Allen, J. Boschung, A. Nauels, Y. Xia, V.‬‬ ‫‪Bex and P.M. Midgley (eds.)]. Cambridge‬‬ ‫‪University Press, Cambridge, United‬‬ ‫‪Kingdom and New York, NY, USA.‬‬ ‫‪2- USGCRP (2014). Climate Change‬‬ ‫‪Impacts in the United States: The Third‬‬ ‫‪National Climate Assessment. (Melillo,‬‬ ‫‪Jerry M., Terese (T.C.) Richmond, and‬‬ ‫‪Gary W. Yohe, Eds). U.S. Global Change‬‬ ‫‪Research Program.‬‬

‫‪47‬‬


‫الفاعل المدني في ُم َواجهة‬ ‫مناخية‬ ‫التغيُّرات ال ُ‬ ‫حسن الهيثمي‬ ‫ُيْمكن أن َت ُكون البداية تجربة رائدة بمدينة‬ ‫للم ْغـرب)‪ ،‬في‬ ‫الرشـيدية (الجنوب الشـرقي َ‬ ‫الم ْجتمـع المدنـي بتدبيـر‬ ‫َعالقـة َجْمعيـات ُ‬ ‫فبعدمـا كانـت تضيـع مـن‬ ‫الم َجـال البيئـي‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ميزانية ُمهمة لصيانة َحَدائق األحياء‬ ‫البلدية َ‬ ‫وتْدميرها‪،‬‬ ‫ون أي فائدة‪َ ،‬حْيث يتم ْ‬ ‫إهَمالها َ‬ ‫ُد َ‬ ‫تم عقد اتفاقيات شراكة مع جمعيات األحياء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مـن أجل تهيئـة الحدائق‪.‬‬ ‫وطْبعـ ًا الغـرض مـن تكليـف الجمعيـات‬ ‫َ‬ ‫بحدائـق الحـي وفضاءاتـه العموميـة‪ ،‬هـو‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل ُمباشر في االهتمام‬ ‫إشـراك الساكنة‬ ‫بمحيطها بنفسـها‪ ،‬حيث لم َيتم َت ْسـجيل أي‬ ‫اعتـداء علـى األشـجار أو عبـث باألغـراس‬ ‫والعشـب كمـا كان فـي السـابق‪.‬‬ ‫والـورود ُ‬ ‫َهـذه واحـدة مـن التجـارب المغربيـة‬ ‫الكثيرة التي ُيْمكن تعميمها على باقي المدن‬ ‫المغربيـة‪ ،‬وبإمكانهـا ُم َسـاعدة الجماعـات‬ ‫الترابيـة مـن خلال تعبئـة المواطنيـن‬ ‫الم َشاريع التي تتعلَّق‬ ‫والمواطنات لحماية َ‬ ‫بتهيئة المجال البيئي ومحاربة التلوث‪ ،‬كما‬ ‫أن من شأن َهذه الشراكة تعزيز األدوار التي‬ ‫المْملكة المغربية لسنة ‪2011‬‬ ‫خولها ُد ْستور َ‬ ‫المدنـي فـي صناعـة القـرار‪ ،‬مـن‬ ‫للم ْجتمـع َ‬ ‫ُ‬ ‫خالل وجود مجموعة من اآلليات القانونية‬ ‫المدني من‬ ‫المجتمع َ‬ ‫َ‬ ‫الم ْوضوعة َرهن إشارة ُ‬ ‫أجـل االضطلاع بـأدوار محوريـة في مجال‬ ‫‪48‬‬

‫المناخية‪،‬‬ ‫حماية البيئة ومكافحة‬ ‫ُّ‬ ‫التغيرات ُ‬ ‫والتـي بإمكانها إضفاء الشـرعية القانونية‬ ‫للمجتمع المدني فيما يتعلَّق بمواصلة تعبئة‬ ‫ُمكوناتـه لمـا بعد قمة «كـوب ‪.»22‬‬ ‫َقبل بسط هذه الترسانة القانونية‪ ،‬يجب‬ ‫اإلشـارة إلـى أن ظاهـرة العمـل الجمعـوي‬ ‫بالمغـرب‪ ،‬ترتبـط بسـيرورة التمديـن‬ ‫الحديثـة التـي شـهدها المجتمـع منـذ الفتـرة‬ ‫الكولونيالية‪ّ ،‬إل أنه بعد مرور سنوات من‬ ‫الصراع مع الفاعل المدني ألسباب سياسية‬ ‫قبلت الدولة بتفويض جزء من السلطة التي‬ ‫تمسـك بهـا لفائـدة المجتمـع المدنـي‪ّ ،‬إل أن‬ ‫ـل فـي دائـرة ضيقـة تتعلَّـق بتنفيـذ‬ ‫ذلـك َظ ّ‬ ‫بعض المشاريع التنموية المحدودة‪ ،‬حيث‬ ‫ال نجد في المجال البيئي عندما نلقي إطاللة‬ ‫سريعة على عشرات الجمع��ات ضمن أزيد‬ ‫مـن ‪ 133‬ألـف جمعيـة توجـد بالمغـرب نجـد‬ ‫عملها يقتصر في الغالب على تنظيم حمالت‬ ‫للنظافة‪ ،‬وخرجات لألطفال وأنشطة أخرى‬ ‫نازلة إلى المجتمع غير صاعدة إلى الدولة‪،‬‬ ‫ظل عالقة المجتمع المدني مع الدولة‬ ‫حيث َت ّ‬ ‫كسـلطة مضـادة عالقـة ضعيفـة جـداً‪ ،‬وقـد‬ ‫يعزى ذلك إلى ضعف كفاءة الفاعل المدني‬ ‫القانونية لتقوم‬ ‫وأيضـ ًا إلـى غياب اآلليـات َ‬ ‫جمعيات المجتمع المدني والمواطنين بدور‬ ‫الفاعـل الجديـد القـادر علـى المشـاركة فـي‬ ‫صناعـة القرار العمومي‪.‬‬

‫غيـر أن الترسـانة القانونيـة المتوافـرة‬ ‫حاليـ ًا بالمغـرب تجعـل المجتمـع المدنـي‪،‬‬ ‫قادرًا على الضغط‪ ،‬ففي الموضوع المتعلِّق‬ ‫المناخية ال يكفي تنظيم‬ ‫بمواجهة‬ ‫ُّ‬ ‫التغيرات ُ‬ ‫ُ‬ ‫وقفـات احتجاجيـة والقيـام بحمالت نظافة‬ ‫هنا وهناك‪ ،‬بل يجب المسـاهمة في تعديل‬ ‫القوانيـن المتعلِّقـة بالبيئة‪ ،‬فلماذا لم ينتبه‬ ‫المجتمـع المدنـي قبـل البرلمـان والحكومـة‬ ‫إلـى ضرورة إصـدار قانون يحظر األكياس‬ ‫البالسـتيكية؟ ولمـاذا لـم يتابـع فضيحـة‬ ‫اسـتيراد أطنـان مـن النفايـات اإليطاليـة‬ ‫وحرقهـا فـي معامـل اإلسـمنت؟ وغيرهـا من‬ ‫القضايا التي ال ُيمكن أن تترافع فيها سوى‬ ‫جمعيات قادرة على التكتل وتشكيل «لوبي»‬ ‫قادر على الضغط بالوسائل القانونية على‬ ‫البرلمان والحكومة‪ ،‬فما هي هذه الوسـائل‬ ‫التي يمكن أن يتسلَّح بها الفاعل المدني من‬ ‫المناخية؟‪.‬‬ ‫أجـل مواجهة‬ ‫ُّ‬ ‫التغيـرات ُ‬

‫فَتح باب التشريع في وجه‬ ‫المواطنين‬ ‫خـول دسـتور المملكـة المغربيـة لسـنة‬ ‫َّ‬ ‫للمواطـن أدوارًا مهمـة فـي صناعـة‬ ‫‪ُ 2011‬‬ ‫القـرار العمومـي‪ ،‬ففـي تجربـة ُتعـّد سـابقة‬ ‫المسـتوى العالـم العربـي‪ ،‬أصبح من‬ ‫علـى ُ‬


‫حـق المواطنـات والمواطنيـن المغاربـة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تقديـم ملتمسـات فـي التشـريع وعرائـض‬ ‫العموميـة‪ ،‬وهـي‬ ‫شـعبية إلـى السـلطات ُ‬ ‫مـن الحقـوق الدسـتورية التـي َجـاءت بهـا‬ ‫المراجعة الدسـتورية َبعد ِ‬ ‫الحراك الشـعبي‬ ‫لــ‪ 20‬فبرايـر ‪ ،2011‬ومـن شـأن ذلـك جعـل‬ ‫الم َواطـن فـي قلـب اتخـاذ القـرار مـن خلال‬ ‫ُ‬ ‫ممارسـة حقّـه الدسـتوري الـذي تكفلـه لـه‬ ‫مقتضيـات القانونيـن التنظيمييـن اللذيـن‬ ‫يعتبـران مـن القوانيـن المكملـة للدسـتور‪،‬‬ ‫ويتعلَّـق األول بتحديـد شـروط وكيفيـات‬ ‫الحـق فـي تقديـم الملتمسـات فـي‬ ‫ممارسـة‬ ‫ّ‬ ‫مجـال التشـريع‪ ،‬والثانـي بتحديـد شـروط‬ ‫الحق في تقديم العرائض‬ ‫وكيفيات ممارسة ّ‬ ‫إلـى السـلطات العموميـة‪.‬‬ ‫وإذا كان هـذان القانونـان التنظيميـان‪،‬‬ ‫يشكالن ثورة حقيقية على مستوى تفعيل‬ ‫ِّ‬ ‫الديموقراطيـة التشـاركية‪ ،‬وتصحيـح‬ ‫العالقـة التـي تربـط الدولـة بالمجتمـع‪،‬‬ ‫فيْمكـن اسـتخدام آليـة تقديـم ملتمسـات في‬ ‫ُ‬ ‫التشـريع مـن ِقَبـل المواطنيـن فـي مجـال‬ ‫المناخيـة لتمكينهـم مـن‬ ‫مواجهـة‬ ‫ُّ‬ ‫التغيـرات ُ‬ ‫اقتراح قوانين جديدة أو تعديل أخرى قائمة‬ ‫أو إلغائها على ِغرار المبادرة في التشـريع‬ ‫لـكل مـن الحكومـة والبرلمـان‪.‬‬ ‫المخولـة ّ‬ ‫كما يمكنهم أيض ًا اللجوء إلى آلية تقديم‬ ‫العمومية من أجل‬ ‫العرائـض إلـى السـلطات ُ‬ ‫تـم‬ ‫حقّهـم فـي بيئـة سـليمة‪ ،‬وبهـذه اآلليـة ّ‬ ‫يقدم فيها المواطنون‬ ‫القطع مع مرحلة كان ِّ‬ ‫شـكايات واسـتعطافات إلـى اإلدارة‪ ،‬حيث‬ ‫يكـون مصيرهـا فـي نهايـة المطـاف سـلَّة‬ ‫المهملات‪ ،‬وتدشـين مرحلـة جديـدة يتـم‬ ‫فيها تقديم العرائض الشعبية إلى السلطات‬ ‫العمومية التي تجد نفسـها ملزمة دسـتوري ًا‬ ‫محددة‬ ‫وقانونيـ ًا بتقديـم الجواب في آجـال َّ‬ ‫ومضبوطـة‪ ،‬وفـق مسـار ينظمـه عـدد مـن‬ ‫القواعـد القانونيـة والتنظيمية‪ ،‬ومن شـأن‬ ‫َذلـك تعزيـز المزيـد مـن الثقـة بيـن اإلدارة‬ ‫والمواطن‪.‬‬

‫َشاريع قوانين مساعدة‬ ‫م َ‬ ‫تنتظر اإلفراج‬ ‫للمجتمع‬ ‫من اآلليات القانونية التي يمكن ُ‬ ‫المدنـي االسـتناد إليهـا مـن أجـل االنخـراط‬ ‫المناخيـة‪،‬‬ ‫الفعـال فـي مواجهـة‬ ‫ُّ‬ ‫التغيـرات ُ‬ ‫مـا يتوقـع الفاعـل المدنـي اإلفـراج عنـه مـن‬ ‫منظومـة قانونيـة ُمتكاملـة‪ ،‬وتضـم ِعـّدة‬

‫مشـاريع قوانيـن رائـدة‪ ،‬من بينها َمشـروع‬ ‫قانون إطار للتشاور العمومي يلزم بدرجات‬ ‫مؤسسـات الدولة باالستشارة مع‬ ‫متفاوتة َّ‬ ‫الفاعـل المدنـي‪ ،‬إلـى جانب مشـروع مدونة‬ ‫الحيـاة الجمعويـة التـي أخـذت مسـارها‬ ‫وبـكل تأكيـد بعـد‬ ‫التشـريعي قبـل سـنة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ستشـكل نقلـة‬ ‫الوجـود‬ ‫إخراجهـا إلـى َح ِّيـز‬ ‫ِّ‬ ‫نوعيـة فـي مـا يربـط الدولـة بجمعيـات‬ ‫المجتمـع المدنـي‪ ،‬ومسـاهمة هـذا الفاعـل‬ ‫ُ‬ ‫الجديـد فـي مواجهـة التهديـدات واألخطـار‬ ‫قل على‬ ‫التـي تواجـه كوكـب األرض علـى ا َأل ّ‬ ‫مسـتوى التـراب المغربـي‪.‬‬ ‫كل مـا سـبق يتعلَّـق باآلليـات القانونية‬ ‫ّ‬ ‫الموضوعـة رهـن إشـارة المواطنيـن‬ ‫والمواطنـات علـى المسـتوى الوطنـي مـن‬ ‫أجـل المسـاهمة فـي التشـريع‪ ،‬والضغـط‬ ‫بطريقـة قانونيـة علـى باقـي الفاعليـن فـي‬ ‫الدولة‪ ،‬كما توجد ترسانة قانونية تتضمنها‬ ‫القوانين التنظيمية التي هي قوانين مكملة‬ ‫َ‬ ‫للدسـتور وتتعلَّـق بالجماعـات الترابيـة‪،‬‬ ‫ويمكـن الحديـث فـي هـذا الصدد عـن اآلليات‬ ‫التشاركية للحوار والتشاور التي من شأنها‬ ‫تكريـس الديموقراطيـة التشـاركية‪.‬‬

‫اآلليات التشاركية على‬ ‫المستوى الترابي‬ ‫ينـص الفصـل ‪ 19‬مـن دسـتور ‪،2011‬‬ ‫ّ‬ ‫علـى أن الجمعيـات تسـاهم في إعـداد قرارات‬ ‫المؤسسات المنتخبة والسلطات‬ ‫ومشاريع لدى‬ ‫َّ‬ ‫العموميـة‪ ،‬إلـى جانـب تفعيلهـا وتقييمهـا‪،‬‬ ‫وبالنسبة للمشاركة المواطنة على المستوى‬ ‫فينص الفصل ‪ 136‬من الدستور على‬ ‫الترابي ّ‬ ‫أن التنظيم الجهوي والترابي للمملكة المغربية‬ ‫ُيؤمـن مشـاركة السـكان المعنييـن فـي تدبير‬ ‫شـؤونهم والرفع من مسـاهمتهم في التنمية‬ ‫تنـص‬ ‫البشـرية المندمجـة والمسـتدامة‪ ،‬كمـا ّ‬ ‫مقتضيات الفصل ‪ 139‬من الدسـتور على أن‬ ‫مجالـس الجماعـات تحـدث آليـات تشـاركية‬ ‫للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنات‬ ‫والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج العمل‬ ‫وتتبعهـا طبق الكيفيات المحـددة في النظام‬ ‫الداخلي للجماعة‪.‬‬

‫حقّ تقديم العرائض على‬ ‫المستوى المحلي‬ ‫الحـق علـى أحـكام الفقـرة‬ ‫يتأسـس هـذا‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬

‫الثانية من الفصل ‪ 139‬من الدسـتور والذي‬ ‫بمقتضـاه يمكـن للمواطنـات والمواطنيـن‬ ‫محددة‪،‬‬ ‫يقدموا وفق شروط َّ‬ ‫والجمعيات أن ِّ‬ ‫المجلس‬ ‫مطالبة‬ ‫منها‬ ‫الهدف‬ ‫َعرائض يكون‬ ‫َ‬ ‫بـإدراج نقطـة تتدرج فـي صالحياته ضمن‬ ‫تم تحديد ُشروط كيفيات‬ ‫جدول أعماله‪ .‬كما ّ‬ ‫تقديـم الجمعيـات العرائـض‪ ،‬ومن بينها أن‬ ‫يكون نشـاطها مرتبط ًا بموضوع العريضة‬ ‫ممـا يدعو المواطنين والمواطنات الراغبين‬ ‫التغيرات‬ ‫للمساهمة في مواجهة‬ ‫في‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫التطوع ُ‬ ‫المناخية إلى تأسيس َجمعيات تشتغل في‬ ‫ُ‬ ‫المجال البيئي‪.‬‬ ‫أمـا عـن كيـف يمكـن للمجتمـع المدنـي‬ ‫مواصلـة تعبئـة ُمكوناتـه لمـا بعـد مؤتمـر‬ ‫األطـراف «كـوب ‪ »22‬المنعقـد بمراكـش‬ ‫لإلسـهام فـي بلـورة أفـكار حـول الحلـول‬ ‫الكفيلـة بإرسـاء اسـتراتيجيات مشـتركة‬ ‫والحـّد مـن آثارهـا‬ ‫لمواجهـة هـذه‬ ‫ُّ‬ ‫التغيـرات َ‬ ‫ُ‬ ‫السلبية‪ ،‬فإلى جانب هذه اآلليات القانونية‪،‬‬ ‫ال بد من تمكين المجتمع المدني من حقّه في‬ ‫ينص الفصل‬ ‫الحصول على المعلومات‪ ،‬كما ّ‬ ‫الحـق فـي الحصـول‬ ‫‪ 27‬مـن الدسـتور علـى ّ‬ ‫يحدد الهيئات المعنية‬ ‫علـى المعلومـات كما ِّ‬ ‫بذلـك ويضـع التوجيهـات العامـة الخاصـة‬ ‫الحـق ويحيـل‬ ‫باالسـتثناءات المقيـدة لذلـك ّ‬ ‫بالنسـبة للباقي إلى القانون‪ ،‬وأيض ًا يجب‬ ‫اعتمـاد نظام التشـبيك وتجميـع الجمعيات‬ ‫العاملـة فـي مجـال البيئـة حتـى ال يتشـتت‬ ‫جهدهـا‪ ،‬كمـا يجـب تأهيـل الفاعـل المدنـي‬ ‫ليكون قادرًا على التعامل بندية مع الشركات‬ ‫الكبـرى التـي تتسـبب فـي التلـوث‪ ،‬وأيضـ ًا‬ ‫تسـهيل ولـوج جمعيـات المجتمـع المدنـي‬ ‫إلـى القضـاء وتنصيـب نفسـها طرفـ ًا مدنيـ ًا‬ ‫للترافع في قضايا ترتبط بالجرائم المرتكبة‬ ‫ضـد البيئة‪ ،‬وأيض ًا إشـراك هذه الجمعيات‬ ‫فـي مناقشـة مشـاريع ومقترحـات القوانين‬ ‫والم ْعروضة على البرلمان‪،‬‬ ‫المتعلِّقة بالبيئة َ‬ ‫وتمكين أعضائها من حضور أشغال اللجان‬ ‫البرلمانيـة ليكونـوا علـى درايـة بمسـطرة‬ ‫التشـريع المتعلِّقـة بالقوانيـن والبيئة‪ ،‬كما‬ ‫اإلعالم‬ ‫أنـه من المفيـد تخصيص برامج في ْ‬ ‫العُمومي لمواكبة عمل الجمعيات العاملة في‬ ‫ُ‬ ‫البيئـة وعدم االقتصار على تسـليط الضوء‬ ‫عليها بشـكل مناسـباتي فقط‪.‬‬ ‫‪49‬‬


‫لوحات الملف للفنانة شيرين نشأت‬ ‫‪50‬‬


‫ملف‬

‫الحروب‬ ‫اللُّغوية‬ ‫وموت‬ ‫اللّغات!‬

‫لم تتوقَّف اللّغة في الواقع االتصالي والتقني الجديد عند حدود الوظيفة التواصلية‪ ،‬وإنما‬ ‫ُّغوي من الكثافة الرمزية ما جعل الدارسين وعموم المتكلِّمين ينظرون إلى‬ ‫غدا للشأن الل ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫فاستقرت في أوساط الباحثين‬ ‫الرمزية‪.‬‬ ‫االعتبارات‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ته‬ ‫غ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫كل‬ ‫أو‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫لغاتهم‬ ‫َّ‬ ‫بمعيارية َ ْ ُ َ ُ‬ ‫ّ‬ ‫أقرها تواترها‪ ،‬ومفادها نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ‪ .‬وإنما أساس‬ ‫استعارة طريفة ّ‬ ‫كل اعتبــارات المعنى‪ .‬وبهذا‬ ‫كل الرمزيات‪،‬‬ ‫أن اللّغــة‬ ‫والمســتحوذ على ّ‬ ‫مســتودع ّ‬ ‫ِ‬ ‫ذلــك ّ‬ ‫َ‬ ‫كل أشــكال الصراع الرمزية اليوم‪ ،‬وشأن قضايا مثل‬ ‫االعتبار يســتقطب‬ ‫ُّغوي ّ‬ ‫الشــأن الل ّ‬ ‫ُ‬ ‫الهويات‪ .‬فلذلك اختزل‬ ‫صراع‬ ‫من‬ ‫اإلطار‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫تقع‬ ‫أنها‬ ‫ّغات‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫وموت‬ ‫الحروب اللُّغوية‬ ‫ّ‬ ‫ُّغوي»‪ ،‬وهو مستوى من‬ ‫بعض الباحثين هواجس المسألة اللُّغوية في مصطلح «األمن الل ّ‬ ‫تتحصن‬ ‫كل أشكال األمن الرمزية األخرى ويستقطبها؛ إذ الكيانات التي لم‬ ‫األمن يختزل ّ‬ ‫ّ‬ ‫مهددة في ُن ْسغ ثقافتها‪.‬‬ ‫لغوي ًا هي كيانات َّ‬ ‫إن األوساط العلمية اللّسانية اليوم َلتتلقّى المعطيات اإلحصائية عن اللّغات بدرجة من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتخصص أيض ًا يتلقّى‬ ‫غير‬ ‫أن‬ ‫شــك‬ ‫ال‬ ‫الذي‬ ‫الفجيعة‬ ‫حس‬ ‫تحاكي‬ ‫العلمية‬ ‫المســؤولية‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫كل أشــكال الموت فاجعة‪ ،‬فال ّ‬ ‫أن أشّد أشكال‬ ‫عينة‪ ،‬فلئن كانت ّ‬ ‫شــك ّ‬ ‫به خبر موت لغة ُم َّ‬ ‫كل معاني الحياة والموت‪.‬‬ ‫نعبر عن ّ‬ ‫الموت وقع ًا في النفس هو المتعلِّق باألداة التي بها ِّ‬ ‫كل حوالي ‪ 14‬يوماً‪،‬‬ ‫تقدمها المنظمات الدولية تشير إلى انقراض لغة ّ‬ ‫فاإلحصائيات التي ِّ‬ ‫السنة‪ ،‬وهو أمر سيؤول إلى انقراض حوالي نصف اللّغات‬ ‫أي موت حوالي ‪ 25‬لغة في ّ‬ ‫أن حوالي ‪ 600‬لغة قد أخذت طريقها‬ ‫المتداولة اليوم‪ ،‬إذ تشير المعطيات اإلحصائية إلى ّ‬ ‫َ‬ ‫التدريجي نحو االنقراض‪ ،‬وســيؤول النسق الحالي خالل القرن الحادي والعشرين إلى‬ ‫اندثار ما ال يقل عن ‪ 3000‬لغة‪.‬‬ ‫لقد لفتت منظمة األمم المتحدة أنظار العالم إلى هذا الخطر المحدق باأللســنة البشــرية‪،‬‬ ‫فأصــدرت قــرارات عديــدة؛ من ذلك أنهــا أعلنت االحتفــال باليوم الدولي للغــة األم في‬ ‫مشــروع القرار الصادر عن المؤتمر العام لمنظمة األمم المتحدة للتربية والعلم والثّقافة‬ ‫(اليونســكو) في شهر نوفمبر‪/‬تشرين الثاني من عام ‪ .1999‬ومن ذلك أيض ًا إعالن يوم‬ ‫كل سنة يوم ًا عالمي ًا للغة األم‪ .‬وفي ‪ 16‬مايو‪/‬أيار ‪ ،2007‬أصدرت‬ ‫‪ 21‬فبراير‪/‬شباط من ّ‬ ‫الجمعية العامة لألمم المتحدة قرارًا أهابت فيه بالدول األعضاء التشجيع على المحافظة‬ ‫على جميع اللّغات التي تستخدمها شعوب العالم وحمايتها‪ .‬وأعلنت الجمعية العامة‪ ،‬في‬ ‫التنوع‬ ‫نفس القرار‪ ،‬ســنة ‪ 2008‬باعتبارها ســنة دولية للغات لتعزيز الوحدة في إطار ُّ‬ ‫والتعدد الثّقافي‪.‬‬ ‫تعدد اللّغات‬ ‫ُّ‬ ‫ولتعزيز التفاهم الدولي من ُّ‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫كل سنة باالحتفال باليوم العالمي للغة‬ ‫ويرتبط شهر ديسمبر‪/‬كانون األول من ّ‬ ‫ّ‬ ‫وذلك عم ًال بمقتضى قرار المجلس التنفيذي لليونسكو المنعقد في أكتوبر‪/‬تشرين األول‬ ‫‪ 2012‬في دورته ‪ ،190‬فقد كان من قراراته اعتماد يوم ‪ 18‬ديســمبر‪/‬كانون األول يوم ًا‬ ‫للمرة األولى بهذا اليوم‪ .‬وفي‬ ‫عالمي ًا للغة‬ ‫ّ‬ ‫العربية‪ ،‬واحتفلت اليونســكو في تلك الســنة ّ‬ ‫قررت الهيئة االستشارية للخطة الدولية لتنمية الثّقافة‬ ‫‪ 23‬أكتوبر‪/‬تشرين األول ‪ّ 2013‬‬ ‫العربية كأحد العناصر‬ ‫العربية (أرابيا) التابعة لليونســكو‪ ،‬اعتمــاد اليوم العالمي للغة‬ ‫ّ‬ ‫لكل سنة‪.‬‬ ‫األساسية في برنامج عملها ّ‬ ‫العام نبســط للقارئ الكريم مجموعة من البحــوث التي أنجزها باحثون‬ ‫فــي هذا اإلطار ّ‬ ‫متخصصــون مدارها الحــروب اللُّغوية ومــوت اللّغات‪ ،‬ورأينــا أن تتقاطع في معالجة‬ ‫ّ‬ ‫واالجتماعي‬ ‫والفلســفي والتاريخــي‬ ‫وجهــات نظــر مختلفة منهــا اللّســاني‬ ‫الموضــوع‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متعددة األبعاد لهذا‬ ‫قاربة‬ ‫م‬ ‫العربي‬ ‫للقارئ‬ ‫ن‬ ‫تتكو‬ ‫أن‬ ‫ذلك‬ ‫في‬ ‫وهدفنا‬ ‫‪،‬‬ ‫واألنثروبولوجي‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ّ‬ ‫الموضوع الحارق‪.‬‬ ‫أ ُ ِع َد الملف بالتنسيق مع د‪ .‬حسين السوداني‬ ‫‪51‬‬


‫ال يــزال الصــراع اللّغوي موضوع ًا تطرقه الدراســات المختلفة‪ ،‬ســواء أكانت لســانية‬ ‫أم ثقافيــة أم حضاريــة أم اجتماعيــة أم معرفيــة‪ ..‬خاصــة فــي العقود األخيــرة‪ .‬وقد‬ ‫اتخذت هذه الدراسات مسارين اثنين‪ :‬المسار االجتمـاعي مع «كــارول مـــايــرز سـكـــوتـــن»(‪C.( )1‬‬ ‫تعــدد اللّغات في عالقته‬ ‫‪ ،)MEYERS-SCOTTON‬الــذي حاولــت من خاللــه الباحثة أن تدرس ُّ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫بالمؤثــرات االجتماعيــة‪ .‬والمســار اللســاني‪ ،‬مــع «ســانكوف» (‪ )D.SANKOFF‬و«بوبــاك»‬ ‫لتطــور اللّغات‪ .‬لكن على‬ ‫المحفِّزة‬ ‫ُّ‬ ‫(‪ ،)S.POPLACK‬الــذي يســعى إلى وصف الجوانب اللســانية ُ‬ ‫تعدد اللّغات ال يزال بحاجة إلى المزيد‬ ‫الرغم من أهمية هذه الدراسات وقيمتها الوازنة فإن موضوع ُّ‬ ‫من االهتمام‪ ،‬خاصة فيما يتعلَّق بالصراع اللّغوي‪ .‬فما المقصود بهذا المفهوم؟‬

‫مواجهة صامتة‬ ‫وئام املددي‬

‫الصراع اللّغوي‬ ‫ينتج عند‬ ‫تواجه لغتين‬ ‫مختلفتين‪ :‬لغة‬ ‫ُمهيمِ نة سياسي ًا‪،‬‬ ‫ولغة أخرى‬ ‫من عليها‬ ‫ُمهي َ‬ ‫سياسي ًا‬

‫‪52‬‬

‫لقـــد تولَّـــد مفهـــوم الصـــراع اللّغـــوي عـــن صـــراع‬ ‫(‪)3‬‬ ‫كل م ــن إقليم ــي كاطالوني ــا‬ ‫اللّغ ــات ال ــذي عرف ــه ٌّ‬ ‫وأوكســيطانيا(‪ .)5( )4‬وقــد أعطــى هذا المفهوم‪ ،‬حســب‬ ‫«جـــورج كريمنيتـــز» (‪ )G. KREMNITZ‬تفســـيرًا‬ ‫جدي ــدًا لمفه ــوم االزدواج اللّغ ــوي (‪)Bilinguisme‬‬ ‫الـــذي كان رائجـــ ًا بيـــن لســـانيي أميـــركا الشـــمالية‬ ‫فـــي خمســـينيات القـــرن الماضـــي‪ ،‬ذلـــك أن‬ ‫المجتم ــع الغرب ــي ل ــم يك ــن متسامحـــ ًا بم ــا يكـ ــفي‬ ‫م ــع مسـ ــألتي االزدواج اللّغـ ــوي والتعـ ـ ُّـدد اللّغـ ــوي‬ ‫(‪ ،)Multilinguisme‬إذ كان ال يــزال يتغــذَّى علــى‬ ‫أيديولوجيــة التوحيــد القائمــة علــى أســطورة بابــل‬ ‫التوراتيــة (‪ )6‬التــي تّدعــي «وجــود لغــة أصيلة واحدة‬ ‫أم لغـــات البشـــر جميعهـــا»(‪ .)7‬وســـتبلغ هـــذه‬ ‫هـــي ّ‬ ‫األيديولوجيــة َأ ْو َجهــا خــال القــرن الـــ ‪19‬م‪ ،‬وذلــك‬ ‫بانبثــاق الفلســفة القوميــة التــي تربط ربطـ ًا عضوي ًا‬ ‫بيــن اللّغــة واألمــة إلــى حـّد التماهــي‪ .‬وتعتبــر هــذه‬ ‫الفلس ــفة الدول ــة القومي ــة دول ــة مثالي ــة‪ ،‬وتجعله ــا‬ ‫المطم ــح األس ــمى ل ــكل ش ــعوب العال ــم(‪.)8‬‬ ‫ويــرى «جــورج كريمنيتــز» أن الصــراع اللّغوي ينتج‬ ‫عنــد تواجــه لغتيــن مختلفتيــن‪ :‬لغة مهيمنة سياســي ًا‬ ‫(فتســتعمل‪ ،‬إذن‪ ،‬فــي التعامــل اإلداري الرســمي أو‬ ‫فــي التعامــل العمومــي)‪ ،‬ولغــة أخــرى مهيمــن عليهــا‬ ‫ً(‪)9‬‬ ‫يميــز بيــن صيغتيــن مــن صيــغ هذه‬ ‫سياســيا ‪ .‬كمــا ِّ‬ ‫الهيمنــة‪ :‬الصيغــة األولــى‪ ،‬وهــي الصيغــة القمعيــة‬

‫المباشــرة‪ ،‬كالتــي مارســتها الحكومــة اإلســبانية في‬ ‫عه ــد «فرانك ــو»‪ ،‬والصيغ ــة الثاني ــة‪ ،‬وه ــي صيغ ــة‬ ‫ال م ــع مس ــألة‬ ‫يك ــون مخططه ــا السياس ــي متس ــاه ً‬ ‫التعـــدد اللّغـــوي‪ّ .‬إل أن هـــذا المخطـــط السياســـي‬ ‫ُّ‬ ‫ع ــادة م ــا يس ــتبطن ق ــوة قمعي ــة أيديولوجي ــة‪ ،‬كم ــا‬ ‫ه ــو الش ــأن ف ــي ممارس ــات الحكومتي ــن الفرنس ــية‬ ‫واإليطاليـــة(‪ .)10‬ويعتقـــد «كريمنيتـــز» أن الصـــراع‬ ‫اللّغ ــوي يمك ــن أن يك ــون كامنــاً‪ ،‬مثلم ــا ق ــد يك ــون‬ ‫حــاداً‪ ،‬وذلــك بالمــوازاة مــع الســياقات االجتماعيــة‬ ‫والثّقافيـــة والسياســـية التـــي يعيشـــها المجتمـــع‬ ‫ال ــذي يعي ــش ظاه ــرة الص ــراع اللّغ ــوي(‪ .)11‬ويق ـ ِّـدم‬ ‫لن ــا «كريمنيت ــز» مث ــا ًال ع ــن حال ــة الكم ــون وآخ ــر‬ ‫عـــن حالـــة االحتقـــان‪ :‬إذ عـــادة مـــا كان الصـــراع‬ ‫اللّغـــوي‪ ،‬فـــي المجتمـــع مـــا قبـــل الصناعـــي‪ ،‬فـــي‬ ‫حال ــة ه ــدوء وكم ــون بفض ــل الوضعي ــة المس ــتقرة‬ ‫لــازدواج أو التعـ ُّـدد اللّغوييــن‪ .‬لكــن غالبـ ًا مــا تكــون‬ ‫الطبق ــات والقطاع ــات االجتماعي ــة‪ ،‬ف ــي المجتم ــع‬ ‫الصناع ــي‪ ،‬الس ــاعية إل ــى الحيلول ــة دون التنمي ــة‬ ‫االجتماعيــة واالقتصاديــة والثّقافيــة متهمــة بكونهــا‬ ‫تغ ــذِّي أيديولوجي ــة االزدواج أو التع ـ ُّـدد اللّغويي ــن‪،‬‬ ‫مهــد إلذكاء الصــراع اللّغــوي إلــى أن‬ ‫الشــيء الــذي ُي ِّ‬ ‫يص ــل صيغت ــه الح ــادة(‪.)12‬‬ ‫وقـــد حظيـــت مســـألة الصـــراع اللّغـــوي باهتمـــام‬ ‫ـص الجانبيــن االجتماعــي والتاريخــي‬ ‫كبيــر فيمــا يخـ ّ‬


‫ـل ظــروف الجــور واالضطهــاد‬ ‫منهــا‪ ،‬خاصــة فــي ظـّ‬ ‫وانعــدام المســاواة االجتماعيــة الناجــم عــن الحــروب‬ ‫واالســتعمار والعبوديــة واإلجــاء القســري إلــى مــا‬ ‫غي ــر ذل ــك(‪ .)13‬وي ــرى محم ــد حس ــن عب ــد العزي ــز أن‬ ‫العوامــل االجتماعيــة والتاريخيــة‪« :‬عوامــل إنســانية‬ ‫وليســت مجــرد مــرور زمــن يطــول أو يقصــر‪ ،‬ولــو‬ ‫مـ َّـرت أجيــال وأجيــال دون أن يحــدث مــن األحــداث‬ ‫م ــا يحم ــل جماع ــة لغوي ــة عل ــى االخت ــاط بجماع ــة‬ ‫لغوي ــة أخ ــرى أو يفرقه ــا عنه ــا‪ ،‬فإن ــه لي ــس له ــذه‬ ‫األجي ــال الطويل ــة م ــن أث ــر يذك ــر‪ ،‬ولك ــن ل ــو م ـ َّـرت‬ ‫ســـنوات قليلـــة مليئـــة باألحـــداث التـــي تحمـــل‬ ‫الجماع ــات اإلنس ــانية عل ــى االخت ــاط‪ ،‬ف ــإن ه ــذه‬ ‫الس ــنوات أه ــم م ــن األجي ــال الطويل ــة الت ــي خل ــت‬ ‫ـؤرق‬ ‫مــن األحــداث»(‪ .)14‬وَلعـّ‬ ‫ـل الســؤال األكبــر الــذي يـ ِّ‬ ‫بــال اللســانيين فــي هــذا المجــال هــو‪ :‬إلــى أي مــدى‬ ‫تســهم المؤثــرات االجتماعيــة والتاريخيــة فــي إذكاء‬ ‫الص ــراع اللّغ ــوي؟‬ ‫ترى «سارة طوماسون» (‪،)Sarah THOMASON‬‬ ‫ويوافقهــا فــي الرأي «تيرينس كوفمان» (‪Terrence‬‬ ‫‪ )KAUFMAN‬أن المؤثرات االجتماعية والتاريخية‬ ‫تنحـــو منحييـــن يغطيـــان المســـتوى الكلـــي للغـــة‬ ‫والمســـتوى الجزئـــي منهـــا المتمثـــل فـــي المتكلِّـــم‬ ‫الفــرد‪ ،‬همــا(‪:)15‬‬ ‫‪ -‬توجيهيـــة التأثيـــر (‪The directionality of‬‬

‫ويهـــم هـــذا المســـتوى متكلِّمـــي‬ ‫‪:)the influence‬‬ ‫ّ‬ ‫اللّغــة األم‪ ،‬ويتفـ َّـرع إلــى اتجاهيــن يحكمــان الصــراع‬ ‫اللّغ ــوي‪:‬‬ ‫أ‪ -‬االقتــراض (‪ :)Borrowing‬ويقصــد بــه الباحثــان‬ ‫«إدمــاج عناصــر أجنبيــة فــي اللّغــة األم»(‪.)16‬‬ ‫ب‪ -‬تداخـــل البنـــى اللّغويـــة (‪Substratum‬‬ ‫‪ :)interference‬وذل ــك حينم ــا تؤث ــر بني ــة اللّغ ــة‬ ‫الدخيلـــة علـــى بنيـــة اللّغـــة األم‪.‬‬ ‫ العوامــل االجتماعيــة (‪ :)Social factors‬وتقــوم‬‫ه ــذه العوام ــل‪ ،‬حس ــب «طوماس ــون» و«كوفم ــان»‪،‬‬ ‫بالضغــط علــى اللّغــة األم أو (اللّغــات األم) لصالــح‬ ‫اللّغ ــة أو (اللّغ ــات) الدخيل ــة‪.‬‬ ‫وق ــد اس ــتثمر الباحث ــان «طوماس ــون» و«كوفم ــان»‬ ‫مفهومــي االقتــراض وتداخــل البنــى اللّغويــة من أجل‬ ‫ومتعدديهــا‪ ،‬وكذلــك‬ ‫دراســة وضــع مزدوجــي اللّغــة‬ ‫ِّ‬ ‫وضــع العشــائر الفرعيــة التــي تنضــوي تحــت جنــاح‬ ‫ـل ف ــي مواجه ــة صامت ــة‬ ‫مجتم ــع واح ــد‪ ،‬لكنه ــا تظ ـ ّ‬ ‫مــع المؤثــرات اللّغويــة واالجتماعيــة التــي تريــد أن‬ ‫تعصــف بلغاتهــا األم(‪.)17‬‬ ‫ويـــرى اللســـانيون‪ ،‬علـــى العمـــوم‪ ،‬أن الصـــراع‬ ‫اللّغـــوي‪ -‬مـــن زاويـــة نظـــر اجتماعيـــة تاريخيـــة‪-‬‬ ‫غالبـــ ًا مـــا ينتـــج عـــن ســـببين رئيســـيين‪ ،‬همـــا‪:‬‬ ‫الغ ــزو والهج ــرة(‪ .)18‬فم ــن وجه ــة نظ ــر تاريخي ــة‪،‬‬ ‫ممثـــا فـــي‬ ‫يعـــرف المجتمـــع فـــي حالـــة الغـــزو ‪-‬‬ ‫ً‬

‫السؤال األكبر‬ ‫الذي يؤرِّق بال‬ ‫اللسانيين هو‪:‬‬ ‫إلى أي مدى‬ ‫تسهم المؤثرات‬ ‫االجتماعية‬ ‫والتاريخية في‬ ‫إذكاء الصراع‬ ‫اللّغوي؟‬

‫‪53‬‬


‫الصراع اللّغوي‬ ‫ظاهرة ُم َّ‬ ‫عقدة‬ ‫تتضافر فيها‬ ‫عوامل متع ِّددة‪،‬‬ ‫لغوية واجتماعية‬ ‫وتاريخية‬ ‫وثّقافية‪ ،‬بل‬ ‫حتى االقتصادية‬ ‫والسياسية‬

‫مجموع ــة أو مجموع ــات لغوي ــة محلي ــة مس ــتعمرة‬ ‫أو محاطــة بمجموعــات لغويــة قويــة ‪ -‬انتقــا ًال لغوي ًا‬ ‫بطيئــ ًا يوق ــع امت ــدادًا ألجي ــال م ــن مزدوج ــي اللّغ ــة‬ ‫متعدديه ــا‪ ،‬مم ــا يوف ــر فرص ــة أكب ــر لالقت ــراض‬ ‫أو‬ ‫ِّ‬ ‫ولتداخـــل بنـــى اللّغـــات المتصارعـــة(‪.)19‬‬ ‫ومــن جهــة أخــرى‪ ،‬فــإن هــذا النــوع مــن التحـ ُّـركات‬ ‫الســـكانية الـــذي يوصـــف عـــادة بكونـــه هجـــرة‪،‬‬ ‫حي ــث ينض ــوي القادم ــون الج ــدد تح ــت نظ ــام حك ــم‬ ‫يؤسســـوا وحـــدة‬ ‫البلـــد المهاجـــر إليـــه عـــوض أن ّ‬ ‫سياس ــية ُمس ــتقلَّة به ــم‪ ،‬ي ــؤدي إل ــى االس ــتيعاب‬ ‫الســريع للغــة البلــد المهاجــر إليــه علــى حســاب اللّغة‬ ‫األم للمهاجريــن‪ .‬كمــا أن لغــة ســكان البلــد المهاجــر‬ ‫تتأث ــر بدوره ــا بلغ ــة النازحي ــن‪ ،‬عل ــى الرغ ــم م ــن‬ ‫وجــود بعــض االســتثناءات‪ ،‬كالحــاالت التــي يكــون‬ ‫فيه ــا المهاج ــرون منعزلي ــن ع ــن المجتم ــع‪ ،‬أو غي ــر‬ ‫مس ــتقرين كثي ــري الترح ــال‪ ،‬لك ــن ع ــادة م ــا ينت ــج‬ ‫االســتيعاب الســريع للغــة عــن طريــق الهجــرة‪ ،‬بــل‬ ‫حتــى عــن طريــق االقتــراض مــن لغــات المهاجريــن‬ ‫تغيـــرات بنيويـــة فـــي اللّغـــة بســـبب‬ ‫وإحـــداث ُّ‬ ‫االحت ــكاك بالمهاجري ــن‪ ،‬كم ــا ه ــو الش ــأن بالنس ــبة‬ ‫للغتيــن األلمانيــة واإليســلندية فــي عالقتهمــا باللّغــة‬ ‫اإلنجليزيــة فــي الواليــات المتحــدة األميركية(‪ .)20‬لكن‬ ‫هــذا ال ينفــي وجــود بعــض الحــاالت اللّغويــة التــي‬ ‫ل ــم يك ــن للهج ــرة فيه ــا كبي ــر أث ــر‪.‬‬ ‫وتتخـــذ عمليـــة االســـتيعاب اللّغـــوي (‪linguistic‬‬ ‫‪ )assimilation‬ش ــكلين اثني ــن‪ :‬األول بط ــيء‪ ،‬إذ‬ ‫يمكـــن لالنتقـــال البطـــيء أن يســـتمر لعقـــود‪ ،‬بـــل‬ ‫لقـــرون‪ ،‬والشـــكل الثانـــي وهـــو الشـــكل الســـريع‬ ‫ال ــذي ق ــد ال يتع ـ َّـدى الجي ــل الواح ــد(‪.)21‬‬ ‫عق ــدة تتضاف ــر فيه ــا‬ ‫إن الص ــراع اللّغ ــوي ظاه ــرة ُم َّ‬ ‫عوام ــل متع ـ ِّـددة‪ ،‬كالعوام ــل اللّغوي ــة واالجتماعي ــة‬ ‫والتاريخيـــة والثّقافيـــة‪ ،‬بـــل حتـــى االقتصاديـــة‬ ‫والسياســية‪ ،‬ولعّلــه ســيبلغ َأ ْو َجــه فــي هــذا العصــر‬ ‫نظ ــرًا التس ــاع مج ــال التب ــادل الثّقاف ــي والحض ــاري‬ ‫بي ــن ال ــدول‪ ،‬ولكون ــه عص ــر صراع ــات بامتي ــاز‪،‬‬ ‫تضطل ــع في ــه اللّغ ــات ب ــدور مه ــم‪.‬‬ ‫___________________________________‬ ‫الهوامش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬لالطــاع علــى الدراســات االجتماعيــة لهــذه الباحثــة‪ ،‬المرجو‬ ‫العــودة إلــى المصــادر اآلتية‪:‬‬ ‫‪C. MYERS-SCOTTON, «Codeswitching and bor‬‬‫‪rowing : interpersonal and macrolevel meaning»,‬‬ ‫‪Codeswitching as a Worldwide Phenomenon, New‬‬‫‪York, Peter Lang, 1990.‬‬ ‫‪C. MYERS-SCOTTON, «Codeswitching in Africa,‬‬ ‫‪a model of the social functions of code selection»,‬‬ ‫‪Language and Society in Africa : The theory and‬‬ ‫‪Practice of Sociolinguistics, Witwatersrand Uni-‬‬

‫‪54‬‬

‫‪versity Press, Le Cap, 1992.‬‬ ‫‪C. MYERS-SCOTTON, Social Motivations for‬‬ ‫‪Codeswitching : Evidence from Africa, Oxford,‬‬ ‫‪Clarendon, 1993.‬‬ ‫‪ - 2‬ينظر‪:‬‬ ‫‪D. SANKOFF, et S. POPLACK, «A formal grammar‬‬ ‫‪of code-switching», Papers in Linguistics : Inter‬‬‫‪national Journal of Human Communication, 1981.‬‬ ‫‪ - 3‬كاطالونيــا‪ )Cataluña( : ‬إقليــم يقــع في المنطقة الشــمالية‬ ‫الشـــرقية مـــن إســـبانيا‪ ،‬عاصمتـــه برشـــلونة‪ُ ،‬يعـــّد ســـادس‬ ‫أكب ــر إقلي ــم م ــن أص ــل س ــبعة عش ــر إقليم ـاً‪ ،‬إذ تبل ــغ مس ــاحته‬ ‫‪ .Km2 32.106‬يحــّده ش ــما ًال إقلي ــم أوكس ــيطانيا الفرنس ــي‪،‬‬ ‫ويتكلــم ســكانه باللّغــة الكاطالونيــة التــي ُتعـّد لغـ ًـة رســمية فــي‬ ‫َّ‬ ‫إس ــبانيا‪ .‬ويطال ــب ه ــذا اإلقلي ــم اآلن باالنفص ــال ع ــن الحكوم ــة‬ ‫اإلس ــبانية لتكوي ــن دول ــة كاطالوني ــا المس ــتقلَّة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬أوكس ــيطانيا‪ :)Occitània(  ‬إقلي ــم يق ــع جن ــوب فرنس ــا‪،‬‬ ‫يض ـّـم ‪ 32‬والي ــة فرنس ــية‪ ،‬ليش ــمل بذل ــك ثل ــث جن ــوب الب ــاد‪.‬‬ ‫يتكل ــم ربعه ــا‬ ‫يقط ــن به ــذا اإلقلي ــم م ــا يناه ــز ‪ 13‬ملي ــون نس ــمة َّ‬ ‫اللّغــة األوكســيطانية‪ ،‬باإلضافــة إلــى بعــض مــن ســاكني إقليــم‬ ‫كاطالونيــا بإســبانيا (خاصــة فــي ســهل أران) وقرويــي منطقــة‬ ‫البييمونتــي بإيطاليــا‪.‬‬ ‫‪ - 5‬لالط ــاع عل ــى موض ــوع الص ــراع اللّغ ــوي ف ــي كاطالوني ــا‬ ‫وأوكس ــيطانيا‪ ،‬المرج ــو الع ــودة إل ــى المص ــدر اآلت ــي‪:‬‬ ‫‪B. GARDIN, J-B. MARCELLESI et G.R.E.C.O.‬‬ ‫‪ROUEN, Sociolinguistique : approches, théories,‬‬ ‫‪pratiques : G. KREMNITZ, «Démarche et particu‬‬‫‪larités de la sociolinguistique catalane», Publica‬‬‫‪tions de l’Université de Rouen, PUF, France, 1980,‬‬ ‫‪p.p. 21-34.‬‬ ‫‪ - 6‬أســـطورة معروفـــة فـــي األوســـاط الترجميـــة كثيـــرًا مـــا‬ ‫تداولتهـــا نظريـــة الترجمـــة‪ ،‬وقـــد وردت فـــي التـــوراة [ســـفر‬ ‫تعـــدد اللّغـــات‪.‬‬ ‫التكويـــن‪ ،‬اإلصحـــاح ‪ ]XI، 31، 2‬لتفســـر‬ ‫ُّ‬ ‫وتحك ــي األس ــطورة أن ال ــرب ن ــزل إل ــى الب ــرج ال ــذي كان بن ــو‬ ‫آدم يبنون ــه ف ــي مدينته ــم‪ ،‬فش ـ َّـتت ألس ــنتهم وبلبله ــا‪ ،‬ولذل ــك‬ ‫ُســـميت المدينـــة بابـــل‪ .‬وغالبـــ ًا مـــا يـــورد الترجميـــون هـــذه‬ ‫األســـطورة فـــي ســـياق الحديـــث عـــن الترجمـــة فـــي عالقتهـــا‬ ‫بتعـــدد اللّغـــات («بـــول بوشـــان» (‪،)P. BEAUCHAMP‬‬ ‫ُّ‬ ‫«والتـــر بينجاميـــن» (‪« ،)W. BENJAMIN‬جـــورج شـــتاينر»‬ ‫(‪« ،)G. STEINER‬إمبيرطو إيكو» (‪« ،)U. ECO‬بول ريكور»‬ ‫(‪.)..)P. RICOEUR‬‬ ‫‪7- S. ABOU, «Éléments pour une théorie générale‬‬ ‫‪de l’aménagement linguistique», Actes du Colloque‬‬ ‫‪international sur l’aménagement linguistique,‬‬ ‫‪Québec, Presses de l’Université Laval, 1987, p.08.‬‬ ‫‪8 - Melchior NTAHONKIRIYE, «Alternance de‬‬ ‫‪langues et conflit linguistique: analyse des alter‬‬‫‪nances intralexicales produites par les bilingues‬‬ ‫‪français-kirund», Revue québécoise de linguis-‬‬


guistics, U. of California Press, Berkeley ,1988, p.21.  .21 .‫ ص‬،‫ نفسه‬- 16 17 - Gillian SANKOFF, «Linguistic Outcomes of Language Contact», Handbook of Sociolinguistics , University of Pennsylvania, J. Chambers & N. Schilling-Estes, eds. Oxford, Basil Blackwell,

tique, vol. 27, n° 1, 1999, p. 91.

9- Georg KREMNITZ, «Du «bilinguisme» au «conflit

linguistique», Cheminement de termes et de con-

cepts», Langages, 15ème année, n°61, 1981, pp. 65. 10- Georg KREMNITZ, «Du «bilinguisme» au «con-

flit linguistique», Cheminement de termes et de concepts», Op. Cit., p.65.

.66 - 65 .‫ص‬.‫ ص‬،‫ نفسه‬- 11

2001, p. 641.

.66 - 65 .‫ص‬.‫ ص‬،‫ نفسه‬- 12

18 - Gillian SANKOFF, «Linguistic Outcomes of

SANKOFF, Gilian, «Multilingualism in Papua New

Language Contact», Op. Cit, p. 641. .641 .‫ ص‬،‫ نفسه‬- 19 ‫ المرج ــو الع ــودة إل ــى المص ــدر اآلت ــي م ــن أج ــل االط ــاع‬- 20 ‫علــى عالقــة التأثيــر والتأثــر بيــن اللّغــات اإلنجليزيــة واأللمانيــة‬ :‫واإليســلندية‬ Stephen CLAUSING, English influence of American German and American Icelandic. New York, Peter Lang Publishing, Inc, 1986. 21- Gillian SANKOFF, «Linguistic Outcomes of Language Contact», Op. Cit . p. 642. 55

:‫ ينظر‬- 13

Guinea», The Social Life of Language,, University

of Pennsylvania Press, Philadelphia, 1980, p.p. 95-132.

SORENSEN, Arthur, Multilingualism in the North

West Amazon, American Anthropologist, 1967, p.p. 670-84.

‫ دار الفك ــر‬،‫ محم ــد حس ــن عب ــد العزي ــز‬،‫ مدخ ــل إل ــى اللّغ ــة‬- 14

.277 .‫ ص‬،1988 ،‫ القاهــرة‬،‫العربــي‬

15 - Sarah THOMASON and Terrence KAUFMAN, Language Contact, Creolization and Genetic Lin-


‫بــكل أبعادها الثّقافية والحضارية‪.‬‬ ‫صــار الصراع اللّغوي جماع أشــكال الصراع الرمزية ّ‬ ‫اســتقرت دســاتيرها في القرن العشــرين‬ ‫أن مــا يناهــز ‪ 120‬دولة في العالم‬ ‫فمــن ذلــك ّ‬ ‫َّ‬ ‫حاد تجلَّى في‬ ‫تضمنــة تحديد لغتها الوطنية‪ .‬وبصعود فكرة العولمة برز صراع لغوي ّ‬ ‫ُم ِّ‬ ‫‪/‬الشعار سوى اختصار‬ ‫الفكرة‬ ‫فكرة أساســية هي «نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ»‪ .‬وليســت هذه‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫لمســتويات دنيــا تجلَّت في مــرآة واحدة هي اللّغة‪ .‬وفي واقع العولمة أصبــح الحديث عن مفهومين‬ ‫الكوني‪ ،‬هما «موت اللّغات» و«الحروب اللُّغوية»‪.‬‬ ‫فاجعين في المشــهد اللّغوي‬ ‫ّ‬

‫السياسات اللُّغوية‬ ‫في قلب المعركة!‬ ‫د‪ .‬حسني السوداين‬

‫من األلسنة‬ ‫ما مات ولكنه‬ ‫أُ‬ ‫حيي كالعبرية‬ ‫َ‬ ‫التي تقرَّر‬ ‫إحياؤها لتكون‬ ‫لسان «إسرائيل»‬

‫‪56‬‬

‫ري‬ ‫ـــق باللّغـــة فـــي اللســـانيات إطـــار‬ ‫َعِل َ‬ ‫تصـــو ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ح ـ َّـدد موق ــف اللس ــانيين م ــن أه ــم القضاي ــا اللّغوي ــة‬ ‫ـي‪،‬‬ ‫التقني ــة؛ وعم ــاد ه ــذا اإلط ــار ّ‬ ‫أن اللّغ ــة كائ ــن ح ـ ّ‬ ‫فطبع لســانيات القرن التاســع‬ ‫وقــد راج هــذا التصـ ُّ‬ ‫ـور َ‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الفيلولوج‬ ‫ـراث‬ ‫ـ‬ ‫الت‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫أرضي‬ ‫ـى‬ ‫عش ــر الناش ــئة عل ـ‬ ‫ّ‬ ‫الــذي تنامــى االشــتغال بــه مــع االنفتــاح المتصاعــد‬ ‫لألوروبييــن علــى الشــعوب األخــرى‪ ،‬وذلــك انطالق ًا‬ ‫م ــن االكتش ــافات الجغرافي ــة الكب ــرى الت ــي فتح ــت‬ ‫أعي ــن األوروبيي ــن عل ــى لغ ــات الش ــعوب األخ ــرى‬ ‫وثقافاتها بفضل مستكشــفين كانت المســألة اللّغوية‬ ‫أح ــد الهواج ــس األساس ــية ف ــي رحالته ــم‪ ،‬وه ــو م ــا‬ ‫بين ــه تزفت ــان ت ــودوروف (‪)Tzvetan Todorov‬‬ ‫ّي ّ‬ ‫ـردي طريــف فــي كتابــه عــن اكتشــاف‬ ‫علــى نحــو سـ ّ‬ ‫كريستوفر كولومبس ()‪Christopher Columbus‬‬ ‫‪ )(1451- 1506‬ألميــركا(‪ .)1‬وال يختلــف األمر عن ذلك‬ ‫مــع سـَلف كولومبــس ومعاصريــه مــن المستكشــفين‬ ‫األوروبييـــن مثـــل ماركـــو بولـــو ()‪Marco Polo‬‬ ‫‪ )(1254- 1324‬ماجالن ()‪Ferdinand Magellan‬‬ ‫‪ )(1521‬وفاس ــكو دي غام ــا (‪ .)1524‬وبض ــرب م ــن‬

‫تأسســت فــي القــرن التاســع عشــر‬ ‫التراكــم والتطـ ُّ‬ ‫ـور ّ‬ ‫ـري‬ ‫ـ‬ ‫النظ‬ ‫ـها‬ ‫ـ‬ ‫أساس‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫للغ‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ري‬ ‫تطو‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫مقاربــة تاريخي‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ـي ينطبــق عليــه مــا ينطبــق علــى‬ ‫ّ‬ ‫أن اللّغــة كائــن حـ ّ‬ ‫الظواهــر والكائنــات الطبيعيــة مــن نواميــس الحيــاة‬ ‫والمــوت ولقد ســادت هــذه الفكرة الدراســات اللّغوية‬ ‫متأثــرة فــي ذلــك بازدهــار علــوم األحياء الســيما بعد‬ ‫ظهــور كتــاب شــارل دارويــن ()‪Charles Darwin‬‬ ‫‪ )(1809-1882‬عن أصل األنواع (‪On the Origins‬‬ ‫‪ )of Species‬ســـنة ‪ .)2(1859‬وهـــو الكتـــاب الـــذي‬ ‫صـــدرت منـــه إلـــى حـــدود ‪ 1890‬تســـع وثالثـــون‬ ‫الداروينـــي تطبيقـــات‬ ‫طبعـــة‪ .‬وقـــد لقـــي المنظـــور‬ ‫ّ‬ ‫مبك ــرة ل ــه ف ــي س ــياق اللّغ ــة انطالقــ ًا م ــن بح ــوث‬ ‫دارســين مثــل شاليشــر ()‪Kurt Von Schleicher‬‬ ‫مشـــجر‬ ‫‪ )(1882-1934‬فـــي ســـعيه إلـــى صياغـــة‬ ‫َّ‬ ‫لأللســنة البشــرية‪.‬‬ ‫التطـــور عمـــاد‬ ‫اســـتقرت فكـــرة‬ ‫كل ذلـــك‬ ‫مـــن ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫دراس ــة اللّغ ــة ف ــي لس ــانيات الق ــرن التاس ــع عش ــر‬ ‫بشــقيها المتمثليــن فــي اللســانيات التاريخية والنحو‬ ‫تحددت فلســفة المناهج‬ ‫المقارن‪ .‬وراج منزعان بهما َّ‬


‫المسألة اللّغوية‬ ‫غدت منذ الحرب‬ ‫العالمية الثانية‬ ‫أحد األبعاد‬ ‫المركزية في‬ ‫أمهات القضايا‬ ‫الوطنية‬ ‫واإلقليمية‬ ‫والدولية‬

‫المعرفيــة قاطبــة؛ فأمــا أولهمــا فمنــزع الوعــي بأثــر‬ ‫التاريـــخ وفعلـــه فـــي صيـــرورة اإلنســـان‪ ،‬وأمـــا‬ ‫تحكمــة فــي‬ ‫الم ِّ‬ ‫ثانيهمــا فمنــزع البحــث عــن القوانيــن ُ‬ ‫كل الظواه ــر الطبيعي ــة منه ــا واإلنس ــانية(‪.)3‬‬ ‫ـتقرت اللّغ ــة ف ــي اعتب ــار‬ ‫وخ ــال ه ــذه الفت ــرة اس ـ َّ‬

‫ـرة طبيعيــة تنطبــق عليهــا نواميــس‬ ‫اللســانيين ظاهـ ً‬ ‫الطبيع ــة‪ ،‬فاللّغ ــة تول ــد ث ـ ّـم تنم ــو ويش ــتد عوده ــا‬ ‫ويعتريهـــا مـــا يعتـــري الكائنـــات الطبيعيـــة مـــن‬ ‫ـوة‪ ،‬ث ـّـم تكب ــر فته ــرم وتتداع ــى لالندث ــار‬ ‫ضع ــف وق ـ ّ‬ ‫ـل هذا‬ ‫والتالشــي‪ ،‬فتكتمــل دورتهــا الطبيعيــة‪ .‬ولقد ظـّ‬ ‫‪57‬‬


‫اختزلت المسألة‬ ‫اللّغوية قضايا‬ ‫الهويّة والتراث‬ ‫المحلّي‪ ،‬وغدت‬

‫رعاية اللسان‬ ‫الوطني ذود ًا‬ ‫ّ‬ ‫عن عماد الهويّة‬

‫‪58‬‬

‫ـورات الباحثيــن علــى درجة من‬ ‫ـور موجهـ ًا لتصـ ُّ‬ ‫التصـ ُّ‬ ‫الحي ــف ف ــي البح ــث‬ ‫الدوغمائي ــة آل ــت إل ــى كثي ــر م ــن ْ‬ ‫ـي‪ ،‬فانتهــى األمــر إلــى قــرار الجمعيــة اللســانية‬ ‫العلمـ ّ‬ ‫حظــر البحــث فــي أصــل اللّغــات فــي إطــار‬ ‫الفرنســية ْ‬ ‫أكاديمــي بدايــة مــن ســنة ‪ .)4(1866‬ولكــن الدارســين‬ ‫لــم يخرجــوا مــن أســر هــذه المقاربــة المنغلقــة ّإل مــع‬ ‫فردين ــان دي سوس ــير حي ــن أرس ــى قواع ــد من ــوال‬ ‫ـيري جديــد متأثــرًا بصعــود العلــوم االجتماعيــة‬ ‫تفسـ ّ‬ ‫والتاريخيــة الســيما انطالقـ ًا مما كتب إيميــل دوركايم‬ ‫(‪ )Émile Durkheim) (1917-1858‬دوركاي ــم ف ــي‬ ‫دراس ــته لألبني ــة االجتماعي ــة‪ .‬فق ــد أرج ــع سوس ــير‬ ‫الحيــف والشــطط فــي لســانيات القــرن التاســع‬ ‫أوجــه ْ‬ ‫عشــر إلــى الخطــأ فــي اعتبــار اللّغــة ظاهــرة طبيعية‪،‬‬ ‫إذ اللّغــة ظاهــرة تاريخيــة اجتماعيــة؛ ولذلــك تخضع‬ ‫لقوانين المجتمع والتاريخ ال لقوانين الطبيعة‪ .‬وهو‬ ‫ـور إلطــار‬ ‫تصورنــا لمفهــوم التطـ ُّ‬ ‫مــا يقتضــي إخضــاع ُّ‬ ‫ـري جديــد‪ ،‬مــن أسســه إحــال الحتميــة التاريخيــة‬ ‫نظـ ّ‬ ‫ـل الحتمي ــة الطبيعي ــة ف ــي المن ــوال التفس ــيري‬ ‫مح ـ ّ‬ ‫أن‬ ‫الجدي ــد ال ــدارس للغ ــة‪ .‬والف ــرق بي ــن الس ــياقين ّ‬ ‫الظواهــر المحتكمــة إلــى حتميــة طبيعيــة ال ســلطان‬ ‫لإلنس ــان ب ــأن يتدخ ــل ف ــي مس ــاراتها‪ ،‬ومث ــال ذل ــك‬ ‫فيزيولوجيا الكائن البشــري‪ ،‬فاإلنســان يولد رضيع ًا‬ ‫ـا وينته ــي باله ــرم والم ــوت‪ .‬وال‬ ‫ـا فش ــاب ًا فكه ـ ً‬ ‫فطف ـ ً‬ ‫يمك ــن قل ــب ه ــذا المس ــار‪ .‬أم ــا الظواه ــر التاريخي ــة‪،‬‬ ‫فتنســـحب عليهـــا قوانيـــن التاريـــخ‪ ،‬ولذلـــك تتســـم‬ ‫قل‬ ‫توقــع َأ ّ‬ ‫بخصيصتيــن‪ ،‬أوالهمــا قيامهــا على هامش ُّ‬ ‫أن‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫ذل‬ ‫مــن الــذي تخضــع لــه ظواهــر الطبيعــة‪ ،‬مثال‬ ‫ّ‬ ‫الثــورة االشــتراكية توقعهــا ماركــس فــي ألمانيــا فــإذا‬ ‫بهــا تقــع فــي روســيا‪ .‬وأمــا الخاصيــة الثانيــة فتتمثل‬ ‫ـدرة علــى تحويــل مســاراتها‬ ‫أن للقــرار البشــري قـ ً‬ ‫فــي ّ‬ ‫ـان كثيرة‬ ‫ـاء أو تســريع ًا وفــي أحيـ ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫والتحكــم فيهــا‪ :‬إبطـ ً‬ ‫أن من األلســنة‬ ‫إماتــة أو إحيــاء‪ .‬ومثــال ذلــك في اللّغة ّ‬ ‫م ــا م ــات ولكن ــه ُأحي ــي بق ــرار كالعبري ــة الت ــي تق ـ َّـرر‬ ‫َ‬ ‫إحياؤهــا لتكــون لســان «إســرائيل»‪ ،‬ومــن األلســنة ما‬ ‫يك ــون حي ـاً‪ ،‬فيتخ ــذ أصح ــاب الق ــرار حكم ـ ًا إلح ــال‬ ‫غي ــره محّل ــه‪ ،‬كال ــذي وق ــع ف ــي االتح ــاد الس ــوفياتي‬ ‫يوحــد‬ ‫وفــي فيتنــام وكوريــا‪ ،‬إذ تقـ َّـرر فــي كل منهــا أن ّ‬ ‫ـمي واحــد‪ ،‬ويكــون غيــره ممــا يلهج‬ ‫الدولـ َـة لسـ ٌ‬ ‫ـان رسـ ٌّ‬ ‫بــه النــاس فــي درجــة ثانيــة‪.‬‬ ‫لقــد كان للمنظــور البنيــوي الناشــئ مــع سوســير‬ ‫ـور جديــد للغــة فيــه حظــوة‬ ‫أثــر مهـّـم فــي إرســاء تصـ ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫عام‪،‬‬ ‫ـكل‬ ‫ـ‬ ‫بش‬ ‫االجتماعية‬ ‫الظواهر‬ ‫لفعل اإلنســان إزاء‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ـاص‪ .‬وقــد تجلَّى‬ ‫ـ‬ ‫خ‬ ‫ـكل‬ ‫ـ‬ ‫بش‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّغوي‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫وحيــال الظاهــرة‬ ‫ّ‬ ‫ـي‪ ،‬ويتمثل‬ ‫ذلــك علــى نحويــن أساسـاً؛ أولهما منهجـ ّ‬ ‫في اســتعارة العلوم اإلنســانية واالجتماعية للمنهج‬ ‫ـاني ف ــي مقارباته ــا‪ ،‬وق ــد كان ــت الري ــادة ف ــي‬ ‫اللس ـ ّ‬ ‫ذل ــك لألنثروبولوجي ــا انطالقــ ًا م ــن بح ــوث كل ــود‬ ‫ليفي ســتروس (‪Claude Lévi-Strauss) (2009‬‬

‫‪ ،)-1908‬وتحقَّقـــت البدايـــة ببحـــث قصيـــر صـــدر‬ ‫البنيـــوي فـــي‬ ‫لـــه ســـنة ‪ 1945‬بعنـــوان «الّتحليـــل‬ ‫ّ‬ ‫ـوره ليك ــون‬ ‫ـ‬ ‫ط‬ ‫ـانيات واألنثروبولوجي ــا»‪ ،‬ث ـ ّـم ّ‬ ‫اللّس ـ ّ‬ ‫فــي شــكل كتاب بعنــوان «األنثروبولوجيــا البنيوية»‬ ‫صــدر جــزؤه األول ســنة ‪ 1958‬وصدر جــزؤه الثاني‬ ‫ســنة ‪ .1973‬علــى أنّنــا نجــد ســابقين لكلــود ليفــي‬ ‫ســـتروس فـــي الوعـــي بأهميـــة دروس سوســـير‬ ‫وإمكانيــات توظيــف جهازهــا الوصفــي‪ ،‬فمــن ذلــك‬ ‫مارسيل موس (‪)Marcel Mauss) (1950 - 1872‬‬ ‫فقــد نقــل عنــه كلــود ليفــي ســتروس قولــه‪ :‬لقــد كان‬ ‫ـورًا ل ــو‬ ‫بإم ــكان عل ــم االجتم ــاع أن يك ــون أكث ــر تط ـ ُّ‬ ‫أّنــه حــذا حــذو علمــاء اللّســان فــي ّ‬ ‫كل مــا أنجــزه(‪.)5‬‬ ‫أمــا الوجــه الثانــي مــن حظــوة المســألة اللّغويــة‬ ‫فتجل ــى‬ ‫ف ــي ه ــذا المنظ ــور الناش ــئ م ــع سوس ــير‬ ‫َّ‬ ‫ـام بالمس ــألة اللّغوي ــة ف ــي‬ ‫انطالقــ ًا م ــن وع ــي متن ـ ٍ‬ ‫فـــاألول تجلَّـــى فـــي‬ ‫؛‬ ‫والحضـــاري‬ ‫بعديهـــا التقنـــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتجســد‬ ‫وتطبيقاته‬ ‫تفريعاته‬ ‫بكل‬ ‫ـوي‬ ‫ّ‬ ‫المنظــور البنيـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـورت مس ــتثمرة للحق ــول‬ ‫ف ــي دراس ــات نفس ــية تط ـ َّ‬ ‫المعرفيــة الدارســة للغــة‪ ،‬وانتهــى األمــر بمــا يشــهده‬ ‫العال ــم ف ــي العق ــود األخي ــرة م ــن صع ــود للعل ــوم‬ ‫اإلدراكيـــة (‪ )Cognitive Sciences‬التـــي جعلـــت‬ ‫للغ ــة ولعلومه ــا أولوي ــة اعتباري ــة م ــن حي ــث ه ــي‬ ‫الح ــوض الجام ــع للمعرف ــة اإلنس ــانية‪ .‬وأم ــا البع ــد‬ ‫أن المســألة اللّغويــة قــد غــدت‬ ‫ـاري فيتمثــل فــي ّ‬ ‫الحضـ ّ‬ ‫منــذ الحــرب العالميــة الثانيــة أحــد األبعــاد المركزيــة‬ ‫فــي أمهــات القضايــا الوطنيــة واإلقليميــة والدوليــة؛‬ ‫ـي تأسســت حــركات التحـ ُّـرر‬ ‫فعلــى المســتوى الوطنـ ّ‬ ‫عل ــى احتف ــاء وتثمي ــن لأللس ــنة المحلي ــة م ــن حي ــث‬ ‫هـــي وعـــاء الثّقافـــة المحليـــة وذاكـــرة الشـــعوب‪.‬‬ ‫اإلقليمي تأسســت كيانات جغرافية‬ ‫وعلــى المســتوى‬ ‫ّ‬ ‫سياســية بنــت وحدتهــا علــى وحدة لغويــة‪ ،‬فمنها ما‬ ‫كان فــي إطــار منظمــات جامعــة مثــل جامعــة الــدول‬ ‫العربي ــة‪ ،‬ومنه ــا م ــا كان ف ــي إط ــار دول ــة فيدرالي ــة‬ ‫كال ــذي وق ــع ف ــي الدوي ــات المنصه ــرة ف ــي االتح ــاد‬ ‫الس ــوفياتي بع ــد الث ــورة البولش ــيفية (‪.)1917‬‬ ‫كل ذل ــك اختزل ــت المس ــألة اللّغوي ــة قضاي ــا‬ ‫م ــن ّ‬ ‫الهوي ــة والت ــراث المحّل ــي‪ ،‬وغ ــدت رعاي ــة اللس ــان‬ ‫ّ‬ ‫الهوي ــة‪ ،‬وص ــار الص ــراع‬ ‫ـ‬ ‫الوطن‬ ‫ـي ذودًا ع ــن عم ــاد ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـكل أبعادها‬ ‫اللّغــوي جمــاع أشــكال الصــراع الرمزية بـ ّ‬ ‫أن مــا يناهــز ‪120‬‬ ‫الثّقافيــة والحضاريــة‪ .‬فمــن ذلــك ّ‬ ‫ـتقرت دس ــاتيرها ف ــي الق ــرن‬ ‫دول ــة ف ــي العال ــم اس ـ َّ‬ ‫تضمنــة تحديــد لغتها الوطنيــة‪ .‬وبصعود‬ ‫العشــرين ُم ِّ‬ ‫تجل ــى ف ــي‬ ‫ـ‬ ‫ح‬ ‫ـوي‬ ‫ـ‬ ‫لغ‬ ‫ـراع‬ ‫ـ‬ ‫ص‬ ‫ـرز‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫فك ــرة العولم ــة‬ ‫ـاد َّ‬ ‫ّ‬ ‫فكـــرة أساســـية هـــي «نهايـــة الجغرافيـــا وعـــودة‬ ‫ـعار س ــوى‬ ‫التاري ــخ»‪ .‬وليس ــت ه ــذه الفك ـ ُ‬ ‫ـرة ‪/‬الش ـ ُ‬ ‫تجلــت فــي مــرآة واحــدة‬ ‫اختصــار لمســتويات دنيــا َّ‬ ‫هــي اللّغــة‪ .‬وفــي واقــع العولمــة أصبــح الحديــث عن‬ ‫الكوني‪ ،‬هما‬ ‫مفهوميــن فاجعيــن فــي المشــهد اللّغــوي‬ ‫ّ‬


‫«م ــوت اللّغ ــات» و«الح ــروب اللّغوي ــة»‪.‬‬ ‫فف ــي مطل ــع الق ــرن الح ــادي والعش ــرين تصاع ــد‬ ‫االهتم ــام باللّغ ــة عل ــى نح ــو الف ــت‪ ،‬وتزام ــن ظه ــور‬ ‫مجموعــة مــن البحــوث العلميــة التــي تتخــذ موضــوع‬ ‫مــوت اللّغــات إطــارًا بحثي ـاً‪ ،‬فمــن ذلــك كتــاب كلــود‬ ‫حجــ��اج (‪ )Claude Hagège‬الصـــادر ســـنة ‪2002‬‬ ‫بعنـــوان «أوقفـــوا مـــوت اللّغـــات»(‪Halte à la( )6‬‬ ‫‪ ،)mort des langues‬وهـــو الكتـــاب الـــذي بنـــاه‬ ‫كل أربعة‬ ‫علــى معلومــة أساســية هــي أن لغــة تمــوت ّ‬ ‫عش ــر يومــ ًا(‪.)7‬‬ ‫تك ــون‬ ‫وف ــي واق ــع العولم ــة كّف ــت اللّغ ــات ع ــن أن ُ‬ ‫هوي ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ـــة ينبغـــي‬ ‫تواصـــل‬ ‫مجـــرد أدوات‬ ‫ومكونـــات ّ‬ ‫ّ‬ ‫تحصينه ــا‪ .‬فالمنظوم ــة الجدي ــدة فرض ــت حــّدًا م ــن‬ ‫التب ــادل والتفاع ــل ال مه ــرب من ــه‪ .‬وه ــو م ــا اختزل ــه‬ ‫جـــون لـــوي كالفـــاي (‪ )Louis-Jean Calvet‬فـــي‬ ‫عن ــوان كتاب ــه «س ــوق اللّغ ــات‪ :‬التأثي ــرات اللّغوي ــة‬ ‫للعولمـــة»(‪.)8‬‬ ‫تجل ــى ه ــذا الوض ــع اللّغ ــوي الكون ــي ف ــي‬ ‫وق ــد َّ‬ ‫سياس ــة المنتظ ــم األمم ــي بارتب ــاط نهاي ــة األلفي ــة‬ ‫الثاني ــة ومطل ــع األلفي ــة الثالث ــة باتج ــاه مه ــم ف ــي‬ ‫بالهويـــات‬ ‫سياســـة األمـــم المتحـــدة هـــو االهتمـــام‬ ‫ّ‬ ‫تجل ــى ذل ــك ف ــي ش ــكل صيح ــة ف ــزع‬ ‫اللّغوي ــة‪ .‬وق ــد َّ‬ ‫إزاء المــوت الــذي ُيهـ ِّـدد كثيــرًا مــن األلســنة البشــرية‪.‬‬ ‫وتزام ــن ذل ــك م ــع اهتم ــام أكاديم ــي به ــذه الظاه ــرة‬ ‫الواضحـــة فـــي األوســـاط العلميـــة‪ .‬كمـــا عنونـــت‬ ‫منظمـــة اليونســـكو مجلتهـــا (عـــدد إبريـــل ‪)2000‬‬ ‫بعنـــوان صـــادم هـــو «حـــرب اللّغـــات وســـلْمها»‪،‬‬ ‫وأصـــدر ســـتيفن وورم (‪)Stephen A. Wurm‬‬ ‫(‪)9‬‬ ‫«أطل ــس اللّغ ــات المه ـ َّـددة باالندث ــار ف ــي العال ــم»‬ ‫س ــنة ‪ .2002‬وف ــي الس ــنة نفس ــها اّتج ــه لس ــانيون‬ ‫عديــدون إلــى االهتمــام بقضيــة مــوت اللّغــات‪ .‬فشـ َّـكل‬ ‫هــؤالء الباحثــون تيــارًا نشــأ بشــكل متزامــن‪ ،‬فمنهــم‬ ‫فــي الفضــاء الفرنكفونــي كلــود حجــاج وجــون لــوي‬ ‫كالف ــاي‪ ،‬ومنه ــم ف ــي الس ــياق األنغلوفون ــي داني ــال‬ ‫(‪)10‬‬ ‫ناتـــل (‪ )Daniel Nettle‬وســـوزان رومـــان‬ ‫(‪.)Suzanne Romaine‬‬ ‫وإزاء واقـــع الصـــراع اللّغـــوي الكونـــي أصبـــح‬ ‫عي ــن هاجســ ًا علميــ ًا‬ ‫الس ــؤال ع ــن مس ــتقبل لس ــان ُم َّ‬ ‫تقنـــي وواجبـــ ًا قوميـــ ًا‬ ‫ملحـــ ًا مـــن منظـــور لســـاني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـي‪ .‬وبذل ــك نش ــأ‬ ‫ـ‬ ‫ثقاف‬ ‫ـاري‬ ‫حارق ـ ًا م ــن منظ ــور حض ـ‬ ‫ّ‬ ‫ـا هــو مفهــوم‬ ‫مفهــوم جديــد شــغل تيــارًا بحثي ـ ًا كامـ ً‬ ‫ٍ‬ ‫كتابـــات‬ ‫موضـــوع‬ ‫فشـــكل‬ ‫«الحـــروب اللّغويـــة»(‪.)11‬‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫جوهري ـ َـة القضي ـ ِـة اللّغوي ــة‬ ‫ـدرس‬ ‫َّ‬ ‫عدي ــدة منه ــا م ــا ي ـ ُ‬ ‫فـــي الحـــروب كمـــا فـــي بعـــض كتابـــات تزفتـــان‬ ‫تــودوروف(‪ .)12‬ومنهــا مــا يقتفــي أوجــه الصــراع بيــن‬ ‫األلســنة البشــرية كمــا فــي كتابــات روبــان تولماتــش‬ ‫اليكوف(‪ ،)Robin Tolmach Lakoff( )13‬وهنري‬ ‫هيتشـــنغز(‪. )Henry Hitchings( )14‬‬

‫إزاء واقــع «الحــروب اللّغويــة» و«مــوت اللّغــات»‬ ‫بــرز مفهــوم مهـّـم ُيدعــى «السياســات اللّغويــة»(‪)15‬‬ ‫ليكـــون أحـــد المفاهيـــم األساســـية فـــي علـــم‬ ‫ـتقر تعريــف السياســة‬ ‫اللســانيات االجتماعيــة‪ ،‬واسـ ّ‬ ‫اللّغوي ــة بأنه ــا مجموع ــة الخي ــارات الواعي ــة الت ــي‬ ‫تتخ ــذ ف ــي مس ــتوى العالق ــة بي ــن اللّغ ــة والحي ــاة‬ ‫االجتماعي ــة(‪ ،)16‬وأساس ــه أن الش ــأن اللّغ ــوي ل ــم‬ ‫تـــرك للصدفـــة‪ ،‬وإنمـــا هـــو يمثـــل خالصـــة‬ ‫يعـــد ُي َ‬ ‫ـون ُن ْس ــغ م ــا أصب ــح‬ ‫االختي ــارات الثّقافي ــة الت ــي تك ـّ‬ ‫ســـمى القـــوة الناعمـــة (‪.)Soft Power‬‬ ‫ُي ّ‬ ‫___________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪1- Tzvetan Todorov, La Conquête de l’Amérique‬‬ ‫‪, La Question de l’autre, éditions du Seuil, 1982.‬‬ ‫‪2- Charles Darwin, On the Origin of Species by‬‬ ‫‪Means of Natural Selection, or the Preservation‬‬ ‫‪of Favoured Races in the Struggle for Life, Lon‬‬‫‪don, 1959.‬‬ ‫المعرفيـــة‪،‬‬ ‫وأسســـها‬ ‫الســـام المســـّدي‪ ،‬الل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّســـانيات ّ‬ ‫‪ - 3‬عبـــد ّ‬ ‫الوطنيــة للكتــاب الجزائــر‪.‬‬ ‫المؤسســة‬ ‫ال ـّدار الّتونسـّـية للنّشــر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تونـــس‪ ،1986‬ص ‪.100‬‬ ‫‪4- Deborah Levine Gera, Ancient Greek Ideas on‬‬ ‫‪Speech, Language, and Civilization, Oxford Uni‬‬‫‪versity Press, 2003, p IX‬‬ ‫‪5- Claude Lévi-Strauss, Anthropologie structurale,‬‬ ‫‪Paris, Plon 1958, p : 37‬‬ ‫‪6- Claude Hagège, Halte à la mort des langues, Ed.‬‬ ‫‪Odile Jacob, 2002.‬‬ ‫‪ - 7‬انظ ــر بحثن ــا ال ــذي نش ــرناه ف ــي مجل ــة «الدوح ــة» لش ــهر‬ ‫ديســـمبر‪/‬كانون األول ‪.2015‬‬ ‫‪8- Louis-Jean Calvet , Le Marché aux langues :‬‬ ‫‪Les Effets linguistiques de la mondialisation. Ed.‬‬ ‫‪Plon, 2002.‬‬ ‫‪9- Stephen A. Wurm, Atlas Of The World’s Lan‬‬‫‪guages In Danger Of Disappearing, ED. UNESCO,‬‬ ‫‪2002.‬‬ ‫‪10- Daniel Nettle and Suzanne Romaine, Vanishing‬‬ ‫‪Voices : The Extinction of the World’s Languages,‬‬ ‫‪Oxford University Press, USA, 2000.‬‬ ‫‪11- Louis-Jean Calvet, La guerre des langues et‬‬ ‫‪les politiques linguistiques, Paris, Payot, 1987.‬‬ ‫‪12- Tzvetan Todorov, La Conquête de l’Amérique‬‬ ‫‪, La Question de l’autre, éditions du Seuil, 1982.‬‬ ‫‪13- Robin Tolmach Lakoff, The Language War,‬‬ ‫‪University of California Press, 2001.‬‬ ‫‪14- Henry Hitchings, The Language Wars: A His‬‬‫‪tory of Proper English, Picador, 2012.‬‬ ‫ـي الــذي عقــده‬ ‫‪َّ - 15‬‬ ‫تعمقنــا فــي هــذا المفهــوم فــي المؤتمــر العلمـ ّ‬ ‫المركــز العربــي لألبحــاث ودراســة السياســات بعنــوان «اللّغــة‬ ‫ـي ‪26‬‬ ‫العربيــة فــي بيئــات ومجــاالت مختلفــة» فــي الدوحــة يومـ ْ‬ ‫و‪ 27‬ديســمبر‪/‬كانون األول ‪ .2015‬وانظــر كذلــك مقالنــا بعــدد‬ ‫ديســمبر‪/‬كانون األول ‪ 2015‬مــن مجلــة «الدوحــة»‪.‬‬ ‫‪16- Louis-Jean Calvet , Le Marché aux langues :‬‬ ‫‪Les Effets linguistiques de la mondialisation. Ed.‬‬ ‫‪Plon, 2002.‬‬

‫إزاء واقع‬ ‫«الحروب‬ ‫اللّغوية»‬ ‫و«موت اللّغات»‬ ‫برز مفهوم‬ ‫مهم يُدعى‬ ‫ّ‬ ‫«السياسات‬ ‫اللّغوية»‬

‫‪59‬‬


‫ثمــن الحداثــة هــو التخلِّــي عــن المعنــى الرومانســي للغــة‪ -‬األم واالنخراط فــي اللّغة‬ ‫الكولونيالية‪ ،‬أي اإلنجليزية المعولمة وبعض اللّغات التي تشاركها في قدر الغرب (مثل‬ ‫التمسك بإرثهم اللّغوي أو بمدى‬ ‫الفرنســية أو اإلســبانية)‪ .‬ال يتعلَّق األمر بمدى تشجيع الناس على‬ ‫ُّ‬ ‫المهددة بالحداثة اإلجبارية هو جزء‪-‬‬ ‫عزوفهم عن لغتهم األم أو تشبثهم بها‪ّ .‬‬ ‫تتعرض له اللّغة َّ‬ ‫إن ما َّ‬ ‫فقط‪ -‬من جملة التهديدات الكولونيالية التي بنى عليها الغرب إســتراتيجية االســتيالء الميتافيزيقي‬ ‫على العالم وتحويله إلى «موضوع» أخرس للتملُّك والسيطرة التقنية‪.‬‬

‫المتهمون بالقتل اللُّغوي!‬ ‫د‪ .‬فتحي املسكيني‬

‫أي مدى‬ ‫إلى ّ‬ ‫يمكن للتن ُّوع‬ ‫اللُّغوي أن‬ ‫ً‬ ‫لغة ما‬ ‫يحمي‬ ‫من االنقراض؟‬ ‫ثم هل يجوز‬ ‫ّ‬ ‫ائتمان اللسانيين‬ ‫دون غيرهم على‬ ‫مستقبل اللّغات‬ ‫القومية؟‬

‫‪60‬‬

‫ثمـــة معنـــى أن يكـــون ســـبتمبر‪/‬أيلول‬ ‫هـــل ّ‬ ‫‪ 2001‬ه ــو‪ -‬بال ــذات‪ -‬الش ــهر ال ــذي وافق ــت في ــه‬ ‫مـــرة‪ ،‬علـــى‬ ‫ّ‬ ‫منظمـــة اليونســـكو أخيـــراً‪ّ ،‬‬ ‫وألول ّ‬ ‫إدراج «اللّغــات التــي فــي خطــر» ضمــن «اإلعــان‬ ‫العالمـــي عـــن اآلثـــار الكبـــرى للتـــراث الشـــفوي‬ ‫أيـــة داللـــة لهـــذه‬ ‫وغيـــر المـــادي لإلنســـانية»؟ ّ‬ ‫الصدفــة الثقيلــة بيــن أحــداث ‪ 11‬ســبتمبر‪/‬أيلول‬ ‫وبيـــن الوعـــي العالمـــي أخيـــر ًا بالتهديـــد الـــذي‬ ‫يح ــدق بش ــطر واس ــع النط ــاق م ــن اللّغ ــات الت ــي‬ ‫يتكلّمه ــا البش ــر الحالي ــون عل ــى كوكبن ــا؟‪ .‬وف ــي‬ ‫نظـــم البرلمـــان األوروبـــي‬ ‫ســـنة ‪ 2001‬أيضـــاً‪َّ ،‬‬ ‫«الس ــنة األوروبي ــة للغ ــات»‪.‬‬ ‫(مثـــا حســـب‬ ‫ بالطبـــع لـــم تجـــد اليونســـكو‬‫ً‬ ‫وثائقهـــا مـــا بيـــن ‪ 2001‬و‪ 2003‬حـــول مصيـــر‬ ‫اللّغــات التــي فــي خطــر) مــن أفــق أخالقــي للدفــاع‬ ‫عــن اللّغــات المهـّددة باالنقــراض ســوى التشــجيع‬

‫ـوع اللّغــوي‪ ،‬ولــم َتـ َـر مــن طــرف مالئــم‬ ‫علــى التنـ ُّ‬ ‫المهم ــة س ــوى علم ــاء األلس ــنية‪.‬‬ ‫لالضط ــاع به ــذه ّ‬ ‫للتنـــوع اللّغـــوي أن‬ ‫يمكـــن‬ ‫أي مـــدى‬ ‫ولكـــن إلـــى ّ‬ ‫ُّ‬ ‫يحم ــي لغ ـ ًـة م ــا م ــن االنق ــراض؟ ث ـ ّـم ه ــل يج ــوز‬ ‫ائتمـــان اللســـانيين دون غيرهـــم علـــى مســـتقبل‬ ‫اللّغــات القوميــة؟ نعنــي‪ :‬هــل مــوت اللّغــات مســألة‬ ‫تعبــر عــن خطــر‬ ‫لســانية بحصــر المعنــى؟ أم أنّهــا ّ‬ ‫أوس ــع نطاقــ ًا يح ــدق بماهي ــة اإلنس ــانية الحالي ــة‬ ‫نفس ــها؟‬ ‫تق ــول الجــّدة ناتالي ــا س ــانغاما (‪ )1999‬وه ــي‬ ‫تتكلــم لغــة مهـّددة باالنقــراض ُتدعى «شــاميكورو»‬ ‫َّ‬ ‫ـتعمل ف ــي منطق ــة األم ــازون‬ ‫(‪ُ ،)chamicuro‬تس ـ َ‬ ‫الواقعـــة فـــي البيـــرو‪ ،‬ولـــم َيعـــْد ينطـــق بهـــا ّإل‬ ‫المســنّون جــّداً‪:‬‬ ‫«أنا أحلم بالشاميكورو‪،‬‬ ‫لكن أحالمي ال يمكنني أن أحكيها إلى أحد‪،‬‬ ‫ّ‬


‫ألن ال أحد غيري يتكلّم الشاميكورو‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫يشــعر المــرء بأّنــه وحــده حيــن ال يبقــى لــه ســوى‬ ‫ذاته»‪.‬‬ ‫ـفي ًا يق ــع ه ــذا الخاط ــر العاب ــر للذاك ــرة ف ــي‬ ‫ـ‬ ‫فلس‬ ‫ّ‬ ‫أفــق إشــارة فتغنشــتاين الشــهيرة إلــى أّنــه ال توجد‬ ‫«لغــة خاصــة» أو لالســتعمال الخــاص (تحقيقــات‬ ‫ـق ألحــد‬ ‫ـفية‪ ،‬الفقــرة ‪ 243‬ومــا بعدهــا)‪ .‬ال يحـ ّ‬ ‫فلسـ ّ‬ ‫لغة‬ ‫أن يمتلــك مــا تقولــه لغتــه‪ ،‬ألّنــه ال أحــد يمتلــك ً‬ ‫خاصــة بــه‪ .‬وحســب فتغنشــتاين ســبب ذلــك أنّنــا‬ ‫نتكلــم نحــن ننخــرط فــي «لغــة لغويــة»‬ ‫بمجـّـرد أن َّ‬ ‫تعبرن ــا وال تنتم ــي إلين ــا‪ .‬ومعن ــى «اللعب ــة» هن ــا‬ ‫كل لغ ــة ه ــي بني ــة عميق ــة‬ ‫أن ّ‬ ‫يحي ــل عل ــى ه ــذا‪ّ :‬‬ ‫لــ«شــكل مــن الحيــاة»‪ ،‬ومــن َثـّـم لنــوع مــن البشــر‪.‬‬ ‫ـور أناس ـ ًا ال يتكلّم ــون‬ ‫ـفي ًا أن «نتص ـ ّ‬ ‫ال يمكنن ــا فلس ـ ّ‬ ‫ّإل م ــع أنفس ــهم»‪ .‬وخط ــأ دي ــكارت‪ ،‬وربم ــا خط ــأ‬ ‫ـأن‬ ‫ـن ب ـ ّ‬ ‫الفيلس ــوف الكالس ــيكي بعام ــة‪ ،‬ه ــو الظ ـ ّ‬

‫نفكــر‪.‬‬ ‫اللّغــة شــيء يمكــن أن نســتغني عنــه حيــن ّ‬ ‫«إن الصحيــح والخاطــئ هــو مــا‬ ‫قــال فتغنشــتاين‪ّ :‬‬ ‫يقولــه النــاس‪ ،‬بينمــا يتوافــق النــاس فــي اللّغــة‪.‬‬ ‫لي ــس ه ــذا توافقــ ًا ف ــي المقاص ــد‪ ،‬ب ــل توافقــ ًا ف ــي‬ ‫ش ــكل الحي ــاة (‪(»)Lebensform‬نفس ــه‪ ،‬الفق ــرة‬ ‫‪.)241‬‬ ‫ـول‬ ‫ـ‬ ‫وتح‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫لغت‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫فق‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫ـعب‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫أن‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫ـاذا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ولك‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫إلــى ذاكــرة منســحبة مــن أذن اإلنســانية؟ مــا معنــى‬ ‫يتعل ــق األم ــر حص ــرًا‬ ‫أن تنق ــرض لغ ــة م ــا؟ ه ــل‬ ‫َّ‬ ‫بع ــدد المتكلّمي ــن؟ أم عل ــى األرج ــح بالوق ــوع ف ــي‬ ‫أدى إل ــى وفاته ــا؟ وعندئ ــذ‪ :‬م ــا‬ ‫«م ــرض» لس ــاني ّ‬ ‫ه ــو «ال ــداء» الكون ــي ال ــذي يصي ــب اللّغ ــات حت ــى‬ ‫أي ط ــور م ــن عمره ــا اللس ــاني؟‬ ‫تنق ــرض؟ وف ــي ّ‬ ‫يقــول فتغنشــتاين‪« :‬الفلســفة تعالــج مســألة من‬ ‫المس ــائل وكأنّه ــا تعال ــج مرضاً»(نفس ــه‪ ،‬الفق ــرة‬ ‫‪ .)255‬وعليـــه‪ :‬مـــا هـــو المـــرض الـــذي يحـــدق‬

‫ّ‬ ‫يحق ألحد أن‬ ‫ال‬ ‫يمتلك ما تقوله‬ ‫لغته‪ ،‬ألنّه ال‬ ‫ً‬ ‫لغة‬ ‫أحد يمتلك‬ ‫خاصة به‬

‫‪61‬‬


‫األمر يتعلَّق‬ ‫بتحرير اللّغات‬ ‫القومية من‬ ‫«النحو» الغربي‬ ‫الذي يخترقها‬ ‫(تداوليّ ًا) حتى‬ ‫من دون حاجة‬ ‫إلى الترجمة‬

‫‪62‬‬

‫إن اللّغات‬ ‫باللّغــات ويهّددهــا باالنقراض الكوني؟ ‪ّ -‬‬ ‫ال تنقــرض ســدى‪ ،‬بــل تحــت وطــأة تدافــع لســاني‬ ‫تقــوده لغــة أو مجموعــة لغــات ضـّد أخــرى أو ضـّد‬ ‫لغــة بعينهــا‪ .‬ولكــن «مــا» أو «مــن» هــي تلــك اللّغــة‬ ‫«الكوني ــة» الت ــي تنط ــوي بالض ــرورة عل ــى خط ــر‬ ‫أو ًال‬ ‫دف ــع بقي ــة لغ ــات اإلنس ــانية إل ــى االنق ــراض؟ ّ‬ ‫أي لغ ــة تزع ــم أنّه ــا‬ ‫تل ــك اللّغ ــة يمك ــن أن تك ــون ّ‬ ‫لغ ــة كوني ــة ينبغ ــي أن يتكلّمه ــا الن ــوع اإلنس ــاني‬ ‫أن اللّغـــة الحديثـــة التـــي رفعـــت‬ ‫بعامـــة‪ .‬وثانيـــ ًا ّ‬ ‫لـــواء الكونيـــة هـــي جملـــة األلســـنة «الغربيـــة»‪-‬‬ ‫األوروبيــة‪ -‬األميركيــة‪ -‬التــي نجحــت فــي تشــكيل‬ ‫روح الحداثــة وامتــاك شــكل التعبير الكوني عنها‪:‬‬ ‫أي وفقـ ًا للنحــو الــذي يضبط األلســنة الكولونيالية‬ ‫(الفرنســية واالنجليزيــة خاصــة)‪ .‬واقعـ ُـة انقــراض‬ ‫اللّغـــات غيـــر الغربيـــة‪ -‬وهـــو انقـــراض معنـــوي‬ ‫ـادي بالنســبة إلــى البعــض‬ ‫فــي بعضهــا‪ ،‬ولكّنــه مـ ّ‬ ‫اآلخ ــر‪ -‬ه ــي إذن واقع ــة كولونيالي ــة‪ ،‬أي ناتج ــة‬ ‫عــن سياســة احتــال لســاني لمناطــق تعبيــر غيــر‬ ‫غربي ــة وتق ــع خ ــارج نط ــاق م ــا س ـّـماه هوس ــرل‬ ‫«اإلنس ــانية األوروبي ــة»‪.‬‬ ‫كان دأب الفالســفة أن يحســموا األمــر بيــن «لغة‬ ‫مثاليـــة» (تصلـــح إلنتـــاج الحقيقـــة فـــي العلـــوم)‬ ‫وبيــن أحقّيــة «اللّغــة اليوميــة» فــي أن تقــول معنى‬ ‫أصيـــا حـــول معنـــى العالـــم‪ .‬قـــال فتغنشـــتاين‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ألن لهــا رنينـ ًا‬ ‫«‪..‬لفظــة (مثالــي) قــد تكــون مضلّلــة‪ّ ،‬‬ ‫وكأن مث ــل ه ــذه اللّغ ــات أفض ــل وأكم ــل م ــن لغتن ــا‬ ‫ّ‬ ‫ليبيــن‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫المنطق‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫حاج‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫ّن‬ ‫ن‬ ‫وأل‬ ‫ـة؛‬ ‫ـ‬ ‫اليومي‬ ‫ّ‬ ‫للّنــاس المظهــر الحقيقــي للقضية»(نفســه‪ ،‬الفقــرة‬ ‫إن طرافــة هــذا التقابــل النظــري الكالســيكي‬ ‫‪ّ -.)81‬‬ ‫(الداخلــي لمنطــق الفلســفة منــذ أفالطــون) بيــن لغة‬ ‫مثالي ــة ولغ ــة يومي ــة أو عادي ــة ق ــد انقل ــب راهنــ ًا‬ ‫(ف ــي أف ــق م ــا بع ــد الحداث ــة) إل ــى تقاب ــل ثقاف ــي‪-‬‬ ‫تفكيكــي لئــن احتفــظ بنفــس الــدور البنيــوي ّإل أّنــه‬ ‫غيــر الطرفيــن المتقابليــن‪ :‬لقــد صــار التقابــل بيــن‬ ‫ّ‬ ‫لغ ــات «غربي ــة» (كولونيالي ــة‪ ،‬مهيمن ــة‪ ،‬كوني ــة)‬ ‫ـتعمرة حتــى فــي‬ ‫وبيــن لغــات «غيــر غربيــة» (مسـ َ‬ ‫ـا عــن مصطلحاتهــا‪ ،‬تابعــة‪،‬‬ ‫بناهــا النحويــة فضـ ً‬ ‫ـوة باســتمرار إلــى‬ ‫ـ‬ ‫مدع‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الكوني‬ ‫محلّيــة‪ ،‬منزوعــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الترجم ــة)؛ ب ــل أكث ــر م ــن ذل ــك‪ :‬ه ــو تقاب ــل راه ــن‬ ‫بي ــن لغ ــات له ــا مس ــتقبل أخالق ــي عل ــى مس ــتوى‬ ‫اإلنســـانية ولغـــات فـــي خطـــر ثقافـــي أو مهـــّددة‬ ‫باالنق ــراض «اللس ــاني»‪.‬‬ ‫ـفي ًا «لغ ـ ٌـة ف ــي خط ــر»‬ ‫ولك ــن م ــاذا تعن ــي فلس ـ ّ‬ ‫أو «لغـــة مهـــّددة باالنقـــراض»؟ ‪ -‬يبـــدأ الخطـــر‪،‬‬ ‫نتفطـــن إليـــه‪ .‬وحيـــن يحـــدق‬ ‫دومـــاً‪ ،‬قبـــل أن ّ‬ ‫بإح ــدى اللّغ ــات ه ــو يعن ــي أنّه ــا ل ــم تع ــد تمتل ــك‬

‫المبــادرة «االصطالحيــة» لقــول األشــياء‪ .‬ال يكفــي‬ ‫أن نواص ــل تس ــمية األش ــياء بأس ــماء أصيل ــة ك ــي‬ ‫«ســـيارة» هـــي لفظـــة‬ ‫مثـــا‪:‬‬ ‫نقـــول حقيقتهـــا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫قديم ــة لكنّه ــا كّف ــت ع ــن ق ــول نفس ــها (أي معن ــى‬ ‫«القافلــة»‪ -‬ســورة يوســف‪ ،‬اآليــة ‪ ،)19‬والتبســت‬ ‫آلي ــة»‪ )..‬ال‬ ‫بدالل ــة «حديث ــة» (أي معن ــى «مركب ــة ّ‬ ‫معن ــى له ــا قب ــل الق ــرن التاس ــع عش ــر‪ .‬ولك ــن ه ــل‬ ‫هــذا وضــع خــاص باللّغــات «غيــر الغربيــة» حّقــا؟‬ ‫ـإن األوروبيي ــن (خاص ــة الفرنس ــيين) يش ــعرون‬ ‫فـ ّ‬ ‫بالضيــم الكبيــر الــذي ألحقتــه اإلنجليزيــة المعولمة‬ ‫بس ــائر اللّغ ــات القومي ــة ف ــي أوروب ــا (باأللماني ــة‬ ‫ـا)‪.‬‬ ‫مث ـ ً‬ ‫وهـــم ميتافيزيقـــي‬ ‫ن‬ ‫تكـــو‬ ‫أفالطـــون‬ ‫منـــذ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫أن المعانــي «مثــاالت» ومــن َثـّـم فإّنــه ال‬ ‫مؤســس‪ّ :‬‬ ‫َّ‬ ‫ـفي ًا مــن بنــاء لغــة كونيــة قــادرة‬ ‫ـ‬ ‫فلس‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫يمن‬ ‫ـيء‬ ‫شـ‬ ‫ّ‬ ‫كل الفالس ــفة إل ــى‬ ‫عل ــى ق ــول المعان ــي الكوني ــة‪ّ .‬‬ ‫أن‬ ‫حــدود ليبنتــز لــم يخرجــوا عــن هــذا االفتــراض‪ّ :‬‬ ‫لفظي ـاً‪ ،‬ب ــل ه ــو أخط ــر م ــن‬ ‫ال ّ‬ ‫المعن ــى لي ــس مش ــك ً‬ ‫ذل ــك ألّن ــه يق ــول «ماهي ــة» الموج ــودات أو يتمّث ــل‬ ‫«وعين ــا» بالعال ــم الموضوع ــي ال ــذي يحي ــط بن ــا‪.‬‬ ‫ومــن هنــا تأّتــت إلــى ليبنتــز فكــرة بنــاء لغــة كونية‬ ‫وصوريــة أطلــق عليها اســم «‪characteristica ‬‬ ‫‪ -»universalis‬ح ــروف أو لغ ــة كوني ــة‪ -‬ق ــادرة‬ ‫عل ــى التعبي ــر الحس ــابي ع ــن جمي ــع المفهوم ــات‬ ‫أكانــت رياضيــة أو ميتافيزيقيــة‪ ،‬ومــن َثـّـم تنتهــي‬ ‫أي مجادل ــة عقيم ــة بي ــن المتفلس ــفة‪.‬‬ ‫إل ــى إبط ــال ّ‬ ‫ولذلـــك كان البـــّد مـــن انتظـــار القـــرن الثامـــن‬ ‫عش ــر‪ ،‬وخاص ــة كتاب ــات ه ــردر وهومبول ــدت ف ــي‬ ‫يتبيــن حجــم اإلشــكال الميتافيزيقي‬ ‫ألمانيــا‪ ،‬حتــى ّ‬ ‫والروح ــي العمي ــق ال ــذي يطرح ــه وج ــود اللّغ ــات‬ ‫اإلنســانية‪ .‬وفــي هــذا الصــدد نشــأ قــران مهيــب بيــن‬ ‫عبقري ــة‬ ‫«إن‬ ‫«اللّغ ــات» و«الش ــعوب»‪ .‬ق ــال ه ــردر‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫بأم ــة‬ ‫ـاص‬ ‫عبقري ــة األدب الخ ـ‬ ‫لغ ــة م ــا ه ــي أيضــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن األغانـــي الشـــعبية هـــي‬ ‫مـــا»‪ .‬وهـــو‬ ‫يتصـــور ّ‬ ‫ّ‬ ‫«أرش ــيف ش ــعب م ــا»‪ .‬ولذل ــك ه ــو يع ــرض ع ــن‬ ‫ادعــاء تنويــري بالبحــث (وفــق إرث يصعــد إلــى‬ ‫أي ّ‬ ‫ّ‬ ‫س ــفر التكوي ــن‪ )11 ،‬ع ــن لغ ــة «بابلي ــة» أي لغ ــة‬ ‫كونيــة ربمــا تكلّمهــا الجنــس البشــري قبــل «تبلبــل‬ ‫يختـــص بأنّـــه «يســـكن»‬ ‫إن اإلنســـان‬ ‫األلســـنة»‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫أرضــه‪ ،‬كذلــك لغتــه‪ :‬إنّهــا دومـ ًا حســب هــردر «لغة‬ ‫كل لغــة هــي إمضاء روحي‬ ‫األرض» التــي يســكنها‪ّ .‬‬ ‫خ ــاص بش ــعب بعين ــه‪ .‬ولذل ــك يعتق ــد هومبول ــدت‬ ‫أن» «الفك ــر ال يتوّق ــف فق ــط عل ــى اللّغ ــة بعام ــة‪،‬‬ ‫معين ــة»‪.‬‬ ‫ب ــل‪ -‬إل ــى ح ـّد م ــا‪ -‬عل ــى ّ‬ ‫كل لغ ــة فردي ــة ّ‬ ‫(المكرس لفكــرة الغرب)‪،‬‬ ‫وهــو علــى خــاف هيغــل‬ ‫ِّ‬ ‫ـأي ض ــرب م ــن ن ــزاع االعت ــراف بي ــن‬ ‫ال يؤم ــن ب ـ ّ‬


‫الشـــعوب؛ ليـــس علـــى الشـــعوب أن تدخـــل فـــي‬ ‫قبض ــة اللّغ ــة الكوني ــة لفالس ــفة التنوي ــر‪ .‬وذل ــك‬ ‫ألن االخت ــاف بي ــن اللّغ ــات لي ــس مج ــرد اخت ــاف‬ ‫ّ‬ ‫بي ــن األص ــوات اللس ــانية‪ ،‬ب ــل ه ــو اخت ــاف بي ــن‬ ‫«رؤى العالــم» التــي تحضــن شــعوب ًا دون أخــرى‪.‬‬ ‫ـن آمال الرومانســيين قــد ذهبت أدراج الرياح‪.‬‬ ‫لكـّ‬ ‫مفكــرو عصــر التنويــر فــي خلــق‬ ‫ـح‬ ‫ـ‬ ‫ينج‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫ولئــن‬ ‫ّ‬ ‫اللّغــة الكونيــة التــي وعــدوا بهــا‪ -‬اللّغــة «الكســمو‪-‬‬ ‫سياســية» أو لغــة المواطنــة فــي العالــم‪ -‬فهــم قــد‬ ‫كأفق‬ ‫ثقافيـ ًا صالحـ ًا (ســياق الحداثة ٍ‬ ‫وّفــروا ســياق ًا ّ‬ ‫يتمك ــن‬ ‫روح ــي إجب ــاري لإلنس ــانية الراهن ــة) ك ــي َّ‬ ‫الغ ــرب م ــن تنصي ــب بع ــض اللّغ ــات الكولونيالي ــة‬ ‫(الفرنســية واإلســبانية‪ ،‬ولكن اإلنجليزية خاصة)‬ ‫ف ــي داخ ــل عوال ــم حي ــاة غي ــر غربي ــة تش ــعر أنّه ــا‬ ‫تتكلّـــم لغـــة إمبراطوريـــة مفروضـــة بواســـطة‬ ‫تـــارة‪ ،‬وبالقـــوة االســـتعمارية‬ ‫فلســـفة التاريـــخ‬ ‫ً‬ ‫(العسكرية أو االقتصادية أو السياسية أو العلمية‬ ‫ـارة أخــرى‪.‬‬ ‫أو الجماليــة‪ )..‬تـ ً‬ ‫ف ــي ه ــذا الس ــياق يمكنن ــا تنزي ــل قول ــة مثي ــرة‬ ‫ـكل بس ــاطة فاش ـّـية؛‬ ‫إن اللّغ ــة «ب ـ ّ‬ ‫ل ــروالن ب ــارط‪ّ :‬‬ ‫أن الفاشـّـية ليســت أن نمنــع أحــدًا مــن الكالم‪،‬‬ ‫ذلــك ّ‬ ‫ـن مــا‬ ‫بــل أن نفــرض عليــه أن يقــول شــيئ ًا مــا»‪ .‬لكـّ‬ ‫المفكــر الغربــي يطرحــه بشــكل «اســتطيقي»‪-‬‬ ‫كان ّ‬ ‫حــول طريقتــه فــي تأثيــث العالــم التقنــي كأثــر َفنّي‬ ‫أو كجماليــات وجــود خاصــة‪ -‬ويعانــي منــه ألّنــه‬ ‫يهـّدد فردانيتــه «المريضــة»‪ ،‬أصبــح خطــرًا ثقافيـ ًا‬ ‫كل اللّغــات غيــر الغربية‪:‬‬ ‫أوســع نطاقـ ًا صــار يهـّدد ّ‬ ‫إن اللّغ ــات غي ــر الغربي ــة ه ــي رؤى عال ــم مهــّددة‬ ‫ّ‬ ‫باالنق ــراض‪ ،‬تح ــت س ــنابك اللّغ ــة اإلمبراطوري ــة‬ ‫أو المعولم ــة الت ــي تطب ــع المس ــاحة اللس ــانية ف ــي‬ ‫أي ش ــعب غي ــر غرب ــي بطاب ــع كولونيال ــي‪.‬‬ ‫أف ــق ّ‬ ‫ال تعن ــي «الكولونيالي ــة» (حس ــب ولت ــر منيول ــو‪،‬‬ ‫أحــد أبــرز الباحثيــن العالمييــن فــي أفــق «التحريــر‬ ‫مجـــرد‬ ‫الديكولونيالـــي» مـــن براديغـــم الحداثـــة)‬ ‫ّ‬ ‫واقعــة االســتعمار‪ ،‬بــل هــي «حقبــة ميتافيزيقيــة»‬ ‫نتحـــرر منهـــا‪.‬‬ ‫مـــرت بهـــا اإلنســـانية‪ .‬وعلينـــا أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وإن مـــن أخطـــر الخطـــوات نحـــو هـــذا النـــوع‬ ‫ّ‬ ‫مـــن التحريـــر «الديكولونيالـــي» (‪)decolonial‬‬ ‫هـــو ّ‬ ‫فـــك االرتبـــاط (‪ )delinking‬اللّغـــوي الـــذي‬ ‫تفرض ــه لعب ــة الحداث ــة عل ــى عق ــول المعاصري ــن‪.‬‬ ‫إن «الحداث ــة» ه ــي لغ ــة كولونيالي ــة أو «اس ــتعمار‬ ‫ّ‬ ‫لغـــوي» (‪ ،)colonization of language‬ال‬ ‫تكل ــم الفرنس ــية‬ ‫غي ــر‪ .‬ال يعن ــي ذل ــك مج ــرد ع ــدم ُّ‬ ‫جذري ــة م ــن‬ ‫ـا‪ ،‬ب ــل األم ــر أكث ــر‬ ‫أو اإلنجليزي ــة مث ـ ً‬ ‫ّ‬ ‫يتعلــق بتحريــر اللّغــات القوميــة مــن‬ ‫ذلــك‪ :‬األمــر‬ ‫َّ‬ ‫(تداوليــاً) حت ــى‬ ‫«النح ــو» الغرب ــي ال ــذي يخترقه ــا‬ ‫ّ‬

‫مـــن دون حاجـــة إلـــى الترجمـــة‪ .‬وحســـب ولتـــر‬ ‫منيول ــو فه ــذا الجان ــب «غي ــر الغرب ــي» ال يمك ــن أن‬ ‫يه ـّـم ناق ــدًا للحداث ــة مث ــل ج ــورج باالنديي ــه (ال ــذي‬ ‫كت ــب س ــنة ‪ 1951‬ع ــن «الوضعي ــة الكولونيالي ــة»)‬ ‫أو يهـّـم صاحــب حفريــات عــن ســلطة الخطــاب مثل‬ ‫أن «االســـتعمار اللّغـــوي» لبقيـــة‬ ‫فوكـــو‪ .‬والحـــال ّ‬ ‫الشــعوب هــو قــد بــدأ حســب منيولــو منــذ تنصيــب‬ ‫الغــرب أليديولوجيــا الحــرف المكتــوب فــي أعقــاب‬ ‫اكتش ــاف المطبع ــة ف ــي الق ــرن الس ــادس عش ــر‪.‬‬ ‫ـإن وقــوع بعــض اللّغــات التــي تتكلَّمهــا‬ ‫وهكــذا فـ ّ‬ ‫أقلّيـــات إثنيـــة تحـــت الخطـــر أو تحـــت تهديـــد‬ ‫االنق ــراض ه ــو لي ــس مج ـّـرد مش ــكل لس ــاني؛ ب ــل‬ ‫أن‬ ‫هــو نتيجــة بنيويــة لرؤية العالــم الكولونيالية‪ّ :‬‬ ‫التخلــي عــن المعنــى الرومانســي‬ ‫ثمــن الحداثــة هــو‬ ‫ِّ‬ ‫للغ ــة‪ -‬األم واالنخ ــراط ف ــي اللّغ ــة الكولونيالي ــة‪،‬‬ ‫أي اإلنجليزي ــة المعولم ــة وبع ــض اللّغ ــات الت ــي‬ ‫تشـــاركها فـــي قـــدر الغـــرب (مثـــل الفرنســـية أو‬ ‫يتعلــق األمــر بمــدى تشــجيع النــاس‬ ‫اإلســبانية)‪ .‬ال َّ‬ ‫التمس ــك بإرثه ــم اللّغ ــوي أو بم ــدى عزوفه ــم‬ ‫عل ــى‬ ‫ّ‬ ‫إن م ــا تتع ـّـرض‬ ‫ع ــن لغته ــم األم أو تش ـ ُّـبثهم به ــا‪ّ .‬‬ ‫ل ــه اللّغ ــة المه ـّددة بالحداث ــة اإلجباري ــة ه ــو ج ــزء‬ ‫فقــط مــن جملــة التهديــدات الكولوناليــة التــي بنــى‬ ‫عليهــا الغرب إســتراتيجية االســتيالء الميتافيزيقي‬ ‫عل ــى العال ــم وتحويل ــه إل ــى «موض ــوع» أخ ــرس‬ ‫للتمل ــك والس ــيطرة التقني ــة‪ .‬الدخ ــول ف ــي عص ــر‬ ‫ُّ‬ ‫أم ــن م ــرورًا‬ ‫المطبع ــة خل ــق وضعــ ًا كولونياليــ ًا َّ‬ ‫غربيـــ ًا (ضـــّد توصيـــة أفالطـــون فـــي محـــاورة‬ ‫ّ‬ ‫فيـــدروس) مـــن عصـــر الشـــفوي إلـــى عصـــر‬ ‫إن «العال ــم الجدي ــد» ه ــو ح ــدث لغ ــوي‬ ‫المكت ــوب‪ّ .‬‬ ‫أو س ــيميطيقي‪ ،‬مثل ــه مث ــل «األزمن ــة الجدي ــدة»‪.‬‬ ‫وكل حــدث لغــوي أو ســيميوطيقي هــو منــذ ذلــك‬ ‫ّ‬ ‫الوقــت حــدث كولونيالي‪ ،‬ونتيجته الحاســمة هي‪:‬‬ ‫إخ ــراج ش ــعب م ــا م ــن لغت ــه األم والق ــذف ب ــه ف ــي‬ ‫أت ــون اس ــتعمال لس ــاني ب ــا لغ ــة أصيل ــة‪ .‬عندئ ــذ‬ ‫س ــوف يك ـ ّ‬ ‫ـف ع ــن س ــرد حكاي ــات ذات ــه وينقط ــع‬ ‫ـول إلــى‬ ‫ـ‬ ‫ويتح‬ ‫ـة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫العميق‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫ذاكرت‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ا‬ ‫شــيئ ًا فشــيئ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ـداء‬ ‫أطــراس ال يقــرأ نفســه ّإل مــن وراء حجــاب‪ .‬نـ ُ‬ ‫حيــة منــذ اآلن هــو أن يتكلّمهــا أهُلهــا‪ ،‬ليس‬ ‫ّ‬ ‫كل لغــة ّ‬ ‫فق ــط كممارس ــة يومي ــة‪ ،‬ب ــل كموق ــف سياس ــي‪:‬‬ ‫المســؤولية تجــاه مســتقبلنا بوصفــه فــي ماهيتــه‬ ‫كل‬ ‫كل نم ــوذج عي ــش أو ّ‬ ‫لغويــ ًا يطرح ــه ّ‬ ‫مش ــك ً‬ ‫ال ّ‬ ‫إن مســتقبل أطفالنــا‬ ‫شــكل مــن الحيــاة علــى نفســه‪ّ .‬‬ ‫هـــو رهيـــن نـــوع مـــن السياســـة اللّغويـــة تجـــاه‬ ‫أي لغ ــة كان ــت‪،‬‬ ‫اللّغ ــة‪ -‬األم‪ .‬إذ ال َّ‬ ‫يتكل ــم الن ــاس ّ‬ ‫ب ــل لغ ــة يمكنه ــم االنتم ــاء إليه ــا ألنّه ــا توّف ــر دون‬ ‫غيره ــا أفقــ ًا مخصوصــ ًا لفه ــم أنفس ــهم‪.‬‬

‫وقوع بعض‬ ‫اللّغات التي‬ ‫تتكلَّمها أقلّيات‬ ‫إثنية تحت‬ ‫الخطر أو تحت‬ ‫تهديد االنقراض‬ ‫هو ليس مجرّد‬ ‫مشكل لساني‬

‫‪63‬‬


‫«الد ِارجة»؛ مصطلحات ُتطَلق في العصر الحاضر على طبيعة‬ ‫«اللَّْه َجة» أو «العامية» أو َّ‬ ‫تداول بين الناس في تواصلهم اليومي؛ بمعنى أنها مترادفة أو تكاد تكون‬ ‫الم َ‬ ‫ِّسان» ُ‬ ‫«الل َ‬ ‫ِّســان»‪ .‬فقد ورد في‬ ‫كذلــك‪ .‬واللَّْه َجــة من المصطلحات التي ُعِرَف ْت قديماً‪ ،‬شــأنها شــأن «اللّغة» و«الل َ‬ ‫ْه ُج ِبُل َغِتهِ‬ ‫ِّســان‪ِ ،‬بَما َين ِ‬ ‫ْط ُق ِبِه ِم َن الَ‬ ‫ْكَلِم؛ َو ُس ِّ‬ ‫ــمَي ْت َلْه َج ًة َِل َّن ُكّ ًل َيلَ‬ ‫المعاجم أن «اللَّْه َجة» تعني‪« :‬الل َ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫َو َكَلِمِه(‪ .»)1‬أي إنها لغة اإلنســان «التي ُجِب َل عليها‬ ‫بالشيء‪:‬‬ ‫ِج َّ‬ ‫َ‬ ‫فاعتادها ونشــَأ عليها »‪ .‬وهي ِمن َله َ‬ ‫القول إن‬ ‫ــع بــه‪ ،‬كمــا ُيقــال‪ّ :‬‬ ‫إن ال َ‬ ‫ّلغة ِمن َل ِغــى بالشــيء؛ أي َغِرى بــه(‪ .»)3‬ويترتب على ذلــك‪ُ ،‬‬ ‫ُأوِل َ‬ ‫«اللَّْه َجة» شــديدة الصلة بالنطق‪ ،‬ولذلك قالوا‪« :‬هو َفصيح الــــلَّْه َجة»‪ ،‬و«صــادق اللَّْه َجة»‪ ،‬ومن َث َّم‬ ‫غلــب مصطلــح اللَّْه َجات على مــا يتواصل به الناس فــي حياتهم اليومية‪ .‬أما «العامية» فهي نســبة‬ ‫«الد ِارجة»‬ ‫إلى العامة‪ ،‬وقد كان القدماء ينســبون ّ‬ ‫كل كالم فيه عدول عن الفصيح إلى العامة‪ .‬كما أن َّ‬ ‫مرادفة للعامية‪ ،‬وهي المصطلح السائد ببالد المغرب‪.‬‬

‫التلهيج والحرب على الفصحى‬ ‫عبد الرحيم الرحموين*‬

‫القضية تتعلَّق‬ ‫بمشروع كبير‬ ‫يحمل في‬ ‫طياته الدعوة‬ ‫إلى «اإلطاحة»‬ ‫بالفصحى‬ ‫وقتلها نهائي ًا‬ ‫وإحالل العامية‬ ‫مكانها‬

‫‪64‬‬

‫ولقـــد ُاشـــتق مـــن «اللَّْه َجـــة» «التلهيـــج»‪ ،‬ومـــن‬ ‫«الد ِارج ــة» «التدري ــج»‪ ،‬ول ــم ُيش ــتق م ــن «العامي ــة»‬ ‫َّ‬ ‫أي مشــتق ذي صلــة بالمعنــى‪ ،‬لمــا يمكــن أن يحملــه‬ ‫اللفــظ المشــتق مــن دالالت بعيــدة عــن المعنــى المــراد‪.‬‬ ‫وبذلـــك فـــإن مصطلـــح «التلهيـــج» ُيـــراد بـــه مـــا‬ ‫يســـود عـــددًا مـــن المجتمعـــات العربيـــة مـــن دعـــوة‬ ‫إل ــى إح ــال العامي ــات مح ــل الفصح ــى ف ــي التعلي ــم‬ ‫واإلعــام واإلدارة ومــا إلــى ذلــك مــن المجــاالت التــي‬ ‫تس ــتعمل فيه ــا الفصح ــى‪.‬‬ ‫وَلعّلــه ممــا هــو معــروف أن الدعــوة إلــى اســتعمال‬ ‫العاميــة أو حتــى اســتعمال الحــروف الالتينية لكتابة‬ ‫العربيــة ليســت دعــوة جديــدة‪ ،‬بــل هــي قديمــة‪ .‬فلقــد‬ ‫اقترنــت بداياتهــا بالفتــرة التي ســبقت اســتيالء القوى‬ ‫االســتعمارية علــى البــاد العربيــة واإلســامية‪ ،‬وقــد‬ ‫وبجمــع نصوصها وبالتنظير‬ ‫ـام بالعاميــة‬ ‫ْ‬ ‫كان االهتمـ ُ‬ ‫خطوة تمهيدية ودعم ًا ثقافي ًا للمشــروع التجزيئي‬ ‫لها‬ ‫ً‬ ‫االســتعماري‪ ،‬إدراك ًا مــن حاملــي هــذه الرؤيــة بأهمية‬ ‫هويــة األم ــة م ــن‬ ‫اللّغ ــة وقدرته ــا عل ــى الحف ــاظ عل ــى ّ‬ ‫خـــال مـــا تحملـــه الكلمـــة مـــن بصمـــات حضاريـــة‬ ‫وثقافيــة تصــوغ الوعــي وتحمــي الخصوصيــة(‪.)4‬‬ ‫ولقـــد تتبـــع بعـــض الباحثيـــن تاريـــخ االهتمـــام‬ ‫باللّغــات العاميــة الــذي بــدأ منــذ القــرن التاســع عشــر‬

‫مؤسســات فــي الغــرب مــن أجــل‬ ‫حينمــا ُأنشــئت ِعـّدة َّ‬ ‫(‪)5‬‬ ‫ثـــم توالـــى االهتمـــام‬ ‫‪.‬‬ ‫العاميـــة‬ ‫تدريـــس اللَّْه َجـــات‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫بالعامي ــات والدع ــوة إليه ــا م ــن قَب ــل ع ـ َـدد م ــن أبن ــاء‬ ‫العــرب أنفســهم‪ ،‬بــل هنــاك مــن الباحثيــن مــن أرجــع‬ ‫هــذا االهتمــام إلــى القــرن الســابع الهجري‪َ ،‬لــّـما وضع‬ ‫الراهـــب الكطالنـــي ريمونـــد مرتيـــن معجمـــ ًا عربيـــ ًا‬ ‫التينيـــ ًا وآخـــر التينيـــ ًا عربيـــاً‪ ،‬اعتمـــد فيـــه عاميـــة‬ ‫ش ــرق األندل ــس‪ ،‬وه ــو المعج ــم ال ــذي تلت ــه معاج ــم‬ ‫واهتمام ــات أخ ــرى م ــن ه ــذا القبي ــل(‪.)6‬‬ ‫وم ــا ينبغ ــي بيان ــه هن ــا أن القضي ــة األساس ــية‬ ‫ف ــي ه ــذا المج ــال ليس ــت ه ــي وج ــود الفصح ــى إل ــى‬ ‫جان ــب العامي ــة جنبــ ًا إل ــى جن ــب ف ــي ش ــكل ثنائي ــة‬ ‫متوازي ــة‪ ،‬فالفصح ــى عاش ــت إل ــى جان ــب العامي ــة‬ ‫قرونـــ ًا طويلـــة‪ ،‬والعاميـــة هـــي أخـــت الفصحـــى‬ ‫الشــقيقة‪ ،‬لكــن فــي الوقــت ذاتــه ليســت ِنـّدًا للفصيحــة‬ ‫وال ُم ِ‬ ‫مة‪ ‬لهــا‪ ،‬وإنمــا هــي مســاعدة لهــا ورافــدة مــن‬ ‫زاح ً‬ ‫روافدهــا األساســية‪ ،‬معجمـ ًا وداللــة‪ ،‬وهــذا موضــوع‬ ‫يتطل ــب بحوثــ ًا علمي ــة دقيق ــة(‪.)7‬‬ ‫آخ ــر‬ ‫َّ‬ ‫تتعلــق بمشــروع كبيــر يحمــل فــي‬ ‫ولكــن القضيــة َّ‬ ‫طيات ــه الدع ــوة إل ــى «اإلطاح ــة» بالفصح ــى وقتله ــا‬ ‫نهائيـ ًا وإحــال العاميــة مكانهــا‪ .‬ولئــن كان االهتمــام‬ ‫بالعاميــة قــد بــدأ منذ القرن التاســع الهجري كما ســبق‬


‫الذكــر‪ ،‬فــإن التبشــير بمــوت الفصحــى يعود إلى ســنة‬ ‫(ولْهل ــم ْســِبيتا) مدي ــر دار الكت ــب‬ ‫‪« ،1880‬لم ــا نش ــر ِ‬ ‫المصريــة كتابـ ًا باأللمانيــة تنبــأ فيــه بمــوت الفصحــى‬ ‫أس ــس ه ــذا المستش ــرق‬ ‫مثلم ــا مات ــت الالتيني ــة‪ .‬وق ــد ّ‬ ‫تحليل ــه وتوقع ــه عل ــى واق ــع الثنائي ــة اللّغوي ــة ف ــي‬ ‫مصــر‪ ،‬وهــي َّ‬ ‫تتمثــل فــي اســتعمال فئــة عريضــة مــن‬ ���المصرييــن للعاميــة بينمــا تظـّـل الفصحى لغــة النخبة‬ ‫العلميــة(‪ .»)8‬ثـّـم تعاظمــت الدعــوات واألحــكام إلــى أن‬ ‫كان أواخرهــا مــا دار فــي المجلــس العربــي للطفولــة‬ ‫والتنمي ــة ف ــي مؤتم ــره العالم ــي ح ــول «لغ ــة الطف ــل‬ ‫العرب ــي ف ــي عص ــر العولم ــة»‪ ،‬ال ــذي انعق ــد ف ــي َمق ـّـر‬ ‫جامعــة الــدول العربيــة فــي فبراير‪/‬شــباط ‪2007‬م‪،‬‬ ‫شــارك فيــه أكثــر مــن خمســمئة باحــث ينتمــون إلــى‬ ‫تس ــع عش ــرة دول ــة عربي ــة وإل ــى ع ــدد م ــن ال ــدول‬ ‫األخــرى‪ ،‬وهــو المؤتمــر الــذي أفتــى‪ -‬علــى َحـّد تعبيــر‬ ‫ون َعاهــا‬ ‫د‪ .‬علــي القاســمي(‪ - )9‬بمــوت اللّغــة العربيــة َ‬ ‫ـض المشــاركين فيــه‪ ،‬وذلك‬ ‫حينمــا َّ‬ ‫«بشــر» بموتهــا بعـ ُ‬ ‫تح ــت غط ــاء ن ــزع طاب ــع القداس ــة عنه ــا وأنه ــا غي ــر‬ ‫مشــمولة بالحفــظ كمــا هــو شــأن القــرآن الكريــم‪ ،‬مــع‬ ‫العلــم أن عــددًا مــن هــؤالء مــن المشــهورين بمواقفهــم‬ ‫اإليجابيــة تجــاه اللّغــة العربيــة‪ .‬‬ ‫معنــى هــذا‪ ،‬أن المشــكل فــي هــذا اإلحبــاط ال يعــود‬ ‫إلــى الذيــن ينظــرون إلــى الفصحــى نظــرة ســوداوية‪،‬‬ ‫لكــن أيضـ ًا مــن ِقَبــل المناصرين لهــا والمدافعين عنها‪،‬‬ ‫األمــر الــذي يــدل علــى نــوع من الشــعور بالهزيمــة أمام‬ ‫عمــا ينبغــي أن‬ ‫العولمــة اللّغويــة‪ ،‬وتقاعــس العــرب ّ‬ ‫يتعلــق بالقــرار السياســي الــذي‬ ‫ُيْف َعـ َـل‪ ،‬وخاصــة مــا َّ‬ ‫يمكــن أن ُيعيــد للغــة العربيــة مكانتهــا فــي العديــد مــن‬ ‫تتطلــب مجهــودات كبيــرة إلقرارهــا‬ ‫المجــاالت التــي ال‬ ‫َّ‬ ‫وجعلهــا لغـ ًـة متداولــة فيهــا‪ ،‬أو التقليــل مــن خطــورة‬ ‫مثــل هــذه القــرارات‪ .‬وهــذا اتجــاه خطيــر‪ ،‬ليــس ألنــه‬ ‫يفت ــح الب ــاب عل ــى مصراعي ــه أم ــام دع ــاة التلهي ــج‬ ‫المعادي ــن للفصح ــى‪ ،‬ولك ــن أيضــ ًا ألن التن ــازل ع ــن‬ ‫مكانــة الفصحــى مــن ِقَبــل المناصريــن لهــا‪ ،‬بذريعــة‬ ‫رس ــخ الغفل ــة ع ــن ِعــّدة‬ ‫التيس ــير ف ــي التواص ــل‪ُ ،‬ي ِّ‬ ‫أمــور أهمهــا اثنــان‪:‬‬ ‫أولهمــا‪ :‬أن مــوت لغــة مــا وانقراضهــا ال يعني فقط‬ ‫فقــدان وســيلة تواصليــة بيــن الذيــن كانــوا يتحّدثــون‬ ‫يتعل ــق به ــذه اللّغ ــة‬ ‫به ــا‪ ،‬ولك ــن يعن ــي أيض ـ ًا أن م ــا َّ‬ ‫مــن تــراث حضــاري وعلمــي وثقافي مهـ َّـدد باالنقراض‬ ‫أيضـاً‪ ،‬إذ لــن يكــون مــن اليســير العــودة إليــه‪ ،‬ومــن‬ ‫َثـ َّـم يبقــى مجــا ًال للتحريف والطمس والتأويل الفاســد‪.‬‬ ‫ثانيهمــا‪ :‬أن مــا بــات مؤكــدًا في العديد مــن األبحاث‬ ‫والدراســات األكاديميــة الجــادة‪ ،‬هــو أن نهضــة األمــم‬ ‫ال يمكــن أن تكــون علــى حقيقتهــا ّإل باســتعمال لغاتها‬ ‫األصليــة‪ ،‬بســبب العالقــة المتينــة بيــن اللّغــة وبيــن‬ ‫الفك ــر م ــن جه ــة‪ ،‬وبينه ــا وبي ــن المجتم ــع م ــن جه ـ ٍـة‬ ‫تب ــع النهض ــات االقتصادي ــة ف ــي العق ــود‬ ‫ثاني ــة‪َ .‬‬ ‫وت ُّ‬

‫ـا‪ ،‬يــدل علــى‬ ‫األخيــرة لعــدد مــن الــدول‪ ،‬ككوريــا مثـ ً‬ ‫هــذا الترابــط؛ نظــرًا للعالقــة المتينــة الموجــودة بيــن‬ ‫اللّغــة والفكــر وبيــن اللّغــة والتنميــة‪.‬‬ ‫لك ــن رغ ــم ه ــذه الح ــرب المعلن ــة عل ــى الفصح ــى‬ ‫فــإن انقراضهــا أمــر غيــر وارد‪ ،‬لســبب ذاتي فيهــا أوالً‪،‬‬ ‫وه ــو م ــا تحتف ــظ ب ــه م ــن ت ــراث ضخ ــم ع ـ َّـز نظي ــره‬ ‫علــى المســتوى العالمــي‪ ،‬ذلــك التــراث الــذي يجعلهــا‬ ‫قابلــة للحيــاة حتــى وإن ضعــف حالهــا ووصــل إلــى‬ ‫ـا ع ــن أنه ــا لغ ــة‬ ‫درج ــة االنحس ــار الكبي ــر‪ ،‬ه ــذا فض ـ ً‬ ‫القــرآن الكريــم‪ .‬ولســبب واقعــي أيضـ ًا وهــو مــا يبــدو‬ ‫مــن خــال اإلقبــال علــى تعلُّمهــا واســتعمالها فــي أكثــر‬ ‫م ــن مج ــال‪ ،‬بم ــا ف ــي ذل ــك التواص ــل الش ــبكي‪ ،‬فلق ــد‬ ‫بين ــت إحص ــاءات دولي ــة أن العربي ــة تحت ــل المرتب ــة‬ ‫َّ‬ ‫الش ــاِب َكة (اإلنترن ــت)‪،‬‬ ‫الرابع ــة عالمي ـ ًا ف ــي اس ــتعمال َّ‬ ‫واألولــى مــن حيــث النمــو خــال الســت عشــرة ســنة‬ ‫األخي ــرة(‪ ،)10‬مم ــا ي ــدل عل ــى اإلقب ــال المتزاي ــد عل ــى‬ ‫اســتعمالها ِمــن ِقَبــل العديــد مــن الشــعوب‪ ،‬ومــن ِقَبــل‬ ‫شــرائح اجتماعيــة واســعة مــن العــرب‪ .‬كمــا يــدل على‬ ‫أن العربيــة؛ حروفـ ًا ومعجمـ ًا وتركيبـاً‪ ،‬قــادرة علــى‬ ‫ـور الرقمــي بشـ ٍ‬ ‫ـكل كبيــر‪.‬‬ ‫مســايرة التطـ ُّ‬ ‫* باحث بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية‬ ‫___________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬ابــن فــارس‪ ،‬مقاييــس اللّغــة‪ ،‬تحقيــق عبــد الســام هــارون‪:‬‬ ‫‪.215/5‬‬ ‫‪ - 2‬ابن منظور‪ ،‬لسان العرب ‪ /‬لهج‪.‬‬ ‫‪ - 3‬أبــو موســى المدينــي‪ ،‬المجمــوع المغيــث فــي غريبــي القــرآن‬ ‫والحديــث ‪ /‬لهــج‪.‬‬ ‫‪ - 4‬مصطفــى بنحمــزة‪ ،‬الدعــوة إلــى العاميــة‪ :‬المســار واألهــداف‪،‬‬ ‫جريدة هســبريس اإللكترونية المغربيــة‪.2014/01/09 ،‬‬ ‫‪ - 5‬نفُّوســة زكريــا ســعيد‪ ،‬تاريــخ الدعــوة إلــى العاميــة وآثارهــا‬ ‫ف ــي مص ــر‪  ،‬دار نش ــر الثّقاف ــة باإلس ــكندرية‪ ،‬ط‪ 1383 ،1‬هـــ ‪-‬‬ ‫‪1964‬م‪ .‬ص ‪ 9‬وم ــا بعده ــا‪.‬‬ ‫‪ - 6‬محمــد بنشــريفة‪ ،‬حــول معاجم اللّغــة العامية المغربية عرض‬ ‫قدمــه إلــى مجمــع اللّغــة العربيــة بالقاهــرة فــي‬ ‫تاريخــي‪ ،‬بحــث َّ‬ ‫ونش ــر بمجل ــة‬ ‫دورته ــا الخامس ــة والس ــتين م ــارس‪/‬آذار ‪ُ .1999‬‬ ‫ـا عــن‪ :‬مصطفــى بنحمــزة جريدة هســبريس‬ ‫المجمــع عــدد‪ .89:‬نقـ ً‬ ‫اإللكترونيــة المغربية‪.2014/01/09 ،‬‬ ‫‪ - 7‬ممــا ُيشــار إليــه أن عالقــة العاميــة بالفصحــى أســالت الكثيــر‬ ‫مــن المــداد وخاصــة فــي المغــرب؛ ومثَّلــه اتجاهــان‪ :‬اتجــاه يــرى‬ ‫أن العامي ــة ه ــي تحري ــف متف ــاوت الدرج ــة ألص ــوات الفصيح ــة‬ ‫ومعجمهــا وتركيبهــا‪ ،‬واتجــاه يــرى أنهــا بعيــدة عــن الفصحــى‪،‬‬ ‫وأن َس ـَنَنها وقواعدهــا يجعلهــا لغــة قائمــة الــذات‪.‬‬ ‫‪ - 8‬مصطفــى بنحمــزة‪ ،‬الدعــوة إلــى العاميــة‪ :‬المســار واألهــداف‪،‬‬ ‫جريدة هســبريس اإللكترونية ‪.2014/01/09‬‬ ‫يتعه ــد‬ ‫‪ - 9‬عل ــي القاس ــمي‪ ،‬اللّغ ــة العربي ــة ليس ــت ُم َّ‬ ‫قدس ــة ول ــم َّ‬ ‫ونشــر البحــث علــى أكثــر مــن موقــع إلكترونــي‪،‬‬ ‫القــرآن بحفظهــا‪ُ ،‬‬ ‫ثـّـم ُنشــر الحق ـ ًا ضمــن كتــاب لــه‪.‬‬ ‫‪ - 10‬ينظـــر موقـــع (‪http://www.internetworldstats.‬‬ ‫‪ )com/stats7.htm‬كمـــا ُنشـــر بتاريـــخ‪.2016/10/26 :‬‬

‫موت لغة ما‬ ‫وانقراضها ال‬ ‫يعني فقط‬ ‫فقدان وسيلة‬ ‫تواصلية بين‬ ‫الذين كانوا‬ ‫يتح ّدثون بها‪،‬‬ ‫ولكن يعني‬ ‫أيض ًا أن ما يتعلَّق‬ ‫بهذه اللّغة من‬ ‫تراث حضاري‬ ‫وعلمي وثقافي‬ ‫مه َّدد باالنقراض‬ ‫أيض ًا‬

‫‪65‬‬


‫شــهدت اإلنســانية على مدى ما يقرب من خمســة آالف عام لغات مكتوبة بلغات ســامية‬ ‫في منطقة الشــرق األدنى‪ ،‬أهمها ثالث لغات رئيسية‪ ،‬األكادية واآلرامية والعربية‪ ،‬حيث‬ ‫متميز على المستويين اإلقليمي والدولي‪ ،‬فأصبحت‬ ‫اضطلعت ّ‬ ‫كل واحدة منها بدور حضاري ِّ‬ ‫لغة الثّقافة والحضارة المهيمنة على المنطقة التي سادت فيها لفترات طويلة وعلى مدى قرون‪.‬‬

‫حياتها في موتها!‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬عادل الجادر‬

‫ما يميِّز العديد من‬ ‫اللّغات في الشرق‬ ‫األدنى أنها ظلَّت‬ ‫َحيَّة في الكتب‬ ‫الدينية لقرون‬ ‫طويلة‬

‫‪66‬‬

‫تتكلــم بواحــدة‬ ‫إن الشــعوب التــي تكلَّمــت أو التــي َّ‬ ‫صطلـــح علـــى تســـميتهم‬ ‫مـــن اللّغـــات الســـامية ُا ُ‬ ‫بالس ــاميين أو الجزريي ــن كم ــا اقترحه ــا عال ــم اآلث ــار‬ ‫العراقـــي طـــه باقـــر‪ ،‬واللّغـــات التـــي تحّدثـــوا بهـــا‬ ‫واعتمدوهــا فــي التدويــن ُســميت باللّغات الســامية أو‬ ‫اللّغــات الجزريــة‪ ،‬نســبة إلى الجزيــرة العربية‪ ،‬رغم‬ ‫أن تســمية اللّغــات الســامية ال تتســم بالدقــة العلميــة‬ ‫واللّغوي ــة‪ ،‬لكنه ــا الش ــائعة عن ــد جمه ــور الباحثي ــن‬ ‫ف ــي اللّغ ــات القديم ــة الي ــوم‪ ،‬وكان أول م ــن أطل ــق‬ ‫هــذه التســمية المستشــرق األلمانــي شلوتســر ســنة‬ ‫‪ ،1781‬باعتبــار أن معظــم الشــعوب التــي تتكلَّم بهذه‬ ‫اللّغــات منحــدرة مــن نســل ســام بــن نــوح‪ ،‬اســتنادًا‬ ‫إلــى مــا جــاء مــن أنســاب فــي العهــد القديــم فــي ِســفر‬ ‫التكويــن‪ ،‬فــي الوقــت الــذي أدرك فيــه علمــاء اللّغــة‬ ‫العــرب العالقــات القائمــة بيــن اللّغــات الســامية قبــل‬ ‫أيــام شلوتســر بزمــن طويــل ّإل أنهــم لــم يصطلحــوا‬ ‫كل لغ ــة‬ ‫معي ــن‪ ،‬وإنم ــا بقي ــت ّ‬ ‫عل ــى تس ــميتها باس ــم َّ‬ ‫معروفــة باســمها‪ ،‬كالعبريــة والســريانية والعربيــة‪.‬‬ ‫احتّل ــت اللّغ ــات الس ــامية من ــذ أق ــدم العص ــور‬ ‫التاريخي ــة المناط ــق اآلتي ــة م ــن آس ــيا الغربي ــة‪،‬‬

‫وه ــي ابت ــداء م ــن الش ــرق إل ــى الغ ــرب‪:‬‬ ‫العراق (ما بين النهرين)‪ ،‬وســورية وفلســطين‪،‬‬ ‫أي ب ــاد الش ــام كله ــا‪ ،‬وش ــبه الجزي ــرة العربي ــة‪،‬‬ ‫والس ــواحل المقابل ــة لألج ــزاء الجنوبي ــة الغربي ــة‬ ‫منها‪ ،‬الســيما إثيوبيا (بالد الحبشــة)‪ .‬انتشــرت من‬ ‫هــذه المناطــق األصليــة إمــا بالهجــرة واالســتيطان‬ ‫أو الفتــوح إلــى وادي النيــل وشــمالي إفريقيــا (مثــل‬ ‫تونــس والجزائــر والمغــرب)‪ ،‬وإلــى البحــر األبيض‬ ‫المتوســط (جزيــرة مالطــا)‪.‬‬ ‫يمكــن اعتمــاد تصنيــف عائلــة اللّغــات الســامية‬ ‫علــى أســاس التوزيــع الجغرافي والتشــابه اللّغوي‬ ‫إلــى المجموعــات اللّغويــة اآلتيــة‪:‬‬

‫‪ .1‬المنطقة الشمالية الشرقية‪:‬‬

‫وتضـــم اللّغـــة األكديـــة بلهجتيهـــا البابليـــة‬ ‫ـت بالخ ــط المس ــماري بح ــدود‬ ‫ود ِّوَن ـ ْ‬ ‫واآلش ــورية‪ُ ،‬‬ ‫‪ 2500‬قبـــل الميـــاد‪.‬‬

‫‪ .2‬المنطقة الشمالية الغربية‪:‬‬ ‫وتنقس�� إلى مجموعتين‪:‬‬


‫اللّغـــات الكنعانيـــة‪ :‬فإنهـــا تشـــمل األموريـــة‪،‬‬ ‫واإلبليــة‪ ،‬واألوغاريتية‪ ،‬والكنعانية‪ ،‬والفينيقية‪،‬‬ ‫والعبري ــة‪ ،‬والمؤابي ــة‪ ،‬والعموني ــة‪ ،‬واألدومي ــة‪.‬‬ ‫اآلراميــة بفروعهــا المتعـ ِّـددة‪ :‬اآلراميــة القديمــة‪،‬‬ ‫وآرامي ــة الدول ــة أو اآلرامي ــة الرس ــمية‪ ،‬ولهج ــات‬ ‫آراميــة متأخــرة كالنبطيــة والتدمريــة والســريانية‬ ‫والحضريـــة والمندائيـــة واآلراميـــة الفلســـطينية‬ ‫اليهوديـــة واآلراميـــة الفلســـطينية المســـيحية‬ ‫واآلرامي ــة الســـامرية وآرامي ــة التلم ــود البابل ــي‪.‬‬

‫‪ .3‬المنطقة الجنوبية الغربية‪:‬‬

‫وتنقسم إلى مجموعتين‪:‬‬ ‫العربيـــة الشـــمالية‪ :‬وهـــي العربيـــة البائـــدة‪،‬‬ ‫تمثلهـــا النقـــوش الثموديـــة‪ ،‬واللحيانيـــة‪،‬‬ ‫مؤرخــة مــن ســنة‬ ‫والصفويــة‪ ،‬والعربيــة الفصحــى َّ‬ ‫‪ 328‬بعــد الميــاد يمثلهــا نقــش النمــارة فــي باديــة‬ ‫الش ــام‪ ،‬وق ــد بلغ ــت نضجه ــا الكام ــل ف ــي الش ــعر‬ ‫الجاهلـــي‪ ،‬وبعـــد ذلـــك فـــي القـــرآن الكريـــم‪.‬‬ ‫العربيـــة الجنوبيـــة‪ :‬وتشـــمل الســـبئية‪،‬‬ ‫فضـــا‬ ‫والحضرميـــة‪ ،‬والمعينيـــة‪ ،‬والقتبانيـــة‪،‬‬ ‫ً‬

‫ع ــن ع ــدد م ــن اللّهج ــات اإلثيوبي ــة مث ــل الجعزي ــة‪،‬‬ ‫والتيجرية‪ ،‬والتيجيرينية‪ ،‬واألمهرية‪ ،‬والهرارية‪،‬‬ ‫إضافـــة إلـــى الجورجـــا والجافـــات‪.‬‬ ‫م ــن خ ــال ه ــذا التصني ــف اللّغ ــوي‪ ،‬يمكنن ــا أن‬ ‫عيــن اللّغــات الســامية الحديثــة التــي بقيــت َح َّيــة‬ ‫ُن ِّ‬ ‫ول ــم تندث ــر‪ ،‬عل ــى م ـّـر العص ــور أال وه ــي العربي ــة‬ ‫التـــي تســـود فروعهـــا ولهجاتهـــا المختلفـــة اآلن‬ ‫وتعــّد واح ــدة م ــن أكث ــر‬ ‫جمي ــع األقط ــار العربي ــة‪ُ ،‬‬ ‫اللّغــات المحكيــة فــي العالــم اليــوم‪ ،‬وكذلــك الحــال‬ ‫بالنســـبة للعديـــد مـــن اللّغـــات اإلثيوبيـــة‪ ،‬أهمهـــا‬ ‫األمهري ــة والتيجيريني ــة‪ ،‬والعبري ــة الحديث ــة‪ .‬أم ــا‬ ‫اآلراميــة‪ ،‬وتحديدًا اآلراميــة المتأخرة فأهم لهجاتها‬ ‫الس ــريانية‪ ،‬ويتداوله ــا المس ــيحيون ف ــي مناط ــق‬ ‫مختلف ــة م ــن الع ــراق وس ــورية ولبن ــان وبع ــض‬ ‫الق ــرى ف ــي تركي ــا وإي ــران‪ .‬م ــن اللّهج ــات اآلرامي ــة‬ ‫الح َّيـــة أيضـــ ًا المندائيـــة التـــي يتكلَّمهـــا الصابئـــة‬ ‫َ‬ ‫المندائيـــون فـــي العـــراق‪ .‬مـــا يتصـــل باللّغـــات‬ ‫العربي ــة الجنوبي ــة المحكي ــة فيس ــتعملها الس ــكان‬ ‫وعمــان‪ .‬أمــا المالطيــة فهــي لهجــة عربية‬ ‫فــي اليمــن ُ‬ ‫متأثــرة جــدًا باإليطاليــة ويســتعملها ســكان جزيــرة‬

‫العبرية قد‬ ‫تو َّقفت كلغة‬ ‫محكية منذ‬ ‫حوالي سنة ‪200‬‬ ‫ميالدية‪ ،‬إلّا أنها‬ ‫عادت وأصبحت‬ ‫لغة مشتركة‬ ‫لجميع اليهود‬ ‫الذين هاجروا‬ ‫إلى فلسطين‬

‫‪67‬‬


‫العبرية الحديثة‬ ‫تختلف اختالف ًا‬ ‫بيّن ًا عن عبرية‬ ‫الكتاب المقدس‬ ‫سواء في‬ ‫األصوات أم‬ ‫المفردات أم‬ ‫القواعد النحوية‬

‫‪68‬‬

‫مالط ــا ف ــي البح ــر االبي ــض المتوس ــط‪.‬‬ ‫يميــز العديــد مــن اللّغــات فــي الشــرق األدنــى‬ ‫مــا ِّ‬ ‫ظلــت َح َّيــة فــي الكتــب الدينيــة لقــرون طويلــة‪،‬‬ ‫أنهــا َّ‬ ‫عـــل مـــن أهـــم االســـباب التـــي جعلـــت بعـــض‬ ‫وَل ّ‬ ‫اللّغــات الســامية تبقــى علــى حيويتهــا وديمومتهــا‬ ‫وتنجــو مــن االندثــار أو االنقــراض‪ ،‬كمــا هــو الحــال‬ ‫فــي العربيــة والســريانية أو اآلراميــة والمندائيــة‪،‬‬ ‫هــو العامــل الدينــي المتمثــل بالــدور المهــم والفاعــل‬ ‫للكتــب المقدســة فــي الحفــاظ علــى اســتمرارية تلــك‬ ‫اللّغ ــات‪ ،‬فحف ــظ الق ــرآن الكري ــم العربي ــة‪ ،‬والعه ــد‬ ‫القدي ــم العبري ــة التوراتي ــة وج ــزءًا م ــن اآلرامي ــة‪،‬‬ ‫والعهــد الجديــد الســريانية أو اآلراميــة‪ ،‬والكنــزا ربا‬ ‫(الكنــز الكبيــر) المندائيــة‪ .‬وممــا تجــدر اإلشــارة إليه‬ ‫أن العبري ــة ق ــد توقَّف ــت كلغ ــة محكي ــة من ــذ حوال ــي‬ ‫ســـنة ‪ 200‬ميالديـــة‪ّ ،‬إل أنهـــا عـــادت وأصبحـــت‬ ‫لغ ــة مش ــتركة لجمي ــع اليه ــود الذي ــن هاج ــروا إل ــى‬ ‫فلســطين في أواخر القرن التاســع عشــر الميالدي‪،‬‬ ‫ـق عليه ــا العبري ــة الحديث ــة‪ ،‬حي ــث تختل ــف‬ ‫وُأطِل ـ َ‬ ‫بين ـ ًا ع ــن عبري ــة الكت ــاب المق ــدس س ــواء‬ ‫اختالف ـ ًا ّ‬ ‫فــي األصــوات أم المفــردات أم القواعــد النحويــة‪.‬‬

‫موت األكادية‬ ‫وانحسار اآلرامية وبقاء العربية‬ ‫هنــاك العديــد مــن اللّغــات الســامية التــي َب ُطـ َـل‬ ‫اس ــتعمالها وأضح ــت م ــن اللّغ ــات الميت ــة‪ .‬واللّغ ــة‬ ‫األكادي ــة واح ــدة م ــن تل ــك اللّغ ــات الميت ــة ‪ -‬وه ــي‬ ‫أق ــدم لغ ــة س ــامية وج ــدت طريقه ــا للتدوي ــن ف ــي‬ ‫منتصــف األلــف الثالــث قبــل الميــاد وٌتعـّد مــن أهــم‬ ‫اللّغ ــات الس ــامية لغويــ ًا وحضاريــاً‪ -‬ف ــا وج ــود‬ ‫يذك ــر له ــا من ــذ أكث ــر م ــن ألف ــي س ــنة‪ ،‬وبقي ــت ف ــي‬ ‫طــي النســيان حتــى تــم الكشــف عنهــا فــي منتصــف‬ ‫القــرن التاســع عشــر الميالدي‪،‬عندمــا قــام عــدد مــن‬ ‫ـل رمــوز الخط المســماري‪ ،‬فظهرت‬ ‫الباحثيــن فــي َحـّ‬ ‫ـوع والدقــة‬ ‫لنــا آثــار مكتوبــة لهــا مــن الغــزارة والتنـ ُّ‬ ‫يعبــر عــن الصــورة الحضاريــة المفصلــة لألقوام‬ ‫مــا ِّ‬ ‫الســامية التــي ســكنت بــاد مــا بين النهريــن‪ ،‬مؤلِّفة‬ ‫جـــزءًا مهمـــ ًا مـــن تراثنـــا اللّغـــوي القديـــم‪ ،‬عندمـــا‬ ‫ُكتــب بلهجتيهــا اآلشــورية والبابليــة تاريــخ وتراث‬ ‫حضــارة العــراق القديــم والصــات مــع بــاد الشــام‬ ‫وضم ــت نصوصه ــا‬ ‫وفلس ــطين وجزي ــرة الع ــرب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مجموعــة أســاطير دينيــة‪ ،‬وكتابــات أدبيــة رفيعة‪،‬‬ ‫وأخـــرى تجاريـــة وقانونيـــة وإداريـــة وعلميـــة‬ ‫مختلفــة‪.‬‬

‫اســـتعمل األكاديـــون الخـــط المســـماري فـــي‬ ‫ـا م ــن الخ ــط المس ــماري‬ ‫كتاباته ــم والمش ــتق أص ـ ً‬ ‫المأخـــوذ مـــن الســـومريين الذيـــن لـــم يكونـــوا‬ ‫ســاميين‪ ،‬حيــث ظهــر فــي بدايــة األمــر علــى هيئــة‬ ‫ـور إلــى عالمــات رمزيــة‪،‬‬ ‫عالمــات صوريــة ثـّـم تطـ َّ‬ ‫ـور إل ــى خ ــط مقطع ــي‬ ‫ـ‬ ‫تط‬ ‫وف ــي مرحلت ــه األخي ــرة‬ ‫َّ‬ ‫أو صوتــي‪ ،‬الــذي كان شــائع ًا فــي العــراق القديــم‪.‬‬ ‫كان ــت اللّغ ــة الس ــومرية ه ــي اللّغ ــة الرئيس ــية‬ ‫الس ــائدة المس ــتعملة ف ــي التدوي ــن خ ــال النص ــف‬ ‫األول م ــن األل ــف الثال ــث قب ــل المي ــاد وحت ــى قي ــام‬ ‫الدول ــة األكادي ــة ف ــي ‪ 2371‬ف ــي الج ــزء الجنوب ــي‬ ‫مـــن العـــراق وتحديـــدًا فـــي بـــاد بابـــل‪ ،‬بيـــد أن‬ ‫التحـــول اللّغـــوي مـــن الســـومرية إلـــى األكاديـــة‬ ‫ُّ‬ ‫ظه ــر بع ــد تأس ــيس الدول ــة األكادي ــة‪ ،‬فأصبح ــت‬ ‫اللّغــة الرســمية فــي البــاد إلــى جانــب الســومرية‪،‬‬ ‫وتدريجيــ ًا ب ــدأت األكادي ــة تتزاي ــد وتتوس ــع ف ــي‬ ‫االنتش ــار عل ــى حس ــاب تراج ــع الس ــومرية‪ ،‬وه ــذه‬ ‫تتقل ــص وتختف ــي كلغ ــة رس ــمية‬ ‫األخي ــرة ب ــدأت َّ‬ ‫بحــدود الثلــث األول مــن األلــف الثانــي قبــل الميــاد‪.‬‬ ‫خ ــال فت ــرة االزدواج اللّغ ــوي ه ــذه‪ُ ،‬أطل ــق عل ــى‬ ‫األكاديـــة اســـم األكاديـــة القديمـــة لتمييزهـــا عـــن‬ ‫المراحــل اللّغويــة الالحقــة‪ ،‬وهــي البابليــة القديمــة‬ ‫والوســـيطة والجديـــدة والمتأخـــرة‪ ،‬واآلشـــورية‬ ‫القديمـــة والوســـيطة والحديثـــة‪ .‬مهمـــا يكـــن مـــن‬ ‫ظل ــت لغ ــة المكاتب ــات الرس ــمية‬ ‫أم ــر ف ــإن األكادي ــة َّ‬ ‫والشــخصية وشــاع اســتعمالها أيضـ ًا فــي عــدد مــن‬ ‫البلـــدان واألقاليـــم المجـــاورة البعيـــدة مثـــل بـــاد‬ ‫عيــام جنــوب غــرب إيــران‪ ،‬وفــي آســيا الصغــرى‬ ‫وس ــورية ووادي الني ــل‪.‬‬ ‫يوض ــح ه ــذا االس ــتعمال الواس ــع أن األكادي ــة‬ ‫كانـــت لغـــة دبلوماســـية مشـــتركة يتفاهـــم بهـــا‬ ‫المل ــوك والح ــكام رغ ــم تكلُّمه ــم بلغاته ــم المحلّي ــة‬ ‫تمكنـــت‬ ‫واســـتخدامهم أنظمـــة كتابيـــة مختلفـــة‪َّ .‬‬ ‫األكاديـــة بلهجتيهـــا البابليـــة واآلشـــورية مـــن‬ ‫الحفـــاظ علـــى مكانتهـــا البـــارزة عبـــر العصـــور‬ ‫حتــى عهــد الدولــة الكلدانيــة البابليــة (‪539 - 636‬‬ ‫قب ــل المي ــاد)‪ ،‬حي ــن ب ــدأ يل ــوح ف ــي األف ــق تأثي ــر‬ ‫ـــت بخطهـــا‬ ‫اللّغـــة اآلراميـــة تدريجيـــاً‪ ،‬التـــي ُعِرَف ْ‬ ‫ـور ع ــن الخ ــط الفينيق ــي‪،‬‬ ‫األبج ــدي البس ــيط المتط ـ ِّ‬ ‫لتصبــح اللّغــة المنافســة لألكاديــة‪ ،‬بيــد أن األخيرة‬ ‫أصبحــت تســتعمل علــى نطــاق ضيــق فــي تدويــن‬ ‫بعـــض النصـــوص الدينيـــة والمســـائل العلميـــة‬ ‫ـل‬ ‫حت ــى أواخ ــر الق ــرن األول المي ــادي‪ ،‬عندئ ــذ َق ـ ّ‬ ‫تأثيرهـــا وأخـــذت تتجـــه نحـــو االندثـــار بعـــد أن‬ ‫كان له ــا ب ــاع طوي ــل ف ــي الحض ــارة اإلنس ــانية ف ــي‬


‫المياديـــن السياســـية واالقتصاديـــة واالجتماعيـــة‬ ‫والعلمي ــة‪ .‬م ــع ذل ــك بقي ــت مجموع ــة كبي ــرة م ــن‬ ‫بالرقــم الطينيــة واألختام‬ ‫الكتابــات األكاديــة ممثلــة ُ‬ ‫األســـطوانية والتماثيـــل الضخمـــة المنحوتـــة مـــن‬ ‫الرخـــام المنقوشـــة بنصـــوص مســـمارية طويلـــة‬ ‫تتحـّدث عــن حيــاة الملــوك اآلشــوريين وإنجازاتهم‬ ‫العس ــكرية والعمراني ــة‪ ،‬محفوظ ــة ف ــي المتاح ــف‬ ‫كل‬ ‫العراقيــة والمتاحــف العالميــة‪ .‬علــى الرغــم مــن ّ‬ ‫تعرضــت لــه اآلثــار العراقيــة مــن دمــار وخــراب‬ ‫مــا َّ‬ ‫وس ــرقة بع ــد غ ــزو الع ــراق ف ــي ‪ ،2003‬ف ــإن م ــا‬ ‫تبقــى مــا يــزال ُيشـ ِّـكل إرث ـ ًا حضاري ـ ًا مهم ـ ًا ينبغــي‬ ‫َّ‬ ‫المحافظ ــة علي ــه‪.‬��� ‫بــات مــن المعــروف أن اآلرامييــن كان لهــم نفــوذ‬ ‫ف ــي منطق ــة الش ــرق األدن ــى‪ ،‬بل ــغ أقص ــى درج ــة‬ ‫مـــن األهميـــة السياســـية فـــي القرنيـــن الحـــادي‬ ‫عش ــر والعاش ــر قب ــل المي ــاد‪ ،‬ث ـ ّـم بع ــد ذل ــك ب ــدأ‬ ‫يتالش ــى دوره ــم السياس ــي حت ــى الق ــرن الس ــابع‬ ‫قبــل الميــاد‪ .‬لكــن بنفــس الفتــرة‪ ،‬هيمنــت اآلراميــة‬ ‫لغـــة وكتابـــة دون غيرهـــا مـــن اللّغـــات األخـــرى‬ ‫علـــى الشـــرق األدنـــى القديـــم‪ ،‬بفضـــل اعتمادهـــا‬ ‫األبجديـــة الفينيقيـــة البســـيطة المكونـــة مـــن ‪22‬‬ ‫حرفــاً‪ ،‬مم ــا س ــهل ذل ــك كثي ــرًا عملي ــة التدوي ــن‪،‬‬ ‫بحيــث لــم يصبــح للغــة األكاديــة بخطهــا المســماري‬

‫المعقــد أثــر كبيــر فــي عمليــة التدويــن خــال القــرن‬ ‫الســابع قبــل الميــاد‪ ،‬وكان ذلــك إيذانـ ًا باحتضــار‬ ‫اللّغــة األكاديــة‪ ،‬ومــن َثـّـم نهايتهــا فــي القــرن األول‬ ‫ظل ــت تس ــتخدم كلغ ــة رس ــمية‬ ‫المي ــادي‪ ،‬بع ــد أن َّ‬ ‫ودوليـــة مـــع قيـــام الدولـــة األكاديـــة فـــي القـــرن‬ ‫الرابـــع والعشـــرين قبـــل الميـــاد‪ .‬وهكـــذا فـــإن‬ ‫تمي ــزاً‪،‬‬ ‫وم ِّ‬ ‫اآلراميي ــن خلَّف ــوا إرث ـ ًا لغوي ـ ًا حضاري ـ ًا ُ‬ ‫فص ــارت لغته ــم اللّغ ــة الرس ــمية لإلمبراطوري ــات‬ ‫اآلش ــورية والبابلي ــة والفارس ــية‪ ،‬وكان ــت اللّغ ــة‬ ‫المحكي ــة عوض ـ ًا ع ــن العبري ــة ف ــي فلس ــطين‪ ،‬به ــا‬ ‫كتــب اليهــود الترجــوم والتلمــود وقســم ًا من ِســفري‬ ‫عــزرا ودانيــال فــي الكتــاب المقــدس‪ ،‬وبهــا تحـ َّـدث‬ ‫الس ــيد المس ــيح ف ــي فلس ــطين‪.‬‬ ‫َظلَّـــت اآلراميـــة مهيمنـــة علـــى منطقـــة الشـــرق‬ ‫األدنـــى إلـــى أن جـــاءت اللّغـــة العربيـــة‪ ،‬لغـــة‬ ‫القـــرآن الكريـــم‪ ،‬ونافســـت الســـريانية واللّهجـــات‬ ‫وحلــت محلّهــا مــع قيــام الدولــة‬ ‫اآلراميــة األخــرى‪َّ ،‬‬ ‫العربيــة اإلســامية فــي القــرن الســابع الميــادي‪،‬‬ ‫ـتمرت منــذ ذلــك الحيــن وإلــى يومنــا هــذا لغــة‬ ‫واسـ ّ‬ ‫َح َّي ــة م ــن دون أن تفق ــد بريقه ــا‪ .‬بينم ــا تس ــتعمل‬ ‫بعــض اللّهجــات اآلراميــة المحلّيــة مثــل الســريانية‬ ‫ـاق مح ــدود‪.‬‬ ‫والمندائي ــة عل ــى نط ـ ٍ‬

‫َ‬ ‫ظلَّت اآلرامية‬ ‫مهيمنة على‬ ‫منطقة الشرق‬ ‫األدنى إلى أن‬ ‫جاءت اللّغة‬ ‫العربية‪ ،‬لغة‬ ‫القرآن الكريم‪،‬‬ ‫ونافست‬ ‫السريانية‬ ‫واللّهجات‬ ‫اآلرامية األخرى‪،‬‬ ‫وحلَّت محلّها‬ ‫مع قيام‬ ‫الدولة العربية‬ ‫اإلسالمية‬

‫‪69‬‬


‫أي مستقبل‬ ‫ّ‬ ‫للغة البربرية في تونس؟‬ ‫أ‪ .‬د سامل لبيض*‬ ‫النخب ال‬ ‫تعتبر أن اللّغة‬ ‫الفرنسية مصدر‬ ‫خطر أو تهديد‬ ‫للتونسيين‪،‬‬ ‫وإنما ترى فيها‬ ‫قاطرتهم نحو‬ ‫الحداثة والغربنة‬

‫‪70‬‬

‫يرتبـــط الوضـــع اللّغـــوي‪ ،‬علـــى الوجـــه العمـــوم‪،‬‬ ‫ارتباطــ ًا وثيقــ ًا بحج ــم المجموع ــة المس ــتعملة له ــذه‬ ‫اللّغـــة أو تلـــك‪ ،‬وهـــذا األمـــر يبـــرز بوضـــوح فـــي‬ ‫المجموعـــات البربريـــة فـــي تونـــس وفـــي الجنـــوب‬ ‫التونســي بصفــة خاصــة‪ ،‬مــا أثــر تأثيــرًا بالغ ـ ًا فيمــا‬ ‫يســـميه البعـــض اللّغـــة البربريـــة المكتوبـــة بحـــرف‬ ‫«التيفين ــاغ» أو بالح ــروف الالتيني ــة‪ .‬فه ــذه «اللّغ ــة»‪،‬‬ ‫وهــي اللهجــة أو اللهجــات البربريــة المتعـ ِّـددة‪ ،‬ال تنمو‬ ‫ذاتي ـاً‪ ،‬وإنم ــا يت ــم ذل ــك بواس ــطة م ــا تس ــتعيره م ــن‬ ‫مصطلحـــات عربيـــة‪ ،‬حتـــى أن الباحـــث الجزائـــري‬ ‫عثم ــان س ــعدي‪ ،‬أحص ــى تس ــعة آالف كلم ــة‪ ،‬أصله ــا‬ ‫عربـــي‪ ،‬مـــن ضمـــن عشـــرة آالف كلمـــة‪ ،‬تضمنهـــا‬ ‫ـس مــن قواعدهــا‬ ‫معجمــه العربــي‪ -‬األمازيغــي‪ ،‬مــا مـ ّ‬

‫وطريق ــة اش ــتغالها وصرفه ــا ونحوه ــا‪ّ .‬إل أن ذل ــك‬ ‫لـــم يحفـــظ تلـــك اللّغـــة أو اللهجـــة مـــن التراجـــع‬ ‫واالنح ــدار‪ .‬ول ــم يك ــن ذل ــك لفائ ــدة اللّغ ــة العربي ــة‬ ‫التــي يعتبرهــا كثيــر مــن الباحثيــن شــقيقة البربريــة‪،‬‬ ‫أو لنق ــل ش ــريكتها ف ــي األص ــل الس ــامي‪ -‬الحام ــي‪،‬‬ ‫وإنمــا كان ذلــك فــي عالقتهــا بالفرنســية‪ ،‬التــي زرعها‬ ‫المس ــتعمر الفرنس ــي‪ ،‬وال ت ــزال تش ـّـكل منافس ـ ًا قوي ـ ًا‬ ‫للعربيـــة‪ ،‬وتحتـــل مســـاحة علـــى حســـابها‪ ،‬بســـبب‬ ‫االمتيـــازات التـــي وفرتهـــا لهـــا النخـــب الفرنكفونيـــة‬ ‫المبشـــرة بالثّقافـــة الفرنســـية‪ .‬وهـــذه النخـــب ال‬ ‫ّ‬ ‫تعتبـــر أن اللّغـــة الفرنســـية مصـــدر خطـــر أو تهديـــد‬ ‫للتونســيين‪ ،‬وإنمــا تــرى فيهــا قاطرتهــم نحــو الحداثــة‬ ‫والغربنــة ‪( occidentalisation‬نســبة إلى الغرب)‪،‬‬


‫الهوي ــة‪،‬‬ ‫المتس ـ ِّـبب ف ــي أزم ــة ّ‬ ‫ه ــذا بالرغ ــم م ــن أنه ــا ُ‬ ‫ـــل االســـتعمار‬ ‫التـــي كانـــت تعيشـــها تونـــس فـــي ِظ ّ‬ ‫الفرنس ــي(‪ ،)1‬ومص ــدرًا لالزدواجي ــة اللّغوي ــة‪ ،‬الت ــي‬ ‫أثــرت فــي الشــخصية األساســية‪ ،‬والذاتيــة الوطنيــة‪،‬‬ ‫للف ــرد والمجتم ــع التونس ــيين‪.‬‬ ‫هنــاك مجموعــة مــن العوامــل‪ ،‬المســاهمة‪ ،‬فــي تراجع‬ ‫اللهجــة البربريــة‪ ،‬بمــا فــي ذلــك فــي المناطــق والقــرى‬ ‫كل‬ ‫المنســوبة إلــى البربــر فــي الجنــوب التونســي‪ ،‬في ّ‬ ‫مــن الدويــرات وشــنني ومطماطــة وتونيــن وجزيــرة‬ ‫جربــة‪ ،‬ويمكــن حصــر هــذه العوامــل فيمــا يلــي‪:‬‬ ‫ المعطــى الجغرافــي‪ ،‬ويتمثــل فــي أن اللّغــة البربريــة‬‫منفصل ــة‪ ،‬وال يوج ــد تواص ــل بي ــن س ــكانها‪ ،‬وف ــي‬ ‫أقصـــى الحـــاالت‪ ،‬فـــإن ذلـــك التواصـــل ال يتجـــاوز‬ ‫قريتي ــن أو ثالثــاً‪ ،‬عل ــى األكث ــر‪ ،‬وه ــو م ــا يعن ــي أن‬ ‫أغلــب المعامــات اليوميــة‪ ،‬تتــم خــارج البربريــة‪ ،‬أي‬ ‫بواســطة اللّغــة العربيــة أو بواســطة إحــدى لهجاتهــا‬ ‫المحليـــة‪ ،‬علمـــ ًا بـــأن مختلـــف اللهجـــات التونســـية‬ ‫تقت ــرب كثي ــرًا أو تتماه ــى م ــع الفصح ــى‪.‬‬ ‫ العوامــل االقتصاديــة التــي تلعــب دورًا فــي تالشــي‬‫البربريــة‪ ،‬فالقــرى الجبلية‪ ،‬شـ َّـكلت‪ ،‬ولفتــرة طويلة‪،‬‬ ‫مركـــز دفـــع‪ ،‬وليـــس عامـــل جـــذب للســـكان‪ ،‬الذيـــن‬ ‫انتقلــوا إلــى المــدن الكبــرى الســيما العاصمــة تونــس‪،‬‬ ‫وبات ــوا يهيمن ــون عل ــى كثي ــر م ــن األنش ــطة‪ .‬فنج ــد‬ ‫آثارهــم فــي الســوق المركزيــة للعاصمــة‪ ،‬وفــي مجــال‬ ‫توزي ــع الجرائ ــد‪ ،‬وف ــي قط ــاع الخدم ــات ف ــي الن ــزل‬ ‫وكل ه ــذه الوظائ ــف واألنش ــطة‪ ،‬كان ــت‬ ‫والمقاه ــي‪ّ ،‬‬ ‫التخل ــي ع ــن بقاي ــا اللهج ــة البربري ــة‪،‬‬ ‫تمل ــي عليه ــم‬ ‫ِّ‬ ‫التــي تركوهــا فــي مواطنهــم لصالح العربيــة ولهجاتها‬ ‫المختلفـــة ذات االســـتعمال اليومـــي‪ ،‬وحتـــى أثنـــاء‬ ‫زياراتهـــم الموســـمية فإنهـــم يجـــدون صعوبـــة فـــي‬ ‫التعام ــل م ــع ذويه ــم بالبربري ــة‪.‬‬ ‫ العام ــل االجتماع ــي والترب ــوي‪ :‬ويتمث ــل ف ــي ع ــدم‬‫تدريـــس البربريـــة بالمـــدارس التونســـية‪ ،‬وتخلِّـــي‬ ‫«الم ــرأة البربري ــة» ع ــن دوره ــا ف ــي تلقي ــن المب ــادئ‬ ‫اللّغوي ــة األساس ــية ألطفاله ــا‪ ،‬وه ــذا راج ــع ب ــدوره‪،‬‬ ‫تعل ــم الم ــرأة نفس ــها‬ ‫إل ــى ِع ـّدة عوام ــل‪ ،‬م ــن أبرزه ــا ُّ‬ ‫فـــي مـــدارس تـــدرس العربيـــة كلغـــة أم والفرنســـية‬ ‫كلغ ــة ثاني ــة‪.‬‬ ‫ العامــل السياســي‪ :‬لــم ينــص الدســتور التونســي في‬‫نس ــخته األول ــى س ــنة ‪ 1959‬أو ف ــي صيغت ــه الثاني ــة‬ ‫س ــنة ‪ 2014‬عل ــى وج ــود لغ ــة رس ــمية ثاني ــة غي ــر‬ ‫اللّغــة العربيــة‪ ،‬بمــا فــي ذلــك البربريــة‪ ،‬تســتخدم فــي‬ ‫التعليــم واإلدارة ومختلــف المعامــات اليوميــة‪ ،‬ولكن‬ ‫ذلــك لــم يمنــع الفرنســية مــن أن تكــون لغـ ًـة متداولــة‬ ‫ومهيمنـــة‪ ،‬مـــا صنـــع منهـــا نوعـــ ًا مـــن اإلمبرياليـــة‬ ‫اللس ــانية عل ــى َح ـّد ق ــول عال ــم اللس ــانيات الفرنس ــي‬ ‫كالفــي‪.‬‬ ‫كل تلك‬ ‫‪ -‬العامــل الثّقافــي‪ :‬وهــو األكثــر أهمية مــن بين ّ‬

‫يميزها‪ ،‬إذا‬ ‫العوامــل‪ ،‬فالبربريــة تــكاد تفتقــد إلــى أدب ِّ‬ ‫مــا اســتثنينا مــا هــو منقول شــفوياً‪ ،‬من أدب شــعبي‪،‬‬ ‫وحكايــات وأســاطير وفنون وفولكلــور‪ .‬وهذا الوضع‬ ‫اللّغ ــوي ال يش ــمل برب ــر الجن ــوب التونس ــي فحس ــب‪،‬‬ ‫وإنمــا يشــمل أغلــب المجموعــات البربريــة فــي المغرب‬ ‫العرب ــي‪ ،‬حت ــى أن أح ــد اللّغويي ــن م ــن ذوي النزع ــة‬ ‫البربريــة أشــار إلــى «أننــا ُربينــا علــى أدب أمازيغــي‬ ‫ثــري وكثيــر‪ ،‬ولكنــه شــفوي‪ ،‬كانت األمهــات والجدات‬ ‫هــن الالئــي يقمــن بتوصيلــه إلينــا‪ّ ،‬إل أن العالــم اآلن‬ ‫ـول ولــم يعــد هنــاك دور للجــدة ولــأم‪ ،‬ألن التلفزة‬ ‫تحـ َّ‬ ‫والمذيــاع وغيرهمــا قامــت مقامهمــا‪ ،‬ومن َثـّـم هذا األدب‬ ‫وظ ـ ّـل ش ــفوي ًا‬ ‫جم ــع َ‬ ‫ينق ــرض‪ ،‬وإذا عرفن ــا أن ــه ل ــم ُي َ‬ ‫نع ــرف أن ــه س ــتكون خس ــارة كبي ــرة ج ــدًا بالنس ــبة‬ ‫لجانــب مهــم مــن ثقافتنــا‪.)2(»..‬‬ ‫وعـــاوة علـــى ذلـــك‪ ،‬فـــإن البربريـــة ال تختـــزل‬ ‫ـاض مجي ــد‪ ،‬تحمل ــه الذاك ــرة‬ ‫تاري ــخ انتص ــارات‪ ،‬وم ـ ٍ‬ ‫ويع ــاد إنتاج ــه ف ــي‬ ‫ـي‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الجماع‬ ‫والمخي ــال الش ــعبي‬ ‫ُ‬ ‫المس ــتقبل‪ .‬وه ــو م ــا يفس ــر غي ــاب أي تضام ــن بي ــن‬ ‫القــرى والمجموعــات البربريــة‪ ،‬فمســتويات االنتمــاء‬ ‫لديه ــا ال تتج ــاوز البربري ــة لغ ــة وجغرافي ــا‪ .‬ويب ــدو‬ ‫أن البربريـــة‪ ،‬منـــذ زمـــن ليـــس بالقريـــب‪ ،‬لـــم تعـــد‬ ‫ـور ذاتي ـاً‪ ،‬أو تنت ــج أدب ـ ًا أو ثقاف ــة‪ ،‬وال يمكنه ــا‬ ‫تتط ـ َّ‬ ‫أن تك ــون لغ ــة عل ــم‪ ،‬ألنن ــا ل ــم نعث ــر عل ــى مؤلَّف ــات‬ ‫ـت بالبربريــة‪ ،‬أو بإحــدى لهجاتهــا المختلفــة‪ ،‬فــي‬ ‫ُكِتَبـ ْ‬ ‫تونــس‪ ،‬وخاصــة فــي المغــرب والجزائــر‪ ،‬أيــن منحت‬ ‫متميــزاً‪ ،‬مقارنة ببقيــة البلدان‬ ‫البربريــة وضعــا لغويـ ًا ِّ‬ ‫المغاربي ــة‪ ،‬ناهي ــك ع ــن أن بربري ــة الجزائ ــر بات ــت‬ ‫ُتكَت ــب بالالتيني ــة‪ ،‬وف ــي المغ ــرب‪ ،‬انته ــى الص ــراع‬ ‫ف ــي أوس ــاط النخ ــب البربري ــة‪ ،‬إل ــى ث ــاث كتاب ــات‬ ‫للبربري ــة وه ــي التش ــلحيت والتريفي ــت وتمازيغ ــت‪.‬‬ ‫فالبربري ــة به ــذا الش ــكل‪ ،‬ال يمكنه ــا أن تش ـ َّـكل لغ ــة‪،‬‬ ‫وإنم ــا ه ــي لهج ــات متع ـ ِّـددة‪ ،‬وال تمتل ــك مكتب ــة‪ ،‬أو‬ ‫تراثـ ًا مكتوبـاً‪ ،‬أو فكــرًا متــداوالً‪ ،‬كمــا ال يوجــد اتفــاق‬ ‫علــى مصطلحــات موحــدة‪ ،‬وقواعــد مشــتركة‪ ،‬تنظــم‬ ‫تلــك اللهجــات‪ ،‬وإن بــرزت محــاوالت محــدودة‪ ،‬فــي‬ ‫تدويــن بعــض مصطلحاتهــا‪ ،‬بحــروف التينيــة‪ ،‬مثلمــا‬ ‫هـــو الشـــأن بالنســـبة لمؤلِّـــف «اللهجـــة البربريـــة»‬ ‫للعرب ــي ب ــن مق ــو(‪ ،)3‬ال ــذي يب ــدو أن ــه متأث ــر ب ــاإلرث‬ ‫كل م ــن معه ــد‬ ‫الفرنك ــو‪ -‬برب ــري‪ ،‬وال ــدور ال ــذي لعب ــه ّ‬ ‫اللّغ ــات الش ــرقية واألكاديمي ــة البربري ــة بفرنس ــا‪.‬‬ ‫وال ن ــدري كي ــف يمك ــن للهج ــات البربري ــة المتع ـ ِّـددة‪،‬‬ ‫ـول إلى‬ ‫غيــر الموحــدة‪ ،‬كتابــة ونطقـ ًا وداللــة‪ ،‬أن تتحـ َّ‬ ‫لغــة وطنيــة وســيطة‪ ،‬تســتعمل فــي التعليــم واإلدارة‬ ‫واإلعــام‪ ،‬وغيــر ذلــك مــن المجاالت المتصلــة بالحياة‬ ‫اليوميـــة‪ ،‬وتوحيـــد قواعدهـــا اإلمالئيـــة وتقعيـــد‬ ‫المط ــرد م ــن بنياته ــا المورفولوجي ــة‪ ،‬والتركيبي ــة‪،‬‬ ‫والمعجميـــة‪ ،‬واقتســـام األنســـاق اللســـانية نفســـها‬ ‫مؤسس ــاتياً‪ ،‬أو‬ ‫لنم ــوذج واح ــد ُممعي ــر‪ ،‬واس ــتعمالها ّ‬

‫لم ينص‬ ‫الدستور‬ ‫التونسي في‬ ‫نسخته األولى‬ ‫سنة ‪ 1959‬أو‬ ‫في صيغته‬ ‫الثانية سنة ‪2014‬‬ ‫على وجود لغة‬ ‫رسمية ثانية غير‬ ‫اللّغة العربية‬

‫‪71‬‬


‫طبيعة التأويل‬ ‫والتفسير‪،‬‬ ‫في تراجع أو‬ ‫ضمور البربرية‬ ‫في الجنوب‬ ‫التونسي‪ ،‬تستند‬ ‫إلى خلفية‬ ‫أيديولوجية تعزو‬ ‫ذلك التراجع إلى‬ ‫عوامل القوة‬ ‫والهيمنة‬

‫‪72‬‬

‫جعلهــا متجانســة كمــا يدعــو إلــى ذلــك بعــض أنصــار‬ ‫البربري ــة(‪ ،)4‬وه ــي الت ــي تعان ــي م ــن انقس ــام ح ــاد‪،‬‬ ‫تجلِّياتــه باديــة للعيــان‪ ،‬بيــن بربريــة فــي المغــرب‪،‬‬ ‫وأخــرى التينيــة فــي الجزائــر‪ ،‬ولهجــات شــفاهية غير‬ ‫مكتوب ــة متناث ــرة ف ــي ليبي ــا وتون ــس‪.‬‬ ‫إن طبيعـــة التأويـــل والتفســـير‪ ،‬فـــي تراجـــع أو‬ ‫ضمـــور البربريـــة فـــي الجنـــوب التونســـي‪ ،‬تســـتند‬ ‫إل ــى خلفي ــة أيديولوجي ــة تع ــزو ذل ــك التراج ــع إل ــى‬ ‫عوام ــل الق ــوة والهيمن ــة مث ــل تهمي ــش الدول ــة للق ــرى‬ ‫البربريــة اقتصاديـاً‪ .‬ولكــن هــذه الحجــة مــردودة علــى‬ ‫أصحابه ــا‪ ،‬فالبربري ــة ل ــم تنتع ــش ف ــي ِظ ـ ّـل اإلدارة‬ ‫االســـتعمارية الفرنســـية لتونـــس‪ ،‬التـــي اســـتمرت‬ ‫ثالث ــة أرب ــاع الق ــرن‪ ،‬حي ــث حظ ــي أهله ــا بن ــوع م ــن‬ ‫التبجي ــل‪ .‬ول ــم تن ــم ف ــي جزي ــرة جرب ــة الس ــياحية‪،‬‬ ‫المعروف ــة بث ــراء أهله ــا بس ــبب اش ــتغالهم بالتج ــارة‪.‬‬ ‫تحـــول القـــرى البربريـــة‪ ،‬فـــي‬ ‫ويضـــاف إلـــى ذلـــك‬ ‫ُّ‬ ‫تطاوي ــن‪ ،‬ومطماط ــة‪ ،‬إل ــى أماك ــن ج ــذب س ــياحي‪،‬‬ ‫أضف ــى عليه ــا مس ــحة م ــن الث ــراء‪ ،‬حت ــى ب ــات ت ــراث‬ ‫ـروج عل ــى أن ــه ت ــراث‬ ‫الجن ــوب التونس ــي برمت ــه ُي ـ َّ‬ ‫برب ــري‪.‬‬ ‫وعلــى األرجــح أن يكــون اندثــار البربريــة أو تراجــع‬ ‫البربريــات اللّغويــة في تونــس‪ ،‬وتقلصها في المغرب‬ ‫العربـــي‪ ،‬رغـــم محـــاوالت اإلحيـــاء النشـــطة‪ ،‬التـــي‬ ‫تتوالهــا فــي كثيــر مــن األحيــان‪ ،‬جمعيــات ومنظمــات‬ ‫مرتبطــة بدوائــر القــرار الغربــي‪ ،‬وممولــة مــن ِقَبلهــا‪،‬‬

‫وذات حظ ــوة إعالمي ــة‪ ،‬وحماي ــة م ــن ِقَب ــل منظم ــات‬ ‫دوليــة وأمميــة‪ ،‬مثــل مجلــس األمــم المتحــدة لحقــوق‬ ‫اإلنس ــان‪ ،‬راج ــع إل ــى األص ــل المش ــترك لتل ــك اللّغ ــة‬ ‫مـــع العربيـــة مـــا أدى إلـــى اندماجهـــا فيهـــا بســـبب‬ ‫األص ــول البربري ــة والعربي ــة المش ــتركة‪ ،‬وه ــي ف ــي‬ ‫رأين ــا فرضي ــة قوي ــة‪ ،‬تس ــتحق االهتم ــام والدراس ــة‬ ‫م ــن ِقَب ــل اللّغويي ــن الع ــرب‪.‬‬ ‫* أستاذ التعليم العالي بجامعة تونس المنار‬ ‫_____________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪Raoudha ; Kammoun ; Diversité linguistique en 1‬‬‫?‪Tunisie : Le français a-t-il perdu de sa suprématie ‬‬ ‫ ‪FIPLV WORLD CONGRESS 2006 GOTEBORG‬‬‫‪.SWEDEN 15-17 JUNE 2006 p 13‬‬ ‫‪ - 2‬ح ــوار ُأج ــري م ــع الباح ــث المذك ــور ي ــوم ‪، 2000 - 8 - 17‬‬ ‫انظ ــر العس ــكري‪ ،‬ذك ــره س ــليمان إبراهي ــم‪ ،‬العربي ــة واألقلي ــات‬ ‫اللّغوي ــة (محاول ــة لتحدي ــد النط ــاق) مجل ــة (العرب ــي) الكويتي ــة‬ ‫ع ــدد نوفمب ــر ‪ ، 2005‬اعتمدن ــا النس ــخة المنش ــورة عل ــى ش ــبكة‬ ‫اإلنترن ــت وه ــي غي ــر مرقم ــة‪.‬‬ ‫‪lexique berbères- français : Dialecte berbère - 3‬‬ ‫‪)de Tamezret (Tunisie‬‬ ‫منشور على الموقع اآلتي‪.HTTP: // atamazret.info :‬‬ ‫‪ - 4‬عب ــد الس ــام‪ ،‬خلف ــي‪ ،‬معي ــرة اللّغ ــة األمازيغي ــة ف ــي ض ــوء‬ ‫بعــض التجــارب العالميــة‪ ،‬أســيناك مجلــة المعهــد الملكــي للثّقافــة‬ ‫األمازيغيــة الربــاط المغــرب‪ ،‬العــدد الثالــث ســنة ‪ 2009‬ص ‪. 27‬‬


‫الوطنية نحو ســّتين‪.‬‬ ‫تعدد األجناس واللّغات‪ ،‬ويبلغ عدد لغاته‬ ‫بوركينا فاســو(‪ )1‬بلد ُم ِّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلسالمية إليه منذ القرن الخامس‬ ‫العربية إلى ربوعه بانتشار الّدعوة‬ ‫ولقد اقترن دخول‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفرنســية فارتبط ظهورها في المنطقة ببداية الحمالت االستعمارية‬ ‫الميالدي‪ّ .‬أما‬ ‫عشــر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫توخي أهلها مســلك‬ ‫عليهــا عــام ‪1888‬م؛ فقــد اجتمــع فيها إلى كونهــا حديثة االّتصال ّ‬ ‫بســكان البالد ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ناحية‪،‬‬ ‫الوطنية‪ ،‬من‬ ‫العدوان في القدوم‪ ،‬فكيف كانت عالقتها من زمن االستعمار إلى اليوم باللّغات‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫المبيتة؟‬ ‫وبالعربية‪ ،‬من‬ ‫ناحية أخرى؟ وما هي أهدافها المعلنة وغاياتها ّ‬ ‫ّ‬

‫الحرب على العربيّة واللّغات‬ ‫الوطنيّة في بوركينا فاسو‬ ‫د‪ .‬وليالي كندو‬

‫ســـكان المنطقـــة الذيـــن كانـــوا‬ ‫علـــى خـــاف ّ‬ ‫يســتنكرون االســتعمار وأســاليبه العنيفة الفّتاكة‪،‬‬ ‫ويدركـــون ســـوء نوايـــاه‪ ،‬فـــا يخضعـــون لـــه ّإل‬ ‫كرهـــاً‪ ،‬كان المســـتعمر الفرنســـي يقيـــم سياســـته‬ ‫ّغويـــة علـــى أســـاس أيديولوجيـــة التمييـــز‬ ‫الل ّ‬ ‫ـي مزعــوم‬ ‫ـ‬ ‫الفرنس‬ ‫ـس‬ ‫ـ‬ ‫للجن‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫تحض‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫بي‬ ‫ـري‬ ‫ـ‬ ‫العنص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالتوحش؛‬ ‫الســودان‬ ‫ّ‬ ‫وافتــراء علــى سـّـكان المنطقة ّ‬ ‫ــية وثقافته ــا‬ ‫ـ‬ ‫الفرنس‬ ‫أن تعلي ــم‬ ‫فق ــد كانـــت تّدع ــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫آل ــة ضروري ــة لتحري ــر ش ــعوب الب ــاد م ــن حال ــة‬ ‫والرق ــي به ــا إل ــى مس ــتوى‬ ‫ّ‬ ‫«الهمجي ــة» و«الجه ــل» ّ‬ ‫خاصــة بتلقيــن‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫عناي‬ ‫ـت‬ ‫«الحضــارة»(‪)2‬؛ لــذا أولـ‬ ‫ّ‬ ‫أبجدي ــات الفرنس ـّـية حت ــى أنّه ــا كان ــت‬ ‫أبن ــاء البل ــد‬ ‫ّ‬ ‫األصليي ــن عل ــى االش ــتراك‬ ‫ام‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫والح‬ ‫ـاء‬ ‫تجب ــر اآلب ـ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ف ــي انت ــداب الّتالمي ــذ وتزوي ــد المطاع ــم المدرس ـّـية‬ ‫الغذائيـــة‪ .‬وكان هـــذا اإللـــزام موقفـــ ًا‬ ‫بالمـــؤن‬ ‫ّ‬

‫ـام عل ــى مش ــروع الّتعلي ــم‬ ‫لمواجه ــة االعت ــراض الع ـ ّ‬ ‫صـــرح بأهدافـــه‬ ‫االســـتعماري‪ .‬وهـــو مشـــروع‬ ‫ّ‬ ‫دوريــة الحاكـ ُـم الفرنســي علــى‬ ‫وغايتــه فــي رســالة ّ‬ ‫أن التعلي ــم وس ــيلة‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫وه‬ ‫المنطق ــة ع ــام ‪1897‬م‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الســكان‬ ‫متاحــة ألداء رســالة تحضيــر تكســب تأييــد ّ‬ ‫«البدائييــن»‪ ،‬كمــا أّنــه وســيلة تقـ ُّـدم ودعايــة‪ ،‬لكن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشــيوخ؛ فهــم متشـّـبعون‬ ‫المــراد كســب تأييــد ّ‬ ‫ليــس ُ‬ ‫الراشــدين؛‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫تأيي‬ ‫ـب‬ ‫ـ‬ ‫كس‬ ‫وال‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫بالي‬ ‫ـبقة‬ ‫ـ‬ ‫مس‬ ‫بأفــكار‬ ‫ّ‬ ‫المراد كســب‬ ‫ألنّهــم يخضعــون لعــادات أخــرى‪ .‬إنّمــا ُ‬ ‫الش ــباب؛ فعقوله ــم م ــا يج ــب النّف ــاذ إلي ــه‪،‬‬ ‫نص ــرة ّ‬ ‫وبالمدرس ــة وحده ــا يتحّق ــق النف ــاذ(‪.)3‬‬ ‫وقـــد بلـــغ حـــرص االســـتعمار الفرنســـي علـــى‬ ‫تلقيــن لغتهــا وغــرس ثقافتهــا فــي أذهــان المتعلّمين‬ ‫أن المعلّمي ــن صنع ــوا رم ــزًا ف ــي‬ ‫ف ــي الب ــاد حت ــى ّ‬ ‫ـي البقــرة يعاقبــون بحملــه من اســتعمل‬ ‫صــورة قرنـ ّ‬

‫كان حامل الرّمز‬ ‫ّ‬ ‫محل سخرية‬ ‫لدى رفاقه‪ ،‬وقد‬ ‫اقتنع جميعهم‬ ‫بأن اللّغة‬ ‫ّ‬ ‫األم نظير رمز‬ ‫ّ‬ ‫العقاب رذيلة‬ ‫ومهانة تُعديان‬ ‫مستعملها‬

‫‪73‬‬


‫غدا اكتساب‬ ‫ناصية الفرنسيّة‬ ‫مفخرة لدى كثير‬ ‫َّ‬ ‫المثقفين‬ ‫من‬ ‫في البالد؛ فهي‬ ‫معيار توظيف‬ ‫الحكومة‬ ‫األساسي وتقلُّد‬ ‫ّ‬ ‫المناصب‬ ‫السامية‬ ‫ّ‬

‫‪74‬‬

‫أي لغ ــة‬ ‫األم أو ّ‬ ‫م ــن الّتالمي ــذ ف ــي المدرس ــة لغت ــه ّ‬ ‫ـل س ــخرية ل ــدى‬ ‫الرم ــز مح ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫وطني ــة؛ ف ــكان حام ــل ّ‬ ‫األم نظيــر‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ـأن‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫جميعه‬ ‫رفاقــه‪ ،‬وقــد اقتنــع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫رم ــز العق ــاب رذيل ــة ومهان ــة تعدي ــان مس ــتعملها؛‬ ‫فعلــى ِغــرار مــا كان ينشــده االســتعمار البريطانــي‬ ‫فــي الهنــد مــن إعــداد إنجليــز فــي صورة هنــود‪ ،‬كان‬ ‫الســودان الغربــي‬ ‫ـي فــي منطقــة ّ‬ ‫االســتعمار الفرنسـ ّ‬ ‫الســكان ال يحملــون‬ ‫يســعى إلــى تكويــن أجيــال مــن ّ‬ ‫م ــن مجتمعه ــم م ــا يزي ــد عل ــى اش ــتراكهم مع ــه ف ــي‬ ‫ســمات الخلقــة وأرض اإلقامــة‪ ،‬وال يختلفــون عــن‬ ‫الغالييــن ّإل بهاتيــن «النّقيصتيــن»‪.‬‬ ‫الفرنسـّـيين‬ ‫ّ‬ ‫وعل ــى ق ــدر م ــا اس ــتقطب االس ــتعمار الفرنس ــي‬ ‫م ــن أبن ــاء البل ــد جن ــدًا للّدف ــاع ع ــن تراب ــه الوطن ــي‬ ‫الثانيــة‪ ،‬نجــح تعليمــه فــي‬ ‫خــال الحــرب العالميــة‬ ‫ّ‬ ‫محليي ــن لتنفي ــذ حكم ــه وسياس ــته‬ ‫إع ــداد أع ــوان ّ‬ ‫ظـــل هـــذا‬ ‫االســـتعماريين فـــي عقـــر دارهـــم‪ .‬وقـــد ّ‬ ‫للفرنســـية ولثقافتهـــا بعـــد االســـتقالل‬ ‫الـــوالء‬ ‫ّ‬ ‫قائمـاً‪ .‬وقــد اســتنكر الباحــث البوركينابــي‪ ،‬بازيــل‬ ‫غيســو‪ ،‬هــذه النزعــة عنــد «هــؤالء الورثــة»‪ ،‬فذكــر‬ ‫ممــن درســوا فــي المــدارس‬ ‫ّ‬ ‫أن أصحــاب األعاجيــب ّ‬ ‫الفرنســـية ببوركينـــا فاســـو قـــد صـــاروا اليـــوم‬ ‫ّ‬ ‫ّقافيــة الفرنسـّـية‬ ‫المدافعيــن بشراســة عــن القيــم الث ّ‬ ‫وأن العجــاب رفضهــم‬ ‫ضمــن مشــروع‬ ‫الفرنكفونيــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫أهمي ــة اللّغ ــات‬ ‫القاط ــع ل ـ ّ‬ ‫ـكل تحلي ــل علم ــي يثب ــت ّ‬ ‫الصعيــد‬ ‫الوطنيــة ودورهــا فــي تنميــة البــاد علــى ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـي(‪.)4‬‬ ‫ـ‬ ‫ّقاف‬ ‫ث‬ ‫وال‬ ‫ـادي‬ ‫ـ‬ ‫واالقتص‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫االجتماع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لقــد غــدا اكتســاب ناصيــة الفرنسـّـية مفخــرة لدى‬ ‫كثيــر مــن المثقَّفيــن فــي البــاد؛ فهي معيــار توظيف‬ ‫الســـامية‪.‬‬ ‫الحكومـــة‬ ‫األساســـي وتقلُّـــد المناصـــب ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومـــا الّدولـــة المســـتقلّة فـــي ذلـــك ّإل فـــي مقـــام‬ ‫ـي دؤوب ولنظ ــام‬ ‫المنّف ــذ لسياس ــة اس ــتعمار ذهن ـ ّ‬ ‫إمبريال ــي كمي ــن‪ .‬ول ــم يشــّذ ع ــن ه ــذا المس ــار م ــن‬ ‫ح ــكاّم الب ــاد س ــوى الرئي ــس المغت ــال‪ ،‬طوم ــاس‬ ‫ـق اللّغــات‬ ‫ســنكارا‪ ،‬فهــو مــن اســتدرك شــيئ ًا مــن حـ ّ‬ ‫الوطني ــة ب ــأن ألغ ــى اس ــم الب ــاد القدي ــم لكون ــه‬ ‫ّ‬ ‫خل ــد أله ــل الب ــاد س ــوى‬ ‫إس ــقاط ًا اس ــتعماري ًا ال ُي ِّ‬ ‫ذكـــرى نكبتهـــم واســـتعبادهم‪ ،‬وبإبدالـــه باالســـم‬ ‫المرك ــب م ــن عنصري ــن‬ ‫الحال ــي (بوركين ــا فاس ــو) ّ‬ ‫اثنيــن مــن لغــات البــاد‪ ،‬وهمــا (بوركينــا) الــذي هو‬ ‫جمــع (بوركينــدي) مــن المــوري و(فاســو) الــذي هــو‬ ‫مركــب إضافــي مــن الجــوال يفيــد الوطــن‪ .‬بــل أحــدث‬ ‫ّ‬ ‫لغوي ــة ف ــي مس ــتوى‬ ‫ـورة‬ ‫ـ‬ ‫ث‬ ‫ـه‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫مقتل‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫قب‬ ‫ـنكارا‪،‬‬ ‫سـ‬ ‫ّ‬ ‫الرغم‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫عل‬ ‫ـن‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫لك‬ ‫واإلداري(‪.)5‬‬ ‫ـريعي‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫المعج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوطني ــة‬ ‫م ــن ه ــذه العناي ــة الت ــي أواله ــا للّغ ــات‬ ‫ّ‬ ‫بأهمي ــة اعتماده ــا ف ــي الّتعلي ــم‪ ،‬ل ــم يق ــدم‬ ‫ووعي ــه ّ‬ ‫الش ــأن‪.‬‬ ‫عل ــى اّتخ ــاذ ق ــرار ف ــي ه ــذا ّ‬ ‫طمس‬ ‫ومــا إن ُقِتـ َـل زعيــم الّثــورة‬ ‫ّ‬ ‫الوطنيــة حتى َّ‬ ‫مقومات رؤيته السياســية‪ ،‬واســتأصلوها‬ ‫جالدوه ّ‬

‫ليســتدركوا سياســة االســتالب اللّغــوي والفكــري‪،‬‬ ‫الســكان بتعــذُّر قيــام القوميــة علــى‬ ‫فتمــادى إيهــام ّ‬ ‫الّتع ـ ُّـدد اللّغ ــوي وامتن ــاع الّتواص ــل ب ــه‪ .‬ب ــل أقن ــع‬ ‫الوطنية ال تجدي‬ ‫ـأن اللّغــات‬ ‫الّتعليــم الفرنكفونــي بـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫نفعــ ًا ف ــي ه ــذا العال ــم ألنّه ــا ليس ــت ف ــي منظ ــاره‬ ‫ســوى لهجــات(‪.)6‬‬ ‫ولئــن أظهــر رؤســاء البلــدان اإلفريقيــة فــي إطــار‬ ‫رغبـــة فـــي النّهـــوض‬ ‫الفرنكفونيـــة‬ ‫هـــذه الحركـــة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الوطنيـــة بغيـــة اعتمادهـــا فـــي الّتعليـــم‬ ‫بلغاتهـــم‬ ‫ّ‬ ‫ـإن الواق ــع المعي ــش من ــذ نش ــأة الحرك ــة يش ــهد‬ ‫فـ ّ‬ ‫مم ــا يقول ــون وإظهاره ــم خ ــاف م ــا‬ ‫باس ــتنكافهم ّ‬ ‫الرغــم مــن كتابــة بعــض اللّغــات‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫يضمــرون‪ .‬وعل ّ‬ ‫منظمــة اليونســكو علــى اعتمادهــا‬ ‫ـث ّ‬ ‫الوطنيــة وحـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ف ــي الّتعلي ــم‪ ،‬ال ت ــزال الفرنس ـّـية إل ــى يومن ــا ه ــذا‬ ‫ســـمية فـــي بوركينـــا وفـــي غيـــره مـــن‬ ‫الر ّ‬ ‫اللّغـــة ّ‬ ‫الســـوداء‪ .‬وهكـــذا‬ ‫بإفريقيـــا‬ ‫ـــة‬ ‫الفرنكفوني‬ ‫البلـــدان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متفـــردة فيـــه بقطـــاع الّتعليـــم‬ ‫ة‬ ‫الفرنســـي‬ ‫ظلّـــت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وازداد ســلطانها واســتبدادها فــي مجــال االقتصــاد‬ ‫والخدم ــات والثّقاف ــة والفك ــر‪ ،‬ف ــا غ ــرو أن تس ــير‬ ‫الوطني ــة نح ــو االنق ــراض‪ .‬وأقربه ــا‬ ‫ـل األلس ــنة‬ ‫ُج ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫إل ــى ه ــذا الم ــآل لغ ــة «بيريف ــور» (‪ )birifor‬الت ــي‬ ‫ـي م ــن‬ ‫ـتقر ُج ـ ّ‬ ‫يس ـ ّ‬ ‫ـل أهله ــا بمنطق ــة الجن ــوب الغرب ـ ّ‬ ‫البـــاد‪ .‬وكـــذا لغـــة «ســـيالنكا» التـــي هـــي لســـان‬ ‫ســـكان قـــرى تابعـــة لمحافظـــة كايـــا باإلقليـــم‬ ‫ّ‬ ‫األوســط‪ .‬وقــد انحصــر عــدد مســتعمليها عــام ‪1995‬‬ ‫فــي ‪ 780‬شــخصاً‪ .‬وقــد أشــار فريــق مــن الباحثيــن‬ ‫وطنيــة أخــرى علــى وشــك‬ ‫عــام ‪2006‬م إلــى لغــة‬ ‫ّ‬ ‫المـــوت هـــي «سيســـاال»‪ ،‬وال نـــدري اليـــوم كيـــف‬ ‫آل أمره ــا‪.‬‬ ‫مهمـــا يكـــن‪ ،‬فعـــدم العنايـــة بحفـــظ اللّغـــات‬ ‫األميـــة والّتعلي ــم‬ ‫ّ‬ ‫الوطنيـــة وتوظيفه ــا ف ــي محـــو ّ‬ ‫هــو بمثابــة عزلهــا حتــى يدركهــا قدرهــا المحتــوم‪،‬‬ ‫المنظمـــات‬ ‫فـــإن تضافـــر قـــرارات الـــّدول وبرامـــج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األميـــة وتعميـــم التعليـــم‬ ‫الّدوليـــة فـــي مكافحـــة ّ‬ ‫ـؤدي فــي ربوعنــا‬ ‫للنّاشــئة ّ‬ ‫والشــباب مجهــودات تـ ّ‬ ‫توس ــع الفرنس ـّـية عل ــى حس ــاب‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫دع‬ ‫حتمــ ًا إل ــى‬ ‫ُّ‬ ‫أن‬ ‫ما‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫حتفه‬ ‫ـتعجال‬ ‫ـ‬ ‫واس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الوطني‬ ‫اللّغ ــات‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفرنفكونيـــة تمعـــن فـــي رســـم الخطـــط ووضـــع‬ ‫ّ‬ ‫البرامــج للّتفـ ُّـرد باألذهــان والبــاد وتنفــق فــي ذلــك‬ ‫مبال ــغ طائل ــة لإلغ ــراء‪.‬‬

‫محاصرة الفرنس ّية ل ّلغة العرب ّية‬

‫العربيـــة فـــي‬ ‫الفرنســـية‪ ،‬ظلّـــت‬ ‫علـــى خـــاف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العامــة ببوركينــا فاســو لغــة دين مقّدســة‪،‬‬ ‫الذّهنيــة ّ‬ ‫عامــة الّنــاس‬ ‫ـام‬ ‫ـ‬ ‫واإلس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫العربي‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫بي‬ ‫يميــز‬ ‫ّ‬ ‫إذ قلّمــا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـرد ه ــذا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫كان‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ولئ‬ ‫ـواء‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫ح‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫عل‬ ‫ـم‬ ‫وخاصته ـ‬ ‫ّ‬ ‫َ ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫الّتماهــي إلــى اقترانهمــا الّتاريخــي فــي الّدخــول إلــى‬


‫ـإن اس ــتمرار‬ ‫المنطق ــة واّتص ــال س ـ ّـكانها بهم ــا‪ ،‬ف ـ ّ‬ ‫ـور عل ــى ه ــذا المن ــال ال س ـّـيما عن ــد المثقَّفي ــن‬ ‫الّتص ـ ُّ‬ ‫خطــة مكتومــة‪ ،‬وهــي قصــر‬ ‫الفرنكفونييــن يخفــي ّ‬ ‫مضيق‬ ‫العربيــة وحضارتهــا على مضمون لإلســام ّ‬ ‫ّ‬ ‫الطقـــوس والعبـــادات‪،‬‬ ‫دون ســـواه‪ ،‬أال وهـــو ّ‬ ‫خلفي ــة ه ــذا القص ــر؟ لإلجاب ــة ع ــن ه ــذا‬ ‫لك ــن‪ ،‬م ــا ّ‬ ‫االس ــتفهام ينبغ ــي اس ــتحضار ش ــيء م ــن تاري ــخ‬ ‫العربي ــة واإلس ــام ف ــي الب ــاد وطبيع ــة‬ ‫انتش ــار‬ ‫ّ‬ ‫العالقــة التــي كانــت بينهمــا وبيــن حركــة الّتنصيــر‬ ‫ـي‪.‬‬ ‫واالس ــتعمار الفرنس ـ ّ‬ ‫لقــد دخــل اإلســام إلــى منطقــة بوركينــا صوفيـ ًا‬ ‫طرقيـاً‪ .‬وكان شــيوخه يقيمــون فــي قراهم زواياهم‬ ‫ّ‬ ‫الصلـــوات‪،‬‬ ‫يؤمـــون أتباعهـــم فـــي ّ‬ ‫ومســـاجدهم ّ‬ ‫ويعظــون كبارهــم فــي تعاليم دينهــم عقب الفرائض‬ ‫اإلســـامية‪ ،‬ويعلّمـــون‬ ‫وفـــي ســـائر المناســـبات‬ ‫ّ‬ ‫العربي ــة وت ــاوة‬ ‫ـادئ‬ ‫ـ‬ ‫مب‬ ‫النّاش ــئة ف ــي الكتاتي ــب‬ ‫ّ‬ ‫تيســر مــن التفســير والّتوحيــد‬ ‫القــرآن الكريــم ومــا َّ‬ ‫يجاني ــة حمل ــة‬ ‫والفق ــه ونحوه ــا؛ ف ــكان ش ــيوخ الّت ّ‬ ‫ولمــا اســتباح‬ ‫لــواء الّدعــوة اإلسـ ّ‬ ‫ـامية فــي البــاد‪ّ .‬‬ ‫ـي حرمــة المنطقــة وتعقّبــه‬ ‫ـ‬ ‫الفرنس‬ ‫جنــد االســتعمار‬ ‫ّ‬ ‫المنصريــن قــام بينهــم وبيــن حركــة‬ ‫رجــال الكنيســة‬ ‫ّ‬ ‫ـاد بيــن‬ ‫ـب؛‬ ‫ـ‬ ‫مرك‬ ‫ـاد‬ ‫ـ‬ ‫تض‬ ‫ـة‬ ‫الشــيوخ عالقـ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أولهمــا تضـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـي؛‬ ‫ـ‬ ‫الفرنس‬ ‫ـتعمار‬ ‫ـ‬ ‫االس‬ ‫ولغة‬ ‫ة‬ ‫ـامي‬ ‫ـ‬ ‫اإلس‬ ‫عوة‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫لغة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشـــيوخ وحركـــة‬ ‫وثانيهمـــا تقابـــل بيـــن دعـــوة ّ‬ ‫الّتنصي ــر‪ ،‬م ــن جه ــة‪ ،‬ولغت ــي حركتهم ــا م ــن جه ــة‬ ‫ثانيــة‪ .‬فهــل مــن العبث أن يســتوي عنــد الفرنكفوني‬ ‫والعربيــة؟‬ ‫اإلســام‬ ‫ّ‬ ‫أن الّتعليـــم‬ ‫ومـــا يزيـــد هـــذا ّ‬ ‫ـــاد تفاقمـــ ًا ّ‬ ‫التض ّ‬ ‫أول أمــره أساسـ ًا علــى المــدارس‬ ‫االســتعماري قــام ّ‬ ‫الفرنكفونييـــن‬ ‫َّفيـــن‬ ‫المثق‬ ‫ـــل‬ ‫ج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المســـيحية‪ ،‬فـــكان ُ‬ ‫خريجــي هــذه المــدارس‪ .‬وقــد اضطـّـر بعضهــم إلــى‬ ‫ّ‬ ‫االرت ــداد ع ــن اإلس ــام وبعضه ــم إل ــى الّتخّل ــي ع ــن‬ ‫تيـــار‬ ‫األصليـــة‬ ‫أســـمائهم‬ ‫الوثنيـــة منقاديـــن إلـــى ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الّتنصيــر‪ ،‬لــذا نجــد بينهــم مــن يحمــل اســم ًا مزدوجـ ًا‬ ‫ـيحياً‪.‬‬ ‫ـامي ًا ومس ـ ّ‬ ‫إس ـ ّ‬ ‫المركــب بينهــم وبين‬ ‫ـ‬ ‫التض‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫عالق‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫وفض‬ ‫ً‬ ‫ـاد ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصوفي ــة‬ ‫المس ــتعمرين‬ ‫والمنصري ــن‪ ،‬كان ش ــيوخ ّ‬ ‫ّ‬ ‫يجانيــون مــن زعمــاء حــركات النّضــال ومقاومــة‬ ‫الّت ّ‬ ‫االســتعمار الســترداد حرمــة البــاد‪ .‬ومنهــم شــيخ‬ ‫بلــدة رحمــة ّ‬ ‫والشــيخ عبد‬ ‫األول‪ّ ،‬‬ ‫الل‪ ،‬أبــو بكر ميغا ّ‬ ‫ّ‬ ‫الل دكــوري الــذي امتـّدت دعوتــه مــن شــمالي البــاد‬ ‫إلــى مختلــف أرجائهــا وإلــى مــا وراء حدودهــا‪.‬‬ ‫جمعيـــة االّتحـــاد الثّقافـــي‬ ‫ثـــم كان أن دعـــت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالســنغال جماعــة المســلمين فــي منطقــة‬ ‫اإلســامي ّ‬ ‫ـرقية��‬ ‫الس ــودان الغرب ــي إل ــى إنش ــاء «م ــدارس ش ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالعربيــة تعليــم‬ ‫تجمــع إلــى تلقيــن مبــادئ اإلســام‬ ‫ّ‬ ‫الفرنســـي‪ .‬وكان ذلـــك‬ ‫علـــوم المعـــاش باللّســـان‬ ‫ّ‬ ‫ـيحي والّتعليــم‬ ‫تصّديـ ًا لزحــف ّ‬ ‫كل مــن الّتعليــم المسـ ّ‬

‫ـام المتواطئي ــن عل ــى أداء رس ــالة الّتنصي ــر‪.‬‬ ‫الع ـ ّ‬ ‫وق ــد أخ ــذ ه ــذا الّن ــوع م ــن الم ــدارس ينتش ــر ف ــي‬ ‫المـــدن الكبـــرى ببوركينـــا حتـــى كان االســـتقالل‬ ‫عـــام ‪1960‬م‪ ،‬وتضاعـــف الّتعـــاون الثّقافـــي بيـــن‬ ‫العربيـــة وتعاظـــم شـــأنه‪،‬‬ ‫المســـلمين والـــّدول‬ ‫ّ‬ ‫الشـــرقية المطلـــق عليهـــا‬ ‫فـــازداد عـــدد المـــدارس ّ‬ ‫العربي ــة الفرنس ـّـية‪ ،‬حت ــى‬ ‫الي ــوم اس ــم الم ــدارس‬ ‫ّ‬ ‫ـاص ف ــي الب ــاد‬ ‫ـ‬ ‫الخ‬ ‫ـيم‬ ‫ـ‬ ‫عـلـ‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ص ــارت تشغـ ــل م ــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرغــم مــن‬ ‫مــا يـزيـــــد علــى نـسـبـــة ‪ .% 70‬وعلــى ّ‬ ‫الرســمية ظّلــت تهمــل‪ -‬إلــى‬ ‫ذلــك فـ ّ‬ ‫ـإن اإلحصائيــات ّ‬ ‫المؤسس ــات ف ــي مج ــال‬ ‫عه ــد قري ــب‪ -‬إس ــهام ه ــذه‬ ‫ّ‬ ‫األمي ــة والّتم ــدرس‪.‬‬ ‫مح ــو ّ‬ ‫المؤسســات‬ ‫هذه‬ ‫من‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫يجي‬ ‫الخر‬ ‫ـدد‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫تزاي‬ ‫وكــذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربيين‪،‬‬ ‫ومــن شــركائها ببــاد المغــرب والمشــرق‬ ‫ّ‬ ‫لك ــن‪ ،‬باس ــتثناء فت ــرة الّث ــورة الت ــي نظ ــر قائده ــا‬ ‫إل ــى ش ــهاداتهم نظ ــرة أخ ــرى‪ ،‬ظّلـــت مهاراته ــم‪،‬‬ ‫ـرد ع ــن‬ ‫خص ــص والّدرج ــة‪ ،‬ت ـ ّ‬ ‫تنوعه ــا ف ــي الّت ُّ‬ ‫عل ــى ُّ‬ ‫ـام بتعّل ــة ظاهره ــا جهُله ــم الفرنس ـّـية‬ ‫ـ‬ ‫الع‬ ‫القط ــاع‬ ‫ّ‬ ‫ـامية‪.‬‬ ‫وف ــي باطنه ــا حمُله ــم الثّقاف ــة‬ ‫العربي ــة اإلس ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي ــة‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ـارب‬ ‫ـ‬ ‫هك ــذا ظّل ــت الفرنس ـّـية تح‬ ‫ّ‬ ‫ط ــوال فت ــرة االس ــتعمار‪ .‬ول ــم يك ــن ورثت ــه دون ــه‬ ‫عـــل أخطـــر مـــا وضعـــه رجـــال‬ ‫دهـــاء وكيـــداً‪ .‬وَل ّ‬ ‫الفرنســـية فـــي حربهـــم مـــن المكائـــد محاصـــرة‬ ‫ّ‬ ‫بالعربيــة دون وظائــف الحكومــة‪ .‬ومــا‬ ‫المختصيــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـادة تنّفــر عــن هــذه اللّغــة وعــن‬ ‫هــذا ّإل دعــوة مضـ ّ‬ ‫آن واح ــد‪.‬‬ ‫اإلس ــام ف ــي ٍ‬ ‫إن قـــوام الحركـــة الفرنســـية ووريثتهـــا‬ ‫ّ‬ ‫والتفـــرد باألذهـــان‬ ‫التوحيـــد‬ ‫نزعـــة‬ ‫ـــة‬ ‫الفرنكفوني‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫الضعـــاف وال‬ ‫والفضـــاءات‪ ،‬فـــا تغيـــث لغـــات ّ‬ ‫العربي ــة ألنّه ــا‬ ‫ت ــذر‪ ،‬ب ــل ال تعتبره ــا‪ ،‬وال ترح ــم‬ ‫ّ‬ ‫لغ ــة حض ــارة ن ـّد خم ــدت ش ــعلتها إل ــى حي ــن‪ ،‬وال‬ ‫تس ــتهين باإلس ــام ألّن ــه مش ــروع حض ــارة بديل ــة‬ ‫تناهضهـــا‪.‬‬ ‫_____________________________________‬ ‫الهوامش واإلحاالت‬

‫ما إن ُق ِت َ‬ ‫ل زعيم‬ ‫الثّورة الوطنيّة‬ ‫طمس‬ ‫حتى‬ ‫َّ‬ ‫جالدوه مق ّومات‬ ‫رؤيته السياسية‪،‬‬ ‫واستأصلوها‬ ‫ليستدركوا‬ ‫سياسة االستالب‬ ‫اللّغوي‬ ‫والفكري‬

‫‪ - 1‬فولتا العليا سابقاً‪.‬‬ ‫‪2- Cf. Tout sur l’enseignant colonial au Burkina,‬‬ ‫‪selon Dr Maxime Compaoré, [en ligne]. http://‬‬ ‫‪news.aouaga.com/h/1432.html, (consulté le 26‬‬ ‫‪Octobre 2016).‬‬ ‫الوطنيــة والثّقافــة‪ ،‬فــي‪:‬‬ ‫‪ - 3‬انظــر غيســو (باســيل)‪ ،‬اللّغــات‬ ‫ّ‬ ‫مجلــة الجامعــة‪ ،‬عــدد ‪ ،1‬طرابلــس ‪2007‬م‪ ،‬ص ‪.200‬‬ ‫‪ - 4‬نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.202 - 201‬‬ ‫‪ - 5‬مثــل «‪ »Zatu‬بــد ًال عــن العبــارة الفرنسـّـية «‪( »Loi‬قانــون)‪،‬‬ ‫و«‪ »kiti‬بـــد ًال عـــن «‪( »Décret‬مرســـوم) و«‪ »Raabo‬بـــد ًال‬ ‫ع ــن «‪( »Arrêté‬ق ــرار) و«‪ »Koéga‬ب ــد ًال ع ــن «‪»Circulaire‬‬ ‫(منش ــور)‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ليــس لتصنيــف األلســنة إلــى لغــات ولهجــات أســاس فــي‬ ‫السياســة واأليديولوجيــا‪.‬‬ ‫اللّســانيات‪ ،‬إنّمــا ســنده فــي مجــال ّ‬ ‫‪75‬‬


‫هل تف ُّوق اللّغة اإلنجليزيّة‬ ‫أمر محتوم؟‬ ‫األميركي وودرو ولسن ‪ Woodrow Wilson‬من نيل مراده؛‬ ‫تمكن الرئيس‬ ‫في سنة ‪َّ 1919‬‬ ‫ّ‬ ‫الفرنسية‪ .‬ومنذ‬ ‫اإلنجليزية واللّغة‬ ‫تحرير معاهدة فرســاي بين ألمانيا والحلفاء‪ ،‬باللّغة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تدريجية في الحياة‬ ‫الدبلوماســية وبصــورة‬ ‫اإلنجليزية في الحياة‬ ‫ــت‬ ‫ذلــك الحين ُفِر َض ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن هذه‬ ‫االقتصادية‪ ،‬والعالقــات‬ ‫جرا‪ .‬وفــي الوقت الراهن يبدو ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫االقتصادية ووســائل اإلعالم‪ّ ،‬‬ ‫وهلم ّ‬ ‫العالمي‪.‬‬ ‫الصعيد‬ ‫على‬ ‫للتواصل‬ ‫ال‬ ‫وحام‬ ‫ا‬ ‫عماد‬ ‫باعتبارها‬ ‫االســتئثار‬ ‫من‬ ‫ضرب‬ ‫إلى‬ ‫تســير‬ ‫اللّغة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬

‫روالن ج‪ .‬ل‪ .‬بروطون*‬

‫استعمال‬ ‫اإلنجليزيّة في‬ ‫التبادل اللّ‬ ‫غوي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كما يقول‬ ‫بعضهم‪ ،‬ال‬ ‫يرمي إلى قتل‬ ‫اللّغات المحلّيّة‪،‬‬ ‫بل يمثّل مجرّد‬ ‫أداة لولوج أفق‬ ‫أرحب‬

‫‪76‬‬

‫ـي‪ ،‬في مطلع القرن الحادي والعشــرين‪،‬‬ ‫ومــن البديهـ ّ‬ ‫االقتصادي ــة‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫للدوائ‬ ‫ـارعة‬ ‫ـ‬ ‫المتس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫العولم‬ ‫أن تك ــون‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫اإلنجليزيــة فــي‬ ‫مرفوقــة بانتشــار متزايــد الســتعمال‬ ‫ّ‬ ‫عملي ــات التواص ــل‪ .‬وع ــدد المقبلي ــن عل ــى الكتاب ــة‬ ‫اإلنجليزي ــة‪ ،‬ب ــد ًال م ــن اس ــتعمال‬ ‫والتراس ــل باللّغ ــة‬ ‫ّ‬ ‫مطـــرد‪ .‬والكثيـــرون منهـــم ال‬ ‫لغتهـــم‪ ،‬فـــي ارتفـــاع ّ‬ ‫يجــدون بأسـ ًا فــي ذلــك‪ :‬وهــذا األمر يســير بالذات في‬ ‫ويمكن عــددًا متزايدًا‬ ‫ـي للعالم‪ّ ،‬‬ ‫اتجــاه التوحيــد الحتمـ ّ‬ ‫تواصـــا مباشـــراً‪.‬‬ ‫مـــن األشـــخاص مـــن التواصـــل‬ ‫ً‬ ‫أن‬ ‫واألكي ــد أّن ــه يمك ــن أن نعتب ــر م ــن ه ــذه الزاوي ــة ّ‬ ‫فــي األمــر تقّدمـ ًا واقتصــادًا فــي اإلمكانيات وتبســيط ًا‬ ‫اإلنجليزي ــة‬ ‫ألن اس ــتعمال‬ ‫ف ــي المب ــادالت الثّقافي ــة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ـوي‪ ،‬كمــا يقــول بعضهــم‪ ،‬ال يرمــي‬ ‫فــي التبــادل اللّغـ ّ‬ ‫ّي ــة‪ ،‬ب ــل يمّث ــل مج ـّـرد أداة‬ ‫ل‬ ‫المح‬ ‫إل ــى قت ــل اللّغ ــات‬ ‫ّ‬ ‫لول ــوج أف ــق أرح ــب‪.‬‬ ‫قـــد يكـــون هـــذا صحيحـــاً‪ .‬لكـــن‪َّ ،‬أل نـــرى مـــن‬ ‫األم ــر س ــوى ه ــذا الجان ــب يعن ــي إهم ــال الرواب ــط‬ ‫المتين ــة بي ــن تحري ــر ال ــذات والس ــلطة السياس ـّـية‪،‬‬ ‫واالقتصاديــة‬ ‫واالجتماعيــة‬ ‫ّغويــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وبيــن اآلليــات الل ّ‬

‫كل المجتمع ــات‪ ،‬وبي ــن األف ــراد‬ ‫الت ــي تمث ــل ق ــوام ّ‬ ‫الجماعي ــة‪.‬‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫والبني‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّقاف‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫ـن‬ ‫والمجموع ــات وبي ـ‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعـــي للفـــرد رهيـــن مقدرتـــه علـــى‬ ‫فالرقـــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اســتعمال اللّغــة (أو اللّغــات) األكثــر فائــدة‪ .‬وعلــى‬ ‫مـّـر األجيــال‪ ،‬تتغّلــب اللّغــة األكثــر قــدرة علــى الرفــع‬ ‫م ــن ش ــأن الف ــرد عل ــى س ــائر اللّغ ــات‪.‬‬ ‫واإلمبرياليـــة الثّقافيـــة ظاهـــرة أشـــّد لطفـــ ًا ودقّـــة‬ ‫ّ‬ ‫االقتصادي ــة‪ ،‬الت ــي ه ــي بدوره ــا‬ ‫اإلمبريالي ــة‬ ‫م ــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلمبريالي ــة السياس ـّـية‬ ‫أكث ــر تخفّي ـ ًا واس ــتتارًا م ــن‬ ‫ّ‬ ‫ـكرية التــي تكــون تجاوزاتهــا أظهر والتشــهير‬ ‫والعسـ ّ‬ ‫به ــا أيس ــر‪ .‬وهن ــاك ق ــدر ال ب ــأس ب ــه م ــن مجانب ــة‬ ‫اإلنجليزيــة‬ ‫ـأن هيمنــة اللّغــة‬ ‫الصــواب فــي القــول بـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫منظم ـ ًا‬ ‫عل ــى العال ــم كان ــت أم ــرًا مقص ــودًا عالني ــة‪ّ ،‬‬ ‫ـونية‪،‬‬ ‫ومدعومــ ًا م ــن ِقَب ــل الق ــوى األنكل ــو‪ -‬سكس ـ ّ‬ ‫تمشــياتها علــى الرقعــة السياسـّـية‪،‬‬ ‫بالتــوازي مــع ّ‬ ‫أو راجع ـ ًا إلــى دخــول شــركاتها التجاريــة العابــرة‬ ‫التجاري ــة‪ .‬فقلّم ــا اعتب ــر الن ــاس‬ ‫ـواق‬ ‫للح ــدود األس ـ َ‬ ‫ّ‬ ‫أي‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫إعالنه‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫يت‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ول‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫حرب‬ ‫ـرب اللّغ ــات»‬ ‫ّ‬ ‫«ح ـ َ‬ ‫أي زم ــان‪.‬‬ ‫م ــكان وال ّ‬


‫وبقـــدر مـــا يمكننـــا أن نـــدرس أو أن نعـــارض‬ ‫والسياسية‬ ‫والدبلوماسية‬ ‫الحربية‬ ‫ـتراتيجيات‬ ‫االسـ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـتراتيجيات‬ ‫ـ‬ ‫االس‬ ‫فإن‬ ‫العظمى‪،‬‬ ‫ـوى‬ ‫ـ‬ ‫للق‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫واالقتصادي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّغويـــة تبـــدو محتشـــمة غيـــر معلـــن عنهـــا‪ ،‬بـــل‬ ‫الل ّ‬ ‫الني ــة أو غي ــر موج ــودة‪ .‬ولئ ــن أع ــادت‬ ‫وس ــليمة ّ‬ ‫التاريخي ــة ف ــي الق ــرن الماض ــي للعدي ــد‬ ‫التج ــارب‬ ‫ّ‬ ‫ـوي‪ ،‬فهــل‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫التواض‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫أكب‬ ‫ا‬ ‫ـدر‬ ‫ـ‬ ‫ق‬ ‫ـوى‬ ‫مــن القـ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫اســتطاعت أن تعلّمهــا‪ ،‬رغــم ذلــك‪ ،‬التص ـّدي آلخــر‬ ‫ّغوي ــة؟‬ ‫موج ــات الهيمن ــة الل ّ‬ ‫العربيــة بفتــرة طويلــة‬ ‫ـدول‬ ‫بعــد تأســيس جامعــة الـ‬ ‫ّ‬ ‫تضم ‪ 22‬بلــدًا (‪ 250‬مليون‬ ‫ـت‬ ‫ســنة ‪ 1945‬وقــد أصبحـ‬ ‫ّ‬ ‫نس ــمة)‪ ،‬قام ــت ال ــدول الت ــي تش ــترك ف ــي اس ــتعمال‬ ‫اللّغ ــة الفرنس ـّـية بمب ــادرة جدي ــدة تمثّل ــت ف ــي رس ــم‬ ‫منظمة تجمع‬ ‫سياســة مشــتركة‬ ‫أسســوا ّ‬ ‫ّ‬ ‫حقيقية ‪ :‬فقد ّ‬ ‫ـي‪ ،‬هي‬ ‫ـ‬ ‫والسياس‬ ‫واالقتصادي‬ ‫ـوي‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ّ‬ ‫بيــن التعــاون الل ّ‬ ‫ّ‬ ‫للفرنكوفونيــة‪ ،‬التي تجمع‪( ،‬على‬ ‫العالميــة‬ ‫المنظمــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِغ ــرار الكومنوال ــث) أكث ــر م ــن خمس ــين دول ــة (‪500‬‬ ‫مليـــون نســـمة)‪ .‬ومنـــذ ســـنة ‪ 1991‬صرنـــا نشـــهد‬ ‫النيرلندية التــي تجمع أكثر‬ ‫انعقــاد نــدوات المؤسســة‬ ‫ّ‬ ‫م ــن ثم ــان مجموع ــات بش ــرية (حوال ــي ‪ 40‬ملي ــون‬ ‫األميركيــة التــي‬ ‫ـبانية ‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫نســمة)‪ ،‬ولقــاءات القمــة اإلسـ ّ‬ ‫كل ســنتين وتجمــع عشــرين بلــدًا (‪350‬‬ ‫تنعقــد مـّـرة ّ‬ ‫القم ــة‬ ‫ـاءات‬ ‫ـ‬ ‫لق‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫تجم‬ ‫‪،1992‬‬ ‫ـذ‬ ‫ـ‬ ‫ومن‬ ‫ـمة)‪.‬‬ ‫ملي ــون نس ـ‬ ‫ّ‬ ‫كل‬ ‫«التركوفوني ــة» للبل ــدان الناطق ــة‬ ‫بالتركي ــة م ـّـرة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـت دول مســتقلّة (‪ 120‬مليون نســمة) من‬ ‫ســنتين‪ ،‬سـ ّ‬ ‫اإلثنيــة‪ .‬ومنذ‬ ‫أوروبــا إلــى آســيا الوســطى واألقلّيات ّ‬ ‫البرتغالية ســبعة بلدان‬ ‫جمعيــة اللّغــة‬ ‫‪ ،1996‬تجمــع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(‪ 200‬مليــون نســمة)‪.‬‬

‫اإلبادة ال ّلغو ّية‪..‬‬ ‫هــل يكفــي صراع اللّغات الواســعة االنتشــار صراع ًا‬ ‫متفـــرق الصفـــوف للصمـــود فـــي وجـــه التجانـــس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نشـــك فـــي ذلـــك‪ ،‬بالخصـــوص‬ ‫الثّقافـــي؟ لنـــا أن‬ ‫الجغرافـــي‬ ‫كل لســـان يملـــك ميـــدان عملـــه‬ ‫لكـــون ّ‬ ‫ّ‬ ‫متنوع ــة م ــن الكفاي ــات‪ .‬ف ــإذا‬ ‫الخ ـ ّ‬ ‫ـاص بمس ــتويات ّ‬ ‫جمعن ــا مج ــال االس ــتعمال للغ ــات العش ــر الواس ــعة‬ ‫نظريــ ًا عل ــى مجم ــوع يف ــوق‬ ‫تحصلن ــا‬ ‫االنتش ــار‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ـرية‪ -‬وه ــو‬ ‫ـ‬ ‫البش‬ ‫ـف‬ ‫ـ‬ ‫نص‬ ‫أي‬ ‫ـمة‪-‬‬ ‫ـ‬ ‫نس‬ ‫ثالث ــة ملي ــارات‬ ‫ّ‬ ‫الملياري ــن م ــن المتكلّمي ــن‪ ،‬ف ــي‬ ‫ع ــدد يف ــوق كثي ــرًا‬ ‫ْ‬ ‫ـل وتعظ ــم‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫رس‬ ‫ـة‬ ‫أنكلوفوني ـ‬ ‫نط ــاق‬ ‫ـمية بدرج ــة تق ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫توصلنــا‪،‬‬ ‫ـإذا‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـدة)‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫المتح‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫والوالي‬ ‫ـث‬ ‫ـ‬ ‫(الكومنوال‬ ‫ّ‬ ‫ـور‬ ‫بالنس ــبة إل ــى ه ــذه اللّغ ــات العظيم ــة إل ــى تص ـ ُّ‬ ‫دفاعي ــة مس ــبقة‪ ،‬أمك ــن أن يك ــون له ــا وزن‬ ‫خط ــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدولي ــة‪.‬‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫المؤسس‬ ‫ـام‬ ‫ـ‬ ‫أم‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫كبي‬ ‫ّ‬ ‫ومس ــألة مس ــتقبل اللّغ ــات ال يط ــرح فق ــط ف ــي ه ــذا‬ ‫المســتوى األعلــى للغــات الواســعة االنتشــار‪ .‬فتحت‬ ‫األوســـط‬ ‫تحتـــل المســـتوى‬ ‫رايـــة هـــذا المســـتوى‬ ‫ّ‬ ‫َ‬

‫ـمية المئــة المعتــرف بهــا مــن ِقَبل الدول‬ ‫اللّغــات الرسـ ّ‬ ‫الوطنيــة الصغــرى مثــل اللّغــات التــي‬ ‫أو الكيانــات‬ ‫ّ‬ ‫ـص عليهــا الدســتور فــي الهنــد أو لغــات القوميات‬ ‫ينـ ّ‬ ‫ـق‬ ‫الروســية‪ .‬فتلــك اللّغــات قــد اكتســبت مكانــة يحـ ّ‬ ‫لهــا أن تدافــع عنهــا‪ .‬وفــي المســتوى األدنــى تعيــش‬ ‫أصليــة أو لغــات‬ ‫آالف اللّغــات التــي تسـّـمى لغــات‬ ‫ّ‬ ‫واإلثني ــات‪ ،‬إل ــخ‪ .‬وجلّه ــا‬ ‫األقلي ــات والمجموع ــات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـص حوالــي ثالثمئــة‬ ‫ـ‬ ‫تخ‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫وه‬ ‫ـراض‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫باالنق‬ ‫دة‬ ‫ُمهـ َّـد‬ ‫ّ‬ ‫ملي ــون متكّل ــم‪.‬‬ ‫يبشـــر بـــه‬ ‫فهـــل مـــوت اللّغـــات الصغـــرى الـــذي ّ‬ ‫ألن أفض ــل‬ ‫ّ‬ ‫ـوره؟ نع ــم‪ّ ،‬‬ ‫المبش ــرون أم ــر يمك ــن تص ـ ُّ‬ ‫الســـبل لقتـــل لغـــة مـــا هـــو تعليـــم لغـــة أخـــرى‪.‬‬ ‫واس ــتئثار المئ ــة لغ ــة الوطني ــة بالتعلي ــم يجع ــل‬ ‫اليومـــي‬ ‫تـــدرس منحصـــرة فـــي‬ ‫اللّغـــات التـــي ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫والفولكلـــوري‪ ،‬وطردهـــا‪ ،‬عندمـــا يحيـــن الوقـــت‬ ‫ّ‬ ‫القيم ــة‪ ،‬أم ــرًا‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّقافي‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫ـاءات‬ ‫ـ‬ ‫الفض‬ ‫ـن‬ ‫المناس ــب‪ ،‬م ـ‬ ‫ّ‬ ‫الجماعيـــة»‪ ،‬أي‬ ‫مـــرد لـــه‪ .‬و«اإلبـــادة اللّغويـــة‬ ‫ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫مح ــو اللّغ ــات‪ ،‬وس ــيلة م ــن الوس ــائل األساس ــية‬ ‫العرقيــة‪ ،‬أي ذلــك النــوع مــن االجتثــاث‬ ‫فــي اإلبــادة‬ ‫ّ‬ ‫الثّقاف ــي للش ــعوب الت ــي اتبعته ــا جمي ــع عملي ــات‬ ‫ـل اله ــدف المعل ــن‬ ‫االس ــتعمار ف ــي الماض ــي‪ ،‬وتظ ـ ّ‬ ‫بنس ــب متفاوت ــة لل ــدول الت ــي ال تعت ــرف بأقلّياته ــا‬ ‫ّيــة‪ .‬ومــع اإلقصــاء المتواصــل للغــات‬ ‫اإلثنيــة المحلّ‬ ‫ّ‬ ‫التعليمي ــة‪ ،‬ل ــم تنت ــج ه ــذه‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫األنظم‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّي‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫المح ّ‬ ‫ّ‬ ‫«اإلبــادة اللّغويــة الجماعية» إل تســارع ًا في نســقها‪.‬‬ ‫ّغويـــة فـــي عالـــم القـــرن الحـــادي‬ ‫لإلشـــكالية الل ّ‬ ‫ّ‬ ‫والعشــرين إذن مســتويان‪ :‬مــن جهـٍـة‪ ،‬كيــف يتسـنّى‬ ‫الوطني ــة أن‬ ‫للغ ــات الواس ــعة االنتش ــار أو اللّغ ــات‬ ‫ّ‬ ‫اإلنجليزي ــة؟ وم ــن جه ـ ٍـة‬ ‫تصم ــد ف ــي وج ــه اكتس ــاح‬ ‫ّ‬ ‫هـــددة‬ ‫الم‬ ‫الصغـــرى‬ ‫ّغـــات‬ ‫تتمكـــن الل‬ ‫أخـــرى كيـــف ّ‬ ‫ُ َّ‬ ‫باالنق ــراض م ــن النج ــاة؟ وكي ــف تنع ــم ه ــي أيضــ ًا‬ ‫ـور؟‬ ‫بالتط ـ ُّ‬

‫هل كانت‬ ‫هيمنة اللّغة‬ ‫اإلنجليزيّة‬ ‫على العالم‬ ‫أمر ًا مقصود ًا‬ ‫ومدعوم ًا من‬ ‫ِقبَل القوى‬ ‫األنكلو‪-‬‬ ‫سكسونيّة‪،‬‬ ‫بالتوازي مع‬ ‫ّ‬ ‫تمشياتها‬ ‫على الرقعة‬ ‫السياسيّة؟‬

‫تميــز‬ ‫* عالــم فــي اللســانيات‬ ‫الجغرافيــة‪ ،‬وأســتاذ ُم ِّ‬ ‫ّ‬ ‫فــي جامعــة باريــس ‪ .VIII‬نشــر بالخصــوص كتــاب‬ ‫«جغرافيــا اللّغــات»‪:‬‬ ‫)‪Géographie des langues (PUF 1995‬‬ ‫وكتاب من اللّغة إلى اللّغات‪:‬‬ ‫‪Du Langage aux langues (Découvertes,‬‬ ‫)‪Gallimard, 1997‬‬ ‫_____________________________________‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫«نســخة عــن رســالة اليونســكو» عدد إبريــل ‪،2000‬‬ ‫ص‪.24 ،23 :‬‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد الشاوش‬ ‫‪77‬‬


‫قلّما تفلح الدولة في فرض لغة على مجموع سكان ال يرغبون فيها‪ ،‬أو يمقتونها‪ .‬واللّغات‬ ‫تتطور‪ ،‬وتولد وتموت بحسب حاجات الذين يتكلَّمونها‪.‬‬ ‫َّ‬

‫األمر بيد المتكلِّمين‬ ‫لويس ‪ -‬جان كالفي‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد الشاوش‬

‫صفاء اللّغة‬ ‫أسطورة تقود إلى‬ ‫الجمود‪ .‬فالتينيّة‬ ‫شيشرون ‪Cicéron‬‬ ‫يمكن أن تُع ّد لغة‬ ‫صافية‪ ،‬لكن لم‬ ‫يَع ْد أحد يتكلَّمها‬

‫‪78‬‬

‫وعل ــى ِغ ــرار اإليكولوجي ــا الت ــي تقــّدم مختل ــف‬ ‫مســتويات الحيــاة فــي سلســلة مــن عمليــات الدمــج‬ ‫ـي‬ ‫تب ــدأ م ــن‬ ‫ّ‬ ‫الخليـــة وتنته ــي عن ــد المحي ــط البيئ ـ ّ‬ ‫‪ ،écosphère‬يمك ــن أن نقــّدم لغ ــات العال ــم ف ــي‬ ‫ـوم‬ ‫ص ــورة «نظ ــام َدّوار»‪ .‬ومرك ــز ه ــذا النظ ــام الي ـ َ‬ ‫المركزيــة‬ ‫اإلنجليزيــة‪ ،‬باعتبارهــا اللّغــة‬ ‫هــو اللّغــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العظم ــى الت ــي ت ــدور حوله ــا قراب ــة عش ــر لغ ــات‬ ‫مركزيــة كبــرى‪ .‬وترتبــط بالعشــر الكبــرى حوالــي‬ ‫ّ‬ ‫مركزيـــة بواســـطة متكلّميـــن‬ ‫مئـــة أو مئتـــي لغـــة‬ ‫ّ‬ ‫مزدوج ــي اللّغ ــة‪ ،‬وتعــّد بدوره ــا مح ــورًا ل ــدوران‬ ‫«حزاميـــة» أو خمســـة‬ ‫مـــا بيـــن أربعـــة آالف لغـــة‬ ‫ّ‬ ‫آالف‪ ،‬ت ــدور ح ــول المرك ــز‪.‬‬ ‫وليـــس لهـــذه اللّغـــات إذن نفـــس الـــوزن‪ ،‬وال‬ ‫ـوة وال نفــس المســتقبل‪ .‬وهــذا المســتقبل‬ ‫نفــس القـّ‬ ‫لي ــس باألم ــر الثاب ــت الواض ــح بالنس ــبة إل ــى ع ــدد‬ ‫كبي ــر منه ــا‪ .‬وت ــرى الن ــاس يتجّن ــدون أكث ــر فأكث ــر‬ ‫وتعــّد اللّغ ــات‪ ،‬ش ــأنها‬ ‫لحمايته ــا والدف ــاع عنه ــا‪ُ .‬‬ ‫ش ــأن رضي ــع الفقم ــة أو الح ــوت‪ ،‬كائن ــات مه ـّددة‬

‫ـص اللّغــات‬ ‫ـن هــذه‬ ‫باالنقــراض‪ ،‬لكـّ‬ ‫التخوفــات ال تخـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫تخـــص كذلـــك اللّغـــات‬ ‫«الحزاميـــة» فقـــط‪ ،‬بـــل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المركزي ــة العظم ــى أو‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫كذل‬ ‫ـار‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫االنتش‬ ‫ـعة‬ ‫الواس ـ‬ ‫ّ‬ ‫ـسية‪ .‬من‬ ‫المركزيــة الكبــرى مثــل‬ ‫اإلنجليزيــة والفرنــ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مـنظمـات مثل ‪ U S English‬و ‪U S First‬‬ ‫أن ّ‬ ‫ذلك ّ‬ ‫و ‪ ،Save Our Schools‬فــي الواليــات المتحــدة‪،‬‬ ‫باإلنجليزية لغة‬ ‫تكافــح مــن أجــل أن يتـّـم االعتــراف‬ ‫ّ‬ ‫االزدواجيــة‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫بذل‬ ‫وحيــدة فــي البــاد‪ ،‬معارضيــن‬ ‫ّ‬ ‫تتنبــأ بهــا حــركات الهجــرة المهمــة للناطقيــن‬ ‫التــي ّ‬ ‫ـبانية‪ .‬وفــي فرنســا‪ ،‬حــاول قانــون ‪4‬‬ ‫باللّغــة اإلسـ ّ‬ ‫سمى قانون ‪ )Toubon‬أن‬ ‫(الم‬ ‫‪1994‬‬ ‫أغسطس‪/‬آب‬ ‫ُ ّ‬ ‫ُيقّنــن اســتعمال اللّغــة الفرنسـّـية بمكافحــة الدخيــل‪.‬‬

‫تبصر‬ ‫خوف عن غير ُّ‬ ‫من الكلمات الدخيلة‬ ‫صفـــاء اللّغـــة أســـطورة تقـــود إلـــى الجمـــود‪.‬‬


‫فالتينيــة شيشــرون ‪ Cicéron‬يمكــن أن ُتع ـّد لغــة‬ ‫ّ‬ ‫صافيـــة‪ ،‬لكـــن لـــم َيعـــْد أحـــد يتكلَّمهـــا‪ ،‬وصـــار‬ ‫النــاس اليــوم يســتعملون (تحــت تســميات مختلفة‪،‬‬ ‫والفرنســـية‬ ‫والرومانيـــة‬ ‫واإلســـبانية‬ ‫كاإليطاليـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جـــرا) التينيـــات مختلفـــة‬ ‫وهلـــم‬ ‫ـــة‪،‬‬ ‫والكتاالني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـورت عب ــر التاري ــخ‪.‬‬ ‫تط ـ َّ‬ ‫وهـــذه األســـطورة وهـــذه الرغبـــة فـــي حمايـــة‬ ‫اللّغــة تنـّـم عــن هلــع الناس مــن التغييــر واالقتراض‬ ‫أن الثبـــوت قـــادر علـــى أن‬ ‫والتطـــور‪ ،‬كمـــا لـــو ّ‬ ‫ُّ‬ ‫الهويــة‪ .‬ومــن َثـّـم‪ ،‬إلــى أيــن يمكــن أن تصــل‬ ‫يضمــن ّ‬ ‫ّغوي ــة لحماي ــة اللّغ ــات؟ وه ــل يمك ــن‬ ‫السياس ــات الل ّ‬ ‫أن نبق ــي عل ــى قي ــد الحي ــاة‪ ،‬بض ــرب م ــن التعّن ــت‬ ‫االصطناعيــة‪ ،‬صيغ ًا‬ ‫ـي تحــت عنــاد الرعاية‬ ‫ّ‬ ‫العالجـ ّ‬ ‫لغوي ــة هجره ــا أصحابه ــا؟‬ ‫ّ‬ ‫ّغويـــة مثّلـــت بالطبـــع‬ ‫بعـــض السياســـات الل ّ‬ ‫نجاحــات‪ .‬فقــد اســتطاع كمــال أتــا تورك‪ ،‬بواســطة‬ ‫القـــوة‪ ،‬إصـــاح قواعـــد الرســـم وحـــذف الدخيـــل‬ ‫ّ‬ ‫ومكن ــت‬ ‫ـي م ــن اللّغ ــة‬ ‫ـ‬ ‫والفارس‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫العرب‬ ‫التركي ــة‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫موحـــدة‪ ،‬هـــي لغـــة‬ ‫إندونيســـيا نفســـها مـــن لغـــة ّ‬ ‫ـل يس ــرًا ف ــي بل ــدان‬ ‫ـن األم ــور كان ــت أق ـ ّ‬ ‫البهاس ــا‪ .‬لك ـ ّ‬ ‫القطـــر الجزائـــري‬ ‫فـــي‬ ‫التعريـــب‬ ‫فحركـــة‬ ‫أخـــرى‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫جم ــة‪ ،‬ومح ــاوالت‬ ‫ال ت ــزال تعترضه ــا صعوب ــات ّ‬ ‫ـمية مــن غينيــا‬ ‫ـ‬ ‫رس‬ ‫ســيكوتوري أن يجعــل بصــورة‬ ‫ّ‬ ‫بل ــدًا متع ـ ِّـدد اللّغ ــات ب ــاءت بالفش ــل الذري ــع‪.‬‬

‫«حرب ال ّلغات» استعارة مالئمة‬ ‫ّغويــة ال تنجــح إ ّال إذا‬ ‫والواقــع ّ‬ ‫أن السياســات الل ّ‬ ‫ـطرت معالمــه الممارســات‬ ‫اتبعــت االتجــاه الــذي سـ ّ‬ ‫تتمكــن إ ّال فــي القليــل النادر من أن‬ ‫االجتماعيــة‪ ،‬وال ّ‬ ‫ّ‬ ‫لغويـ ًا‬ ‫تفــرض علــى المجموعــة لســان ًا أو إ��الحـ ًا ّ‬ ‫ال ترغــب فيــه‪ .‬بإمكاننــا إذن أن نتســاءل‪ :‬هــل يمكــن‬ ‫أن نداف ــع ع ــن لغ ــة ال يرغ ــب فيه ــا المتكلِّم ــون به ــا‬ ‫أو أن ننقذهــا مــن الــزوال؛ ألّنــه‪ ،‬فــي هــذه الحــال‪،‬‬ ‫ـل االتهــام‪ ،‬بــل القيمــة التــي‬ ‫ليســت اللّغــة هــي محـ َّ‬ ‫ّغويــة ال‬ ‫يوليهــا لهــا المتكلِّمــون بهــا‪ .‬والسياســة الل ّ‬

‫اللّغة ال تنقرض‬ ‫لمجرّد كون‬ ‫لغة أخرى‬ ‫تهيمن عليها‪،‬‬ ‫ألن‬ ‫بل تنقرض ّ‬ ‫المواطنين‬ ‫يقبَلون أو‬ ‫يختارون التفريط‬ ‫فيها وعدم‬ ‫نقلها ألبنائهم‬

‫‪79‬‬


‫التاريخ علّمنا أنّه‬ ‫كلّما اتسع انتشار‬ ‫لغة من اللّغات‬ ‫في بالد مترامية‬ ‫األطراف‪ ،‬زاد‬ ‫ميلها إلى التن ُّوع‪.‬‬ ‫وما حصل للغة‬ ‫الالتينيّة يمكن‬ ‫أن يحصل للغة‬ ‫اإلنجليزيّة‬

‫‪80‬‬

‫يمكــن أن تتجاهــل أمرهــم‪.‬‬ ‫وبالفع ــل‪ ،‬ف ــإن اللّغ ــة ال تنق ــرض لمج ـّـرد ك ــون‬ ‫ألن‬ ‫لغـــة أخـــرى تهيمـــن عليهـــا‪ ،‬بـــل تنقـــرض ّ‬ ‫المواطنيـــن يقبلـــون أو يختـــارون التفريـــط فيهـــا‬ ‫وعــدم نقلهــا ألبنائهــم‪ .‬و«حــرب اللّغــات» اســتعارة‬ ‫ـن اللّغ ــات ذاته ــا ال يمك ــن أن‬ ‫مالئم ــة مريح ــة‪ ،‬لك ـ ّ‬ ‫تتحـــارب‪ ،‬بـــل البشـــر هـــم الذيـــن يتحاربـــون‪،‬‬ ‫ويتعارضـــون ويتوافقـــون‪ .‬وبإمكاننـــا أن نتابـــع‬ ‫الخالفيـــة مـــن خـــال العالقـــات بيـــن‬ ‫عالقاتهـــم‬ ‫ّ‬ ‫لغاتهـــم‪.‬‬ ‫وانقـــراض لغـــة مـــا بالنســـبة إلـــى الـــدارس‬ ‫ـن اللّغ ــات ليس ــت‬ ‫ـاني أم ــر مؤس ــف دائم ـاً‪ .‬لك ـ ّ‬ ‫اللس ـ ّ‬ ‫وتتغيــر‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ّمونه‬ ‫ل‬ ‫يتك‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫الذي‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫مل‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫فه‬ ‫ـة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫ّي‬ ‫ن‬ ‫ّ‬ ‫قطعـ ًا َف ّ‬ ‫وتتكيـــف حســـب متطلّباتهـــم؛‬ ‫يومـــ ًا بعـــد يـــوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويج ــب أن تك ــون ف ــي خدم ــة الن ــاس ال العك ــس؛‬ ‫ـور علــى ال ـّدوام فــي شــكلها وفــي‬ ‫ّ‬ ‫ألن اللّغــات تتطـّ‬ ‫ـإن لغ ــات أخ ــرى‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫بعضه‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ولئ‬ ‫ـا‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫عالقاته‬ ‫ّ‬ ‫تولــد‪ ،‬وغالبـ ًا مــا يكــون ذلــك علــى مــرأى ومســمع‬ ‫مّن ــا‪.‬‬ ‫ومنـــذ ســـقوط حائـــط برليـــن‪ ،‬وانشـــطار‬ ‫يوغوس ــافيا‪ ،‬ظه ــرت بل ــدان جدي ــدة‪ ،‬وبظهوره ــا‬ ‫البوســـنية‬ ‫تترســـخ ‪ :‬مثـــل‬ ‫ّ‬ ‫بـــدأت لغـــات جديـــدة ّ‬ ‫والصربي ــة والكرواتي ــة‪ ،‬الت ــي كان ــت تعتب ــر من ــذ‬ ‫ّ‬ ‫وقـــت ليـــس بالبعيـــد لغـــة واحـــدة هـــي اللّغـــة‬ ‫الهويــات‬ ‫الصربيــة‪ -‬الكرواتيــة‪ .‬وإلبــراز خصائــص ّ‬ ‫ّ‬ ‫بشـ ٍ‬ ‫ـكل أوضــح صــرت تــرى المتكلّميــن بهــا يعمدون‬ ‫إلــى ترســيخ الفــروق بيــن تلــك اللّغــات وتعميقهــا‪،‬‬ ‫وقــد كانــت ال تتجــاوز بضــع عشــرات مــن الكلمــات‪.‬‬ ‫وعل ــى الص ــورة نفس ــها‪ ،‬س ــيفضي تقس ــيم ب ــاد‬ ‫بلدين‪ ،‬تشــيكيا وســلوفاكيا‪،‬‬ ‫تشيكوســلوفاكيا إلى ْ‬ ‫ـانين‬ ‫ـيكية والسـ‬ ‫ـلوفاكية لسـ ْ‬ ‫ّ‬ ‫إلــى أن يجعــل مــن التشـ ّ‬ ‫كل منهم ــا نأيــ ًا ع ــن اآلخ ــر‪.‬‬ ‫ي ــزداد ّ‬ ‫تجســـم‬ ‫ـــة‪،‬‬ ‫الفرنكوفوني‬ ‫إفريقيـــا‬ ‫بلـــدان‬ ‫وفـــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـمية ظهــور صيــغ‬ ‫اتخــاذ اللّغــة الفرنسـّـية لغــة رسـ ّ‬ ‫ّيــة ‪ :‬فتراهــم ال يتكلّمــون نفــس الفرنسـّـية فــي‬ ‫محلّ‬ ‫الســـنغال والغابـــون والنيجـــر وســـاحل العـــاج‪.‬‬ ‫وه ــذه الف ــروق الطفيف ــة ف ــي الوق ــت الراه ــن تنب ــئ‬ ‫ربمــا بانشــطار فــي وقــت الحــق يجعــل مــن اللّغــة‬ ‫األم» لجيــل جديــد مــن اللهجــات‪،‬‬ ‫الفرنســية «اللّغــة ّ‬ ‫عل ــى ِغ ــرار انش ــطار اللّغ ــة الالتيني ــة «اللّغ ــة األم»‬ ‫الرومانيـــة‪ .‬وكـــذا الشـــأن بالنســـبة‬ ‫إلـــى اللّغـــات‬ ‫ّ‬ ‫والعربي ــة‪ ،‬واإلس ــبانية‪ .‬فالن ــاس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫اإلنجليزي‬ ‫إل ــى‬ ‫ّ‬ ‫ال يتكلّمـــون اللّغـــة نفســـها فـــي مدريـــد وبوينـــس‬ ‫أي ــرس‪ ،‬وال ف ــي لن ــدن وبومب ــاي‪ ،‬وال ف ــي الرب ــاط‬ ‫ٍ‬ ‫انعكاســـات‬ ‫ألن لوظيفـــة اللّغـــات‬ ‫والريـــاض؛ ّ‬ ‫اإلفريقيـــة‪،‬‬ ‫البلـــدان‬ ‫أســـواق‬ ‫وفـــي‬ ‫علـــى شـــكلها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فـــي العواصـــم‪ ،‬بـــدأت لغـــات التواصـــل التـــي‬ ‫يس ــتعملونها ف ــي بيعه ــم وش ــرائهم تختل ــف ش ــيئ ًا‬

‫فـ«ول ــوف» مدين ــة‬ ‫فش ــيئ ًا ع ــن مختل ــف لهجاته ــم‪ُ :‬‬ ‫دكار «‪ »wolof‬لـــم تعـــد مثـــل ولـــوف الفالّحيـــن‪،‬‬ ‫ولغـــة البمبـــرا فـــي مدينـــة باماكـــو ‪ bambara‬ال‬ ‫تش ــبه لغ ــة البمب ــرا ف ــي ب ــاد س ــيقو الت ــي تبع ــد‬ ‫‪ 230‬كل ــم ع ــن العاصم ــة‪.‬‬ ‫وف ــي القرني ــن الس ــابع عش ــر والثام ــن عش ــر‪،‬‬ ‫وف ــي ظ ــروف مختلف ــة‪ ،‬ظه ــرت لغ ــات هجين ــة‪،‬‬ ‫تواصليــة اعترضت‬ ‫لغويـ ًا لمشــكلة‬ ‫باعتبارهــا حـًّ‬ ‫ّ‬ ‫ـا ّ‬ ‫عبيــدًا ذوي لغــات مختلفــة ُنقلــوا إلــى جــزر المحيــط‬ ‫ـدي أو جــزر بحــر الكاريبــي‪ .‬وانطالق ًا من بعض‬ ‫الهنـ ّ‬ ‫ـبانية‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫واإلس‬ ‫ة‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الفرنس‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫مث‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫األوروب‬ ‫ـات‬ ‫اللّغ ـ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫ٍ‬ ‫لغـــات هـــي اليـــوم مختلفـــة عنهـــا مثـــل‬ ‫اخترعـــوا‬ ‫والقوياني ــة‪،‬‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫والهايتي‬ ‫ة‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الموريس‬ ‫ـزر‬ ‫ـ‬ ‫الج‬ ‫لغ ــات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وهــي لغــات غيــر مفهومــة رغــم انحدارهــا عــن أصل‬ ‫يتكلــم‬ ‫واحــد هــو اللّغــة الفرنسـّـية‪ .‬ومــن يــدري؟ قــد َّ‬ ‫أطف ــال المهاجري ــن غ ــداً‪ ،‬إل ــى جان ــب لغ ــة الب ــاد‬ ‫خاص ــة بألماني ــا أو‬ ‫تركي ــة ّ‬ ‫الت ــي يهاج ــرون إليه ــا ّ‬ ‫خاصــة بفرنســا مختلفــة عــن لغــة بالدهــم‬ ‫عربيــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫األصلي ــة‪.‬‬ ‫ّ‬

‫ال ّلغة اإلنجليز ّية‬ ‫تنوع سريع‬ ‫يف طريقها إىل ُّ‬

‫اإلنجليزيـــة مـــن اإلفـــات‬ ‫تتمكـــن اللّغـــة‬ ‫قـــد ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫مـــن قبضـــة هـــذه الســـيرورة‪ .‬فهيمنتهـــا اليـــوم‬ ‫ويتمي ــز بالديموم ــة عل ــى‬ ‫واق ــع ال يقب ــل النق ــاش‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ـن التاري ــخ علّمن ــا أّن ــه كلّم ــا‬ ‫الم ــدى‬ ‫المتوس ــط‪ .‬لك ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫اتســع انتشــار لغــة مــن اللّغــات فــي بــاد متراميــة‬ ‫ـوع‪ .‬ومــا حصــل للغــة‬ ‫األطــراف‪ ،‬زاد ميلهــا إلــى التنـ ُّ‬ ‫اإلنجليزيـــة‪.‬‬ ‫للغـــة‬ ‫الالتينيـــة يمكـــن أن يحصـــل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫العالم‬ ‫ـوي‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ـهد‬ ‫ـ‬ ‫المش‬ ‫ـإن‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الناحي‬ ‫ـذه‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ومــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـيتغير بالطبــع فــي القــرون المقبلــة‪ .‬والعديــد مــن‬ ‫سـ ّ‬ ‫اللّغ ــات الت ــي يتكلَّمه ــا بع ــض األف ــراد ه ــي بص ــدد‬ ‫أن لغــات جديــدة تولــد أو ســتولد‪.‬‬ ‫االنقــراض‪ .‬كمــا ّ‬ ‫أن اللّغ ــات ووظائفه ــا ف ــي «النظ ــام‬ ‫وه ــذا يعن ــي ّ‬ ‫المركزيــة العظمــى أو‬ ‫وأن اللّغــات‬ ‫ـدوار» ســتتبّدل ّ‬ ‫ّ‬ ‫الـ ّ‬ ‫تتغيــر‪ ،‬وأن‬ ‫أن‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫يمك‬ ‫ـطى‬ ‫ـ‬ ‫الوس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫المركزي‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫اللّغ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مركزية‪ ،‬والعكس‬ ‫اللّغــات الحزامــة يمكن أن تصبح‬ ‫ّ‬ ‫ألن تاريــخ اللّغــات ليــس أســعد حظـ ًا من‬ ‫بالعكــس‪ّ .‬‬ ‫يتوق ــف ف ــي الحاض ــر‪ ،‬ب ــل‬ ‫التاري ــخ‪ ،‬فه ــو مثل ــه ال‬ ‫َّ‬ ‫ـور علــى الــدوام بفعــل المتكلِّميــن‪.‬‬ ‫يتواصــل‪ ،‬ويتحـ َّ‬ ‫_____________________________________‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫«نســخة عــن رســالة اليونســكو» عــدد إبريــل ‪2000‬‬ ‫‪ ،‬ص‪.36 - 35 :‬‬


‫هذا الحوار من كتاب ‪ ،Kilito en questions Entretiens‬وهو عبارة عن حوارات أجرتها‬ ‫األستاذة أمينة عاشور مع عبد الفتاح كيليطو‪ ،‬ظهر السنة الماضية بمنشورات الكروازي‬ ‫دي شومان بالرباط‪ ،‬وستظهر ترجمته العربية عما قريب بدار «توبقال» بالدار البيضاء‪.‬‬

‫الغريبة‬

‫(حوار مع عبد الفتاح كيليطو)‬ ‫حاورته‪ :‬أمينة عاشور‬ ‫ترجمة‪ :‬عبد السالم بنعبد العايل‬ ‫ليست االزدواجية‬ ‫اللّغوية ظاهرة‬ ‫جديدة‪ .‬في زمن‬ ‫هارون الرشيد‬ ‫اب‬ ‫كان الكتّ ُ‬ ‫مزدوجو اللسان‬ ‫ال يحصون‬

‫عبد الفتاح كيليطو‬

‫تطرقون المسألة اللّغوية سواء عبر المؤلفين‬ ‫القدماء أو المعاصرين‪.‬‬

‫ ليســت االزدواجيــة اللّغويــة ظاهــرة جديــدة‪.‬‬‫ـاب مزدوج ــو‬ ‫ف ــي زم ــن ه ــارون الرش ــيد كان الكّت ـ ُ‬ ‫تعرض ــت له ــذه المس ــألة ف ــي‬ ‫اللس ــان ال يحص ــون‪َّ .‬‬ ‫تتكل ــم لغت ــي» مح ــاور ًا الجاح ــظ واب ــن رش ــد‬ ‫«ل ــن َّ‬ ‫واب ــن بطوط ــة‪ ،‬وأيضــ ًا عب ــر ُك َّت ــاب م ــن الق ــرن‬

‫التاســع عشــر‪ ،‬كالمغربــي محمــد الصفــار‪ ،‬صاحب‬ ‫رحل ــة إل ــى فرنس ــا ف ــي إط ــار س ــفارة‪ ،‬واللبنان ــي‬ ‫أحمـــد فـــارس الشـــدياق‪ ،‬صاحـــب ســـيرة ذاتيـــة‬ ‫مبني ــة للمجه ــول‪« ،‬الس ــاق عل ــى الس ــاق»‪ .‬جعل ــت‬ ‫تفكيـــري فـــي هـــذا الموضـــوع يمتـــد فـــي «أتكلَّـــم‬ ‫جميـــع اللّغـــات»‪ ،‬لكـــن بالعربيـــة‪ ،‬حيـــث أطـــرق‬ ‫قضايــا أدبيــة فــي العالــم العربــي‪ ،‬وخصوصـ ًا في‬ ‫‪81‬‬


‫الكّتــاب المعاصري ــن‪،‬‬ ‫المغ ــرب‪ .‬عن ــد ح ــواري م ــع ُ‬ ‫أوليـــت اهتمامـــي لظاهـــرة الترجمـــة‪ ،‬وهجـــرة‬ ‫األش ــكال والخطاب ــات‪.‬‬

‫هل توجد أسطورة برج بابل في المتون‬ ‫العربية القديمة؟‬

‫هناك سعي نحو‬ ‫تبسيط اللّغة‬ ‫المكتوبة‪ ،‬وقد‬ ‫عمل رجال األدب‬ ‫والصحافة على أن‬ ‫يكيفوها‪ ،‬بحيث‬ ‫تخاطب أكبر عدد‬ ‫ممكن‬

‫تشـــتت الفصحـــى فـــي‬ ‫لـــدي انطبـــاع بـــأن‬ ‫ُّ‬ ‫ ّ‬‫لهجـــات محلّيـــة متمايـــزة ُينظـــر إليـــه كنقـــل‬ ‫للتشـــتت البابلـــي للغـــات‪ .‬فعربيـــة «البدايـــة»‬ ‫ُّ‬ ‫ـكل منه ــا‬ ‫انتث ــرت‬ ‫وتحول ــت دارج ــات مختلف ــة‪ ،‬ل ـ ّ‬ ‫َّ‬ ‫تكونــت مجموعــات انتظمــت حول‬ ‫ـاص‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫الخ‬ ‫كيانــه‬ ‫َّ‬ ‫شــكل مــن أشــكال الفصحــى‪ ،‬فعـّـم ســوء تفاهــم‪،‬‬ ‫وإ�� كان نســبياً‪ُ .‬ن ِظــر إلــى هــذا األمــر قديمـ ًا علــى‬ ‫أنـــه غيـــر مقبـــول ســـواء فـــي أعيـــن النحـــاة أم‬ ‫رج ــال األدب‪ّ ،‬إل أن ــه ل ــم يك ــن ف ــي وس ــعهم أن‬ ‫ـل قائمــ ًا‬ ‫يعاكس ــوا حرك ــة التاري ــخ‪ .‬المش ــكل يظ ـ ّ‬ ‫اليــوم‪ ،‬وتكفــي اإلحالــة إلــى الجــدال القائــم حــول‬ ‫الدارجـــة والفصحـــى‪.‬‬

‫ما رأيكم في هذه المسألة إذن؟‬

‫يتوق ــف األم ــر عل ــى تكوي ــن م ــن ينخ ــرط ف ــي‬ ‫‬‫َّ‬ ‫هـــذا الجـــدال‪ .‬فـــإذا كان قـــد درس فـــي المـــدارس‬ ‫المغربيـــة‪ ،‬أعتقـــد أنـــه لـــن يرغـــب‪ -‬قـــط‪ -‬فـــي‬ ‫التخل ــي ع ــن الفصح ــى الت ــي تعلَّمه ــا ف ــي الفص ــل‬ ‫ِّ‬ ‫مهم ــا كان ثم ــن ذل ــك‪ .‬أم ــا إذا درس ف ــي الم ــدارس‬ ‫الفرنســـية‪ ،‬فإنـــه ال يتوافـــر حينئـــذ ّإل علـــى‬ ‫الدارج ــة‪ ،‬وبطبيع ــة الح ــال فإن ــه س ــيعمل عل ــى‬ ‫الدف ــاع عنه ــا ومأسس ــتها‪ .‬فبم ــا أن ــه ل ــم يطل ــع‪-‬‬ ‫قــط‪ -‬علــى أي كتــاب أو صحيفــة باللّغــة الفصحى‪،‬‬ ‫ـب بهــذه اللّغــة‪ ،‬وفــي كثيــر‬ ‫فإنــه يجهــل ّ‬ ‫كل مــا ُكِتـ َ‬ ‫فيؤكــد‬ ‫ـود حتــى أن يعــرف ذلــك‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫ِّ‬ ‫مــن الحــاالت ال ّ‬ ‫لمــن يكــون علــى اســتعداد لإلصغــاء إليــه أنــه لــن‬ ‫وامح ــت اآلداب العربي ــة‬ ‫ي ــذرف الدم ــع إذا حص ــل ّ‬ ‫م ــن الوج ــود‪.‬‬

‫يتعذر التوفيق بينهما؟‬ ‫موقفان‬ ‫َّ‬

‫ ي ــروي الش ــاعر إيم ــي س ــيزير‪ ،‬مش ــير ًا إل ــى‬‫الوضعي ــة اللّغوي ــة ف ــي المارتيني ــك‪ ،‬أن ــه عندم ــا‬ ‫ـق الشــعب‬ ‫تقــرر تدريــس لهجــة ِ‬ ‫الكرُيــول‪« ،‬لــم يتلـ َ‬ ‫ـكل‬ ‫ذل ــك بفرح ــة عارم ــة»‪ .‬وق ــد خاطبت ــه ام ــرأة ب ـ ّ‬ ‫وض ــوح بقوله ــا إنه ــا إن كان ــت ترس ــل ابنه ــا إل ــى‬ ‫المدرســة‪« ،‬فليــس لكــي يعلمــوه الكريــول‪ ،‬وإنمــا‬ ‫اللّغ ــة الفرنس ــية‪ .‬أم ــا الكري ــول‪ ،‬فإنن ــي أن ــا الت ــي‬ ‫أتكف ــل به ــا‪ ،‬وف ــي البي ــت»‪ .‬عج ــب الش ــاعر لذل ــك‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫«لقـــد صدمتنـــي حصافتهـــا‪ .‬كان كالمهـــا ينطـــوي‬ ‫عل ــى ق ــدر م ــن الحقيق ــة»‪.‬‬ ‫‪82‬‬

‫تذهبون إلى القول في كتابكم لن تتكلَّم لغتي‪،‬‬ ‫تتبدل عبر التاريخ‪.‬‬ ‫إن العربية لم َّ‬

‫ لــم تعــرف اللّغــة المكتوبــة تبـ ُّـدالً‪ ،‬لكــن لنقــل‬‫إن هنــاك اليــوم مجهــود ًا للتخفيــف مــن تراكيبهــا‪.‬‬ ‫هنـــاك ألفـــاظ انقرضـــت‪ ،‬وأخـــرى ظهـــرت إلـــى‬ ‫الوجـــود‪ .‬أصبحنـــا نتجنَّـــب العبـــارات العتيقـــة‪،‬‬ ‫كمـــا أن بنـــاء الجمـــل عـــرف تأثيـــر اللّغتيـــن‬ ‫اإلنجليزي ــة والفرنس ــية‪ .‬وبم ــا أن ق ــدر اللّغ ــة ه ــو‬ ‫ـول‪ ،‬فم ــن نافل ــة الق ــول إنن ــا ل ــم‬ ‫ـور وتتح ـ َّ‬ ‫أن تتط ـ َّ‬ ‫نعــد نكتــب اليــوم مثلمــا كان األمــر أيــام األموييــن‬ ‫والعباس ــيين‪ .‬هن ــاك س ــعي نح ــو تبس ــيط اللّغ ــة‬ ‫المكتوبــة‪ ،‬وقــد عمــل رجــال األدب والصحافــة على‬ ‫أن يكيفوه ــا‪ ،‬بحي ــث تخاط ــب أكب ــر ع ــدد ممك ــن‪.‬‬ ‫والكّتــاب دورًا كبيــرًا فــي إبــداع‬ ‫لعــب الصحافيــون ُ‬ ‫لغـــة تكـــون فـــي متنـــاول جمهـــور عريـــض‪ ،‬وال‬ ‫تقتصـــر علـــى نخبـــة بعينهـــا‪ .‬ومـــع ذلـــك فـــإن‬ ‫تظـــل هـــي لغـــة الصـــاة‬ ‫الفصحـــى الكالســـيكية‬ ‫ّ‬ ‫والفق ــه وعل ــم ال ــكالم‪.‬‬

‫في مستهل كتابكم «أتكلَّم جميع اللّغات»‪،‬‬ ‫تقتبسون عن شيوران قوله‪« :‬استبدال اللّغة‪،‬‬ ‫بالنسبة للكاتب‪ ،‬هو بمثابة كتابة رسالة‬ ‫غرام باستعمال قاموس»‪ .‬تعرضون في هذا‬ ‫للك َّتاب المغاربيين الذين يكتبون‬ ‫الكتاب أساس ًا ُ‬ ‫بالفرنسية‪.‬‬

‫ ُيثيـــر شـــيوران هنـــا مســـألة التلقائيـــة‪،‬‬‫وســـهولة التعبيـــر‪ ،‬التـــي تعوزنـــا عندمـــا نكتـــب‬ ‫باللّغــة األجنبيــة‪ .‬ومــع ذلــك‪ ،‬أليســت الكتابــة هــي‬ ‫اســـتبدال اللّغـــة؟ أليســـت الكتابـــة‪ ،‬أو أال ينبغـــي‬ ‫أن تت ــم‪ ،‬مثلم ــا أش ــار إل ــى ذل ــك بـ ــروست‪ ،‬كم ــا‬ ‫ل ــو أنه ــا بلغ ــة أجنبي ــة؟ ألس ــنا غرب ــاء بع ـ ُـد حت ــى‬ ‫عندمــا نكتــب بلغتنــا؟ مــع الكتابــة نعتمــد شــفرات‬ ‫ونّتبــع قواعــد أدبيــة ونتخــذ مواقــف ونتبنــى نغمة‬ ‫وننه ــج أس ــلوباً‪ ،‬فه ــل أك ــون أن ــا نفس ــي عندم ــا‬ ‫أكت ــب بالعربي ــة أو بالفرنس ــية؟‬

‫ما حال «رسالة غرام» إن ُكِتَب ْت بلغتنا؟‬

‫ أال نكتبهـــا هـــي أيضـــ ًا باســـتعمال قامـــوس؟‬‫كل قــول عــن العشــق‪ ،‬بشــكل مــن األشــكال‬ ‫أليــس ّ‬ ‫اقتباس ـاً؟ مــا عســى ســيكون العشــق‪ ،‬ومــا عســى‬ ‫س ــيكون الطم ــوح م ــن غي ــر رغب ــة ف ــي المح ــاكاة؟‬ ‫مـــن باســـتطاعته أن ينجـــو مـــن «نـــار الحســـد»‪،‬‬ ‫مســـتعيرين هنـــا عنـــوان كتـــاب لرونـــي جيـــرار؟‬ ‫أليـــس مـــن أجـــل هـــذا الســـبب ينفـــر عشـــاق مـــن‬ ‫ألفـــاظ العشـــق‪ ،‬مـــا دامـــوا ال يعثـــرون فيهـــا ّإل‬


‫عل ــى تره ــات وعب ــارات مك ــرورة؟ ال ش ــيء أكث ــر‬ ‫إثـــارة للســـخط مـــن تكـــرار عبـــارة ‪I love you‬‬ ‫فـــي األفـــام األميركيـــة‪ .‬صحيـــح أن الشـــعراء‬ ‫والروائييــن يكشــفون عــن جوانــب ال تخطــر ببالنــا‬ ‫عنــد تجربــة العشــق‪ّ .‬إل أن العاشــق الحقيقــي فــي‬ ‫نهايــة األمــر هــو اللّغة وليس ذاك الذي يســتعملها‪.‬‬ ‫تتكل ــم فين ــا‪ ،‬كم ــا ق ــال هايدغ ــر‪.‬‬ ‫اللّغ ــة ه ــي الت ــي َّ‬ ‫ونحــن نحــب ‪ -‬ويضيــف البعــض‪ :‬نمــارس الحــب‪-‬‬ ‫باس ــتعمال قام ــوس‪.‬‬

‫بحديثكم عن العشق والقاموس‪ ،‬يظهر‬ ‫أنكم تلتقون مع ما قاله الخطيبي‪ .‬في فصل‬ ‫تخصصونه لكتابه العشق بلسانين‪ ،‬توردون‬ ‫ّ‬ ‫قولة السارد‪ ،‬الذي يعتقد أنه مرتبط أشّد‬ ‫االرتباط بشريكته الفرنسية بتواصله معها‬ ‫يوحدنا هو حركة‬ ‫بلغتها‪« :‬ما كان يبدو أنه ّ‬ ‫ترجمة استثنائية»‪.‬‬

‫ الشــيء الــذي أثارنــي فــي هــذا الكتــاب هــو‬‫ّغـــة‬ ‫ســـؤال الســـارد نفســـه‪« :‬هـــل‬ ‫أخطـــأت الل َ‬ ‫ُ‬ ‫خاطبتهـــا؟» فقلـــت فـــي نفســـي حينئـــذ‪:‬‬ ‫عندمـــا‬ ‫ُ‬ ‫مـــاذا لـــو كانـــت الكتابـــة بالضـــرورة هـــي أن‬ ‫ـــل اللّغـــة!‬ ‫َن َض ّ‬

‫يؤكد شيوران في أحد حواراته‪« :‬الكتابة‬ ‫ِّ‬ ‫تحر ُرك من ماضيك»‪.‬‬ ‫إنها‬ ‫ر‪،‬‬ ‫تحر‬ ‫أجنبية‬ ‫بلغة‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫أتوافقونه رأيه؟‬

‫بالك َّت ــاب‬ ‫ـل فيم ــا‬ ‫َّ‬ ‫ ال أعتق ــد‪ ،‬عل ــى ا َألق ـ ّ‬‫يتعل ــق ُ‬ ‫المغاربييــن‪ .‬المفارقــة هــي أن مــن يكتبــون باللّغــة‬ ‫الفرنس ــية‪ ،‬يكون ــون تح ــت تأثي ــر اللّغ ــة العربي ــة‬ ‫أكثــر مــن أولئــك الذيــن يســتعملون العربيــة‪ ،‬هــذا‬ ‫علــى وجــه التقريــب مــا ينبــه إليــه إدمــون عمــران‬ ‫المالــح عندمــا يكتــب‪« :‬وأنــا أكتب باللّغة الفرنســية‬ ‫كنــت أعــرف أننــي ال أكتــب بهــا‪ .‬هنــاك لغــة أخــرى‬ ‫مضم ــرة‪ ،‬إنه ــا لغت ــي األم‪ ،‬العربي ــة‪ ،‬تل ــك الن ــار‬ ‫الدفينـــة»‪ .‬أال يليـــق هـــذا بموضـــوع إنشـــاء فـــي‬ ‫الفصــل الدراســي؟‬

‫بهذه المناسبة فإن كتاب حصان نيتشه‬ ‫يستهل بقولة مونتيني‪«:‬مهما كانت اللّغة التي‬ ‫تتكلمها كتبي‪ ،‬فإنني أكلمها بلغتي»‪ .‬تذكرني‬ ‫هذه القولة بعنوانكم‪« :‬أتكلَّم جميع اللّغات»‪،‬‬ ‫لكن بالعربية‪.‬‬ ‫ يظهـــر أن مونتينـــي يريـــد أن يقـــول إنـــه‬‫مهمــا كانــت لغــة الكتــب التــي يقرؤهــا‪ -‬إغريقيــة‪،‬‬ ‫التينيـــة أو إيطاليـــة‪ -‬فـــا يمكنـــه أن يتلقاهـــا ّإل‬ ‫بلغت ــه‪ ،‬أي أن ــه يكلمه ــا باللّغ ــة الفرنس ــية‪ .‬وه ــذا‬

‫تقريبــ ًا م ــا يوح ــي ب ــه العن ــوان ال ــذي تذكرين ــه‪،‬‬ ‫«أتكلــم جميــع اللّغــات‪،‬‬ ‫وهــو مأخــوذ عــن كافــكا‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫لك ــن بالييدي ــش»‪.‬‬

‫بهذا االنعراج غير المتوقَّع‪ ،‬يلتقي كافكا‬ ‫مع مونتيني‪ ،‬وبكتاب «أتكلَّم جميع اللّغات»‪،‬‬ ‫يلتحق بهما كيليطو‪ .‬هذا ما يشير إليه ثاني‬ ‫استهالل في حصان نيتشه مأخوذ عن قولة‬ ‫إللياس كانيتي‪« :‬لغات أخرى؟ فقط تهرب ًا من‬ ‫لغتنا‪ ،‬عن طريق عدم اإلتقان»‪ .‬هل بإمكان‬ ‫يتهرب من لغته؟‬ ‫المرء أن َّ‬

‫ إنهــا تشـّدنا إلــى ســلطتها‪ّ ،‬إل أننا نســعى إلى‬‫اله ــروب منه ــا ف ــي بع ــض األحي ــان‪ .‬تفت ــح اللّغ ــة‬ ‫األجنبيــة آفاقـ ًا جديــدة‪ ،‬يحصــل أن نســتعملها كــي‬ ‫نتمكـــن مـــن الحديـــث عـــن ذواتنـــا‪ ،‬عـــن جوانـــب‬ ‫خفي ــة فيه ــا‪ .‬االبتع ــاد ع ــن ال ــذات اقترابــ ًا منه ــا‪،‬‬ ‫واســـتعادة المألـــوف عـــن طريـــق الغريـــب‪...‬‬ ‫يضيــف إليــاس كانيتــي إلــى القولــة التــي ُسـْـقِتها‪،‬‬ ‫عب ــارة أخ ــرى أكث ــر لغ ــزاً‪« :‬نح ــن أيضــ ًا بحاج ــة‬ ‫إل ــى لغ ــات ك ــي نعم ــل عل ــى تش ــويهها»‪ .‬الرغب ــة‬ ‫ف ــي تش ــويه اللّغ ــات األجنبي ــة‪...‬‬

‫أال يمكننا تشويه لغتنا أيضاً؟‬

‫ ال‪ ،‬مــن حيــث إننــا نتكلَّمهــا دون نبــرة خاصة‪.‬‬‫النبــرة هــي التــي تخلــق الفرق‪.‬‬

‫هل تستشعرون حق ًا غرابة مزعجة عندما‬ ‫الكالم بلغتكم أتم اإلتقان؟‬ ‫يتقن غير العربي‬ ‫َ‬

‫ بتعبي ــر آخ ــر فإنن ــي ال أطي ــق ذل ــك وال أكاد‬‫ـار العم ــل ب ــه‪ ،‬واألدب‬ ‫أصدق ــه‪ .‬أظ ــن أن ــه أم ــر ج ـ ٍ‬ ‫يرس ــم ذل ــك بغ ــزارة‪ .‬أحيل ـ ِ‬ ‫ـك‪ ،‬مث ــا ًال عل ــى ذل ــك‪،‬‬ ‫إل ــى «ذه ــول وخفق ــان» ألميل ــي نوتوم ــب‪.‬‬

‫صحيح أن‬ ‫الشعراء‬ ‫والروائيين‬ ‫يكشفون‬ ‫عن جوانب ال‬ ‫تخطر ببالنا عند‬ ‫تجربة العشق‪.‬‬ ‫إلّا أن العاشق‬ ‫الحقيقي في‬ ‫نهاية األمر هو‬ ‫اللّغة وليس‬ ‫ذاك الذي‬ ‫يستعملها‬

‫ماذا يحدث عندما ال يتقن األجنبي لغتكم؟‬

‫ كنـــت أحـــادث يومـــ ًا مـــا ألمانيـــا بلغتـــه‪،‬‬‫أتقبــل ذلــك‪،‬‬ ‫وفجــأة أخــذ يكلمنــي بالفرنســية‪ .‬لــم َّ‬ ‫وبصراحــة اغتظــت لألمــر‪ .‬لقــد أراد أن ينبهنــي‪ :‬لن‬ ‫يتوجــه فرنســي‬ ‫تتكلــم لغتــي‪ .‬الحظــي أنــه عندمــا‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫إل ــى مغرب ــي ُمخاطبـ�� ًا إي ــاه بالعربي ــة‪ ،‬ف ــإن ه ــذا‬ ‫ال ب ــد وأن ُيجي ــب بالفرنس ــية‪.‬‬

‫ولو أن األلماني أجابكم بالعربية؟‬

‫ كان هــذا سيسـلّيني‪ .‬كنــت ســأنظر إلــى ذلــك‬‫الســخرية‪ ،‬وأنــه عالمــة علــى‬ ‫علــى أنــه مــن قبيــل ّ‬ ‫تواطــؤ‪.‬‬ ‫‪83‬‬


‫ُيعــّد «مــوت اللّغة» من المفاهيم التي اكتســبت من القوة ما جعلها في مرتبة المســلَّمات‪،‬‬ ‫العرف العلمي والمنتشرة‬ ‫أن بعض ًا من المفاهيم‬ ‫عن ّ‬ ‫غفل في الغالب ْ‬ ‫وألنّنا َن ُ‬ ‫ّ‬ ‫المستقرة في ُ‬ ‫ناتجة في األصل عن مواقف فكرية وثقافية‪ ،‬وليســت ناتجة عن المجال‬ ‫في االســتعمال‬ ‫ٌ‬ ‫األكثــر التصاق ًا بالمفهوم ذاته‪ ،‬فإنّنا نتعامل معها وكأنها من الحقائق غير القابلة للمناقشــة‪.‬‬

‫هل تموت اللّغات؟‬ ‫د‪.‬مجدي بن صوف‬

‫ما يدفعنا أكثر‬ ‫إلى محاولة‬ ‫فهم قضية‬ ‫«موت اللّغات»‬ ‫متعق ً‬ ‫ِّ‬ ‫ال‪،‬‬ ‫فهم ًا‬ ‫اتّسام المقاربات‬ ‫التي عالجته‬ ‫ي الفاجعة‬ ‫مت َ ْ‬ ‫بس َ‬ ‫ِ‬ ‫والتسليم‬

‫‪84‬‬

‫له ــذا الس ــبب يقتض ــي مفه ــوم م ــوت اللّغ ــات(‪ )1‬أن‬ ‫ـاني للنظ ــر ف ــي درج ــة‬ ‫يوض ــع ف ــي المختب ــر اللّس ـ ّ‬ ‫التس ــليم ب ــه أو االطمئن ــان إلي ــه‪ ،‬إذ رغ ــم التص ــاق‬ ‫ه ــذا المفه ــوم باللّغ ــة وقضاياه ــا وتوجيه ــه لبع ــض‬ ‫تصوراتهـــا فإنّـــه لـــم يولـــد مـــن صلـــب المباحـــث‬ ‫ُّ‬ ‫اللّســانية‪ ،‬بــل ُوِلـَـد مــن رحم المعــارف المّتصلة بعلم‬ ‫اللّس ــانيات مث ــل عل ــم االجتم ــاع واألنثروبولوجي ــا‪.‬‬ ‫ومـــا يدفعنـــا أكثـــر إلـــى محاولـــة فهـــم قضيـــة‬ ‫ـا‪ ،‬اّتس ــام المقارب ــات‬ ‫«م ــوت اللّغ ــات» فهمــ ًا‬ ‫متعق ـ ً‬ ‫ِّ‬ ‫التــي عالجتــه ِ‬ ‫بسـ َـمَت ْي الفاجعــة والتســليم‪ ،‬فأغلــب‬ ‫المتناوليـــن لهـــذه الظاهـــرة يتعاملـــون معهـــا مـــن‬ ‫منطلـــق الفاجعـــة‪ ،‬وكيـــف ال يكـــون األمـــر كذلـــك‬ ‫ونح ــن نتح ـ َّـدث ع ــن «الم ــوت»‪ ،‬ه ــذه الكلم ــة الت ــي‬ ‫هم ــه األكب ــر ف ــي‬ ‫ِّ‬ ‫تعب ــر ع ــن النهاي ــات‪ ،‬م ــع كائ ــن ّ‬ ‫الوجــود‪ ،‬البحــث عــن مقومــات الخلــود‪ .‬ولمــا كانــت‬ ‫اللّغــة مــن الوســائط التــي خلــدت هــذا اإلنســان فــي‬ ‫التاريــخ كان الحديــث عــن موتهــا نذيــرًا بفنائــه قبــل‬ ‫فنائهــا وهــو مــا اقتضــى منــه بصــورة واعيــة أو ال‬ ‫واعي ــة اس ــتنفارًا م ــن أج ــل البق ــاء‪.‬‬

‫ويتدعـــم الشـــعور بالخـــوف والتســـليم بحـــدث‬ ‫ّ‬ ‫الم ــوت‪ ،‬باعتب ــاره حقيق ــة تاريخي ــة م ــع رس ــوخ‬ ‫التعري ــف األكث ــر ش ــيوع ًا لمفه ــوم «م ــوت اللّغ ــات»‬ ‫الـــذي يربـــط ربطـــ ًا تالزميـــ ًا بيـــن مـــوت اللّســـان‬ ‫المتكلــم قبــل األخيــر الــذي فقـَـد القــدرة علــى‬ ‫ومــوت‬ ‫ِّ‬ ‫التواص ــل م ــع غي ــره‪ ،‬وق ــد تّتس ــع بع ــض الح ــدود‬ ‫األكث ــر تف ــاؤ ًال ف ــي ه ــذه العَتم ــة لتنَتظ ــر م ــوت ه ــذا‬ ‫المتكلــم األخيــر(‪ )2‬حتــى تعلــن وفــاة اللّســان وقيــام‬ ‫ِّ‬ ‫قيامتــه وضــرورة تأديــة واجــب العــزاء فيــه‪ .‬علــى‬ ‫فهــم‪.‬‬ ‫وي َ‬ ‫ـوم «مــوت اللّغــات» ُ‬ ‫هــذه الصــورة ُيقـ َّـدم مفهـ ُ‬ ‫فـــإن المقاربـــة‬ ‫ر‬ ‫صـــو‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ورغـــم شـــيوع هـــذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّســـانية لهـــذا المفهـــوم تبـــدو ضامـــرة أمـــام‬ ‫الل‬ ‫ّ‬ ‫المقاربـــات التـــي تضـــع اإلنســـان طرفـــ ًا أساســـي ًا‬ ‫م ــن أط ــراف المعادل ــة‪ ،‬ذل ــك أن أغل ــب المقارب ــات‬ ‫لمفه ــوم «م ــوت اللّغ ــات» تعتم ــد األبع ــاد التالي ــة‪:‬‬ ‫ البع ــد الوظيف ــي ال ــذي يرب ــط بي ــن اللّغ ــة وم ــا‬‫عـــل‬ ‫تؤديـــه مـــن وظائـــف فـــي خدمـــة اإلنســـان وَل ّ‬ ‫التواص ــل الحقيق ــي ف ــي مقام ــات مخصوص ــة ُيع ـ ُّـد‬ ‫أبرزه ــا‪.‬‬


‫يقـــرن المـــوت‬ ‫ البعـــد الزمانـــي اآلنـــي الـــذي‬‫ُ‬ ‫بنقطـــة فـــي الزمـــن محـــدودة‪ ،‬دون البحـــث عـــن‬ ‫امتــدادات الحيــاة فــي التاريــخ وتشـّـكالته المختلفة‪.‬‬ ‫ البعــد األنثروبولوجــي الــذي يربــط بيــن اللّغــة‬‫ـورات لإلنس ــان‬ ‫وم ــا تختزن ــه ف ــي ثناياه ــا م ــن تص ـ ُّ‬ ‫باعتبــاره كائنـ ًا طبيعيـ ًا واجتماعيـ ًا وثقافيـاً‪.‬‬ ‫فاللّغ ــة م ــن ه ــذا المنظ ــور مرتهن ــة ف ــي حياته ــا‬ ‫بحيــاة اإلنســان نفســه‪ ،‬وهــو منظــور ينهــل مــن ال‬ ‫ـور الك ــون‬ ‫وع ــي اإلنس ــان ال ــذي يعتب ــر نفس ــه مح ـ َ‬ ‫ومرك ـ َـزه‪ ،‬إنه ــا نرجس ــيته الت ــي يح ــاول إخفاءه ــا‬ ‫مّدعيـ ًا العلميــة والقطيعــة مــع الفكــر القديــم‪ ،‬ولكنها‬ ‫تتســـرب فـــي مفاهيمـــه وبعضـــ ًا مـــن‬ ‫تأبـــى ّإل أن‬ ‫ّ‬ ‫مواقفــه التــي تجعــل اإلنســان مقياسـ ًا لحيــاة الكــون‬ ‫كل م ـّـرة‪ ،‬فقياســ ًا بتعري ــف «م ــوت‬ ‫فتفضح ــه ف ــي ّ‬ ‫اللّغ ــات» ال ــذي يقت ــرن تالزمي ـ ًا م ــع م ــوت اإلنس ــان‬ ‫نتس ــاءل‪ :‬وه ــل يعن ــي م ــوت آخ ــر م ــن يس ــتطيع‬ ‫العــوم أو الغطــس موتـ ًا للبحــار وانقراضهــا؟ وهــل‬ ‫يعنــي مــوت آخــر رائــد فضاء مــوت الكواكب األخرى‬ ‫أن م ــوت آخ ــر إنس ــان‬ ‫المج ــاورة ل ــأرض؟ ب ــل ه ــل ّ‬ ‫علــى األرض يعنــي فنــاء مجموعــة مــن األنظمة التي‬ ‫يعي ــش فيه ــا وبه ــا‪ ،‬كالنظ ــام الشمس ــي والنظ ــام‬ ‫البيئ ــي والنظ ــام الحيوان ــي والنظام ــي الطبيع ــي‬ ‫عام ــة؟‬ ‫ّ‬ ‫قــد تكــون اإلجابــة األكثــر انتظــارًا هــي «نعــم» إذا‬ ‫اعتبرنــا وجــود الكــون وأنظمتــه المختلفــة مرتهنــة‬ ‫بوج ــود اإلنس ــان ومقترن ــة ب ــه‪ ،‬ولك ــن إن نظرن ــا‬ ‫إلي ــه م ــن الزاوي ــة الت ــي ال يك ــون اإلنس ــان طرفــ ًا‬ ‫فيهــا أمكــن لنــا أن نــرى األشــياء علــى وجــه ُمغايــر‪.‬‬ ‫ـاني‬ ‫عل ــى ه ــذا األس ــاس ن ــرى م ــن منظ ــور لس ـ ّ‬ ‫أن مســـألة مـــوت اللّغـــات يمكـــن أن ُيعـــاد فيهـــا‬ ‫ّ‬ ‫األولي ــة‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫المفاهي‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـودة‬ ‫ـ‬ ‫الع‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫انطالق‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫النظ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫البس ــيطة للغ ــة موض ــوع الحدي ــث‪ ،‬فاللّغ ــة نظ ــام‬ ‫ـتقل معّق ــد‪ ،‬قائ ــم بذات ــه يض ـّـم مجموع ــة‬ ‫دقي ــق مس ـ ّ‬ ‫مــن األنظمــة الّدنيــا التي تشــتغل بصورة مسترســلة‬ ‫لتؤمــن حيــاة النظــام مــن جهــة‪ ،‬وتســمح‬ ‫ومتفاعلــة ّ‬ ‫م ــن جه ــة أخ ــرى لمس ــتعملي اللّغ ــة م ــن اس ــتثمار‬ ‫اإلمكان ــات القص ــوى الكامن ــة فيه ــا إلنت ــاج المعن ــى‬ ‫تصورات ــه‪.‬‬ ‫والتعبي ــر ع ــن‬ ‫ُّ‬ ‫وبمـــا أننـــا فـــي ســـياق النظـــر فـــي مفهـــوم‬ ‫«الم ــوت» ف ــا ش ـ ّ‬ ‫ـي ه ــو‬ ‫ـك ّ‬ ‫أن الس ــؤال األول واألول ـ ّ‬ ‫ـل البداي ــات تســّهل‬ ‫البح ــث ع ــن كيفي ــة النش ــوء َع ـ ّ‬ ‫ككل‬ ‫ـ‬ ‫ح‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫كائ‬ ‫ـات‬ ‫علين ــا معرف ــة النهاي ــات‪ ،‬فاللّغ ـ‬ ‫ـي ّ‬ ‫ّ‬ ‫الح َّي ــة‪ ،‬وه ــو م ــا أل ــح علي ــه اللّس ــانيون‬ ‫الكائن ــات َ‬ ‫ولذل ــك فه ــي ال تظه ــر بص ــورة مفاجئ ــة وال تنش ــأ‬ ‫مـــن فـــراغ‪ ،‬بـــل تقـــوم علـــى سلســـلة كاملـــة مـــن‬ ‫ـور ال ــذي يصف ــه المخت ــص ف ــي‬ ‫ـور‪ ،‬ه ــذا التط ـ ُّ‬ ‫التط ـ ُّ‬ ‫تاريــخ األلســنة «ن‪ ،‬كولنــج» بأنــه «قصــة طويلــة‬ ‫ـعبة‪ ،‬ولكنهــا مازالــت فــي انتظــار مــن‬ ‫مثيــرة ومتشـّ‬

‫يرويه ــا كامل ــة»(‪.)3‬‬ ‫ـور اللّغــة علــى عمليــة أساســية‬ ‫تقــوم رحلــة تطـ ُّ‬ ‫ـكل ش ــكل م ــن‬ ‫ه ــي مفه ــوم النس ــخ واالنقس ــام‪ ،‬ف ـ ّ‬ ‫أش ــكال اللّغ ــة ينقس ــم إل ــى نس ــخ مختلف ــة‪ ،‬وه ــذه‬ ‫متغيـــرة ال ينتبـــه إليهـــا‬ ‫تضـــم عناصـــر‬ ‫النســـخ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫مســـتخدمو هـــذه األلســـنة وإن كانـــوا ينحـــدرون‬ ‫مـــن األصـــل نفســـه‪ ،‬وفـــي مســـيرة هـــذه الرحلـــة‬ ‫تـــؤدي‬ ‫تدخـــل اللّغـــات فـــي جملـــة مـــن العالقـــات ّ‬ ‫به ــا إل ــى االنض ــواء ف ــي مجموع ــات يطل ــق عليه ــا‬ ‫كل‬ ‫مفهـــوم «العائـــات» شـــأنها فـــي ذلـــك شـــأن ّ‬ ‫الح َّيــة‪ ،‬وتتحـ َّـدد مرتبــة اللّغــات باعتمــاد‬ ‫الكائنــات َ‬ ‫ـل منه ــا‪ ،‬لذل ــك نج ــد‬ ‫عالقاته ــا باللّغ ــات الت ــي تنس ـ ّ‬ ‫األمه ــات»‪ ،‬و«اللّغ ــات البن ــات» و«اللّغ ــات‬ ‫«اللّغ ــات ّ‬ ‫ـكل لغ ــة منه ــا درج ــة مخصوص ــة‬ ‫الحفي ــدات»‪ ،‬ول ـ ّ‬ ‫م ــن األهمي ــة‪ .‬ف ــا يمك ــن لس ــاني ًا أن نتح ـ َّـدث ع ــن‬ ‫نش ــوء لغ ــة بص ــورة مس ــتقلّة‪ ،‬ب ــل ال بــّد للّغ ــات‬ ‫ـل‬ ‫مــن أصــل تعــود إليــه وفــرع ُتنتجــه أو علــى ا َألقـّ‬ ‫ـا أو كثي ــراً‪.‬‬ ‫ُتؤث ــر في ــه قلي ـ ً‬ ‫إن العالقــة الحاصلــة بيــن اللّغــات عالقــة مثبتـ ٌـة‬ ‫قدمـــت لنـــا اللّســـانيات التاريخيـــة‬ ‫اختباريـــ ًا وقـــد َّ‬ ‫واللّس ــانيات المقارن ــة(‪ )5( - )4‬م ــن األدل ــة م ــا يكف ــي‬ ‫إلثبــات عالقــة تناســل األلســنة بعضهــا مــن بعــض‪.‬‬ ‫إن التش ــخيص ال ــذي ُيقص ـ ُـر نظ ــره عل ــى اللّغ ــة‬ ‫ّ‬ ‫الميت ــة أو المه ـ َّـددة بالم ــوت دون مراع ــاة لوضعه ــا‬ ‫ِّ‬ ‫التاريخــي وعالقتهــا بغيرهــا مــن األلســنة المجــاورة‬ ‫آن‪ ،‬والســـمة الغالبـــة علـــى هـــذا‬ ‫هـــو تشـــخيص ٍ‬ ‫التش ــخيص أن ــه يعتم ــد عل ــى حال ــة ش ــيء م ــا ف ــي‬ ‫فتـــرة محـــدودة فـــي الزمـــان أكثـــر مـــن اعتمـــاده‬ ‫علــى الخصائــص التاريخيــة لتلــك الظاهــرة‪ .‬وهــذا‬ ‫الفح ــص اآلن ــي لحال ــة م ــن ح ــاالت اللّغ ــات ال ــذي‬ ‫ـأن هــذه‬ ‫ينتهــي بإعــان الوفــاة هــو ّادعــاء ضمنــي بـ ّ‬ ‫ـث‬ ‫ـب له ــا م ــن جه ــة األص ــول وال وري ـ َ‬ ‫اللّغ ــات ال نس ـ َ‬ ‫له ــا م ــن جه ــة الف ــروع‪.‬‬ ‫وهــو مــا يعنــي أن المقاربــة اآلنيــة التــي تقصــر‬ ‫نظره ــا عل ــى لحظ ــة م ــا ف ــي الزم ــن ه ــي مقارب ــة‬ ‫األساســـية فـــي األلســـنة أنّهـــا‬ ‫فالســـمة‬ ‫ّ‬ ‫ناقصـــة‪ّ ،‬‬ ‫الفرضيـــة تقتضـــي أن يكـــون‬ ‫تاريخيـــة‪ ،‬وهـــذه‬ ‫ّ‬ ‫الكثيــر مــن الظواهــر اللّســانية الّتي نســتعملها اليوم‬ ‫ونتعامــل بهــا هــي فــي األصــل مــن ألســنة قديمــة‪،‬‬ ‫ولكـــن المتكلّـــم ال يعـــرف أصولهـــا‪ ،‬ولكـــن يكفـــي‬ ‫أن ُيوِلـ ـ َـيها بع ــض اللّس ــانيين ش ــيئ ًا م ــن االهتم ــام‬ ‫ـور‪ ،‬فلــم يعــد‬ ‫حتــى تصبــح القضيــة أعقــد ممــا نتصـ َّ‬ ‫ميتــة‪ ،‬ولكــن بلغــة تحمــل بــذور‬ ‫األمــر متعلِّقـ ًا بلغــة ِّ‬ ‫حياته ــا ف ــي لغ ــات أخ ــرى وتنتظ ــر االنبع ــاث م ــن‬ ‫جدي ــد‪.‬‬ ‫مكون ــة لنظ ــام لغ ــوي‬ ‫ـردة‬ ‫ـ‬ ‫مج‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫أبين‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫فال‬ ‫ّ‬ ‫داخليــاً‪ ،‬وه ــذا‬ ‫ك‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫متح‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫أن‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫خصائص‬ ‫ـرز‬ ‫ـ‬ ‫أب‬ ‫م ــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يمكن ــه م ــن اس ــتيعاب األلس ــنة‬ ‫الّتح ـ ُّـرك ه ــو ال ــذي ِّ‬

‫تدخل اللّغات‬ ‫في جملة‬ ‫من العالقات‬ ‫تؤ ّدي بها إلى‬ ‫االنضواء في‬ ‫مجموعات يطلق‬ ‫عليها مفهوم‬ ‫«العائالت»‬ ‫شأنها في‬ ‫ذلك شأن ّ‬ ‫كل‬ ‫حيَّة‬ ‫الكائنات ال َ‬

‫‪85‬‬


‫ويمكنــه فــي الوقــت نفســه‬ ‫األخــرى جزئي ـ ًا أو كلي ـ ًا‬ ‫ِّ‬ ‫م ــن الس ــيطرة عليه ــا جزئيــ ًا أو كليــاً‪.‬‬ ‫وهـــذه الحركـــة هـــي التـــي تزيدنـــا اقتناعـــ ًا أن‬ ‫ككل الظواه ــر الطبيعي ــة واالجتماعي ــة‬ ‫اللّغ ــة ه ــي ّ‬ ‫المتنوعــة‬ ‫واإلنســانية‪ ،‬كائــن تاريخــي لــه امتداداتــه‬ ‫ِّ‬ ‫أن القــول بمــوت لســان‬ ‫والمختلفــة‪ .‬وهــو مــا يعنــي ّ‬ ‫مــا موتـ ًا حقيقيـاً‪ -‬ال موت ًا اجتماعيـ ًا تداولياً‪ -‬ال يكون‬ ‫نظريـــ ًا ّإل بانقـــراض اللّغـــات األصليـــة والفرعيـــة‬ ‫ّ‬ ‫بدرجاته ــا المختلف ــة بص ــورة كلي ــة‪ ،‬أي أن ينمح ــي‬ ‫َ‬ ‫أي أثــر مطلقـاً‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫كل أثــر لســاني للغــة فــا يبقــى منهــا ّ‬ ‫ور ُث‬ ‫ت‬ ‫فهي‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫أصحابه‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫أو‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫مات‬ ‫وإن‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ألن‬ ‫ّ‬ ‫ُ ِّ‬ ‫تورثه ــا رس ــم‬ ‫ش ــيئ ًا منه ــا للغ ــات المج ــاورة‪ ،‬فق ــد ّ‬ ‫حروفهــا أو أصواتهــا أو معجمهــا أو طــرق اشــتقاقها‬ ‫وتصريفه ــا أو أبنيته ــا التركيبي ــة األساس ــية‪.‬‬ ‫ولنأخـــذ علـــى ذلـــك مثـــا ًال قريبـــ ًا منـــا‪ ،‬فقـــد‬ ‫بينــت الدراســات المقارنــة(‪ )6‬أن العربيــة مازالــت‬ ‫الميت ــة‪،‬‬ ‫تحتف ــظ بج ــزء مه ــم م ــن ه ــذه األلس ــنة ِّ‬ ‫كل‬ ‫وإليضـــاح هـــذه العالقـــة أخذنـــا مثـــا ًال مـــن ّ‬ ‫قســـم مـــن أقســـام الـــكالم‪ ،‬فمـــن قســـم األفعـــال‬ ‫نأخـــذ الفعـــل ذبـــح‪:‬‬

‫العربية مازالت‬ ‫تحتفظ بجزء‬ ‫مهم من األلسنة‬ ‫الميِّتة‬ ‫ومن األسماء نأخذ إنسان وثور وجمل‪:‬‬

‫‪86‬‬

‫ومن الحروف نأخذ «أو»‬

‫ومن الظروف «تحت»‪:‬‬ ‫‬

‫مـــن خـــال مقارنـــة ســـريعة بيـــن العربيـــة‬ ‫باعتباره ــا لغ ــة َح َّي ــة قوي ــة تحت ــل الي ــوم المرتب ــة‬ ‫الرابعـــة فـــي التصنيـــف العالمـــي للغـــات‪ ،‬وبيـــن‬ ‫الميتـــة‪ ،‬وهـــي الســـريانية والحبشـــية‬ ‫اللّغـــات ِّ‬ ‫واآلرامي ــة واآلش ــورية‪ ،‬نالح ــظ كي ــف اس ــتطاعت‬ ‫المهـــددة بالمـــوت‪ ،‬أن‬ ‫الميتـــة أو‬ ‫َّ‬ ‫هـــذه اللّغـــات ِّ‬ ‫مهـــم مـــن أبنيتهـــا النحويـــة‬ ‫جـــزء‬ ‫تحافـــظ علـــى‬ ‫ّ‬ ‫العامــة فــي صلــب اللّغــة العربيــة‪ ،‬مــن ذلــك أنهــا‬ ‫حافظ ــت عل ــى ن ــواة معج ــم يحت ــوي عل ــى أقس ــام‬ ‫الـــكالم المختلفـــة (اســـم‪ .‬فعـــل‪ .‬حـــرف‪ .‬ظـــرف)‬ ‫وعلــى إنجــاز صوتــي مشــابه إلــى درجــة الّتماثــل‬ ‫مــع الصــوت العربــي‪ ،‬وعلــى الداللــة نفســها‪ .‬ولــم‬ ‫ـل االختــاف واضحـ ًا ســوى فــي طريقــة رســم‬ ‫يتجـ َّ‬ ‫الح ــروف‪.‬‬ ‫وإذا جاوزنـــا مرحلـــة المقارنـــة القائمـــة علـــى‬ ‫التشــابه بيــن المفــردات‪ ،‬أمكــن لنــا باالعتمــاد علــى‬ ‫ـا بســيطة‬ ‫عمليــات التوليــف النحــوي أن ننجــز جمـ ً‬ ‫مكتمل ــة م ــن صن ــف‪:‬‬ ‫ال أو ثوراً)‬ ‫(ذبح إنســان جم ً‬ ‫وإن كان المثــال الــذي قّدمنــاه ال يتجــاوز مجــرد‬ ‫تجربــة تمثيليــة نــروم مــن ورائهــا االســتدالل علــى‬ ‫أن الم ــوت اللّس ــاني للغ ــات يختل ــف ع ــن الم ــوت‬ ‫االجتماع ــي له ــا ف ــإن العملي ــة ق ــد تأخ ــذ بع ــدًا أكث ــر‬ ‫جديـــة مـــع عمليـــات إحيـــاء األلســـنة مـــن صلـــب‬ ‫اللّغ ــات األكث ــر ق ــوة وحي ــاة‪.‬‬ ‫عـــل إحيـــاء العبريـــة القديمـــة فـــي شـــكلها‬ ‫وَل ّ‬ ‫الحدي ــث(‪ )7‬لتصب ــح لغ ــة رس ــمية لم ــا يزي ــد عل ــى‬ ‫المليـــون ونصـــف المليـــون مـــن المتكلِّميـــن‪ ،‬فـــي‬ ‫قلـــب فضـــاء جغرافـــي وبشـــري يتكلّـــم اللّســـان‬ ‫العرب ــي من ــذ مئ ــات الس ــنين‪ ،‬أو محاول ــة إحي ــاء‬


‫اللّغــة الفهلويــة (الفارســية القديمــة) اليــوم‪ ،‬للح ـّد‬ ‫م ــن اقت ــراض الفارس ــية الحديث ــة معجمه ــا الحدي ــث‬ ‫م ــن اللّغ ــات المج ــاورة وخاص ــة منه ــا العربي ــة‪،‬‬ ‫دليـــا لســـاني ًا قويـــ ًا علـــى أن مقيـــاس‬ ‫قـــد يمثِّـــل‬ ‫ً‬ ‫بالمتكل ــم األخي ــر‪،‬‬ ‫الم ــوت والحي ــاة لي ــس مقترنــ ًا‬ ‫ِّ‬ ‫ب ــل ه ــو مقت ــرن ف ــي األص ــل بق ــدرة اللّغ ــات عل ــى‬ ‫ـث جيناتهــا فــي رحــم اللّغــات األخــرى حتــى بعــد‬ ‫بـ ّ‬ ‫المتكل ــم األخي ــر‪ ،‬انتظ ــارًا لل ــوالدة الجدي ــدة‬ ‫م ــوت‬ ‫ِّ‬ ‫التـــي قـــد تحـــدث إن توافـــرت ظـــروف الحمـــل‬ ‫المناســـبة‪.‬‬ ‫يخلــص بنــا هذا الطــرح إلى النتائج التالية‪:‬‬ ‫أن اللّغــات تحمــل مالمــح قوتهــا فــي ذاتهــا وإن‬ ‫ّ‬ ‫كن ــا نتعام ــل بخ ــوف م ــع ظاه ــرة «م ــوت اللّغ ــة»‬ ‫فهـــو خـــوف يعكـــس ضعـــف اإلنســـان ال ضعـــف‬ ‫اللّغ ــة‪.‬‬ ‫اللّغ ــات ال تم ــوت‪ ،‬ب ــل تدخ ــل ف ــي حال ــة م ــن‬ ‫الس ــبات ال ــذي ق ــد يب ــدو عميقــ ًا ج ــداً‪ ،‬خاص ــة م ــن‬ ‫وجهــة نظــر كائــن ال يتجــاوز معــدل عمــره الثمانيــن‬ ‫س ــنة‪ ،‬واللّغ ــات النائم ــة ه ــي ف ــي حال ــة اس ــتعداد‬ ‫دائ ــم لم ــن يوقظه ــا‪.‬‬ ‫درجــة اســتجابة اللّغــات لالنبعــاث أو اليقظــة‬ ‫أو ال ــوالدة الثاني ــة مرتبط ــة بدرج ــة المورث ــات‬ ‫الح َّي ــة‪ ،‬فكلم ــا كان ــت‬ ‫الت ــي صبغ ــت به ــا اللّغ ــات َ‬ ‫«الميتـــة» مبثوثـــة فـــي اللّغـــات‬ ‫عناصـــر اللّغـــة‬ ‫ِّ‬ ‫الحيـــة كان االنبعـــاث أســـهل‪ ،‬وتغـــدو العمليـــة‬ ‫أق ــوى إذا وج ــدت تعزي ــز ًا خارجيــ ًا م ــن صن ــف‬ ‫اإلس ــناد السياس ــي أو القبل ــي أو الدين ــي فله ــذه‬ ‫الدوافـــع الخارجيـــة مـــن القـــوة مـــا يجعـــل‬ ‫الموج ــود بالق ــوة موج ــود ًا بالفع ــل‪ ،‬والعبري ــة‬ ‫خي ــر دلي ــل‪.‬‬ ‫كل لغ ــة يقابل ــه نظريــ ًا ق ــوة للغ ــة‬ ‫إن ضع ــف ّ‬ ‫كل لغ ــة يقابله ــا بص ــورة‬ ‫أخ ــرى مج ــاورة‪ ،‬وق ــوة ّ‬ ‫تعددت‬ ‫عكســية ضعــف لغــة أخــرى‪ ،‬فاللّغــات مهمــا َّ‬ ‫أو نقصـــت لـــن تخـــرج عـــن فضـــاء محـــدود وهـــو‬ ‫كوكــب األرض‪ ،‬وعــن عــدد محــدود مــن المتكلِّميــن‬ ‫متغي ــر‬ ‫وه ــم س ــكانها‪ .‬ففض ــاء اللّغ ــات واح ــد غي ــر‬ ‫ِّ‬ ‫والناطقـــون محـــدودون وإن أوهمنـــا ضخامـــة‬ ‫عدده ــم غي ـ َـر ذل ــك‪.‬‬ ‫ف ــي ض ــوء ذل ــك للباح ــث أن يتس ــاءل إن كان ــت‬ ‫إث ــارة قضي ــة مث ــل قضي ــة «م ــوت اللّغ ــات» خ ــارج‬ ‫إطارهـــا اللّســـاني وهـــو اإلطـــار الطبيعـــي الـــذي‬ ‫الملحــة‬ ‫مــن المفتــرض أن تعالــج فيــه‪ ،‬والدعــوات ّ‬ ‫الميتـــة(‪ )8‬تنبـــع‬ ‫أحيانـــ ًا إلحيـــاء بعـــض اللّغـــات ِّ‬ ‫مــن إحســاس حقيقــي بالخــوف علــى هــذه اللّغــات‬ ‫ثقافي ـ ًا واجتماعي ـ ًا وفكري ـاً‪،‬‬ ‫التــي تختــزن موروث ـ ًا‬ ‫ّ‬ ‫أم أنه ــا تنب ــع م ــن محاول ــة إضع ــاف لغ ــات َح َّي ــة‬

‫قوي ــة مس ــيطرة ضم ــن ص ــراع كل ــي ِّ‬ ‫تمث ــل اللّغ ــة‬ ‫أح ــد أش ــكاله؟‬ ‫_____________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬األص ــل أن نس ــتعمل مفه ــوم «م ــوت األلس ــنة» ف ــي مقاب ــل‬ ‫ـون األكثر‬ ‫«‪ »Death Of Language‬ألن اللّغــة باعتبارهــا المكـ ِّ‬ ‫ـور السوســيري ال يمكــن أن‬ ‫تجريــدًا عنــد اإلنســان حســب التصـ ُّ‬ ‫تغي ــر فه ــي ِّ‬ ‫تمث ــل المس ــتوى‬ ‫يصيبه ــا م ــا يصي ــب األلس ــنة م ــن ُّ‬ ‫ـل تجري ــدًا وأدن ــى قرب ـ ًا م ــن المجموع ــات البش ــرية‪ ،‬لذل ــك‬ ‫ا َألق ـ ّ‬ ‫تســمى األلســنة باســم المجموعــات الناطقــة بهــا فنقــول‪ :‬لســان‬ ‫عربي‪،‬لســان التينــي‪ ،‬لســان إنجليــزي‪ ،‬لكننــا اعتمدنــا مفهــوم‬ ‫«م ــوت اللّغ ــات» ف ــي معن ــى «لس ــان» ألن ه ــذا المصطل ــح ه ــو‬ ‫األكث ــر جريان ـ ًا ف ــي االس ــتعمال‪.‬‬ ‫‪David Crystal ;  Language death, p 1, ed - 2‬‬ ‫‪.Cambridge university 2000‬‬ ‫‪N.E.Collinge ; Language as it evolves: tracing 3‬‬‫‪its forms and families, p 437 in. An Encyclopedia‬‬ ‫‪.of Language ,  Routledge 1989‬‬ ‫‪ - 4‬تبح ــث اللّس ــانيات التاريخي ــة المقارن ــة ع ــن االنقس ــامات‬ ‫الحاصلـــة فـــي اللّغـــات مفصلـــة والتغييـــرات الباحثـــة عـــن‬ ‫والمبينـــة للفـــروع واالســـتدالل علـــى أن األلســـنة‬ ‫األصـــول‬ ‫ِّ‬ ‫المختلفـــة متصلـــة وراثيـــاً‪.‬‬ ‫‪ - 5‬لق ــد انحس ــرت أهمي ــة الدراس ــات التاريخي ــة المقارن ــة بي ــن‬ ‫ســـنتي ‪ ،1955 - 1920‬وأصبـــح الموقـــف العـــام منهـــا هـــو‬ ‫التعال ــي والالمب ــاالة‪ ،‬ولك ــن ع ــادت المقارب ــة التاريخي ــة إل ــى‬ ‫س ــالف قيمته ــا‪ ،‬وع ــادت إليه ــا هيبته ــا ثاني ــة‪ ،‬خاص ــة م ــع‬ ‫الدراس ــات الوصفي ــة الت ــي تنظ ــر ف ــي كيفي ــة اش ــتغال اللّغ ــات‬ ‫وتطوره ــا‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫‪ - 6‬معج ــم مف ــردات المش ــترك الس ــامي ف ــي اللّغ ــة العربي ــة‪،‬‬ ‫ح ــازم عل ــي كم ــال الدي ــن‪ ،‬مكتب ــة القاه ــرة ‪.2008‬‬ ‫ ف ــي قواع ــد الس ــاميات‪ ،‬رمض ــان عب ــد الت ــواب‪ ،‬ط ‪ 2‬مطبع ــة‬‫الخانج ــي القاه ــرة ‪.1983‬‬ ‫ فقـــه اللّغـــات الســـامية‪ ،‬كارل بروكلمـــان‪ ،‬ترجمـــة رمضـــان‬‫عب ــد الت ــواب‪ ،‬مطبوع ــات جامع ــة الري ــاض‪ ،‬المملك ــة العربي ــة‬ ‫الس ــعودية ‪.1977‬‬ ‫‪Sabatino Moscati; An Introduction To ‬‬‫‪Comparative Grammar Of Semitic Languages‬‬ ‫‪Phonology And Morphology Ed Harrassowitz‬‬ ‫‪.Verlag, 1980‬‬ ‫‪Chaim Rabin ; A short history of the hebrew - 7‬‬ ‫‪language, jewish agency and alpha press,‬‬ ‫‪.jerusalem, 1973‬‬ ‫‪ - 8‬أصــدرت لجنــة الحقــوق االقتصاديــة واالجتماعية والثّقافية‬ ‫باألمـــم المتحـــدة تقريرهـــا الحقوقـــي حـــول تونـــس يـــوم ‪10‬‬ ‫أكتوب ــر ‪ 2016‬يوج ــه أصاب ــع االته ــام إل ــى الدول ــة التونس ــية‬ ‫بـــ «محارب ــة وإقص ــاء وتهمي ــش اللّغ ــة والثّقاف ــة األمازيغي ــة‬ ‫بالب ــاد»‪.‬‬

‫اللّغات ال تموت‪،‬‬ ‫بل تدخل في‬ ‫حالة من السبات‬ ‫الذي قد يبدو‬ ‫عميق ًا جد ًا‬

‫‪87‬‬


‫أدب‬

‫‪88‬‬


‫ليلى سليماني‬ ‫غونكور ألغنية هادئة‬ ‫اســتغرب الكثيــرون فــوز ليلــى ســليماني بجائــزة‬ ‫«غونكــور»‪ ،‬بنشــرها لروايــة ثانيــة‪ ،‬بعنــوان‬ ‫“أغنيــة هادئــة”‪ ،‬ونســوا أن الجائــزة قــد ُوضعــت‪-‬‬ ‫أول أمرهــا‪ -‬مــن طــرف األخويــن «غونكــور»‪،‬‬ ‫فــي َّ‬ ‫أو‪ -‬بالتحديــد‪ -‬بفضــل األخ األصغــر ِجيـ ْـل‪ ،‬لتشــجيع‬ ‫كل عــام‪ ،‬علــى مواصلــة‬ ‫متميــز‪ ،‬فــي ّ‬ ‫ـاب ِّ‬ ‫ـي شـ ّ‬ ‫روائـ ّ‬ ‫الكتابــة اإلبداعيــة‪ .‬لكــن معاييــر الفــرادة والجــودة‬ ‫تغيــرت‪ ،‬بحســب األزمنــة والســنوات‪ ،‬وتبعــ ًا‬ ‫قــد َّ‬ ‫للمنــاخ السياســي الســائد‪ .‬فمنــذ زمــن بعيــد‪ ،‬لــم تعد‬ ‫تتحكم فــي الجوائز‬ ‫الفّنــي هي التــي‬ ‫َّ‬ ‫معاييــر اإلتقــان َ‬ ‫بمــا فيهــا جائــزة «غونكــور»‪ .‬لقــد صــار نائيــاً‪،‬‬ ‫اليــوم‪ ،‬الزمــن الجميــل الــذي فــاز فيــه بالجائــزة‬ ‫كاتــب يدعــى «مارســيل بروســت»‪ ،‬بنشــره للجــزء‬ ‫الثانــي مــن رائعتــه «البحــث عــن الزمــن الضائــع»‪.‬‬

‫‪89‬‬


‫تتويج‬

‫ليىل سليماين يف عقبة «غونكور» !‬ ‫عبد الله كرمون‬ ‫أول كاتبــة مغاربيــة‬ ‫ليلــى ســليماني َّ‬ ‫تفــوز بالجائــزة‪ ،‬والثانية بعــد الطاهر‬ ‫ــبق عــن جدارة‪ .‬لكن‬ ‫بن جلون‪ ،‬وهذا َس ْ‬ ‫مغربيْيــن أصيَلْيــن َكَتَبا‬ ‫روائيْيــن‬ ‫أهــم‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بالفرنســية‪ ،‬منــذ الخمســينيات حتــى‬ ‫الســنوات األولــى مــن القــرن الواحــد‬ ‫والعشــرين‪ ،‬همــا أحمــد الصفريــوي‪،‬‬ ‫األول يعمــل‬ ‫ومحمــد لفتــح‪ .‬بينمــا َّ‬ ‫ظــل َّ‬ ‫قيمــ ًا علــى متحــف فــي مدينتــه فــاس‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫حتــى رحيله‪ ،‬في الوقــت الذي هجر فيه‬ ‫الثانــي الوطن إلــى أرض الكنانة‪ ،‬حيث‬ ‫‪90‬‬

‫لفظ أنفاسه األخيرة قبل سنوات‪ .‬ولبثا‬ ‫منسيْين حتى اآلن‪ ،‬تقريباً‪.‬‬ ‫كالهما‬ ‫َّ‬ ‫إذا كانــت ليلى ســليماني ســليلة عائلة‬ ‫ميسورة الحال من الرباط‪ ،‬من أب يعمل‬ ‫وأم طبيبــة‪ ،‬فــإن اللّغــة‬ ‫فــي البنــوك‪ّ ،‬‬ ‫الفرنســية هي اللّغة المتداولة لديهم في‬ ‫ّية‪،‬‬ ‫البيت‪ ،‬بالموازاة مــع العربية المحلّ‬ ‫شــأن العائــات المغربيــة الميســورة‬ ‫يؤبد عالقة ليلى‬ ‫كلّها‪ .‬لكن الذي ســوف ِّ‬ ‫إضافة إلــى قراءاتها‬ ‫باللّغة الفرنســية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ليــة‪ ،‬هــو وصولهــا إلــى باريــس‪،‬‬ ‫األو ّ‬ ‫ّ‬

‫ســنة قبل انصرام القرن العشرين‪ ،‬من‬ ‫أجــل اســتكمال دراســتها فــي المعاهــد‬ ‫الفرنســية‪ ،‬مثلها مثل رعيل من الشباب‬ ‫يمكنهــا‬ ‫المغاربــة‪ ،‬وقتئــذ‪ .‬وســوف ِّ‬ ‫تكوينهــا الفرنكوفوني من االنســجام‪،‬‬ ‫النســيجْين‪ :‬االجتماعي‪،‬‬ ‫ســريعاً‪ ،‬فــي‬ ‫َ‬ ‫الفرنسيْين‪.‬‬ ‫والثّقافي‬ ‫َّ‬ ‫فبعــد دراســتها فــي مدرســة العلــوم‬ ‫السياســية الباريســية‪ ،‬حاولت تجريب‬ ‫حظهــا فــي الســينما‪ ،‬لكنها ســرعان ما‬ ‫ّ‬ ‫اقتحمت عالم الصحافة‪ ،‬عند اشــتغالها‬


‫فــي مجلّــة «جــون أفريــك»‪ ،‬مــن خالل‬ ‫المتنوعة‪.‬‬ ‫إعدادها للتحقيقات الصحافية‬ ‫ِّ‬ ‫اســتمرت ليلى ســليماني في ذلــك لمّدة‬ ‫التفرغ‬ ‫طويلــة‪ ،‬قبل أن تعتزل مــن أجل‬ ‫ُّ‬ ‫متفرقة‬ ‫للكتابــة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مكتفية بكتابــة مقاالت ِّ‬ ‫للمجلّة ذاتها‪.‬‬ ‫ــوي»‬ ‫لقــد صــدم ليلــى‬ ‫ُ‬ ‫رفــض «دار ُس ْ‬ ‫األول‪،‬‬ ‫عملهــا‬ ‫لمخطوطــة‬ ‫العريقــة‬ ‫َّ‬ ‫المصحــوب بضــرورة إعــادة تحريــر‬ ‫أجــزاء منــه‪ ،‬وتنقيحها‪ ،‬وبتــر بعضها؛‬ ‫الشــيء الذي أصابها بنــوع من اإلحباط‬ ‫واليــأس‪ ،‬وجعلهــا تأنــف مــن مواصلة‬ ‫العمل على مسايرة توصيات تلك الدار‪.‬‬ ‫فعمدت‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬أي بعد اندمال الجرح‬ ‫الكّرة‪،‬‬ ‫األول‪ ،‬إلــى معــاودة َ‬ ‫النرجســي ّ‬ ‫بتدبيــج روايــة على ضــوء الحدث الذي‬ ‫تداولتــه الصحافــة العالميــة حــول مــا‬ ‫ُس ِّمي حينها بفضيحة «د س ك»‪ :‬يتعلَّق‬ ‫األمــر بقضيــة السياســي واالقتصــادي‬ ‫االشــتراكي الفرنســي المعــروف‪ ،‬وهو‬ ‫المتهــم‬ ‫«دومينــك ســتروس كان»‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫بمحاولــة اغتصاب خادمــة الفندق الذي‬ ‫العم سام‪.‬‬ ‫نزل فيه‪ ،‬آنئذ‪ ،‬في بلد ّ‬ ‫المرة‪ ،‬على «دار‬ ‫عرضــت روايتها‪ ،‬هــذه ّ‬ ‫غاليمــار» الشــهيرة‪ ،‬التي قبلت نشــرها‬ ‫ســريعاً‪ ،‬بحســب تصريحاتهــا‪ ،‬فظهرت‬ ‫في ســوق الكتــب بعنوان مثيــر هو «في‬ ‫حديقــة الغــول»‪ .‬وبالرغم من اســتلهام‬ ‫قضية «ســتروس كان»‪ ،‬وما‬ ‫عملها مــن ّ‬ ‫ضجــة حول‬ ‫مــن‬ ‫حينهــا‪،‬‬ ‫ُأثيــر حولــه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الهوس الجنســي‪ ،‬فإنها‬ ‫إصابتــه بلوثة َ‬ ‫وخصصــت روايتها‬ ‫المعادلة‪،‬‬ ‫قــد قلبــت‬ ‫َّ‬ ‫للحديــث عن النســاء المصابات بالهوس‬ ‫معتنيــة بكون بطلتها فرنســية‪،‬‬ ‫عينــه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫للمتوسط؛‬ ‫وليست بنت الضفّة الجنوبية‬ ‫ِّ‬ ‫التفرد‪،‬‬ ‫به‬ ‫تكسب‬ ‫الشــيء الذي أرادت أن‬ ‫ُّ‬ ‫عكس ما كان شــائع ًا من موضوعات في‬ ‫األدب المغاربــي المكتــوب بالفرنســية‪.‬‬ ‫قصــة البنت «أديل» التــي ترغب أن‬ ‫إنهــا ّ‬ ‫تكــون دميــة أو ألعوبة بيــن يدي غول‪،‬‬ ‫يفعل بها ما يشاء‪.‬‬ ‫تعمــد ليلــى ســليماني‪ ،‬فــي مشــاريعها‬ ‫األدبيــة‪ ،‬إلى اســتراتيجيات مدروســة‪،‬‬ ‫فهي ال تغامــر في طرق لم ُتِنرها أضواء‬ ‫الخاصــة‪ ،‬فعرفــت روايتهــا‬ ‫الحســابات‬ ‫ّ‬

‫األولى‪ ،‬بذلك‪ ،‬رواج ًا كبيراً‪ ،‬في باريس‬ ‫وفــي المغرب‪ ،‬بســبب موضوعهــا‪ ،‬أما‬ ‫ّية‪ ،‬وغيرها‪،‬‬ ‫المقومــات‪ :‬األدبيــة‪َ ،‬‬ ‫والفنّ‬ ‫ِّ‬ ‫يتحــدث عنهــا بخصــوص هذا‬ ‫فــا أحــد‬ ‫َّ‬ ‫النوع مــن الكتابات؛ ذلــك أن التداعيات‬ ‫الشــعبية في مــكان‪ ،‬واألدب الرفيع في‬ ‫مكان آخر‪ .‬هكذا‪ ،‬كســبت ليلى سليماني‬ ‫شــهرة‪ ،‬واســم ًا المعــ ًا بحكايــة «آديل»‬ ‫تلــك‪ ،‬التــي تشــبه حكايتها الشــخصية‬ ‫ومســارها الذاتي نفســه‪ .‬سواء في التيه‬ ‫الباريســي أو في فشــل «آديل» في تعلُّم‬ ‫مهنــة التمثيــل‪ .‬تلــك مشــاوير مشــابهة‬ ‫لمــا خبرته ليلى ســليماني نفســها‪ ،‬عند‬ ‫وصولها إلى باريس‪.‬‬ ‫البرزخ الفاصل بين نشر ليلى سليماني‬ ‫للنــص الفائــز‬ ‫النــص‪ ،‬ونشــرها‬ ‫لهــذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اليــوم بجائــزة األخويــن «غونكــور»‬ ‫هــو‪ -‬بالتحديد‪ -‬العمليــة اإلرهابية التي‬ ‫مقــر الصحيفــة الباريســة‬ ‫اســتهدفت‬ ‫ّ‬ ‫الشــابة‬ ‫المشــهورة‪ .‬ذلــك أن الصحافية‬ ‫ّ‬

‫ســوف ُتعرف‪ ،‬أكثر فأكثر‪ ،‬في المشــهد‬ ‫اإلعالمي الباريســي‪ ،‬والفرنسي‪ ،‬بشكل‬ ‫عــام‪ ،‬ال بوصفهــا كاتبــة موهوبــة‪ ،‬بل‬ ‫بوصفهــا منافحة عن حقــوق االختالف‬ ‫والتميــز‪ ،‬والمناهضــة للعنــف والدمار‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫كمــا أتيحت لهــا فرصة اســتثمار أحداث‬ ‫تتمم ما‬ ‫نوفمبــر‪ ،‬العــام الماضــي‪ ،‬كــي ِّ‬ ‫كان ينقصهــا كي تكون مناصــرة للخير‬ ‫العام‪.‬‬ ‫الشر ّ‬ ‫ضّد ّ‬ ‫مــا بيــن نشــرها لروايــة «فــي حديقــة‬ ‫الغــول»‪ ،‬ولروايتهــا الثانيــة «أغنيــة‬ ‫هادئــة» الفائــزة بجائــزة «غونكــور»‪،‬‬ ‫متفرقة‪ ،‬لكن‬ ‫نشــرت ليلى أشــياء أخرى ِّ‬ ‫حراكهــا «الجبهــوي» قــد َم َّهد الســتقبال‬ ‫ترحيبي بعملها الجديد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اســتقت ليلى سليماني موضوع روايتها‬ ‫الثانية هذه من خبر شائع حول جريمة‪،‬‬ ‫حدثت في أميركا‪ ،‬وبثَّته التلفزة؛ مفاده‬ ‫مربية طفَلْين‪ ،‬كانت‬ ‫قتــل خادمة بيت أو ِّ‬ ‫مكلَّفة برعايتهما‪.‬‬ ‫‪91‬‬


‫ليىل سليماين‪..‬‬

‫الكتابة بشفرات الحالقة‬ ‫حسن بحراوي‬ ‫مســتهل شــبابها تحلم أن تكون‬ ‫كانت في‬ ‫ّ‬ ‫محلِّلة نفسانية‪ ،‬ثم َّاتجهت نحو السينما‪،‬‬ ‫وأخذت دروســ ًا في المســرح؛ لظنِّها أنها‬ ‫يمكــن أن تنجــح فــي أن تكــون ممثِّلــة‪.‬‬ ‫لكنهــا اســتمعت إلــى نصائــح أبويهــا‪،‬‬ ‫وتخرجت‪ -‬كما رغبا‪ -‬في معهد الدراســات‬ ‫َّ‬ ‫السياســية في باريس‪ ،‬ثم التحقت بمعهد‬ ‫التجــارة لتدرس اإلعــام‪ .‬وهناك‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫التقت بصديق عمرها كريســتوف باربيي‬ ‫الــذي ســيقترح عليهــا تدريبــ ًا فــي مجلّة‬ ‫«إكســبريس» التــي يــرأس تحريرهــا‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬ستصير ليلى سليماني صحافية‬ ‫عــن بكرة أبيهــا‪ ،‬وتلتحــق بمجلّة «جون‬ ‫أفريك» للعمل فيها‪ ،‬لمّدة خمس ســنوات‬ ‫تظل‬ ‫بين ‪ 2008‬و‪ .2012‬غير أنها‪ -‬لكي ال ّ‬ ‫قررت‪،‬‬ ‫التخصصــات‬ ‫تائهــة بين‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫والمهن‪ّ -‬‬ ‫كل شــيء‪،‬‬ ‫ذات صبــاح‪ ،‬أن تختصــر ّ‬ ‫دفعة واحدة‪.‬‬ ‫وتصير كاتبة‪ ،‬هكذا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ُوِلــدت ليلــى ســليماني ســنة ‪ ،1981‬في‬ ‫ألم فرنســية من أصول جزائرية‬ ‫الرباط‪ّ ،‬‬ ‫تعمــل طبيبة‪ ،‬وأب مغربي من فاس‪ ،‬من‬ ‫مواليد ‪ ،1941‬درس االقتصاد في فرنسا‪،‬‬ ‫وتقلَّــب فــي الوظائف‪ ،‬حتى صــار كاتب ًا‬ ‫للدولــة فــي الحكومــة المغربيــة‪ ،‬خــال‬ ‫الســبعينات‪ ،‬ثم مديرًا ألحــد أكبر البنوك‬ ‫يتورط في‬ ‫العقاريــة في المغرب‪ ،‬قبل أن ّ‬ ‫يتبــرأ منهــا إلى حين‬ ‫ظل‬ ‫قضيــة فســاد‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وفاته بالسرطان‪ ،‬سنة ‪.2004‬‬ ‫تابعت ليلى سليماني تعليمها في مدارس‬ ‫البعثــات الفرنســية‪ ،‬التــي ينتظــم فيهــا‬ ‫أبنــاء الطبقة الراقية في المغرب‪ ،‬إلى أن‬ ‫حصلت على البكالوريا‪ ،‬سنة ‪ ،1999‬من‬ ‫ثانويــة ديكارت الفرنســية فــي الرباط‪،‬‬ ‫‪92‬‬


‫مباشــرة‪ -‬إلى باريس‪ ،‬لتتابع‬ ‫وانتقلت‪-‬‬ ‫ً‬ ‫دراســتها الجامعيــة في معهد الدراســات‬ ‫السياســية المذكــور‪ ،‬غيــر أن ذائقتهــا‬ ‫الشــخصية لم تتــاءم مع هــذا اللون من‬ ‫التخرج للعمل‬ ‫التخصص‪ ،‬فغادرته بعــد‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫تتفرغ للكتابة‬ ‫أن‬ ‫قبل‬ ‫المتاعب‪،‬‬ ‫مهنة‬ ‫في‬ ‫َّ‬ ‫السردية‪ ،‬تحديداً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ومع أنها عاشــت في أسرة فرانكفونية‪،‬‬ ‫تشبعت‬ ‫ّ‬ ‫بكل ما في الكلمة من ٍ‬ ‫معان‪ ،‬فإنها َّ‬ ‫بالتــراث الحكائــي العربــي‪ ،‬حيــث كان‬ ‫والدهــا يحكي لها‪ -‬وهــي صغيرة‪ ،‬على‬ ‫ســبيل التســلية‪ -‬قصصــ ًا من «ألــف ليلة‬ ‫وليلــة»‪ ،‬كمــا أنها تعلَّقت‪ ،‬فــي يفاعتها‪،‬‬ ‫بــأدب النمســاوي «ســتيفان زفيــج»‪،‬‬ ‫ا مــن قصــص الروســي‬ ‫ونهلــت طويــ ً‬ ‫«أنطــون تشــيخوف»‪ ،‬وأتيــح لهــا أن‬ ‫تسافر كثيرًا عبر العالم‪ ،‬مثلما يفعل كبار‬ ‫الكّتــاب‪ ،‬فزارت موســكو وبــراغ وفيينا‬ ‫ُ‬ ‫وبودابســت‪ .‬وقــد فعلــت ذلــك بصحبــة‬ ‫تهيأ‬ ‫والدْيها اللذين تقول بأنها لوالهما ما َّ‬ ‫َ‬ ‫لهــا‪ -‬قطعاً‪ -‬أن تصير‪ ،‬ذات يوم‪ ،‬كاتبة‪.‬‬ ‫وألجل ذلك أهدت إليهمــا روايتها األولى‬ ‫ص‬ ‫«في حديقــة الغول» التي َق َّدمت لها بَن ّ‬ ‫من روايــة «خفة الكائن التي ال ُتحَتمل»‪،‬‬ ‫المفضل «ميالن كونديرا»‪.‬‬ ‫لكاتبها‬ ‫َّ‬ ‫نشــرت روايتهــا األولــى «فــي حديقــة‬ ‫الغــول»‪ ،‬ســنة ‪ ،2014‬فــي دار نشــر‬ ‫عمالقــة هــي «غاليمــار» التــي كان لهــا‬ ‫الفضل في تكوينها أدبياً‪ ،‬عندما انخرطت‬ ‫فــي ورشــات الكتابــة التــي تفتحها هذه‬ ‫الكّتاب الناشئين لتمكينهم‬ ‫الدار في وجه ُ‬ ‫من خوض تجربة اإلبداع بتأطير من كبار‬ ‫الكّتــاب‪ .‬وفوجئت‪ -‬كمــا فوجئ زمالؤها‬ ‫ُ‬ ‫فــي الصحافــة‪ -‬بالنجــاح الباهــر الــذي‬ ‫حظيت به تلك الرواية‪ ،‬بل لقد أتاحت لها‬ ‫أول امرأة كاتبــة تحصل على‬ ‫أن تصيــر َّ‬ ‫جائزة المامومية الفركوفونية المغربية‪،‬‬ ‫القصة‬ ‫عن روايتها تلك‪ ،‬التي تروي فيها ّ‬ ‫الغريبــة التــي كانــت بطلتهــا «أديــل»‪،‬‬ ‫المتزوجة من طبيب‬ ‫المــرأة البورجوازية‬ ‫ِّ‬ ‫ّجراح‪ ،‬والصحافية في جريدة باريسية‪،‬‬ ‫وهي تمارس التيه وســط غابة الرغائب‬ ‫ــية ونداءات الجسد المعذَّب‪ ..‬فبحث ًا‬ ‫الحس ّ‬ ‫ّ‬ ‫ســرّية‪ ،‬تجــري فيهــا‪  ‬وراء‪ ‬‬ ‫حيــاة‬ ‫عــن‬ ‫ّ‬ ‫ستتحول هذه المرأة إلى‬ ‫المحرمة‪،‬‬ ‫المتع‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬

‫روح تائهــة عطشــى‪ ،‬على الــدوام‪ ،‬إلى‬ ‫وتســجل انخراطهــا الطوعي في‬ ‫الحــب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫زمن الخيانات وااللتباسات الوجدانية‪.‬‬ ‫قصة‬ ‫وهــي تعتــرف بأنهــا قــد‬ ‫َّ‬ ‫اســتمدت ّ‬ ‫روايتهــا األولــى هاتــه مــن واقعــة رجل‬ ‫األعمــال الفرنســي «دومنيــك ســتروس‬ ‫كان» الــذي كان نجم الفضيحة الجنســية‬ ‫أحبــت أن‬ ‫المدويــة فــي أميــركا‪ّ .‬إل أنهــا َّ‬ ‫ِّ‬ ‫تتصــرف المرأة التي تعاني‬ ‫كيف‬ ‫ب‬ ‫تجر‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫مثلــه مــن الجــوع العاطفــي المــوروث‬ ‫وبأيــة طريقــة‪ .‬فكانــت النتيجــة هــذه‬ ‫الروايــة ذات الموضــوع الملتهــب الــذي‬ ‫أول ّمــن انبهــروا به‪،‬‬ ‫كان‬ ‫الســينمائيون َّ‬ ‫ّ‬ ‫فأقدمت شركة فرنسية‪ ،‬سنة ‪ 2015‬على‬ ‫شــراء الحقــوق‪ ،‬لتحويلهــا إلى شــريط‬ ‫سينمائي‪.‬‬ ‫أمــا روايتهــا «أغنيــة هادئــة» (‪،)2016‬‬ ‫ّ‬ ‫الصــادرة عــن الــدار الفرنســية نفســها‪،‬‬ ‫والمتوجة بجائزة الغونكور لهذه الســنة‬ ‫َّ‬ ‫قصــة امــرأة هي‬ ‫فتــدور وقائعهــا حــول ّ‬ ‫أم لطفَلْيــن همــا‪ :‬ميــا‪ ،‬وآدم‪،‬‬ ‫مريــم‪ّ ،‬‬ ‫قــرر‪ ،‬علــى العكــس مــن رغبــة‬ ‫التــي ُت ِّ‬ ‫زوجهــا «بــول»‪ ،‬اســتئناف عملهــا فــي‬ ‫مكتــب للمحاماة‪ ،‬واالعتمــاد‪ ،‬في رعاية‬ ‫الطفَلْين‪ ،‬على مربية ســتصرف وقت ًا في‬ ‫المترشــحات‪.‬‬ ‫اختبارهــا من بين عدد من‬ ‫ِّ‬ ‫وســوف يقــع اختيارهــا‪ ،‬أخيــراً‪ ،‬على‬ ‫أرملة خمســينية‪ ،‬اسمها «لويز»‪ ،‬تعاني‬ ‫مــن مصاعــب حياتية‪ ،‬غير أنها ســرعان‬ ‫وتحتل‪،‬‬ ‫ما ستســتقطب عطف الطفَلْين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بفضل ذلك‪ ،‬مكانة مركزية في األســرة‪،‬‬ ‫لكــن األحــداث المتعاقبــة علــى إيقــاع‬ ‫سريع‪ ،‬والتي تصلنا‪ ،‬تباعاً‪ ،‬على لسان‬ ‫تــارة‪ ،‬ومن وجهة‬ ‫الشــابْين‪،‬‬ ‫الزوجْيــن‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫تارة‬ ‫العجيبة‪،‬‬ ‫الســيرة‬ ‫ذات‬ ‫ية‬ ‫المرب‬ ‫نظر‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫ســتؤدي إلى حصــول ما لم يكن‬ ‫أخرى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫هناك بّد من حصوله؛ وهو مقتل الطفَلْين‬ ‫تخيلها‪.‬‬ ‫بأبشع طريقة يمكن ُّ‬ ‫مــر ًة أخرى‪-‬‬ ‫وتعتــرف ليلى ســليماني‪ّ -‬‬ ‫بأنها اســتمّدت حكاية روايتهــا هاته من‬ ‫قــراءة خبــر عابر في صحيفــة أميركية‪،‬‬ ‫في أكتوبر‪/‬تشرين األول ‪ ،2012‬بطلته‬ ‫مربيــة مــن بورتوريكــو‪ ،‬تحمــل اســم‬ ‫ّ‬ ‫«جوســلين أورتيغــا»‪ ،‬أقدمــت على قتل‬ ‫مشــغلتها لغيــر ما ســبب ظاهر‪.‬‬ ‫ــي‬ ‫ِّ‬ ‫طفَل ْ‬

‫وقامــت الكاتبة باســتلهام هــذه الواقعة‬ ‫مستعينة بتجربتها الشخصية‪ ،‬بوصفها‬ ‫ً‬ ‫وأماً؛ فقد حدث أنها (شخصياً)‬ ‫صحافية ّ‬ ‫عندمــا بدأت بكتابــة روايتها كانت تبحث‬ ‫مربيــة البنهــا «إميــل» البالــغ مــن‬ ‫عــن ِّ‬ ‫وتخيلت‪ -‬بارتعاب‪-‬‬ ‫أشــهر‪،‬‬ ‫ة‬ ‫ت‬ ‫ســ‬ ‫العمر‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫تتهددها بالمعاناة‬ ‫المشاعر القاسية التي ِّ‬ ‫والمكابــدة فيمــا لــو وضعــت ثقتهــا في‬ ‫ربما‪ -‬ألجل ذلك‬ ‫مربية غير أهــل لها‪ .‬و‪َّ -‬‬ ‫ِّ‬ ‫ســتهدي (أغنيتها الهادئة) البنها «إميل»‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بالذات والصفات‪.‬‬ ‫بــكل تلقائية‪،‬‬ ‫وهــي‬ ‫تصرح‪ ،‬بعــد ذلك‪ّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫بــأن ســبب اختيارهــا لهــذا الموضــوع‬ ‫يكمــن فــي «انجذابهــا إلــى شــخصية‬ ‫مربيات‬ ‫المربيــة‪ ،‬فهــي نفســها كان لهــا ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫بحساســية‪،‬‬ ‫في طفولتها‪ ،‬وكانت تنظر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫األســر‪ ،‬لكونهــن‬ ‫إلــى‬ ‫ّ‬ ‫موقعهــن داخــل َ‬ ‫يعشــن وضعــ ًا مفارقــ ًا إلــى حــّد بعيــد؛‬ ‫كأمهــات‪ ،‬مع‬ ‫إذ ُيطلــب منهــن‬ ‫التصــرف َّ‬ ‫ُّ‬ ‫أجنبيات‪ ،‬ومــن هنا‪ ،‬جاءت‬ ‫أنهن نســاء‬ ‫ّ‬ ‫شخصي ٍ‬ ‫ات روائية‪،‬‬ ‫اســتعمالهن‬ ‫إمكانية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بامتياز»‪..‬‬ ‫وفــي أثناء قراءتنا لهــذه الرواية الفائزة‬ ‫ســيتاح لنا أن نأخذ فكرة اشــتمالية عن‬ ‫ُ‬ ‫معينــة مــن‬ ‫الحيــاة التــي تعيشــها فئــة َّ‬ ‫النــاس‪ ،‬مــن النواحــي‪ :‬االقتصاديــة‪،‬‬ ‫وخاص ًة من‬ ‫واالجتماعيــة‪ ،‬والثقافيــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الناحية النفســية‪ ،‬حيــث يفقدون التمييز‬ ‫أســر وأربــاب عمل‪،‬‬ ‫بيــن كونهــم أرباب َ‬ ‫وتكــون النتيجــة هــي مواصلــة اعتبــار‬ ‫المربيــة أجنبيــة مأجــورة‪ ،‬مــع أنهــا‬ ‫ّ‬ ‫وحساســة‪ ،‬لدرجة‬ ‫ضروريــة‬ ‫شــخصية‬ ‫ّ‬ ‫أننــا نقبل أن ِ‬ ‫أعز ما‬ ‫نودع‪ ،‬فــي عهدتها‪ّ ،‬‬ ‫لدينا في الحياة‪.‬‬ ‫ويبــدو أن الكاتبة ليلى ســليماني تقذف‬ ‫بنا إلى هذه المبــاءة المرعبة؛ لكي تدين‬ ‫األزواج الشــباب الذيــن يســارعون إلــى‬ ‫األجنبيــات‬ ‫المســتخدمات‬ ‫الوثــوق فــي‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مــن فرط انشــغالهم بمســتقبلهم المهني‪،‬‬ ‫واهتماماتهــم اليوميــة‪ ،‬وتخلّيهــم عــن‬ ‫واجباتهم تجاه فلــذّات أكبادهم‪ .‬وتقّدم‪،‬‬ ‫باليــد األخرى‪ ،‬درســ ًا فــي الطريقة التي‬ ‫ينبغــي أن نعامــل بهــا هــؤالء النســوة‬ ‫ظروفهــن إلى العمل في‬ ‫قادتهن‬ ‫اللواتــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مربيات وخادمات‪.‬‬ ‫البيوت‪ِّ ،‬‬ ‫‪93‬‬


‫ّية‪ ،‬نقف‪ ،‬في هذا العمل‪،‬‬ ‫من الزاوية الفنّ‬ ‫جماليــة أســلوب تعبيــري أشــبه‬ ‫علــى‬ ‫ّ‬ ‫ــفرات الحالقــة‪،‬‬ ‫مــا يكــون بضربــات َش ْ‬ ‫مشــوهة بواقعية‬ ‫تختلط فيه رومانســية‬ ‫َّ‬ ‫مرعبــة‪ .‬وإذ ينطــوي عنــوان الروايــة‬ ‫«أغنيــة هادئة»‪ -‬بالــذات‪ -‬على أثر للرقّة‬ ‫والهــدوء‪ ،‬فإنــه يفســح المجــال‪ ،‬فــي‬ ‫مواز‪ ،‬أقرب إلى أفالم‬ ‫الرواية‪ ،‬أمام عالم ٍ‬ ‫الرعب الهيتشكوكية‪ ،‬حيث ُيفَتتح فصلها‬ ‫األول بصرخــة امــرأة مكلومــة‪ ،‬تقــف‬ ‫َّ‬ ‫مصدومة أمام َّ‬ ‫المشوهَتْين‪،‬‬ ‫جثَت ْي طفَلْيها‬ ‫َّ‬ ‫يتمدد‪ ،‬في الغرفة األخرى‪ ،‬جســم‬ ‫بينمــا َّ‬ ‫القاتلــة‪ ،‬وهي فاقــدة للوعي‪ ،‬في أعقاب‬ ‫محاولة انتحار فاشلة‪.‬‬ ‫َّف النقّاد الفرنسيون هذه الرواية‬ ‫صن َ‬ ‫لقد َ‬ ‫القوية‪،‬‬ ‫السيكولوجية‬ ‫الدراما‬ ‫نوع‬ ‫ضمن‬ ‫ّ‬ ‫حيث الغوص في أعماق النفس البشــرية‬ ‫«األمــارة بالســوء»‪ ،‬وتصويــر التقلُّبات‬ ‫ّ‬ ‫التــي تتنــاوب عليهــا‪ ،‬والهشاشــة غيــر‬ ‫كل وقــت‬ ‫تهددهــا‪ ،‬فــي ّ‬ ‫المحتملــة التــي ِّ‬ ‫والمؤدية‪ -‬بال هــوادة‪ -‬إلى‬ ‫وكل حيــن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫الجنون والجحيم‪ .‬وذهب بعضهم إلى َحّد‬ ‫تشــبيهها بمســرحية «الخادمات» لـ«جان‬ ‫ِجنيــه»‪ ،‬بتركيزهــا على فضــح نقائص‬ ‫مجتمــع مريــض بالمباالتــه‪ ،‬وملغــوم‬ ‫ظل لعالم هؤالء‬ ‫بأنانيتــه‪ ،‬كما رأوا فيها ّ ً‬ ‫َّ‬ ‫المســتغلت اللواتــي ُيطلــب‬ ‫األجيــرات‬ ‫ّ‬ ‫يكن مالئكــة‪ ،‬بينما هن أخوات‬ ‫منهــن أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫قربوا بين أجواء عالمها‬ ‫كما‬ ‫الشــياطين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأجــواء الروائي الفرنســي المثير للجدل‬ ‫ــة مــن ناحية‬ ‫خاص ً‬ ‫«ميشــيل ويلبيــك»‪ّ ،‬‬ ‫وحياديتهــا ومجابهتها‬ ‫جفــاف العواطف‬ ‫َّ‬ ‫للوقائع‪ ،‬بكثير من المسافة الوجودية‪.‬‬ ‫ومن حيث المضمــون‪ ،‬توقَّفوا عند غياب‬ ‫الكّتاب‬ ‫مشــكل‬ ‫الهوية الــذي يزدهر لــدى ُ‬ ‫ّ‬ ‫الفرانكفونييــن‪ .‬تقــول ليلى ســليماني‪:‬‬ ‫ِّ‬ ‫«عندما أكتب ال أكون فرنسية وال مغربية‪.‬‬ ‫أكون الشيء‪ ،‬تقريباً‪ .‬أكتب بصفتي فردًا‬ ‫الهوية‪،‬‬ ‫فحســب‪ ،‬فأنا ال أؤمــن بمســألة‬ ‫ّ‬ ‫وأعتقــد أننــا طالمــا انغلقنــا داخــل هذه‬ ‫الفكرة الســهلة فســيكون مســعانا بدون‬ ‫جدوى أو طائل»‪.‬‬ ‫ولعل تفســير هــذا العزوف عــن االنتماء‬ ‫��كمــن في نمط التربيــة التي تلقَّتها وهي‬ ‫طفلــة‪ ،‬ثم يافعــة؛ حيث لم يكــن والدها‬ ‫‪94‬‬

‫وكل من‬ ‫يحدثهــا بغيــر اللغة الفرنســية‪ّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫حولها يلهج بتمجيد فرنسا‪ ،‬وتكاد تقول‬ ‫بـــ«ازدراء المغرب والمغاربــة»‪ .‬وعندما‬ ‫أدركهــا الوعــي‪ ،‬ورغبــت فــي أن تصير‬ ‫مغربيــة‪ ،‬مثــل أبنــاء وبنــات جلدتهــا‪،‬‬ ‫كان الوقــت قــد فــات‪ ،‬ووجــدت نفســها‪-‬‬ ‫رغم جميــع المحــاوالت‪ -‬ابنــة باريس‪،‬‬ ‫يمت لها ِب ِصلة‬ ‫بذهنية‬ ‫تعيــش‬ ‫ومتخيل ال ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫وذهنية‬ ‫متخيل فرنســا‬ ‫ألنــه‪ -‬ببســاطة‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫عاصمتها باريس‪ ،‬تحديداً‪.‬‬ ‫وخامرها‪ ،‬حينئذ‪ ،‬إحســاس بأن ثقافتها‬ ‫انتِزعتا منها‪ ،‬وبأنها عارية‬ ‫وهويتها قــد ُ‬ ‫ّ‬ ‫وإنســانيتها‪ .‬ولكي تكفّر‬ ‫تها‬ ‫فردي‬ ‫مــن‬ ‫ّإل‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫كل ذلــك االغتــراب الذي لــم تخَتْره‬ ‫عــن ّ‬ ‫طوعــاً‪ ،‬لجــأت إلــى الكتابة فــي المجلّة‬ ‫المغربيــة الحداثيــة «تيــل كيــل»‪ ،‬وفــي‬ ‫بالقــارة‬ ‫المعنيــة‬ ‫المجلــة الفرنســية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل ذلك‬ ‫اإلفريقية «جــون أفريك»‪ ،‬ولكن ّ‬ ‫وظل بدون تأثير‪ ،‬تقريباً؛‬ ‫لم يشفع لها‪ّ ،‬‬ ‫ألن أحدًا لم يشــعر بالحرقة التي تكابدها‬ ‫بإقامتهــا فــي الـ(بين بين)‪ :‬بيــن الـ(هنا)‬ ‫البعيــد (المغــرب) والـ(هنــاك) القريــب‬ ‫عمليــاً‪ -‬في بــرزخ قاهر‪،‬‬ ‫(فرنســا)‪ ،‬أي‪ّ -‬‬ ‫هو الالمكان‪.‬‬ ‫نعــرج‪ ،‬فــي النهايــة‪ ،‬علــى‬ ‫والبــد أن‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫خاص ًة أن‬ ‫الناحيــة التجارية‪،‬‬ ‫حصريــاً‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫جائــزة الغونكور‪ ،‬رغم صيتها العالمي‪،‬‬ ‫مادّيــاً‪ -‬أكثــر مــن عشــرة‬ ‫ال تســاوي‪ّ -‬‬

‫أوروات (‪ 10‬أورو)‪ ،‬وأن قيمتها الحقيقية‬ ‫وتعدد‬ ‫تكمن فــي ارتفاع رقم المبيعــات‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫التحول‬ ‫الطبعات والترجمــات‪ ،‬واحتمال‬ ‫ُّ‬ ‫إلى الســينما‪ ..‬إلــخ‪ .‬وهكذا‪ ،‬فقــد أعلنت‬ ‫دار النشر الكبرى «غاليمار» الواقعة على‬ ‫جادة غاســتون‪-‬غاليمار‪ ،‬في الدائرة ‪17‬‬ ‫ّ‬ ‫في باريس‪ ،‬عن نفاذ الثمانين ألف نسخة‬ ‫التي طبعتها من روايتها «أغنية هادئة»‪،‬‬ ‫وتعتــزم طبع ضعف هــذا العدد لمواجهة‬ ‫طلبــات الســوق المتزايــدة‪ .‬يضــاف إلى‬ ‫ذلــك أنــه قــد بلــغ مــن التفــاف القــراء‬ ‫حــول أغنية ســليماني أن إحدى عشــرة‬ ‫دولــة اشــترت حقــوق ترجمتهــا‪ ،‬وذلك‬ ‫حتــى قبــل حصــول الكتاب علــى جائزة‬ ‫الغونكور الشهيرة‪ ،‬كما تسابقت وسائل‬ ‫اإلعالم الفرنســية الكبرى الســتجوابها‪،‬‬ ‫مثــل البرنامج التلفزي واســع االنتشــار‬ ‫(المكتبة الكبرى)‪ ،‬كما استضافتها القناة‬ ‫تبق مجلّة‬ ‫اإلذاعية (فرنسا الدولية)‪ ،‬ولم َ‬ ‫أو صحيفــة فرنســية‪ ،‬كبيــرة كانــت أم‬ ‫صغيرة‪ّ ،‬إل ســعت إلى إجــراء حوار مع‬ ‫أطباءها بادروا‬ ‫ليلى ســليماني حتى أن ّ‬ ‫إلى نصحها بالتزام االعتدال في الحركة‪،‬‬ ‫وعــدم اإلفــراط بالظهــور‪ ،‬فــي العموم‪،‬‬ ‫ألنهــا تنتظــر مولــودًا ثانيــ ًا مــن زوجها‬ ‫الفرنسي‪.‬‬ ‫وكان الوجــه الثقافــي الالمــع «بيرنــار‬ ‫بيفــو» الذي يرأس أكاديميــة الغونكور‪،‬‬ ‫تنبأ لرواية ليلى‬ ‫منذ أربعة عشر عاماً‪ ،‬قد َّ‬ ‫سليماني أن يتهافت عليها السينمائيون‪،‬‬ ‫خاصة‬ ‫لتحويلها إلى شــريط سينمائي‪ّ ،‬‬ ‫قوتها‬ ‫أن ّ‬ ‫كل شــيء فيهــا ِّ‬ ‫يؤهلهــا لذلــك‪ّ :‬‬ ‫الدرامية‪ ،‬وموضوعهــا المثير اجتماعياً‪:‬‬ ‫مربيــة تقتل طفَلْين ُعهِد إليها برعايتهما‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وذلــك على غــرار ما صــار مــع روايتها‬ ‫األولى «فــي حديقة الغــول» التي ُينتظر‬ ‫تحويلها إلى فيلم سينمائي‪.‬‬ ‫عموماً‪ ،‬إن األوســاط الثقافية الفرنســية‬ ‫الشابة بمستقبل زاهر‪،‬‬ ‫تتنبأ لهذه الكاتبة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المســتويْين‪ :‬اإلبداعــي‪ ،‬والتجاري‪.‬‬ ‫على‬ ‫َ‬ ‫تخيب آمالهــم في ذلك‪،‬‬ ‫لــن‬ ‫ويبــدو أنهــا‬ ‫ِّ‬ ‫فهــي تعتــزم إصــدار مجموعــة قصصية‬ ‫بعنوان «الشيطان يوجد في التفاصيل»‪،‬‬ ‫في بداية السنة القادمة (‪.)2017‬‬


‫الشابة ليلى سليماني في‬ ‫نجحت الكاتبة المغربية‪ -‬الفرنسية ّ‬

‫تهز ثوابت الجائزة الفرنسية العريقة «غونكور»‪ ،‬التي طالما‬ ‫أن ّ‬

‫أول عربية تحصل‬ ‫انحازت للرجال والكهول‪ ،‬لتصبح ســليماني‪ ،‬اليوم‪َّ ،‬‬ ‫عليها‪ ،‬عن روايتها الثانية «أغنية هادئة»‪.‬‬

‫«غونكور» الفرنسية‬ ‫بنكهة عربية شا ّبة‬ ‫دينا قابيل‬ ‫محطــات التليفزيون‬ ‫حيــن ســأَلْتها إحدى ّ‬ ‫عما إذا كانت جائعة‪ ،‬بينما كانت‬ ‫الفرنسية ّ‬ ‫ليلى ســليماني تلهــث في طريقها لتســلُّم‬ ‫جائزة «غونكور» األدبية الرفيعة‪ ،‬أجابت‬ ‫ليلــى باقتضــاب فرنســي‪« :‬ال أدري بماذا‬ ‫أشــعر على وجه الدقّة‪ ،‬لكنّي ســعيدة!»‪.‬‬ ‫يمت ِب ِصلة إلى أسئلة اإلعالم‬ ‫لم يكن األمر ّ‬ ‫الموجه إلى الفنّان‬ ‫السؤال‬ ‫الساذجة‪ ،‬مثل‬ ‫َّ‬ ‫«ليونــاردو دي كابريــو» الشــهير‪ ،‬عــن‬ ‫جائزة األوسكار‪ ،‬لكنه يعكس عدم معرفة‬ ‫ســليماني المــوروث الفرنســي وتقاليــد‬ ‫الجائزة الفرنســية العتيدة‪ ،‬رغم انتمائها‬ ‫إلــى الثّقافــة الفرنســية‪ ،‬منــذ طفولتهــا‪.‬‬ ‫فهناك تقليــد نخبوي صارم لـ«غونكور»‪،‬‬ ‫هــو اإلعــان عــن الجائــزة فــي مطعــم‬ ‫«درووان» في قلب باريس‪ ،‬وإعداد مأدبة‬ ‫مكونة من‬ ‫كية‪ -‬إن جاز التعبير‪َّ -‬‬ ‫طعــام َمَل ّ‬ ‫تســعة أطبــاق تمثِّــل المطبخ الفرنســي‪،‬‬ ‫تضــم الفائز مع‬ ‫شــديد األناقــة والتعقيد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أعضاء لجنة التحكيم‪.‬‬ ‫اســتطاعت المغربيــة ليلــى ســليماني‪،‬‬ ‫بروايتهــا «أغنيــة هادئــة»‪ ،‬أن تدخــل‪،‬‬ ‫باقتدار‪ ،‬عرين الجائزة شديدة الفرنسية‪،‬‬ ‫وأن تزلزل األرض الثابتة التي تنمو عليها‬ ‫جوائز «غونكور» منذ تأسيسها في ‪،1903‬‬ ‫فهــي تمثِّل المثلَّث غيــر المرغوب فيه بين‬ ‫شــيوخ النقّــاد والكّتــاب فــي األكاديمية؛‬ ‫وشــابة‪ ،‬أو‪ -‬كما‬ ‫وعربيــة‪،‬‬ ‫فهي امــرأة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫وصفتها الصحف الفرنسية‪ُ -‬وِلدت خارج‬ ‫األراضي الفرنســــــية‪ ،‬باإلشــــــــارة إلى‬ ‫‪ % 22‬من الحائزين على الجائزة من غير‬ ‫الفرنســيين‪ ،‬كما أنها ضمن ‪ ،% 11‬فقط‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫من النســاء الكاتبــات‪ ،‬فهــي الكاتبة رقم‬ ‫ال‬ ‫‪ 12‬على مدار تاريــخ الجائزة كلّه‪ ،‬فض ً‬ ‫المتقدمين‬ ‫عن تفضيــل الجائــزة للكّتــاب‬ ‫ِّ‬ ‫في العمر‪ ،‬بينما تبلغ ليلى ســليماني من‬ ‫العمــر ‪ 35‬عامــاً‪ ،‬وال تحمل‪ ،‬ضمن قائمة‬ ‫أعمالهــا‪ ،‬ســوى روايــة وحيدة ســابقة‪.‬‬ ‫ولم ينكــر رئيس أكاديمية «غونكور» هذا‬ ‫التغير الشامل الذي طرأ على الجائزة‪ ،‬إذ‬ ‫ُّ‬ ‫صرح بعد اإلعالن عنها‪« :‬تمنح أكاديمية‬ ‫ّ‬ ‫«غونكــور»‪ ،‬فــي العــادة‪ ،‬جائزتها لكتب‬ ‫تنتمي إلى الماضــي‪ .‬لكنها اختارت‪ ،‬هذا‬ ‫العــام‪ ،‬كتابــ ًا يتنــاول الحاضــر وايقــاع‬ ‫الحياة اليومية ومشكالتها‪ ،‬مثل موضوع‬ ‫والحب‪ ،‬داخل األسرة‪ ،‬إلى‬ ‫إسناد السلطة‬ ‫ّ‬ ‫المربية)‪.‬‬ ‫ة‬ ‫(شــخصي‬ ‫عنها‬ ‫غريب‬ ‫شــخص‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫يتعرفون‬ ‫قــر ًاء كثيرين ســوف‬ ‫َّ‬ ‫أعتقــد أن ّ‬ ‫إلى ذواتهم من خالل هذا الكتاب»‪.‬‬

‫الخروج عن المألوف‬ ‫ومثلما خرجت «غونكــور» عن المألوف‪،‬‬ ‫وبدت أكثر شباب ًا وجرأة‪ ،‬فإن صاحبتها‪-‬‬ ‫يغرد خارج الســرب‪،‬‬ ‫أيضــاً‪ -‬ظهرت كمن ّ‬ ‫باختيارهــا موضوع روايتهــا حول مقتل‬ ‫‪95‬‬


‫مربيتهما‪ ،‬كان قد عهد بهما‬ ‫طفَلْين على يد ِّ‬ ‫إليها زوجــان عامالن ينتميان إلى الطبقة‬ ‫البورجوازية الفرنسية‪.‬‬ ‫أي أن الكاتبــة التــي ُولــدت فــي الرباط‪،‬‬ ‫وتعلَّمــت في مدارســها‪،‬والتي لم ِ‬ ‫تأت إلى‬ ‫باريــس‪ ،‬الســتكمال دراســتها‪ّ ،‬إل منــذ‬ ‫خمســة عشر عاماً‪ ،‬اســتطاعت أن تدهش‬ ‫القراء ولجنة التحكيم‪ ،‬عن طريق كسرها‬ ‫ّ‬ ‫أليــة توقُّعــات مــن كاتبــة ذات أصــول‬ ‫ّ‬ ‫حاورها على‬ ‫تقولــه‬ ‫ما‬ ‫وهــو‬ ‫مغربيــة‪،‬‬ ‫لم ِ‬ ‫ُ‬ ‫بعبادو‪ ،‬في برنامج تليفزيوني ‪« :‬أعيش‬ ‫في فرنســا منــذ ‪ 15‬عاماً‪ ،‬وأعــي‪ -‬تماماً‪-‬‬ ‫مــا ُينَت َظــر منّــي فــي األدب؛ أي التعبيــر‬ ‫عــن مشــكلة الهويــة وروائــح المغــرب‪،‬‬ ‫عــن المــرأة واأللم والدم‪ ،‬عن هــذه الفتاة‬ ‫المغربيــة التــي نزحت إلى فرنســا‪ ،‬وهذا‬ ‫ممن قرأوا مخطوطة‬ ‫ما توقَّعه الكثيــرون َّ‬ ‫روايتي‪ .‬لكنــي وددت أن أدهش القارئ؛‬ ‫الكّتــاب المغاربــة ليســوا‬ ‫وأن أظهــر أن ُ‬ ‫الهوية أو‬ ‫قصــص‬ ‫عن‬ ‫للكتابة‬ ‫مضطريــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عن الفولكلور‪ ،‬بل يمكنهم أن يرووا ما هو‬ ‫عالمي؛ فالعالم ينتمي لنا أيضاً‪ ،‬ويمكننا‬ ‫أن نلتقطــه‪ ،‬مثلما يفعــل كاتب صيني أو‬ ‫إنجليزي أو من ّأية جنسية أخرى»‪.‬‬

‫سيرة الكاتبة‬ ‫ُوِلــدت ليلــى ســليماني فــي ‪ 3‬أكتوبــر‪/‬‬ ‫تشــرين األول‪ ،1981 ،‬في أسرة مغربية‬ ‫تتقن اللّغة الفرنســية‪ ،‬عــن أب يعمل في‬ ‫وأم جزائرية فرنســية‬ ‫المجــال المصرفي ّ‬ ‫تعمــل طبيبة‪ُ .‬ولد أبوها في مدينة فاس‪،‬‬ ‫ودرس فــي فرنســا‪ ،‬ثــم عاد إلى مســقط‬ ‫سبعينيات‬ ‫رأســه ليصبح وزير دولة في‬ ‫ّ‬ ‫القــرن الماضــي‪ ،‬ثم رأس أحــد البنوك‪،‬‬ ‫وارتبط اسمه بفضيحة مالية‪ ،‬سرعان ما‬ ‫المحرمات التي‬ ‫تم تجاوزها‪ ،‬وظلَّت مــن‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫التطرق إليهــا‪ ،‬وتوفِّي في‬ ‫ليلــى‬ ‫ترفــض‬ ‫ُّ‬ ‫أمــا والدتها فكانــت من الطبيبات‬ ‫‪ّ .2004‬‬ ‫األوليات في البالد‪.‬‬ ‫ّيــة العلوم‬ ‫درســت ليلى ســليمان فــي كلّ‬ ‫السياســية فــي باريــس‪ ،‬ثم في مدرســة‬ ‫ِّلة في‬ ‫فلور لفنون الدراما‪ ،‬وشــاركت ممث ً‬ ‫فيلم «المغرب المستيقظ» لنرجس النجار‪،‬‬ ‫فــي ‪ ،2006‬لكنها لم تجد نفســها في هذا‬ ‫تتجه إلــى الكتابة‬ ‫الطريــق‪،‬‬ ‫وقــررت أن َّ‬ ‫َّ‬ ‫الصحافيــة‪ ،‬وعملــت فــي مجلّــة «جــون‬ ‫معنية بالكتابة عن‬ ‫أفريــك»‪ ،‬حيث كانــت ّ‬ ‫شــمال إفريقيــا‪ .‬تزوجت في العام نفســه‬

‫موظــف فرنســي يعمــل فــي القطاع‬ ‫مــن َّ‬ ‫المصرفــي‪ .‬التحقــت ليلى ِب َوْرشــة كتابة‬ ‫نظمتها دار نشــر جاليمار‪ ��‬شريطة‬ ‫أدبية َّ‬ ‫أية من أعمال المشاركين‪ .‬وفي‬ ‫عدم نشــر ّ‬ ‫أم ًا لطفــل‪ ،‬فتركت العمل‬ ‫صــارت‬ ‫‪،2011‬‬ ‫ّ‬ ‫فــي المجلّة األســبوعية‪ ،‬وتفرغت لكتابة‬ ‫األول قد صدر‬ ‫ثاني عمل لها‪ .‬وكان عملها ّ‬ ‫عــن دار نشــر «جاليمــار» العريقــة‪ ،‬فــي‬ ‫‪ 2014‬بعنــوان «حديقــة الغول»‪ ،‬تناولت‬ ‫شــابة تعاني‬ ‫فيه ّ‬ ‫قصة صحافية وزوجة ّ‬ ‫من مرض السعار الجنسي‪ ،‬وكيف تعيش‬ ‫حياتْين منفصلَتْين‪ ،‬تغلِّفهما التعاسة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫تأثَّــرت الكاتبــة المغربية بأدب الشــرق‪،‬‬ ‫كما تأثَّرت بالعديد من الروايات العالمية‪.‬‬ ‫حينمــا كانــت طفلــة‪ ،‬كان والدهــا يقــرأ‬ ‫لهــا قصص ًا مــن «ألف ليلة وليلــة»‪ ،‬التي‬ ‫نصــ ًا تأسيســياً‪ ،‬لكنــه‪ -‬وفقــ ًا‬ ‫َتعّدهــا ّ‬ ‫للســليماني‪ -‬كتــاب ال يعرفــه الكثيريــن‬ ‫حق المعرفــة‪ ،‬نتيجة االهتمام بحفنة من‬ ‫ّ‬ ‫قصصــه‪ ،‬وتكرارهــا‪ ،‬وإهمــال أو حجب‬ ‫باقي القصص‪ ،‬بينمــا‪ -‬في حقيقة األمر‪-‬‬ ‫في استكشــاف قصــص جديدة فــي «ألف‬ ‫ليلــة وليلــة»‪ ،‬تتولّد دالالت جديــدة تبع ًا‬ ‫العــام الذي‬ ‫للعصــر‪ ،‬والمــكان‪ ،‬والمزاج‬ ‫ّ‬ ‫تتم فيه القراءة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أمــا تأثُّرها باألدب العالمي‪ ،‬فيأتي‪ ،‬على‬ ‫ّ‬ ‫الكّتاب الذين تهيم بهم‪« ،‬تشيخوف»‬ ‫رأس‬ ‫ُ‬ ‫شــخصياته» لكنــه «ال يحكم‬ ‫«يحب‬ ‫الــذي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عليهم»‪ ،‬ثم «شتيفان تزفايج» الذي كانت‬ ‫الحّد الــذي جعلها تقوم‬ ‫مولعــة به‪ ،‬إلــى َ‬ ‫برحلة إلى أوروبا الشرقية‪ ،‬من فيينا إلى‬ ‫براغ وإلى بودابســت‪ ،‬و‪ -‬أخيراً‪« -‬ميالن‬ ‫كونديرا» الذي اقتبست إحدى مقوالته في‬ ‫تصديرها لروايتها «في حديقة الغول»‪.‬‬

‫أغنية هادئة تخفي بركان ًا‬ ‫بعد عامين‪ ،‬وقّعت ليلى سليماني روايتها‬ ‫الثانية «أغنية هادئة»‪ ،‬التي القت نجاح ًا‬ ‫كبيرًا وســط الجمهور والنقَّــاد‪ ،‬فوصفها‬ ‫النقَّــاد بالروايــة المفزعــة‪ ،‬وشــبهوها‬ ‫بأســلوب «أجاثــا كريســتي» المثيــر‪ .‬إذ‬ ‫تفتتــح الروايــة بهــذه الســطور‪« :‬مــات‬ ‫ثوان‬ ‫الطفــل‪ .‬لــم يتطلَّب األمــر أكثر مــن ٍ‬ ‫أكــد الطبيــب أنه لم يتعــذَّب‪ .‬كان‬ ‫قليلــة‪َّ .‬‬ ‫السحاب‬ ‫وانزلق‬ ‫رمادي‪،‬‬ ‫غطاء‬ ‫فوق‬ ‫يرقد‬ ‫ّ‬ ‫المفكك الذي كان يطفو فوق‬ ‫الجســد‬ ‫على‬ ‫َّ‬ ‫أما أخته التي «ظلَّت َحّية حتى‬ ‫األلعاب»‪ّ .‬‬ ‫‪96‬‬


‫وصــول اإلســعاف»‪ .‬ومنــذ الصفحــات‬ ‫األولــى للروايــة‪ ،‬لــم تحــاول الكاتبة أن‬ ‫وهويتــه‪ ،‬بــل‬ ‫تخفــي حقيقــة القاتــل‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كشــفت‪ ،‬منــذ البدايــة‪ ،‬أن القاتــل ليــس‬ ‫المربيــة‪ ،‬ومــع ذلك‪ ،‬اســتطاعت‬ ‫ســوى‬ ‫ِّ‬ ‫ليلــى ســليماني أن ُت ْحكــم قبضتهــا على‬ ‫القــارئ‪ ،‬وتنجح في تشــويقه على مدى‬ ‫مئتــي صفحــة‪ ،‬عــن طريــق ســرد ّ‬ ‫جاف‬ ‫ومحايد‪.‬‬ ‫ترجــع األحــداث إلــى الــوراء بطريقــة‬ ‫الـ«فــاش بــاك» الســينمائية‪ ،‬فــي‬ ‫قررت‬ ‫قالــب تشــويقي اجتماعــي‪ ،‬حيــن َّ‬ ‫شــابة لطفلين‪ ،‬أن‬ ‫أم‬ ‫ّ‬ ‫«ميريــام»‪ ،‬وهــي ّ‬ ‫تعــاود عملهــا فــي مكتــب محامــاة‪ ،‬رغم‬ ‫تحفُّظــات زوجهــا‪ ،‬وبــدأ الزوجــان فــي‬ ‫مربية‪ .‬وبعد مقابالت عديدة‪،‬‬ ‫البحــث عن ِّ‬ ‫قــررا توظيــف «لويــز»‬ ‫دقيــق‪،‬‬ ‫وفحــص‬ ‫َّ‬ ‫التــي بــدا وجهها «أشــبه ببحر مســالم»‪،‬‬ ‫والتــي اســتطاعت‪ ،‬ســريعاً‪ ،‬أن تكســب‬ ‫تحتــل‪ -‬تدريجيــاً‪-‬‬ ‫حــب الطفليــن وأن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مكانــ ًا مركزيــ ًا داخل المنــزل‪ .‬ومع مرور‬ ‫الشــهور‪ ،‬تنجح لويز فــي ترويض أفراد‬ ‫المربية التي ال غنى عنها‬ ‫األسرة‪ :‬تصبح‬ ‫ِّ‬ ‫فــي األعباء المنزلية‪ ،‬واالعتناء باألبناء‪،‬‬ ‫وإعــداد الطعام‪ .‬ومع ذلــك‪ ،‬تظهر بعض‬ ‫النشــاز في السيمفونية المثالية‪،‬‬ ‫األنغام‬ ‫ّ‬ ‫مثل المباالة «لويز» أو وحدتها الشــديدة‪،‬‬ ‫ومثــل انغمــاس «ميريــام» فــي ســباق‬ ‫ممزقــة بيــن عاطفــة األمومــة‬ ‫محمــوم‪َّ ،‬‬ ‫ورغبتها فــي النجاح والتحقُّق في عملها‪.‬‬ ‫ووراء المظاهر والعالقات المثالية‪ ،‬تكمن‬ ‫وه َوس امرأة‬ ‫ّ‬ ‫الهــوة الثّقافية والطبقيــة‪َ ،‬‬ ‫تنجح في تحويل عالقة االعتماد المتبادل‬ ‫يتحول إلى مأساة‪.‬‬ ‫فخ‪ ،‬ســرعان ما‬ ‫إلى ّ‬ ‫َّ‬ ‫ومــن خــال الوصــف الدقيــق للزوجيــن‬ ‫لشــخصية‬ ‫الشــابين‪ ،‬والرســم المذهــل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المربيــة التي تتَل َّحــف بالغموض‪ ،‬يتبّدى‬ ‫ِّ‬ ‫الحب‬ ‫العصر الذي نعيشــه‪ ،‬بمفهومه عن ّ‬ ‫والتربية‪ ،‬وعن عالقات الســلطة والمال‪،‬‬ ‫وعن األفكار المســبقة فيمــا بين الطبقات‬ ‫والثّقافــات المختلفة‪ ،‬كما يشــير الناشــر‬ ‫الفرنســي‪ .‬وتروي ليلى سليماني نفسها‬ ‫لشاشــات التلفاز‪ ،‬عقب إعــان الجائزة‪،‬‬ ‫نســج‬ ‫عن انبهارها بعالقات القوى التي ُت َ‬ ‫المربية واآلبــاء واألبناء‪ ،‬وانجذابها‬ ‫بين‬ ‫ِّ‬ ‫لهــذه النوعية من النســاء‪ ،‬منــذ أن كانت‬ ‫يتم‬ ‫شــخصية‬ ‫فــي المغرب‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫المربية التي ّ‬ ‫تكليفهــا باالعتناء باألبنــاء بينما يتراوح‬

‫ً‪،‬كأم بديلــة‪،‬‬ ‫التعامــل معهــا‪ ،‬أحيانــا ّ‬ ‫و‪،‬أحيانــ ًا أخــرى‪ ،‬كخادمــة‪ .‬بينمــا‪ -‬في‬ ‫حقيقة األمر‪ -‬هي شــخص غريب‪ ،‬ال أحد‬ ‫يعرفه عن قرب‪.‬‬ ‫اســتوحت ســليماني موضــوع روايتهــا‬ ‫مــن صفحــات الحــوادث والمنوعــات‪،‬‬ ‫حيــن قــرأت يومــ ًا عن حــادث وقــع في‬ ‫مربية‬ ‫الواليــات ِّ‬ ‫المتحــدة األميركية عــن ِّ‬ ‫من «بوتوريكو» قامت بقتل األطفال الذين‬ ‫تفسر‬ ‫تعتني بهم‪ ،‬ولم تســتطع‪ ،‬أبداً‪ ،‬أن ِّ‬ ‫دوافع جريمتهــا‪ .‬نقلت المؤلِّفــة الجريمة‬ ‫إلــى باريــس‪ ،‬وكانــت فرصــة لترصــد‬ ‫عالقــة البورجوازيــة الفرنســية الجديدة‬ ‫بالصراع الطبقي‪ ،‬وأن تتناول سوداوية‬ ‫الهوس اإلنســاني؛ هي َم ْن كانت تســعى‬ ‫َ‬ ‫غيرت من‬ ‫ثم َّ‬ ‫يوم ًا لتكون محلِّلة نفســية‪ّ ،‬‬ ‫مســارها‪ ،‬وال مانع‪ -‬أيضاً‪ -‬من استرجاع‬ ‫بعض ذكريات الطفولة‪ ،‬في المغرب‪ ،‬عن‬ ‫شــهدتهن فيها‪،‬‬ ‫المربيــات ومواقف‬ ‫ّ‬ ‫عالــم ّ‬ ‫اعتصر لها قلبها «وددت أن استكشف هذه‬ ‫المذلّة والمهانة الممكنة‪ ،‬لكن‬ ‫المساحة من َ‬ ‫بغير تفســير أو تبرير لفعل القتل‪ ،‬ألني‪-‬‬ ‫بأي تبرير»‪ .‬لكنها‬ ‫ببساطة‪ -‬لست مقتنعة ّ‬ ‫شــخصية‬ ‫ية‬ ‫المرب‬ ‫شــخصية‬ ‫وجدت فــي‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫روائية بامتياز‪ ،‬كما أدركت أن هذا العالم‬ ‫ّ‬ ‫الــذي تمثِّلــه ليــس منغلقــ ًا علــى ذاته أو‬ ‫يخص طبقتها وحدهــا‪« ،‬بل إنه يعكس‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫برز‬ ‫وي ِ‬ ‫بشكل ما‪ ،‬طبيعة مجتمعنا اليوم‪ُ ،‬‬ ‫يشــجعها‬ ‫حقيقة عمل المرأة اليوم‪ ،‬حيث‬ ‫ِّ‬ ‫الجميع في خطابهم الرسمي‪ ،‬بينما ال أحد‬ ‫المســؤوليات‬ ‫يؤازرهــا أو يتقاســم معها‬ ‫ّ‬ ‫في تربية األبناء»‪.‬‬ ‫المدوي‪ ،‬و«غونكور»؟‬ ‫وماذا بعد النجــاح ّ‬ ‫لــن تتنــازل ســليماني عــن ولعهــا‬ ‫بالتحقيقــات الصحافيــة‪ ،‬حيــث تنتظــر‬ ‫صدور كتابها الجديــد «جنس وأكاذيب»‪،‬‬ ‫ســيدات‬ ‫الــذي تجمــع فيــه لقــاءات مــع ِّ‬ ‫مغربيات حول موضوع الجنس‪.‬‬ ‫ِّ‬

‫جائزة «غونكور» العريقة‬ ‫الكّتــاب‬ ‫أول ُ‬ ‫لــم تكــن ليلــى ســليماني َّ‬ ‫العــرب الذيــن حصلــوا علــى الجائــزة‪،‬‬ ‫فقــد ســبقها اللبناني أميــن معلوف‪ ،‬عن‬ ‫روايتــه «صخرة طانيــوس» في ‪،1993‬‬ ‫والمغربــي الطاهر بن جلون عــن «الليلة‬ ‫أول كاتبة‬ ‫َّ‬ ‫المقدســة»‪ ،‬في ‪ ،1987‬لكنهــا َّ‬ ‫وت َعــّد الجائــزة‬ ‫عربيــة تحصــل عليهــا‪ُ .‬‬ ‫شــهرة‪،‬‬ ‫األدبية الفرنســية األقدم واألكثر‬ ‫ً‬

‫يعبــرون‬ ‫وهدفهــا تكريــم الكّتــاب الذيــن ِّ‬ ‫وصية تركها‬ ‫باللغة الفرنســية‪ ،‬بموجــب‬ ‫ّ‬ ‫«إدموند دي غونكور» في ‪.1892‬‬ ‫تتكــون لجنــة التحكيــم فــي «غونكــور»‬ ‫ّ‬ ‫حالياً‪،‬‬ ‫ويرأســها‪،‬‬ ‫أعضــاء‪،‬‬ ‫عشــرة‬ ‫مــن‬ ‫ّ‬ ‫الكاتــب «برنار بيفــوه»‪ ،‬وتقوم أكاديمية‬ ‫«غونكــور» باإلعــان عــن الجائــزة‪،‬‬ ‫ســنوياً‪ ،‬في بداية شــهر نوفمبر‪/‬تشرين‬ ‫ّ‬ ‫شــهر ْي‬ ‫خــال‬ ‫تصفيــات‬ ‫بعــد‬ ‫الثانــي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ســـــبتمبر‪/‬أيـلول‪ ،‬وأكــتوبر‪/‬تــشــرين‬ ‫األول‪ ،‬للروايــات الصــادرة عــن العــام‬ ‫َّ‬ ‫تأسســت هــذه الجائــزة الرفيعة‬ ‫نفســه‪َّ .‬‬ ‫لمكافــأة «أفضل عمل نثري تخييلي صدر‬ ‫ويمنح‪ ،‬فقط‪ ،‬في الرواية‪.‬‬ ‫خالل العــام» ُ‬ ‫ومــع مرور الزمــن وانهيار قيمــة الفرنك‬ ‫التضخــم االقتصــادي‪،‬‬ ‫الفرنســي ومــع‬ ‫ُّ‬ ‫المخصــص للجائزة ذا قيمة‬ ‫صــار المبلغ‬ ‫َّ‬ ‫رمزيــة‪ ،‬هــي عشــرة يوروهــات‪ ،‬ويلجأ‬ ‫تيمن ًا‬ ‫بعــض الفائزين بوضعها في برواز ُّ‬ ‫بقيمتهــا‪ :‬األدبيــة‪ ،‬والمعنوية الفائقتين‪.‬‬ ‫غيــر أن الجائزة ليســت‪ ،‬فقط‪ ،‬معنوية‪،‬‬ ‫وأدبية‪ ،‬فلطالما كانــت ضمان ًا للنجومية‬ ‫والشــهرة الموعــودة منــذ نهايــة الحرب‬ ‫العالميــة األولــى‪ ،‬حيــث يعتلــي العمــل‬ ‫الفائــز قائمة (األعلــى مبيعــاً)‪ ،‬ويصبح‬ ‫ضمن الجوائز المنشودة‪.‬‬ ‫أمــا عــن أعضــاء أكاديميــة «غونكــور»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الكّتاب المرموقون في‬ ‫فمنذ ‪ 1914‬يلتقــي ُ‬ ‫مطعــم درووان‪ ،‬فــي الدائــرة الثانية في‬ ‫األول‬ ‫باريس‪ ،‬حيــث يجتمعون في الدور َّ‬ ‫عقد‬ ‫مــن البنايــة‪ ،‬فــي صالــون أدبــي‪ُ ،‬ي َ‬ ‫ويتم اإلعالن‬ ‫الثالثــاء َّ‬ ‫األول مــن الشــهر‪ّ ،‬‬ ‫أول نوفمبر‪ ،‬فإذا انقضت‬ ‫عن الجائزة في َّ‬ ‫عشــر جوالت تصويــت دون الوقوع على‬ ‫حــق رئيس األكاديمية‬ ‫الفائــز‪ ،‬يكون من ّ‬ ‫ثــان لتحديــد غالبيــة‬ ‫أن يدلــي بصــوت ٍ‬ ‫مرشح‬ ‫األصوات‪ ،‬أو لترجيح الكفّة نحو َّ‬ ‫بعينــه‪ .‬ومــن التقاليد الصارمــة للجائزة‬ ‫أنهــا ال يمكــن أن ُتَمنــح للكاتب نفســه ّإل‬ ‫مرة واحدة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وردًا علــى االنتقــادات المختلفــة التــي‬ ‫ّ‬ ‫ُو ِّجهــت إلــى «غونكــور»‪ ،‬قــام األعضاء‪،‬‬ ‫في ‪ ،2008‬بتغييــر بعض اللوائح‪ ،‬��ثل‬ ‫عدم الجمــع بين التحكيم والعمل في دور‬ ‫ال عن وضــع َحّد أقصى لعمر‬ ‫النشــر‪ ،‬فض ً‬ ‫المنضمين إلــى الجائزة حديثاً‪،‬‬ ‫األعضاء‬ ‫ِّ‬ ‫هو ‪ 80‬عاماً‪.‬‬ ‫‪97‬‬


‫حوار‬

‫فــي ســبتمبر‪/‬أيلول المنصرم‪ ،‬أعلن موقع دار النشــر «كاالمبو» اإلســبانية عــن صدور ترجمة‬ ‫تكرمه بوصفه‬ ‫إســبانية لرواية عبدالهادي ســعدون‪ِّ :‬‬ ‫«مذكرات كلب عراقي»‪ ،‬وخالل هذا الشــهر ِّ‬ ‫أهم شــخصية أجنبية متواصلة مع الثّقافة المكتوبة باللّغة اإلســبانية‪ ،‬في مدينة ســلمانكا اإلســبانية‬ ‫ّ‬ ‫الشعرية‪ ،‬عام‬ ‫ماتشادو‬ ‫أنطونيو‬ ‫جائزة‬ ‫على‬ ‫ســعدون‬ ‫حصل‬ ‫العالمي‪.‬‬ ‫اإليبروأميركي‬ ‫ــعر‬ ‫الش‬ ‫ومهرجان‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،2009‬ثم وسام االستحقاق للمنتدى العربي اإلسباني‪.‬‬ ‫ســعدون‪ ،‬المولــود عام ‪ 1968‬في بغــداد‪ ،‬والمقيم في مدريد‪ ،‬منذ عام ‪َ ،1993‬نَقل‪ ،‬من اإلســبانية إلى‬ ‫ألهم أدباء إسبانيا وأميركا الالتينية‪ ،‬مثل بورخس‪ ،‬ولوركا‪ ،‬وألبرتي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫العربية‪ ،‬أكثر من عشرين كتاب ًا ّ‬ ‫ملطخة باألحمر»‬ ‫وألكساندري‪ ،‬وخابير مارياس‪ ،‬وبيال ماتاس‪ ،‬وغيرهم‪ .‬صدر له‪« :‬اليوم يرتدي بدلة َّ‬ ‫(بالعربية وباإلســبانية)‪ ،‬و«ليس‬ ‫قصص‪ ،‬و«كنوز غرناطة» رواية لألطفال‪ ،‬و«تأطير الضحك» شــعر‬ ‫ّ‬ ‫(بالعربية وباإلســبانية)‪ ،‬و«عصفور الفم» شــعر‪،‬‬ ‫ســوى ريح» شــعر‪ ،‬و”انتحــاالت عائلة” قصــص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫(بالعربية واإلســبانية)‪ ،‬و«حقول‬ ‫و«الكتابة بالمســمارية» شــعر (باللّغة اإلســبانية)‪ ،‬و«دائماً» شــعر‬ ‫ّ‬ ‫و«مذكرات‬ ‫الغريب» منتخبات شــعرية (باإلســبانية) ‪ ،‬و«سقف ال يحيد» شعر (باإلسبانية والكتاالنية)‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫كلب عراقي»‪ ،‬رواية‪ ،‬و«توستاال»‪ ،‬قصص‪.‬‬ ‫(الدوحة) التقت بالكاتب والمترجم عبدالهادي سعدون‪ ،‬فكان هذا الحوار‪:‬‬

‫عبدالهادي سعدون‪:‬‬

‫ُّ‬ ‫الترشد!‬ ‫اإلسبانية أنقذتني من‬ ‫حوار‪ :‬أحمد رساج‬ ‫في روايتك «مذكِّرات كلب عراقي»‪ ،‬هل انحزت إلى‬ ‫النص كلباً‪ ،‬أم سرت على خطا‬ ‫االنتهاك‪ ،‬بجعلك بطل‬ ‫ّ‬ ‫التراث العربي في «كليلة ودمنة»‪ ،‬وأمثال الجاهلية على‬ ‫لسان الحيوان؟‬ ‫ روايتي «مذكِّرات كلب عراقي» أتعبتني جّدًا‪ ،‬قبل ان أجد لها‬‫الخاص‪ .‬كانت رغبتي أن أكتب عن العراق المعاصر من‬ ‫هيكلها‬ ‫ّ‬ ‫داخل العراق‪ ،‬الذي تركته بعد حرب الخليج األولى‪ ،‬ففي ّ‬ ‫كل‬ ‫مناخْين‪ ،‬هما‪ :‬مدريد‪،‬‬ ‫كتاباتي األخرى‪ ،‬هناك مزاوجة ما بين َ‬ ‫وبغداد‪ .‬في هذه الرواية أردت أن أرى بعيَن ْي (ليدر)‪ ،‬الكلب‬ ‫العراقي‪ ،‬ما جرى (وما يزال يجري) في بلدي الذي تناوشته‬ ‫أما (لماذا بعيَن ْي كلب)‪،‬‬ ‫المحن والتسلُّط والحروب واالحتالل‪ّ .‬‬ ‫فهذا ما ال أعرفه تماماً؛ إذ إن الجملة األولى‪ ،‬على لسانه‪،‬‬ ‫‪98‬‬

‫تجهزت في رأسي قبل كتابة الرواية بأكثر من خمس سنين‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫ألسطرها‪ .‬ثم كان سؤالي‪ :‬لو أني كتبتها على‬ ‫قبل أن أجلس‬ ‫الكّم الهائل من األعمال التي‬ ‫عن‬ ‫قها‬ ‫سيفر‬ ‫الذي‬ ‫لسان فرد‪ ،‬ما‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫تناولت الفترة نفسها؟ من هنا االنطالقة‪ ،‬ومن هنا اللعب‬ ‫الروائي‪ ،‬على لسان كلب يعيش ظروف العراقيين أنفسهم‪،‬‬ ‫التطرق‬ ‫الحرّية في‬ ‫ويكتوي بنارها‪ ،‬ومن هنا مساحة‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لمواضيع وحاالت غريبة‪َ ،‬مّر بها‪ ،‬وهي‪ -‬على كل حال‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫الشطارية‪ ،‬وحكايات المقامات‪ ،‬والتراث‬ ‫إحالة على الرواية‬ ‫األدبي على ألسنة الحيوانات؛ ليس عند العرب‪ ،‬فحسب‪ ،‬بل‬ ‫ما جاء في أعمال عالمية أخرى‪ ،‬قرأتها َّ‬ ‫واطلعت عليها قبل أن‬ ‫أنجزها‪ ،‬ومنها أثر ثربانتس الواضح عبر أنموذجه الروائي‬ ‫المذكور‪ ،‬بكثرة‪ ،‬في الرواية‪.‬‬ ‫الكلب (ليدر)‪ ،‬بطل الرواية هو‪ -‬في الحقيقة‪ -‬وجهنا اآلخر في‬


‫ظروف القهر البشري‪ ،‬حتى لو جاء قهره وشكواه على هيئة‬ ‫نباح متصاعد‪.‬‬ ‫حدثنا عن هذه اإلقامة‬ ‫أنت‬ ‫مستقر في إسبانيا‪ ،‬منذ ‪ِّ ..1993‬‬ ‫ّ‬ ‫المبكِّرة خارج العراق؟‬ ‫ درست اإلسبانية في العراق‪ ،‬وأنقذتني‪ ،‬بلغتها وآدابها‪،‬‬‫والتشرد؛ بأن أتاحت لي أن يحتضنني بلدها‪،‬‬ ‫من محنة النفي‬ ‫ُّ‬ ‫التطلُّع إليها في منبعها‪،‬‬ ‫ومن‬ ‫منها‬ ‫االستزادة‬ ‫وأن يتيح لي‬ ‫َ‬ ‫حتى الوصول إلى الشرب منه‪َ ،‬مَثلي َكَمثل أبنائها‪ .‬لم أجد‬ ‫لبلد ولغة‪ ،‬مثل العربّية التي منحتني الوالدة الحقّة‪ ،‬غير‬ ‫اإلسبانية لصيق ًا وبدي ً‬ ‫ال ومرادفاً‪ :‬تعلَّمت منها‪ ،‬وصقلتني‬ ‫بعوالمها‪ ،‬ونغمتها‪ ،‬وجذرها المتمكِّن‪ .‬كل يوم أشكر مصادفة‬

‫ً‬ ‫وسهلت لي‬ ‫ولغة‪ ،‬ألنها قد أنقذتني‬ ‫دراسة اإلسبانية‪ ،‬أدب ًا‬ ‫َّ‬ ‫والتطور‪ ،‬طوال أكثر من عشرين عاماً‪،‬‬ ‫حرّية العيش والتفكير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لما عرفت‪ -‬حقاً‪ -‬كيف‬ ‫لوالها‬ ‫الصدفة‪،‬‬ ‫هذه‬ ‫ومدنها‪.‬‬ ‫ناسها‬ ‫بين‬ ‫ّ‬ ‫توجهت‪ .‬اليوم‪،‬‬ ‫سيكون تاريخي القصير وإلى أّية وجهة كنت َّ‬ ‫أنظر إليها وكأنها تجربة تعود إلى فترة بعيدة‪ ،‬نسبّياً‪ ،‬لكنها‪-‬‬ ‫المكررة والمعادة لوصولي‬ ‫في الحقيقة‪ -‬هي تلك اللحظة‬ ‫َّ‬ ‫أبدي‪،‬‬ ‫خالص‬ ‫ابتسامة‬ ‫مع‬ ‫فيها‪،‬‬ ‫إليها‪ ،‬والنوم على فراش‬ ‫ّ‬ ‫محدد‪ .‬اإلسبانية وآدابها (في إسبانيا وأميركا‬ ‫وإنقاذ غير‬ ‫َّ‬ ‫الالتينية‪ ،‬بالطبع) زادي اليومي‪ ،‬والجذع الذي أستند عليه‪،‬‬ ‫بعد العربّية وثقافتها‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫تفضل أن ُتدعى مترجم ًا هاوي ًا (رغم احترافك) الترجمة‬

‫‪99‬‬


‫على مدى ربع قرن‪ ،‬فكيف تعمل؟ كيف تختار‬ ‫ما تترجم؟‬ ‫ أقول‪ :‬إنني مترجم غير محترف‪ ،‬ألنني‬‫أسع‪-‬‬ ‫مؤسسة‪ ،‬ولم‬ ‫غير متعاقد مع أّية‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫معينة من‬ ‫سة‬ ‫مؤس‬ ‫إلى‬ ‫إطالقاً‪ -‬للوصول‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫الشق‬ ‫أجل نشر ترجماتي‪ .‬ثم‪ ،‬بالنسبة إلى‬ ‫فرض‬ ‫ي‬ ‫الثاني من السؤال‪ ،‬أنا لم أترجم ما ُ َ‬ ‫األول واألخير هو‬ ‫علي من ترجمات‪ .‬والهدف ّ‬ ‫ّ‬ ‫اختياري الشخصي وذائقتي‪ ،‬بوصفي قارئ ًا‬ ‫يحدد اختياراتي‪.‬‬ ‫مهتم ًا باألدب‪ ،‬وهو ما‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ولو حسبنا األمر بالسنوات‪ ،‬فإن ما ترجمته‬ ‫مما قرأته‪ ،‬وحلمت‬ ‫ال يعادل جزءًا يسيرًا ّ‬ ‫بترجمته‪ ،‬ثم إنها سنين طوال مع اللّغة‬ ‫واألدب المكتوب باإلسبانية‪ّ ،‬‬ ‫وجل ما فعلته‬ ‫أنني كنت مواكب ًا لبعض ما أعجبني‪ ،‬وحريص ًا على توصيله‬ ‫مع إدراكي أنه قليل‪ ،‬وعلى اآلخرين أن يسعوا مثلي إلكمال‬ ‫ما تبقّى‪ .‬ليس َثّمة دور كبير لواحد مثلي‪ ،‬يعمل برغبته‪ ،‬غير‬ ‫جمعها مع تجارب أخرى مشابهة لتكتمل الصورة واإلنجاز‪،‬‬ ‫وهذا ما أراه‪ ،‬وما أعتقد به‪ ،‬منذ بدأت التجربة األولى‪.‬‬ ‫ترجمت «األغاني الغجرية» للوركا‪ ،‬في سلسلة المئة‬ ‫َ‬ ‫كتاب‪ .‬الترجمة بدا فيها الجهد الموسوعي والرؤية‬ ‫الواضحة‪ ..‬لماذا اخترت أن تفعل هذا‪ ،‬فيما يشبه اإلهداء‬ ‫للقارئ العربي؟‬ ‫ الفكرة جاءت من السلسلة نفسها‪ ،‬ممّثَل ًة بمديرها األستاذ‬‫األهم في‬ ‫الشاعر رفعت سالم‪ ،‬والهدف نقل األعمال المئة‬ ‫ّ‬ ‫عصرنا‪ ،‬من لغاتها األصلية إلى اللّغة العربّية‪ .‬معرفته‬ ‫بخاصة‪ -‬أجزاء كبيرة من‬ ‫بترجمتي السابقة للوركا‪ ،‬و‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫وشجعني على قبول‬ ‫«األغاني الغجرية» هو ما فكَّر به‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫المتفرقة‪،‬‬ ‫القصائد‬ ‫من‬ ‫العديد‬ ‫الفكرة‪ .‬سبق أن ترجمت للوركا‬ ‫ِّ‬ ‫من دواوين مختلفة‪ ،‬ولكن فكرة ترجمة «األغاني الغجرية»‬ ‫جادة ومتمكِّنة‪ ،‬إلهدائها إلى القارئ المصري‬ ‫ترجمة شعرية ّ‬ ‫ً‬ ‫حقيقة‪ -‬بسبب ما رأيته من نقوصات‬ ‫والقارئ العربي‪ ،‬جاءت‪-‬‬ ‫نص ًا لوركوّياً‪،‬‬ ‫نقلت‬ ‫التي‬ ‫السابقة‪،‬‬ ‫الترجمات‬ ‫وتحويرات في‬ ‫ّ‬ ‫أدعي‪ ،‬أبدًا‪ ،‬أن ترجمتي هي األفضل‪،‬‬ ‫مغايرًا تمام ًا لألصل‪ .‬ال َّ‬ ‫لكنني حاولت‪ ،‬عبرها‪ ،‬أن تكون األكثر قرب ًا من األصل‬ ‫اإلسباني‪ ،‬واألكثر التصاق ًا بالروح الشعرية‪ ،‬واإلنسانية‬ ‫لشاعر عظيم مثل لوركا‪ ،‬نعرف العديد من أعماله (إن لم‬ ‫أقل ّ‬ ‫مشوهة وناقصة عن‬ ‫كل اعماله)‪ ،‬والمؤسف أننا نعرفها‬ ‫َّ‬ ‫األصل‪.‬‬ ‫أين وصل مشروعك في ترجمات الشعراء اإلسبان‬ ‫المعاصرين‪ ،‬وغيرهم؟‬ ‫ّ‬ ‫(وستظل) من بين‬ ‫ ترجمة الشعر اإلسباني المعاصر‪ ،‬كانت‬‫‪100‬‬

‫المستمرة‪ .‬وأوائل الكتب كانت‬ ‫مشاريعي‬ ‫ّ‬ ‫لشعراء في كتب مستقلّة أو منتخبات شعرّية‬ ‫تطال أجيا ًال وعصورًا طويلة‪ ،‬تلك التي‬ ‫نشرت منها منتخبات لما بعد الحرب األهلّية‬ ‫المستقبلي‬ ‫اإلسبانية وحتى اليوم‪ ،‬وفي أملي‬ ‫ّ‬ ‫القريب أن أنشر أنطولوجيا قرن ونصف من‬ ‫الشعر اإلسباني‪ ،‬وهي أنطولوجيا ضخمة‪،‬‬ ‫تشمل بداية القرن العشرين حتى اليوم‪ .‬غير‬ ‫ذلك‪ ،‬نقلت للوركا‪ ،‬وأنطونيو ماتشادو‪،‬‬ ‫وبيكر‪ ،‬وخوان خمينث‪ ،‬وألبرتي‪ ،‬وبيثنته‬ ‫ألكساندر‪ ،‬وبورخس‪ ،‬وخلمان‪ ،‬والعديد‬ ‫من األسماء التي ال تحضرني اآلن‪ ،‬ناهيك‬ ‫عن كتب كاملة لشعراء إسبان‪ ،‬وأميركيين‬ ‫التينيين‪ ،‬أحياء معاصرين لنا‪ .‬أعلم‪ -‬كما‬ ‫ولكن موت الشعر‪ ،‬أو عدم‬ ‫ذكرت سابقاً‪ -‬أن الشعر أدب القلّة‪ّ ،‬‬ ‫قراءته‪ ،‬معناه موت الرقّة والشعور باإلنسانية ونبض الكلمة‬ ‫بخاصة‪ ،‬في‬ ‫بدْين كبير للشعر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الموحية‪ .‬كما أنني أشعر َ‬ ‫تهمني‬ ‫هذا‪،‬‬ ‫غير‬ ‫األولى‪.‬‬ ‫الترجمات‬ ‫سني‬ ‫ّ‬ ‫قراءاتي ومراني‪ ،‬منذ ّ‬ ‫ترجمة األعمال الروائية الحديثة والدراسات التي تتناول األدب‬ ‫نفسه أو التراث الشعبي للشعوب‪.‬‬ ‫تتصاعد دعاوى غربية عن عدم قدرة المهاجرين على‬ ‫«االندماج»‪ ،‬وأنهم‪ -‬بذلك‪ -‬يشكِّلون خطرًا يجب اتِّقاؤه؛‬ ‫فكيف ترى االندماج الحقيقي؟ وكيف ترى هذه الدعاوى؟‬ ‫ِبل الجميع‪ ،‬لمعنى االندماج‪ ،‬أقول‬ ‫ هناك فهم خاطئ‪ ،‬من قَ‬‫المضيف‪ّ .‬‬ ‫فكل واحد‬ ‫ل‬ ‫ب‬ ‫والمستق‬ ‫ر‬ ‫هاج‬ ‫للم ِ‬ ‫ِ ُ‬ ‫(الجميع) في إشارة ُ‬ ‫يرغب في أخذ اآلخر إلى جهته‪ ،‬دون حسبان للعديد من‬ ‫ِّ‬ ‫المؤشرات والنقاط الواجب دراستها وفهمها‪ ،‬قبل الخوض‬ ‫وم ْحوه وخلق شخصّية‬ ‫فيها‪ .‬لو كان االندماج هو َجّر اآلخر َ‬ ‫أخرى له‪ ،‬فهو الخطأ عينه‪ ،‬وال أعتقد أن عاق ً‬ ‫ال يفكِّر بذلك‪.‬‬ ‫أعتقد أن االندماج هو حفظ للهوّية والتطلُّع لتحسينها‪ ،‬من‬ ‫خالل التالقح والمشاطرة مع اآلخر‪ ،‬من أجل احتوائه وفهمه‬ ‫ُّ‬ ‫والتأثر سمتان إنسانّيتان‪ ،‬واالندماج‬ ‫والتواصل معه‪ .‬التأثير‬ ‫يأخذ منهما الكثير‪ .‬وغير ذلك يدخل في باب الدعاية والتخويف‬ ‫والتشكي والتطبيل العدائي السافر‪ .‬الهجرة‪ ،‬والمهاجرون من‬ ‫ّ‬ ‫سمات البشرّية‪ ،‬منذ عصور بعيدة‪ ،‬ولم أسمع‪ ،‬حتى اليوم‪،‬‬ ‫مهتم ودارس فاهم في هذه الموضوعة‪ ،‬ما يشير إلى‬ ‫ِبل ّ‬ ‫من قَ‬ ‫كونها ظاهرة مخيفة‪ ،‬ويضع السدود والعوارض أمامها‪.‬‬ ‫الخوف من اآلخر‪ ،‬أّي ًا كانت صفته وثقافته وميوله‪ ،‬هو دليل‬ ‫الحب‬ ‫الجبن وعدم االنفتاح‪ .‬علينا صياغة درس‬ ‫إنساني في ّ‬ ‫ّ‬ ‫والتكافل‪ ،‬كي يفهم أحدنا اآلخر‪ ،‬ودورنا‪ -‬بوصفنا مثقَّفين‬ ‫ِّ‬ ‫ومتوطنين‪ ،‬في ديار أخرى غير بلداننا‪ -‬يجعلنا‬ ‫ومهاجرين‬ ‫أكثر مسؤولّية في التأكيد على هذه المسلَّمات األساسية‪،‬‬ ‫والعمل عليها في ّ‬ ‫كل يوم‪.‬‬


‫«فيليــب فوريســت ‪»Philippe Fotest -‬‬ ‫أســتاذ األدب فــي جامعــة نانــت‪ ،‬منــذ عــام‬ ‫نقدية عديدة‪ ،‬نذكــر منها‪« :‬الحركة‬ ‫‪َ .1995‬أل َ‬ ‫َّــف كتبــ ًا ّ‬ ‫الســوريالية»‪ ،)1994( ،‬و«النصــوص والمتاهــات‪:‬‬ ‫جويــس‪ ،‬وكافكا‪،‬ومويــر‪ ،‬وبورخيــس‪ ،‬وبوتــور‪،‬‬ ‫وروب غرييــه»‪ ،)1995( ،‬و«تاريخ جماعة تل كل»‪،‬‬ ‫(‪ ،)1995‬و«كينزابــرو شــعلة متوقِّــدة» (‪،)2001‬‬ ‫المتكلم» (‪ ،)2001‬و«أراغو» (‪.)2015‬‬ ‫ورواية «ضمير ِّ‬ ‫ومــن مؤلَّفاتــه الروائيــة‪« :‬الطفلة الخالــدة» (جائزة‬ ‫فمينينــا‪ ،)1997 ،‬و«طــوال الليــل» (جائــزة كافور‪،‬‬ ‫‪ ،)2007‬و«ســاريناغرا» (جائــزة دجنبــر‪،)2004 ،‬‬ ‫و«الحب الجديد»‪ ،)2007( ،‬و«قرن السحب» (الجائزة‬ ‫ّ‬ ‫األدبية الكبرى التي تمنحها جمعية الطيران‪،)2011(،‬‬ ‫ّ‬ ‫و«قطــة شــرودنجر»‪ ،)2015( ،‬وروايتــه الجديــدة‬ ‫ّ‬ ‫«الفيضان» ‪.2016‬‬ ‫(الدوحــة) التقــت بالكاتــب والناقــد الفرنســي فيليب‬ ‫فوريســت‪ ،‬فكان هــذا الحوار حول تجربتــه النقدية‪،‬‬ ‫وتجربته السردية‪:‬‬

‫فيليب فوريست‬

‫الكتابة عن الذات‪ ،‬وحدودها‬ ‫حوار‪ :‬محمد الداهي‬

‫ابتدع سيرج دبروفسكي اسم ًا جديدًا هو «التخييل الذاتي»‪،‬‬ ‫عام ‪ ،1977‬يناسب ممارسته لنوع جديد من الكتابة‪ ،‬ويمأل‬ ‫يفوض المؤلِّف‪ ،‬بمقتضاها‪ ،‬شخصّية‬ ‫الخانة الفارغة التي ِّ‬ ‫خيالّية تحمل اسمه‪ ،‬السترجاع حياته الشخصية‪ .‬مازال هذا‬ ‫المفهوم يثير الجدل‪ ،‬ويبعث على ّ‬ ‫ِم في رأيك؟‬ ‫الشك‪ ،‬ل َ‬ ‫للحس‬ ‫ إذا كان المفهوم يثير الجدل‪ ،‬فهذا يؤكِّد عدم مجاراته‬‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عادة‪ -‬التمييز‬ ‫المشترك‪ ،‬ويوحي بالتناقض والمفارقة‪ .‬نقيم‪-‬‬ ‫يلح‬ ‫الجنسين‪:‬‬ ‫بين الرواية والسيرة الذاتية‪ ،‬بدعوى تعارض‬ ‫ّ‬ ‫ويصر الثاني على الطابع‬ ‫الخاصّية التخييلية‪،‬‬ ‫األول على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحقيقي‪ ،‬في حين يجلي التخييل الذاتي‪ -‬في اآلن نفسه‪-‬‬ ‫«مزيف»‪ّ ،‬‬ ‫أن ّ‬ ‫وكل شيء «حقيقي»‪ .‬وهذا ما يربك‬ ‫كل شيء‬ ‫َّ‬

‫المقوالت المعتادة‪ .‬وهنا‪ -‬بالضبط‪ -‬يكمن مربط الفرس‪.‬‬ ‫والمزيف‪ ،‬إلى‬ ‫تلتبس العالقة في التخييل الذاتي بين الحقيقي‬ ‫َّ‬ ‫درجة يمكن لطرف أن ّ‬ ‫يتحول الحقيقي إلى‬ ‫يحل في نقيضه‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫تخييل‪ ،‬ويصبح التخييل حقيقة‪ .‬ليس هذا معطى جديدًا‪ .‬نعيد‪،‬‬ ‫خاصّية األدب كما ُع ِّبر عنها في مختلف األعمال‬ ‫فقط‪ ،‬اكتشاف ّ‬ ‫والعصور‪.‬‬ ‫أصبح المفهوم ُيستعمل من باب التقليعة‪ ،‬في مختلف‬ ‫الفضاءات‪( :‬الصحافة‪ ،‬والسينما‪ ،‬والتلفزة‪ ،‬والرسوم‬ ‫يؤدي إلى‬ ‫المتحركة)‪ّ .‬أل ترون أن تداوله‪ -‬على عواهنه‪ -‬قد ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ابتذاله؟‬ ‫‪101‬‬


‫صحيح أن المفهوم أضحى تقليعة‪ ،‬تبدو‪ ،‬أحياناً‪ ،‬كما لو كانت‬‫المزيف عن ثقافة التسلية التي شاعت في ربوع‬ ‫التعبير األدبي‬ ‫َّ‬ ‫جراء‬ ‫المعمور‪ ،‬ووصلت ذروتها مع اإلنترنت والتلفزة‪ ،‬من ّ‬ ‫انتشار شبكات التواصل االجتماعي‪ ،‬وتلفزة الواقع‪ ،‬والبرامج‬ ‫تحول ٌّ‬ ‫وي‪ ،‬نراهن‬ ‫كل منا إلى موضوع ُفْر َج ّ‬ ‫الحوارية‪ .‬وهكذا‪ّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫شخصيتنا‪ ،‬وهي تمثل النماذج الفارغة والقابلة‬ ‫عليه إلثبات‬ ‫َّ‬ ‫للتبادل التي تفرضها علينا إيديولوجية الفرجة‪ .‬إن ضمير‬ ‫المتكلِّم موجود في ّ‬ ‫تحو ًال‬ ‫كل مكان‪ ،‬لكنه ال‬ ‫يتجسد ّإل بوصفه ُّ‬ ‫َّ‬ ‫أتصوره‪-‬‬ ‫كما‬ ‫الذاتي‪-‬‬ ‫فالتخييل‬ ‫إشهارية‪.‬‬ ‫رقمي ًا أو صورة‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ليس امتدادًا أدبيا للفيسبوك وما يماثله‪ ،‬بل هو ترياق يقاوم‬ ‫النرجيسية المستهلكة‪ ،‬في فكر يتَّسم بالقلق والتعقيد وتدمير‬ ‫الذات‪ ،‬والحياة‪.‬‬ ‫بـ«التشبه والتصنُّع»‪،‬‬ ‫كتب جون بودريار كتاب ًا موسوم ًا‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫المزيف ّ‬ ‫محل األصيل‪ ،‬وأن‬ ‫يحل‬ ‫عام ‪ ،1981‬إلثبات أن‬ ‫َّ‬ ‫المصطنع ينسخ الحقيقي‪ّ .‬أل ترون أن المشروع التخييلي هو‬ ‫شبه يخفي الواقع‪ ،‬وأن الوهم‪ -‬بحسب جون بودريار‪-‬‬ ‫مجرد َت ُّ‬ ‫ليس ممكناً‪ ،‬بدعوى أن الواقع أصبح‪ -‬هو اآلخر‪ -‬غير ممكن؟‬ ‫كنت أضع شخصي المتواضع على مسافة من هذه القامة‬ ‫ إن ُ‬‫أكن له التقدير‬ ‫فإنني‬ ‫عديدة‪،‬‬ ‫العتبارات‬ ‫العظيمة‪،‬‬ ‫الفكرّية‬ ‫ّ‬ ‫متأسف ًا عن الشروع في نسيانه‪ ،‬رغم أنه من كبار‬ ‫واإلجالل‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫المفكِّرين في الوقت الراهن‪ .‬وهذا ال يعني أنه كان صائب ًا في‬ ‫ّ‬ ‫التحول الذي نعيشه اآلن‪:‬‬ ‫كل ما صدر عنه‪ .‬لقد واكب‪ -‬بعمق‪-‬‬ ‫ُّ‬ ‫التشبه‬ ‫جمالية‬ ‫واستبدال‬ ‫االفتراضي‪،‬‬ ‫في‬ ‫الواقعي‬ ‫انصهار‬ ‫ُّ‬ ‫بجمالية التمثيل‪ ،‬مع مراعاة ما يستتبعه ذلك من تناسل الزيف‪،‬‬ ‫التصور‪ ،‬بدعوى استحالة‬ ‫وانطماس األصيل‪ .‬أنا أعارض هذا‬ ‫ُّ‬ ‫اختفاء الواقع ‪ .‬وهذا ما سبق لجاك الكان أن دعمه بالحجج‪،‬‬ ‫يبين أن الولوج إليه‬ ‫مبين ًا أن الواقع هو ما يعود دوماً‪ .‬وهو ما ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫يتم ّإل بما نصنعه من تمثيالت‪ ،‬وما ننسجه من تخييالت‪،‬‬ ‫ال ّ‬ ‫تتخلَّلها تجارب الواقع التي ُتحدِث دوماً‪ -‬بحسب جورج باتاي‪-‬‬ ‫وتصدعات حيث ُتختبر الحقيقة كما لو كانت دورانا‪ .‬أنا‬ ‫ُهّوات‬ ‫ُّ‬ ‫مقتنع‪ ،‬دائماً‪ ،‬بأنها على هذه الشاكلة‪ .‬أتعامل مع التخييل‬ ‫حداثي‪ .‬بطبيعة الحال‪ ،‬ينبغي‬ ‫الذاتي كما لو كان تمرين ًا ما بعد‬ ‫ّ‬ ‫قدم لنا الواقع التخييل‪ ،‬لكن‪ -‬بالمقابل‪ -‬علينا أن‬ ‫إبراز كيف ُي ِّ‬ ‫نبين أن التخييل ليست له قيمة ّإل في نطاق أنه يستجيب‬ ‫ِّ‬ ‫للواقع‪ ،‬ويكشف الحقيقة التي تعطي لألدب معنًى‪.‬‬ ‫‪102‬‬

‫يتميز التخييل الذاتي عن مفاهيم أخرى تتاخم المجال‬ ‫ِب َم َّ‬ ‫وخاصة‬ ‫الشخصي‪،‬‬ ‫األدب‬ ‫إطار‬ ‫ً‪-‬في‬ ‫ا‬ ‫عموم‬ ‫يندرج‪-‬‬ ‫نفسه (ما‬ ‫ّ‬ ‫الالتخييل‪ ،‬وفق التخييل والسرد الذاتي)؟ وكيف يمكن أن‬ ‫نضبط الحدود بين التخييل الذاتي وباقي الممارسات التي‬ ‫تتقاسم السمات نفسها‪ ،‬تقريباً؟‬ ‫الجامعيين الذين يحرصون أكثر‬ ‫تهم‬ ‫ِّ‬ ‫ يبدو أن هذه األسئلة ّ‬‫على ضبط مفهوم التخييل الذاتي وحصر مجاله‪ .‬فهم ‪ -‬بحكم‬ ‫اختصاصهم ومجالهم‪ -‬يميلون إلى الشكالنية؛ ما يحفِّزهم‬ ‫على البحث في التسميات والتعريفات‪ ،‬وتحديد األجناس‬ ‫وإقامة الحدود بينها‪ ،‬ورسم الجداول لتمييز الثوابت عن‬ ‫أتقيد بالتعريف الذي سبق لي أن أدليت به‪ ،‬وهو‬ ‫متغيراتها‪َّ .‬‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫إلي‪ .‬إن أفضل المؤلَّفات‪ -‬في نظري‪ -‬هي التي‬ ‫بالنسبة‬ ‫كاف‬ ‫ّ‬ ‫تنّد عن التصنيفات المدرسية الحريصة على سجنها داخل‬ ‫ضيقة‪ ،‬وإن خاب ظنُّها في ذلك‪ .‬ليس التخييل الذاتي‬ ‫إطارات ِّ‬ ‫جنس ًا أدبياً‪ ،‬بل هو لفظ يسعف على إبراز أن األدب الحقيقي‬ ‫يتموقع‪ ،‬دوماً‪ ،‬بين التعريفات التي تسعى إلى ضبطه‪.‬‬ ‫ست‬ ‫أنت ّ‬ ‫وكر َ‬ ‫ملم باألدب الياباني الذي حظي باهتماماتك‪َّ ،‬‬ ‫ً‬ ‫يتميز بها مفهوم‬ ‫الخاصّية التي‬ ‫جملة من مؤلَّفاتك‪ .‬ما‬ ‫له‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫التخــيـــيــل الذاتــــــــي مــــــــا يماثــــــل اللــــفظ اليابــــــــــاني‪:‬‬ ‫“‪ ”Watakushishōsetsu‬في األدب الياباني؟ وما المواضيع‬ ‫اليابانيين؟‬ ‫الكتّاب‬ ‫التي تستأثر أكثر باهتمام ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ بدأ اهتمامي باألدب الياباني منذ خمسة عشر سنة‪ .‬أعتقد‬‫ً‬ ‫أسوة بروالن بارث‪ ،‬وميشيل بوتور‪ -‬أن ألفت‬ ‫أنني استطعت‪-‬‬ ‫االنتباه إليه‪ .‬وهو ما َعزَّز‪ ،‬في األدب الفرنسي‪ ،‬تقليعة جديدة‬ ‫أو نزعة سياسّية جديدة‪ .‬لقد حرصت ‪ -‬فيما كتبته‪ -‬على إبراز‬ ‫المكانة التي يحظى بها التخييل الذاتي في األدب الياباني‪،‬‬ ‫وخاصة رواية «ضمير المتكلِّم» التي ظهرت في القرن العشرين‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫متأثرة بالحداثة الروائية الغربية‪.‬‬ ‫أبين الحدود الموجودة بين هذا الجنس‬ ‫حاولت‪ -‬ما أمكن‪ -‬أن ِّ‬ ‫الضيقة‬ ‫الياباني والتخييل الذاتي‪ ،‬حتى أخرج عن المجاالت‬ ‫ِّ‬ ‫(خاص ًة في فرنسا) العالقة بين الرواية‬ ‫تهم‬ ‫ّ‬ ‫والرتيبة التي ّ‬ ‫ص كتبته‪ ،‬في هذا الصدد‪ ،‬يعود إلى‬ ‫أول َن ّ‬ ‫والسيرة الذاتية‪َّ .‬‬ ‫عام ‪ ،1999‬واستعرت عنوانه من مقتطف ذائع الصيت في‬ ‫يصرح فيه مارسيل بروست بأن معظم‬ ‫« ضّد سانت بوف»‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫األعمال الرائعة مكتوبة باللّغة األجنبية‪ ،‬وعندما نقرؤها‬


‫نتورط في معاكسة المعنى‪ ،‬ويرى‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬أن المعاني‬ ‫َّ‬ ‫المعاكسة تسرق األنظار‪ ،‬لروعتها‪ .‬وهي حقيقة تنسحب على‬ ‫وخاصة حين َّ‬ ‫ّ‬ ‫يطلع القارئ الفرنسي على أدب‬ ‫كل اآلداب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫غريب‪ ،‬كاألدب الياباني‪.‬‬ ‫مما يلفت النظر‪ ،‬في روايتكم « الطفلة الخالدة»‪،1997 ،‬‬ ‫ّ‬ ‫موضوع رحيل ابنتكم وهي في الرابعة من عمرها‪ ،‬بسبب‬ ‫ُ‬ ‫مرض عضال َأَل َّم بها‪َ .‬أ َسَرْدتم وقائع حقيقية على طريقة‬ ‫سيرج دبروفسكي؟‬ ‫ ليس على طريقته‪ .‬لم أكن‪ ،‬في هذه الفترة‪َّ ،‬‬‫مطلع ًا على‬ ‫إلي‪ -‬أنموذج ًا للسير على‬ ‫أعماله‪ ،‬وهو ال يمّثل‪ -‬بالنسبة ّ‬ ‫هداه‪ .‬أميل أكثر إلى نماذج من عيار بليز سوندراس‪ ،‬ولويس‬ ‫فرديناند سيلين‪ ،‬وروالن بارث‪ ،‬وفيليب سولرس‪ .‬ما حكيته‪،‬‬ ‫مستلهم من الواقع‪ .‬لم يكن قصدي‪ ،‬في أثناء‬ ‫في هذه الرواية‪،‬‬ ‫َ‬ ‫محدد‪ .‬كانت غايتي‬ ‫أقيد نفسي في جنس أدبي َّ‬ ‫كتابتها‪ ،‬أن ِّ‬ ‫أعبر عن عنف التجربة التي عانيت شّدتها ومرارتها‪ ،‬مع‬ ‫أن ِّ‬ ‫إلي‪ ،‬وإثبات شهادة‬ ‫أسدتها‬ ‫التي‬ ‫للحق��قة‬ ‫الوفاء‬ ‫على‬ ‫الحرص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تستحق دور البطولة‪ .‬غالب ًا ما تكون‬ ‫عن وجود الطفلة التي‬ ‫المحرضة على الكتاب من خارج األدب‪.‬‬ ‫الحوافر‬ ‫ِّ‬ ‫تناولتم‪ ،‬من جديد‪ ،‬موضوع الرحيل في روايتكم « قرن‬ ‫ِم اعتنيتم بموضوع الحزن ؟ وكيف َوفَّقتم‬ ‫ُّ‬ ‫السحب»‪ .2010 ،‬ل َ‬ ‫التجربتين‪ :‬الشخصية‪ ،‬والجماعية؟‬ ‫بين‬ ‫ْ‬

‫ ّ‬‫وي َؤ َّطر ضمن‬ ‫كل عمل من أعمالي يتولَّد عن تجربة مريرة‪ُ ،‬‬ ‫أدب الحزن‪ .‬موت طفلة يثير أسئلة عصّية‪ ،‬يصعب إيجاد‬ ‫أجوبة شافية لها؛ لذا اضطررت إلى أن أعود إليه؛ حرص ًا‬ ‫على مساءلة الالمعنى المطلق الذي يحاصرنا‪ .‬لكن‪ ،‬كل تجربة‬ ‫تحملها بطريقة مغايرة‪ .‬تناولت‪ ،‬في هذه الرواية‪،‬‬ ‫تفرض علينا ُّ‬ ‫يهم رحيل والدي‪ .‬كان طّياراً‬ ‫تجربة الحزن من منظور آخر‪ّ ،‬‬ ‫حربي ًا في صفوف الطيران األميركي‪ ،‬ثم طّيارًا تابع ًا للخطوط‬ ‫ً‬ ‫ممزوجة بالطيران الذي‬ ‫التجارية الفرنسية‪ .‬استرجعت حياته‬ ‫أسميها‬ ‫التي‬ ‫الطوباوية‬ ‫كان‪ ،‬في نظري‪ُ ،‬يعّد آخر المنجزات‬ ‫ّ‬ ‫«القرن العشرين المتقادم»‪ .‬فمختلف الكوارث الشخصية‬ ‫والكوارث الجماعية‪ ،‬ومختلف المعتقدات الدينية والمعتقدات‬ ‫الخاصة بالشعوب واألمم‪ ،‬تأخذ معنًى بالنظر إلى‬ ‫السياسّية‬ ‫ّ‬ ‫هذا العدم الذي يواجهه الوضع البشري‪ ،‬باستمرار‪.‬‬ ‫سردتم‪ ،‬في رواية «ساريناكرا ‪،»Sarinagra- (2004( -‬‬ ‫تجربة ثالثة فنّانين يابانّيين‪ ،‬مع توضيح ما يشتركون‬ ‫تتشخص‪ -‬في‬ ‫فيه‪ ،‬بمعزل عن أّية غرابة متصنَّعة‪ .‬كيف‬ ‫َّ‬ ‫نظركم‪ -‬العالقة بين الثقافتين‪ :‬الناظرة‪ ،‬والمنظور إليها؟‬ ‫مبين ًا كيف‬ ‫ أردت أن أنقل ّ‬‫آخرْين‪ِّ ،‬‬ ‫قصتي إلى فضاء وزمن َ‬ ‫تحملت آالمها إثر‬ ‫التي‬ ‫نفسها‪،‬‬ ‫التجربة‬ ‫عاش ثالثة فنّانين‬ ‫َّ‬ ‫رحيل ابنتي‪ .‬يتجلّى الطابع التجريبي لهذه الرواية في تقاطع‬ ‫األشكال األدبّية‪ :‬الفرنسية‪ ،‬واليابانية‪ ،‬وتالقحها‪ .‬أردت‪،‬‬ ‫بهذا الصنيع‪ ،‬أن أضفي الغربة على معاناتي‪ ،‬وإن كنت أومن‬ ‫بكونّية القيم ووحدة الجنس البشري‪ّ .‬‬ ‫يظل الحزن‪ -‬طبعاً‪ -‬على‬

‫حاله‪ ،‬وإن ُع ِّبر عنه بصيغ متباينة‪ ،‬في مختلف الثقافات؛ لهذا‬ ‫حاولت الرواية أن تزيل غشاوة الغرابة التي تقترن‪ -‬عموماً‪-‬‬ ‫يتميز به هذا البلد عن بلدنا‪ .‬أينما‬ ‫بموضوع اليابان‪،‬‬ ‫وتبين ما َّ‬ ‫ِّ‬ ‫تظّل المأساة هي نفسها؛ ما يستدعي األدب للتعبير‬ ‫حللنا‪َ ،‬‬ ‫عنها‪.‬‬ ‫الحب الجديد»‪ )2007( ،‬عن(الوشائج‬ ‫كشفتم‪ ،‬في روايتكم « ّ‬ ‫ِم تعّد الرواية‬ ‫ل‬ ‫المفتقدة‪..‬‬ ‫الطمأنينة‬ ‫الخطيرة) السترجاع‬ ‫َ‬ ‫للحب؟‬ ‫الفضاء األثير ّ‬ ‫«الحب الجديد» رواية عن الحزن‪ ،‬وهي‪ -‬في اآلن نفسه‪-‬‬ ‫‬‫ّ‬ ‫يعبر عن تجربة الفقدان والنقصان‪.‬‬ ‫رواية الرغبة‪ .‬كالهما ِّ‬ ‫وهو ما يؤكِّده المحلِّل النفسي‪ .‬ويرى مارسيل بروست‪ ،‬من‬ ‫أي شيء باالمتالك الجسدي‪ .‬قد يصدم‬ ‫جانب آخر‪ ،‬أننا ال نملك ّ‬ ‫أصر على استحالة‬ ‫ذلك‬ ‫ومع‬ ‫القراء‪،‬‬ ‫هذا الموضوع بعض‬ ‫ّ‬ ‫استقر عليها األدب منذ‬ ‫حب‪ .‬وهي بديهية‬ ‫وجود رواية بدون ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األقل‪.‬‬ ‫«تريستان‪ ،»Tristan -‬و«إيزولت‪ ،»Yseult -‬على‬ ‫َّ‬ ‫أتوغل أكثر ما‬ ‫نحب‪ .‬أريد أن‬ ‫نقرأ‪ ،‬ونكتب‪ ،‬ألننا‪ -‬ببساطة‪ّ -‬‬ ‫وخاصة ما يتعلَّق بالجنس‪.‬‬ ‫الحب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أمكن في اكتشاف إحساس ّ‬ ‫كل رواية جديدة تحفِّزنا على استرجاع ما كابدناه‪ .‬وفي ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل‬ ‫نحس أكثر بتمزُّق‬ ‫مرة‪ ،‬تجعلنا المتعة‪ ،‬وكذلك السعادة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حياتنا المحتوم‪.‬‬ ‫كرستم جزءًا كبيرًا من مساركم النقدي‪ ،‬ومساركم التعليمي‬ ‫َّ‬ ‫الحميمي‪ .‬ماذا تعني لكم هذه التجربة المزدوجة (النقد‬ ‫لألدب‬ ‫ّ‬ ‫أسعفْتكم إلعداد مشاريعكم المستقبلّية؟‬ ‫وفيم‬ ‫َ‬ ‫والرواية)؟ َ‬

‫ أجد توازن ًا نفسي ًا في التنقُّل بين الرواية والنقد‪ .‬ال يمكن‬‫قصة‪،‬‬ ‫لي أن أعيش دون أو أقوم‪ -‬في الوقت نفسه‪ -‬بسرد ّ‬ ‫والتفكير في قضّية ما‪ .‬ليست دراساتي مرآة لرواياتي‪،‬‬ ‫والعكس صحيح‪ّ .‬‬ ‫المادة السابقة‪،‬‬ ‫ص جديد ينطلق من ّ‬ ‫كل َن ّ‬ ‫أتحدث‪،‬‬ ‫لكنه يعيد استثمارها في اتِّجاه مغاير‪ .‬ولهذا أوثر أن‬ ‫َّ‬ ‫في كتبي‪ ،‬عن فكرة «االستئناف» بالمعنى ِ‬ ‫الملغز الذي يقترحه‬ ‫كييركارد للمفهوم «ذكرى تستشرف المستقبل»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫«قط شرودنجر» (‪Le chat de« - )2012‬‬ ‫روايتي‬ ‫قصة فلسفية تستلهم إحدى مفارقات‬ ‫‪ ،»Schrödinger‬هي ّ‬ ‫الفيزياء الكوانتية‪ ،‬بالتركيز على ّ‬ ‫قط يجمع‪ -‬في اآلن نفسه‪-‬‬ ‫الحياتْين‪:‬‬ ‫ويؤدي دور رسول متنقِّل بين‬ ‫بين الحياة والموت‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بقصة الحزن في رحلة‬ ‫ً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫األمر‪-‬‬ ‫َّق‬ ‫ويتعل‬ ‫الدنيا‪ ،‬واآلخرة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الخيال العلمي (ستظهر لي‪ ،‬قريباً‪ ،‬رواية جديدة هي «الفيضان»‬ ‫(‪ ،)2016‬تحكي عن غرق مدينة؛ ما أودى بحياة كثير من البشر)‬ ‫وقد تمكَّن السارد من الصعود إلى سطح العمارة الصامدة‪،‬‬ ‫حيث صادف ّ‬ ‫يتتبع ما يحدث في األسفل‪ .‬ما راود السارد‪،‬‬ ‫قط ًا َّ‬ ‫في هذا المشهد المأساوي‪ ،‬أن البعض يرحل‪ ،‬والبعض اآلخر‬ ‫ينتظر َأ َجله‪ ،‬فانتابه‪ -‬حيئنذ‪ -‬إحساس بما سيحدث‪ ،‬وال يدرك‬ ‫يصر على‬ ‫كنهه‪ ،‬هو يعرف أشياء‪ ،‬لكنه يؤثر كتمانها؛ فلماذا ّ‬ ‫البقاء هنا‪ ،‬مادام العالم آي ً‬ ‫ال إلى الزوال؟‬ ‫‪103‬‬


‫قراءات‬

‫«أصابع لوليتا»‬ ‫نفي السيرة وحضور التخييل‬ ‫ُ‬ ‫د‪.‬ميمون سهيلة *‬

‫ُي َعّد الروائي الجزائري واســيني األعرج‬ ‫ممن ارتبطــت كتاباتهــم بالكتابة‬ ‫واحــدًا َّ‬ ‫األقــل‪ ،‬فــي عنصرهــا‬ ‫رية‪،‬على‬ ‫ّ‬ ‫الســي ًّ‬ ‫َ‬ ‫الخارجي المتــاح للجميع‪ ،‬ففي كثير من‬ ‫رواياته يستعير الروائي السارد ليصبح‬ ‫لســان حاله‪ ،‬ظاهريــاً‪ ،‬وتصبح الرواية‬ ‫روائياً‪.‬‬ ‫حديث ًا للذات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫رواية «أصابع لوليتا» من آخر ما أصدر‬ ‫واســيني األعــرج‪ ،‬عــن دار اآلداب‪ ،‬بعد‬ ‫ّقافية‪،‬‬ ‫أن كانــت قد صــدرت في دبــي الث ّ‬ ‫العدد ‪ ،82‬شــهر مارس‪ ،2012 ،‬قبل أن‬ ‫تصدر عن دار اآلداب‪ ،‬ســبتمبر‪،2012 ،‬‬ ‫الحــر فــي الجزائــر‪ ،‬وهي‬ ‫ودار الفضــاء‬ ‫ّ‬ ‫الرواية التــي أحدثت ســجا ًال كبيرًا على‬ ‫خاص ًة أنها كانت‬ ‫مدار سنة ‪ 2012‬كلِّها‪ّ ،‬‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫مرشــحة للفوز بجائزة البوكر‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫الست عشرة رواية‬ ‫بين‬ ‫من‬ ‫اختيارها‬ ‫بعد‬ ‫ّ‬ ‫الممثِّلة للقائمة الطويلة‪.‬‬ ‫«أصابــع لوليتــا»‪ ،‬للروائــي الجزائــري‬ ‫واسيني األعرج‬ ‫روايــة إنســانية بامتيــاز‪ ،‬فيهــا مــن‬ ‫العناصر الســير ذاتية واالشتغال الفنّي‬ ‫‪104‬‬

‫مــا جعلها مثــار اهتمــام النقــد العربي‪،‬‬ ‫وتدخــل فــي صلب أســئلتنا التــي تقول‬ ‫الــذات وال تلتصــق بها‪ ،‬وتوفِّــر العنصر‬ ‫الفــن والتخييل‪ .‬الملمح‬ ‫المضاد لها؛ أي ّ‬ ‫ّ‬ ‫الذاتــي ال يصنــع‪ -‬بالضــرورة‪ -‬ســيرة‬ ‫كل ما يطرحه واســيني في هذه‬ ‫ذاتيــة‪ّ .‬‬ ‫يشــكل‬ ‫وموضوعيــاً)‬ ‫(ذاتيــ ًا‬ ‫الروايــة‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حي ًا بالنســبة إليه‪ ،‬كما‬ ‫انشــغا ًال مركزي ًا ّ‬ ‫مميزاً‪.‬‬ ‫يشكل‪ -‬أيضاً‪ -‬جهدًا‬ ‫ِّ‬ ‫روائي ًا َّ‬ ‫ّ‬

‫أن تكتــب الــذات معنــاه أن تنســجها في‬ ‫تصحيحي يعيد تشــكيلها‪،‬‬ ‫تقويمي‬ ‫أفــق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ري‬ ‫ويمثِّلها في أفق‬ ‫سي ّ‬ ‫ّ‬ ‫أدبي‪ ،‬ال َ‬ ‫ســردي ّ‬ ‫بحــت‪ .‬تطــرح روايــة «أصابــع لوليتا»‬ ‫الحــب‬ ‫قضيــة فلســفية وإنســانية عــن‬ ‫ّ‬ ‫المطلــق‪ ،‬وعــن الكراهيــة المطلقــة‪ .‬من‬ ‫ّ‬ ‫الحواف الكبرى‪:‬‬ ‫هنا‪ ،‬تنشأ وقائعها على‬ ‫الحــق والظلم‪ ،‬العقل‬ ‫الحــب والكراهية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والجنــون‪ ،‬المــوت والحيــاة‪ ،...‬وقــد‬ ‫اختار الكاتب لروايته شــخصية من عالم‬ ‫الموضة‪ :‬عارضــة أزياء (وهو موضوع‬ ‫تتلون أسماؤها‬ ‫جديد على األدب العربي) ّ‬ ‫بتلون ألبستها وعطورها‪ ،‬وأمكنتها التي‬ ‫ُّ‬ ‫نوة‪ ،‬إلى مالك‪ ،‬إلى اللو‪،‬‬ ‫تزورهــا‪ :‬من ّ‬ ‫شــخصية مليئة بالحياة‪ ،‬ال‬ ‫إلى لوليتا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫شــيء منعها من االنتحــار الذي اختارته‬ ‫لمواجهــة جرحهــا العميــق‪ّ ،‬إل الصدفة؛‬ ‫تحبه‪ ،‬رواية‬ ‫صدفة اللقاء مع ّ‬ ‫أدبي ّ‬ ‫نص ّ‬ ‫وقعت بين يديها‪ ،‬ليونس مارينا‪ ،‬الكاتب‬ ‫المالحق من طرف األجهزة الغامضة من‬ ‫َ‬ ‫المخابــرات أحيانــاً‪ ،‬وفــي أحيان أخرى‬ ‫من طــرف اإلرهاب الــذي أصبح بأوجه‬ ‫متعددة‪ :‬من إرهاب الجماعات المسلَّحة‪،‬‬ ‫ِّ‬


‫إلــى اإلرهــاب غيــر المرئي‪ .‬تدمــن على‬ ‫حبه‪ ،‬حتى قبل‬ ‫كتبه لدرجــة أن تقع في ِّ‬ ‫وصدقت بوجوده حتى التبس‬ ‫أن تــراه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫عليها الخيال بالواقع‪.‬‬ ‫تكشــف الرواية‪ ،‬شيئ ًا فشيئاً‪ ،‬ما يتخفّى‬ ‫طفولي‪،‬‬ ‫وراء وجــه ملكوتــي‪ ،‬وســحر‬ ‫ّ‬ ‫وغموض يشــتعل‪ ،‬في الخفاء‪ ،‬في شكل‬ ‫كل الرجال‪،‬‬ ‫رغبــة َّ‬ ‫مبطنــة لالنتقام مــن ّ‬ ‫مبكــر‪ ،‬بال‬ ‫ســن‬ ‫في‬ ‫اغتصبهــا‬ ‫ومــن أب‬ ‫ّ ِّ‬ ‫رحمــة‪ ،‬قبــل أن ُيصاب هو اآلخر بشــلل‬ ‫نهائياً‪ ،‬عــن عمله التجاري‬ ‫كلّــي أقعده‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تســتثمر‬ ‫بيــن الجزائــر وأندونيســيا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫لكل خير‪،‬‬ ‫خفية معادية ّ‬ ‫هشاشــَتها ِقوى ّ‬ ‫المخدرات‪ ،‬وتهريب‬ ‫هي مزيج مــن مافيا‬ ‫ِّ‬ ‫والتطرف‬ ‫األســلحة‪ ،‬وتجارة الجنــس‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫الدينــي‪ ،‬تلتقــي جميعهــا فــي الدائــرة‬ ‫المشــتركة‪ ،‬لتصفيــة الكاتــب يونــس‬ ‫سياســية غير‬ ‫مارينــا‪ ،‬الذي قادته لعبة‬ ‫ّ‬ ‫محســوبة إلى المنافي‪ ،‬هرب ًا من اغتيال‬ ‫َظّل يطارده حتى النهاية‪.‬‬ ‫ــمي يونس‬ ‫بيــن مدينة مارينــا‪ ،‬التي س‬ ‫ُ ِّ َ‬ ‫باســمها‪ ،‬وباريــس‪ ،‬وفرانكفــورت‪،‬‬ ‫كل مسارات‬ ‫وجاكارتا‪ ،‬وطوكيو‪،‬‬ ‫تتحدد ّ‬ ‫َّ‬

‫الرواية وأمكنتها‪ ،‬وانتشــاء «لوليتا» في‬ ‫تتحول إلى‬ ‫عز نجــاح عروضها‪ ،‬قبل أن‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫قنبلــة موقوتة‪ ،‬ال أحد يعلم متى تنفجر!‬ ‫لتقف‪ ،‬في نهايــة الرواية‪ ،‬وجه ًا لوجه‪،‬‬ ‫أمام الكاتب الذي صنعت له مئات الصور‬ ‫الملونــة في ذهنهــا لنكتشــف أنها كانت‬ ‫َّ‬ ‫مكلَّفــة بقتله‪ .‬لكنها تلمــس فيه الصو��ة‬ ‫اإلنســانية العاليــة‪ ،‬الغائبة لــدى القَتلة‬ ‫زجوا بها نحو الجريمة‪ .‬في لحظة‬ ‫الذين ّ‬ ‫تفضل أن‬ ‫الفصــل واالختيــار األخيــرة‪ِّ ،‬‬ ‫المس بشــــخصية ال‬ ‫ِّ‬ ‫تفجــر نفســـها على ّ‬ ‫ّ‬ ‫مشهدية‪،‬‬ ‫في‬ ‫وتموت‬ ‫قلمها‬ ‫إل‬ ‫لها‬ ‫ســاح‬ ‫ّ‬ ‫عز‬ ‫هــي أقــرب إلــى فعــل القرابيــن فــي ّ‬ ‫التراجيديــا اليونانيــة التــي يذهــب فيها‬ ‫النــاس نحو الموت‪ ،‬بأمل تجســيد حياة‬ ‫حب ًا وأكثر عدالً‪.‬‬ ‫أكثر ّ‬ ‫ثمــة نمطان من الســيرة الذاتية‪ :‬أحدهما‬ ‫ّ‬ ‫متخيل‪.‬‬ ‫واآلخر‬ ‫معيشة‪،‬‬ ‫بتجربة‬ ‫مرتبط‬ ‫َّ‬ ‫كما أن هناك أسلوبين في كتابة السيرة‬ ‫األول الشعر والنثر‪ ،‬ويمثِّل‬ ‫الذاتية‪:‬يمثِّل َّ‬ ‫كل‬ ‫الثاني‪ -‬على سبيل المقابلة‪ -‬الرواية‪ّ .‬‬ ‫النص‪ ،‬حتى أصبح‬ ‫هــذا اجتمع في هــذا ّ‬ ‫مــن الصعب الفصــل بينها‪ .‬العــودة إلى‬

‫تبيــن العالقة الوشــيجة بين‬ ‫الميثاقيــن ِّ‬ ‫تبين‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫حياة الكاتب وما َ‬ ‫كتَبه‪ ،‬كما ِّ‬ ‫النص‪ ،‬بل‬ ‫درجــة التنافر‪ ،‬بحيث يرفض ّ‬ ‫ري ًا فقط‪.‬‬ ‫سي ّ‬ ‫يقاوم‪ ،‬بقّوة‪ ،‬لكي ال يكون َ‬ ‫النــص نحو منطقة‬ ‫الجهــد الفنّي لســحب‬ ‫ّ‬ ‫االلتباس واضح‪ .‬وحينما تكون الرواية‬ ‫وفضــاء إبداعيــ ًا للكتابــة‬ ‫جنســ ًا أدبيــ ًا‬ ‫ً‬ ‫لما‬ ‫عــن التجارب المعيشــة‪ ،‬خصوصــ ًا ّ‬ ‫بقضيــة مرتبطــة بصميم‬ ‫يتعلّــق األمــر‬ ‫ّ‬ ‫الوجود اإلنساني ومصيره‪ ،‬فإنها تجعل‬ ‫والمتخيــل واعيــاً‪.‬‬ ‫متخيــاً‪،‬‬ ‫الواقعــي‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫نفســي‬ ‫وينطلــق فعل الكتابة على إيقاع‬ ‫ّ‬ ‫وتراجيــدي‪ .‬ليــس هنــاك ما هو‬ ‫درامــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أشــّد وقعــ ًا على نفــس الــراوي‪ ،‬من أن‬ ‫يتعــرض لعملية إرهــاب‪ ،‬ويعيش على‬ ‫إثرها تجربة المــوت‪ ،‬فيكتب عن الموت‬ ‫بعدمــا عاش تجربتــه‪ُ .‬كتبت لــه الحياة‬ ‫مــن جديد‪ .‬لكن‪ ،‬هل تلك حياة واســيني‬ ‫وحــده؟ وهــل أســباب المغــادرة األولى‬ ‫للجزائــر لبطــل الرواية عاشــها الكاتب؟‬ ‫كأي جزائــري‪ ،‬لكن‬ ‫األكيــد أنــه عاشــها ّ‬ ‫واســيني‪ ،‬ســنة ‪ ،1965‬كان عمــره ‪11‬‬ ‫سنة‪ ،‬وكان يدرس وقتها في ثانوية ابن‬ ‫‪105‬‬


‫زرجب‪ ،‬في تلمسان‪ ،‬ولم يغادر الجزائر‬ ‫ّإل في ‪( 1994‬كمــا تقول وثيقتنا األولى‬ ‫فــي الميثــاق المرجعــي) إثــر التهديدات‬ ‫اإلســاموية‪ ،‬وهــو ما َي ِســم الســجالية‬ ‫الســرّية المباشــرة‪ .‬لكــن‪ ،‬فــي الجزئية‬ ‫ّ‬ ‫الثانيــة من حياة يونــس مارينا‪ ،‬عندما‬ ‫بحجة‬ ‫يحكــم عليه اإلســاميون بالموت ّ‬ ‫س الــذات اإللهيــة‪ ،‬الكثير من الشــبه‪،‬‬ ‫َم ّ‬ ‫وكذلك في عنوان الرواية‪ ،‬ســبب األذى‬ ‫الحقيقي‪« :‬عرش الشــيطان» االختالف‪،‬‬ ‫فقط‪ ،‬أن واسيني لم يصدر‪ ،‬أبداً‪ ،‬رواية‬ ‫بهــذا العنــوان‪ ،‬وإن اعتــرف بوجودهــا‬ ‫لديــه‪ .‬لكن ما يرويــه يونس مارينا يكاد‬ ‫يكــون شــبيهاً‪ -‬بالضبــط‪ -‬بمــا حصــل‬ ‫«ســيدة المقــام» التــي أصدرها‬ ‫لروايــة‬ ‫ِّ‬ ‫واســيني فــي الفترة اإلرهابيــة‪ ،‬وكانت‬ ‫نــص يعلــن عــن ذلــك‪ ،‬وقــد َع َّرفت‬ ‫أول ّ‬ ‫َّ‬ ‫القراء‪ ،‬في الوطن‬ ‫لدى‬ ‫ة‪،‬‬ ‫بقــو‬ ‫بالكاتب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربــي وفــي العالــم‪ ،‬وكشــفت لهــم ما‬ ‫كان يدور في بلد انغلق على نفســه‪ ،‬من‬ ‫تتبع مثل‬ ‫تذبيح وتقتيل‬ ‫يومي‪ .‬أعتقد أن ُّ‬ ‫ّ‬ ‫هذه المسارات (وهي كثيرة في «أصابع‬ ‫النص يحتاج‬ ‫لوليتا»)‪،‬‬ ‫وتحوالتها داخل ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫األهمّية‪،‬‬ ‫إلى زمن أكبر‪ ،‬وهــي في غاية ّ‬ ‫مــر ًة أخرى‪ -‬أنــه علينا‪ -‬ونحن‬ ‫وتثبت‪ّ -‬‬ ‫نجيره‪ ،‬قسراً‪ ،‬إلى‬ ‫السي ّ‬ ‫ري‪ -‬أن ال ِّ‬ ‫َّ‬ ‫نتتبع َ‬ ‫السيرة الذاتية‪ ،‬فاألمر أكثر تعقيدًا وأكثر‬ ‫نتصور‪.‬‬ ‫مما‬ ‫أدبية وتخيي ً‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫فمــا هــي حقيقــة التجربــة اإلبداعيــة؟‬ ‫التخيليــة فــي هذه‬ ‫ومــا قيمــة الوظيفــة‬ ‫ُّ‬ ‫التجربة؟ومــا انعكاســها علــى الســيرة‬ ‫الذاتية؟‬ ‫إن رواية «أصابع لوليتا» تحاول مقاربة‬ ‫اإلجابــة عن تلــك التســاؤالت بطريقتها‬ ‫الخاصة‪ .‬يــرى فيليب لوجون أن‬ ‫ّيــة‬ ‫ّ‬ ‫الفنّ‬ ‫مبني على‬ ‫السيرة الذاتية نوع من األدب ّ‬ ‫اســتيثاقي‬ ‫انتمائي‬ ‫الثقــة؛ أي هو نــوع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ذاتي‪ ،‬في بداية‬ ‫يتطلَّب من الكاتب السير ّ‬ ‫نصــه‪ ،‬إيجــاد نوع مــن الميثــاق الذاتي‬ ‫ّ‬ ‫يتضمــن االعتــذارات والتوضيحــات‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فالميثــاق الروائــي يتمظهــر فــي لبوس‬ ‫الخيــال‪ ،‬ويظهــر الميثاق الســير الذاتي‬ ‫‪106‬‬

‫تظل‬ ‫فــي لبــوس الحقيقــة‪ ،‬ورغم ذلــك ّ‬ ‫الحــدود الفاصلــة بيــن الســيرة الذاتيــة‬ ‫واألجناس السردية القريبة منها زئبقية‬ ‫وغيــر واضحــة‪ ،‬خصوص ًا أنهــا تتبادل‬ ‫فيما بينها األساليب اإلنشائية والتقنيات‬ ‫ّية‪.‬‬ ‫الفنّ‬ ‫بقــوة‪ ،‬علــى عالــم‬ ‫انفتحــت الروايــة‪ّ ،‬‬ ‫يقــر الكاتــب‬ ‫الموضــة والجمــال‪ ،‬الــذي ّ‬ ‫لكن صدفــ ًا جميلة‬ ‫أنــه لم يكــن عالمــه‪َّ ،‬‬ ‫واســتثنائية قادته إلى ذلــك‪ ،‬من خالل‬ ‫لقائــه بعارضتيــن‪ :‬األولــى طالبتــه في‬ ‫الجامعة «ميشــا» اليابانية التي تشتغل‪-‬‬ ‫أيضــاً‪ -‬في عالــم الموضــة‪ ،‬و«هدايات»‬ ‫الجزائرية‪،‬وقــد اعتــرف لهمــا الكاتــب‬ ‫بالتقديــر والعرفان‪ ،‬كمــا ذكرنا ذلك في‬ ‫ــن أن بداية‬ ‫الميثــاق المرجعــي الــذي َب َّي َ‬ ‫الروايــة بلقــاء الكاتــب يونــس مارينــا‬ ‫مــع لوليتــا‪ ،‬لــه مقابلــه الموضوعــي‬ ‫في لقــاء واســيني بـ«هيــدا»‪ ،‬بالطريقة‬ ‫نفســها‪ ،‬ولكــن بتفاصيــل أخــرى فــي‬ ‫الروايــة‪ .‬أصبحــت الجزائــر العاصمــة‬ ‫هــي فرانكفورت‪ ،‬وأصبحــت «هيدا» هي‬ ‫«لوليتــا»‪ ،‬لكــن مســارات الرواية ذهبت‬ ‫إلــى حالــة التخييــل المعقَّــدة التــي لــم‬ ‫ِ‬ ‫غيرت‪-‬‬ ‫تكتف بتغيير أمكنة الســيرة‪ ،‬بل َّ‬ ‫أيضــاً‪ -‬الحياة بكاملهــا‪ ،‬واألحداث التي‬ ‫حدثــت فــي المعــرض‪ ،‬وخارجــه‪ ،‬فــي‬ ‫معــرض الكتاب الدولي بالجزائر‪ ،‬والتي‬ ‫أعــاد الروائــي تركيبها وبناءهــا‪ .‬يقول‬ ‫نصــه االعترافــي الملحق‬ ‫واســيني فــي ّ‬ ‫بالرواية‪« :‬لم يكن عالم الموضة عالمي‪،‬‬ ‫أي انشغال بالنسبة‬ ‫ولم يكن‬ ‫ِّ‬ ‫يشــكل لي ّ‬ ‫ّإل منذ ســنوات قليلة‪ ،‬عندما اكتشــفت‪،‬‬ ‫فجأة‪ ،‬أن قصة الموضة‪ -‬أكثر من كونها‬ ‫ً‬ ‫مجــرد ألبســة وعطور وجلود وبشــرات‬ ‫ّ‬ ‫الحرّيــة األكثــر‬ ‫هاجــس‬ ‫هــي‬ ‫ناعمــة‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫أناقــة‪ ،‬بامتياز‪ .‬من هنا‪ ،‬يرى واســيني‬ ‫حرّية‬ ‫أن الموضة هي شــكل من أشــكال ّ‬ ‫الفرد‪ ،‬ألنها تتعامل مع جماله وهشاشته‬ ‫وشــروخه الداخلية وهواجســه‪ ،‬بل مع‬ ‫عالقتــه الجدليــة جــّدًا مــع جســده‪ ،‬فقد‬ ‫حــررت «كوكو شــانيل» المرأة‪ ،‬بشــكل‬ ‫َّ‬

‫مــا‪ ،‬حينما أعارتهــا الســروال الذي كان‬ ‫حكــرًا على الرجــل‪ ،‬ألنهــا رأت أن امرأة‬ ‫حرة في لباســها ال يمكــن أن تكون‬ ‫غيــر ّ‬ ‫حــرة فــي تفكيرهــا‪ ،‬مطلقــاً‪ .‬ال تتحقَّــق‬ ‫ّ‬ ‫الحرّية‪ ،‬فقط‪ ،‬بتغيير النظم االجتماعية‬ ‫ّ‬ ‫السياسية‪ ،‬والعمل على تحقيق‬ ‫والنظم‬ ‫ّ‬ ‫والحق‪،‬‬ ‫مبــادئ الديموقراطيــة والعدالة‬ ‫ّ‬ ‫الحق في الجمال‪،‬‬ ‫فالحرّية هي‪ -‬أيضــاً‪ّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫والحب‪ ،‬أي‬ ‫وامتالك الجســد‪ ،‬والعطــر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تهتم بها‬ ‫الحــق فــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل التفاصيل التــي ّ‬ ‫الموضــة‪ .‬لكــن‪ ،‬حتى فــي التالقي الذي‬ ‫سيبدو طبيعي ًا بين حياة حقيقية وحياة‬ ‫تتدخــل األنــا المتعاليــة(‪)1‬‬ ‫افتراضيــة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫المبطنــة علــى المنع‬ ‫لتذكرنــا بقدراتهــا‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫وعلى الرقابــة‪ ،‬للحّد مــن تعبيرات األنا‬ ‫سرّية‬ ‫وتمرير أســرارها‬ ‫ّ‬ ‫الخفية عبر لغة ّ‬ ‫مغيــرة لنظــام الحيــاة‬ ‫مشــفَّرة‪ ،‬لكنهــا ِّ‬ ‫المعهود‪.‬‬ ‫قضية‬ ‫تثيــر الروايــة‪ ،‬فــي جانب آخــر‪ّ ،‬‬ ‫الحساسة جّداً‪ ،‬والتي‬ ‫ُت َعّد من المواضيع ّ‬ ‫ا مــن المواضيــع المحظور‬ ‫بقيــت طويــ ً‬ ‫الضيقة؛‬ ‫الحديث عنها َعَلن ًا ّإل في الدوائر‬ ‫ِّ‬ ‫ألنها ترتبــط بقيم الثورة واالســتقالل‪،‬‬ ‫وهــي موضوع عالقة الرئيــس أحمد بن‬ ‫بلّــة (الرايس بابانــا)‪ ،‬والرئيس هواري‬ ‫بومدين(العقيــد)‪ ،‬وهــي عالقــة شــديدة‬ ‫التعقيد واإلثــارة‪ ،‬تبدأ باالّتفــاق بينهما‬ ‫علــى االرتــداد علــى الحكومــة َّ‬ ‫المؤقتة‪،‬‬ ‫عــام ‪ ،1962‬األمر الــذي انتهى بانتخاب‬ ‫أول رئيــس‬ ‫الرئيــس أحمــد بــن بلّــة‪َّ ،‬‬ ‫للجزائر المستقلّة‪ .‬لم يكن لرجل عسكري‬ ‫مــن طينــة الرئيــس هــواري بومدين أن‬ ‫ويتعود‬ ‫مدنــي‪،‬‬ ‫يقبــل بحكم رجل شــبه‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫عليــه‪ ،‬فــكان أن انقلــب عليه بعــد ثالثة‬ ‫سنوات‪ ،‬فيما ُس ِّمي بالتصحيح الثوري‪،‬‬ ‫مهمــة الحكــم علــى‬ ‫تتولّــى الروايــة ّ‬ ‫ال َ‬ ‫فلكل منهما‬ ‫أي من‬ ‫الشخصيَتْين‪ّ ،‬‬ ‫وطنية ٍّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ما أنجزت‪ ،‬وللتاريخ والشعب الحكم في‬ ‫بقــوة‪ ،‬أمام‬ ‫ذلــك‪ .‬لكن‬ ‫ّ‬ ‫النــص يضعنا‪ّ ،‬‬ ‫حقائق التاريخ‪ ،‬ال لكي نحكم عليها‪ ،‬بل‬ ‫لنفهمها‪ .‬وقد أخذ واســيني األعرج كثيرًا‬ ‫مما جاء في الرواية على لســان الرئيس‬ ‫ّ‬


‫بن بلّة (كما ذكرنا في الميثاق المرجعي)‪،‬‬ ‫مــن معلومــات وحقائق‪ ،‬ســمعها منه‪،‬‬ ‫مباشــرة‪ ،‬فــي لقائه به في برشــلونة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الــذي جــاءت تفاصيله في فصــل رواية‬ ‫كل ذلــك على‬ ‫أمــي الحمــراء»‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫«كوفيــة ّ‬ ‫لســان يونس مارينا‪ ،‬الذي يعكس كثيرًا‬ ‫حياتيــة للكاتب‪:‬‬ ‫مــن صفــات وتفاصيل‬ ‫ّ‬ ‫«أنا بين الحقيقة الموضوعية والحقيقة‬ ‫اإلبداعيــة التــي يمكــن‪ ،‬مــن خاللها‪ ،‬أن‬ ‫أدمــج الحقيقة داخــل التخييل‪ ،‬لتصبح‬ ‫نســبياً‪-‬‬ ‫ضمن مجــال الرواية‪ ،‬وتغادر‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫مسار التاريخ‪ ،‬وال تبقى منها ّإل عالمتها‬ ‫األساســية‪ ،‬كاســم الرئيــس‪ ،‬واســم‬ ‫العقيــد‪ ،‬وبعــض اللحظــات التراجيدية‬ ‫التي بنت عليها الرواية جزءًا من منجزها‬ ‫التخييلي‪.»..‬‬ ‫ومــن مصادفــات الحيــاة أن تصــدر‬ ‫الروايــة‪ ،‬فــي صورتهــا األولــى‪ ،‬قبــل‬ ‫شــهر‪ -‬تقريباً‪ -‬من وفــاة الرئيس بن بلّة‬ ‫الــذي ترك فراغ ًا كبيراً‪ ،‬من حيث الذاكرة‬ ‫الجمعية في بحثها عن حقيقة أخرى غير‬ ‫الحقيقة الرســمية‪ .‬لقد اجتمع واســيني‬ ‫بابــن بلّة أكثر من مــرة‪ ،‬وكتب جزءًا من‬ ‫هذه اللقاءات في الرواية‪ .‬فقد اســتعار‪،‬‬ ‫شخصية يونس مارينا ليقول‬ ‫بوضوح‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أشياء كثيرة عن انقالب ‪ 1965‬الذي كان‬ ‫قاسياً‪.‬‬ ‫يتداخــل واســيني ومارينــا فــي صورة‬ ‫واحــدة‪ ،‬يصعــب فضلهــا روائيــاً؛ ألنها‬ ‫تعبــر‪ ،‬فــي وحدتهــا‪ ،‬عــن التماســك‬ ‫ّ‬ ‫والتخييلي‪.‬‬ ‫ري‬ ‫السي‬ ‫بين‬ ‫العضوي‬ ‫َ ّ‬ ‫ّ‬ ‫فكرة أخرى‪ ،‬مــن بين العديد من األفكار‬ ‫التي تزخر بها روايــة «أصابع لوليتا»‪،‬‬ ‫التــي شــغلت واســيني فــي الســنوات‬ ‫األخيــرة‪ ،‬هــي فكــرة الخيــر المطلــق‬ ‫والشــر المطلــق‪ ،‬أو االختزال اإلنســاني‬ ‫ّ‬ ‫ضيقة‪ ،‬هــي صناعة فردية‬ ‫في صــورة ّ‬ ‫أكثــر منهــا فكرة حقيقية‪ ،‬فكرة فلســفية‬ ‫رافقــت تفكيــر اإلنســان منــذ وجــوده‪.‬‬ ‫لتؤيدها‬ ‫تتنــاول الروايــة هذه الفكــرة ال ِّ‬ ‫بل لتنقضها وترفضها؛ فليس من إنسان‬ ‫شرير‬ ‫ّ‬ ‫خير بالمطلق‪ ،‬وليس من إنســان ّ‬

‫بالمطلــق‪ .‬فــي الروايــة دعــوة لرفــض‬ ‫الصــورة االختزالية النهائية غير القابلة‬ ‫نكونها عن‬ ‫للجــدل‪ ،‬التــي كثيــرًا جّدًا مــا ّ‬ ‫اآلخريــن‪ ،‬والتــي تجعلنــا نصنِّفهــم في‬ ‫معينــة‪ ،‬حيــن يغــوص الكاتــب‬ ‫خانــة َّ‬ ‫شــخصية «لوليتــا»‪ ،‬القاتلة‬ ‫أعماق‬ ‫فــي‬ ‫ّ‬ ‫المفترضة للكاتب‪ ،‬والتي كلَّفتها جماعة‬ ‫َ‬ ‫متطرفــة بقتــل يونــس مارينــا‪ ،‬بعد أن‬ ‫ّ‬ ‫حكمــت عليه من خالل كتبــه وآرائه‪ ،‬إذ‬ ‫كل ما شــحنتها الجماعة به‬ ‫اكتشــفت أن ّ‬ ‫مــن أفكار حــول مارينــا غيــر صحيح‪،‬‬ ‫ذهنيته‬ ‫وبعدما عرفته عن قرب‪ ،‬وفهمت‬ ‫َّ‬ ‫وطموحــه الفكــري‪ ،‬فيحــدث فــي تلــك‬ ‫الصــورة االختزالية النهائية االســتثناء‬ ‫الــذي ال نــراه‪ ،‬بســهولة‪ ،‬فــي حياتنــا‬ ‫الميتة‪ :‬الخير‪/‬‬ ‫المتعودة على الثنائيات ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫المقدس‪/‬المدنَّــس‪ ،‬البــريء‪/‬‬ ‫الشــر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫المذنب‪ ..،‬وغيرهــا‪ .‬الرواية ترفض هذه‬ ‫الثنائيــة وتنشــئ عالم الروايــة على ما‬ ‫يضادهــا فــي الجوهر‪ ،‬وينســحب ذلك‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫أيضاً‪ -‬على ثنائية هذا البحث‪ :‬الســيرة‪/‬‬ ‫فككــت الروايــة‪ ،‬رواية‬ ‫التخييــل‪ ،‬حيث َّ‬ ‫وكل‬ ‫كل‬ ‫اليقينيــات‪ّ ،‬‬ ‫«أصابــع لوليتــا»‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫الثنائيــات الوهميــة‪ ،‬ووضعتنــا أمــام‬ ‫ّ‬ ‫مطلق آخر‪ ،‬علينا إعادة تشكليله‪ .‬رفض‬ ‫الثنائية هو ما َغ َّيــر «لوليتا»‪ ،‬ودفع بها‬ ‫إلى توجيه العنف ضّد نفسها‪ ،‬ضّد جسد‬ ‫انتهِــك‪ -‬أصــاً‪ -‬من أكثــر النــاس قرباً؛‬ ‫ُ‬ ‫والدها‪ .‬أليس موت «لوليتا»‪ ،‬بهذا الشكل‬ ‫التراجيــدي‪ ،‬في نهاية الرواية‪ ،‬هو‪ ،‬في‬ ‫المرئي‪ ،‬فعــل تطهير يعيد‬ ‫الجوهر غيــر‬ ‫ّ‬ ‫للجســد براءته المسروقة‪ ،‬بعد أن رفض‬ ‫االنتقــاء الســهل‪ ،‬واختــار أكثــر الحلول‬ ‫ــة‪ ،‬مثلما حدث مع «آنا كارنينا»‬ ‫تراجيدي ً‬ ‫ّ‬ ‫التــي انتهــت تحت عجالت قطــار أعمى‪،‬‬ ‫أو «إيمــا بوفاري» التي انتهت مســمومة‬ ‫باختيارهــا؟ أال يعيدنــا هــذا إلــى فكــرة‬ ‫يقــدم اإلنســان نفســه‬ ‫القرابيــن‪ ،‬حيــث ِّ‬ ‫كأضحيــة مقابل حماية اآلخــر‪ ،‬الذي قد‬ ‫عائلة‬ ‫قبيلــة أو‬ ‫مدينة أو‬ ‫يكــون بلــدًا أو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أو حبيبــاً‪ ،‬مثلما حدث مــع «لوليتا» في‬ ‫تصب في‬ ‫لحظــة يأســها؟‬ ‫مجــرد أســئلة ّ‬ ‫َّ‬

‫عمــق القضيــة الجوهريــة التــي تثيرها‬ ‫الروايــة‪ ،‬مــن البدايــة إلــى النهاية‪ ،‬من‬ ‫االختبار الذاتي حتــى االنتهاء بالقربان‪.‬‬ ‫فعلت «لوليتا» ذلك كلّــه‪ ،‬وكأن روايتها‬ ‫أوصَلها إلى الحالة‬ ‫كانت اختبارًا‬ ‫ّ‬ ‫حياتي ًا َ‬ ‫الظالمة غيــر المقبولة‪ .‬لإلجابة عن ذلك‬ ‫كلِّــه نحتــاج إلــى مقاربــة أنثربولوجية‬ ‫ربمــا‪ -‬ليس هــذا مكانها‪.‬‬ ‫أكثــر‬ ‫ً‬ ‫صرامة‪َّ -‬‬ ‫روايــة «أصابــع لوليتــا» تمنحنا فرصة‬ ‫الفرضيــات األنثربولوجية‬ ‫اختبار هــذه‬ ‫ّ‬ ‫المهمة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫هامش‬ ‫‪1- le surmoi qui exerce une fonction‬‬ ‫‪de censure, le moi qui est une sorte‬‬ ‫‪de médiateur chargé des intérêts de‬‬ ‫‪la personne et le ça qui manifeste les‬‬ ‫‪tendances inconscientes refoulées.‬‬ ‫‪Pour la psychanalyse, il y a, lutte‬‬ ‫‪entre ces instances, qui ne se‬‬ ‫‪réconcilient jamais tout au long de la‬‬ ‫‪vie de l’individu et font de lui un être‬‬ ‫‪profondément conflictuel.‬‬ ‫المراجع‪:‬‬ ‫‪ - 1‬واســيني األعرج‪ :‬أصابــع لوليتا‪ ،‬مجلّة دبي‬ ‫ّقافية‪ ،‬عدد مارس‪.2012 ،‬‬ ‫الث ّ‬ ‫‪ - 2‬واســيني األعرج‪:‬أصابع لوليتا‪ ،‬دار اآلداب‪.‬‬ ‫بيروت‪.2012 ،‬‬ ‫عباس‪:‬فــن الســيرة‪ .‬دار صــادر‪-‬‬ ‫‪ - 3‬إحســان‬ ‫ّ‬ ‫بيروت‪ .‬دار الشرق‪-‬عمان‪ .‬ط ‪.1996 ،1‬‬ ‫‪ - 4‬عبــد العزيــز شــرف‪ :‬أدب الســيرة الذاتيــة‪،‬‬ ‫المصرية العالمية للكتاب‪ ،‬ط‪.1998 ،1‬‬ ‫الشركة‬ ‫ّ‬ ‫‪ - 5‬محمد البارودي‪ :‬عندما تتكلَّم الذات‪ ..‬الســيرة‬ ‫الذاتية فــي األدب العربي الحديــث‪ .‬اّتحاد الكتاب‬ ‫العرب‪ ،‬ط‪.2005 ،1‬‬ ‫‪ - 6‬فيليــب لوجــون الســيرة الذاتيــة‪ ..‬التاريــخ‬ ‫والميثــاق األدبــي‪ .‬ترجمــة وتقديم‪:‬عمــر حلــي‪،‬‬ ‫المركز الثّقافي العربي‪ ،‬ط‪.1994 1‬‬ ‫‪7 - Philippe Lejeune:»Nouveau Roman‬‬ ‫‪et retour à l’autobiographie»in‬‬ ‫‪l’Auteur et le manuscrit,dir. Michel‬‬ ‫‪Contat,Paris,PUF, coll. »Perspectives‬‬ ‫‪Critiques «1991‬‬ ‫‪8- Serge Doubrovsky, Fils, Paris,‬‬ ‫‪Galilée, 1977. 8‬‬ ‫*جامعة الشلف حسيبة بن بوعلي‪ /‬الجزائر‬ ‫‪107‬‬


‫نصوص‬

‫نباتات‪ ..‬ال تشبه املزحة‬ ‫محمد عفيف الحسيني‬

‫الريش‬ ‫البــط الطائر‪ ،‬بغطــاء من صــوف األردن؛‬ ‫مخــّد ٌة من ريــش‬ ‫ّ‬ ‫تســتند المخّدة على جلد إيطالي‪ ،‬وخيال ألخوة في الســويد‪،‬‬ ‫واقتــراب كثيــر‪ ،‬مثــل األنفــاس الدافئــة‪ ،‬الحنونــة الصعبــة‬ ‫البرتقاليــة التــي تتألَّف من الشــهيق والزفيــر‪ ،‬والبعض من‬ ‫ٍ‬ ‫طويلة لألخــت الكبيرة‪ -‬األخت الجينــز‪ ،‬األخ الصغير‬ ‫أنامــل‬ ‫َ‬ ‫الذي يشبه برقوق ًا صغيراً‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫البــط‪ ،‬والمســتنقعات‪،‬‬ ‫مخــّدة مــن الريــش‪ ،‬مابيــن طيــران‬ ‫ّ‬ ‫المــاء‪ ،‬الذي فيه الفلســفة‪ ،‬الطحالــب‪ ،‬القناديل‪،‬‬ ‫حيــث يركد‬ ‫ُ‬ ‫الغموض‪ ،‬مفاتيح شــقّة أحدهم‪ ،‬الندبــة الصغيرة للطفولة‪،‬‬ ‫نعيق الغراب؛ ريشــه األســود الزاهي بالفجيعــة والتفاؤل‪،‬‬ ‫بطات السويد‪ :‬نوروز‪،‬‬ ‫ومخّدة يستند عليها اثنان من فصيلة ّ‬ ‫وميتان‪.‬‬ ‫ات‪ ،‬في غوتنبــورغ‪ ،‬بجانب روحي‪.‬‬ ‫في الصيــف‪ ،‬تنام ّ‬ ‫البط ُ‬ ‫البطات‪.‬‬ ‫بجانب المخّدة تنام أرواح ّ‬


‫القطن‬ ‫ُ‬ ‫الســلس‪ ،‬هو من ابتكار خيال القطن‪.‬‬ ‫المنســوج‬ ‫الجينز‪ ،‬هذا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بذور القطن الخشنة على األرض الخشنة‪ ،‬يحفرون‬ ‫ّ‬ ‫يرشــون َ‬ ‫اللين على البذور القاســية‪،‬‬ ‫المبــارك‬ ‫الماء‬ ‫لمــرور‬ ‫المجــاري‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫قوية هادئة‬ ‫فتنتش‪ ،‬فتنتفخ‪ ،‬فتحبل‪ ،‬فتولد‬ ‫ٌ‬ ‫شــجيرات قزمة ّ‬ ‫يتفتــح‪ ،‬وينتظر‬ ‫مليئــة بأكواز مــن األبيض‬ ‫المتفجــر‪ ،‬الذي َّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ــحب القطن من‬ ‫الرهيفــة‬ ‫الفقيــرات‬ ‫أصابــع‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الماهــرة‪ ،‬في َس ْ‬ ‫َ‬ ‫بيوتاتها الوديعة؛ فينسحب القطن‪ ،‬يتكوم في شاالت كبيرة‪،‬‬

‫يتحدثن‪،‬‬ ‫وهن‬ ‫تجرهــا‬ ‫القرويات الفقيرات إلى الســاحة‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بلغــة التورية‪ ،‬عن فائدة القطن‪ ،‬وعن ِّ‬ ‫الميت بالقطن‬ ‫لف ِّ‬ ‫عندمــا يغيــب في األبدية‪ ،‬وعن مســح جــرح الجريح في‬ ‫الشــمولية‪ ،‬وعن األصابع عندما تدمى في حركة طائشة‬ ‫ســكين رهيفة‪ ،‬وعن مسح شاشة الكومبيوتر‪ ،‬عندما‬ ‫من ّ‬ ‫تتراكم عليها األغاني‪ ،‬المنفى‪ ،‬السبات‪ ،‬والبقعة الحمراء‬ ‫من القرمز المرتبك‪.‬‬ ‫القطــن‪ ،‬هــو جينــز ابنتي نــوروز‪ ،‬وهــي تداعــب أخاها‬ ‫كل هذا القطن الشريف‪.‬‬ ‫ميتان‪ .‬هو جينز من ّ‬

‫ج ْلد‬ ‫ال ِ‬ ‫األعمال الفنية‪ :‬إبراهيم بو سعده‪-‬البحرين‬

‫المــارة في القطار‪،‬‬ ‫األبقار؛ تخور بهــدوء‪ ،‬تراقب‬ ‫تخــور‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫السحب‬ ‫السماء‪،‬‬ ‫‪،‬‬ ‫البرسيم‬ ‫تمضغ‬ ‫‪،‬‬ ‫الخضراء‬ ‫اآلفاق‬ ‫تجتر‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫والشــمس المائلة على جلودها الدافئة‪ ،‬وتمضغ‬ ‫القليلة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫كل حليبها وعجولها الطائشــة‪ .‬يأتي‬ ‫ســتذبح‪ ،‬بعــد ّ‬ ‫أنها ُ‬ ‫لكن‪ ،‬الســكين الرهيفة‬ ‫الذابح‪،‬‬ ‫ليذبحها‪ ،‬فتخور وتخور‪ْ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫دمها على خيالها‬ ‫يشــخب‬ ‫وبســرعة‪،‬‬ ‫بمهارة‬ ‫رقبتها‬ ‫تجتز‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫حارًا كثيف ًا كثيراً‪ ،‬صعباً‪ ،‬أليماً‪ ،‬ومذبوحاً‪.‬‬ ‫القتيل‪ ،‬يفور ّ‬ ‫األبقار‪ُ ،‬تعالج جلودها بالملح‪ُ ،‬ت َع َّرض للشمس‪،‬‬ ‫ًتســلخ‬ ‫ُ‬ ‫الرمان‬ ‫ــر ّ‬ ‫ش عليها قشــور ّ‬ ‫ُت َح ّك بآالت ناشــفة خشــنة‪ُ ،‬ي َ‬ ‫وبعض من ذاكرتها‪ :‬أنها كانت من الكائنات‪،‬‬ ‫المطحونة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫لتتمرن على‬ ‫فرك بسمن الضأن الثقيل على جلودها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ثم ُي َ‬ ‫الليونــة‪ ،‬تذهب الجلــود إلى الدباغة واأللــوان‪ ،‬تصطبغ‬ ‫فيتمدد عليها نوروز‪ ،‬وميتان‪.‬‬ ‫باللون الخمري النبيــذي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫هما بين الريش والقطن والجلد‪ ،‬يتمازحان‪.‬‬

‫المزحة‬ ‫بف ِّ‬ ‫ــك أخيها‪ ،‬تضع‬ ‫بأصابعهــا الطويلــة‪ ،‬تمســك‬ ‫األخــت َ‬ ‫ُ‬ ‫الهجــران عنــه‪،‬‬ ‫ســتعرف‬ ‫وكأنهــا‬ ‫حنكهــا علــى رأســه‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫والقطن‬ ‫الريش‬ ‫سينسيان‬ ‫‪،‬‬ ‫النسيان‬ ‫سيأتي‬ ‫ثم‬ ‫‪،‬‬ ‫والغياب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أخــرس‪ ،‬وحيداً‪ ،‬هو‬ ‫عــواء‬ ‫والجلــد؛ سيســمعان‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عواء الحدود‪.‬‬ ‫نباتات التشــبه المزحة‪ ،‬هــي نباتات‪،‬‬ ‫بنــات آوى‪ ،‬هــي‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫التشبه ّإل نفسها‪.‬‬

‫‪109‬‬


‫حالل دم الغزال‬ ‫ميسلون هادي‬ ‫فقدت أخي األصغر لســب�� غريب!‪ ،‬ولــم أتوقَّع أن يأتي يوم‪،‬‬ ‫ُتصــدر فيه المحكمــة حكم ًا يقضي بإحالته إلــى دار األحداث‪..‬‬ ‫الســن‪ ،‬وهو لم يبلغ مبلغ الرجال‬ ‫َقَتل أخي عجوزًا طاعن ًا في‬ ‫ّ‬ ‫بعــد‪ ..‬إنــه ينجــذب إلــى ألــوان بعض اللوحــات وأشــكالها‪..‬‬ ‫ســيئ‬ ‫ولم نســتطع توكيل من يدافع عنه ســوى‬ ‫ٍ‬ ‫محام مغمور ِّ‬ ‫مادّية مثلنا‪ ،‬وكان زوجي‬ ‫الهنــدام‪ ،‬كان يعاني من صعوبــات ّ‬ ‫يمّده ببعض المال لتزويد سيارته بالوقود‪.‬‬ ‫أخي قال لي‪ ،‬في الرسالة التي بعثها لي من دار األحداث‪ ،‬إنه‬ ‫الشر‪،‬‬ ‫اضطر إلى قتل ذلك الرجل العجوز‪ ،‬ال لكي يتخلَّص من ّ‬ ‫ّ‬

‫‪110‬‬

‫قبــل أن يحــدث‪ ،‬بــل ليتخلَّص من انتظار شــيء مرعب يحدث‬ ‫كل يوم‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫قال لي‪:‬‬ ‫«كمــا تعلميــن‪ ،‬كان عمــري ‪ 12‬عامــاً‪ ،‬منذ اشــترى والدنا هذا‬ ‫أمي‪ ،‬وشــهدنا أحداث ًا‬ ‫البيــت‪ ،‬وبعد أن مــات‪ ،‬بقيت وحيدًا مع ّ‬ ‫غريبــة في الســنوات الثالث التي تلت مــوت أبي‪ ،‬ومغادرتك‬ ‫الفنّية التي كانت‬ ‫البيت‪ ،‬بشكل نهائّي‪ ،‬بعد زواجك‪ ..‬اللوحات َ‬ ‫تتحــدث‪ ،‬في أثناء الليل‪ ،‬إلى لوحات‬ ‫تمــأ جدران البيت بدأت‬ ‫َّ‬ ‫المعــوذات‬ ‫رأســي‬ ‫على‬ ‫فقــرأت‬ ‫بذلك‪،‬‬ ‫أمــي‬ ‫ّ‬ ‫أخــرى‪ .‬أخبــرت ّ‬


‫واألدعيــة‪ ،‬وراحــت ترقيني بأســماء اهلل الحســنى وصفاته‪،‬‬ ‫وبعــد صــاة المغــرب كانت تضع يدهــا اليمنى على رأســي‪،‬‬ ‫وكل‬ ‫كل شــيطان‬ ‫وهامة‪ّ ،‬‬ ‫التامة من ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتقول‪ :‬أعوذ بكلمات اهلل ّ‬ ‫أمي بأن تلك الوســاوس هي نزغ من عمل‬ ‫المــة‪ ..‬تجزم ّ‬ ‫عيــن ّ‬ ‫التعوذ منه‪ ،‬ثالث مرات‪ ،‬في الصباح والمســاء‪،‬‬ ‫إبليس‪ ،‬وأن‬ ‫ُّ‬ ‫أتعوذ مــن الشــيطان الرجيم مئات‬ ‫بقيــت‬ ‫يرحــل‪...‬‬ ‫ســتجعله‬ ‫َّ‬ ‫تتحدث‪ ،‬بعضها إلى‬ ‫أيام‪ ،‬لكن اللوحات ظلَّــت‬ ‫َّ‬ ‫المــرات‪ ،‬لعّدة ّ‬ ‫ّ‬ ‫بعض!‬ ‫المشــكلة أن تلك اللوحات هي آخر ما تبقّى من حياة طبيعية‬ ‫فــي بيتنــا‪ ،‬وكانــت مشــتراة بأثمــان باهظة‪ ،‬مــن غاليريهات‬ ‫بالرغــم من الحرب‪ :‬بعضها لخيول‪،‬‬ ‫َ‬ ‫معتَبــرة‪ ،‬الزالت مفتوحة ّ‬ ‫أو طيــور‪ ،‬أو حيــاة ســاكنة‪ ..‬وتلــك كانــت صامتة‪ ،‬لحســن‬ ‫أما لوحــات البيوت‪ ،‬ذات الطابع البغــدادي العريق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحــظ‪ّ ..‬‬ ‫فكانت محتشــدة بنســاء ممتلئــات‪ ،‬وأطفال مرحيــن‪ ،‬ومكائن‬ ‫خياطــة من طراز قديم‪ ،‬ومدافــئ نفطية‪ ،‬لم يعد لها وجود في‬ ‫األســواق‪ ،‬ورجــال ظرفاء يرتــدون الجراويات‪ ،‬أو الســداير‪،‬‬ ‫خاصة في‬ ‫وتلــك األخيــرة لها‪ ،‬بيــن باقــي اللوحات‪ ،‬مكانــة ّ‬ ‫تحبينها جّداً‪.‬‬ ‫أمي‪ ..‬وأنت‪ -‬أيضاً‪ -‬كنت ِّ‬ ‫نفس ّ‬ ‫أصر‬ ‫أن‬ ‫بعــد‬ ‫ر‬ ‫تغي‬ ‫قد‬ ‫شــيء‬ ‫كل‬ ‫بأن‬ ‫لــك‬ ‫ألقــول‬ ‫اآلن‪،‬‬ ‫أكتــب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫فجأة‪ ،‬ولم‬ ‫زوجــك على ترك العراق إلى الســويد‪ .‬حــدث ذلك‬ ‫ً‬ ‫أتوقَّعــه أن يحــدث أبداً؛ أي أن تســافري وتبتعدي عنّا‪ ،‬وقد ال‬ ‫مــر ًة أخرى‪ ،‬حتى نهايــة العالم‪ .‬وطيلة ثالث ســنوات‬ ‫نــراك ّ‬ ‫أمي‪ ،‬لم أستطع التخلُّص من سماع تلك األصوات‬ ‫مع‬ ‫عشــتها‬ ‫ّ‬ ‫تســميها الوسوســات‪ ،‬أحيانــاً‪ ،‬والكوابيس‪،‬‬ ‫أمي ّ‬ ‫التــي كانت ّ‬ ‫أتوهمهــا‪ ،‬بدليل أنها ال‬ ‫أو‬ ‫لها‬ ‫أتخي‬ ‫أنــي‬ ‫تظن‬ ‫أخــرى‪..‬‬ ‫أحيانــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تســمع حديث اللوحــات‪ ،‬وأنا وحدي الذي أســمعه‪ .‬كالمها لم‬ ‫تتردد همســاً‪ ،‬في الليل‪،‬‬ ‫يكــن دقيقاً‪ ،‬ألن تلك األحاديث كانت َّ‬ ‫أمي نائمة فــي غرفتها‪ ،‬بعيدًا عن غرفة الضيوف‬ ‫عندمــا تكون ّ‬ ‫أو غرفة المعيشــة‪ .‬وحتى لو ســهرت من أجل ســماع أحاديث‬ ‫أمي‪.‬‬ ‫اللوحات‪ ،‬فإنها ال تبدأ بالنطق إال عندما تنام ّ‬ ‫شــيئ ًا فشيئاً‪ ،‬ما عدت أنظر إليها على أنها كوابيس‪ ..‬أصبحت‬ ‫أحاول أن أفهم حديث الرســومات التــي تتأّتى بحروف غريبة‬ ‫ومبهمــة‪ ،‬أو كلمــات غريبــة‪ :‬القشــعريرة‪ ..‬أو الهامــة‪ ..‬أو‬ ‫العــدم‪ !..‬ولــم أعد أخــاف منها‪ ،‬بل اعتــدت أن اســتمع إليها‪،‬‬ ‫تتحدث به اللوحات‪ ..‬النســاء‬ ‫كل ليلة‪ ،‬الجديد الذي‬ ‫وأنتظــر‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫نبرة من أصوات الرجال‬ ‫ثرثارات‬ ‫يتحدثن بصوت رفيع‪ ،‬أعلى ً‬ ‫َّ‬ ‫العريضة‪ .‬وفي ليلة من الليالي‪ ،‬جاء صوت آخر من األعلى‪..‬‬ ‫الدرج‪.‬‬ ‫سمعت الضجيج قادم ًا من نهاية َ‬ ‫العلوي‪ ،‬بدأ يهمس لي بشــكل غير مفهوم‪..‬‬ ‫صوت في الطابق‬ ‫ّ‬ ‫أي صوت آخر من أصوات رســوم‬ ‫أو‬ ‫صوتــي‬ ‫لــم يكن يشــبه‬ ‫ّ‬ ‫اللوحــات‪ ...‬شــعرت بالخــوف‪ ،‬وذهبــت إلــى الغرفــة حيــث‬ ‫أمــي‪ ،‬لكني وجــدت الكثير من األجســاد‬ ‫أمــي‪ ،‬فلــم أجد ّ‬ ‫تنــام ّ‬ ‫أي شــيء‪ .‬ال أعرف ماذا‬ ‫علــى الســرير! لم أكــن أدرك أو أفهم ّ‬ ‫أفعل‪ ..‬ال شــيء ســوى ذعر وشــلل في التفكيــر‪ .‬الصوت كان‬ ‫أي تعريف‪ ..‬من أين‬ ‫مثــل الهمــس‪ ،‬يأتي من رجل‪ ،‬وليس لــه ّ‬

‫أمي غيــر موجودة؟ وكما حصل في‬ ‫يأتــي هذا الصوت؟ ولماذا ّ‬ ‫تذكرت أني قد لممت الثيــاب التي جفّت من حبل‬ ‫ــرة ســابقة‪َّ ،‬‬ ‫َم ّ‬ ‫أيــام‪ ،‬فبدت مثل‬ ‫أمــي‪ ،‬منذ ّ‬ ‫الغســيل‪ ،‬ووضعتهــا على ســرير ّ‬ ‫مكومة‪ ،‬بعضها فوق بعض‪.‬‬ ‫أجساد َّ‬ ‫لــم أخبــر أحدًا بذلك‪ ،‬علــى اإلطالق‪ ..‬لم أذكــره ألحد‪ ...‬ولمن‬ ‫أذكره‪ ،‬وقد أصبحت أعيش وحدي في البيت‪ ،‬أنتظر أن أسافر‬ ‫أتعود على هذا‬ ‫إليك‪ ،‬وإن كان على مضض؟! بقيت أحاول أن‬ ‫َّ‬ ‫الصــوت الجديد المضاف إلى أصــوات اللوحات‪ ،‬حتى جاءت‬ ‫ليلة‪ ،‬كنــت فيها نائماً‪ ،‬فأصبح الصوت‪ ،‬في الطابق العلوي‪،‬‬ ‫ضجيج ًا ال يطاق‪ ،‬كأن جميع األبواب على وشك أن تنفتح‪.‬‬ ‫هنــاك اثنان من األبــواب‪ ،‬في الطابق العلــوي‪ .‬وفيما مضى‪،‬‬ ‫كنــت أســمع هذا الضجيج في أثناء نومــي‪ ،‬فأظنّه صدى وقع‬ ‫أقدامــك‪ ،‬وأنــت تهبطيــن من الطابــق العلوي‪ ،‬فــي الليل‪ ،‬من‬ ‫نظفت حذائــي من الطين‬ ‫الحمــام‪ ...‬وعندما َّ‬ ‫أجــل الذهــاب إلى ّ‬ ‫وأجــزاء الحشــرات التي كانت عالقة به‪ ،‬ســمعت‪ -‬أيضاً‪ -‬ذلك‬ ‫الصــوت‪ ..‬كان ذلك في ظهيرة اليوم الذي ســبق ليلة الجناية‬ ‫سن الرشد بعد‪ .‬ال شيء يقلق في‬ ‫التي ارتكبتها‪ ،‬وأنا لم أبلغ ّ‬ ‫النهار؛ فقد يكون الهواء العالي هو ســبب الضجيج‪ ،‬أو الغبار‬ ‫الجــو‪ ..‬تطايرت األوســاخ ِ‬ ‫والخَرق‪،‬‬ ‫األحمر الذي انتشــر فــي‬ ‫ّ‬ ‫وكل لــون‪ ،‬ثم هطل المطــر‪ ،‬وأوحلت األرض‪.‬‬ ‫كل شــكل‪ّ ،‬‬ ‫مــن ّ‬ ‫ارتعد‬ ‫شديدة‪،‬‬ ‫زمجرة‬ ‫ته‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫السماء‪،‬‬ ‫في‬ ‫مفاجئ‬ ‫برق‬ ‫اشــتعل‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫كل اتجاه‪.‬‬ ‫لها األطفال في الشارع‪ ،‬ثم هاجوا وماجوا‪ ،‬في ّ‬ ‫المــرة‪ ،‬ارتجفت األبواب‬ ‫حــدث ذلك كلّه وقــت الظهيرة‪ .‬وهذه ّ‬ ‫في الليل‪ ،‬وســمعت ضجيج مفاصلها من مكاني على األريكة‪.‬‬ ‫وأخيراً‪ ،‬جاء ذلك الرجل العجوز‪ ،‬يمتّد من الطابق العلوي إلى‬ ‫عمن يكون! كان يواصل الصراخ‪:‬‬ ‫النافذة! ليست لدي ّ‬ ‫أية فكرة ّ‬ ‫حالل دم الغزال‪.‬‬ ‫كل مكان‪،‬‬ ‫عار‪ ،‬إلــى ّ‬ ‫دخــل الرجــل‪ ،‬بقامته الطويلــة‪ ،‬نصف ٍ‬ ‫وخلــع حذاءه علــى أرض الغرفــة‪ ،‬وفاحت منــه رائحة نتنة‪.‬‬ ‫وعندما وجدني ملتّف ًا على نفسي كما الجنين‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫حالل دم الغزال‪.‬‬ ‫ال يوجد أحد يمكن أن يرانا أو يســمعنا في الفناء‪ ،‬ولكني كنت‬ ‫أستطيع أن أرى ساعة الجدار‪ ،‬وأطفا ًال يلعبون خارج األبواب‪،‬‬ ‫وفــي أكثــر من مــكان‪( ..‬كان عمري حوالي ســّتة عشــر عاماً‪،‬‬ ‫فكرت‪ :‬أين ســأختبئ؟ إنه‬ ‫وكان هــو في الثمانيــن من عمره)‪ّ .‬‬ ‫يريدني أن أختبئ‪ ،‬وأخذ يعّد من الواحد إلى العشرة‪ ..‬وكانت‬ ‫تتحدث عن قشــعريرة تأتي مــن العدم‪ ،‬وعن صوت‬ ‫اللوحات‬ ‫َّ‬ ‫فــي أعلى الــدرج يخيفهم منــذ وقت طويــل‪ ..‬اآلن فهمت‪ :‬كانت‬ ‫كل‬ ‫تريد طوال الوقت أن تخبرني بشيء ما حول ذلك العجوز‪ٌّ .‬‬ ‫اقشعر جلدي من الفزع‪ ،‬وعرفت ماذا يفعل‬ ‫منا نظر إلى اآلخر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫لحل هذه المشكلة‪.‬‬ ‫الفزع‪ ..‬إنه الطريق األسلم ّ‬ ‫طويت الرســالة‪ ،‬وبكيت‪ ..‬أنا‪ -‬أيضــاً‪ -‬كنت أرى ذلك العجوز‬ ‫فــي البيت‪ ،‬لكني كنــت أختبئ بين اللوحات والجــدران‪ ..‬أنا‪-‬‬ ‫أيضــاً‪ -‬كنــت عندما أراه أصاب بالقشــعريرة‪ ،‬لكنــي لم أجرؤ‬ ‫على قتله‪َ ،‬ق ّط‪.‬‬ ‫‪111‬‬


‫لحظات شديدة الصفاء‬ ‫ماهر جمّو‬

‫غياب‬

‫َ‬ ‫وجهك‬ ‫كان‬ ‫ُ‬ ‫انقطاع‬ ‫يهطل بال‬ ‫دم ًا صافي ًا‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫أمسيات نيسان‪..‬‬ ‫في‬ ‫كنت يد ًا بيضاء‬ ‫َ‬ ‫تمس ُد شعر ال َّنجمة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وتشه ُر حلمك‬

‫في وجه الجسور السوداء‬ ‫الممتدة نحو الغياب‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫الليل َة‬

‫بجالء‬ ‫رأيناك‬ ‫ٍ‬ ‫تسير ّ‬ ‫بعكازيك‬

‫الدامي‪ ،‬بابي‪.‬‬ ‫وهو‬ ‫يضرب‪ ،‬بجسمه َّ‬ ‫ُ‬

‫الصباح‬ ‫هذا ّ‬

‫ُ‬ ‫الجمال‬ ‫سيف َ‬

‫ُ‬ ‫شعرت بدم البراري يسري في جسدي‪..‬‬ ‫للحظ ٍة‪،‬‬ ‫دوم ًا يطعننا الجمال بسيفه‬

‫وتتوارى‪..‬‬

‫غيمة‬

‫غيم ٌة صغير ٌة حطّ ت على وجهي‪ ،‬وقالت لي‪:‬‬ ‫َ‬ ‫أعماقك‬ ‫في‬ ‫سما ٌء زرقاءُ‪،‬‬

‫تحدثه‪..‬‬ ‫حطّ ت عليه غيم ٌة‬ ‫ّ‬

‫‪112‬‬

‫ُ‬ ‫ِب‬ ‫كلب‬ ‫أبيض تع ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َع َب َر دروب ًا طويلة ًموحشة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫وكروم بعيدة‪،‬‬ ‫بوديان‬ ‫م َّر‬ ‫ٍ‬ ‫جا َء مُ نهك ًا َّ‬ ‫ملطخ ًا بوحل البراري‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أسمع أنينه يعلو‬ ‫كل ليلة‪،‬‬ ‫ُ‬

‫لسعتني نحل ٌة صغيرةٌ‪ ،‬ماتت بعد لحظات‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫قطرات من ال ّندى على كتفي‪.‬‬ ‫تارك ًة بضع‬

‫عبر ال ّنجوم‬

‫ووج ُه‬ ‫غريب‬ ‫ٍ‬

‫الطفولة‬

‫وال يقتلنا‪..‬‬

‫درب طويل ٌة‬ ‫ٌ‬

‫حنين‬

‫ذهبي ٍة‪،‬‬ ‫بشموع‬ ‫مليئ ٌة‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬

‫درب الطفولة‪.‬‬ ‫هي‬ ‫ُ‬

‫تمتد على جانبيها‬ ‫أشجا ٌر باسق ٌة‬ ‫ُّ‬

‫يتوارى خلفها رما ٌة م ََهر ٌة مل َّثمون‪.‬‬ ‫الدرب‪:‬‬ ‫أسي ُر على َّ‬


‫األقواس مشدود ٌة خلفي‬ ‫ورؤوس السهام تلمع‪..‬‬

‫الصمت الكبير‬ ‫ُ‬

‫بعينين واسعتين‪،‬‬ ‫أحد ُق‬ ‫ّ‬ ‫غيوم سوداء تمأل السماء‪..‬‬ ‫في‬ ‫ٍ‬ ‫لن تعرف روحي السكينة بعد اآلن‪..‬‬ ‫رياح ضاري ٌة تهدر بالوعيد‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫قادم‪.‬‬ ‫إ ّنه‬ ‫ٌ‬ ‫الص ُ‬ ‫مت الكبير قادم‪..‬‬ ‫ّ‬

‫الغيوم في األعلى‬

‫يلتهم بعضها بعض ًا‪..‬‬ ‫واهي ًا‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫خلل الغيوم‪:‬‬ ‫ينفذ نور قمرٍ‬ ‫دم في ّ‬ ‫كل مكان‬ ‫ٌ‬ ‫ورأس مقطوع ٌة‬ ‫ٌ‬ ‫تحد ُق بعينين واسعتين‬ ‫ّ‬

‫غيوم سوداء‪..‬‬ ‫في‬ ‫ٍ‬

‫طائر‬

‫طائ ٌر يأتي من جهة المغيب‬ ‫لحن‪..‬‬ ‫مثل‬ ‫ٍ‬

‫في اللحظة التي أرى فيها الطّ ائر‪،‬‬ ‫بجالء‪ ،‬لحن ًا غريب ًا‪ ،‬أيض ًا‪..‬‬ ‫أسمع‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫دائم ًا أشع ُر‬ ‫الصفاء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ثمة لحظات شديدة َّ‬ ‫بأن ّ‬

‫لحواسي فيها‬ ‫يمكن‬ ‫ّ‬ ‫أن ت َّتحد‪..‬‬

‫‪-1-‬‬

‫في التشييع إلى المقبرة‪،‬‬ ‫المفجوع بلوع ٍة‪،‬‬ ‫يبكي‬ ‫ُ‬ ‫آمِ ً‬ ‫ال‬ ‫المي ُ‬ ‫ت عينيه‪.‬‬ ‫أن يفتح ِ ّ‬

‫‪-2-‬‬

‫في طريق العودة من المقبرة‪،‬‬ ‫المفجوع بلوع ٍة‬ ‫يبكي‬ ‫ُ‬ ‫آمِ ً‬ ‫ال‬

‫المي ُ‬ ‫ت عينيه‪.‬‬ ‫أن ال يفتح ِ ّ‬ ‫‪113‬‬


‫ترجمات‬

‫األعمال الفنية‪ -Eda Gecikmez :‬تركيا‬

‫بال مالذ‬ ‫يالتْشِ ن توْسوْن*‬ ‫ترجمة صفوان الشلبي‬ ‫أمي‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫اتصلت ّ‬ ‫فــي تلك األثناء‪ ،‬كنت أقــف في المطبخ خلــف النافذة‪ ،‬أتابع‬ ‫ندف الثلج المتساقطة‪ .‬ريح خفيفة تتالعب بها‪.‬‬ ‫المناوبة المســائية‪ ،‬ولــن تأتي قبل‬ ‫تعمــل زوجتي فــي فترة‬ ‫َ‬ ‫منتصــف الليل‪ .‬بينما كان ابني‪ ،‬ذو الخمس ســنوات‪ ،‬يجلس‬ ‫في غرفة الجلوس‪ ،‬يتابع التلفاز بصمت‪ .‬أردت البقاء وحيداً‪:‬‬ ‫أشرب القهوة‪ ،‬وأقرأ كتاباً‪ ،‬وأفكر بهدوء‪.‬‬ ‫تعــود زوجتــي إلى البيت‪ ،‬وفــي جعبتها جملة ال أستســيغها‬ ‫‪114‬‬

‫وأزين وجهي‬ ‫وأهز رأســي‬ ‫من األحــداث اليومية‪ .‬أقف أمامها ّ‬ ‫ِّ‬ ‫بتعابيــر مصطنعــة‪ ،‬متظاهــرًا باالهتمــام بما ترويــه‪ ،‬كي ال‬ ‫(أكســر خاطرها)‪ .‬يــا إلهي! تلــك الحكايات ال تعــرف النهاية‬ ‫حتــى آخر األســبوع‪ ...‬وحين تفــرغ جعبة زوجتــي من تلك‬ ‫الحكايات‪ ،‬تشعر باالنزعاج كأنها ترغب بحلول يوم االثنين‪،‬‬ ‫ثانية‪ ،‬كي تجمع الجديد منها‪.‬‬ ‫قبل أوانه‪ ،‬لتعود إلى العمل‬ ‫ً‬ ‫أشــعر برغبة في البقاء وحيدًا حين عودتي إلى البيت‪ ،‬وقبل‬ ‫أن ينادينــي ابنــي لســبب تافــه أو ألبقــى إلى جانبــه‪ .‬البقاء‬


‫كل ذلك بدأ يخرج من حياتي في‬ ‫وحيداً‪ ،‬القراءة‪ ،‬والتفكير‪ّ ...‬‬ ‫الســنوات األخيــرة‪ .‬ال أزعم أن ذلك قد بــدأ بعد زواجي‪ ،‬لكنه‬ ‫بعــد والدة ابنــي‪ ،‬على وجه التحديد‪ .‬أحــاول االنعزال كأنني‬ ‫مؤخراً‪ ،‬مكان ًا‬ ‫أســعى للفرار‪ .‬فرار‬ ‫ظاهري‪ ...‬اخترت المطبخ َّ‬ ‫ّ‬ ‫للفرار‪ ،‬ألنه المكان األكثر هدوءًا وانعزاالً‪ .‬أحّدث نفسي دائماً‪،‬‬ ‫بعصبية‪« :‬المطبخ مالذي»‪.‬‬ ‫وأضحك‬ ‫ّ‬ ‫أمي على شاشة الهاتف‪ ،‬وانتظرت‪ .‬تركت الهاتف‬ ‫قرأت اســم ّ‬ ‫ليرن قليالً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المتصل‪ .‬أتركه ينتظر‪.‬‬ ‫أرد على الهاتف فوراً‪ ،‬كائن ًا من كان َّ‬ ‫ال ّ‬ ‫بأهم َّيتــي‪ ،‬بل‪ -‬علــى العكس‪ -‬أفعل‬ ‫ال أفعــل ذلــك كي أشــعر ّ‬ ‫ذلــك لرغبتي فــي الهروب من تلك الرقّــة المصطنعة‪ ،‬محاو ًال‬ ‫أتحدث مع اآلخرين‪.‬‬ ‫إخفاء ارتباكي وصوتي المضطرب حين‬ ‫َّ‬ ‫أتحدث‬ ‫ربمــا‪ -‬على األغلــب‪ -‬ال أرغب بمواجهة حقيقتــي حين‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫مع اآلخرين!‬ ‫فجــأة‪ ،‬أن عيد ميالدها ســيصادف بعد غد‪.‬‬ ‫خطــر في بالــي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الرد‬ ‫أتذكر ذلك‪َّ .‬‬ ‫أظن أنها تريدني أن َّ‬ ‫ّ‬ ‫فكرت بذلك للحظة‪ ،‬قبل ّ‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫اتصل بها‬ ‫أمي‪ ،‬وســكتت‪ .‬قالت ذلك كأنني َمــن َّ‬ ‫«ألــو»‪ ،‬قالت ّ‬ ‫وأزعجها‪.‬‬ ‫مــا كدت أقول «مرحبا»‪ ،‬حتى صــاح ابني‪« .‬دقيقة واحدة‪ ،‬يا‬ ‫متمــددًا على‬ ‫أمــي»‪ ،‬قلــت وانطلقت إلى غرفــة الجلوس‪ .‬كان‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫األريكة‪« .‬ماء»‪ ،‬قال بغطرسة‪ ،‬دون أن ينظر نحوي‪.‬‬ ‫أمــي االنطبــاع‬ ‫قمــت بإحضــار المــاء علــى مهلــي‪ ،‬ألعطــي ّ‬ ‫بانشــغالي‪ ،‬ولتــدرك أن ال وقــت حتى لنفســي‪ ،‬فكيف لي أن‬ ‫أتصل بها!؟‬ ‫َّ‬ ‫أمي‪ ،‬ال تؤاخذيني‪ .‬الولد طلب ماء»‪.‬‬ ‫«عذرًا يا ّ‬ ‫سألت عن حالنا‪« .‬جميعنا بخير»‪ ،‬قلت‬ ‫ثم‬ ‫هنيهة‪،‬‬ ‫الصمت‬ ‫خيم‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫دون تفكير‪ .‬ما إن ســألتها عن حالها حتى شــرعت بالشكوى‪:‬‬ ‫شــرعت بالحديث عن آالم ركبتيها‪ ،‬والحاجة إلى إجراء عملية‬ ‫علي‬ ‫جراحيــة‪ ،‬وتوصية الطبيب لها بالمشــي‪ّ ،‬‬ ‫يومياً‪« .‬يجب ّ‬ ‫يومياً‪ ،‬كي‬ ‫إنقــاص وزنــي لتتعافى ركبتي‪ .‬يجب أن أمشــي‪ّ ،‬‬ ‫أنقــص مــن وزني‪ ،‬لكن وزني يزداد يومــ ًا بعد يوم‪ ،‬ألنني ال‬ ‫أستطيع المشي بسبب آالم ركبتي»‪.‬‬ ‫جيداً‪،‬‬ ‫أعــرف‪،‬‬ ‫مكتومة‪.‬‬ ‫ضحكة‬ ‫بعدمــا أنهت كالمها‪ ،‬أطلقــت‬ ‫ِّ‬ ‫هــذه الضحكــة؛ تضحك هكــذا عند غضبها‪ .‬في حيــاة والدي‪،‬‬ ‫ســوياً‪ ،‬كنت‬ ‫وقبــل أن أتــرك البيت‪ ،‬أقصــد عندما كنا نعيش‬ ‫ّ‬ ‫كل أفراد‬ ‫أســمع هــذه الضحكة كثيــراً‪ .‬في الواقــع‪ ،‬جميعنــا‪ّ ،‬‬ ‫ليطاق‬ ‫العائلة‪ ،‬نضحك عندمــا نكون غاضبين‪ .‬ما كان البيت ُ‬ ‫لوال تلك الضحكات‪.‬‬ ‫ترددها في الكالم‪ ،‬وكأنها‬ ‫أدركت‬ ‫‪.‬‬ ‫وســكت‬ ‫«عافاك اهلل»‪ ،‬قلت‬ ‫ُ ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ألي ســؤال أصابها‬ ‫تريــد إطالــة المكالمــة‪َّ ،‬‬ ‫لكن عــدم طرحي ّ‬ ‫بخيبة أمل كبيرة‪.‬‬ ‫«كيف الطقس عندكم؟»‪ ،‬قالت‪.‬‬ ‫«الثلج يهطل»‪ ،‬أجبت‪.‬‬ ‫عما يفعله ابني وزوجتي‪.‬‬ ‫«وهنا‪ ،‬أيضاً»‪ ،‬قالت‪ ،‬ثم سألت ّ‬

‫أي شيء‪ ،» ...‬قلت‪.‬‬ ‫«ال شيء‪ ،‬ال يفعالن ّ‬ ‫ســألت عنهما‪ ،‬كنــا نبدو وكأننــا نبتعد أكثــر فأكثر‪ .‬كم‬ ‫كلّمــا‬ ‫ْ‬ ‫بعيدْين‪ ،‬أحدنا عن اآلخر‪ ،‬حتى غدونا كالغرباء‪.‬‬ ‫أصبحنا َ‬ ‫أفكر في ذلك‪ .‬لــم أعرف ماذا يمكنني أن‬ ‫انتهــى حديثنا‪ ،‬وأنا ِّ‬ ‫علي اســتثمار وقتي خالل ما‬ ‫أقــول أكثر من ذلك‪ ،‬كما ينبغي ّ‬ ‫محددة لمتابعة التلفاز‪ ،‬يومياً‪ .‬في‬ ‫خصصنــاه البني من فترة َّ‬ ‫َّ‬ ‫الواقــع‪ ،‬هــذه إحدى أفكار زوجتــي كباقي أفكارهــا الرائعة!‪.‬‬ ‫بــردت قهوتــي‪ ،‬وتوقّــف كتابــي‪ ،‬بانتظــاري‪ ،‬عنــد الصفحة‬ ‫نفسها‪ ،‬منذ وقت طويل‪.‬‬ ‫حيــن كنّــا نمضي لحظــة صمت‪ ،‬قبــل إغالق الهاتــف كما هو‬ ‫َّع‪َ ،‬ق ّط‪ ،‬أن األمر سيكون إلى هذه‬ ‫الحال دائماً‪ ،‬قالت‪« :‬لم أتوق َ‬ ‫الدرجة من الشعور بالوحدة!»‪.‬‬ ‫لم تكمل كالمها‪.‬‬ ‫ُدهشــت! مــاذا تقصد؟ نبــرة غريبة فــي صوتهــا‪ .‬وبينما كنت‬ ‫ضجة‬ ‫ِّ‬ ‫أفكــر بمــا ينبغي أن أقول‪ ،‬دخــل ابني المطبــخ محدث ًا ّ‬ ‫مرتفعة‪ ،‬وأمســك بساقي‪ ،‬وشــرع بالتأرجح‪ .‬قلت له‪ ،‬بنبرة‬ ‫جدته‪ ،‬وينبغي عليه انتظاري‬ ‫أتحدث مع َّ‬ ‫قاســية قليالً‪ ،‬إنني َّ‬ ‫شفتْيه‪.‬‬ ‫زم َ‬ ‫في غرفة الجلوس‪ّ .‬‬ ‫فــي الواقع‪ ،‬شــعرت بالفرح لمجيئه‪ ،‬رغــم تصنُّعي الغضب‪.‬‬ ‫ترْين كيف هي حياتي»‪ ،‬قلت في‬ ‫«ها أنت تســمعين‪ ،‬يا ّ‬ ‫أمي‪َ ،‬‬ ‫قرارة نفسي‪.‬‬ ‫أمي‪ ،‬ماذا كنت تقولين؟»‪ ،‬قلت‪.‬‬ ‫«ال تؤاخذيني يا ّ‬ ‫ســمعت ما قالتــه بوضوح‪ .‬ظننت أنهــا ال ترغب‬ ‫فــي الواقع‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بتكرار ما قالته‪ ،‬لكنني كنت مخطئاً‪.‬‬ ‫تحدثت على عجل‪.‬‬ ‫صمتت هنيهة‪ ،‬ثم َّ‬ ‫بقية عمري وحيدة‪.‬‬ ‫أظن‪ّ ،‬‬ ‫«كنت أقول إنني لم ّ‬ ‫قط‪ ،‬أن أقضي ّ‬ ‫لم أتوقَّع موت أبيك قبلي‪ ،‬وال رحيلك بعيدًا عني‪ ،‬إلى مدينة‬ ‫مرات في السنة‪.» ...‬‬ ‫أخرى‪ ،‬وال أن نتالقى سوى بضع ّ‬ ‫لم أعرف بماذا أجيب‪ .‬لم أعتد منها هذا العتاب على الهاتف‪ .‬لم‬ ‫أعد أعرفها‪ ،‬حتى صوتها بدا غريب ًا على مسمعي‪.‬‬ ‫ليحِدث جلبة ثانية‪ ،‬أو بعودة‬ ‫رغبت بعودة ابني إلى المطبخ ُ‬ ‫بحيويتهــا المعهودة‪ ،‬وقولهــا «مرحبا»‪،‬‬ ‫زوجتــي إلى البيــت‬ ‫َّ‬ ‫أي شــيء من‬ ‫يحدث‬ ‫لم‬ ‫يومها‪.‬‬ ‫عناء‬ ‫من‬ ‫ُّص‬ ‫كأنهــا تريــد التخل‬ ‫ّ‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫أمي‪ .‬الوحدة نهايتنا جميعاً»‪ ،‬قلت‪.‬‬ ‫يا‬ ‫الحياة‪،‬‬ ‫هي‬ ‫«هذه‬ ‫ّ‬ ‫تفهم ًا‬ ‫شــعرت على الفور بتأنيب ضميري‪ّ .‬أل ينبغي أن أبدي ُّ‬ ‫لحالهــا؟ هــل جعلتنــي الحياة قاســي ًا إلــى هذا القــدر؟ حاولت‬ ‫مواســاة نفســي بتبرير فظاظتي‪ .‬دهشت من ســماع ذلك من‬ ‫نتطرق إلى هذا األمــر‪َ ،‬ق ّط‪ ،‬على الهاتف‪.‬‬ ‫أمــي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫مــرة‪ .‬لم ّ‬ ‫أول َّ‬ ‫نتحــدث وجهــ ًا لوجــه؟ لم يحــدث تقــارب بيننا‪،‬‬ ‫ومتــى كنّــا‬ ‫َّ‬ ‫أســع ألكون أقرب أصدقائها‪ ،‬عندما شــاخت‪ ،‬وباتت‬ ‫َق ّط‪ ،‬لم‬ ‫َ‬ ‫وحيدة‪ .‬ومتى سعيت ألكون صديق ًا ألحد آخر؟ لم أحاول تفّهم‬ ‫تواق ًا ألكون وحدي في السنوات‬ ‫شكواها من الوحدة‪ ،‬بل كنت ّ‬ ‫ممن يشكون من الوحدة؛ لذلك لم‬ ‫األخيرة‪ .‬كنت أشعر بالغيظ َّ‬ ‫أرفق بحالها‪ .‬الرأفة باتت بعيدة عني‪ ،‬منذ وقت طويل‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫«أمي‪ ،‬ينادونني‪ ،‬ســنعاود‬ ‫بعد ٍ‬ ‫ثوان من الصمت‪ ،‬قلت كاذباً‪ّ :‬‬ ‫الحديث الحقاً»‪.‬‬ ‫أتمكن إال من قراءة بضع صفحات من‬ ‫بردت قهوتي تماماً‪ .‬لم َّ‬ ‫أتمكن من الخلوة بنفسي‪ ،‬قليالً‪.‬‬ ‫كتابي‪ .‬لم َّ‬ ‫عدت إلــى غرفة الجلوس‪ .‬كان ابني مســتغرق ًا في النوم على‬ ‫األريكــة‪ .‬حيــن رأيته منقبضــ ًا ونائمــ ًا وتعابيــر بريئة تعلو‬ ‫بحجة‬ ‫وجهــه‪ ،‬خطر فــي بالي صّدي له حين يريد اللعب معي ّ‬ ‫انشغالي‪ ،‬وانسحابي إلى مكان منعزل‪ .‬في الواقع‪ ،‬ال أشغال‬ ‫كل الوقــت‪ .‬كنــت أكذب عليــه‪ .‬كنت أكذب علــى ابني‪ .‬ما‬ ‫لــدي ّ‬ ‫التصرف يقلقني عندما يكون صاحياً‪ ،‬لكن الشــعور‬ ‫هــذا‬ ‫كان‬ ‫ُّ‬ ‫بالذنب يراودني‪ ،‬حين رؤيتي له نائماً‪.‬‬ ‫أغلقــت التلفاز‪ ،‬وأرقدته في فراشــه‪ .‬جــّددت قهوتي‪ ،‬ووقفت‬ ‫أمام النافذة‪ .‬ما عدت أشــعر برغبة في القراءة‪ .‬ما عدت أشعر‬ ‫بأي عمل‪.‬‬ ‫برغبة في القيام ّ‬ ‫وبأمي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فكرت بابني‪ّ ،‬‬ ‫أقصد ابني وطفولتي‪...‬‬ ‫المتغيــرة والكئيبة‪،‬‬ ‫ثــم بمــا أدعــوه حياتي‪ ،‬تلــك المســيرة‬ ‫ِّ‬ ‫الهوية‪ ،‬والمنغلقة‪.‬‬ ‫عديمة‬ ‫ّ‬ ‫مــا كنت أتوق إليه من هدوء غــدا يزعجني‪ ،‬حتى المطبخ غدا‬ ‫يقبض على صدري‪.‬‬ ‫ثانيــة‪ .‬كانت نــدف الثلج‬ ‫رحــت أتابــع الثلج‪ ،‬مــن النافــذة‪،‬‬ ‫ً‬ ���تواصــل الهطــول‪ ،‬تدفعهــا الريــح كأنهــا تحــاول منعهــا من‬ ‫حل منتصف الليل‪.‬‬ ‫السقوط على األرض‪ .‬نظرت إلى ساعتي‪ّ .‬‬

‫‪116‬‬

‫«كم من مناســبة ميالد بقي‪ ،‬يا ترى؟» قلت في قرارة نفســي‪.‬‬ ‫شعرت بانقباض في قلبي‪.‬‬ ‫هل نامت‪ ،‬اآلن‪ ،‬يا ترى؟‬ ‫ربما‪ -‬لم‬ ‫أو‪-‬‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أيضــ‬ ‫النافذة‪،‬‬ ‫مــن‬ ‫الثلج‬ ‫ربمــا‪ ،‬تتابــع هطول‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫تســتطع مقاومة الدعوة إلى النوم‪ ،‬بعد شــعورها بالبرد إثر‬ ‫ســقوط دثارهــا علــى أرض المطبخ‪ ،‬فاســتغرقت فــي النوم‬ ‫وحيدة في فراشها‪ ،‬بعد أن كانت مالذي في طفولتي‪ .‬من يعلم‬ ‫تتمكن من‬ ‫كم من جهد‬ ‫ٍ‬ ‫مضن تبذل‪ ،‬في الســنوات األخيرة‪ ،‬كي َّ‬ ‫نقل جســمها الضخم إلى الفراش‪ ،‬لتســتيقظ بعد ساعات على‬ ‫آالم رقبتها‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬كنت أريد االّتصال بها‪ ،‬فحديثنا لم يكتمل‪.‬‬ ‫«سأتصل بها في الصباح»‪.‬‬ ‫كنت أقول‬ ‫َّ‬ ‫يحل الصباح‪ ،‬كنت أنتظر حتى المساء‪.‬‬ ‫وحين ّ‬ ‫المبررات للتأجيل‪.‬‬ ‫لنفسي‬ ‫أجد‬ ‫كي‬ ‫شيء‬ ‫أي‬ ‫كنت أفعل ّ‬ ‫ِّ‬ ‫مــا إن تناولــت الهاتــف بعد طــول تفكير‪ ،‬حتى ســمعت قلقلة‬ ‫مفتاح زوجتي‪.‬‬ ‫ال قد أزيح عن كاهلي‪.‬‬ ‫ال ثقي ً‬ ‫شعرت بالراحة‪ ..‬وكأن حم ً‬ ‫*(أنقــرا‪ )1977 ،‬دكتــوراه فــي الحقوق‪ .‬عضــو هيئة التدريــس في جامعة‬ ‫بيلغــي‪ /‬اســتانبول‪ ،‬لــه العديــد مــن المجموعــات القصصية‪ .‬نــال جائزة‬ ‫للقصة القصيرة‬ ‫«نوتردام دو سوان»‬ ‫األدبية (‪،)2011‬وجائزة سعيد فائق ّ‬ ‫ّ‬

‫«القصة المترجمة» من أحدث مجموعاته القصصية‪ ،‬ونالت جائزة‬ ‫(‪.)2011‬‬ ‫ّ‬ ‫للقصة القصيرة (‪.)2016‬‬ ‫«يونس نادي» ّ‬


‫ضوء الشعر!‬ ‫أزارين صادق*‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد حلمي الريشة‬

‫الشعر؟»‬ ‫سألني شخص ما‪« :‬هل تحبين ِّ‬ ‫اعتدت االستماع إلى «شاملو» يذكر قصائد «جمال الدين الرومي»‬ ‫الخيام»‪ ،‬خالل ليالي الحرب‪ ،‬في الظالم‪ ،‬والمشي في‬ ‫و«عمر ّ‬ ‫غرفتــي‪ ،‬واالنتقال مــن زاوية إلى أخــرى‪ ،‬والتوقُّف‪ ،‬لثوان‪،‬‬ ‫أمــام النافذة ألشــاهد المدينــة من الخارج‪ ،‬والمباني الســكنية‬ ‫الضيــق‪ ،‬والناس في‬ ‫التــي تواجه بناءنا الســكني‪ ،‬والشــارع‬ ‫ِّ‬ ‫متلصص)‪...‬‬ ‫بيوتهــم (كنت أراقب من غير قصد وشــعور‪ ،‬مثل‬ ‫ِّ‬ ‫ربما أحببت هذا النهج كي أكون كاتبة!‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كل ليلة‪ ،‬تغســل المرأة العجوز قدميها في حوض مطبخها في‬ ‫ّ‬ ‫ربما‪ ،‬لهذا‬ ‫الطابــق الثاني‪ ،‬وتبدو متعبة‪ ،‬وتشــعر بالملــل‪ّ ...‬‬ ‫قررت ترك بيتي!‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كل يوم‪ ،‬أختبئ وراء ســتارة غرفتي‪ ،‬منتظرة أن أقبض على‬ ‫ّ‬ ‫ضــوء الصبــاح‪ ،‬وأحمل كتاب ًا لــم ِ‬ ‫أنته منــه‪ ،‬ورواية‪ ،‬وقصة‬ ‫وهمية‪ ،‬أعــرف أنها لم تكن موجودة‪.‬‬ ‫شــخصيات‬ ‫كبيرة حول‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخفية‪ ،‬وأعّد النجوم حتى تختفي جميعها‬ ‫الزجاج‬ ‫أمحــو بقع‬ ‫ّ‬ ‫فــي وضح النهــار‪ ،‬و‪ -‬من َثّم‪ -‬أتمكن من فتــح الكتاب للعثور‬ ‫على الجملة األخيرة التي كنت قد قرأتها‪ ،‬أللقي بنفســي داخل‬ ‫ربما‪ ،‬لهذا‪،‬‬ ‫تدفُّــق الحياة التي ال عالقة لها بســكون غرفتي‪َّ ...‬‬ ‫كنت أتوق ألصبح شخص ًا ما لم َأ ُكنه!‪.‬‬ ‫في الصباح‪ ،‬الفتاة الشــابة‪ ،‬التي تعيش في الطابق السادس‬ ‫في الجانب اآلخر من الشــارع‪ ،‬وضعت مساحيق التجميل على‬ ‫وجههــا الشــاحب‪ ،‬ووقفت إلى نافــذة بيتها‪ ،‬وتطاير شــعرها‬ ‫األســود فــي الريــح‪ ،‬وبرهــن الضــوء المنعكس علــى مرآتها‬ ‫وجودهــا‪ .‬بينما‪ ،‬في الجزء الســفلي من المبنــى‪ ،‬انتظر رجل‬ ‫ربما‪،‬‬ ‫ســيارة «مرسيدس» الصطحابها في موعد‪َّ ...‬‬ ‫أصلع في ّ‬ ‫بسبب هذا األسلوب‪ ،‬بدأت أكره التقاليد!‪.‬‬ ‫متجعدًا إلى البيت ليتناول‬ ‫عند الظهر‪ ،‬سارع رجل يرتدي طقم ًا‬ ‫ِّ‬ ‫طعــام الغــداء؛ كانــت زوجته قد جهــزت المائــدة‪ ،‬ووقفت إلى‬ ‫النافــذة التي تواجــه نافذتي‪ ،‬كان وجهها الفتــ ًا لالنتباه‪ ،‬ولم‬ ‫تبتســم مطلق ًا حين رأت زوجها المسرع‪ .‬جلس الزوج‪ ،‬والَتهم‬ ‫األرز والحســاء‪ ،‬بينمــا ســكبت الزوجة الماء والشــاي‪ ،‬وبدت‬ ‫ّ‬ ‫وتحــدث بصوت أعلى‪ ،‬وَل َّوح‬ ‫أكثر‪،‬‬ ‫ث‬ ‫وتحد‬ ‫ث‪،‬‬ ‫تحد‬ ‫جائعــة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫وحك أنفه‪ ،‬قذف الطبق‪ ،‬وضرب على الطاولة‪ ،‬في‬ ‫بقبضته‪،‬‬ ‫ومشوهة‪،‬‬ ‫مسحوقة‬ ‫‪،‬‬ ‫حياة‬ ‫وأقل‬ ‫‪،‬‬ ‫أقل‬ ‫انقلبت‬ ‫الزوجة‬ ‫حين أن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ربما‪ ،‬بسبب‬ ‫الكلمات‪...‬‬ ‫قنابل‬ ‫من‬ ‫وابل‬ ‫ســقوط‬ ‫تحت‬ ‫واختفت‬ ‫ّ‬ ‫هذا األسلوب‪ ،‬تعلَّمت االستماع إلى الصمت بين الضوضاء!‪.‬‬ ‫كل ظهــر‪ ،‬الفتــى الــذي أعجبــت بــه؛ الفتــى ذو العيَنْين‬ ‫بعــد ّ‬

‫العمل الفني‪ -Nasrin Barekat :‬إيران‬

‫الذهبيَتْيــن الذي اختفى بعد بدء الحرب‪ ،‬ظهر بســاق مفقودة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫تحولتا إلــى اللون األحمر‪ ،‬ولم يعد‬ ‫وقلــب مفقود‪ ،‬لكن عينيه َّ‬ ‫ربما‪ ،‬هذا هو سبب احتقاري للحرب!‪.‬‬ ‫وسيم ًا بعد اآلن‪ّ ...‬‬ ‫لتذكرني‬ ‫هناك‬ ‫ي‬ ‫أم‬ ‫كانــت‬ ‫عيني‪-‬‬ ‫أفتح‬ ‫حين‬ ‫كل يوم‪-‬‬ ‫صبــاح ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قوية وشــجاعة‪ ،‬وأن‬ ‫أن أعمــل بجــّد‪ ،‬وأن أدرس‪ ،‬وأن أكون ّ‬ ‫أستحق أن أعيشها‪.‬‬ ‫أعيش حياة‬ ‫ّ‬ ‫كل يــوم‪ ،‬كنت أجلــس معهــا‪ ،‬وأنظر نحو الســماء‬ ‫بعــد ظهــر ّ‬ ‫أي صوت‪ ،‬وأحاول التقاط‬ ‫أي ضوء‪ ،‬وأنتظر َّ‬ ‫بتعجب‪ ،‬أراقب َّ‬ ‫ُّ‬ ‫أي شــيء‪ ،‬لم نســتوعبه من قبل‪ .‬كانت تســتمع إلى القصص‬ ‫َّ‬ ‫تتوهجان فــي الظالم‪ ،‬وبدون‬ ‫التــي أكتبها مع عينيهــا اللتين‬ ‫َّ‬ ‫كلمــة واحدة‪ ،‬وتحافظ على المســافة‪ ،‬وتعقــد الصمت‪ .‬أنا لم‬ ‫مجرد قلقها‬ ‫أتعلَّم ما إذا كان لديها َّ‬ ‫أي شيء تقوله‪ ،‬أم أنه كان َّ‬ ‫أهم َّيتها‪.‬‬ ‫حول عدم ّ‬ ‫كل مســاء‪ ،‬أختفــي فــي غرفتي‪ ،‬لكنهــا تطرق البــاب‪ ،‬دائماً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إن العشاء جاهز‪ ،‬حيث كان ينتظرني عالم هناك‪ .‬وفي‬ ‫لتقول ّ‬ ‫كل مــرة أفتــح ذلك البــاب لالنضمام إليها‪ ،‬حيــث تمأل روائح‬ ‫ّ‬ ‫أطباقها العذبة ثغرات وثقوب فراقنا‪ .‬كانت تبتســم في وجهي‬ ‫دائمــاً‪ ،‬حتى لو كنــت قد رأيتها‪ -‬طوال الوقــت‪ -‬تجلس حزينة‬ ‫ربما‪ ،‬هذا ســبب توقي‬ ‫يمر‪َّ ...‬‬ ‫إلــى نافذة مطبخها تراقب العالم ّ‬ ‫إلى العيش في الحياة التي كانت توقَّفت رغبتها فيها!‪.‬‬ ‫أتمكن من‬ ‫مــرة‪ ،‬عندمــا أنام‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل مرة‪ ،‬عندما أســتيقظ‪ ،‬ال َّ‬ ‫كل ّ‬ ‫التمييــز بيــن العالــم الخيالي والعالــم الواقعي‪ ،‬وال أســتطع‬ ‫التمييــز بين حدود وجودي في عالم كوابيســي كما لو كنت قد‬ ‫مخيلتي‪ ،‬مستوحاة‬ ‫عملت على خلق حياة جديدة داخل أصالة ِّ‬ ‫أحب الشعر!‪.‬‬ ‫بدأت‬ ‫ربما‪ ،‬لهذا‪،‬‬ ‫ماضي‬ ‫من حقيقة‬ ‫ّ‬ ‫الخيالي‪ّ ...‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحبه»‪.‬‬ ‫أومأت إليه‪ ،‬وأحببته‪« :‬نعم‪ ،‬طبع ًا ُّ‬ ‫مرشحة‬ ‫* ولدت أزارين صادق في «شاهي‪ -‬إيران»‪ ،‬في العام ‪ .2010‬كانت َّ‬ ‫لجائــزة «كيركوود» في جامعة كاليفورنيا‪ .‬خالل الحرب مع العراق غادرت‬ ‫إيران‪ ،‬ودرســت علوم الحاسوب في فرنسا‪ .‬نالت الدرجة األولى في الكتابة‬ ‫اإلبداعيــة في لــوس أنجلوس‪ .‬منذ العــام ‪ ، 2007‬ظهــرت أعمالها مطبوعة‬ ‫علــى اإلنترنت‪ .‬من مؤلَّفاتها «حدود مشــتركة‪ :‬قصص عن الهجرة»‪ .‬تعيش‪،‬‬ ‫حالياً‪ ،‬في لوس أنجلوس‪ ،‬وتعمل على روايتها الثانية «مالحظة انتحار»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪117‬‬


‫الكاتب الروســي «أنطون تشــيخوف» (‪،)Anton Chekhov‬‬ ‫وقــاص‪َ ،‬ع َّده النقــاد من أفضــل كّتاب‬ ‫مســرحي‪ ،‬وطبيــب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القصة القصيرة على مدار التاريخ‪ ،‬كتب المئات من القصص الكالسيكية‬ ‫ّ‬ ‫الصغيرة‪ .‬و هو رائد المسرح الروسي‪ ،‬كما كتب مسرحيات‪ ،‬كان لها التأثير‬ ‫العظيم على الدراما في القرن العشرين‪ُ .‬وِلد عام ‪ 1860‬في جنوب روسيا‪،‬‬ ‫وتعلَّم في مدرسة يونانية‪ .‬برع في التمثيل منذ الصغر‪ ،‬وانجذب إلى سحر‬ ‫الحكاية‪ ،‬وقد عانى في طفولته بسبب إفالس والده‪ ،‬حيث عمل على تسديد‬ ‫أتم تعليمه عام ‪،1879‬‬ ‫ديونه‪ ،‬وتكف َ‬ ‫َّل بنفقات دراســته بنفســه‪ ،‬إلى أن َّ‬ ‫الطب في جامعة موسكو‪.‬‬ ‫ّية ّ‬ ‫وانضم إلى كلّ‬ ‫ّ‬

‫موت َّ‬ ‫حكومي‬ ‫موظف‬ ‫ّ‬ ‫قصة‪ :‬أنطون تشيخوف‬ ‫ترجمة‪ :‬رضوان السائحي‬

‫يقل عنه روعة‪ ،‬يدعى‬ ‫موظف‬ ‫ذات مساء رائع‪ ،‬كان َّ‬ ‫حكومي ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫«إيفان ديمتريفيتش تشــيرفياكوف»‪ ،‬يجلس في الصف الثاني‬ ‫مــن المقاعــد األماميــة‪ ،‬يتطلَّع‪ ،‬عبــر المنظار‪ ،‬إلــى «أجراس‬ ‫فجأة‪...‬‬ ‫بقمة الســعادة‪ .‬لكن‪،‬‬ ‫ً‬ ‫كورنيفيــل»‪ .‬تطلَّع وهو يشــعر ّ‬ ‫فجأة» هذه فــي القصص!‪ .‬الكّتاب‬ ‫وكثيــرًا مــا تصادفنا «لكن‪،‬‬ ‫ً‬ ‫حق‪ ،‬الحياة مليئة كثيرًا بالمفاجآت!‬ ‫على ّ‬ ‫فجأة تقلَّص وجهه‪ ،‬وزاغت عيناه‪ ،‬واحتبست أنفاسه‪...‬‬ ‫لكن‪،‬‬ ‫ً‬ ‫أزاح المنظــار عــن عينيــه وانثنــى و‪ ...‬آتشــي!! َع َطــس كما‬ ‫أي مكان‪ :‬يعطس‬ ‫تالحظــون‪ .‬والعطس ال ُيالم عليه أحد‪ ،‬في ِّ‬ ‫السرّيون‪.‬‬ ‫المستشارون‬ ‫الفلحون وكذا مدراء الشــرطة ‪ ،‬حتى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األقل‪.‬‬ ‫الجميع يعطسون‪ ،‬على ّ‬ ‫بأي ارتباك‪ :‬مسح وجهه بمنديله‪،‬‬ ‫لم يشــعر «تشــيرفياكوف» ّ‬ ‫ْ‬ ‫ومثــل شــخص مهــذَّب نظر حولــه ليرى مــا إذا كان قــد أزعج‬ ‫أحدًا بعطســته‪ .‬وعلى الفور‪ ،‬شــعر بالحرج؛ فقــد رأى الرجل‬ ‫األول من المقاعد‬ ‫النبيــل العجوز الذي يجلس أمامه في الصف َّ‬ ‫األمامية‪ ،‬يمســح‪ ،‬برفــق‪ ،‬صلعته ورقبته بقفّــازه‪ ،‬ويغمغم‬ ‫بشــيء مــا فــي نفســه‪ .‬وعــرف «تشــيرفياكوف» في شــخص‬ ‫‪118‬‬

‫العجوز «بريزهالوف»‪ ،‬الجنرال المدني الذي يعمل في مصلحة‬ ‫النقل‪.‬‬ ‫قال «تشــيرفياكوف» في نفســه‪« :‬لقد بللته‪ ،‬إنــه ليس رئيس‬ ‫مصلحتي‪ ،‬لكن األمر مازال محرجاً‪ ..‬يجب أن أعتذر»‪.‬‬ ‫تنحنح «تشــيرفياكوف» ومال بجسده كلّه إلى األمام‪ ،‬وهمس‬ ‫في أذن الجنرال‪:‬‬ ‫«عفواً‪ ،‬يا صاحب السعادة‪ ،‬لقد بللتكم من دون قصد‪»..‬‬ ‫تهتم»‪.‬‬ ‫تهتم‪ ،‬ال ّ‬ ‫ «ال ّ‬‫ «أستحلفكم باهلل أن تعذروني‪ ..‬أنا‪ ...‬لم أكن أعني!»‪.‬‬‫ «أوه‪ ..‬من فضلك‪ ،‬اجلس ودعني أنصت!»‪.‬‬‫ُأ ْحــرج «تشــيرفياكوف»‪ ،‬وابتســم ببالهــة‪ ،‬وراح ينظــر إلــى‬ ‫المســرح‪ .‬كان ينظــر‪ ،‬لكنــه لم ُيعْد يشــعر بالســعادة‪ .‬لقد بدأ‬ ‫توجه‬ ‫ينزعــج من القلــق الذي انتابه‪ .‬وفي أثناء االســتراحة‪َّ ،‬‬ ‫َّب على‬ ‫صــوب «بريزهالــوف»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتمشــى إلــى جانبه‪ ،‬ثــم تغل َ‬ ‫حرجه قائالً‪:‬‬ ‫«لقد بللتكم‪ ،‬يا صاحب الســعادة‪ .‬اغفروا لي ذلك‪ ..‬كما ترى‪..‬‬ ‫لم أكن أقصد أن‪.»...‬‬


‫العمل الفني‪-Egon_Schiele :‬النمسا‬

‫محرك ًا شــفته الســفلى بنفاد صبر‪« :‬أوه‪ ..‬كفى!‬ ‫قال الجنرال‪ِّ ،‬‬ ‫تتحدث عنه!»‬ ‫زلت‬ ‫ما‬ ‫وأنت‬ ‫لقد نسيت األمر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وقال «تشــرفياكوف» في نفســه‪ -‬وهو يتطلَّع إلى الجنرال في‬ ‫يطل من عينيه‪ ..‬هو ال يريد أن‬ ‫ريبة‪« :-‬لقد نسي‪ ،‬بينما الخبث ّ‬ ‫أوضح له‪ ...‬أننــي‪ -‬فعالً‪ -‬لم أقصد‪ ،‬وأن‬ ‫يتحــدث‪ .‬ينبغي أن ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ذلك قانون الطبيعة‪ّ ،‬‬ ‫وإل ظن أنني قصدت البصق عليه‪ .‬وإذا‬ ‫يظن اآلن‪ ،‬فسيفعل فيما بعد!»‪.‬‬ ‫لم ّ‬ ‫عنــد عــودة «تشــيرفياكوف» إلى المنــزل‪ ،‬أخبــر زوجته عن‬ ‫ســلوكه األخــرق‪ ،‬وخطر في باله أن زوجتــه نظرت إلى األمر‬ ‫باســتخفاف‪ ،‬ألنها جزعت فقط‪ ،‬لكنها اطمأنَّت عندما علمت أن‬ ‫«بريزهالــوف» فــي مصلحة مختلفــة‪ ،‬فقالت‪« :‬ومــع ذلك من‬ ‫األفضل أن تذهب إليه وتعتذر‪ّ ،‬‬ ‫التصرف‬ ‫وإل َظ َّن أنك ال تحسن‬ ‫ُّ‬ ‫في المجتمع»‪.‬‬ ‫كل مــا فــي األمر! لقــد اعتذرت لــه‪ ،‬لكنــه‪ ...‬أخذ األمر‬ ‫ «هــذا ّ‬‫بغرابة‪ ..‬لم يقل كلمة ذات معنى‪ ،‬ولم يكن هناك وقت للحديث‬ ‫بشكل صحيح»‪.‬‬ ‫ص‬ ‫فــي اليوم التالي‪ ،‬لبس «تشــيرفياكوف» بذلــة جديدة‪َ ،‬‬ ‫وق َّ‬ ‫شــعره‪ ،‬ثم ذهب إلــى «بريزهالوف» لتوضيــح األمر‪ .‬وعندما‬ ‫الزوار‪ ،‬ومن‬ ‫دخل إلى غرفة اســتقبال الجنــرال‪ ،‬رأى عددًا من ّ‬ ‫بينهم الجنرال نفسه‪ ،‬الذي كان قد بدأ يحاورهم‪ ،‬وبعدما سأل‬ ‫عّدة أشخاص‪ ،‬رفع عينيه إلى «تشيرفياكوف»‪.‬‬ ‫فــي األخيــر‪ ،‬بــدأ «تشــيرفياكوف» يشــرح لــه‪« :‬باألمــس في‬ ‫(أركاديا)‪ -‬لو تذكرون يا صاحب السعادة‪ -‬عطست و‪ ...‬بللتكم‬ ‫عن غير قصد‪ ...‬اعذر‪.»...‬‬ ‫أي شــيء يمكننــي أن أفعله‬ ‫ «مــا هــذا الهــراء‪..‬؟ هذا أبعد من ّ‬‫لك»‪ ،‬قال الجنرال مخاطب ًا الزائر التالي‪.‬‬ ‫فكر «تشرفياكوف»‪ ،‬وغدا شاحباً‪« :‬ال يريد أن يتكلَّم! هذا يعني‬ ‫َّ‬ ‫أنــه غاضــب‪ ...‬ال يمكن أن أترك األمر هكذا‪ ...‬ســوف أشــرح‬ ‫له‪.»...‬‬ ‫وات َجه إلى غرفته‬ ‫عندمــا أنهــى الجنرال حديثه مع آخر زائــر‪َّ ،‬‬ ‫الداخلية‪ ،‬خطا «تشيرفياكوف» خلَّفه‪ ،‬وغمغم‪:‬‬ ‫«يا صاحب الســعادة ! إذا كنت أتجرأ على إزعاج ســعادتكم‪،‬‬ ‫فإن ذلك‪ -‬ببســاطة‪ -‬من إحساســي بالندم‪ ...‬لم يكن ذلك عن‬ ‫وصدقتموني»‪.‬‬ ‫تلطفتم‬ ‫قصد‪ ،‬إن َّ‬ ‫َّ‬ ‫وحرك يــده‪ ،‬ثم قال‪ -‬‬ ‫َّ‬ ‫قطــب الجنرال وجهــه‪ ،‬ودمعت عيناه‪َّ ،‬‬ ‫وهو يغلق الباب وراءه‪:-‬‬ ‫سيدي‪ ،‬لماذا تسخر مني بهذه البساطة؟»‬ ‫«يا ِّ‬ ‫أية سخرية!‬ ‫هناك‬ ‫ليســت‬ ‫سخرية؟‬ ‫ة‬ ‫«أي‬ ‫«تشــرفياكوف»‪:‬‬ ‫َف َّكَر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إنــه جنــرال‪ ،‬لكنه ال يفهــم‪ .‬إن كان األمر كذلك فلــن أعتذر لهذا‬ ‫المتبجح أبدًا ليذهب إلى الجحيم‪ .‬ســأكتب له رسالة‪ ،‬لكني لن‬ ‫ّ‬ ‫أذهب إليه‪ .‬أقسم إني لن أذهب»‪.‬‬ ‫هكــذا َف َّكــر «تشــرفياكوف»‪ ،‬وهــو عائــد إلى البيــت‪ .‬لم يكتب‬ ‫وف َّكر‪ ،‬ولم يقــدر أن يكتب‬ ‫الرســالة إلــى الجنرال‪َ ،‬فقَّــد َف َّكــر‪َ ،‬‬ ‫تلك الرســالة‪ :‬يجب أن يذهب في اليوم التالي ليشــرح له األمر‬ ‫شخصياً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫متســائلتْين‪ «:‬لقد‬ ‫ــن‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫عي‬ ‫الجنــرال‬ ‫إليــه‬ ‫رفــع‬ ‫عندمــا‬ ‫غمغــم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َْ‬

‫تجــرأت‪ ،‬باألمــس‪ ،‬علــى إزعاجكــم يــا صاحب الســعادة‪ ،‬ال‬ ‫َّ‬ ‫تفضلتم ســعادتكم وقلتم‪ ،‬بــل كنت أعتذر‬ ‫ألســخر منكــم‪ ،‬كما َّ‬ ‫ألنــي عطســت فبللتكم ‪ ...‬ولــم يخطر ببالي‪ ،‬أبداً‪ ،‬أن أســخر‬ ‫منكــم‪ .‬وهل أجســر علــى الســخرية منكم؟ إن ســخر أحدنا من‬ ‫اآلخر‪ ،‬فلن يكون هناك احترام لألشخاص‪ ..‬سيكون‪»...‬‬ ‫ّياً‪:‬‬ ‫واحمر‬ ‫صرخ الجنرال‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فجأة‪ ،‬واهتز كلّ‬ ‫َّ‬ ‫«اخرج!!»‬ ‫سأل «تشيرفياكوف» هامساً‪ ،‬وهو يذوب رعباً‪:‬‬ ‫«ماذا؟»‪.‬‬ ‫ود َّق األرض بقدمه‪:‬‬ ‫الجنرال‪،‬‬ ‫ردد‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫«اخرج!!»‬ ‫تمزق شــيء ما في بطن «تشيرفياكوف»‪ .‬وتراجع إلى الباب‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وهو ال يبصر‪ ،‬وال يسمع شيئاً‪ .‬خرج إلى الشارع وهو يترنَّح‬ ‫آلياً‪ ،‬إلى البيت‪ ،‬اســتلقى على األريكة دون‬ ‫وحيــدًا ‪ ..‬وصل‪ّ ،‬‬ ‫أن يخلع حلّته‪ ...‬ومات!‪.‬‬


‫العمل الفني‪ :‬يوسف أحمد‪-‬قطر‬

‫هل يساعد األدب يف العيش؟*‬ ‫هيلواز لرييتي‬ ‫ترجمة‪ :‬أ‪ .‬محمد اإلدرييس‬ ‫ويهدئنا‪ ،‬ويمكــن أن يصل‬ ‫فضاء‬ ‫إنــه يفتــح‬ ‫خياليــاً‪ ،‬يحملنــا‪ِّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫القوة‬ ‫هذه‬ ‫تأتي‬ ‫أين‬ ‫من‬ ‫األحيان‪.‬‬ ‫بعض‬ ‫في‬ ‫تغييرنا‪،‬‬ ‫تأثيره إلى‬ ‫ّ‬ ‫المذهلة للروايات؟‬ ‫بـ«ســيارة إســعاف تهــرع إلنقــاذ شــخص ما‪،‬‬ ‫إن األدب أشــبه‬ ‫ّ‬ ‫خــال الليل»‪ ،‬كما يكتب الروائي «ريجيــن ديتامبيل‪Régine -‬‬ ‫‪ »Detambel‬فــي «الكتــب ترعاك»‪ .)2015( ،‬لكن‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬ال‬ ‫ويصرح «كلود روا ‪« :»Claude Roy -‬تكمن قيمه‬ ‫طائل منــه‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫الوحيدة في كونه يساعد على العيش»‪.‬‬ ‫للشــخصيات واألكــوان‪ ،‬فالعديد من‬ ‫مجرد ابتكار‬ ‫ّ‬ ‫ال ُي َعــّد األدب َّ‬ ‫وتســتقر بمحاذاتها‪ ،‬بشــكل دائم‪،‬‬ ‫حميميتنــا‪،‬‬ ‫الكتــب تختــرق‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫وتكشف لنا عن ذواتنا‪ .‬ليست هذه الكتب‪ ،‬دائماً‪ ،‬عطوفة‪ :‬يمكن‬ ‫قوي ًا وعنيفاً‪ .‬بعضها يشبه «الفأس الذي يكسر‬ ‫لبعضها أن يكون ّ‬ ‫‪120‬‬

‫تشــكل‪ ،‬دائماً‪ ،‬مرآة مالئمة‬ ‫الجليــد»‪ ،‬كما يقول «كافكا»‪ .‬إنها ال‬ ‫ِّ‬ ‫تقدم أجوبة‪ .‬حتى اآلن‪ ،‬هي‬ ‫مما ِّ‬ ‫ألنفســنا‪ ،‬إذ تترك أسئلة أكثر ّ‬ ‫تســاعدنا‪ ،‬حيث لديهــا القدرة على تهدئتنــا‪ ،‬وإيصالنا بحيوات‬ ‫يتم ذلك؟‬ ‫أخرى‪ ،‬تؤثِّر في نظرتنا ألنفسنا وللعالم‪ .‬لكن‪ ،‬كيف ّ‬

‫حساس‬ ‫تعليم ّ‬ ‫عشــوائياً‪ -‬كتاب «العب الشــطرنج‪Le Joueur-‬‬ ‫عندما نفتح‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ »d’échecs‬لـ«ســتيفان تســفايغ ‪ ،»Stefan Zweig-‬نجــده‬ ‫يقــول‪ ،‬فــي الصفحة األولــى‪« :‬على متن الســفينة الكبيرة التي‬ ‫ســتغادر نيويورك في منتصف الليــل‪ ،‬صوب بوينس آيرس‪،‬‬ ‫ساد الذهاب واإلياب المعتادان قبل اللحظة األخيرة‪ .‬وفي بضع‬


‫ثوان‪ ،‬هأنذا أســتعرض سطح ســفينة في أوائل األربعينيات‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫الخلفية‪ .‬بعد دقيقة‪ ،‬يظهر البغيض‬ ‫في‬ ‫نيويورك‬ ‫مدينة‬ ‫وأترك‬ ‫ّ‬ ‫«ســينتوفيتش‪ ،»Czentovic-‬بطــل العالــم فــي الشــطرنج‪،‬‬ ‫بـ«شــعره األشــقر المســتعار»‪ ،‬و«عينيــه اللتين توحيــان بأنه‬ ‫نائــم وغيــر ٍ‬ ‫مبال‪ ،‬تحــت جفونهمــا الثقيلة»‪ .‬أخذت بالحســبان‬ ‫مركزيتي‪ ،‬وتجعلني‬ ‫هــذه «األنا» المالحظــة‪ ،‬التي تزيح عنــي‬ ‫َّ‬ ‫وأفكر «في نفســي»‪ .‬بعد بضع‬ ‫أشــعر‬ ‫بحيوية الراوي‪ ،‬وأعمل‪ِّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫عقلياً‪ -‬تجربة مباراة للشطرنج‪،‬‬ ‫صفحات‪ ،‬أجد نفســي أعيش‪ّ -‬‬ ‫تقترب من شــفا الجنون‪ .‬تهاجمني بعــض الصور الذهنية التي‬ ‫ــعر المســتعار‪ ،‬أو زميله ذاك‪.‬‬ ‫َح َّركها الســرد‪ ،‬مثل صاحب َّ‬ ‫الش ْ‬ ‫فــي حين أن بعضهــا األخر غامض بما فيــه الكفاية‪ ،‬ويأتي من‬ ‫ّية‬ ‫مكان أخر‪ .‬على ســبيل المثال‪ :‬من أين تأتي هذه الســترة البنّ‬ ‫والمجعدة‪ ،‬وهذه الحواجب الشعثاء‪ ،‬وهذه السيقان المتقاطعة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫النص؟‬ ‫في‬ ‫مدرجة‬ ‫غير‬ ‫بأنها‬ ‫علم ًا‬ ‫ّ‬ ‫يفتــح األدب‪ ،‬في بداية األمر (وهذا هو تأثيره األكثر وضوحاً)‪،‬‬ ‫حميميْين‪ ،‬وليس‬ ‫ولحظــة مع الــذات‪،‬‬ ‫فضاء‬ ‫شــخصياً‪،‬‬ ‫فضــاء‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خــارج العالــم‪ ،‬لكنه‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬بعيد عن الصخــب والتأثيرات‪،‬‬ ‫حيــث يمكننــا الحلــم‪ ،‬والتفكيــر‪ ،‬وإنجــاب األطفــال‪ ،‬وبنــاء‬ ‫العالقــات‪ .‬نقــرأ هــذه العبــارة الجميلــة لـ«باســكال كينيــار ‪-‬‬ ‫كل واحــد‬ ‫‪« :»Pascal Quignard‬أن نقــرأ معنــاه أن «يقــرأ ّ‬ ‫الخاص»‪ .‬الحظ «جان‪ -‬لويس فابياني ‪Jean- Louis -‬‬ ‫كتابه‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،»Fabiani‬و«فابيــان ســولداني‪ »Fabienne Soldini-‬أن‬ ‫الخــاص‪ ،‬في‬ ‫القــراءة تســمح للســجناء بإعــادة بنــاء فضائهم‬ ‫ّ‬ ‫حيــن أن «التليفزيون يجعل من المســتحيل تحقيق ذلك بشــكل‬ ‫جذري»(‪.)1‬‬ ‫ّ‬ ‫لكونهــا تســمح بتحريــر المخيــال‪ ،‬ســاد اعتقــاد‪ ،‬منــذ فتــرة‬ ‫طويلــة‪ ،‬بكون قــراءة الخيال األدبي تقطعك عن العالم‪ .‬ســبق‬ ‫للفيلســوف الفرنســي الراحل «جان بول سارتر‪Jean- Paul-‬‬ ‫‪ »Sartre‬أن قال بكون التخييل ال يظهر ســوى بوصفه «إبادة»‬ ‫للعالــم‪ ،‬كما لــو كان موضوع الواقع غائبــاً(‪ .)2‬اليوم‪ ،‬نجد أن‬ ‫هــذه النظريــة قد أضحت موضع نزاع بيــن الكّتاب‪ ،‬من مختلف‬ ‫كل‬ ‫التخصصات‪،‬‬ ‫والمهتمين بالعالقة بين األدب والحياة‪ :‬يشير ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫«فن‬ ‫في‬ ‫‪»Michèle‬‬ ‫بيتــي‪Petit-‬‬ ‫«ميشــيل‬ ‫األنثروبولوجي‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫القــراءة‪ ،‬أو كيف نقــاوم الشــدائد»‪ ،)2008( ،‬والباحث األدبي‬ ‫«مارييل ماســي‪ »Marielle Macé-‬فى «طــرق القراءة‪ ،‬طرق‬ ‫الوجــود»‪ ،)2011( ،‬والباحــث األدبــي «أنطــوان كومبانــون ‪-‬‬ ‫‪ »Antoine Compagnon‬في «األدب‪ ،‬لماذا يفعل ما يفعله؟»‪،‬‬ ‫(‪ ،)2007‬والروائية «رين ديتامبيل‪...»Régine Detambel-‬‬ ‫إلــى أن قراءاتنا ليســت خارجــة عن حياتنا‪ ،‬لكنهــا مرتبطة بها‬ ‫متعددة‪ .‬مــن القراءة إلى الكتابــة‪ -‬والعكس بالعكس‪-‬‬ ‫بروابــط‬ ‫ِّ‬ ‫تنتشــر الصــور‪ ،‬وتخصب‪ ،‬وكذلك األشــكال والقصص (تماماً‪،‬‬ ‫كما يمكن أن تتركنا غير مبالين)‪.‬‬

‫َخزّان من التعبيرات أمام العالم‬ ‫األول الذي يربط بين األدب والحياة‪ ،‬فالرواية‬ ‫تعّد اللّغة الخيط َّ‬ ‫خزان من التعبيرات لمواجهة العالم‪ .‬بهذا المعنى‪،‬‬ ‫والشــعر هما ّ‬

‫تو��ح «رين ديتامبيل»‪.‬‬ ‫حساســة»‪ ،‬كما ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫يقدم لنا األدب «تربية ّ‬ ‫العادية‪ ،‬مع إدراك‬ ‫اإلنســانية‬ ‫للحياة‬ ‫ا‬ ‫جديد‬ ‫ا‬ ‫اهتمام‬ ‫يضع‬ ‫«إنه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تفاصيلهــا‪ ،‬وفروقها الدقيقة‪ ،‬وخفاياها واختالفاتها»‪ ،‬بوصفه‬ ‫أشــبه بـ«طبــق ســمك مقلــي» متواضــع‪ ،‬بتوصيــف الشــاعر‬ ‫«فرانســيس بونــج‪ )Francis Ponge-‬للنزاهــة الشــعرية‪،‬‬ ‫وصــو ًال إلــى اعتبارها أســمى تعبير عن المشــاعر اإلنســانية‪،‬‬ ‫كالحب أو اليأس‪ ،‬يشــير الكتاب إلى مختلف األشياء‪ ،‬الصغيرة‬ ‫ّ‬ ‫أو الجليلــة‪ ،‬التــي يمكــن أن تؤثِّر فــي وجودنــا‪ .‬إنهم يضعون‬ ‫الكلمــات واالســتعارات بشــكل يضمــن التماســك‪ ،‬والتفصيل‪،‬‬ ‫واالزدواجيــة‪ ،‬والحركــة‪ ،‬واالســتعمال‪ ،‬والبحــث عــن صدى‬ ‫متكشفة‪،‬‬ ‫«لكل ما عشــناه بطريقة غامضة‪ ،‬مختلطة و‪-‬أحياناً‪ّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫قصة‪ ،‬أو جزء من‬ ‫خالل‬ ‫من‬ ‫لــة‪،‬‬ ‫ومتحو‬ ‫ة‬ ‫جلي‬ ‫بطريقة‬ ‫ح‬ ‫ويصــر‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫قصة‪ ،‬أو جملة بسيطة‪« :‬رين ديتامبيل»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يعين الشعراء جمالها؟ هل يمكننا‬ ‫هل يمكننا تقدير النجوم حينما ِّ‬ ‫نحبها بالطريقة نفسها‪ ،‬دون وجود طبقات علمانية لخطاب‬ ‫أن ّ‬ ‫العشق (األساطير‪ ،‬والحكايات‪ ،‬والروايات‪ ،‬واألغاني‪) ...‬؟‪.‬‬ ‫تعمــل الحياة نفســها‪ ،‬في بعــض األحيان‪ ،‬على تنشــيط أجزاء‬ ‫من النصوص المقروءة أو المســموعة؛ إنها تسعفنا‪ ،‬في بعض‬ ‫ضــخ دمــاء جديدة في الحيــاة‪ .‬إن الــراوي‪ ،‬في‬ ‫األحيــان‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫بحثــه عــن الزمن المفقــود‪ ،‬ال ينظر إلى الغــروب ّإل من منظور‬ ‫الشــر» لـ«بودليــر»‪ « :‬انعكاس‬ ‫مقــارب‪ ،‬في جزء منه‪ ،‬لـ«زهور‬ ‫ّ‬ ‫أشــعة الشــمس على البحر»‪ .‬يرى «جورج سيمبرون ‪Jorge -‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،»Semprun‬أن قــراءة الشــعر أنقذته من الجنون والموت في‬ ‫يستدل بهذه الكلمات‬ ‫معســكرات االعتقال‪ ،‬ونجد «سارتر» نفسه‬ ‫ّ‬ ‫التي تتغذّى على الغموض‪« :‬الترخيم‪ ،‬والتقالب‪ ،‬والمثل العليا‪،‬‬ ‫ومئــات من الكافرييــن (‪ )Cafres‬البعيدين والمنيعين(‪ .»)...‬لم‬ ‫أســتطع معرفــة‪ .‬معنى هذه الكلمــة الصعبة والســوداء ّإل بعد‬ ‫مرور عشــرة أعوام أو خمســة عشر عاماً‪ ،‬بعد ذلك‪ .‬وهي حتى‬ ‫اليوم‪ ،‬تحافظ على تعتيمها؛ إنها تذبل في ذاكرتي»(‪.)4‬‬

‫ولوج إلى التعقيد‬ ‫الحساســة‪ ،‬نجد أن الرواية هي الوســيلة‬ ‫بالرغــم من طبيعتها ّ‬ ‫والوضعيــات‬ ‫المتميــزة للوصــول إلــى تعقيــد الموجــودات‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫واألفــكار‪ .‬يقــول «إميــل زوال‪« :»Émile Zola-‬تكمــن الحقيقة‬ ‫فــي كــون أهــرام الروايــة المعاصــرة يقولــون الكثيــر‪ ،‬عــن‬ ‫اإلنســان والطبيعة‪ ،‬أكثر مــن األعمال الفلســفية‪ ،‬والتاريخية‪،‬‬ ‫أو النقديــة»(‪ ،)5‬وال يرتبــط ذلــك بكــون الروايــة تخبرنــا عن‬ ‫وضعية تاريخية أو سوســيولوجية‪ ،‬بــل لكونها تأخذنا إليها‪.‬‬ ‫يســتخدم األنجلو‪ -‬ساكســون كلمة تصف‪ ،‬بدقّة‪ ،‬فرادة المعرفة‬ ‫التبصر (‪ ،)insight‬التي تفيد بالنفاد والفهم الداخلي‬ ‫الروائية‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫للموضــوع المــدروس‪ .‬علــى ســبيل المثــال‪ :‬في رائعــة «كالرا‬ ‫أوســون‪« »Clara Usón-‬فتــاة الشــرق (‪La Fille de l’Est-‬‬ ‫قصة آنــا مالديتش‪ ،‬ابنــة الجنرال الصربي‬ ‫‪ ،»(2014‬نكتشــف ّ‬ ‫ارتكبت‬ ‫راتكو مالديتش‪ ،‬المســؤول المباشــر عن الفظائع التي ُ‬ ‫خالل حرب البوســنة‪ .‬انتحرت آنا مالديتش في مارس‪ ،‬ســنة‬ ‫تقدم هذه الرواية‪،‬‬ ‫‪ ،1994‬في ّ‬ ‫بندقية والدها‪َّ .‬‬ ‫سن ‪ 23‬سنة‪ ،‬من ّ‬ ‫‪121‬‬


‫قويــة التوثيق‪ ،‬غوصــ ًا فريدًا في واحدة من أكبر المآســي في‬ ‫ّ‬ ‫التاريــخ األوروبــي الحديــث‪ ،‬وفهمــ ًا عميق ًا لظاهــرة القومية‪.‬‬ ‫تظل ال هي بالرسالة وال هي بالسيرة الذاتية‪.‬‬ ‫لكنها‪ ،‬مع ذلك‪ّ ،‬‬ ‫(وكل مــا يرتبط‬ ‫حرّيــة اختيــارات المؤلّفــة ّ‬ ‫ويمكــن أن نعتبــر ّ‬ ‫الخاص للعالم وللبشــرية) هي ما جعلت هذه‬ ‫بوضعهــا لفهمها‬ ‫ّ‬ ‫قوي ًا للسلطة‪ .‬إنها تسمح للقارئ بالدخول إلى‬ ‫ّ‬ ‫القصة تجســيدًا ّ‬ ‫ممزقة‪ ،‬بشــكل يتناســب مع مجموعة‬ ‫وعــي‪ ،‬وعصــر‪ ،‬وأرض َّ‬ ‫تعرجات حياتهم‪ ،‬وشكوكهم‪،‬‬ ‫من األصدقاء الشــباب‪ ،‬لمتابعة ُّ‬ ‫ومشاعرهم‪ ،‬وتيههم الشخصي‪...‬‬ ‫يضعنا األدب في ِّاتصال مع النماذج اإلنسانية‪ ،‬التي نستطيع‪،‬‬ ‫يؤكد ذلك الكثير من الفالسفة‪،‬‬ ‫من خاللها‪ ،‬تحديد موقعنا‪ ،‬كما ِّ‬ ‫أمثال «مارثا نوسبوم‪ ،»Martha Nussbaum -‬أو «ساندرا‬ ‫هويات‬ ‫لوغيير ‪ ،»Sandra Laugier -‬ويســمح لنا باقتراض ّ‬ ‫والتصرف‪ .‬بهذا المعنى‪،‬‬ ‫بديلــة‪ ،‬واختبار طرق جديدة للوجود‬ ‫ُّ‬ ‫يقــول «بييــر بوفيريــس ‪« :»Pierre Bouveresse -‬نتعلَّــم‬ ‫النظر ورؤية الكثير من األشياء التي نضفي‪ ،‬من خاللها‪ ،‬معنًى‬ ‫خاص ًا على الحياة الواقعية‪ -‬بهذا نميل‪ ،‬في وقت مبكر وسريع‬ ‫ّ‬ ‫جــّداً‪ ،‬نحــو التفكير»(‪ .)6‬اســتنادًا إلــى أعمال علمــاء المعرفة‪،‬‬ ‫يذهــب «جان ماري شــيفر ‪ »Jean- Marie Schaeffer -‬إلى‬ ‫األدبية‪ ،‬يشعر‬ ‫أبعد من ذلك‪ :‬من خالل قراءتهم لبعض الحلقات‬ ‫ّ‬ ‫تمت‬ ‫القراء بالمشــاعر‪ ،‬والحالة الذهنية النشــطة نفســها‪ ،‬التي َّ‬ ‫ّ‬ ‫معايشــتها بشــكل واقعي‪ ...‬بهذا المعنى‪ ،‬فإنهم يكسبون فوائد‬ ‫أية مخاطــر(‪ .)7‬يمتلك التخييــل قدرة على‬ ‫تحمــل ّ‬ ‫عديــدة دون ُّ‬ ‫توســيع العالم‪ ،‬من خالل إدخالنا إلى أماكن أخرى وإلى نسق‬ ‫الغيرية‪.‬‬ ‫ّ‬

‫الخاص‬ ‫كتابة التاريخ‬ ‫ّ‬ ‫هــل تســاعدنا هذه التجربــة على العيش بشــكل أفضل؟ هل من‬ ‫األقل‪-‬‬ ‫يقرؤون بكثرة‪ ،‬هم أكثر ســعادة من غيرهــم‪ ،‬أو‪ -‬على ّ‬ ‫أفضل تجهيزًا لقيادة وجودهم؟‬ ‫من خالل هذه األســئلة‪ ،‬عمل ميشــيل بيتي‪ ،‬الباحث في المركز‬ ‫القومــي الفرنســي للبحــث العلمــي‪ ،‬علــى اســترجاع ذكريات‬ ‫قــراءات األطفال والبالغين‪ ،‬في األوســاط الفقيــرة‪ ،‬من خالل‬ ‫تحقيقاتــه التــي ُجِمعــت فــي «مديــح القــراءة ‪Éloge de la -‬‬ ‫يبيــن «بنــاء الــذات (‪La construction de soi-‬‬ ‫‪ِّ .»lecture‬‬ ‫‪ »(2002‬الكيفية التي يمكن‪ ،‬من خاللها‪ ،‬للكتب‪ ،‬أن تساعد في‬ ‫بنــاء الذات‪ .‬كيف؟ من خالل تقديم فضــاء للمنفى عندما يصبح‬ ‫اليومــي قاصيــ ًا أو غيــر مضيــاف‪ ،‬ومن خالل المســاعدة على‬ ‫بخاصة لدى أطفال المهجر‪ -‬وكبح المخاوف‪،‬‬ ‫ترويــض اللّغة‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫و‪-‬أيضــاً‪ -‬مــن خالل توفيــر أجوبة‪ ،‬عايشــها الغير‪ ،‬لألســئلة‬ ‫قوة لقهر وضــع الموضوع‪،‬‬ ‫التــي تالحقنا‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عــن إعطاء ّ‬ ‫بــد ًال عــن أن يكون ذلــك موضوع خطابات اآلخريــن‪ .‬إذا كانت‬ ‫الكتــب ُت َح َّرر‪ ،‬فإن ذلك راجع لكونها تغرس فينا رغبة االنفتاح‬ ‫خــارج الــذات‪ :‬مغــادرة الفضاء المنزلــي (للفتيــات)‪ ،‬والمدينة‬ ‫وس َطهم‬ ‫(للفتيان)‪ ،‬والتغلُّب على المعايير التي يفرضها عليهم َ‬ ‫الخاص‪ .‬يمكن أن‬ ‫أو مجموعاتهــم‪ ،‬وكتابة قصصهم وتاريخهم‬ ‫ّ‬ ‫‪122‬‬

‫نعتبر األســاس‪ ،‬هنا‪ -‬كما يقول األنثروبولوجي‪ -‬في‪ :‬اكتشاف‬ ‫و«ورائي»‪ ،‬و«بعيد»‪،‬‬ ‫وجود أشــياء أخرى‪ ،‬وفضاء «خارج»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وبذلك وجود إمكانية للخروج‪ ،‬لنغدو شيئ ًا أخر‪ ،‬والقيام بدور‬ ‫ِ‬ ‫مجرد موضوع لخطابات‬ ‫نشط في مصيرنا‪ ،‬وتجاوز أن نكون َّ‬ ‫اآلخرين‪ ،‬وقراراتهم»‪.‬‬ ‫الخاص‪ :‬إنه موضوع‬ ‫أن تصبح شــخص ًا ما‪ ،‬وتكتب تاريخــك‬ ‫ّ‬ ‫كتــاب نظري لـ«مارييل ماســي»‪ .‬يعتمد هــذا الباحث في األدب‬ ‫على مفهوم الفردنة‪ ،‬المستعار من العلوم االجتماعية‪ .‬إن األدب‬ ‫ال يجعلنا أكثر سعادة»‪ ،‬من خالل تقديم وصفات جاهزة لحياة‬ ‫أفضل‪ ،‬أو توصيف أفضل لنماذج السلوك‪ ،‬لكنه يساعدنا على‬ ‫الخاصْين في الوجــود‪ .‬يوفّر األدب‪،‬‬ ‫إيجــاد إيقاعنا وأســلوبنا‬ ‫َّ‬ ‫الهوية‬ ‫تجعل‬ ‫الباحث‪-‬‬ ‫د‬ ‫يؤك‬ ‫تشــكيل»‪-‬‬ ‫«قوة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في نهاية المطاف ّ‬ ‫مستقرة‪ ،‬وغي منتهية‪،‬‬ ‫الشــخصية في عملية بناء دائم‪ ،‬وغير‬ ‫ّ‬ ‫الطبّية لـ«كن نفســك‪-‬‬ ‫الوصفات‬ ‫كل البعد عن‬ ‫والنهائية‪ ،‬بعيدًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫وهوية العمل‬ ‫‪ ،»be your self‬التي تنطوي على هوية القهر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مــن دون نهايــة ضعيفة ومضطربة‪ ،‬في ِّاتصــال مع تجاربنا‪،‬‬ ‫ولقاءاتنــا‪ ،‬وأحالمنا‪ .‬ضمن هذه العمليــة‪ ،‬تتداخل التخييالت‬ ‫والكتابات‪ ،‬وتنبت‪.».‬‬ ‫يغيرنا‪ .‬كتب تســقط من‬ ‫بعــض الكتب توقظنا‪ ،‬وبعضها األخر ِّ‬ ‫موجهة إلينا‪ ،‬أو ألنهــا جاءت في غير‬ ‫إما لكونها غيــر َّ‬ ‫أيدينــا‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل هذه الكتب‬ ‫زمانها‪ ،‬وأخرى تجعلنا في حالة ســبات‪ .‬إل أن ّ‬ ‫تحــوي بــذور التجديد‪ .‬مــا هــي‪ -‬إذاً‪ -‬حياة القــارئ؟ إنها منفًى‬ ‫ذهبي‪ ،‬لكنها‪ -‬أيضاً‪« -‬تقلُّب للفرد‪ ،‬دون ســام‪ ،‬وفق إمكاناته‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة‪ ،‬وقيوده‪ ،‬وحدوده»(‪.)8‬‬ ‫ّ‬ ‫*‪ -‬في األصل‪ُ ،‬ن ِشر هذا المقال‪ ،‬باللّغة الفرنسية‪ ،‬في‪:‬‬ ‫‪Héloïse Lhérété, «La littérature aide- t- elle à vivre‬‬ ‫‪?», Mensuel N° 273- juillet- août 2015 Les pouvoirs de‬‬ ‫‪l,imaginaire.‬‬ ‫‪1 - Jean- Louis Fabiani et Fabienne Soldini, Lire en prison.‬‬ ‫‪Une étude sociologique, BPI, 1995.‬‬ ‫‪2 - Jean- Paul Sartre, L’Imaginaire, 1940, rééd. Gallimard,‬‬ ‫‪coll. « Folio », 1986.‬‬ ‫‪3 - Entretien avec Pascal Quignard, « La déprogrammation‬‬ ‫‪de la littérature », Le Débat, n° 54, mars- avril 1989.‬‬ ‫‪4 - Jean- Paul Sartre, Les Mots, 1964, rééd. Gallimard,‬‬ ‫‪coll. « Folio », 2006.‬‬ ‫‪5 - Émile Zola,Le Naturalisme au théâtre : les théories et les‬‬ ‫‪exemples, 1881, rééd. Hachette/BnF, 2012, et Le Roman‬‬ ‫‪expérimental, 1881, rééd. Hachette/BnF, 2012.‬‬ ‫‪6 - Jacques Bouveresse, « La littérature, la connaissance et‬‬ ‫‪la philosophie morale », in Sandra Laugier (dir. ), Éthique,‬‬ ‫‪littérature, vie humaine, Puf, 2006.‬‬ ‫‪7 - Jean- Marie Schaeffer,Pourquoi la fiction ?, Seuil, 1999.‬‬ ‫‪8 - Marielle Macé, Façons de lire, manières d’être,‬‬ ‫‪Gallimard, 2011.‬‬


‫األعمال الفنية‪ -alireza darvish :‬إيران‬

‫السباحة سعي ًا لبلوغ هدفك سبب ًا في نسيانك الطريق؛ فأنت‪ ،‬في حالتك‬ ‫«رّبما يكون‬ ‫ُ‬ ‫االستغراق في ّ‬ ‫ُ‬ ‫حدس ُك وسابق خبرتك‪ ،‬كي تبلغ ما تريد‪ ،‬فال بديل عن تكرار‬ ‫هك‬ ‫ويوج‬ ‫غف‪،‬‬ ‫بالش‬ ‫ا‬ ‫مدفوع‬ ‫تكون‬ ‫هذه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫وتتأمل كيف‬ ‫ذاكرتك‪،‬‬ ‫وتســتثير‬ ‫المرام‪،‬‬ ‫تبلغ‬ ‫حين‬ ‫لكن‪،‬‬ ‫الخبرة‪.‬‬ ‫الفعل وخوض الطريق الكتســاب‬ ‫ّ‬ ‫ممن سبقوك‪ ،‬قد يوفّر ذلك‬ ‫تتعرف‪ ،‬حينئٍذ‪ ،‬إلى مكامن ّ‬ ‫قوتك ومكامن ضعفك‪ .‬وحين تطلب النّصيحة َّ‬ ‫وصلت‪ّ ،‬‬ ‫شخصي ٍ‬ ‫ات وإسكانها بصفاتها‪،‬‬ ‫عل الكتابة؛ فبدءًا من العثور على الفكرة‪ ،‬وخلق‬ ‫عليك من العناء الكثير‪ .‬كذلك هو ِف ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الزمن‪ ،‬والتي تقع فيها‬ ‫تصارع قد ال تعرف‪ ،‬وقتها‪ ،‬كيف سينتهي‪ ،‬إلى تلك‬ ‫ثم اإللقاء بها في أتون‬ ‫اإلشراقة من ّ‬ ‫ٍ‬ ‫األميريكية‬ ‫رحلة ليست باليسيرة‪ .‬الكاتبة‬ ‫على ذلك األثر اللطيف؛ الحبكة‪،‬‬ ‫لتخيط من ّ‬ ‫قصتك‪ ،‬وهي‪ٌ ..‬‬ ‫َ‬ ‫كل هذا نسيج ّ‬ ‫ّ‬ ‫حررة في‬ ‫ؤرخة‪ ،‬وقد نالت العديد من الجوائز‪ ،‬وهي ُم ِّ‬ ‫وم ّ‬ ‫ريبيكا سولنت (لها نحو سبعة عشر كتاباً‪ ،‬وتعمل كاتبة ُ‬ ‫ٍ‬ ‫محاولة اإلجابة على ذلك‬ ‫بصورة ُمغايرة‪،‬‬ ‫مجلّة “هاربر”)‪ِ ،‬من بين َمن قاموا بالتنظير لِفعل الكتابة نفسه‪ ،‬لكن‪،‬‬ ‫ً‬ ‫المرء كاتباً؟»‪.‬‬ ‫السؤال‬ ‫األزلي‪ ،‬الذي يراود ّ‬ ‫وت ُ‬ ‫كل َطموح‪ُ ،‬‬ ‫سأل عنه أينما ذهبت‪ِّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫سيدة ريبيكا‪ ،‬كيف يصير ُ‬ ‫ّ‬

‫كيف تصير كاتباً؟‬

‫عرش نصائح من ريبيكا سولنت‬ ‫ترجمة وتقديم‪ :‬باسم محمود‬ ‫عاطفية‬ ‫رغبــة‬ ‫اكتــب‪ .‬ليــس هناك بديــل‪ .‬اكتب مــا يولِّــد لديك‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫مدونات أو منشــورات فيســبوك‪ ،‬أو‬ ‫ٌ‬ ‫تكتبــه‪ ،‬ليس ّ‬ ‫شــديدة ألن َ‬ ‫أول‬ ‫تغريدات‪ ،‬أو ًّ‬ ‫أي من الفقاعات المحيطة القابلة لإلهمال مع َّ‬ ‫تســتكين عليها الحياة العصريــة‪ .‬لكن‪ ،‬لتبدأ‬ ‫والتي‬ ‫اســتخدام‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫جيدة‪ ،‬ال تجعل‬ ‫فقــرة‬ ‫ثم‬ ‫دة‪،‬‬ ‫جي‬ ‫جملة‬ ‫اكتب‬ ‫ــر‪:‬‬ ‫صغ‬ ‫م‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫علــى ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نحو ُ‬ ‫نفســك تحلم أنك تكتب الرواية األمريكية العظمى‪ ،‬أو أن تحلم‬ ‫بما ســوف ترتديه في حفل استالم الجوائز؛ فهذا ليس هكذا هو‬ ‫أمــر الكتابة‪ ،‬أو ليس هكــذا تصل من مكانك إلى هناك‪ .‬الطريق‬ ‫ربما ســيكون‬ ‫ٌ‬ ‫ليــاً‪ -‬مــن الكلمــات‪ .‬اكتب بغــزارة‪َّ .‬‬ ‫مصنوعــة‪ُ -‬ك ّ‬ ‫ٍ‬ ‫العامين‬ ‫هذين‬ ‫في‬ ‫حيث‬ ‫رضيع؛‬ ‫كطفل‬ ‫األمــر‪،‬‬ ‫بداية‬ ‫في‬ ‫حالــك‪،‬‬ ‫َ‬ ‫محبطاً؛ ألنك أكثر‬ ‫بكونك‬ ‫ا‬ ‫منوط‬ ‫ً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫زئي‬ ‫ج‬ ‫األمر‪-‬‬ ‫يكون‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫العسيرْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫فمك‪،‬‬ ‫به‬ ‫يعينــك‬ ‫أو‬ ‫ة‬ ‫الحركي‬ ‫مهاراتك‬ ‫بــه‬ ‫فك‬ ‫ســع‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ممــا‬ ‫ذكاء‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫الصور‪ ،‬تطلــب ُلعبة‪ ،‬تهذر بكالم‬ ‫فأنــت ترغب أن تقوم بتلوين ّ‬ ‫َ‬ ‫غير مترابط‪ ،‬وال أحد يفهمه‪ .‬لكن‪ ،‬ليس الوقت وحده‪ -‬فحســب‪-‬‬

‫الطفل يمضــي ُقدم ًا نحو مزيٍد من المهارة والثقافة‬ ‫هــو ما يجعل ِّ‬ ‫فالسبيل إلى‬ ‫المران والجهد‪ .‬لتكتب أشــياء رديئة؛‬ ‫الرفيعة؛ إنه‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫كلمات قد‬ ‫مصنوعة من كلمات‪ ،‬وليســت جميعها‬ ‫الجيدة‬ ‫ٌ‬ ‫الكتابــة ّ‬ ‫ُأ ْح ِسن اختيارها وتنظيمها‪.‬‬ ‫تذكــر‪ :‬إنهــا ِكتابة‪ ،‬وليســت خبطــ ًا على آلــة كاتبــة‪ .‬التفكير‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تتشــكل داخل‬ ‫والتأمل‪ ،‬والتخطيط‪ ،‬واألشــياء التي‬ ‫والبحــث‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الطباعة‪ ،‬تصاحبها‬ ‫ات‪-‬‬ ‫مسود‬ ‫رأسك في‬ ‫ضرب ًا من ِّ‬ ‫ربما‪ -‬تكون َ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أنت تمضي في طريقك‪ ،‬ومن َثّم يتبعها المزيد‬ ‫مراجعات‪ ،‬بينما َ‬ ‫والتأمالت‪،‬‬ ‫واإلضافات‪،‬‬ ‫والتنقيحــات‬ ‫ذف‬ ‫والح‬ ‫ُّ‬ ‫مــن المراجعات َ‬ ‫الجيد هو‪،‬‬ ‫فالكاتــب‬ ‫بجديد؛‬ ‫واإلتيــان‬ ‫بعضها‬ ‫واالســتغناء عــن‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫جيٌد لعمله (أو عملها)‪ .‬النقــر على آلة الكتابة هو‬ ‫حــر ٌر ّ‬ ‫دومــاً‪ُ ،‬م ِّ‬ ‫عمليَت ّي التفكير العظيمَتْين‬ ‫ــط‬ ‫يتوس‬ ‫الذي‬ ‫البســيط‬ ‫ذاك اإلجراء‬ ‫ّ ُ‬ ‫َّ‬ ‫المهم‪ ،‬وهو المراجعة الكثيرة‪ -‬لقد‬ ‫َ‬ ‫هاتْين‪ .‬وهناك ذلك الشــيء ّ‬ ‫‪123‬‬


‫هناك أشــياء كانت مدهشــة في المراجعة رقم ســبعة‬ ‫أن‬ ‫َ‬ ‫نت ّ‬ ‫ّ‬ ‫تبي ُ‬ ‫ِ‬ ‫الثالثة والعشرين‪ -‬غير أنّه ال شيء‬ ‫عشر‪ ،‬تصير تافهة في المرة‬ ‫مثالية‪ ،‬لكنها‬ ‫مثالياً‪ .‬حسناً‪ ،‬بعض األشياء‪ -‬تقريباً‪ -‬تكون ّ‬ ‫يولد ّ‬ ‫ُ‬ ‫المثالية‬ ‫المقاطع‬ ‫تلك‬ ‫على‬ ‫تحصل‬ ‫وقد‬ ‫ة‪.‬‬ ‫استثنائي‬ ‫أشياء‬ ‫تكون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫تكتب كثيراً‪ ،‬حتى تلك األشــياء التي ليســت‬ ‫الســحرية لــو َ‬ ‫ّ‬ ‫أنك ُ‬ ‫وتعيد النّظر بشــأنها‪،‬‬ ‫تحذفها‪،‬‬ ‫أن‬ ‫عليك‬ ‫ــن‬ ‫يتعي‬ ‫والتي‬ ‫فاتنــة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّق منها‪ ،‬وتصقلها‪.‬‬ ‫وتراجعها‪ ،‬وتتحق َ‬ ‫الجيدة‪ ،‬وال ِ‬ ‫تعش في الحاضر‪ ،‬بل‬ ‫اقرأ‪ ،‬وال تقرأ‪ .‬اقرأ الكتابات ّ‬ ‫السحيق‪ ،‬بصحبة لغة القرآن‪ ،‬والمابينوجين‬ ‫ِع ْ‬ ‫ش في الماضي ّ‬ ‫القرنْيــن‪ :‬الثاني عشــر‪ ،‬والثالث‬ ‫بين‬ ‫مــا‬ ‫قديــم‬ ‫بريطانــي‬ ‫(أدب‬ ‫َ‬ ‫عشــر)‪ ،‬برفقة األم غوس (حكايات خرافية قديمة)‪ ،‬أو تشــارلز‬ ‫ٍ‬ ‫شــيء تشــعر أنــه‬ ‫أي‬ ‫ديكنــز‪ ،‬أو ديكنســون‪ ،‬أو بالدويــن‪ ،‬أو ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشــكل عميــق‪ .‬ليــس األدب هــو ما تدرســه في‬ ‫يتحــّدث إليــك‬ ‫حقيقة‪ -‬أن‬ ‫المرحلــة الدراســية الثانوية‪ .‬ليس من الضــروري‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫دراية بمــا يرتديــه الجميع حولك‪ .‬وذلــك بمعايير‬ ‫تكــون علــى‬ ‫للكّتاب في الوقت الحالي‪ ،‬من‬ ‫نشر‬ ‫ي‬ ‫بما‬ ‫ّر‬ ‫ث‬ ‫تتأ‬ ‫وكونك‬ ‫الموضة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫شيء‬ ‫هو‬ ‫والذي‬ ‫فحســب‪،‬‬ ‫ً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫تمام‬ ‫مثلهم‪-‬‬ ‫تبدو‬ ‫يجعلك‬ ‫أن‬ ‫شــأنه‬ ‫ٌ‬ ‫فــع على المدى الطويــل ألجل هدفك‬ ‫مــن المحتمــل ّأل يكون ذا َن ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مرحلة‬ ‫أي‬ ‫في‬ ‫قيمة‪.‬‬ ‫ذا‬ ‫ا‬ ‫إســهام‬ ‫م‬ ‫فــي أن تكون ذاتك‪ ،‬أو أن تقّد‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فيضان من الكّتاب المتشــابهين‪ ،‬على‬ ‫من التاريخ‪ ،‬يكون هناك‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يتعرضون لموجــات من المــّد‪ ،‬وموجات من‬ ‫ّ‬ ‫الشــاكلة نفســها‪ّ ،‬‬ ‫ــزر‪ ،‬ويبقى نجم البحر والقواقع فيما وراء ذلك‪ .‬تفقّد قائمة‬ ‫الج ْ‬ ‫َ‬ ‫الكتب األعلى مبيع ًا في إبريل‪/‬نيســان‪ ،1935 ،‬أو أغســطس‪/‬‬ ‫األصالة هــي أن يكون لديك‬ ‫تصدقني‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫كنــت ال ِّ‬ ‫آب‪ ،1978 ،‬لــو َ‬ ‫نحو ما‪ :‬فلتقــرأ النصوص التي تتناول‬ ‫تأثيــرك‬ ‫الخــاص‪ ،‬على ٍ‬ ‫ّ‬ ‫التطــور البيولوجــي‪ ،‬أو اقــرأ العهد القديــم‪ ،‬اعثر على‬ ‫تاريــخ‬ ‫ّ‬ ‫تنتم إلــى ِ‬ ‫ِ‬ ‫فئة‬ ‫ال‬ ‫يبحــث‪،‬‬ ‫أحــد‬ ‫ال‬ ‫حيــث‬ ‫ــة‪،‬‬ ‫الخاص‬ ‫ك‬ ‫ت‬ ‫اســتعارا‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫بعينهــا‪ .‬أو‪ْ ،‬انَتِم إلــى العالم اآلخر‪ ،‬والذي هــو‪ -‬تقريباً‪ -‬ليس‬ ‫هذا العالم؛ إنّه ذلك العالم الذي منه ُت ِ‬ ‫تخيل‬ ‫أنت رسائلك‪ّ .‬‬ ‫رسل َ‬ ‫وأنداده‬ ‫‪،1849‬‬ ‫العــام‬ ‫هيرمــان ميلفيــل وهو فــي ُمحَتَرِفه‪ ،‬في‬ ‫ُ‬ ‫كل االســتطرادات‬ ‫يتعيــن عليــه أن يحــذف ّ‬ ‫يخبرونــه أنّــه كان ّ‬ ‫وأن كتابه عن ُحوِتــه العظيم كان‪-‬‬ ‫المعلوماتيــة فــي روايتــه‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل هذا الوقت‬ ‫مملً‪ ،‬ويســألونه لماذا يســتلزم األمر ّ‬ ‫حّقاً‪ -‬شــيئ ًا ّ‬ ‫مــن القراءة‪ ،‬كي يبلغ المــرء فحوى فكرته‪ .‬األمر‪ ،‬في الحقيقة‪،‬‬ ‫كل ما نشــره ديفيد ثورو‬ ‫وقتها‪ ،‬كان ضرب ًا من الفشــل‪ .‬لقد كان ّ‬ ‫حفنة من القصائد‬ ‫ال للغاية‪ ،‬وإيميلي ديكنســون قد نشــرت‬ ‫جمي ً‬ ‫ً‬ ‫في حياتها‪ ،‬بينما هي قد كتبت اآلالف منها‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫شــيء عظيــم؛ مــن‬ ‫تســتمع‪ .‬إن آراء اآلخريــن‬ ‫اســتمع‪ ،‬وال‬ ‫ٌ‬ ‫محــررك‪ ،‬من وكيلــك األدبي‪ ،‬مــن ُقّراِئك‪ ،‬مــن أصدقائك‪ ،‬من‬ ‫ِّ‬ ‫بالضبط‪-‬‬ ‫زمالء الّدراســة‪ .‬لكن‪ ،‬يكون هناك‬ ‫وقــت أنت تعرف‪ّ -‬‬ ‫ٌ‬ ‫ّك‬ ‫ما تفعله فيه‪ ،‬ومتى تفعله‪ ،‬ولماذا‪.‬‬ ‫وطاعتك ّإياهم‪ ،‬يعني أن َ‬ ‫َ‬ ‫عليك نفسك‪،‬‬ ‫دت عن‬ ‫أصغ إلى ما تمليه َ‬ ‫َ‬ ‫تناغمك مع ذاتك‪ِ .‬‬ ‫قد ِح َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫أن العمل‬ ‫غيــر‬ ‫واألخطــاء‪،‬‬ ‫العثــرات‬ ‫عبــر‬ ‫ر‬ ‫تتطو‬ ‫أنــك‬ ‫ــر‬ ‫وتذك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الطمــوح‪ -‬ال األداء المثالــي‪ -‬هو ما تقوم به في تلك المســاحات‬ ‫ّ‬ ‫الصغيرة التي كنت تقف أنت فيها‪ ،‬من البداية‪.‬‬ ‫قلبك‬ ‫أصغ إلى ما يجعل شــعر رأســك ينتصب َهــوالً‪ ،‬ويجعل َ‬ ‫ِ‬ ‫تتســعان من الّدهشــة‪ ،‬وما يجعلك‬ ‫يذوب‪ ،‬إلى ما يجعل‬ ‫عينيك ِّ‬ ‫َ‬ ‫يجعلك ترغب بالحيــاة‪ ،‬مهما كان‬ ‫تتوقّــف في مســاراتك‪ ،‬ومــا‬ ‫َ‬ ‫‪124‬‬

‫أن كتاباتك‬ ‫ــد َك األمل فــي ّ‬ ‫ولي ْح ُ‬ ‫المــكان الذي تقــع عليها فيــه‪َ ،‬‬ ‫بإمكانهــا أن تثيــر تلك األشــياء‪ ،‬جميعاً‪ ،‬في نفــوس اآلخرين‪.‬‬ ‫اكتب من أجل اآلخرين‪ .‬لكن‪ ،‬ال تستمع إليهم كثيراً‪.‬‬ ‫احصــل علــى ِ‬ ‫ــغ في تقييمــه‪ ،‬يكون‬ ‫الحرفــة‪.‬‬ ‫أمر ُمباَل ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الموهبــة ٌ‬ ‫ِ‬ ‫الشــغف‪،‬‬ ‫ذكرهــا‪ ،‬دائمــاً‪،‬‬ ‫مصاحبــ ًا لنمــط الحيــاة الرفيــع‪ّ .‬‬ ‫ِ‬ ‫ندرة‪ ،‬وتلك‬ ‫والحرفة‪ ،‬والرؤية‪ ،‬واإلخالص هي األشياء األكثر ً‬ ‫المحطــات الوعرة في‬ ‫هي األشــياء التي ســوف تجعلك تجتاز‬ ‫ّ‬ ‫نمط حياتك‪ ،‬حينما ال يدفعك هذا النّمط الرفيع إلى االســتيقاظ‬ ‫صباحــ ًا لتحّدق في مخطوطك‪ ،‬لليــوم المئة‪ ،‬على التوالي‪ ،‬أو‬ ‫يهبــك حّتى موضوع ًا ُمقِنع ًا كي تكتب عنــه‪ .‬إن لم تكن مدفوع ًا‬ ‫َ‬ ‫بالشغف حيال ما تكتب‪ ،‬وإزاء العالم الذي تكتب عنه‪ ،‬وما فيه‬ ‫ّ‬ ‫بالشــغف‪ ،‬حتى قبل‬ ‫مــن أشــياء؛ فلمــاذا تكتب‪ ،‬إذاً؟ األمــر يبدأ ّ‬ ‫ألشــخاص ُحكماء‪،‬‬ ‫أنت ترغب فــي أن تقرأ‬ ‫ٍ‬ ‫أن يبــدأ بالكلمــات‪َ .‬‬ ‫عميقيــن‪ ،‬جامحيــن‪ ،‬يقظيــن‪ ،‬متعاطفيــن‪ ،‬مخلصيــن‪ ،‬ذوي‬ ‫أن األمر‪،‬‬ ‫أنت ترغب أن‬ ‫تكون هؤالء‪ .‬ما أريد قوله هو ّ‬ ‫َ‬ ‫بصيــرة؛ َ‬ ‫برمته‪ ،‬يرتبط بنمط الحياة‪ .‬لكن‪ ،‬حين يكون في خدمة الرؤية‬ ‫ّ‬ ‫المناسبة‪ ،‬فحسب‪.‬‬ ‫تتدبَر أمر هذا‬ ‫الوقت‪ .‬األمر يستغرق وقتاً؛ هذا يعني ّ‬ ‫��ن عليك أن ّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫طي‪،‬‬ ‫الوقت‪ .‬ال تكن اجتماعي ًا بشــكل مبالغ فيه‪ .‬عش‬ ‫بشكل َ‬ ‫وس ّ‬ ‫ممن لديهم‬ ‫هــؤالء‪،‬‬ ‫الوســطية معتدلــة (أعني‬ ‫ولتجعــل معايير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مالية ووســائل الرفاهية األخــرى‪ .‬أنا ال أتحّدث عنك‪،‬‬ ‫ميزانية ّ‬ ‫ــر الكثيــر الكثير من األشــياء‪ ،‬وغالب ًا يجعل‬ ‫رغــم ّ‬ ‫أن المال ُي ِّ‬ ‫يس ُ‬ ‫ِ‬ ‫الحرفة والشــغف أمرًا أكثر صعوبة)‪ .‬من المحتمل أنّه عليك أن‬ ‫ٍ‬ ‫بعمــل آخر من أجــل لقمة العيــش‪ ،‬في البدايــة‪ ،‬أو على‬ ‫تقــوم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫هوايات‬ ‫عــادات باهظة الثمــن أو‬ ‫نمي‬ ‫طــول الطريــق‪ .‬لكــن ال ُت ّ‬ ‫ال بينها‬ ‫ُمكلِّفة‪ .‬كنت أعرف‬ ‫القَدر يقف حائ ً‬ ‫ً‬ ‫نادلة كانت تؤمن ّ‬ ‫بأن َ‬ ‫الرســم‪ ،‬لكن الحقيقة هي أنها لو تخلّت‪ ،‬دوماً‪،‬‬ ‫وبين ممارســة ّ‬ ‫عــن كونها الشــخص الذي كانتــه‪ ،‬والذي يخرج مــن بيته ليقّدم‬ ‫وتحولــت إلى العمل بتقديم‬ ‫إســبانية) للزبائن‪،‬‬ ‫البوريتو (أكلة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬


‫مجاني‪،‬‬ ‫يوم‬ ‫إضافــي‪ّ ،‬‬ ‫النبيــذ الباهــظ في الحانــة‪ ،‬لصار لديها ٌ‬ ‫ّ‬ ‫دون ٍ‬ ‫الفن‪.‬‬ ‫عمل‪ ،‬من أجل ّ‬ ‫تثب ْت من الحقائق‪ .‬المعلومة الخاطئة عن ٍ‬ ‫نحلة‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫دائم‬ ‫الحقائق‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫شــيء مزعــج بما يكفي‪ ،‬لكن عــدم الّدقة في‬ ‫طنّانــة في قصيدة‬ ‫ٌ‬ ‫خطيئة ال ُتغَتفر‪ .‬ال أحد ســيثق بك إن‬ ‫الالســردية هــي‬ ‫ٌ‬ ‫الكتابة َ‬ ‫كنت تكتب‬ ‫وإن‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫صحيح‬ ‫ليس‬ ‫حقائق‪،‬‬ ‫أنه‬ ‫على‬ ‫تحكيه‪،‬‬ ‫كان ما‬ ‫َ‬ ‫فعليك ّأل ُتسيء تقديمهم‪.‬‬ ‫السياسيين‬ ‫أو‬ ‫األحياء‬ ‫من‬ ‫شطاء‬ ‫عن ُن‬ ‫َ‬ ‫(فلتســأل نفسك‪ :‬هل يروقني أن يتحّدث الناس عنّي بالكذب؟)‪.‬‬ ‫لزم بأن يكــون صحيحاً‪ ،‬وذلك من‬ ‫أنت ُم ٌ‬ ‫ال ّ‬ ‫يهــم مــا تكتب عنه‪َ ،‬‬ ‫القراء‪ ،‬ومن أجل التوثيق‪.‬‬ ‫أجل‬ ‫من‬ ‫لهم‪،‬‬ ‫تكتب‬ ‫الذين‬ ‫الناس‬ ‫أجل‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫منحــدر وعر؛ ِبدءًا‬ ‫أن هذا‬ ‫هــذا هو الســبب في أنّي أخبــر الطلبة ّ‬ ‫ٌ‬ ‫وانتهاء‬ ‫الحقيقــة‪،‬‬ ‫في‬ ‫ك‪،‬‬ ‫أم‬ ‫ً‬ ‫من األشــياء التــي لم يفعلهــا زوج ِّ‬ ‫بأســلحة الّدمار الشــامل في العراق التي هي‪ -‬أصالً‪ -‬ال تملكها‪.‬‬ ‫أمك‪،‬‬ ‫أم َف َعل أشــياء لم يفعلها زوج ّ‬ ‫أردت أن تكتب عن زوج ٍّ‬ ‫لو َ‬ ‫ٍ‬ ‫فصنِّف‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ال‬ ‫فع‬ ‫تفاصيلها‪،‬‬ ‫ر‬ ‫تتذك‬ ‫ال‬ ‫أنت‬ ‫‪،‬‬ ‫محاورات‬ ‫ســرد‬ ‫أو تعيد‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫جك بدقّة‪ ،‬على األقل‪ .‬الكتابة األدبية ُتدار بوســاطة قوانين‬ ‫ُمنَت َ‬ ‫ومصداقيتك‬ ‫مغايرة‪ ،‬لكنها تحتوي‪ ،‬دوماً‪ ،‬حقائق في ثناياها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫أردت أن تختلــق الحقائق‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫ترتكــز على مــدى دقّتها‪( .‬لــو َ‬ ‫طول إيميلي برونتي كان تســعة أقدام‪ ،‬وكانت تستخدم مراوح‬ ‫أن الجميع في العصر الفيكتوري كانوا دقيقين تمام ًا في‬ ‫اليّد‪ ،‬إال ّ‬ ‫خاصتها‪،‬‬ ‫تذكر التفاصبل بشــأن‬ ‫ذكر هذا؛ َّ‬ ‫فتذكر أن ُ‬ ‫اإلســكافي ّ‬ ‫ّ‬ ‫ولربما ُتســِند إليها‬ ‫العصر‪.‬‬ ‫هذا‬ ‫لموضة‬ ‫مناســب‬ ‫عات‬ ‫القب‬ ‫ّ‬ ‫ونوع ّ‬ ‫َدورًا صغيرًا في كتابتك)‪.‬‬ ‫البهجة‪ .‬الكتابة هي أن تتواجه مع أعظم مخاوفك وإخفاقاتك‪،‬‬ ‫قدر اإلشمئزاز‪،‬‬ ‫بما فيها صعوبة أن تكتب لوقت طويل‪ ،‬وكم هو ُ‬ ‫الشــخص الــذي ارتكب جريمة‬ ‫مما قد كتبته‪،‬‬ ‫وبأنك هو ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫لديــك‪ّ ،‬‬ ‫الكّتاب‪ -‬أنا أعلم؛‬ ‫الســطحية (فالعديد مــن ُ‬ ‫كتابــة تلك العبارات ّ‬ ‫تتم‬ ‫واحــدة منهــم‪ -‬كان‬ ‫فأنــا‬ ‫ٌ‬ ‫يــؤرق أحدهــم أن يموت قبــل أن ّ‬ ‫ِّ‬ ‫بحق ما كتب؛ كــي ال تعرف األجيال‬ ‫مراجعــة اإلصــدار الــرديء ٍّ‬

‫سيئاً‪ ،‬تماماً‪،‬‬ ‫الالحقة‪ ،‬أبداً‪ ،‬كم كانت مريعة)‪ .‬حين يصير األمر ِّ‬ ‫ــباك (دائماً‪،‬‬ ‫ألــق‬ ‫نظرة نحــو الخارج‪ ،‬مــن ّ‬ ‫ً‬ ‫توقّــف مؤقّتــاً‪ِ ،‬‬ ‫الش ّ‬ ‫أريد أن‬ ‫مــا‬ ‫بالضبط‪-‬‬ ‫أفعــل‪-‬‬ ‫أنــا‬ ‫ل‪:‬‬ ‫وق‬ ‫اك)‪،‬‬ ‫شــب‬ ‫ُ‬ ‫يكــون هنــاك ّ‬ ‫ُ‬ ‫الكورية)‪.‬‬ ‫أفعله‪ ،‬أنا ُأســاير اللغة اإلنجليزية (أو اإلســبانية أو‬ ‫ّ‬ ‫«فيــروزي»‪ ،‬أو «يذوب»‪ ،‬أو‬ ‫بإمكاني أن أســتخدم‪ ،‬اآلن‪ ،‬كلمة‬ ‫ّ‬ ‫«ســوبرنوفا»‪ ،‬لو أردت‪ .‬أنا بصحبة ماري شــيلي‪ ،‬التي تقول‬ ‫ــرعو الكــون غير المعترف بهــم‪ .‬أنا ال أبني‬ ‫ّ‬ ‫إن الشــعراء هم ُم َش ِّ‬ ‫أشــخاص‬ ‫الرمال أو أبيع أشــياء غير ذات قيمة إلى‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫قصور‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫راشــدين يشــعرون بالوحدة؛ ّ‬ ‫إنسانيتي‪.‬‬ ‫وإل‪ ،‬فأنا أســيء إلى‬ ‫ّ‬ ‫قم حّتى بإعداد قائمة بصنوف‬ ‫ولتعثر على البهجة والمتعة‪ ،‬أو ّ‬ ‫أغنية‬ ‫الســبل‪ّ ،‬‬ ‫البهجة احتياط ًا للطوارئ‪ .‬حين تفشــل ُّ‬ ‫شغل ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫«اســرق منّــي بهجتي»‪ ،‬على المقطع الذي يقــول‪« :‬لن أدع أحدًا‬ ‫أنت نفسك‪ .‬لكن‪ ،‬ليس األمر‬ ‫يسلبني بهجتي»‪ .‬ال أحد‪ ،‬وال حتى َ‬ ‫يتعين أن‬ ‫بخصــوص البهجة‪ ،‬إنّمــا األمر بخصوص العمــل؛ إذ ّ‬ ‫يكــون هناك ِ‬ ‫ص ٌ‬ ‫الصنف من بين‬ ‫نف من البهجــة في العمل‪ ،‬ذلك ّ‬ ‫جميع األصناف العديدة‪ ،‬بما فيها تلك البهجة التي تصاحب قول‬ ‫الحقائق الصعبة بأمانة‪ .‬النّجارون ال يقول أحدهم‪« :‬أنا ال أشعر‬ ‫السلم الخشبي‪ ،‬وال‬ ‫آبه بهذا ّ‬ ‫أنني على ما يرام اليوم» أو‪ :‬أنا ال ُ‬ ‫شيء ليس بإمكانك‬ ‫هو‬ ‫به‬ ‫ســقوط الناس من فوقه»؛ ما تشعر‬ ‫ٌ‬ ‫ماض في طريقك بفعل شيء‬ ‫الجّد‪ ،‬وأنت ٍ‬ ‫أن تأخذه على محمل ِ‬ ‫وسيلة كي ال تكون عالق ًا بكيفية‬ ‫ما‪ ،‬وأن تقوم بفعل شيء هو‬ ‫ٌ‬ ‫نوع من اســتبطان المرء‬ ‫شــعورك إزاءه‪ .‬هكذا هو األمر‪ ،‬هناك ٌ‬ ‫نوع يبلغ ما وراء ذلك‪،‬‬ ‫ألفكاره يجعله منغمس ًا وعالقاً‪ ،‬وهناك ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫مما‬ ‫ينتشلك‬ ‫قد‬ ‫‪،‬‬ ‫م‬ ‫ث‬ ‫ومن‬ ‫إثارة لالهتمام‪،‬‬ ‫شــيء أكثر‬ ‫ليصل إلى‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أنــت فيه‪ ،‬ويدفع بك إلــى العالم‪ ،‬أو إلى المكان الذي تكون فيه‬ ‫والخفية غوراً‪ ،‬تتحــاور فيما بينها‪ ،‬في‬ ‫أكثــر الظواهر الكونية‬ ‫ّ‬ ‫معاناة بشعة‪ ،‬وكان األمر‬ ‫تتضمن‬ ‫أشــياء‬ ‫كتبت‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫نهاية األمر‪ .‬لقد ُ‬ ‫ِ‬ ‫أن‬ ‫ال ألن ال ّ‬ ‫ســبي ً‬ ‫يظــل المرء عالقــ ًا في المعانــاة الفظيعة‪ ،‬رغم ّ‬ ‫األمر كان عسيراً‪ ،‬لكن الصعوبة‪ -‬أيضاً‪ -‬ليست شيئ ًا مستحيالً‪،‬‬ ‫وأنا لم أِلج األمر‪ ،‬وأنا أملك توقّع ًا ُمسبق ًا أنّه سيكون يسيراً‪.‬‬ ‫أمر لطيف للغاية‪ ،‬وهو يأتي نتاج العمل‬ ‫ما ندعــوه النجاح هو ٌ‬ ‫الحب‪ ،‬لكنه‪ ،‬في أحسن األحوال‪،‬‬ ‫المفيد‪ ،‬غير ّ‬ ‫أن النجاح ليس هو ّ‬ ‫األقل؛ لذا ال‬ ‫حــب الناس للعمل وليس لشــخصك‪ ،‬علــى ّ‬ ‫نتيجــة ّ‬ ‫لربما‪ -‬تلقّيه من‬ ‫و‪-‬‬ ‫اآلخرين‪،‬‬ ‫في‬ ‫الحب‬ ‫ذر‬ ‫ب‬ ‫األمرين‪.‬‬ ‫تخلط بين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ ُ‬ ‫فن‬ ‫عملية صناعة ٍّ‬ ‫مهم‪ّ .‬‬ ‫أجل نفســك هي ّ‬ ‫أمــر ّ‬ ‫مهم ٌة أخرى‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫اســتقاللية‪ ،‬شخص ًا‬ ‫ذات‬ ‫بأفكار‬ ‫‪،‬‬ ‫بأس‬ ‫ذا‬ ‫ا‬ ‫شــخص‬ ‫هي أن تكون‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ربما‪-‬‬ ‫‬‫التي‬ ‫للمعانــي‬ ‫ا‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫مســته‬ ‫كونك‬ ‫من‬ ‫ال‬ ‫بد‬ ‫للمعنــى‬ ‫ُمنِتجــ ًا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫بشــريتك؛ لذا‬ ‫تكــون على خــاف ما يتوافق مــع روحك‪ ،‬ومع‬ ‫ّ‬ ‫نــوع آخر مــن النجاح يتمثّــل في أن تكون إنســان ًا يملك‬ ‫هنــاك ٌ‬ ‫أمر يعود إليك ال إلى غيرك‪ ،‬وأنت وحدك‬ ‫وهذا‬ ‫وزنه‪،‬‬ ‫وعي ًا له‬ ‫ٌ‬ ‫من يبلغه‪.‬‬ ‫كنــت‪ -‬بالفعل‪ -‬تعلم‬ ‫فــي الواقــع‪ ،‬األمر كلُّه‬ ‫راجــع إليك‪َ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫لكنك َ‬ ‫ٍ‬ ‫حاجة‬ ‫كل األمور األخــرى التي أنت فــي‬ ‫أنــت كنــت تعلــم ّ‬ ‫هــذا‪َ ،‬‬ ‫ألن تعرفهــا‪ ،‬والتــي تقبــع تحت الصخــب والضجيــج والقلق‪،‬‬ ‫المد َّون أعاله‪.‬‬ ‫والتعليمات اآلتية من الخارج‪ ،‬بما فيها َ‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫‪http://lithub.com‬‬ ‫‪125‬‬


‫اصدارات‬

‫التكنولوجيا تعيد األدب إلى الشفافية‬ ‫ممدوح فرّاج النايب‬

‫كان للطفرة التكنولوجية التي حدثت في‬ ‫الربع األخير من القرن العشرين تأثيرها‬ ‫علــى كافّــة مناحــي الحيــاة‪ :‬العلميــة‪،‬‬ ‫ّقافية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬وغيرها؛ حيث‬ ‫والث ّ‬ ‫تصوراتنا‬ ‫لعبت هذه التقنيات في تغيير‬ ‫ُّ‬ ‫عــن مفاهيــم كثيــرة كانــت بمثابــة‬ ‫أهم اإلحــاالت هو ما‬ ‫المســلَّمات‪ ،‬لكــن ّ‬ ‫َ‬ ‫فعلته في النظــام اللغوي‪ ،‬حيث أعادت‬ ‫الصيغ والوظائف‪ ،‬في النظام الخطابي‪،‬‬ ‫إلى ما ُيشبه العصور الشفاهية األولى‪،‬‬ ‫ــن االبتــكار التكنولوجي الكلمة‬ ‫حيث َم َّك َ‬ ‫ال‬ ‫المنطوقة من العودة إلى الظهور شــك ً‬ ‫مهيمن ًا من أشكال التواصل‪ ،‬وهو ما نتج‬ ‫عنه َتقلُّص كتابة الخطابات الشــخصية‬ ‫لصالح التلفون‪ ،‬وما أعقبها من وســائل‬ ‫حديثــة‪ ،‬أفرزتها هذه التكنولوجيا‪ ،‬نتج‬ ‫االتصاليــة‪:‬‬ ‫عنهــا مــزج‬ ‫االســتراتجيات ِّ‬ ‫ّ‬ ‫الشفاهية‪ ،‬والكتابية‪.‬‬ ‫التغيرات في صيــغ الخطاب‪،‬‬ ‫عن هــذه‬ ‫ُّ‬ ‫تحــوالت في ضمائر‬ ‫من‬ ‫عنها‬ ‫نتــج‬ ‫ومــا‬ ‫ُّ‬ ‫الســــــرد‪ ،‬واســـتعادة ضمير المخــاطب‬ ‫الـــ (أنت) لــدوره فــي الســرد‪ ،‬يأتي هذا‬ ‫«المتحدثــون‪ :‬األدب وانفجــار‬ ‫الكتــاب‬ ‫ِّ‬ ‫الحديــث»‪ ،‬لألكايمية «آيريــن كاكانديز»‬ ‫أســتاذة الدراســات األلمانية‪ ،‬وأستاذة‬ ‫ّيــة دارتمــاوث‪،‬‬ ‫األدب المقــارن فــي كلّ‬ ‫مؤخــراً‪ ،‬عــن المركــز القومي‬ ‫الصــادر‪َّ ،‬‬ ‫للترجمة‪ ،‬بترجمة الدكتور خيري دومة‪.‬‬ ‫ص َّدر بها المترجم الكتاب‬ ‫في ِّ‬ ‫المقدمة التي َ‬ ‫يوضــح ســبب اختيــار هــذا العنــوان‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫رغــم أن العنوان األصلــي للكتاب يمكن‬ ‫ترجمتــه‪ -‬علــى حــّد قولــه‪ -‬بالحديــث‬ ‫القصصــي أو قصــص الحديــث‪ ،‬فأصــل‬ ‫ّ‬ ‫العنوان يشــير إلى فائــض الحديث‪ ،‬كما‬ ‫هــو عند برامــج «التوك شــو»‪ ،‬وهو ما‬ ‫األصلية التي‬ ‫ينطبــق مع فكــرة الكتــاب‬ ‫ّ‬ ‫ركــز علــي فكرة‬ ‫انبنــى عليهــا‪ ،‬حيــث ُي ِّ‬ ‫‪126‬‬

‫القصــص التــي َتْنَبني على فكــرة البوح‬ ‫والحكــي وإمكانيــة تبــادل الحديــث أو‬ ‫المحادثة أو الحــوار‪ .‬ومع هذا التداخل‪،‬‬ ‫يســتبعد مــن العنــوان فكــرة الحوارية؛‬ ‫فالقصــص الحــواري ال يصلــح للترجمة‬ ‫العربيــة‪ ،‬الرتباط مفردة حوار بدراســة‬ ‫الرواية‪ ،‬من جهة‪ ،‬وبالمعنى الباختيني‬ ‫بتعدديــة األصوات واللغات في‬ ‫الخاص‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫تؤكد المؤلّفة‬ ‫أخــرى‪.‬‬ ‫جهة‬ ‫من‬ ‫الروايــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫علــى أن الطروحات األساســية في هذه‬ ‫الدراســة‪ ،‬ليســت حــول األدب أو الكالم‬ ‫حدد‬ ‫على العموم‪ ،‬بل هــي حول ِّ‬ ‫اتجاه ُم َّ‬ ‫المعاصر‪.‬‬ ‫في القصص النثري ُ‬

‫الشفاهية الثانوية‬ ‫جــاء الكتــاب فــي خمســة فصــول‪،‬‬ ‫اتصا ًال مباشــرًا بمفردة‬ ‫تتصــل ِّ‬ ‫جميعهــا َّ‬ ‫«المتحدثــون»‪ ،‬التــي اختارهــا المترجم‬ ‫ِّ‬ ‫للعنوان؛ فناقشــت المؤلِّفــة‪ ،‬في الفصل‬ ‫األول‪ ،‬مفهــوم القصص الحــواري‪ ،‬عبر‬ ‫َّ‬ ‫معالجتهــا لفكــرة انفجــار الحديــث فــي‬ ‫وتعرفه بأنه‬ ‫زمن الشــفاهية الثانويــة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫«مصطلح يشــير إلى تكاثــر صيغ إنتاج‬ ‫الكالم الشــفاهي وما نتج عنه من إزاحة‬ ‫ألشكال التواصل‪ :‬المكتوب‪ ،‬والمطبوع»‬ ‫وهو من ِنتاج وســائل االّتصال الحديثة‬ ‫التي أعادت إنتاج الشــفاهية في أشــكال‬ ‫جديدة‪ ،‬ترث عصر الكتابة وتبني عليه‪،‬‬ ‫وتطــوره»‪ ،‬كمــا أن المؤلِّفــة تســعى‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫ال‬ ‫باســتخدام إطار الحديث‪ ،‬بصفته تفاع ً‬ ‫فــي إعــادة النظر فــي القصــص النثري‬ ‫التعــرف‬ ‫خــال القــرن العشــرين‪ -‬إلــى‬ ‫ّ‬ ‫إلــى نصــوص‪ُ ،‬يمكــن تصنيفهــا وكأنها‬ ‫عــروض‪ ،‬بالمعنــى الــذي قصــد إليــه‬ ‫«جوفمــان»؛ أي أنها نصوص في انتظار‬ ‫رد أو إجابة‪ ،‬وهو ما يجعل القراءة كلّها‬ ‫ّ‬

‫عملية تفاعل أو عملية حديث بالمصطلح‬ ‫وبنــاء‬ ‫الــذي اســتخدمته فــي الكتــاب‪.‬‬ ‫ً‬ ‫(أدبية‬ ‫النصوص‬ ‫عليه‪ ،‬يمكن القــول إن‬ ‫ّ‬ ‫تتوجه إليه‬ ‫عمــن‬ ‫وغيــر ّ‬ ‫َّ‬ ‫أدبية) تكشــف ّ‬ ‫كل‬ ‫كونها‬ ‫د‬ ‫بمجر‬ ‫بالخطاب‪،‬‬ ‫مدونة‪ ،‬وأن ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫قراءة تنطوي على استجابة ما‪.‬‬ ‫وتعلّــق المؤلّفــة بــأن قــراءة القصــص‬ ‫النثــري وكأنــه منظومة لتبــادل األدوار‬ ‫مثــل المحادثــة فــي مالحظــة نصــوص‬ ‫تحظ‬ ‫مــن مراحــل وأماكــن مختلفة‪ ،‬لــم َ‬ ‫وبالتعرف‬ ‫باالهتمــام الكافي إلى اليوم‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫إلــى الطرق الرابطــة بين هذه النصوص‬ ‫األخــرى المعروفــة‪ ،‬بشــكل أكبــر‪ .‬كمــا‬ ‫أهمّيــة‬ ‫أنهــا لــم تغفــل اإلشــارة إلــى ّ‬ ‫الخاصة بالثانوية الشــفاهية‬ ‫المفاهيــم‬ ‫ّ‬ ‫فــي مســاعدتها لفهــم ُهجنــة التواصــل‬ ‫فــي عصرهــا‪ ،‬كمــا أن نظرتهــا للحديث‬ ‫اإلذاعــي‪ ،‬والحديــث التليفزيوني‪ ،‬تأتي‬ ‫للكشــف عن التفاعل عبر وســيط‪ ،‬وهي‬ ‫خاصة بنيوية‪ ،‬تشترك فيها هذه األنواع‬ ‫ّ‬ ‫مــع القصص الحواري‪ ،‬علــى َحّد قولها‪.‬‬ ‫تطــور المفهــوم التفاعلــي للُّغة‬ ‫وتعــزو‬ ‫ُّ‬ ‫إلــى علــوم كثيــرة ومختلفة‪ ،‬مثــل علم‬ ‫النفــس‪ ،‬والفلســفة‪ ،‬واألنثربولوجيــا‪،‬‬ ‫معينة‬ ‫وعلــم االجتماع‪ ،‬ومداخــل بحثية َّ‬ ‫في اللغويات‪.‬‬ ‫االتصــال بيــن فصــول‬ ‫ال تأتــي عالقــة ِّ‬ ‫تتضمــن‬ ‫الكتــاب الخمســة مــن كونهــا‬ ‫َّ‬ ‫فاالتصــال موجــود‬ ‫مفــردة‬ ‫المتحدثيــن‪ِّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫عبــر مناقشــة الصيــغ األربع مــن صيغ‬ ‫القصص الحواري‪ :‬الحكي‪ ،‬والشــهادة‪،‬‬ ‫وااللتفات‪ ،‬والتفاعلية‪.‬‬

‫الحكي وسيلة للبقاء‬ ‫ُي َعْن َون الفصل الثاني بـ«الحكي‪ :‬الحديث‬ ‫كل‬ ‫بصفته وسيلة للبقاء»‪ ،‬كمقاومة ضّد ّ‬


‫عوامل الظلم والفنــاء‪ ،‬وتناولها للحكي‬ ‫أساسي ًا من أشكال‬ ‫ال‬ ‫يأتي من كونه شك ً‬ ‫ّ‬ ‫التفاعــل اإلنســاني‪ ،‬علــى حــّد تعبيــر‬ ‫«نوفســينجر»‪ .‬وتشــير إلــى أن روايات‬ ‫تتوجه إلــى ُق َّراِئها كما‬ ‫القــرن العشــرين ّ‬ ‫مجرد مشــاهدين‪ .‬طوال‬ ‫لو كانوا ليســوا َّ‬ ‫دراســتها‪ ،‬كانــت تنتقــي أمثلتهــا مــن‬ ‫ثقافتْيــن كانتا ُت ِ‬ ‫وظفــان الحديث الجتياز‬ ‫َ‬ ‫التاريخية‬ ‫والمعرفــة‬ ‫ة‪،‬‬ ‫ّقافي‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫المعرفــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للحفــاظ علــى الجماعــة‪ ،‬وتقصــد بهمــا‬ ‫اليونانيــة الحديثــة‪ ،‬والثّقافــة‬ ‫الثّقافــة‬ ‫ّ‬ ‫األمريكيــة‪ .‬فقــد الحظــت المؤلِّفــة‪ ،‬فــي‬ ‫ّ‬ ‫مجموعــة النصــوص المختــارة‪ ،‬مثــل‬ ‫«إكليــل الزفــاف الثالــث» لوكســتاس‬ ‫تأشتســيس‪ ،‬و«مامــا داي» لجلوريــا‬ ‫نص‬ ‫نايلــور‪ ،‬أن العالقة التي يقيمها ّ‬ ‫كل ٍّ‬ ‫مــع القــارئ الذي هــو ُم ِ‬ ‫يتحول‪،‬‬ ‫ســتمع‬ ‫ّ‬ ‫بــدوره‪ ،‬إلى قائم بالحكي‪ ،‬حيث يتطلَّب‬ ‫العمــان مــن القــارئ الــرد‪ .‬فحضــور‬ ‫َ‬ ‫الم ِ‬ ‫ســتمع في هذه النصوص‪ -‬كما تقول‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫ليــس مجرد تقليد‪ ،‬بــل هو ضرورة لكي‬ ‫يتــم حكــي الحكايــة‪ ،‬فالعالقــة تفضــي‬ ‫ّ‬ ‫إلــى الديمومة والبقاء كما أن فشــلها في‬ ‫هدد وجود َمن َيحكي‪ ،‬كما‬ ‫تجســيد األمر ُي ِّ‬ ‫هدد وجود الجماعة‪.‬‬ ‫ُي ِّ‬ ‫أمــا في الفصل الثالث الــذي جاء بعنوان‬ ‫ّ‬ ‫«الشــهادة‪ :‬الحديــث بصفتــه معاينــة»‪،‬‬ ‫سمتها‪-‬‬ ‫فتشير إلى أن الروايات‪ ،‬أو‪ -‬كما َّ‬ ‫«ســرود َشــاهد العيــان» مــن مجتمعات‬ ‫ُ‬ ‫مختلفــة‪ ،‬علــى مــدار القرن العشــرين‪،‬‬ ‫حاولت االستجابة لما أصابها من صدمة‬ ‫بســبب الحــرب‪ ،‬واألنظمــة المســتبّدة‬ ‫والعنــف المتبــادل‪ ،‬عــن طريــق معاينة‬ ‫وتنبــه‬ ‫المتفشــية هــذه‪.‬‬ ‫أفعــال العنــف‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫المؤلِّفــة إلــى أن الحديــث فــي صيغــة‬ ‫الشــهادة يصعــب ّ‬ ‫إذ يجب‬ ‫فك شــيفرته‪ْ ،‬‬ ‫النــص وكأنّــه دعــوة‬ ‫القــراء‬ ‫أن ُي ِ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ــدرك ّ‬ ‫للشــهادة‪ ،‬ثم يجب عليهم‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أن‬ ‫يشــرحوا الدليل‪ ،‬في نوع من االشــتراك‬ ‫ّ‬ ‫في الشهادة‪ ،‬كما يمكن للشهادة أن تأخذ‬ ‫ــي قائــم علــى المحاكاة‪،‬‬ ‫شــكل أداء ّ‬ ‫نص ّ‬ ‫محــاكاة أعراض الصدمة (التكرار‪ ،‬مثالً‪،‬‬ ‫والحذف‪ ،‬وغيــاب وجهة النظر الداخلية‬ ‫فــي الســرد) أو محــاكاة لعمليــة الحكي‬ ‫نفســها (نصــوص غيــر مكتملــة أو غير‬ ‫منشورة‪ ،‬أو نصوص ُأسيء فهمها)‪ .‬كما‬ ‫تفسر الشهادة‪،‬‬ ‫تقّدم دوائر المعاينة التي ِّ‬ ‫النــص‪:‬‬ ‫وفــي مســتويات مختلفــة مــن‬ ‫ّ‬

‫يؤدون (ســيناريو) مكتوب ًا‬ ‫ُيدركون أنهم ّ‬ ‫لشــخص آخر‪ ،‬وهو األمــر الذي الحظته‬ ‫في الروايــات‪« :‬هذا ليس من أجلك أنت»‬ ‫و«التحول» لميشيل بوتور‪،‬‬ ‫لجين رول‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫و«قصة‬ ‫غــراس‪،‬‬ ‫لغونتر‬ ‫وفــأر»‬ ‫و«قــط‬ ‫ّ‬ ‫واألهــم روايــة‬ ‫حيــاة» لجــون بــارت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إليتالــو كالفينــو‪« ،‬إذا فــي ليلــة شــتاء‬ ‫مسافر» والتي كانت دافع ًا للكتاب نفسه‪،‬‬ ‫منــذ حلقات الــدرس الجامعي‪ ،‬وســؤال‬ ‫الطالــب الــذي اســتقبل الروايــة وكأنها‬ ‫تتوجه له‪ ،‬وهو األمر الذي دفعها لقراءة‬ ‫َّ‬ ‫التوجه‪.‬‬ ‫هذا‬ ‫ضوء‬ ‫في‬ ‫الرواية‬ ‫ُّ‬ ‫القصــة‪ ،‬ومســتوى الخطــاب‪،‬‬ ‫مســتوى ّ‬ ‫ومستوى اإلنتاج‪ ،‬ومستوى التلقّي‪ ،‬من‬ ‫الســيدة‬ ‫خــال التطبيــق على «نصوص‬ ‫ِّ‬ ‫داالوي» لفرجينــا وولــف‪« ،‬الســقوط»‬ ‫أللبيــر كامــي‪ ،‬و«حكايــة خادمــة»‬ ‫لمارجريت أتوود‪ .‬فالشــهادة ّ‬ ‫تلتف على‬ ‫الفجيعة‪ ،‬وتســتخدم الســرد ووســائله‬ ‫لكــي تأخــذ الشــخصيات والجماعــات‪-‬‬ ‫أيضــاً‪ -‬طريقهــا إلــى التعافــي‪ ،‬حيــث‬ ‫الضحيــة‬ ‫يتضمــن التعافــي أن تتجــاوز‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫الصمــت‪ ،‬عبــر إنتــاج ســرد لألحــداث‬ ‫الفجائعيــة‪ ،‬وإن كان إنتــاج مثــل هــذه‬ ‫الســرود أمر شديد الصعوبة‪ ،‬فالحادثة‪-‬‬ ‫كمــا تقــول المؤلِّفــة‪ -‬التــي تحتــاج إلى‬ ‫الضحية وهي‬ ‫ربما‪ -‬لم تعشــها‬ ‫ّ‬ ‫الحكــي‪َّ -‬‬ ‫يتم ترجمة هذا‬ ‫في حالة وعي كامل‪ .‬وال ّ‬ ‫االنقطاع ّإل عبر ذاكرة سردية (وإن كان‬ ‫يميز بين أكثــر من ذاكرة) كما‬ ‫هنــاك َمن ِّ‬ ‫سماها «بيير جانيت»‪ ،‬معاصر «فرويد»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تصور األبنية العقلية‬ ‫وهي القدرة علــى‬ ‫ُّ‬ ‫التي تجعل للتجربة َمعنًى‪.‬‬ ‫وجــاء الفصل الرابع بعنــوان «االلتفات‪:‬‬ ‫ينصــب‬ ‫أداء»‪ .‬وهنــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحديــث بصفتــه ً‬ ‫الحديــث على المخاطبة غير المباشــرة‪،‬‬ ‫وهو ما يشــبه مصطلــح االلتفات القديم‬ ‫في البالغــة‪ ،‬وتعني بها مخاطبة أدائية‬ ‫تســمح للخطاب بأن يكون ماكــراً‪ ،‬وأن‬ ‫متعدديــن فــي‬ ‫مخاطبيــن‬ ‫يتوجــه إلــى‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫القصة‬ ‫حكــي‬ ‫فصيغــة‬ ‫نفســها‪،‬‬ ‫اللحظــة‬ ‫ّ‬ ‫تضع القارئ فــي موضع الصدارة‪ ،‬لكن‬ ‫القــراء‪ ،‬في صيغة االلتفــات‪ ،‬يواجهون‬ ‫ّ‬ ‫مهمــة‬ ‫مهمــة صعبــة‪ ،‬حيــث ازدواج ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخاطبــة‪ ،‬فهي لهم‪ ،‬وليســت لهم‪ ،‬في‬ ‫الوقت نفســه‪ ،‬كمــا يمكنهــم أن يختاروا‬ ‫الوقــوف عنــد دور المخاطــب‪ ،‬بينمــا‬

‫التشعب ّية‬ ‫النصوص‬ ‫ُّ‬ ‫تــرى المؤلِّفة أن ابتــكارات أواخر القرن‬ ‫االتصاالت‪،‬‬ ‫العشــرين‪ ،‬في تكنولوجيــا ِّ‬ ‫أفــرزت ُحقبة مــن الحكــي التفاعلي؛ إذ‬ ‫تــؤدي التكنولوجيــا إلى تفعيــل النزوع‬ ‫ّ‬ ‫نحــو التبادليــة‪ ،‬كما أفضت إلى نشــاط‬ ‫القــراء‪ ،‬ومن َث َّم تبني‬ ‫أعظــم‪ ،‬من جانب ّ‬ ‫الفصل الخامــس واألخير على التفاعلية‬ ‫االتصال الحديثة‪،‬‬ ‫التــي هي نتاج أدوات ِّ‬ ‫وتقيم حديث ًا تعاوني ًا مع القارئ المتلقّي‪،‬‬ ‫بحيــث تســمح لهــؤالء المتلقِّيــن بــأن‬ ‫الســرد وتطويره‪.‬‬ ‫يشــتركوا في صياغة ّ‬ ‫الدورين معاً‪:‬‬ ‫تلعــب‬ ‫رغــم أن التفاعليــة‬ ‫ْ‬ ‫والســلبي‪ ،‬بالنســــبة إلــى‬ ‫اإليجابــي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫القصــص الحـــــــواري‪ ،‬هــي‪ -‬علــى‬ ‫مستوى تمجيد والســلب‪ -‬نهاية لها‪ ،‬في‬ ‫الوقت ذاته‪ .‬وتطرح المؤلِّفة تســاؤالتها‬ ‫بية‪ ،‬وســؤال‪:‬‬ ‫حــول النصــوص‬ ‫ُّ‬ ‫التشــع ّ‬ ‫جزء مــن القدرة التفاعلية‬ ‫هل الكمبيوتر ٌ‬ ‫للمتكلّــم أم المســتجيب؟‪ ،‬وســؤا ًال عــن‬ ‫طــور�� البرمجــة‪ِ ،‬‬ ‫ومــن أيــن ُيمكــن‬ ‫ُم ِّ‬ ‫وعما‬ ‫البرمجــة‪،‬‬ ‫أدوات‬ ‫علــى‬ ‫الحصــول‬ ‫ّ‬ ‫تســوغ االحتفاظ‬ ‫إذا كان هنــاك طريقــة‬ ‫ِّ‬ ‫بمصطلحــات المتكلِّــم والمســتجيب‪ ،‬أو‬ ‫الكاتب والقــارئ تحديداً‪ ،‬وســؤال‪ :‬ماذا‬ ‫النص؟‪ ،..‬وغيرها من األسئلة‪.‬‬ ‫عن ّ‬ ‫ُتعلِّل المؤلِّفة اختياراتها للنصوص التي‬ ‫كانــت مجا ًال للبحث والــدرس بأنه راجع‬ ‫إلــى الحــرص علــى اختيــار ما يشــرح‪،‬‬ ‫كل‬ ‫بوضوح‪ ،‬الصيغة التي تدرســها في ِّ‬ ‫تلبي‬ ‫فصــل‪ ،‬فالنصــوص لديهــا كانــت ّ‬ ‫عملــي‪ ،‬واآلخــر أكثــر‬ ‫األول‬ ‫َ‬ ‫غرضْيــن‪َّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫جوهرية‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫‪127‬‬


‫الرواة‬ ‫حوارات ّ‬ ‫سعد القصاب‬

‫لطالما ينتابنا الفضول حيال حياة أخرى‬ ‫للكّتــاب‪ ،‬حيــاة واقعيــة ال يبوحون بها‬ ‫في الكتابة‪ .‬توق دائم يســتدعينا للتفكير‬ ‫فــي معرفة مــا يفعلونه خــارج كتاباتهم‬ ‫والتعــرف إلــى عالقتهــم‬ ‫المنشــورة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والخاصة‪ ،‬التــي يقيمونها مع‬ ‫الشــغوفة‬ ‫ّ‬ ‫الحيــاة‪ ،‬ومــع العالــم‪ .‬وزخــم المواقف‬ ‫متعددة‬ ‫تسربت إلى تجارب حياتية‬ ‫ِّ‬ ‫الذي َّ‬ ‫الســرّية الملتبســة‬ ‫والصنعة‬ ‫عاشــوها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عملية التأليف‪،‬‬ ‫وخباياهــا‪ ،‬التي ترافــق ّ‬ ‫غالباً‪.‬‬ ‫أســئلة كهــذه‪ ،‬موضــوع كتــاب «فيزياء‬ ‫الروايــة وموســيقى الفلســفة‪ -‬حوارات‬ ‫وروائييــن»‪،‬‬ ‫روائيــات‬ ‫مختــارة مــع‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫لطفية‬ ‫العراقية‬ ‫والكاتبة‬ ‫الروائية‬ ‫ترجمة‬ ‫ّ‬ ‫الدليمــي‪ ،‬والصــادر عــن دار المــدى في‬ ‫بغداد‪.2016 ،‬‬ ‫تمت ترجمتها من‬ ‫يضــم الكتاب حوارات‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫متعــددة‪ ،‬لنخبة‬ ‫مواقــع ومصادر ثقافية‬ ‫َّ‬ ‫وطنياً‪ ،‬لـ ‪41‬‬ ‫مكرسة عالمي ًا أو‬ ‫ّ‬ ‫معاصرة َّ‬ ‫وروائيين أجانب‪ ،‬ليســوا‬ ‫روائيــات‬ ‫مــن‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫جميعهــم أحيــاء‪ ،‬ينتمــون إلــى ثقافات‬ ‫قــارات أميركــة‬ ‫وشــعوب‬ ‫َّ‬ ‫تتــوزع بيــن ّ‬ ‫الالتينية‪ ،‬وأميركا الشــمالية‪ ،‬وآســيا‪،‬‬ ‫وأوروبا‪ ،‬وإفريقيا‪ ،‬وأستراليا‪.‬‬ ‫تنكشــف هــذه الحــوارات عــن تبايــن‬ ‫الروائيين‪،‬‬ ‫وتضاد‪ ،‬فــي أراء‬ ‫واختــاف‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫عشــق الكتابة‪،‬وطقوســها‪،‬‬ ‫حــول‬ ‫وطرائقهــا رؤيتهــم للحيــاة‪ ،‬ومواقفهــم‬ ‫مــن أحــداث العصر‪ ،‬وفهمهــم لمعضالت‬ ‫كالحب‪ ،‬والحيــاة‪ ،‬والجمال‪،‬‬ ‫وجودية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والصــراع واليــأس اإلنســاِن َّيْين‪ ،‬لكنهــا‬ ‫تــدل‪ ،‬فــي الوقــت ذاتــه‪ ،‬على مشــاركة‬ ‫ّ‬ ‫‪128‬‬

‫اآلخريــن رؤيتهــم للعالــم‪ ،‬واالعتــراف‬ ‫بانتمائهــم إلــى المجتمــع الكونــي مــن‬ ‫دون حــدود‪ ،‬بإشــاعة عوامــل التفاهــم‬ ‫والتسامح والفهم المتبادل عن اإلنسان‪،‬‬ ‫والتذكيــر بالبحث الدائب في إيجاد معنى‬ ‫يتجاوز العيش التقليدي‪ ،‬على المستوى‬ ‫األخالقــي والمســتوى الجمالــي‪ ،‬كذلك‪،‬‬ ‫إيضــاح كــون الروايــة ممارســة عالمية‬ ‫ّيــة‬ ‫تتجــاوز انتمــاءات‬ ‫وطنيــة ومحلّ‬ ‫ّ‬ ‫متمركزة‪.‬‬ ‫يذكــر الكاتــب الجنــوب إفريقــي «جــون‬ ‫ماكســويل كوتــزي» «(نوبــل لــآداب‬ ‫‪ )2003‬أن «تاريــخ اإلبداع اإلنســاني هو‬ ‫تأريــخ التخصيب المتبــادل والمتواصل‬ ‫بيــن األفــكار‪ ،‬خــارج حــدود الجــدران‬ ‫والتخــوم المصطنعــة بيــن الثّقافــات»‪.‬‬ ‫ال‬ ‫إضافــة إلى كون الرواية‪ ،‬كذلك‪ ،‬شــك ً‬ ‫حيوي ًا يبقى فــي حالة صيرورة‬ ‫إبداعيــ ًا‬ ‫ّ‬

‫دائمــة‪ ،‬أو‪ -‬كما يقول الروائــي الياباني‬ ‫«هاروكــي موراكامــي»‪ -‬قــادرة على أن‬ ‫«تتيح لك أن تذهب بخيالك أنّى شئت»‪.‬‬ ‫تكتــب المترجمــة الدليمــي‪ ،‬فــي مقّدمتها‬ ‫ثمــة فروقــ ًا بين‬ ‫التعريفيــة للكتــاب‪ ،‬أن ّ‬ ‫الروائييــن‪،‬‬ ‫المبدعيــن‬ ‫توجهــات هــؤالء‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫«نتلمــس طغيــان الفردانيــة‪،‬‬ ‫حيــث‬ ‫َّ‬ ‫والذاتيــة المفرطة‪ ،‬والنزعات األبيقورية‬ ‫الغربيين»‪ ،‬فيمــا يحتكم الروائيون‬ ‫لــدى‬ ‫ِّ‬ ‫الشــرقيون‪ ،‬فــي أعمالهــم‪ ،‬إلــى «تبنّــي‬ ‫العامــة‬ ‫الهمــوم الجمعيــة والمعضــات‬ ‫ّ‬ ‫الحرّية والكرامة»‪،‬‬ ‫والتوق اإلنساني إلى ّ‬ ‫وذاتي‪.‬‬ ‫شخصي‬ ‫وإغفال ما هو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تشــير الروائيــة األميركيــة «ريبيــكا‬ ‫غولدشــتاين» إلــى أن كتاباتهــا تســعى‬ ‫«إلــى البحــث الشــغوف عن التســاؤالت‬ ‫يعين الروائي‬ ‫العميقة في حياتنا»‪ ،‬فيما ِّ‬ ‫النيجيري «شينوا أتشيبي» موقفه بكون‬ ‫والجاد ُو ِجــد‪ ،‬دوماً‪ ،‬ألجل‬ ‫«الفــن الجيــد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خدمة اإلنســانية‪ ،‬ال إلدانتها‪ ،‬وال أعرف‬ ‫للفــن أن يدعى «فنّــاً» إذا ما‬ ‫كيــف يمكــن‬ ‫ّ‬ ‫سبب في إحباط اإلنسانية وقهرها»‪.‬‬ ‫َت َّ‬ ‫تســتدعي تلــك الحــوارات الذاكــرة‪،‬‬ ‫وحساســية التفاعــل مــع‬ ‫والرؤيــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بتذكــر لحظات الضعف‬ ‫العالــم والحياة‪ُّ ،‬‬ ‫والفشــل‪ ،‬وتبيان االهتمامات المتباينة‪،‬‬ ‫ووســائل التغلُّــب على المصاعــب‪ ،‬التي‬ ‫يواجهونها في لملمة أفكارهم وتنظيمها‪،‬‬ ‫وعلــى العــادات المختلفــة التــي تعينهم‬ ‫علــى اإلنجاز‪ ،‬واســتحضار التفســيرات‬ ‫والتخيــل‬ ‫األخــرى فــي طبيعــة التفكيــر‬ ‫ُّ‬ ‫والوســائل التــي تدعوهــم للكتابــة‬ ‫الروائيــة‪ ،‬أو عن الالمتوقَّــع الذي يحيل‬


‫الخيــال إلى نوع مــن األداء الذي ينعكس‬ ‫ومهمة إنسانية للكّتاب‬ ‫بوصفه وظيفة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أنفســهم‪ .‬يفترض الروائــي األميركي من‬ ‫الكّتاب أن‬ ‫أصل صيني «ها جن» أن على ُ‬ ‫يبتعــدوا عن تقديم اإلجابات‪ ،‬لكن عليهم‬ ‫«أن يصفوا المشــكالت ويعرضوها على‬ ‫يســموا تلك المشــكالت‪ ،‬بل‬ ‫المــأ‪ ،‬ال أن ّ‬ ‫المدمرة‪ ،‬فحسب»‪.‬‬ ‫يكتفوا بوصف آثارها‬ ‫ِّ‬ ‫ثمــة بداهــة تفترضها طبيعــة الحوارات‬ ‫ّ‬ ‫باتخاذهــا صفــة األســلوب‬ ‫هــذه‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫متجاوزة‬ ‫ردًا على األسئلة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫التفســيري‪ّ ،‬‬ ‫حتميــة التعليــل التي تنطــوي عليها في‬ ‫ّ‬ ‫الكّتاب ألفكارهم في المؤلَّفات‪ .‬مع‬ ‫تمُثّــل ُ‬ ‫مــا يرافقها مــن نزعة نقديــة‪ ،‬كون حالة‬ ‫مضمر‬ ‫الحوار مناســبة للكشــف ّ‬ ‫عما هــو َ‬ ‫لفحص الذات ومراجعتهــا‪ .‬تقول الكاتبة‬ ‫األميركيــة‪« ،‬تونــي موريســون» (نوبــل‬ ‫لــآداب‪ )1993 ،‬أن كتابــة الروايــة تبدأ‬ ‫معهــا «تحت تأثير فكــرة‪ ،‬حتى لو كانت‬ ‫فكرة صغيرة باعثة علــى الملل‪ ،‬ولكنها‬ ‫تدفعنــي للكتابة عندما تســتحيل ســؤا ًال‬ ‫مِل ّحــاً‪ ،‬أعجز عــن إيجاد جواب مناســب‬ ‫له»‪.‬‬ ‫ثمة تبيان للتجربة الروائية في الحوارات‬ ‫ّ‬ ‫هذه‪ ،‬بوصفها مغامرة‪ ،‬واســتدراج قول‬ ‫فالكّتاب‪ ،‬في أثناء‬ ‫يشرح حيوات واقعية‪ُ .‬‬ ‫متخيلة كما‬ ‫الحــوار‪ ،‬كائنات واقعية غير‬ ‫َّ‬ ‫يتأملــون خبرتهم من مكان‪،‬‬ ‫هي ُكَتبهم‪ّ ،‬‬ ‫بــات مختلف ًا فــي أثناء فعــل المحاورة‪،‬‬ ‫حيث تكتسب تجاربهم وضوح ًا أشّد بأثر‬ ‫مبررات الكتابة الفعلية ودوافعها‬ ‫إيضاح ِّ‬ ‫حدها‬ ‫إلى‬ ‫بها‬ ‫الذهاب‬ ‫وكيفيــة‬ ‫التجريبية‬ ‫ِّ‬ ‫األقصــى‪ .‬يعلِّل الكاتب المورويشيوســي‬

‫«جان ماري غوســتاف لوكليزيو» (نوبل‬ ‫لــآداب‪ )2008 ،‬أنــه ليــس باإلمــكان‬ ‫بمهمــات الكتابــة‬ ‫التمــادي فــي اإليمــان ّ‬ ‫أيام‬ ‫الروائيــة اليــوم «مثلمــا كان ســائدًا ّ‬ ‫ســارتر‪ ،‬بأن الرواية قــادرة على تغيير‬ ‫الكّتاب‪،‬‬ ‫العالــم‪ ،‬فلــم يعــد فــي إمكانيــة ُ‬ ‫اليــوم‪ ،‬ســوى التعبيــر عــن امتعاضهم‬ ‫ممــا يســود فــي‬ ‫خاص ً‬ ‫(السياســي‪ّ ،‬‬ ‫ــة) ّ‬ ‫العالم»‪.‬‬ ‫حــوارات يتداخــل فيها الفعل السياســي‬ ‫مع االجتماعي‪ ،‬والوجودي‪ ،‬واإلبداعي‪،‬‬ ‫واليومي المعيشــي‪ ،‬فــي تقاطعات أكثر‬ ‫كثافــة مــن تلــك التــي قرأتها فــي العديد‬ ‫ً‬ ‫مــن مؤلَّفات المتحاوريــن‪ .‬يذكر الروائي‬ ‫األوروغيانــي «أدواردو غاليانــو» أن‬ ‫مفاجئــات‬ ‫دوافعــه للكتابــة هــي بســبب ِ‬ ‫الواقع المدهشة وأسراره الغامضة «التي‬ ‫نغض أبصارنا وأسماعنا عنها‪،‬‬ ‫غالب ًا ما ّ‬ ‫ربمــا‪ -‬كانت الكتابة وســيلتنا األرقى‬ ‫و‪َّ -‬‬ ‫فــي محاولتنــا اإلمســاك بهــذه الدهشــة‬ ‫الغامضة التي تحيط بنا في هذا العالم»‪.‬‬ ‫جميــع هذه المزايا‪ ،‬التــي ُت َطرح كأفكار‪،‬‬ ‫أو كشــذرات‪ ،‬هي ما يثــري مقدرتنا على‬ ‫الروائييــن اإلبداعية‪،‬‬ ‫اســتيعاب تجارب‬ ‫ِّ‬ ‫واســتحصال قــدر مــن معرفــة متراكمــة‬ ‫عنهــم‪ ،‬ومنحنــا أفقــ ًا أكبر مــن االنفتاح‬ ‫واالستكشــاف واأللفة‪ ،‬تبعدنا عن عزلة‬ ‫وتقربنا أكثر عن شــروط تفكير‬ ‫األفكار‪ّ ،‬‬ ‫مختلــف عنهم بســبب المشــاركة القائمة‬ ‫التعــرف إلــى التفاصيل‪،‬‬ ‫علــى فضــول‬ ‫ّ‬ ‫واالنغمــاس معهــم بدافــع ذاتــي‪ ،‬بــل‬ ‫مضاعفــة النظر إلى مؤلَّفاتهم وأعمالهم‪،‬‬ ‫ثانية‪ ،‬بأثر تجــاوز ثنائية‬ ‫عنــد قراءتهــا‬ ‫ً‬

‫المنِتــج «الكاتــب» والمســتهِلك «القارئ»‬ ‫تدبر صلتنا‬ ‫حــس مشــترك ّ‬ ‫إلــى صناعة ّ‬ ‫الجديدة معهم‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫يكــف الكّتاب عــن أحالمهــم بالكتابة‪،‬‬ ‫التــي ال يبدعــون ّأل أنفســهم من خاللها‪.‬‬ ‫هــم يتركون ذواتهم تنجــرف إليها‪ ،‬على‬ ‫نحــو غيــر متوقَّــع‪ ،‬فاألمــر‪ -‬بالنســبة‬ ‫إليهم‪ -‬استعارة محتملة عن حياة‪ .‬يقول‬ ‫الكاتب المكســيكي «كارلوس فوينتوس»‬ ‫أن «الكتابــة أكثــر المهــن تعايشــ ًا مــع‬ ‫الوحدانيــة‪ ،‬وينبغــي أن يكــون الكاتــب‬ ‫تحمل‬ ‫غارق ًا في عشــقها حتــى َّ‬ ‫يتمكن من ُّ‬ ‫تترتب‬ ‫تبعــات الوحدانية المفرطــة التي َّ‬ ‫عليها»‪.‬‬ ‫يحتاج الكّتاب‪ ،‬دائماً‪ ،‬إلى االعتراف بهم‬ ‫يبرروا وجودهم‬ ‫من ِقَبل اآلخريــن‪ ،‬كيما ّ‬ ‫وتواصلهــم لالنغمــار فــي التجربــة‪،‬‬ ‫والســعي لمشــاركة مــا يكتشــفونه مــع‬ ‫قرائهــم‪ ،‬وإلربــاك التناقــض مابيــن‬ ‫ّ‬ ‫الحيــاة واإلبداع‪ ،‬وكأنهمــا فعالن قائمان‬ ‫فــي وجهَتْيــن متناقضَتْيــن‪ .‬اال أن بعض‬ ‫التشــاؤم يبقــى قائمــاً‪ ،‬والــذي يبديــه��� ‫الروائــي األميركــي «فليــب روث» هــو‬ ‫«أظن أنه سيوجد‪ ،‬دوماً‪ ،‬من يقرأ‬ ‫قوله‪ّ :‬‬ ‫الروايات‪ ،‬لكن ذلــك لن يتعّدى مجموعة‬ ‫ربما‪ -‬أكثر بقليل‬ ‫صغيرة من الناس‪ ،‬و‪َّ -‬‬ ‫من بعــض النــاس الذين يقرأون الشــعر‬ ‫الالتيني‪ ،‬اليوم»‪.‬‬ ‫ال مسؤولية للكّتاب ّإل تجاه ما يكتبون‪،‬‬ ‫تصرح الروائية الكندية «مارغريت‬ ‫أو كما ِّ‬ ‫أتــوود»‪« :‬إن فعــل الكتابــة بذاتــه‪ -‬رغم‬ ‫المشقّات المالزمة له‪ -‬هو المكافأة األكبر‬ ‫التي يتلقّاها الكاتب»‪.‬‬ ‫‪129‬‬


‫صدر حديثًا‬

‫صدر حديث ًا‬ ‫هويدا صالح‬

‫حبل قديم وعقدة مشدودة‬ ‫«حبــل قديــم وعقدة مشــدودة»‪ ،‬هــي الرواية األحدث‬ ‫الجبــاس‪ ،‬التي صدرت عن‬ ‫للروائي‬ ‫ّ‬ ‫المصري ســامح ّ‬ ‫ّ‬ ‫جائزة «كتارا» للرواية‪ ،‬فئة الروايات غير المنشورة‪،‬‬ ‫ونالــت جائــزة الروايــة القابلــة للتحويــل إلــى عمل‬ ‫درامي‪.‬‬ ‫الجباس ثالثــة خطوط دراميــة‪ ،‬عبر حضور‪،‬‬ ‫يقيــم ّ‬ ‫ثالثــة أزمنــة متوازيــة ومتقاطعــة‪ ،‬وكل زمــن مــن‬ ‫بمرجعياته‬ ‫النــص‪،‬‬ ‫هذه األزمنــة الثالثة يحضر‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المعرفية‪.‬‬ ‫تحكي الرواية عن هناء‪ ،‬الفتاة التي تعمل في مكتب للبريد‪ ،‬في زمن معاصر‬ ‫نص ًا أدبي ًا شــهيرًا في تاريــخ األدب العالمي‪ ،‬وهو‬ ‫(عــام ‪ ،)2013‬حيــث تجد ّ‬ ‫روايــة «جيــن إيــر» للكاتبــة «شــارلوت برونتــي»‪ .‬وحيــن تقرأ هنــاء‪ ،‬ابنة‬ ‫متقاطعْين مع خطاب‬ ‫خطابْيــن‬ ‫النص‪ ،‬تجــد عليه‬ ‫اللحظــة الراهنــة (‪ّ )2013‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫األول مالحظات فتــاة ُتدعى «جين»‪ ،‬كانت تعيش‬ ‫الروايــة األصلي‪ :‬الخطاب َّ‬ ‫فــي إســكندرية‪ ،‬عــام ‪ ،1944‬مــع والدها الطبيــب اإليطالي الــذي حضر إلى‬ ‫الطــب في إيطاليا‪ ،‬والخطاب اآلخر‬ ‫مصــر‪ ،‬عــام ‪ ،1922‬بعد أن كان قد درس‬ ‫ّ‬ ‫سمى عادل‪ ،‬كان يعيش في مصر‪ ،‬عام ‪ .1967‬كان‬ ‫مالحظات شاب‬ ‫ّ‬ ‫مصري ُي ّ‬ ‫الشابة «جين»‪ ،‬في مكتب البريد الذي‬ ‫مالحظات‬ ‫وعليها‬ ‫الرواية‬ ‫عادل قد وجد‬ ‫ّ‬ ‫كان يعمل به‪ ،‬وحاول‪ ،‬عن طريق اســتخدام قاموس في اللّغة الفرنسية‪ ،‬أن‬ ‫يفهــم الروايــة األصلية‪ ،‬ويفهم‪ -‬أيضــاً‪ -‬مالحظات «جيــن»‪ .‬تتقاطع األزمنة‬ ‫بتغيراتهــا االجتماعية‪ ،‬والسياســية‪ ،‬واالقتصادية‪ ،‬منذ‬ ‫الثالثــة لنرى مصر ُّ‬ ‫الثالثينيات وحتى األلفية الثالثة‪ .‬يعتمد الكاتب تقنية كادرات السينما‪ ،‬ليكتب‬ ‫الخطي التتابعي‪ ،‬فهو‬ ‫يتقيد بالزمــن ّ‬ ‫لنــا الخطــوط الدرامية الثالثة‪ ،‬دون أن َّ‬ ‫يتقيد بمنطقية األحداث‪ .‬يفيد‬ ‫يذهب ويجيء في الزمن‪ ،‬وفق ما يريد‪ ،‬دون أن َّ‬ ‫ِ‬ ‫ســاردْيه الثالثة‬ ‫تعدد األصوات‪ ،‬فنجد أصوات‬ ‫الكاتــب مــن الكرنفالية‪ ،‬ومن ُّ‬ ‫النصية مــع الزمان ومع‬ ‫بتفاعالتها‬ ‫حاضــرة‬ ‫النصي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫حاضــرة في الفضــاء ّ‬ ‫المكان‪ ،‬ومع الشــخصيات التي تشــاركها الحدث‪ .‬كما يفيــد الكاتب من تقنية‬ ‫مذكراتها‬ ‫«المذكرات» فيفتتح الســرد بصوت «جيــن» ابنة الطبيب‪ ،‬التي تكتب ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫الشــخصية على هامش الرواية‪ .‬تتجاور األزمنــة الثالثة‪ ،‬ويراوح الكاتب ما‬ ‫التغيرات‬ ‫لنتعرف معه إلى كل هذه‬ ‫بين الزمن الحاضر والزمن االسترجاعي‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫نص‬ ‫ة‬ ‫ثم‬ ‫‪،‬‬ ‫لكــن‬ ‫التاريخ‪.‬‬ ‫هــذا‬ ‫طوال‬ ‫السوســيوثقافية التــي حدثــت في مصر‬ ‫ْ ّ ّ‬ ‫ويتناص معه الشاعر كنوع من التفاعالت‬ ‫رابع ينهض في الفضاء الســردي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫النصّيــة المصاحبــة للروايــة‪ ،‬وهو اقتباســات‪ ،‬يبدأ بها فصــول الرواية من‬ ‫ّ‬ ‫ديوان «طعم الجبل»‪ ،‬للشاعر الياباني سانتوكا تانيلدا (‪1882‬ـ‪.)1940‬‬ ‫‪130‬‬

‫تفكيك العقلية‬ ‫المطبخية‬ ‫يأتــي كتاب «نقــد عقل المــرأة» لمنى أبو‬ ‫ســنّة‪ ،‬الصادر عن الهيئــة العامة لقصور‬ ‫مهمــة لقراءة‬ ‫الثّقافــة المصريــة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إضافة ّ‬ ‫الخطــاب النســوي‪ ،‬ومحاولــة تفكيــك‬ ‫مقوالته الثّقافيــة التي تحكم وعي المرأة‬ ‫العربيــة‪ .‬أوردت منــى أبــو ســنّة‪ ،‬فــي‬ ‫تتحكم‬ ‫كتابهــا‪ ،‬التناقضــات الفكرية التي‬ ‫َّ‬ ‫في وعــي المــرأة العربيــة‪ ،‬انطالقــ ًا من‬ ‫تطويق االعتقاد الســائد فــي المجتمعات‬ ‫بــأن اســتخدام العقــل والمنطــق والعمل‬ ‫خارج البيت هي من شــأن الرجل وحده‪،‬‬ ‫أمــا العاطفــة واالنفعــال وإدارة شــؤون‬ ‫ّ‬ ‫المنــزل والعمــل المطبخي فهي من شــأن‬ ‫المــرأة‪ ،‬وقــد أحدث هذا العمــل المطبخي‬ ‫تغييــرًا جذري ًا في بنية عقل المرأة؛ حيث‬ ‫أفــرز هذا التغييــر «العقليــة المطبخية»‪،‬‬ ‫األول‪،‬‬ ‫وهي عقليــة مزاجية‪ ،‬في المقــام ّ‬ ‫عــام؛ بــل تخضــع‬ ‫ال تخضــع لقانــون ّ‬ ‫لمــزاج المتنــاول للطعــام‪ .‬وهــو مــزاج‬ ‫ذاتي‪ ،‬لذا تبتعــد المرأة عن تمثُّل القانون‬ ‫ّ‬ ‫العــام لحــدوث األشــياء‪ ،‬وتقــف‪ ،‬فــي‬ ‫ّ‬ ‫تفســيرها‪ ،‬عند َحّد المــزاج‪ .‬وقد اختارت‬ ‫المطبــخ كرمزيــة لآلليــات التــي تحكــم‬ ‫لتوجهها‬ ‫وعــي المــرأة؛ألن الطبــخ رمــز‬ ‫ُّ‬ ‫نحــو اآلخر‪ ،‬فهي ال تطبخ لنفســها‪ ،‬إنما‬ ‫تطبــخ لآلخرين‪ ،‬ثم‬ ‫إن ميكانيــزم الطبــخ‬ ‫نفســه ال يحتــوي‬ ‫أسســ ًا منطقيــة أو‬ ‫ُ‬ ‫عقالنيــة‪ ،‬ويحمــل‪،‬‬ ‫طياتــه‪ ،‬رتابــة‬ ‫فــي ّ‬ ‫وتكراريــة تؤثّــران‬ ‫علــى نمــط تفكيــر‬ ‫عام‪.‬‬ ‫المرأة‪ ،‬بوجه ّ‬


‫النمر الفيتنامي‬ ‫صدر حديث ًا للناقد المغربي حسن بحراوي رواية بعنوان «النمر الفيتنامي»‪ ،‬عن منشورات ساليكي‬ ‫قــط تخلّف عن باخــرة فيتنامية‪ ،‬فأخذه أحد‬ ‫فــي طنجــة‪ .‬الرواية تدور فــي أجواء غرائبية‪ ،‬بطلها ّ‬ ‫ســيتحول الحيوان الصغير‪ ،‬مــع مرور الوقت‪ ،‬إلى‬ ‫عمــال الميناء إلى أطفاله ليتســلّوا به‪ ..‬وهنا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫الهدية‪ ،‬غير‬ ‫ســبيل‬ ‫على‬ ‫الحيوان‪،‬‬ ‫حديقة‬ ‫في‬ ‫وتودعه‬ ‫أبنائها‪،‬‬ ‫على‬ ‫منه‬ ‫تخاف‬ ‫األســرة‬ ‫جعل‬ ‫نمر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أن النمر الفيتنامي سيغادر قفصه‪ ،‬ومحدث ًا بعض الفوضى في المدينة؛ ما حمل أعوان البلدية على‬ ‫الحي‬ ‫رميه بالرصاص‪ ،‬فينتفض األطفال احتجاج ًا على هذا االعتداء‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ويقررون االستعانة بصيدلي ّ‬ ‫واحتفاء بهذا اإلنجاز‪ ،‬أقاموا احتفا ًال كبيراً‪ ،‬حضره‬ ‫ليقوم بتحنيط جثّته‪ ،‬ويحتفظون بها كذكرى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫جمع غفير من الناس واألطفال‪ ،‬وكان له صدى واسع وغير مسبوق في المدينة‪ ،‬بأكملها‪.‬‬ ‫فيغتال مهاجر مغربي عائد من هولندا لســبب غامض ويشــتبه‬ ‫تتوالــى الوقائــع‪ ،‬بعد ذلــك تباعاً‪ُ ،‬‬ ‫التحريات واالعتقاالت العشــوائية‪،‬‬ ‫سلســلة‪ ‬‬ ‫وتبدأ‬ ‫فة‪.‬‬ ‫متطر‬ ‫جماعة‬ ‫إلى‬ ‫ينتمون‬ ‫المحقِّقــون فــي أن الفاعل أو الفاعلين‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ويلقى‬ ‫أحيانــاً‪ ،‬التــي ســيذهب‬ ‫َّ‬ ‫ضحيتها المقــاوم والمناضل أبو عمر‪ ،‬المســؤول عن جناح الســنّوريات فــي الحديقة‪ُ ،‬‬ ‫ال مثل‬ ‫االحتفال‪،‬‬ ‫خالل‬ ‫حلقته‪،‬‬ ‫أقام‬ ‫مجذوب‬ ‫شــخص‬ ‫القبض‪ ،‬كذلك‪ ،‬على‬ ‫احتفاء بالنمر الشــهيد‪ ،‬ويعاني كثيرًا وطوي ً‬ ‫ً‬ ‫تربصت‬ ‫معتقل سياسي‪ .‬وأخيراً‪َّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫يتضح أن المهاجر المغتال إنما لقي حتفه نتيجة تصفية حسابات مع جماعة إرهابية َّ‬ ‫تسببه في مقتل النمر الفيتنامي‪ ،‬تحديداً‪ .‬كيف‬ ‫هو‬ ‫موته‬ ‫في‬ ‫الحقيقي‬ ‫السبب‬ ‫كان‬ ‫األطفال‬ ‫رأي‬ ‫وفي‬ ‫باإللحاد‪.‬‬ ‫هامه‬ ‫الت‬ ‫به‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫مبرراته؟ يبدو أن األطفال المقيمين في الرواية هم وحدهم َمن يملكون الجواب!‪.‬‬ ‫ذلك؟ وما هي ِّ‬

‫يوم غد من السنة الماضية!‬ ‫«ســعيدة هانــم ويوم غد من الســنة الماضية» هي‬ ‫الرواية األحدث للكاتبة العراقية ميسلون الهادي‪،‬‬ ‫المؤسســة العربية للدراسات والنشر‬ ‫الصادرة عن‬ ‫َّ‬ ‫قصة ســعيدة هانم‪،‬‬ ‫الروايــة‬ ‫تحكي‬ ‫بيــروت‪.‬‬ ‫فــي‬ ‫ّ‬ ‫الرســامة مليكــة جان‪ ،‬في‬ ‫التــي تعيش مع أختها ّ‬ ‫شخصيتان تعيشان حالة‬ ‫بيت واحد‪ ،‬منذ الوالدة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫من المفارقة؛ فاألولى عقالنية واقعية تتابع الواقع بدقّة‪،‬‬ ‫ولــو عبــر شاشــات التليفزيــون‪ ،‬وتشــارك فــي صناعة‬ ‫الحيــاة‪ ،‬والثانيــة تعيش علــى هامش الحيــاة‪ ،‬وتكتفي‬ ‫الفنّي المتقلّب‪ ،‬فهي فنّانة تشكيلية رومانتيكية‪،‬‬ ‫بمزاجها َ‬ ‫الخاص فــي صورة ذهنيــة‪ ،‬تصنعها عن‬ ‫تعيــش عالمهــا‬ ‫ّ‬ ‫ذاتها وعن اآلخر‪ ،‬وترفض أن تســهم في مزيد من أكاذيب‬ ‫الواقــع وزيفه‪ ،‬فتقوم بالهروب من هــذا الواقع إلى واقع‬

‫يخصها وحدها‪ ،‬حتــى أنها تحلم‬ ‫افتراضــي ّ‬ ‫مرئية لآلخرين» ألنها تتمثَّل‬ ‫بأن تكون «غير ّ‬ ‫مقولــة ســارتر‪« :‬اآلخر هــو الجحيــم»‪ .‬لكن‬ ‫أختها‪ ،‬ســعيدة هانم‪ ،‬تــدرك الحالة الذهنية‬ ‫وتتفهم‬ ‫تمر بهمــا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫والحالــة النفســية اللتين ّ‬ ‫ّية‪،‬‬ ‫شطحاتها وحاالتها العقلية‪ً ،‬‬ ‫تارة‪َ ،‬‬ ‫والفنّ‬ ‫تــارة أخــرى‪ .‬تعيــش األختــان فــي بغداد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ال منهما‬ ‫لكــن ك ً‬ ‫وتمــران بالتجــارب نفســها‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫تنظر إلى الموقف نفسه نظرة مختلفة عن نظرة األخرى‪،‬‬ ‫فـ«سعيدة هانم» واقعية‪ ،‬منطقية‪ ،‬بينما أختها حالمة‪..‬‬ ‫وعلى خالف نصوصها الســابقة‪ ،‬تقوم ميســلون هادي‪،‬‬ ‫فــي روايتها الجديــدة‪ ،‬بالتجريــب والمزج بيــن خطابات‬ ‫يتكئ‬ ‫نــص فانتازي َّ‬ ‫ِّ‬ ‫متعــددة‪ ،‬بالشــكل الذي يجعلنا أمام ّ‬ ‫علــى عّدة خطابات‪ :‬خطاب الحكايات الشــعبية‪ ،‬والواقع‬ ‫السياسي‪ ،‬والواقع االجتماعي‪ ،‬وحتى الخطاب النفسي‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫المستقبل الذي كان في الماضي!‬ ‫د‪ .‬نادية هناوي سعدون‬ ‫األتوبيوغرافيــة من صنف‬ ‫ُت َعــّد الروايــة‬ ‫ّ‬ ‫روايات التاريخ‪ ،‬التي تســتطيع تحويل‬ ‫الماضــي إلى حكاية رمزية عن الحاضر‪،‬‬ ‫مــادة الحكي الذاتــي‪ ،‬ومن َث َّم‬ ‫عبر ســرد ّ‬ ‫تغدو لها عالقة بالموثوقية للحقائق‪ ،‬كما‬ ‫يكون للذاكرة عمل فنّي يجمع بين الرقابة‬ ‫المقصــودة واالختــاق الزمنــي‪ .‬هــذا ما‬ ‫جســدته روايــة «أزمنــة الــدم» للروائــي‬ ‫َّ‬ ‫مؤخراً‪،‬‬ ‫العراقي جهاد مجيــد‪ ،‬الصادرة‪َّ ،‬‬ ‫عــن دار الرافديــن للتوزيع والنشــر‪ ،‬في‬ ‫بيروت‪.2016 ،‬‬ ‫سردية‪،‬‬ ‫نصّية‬ ‫مدونة ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرواية عبارة عن َّ‬ ‫يتشــكل فيها الواقع من خــال الماضي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ويجتمــع فيهــا الغابــر بالحاضــر‪ ،‬ليبدو‬ ‫الزمن متماهي ًا في حاضره وفي ماضيه‪،‬‬ ‫أما المــكان فهو‬ ‫عبــر اإليهــام والتغريب؛ ّ‬ ‫يظل كما هو‪ ،‬عبر العصور‪،‬‬ ‫يعاكسه؛ بأن ّ‬ ‫ِّــا فــي آثــاره الباقيــة والمندرســة‬ ‫متمث ً‬ ‫مــاض انتهى‪،‬‬ ‫على‬ ‫شــاخصة‬ ‫تظل‬ ‫التــي ّ‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫وح ّي‪.‬‬ ‫وشاهدة على واقع‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫متجسد َ‬ ‫بشخصيات وصور‪،‬‬ ‫الرواية‬ ‫أحداث‬ ‫تزخر‬ ‫ّ‬ ‫تتواتر في ذاكرة السارد المرشد اآلثاري‪،‬‬ ‫قص حكاياتها‪،‬‬ ‫وهــو يرى اآلثار تمتّد في ّ‬ ‫مجرد بقايا مندرسة‪.‬‬ ‫حتى بعد أن صارت َّ‬ ‫وهــو‪ ،‬إذ يســتنطق تلــك اآلثــار بذاكــرة‬ ‫حيــة‪ ،‬إنمــا يقــوم بذلك من خــال الحلم‬ ‫ّ‬ ‫الــذي يســتلهم بــه معطيــات التاريــخ‬ ‫والجيولوجيــا واألســاطير‪ ،‬محــاو ًال‬ ‫استجالء حقيقة أن الجبروت والظلم على‬ ‫هذه األرض إنما هــو كالفايروس‪ ،‬ينتقل‬ ‫ليظــل التاريخ‬ ‫عبــر الدهــور واألزمــان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وليظــل للمكان‬ ‫معيدًا نفســه باســتمرار‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫دوره الموصل بين األزمنة (أزمنة الدم)‪.‬‬ ‫مادتــه الروائيــة مــن‬ ‫يســتمّد الكاتــب ّ‬ ‫واقعــي حاصــل‪،‬‬ ‫مصدريــن‪ :‬أحدهمــا‬ ‫ّ‬ ‫متوهــم‪ ،‬وهو‬ ‫تاريخــي‬ ‫متخيــل‬ ‫واآلخــر‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫يبتغــي‪ ،‬مــن وراء توظيــف التاريــخ‪،‬‬ ‫‪132‬‬

‫اإلشــهار بالحاضــر‪ ،‬عبــر إعــادة إحيــاء‬ ‫حي ًا‬ ‫الماضــي الغابــر‬ ‫والمنســي‪ ،‬وجعله ّ‬ ‫ّ‬ ‫يؤدي‬ ‫مســتمرًا فــي الحاضــر؛ وهــذا مــا ّ‬ ‫ّ‬ ‫معيدة‬ ‫بالذاكرة إلى أن تعمل ضّد التاريخ‬ ‫ً‬ ‫إنتاجــه من جديــد‪ ،‬كلّــه أو بعضه‪ ،‬وفق‬ ‫خاصــة‪ ،‬إذا علمنــا أن‬ ‫رؤيويــة واقعيــة ّ‬ ‫راه َن على صورة من‬ ‫الكاتب جهــاد مجيد َ‬ ‫صور المدرسة الواقعية‪ ،‬ابتكرها وأطلق‬ ‫نظَر‬ ‫عليها اسم «الواقعية اإليهامية»‪ ،‬وقد َّ‬ ‫تســعينيات القرن‬ ‫نشــرها‬ ‫لها في مقاالت‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫الماضــي‪ ،‬ثم داوم علــى تطبيقها‪ ،‬بأناة‬ ‫وحرص‪ ،‬في أعماله القصصية والروائية‬ ‫كلِّها‪.‬‬ ‫تتحرر أنا الســارد‬ ‫اإليهامية‪،‬‬ ‫وبالواقعية‬ ‫َّ‬ ‫من همومها‪ ،‬وتسوح في التخييل‪ ،‬بعمق‬ ‫متأملــة تجربتهــا باســتعمال‬ ‫ومركزيــة‪ِّ ،‬‬ ‫لمــاض تســتعيده‬ ‫تقانــات االســترجاع‬ ‫ٍ‬ ‫بقســوة‪ ،‬ألجــل تمثُّــل الحاضــر‪ ،‬وكذلك‬ ‫باالستباق الستشراف المستقبل‪.‬‬ ‫وال تكون الذاكرة فردانية شخصانية‪ ،‬بل‬ ‫هي جماعية مســتلّة من تاريــخ الجماعة‬

‫ال الفرد‪« :‬هوذا يومي الســابع في شهري‬ ‫الســابع‪ ،‬في عامي السابع لمكوثي هنا‪..‬‬ ‫لصمودي هنا‪ ،‬بين صرح تليد ضارب في‬ ‫القدم‪ ،‬ومبنًى جديد ينحني مستخزي ًا أمام‬ ‫األول‪ ،‬كالهما َخِل ّي من البشــر‪ّ ،‬إل مني!!‬ ‫َّ‬ ‫أيحق لي‬ ‫مــن منهما أوحــش من اآلخــر؟؟ ّ‬ ‫وأيامي؟ ما حجمها‪ ،‬قياســ ًا‬ ‫ُّ‬ ‫عد شــهوري ّ‬ ‫إلى آالف السنين‪ ،‬أو عشرات اآلالف‪ ،‬بل‬ ‫مما َم َّر‬ ‫مئات اآلالف من الســنين أو أكثر‪ّ ،‬‬ ‫على الكون؟»‪.‬‬ ‫ويحضــر هــذا التــار يخ من خــال عظام‬ ‫رفــات الملــك وزوجتــه وابنتــه‪ ،‬مقترن ًا‬ ‫ذاكرتْيــن‪ :‬األولــى غائــرة فــي‬ ‫بشــروخ‬ ‫َ‬ ‫تغــص‬ ‫ســلب‪v‬ي‪،‬‬ ‫بعــد‬ ‫ذات‬ ‫التاريــخ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بصور الطغيــان والجبروت واالســتبداد‬ ‫والخيانــة‪ ،‬والثانية ذاكــرة جديدة تمحو‬ ‫مســتعيدة مفاهيم مناوئة‬ ‫الذاكــرة األولى‬ ‫ً‬ ‫بالنضــال والثــورة والصــدق‪ ،‬وهــي‬ ‫تحاول أن تغتال تلــك الذاكرة بالعصيان‬ ‫والمقاومة‪.‬‬ ‫وتنتصر ذاكرة الحاضر المستشرف على‬ ‫ذاكرة الماضي المستعاد‪ ،‬من خالل إلغاء‬ ‫الخط الفاصل ما بين الماضي والحاضر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الســيما في فصل خواتيم‪ ،‬ومن َثّم يغادر‬ ‫ّ‬ ‫الســارد الذاتي ذلــك كلّه إلى المســتقبل‪،‬‬ ‫مــن خــال الفصــل االخيــر (داخــل المتن‬ ‫وخارجــه إشــارات) مصــادرًا الذاكــرة‪،‬‬ ‫منتصــرًا عليها لتكون مــرآة جديدة لذاته‬ ‫تحررها في التخييل‬ ‫ِّ‬ ‫المتشــظية التي تجد ُّ‬ ‫ليقــدم‬ ‫كل األزمنــة‪،‬‬ ‫الــذي ينفتــح علــى ّ‬ ‫ِّ‬ ‫حقيقة واحدة هي أن التاريخ َح ّي يعيش‬ ‫بيننــا‪ ،‬يلبــس لبــوس الحاضــر الراهن‪،‬‬ ‫وهو‪ -‬في اآلن نفسه‪ -‬متقنع برؤى الزمن‬ ‫القــادم‪ .‬وفي هذا النمط من التســريد تجد‬ ‫هويتها‪ ،‬وترى نفســها‪ ،‬بوضوح‪،‬‬ ‫الذات َّ‬ ‫لتعرف أن مأســاتها الفردية هي مأســاة‬ ‫العالم‪.‬‬


‫مهرجان كتارا للمحامل التقليدية‬

‫فعالية تراثية فريدة‬ ‫تربط الماضي بالحاضر‬ ‫ُيعد مهرجان كتارا للمحامل التقليدية فعالية تراثية فريدة‪ ،‬تحظى برعاية حضرة صاحب الســمو الشــيخ تميم بن حمد آل ثاني‬ ‫أمير البالد المفدى‪ ،‬وككل عام تعرف تألق ًا وإقبا ًال جماهيرياً‪ ،‬ومشاركة دولية واسعة‪ .‬وال يخفى على المتتبعين أن هذا الحدث‬ ‫الثقافي األصيل استطاع أن يصبح أهم المهرجانات الثقافية والتراثية على المستويات المحلية واإلقليمية والعالمية‪.‬‬ ‫دورة هذا العام‪ ،‬وهي السادســة من عمر المهرجان‪ ،‬والتي شــهدتها الدوحة في نوفمبر الماضي بمشاركة أكثر من ‪ 230‬مشارك ًا‬ ‫ال من مختلف األنواع‪ ،‬تميزت كالعادة بعدة أنشطة‬ ‫من دول مجلس التعاون الخليجي‪ ،‬ومن الهند‪ ،‬إلى جانب مشاركة ‪ 118‬محم ً‬ ‫ومسابقات مرتبطة بالتراث البحري القطري والخليجي بكل تفاصيله المادية والرمزية التي تستعيد ذاكرة هذا التراث كما كان‬ ‫في الماضي‪.‬‬ ‫فعاليــات المهرجــان تقدم فرجة تمتــع الجمهور وتدهش الزائرين‪ ،‬حيث يعــرض المهرجان المحامل التقليديــة‪ ،‬وعروض ًا لفرق‬ ‫ال عن المســابقات كمســابقة الغزل‪ ،‬والحداق والغوص واللفاح والتجديف‪ ،‬باإلضافة إلى مســابقتين تم‬ ‫شــعبية خليجية‪ ،‬فض ً‬ ‫اســتحداثهما في هذه الدورة‪ ،‬وهما مســابقة “تنزيل المحمل” التي تعتمد مقياس الســرعة‪ ،‬ومســابقة “النهمة” التي تحتكم إلى‬ ‫صفاء الصوت وحسن األداء في هذا الشكل الغنائي التراثي‪.‬‬ ‫اختتــم مهرجــان كتــارا للمحامــل التقليدية في ‪ 19‬نوفمبــر الماضي‪ ،‬على وقع اإلعالن عــن وجهة رحلة “فتــح الخير‪ ،”3‬والتي‬ ‫مركزا مهم ًا لتجارة التوابل والذهب والعاج‪.‬‬ ‫المهمة في الســاحل الشــرقي إلفريقيا التي كانت‬ ‫ً‬ ‫ســتكون إلى مومباســا إحدى المدن ّ‬ ‫وشكلت رمزًا للتفاعل الثقافي بين الشعوب الساحلية والعربية واإلفريقية واألوروبية‪.‬‬ ‫وكانت تربط تجارة الهند والصين‪ّ ،‬‬

‫‪133‬‬


‫سينما‬

‫«روحي»‬ ‫هو ّية داخل هو ّيات‬ ‫أوراس زيباوي‬ ‫بـدأت الهجـرة اللبنانيـة فـي النصـف‬ ‫الثانـي مـن القـرن التاسـع عشـر وتكثَّفـت‬ ‫مع بداية القرن العشرين‪ ،‬وخصوص ًا مع‬ ‫بدايـة الحربيـن العالميتيـن‪ ،‬وكان الهدف‬ ‫منهـا توفيـر الخبـز‪ ،‬مسـتلزمات الحيـاة‬ ‫والحرية‪ .‬الهجرة الثانية بدأت مع الحرب‬ ‫ّ‬ ‫األهلية عام ‪ .1975‬إذا كانت الهجرة األولى‬ ‫تمركزت فـي دول األميركيتين والقارة‬ ‫قـد َّ‬ ‫توزعـت‬ ‫اإلفريقيـة فـإن الهجـرة الثانيـة َّ‬ ‫كل مـكان بمـا فـي ذلـك دول أوروبـا‬ ‫فـي ّ‬ ‫الغربية ومنها فرنسـا‪ .‬في كلتا الهجرتين‬ ‫كانـت الهجـرة أشـبه باالقتلاع‪ ،‬وهـي لـم‬ ‫تتـرك أثرهـا فقـط علـى جيـل المهاجريـن‬ ‫األوائـل‪ ،‬بـل علـى األجيـال الالحقـة التـي‬ ‫‪134‬‬

‫سـعى بعـض أفرادهـا إلـى البحـث عـن‬ ‫هويـة مـا‪ .‬ومـن هـؤالء‬ ‫جذورهـم وعـن ّ‬ ‫بعـض الفنانيـن والعامليـن فـي مجالـي‬ ‫السـينما والمسـرح‪ ،‬ومـن أبرزهـم الكاتب‬ ‫معوض الذي‬ ‫والمخرج المسـرحي وجـدي َّ‬ ‫تحضـر الحـرب األهليـة بقـوة فـي نتاجه‪.‬‬ ‫فـي مجـال السـينما هناك اليـوم المخرجة‬ ‫جيهان شعيب التي ُوِلَد ْت في لبنان‪ ،‬لكنها‬ ‫رحلـت عنـه وهـي فـي الثالثـة مـن عمرهـا‬ ‫مع عائلتها إلى المكسـيك بسـبب الحرب‪.‬‬ ‫مـن المكسـيك‪ ،‬حيـث كبـرت‪ ،‬انتقلـت إلى‬ ‫فرنسا في الثمانينيات من القرن الماضي‪،‬‬ ‫تعرفت عن كثب إلى حركة المسـرح‬ ‫حيث َّ‬ ‫والسـينما‪ ،‬كمـا درسـت الفلسـفة واآلداب‬

‫وقامـت بإخـراج مجموعـة مـن األفلام‬ ‫طـل علينـا‬ ‫القصيـرة والوثائقيـة‪ ،‬وهـي ُت ّ‬ ‫اليوم من خالل فيلم روائي طويل بعنوان‬ ‫«روحي» أو «‪ »Go Home‬سيعرض قريب ًا‬ ‫فـي باريس وسويسـرا وبلجيـكا ولبنان‪.‬‬ ‫فـي فيلـم «روحـي» تـروي جيهـان‬ ‫شـعيب‪ ،‬وهـي أيضـ ًا كاتبـة نـص الفيلم‪،‬‬ ‫سـيرة الشـابة نـدى التـي تـؤدي دورهـا‬ ‫النجمـة اإليرانيـة المقيمـة فـي باريـس‬ ‫جولشـيفته فراهانـي‪ ،‬والتـي حازت على‬ ‫جوائز عّدة في مهرجانات عالمية مختلفة‪،‬‬ ‫كمـا أنهـا شـاركت الممثـل ليونـاردو دي‬ ‫كابريـو فيلـم «كتلـة أكاذيـب» مـن إخـراج‬ ‫ريدلي سكوت عام ‪ .2008‬النجمة اإليرانية‬


‫قامـت أيضـ ًا ببطولـة فيلـم «حجـر الصبر»‬ ‫مـن إخـراج الكاتـب والسـينمائي األفغاني‬ ‫سـتوحى من‬ ‫عتيق رحيمي‪ .‬وهذا الفيلم ُم‬ ‫َ‬ ‫الرواية التي تحمل االسم نفسه لرحيمي‪،‬‬ ‫وقـد حـازت على جائزة «غونكور»‪ ،‬أرفع‬ ‫الجوائـز األدبيـة الفرنسـية‪ ،‬عـام ‪.2008‬‬ ‫يبـدأ فيلـم «روحـي» مـع عـودة نـدى‬ ‫المهاجرة إلى بيت عائلتها في إحدى القرى‬ ‫الجبليـة القريبـة من بيـروت‪ .‬البيت مبني‬ ‫علـى الطـراز القديـم‪ ،‬وعمارتـه ُتعّد معلم ًا‬ ‫دمـر بسـبب‬ ‫وم َّ‬ ‫أثريـاً‪ ،‬لكـن البيـت مهجـور ُ‬ ‫مـرت مـن هنـاك‪،‬‬ ‫الحـرب األهليـة التـي َّ‬ ‫أما‬ ‫والميـاه‪،‬‬ ‫الكهربـاء‬ ‫وقـد انقطعـت عنـه‬ ‫ّ‬ ‫مكب ًا‬ ‫حديقته فقد صارت في غياب سكانه َّ‬ ‫للنفايات‪.‬‬ ‫ليلا إلى المنـزل المهجور‪،‬‬ ‫تصـل نـدى ً‬ ‫تجر حقيبتها‬ ‫حيث ذكريات الطفولة‪ .‬نراها ّ‬ ‫وتقرر البقاء فيه على الرغم‬ ‫وتدخـل إليـه‬ ‫ِّ‬ ‫من عزلتها وعدم تواصلها مع أهل القرية‪.‬‬ ‫منذ الليلة األولى التي تمضيها على ضوء‬ ‫الشـموع بسـبب انقطـاع الكهربـاء‪ ،‬تبـدأ‬ ‫مغامرتهـا في الغوص فـي الذكريات بحث ًا‬ ‫كن لها حب ًا كبيرًا‬ ‫عن جثة جدها الذي كان ُي ّ‬ ‫وقـد اختفـى فـي الحـرب األهليـة‪ .‬تتوالـى‬ ‫األيـام وتلتقي ببعض أهالي القرية الذين‬ ‫ال يريدون أن يبوحوا لها بالحقيقة‪ ،‬لكنها‬ ‫بدل من موقفها وترفض موقف شقيقها‬ ‫ال ُت َّ‬ ‫الذي يأتي ليزورها وهو يسـعى‪ ،‬بإيعاز‬ ‫مـن والدهمـا‪ ،‬إلى بيع البيت لطي صفحة‬ ‫الماضي المجهول‪.‬‬ ‫طـوال الفيلـم تبـدو نـدى كبطلـة مـن‬ ‫بطلات التراجيديـا اليونانيـة القديمـة‪،‬‬ ‫فهـي ثائـرة ضـد أسـرتها وضـد أهالـي‬ ‫القريـة الذيـن يختصـرون شـريحة مهمـة‬ ‫مـن المجتمـع اللبنانـي غيـر القـادرة علـى‬ ‫مراجعـة الماضي لطـي صفحته والتطلع‬ ‫نحو المستقبل‪ .‬آالف الضحايا والمفقودين‬ ‫الذين لم يعثر أهلهم على جثثهم‪ .‬مجرمو‬ ‫الحـرب لـم يحاكمـوا كأن هناك قـرارًا غير‬ ‫كل العنـف الـذي‬ ‫معلـن بالتكتـم وإنـكار ّ‬ ‫مارسـه أهـل البلـد الواحـد بحـق بعضهـم‬ ‫البعـض‪ .‬تأتـي نـدى مـن المهجـر لتفضـح‬ ‫الكذب الجماعي ومشاعر الكراهية وهيمنة‬ ‫المصالـح التجاريـة والطائفيـة والتقاليـد‬ ‫الباليـة والنظـرة الدونيـة إلـى المـرأة‪.‬‬ ‫ترفض ندى هذا الواقع وتقول منذ البداية‬ ‫«هـذا بيتـي ولـن أغـادر»‪ .‬نراهـا تسـتعيد‬ ‫ببـراءة الطفولـة ذكريـات الماضـي فتعثر‬

‫علـى بعـض «الكنـوز» المتمثِّلـة ببعـض‬ ‫أشـياء الطفولـة التي كانـت ال تزال مرمية‬ ‫هـدم‪ .‬كذلـك نراهـا‬ ‫الم َّ‬ ‫ومهملـة فـي المنـزل ُ‬ ‫غيـر مباليـة بمـا يقولـه أهـل القريـة عنهـا‬ ‫ودعوتهـم إليهـا بالرحيـل‪ ،‬فتتابع النبش‬ ‫فـي تـراب الحديقـة بحثـ ًا عـن جثـة جدهـا‬ ‫المفقـود‪ .‬ونتسـاءل معهـا طـوال الفيلـم‪:‬‬ ‫هـل كان جدهـا ضحيـة العنـف األهلي كما‬ ‫تعتقـد؟ أم كان مجـرم حـرب فُأجبـر علـى‬ ‫الرحيـل عـن القريـة؟!‬ ‫من األكيد أن هناك نقاط ًا عديدة تجمع‬ ‫بيـن المخرجـة جيهـان شـعيب وبطلتهـا‬

‫عـرض الفيلـم فـي باريس وجـد الكثيرون‬ ‫مـن لبنانيي الهجرة أنفسـهم فـي حوارات‬ ‫الفيلـم التـي عكسـت تناقضـات المجتمـع‬ ‫اللبنانـي الحـادة‪ ،‬حيـث تمتـزج عناصـر‬ ‫الجمـال والفـرح والرقة مـع العنف والقتل‬ ‫التعصـب والحقـد األعمى‪.‬‬ ‫ومظاهـر‬ ‫ُّ‬ ‫هويات كثيرة‬ ‫تعنـي‬ ‫ا‬ ‫لبنانيـ‬ ‫تكـون‬ ‫أن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وكل مهاجر يشـعر بأنه لبناني‬ ‫ومتنوعة ّ‬ ‫ِّ‬ ‫على طريقته وحسب تجاوبه مع ماضيه‬ ‫وتجربته الشخصية في داخل الوطن وفي‬ ‫الخارج‪ .‬تختصـر جيهـان شـعيب عالقتهـا‬ ‫بوطنهـا األم بقولهـا‪« :‬صلتـي بلبنـان‬

‫ندى‪ .‬االثنتان غادرتا لبنان وهما طفلتان‬ ‫وعادتـا إليـه فـي سـن الشـباب بحثـ ًا عـن‬ ‫هوية ولغة ضاعتا في الهجرة‪ .‬تقول لنا‬ ‫ّ‬ ‫المخرجـة إنهـا كانـت تفكر فـي إنجاز فيلم‬ ‫«روحي»‪ ،‬وهو فيلمها الروائي األول‪ ،‬كما‬ ‫أشـرنا‪ ،‬منـذ أكثـر مـن عشـر سـنين‪ ،‬لكـن‬ ‫حرب عام ‪ 2006‬التي ألحقت دمارًا كبيرًا‬ ‫بلبنـان جعلتهـا تتراجـع عـن مشـروعها‪،‬‬ ‫وبـد ًال مـن الفيلـم الروائـي أنجـزت عـام‬ ‫‪ 2012‬فيلمهـا الوثائقـي الطويـل‪ ،‬وكان‬ ‫بعنـوان «البلـد الحلـم»‪ .‬روت فيـه سـيرة‬ ‫أربعة لبنانيين في المهجر‪ ،‬وهم‪ :‬المخرج‬ ‫معوض والصحافية كاتيا‬ ‫والكاتب وجدي َّ‬ ‫جرجورة وشقيقتها الراقصة ندى شعيب‬ ‫والمخرج باتريك شـيحا‪ .‬ونسـتمع طوال‬ ‫الفيلـم إلـى شـهادات هـؤالء وتجربتهـم‬ ‫فـي االغتـراب والبحـث عـن الجـذور‪ .‬عنـد‬

‫نسجتها الذكريات‪ ،‬الحكايات‪ ،‬األحاسيس‬ ‫واالستيهامات المختلفة‪ .‬ولدت هناك لكن‬ ‫مـكان آخـر‪ .‬أعـود إلـى لبنـان‬ ‫أعيـش فـي‬ ‫ٍ‬ ‫المتخيل وإحدى‬ ‫وال ُأقيـم فيـه‪ .‬إنه وطني‬ ‫ّ‬ ‫هوياتـي»‪ .‬فـي فيلمـي «روحـي» يحضـر‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كأصـل مـن أصـول أخـرى تمامـ ًا‬ ‫لبنـان‬ ‫كما أنا»‪ .‬وبالفعل‪ ،‬تتزاوج في هذا الفيلم‬ ‫متنوعـة شـرق ًا وغرباً‪،‬‬ ‫إيحـاءات وعوالـم ِّ‬ ‫ّية من‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫أعمـال‬ ‫إيحـاءات‬ ‫كمـا تمتـزج فيـه‬ ‫َّ‬ ‫هنـا وهنـاك‪ ،‬ومشـاهد طبيعيـة تتمـرأى‬ ‫الواحدة في األخرى مع اختالف المناطق‬ ‫الجغرافيـة‪ .‬يتبـّدى أيضـ ًا فـي الفيلم كيف‬ ‫تشوش على أشياء‬ ‫ّ‬ ‫أن هواجسنا الداخلية ّ‬ ‫الواقـع وتطفـو فوقـه‪ ،‬فلا يعـود الواقـع‬ ‫متلونـ ًا بألـوان‬ ‫موضوعيـ ًا فحسـب‪ ،‬بـل ّ‬ ‫الخاصـة وأحالمهـا ورؤاها‪.‬‬ ‫الـذات‬ ‫ّ‬ ‫‪135‬‬


‫«آرك» آلة االنتصار‬ ‫التكرار واحلدث املتوقع أفسدا األحجية‬

‫أحمد ثامر جهاد‬ ‫رغـم أن فيلـم (‪ ،)ARQ-2016‬للمخـرج‬ ‫«توني ايليوت»‪ ،‬الذي يتواصل عرضه في‬ ‫صـاالت السـينما العالميـة‪ُ ،‬يصنـف كفيلـم‬ ‫خيـال علمـي‪ّ ،‬إل أنـه قـد خلا‪ -‬تقريبـاً‪ -‬من‬ ‫كل مـا اعتدنـا مشـاهدته فـي هـذا النـوع مـن‬ ‫ّ‬ ‫ثمـة مختبـرات علمية إلنتاج‬ ‫األفلام‪ .‬ليـس ّ‬ ‫متطورة تجوب‬ ‫كائنات خارقة‪ ،‬ال مركبات‬ ‫ِّ‬ ‫الفضـاء الخارجـي‪ ،‬ال نـداء اسـتغاثة مـن‬ ‫غربـاء بعيديـن‪ ،‬وال هبـوط مزعومـ ًا علـى‬ ‫سـطح كوكـب مجهول‪.‬‬ ‫إننـا أسـوة بأبطـال الفيلم أسـرى مكان‬ ‫محدود سـتجري فيه األحداث الغريبة كلها‬ ‫علـى مـدى سـاعة ونصـف السـاعة تقريباً‪.‬‬ ‫غـرف صغيـرة معتمـة‪ ،‬جـدران كالحـة‬ ‫كل مـا نشـاهده فـي‬ ‫وممـرات ضيقـة هـي ّ‬ ‫مسار األحداث بتأثيثها الصوري المتقشف‪،‬‬ ‫ولـم يكـن ذلـك المـكان االفتراضي بسـماته‬ ‫الواقعيـة العيانيـة عائقـ ًا أمـام شـحذ خيال‬ ‫المتفرجين بدراما سينمائية بدت أقرب إلى‬ ‫بنيـة الحلـم أو الفرضيـة غيـر المنطقيـة‪،‬‬ ‫(كل مشـاهد الفيلم‬ ‫بـل إن محدوديـة المـكان ّ‬ ‫اعتمدت التصوير الداخلي باسـتثناء مشـهد‬ ‫واحد في الدقائق األخيرة منه)‪ ،‬أسهمت في‬ ‫محتملا بوصفه‪-‬‬ ‫جعـل الحـدث الالمعقول‬ ‫ً‬ ‫قـل تقديـر‪ -‬تجربـة ذاتيـة اجترحهـا‬ ‫علـى َأ ّ‬ ‫العقل الباطن الذي تتنازعه هواجس القلق‬ ‫واإليـذاء‪ ،‬وكـذا التـوق إلـى خلاص نهائـي‬ ‫في عالم مستقبلي منذور للفناء‪ .‬رغم ذلك‬ ‫قدم فيلم (آرك) ثيمة جديدة مقارنة مع‬ ‫ال ُي ِّ‬ ‫أفالم سابقة‪ ،‬لكنه يحاول أن يمنح حكايته‬ ‫‪136‬‬

‫شـكل أحجية سينمائية تتالعب بإدراكاتنا‬ ‫للزمن‪ ،‬البوابة المثيرة التي ستتطلب صبرًا‬ ‫المتفـرج حتى ينجلـي غموضها‪.‬‬ ‫مـن‬ ‫ِّ‬

‫المشهد األحجية‬ ‫تصرفـت بطريقـة‬ ‫يقـول رينتـون «إذا‬ ‫َّ‬ ‫مـرة‪ ،‬فلا تأمـل بالحصـول‬ ‫مماثلـة فـي ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫علـى نتائـج مختلفـة»‪ .‬ففـي بنيـة سـردية‬ ‫تعتمـد تكـرار الحـدث ومـزج الواقعـي‬ ‫باالفتراضـي‪ ،‬يفيق رينتـون (روبي آميل)‬ ‫المرة‬ ‫مـن نومـه مذعـوراً‪ -‬ال نعرف ممن في ّ‬

‫األولـى‪ -‬يلتفـت إلـى يسـاره ليطمئـن علـى‬ ‫سلامة هانـا (رتشـيل تايلـور)‪ .‬للحظـات‬ ‫تراءى لـ(رينتون) أن ثالثة مسلحين ملثمين‬ ‫سـيقتحمون الغرفـة مـن بابهـا الموصـد‬ ‫قبالتـه‪ ،‬ويقتادونـه مـع رفيقتـه إلـى غرفة‬ ‫كئيبـة واسـعة للتحقيـق معهمـا حـول سـر‬ ‫تتحكـم بالزمن تدعى‬ ‫التحكـم بآلـة مبتكـرة‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫محى الذكريات‪ ،‬ومن‬ ‫ت‬ ‫تعمل‬ ‫حينما‬ ‫(آرك)‪،‬‬ ‫ُ َ‬ ‫يمتلكهـا ينتصـر فـي الحـرب‪ .‬بعـد أن يصل‬ ‫المشـهد إلـى ذروتـه يصحو رينتـون مجددًا‬ ‫ويحـدق فـي بـاب الغرفـة الذي سـيكون من‬ ‫مـرة‬ ‫المرجـح أن المسـلحين سـيقتحمونه ّ‬ ‫أخـرى‪ ،‬ليطابـق مجـرى األحـداث‪ -‬فـي‬ ‫الغالـب‪ -‬رؤى رينتـون وهواجسـه‪.‬‬ ‫كلمـا يصحـو رينتـون ُيـدرك أن أمـرًا‬ ‫سـيئ ًا سـيحصل قبـل أن يسـمح لـه الوقـت‬ ‫بتداركـه‪ .‬ومـا هـو متوقـع يحصـل بالفعل‪:‬‬ ‫مـرة‪ ،‬شـّد‬ ‫دخـول المسـلحين كمـا فـي ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫وثـاق رينتـون وهانـا والتحقيـق معهما ثم‬ ‫محاولـة فـك وثاقهمـا والهرب غيـر المجدي‬ ‫في متاهة المكان ذاته‪ .‬ستحتاج الشخصية‬ ‫الرئيسـية هنـا إلـى القـدرة علـى اسـترجاع‬ ‫الحـدث (االفتراضـي‪ -‬إذا صـح القـول)‬ ‫والبحـث عـن ثغـرات فيـه للتدخـل واقعيـ ًا‬ ‫وحرف مسار األحداث لزيادة فرص النجاة‪.‬‬ ‫تتنبأ الشـخصيتان الرئيسـيتان بمصيرهما‬ ‫وتريان ذلك جلياً‪ ،‬وفي صحوهما سـنرى‬ ‫مـا شـهدناه فـي المنـام دون أن يضعنـا‬ ‫الفيلـم أمـام عناصـر بينة بيـن الواقعين أو‬ ‫الصورتيـن‪.‬‬


‫وحيث تفيق هانا في آخر مشاهد الفيلم‬ ‫فيما يغط رفيقها رينتون في نومه‪ ،‬سيبدو‬ ‫لنـا أنهـا لعبة شـّد متواصل وتبـادل مواقع‬ ‫تتطلَّب من المتلقي االنتباه جيداً‪ ،‬وتضغط‬ ‫فـي الوقـت ذاتـه علـى حواسـه التـي تنشـد‬ ‫تسلسلا منطقي ًا لألحداث‪ .‬ربما أن المسـار‬ ‫ً‬ ‫المعقـول والمتوقَّـع بحـّد ذاتـه ُيعـّد مفسـدة‬ ‫للحكايـة كلهـا فـي هـذا النمـط مـن القصص‬ ‫فالمهم هنا هو ولوج األحجية‬ ‫السينمائية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الغامضـة مـن بوابتها المثيـرة‪ ،‬وانتظار ما‬ ‫ستسـفر عنـه حركـة السـرد الصاعـدة مـن‬ ‫ّية‪.‬‬ ‫مفاجآت لها شـحنتها العاطفيـة َ‬ ‫والفنّ‬ ‫إخفاقـات ِعـّدة سـتواجه رينتون‪ ،‬ليس‬ ‫أقلَّهـا صعوبـة وصدمـة اكتشـافه تواطـؤ‬ ‫صديقتـه هانـا مـع المسـلحين وميولهـا‬ ‫العاطفيـة تجـاه أحدهـم جـراء هجرانـه لهـا‬ ‫فـي فتـرات سـابقة‪.‬‬ ‫درامـا كابوسـية مركبـة مـن هـذا النـوع‬ ‫بقدر ما تحاول خلق مستوى من التشويق‬ ‫والفضول لدى المشاهد