Page 1


‫ ‬

‫ ‬

‫جل الفارس‬ ‫‪ ...‬وتر ّ‬

‫رئيس التحرير‬

‫فـالــح بن حســـين الهـاجـــري‬ ‫مدير التحرير‬

‫خـــالد العــودة الفـضـــلي‬ ‫التحرير‬

‫محـســن العـتيقـي‬ ‫اإلخراج والتنفيذ‬

‫عمرو الكفراوي‬ ‫رشا أبوشوشة‬ ‫هـــنـد آلبنسعيد‬ ‫فلوه الهاجري‬

‫جميــع المشــاركات ترســل باســم رئيــس‬ ‫التحريــر ويفضــل أن ترســل عبــر البريــد‬ ‫االلكترونــي للمجلــة أو علــى قــرص مدمــج‬ ‫فــي حــدود ‪ 1000‬كلمــة علــى العنــوان اآلتــي‪:‬‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022295 :‬‬ ‫تليفون ‪ -‬فاكس ‪)+974( 44022690 :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 22404 :.‬الدوحة ‪ -‬قطر‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪editor-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪aldoha_magazine@yahoo.com‬‬

‫مكتب القاهرة‪:‬‬ ‫وحيد الطويلة‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪aldoha.cairo@gmail.com‬‬

‫المــواد المنشــورة فــي المجلــة ُتعبِّــر عــن‬ ‫عبــر بالضــرورة عــن رأي‬ ‫آراء كتّابهــا وال ُت ِّ‬ ‫ـرد‬ ‫الــوزارة أو المجلــة‪ .‬وال تلتــزم المجلــة بـ ّ‬ ‫أصــول مــا ال تنشــره‪.‬‬

‫فقـــدت دولـــة قطـــر وا ُألّمتـــان العربيـــة واإلســـامية أحـــد رموزهـــا‬ ‫همـــة فـــي المنطقـــة والعالـــم‪ ،‬ففـــي الثالـــث‬ ‫وحاكمـــ ًا عاصـــر مرحلـــة ُم ّ‬ ‫والعش ــرين م ــن أكتوبر‪/‬تش ــرين األول الماض ــي انتق ــل إل ــى رحم ــة اهلل تعال ــى‬ ‫صاح ــب الس ــمو األمي ــر األب الش ــيخ خليف ــة ب ــن حم ــد آل ثان ــي‪ ،‬الحاك ــم األس ــبق‬ ‫ٍ‬ ‫لدولـــة قطـــر (‪ ،)1995 - 1972‬الـــذي قـــاد الســـفينة فـــي‬ ‫مرحلـــة صعبـــة للغايـــة‪،‬‬ ‫وه ــو ال ــذي أعل ــن اس ــتقال دول ــة قط ــر ف ــي الثال ــث م ــن س ــبتمبر‪/‬أيلول ‪1971‬م‪،‬‬ ‫والتطـــور‪ ،‬الـــذي شـــهدته جميـــع‬ ‫وأرســــــى ا ُألســـس التـــي قـــام عليهـــا البنـــاء‬ ‫ُّ‬ ‫القطاعـــات فـــي النصـــف الثانـــي مـــن القـــرن الماضـــي‪.‬‬ ‫ال يتســـع المجـــال للحديـــث عـــن إنجازاتـــه ومواقفـــه‪ ،‬ال ســـيما أن التاريـــخ‬ ‫ســـطرها بمـــاء الذهـــب‪ ،‬ولـــن‬ ‫نتحـــدث عـــن دعمـــه لقضايـــا األمتيـــن العربيـــة‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫واإلســـامية‪ ،‬وسياســـته الدوليـــة التـــي اّتســـمت باالتـــزان والعقانيـــة مـــع الـــدول‬ ‫ـــت بـــه دولـــة قطـــر علـــى الصعيـــد‬ ‫الشـــقيقة والصديقـــة‪ ،‬واالحتـــرام الـــذي َح ِظَي ْ‬ ‫العالمـــي‪ ،‬بـــل سنســـتذكر النهضـــة الثّقافيـــة والعلميـــة واإلعاميـــة والرياضيـــة‪،‬‬ ‫ســـموه‪ -‬رحمـــه اهلل‪ -‬منـــذ توليـــه مقاليـــد الحكـــم‪.‬‬ ‫التـــي أشـــرف عليهـــا‬ ‫ّ‬ ‫ـزة نوعي ــة ف ــي المس ــار الثّقاف ــي واإلعام ــي‬ ‫ش ــهدت الدول ــة نهض ـ ًـة كبي ــرة وقف ـ ً‬ ‫والتعليمــي والرياضــي‪ ،‬وذلــك بعــد أن وضــع الشــيخ خليفــة‪ -‬رحمــه اهلل‪ -‬ا ُألســس‬ ‫والقواعـــد التـــي انطلقـــت منهـــا النهضـــة‪ ،‬منهـــا صـــروح عالميـــة‬ ‫تطـــورت منـــذ‬ ‫َّ‬ ‫إنش ــائها حت ــى وصل ــت الي ــوم إل ــى الِق َّم ــة‪ .‬فمجل ــة «الدوح ــة» ف ــي س ــبعينيات الق ــرن‬ ‫الماضـــي كانـــت حـــال العـــرب ولســـانهم الثّقافـــي‪ ،‬وعلـــى الرغـــم مـــن أنهـــا كانـــت‬ ‫ومؤث ــراً‪ ،‬وكان ِ‬ ‫ِّ‬ ‫للح ــراك ال ــذي أحدثت ــه تأثي ـ ٌـر‬ ‫ورقي ــة‪ّ ،‬إال أن انتش ــارها كان واس ــع ًا‬ ‫ّ‬ ‫تابع ــة ف ــي العواص ــم العربي ــة وف ــي‬ ‫كبي ـ ٌـر ف ــي الس ــاحة الثّقافي ــة العربي ــة‪ ،‬وكان ــت ُم َ‬ ‫المناط ــق البعي ــدة‪ ،‬وعن ــد تأخره ــا كان الس ــؤال يس ــبق الس ــام ف ــي نق ــاط التوزي ــع‪،‬‬ ‫بـــل وصـــل األمـــر إلـــى حجزهـــا مـــن محـــال التوزيـــع قبـــل وصولهـــا‪ ،‬وكانـــت‬ ‫المطبوع ــة الثّقافي ــة القطري ــة الوحي ــدة المتس ـّـيدة ف ــي الس ــاحة العربي ــة‪.‬‬ ‫وفـــي الفتـــرة نفســـها ُأنشـــئ مســـرح قطـــر الوطنـــي‪ ،‬وكان الدعـــم للفـــرق‬ ‫المســـرحية كبيـــراً‪ ،‬وكان ِ‬ ‫ا مختلـــف مجـــاالت‬ ‫الحـــراك حينهـــا واضحـــ ًا وشـــام ً‬ ‫الثّقافـــة‪.‬‬ ‫ـح‬ ‫ـ‬ ‫واض‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫تأثي‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫قط‬ ‫ـون‬ ‫ـ‬ ‫وتليفزي‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫إلذاع‬ ‫كان‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫اإلعام‬ ‫ر‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫بالتط‬ ‫ـق‬ ‫ـ‬ ‫يتعل‬ ‫ـا‬ ‫وفيم ـ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ـور‬ ‫ـ‬ ‫التط‬ ‫وكان‬ ‫ـبعينيات‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الس‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫وأوائ‬ ‫ـتينيات‬ ‫ـ‬ ‫الس‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫أواخ‬ ‫ـث‬ ‫ـ‬ ‫الب‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫بداي‬ ‫ـذ‬ ‫ـ‬ ‫من‬ ‫ـة‬ ‫تابع ـ‬ ‫ُّ‬ ‫وم َ‬ ‫ُ‬ ‫فيهم ــا كبي ــراً‪ ،‬حت ــى أصبح ــا م ــن أب ــرز وس ــائل اإلع ــام ف ــي المنطق ــة‪.‬‬ ‫قفـــزة‬ ‫وشـــهد عهـــد الشـــيخ خليفـــة‪ -‬رحمـــه اهلل‪-‬‬ ‫نوعيـــة فـــي التعليـــم‪ ،‬فأمـــر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بإنشـــاء المـــدارس باختـــاف مراحلهـــا‪ ،‬ووضـــع أهـــم لبنـــة فـــي تاريـــخ التعليـــم‬ ‫ّيـــة ال يتجـــاوز عـــدد طابهـــا‬ ‫فـــي قطـــر‪ ،‬وهـــي جامعـــة قطـــر‪ ،‬وبعـــد أن كانـــت كلّ‬ ‫‪ 150‬طالبــاً‪ ،‬أصبح ــت اآلن تض ــم اآلالف م ــن الط ــاب والطالب ــات م ــن أبن ــاء الوط ــن‬ ‫وأبنـــاء الـــدول الشـــقيقة والصديقـــة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـر‬ ‫ـت الرياض ــة بدع ـ ٍـم كبي ـ‬ ‫ـموه‪ -‬رحم ــه اهلل‪ -‬وف ــي عه ــده ُأنش ــئت‬ ‫كم ــا َح ِظَي ـ ْ‬ ‫ّ‬ ‫نـــواة لمشـــاريع رياضيـــة عالميـــة‪،‬‬ ‫ماعـــب علـــى أعلـــى المســـتويات‪ ،‬وأصبحـــت‬ ‫ً‬ ‫كاس ــتاد خليف ــة الدول ــي ال ــذي ُأنش ــئ منتص ــف الس ــبعينيات‪ ،‬كم ــا كان هن ــاك دع ـ ٌـم‬ ‫لألندي ــة الرياضي ــة الت ــي حقّق ــت نجاح ــات عل ــى المس ــتويين العرب ــي واإلقليم ــي‪.‬‬ ‫ـورًا كبي ــراً‪ ،‬وأكم ــل المس ــيرة‬ ‫ـورت الدول ــة ف ــي عه ــد الش ــيخ خليف ــة تط ـ ُّ‬ ‫لق ــد تط ـ َّ‬ ‫مـــن بعـــده صاحـــب الســـمو األميـــر الوالـــد الشـــيخ حمـــد بـــن خليفـــة آل ثانـــي‪،‬‬ ‫وحض ــرة صاح ــب الس ــمو الش ــيخ تمي ــم ب ــن حم ــد آل ثان ــي أمي ــر الب ــاد المف ــدى‪،‬‬ ‫حت ــى أصبح ــت دول ــة قط ــر ِقبل ـ ًـة للرياض ــة والعل ــم والتعلي ــم واإلع ــام والثّقاف ــة‪.‬‬ ‫رح ــم اهلل صاح ــب الس ــمو األمي ــر األب الش ــيخ خليف ــة‪ ،‬وعزاؤن ــا لس ــمو األمي ــر‪،‬‬ ‫واألميـــر الوالـــد‪ ،‬ولألســـرة الحاكمـــة‪ ،‬وللشـــعب القطـــري‪ ،‬ونســـأل اهلل أن‬ ‫يتغمـــد‬ ‫َّ‬ ‫قدم ــه لوطن ــه وأمت ــه‪.‬‬ ‫عم ــا َّ‬ ‫فقيدن ــا الكبي ــر بواس ــع رحمت ــه‪ ،‬وأن يجزي ــه خي ــر الج ــزاء ّ‬

‫رئيس التحرير‬


‫الغالف‪:‬‬

‫مجان ًا مع العدد‪:‬‬

‫ثــقــافـيـة شــــهــريــة‬

‫العدد‬

‫‪109‬‬

‫السنة التاســعة ‪ -‬العـدد مئة وتسعة‬ ‫صفر ‪- 1438‬نوفمبر ‪2016‬‬

‫تصدر عن‬ ‫إدارة البحوث والدراسات الثقافية‬

‫وزارة الثقافة والرياضة‬

‫لوحة غاف المجلة‪:‬‬ ‫رينيهالفنّان‬ ‫الشرق‬ ‫ماجريت‬

‫الـــدوحــــة ‪ -‬قـــــطــــر‬

‫صورة الغاف‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫جلجامش‬ ‫تمثال‬

‫د‪.‬زكي نجيب محمود‬

‫صدر العدد األول في نوفمبر ‪ ،1969‬وفي يناير ‪ 1976‬أخــذت توجهها العربي واستمرت‬ ‫فــي الــصــدور حــتــي يــنــايــر ع ــام ‪ 1986‬لتستأنف الــصــدور مــجــددًا فــي نوفمبر ‪.2007‬‬ ‫توالى على رئاسة تحريرالدوحة إبراهيم أبو ناب‪ ،‬د‪ .‬محمد إبراهيم الشوش و رجاء النقاش‪.‬‬

‫االشتراكات السنوية‬ ‫داخل دولة قطر‬ ‫األفراد‬ ‫الدوائر الرســمية‬

‫‪ 120‬ريــا ًال‬ ‫‪ 240‬ريا ًال‬

‫خارج دولة قطر‬ ‫دول الخليــج العربــي‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫باقــــــي الدول العربية‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 75‬يورو‬

‫أمـــــــــــــــــــيــــركـــــــا‬

‫‪ 100‬دوالر‬

‫كــــنــــدا وأسترالــــيا‬

‫‪ 150‬دوالرًا‬

‫الموقع اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪www.aldohamagazine.com‬‬

‫التوزيع واالشتراكات‬

‫‪4‬‬

‫تقارير‬

‫تليفون ‪)+974( 44022338 :‬‬ ‫فـاكـس ‪)+974( 44022343 :‬‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪distribution-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪doha.distribution@yahoo.com‬‬

‫الشؤون المالية واإلدارية‬ ‫‪finance-mag@moc.gov.qa‬‬

‫ترســـل قـيمة االشـــتراك بموجـب حـــوالة‬ ‫مصــــرفية أو شــــيك بالريـال القــطــري‬ ‫باسـم وزارة الثقافـة والرياضـة علـى‬ ‫عنـوان المجلـة‪.‬‬

‫الموزعون‬

‫والمتحـول‪(......‬نواكشوط‪-‬عبد اهلل ولد محمدو)‬ ‫الحوار الموريتاني‪ ..‬الثـابت‬ ‫ِّ‬ ‫تشخيص األحوال الثّقافية في تونس‪( ...............‬تونس‪-‬عبداهلل بن محمد)‬ ‫مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة‪..‬عودة حذرة‪(..............‬القاهرة‪-‬أحمد ندا)‬ ‫عزز حضورها العربي ‪( .............‬الدوحة‪ -‬طه عبدالرحمن)‬ ‫جائزة «كتارا» للرواية‬ ‫العربية ُت ِّ‬ ‫ّ‬ ‫المثقَّف المغربي في الحملة!‪( ..........................‬الرباط‪-‬عبدالحق ميفراني)‬ ‫أفضل مئة فيلم‪..‬القائمة بين المنهج والذائقة‪( ............‬باريس‪-‬أمجــد جمال)‬

‫الحدث‬

‫للمغني‪..‬هل ُيعّد ما كتبه بوب ديالن أدباً؟ ‪( ....‬جون جورجنسين وأنَّا راسيل)‬ ‫نوبل‬ ‫ِّ‬ ‫غير بوب ديالن حقبة الستينيات والثّقافة األميركية؟‪(..‬ترجمة‪:‬أنور الشامي)‬ ‫كيف َّ‬

‫استطالع‬

‫وكيل التوزيع في دولة قطر‪:‬‬

‫قضية‬

‫وكاء التوزيع في الخارج‪:‬‬

‫األسعار‬ ‫دولة قطر‬ ‫مملكة البحرين‬

‫‪ 10‬رياالت‬

‫الجمهورية اللبنانية‬

‫دينار واحد‬

‫الجمهورية العراقية‬

‫اإلمارات العربية المتحدة‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫سلطنة عمان‬

‫‪ 800‬بيسة‬

‫دولة الكويت‬ ‫المملكة العربية السعودية‬ ‫جمهورية مصر العربية‬ ‫الجماهيرية العربية الليبية‬ ‫الجمهورية التونسية‬ ‫الجمهورية الجزائرية‬ ‫المملكة المغربية‬ ‫الجمهورية العربية السورية‬

‫دينار واحد‬ ‫‪ 10‬رياالت‬ ‫‪ 3‬جنيهات‬ ‫‪ 3‬دنانير‬ ‫‪ 2‬دينار‬ ‫‪ 80‬دينارًا‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 80‬ليرة‬

‫‪ 3000‬ليرة‬ ‫‪ 3000‬دينار‬

‫المملكة األردنية الهاشمية‬

‫‪ 1.5‬دينار‬

‫جمهورية السودان‬

‫‪ 1.5‬جنيه‬

‫موريتانيا‬

‫‪ 100‬أوقية‬

‫الجمهورية اليمنية‬

‫فلسطين‬

‫‪ 150‬ريا ًال‬

‫‪ 1‬دينار أردني‬

‫الصومال‬

‫‪ 1500‬شلن‬

‫بريطانيا‬

‫‪ 4‬جنيهات‬

‫دول االتحاد األوروبي‬ ‫الواليات المتحدة األميركية‬ ‫كندا واستراليا‬

‫‪ 4‬يورو‬ ‫‪ 4‬دوالرات‬ ‫‪ 5‬دوالرات‬

‫‪27‬‬

‫الكتابة عن الثورة الجزائرية‪( ................................‬نوارة لحرش)‬ ‫الرواية العربية وأفق العالمية‪( ...............................‬سعيد بوكرامي)‬

‫دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة ‪ -‬ت‪ 44557810 :‬فاكس‪44557819 :‬‬

‫المملكة العربية السعودية ‪ -‬الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع ‪ -‬الرياض‪ -‬ت‪0096614871262 :‬‬ ‫ فاكــس‪ /0096614870809 :‬مملكــة البحريــن ‪ -‬مؤسســة الهــال لتوزيع الصحــف ‪ -‬المنامة ‪-‬‬‫ت‪ - 007317480800 :‬فاكــس‪/007317480819 :‬دولــة اإلمارات العربية المتحدة ‪ -‬المؤسســة‬ ‫العربيــة للصحافــة واإلعــام ‪ -‬أبــو ظبــي ‪ -‬ت‪ - 4477999 :‬فاكس‪ /4475668 :‬ســلطنة ُعمان‬ ‫ مؤسســة ُعمان للصحافة واألنباء والنشــر واإلعان ‪ -‬مســقط ‪ -‬ت‪ - 009682493356 :‬فاكس‪:‬‬‫‪ /0096824649379‬دولــة الكويــت ‪ -‬شــركةالمجموعة التســويقية للدعايــة واإلعــان ‪ -‬الكويت‬ ‫ ت‪ - 009651838281 :‬فاكــس‪ /0096524839487 :‬الجمهوريــة اللبنانيــة ‪ -‬مؤسســة‬‫نعنــوع الصحفيــة للتوزيــع ‪ -‬بيــروت ‪ -‬ت‪ - 009611666668 :‬فاكــس‪/009611653260 :‬‬ ‫الجمهوريــة اليمنيــة ‪ -‬محــات القائــد التجاريــة ‪ -‬صنعــاء ‪ -‬ت‪- 00967777745744 :‬‬ ‫فاكــس‪ / 009671240883 :‬جمهوريــة مصــر العربيــة ‪ -‬مؤسســة األهــرام ‪ -‬القاهــرة ‪ -‬ت‪:‬‬ ‫‪ - 002027704365‬فاكــس ‪/002027703196‬الجماهيريــة الليبية ‪ -‬دار الفكر الجديد الســتيراد‬ ‫ونشــر وتوزيــع المطبوعات ‪ -‬طرابلــس ‪ -‬ت‪ - 0021821333260 :‬فاكس‪00218213332610 :‬‬ ‫‪ /‬جمهورية السودان ‪ -‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع ‪ -‬الخرطوم ‪ -‬ت‪0024915494770 :‬‬ ‫ فاكس‪ / 00249183242703 :‬المملكة المغربية ‪ -‬الشــركة العربية اإلفريقية للتوزيع والنشــر‬‫والصحافة‪ ،‬سبريس ‪ -‬الدار البيضاء ‪ -‬ت‪ - 00212522249200 :‬فاكس‪/00212522249214:‬‬ ‫الجمهورية العربية الســورية ‪ -‬مؤسســة الوحدة للصحافة والطباعة والنشــر والتوزيع ‪ -‬دمشق ‪-‬‬ ‫ت‪- 00963112127797 :‬فاكس‪00963112128664:‬‬

‫‪14‬‬

‫مقامات االنتخاب‬ ‫ُ‬ ‫محمد الرميحي‬ ‫جمال الموساوي‬ ‫نويمي فيرو‬ ‫آالء الكسباني‬ ‫د‪ .‬عبد الرحيم العطري‬

‫‪40‬‬

‫‪34‬‬


‫ملف‬

‫الصمت وذ ّمه‬ ‫في مديح َّ‬

‫‪56‬‬

‫محمد مروان‬ ‫د‪ .‬فتحي المسكيني‬ ‫يوسف وقاص‬ ‫عبدالوهاب األنصاري‬ ‫عبد السالم بنعبد العالي‬ ‫محمد الضامن‬ ‫خطيب بدلة‬

‫الحدث‬

‫‪84‬‬

‫أدب‬

‫مقاالت‬

‫للحب» ‪( .........‬حوار‪ :‬فاطمة ياســين)‬ ‫رفيق الشــامي‪ ..‬حوار حول«الجانب المظلم ّ‬ ‫كارار‪ :‬كيــف يتشـ َّـكل كاتــب أصيل في ثالثة ّأيام؟! ‪(..‬حوار‪ :‬ســوزانا أنويل )‬ ‫إيمانــوال ّ‬

‫الخرط ــوم أغن ــى مدين ــة عربي ــة بالمياه‪(..........‬عب ــد العزي ــز المقال ــح)‬ ‫نقــدا أم بالشــيك أم بالبطاقــة؟‪ (..........‬جان جوزيف كــو‪-‬ت‪ :‬جمال الدين العمارتي)‬

‫‪92‬‬

‫بصمات‬

‫أشـــواك ثقافية‪(..................................‬أميـــر تـــاج الســـر)‬

‫استثنائي‪( ...........................‬إبراهيم أولحيان)‬ ‫إدمون عمران المليح‪ ..‬مسار‬ ‫ّ‬ ‫إدمون المليح‪ ..‬الشيخ الرئيس ‪( ..................................‬المهدي أخريف)‬ ‫لقاء مع عبدالوهاب المسيري‪(............................................‬علي بدر)‬

‫‪100‬‬

‫ترجمات‬

‫مــن غارســيا لــوركا إلــى والديه‪(........‬ترجمــة وتقديــم‪ :‬عبـــد الســالم مصبــاح)‬

‫ْ‬

‫هل يُع ّد ما كتبه‬ ‫بوب ديالن أدباً؟‬

‫‪105‬‬

‫نصوص‬

‫‪14‬‬

‫المسِرف‪( ..................................................................‬أحمد المرزوقي)‬ ‫ُ‬ ‫مح ِّبك ابن مصطفى)‬ ‫ّ‬ ‫حبات الكرز الكبيرة‪( ..............................‬د‪ .‬أحمد زياد َ‬

‫في اإلسالم الثّقافي‪ ..‬عظماء العلم والفكر على خطوط النار‪( ...‬عاطف محمد عبد المجيد)‬ ‫«في فمي لؤلؤة»‪ ..‬مصائر صائِدي اللؤلؤ‪( .......................‬د‪ .‬هويدا صــالح)‬ ‫مرئي‪( ............................‬وائل سعيد )‬ ‫«بول أوستر» ‪..‬بورتريه لرجل غير ّ‬ ‫رحيل‬

‫‪20‬‬

‫للحب»‬ ‫ّ‬ ‫«الجانب المظلم‬

‫لرفيق الشامي‪:‬‬

‫ربع قرن‬ ‫من الكتابة‬

‫ّ‬

‫الجمـــال فـــي إفريقيـــا الســـوداء‪(............‬د‪ .‬وليـــالي كنـــدو) ‪144‬‬ ‫ّ‬

‫اللّغـــة وتغريبـــة إنســـان هـــذا الزمان‪(..............‬د‪.‬حســـين الســـوداني) ‪148‬‬

‫البيولوجيين‪(.....................‬أمـــل العقيلـــي) ‪151‬‬ ‫المخَت ِطفيـــن‬ ‫ِّ‬ ‫غـــزو ُ‬

‫المســـألة البيئيـــة فـــي اإلعـــالم العربـــي‪(......‬د‪ .‬مجانـــي باديـــس) ‪151‬‬ ‫(الطي ــب صال ــح ‪ -‬مجل ــة الدوح ــة ‪154 )1986‬‬ ‫َّأمتن ــا تت ــوق إل ــى التواص ــل‪ ،‬ولي ــس إل ــى القطيع ــة ‪ِّ .......‬‬

‫مل‬ ‫ف خاص‬

‫الوثائقي الفلسطيني‪..‬‬ ‫جدل التجارب‬ ‫ روان الضامن‬‫ بشار إبراهيم‬‫‪-‬إيهاب خمايسة‬

‫بشار حمدان‬‫رنا نجار‬‫‪-‬قيس الزبيدي‬

‫‪122‬‬

‫تشارلز كوريا‬ ‫«عمارة العالم الثالث»‬

‫‪48‬‬

‫ّ‬

‫«هاملــت» األلفيــة الثالثة ‪ُ ..‬تشـ ُّـع من لندن علــى العالم ‪( ......‬د‪ .‬رياض عصمت) ‪140‬‬

‫حوار‬

‫داريو فو‪..‬‬ ‫مسار آخر المهرِّجين‬ ‫عمارة‬

‫‪91‬‬

‫العطــر والكتابة‪(................................‬ميســـــــــــــلون هـــــــــادي) ‪160‬‬

‫‪110‬‬

‫إصدارات‬

‫‪76‬‬

‫متحـــف «الوشـــه» فـــي بكين‪(......................‬مـــي عاشـــور) ‪116‬‬ ‫ـوي العثماني‪..‬التاريــخ األلطــف والمنســي‪(..‬عبد القــادر عبــد اللــي) ‪118‬‬ ‫َّ‬ ‫الشــعر النِّسـ ّ‬

‫‪98‬‬

‫كتاب‬

‫‪54‬‬

‫‪84‬‬


‫ﺗﻘﺎرﻳﺮ‬

‫الحوار الموريتاني‪..‬‬ ‫الثـــابت والمتحـــ ِّول‬ ‫نواكشـط‪ :‬عبد اهلل ولد محمدو‬ ‫ــم مؤخــرًا بالقاعــة الكبــرى فــي‬ ‫ُن ِّظ َ‬ ‫المركــز الدولي للمؤتمــرات في العاصمة‬ ‫حــوار‬ ‫الموريتانيــة نواكشــوط‬ ‫وطنــي‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫شــامل‪ ،‬شــارك فيــه‪ ،‬إلــى جانــب‬ ‫السياســيين‪ ،‬نخبــة مــن المثقَّفيــن‬ ‫شــكل مناســبة‬ ‫الموريتانييــن‪ .‬الحــدث ّ‬ ‫لطــرح قضايــا ذات الصلــة بالشــأن العام‬ ‫الموريتانــي وتبــادل اآلراء والمقترحات‬ ‫التــي مــن شــأنها النهــوض بالقطــاع‬ ‫الثّقافــي فــي البــاد‪.‬‬ ‫وبمــوازاة انشــغال المثقَّفيــن بالمســألة‬ ‫‪4‬‬

‫الثّقافيــة‪ ،‬وســبل النهــوض بهــا فــي‬ ‫ســياق هــذا الحــدث‪ ،‬كانــت صفحــات‬ ‫المواقع االجتماعية تتفاعل مع مجريات‬ ‫الحــوار‪ ،‬والمواضيــع التــي كانــت محــط‬ ‫ومطــرح جــدل لما لهــا من ارتباط‬ ‫ارتــكاز َ‬ ‫بثوابــت األمــة الموريتانيــة وبالنســيج‬ ‫العضــوي للمجتمع‪ .‬وبرز هذا االنشــغال‬ ‫فــي اتجاهين يترجمــان صورة الحضور‬ ‫الفاعــل للمثقَّــف الموريتانــي؛ أولهمــا‬ ‫التنظيــر لفلســفة الحــوار‪ ،‬مــن خــال‬ ‫طــرح المفاهيــم‬ ‫المحــددة لألهــداف‬ ‫َّ‬ ‫والمقاصــد‪ ،‬وكذلــك توجيــه وترشــيد‬ ‫مســارها؛ وثانيهما التعبير عن المواقف‬

‫تجــاه القضايــا التــي ترتبــط بالثوابــت‬ ‫الوطنيــة‪.‬‬ ‫الكاتب والمحامي محمد ولد إشــدو‪ ،‬أحد‬ ‫حدد مقصد‬ ‫المســاهمين في هذا النقاش‪َّ ،‬‬ ‫الحــوار فــي‪« :‬حشــد كافــة القــوى التــي‬ ‫يمكــن حشــدها مــن أجل تحقيــق المهمات‬ ‫واألهــداف الوطنيــة والديموقراطيــة‬ ‫التــي يضعهــا‬ ‫التقــدم االجتماعــي علــى‬ ‫ُّ‬ ‫كل مــا‬ ‫مقدمتهــا ّ‬ ‫جــدول أعمالــه‪ ،‬وفــي ِّ‬ ‫يوطــد الســلطة الوطنيــة الديموقراطيــة‬ ‫القائمــة فــي وجــه عوامــل ومعــاول‬ ‫الهــدم والفوضــى والتشــرذم والفســاد‬ ‫واالستبداد والقهر والهدر والتخلُّف‪.»...‬‬


‫أمــا الكاتــب المختــار ولــد داهــي‪ ،‬الــذي‬ ‫اتخــذ مــن مدونتــه اإللكترونيــة منبــرًا‬ ‫لتوجيــه المتحاوريــن‪ ،‬قبيــل انطــاق‬ ‫الحــوار‪ :‬أول مــا يجــب علــى األطــراف‬ ‫التــي ستشــارك في الحــوار هو تصحيح‬ ‫وتحريــر َمناطــه حتــى ال‬ ‫يتحــول إلــى‬ ‫ّ‬ ‫ْزَلـِـة وزعزعــة بعــض الثوابت‬ ‫لزلَ‬ ‫فرصــة َ‬ ‫الراســيات‪.‬‬ ‫كمــا انبــرى عــدد غيــر قليــل مــن أقــام‬ ‫المثقَّفين للمنافحة عن قيم األمة الثّقافية‬ ‫ـل‬ ‫ورموزهــا الوطنيــة والتاريخيــة‪ ،‬وَلعـّ‬ ‫مــن أبــرز ما دعا إليه هؤالء هو التمســك‬ ‫باللّغة العربية كأداة تواصل ال تقاطع‪،‬‬ ‫بالرغــم مــن كــون الدســتور الموريتانــي‬ ‫قــد حســم في قضيــة اللّغــة العربية حين‬ ‫أقرهــا لغــة رســمية للدولــة بعــد ســنين‬ ‫مــن الســجال بيــن دعــاة التعريــب حفاظ ًا‬ ‫هويــة البلــد الثّقافيــة وبيــن حمــاة‬ ‫علــى ّ‬ ‫ا إلــى‬ ‫لســان المســتعمر الفرنســي ميــ ً‬ ‫التمسك بجسر التواصل معه‪ .‬لكن حين‬ ‫أعــاد (بــا آالســن) رئيــس حــزب قــوس‬ ‫قــزح طــرح مســألة العــودة إلــى اللّغــة‬ ‫الفرنســية باعتبارهــا فــي نظــره أقــرب‬ ‫إلــى المثقَّــف الزنجــي ُهــرع لمناقشــته‬ ‫أكاديميــون أغلبهــم ذوو اتجــاه قومــي‪،‬‬ ‫حاجــه فــي قاعــة المحــاورات‬ ‫ّ‬ ‫وممــن ّ‬ ‫الشــيخ ســيدي محمد ولد الشــيخ ســيدي‬ ‫أحمــد الــذي أبــان لــه أن اللّغــة العربيــة‬ ‫تؤلــف بيــن أبنــاء‬ ‫لغــة تواصــل جامعــة ِّ‬ ‫البلــد المؤمنين بالقرآن الكريم الذي نزل‬ ‫بلســان عربــي مبيــن بــد ًال مــن اعتبارهــا‬ ‫لغــة شــريحة أو أداة قطيعــة وتنافــر‪..‬‬ ‫وقــد كتــب األســتاذ والمــدون إســلمو ولــد‬ ‫ســيدي أحمد رســالة إلى المشــاركين في‬ ‫ـي الشــامل» راجيـ ًا منهــم‬ ‫«الحــوار الوطنـ ّ‬ ‫الجوهريــة‬ ‫ركــزوا علــى القضايــا‬ ‫«أن ُي ِّ‬ ‫ّ‬ ‫المتعل‬ ‫به ِويــة البلــد‪ ،‬ويترتــب علــى‬ ‫ِّقــة‬ ‫ُ‬ ‫ذلــك اعتمــاد العربيــة لغــة رســمية‬ ‫فــي التعليــم واإلدارة وســائر المرافــق‬ ‫الحيويــة للدولــة»‪ ،‬ويســجل األســتاذ‬ ‫محمــد فــال ولد الشــين فــي رده على هذه‬ ‫الدعــوة أن «لغــة القــرآن الكريــم ولغــة‬ ‫أهــل الجنــة فــي أذهــان الموريتانييــن‬ ‫بمختلــف مكوناتهــم المجبولــة علــى‬ ‫حــب احتضــان اإلســام ولغــة القــرآن‬ ‫إلــى األبــد»‪.‬‬ ‫علــى صعيــد آخــر‪ ،‬صدحــت أصــوات‬ ‫مطالبــة بتغييــر كلمــات النشــيد الوطنــي‬

‫اســتنادًا إلــى مســوغات الكاتــب حبيــب‬ ‫اهلل ولــد أحمــد الــذي وصفــه بـ«مقطوعــة‬ ‫تلمــح إلى التعريــض‬ ‫بالتصوف‬ ‫ُّ‬ ‫دينيــة» ِّ‬ ‫لــدى البعــض‪ ،‬بينمــا رآه آخرون «خالي ًا‬ ‫يعزز‬ ‫مــن الحمــاس الوطني‪ ،‬ومن ّ‬ ‫كل ما ِّ‬ ‫اللحمــة الوطنيــة»‪ .‬كمــا أخذ عليه الكاتب‬ ‫كل ما‬ ‫محمــدو ولــد البخــاري «خلــوه مــن ّ‬ ‫يشــير ألمــة أو حــوزة ترابيــة أو وطــن‪،‬‬ ‫وخلــوه مــن عبــارات اســتنهاض الهمــم‬ ‫والشــحذ الوطنــي‪ ...‬والحــق أن النشــيد‬ ‫الموريتانــي الحالــي كمــا قــال الشــاعر‬ ‫(بــون عمــر لــي)‪« :‬قصيــدة قديمــة قالهــا‬ ‫الشــيخ بابــه فــي موضوع بيــان منهجه‬ ‫اإلصاحــي التربوي ودعوته إلى التزام‬ ‫الســنة ومحاربــة البــدع‪ ،‬ولــم يقصــد بهــا‬ ‫نشــيدًا وال أغنيــة يتغنــى بهــا النــاس»‪.‬‬ ‫ويذهــب الكاتــب حبيــب اهلل ولــد أحمد إلى‬ ‫أن «الهجــوم علــى النشــيد الوطنــي ليس‬ ‫جديــداً‪ ،‬وليــس غريبــاً‪ ،‬ولــن يتوقّــف‬ ‫أبــدًا حتــى وإن عجــز «المهاجمــون» عــن‬ ‫إعطــاء بديــل مقنع مهما ِقيل عن نشــيدنا‬ ‫الوطنــي‪ ،‬فهــو منا ونحــن منه‪ ،‬وأصبح‬ ‫جــزءًا مــن تاريخنــا‪ ،‬بــه عبق من شــهداء‬ ‫االســتقال وحــروب الكرامــة الوطنيــة‬ ‫والجيــل الوطنــي الرائــع الــذي صنــع‬ ‫الكيــان الوطني الموريتانــي المعاصر»‪.‬‬ ‫طــرح الحــوار أيضــاً؛ فكــرة تغييــر‬ ‫العلــم الوطنــي الموريتانــي فــي وثيقــة‬

‫تقتــرح إضافــة شــريط أحمــر مــن األعلى‬ ‫واألســفل إلــى العلــم يرمــز إلــى أن دمــاء‬ ‫ســتظل مبذولــة دون‬ ‫الموريتانييــن‬ ‫ّ‬ ‫اســتباحة أرضهــم (اللــون األخضــر)‬ ‫وقيمهــم (النجمــة والهــال الذهبييــن)‪.‬‬ ‫غيــر أن أغلــب المثقَّفيــن الموريتانييــن‬ ‫لــم يــرق لهــم هــذا االقتــراح ‪ ،‬بــل وســخر‬ ‫منــه البعــض ومنهــم المــدون إســلمو ولد‬ ‫«إن اقتــراح‬ ‫ســيدي أحمــد الــذي قــال‪ّ :‬‬ ‫تغييــر العلــم والنشــيد الموريتانييــن‬ ‫ضمــن الموضوعــات المطروحة للنقاش‬ ‫حاليـ ًا فــي «الحــوار الوطنــي الشــامل»‪،‬‬ ‫ــع‪ -‬مــن‬ ‫غيــر موفَّــق‬ ‫وغيــر مقِن ٍ‬ ‫ُ‬ ‫اقتــراح ُ‬ ‫وجهــة نظــري المتواضعــة‪ -‬ألنــه يدخــل‬ ‫فــي مجــال مــا ُيعـَـرف بالتغييــر مــن أجــل‬ ‫التغييــر (بدون فائــدة)‪ ،‬فهو بذلك َعَب ٌث‪،‬‬ ‫العقـ ِ‬ ‫العَب ِث»‪.‬‬ ‫ـاء ُم َّ‬ ‫نز َهــة عــن َ‬ ‫ُّ‬ ‫وتصرفــات ُ‬ ‫ويبــدو أن مــا جلبتــه ريــاح الحــوار‬ ‫الوطنــي الشــامل مــن رغبــة البعــض فــي‬ ‫المســاس بالثوابــت أو تغييــر الرمــوز‬ ‫الوطنيــة لــم يـ ُـر ْق لكثيــر مــن المثقَّفيــن‬ ‫ـدوا فــي موقــف الحامــي‬ ‫الموريتانييــن فبـ ْ‬ ‫ـل مــن أهمهــا‬ ‫ـذاب عنهــا ألســباب َلعـّ‬ ‫لهــا الـ ّ‬ ‫تشــبث الموريتانــي بثوابتــه واندماجــه‬ ‫الوجدانــي مــع رمــوزه الوطنيــة‪.‬‬ ‫‪5‬‬


‫تشخيص األحوال الثّقافية‬ ‫في تونس‬

‫تونـس‪ :‬عبداهلل بن محمد‬ ‫الزال النشـاط الثّقافي في تونس يعزف‬ ‫على نفس الوتر‪ .‬المهرجانات المعروفة‬ ‫التوجهـات‬ ‫تسـتضيف وجوهـ ًا بعينهـا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والبرامج مألوفة من سنوات‪ ،‬وأمام هذا‬ ‫الوضـع‪ ،‬الذي يدفـع العديد من الفنانين‬ ‫إلـى االعتمـاد علـى إمكاناتهـم البسـيطة‬ ‫وعاقاتهـم الخاصـة مـن أجـل البقاء في‬ ‫المشـهد الثّقافـي‪ ،‬يطمـح المثقَّفـون فـي‬ ‫تونـس لتأسـيس مبـدأ العـودة الثّقافيـة‬ ‫أو البرمجـة السـنوية المتكاملة‪.‬‬ ‫ورغم توافر العديد من الفرص السـانحة‬ ‫أمام الباد حتى تستعيد مشهدها الثّقافي‬ ‫المألـوف وتضمـن مكانتهـا اإلقليميـة‬ ‫وتحسـن صورتها كبلد تخلَّص‬ ‫والدولية‬ ‫ِّ‬ ‫مـن رواسـب الماضـي‪ّ ،‬إال أن ذلـك كان‬ ‫مخالف ًا للتوقعات والطموحات‪ .‬فقد كان‬ ‫افتتاح تظاهرة صفاقس عاصمة للثّقافة‬ ‫العربيـة هـذه السـنة ُمخيب ًا آلمـال الكثير‬ ‫أكـدوا أن المشـهد‬ ‫مـن المتابعيـن الذيـن َّ‬ ‫الثّقافـي كان غائبـ ًا إلـى َح ٍّـد كبيـر فـي‬ ‫عاصمـة الثّقافة‪ ،‬باإلضافة إلى اسـتياء‬ ‫الجمهور بمدينة القيروان بمناسبة إحياء‬ ‫ليلـة السـابع والعشـرين مـن رمضـان‪،‬‬ ‫وعبروا عن سخطهم من حفل االستقبال‬ ‫َّ‬ ‫الـذي لـم يكـن فـي مسـتوى تطلعاتهـم‬ ‫ومكانـة المدينـة الثّقافيـة والحضارية‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫الغاضبون يعزون تردي الشأن الثّقافي‬ ‫فــي تونــس إلــى التراجــع المســتمر‬ ‫لــدور وزارة الثّقافــة والمحافظــة علــى‬ ‫التراث وغياب الرؤى واالســتراتيجيات‬ ‫الواضحــة فــي قطــاع قــادر على تحســين‬ ‫الــذوق العــام والنهــوض بالوعــي‬ ‫ّية‬ ‫الشعبي‪ .‬ورغم تتالي التظاهرات َ‬ ‫الفنّ‬ ‫على ِغرار أيام قرطاج المســرحية وأيام‬ ‫قرطــاج الســينمائية ثــم أيــام قرطــاج‬ ‫ــل فــي نظــر‬ ‫تظ ّ‬ ‫الموســيقية‪ّ ،‬إال أنهــا َ‬ ‫المراقبيــن مناســبات ال تصنــع مشــهدًا‬ ‫موحــدًا قــادرًا علــى رفــع الرهــان‬ ‫ثقافيـ ًا َّ‬ ‫الثّقافــي فــي تونــس مــا بعــد الثــورة‪.‬‬ ‫كمـا يشـتكي المنتقـدون للمشـهد الثّقافي‬ ‫فـي تونـس غيـاب التوزيـع العـادل‬ ‫والمنتظم للدعم الرسـمي؛ حيث تستأثر‬ ‫جهـات بعينهـا بالدعـم المالـي لتعمـق‬ ‫األزمة وتؤثر سلب ًا على قاعات العرض‬ ‫ودور المسارح التي أقفلت أبوابها‪ .‬على‬ ‫سـبيل المثـال‪ ،‬سـجل تراجـع كبيـر فـي‬ ‫عـدد قاعـات السـينما مـن ‪ 95‬قاعـة كانت‬ ‫تنشـط فـي مختلـف واليـات الجمهوريـة‬ ‫سـنة ‪ 1957‬إلـى ‪ 10‬فقـط اليـوم تتمركـز‬ ‫أغلبهـا فـي العاصمـة‪ ،‬ومـن بينها ثاث‬ ‫قاعـات فقـط تفتـح أبوابهـا السـتقبال‬ ‫الـزوار‪ .‬العديـد مـن القاعـات تحتـاج إلى‬ ‫أجهـزة جديـدة وبحاجـة ملحـة للصيانـة‬ ‫والترميـم‪ ،‬وأغلبهـا يشـهد عجـزًا ماليـ ًا‬

‫وتنتظـر الموسـم الثّقافـي للحفـاظ علـى‬ ‫ـل غلـق‬ ‫اسـتمرارية وجودهـا‪ .‬وفـي ِظ ّ‬ ‫المسرح البلدي بالعاصمة بسبب أشغال‬ ‫الترميم‪ ،‬فإن حال دور الثّقافة في تونس‬ ‫ال يختلـف عـن غيرهـا داخـل البـاد التي‬ ‫تشهد أشغال ترميم ال تنتهي أو معطلة‪.‬‬ ‫فـي مدينـة بنـزرت علـى سـبيل المثـال‪،‬‬ ‫تشهد دار الثّقافة «بيرم التونسي» بمنزل‬ ‫بورقيبة‪ ،‬أشـغال صيانة معطلة وبنية‬ ‫تحتيـة مهترئـة وإمكانيـات محـدودة‪،‬‬ ‫دفعـت الشـباب إلـى العـزوف عـن الفعل‬ ‫ـل هـذه الظـروف‬ ‫الثّقافـي‪ .‬وفـي ِظ ّ‬ ‫والصعوبـات المتراكمـة أصبـح الحديـث‬ ‫عـن اإلبـداع الثّقافـي (مسـرح‪ ،‬سـينما‪،‬‬ ‫موسيقى) بتونس في الوقت الحاضر من‬ ‫باب الترف في الوقت الذي كان يفترض‬ ‫فيـه أن يدفـع فيهـا العمـل الثّقافي قاطرة‬ ‫اإلبـداع فـي شـتى المجـاالت حتـى تكون‬ ‫مرآة عاكسة‬ ‫لتطور المجتمع وتحصينه‬ ‫ُّ‬ ‫مـن االنحراف‪.‬‬ ‫وفـي السـياق نفسـه‪ ،‬أصبـح مسـرح‬ ‫«نجمـة الشـمال» بتونـس‪ ،‬الفضـاء‬ ‫الثّقافي الذي أنتج وجمع عديد الفنانين‬ ‫وعـرض‬ ‫والمثقَّفيـن‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مهـددًا باإلغـاق ُ‬ ‫للبيـع تحت ضغـوط الصعوبات المالية‬ ‫عبـر الممثلـون والفنانون‬ ‫الخانقـة‪ .‬وقـد ّ‬ ‫عـن غضبهـم تجاه تجاهل وزارة الثّقافة‬ ‫التونسـية الترفيـع فـي مقـدار منحـة‬


‫دار الثقافة «بيرم التونسـي»‬

‫مسـرح «نجمة الشمال»‬

‫دعـم مسـرح نجمـة الشـمال رغـم مـا‬ ‫تشـهده‬ ‫المؤسسـة مـن تـردي‪ .‬ويشـتكي‬ ‫َّ‬ ‫الممثلـون باسـتمرار مـن صمـت الوزارة‬ ‫أو تباطؤهـا فـي اتخـاذ إجـراءات إلنقـاذ‬ ‫المسـرح بدعـم مفقـود أو غيـر منتظـم‬ ‫وشـفاف‪ .‬ونتيجـة لذلـك أغلـق الفضـاء‬ ‫كل العـروض داخلـه‬ ‫أبوابـه وُألغيـت ّ‬ ‫بعـد أن كان مسـرح ًا ألربـع وعشـرين‬ ‫سـاعة دون انقطـاع‪ .‬وقـد اعتبـر الممثـل‬ ‫والمنتـج المسـرحي الشـاذلي العرفاوي‬ ‫أن المسـرح التونسـي فـي حالـة إنعـاش‬ ‫ويتطلب (صدمات) عاجلة إلنقاذه‪ ،‬بينما‬

‫يـرى المخـرج فاضل الجعايبـي أن أزمة‬ ‫المسـرح التونسـي هي أزمة متزامنة مع‬ ‫كل أعماله ملتصقة‬ ‫اإلنسان‪ ،‬لذلك كانت ّ‬ ‫بالواقع (مسرح اآلن وهنا) التونسي في‬ ‫مؤكدًا أن‬ ‫ومرها‪ِّ ،‬‬ ‫حياته اليومية بحلوها ّ‬ ‫أزمـة المسـرح التونسـي هـي أزمة إبداع‬ ‫وتسـويق علـى َح ٍّـد سـواء وبـأن الحـل‬ ‫كل‬ ‫يكمـن فـي سـوق أكبـر تصبـح فيهـا ّ‬ ‫اإلنتاجـات قـادرة علـى أن تمـول ذاتهـا‪.‬‬ ‫يـرى البعـض أن التشـخيص الدقيـق‬ ‫لتـردي واقـع العمـل الثّقافـي واإلبداعـي‬ ‫ال يرتبـط بضعـف البنيـة التحتيـة أو‬

‫محدوديـة التمويات المادية والمعنوية‬ ‫فحسـب‪ ،‬لكن يجب أن يشـمل أيض ًا مدى‬ ‫التوجهات في إرساء استراتيجية‬ ‫نجاعة‬ ‫ُّ‬ ‫عبـر الدفـع باتجـاه تبني مشـروع ثقافي‬ ‫كل‬ ‫في المسـتقبل‪ ،‬الذي غاب عن برامج ّ‬ ‫األحزاب السياسية سواء الحاكمة أو في‬ ‫المعارضة‪ .‬فثقافة بناء أجيال المستقبل‬ ‫يجـب أن ترتبـط بالمسـألة التربويـة‬ ‫واالجتماعيـة مـع توفيـر‬ ‫المؤسسـات‬ ‫َّ‬ ‫واألماكن المائمة والحاضنة (المسارح‪،‬‬ ‫قاعـات السـينما‪ ،‬المكتبـات العموميـة‬ ‫ودعـم الكتـاب‪.)...‬‬ ‫‪7‬‬


‫مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة‬

‫عودة حذرة‬

‫القاهـرة ‪ :‬أحمد ندا‬ ‫المنظمـة لمهرجـان‬ ‫مـا إن أعلنـت اللجنـة‬ ‫ِّ‬ ‫المسـرح التجريبـي عـن عودتـه بعـد‬ ‫انقطـاع دام خمـس سـنوات‪ ،‬حتـى‬ ‫وتوجسهم‬ ‫استعاد المسرحيون حماسهم‬ ‫ُّ‬ ‫وآمالهـم‪ .‬الرئيـس الجديـد للمهرجـان‬ ‫الدكتور سامح مهران يأتي خلف ًا لفوزي‬ ‫فهمـي واحـد مـن رموز المسـرح المصري‬ ‫وأحـد أعمـدة المهرجـان وأكثـر مـن قـام‬ ‫بإدارتـه عبـر تاريخـه منـذ تأسيسـه عام‬ ‫‪.1988‬‬ ‫افتتـح المهرجـان دورتـه علـى المسـرح‬ ‫الكبيـر بـدار األوبـرا المصريـة؛ وفـي‬ ‫أكـد مهـران أن إصـرار‬ ‫كلمتـه االفتتاحيـة َّ‬ ‫المسـرحيين وتمسـكهم بالمهرجـان هـو‬ ‫مـرة أخـرى‪،‬‬ ‫سـبب عودتـه للحيـاة ّ‬ ‫وجـاء اسـتئناف المهرجـان عندما اجتمع‬ ‫المسـرحيون فـي مؤتمرهـم القومـي‬ ‫وأصـروا علـى العـودة‪ ،‬التـي تـوازن‬ ‫ُّ‬ ‫بيـن االتصـال واالنفصـال‪ ،‬اتصـال مـع‬ ‫مـا سـبق‪.‬‬ ‫سـمى‬ ‫إضافـة كلمـة «معاصـر» إلـى ُم َّ‬ ‫المهرجـان‪ ،‬قـال عنهـا مهـران بأنهـا‬ ‫تسـعى إلـى االنفتـاح علـى مسـارح‬ ‫ٍ‬ ‫ناحيـة‪ ،‬ومن‬ ‫توجهاتهـا من‬ ‫مختلفـة فـي ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ناحيـة أخـرى تأمـل فـي اجتذاب شـرائح‬ ‫جماهيريـة تتجـاوب مـع ذلك االختاف‪.‬‬ ‫حمـاس مهـران حمـل الكثيـر مـن الرجـاء‬ ‫فـي اسـتمرارية المهرجـان‪ ،‬وقدرته على‬ ‫‪8‬‬

‫الصمـود وإحيـاء الحـدث المسـرحي‪.‬‬ ‫الحـدث الـذي خطف أضـواء االفتتاح هو‬ ‫تكريم ‪ 6‬من الرموز المسـرحية الكبيرة‪،‬‬ ‫وهـم‪ :‬مـن كينيـا مومبـي كايجـوا‪ ،‬مـن‬ ‫الصيـن المخـرج لـو آنج‪ ،‬ومـن اإلمارات‬ ‫محمـد سـيف األفخـم رئيـس الهيئـة‬ ‫الدوليـة للمسـرح‪ ،‬واألميركيـة تورانـج‬ ‫يجيازاريـان‪ ،‬ومـن نيجيريـا فيمـي‬ ‫فتـم تكريـم‬ ‫أوسوفيسـان‪ .‬أمـا مـن مصـر ّ‬ ‫الفنـان الكبيـر جميـل راتـب‪ ،‬الذي أشـعل‬ ‫المسـرح لمـدة ‪ 15‬دقيقـة مـن التصفيـق‬ ‫عبـر عـن حـب الجماهيـر‬ ‫الحـاد الـذي َّ‬ ‫الفنّي الطويل‪ .‬لمعت‬ ‫لمشواره‬ ‫واحترامهم‬ ‫َ‬ ‫عينا راتب وهو يلقى هذا الترحاب فأصر‬ ‫علـى توجيـه كلمـة شـكر فيهـا القائميـن‬ ‫قـدم لـه يـد‬ ‫علـى المهرجـان‪ ،‬وعلـى مـن َّ‬ ‫المسـاعدة ورعـى موهبتـه فـي بواكيره‪.‬‬ ‫ضم جدول المهرجان ‪ 31‬عرض ًا مسرحياً‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫كان علـى المتابعيـن والصحافييـن‪ ،‬أن‬ ‫بـ«العـْدو» بيـن مسـارح دار‬ ‫يسـتعينوا‬ ‫َ‬ ‫األوبـرا‪ ،‬ومسـرح العجـوزة‪ ،‬ومسـرح‬ ‫العتبـة‪ ،‬للحـاق بالعـروض المتتاليـة‪،‬‬ ‫المسـافة بيـن المسـارح جعلـت المتابعـة‬ ‫متعـذرة‪ ،‬خاصـة مـع اقتـراب مواعيـد‬ ‫تذمر‬ ‫العـروض وطـول بعضها‪ ،‬وهـو ما َّ‬ ‫منـه المعنيـون‪ ،‬ويجـب أن تنتبـه إليـه‬ ‫اللجنـة فـي الـدورات المقبلـة‪.‬‬ ‫المشـاركة العربيـة اقتصـرت علـى ثاث‬ ‫دول هي‪ :‬اإلمارات وتونس ولبنان‪ ،‬و‪6‬‬ ‫تقـدم أي‬ ‫عـروض‪ .‬حيـث إن سـورية لـم ِّ‬

‫عـروض هـذا العام رغم كثافة مشـاركتها‬ ‫فـي النسـخ السـابقة مـن المهرجـان‪ .‬أمـا‬ ‫أكثـر مـا طـرح عامـات االسـتفهام فهـو‬ ‫المشـاركات العراقيـة التـي بلغـت ‪11‬‬ ‫أكـدت أن‬ ‫عرضـاً‪ ،‬لكـن إدارة المهرجـان َّ‬ ‫‪ 7‬عـروض فقـط تنطبـق عليهـا شـروط‬ ‫ـت جميعهـا‬ ‫المهرجـان‪ ،‬ورغـم ذلـك ُرِف َض ْ‬ ‫أيـة أسـباب‪ .‬قبـول ورفـض‬ ‫دون إبـداء ّ‬ ‫العـروض غيـر المبنـي علـى أية أسـباب‬ ‫معلنـة‪ ،‬جعـا بعـض الـدول العربيـة‬ ‫تنسـحب احتجاجـ ًا علـى مـا وصفـوه‬ ‫باالنتقائيـة غير المفهومة على اإلطاق‪.‬‬ ‫الافـــت أن العـــروض التـــي شـــملت ‪36‬‬ ‫دولــة‪ 11 ،‬عرضـ ًا أجنبيـاً‪ ،‬و‪ 6‬عــروض‬ ‫عربيــة‪ ،‬و‪ 13‬عرضـ ًا مصريـ ًا بــدت حذرة‬ ‫تمرده ــا عل ــى القواع ــد المس ــرحية‪.‬‬ ‫ف ــي ُّ‬ ‫فمعظــم هــذه المســرحيات أعــادت تقديــم‬ ‫أعمــال مســرحية وروائيــة «كاســيكية»‪.‬‬ ‫كالعـــرض الروســـي «ينبغـــي أال تقتـــل‬ ‫قدمتـــه فرقـــة مســـرح‬ ‫عمـــداً»‪ ،‬الـــذي َّ‬ ‫«بيرلـــوك» مـــن تأليـــف وإخـــراج‬ ‫لـــوري زايتســـيف‪ .‬عالـــج العـــرض‬ ‫ثاثـــة نصـــوص مـــن كاســـيكيات‬ ‫نـــص‬ ‫األدب الروســـي ودمجهمـــا فـــي‬ ‫ٍّ‬ ‫واحـــد‪ ،‬وهـــي روايـــات «مـــوزارت‬ ‫وســـاليري» لبوشـــكين‪ ،‬و«الجريمـــة‬ ‫والعقـــاب» لدوستوفســـكي‪ ،‬و«يهـــوذا‬ ‫اإلســـخريوطي» لليونـــد أدنريـــف‪،‬‬ ‫والعــرض المصــري «الزومبــي والخطايا‬ ‫العش ــر»‪ ،‬م ــن تألي ــف ط ــارق الدوي ــري‬


‫عرض «مرسـيدس» للمخرج هاكوب جازانكيان‬

‫«القروش الثاثة» للمخرج سـعيد منسـي‬

‫«ركائـز الدم» للمخرج أنمار طه‬

‫ونشـــوى محـــرم وإخـــراج طـــارق‬ ‫الدوي ــري وه ــو مس ــتوحى م ــن اثنتي ــن‬ ‫مــن أشــهر روايــات الديســتوبيا «‪»1984‬‬ ‫لجـــورج أورويـــل‪ ،‬و«فهرنهايـــت ‪»451‬‬ ‫ل ــراي برادب ــري‪ .‬فيم ــا كان ــت المس ــرحية‬ ‫التونســية «بــرج الوصيــف» اقتباسـ ًا من‬ ‫القصــة األجنبيــة «قطــة علــى ســطح مــن‬ ‫الصفيـــح الســـاخن» للكاتـــب األميركـــي‬ ‫تينيســـي وليامـــز‪.‬‬ ‫والماحـظ أن هنـاك اتجاهـ ًا عامـ ًا فـي‬ ‫المنظمـة علـى أن‬ ‫اختيـارات اللجنـة‬ ‫ِّ‬ ‫«نفـس جماهيري»‬ ‫تكـون العـروض ذات‬ ‫ٍ‬ ‫أكثـر ممـا هـو تجريبي‪ ،‬مـا يضمن عودة‬ ‫غطـي علـى‬ ‫محتشـدة بـ«كامـل العـدد» ُت ِّ‬ ‫المشـكات التنظيميـة‪ .‬ال ينكـر أحـد أن‬ ‫أهـم مكاسـب هـذا الحدث هـو عودته إلى‬ ‫خاصة مـع توافد عدد‬ ‫الحيـاة مـن جديـد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫صنَّـاع الحركة المسـرحية‬ ‫كبيـر مـن أهم ُ‬ ‫حول العالم‪ .‬لذلك فإن البدء من اآلن في‬ ‫معالجة سلبيات هذه الدورة صار واجب ًا‬ ‫بعـد أن وضـع المهرجان نفسـه من جديد‬ ‫ّية والثّقافية‪،‬‬ ‫على خريطة السـياحة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫خاصـة أن المهرجـان حصـل علـى دعـم‬ ‫الهيئـة الدوليـة للمسـرح‪ ،‬كمـا جـاء علـى‬ ‫كرم‬ ‫الم َّ‬ ‫لسـان رئيسها محمد سيف األفخم ُ‬ ‫صـرح فـي هـذا‬ ‫فـي المهرجـان‪ ،‬والـذي‬ ‫َّ‬ ‫الصـدد‪« :‬بـأن مهرجـان القاهـرة الدولـي‬ ‫للمسـرح المعاصـر والتجريبـي‪ُ ،‬يعـّد‬ ‫أحـد األساسـات فـي الحركـة الثّقافيـة‬ ‫والمسرحية العربية‪ ،‬لما يمثله من إثراء‬

‫فـي الحركـة المصريـة‪ ،‬نظـرًا لمشـاركة‬ ‫ِفـرق عربيـة وأجنبيـة‪ ،‬تدعـم عمليـة‬ ‫التواصـل وتبـادل الخبـرات المعرفيـة»‪.‬‬ ‫ومـن ناحيـة أخرى فإن عـودة المهرجان‬ ‫تخـص المسـرحيين وحدهـم‪ ،‬ولكنهـا‬ ‫ال ّ‬ ‫تخاطـب كافـة عشـاق المسـرح‪ ،‬لـذا فإنه‬ ‫لـم يكـن منطقي ًا تقديم مسـرحيات بلغات‬ ‫متعددة با ترجمة عربية‪ ،‬وحتى لو كان‬ ‫ِّ‬ ‫بعضهـا مترجمـ ًا لإلنجليزيـة فـإن هـذا ال‬ ‫يناسب المتلقِّي العادي‪ ،‬كما أن العروض‬ ‫المقدمـة كانـت ال تعتمـد فـي أغلبهـا علـى‬ ‫َّ‬ ‫الصورة البصرية فقط‪ ،‬بل َشغل الحوار‬ ‫جـزءًا كبيـرًا مـن نسـيجها الدرامـي الـذي‬ ‫يسـتلزم تقديـم ترجمـة عربيـة ُتتيـح‬ ‫للمتلقِّـي التواصـل مـع العمل بما يسـمح‬ ‫له بتكوين وجهة نظر حول ما يشاهده‪..‬‬ ‫ا تنتمي‬ ‫فمسـرحية خواريز األميركية مث ً‬ ‫لنوعية المسرح الوثائقي وتناقش العنف‬ ‫في تلك المنطقة الحدودية بين المكسيك‬ ‫وأميـركا‪ ،‬وبهـا كثيـر مـن الشـهادات‬ ‫التوثيقيـة ألحـداث بعينهـا‪ ،‬وهو عرض‬ ‫جديـد علـى المتلقِّـي المصـري‪ ،‬وكان من‬ ‫الضـروري تسـهيل التواصـل بالترجمـة‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫نتظـر مـن المهرجـان‪ ،‬بعـد عودتـه‬ ‫ال ُي َ‬ ‫الحـذرة أن يكـون بـا أخطـاء‪ ،‬غيـر أن‬ ‫بعض مشكاته التنظيمية وِقلّة االهتمام‬ ‫الهوة التي يعيشـها‬ ‫بدعايتـه‪ ،‬يوضحان َّ‬ ‫المسـرح المعاصـر فـي مصـر علـى وجـه‬ ‫الخصـوص‪.‬‬ ‫‪9‬‬


‫صورة جماعية للفائزين بالدورة‬

‫جائزة «كتارا» للرواية العربيّة‬ ‫تُعزِّز حضورها بالمشهد اإلبداعي‬ ‫الدوحـة‪ -‬طه عبدالرحمن‬ ‫فـي ٍ‬ ‫حفـل بهيـج ُأقيـم بمسـرح الدراما بالحي‬ ‫الثّقافي (كتارا) في ‪ 13‬أكتوبر‪/‬تشرين األول‬ ‫المؤسسـة العامـة للحـي‬ ‫توجـت‬ ‫المنصـرم‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫الثّقافـي فـي قطر‪ ،‬الفائزين بجائـزة «كتارا»‬ ‫للروايـة العربيـة في دورتها الثانية‪ .‬انتظار‬ ‫اإلعـان عـن الجوائـز صاحبـه طيلـة ثاثـة‬ ‫أيـام عـروض ونـدوات تمثَّلـت فـي معـرض‬ ‫األقام‪ ،‬ومعرض نجيب محفوظ‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلـى نـدوات تمحـورت حـول قضايـا الرواية‬ ‫‪10‬‬

‫ٍ‬ ‫بشـكل عام‪.‬‬ ‫القطريـة والخليجيـة والعربية‬ ‫تقـدم إلـى الجائـزة قرابـة‬ ‫وفـي الوقـت الـذي َّ‬ ‫‪ 1004‬أعمـال روائيـة‪ ،‬فإنـه لـم يفز بأي من‬ ‫جوائزها أي روائي قطري أو خليجي‪ ،‬األمر‬ ‫الـذي يطـرح العديـد مـن عامـات االسـتفهام‬ ‫حـول مـآالت الروايـة الخليجيـة‪ ،‬وكيفيـة‬ ‫النهوض بها‪ ،‬بما يحقِّق لها االنتشار‪ ،‬ليس‬ ‫محليـ ًا فقـط‪ ،‬ولكن عربيـ ًا أيضاً‪.‬‬ ‫يرد عليه خالد‬ ‫الغياب الخليجي عن الجوائز‪ّ ،‬‬ ‫عبدالرحيم السـيد‪ ،‬المشـرف علـى الجائزة‪،‬‬ ‫بأن «كتارا» تعتمد الشـفافية وال تحتكم إلى‬ ‫الجنسـيات‪ُ .‬معربـ ًا عن أملـه أن يكون الفوز‬

‫حليفـ ًا للقطرييـن والخليجييـن الـدورات‬ ‫مؤكـدًا أنـه «ليسـت لدينـا إشـكالية‬ ‫المقبلـة‪ِّ .‬‬ ‫فـي أن تفـوز أي شـخصية أخـرى‪ ،‬مـن أي‬ ‫دولـة كانـت‪ ،‬كمـا أن النتيجـة النهائيـة‪ ،‬لـم‬ ‫يكـن يعرفهـا سـوى لجنـة التحكيم»‪.‬‬ ‫قيمة الجائزة‪ُ ،‬ق ِّدرت بنحو ‪ 825‬ألف دوالر‪،‬‬ ‫كل‬ ‫فاز بها في فئة الروايات غير المنشورة ٌ‬ ‫مـن‪ :‬سـالمي الناصـر عـن روايته «األلسـنة‬ ‫الزرقـاء»‪ ،‬سـعد محمـد رحيـم عـن روايتـه‬ ‫«ظـال جسـد ‪ ..‬ضفـاف الرغبة»‪ ،‬مصطفى‬ ‫الحمـداوي عـن روايته «ظـل األميرة»‪ ،‬علي‬ ‫الرفاعي عن روايته «جينات عائلة ميرو»‪،‬‬


‫محمد الغربي عمران عن روايته «ملكة جبال‬ ‫كل جائـزة ‪ 30‬ألـف‬ ‫العاليـة»‪ .‬وبلغـت قيمـة ّ‬ ‫سـيميزها بطباعتها‬ ‫دوالر‪ ،‬عـاوة علـى مـا‬ ‫ِّ‬ ‫وترجمتها إلى اللغتين الفرنسية واإلنجليزية‪.‬‬ ‫أما فئة الرواية المنشورة فقد فاز الروائيون‬ ‫الخمسـة‪ :‬إليـاس خـوري عن روايتـه «أوالد‬ ‫غيتو»‪ ،‬إبراهيم نصراهلل عن روايته «أرواح‬ ‫كليمنجـارو»‪ ،‬إيمـان حميـدان عـن روايتهـا‬ ‫«خمسـون ِغرامـ ًا مـن الجنـة»‪ ،‬يحيى يخلف‬ ‫عن روايته «راكب الريح»‪ ،‬ناصر عراق عن‬ ‫كل جائزة‬ ‫روايتـه «األزبكيـة»‪ .‬وبلغت قيمـة ّ‬ ‫كل عمل‪.‬‬ ‫‪ 60‬ألف دوالر‪ ،‬إضافة إلى ترجمة ّ‬ ‫وفاز بجائزة أفضل رواية قابلة للتحويل إلى‬ ‫عمـل درامـي عن فئة الرواية غير المنشـورة‬ ‫الروائي علي الرفاعي‪ ،‬عن روايته‬ ‫«جينـات عائلـة ميـرو»‪ .‬وبلغـت قيمتها ‪100‬‬ ‫ألـف دوالر‪ .‬أمـا الجائـزة الخاصـة بأفضـل‬ ‫روايـة قابلـة للتحويـل إلـى عمـل درامي عن‬ ‫فئـة الروايـة المنشـورة‪ ،‬فقـد فاز بهـا ناصر‬ ‫عراق عن روايته «األزبكية»‪ .‬وبلغت قيمتها‬ ‫‪ 200‬ألـف دوالر‪.‬‬ ‫وفـاز عـن فئـة الدراسـات المعنيـة بالبحـث‬

‫جانب من الحضور‬

‫والنقـد الروائـي‪ 5 ،‬نقَّاد هـم‪ :‬د‪.‬زهور ُكّرام‪،‬‬ ‫د‪.‬حسـن المـودن‪ ،‬د‪.‬إبراهيـم الحجـري‪،‬‬ ‫د‪.‬حسـام سـفّان‪ ،‬د‪.‬محمـد بـو عـزة‪ .‬وبلغت‬ ‫كل جائزة ‪ 15‬ألف دوالر‪ ،‬على أن تتولَّى‬ ‫قيمة ّ‬ ‫الجائـزة طبـع هـذه األعمـال ونشـرها‪ ،‬ومن‬ ‫َث َّم تسـويقها‪.‬‬ ‫تتويـج هؤالء الفائزين سـيمكنِّهم من النفاذ‬ ‫عربيـ ًا‬ ‫ودوليـاً‪ ،‬عبـر‬ ‫إلـى جمهـور واسـع ّ‬ ‫ّ‬ ‫ترجمـة أعمالهـم إلـى ِع َّدة لغـات‪ ،‬أو تحويل‬ ‫ّية‪ ،‬إلى‬ ‫الرواية‪ ،‬بعد اسـتيفاء ّ‬ ‫الشـروط َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫الروايات غير المنشورة‬ ‫عمل درامي‪ ،‬ونشر ّ‬ ‫وتسـويقها‪ ،‬وفتـح باب المنافسـة أمـام ُدور‬ ‫النّشـر لطباعتها وتوزيعها‪.‬‬ ‫صاحـب إعـان الفائزيـن بالجائزة‪ ،‬تسـليم‬

‫د‪.‬عبـد اهلل محـارب‪ ،‬المديـر العـام للمنظمـة‬ ‫العربية للتربية والثّقافة والعلوم (األلكسو)‪،‬‬ ‫كتـاب مبـادرة «اليـوم العالمـي للروايـة‬ ‫العربية»‪ ،‬الذي َتّم توقيعه من مجموعة من‬ ‫والكّتاب والروائيين العرب‪ ،‬بهدف‬ ‫المثقَّفين ُ‬ ‫كل عام‪،‬‬ ‫إقرار ‪ 13‬أكتوبر‪/‬تشرين األول من ّ‬ ‫يومـ ًا عالمي ًا للروايـة العربية‪.‬‬ ‫المشـاركون بحفـل توزيع الجائـزة‪ ،‬وأيض ًا‬ ‫المشاركون بمهرجانها‪ ،‬وصفوا «كتارا» بأنها‬ ‫صـرح ثقافـي‪ ،‬يشـرف علـى رعايـة ودعـم‬ ‫ٌ‬ ‫الروايـة العربيـة فـي المشـهد اإلبداعـي‪ ،‬بمـا‬ ‫يؤسـس لحالـة إبداعيـة وثَّابـة‪ ،‬مـا يجعلهـا‬ ‫ِّ‬ ‫مكسـب ًا ثقافيـ ًا مفتوح ًا على العطـاء الثّقافي‬ ‫بالعالـم العربي‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫د‪ .‬خالد السليطي يسلم الجائزة للكاتب ناصر عراق‬

‫ووصف د‪.‬خالد بن إبراهيم السليطي‪ ،‬المدير‬ ‫للمؤسسة العامة للحي الثّقافي‪« ،‬كتارا»‬ ‫العام‬ ‫َّ‬ ‫بأنها أحد أكبر المشاريع ذات األبعاد الثّقافية‬ ‫المتعددة في الوطن العربي‪« ،‬فقد ُد ِّشَن ْت هذه‬ ‫ِّ‬ ‫مجـرَد ٍ‬ ‫لتصبـح‬ ‫فكـرة‬ ‫الجائـزة‪ ،‬بعدمـا كانـت ّ‬ ‫َ‬ ‫المتميزة‪ ،‬حتى‬ ‫صرح ًا لنشر الرواية العربية‬ ‫ِّ‬ ‫تحو َل هذا الطموح إلى حقيقة»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يؤكـد لـ«الدوحـة» أنـه بالرغـم‬ ‫ناصـر عـراق ِّ‬ ‫مـن كونـه ليـس الفائـز الوحيـد بالجائـزة‪،‬‬ ‫ّإال أنـه الفائـز الوحيـد بتحويـل روايتـه إلـى‬ ‫ٍ‬ ‫عمل درامي‪« ،‬وهو عمل استلهمت فكرته من‬ ‫تاريخ مصر الحديث‪ ،‬مدته ‪ 7‬سنوات‪ ،‬وهذه‬ ‫مكدسـة باألحـداث التاريخية‪،‬‬ ‫الفتـرة كانـت َّ‬ ‫التي تعاملت معها بشكل روائي‪ ،‬قرأت معها‬ ‫مؤرخاً‪ ،‬ولكني‬ ‫‪ 50‬كتاباً‪ ،‬ومع ذلك فلسـت ِّ‬ ‫أمتلك مفردات وإحاالت تاريخية‪ ،‬أنظر منها‬ ‫على الحاضر‪ ،‬لرسـم المستقبل»‪.‬‬ ‫يرد عراق بأن‬ ‫وحول معايير نجاح الرواية‪ّ .‬‬ ‫علـى صاحبهـا اسـتحضار شـروط الكتابة‪،‬‬ ‫والبراعـة فـي الحبكـة‪« ،‬وإذا كان الكاتـب‬ ‫يسـتطيع سـرد وقائـع تاريخيـة‪ ،‬فعليـه أن‬ ‫يكون ماهرًا في الكتابة‪ ،‬فالفيصل في الكتابة‬ ‫شـددًا علـى ضـرورة امتاك‬ ‫هـو المهـارة»‪ُ .‬م ِّ‬ ‫الكاتب ألدوات الرواية‪ ،‬وعلى رأسها الكتابة‬ ‫يفجرها‬ ‫بالفصحى‪« ،‬فإذا استطاع الروائي أن ِّ‬ ‫بمـا يائـم العصـر الحديـث‪ ،‬فإنـه يسـتطيع‬ ‫‪12‬‬

‫بالتالـي التأثير فـي القارئ»‪.‬‬ ‫أمـا د‪.‬هويـدا صالح‪ ،‬عضـو لجنة التحكيم‪،‬‬ ‫فتعتبـر الجائزة جـاءت في موعدها‪« ،‬لكون‬ ‫الرواية هي صوت الناس‪ ،‬ومن حقهم علينا‬ ‫إخبارهـم بمـا يـدور حولهـم‪ ،‬من خـال ٍ‬ ‫عمل‬ ‫لتعزز‬ ‫تميـز‪ ،‬ولذلك تأتـي الجائزة ِّ‬ ‫إبداعـي ُم ِّ‬ ‫ِ‬ ‫من مكانة الرواية عالمياً‪ ،‬بعدما أحدثت حراك ًا‬ ‫ثقافي ًا كبيراً»‪.‬‬ ‫قدمـت للسـاحة وجوهـ ًا‬ ‫وتـرى أن الجائـزة َّ‬ ‫عاوة على إبرازها لوجوه‬ ‫روائيـة جديـدة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫أخـرى جديـدة مـن لجـان التحكيـم‪ ،‬دون‬ ‫االعتمـاد علـى الوجـوه المسـتهلكة‪ ،‬لتظهـر‬ ‫الفتة إلـى «أننا في‬ ‫وجوهـ ًا أخـرى ُمغايـرة‪ً .‬‬ ‫قدر كبير‬ ‫لجنـة التحكيم وجدنا أنفسـنا أمـام ٍ‬ ‫مـن األعمـال الروائيـة‪ ،‬والتـي اسـتلزمت من‬ ‫األعضـاء الدقّـة‪ ،‬في الوقت الذي الحظنا فيه‬ ‫نضجـ ًا كبيـرًا مـن جانـب المشـاركين‪ ،‬الذيـن‬ ‫جـاءت أعمالهـم من مختلف البلدان العربية‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫وتمكنهـم مـن توظيـف آليـات السـرد‬ ‫بشـكل‬ ‫ُّ‬ ‫حقيقي»‪.‬‬ ‫ويعتبـر علـي الرفاعـي الجائـزة‪ ،‬انتصـارًا‬ ‫ٍ‬ ‫للروايـة وقيمتهـا‪ ،‬وأنهـا‬ ‫بشـكل خـاص ُتعّد‬ ‫وإعاء للرواية السودانية‪ ،‬من خال‬ ‫تتويج ًا‬ ‫ً‬ ‫فـوز أحـد ُك َّتابهـا بجائـزة «كتـارا» للروايـة‬ ‫العربيـة‪ .‬الفتـ ًا إلـى أن الجائزة في نسـختها‬ ‫الثانية أصبحت أكثر نضجاً‪ ،‬وأن كثيرًا من‬

‫المبدعيـن يعولـون عليهـا فـي إثـراء المشـهد‬ ‫اإلبداعـي العربي‪.‬‬ ‫وكان الفت ًا خال تتويج الفائزين بالجائزة‪،‬‬ ‫حصـد أربعـة مـن النقَّـاد المغاربـة لجوائـز‬ ‫الدراسـات المعنيـة بالبحث والنقـد الروائي‪.‬‬ ‫وهـو مـا تصفـه الناقـدة زهـور كـرام بأنـه‬ ‫«تتويج لمدرسة النقد المغربية‪ ،‬ما يجعلها‬ ‫مـن أهـم مـدارس النقد بالوطـن العربي‪ ،‬كما‬ ‫أن تتويجـي للفـوز بالجائـزة ُيعـّد تتويجـ ًا‬ ‫أيضـ ًا للنقـد النسـائي المغربـي‪ ،‬بما يعكس‬ ‫نقلـة نوعيـة للنقـد المغربي‪ ،‬وهو مـا ُيثري‬ ‫بـدوره المشـهد النقـدي العربي»‪.‬‬ ‫مهرجـان الجائزة في نسـخته الثانية‪ ،‬شـهد‬ ‫تنظيـم جلسـتين حواريتيـن‪ ،‬األولـى حـول‬ ‫«كتاب الرواية العربية في القرن العشـرين‪:‬‬ ‫التأسيس والتطوير والظهور واألنماط تأليف‬ ‫مشـترك»‪ ،‬أدارتهـا د‪ .‬مريم جبر مـن األردن‪.‬‬ ‫كل مـن د‪ .‬سـعيد يقطيـن مـن‬ ‫وشـارك فيهـا ّ‬ ‫المغـرب ود‪.‬محمـد الشـحات مـن مصـر‪ .‬فيما‬ ‫ناقشـت الجلسـة الثانيـة كتـاب «الروايـة‬ ‫القطريـة‪ :‬قـراءة فـي االتجاهـات» للدكتـور‬ ‫أحمـد عبدالملك‪.‬‬ ‫وخال الجلسة الثانية‪.‬عرج د‪.‬عبدالملك على‬ ‫بدايات الرواية القطرية‪ ،‬منذ تدشين الكاتبة‬ ‫شـعاع خليفـة لروايتها األولـى «العبور إلى‬ ‫الحقيقة»‪ ،‬في عام ‪ ،1993‬وإصدار شقيقتها‬ ‫دالل خليفـة لروايتهـا «أسـطورة اإلنسـان‬ ‫والبحيرة»‪.‬‬ ‫ويكشـف أنـه منـذ ذلـك التاريـخ وحتـى عام‬ ‫‪ 2005‬توقَّفـت اإلصـدارات‪ ،‬إلـى أن جـاءت‬ ‫ثم ظهور مريم آل‬ ‫روايته «أحضان المنافي»‪ّ ،‬‬ ‫سعد بروايتها «تداعي الفصول»‪ ،‬وعبدالعزيز‬ ‫آل محمـود بـأول روايـة تاريخيـة وهـي‬ ‫ثم روايته «الشـراع المقدس»‪،‬‬ ‫«القرصـان»‪ّ ،‬‬ ‫حتـى ظهـرت روايـة عيسـى عبـداهلل «كنـز‬ ‫سـازيران»‪ ،‬وصو ًال إلى رواية «زبد الطين»‬ ‫لجمـال فايز‪.‬‬ ‫وحـاول د‪.‬عبدالملـك خـال مداخلته اإلجابة‬ ‫عـن ِع َّـدة تسـاؤالت‪ ،‬أهمهـا‪ :‬مـا هـي الرواية‬ ‫القطرية؟ وما هي اتجاهاتها؟ باحث ًا ومصنف ًا‬ ‫ا تستحق أن تكون في الئحة انطباق‬ ‫‪ 23‬عم ً‬ ‫الخصائص السـردية على هذه األعمال‪.‬‬ ‫األسئلة هذي‪ ،‬وغيرها يمكن أن تكون محورًا‬ ‫لمداخـات ِع َّـدة بالمشـهد اإلبداعـي القطري‪،‬‬ ‫بغية تطويره‪ ،‬ليكون له نصيب في الصعود‬ ‫لجائزة «كتارا» للرواية العربية‪ ،‬والتي ُتعّد‬ ‫من أرفع أنواع الجوائز على مستوى الوطن‬ ‫العربي‪.‬‬


‫َّ‬ ‫المثقف المغربي في الحملة!‬

‫الربـاط‪ :‬عبدالحق ميفراني‬ ‫شـكل انخـراط المثقَّـف المغربـي فـي‬ ‫َّ‬ ‫االستحقاقات التشريعية األخيرة استثناء‬ ‫الفتاً‪َ ،‬تمثَّل في الكتابات والنقاشات التي‬ ‫شـهدتها الوسـائط اإلعاميـة المكتوبـة‬ ‫والمرئيـة واإللكترونيـة‪ .‬ولـم يكـن النداء‬ ‫األولي لـ ‪ 100‬شخصية أكاديمية وفكرية‬ ‫ّيـة مغربيـة سـوى فاتحـة‬ ‫وثقافيـة َ‬ ‫وفنّ‬ ‫لبيـان ربمـا سـيكتب لـه تحريـك شـهوة‬ ‫المثقَّـف المغربـي للنشـاط السياسـي‬ ‫بالمغـرب‪.‬‬ ‫‪ %43‬هـــي نســـبة المشـــاركة فـــي‬ ‫االس ــتحقاقات التش ــريعية الثاني ــة بع ــد‬ ‫دســـتور ‪ ،2011‬وال شـــك أنـــه رقـــم‬ ‫يؤش ــر بالملم ــوس عل ــى أغلبي ــة أخ ــرى‬ ‫صمتــت عــن التعبيــر‪ .‬وفــي الوقــت الــذي‬ ‫ن ــأت في ــه فئ ــات م ــن الش ــعب المغرب ــي‬ ‫عـــن صناديـــق االقتـــراع‪ ،‬فـــإن العديـــد‬ ‫مـــن المثقَّفيـــن المغاربـــة انخرطـــوا مـــن‬ ‫خــال الوســائط االجتماعيــة فيمــا يشــبه‬ ‫االســـتقطاب القبلـــي للتصويـــت علـــى‬ ‫الموحـــد‪.‬‬ ‫فيدراليـــة اليســـار االشـــتراكي‬ ‫َّ‬ ‫وهـــو الحـــزب المعـــارض الـــذي اختـــار‬ ‫المشــاركة فــي اللعبــة الديموقراطيــة عــن‬ ‫طري ــق صنادي ــق االقت ــراع‪ ،‬فيم ــا اخت ــار‬ ‫فصي ــل آخ ــر ه ــو النه ــج الديموقراط ــي‬ ‫المقاطعـــة‪.‬‬ ‫وعلـى صعيـد آخـر‪ ،‬يبـدو أن انشـغال‬ ‫والكّتاب بترقُّب ما ستسـفر عنه‬ ‫المثقَّفين ُ‬

‫االنتخابـات‪ ،‬جعـل الفاعليـن فـي المشـهد‬ ‫الثّقافـي بالمغـرب يؤجلـون «الدخـول‬ ‫الثّقافـي»؛ ففـي الوقـت الـذي كانـت فيـه‬ ‫اللعبـة السياسـية‪ ،‬وصناديـق االقتـراع‬ ‫يمهـدان لواليـة تشـريعية جديـدة‪ ،‬التهـى‬ ‫المثقَّفـون المغاربـة بهـذا الحـدث عبـر‬ ‫تحولـت إلـى‬ ‫الوسـائط االجتماعيـة التـي ّ‬ ‫حلبة نقاش حول وضعية اليسار وآفاقه‬ ‫المسـتقبلية ضمـن الخريطـة السياسـية‬ ‫المغربية‪ ،‬في تعبير مباشر عن طموحات‬ ‫تجددت من ستينيات وسبعينيات القرن‬ ‫َّ‬ ‫الماضـي‪ .‬وظهـر واضحـ ًا أن فضـاء‬ ‫تحـول لنقطـة جـذب قويـة‪،‬‬ ‫اإلنترنـت‬ ‫ّ‬ ‫أظهـرت ميـول السياسـيين والعديـد مـن‬ ‫النخـب السياسـية الشـابة السـتغال هذا‬ ‫الفضـاء لشـحذ أصـوات ناخبيهـا‪ .‬وأكثـر‬ ‫تميـز‬ ‫مـن أي محطـة انتخابيـة سـابقة ّ‬ ‫اإلعام اإللكتروني باستضافته نخبة من‬ ‫كل االنتمـاءات‬ ‫المفكريـن والمحلليـن مـن ّ‬ ‫والحساسـيات السياسـية والفكريـة‪،‬‬ ‫اعتمـادًا علـى تقنيـة البـث المباشـر عبـر‬ ‫اليوتيـوب والتـي باتـت المنافـس القـادم‬ ‫لإلعـام التليفزيونـي فـي المغـرب‪.‬‬ ‫وبالعودة إلى الرسالة التي يمكن وصفها‬ ‫بالتاريخية‪ُ ،‬ل ِ‬ ‫وحظ أن أسـماء الموقعين‬ ‫مـن الوجـوه المعروفـة والمكرسـة فـي‬ ‫المشـهد المغربـي والعربي‪ ،‬على رأسـهم‬ ‫األنتروبولوجي عبداهلل حمودي‪ ،‬الشاعر‬ ‫محمـد بنيـس والروائـي والناقـد محمـد‬ ‫برادة وكثير من الوجوه األخرى الفاعلة‬

‫فـي اإلعـام والفكـر والثّقافة‪.‬‬ ‫يتخل المثقَّفـون والفنانون الموقعون‬ ‫لـم‬ ‫َ‬ ‫علـى الرسـالة عـن لغـة «األمـل»‪ ،‬وال عن‬ ‫طموحهـم فـي رؤيـة المغـرب يوقـع علـى‬ ‫خطـوات إرسـاء البنـاء الديموقراطـي‬ ‫الفعالة للمواطن المغربي في‬ ‫والمشاركة ّ‬ ‫العمـل السياسـي‪ .‬وأبعـد مـن لغـة األمل‪،‬‬ ‫سـجلت الرسـالة خطابـ ًا انتقاديـ ًا للنخـب‬ ‫«المكرسة»‪ .‬لكن انخراط المثقَّف المغربي‬ ‫وتفاعلـه الافـت مع حدث االسـتحقاقات‬ ‫االنتخابيـة األخيـرة‪ ،‬دفـع إلـى التسـاؤل‬ ‫عن طبيعة هذا التفاعل الرامي إلى التأثير‬ ‫فـي الفعـل السياسـي اليـوم‪ ،‬فـي وقـت‬ ‫موجهـ ًا إليـه عـن طبيعة‬ ‫َظ ّ‬ ‫ـل النقـد دائمـ ًا َّ‬ ‫المتكرر في الشأن العام المغربي‪.‬‬ ‫غيابه‬ ‫ِّ‬ ‫يؤسـس المثقَّـف المغربي لما‬ ‫فهـل اليـوم ِّ‬ ‫يشـبه قطيعـة مـع االنخـراط فـي الفعـل‬ ‫موجه للحزب‬ ‫السياسي؟ أم أن هذا الفعل َّ‬ ‫«اإلسـامي» فـي المغـرب‪ ،‬وهـو الحـزب‬ ‫الذي «أسهم في ضمان صيرورة االنتقال‬ ‫السلس واالستقرار» في مرحلة حساسة‬ ‫مـن ِ‬ ‫الحـراك المغربـي والعربـي األخيـر؟‪.‬‬ ‫رسائل أم انخراط أو ميثاق مبدئي‪ ،‬على‬ ‫كل حـال؛ خلـق المثقَّـف المغربـي الحدث‬ ‫ّ‬ ‫فـي هـذه المحطـة االنتخابيـة بصـورة‬ ‫ذكـر بأجـواء الحمـاس فـي السـتينيات‬ ‫ُت ِّ‬ ‫والسبعينيات من القرن الماضي‪ ،‬ويبقى‬ ‫األمـل أن يصبـح هـذا الحمـاس أبعـد مـن‬ ‫بيان أو رسالة قيمية‪ ،‬وأن تكون الثّقافة‬ ‫داعمة للمشـاركة السياسـية في المغرب‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫اﻟﺤﺪث‬

‫أثــار منــح جائزة نوبل فــي اآلداب لبوب ديالن‪ ،‬وهو أول موســيقي يحظــى بهذا التكريم‬ ‫آن معاً‪ .‬يبدو أن خبر فوز بوب ديالن‬ ‫األدبي الرفيع‪ ،‬موجة من التهليل والسجال الحاد في ٍ‬ ‫بجائزة نوبل في اآلداب‪ ،‬والذي كان له وقع الصاعقة‪ ،‬ســيكون هو الكلمة الفصل في ذاك‬ ‫الســجال الــذي ُأثير حول بوب ديالن مؤلــف األغاني منذ أن ُو ِ‬ ‫ص َف بأنه صوت الجيل في الســتينيات‬ ‫ألغان مثل ‪ my back PageS‬و‪ Subterranean HomeSick blueS‬أن‬ ‫من القرن الماضي‪ .‬فهل يمكن‬ ‫ٍ‬ ‫تتجاوز حدود الموسيقى الشعبية وترتقي إلى منزلة األدب العظيم؟‬ ‫‪14‬‬


‫هل يُع ّد ما كتبه بوب ديالن أدب ًا؟*‬ ‫ﺟﻮن ﺟﻮرﺟﻨﺴني وأﻧﱠﺎ راﺳﻴﻞ‬ ‫علـى مـا يبـدو فقـد اعتبـرت لجنـة جائـزة‬ ‫نوبـل أن كلمـات بعـض األغانـي مثل «كنت‬ ‫عندئـذ أكبـر سـن ًا بكثيـر وأنـا اآلن أصغـر»‬ ‫و«لسـت بحاجـة إلـى خبيـر طقـس لمعرفـة‬ ‫اتجـاه الريـح» تضـع السـيد ديـان علـى‬ ‫قـدم المسـاواة مـع وليـام فوكنـر وإرنسـت‬ ‫همنغـواي وتونـي موريسـون وغيرهم من‬ ‫أدبـاء أميـركا الحائزين علـى جائزة نوبل‪.‬‬ ‫إنه أول موسيقي يحصل على هذه الجائزة‬ ‫فـي تاريخهـا الـذي يمتـد إلـى ‪ 115‬سـنة‪.‬‬ ‫فـي معـرض إعانها عـن الفائـز بالجائزة‪،‬‬ ‫قالـت السـيدة سـارة دانيـوس‪ ،‬السـكرتير‬ ‫الدائـم لألكاديميـة السـويدية‪« :‬إذا نظرتـم‬ ‫إلى الوراء قبل ‪ 2500‬سـنة أو نحو ذلك‪،‬‬ ‫فسـوف تجـدون هوميـروس وسـافو‪ .‬وقـد‬ ‫كانـا يكتبـان نصوصـ ًا شـعرية كـي ُتعزف‬ ‫ـؤدى‪ ،‬وفي كثير من األحيان بمصاحبة‬ ‫ُ‬ ‫وت َ‬ ‫اآلالت‪ ،‬وهـذه هـي الطريقـة نفسـها التـي‬ ‫يعمـل بهـا بـوب ديان»‪.‬‬ ‫وقد جاء ذلك بمثابة التأييد لباحثي األدب‬ ‫الذيـن كانـوا يسـعون إلى اإلعـاء من قيمة‬ ‫أعمالـه‪ ،‬ومنهـم كريسـتوفر ريكـس‪ ،‬وهـو‬ ‫أسـتاذ سـابق فـي جامعـة أكسـفورد الـذي‬ ‫شـبه الشـاعر القادم من والية مينيسـوتا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫بالشـاعرين كيتـس وييتـس وغيرهمـا مـن‬ ‫كبـار الشـعراء‪ .‬وقـد أشـار آخـرون ممـن‬ ‫مفصـا ألغانيـه إلـى أن‬ ‫تحليـا‬ ‫أجـروا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مديـن إلـى األغنيـة الشـعبية‬ ‫السـيد ديـان‬ ‫ٌ‬ ‫اإلنجليزية واالسكتلندية‪ .‬فأغنية ‪A Hard‬‬ ‫‪( Rain’s A-Gonna Fall‬التـي يمكـن‬ ‫ترجمتهـا إلـى‪ :‬سـوف ينهمـر مطـر غزيـر)‪-‬‬ ‫علـى سـبيل المثـال‪ -‬مسـتوحاة مـن أغنيـة‬ ‫شـعبية موجـودة منـذ قـرون وهـي ‪Lord‬‬ ‫‪ Randall‬أو «لـورد رانـدال»‪.‬‬

‫لكـن خبـر الفـوز بجائـزة نوبـل قـد أثـار‬ ‫الكّتـاب الذيـن اعترضـوا‬ ‫اسـتياء بعـض ُ‬ ‫علـى ذهـاب أرفـع جوائـز التكريـم األدبـي‬ ‫إلـى موسـيقي‪ ،‬بغـض النظـر عـن مكانتـه‬ ‫متوجـ ًا‬ ‫غيـر الرسـمية واعتبـاره «شـاعرًا َّ‬ ‫فـي أغانـي الـروك أنـد رول»‪ .‬وقـد كتـب‬ ‫الروائـي إيرفيـن ويلـش‪ ،‬صاحـب روايـة‬ ‫‪ ،Trainspotting‬يقول عبر حسابه على‬ ‫موقع التدوينات القصيرة تويتر‪« :‬إذا كنت‬ ‫مـن محبـي الموسـيقى‪ ،‬فابحـث عنهـا فـي‬ ‫ثم‬ ‫القامـوس‪ .‬وبعدئـذ ابحـث عـن «األدب»‪ّ .‬‬ ‫قـارن وانظـر مـدى التفـاوت»‪.‬‬ ‫وتسـاءل صـاح الدين أحمـد‪ ،‬وهو يعيش‬ ‫في ديترويت وصاحب رواية ‪Throne of‬‬ ‫‪ the Crescent Moon‬أو «عرش الهال»‪،‬‬ ‫وهي رواية خيالية مسـتوحاة من األجواء‬ ‫العربيـة‪ ،‬لمـاذا كان السـيد ديـان هـو أول‬ ‫موسـيقي ينـال نوبـل‪« :‬مـا الـذي يجعلـه‬ ‫أجـدر بهـذا التكريـم أو أكثـر اسـتحقاق ًا ألن‬ ‫عترف به كشخصية أدبية‪ ،‬مقارنة بهؤالء‬ ‫ُي َ‬ ‫الشـعراء الجواليـن الذيـن سـبقوه والذيـن‬ ‫ال يعلـم عددهـم ّإال اهلل فـي لغـات ال يعلـم‬ ‫عددهـا ّإال اهلل؟»‬ ‫أمـا جويـس كارول أوتـس‪ ،‬والتـي ُيشـار‬ ‫إليهـا باعتبارهـا منافسـة دائمـة علـى‬ ‫جائـزة نوبـل‪ ،‬فقـد اعتبرت اختيـار اللجنة‬ ‫لهمـاً»‪ ،‬ولكنهـا أشـارت إلـى أن أعضـاء‬ ‫«م َ‬ ‫ُ‬ ‫فرقـة البيتلـز األحيـاء ربمـا يكونـون أكثـر‬ ‫استحقاق ًا للجائزة‪ .‬وقالت عبر رسالة بريد‬ ‫إلكتروني‪« :‬يمكن القول إن موسيقاهم إما‬ ‫تضاهـي فـي أهميتهـا أعمـال بـوب ديـان‬ ‫أو تفوقهـا»‪.‬‬ ‫يكـن‬ ‫وحتـى ظهيـرة يـوم الخميـس‪ ،‬لـم ْ‬ ‫الحائـز علـى الجائـزة نفسـه والبالـغ مـن‬

‫العمـر ‪ 75‬عامـاً‪ ،‬قـد علَّـق بعـد علـى نيـل‬ ‫هـذا الشـرف‪ .‬وبينمـا كان قـد قبـل جوائـز‬ ‫تكريـم سـابقة فـي الفنـون واآلداب‪ ،‬مثـل‬ ‫وسـام جوقـة الشـرف فـي فرنسـا فـي عـام‬ ‫‪ ،2013‬فقد اعتاد السيد ديان على ّأال يعبأ‬ ‫بهوس الجمهور بكلماته‪ ،‬حتى وهو يضع‬ ‫الكّتاب في التاريخ‪.‬‬ ‫نفسه في ُزمرة أعظم ُ‬ ‫وقـد صـرح العام الماضي لدى قبول إحدى‬ ‫جوائـز جرامـي بقولـه‪« :‬هـذه األغاني التي‬ ‫ألَّفتهـا‪ ،‬تشـبه قصـص الغمـوض‪ ،‬وهـي‬ ‫مـن النـوع الـذي كان شكسـبير يـراه خـال‬ ‫سـنوات ترعرعـه‪ .‬أعتقـد أن بوسـعك أن‬ ‫تتتبـع مـا أقـوم بـه وتجـده في ذلـك الزمن‬ ‫َّ‬ ‫الماضي»‪.‬‬ ‫لقـد كان السـيد ديـان‪ ،‬الـذي ألَّـف ُكتبـ ًا‬ ‫فضـا عن أكثر من ‪ 500‬أغنية‪،‬‬ ‫وقصصـاً‪،‬‬ ‫ً‬ ‫كل شـيء‬ ‫عرف نفسـه أو ًال وقبل ّ‬ ‫غالب ًا ما ُي ِّ‬ ‫مقررًا أن يغني‬ ‫كان‬ ‫وقد‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫موسيقي‬ ‫باعتباره‬ ‫َّ‬ ‫ليلـة الخميـس فـي كازينـو كوزموبوليتان‬ ‫فـي الس فيجـاس وكان لديـه ارتبـاط آخـر‬ ‫في نهاية هذا األسـبوع في «مهرجان رحلة‬ ‫الصحـراء» فـي كاليفورنيـا‪ ،‬حيث يشـاركه‬ ‫بـول مكارتنـي ونيـل يونـج وغيرهمـا مـن‬ ‫عمالقة الروك الكاسيكية‪ .‬وقد غنَّى السيد‬ ‫ديـان فـي أكثر من ‪ 1400‬عرض منذ العام‬ ‫‪.2000‬‬ ‫وكمـا يوحـي جـدول أعمالـه المزدحـم‬ ‫بالجـوالت التـي ال تنتهـي أبـداً‪ُ ،‬يشـير‬ ‫السـيد ديـان إلـى نفسـه باعتبـاره تاجـرًا‬ ‫فيمـا يخـص مسـألة الكتابـة‪ ،‬فهـو يتعامـل‬ ‫مع الموضوعات األسطورية التي تتجاوز‬ ‫حـدود الموسـيقى الشـعبية‪ .‬وقـد قـال فـي‬ ‫مقابلـة أجراهـا فـي عـام ‪ 2012‬مـع مجلـة‬ ‫سـمى التراث‪.‬‬ ‫رولينـج سـتون‪« :‬إن ذلـك ُي َّ‬ ‫‪15‬‬


‫وهـذا هـو مـا أتعامـل فيـه»‪.‬‬ ‫وفي أوسـاط ُك َّتـاب األغنية اآلخرين‪ ،‬كان‬ ‫يميز نفسـه باتسـاع‬ ‫السـيد ديـان دائمـ ًا مـا ِّ‬ ‫بدايـة‬ ‫نطـاق المؤثـرات التـي ينهـل منهـا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مـن الكتـاب المقـدس ووصو ًال إلـى رامبو‪،‬‬ ‫ومـن تشـيخوف إلـى جون شـتاينبك الذي‬ ‫أصبـح زميلـه فـي الفـوز بجائـزة نوبـل‪-‬‬ ‫ناهيك عن مؤثرات أخرى ترتبط مباشـرة‬ ‫بالموسـيقى‪ ،‬بدايـة مـن تشـارلي باتـون‬ ‫مغنـي موسـيقى الريـف الحزينـة ووصو ًال‬ ‫إلـى فرانك سـيناترا‪.‬‬ ‫ويقـول شـون ويلنتـس‪ ،‬أسـتاذ التاريـخ‬ ‫األميركـي فـي جامعـة برينسـتون ومؤلـف‬ ‫كتـاب «ديـان فـي أميـركا»‪« :‬إنـه يمكـن أن‬ ‫يتحـّدث عـن العبي األرجوحـة الطائرة في‬ ‫السـيرك باعتبارهم من المؤثرين فيه‪ .‬فهم‬ ‫ـن األداء نوع ًا من‬ ‫مـؤدون وهـو يـرى فـي َف ّ‬ ‫‪16‬‬

‫األدب»‪.‬‬ ‫أما‬ ‫المؤرخ الموسيقي البريطاني كلينتون‬ ‫ِّ‬ ‫هيليـن‪ ،‬والـذي ألَّـف العديـد مـن الكتـب عن‬ ‫ديان‪ ،‬فقال إنه شارك قبل بضع سنوات‬ ‫فـي مؤتمـر ناقش ما إذا كانت أعمال السـيد‬ ‫ديان تستحق جائزة نوبل‪ .‬وكانت إجابته‬ ‫نعـم‪ .‬وقـال‪« :‬إنـه صاحـب تأثيـر واسـع‬ ‫النطاق»‪.‬‬ ‫بكتـاب‬ ‫ويقـول السـيد هيليـن مستشـهدًا َّ‬ ‫فرقـة البيتـس بمـن فيهـم جـاك أواك وأالن‬ ‫جنجسبرج (الذي كان صديق ًا للسيد ديان)‪،‬‬ ‫«إن أغنية مثل ‪Hard Rain’s A-Gonna‬‬ ‫‪ Fall‬لم تكن لتوجد من دون فرقة البيتس‪.‬‬ ‫إنها ترتبط ببناء السطر الشعري وصورة‬ ‫الـدق على البـاب بالمقرعة»‪.‬‬ ‫أما الكاتب رون روزنباوم‪ ،‬الذي كتب كثيرًا‬ ‫عـن السـيد ديـان‪ ،‬فيقـول إن السـيد ديان‬

‫استطاع أن «ينقَّب ويحفر في اللّغة والكام‬ ‫والعاطفة‪ ،‬وأن يصوغ المشاعر بطريقة ال‬ ‫تـزال يكتنفهـا الغمـوض والسـحر‪ ...‬أعتقـد‬ ‫أنـه كان صاحـب تأثيـر خفـي علـى اللّغـة‪،‬‬ ‫وعلـى الطريقـة السـاخرة والجامـدة التـي‬ ‫نتحّدث بها»‪.‬‬ ‫لقـد كانـت احتمـاالت فـوز السـيد ديـان‬ ‫مثـارًا للتكهنـات السـنوية مـن ِقَب ِـل مكاتـب‬ ‫المراهنات والمهووسين بالموسيقى‪ ،‬الذين‬ ‫كانوا يظهرون حماس ًا دائم ًا للنقاش حول‬ ‫مكانتـه بيـن العظماء‪.‬‬ ‫ووصـف جـوردون بـول‪ ،‬أسـتاذ اللّغـة‬ ‫اإلنجليزيـة فـي جامعـة واشـنطن‪ ،‬الـذي‬ ‫قـدم السـيد ديـان كمرشـح‬ ‫كان أول مـن َّ‬ ‫لنيـل «نوبـل» فـي عـام ‪ ،1996‬مهمتـه فـي‬ ‫مقـال نشـره في مجلـة ‪:Oral Tradition‬‬ ‫«لقـد استشـهدت بالنطـاق الـا محـدود‬


‫تقريب ًا ألعمال ديان‪ ،‬وكيف أنها انتشـرت‬ ‫فـي شـتى بقـاع العالـم وأثَّـرت فـي مسـار‬ ‫التاريـخ»‪ .‬وأضـاف السـيد بـول في مقابلة‬ ‫قائاً‪ :‬إنه بعث على مدى سـنوات عشـرات‬ ‫قـل لألكاديميـة السـويدية‬ ‫الملفـات علـى ا َأل ّ‬ ‫«رسـائل‬ ‫وذلـك عبـر‬ ‫طولـة مشـفوعة‬ ‫م‬ ‫ُ َّ‬ ‫بوجهـات نظـر محدثـة»‪.‬‬ ‫أمـا بعـض الذيـن انتقـدوا فـوز ديـان‬ ‫بالجائزة فقد أشاروا إلى عادته في انتحال‬ ‫كام اآلخرين وتطويعه ليصبح كامه هو‪.‬‬ ‫ومـن بيـن االنتحـاالت األخـرى‪ ،‬فقـد ُاتهـم‬ ‫السـيد ديـان بسـرقة مقـوالت مـن جـاك‬ ‫لنـدن فـي مذكراتـه ‪Chronicles – Vol-‬‬ ‫‪ ،ume One‬ومقـوالت أخرى من الروائي‬ ‫الياباني‪ ،‬جونيتشي ساجا‪ ،‬والتي ظهرت‬ ‫فـي أغانـي ألبومـه «الحـب والسـرقة» الذي‬ ‫صـدر فـي عـام ‪.2001‬‬

‫وفـي عـام ‪ ،2012‬قـال السـيد ديـان فـي‬ ‫مقابلـة مـع مجلـة رولينـج سـتون‪« :‬فـي‬ ‫الموسـيقى الشـعبية وموسـيقى الجـاز‪،‬‬ ‫يصبـح االقتبـاس تقليـدًا ثريـ ًا ومصـدرًا‬ ‫لإلثـراء‪ ...‬ويجـب أن يرتبـط باللحـن‬ ‫واإليقـاع‪ ،‬وليكـن مـا يكـون بعـد ذلك‪ .‬إنك‬ ‫كل شيء إلى كلماتك‪ .‬ونحن جميع ًا‬ ‫تحول ّ‬ ‫ّ‬ ‫نفعـل ذلـك»‪.‬‬ ‫ويضيف السـيد ويلنتس قائاً‪« :‬إن الناس‬ ‫الفّن وبيـن الورقة البحثية‪.‬‬ ‫يخلطـون بيـن َ‬ ‫وهـذا ُيظهر سـوء فهـم واضح ًا لما يقوم به‬ ‫الفنانون‪ .‬لماذا نستثنيه؟ إنه ال ينتحل أكثر‬ ‫ممـا يفعـل تى‪ .‬أس‪ .‬إليـوت أو ثيلونيوس‬ ‫مونك»‪.‬‬ ‫وفيمـا يبـدو أنـه اعتـراف من جانبهـا بقيام‬ ‫الفنّي‪،‬‬ ‫القص واللصق َ‬ ‫السيد ديان بعملية ّ‬ ‫فقد أشارت إليه السيدة دانيوس السكرتير‬ ‫الدائـم لألكاديميـة السـويدية باعتبـاره‬ ‫«بارعـ ًا فـي التوليف»‪.‬‬ ‫والمثـال األول فـي قضيـة اعتبـار السـيد‬ ‫ديـان كاتبـ ًا شـهيرًا هـو أرشـيف أعمالـه‬ ‫الـذي يتـم تجميعه اآلن في جامعة تولسـا‪.‬‬ ‫فالشاحنات المحملة بالمخطوطات والدفاتر‬ ‫والصور والتسـجيات السمعية والبصرية‬ ‫ال تزال تصل إلى هناك منذ تم اإلعان عن‬ ‫إنشـاء أرشـيف بـوب ديـان فـي مـارس‪/‬‬ ‫آذار الماضـي‪.‬‬ ‫وقـد تـم شـراء هـذه المجموعـة التي تغطي‬ ‫مشـواره المهنـي وتبلـغ ‪ 6‬آالف مـادة‬ ‫محفوظـة مـن ِقَب ِـل الجامعـة‬ ‫ومؤسسـة‬ ‫َّ‬ ‫عائلـة جـورج كايـزر‪ ،‬ومـن المتوقَّـع أن‬ ‫تتـم إتاحتهـا أمـام الباحثيـن بحلـول ربيـع‬ ‫عـام ‪ .2017‬وليـس من قبيـل المصادفة أن‬ ‫تقـدم برنامجـ ًا لطـاب‬ ‫الجامعـة‪ ،‬والتـي ِّ‬ ‫الجامعـة فـي أعمال السـيد ديـان‪ ،‬تحتفظ‬ ‫أيضـ ًا بـأوراق وودي جوثـري‪ ،‬الـذي كان‬ ‫أهم مصدر لإللهام الموسيقي واألدبي لدى‬ ‫بـوب ديـان‪.‬‬ ‫وبالنسبة للباحثين في أعمال ديان الذين‬ ‫كان عليهـم أن يجـروا بأنفسـهم دراسـاتهم‬ ‫الذاتيـة ألغانيـه‪ ،‬فسـوف يكـون األرشـيف‬ ‫مصـدرًا للمـواد األوليـة‪ .‬ويقـول السـيد‬ ‫مايـكل تشـايكن المسـؤول عـن مجموعـة‬ ‫المحفوظات في األرشـيف‪« :‬يجب أن َيقِلب‬ ‫األرشيف الكثير من الدراسات التي أجريت‬ ‫رأسـا على عقب ويفتح أرض ًا‬ ‫حول ديان‬ ‫ً‬ ‫جديـدة تمامـ ًا فيمـا يخـص كتاباته»‪.‬‬ ‫المسـتمر لكتابـات‬ ‫وهـو يستشـهد بالتدفـق‬ ‫ّ‬

‫السيد ديان وبقدرته «الرهيبة على تحرير‬ ‫مـا يكتبه بنفسـه» باعتبارهمـا دليلين على‬ ‫أنه ليس مجرد شـاعر غنائي وحسـب‪ .‬فقد‬ ‫بمسـودات‬ ‫مـأل مؤلـف األغانـي ربـع دفتـر‬ ‫َّ‬ ‫ألغنيـة ‪.Tangled Up in Blue‬‬ ‫وربمـا كانـت األلبومـات التـي أصدرهـا في‬ ‫ّيـ ًا جديـدًا‬ ‫‪ ،1975‬والتـي اعتبـرت ميـادًا َفنّ‬ ‫لـه‪ ،‬هـي مـا أشـار إليهـا السـيد ديـان فـي‬ ‫ا‬ ‫مذكراتـه عندمـا قال إن هناك «ألبوم ًا كام ً‬ ‫ارتكـز فيـه إلـى قصـص تشـيخوف‪ ،‬وكان‬ ‫النقَّـاد يظنونـه سـيرة ذاتيـة لـه»‪ ،‬لكنه لم‬ ‫يذكـر اسـم األلبوم‪.‬‬ ‫وهناك الشـاعر الهندي طاغور الذي حصل‬ ‫علـى جائـزة نوبـل فـي اآلداب عـام ‪،1913‬‬ ‫وإن فـاز بهـا فـي الشـعر‪ ،‬فقـد كان‬ ‫وهـو‪ْ ،‬‬ ‫يكتـب األغانـي أيضاً‪.‬‬ ‫ال بد أن جائزة نوبل سوف تزيد من اهتمام‬ ‫الباحثين الذين يصطفون إللقاء نظرة على‬ ‫المحفوظـات‪ .‬وفـي ِظ ّـل وجـود مجموعـة‬ ‫المحفوظـات فـي الجامعـة التـي يـدرس‬ ‫فيهـا‪ ،‬فقـد وضع البروفيسـور راندال فولر‬ ‫رئيـس قسـم اللّغـة اإلنجليزيـة فـي جامعة‬ ‫تولسا أبحاثه عن هنري جيمس جانب ًا كي‬ ‫يكتـب «سـيرة ذاتيـة فكريـة» عـن الشـاعر‬ ‫الجـوال الـذي يشـبه أبي الهـول‪« .‬لقد كانت‬ ‫معظـم أعمالـي البحثيـة‬ ‫منصبـة علـى أدب‬ ‫َّ‬ ‫القرن التاسـع عشـر مثل أعمال إيمرسـون‬ ‫ووايتمـان وديكنـز‪ ،‬وأنا أرى ديان ضمن‬ ‫هذه السـالة بشـكل واضـح‪ ،‬وذلك لكونه‬ ‫حريـة اإلنسـان‪،‬‬ ‫قـد انشـغل بشـّدة بقضايـا ّ‬ ‫وهو في الوقت نفسه يمتلك رؤية واضحة‬ ‫حـول قيودها»‪.‬‬ ‫إن كون األغاني الشعبية كانت أداة إليصال‬ ‫هـذه الموضوعـات ال ينتقص منها‪ .‬ويقول‬ ‫البروفيسـور فولـر‪« :‬لقـد تعلَّمت كيف أقوم‬ ‫بعملية النقد األدبي عبر دراسة الماحظات‬ ‫المدونة على األلبومات»‪.‬‬ ‫* وول سـتريت جورنال ‪2016/10/14‬‬ ‫ترجمة‪ :‬أنور الشـامي‬ ‫‪17‬‬


‫بعــد ُقرابــة نصف قرن مــن إطالقه ألبومــه األول‪ ،‬ال يزال‬ ‫بــوب ديالن ُيطلــق ألبومات جديدة‪ ،‬ويقــوم بجوالته في‬ ‫ربوع البالد إلقامة الحفالت الموســيقية‪ .‬شون ويلنتس‪،‬‬ ‫أســتاذ التاريخ األميركي بجامعة برنستون‪ ،‬يرصد تأثير ديالن على‬ ‫الثّقافة األميركية في كتابه الجديد‪« ،‬بوب ديالن في أميركا»‪ .‬وهو في‬ ‫شــكل ديالن جيله‪ ،‬وما‬ ‫هذا الحوار مع إليانور باركورن يناقش كيف َّ‬ ‫فنان مثله على الساحة الموسيقية اليوم؟‬ ‫إذا كان يوجد ٌ‬

‫كيف غيَّر بوب ديالن‬ ‫*‬ ‫حقبة الستينيات والثّقافة األميركية؟‬ ‫عنونت كتابك «بوب ديان في‬ ‫أميركا»‪ ،‬فما هي المكانة التي‬ ‫يشغلها ديان في التاريخ الثّقافي‬ ‫ألمتنا؟‬

‫ ‬

‫ إنه مؤلِّف األغاني األبرز خال السنوات‬‫الخمسـين الماضيـة‪ ،‬فـي ثقافة كان تأليف‬ ‫األغانـي فيهـا دائمـ ًا يمثِّـل قـوة رئيسـية‬ ‫ومكون ًا أساسـياً‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ثم هناك حقبة السـتينيات‪ .‬فأعمال ديان‬ ‫ّ‬ ‫ترتبـط ارتباطـ ًا ال ُيمحى بتلـك الحقبة من‬ ‫عـزى في بعضـه لكون‬ ‫الزمـن‪ ،‬وهـو أمـر ُي َ‬ ‫الكثيـر مـن أعظـم أعمالـه قـد ظهـرت فـي‬ ‫سـنوات ‪ 1964‬و‪ 1965‬و‪ .1966‬ولكـن‬ ‫تحولـت إلـى عـبء أو‬ ‫حقبـة السـتينيات َّ‬ ‫ِحمـل ُملقـى علـى عاتـق الثّقافـة بأسـرها‪،‬‬ ‫وقطعـ ًا علـى عاتـق األشـخاص الذيـن هـم‬ ‫تحولت إلى شـيء أكبر‬ ‫في ِمثل ِسـني‪ .‬لقد َّ‬ ‫ممـا كانـت عليه‪.‬‬ ‫وكان ُينظـر إليهـا باعتبارهـا هـي الثـورة‪.‬‬ ‫فقـد جـرت فيهـا أحـداث كثيـرة وكبيـرة‪.‬‬ ‫تحطمـت فيهـا قوانيـن الفصـل العنصـري‪،‬‬ ‫وشـهدت بدايـات الحـركات التـي كان ُق ِّـدر‬ ‫لها أن تنهي الحقبة الشـيوعية في أوروبا‬ ‫كل ما يخطر على البال جرى في‬ ‫الشرقية ‪ّ -‬‬ ‫‪18‬‬

‫جميـع أنحـاء العالم في أواخر السـتينيات‬ ‫وخالهـا‪ .‬وكان ديـان جـزءًا مـن ذلك إلى‬ ‫عبر‬ ‫َح ٍّد كبير‪ .‬وكذلك كانت موسيقاه‪ .‬فقد َّ‬ ‫مـن خالهـا عمـا أراد التعبيـر عنـه‪ ،‬ولكـن‬ ‫النـاس رأوا فيهـا تعبيـرًا عما يشـعرون به‬ ‫ويفكـرون فيه‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ومـع ذلـك‪ ،‬فإنـه أمر خطيـر أن نحصر أي‬ ‫فنـان فـي حقبـة بعينهـا‪ .‬يمكننـا أن نـرى‬ ‫ويليـام بتلـر ييتـس فـي انتفاضـة عيـد‬ ‫الفصـح فـي أيرلنـدا‪ ،‬أو وردزورث فـي‬ ‫الثـورة الفرنسـية‪ ،‬أليـس كذلـك؟ ولكـن‬ ‫وفنّهمـا فـي الواقـع يتجـاوز ذلك‬ ‫حياتهمـا َ‬ ‫بكثيـر‪.‬‬ ‫لقـد تأثـر ديـان بأشـياء جـرت قبـل‬ ‫السـتينيات بزمـن‪ ،‬سـواء كانت موسـيقى‬ ‫ا‬ ‫أم شـعرًا أم كتابـات‪ .‬وهـو لم يولد مكتم ً‬ ‫ناضجـ ًا مـن رحـم تلـك اللحظـة وحسـب‪.‬‬ ‫ويفكـر وينتـج َفنّـ ًا‬ ‫فقـد َظ ّـل يعمـل ويكتـب ِّ‬ ‫عظيمـاً‪ ،‬بعـد نهايـة عام ‪ .1969‬ولذلك من‬ ‫المهم أن ننظر إلى أعمال ديان في ضوء‬ ‫هـذه الرؤيـة األوسـع‪ .‬وهـذا هو مـا أحاول‬ ‫عملـه فـي الكتـاب‪.‬‬

‫ ‬

‫َم ْن في رأيك ديان هذا الجيل؟‬

‫‪ -‬ال أعـرف‪ .‬مـا رأيـك أنـت؟ أعتقـد أن هـذا‬

‫كل منـا أن ُيجيـب عنـه‬ ‫شـيء يجـب علـى ّ‬ ‫بنفسـه‪.‬‬ ‫لكن هناك طريقة أخرى لطرح هذا السؤال‪،‬‬ ‫علـى مـا أعتقـد‪ ،‬وهي هل هناك شـخصية‬ ‫فـي مثـل مكانتـه علـى السـاحة الحاليـة‪.‬‬ ‫هـذا أمـر يصعـب‬ ‫تصـوره‪ .‬ال أرى مثـل هذا‬ ‫ُّ‬ ‫الشـخص‪ ،‬ولكنـي قطعـ ًا أرى أشـخاص ًا‬ ‫آخريـن يثيـرون اإلعجـاب‪ .‬فابنـي‬ ‫منجذب‬ ‫ٌ‬ ‫جـدًا لمغنـي الراب «جـي‪ -‬زي»‪ .‬وأنا أيض ًا‬ ‫ُأحـب موسـيقاه‪ .‬لكـن هـل أرى أن «جـي‪-‬‬ ‫زي» هـو بـوب ديـان الجديـد؟ كا‪ .‬ولكـن‬ ‫يتحدد‬ ‫جـزءًا كبيـرًا مـن جواب ذلك سـوف‬ ‫َّ‬ ‫بالكيفية التي‬ ‫تتشكل بها الثّقافة على مدى‬ ‫َّ‬ ‫السـنوات العشـرين أو الثاثيـن المقبلـة‪.‬‬ ‫شـكل‬ ‫وال أسـتطيع أن أتنبـأ بمـا سـوف ُي ِّ‬ ‫ثقافتكـم أنتـم‪ ،‬ولكنـي أسـتطيع أن أقـول‬ ‫شـكل ثقافتـي أنا‪.‬‬ ‫مـا الـذي َّ‬

‫ ‬

‫أتساءل هل يمكن ّأال يكون ذلك‬ ‫ا آخر من‬ ‫موسيقياً‪ ،‬ولكن شك ً‬ ‫أشكال اإلعام الذي أصبح أكثر‬ ‫تأثيرًا في عصر اإلنترنت؟‪.‬‬

‫ ربمـا يكـون ذلـك‪ .‬وليـس هنـاك أحـد‬‫بمفـرده يمكنـه ذلك على اإلطـاق‪ ،‬أيضاً‪.‬‬ ‫بوب ديان ليس هو الشخص الوحيد المهم‬


‫الـذي خـرج مـن رحم حقبتي الخمسـينيات‬ ‫والستينيات‪ :‬فهناك األشخاص الذين أثَّروا‬ ‫كل ما هنالك‬ ‫فيه‪ ،‬وهناك الذين أثَّر فيهم‪ّ .‬‬ ‫هو أنه ُيمثِّل با شـك شـخصية رئيسـية‪.‬‬ ‫ولكن يبقى هناك كتاب وشعراء وروائيون‬ ‫وممثلـون وممثلـو مسـرح آخـرون‪ ،‬وهـم‬ ‫جميع ًا مؤثرون‪.‬‬ ‫فالعالم لن يكون هو نفسه دون المسرحي‬ ‫توم ستوبارد‪ .‬والعالم لن يكون هو دون‬ ‫مجموعة كبيرة من أشخاص آخرين‪ .‬ليس‬ ‫حدد طابع ثقافة من‬ ‫هنالك شخص واحد ُي ِّ‬ ‫الثّقافـات‪ .‬ولكـن ديـان اضطلع بدور مهم‬ ‫للغايـة فـي تغييـر طابع الثّقافة من شـتى‬ ‫جوانبها‪ ،‬وعلى ما أعتقد‪ ،‬فإن مدى تأثيره‬ ‫لم يتوقَّف عند جيلي وحسب‪.‬‬ ‫وعلى سبيل المثال‪ ،‬فإن أحد األشياء التي‬ ‫فعلها بوب ديان هو أنه بمفرده‪ -‬تقريباً‪-‬‬ ‫قضـى علـى منظومـة صناعـة الموسـيقى‬ ‫الشـعبية كلّهـا‪ ،‬أي الشـكل التقليـدي الـذي‬ ‫كان متبعـ ًا فـي نشـر الموسـيقى وإنتاجهـا‬ ‫تغير‬ ‫وتسجيلها‪ .‬واآلن‪ ،‬بفضل عمله هذا‪َّ ،‬‬ ‫وجه الموسـيقى لدى الجميع‪ .‬ليس معنى‬ ‫ذلـك أن النـاس سـوف يكتبـون ويغنـون‬ ‫يؤدي بها‪،‬‬ ‫ويؤدون بالطريقة نفسها التي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يـؤدوا ذلـك بالطريقـة‬ ‫ولكنهـم أيضـ ًا لـن ّ‬ ‫التـي كانـت متبعـة فـي منظومـة صناعـة‬ ‫الموسـيقى الشـعبية قبل بـوب ديان‪.‬‬

‫ ‬

‫تقول في الكتاب إن أحدث أعمال‬ ‫ديان هو ما دفعك للبدء في الكتابة‬ ‫عنه‪.‬‬

‫ لقد كان محظوظ ًا للغاية‪ ،‬على ما أعتقد‪،‬‬‫فـي كونـه ال يـزال علـى قيـد الحيـاة‪ .‬إنـه‬ ‫محظـوظ بهـذا البقـاء‪ ،‬ولذلـك يسـتطيع‬ ‫االسـتمرار فـي إنتـاج المزيـد مـن األعمـال‬ ‫الرائعـة‪ .‬وعاقتـي بـه لـم تكـن مرتكـزة‬ ‫كثيرًا على أعماله الحديثة للغاية‪ ،‬ولكنها‬ ‫انطلقت من تلك اللحظة في بداية منتصف‬ ‫التسـعينيات‪ ،‬حيـث كان والـدي يحتضـر‪-‬‬ ‫ثم هناك أيض ًا‬ ‫وهذه قصة مؤثِّرة للغاية‪ّ .-‬‬ ‫ذلك الحفل الموسيقي الحي الذي حضرته‬ ‫تجـدد ارتباطي بحفات‬ ‫عـام ‪ 1997‬عندمـا َّ‬ ‫الحية‪ .‬كان ذلك شيئ ًا تراكمياً‪،‬‬ ‫الموسيقى ّ‬ ‫تجـدد فيهـا ارتباطـي‬ ‫وعمليـة تدريجيـة‬ ‫َّ‬ ‫عمل بعينه‬ ‫بمجموعـة مـن أعماله‪ .‬لـم يكن ٌ‬ ‫هـو مـا دفعنـي لذلك‪ ،‬ولم يكن تفاعلي مع‬ ‫ألبوم ‪( Love and Theft‬الحب والسرقة)‬ ‫وحسـب‪ ،‬أو أي مـن األلبومـات الاحقـة‪،‬‬

‫رغم أن «الحب والسرقة» كان ألبوم ًا مهماً‪.‬‬

‫ ‬

‫هل اشتغالك على بوب ديان‬ ‫يجعلك أكثر مسايرة لروح العصر‬ ‫في أعين طابك‪ ،‬أو أنهم ُوِلُدوا‬ ‫بعد سنوات طويلة من ظهور أول‬ ‫أعماله؟‬

‫ هناك الكثير من طابي في سن أبنائي‪-‬‬‫أي األشخاص الذين كبروا مع آباء عاصروا‬ ‫نهايـة طفـرة المواليـد بعد الحـرب العالمية‬ ‫الثانيـة‪ .‬وبعضهـم لديه اطاع واسـع على‬ ‫أعمـال ديـان األولـى‪ ،‬وكذلـك علـى بعض‬ ‫أعمالـه األخيـرة‪ .‬ولذلك يتملَّكهم الفضول‪،‬‬ ‫ويسـألونني عن ذلك أحياناً‪.‬‬ ‫ال أعرف إن كانت درجة مسـايرتي للعصر‬ ‫وأظن أن السؤال‬ ‫تعلو أو تنخفض تحديداً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يجـب أن يوجـه إليهـم وليـس لـي‪ .‬لكني ال‬ ‫أسـتطيع القـول إننـي أمشـي فـي ردهـات‬ ‫الحـرم الجامعـي وأنـا أحسـب أن الطـاب‬ ‫معجبـون بـي لهـذا السـبب تحديداً‪.‬‬

‫ ‬

‫كل ما كتبته عن ديان‪ّ ،‬أال زلت‬ ‫بعد ّ‬ ‫قادرًا على أن تكون من عشاق َفنّه؟‬

‫ نعـم! فأنـا أحـب حضـور حفـات بـوب‬‫ديـان‪ .‬وأحـب االسـتماع إليـه‪ .‬أعتقـد أن‬ ‫فهمـي قـد جعلنـي أحبـه علـى نحـو أفضـل‬ ‫وعمـق درجـة حماسـتي ألعمالـه‪ ،‬بمـا في‬ ‫َّ‬ ‫ذلـك تلـك األعمال التـي ال أحبها لديه ألنها‬ ‫تجعلني أكثر إعجاب ًا بما أحبه لديه‪ .‬أعتقد‬ ‫عـزز‬ ‫أن كونـي مـن عشـاق َفنّـه قـد ولَّـد أو ِّ‬ ‫لـدي االهتمـام بمعرفـة المزيـد عنـه أو عـن‬ ‫ّ‬ ‫أعمالـه‪ .‬وهـو كشـخص ال ُيثيـر اهتمامـي‬ ‫بقـدر مـا تثيـره أعماله‪.‬‬

‫ ‬

‫األغاني أو األلبومات التي توصي‬ ‫التعرف‬ ‫بها هؤالء الذين بدأوا توًا‬ ‫ُّ‬ ‫إلى موسيقى ديان؟‬

‫‪ -‬هنـاك ألبـوم ‪Another Side of Bob‬‬

‫‪( Dylan‬جانـب آخـر مـن بـوب ديـان)‪،‬‬ ‫وال سـيما أغنيـة في األلبـوم بعنوان ‪The‬‬ ‫الحرية)‬ ‫‪( Chimes of Freedom‬أجراس ّ‬ ‫جيدة‪.‬‬ ‫أعتقـد أنـه يمثِّـل بدايـة ّ‬ ‫وهنـاك أيضـ ًا األلبومـات الثاثـة التاليـة‪،‬‬ ‫ككل‪ ،‬رغـم‬ ‫والتـي يجـب االسـتماع إليهـا ّ‬ ‫كل مـن هـذه‬ ‫أن هنـاك أغانـي بعينهـا فـي ّ‬ ‫األلبومـات‪ .‬أقصـد‪Bringing It All ،‬‬ ‫‪ Back Home‬و‪Mr. Tambourine‬‬ ‫‪ .Man‬وهنـاك أغنيـة أخـرى هـي ‪Bob‬‬ ‫‪.Dylan’s 115th Dream‬‬ ‫وبعدئـذ هنـاك ألبوم ‪Highway 61 Re-‬‬ ‫‪ visited‬وأغنيـة ‪ Highway 61‬وأغنيـة‬ ‫‪ .Desolation Row‬وفي ألبوم «‪Blonde‬‬ ‫‪ on Blonde‬هنـاك أغنيـة ‪Visions of‬‬ ‫‪ ،Johanna‬وهـي مـا أعتبرهـا أعظـم‬ ‫أغانيه‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬هكـذا يبـدأ الشـخص حديـث العهـد‬ ‫بديان‪ .‬ولكنها سـتكون مجرد بداية‪ ،‬ولن‬ ‫تكـون النهايـة‪ .‬ألن هنـاك أغاني كثيرة له‬ ‫فـي ‪ ،Blood on the Tracks‬وُأخـرى‬ ‫فـي ألبـوم ‪.Love and Theft‬‬ ‫كل‬ ‫لكـن علينـا أيضـ ًا أن نتعاطـى مـع ّ‬ ‫عمـل لـه فـي سـياقه‪ .‬فهنـاك ييتـس فـي‬ ‫سنواته األولى وهناك ييتس في سنواته‬ ‫المتأخـرة‪ .‬وهنـاك روايـة «صـورة الفنان‬ ‫فـي شـبابه»‪ ،‬وهنـاك روايـة «يقظـة‬ ‫فينيجان»‪ ،‬وهما وإن كانا عملين لجيمس‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل واضح إلى‬ ‫جويس‪ ،‬فإنهما ينتميان‬ ‫تطوره‪ .‬وأعتقد‬ ‫مراحل‬ ‫فترات مختلفة في‬ ‫ُّ‬ ‫أن عليـك فعـل الشـيء نفسـه مـع ديـان‪.‬‬ ‫*نشـرت الحـوار مجلـة ‪ The Atlantic‬األميركيـة‬ ‫فـي عددهـا الصـادر ‪.2010/9/9‬‬ ‫ترجمة‪ :‬أنور الشـامي‬ ‫‪19‬‬


‫داريو فو‪..‬‬ ‫مسار آخر المه ِّرجين‬ ‫ﻳﻮﺳﻒ وﻗﺎص‬ ‫مهـرج أو نديـم بـاط مـن العصـور‬ ‫ِّ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫اسـم كان داريـو فـو يحبـه‬ ‫الوسـطى ‪ٌ ،‬‬ ‫ويفتخر به أكثر من جائزة نوبل‪ .‬وبتلك‬ ‫المهـرج‪ ،‬النديـم‬ ‫الـروح‪ ،‬روح‬ ‫«المتمـرد»‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫على القيم البالية‪ ،‬روى لإليطاليين على‬ ‫َم ّـر السـنين تاريـخ العصـور الوسـطى‪،‬‬ ‫كل شـيء‬ ‫قصـص القديسـين‪ ،‬وفـوق ّ‬ ‫قصصهـم هـم‪ ،‬شـعب الشـعراء‬ ‫والرحالـة‬ ‫ّ‬ ‫والمكتشـفين‪ .‬في آخـر ظهور تليفزيوني‬ ‫له‪ ،‬بمناسبة عيد مياده التسعين‪ ،‬روى‬ ‫قصـة القديـس فرنشيسـكو (فرنسـيس)‬ ‫عندمـا نصحـه البابـا فـي ذاك الوقـت‬ ‫إن ِ‬ ‫ّوس ْـنس الثالـث(‪ ،)2‬بعدمـا اسـتمع إلـى‬ ‫‪20‬‬

‫أفكاره‪ ،‬أن يذهب ويلقنّها إلى الخنازير‪،‬‬ ‫ألنهـا أفـكار خاليـة مـن أي مضمـون وال‬ ‫توافق نهج الكنيسة‪ .‬خرج فرنسيس من‬ ‫الصـرح البابـوي عاقـدًا العزم علـى تنفيذ‬ ‫نصيحـة البابـا بحذافيرهـا‪ ،‬فهـو أعلـى‬ ‫سلطة دينية وال يجب مخالفته بأي حال!‬ ‫بعـد أن وصـل هـو وبعـض إلـى خـارج‬ ‫أسـوار رومـا‪ ،‬وجـد فـي طريقـه حظيـرة‬ ‫ا‬ ‫خنازيـر‪ ،‬فطلـب منهـم أن ينتظـروه قلي ً‬ ‫وحالمـا ولـج البـاب‪ ،‬ألقـى بنفسـه بيـن‬ ‫ويتمـرغ بروثها‬ ‫الخنازيـر وأخـذ يعانقهـا‬ ‫َّ‬ ‫فابتـل مـن رأسـه إلـى أخمـص قدميـه‬ ‫ّ‬ ‫ثـم عـاد إلـى البابـا الـذي‬ ‫النتـن‪.‬‬ ‫بالوحـل‬ ‫ّ‬

‫كان جالس ًا مع بعض ضيوفه على مائدة‬ ‫العشـاء وبدأ يروي له كيف نفَّذ نصيحته‬ ‫وكيـف قابلـت الخنازيـر موعظته‪ ،‬مرافق ًا‬ ‫حديثه بحركات وقفزات كان يتناثر على‬ ‫أثرهـا نتـف الـروث والوحـل علـى البابـا‬ ‫كل األرجاء‪ .‬عندئذ‪ ،‬همس‬ ‫وضيوفه وفي ّ‬ ‫قائـا‪« :‬لقد‬ ‫أحـد الضيـوف فـي أذن البابـا‬ ‫ً‬ ‫مرغتـه بكامـك فـي الوحـل‪ ،‬وهـا هـو قد‬ ‫َّ‬ ‫رد لـك الصـاع صاعيـن»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وخال أكثر من سـاعة ونصف السـاعة‪،‬‬ ‫متسـمرين أمام‬ ‫ماييـن المشـاهدين ظلُّـوا‬ ‫ِّ‬ ‫شاشـات التليفزيـون‪ ،‬يصغـون بدهشـة‬ ‫وصمت وإعجاب إلى هذا الوجه الدائم من‬


‫المسرح السياسي الذي استطاع من خال‬ ‫تقاليـد الندمـاء فـي العصور الوسـطى أن‬ ‫يـروي بطريقـة محببـة وبسـيطة قصص ًا‬ ‫من الماضي ومن الحاضر‪ ،‬واضع ًا نصب‬ ‫عينيـه دائمـ ًا ردع السـلطة والدفـاع عـن‬ ‫حقوق الفقراء‪.‬‬ ‫ُوِلَد داريو فو عام ‪ 1926‬في سان جانو‪،‬‬ ‫وهـي بلـدة صغيـرة بالقرب مـن البحيرة‬ ‫ماجـوري»‪ ،‬ونشـأ فـي‬ ‫الكبـرى‪« ،‬الغـو ّ‬ ‫مدرسـة هـي األعـرق واألقـدم فـي مجـال‬ ‫صنّـاع‬ ‫السـرد‪ ،‬وذلـك بإصغائـه إلـى ُ‬ ‫وصيـادي البحيـرة‬ ‫الزجـاج التقليدييـن‬ ‫ّ‬ ‫الذيـن كانـوا يـروون قصصـ ًا غرائبيـة‬ ‫فـي الحانـات وفـي الميناء وفي سـاحات‬ ‫البلـدة‪ ،‬قصصـ ًا شـفهية مـن التـراث‬ ‫تغص بنقد سياسي‬ ‫الشعبي «الحكواتي» ّ‬ ‫الذع‪ .‬وفي عام ‪ ،1940‬ذهب إلى ميانو‬ ‫للدراسة في أكاديمية بريرا‪ ،‬والحقاً‪ ،‬بعد‬ ‫انتهـاء الحرب‪ ،‬انتسـب إلى كلية العمارة‬ ‫فـي جامعـة البوليتكنيـك‪.‬‬ ‫أثنـاء الحـرب‪ ،‬بعدمـا ُاسـتدعي لحمـل‬ ‫تمكـن‬ ‫السـاح فـي جمهوريـة سـالو(‪َّ ،)3‬‬ ‫مـن الفـرار وقضـاء األشـهر األخيـرة قبـل‬ ‫أن تضـع الحـرب أوزارهـا مختبئـ ًا فـي‬ ‫السـقيفة‪.‬‬ ‫فـي صيـف عـام ‪ ،1950‬التقـى داريـو فو‬ ‫بالممثـل فرنكـو بارنتـي وهـو يحمل نص ًا‬ ‫حـول قابيـل وهابيـل‪ ،‬حيـث ُأعجـب هـذا‬ ‫األخيـر بأفـكاره وأسـلوبه فـي التمثيـل‬ ‫تعـرف‬ ‫ودعـاه ألن يلتحـق بفرقتـه وهنـا َّ‬ ‫إلـى فرنـكا ِ‬ ‫رام ْـه‪ ،‬التـي تزوجهـا الحقـاً‪.‬‬ ‫واجـه الزوجـان منـذ البدايـة مشـكلة‬ ‫الرقابـة مـع وزير الثّقافة حينذاك جوليو‬ ‫أندريوّتـي‪ ،‬أحـد األعضـاء البارزيـن فـي‬ ‫الحزب الديموقراطي المسـيحي‪ .‬فبإيعاز‬ ‫منه‪ ،‬لكي يعرقل الجولة المسرحية التي‬ ‫كان يزمـع الزوجـان القيـام بها في أرجاء‬ ‫إيطاليـا عـام ‪ 1953‬لعـرض مسـرحية‬ ‫«إصبـع فـي العيـن»‪ ،‬وضعـت ملصقـات‬ ‫على أبواب الكنائس تدعو المؤمنين إلى‬ ‫عـدم ارتيـاد المسـرح!‬ ‫فـي عـام ‪ 1956‬بدأ عرض فيلم «الناشـز»‬ ‫من إخراج كارلو ليتساني‪ ،‬قصة وبطولة‬ ‫داريـو فـو‪ .‬الفيلـم القـى نجاحـ ًا كبيـرًا‬ ‫واعتبـر من الكاسـيكيات‪.‬‬ ‫نظـرًا للنجـاح المسـرحي والتليفزيونـي‬ ‫ِد إلى الزوجين‬ ‫الكبير في عام ‪ُ ،1962‬عهَ‬ ‫تقديم برنامج «أحلى األغاني»‪ ،‬وكان من‬

‫أهـم البرامـج فـي التليفزيـون اإليطالـي‪.‬‬ ‫ض ْت‬ ‫بتاريخ ‪ 11‬أكتوبر‪/‬تشرين األول ُعِر َ‬ ‫الحلقـة األولـى‪ ،‬واسكتشـات داريـو فـو‬ ‫تحولـت فـورًا إلـى حـدث وطنـي‪ ،‬وألول‬ ‫َّ‬ ‫مـرة سـمع المشـاهدون كلمـات مثـل‬ ‫ّ‬ ‫«فسـاد»‪« ،‬ابتـزاز»‪« ،‬إضـراب»‪« ،‬مافيا»‪.‬‬ ‫وبعـد اسـكتش حـاد بشـكل ملفـت حـول‬ ‫المافيـا‪ ،‬ماالغـودي‪ ،‬وهـو سـيناتور‬ ‫ليبرالـي فـي مجلـس الشـيوخ‪ ،‬اعتـرض‬ ‫بشـّدة علـى النـص ألنـه‪:‬‬ ‫«يمـس شـرف‬ ‫ّ‬ ‫سكان صقلية معتبرًا أنه ال توجد منظمة‬ ‫إجراميـة تدعـى مافيـا!»‪.‬‬ ‫إدارة التليفزيـون اإليطالي‪ ،‬تحت ضغط‬ ‫قررت منعهما من‬ ‫السياسيين المتزمتين‪َّ ،‬‬ ‫متابعـة تقديـم البرنامـج‪ ،‬وبعـد دقائـق‬ ‫قليلة‪ ،‬امتألت الشوارع بمظاهرات عارمة‬ ‫ووقفـات تضامنيـة‪ ،‬وآالف من البرقيات‬ ‫تندد بقرار مجلس إدارة التليفزيون‪.‬‬ ‫التي ِّ‬ ‫فـي عـام ‪ ،1968‬بعـد الغـزو السـوفياتي‬ ‫لتشيكوسـلوفاكيا‪ ،‬رفـض داريـو فـو‬

‫السـماح بعـرض مسـرحياته فـي بـراغ‬ ‫كل أراضـي تلـك الدولـة‪ .‬باإلضافة‬ ‫وفـي ّ‬ ‫إلى ذلك‪ ،‬أوقف عرض «السيدة للرمي!»‬ ‫ومسرحيات أخرى في االتحاد السوفياتي‬ ‫بسـبب تعديـات ورقابـة غيـر مقبولـة تم‬ ‫اقتراحها من قبل المسؤولين الحكوميين‪.‬‬ ‫عمق داريو فو‬ ‫أثنـاء صيـف عـام ‪ّ ،1969‬‬ ‫أبحاثـه حـول األناجيـل‪ ،‬وكتـب بعدهـا‬ ‫مباشرة نص مسرحية «حرفة مضحكة»‪،‬‬ ‫وهـو العـرض الـذي فتـح آفـاق الشـهرة‬ ‫كل العالـم (أكثـر مـن ‪5000‬‬ ‫أمامـه فـي ّ‬ ‫عـرض)‪ ،‬وترجـم إلـى عشـرات اللغـات‬ ‫وق ِّـد َم على عشـرات المسـارح فـي العالم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫قبـل عـام مـن كارثـة «سـاحة فونتانـا»‬ ‫فـي ميانـو ومقتـل الفوضـوي بينيللي‪،‬‬ ‫كتـب داريـو فـو وقـّدم برفقـة فرنـكا ِ‬ ‫رام ْـه‬ ‫واحـدًا مـن نصوصـه األكثـر شـهرة حول‬ ‫مؤامـرات الدولـة‪ ،‬وهـو «مـوت عرضـي‬ ‫ألحـد الفوضوييـن»‪ .‬فـي العـام نفسـه‪،‬‬ ‫تأسسـت فرقـة «النجـدة الحمـراء» بإدارة‬ ‫‪21‬‬


‫فرنـكا ِ‬ ‫رام ْـه لمسـاندة حـركات الشـباب‪،‬‬ ‫الطـاب والعمـال الذيـن ُألقـي القبـض‬ ‫عليهـم خـال تظاهراتهـم فـي المصانـع‪،‬‬ ‫فـي المـدارس‪ ،‬وخـال المظاهـرات ضـد‬ ‫الفاشية‪ .‬فرنكا تابعت هذا النشاط لغاية‬ ‫عـام ‪.1985‬‬ ‫فـي التاسـع مـن مارس‪/‬آذار عـام ‪1973‬‬ ‫تمكنـت مجموعـة مـن الفاشـيين خطـف‬ ‫َّ‬ ‫فرنكا ِ‬ ‫رامْه‪ ،‬وقاموا بتعذيبها واغتصابها‪.‬‬ ‫بعـد سـنوات طويلـة‪ ،‬أجـرى القاضـي‬ ‫سـالفيني تحقيقـات حـول الحـركات‬ ‫‪22‬‬

‫اليمينيـة‬ ‫المتطرفـة وحول الهجمات التي‬ ‫ِّ‬ ‫قامـوا بهـا خـال عامـي ‪ ،74 - 1973‬مـن‬ ‫ِقَب ِ‬ ‫ـل فاشـيين ومجرميـن اعتيادييـن‪،‬‬ ‫وفـي بعـض الحـاالت بـإدارة مباشـرة‬ ‫مـن مجموعـات منحرفـة من قـوات األمن‪.‬‬ ‫اليوم‪ ،‬باعتراف نفس الفاشيين‪ ،‬أسماء‬ ‫المذنبيـن أصبحـت معروفة‪ ،‬ولكن ال أحد‬ ‫منهم تلقَّى جزاءه‪ ،‬بل ُأقفل على الجريمة‬ ‫بسـبب التقـادم‪.‬‬ ‫بتاريـخ ‪ 28‬إبريل‪/‬نيسـان عـام ‪1978‬‬ ‫ذهبـت فرنكا ِ‬ ‫رام ْـه إلى تورينو في زيارة‬

‫غيـر رسـمية‪ ،‬بإيعـاز مـن وزيـر العـدل‪،‬‬ ‫لكـي تـزور ريناتـو كورتشـو وأعضـاء‬ ‫آخريـن مـن منظمة األلويـة الحمراء أثناء‬ ‫فتـرة خطـف رئيـس الوزراء الـدو مورو‪.‬‬ ‫فـي لنـدن‪ ،‬علـى مسـرح البيكاديللي‪ ،‬بدأ‬ ‫عـرض مسـرحية «المـوت العرضـي ألحد‬ ‫الفوضوييـن» مـع غافيـن ريتشـارد‪ .‬كان‬ ‫هائـا لدرجـة أن الفرقة اضطرت‬ ‫النجـاح‬ ‫ً‬ ‫لتقديـم العـرض لمدة ثاث سـنوات دون‬ ‫توقُّـف‪ ،‬حتـى أثنـاء الصيف‪.‬‬ ‫داريو وفرنكا ُدعيا إلى نيويورك‪ ،‬ولكن‬ ‫الجولـة ُألغيـت ألن دائـرة الهجرة رفضت‬ ‫منحهما تأشيرة الدخول‪ ،‬باألخص لفرنكا‬ ‫ِ‬ ‫كل‬ ‫رام ْـه‪ ،‬ألنهـا شـيوعية خطـرة فـوق ّ‬ ‫شـيء فيمـا يتعلَّق بنشـاطها في صفوف‬ ‫«النجدة الحمراء»‪.‬‬ ‫في بداية عام ‪ ،1984‬بدأ تقديم مسرحية‬ ‫«المـوت العرضـي ألحـد الفوضوييـن»‬ ‫فـي بـرودواي‪ ،‬وإدارة الهجرة األميركية‬ ‫منحـت داريـو وفرنـكا تأشـيرة دخـول‬ ‫لمـدة سـتة أيـام‪ ،‬بتدخل مباشـر مـن ِقَبل‬ ‫الرئيـس ريغـان‪ ،‬لحضـور االفتتـاح‪ ،‬مع‬ ‫حظـر مطلـق بعـدم االبتعـاد عـن مدينـة‬ ‫نيويـورك‪.‬‬ ‫كل‬ ‫عمت ّ‬ ‫أعمال داريو فو وفرنكا كانت قد َّ‬ ‫أرجـاء العالـم‪ ،‬فـي ألمانيا مثاً‪ ،‬فقط في‬ ‫عـام ‪ ،1984‬كانـت هنالـك أربعـون فرقة‬ ‫تعرض مسـرحية «زوجين متحررين»‪.‬‬ ‫بعد انهيار جدار برلين‪ ،‬في شهر أكتوبر‪/‬‬ ‫تشـرين األول عـام ‪ ،1989‬داريـو وفرنكا‬ ‫وصـا إلـى موسـكو لحضـور مهرجـان‬ ‫المسـرح اإليطالـي بمسـرحيتي «مهنـة‬ ‫مضحكـة» و«مـن البيـت‪ ،‬إلـى السـرير‪،‬‬ ‫إلـى الكنيسـة»‪.‬‬ ‫بتاريـخ ‪ 17‬يوليو‪/‬تمـوز عـام ‪،1995‬‬ ‫أصيـب داريـو فـو بجلطـة إقفاريـة حـادة‬ ‫(إسـكيمية)‪ ،‬فقـد علـى إثرهـا ‪ % 85‬مـن‬ ‫النظـر وبـدأ يعانـي مـن مشـاكل خطيـرة‬ ‫في الذاكرة‪ ،‬بدأ بعدها مرحلة طويلة من‬ ‫بالتحسـن‬ ‫النقاهة وحالته الصحية بدأت‬ ‫ُّ‬ ‫تقيده بتعليمات األطباء‪.‬‬ ‫تدريجي ًا بفضل ُّ‬ ‫مع ذلك‪ ،‬لم يتوقَّف عن الرسـم لسـاعات‬ ‫طويلـة فـي اليوم‪ .‬كان ُيصغي إلى قراءة‬ ‫الجرائد‪ ،‬يدرس‪ ،‬يكتب بشغف وانضباط‪،‬‬ ‫وإلـى جانبـه فرنـكا التـي كانـت ال تتركـه‬ ‫للحظة‪ .‬سـرعة استعادة صحته أدهشت‬ ‫األطبـاء‪ ،‬إذ بعـد عام مـن مرضه عاد إلى‬ ‫التمثيل‪.‬‬


‫فـي التاسـع مـن أكتوبر‪/‬تشـرين األول‬ ‫عـام ‪ 1997‬نـال داريـو فـو جائـزة نوبـل‬ ‫لـآداب‪ ،‬وأثنـاء حفـل تسـليم الجائـزة‬ ‫بتاريـخ ‪ 10‬ديسـمبر‪/‬كانون األول فـي‬ ‫ستوكهولم‪ ،‬ألقى كلمة استعراضية حول‬ ‫المهرجين‪ ،‬وحول تعديل المورثات‪.‬‬ ‫دور‬ ‫ِّ‬ ‫بعـد الهجـوم علـى البرجيـن التوأمين في‬ ‫الحادي عشر من سبتمبر‪/‬أيلول ‪،2001‬‬ ‫داريـو وفرنـكا وجاكـوب نشـروا علـى‬ ‫كاكاو‪ ،‬المدونـة العائـدة البنهمـا‪ ،‬مقـا ًال‬ ‫ا بعنوان «امنحوا فرصة للسـام»‪،‬‬ ‫طوي ً‬ ‫حيـث‪ ،‬مـن بيـن األشـياء األخـرى‪ ،‬نّددوا‬ ‫بالمضاربين الذين استغلُّوا هذه الكارثة‪.‬‬ ‫جريـدة «الكورييـري ديلا سـيرا» نشـرت‬ ‫بتاريخ ‪ 15‬سبتمبر‪/‬أيلول مقا ًال بعنوان‬ ‫«المضاربـة تقتـل أكثـر»‪ ،‬منقـو ًال مـن‬ ‫حرفـ ًا عـن طريـق النسـخ‬ ‫ّ‬ ‫وم ّ‬ ‫المدونـة ُ‬ ‫جمـا بطريقة تبدو وكأن عائلة‬ ‫واللصـق‬ ‫ً‬ ‫تسـبب ضحايا‬ ‫فـو‬ ‫تصـرح بأن المضاربة َّ‬ ‫ّ‬ ‫أكثـر مـن هجمات البرجيـن التوأمين وأن‬ ‫هذه الحادثة ربما هي مؤامرة صهيونية‪.‬‬ ‫فرنـكا وداريـو اضطـرا لشـراء صفحـة‬ ‫كاملـة مـن جريـدة «ال ريبوبليـكا» لشـرح‬ ‫للقـراء‪.‬‬ ‫وجهـة نظرهمـا ّ‬ ‫تـم عـرض‬ ‫فـي شـهر أغسـطس‪/‬آب‪ّ ،‬‬ ‫مسـرحية «إيطاليـة فـي الجزائـر» ضمـن‬ ‫روسـيني لألوبـرا‪ ،‬وكالعـادة‪،‬‬ ‫مهرجـان ّ‬ ‫كانـت مـن إعـداد وإخـراج ومشـاهد‬ ‫تعـرض النتقـادات‬ ‫داريـو فـو‪ .‬العمـل‬ ‫َّ‬ ‫حـادة لتحاملـه الواضـح علـى السياسـة‬ ‫اإليطاليـة‪ .‬في هذه األثناء‪ ،‬أطلقت فرنكا‬ ‫حملـة تبرعـات لصالـح العائـات التـي‬ ‫فقـدت أبناءهـا بسـبب اسـتخدام قنابـل‬ ‫المخصـب فـي البوسـنة‬ ‫اليورانيـوم غيـر‬ ‫ّ‬ ‫وفـي العـراق‪.‬‬ ‫بتاريـخ ‪ 29‬مايو‪/‬أيـار لفظت فرنكا ِ‬ ‫رامْه‬ ‫أنفاسـها األخيـرة فـي بيتهـا الكائـن فـي‬ ‫كورسـو بورتـا رومانـا فـي ميانو‪.‬‬ ‫كالعـادة‪ ،‬داريـو فـو لـم يتوقَّـف عـن‬ ‫دراسـاته‪ ،‬وعـن الكتابة والرسـم يومياً‪.‬‬ ‫قـدم فـو‬ ‫فـي شـهر أكتوبر‪/‬تشـرين األول َّ‬ ‫كتابه «الهروب من مجلس الشيوخ»‪ ،‬حيث‬ ‫يروي فيه تجربة فرنكا ِ‬ ‫رامْه كعضوة في‬ ‫المجلـس خـال حكومـة بـرودي مـن عام‬ ‫‪ 2006‬إلى عام ‪ .2008‬بتاريخ ‪13 - 12‬‬ ‫بـدأ داريـو فـو بتقديم مسـرحية «القديس‬ ‫«دوزْه» في‬ ‫المهرج فرنسيس» على مسرح ِ‬ ‫ّ‬ ‫بولونيا (عاصمة مقاطعة إميليا رومانيا‬

‫فـي الشـمال الشـرقي مـن شـبه الجزيـرة‬ ‫اإليطاليـة)‪ ،‬بينمـا الممثلـة مارينـا يولـي‬ ‫بدأت بتقديم مسـرحية «المناضلة فرنكا»‬ ‫كواسـو‬ ‫على مسـرح «نووفو تياترو» في ّ‬ ‫نـص كان قد كتبه داريو‬ ‫ِ‬ ‫(فاريـزْه)‪ ،‬وهـو ّ‬ ‫فـو باالشـتراك مـع زوجتـه فرنـكا وابنـه‬ ‫جاكوب‪.‬‬ ‫بتاريخ الثالث عشـر من أكتوبر‪/‬تشـرين‬ ‫األول‪ ،‬لحق داريو فو بزوجته فرنكا التي‬ ‫قضـى معهـا سـبعون عامـ ًا مـن الحيـاة‬ ‫ردد أكثر من‬ ‫الزوجيـة َ‬ ‫ّيـة‪ ،‬وكان قد ّ‬ ‫والفنّ‬ ‫مـرة أنـه لم يعد يشـعر للحيـاة بأي مذاق‬ ‫ّ‬ ‫بعد رحيـل فرنكا‪.‬‬ ‫فـي إحـدى المقابـات التليفزيونيـة‬ ‫يوجه رسـالته‬ ‫األخيـرة‪ ،‬قـال فـو وكأنـه ّ‬

‫محبيه‪« :‬هنالك قاعدة قديمة‬ ‫األخيرة إلى ّ‬ ‫فـي المسـرح‪ .‬عندمـا تنتهي مـن العرض‪،‬‬ ‫يجـب َّأال تضيـف أي شـيء آخـر‪ .‬يجـب‬ ‫أن تشـكر الجمهـور وتنسـحب‪ .‬فالجمهور‬ ‫قدمت‬ ‫سـوف لـن ينسـاك أبـدًا إذا كنـت قـد َّ‬ ‫يسـره ويمتعـه‪ .‬إلـى اللقـاء!»‪.‬‬ ‫لـه مـا ّ‬

‫‪.Giullare medioevale - 1‬‬ ‫‪.Papa Innocenzo III - 2‬‬ ‫‪ - 3‬كانـت حكومـة عميلـة أللمانيـا النازيـة تحـت‬ ‫قيـادة موسـوليني وحزبـه الجمهـوري الفاشـي‪.‬‬ ‫عرفـت الجمهوريـة أيضـ ًا باسـم جمهورية سـالو‪،‬‬ ‫مقر وزارة الشؤون الخارجية كان في سالو‪،‬‬ ‫ألن ّ‬ ‫وهي بلدة صغيرة تقع بالقرب من بحيرة غاردا‪.‬‬ ‫‪23‬‬


‫ﺗﺤﻘﻴﻖ‬

‫أفضل مئة فيلم‬ ‫القائمة بين المنهج والذائقة‬

‫أﻣﺠﺪ ﺟامل‬ ‫لـم يتوقَّـف الجـدل الدائـر بيـن النقَّـاد‬ ‫ومحبـي السـينما منـذ أعلـن موقـع هيئـة‬ ‫اإلذاعـة البريطانيـة ‪ BBC‬أغسـطس‪/‬‬ ‫آب الماضـي عـن قائمـة بأفضـل مئـة فيلـم‬ ‫عالمي لهذا القرن وفق اختيارات ‪ 177‬ناقدًا‬ ‫سينمائي ًا من مختلف الدول‪ ،‬وسادت حالة‬ ‫بيـن الرفض والقبول والتعليق والتسـاؤل‬ ‫حول نتائج تلك القائمة من ِقَبل المهتمين‪،‬‬ ‫كـرد فعـل ال يبـدو مبنيـ ًا وفـق أي معيـار‬ ‫ّ‬ ‫لكل ُمعلِّق‪ ،‬وهو‬ ‫سـوى الذائقة الشـخصية ّ‬ ‫نفس المعيار الذي ُيفترض أن اتبعه النقَّاد‬ ‫المشـاركون فـي صناعـة القائمة أنفسـهم‪.‬‬ ‫في هذا المقال لن تكون «الذائقة الشخصية»‬ ‫ردًا كافي ًا إلنهاء الجدل والتسليم بالنتائج‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ليـس تجـاوزًا للسـؤال الـذي لـم يحسـمه‬ ‫الفّن حتى اآلن وهو «كيف تتفاوت‬ ‫فاسفة َ‬ ‫ّية من شخص آلخر؟»‪ ،‬إنما فقط‬ ‫ن‬ ‫الذائقة َ‬ ‫الف ّ‬ ‫رغبة ومحاولة للفهم‪ ،‬فصناعة القوائم بهذا‬ ‫الشـكل أصبحـت ظاهرة تسـتحق التوقُّف‪،‬‬ ‫ويعّد من الكسل اختزالها بعبارة «أذواق»‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فهي عملية يشـوبها نوع من المنهجية غير‬ ‫رجح‬ ‫والم َّ‬ ‫المعلنة سـنحاول الكشـف عنها‪ُ ،‬‬ ‫أن النقـاش حـول تلـك القوائـم وما تسـببه‬ ‫من حالة زخم ِ‬ ‫وحراك في الفكر السينمائي‬ ‫أحد األسـباب التي ُتصنع من أجلها‪.‬‬ ‫السؤال األنسب للبدء‪ ،‬إذن‪ ،‬لن يكون «كيف‬ ‫ولمـاذا يسـير ذوق المشـاركين علـى هـذا‬ ‫النحـو؟»‪ ،‬وإنمـا «هـل هذا ذوق المشـاركين‬

‫‪24‬‬

‫بالفعـل؟»‪ ..‬أتوقَّـف أمـام مـا كتبـه الناقـد‬ ‫األميركي «سـام آدمز»‪ ،‬أحد الذين شـاركوا‬ ‫فـي صنـع اختيـارات هذه القائمـة‪ ،‬وبرغم‬ ‫ذلـك يكتـب بعـد صدورهـا مقـا ًال بموقـع‬ ‫‪ Slate‬يبـدو فيـه غير متحمـس للنتائج أو‬ ‫لفكرة االسـتفتاءات التي ينتج عنها قوائم‬ ‫في العموم‪ ،‬يقول آدمز‪« :‬إن االسـتفتاءات‬ ‫والتفـرد‬ ‫بطبيعتهـا تقـوم بدهـس الغرابـة‬ ‫ُّ‬ ‫بالـذوق الشـخصي‪ ،‬لُتنتـج فـي النهايـة ما‬ ‫تتقبلـه الرصانـة العامة»‪ ،‬هذا الكام يمكن‬ ‫لـكل ناقـد‬ ‫إسـقاطه علـى القوائـم الفرديـة ّ‬ ‫كل‬ ‫على ِحّدة‪ ،‬فهو يكشـف عن تحٍد يواجه ّ‬ ‫مصوت بإما أن ينغمس داخل الخصوصية‬ ‫ّ‬ ‫المفرطة لتفضياته‪ ،‬وإما أن يستبعد كثيرًا‬ ‫مـن األفـام التـي ُي ِ‬ ‫شـعره تفضيلهـا بالذنـب‬ ‫ألنها ال تتماشى مع الرصانة العامة‪ ،‬حتى‬ ‫لـو تسـاهل مـع فيلـم منهـا أو اثنين لتتسـم‬ ‫عبـر‬ ‫قائمتـه بتـوازن نسـبي‬ ‫ّ‬ ‫فسـيظل غيـر ُم ِّ‬ ‫بدقـة عـن ميـول الناقد‪.‬‬ ‫ويبـدي آدمـز قلقـه مـن إضفـاء طابـع‬ ‫مؤسسـي علـى هـذا النـوع مـن القوائـم‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫تعبـر فقـط عـن الذوق‬ ‫خاصـة وهـو يراهـا ِّ‬ ‫االعتيـادي وانحيـاز النقـاد لألفـام الجادة‬ ‫وأفـام «اآلرت‪-‬هـاوس» مـع تهميش أفام‬ ‫النـوع كالكوميديـا والحركـة والجريمـة‪ .‬ال‬ ‫مفاجـآت‪ .‬صحيـح أننا قد نجد بعض أفام‬ ‫المخرج «ويس أندرسون» بالقائمة‪ ،‬وهي‬ ‫ّيـة يكفـي وصفهـا بالظريفـة‪ ،‬لكن‬ ‫أفـام َفنّ‬ ‫العسـير أن نجـد فيلمـ ًا كوميديـ ًا بحـق‪ ،‬مـن‬

‫الـذي يجعـل المتفـرج يضحـك مـن أعمـاق‬ ‫معدتـه كأفـام اإلنجليـزي «إدغـار رايـت»‬ ‫مثـا‪ ،‬فالنقَّـاد ال يلطخـون وجاهتهـم‬ ‫ً‬ ‫باالنحيـاز لتلـك النوعيـة مـن األفام‪ ،‬وإن‬ ‫سـراً‪.‬‬ ‫كانـوا واقعيـن فـي غرامهـا َّ‬ ‫هنــاك اعتبــارات أخــرى تحكــم عمليــة‬ ‫ا أقدميــة الفيلــم‪ ،‬حيث‬ ‫االختيــار‪ ،‬منهــا مثـ ً‬ ‫الفّنــي تزداد‬ ‫يذهــب الظــن بــأن قيمــة العمــل َ‬ ‫أعدتــه مجلــة‬ ‫بمــرور الزمــن‪ .‬فــي تحقيــق َّ‬ ‫يعلــق‬ ‫‪ ،Indiewire‬منــذ أربــع ســنوات‪ِّ ،‬‬ ‫المحــرر «ديفــد جينكنــز» علــى هــذا األمــر‬ ‫ِّ‬ ‫ثمــة مــّدة يتطلبهــا الفيلــم‬ ‫قائــاً‪« :‬هــل ّ‬ ‫كــي يصبـــح صالحــ ًا لاختيــار؟ ويتـــابع‪:‬‬ ‫«فــي قائـمــــة عـــام ‪ 2002‬بـمجـلـــة ‪Sight‬‬ ‫‪( & Sound‬الصــادرة عــن معهــد الفيلــم‬ ‫البريطانــي) ألفضــل األفــام فــي التاريــخ‪،‬‬ ‫قــال الناقــد «روبــن وود» إن الوقــت كان‬ ‫بكــرًا‬ ‫للتأكــد إذا مــا كان فيلــم «معلمــة‬ ‫ُم ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫البيانــو» ‪ ،2000‬للمخــرج النمســاوي‬ ‫«مايــكل هانيكــه» جديــرًا بتضمينــه فــي‬ ‫القائمــة‪ .‬هــل يجــب القــول إن مــّدة عشــر‬ ‫ســنوات‪ ،‬مثــاً‪ ،‬كافيــة ليكتســب الفيلــم‬ ‫الحالــة الكاســيكية؟»‬ ‫هـذه الملحوظـة مـن جينكنـز نلمسـها أيض ًا‬ ‫فـي ذهـاب المركزيـن األول والثانـي مـن‬ ‫قائمـة الــ‪ BBC‬ألفـام «طريـق مولهوالند»‬ ‫للمخـرج ديفـد لينـش و«فـي مـزاج للحـب»‬ ‫للمخـرج وونـغ كار‪-‬واي‪ ،‬والفيلمـان مـن‬ ‫إنتـاج عـام ‪ ،2000‬أي التاريـخ األقـدم في‬


‫النطاق الزمني للقائمة‪ .‬هذا األمر تحقِّق في‬ ‫الماضـي مـع فيلم «المواطن كيـن» الصادر‬ ‫عام ‪ 1941‬للمخرج أورسن ويلز‪ ،‬حيث لم‬ ‫يدخل قائمة العشرة أفام األوائل باستفتاء‬ ‫مجلـة ‪ّ Sight & Sound‬إال عـام ‪،1962‬‬ ‫أي أن األمر تطلَّب حوالي عشرين عام ًا من‬ ‫يقـدروا هـذا الفيلـم التقدير الذي‬ ‫النقَّـاد كـي ِّ‬ ‫يظـل بعدهـا متصـدرًا لتلـك القائمـة‬ ‫جعلـه ّ‬ ‫كل‬ ‫لمـّدة سـتين عامـ ًا على التوالـي‬ ‫(تتجدد ّ‬ ‫َّ‬ ‫عشـرة أعـوام) باعتبـاره أفضـل فيلـم فـي‬ ‫تاريـخ السـينما‪ .‬ولـم يهتـز مركـزه ّإال عـام‬ ‫تمكن فيلم «فيرتيجو» ‪،1958‬‬ ‫‪ 2012‬حينما َّ‬ ‫للمخرج ألفريد هيتشكوك من إزاحته نحو‬ ‫المركـز الثاني‪.‬‬ ‫والطريف أن «فيرتيجو» لم يكن بين أفام‬ ‫هيتشكوك التي حظت بنجاح جماهيري أو‬ ‫ويرجـع الناقد‬ ‫نقـدي الفـت وقـت صدورها‪ُ .‬‬ ‫أويـن جليبرمـان بموقـع ‪ EW‬الصحـوة‬ ‫التدريجية واالهتمام المتنامي الذي اقتنصه‬ ‫مر السـنين‪ ،‬إلى مقالة نقدية‬ ‫الفيلـم‪ ،‬علـى ّ‬ ‫كتبها «روبن وود» نجحت في وضع الفيلم‬ ‫علـى أريكـة التحليل النفسـي وجعلـه هدف ًا‬ ‫للتنـاول بصـور أعمـق وأكثر جدية من ِقَبل‬ ‫بقيـة النقّـاد‪ .‬إن مسـيرة فيلمـي «المواطـن‬ ‫كيـن» و«فيرتيجـو» مـع القوائـم هـي أقوى‬ ‫متطرفة‬ ‫تتبدل بصور‬ ‫دليل على أن األحكام َّ‬ ‫ِّ‬ ‫مـع تعاقـب الزمـن‪ ،‬وأن الذائقـة أو حتـى‬ ‫الرصانـة العامـة مسـألة مؤقتـة ومحكومة‬ ‫بعوامـل خارجية‪.‬‬

‫ومـن االعتبـارات الصعـب تجاهلهـا أيضـ ًا‬ ‫فـي عمليـة صناعـة القوائـم هـي التـوازن‬ ‫الجغرافـي‪ ،‬ناحـظ فـي القائمـة األخيـرة‬ ‫وجـود ثاثـة أفام من جنوب شـرق آسـيا‬ ‫فـي المراكز العشـرة األولـى‪ ،‬أي ما يقترب‬ ‫عل هذه األفام تستحق بالفعل‬ ‫من الُثلث‪َ .‬ل ّ‬ ‫التقدم الواضح‬ ‫الوجود بقائمة المئة‪ ،‬لكن ُّ‬ ‫عبر بالضرورة عن‬ ‫فـي ترتيـب مراكزها ال ُي ِّ‬ ‫مستوى السينما اآلسيوية أو مستوى تلك‬ ‫صـوت‬ ‫األفـام‪ ،‬بـل عـن هاجـس لـدى ّ‬ ‫كل ُم ِّ‬ ‫بتضميـن أفـام مختلفـة اإلثنيـة بقائمتـه‬ ‫القصيـرة كـي ال يحصرهـا على تيار بعينه‬ ‫مثـل هوليـوود‪ .‬لمسـنا الهاجس نفسـه عند‬ ‫النقَّـاد فـي حادثـة بمطلـع هذا العـام‪ ،‬حين‬ ‫روجـوا لحملـة ‪ Oscars So White‬التـي‬ ‫ّ‬ ‫كـرد هجومـي علـى اسـتبعاد أفـام‬ ‫جـاءت ّ‬ ‫األعـراق المختلفـة واألقليـات مـن سـباق‬ ‫جوائـز األوسـكار األخيـرة‪ .‬هـذه الثّقافـة‬ ‫تهدد مصداقية‬ ‫اآلخذة في االنتشار أصبحت ِّ‬ ‫الُنخـب وصانعي الرأي العام السـينمائي‪،‬‬ ‫ّيـة‬ ‫ألنهـا ُتحيـل التنافـس مـن اعتبـارات َفنّ‬ ‫بحتـة إلـى اعتبـارات حقوقيـة وعنصريـة‬ ‫مضـادة أو توازنـات جغرافيـة تكـون فـي‬ ‫الغالـب بـا معنى‪.‬‬ ‫التنـوع‬ ‫وال يتوقَّـف مبـدأ التوازنـات عنـد‬ ‫ُّ‬ ‫الجغرافي‪ ،‬بل يمتد ليشمل عناصر أخرى‪،‬‬ ‫هويـة الصانـع‪ .‬فعندمـا ُيطلـب مـن‬ ‫منهـا ّ‬ ‫الناقـد قائمـة بعشـرة أفـام يراهـا األفضـل‬ ‫تؤكـده األرقـام‪،‬‬ ‫فهـو بطبيعتـه‪ ،‬وبمـا ِّ‬

‫لـن يختـار فيلميـن أو أكثـر لنفـس صانـع‬ ‫التنـوع ليكتفي‬ ‫العمـل‪ ،‬بـل يقـوده هاجس‬ ‫ُّ‬ ‫لـكل صانع كـي يعطي فرصة‬ ‫بفيلـم واحـد ّ‬ ‫آلخريـن بالوجود فـي قائمته‪ .‬هذا التوازن‬ ‫ويؤدي فـي النهاية‬ ‫فـي حقيقتـه بـا معنى‬ ‫ِّ‬ ‫عـل‬ ‫الختفـاء أفـام مهمـة مـن القوائـم‪ ،‬وَل ّ‬ ‫أبرزهـا فـي القائمـة األخيـرة كان فيلـم‬ ‫«اقتبـاس» ‪ ،2002‬للكاتـب الفـّذ «تشـارلي‬ ‫كوفمـان»‪ ،‬والذي فشـل فـي الدخول لقائمة‬ ‫فضلـوا التصويـت‬ ‫المئـة‪ ،‬ألن أغلـب النقَّـاد َّ‬ ‫لفيلـم آخـر لكوفمـان وهـو «إشـراقة أبديـة‬ ‫للعقـل الخـاوي» ‪ ،2004‬فُأ ِخـَذ األول بذنب‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫مـا سـبق أحـد األسـباب التـي أدت‬ ‫بالمخـرج والناقـد األميركـي الكبيـر «بيتـر‬ ‫بوجدانوفيتـش» لكتابـة مقـال بموقـع ‪In-‬‬ ‫يتحــدث فيـه عـن تـجـربــته مـع‬ ‫‪diewire‬‬ ‫َّ‬ ‫استــفتــــاء مجــلــــة ‪Sight & Sound‬‬ ‫لعام ‪ 2012‬عن أفضل األفام في التاريخ‪،‬‬ ‫ـب مـن بوجدانوفيتـش المشـاركة‬ ‫حيـث ُطِل َ‬ ‫بـه‪ .‬يقـول‪ ...« :‬بعد صراع للطلوع بقائمة‬ ‫المفضليـن‪ ،‬شـعرت أن المهمـة‬ ‫العشـرة‬ ‫َّ‬ ‫مسـتحيلة‪ .‬أسـتطيع تبسـيط قائمتـي‬ ‫بأفضـل عشـرة مخرجيـن‪ ،‬لكنـه عـذاب ّأال‬ ‫كل أفامهم العظيمة‪ .‬لنأخذ المخرج‬ ‫أضمن ّ‬ ‫مثـا ‪ ..‬كيـف أختـار بيـن‬ ‫«جـان رينـوار» ً‬ ‫«الوهم الكبير» و«قواعد اللعبة» و«اإلنسان‬ ‫الوحشـي» و«رقصـة الكنـكان الفرنسـية»‬ ‫و«النهـر» و«جريمـة السـيد النج»؟ سـيكون‬ ‫‪25‬‬


‫قـل‬ ‫علـي أن أضـع ثاثـة أفـام علـى ا َأل ّ‬ ‫ّ‬ ‫لرينـوار فـي قائمـة العشـرة األفضـل‪ ،‬مـاذا‬ ‫سـأفعل بعدهـا؟» ويعلِّـق فـي نهايـة المقال‬ ‫بعـد ذكـر عديـد مـن األمثلـة‪ ..« :‬إن فكـرة‬ ‫ـن وللثّقافـة‬ ‫برمتهـا معاديـة َ‬ ‫للف ّ‬ ‫التقييـم ّ‬ ‫السـينمائية‪ .‬فهـي اختـزال عبثـي»‪.‬‬ ‫ويبـدو أن األمـر لـم يسـلم حتـى مـن‬ ‫االعتبـارات السياسـية‪ ،‬هـذا مـا نلمسـه‬ ‫بالغيـاب التـام والمثيـر للريبـة ألفـام‬ ‫المخرج «كلينت إيستوود»‪ ،‬وهو الذي َق َّدم‬ ‫‪26‬‬

‫الروائـع السـينمائية الكثيـرة بهذه األلفية‪،‬‬ ‫ترشح بعضها وفاز بعديد من الجوائز‪ ،‬من‬ ‫َّ‬ ‫بينها األوسكار كفيلم «فتاة المليون دوالر»‬ ‫‪ ،2004‬هذا التجاهل األخير إليستوود في‬ ‫اسـتفتاء الــ‪ BBC‬جـاء متزامن ًا مـع مواقفه‬ ‫المعلن‬ ‫السياسية المثيرة للجدل وانحيازه ُ‬ ‫للحـزب الجمهـوري األميركـي‪ ،‬والتصريح‬ ‫بأنـه سـينتخب المرشـح «دونالـد ترامـب»‬ ‫بمـا ُيثيـره األخيـر مـن نفـور لـدى التيـار‬ ‫الليبرالـي المسـيطر علـى الوسـط النقـدي‬ ‫والسـينمائي‪ .‬وعلـى الصعيـد نفسـه‪ُ ،‬يثير‬ ‫وجود فيلم «‪ 30‬دقيقة بعد منتصف الليل»‬ ‫‪ ،2012‬للمخرجـة كاثريـن بيجلـو شـكوك ًا‬ ‫المصوتيـن‪ ،‬فبانحيازهـم‬ ‫حـول معاييـر‬ ‫ِّ‬ ‫يميـزه شـيء سـوى أن صانعتـه‬ ‫لفيلـم ال ِّ‬ ‫التنـوع الزائـف؛‬ ‫يسـتمر هاجـس‬ ‫امـرأة؛‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫المـرة تماشـي ًا مـع الموجة النسـوية‬ ‫وهـذه ّ‬ ‫الحديثـة بافتعـال وجـود نسـائي داخـل‬ ‫صناعـة يحتكرهـا الذكـور‪.‬‬ ‫والماحـظ فـي عملية صناعـة القوائم أنها‬ ‫تبـرز تباينـات ليسـت ببسـيطة مـع تبايـن‬ ‫أعدهـا النقَّـاد‬ ‫نوعيـة‬ ‫المصوتيـن‪ ،‬فقائمـة َّ‬ ‫ِّ‬ ‫مثـل قائمـة الــ‪ BBC‬أو مجلـة & ‪Sight‬‬ ‫أعدها الجمهور‬ ‫‪ ،Sound‬تختلف عن قائمة َّ‬ ‫المولع بالسينما مثل قائمة موقع ‪.IMDb‬‬ ‫ا أكبر ألفام النوع‪،‬‬ ‫ناحظ في األخيرة مي ً‬ ‫يتصـدر فيلم «األب الروحي» بجزأيه‬ ‫حيـث‬ ‫َّ‬ ‫المركزيـن الثانـي والثالـث‪ ،‬بينمـا يقبـع‬ ‫الفيلم نفسه في المركز الحادي والعشرين‬ ‫في قائمة النقَّاد لمجلة ‪.Sight & Sound‬‬ ‫أما فيلم «فارس الظام» ‪ ،2008‬الذي يأتي‬ ‫فـي المركـز الرابع مـن قائمة ‪ IMDb‬فيأتي‬ ‫فـي المركـز الثالـث والثاثيـن فـي قائمـة الـ‬ ‫‪ .BBC‬أمـا «المواطـن كيـن» الـذي يصنفـه‬ ‫غالبيـة النقَّـاد بالفيلـم األعظـم فـي تاريـخ‬ ‫السـينما فيتوارى بالمركز الثامن والسـتين‬ ‫مـن قائمـة ‪ IMDb‬الجماهيرية!‬ ‫وتبـدو قائمـة معهد الفيلم األميركي «‪»AFI‬‬ ‫ألفضـل ‪ 100‬فيلـم أميركـي فـي التاريـخ‪،‬‬ ‫وصنَّاع‬ ‫والتـي‬ ‫َّ‬ ‫يتنـوع صانعوها بين نقَّاد ُ‬ ‫ومؤرخيـن‪ ،‬هـي األكثـر توفيقـ ًا‬ ‫وفنانيـن‬ ‫ِّ‬ ‫فـي نتائجهـا بيـن األذواق الشـتى‪ ،‬حيـث‬ ‫يتصـدر القائمـة «المواطـن كيـن» ويأتـي‬ ‫َّ‬ ‫بعـده مباشـرة «األب الروحـي» فـي المركز‬ ‫الثانـي‪ .‬كمـا تبـدو القائمـة أكثـر تصالحـ ًا‬ ‫مـع الكوميديـا‪ ،‬حيث خطـف فيلم «البعض‬ ‫يفضلونهـا سـاخنة» للمخـرج بيلـي وايلدر‬ ‫ِّ‬ ‫تقدم‬ ‫المركز الثاني والعشرين‪ ،‬وهو مركز ُم ِّ‬

‫نسبة لفيلم كوميدي ال يكمن من ورائه أي‬ ‫هـدف سـوى المتعة والضحـك الخالصين‪،‬‬ ‫تمامـ ًا مثـل فيلـم «الشـقة» ‪ ،1960‬لوايلدر‪،‬‬ ‫وقـد جـاء فـي المركـز الثمانين‪.‬‬ ‫وبالحديـث عـن وايلـدر الغـرب ننتقـل إلـى‬ ‫وايلدر الشرق‪ ،‬أو المخرج المصري «فطين‬ ‫عبـد الوهـاب»‪ ،‬صاحـب األفـام الكوميدية‬ ‫األكثـر خلـودًا في تاريخ السـينما العربية‪،‬‬ ‫والتـي تماهـى معهـا الجمهـور وحفـظ‬ ‫نصوصهـا عـن ظهـر قلـب‪ ،‬وبالرغـم مـن‬ ‫ذلـك نجـد تلـك األفـام إمـا مسـتبعدة أو‬ ‫مهمشـة من قوائم األفضل عربي ًا ومصرياً‪،‬‬ ‫خاصة بالقائمة التي أخرجها مهرجان دبي‬ ‫السينمائي عام ‪ 2013‬ألهم ‪ 100‬فيلم عربي‬ ‫في التاريخ‪ ،‬وجاءت شبه خالية من أفام‬ ‫الكوميديا عموماً‪ ،‬أما القوائم األخرى التي‬ ‫أعدهـا سـابق ًا مهرجـان القاهـرة‪ ،‬فناحـظ‬ ‫َّ‬ ‫أنهـا لـم تهتـم ّإال بفيلـم «مراتـي مديـر عام»‬ ‫‪ ،1966‬وليست مصادفة أنه الفيلم األوحد‬ ‫فـي مسـيرة عبـد الوهـاب الـذي اختلطـت‬ ‫فيـه الكوميديا بمحتوى سياسـي ونسـوي‬ ‫جـاد‪ ،‬أمـا أفامـه األخـرى التـي اكتفـت‬ ‫بالمتعـة الخالصـة مثـل «إشـاعة حـب» أو‬ ‫«ابـن حميـدو» أو «الزوجـة رقـم ‪ »13‬فهـي‬ ‫مهمشـة مـن تلـك القوائم‪.‬‬ ‫وتسـتمر ظاهـرة ازدراء الكوميديـا فـي‬ ‫ّ‬ ‫القائمـة التي أخرجها مهرجان اإلسـكندرية‬ ‫السـينمائي عـام ‪ 2014‬ألفضـل ‪ 30‬فيلمـ ًا‬ ‫مصري ًا صدرت في الثاثين عام ًا األخيرة‪.‬‬ ‫حيـث اكتفـت القائمـة بفيلم كوميـدي وحيد‬ ‫هـو «البدايـة» ‪ ،1986‬ولـو دقّقنـا فـي‬ ‫االختيـار لـن نجـده تقديـرًا للكوميديـا‪ ،‬بـل‬ ‫لمحتـوى الفيلـم السياسـي‪ .‬وهنـاك أفـام‬ ‫أخـرى اسـتهدفت المتعـة الخالصـة مثـل‬ ‫«الناظـر» ‪ ،2000‬للمخـرج شـريف عرفـة‪،‬‬ ‫الذي ال يستطيع أحد إنكار أنه الفيلم األلمع‬ ‫واألعتـى تأثيـرًا فـي الثّقافـة الجماهيريـة‬ ‫المصريـة فـي الثاثيـن عامـ ًا األخيـرة‪،‬‬ ‫باإلضافـة لتمتعـه بعناصـر تقنيـة شـديدة‬ ‫التميـز‪ .‬لكنـه يذهـب دائمـ ًا ضحيـة تصنيف‬ ‫ُّ‬ ‫ـن مـن الدرجـة الثانيـة‪ .‬وهـي‬ ‫الكوميديـا َ‬ ‫كف ّ‬ ‫وضحنا ببداية المقال‪،‬‬ ‫ظاهـرة عالمية كما َّ‬ ‫تفشـي ًا بيـن الُنخـب العربيـة‪.‬‬ ‫لكنهـا أكثـر ّ‬


‫اﺳﺘﻄﻼع‬

‫ثـورة التحرير الجزائرية ‪1954‬‬

‫الكتابة عن الثورة الجزائرية‬ ‫مساحة القرب واالبتعاد‬ ‫الجزائـر‪ :‬نوارة لحرش‬ ‫َظّل التعامل مع ثورة التحرير الجزائرية‪،‬‬ ‫تاريخيـ ًا وأدبياً‪ ،‬تكتنفه بعض الشـوائب‬ ‫بحرية وأريحية للموضوع‪،‬‬ ‫فـي‬ ‫التطرق ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ـل‬ ‫بحكـم حساسـيته مـن جهـة‪ ،‬وفـي ِظ ّ‬ ‫حضـور جيـل الثـورة ونفـوذه مـن ٍ‬ ‫جهـة‬ ‫أن مواكبـة األدب الجزائـري‬ ‫أخـرى‪ .‬كمـا ّ‬ ‫لثـورة التحريـر فـي وهجهـا وعنفوانهـا‪،‬‬ ‫ـل خافتـ ًا وخجـوالً‪ ،‬وهـو يحتـاج إلـى‬ ‫َظ ّ‬ ‫مسـافة أكبـر لطـرح األسـئلة الحقيقيـة‬ ‫والخـروج مـن دائـرة االنبهـار وإعـادة‬ ‫أن الكثيـر مـن‬ ‫القـراءة‬ ‫والتأمـل‪ .‬كمـا ّ‬ ‫ُّ‬ ‫الروايـات تناولت «ثورة التحرير» تناو ًال‬ ‫سـطحي ًا وعابـراً‪ ،‬ويعـود هـذا إلـى جملة‬ ‫مـن األسـباب حالـت دون نجـاح الروايـة‬ ‫الجزائريـة فـي تحقيـق االحتفـاء بالثورة‬

‫أن تيمـة‬ ‫التحريريـة كمـا يجـب‪ .‬فهـل حقـ ًا ّ‬ ‫ثـورة التحريـر الكبـرى فـي الروايـة‬ ‫الجزائرية ال زالت غائمة ويكتنفها الكثير‬ ‫يؤكـد هـذا الكثيـر مـن‬ ‫مـن الغمـوض كمـا ِّ‬ ‫النقّـاد والدارسـين‪ ،‬والذيـن يـرون مـن‬ ‫أن نصـوص روائيـة كثيـرة‬ ‫جهـة أخـرى ّ‬ ‫محـدودة راهنـت علـى موضـوع الثـورة‬ ‫وهـي بسـيطة وغيـر ذات مسـتوى‪.‬‬ ‫وهـل حقـ ًا مـا ُكِت َب حتـى اآلن من روايات‬ ‫كمـ ًا وكيفـ ًا إلـى مسـتوى عظمـة‬ ‫ال يرقـى ّ‬ ‫الثـورة التحريريـة الكبـرى وتاريخهـا‬ ‫أن هذا ُيعّد أمرًا‬ ‫النضالـي البطولـي؟ وهل ّ‬ ‫منطقيـ ًا مقارنـة بحجـم الثـورة وعظمتها‬ ‫وفرادتها؟‬ ‫«الدوحـة» وبمناسـبة الذكـرى الــــ‪62‬‬ ‫(أول نوفمبر‪/‬تشـرين‬ ‫لثـورة التحريـر ّ‬ ‫أول نوفمبر‪/‬تشـرين‬ ‫الثانـي ‪ّ /1954‬‬

‫الثاني ‪ ،)2016‬فتحت موضوع وإشكالية‬ ‫«الروايـة والثورة»‪ ،‬وبهذا الشـأن‪ ،‬يقول‬ ‫الكاتـب والروائـي عـز الديـن جاوجـي‪:‬‬ ‫فمهد لها‬ ‫«سبق األدب الثورة التحريرية‪َّ ،‬‬ ‫وحـرض عليهـا‪ ،‬منـذ مـا كتبـه األمير عبد‬ ‫َّ‬ ‫القـادر الجزائـري فـي تحديـه للفرنسـيين‬ ‫وتخليـد انتصاراتـه عليهـم‪ ،‬ثـم التحـم‬ ‫هـذا األدب معهـا ليكـون صوتهـا النابـض‬ ‫بالحيـاة‪ ،‬واسـتمر بعدهـا وسيسـتمر‬ ‫حسـب مـا تمثلـه هـذه الثـورة عنـد أهلهـا‬ ‫كل‬ ‫والمتفاعليـن معهـا‪ ،‬يتجلّـى ذلـك فـي ّ‬ ‫فنـون القـول شـعرًا وروايـة ومسـرح ًا‬ ‫وقصـة»‪.‬‬ ‫«الرماد الذي غسـل الماء» واصل‬ ‫صاحب ّ‬ ‫متحّدثـ ًا عـن حضـور تيمـة الثـورة فـي‬ ‫الروايـة‪« :‬إذا حصرنـا القـول فـي الرواية‬ ‫الحظنـا الروايـة الجزائريـة المكتوبـة‬ ‫‪27‬‬


‫اﺳﺘﻄﻼع‬

‫بالفرنسية أسبق على يد روادها األوائل‪:‬‬ ‫محمـد ذيـب ومولـود معمـري ومولـود‬ ‫ألن‬ ‫فرعـون ومالـك حـداد‪ ،‬ال لشـيء ّإال ّ‬ ‫الروايـة باللّغة العربية لم تظهر ناضجة‬ ‫الحرية‪ ،‬علم ًا‬ ‫متكاملـة ّإال بعـد اسـترجاع ّ‬ ‫بـأن الثـورة كان لهـا الحضـور القوي في‬ ‫ّ‬ ‫الشـعر والنثـر المكتوبيـن بالعربيـة على‬ ‫يـد كبـار أدبائهـا أمثـال‪ :‬مفـدي زكريـا‪،‬‬ ‫أحمـد سـحنون‪ ،‬ابـن باديـس‪ ،‬والبشـير‬ ‫اإلبراهيمـي»‪.‬‬ ‫المتحـّدث ذاتـه طـرح سـؤال «الدوحـة»‬ ‫نفسه حول كيفية ونوعية ومدى حضور‬ ‫هـذه الثـورة فـي َفّن السـرد الجزائري‪ ،‬إذ‬ ‫يقـول فـي هـذا السـياق‪« :‬السـؤال الـذي‬ ‫يجب أن ُيطرح هو‪ :‬هل ارتقت النصوص‬ ‫األدبيـة التـي عانقـت الثـورة إلى عظمتها‬ ‫تـردد‬ ‫وعبقريتهـا أم َظلّـت دونهـا؟ ودون ُّ‬ ‫ـل‬ ‫يمكـن أن نجيـب ّ‬ ‫بـكل أسـف أن أدبنـا َظ ّ‬ ‫أبعـد بكثيـر من عظمة الحدث‪ ،‬في الوقت‬ ‫قل بكثير ُكتابها‬ ‫الـذي ألهمـت فيه ثـورات َأ ّ‬ ‫وأدباءها ليقّدموا للبشرية روائع خالدة‪،‬‬ ‫ويمكـن أن نلفـت النظـر إلـى مـا كتبـه‬ ‫عل‬ ‫تولسـتوي ومكسـيم غوركي مثاً‪ ،‬وَل ّ‬ ‫أعظم ِسفر بين أيدينا إلى اآلن عن ثورتنا‬ ‫هـو (اللهـب المقـدس) و(إليـاذة الجزائر)‪،‬‬ ‫وكاهمـا لشـاعر الثـورة مفـدي زكريـا‪،‬‬ ‫ورغم العواطف الصادقة المتأججة فيهما‬ ‫ّإال أنّهما لم يتعمقا في هذه الثورة ليكونا‬ ‫ملحمتهـا الكبرى»‪.‬‬ ‫جاوجي‪ ،‬الذي كتب ِعّدة روايات تناولت‬ ‫الثـورة وأحـداث مجـازر الـــ‪ 8‬مايو‪/‬أيار‬ ‫تتعمق‬ ‫‪ ،1945‬يـرى أيضـ ًا ّ‬ ‫أن الرواية لم ّ‬ ‫قائـا‪:‬‬ ‫فـي الثـورة وأحداثهـا وأمجادهـا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫«مثلمـا ُكتبـت الكثيـر مـن أشـعار الثـورة‬ ‫بسـطحية‪ ،‬األمـر ذاتـه بالنسـبة للروايـة‬ ‫التي تعاملت مع الثورة بسـطحية كبيرة‬ ‫كمـا فـي كتابات مرزاق بقطاش‪ ،‬وأحام‬ ‫مسـتغانمي‪ ،‬وزهور ونيسـي‪ ،‬أو بذاتية‬ ‫أيض ًا كما في كتابات الطاهر وطار (الاز)‬ ‫ورشـيد بوجـدرة (التفـكك) اللذين لم يكن‬ ‫همهمـا تقديـم هـذه الثـورة فـي أعماقهـا‬ ‫المختلفـة بقـدر مـا كان دفاعـ ًا عـن اتجـاه‬ ‫أيديولوجـي مـن الثورة التحريرية‪ ،‬ومن‬ ‫فـإن هـذا التنـاول كان جزئيـ ًا وباهتـ ًا‬ ‫َث ّـم ّ‬ ‫أن‬ ‫وَل ّ‬ ‫عـل السـبب في تصـوري يرجع إلى ّ‬ ‫المشـهد األدبـي لدينـا لـم يفـرز لحـّد اآلن‬ ‫طاقـة إبداعيـة عالميـة يمكـن أن تسـتلهم‬ ‫عظمـة ثورتنـا وتقـّدم فيهـا مـا يليـق‬ ‫‪28‬‬

‫بعظمتهـا ومكانتها»‪.‬‬ ‫جاوجي أورد في سياق حديثه‪ ،‬تجربته‬ ‫فـي تناولـه أو اسـتلهامه للثـورة فـي‬ ‫كتاباتـه‪« :‬شـخصي ًا قـد عملـت علـى رصد‬ ‫عبقرية الشعب الجزائري خال مقاوماته‬ ‫المختلفـة‪ ،‬بـدأت العمـل بروايتـي (حوبة‬ ‫ورحلـة البحـث عـن المهـدي المنتظـر) في‬ ‫تعرضـت لواقـع‬ ‫‪ 560‬صفحـة‪ ،‬والتـي ّ‬ ‫اإلنسـان فـي هـذا الوطـن بيـن ‪- 1920‬‬ ‫‪ ،1945‬وأنـا عاكـف هـذه األيـام علـى‬ ‫كتابـة الجـزء الثانـي مـن هـذا العمـل مـن‬ ‫أن العمل شـاق‬ ‫‪ ،1962 - 1945‬والشـك ّ‬ ‫ومضـن عندمـا يشـعر الكاتـب أنـه أمـام‬ ‫ٍ‬ ‫ثورة عظيمة ال يمكن التعمق في أمجادها‬ ‫ّإال بملحمـة تسـتغرق السـنوات الطوال»‪.‬‬ ‫أمـا محمـد تحريشـي (كاتـب ودكتـور‬ ‫فـي النقـد األدبـي وعميـد كليـة اآلداب‬ ‫أن الثورة‬ ‫للغـات بجامعة بشـار)‪ ،‬فيـرى ّ‬ ‫التحريرية في الرواية هي سـند تاريخي‬ ‫ومدونـة تسـجيل ألحـداث وتوظيـف‬ ‫قائـا‪« :‬قـد نتفـق كما‬ ‫لوقائـع‪ ،‬ويواصـل‬ ‫ً‬ ‫تحررية‬ ‫ثورة‬ ‫هي‬ ‫ثورتنـا‬ ‫قـد نختلـف هل‬ ‫ُّ‬ ‫فـإن الحديـث عن‬ ‫أو تحريريـة؟‪ ،‬ومـن َث ّـم ّ‬ ‫العاقـة بيـن الرواية الجزائريـة والثورة‬ ‫التحريريـة موضـوع مرتبـط بذلـك الدور‬ ‫حـدده محمـد ديـب لمـا تحـّدث عـن‬ ‫الـذي َّ‬ ‫دور الكاتب تحت االحتال ودعا إلى أدب‬ ‫التحرر والتحرير من‬ ‫ملتـزم بالدعـوة إلى‬ ‫ُّ‬ ‫االستعمار‪ ،‬وقد اهتم الكثير من الباحثين‬ ‫بهـذا الموضـوع»‪.‬‬ ‫ويضيـف الدكتـور تحريشـي‪« :‬الثـورة‬ ‫التحريريـة‪ ،‬هـي فـي مقـام آخـر مصـدر‬ ‫مميزة َأّرخت لهذه‬ ‫إلهام لنصوص روائية ّ‬ ‫الثـورة ورسـمت قيمـ ًا جماليـة ومضامين‬ ‫ّيـة كانـت نموذج ًا للكتابـة الروائية في‬ ‫َفنّ‬ ‫الجزائـر مثـل (العصا والعفيـون) لمولود‬ ‫إن‬ ‫معمـري و(نجمـة) لكاتـب ياسـين‪ّ .‬‬ ‫ثاثية محمد ديب كانت المهاد لهذا النمط‬ ‫مـن الكتابـة الملتزمـة بقضايـا الشـعب‪،‬‬ ‫وكانـت بمثابـة (اإلرهـاص) لثـورة قادمة‬ ‫تحـرر البـاد والعبـاد»‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫المتحّدث نفسه‪ ،‬يواصل في نفس المعطى‬ ‫وبكثير من الشرح والتوضيح‪« :‬إن كثيرًا‬ ‫مـن األعمـال الروائيـة رافقـت الثورة‪ ،‬في‬ ‫أن أعمـا ًال روائية ُكتبـت عن الثورة‬ ‫حيـن ّ‬ ‫من موقع ما بعد االستقال‪ ،‬هي نصوص‬ ‫وجـدت نفسـها أنّهـا ال تسـتطيع الكتابـة‬ ‫عـن الواقـع فارتحلـت إلـى زمـن مضـى‪،‬‬

‫وحاولت أن تقرأ الواقع من خال حديثها‬ ‫إن هـذه النصـوص سـعت‬ ‫عـن الماضـي‪ّ .‬‬ ‫إلـى كتابـة عـن الثـورة التحريريـة ليـس‬ ‫فـي خضـم أحداثهـا وإنّمـا باالعتماد على‬ ‫الذاكـرة والفـاش بـاك‪ ،‬وكأنّهـا توظـف‬ ‫هذه األحداث لقراءة المسـتقبل أو لتبرير‬ ‫أفعـال أو إلدانـة أشـخاص أو تصرفـات‪،‬‬ ‫ومن َثّم أنتجت معجم ًا خاص ًا بها نهل من‬ ‫معجـم الثورة التحريريـة فهناك المجاهد‬ ‫والحركي والفدائي والخائن والمتعاون‪،‬‬ ‫وهنـاك الخاوة وهنـاك الفاقة»‪.‬‬ ‫تحريشـي‪ ،‬تسـاءل فـي معـرض حديثـه‬ ‫الكتـاب‬ ‫فـي هـذا الموضـوع‪« :‬لمـاذا لجـأ ُ‬ ‫إلـى الثـورة التحريريـة لتكـون منبعـ ًا ال‬ ‫ينضـب‪ ،‬وهـل كان باإلمـكان أن‬ ‫يتحولوا‬ ‫ّ‬ ‫إلـى مضامين أخـرى؟»‪ .‬ثم أضاف مجيب ًا‬ ‫«شـكلت الكتابـة عن هذه‬ ‫عـن تسـاؤالته‪ّ :‬‬ ‫للكتـاب فيهـا العوض‬ ‫الثـورة مـاذًا آمنـ ًا ُ‬ ‫كل طموح نحو كتابة أخرى‪ ،‬وكانت‬ ‫عن ّ‬ ‫وكل‬ ‫بمثابـة الدرجـة والنمـوذج والمثال‪ّ ،‬‬ ‫مـن َكتـب عـن الثـورة كان بـاب الوفـاء‬ ‫للشـهداء واالعتـراف بفضلهـم ومـن بـاب‬ ‫العنايـة بمـن تبقّـى مـن المجاهديـن‪ ،‬ثـم‬ ‫فـي موقـع آخـر ليسـلم مـن الرقابـة غيـر‬ ‫المعلنة التي كانت ترسم حدودًا لما ُيكتب‬ ‫ُ‬ ‫الكتاب فرح ًا ّإال‬ ‫وما ُينشر‪ ،‬ولم يستبشر ُ‬ ‫فتحول فريق‬ ‫بعـد أن ظهـرت اإلصاحات ّ‬ ‫منهـم نحـو الكتابـة عـن الثـورة الزراعية‬ ‫علـى أنّهـا اسـتمرار للثـورة التحريرية»‪.‬‬ ‫تحريشـي‪ ،‬خلـص في األخيـر إلى نتيجة‬ ‫يتوافـق مـع مؤداهـا الكثير مـن الباحثين‬ ‫والدارسـين وبشـكل أو بآخـر‪ ،‬إذ يقـول‬ ‫هنـا‪« :‬يتفـق الكثيـر مـن الدارسـين علـى‬ ‫أن الروايـة الجزائريـة لـم تسـتطع أن‬ ‫ّ‬ ‫وجـد اتجاهـ ًا َفنّيـاً‪ ،‬بـل كانـت كتابـة عن‬ ‫ُت ِ‬ ‫وإن‬ ‫مضاميـن وإشـكاالت اجتماعيـة‪ّ .‬‬ ‫الثـورة التحريريـة‬ ‫تظـل مصـدر إلهـام‬ ‫ّ‬ ‫ومرجع ًا في الكتابة الروائية الجزائرية»‪.‬‬ ‫مـن جهتـه الكاتب والناقد محمد بن زيان‪،‬‬ ‫أن الروايـة الجزائريـة مسـكونة‬ ‫يـرى ّ‬ ‫بهاجـس البحـث عـن المسـكوت عنـه‬ ‫فـي ثـورة نوفمبـر‪ ،‬كحـدث حاسـم فـي‬ ‫وكأي حـدث يمتـد ليشـمل‬ ‫تاريـخ البـاد‬ ‫ّ‬ ‫كل المجـاالت ومـن بينهـا االشـتغاالت‬ ‫ّ‬ ‫الجماليـة‪ ،‬ومدهـا ال ينحصـر فقـط فـي‬ ‫تيمـات ومواضيـع المبـدع‪ ،‬بـل يمتـد إلى‬ ‫معمار وتقنيات وجماليات اإلبداع األدبي‪.‬‬ ‫بن زيان أضاف أيضاً‪« :‬الثورة حدث كبير‬


‫ال زال اإلبـداع فـي نظـر بعـض الدارسـين‬ ‫لـم يصـل إلـى مسـتواه‪ .‬واكبـت الثـورة‬ ‫نصوصـ ًا ُكتبت قبلها وبعدها بالفرنسـية‬ ‫على وجه الخصوص لمابسـات السـياق‬ ‫التاريخـي‪ ،‬نصوصـ ًا أثـارت نقاشـات‬ ‫كــرواية (الربوة المنسية) لمولود معمري‬ ‫التـي كانـت محـل تنويـه مـن طـرف طـه‬ ‫حسـين‪ .‬نصوصـ ًا حملـت معالـم الوضـع‬ ‫الـذي أخصـب جينـات الثـورة كثاثيـة‬ ‫محمـد ديـب (الـدار الكبيـرة‪ ،‬الحريـق‪،‬‬ ‫شكلت فتح ًا في الرواية‬ ‫النّول)‪ ،‬نصوص ًا ّ‬ ‫المغاربيـة بالفرنسـية‪ ،‬ومنهـا خصوص ًا‬ ‫رائعـة كاتـب ياسـين (نجمـة) التـي مثلت‬ ‫تحـو ًال الزال مثيـرًا لاشـتغال ولقـد‬ ‫ّيـ ًا ّ‬ ‫َفنّ‬ ‫أحالها البعض إلى عوالم كعالم (الصخب‬ ‫والعنـف) لوليـم فولكنر»‪.‬‬ ‫الروايـة‪ ،‬يواصـل بـن زيـان‪« :‬كانـت‬ ‫الكتـاب بالفرنسـية الذيـن‬ ‫بدايتهـا مـع ُ‬ ‫مؤسسة‪ ،‬خصوص ًا ديب‬ ‫أبدعوا نصوص ًا ِّ‬

‫بـ«ثاثيته» وكاتب ياسـين بـ«نجمة» وما‬ ‫كتبـه مالك حداد ومولود معمري وآسـيا‬ ‫جبـار‪ .‬ثـم باللغة العربيـة مع أحمد رضا‬ ‫حوحـو ووطـار وبـن هدوقـة وغيرهـم‪.‬‬ ‫بـن زيـان يـرى أن الثـورة حضـرت‬ ‫بموضوعـات مختلفـة فـي الروايـة‬ ‫مثـا فـي‬ ‫الجزائريـة‪ ،‬فرشـيد بوجـدرة‬ ‫ً‬ ‫باكـورة رواياتـه «التطليـق» تنـاول دور‬ ‫الشـيوعيين فـي الثـورة وهـو مـا توقّـف‬ ‫عنـده الطاهـر وطـار فـي «الـاز» وكان‬ ‫التوقُّـف مقترنـ ًا باإلشـارة إلـى تصفيـات‬ ‫تكـرس كرأي‬ ‫اسـتهدفت مـن يخالفـون مـا َّ‬ ‫فـإن‬ ‫جماعـة‪ .‬و‪ -‬حسـب بـن زيـان دائمـاً‪ّ -‬‬ ‫«موضوع الثورة عاد في نصوص أخرى‬ ‫تتميز نصوصه بالتناص‬ ‫لبوجـدرة الذي ّ‬ ‫الداخلـي وكان نصـه (التفكيك) الذي مثل‬ ‫بدايـة رواياتـه بالعربيـة اسـتحضارًا من‬ ‫خـال سـيرة البطـل لتاريـخ اليسـار فـي‬ ‫الثـورة‪ .‬وكان الهاجـس نفسـه حاضـرًا‬

‫عنـد واسـيني األعـرج فـي روايـة (مـا‬ ‫تبقـى من سـيرة لخضـر حمروش)‪ ،‬وفي‬ ‫قصـة (الشـهداء يعـودون هـذا األسـبوع)‬ ‫للطاهـر وطـار‪ .‬نصـوص كثيـرة حاولـت‬ ‫قـراءة مسـار الجزائـر المعاصـرة ومـن‬ ‫ضمنـه بالطبـع الثورة التي هي المنعرج‬ ‫الحاسـم‪ ،‬بعـض المنجـز السـردي خـرج‬ ‫عـن الخطية والتنميطية واقتحم متاهات‬ ‫ليتلمـس ممـرًا نحـو ما ُيبنيـن أفقاً‪ ،‬وتلك‬ ‫مهمـة االشـتغال الجمالـي الـذي بغيابـه‬ ‫يتحول التاريخ إلى مأزق»‪ .‬مضيفاً‪« :‬بعد‬ ‫ّ‬ ‫المكـرس‬ ‫للطـرح‬ ‫ر‬ ‫المكـر‬ ‫التمجيـد‬ ‫سـنين‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫رسـمي ًا عـن الثـورة‪ ،‬بـدأت هواجـس‬ ‫تشـكات ال‬ ‫وتمثـات المبدعيـن تتخـذ‬ ‫ُّ‬ ‫تنفصل عن السياق بمابساته المختلفة‪،‬‬ ‫التحوالت‬ ‫فمـن الثمانينيـات ومع بدايـات‬ ‫ُّ‬ ‫صار المبدع يحمل هاجس اكتشاف الذات‬ ‫ومسـاءلة الذاكـرة والغـوص فـي مـا لـم‬ ‫المرسـم‪ ..‬صـار الهاجـس‬ ‫يقلـه التاريـخ ُ‬ ‫عبـر عنـه الراحـل بختـي‬ ‫هـو إنجـاز مـا َّ‬ ‫بـن عـودة بـ(األرشـفة الجمالية) وتفكيك‬ ‫شـيفرات الواقع بتعرية الماضي‬ ‫للتحرر‬ ‫ُّ‬ ‫مـن وطأتـه»‪.‬‬ ‫بـن زيـان يوضـح فـي المنحـى ذاتـه‬ ‫مسـتدرك ًا ومسـتطرداً‪« :‬نصـوص كثيـرة‬ ‫بالعربية والفرنسية استحضرت الثورة‪،‬‬ ‫اسـتحضارًا فـي سـياقات مختلفـة ومـن‬ ‫بـأن‬ ‫بيـن وعيـ ًا ّ‬ ‫متنوعـة وهـو مـا ُي ّ‬ ‫زوايـا ّ‬ ‫ليسـت‬ ‫الثـورة‬ ‫مجـرد حـدث عـارض‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بـل واقعنـا متصـل بهـا وال يمكـن فهـم مـا‬ ‫يواجهنـا مـن تحّدّيـات بـدون اسـتيعاب‬ ‫الخلفيـات التاريخية وتحرير الذاكرة مما‬ ‫تعرضـت‬ ‫علّـق بهـا فطمـس الرؤيـة‪ ،‬ومـا ّ‬ ‫لـه الروايـة كسـر مـا حجزتـه القـراءات‬ ‫والخطابـات التاريخيـة التـي سـلكت‬ ‫أحاديـة أعاقـت تحويل المنجـز التاريخي‬ ‫حـرك يتجـّدد بـه إبـداع‬ ‫الثـوري إلـى ُم ّ‬ ‫التاريـخ وفـق مقتضيـات‬ ‫التحـوالت»‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫أن‬ ‫وخُلـص بـن زيـان فـي األخيـر إلـى ّ‬ ‫«الثـورة موضـوع إشـكالي‬ ‫مركـب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والتعاطـي معـه إبداعيـ ًا مرتبـط بهـذا‬ ‫الطابـع اإلشـكالي‪ ،‬وإشـكالية التعاطـي‬ ‫مع الثورة مرتبطة بعوامل جعلت الكثير‬ ‫مـن‬ ‫المؤرخيـن‪ -‬بينهـم مـؤرخ بحجـم أبو‬ ‫ّ‬ ‫القاسـم سـعد اهلل‪ -‬يحجمون عن الخوض‬ ‫عـل ذلـك يسـوق‬ ‫فـي هـذه اإلشـكالية‪ ،‬وَل ّ‬ ‫إلـى موضـوع آخـر‪ ،‬وإلى أسـباب كثيرة‬ ‫ومتشـابكة ليـس مقامهـا اآلن»‪.‬‬ ‫‪29‬‬


‫اﺳﺘﻄﻼع‬

‫هــل وصلــت الرواية العربية إلى العالمية‪ ،‬في الوقــت الراهن؟ وأين تتجلَّى هذه العالمية؟ وما‬ ‫عالميتها؟‬ ‫هي العوائق التي تحّد من‬ ‫َّ‬ ‫الكّتاب العــرب البارزين‪ ،‬لتحريك الســؤال عن مفهوم‬ ‫وجْهنــا هذه األســئلة إلــى مجموعة من ُ‬ ‫َّ‬ ‫مح ّط اهتمام المترجمين إلى اللّغات األجنبية‪،‬‬ ‫الروائي‬ ‫العالمية‪ ،‬وعالقته بالمنجز‬ ‫العربي‪ ،‬الذي أصبح َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المادي‪ ،‬للقيام بمثل هذه الترجمات‬ ‫بعدما ساهمت الجوائز العربية في توفير اإلطار‬ ‫المؤسسي‪ ،‬والتمويل ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫نشــر بضع روايات‪ ،‬بلغات أجنبية‪ ،‬جعل من هؤالء‬ ‫التي تصدر‪ ،‬اآلن‪ ،‬من دور نشــر مرموقة‪ .‬لكن‪ ،‬هل‬ ‫ُ‬ ‫عالميين؟‬ ‫الروائيين‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬

‫الرواية العربية وأفق العاملية‬ ‫اﺳﺘﻄﻼع ‪ -‬ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻮﻛﺮاﻣﻲ‬

‫ٌ‬ ‫زهور كرام‪ :‬هناك خلل‬ ‫ في مفهومنا للعالمية‬ ‫تقول الكاتبة المغربية زهور كرام‪ :‬في‬ ‫غالب األحيان‪ ،‬ارتبط مفهوم العالمية‪،‬‬ ‫في الوعي العربي‪ ،‬بانتقال الرواية من‬ ‫لغتها العربية إلى لغات أجنبية‪ ،‬إذ‬ ‫يتوقَّف الحلم بالعالمية‬ ‫بمجرد حدوث‬ ‫َّ‬ ‫فعل الترجمة‪ .‬في حين ال نجد اهتمام ًا‬ ‫يتم‪،‬‬ ‫مسؤو ًال وواعياً‪ ،‬بما بعد الترجمة‪ّ ،‬‬ ‫عبره‪ ،‬متابعة الرواية وهي تسافر في‬ ‫لغات أجنبية‪ ،‬و‪ -‬أيضاً‪ -‬متابعة ردود‬ ‫فعل الملتقّي غير العربي‪ .‬وتتساءل‬ ‫صاحبة «جسد ومدينة»‪ :‬هل تضمن‬ ‫الترجمة انتشارًا‬ ‫موسع ًا للروايات‬ ‫َّ‬ ‫المترجمة‪ ،‬مادام االنتشار عنصرًا‬ ‫ُ‬ ‫مجرد‬ ‫إجرائي ًا للعالمية‪ ،‬أم أن العالمية َّ‬ ‫عملية نقل للرواية‪ ،‬من لغة عربية إلى‬ ‫أخرى؟ وفي تقدير زهور‪ ،‬إن انتشار‬ ‫هذا المفهوم‪ ،‬للعالمية‪ ،‬جعل الكثير من‬ ‫الكّتاب يبحثون عن ترجمة أعمالهم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫‪30‬‬

‫دون االهتمام بما يمكن أن ُتحدثه‬ ‫رواياتهم في السياقات األخرى‪ ،‬كما‬ ‫مؤسسات الجوائز على المنوال‬ ‫سارت‬ ‫َّ‬ ‫يخص ترجمة األعمال‬ ‫فيما‬ ‫نفسه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يتم‪-‬‬ ‫الفائزة إلى لغات عالمية‪ّ .‬‬ ‫كل ذلك ّ‬ ‫كما تشير زهور‪ -‬دون مرافقة وصفية‬ ‫ونقدية‪ ،‬وثقافية‪ ،‬لوضعية الرواية‬ ‫في سياقات غير عربية‪ .‬وعلى هذا‪،‬‬ ‫يبقى‪ -‬في نظرها‪ -‬ربط العالمية بحركة‬ ‫الترجمة‪ ،‬فقط‪ ،‬فاقدًا لجوهر العالمية‪.‬‬ ‫مجدداً‪:‬‬ ‫وفي هذا السياق‪ ،‬تتساءل زهور َّ‬ ‫لماذا تثير الرواية‪ -‬بالتعبير الفرنسي‬ ‫فرونكفونيين‪ -‬نقاشات‬ ‫لكّتاب عرب‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫وتناقش قضاياها‪،‬‬ ‫في سياقات غربية‪ُ ،‬‬ ‫في حين ال تطرح الروايات العربية‬ ‫االهتمام نفسه‪ ،‬مع تسجيل‬ ‫ترجمة‬ ‫الم َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫بعض االستثناءات لبعض األعمال‬ ‫الروائية؟‪ ،‬ولماذا‪ -‬أيضاً‪ -‬لم تنجح‬ ‫مؤسسات الجوائز في إيصال الرواية‬ ‫َّ‬ ‫المختلف‪ ،‬عبر لغاته؟‬ ‫العربية إلى َ‬ ‫اآلخر ُ‬ ‫خلل ما في الوعي الثّقافي‬ ‫هناك‪ -‬إذن‪ٌ -‬‬ ‫بمفهوم «العالمية»‪.‬‬ ‫تتحقِّق عالمية الرواية‪ -‬في نظر زهور‪-‬‬ ‫والتصورات التي‬ ‫عندما تنتشر التمثُّات‬ ‫ُّ‬ ‫وتوضع جنب ًا إلى‬ ‫ّ‬ ‫تشخصها الرواية‪ُ ،‬‬ ‫وتصورات السياقات‬ ‫جنب مع تمثُّات‬ ‫ُّ‬

‫المستقِبلة‪ ،‬فيحدث نوع من الحراك‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫قد يأخذ طابع االصطدام أو الصراع‬ ‫أو الحوار‪ .‬لكن الشيء‬ ‫المهم‪ ،‬الذي قد‬ ‫ّ‬ ‫ُتحدثه عالمية الرواية‪ ،‬هو قدرة الرواية‬ ‫على تفكيك رتابة‬ ‫التصورات عن اآلخر‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫وحثّها على استقباله‪ ،‬من خال تمثُّاته‬ ‫تجسدها أي الرواية‪ .‬هل‬ ‫الرمزية‪ ،‬التي ّ‬ ‫ِّقت‬ ‫عالمية الرواية العربية؟ الجواب‪،‬‬ ‫تحقَ‬ ‫ُ‬ ‫وضعيتنا لدى اآلخر؟‬ ‫قد نلمسه في‬ ‫َّ‬

‫أمير تاج السر‪ :‬كيف أصبحوا ‬ ‫ُك ّتاب ًا عالم ِّيين؟‬ ‫أما الروائي السوداني أمير تاج السر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فيصرح قائاً‪« :‬كثيرًا ما نجد الصحافة‬ ‫ِّ‬ ‫العربية‪ ،‬تطلق لقب (العالمي)‪ ،‬على‬ ‫كثير من الكّتاب العرب‪ ،‬من الذين‬ ‫رجمت لهم نصوص إلى لغات أخرى‪،‬‬ ‫ُت ِ‬ ‫مثل اإلنكليزية‪ ،‬والفرنسية‪ ،‬واإليطالية‪.‬‬ ‫ونجد أولئك الكتاب يتلقَّفون ذلك اللقب‬ ‫بأحضان مفتوحة‪ ،‬يساعدونه على‬


‫يروجون له‬ ‫ربما‪ِّ -‬‬ ‫النمو بسرعة‪ ،‬و‪َّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫التجمعات‬ ‫قرائهم وفي‬ ‫وسط‬ ‫بأنفسهم‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫الثّقافية التي يحضرونها‪ .‬وفي الوقت‬ ‫نفسه‪ ،‬تجد كاتب ًا أو شاعراً‪ ،‬من الذين‬ ‫اهتموا‪ -‬بالفعل‪ -‬بهذا اللقب الكبير‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل شأن ثقافي عربي‪،‬‬ ‫زاهدًا في ّ‬ ‫وعينه على شؤون غربية‪ ،‬يجد أن‬ ‫من حقّه الحضور في وسطها»‪ .‬وفي‬ ‫رأي صاحب «العطر الفرنسي»‪ ،‬ليست‬ ‫مترجمة إلى لغات‬ ‫العالمية نصوص ًا‬ ‫َ‬ ‫أخرى‪ ،‬على اإلطاق‪ ،‬حتى لو بلغت‬ ‫ا‬ ‫نصف لغات الكرة األرضية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫معل ً‬ ‫ذلك بقوله‪« :‬ذكرت‪ ،‬في حوار سابق‪،‬‬ ‫وذكر الكثيرون قبلي وبعدي‪ ،‬أن مسألة‬ ‫الترجمة هذه‪ -‬بالذات‪ -‬تخضع‪ ،‬في‬ ‫الحظ‪ ،‬والمصادفة‪،‬‬ ‫حاالت كثيرة‪ ،‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة التي تربط كاتب ًا‬ ‫والعاقات‬ ‫ّ‬ ‫عربي ًا بمترجم أوروبي‪ ،‬أو النبش في‬ ‫يهم الغرب أن يعرف عنها‬ ‫مواضيع‪ّ ،‬‬ ‫بسلبية‪،‬‬ ‫شيئاً‪ ،‬مثل الكتابة في الدين‬ ‫ّ‬ ‫وإيراد مقتطفات من العنف‪ ،‬وزواج‬ ‫القاصرات‪ ،‬واالستعباد في بعض‬ ‫الدول‪ ،‬والترويج لتلك الكتابة‪ ،‬لتصل‬ ‫إلى من يبحث عنها‪ ،‬بطريقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫وأعرف نصوص ًا ليست ذات تأثير‪ ،‬حتى‬ ‫ربما‪ -‬لم يسمع بها‬ ‫في اللّغة العربية‪ ،‬و‪َّ -‬‬ ‫المهتمون بالقراءة‪ ،‬وقد عبرت إلى‬ ‫حتى‬ ‫ّ‬ ‫لغات أخرى‪ ،‬ونصوص ًا لم تنشر‪ ،‬حتى‬ ‫بالعربية (بالرغم من أنها كتبت بها)‬ ‫ون ِشرت هناك‪.‬‬ ‫ُت ِ‬ ‫رجمت إلى لغة أخرى‪ُ ،‬‬ ‫مر ًة‪ -‬بكتاب بالفرنسية‪،‬‬ ‫وفوجئت‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫جيداً‪ ،‬ولم أعرف‪ -‬على‬ ‫لشخص أعرفه ِّ‬ ‫اإلطاق‪ -‬أن له اهتمامات بالكتابة‪.‬‬ ‫أخبرني‪ ،‬حين سألته عن الكتاب‪ ،‬أن‬ ‫فتاة يعرفها تولَّت نشره بالفرنسية‪ ،‬بعد‬ ‫ترجمته‪ .‬الكاتب العالمي هو الكاتب الذي‬ ‫المترجم‪ ،‬تأثيرًا‬ ‫نصه‬ ‫ُيحدث‪ ،‬هو أو ّ‬ ‫َ‬ ‫ما‪ ،‬لدى جمهور أعرض من جمهور‬ ‫القراءة الروتيني الذي يلهث وراء الكتب‪:‬‬ ‫جيدها‪ ،‬ورديئها‪ ،‬أن يكون موجوداً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫حتى لدى أولئك الذين يمتهنون مهن ًا ال‬ ‫تغري باقتناء الكتب ومطالعتها‪ ،‬وأن‬ ‫يكون مدرسة كتابية تؤثِّر في أجيال‬ ‫يترجم إليها‪ .‬وقد‬ ‫أية لغة‬ ‫كتابية‪ ،‬في َّ‬ ‫َ‬ ‫اب هذه الشروط‪ ،‬بكتاب واحد‬ ‫حقَّق ُكّت ٌ‬ ‫فقط‪ ،‬وحقَّقها آخرون بعّدة كتب‪ ،‬أو‬ ‫بمجموع ما كتبوا؛ وبذلك أصبحوا ُكّتاب ًا‬ ‫عالميين»‪.‬‬ ‫ِّ‬

‫إلياس فركوح‪ :‬العالمية ال ‬ ‫تُقاس بالترجمة‬ ‫ال يقتنع الروائي األردني إلياس فركوح‬ ‫بكون روايتنا العربية (بعمومها) بلغت‬ ‫مستوى من الثراء واالكتناز المعرفي‪/‬‬ ‫ً‬ ‫الفنّي‪،‬‬ ‫الثّقافي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إضافة إلى التجديد َ‬ ‫كبناء‪ ،‬والرحابة كرؤية‪ ،‬يجيز لها أن‬ ‫أجتهد‬ ‫ترتقي إلى العالمية‪« .‬وإني‪ ،‬إذ‬ ‫ُ‬ ‫في قولي هذا‪ ،‬تراني أصبو إلى قمم‬ ‫ومرتفعات كـ«الجبل السحري» لتوماس‬ ‫مان‪ ،‬و«الصخب والعنف» لوليم فوكنر‪،‬‬ ‫و«موبي ديك» لهرمان ملفل‪ ،‬و«الساعة‬ ‫والواحدة والعشرون» لكونستانتين‬ ‫جورجيو‪ ،‬و«الدون الهادئ» لميخائيل‬ ‫شولوخوف‪ِ ،‬‬ ‫و«خفّة الكائن‪ »..‬لميان‬ ‫و«الحب في زمن الكوليرا»‬ ‫كونديرا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لماركيز‪ ،‬وغيرها‪ ،‬ناهيك عن أعمال‬ ‫كاسيكيات‬ ‫أخرى أسبق‪ ،‬باتت من‬ ‫ّ‬ ‫الرواية العالمية‪.‬‬ ‫فأن يصل العمل الروائي إلى العالمية‪،‬‬ ‫يعني‪ -‬في رأي صاحب «أرض‬ ‫أصبح «عامة راكزة‬ ‫اليمبوس»‪ -‬أنه‬ ‫َ‬ ‫احتل مكانه على رفوف‬ ‫راسخة‪ ،‬وقد‬ ‫َّ‬ ‫الخاصة‪ ،‬داخل البيوت‪،‬‬ ‫المكتبات‬ ‫ّ‬ ‫ومكانته في ذاكرة ُقّراء من شّتى‬ ‫الموسمي‬ ‫الشعوب؛ وليس مروره‬ ‫ّ‬ ‫الخاطف على صفحات الصحف‬ ‫والمجات األدبية العربية‪ ،‬باعتباره‬ ‫ّ‬ ‫«أكثر الكتب مبيعاً» أو الـ«بيست‬ ‫أن الفوز بجائزة‪ ،‬هنا أو‬ ‫سيلر»‪ .‬كما ّ‬ ‫هناك‪ ،‬ضمن معايير ِلجان التحكيم‬ ‫العربية المعتمدة للتوفيقية والمساومة‬ ‫و(تشاطر) بعض أعضائها وأشياء‬ ‫أخرى‪ ،‬ليس شهادة موثوقة بقدر ما‬ ‫ث ملتبس‪ ،‬تنتهي صاحيته‬ ‫هو َحَد ٌ‬ ‫أقل من ســنة‪ ،‬أو أكثر قلياً‪ .‬أبدأ‬ ‫بعد ّ‬ ‫بــــأن العـــــالمية ال ُتقـــــاس‬ ‫بالجْهر‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫بالترجمة‪ /‬الترجمات التي قد يحظى‬ ‫بها هذا العمل «المحظوظ» أو ذاك‪.‬‬

‫إن كثيرًا‬ ‫قلت ّ‬ ‫ولعلّني أبدو قاسي ًا إذا ما ُ‬ ‫رجَمت ما‬ ‫من رواياتنا العربية التي ُت ِ‬ ‫كان لها ذلك لوال مجموعة من العوامل‬ ‫الخاصة بمراحل سياسية ذات ِ‬ ‫صلة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫لفضول شبه‬ ‫بمنطقتنا‪ ،‬أو إشباع ًا‬ ‫عما يكمن «هناك» خلف‬ ‫ثقافي‪ ،‬لمعرفة ّ‬ ‫ّ‬ ‫أما العناصر‬ ‫«الحريم»!‬ ‫أسوار الدين أو‬ ‫ّ‬ ‫ّية‪،‬‬ ‫والرؤيوية‪،‬‬ ‫األدبية‪،‬‬ ‫َ‬ ‫والفنّ‬ ‫واالكتناز الثّقافي في تلك األعمال‪،‬‬ ‫داخل حدود جنسها الكتابي‪ ،‬فهي‬ ‫األضعف غالباً! وهذه‪ -‬تحديداً‪ ،‬بحسب‬ ‫أية رواية ترتقي‬ ‫فركوح‪ّ -‬‬ ‫تشكل روافع ّ‬ ‫بها إلى مقروئية عابرة للثّقافات‪،‬‬ ‫والشعوب‪ ،‬واألديان‪ ،‬واالنحيازات‪:‬‬ ‫والخاصة‪ .‬باختصار‪ :‬أن يكنز‬ ‫العامة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الروائي العربي قدرًا كبيرًا من المعارف‬ ‫والعيش‪،‬‬ ‫ّية‬ ‫واألبعاد الثّقافية‬ ‫َ‬ ‫والفنّ‬ ‫َ‬ ‫والتأمل‬ ‫ّي‬ ‫ن‬ ‫والتأ‬ ‫بالصبر‬ ‫وأن يتحلّى‬ ‫ُّ‬ ‫قبل مباشرته للكتابة‪ ،‬أن يلقي خلف‬ ‫بكل صنوف الشهرة‬ ‫ظهره‪ -‬تماماً‪ّ -‬‬ ‫الشعبويْين‪ ،‬وأن‬ ‫الشعبيْين‪/‬‬ ‫والرواج‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫يسأل نفسه بصراحة‪ :‬لماذا أكتب؟‪ ،‬ثم‬ ‫يجيب عن ذلك السؤال بصدق‪.‬‬

‫عبد المالك أشهبون‪ :‬س َّلم ‬ ‫ُ‬ ‫العالمية من أ ّول أدراجه‬ ‫ويتناول الناقد واألكاديمي المغربي‬ ‫عبد المالك أشهبون مسألة العالمية‬ ‫نفكر في سبل االرتقاء‬ ‫قائاً‪« :‬حينما ِّ‬ ‫ّية إلى‬ ‫ل‬ ‫المح‬ ‫مجال‬ ‫من‬ ‫بأدبنا العربي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫آفاق اآلداب العالمية األوسع واألرحب‪،‬‬ ‫يتبادر إلى أذهاننا رائد الرواية العربية‪،‬‬ ‫إضافة إلى‬ ‫بامتياز‪ ،‬نجيب محفوظ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫أسماء أخرى‪ ،‬منها محمد شكري‪،‬‬ ‫وغيرهما‪..‬وهنا‪ ،‬ينطرح السؤال اآلتي‪:‬‬ ‫كيف وصل نجيب محفوظ إلى أن يجعل‬ ‫من رواياته هدف ًا للمترجمين األجانب؟‬ ‫المؤكد أن الترجمة‪ -‬كما نعلم‪-‬‬ ‫من‬ ‫ِّ‬ ‫أسس نقل التجارب‬ ‫من‬ ‫مكين‬ ‫أساس‬ ‫ّ‬ ‫القطري المحدود‬ ‫األدبية‪ ،‬من مداها‬ ‫ْ‬ ‫‪31‬‬


‫إلى عوالم ثقافية وإبداعية أخرى‪ ،‬لكن‬ ‫أفكر في هذا‬ ‫الذي لفت انتباهي‪ ،‬وأنا ِّ‬ ‫تبين لي أن‬ ‫الموضوع الشائك‪ ،‬هو أنه َّ‬ ‫نجيب محفوظ جعل من البعد اإلقليمي‬ ‫القطري‪ ،‬في رواياته‪ ،‬الوسيلة األنجع‬ ‫ْ‬ ‫فالمتأمل لعناوين‬ ‫نحو بلوغ العالمية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫رواياته‪ ،‬يجدها تحتفي‪ ،‬في معظمها‪،‬‬ ‫األم‪/‬مصر‪ ،‬وال شيء غير‬ ‫بالمكان ّ‬ ‫مصر‪ ،‬فعن تاريخ مصر‪ :‬نجد من هذه‬ ‫مستمّدة‬ ‫العناوين ما يحيل على أمكنة‬ ‫َ‬ ‫من تاريخ الفراعنة‪« :‬كفاح طيبة»‪،‬‬ ‫ومن المدن المصرية الحديثة‪« :‬القاهرة‬ ‫الجديدة»‪ ،‬ومن الحواري واألزقّة‪:‬‬ ‫«بين القصرين»‪ ،‬و«قصر الشوق»‪،‬‬ ‫و«السكرية»‪ ،‬و«زقاق المدق»‪،...‬‬ ‫ّ‬ ‫ومن فضاء النيل‪« :‬ثرثرة فوق النيل»‪.‬‬ ‫وأخيراً‪ ،‬من األسواق الشعبية المصرية‬ ‫المعروف‪« :‬خان الخليلي»‪ .‬من خال‬ ‫العناوين هذه‪ -‬على سبيل التمثيل ال‬ ‫الحصر‪ -‬نستنتج أن نجيب محفوظ‬ ‫أول أدراجه؛‬ ‫صعد ُسلَّم العالمية من َّ‬ ‫أي من اهتمامه المفرط بما هو محلّي‪،‬‬ ‫بحيث ال نجد عنوان مدينة عربية أو‬ ‫خضم عناوينه الروائية‬ ‫غربية في‬ ‫ّ‬ ‫التي سبق ذكرها… فالدرس البليغ‪،‬‬ ‫من تجربة نجيب محفوظ هذه‪ ،‬يكمن‬ ‫في ضرورة تأصيل األدب العربي‬ ‫وجعله أكثر التصاق ًا بقضايا الواقع‬ ‫المحلّي‪ ،‬أكثر من االنهماك في إرضاء‬ ‫عادة ما يتهافت‬ ‫رغبات اآلخر الذي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫على أنموذج الروايات التي تستهدف أن‬ ‫تجعل من البعد المحلّي بعدًا مبتذالً‪ ،‬أو‬ ‫تضفي عليه الطابع الفلكلوري البدائي‪.‬‬ ‫ففي رأينا المتواضع‪ُ ،‬ي َعّد االهتمام‬ ‫بالبعد المحلّي السبيل األنجع لضمان‬ ‫عام ًة‪ ،‬من بعده‬ ‫انتقال األدب العربي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫مصاف اآلداب العالمية‪ ،‬عن‬ ‫المحلّي إلى‬ ‫جدارة واستحقاق‪ ،‬ال عن تزلُّف وتملُّق‬ ‫نزو ًال عند ما يرغب اآلخر‪ ،‬ويرتضيه‬ ‫ارتضاء‪ ،‬كما نجده لدى بعض ُكّتاب‬ ‫ً‬ ‫الفرنكفونية الذين يكتبون من منطلق‬ ‫ما يطلبه الغرب‪ ،‬من صور وتمثّات‬ ‫واستيهامات‪ ،‬هي‪ -‬في األصل‪ -‬من‬ ‫بقايا الصور النمطية‪ ،‬غير الواقعية‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫المستعمر عن‬ ‫ترسخت في ذهن‬ ‫التي‬ ‫َّ‬ ‫صورة البلدان المستعمرة‪.‬‬ ‫‪32‬‬

‫شريف صالح‪ :‬بين كرة القدم ‬ ‫واألدب‬ ‫يشبه الكاتب المصري‬ ‫وبمسحة فكاهية‪ِّ ،‬‬ ‫شريف صالح «مفهوم «العالمية» في الكرة‬ ‫بفهومها في األدب‪ ،‬فيقول‪ :‬لدينا العبون‬ ‫من أصول عربية‪ ،‬لكنهم ُولدوا وفي‬ ‫ثقافات أخرى‪ ،‬وعاشوا فيها‪ ،‬وانتسبوا‬ ‫ربما‪ -‬ال يعرفون اللّغة العربية‬ ‫إليها‪ ،‬و‪ّ -‬‬ ‫ّإال لماماً‪ :‬زين الدين زيدان‪ -‬مثاً‪ -‬سنجد‬ ‫شبيه ًا له‪ ،‬في الكتابة‪ ،‬مثل أمين معلوف‬ ‫الذي يكتب عن شرقنا باللّغة الفرنسية!‬ ‫وهناك نمط آخر يتمثَّل في ذلك الاعب‬ ‫العربي المعار إلى أندية أوروبية كبيرة‪،‬‬ ‫مرئي ًا‬ ‫فهو ّ‬ ‫يظل ابن ًا لثقافتنا‪ ،‬لكنه أصبح ّ‬ ‫من شعوب أخرى‪ .‬يحدث مثل هذا في‬ ‫األدب‪ ،‬حين تحقِّق رواية لعاء األسواني‬ ‫أو يوسف زيدان مبيعات ال بأس بها‪،‬‬ ‫في عّدة لغات‪ .‬لكن‪ ،‬ما نسبة هؤالء‬ ‫الروائيين الذين حقَّقوا بعض ًا من الحضور‬ ‫ِّ‬ ‫لدى اآلخر؟ بالتأكيد‪ ،‬هي نسبة هزيلة‬ ‫جّداً‪ ،‬في سياق إنجاز‬ ‫فردي‪ .‬فهل نقصد‬ ‫ّ‬ ‫ُكّتاب ًا كتبوا‪ ،‬وانتموا‪،‬‬ ‫ّية‪ ،‬إلى لغة‬ ‫ل‬ ‫بالك‬ ‫ّ‬ ‫اآلخر‪ ،‬أم نقصد تلك النسبة الهزيلة التي‬ ‫ُترجمت؟ ومن هو اآلخر الذي يمنحنا ّ‬ ‫صك‬ ‫العالمية؟ هل نقصد أميركا أم أوروبا أم‬ ‫الفج‬ ‫الصين والهند؟ أال يعكس اإلصرار ّ‬ ‫على «العالمية»‪ ،‬التي نلصقها على من‬ ‫يستحق ومن ال‬ ‫يستحق‪ ،‬حالة دونية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأعراض ًا كولونيالية‪ ،‬طالما أننا ننتظر‬ ‫اعتراف اآلخر بنا ورضاه عن إنتاجنا‪،‬‬ ‫فيصر أحدهم على وصف محفوظ‬ ‫ّ‬ ‫بـ«الروائي العالمي»‪ ،‬وعمر الشريف‬ ‫بـ«الفنّان العالمي»؟‪ .‬هل يصف الصينيون‬ ‫مو يان بـ«الروائي العالمي»؟ هل يصف‬ ‫الفرنسيون جولييت بينوش بـ«الفنّانة‬ ‫العالمية»؟ أذكر أن (محفوظ) نفسه‬ ‫كان متحفِّظ ًا على هذا المفهوم الرنّان‪،‬‬ ‫وتزلُّف الوجاهة من ورائه‪ ،‬وكان لديه‬ ‫القناعة بأن العالمية تأتي من الفاعلية‬ ‫والتفاعل مع العالم‪ ،‬وأن يكون لنا دور‬ ‫يقدره اآلخر‪ .‬وهنا‪ ،‬ال ينفصل موقعنا‪،‬‬ ‫ِّ‬

‫في األدب‪ ،‬عن السياسة واالقتصاد‪،‬‬ ‫(سياسي ًا‬ ‫فكيف نعيش‬ ‫واقتصادياً)‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القرون الوسطى‪ ،‬ثم نتوقّع أن يكون‬ ‫لنا دور‬ ‫عالمي في األدب؟ فمثلما نستهلك‬ ‫ّ‬ ‫الماركات والوجبات السريعة ونمط‬ ‫الحياة الغربي‪ ،‬نستهلك أدب‬ ‫اآلخر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ترجم منه‪ .‬لكن اآلخر‬ ‫ونقتات على ما ُي َ‬ ‫نفسه ال يكترث بترجمة أدبنا‪ .‬وشهادات‬ ‫كثيرة‪ ،‬للمستعربين‪ُ ،‬تجمع على زهد‬ ‫دور النشر «العالمية» في الترجمة من‬ ‫العربية‪ ،‬وحتى‬ ‫مؤسساتنا الثّقافية هي‬ ‫َّ‬ ‫أشّد زهدًا في السعي إلى ترجمة أدبنا‪..‬‬ ‫والنتيجة أن الترجمة تسير في ِّاتجاه‬ ‫واحد‪ .‬هذا ال يعني أننا ال نملك منتج ًا‬ ‫أدبي ًا رفيعاً‪ ،‬يضاهي ما ينَتج في سائر‬ ‫حظه‪ -‬ليس‬ ‫الثّقافات األخرى‪ .‬لكن‪ -‬لسوء ّ‬ ‫له كرامة‪ ،‬حتى في أوطانه!‬

‫خليل صويلح‪ :‬الرواية العربية ‬ ‫لم تخرج من الحدود إ َّلا في ‬ ‫نزهات عابرة‬ ‫في قناعة الروائي السوري خليل صويلح‬ ‫أن عالمية الرواية العربية هي «تفاؤل‬ ‫في غير مكانه‪ ،‬ذلك أن الرواية العربية‬ ‫لم تخرج من الحدود ّإال في نزهات عابرة‪.‬‬ ‫نوبل نجيب محفوظ لم تجعله عالمياً‪،‬‬ ‫على غرار ماركيز‪ ،‬وساراماغو‪ ،‬وآخرين‪.‬‬ ‫اآلن‪ ،‬هناك صخب إعامي يضع الرواية‬ ‫فعلياً‪ .‬فطباعة‬ ‫العربية في مقام‪ ،‬لم تطله ّ‬ ‫ٍ‬ ‫آالف محدودة من‬ ‫رواية ما‪ ،‬لكاتب‬ ‫مرموق‪ ،‬ال تصنع منه روائي ًا عربياً‪ ،‬فما‬ ‫بالك بالعالمية؟ هناك روائيون جّدد أتوا‬ ‫الكتابة من دون أن يعرفوا أسماء أعمال‬ ‫العمومي؟ هذا‬ ‫أسافهم‪ ،‬فما بالك بالقارئ‬ ‫ّ‬ ‫الكّم الكبير من الروايات‪ ،‬غالب ًا ما يذهب‬ ‫َ‬ ‫إلى المستودعات‪ ،‬عدا حفنة من الروايات‬ ‫بقوة جوائز مشكوك في أمرها‪،‬‬ ‫المارقة ّ‬ ‫يتم تجاهل عشرات الروايات‬ ‫فيما‬ ‫أصاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫(عالمياً) فتبدو‬ ‫ا‬ ‫أم‬ ‫ً)‪،‬‬ ‫ا‬ ‫(عربي‬ ‫هذا‬ ‫األخرى‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفكرة فضفاضة جّداً‪ .‬ال أذكر أن أحدهم‬ ‫تمت ترجمة أعماله‪ ،‬وأصبح كاتب ًا عالمياً‪،‬‬ ‫َّ‬


‫بمعنى أنه عابر للحدود واللّغات‪ .‬نقرأ عن‬ ‫ترجمة رواية‪ ،‬لكننا ال نعلم مصيرها بعد‬ ‫ربما‪ -‬في أحسن أحوالها‪ -‬تذهب‬ ‫ذلك‪ّ ،‬‬ ‫إلى أرشيف مكتبات الجامعات والفضاء‬ ‫األكاديمي‪ ،‬ليس بوصفها روايات منافسة‬ ‫بقدر ما هي‬ ‫سرديات سوسيولوجية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تفيد بمعرفة نمط تفكير العالم العربي‪،‬‬ ‫أدق‪ .‬ومن ثم‬ ‫و(اإلسامي)‪ ،‬على نحو ّ‬ ‫تقع الترجمة‪ ،‬اليوم‪ ،‬في باب اكتشاف‬ ‫تفكير بيئات تعيش اضطرابات وحروباً‪،‬‬ ‫أكثر من كونها إضافة جمالية‬ ‫لسرديات‬ ‫ّ‬ ‫الشـــــعوب األخرى‪ .‬ثم إن المعضلة‬ ‫األساسية تتجلَّى في النظرة الغربية‬ ‫مقدسة‬ ‫إلى اللّغة العربية‪ ،‬بوصفها لغة َّ‬ ‫ترزح تحت وطأة ما هو أخاقي‪ ،‬في‬ ‫األول‪ .‬من هنا‪ ،‬تقف هذه اللّغة‬ ‫المقام َّ‬ ‫في الصفوف الخلفية لآداب العالمية‪.‬‬ ‫بالطبع‪ ،‬يلعب المترجمون دورًا في‬ ‫استبعاد بعض األعمال العربية الافتة‬ ‫كل‬ ‫والمنافسة‪ ،‬بسبب عدم ِّ‬ ‫اطاعهم على ّ‬ ‫نشر‪ ،‬واستغراقهم في ترجمة الروايات‬ ‫ما ُي َ‬ ‫الرائدة‪ ،‬والتقليدية‪ ،‬باإلضافة إلى النفاق‬ ‫والمنفعة في اختيار نصوص كاتب دون‬ ‫آخر‪ ،‬وعدم معرفتهم الكاملة بالباغة‬ ‫هش ًا‬ ‫النص إلى لغة اآلخر ّ‬ ‫العربية‪ ،‬فيصل ّ‬ ‫ومضعضع ًا ال يغري بالقراءة ّإال ما ندر‪.‬‬ ‫قرائها‬ ‫آمل أن تصل الرواية العربية إلى ّ‬ ‫نفكر‬ ‫بعالميتها! ترجمة‬ ‫أوالً‪ ،‬ثم ّ‬ ‫من العرب ّ‬ ‫ّ‬ ‫رواية عربية إلى لغة أخرى نوع من‬ ‫المخّدر المعنوي لصاحبها‪ ،‬وسطر إضافي‬ ‫في سيرته المهنية‪ ،‬ال أكثر‪.‬‬

‫محمد العباس‪ :‬ترجمات ‬ ‫مدفوعة ومدبَّرة‬ ‫ويقول الناقد السعودي محمد العباس‬ ‫إن‬ ‫«مجرد الحديث عن الرواية العالمية‬ ‫َّ‬ ‫ومكانتها على خريطة العالم يعني‬ ‫وجود إحساس بوجود أزمة على هذا‬ ‫المستوى‪ .‬وعلى الرغم من كون الرواية‬ ‫العربية جزءًا من مكتسب إنساني ومن‬ ‫خطاب روائي عالمي‪ّ ،‬إال أن التفكير من‬

‫هذا المنظور يبدو حتمياً‪ ،‬ألسباب تتعلَّق‬ ‫بالهوية واألصالة والمعاصرة‪ .‬خصوص ًا‬ ‫أن الغرب يعتبر الرواية من مخترعاته‪،‬‬ ‫وذلك من منظور المركزوية الغربية؛‬ ‫األمر الذي يدفع معظم‬ ‫المهتمين بالشأن‬ ‫ّ‬ ‫الفّن‬ ‫الروائي إلى البحث عن جذور لهذا َ‬ ‫كل ذلك اللهاث‬ ‫في التراث العربي‪ّ .‬إال أن ّ‬ ‫ال يعني أن الرواية العربية قد فرضت‬ ‫وجودها بشكل مقنع‪ ،‬ألنها‪ -‬أي الرواية‬ ‫العربية‪ -‬تعاني من وهن ميثاق المقروئية‬ ‫مع المتلقّي العربي‪ ،‬الذي ال يجد فيها‬ ‫ما يقنع ويرضي‪،‬‬ ‫مقارنة بالروايات‬ ‫ً‬ ‫المترجمة التي تحظى بمقروئية عالية‪.‬‬ ‫َ‬ ‫الروائي العربي خارج المنافسة ألنه‬ ‫عاجز عن سرد نفسه‪ ،‬بحكم انتمائه إلى‬ ‫مجتمعات باردة تهاب عرض نفسها كما‬ ‫ينبغي‪ .‬حيث لم‬ ‫تشكل الرواية العربية‬ ‫ِّ‬ ‫ظاهرة الفتة كالواقعية السحرية في‬ ‫أميركا الاتينية‪ ،‬مثاً‪ .‬أو ما يعرف‬ ‫بـ«األنجلو إنديان»‪ ،‬وغيرها من الظواهر‪.‬‬ ‫منصات‬ ‫بدليل غياب الروائي العربي عن ّ‬ ‫التتويج‪ ،‬لوال نوبل نجيب محفوظ‪ .‬ولوال‬ ‫الكّتاب‬ ‫الجوائز التي ينالها فصيل من ُ‬ ‫المغاربة والجزائريين عن روايات مكتوبة‬ ‫بالفرنسية‪ ،‬أصاً‪ .‬حيث ينطرح‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫األهمّية والوعورة‪،‬‬ ‫سؤال‪ ،‬على درجة من ّ‬ ‫عن مدى إمكانية اعتبار تلك الروايات‬ ‫عربية الروح والموضوع والصياغة‪.‬‬ ‫أما ما‬ ‫يترجم من روايات عربية‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وهي ظاهرة آخذة في االزدياد‪ ،‬فا يشير‬ ‫بأهمّية ما يترجم؛ فهو‬ ‫إلى اقتناع اآلخر ّ‬ ‫جاه‬ ‫بات‬ ‫يتقدم خطوة‬ ‫لم‬ ‫التعرف إلى‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫الرواية العربية‪ ،‬من خال الترجمة‪ ،‬بقدر‬ ‫مؤسسات‪ ،‬و‪ -‬أحياناً‪ -‬أفراد‪،‬‬ ‫ما حاولت َّ‬ ‫فرض منتجها الروائي من خال ترجمته‬ ‫وترويجه‪ .‬ولذلك ال نجد ذلك الصدى‬ ‫المأمول لروايات حظيت بترجمات واسعة‬ ‫ألكثر من إربعين لغة‪ .‬ألنها ترجمات‬ ‫ومدبرة‬ ‫مدفوعة‬ ‫بمبررات تجارية‪ ،‬وال‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫تتحرك في أفق ثقافي‪ .‬واألمثلة في هذا‬ ‫الصدد معروفة‪،‬‬ ‫وتشكل خيبة كبيرة‬ ‫ِّ‬ ‫ألصحابها‪ .‬هناك اهتمام عالمي‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫بالحياة العربية؛ وذلك ألسباب تتعلَّق‬ ‫باألحداث اإلرهابية واإلسام السياسي‪،‬‬ ‫ا لوعي الحالة‬ ‫تشكل الرواية مدخ ً‬ ‫ولذلك ِّ‬ ‫الفنّي‬ ‫أما الجانب َ‬ ‫من الوجهة الموضوعية‪ّ .‬‬ ‫فيتم تجاوزه بسبب التركيز على الحدث‬ ‫ّ‬ ‫والمضمون‪ .‬ولذلك ال‬ ‫تشكل الرواية‬ ‫ِّ‬

‫ّيتها‪.‬‬ ‫لتأمل َفنّ‬ ‫العربية حافزًا لدى اآلخر ُّ‬ ‫والسبب‪ ،‬في مجمله‪ ،‬يعود إلى ضعف‬ ‫أدوات الروائي العربي‪ ،‬وارتهان الخطاب‬ ‫الروائي إلى الجوائز التي تخفِّض مستوى‬ ‫الطرح‪ ،‬وكذلك يتعلَّق األمر بالذوات التي‬ ‫تنتج الرواية‪ ،‬فهي تعاني من الضعف‬ ‫واالرتجال‬ ‫والتسرع‪ .‬وهو أمر ال ينفصل‬ ‫ُّ‬ ‫آلية التلقّي التي‬ ‫تشجع هذا النوع‬ ‫عن ّ‬ ‫ِّ‬ ‫الروايات‬ ‫من‬ ‫وكل ذلك مع أسباب‬ ‫النيئة‪ّ .‬‬ ‫ِّ‬ ‫أخرى ُيخرج الرواية العربية من أطلس‬ ‫الراوية العربية‪.».‬‬

‫بشير مفتي‪ :‬معايير العالمية ‬ ‫يحددها الغرب المنتصر‬ ‫ِّ‬ ‫ويرى الكاتب الجزائري بشير مفتي أن‬ ‫سؤال العالمية‪ ،‬في الرواية العربية‪،‬‬ ‫سؤال مربك منذ فترة طويلة‪ ،‬وبقي‬ ‫ا رأيه باحتمال‬ ‫مربك ًا حتى اليوم‪ ،‬معّل ً‬ ‫كوننا «نجهل‪ ،‬حتى اآلن‪ ،‬إن كانت‬ ‫ون ْشَتَهر في‬ ‫العالمية هي أن‬ ‫ِ‬ ‫نترجم ُ‬ ‫مختلف ربوع العالم‪ ،‬أم هي أن نكون‬ ‫ّيتنا‪ ،‬وبيئتنا‪ ،‬وهمومنا‪،‬‬ ‫أوفياء لمحلّ‬ ‫وأسئلتنا‪ ،‬كما صيغت اإلجابة في مرحلة‬ ‫الكّتاب الذين يرون‬ ‫معينة من طرف بعض ُ‬ ‫َّ‬ ‫ّية هي شرط العالمية‪ ،‬بدليل فوز‬ ‫المحلّ‬ ‫كل من غارسيا ماركيز‪ ،‬ونجيب محفوظ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بجائزة نوبل»‪ .‬ويضيف صاحب «غرفة‬ ‫يهمني‪ -‬شخصياً‪ -‬اآلن‪،‬‬ ‫الذكريات»‪« :‬الذي ّ‬ ‫هو أن الرواية العربية تحقِّق وجودها في‬ ‫كيان الثّقافة العربية المعاصرة‪ ،‬هي تكتب‬ ‫ّ‬ ‫حاالتها ومآزق البيئة التي توجد بداخلها‪،‬‬ ‫ومأزق الفرد وصراعاته‪ ،‬أو انسحاقه في‬ ‫يتميز بالصراع‬ ‫المستمر بين الحداثة‬ ‫واقع َّ‬ ‫ّ‬ ‫والتقليد‪ ،‬بين الحاضر والماضي‪ ،‬بين‬ ‫األحام المشروعة والهزائم المنكرة‪ ،‬وهذا‬ ‫هو المطلوب من هذه الرواية اآلن‪ ،‬وليس‬ ‫أن تشعر بعقدة نقص من وضعها الحالي‪.‬‬ ‫وصحيح أن معايير العالمية‬ ‫يحددها‬ ‫ِّ‬ ‫ربما‪ -‬سوق‬ ‫الغرب المنتصر اليوم‪ ،‬و‪َّ -‬‬ ‫تجاري أكثر منه‬ ‫الكتاب الخاضع لمنطق‬ ‫ّ‬ ‫أدبي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪33‬‬


‫قضية‬

‫‪34‬‬


‫مقامات االنتخاب‬ ‫ُ‬ ‫محطــة انتخابيــة‪..‬‬ ‫كل ّ‬ ‫وجهــة لبرامــج األحــزاب عنــد ّ‬ ‫أحــداث العالــم باتــت ُم َّ‬ ‫قضايــا الهجــرة‪ ،‬اإلرهــاب‪ ،‬األزمــة االقتصاديــة‪ ،‬اإلســالموفوبيا‪ ...‬أصبحت‬ ‫الصــراع االنتخابــي وإقنــاع الناخبيــن‪.‬‬ ‫عناويــن بــارزة تفصــل فــي ِّ‬ ‫نتظــر مــن موســم االنتخابــات الــذي نشــهده‪ ،‬أن يرســم مالمــح العالــم فــي‬ ‫ُي َ‬ ‫الســنوات المقبلــة‪ ،‬فــي الوقــت الــذي أصبحــت فيــه المتابعــة والمشــاركة‬ ‫علــى نطــاق واســع بفضــل الميديــا‪ .‬واألهــم مــن ذلــك انتظــارات عاجلــة‬ ‫لحــل المشــاكل التــي‬ ‫يتخبــط فيهــا المواطنــون‪ ،‬والمهاجــرون‪ ،‬وحالــة‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫الصــراع والحــرب التــي تأبــى أن تضــع أوزارهــا‪..‬‬ ‫ِّ‬

‫‪35‬‬


‫الخطاب االنتخابي‬ ‫وقضايا الهجرة‬ ‫ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺮﻣﻴﺤﻲ‬ ‫نتحدث عن (خطاب انتخابي) في‬ ‫عندما َّ‬ ‫نتحدث عن باد‬ ‫المطلق‪ ،‬فنحن في الغالب‬ ‫َّ‬ ‫تجري فيها انتخابات عامة ودورية‪ ،‬وغالب ًا‬ ‫منضبطـة‪ ،‬وهـذا ال يتوافـر فـي عالمنـا إلى‬ ‫َح ٍّـد كبيـر ّإال فيمـا ُع ِـر َف بـ(الديموقراطيـات‬ ‫الغربية)‪ ،‬وهي أوروبا والواليات المتحدة‬ ‫وكنـدا وبعـض دول آسـيا وبعـض دول‬ ‫نتحـدث عـن‬ ‫أميـركا الاتينيـة‪ ،‬وعندمـا‬ ‫َّ‬ ‫(الهجـرة) بشـكل عـام‪ ،‬وربمـا اللجوء على‬ ‫‪36‬‬

‫نتحـدث فـي هـذه‬ ‫وجـه الخصـوص‪ ،‬فإننـا‬ ‫َّ‬ ‫السـنوات فـي الغالب عـن التدفُّق لعدد كبير‬ ‫من البشر‪ ،‬بسبب دوافع سياسية وحروب‬ ‫إلـى أوروبـا الغربيـة والواليـات المتحـدة‬ ‫وبريطانيـا لنازحيـن مـن الشـرق األوسـط‬ ‫فـي الغالـب‪ ،‬غيـر هـذه الـدول ليـس لديهـا‬ ‫مشكلة (هجرة أو لجوء) حادة‪ ،‬إذًا االفتراض‬ ‫تحدد سياسـة‬ ‫هنـا أن صناديـق االنتخـاب ِّ‬ ‫البلـدان المختلفـة تجـاه الهجـرة واللجـوء‪،‬‬

‫وهـي صناديق في الغالب‬ ‫تتوسـل عاطفة‬ ‫َّ‬ ‫وتتربح سياسي ًا من مخاوفه‬ ‫الجمهور العام‬ ‫َّ‬ ‫نتحدث عن هجرات‬ ‫أو آمالـه‪ .‬وأيضـ ًا نحن‬ ‫َّ‬ ‫جماعية ولجوء جماعي‪ ،‬ال فردي‪ ،‬فالهجرة‬ ‫ا‬ ‫الفرديـة أو األسـرية كانـت وال زالـت شـك ً‬ ‫مسـتمرًا فـي االنتقـال مـن مـكان إلـى آخـر‪،‬‬ ‫بسبب اقتصادي في الغالب دون الكثير من‬ ‫التربح السياسـي جزءًا من‬ ‫اإلثارة‪ .‬أصبح ُّ‬ ‫آليات الديموقراطيات الغربية كما شهدناها‬


‫قـل فـي نصـف القـرن األخيـر‪ ،‬ومـا‬ ‫علـى ا َأل ّ‬ ‫إصدار قانون (جاستا) في الواليات المتحدة‪،‬‬ ‫التربح‪ ،‬حيث يأتي‬ ‫ّإال واحد من مظاهر هذا ُّ‬ ‫كل أعضاء مجلس‬ ‫قبل أسابيع من انتخاب ّ‬ ‫النـواب األميركـي ونصـف أعضـاء مجلـس‬ ‫الشيوخ!‬ ‫بالنسـبة للعـرب موضـوع (الهجـرة‬ ‫الجماعية واللجوء الجماعي) تفاقم في الفترة‬ ‫األخيـرة‪ ،‬بسـبب عوامـل (الدفع القوية) في‬ ‫صدر الهجـرة واللجوء‪ ،‬حيث‬ ‫البـاد التـي ُت ِّ‬ ‫تعصـف بهذه الـدول حروب أهلية طاحنة‪،‬‬ ‫وتوتـرات سياسـية واقتصادية‪ ،‬ضخمة‪،‬‬ ‫تجعـل عـددًا كبيـرًا مـن المواطنيـن يتركون‬ ‫بلدانهم جبرًا وبشكل جماعي‪ ،‬فرارًا من األذى‬ ‫وطلبـ ًا لحيـاة أفضل‪ ،‬وفي بعـض األوقات‬ ‫طلبـ ًا للنجاة بالنفس‪ ،‬أمـا عوامل (الجذب)‬ ‫يتوجـه إليها‬ ‫فتتمثّـل فـي كـون البـاد التي‬ ‫َّ‬ ‫تتميـز باسـتقرار‬ ‫المهاجـرون والاجئـون ّ‬ ‫نسـبي‪ ،‬وبوضـع اقتصـادي شـبه مريـح‪،‬‬

‫حيث إن العالم يعرف أن هناك لجوءًا كبيرًا‬ ‫أيض ًا من سـورية إلى باد عربية مجاورة‬ ‫يتسـبب ذلـك فـي‬ ‫أو غيـر مجـاورة دون أن‬ ‫َّ‬ ‫إشـكاليات سياسـية داخلية كبيرة!‬ ‫نجـد أمامنـا اليـوم قضيـة جوهريـة‬ ‫وحاسمة تتفاعل في الفضاء الواسع لدول‬ ‫(اللجوء) الغربية‪ ،‬كما وصفناها‪ ،‬وأصبحت‬ ‫تلك القضية هي الشـغل الشـاغل لألحزاب‬ ‫والحكومـات والصحف واإلعام والجمهور‬ ‫تهدد‬ ‫العام في تلك الباد‪ ،‬بل إن تداعياتها ِّ‬ ‫بخطر االنقاب حتى على ثوابت كانت قائمة‬ ‫عرفتهـا المجتمعـات‬ ‫(للديموقراطيـة)‪ ،‬كمـا َّ‬ ‫الغربيـة فـي القـرن العشـرين‪ ،‬وتفـرز‬ ‫أشـكا ًال مـن التوتـر االجتماعـي بالـغ ِ‬ ‫الحّدة‬ ‫داخـل تلـك المجتمعات وفيما بينها‪ .‬أهمية‬ ‫القضية جعلت من مجلة محترمة وتاريخية‬ ‫هـي مجلـة (ناشـونال جيوغرافيـك)‪ ،‬تهتم‬ ‫بالموضـوع‪ ،‬فوضعـت علـى غافهـا فـي‬ ‫عـدد أكتوبر‪/‬تشـرين األول ‪ 2016‬عنوانـ ًا‬ ‫عريض ًا يقول (األوروبيون الجدد)‪ ،‬إشـارة‬ ‫إلى التدفُّق الكبير والضخم من دول شـرق‬ ‫البحر األبيض المتوسـط (أساسـ ًا سورية)‬ ‫(الهوية)‬ ‫يهدد‬ ‫إلى أوروبا‪ ،‬وأن ذلك التدفُّق ِّ‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعية والسام االجتماعي واالنسجام‬ ‫القومي لتلك الدول‪ ،‬ولم تضع تلك المجلة‬ ‫الرصينة ذلك الموضوع على غافها (الذي‬ ‫يصدر بعدد من اللّغات) ّإال لترسـل رسـالة‬ ‫ثقافيـة‪ /‬سياسـية حـول إمكانيـة إطـاق‬ ‫ديناميـات جديـدة فـي الجسـم األوروبـي‬ ‫والغربـي بسـبب تلك الهجـرة ‪ -‬اللجوء‪.‬بل‬ ‫إن انفصال بريطانيا عن السوق األوروبية‬ ‫المشـتركة في شـهر يونيو‪/‬حزيران ‪2016‬‬ ‫بعـد اسـتفتاء عـام‪ ،‬لـه عاقـة‪ -‬جزئيـاً‪-‬‬ ‫بموضـوع الهجـرة واللجوء‪.‬‬ ‫مـن جهـة أخـرى فـإن انتصـار دونالـد‬ ‫ترامب على اثني عشـر مرشـح ًا في السباق‬ ‫التمهيـدي للترشـح الحزبـي وبعضهـم مـن‬ ‫صلـب الحـزب الجمهـوري‪ ،‬فـي جـزء منـه‬ ‫الخطـاب المعـادي للهجـرة واللجـوء إلـى‬ ‫الواليـات المتحـدة‪ ،‬سـواء مـن المكسـيك‬ ‫القريبـة أو سـورية البعيـدة‪ .‬وقـد أصبـح‬ ‫كل‬ ‫الخطاب االنتخابي المعادي للهجرة في ّ‬ ‫من أوروبا والواليات المتحدة هو الخطاب‬ ‫األعلـى صوتـ ًا واألكثـر كسـب ًا للتأييد‪.‬‬ ‫الصـراع في أكبـر األحزاب البريطانية‪،‬‬ ‫وهـو حـزب العمـال الـذي اسـتنزف الحزب‬ ‫في شهور صيف عام ‪ ،2016‬كان في أغلبه‬ ‫يـدور حـول (الهجـرة واللجـوء) مـع إصرار‬

‫من قيادة الحزب‪ ،‬خاصة من طرف رئيسه‬ ‫جيرمـي كوبـن‪ ،‬الـذي قـال إن الهجـرة إلـى‬ ‫كل هـذا الزخـم أو‬ ‫بريطانيـا يجـب ّأال تمثِّـل ّ‬ ‫التخويـف‪ ،‬وفـي رأي بعـض المحلليـن أن‬ ‫يفـوت على‬ ‫هـذا الموقـف (المعتـدل) سـوف ِّ‬ ‫الحـزب لفتـرة طويلة فرصـة الوصول إلى‬ ‫السلطة والحكم‪.‬‬ ‫الهجـرة واللجـوء والخاف حولها يدفع‬ ‫الكثيـر مـن دول أوروبـا إلـى اليميـن‪ ،‬وإلى‬ ‫هجر السياسات الليبرالية السابقة وظهور‬ ‫شكل من أشكال القومية المحلية المتعصبة‬ ‫والرافضـة لآخـر‪ .‬كان اليميـن األوروبـي‪-‬‬ ‫بشـكل عـام ولفتـرة طويلـة‪ -‬معـزو ًال فـي‬ ‫جيـوب صغيـرة العـدد‪ ،‬ألنـه كان معاديـ ًا‬ ‫بشـكل مطلق (لآخر) أي ًا يكون اآلخر‪ ،‬بما‬ ‫فيه (المجموعات غير المسيحية‪ ،‬وخاصة‬ ‫اليهـود)‪ ،‬وقـد تعلَّـم هـذا اليميـن أو بعضـه‬ ‫الـدروس‪ ،‬ففصل الموضوع (اليهودي) عن‬ ‫راداره السـلبي‪ ،‬وبـدأ باالعتـراف بالقضية‬ ‫بـكل مـا تقـوم بـه‬ ‫اليهوديـة‪ ،‬واعتـرف ّ‬ ‫إسـرائيل مؤيدًا ومناصراً‪ ،‬فزالت من أمامه‬ ‫عقبـة فـي مجتمعـه وبـدأ يكسـب كثيـرًا في‬ ‫الشـارع الشـعبوي‪ ،‬مـع عدائـه للمهاجريـن‬ ‫والاجئيـن‪ ،‬خاصـة العـرب والمسـلمين‪،‬‬ ‫كل من‬ ‫فتقـّدم مـن خـال ذلـك الخطـاب فـي ّ‬ ‫النمسا وسويسرا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا‬ ‫وهولنـدا والدنمـارك‪ ،‬وعـدد آخـر مـن دول‬ ‫أوروبا‪.‬‬ ‫وفـي ألمانيـا بـدأت إنجيـا ميـركل تفقد‬ ‫أصواتها في االنتخابات المناصرة الشعبية‪،‬‬ ‫كما حدث في شهر سبتمبر‪/‬أيلول ‪،2016‬‬ ‫فـي انتخابـات برليـن‪ ،‬بعدهـا اعترفت علن ًا‬ ‫بأن سياستها تجاه الهجرة (المنفتحة) هي‬ ‫السـبب فـي تلـك الخسـارة‪ ،‬وفي سويسـرا‬ ‫ممـن اسـتطلعهم معهـد (ج‪.‬ف‪.‬إس)‬ ‫‪ّ % 48‬‬ ‫فـي بيـرن‪ ،‬يـرون بـأن أبـرز األولويات في‬ ‫االنتخابات السويسرية هي قضايا (اللجوء‬ ‫والهجرة)‪ ،‬كما استفاد حزب (اتحاد الوسط‬ ‫المتشـدد مـن هـذا‬ ‫الديموقراطـي) اليمينـي‬ ‫ِّ‬ ‫التوجـه‪ ،‬فقـاد حمـات ناجحـة ضـد بنـاء‬ ‫ُّ‬ ‫مآذن‪ ،‬واالحتجاج على ما يسميه (الهجرة‬ ‫الجماعيـة)‪ .‬وفـي الدنمـارك حـزب الشـعب‬ ‫اليميني تحت شعار ا(لخوف من الطوفان)‬ ‫يتوجه لكسب أصوات أكثر‪ ،‬إلى درجة أنه‬ ‫َّ‬ ‫يمكـن أن يشـارك فـي الحكومـة االئتافية‪.‬‬ ‫وبسـبب أولويـة الهجـرة والمهاجريـن فـي‬ ‫الخطـاب االنتخابـي لدونالـد ترامـب فـي‬ ‫الواليـات المتحـدة‪ ،‬اضطـر بـاراك أوبامـا‬ ‫‪37‬‬


‫يؤجـل تقديـم (إصاحـات) علـى قانـون‬ ‫أن ِّ‬ ‫الهجرة‪ ،‬والقاضي بالسماح لمن يقيم بصورة‬ ‫غيـر قانونية فـي الواليـات المتحدة تعديل‬ ‫كل ذلـك خوفـ ًا مـن أن يسـتفيد‬ ‫أوضاعهـم‪ّ ،‬‬ ‫خطـاب ترامـب أكثـر مـن تلـك اإلصاحـات‬ ‫علـى أنها سياسـة (الديموقراطييـن) فينال‬ ‫مـن المرشـحة الديموقراطيـة هيـاري‬ ‫كلينتـون! خاصـة أنـه يدعـو فـي حملتـه‬ ‫بوضـوح إلى وضع (اختبار أيديولوجي!)‬ ‫لمـن يريـد زيـارة الواليـات المتحـدة!! وفي‬ ‫يتوجه اليمين لاستفادة من مظاهر‬ ‫فرنسا َّ‬ ‫اإلرهـاب التـي حدثـت فـي الشـهور األخيرة‬ ‫في المدن الفرنسية للدفع بقوانين لتغليظ‬ ‫شروط الهجرة أو البقاء في فرنسا‪ ،‬بل وقد‬ ‫السلَّم‬ ‫يصعد هذا اليمين إلى مكان أفضل في ُ‬ ‫السياسي الفرنسي في االنتخابات المقبلة‬ ‫عام ‪ ،2017‬وقد تنبأت الصحف الفرنسية‪،‬‬ ‫أن تلك االنتخابات سوف تكون بين اليمين‬ ‫(المتطرف)‪ .‬أما في النمسا‬ ‫(المعتدل) واليمين‬ ‫ِّ‬ ‫المتطرف يربط‬ ‫اليميني‬ ‫ة‬ ‫الحرّي‬ ‫ِّ‬ ‫فـإن حزب ّ‬ ‫الحملـة االنتخابيـة الجاريـة بالمخـاوف‬ ‫األمنية‪ ،‬وقد يشارك بعد االنتخابات المقبلة‬ ‫(أوائل أكتوبر‪/‬تشرين األول) في الحكومة‪،‬‬ ‫قل كشـريك فـي االئتاف!‬ ‫علـى ا َأل ّ‬ ‫يـرى بعـض المعلقيـن أن عـام ‪2017‬‬ ‫(الـذي سـوف تجـري فيـه انتخابـات عامـة‬ ‫فـي عـدد مـن دول أوروبـا) سـوف يكـون‬ ‫عام (القيامة االنتخابية)‪ ،‬تتغير فيه قواعد‬

‫‪38‬‬

‫اللعبة السياسية في ديموقراطيات أوروبا‬ ‫للتوجه إلى المصالح الضيقة وإبراز التنافر‬ ‫ُّ‬ ‫العرقي والقومي والديني‪ ،‬في ضوء عسر‬ ‫اقتصادي أصبح يؤثر منذ سنوات‪ ،‬وتوتر‬ ‫اجتماعـي قابل لاشـتعال‪ .‬فملفات الهجرة‬ ‫واللجوء واإلساموفوبيا‪ ،‬التي تتداول في‬ ‫السوق السياسية األوروبية سوف تشعل‬ ‫هـذه العناويـن لهيب الحمـات االنتخابية‪،‬‬ ‫وتلجـأ وسـائل اإلعـام إلـى تضخيـم تلـك‬ ‫المخـاوف‪ ،‬كمـا حـدث فـي فرنسـا علـى‬ ‫سبيل المثال في إثارة مشكلة لباس البحر‬ ‫اإلسـامي (البوركينـي)! علـى أنـه قضيـة‬ ‫وطنية كبرى‪ ،‬وصلت إلى مشارف المحكمة‬ ‫الدستورية‪ ،‬ويواجه (النقاب) الذي ترتديه‬ ‫بعض النساء العربيات قوانين منعه في عدد‬ ‫من مدن أوروبا‪ ،‬بل يواجه المسافر (العربي‬ ‫المسلم) اليوم‪ ،‬حتى لو كان سائح ًا بريئاً‪،‬‬ ‫أو رجل أعمال (الشك والريبة) في مطارات‬ ‫أوروبـا والواليـات المتحـدة‪ ،‬ويخضـع في‬ ‫الغالب إلى (زيادة أكثر من غيره) للفحص‬ ‫والتقصي األمني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الوضـع االقتصـادي الصعـب وارتفـاع‬ ‫نسـبة البطالـة وهجـرة الشـركات الغربيـة‬ ‫إلـى دول ذات عمالـة رخيصـة وضرائـب‬ ‫متدنية‪ ،‬وعوامل أخرى مرتبطة بالعولمة‪،‬‬ ‫ليصبوا‬ ‫كلها قضايا يهرب منها السياسيون ّ‬ ‫جـام غضبهـم على المهاجريـن والاجئين‪،‬‬ ‫وخاصـة العـرب المسـلمين‪ ،‬متوسـلين‬

‫شـيطنة هـؤالء‪ ،‬ومضخميـن االعتـداءات‪،‬‬ ‫المدانـة طبعـاً‪ ،‬والحـال أنهـا تقـع حتى من‬ ‫مواطنين أوروبيين أو أميركيين‪ ،‬كما حدث‬ ‫في الواليات المتحدة التي شهدت موجة من‬ ‫العنف العرقي مؤخرًا بين البيض والسود‪.‬‬ ‫الكّتاب الغربيين شرعوا ينظرون‬ ‫عدد من ُ‬ ‫إلى هذا الموقف اليميني‪ ،‬وربما (االنتهازي)‬ ‫والمتوسع في بلدانهم‪ ،‬نظرة النقد القاسي‪،‬‬ ‫فقد نشر روجر كوهين في جريدة (نيويورك‬ ‫تايمـز) الدوليـة (‪ 25/24‬سـبتمبر‪/‬أيلول)‬ ‫مقـا ًال يفنِّـد فيـه (الخـوف المبالـغ فيـه) مـن‬ ‫الهجرة واللجوء‪ ،‬فقال‪ ،‬مستندًا إلى إحصاء‬ ‫لمؤسسـة بحثية‪ ،‬إن احتمال قتل شـخص‬ ‫َّ‬ ‫أميركـي علـى يـد مهاجـر مسـلم بيـن عامي‬ ‫‪ 1975‬وعام ‪ 2015‬هو (‪ 1‬إلى ‪ )3.64‬بليون‬ ‫(أي فـي حكـم المسـتحيل)‪ ،‬كمـا أشـار إلـى‬ ‫المؤسسين المشاركين في شركات مثل‬ ‫أن‬ ‫ِّ‬ ‫غوغـل وفيسـبوك واي بـاي وغيرهـا‪ ،‬هـم‬ ‫مـن المهاجريـن‪ ،‬وأن ‪ % 51‬مـن الشـركات‬ ‫الكبـرى األميركيـة التـي تتعامـل بأكثـر من‬ ‫مؤسسـيها هو شـخص‬ ‫بليـون دوالر‪ ،‬أحد ِّ‬ ‫مهاجر أو ابن مهاجر‪ ،‬الدراسة المشار إليها‬ ‫واحـدة مـن عـدد مـن الدراسـات التـي تثبـت‬ ‫جمـة على‬ ‫أن (الهجـرة) لهـا فوائـد إيجابيـة ّ‬ ‫المجتمعـات الغربيـة‪ ،‬وأن الضجة مفتعلة‬ ‫ومضخمة من أجل الحصول على األصوات‬ ‫من سياسـيين أقرب إلى (االنتهازية)‪ ،‬كما‬ ‫مجددًا من خطورة‬ ‫أن تلـك األصـوات تحذِّر َّ‬ ‫استمرار تلك (اللّغة) الكارهة‪ ،‬ألنه يمكن أن‬ ‫ترتـد إلـى مواطنين فـي الداخل‪ ،‬فقط ألنهم‬ ‫يختلفـون فـي الديـن أو العـرق أو اللـون‪.‬‬ ‫ّإال أن مثـل تلـك األصـوات ال يسـتمع إليهـا‬ ‫السياسـيون الطامحون بكراسي السلطة‪،‬‬ ‫كمـا أن فئـة عريضـة مـن الجماهير تخضع‬ ‫للعاطفـة أكثـر مما تخضـع للعقل والتفكير‬ ‫المتوازن‪ .‬خوف بعض المثقَّفين الغربيين‬ ‫التوجـه‬ ‫وقليـل مـن السياسـيين مـن هـذا‬ ‫ُّ‬ ‫المتعصـب‪ ،‬أنـه فـي وقـت مـا سـوف يعود‬ ‫ِّ‬ ‫عليهـم بالتضييـق‪ ،‬وربما بالماحقـة‪ ،‬وال‬ ‫يتأخر بعضهم بالمقارنة بين صعود النازية‬ ‫كل من ألمانيا وإيطاليا بين‬ ‫والفاشـية في ٍّ‬ ‫الحربين العالميتين‪ ،‬مع الظاهرة األوروبية‬ ‫الحاليـة‪ ،‬الفـرق أن األولـى كانـت فـي بـاد‬ ‫محـدودة‪ ،‬أمـا األخيـرة فهـي تنتشـر كالنار‬ ‫في الهشيم!‬


‫تحول اإلرهاب إلى ظاهرة ُمقلقة‪ .‬ليس فقط لحجم‬ ‫كانت أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪/‬أيلول ‪ 2001‬بداية ُّ‬ ‫الضربــة التــي تلقّتها الواليــات المتحدة في ُعقر دارها‪ ،‬بل أيض ًا لســببين اثنين آخرين‪ ،‬أولهما‬ ‫الحية وعلى نطاق واســع‪،‬‬ ‫قــوة الصدمــة التي َّ‬ ‫غذتهــا تكنولوجيا الصــورة‪ ،‬أي تلك التغطيــة اإلعالمية ّ‬ ‫إضافة‬ ‫باإلمكان‬ ‫أنه‬ ‫بيد‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫لســكان‬ ‫يومي‬ ‫هاجس‬ ‫إلى‬ ‫ل‬ ‫تحو‬ ‫ســبب ثالث‪ :‬كانت‬ ‫ٍ‬ ‫وثانيهمــا أن اإلرهــاب َّ‬ ‫محط شــكوك‬ ‫تهمة اإلرهاب بالمســلمين والعرب‪ ،‬بحيث أصبحوا ّ‬ ‫تلــك األحــداث البداية الحقيقية إللصاق ّ‬ ‫ومراقبــة فــي حركاتهم وســكناتهم‪ ،‬خاصة فــي الدول الغربية الكبــرى‪ ،‬قبل أن‬ ‫تتحــول المنطقة العربية‬ ‫َّ‬ ‫نفسها إلى بؤرة كبيرة للقتل‪.‬‬

‫اإلرهاب في الخطاب االنتخابي‬

‫عنصريّة في اليمين‬ ‫وبعض من غزل في اليسار‬ ‫ﺟامل اﳌﻮﺳﺎوي‬ ‫مجـرد عمليـات‬ ‫إذن لـم يعـد اإلرهـاب‬ ‫َّ‬ ‫كـرد فعـل علـى‬ ‫معزولـة تقـوم بهـا‪ّ ،‬‬ ‫عينـة‪ ،‬جماعـات يسـارية‬ ‫ممارسـات ُم َّ‬ ‫مناهضـة للديكتاتوريـات كمـا هـو الشـأن‬ ‫فـي بعـض دول أميركا الاتينيـة مثاً‪ ،‬أو‬ ‫فصائل سياسية مسلحة تناضل من أجل‬ ‫اسـتعادة أراضيهـا أو االنفصـال أو إثـارة‬ ‫االنتبـاه إلـى قضيـة مـن القضايـا‪ ،‬مثـل‬ ‫منظمة الجيش الجمهوري اإليرلندي وإيتا‬ ‫الباسـكية وفصائل المقاومة الفلسطينية‬ ‫واالنفصالييـن الكـورس فـي فرنسـا(‪. )1‬‬ ‫يحتل الصفحـات األولى‬ ‫أصبـح اإلرهـاب ّ‬ ‫للصحف العالمية‪ ،‬وال تكاد تخلو منه نشرة‬ ‫إخبارية في سياق خطاب مشوب بنزعة‬ ‫ومكرس ًا في الوقت ذاته‪،‬‬ ‫عنصرية أحياناً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫بالتوافق مع هوى السياسيين‪ ،‬نوع ًا من‬ ‫حالـة الحرب والتأهب واإلعداد للسـيطرة‬

‫على الرأي العام في البلدان المعنية وذلك‬ ‫باستحضار إحدى استراتيجيات صناعة‬ ‫الخـوف المتمثِّلـة فـي اسـتدعاء «األعـداء‬ ‫الداخلييـن والخارجييـن» فـي الخطـاب‬ ‫وجـه للجمهور الواسـع‪.‬‬ ‫الم ّ‬ ‫السياسـي ُ‬ ‫هـذا الحضـور كمـا ناحظـه فـي دول‬ ‫بعينها‪ ،‬مثل الواليات المتحدة وفرنسا‪ ،‬ثم‬ ‫قل في أخرى‪ ،‬مثل بريطانيا وألمانيا‬ ‫بدرجةَأ ّ‬ ‫وإسـبانيا‪ ،‬ثـم حاليـ ًا فـي بلجيكا وبعض‬ ‫الـدول األخـرى‪ ،‬وأيض ًا في الدول العربية‬ ‫دون اسـتثناء تقريبـاً‪ ،‬راجـع باإلسـاس‬ ‫إلـى حجـم الخسـائر البشـرية بالتأكيـد‪،‬‬ ‫ولكـن أيضـاً‪ -‬وبالضـرورة‪ -‬إلـى التكلفـة‬ ‫االقتصادية واالجتماعية‪ .‬لكن ترتيب الدول‬ ‫على هذا النحو‪ ،‬خاصة األوروبية‪ ،‬يبدو‬ ‫تم‬ ‫غيـر دقيـق إذا تجاوزنـا األحـداث التـي َّ‬ ‫تسجيلها خال السنوات الثاث األخيرة‪.‬‬

‫في هذا اإلطار تفيد اإلحصائيات المنشورة‬ ‫على قاعدة المعطيات المفتوحة ‪Global‬‬ ‫‪ ،Terrorism Database‬بـأن إسـبانيا‬ ‫كانـت خـال الفترة مـن ‪ 2000‬إلـى ‪2013‬‬ ‫تعرض ًا لعمليات‬ ‫علـى رأس الـدول األكثـر ُّ‬ ‫إرهابية تليها إيرلندا الشمالية‪ ،‬بفعل نشاط‬ ‫منظمتـي إيتا والجيـش الجمهوري اللتين‬ ‫نفذتـا علـى التوالـي ‪ 94‬و‪ 45‬عمليـة مـن‬ ‫مجمـوع ‪ 110‬و‪ 83‬عملية‪.‬‬

‫أرقام حول اإلرهاب‬ ‫ما يجعل اإلرهاب في الواجهة اإلعامية‬ ‫وفـي قلـب خطـاب السياسـيين‪ ،‬هـو ِحّدة‬ ‫التنافس على األسواق بين الدول من جهة‬ ‫وعلـى السـلطة بيـن التيـارات السياسـية‬ ‫فـي الغـرب بشـكل خـاص‪ .‬فأمـام غيـاب‬ ‫إجابات واضحة وحاسمة على التحّديات‬ ‫‪39‬‬


‫االقتصاديـة التـي يواجههـا العالـم اليوم‪،‬‬ ‫بعد انتكاسة الخطابات المبشرة بفضائل‬ ‫العولمة االقتصادية‪ ،‬باتت محاربة اإلرهاب‬ ‫شعارًا جيدًا للحمات االنتخابية‪ ،‬للوصول‬ ‫إلى السلطة مستثمرة حالة الخوف وغياب‬ ‫الشـعور باألمـان لـدى المواطنين‪ .‬وتلعب‬ ‫األرقـام في هذا الشـأن دورًا كبيراً‪.‬‬ ‫لقـد ارتفـع عـدد العمليـات اإلرهابيـة‬ ‫خـال الخمـس عشـرة سـنة األخيـرة‪،‬‬ ‫وارتفـع معـه عـدد الضحايـا‪ ،‬بعـد أن بات‬ ‫المدنيون الهدف األول لهذه العمليات‪ ،‬ألن‬

‫‪40‬‬

‫الوصول إليهم ال يحتاج إلى كثير تخطيط‪،‬‬ ‫قـوي حاجـة هـؤالء إلـى تشـديد‬ ‫وهـو مـا ُي ّ‬ ‫سياسات مكافحة اإلرهاب‪ .‬وهي الحاجة‬ ‫التي يلتقطها السياسيون ويجعلون منها‬ ‫نقطة أساسية في برامجهم‪ ،‬بغض النظر‬ ‫عن الحجم الحقيقي للتهديدات القائمة‪ ،‬وما‬ ‫إذا كانـت حقيقية أم متوهمة‪.‬‬ ‫حسـب تقرير مؤشـر اإلرهـاب العالمي‬ ‫‪ 2015‬الذي يصدره معهد االقتصاد والسام‬ ‫األميركـي(‪ ،)2‬بلـغ عـدد ضحايـا اإلرهاب‬ ‫فـي العالـم سـنة ‪ 2014‬أكثـر مـن ‪32000‬‬

‫قتيل أغلبهم في الشرق األوسط وإفريقيا‬ ‫ودول مثل أفغانستان (ونسبة ‪ % 0.5‬فقط‬ ‫ا‬ ‫منهم في الدول الغربية مجتمعة)‪ ،‬مسج ً‬ ‫ارتفاعـ ًا بنسـبة ‪ % 80‬مقارنـة مـع سـنة‬ ‫يوضح أن الخسائر‬ ‫‪ .2013‬نفس التقرير ّ‬ ‫تكبدهـا االقتصـاد العالمـي نتيجـة‬ ‫التـي َّ‬ ‫الوتيـرة المتصاعـدة للعمليـات اإلرهابية‬ ‫سجلت بدورها ارتفاع ًا لتصل سنة ‪2014‬‬ ‫إلى ‪ 52.9‬مليار دوالر‪ ،‬وهو رقم قياسـي‬ ‫منـذ أحداث سـبتمبر‪/‬أيلول ‪ ،2001‬حيث‬ ‫بلغت الخسـائر ‪ 51.5‬مليار‪ ،‬مقابل ‪32.9‬‬


‫مليـار سـنة ‪ ،2013‬و‪ 5.42‬مليـار سـنة‬ ‫‪ ،2003‬و‪ 13.4‬مليار سنة ‪ ،2008‬و‪16.96‬‬ ‫مليار سـنة ‪.2012‬‬ ‫تقاريـر أخـرى تشـير إلـى أن الواليـات‬ ‫المتحـدة أنفقـت نحـو ‪ 1600‬مليـار دوالر‬ ‫كنفقـات عسـكرية أملتهـا الحـرب علـى‬ ‫اإلرهـاب منـذ ‪ 2001‬وحتـى ‪ .2014‬كمـا‬ ‫عززت فرنسا اعتماداتها لقطاع األمن بعد‬ ‫ّ‬ ‫عمليات ‪ 13‬نوفمبر‪/‬تشرين الثاني ‪2015‬‬ ‫بأزيد ‪ 800‬مليون أورو في ميزانية السنة‬ ‫الجارية‪.‬‬

‫كيف يحوِّ ل السياسيون ‬ ‫هذه األرقام إلى ورقة ‬ ‫انتخابية؟‬ ‫هـذه األرقـام التـي يعكـف اإلعـام على‬ ‫تتحول في الواقع إلى نقطة‬ ‫التذكيـر بهـا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫أساسـية في البرامج السياسـية لعدد من‬ ‫األحـزاب فـي الغـرب‪ ،‬بالنظـر ليـس فقـط‬ ‫إلى حجمها المهول ذي الطابع اآلني‪ ،‬أي‬ ‫كنتيجة للعمليات اإلرهابية التي شهدتها‬ ‫كل سـنة‪ ،‬بل أيض ًا باعتبار امتداد آثارها‬ ‫ّ‬ ‫إلى السـنوات الاحقـة‪ ،‬ومن َثّم ارتباطها‬ ‫إن‬ ‫بمجموعـة مـن الظواهـر والقضايـا ْ‬ ‫اقتصاديـ ًا أو اجتماعياً‪.‬‬ ‫فـي قضيـة اإلرهـاب يلتقـي اليميـن‬ ‫واليسار على أهميته الحيوية في استمالة‬ ‫الناخبين‪ ،‬وإن بقدر متفاوت وباختافات‬ ‫ليسـت جوهرية دائمـاً‪ .‬وبغض النظر عن‬ ‫آثاره الفورية المتمثِّلة في الخسائر البشرية‬ ‫واالقتصادية المباشرة‪ ،‬هناك آثار أخرى‬ ‫ممتـدة فـي الزمن علـى إنتاجية القطاعات‬ ‫االقتصادية وعلى مردودية قطاعات أخرى‬ ‫مثـل السـياحة والتجـارة‪ ،‬وعلـى ارتفـاع‬ ‫النفقـات العموميـة المرصـودة لقطاعـات‬ ‫مثل األمـن والدفاع‪.‬‬ ‫قـو ْت أزمـة الاجئيـن‬ ‫مـن جانبهـا َّ‬ ‫النازحين من مناطق التوتر ما بعد الربيع‬ ‫العربـي‪ ،‬والتـي تعتبر بنظر الغرب البؤر‬ ‫األساسية لصناعة اإلرهابيين‪ ،‬المخاوف‬ ‫اليومية للمواطنين األوروبيين واألميركيين‬ ‫علـى َح ٍّـد سـواء‪ ،‬خاصـة بعـد العمليـات‬ ‫األخيـرة فـي فرنسـا والواليـات المتحـدة‬ ‫وكل ذلك يغذي الخطاب‬ ‫وبلجيكا وألمانيا‪ّ .‬‬ ‫االنتخابـي للمرشـحين فـي هـذه البلـدان‬ ‫لانتخابات الرئاسـية أو التشـريعية‪.‬‬ ‫وغيـر ٍ‬ ‫خاف أن هـذه القضية والركوب‬ ‫المتطرف‬ ‫عليها قد حقَّقت لليمين واليمين‬ ‫ِّ‬ ‫مهمة‪ ،‬وغذَّت أكثر فأكثر الحمولة‬ ‫مكاسب ّ‬ ‫العنصرية لخطابه‪ .‬وهو ما يمكن التمثيل‬ ‫له بصعود نجم الجبهة الوطنية في فرنسا‬ ‫بعد أن كان حزب ًا صغيرًا ومرفوض ًا تقريب ًا‬ ‫الحريـة فـي‬ ‫خـال سـنوات ِعـّدة‪ ،‬وحـزب ّ‬

‫النمسا الذي بات قاب قوسين أو أدنى من‬ ‫الظفـر برئاسـة البـاد بعد إلغـاء المحكمة‬ ‫الدستورية لنتائج االنتخابات التي عرفتها‬ ‫البـاد فـي مايو‪/‬أيـار ‪ 2016‬وخسـرها‬ ‫هـذا الحـزب اليمينـي بفـارق ضئيـل جـّدًا‬ ‫(‪ 49.7%‬من األصوات مقابل ‪،)% 50.3‬‬ ‫وحـزب البديـل مـن أجـل ألمانيـا الـذي َح َّل‬ ‫ثاني ًا وراء الحزب الديموقراطي االشتراكي‬ ‫وقبل حزب االتحاد الديموقراطي المسيحي‬ ‫بقيادة ميركل في انتخابات إقليمية جرت‬ ‫قبل بضعة أسابيع‪ .‬وتشترك هذه األحزاب‬ ‫المتطرفـة فـي المواقـف المعاديـة‬ ‫الثاثـة‬ ‫ِّ‬ ‫للمهاجرين والاجئين القادمين من المناطق‬ ‫المصنَّفة بمثابة بؤر لإلرهاب‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫بيـد أن حضـور اإلرهـاب فـي الخطـاب‬ ‫االنتخابـي يبـدو أقـوى لـدى شـخصيات‬ ‫سياسـية بـارزة مثـل نيكـوال سـاركوزي‬ ‫الـذي بنـى جـزءًا مـن مسـاره السياسـي‬ ‫علـى مناهضـة الهجـرة كأحـد أسـباب‬ ‫معانـاة األوروبييـن من البطالـة واإلجرام‬ ‫سـبب رئيسـي‬ ‫تتحـول عنـده إلـى‬ ‫قبـل أن‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫أو إلـى (حاضنـة) لإلرهاب‪ ،‬سـواء عندما‬ ‫كان وزيـرًا للداخليـة أم خـال حملتيـه‬ ‫لانتخابـات الرئاسـية لسـنتي ‪2007‬‬ ‫عدد ساركوزي‪ ،‬استعدادًا‬ ‫و‪ .2012‬حالي ًا ُي ِّ‬ ‫لانتخابات القادمة وفي ِظّل العمليات التي‬ ‫تعرضـت لهـا فرنسـا خـال سـنتي ‪2015‬‬ ‫ّ‬ ‫و‪ ،2016‬أوجـه قصـور حكومـة هوالنـد‬ ‫فـي مواجهـة اإلرهـاب‪ .‬الرئيـس السـابق‬ ‫يعتقد أن الحكومة الحالية لم تفعل شيئ ًا‬ ‫فـي مجـاالت المراقبـة األمنية لألشـخاص‬ ‫تشدد ظروف حبس‬ ‫وألماكن العبادة‪ ،‬ولم ِّ‬ ‫المتهمين باإلرهاب وطرد المشـتبه فيهم‪،‬‬ ‫التطـرف‬ ‫وأن قـرار فتـح مراكـز لمناهضـة‬ ‫ُّ‬ ‫لـم ُينفَّـذ (‪.)3‬‬ ‫بالمقابل يتعامل فرانسوا هوالند‪ ،‬الذي‬ ‫يسعى إلى والية ثانية‪ ،‬بالرغم من المرارة‬ ‫التي ولَّدتها العمليات األخيرة‪ ،‬بشكل آخر‬ ‫مؤكـدًا أنـه ال أحـد بإمكانـه الوعـد بعـدم‬ ‫ِّ‬ ‫وقوع عمليات إرهابية وأن الديموقراطية‬ ‫سـتنتصر ال محالـة(‪ ،)4‬مـن خـال دولـة‬ ‫الحق والقانون وبالمراهنة على التماسك‬ ‫ّ‬ ‫‪41‬‬


‫االجتماعي وتاحم الفرنسيين‪ .‬هذا الخطاب‬ ‫يبدو معتد ًال مقارنة مع نيكوال ساركوزي‬ ‫المتطرف بقيادة مارين‬ ‫وأيض ًا مع اليمين‬ ‫ِّ‬ ‫خطاب رفض فيه إصدار المزيد «من‬ ‫لوبين‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫القوانيـن الظرفيـة وغيـر القابلة للتطبيق‬ ‫والمخالفة للدستور»‪ ،‬وغازل فيه المسلمين‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل صريـح نافيـ ًا عنهـم تهمـة اإلرهاب‬ ‫ُمشيدًا بإيمان أغلبهم بقيم الجمهورية‪.‬‬ ‫إن خطاب ًا بهذا الشـكل‪ ،‬في وقت تشـير‬ ‫فيه استطاعات الرأي إلى تراجع شعبية‬ ‫هوالنـد‪ ،‬مـن شـأنه أن يضمـن لـه أصوات‬ ‫شكلت‬ ‫الفرنسيين من أصول مهاجرة التي َّ‬ ‫خزانـ ًا انتخابي ًا للحزب االشـتراكي‪،‬‬ ‫دائمـ ًا ّ‬ ‫ومنهم نسبة كبيرة من العرب والمسلمين‪.‬‬ ‫في السياق نفسه‪ ،‬يمكن الوقوف على‬ ‫حضـور اإلرهـاب فـي الخطـاب السياسـي‬ ‫واالنتخابي لمختلف المرشحين لانتخابات‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل خاص إلى‬ ‫األميركية لما بعد ‪2001‬‬ ‫َحـّد اسـتخدام جـورج بـوش االبـن لعبـارة‬ ‫«الحـرب الصليبيـة» فـي وصفـه للحـرب‬ ‫على اإلرهاب انتقام ًا لضحايا ‪ 11‬سبتمبر‪/‬‬ ‫أيلول‪ ،‬وهي الحرب التي بنى عليها أيض ًا‬ ‫حملتـه لواليـة ثانيـة لمواجهـة التهديـدات‬ ‫اإلرهابية التي لم يكن قد قضى عليها بعد‪،‬‬ ‫كـررًا فـي العـام ‪ 2004‬التعبيـر ذاتـه غير‬ ‫ُم ِّ‬ ‫المـرة األولى‬ ‫عابـئ بمـا كان قـد أثـاره فـي ّ‬ ‫من ٍ‬ ‫جـدل ومؤاخذات‪.‬‬ ‫فـي حملـة االنتخابـات الرئاسـية لهـذه‬ ‫السنة تحتفظ هياري كلينتون المرشحة‬ ‫الديموقراطية ببعض التوازن في خطابها‬ ‫االنتخابي‪ ،‬على ِغرار فرانسوا هوالند في‬ ‫فرنسا‪ ،‬تجاه المسلمين والعرب والمهاجرين‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل عـام‪ .‬تحمـل تصريحاتهـا نوعـ ًا من‬ ‫الدعـم للجاليـة المسـلمة تجـاه الشـتائم‬ ‫ـح من حملة منافسـها‪.‬‬ ‫والعنـف الـذي َ‬ ‫يرش ُ‬ ‫«إننـي أجـد الطريقـة التـي تحـّدث بهـا عن‬ ‫المسـلمين جارحة جّداً‪ ،‬سـواء تعلَّق األمر‬ ‫بمسلمي أميركا أم بمسلمي باقي العالم»‪،‬‬ ‫هكـذا علَّقـت علـى تصريحـات المرشـح‬ ‫الجمهـوري دونالـد ترامب‪.‬‬ ‫بالمقابل يتماهي هذا األخير مع مواقف‬ ‫المتطرف األوروبي‪ ،‬بل يذهب أبعد‬ ‫اليمين‬ ‫ِّ‬ ‫‪42‬‬

‫من ذلك باتهامه منافسته أيام كانت كاتبة‬ ‫للدولة في الخارجية بالمشاركة إلى جانب‬ ‫الرئيس باراك أوباما في تأسـيس تنظيم‬ ‫داعش اإلرهابي‪ ،‬والمساهمة‪ ،‬ولو بشكل‬ ‫وتوسـعه نحـو‬ ‫تغولـه‬ ‫غيـر مباشـر‪ ،‬فـي ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫سـورية وليبيـا ودول أخـرى بعـد أن كان‬ ‫محصـورًا في العراق‪.‬‬ ‫ويتضمـن البرنامـج االنتخابي لترامب‬ ‫َّ‬ ‫إلـى جانـب عـدد من النقاط غيـر الواضحة‬ ‫أو غيـر الواقعيـة بشـأن حلـول األزمـة‬ ‫االقتصاديـة والضرائـب والهجـرة نقطـة‬ ‫تتعلَّق بمراقبة المساجد وبمنع المسلمين‬ ‫من دخول أميركا‪ .‬وقد كان المنع مطلق ًا في‬ ‫البدايـة قبـل أن يتراجـع عـن ذلك ويحصر‬ ‫المنع في المسلمين من «دول اإلرهاب»(‪.)5‬‬ ‫وفـي عاقـة بالسـياق االنتخابـي‬ ‫األميركـي‪ ،‬ال بـد من اإلشـارة إلى تصويت‬ ‫الكونغـرس علـى قانـون «جاسـتا»‪ ،‬الـذي‬ ‫يفتـح المجـال أمـام عائـات ضحايـا ‪11‬‬ ‫سـبتمبر‪/‬أيلول ‪ 2001‬لمقاضـاة المملكـة‬ ‫العربيـة السـعودية ُمسـقط ًا بذلـك الفيتـو‬ ‫الرئاسـي لباراك أوباما‪ .‬ومن شـأن تمرير‬ ‫شـكل ورقـة انتخابيـة‬ ‫هـذا القانـون أن ُي ِّ‬ ‫يمكـن اسـتثمارها مـن طـرف الجمهوريين‬ ‫والديموقراطيين على السواء في االنتخابات‬ ‫الرئاسـية كمـا في انتخابـات الكونغرس‪،‬‬ ‫ـت أكثـر فـي صالـح ترامـب‪،‬‬ ‫ص َّب ْ‬ ‫وربمـا َ‬ ‫بالرغـم مـن التقاريـر التـي تشـير إلـى أن‬ ‫كلينتون كانت ستؤشـر على هـذا القانون‬ ‫فيمـا لـو كانـت رئيسـة للبـاد‪.‬‬

‫على سبيل الخاتمة‬ ‫ظـل اإلرهـاب نقطـة مركزيـة فـي‬ ‫َي ّ‬ ‫الخطـاب السياسـي ِ‬ ‫لعـّدة سـنوات قادمة‪.‬‬ ‫يتجـدد باسـتمرار وجـود التنظيمـات‬ ‫َّ‬ ‫اإلرهابيـة ِ‬ ‫وبحـّدة عنفهـا‪ ،‬بغـض النظـر‬ ‫عن أيديولوجياتها وأهدافها‪ ،‬وبالرغم من‬ ‫التركيـز حالي ًا على التنظيمـات األصولية‬ ‫الدينيـة‪.‬‬ ‫ثمـة مـن خاصـة يمكـن‬ ‫كانـت‬ ‫وإذا‬ ‫َّ‬ ‫الخـروج بهـا مـن مسـألة حضـور اإلرهـاب‬

‫في الخطاب االنتخابي‪ ،‬فهي أن السياسيين‬ ‫في الغالب يلعبون على ورقة الخوف الذي‬ ‫تخلِّفـه العمليـات اإلرهابيـة فـي نفـوس‬ ‫المواطنيـن‪ ،‬مـن خـال تهويـل المخاطـر‬ ‫والتهديـدات المحتملة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل‬ ‫ومـع اسـتحالة منـع العمليـات‬ ‫نهائـي‪ ،‬كمـا قـال هوالنـد‪ ،‬فـإن البدائـل‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل خـاص علـى الربـط بيـن‬ ‫تتمحـور‬ ‫اإلرهاب والهجرة‪ ،‬بما في ذلك الاجئون‪،‬‬ ‫يظـل إغـاق الحـدود والمراقبـة‬ ‫ومـن َث ّـم ّ‬ ‫المكثفـة ألفـراد الجاليـات «المشـتبه فيهـا»‬ ‫مسـألة حيويـة في نظـر األحزاب اليمينية‬ ‫المتطرفـة أو ذات الميـول القوميـة‪ .‬بينمـا‬ ‫ِّ‬ ‫األحزاب االشتراكية والديموقراطية عموماً‪،‬‬ ‫وإن التقـت مـع سـابقتها فـي ضـرورة‬ ‫التصـدي لإلرهـاب‪ ،‬سـواء فـي الداخـل‬ ‫بتعزيـز اإلجـراءات األمنيـة أم فـي مناطـق‬ ‫وجوده من خال تنفيذ عمليات عسكرية‪،‬‬ ‫فإنهـا باإلضافـة إلـى ذلـك ترى فـي إدماج‬ ‫المواطنيـن مـن أصول مهاجرة‪ ،‬بمن فيهم‬ ‫العرب والمسلمون‪ ،‬واحدًا من الحلول التي‬ ‫الحـّد مـن انتشـار اإلرهـاب‪.‬‬ ‫مـن شـأنها َ‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫المنظمات اإلرهابية من منظور‬ ‫‪ُ - 1‬تصنَّف هذه‬ ‫َّ‬ ‫حكومـات بلدانهـا واالتحـاد األوروبـي‪ ،‬ومـن طرف‬ ‫إسرائيل بالنسبة لفصائل المقاومة الفلسطينية‪.‬‬ ‫‪ - 2‬يمكن االطاع عليه في موقع المعهد‪:‬‬ ‫‪http://economicsandpeace.org/wp‬‬‫‪content/uploads/2015/11/2015-Global‬‬‫‪.Terrorism-Index-Report.pdf‬‬ ‫‪ - 3‬ينظـر ‪http://www.toutsarkozy.‬‬ ‫‪fr/2016/09/propositions-nicolas‬‬‫‪sarkozy-lutte-contre-le-terrorisme.html‬‬ ‫وهو موقع لمساندة ترشيح نيكوال ساركوزي‬ ‫النتخابـات ‪ 2017‬شـعاره «فرنسـا فـي حاجـة إلـى‬ ‫ساركوزي»‪.‬‬ ‫‪ - 4‬ينظـر خطـاب هوالنـد خـال نـدوة حـول‬ ‫«الديموقراطيـة فـي مواجهـة اإلرهـاب»‬ ‫‪http://www.elysee.fr/declara‬‬‫‪tions/article/discours-au-colloque-la‬‬‫‪democratie-face-au-terrorisme-2‬‬ ‫‪ - 5‬في مقال بعنوان «الناخبون األميركيون بدون‬ ‫بوصلة» منشور في عدد شهر أكتوبر‪/‬تشرين األول‬ ‫‪ 2016‬من صحيفة لوموند ديبلوماتيك‪ ،‬أورد سيرج‬ ‫ا عن نيويورك تايمز أن ‪ % 70‬من مسلمي‬ ‫حليمي نق ً‬ ‫أميركا صوتوا سنة ‪ 2000‬لصالح الجمهوري جورج‬ ‫صـوت ‪% 90‬‬ ‫بـوش االبـن‪ ،‬لكـن فـي سـنة ‪2008‬‬ ‫َّ‬ ‫منهم للديموقراطي باراك أوباما‪.‬‬


‫«الميديا» قد تسرق‬ ‫أصواتكم!‬ ‫ﻧﻮميﻲ ﻓريو‬ ‫دخـل الخطـاب االنتخابـي فـي حيـاة‬ ‫اإلنسـان منـذ القـرن الخامـس قبـل المياد؛‬ ‫فـي تلـك المنطقـة‪ ،‬حيـث ُوِل َـد مفهـوم‬ ‫الديموقراطيـة‪ ،‬أي فـي اليونـان القديمـة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل مباشر بوالدة‬ ‫وكانت والدته مرتبطة‬ ‫مفهوم آخر؛ هو الباغة‪ ،‬وفي هذا السياق‬ ‫يبدوان كتوأم‪ ،‬الخطاب االنتخابي والباغة‪.‬‬ ‫إن تاريخ الفلسفة الغربية ُيعلِّمنا أن ما‬ ‫نعتقـده حديثـ ًا في أيامنا بالفعل ليس أكثر‬ ‫من تغطية مزركشة لممارسات قديمة وقديمة‬ ‫جـداً‪ ،‬ولكـن الحداثـة ومـا بعدهـا لديهـا قوة‬ ‫هائلة لتقنعنا أننا نمارس شيئ ًا جديداً‪ ،‬ألننا‬ ‫نملك اآلن وسائل مختلفة وثائرة قد ساعدت‬ ‫الظّن‪.‬‬ ‫على تعزيز هذا َ‬ ‫نشاطر با شك اليونان القديمة عناصر‬ ‫تتغير‪ ،‬ولكن ماذا يحتاج الخطاب ليكون‬ ‫لم َّ‬ ‫خطاباً؟ الجمهور‪ ،‬أليس كذلك؟ الفرق الوحيد‬ ‫بيـن أيامنـا وأيـام إبـداع الخطاب هو كيفية‬ ‫الوصول إلى هذا الجمهور‪ ..‬فالميديا الجديدة‬ ‫عل‬ ‫تعددة َل ّ‬ ‫قد استولت على السلطة بطرق ُم ِّ‬ ‫أهمها السلطة الرابعة‪ .‬غير بعيد عن أيامنا‬ ‫ّ‬ ‫هـذه‪ ،‬أي قبـل عقـٍد مـن الزمـن فقـط‪ ،‬كنـا‬ ‫نكـرر تلـك الفكـرة التـي جـاءت مـن العقود‬ ‫ِّ‬

‫السابقة التي كانت تقول إن من ال يظهر في‬ ‫الصـورة ال وجـود له‪ .‬في السـنوات العشـر‬ ‫األخيـرة يبـدو أن الصورة وحدها أصبحت‬ ‫مـادة فقيـرة للغايـة‪ ،‬ويجـب علـى صاحب‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل عـام والخطـاب االنتخابي‬ ‫الخطـاب‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل خـاص أن يسـتخدم وسـائل أخـرى‬ ‫ليتقـرب من النجـاح‪ .‬لكن‪ ،‬ما‬ ‫ماءمـة‬ ‫أكثـر‬ ‫َّ‬ ‫معنى النجاح في سـياق الخطاب؟ االقتناع‬ ‫أليس كذلك؟ هل فقدت قوة الكلمات وعاقتنا‬ ‫بها ما كانت تملكه في العصور القديمة من‬ ‫القـوة والخدمـة والمتاهة أيضاً؟ هل نحتاج‬ ‫إلى مساعدة إضافية كالمواقع االجتماعية‬ ‫لنصدق ما نسمعه؟ ألم نخسر بعض ًا‬ ‫الجديدة‬ ‫ِّ‬ ‫لنفكر بأنفسنا بعمق بدل أن نسمع‬ ‫من القدرة ِّ‬ ‫وقبل أن نساهم بآرائنا كما تسمح لنا الميديا‬ ‫الجديدة؟‬ ‫لسـت أدري إذا كانـت مقـدرة ارتجـال‬ ‫خطـاب مـا عنـد رجـال ونسـاء السياسـة قد‬ ‫صـارت أضعـف فـي عصرنـا هـذا مقارنـة‬ ‫برجال الباغة القدماء مخاطبين جمهورهم‪.‬‬ ‫ولكن الريب أن الميديا الجديدة ساعدت على‬ ‫اكتشـاف مـا لـم تـره العيـن وما لم تسـمعه‬ ‫كل شـيء‪،‬‬ ‫األذن‪ ،‬كأنهـا العيـن التـي تـرى ّ‬

‫مثلما قرأنا في رواية جورج أورول‪،1984 ،‬‬ ‫والبعـض سـوف يضيـف على أنها تسـاهم‬ ‫فـي تغيير نظـرة الجمهور‪.‬‬ ‫هل تقديم نتائج االستطاعات والتحاليل‬ ‫على منصات الميديا يفضي إلى تغيير آراء‬ ‫الجمهـور؟ هـل الميديـا هي السـلطة الرابعة‬ ‫حقاً؟ إن المصداقية تتطلَّب تركيز الفرد على‬ ‫ما يشاهده والتفكير فيما يسمعه ويتابعه‪ .‬إذ‬ ‫ال يمكن لضجيج الشارع وصيحات الناس‬ ‫محل القناعة الشخصية‪.‬‬ ‫تحل ّ‬ ‫أن ّ‬ ‫ال أريد تصديق فكرة أننا نعيش في عالم‬ ‫فضفـاض وباسـتيكي ومصـاب بغيبوبـة‬ ‫فكريـة‪ ،‬حيـث إننـا نغـرق أمـام أول موجـة‬ ‫مـن الكلمـات العابرة للشاشـات‪ .‬إذا أعادت‬ ‫الميديا الجديدة الصوت المسروق ألكثر عدد‬ ‫من المساهمين والمتفرجين في تاريخ البشر‬ ‫كلّه؛ سـيبدو منطقي ًا وملح ًا أيض ًا أنّنا اآلن‬ ‫قبل استخدام صوتنا للتعبير عن اختياراتنا‬ ‫نفكـر أو ًال فيمـا نريـد أن نقوله من‬ ‫علينـا أن ِّ‬ ‫ألن الصورة في الحقيقة تلتقط‬ ‫تسرع؛ ّ‬ ‫دون ُّ‬ ‫كل ثانية وغير صحيح فكرة عدم وجودنا‬ ‫ّ‬ ‫بالغ راشٌد‪،‬‬ ‫الكل ٌ‬ ‫إن لم نظهر في الصورة!!! ّ‬ ‫كما ُيقال‪.‬‬ ‫‪43‬‬


‫كيف ال تقتحمها االنتخابات ؟!‬ ‫آﻻء اﻟﻜﺴﺒﺎين‬ ‫ال يمكننـا الجـزم بالوقـت الـذي بـدأ فيـه‬ ‫استخدام مواقع التواصل االجتماعي كجزء‬ ‫أساسـي مـن الخطـاب االنتخابـي أو دعاية‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل عـام‪ ،‬لكـن مـا‬ ‫الحملـة االنتخابيـة‬ ‫يمكننا الجزم به هو أن السوشيال ميديا ُتعّد‬ ‫حدد األساسي والملمح األيقوني للعصر‬ ‫الم ِّ‬ ‫ُ‬ ‫الحديث‪ ،‬وأصبح الكثيرون يسـتغنون بها‬

‫‪44‬‬

‫عـن مثيلهـا مـن الوسـائل اإلعاميـة‪ ،‬بـل‬ ‫ميـزًا لفئـات بعينهـا فـي‬ ‫واتخـذت طابعـ ًا ُم ِّ‬ ‫المجتمعـات‪ ،‬فأصبحـت حجـر الزاويـة في‬ ‫أهمّية‬ ‫حياة أكبر شرائح المجتمع وأكثرها ّ‬ ‫وتحورت لتصبح ثقافة‬ ‫وقوة‪ ...‬الشباب‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫في َحّد ذاتها أكثر منها مجرد وسيلة تجعل‬ ‫العالم بين يديك‪ ،‬حيث أصبح الناس يرون‬

‫مـن ال يمتلـك حسـاب ًا علـى أحـد مواقعها أو‬ ‫تطبيقاتهـا الكثيـرة متأخرًا عنهم بسـنوات‬ ‫درج مواقع‬ ‫ضوئيـة‪ّ ،‬‬ ‫كل هـذا اسـتدعى أن ُت َ‬ ‫التواصـل االجتماعي تحت قائمة الوسـائل‬ ‫الترويجيـة والخطابيـة فـي الكثيـر مـن‬ ‫المجـاالت‪ ،‬فـ«مشـاركة» واحـدة‬ ‫لمنشـور‬ ‫ٍ‬ ‫مـا كافيـة أن تصنـع مـن أحدهـم نجمـ ًا بين‬


‫جمهور الفيسبوك‪ ،‬و«تغريدة» واحدة يمكن‬ ‫أن تجعلـك مشـهورًا فـي دقائق معـدودات‪،‬‬ ‫ا عن سعة انتشارها وإمكانية استهداف‬ ‫فض ً‬ ‫آن‬ ‫المئات‪ ،‬بل واآلالف من ُمستخدميها في ٍ‬ ‫واحـد‪ ،‬مـن هنـا كان البـد مـن اتجـاه أنظـار‬ ‫المرشـحين إليها كمنصة رأي يمكن توجيه‬ ‫خطابهـم االنتخابـي مـن خالهـا إلقنـاع‬ ‫الناخبين بهم‪.‬‬ ‫الافت للنظر هو أن استخدام السوشيال‬ ‫ميديا في شحذ المناصرين وتوجيه الخطاب‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل أساسـي‬ ‫االنتخابـي للعامـة يحـدث‬ ‫فـي دول العالـم‬ ‫المتقدم‪ ،‬ورغم سـعي دول‬ ‫ِّ‬ ‫العالـم الثالـث الحثيث للحاق بهـذا الركب ّإال‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل كلّي وواسع! فلم‬ ‫أنها لم تنخرط فيه‬ ‫يقتحم المجال االنتخابي السوشيال ميديا في‬ ‫الوطن العربي ّإال بعد ظهور نفحات المناخ‬ ‫الديموقراطـي مؤخـراً‪ ،‬بعـد ثـورات الربيـع‬ ‫النظم السـابقة‬ ‫العربـي تحديـداً‪ ،‬وذلـك ألن ُ‬ ‫عـن بشـحذ المناصريـن أو بترويج أي‬ ‫لـم ُت َ‬

‫برامج انتخابية لاعبيها وعاشت بمعزل تام‬ ‫متغيرات الحياة الثّقافية والتكنولوجية‬ ‫عن ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل عـام‪ ،‬ولكـن العبـي السياسـة الجدد‬ ‫حاولـوا تافـي أخطـاء سـابقيهم‪ ،‬فوجدنـا‬ ‫مواقـع التواصـل امتـألت بمشـاركات أغلب‬ ‫الشـخصيات العامـة والسياسـية‪ ،‬فـإذا‬ ‫قارنـا بيـن وضـع مصـر قبـل وبعـد ثـورة‬ ‫‪ 2011‬نجـد أننـا لـم نكـن لنـرى تغريـدة أو‬ ‫منشـورًا ألحـد مـن الشـخصيات السياسـية‬ ‫المهمـة صانعـة القـرار قبـل الثـورة‪ ،‬لكـن‬ ‫بعـد اشـتعالها‪ -‬الـذي كان موقـع التواصـل‬ ‫االجتماعي (فيسـبوك) سـبب ًا أساسي ًا فيه‪-‬‬ ‫استعرت مواقع السوشيال ميديا بمشاركات‬ ‫الشـخصيات السياسية وامتألت بحسابات‬ ‫للشـخصيات العامـة‪ ،‬سـواء حقيقيـة أم‬ ‫سـاخرة غيـر حقيقيـة‪ ،‬تشـارك منشـورات‬ ‫المقـام الحسـاب‬ ‫هزليـة للشـخصية العامـة ُ‬ ‫كل هذا َم َّهد السـتخدام السوشـيال‬ ‫باسـمها‪ّ ،‬‬ ‫ميديا في أول انتخابات رئاسية ُأقيمت بعد‬ ‫المنَت َخبين يدلون‬ ‫المرشحين ُ‬ ‫الثورة‪ ،‬لنجد ُ‬ ‫ويتوجهون بخطابهم‬ ‫بتصريحـات رسـمية‬ ‫ّ‬ ‫االنتخابي آلالف المصريين من خال تويتر‬ ‫وفيسبوك تحديداً‪ ،‬ويستقطبون المتطوعين‬ ‫من الشـباب لتكوين ِفرق إلكترونية تتولَّى‬ ‫للمرشح من‬ ‫إدارة خطاب الحملة االنتخابية ُ‬ ‫خال السوشـيال ميديا‪.‬‬ ‫تقم فيها‬ ‫لم‬ ‫التي‬ ‫العربية‬ ‫حتى في الباد‬ ‫ْ‬ ‫ثـورة فـي ذلـك الوقـت تفاعلـت مـع الربيـع‬ ‫ٍ‬ ‫محاولة أن تسـير على‬ ‫بشـكل كبير‬ ‫العربي‬ ‫ً‬ ‫ُخطـى التحديـث‪ ،‬ففـي المغرب على سـبيل‬ ‫المثـال‪ ،‬ومـع انطـاق الحملـة االنتخابيـة‬ ‫لانتخابـات البرلمانيـة األخيـرة‪ ،‬بـرزت‬ ‫مواقـع التواصـل االجتماعـي بقـوة‪ ،‬حيـث‬ ‫أقبلت األحزاب السياسية على فتح حسابات‬ ‫وتدشين صفحات على الفيسبوك وإغراقها‬ ‫تحـث‬ ‫بمنشـورات وملصقـات وفيديوهـات ّ‬ ‫الناخبين على تأييدها وتعمل على حشدهم‬ ‫لمناصرتها‪ ،‬وفي ذلك يرى المحلِّل السياسي‬ ‫المغربي «محمد بودن» أن شبكات التواصل‬ ‫االجتماعي تقوم بدور اتصالي وتعبوي فيما‬ ‫يتعلَّق باالنتخابات‪ ،‬فنجدها مكثفة بالرموز‬ ‫االنتخابيـة والـوالء للحـزب واسـتعراض‬

‫ا عن نقل صور‬ ‫اللوجستيك االنتخابي‪ ،‬فض ً‬ ‫للتظاهرات والخطب االنتخابية‪.‬‬ ‫المتقـدم‪ ،‬فتأخـذ‬ ‫أمـا فـي دول العالـم‬ ‫ِّ‬ ‫السوشـيال ميديـا مسـاحة أرحب بكثير في‬ ‫االنتخابات من نظيرتها في الدول اآلخرى‪،‬‬ ‫فـإذا نظرنـا عن كثب لانتخابات الرئاسـية‬ ‫األميركية القائمة حالي ًا نجد أن السوشـيال‬ ‫ميديـا كانـت سـبب ًا فـي معرفـة ‪ 44%‬مـن‬ ‫الناخبيـن األميركييـن باالنتخابـات مـن‬ ‫األسـاس‪ ،‬كمـا أنهـا تعـّدت كونهـا وسـيلة‬ ‫لتوجيـه الخطـاب االنتخابـي للناخبيـن‪،‬‬ ‫فأصبحت ساحة معركة افتراضية للصراع‬ ‫فلـكل ُمَر َشـح فريـق إلكتروني‬ ‫االنتخابـي‪ّ ،‬‬ ‫المرشح اآلخر أمام‬ ‫خاص يعمل على تمزيق ُ‬ ‫ا حين الحق ترامب أوباما على‬ ‫العامة! فمث ً‬ ‫تويتـر بسـبب دعمـه لكلينتـون في السـباق‬ ‫ا «لم يعـد أحد يريد أوباما»‪،‬‬ ‫االنتخابـي قائ ً‬ ‫أرسـل لـه فريـق هياري تغريدة تقـول «قم‬ ‫بتعطيل حسـابك!»‪ ،‬لتحصل تغريدتها في‬ ‫خال ستة أسابيع على ‪ 482000‬مشاركة!‬ ‫وصرحـت جينـا لوينسـتون‪ -‬المديـرة‬ ‫ّ‬ ‫اإللكترونية لحملة كلينتون االنتخابية‪ -‬بأن‬ ‫نجاح هياري اإللكتروني على السوشـيال‬ ‫ميديا يعود إلى جهود كثيفة يقوم بها فريق‬ ‫إلكترونـي ُمبـِدع وشـغوف بما يفعـل‪ ،‬وأن‬ ‫السـر ليـس فقـط فـي إلقـاء النـكات الذكيـة‬ ‫ّ‬ ‫القادرة على تمزيق المرشح اآلخر واالنتشار‬ ‫السريع بين الناس‪ ،‬وإنما في القدرة أيض ًا‬ ‫لكل الناخبين بتوجيه خطاب‬ ‫على الوصول ّ‬ ‫وملهـم لهـم مـن خـال‬ ‫انتخابـي حماسـي ُ‬ ‫السوشيال ميديا‪.‬‬ ‫تسـتطيع السوشـيال ميديـا أن تجعلـك‬ ‫وتؤدي إلى‬ ‫مشـهورًا إذا اسـتخدمتها بذكاء‪ّ ،‬‬ ‫انتشارك السريع بين الناس‪ ،‬وبالرغم من‬ ‫براقة من الطائشين‪ ،‬وأيض ًا‬ ‫صنعها لنجوم َّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل كبيـر فـي نشـر الشـائعات‬ ‫إسـهامها‬ ‫وتحولها لسـاحات قتـال افتراضية ضارية‬ ‫ّ‬ ‫بيـن جمهورهـا إذا مـا اختلفـوا فـي آرائهـم‪،‬‬ ‫تظـل قـادرة علـى فتـح آفـاق جديدة‬ ‫ّإال أنهـا ّ‬ ‫كل يـوم‪ ،‬تسـهم باتسـاعها فـي تغييـر‬ ‫لهـم ّ‬ ‫القناعـات والمعرفـة والثّقافـة فـي لحظـة‪،‬‬ ‫فكيـف ال تقتحمهـا االنتخابات؟!‬ ‫‪45‬‬


‫زعماء من «اليكات»‬ ‫د‪ .‬ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻴﻢ اﻟﻌﻄﺮي‬ ‫َم ْن هو الزعيم اليوم؟ أهو ذاك الذي يحوز‬ ‫الرساميل الرمزية والمادية القادمة من سجل‬ ‫اإلرث العائلي واإلمكان العائقي ومدارات‬ ‫السلطة والنفوذ؟ أم هو ذاك الذي يتوافر على‬ ‫ويلهب‬ ‫الكاريزمـا ويقـود الحشـود الغفيـرة ُ‬ ‫حماسـها فـي مفاصـل التاريـخ الحاسـمة؟‬ ‫أم هـو ذلـك المثقَّف العضوي األلمعي الذي‬ ‫يكتب بالدم ال الحبر؟ فمن هو الزعيم النجم‬ ‫وملهـم الجماهيـر؟ مـن يكون في هـذا الزمن‬ ‫كل االحتماالت؟‬ ‫الخاسي المفتوح على ّ‬ ‫لربمـا َي ْج ُـدُر‪ ،‬وبقـوة‪ ،‬أن نسـتعيد هـذه‬ ‫األسـئلة ونحـن نحـاول‬ ‫فهم‪/‬تفهـم واقعـة‬ ‫ُّ‬ ‫نجـوم مواقـع التواصل االجتماعـي‪ ،‬الذين‬ ‫ُتقـاس شـعبيتهم ونجوميتهـم بـآالف‬ ‫«الايـكات» ال غيـر‪ .‬فهـؤالء النجـوم الذيـن‬ ‫يمارسـون «الغرافيتيـا اإللكترونيـة» علـى‬ ‫جـدران الفيسـبوك والتويتـر واألنسـتغرام‬ ‫والسناب شات‪ ،‬ويبصمون على حضورهم‬ ‫أيضاً‪ ،‬وبالصوت والصورة‪ ،‬في اليوتيوب‪،‬‬ ‫يربكـون حقـ ًا مفاهيـم الزعامـة والسـيادة‬ ‫والنفوذ التي ُأ ْشِب َع ْت درس ًا من ِقَب ِل العلوم‬ ‫اإلنسانية‪.‬‬ ‫إننـا اليـوم محاطـون فـي االفتراضـي‬ ‫والواقعي بنجوم السوشيال ميديا‪ ،‬شباب‬ ‫فـي مطلـق األحـوال‪ ،‬صـاروا يختبـرون‬ ‫كل المصادر التقليدية‬ ‫«زعامتهم» ضدًا على ّ‬ ‫إلنتاج النفوذ وتدبيره‪ ،‬فهم ليسـوا بحاجة‬ ‫إلى «استراتيجية الحرق» كما عند مارسيل‬ ‫مـوس‪ ،‬وال إلـى الكاريزمـا كمـا عنـد ماكس‬ ‫فيبر‪ ،‬وال حتى المال كما في أنساق تحليل‬ ‫نفـوذ األعيـان‪ .‬تكفيهـم فقط «سـتاتوهات»‬ ‫و«سـيلفيات» و«فيديوهـات» ليحصـدوا‬ ‫«الايـكات»‪ ،‬وترتفـع أسـهمهم فـي مواقـع‬ ‫التواصـل االجتماعي‪.‬‬ ‫إن «الحـرق» فـي مجتمعـات النـدرة هـو‬ ‫مـا ينتج الوالءات أكثر وأسـرع‪ ،‬فاسـتنادًا‬ ‫‪46‬‬

‫لـكل‬ ‫إلـى مبـدأي األخـذ والعطـاء المميزيـن ّ‬ ‫تؤسـس‬ ‫هبـة‪ ،‬تنبنـي عاقات وتفاعات‪ِّ ،‬‬ ‫لسلطات ومكانات اجتماعية‪ .‬إن ما يترتب‬ ‫عن الهبة‪ ،‬حسـب مارسـيل موس‪ ،‬سـلطة‬ ‫يمـارس بواسـطتها الواهـب نفـوذه علـى‬ ‫األتباع والمنافسين أيضاً‪ .‬فكيف نفهم انبناء‬ ‫الشهروية والتأثير والنفوذ أيض ًا لدى نجوم‬ ‫يتحولون‬ ‫مواقع التواصل االجتماعي؟ وكيف ّ‬ ‫إلى زعماء‪ ،‬وبدون ارتكان إلى لعبة التحدي‬ ‫اإلنفاقـي كمـا عند موس؟‬ ‫إن الشـهرة هاهنـا ُتقاس تحديـدًا بأرقام‬ ‫اإلعجـاب والمشـاهدة والمشـاركة‪ ،‬وعلـى‬ ‫هذا األساس تدفع‪ ،‬أحسن‪ ،‬شركات القارة‬ ‫السـابعة (اإلنترنـت)‪ ،‬لنجـوم هـذا الزمـن‬ ‫قبـا إننا‬ ‫لـم يقـل أنتوني غيدنز ً‬ ‫المنفلـت‪َ ،‬أ ْ‬ ‫ننتمـي اليـوم إلـى عالـم معولـم ومنفلت؟‬ ‫في جدران الفيسبوك نقرأ ِس َّير َحَي َو ٍ‬ ‫ات‬ ‫َ‬ ‫مختلفـة لنجوم مـن المعارضة والمـواالة‪،‬‬ ‫من الفكر والتفاهة‪ ،‬من البهاء والهباء‪ ،‬نقرأ‬ ‫أيض ًا ِخافية على مستوى تدبير النقاش‪،‬‬ ‫ونفس ًا عميق ًا من أجل اإلقناع والتناظر‪ ،‬نقرأ‬ ‫تعبر عن السـقوط‬ ‫أيضـ ًا تفاهـات وأعطاب ًا ِّ‬ ‫نتعرف إلى شباب‬ ‫الفظيع‪ ،‬وفي اآلن ذاته َّ‬ ‫مؤمن بقضيته وموسع لشعبيته و«زعامته»‬ ‫االفتراضية‪.‬‬ ‫ثمة إمكان للقول إننا حيال «كتابة»‬ ‫ليس ّ‬ ‫واحـدة‪ ،‬وال أمـام اختيـارات منمطـة‪ ،‬ففـي‬ ‫الكل‬ ‫الكل مدعو الختبار مقوالته‪ّ ،‬‬ ‫الفيسبوك ّ‬ ‫مدعـو للتعبيـر عـن آرائه من غيـر رقابة أو‬ ‫إمكان محاسبة‪ ..‬إنها ثمرات القارة السابعة‪،‬‬ ‫وإنهـا احتمـاالت «اللجـوء السياسـي» إلـى‬ ‫السوشيال ميديا‪.‬‬ ‫فبعـد أن أوصـدت الدكاكيـن السياسـية‬ ‫أبوابهـا فـي وجـه الشـباب‪ ،‬وبعـد أن منـع‬ ‫«اإلعـام الرسـمي» األصـوات المضـادة من‬ ‫التعبير والتغيير‪ ،‬وجد الـ«هؤالء» في مواقع‬

‫التواصـل االجتماعـي منصـة اسـتثنائية‬ ‫لممارسة السياسة بطريقة أخرى‪ .‬لقد صار‬ ‫بإمكان األصوات الممنوعة من الصرف‪ ،‬في‬ ‫الواقعي‪ ،‬أن يكون لها صدى دال ومؤثر في‬ ‫تتـردد عبارة‬ ‫االفتراضـي‪ ،‬ومـن هنـا باتـت َّ‬ ‫التأثيـر التـي يجري توصيفهم بها‪.‬‬ ‫ا‬ ‫فنجم السوشيال ميديا ُيعّد مؤثرًا وفاع ً‬ ‫ومحـركاً‪ ،‬وهـو مـا يدفـع صانع القـرار إلى‬ ‫ِّ‬ ‫قـل‪ ،‬إلى تطبيع‬ ‫طلـب خدماتـه‪ ،‬أو علـى ا َأل ّ‬ ‫العاقـة معـه وشـراء صمتـه فـي بعـض‬ ‫األحيان‪.‬‬ ‫أن تصيـر نجمـ ًا فـي مواقـع التواصـل‬ ‫االجتماعـي ال يعنـي ضـرورة التوافـر على‬ ‫كثيـر مـن الرسـاميل االجتماعيـة‪ ،‬فليـس‬ ‫مطلوبـ ًا منـك أن تكـون مـن آل الدمـاء‬ ‫الزرقـاء‪ ،‬وال أن تحـوز شـهادات عليـا مـن‬ ‫قبـا فـي‬ ‫أعـرق الجامعـات‪ ،‬وال أن تتـدرج ً‬ ‫أكثـر التنظيمـات راديكاليـة‪ ،‬وال حتـى أن‬ ‫تكـون صاحـب صـوت طـروب‪ .‬إن هـي ّإال‬ ‫خيميـاء اللعبـة التي تخبط خبط عشـواء‪،‬‬ ‫والتـي قـد تجعل المبني للمجهول‪ ،‬معلوم ًا‬ ‫ومخطوب ِوّد من ِقَب ِل المايين‪ ،‬وفي زمن‬ ‫قياسي‪ ،‬يكفي فقط أن تعرف دقائق اللعبة‪،‬‬ ‫وأن تتوافـر علـى إرادة فوالذية لاسـتمرار‬ ‫فـي درب بنـاء الشـهرة على ضفـاف أودية‬ ‫السيليكون‪.‬‬ ‫ـن‪،‬‬ ‫قـد تكـون الرياضـة‪ ،‬السياسـة‪َ ،‬‬ ‫الف ّ‬ ‫األحـداث االجتماعيـة‪ ،‬القصص البطولية‪،‬‬ ‫األلـم والمعانـاة‪ ،‬أو حتـى الخـروج عـن‬ ‫وتصيـد أخطـاء اآلخرين ونشـر‬ ‫المألـوف‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫اإلشـاعات‪...‬كلها ممكنـات لبنـاء وتنضيـد‬ ‫الشـهروية‪ ،‬فهـؤالء النجـوم قادمـون مـن‬ ‫متنوعـة المنافـذ والمـآالت‪ ،‬لـم‬ ‫سـياقات‬ ‫ِّ‬ ‫تحملهـم أكتـاف المناضليـن وال هتافـات‬ ‫المريدين في األحزاب والزوايا‪ ،‬وال صنعتهم‬ ‫«األجهـزة الدولويـة» وال رفعتهـم إلـى َع ٍ‬ ‫ـل‬


‫مبيعـات كتبهـم ومختلف منتجاتهـم‪ ،‬فقط‬ ‫هـي أعـداد «الايـك» و«الفيـو» و«الشـير»‪،‬‬ ‫زعمـاء فـي النـت‪.‬‬ ‫التـي تصنـع‬ ‫ً‬ ‫لذا لم يكن غريب ًا أن يسـتنجد السياسـي‬ ‫بنجوم الفيسبوك في سباقاته إلى كراسي‬ ‫المسـؤولية‪ .‬فاألمر يتعلَّق بمواقع ساخنة‬ ‫وفاعلة في تغيير الواقعي‪ ،‬فالربيع العربي‬ ‫كانت شروط إنتاجه وتوسيع مداه ممهورة‪،‬‬ ‫وإلى َح ٍّد بعيد‪ ،‬بتوقيع نشطاء السوشيال‬ ‫ميديا‪.‬‬ ‫في السـوق الشـهروية لمواقع التواصل‬ ‫االجتماعـي مغربيـاً‪ ،‬نصـادف بورتريهـات‬ ‫عديـدة تحصـد ماييـن «الايـكات»‪ ،‬منهـم‬ ‫مـن اختـار لنفسـه عبـارة «مـول» (وتعنـي‬ ‫«صاحـب» فـي الدارجـة المغربيـة)‪ ،‬تمامـ ًا‬ ‫كما هو األمر بالنسـبة لـ«مول الكاسـكيطة»‬ ‫و«مـول الفردي» و«مول الكرسـي»‪ ،‬ومنهم‬ ‫من أضاف لتسميته لقب ًا مستعارًا من سجل‬ ‫قدم نفسه مباشرة‬ ‫الدين كـ«الشيخ سار»‪ ،‬أو َّ‬ ‫مـن غيـر ألقـاب كـ«مايسـة سـامة الناجي»‬ ‫تعـدت عتبـة نصف مليـون «اليك»‪.‬‬ ‫التـي َّ‬ ‫بعضهم يعتبر نفسه معارض ًا سياسي ًا‬ ‫لـكل تفاصيـل‬ ‫وناقـدًا اجتماعيـ ًا ومتابعـ ًا ّ‬ ‫يتـردد فـي‬ ‫التفاصيـل‪ ،‬والبعـض اآلخـر ال‬ ‫َّ‬ ‫اإلفتـاء والتحليـل النفسـي واالستشـارة‬ ‫التربويـة‪ ،‬فيمـا آخـرون ينتصـرون فقـط‬ ‫للمجال الذين أتوا منه والذي يكون َفنّي ًا أو‬ ‫ثقافي ًا أو سياسـي ًا أو جمعوياً‪ ،‬واألهم في‬

‫كل ذلك هو إثراء الرأسمال الذي يتحّدد بعدد‬ ‫ّ‬ ‫فكل ضغط‬ ‫اإلعجاب والمشاركة والمشاهدة‪ّ ،‬‬ ‫وتقدم ًا‬ ‫على الرابط اإللكتروني يعني ارتفاع ًا ُّ‬ ‫على المنافسـين في هذه السـوق‪.‬‬ ‫بيـن يورغـن هابرمـاس أن قوانيـن‬ ‫لقـد َّ‬ ‫وتسربت إلى فضاء اإلنتاج‬ ‫رت‪،‬‬ ‫تطو‬ ‫السوق َّ‬ ‫َّ‬ ‫الثّقافي‪ ،‬ما أدى إلى تحوير مضمون ومفهوم‬ ‫االتصـال‪ ،‬مـن المبـدأ القائـم علـى اإلعـان‬ ‫والتواصـل الجماعـي إلـى نمـوذج تجـاري‬ ‫«لتصنيع الرأي‪ ..‬في اتجاه ترسـيخ رؤية‬ ‫إقطاعية جديدة للمجتمع»‪.‬‬ ‫إنهـا بتعبير جـان بودريار «أيديولوجيا‬ ‫تتأسـس على‬ ‫المجتمع االسـتهاكي» التي َّ‬ ‫تسويق الرمز‪/‬العامة‪ ،‬وتكريس االفتتان‬ ‫بها إلى درجة عبادتها‪ ،‬تمام ًا كما كان يحدث‬ ‫في المجتمعات البدائية بشأن الطوطم‪ ،‬فهل‬ ‫يتعلَّـق األمـر باسـتعادة لألسـطوري فـي‬ ‫األزمنـة الحديثـة؟ أم أننا وثنيون بالفطرة؟‬ ‫فالعامات التجارية صارت اليوم صانعة‬ ‫للوجاهة واالمتياز‪ ،‬مثلما غدت عطسـة أو‬ ‫ألمـت بنجـم السوشـيال ميديـا‪،‬‬ ‫نزلـة بـرد َّ‬ ‫تحصـد ماييـن «الايـكات»‪ ،‬فيمـا روايـة‬ ‫ماتعـة أو اكتشـاف علمي دقيـق‪ ،‬ال يثيران‬ ‫انتبـاه أحد‪.‬‬ ‫مـن خـال مراجعـات أدبيـات‬ ‫يتبيـن أننـا حيال‬ ‫سوسـيولوجيا النخبـة‪َّ ،‬‬ ‫تصوريـن مركزيين لتفسـير منطـق الترقِّي‬ ‫ُّ‬ ‫والتنخيب‪ ،‬األول يرى في الشرط التأريخي‬

‫المتصـل باالنتمـاء والعاقـات والمصـادر‬ ‫المادية والرمزية األخرى‪ ،‬شرط ًا ضروري ًا‬ ‫لتحقيـق فعـل الترقِّـي إلى مصـاف النخبة‪.‬‬ ‫التصـور يجعـل مـن النخبـة معطـى‬ ‫إن هـذا‬ ‫ُّ‬ ‫ثابت ًا وطبيعياً‪ ،‬يتحقَّق االنتماء إلى مصافها‬ ‫يؤسس ألسطورة‬ ‫بالوراثة ال غير‪ ،‬وهو ما ِّ‬ ‫«الدمـاء الزرقـاء»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫أهمية وفعالية‬ ‫علـى‬ ‫ـح‬ ‫ل‬ ‫ي‬ ‫أمـا الثانـي‪َ ،‬فُ ُّ‬ ‫ّ‬ ‫التصور الذي‬ ‫وهو‬ ‫الفردي‪،‬‬ ‫والتميز‬ ‫الكفاءة‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ويعلـي‬ ‫ُيلغـي فعاليـة الشـرط التأريخـي‪ُ ،‬‬ ‫بالمقابـل مـن فرضية الشـرط الفـردي‪ ،‬بما‬ ‫يجعل من التنخيب نتاج ًا اجتماعي ًا يتحقَّق‬ ‫بالبناء‪.‬‬ ‫التصــورين المفتــوحين على‬ ‫هذيـن‬ ‫إن‬ ‫ُّ‬ ‫التنخيب بالتــوريـث والتنخـيـب بالـكـفـاءة‬ ‫‪ ،par héritage et par mérite‬قـد ال‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل دائـم‪ ،‬فـي تفسـير حاالت‬ ‫يحضـران‬ ‫فثمة خيمياء أخرى‬ ‫ميديا‪،‬‬ ‫السوشيال‬ ‫نجوم‬ ‫ّ‬ ‫تحكـم شـروط إنتاج «زعماء مـن اليكات»‪،‬‬ ‫قـد تكـون فيهـا أحيانـ ًا عناصـر المسـتوى‬ ‫المعرفي واالنتماء العائلي والرصيد البنكي‬ ‫أهميـة‪ .‬فما يهم في البدء والختام‬ ‫غيـر ذات ّ‬ ‫هـو الرأسـمال المتراكـم من «شـير» و«فيو»‬ ‫و«اليـك»‪ .‬وال عجـب فـي ذلـك‪ ...‬إنـه زمـن‬ ‫الميديا‪.‬‬ ‫‪47‬‬


‫ﺗﺼﻤﻴﻢ اﻟﻤﺪن‬

‫عندما ش ــارف بــنــاء مدينة «نــيــودلــهــي» على النهاية‪ُ ،‬ولِــد ‬ ‫«تشارلز كوريا» (‪ .)1930‬وبهذه المفارقة التاريخية‪ ،‬فإن نوعين ‬ ‫م تكريسهما ‬ ‫من أساليب التفكير المتباين والمحتدم‪ ،‬قد تَ ّ‬ ‫واكــتــمــالــهــمــا‪ ،‬بــصــورة واضــحــة‪ ،‬فــي األوس ـ ــاط االجتماعية ‬ ‫واألوساط ال ّثقاف ّية الهندية‪ ،‬حينذاك‪.‬‬

‫تشارلز كوريا‬ ‫«عمارة العالم الثالث»‬ ‫شقق «كانتشينجونجا» بالهند‬

‫غـب تأسيسـها‬ ‫فلقـد أريـد لـ«نيودلهـي»‪ّ ،‬‬ ‫(‪ ،)1911‬أن تحقِّـق المثـل األعلى لعظمة‬ ‫وطِلـب مـن‬ ‫اإلمبراطوريـة البريطانيـة‪ُ ،‬‬ ‫مصممهـا «أدويـن الجنـس‪Edwin -‬‬ ‫ِّ‬ ‫‪ )Lutyens« ،)1869 - 1944‬هـذا‬ ‫المعمـاري المعـروف بتصاميمـه لقصور‬ ‫يحول مدينة‬ ‫ّ‬ ‫وفيات ضواحي لندن‪ ،‬أن ِّ‬ ‫«نيودلهي» إلى «روما‪ :‬أنكلو ‪ -‬هندية»‪،‬‬ ‫فخمــة ومهيبــة‪ ،‬فـي آن معاً!!‬ ‫وبموازاة هذا األسلوب في التناول‪ ،‬كان‬ ‫ثمة نهج آخر يتفاعل بجانبـه‪ ،‬ويتجلّى‬ ‫ّ‬ ‫األول‪،‬‬ ‫(ثقافياً) في نبذ طريقة األسلوب َّ‬ ‫معتمـدًا علـى ضـرورة تبيان الخصائص‬ ‫ّيـة لتجسـيد الـذات الوطنيـة‪،‬‬ ‫المحلّ‬ ‫وديمومتهـا‪ .‬ولئـن اسـتحالت بدايـات‬ ‫األسلوب الثاني في العمارة إلى ممارسة‬ ‫والشكلية‬ ‫النصّية‪،‬‬ ‫نهمة لاستنساخات ِّ‬ ‫ّ‬ ‫لعناصـر عمائـر الفتـرات الماضويــة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫بة في هذا المجال مقتضيات حركـة‬ ‫مواك ً‬ ‫وخصوصيتها‪ ،‬والتي‬ ‫التحرر الوطني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫كان يقودهـا «المهاتمـا غانـدي»‪ ،‬فـإن‬ ‫وجدليته‪ ،‬الحقاً‪ ،‬كان‬ ‫تجذيـر هـذا النهج‬ ‫َّ‬ ‫البد أن يفضيا إلى منسوب تفكيري أكثر‬ ‫َّ‬ ‫‪48‬‬

‫ﺧﺎﻟﺪ اﻟﺴﻠﻄﺎين‬ ‫وواقعي ًة‪ ،‬وهو ما حدث‪ ،‬فعاً‪،‬‬ ‫منطقي ًة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بعد االسـتقال (‪.)1946‬‬ ‫فـي مثـل هـذه األجواء المفعمـة بالنقاش‬ ‫والصراعـات‪ ،‬بـدأ «تشـارلز كوريـا»‪،‬‬ ‫يتلمـس‬ ‫شـأنه شـأن زمائـه اآلخريـن‪َّ ،‬‬ ‫المفضلة‪.‬‬ ‫طريقه نحو مهنته المستقبلية‬ ‫َّ‬ ‫وعندما عاد‪ ،‬في منتصف الخمسينيات‪،‬‬ ‫ليــة‬ ‫األو ّ‬ ‫إلـى الهند‪ ،‬بعد إكماله دراستــه ّ‬ ‫ودارسـته العليـا فـي العمـارة‪ ،‬مـن‬ ‫تقصي‬ ‫الواليـات َّ‬ ‫المتحـدة‪ ،‬كان هاجـس ّ‬ ‫لغـة جديدة للعمارة القومية‪ ،‬والوطنية‬ ‫طافحاً‪،‬في األوساط المعمارية العالمية‪،‬‬ ‫المـرة)‬ ‫وقتـذاك‪ ،‬علـى العكـس (هـذه‬ ‫ّ‬ ‫مـن هيمنـة أسـلوب «الطـراز الدولـي»‪،‬‬ ‫وشـموليته‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ربمـا‪ -‬أدرك «تشـارلز كوريـا»‪ ،‬عبـر‬ ‫و‪َّ -‬‬ ‫دراسته األكاديمية الرصينة وتطبيقاته‬ ‫العمليـة القصيـرة فـي مكتـب «مينـورو‬ ‫يماسـاكي‪،»Minoru Yamasaki -‬‬ ‫فـي أميـركا(‪ ،)1‬بـأن «عمـارة المتعـة‬ ‫البصريـة» التـي كان «يماسـاكي» مولع ًا‬ ‫بـأي حـال‬ ‫بهـا فـي تكويناتـه‪ ،‬ال يمكـن‪ّ -‬‬ ‫من األحوال‪ -‬أن تكون هاجسه الحقيقي‪،‬‬

‫عـزز فـي تأكيـد‬ ‫وممـا َّ‬ ‫وغايتـه األخيـرة‪ّ .‬‬ ‫قناعاتـه التـي يصبـو إليهـا التطبيقـات‬ ‫الجريئة التي كان يجريها «لو كوربوزيه»‬ ‫(‪ )1965 - 1887‬في «جانديغار‪Chan- -‬‬ ‫‪ »digarh‬عـام (‪ ،)1952‬ومحـاوالت‬ ‫زمائـه الهنـود اآلخريـن‪ ،‬أمثـال «حبيب‬ ‫رحمان» و«جاي راتان بهاال» و«دوشي»‬ ‫و«ب‪ .‬ماتهـور»‪ ،‬وغيرهـم‪.‬‬ ‫في األسـطر القادمة‪ ،‬سـنحاول أن نرى‬ ‫ِّ‬ ‫ا‬ ‫«تشـارلز كوريا» معمـارًا طليعي ًا‬ ‫وممث ً‬ ‫حقيقيـ ًا لعمـارة البلـدان الناميـة التـي‬ ‫تدعـى‪ ،‬اآلن‪ ،‬بصـورة شـائعة‪« ،‬عمارة‬ ‫بـكل طموحـات هـذه‬ ‫العالـم الثالـث»‪ّ ،‬‬ ‫العمارة‪ ،‬ونضالها القاسي‪ ،‬و‪ -‬أحياناً‪-‬‬ ‫كل الظروف‪،‬‬ ‫إحباطاتهـا‪ ،‬بيد أنهـا‪ ،‬في ّ‬ ‫تظل تتوق نحو مستقبل أفضل‪ ،‬يحدوها‬ ‫ّ‬ ‫أمـل نبيـل ومشـروع فـي إمكانيـة تهيئـة‬ ‫المضطهد‬ ‫بيئة مائمة وجميلة إلنسـانها‬ ‫َ‬ ‫والمستضعف‪.‬‬ ‫َ‬ ‫تنطـوي عمـارة «تشـارلز كوريـا» علـى‬ ‫محـددة وملموسـة‪ ،‬وهـذه‬ ‫خصائـص‬ ‫َّ‬ ‫الخصائص هي التي َت ِسم عمارته بطابع‬ ‫فريـد‪ ،‬بحيـث يكـون حضـور اإلحسـاس‬


‫تشارلز كوريا‬

‫ا‬ ‫باالنتمـاء المكانـي لهـا مكتنفـ ًا ومتغلغ ً‬ ‫فـي صميـم التكوينـات المعماريـة التـي‬ ‫وحبه لتاريخ‬ ‫يبتكرها‪ .‬فثقافته الواسعة ّ‬ ‫التـام‬ ‫بلـده‪ ،‬وتعاطفـه معـه‪ ،‬وانحيـازه ّ‬ ‫لمشـاكل أولئـك الذيـن يخلقون مسـتقبل‬ ‫وطنـه‪ ،‬وطروحاتـه الواضحـة فـي هـذا‬ ‫أهم‬ ‫المجال‪ ،‬جعلت من تصاميمـه إحدى ّ‬ ‫الظواهـر اإليجابيـة فـي الثّقافـة الهنديـة‬ ‫المعاصرة‪.‬‬ ‫إن أسـلوب المعالجـات المعماريـة‬ ‫التـي أبدعهـا تمتلـك وشـائج كثيـرة‬ ‫مـع البيئـة التـي يتعامـل معهـا‪ ،‬وهـو‬ ‫يعتمـد‪ ،‬فـي ابتـكار هـذا األسـلوب‪ ،‬على‬ ‫معنـى موضوعيـة تراكـم الخبرة الهائلة‬ ‫المرشـحة عبـر قـرون عديـدة مـن تاريخ‬ ‫َّ‬ ‫الهنـد العريـق‪ ،‬وتفسـيراته الذاتيـة‬ ‫والمعاصـرة لهـا‪ .‬ولهـذا فإنـه بعيـد جـّدًا‬ ‫عـن فكـرة محـاكاة األشـكال التاريخيـة‬ ‫وتقليدهـا‪ ،‬وهـو‪ ،‬بهـذا الصـدد‪ ،‬يشـير‬ ‫إلـى «أننـا نعيـش فـي بلـدان ذات إرث‬ ‫ثقافـي كبيـر‪ ،‬بلـدان تلبـس ماضيهـا‪،‬‬ ‫بالسـهولة نفسـها التـي تكسـو المـرأة‬ ‫جسـمها (بالسـاري)‪ ،‬بيـد أنـه‪ ،‬فـي فهـم‬

‫هــذا الماضـي‪ ،‬واسـتعماله‪ ،‬دعونـا ال‬ ‫الحالية ألناس‬ ‫ننسـى ظـروف المعيشـة‬ ‫ّ‬ ‫عديديـن‪ ،‬فـي آسـيا‪ ،‬فـي معركتهـم‬ ‫المضنية والقاسية نحو مستقبل أفضل‪.‬‬ ‫المنحطـة‪ ،‬وحدها‪ ،‬يمكن أن‬ ‫إن العمـارة‬ ‫ّ‬ ‫تفحصت‬ ‫الوراء‬ ‫تنظر إلى‬ ‫لتصرح‪( :‬إني َّ‬ ‫ِّ‬ ‫الماضـي‪ ،‬ووجـدت أن أشـكاله ال زالـت‬ ‫تعمـل)‪« .‬إن العمـارة المفعمـة بالنشـاط‬ ‫يمكن لها أن تكون أداة تغيير؛ ذلك ألنه‬ ‫باختـراع الغـد‪ ،‬وكشـفه‪ ،‬تكمن وظيفتها‬ ‫األسمى»(‪.)2‬‬ ‫إن عمارة «تشارلز كوريا»‪ ،‬في اعتقادنا‪،‬‬ ‫وتحلَّـل فـي ضـوء‬ ‫تـدرك‪َ ،‬‬ ‫ينبغـي أن َ‬ ‫الخلفيـة الزمكانيـة التـي يعمـل بها‪ .‬وان‬ ‫محاولـة إسـقاط هـذا الجانـب األساسـي‬ ‫يـؤدي‪ -‬ال محالـة‪-‬‬ ‫مـن التحليـل سـوف ّ‬ ‫إلى نوع من االلتباس والغموض؛ األمر‬ ‫حجـة لتضليـل‬ ‫الـذي بإمكانـه أن يخلـق ّ‬ ‫الحـوادث المعماريـة‪ ،‬وإبهامها‪.‬‬ ‫تلمسـها فـي‬ ‫ثمـة ميـزة جوهريـة‪ ،‬يمكـن ُّ‬ ‫ّ‬ ‫أعمـال «تشـارلز كوريـا» العديـدة؛ هـذه‬ ‫الميـزة تكمـن فـي مقدرتـه الفائقـة علـى‬ ‫اسـتنباط مقيـاس إنسـاني لمبانيـه‪.‬‬

‫وهـو‪ ،‬بهـذا الصـدد‪ ،‬يقـف علـى العكـس‬ ‫من غايات عمارة الثقافات المختلفة التي‬ ‫ُش ِّـيدت‪ ،‬باعتبـاط ظاهـر‪ ،‬علـى األرض‬ ‫تتوخـى‬ ‫الهنديـة؛ تلـك الغايـات التـي‬ ‫ّ‬ ‫المشـاهد واسـتابه‪ ،‬وهيمنتهـا‬ ‫سـحق ُ‬ ‫الكاملـة عليـه‪ ،‬أو تكريـس اإلحسـاس‬ ‫وجـراء ذلـك‪ ،‬فإن «تشـارلز‬ ‫والتغريـب؛ ّ‬ ‫بأهمّية عنصر المقياس‬ ‫كوريا» يشـعرنا ّ‬ ‫المنتخـب لمبانيه‪ ،‬عبر َوَلعه بالتوظيف‬ ‫الحـاذق للتكوينـات األفقيـة الممتـّدة‪،‬‬ ‫وشغفه بأسلوب التداخل الفضائي فيها‪.‬‬ ‫ويبـدو لنـا أن تركيـز االهتمـام علـى هـذا‬ ‫مـرده رغبـة المعمار فـي تأكيد‬ ‫الجانـب‪ُّ ،‬‬ ‫العميقْيـن‬ ‫والتكريـم‬ ‫االحتـرام‬ ‫شـعور‬ ‫َ‬ ‫اللذين يكنّهما لمعاصريه؛ سليلي شّتى‬ ‫والتعسـف‪.‬‬ ‫أنـواع القهـر والظلـم‬ ‫ُّ‬ ‫الخـاص‬ ‫إن مبنـى «المتحـف التـذكاري»‬ ‫ّ‬ ‫بـ«المهاتمـا غانـدي»‪ ،‬فـي أحمـد آبـاد‪،‬‬ ‫ومتحـف الفنون الشـعبية» في نيودلهي‬ ‫و«كيدادي دي غوا»‪ ،‬وحتــى في األبنية‬ ‫المتعددة الطوابق‪ ،‬مثل مركز «‪،»L.I.C‬‬ ‫ِّ‬ ‫كلّهـا‪ ،‬وغيرهـا مـن التكوينـات‪ ،‬تعكـس‬ ‫َت ْـوق المعمـار إلـى تكريـس اإلحسـاس‬ ‫‪49‬‬


‫وانتمائيتها‬ ‫بألفة العمارة التي يبتكرها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫للمتلقّـي‪ ،‬وحرصـه علـى ذلك‪.‬‬ ‫يولـي «تشـارلز كوريـا» قـدرًا كبيـرًا‬ ‫األهمّيـة لرسـم مسـارات الحركـة‪،‬‬ ‫مـن‬ ‫ّ‬ ‫ويجعلهـا عنصـرًا أساسـي ًا فـي صياغـة‬ ‫فضاء التكوينات المعمارية التي يبدعها‪.‬‬ ‫وهذا االهتمام بـ«الحركة» ال يقتصر على‬ ‫مفهوميتـه المحصــورة داخـل المبنـى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بـل يتعـّداه ليضحـي باعثـ ًا جوهريـ ًا فـي‬ ‫ترتيــب النسـيج الكتلـوي لمجمعاتـه‪،‬‬ ‫وتنظيمـه‪.‬‬ ‫ومـن خـال العنايـة بهـذا الجانب‪ ،‬يعود‬ ‫«كوريـا» بنـا إلـى جـذور تقاليد شائعـــة‬ ‫ومعروفـة فـي العمـارة الهنديـة؛ فهـو‬ ‫يـرى أن فـي معبـد «هنـدو‪»Hindu -‬‬ ‫الصرحـي الواقـع فـي جنـوب الهنـد‪ ،‬لـم‬ ‫المصمـم وغايته فيـه يقتصران‬ ‫يكـن َه ّـم‬ ‫ِّ‬ ‫على تمرين في ممارسة تجميع أبنيــة‪،‬‬ ‫ومـزارات‪ ،‬وأضرحـة‪ ..‬بـل التأكيـد على‬ ‫ورئيسي هو خلـق حالة‬ ‫مهم‬ ‫جانب آخر ّ‬ ‫ّ‬ ‫«االغتســـال المسـاري ‪Pedestrian -‬‬ ‫يسـميه «كوريـا»‪ ،‬بيـن‬ ‫‪ ،»path‬كمـا‬ ‫ّ‬ ‫المقدسـة الواقعـة بينهما»(‪.)3‬‬ ‫الفضـاءات‬ ‫َّ‬ ‫كبيرْين‬ ‫ا‬ ‫وولع‬ ‫ا‬ ‫اهتمام‬ ‫ناحظ‬ ‫ونحن‪ -‬إذ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫في توظيف هذا التقليد المعماري من قَبل‬ ‫المصمم‪ -‬ال يسعنا ّإال أن نشير إلى ميزة‬ ‫القـراءة الحديثـة‪ ،‬وإلـى نكهـة التفسـير‬ ‫المعاصـر اللتيـن ُجِبلـت عليهمـا تصاميم‬ ‫«تشارلز كوريا»‪.‬‬ ‫ويسـعى المعمـار لبلـوغ مقصـده فـي‬ ‫جـراء شـغفه الكبيـر‬ ‫هـذا الخصـوص‪ّ ،‬‬ ‫باسـتعمال المناسـيب المختلفة‪ ،‬وولعه‬ ‫المدرجـات‬ ‫الظاهـر فـي اسـتخدامه‬ ‫َّ‬ ‫والمنصـات ذات األشـكال العديـدة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المتعمـدة‬ ‫باإلضافـة إلـى التحديـدات‬ ‫َّ‬ ‫يؤشـرها‪ ،‬فـي‬ ‫لتوجيـه المسـارات التـي ّ‬ ‫الفضـاء التكوينـي لتصاميمـه‪.‬‬ ‫ويظـل هاجـس االسـتجابة لاعتبـارات‬ ‫ّ‬ ‫المناخيـة‪ ،‬عنـد «تشـارلز كوريـا»‪ ،‬مـن‬ ‫األمور التي تسهم‪ -‬أساساً‪ -‬في صياغة‬ ‫مفردات العمل المعماري الذي يمارسـه‪.‬‬ ‫وهـو‪ ،‬فـي هـذا الشـأن‪ ،‬يذهـب بعيـدًا‬ ‫ألهمّيـة الظـروف‬ ‫فـي مصارحـة مغاليـة ّ‬ ‫المناخيـة فـي عمارته‪ ،‬معترفاً‪ ،‬بصورة‬ ‫مقنعة‪ ،‬بأن «الشكل يتبع المناخ»(‪ ،)4‬ال‬ ‫أن «الشـكل يتبـع الوظيفـة»‪ ،‬كما نادى‪-‬‬

‫‪50‬‬

‫نيـف‬ ‫سـابقاً‪« -‬لويـس سـوليفان»‪ ،‬قبـل ّ‬ ‫وقـرن من السـنين!!‪.‬‬ ‫تقصي حلول معمارية‬ ‫قضيـة ّ‬ ‫ويبـدو أن ّ‬ ‫بمنطقيـة‪ ،‬مـع‬ ‫تتجـاوب‪،‬‬ ‫بإمكانهـا أن‬ ‫ِّ‬ ‫البيئة المناخية‪ ،‬في بلـد كالهند‪ ،‬هي أمر‬ ‫ا على أنها أمر مثير‪.‬‬ ‫واجـب‬ ‫وملـح‪ ،‬فض ً‬ ‫ّ‬ ‫وهو يقول‪ …« :‬في بلدان العالم الثالث‪،‬‬ ‫مثـل الهنـد‪ ،‬ليـس بمقدورنـا‪ -‬ببسـاطة‪-‬‬ ‫أي نوع من‬ ‫أن‬ ‫نتحمـل إسـراف أو تبذيـر ّ‬ ‫َّ‬ ‫ا علـى احتياجات التكييف‬ ‫الطاقـة‪ ،‬فض ً‬ ‫التـي يتطلَّبها منشـأ زجاجـي في منطقة‬ ‫إسـتوائية؛ ذلـك ألن المبنـى‪ ،‬فـي مثـل‬ ‫ذاتيـاً‪،‬‬ ‫هـذه الظـروف‪ ،‬ينبغـي عليـه‪ّ -‬‬ ‫ومن خال شكله‪ -‬أن يخلق «منظومات»‬ ‫تكـون كفيلـة بتغطيـة احتياجـات‬ ‫وتحتم االسـتجابة‪ ،‬في مثل‬ ‫المسـتعمل‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫هذه األحوال‪ ،‬اسـتثمار أكثر من دراسـة‬ ‫لزوايا الشمس أو الستعمال الكاسرات؛‬ ‫إنها تشـمل‪ ،‬بالضرورة‪ ،‬دراسـة متأنِّية‬ ‫والمخطط‪ ،‬والهيئة‪ .‬باختصار‪:‬‬ ‫للمقطع‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لـب المبنـى وطبيعتـه»(‪،)5‬‬ ‫تمـس‬ ‫إنهـا‬ ‫ّ ّ‬ ‫فـي تصّديـه لمعضلـة اسـتنباط قـرارات‬ ‫تصميميـة تتعايـش‪ ،‬بحصافـة‪ ،‬مـع‬ ‫ضـرورات البيئـة المناخيـة‪ ،‬يعـود‬ ‫مـر ًة أخـرى‪ ،‬إلـى‬ ‫«تشـارلز كوريـا»‪ّ ،‬‬ ‫ّيـة‪ ،‬وإلـى الفطنـة‬ ‫ينابيـع الخبـرة المحلّ‬ ‫البنائية الشعبية في هذا المجال‪ ،‬مضيف ًا‬ ‫الشـخصية‬ ‫إليهـا حـذق االسـتقراءات‬ ‫ّ‬ ‫المسـتندة إلـى مقدرته المهنيـة الكبيرة‪،‬‬ ‫وثقافتـه الواسـعة‪ ،‬وهـو‪ -‬إذ يـدرس‬ ‫تكوينات العمارة الشعبية‪ -‬تحدوه رغبة‬ ‫عارمـة فـي تحليـل العناصر التي تسـهم‬ ‫بتجسـيد الظـروف السـلبية الناجمـة عن‬ ‫الحـار الرطب الذي‬ ‫خصوصيـات المنـاخ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتسـم بـه منـاخ الهنـد‪ ،‬عمومـاً‪ ،‬أو مناخ‬ ‫َّ‬ ‫يصمم لها كثيراً‪ ،‬على‬ ‫التي‬ ‫المناطق‬ ‫تلك‬ ‫ِّ‬ ‫وجـه الخصوص‪.‬‬ ‫فعنصـر الــ (‪ ،)Chatri‬وهـو تسـقيفة‬ ‫أفقيـة تحمـي المنشـأ الواقـع أسـفلها‪،‬‬ ‫بالمخطـط‪،‬‬ ‫والشـرفات المحيطـة‬ ‫َّ‬ ‫المتنوعـة الموقـع‬ ‫والفتحـات الكثيـرة‬ ‫ّ‬ ‫التيـارات الهوائيـة‪،‬‬ ‫التـي‬ ‫ِّ‬ ‫تسـهل مـرور ّ‬ ‫تظـل‬ ‫وغيرهـا مـن العناصـر األخـرى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مفضلـة‪ ،‬يتعامـل‬ ‫عنـده بمثابـة مفـردات َّ‬ ‫بهـا فـي صياغـة التكوينـات المعماريـة‪.‬‬ ‫ونظـرة سـريعة إلـى مبنـى األبحـاث‬

‫«‪ ،»FCIL‬ومتحـف غانـدي‪ ،‬وعمـارة‬ ‫«كانجـا نجونغـا» السـكنية‪ ،‬وغيرهـا‬ ‫مـن األبنيـة‪ ،‬تمنحنـا إقـرارًا ملموسـ ًا‬ ‫آليـة تراكـم‬ ‫بشـغف المعمـار بتوظيـف ّ‬ ‫الخبرة المكتسبة‪ ،‬واإلحساس بتأوياته‬ ‫الحديثـة لهـا‪.‬‬ ‫يســــتقي «تشــــارلز كوريـا» مصـادر‬ ‫عمارتـه ‪ -‬كمـا حاولنـا اإلشـارة إلـى‬ ‫خصوصية المكان‪،‬‬ ‫بعضها‪ ،‬سابق ًا ‪ -‬من‬ ‫ّ‬ ‫يترتب عن ذلك من معرفة حقيقية‬ ‫ّ‬ ‫بكل ما َّ‬ ‫للعمق الزمني‪ ،‬والمقدرة على التفسير‪،‬‬ ‫ومـن التـوق إلـى إيجـاد بيئـة معماريـة‬ ‫ا‬ ‫مائمـة وحديثة‪،‬جميلـة ومؤثِّرة‪ ،‬فض ً‬ ‫على أن هذه المصادرتشمل‪ -‬أيضاً‪ -‬فهم‬ ‫المحلييـن‪ ،‬وإدراكهـا‪،‬‬ ‫تجـارب زمائـه‬ ‫ّ‬ ‫باإلضافـة إلـى اسـتيعاب تطبيقـات‬ ‫العالمييـن المعروفيـن‪،‬‬ ‫المعمارييـن‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫وخصوصـ ًا «لـي كوربوزيه»‪ ،‬و«لويس‬ ‫إبـان أوج‬ ‫كان» اللذيـن عمـا فـي الهنـد ّ‬ ‫نشـاطهما المهنـي‪ ،‬والـذي تزامن مع بدء‬ ‫المهنيـة «لتشـارلز كوريـا»‪.‬‬ ‫الممارسـات‬ ‫ّ‬ ‫ولعـل دراسـة بعـض نمـاذج تصاميمـه‬ ‫(المنفَّـذة أو غيـر المنفَّـذة منهـا) تعطينـا‬ ‫تحسـس «سـبيكة» المصـادر‬ ‫إمكانيـة‬ ‫ُّ‬ ‫المتينـة التـي يعتمدهـا هـذا المعمـار‬ ‫ويطوعها‪ .‬ويمكن أن نشير‪ ،‬في‬ ‫المجدد‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫هـذا الصـدد‪ ،‬إلـى مـزار «غاندي سـمارك‬ ‫سانغراهاليا‪Gandi Smarak San- -‬‬ ‫‪ ، )grahalaya« )1953 - 1963‬فـي‬ ‫سـابارماتي اشـرام‪ ،‬فـي أحمـد آبـاد‪،‬‬ ‫خـاص بـ«المهاتما‬ ‫وهـو متحـف تـذكاري‬ ‫ّ‬ ‫غاندي»‪ُ ،‬ش ِّيد تخليدًا لسكنه في اشرام‪،‬‬ ‫مـن ‪ 1917‬حتــى ‪ ،1930‬وبـدء مسـيرته‬ ‫البطولية نحو «داندي‪ ،»Dandi -‬كما أن‬ ‫معني بالمسـاهمة بنشـر تعاليم‬ ‫المتحف‬ ‫ّ‬ ‫«المهاتمـا»‪ ،‬وذيوعهـا‪ ،‬وقـد َت ّـم افتتاحه‬ ‫من ِقَبل «جواهر الل نهرو»‪ ،‬سنة ‪.1963‬‬ ‫يعتمـد «تشـارلز كوريـا»‪ ،‬فـي تكوينـات‬ ‫«سـانغرا هاليـا» (وتعنـي «بيـت‬ ‫الناسـك»)‪ ،‬على وحدة قياسية «‪Mod-‬‬ ‫خلية ‪ -‬جناح‪ ،‬بأبعاد‬ ‫‪ »ule‬هـي بمثابـة ّ‬ ‫‪ 6‬م × ‪ 6‬م‪ ،‬ويصل عددها‪ ،‬في التكوين‪،‬‬ ‫خليـة(‪.)6‬‬ ‫إلـى ‪ّ 51‬‬ ‫حـاول المعمـار أن يسـتخدم‪ ،‬فـي بنـاء‬ ‫المـواد اإلنشـائية‬ ‫الخليـة الواحـدة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المألوفة والشائعة في العمارة الشعبية‬


‫مجمع «تارا» السكني بالهند‬

‫اآلجرّيـة‪ ،‬والسـقوف‬ ‫ذاتهـا‪ :‬الجـدران‬ ‫ّ‬ ‫الهرميـة المصنوعـة مـن القرميـد‪،‬‬ ‫واألرضيـة الحجرية‪ ،‬واألبواب الخشبية‪.‬‬ ‫العنصر الوحيد والجديد الذي أضافه هي‬ ‫الجسـور الخرسـانية الرابطـة بيـن هـذه‬ ‫الخايـا‪ ،‬والتـي تعمـل بمثابـة مزاريـب‬ ‫تعمـد المعمـار‬ ‫لألمطـار‪ ،‬أيضـاً‪ ،‬ولقــد َّ‬ ‫االقتصـار علـى هـذه المـواد المألوفـة‬ ‫والمتواضعـة فـي تنفيـذ مبنـاه‪ُ ،‬مجاري ًا‬ ‫فـي ذلـك‪ ،‬طروحات «غاندي» الفلسـفية‬ ‫ومتقرب ًا منها؛ لهذا فإن أشكال‬ ‫البسيطة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫المتسـمة بعدم الحذق‬ ‫الخايا ‪ -‬األجنحة ِّ‬ ‫دين)‪ ،‬تبدو‪ ،‬هنا أكثر‬ ‫والمهـارة‬ ‫َّ‬ ‫(المتقص ْ‬ ‫ماءمـة ومناسـبة‪.‬‬ ‫وعبـر اقتـران هـذه الخايـا وتمازجهـا‪،‬‬ ‫تخلق فضاءات صغيرة وأخرى كبيرة‪،‬‬ ‫مفتوحـة ومغلقـة (تسـتخدم كصـاالت‬ ‫للعـرض‪ ،‬وقاعـات‪ ،‬وأرشـيف‪ ،‬وإدارة‬ ‫إلـخ…)‪.‬‬

‫ويمكـن أن تؤلِّـف إحـدى هـذه الخايـا‬ ‫تزيينيـاً‪ ،‬وأخـرى تنمـو‪ ،‬مـن‬ ‫حوضـ ًا‬ ‫ّ‬ ‫الرملـي‪ ،‬األشـجار الغريبـة‪،‬‬ ‫سـطحها‬ ‫ّ‬ ‫الحجرية‪،‬‬ ‫وثالثة مقتصرة على الصخور‬ ‫ّ‬ ‫بسجادة من الحشيش‬ ‫ورابعة مفروشـة ّ‬ ‫األخضـر‪ .‬ومـن خـال هـذه المزاوجـة‬ ‫تمكـن المعمـار‪ ،‬باقتـدار‪،‬‬ ‫فـي الترتيـب‪َّ ،‬‬ ‫وثـراً‪ ،‬بواسـطة‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫غني‬ ‫ً‬ ‫أن يخلـق تكوينـ ًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّيـة الكتلويـة‬ ‫ل‬ ‫الخ‬ ‫لهـذه‬ ‫أسـلوب التكـرار‬ ‫ّ‬ ‫ الفضائيـة‪.‬‬‫مخطـط «سـانغرا هاليـا» مشـتبك‪،‬‬ ‫إن‬ ‫َّ‬ ‫ومنسـوج مـن خايـا «مودولية» تكسـب‬ ‫حـد‬ ‫مميـزة شـبيهة‪ -‬إلـى ٍّ‬ ‫المبنـى حالـة َّ‬ ‫الحيـة مـن حيـث‬ ‫كبيـر‪ -‬بحالـة التركيبـة ّ‬ ‫النمو واالنتشار؛ األمر الذي يمنح المبنى‬ ‫ّ‬ ‫صفة االمتداد الزماني‪ .‬وتبع ًا لذلك‪ ،‬فإن‬ ‫(‪)7‬‬ ‫كل جيل ‪ -‬وفق رؤية المعمار‪-‬‬ ‫بمقدور ّ‬ ‫أن يضيف جناح ًا أو أجنحة لمسـتجّداته‬ ‫معبـراً‪ -‬فـي الوقـت ذاتـه‪ -‬عـن تكريمـه‬

‫الخاصْيـن لـ«المهاتما غاندي»‪.‬‬ ‫وتقديـره‬ ‫َّ‬ ‫فـي تصميـم «سـانغرا هاليـا»‪ ،‬يدنـو‬ ‫«تشـارلز كوريـا» مـن أوج الماءمـة بين‬ ‫وأهلية الغرض‪،‬‬ ‫الموضوعة الوظيفية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مـع براعـة حلـول التعبيـر المعمـاري‪.‬‬ ‫وفـي اعتقادنـا‪ ،‬إن المعمـار أدرك هـذا‬ ‫جـراء‬ ‫المنسـوب العالـي مـن الطـرح؛ ّ‬ ‫التحليـل العميـق للمـوروث العمرانـي‬ ‫التقليـدي‪ ،‬ومزاوجتـه مـع متطلَّبـات‬ ‫الحداثـة المعتمـدة على الثّقافة الواسـعة‬ ‫المصمم‪ ،‬ومعرفته الدقيقة‬ ‫التـي يمتلكها‬ ‫ّ‬ ‫المعمارييـن‬ ‫والتفصيليـة لنتاجـات‬ ‫ِّ‬ ‫المحدثين‪ ،‬ومواكبته لها فوحدة التكوين‬ ‫َ‬ ‫تظـل‬ ‫المسـتعملة فـي «سـانغرا هاليـا»‪ّ ،‬‬ ‫بسـيطة إلـى أقصـى َحـّد‪ .‬بيـد أن الفكـر‬ ‫النابـع مـن أسـلوب تجميعهـا هـو الـذي‬ ‫العام بهذا القدر الكبير من‬ ‫يسـم التكوين ّ‬ ‫المهارة واالفتتان‪ .‬ولقد أشرنا‪ ،‬في بحث‬ ‫سابــق(‪ ،)8‬إلى أن إدراك مثل هذا الفكــر‬

‫‪51‬‬


‫مؤسسة «شامباليمود» الطبية بالبرتغال‬

‫سميناه «التكوين‬ ‫التصميمي هو وليد ما َّ‬ ‫للتوسع‬ ‫المبنى‬ ‫المرن»؛ بمعنى «قابلية‬ ‫ُّ‬ ‫المكاني‪ ،‬زمانياً‪ ،‬دون خوف من إفسـاد‬ ‫طبيعـة التكويـن المعمـاري للمبنـى» ‪،)9‬‬ ‫ربما‪ -‬اعتمد «تشارلز كوريا»‪ -‬أيضاً‪،‬‬ ‫و‪ّ -‬‬ ‫فـي تصميـم «سـانغرا هاليـا»‪ -‬علـى فهم‬ ‫طروحـات «لويـس كان»‪ ،‬واسـتيعابها‪،‬‬ ‫وخصوص ًا معالجات األخير في تصميم‬ ‫«حّمـام ترنتـون‪Trenton Bath)10(-‬‬ ‫َ‬ ‫‪ »House‬عـام (‪.)1955‬‬ ‫ومهمـا يكـن مـن أمـر‪ ،‬فـإن تصميـم‬ ‫متحـف «غانـدي» ُي َعـّد تجسـيدًا حقيقيـ ًا‬ ‫الذكيـة بيـن الموضوعـة‬ ‫لتلـك المواءمـة ّ‬ ‫المعماريـة والطـرح التصميمـي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وينبغـي لنـا‪ ،‬أخيـراً‪ ،‬أن نشـير إلـى‬ ‫تلـك البسـاطة اآلسـرة الممزوجـة‬ ‫بهاجـس االختـزال العميـق ألدوات اللّغة‬ ‫المعماريـة‪ ،‬المنطويـة عليهـا قــرارات‬ ‫‪52‬‬

‫«سانغرا هاليا» التصميمية‪ .‬كما أن ولع‬ ‫بخاصّيـة التكوين هـذه‪،‬‬ ‫المعمار الظاهر‬ ‫ّ‬ ‫المؤشـرات المعماريـة‬ ‫جعلتـه يصطفـي‬ ‫ِّ‬ ‫ذاتهـا‪ ،‬ويسـتثمرها فـي معالجـات مبنى‬ ‫آخـر‪ ،‬هـو مبنـى‬ ‫«المجمـع اإلداري‪-‬‬ ‫َّ‬ ‫ ‪ECIL Office Complex« )1965‬‬‫معبراً‪ ،‬في هذا‬ ‫‪ ،)1968‬فـي حيـدر آباد‪ِّ ،‬‬ ‫االصطفـاء‪ ،‬عـن عميـق افتتانه وقناعته‬ ‫توصـل‬ ‫بصـواب حصيلـة النتائـج التـي َّ‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫خاصـ ًا‬ ‫يولـي «تشـارلز كوريـا» اهتمامـ ًا ّ‬ ‫بالعمـارة اإلسـكانية؛ فهـو‬ ‫معنـي كثيـرًا‬ ‫ٌّ‬ ‫بإيجـاد نـوع مـن السـكن الجماهيري في‬ ‫ضـوء «ضوابـط التقييـس‪Stand- -‬‬ ‫تقصـي‬ ‫‪ ،»ardization‬وصـو ًال إلـى ّ‬ ‫وعقاني ًـة‪ ،‬فـي‬ ‫اقتصادي ًـة‬ ‫حلـول أكثـر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هـذا المجـال‪.‬‬ ‫ففـي معالجاته لمبنى «‪TUBE Hous-‬‬

‫‪ )ing« )1961 - 1962‬فـي أحمـد آبـاد‪،‬‬ ‫والـذي ُنفِّـذ إثـر فوزه بمسـابقة معمارية‬ ‫ُن ّظمـت سـنة ‪ ،1960‬يقتـرح «تشـارلز‬ ‫كوريـا» اسـتثمارًا أفضـــل للفضـاءات‪،‬‬ ‫مـن خـال التبايـن االسـتعمالي‪ ،‬تبعـ ًا‬ ‫لسـاعات اليـوم‪ .‬فاالسـتعمال الوظيفـي‬ ‫للمـكان‪ ،‬نهـاراً‪ ،‬يختلـف عنه فـي الليل‪،‬‬ ‫وإذ يخلـق فـي «‪»TUBE Housing‬‬ ‫معبرًا يقترب من النحتية المؤثّرة‪،‬‬ ‫شك ً‬ ‫ا ِّ‬ ‫الشكلي‬ ‫االختبار‬ ‫هذا‬ ‫حيثيات‬ ‫رجع‬ ‫ي‬ ‫فإنه ُ‬ ‫ّ‬ ‫إلى ضرورات التهوية‪ ،‬وإمكانية تسهيل‬ ‫حركتها‪.‬‬ ‫ويبدو أن الفكرة التصميمية التي انطوى‬ ‫عليهـا تصميـم «‪»TUBE Housing‬‬ ‫كانـت‪ ،‬مـن العمـق والرسـوخ‪ ،‬بحيث لم‬ ‫بأي ضير في اسـتعمالها‬ ‫يشـعر المعمار ّ‬ ‫ بعـد تغييـر طفيـف ‪ -‬كأسـاس لتصميم‬‫«بيـت رامكريشـنا‪Ramkrishna -‬‬


‫‪ »House‬عـام (‪ )1964‬العائـد إلـى أحـد‬ ‫أثريـاء أحمـد آبـاد‪ .‬وتدعونـا خطابيـة‬ ‫المعمار‪ ،‬عبر هذه المفارقة‪ ،‬إلى االهتمام‬ ‫بحقيقـة بسـيطة وواضحـة‪ ،‬هـي أن‬ ‫التصميمية لدى المعمار الطليعي‬ ‫العملية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هـي عمليـة شـائكة ومضنيـة تسـتوجب‬ ‫تقصـي حلـول عقانيـة ومبتكـرة‪ ،‬بيـد‬ ‫ّ‬ ‫تتسـم‪ ،‬دائمـاً‪ ،‬بالعمـق والجّدّيـة‪،‬‬ ‫أنهـا َّ‬ ‫كل ذلك بمثابة درس‬ ‫وباإلمـكان اعتبـار ّ‬ ‫ذهنيـة المعمـار‬ ‫قـراءة‬ ‫إضافـي لنـا‪ ،‬فـي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتقدة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫فـي مبنـى «كانجـا نجونغـا‪Kan- -‬‬ ‫‪chanuhnga‬‬ ‫«‪Apartments‬‬ ‫‪ -))1983‬مومبـاي (بومبـي) السـكني‬ ‫المتعدد الطوابق‪ ،‬يعود «تشارلز كوريا»‬ ‫ِّ‬ ‫إلـى دراسـاته السـابقة لمشـروعه عـن‬ ‫المتعـدد الطوابـق (الـذي‬ ‫البيـت السـكني‬ ‫ِّ‬ ‫لـم ُيَنفَّـذ) فـي مومبـاي‪ ،‬سـنة ‪،1958‬‬ ‫الخاصـة بمبنـى‬ ‫وكذلـك إلـى تصاميمـه‬ ‫ّ‬ ‫«‪ ،»Rallis‬سنة ‪( 1973‬والذي لم ُيَنفَّذ‪،‬‬ ‫أيضـاً)‪ .‬فـي جميع هذه المشـاريع‪ ،‬ظلَّت‬ ‫تقصي شـكل مائم لشـقّة سكنية‪،‬‬ ‫مهمة ّ‬ ‫ّ‬ ‫بمناسـيب مختلفـة‪ ،‬تتمحـور فـي جميـع‬ ‫التكوينـات المقترحـة‪.‬‬ ‫والحـق أن اللجـوء إلـى مثل هذا التكوين‬ ‫ّ‬ ‫الفضائي في العمارة اإلسكانية‪ ،‬لم يكن‬ ‫أمـرًا جديـدًا ومبتكـراً‪ ،‬فقبلـه اسـتعمل‬ ‫«لـي كوربوزيـه» األسـلوب ذاتـه (أعني‬ ‫بـه أسـلوب المناسـيب المتباينـة للشـقّة‬ ‫الواحــدة) فـي مبنـاه الشـهير «الوحــدة‬ ‫السكنية» في «مرسيليا» جنـوب فرنســا‬ ‫مـرة‪ -‬اختـار‬ ‫(‪ ،)1949‬وقبلهمـا‪َّ -‬‬ ‫وألول ّ‬ ‫المعمار السوفياتي «غانزبورغ‪Gans- -‬‬ ‫تكويني ًا لمبنى‬ ‫الحـل أساس ًا‬ ‫‪ »bourg‬هذا ّ‬ ‫ّ‬ ‫متعـدد الطوابـق فـي «موسـكو»‬ ‫سـكني‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫(‪ ،)1935‬بيـد أن المخطـَّـط الفضائـي‬ ‫لـ«كانجـا نجونغـا» يمتـاز بتوزيـع‬ ‫حـاذق للفراغـات‪ ،‬طبقـ ًا لدراسـة متأنّية‬ ‫مرشحة‪ ،‬عبر قرون‪ ،‬الممارسات‬ ‫لتقاليد ّ‬ ‫البنائيـة الهنديـة فـي هـذا المجـال‪،‬‬ ‫المصمـم تناسـب ًا‬ ‫باإلضافـة إلـى اختيـار‬ ‫ِّ‬ ‫ا لشـكل المبنى‪ ،‬وتوظيف أسـلوب‬ ‫جمي ً‬ ‫معيـن لتنظيـم الفتحـات فيـه‪ ،‬ومنحـه‬ ‫َّ‬ ‫كل هـذا وغيره من‬ ‫مميـزاً‪ّ ..‬‬ ‫مناخـ ًا لونيـ ًا َّ‬ ‫األمـور أكسـبت مبنـى «كانجـا نجونغـا»‬ ‫وأسسـت‪ -‬فـي‬ ‫سـمة االنتمـاء المكانـي‪َّ ،‬‬

‫حيوية‬ ‫الوقت عينه‪ -‬رؤية جديدة إلدراك‬ ‫ّ‬ ‫المصمـم‪.‬‬ ‫العمـارة التـي يخلقهـا هـذا‬ ‫ِّ‬ ‫فـي بعـض المبانـي‬ ‫المصممـة بتفـاوت‬ ‫َّ‬ ‫يظل «تشارلز كوريا» أمين ًا‬ ‫زمني كبير‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫مضيف‬ ‫المعمارية‪،‬‬ ‫لطروحاته‬ ‫ومعدالً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وحاذقـ ًا‬ ‫ألساسـيات عناصـر التكويـن‬ ‫ّ‬ ‫المعمـاري التـي يتعامـل بهـا‪ ،‬ففـي‬ ‫تصاميمـه‪ ،‬مثـل «كاسـتوربا سـمادهي‬ ‫ ‪Dasturba Samakhi« )1962‬‬‫‪ )1965‬فـي «بونـا‪ ،»Pona -‬و«بهـارات‬ ‫بهافـان‪)Bharat Bhavan« )1981 -‬‬ ‫و«كاال اكاديمـي‪Kala Akademi« -‬‬ ‫‪ .))1983‬فـي «غـوا ‪ ،»Goa -‬وغير ذلك‬ ‫خاصـة‬ ‫أهمّيـة ّ‬ ‫مـن التصاميـم‪ ،‬تكتسـب ّ‬ ‫لديـه‬ ‫نوعيـة توجيـه مسـارات الحركـة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫المحببـة‬ ‫الخـاق لألفقيـة‬ ‫والتوظيـف‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫واألليفـة‪ .‬ففـي «كاسـتوربا سـمادهي»‬ ‫خاص بزوجة غاندي تذكارًا‬ ‫(وهو متحف ّ‬ ‫الجبريــة فـي «بونـا»‪ ،‬الـذي َت َّم‬ ‫إلقامتهـا‬ ‫ّ‬ ‫تشييده في موقع مراسيم حرق جثمانها‬ ‫نفسـه‪ ،‬عندمـا توفِّيـت سـنة ‪،)1944‬‬ ‫يمسـي هذان العنصران بمنزلة «ضربة»‬ ‫للتكويـن المعمـاري وجوهـره‪ ،‬مضيفــ ًا‬ ‫قـوة تعبيرية‬ ‫إليهمــا‪ ،‬فـي هـذا المبنـى‪ّ ،‬‬ ‫كبيـرة نابعة مـن اختزالية هائلة‪ ،‬تصل‬ ‫الفنّي‪،‬‬ ‫َحّد‬ ‫ُّ‬ ‫التقشف‪ ،‬ألدوات لغة التعبير َ‬ ‫اختزالية «ميس‬ ‫ـة‬ ‫بروحي‬ ‫رنـا‬ ‫يذك‬ ‫والـذي‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫رو‪،»Mies Van der Roe« -‬‬ ‫فان دير ّ‬ ‫المعروفـة‪ ،‬وفـي‬ ‫األخـص معالجاتــه‬ ‫ّ‬ ‫«النقيـة» فـي تصميـم جنـاح ألمانيـا فـي‬ ‫ّ‬ ‫معرض برشلونة الدولي‪ ،‬سنة (‪.)1929‬‬ ‫فـي جميـع أعمال «تشـارلز كوريـا»‪ ،‬هذا‬ ‫المعمـار‬ ‫المهـم إلقليـم مومبـاي (أحمـد‬ ‫ّ‬ ‫بالهنـد)‪،‬‬ ‫آبـاد‬ ‫ثمـة تناغم وانسـجام بين‬ ‫ّ‬ ‫نشـاطه‬ ‫المهنـي ورؤيـاه الديموقراطية؛‬ ‫ّ‬ ‫ظل عازف ًا عن دعوات كثيرة ومغرية‬ ‫فقد َّ‬ ‫لعمـل تصاميـم في أماكن أخرى‪ ،‬قانعاً‪،‬‬ ‫سـا جهـده إليجـاد حلـول مائمـة‬ ‫ومكر ً‬ ‫ِّ‬ ‫لمشـاكل تخطيـط مدينـة «مومبـاي»‬ ‫الصاخبـة والمزدحمـة‪.‬‬ ‫ولقـد‬ ‫اسـتمر فـي هـذا العمـل المضنـي‬ ‫َّ‬ ‫والمكلـف‪ ،‬لمـّدة عشـر سـنوات‪ ،‬يعمـل‬ ‫ا بأن تصاميمه سوف تخفِّف‬ ‫مجاناً‪ ،‬آم ً‬ ‫ّ‬ ‫مـن وطـأة ظـروف الحياة القاسـية التي‬ ‫يعانـي منهـا مواطنـو مدينـة «مومبـاي»‬ ‫البسطاء‪.‬‬

‫إن عمارتــــــه‬ ‫(الذكيــــة والمعاصـرة)‬ ‫ّ‬ ‫تقصـي السـمات‬ ‫أن‬ ‫أخـرى‪-‬‬ ‫مـر ًة‬ ‫ّ‬ ‫تثبـت‪ّ -‬‬ ‫الوطنيـة‪ ،‬وتوظيفهـا‪ ،‬فـي الممارسـات‬ ‫ّ‬ ‫يمـر (بـل ال يمكـن لـه أن‬ ‫التصميميـة‪ ،‬ال ّ‬ ‫النصّية‬ ‫يمـر) عبر طريق االستنسـاخات ّ‬ ‫ّ‬ ‫لألشـكال التقليديـة المعماريـة‪ ،‬أو فـي‬ ‫محاولـة إضفـاء القدسـية علـى هـذه‬ ‫والتبجـح بأنهـا‪-‬‬ ‫األشـكال‪ ،‬وتمجيدهـا‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ولـكل‬ ‫لـكل العصـور‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وحدهـا‪ -‬مائمـة ّ‬ ‫األزمنـة‪.‬‬ ‫فـ«تشـارلز كوريـا» يطمـح لكـي تكـون‬ ‫عمارتـه مرتهنـة ببيئتهـا‪ ،‬مـن خـال‬ ‫نتلمـس‬ ‫تكوينـي‪ ،‬يجتهـد ألن‬ ‫تشـكيل‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫فيـه حضـورًا واعيـ ًا للمـكان‪ ،‬واقتـران‬ ‫هـذا الحضـور ِ‬ ‫حداثويـة فـي لغة‬ ‫بسـمات‬ ‫ّ‬ ‫التعبيـر الفنّـي لـه‪.‬‬ ‫تظل عمارته‬ ‫وبهـذه الصيغـة‬ ‫اإلبداعيـة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫تضيـف شـيئ ًا جديـدًا وطازجـ ًا لمجـرى‬ ‫مثريـة‪ ،‬بذلـك‪،‬‬ ‫العمـارة العالميـة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الحضارة اإلنسانية‪ ،‬في هذا الخصوص‪.‬‬ ‫___________________________‬ ‫الهوامش والمصادر‪:‬‬

‫(‪Contemporary Architects, Editor )1‬‬ ‫‪Muriel Emanuel.. Macmillan press‬‬

‫‪.Lid. London. 1980 P. 166 - 168‬‬

‫(‪charles Correa. A Mimar Book Sin- )2‬‬

‫‪.gapore. 1984.P.9‬‬

‫(‪charles correa. - )A Place in the )3‬‬

‫‪sun( journal of Royal Society of Arts.‬‬ ‫‪.May 1983‬‬

‫(‪Architectural Record No. 7 July )4‬‬

‫‪.1980. P. 89-99‬‬

‫(‪charles Correa. A Mimar Book Sin- )5‬‬ ‫‪gapore. 1984.P.8‬‬

‫(‪Antonina Corotskaya. )New Indian )6‬‬ ‫‪Architecture(. Moscow 1986. P. 136-‬‬

‫‪.139‬‬

‫(‪World Architecture 3, Editor John )7‬‬

‫‪.Donat. London 1966. P.28‬‬

‫(‪ )8‬د‪ .‬خالد السـلطاني‪« :‬مسـجد قرطبة الكبير»‪،‬‬ ‫عربية‪ ،‬السـنة العاشـرة‪.‬‬ ‫منظور معماري «آفاق ّ‬

‫األول‪ ،‬أيلـول ‪،482‬ص ‪.58 - 7‬‬ ‫العـدد َّ‬ ‫(‪ )9‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.48‬‬

‫(‪Louis I. Kahn. Complete Work 1935 )10‬‬ ‫‪.- 74 Basel 1977 P.94-95. 13‬‬

‫‪53‬‬


‫ﻣﺪن‬

‫عبد العزيز المقالح‬

‫الخرطوم‬ ‫أغنى مدينة عربية بالمياه‬ ‫رأيته ــا ف ــي الحل ــم قب ــل أن أراه ــا ف ــي الواق ــع‪ ،‬م ــع أنه ــا ل ــم‬ ‫تكـــن مدينـــة أحامـــي فـــي ذلـــك الحيـــن عنـــد مطالـــع الشـــباب‪.‬‬ ‫كانـــت القاهـــرة وبيـــروت وباريـــس ولنـــدن هـــي مـــدن األحـــام‬ ‫والمـــكان المفضـــل الـــذي أرغـــب فـــي أن أواصـــل فيـــه دراســـتي‬ ‫الجامعي ــة‪ ،‬لك ــن الخرط ــوم فرض ــت نفس ــها ع ــن طري ــق األح ــام‬ ‫أوالً‪ ،‬وع ــن طري ــق الواق ــع ثانيــاً‪ ،‬إذ ص ــارت تتك ـ َّـرر ف ــي الحل ــم‬ ‫دون س ــبب‪ ،‬وبع ــد أس ــابيع فق ــط أدرك ــت عاق ــة بع ــض األح ــام‬ ‫بالواق ــع‪ ،‬فق ــد تلقي ــت رس ــالة مفاجئ ــة تق ــول إن ــه َت ـ ّـم اختي ــاري‬ ‫لحضـــور حلقـــة دراســـية فـــي مدينـــة الخرطـــوم تحـــت رعايـــة‬ ‫«اليونســـكو»‪ ،‬يحضرهـــا عـــدد مـــن الشـــبان العـــرب يمثلـــون‬ ‫ع ــددًا م ــن األقط ــار العربي ــة‪ .‬وعندئ ــذ ب ــدأت أتس ــاءل ع ــن صل ــة‬ ‫األح ــام بالمس ــتقبل بع ــد أن كن ــت ق ــد عرف ــت م ــن كتاب ــات ع ــدد‬ ‫مـــن أســـاتذة علـــم النفـــس أنهـــا اســـترجاع ألحـــداث ووقائـــع‬ ‫م ــن الماض ــي‪ .‬وبغ ــض النظ ــر ع ــن ك ــون التنب ــؤ يرت ــدي ث ــوب‬ ‫ـدأت االس ــتعداد للس ــفر إل ــى الخرط ــوم‬ ‫الحل ــم أو العك ــس‪ ،‬فق ــد ب ـ ُ‬ ‫وأتذك ــر‬ ‫ومعاين ــة ه ــذه المدين ــة العربي ــة كم ــا ه ــي عل ــى الواق ــع‪ّ ،‬‬ ‫أنن ــي وصل ــت إليه ــا ف ــي صب ــاح مش ــرق م ــن أي ــام أح ــد الش ــهور‬ ‫األخي ــرة لفص ــل الش ــتاء والطق ــس‪ -‬يومئ ــذ‪ -‬ف ــي ذروة جمال ــه ال‬ ‫ب ــرد وال َح ـ ّـر‪ ،‬ب ــل بقاي ــا فص ــل ش ــديد االعت ــدال‪ .‬وحي ــن رأيته ــا‬ ‫مـــن الطائـــرة بـــدت لـــي‪ -‬طبقـــ ًا لمـــا كانـــوا يقولـــون‪ -‬مدينـــة‬ ‫ثاثيـــة التكويـــن يحيـــط بهـــا مـــن الجنـــوب نهـــران همـــا النيـــل‬ ‫األبي ــض والني ــل األزرق‪ ،‬قب ــل أن يلتقي ــا عن ــد أطرافه ــا الش ــمالية‬ ‫ويشـــكا نهـــر النيـــل الواحـــد الـــذي يواصـــل مســـيرته إلـــى أن‬ ‫ـب ف ــي البح ــر األبي ــض المتوس ــط‪.‬‬ ‫يص ـ ّ‬ ‫كانـــت دهشـــتي تتصاعـــد وأنـــا فـــي الســـيارة التـــي أقلَّتنـــي‬ ‫إلـــى حيـــث أســـكن مـــع زمائـــي فـــي شـــاليهات نظيفـــة‬ ‫ومتواضعـــة بالقـــرب مـــن اإلذاعـــة ومبنـــى المســـرح القومـــي‪،‬‬ ‫شـــكل امتـــدادًا لمدينـــة أم درمـــان‬ ‫وفـــي جـــزء حديـــث المبانـــي ُي ّ‬ ‫التـــي ُت َعـــّد األكبـــر فـــي المثلـــث الـــذي‬ ‫تتكـــون منـــه العاصمـــة‬ ‫ّ‬ ‫الت ــي تب ــدو تقليدي ــة ومحافظ ــة ف ــي مبانيه ــا وأس ــواقها وحت ــى‬ ‫‪54‬‬

‫ف ــي ناس ــها‪ ،‬ف ــي حي ــن أن المدين ــة الثاني ــة‪ ،‬وه ــي الخرط ــوم‪،‬‬ ‫تبـــدو أكثـــر‬ ‫تطـــورًا وانســـجام ًا مـــع التحديـــث الـــذي شـــمل‬ ‫ّ‬ ‫أجـــزاء كبيـــرة مـــن المـــدن العربيـــة‪ ،‬وفـــي هـــذا الجـــزء‪ ،‬وهـــو‬ ‫ً‬ ‫الثان ــي م ــن المثل ــث‪ ،‬توج ــد‬ ‫المؤسس ــات الحكومي ــة والجامع ــة‬ ‫َّ‬ ‫والنـــوادي والمتاجـــر الحديثـــة ودور الســـينما‪ .‬أمـــا الجـــزء‬ ‫الثال ــث وه ــو «خرط ــوم بح ــري»‪ ،‬فق ــد كان ف ــي زم ــن زيارت ــي‬ ‫أرضـــ ًا واســـعة تقـــوم عليهـــا مجموعـــة قليلـــة مـــن العمـــارات‬ ‫الجديـــدة‬ ‫تـــم بناؤهـــا بعيـــدًا عـــن‬ ‫ّ‬ ‫و«الفيـــات» األكثـــر تحديثـــاً‪َّ ،‬‬ ‫زحـــام المدينتيـــن الســـابقتين ومـــا يعانيانـــه مـــن صخـــب‬ ‫وعوائ ــق س ــير‪ ،‬وف ــي نهاي ــة ه ــذا الج ــزء‪ -‬غرب ـاً‪ -‬تق ــوم جزي ــرة‬ ‫«توتـــي»‪ ،‬التـــي أشـــاد بهـــا الشـــعراء ووجـــد فيهـــا كثيـــر مـــن‬ ‫األهالـــي مكانـــ ًا مناســـب ًا لقضـــاء بعـــض ســـاعات مـــن النهـــار‬ ‫فـــي رحابهـــا بيـــن األعشـــاب والثمـــار والزهـــور‪ ،‬أكثـــر ربمـــا‬ ‫مم ــا يجدون ــه ف ــي الحديق ــة الكب ــرى الت ــي ال تبع ــد عنه ــا كثي ــراً؛‬ ‫وه ــي حديق ــة «المق ــرن» الغني ــة باألش ــجار ِ‬ ‫والظ ــال ووس ــائل‬ ‫الترفيـــه للكبـــار والصغـــار علـــى الســـواء‪.‬‬ ‫وإذا كان ــت أس ــماء بع ــض الم ــدن كأس ــماء بع ــض األش ــخاص‬ ‫والعائ ــات ال تعّل ــل‪ -‬عل ــى َحــّد التعبي ــر الش ــائع‪ّ -‬إال أن رغب ــة‬ ‫تتب ــع نش ــوء‬ ‫المعرف ــة عن ــد البع ــض تجعله ــم يحرص ــون عل ــى ُّ‬ ‫هـــذه األســـماء ومعانيهـــا ودالالتهـــا‪ .‬وال إشـــكالية هنـــا فـــي‬ ‫ـكل يش ــير إل ــى أن وق ــوع المدين ــة‬ ‫معن ــى كلم ــة «الخرط ــوم»‪ ،‬فال ـ ّ‬ ‫بي ــن نهري ــن يلتقي ــان عن ــد منطق ــة أرض تش ــبه خرط ــوم الفي ــل‪،‬‬ ‫فق ــد أعطاه ــا ذل ــك الموق ــع ه ــذه التس ــمية‪ .‬أم ــا المدين ــة األح ــدث‬ ‫فـــي المثلـــث‪ ،‬وهـــي خرطـــوم بحـــري‪ ،‬فقـــد جـــاءت للتفريـــق‬ ‫بي ــن الخرط ــوم الت ــي تق ــع جنوب ـ ًا وه ــذه الت ــي توازيه ــا ش ــماالً‪،‬‬ ‫والبحـــري هنـــا بمعنـــى الشـــمال‪ ،‬وفقـــ ًا لمـــا تواضـــع عليـــه‬ ‫كل م ــن مص ــر والس ــودان‪.‬‬ ‫الن ــاس ف ــي ٍّ‬ ‫ُيعـ ـّد «المق ــرن» حي ــث يلتق ــي الني ــان األبي ــض واألزرق م ــن‬ ‫األماك ــن الحيوي ــة الت ــي َتشــّد األنظ ــار‪ ،‬ويش ــكل الجس ــر الكبي ــر‬ ‫المق ــام علي ــه وس ــيلة التواص ــل الكب ــرى بي ــن أم درم ــان‪ -‬حي ــث‬


‫تس ــكن أكثري ــة س ــكان العاصم ــة‪ -‬والخرط ــوم‪ ،‬م ــكان الحرك ــة‬ ‫المس ـ َّـمى بالخرط ــوم وم ــا‬ ‫والنش ــاط‪ ،‬ورغ ــم حداث ــة ه ــذا الج ــزء ُ‬ ‫يتس ــع ل ــه م ــن أنش ــطة تظ ـ ّـل أم درم ــان أق ــرب إل ــى قل ــوب أبن ــاء‬ ‫ه ــذه العاصم ــة العربي ــة‪ ،‬وأق ــرب إل ــى قل ــوب زواره ــا‪ ،‬وكن ــت‬ ‫م ــع زمائ ــي ف ــي ال ــدورة الدراس ــية نح ــرص عل ــى الذه ــاب إل ــى‬ ‫لنتعـــرف علـــى‬ ‫هـــذا الجـــزء القديـــم والتاريخـــي مـــن العاصمـــة‬ ‫َّ‬ ‫ناســـه الكرمـــاء الطيبيـــن‪،‬‬ ‫ونمـــر بمتاجرهـــم المتواضعـــة التـــي‬ ‫ّ‬ ‫يقنـــع أصحابهـــا بالقليـــل مـــن الربـــح خافـــ ًا لمـــا هـــو حاصـــل‬ ‫ف ــي الج ــزء اآلخ ــر م ــن المدين ــة وأعن ــي ب ــه الخرط ــوم‪ .‬وبالق ــرب‬ ‫مـــن أحـــد المتاجـــر المتواضعـــة فـــي هـــذه المدينـــة العتيقـــة (أم‬ ‫مـــرة الشـــاعر الكبيـــر محمـــد الفيتـــوري‪،‬‬ ‫درمـــان) التقيـــت ألول ّ‬ ‫كان يومه ــا مقيم ـ ًا ف ــي الس ــودان وي ــرأس تحري ــر مجل ــة (اإلذاع ــة‬ ‫تحول ــت بإش ــرافه م ــن إخباري ــة وبرامجي ــة‬ ‫والتليفزي ــون) الت ــي َّ‬ ‫إلــى مجلــة أدبيــة راقيــة‪ ،‬وقــد تواعدنــا فــي أثنــاء ذلــك اللقــاء أن‬ ‫ـوم الح ــق متح ــف الش ــاعر الرائ ــد التيجان ــي يوس ــف‬ ‫ن ــزور ف ــي ي ـ ٍ‬ ‫بشـــير‪ ،‬وقـــد كان وفيـــ ًا لموعـــده وشـــّدني المتحـــف ببســـاطته‬ ‫واش ــتماله عل ــى م ــا تبق ــى م ــن آث ــار ذل ــك الش ــاعر المب ــدع‪ .‬وبم ــا‬ ‫أنن ــي التقي ــت الش ــاعر الكبي ــر محم ــد الفيت ــوري أكث ــر م ــن م ـّـرة‪-‬‬ ‫بع ــد ذل ــك‪ -‬ف ــي القاه ــرة‪ ،‬ث ــم التقيت ــه ف ــي صنع ــاء‪ ،‬فق ــد كان‬ ‫يب ــدو أس ــعد م ــا يك ــون ح ــا ًال ف ــي الخرط ــوم وف ــي تل ــك الفت ــرة‬ ‫خاصـــة‪ ،‬وأظـــن أنـــه كتـــب فـــي أثنـــاء بقائـــه فـــي الســـودان‬ ‫مجموع ــة م ــن أه ــم قصائ ــده عل ــى اإلط ــاق‪.‬‬ ‫وتجـــدر اإلشـــارة إلـــى أنـــه فـــي ذلـــك الحيـــن كان الحديـــث‬ ‫ف ــي المدين ــة ي ــدور ع ــن التماس ــيح وضحاياه ــا م ــن المواطني ــن‬ ‫الذيـــن يقفـــون علـــى شـــواطئ النيـــل بمفردهـــم‪ .‬وكانـــت‬ ‫وممـــا‬ ‫الصحافـــة تحـــذِّر األهالـــي مـــن النـــزول إلـــى النيـــل‪ّ ،‬‬ ‫نش ــرته إح ــدى الصح ــف ص ــورة ألح ــد الجرس ــونات العاملي ــن‬ ‫فـــي فنـــدق الخرطـــوم الكبيـــر وهـــو بـــا قـــدم فقـــد أغـــار عليـــه‬ ‫تمســـاح ذات مســـاء وابتلـــع قدمـــه بالقـــرب مـــن الفنـــدق‪ .‬لـــم‬ ‫يتس ـّـرب الخ ــوف إل ــى نفس ــي وكن ــت‪ -‬ف ــي أغل ــب األي ــام‪ -‬أقض ــي‬

‫ســـاعات مـــا بعـــد العصـــر بالقـــرب مـــن النيـــل وتحـــت ِظـــال‬ ‫أتأم ــل جري ــان المي ــاه‬ ‫األش ــجار الوارف ــة أم ــام جزي ــرة «توت ــي» ّ‬ ‫وأرى أس ــراب الطي ــور الحائم ــة وه ــي تم ــارس ألعابه ــا اليومي ــة‬ ‫بقـــدر كبيـــر مـــن ِ‬ ‫الخفّـــة والرشـــاقة‪ ،‬وأغـــرق أحيانـــ ًا فـــي‬ ‫محاول ــة كتاب ــة قصي ــدة أو اس ــتدعاء بع ــض الخواط ــر الش ــعرية‬ ‫المس ــتوحاة م ــن ذل ــك المنظ ــر ال ــذي يصع ــب عل ــى الكلم ــات أن‬ ‫تعكــس للقــارئ واحــدًا فــي المئــة مــن ســحره وجمالــه‪ .‬وتمنيــت‬ ‫لـــو أرى تمســـاح ًا يخـــرج إلـــى الشـــاطئ لينفـــض مـــا يعلـــق‬ ‫بجلـــده مـــن قطـــرات الميـــاه ويســـتمتع بحمـــام شمســـي قبـــل‬ ‫الغـــروب‪ .‬ومـــا ال أنســـاه أنـــه فـــي ذلـــك الركـــن الظليـــل كانـــت‬ ‫تصلنـــي مـــن بعيـــد أنغـــام الموســـيقى الســـودانية بإيقاعهـــا‬ ‫المتميـــز والمثيـــر للشـــجن‪ ،‬وال أخفـــي أننـــي أحببتهـــا كثيـــرًا‬ ‫ّ‬ ‫حيـــز فـــي مكتبتـــي الموســـيقية المتواضعـــة‪.‬‬ ‫وصـــار لهـــا ِّ‬ ‫كان الس ــودان ف ــي تل ــك الفت ــرة ‪1960 - 1959‬م ينع ــم بحال ــة‬ ‫كل شـــيء متوافـــر‪ ،‬وبأرخـــص األســـعار‪،‬‬ ‫مـــن االســـتقرار‪ّ ،‬‬ ‫وكان الجني ــة الس ــوداني يس ــاوي ثاث ــة جنيه ــات م ــن العمل ــة‬ ‫المصري ــة‪ .‬وكان الن ــاس يوم ــذاك ال يزال ــون يتنفس ــون الصع ــداء‬ ‫بع ــد أرب ــع س ــنوات م ــن ج ــاء االحت ــال البريطان ــي‪ .‬وعندم ــا‬ ‫زرت الخرطـــوم بعـــد ذلـــك فـــي أغســـطس‪/‬آب عـــام ‪1967‬م‬ ‫عضـــوًا فـــي الوفـــد الـــذي َمثَّـــل اليمـــن إلـــى مؤتمـــر «الـــاءات‬ ‫الث ــاث»‪ .‬وج ــدت أن ح ــال ه ــذا البل ــد الش ــقيق ل ــم يع ــد كم ــا كان‪.‬‬ ‫صحيـــح أن عاصمتـــه المثلثـــة مـــا تـــزال أغنـــى مدينـــة عربيـــة‬ ‫بالميـــاه‪ ،‬وأن نهريـــن عظيميـــن يتدفقـــان حولهـــا‪ ،‬ويعـــدان‬ ‫بمزيـــد مـــن الخصـــب والنمـــاء ّإال أن أشـــقاءنا الســـودانيين لـــم‬ ‫يع ــودوا يضحك ــون م ــن قلوبه ــم كم ــا كان حاله ــم م ــن قب ــل‪ ،‬وأن‬ ‫ـردد عل ــى أفواهه ــم صب ــاح‬ ‫كلم ــة «أبش ــر ي ــازول» تل ــك الت ــي تت ـ َّ‬ ‫المحبب ــة الت ــي تم ــأل الوج ــدان‬ ‫مس ــاء ل ــم يع ــد له ــا تل ــك األص ــداء‬ ‫َّ‬ ‫بالمســـرات واالبتهـــاج‪ .‬كمـــا أن األماكـــن التـــي عرفتهـــا فـــي‬ ‫َّ‬ ‫األخ ــاذ‬ ‫تغي ــرت ول ــم يع ــد له ــا ذل ــك البري ــق ّ‬ ‫زيارت ــي األول ــى ق ــد ّ‬ ‫والبـــراءة اآلســـرة‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫لوحات الملف للفنان رينيه ماجريت‬

‫‪56‬‬


‫ملف‬

‫في‬ ‫مديح‬ ‫الصمت‬ ‫ّ‬ ‫وذ ّمه‬

‫بصب الماء في الرمل‪ ،‬إذ كيف‬ ‫يندرج ملف هذا العدد ضمن ما يمكن وصفه ِّ‬ ‫ضجيج من كلمات‪.‬‬ ‫الصمت بالكالم! بنقيضه الذي هو‬ ‫يمكن الكتابة عن َّ‬ ‫ٌ‬ ‫الصمت‪ ،‬ووزن‬ ‫ــبِر أعماق َّ‬ ‫لس ْ‬ ‫لكننــا‪ ،‬وإذ نختار الخوض في هذه المغامرة َ‬ ‫مقدار المعنى الذي ال صوت له‪ ،‬فذلك لجعل المغامرة مفتاح ًا موازي ًا قاب ًال‬ ‫والتأمالت في تقاطعاتهــا المعرفية‪ .‬وعليه فال‬ ‫لتأمــل الوقائــع في زمنها‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫االدعــاء بأننا ســنكون إزاء عملية اســتنطاق ال بدايــة وال نهاية‬ ‫مــن‬ ‫فــر‬ ‫ّ‬ ‫َم ّ‬ ‫مكــن من االنفالت من عالم ســرمدي‬ ‫لهــا‪ ..‬لذلــك‪ ،‬ولتحديد نوايا ُمســبقة ُت ِّ‬ ‫للصمت أن يكون أقوى أسلحة السلطة‪ ،‬وأن‬ ‫كالصمت‪ ،‬ســنرى كيف يمكن َّ‬ ‫َّ‬ ‫حدد الواقعي‪ ،‬ســنرى‬ ‫الم‬ ‫هذا‬ ‫مقابل‬ ‫وفي‬ ‫فاقده‪.‬‬ ‫الحق‬ ‫على‬ ‫الســاكت‬ ‫يكون‬ ‫ّ‬ ‫ُ َّ‬ ‫الصمت‪:‬‬ ‫تنويعات في فضائل َّ‬ ‫الصمت فضيلة الحمقى (فرانسيس بيكون)‪.‬‬ ‫ َّ‬‫الصمت أفضل من كلمات بال معنى (فيثاغورس)‪.‬‬ ‫ َّ‬‫الصمت‪َ ،‬حّملونا وزر النوايا! (غادة السمان)‪.‬‬ ‫نتقن‬ ‫ألننا‬ ‫‬‫َّ‬ ‫الصمت‪.‬‬ ‫ يحتــاج اإلنســان إلى ســنتين ليتعلَّم الكالم وخمســين ليتعلَّــم َّ‬‫(إرنست همينغواي)‪.‬‬ ‫ إن اإلنســان في حاجة إلى عامين ليتعلَّم الكالم وإلى ستين عام ًا ليتعلَّم‬‫الصمت‪( .‬رسول حمزتوف)‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫‪57‬‬


‫يعيــش اإلنســان المعاصر مفارقة كبرى تتمثَّل في كونــه ال يطيق الضجيج وال يحتمل‬ ‫الصمــت؛ ففي اليوم نفســه يمكن أن يثــور احتجاج ًا على الضجيج الناتج عن أشــغال‬ ‫يقــوم بهــا الجيران مثالً‪ ،‬ويعود ليضع الســماعات في أذنيــه رغبة في ملء الفــراغ الصوتي الذي‬ ‫ويحــِدث ضوضاء‬ ‫يحــس بــه أثناء رحلتــه أو تجواله؛ كمــا يمكن أن يعبس فــي وجه طفل يلعب ُ‬ ‫داخــل مقصــورة القطــار‪ ،‬ليعود في المســاء إلى بيته‬ ‫ويتســمر أمــام جدار مــن مضخمات الصوت‬ ‫ّ‬ ‫التي تصم اآلذان‪« ،‬كما لو أن الصمت‪ ،‬ومعه الراحة التي يجلبها‪ ،‬ليســا ســوى ضرورات متقلبة‪،‬‬ ‫مشروطة بطبيعة األزمنة واألمكنة» على َحّد تعبير أالن كوربان في كتابه األخير «تاريخ الصمت‪،‬‬ ‫من عصر النهضة إلى اليوم»*‪ .‬صحيح أن األنتربولوجيين والسوســيولوجيين والفالســفة اهتموا‬ ‫مؤرخ يقتحم موضوع ًا‬ ‫بهذا التعالق أو التشابك الغريب بين الصمت ونقيضه‪ ،‬لكن كوربان هو أول ِّ‬ ‫خصص كتاب ًا ال يتعــّدى مئتي صفحة لتغطيــة مرحلة تاريخية‬ ‫وي ِّ‬ ‫كهــذا مــن وجهة نظر تاريخيــة‪ُ ،‬‬ ‫قدر بخمسة قرون‪ ،‬فيما يشبه نوع ًا من الرهان أو التحدي المبالغ فيه‪.‬‬ ‫طويلة ُت َّ‬

‫أالن كوربان‬ ‫تاريخ الصمت‬ ‫ّ‬ ‫ﺗﺮﺟﻤﺔ ‪ :‬ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺮوان‬

‫يعيش اإلنسان‬ ‫المعاصر مفارقة‬ ‫كبرى تتمثَّل في‬ ‫كونه ال يطيق‬ ‫الضجيج وال‬ ‫الصمت‬ ‫يحتمل ّ‬

‫‪58‬‬

‫للتوجـــه الـــذي‬ ‫يأتـــي صـــدور هـــذا الكتـــاب تأكيـــدًا‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫والمتمثــل فــي دراســة مواضيــع‬ ‫ميــز أالن كوربــان‬ ‫ُي ِّ‬ ‫يصع ــب تحديده ــا والتعبي ــر عنه ــا بدق ــة ووض ــوح‪،‬‬ ‫مـــن حيـــث هـــي مواضيـــع تاريخيـــة‪ ،‬مثـــل‬ ‫الشـــم‬ ‫ّ‬ ‫خصـــص لـــه كتـــاب «المســـتنقع‬ ‫والرائحـــة الـــذي َّ‬ ‫والنرج ــس»‪ ،‬أو الضف ــاف والش ــواطئ الت ــي أف ــرد‬ ‫له ــا كت ــاب «أرض الف ــراغ»‪ ،‬وكذل ــك األص ــوات م ــن‬ ‫خــال كتــاب «أجــراس األرض»‪ ،‬إضافــة إلــى الرغبــة‬ ‫واالســـتجمام ِ‬ ‫ـــل‪ ،‬وغيرهـــا مـــن المواضيـــع‬ ‫والظ ّ‬ ‫الت ــي جعل ــت الدارس ــين يس ــمونه ِّ‬ ‫موث ــق الح ــواس‬ ‫المتخص ــص ف ــي التأري ــخ للحساس ــيات‬ ‫ـؤرخ‬ ‫ِّ‬ ‫أو الم ـ ِّ‬ ‫والمش ــاعر واالنفع ــاالت‪.‬‬ ‫أالن كوربـــان‪ ،‬الـــذي أكمـــل عامـــه الثمانيـــن (ولـــد‬ ‫ف ــي ‪ 12‬يناير‪/‬كان ــون الثان ــي ‪ 1936‬بمنطق ــة أورن‬ ‫‪ Ornes‬الفرنســية)‪ ،‬عــاش طفولــة ريفيــة بامتيــار‪،‬‬ ‫كان ــت بمثاب ــة س ــجل حس ــي ووجدان ــي وظف ــه ف ــي‬ ‫مختلـــف كتبـــه ودراســـاته‪ ،‬بمـــا فيهـــا كتابـــه عـــن‬ ‫تاريــخ الصمــت‪ ،‬الــذي يحــوي تســعة فصــول عالجت‬ ‫موض ــوع الصم ــت وحميمي ــة الفض ــاءات‪ ،‬والصم ــت‬

‫فـــي الطبيعـــة‪ ،‬وطـــرق البحـــث عنـــه‪ ،‬والصمـــت‬ ‫كتأدي ــب وتعلي ــم‪ ،‬ومطل ــق الصم ــت الدين ــي‪ ،‬وكام‬ ‫ـن‪ ،‬إضاف ــة إل ــى فن ــون تنظيم ــه أو‬ ‫الصم ــت ف ــي َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫تاكتيكاتــه‪ ،‬واالنتقــال مــن صمــت الحــب إلــى صمــت‬ ‫الكراهي ــة‪ ،‬ث ــم الطاب ــع المأس ــاوي للصم ــت س ــواء‬ ‫ف ــي الدي ــن أم ف ــي األدب‪ .‬عب ــر ه ــذه الفص ــول نج ــد‬ ‫المكون ــة‬ ‫مقارب ــة للصم ــت تام ــس مجم ــوع أش ــكاله ّ‬ ‫لــه‪ ،‬بمختلــف تمثُّاتهــا وممارســاتها حســب اختــاف‬ ‫الحق ــب المدروس ــة‪.‬‬ ‫ل ــم يك ــن بإم ــكان أالن كورب ــان أن يكس ــب الره ــان‬ ‫وينجــح فــي محاولتــه للتأريــخ للصمــت مــن عصــر‬ ‫النهض ــة إل ــى الي ــوم ل ــوال اس ــتدعاء كام كل الذي ــن‬ ‫رافقــوه‪ ،‬وهــو يخــط هــذا الكتــاب فــي عزلــة وصمت‬ ‫ببيتـــه المحـــاذي لمقبـــرة األب‪ -‬الشـــيز «‪PERE-‬‬ ‫‪ ،»LACHAISE‬وكان مـــن بينهـــم الهوتيـــون‬ ‫وفاس ــفة وروائي ــون وش ــعراء نذك ــر م ــن بينه ــم‪،‬‬ ‫علــى ســبيل المثــال ال الحصــر‪ :‬إينيــاس دو لويــوال‬ ‫‪ Ignace de Loyola‬وبوسويه ‪ Bossuet‬وهنري‬ ‫ديفيد ثورو ‪ Henry David Thoreau‬وموريس‬


‫ماترلنــك ‪ ،Maurice Maeterlinck‬إضافــة إلــى‬ ‫بروســـت ‪ ،Proust‬شـــاتوبريان ‪Chateaubri-‬‬ ‫‪ ،and‬كامـــو ‪ ،Camus‬بودليـــر ‪...Baudelaire‬‬ ‫إل ــخ‪ .‬لذل ــك ال يتوان ــى كورب ــان ف ــي التأكي ــد عل ــى‬ ‫أن «إع ــادة اكتش ــاف مدرس ــة الصم ــت‪ ،‬ه ــي ره ــان‬ ‫ه ــذا الكت ــاب ال ــذي ُتعــّد كل قول ــة في ــه دع ــوة إل ــى‬ ‫نتعلــم‬ ‫التأمــل والعــودة إلــى الــذات» أو القــول‪« ،‬إن َّ‬ ‫ُّ‬ ‫الصمـــت مـــن جديـــد هـــو أن نتعلَّـــم كيـــف نمتلـــك‬ ‫ذواتنــا مـّـرة أخــرى»‪ .‬فهــل يكــون الصمــت قــد أصبح‬ ‫نعم ــة ثمين ــة ف ــي عال ــم مل ــيء بالضجي ــج وال ــكام‬ ‫تميــز‬ ‫والصخــب والموســيقى‪...‬؟ هــل الصمــت الــذي ِّ‬ ‫ب ــه عص ــر النهض ــة ه ــو نفس ــه عن ــد الرومانس ــيين‬ ‫أو ف ــي مرحل ــة م ــا بع ــد الح ــرب العالمي ــة أو ف ــي‬ ‫المرحلـــة المعاصـــرة؟ لمـــاذا كان اإلنســـان يبحـــث‬ ‫ع ــن الصم ــت ويس ــتمتع ب ــه؟ ولم ــاذا أصب ــح الي ــوم‬ ‫يتفــاداه بشــتى الطــرق؟ هــذه األســئلة وغيرهــا هــي‬ ‫م ــا ُيجي ــب عن ــه الكت ــاب كم ــا الح ــوار التال ــي‪:‬‬

‫ ‬

‫ ال‪ ،‬فقـــد نشـــرت قبـــل ســـنوات مـــن اآلن‪ ،‬مقـــا ًال‬‫بخصـــوص هـــذا الموضـــوع‪ ،‬كمـــا اقترحتـــه علـــى‬ ‫طلبتـــي كـــي يشـــتغلوا عليـــه فـــي أطروحاتهـــم‪،‬‬ ‫لكـــن ال أحـــد منهـــم أقـــدم علـــى البحـــث فيـــه‪ .‬وقـــد‬ ‫فاجأنــي كثيــراً‪ ،‬االهتمــام الــذي أثــاره الكتــاب حيــن‬ ‫صدوره‪ .‬أنا لســت سوســيولوجي ًا وال أنتربولوجياً؛‬ ‫ال أهتــم بالراهــن‪ ،‬وإنمــا بالتاريــخ الــذي يقــوم‪ ،‬فــي‬

‫ الصم ــت ه ــو حال ــة يع ــود فيه ــا الف ــرد إل ــى ذات ــه‬‫ويعمـــل علـــى تعميـــق وجـــوده‪ ،‬حالـــة يمـــارس‬ ‫يفك ــر‪،‬‬ ‫التأم ــل‪ ،‬حي ــث يحل ــم‪ ،‬يخل ــق ويب ــدع‪ِّ ،‬‬ ‫فيه ــا ُّ‬ ‫ويصلِّـــي إذا كان مؤمنـــاً‪ .‬ال يوجـــد صمـــت واحـــد‪،‬‬ ‫وإنم ــا الصم ــت أن ــواع‪ .‬الصم ــت المطل ــق أو مطل ــق‬ ‫الصمــت هــو مبدئيـ ًا صمــت دينــي‪ ،‬وهو الــذي وصفه‬ ‫لح ـ ًا ومتمســك ًا‬ ‫بوســويه فــي القــرن الســابع عشــر ُم ّ‬ ‫دومـ ًا بعظمــة وضــرورة الصمــت مــن أجــل اإلنصــات‬ ‫للــكام اإللهــي‪ .‬ثــم هنــاك صمــت رومانســيي القــرن‬

‫ ‬

‫هل إقامتكم بجوار مقبرة «األب‪ -‬الشــيز» هي ما‬ ‫حفّزكم على البحث في مسألة الصمت؟‬

‫نظ ــري‪ ،‬عل ــى الس ــفر ف ــي الماض ــي به ــدف تحدي ــد‬ ‫االختاف ــات والوق ــوف عل ــى التباين ــات‪ .‬فالصم ــت‬ ‫ف ــي الق ــرن الس ــابع عش ــر لي ــس ه ــو نفس ــه صم ــت‬ ‫الرومانس ــيين أو صم ــت المرحل ــة المعاص ــرة‪.‬‬ ‫ ‬

‫ما الصمــت؟ هل هو غياب الكلمــات والضجيج؟‬ ‫وهل هو سلبي بالضرورة؟‬

‫ األمــر ليــس كذلــك قطعـاً‪ ،‬فالصمت شــيء إيجابي‪،‬‬‫إنـــه غنـــى وثـــراء‪ .‬لـــو كان الصمـــت مجـــرد غيـــاب‬ ‫للضجيــج لــكان األمــر بســيط ًا للغاية؛ فالكام نفســه‬ ‫نتكلــم‬ ‫كل مـّـرة َّ‬ ‫يصــدر عــن صمــت؛ ذلــك أننــا‪ ،‬فــي ّ‬ ‫فيهـــا‪ ،‬هنـــاك بضعـــة أعشـــار مـــن الثانيـــة تســـبق‬ ‫ذلــك‪ ،‬حتــى يتســنى لنــا التفكيــر فــي مــا ســنقوله‪.‬‬ ‫لكــن‪ ،‬صحيــح أن الصمــت ربمــا كان باألحــرى قيمــة‬ ‫إيجابي ــة ف ــي الماض ــي‪ .‬لق ــد ش ـ َّـكل ش ــرط ًا لمتع ــة‬ ‫التأمــل والخشــوع وأحــام اليقظــة واإلنصات للذات‪.‬‬ ‫ُّ‬

‫لماذا كان‬ ‫اإلنسان يبحث‬ ‫عن الصمت‬ ‫ويستمتع به؟‬ ‫ولماذا أصبح‬ ‫اليوم يتفاداه‬ ‫بشتى الطرق؟‬

‫هل البحث عن الصمت هو بحث عن التعالي؟‬

‫‪59‬‬


‫العدو الحقيقي‬ ‫للصمت ليس‬ ‫ّ‬ ‫هو ِح ّدة الضجيج‪،‬‬ ‫وإنما هو الربط‬ ‫أو االرتباط الدائم‬ ‫والسيل المتدفق‬ ‫للمكالمات‬ ‫التي تُفرَض‬ ‫على الشخص‬ ‫من خالل‬ ‫التكنولوجيات‬ ‫الجديدة والهاتف‬ ‫النقال‬

‫‪60‬‬

‫التاس ــع عش ــر الذي ــن حافظ ــوا عل ــى س ــمو النف ــس‬ ‫الحســـية‪ ،‬فامتدحـــوا وارتضـــوا صمـــت الطبيعـــة‪،‬‬ ‫صمــت الصحــراء والبحــار والجبــال واألريــاف‪ .‬هــذا‬ ‫البحــث الصامــت ال يــزال قائمـاً‪ ،‬ولكــن كهامــش‪ ،‬فــي‬ ‫مجتمعنــا المعاصــر‪ ،‬حيــث نجــده لــدى البعــض‪ ،‬مثل‬ ‫أصحــاب موضــة الخلــوة واالعتــكاف فــي األديــرة‪،‬‬ ‫أو الذيـــن يقومـــون بجـــوالت فرديـــة فـــي أحضـــان‬ ‫التأمـــل‪.‬‬ ‫الطبيعـــة‪ ،‬أو الذيـــن يتفرغـــون لممارســـة ُّ‬ ‫ويج ــب ّأال ننس ــى صم ــت الح ــب‪ ،‬وال ــذي أب ــدع ف ــي‬ ‫المؤلــف المســرحي موريس‬ ‫وصفــه‪ ،‬وبشــكل باهــر‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫تتذك ــره ع ــن‬ ‫ماترلن ــك‪ ،‬ال ــذي يق ــول‪« :‬إن أول م ــا َّ‬ ‫بولـٍـه عميــق‪ ،‬ليــس الكلمات‬ ‫المحبــوب الــذي عشــقته َ‬ ‫التــي تفـّـوه بهــا أو الحــركات التــي قــام بهــا‪ ،‬وإنمــا‬ ‫لحظــات الصمــت التــي جمعتكمــا؛ ألن ســمو وعظمــة‬ ‫لحظـــات الصمـــت هـــذه‪ ،‬هـــي وحدهـــا مـــن كشـــفت‬ ‫وعب ــرت ع ــن س ــمو حبكم ــا وعظم ــة روحيكم ــا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ ‬

‫‪ ،»François Pinagot‬وكنـــت قـــد حاولـــت فيـــه‬ ‫إع ــادة تجمي ــع وبن ــاء المعطي ــات الخاص ــة بحي ــاة‬ ‫أحـــد األهالـــي الفقـــراء (كان إســـكافياً)‪ .‬زودتنـــي‬ ‫الســجات ببعــض المعلومــات العاديــة‪ ،‬مثــل حالتــه‬ ‫المدنيــة أو العائليــة‪ ،‬األيــام التــي صــوت فيهــا فــي‬ ‫فكــر فيــه‪ ،‬أو‬ ‫االنتخابــات‪ ...‬لكــن ال شــيء بتاتـ ًا عمــا َّ‬ ‫ـس بــه‪ ،‬عواطفــه وانفعاالتــه‪ ..‬كيــف يمكــن إذن‪،‬‬ ‫أحـ ّ‬ ‫فــي ســياق كهــذا‪ ،‬أن نأخــذ بعيــن االعتبــار ما يســميه‬ ‫ميشــيل فوكــو ‪« Michel Foucault‬كتابــة الــذات»؟‬ ‫يمكــن ذلــك مــن خــال اعتمــاد المذكــرات الشــخصية‬ ‫والخاص ــة‪ ،‬المراس ــات‪ ،‬الس ــيرة الذاتي ــة‪ ،‬وبش ـ ٍ‬ ‫ـكل‬ ‫خــاص‪ ،‬الشــعر الــذي يســمح بالنفــاذ إلــى المشــاعر‬ ‫عب ــر‬ ‫واألحاس ــيس‪ ،‬وم ــن َث ـ ّـم فه ــم الطريق ــة الت ــي ّ‬ ‫به ــا األف ــراد‪ ،‬ف ــي الماض ــي‪ ،‬ع ــن الصم ــت‪.‬‬ ‫ ‬

‫هل يمكن تعلُّم الصمت؟‬

‫ الصم ــت‪ ،‬حت ــى ول ــو كان ُمعديــ ًا مث ــل الضح ــك‪،‬‬‫تعلــم وتأديب‪.‬‬ ‫فليــس باألمــر العفــوي التلقائــي‪ .‬إنــه ُّ‬ ‫يظه ــر ذل ــك جلي ـ ًا وبش ـ ٍ‬ ‫ـكل خ ــاص‪ ،‬ف ــي المدرس ــة‪،‬‬ ‫حيــث إنــه‪ ،‬فــي الماضــي‪ ،‬كان الصمــت هــو مــا يتيــح‬ ‫ويســمح باإلصغــاء الجيــد‪ .‬أمــا اليــوم‪ ،‬فقــد أصبــح‬ ‫مطلوبـ ًا مــن الطفــل أو‬ ‫المتعلــم تحقيق ذاته والتعبير‬ ‫ِّ‬ ‫عنهــا‪ .‬لــم يعــد ممكنـ ًا فــرض الصمــت بالقــوة والعنف‬ ‫كمــا كان األمــر فــي الســابق وكمــا عشــت ذلــك‪ ،‬فــي‬ ‫مؤسســة كاثوليكيــة خــال األربعينيــات مــن القــرن‬ ‫َّ‬ ‫العشــرين‪ .‬إتقــان الصمــت‪ ،‬في القرن التاســع عشــر‪،‬‬ ‫التميـــز‪ :‬أن تعـــرف كيـــف‬ ‫كان أداة وعامـــة علـــى‬ ‫ُّ‬ ‫تصمــت هــو دليــل علــى الســلوك الراقــي فــي مقابــل‬ ‫الضجيــج الــذي يســتهوي ويســتميل العامــة‪.‬‬ ‫ـؤرخ‪ ،‬م ــن‬ ‫م ــا الطريق ــة الت ــي يمك ــن أن يعتمده ــا م ـ ِّ‬ ‫أج ــل معرف ــة ص ــوت الصم ــت عب ــر الق ــرون‪ ،‬قب ــل‬ ‫أي ــة إمكاني ــة للتس ــجيل؟‬ ‫وج ــود ّ‬ ‫ دراســـة موضـــوع مثـــل الصمـــت أمـــر فـــي غايـــة‬‫الصعوبـــة‪ .‬لقـــد قمـــت باالطـــاع الدقيـــق والمســـح‬ ‫الشـــامل لعـــدد كبيـــر مـــن الوثائـــق والســـجات‬ ‫اإلقليميـــة والوطنيـــة‪ ،‬خـــال مســـيرتي المهنيـــة‬ ‫الطويل ــة‪ .‬وق ــد وج ــدت فيه ــا معطي ــات كثي ــرة ع ــن‬ ‫المش ــاهد أو المناظ ــر الصائت ــة الت ــي درس ــتها ف ــي‬ ‫كتاب ــي ع ــن األج ــراس؛ لكنه ــا ال تحت ــوي أي ش ــيء‬ ‫ع ــن الصم ــت‪ .‬يج ــب البح ــث إذن ع ــن ش ــيء آخ ــر‪.‬‬ ‫يتكل ــم‬ ‫م ــن يس ــتطيع ال ــكام ع ــن الصم ــت؟ إن ــه م ــن َّ‬ ‫عـــن ذاتـــه‪ .‬لكـــن‪ ،‬خـــال الحقـــب التـــي درســـتها‪،‬‬ ‫وجـــدت أن هنـــاك‪ -‬فقـــط‪ -‬واحـــدًا مـــن المئـــة مـــن‬ ‫الســاكنة‪ ،‬تــرك آثــارًا شــخصية‪ .‬كتبــت‪ ،‬منــذ بضــع‬ ‫ســـنين‪ ،‬كتـــاب «عاَلـــم لـــوي‪ -‬فرانســـوا بيناغـــو‬ ‫المســـتعاد ‪Le Monde retrouvé de Louis-‬‬

‫مــرة أخرى إلــى الفــرد المعاصــر‪ ،‬كيف‬ ‫لنعــد ّ‬ ‫تحــول وأصبــح ال يطيق‪ ،‬في نفــس الوقت‪ ،‬ال‬ ‫َّ‬ ‫الضجيج وال الصمت؟‬

‫ إننــا نغيــر الموجــة طــوال اليــوم‪ ،‬فهنــاك لحظــات‬‫نتمنــى االنغماس‬ ‫َّ‬ ‫نتمنــى فيهــا الصمــت‪ ،‬وفــي أخــرى َّ‬ ‫فـــي الصخـــب‪ .‬نعتقـــد فـــي الغالـــب‪ ،‬أن المجتمـــع‬ ‫المعاصــر أكثــر ضجيج ـ ًا مــن المجتمعــات الســابقة‪.‬‬ ‫لكـــن بفضـــل ســـحر الكهربـــاء واختـــراع العجـــات‬ ‫المطاطي ــة‪ ،‬ل ــم يع ــد ضجي ــج الم ــدن مزعجــ ًا كم ــا‬ ‫كان األمــر فــي الســابق‪ .‬أعتقــد أننــا اليــوم‪ ،‬نصــرخ‬ ‫ـل بكثي ــر م ــن الص ــراخ ال ــذي كان ــت‬ ‫ف ــي المقاه ــي َأق ـ ّ‬ ‫تعرف ــه الحان ــات الش ــعبية للق ــرن التاس ــع عش ــر‪.‬‬ ‫ـل العم ــل ال ــذي تق ــوم ب ــه المنظم ــات الصحي ــة‪،‬‬ ‫وَلع ـ ّ‬ ‫ـور القوانيــن المتعلِّقــة بمراقبــة الصوتيــات‪ ،‬قــد‬ ‫وتطـ ُّ‬ ‫س ــاهما ف ــي التقلي ــص م ــن الضوض ــاء ف ــي الوس ــط‬ ‫الحض ــري‪ .‬إن الع ــدو الحقيق ــي للصم ــت لي ــس ه ــو‬ ‫ِحـــّدة الضجيـــج‪ ،‬وإنمـــا هـــو الربـــط أو االرتبـــاط‬ ‫الدائ ــم والس ــيل المتدف ــق للمكالم ــات الت ــي ُتف ـ َـرض‬ ‫عل ــى الش ــخص م ــن خ ــال التكنولوجي ــات الجدي ــدة‬ ‫والهات ــف النق ــال‪ ،‬مم ــا يجعل ــه يه ــاب الصم ــت‪ .‬لق ــد‬ ‫وتحول ــت إل ــى‬ ‫تقلص ــت فض ــاءات الصم ــت الي ــوم‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫رمــز للحــزن والكآبــة‪ .‬إننــا ال نكــف عــن الــكام أينمــا‬ ‫حللن ــا وارتحلن ــا‪ .‬ل ــم تع ــد هن ــاك لحظ ــات صامت ــة‬ ‫متقطعــة أو متفرقــة مــن أجــل الــذات‪ ،‬خاصــة لــدى‬ ‫فئ ــة الش ــباب‪ .‬عندم ــا كن ــت صغي ــرًا لقّنون ــي معن ــى‬ ‫التأم ــل والخش ــوع‪ .‬أم ــا الي ــوم‪ ،‬فه ــذا يب ــدو مخيف ـاً‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫ه ــل س ــيدوم ذل ــك؟ تعرف ــون‪ ،‬م ــن دون ش ــك‪ ،‬أن‬ ‫خطيــاً‪.‬‬ ‫التاري ــخ ال يس ــير ّ‬ ‫ ‬

‫لماذا يخيفنا الصمت لهذه الدرجة؟‬

‫ ال أدري‪ .‬أك ـ ِّـرر الق ــول إن ــي لس ــت أنتربولوجيــاً‪،‬‬‫لكنـــي أعتقـــد أن مواجهـــة الـــذات هـــي مـــا يخيـــف‬ ‫معاصرينــا؛ كأننــا لــم نعــد قادريــن علــى اإلنصــات‬


‫لهـــذا الـــكام الداخلـــي الـــذي يبعـــث علـــى الشـــعور‬ ‫بالســكينة والطمأنينــة؛ كأن المجتمــع يفــرض علينــا‬ ‫الخض ــوع للضجي ــج حت ــى نك ــون ج ــزءًا م ــن ال ـ ُـكّل‪،‬‬ ‫ب ــدل أن نتف ــرغ لإلنص ــات لل ــذات‪.‬‬ ‫ ‬

‫الكّتاب في كتابكم‪ّ .‬أيهم‪،‬‬ ‫لقــد ذكرتم العديد مــن ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل أفضل عن الصمت؟‬ ‫في نظركم‪ ،‬تكلَّم‬

‫تـــردد‪،‬‬ ‫ عـــن الصمـــت الدينـــي‪ ،‬ســـأقول بـــدون‬‫ُّ‬ ‫أفضله ــم ه ــو بوس ــويه ف ــي الق ــرن الس ــابع عش ــر‪.‬‬ ‫لكـــن أســـتاذي يبقـــى هـــو الفيلســـوف الطبيعـــي‬ ‫األميركـــي هنـــري ديفيـــد ثـــورو؛ فهـــو الـــذي حلَّـــل‬ ‫توحــد الصمــت‬ ‫بدقــة متناهيــة العاقــة الشــاملة التــي ِّ‬ ‫وأشـــياء الطبيعـــة‪ ،‬خاصـــة فـــي «مذكراتـــه»‪ .‬ال‬ ‫يمك ــن‪ ،‬بالنس ــبة إلي ــه‪ ،‬أن يوج ــد صم ــت ّإال إذا كان‬ ‫منهــك ًا ومهـ َّـددًا بالــزوال‪ ،‬بفعــل األصــوات الضعيفــة‬ ‫َ‬ ‫والخافتــة للطبيعــة‪ ،‬أصوات العصافيــر والضفادع‪،‬‬

‫وصــو ًال إلــى حفيف أوراق الشــجر‪ .‬إنــه في المطلق‪،‬‬ ‫كان يتمّن ــى س ــماع صم ــت النبت ــة وه ــي تنم ــو‪ .‬ال‬ ‫يمك ــن أيض ـ ًا ع ــدم ذك ــر موري ــس ماترلن ــك ال ــذي ق ــد‬ ‫ال أس ــتمتع بم ــا كتب ــه للمس ــرح‪ ،‬لكن ــه كت ــب أروع‬ ‫الش ــذرات ع ــن الصم ــت‪ .‬بالنس ــبة إلي ــه‪ ،‬يتح ـ َّـدد كل‬ ‫كائــن بحبكــة صمتــه؛ وكمــا قــال‪« :‬ال يمكننــا تكويــن‬ ‫فكــرة صحيحــة عــن الشــخص الــذي لــم يصمــت أبــداً‪.‬‬ ‫كأن روح ــه ب ــدون وج ــه»‪.‬‬ ‫‪...........‬‬ ‫ نش ــر ه ــذا الح ــوار ف ــي مجل ــة «‪ELLE MAGA-‬‬‫‪ »ZINE‬الفرنس ــية بتاري ــخ ‪ 8‬يوليو‪/‬تم ــوز ‪.2016‬‬ ‫* ‪ALAIN CORBIN, Histoire du silence‬‬ ‫‪)De la renaissance à nos jours(, Albin‬‬ ‫‪.Michel ,2016‬‬

‫كأن المجتمع‬ ‫يفرض علينا‬ ‫الخضوع‬ ‫للضجيج حتى‬ ‫نكون جزء ًا من‬ ‫الك ّ‬ ‫ُ‬ ‫ل‪ ،‬بدل أن‬ ‫نتفرغ لإلنصات‬ ‫للذات‬

‫‪61‬‬


‫«ما ال ُيقال ينبغي إسكاته ( !)»‪ .‬هكذا ختم المنطقي النمساوي‪ ،‬فتغنشتاين‪ ،‬الفيلسوف‬ ‫أن ما ال يمكن‬ ‫الوحيــد الــذي يزاحم هيدغر على إكبــار المعاصرين‪ ،‬أحد كتبه‪ .‬كان يعني ّ‬ ‫قوله بشــكل‬ ‫منطقي‪ ،‬أي بشــكل تتماهى فيه أفكارنا مع لوحات األشــياء في العالم‪ ،‬هو‬ ‫ّ‬ ‫أمــر يخرج من فلك العبارة ويدخل مســاحة اإلشــارة‪ .‬وما ُيشــار إليه فحســب ال ُيقــال‪ .‬نعني يخرج‬ ‫عــن بنيــة الحقيقة كمــا يرضى عنها العلماء‪ .‬ولكن هل الســكوت هو الشــكل الوحيد مــن الصمت في‬ ‫نحب‪ .‬أو نعاَقب على التصريح بها‬ ‫أفق البشــر؟ بعض األشــياء نســكت عنها ألنّها تؤلمنا أو تؤلم َم ْن ّ‬ ‫لكن ما نســكت عنه يوجد أو‬ ‫فقهية لدى أســالفنا‪ّ .‬‬ ‫للجمهور‪ .‬وفتح باب التأويل للجمهور كان جريمة ّ‬ ‫كالميــة خطيرة جّدا في نظام‬ ‫ال يــزال يوجــد بفضــل اللّغة وفي نطاقها‪ّ .‬‬ ‫إن المســكوت عنه‪ -‬وهو آلة ّ‬ ‫الخطاب داخل دولة الملّة إلى نهاية القرون الوســطى‪ -‬كان جزءًا ال يتجّزأ من مســاحة المنطوق به‪،‬‬ ‫وال معنى له ّإال بالنســبة إليه‪.‬‬

‫أحد مخاطر الكالم‬ ‫د‪ .‬ﻓﺘﺤﻲ اﳌﺴﻜﻴﻨﻲ‬

‫عديد المجادالت‬ ‫اليوم‪ ،‬وخاصة‬ ‫المرئيّة منها‪،‬‬ ‫هي أشكال‬ ‫رديئة من‬ ‫عما‬ ‫السكوت ّ‬ ‫ينبغي قوله‬

‫‪62‬‬

‫غيــر المجتمعــات مســاحة المســكوت عنــه بقــدر مــا‬ ‫ُت ّ‬ ‫هوي ــة مجتم ــع أو‬ ‫غي ــر م ــن نفس ــها‪ .‬وكلّم ــا كان ــت ّ‬ ‫ُت ّ‬ ‫ش ــعب م ــا مهت ـّـزة أو مضطرب ــة أو قلق ــة أو مكبوت ــة‬ ‫أو محاصـــرة‪ ..‬تكـــون مســـاحة الســـكوت واســـعة‬ ‫ومقنّن ــة وتح ــت المراقب ــة‪ .‬نح ــن ال نس ــكت ّإال بالق ــدر‬ ‫ال ــذي يفرض ــه نظ ــام ال ــكام ف ــي مجتمعن ــا‪ ،‬ولذل ــك‬ ‫أن الس ــكوت ال يعن ــي أن يك ــون‬ ‫ينبهن ــا هيدغ ــر إل ــى ّ‬ ‫ّ‬ ‫الم ــرء أخ ــرس‪ :‬األخ ــرس‪ ،‬حس ــب هيدغ ــر‪ ،‬ال يمل ــك‬ ‫ّأيــة‬ ‫إمكانيــة كــي يثبــت أّنــه يمكنــه أن يســكت‪ ،‬كذلــك‬ ‫ّ‬ ‫ـ‬ ‫يس‬ ‫أن‬ ‫ـتطيع‬ ‫ـ‬ ‫يس‬ ‫ال‬ ‫ا‬ ‫ـيئ‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ـول‬ ‫ـ‬ ‫يق‬ ‫ال‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـإن‬ ‫إن‬ ‫ـكت‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فـ ّ َ ْ‬ ‫ّ‬ ‫القــدرة علــى الســكوت هــي حســب هيدغــر جــزء مــن‬ ‫ماهيتن ــا ألنّن ــا نوج ــد بم ــا نق ــول‪.‬‬ ‫دمرت ــه الحي ــاة الحديث ــة ه ــو ق ــدرة الن ــاس‬ ‫ّ‬ ‫ربم ــا م ــا ّ‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫ضته‬ ‫وعو‬ ‫ـت‪.‬‬ ‫علــى الصمـ‬ ‫بمجرد مهــارات مؤقّتة على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن عدي ــد المج ــادالت‬ ‫الس ــكوت‪ .‬وال نج ــازف إن قلن ــا ّ‬ ‫اليــوم‪ ،‬وخاصــة‬ ‫المرئيــة منهــا‪ ،‬هــي أشــكال رديئــة‬ ‫ّ‬ ‫ـن‬ ‫عم ــا ينبغ ــي قول ــه‪ .‬يت ـ ّـم تنظي ــم َف ـ ّ‬ ‫م ــن الس ــكوت ّ‬ ‫الســـكوت عـــن أجـــزاء حميمـــة مـــن أنفســـنا أو مـــن‬ ‫عاقتن ــا بالغي ــر أو ع ــن مس ــاحات خطي ــرة م ــن آل ــة‬ ‫الســلطة التــي نخضــع لهــا‪ ،‬وغالبـ ًا مــا يتــم ذلــك دون‬ ‫علــم مّنــا أو عــن طواعيــة كجــزء مــن ميثــاق الحيــاة‬ ‫جيــد غالب ـاً‪ .‬نعنــي لــه قــدر‬ ‫الحديثــة‪ -،‬وهــو تنظيــم ّ‬

‫مــن النجاعــة ينجــح مجتمــع مــا فــي إرســائها كشــرط‬ ‫هويتــه‪.‬‬ ‫عميــق الســتقرار ّ‬ ‫نحــن نميــل عــادة إلــى حصــر الســلطة فــي الممنــوع‬ ‫والمقـــّدس‬ ‫والمحـــرم‪ .‬نعنـــي فـــي الدولـــة والديـــن‬ ‫ّ‬ ‫ـن المســكوت عنــه ال ينحصــر فــي دوائــر‬ ‫والجنــس‪ .‬لكـّ‬ ‫ثم ــة مس ــاحات‬ ‫القانون ــي أو الش ــرعي أو األخاق ــي‪ّ .‬‬ ‫مــن الصمــت تـّـم ابتاعهــا فــي تقنيــات الســكوت التــي‬ ‫يفرضه ــا ش ــكل الحي ــاة الت ــي نعتنق ــه‪ .‬م ــا أفرزت ــه‬ ‫الحداث ــة ه ــو «أقلم ــة» الدول ــة‪ :‬تحويله ــا إل ــى إقلي ــم‬ ‫أي كام فـــي‬ ‫ـــم ّ‬ ‫فـــإن ّ‬ ‫مغلـــق علـــى نفســـه‪ .‬ومـــن َث ّ‬ ‫السياســـة هـــو جـــزء مـــن خارطـــة المســـكوت عنـــه‬ ‫حت ــى تحتف ــظ تل ــك الدول ــة بمس ــتندات كافي ــة ع ــن‬ ‫منط ــق وجوده ــا وأس ــرار س ــلطتها؛ وم ــا اخترعت ــه‬ ‫الحداثــة أيضـ ًا هو «علمنــة» المقّدســات وتحويلها إلى‬ ‫المنظم أو‬ ‫المراقب أو المســتعمل بشــكل‬ ‫دوائر لإليمان ّ‬ ‫َ‬ ‫أي كام فــي الديــن هــو جــزء‬ ‫ـإن‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫عمومــي‪ .‬ومــن َثـّـم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المؤسســة‬ ‫تحتفظ‬ ‫حتى‬ ‫ـبة‬ ‫ـ‬ ‫المناس‬ ‫خطة الســكوت‬ ‫من ّ‬ ‫َّ‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫ومنهاجه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫لخطابه‬ ‫ـزة‬ ‫ـ‬ ‫ممي‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫برطان‬ ‫ـة‬ ‫الدينيـ‬ ‫الدعوي؛‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـإن الحداث ــة ق ــد اخت ــرع «خلقن ــة» الجن ــس‬ ‫وأخي ــرًا ف ـ ّ‬ ‫وتحويلــه إلــى نظــام أخاقــي للرغبــة الحميمــة فــي‬ ‫أي كام في الجنس‬ ‫دخيلــة مجتمــع مــا‪ .‬ومــن َثـّـم فـ ّ‬ ‫ـإن ّ‬ ‫ه ــو ج ــزء م ــن سياس ــة المس ــكوت عن ــه حت ــى تبق ــى‬


‫مؤسس ــة ال ــزواج ق ــادرة عل ــى االس ــتمرار ف ــي تأدي ــة‬ ‫َّ‬ ‫ـلية الت ــي ه ــي مختلف ــة تمامــ ًا ع ــن‬ ‫وظيفته ــا التناس ـ ّ‬ ‫االس ــتعمال الش ــبقي لألجس ــاد‪.‬‬ ‫«إن اله ــدف األكب ــر ف ــي الحي ــاة‬ ‫ق ــال باول ــو كويل ــو‪ّ :‬‬ ‫ـب‪ .‬والباق ــي ه ــو مح ــض س ــكوت»‪ .‬ه ــل‬ ‫ه ــو أن نح ـ ّ‬ ‫كل م ــا يق ــع خ ــارج دائ ــرة الح ــب ال‬ ‫أن ّ‬ ‫يعن ــي ذل ــك ّ‬ ‫يس ــتحق اس ــم ال ــكام؟ أو ال معن ــى ألن نتكّل ــم عن ــه؟‬ ‫ولكــن كيــف نفهــم التقابــل بيــن الحــب والســكوت؟ قــد‬ ‫محب ــة أنفس ــنا أو غيره ــا أو العال ــم‬ ‫يعن ــي ذل ــك ّ‬ ‫أن ّ‬ ‫م ــن حولن ــا أو ف ــي داخلن ــا ه ــي الش ــكل الوحي ــد م ــن‬ ‫اللّغــة‪ .‬ذلــك الــذي يحّقــق الهــدف األكبــر مــن الحيــاة‪.‬‬ ‫مــا نســكت عنــه إذن هــو فقــط مــا ال يمكــن أن يكــون‬ ‫ـب ينبغ ــي إس ــكاته‪ .‬أو‬ ‫موضوعــ ًا للح ــب‪ .‬م ــا ال ُيح ـ ّ‬ ‫هك ــذا كان ليق ــول فتغنش ــتاين‪ .‬ولك ــن كي ــف يمكنن ــا‬ ‫أن نبل ــغ إل ــى ذل ــك الن ــوع م ــن الح ــب؟‬ ‫ـب الــذي يكــون قــادرًا علــى تحقيــق‬ ‫يبــدو لنــا أنّ الحـ ّ‬ ‫اله ــدف األكب ــر م ــن الحي ــاة ه ــو م ــا س ـّـماها هيدغ ــر‬ ‫الق ــدرة عل ــى الس ــكوت‪ ،‬وه ــو ال يعن ــي ش ــيئ ًا آخ ــر‬ ‫ســوى الصمت‪ .‬الصمت هو االســتغناء عن المســكوت‬ ‫ـب‪ .‬الش ــعور بأنّن ــا‬ ‫عن ــه ف ــي اللق ــاء بم ــن أو بم ــا نح ـ ّ‬ ‫أي‬ ‫ـب غيرنــا دونمــا حاجــة إلــى ّ‬ ‫ـب أنفســنا أو نحـ ّ‬ ‫نحـ ّ‬ ‫ـا‬ ‫ـب وظننــا مثـ ً‬ ‫نــوع مــن الجــدال حــول ذلــك‪ .‬أن نحـ ّ‬ ‫أي محكمــة مهمــا‬ ‫دونمــا حاجــة إلــى إثبــات ذلــك أمــام ّ‬ ‫أن مج ـّـرد الج ــدال ف ــي‬ ‫مبجل ــة‪ .‬ب ــل أن نش ــعر ّ‬ ‫كان ــت ّ‬ ‫ـورط فــي سياســة الســكوت التــي ضبطهــا‬ ‫ذلــك هــو تـ ّ‬ ‫وأســس عليها ركائز ســلطته‪ .‬الســكوت قرار‬ ‫المجتمع ّ‬ ‫منهجــي أو أخاقــي إزاء المســكوت عنــه‪ .‬وهــو نــوع‬ ‫مــن الحمايــة إلمكانيــة الــكام مــن الخطر المحــدق بها‪.‬‬ ‫الخطــر المحــدق بالــكام ليــس الســكوت‪ ،‬بــل الوقــوع‬ ‫تح ــت س ــلطة المس ــكوت عن ــه‪ .‬وس ــلطة المس ــكوت‬ ‫«إن‬ ‫عنــه ســلطة ناطقــة بشــكل فظيــع‪ .‬قــال باســكال‪ّ :‬‬ ‫الس ــكوت ه ــو أكب ــر أن ــواع االضطه ــاد وله ــذا الس ــبب‬ ‫ـط»‪.‬‬ ‫ـإن القّديســين لــم يســكتوا قـ ّ‬ ‫فـ ّ‬ ‫فـــإن الســـكوت مختلـــف تمامـــ ًا عـــن‬ ‫وبهـــذا المعنـــى ّ‬ ‫الصم ــت‪ .‬الصم ــت لي ــس ق ــراراً‪ .‬إّن ــه مق ــام موس ــيقي‬ ‫ـي‪ ،‬والــذي ال تقــوى ّأيــة حداثــة‬ ‫لوجودنــا غيــر المرئـ ّ‬ ‫عل ــى طمس ــه‪ ،‬بم ــا ف ــي ذل ــك حداث ــة الس ــكوت‪ :‬كم ــا‬ ‫تعبــر عــن نفســها فــي الممنــوع والمق ـّدس والمحـّـرم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كل احت ــرام لح ــدود الممن ــوع (القانون ــي) والمقــّدس‬ ‫ّ‬

‫(الدينــي) والمحـّـرم (األخاقــي) هــو انخــراط طوعــي‬ ‫ف ــي سياس ــة المس ــكوت عن ــه‪ .‬وه ــو ش ــرط إجرائ ــي‬ ‫ألي مجتمــع أن يســتغني‬ ‫للحيــاة اليوميــة‪ .‬وال يمكــن ّ‬ ‫مؤسســة‬ ‫عــن خدمــات المســكوت عنــه‪ .‬وليــس ّ‬ ‫ثم ــة َّ‬ ‫تمتل ــك نجاع ــة المس ــكوت عن ــه ف ــي تنظي ــم مس ــاحة‬ ‫العمومــي ومراقبتهــا‪.‬‬ ‫ـن م ــا يجم ــع بي ــن النف ــوس البش ــرية لي ــس فق ــط‬ ‫لك ـ ّ‬ ‫منظمــة‬ ‫ـمية‪ّ ،‬‬ ‫مــا هــو عمومــي‪ ،‬أي مــا هــو ذاكــرة رسـ ّ‬ ‫بخطــاب قانونــي أو دينــي أو أخاقــي‪ -‬بــل مــا يجمــع‬ ‫ـي هو حســب نيتشــه النســيان‬ ‫بينهــا كمــا بخيــط المرئـ ّ‬ ‫إن النســـيان هـــو شـــكل‬ ‫أو القـــدرة علـــى النســـيان‪ّ .‬‬ ‫ـب‪.‬‬ ‫الصمــت الوحيــد الــذي يجعــل الحيــاة قابلــة ألن ُتحـ ّ‬ ‫حي ــا م ــن‬ ‫م ــا يحتاج ــه الوع ــي البش ــري حت ــى يظ ـ ّ‬ ‫ـل ّ‬ ‫الداخـــل هـــو حســـب نيتشـــه «قليـــل مـــن الصمـــت»‬ ‫وه ــو الس ــند األكب ــر لم ــا يس ـّـميه «النس ــيان النش ــط»‪:‬‬ ‫ال نصم ــت‪ ،‬أي ال ُنش ــفى م ــن وق ــع المس ــكوت عن ــه‪،‬‬ ‫ّإال بق ــدر م ــا ننس ــى‪ .‬وحس ــب تعبي ــر نيتش ــه «لي ــس‬ ‫ثم ــة س ــعادة وال صف ــاء وال رج ــاء‬ ‫يمك ــن أن يك ــون ّ‬ ‫وال فخ ــار وال حاض ــر م ــن دون نس ـ‬ ‫ـيان‪[...‬لكن] ه ــذا‬ ‫ّ‬ ‫النســـاء ضـــرورة‪ ،‬الـــذي يمثّـــل النســـيان‬ ‫الحيـــوان ّ‬ ‫الصح ــة المنيع ــة‪ ،‬م ــا لب ــث‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫وش‬ ‫ـوة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫عن ــده ق ـّ‬ ‫ّ‬ ‫ـرة‪ ،‬بعونه ــا‬ ‫ـ‬ ‫مض‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ملك‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫لنفس‬ ‫ـتنبت‬ ‫أن اس ـ‬ ‫ـادة‪ ،‬ذاك ـ ً‬ ‫ّ‬ ‫ـاالت‬ ‫ـ‬ ‫ح‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫يتـّـم‪،‬‬ ‫معينــة‪ ،‬تعليــق النســيان‪ -،‬نعنــي‬ ‫ّ‬ ‫أن‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫فيه‬ ‫ـب‬ ‫ـ‬ ‫يج‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الت‬ ‫ـاالت‬ ‫ـ‬ ‫الح‬ ‫ف ــي‬ ‫توع ــد الوع ــود»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وحــده الصمــت يســاعدنا علــى النســيان النشــط‪ ،‬أي‬ ‫علــى النســيان الــذي ينتــج الحب‪ .‬فبعــض المجتمعات‬ ‫تحول ــت إل ــى آالت عماق ــة للضغين ــة‪ ،‬أي لحراس ــة‬ ‫ّ‬ ‫أي قــدرة علــى الصمــت‪ .‬وهــي تراقــب‬ ‫الذاكــرة بــدون ّ‬ ‫كل أجهــزة المســكوت عنــه‬ ‫عــن كثــب وبمبضــع فظيــع ّ‬ ‫ـن الحيــاة‬ ‫وتعمــل علــى صيانتهــا بهــوس إبليســي‪ .‬لكـّ‬ ‫ـن ال يؤم ــن به ــا أو ينتح ــر‪ .‬الحي ــاة‬ ‫ال تتوّق ــف عن ــد َم ـ ْ‬ ‫هــي إمكانيــة‬ ‫المحبــة المتاحــة للبشــر فــي أفق مجتمع‬ ‫ّ‬ ‫ـب مهـّدد دومـ ًا بذاكــرة ال تثــق بــه‪ .‬وهكــذا‬ ‫مــا‪ .‬لكـّ‬ ‫ـن الحـ ّ‬ ‫ـاس عميــق للمســكوت عنــه‬ ‫ثمــة مــن أسـ ٍ‬ ‫فإّنــه ليــس ّ‬ ‫فــي ثقافــة مــا مثــل صناعــة الذاكــرة باعتبارهــا الجهاز‬ ‫األخاقــي الوحيــد لتحقيــق الوعــود‪ .‬ربمــا‪ ،‬ال يظهــر‬ ‫المبدعــون ّإال بســبب ثقــوب مــا فــي ذاكــرة المســكوت‬ ‫عنــه مــن حولهــم‪.‬‬

‫النسيان هو‬ ‫الصمت‬ ‫شكل ّ‬ ‫الوحيد الذي‬ ‫يجعل الحياة‬ ‫ب‬ ‫قابلة ألن ت ُ َ‬ ‫ح ّ‬

‫‪63‬‬


‫ال ينتفي الصمت‪ ،‬بل يولّد تلك الوتيرة التي غالب ًا ما تتخذ شكل األبدية‪ .‬وهو منذ األزل‪،‬‬ ‫يكرر‬ ‫يســتقر في أي مكان‪.‬‬ ‫كل الطرق والمســالك لكيال‬ ‫يتقاطع في ّ‬ ‫وســر الصمت أنه ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أبــدًا نفــس الصوت‪ .‬وكان الصمت‪ ،‬والزال‪ ،‬يحظى بمكانــة مهمة في األديان وفي األدب‬ ‫التأمل على ضفاف نهر نايرانجانا‪ ،‬المســيح الذي كان‬ ‫والفلســفة‪ .‬بــوذا الذي كان يقضي وقته فــي ُّ‬ ‫ُيصلّــي فــي الصحراء‪ ،‬ومحمد عليه الصالة والســالم في غــار حراء‪ ،‬وهكذا أيضــ ًا كثير من الرهبان‬ ‫األوروبيين‪ ،‬من بينهم ســان برناردو وســان فرنســيس‪ .‬وفي أزماننا‪ ،‬غاندي واألم تيريزا كانوا قد‬ ‫ّأكــدوا أهميــة وفضيلة الصمت أيضاً‪ .‬قال صلّى اهلل عليه وســلم‪« :‬من كان يؤمــن باهلل واليوم اآلخر‬ ‫تم العقل نقــص الكالم»‪،‬‬ ‫كرم اهلل وجهــه‪« :‬إذا ّ‬ ‫فليقــل خيــرًا أو ليصمــت»‪ .‬وقــال علي بن أبي طالــب ّ‬ ‫وقــال‪« :‬بكثــرة الصمت تكون الهيبــة»‪ ،‬بينما أوصى لقمــان ولده‪« :‬يا بني إذا افتخر الناس بحســن‬ ‫تخطها سوى‬ ‫كالمهم فافتخر أنت بحسن صمتك»‪ .‬والصورة األدبية تتجلَّى في منحى آخر‪ ،‬بأناقة ال ّ‬ ‫أقــالم تعرف كيف تســبر أعماق الحرف‪ ،‬في صمته وعنفوانه‪ ،‬كما قول الشــاعر اإليطالي فابريزيو‬ ‫كارامانيا‪« :‬في الليالي التي تأوي فيها األحرف األبجدية إلى جحورها‪ ،‬ال يبقى سوى الصمت»‪.‬‬

‫الصمت‬ ‫في مديح ّ‬ ‫ﻳﻮﺳﻒ وﻗﺎص‬ ‫الكلمات بدورها‬ ‫كثير ًا ما تصبح‬ ‫سجينة الصمت‬ ‫عندما نجد أنه‬ ‫من العبث أن‬ ‫نصرخ في آذان‬ ‫صماء تهرب من‬ ‫ّ‬ ‫اإلصغاء‬

‫‪64‬‬

‫الصمــت أنــواع‪ ،‬فهنالــك صمــت فــي الســماء يســبق‬ ‫عاصفــة المطــر‪ ،‬فــي الغابــات قبــل أن تهــب الريــاح‪،‬‬ ‫فــي األمســيات الهادئــة بيــن العشــاق‪ ،‬فــي ذواتنــا‪،‬‬ ‫ث ــم هنال ــك الصم ــت ال ــذي يطل ــب من ــا أن نصغ ــي‬ ‫إلي ــه فق ــط‪ .‬وه ــو أيضــ ًا «الذه ــب» الوحي ــد ال ــذي ال‬ ‫تطيقــه النســاء!‪ ،‬علــى َحـّد قــول الكاتبــة األميركيــة‬ ‫مــاري ويلســون ليتــل‪.‬‬ ‫والصم ــت أحيان ـ ًا يصب ــح أمني ــة نل ــوذ به ــا‪ ،‬مكان ـ ًا‬ ‫ـجرة ننعم بظلها‪ ،‬ربوعـ ًا نخلد إليها‪.‬‬ ‫نلجــأ إليــه‪ ،‬شـ ً‬ ‫وهــو يخيفنــا أيضـ ًا عندمــا نســمع عن صمــت القبور‬ ‫الموحــش‪ ،‬أو صمــت النفــس التي علــت باإلثم أعلى‬ ‫ـول إلــى منــذر ونذيــر‪ ،‬كمــا‬ ‫مراتبــه‪ .‬وغالبـ ًا مــا يتحـّ‬ ‫فــي صمــت البحــر وســكونه قبل العاصفــة‪ ،‬إذ فجأة‬ ‫ـارة عل ــى الصخ ــور‬ ‫تهي ــج أمواج ــه وتق ــذف ب ــه ت ـ ً‬ ‫ـارة‪ ،‬ويتناف ــران‬ ‫وت ـ ً‬ ‫ـارة عل ــى الرم ــال‪ ،‬يتعانق ــان ت ـ ً‬

‫ـارة أخ ــرى‪ ،‬ف ــي ِع ــراك س ــرمدي‪ .‬والصم ــت ه ــو‬ ‫تـ ً‬ ‫الس ــام‪ ،‬س ــام ال ــروح والنف ــس‪ ،‬وال ــذي يفس ــح‬ ‫وتأماتنــا مــن عمقــه‬ ‫المجــال لكــي ننتشــل أفكارنــا ّ‬ ‫الدفيــن‪ .‬صمــت يؤّلــب ذكرياتنــا‪ ،‬مـّـرة عبــر صــورة‬ ‫ـكان ش ــهد‬ ‫عاه ــا االصف ــرار‪ ،‬وم ـّـرة أخ ــرى ف ــي م ـ ٍ‬ ‫لحظ ــة تعيس ــة أو س ــعيدة م ــن حياتن ــا‪ .‬والكلم ــات‬ ‫بدوره ــا كثي ــرًا م ــا تصب ــح س ــجينة الصم ــت عندم ــا‬ ‫صم ــاء‬ ‫نج ــد أن ــه م ــن العب ــث أن نص ــرخ ف ــي آذان ّ‬ ‫ته ــرب م ــن اإلصغ ــاء‪ ،‬ب ــل تدي ــر ظهره ــا للحقيق ــة‬ ‫حت ــى ول ــو كان ــت مفحم ــة‪ .‬أل ــم يق ـ ْـل حكماؤن ــا ال‬ ‫تجــادل األحمــق‪ ،‬فقــد يخطــئ النــاس فــي التفريــق‬ ‫ـكل أكب ــر ف ــارق ف ــي حياتن ــا‬ ‫بينكم ــا! والصم ــت يش ـ ِّ‬ ‫فــي اللحظــات التــي تفصــل بيــن االبتســامة ودهشــة‬ ‫الرعـــب‪ .‬وهـــو لغـــة صعبـــة ال يمكـــن تفســـيرها‬ ‫بس ــهولة‪ ،‬ويك ــون أحيانــ ًا أفض ــل ج ــواب محتم ــل‬


‫مثلما الثلج‬ ‫يغطي األلوان‬ ‫ّ‬ ‫ويخفف‬ ‫األصوات‪ ،‬هكذا‬ ‫يطغى الصمت‬ ‫على ضجيج‬ ‫الحياة‬

‫لامنطق ــي‪ .‬وربم ــا ه ــذا م ــا دف ــع الكات ــب اإليطال ــي‬ ‫كل ه ــذه‬ ‫روبرت ــو موربورغ ــو ألن يتس ــاءل‪ :‬لم ــاذا ّ‬ ‫اللّغ ــات؟ أل ــم يك ــن يكف ــي الصم ــت؟‬ ‫وعندمـــا تعجـــز الجـــوارح عـــن التعبيـــر‪ ،‬يبقـــى‬ ‫عم ــا يش ــعر ب ــه الم ــرء م ــن‬ ‫الصم ــت‬ ‫ّ‬ ‫المعب ــر الوحي ــد ّ‬ ‫قســـر وإحبـــاط‪ .‬صامتـــون كأن علـــى رؤوســـهم‬ ‫الطيــر! ورغــم أن الصمــت هــو واحــد مــن المواضيــع‬ ‫الت ــي يصع ــب دحضه ــا‪ّ ،‬إال أن الش ــاعر البولن ــدي‬

‫ستانيســـاف جيـــرزي ليـــك‪ ،‬الـــذي كان يصغـــي‬ ‫بانتبـ ٍ‬ ‫تأمــات أصدقائه‪ ،‬كان يكتشــف‬ ‫ـاه شــديد إلــى ُّ‬ ‫أخط ــاء نحوي ــة حت ــى ف ــي صمته ــم‪.‬‬ ‫ومثلمــا الثلــج يغطــي األلــوان ويخّفــف األصــوات‪،‬‬ ‫هكــذا يطغــى الصمــت علــى ضجيج الحيــاة‪ ،‬ينادينا‬ ‫نســـترد وعينـــا‬ ‫لكـــي نستكشـــف أنفســـنا‪ ،‬لكـــي‬ ‫ّ‬ ‫ونوقــظ أرواحنــا‪ ،‬ولنخــرس الذات المســتميتة وراء‬ ‫الرغب ــات واالحتياج ــات‪ .‬والصم ــت كتعري ــف‪ ،‬ه ــو‬

‫‪65‬‬


‫إتقان الصمت‪،‬‬ ‫على األ َ ّ‬ ‫قل في‬ ‫الحالة العربية‬ ‫الراهنة‪ ،‬يمكن‬ ‫أن يُقابَل بسوء‬ ‫النية‬

‫‪66‬‬

‫فكرنــا فــي‬ ‫انتفــاء الصــوت أو الضجيــج‪ .‬وفيمــا لــو ّ‬ ‫المعان ــي المختلف ــة له ــذا االس ــم والف ــروق اللغوي ــة‬ ‫ـكل وضــوح‬ ‫التــي تســتخدم فــي إطارهــا‪ ،‬نكتشــف بـ ّ‬ ‫عب ــر عن ــه كنق ــص ش ــيء م ــا‪ ،‬ب ــل‬ ‫ب ــأن الصم ــت ال ُي ّ‬ ‫عكســه تمامـاً‪ .‬وبالفعــل‪ ،‬نجــده يحـّدد وجــود الفكــر‬ ‫ويتحـــول إلـــى مغـــزى‬ ‫واإلحســـاس الـــذي يتمـــّدد‬ ‫ّ‬ ‫خ ــاص عندم ــا يلت ــزم الصم ــت‪ .‬ممارس ــة الصم ــت‬ ‫ـكل عب ــره حميمي ــة وطي ــدة م ــع‬ ‫الداخل ــي ال ــذي نش ـ ِّ‬ ‫نفكــر بــه‪ ،‬الــذي‬ ‫أنفســنا‪ ،‬يزيــد مــن نمــو ذاك الــذي ِّ‬ ‫ـس ونرغ ــب ب ــه‪.‬‬ ‫نح ـ ّ‬ ‫الصم ــت يكتس ــب مغ ــزى مغاي ــرًا حس ــب اللحظ ــات‬ ‫الت ــي يتخ ــذ فيه ــا مكانــ ًا ل ــه‪ ،‬فه ــو يس ــتخدم ف ــي‬ ‫خل ــوات ديني ــة كش ــكل م ــن االحت ــرام الجمع ــي أو‬ ‫فــي ذكــرى شــخص راحــل‪ .‬وفــي األديــرة المغلقــة‪،‬‬ ‫ـكل الصمــت جــزءًا مــن الحياة بداخلهــا‪ ،‬بينما في‬ ‫يشـ ِّ‬ ‫ـكل‬ ‫ـ‬ ‫تش‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الت‬ ‫ـتراحة‬ ‫ـ‬ ‫االس‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫الصم‬ ‫ـيقى‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الموس‬ ‫ِّ‬ ‫جــزءًا مــن الموســيقى نفســها‪ ،‬لتبلــغ َأ ْو َج عنفوانها‪.‬‬ ‫فـــي زمـــن شيشـــرون‪ ،‬كان الصمـــت يمثـــل قـــدرة‬ ‫الخطي ــب لتواص ــل ُم ْجــٍد‪ ،‬وف ــي النظ ــام القضائ ــي‬ ‫لبعــض الــدول‪ ،‬كمــا نشــاهد باســتمرار فــي األفــام‬

‫البوليســية األميركيــة‪ ،‬الصمــت هــو حــق مشــروع‪،‬‬ ‫حيــث يمكــن لشــخص مــا أن يلتــزم به ليحمي نفســه‬ ‫م ــن تهم ــة محتمل ــة‪ .‬وه ــو ف ــي النهاي ــة‪ ،‬طق ــوس‪،‬‬ ‫أحـــكام اجتماعيـــة‪ ،‬تقييـــم‪ ،‬معرفـــة وحمايـــة‪،‬‬ ‫وبالنســبة لليابانييــن‪ ،‬أجمــل شــيء هــو أن تصغــي‬ ‫إل ــى رج ــل صام ــت‪.‬‬ ‫ـس أنهــا أقــرب إلــى‬ ‫ـ‬ ‫تح‬ ‫ـازي‬ ‫ـ‬ ‫المغ‬ ‫إذن‪ ،‬أي مــن هــذه‬ ‫ّ‬ ‫فكرتــك عــن الصمــت؟ وعندمــا تلتــزم بالصمــت‪ ،‬مــا‬ ‫الفكــرة التــي تريــد إيصالهــا؟ وإتقــان الصمــت‪ ،‬علــى‬ ‫قابــل‬ ‫ا َألقـّ‬ ‫ـل فــي الحالــة العربيــة الراهنــة‪ ،‬يمكــن أن ُي َ‬ ‫بســـوء النيـــة‪ ،‬علـــى رأي أديبتنـــا الكبيـــرة غـــادة‬ ‫حملونــا وزر النوايــا!‬ ‫الســمان‪ :‬ألننــا نتقــن الصمــت ّ‬ ‫والصم ــت ف ــي المعالج ــة ه ــو ج ــزء م ــن اإلصغ ــاء‬ ‫المعالج إلــى المريض‬ ‫ّ‬ ‫الفعــال‪ ،‬الــذي ينقلــه الطبيــب ُ‬ ‫عب ــر الصم ــت واالتص ــال غي ــر الصوت ــي (النظ ــر‪،‬‬ ‫التمــاس المرئــي)‪ ،‬فمــن ال يفهــم صمتــك‪ ،‬غالب ـ ًا ال‬ ‫يفه ــم حت ــى كلمات ــك‪ ،‬كم ــا يق ــول الكات ــب والناش ــر‬ ‫هوبــارد (‪.)1915-1856‬‬ ‫والفنــان األميركــي ألبــرت ّ‬ ‫هنالــك بعــض القضايــا‪ ،‬مــن بينها العنف الجنســي‪،‬‬ ‫التحــرش أو اإلســاءة‪ ،‬حيــث تتـّـم معالجتهــا بطريقــة‬


‫صامتــة‪ ،‬عبــر اإلصغــاء الــذي يشــعر المريــض إزاءه‬ ‫باألمــان‪ ،‬ألنــه يتحـّدث عــن شــيء فظيــع ومؤلم‪ .‬في‬ ‫المعالج ينقــل االحترام‬ ‫هــذه الحالــة‪ ،‬صمــت الطبيــب ُ‬ ‫تجــاه اآلخــر‪ ،‬أي كمــا لــو أنــه يقــول للمريــض‪ :‬أنــا‬ ‫موجــود هنــا اآلن لكــي أصغــي إلــى آالمــك‪.‬‬ ‫الفع ــال‪ ،‬ال ــذي ال يقتص ــر عل ــى مق ــدرة‬ ‫واإلصغ ــاء ّ‬ ‫كل شــخص‬ ‫المعالــج فقــط‪ ،‬ولكنــه يشــمل ّ‬ ‫الطبيــب ُ‬ ‫يرغــب فــي تحســين ســبل التواصــل مــع اآلخريــن‪،‬‬ ‫ومنــح التفكيــر المقــدرة إليجــاد وقــت‬ ‫للتأمــل‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫ـول إل ــى ش ــيء رصي ــن‬ ‫به ــذا الص ــدد‪ ،‬الصم ــت يتح ـ ّ‬ ‫تجـــاه أنفســـنا‪ ،‬وســـور حـــول الحكمـــة كمـــا عنـــد‬ ‫األلم ــان‪ ،‬ويمنحن ــا الفرص ــة والوق ــت الستكش ــاف‬ ‫عواطفنـــا وأفكارنـــا‪ .‬بالعكـــس‪ ،‬فـــي احتمـــال أن‬ ‫ش ــخص ًا م ــا يمل ــك صعوب ــة ف ــي البق ــاء لوح ــده‪،‬‬ ‫يمكــن أن ينظــر إلــى الصمــت كعزلــة‪ ،‬فقــدان العاقــة‬ ‫والتم ــاس م ــع اآلخ ــر‪.‬‬

‫سلطة الصمت‬ ‫يمكــن االنطــاق مــن هــذه النقطــة أيضـ ًا للحديث عن‬ ‫تلــك الســمة التــي‪ ،‬كمــا نعــرف‪ُ ،‬تعـّد ذهبـاً‪ ،‬ولكــن‬ ‫تحولــت إلــى رصــاص قاتــل فــي عالــم‬ ‫مــع األســف ّ‬ ‫التواصــل االجتماعــي الــذي يســاهم بوتيرة ســريعة‬ ‫ف ــي تبدي ــل م ــا اعتدن ــا علي ــه م ــن أن التفكي ــر صن ــو‬ ‫الوجــود‪ ،‬إنمــا اآلن أصبــح صنــو ثرثــرة ال تضبطها‬ ‫كل أنـــواع القـــذف‬ ‫والتهجـــم‪،‬‬ ‫أي أحـــكام‪ ،‬تشـــمل ّ‬ ‫ُّ‬ ‫وكل مـــا لـــه صلـــة بالبـــذاءة‪ .‬حماقـــة واضحـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عندمــا تنــال مــن الصمــت وتقســو علــى عفتــه بهــذه‬ ‫الفجــة‪ .‬يقــول األديــب الرومانــي تيــودور‬ ‫الطريقــة ّ‬ ‫فاســيليو‪ :‬أثنــاء الليــل‪ ،‬أكثــر مــن صريــر الجدجــد‪،‬‬ ‫يدهشــني صمــت ماييــن الَنْمـ ِ‬ ‫ـل التــي تصغــي إليــه‪.‬‬ ‫وعكــس مــا ُيقــال إن الســكوت عامــة الرضــا‪ ،‬يبــدو‬ ‫أن مــن يصمــت هــو الــذي يمســك بيــده زمــام األمــور‪.‬‬ ‫فــي قصــة نشــرتها الـ(فايننشــيال تايمــز)‪ ،‬الطبعــة‬ ‫اإليطالي ــة‪ ،‬أن مدي ــرة طلب ــت راتبــ ًا س ــنوي ًا ق ــدره‬ ‫خمســة وســتون ألــف يــورو‪ ،‬وأمــام صمــت صاحب‬ ‫الشــركة لمــدة عشــر ثــوان‪ ،‬أخفضــت راتبهــا تلقائيـ ًا‬ ‫إلــى اثنيــن وســتين ألفـاً‪ ،‬ثــم إلــى ســتين ألفـ ًا بعــد‬ ‫ســبع ثــوان مــن الصمــت‪.‬‬ ‫ليــس باألمــر الجديــد حتم ـ ًا أن ســلطة الصمــت هــي‬ ‫م ــادة أدبي ــة أيضــاً‪ ،‬وكان ــت الوس ــيلة األساس ــية‬ ‫إلدانات «صامتة»‪ .‬وال شك أن المسيرات الصامتة‪،‬‬ ‫كل‬ ‫ه ــي أبل ــغ أث ــرًا م ــن مئ ــات الش ــعارات‪ ،‬ف ــوق ّ‬ ‫شـــيء ألنهـــا تثيـــر أعصـــاب مـــن يريـــد أن يســـمع‬ ‫ـام ب ــارع ال‬ ‫ويرص ــد ّ‬ ‫كل ش ــاردة وواردة‪ .‬وأي مح ـ ٍ‬ ‫ـورع ع ــن تذكي ــر موكّلــه دائم ـاً‪ ،‬الي ــوم أكث ــر م ــن‬ ‫يت ـ َّ‬

‫أي وق ــت مض ــى‪ ،‬م ــن أن القاع ــدة األول ــى لكس ــب‬ ‫القضيــة هــي الصمــت‪ .‬والمحامــي اإليطالــي الشــهير‬ ‫كورســو ليبيــرو كارلــو بوفيــو‪ ،‬كان قــد وضــع حــق‬ ‫الصمــت كشــعار علــى بطاقتــه التعريفيــة‪« :‬الصمــت‬ ‫قي ـْد ب ــه»‪.‬‬ ‫م ــن ذه ــب‪َ ،‬ت ّ‬

‫سالح الصمت‬ ‫والوجــه اآلخــر للميداليــة هــو ســاح الصمــت‪ ،‬وهــو‬ ‫يعتم ــد ف ــي رب ــح المنازل ــة عل ــى ش ــرطين‪ ،‬أي أن‬ ‫يقبــل الطــرف اآلخــر هــذا الجمــود ويصمــت بــدوره‬ ‫ـول إلــى إدانــة‪،‬‬ ‫أيضـاً‪ .‬وهــذا الســاح يمكــن أن يتحـّ‬ ‫إل ــى خ ــوف‬ ‫وتوج ــس أيض ـاً‪ ،‬أكثره ــا ح ـّدة صم ــت‬ ‫ُّ‬ ‫األعــداء‪ ،‬ألنــه يحمــل فــي طياتــه أكثــر مــن احتمــال‪،‬‬ ‫َأقّل ــه الغ ــدر أو االلتف ــاف عل ــى معاه ــدة ل ــم يج ـ ّ‬ ‫ـف‬ ‫حبرهــا بعــد‪ .‬وعندمــا يكــون الصمــت ســاح ًا مطلقـ ًا‬ ‫وحيويــاً‪ ،‬عندئ ــذ ال يمك ــن دح ــره س ــوى بالكلم ــة‪.‬‬ ‫والكلمــة هــي‪ :‬هــل تســمعني‪ ،‬أريــد حقوقــي؟! كمــا‬ ‫ســـتخدم الصمـــت‬ ‫يمكـــن ماحظـــة ذلـــك عندمـــا ُي‬ ‫َ‬ ‫كســـاح‪ .‬ولكـــن هـــذا ال يتحقّـــق ّإال عندمـــا يكـــون‬ ‫تفه ــم اآلخ ــر‪ ،‬أم ــا‬ ‫الش ــخص المقاب ــل يمل ــك نزع ــة ُّ‬ ‫فـــي حـــال العكـــس‪ ،‬فيمكـــن أن يبطـــش بـــك‪ .‬ثـــم‬ ‫هنــاك مــن يســألك ســؤاالً‪ ،‬يطلــب شــيئاً‪ ،‬فــإذا أنــت‬ ‫التزمــت الصمــت‪ ،‬يذهــب فــي ســبيله‪ .‬ولكــن إذا كـّـرر‬ ‫الســؤال فــي اليــوم التالــي‪ ،‬واليــوم الــذي يليــه‪ ،‬فــي‬ ‫النهايــة مــن يستســلم هــو أنــت‪ .‬إنهــا القاعــدة التــي‬ ‫يجــب ّأال ننســاها أبــداً‪ ،‬وهي أن الصامت بشــكل عام‬ ‫يمكــن أن يربــح المعركــة‪ ،‬ولكــن الحــرب يربحها في‬ ‫النهاي ــة م ــن يص ـّـر ويجع ــر‪ .‬وربط ــت الع ــرب الس ـّـر‬ ‫بالصمــت‪ ،‬أو عــدم اإلفشــاء بــه‪ :‬مــن لــم يكــن لسـّـره‬ ‫كتومـاً‪ ،‬فــا ُيلــم فــي كشــفه نديمـاً‪ .‬بينمــا عصابــات‬ ‫وفع ــال‬ ‫المافي ــا ال ت ــزال تس ــتخدمه كس ـ ٍ‬ ‫ـاح وحي ــد ّ‬ ‫لضمــان اســتمراريتها‪ ،‬بــل االلتــزام بالصمــت‪ُ ،‬يع ـّد‬ ‫الشــرط األول لمــن ينضــم إلى صفوفهــا‪ .‬ومع ذلك‪،‬‬ ‫هنالــك دائمـ ًا مــن يعاكــس التيــار ببديهة الرأســمالي‬ ‫كل فضائــل الصمــت‪.‬‬ ‫الــذي يفضــل البراغماتيــة علــى ّ‬ ‫ـط يبي ــض بصم ــت‪ ،‬بينم ــا‬ ‫يق ــول هن ــري ف ــورد‪ :‬الب ـ ّ‬ ‫كل العال ــم‬ ‫الدجاج ــات تنقن ــق باختب ــال‪ ،‬والنتيج ــة ّ‬ ‫يــأكل بيــض الدجــاج!‬ ‫للفضــول فقــط‪ ،‬المــكان األكثــر هــدوءًا فــي العالــم ال‬ ‫يتواجــد فــي ٍ‬ ‫واد منعــزل فــي جبــال األلــب أو فــي قلب‬ ‫الصح ــراء‪ ،‬ولك ــن ف ــي مختب ــرات أميركي ــة معقَّم ــة‬ ‫(أورفيل ــد ف ــي مينيابولي ــس)‪ ،‬حي ــث ش ـ َّـيدوا غرف ــة‬ ‫هــي مــن أكثــر األماكــن صمتـ ًا وهــدوءًا فــي العالــم‪.‬‬ ‫يبق ــى أن أذك ــر‪ ،‬تيمن ـ ًا بأجدادن ــا‪ ،‬خي ــر ال ــكام م ــا‬ ‫ودّل‪ ،‬ور ّب سـ ٍ‬ ‫ـكوت (صمــت) أبلــغ مــن أي كام‪.‬‬ ‫َقـّ‬ ‫ـل َ‬ ‫ُ‬

‫عكس ما يُقال‬ ‫إن السكوت‬ ‫عالمة الرضا‪،‬‬ ‫يبدو أن من‬ ‫يصمت هو الذي‬ ‫يمسك بيده‬ ‫زمام األمور‬

‫‪67‬‬


‫يقول لودفيج ِفْت ِغنْشتاين (‪ ،)1951 - 1889‬في آخر كتابه المعنون «رسالة فلسفية‬ ‫منطقية»‪ ،‬الذي ُن ِشَر عام ‪« :1921‬ما ال يمكننا الحديث عنه نتجاوزه بالصمت»‪ .‬وفي‬ ‫ِ‬ ‫ــر بها الكتاب أوالً‪ ،‬اكتســبت هذه الجملة منزلة األمثال الشــعبية‬ ‫األلمانية‪ ،‬التي ُنش َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫والحكــم‪ .‬وفــي مقدمة كتابه ذاتــه يؤكد فْتغنْشــتاين ذلك المفهوم بقوله «الــذي يمكن قوله على‬ ‫اإلطــالق يمكــن قوله بوضوح‪ ،‬وما ال يمكننا أن نتحّدث عنه يجــب أن نتخطاه بصمت»‪ .‬من هو‬ ‫إذن لودفيج ِفْت ِغْنشتاين‪ ،‬وما فحوى كتابه «رسالة فلسفية منطقية» وما الذي يمكن قوله ُليقال‬ ‫بوضوح أو ال يمكن قوله حتى نتجاوزه بالصمت؟‬

‫حيث ال يمكن الكالم‬ ‫ﻋﺒﺪاﻟﻮﻫﺎب اﻷﻧﺼﺎري‬

‫الحديث عن‬ ‫الغيبيات واألمور‬ ‫الميتافيزيقية‬ ‫والفلسفة ليس‬ ‫من اختصاص‬ ‫اللّغة‪ ،‬أو بمعنى‬ ‫أدق ال يمكن‬ ‫للغة أن تُعبِّر‬ ‫عنها‬

‫‪68‬‬

‫ُيعـــّد لودفيـــج ِفْت ِغْنشـــتاين‪ ،‬النمســـاوي ‪-‬‬ ‫البريطانـــي‪ ،‬وإن لـــم تكـــن األغلبيـــة فـــي العالـــم‬ ‫العربــي قــد ســمعت بــه ‪ ،‬مــن أعظــم فاســفة القــرن‬ ‫العشـــرين‪ ،‬مـــا لـــم يكـــن أعظمهـــم علـــى اإلطـــاق‬ ‫فــي اعتبــار الكثيريــن‪ .‬لكــن األغلبيــة الســاحقة مــن‬ ‫ـدرس ِفْت ِغْنش ــتاين‪ ،‬الفيلس ــوف‬ ‫الع ــرب يعرف ــون ُم ـ ّ‬ ‫البريطانـــي برترانـــد َر ِســـل‪ .‬يقـــول َر ِســـل عـــن‬ ‫تلميـــذه ِفْت ِغْنشـــتاين إنـــه أكمـــل مثـــال للعبقريـــة‬ ‫كمــا يتــم‬ ‫تصورهــا (أي العبقريــة) تقليديـاً‪ .‬واليــوم‬ ‫ُّ‬ ‫وبالرغ ــم م ــن م ــرور قراب ــة مئ ــة ع ــام عل ــى نش ــر‬ ‫«رس ــالة فلس ــفية منطقي ــة»‪ ،‬وه ــو كت ــاب صغي ــر‬ ‫لـــم يتجـــاوز عـــدد صفحاتـــه المئـــة‪ ،‬فـــإن أروقـــة‬ ‫الجامعــات (فــي أقســام الفلســفة في العالــم الغربي)‬ ‫م ــا ت ــزال تتضم ــن رس ــائل ح ــول «رس ــالة فلس ــفية‬ ‫منطقي ــة»‪ ،‬وح ــول ِفْت ِغْنش ــتاين عمومــاً‪ ،‬وأصب ــح‬ ‫لش ـ َّـراح الطبق ــة األول ــى ش ـ َّـراح ًا وأتباعــ ًا لم ــدارس‬ ‫ـير أو آخ ــر لجمل ــة م ــا‬ ‫فكري ــة تداف ــع إم ــا ع ــن تفس ـ ٍ‬ ‫ف ــي كت ــاب ِفْت ِغْنش ــتاين وم ــا َع َّل ــه كان يعن ــي به ــا‪.‬‬ ‫تكمــن أهميــة ِفْت ِغْنشــتاين الفلســفية فــي إحداثــه‬

‫ثورتي ــن ف ــي عال ــم الفلس ــفة‪ .‬األول ــى ل ــدى نش ــره‬ ‫كتابــه المذكــور‪ ،‬وهــو الكتــاب الوحيــد الــذي ُن ِشـ َـر‬ ‫ـن ِفْت ِغْنشــتاين حينهــا أنــه بكتابــه‬ ‫لــه فــي حياتــه‪َ .‬ظـّ‬ ‫ـل (أو أذاب) المســائل الفلســفية التــي أشــكلت‬ ‫قــد َحـّ‬ ‫عل ــى الفاس ــفة‪ .‬بالنس ــبة للوضعيي ــن المنطقيي ــن‬ ‫ف ــي فيين ــا فكأنم ــا كان كت ــاب ِفْت ِغْنش ــتاين بمثاب ــة‬ ‫ٍ‬ ‫إنجيـــل لهـــم يتدارســـونه فـــي حلقاتهـــم وكان‬ ‫ِفْت ِغْنش ــتاين يزوره ــم بي ــن الحي ــن واآلخ ــر وإن ل ــم‬ ‫يك ــن يعتب ــر نفس ــه أح ــد أعض ــاء تل ــك المدرس ــة‪.‬‬ ‫بالنســبة لِفْت ِغْنشــتاين فإن ِعلل المســائل الفلســفية‬ ‫تكمـــن فـــي اللّغـــة وعـــدم فهمنـــا لكيفيـــة اكتســـاب‬ ‫الكلمـــات معانيهـــا‪ .‬فـــي كتـــاب «رســـالة فلســـفية‬ ‫منطقي ــة» فاللّغ ــة ص ــورة للواق ــع (كلم ــة س ــيارة‬ ‫صـــورة للســـيارة)‪ .‬قولنـــا‬ ‫مثـــا‬ ‫مثـــا «الســـيارة‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حمــراء» (قضيــة فــي المنطــق) تكــون صادقــة فيمــا‬ ‫ـا‬ ‫ل ــو نظرن ــا إل ــى الس ــيارة ووجدناه ــا حم ــراء فع ـ ً‬ ‫مطابق ـ ًـة الواق ــع‪ .‬وه ــي إن ل ــم تك ــن حم ــراء ف ــإن‬ ‫ـل س ــليمة كقضي ــة‬ ‫تظ ـ ّ‬ ‫قضي ــة «الس ــيارة حم ــراء» َ‬ ‫ـورة محتملـ ًـة‬ ‫(وإن كانــت كاذبــة)‪ ،‬ألنهــا تعكــس صـ ً‬


‫للواقــع‪ .‬لكــن «ينبغــي أن تشــتري ســيارة حمــراء»‬ ‫ـورة ألي واقــع‪.‬‬ ‫ليســت قضيــة‪ ،‬ألنهــا ال تعكــس صـ ً‬ ‫ومثـــل ذلـــك فجملـــة «الســـيارة حمـــراء وليســـت‬ ‫حم ــراء» ليس ــت قضي ــة ألنه ــا تناق ــض‪ ،‬و«الس ــيارة‬ ‫الحم ــراء حم ــراء» تحصي ــل حاص ــل (مث ــل ‪5=2+3‬‬ ‫فــي التفكيــر الِفْت ِغْنشــتايني‪ ،‬وهــي صادقــة دائمـاً)‪،‬‬ ‫ـوة» و«المطربــة‬ ‫فهــي ليســت قضيــة‪ .‬و«المغنيــة حلـ ٌ‬ ‫جميلـ ٌـة» جملتــان مختلفتــان‪ ،‬لكــن قضيتهمــا واحدة‪.‬‬ ‫وإذا قلــت أنــا «أشــعر باإلرهــاق» وقلــت أنت «أشــعر‬ ‫باإلرهــاق» فالجملــة واحــدة‪ ،‬لكــن القضيــة مختلفة‪.‬‬ ‫وجمل ــة تشومس ــكي المش ــهورة «األف ــكار الخض ــراء‬ ‫عديم ــة الل ــون تن ــام بغض ــب» صحيح ــة قواعديــاً‪،‬‬ ‫لكنه ــا ب ــا معن ــى‪ ،‬فه ــي ليس ــت قضي ــة‪.‬‬ ‫ال يس ــعنا هن ــا الخ ــوض ف ــي تفاصي ــل نظري ــة‬ ‫الصــورة (فــي مقابــل «تثبت» الوضعييــن)‪ .‬خاصة‬ ‫األم ــر أن م ــا قال ــه ِفْت ِغْنش ــتاين ف ــي كتاب ــه ه ــو أن‬ ‫مجــال اللّغــة هو هــذه القضايا القابلــة للتصديق (أو‬ ‫للتكذيــب)‪ ،‬إذ إن اللّغــة صــورة للعالــم‪ .‬إذن فاللّغــة‬ ‫ال يمكنهــا أن تعكــس صــورة مــا وراء العالــم‪ .‬وهــي‬ ‫إن فعلــت ذلــك تكــون بــا معنــى‪ .‬إذن فالحديــث عــن‬ ‫الغيبيــات واألمور الميتافيزيقيــة (وتناقضياً‪ ،‬حتى‬ ‫الفلســفة نفســها) ليســت مــن اختصــاص اللّغــة‪ ،‬أو‬ ‫عبــر عنهــا‪ .‬لكــن هــي‬ ‫بمعنــى أدق ال يمكــن للغــة أن ُت ِّ‬ ‫ـور يمك ــن أن تتض ــح‪ .‬وبالنس ــبة لِفْت ِغْنش ــتاين‪،‬‬ ‫أم ـ ٌ‬ ‫تل ــك ه ــي األم ــور األه ــم‪ .‬تل ــك ه ــي نقط ــة الصم ــت‬ ‫يتحـــدث عنهـــا ِفْت ِغْنشـــتاين عندمـــا يقـــول‬ ‫التـــي‬ ‫َّ‬ ‫«إن ــه حي ــث ال يمك ــن ال ــكام ينبغ ــي الصم ــت»‪ .‬كان‬ ‫ِفْت ِغْنشــتاين يحمــل التقديــر العميــق لألمــور الغيبيــة‬ ‫الك َّتــاب‬ ‫حتــى أنــه كان يهــم بالرهبنــة‪ .‬والكثيــر مــن ُ‬ ‫ـوف لديــه‪ .‬عندمــا ورث‬ ‫يشــيرون إلــى نزعــة التصـ ُّ‬ ‫والــده‪ ،‬الــذي كان أغنــى أغنيــاء فيينــا‪ ،‬أعطــى مــا‬ ‫ـا‬ ‫ورثــه إلخوتــه ُم ِّ‬ ‫ـا بأنــه حيــث إنهــم أغنيــاء فعـ ً‬ ‫علـ ً‬ ‫فــإن المــال اإلضافــي لــن يفســدهم‪.‬‬ ‫وحيـــث إن ِفْت ِغْنشـــتاين كان مغمـــورًا لـــدى‬ ‫رغبت ــه نش ــر الكت ــاب ق ـ َّـرر ُمَدِر ُس ــه برتران ــد َر ِس ــل‬ ‫قد ٍ‬ ‫مـــة للكتـــاب لتشـــجيع الناشـــرين‪ّ ،‬إال‬ ‫كتابـــة ُم ِّ‬ ‫أن ِفْت ِغْنشـــتاين اشـــتكى مـــن أن َر ِســـل لـــم يفهـــم‬ ‫كتابـــه‪ .‬والواقـــع أن َر ِســـل كان منبهـــرًا بتلميـــذه‬ ‫إل ــى درج ـ ٍـة جعلت ــه يتراج ــع ع ــن إنه ــاء كت ــاب ل ــه‬ ‫كان قــد بــدأ ســتة فصـ ٍ‬ ‫ـول منــه النتقــاد ِفْت ِغْنشــتاين‬ ‫لألف ــكار ال ــواردة في ــه‪ .‬أم ــا رودل ــف كارن ــاب‪ ،‬أح ــد‬ ‫مؤسســي الوضعيــة المنطقيــة‪ ،‬على تأثــره العميق‬ ‫بالكتــاب‪ ،‬فــكان بالرغــم مــن ذلــك أحــد المحتجيــن‬ ‫فيمـــا يتعلَّـــق بـــأن الفلســـفة نفســـها مـــن األمـــور‬ ‫الماورائيــة عندمــا قــال «يبــدو أن (ِفْت ِغْنشــتاين) غيــر‬ ‫ـق فيمــا يفعلــه‪ .‬يقــول إننــا ال يمكننــا التصريــح‬ ‫متسـ ٍ‬ ‫بالقضايــا الفلســفية‪...‬وبعدئٍذ عوضـ ًا عــن الصمت‪،‬‬

‫ـا»‪ .‬بالنســبة لِفْت ِغْنشــتاين‬ ‫يكتــب كتابـ ًا فلســفي ًا كامـ ً‬ ‫ف ــإن مهم ــة الفيلس ــوف‪ -‬بتعبي ــره ه ــو‪ -‬ه ــي إبان ــة‬ ‫الطري ــق للذباب ــة للخ ــروج م ــن ق ــارورة الذب ــاب‪،‬‬ ‫وكل مــا يكتبــه هــو فــي الفلســفة إنمــا بمثابــة ُســلَّم‬ ‫للصعــود‪ ،‬وبعــد أن يرتقــي المتســلِّق درجاتــه إلــى‬ ‫الس ــلَّم‪.‬‬ ‫األعل ــى علي ــه أن يط ــرح ُ‬ ‫فـــي الســـنوات التاليـــة لنشـــر الكتـــاب وبعـــد‬ ‫ـل‬ ‫اعتزال ــه الفلس ــفة راضيــ ًا بقناعت ــه بأن ــه ق ــد َح ـ ّ‬ ‫األمـــور الفلســـفية بـــدأت الشـــكوك تســـاوره عبـــر‬ ‫نقاشــات مــع آخريــن بــأن مــا جــاء بــه ُيعـّد تبســيط ًا‬ ‫كبيــرًا لــدور اللّغــة‪ .‬وبتشــبيهه هــو الرائــع لتلميذتــه‬ ‫ومترجم ــة كتب ــه جرت ــرود أنس ــكوم ف ــإن م ــا ورد‬ ‫ف ــي «رس ــالة فلس ــفية منطقي ــة» لي ــس كل ــه خط ـ ًأ‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ـردوات ويدعــي أنــه‬ ‫ـس يحتــوي علــى خـ‬ ‫وليــس ككيـ ٍ‬ ‫يحت ــوي عل ــى س ــاعة‪ ،‬إنم ــا عل ــى كي ــس يحت ــوي‬ ‫ٍ‬ ‫فعـــا ّإال أنهـــا ال تشـــير إلـــى الوقـــت‬ ‫ســـاعة‬ ‫علـــى‬ ‫ً‬ ‫الصحيـــح‪ .‬رجـــع ِفْت ِغْنشـــتاين إلـــى الفلســـفة فـــي‬ ‫كيمبــردج عــام ‪ 1929‬تحديــدًا مســتفيدًا مــن ســنوات‬ ‫االســتجمام ليحــدث الثــورة التاليــة في الفلســفة في‬ ‫كتابــه الــذي ُن ِشـ َـر بعــد موتــه «تحقيقــات فلســفية»‬ ‫(‪ .)1953‬فــي تحقيقــات ال تكتســب الكلمــة معناهــا‬ ‫ـورة للعالــم‪ ،‬لكــن المعنــى يأتــي نتيجـ ًـة‬ ‫كونهــا صـ ً‬ ‫الســتخدام الكلمــة فــي اإلطــار االجتماعــي‪ .‬ال يغنينــا‬ ‫نتعل ــم أن قطع ــة م ــن أحج ــار الش ــطرنج‬ ‫ـا أن َّ‬ ‫مث ـ ً‬ ‫ُتدعــى البيــدق‪ ،‬المعنــى يكمــن فــي كيفيــة اســتخدام‬ ‫البي ــدق‪ .‬الفلس ــفة ف ــي ه ــذه المرحل ــة لِفْت ِغْنش ــتاين‬ ‫عاجيــة كاشــفة‪ ،‬تشــفي مــن الرغبــة فــي التفلســف‬ ‫والتنظي ــر‪.‬‬ ‫تن ــدرج ه ــذه المناح ــي الفلس ــفية تح ــت ُمس ـ َّـمى‬ ‫الفلس ــفة التحليلي ــة الت ــي تتح ـ َّـرى الدق ــة المنطقي ــة‬ ‫والوض ــوح‪ ،‬وذل ــك ف ــي مقاب ــل الفلس ــفة القاري ــة‬ ‫(األوروبيــة) التــي يتهمهــا التحليليــون بالغمــوض‪.‬‬ ‫تشـــمل القاريـــة النزعـــات الوجوديـــة والمثاليـــة‬ ‫والبنيويـــة والظاهراتيـــة‪ ...‬إلـــخ‪ .‬وهـــؤالء علـــى‬ ‫وجــه العمــوم أكثــر التصاقـ ًا بالمشــاكل المجتمعيــة‬ ‫والقضايــا الحياتيــة‪ .‬ويــرى القاريــون‪ ،‬مــن أمثــال‬ ‫دريــدا وفوكــو‪ ،‬أن التحليلييــن يفتقــرون إلــى الــدور‬ ‫الخـــاق للخيـــال الفكـــري‪ ،‬حيـــث إن التحليليـــة ال‬ ‫َّ‬ ‫تشـــغل نفســـها كثيـــرًا بأمـــور األخـــاق والجمـــال‬ ‫والخي ــر إل ــى آخ ــر االهتمام ــات الفلس ــفية الت ــي ق ــد‬ ‫يتحـــدث عنـــه‬ ‫يبدونهـــا هـــم‪ ،‬لكـــن الصمـــت الـــذي‬ ‫َّ‬ ‫ِفْت ِغْنش ــتاين بمثاب ــة بواب ـ ٍـة للدخ ــول إل ــى عال ــم ال‬ ‫يمك ــن الحدي ــث عن ــه‪ ،‬أو ال معن ــى للحدي ــث عن ــه‪،‬‬ ‫إنمــا هــو وجــود تتــم تجربتــه ومعاناتــه‪ ،‬وهــو َرّد‬ ‫التحليليي ــن عل ــى القاريي ــن‪.‬‬

‫نقطة الصمت‬ ‫التي يتح َّدث‬ ‫عنها ِف ْت ِغ ْنشتاين‬ ‫عندما يقول‬ ‫«إنه حيث ال‬ ‫يمكن الكالم‬ ‫ينبغي الصمت»‬

‫‪69‬‬


‫الصمت‬ ‫من السكوت إلى ّ‬ ‫ﻋﺒﺪ اﻟﺴﻼم ﺑﻨﻌﺒﺪ اﻟﻌﺎﱄ‬

‫حتى إن سلَّم‬ ‫هذا الموقف بأن‬ ‫للصمت فضيلة‪،‬‬ ‫فهو‪ ،‬في نظره‪،‬‬ ‫ال يُستَمد من‬ ‫ذاته‪ ،‬وإنما من‬ ‫كونه يجنبنا‬ ‫رذائل الكالم‬

‫‪70‬‬

‫الصمت‪ .‬لكن لغونا أســبق من الــوالدة‪ .‬نحن‬ ‫«ال خــالص ّإال فــي محــاكاة ّ‬ ‫جنس من المهذارين والمنويات الثرثارة‪ ،‬مشدودون كيميائي ًا إلى الكالم»‪.‬‬ ‫سيوران‬ ‫ـن كتبــوا عــن الثنائــي كام‪/‬صمت‬ ‫يضعنــا أغلــب َمـ ْ‬ ‫يذكرونــا بــأن «خطــر‬ ‫أمــام اختيــارات حّديــة‪ ،‬فإمــا أن ّ‬ ‫كل الس ــامة»‪،‬‬ ‫اللس ــان عظي ــم»‪ ،‬وأن «ف ــي الصم ــت ّ‬ ‫الك ـ ّ‬ ‫كل‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ـاد‬ ‫ـ‬ ‫واالبتع‬ ‫ـف ع ــن ال ــكام‬ ‫ّ‬ ‫فيدعونن ــا إل ــى َ‬ ‫أشــكال الثرثــرة واللّغــو‪ ،‬وإمــا أن ينبهونــا أن الركــون‬ ‫إل ــى الصم ــت س ــكوت عم ــا يج ــري‪ ،‬وخض ــوع لألم ــر‬ ‫الواق ــع‪ ،‬و«هج ــر للس ــاحة» م ــن ش ــأنه‪ ،‬إذا م ــا ط ــال‬ ‫اإلمحــاء واإلقصاء‪.‬‬ ‫وترســخ‪ ،‬أن يـ ِّ‬ ‫ـؤدي بصاحبــه إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫رغـــم الثنائيـــة الظاهـــرة‪ ،‬فربمـــا ال يضعنـــا هـــذا‬ ‫الموق ــف ّإال أم ــام حــّد واح ــد يخت ــزل ال ــزوج وي ــرده‬

‫إل ــى ط ــرف بعين ــه‪ .‬ذل ــك أن الح ـّد األس ــاس هن ــا ه ــو‬ ‫«الــكام»‪ ،‬فهــو الفعاليــة التــي يتح ـّدد الطــرف اآلخــر‬ ‫بداللتهــا‪ .‬أمــا الصمــت فــا ُيحـ َّـدد ّإال نســبة إلــى الــكام‬ ‫وبداللتــه‪ .‬فهــو «غيــاب للــكام»‪ .‬وحتــى إن ســلَّم هــذا‬ ‫الموق ــف ب ــأن للصم ــت فضيل ــة‪ ،‬فه ــو‪ ،‬ف ــي نظ ــره‪ ،‬ال‬ ‫ُيســَتمد م ــن ذات ــه‪ ،‬وإنم ــا م ــن كون ــه يجنبن ــا رذائ ــل‬ ‫ال ــكام‪ .‬ف ــي حــّد ذات ــه‪ ،‬الصم ــت ال معن ــى ل ــه‪ ،‬إن ــه‬ ‫خ ــواء وع ــدم‪.‬‬ ‫ينظــر هــذا الموقــف إلــى حـّدي الثنائــي علــى أنهمــا‬ ‫فيعلــي مــن واحــد علــى‬ ‫طرفــان منفصــان متخارجــان ُ‬


‫ـرده إلي ــه‪ ،‬ش ــأنه ف ــي ذل ــك‬ ‫حس ــاب اآلخ ــر‪ ،‬ب ــل وي ـ ّ‬ ‫م ــع األزواج الميتافيزيقي ــة جميعه ــا‪ .‬لك ــن‪ ،‬م ــا دمن ــا‬ ‫وردهما إلى‬ ‫نحدد الطرفين باختزالهما ّ‬ ‫نســعى إلى أن ِّ‬ ‫«أصــل»‪ ،‬وإعــاء أحدهمــا علــى حســاب اآلخــر‪ ،‬ومــا‬ ‫دمنــا نحـّدد الصمــت فقــط علــى أنــه انفعــال و«غياب»‪،‬‬ ‫وليــس امتــاء وفعاليــة‪ ،‬فإننا ســنلغي عمليـ ًا الطرف‬ ‫كل معنــى وفعاليــة‪ .‬والحــال‬ ‫الثانــي‪ ،‬وســننفي عنــه ّ‬ ‫أننـــا نعلـــم أن الصمـــت ليـــس مجـــرد ســـلب‪ ،‬ليـــس‬ ‫مج ــرد «غي ــاب لل ــكام»‪ ،‬إن ــه لي ــس خ ــواء وعدمــاً‪،‬‬ ‫يتمخ ــض ع ــن فعالي ــة وينط ــوي عل ــى ق ــوة‬ ‫ب ــل إن ــه ّ‬ ‫تعبي ــر‪ .‬للصم ــت باغ ــة ق ــد تضاه ــي‪ ،‬أو تف ــوق ف ــي‬ ‫بعــض األحيــان‪ ،‬باغــة الــكام‪ .‬فغيــاب الــكام يتــرك‬ ‫المج ــال‪ ،‬ف ــي بع ــض األحي ــان‪ ،‬لمزي ــد م ــن المعن ــى‪.‬‬ ‫يبش ــر‬ ‫م ــن هن ــا فعالي ــة الصم ــت وقوت ــه‪ ،‬فه ــو ق ــد ّ‬ ‫وينــدر‪ ،‬لكنــه قــد يخيــف ويبعــث علــى الفــزع‪ ،‬مثلمــا‬ ‫فع ــل لباس ــكال ال ــذي «أرعب ــه الصم ــت األب ــدي لتل ــك‬ ‫الفضــاءات الانهائيــة»‪.‬‬ ‫ليــس الصمــت إذًا غيابـاً‪ ،‬وهــو ليــس مجــرد توّقــف‬ ‫عــن الــكام‪ ،‬وإنمــا هــو تعبيــر عــن موقــف وتجســيد‬ ‫لمعنـــى‪ ،‬وهـــذا أمـــر يدركـــه أتـــم اإلدراك أصحـــاب‬ ‫الموســيقى الذيــن ينظــرون إلــى مقاطــع الصمــت علــى‬ ‫أنهــا مقاطــع مــن المعزوفــة الموســيقية‪ ،‬وليــس علــى‬ ‫أنهــا توّقــف لتلــك المعزوفــة‪.‬‬ ‫بـــدل النظـــر إذًا إلـــى الـــزوج كام‪/‬صمـــت فـــي‬ ‫انفصــال طرفيــه وتخارجهمــا‪ ،‬ربمــا علينــا أن نحــاول‬ ‫كل طــرف علــى أنــه اآلخــر ذاتــه‬ ‫تفكيكــه‪ ،‬أي اعتبــار ّ‬ ‫في اختافه وإرجائه ‪ .différance‬آنئذ ســننظر إلى‬ ‫ـنتبين أن ــه‬ ‫ال ــكام أيض ـ ًا بدالل ــة الط ــرف اآلخ ــر‪ ،‬وس ـ ّ‬ ‫مــا يفتــأ «يحاكــي الصمــت» علــى َحـّد قــول ســيوران‪.‬‬ ‫ـنميز بيــن صمــت وصمــت‪ :‬صمــت يتكّلــم‬ ‫وحينئــذ سـ ّ‬ ‫ألنــه جــزء مــن الــكام وليــس طرفــه المقابــل‪ ،‬وصمــت‬ ‫الصم ــت ال‬ ‫أخ ــرس‪ ،‬ألن ــه ال يتلب ــس ال ــكام‪ .‬ذل ــك أن ّ‬ ‫يغــدو صمتـ ًا ّإال حينمــا َي ْعَلــق بالــكام وليــس حينمــا‬ ‫ينبــذه وينفصــل عنــه‪.‬‬ ‫كأن التقابــل الفعلــي ليــس قائمـ ًا هنــا بيــن الصمــت‬ ‫م ــن جه ــة‪ ،‬وبي ــن ال ــكام م ــن جه ــة أخ ــرى‪ ،‬وإنم ــا‬ ‫بيــن صمــت وصمــت‪ ،‬صمــت يتلبــس الــكام وصمــت‬ ‫ينب ــذه وينفص ــل عن ــه‪ .‬التقاب ــل إذًا ه ــو بي ــن الصم ــت‬ ‫والســكوت‪ .‬ذلــك أن الصمــت عندمــا ينبــذ الــكام يغــدو‬ ‫ســـكوت ًا ‪ .mutisme‬والســـكوت هـــو إرغـــام علـــى‬ ‫الصم ــت أو‪ ،‬عل ــى ا َألق ـ ّـل‪ ،‬اضط ــرار إلي ــه وعج ــز ع ــن‬ ‫التكلــم‪ .‬يقــال إن اللّغــة العبريــة تطلــق الكلمــة نفســها‬ ‫ُّ‬ ‫علــى الســكوت وعلــى العنــف‪ .‬ذلــك أن الســكوت هــو‬ ‫إســكات‪ ،‬إنــه عنــف ومنــع واضطهــاد‪ .‬ال‬ ‫فــي الغالــب ْ‬ ‫عجــب أن ترتبــط أشــكال العنــف بالمنــع عــن الــكام‪،‬‬ ‫وأن تــؤدي حــاالت الســكوت إلــى أعمــال عنيفــة‪ ،‬وأن‬ ‫يقتــرن التطـ ُّـرف باالمتنــاع عــن االنخراط في أي شــكل‬ ‫مــن أشــكال الحــوار‪.‬‬

‫تجنب ـ ًا لهــذا العنــف يكــون علينــا «تحريــر الــكام»‬ ‫كم ــا تق ــول العب ــارة الفرنس ــية ‪.libérer la parole‬‬ ‫آنئ ــذ يغ ــدو الصم ــت إفصاحــ ًا ع ــن إمكاني ــة الق ــول‪،‬‬ ‫ونوع ـ ًا م ــن فس ــح المج ــال‬ ‫للتكل ــم‪ ،‬وحينه ــا يصب ــح‬ ‫ُّ‬ ‫ـكام نهايــة صمــت في‬ ‫ـ‬ ‫ال‬ ‫ـدو‬ ‫جسـَـد الــكام وتربَتــه‪ ،‬ليغـ‬ ‫ُ‬ ‫انتظــار آخــر‪ .‬ويكون مثل العمل الموســيقي‪ ،‬فـ«يظهر‬ ‫بيــن لحظتــي صمــت‪ :‬صمــت البداية وصمــت النهاية»‪.‬‬ ‫غي ــر أن «تحري ــر ال ــكام»‪ ،‬كم ــا نعل ــم‪ ،‬ل ــم يع ــد‬ ‫متيســرًا فــي فضاءاتنــا التــي تضبطهــا قواعــد قاهــرة‬ ‫ـص جميــل‬ ‫تحـ ِّـدد لعبــة الــكام واالمتنــاع عنــه‪ .‬فــي نـ ّ‬ ‫تحــت عنــوان لمــاذا نحــب البقــاء فــي األريــاف؟ يعرض‬ ‫هايدغ ــر له ــذه المس ــألة فيق ــف عن ــد التقاب ــل بي ــن م ــا‬ ‫يدعــوه «الصمــت» مــن جهــة‪ ،‬ومــا يطلــق عليه‪«:‬ثرثرة‬ ‫يميــز العزلــة عــن‬ ‫المتأدبيــن الكاذبــة»‪ .‬وهــو يبــدأ بــأن ّ‬ ‫التوحــد‪ .‬يقــول‪« :‬غالبـ ًا مــا يندهــش أهــل المدينــة مــن‬ ‫ُّ‬ ‫انعزالــي الطويــل الرتيــب فــي الجبــال مــع الفاحيــن‪.‬‬ ‫ّإال أن ه ــذا لي ــس انع ــزاالً‪ ،‬وإنم ــا ه ــي الوح ــدة‪ .‬فف ــي‬ ‫الم ــدن الكبي ــرة يس ــتطيع الم ــرء بس ــهولة أن يك ــون‬ ‫ـكان آخ ــر‪ ،‬لكن ــه ال يس ــتطيع‬ ‫منع ــز ًال أكث ــر م ــن أي م ـ ٍ‬ ‫أبــدًا أن يكــون فيهــا وحيــداً‪ .‬ذلــك أن للوحــدة القــدرة‬ ‫األصليــة علــى عــدم عزلنــا‪ ،‬بــل إنهــا‪ ،‬علــى العكــس‬ ‫مــن ذلــك‪ ،‬ترمــي وجودنــا بأكمله فــي الحوار الواســع‬ ‫مــع جوهــر األشــياء كلهــا»‪.‬‬ ‫فـــي‬ ‫يأتـــي هـــذا التقابـــل‬ ‫النـــص المذكـــور ضمـــن‬ ‫ّ‬ ‫عـــل أهمهـــا التقابـــل بيـــن الريـــف‬ ‫تقابـــات ِعـــّدة َل ّ‬ ‫والمدين ــة‪ ،‬أي بي ــن فض ــاء تس ــوده عاق ــات حميم ــة‬ ‫يغلِّفهـــا الصمـــت‪ ،‬وفضـــاء يســـوده انعـــزال ُمغلَّـــف‬ ‫بعاقـــات ســـطحية «تغمرهـــا ثرثـــرة المتأدبيـــن‬ ‫تعي ــن مج ــال‬ ‫الكاذب ــة»‪ ،‬وتضبطه ــا قواع ــد صارم ــة ّ‬ ‫المقــول ومجــال المســكوت عنــه‪ .‬وهكــذا يغــدو التقابل‬ ‫ـا بيــن عالميــن‪ :‬عالــم تســوده التقنيــة‬ ‫المذكــور تقابـ ً‬ ‫مــع مــا تفرضــه مــن عائــق بيــن البشــر فيمــا بينهــم‪،‬‬ ‫وبينه ــم وبي ــن الكائ ــن‪ ،‬وآخ ــر يري ــد أن ينفل ــت م ــن‬ ‫ذل ــك العال ــم ويتج ــاوزه‪.‬‬ ‫ق ــد يب ــدو كام هايدغ ــر للوهل ــة األول ــى منطويــ ًا‬ ‫علــى تناقضــات‪ .‬فهــو‪ ،‬علــى عكــس مــا نتوقــع‪ ،‬يربط‬ ‫الثرث ــرة باالنع ــزال‪ ،‬مثلم ــا يرب ــط الصم ــت‬ ‫والتوح ــد‬ ‫ُّ‬ ‫بالحــوار‪ .‬يرتفــع هــذا الشــعور بالتناقــض إذا علمنا أن‬ ‫«فيلســوف الغابــة الســوداء» يريد بالضبــط أن يفضح‬ ‫التواص ــل ال ــكاذب ال ــذي تفرض ــه الثّقاف ــة التنميطي ــة‬ ‫الت ــي تس ــود عالمن ــا المعاص ــر والت ــي تض ــع ع ــوض‬ ‫الصم ــت األصي ــل مج ــرد س ــيموالكرات تتش ــبه ب ــه‪،‬‬ ‫ليكش ــف أن وراءه ــا عزل ــة حقيقي ــة تغلِّفه ــا «ثرث ــرة‬ ‫توح ــدًا‬ ‫المتأدبي ــن الكاذب ــة»‪ ،‬ويقابله ــا بم ــا يدع ــوه ّ‬ ‫يغلِّف ــه الصم ــت ال ــذي يفت ــح وجودن ــا بأكمل ــه عل ــى‬ ‫الح ــوار الواس ــع‪ ،‬ال م ــع ال ــذات واآلخري ــن فحس ــب‪،‬‬ ‫ب ــل م ــع «جوه ــر األش ــياء كله ــا»‪.‬‬

‫في المدن‬ ‫الكبيرة يستطيع‬ ‫المرء بسهولة‬ ‫أن يكون منعز ً‬ ‫ال‬ ‫أكثر من أي‬ ‫مكان آخر‪ ،‬لكنه‬ ‫ٍ‬ ‫ال يستطيع أبد ًا‬ ‫أن يكون فيها‬ ‫وحيد ًا‬

‫‪71‬‬


‫معان كثيرة‬ ‫ٍ‬ ‫ألفاظ قليلة‬ ‫في‬ ‫ٍ‬ ‫ﻣﺤﻤﺪ اﻟﻀﺎﻣﻦ‬ ‫عرف بـــ‪( :‬أدب الصمــت)‪ ،‬حيث ُتفِرد لــه بعض كتب‬ ‫تمتلــئ مدونــة تراثنــا العربــي بما ُي َ‬ ‫سمى‪« :‬باب في الصمت»‪ ،‬ككتاب ابن عبد ربه الشهير (العقد الفريد)‪.‬‬ ‫المجاميع باب ًا تحت ُم َّ‬ ‫ويجــد المتصفِّــح لهذه المدونات التي ُتفِرد له باب ًا أو ُتفــِرد له كتاب ًا تام ًا مثلما يصنع ابن‬ ‫أبي الدنيا (ت ‪ 281‬هـ) حين يضع كتابه‪( :‬كتاب الصمت وآداب اللسان)‪ ،‬أن هناك خطابين يتصارعان‬ ‫بمنطق بالغي جميل في المدونة التراثية‪ ،‬بين فضيلة الصمت‪ ،‬وفضيلة الكالم‪...‬‬

‫اللسان عند‬ ‫أصحاب الصمت‬ ‫مورد الهالك‪ ،‬هالك‬ ‫أخالقي‪ ،‬وجسدي‬ ‫يتجسد ذلك في‬ ‫ّ‬ ‫مقولة أكثم بن‬ ‫صيفي التي‬ ‫يذكرها في باب‬ ‫الصمت ابن عبد‬ ‫ربه‪( :‬مقتل الرجل‬ ‫بين فكيه)‬

‫‪72‬‬

‫ف ــإذا كان اب ــن أب ــي الدني ــا ف ــي كتاب ــه (كت ــاب‬ ‫الصم ــت) ينح ــاز بش ــكل كام ــل لفضيل ــة الصم ــت‪،‬‬ ‫ف ــإن أب ــا عثم ــان الجاح ــظ ينح ــاز لفضيل ــة ال ــكام‬ ‫فـــي رســـالته‪( :‬تفضيـــل النطـــق علـــى الصمـــت)‪.‬‬ ‫بينمــا صاحبنــا ابــن عبــد ربــه فــي «العقــد الفريــد»‬ ‫فيكتفــي بســر مــا جمعــه مــن حكــم ومأثــورات عــن‬ ‫الصم ــت‪ ،‬ث ــم يتب ــع ه ــذا الب ــاب بب ــاب ف ــي المنط ــق‬ ‫يس ــتجمع في ــه م ــا ِقي ــل م ــن محام ــد ال ــكام‪ ،‬دون‬ ‫أن يدخ ــل ف ــي ج ــدال بينهم ــا كم ــا يفع ــل الجاح ــظ‪،‬‬ ‫فضلــوا‬ ‫فهــو يكتفــي بإخبارنــا بقولــه‪( :‬قــال الذيــن َّ‬ ‫المنطــق)‪ ،‬فيســرد مقوالتهــم كحجتهــم التــي يفتتــح‬ ‫ـث األنبيــاء بالــكام‪ ،‬ولــم‬ ‫بهــا هــذا البــاب‪( :‬إنمــا ُب ِعـ َ‬ ‫يبعثــوا بالســكوت‪ .‬وبالكام وصــف فضل الصمت‪،‬‬ ‫ولـــم يوصـــف القـــول بالصمـــت‪ ،‬وبالـــكام ُيؤم ــر‬ ‫وينه ــى ع ــن المنك ــر‪.)...‬‬ ‫بالمع ــروف ُ‬ ‫إن فضيلــة الصمــت تتمحــور عنــد أصحابها حول‬ ‫فســـاد اللســـان باعتبـــاره منبـــع الشـــر‪ ،‬وأســـاس‬ ‫الطريــق إلــى اإلثــم‪ .‬تتمثــل هــذه الفكــرة فــي كثيــر‬ ‫األحادي ــث ع ــن الرس ــول‪ -‬صل ــى اهلل علي ــه وس ــلم‪-‬‬ ‫والصحاب ــة‪ ،‬وحك ــم األولي ــن ومأث ــورات العلم ــاء‬ ‫والزهـــاد‪ ،‬مثـــل الحديـــث الـــذي يـــورده ابـــن أبـــي‬

‫الدني ــا مروي ـاً‪( :‬ع ــن اب ــن مس ــعود‪...‬أنه كان عل ــى‬ ‫يلبــي‪ ،‬ويقــول‪ :‬يــا لســان ُقـ ْـل خيــرًا تغنــم‪،‬‬ ‫الصفــا ِّ‬ ‫أو أنص ــت تس ــلم م ــن قب ــل أن تن ــدم؟ قال ــوا‪ :‬ي ــا أب ــا‬ ‫عبدالرحمــن‪ ،‬هــذا شــيء تقولــه‪ ،‬أو شــيء ســمعته؟‬ ‫ق ــال‪ :‬ال‪ ،‬ب ــل س ــمعت رس ــول اهلل يق ــول‪« :‬إن أكث ــر‬ ‫خطاي ــا اب ــن آدم ف ــي لس ــانه»)‪.‬‬ ‫ت ــكاد تك ــون ه ــذه الفك ــرة الت ــي ي ــدور حوله ــا‬ ‫قس ــم‬ ‫كت ــاب الصم ــت بتبويب ــات مختلف ــة‪ ،‬حي ــث ُي َّ‬ ‫الكت ــاب ِ‬ ‫لع ـّدة أب ــواب مفتتح ـ ًا بباب(حف ــظ اللس ــان‬ ‫وفضـــل الصمـــت)‪ ،‬وبقيـــة األبـــواب تـــدور حـــول‬ ‫األخ ــاق الفاس ــدة الت ــي تنت ــج ع ــن إط ــاق ال ــكام‬ ‫مثــل باب(النهــي عــن فضــول الــكام والخــوض فــي‬ ‫الباطــل)‪ ،‬أو (النهــي عــن الــكام فيمــا ال يعنيك)‪ ،‬أو‬ ‫يحل لصاحبها الــكام بها)‪ ،‬وباب(ذم‬ ‫(الغيبــة التــي ّ‬ ‫اللســانين)‪ .‬يســتمر فــي ذم المــزاح والكــذب وتبيــان‬ ‫فضيل ــة الص ــدق‪ ،‬فاللس ــان عن ــد أصح ــاب الصم ــت‬ ‫يتجس ــد‬ ‫م ــورد اله ــاك‪ ،‬ه ــاك أخاق ــي‪ ،‬وجس ــدي‬ ‫ّ‬ ‫ذل ــك ف ــي مقول ــة أكث ــم ب ــن صيف ــي الت ــي يذكره ــا‬ ‫فــي بــاب الصمــت ابــن عبــد ربــه‪( :‬مقتــل الرجــل بيــن‬ ‫فكيــه)‪ .‬وهــي مقولــة ســارت مجــرى األمثــال‪ ،‬حيــث‬ ‫يدونه ــا الزمخش ــري ف ــي كتاب ــه‪( :‬المس ــتقصى م ــن‬


‫أمثــال العــرب)‪ .‬هــذا الخطاب حــول الصمت يعرضه‬ ‫أب ــو عثم ــان الجاح ــظ بباغت ــه المعه ــودة‪ ،‬وقلم ــه‬ ‫المحت ــرف ف ــي الج ــدل‪ ،‬فه ــو ف ــي ص ــدر رس ــالته‪:‬‬ ‫(تفضيـــل النطـــق علـــى الصمـــت) يذكـــر صاحبـــه‬ ‫ال ــذي ينح ــاز للصم ــت بمقولت ــه ف ــي فضل ــه مق ــرًا‬ ‫ل ــه بذل ــك‪ ،‬حي ــث يق ــول‪( :‬ق ــد ق ــرأت كتاب ــك فيم ــا‬ ‫وصفــت مــن فضيلــة الصمــت‪ ،‬وشــرحت مــن مناقــب‬ ‫الس ــكوت‪ ...‬وذك ــرت أن ــك وج ــدت الصم ــت أفض ــل‬ ‫م ــن ال ــكام ف ــي مواط ــن كثي ــرة وإن كان صوابــاً‪،‬‬ ‫وألفيــت الســكوت أحمــد مــن المنطــق فــي مواضــع‬ ‫َج َّم ــة‪ ،‬وإن كان حق ـاً)‪.‬‬ ‫لخ ــص الجاح ــظ مق ــوالت المنحازي ــن للصم ــت‬ ‫ُي ِّ‬ ‫ذك ــرًا صاحب ــه‪( :‬وزعم ــت أن اللس ــان م ــن مس ــالك‬ ‫ُم ِّ‬ ‫الخن ــا‪ ،‬والجال ــب عل ــى صاحب ــه الب ــا‪ ،‬وقل ــت‪ :‬إن‬ ‫يتنبه‬ ‫ـورط فــي الــكام)‪َّ .‬‬ ‫حفــظ اللســان أمثــل مــن التـ ُّ‬ ‫الجاح ــظ لم ــا يمك ــن تس ــميته بوه ــم الحكم ــة ف ــي‬ ‫الصمـــت حيـــن يقـــول‪( :‬وســـميت الغبـــي‬ ‫عاقـــا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫والصامـــت حليمـــاً‪ ،‬والســـاكت لبيبـــاً‪ ،‬والمطـــرق‬ ‫فكــراً‪ .‬وســميت البليــغ مكثــارًا والخطيــب مهــذاراً‪،‬‬ ‫ُم ِّ‬ ‫والفصيــح مفرطـاً‪ ،‬والمنطيق مطنباً)‪ُ .‬يعّد الجاحظ‬ ‫صاحــب كتــاب الصمــت الــذي يحاججــه بأنــه مهت ـٍد‬ ‫به ــواه‪ ،‬ويظ ــن بأن ــه ‪( :‬ال يلف ــي ل ــه ناقضــ ًا ف ــي‬ ‫ده ــره بع ــد أن أبرمه ــا‪ ،‬وال يج ــد فيه ــا مناوي ـ ًا ف ــي‬ ‫عص ــره بع ــد أن أحكمه ــا)‪ ،‬وأنه ــا ت ــدل عل ــى (كام‬ ‫امــرئ قــد ُأعجــب برأيــه وارتطــم فــي هــواه)!‪ .‬يعتــد‬ ‫الجاحــظ بنفســه وبرأيــه حيــن يبــدأ بســرد حججــه‬ ‫‪( :‬وإن ــي س ــأوضح ذل ــك ببره ــان قاط ــع‪ ،‬وبي ــان‬ ‫رده‪ ،‬وال يمكنـــه‬ ‫ســـاطع‪...‬بما ال يســـتطيع أحـــد ّ‬ ‫إنــكاره وجحــده)!‪ .‬مــا هــي حجــج الجاحــظ إذن عن‬ ‫فضــل الــكام علــى الصمــت؟!‪ .‬تتمحــور حججــه على‬

‫أس ــاس أن الخي ــر ال ــذي يبتغي ــه اإلنس ــان ومنه ــم‬ ‫أصح ــاب الصم ــت ال يح ــوزه ّإال بال ــكام مخاطبــ ًا‬ ‫صاحبــه‪( :‬إنــك ال تســتطيع العبــارة عــن حاجتــك‬ ‫واإلبانـــة عـــن مآربـــك ّإال باللســـان)‪ .‬فالجاحـــظ‬ ‫ينح ــاز لل ــكام بوصف ــه طريقــ ًا للمعرف ــة‪ ،‬وبيانــ ًا‬ ‫لحقائــق األمــور‪ ،‬بينمــا الصمــت فــي نظــره عجــز‪،‬‬ ‫حيــث يقــول‪( :‬ولــم يحمــد الصمــت مــن أحــد ّإال توقِّيـ ًا‬ ‫ـق والص ــواب ف ــي إصاب ــة‬ ‫لعج ــزه ع ــن إدراك الح ـ ّ‬ ‫المعنــى)‪ .‬فحيــن يكــون الشــخص عالم ًا ُيعـّد الصمت‬ ‫عيبـ ًا فــي حقــه‪ ،‬إذ الصمــت ملــزم للجهــل كمــا يــرى‬ ‫الجاحــظ‪( :‬ولــم يلــزم الرجــل الصمــت إحــد ّإال علــى‬ ‫س ــبيل وق ــوع الجه ــل علي ــه‪ ،‬فأم ــا إذا كان الرج ــل‬ ‫نبيهــا مميــزاً‪ ،‬عالمـ ًا مفوهـ ًا فالصمــت مهجــن لعلمــه‬ ‫وســـاتر لفضلـــه)‪ .‬فلـــم يعـــرف فضـــل العـــرب ّإال‬ ‫بباغــة اللســان‪ ،‬ويستشــهد الجاحــظ بالقــرآن الذي‬ ‫ج ــاء للع ــرب كم ــا تق ــول اآلي ــة الكريم ــة‪( :‬بلس ــان‬ ‫عربــي مبيــن)‪ .‬وأن الرســول كان‪( :‬أفصــح العــرب‬ ‫لس ــاناً‪ ،‬وأحس ــنهم بيان ـاً)‪.‬‬ ‫هكـــذا تمحـــور خطـــاب الجـــدل بيـــن فضيلـــة‬ ‫ـن يزي ــل‬ ‫الصم ــت وال ــكام‪ ،‬لكنن ــا س ــنجد هن ــاك َم ـ ْ‬ ‫التره ــات ع ــن فكرت ــي المفاضل ــة ه ــذه م ــن خ ــال‬ ‫طــرح فيــه اقتصــاد الــكام‪ ،‬وهــي فكــرة دارت عليها‬ ‫الباغ ــة باعتباره ــا ال ــكام الخال ــي م ــن اإلطن ــاب‬ ‫والمي ــل إل ــى اإليج ــاز مثلم ــا يستش ــهد اب ــن رش ــيق‬ ‫القيروانــي فــي كتابــه «العمــدة» بأمثلــة دالــة علــى‬ ‫لســان أحدهــم دون ذكــر الســمه‪ِ( :‬قيــل ألحدهــم‪ :‬مــا‬ ‫الباغــة؟ فقــال‪ :‬إصابــة المعنــى وحســن اإليجــاز)‪.‬‬ ‫ـان‬ ‫وع ــن آخ ــر حي ــن ُس ـِئ َل ع ــن الباغ ــة ق ــال‪( :‬مع ـ ٍ‬ ‫كثي ــرة‪ ،‬ف ــي ألف ـ ٍ‬ ‫ـاظ قليل ــة)‪.‬‬

‫(وزعمت أن‬ ‫اللسان من‬ ‫مسالك الخنا‪،‬‬ ‫والجالب على‬ ‫صاحبه البال‪،‬‬ ‫وقلت‪ :‬إن حفظ‬ ‫اللسان أمثل‬ ‫من التورُّط في‬ ‫الكالم)‬

‫‪73‬‬


‫قال لهم‪ :‬أنا‬ ‫أخرس‪ .‬لم‬ ‫يكترثوا‪ .‬وضعوه‬ ‫ضمن «الدوالب»‪،‬‬ ‫ولسعوه‬ ‫بالكهرباء على‬ ‫حين غرّة فقال‬ ‫«أأ»‪ ،‬فقال لهم‬ ‫معلمهم‪ :‬ها هو‬ ‫تعلَّم حرف «أ»‪،‬‬ ‫اختبروه في الباء‬

‫الديكتاتور‬ ‫واألخرس‬ ‫ﺧﻄﻴﺐ ﺑﺪﻟﺔ‬ ‫‪-1-‬‬

‫ـال‬ ‫ـرب‪ ،‬وتتوّق ــف أعم ـ ُ‬ ‫س ــيأتي ي ــوم تنته ــي في ــه الح ـ ُ‬ ‫ـك م ــا يكف ــي م ــن الت ــرف لنس ــتمتع‬ ‫اإلب ــادة‪ ،‬ونمتل ـ ُ‬ ‫ـت العصف ــورة تعش ــش ف ــي‬ ‫بم ــا غنَّت ــه في ــروز «رجع ـ ْ‬ ‫ونخص ــص وقت ـ ًا آخ ــر نق ــرأ في ــه م ــا قال ــه‬ ‫القرمي ــد»‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ش ــاعر الح ــب ن ــزار قبان ــي لحبيبت ــه‪« :‬ه ــل تس ــمعين‬ ‫أشـــواقي‪ ،‬عندمـــا أكـــون صامتـــاً؟»‪ .‬ونتســـاءل‪ :‬مـــا‬ ‫ال ــذي كان يعني ــه بقول ــه‪« :‬إن الصم ــت س ــيدتي‪ ،‬ه ــو‬ ‫أق ــوى أس ــلحتي»؟‪ ...‬وه ــل ثم ــة م ــا يدع ــو الس ــتخدام‬ ‫‪74‬‬

‫«األس ــلحة» ف ــي حض ــرة الحبيب ــة؟ وك ــم ه ــو جمي ــل‬ ‫ـت فــي َحـَـرم الجمال‬ ‫قوُلــه‪ ،‬فــي قصيــدة أخــرى‪ :‬فالصمـ ُ‬ ‫ـال‪.‬‬ ‫جم ـ ُ‬ ‫ال نمتلــك هــذا التــرف اآلن‪ ،‬ألننــا نخــوض الحــرب ضــد‬ ‫اإلرهــاب‪ ،‬والمؤامــرات‪ ،‬واالســتعمار‪ ،‬والصهيونيــة‪،‬‬ ‫وطواحيــن الهــواء‪ ،‬واإلمبرياليــة‪ ،‬والرجعية‪ ،‬وننشــد‬ ‫مـــع زهيـــر بـــن أبـــي ســـلمى‪ :‬ومـــا الحـــرب ّإال مـــا‬ ‫المَر َّج ـ ِـم‪،‬‬ ‫علمت ـ ْـم ُ‬ ‫وذْقُت ـ ُـم‪ ...‬وم ــا ه ــو عنه ــا بالحدي ــث ُ‬ ‫ث ــم نس ــتدرك قائلي ــن إن الح ــرب‪ ،‬ف ــي أي ــام زهي ــر‪،‬‬


‫كانــت شــبه «صامتــة»‪ ،‬ال ُيســمع فيهــا هديـُـر البراميــل‬ ‫المحشـــوة بالبـــارود وشـــظايا الرصـــاص والحديـــد‬ ‫والنحــاس وهــي ُتلقــى علــى رؤوس المواطنيــن الذيــن‬ ‫يلـ ّ‬ ‫بيوتهــم‪ ،‬وال توجــد قاذفــات عماقــة‬ ‫ـت الليــل َ‬ ‫ـف صمـ ُ‬ ‫تلق ــي القناب ــل االرتجاجي ــة ف ــوق البش ــر ف ــي الم ــدن‬ ‫والق ــرى والبل ــدات‪ ،‬وال دباب ــات م ــن ط ــراز «‪،»T72‬‬ ‫قذائفهــا لتوصــل الضجيــج إلــى عنــان الســماء‪.‬‬ ‫ُتطلــق َ‬

‫‪-2-‬‬

‫لق ــد أمضين ــا‪ ،‬نح ــن أبن ــاء الش ــعب الغلب ــان‪ ،‬قس ــم ًا‬ ‫ـداول الحك ـ َـم واألمث ــال‬ ‫كبي ــرًا م ــن أعمارن ــا ونح ــن نت ـ ُ‬ ‫وأبرزهــا إذا كان الــكام‬ ‫الشــعبية واألقــوال المأثــورة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مـــن فضـــة فـــإن الســـكوت مـــن ذهـــب‪ ،‬وأن الصمـــت‬ ‫حكم ــة وفي ــه الس ــامة‪ ،‬ولك ــن المس ــتبدين أجبرون ــا‬ ‫نغيــر قناعاتنــا‪ ،‬ونضــرب عــرض الحائــط بحكمنــا‬ ‫أن ّ‬ ‫وأمثالن ــا ومأثوراتن ــا الش ــعبية‪ ،‬إذ قال ــوا إن الصم ــت‬ ‫ـا إراديـاً‪ ،‬وليــس بالضــرورة أن يفضــي إلــى‬ ‫ليــس فعـ ً‬ ‫نج ــاة‪ ،‬وإن عليك ــم أن تتكلم ــوا حينم ــا نطل ــب نح ـ ُـن‬ ‫منك ــم ال ــكام‪ ،‬وتس ــكتوا حينم ــا نأمرك ــم بالس ــكوت‪.‬‬

‫‪-3-‬‬

‫قلنــا للمســتبدين إننــا نحفــظ عــن النبــي الكريــم قولــه‬ ‫«م ـ ْـن كان يؤم ــن ب ــاهلل والي ــوم اآلخ ــر فليق ـ ْـل خي ــرًا أو‬ ‫َ‬ ‫ليصمــت»‪ ،‬فانبــروا ليصّلــوا عليــه ويسـلّموا تســليماً‪،‬‬ ‫ثــم قالــوا‪ :‬صــدق رســول اهلل‪ ،‬ولكــن «الخيــر» هــو أن‬ ‫تقولــوا مــا نريــده نحــن‪ ،‬أو فلتصمتــوا‪.‬‬

‫‪-4-‬‬

‫ـت‪ ،‬ضم ــن‬ ‫قب ــل م ــا يزي ــد عل ــى ثاثي ــن عامــاً‪ ،‬حصل ـ ْ‬ ‫ـزة كبي ــرة‪ :‬كان ثم ــة رج ــل‬ ‫ح ــدود مش ــاهداتي‪ ،‬معج ـ ٌ‬ ‫صامــت «أخــرس» يمــارس حياتــه اليوميــة‪ ،‬ثــم يــأوي‬ ‫إل ــى بيت ــه ليس ــهر م ــع عيال ــه‪ ،‬وين ــام‪ ،‬وفج ــأة‪ ،‬م ــع‬ ‫شــعاع الفجــر‪ ،‬داهــم الناطقــون بيتــه‪ ،‬وســحبوه مــن‬ ‫فراشــه الدافــئ إلــى حيــث يجــري تعليم النــاس الكام‪.‬‬ ‫كلمهــم باإلشــارة‪ ،‬قــال لهــم‪ :‬أنــا أخــرس‪ .‬لــم يكترثــوا‪.‬‬ ‫وضعــوه ضمــن «الــدوالب»‪ ،‬ولســعوه بالكهربــاء على‬ ‫حي ــن غ ــرة فق ــال «أأ»‪ ،‬فق ــال له ــم معلمه ــم‪ :‬ه ــا ه ــو‬ ‫تعلــم حــرف «أ»‪ ،‬اختبــروه فــي البــاء‪ .‬فوضعــوه فــي‬ ‫َّ‬ ‫مــكان بــارد‪ ،‬حتــى أخــذت أســنانه تصطــك‪ ،‬وشــفتاه‬ ‫تق ــوالن «ب ب ــب بب ــب»‪ ،‬فق ــال‪ :‬ه ــا ق ــد تعل ــم الب ــاء‪،‬‬ ‫تعلــم األبجديــة كلها‪،‬‬ ‫اختبــروه بالتــاء‪ ...‬وهكــذا حتــى َّ‬ ‫ـي‪ ،‬وحك ــى ل ــي حكاي ــات كثي ــرة‪،‬‬ ‫وحمله ــا وج ــاء إل ـ َّ‬ ‫كتبــت مــن وحيهــا أولــى قصصــي تحــت عنــوان «حكــى‬ ‫لــي األخــرس»!‬

‫‪-5-‬‬

‫فــي ذات يــوم‪ ،‬يــا ســادتي الكــرام‪َ ،‬مـّـر الشــاعر الكبيــر‬

‫أحمــد فــؤاد نجــم بأحد شــوارع مدينة التاريخ دمشــق‪،‬‬ ‫تزام ـ َـن ذل ــك م ــع االحتف ــاالت بذك ــرى انق ــاب حاف ــظ‬ ‫األس ــد ال ــذي ُيع ــرف باس ــم «الحرك ــة التصحيحي ــة»‪،‬‬ ‫ـام‪ ،‬والافتــات التي تشــيد‬ ‫ـور األســد‪ ،‬واألعـ َ‬ ‫ورأى صـ َ‬ ‫بقيادتـــه‪ ،‬وإنجازاتـــه‪ ،‬وعطاءاتـــه‪ ،‬وانتصاراتـــه‪،‬‬ ‫وتؤكــد حــب الجماهيــر لــه‪ ،‬والتفافهــا حولــه‪ ،‬وألجــل‬ ‫ِّ‬ ‫مزيــد مــن الدهشــة واالســتلطاف‪ ،‬رأى الفتــة كانــت قــد‬ ‫علقتها إدارة المعهد الخاص برعاية ذوي االحتياجات‬ ‫الخاصــة‪ ،‬كتبــت عليهــا عبــارة‪ :‬الصــم والبكــم يقولون‬ ‫«نع ــم» للقائ ــد األس ــد! فاس ــتغرب الش ــاعر نج ــم ذل ــك‬ ‫إزاي؟‬ ‫وقــال‪ :‬دول بقــى بيقولــوا «نعــم» ّ‬

‫‪-6-‬‬

‫ـول ينقس ــم إل ــى‬ ‫من ــذ فج ــر البش ــرية‪ ،‬والعاَل ـ ُـم المأه ـ ُ‬ ‫األول ه ــو العاَل ــم العرب ــي‪ ،‬والثان ــي ه ــو‬ ‫عاَلمي ــن‪ُ ،‬‬ ‫ـاس‬ ‫ّ‬ ‫كل م ــا ع ــداه‪ .‬ف ــي «العوال ــم األخ ــرى» ج ـ َّـرب الن ـ ُ‬ ‫مواجه ــة األخط ــار والمش ــاكل والصعوب ــات بالعق ــل‪.‬‬ ‫هداه ـ ُـم العق ــل إل ــى اس ــتخدام الص ــراخ‪ ،‬والس ــكين‪،‬‬ ‫والمس ــدس‪ ،‬والب ــارودة‪ ،‬والمدف ــع‪ ،‬ث ــم أقنعه ــم ب ــأن‬ ‫الســاح األمضــى هــو ســاح العلــم والمعرفــة والثقافة‬ ‫والفلس ــفة‪.‬‬

‫‪-7-‬‬

‫تحتفــي مناهجنــا التعليميــة بالشــاعر أبــو تمــام حينما‬ ‫ض ــرب العل ــم والثّقاف ــة والفن ــون والفق ــه والفلس ــفة‬ ‫بع ــرض الحائ ــط وافتت ــح قصيدت ــه بالق ــول‪ :‬الس ــيف‬ ‫ـات‬ ‫أصــدق ْإنبـ ً‬ ‫ـاء مــن الكتــب‪ .‬بينمــا تختفــي منهــا أبيـ ُ‬ ‫س ــعيد عق ــل الت ــي تق ــول‪:‬‬ ‫يغب‬ ‫شام يا ذا‬ ‫السيف لم ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يا كام المجد في الكتب‬ ‫قبلك التاريخ في ظلمة‬ ‫الشهب‬ ‫بعدك استولى على‬ ‫ِ‬

‫المستبدون‬ ‫أجبرونا أن نغيّر‬ ‫قناعاتنا‪ ،‬ونضرب‬ ‫عرض الحائط‬ ‫بحكمنا وأمثالنا‬ ‫ومأثوراتنا‬ ‫الشعبية‪ ،‬إذ‬ ‫قالوا إن الصمت‬ ‫ليس فع ً‬ ‫ال إرادي ًا‬

‫‪-8-‬‬

‫ـت العــدد الخــاص بالصمــت الــذي تصــدره‬ ‫أخيــراً‪ :‬تخيلـ ُ‬ ‫ـاء‪ ،‬خاليـ ًـة‬ ‫ـ‬ ‫بيض‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫صفح‬ ‫ـيتضمن‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ـة»‬ ‫مجّلــة «الدوحـ‬ ‫َ‬ ‫الك َّتــاب‬ ‫مــن أي كام أو رســوم‪ ،‬تعبيــرًا عــن «صمــت» ُ‬ ‫والرســامين هــذه المـّـرة‪ ،‬مــع يقينــي بــأن‬ ‫والمحرريــن‬ ‫ّ‬ ‫الصحـــف والمجـــات ال يجـــوز لهـــا أن تصمـــت‪ ،‬ألن‬ ‫التألي ــف والتحري ــر م ــن صمي ــم عمله ــا‪ ،‬وألنه ــا‪ ،‬ف ــي‬ ‫أغلــب األحيــان تقــول خيــراً‪.‬‬ ‫‪75‬‬


‫عندما يتوقف المستهلك بعربته الطافحة بالمشتريات أمام صندوق األداء بسوق عصري أميركي‬ ‫يُسأل في غالب األحيان ذات السؤال بنبرة ال مبالية‪ ،‬وفي اآلن نفســـــه‪ ،‬ال تخــلو من تهـــديد‪:‬‬ ‫‪ .CASH, CHECK OR CHARGE‬ســؤال‪ ،‬بطبيعــة الحال‪ ،‬تود من خالله المســؤولة عن صنــدوق األداء أن تعرف‬ ‫الوسيلة التي سيســدد بها الزبون فاتورة المشتريات‪ ،‬بأوراق نقدية‪ ،‬بشيك‪ ،‬أم ببطاقة االئتمان‪ .‬ما يهم في‬ ‫هذا الطقس التجاري هو أن الزبون يجد نفسه يومي ًا موضوع ًا أمام هذه االختيارات من خالل سؤال مسكوك‪،‬‬ ‫حيث ترتيب اختيارات األداء يعكس الترتيب التاريخي التعاقبي لمختلف أنماط استعمال النقود‪.‬‬

‫نقد ًا‬ ‫أم بالشيك أم‬ ‫‪1‬‬ ‫بالبطاقة؟‬ ‫ﺟﺎن ﺟﻮزﻳﻒ ﻛﻮ‬ ‫ﺗﺮﺟﻤﺔ‪ :‬ﺟامل اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻌامريت‬ ‫يظـــل وفيـــ ًا لاســـتعمال‬ ‫األداء نقـــدًا‬ ‫ّ‬ ‫المتواتـــر لـــألوراق النقديـــة‪ .‬واألداء‬ ‫بالشـــيك بصيغتـــه الحاليـــة يكـــرس‬ ‫االبتـــكار اإلنجليـــزي الـــذي كان ال يـــزال‬ ‫إلـــى حـــدود ســـبعينيات القـــرن ‪ 19‬يثيـــر‬ ‫دهشـــة جيفونـــس ‪ ،Jevons‬والـــذي لـــم‬ ‫يتـــم تعميمـــه علـــى التجـــارة بالتقســـيط‬ ‫ّإال بعـــد ذلـــك بكثيـــر‪ .‬أمـــا األداء ببطاقـــة‬ ‫االئتمـــان‪ ،‬وهـــو آخـــر وســـيلة مبتكـــرة‬ ‫ل ــألداء‪ ،‬فل ــم يظه ــر ّإال ف ــي الخمس ــينيات‪،‬‬ ‫وهـــو ال يـــزال فـــي أوج تطـــوره‬ ‫ويعبـــر عـــن ســـيرورة جعـــل العمليـــات‬ ‫النقديـــة إلكترونيـــة‪ ،‬فاتحـــ ًا بذلـــك عهـــد‬ ‫«النقديـــات» (المعالجـــة المعلوماتيـــة‬ ‫للمعامـــات النقديـــة)‪.‬‬ ‫‪76‬‬

‫هكـــذا نجـــد أن هنـــاك عـــدة وســـائل‬ ‫لتس ــوية َدْي ــن‪ ،‬قابل ــة للتأري ــخ‪ ،‬ال زال ــت‬ ‫متعايشـــة مـــع بعضهـــا البعـــض دون أن‬ ‫تتمكـــن إحداهـــا مـــن اســـتبعاد األخـــرى‪.‬‬ ‫فـــكل‬ ‫مشـــتر‪ ،‬ينخـــرط اختياريـــ ًا فـــي‬ ‫ٍ‬ ‫منظومـــة معينـــة مـــن العمليـــات تضعـــه‬ ‫ف ــي قل ــب ه ــذا النظ ــام أو ذاك م ــن أنظم ــة‬ ‫التب ــادل‪ .‬ف ــي أح ــد طرف ــي ه ــذه السلس ــلة‬ ‫التاريخيـــة‪ ،‬هنـــاك مـــا يذكرنـــا بالمعـــدن‬ ‫النفي ــس أو عل ــى األق ــل بالموق ــع البني ــوي‬ ‫الضـــروري الـــذي كان يحتلـــه‪ .‬فـــاألوراق‬ ‫النقدي ــة كان ــت ف ــي البداي ــة تق ــوم مقام ــه‬ ‫خــال التــداول اليومــي‪ .‬وهــي‪ ،‬إلــى غايــة‬ ‫األمـــس القريـــب‪ ،‬كانـــت قابلـــة للتحويـــل‬ ‫إلـــى ذهـــب‪ .‬وفـــي الطـــرف اآلخـــر مـــن‬ ‫السلســـلة نجـــد «التســـديد بالكتابـــات»‬ ‫وعملي ــات ميكانوغرافي ــة‪ ،‬وال وج ــود هن ــا‬ ‫البت ــة لعام ــات نقدي ــة بالمعن ــى الحرف ــي‬ ‫كل مـــا هنالـــك «أوامـــر‬ ‫للكلمـــة‪ ،‬بـــل ّ‬

‫بالتحويـــل» أي تســـجيل لمعلومـــات‪.‬‬ ‫«?‪ »Cash, check or charge‬ثاث‬ ‫إمكاني ــات ل ــألداء‪ ،‬وثاث ــة أنظم ــة نقدي ــة‬ ‫تضـــع المشـــتري فـــي عاقـــات مختلفـــة‬ ‫م ــع «النق ــود»‪ ،‬وتمنح ــه يوميــ ًا إمكاني ــة‬ ‫االختي ــار بي ــن رم ــوز مختلف ــة للقيم ــة‪.‬‬ ‫ّإال أن الشـــخص‪ ،‬أمـــام الســـؤال‬ ‫الميكانيكـــي للمســـؤولة عـــن صنـــدوق‬ ‫األداء‪ ،‬عندمـــا يختـــار هـــذا الجـــواب أو‬ ‫ذاك‪ ،‬ألس ــباب متع ــددة غالبــ ًا م ــا تك ــون‬ ‫عرضيـــة‪ ،‬ال يكـــون مـــدرك ًا لتبعـــات هـــذا‬ ‫االختـــاف‪.‬‬ ‫لكـــن ورغـــم ذلـــك‪ ،‬أفـــا تتجلـــى‬ ‫فـــي هـــذا الفعـــل البســـيط ســـيميائيات‬ ‫اجتماعيـــة بكاملهـــا وطريقـــة فـــي‬ ‫الترميـــز‪ ،‬ال تســـتلزم فقـــط مرتبـــة‬ ‫معينـــة للرمـــز والقيمـــة‪ ،‬بـــل وتســـتلزم‬ ‫ضمنيــ ًا عاق ــة معين ــة ِ‬ ‫مهيكل ــة للقان ــون‬ ‫والدولـــة‪ ،‬للخـــاص والعـــام‪ ،‬للتمثـــل‬


‫والواقـــع‪ ،‬للمـــادة والفكـــر؟ ّأال تســـتدعي‬ ‫وتَفعــل‬ ‫ّ‬ ‫كل ممارســة مــن هــذه الممارســات ُ‬ ‫نمطـــ ًا منســـجم ًا للبنـــاء االجتماعـــي‪،‬‬ ‫بفلس ــفته الضمني ــة وافتراضات ــه م ــا قب ــل‬ ‫االنعكاســـية؟‬ ‫ال ش ــك أن ــه لي ــس م ــن قبي ــل الصدف ــة‬ ‫أن شـــهد قرننـــا مـــا تـــم التواضـــع علـــى‬ ‫تســـميته بنـــزع الطابـــع المـــادي عـــن‬ ‫النقـــود‪ ،‬ممـــا أكســـب األداة النقديـــة‬ ‫نظامـــ ًا اســـمي ًا بشـــكل جـــذري‪ ،‬أصبحـــت‬ ‫بموجبـــه النقـــود قابلـــة للتعويـــم‪،‬‬ ‫وفقـــدت إمكانيـــة تحويلهـــا إلـــى ذهـــب‪،‬‬ ‫وأن أصبـــح موســـوم ًا بقطيعـــة غيـــر‬ ‫معهـــودة فـــي كيفيـــة التمثيـــل‪ ،‬وبقلـــق‬ ‫مـــا انفـــك يشـــتد إزاء طبيعـــة العامـــة‬ ‫ومرتب ــة اللّغ ــة‪ .‬فف ــي المعام ــات النقدي ــة‬ ‫يتقـــرر نظـــام خـــارق للعامـــات والقيـــم‬ ‫كل‬ ‫يرس ــم ويراف ــق‪ ،‬بطريقت ــه الخاص ــة‪ّ ،‬‬ ‫التصدعـــات واالرتجاجـــات التـــي ســـعى‬

‫الفكـــر المعاصـــر إلـــى مفهمتهـــا‪ .‬انهيـــار‬ ‫المراجـــع واندثـــار القيـــم المعياريـــة‬ ‫وتفـــكك العامـــة ومدلولهـــا وإبعـــاد‬ ‫كل «ذخيـــرة» تؤمـــن‬ ‫كل «حضـــور» أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫اشـــتغال الـــدوال‪ ،‬واإلبعـــاد المطلـــق‬ ‫للمعنـــى خـــال العمليـــات الخالصـــة‬ ‫للكتابـــة‪ .‬إنهـــا أزمـــة قصـــوى تجتازهـــا‬ ‫اللّغـــة بالمعنـــى األكثـــر عموميـــة‪،‬‬ ‫تعززهـــا االســـمية النقديـــة الجديـــدة مـــن‬ ‫خ ــال ع ــدوى أو م ــن خ ــال ت ــواز يج ــدر‬ ‫ع ــدم التس ــرع ف ــي االنتق ــاص م ــن ش ــأنه‪.‬‬ ‫ومـــا يتقـــوض باالختفـــاء التاريخـــي‬ ‫للنقـــد ‪ -‬الذهـــب الـــذي ســـاد فـــي القـــرن‬ ‫الماضـــي‪ ،‬هـــو لحظـــة مثلـــى‪ ،‬لحظـــة‬ ‫تاقـــي ثـــاث وظائـــف مجتمعـــة فـــي‬ ‫جســـم واحـــد كانـــت تقـــوم بهـــا األداة‬ ‫النقديـــة‪ .‬هـــذا الجمـــع لـــم يتحقـــق دائمـــ ًا‬ ‫ولـــن يتحقـــق اليـــوم البتـــة‪ .‬فالنقـــد ‪-‬‬ ‫الذهـــب كان المقيـــاس األمثـــل للقيـــم‬

‫وأداة رمزيـــة للتبـــادل ووســـيلة فعليـــة‬ ‫لادخـــار‪ .‬فقـــد كان يجمـــع فـــي ذاتـــه‬ ‫بيـــن عـــدة وظائـــف‪ ،‬وظيفـــة النمـــوذج‬ ‫المثالـــي والبيدقـــة والكنـــز‪ .2‬إن التضافـــر‬ ‫التاريخ ــي له ــذه الوظائ ــف الث ــاث ه ــو م ــا‬ ‫َت ـ ّـم التع ــود عل ــى اعتب ــاره نق ــوداً‪ .‬وبه ــذا‬ ‫المعنـــى لـــم تعـــد النقـــود موجـــودة اآلن‪.‬‬ ‫فق ــد تقوض ــت ه ــذه الضفي ــرة‪ .‬ف ــا يوج ــد‬ ‫حالي ـ ًا أي جســم ُيتخــذ معيــارًا للقيــم وفــي‬ ‫اآلن نفســه يتــم تداولــه فــي الســوق وقابــل‬ ‫لادخـــار باعتبـــاره قيمـــة مســـتقرة‪ .‬لقـــد‬ ‫تشـــظت هـــذه الوظائـــف الثـــاث‪ .‬فالـــدال‬ ‫غي ــر القاب ــل للتحوي ــل ال ــذي يت ــم تداول ــه‬ ‫حاليـــ ًا والـــذي يركـــض ويخالـــف علـــى‬ ‫الــدوام «تحققــه»‪ ،‬يؤمــن الوظيفــة النقديــة‬ ‫علـــى المســـتوى الرمـــزي المحـــض‪ ،‬لكـــن‬ ‫فقـــط مـــن خـــال حـــداده علـــى معيـــار‬ ‫ضائــع (أو عائــم) وعلــى قيمــة احتياطيــة‬ ‫غيـــر مؤكـــدة وغيـــر مضمونـــة‪.‬‬ ‫‪77‬‬


‫بنكنة تامة للحياة‬ ‫لك ــن‪ ،‬م ــاذا ل ــو أن طف ــرة الرم ــز ه ــذه‬ ‫والحـــداد علـــى التمثيـــل ال يعـــدوان أن‬ ‫يكونـــا ســـوى مقدمـــة لســـيطرة ال نـــدري‬ ‫بع ــد مداه ــا‪ ،‬أي البنكن ــة التام ــة للوج ــود‬ ‫مـــن خـــال الجمـــع بيـــن ســـلطتي المـــال‬ ‫والحاســـوب؟‬ ‫لنعتبـــر للحظـــة «الورقـــة الخضـــراء»‬ ‫مـــن فئـــة دوالر واحـــد‪ .‬هـــذه الورقـــة‬ ‫النقدي ــة صمم ــت عل ــى أس ــاس أن تنبع ــث‬ ‫منهـــا قـــوة رمزيـــة تجعـــل منهـــا رمـــزًا‬ ‫سياس ــي ًا قويــاً‪ .‬إنه ــا نص ــب مدن ــي‪ ،‬وإن‬ ‫كان مـــن ورق فهـــذا لـــم يمنعـــه مـــن أن‬ ‫محمـــا‪ ،‬بشـــكل طقوســـي‪ ،‬بـــكل‬ ‫يكـــون‬ ‫ً‬ ‫شـــارات الرســـميات الدولتيـــة‪ .‬هنـــاك‬ ‫نفحـــة مـــن العظمـــة تنبعـــث مـــن هـــذا‬ ‫التماثـــل الدقيـــق للخطـــوط‪ ،‬مـــن هـــذا‬ ‫األمـــة‪.‬‬ ‫الترتيـــب المركـــز لـــكل رمـــوز ّ‬ ‫ففـــي أحـــد وجهـــي الورقـــة هنـــاك‪،‬‬ ‫فـــي الوســـط‪ ،‬رســـم لواشـــنطن‪ ،‬األب‬ ‫المؤســـس وأول رئيـــس‪ ،‬محاطـــ ًا‬ ‫بتوقيعيـــن بالحـــروف األولـــى لـــكل‬ ‫مـــن وزيـــر الماليـــة وكاتـــب الدولـــة فـــي‬ ‫المالي ــة‪ .‬ف ــي الوج ــه الثان ــي‪ ،‬عل ــى يمي ــن‬ ‫وعلـــى يســـار القولـــة المركزيـــة ‪in«3‬‬ ‫‪ »god we trust‬هن ــاك دائرتان يتوس ــط‬ ‫إحداهمـــا «الختـــم األكبـــر للواليـــات‬ ‫المتحـــدة» وهـــو عبـــارة عـــن هـــرم‬ ‫مبتـــور فوقـــه عيـــن علـــى شـــكل مثلـــث‪،‬‬ ‫باإلضافـــة إلـــى شـــعارين مكتوبيـــن‬ ‫بالاتينيـــة‪annuit coeptis5 et no- 4‬‬ ‫‪ ،dus ordo seclorum‬أم ــا ف ــي الدائ ــرة‬ ‫علـــى اليميـــن فهنـــاك النســـر بمخالـــب‬ ‫تحم ــل الح ــرب والس ــلم (غص ــن الزيت ــون‬ ‫وحزمـــة الســـهام)‪ ،‬ويحمـــل فـــي منقـــاره‬ ‫شـــعارًا بالاتينيـــة كذلـــك «‪E pluribus‬‬ ‫‪ .»unum6‬باإلمـــكان إعطـــاء مزيـــد مـــن‬ ‫كل عنص ــر م ــن ه ــذه‬ ‫التفاصي ــل‪ ،‬وإن كان ّ‬ ‫العناص ــر ناطقــ ًا بم ــا في ــه الكفاي ــة‪ ،‬مث ــل‬ ‫الجم ــع بي ــن ه ــذه العناص ــر ف ــوق نف ــس‬ ‫المس ــتطيل الورق ــي حي ــث تظه ــر اإلش ــارة‬ ‫إلـــى كونيـــة وســـيلة األداء هـــذه «‪this‬‬ ‫‪note is legal tender for all debts,‬‬ ‫‪.»public and private7‬‬ ‫فـــي هـــذه الورقـــة ال زالـــت وظيفـــة‬ ‫العام ــة البنكي ــة‪ ،‬البس ــيطة‪ ،‬ل ــم تق ــض‬ ‫‪78‬‬

‫المدنيـــة أو‬ ‫بعـــد علـــى غنـــى الرمـــوز‬ ‫ّ‬ ‫باألحـــرى مـــا يـــزال هـــذا الغنـــى الرمـــزي‬ ‫ضروريـــ ًا للحفـــاظ علـــى وظيفـــة‬ ‫العامـــة‪ .‬الدولـــة (وماليتهـــا) واهلل‬ ‫(وإيمانن ــا ب ــه) واألب (المؤس ــس) واللّغ ــة‬ ‫الميتـــة المقدســـة (الاتينيـــة)‪ ،‬فـــكل‬ ‫ه ــذه ال ــدوال المركزي ــة‪ 8‬القوي ــة تتجم ــع‬ ‫كل منهـــا باآلخـــر‪،‬‬ ‫وتتضافـــر ويتقـــوى ّ‬ ‫لتعطـــي للورقـــة النقديـــة وزنهـــا‪.‬‬ ‫الدولــة فــي عــز اســتقرارها‬ ‫المؤســس‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫المحميـــة بالســـلطة الماليـــة‪ ،‬هـــي التـــي‬ ‫تضمـــن قيمـــة الورقـــة‪.‬‬ ‫وتظـــل الورقـــة‬ ‫ّ‬ ‫النقديـــة األميركيـــة‪ ،‬فـــي تعبيرهـــا‪،‬‬ ‫وعلـــى الرغـــم مـــن إلغـــاء تحويـــل‬ ‫ال ــدوالر إل ــى ذه ــب عمليــ ًا من ــذ م ــا يزي ــد‬ ‫عل ــى عق ــد م ــن الزم ــن‪ ،‬بالصرام ــة ش ــبه‬ ‫الرومانيـــة لخطوطهـــا‪ ،‬متينـــة برمـــوز‬ ‫الديانـــة‬ ‫المدنيـــة وبمخيـــال القيمـــة‬ ‫ّ‬ ‫المضمونـــة والمعيـــار المســـتقر‪ .‬إن‬ ‫قيم ــة ه ــذه الورق ــة ال زال ــت تحي ــل عل ــى‬ ‫عمـــق وعاقـــة عموديـــة‪ .‬فـــي مـــكان‬ ‫مـــا‪ ،‬هنـــاك كنـــز أو وديعـــة أو اعتمـــاد‬ ‫ترته ــن إلي ــه ه ــذه الورق ــة‪ .‬هن ــاك قيم ــة‬ ‫محمي ــة تمتلكه ــا الدول ــة وتحاف ــظ عليه ــا‬ ‫وتضمنه ــا بمؤسس ــتها‪ ،‬وه ــو م ــا تمثل ــه‬ ‫هـــذه الورقـــة‪.‬‬ ‫لكـــن إذا كانـــت الورقـــة النقديـــة‬ ‫تقـــدم رســـمي ًا علـــى أنهـــا رمـــز سياســـي‬ ‫موســـوم بالـــدور الضابـــط‬ ‫والمؤســـس‬ ‫ّ‬ ‫للتوســـط الدولتـــي‪ ،‬فـــي فضـــاء مدنـــي‬ ‫محكـــوم بـــأداة التمثيـــل‪ ،‬أفـــا يحيـــل‬ ‫األداء بالشـــيك علـــى تشـــكيلة مختلفـــة‬ ‫تمامـــ ًا (تتراكـــب واألولـــى وال تعقبهـــا أو‬ ‫تبعدهـــا فجـــأة)؟ ثـــم ّأال يمكـــن أن نـــرى‬ ‫فـــي تعميـــم الشـــيك مؤشـــرًا (وكذلـــك‬ ‫ـا) عل ــى نم ــط مختل ــف للدالل ــة يرب ــط‬ ‫عام ـ ً‬ ‫بشـــكل مختلـــف السياســـي والتمثيـــل‬ ‫والعامـــة والـــذات؟‬ ‫مـــا يثيـــر فـــي الشـــيك‪ ،‬مقارنـــة مـــع‬ ‫الورق ــة النقدي ــة‪ ،‬ه ــو االنتق ــال م ــن نظ ــام‬ ‫للتخصيـــص‪ ،‬عمومـــي وسياســـي فقـــط‬ ‫(توقي ــع أمن ــاء م ــال الدول ــة) إل ــى نظ ــام‬ ‫للتخصيـــص‪ ،‬خصوصـــي يســـتحضر‬ ‫الهويـــات بشـــكل مختلـــف جـــداً‪.‬‬ ‫فبينم ــا ِّ‬ ‫تمث ــل الورق ــة النقدي ــة عاق ــة‬ ‫يظـــل‬ ‫بيـــن المشـــتري والبائـــع حيـــث‬ ‫ّ‬

‫كل المســـؤولية‬ ‫كاهمـــا مجهوليـــن وكأن ّ‬ ‫والضمان ــة ق ــد ت ـ ّـم إلقاؤهم ــا عل ــى عات ــق‬ ‫ط ــرف ثال ــث ه ــو الدول ــة‪ ،‬ف ــإن التعام ــل‬ ‫بالش ــيك عملي ــة ثاثي ــة األط ــراف حي ــث‬ ‫كل طـــرف يعـــرف باســـم شـــخصي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فهنـــاك البنكـــي والحامـــل والمســـتفيد‪.‬‬ ‫واالحتياطـــي الخفـــي الـــذي يقـــوم بـــدور‬ ‫االعتمـــاد فـــي المعاملـــة‪ ،‬لـــم ُيعـــّد هـــو‬ ‫المـــال العـــام‪ ،‬بـــل دائنيـــة شـــخص مـــن‬ ‫الخـــواص يمتلـــك حســـاب ًا فـــي بنـــك‬ ‫خ ــاص‪ .‬والش ــيك لي ــس نق ــوداً‪ ،‬بالمعن ــى‬ ‫الحرفـــي للكلمـــة‪ ،‬تتـــم مبادلتهـــا بيـــن‬ ‫مجهوليـــن وتســـتنفذ وظيفـــة التخلـــص‬ ‫مـــن الديـــن فـــي إطـــار األخـــذ والعطـــاء‪،‬‬ ‫ب ــل إن ــه «أم ــر بالتحوي ــل» يعطي ــه حام ــل‬ ‫تح ــت اس ــم مح ــدد‪ ،‬إل ــى بن ــك لفائ ــدة ه ــذا‬ ‫الش ــخص أو ذاك تح ــت اس ــم مح ــدد ه ــو‬ ‫اآلخ ــر‪ .‬لذل ــك فإنن ــا م ــع النق ــود الكتابي ــة‬ ‫أو باألحـــرى التســـديد بالكتابـــات‪ ،‬نلـــج‬ ‫فض ــاء س ــيميائي ًا أو فض ــاء البراكس ــيس‪،‬‬ ‫حيـــث اإلشـــارات ليســـت عامـــات تـــدل‬ ‫علـــى القيمـــة (كمـــا لـــو أن األمـــر يتعلّـــق‬ ‫بنظ ــام للتمثي ــل م ــا ت ــزال في ــه الخزين ــة‬ ‫العامـــة حاضـــرة فـــي األفـــق باعتبارهـــا‬ ‫ّ‬ ‫ضمان ــة مرجعي ــة) بق ــدر م ــا ه ــي عام ــات‬ ‫تـــدل علـــى عمليـــات حـــول القيـــم‪،‬‬ ‫فالعام ــات ال تحم ــل ف ــي ذاته ــا معن ــى م ــا‬ ‫أو قيم ــة يمك ــن تحصيله ــا مباش ــرة‪ ،‬ب ــل‬ ‫هـــي مفتوحـــة علـــى دوامـــة ال محـــدودة‬ ‫مـــن اإلرجـــاءات واإلحـــاالت (آثـــار‬ ‫عمليـــات حـــول آثـــار) دون أن يكـــون‬ ‫ثم ــة م ــال ت ـ ّـم تبادل ــه مباش ــرة أو حت ــى‬ ‫باإلمـــكان تعيينـــه‪.‬‬ ‫إن الدائنيـــة البنكيـــة هـــي تدويـــن‬ ‫اس ــتحقاق يحي ــل ب ــدوره عل ــى منظوم ــة‬ ‫غيـــر محـــددة لتدويـــن االســـتحقاقات‪.‬‬ ‫كل شـــيء يتـــم وكأن «النقـــود الكتابيـــة»‬ ‫ّ‬ ‫تســـتلزم نمطـــ ًا مـــن االســـتبدال لـــم ُيعـــّد‬ ‫مرهونـــ ًا مباشـــرة بقيمـــة مجســـدة‪.‬‬ ‫إن النظـــام البنكـــي للعامـــة يمكـــن أن‬ ‫يكـــون علـــى هـــذا النحـــو متعارضـــ ًا مـــع‬ ‫نظامه ــا التج ــاري ال ــذي ف ــي إط ــاره يكف ــل‬ ‫الحضـــور‬ ‫المـــادي للســـلعة (بمـــا فـــي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ذل ــك النق ــود ‪ -‬الس ــلعة نفس ــها) العاق ـ َـة‬ ‫الوثيقـــة بيـــن التمثيـــل والتكافـــؤ‪.‬‬ ‫إن خزينـــة المصرفـــي عبـــارة عـــن‬


‫مخـــزن‪ ،‬لكنـــه مخـــزن يتكـــون مـــن‬ ‫اعتمـــادات هـــي بدورهـــا مســـتحقات‪ .‬إن‬ ‫«خزين ــة» بن ــك (بتعبي ــر متق ــادم ل ــم ُيعــّد‬ ‫لـــه مـــن معنـــى غيـــر المعنـــى المجـــازي‬ ‫ال ــذي س ــرعان م ــا س ــيتم نس ــيان داللت ــه‬ ‫الحقيقيـــة) ليســـت ســـوى عامـــات‬ ‫لعمليـــات حـــول مســـتحقات‪.‬فالمديونية‬ ‫كل شـــيء يتـــم‬ ‫ذات طبيعـــة كتابيـــة‪ّ .‬‬ ‫وكأن التخصيـــص القانونـــي للعمليـــة‬ ‫ســـيعوض‪ ،‬مـــن خـــال اإلكراهـــات‬ ‫القانونيـــة‪ ،‬عـــن فقـــدان الطابـــع المـــادي‬ ‫للخزينـــة‪.‬‬

‫النقود والبقرة التي‬ ‫نشتريها بالنقود!‬ ‫مـــن المشـــروع التســـاؤل عمـــا إذا‬ ‫كانـــت القطيعـــة العميقـــة الحاصلـــة‬ ‫فـــي القـــرن الماضـــي وفـــي بدايـــة هـــذا‬ ‫القـــرن علـــى مســـتوى التصـــورات‬ ‫الســـيميائية (بيـــرس) واللســـانية‬ ‫(سوســـير) والجماليـــة (التكعيبيـــة‬ ‫والفـــن التجريـــدي) ‪ -‬والتـــي جميعهـــا‬ ‫ّ‬ ‫ت ــؤول إل ــى محاول ــة بن ــاء المعن ــى لي ــس‬ ‫علـــى أســـاس العاقـــة المباشـــرة بيـــن‬ ‫العامـــة والشـــيء‪ ،‬بـــل علـــى أســـاس‬ ‫العاقـــة المتبادلـــة والتفاضليـــة بيـــن‬ ‫ال ــدال والمدل ــول‪ ،‬ف ــي حرك ــة دائب ــة م ــن‬ ‫اإلحـــاالت واإلرجـــاءات ‪ -‬غيـــر متوافقـــة‬ ‫تمامـــ ًا مـــع هـــذا التحـــول االجتماعـــي‪-‬‬ ‫الرمـــزي للنظـــام النقـــدي للعامـــة‪.‬‬ ‫الـــكل يعلـــم بـــأن دي سوســـير‪،‬‬ ‫وهـــو يعيـــد النظـــر فـــي طبيعـــة‬ ‫العامـــة اللســـانية‪ ،‬ســـعى إلـــى إحـــداث‬ ‫قطيعـــة مـــع مفهـــوم اللســـان ‪ -‬القائمـــة‬ ‫باعتبـــاره تبســـيطياً‪،‬‬ ‫مفضـــا مفهـــوم‬ ‫ً‬ ‫اللســـان ‪ -‬النســـق‪ .‬فاللســـان ال يعقـــد‬ ‫عاقـــة ثابتـــة ومعزولـــة بيـــن الكلمـــة‬ ‫والفكـــرة والشـــيء‪ ،‬فهـــو نســـق مـــن‬ ‫القي ــم التفاضلي ــة‪ ،‬مح ــض قي ــم ال يمك ــن‬ ‫تحديدهـــا مـــن خـــارج الحالـــة المؤقتـــة‬ ‫أللفاظهـــا‪ .‬إن االنتقـــال مـــن اللســـان ‪-‬‬ ‫القائمـــة (حيـــث تأخـــذ الكلمـــة قيمتهـــا‬ ‫مـــن الشـــيء الـــذي تـــدل عليـــه) إلـــى‬ ‫اللســـان ‪ -‬النســـق (حيـــث تتحـــدد القيمـــة‬ ‫مـــن خـــال العاقـــة التـــي تقـــوم بيـــن‬

‫الكلم ــات) يس ــتدعي بالض ــرورة االنتق ــال‬ ‫مـــن النقـــود التمثيليـــة إلـــى النقـــود‬ ‫الكتابيـــة داخـــل نظـــام‪ ،‬حيـــث المحـــور‬ ‫المضارباتـــي والبنكـــي للتحويـــات‬ ‫والعمليـــات الماليـــة أهـــم مـــن المحـــور‬ ‫التج ــاري للتب ــادالت (حي ــث تأخ ــذ النق ــود‬ ‫قيمته ــا م ــن الس ــلعة والعك ــس صحي ــح)‪.‬‬ ‫والافـــت للنظـــر هـــو أن القطيعـــة‬ ‫التـــي حققهـــا سوســـير فـــي اللســـانيات‬ ‫تحيـــل علـــى مقارنـــة نقديـــة تفتـــرض‬ ‫االمتي ــاز واالحت ــكار ش ــبه الت ــام لمح ــور‬ ‫التحويـــات (النقـــود التـــي يتـــم تبادلهـــا‬ ‫بالنقـــود) فـــي مقابـــل محـــور التبـــادالت‬ ‫(تبـــادل النقـــود بالســـلعة)‪ .‬فسوســـير‬ ‫يفه ــم القيم ــة ف ــي اللس ــانيات م ــن خ ــال‬ ‫نمـــوذج اقتصـــادي للقيمـــة مســـتعار‬ ‫مباشـــرة مـــن االســـمية النقديـــة‪.‬‬ ‫ه ــذا التغي ــر عل ــى مس ــتوى األنم ــوذج‬ ‫فـــي فكـــر العامـــة يثيـــر مزيـــدًا مـــن‬ ‫االنتبـــاه عندمـــا نعلـــم أنـــه جـــاء‬ ‫معاصـــرًا للتصـــورات النقديـــة الجديـــدة‬ ‫لـ«كنـــاب» (الـــذي رفـــع‪ ،‬ســـنة‪1905،‬‬ ‫مفهـــوم القيمـــة «الحاســـمة» واالســـمية‬ ‫المحض ــة للعام ــة النقدي ــة الص ــادرة ع ــن‬ ‫الدول ــة‪ ،‬إل ــى درج ــة ل ــم يصله ــا م ــن قب ــل)‬ ‫ولتصـــورات هيلفيردينـــغ الـــذي وضـــع‬ ‫ألول مـــرة فـــي ‪Das Finanz Kapi-‬‬ ‫‪( tal 9‬الصـــادر ســـنة ‪ 1910‬أي الســـنة‬ ‫الت ــي رس ــم فيه ــا كادينس ــكي أول لوح ــة‬ ‫تجريديـــة) نظريـــة ســـيطرة الرأســـمال‬ ‫المالـــي علـــى الرأســـمال الصناعـــي‬ ‫والرأس ــمال التج ــاري ف ــي الط ــور الجدي ــد‬ ‫للرأســـمالية‪.‬‬ ‫أبحـــاث فيتنغشـــتاين ال يمكـــن أن‬ ‫تنـــدرج هـــي األخـــرى ّإال فـــي إطـــار‬ ‫نفـــس التغييـــر الـــذي لحـــق باألنمـــوذج‪.‬‬ ‫فقـــد قامـــت مـــن خـــال نقـــل اهتمامـــات‬ ‫الفلس ــفة نح ــو حركي ــة اللّغ ــة‪ ،‬بالتش ــكيك‬ ‫منـــذ البدايـــة فـــي مفهـــوم المرجـــع‪،‬‬ ‫التبســـيطي‪ ،‬وفـــي مصـــادرة أوغســـطين‬ ‫الت ــي تعتب ــر ب ــأن «ألف ــاظ اللّغ ــة تس ــمي‬ ‫األشـــياء‪ .»10‬واالســـتعارة فـــي حقـــل‬ ‫النقـــود‪ ،‬هنـــا كذلـــك‪ ،‬كمـــا هـــو منتظـــر‪،‬‬ ‫ليســـت غائبـــة‪ ،‬وهـــي متوافقـــة تمـــام‬ ‫االقتصاديـــة‬ ‫التوافـــق مـــع نظريـــة القيـــم‬ ‫ّ‬ ‫العامل ــة ف ــي ثناياه ــا‪ .‬وعندم ــا س ــيرغب‬

‫فيتنغشـــتاين التشـــكيك فـــي االعتقـــاد‬ ‫بإمكانيـــة حصـــول داللـــة مختلفـــة عـــن‬ ‫الكلم ــة نفس ــها‪ ،‬أو حت ــى الس ــخرية من ــه‪،‬‬ ‫فإن ــه س ــيكتب «يق ــال‪ :‬ليس ــت الكلم ــة ه ــي‬ ‫األهـــم بـــل داللتهـــا؛ وبهـــذا القـــول يتـــم‬ ‫التفكيـــر فـــي شـــيء مـــن نفـــس صنـــف‬ ‫الكلمـــة وإن كان مختلفـــ ًا عنهـــا‪ .‬فهنـــاك‬ ‫الكلمـــة وهنـــا الداللـــة‪ .‬النقـــود والبقـــرة‬ ‫التـــي نشـــتريها بالنقـــود‪ .»11‬إن مـــا‬ ‫يس ــخر من ــه فيتنغش ــتاين ه ــو بالضب ــط‬ ‫لغ ــة مفك ــر فيه ــا عل ــى المن ــوال التج ــاري‬ ‫حيـــث تحيـــل الكلمـــة علـــى الشـــيء‬ ‫المدلـــول عليـــه الـــذي يعادلهـــا مثلمـــا‬ ‫النق ــود تحي ــل عل ــى الس ــلعة (ف ــي س ــوق‬ ‫القري ــة حي ــث يش ــتري الفاح ــون األبق ــار‬ ‫أو يبيعونهـــا)‪.‬‬ ‫يب ــدو إذن أن أق ــوى نظري ــات العام ــة‬ ‫الت ــي تفن ــد الثال ــوث األرس ــطي والرواق ــي‬ ‫(ال ــدال‪ ،‬المدل ــول‪ ،‬المرج ــع)‪ ،‬والت ــي تج ــد‬ ‫امتداده ــا الي ــوم ف ــي التفكيكي ــة المنج ــزة‬ ‫م ــن ِقَب ــل ديري ــدا ف ــي إط ــار عل ــم الكتاب ــة‪،‬‬ ‫حي ــث اكتس ــبت طابعه ــا الفلس ــفي األكث ــر‬ ‫راديكاليـــة‪ ،‬لهـــا ارتباطـــات بانهيـــار‬ ‫نظـــام العامـــة الـــذي تدرجـــه ممارســـات‬ ‫االســـمية النقديـــة‪ ،‬وبالنقـــود الكتابيـــة‬ ‫والورق ــة النقدي ــة غي ــر القابل ــة للتحوي ــل‪.‬‬ ‫يجـــب االحتـــراز مـــن إعطـــاء تأويـــل‬ ‫متســـرع لســـببية هـــذا التقابـــل الـــذي ال‬ ‫يمكـــن مقاربتـــه بشـــكل بســـيط ويطـــرح‬ ‫مشـــكات عديـــدة ليســـت بالهينـــة‪.‬‬ ‫غي ــر أن ــه م ــن الاف ــت أن نج ــد لفق ــدان‬ ‫كل‬ ‫كل مرجـــع ملمـــوس (الخزينـــة) أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫قي ــاس مثال ــي للقي ــم (معي ــار) ف ــي النظ ــام‬ ‫النق ــدي الحال ــي‪ ،‬وللحرك ــة الت ــي تجع ــل‬ ‫كل نقـــد كتابـــة (وليـــس عامـــة‬ ‫مـــن ّ‬ ‫للقيمـــة التبادليـــة وال حتـــى «شـــيئا» ذا‬ ‫قيمـــة مـــا) فـــي إطـــار حركـــة دائبـــة مـــن‬ ‫اإلرج ــاءات واإلح ــاالت‪ ،‬حي ــث ال نص ــادف‬ ‫أب ــدًا ّإال آث ــارًا تحي ــل عل ــى آث ــار أخ ــرى‪،‬‬ ‫دون أن يك ــون م ــن الممك ــن وال حت ــى ف ــي‬ ‫كل الحس ــابات البنكي ــة‪ ،‬أن‬ ‫الخي ــال إلغ ــاء ّ‬ ‫نجـــد تشـــابه ًا مـــع نظـــام العامـــة الـــذي‬ ‫يس ــعى عل ــم الكتاب ــة إل ــى التنظي ــر ل ــه‪،‬‬ ‫مـــن خـــال مقابلتـــه مـــع ميتافيزيقـــا‬ ‫المدل ــول المتعال ــي‪ .‬فف ــي كلت ــا الحالتي ــن‪،‬‬ ‫لـــم يعـــد لنـــا عربـــون ممتلـــئ (النقـــد‪-‬‬ ‫‪79‬‬


‫الذه ــب) موث ــوق بم ــا يحمل ــه م ــن معن ــى‬ ‫مســـتقر (القيمـــة)‪ ،‬بـــل كتابـــة الكتابـــات‬ ‫ممي ــز‪ ،‬أي حركي ــة ال متناهي ــة‬ ‫دون لف ــظ ِّ‬ ‫مـــن اإلرجـــاءات تؤجـــل دومـــ ًا إمكانيـــة‬ ‫الوصـــول إلـــى قيمـــة ملموســـة ليســـت‬ ‫كتابـــة هـــي بدورهـــا‪.‬‬

‫مالك البطاقة يحاوراآللة‬

‫ومـــع اختفـــاء النقـــود‪ ،‬بالمعنـــى‬ ‫الكاســـيكي‪ ،‬مفســـحة المجـــال أمـــام‬ ‫نظـــام «األداء بالكتابـــة» (مـــع نظـــام‬ ‫االعتم ــادات‪ ،‬أي نظ ــام التأجي ــل المرتب ــط‬ ‫بهـــا وبالتالـــي مـــع زوال «الحاضـــر»‬ ‫باعتب ــاره مرجعــ ًا مركزيــ ًا ف ــي التزمي ــن)‬ ‫فـــإن الغراماتولوجيـــا البنكيـــة ال يســـعها‬ ‫ّإال أن تطي ــح بإطاراتن ــا الفلس ــفية األكث ــر‬ ‫صابـــة‪.‬‬ ‫إن النقـــود‪ ،‬وهـــي اختـــراع يونانـــي‪،‬‬ ‫قـــد ارتبطـــت بنشـــأة الفلســـفة وبالبنيـــة‬ ‫أرســـطو‬ ‫لســـيميائيات‬ ‫الثاثيـــة‬ ‫والرواقييـــن‪ .‬إن نهايـــة هـــذه النقـــود‬ ‫(ونهايـــة نمـــط توليـــد الداللـــة هـــذا الـــذي‬ ‫قـــاده القـــرن الماضـــي وحملـــه إلـــى‬ ‫ذروتـــه) ال يمكـــن ّإال أن يتوافـــق مـــع‬ ‫ارتجـــاج هـــذه الميتافيزيقـــا‪.‬‬ ‫ف ــإذا كان ــت الكتاب ــة بمعناه ــا الضي ــق‬ ‫قـــد انفصلـــت تدريجيـــا عـــن الشـــروط‬ ‫األصليـــة لتبـــادل الـــكام بيـــن متكلميـــن‬ ‫أحي ــاء وحاضري ــن ف ــإن النق ــود الكتابي ــة‬ ‫قـــد انفصلـــت عـــن الشـــروط الملموســـة‬ ‫للتب ــادل التج ــاري‪ ،‬وغ ــدت تتب ــع منطقه ــا‬ ‫الخـــاص مـــن خـــال أتمتـــة الـــدال؛‬ ‫وتش ـ ّـكل األنظم ــة البنكي ــة والبورصوي ــة‬ ‫المظهـــر األكثـــر بـــروزًا لهـــذا االنفصـــال‪.‬‬ ‫إن الكتابـــة ومنـــذ البدايـــة‪ ،‬باعتبارهـــا‬ ‫وســـيلة اصطناعيـــة تفصـــل المتكلـــم‬ ‫كل التباســـات‬ ‫الحـــي عنهـــا‪ ،‬تجســـد ّ‬ ‫التقنيـــة‪ ،‬فتدبيـــر النقـــود الكتابيـــة‬ ‫يصيـــر نقطـــة االلتقـــاء الحرجـــة بيـــن‬ ‫االقتصـــاد وتقنيـــات الـــدال‪ .‬إن تاريـــخ‬ ‫الكتاب ــة وتاري ــخ النق ــود يلتقي ــان داخ ــل‬ ‫التكنولوجيـــا النقديـــة‪.‬‬ ‫ومـــع البطاقـــة البنكيـــة (التســـديد‬ ‫بالبطاقـــة) ترتســـم قطيعـــة إضافيـــة‪.‬‬ ‫فالبطاقـــة التـــي تحـــرر مـــن الكتابـــة‬ ‫اليدويـــة التـــي كان يقـــوم بهـــا شـــخص‪،‬‬ ‫‪80‬‬

‫وكان الشـــيك اليـــزال يتطلبهـــا‪ ،‬تفتـــح‬ ‫كل اإلمكانيـــات الاحقـــة‬ ‫الطريـــق أمـــام ّ‬ ‫ألتمتـــة العمليـــات‪ .‬والبطاقـــة باتباعهـــا‬ ‫لنفـــس الترتيبـــات التـــي ســـبق وأن‬ ‫كرس ــها التعام ــل بالش ــيك (بن ــك‪ ،‬حام ــل‪،‬‬ ‫مس ــتفيد) ضاعف ــت الق ــدرة عل ــى اإليص ــال‬ ‫األوتوماتيكـــي للمعلومـــة البنكيـــة‪ .‬فهـــي‬ ‫تمكـــن مـــن الربـــط المباشـــر مـــن خـــال‬ ‫شـــبابيك إلكترونيـــة دون أن يتدخـــل‬ ‫ش ــخص م ــن الوكال ــة‪ .‬إن مال ــك البطاق ــة‬ ‫م ــن خ ــال ح ــواره م ــع اآلل ــة‪ ،‬ه ــو م ــن‬ ‫يقـــوم بجـــزء مـــن العمليـــات التـــي كان‬ ‫ينجزه ــا مس ــتخدمو البن ــك ف ــي الس ــابق‪.‬‬ ‫إن الجوه ــر المعلومات ــي المح ــض للنق ــود‬ ‫يب ــرز بق ــوة أكب ــر‪ .‬فههن ــا‪ ،‬ال ش ــيء م ــن‬ ‫طبيعـــة فيزيقيـــة يتـــم تبادلـــه‪ ،‬فقـــط‬ ‫إشـــارات يتـــم بثهـــا وتســـجيلها‪.‬‬ ‫فـــي حركـــة األتمتـــة هـــذه (عمليـــة‬ ‫األوامـــر بالتحويـــل يتـــم اســـتبعادها‬ ‫أكث ــر فأكث ــر ع ــن العم ــل البش ــري) تمّث ــل‬ ‫«البطاقـــة ذات الذاكـــرة» التـــي أعقبـــت‬ ‫األول مـــن البطاقـــة البنكيـــة‪،‬‬ ‫الجيـــل َّ‬ ‫خطـــوة جديـــدة مـــن حيـــث األهميـــة‬ ‫والســـرعة‪ .‬فلـــم تعـــد البطاقـــة ههنـــا‬ ‫تنطـــوي فقـــط علـــى إمكانيـــة إنجـــاز‬ ‫عمليـــات بســـيطة إلـــى حـــد مـــا‪ ،‬مـــن‬ ‫خـــال الشـــباك األوتوماتيكـــي بواســـطة‬ ‫شـــفرتها‪ ،‬بـــل صـــارت تنجـــز بنفســـها‪،‬‬ ‫م ــن خ ــال معالجه ــا الدقي ــق المدم ــج ف ــي‬ ‫ســـمك مادتهـــا الباســـتيكية‪ ،‬جـــزءًا مـــن‬ ‫عمليـــات التخزيـــن والمعالجـــة اللذيـــن‬ ‫كل شـــيء يتـــم‬ ‫كانـــا موكوليـــن للبنـــك‪ّ .‬‬ ‫وكأن «البطاقـــة ذات الذاكـــرة» (ال عاقـــة‬ ‫لهـــا فـــي هـــذا الصـــدد بالورقـــة القديمـــة)‬ ‫قـــد اســـتبطنت ممارســـة العمليـــات‬ ‫البنكيـــة‪ ،‬مزاوجـــة مـــن خـــال ذاكـــرة‬ ‫حاس ــوبها الدقي ــق بي ــن اآلث ــار المرتبط ــة‬ ‫بالنقـــود الكتابيـــة وإمكانيـــة المعالجـــة‬ ‫الذاتي ــة له ــذه اآلث ــار ف ــي ح ــوار آل ــي م ــع‬ ‫النظـــام البنكـــي‪.‬‬ ‫فمـــن خـــال قـــوة المعالجـــة والقـــدرة‬ ‫عل ــى تخزي ــن المعلوم ــات الت ــي أصبح ــت‬ ‫داخ ــل البطاق ــة نفس ــها‪ ،‬ص ــار التع ــارض‬ ‫بي ــن العام ــة الثابت ــة والعملي ــة المنج ــزة‬ ‫عل ــى العام ــة أم ــرًا متج ــاوزاً‪ ،‬وأصب ــح‬ ‫حامـــا‬ ‫الشـــخص المالـــك للبطاقـــة‬ ‫ً‬

‫ذاتيـــ ًا لجـــزء مـــن القـــدرة البنكيـــة‪ .‬ولـــم‬ ‫تعـــد البطاقـــة المـــزودة بذاكـــرة نقـــودًا‬ ‫كتابي ــة ب ــل أضح ــت ق ــوة إنج ــاز عملي ــة‬ ‫فـــي إطـــار التواصـــل البنكـــي‪ .‬كمـــا لـــو‬ ‫أن كتابـــاً‪ ،‬عـــوض أن يكـــون مطبوعـــ ًا‬ ‫ســـاكن ًا «مهيئـــ ًا للقـــراءة»‪ ،‬صـــار يمتلـــك‬ ‫قـــدرة فعالـــة علـــى ربـــط عاقـــة مـــع‬ ‫كت ــب أخ ــرى ليكت ــب بش ــكل مختل ــف‪ .‬ق ــد‬ ‫نتســـاءل إن لـــم يكـــن مفهـــوم الكتابـــة‬ ‫نفســـه‪ ،‬باعتبـــاره أثـــرًا «مســـتداماً»‬ ‫و«ميتـــاً» (المقابـــل التقليـــدي للـــكام‬ ‫الحـــي) قـــد تهـــدم هـــو بـــدوره‪ .‬فلـــم‬ ‫ُيعـــّد يكفـــي التأكيـــد بـــأن الـــكام كتابـــة‬ ‫مـــن حيـــث بنيتـــه‪ ،‬بـــل صـــارت الكتابـــة‬ ‫بدورهـــا‪ ،‬وبشـــكل غريـــب‪ ،‬نوعـــ ًا مـــن‬ ‫«الـــكام» بنـــاء علـــى أن فكـــرة الـــكام‬ ‫تس ــتلزم اإلنت ــاج غي ــر المتوق ــع والفع ــال‬ ‫لترتيبـــات جديـــدة للداللـــة فـــي إطـــار‬ ‫العاقـــة التواصليـــة‪.‬‬ ‫وإذا كان ال ي ــزال م ــن الصع ــب تحدي ــد‬ ‫أي ضـــرب مـــن ضـــروب الذاتيـــة أو أيـــة‬ ‫مرتبـــة أنطولوجيـــة للـ«عامـــة» تتوافـــق‬ ‫مـــع البطاقـــة ذات الذاكـــرة‪ ،‬فإنـــه مـــن‬ ‫الممكـــن‪ ،‬ومنـــذ اآلن‪ ،‬إدراك مـــا بـــه‬ ‫يتجلـــى بشـــكل ملحـــوظ مـــا ســـمي فـــي‬ ‫ســـياق آخـــر بـ«الـــذات الفاعلـــة» (تمييـــزًا‬ ‫له ــا ع ــن «ال ــذات المنفعل ــة»)‪ ،‬ف ــي إط ــار‬ ‫هـــذا النمـــط مـــن المعامـــات الماليـــة‪.‬‬ ‫ومـــن جهـــة أخـــرى‪ ،‬إن الجوهـــر‬ ‫المعلوماتـــي المحـــض للنقـــود هـــو مـــا‬ ‫يتجلـــى فـــي هـــذه الخطـــوة الحاســـمة‪.‬‬ ‫بحيـــث‪ ،‬ومـــن خـــال األهميـــة‬ ‫االســـتراتيجية التـــي اكتســـبها اســـتنباط‬ ‫تناظـــر بنيـــوي وثيـــق بيـــن النقـــود‬ ‫تـــم الكشـــف عـــن الضـــرورة‬ ‫واللّغـــة ّ‬ ‫التاريخيــة األكثــر إلزاميــة لهــذه الخطــوة‪.‬‬ ‫ذلـــك بـــأن النقـــود «لغـــة» ومعلومـــة‬ ‫وكتابـــة‪ .‬فلـــم يعـــّد األمـــر يتعلّـــق هنـــا‬ ‫بتشـــاكل بـــل (فـــي نقطـــة معينـــة)‬ ‫بتطابـــق‪ .‬فمـــا لـــم يكـــن تـــداول النقـــود‬ ‫المعدنيـــة القديمـــة أي«النقـــود‪ -‬الســـلعة»‬ ‫القديم ــة والمدهش ــة إل ــى ح ــد م ــا‪ ،‬يتي ــح‬ ‫رؤيتـــه بشـــكل كامـــل‪ ،‬صـــار جليـــ ًا مـــع‬ ‫تعمي ــم النق ــود الكتابي ــة وبش ــكل خ ــاص‬ ‫م ــع النق ــود الحاس ــبة‪-‬الدقية الت ــي تتذك ــر‬ ‫وتنجـــز العمليـــات بنفســـها‪.‬‬


‫كل شـــيء أضحـــى محـــض لغـــة‪ ،‬دا ًال‬ ‫ا بذات ــه‪ ،‬ش ــريطة أن نضي ــف إل ــى‬ ‫مس ــتق ً‬ ‫ذلـــك أن هـــذه اآلثـــار تحيـــل دومـــ ًا علـــى‬ ‫الهويـــة القانونيـــة‬ ‫هويـــة قانونيـــة‪ ،‬أي ّ‬ ‫ّ‬ ‫للـــوكاء الماكيـــن‪ ،‬وأنهـــا مشـــحونة‬ ‫باإلكراهـــات القانونيـــة (أي عنيفـــة فـــي‬ ‫للديـــن‪ .‬إن التـــداول‬ ‫آخـــر المطـــاف) َّ‬ ‫ـا‬ ‫ال ــذي م ــا انف ــك ي ــزداد تعقي ــدًا وتحوي ـ ً‬ ‫واشـــتقاقاً‪ ،‬لديـــن ال يتـــم تســـديده أبـــداً‪،‬‬ ‫ه ــو م ــا يضب ــط األث ــر وم ــا يح ــدث حرك ــة‬ ‫اإلرجـــاء‪ .‬أي أن قـــوة قانونيـــة تنضـــاف‬ ‫إل ــى قيم ــة أخاقي ــة‪ ،‬يتعّل ــق األم ــر بوع ــد‬ ‫محايـــث للدائنيـــة كمـــا للمديونيـــة‪ .‬إن‬ ‫النظـــام البنكـــي هـــو التســـجيل النشـــيط‬ ‫والتدبيـــر الكتابـــي المتواصـــل لحركـــة‬ ‫هائلـــة متداخلـــة لوعـــود عديـــدة قائمـــة‬ ‫بي ــن أف ــراد ذوي ش ــخصية قانوني ــة‪ .‬فه ــو‬ ‫لذلــك يتضمــن‪ ،‬مــن خــال بنيــة الجدولــة‬ ‫نفســـها‪ ،‬عامـــل الزمـــن وبالخصـــوص‬ ‫المس ــتقبل‪ ،‬باعتب ــاره توجيهــ ًا تأسيس ــي ًا‬

‫وملزمـــاً‪ .‬إن المجتمـــع الـــذي يســـيطر‬ ‫علي ــه النش ــاط البنك ــي وبالتال ــي تأخي ــر‬ ‫الدفـــع‪ ،‬يتاعـــب بالزمـــن وباالنتظـــار‬ ‫كل أنش ــطته محتس ــبة‬ ‫وبالمس ــتقبل وكأن ّ‬ ‫بعديـــاً‪ ،‬وقبليـــ ًا بالتوقـــع واالنتظـــار‪.‬‬

‫ال حاجة لك لالدخار‬

‫إذا كانـــت النقـــود‪ -‬الذهـــب العزيـــزة‬ ‫علـــى بورجوازيـــي بلـــزاك‪ ،‬والورقـــة‬ ‫النقديـــة نفســـها (التـــي كانـــت فـــي‬ ‫البدايـــة مـــا تـــزال ترمـــز للذهـــب) يمكـــن‬ ‫اعتبارهمـــا رمـــزًا للمجتمـــع التجـــاري‬ ‫وللـــدور المركـــزي المقـــدس للدولـــة‪ ،‬أي‬ ‫الس ــلطة الت ــي تحتك ــر س ــك النق ــود‪ ،‬ف ــإن‬ ‫النق ــود الكتابي ــة ث ــم اإللكتروني ــة ترم ــزان‬ ‫لمجتمــع مختلــف تمام ـاً‪ ،‬يتســم باســتئثار‬ ‫الشـــبكات البنكيـــة المتعاظـــم بالخدمـــات‬ ‫النقديـــة‪ ،‬وببنكنـــة الحيـــاة علـــى نطـــاق‬ ‫واســـع‪ ،‬نتيجـــة الجمـــع المحيـــر بيـــن‬ ‫المـــال وتكنولوجيـــا المعلوميـــات‪.‬‬

‫كل البعـــد عـــن األب‬ ‫إننـــا بعيـــدون ّ‬ ‫كرانديـــت وعـــن كنـــز النقـــود الذهبيـــة‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫المخف ــي بعناي ــة‪ ،‬ال ــذي يجل ــب ل ــه لي ـ ً‬ ‫وه ــو يفك ــر ف ــي مدين ــة س ــومور‪ ،‬متع ــة‬ ‫ال توصـــف‪.‬‬ ‫إن البنكنـــة المتســـارعة أنتجـــت وال‬ ‫زالـــت تنتـــج مخيـــا ًال مختلفـــ ًا يبـــدو فيـــه‬ ‫المـــال‪ ،‬باعتبـــاره وســـيلة لإلغـــراء‬ ‫واإلقنـــاع‪ ،‬مرتبطـــ ًا بحساســـية الترحـــال‬ ‫والغربـــة وخاليـــ ًا مـــن رعـــب الحجـــز‬ ‫وهـــوس المراكمـــة‪ .‬فلـــم يعـــد المـــال‬ ‫محصـــورًا فـــي «االقتصـــاد» بمعنـــى‬ ‫االدخـــار والبخـــل‪.‬‬ ‫ولنفتـــح هـــذه الصحيفـــة األســـبوعية‬ ‫المصـــورة مـــن أجـــل التســـلية‪ .‬ســـنجد‬ ‫ه ــذا اإلش ــهار ينادين ــا وق ــد احت ــل صفح ــة‬ ‫بكاملهـــا‪:‬‬ ‫«إذا احتجت ــم إل ــى روبي ــات م ــن أج ــل‬ ‫ش ــراء زربي ــة بكاش ــمير أو إل ــى دوالرات‬ ‫مـــن أجـــل أمـــر طـــارئ بســـياتل‪ ،‬فهنـــاك‬ ‫‪81‬‬


‫‪ 200000‬مـــكان عبـــر العالـــم يمكنكـــم‪،‬‬ ‫باســـتعمال بطاقتكـــم «فيـــزا»‪ ،‬مـــن‬ ‫الحصـــول علـــى أوراق نقديـــة‪ .‬الرمـــز‬ ‫«فيـــزا» يعنـــي أن بإمكانكـــم الحصـــول‬ ‫فـــورًا علـــى الـــدوالرات أو الدراخمـــات أو‬ ‫الك ــروزادوس أو البي ــزوات ف ــي أكث ــر م ــن‬ ‫‪ 190000‬بنـــك بالواليـــات المتحـــدة أو‬ ‫بالخـــارج[‪.]...‬‬ ‫«إن الرم ــز في ــزا يعن ــي الس ــبيل الس ــهل‬ ‫إلـــى األوراق النقديـــة أيـــا كانـــت اللّغـــة‬ ‫‪».12‬‬ ‫هـــذا النـــص اإلشـــهاري يعبـــر بقـــوة‬ ‫ع ــن المح ــور الموج ــه للمخي ــال البنك ــي‪.‬‬ ‫فهـــو يجســـد بشـــكل تـــام تصـــورًا‬ ‫سوســـوري ًا ‪ 13‬للعامـــة النقديـــة‪ .‬ثمـــن‬ ‫شـــراء زربيـــة (النقـــود فـــي مقابـــل‬ ‫الســـلعة) أقـــل أهميـــة مـــن إمكانيـــة‬ ‫التحويـــل هنـــا واآلن‪ .‬وإذا كان مـــن‬ ‫الممكـــن التعبيـــر عـــن القيمـــة فـــي إطـــار‬ ‫االقتصـــاد مـــن خـــال محوريـــن‪ ،‬تبـــادل‬ ‫شـــيء (نقـــود) مقابـــل شـــيء مختلـــف‬ ‫(الخبـــز)‪ ،‬وتبـــادل أشـــياء مماثلـــة فيمـــا‬ ‫بينهـــا (نقـــود مقابـــل نقـــود)‪ ،‬فـــإن هـــذا‬ ‫المحـــور الثانـــي‪ ،‬أي مفهـــوم القيمـــة‬ ‫الثانـــي هـــو مـــا يفضلـــه (تمامـــ ًا مثلمـــا‬ ‫‪82‬‬

‫فعـــل دي سوســـير بشـــكل مشـــابه مـــع‬ ‫العامـــة اللســـانية) النشـــاط البنكـــي‪.‬‬ ‫فهـــو يؤســـس القـــدرة الهائلـــة للتكافـــؤ‬ ‫الكون ــي‪ ،‬بن ــاء عل ــى مكان ــة القيم ــة ه ــذه‪.‬‬ ‫إن كونيـــة التكافـــؤ تمـــر هنـــا‪ ،‬ليـــس‬ ‫عبـــر التجـــارة‪ ،‬بـــل مـــن خـــال عمليـــة‬ ‫تحوي ــل بنكي ــة (أي ترجم ــة) ممكن ــة ف ــي‬ ‫كل م ــكان‪ ،‬وتجع ــل إمكاني ــة‬ ‫ّ‬ ‫كل آن وف ــي ّ‬ ‫الشـــراء خاضعـــة لهـــا بشـــكل تـــام وفـــق‬ ‫المح ــور نقود‪/‬س ــلعة م ــا دام التكاف ــؤ ق ــد‬ ‫صـــار ثانويـــاً‪.‬‬ ‫هـــذا المخيـــال القائـــم علـــى إمكانيـــة‬ ‫الحص ــول عل ــى نق ــود عيني ــة بالض ــرورة‬ ‫بواســـطة البطاقـــة البنكيـــة‪ ،‬والتـــي‬ ‫بإمكانه ــا ترجم ــة نق ــودك إل ــى أي ــة عمل ــة‬ ‫شـــئت‪ ،‬يعبـــر بشـــكل تـــام عـــن ســـيطرة‬ ‫الرأســـمال المالـــي علـــى المعامـــات‬ ‫التجاريـــة‪ ،‬وعـــن أفضليـــة (وهـــو مـــا‬ ‫يعتبـــر مـــن األســـس النظريـــة للبنيويـــة)‬ ‫محــور التحويــات علــى محــور التبــادالت‬ ‫ف ــي تحدي ــد القيم ــة‪ .‬وه ــو عل ــى مس ــتوى‬ ‫العامـــات مرتبـــط بوضـــع المرجـــع‬ ‫فـــي الخلـــف (الشـــيء ذاتـــه فـــي وجـــوده‬ ‫المحســـوس) لصالـــح القيمـــة المحضـــة‪.‬‬ ‫لكـــن حـــذار‪ :‬فهـــذا التعـــدد اللغـــوي‬

‫النقـــدي الـــذي يتيـــح إمكانيـــة أن يحـــس‬ ‫الم ــرء أن ــه ف ــي بيت ــه ف ــي أي م ــكان ف ــي‬ ‫العال ــم لي ــس ف ــي متن ــاول الجمي ــع‪ ،‬إن ــه‬ ‫امتيـــاز‪« .‬لديـــك امتيـــاز ال رجعـــة فيـــه‬ ‫داخـــل أكبـــر شـــبكة فـــي العالـــم» يقـــول‬ ‫اإلشــهار لـــ ‪« :Premier Visa‬لســت رقمـ ًا‬ ‫(‪ )number‬بـــل عضـــوًا (‪،»)member‬‬ ‫تقـــول المطويـــة األميركيـــة للبطاقـــة‬ ‫‪( American Express‬أميـــركان‬ ‫إكســـبريس)‪ :‬هـــذا االمتيـــاز يجعـــل منـــك‬ ‫ش ــخص ًا اس ــتثنائياً‪ .‬إن عاقت ــك بالرم ــوز‬ ‫النقديـــة‪ ،‬رغـــم طابعهـــا التجريـــدي‬ ‫والكونـــي‪ ،‬عاقـــة مخصوصـــة كذلـــك‪،‬‬ ‫وي ــراد ل ــك أن تعتق ــد بأنه ــا مث ــل عاق ــة‬ ‫مؤلـــف الموســـيقى بموســـيقاه‪...‬فأنت‬ ‫قائـــد أوركســـترا يـــرى بـــأن الموســـيقى‪،‬‬ ‫ه ــذه اللّغ ــة الكوني ــة‪ ،‬ف ــي حاج ــة دومــ ًا‬ ‫إلـــى أداء جديـــد‪ .‬هـــذا الجمـــع المفـــارق‬ ‫بي ــن مخي ــال التخصي ــص (ال ــذي يفت ــرض‬ ‫أن يقنع ــك ب ــأن البن ــك يمي ــزك) ومخي ــال‬ ‫الكوني ــة األكث ــر تجري ــدا‪ ،‬يج ــد ل ــه تعبي ــرًا‬ ‫الفتـــ ًا فـــي صفحـــة إشـــهارية لـــ ‪Mas-‬‬ ‫‪( ter Card‬ماســـتر كارد) والـــذي يبيـــن‬ ‫جماليـــة هـــذا التجريـــد فـــي صـــورة‪:‬‬ ‫ع ــازف بتقاس ــيم رقيق ــة لفّن ــان حس ــاس‬


‫ومتأمـــل ينطـــق بملحاحيـــة وراء بطاقـــة‬ ‫ائتمـــان‪...‬‬ ‫«‪( Gold Master Card‬كولـــد‬ ‫ماســـتر كارت) ليســـت بطاقـــة أنقلهـــا‬ ‫معـــي فـــي حقيبتـــي وحســـب‪ .‬إنهـــا أداة‬ ‫كل بق ــاع‬ ‫اعتم ــاد تتح ــدث لغ ــة تفه ــم ف ــي ّ‬ ‫العالـــم‪ .‬إنهـــا تمنحنـــي فـــي نفـــس اآلن‬ ‫اإلمكانيـــة واالعتمـــاد الملمـــوس الـــذي‬ ‫تتطلب ــه حيات ــي العملي ــة»‪« ،‬س ــواء أكن ــت‬ ‫فـــي أوروبـــا قائـــدًا أم كنـــت فـــي بيتـــك‬ ‫عض ــوا‪ ،‬فـــ ‪( Gold Master Card‬كول ــد‬ ‫ماســـتر كارد) هـــي آلـــة اإلمكانيـــات ‪»14‬‬ ‫هكـــذا فـــإن بطاقـــة االعتمـــاد الرائعـــة‬ ‫بحساســـيتها وقدرتهـــا وتجريدهـــا‪،‬‬ ‫تمكننـــي مـــن تحـــدث لغـــة كونيـــة‬ ‫بنفـــس كونيـــة الموســـيقى وتتطلـــب‪،‬‬ ‫مثلهـــا‪ ،‬الشـــخصية اإلبداعيـــة للمؤلـــف‬ ‫أو المـــؤدي‪ ،‬ووجـــود عازفيـــن‪ .‬فالمـــال‬ ‫ليـــس أرقامـــ ًا فقـــط‪ .‬أليـــس النظـــام‬ ‫البنكـــي الـــذي أســـتطيع أن أعـــزف بـــه‬ ‫كل بقـــاع العالـــم هـــو األوركســـترا‬ ‫فـــي ّ‬ ‫التـــي تشـــتغل مـــن أجـــل األداء وتحقيـــق‬ ‫التوزيـــع المجـــرد لألرقـــام وإعطائهـــا‬ ‫ال ــروح؟ ف ــي عاقات ــي م ــع البن ــك أؤل ــف‬ ‫وأؤدي مثـــل قائـــد؛ ال أخضـــع بشـــكل‬ ‫ذلي ــل إل ــى قواع ــد‪ ،‬إنن ــي‪ ،‬مثلم ــا يق ــول‬ ‫عنـــوان الصفحـــة‪« ،‬ســـيد اإلمكانيـــات»‪.‬‬ ‫إن كونيـــة القيمـــة هـــي التـــي تمنـــح‬ ‫كل بقعـــة‬ ‫القـــدرة علـــى الشـــراء فـــي ّ‬ ‫مـــن بقـــاع العالـــم بفضـــل الشـــبكات‬ ‫العالميـــة لبنكـــي‪ ،‬والتـــي تجعـــل مـــن‬ ‫كل الخصوصيـــات المحليـــة واللهجـــات‬ ‫ّ‬ ‫النـــادرة لتجـــار الزرابـــي وبائعـــي‬ ‫األبقـــار‪ ،‬ميـــزة‪ ،‬مـــن خـــال قدرتهـــا‬ ‫االتصاليـــة العابـــرة للقـــارات‪ .‬ومـــن اآلن‬ ‫كل تنقـــل (ســـياحي أو مـــن‬ ‫فصاعـــدا‪ّ ،‬‬ ‫أج ــل األعم ــال) ه ــو مغام ــرة‪ ،‬أكي ــد أنه ــا‬ ‫مثي ــرة‪ ،‬لكنه ــا مضمون ــة بإط ــاق وب ــدون‬ ‫مخاطـــر‪ ،‬ألن بنكـــي معـــي‪ ،‬يحمينـــي‪،‬‬ ‫كل جوالت ــي ح ــول‬ ‫يرعان ــي ش ــخصي ًا ف ــي ّ‬ ‫كل المشـــكات‬ ‫العالـــم‪ ،‬ويوفـــر عنـــي ّ‬ ‫الماديـــة‪ .‬هـــذا مـــا تعـــد بـــه بطاقـــة‬ ‫ّ‬ ‫(بروميـــي فيـــزا) ‪ .Premier Visa‬أنـــت‬ ‫أق ــوى م ــن ج ــول في ــرن‪« :‬قب ــل أن تحص ــل‬ ‫علـــى بطاقتـــك ‪( Premier‬بروميـــي)‬ ‫فأن ــت مس ــبق ًا تنتم ــي إل ــى عال ــم الرحال ــة‬

‫الكبـــار الذيـــن تقودهـــم أعمالهـــم أو‬ ‫فضولهـــم إلـــى القـــارات الخمـــس»‪ ،‬مـــن‬ ‫اآلن فصاعـــدا‪ ،‬ببطاقتـــك ‪Premier‬‬ ‫(برومي ــي) س ــتكون أس ــعد م ــن فيلي ــاس‬ ‫ف ــوك ش ــخصية ج ــول في ــرن‪ ،‬وس ــتغدو‬ ‫ـــل مـــن االهتمـــام بالمشـــكات‬ ‫فـــي ِح ٍّ‬ ‫قليـــا جـــدا‪ :‬ســـيولة‬ ‫الماديـــة‪ ...‬أو‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ماليــة‪ ،‬مصاحبــة‪ ،‬تأمينــات‪ ،‬حج ــوزات؛‬ ‫بطاقتـــك‪ ،‬مثـــل مفتـــاح ســـحري‪ ،‬رهـــن‬ ‫كل الصعـــاب (‪)...‬‬ ‫اإلشـــارة لتذويـــب ّ‬ ‫كل رحال ــة كبي ــر‬ ‫بطاقت ــك أداة يحل ــم به ــا ّ‬ ‫صممناهـــا لـــك لتناســـبك أنـــت» ‪.15‬‬ ‫البطاق ــة تتكف ــل ب ــكل ش ــيء‪ .‬فالبن ــك‬ ‫ل ــم يع ــد فق ــط ذل ــك المدب ــر للمس ــتودعات‬ ‫كل بقع ــة م ــن‬ ‫النقدي ــة‪ ،‬إن ــه حاض ــر ف ــي ّ‬ ‫بقـــاع العالـــم‪ ،‬ليصاحبـــك ويحميـــك‪.‬‬ ‫كل ش ــيء يت ــم وكأن التجري ــد المتعاظ ــم‬ ‫ّ‬ ‫للعامـــة النقديـــة تـــم التعويـــض عنـــه‬ ‫بالبنكنـــة التامـــة للحيـــاة‪ .‬فالبطاقـــة ال‬ ‫تمكن ــك فق ــط م ــن «الحص ــول عل ــى الم ــال‬ ‫كل لحظـــة فـــي العالـــم‬ ‫ّ‬ ‫كل يـــوم وفـــي ّ‬ ‫أجمـــع (حتـــى المـــال الـــذي ليـــس فـــي‬ ‫حســـابك‪ ،‬بفضـــل «اعتمـــادك الدولـــي»)‪،‬‬ ‫فهـــذا أقـــل مـــا يمكـــن‪ ،‬بـــل وتوفـــر لـــك‬ ‫حمايـــة تامـــة مـــن حيـــث المصاحبـــة‬ ‫والــــتأمين‪ ...‬مـــع البطاقـــة ‪ Premier‬ال‬ ‫تهت ــم ال بالتأمي ــن وال بالمصاحب ــة خ ــال‬ ‫رحاتـــك عبـــر العالـــم أجمـــع‪ ،‬فأنـــت‬ ‫محمـــي بالكامـــل»‪ .‬المصاحبـــة الطبيـــة‬ ‫أو االستشـــفاء أو الترحيـــل إلـــى الوطـــن‬ ‫أو الســـرقة أو الوفـــاة أو العجـــز («بمـــا‬ ‫فـــي ذلـــك «مخاطـــر الحـــرب» ‪ -‬احتجـــاز‬ ‫الرهائـــن‪ ،‬االضطرابـــات‪ ،‬تحويـــل‬ ‫الطائـــرات»)‪ ،‬فـــا وجـــود لخطـــر ال‬ ‫يتوقع ــه البن ــك وال يغطي ــه بش ــكل آل ــي‪،‬‬ ‫كل وظائ ــف الحماي ــة الت ــي كان ــت‬ ‫بدم ــج ّ‬ ‫غائبـــة عنـــه فـــي الســـابق‪.‬‬ ‫هـــذه هـــي الحركـــة‪ .‬فالبنـــك الـــذي‬ ‫صـــار يجمـــع بيـــن تقنيـــات التواصـــل‬ ‫ع ــن بع ــد واإلعامي ــات‪ ،‬تخط ــى س ــريع ًا‬ ‫دوره القديـــم المحـــدود وأصبـــح يجمـــع‬ ‫بيـــن القـــرب (األداء عـــن بعـــد والتحويـــل‬ ‫عـــن بعـــد) والبعـــد (تحويـــل العمـــات‬ ‫كل مـــكان)‪ ،‬وبيـــن الحاضر(المـــال‬ ‫فـــي ّ‬ ‫نقـــداً) والمســـتقبل (الســـلف‪ ،‬التأميـــن‪،‬‬ ‫التقاعـــد)‪...‬‬

‫___________________________‬ ‫الهوامش‬

‫(‪ )1‬باإلنجليزيـــة فـــي النـــص األصلـــي ?‪Cash,‬‬ ‫‪.check or charge‬‬ ‫(‪ )2‬بشـــأن هـــذا التمييـــز راجـــع ‪les Monna-‬‬ ‫‪yeurs du langage )surtout I, 4(, Gal‬‬‫‪( ilée, Paris, , 1984‬محولـــو اللّغـــة إلـــى نقـــود‬ ‫(خاصـــة ‪ ،)I,4‬كاليلـــي‪ ،‬باريـــس‪.)1984 ،‬‬ ‫(‪ )3‬نثق بالرب (م)‪.‬‬ ‫(‪ )4‬النظام الجديد للقرون المقبلة (م)‬ ‫(‪ )5‬هنـــاك مـــن يرضـــى ويقبـــل باألشـــياء التـــي‬ ‫ابتـــدأت (ترجمـــة حرفيـــة‪ .‬م)‪.‬‬ ‫(‪ )6‬من الكثرة واحد (م)‪.‬‬ ‫(‪ )7‬ه ــذه الوثيق ــة ه ــي العمل ــة القانوني ــة لجمي ــع‬ ‫العامـــة والخاصـــة‪( .‬م)‬ ‫الديـــون ّ‬ ‫(‪ )8‬يب ــدو وبش ــكل مثي ــر أن رم ــوز الورق ــة النقدي ــة‬ ‫األميركي ــة تؤك ــد التحلي ــل ال ــوارد ف ــي‬ ‫«‪numismatiques«des signifiants axi-‬‬ ‫‪ologiques les plus centraux, in Econo‬‬‫‪mie et symbolique, Ed. du seuil, Paris‬‬ ‫‪.1973‬‬ ‫(«علـــوم المســـكوكات والنقـــود» ودوال نظريـــة‬ ‫القي ــم‪ ،‬األكث ــر مركزي ــة‪،‬ورد باالقتص ــاد والرم ــزي‪،‬‬ ‫منشـــورات لوســـوي‪ ،‬باريـــس‪.)1973 ،‬‬ ‫(‪ )9‬باأللماني ــة ف ــي الن ــص الفرنس ــي (= الرأس ــمال‬ ‫المالـــي) ترجمـــة الموقـــع الرقمـــي «ريفيرســـو»‬ ‫(‪ ،)Reverso‬تمـــت زيـــارة الموقـــع يـــوم ‪30‬‬ ‫مـــارس ‪،2014‬‬ ‫‪URL: http://www.reverso.net/transl‬‬ ‫=‪ationresultsaspx?lang=EN&direction‬‬ ‫‪-german‬‬ ‫‪Wittgenstein,‬‬ ‫‪Investigations‬‬ ‫(‪)10‬‬ ‫‪philosophiques, trad. fr. par P. Klos‬‬‫‪sowski, Paris, Gallimard, coll. »Tel«,‬‬ ‫‪1986, p. 115 )à la suite, dans cette édi‬‬‫‪tion, du Tractatus logico-philosophi‬‬‫‪,)cus‬‬ ‫(فتنغشـــتاين‪ ،‬أبحـــاث فلســـفية‪ ،‬نقلـــه إلـــى‬ ‫الفرنســـية كولوسوفســـكي‪ ،‬باريـــس‪ ،‬كاليمـــار‪،‬‬ ‫سلســـلة «تيـــل»‪ ،1986 ،‬ص‪(115 .‬بعـــد‬ ‫«تراكتاكـــوس لوجيكـــو فيلوزوفيكـــوس‪ ،‬فـــي‬ ‫نفـــس دار النشـــر)‪.‬‬ ‫(‪ )11‬ن‪.‬م‪ .‬ص‪.167 .‬‬ ‫(‪ )12‬نيوزويك‪ 7 ،‬أبريل ‪.1986‬‬ ‫(‪ )13‬نسبة إلى فردناند دي سوسير (م)‪.‬‬ ‫(‪Harper’s Magazine, décembre 1986 )14‬‬ ‫(هارب ــرز ماكازي ــن‪ ،‬دجنب ــر ‪)1986‬‬ ‫(‪ )15‬وثيقـــة تجاريـــة «بطاقتـــك ‪Premier Visa‬‬ ‫(بروميـــي فيـــزا) «مـــارس ‪.»1987‬‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫‪http://www.persee.fr‬‬ ‫‪83‬‬


‫ﺣﻮار‬

‫الكاتب رفيق شــامي‪ ،‬من‬ ‫مواليــد دمشــق ‪،1946‬‬ ‫حائز على إجــازة في علوم الفيزياء‬ ‫والكيميــاء من جامعة دمشــق‪ .‬غادر‬ ‫بلــده ســورية عــام ‪ ،1971‬ليكمــل‬ ‫دراســته في ألمانيا‪ ،‬حيث حاز على‬ ‫درجة الدكتوراه في الكيمياء‪ ..‬كتب‪،‬‬ ‫باأللمانية‪ ،‬أكثر من خمســين كتاباً‪،‬‬ ‫فــي األدب والثّقافــة‪ ،‬خالل مّدة تزيد‬ ‫علــى خمســة وأربعين عامــاً‪ ،‬قضى‬ ‫جلُّهــا فــي ألمانيا‪ ،‬وترجمــت أعماله‬ ‫وي َعّد الكاتب‪،‬‬ ‫إلى أكثر مــن ‪ 29‬لغة‪ُ .‬‬ ‫شعبي ًة لدى‬ ‫الكّتاب األكثر‬ ‫اليوم‪ ،‬من ُ‬ ‫ّ‬ ‫األلمان‪.‬‬ ‫عن روايتــه األخيرة «الجانب المظلم‬ ‫ــب» الحائزة علــى أعلى مبيعات‬ ‫للح ّ‬ ‫ُ‬ ‫فــي العــام‪ ،‬وعــن إنتاجــات الكاتب‬ ‫واهتماماته‪ ،‬كان لنا الحديث اآلتي‪:‬‬

‫رفيق الشامي‪:‬‬

‫للحب»‬ ‫«الجانب املظلم‬ ‫ّ‬ ‫ألف صفحة استغرقت ‪ 25‬عام ًا من الكتابة‬ ‫ﺣﻮار‪ :‬ﻓﺎﻃﻤﺔ ﻳﺎﺳني‬ ‫الح ّب»‪ ،‬بشكل‬ ‫ركَّزت رواية «الجانب المظلم من ُ‬ ‫الحب الذي حظي‬ ‫أساسي‪ ،‬على المشاعر اإلنسانية؛‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بسعادة ال تشوبها ِّ‬ ‫والح ّب‬ ‫المستحيل‪،‬‬ ‫والح ّب‬ ‫ُ‬ ‫منغصات‪ُ ،‬‬ ‫بعيد المنال‪ .‬هل حاولت‪ ،‬من خال حشد ّ‬ ‫الحب‬ ‫كل أشكال ّ‬ ‫في رواية هدفها سياسي‪ ،‬اإلشارة إلى دور أنظمة‬ ‫االنقاب واالستبداد‪ ،‬التي تعاقبت على سورية‪ ،‬في‬ ‫الح ّب المختلف‪ ،‬ويعاديه؟‬ ‫تخليق موروث‬ ‫شعبي يمنع ُ‬ ‫ّ‬ ‫‪84‬‬

‫الح ّب‪ ،‬عن طريق رواية‪ ،‬تكشف النقاب‬ ‫ معالجة مسألة ُ‬‫عن ّ‬ ‫كل ما يخفيه المجتمع‪ ،‬دونما حاجة إلى وعظ‪ .‬خذي‬ ‫متمدن‪ ،‬وقد حصل على أعلى‬ ‫مثا ًال بسيطاً‪ :‬تلتقين بشخص‬ ‫ِّ‬ ‫الشهادات‪ ،‬ويتكلَّم خمس لغات‪ ،‬وينقَّل نظرته وأنامله‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫جواَلْين‪ ،‬ويكاد يبهر‬ ‫بخفّة‪ ،‬في أثناء حديثه‪ ،‬بين‬ ‫َ‬ ‫هاتفْين ّ‬ ‫ً‬ ‫وفجأة‪ ،‬تسألينه لماذا منع ابنته من‬ ‫مستمعيه بذالقة لسانه‪.‬‬ ‫الزواج بزميل لها من طائفتها نفسها (لم نسأل بعد‪ -‬إطاقاً‪-‬‬


‫عما‬ ‫عن عاقة ّ‬ ‫حب ممنوعة بين أتباع ديانات مختلفة‪ ،‬بل ّ‬ ‫يسمح به ّ‬ ‫بدوي من‬ ‫ويتحول إلى‬ ‫كل شرع)‪ ،‬فيرغي ويزبد‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫القرن الثامن عشر‪ ،‬وهو يشرح لنا عن الثأر‪،‬‬ ‫وخطه األحمر‬ ‫بين عشيرته وعشيرة زميل ابنته‪.‬‬

‫األساسيْين لتكون مسيحّية‬ ‫اخترت خلفّية البطَلْين‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫متدينة‪ ،‬واسترسلت في تعداد أساليب القمع والتربية‬ ‫ِّ‬ ‫صص إلرساء‬ ‫داخل الدير‪ ،‬الذي من المفترض أنه ُخ ِّ‬ ‫المحّبة‪ .‬ألم يكن ذلك صعب ًا عليك أو محرج ًا لك؟‬

‫توجد شيئاً؛ فهي‪ ،‬في ّ‬ ‫كل‬ ‫الديكتاتورية لم تبتكر‪ ،‬أو لم ِ‬ ‫التاريخ وفي ّ‬ ‫ثبتت‪ ،‬في‬ ‫كل أنحاء العالم‪ ،‬بؤرة العقم‪ .‬وقد َّ‬ ‫مجتمعاتنا‪ّ ،‬‬ ‫كل مظاهر انحطاط الموروث‪ ،‬من ثأر وجهل‬ ‫وخنوع للعشيرة‪ ،‬وكذب على النفس وعلى اآلخرين‪ ،‬ومنعت‬ ‫ً‬ ‫أكثرها‬ ‫إضاءة في التسامح وتحبيذ العلم‪ ،‬فتربية المدارس‬ ‫صّماً‪ ،‬وعلى ملء‬ ‫تربية ترفض التسامح‪ ،‬وتجبر على الحفظ َ‬ ‫الرأس بمرادفات سخيفة‪ ،‬بدل الغور في البحث والتمحيص‬ ‫في نقاط ضعف لغتنا‪ ،‬ومعالجتها‪ .‬هذا ناهيك عن البحث‬ ‫العلمي الذي يمقته الطغاة‪ .‬وقد بلغ‬ ‫التأخر درجة مخيفة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫حتى أن شيوخ ًا لم يقرأوا رواية أو بحث ًا علمي ًا طوال عمرهم‪،‬‬ ‫يمنعون كتاب ًا‬ ‫ويحرمونه‪ ،‬ويتَّهمون صاحبه باإللحاد‪ ،‬متى‬ ‫ِّ‬ ‫األول‬ ‫الحر عليها السبب َّ‬ ‫تجرأ على طرح أسئلة‪ ،‬كان الجواب ّ‬ ‫َّ‬ ‫تقدم أوروبا‪.‬‬ ‫في ُّ‬

‫وآرامي‪ ،‬من معلوال‪،‬‬ ‫كاثوليكي‪،‬‬ ‫مسيحي‬ ‫سيدتي‪-‬‬ ‫ أنا‪ -‬يا ِّ‬‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ودمشق معشوقتي إلى آخر يوم من عمري؛ وهذا‪ -‬بالضبط‪-‬‬ ‫كان السبب في أني اخترت عائلَتْين‬ ‫مسيحيَتْين‪ ،‬بينهما صراع‬ ‫َّ‬ ‫الحب الممنوعة بين‬ ‫ودم وثأر‪ ...‬لم ّ‬ ‫أود أن أهرب إلى عاقة ّ‬ ‫أحب المدخل‬ ‫المسيحيين والمسلمين؛ ألن هذا سهل جّداً‪ ،‬وأنا ال ّ‬ ‫ِّ‬ ‫السهل لمواضيع‬ ‫معقدة‪ .‬هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة ثانية‪ ،‬أنا‬ ‫َّ‬ ‫ال أستطيع تحريك أبطالي بتقاليد مسلمة‪ ،‬بمصداقّية‪ ،‬ألني‬ ‫ً‬ ‫أعرفها معرفة سطحية‪ ،‬فقط‪ ،‬بينما أعرف‬ ‫معرفة دقيقة‪ ،‬عبر‬ ‫حياتي‪ ،‬ومن خال أبحاث طويلة‪ّ ،‬‬ ‫كل دقائق الخاف بين‬ ‫الطوائف المسيحية (روم كاثوليك ضد روم أورثوذوكس‪،‬‬ ‫مثاً)‪ ...‬على مقولة أهل الشام‪( :‬عاجنها‪ ،‬وخابزها)‪ .‬هنا‪،‬‬ ‫تصبح الحبكة دقيقة جّداً‪ :‬بطا الرواية مسيحّيان‪ ،‬لكن الثأر‬ ‫يفرقهما‪ .‬إنهما ال يستسلمان‪ ،‬رغم الصعوبات‪،‬‬ ‫العشائري ِّ‬ ‫ويقاومان‪ ،‬بشجاعة تصل إلى حدود مذهلة! مثاً‪ :‬دخول (رنا)‬ ‫المسمى‪ ،‬في‬ ‫مصح األمراض النفسية والعقلية‬ ‫المتعمد إلى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫دمشق‪« ،‬العصفورية»‪ .‬كذلك سعي (نضال) لتحرير مجتمعه‬ ‫من القيود التي أوصلته إلى جهنَّم المعتقات‪ ،‬وإلى تعذيب‪،‬‬ ‫السادي‪.‬‬ ‫يشرف عليه صديق طفولته‬ ‫ّ‬

‫ومن َث َّم‪ ،‬فإن رواية تريد فضح ذلك‪ ،‬دون محاضرة أخاقية‪،‬‬ ‫عليها أن تكون ُمغرية ومتينة‪ ،‬بحبكتها وتشويقها‪ ،‬أضعاف‬ ‫أضعاف الروايات األخرى‪ ...‬وهكذا‪ ،‬عندما يتماهى القارئ مع‬ ‫(فريد) و(رنا) تكون الرواية قد نجحت في الوصول إلى قلوب‬ ‫القراء وعقولهم؛ لهذا عملت بهذه الرواية أكثر من ‪ 25‬سنة‪.‬‬ ‫ّ‬

‫الحرّية‪ ،‬التي وفَّرتها‬ ‫رغم المساحات اإلضافية من ّ‬ ‫تسمي‬ ‫ثورات الربيع العربي‪ ،‬شهدناك في الرواية‪ّ ،‬‬ ‫(ف ْعان)‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحكام بأسماء رمزّية‪ ،‬جميعها على وزن َ‬ ‫وتحمل َكّم ًا من السخرية‪ ،‬ما الغرض من عدم إدراج‬ ‫األسماء الحقيقّية؟‬ ‫بدأت بها في أواسط السبعينيات‪،‬‬ ‫ لهذا سببان‪ :‬الرواية‬‫ُ‬ ‫وخرج ْت إلى الضوء عام ‪ ،2004‬وكنّا النزال في شتاء‬ ‫َ‬ ‫قارس‪ .‬لكن‪ -‬إلى جانب الرغبة في التورية‪ -‬هناك سبب أكثر‬ ‫جّدّية‪ ،‬وهو أن أبحاثي عن شخصّية الطاغية في ّ‬ ‫كل التاريخ‪،‬‬ ‫وفي التحليل النفساني‪ ،‬دلَّتني على أن الطاغية قد يختلف‪،‬‬ ‫بالتفاصيل‪ ،‬عن طاغية آخر‪ ،‬لكنه نظير ومشابه لطاغية‬ ‫بنسبة ‪ ،% 95‬في بلد عربي آخر‪ .‬وبما أن الرواية ال ُتعنى‪،‬‬ ‫آني‪ ،‬إنما هي‪ ،‬دوماً‪ ،‬مكتوبة عن‬ ‫كالمقال الصحافي‪ ،‬بشيء ّ‬ ‫عالييتْين‪ .‬لذلك أخذت‬ ‫بعد‪ ،‬يمكنها أن تروي برؤية ونقدّية‬ ‫َ‬ ‫نماذج ِعّدة للطغاة العرب‪ ،‬و‪ -‬أحياناً‪َّ -‬‬ ‫كثفتها (وضعت صفات‬ ‫حاكمْين أو ثاثة في جسد طاغية واحد‪ ،‬ليصبح ما أريد‬ ‫َ‬ ‫وصفه واضحاً)‪ ،‬وهذا من أبسط حقوق الراوي‪.‬‬ ‫أو ًال‪ -‬لتبيان‬ ‫نهاية أسماء الطغاة بالحرفين‪« :‬ا» و«ن»‪ ،‬تأتي‪َّ -‬‬ ‫القرابة القائمة بينهم‪ ،‬ومن جهة ثانية‪ ،‬لمعرفتي أن هذين‬ ‫سميتهم‪:‬‬ ‫الحرفين يعنيان‪ ،‬بالفرنسية‪( ،‬حمار)‪ .‬وهكذا‪َّ ،‬‬ ‫سطان‪ ،‬وهبان‪ ،‬ودميان‪ ،‬وشكان‪ ،‬ومتآمران‪ ،‬وقبضان‪...‬‬ ‫إلخ‬

‫طرقت باب أدب السجون‪ ،‬عند حديثك عن اعتقال بطل‬ ‫الرواية‪ ،‬بسبب انتمائه إلى أحد األحزاب المحظورة‪.‬‬ ‫هل َّ‬ ‫أثر فيك ما كتب زماؤك السورّيون في هذا المجال‪،‬‬ ‫كالشاعر فرج بيرقدار‪ ،‬والروائي مصطفى خليفة‪،‬‬ ‫تعمدت طرق أسلوب‬ ‫ّ‬ ‫والقاص إبراهيم صموئيل‪ ،‬أم أنك َّ‬ ‫جديد‪ ،‬في هذا المجال؟‬ ‫تسمينها قد صدرت‪ ،‬آنذاك‪ .‬لكن‪ ،‬كان‬ ‫ لم تكن الكتب التي ّ‬‫هناك عدد هائل من المساجين السياسّيين‪ ،‬في ّ‬ ‫كل البلدان‬ ‫متفرقة‪ ،‬ومذكِّرات‪ .‬بعضها‬ ‫العربية‪ ،‬وقد نشروا مقابات‬ ‫ِّ‬ ‫صدر‪ ،‬ككتاب «األقدام العارية» (دار ابن خلدون)‪ ،‬لطاهر‬ ‫عبد الحكيم‪ ،‬عن السجون المصرية‪ ،‬وهؤالء الوحوش الذين‬ ‫وقَتل في سجون دمشق‪ ،‬إّبان‬ ‫َّب َ‬ ‫َعذَّبوه هم أنفسهم من َعذ َ‬ ‫المجرم‬ ‫الوحدة‪ ،‬تحت إشراف‬ ‫السوري عبد الحميد السراج‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وبمعرفة‬ ‫المصري جمال عبد الناصر‪ ،‬ثم أجريت‪ -‬بواسطة‬ ‫ّ‬ ‫السياسيين‪.‬‬ ‫المساجين‬ ‫من‬ ‫عدد‬ ‫مع‬ ‫مقابات‬ ‫أصدقاء‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫وقبل كتابة آخر صيغة (في عام ‪ ،)2003‬صدرت كثير من‬ ‫الدراسات عن السجون في اإلنترنت‪ ،‬بما فيها خرائط وصور‬ ‫عن السجون والمعتقات‪ ،‬في تدمر وصيدنايا‪ ،‬مثاً‪ ،‬وصرت‬ ‫أعرف دقائق ّ‬ ‫رت‬ ‫كل زاوية في هذا الجحيم‪ .‬هنا‪ -‬أيضاً‪َّ -‬‬ ‫غي ُ‬ ‫بعض المباني والطرقات‪ ،‬كما تحتاجه الرواية‪ ،‬ألني لست‬ ‫بصدد إصدار وثيقة عن مهاجع معتقل تدمر‪.‬‬ ‫لقد حاولت‪ -‬باالستناد إلى دراسات علمّية حديثة‪ ،‬عن نفسية‬ ‫المعتقل وما يفكِّر به ويحاول فعله‪ -‬أن أقترب إلى الواقع في‬

‫‪85‬‬


‫يومّيات فريد‪ ،‬في معتقله‪ ،‬لكني اختصرت‪ ،‬في النهاية‪،‬‬ ‫حوالي ‪ 200‬صفحة إلى ‪ 40‬صفحة‪ ،‬وكّثفتها؛ ألن ‪200‬‬ ‫النفس‪ ،‬وهذا ليس في صالح‬ ‫صفحة في المعتقات تقطع َ‬ ‫الرواية‪.‬‬

‫لم تغادرك دمشق‪ ،‬منذ أن غادرتها‪ .‬يبدو ذلك‪ ،‬جلّياً‪،‬‬ ‫من خال الرواية‪ .‬تلك التفاصيل الكثيرة التي الزالت‬ ‫ذاكرة الطفل واليافع تزخر بها‪ ،‬كيف تستعيدها؟ وكيف‬ ‫تترك الكاتب األلماني رفيق الشامي وراءك‪ ،‬وتجري‬ ‫خلفاً‪ ،‬لتلقط ما تكتبه بهذه الدقّة‪ ،‬وهذه الحيوّية؟‬ ‫علي‪ .‬سكنت في دمشق‪،‬‬ ‫ هذا من ّ‬‫أهم األسئلة التي ُطِر َحت َّ‬ ‫وهي تسكنني منذ غادرتها‪ .‬في السبعينيات والثمانينيات‪ ،‬لم‬ ‫نعرف اإلنترنت والكمبيوتر ووسائل التواصل‪ ،‬كما نعرفها‬ ‫اليوم‪ .‬لذلك‪ ،‬وألنني أيقنت أن ذاكرتي‪ -‬على جودتها‪ -‬ال‬ ‫الحب أو العشق ينثر‪ ،‬ويضيف ألوان ًا‬ ‫تكفي للكتابة بدقّة‪ ،‬وأن ّ‬ ‫زهرية على ّ‬ ‫سميتها‬ ‫نحب‪ ،‬بدأت ببناء مكتبة ّ‬ ‫كل ما ّ‬ ‫خاصة َّ‬ ‫«دمشق»‪ .‬كنت أطلب من ّ‬ ‫كل صديق أو قريب أو أخ أو أخت أن‬ ‫إلي كتب ًا عن أحياء دمشق‪ ،‬وعن عاداتها‪ ،‬وأسواقها‪،‬‬ ‫يرسلوا َّ‬ ‫ِ‬ ‫ونَمت‬ ‫وحماماتها‪ ،‬وأدبها وأقوالها الشعبية‪ ...‬إلخ‪َ .‬‬ ‫وحَرفها‪ّ ،‬‬ ‫المكتبة بسرعة‪ ،‬وكان لها فائدة كبرى‪ .‬فيها‪ -‬مثاً‪ -‬طقوس‬ ‫أي‬ ‫العرس المسيحي أو العرس المسلم‪ ،‬في األربعينيات‪ ،‬أو ّ‬ ‫وأي فيلم حاز على‬ ‫معرض افتتح أبوابه في سنة ‪ّ ،1956‬‬ ‫شعبّية في عام ‪ ،1959‬مثاً‪ ...‬هذا إلى جانب أرشيف ضخم‬ ‫للصور‪ :‬صور لشوارع‪ ،‬ولبائعين‪ ،‬ولمحتفلين‪ ،‬وألسواق‬ ‫كالحميدية‪ ،‬والبزورية‪ ،‬وللشارع المستقيم‪ ،‬ومذكِّرات‪،‬‬ ‫وكتب تاريخ‪ ..‬إلخ‪ .‬وقد أسعدني أصدقاء بالتقاط أصوات‬ ‫أي‬ ‫وغناء البائعين وشتائمهم‪ ،‬وغير ذلك مما يسمعه ّ‬ ‫دمشقي عند تجواله‪ ،‬وتسجيلهم لها‪ .‬ومن َث َّم لم ينقصني‬ ‫شيء للبحث وللتمحيص‪ ،‬ولكي‬ ‫يتحرك أبطالي بدقّة‪ .‬وكم‬ ‫َّ‬ ‫يفرحني قول ُسّياح عرب وأجانب‪ ،‬عند عودتهم‪ ،‬أنهم أخذوا‬ ‫رواياتي كدليل لهم‪ ،‬ليفهموا البلد والشعب أكثر‪.‬‬ ‫إن من أصغر واجبات الروائي أن يعرف‪ ،‬بدقّة‪ ،‬جراح ّ‬ ‫كل‬ ‫قصته فيها‪.‬‬ ‫شرايين البلد التي تدور أحداث ّ‬

‫حدْثنا عن تجربة رفيق الشامي في‬ ‫بعيدًا عن الرواية‪ِّ ،‬‬ ‫الصحافة العربية (مجلّة «كش ملك» الساخرة‪ ،‬ومجلّة‬ ‫رابطة الكتاب «أوراق»‪ ،‬وغيرهما‪.)..‬‬ ‫ لم أجمع أّية خبرة صحافية في صحف رسمّية‪ ،‬فأنا‬‫ممنوع منها‪ .‬ونحن‪ -‬العرب‪ -‬في قضايا المنع‪ ،‬أكثر دق ً‬ ‫ّة من‬ ‫األلمان‪ .‬في عام ‪ ،2004‬تزلَّفت الجامعة العربية لي في أثناء‬ ‫معرض الكتب الدولي في فرانكفورت‪ ،‬وأرادت منحي جائزة‬ ‫أفضل كاتب‪ ،‬فرددت عليها برفضي للجائزة‪ ،‬ألن منع كتبي‪،‬‬ ‫في الباد العربية‪ ،‬هو أعلى وسام حصلت عليه‪ ،‬وطلبت من‬ ‫الجامعة العربية أن تناضل ّ‬ ‫والصحافيين‬ ‫الكتّاب‬ ‫لفك أسر ُ‬ ‫ِّ‬ ‫المعتقلين‪ .‬هذا اإليميل ال أزال أحتفظ به‪ ،‬وفي ذاكرتي‬ ‫َ‬ ‫رد الجامعة على صفعتي‪.‬‬ ‫أحتفظ بعدم ّ‬ ‫‪86‬‬

‫ّ‬ ‫كل ما نشرته‪ ،‬منذ كنت شاباً‪ ،‬في دمشق‪ ،‬كان في صحف‬ ‫ممنوعة‪ .‬الصحافي الجريء الوحيد الذي نشر حواري‬ ‫الطويل معه‪ ،‬قبل انتفاضة الشعوب العربية‪ ،‬هو الشاعر‬ ‫والكاتب خلف علي خلف‪ ،‬في جريدته اإللكترونية «الجدار»‪،‬‬ ‫من نهاية عام ‪ 2005‬حتى نهاية عام ‪ .2006‬وبعدها‪ ،‬تاه‬ ‫مؤسس وناشر «صفحات سورية»‪،‬‬ ‫الشاعر حسين الشيخ‪ِّ ،‬‬ ‫في ديمسبر‪/‬كانون األول‪،2016 ،‬‬ ‫ونشرت الكثير لديه‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫أيضاً‪ -‬دون تزوير أو مراقبة‪.‬‬ ‫جيدة‪،‬‬ ‫تجربتي مع المجلّة الساخرة «كش ملك» كانت ِّ‬ ‫ونشرت هناك نصوص ًا ساخرة‪ ،‬تحت عنوان «إعراب ليس‪،‬‬ ‫فقط‪ ،‬للمبتدئين» وتوقَّفت عن النشر ألسباب‪ ،‬ال أريد شرحها‬ ‫اآلن‪ ،‬بالتفصيل‪.‬‬ ‫الكتّاب السوريين‪،‬‬ ‫أما تجربتي مع «أوراق»‪ ،‬مجلّة رابطة ُ‬ ‫ّ‬ ‫أدى إلى انسحابي‬ ‫سيئة للغاية‪ ،‬وهي السبب الذي ّ‬ ‫فكانت ِّ‬ ‫أقدم مقا ًال لعددهم‬ ‫ِب مني‪ -‬بإلحاح‪ -‬أن ِّ‬ ‫من الرابطة‪ .‬لقد ُطل َ‬ ‫األخير‪ ،‬فعملت ما يزيد على الشهر في بحث ِ‬ ‫مرهق‪ ،‬وتجميع‬ ‫لوثائق تدين االنتهازيين‪ ،‬وأرسلت لهم الدراسة‪ ،‬وهي‬ ‫بعنوان «حجب الشمس بغربال‪ :‬ماحظات حول مرتزقة‬ ‫االنتهازيين الذين خدموا األنظمة‪ ،‬والذين‬ ‫الكلمة»‪ ،‬عن بعض‬ ‫ِّ‬ ‫يدعون اآلن‪ ،‬أنهم كانوا‪ ،‬طوال هذه السنين‪ ،‬معارضين‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫رفضت هيئة التحرير المقال ألسباب مضحكة‪ .‬نعم‪ ،‬لقد‬ ‫نشرت‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬المقال في «صفحات سورّية»‪ .‬العشائرية‬ ‫والمحسوبية نخرت عظام المعارضة‪ ،‬وتزداد بتدفُّق األموال‬ ‫االنتهازيين‬ ‫عليها‪ ،‬يوم ًا بعد يوم‪ ،‬ألن كثيرًا من‬ ‫المتمرسين‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫بالتأقلم واالختراق‪ ،‬صاروا في صلب المعارضة وأجهزتها‬ ‫تحولت المعارضة إلى أنموذج مستقبل‬ ‫اإلعامية‪ ،‬حتى‬ ‫َّ‬ ‫سيئ‪ ،‬قبل أن تستلم الحكم‪ .‬هذا هو سبب اإلحباط و‪ -‬إلى‬ ‫ِّ‬ ‫َحّد ما‪ -‬القرف الذي أصابني من تعفُّن مثقَّفي المعارضة‪،‬‬ ‫واستعمالهم أساليب البعث نفسها في منع الحوار‬ ‫الحر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بل استمرارهم على سيرة من َي َّدعون مكافحته‪ ،‬وهذا ما‬ ‫يمنعني‪ ،‬حتى اليوم‪ ،‬من الكتابة في أّية صحيفة عربية‪.‬‬

‫المحررين‬ ‫هل وجد رفيق الشامي فرق ًا في التعامل مع‬ ‫ِّ‬ ‫حدثنا عن دقّة‬ ‫والناشرين العرب‪ ،‬وأولئك الغربين؟ ِّ‬ ‫المؤسسات التي‬ ‫ما يقال عن تباين أسلوب تعاطي‬ ‫َّ‬ ‫تعنى بالّثقافة‪ ،‬في ٍّ‬ ‫كل من باد العرب وباد الغرب‪.‬‬ ‫بحرّية‪ ،‬والنشر‬ ‫ هناك‪ -‬بالطبع‪ -‬فارق هائل‪ ،‬بين النشر ّ‬‫تحت المراقبة‪ ،‬وهناك‪ -‬ثانياً‪ -‬مكان رفيع‪ ،‬في الّثقافة‬ ‫األوروبية‪ ،‬لكرامة اإلنسان وحقّه في التعبير عن رأيه‪ّ ،‬‬ ‫بغض‬ ‫وإثنيته‪ ،‬ورأيه‪ .‬ولم يحدث‪ ،‬إلى اآلن‪ ،‬أن‬ ‫النظر عن دينه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫أدت إلى رفضه‪،‬‬ ‫ُرفِض مقال لي دون تقديم وجهة النظر التي َّ‬ ‫ّ‬ ‫وبكل احترام لي‪ ،‬مع دفع ‪ % 80‬من المبلغ المتَّفق عليه‪،‬‬ ‫في أغلب األحيان‪ ،‬فيما لو ُن ِشر المقال‪ّ .‬‬ ‫وكل تغيير يقوم به‬ ‫المحرر عليه عرضه على الكاتب وأخذ موافقته‪ ...‬هذا ليس‬ ‫ِّ‬ ‫كرم ًا بل احترام ًا للشخص ولجهده‪ .‬عندنا‪ ،‬ال يجيب أحد‪ ،‬بل‬ ‫ال يرى نفسه مجبرًا على ذلك‪.‬‬


‫طبعاً‪ ،‬هناك‪ ،‬في ّ‬ ‫أوروبي‪،‬‬ ‫كل بلد‬ ‫ّ‬ ‫محرمة؛ تبع ًا لظروف البلد‬ ‫مساحات‬ ‫َّ‬ ‫التاريخية‪ .‬مثاً‪ :‬ال يجوز‪ ،‬في بريطانيا‪،‬‬ ‫يعاقب عليه القائل أو‬ ‫إهانة الملكة‪ ،‬فهذا َ‬ ‫الكاتب‪ ،‬بينما ال‬ ‫أي أحد‪ ،‬حتى‬ ‫َ‬ ‫يعاقب ّ‬ ‫لو (شرشح) رئيس الوزراء‪ .‬هنا‪ ،‬في‬ ‫يعاقب على ّ‬ ‫ألمانيا‪،‬‬ ‫كل تحريض ضّد‬ ‫َ‬ ‫شعوب وديانات أخرى‪ ،‬و‪-‬‬ ‫باألخص‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫معاداة السامّية؛ ألن النازيين قتلوا ‪6‬‬ ‫يهودي‪ ،‬في محرقة‪ ،‬لم يسبق‬ ‫مايين‬ ‫ّ‬ ‫لها مثيل‪.‬‬ ‫لكن هناك صعوبة هائلة في الوصول‬ ‫ّ‬ ‫القراء؛ سببها الرخاء‬ ‫والحرّية‪،‬‬ ‫إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمجات‬ ‫والكّم الهائل من الصحف‬ ‫َ‬ ‫والكتب‪ .‬خذي الكتاب مثاً‪ :‬يصدر في‬ ‫ألمانيا وحدها‪ ،‬سنوّياً‪ ،‬حوالي (‪)80‬‬ ‫ثم يحتاج ّ‬ ‫كل‬ ‫ألف كتاب جديد‪ ،‬ومن ّ‬ ‫الكّم‬ ‫كتاب جديد لجهد كبير ليظهر بين هذا َ‬ ‫الهائل من الكتب الجديدة‪ ،‬إلى جانب ذلك يعرض حوالي ‪350‬‬ ‫ألف كتاب للبيع من كافّة اللغات‪.‬‬ ‫والسبب الثاني هو التقنية الحديثة التي توهم ّ‬ ‫كل من يحمل‬ ‫شهادة بكالوريا‪ ،‬ويمتلك (البتوب) أنه يستطيع أن يؤلّف‬ ‫كتاباً‪ ،‬ويطبعه‪،‬‬ ‫ويوزعه‪ ...‬هذا كلّه وهم‪ .‬دار النشر التي‬ ‫ِّ‬ ‫أنشر كتبي لديها أخبرتني‪ -‬جواب ًا على سؤالي‪ -‬أنها ترفض‪،‬‬ ‫قدم لها جاهزاً‪ ،‬وهي‬ ‫شهرّياً‪ ،‬من ‪ 150‬إلى ‪ 200‬عرض كتاب ُي ِّ‬ ‫دار نشر‪ ،‬من بين أكثر من ‪ 2200‬دار نشر ألمانية‪.‬‬

‫هل سيكون لسورية نصيب آخر من رواياتك؟ وهل‬ ‫ً‬ ‫مباشرة‪ ،‬دون االستعانة‬ ‫تفكِّر في الكتابة بالعربية‬ ‫بمترجم‪ ،‬بما أنك تجيدها‪ ،‬ببراعة؟‬ ‫ أشكر اهتمامك‪ .‬لدمشق نصيب في ّ‬‫كل رواية أكتبها‪ .‬في‬ ‫الرواية التي بدأت بكتابتها منذ نصف سنة‪ ،‬والتي ستصدر‬ ‫بعد سنتين‪ ،‬ستكون سورية من عام ‪ 2010‬وحتى اندالع‬ ‫الثورة‪ ،‬في درعا‪ ،‬مارس‪/‬آذار‪ ،2015 ،‬مسرح ًا للحدث‪.‬‬ ‫وأولهم الكاتب الرائع فادي عزام‪ ،‬على‬ ‫يصر بعض األصدقاء‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫مطالبتي بأن أقوم بنفسي بترجمة أعمالي إلى العربية‪ ،‬أو‬ ‫ً‬ ‫حتى الكتابة‪-‬‬ ‫مباشرة‪ -‬بالعربية ‪ .‬الترجمة َفّن صعب‪ ،‬ووالدة‬ ‫للنص‪ ،‬وتستغرق وقت ًا طوياً‪ ،‬ال أملكه‪ ،‬وجهدًا أريد‬ ‫جديدة‬ ‫ّ‬ ‫صّبه في مشاريعي الجديدة‪ ،‬قبل أن يأتي عزرائيل‪.‬‬ ‫يا إخوتي‪ ،‬كتبي‬ ‫تترجم إلى ‪ 29‬لغة؛ لذلك أرجو معذرتكم‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لقد كتبت ّ‬ ‫محبتي للغتي العربية‪ ،‬في كتابي «قرعة جرس‬ ‫كل َّ‬ ‫ً‬ ‫لعمل‬ ‫النتيجة‬ ‫فما‬ ‫‪.‬‬ ‫مباشرة‬ ‫بالعربية‬ ‫جميل»‪،‬‬ ‫لكائن‬ ‫أرقني‬ ‫َّ‬ ‫صحيفتْين أو ثاث صحف‬ ‫كاملتْين؟ ُذِكر الكتاب في‬ ‫سنَتْين‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ويدعي البعض أن سبب‬ ‫عربية‪ ،‬من الخليج إلى المحيط‪ِّ ...‬‬ ‫صمتهم‪ ،‬في صحفهم (منهم من كان رئيس ًا للقسم الّثقافي‪ ..‬ما‬

‫شاء اهلل‪ ،‬ويخزي العين الحسودة!)‪،‬هو‬ ‫بعض األخطاء النحوية‪ .‬هؤالء الذين‬ ‫يدوخون رؤوسنا ِبَنْدبهم على اللغة‬ ‫ِّ‬ ‫العربية‪ ،‬وعلى عدم اهتمام الكتّاب بها‪.‬‬ ‫يتعام ْون عن محاولة كاتب‬ ‫مهجري أن‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫يقدم باقة ورود لهذه اللغة‪ ،‬في فراش‬ ‫ِّ‬ ‫مرضها‪ ،‬ويحاول إيجاد طريق لنقاهتها‪،‬‬ ‫دون‬ ‫المس بالقرآن الكريم أو تغيير‬ ‫ّ‬ ‫صورة األحرف الرائعة الجمال‪ .‬هؤالء‬ ‫المتعامون (قصداً) هم أنفسهم يترجمون‬ ‫ألسخف ُكتّاب أوروبا‪ ،‬ويمدحونهم‪،‬‬ ‫ويتمسحون بهم‪ .‬الدفاع عن جمال هذا‬ ‫ّ‬ ‫يهم أحد النقّاد‬ ‫الكائن الحبيب‪ ،‬لغتنا‪ ،‬لم ّ‬ ‫بقدر انزعاجه الذي همس به في أذن‬ ‫صديق لي‪ ،‬كسبب لعدم ذكر الكتاب في‬ ‫صحيفته‪ ،‬وهو أني نصبت ما ينبغي‬ ‫وج َّرْيت منصوب ًا‬ ‫رفعه ثاث ّ‬ ‫مرات‪َ ،‬‬ ‫مرات في كتاب‪ ،‬يزيد عدد صفحاته‬ ‫عشر ّ‬ ‫بربك‪ -‬إلى هذا التعقيد في تأنيث‬ ‫على ‪ 400‬صفحة (انظري‪ِّ -‬‬ ‫األعداد‪ ،‬وتذكيرها)‪ .‬وهذا التعنُّت وتعقيد طاسم اإلعراب هو‬ ‫تأخر لغتنا‪ ،‬وهو ما انتقدته في كتابي‪.‬‬ ‫أحد أسباب ُّ‬

‫قت‪ ،‬من موقعك‪ ،‬بوصفك إنسان ًا عربياً‪ ،‬حصل‬ ‫تطر َ‬ ‫َّ‬ ‫على الجنسية األوروبية‪ ،‬منذ عقود‪ ،‬إلى وصايا عشر‪،‬‬ ‫نشرتها في موقعك ّ‬ ‫لاجئين الجدد إلى أوروبا وألمانيا‪،‬‬ ‫خصوصاً‪ .‬كيف تستقبل أمر اللجوء الجديد؟ وكيف ترى‬ ‫مستقبل الاجئين‪ ،‬هناك؟‬ ‫لخصت ّ‬ ‫ست لغات‬ ‫ َّ‬‫رجمت إلى ّ‬ ‫كل خبرتي في عشر نصائح ُت ِ‬ ‫لتغطية حوالي ‪ % 90‬من لغات الاجئين‪ .‬طبعاً‪ ،‬يمكن زيادة‬ ‫عددها إلى ‪ .100‬وبعدها‪ ،‬ستكتشفين أنها ال تزال غير كافية‪.‬‬ ‫عشر نصائح دقيقة تمكَّن الاجئ من فهم المجتمع األلماني‬ ‫تصرفات ال تجلب له ّإال المشاكل‪ .‬لقد قمت بذلك‬ ‫ومن تجنُّب‬ ‫ُّ‬ ‫حام بيني وبين أعداء الاجئين‪.‬والشيء المذهل‬ ‫بعد سجال ٍ‬ ‫يساريين‬ ‫العنصريين كانوا‪ ،‬يوم ًا ما‪،‬‬ ‫أن كثير من هؤالء‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫متطرفين‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫حق ّ‬ ‫اللجوء ّ‬ ‫يتعرض لخطر‬ ‫لكل إنسان‬ ‫حياتي‪ ،‬سواء أكان‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫عبر ماحقة سياسية أم عبر حرب‪ ،‬أو جوع‪ .‬ونحن‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫ندافع عن هذا ّ‬ ‫الحر‬ ‫الحق‪ ،‬دون توقُّف؛ ألنه من أسس النظام ّ‬ ‫الديموقراطي‪ .‬طبعاً‪ ،‬هناك مشاكل واقتراحات بنّاءة يومية‪،‬‬ ‫قد تنجح أو ال تنجح‪ ،‬وعلينا ّأال نتفاجأ بأن هناك الجئين‬ ‫أشراراً‪ .‬وفي دفاعي عن الاجئين‪ ،‬قلت إن ‪ 99‬الجئ‪ ،‬من‬ ‫ألن ‪ % 1‬خالف القانون‪ ،‬كما قلت‬ ‫مئة‪ ،‬ال يستحقّون الكره‪ّ ،‬‬ ‫لهم‪ :‬أرجو أن تصحوا‪ ،‬وتفهموا أن الاجئ إنسان‪ ،‬ولو كان‬ ‫توج َه فورًا إلى السماء‪.‬‬ ‫ماك ًا لما أتى إلى ألمانيا‪ ،‬بل لكان َّ‬ ‫كثير من الاجئين البالغين والذين لن يحصلوا على وظائف‬ ‫جيدة‪ ،‬بسبب عدم إتقانهم للغة‪ ،‬سيعودون فور هدوء الوضع‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫‪87‬‬


‫يتفق الفرنســيون‪ ،‬اليوم‪ّ ،‬إال على أســماء قليلة يعتبرون أصحابها كّتاب ًا ِعظاماً‪ ،‬وإيمانوال‬ ‫ال َّ‬ ‫«الرواية الالمصطنعة»؛ ْإذ تؤلِّف كتبه بين‬ ‫كارار ما ُيســميه ّ‬ ‫كارار واحد من تلك األســماء‪ .‬يكتب ّ‬ ‫ّ‬ ‫«يحيل العالم إلى أدب»‪.‬‬ ‫ّاد‪-‬‬ ‫ق‬ ‫الن‬ ‫أحد‬ ‫أجمل‬ ‫كما‬ ‫هو‪-‬‬ ‫أو‬ ‫ِّم‪،‬‬ ‫المتكل‬ ‫بضمير‬ ‫والحكي‬ ‫حافي‬ ‫الص‬ ‫التحقيق ّ‬ ‫ُ‬ ‫«الشــارب»‪ ،‬عن رجل يحلق‬ ‫حقّــق أولــى نجاحاتــه على المســتوى النّقدي عام ‪ ،1986‬بروايتــه القصيرة ّ‬ ‫بأن ال أحد انتبه لهذا التغيير‪ ،‬حّتى زوجته‪.‬‬ ‫فاجأ ّ‬ ‫في َ‬ ‫شاربه‪ُ ،‬‬ ‫كارار روايته تلك‬ ‫امتــدح جون أبدايك الرواية‪ُ ،‬مشــيرًا إلــى ّ‬ ‫أن وصفها بـ(الجريئة) ُيقلِّل من شــأنها‪َ .‬أْتَبع ّ‬ ‫بكتابــه «بعيــدًا عــن المتناول»‪ ،1988 ،‬عن امرأة تدمــن القمار‪ ،‬و«رحلة‬ ‫صفية»‪ ،1995 ،‬عن االســتغالل‬ ‫َّ‬ ‫الروائي األميركي‪،‬‬ ‫المتخصص بأدب الخيال العلمي‪ ،‬فيليب كندر ديك‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫الجنسي لألطفال‪ ،‬كما كتب سيرة ّ‬ ‫من‬ ‫ة‬ ‫الفرنســي‬ ‫النســخة‬ ‫د‬ ‫ع‬ ‫ي‬ ‫ّذي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ريم»‪،2000،‬‬ ‫«الغ‬ ‫هــو‬ ‫الشــهرة‬ ‫«بــدم بارد»‪،‬‬ ‫لكــن الكتــاب الّذي حقَّق له ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫القصة‬ ‫الحقيقية لســفّاح قتل عائلتــه بالكامل‪ ،‬بعد انتحاله صفة طبيب‪ ،‬طوال‬ ‫لترومــان كابوتي‪ .‬ويروي ّ‬ ‫َّ‬ ‫رجمت إلى ثالث‬ ‫وت ِ‬ ‫ثمانيــة عشــر عامــاً‪ .‬صــارت «الغريم» أكثر الكتــب رواج ًا في فرنســا وقت صدورهــا‪ُ ،‬‬ ‫المبنية على أحداث‬ ‫ليــاً‪ -‬لكتابة الروايــة‬ ‫وعشــرين لغــة‪،‬‬ ‫حقيقيــة‪ ،‬وينال جائزة‬ ‫َّ‬ ‫كارار‪ُ -‬ك ّ‬ ‫َّ‬ ‫ليتفــرغ بعدها ّ‬ ‫ّ‬ ‫«رينودو» المرموقة‪ ،‬عن كتابه «ليمونوف»‪ ،‬عام ‪.2011‬‬ ‫كارار فــي باريــس‪ ،‬عــام ‪ ،1957‬وتلقّى تعليمه في معهد الدراســات‬ ‫أدى الخدمة‬ ‫السياســية ُهنــاك‪ّ .‬‬ ‫َّ‬ ‫ُوِل َ‬ ‫ــد ّ‬ ‫الصحافي بالتليفزيون والصحافة‬ ‫الورقية‪،‬‬ ‫س النقد الســينمائي والعمل ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ومار َ‬ ‫العســكرية في إندونيســيا‪َ ،‬‬ ‫د‬ ‫ع‬ ‫ي‬ ‫ة‪.‬‬ ‫األدبي‬ ‫للكتابة‬ ‫غ‬ ‫يتفر‬ ‫كارار كاتب ًا صادماً‪ ،‬بصراحته غير المعهودة عن أســوأ ما فيه‪ ،‬والتي‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫قبل أن ّ‬ ‫ُ‬ ‫ما‬ ‫أشــهرها‬ ‫لعل‬ ‫ة‪.‬‬ ‫الفرنســي‬ ‫للصحف‬ ‫دســمة‬ ‫ة‬ ‫ماد‬ ‫ِّل‬ ‫تمث‬ ‫و‬ ‫كتاباته‪،‬‬ ‫في‬ ‫ثابتة‬ ‫ُت َعّد ســمة‬ ‫تســبب فيه كتابه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫«حياتي باعتباري رواية‬ ‫الروســي الّذي َعِمل مترجم ًا‬ ‫َّ‬ ‫روســية»‪ )2007( ،‬الّذي يحكي فيه عن أبيه المهاجر ّ‬ ‫المؤرخة البارزة‬ ‫بأمه‬ ‫العالمية‬ ‫لــدى الجيــش األلماني خالل الحرب‬ ‫المختصة‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫الثانية‪ِ ،‬من تمزيق لعالقتــه ّ‬ ‫ِّ‬ ‫الفرنسية‪ ،‬آنذاك‪.‬‬ ‫األكاديمية‬ ‫بتاريخ روسيا في أثناء القرن العشرين‪ ،‬ورئيسة‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬

‫الرّوائي الفرنسي إيمانوال كار ّار‪:‬‬

‫َّ‬ ‫يتشكل كاتب أصيل يف ثالثة أ ّيام!‬ ‫هكذا‬ ‫ﺣﺎورﺗﻪ‪ :‬ﺳﻮزاﻧﺎ أﻧﻮﻳﻞ‬ ‫ﺗﺮﺟﻤﺔ‪ :‬ﻣﺠﺪي ﻋﺒﺪ اﳌﺠﻴﺪ ﺧﺎﻃﺮ‬

‫األدبية لديك أجبرتك على إعادة‬ ‫المحررة‬ ‫أن‬ ‫قرأت ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫كتابة روايتك األولى «‪ ،»L’amie du Jaguar‬هل هذا‬ ‫حقيقي؟‬ ‫ّ‬ ‫كنت شديد الفخر بمسألة أنّني كتبتها فقرة واحدة‬ ‫ بالتأكيد‪ُ .‬‬‫‪88‬‬

‫تصورت ذلك أناقة مستحيلة‪ ،‬ومثا ًال على‬ ‫في ثاثمئة صفحة‪ّ .‬‬ ‫لدي‪ -‬بد ًال ِمن أن‬ ‫ة‬ ‫األدبي‬ ‫رة‬ ‫حر‬ ‫الم‬ ‫لكن‬ ‫راديكالية األدب العظيم‪.‬‬ ‫َّ ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُ َّ‬ ‫تضع حّدًا لجموحي‪ ،‬وتصارحني با جدوى المحاولة‪ ،‬اكتفت‬ ‫علي اختصارها‬ ‫بالقول بأنّها بالغة الطول واالضطراب‪ّ ،‬‬ ‫وأن ّ‬ ‫بعض الشيء‪ .‬حاولت‪ ،‬لكني فشلت‪ ،‬طبعاً‪ ،‬هكذا أعدت كتابة‬


‫ً‬ ‫األدبية كانت تأمل فيه‪.‬‬ ‫المحررة‬ ‫أن‬ ‫الرواية‬ ‫كاملة‪ ،‬وهو ما أثق ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫أن الكتاب ترك أثراً‪ ،‬لكنه واحد من تلك الروايات األولى‬ ‫أعتقد ّ‬ ‫تهم ّإال مؤلِّفيها‪.‬‬ ‫التي ال ّ‬

‫يري ِجّدًا‪ ،‬وهو ما ُينكره المؤلِّفون‪،‬‬ ‫قلت ّ‬ ‫إن الكتاب ِس ّ‬ ‫تماماً‪ ،‬في الغالب‪.‬‬ ‫ بلى‪ .‬تقع أحداث الكتاب في سورابايا‪ ،‬في إندونيسيا‪،‬‬‫حيث قضيت خدمتي‬ ‫العسكرية‪ .‬وهو عن شاب عاشق خضع‬ ‫َّ‬ ‫مخدرات‪.‬‬ ‫أي شيء تصل إليه يداه من ِّ‬ ‫للتعذيب‪ ،‬يتعاطى ّ‬

‫أن الّذي ألّف هذا الكتاب‪ ،‬غير الواقعي‪ ،‬على‬ ‫ِمن الافت ّ‬ ‫اإلطاق‪ ،‬هو نفسه َمن َكَت َب األعمال الاحقة التي جعلته‬ ‫مشهورًا‪.‬‬ ‫ّاتية والخيال‪ ،‬لكنني ال أجد‬ ‫ الكتاب يجمع بين السيرة الذ َّ‬‫ثمة كتاب أحّبه ِجّداً‪ ،‬اسمه «و»‪ ،‬أو‬ ‫غرابة في تلك التوليفة‪ّ .‬‬ ‫«ذكريات الطفولة» لجورج بيرك‪ ،‬يتألَّف من قسمين مختلفين‪،‬‬

‫تماماً‪ .‬في أحدهما‪ُ ،‬يعيد بيرك تشكيل رواية كتبها في طفولته‪،‬‬ ‫تدور أحداثها فوق جزيرة ما‪ ،‬بأسلوب جول فيرن‪ ،‬عن مجتمع‬ ‫فاشي تستحوذ عليه األلعاب‬ ‫الرياضية‪ .‬بينما في اآلخر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫يسجل شظايا ذكرياته عن حياته برفقة أبويه اللذين انفصا‬ ‫ِّ‬ ‫الرابعة‪ ،‬بعد ترحيلهما إلى معسكرات النازي‪.‬‬ ‫عنه في عمر ّ‬ ‫والطريقة التي يستخدم بها هاتين الحكايتين‪ -‬كأنّه يحاول‬ ‫تسخير شيء‪ ،‬يعجز عن البوح به‪ .‬أستعين‪ -‬في الغالب‪-‬‬ ‫بتلك الطريقة‪ ،‬أوائم بين ما يبدو أنّهما نقيضان‪ ،‬وأراهن على‬ ‫أنّني‪ ،‬بذلك‪ ،‬سأنفذ إلى عالم المسكوت عنه‪ .‬هذه آلّية ناجعة‬ ‫في التحليل النفسي‪ ،‬وأظنّها ناجعة‪ ،‬كذلك‪ ،‬في األدب‪.‬‬ ‫لدي طباعة «‪ ،»L’amie du Jaguar‬وحاولت‬ ‫لقد أعاد الناشر ّ‬ ‫قراءتها‪ ،‬وفشلت‪ .‬عندما ألّفت الكتاب كنت مجنون ًا بنابوكوف‪،‬‬ ‫خاضع ًا لتأثيره؛ بسبب ذلك‪ ،‬كنت أقول‪ :‬ما الّداعي إلى‬ ‫البساطة‪ ،‬إذا كنت أستطيع كتابتها بصورة معقّدة؟‬

‫استلهمت روايتك الثانية «‪ »Bravoure‬من قطعة‬ ‫شهيرة في التاريخ األدبي‪.‬‬ ‫‪89‬‬


‫ الحقيقي‪ ،‬في الحكاية‪ ،‬أنّه في صيف ‪ ،1816‬اجتمع لورد‬‫بايرون ٍّ‬ ‫بكل من طبيبه‬ ‫المدعو بوليدوري‪ ،‬وبيرسي‪ ،‬وماري‬ ‫ّ‬ ‫شيللي‪ ،‬داخل بيت ّ‬ ‫يطل على بحيرة جنيف‪ .‬قضى هؤالء‬ ‫األربعة الصيف معاً‪ :‬مشوا‪ ،‬وركبوا قوراب‪ ،‬وما إلى ذلك‪،‬‬ ‫فانتازية كانت رائجة‪ ،‬آنذاك‪.‬‬ ‫ّإال أنّهم قرأوا‪ -‬أيضاً‪ -‬قصص ًا‬ ‫َّ‬ ‫استبدت بهم‪ ،‬إلى حّد بعيد‪ ،‬فراهنوا على َمن يفوز بكتابة‬ ‫وقد‬ ‫َّ‬ ‫«مصاص‬ ‫ِصة رعب‪ّ .‬‬ ‫أفضل ق ّ‬ ‫القصة التي كتبها بوليدوري‪ّ ،‬‬ ‫مصاصي الّدماء في األدب الغربي‪،‬‬ ‫قصة عن ّ‬ ‫أول ّ‬ ‫الّدماء»‪ ،‬هي َّ‬ ‫ّ‬ ‫ة‪.‬‬ ‫عبي‬ ‫الش‬ ‫الحكايات‬ ‫بعيدًا عن‬ ‫أما ماري شيللي فقد راودها‬ ‫َّ ّ‬ ‫أعشقه‪.‬‬ ‫ّذي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫«فرانكنشتاين»‪،‬‬ ‫عن‬ ‫ر‬ ‫أسف‬ ‫أحب سذاجته‬ ‫ّ‬ ‫كابوس َ َ‬ ‫القصة الخالدة من‬ ‫أحب فكرة ّ‬ ‫أن هذه ّ‬ ‫وقوته المأساوية‪ ،‬كما ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلبداع الخالص لفتاة في الثامنة عشرة‪ ،‬وهو كتاب خالد‪،‬‬ ‫وطالما أننا نقرأ الكتب فلن ّ‬ ‫نكف عن قراءته‪.‬‬

‫تذكر في الرواية تمرين ًا على الكتابة‪ .‬هل مارسته أنت‬ ‫نفسك؟‬ ‫ كان التمرين نصيحة‪ ،‬أسداها الرومانسي األلماني لودفيج‬‫أجبر نفسك على كتابة‪،‬‬ ‫بورن‪ :‬على مدى ثاثة أّيام متوالية‪ْ ،‬‬ ‫دون تبديل أو ِرياء‪ّ ،‬‬ ‫كل ما يخطر في بالك‪ .‬اكتب عن رأيك في‬ ‫نفسك‪ ،‬زوجاتك‪ ،‬جوته‪ ،‬حروب الّدولة‬ ‫العثمانية‪ ،‬آخر قرار‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كم األفكار الجديدة التي تتدفَّق‬ ‫عن رؤسائك‪ ،‬وستندهش من ّ‬ ‫يتشكل كاتب أصيل في غضون ثاثة أّيام‪.‬‬ ‫منك‪ .‬هكذا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ال أزال أجد هذا التمرين باهراً‪ .‬وإلى اليوم‪ ،‬عندما ال أكون‬ ‫أي شيء يخطر‬ ‫أدون فيه ّ‬ ‫مشغو ًال بكتابة شيء‪ ،‬ألتقط دفترًا ّ‬ ‫لي خال بضع ساعات من اليوم‪ ،‬عن حياتي أو زوجتي أو‬ ‫االنتخابات‪ ،‬جاهدًا في ّأال أمارس الرقابة على ما أكتب‪ .‬هذه‬ ‫الحقيقية‪ -‬كما يبدو‪ -‬دون تبديل أو رياء‪ .‬دون‬ ‫هي المعضلة‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫مما تعّده مضجراً‪ ،‬أو ال‬ ‫أو‬ ‫ل‬ ‫خج‬ ‫يستحق الكتابة‪:‬‬ ‫خوف ِمما ُي ِ‬ ‫ّ‬ ‫هذا هو مبدأ التحليل النفسي ذاته‪ .‬في رأيي‪ ،‬هو صعب بقدر ما‬

‫‪90‬‬

‫ّ‬ ‫هو مفيد‪ .‬كل ما تفكِّر فيه‬ ‫يستحق الكتابة‪ .‬ليس‪ -‬بالضرورة‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يستحق أن تحتفظ به‪ ،‬لكنه‬ ‫يستحق الكتابة‪ .‬وباألساس‪،‬‬ ‫هذا ما يسعى إليه شطر كبير من األدب‪ :‬إنتـاج فيض من‬ ‫األفكار‪ ،‬أو‪ -‬على ّ‬ ‫أحّبه‪ -‬مونتين‪ ،‬وشتيرن‪،‬‬ ‫األقل‪ -‬األدب الّذي َ‬ ‫وديدرو‪...‬‬

‫حقيقية‪ .‬من‬ ‫كتابك األخير‪« ،‬ليمونوف»‪ ،‬يحكي أحداث ًا‬ ‫َّ‬ ‫هو ليمونوف؟‬ ‫ إدوارد ليمونوف‪ ،‬كاتب روسي‪ ،‬في السبعين من عمره‬‫تقريباً‪ .‬عرفته في الثمانينّيات‪ ،‬في باريس‪ .‬آنذاك‪ ،‬كان أغلب‬ ‫ُكتّاب العهد السوفياتي منشقّين‪،‬‬ ‫وبلحى ضخمة‪ .‬ليمونوف كان‬ ‫ً‬ ‫متسكِّعاً‪ ،‬كما كان أعجوبة األنفاق في أثناء حكم بريجنيف‪،‬‬ ‫تشرد قبل أن يعمل‬ ‫في موسكو‪ .‬هاجر إلى الواليات المتِّحدة‪ّ ،‬‬ ‫لدى أحد البليونيرات‪ .‬عاش حياة تشبه حياة جاك لندن‪ ،‬الذي‬ ‫جيدة‪ ،‬شديدة البساطة والمباشرة‪.‬‬ ‫ذاتية ِّ‬ ‫كتب عنه في ِسَير َّ‬ ‫السوفياتية‪،‬‬ ‫اإلمبراطورية‬ ‫عقب سقوط‬ ‫وتحول األحداث إلى‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫منحى غريب‪ ،‬عاد إلى البلقان‪ ،‬وحارب إلى جانب الصرب‪.‬‬ ‫حد ما؛ كأنّك صادفت صديق ًا قديم ًا‬ ‫صار فاشّي ًا سرّياً‪ ،‬إلى ٍّ‬ ‫الثانوية‬ ‫من المدرسة‬ ‫انضم إلى تنظيم القاعدة! لكن الوقت‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ذكر‪ .‬بعدها‪ ،‬اغتيلت‬ ‫الصحافية‬ ‫مضى دون أن أوليه اهتمام ًا ُي َ‬ ‫َّ‬ ‫الروسية آنا بوليتكوفسكايا‪ ،‬وسافرت لتغطية الحادث‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وأدهشني اكتشاف أنّه في عالم الليبراليين الديموقراطيين‬ ‫المحيط ببوليتكوفسكايا‪ ،‬كان ليمونوف ُي َعّد شخص ًا‬ ‫الصغير ُ‬ ‫كأن برنارد هنري ليفي‪ ،‬وبرنارد كوشنير قد‬ ‫أسطورّياً‪ّ .‬‬ ‫ً‬ ‫صرحا‪-‬‬ ‫أن ماري لوبان صارت‪ ،‬اآلن‪ ،‬امرأة عظيمة‪.‬‬ ‫فجأة‪ّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫هكذا‪،‬‬ ‫قررت‪ ،‬عام ‪ ،2007‬أن أذهب ألقابل ليمونوف‪ ،‬وقضيت‬ ‫ّ‬ ‫أسبوعين برفقته‪ ،‬أحاول فهم هذين المسارين‬ ‫الغريبْين‪:‬‬ ‫َ‬ ‫الشخصي‪ ،‬والسياسي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عن‪« :‬الباريس ريفيو أوف بوكس»‬


‫ﺿﻐﻂ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ‬

‫أمير تاج السر‬

‫أشواك ثقافية‬

‫صديق‬ ‫فــي مســاء أحد األيــام‪ ،‬كنت أجلــس في مقهى بصحبــة‬ ‫ٍ‬ ‫نتحدث عن الشــعر قديمه وحديثــه‪ ،‬وكان صديقي‬ ‫شــاعر‪ ،‬كنا‬ ‫َّ‬ ‫صني بهــا بوصفي‬ ‫منطلقــ ًا بحمــاس في قــراءة قصائد لــه‪َ ،‬خ َّ‬ ‫مستمعه الوحيد في ذلك المساء‪ .‬حين انتهى‪ ،‬سألته عن‬ ‫صديق‬ ‫ٍ‬ ‫شاعر آخر كنت أعشق قصائده ولم أره منذ زمن‪ ،‬فذاب حماسه‬ ‫وابتهاجــه فجــأة‪ ،‬حّدثني بلهجة بعيدة تمام ًا عــن صفاء األدب‬ ‫أهم كثيرًا من ذلك الشــاعر‪ .‬وال ينبغي‬ ‫والشــعر‪َّ ،‬‬ ‫وذكرني بأنه ّ‬ ‫أن أسأل عنه في حضوره‪.‬‬ ‫يقودنــي ذلــك الموقــف غيــر‬ ‫المبــرر‪ ،‬للحديث عن كــون بعض‬ ‫َّ‬ ‫المبدعين‪ ،‬في وطننا العربي‪ ،‬مبدعين فقط في الظاهر‪ ،‬وشديدي‬ ‫القسوة والقتامة‪ ،‬إذا ما دقّقنا جيدًا في أعماقهم‪ ،‬أو اخترعنا لهم‬ ‫مواقف إنســانية‪ ،‬ينبغي بالضــرورة أن تبرزهم متربعين على‬ ‫قمــة الصفاء الروحــي‪ ،‬يصادفك كثيرًا أن تجد شــاعرًا أو كاتب ًا‬ ‫مهتم ًا فقط بما ينتجه‪ ،‬وال يحتمل ما ينتجه اآلخر على اإلطاق‪،‬‬ ‫كاتب ًا يقرؤك سراً‪ ،‬وينتشل بعض عباراتك أو أفكارك ليضيفها‬ ‫إلى رصيد كتابته‪ ،‬ويلغيك بشّدة إذا ما صادف أن التقيت به في‬ ‫مكان يتسع لعشرين كاتب ًا وما يكتبون‪ .‬وأزعم أن هذه المأساة‬ ‫تنتشــر أكثر بين أبناء الوطن الواحد‪ ،‬داخل الوطن الكبير‪ ،‬فا‬ ‫نجاح ألحد يسر أحداً‪ ،‬وال خطوة يتقّدمها مبدع لألمام‪ ،‬تحتسب‬ ‫لقى خلفها آالف الســنانير والشــباك الصائدة‪،‬‬ ‫خطوة‪ ،‬ولكن ُت َ‬ ‫تتحــول الحياة‬ ‫وكــذا‬ ‫انطاقهــا‪،‬‬ ‫نقطــة‬ ‫قبل‬ ‫مــا‬ ‫إلعادتهــا إلــى‬ ‫َّ‬ ‫الثّقافية‪ ،‬المفترض أنها حياة موهبة وحكمة وتنوير‪ ،‬إلى حياة‬ ‫فكر َم ْن يعيشها‪ ،‬أو يسكنها‪ ،‬في هجرها والبحث عن‬ ‫قاســية‪ُ ،‬ي ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫حيــاة أخرى‪ ،‬با حجارة أو أشــواك ال ُتدمــي العقل الموهوب‬

‫فقط‪ ،‬وإنما ُتدمي حتى المجتمع الذي يتلقّى الثّقافة‪ ،‬ومن َثّم ال‬ ‫شيء جدي ًا يحدث في النهاية‪.‬‬ ‫فــي قراءتي الطويلــة للنجاحات والهزائم‪ ،‬ومن خال وســائل‬ ‫التواصــل الحديثة التي أصبحــت‪ -‬بالقطع‪ -‬توصل حتى دبيب‬ ‫النمل إلى أي بقعة في الدنيا‪ ،‬شــاهدت النجاحات التي يحقّقها‬ ‫تمر عليها العين وال تشــاهدها‪،‬‬ ‫البعــض‪ ،‬ال تلفــت النظر أبــداً‪ّ ،‬‬ ‫واإلخفاقــات‪ ،‬تســطع عناويــن رئيســية للحديــث‬ ‫المتمكــن‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫والمتعمــق‪ ،‬وهنــاك مــن‬ ‫الســير اإلبداعيــة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫يتلصــص علــى ِّ‬ ‫التي‬ ‫والحــوارات‬ ‫الكتابيــة‪،‬‬ ‫والتواريــخ‬ ‫جرى مــع المبدع هنا‬ ‫ت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وهنــاك‪ ،‬وتحوي شــيئ ًا من بــوح الذات‪ ،‬في لحظة اســتنطاق‬ ‫ُيجيدهــا بعض الصحافيين‪ ،‬ويســتخرجون منها عبــارات ربما‬ ‫كانــت خاطئة قلياً‪ ،‬أو متســرعة‪ ،‬ليقوموا بنشــرها‪ ،‬ويقرؤها‬ ‫النــاس بعد ذلك بوصفهــا هي المبدع الذي يعرفونه وال شــيء‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫أذكر أنني حين كنت أكتب الشــعر الغنائي ســراً‪ ،‬وأنا طالب في‬ ‫المرحلــة الثانوية‪ ،‬أن كتبت قصائــد أو أغنيات‪ ،‬أعجبت بعض‬ ‫المغنّيــن المعروفين فــي المدينة‪ ،‬فلحنوهــا وغنوها‪ ،‬ونجحت‬ ‫عدد من‬ ‫يــوم ٌ‬ ‫كثيــرًا في الحفات العامــة‪ ،‬ليأتي إلى بيتنا ذات ٍ‬ ‫ممن خضعت قصائدهم للمقارنة مع قصائد‬ ‫الشعراء الغنائيين‪ّ ،‬‬ ‫طالــب مثلــي‪ ،‬أخبروا والدي بما أكتبه‪ ،‬وأمارســه من نشــاط‪،‬‬ ‫خارج حدود الدراســة‪ ،‬مــا يؤثر على تعليمي‪ ،‬وكان أن تعقَّدت‬ ‫أمــوري بعــد ذلــك‪ ،‬وخضعــت لمراقبة دقيقــة من والــدي الذي‬ ‫يريدني طبيب ًا وليس شــاعراً‪ ،‬ولم أكتب شــعرًا بعد ذلك ّإال بعد‬ ‫تحررت من السلطة األبوية‪ ،‬حين سافرت للدراسة في مصر‪.‬‬ ‫أن َّ‬ ‫‪91‬‬


‫ﺑﺼﻤﺎت‬

‫‪92‬‬


‫المتعددة؟ هل قرأنا‬ ‫هل قرأنا إدمون عمران المليح؟ هل قرأناه من داخل مشروع كتابته‬ ‫ِّ‬ ‫إبداعاته ِبُل َغتها‬ ‫كل‬ ‫األصلية؟؛ ألن النصوص المترجمة إلى العربية‪ ،‬هي نصوص‪-‬رغم ّ‬ ‫ّ‬ ‫المجهــودات المبذولة من ِقَبل المترجمين‪ -‬تبقــى نصوص ًا أخرى‪ ،‬لم يكتبها المليح‪ ،‬لكن مزيتها‬ ‫أنهــا تضعنــا في أجواء كتابة‪ ،‬وضمن فضاءات وشــخوص‪ ،‬لكن جســد الكتابــة الحقيقي يبقى‬ ‫العصية على االحتواء‪.‬‬ ‫القوية‪،‬‬ ‫كل النصوص‬ ‫مفقودًا في الترجمة‪ ،‬مثل ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫إدمون عمران املليح‬ ‫مسار استثنا ّ‬ ‫يئ‬ ‫إﺑﺮاﻫﻴﻢ أوﻟﺤﻴﺎن‬ ‫من الصعب جّدًا أن نختزل الكاتب المغربي الكبير إدمون عمران‬ ‫المليــح (‪ ،)2010 - 1917‬فــي بضــع كلمات؛ نظــرًا للمجاالت‬ ‫المتعــددة التــي كتــب فيهــا‪ ،‬و‪ -‬أيضــاً‪ -‬ال نخراطه فــي كتابة‬ ‫ِّ‬ ‫نص‬ ‫هوية‬ ‫ّ‬ ‫روائي شــديد التعقيد‪ ،‬والتركيب‪ ،‬باحث ًا عن كشــف ّ‬ ‫ّ‬ ‫الواقــع‪ ،‬في الماضي وفي الحاضر‪ ،‬عبر متاهات الذاكرة التي‬ ‫تنســج الوقائع بالنســيان؛ لذلك‪ ،‬كانت هذه الكتابة‬ ‫المليحية‬ ‫ّ‬ ‫متدفِّقــة‪ ،‬حالمة‪ ،‬متألِّمة‪ ،‬عاشــقة‪ ،‬في ثناياهــا تنغرس كثير‬ ‫مــن الهشاشــة‬ ‫والتحــاب‪ ،‬والتســامح والتعايــش‪ ..‬تتصادى‬ ‫ّ‬ ‫فيها‬ ‫الهويات‪ ،‬والفضــاءات‪ ،‬واللّغات‪ ،‬واألزمنة‪ ،‬والثّقافات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في‬ ‫ــرة‬ ‫المضم‬ ‫ــات‬ ‫والمرجعي‬ ‫طيات المحكي؛ مــا يجعل الكتابة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مغامرة‪،‬‬ ‫مزحزحة للثوابــت والتقاليد‪ ،‬والمتعارف عليه‪ ،‬ضّد‬ ‫ِ‬ ‫التبسيط‪ ،‬واستسهال الكتابة‪.‬‬ ‫إن الكتابة التي «تبدي جوهراً‪،‬‬ ‫ســر» (بارت)‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وتهدد بإفشــاء ّ‬ ‫هــي مــاذ المليح الــذي يؤمن بــأن الكتابة «حــرب طبقية في‬ ‫خاصــة‪ ،‬مائزة‪،‬‬ ‫قبيلــة الكلمــات» (الخطيبــي)‪ ،‬لكــن بدمغــة ّ‬ ‫بَنَفــس‬ ‫جويســي‪ ،‬ال تحتمل االنقطاع واالنفصــال‪ ،‬في بناءات‬ ‫ّ‬

‫متشــابكة‪ ،‬متداخلة‪ ،‬حيث تغدو الشــخصية «مركز الثقل الذي‬ ‫تتجمــع عنده األحــداث والشــخوص والفضــاءات‪ ،‬وهو الذي‬ ‫َّ‬ ‫يلونها‪ ،‬ويضبط إيقاعاتها» (برادة)‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫البروستي‬ ‫الزمن‬ ‫إيقاع‬ ‫على‬ ‫كتابة‬ ‫والجويسي‪ ،‬في اآلن نفسه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متكئة على وقائع وأحداث حقيقية‪ ،‬في‬ ‫كتابــة تحكي الراهن‪َّ ،‬‬ ‫شــاعرية حالمــة‪ ،‬يمتزج فيها الواقــع بالخيال‪ ،‬واألحام‬ ‫لغة‬ ‫ّ‬ ‫والكتابي‬ ‫بالحاضر‪،‬‬ ‫والماضي‬ ‫‪،‬‬ ‫بالغيــري‬ ‫والذاتي‬ ‫باألوهــام‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والتشــخيصي‬ ‫بالشــفوي‪،‬‬ ‫كل ذلــك مــن أجــل‬ ‫بالتجريــدي‪ّ ...‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ســماه هايدغر‬ ‫أن تكــون هــذه الكتابــة قادرة علــى مواجهة ما ّ‬ ‫«نســيان الوجــود»‪ ،‬عبــر اإلنصــات والمقاومــة‪ ،‬بالحفــر في‬ ‫الــذات وفــي الذاكرة الجماعيــة‪ ،‬بعيدًا عن األجوبة الســاذجة‪،‬‬ ‫يغير فيهــا الوجود‬ ‫ديدنهــا «الســؤال‪ ،‬بوصفــه الحركــة التــي ِّ‬ ‫والمنسي‪،‬‬ ‫‪،‬‬ ‫للخبي‬ ‫مجراه» (بانشــو)‪ ،‬نحو المجهول الكاشف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمهمش‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ســن‬ ‫جــاء إدمــون عمــران المليح إلــى الكتابــة اإلبداعية‪ ،‬في ّ‬ ‫كبيرْين؛‬ ‫ثقافي‪ ،‬وإرث‬ ‫ا بإرث‬ ‫محم ً‬ ‫الثالثة والسّتين‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نضالي َ‬ ‫‪93‬‬


‫هو المناضل الشيوعي‪ ،‬الذي كان مسؤو ًال في اللجنة المركزية‬ ‫للحــزب الشــيوعي المغربــي‪ ،‬مــن ‪ 1948‬إلى ‪ ،1959‬الســنة‬ ‫التــي انفصــل فيها عن هذا الحزب بشــكل‬ ‫نهائــي‪ ،‬لكن تبعات‬ ‫ّ‬ ‫فقــرر الهجرة‬ ‫ذلــك الحقتــه‪ ،‬إذ عــرف كثيرًا مــن المضايقات‪َّ ،‬‬ ‫االختيارية إلى فرنســا‪ ،‬سنة ‪ ،1965‬وســيعود إلى المغرب‪،‬‬ ‫بشــكل نهائي‪ ،‬ســنة ‪ ،1999‬بعــد وفاة زوجتــه ورفيقة دربه‬ ‫المفكرة ماري سيســيل ديفور‪ ،‬ليعيش في الرباط‪ .‬فمن خال‬ ‫ِّ‬ ‫المتعــددة‪ :‬الفكريــة‪ ،‬واإلبداعية‪،‬‬ ‫اتــه‬ ‫مرجعي‬ ‫نــدرك‬ ‫كتابتــه‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫وثــراء تجربتــه السياســية‪ ،‬وتجربتــه الحياتيــة‪،‬‬ ‫ودنــوه‬ ‫ّ‬ ‫الواضح من عواصف‬ ‫المحطات األساسية في تاريخ المغرب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إبان االستعمار وبعده‪ .‬وذلك ما تحكيه أعماله‪،‬‬ ‫إضافة‬ ‫ً‬ ‫سواء ّ‬ ‫فــي‬ ‫اليهودية‪،‬‬ ‫المغربيــة‬ ‫تــه‬ ‫هوي‬ ‫أغــوار‬ ‫ســبر‬ ‫إلى‬ ‫تماس مع‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ذاتي صرف‪ ،‬في‬ ‫طابع‬ ‫ذات‬ ‫وأخرى‬ ‫األحداث‪،‬‬ ‫هــذه‬ ‫اســتدعاء‬ ‫ّ‬ ‫للطفولــة ولفضاءاتهــا المدينية‪ :‬آســفي‪ ،‬الصويــرة‪ ،‬أصيا‪،‬‬ ‫أو فــي مرحلة النضج‪ :‬الرباط‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،...‬في تشــابك‬ ‫مع أحداث وحكايات وأســئلة اســتفزازية‪ ،‬يعيد‪ ،‬من خالها‪،‬‬ ‫قــراءة الماضي ومحاكمته‪ ،‬بل الســخرية مــن هفوات ماوقع‪،‬‬ ‫و‪-‬أيضــاً‪ -‬فــي التصــّدي للكيــان الصهيونــي‪ ،‬فــي اغتصابــه‬ ‫لألراضــي الفلســطينية وتشــريد‬ ‫الفلســطيني‪ ،‬وســفك دمه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتخريــب بيته‪ ،‬والكتابة عــن اليهود المغاربــة الذين هاجروا‬ ‫إلى إسرائيل‪ ،‬تاركين أرض أجدادهم‪ ،‬فبعد ألف عام يغادرون‬ ‫في يوم واحد‪ ،‬تاركين بصمات دالّة على وجودهم‪.‬‬ ‫وت َعــّد كتابــات إدمون عمران المليح مشــروع ًا متكاماً‪ ،‬وكأنه‬ ‫ُ‬ ‫األول «المجرى الثابت» هو عبارة‬ ‫ُح ِّدد منذ البداية‪ ،‬وكأن كتابه َّ‬ ‫متفرد؛‬ ‫عن تصميم لما سيأتي‪ ،‬والحجر األساس لبناء إبداعي ِّ‬ ‫عالم روائي‬ ‫بمتخيل باذخ‪ ،‬في ليل الحكي المغربي‪ ،‬من داخل‬ ‫َّ‬ ‫‪:‬‬ ‫المغربي‬ ‫اإلنســاني‬ ‫الكائن‬ ‫اليهودي‪ ،‬والمسلم‪ ،‬في تعايشهما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النادر واالستثنائي‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬ستتوالى الكتابات الخصيبة للمليح‪:‬‬ ‫«المجــرى الثابــت» (‪ ،)1980‬ترجمــة محمد الشــركي (‪،)1993‬‬ ‫«أيان أو ليل الحكــي» (‪ ،)1983‬ترجمة علي تزلكاد (‪،)1987‬‬ ‫«ألف عام يوم واحــد» (‪ ،)1986‬ترجمة أحمد صبري (‪،)1991‬‬ ‫«عودة أبو الحكي» (‪ ،)1990‬ترجمة حســان بورقية (‪،)2001‬‬ ‫«أبنــر أبو النــور» (‪ ،)1995‬ترجمة حســان بورقيــة (‪،)1996‬‬ ‫«كتــاب األم»ّ (‪ ،)2004‬ترجمــة حســان بورقيــة (‪،)2004‬‬ ‫إلــي»‪ ،)2010( ،‬باإلضافة إلــى كتاباته النقدية‬ ‫«رســائل منّي ّ‬ ‫العاشقة‪ ،‬في األدب والحياة‪:‬‬ ‫«جونيه األســير العاشــق» (‪« ،)1998‬العين واليــد» (‪،)1993‬‬ ‫«المقهــى األزرق‪ :‬زريــرق» (‪« ،)1998‬ضوء الظــل» (‪،)2003‬‬ ‫«حوارات مع إدمون عمــران المليح«‪« ،‬إنجاز ماري رودوني»‬ ‫(‪،)2006‬‬ ‫إضافــة إلــى كتاب «ضــوء الظل» الذي اشــتغل فيه‬ ‫ً‬ ‫على الصورة الفوتوغرافية في تقاطع فضاءات َحي سيدي بن‬ ‫نص «دالئل الخيــرات» للولي الصالح‬ ‫ســليمان الجزولي‪ ،‬مع ّ‬ ‫ســيدي بن ســليمان الجزولي‪ ،‬وهو كتاب مشــترك مع الفنّان‬ ‫التشــكيلي أحمــد بن إســماعيل‪ ،‬وكتــاب «العين واليــد» الذي‬ ‫‪94‬‬

‫ينبغ‬ ‫ي التسلُّح‪ ،‬دوم ًا‪،‬‬ ‫با‬ ‫لن‬ ‫ق‬ ‫د‪،‬‬ ‫ف‬ ‫ك‬ ‫م‬ ‫من‬ ‫شخ‬ ‫صية‪ ،‬أو كم من‬ ‫ف‬ ‫ع‬ ‫ل‬ ‫س‬ ‫ي‬ ‫ِّئ‬ ‫وق‬ ‫ع في‬ ‫التاريخ‪ ،‬وت َّ‬ ‫م تقديمه‬ ‫ف‬ ‫ي‬ ‫ص‬ ‫ور‬ ‫ة‬ ‫من‬ ‫اقضة‪،‬‬ ‫والع‬ ‫كس صحيح! وأل‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫تا‬ ‫ري‬ ‫خ‪-‬‬ ‫ب‬ ‫و‬ ‫صفه ع ْلم ًا‬ ‫من العلوم ا‬ ‫إلنسانية‪ -‬ملي‬ ‫ء‬ ‫با‬ ‫ألي‬ ‫دي‬ ‫ول‬ ‫و‬ ‫جي‬ ‫ا‪ ،‬فال‬ ‫يمكنه أن يع‬ ‫كس الحقيقة ب‬ ‫ش‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫طل‬ ‫ق؛‬ ‫لذا‬ ‫يبقى وضع‬ ‫ما يطرحه المؤر‬ ‫ِّخ‬ ‫و‬ ‫ن‬ ‫ت‬ ‫ح‬ ‫ت‬ ‫مب‬ ‫ضع‬ ‫النقد خير و‬ ‫سيلة للوصول‬ ‫إل‬ ‫ى‬ ‫ال‬ ‫ص‬ ‫وا‬ ‫ب‪،‬‬ ‫وهذا‬ ‫هو ردّي عل‬ ‫ى االدّعاءات ال‬ ‫ص‬ ‫هي‬ ‫و‬ ‫ني‬ ‫ة‬ ‫ب‬ ‫أن‬ ‫ه‬ ‫لم‬ ‫تكن هناك‬ ‫أي ّة تجربة للتع‬ ‫اي‬ ‫ش‬ ‫بي‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫م‬ ‫سلمين‬ ‫واليهود‪ ،‬ف‬ ‫ي التاريخ‪ ،‬لتبر‬ ‫ير‬ ‫ما‬ ‫ي‬ ‫ق‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ال‬ ‫صهاينة‬ ‫من جرائ‬ ‫م‪ ،‬وشرعنة إقام‬ ‫ة‬ ‫د‬ ‫ول‬ ‫ة‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫م‬ ‫على أرض‬ ‫ليست لهم‪.‬‬ ‫إدم‬ ‫ون عمران المليح‬ ‫من حوار أ‬ ‫جرته «الدوحة»‪ ،‬ا‬ ‫لع‬ ‫دد‬ ‫(‬ ‫‪2011 ،)42‬‬

‫اشــتغل فيه على أعمــال الفنّان خليل الغريــب‪ ،‬هناك كتابات‬ ‫الفّن التشكيلي المغربي‪ ،‬أنجزها هذا الرجل‪ ،‬ويمكن‬ ‫كثيرة عن َ‬ ‫نصــه المائــز والعميق عن أحمد الشــرقاوي‪،‬‬ ‫هنــا‪،‬‬ ‫أن نذكــر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫(ت َّم جمع هذه الكتابات‪-‬‬ ‫وكتابات أخرى َّ‬ ‫موزعة في كاتالوغات َ‬ ‫مؤخراً‪ -‬من ِقَبل الشــاب المغربي ميخائيل التومي‪ ،‬في انتظار‬ ‫َّ‬ ‫أن ترى النور)‪ .‬وتعد إســهامات المليح في الكتابة التشــكيلية‬ ‫أساســية‪ ،‬ولها مكانتها في الســاحتين النقديتيــن‪ :‬المغربية‪،‬‬ ‫والعربية‪..‬‬ ‫قوي‪ ،‬في‬ ‫بشــكل‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫منخرط‬ ‫الثابت»‬ ‫«المجرى‬ ‫صاحب‬ ‫لقــد كان‬ ‫ّ‬ ‫ومهتم ًا بما ينجزه المغاربة والعرب‪،‬‬ ‫ّية‪،‬‬ ‫الســاحة الثّقافية َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ّ‬ ‫مهتم ًا باألســئلة اإلشــكالية التي‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫مفك‬ ‫بوصفه‬ ‫في هذا الحقل‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتورطــة فــي كينونــة‬ ‫العميقــة‪،‬‬ ‫األعمــال‬ ‫تلــك‬ ‫كل‬ ‫ْو َرتهــا ّ‬ ‫ِّ‬ ‫َبل َ‬ ‫ا منهــا مجــا ًال آخر للبحــث عن هذه‬ ‫اإلنســان المغربــي‪ ،‬جاعــ ً‬ ‫تعددهــا‪ ،‬وفي صيرورتهــا‪ ،‬وفــي انفتاحها‪ .‬وإذا‬ ‫الهويــة في ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ا بالبحث في المكتــوب‪ ،‬فقط‪ ،‬فإن عمران‬ ‫كان البعض منشــغ ً‬ ‫المليح أضاف‪ ،‬إلى ذلك‪ ،‬بحثه في المجال األكثر استشــكاالً؛‬ ‫وهو المجال البصري والمرئي‪ ،‬وخصوص ًا الفنون التشكيلية‪،‬‬ ‫محتك ًا‬ ‫ورش ًا كبيرة‪ ،‬حاضرًا في المحترفات‪ ،‬واألروقة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فاتح ًا َ‬ ‫يهمه ما يشغلهم‪ ،‬بل كانت له‪ ،‬مع البعض‪،‬‬ ‫بالفنّانين؛ فقد كان ّ‬ ‫عين تدفع يد الفنّان إلى تجسيد أفكاره وأسئلته‪ ،‬بجرأة أكبر‪.‬‬


‫إدمون املليح‪ ..‬الشيخ الرئيس‬ ‫اﳌﻬﺪي أﺧﺮﻳﻒ‬ ‫ـ‪1‬ـ‬ ‫عاقتــي بإدمــون المليح امتّدت إلى أكثــر من ثاثة عقود (من‬ ‫أغســطس‪/‬آب‪ 1975 ،‬إلــى أواخــر ‪ .)2010‬صداقــة مديــدة‬ ‫مر السنين‪ ،‬بحكم إقاماته الصيفية المنتظمة في‬ ‫َّ‬ ‫توطدت على ّ‬ ‫كل ســنة‪ ،‬المدينة التي كان يأتــي إليها من باريس‪،‬‬ ‫أصيلة‪ّ ،‬‬ ‫حيــث اإلقامــة الدائمة‪ ،‬رفقــة زوجته ماري سيســيل دوفور‪.‬‬ ‫لما انتقل‪ ،‬بعــد وفاة زوجته‬ ‫ثــم انتظمت لقاءاتنا أكثــر فأكثر ّ‬

‫عــام ‪ ،1998‬إلــى اإلقامة الدائمة في الرباط‪ ،‬إلى أن توفِّي في‬ ‫نوفمبر‪/‬تشرين الثاني‪.2010 ،‬‬ ‫التي‬ ‫وعرفانــ ًا مني لهــذه الصداقة‬ ‫ضمت جماعــة محدودة من‬ ‫َّ‬ ‫األصفياء‪ ،‬أبرزهم خليل غريب‪ ،‬وليلى شهيد‪ ،‬ومحمد برادة‪،‬‬ ‫ومحمد األشــعري‪ ،‬وآالن‪ .‬إدريس خــروز‪ ،‬ومفدي الطليكي‪،‬‬ ‫خلعــت عليــه‪ ،‬أواخــر الثمانينيــات‪ ،‬لقب «الشــيخ الرئيس»‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫أن‬ ‫يلبث‬ ‫لم‬ ‫لكنــه‬ ‫البداية‪،‬‬ ‫في‬ ‫له‬ ‫راق‬ ‫اللقــب‬ ‫طالب بترقيتي له‬ ‫َ‬ ‫‪95‬‬


‫يحْزه ســوى محيي الدين‬ ‫إلــى لقب «الشــيخ األكبر»‪ ،‬الذي لم ُ‬ ‫خاص ًا‬ ‫بــن عربــي‪ ،‬فما كان مــن جماعتنــا ّإال أن عقدت حفــ ً‬ ‫ا ّ‬ ‫لذلــك‪ ،‬في بيته في أكدال‪ ،‬لخلع هــذا اللقب عليه‪ ،‬وذلك يوم‬ ‫‪ 14‬مارس‪/‬آذار‪ ،2008 ،‬الذي يصادف يوم مياده الـ ‪.94‬‬ ‫ـ‪2‬ـ‬ ‫دخــل المليح مغامــرة الكتابة األدبية‬ ‫متأخــراً‪ ،‬بعد مجاوزته‬ ‫ِّ‬ ‫الســّتين عامــ ًا بســنوات معدودة‪ ،‬دخلهــا وهو‬ ‫مــزود بخبرة‬ ‫َّ‬ ‫ســنوات طويلة في الكتابة الصحافية‪ ،‬في مواضيع مختلفة‪:‬‬ ‫في «لوموند»‪ ،‬وفي «دراســات فلســطينية» بالفرنسية‪ ،‬وقبل‬ ‫ذلــك عبــر مقاالته السياســية في جريــدة «الحزب الشــيوعي‬ ‫المغربي»‪ ،‬في سنوات األربعينيات‪ ،‬والخمسينيات‪.‬‬ ‫تعهد الكلمــات وتربيتها‬ ‫لقــد اعتــاد المليح‪ ،‬منذ فتــرة الصبا‪ُّ ،‬‬ ‫في وجدانه وخياله‬ ‫الخصيبْين‪ .‬بعد صدور «المجرى الثابت»‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أول كتاب له بالفرنســية‪ ،‬عام ‪ ،1980‬توالت كتبه في الســرد‬ ‫ّ‬ ‫والفّن التشــكيلي‪ ،‬والتصوير‪ ،‬والفلســفة‪.‬‬ ‫األدبــي‪ ،‬والنقــد‪َ ،‬‬ ‫أهمّيتهــا)‪ -‬وإن لــم تمنحــه الشــهرة‪-‬‬ ‫غيــر أن أعمالــه (رغــم ّ‬ ‫خاصة فــي األدب المغربي‪ ،‬المكتوب‬ ‫جعلتــه يحظى بمنزلــة ّ‬ ‫بالفرنســية‪ ،‬بــل جعلته أقرب مــا يكون إلى الــروح المغربية‬ ‫الكّتاب‬ ‫والمعيش المغربي‪ ،‬على نحو أعمق وأقوى من معظم ُ‬ ‫المغاربة الذين يكتبون أعمالهم بالعربية نفسها‪.‬‬ ‫كل مــن العربية‪،‬‬ ‫ومــن حســن ّ‬ ‫حظــه أن ترجمــة أعماله إلــى ٍّ‬ ‫العارفيــن‬ ‫هت‬ ‫نب‬ ‫واإلنجليزية‬ ‫واإلســبانية‪،‬‬ ‫والمهتمين باألدب‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫المغربي إلــى خصوصية تجربته األدبية‪ ،‬وحداثتها‪ ،‬ودفعت‬ ‫العديد من الباحثيــن‬ ‫واألكاديميين إلى تخصيص أطروحاتهم‬ ‫ِّ‬ ‫كل من المغرب‪،‬‬ ‫ألعماله المنشــورة في اللّغات المذكورة‪ ،‬في ٍّ‬

‫‪96‬‬

‫وفرنســا‪ ،‬وبلجيــكا‪ ،‬والواليــات‬ ‫المتحدة‪ ،‬وإســبانيا‪ .‬بل إن كاتب ًا بارزًا‬ ‫َّ‬ ‫في الجارة اإلســبانية‪ ،‬صديق المغرب‬ ‫ــده «واحدًا من‬ ‫«خوان غويتســولو»‪َ ،‬ع َّ‬ ‫كبار ُكّتاب عصرنا»‪*.‬‬ ‫ـ‪3‬ـ‬ ‫في معظم األعمال األدبية إلدمون المليح‪ ،‬وكذلك في القراءات‬ ‫النقدية والقراءات الفلســفية‪ ،‬واإلبداع التشكيلي‪ ،‬وفي مجال‬ ‫الســرد القصصي القصير نجد أن القاســم المشــترك بينها هو‬ ‫التجريــب الجــذري القائــم على تكســير القواعد‬ ‫المكرســة في‬ ‫َّ‬ ‫الســرد أو النقد‪ ،‬بانتهــاج طرق معالجة مبتكــرة في المقاربة‬ ‫والكتابــة‪ ،‬ســواء أتعلَّــق األمــر بالتشــكيل أم بالتصويــر أم‬ ‫بالتأمل في الحياة اليومية‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫ا وفريدًا إلى اللعب‬ ‫إن كتابات إدمون المليح ُتظهِر نزوع ًا أصي ً‬ ‫الح ّي‪،‬‬ ‫باللّغــة لعبــ ًا يخترق مجــاالت متشــابكة من المعيــش َ‬ ‫وخبايا الذاكرة‪ ،‬واللّغات المسكوت عنها‪ ،‬وفق منهجية تعتمد‬ ‫التهجين‬ ‫المســتمر للفرنســية‪ ،‬وتدمير الجاهز مــن تعابيرها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المغربية‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫العام‬ ‫بإدخــال‬ ‫الحّية إلى صميم التراكيب األدبية‪،‬‬ ‫ّّ‬ ‫َ‬ ‫ا عن استخدام تقنيات ُت َعّد من ثوابت كتاباته‪،‬‬ ‫بالفرنسية‪ ،‬فض ً‬ ‫تيار الوعي‪ ،‬والهذيان‪ ،‬وخلط األزمنة السردية‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫مثل ّ‬ ‫مــا مــن كتاب لديه يشــبه اآلخــر! وقد تكــون «االســتراتيجية‬ ‫كل كتــاب لديــه هــو تجربــة فريــدة‬ ‫الكتابيــة» واحــدة‪ ،‬لكــن ّ‬ ‫الح‬ ‫اإلبداعي‬ ‫«الترهين»‬ ‫مصنوعــة من طــراوة‬ ‫ــي‪ ،‬النابعة من‬ ‫َ ّ‬ ‫وقوة الذاكرة‪ ،‬وعمق المعرفة‪ ،‬والحدس‪.‬‬ ‫دينامية التخييل‪ّ ،‬‬ ‫ـ‪4‬ـ‬ ‫ســبق لي‪ ،‬في كتابات عديدة عنه‪ ،‬أن تناولت جوانب مختلفة‬


‫العامة‪ :‬السياســية‪،‬‬ ‫مــن أدبــه وحياتــه‬ ‫ّ‬ ‫الخاصــة‪ ،‬وحياتــه ّ‬ ‫يهمني‪ ،‬في هذه الشهادة‪ ،‬هو تجربة المصاحبة‬ ‫واإلنسانية‪ .‬ما ّ‬ ‫خص بها ترجماتي‪ :‬الشعرية‪ ،‬وغير الشعرية‪،‬‬ ‫الشغوف التي ّ‬ ‫لنصوص وأعمال من األدب اإلســباني‪ ،‬واألميركي الاتيني‪،‬‬ ‫والبرتغالــي‪ ،‬واليوناني‪ ،‬منذ بدايــة الثمانينيات حتى صيف‬ ‫‪.2010‬‬ ‫وقوية تلك التــي َع َّمقت‪ ،‬أكثر فأكثر‪،‬‬ ‫فريدة‬ ‫تجربة‬ ‫كانت‬ ‫لقــد‬ ‫ّ‬ ‫صداقتنا‪ .‬أقصد‪ ،‬هنا‪ ،‬مصاحبته لترجماتي لـ«فرناندو بيسوا»‬ ‫بصفة حصرية‪ ،‬منذ ثمانينيات القرن الماضي‪ ،‬حيث كان كلَّما‬ ‫أتــى إلــى أصيلة‪ ،‬صيفاً‪ ،‬يقيــم في منزلي‪ ،‬فــي «زنقة بديع‬ ‫الزمان الهمذاني»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫كان رأيه‪ ،‬منذ البداية‪ ،‬أن أخضع ترجماتي ألشــعار «بيسوا»‬ ‫أوالً‪،‬‬ ‫إلى ترتيب َّ‬ ‫محدد‪ ،‬يقوم على البدء بـ«فرناندو بيســوا»‪َّ ،‬‬ ‫وبعــده باقــي األنداد‪ ،‬وذلــك خاف ًا لما قمت بــه‪ -‬بالفعل‪ -‬في‬ ‫ترجماتي‪ ،‬حيث بــدأت بـ«راعي القطيــع» لـ«ألبرتو كاييرو»‪،‬‬ ‫متيســرًا‬ ‫بحرّيــة‪ ،‬بين ما كنت أجده‬ ‫َّ‬ ‫ومنــه اختــرت أن أتنقَّل‪ّ ،‬‬ ‫متحرٍر‬ ‫ذاتي‬ ‫ِّ‬ ‫للترجمة‪ ،‬من قصائد باقي األنداد‪ ،‬مدفوع ًا بشغف ّ‬ ‫أية إلزامات خارجية‪ ،‬أو زمنية‪.‬‬ ‫من ّ‬ ‫وأذكــر‪ -‬رغم إعجابه بمــا كنت أتلوه عليه مــن قصائد «راعي‬ ‫بخطتي المقترحة لترجمة‬ ‫القطيع»‪ ،‬ورغم اقتناعه‪ ،‬فيما بعد‪ّ ،‬‬ ‫مختارات محدودة من أشــعار بيسوا‪ -‬أن سيرورة األمور آلت‬ ‫طت لــه؛ لقد كانــت الكلمة األخيــرة للصديق‬ ‫إلــى غيــر ما َّ‬ ‫خط ُ‬ ‫تحمســه لترجمتي لبعض‬ ‫من‬ ‫بدافع‬ ‫الذي‪،‬‬ ‫برادة‬ ‫الكاتب محمد‬ ‫ُّ‬ ‫لي نشــر كتاب «نشــيد‬ ‫ع‬ ‫اقترح‬ ‫كامبوس»‪،‬‬ ‫دي‬ ‫«ألبارو‬ ‫قصائد‬ ‫َ َّ‬ ‫بحــري»‪ ،‬فــي مصــر‪ ،‬عام ‪ ،1995‬عــن هيئة قصــور الثّقافة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهو الكتــاب الذي مّهد الطريق لصدور ترجمات أخرى ألعمال‬ ‫أهمها‬ ‫«فرنانــدو بيســوا»‪ ،‬فــي القاهــرة وفــي المغــرب‪ ،‬كان ّ‬ ‫محمد‬ ‫صــدور «كتــاب الاطمأنينة»‪ ،‬بدعم من الشــاعر الوزير َّ‬ ‫األشــعري‪ ،‬ضمن منشورات وزارة الثّقافة‪ ،‬عام ‪ ،2001‬وهو‬ ‫مهمة له‪ ،‬كتبها إدموند المليح‬ ‫تميز‬ ‫بتصدر ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫الكتاب الذي َّ‬ ‫مقدمة ّ‬ ‫يعبــر عن امتنانــه للصحبة األدبية التــي جمعتنا بفضل‬ ‫لكــي ِّ‬ ‫األهمية االستثنائية لهذا الكتاب‬ ‫ً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫يظهر‪-‬‬ ‫ولكي‬ ‫«بيسوا»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كبيرْين‪،‬‬ ‫وشــغف‬ ‫بتلق‬ ‫يحظى‬ ‫(مبنى ومعنًى)‪ ،‬وهو ما جعله‬ ‫ٍّ‬ ‫َ‬ ‫السيما في مصر العزيزة‪.‬‬ ‫في المشرق العربي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫البيســاوي المتبــادل بيننا‪،‬‬ ‫الشــغف‬ ‫هذا‬ ‫قصة‬ ‫ّ‬ ‫وحتــى تكتمل ّ‬ ‫شخصياً‪ ،‬في مدينة الرباط‪ ،‬على إعداد‬ ‫المليح‪،‬‬ ‫أشرف إدمون‬ ‫ّ‬ ‫خاص لتجربتي في ترجمة «بيسوا» إلى العربية‪،‬‬ ‫أدبي ّ‬ ‫تكريم ّ‬ ‫وكان عنوانهــا المقتــرح‪ ،‬مــن لدنــه‪ ،‬هــو «المهــدي أخريف‪،‬‬ ‫وفرنادو بيســوا‪ :‬مســار اكتشــاف» وقد جرى هــذا التكريم في‬ ‫رحــاب المكتبة الوطنيــة للمملكة المغربية‪ ،‬يــوم ‪ 16‬إبريل‪/‬‬ ‫نيســان‪ ،2009 ،‬بمساهمة إســبانية‪ ،‬وبرتغالية‪ ،‬ومغربية‪،‬‬ ‫متخصصين وأدباء معروفين‪.‬‬ ‫من ِقَبل‬ ‫ِّ‬ ‫ِّقت توفيق ًا‬ ‫مقدمته لترجمة «المجرى الثابت» في اإلســبانية‪ ،‬التي ُوف ْ‬ ‫* انظر ِّ‬ ‫المتمكنة مليكة الجديدي‪.‬‬ ‫كبيراً‪ ،‬في إنجازها‪ ،‬المترجمة المغربية‬ ‫ِّ‬

‫في ميدان البحث العلمي‪ ،‬ال يمكننا الذهاب‬ ‫لطلب الع ّدة من بلدان أخرى‪ ،‬تحكمها ظواهر‬ ‫مختلفة في َ‬ ‫الكمّ وفي النوع‪ .‬إن المعايير‬ ‫ال ينبغي استيرادها‪ ،‬بل ينبغي صناعتها‬ ‫محلّيّ ًا‪ ،‬وإلّا سنسقط في الرؤية االستعمارية‬ ‫جهَلة‪،‬‬ ‫التي كانت تنظر إلينا كأطفال صغار َ‬ ‫ال يعرفون كيفيّة المشي‪ ،‬وينبغي األخذ‬ ‫بأيديهم لتعلميهم وإدماجهم في التط ُّور‬ ‫الحضاري‪.‬‬ ‫ألننا نستطيع إذا أردنا‪ ،‬علينا ألّا نقوم بمجرَّد‬ ‫النقل‪ .‬نعم‪ ،‬علينا أن نستفيد من ّ‬ ‫كل ما أنجزه‬ ‫الغرب‪ ،‬بمدارسه المختلفة‪ ،‬عبر االستفادة من‬ ‫ّ‬ ‫كل ما هو إيجابي‪ .‬لكن‪ ،‬ينبغي على جميع‬ ‫أفكارنا أن تكون مبنيّة على إبداعنا‪ ،‬وأن نميِّز‪،‬‬ ‫في ما ينتجه اآلخرون‪ ،‬بين المفيد وغير المفيد‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫للمثقف دور كبير يلعبه؛ لذا من المهمّ أن‬ ‫ّ‬ ‫تعطى للثّقافة قيمتها التي ت‬ ‫ستحق‪ ،‬وما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يهمني أن الثقافة غير مرتبطة بالحصول على‬ ‫شهادة‪.‬‬ ‫إنها تتجاوز ذلك‪ ،‬إنها ليست امتياز ًا لإلنسان‬ ‫المتعلِّم‪ ،‬بل إن األمّي‪ -‬أيض ًا‪ -‬لديه ثقافة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫تتمثل في تطلُّعاته وأفكاره وتاريخه‪ ..‬إنه ليس‬ ‫حيوان ًا‪ ،‬وينبغي احترام ثقافته‪ ،‬ويمكن أن‬ ‫تكون أعمق من «الزواق» الذي يتقن البعض‬ ‫صياغته في شعارات‪ ،‬وأنا أنطلق‪ ،‬في ذلك‪،‬‬ ‫من عالقاتي مع البسطاء من الناس‪ ،‬بعيد ًا عن‬ ‫البهرجة‪.‬‬ ‫إدمون عمران المليح‬ ‫من حوار أجرته «الدوحة» العدد (‪.2011، )42‬‬ ‫‪97‬‬


‫ﻛﺘﺎب‬

‫لقاء مع عبدالوهاب املسريي‬ ‫ﻋﲇ ﺑﺪر‬ ‫المفكــر المصري عبد الوهاب‬ ‫كنت التقيت‬ ‫ِّ‬ ‫مــرة‪ ،‬في العــام ‪.2005‬‬ ‫ل‬ ‫أو‬ ‫المســيري‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫كان الوقــت‬ ‫مســاء‪ ،‬والقاهــرة‪ -‬على غير‬ ‫ً‬ ‫عادتهــا‪ -‬قــد اقتحمتهــا موجة بــرد قادمة‬ ‫مــن أوروبــا‪ ،‬ولــم أكــن‬ ‫متحصن ًا بشــكل‬ ‫ِّ‬ ‫جيــد‪ ،‬فمابســي التي كنــت أرتديها كانت‬ ‫ِّ‬ ‫خفيفة‪ .‬وما إن خرجت من المقهى للذهاب‬ ‫إلــى الفندق‪ ،‬حتى التقيــت‪ ،‬في طريقي‪،‬‬ ‫بالســيدة ناريمــان الســاكت‪ ،‬وهــي ابنة‬ ‫ِّ‬ ‫أحــد كبــار رجال األعمال فــي مصر‪ ،‬ولها‬ ‫المصريين‪،‬‬ ‫عاقات واســعة مع المثقّفين‬ ‫ِّ‬ ‫نتحــدث أمام البــاب‪ ،‬إذ اقترحت‬ ‫فوقفنــا‬ ‫َّ‬ ‫علي ايصالــي إلى الفندق‪ .‬وفي الطريق‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫نمــر بالدكتــور عبــد‬ ‫قالــت‪ :‬مــا رأيــك أن ّ‬ ‫الوهاب المســيري؟ فرحت بالفكرة كثيراً‪،‬‬ ‫ثــم ذهبــت إلــى الفنــدق‪ ،‬وارتديــت كنزة‬ ‫‪98‬‬

‫صوفية‪ ،‬ثم عدت راكض ًا إلى السيارة‪.‬‬ ‫حميمي ًا جّداً‪،‬‬ ‫زرنــاه في بيته‪ .‬كان الرجل‬ ‫ّ‬ ‫وقد استقبلنا على طريقة أهل البلد‪ ،‬وكان‬ ‫دافئــ ًا في الــكام‪ .‬دخلت معــه في نقاش‬ ‫والســيما عن كتابه‬ ‫أول دقيقة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫جميل من ّ‬ ‫«الفــردوس األرضي» الــذي قرأته مبكراً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫في تأثيرًا بالغــاً‪ .‬وقلت له‪ ،‬وقتها‪،‬‬ ‫وأثَّــر َّ‬ ‫إن هــذا الكتاب هو مــن أروع الكتب‪ -‬على‬ ‫اإلطاق‪ -‬في تحليله للظاهرة األميركية‪،‬‬ ‫الســياقْين‪ :‬الثقافي‪ ،‬والسياســي‪ّ .‬إال‬ ‫في‬ ‫َ‬ ‫بأي شــيء‪،‬‬ ‫صمت‪ ،‬ولم يعلِّق ّ‬ ‫أن الرجل َ‬ ‫فاستغربت‪ ،‬إذ لم أكن أعلم أن هذا الرجل‬ ‫جذري ًا عن هــذا الكتاب‪،‬‬ ‫تحول‬ ‫تحــو ًال ّ‬ ‫ُّ‬ ‫قــد َّ‬ ‫من مّدة ليست قصيرة‪.‬‬ ‫أول لقــاء لــي مــع فكر عبــد الوهاب‬ ‫كان ّ‬

‫المســيري عندمــا كان فــي مرحلتــه‬ ‫الماركســية؛ أي مــن هــذا الكتــاب المذهل‬ ‫«الفــردوس األرضــي»‪ .‬ومــن المناســب‬ ‫القــول إن المســيري ارتبــط بالحــزب‬ ‫الشيوعي المصري منذ العام ‪ ،1955‬وقد‬ ‫المــاد ّي في‬ ‫بقــي على عاقة مــع المنهج‬ ‫ّ‬ ‫تحولــه إلى الفكر‬ ‫كتبــه األولــى؛ أي قبل ُّ‬ ‫اإلسامي‪.‬‬ ‫وحتى في تحليله للظاهرة الرومانتيكية‬ ‫(وهــي جــزء مــن دراســته األكاديميــة)‬ ‫اقتفــى‪ -‬باالعتمــاد على منهــج أدورنو‪،‬‬ ‫وهوركايمــر‪ -‬دور االغتــراب الذاتــي‪،‬‬ ‫نوعية لنشأة الرأسمالية‪.‬‬ ‫كعتبة‬ ‫ّ‬ ‫‪،‬‬ ‫الفــن‬ ‫لظاهــرة‬ ‫تحليلــه‬ ‫أمــا‬ ‫فربمــا قاده‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫إليــه ميســم الدمــار الــذي وســم الحداثة‬ ‫الغربيــة؛ ذلــك أن الرومانتيكيــة كانــت‬


‫تتغــذّى علــى المــوت‪ .‬ومثلمــا كانــت‬ ‫بطولي‪،‬‬ ‫الرومانتيكيــة ترتبــط بمــا هــو‬ ‫ّ‬ ‫كانــت الحداثــة الغربيــة ترتبــط بالموت‬ ‫البطولــي أيضــاً‪ .‬والرومانتيكيــة التــي‬ ‫كانت تقوم على االنتحار ألهمت المسيري‬ ‫رؤية الرأســمالية‪ ،‬وهــي في طريقها إلى‬ ‫االنتحار‪ .‬وإذا كان الموت في الرومانتيكية‬ ‫ال يعنــي االنخــذال أبــداً‪ ،‬فــإن الموت في‬ ‫الرأســمالية هــو المعــادل الموضوعــي‬ ‫البتــذال الكائــن‪ ،‬وبهــذا تخلّــى المجتمع‬ ‫التســليعي ومجتمع البطالة‬ ‫المتوحشــة‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّياً‪ -‬عن نزعات الرومانتيكية األولى في‬ ‫كلّ‬ ‫مفهومي التضحية‪ ،‬والتخلّي‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لقد حاول عبد الوهاب المسيري جاهدًا أن‬ ‫يجــد ربط ًا بين االغتــراب الذاتي واإلنتاج‬ ‫الســلعي‪ ،‬وبيــن اإلعــان أو اإلشــهار‬ ‫الصحافــي والتلفزيونــي ووالدة الحداثة‬ ‫تحــول الســلع االســتهاكية إلى‬ ‫كعمليــة ّ‬ ‫«فتيشات»‪.‬‬ ‫لكن ما هو صادم‪ -‬أيضاً‪ -‬أننا نعثر‪ ،‬فيما‬ ‫بعــد‪ ،‬علــى منهجــه التفســيري للظاهرة‬ ‫الصهيونيــة‪ ،‬مــن خــال اســتخدامه‬ ‫لألنمــوذج التفســيري‬ ‫المــادي للثّقافــة‬ ‫ّ‬ ‫الرأســمالية‪ ،‬فــي هــذا الكتــاب‪ .‬وإن كان‬ ‫تحليلــه للظاهرة الرومانتيكيــة هو الذي‬ ‫قــاده‪ ،‬فيمــا بعد‪ ،‬إلــى تحليلــه للظاهرة‬ ‫الصهيونيــة‪ .‬ومن أروع ما في هذا الكتاب‬ ‫هــو عثــوره على تفســير تحليلي لنشــأة‬ ‫إســرائيل‪ ،‬إذ إن تحليــل ظاهــرة نشــأة‬ ‫أميــركا هــو الــذي قــاده‪ ،‬فيما بعــد‪ ،‬إلى‬ ‫تحليل ظاهرة نشأة إسرائيل‪.‬‬ ‫فأميركا مثل إسرائيل‪ ،‬كلتاهما نشأتا من‬ ‫خال بشــارة توراتية‪ .‬وقــد كانت أميركا‬ ‫هــي األرض الموعــودة بالنســبة إلــى‬ ‫البروتســتانت‪ ،‬بعد اضطهادهــم من ِقَبل‬ ‫فكــروا ببشــارة توراتية‬ ‫الكاثوليــك‪ ،‬لذا َّ‬ ‫تحميهــم وتنقذهــم مــن عمليــات العنــف‬ ‫واإلبادة التي قادتها الكنيسة الكاثوليكية‬ ‫ضّدهــم‪ ،‬فهاجروا إلى أميركا التي وجدوا‬ ‫فيها أرض الميعاد‪ ،‬أرض البشارة اإللهية‬ ‫لصنــع فــردوس أرضــي معــادل ومقابل‬ ‫للفردوس اإللهي‪.‬‬ ‫وكانــت فلســطين‪ -‬مــن دون ّ‬ ‫شــك‪ -‬هــي‬ ‫األرض الموعودة بالنسبة إلى اليهود بعد‬ ‫االضطهــاد األوروبي لهم‪،‬‬ ‫والســيما بعد‬ ‫ّ‬

‫الهولوكوســت النازي‪ ،‬فوجدوا (وهو من‬ ‫آثار الفكــر الروماتنتيكي الغربي‪ ،‬أيضاً)‬ ‫فــي فلســطين األرض الموعــودة‪ ،‬طبقــ ًا‬ ‫لبشارة توراتية‪.‬‬ ‫وهكــذا‪َ ،‬حلَّــل عبــد الوهــاب المســيري‬ ‫العاقــة السوســيوثقافية األميركيــة‪-‬‬ ‫اإلســرائيلية‪ ،‬من خال أنموذج تفسيري‬ ‫وأخاقي؛ أي بمنهج ميتافيزيقي‪،‬‬ ‫دينــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أو بمعنــى آخــر‪ :‬إن العاقة بيــن أميركا‬ ‫وإسرائيل كانت تتعّدى مفهوم المصالح‪،‬‬ ‫وتتجــاوزه إلى عاقــة أخاقيــة دينية‪،‬‬ ‫وميتافيزيقية‪.‬‬ ‫والغريــب فــي األمــر أن هــذا التحليــل‬ ‫الميتافيزيقــي‬ ‫توصــل إليــه المســيري‬ ‫َّ‬ ‫وهــو في مرحلته الماركســية‪ .‬فكيف كان‬ ‫المسيري في مرحلته اإلساموية؟‬ ‫طور المســيري‪ ،‬فيما بعــد‪ ،‬منهجه‪،‬‬ ‫لقــد َّ‬ ‫فمــن الناحية العمليــة‪ ،‬تخلّى عن المنهج‬ ‫المادي لصالح ما أطلق عليه هو (المنهج‬ ‫ّ‬ ‫التفســيري)‪ ،‬وإذا كان هــذا المنهــج الذي‬ ‫اعتمده في كتابة الموســوعة الصهيونية‬ ‫يقوم على أنموذج معرفي‪ ،‬وتحليلي‪ّ ،‬إال‬ ‫تحول فكري‪ ،‬نقله‬ ‫أنــه كان نتاج ًا لعملية ُّ‬ ‫المادي المتأثِّر بالماركســية إلى‬ ‫من الفكر ّ‬ ‫الفكر اإلسامي‪.‬‬ ‫وهــذا الفكر هو الذي دفعــه إليجاد عاقة‬ ‫تعميميــة مقارنــة‪ ،‬بين المجتمع المســلم‬ ‫والمجتمــع الغربي‪ .‬فوصفــه للمجتمعات‬ ‫اإلســامية بأنهــا مجتمعــات تراحميــة‪،‬‬ ‫ووصفــه للمجتمعــات الغربيــة بأنهــا‬ ‫مجتمعــات تعاقديــة‪ ،‬كان فــي غايــة‬ ‫التعميمية‪ .‬وهو‪ ،‬من خال هذه الصورة‪،‬‬ ‫كقــوة‬ ‫ألغــى الفــروق بيــن الرأســمالية ّ‬ ‫متحكمة‪ ،‬وما ينتج داخل هذه المجتمعات‬ ‫ِّ‬ ‫حــب وروابــط إنســانية‪،‬‬ ‫مــن عاقــات ّ‬ ‫ووجوديــة‪ ،‬وكيانيــة‪ ،‬وأضفــى علــى‬ ‫المجتمعــات اإلســامية صفــة التراحــم‪،‬‬ ‫علــى رغم ما يصيب هــذه المجتمعات من‬ ‫واألمّيــة‬ ‫ُّ‬ ‫تفــكك وانهيــار بســبب الجهــل‪ّ ،‬‬ ‫والفقر‪ ،‬واالستبداد السياسي‪.‬‬ ‫لقد َع َّمم المســيري‪ ،‬هنا‪ ،‬مبدأ التعاقد في‬ ‫منهجــه التفســيري الجديــد‪ ،‬فــي مرحلة‬ ‫تحولــه الفكري اإليماني‪ ،‬ليشــمل التعاقد‬ ‫ُّ‬ ‫السياســي كذلــك‪ ،‬وليطــرح مفهوم ًا آخر‬ ‫األول‪ ،‬هــو «مفهــوم‬ ‫يرتبــط بالمفهــوم ّ‬

‫الجماعــات الوظيفيــة»‪ ،‬والجماعــات‬ ‫توظف‬ ‫ّيات َّ‬ ‫الوظيفيــة هي إثنيــات أو أقلّ‬ ‫معينة‪ ،‬لتصبح إســرائيل‪،‬‬ ‫مهمــات َّ‬ ‫ألداء ّ‬ ‫فيمــا بعد‪ ،‬جماعة وظيفية نشــأت نتيجة‬ ‫تم ْت بين الغرب والحركة‬ ‫لعملية تعاقدية َّ‬ ‫الصهيونية‪.‬‬ ‫ســكان ًا‬ ‫وقــد جلــب الغــرب‪ ،‬مــن خالها‪ّ ،‬‬ ‫وغَرســها في العالم‬ ‫من خــارج المنطقة‪َ ،‬‬ ‫اإلســامي‪ ،‬وطبقــ ًا لمفهــوم التعاقــد عند‬ ‫عبد الوهاب المســيري فإن وظيفة هؤالء‬ ‫السكان هي الدفاع عن الغرب والدفاع عن‬ ‫ّ‬ ‫مصالحه‪ ،‬ووظيفة الغرب هي الدفاع عن‬ ‫أمــن هذه الجماعــة واســتمرار وجودها؛‬ ‫ومــن ثــم‪ ،‬تصبح إســرائيل هــي التجلّي‬ ‫اإلمبريالــي للعلمانية الشــاملة‪ ،‬ومفهوم‬ ‫العلمانية الشــاملة الذي يصف المســيري‬ ‫بــه‬ ‫التطــور السياســي فــي الغــرب‪ ،‬هو‬ ‫ُّ‬ ‫األيديولوجيا الكاســحة التي تنفي وجود‬ ‫اإلنســان‪ ،‬كمــا تنفــي وجــود القيــم‪ .‬مع‬ ‫مادي‪،‬‬ ‫ذلك‪ ،‬فإن هذا التفســير هو تفسير ّ‬ ‫حتــى ولــو ظهــر فــي لبــاس إيمانــي أو‬ ‫ميتافيزيقي‪.‬‬ ‫يهمني في‬ ‫تطــور فكر‬ ‫ُّ‬ ‫علــى العمــوم‪ ،‬مــا ّ‬ ‫عبد الوهاب المسيري هو نقطتان‪ :‬األولى‬ ‫علمي‬ ‫أن اإليمــان ال يصلح إلنتــاج منهج ّ‬ ‫تفسيري شــامل‪ ،‬وليس الخلل‪ ،‬هنا‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫بحّد ذاته‪ ،‬بــل إن المنهج العلمي‬ ‫اإليمــان َ‬ ‫عمليات ّ‬ ‫شك دائمة وسيرورة‬ ‫بحاجة إلى ّ‬ ‫نقديــة‪ ،‬ال يتوفّــر عليها اإليمــان‪ .‬النقطة‬ ‫الثانيــة هــي المفارقــة في فكر المســيري‬ ‫بحّد ذاته‪ ،‬فقد كان ميتافيزيقي ًا في تفسير‬ ‫َ‬ ‫الظاهرة اإلســرائيلية‪ ،‬وهــو في مرحلته‬ ‫ماديــ ًا فــي تفســير هــذه‬ ‫ّ‬ ‫المادّيــة‪ ،‬وكان ّ‬ ‫الظاهرة‪ ،‬وهو في مرحلته الميتافيزيقية!‬ ‫‪...‬‬ ‫لقــد غــادرت منــزل الدكتور عبــد الوهاب‬ ‫متأخرة من الليل‪،‬‬ ‫المســيري‪ ،‬في ســاعة ِّ‬ ‫مترعــ ًا بالدفء والمعرفــة‪ .‬كانت القاهرة‬ ‫ففضلت المسير إلى جهة‬ ‫تستقبل الصباح‪َّ ،‬‬ ‫النيــل عائدًا إلى الفندق‪ .‬مــع ذلك‪ ،‬كانت‬ ‫المدينة تعيش ليلها مثل نهارها‪ :‬المقاهي‬ ‫مفتوحــة‪،‬‬ ‫وعوامــات النيــل راســية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وضحــكات‬ ‫المصرييــن ودعاباتهم‪ ،‬تمأل‬ ‫ِّ‬ ‫الشارع‪.‬‬ ‫‪99‬‬


‫ﺗﺮﺟﻤﺎت‬

‫من غارسيا لوركا‬ ‫إىل والديه‬ ‫ﺗﺮﺟﻤﺔ وﺗﻘﺪﻳﻢ‪ :‬ﻋﺒـﺪ اﻟﺴﻼم ﻣﺼﺒﺎح‬ ‫األدبية‪ ،‬والتاريخية‪ُ ،‬ت َعّد رسائل‬ ‫إلى جانب قيمَتْيها‪ّ :‬‬ ‫والمفكرين والفنّانين وثائق صادقة وعفوية‪،‬‬ ‫األدباء‬ ‫ِّ‬ ‫تكشــف العديد مــن المواقف والحاالت واألســرار التي‬ ‫آفاق كانت مجهولة في حياتهم‪،‬‬ ‫تســاعد على اختراق ٍ‬ ‫وتضيء أبعادًا كانت مظلمة في شخصياتهم وإبداعهم‪.‬‬ ‫وفي حالة الشــاعر الغرناطي فيديريكو غارثيا لوركا‬ ‫(‪ ،)1936 - 1898‬الــذي اغتالتــه أيدي كتائب فرانكو‪،‬‬ ‫تــزداد قيمة تلك الرســائل لتصير شــاهدة ومضيئة‪.‬‬ ‫فالنبش في ســيرة لوركا ما زال يعطي الجديد‪ ،‬وفي‬ ‫مؤخراً‪ -‬اكتشــاف مجموعة جديدة من‬ ‫هذا الصدد‪َ ،‬تّم‪َّ -‬‬ ‫رسائله‪ ،‬وذلك في بيت المحامي الغرناطي «بيثينتي‬ ‫لوبيث غارثيــا‪ »Vicente lóPez garcia-‬الذي توفّي‬ ‫األدبية كان‬ ‫في منتصــف ‪ .1989‬وحائز هذه التحفــة ّ‬ ‫متزوج ًا بالسيدة «كارمن غارسيا غونثاليث‪carmen -‬‬ ‫ِّ‬ ‫‪ ،»garcia gonzàlez‬ابنــة األخ الصغير لـ«فيديريكو‬ ‫غارثيا رودريغيث ‪،»Federico garcia rodriguez‬‬ ‫والد لوركا الشاعر‪.‬‬ ‫المجموعة‬ ‫المكتشفة‪ ،‬كان قد تخلّى عنها َوَرثة المحامي‬ ‫َ‬ ‫‪100‬‬

‫لمؤسســة (ف‪.‬غ‪.‬ل)‪ ،‬وهي تشتمل‪ ،‬إلى جانب وثائق‬ ‫ّ‬ ‫عائليــة أخــرى‪ ،‬ثماني ًا وســبعين رســالة‪ ،‬وخمس‬ ‫موجهة من الشــاعر إلــى والديه وإلى‬ ‫بطاقات بريدية َّ‬ ‫أخوته‪،‬‬ ‫ابتداء من سنة ‪ ،1916‬إلى أوائل الثالثينيات‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ورسائل لوركا هاته‪ُ ،‬ت َعّد واحدة من أكبر المجموعات‬ ‫فــي األدب اإلســباني‪ ،‬وهــي تحلِّــق‪ ،‬بأســـــلوبها‬ ‫يومي‪ ،‬لكي تقيم‬ ‫البسيط‪/‬العميق‪ ،‬فوق تعاسة ما هو ّ‬ ‫في الفضاءات المفتوحة للخلق واإلبداع‪ ،‬من هنا‪ ،‬كان‬ ‫جزءا‬ ‫حضور األشعار والرســومات بها‪ ...‬إنها ِّ‬ ‫تشكل ً‬ ‫تضمَنها‬ ‫من دائرة واسعة للكتابة النثرية‪ ،‬كتلك التي َّ‬ ‫األول «انطباعــات ومشــاهد‪imPreSioneS y -‬‬ ‫كتابــه ّ‬ ‫‪ ،»PaiSajeS‬والتــي كانــت وليــدة تأثيــرات لرحــالت‬ ‫تربوية‪،‬عبرفضاءاتإسبانياوتضاريسها‪«:‬األندلس‪،‬‬ ‫وغاليسيا‪،‬وقشتالة‪،‬وليون‪.»...‬‬ ‫نشرتّ جريدة « ‪ »abc‬اإلسبانية‪ ،‬في ملحقها األدبي‪،‬‬ ‫عدد (‪ ،)1990/02/03‬هذه الرســائل التي نترجمها‪،‬‬ ‫هنا‪ ،‬إلى‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫ّ‬


‫الرسالة األولى‬ ‫العنوان‪ :‬نيميسيو بيريث‬ ‫الفندق الكبير‬ ‫الكاستيجانا‬ ‫مدينة ديل كامبو‪)20/10/1916( :‬‬ ‫العزيزْين‪،‬‬ ‫والدي‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫هــا نحن في «مدينــة ديــل كامبــو‪،»Medina del Campo-‬‬ ‫ِّيت بها الملكة العظيمة «إيزابيل الكاثوليكية»‪.‬‬ ‫األرض التي توف ْ‬ ‫زرنــا قلعة «موتــا‪ ،»Mota ،‬حيث توفِّيت‪ .‬إنهــا قلعة جميلة‪،‬‬ ‫س تقريبــاً‪ ،‬وهي قلعــة تعود إلــى القرون‬ ‫ومصونــة‪ ،‬لــم ُتَم ّ‬ ‫الوســطى‪...‬هناك مصلّى الملكة‪ ،‬والســرير الذي ماتت عليه‪،‬‬ ‫وســاحة القريــة جميلــة‪ ،‬وهي رائعة‪ ،‬ومن أحســن ســاحات‬ ‫إسبانيا‪ ،‬وهناك الشــرفة التي ُبوِيع منها ملك ليون «فرناندو‬ ‫ونتفرغ‪ ،‬اآلن‪ ،‬ألنفسنا!‪.‬‬ ‫الخامس»‪ .‬لقد درسنا كثيرًا جّداً‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫إن ُدون مارتيــن «دومينيغيــث بيروليتــا‪Dominguez -‬‬ ‫‪،»Berruleta‬‬ ‫صبــي فــي الثامنة عشــرة من عمــره‪ ،‬يجري‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يضحك‪ُ ،‬يغني معنا‪ ،‬ويعاملنا نّدًا لنّد‪ ..‬بصراحة مفرطة‪ ،‬إني‬ ‫مسرور‪ .‬السفر متعة‪ ،‬إذ‪ ،‬في جميع األماكن‪ ،‬كنّا نتلقّى عناية‬ ‫وإكرام ًا من جميع الناس‪.‬‬ ‫وغدت‬ ‫وجهي‪،‬‬ ‫م‬ ‫تور‬ ‫بحيث‬ ‫بارد؛‬ ‫أمي‪ ،‬الطقس‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫شفتاي‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫أكثر‬ ‫أنني‬ ‫غيــر‬ ‫مؤســفة‪،‬‬ ‫فــي حالة‬ ‫قــوة‪ ،‬وأكثر خفّــة‪ ،‬وزاد‬ ‫ّ‬ ‫تتأخر‬ ‫وزني كيلوغرامين أو ثاثة‪ .‬إن هذا يائمني‪ .‬الرســائل َّ‬ ‫إلي‪ .‬لكن‬ ‫ّ‬ ‫أيامــ ًا عديــدة‪ ،‬ألننا بعيدون؛ لــذا ال يمكنكم الكتابــة َّ‬ ‫ابعثــوا لي‬ ‫ببرقيــات‪ ،‬أو اّتصلوا بي عبــر المكالمات الهاتفية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ألنهــا رخيصــة جّداً‪ ،‬مئــة كلمة تكلِّــف «بســتيا(‪،»Peseta-)1‬‬ ‫واحدة‪ ،‬إذاً‪َّ ،‬اتصلوا بي‪.‬‬ ‫تحياتي إلى الجميع‪ ،‬قباتي إلخوتي‪..‬قولي إليزابيا (غارسيا‬ ‫ّ‬ ‫لوركا) إني سأجلب لها أشياء جميلة جّداً‪ ،‬وستعجبها كثيراً‪...‬‬ ‫كيف تتاشى النقود!!! سأطلبها منك حين أحتاج إليها‪ .‬أليس‬ ‫حقيقة‪ -‬ياأبي‪ -‬أنك ستبعث لي بها؟ سأحاول ّأال أطلبها منك‪.‬‬ ‫يقــول دون مارتين‪ ،‬مازحاً‪ ،‬بأننا ســوف نذهــب إلى غرناطة‬ ‫«مقيديــن‪ِ ،‬مْرفق ًا بمرفق‪ ،‬مــع الحرس المدني» لعدم أدائنا ثمن‬ ‫َّ‬ ‫الوجبات الغذائية‪ ..‬لم نجد «خوسي رامون‪.»Jose Ramon-‬‬ ‫محطة «إيســكوريال‪ ،»Escorial-‬قالت لنا‪ ،‬حين‬ ‫الفتــاة‪ ،‬في ّ‬ ‫عرفت المال الذي نحمله للطريق الطويلة‪« :‬ســوف لن تأكلوا‪،‬‬ ‫ســتصومون»‪ ،‬غيــر أن دون مارتيــن يصنــع معجــزات‪ ،‬بــل‬ ‫ألكرر قباتي‬ ‫«يخلــق معجزات»‪ ،‬إنــه اقتصادي كبير‪...‬أعــود ِّ‬ ‫وعناقي للجميع‪.‬‬ ‫يحبكما كثيراً‪.‬‬ ‫الذي‬ ‫ولدكما‬ ‫من‬ ‫ة‬ ‫حار‬ ‫قبات‬ ‫أما أنتما‪ ،‬فلكما‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اآلن‪ ،‬ســأذهب إلــى «ســاالمنكا‪ ،»Salamanca-‬وبعــد ذلك‬ ‫ســأقوم بزيــارة «ثامــورا‪ ،»Zamora -‬و«ليــون‪،»Leon-‬‬ ‫و « ســا نتيا غو ‪ ، »S a n t i a g o -‬و « كو ر و نيا ‪، »C o r u ña -‬‬ ‫و«فيرول‪ ،»Ferrol-‬و«بورغوس‪ ،»Burgos-‬و«ســيغوفيا‪-‬‬ ‫ُّ‬ ‫‪ ،»Seguvia‬و«طليطلــة‪ ،»Toledo -‬ومدريــد‪ ،‬حيث ســألقي‬

‫الملكيــة‪،‬‬ ‫مقر الجمعيــة الجغرافية‬ ‫تلبية لدعوة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫محاضــرة في ّ‬ ‫رئيسها‪ ،‬السيد «ماركيس فوروندا‪.»Marques Foronda-‬‬ ‫فيديريكو‬

‫الرسالة الثانية‬ ‫العنوان‪ :‬الدير الملكي لسانْتا دُومِينغو‬ ‫َ‬ ‫بُورغوس‬ ‫اليوم‪ :‬فاتح أغسطس‪ 1917 ،‬‬ ‫التاسعة ليالً‪.‬‬ ‫العزيزْين‪،‬‬ ‫والدي‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫من خال الورق‪ ،‬تعرفان أني أبعثر حروفي‪...‬إني‪ ،‬هنا‪ ،‬أكثر‬ ‫أي ِ‬ ‫يقدمون‬ ‫وقت‪ ،‬ليس‪ ،‬فقط‪ ،‬ألن هؤالء الرهبان ِّ‬ ‫ســرورًا من ّ‬ ‫(يقدمون طعام ًا بسيط ًا ومتواضع ًا جّداً)‪ ،‬بل لعظمة‬ ‫أك ً‬ ‫ا وقبرًا ِّ‬ ‫ّيــة‪ ،‬وللموقع الذي يوجد‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫صحونه‬ ‫وأفنية‬ ‫ديرهــم‪،‬‬ ‫أروقــة‬ ‫ّ‬ ‫تطوقه سلسلة جبال مرتفعة جّداً‪ ،‬مليئة بأشجار البلّوط‬ ‫فيه‪ِّ ،‬‬ ‫والعرعــر‪،‬‬ ‫ومياه عذبــة جّداً‪ ،‬وهدوء عجيب‪ .‬الديــر كبير جّداً‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫بحيث يمكنــك‪ُ -‬أّماه‪ -‬أن تثقي بأني‪ ،‬منذ لحظات‪ ،‬خرجت من‬ ‫وكل‬ ‫الممرات والســالم‪ّ ،‬‬ ‫حجرتــي لقضــاء حاجة‪ ،‬فتهت بيــن ّ‬ ‫ا‬ ‫ضوء‬ ‫رأيت‬ ‫هذا دون ضوء‪ .‬حســناً‪ ،‬إذ سرعان ما‬ ‫يتسرب من‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الباب‪...‬أطللت‪ ،‬فتملَّكني رعب هائل؛ ذلك أن صورة لـ«ســان‬ ‫ُ‬ ‫بينيتو أباد‪ ،»San Benito Abad-‬في حجم أكبر من الحجم‬ ‫وقعت فوقي‪ .‬وهكذا‪،‬‬ ‫الطبيعي‪،‬‬ ‫ســرت بين الظلمات لحظات‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫عثر‬ ‫إلى أن‬ ‫السيد مارتي‪،‬‬ ‫علي راهب منهم‪ ،‬وقادني إلى غرفة ِّ‬ ‫َّ‬ ‫الذي راح يضحك ويضحك‪ ...‬الرهبان لطفاء جّداً‪ .‬يوجد اثنان‬ ‫يومياً‪.‬‬ ‫يمتازان‬ ‫ٍ‬ ‫بروح خفيفة مرحة‪ ،‬يغنِّيان‪ ،‬ويعزفان‪ّ ،‬‬ ‫أول أمــس‪ ،‬دخلنــا إلــى حــرم ديــر «الس هويلغــاس‪Las-‬‬ ‫َّ‬ ‫أسســه‬ ‫‪ ،»Huelgas‬برخصــة من الســفير البابوي‪ .‬إنه دير‪َّ ،‬‬ ‫«ألفونســو الثامــن(‪ »Alfonso VIII-)2‬الملقَّــب بـ«نافاس دي‬ ‫ُ‬ ‫تولوســا‪ .»Navas de Tolosa-‬هنــا‪ ،‬توجــد راياته وقبره‪،‬‬ ‫األهمّية‬ ‫وفــي األورقة يوجد الضريح الملكي العتيــق‪ ،‬العظيم ّ‬ ‫«إسكوريال»‪.‬‬ ‫إن رئيســة الديــر تلبــس تاجــاً‪ ،‬وتحمــل عصا األســقفية لكي‬ ‫شــرفنا وتكرمنــا‪ ،‬أجلســتنا واحدًا واحداً‪ ،‬وهي تمســك عصا‬ ‫ُت ِّ‬ ‫األســقفية‪ ،‬وتجلس على كرســي رئاســة الدير‪ .‬إنه مشهد من‬ ‫أجمل المشــاهد التــي رأيتها في حياتي‪ ،‬وَأ َجلّها‪ .‬حين‬ ‫جلســت‬ ‫ُ‬ ‫ســيدتي‪ ،‬أجبتهــا‪ .‬حينئذ حدثتني‪-‬‬ ‫قالــت لي‪ :‬ألك أبوان؟ نعم ِّ‬ ‫تحرك رأسها‪« :-‬فليحفظهما اهلل لك دوماً‪ ،‬إن لم يكن ذلك‬ ‫وهي ِّ‬ ‫بالجســد‪ ،‬فبالروح‪ ،‬وليتك ال تكبر أكثر حتى ال يريا ضحكات‬ ‫تتحول إلى بكاء ال عزاء له»‪.‬‬ ‫شبابك الكثيرة‬ ‫َّ‬ ‫َّر‬ ‫أث‬ ‫ذلك‬ ‫أن‬ ‫تعرفــا‬ ‫أن‬ ‫اســتطاعتكما‬ ‫فــي‬ ‫في أبلــغ األثر‪ ،‬كذلك‬ ‫َّ‬ ‫َ َّ‬ ‫تلــك األفكار الجميلة التي قالتها لآخرين‪ .‬جميع الراهبات ُك َّن‬ ‫مر ٍ‬ ‫ات‬ ‫يرتدين ُحل ً‬ ‫ا بيضاء‪ ،‬وقد التقينا ّ‬ ‫بهن جميعاً‪ ،‬لقد رأيت‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫كطفات‪.‬‬ ‫طيبات‬ ‫عديدة‪ ،‬مشــاهد مثل مشــهد «أغنية مهد»‪ُ ..‬ك َّن ِّ‬ ‫‪101‬‬


‫بعضهن جميات جّداً‪ ،‬فقد سمحن لنا بالتقاط صور‬ ‫ولما كانت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اليــردن اإلخال‬ ‫اللواتي‬ ‫ــرات‬ ‫المتذم‬ ‫العجائــز‬ ‫مــن‬ ‫فيــة‬ ‫لهــن ِخ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بالنظام‪ ،‬لكنهن حمراوات كورود شهر مايو‪ُ ،‬ك َّن يختبئن خلف‬ ‫األعمدة‪،‬‬ ‫مسودات من الضحك‪ .‬وحينئذ‪ ،‬بحركة «زن»‪ ،‬نلتقط‬ ‫ّ‬ ‫طيبة‬ ‫ّ‬ ‫لهــن صــوراً‪ .‬مامــا‪ ..‬قد تكــون عجــوزًا صغيرة‪ ،‬لكنهــا ِّ‬ ‫تظن أننا ســنخرجها (مع الثالوث)‪...‬ســوف أحكي‬ ‫وبريئــة‪ّ ،‬‬ ‫وبتأن أكثر‪.‬‬ ‫لكم‪،‬‬ ‫ٍّ‬ ‫اآلن‪ ،‬أقــول لكم إني قد‬ ‫أفكر في رؤية‬ ‫وصلت إلى هنــا‪ ،‬وإني ِّ‬ ‫ُ‬ ‫أشــياء‬ ‫تســتحق المشــاهدة‪ .‬لقــد تواصلــت مــع صحيفــة من‬ ‫ّ‬ ‫كنــت‬ ‫أرســلت إليهــا بمقالــة‪،‬‬ ‫«بورغــوس‪ ،»Burgos-‬حيــث ُ‬ ‫ُ‬ ‫خصصــوا لها زاوية الشــرف من‬ ‫راقتهــم جــّداً‪ ،‬إلــى ٍّ‬ ‫حــد أنهم َّ‬ ‫مكان‪.‬هذه الليلة نشــروا مقالة أخرى؛ لذا‬ ‫الصحيفة‪ ،‬أي أفضل ٍ‬ ‫أفكر في نشــر مقاالت جديدة‪ ،‬في هــذه الصحيفة‪ ،‬ألنها أفضل‬ ‫ِّ‬ ‫أما صحف مدريد فإني أكتب فيها دراســة‬ ‫صحف «بورغوس»‪ّ ،‬‬ ‫كل الشــخصيات‪ ،‬من‬ ‫عــن اإلضرابات‪ .‬لقد هنَّأنــي الكثيرون‪ّ ،‬‬ ‫أصدقاء‬ ‫الســيد «مارتين‪ .»Martin-‬وكما رأيتــم‪ ،‬فإنها مقالة‬ ‫ِّ‬ ‫تتضمــن آراء جريئة بعض الشــيء‪ .‬ليلة أمس‪ ،‬هنَّأني رئيس‬ ‫َّ‬ ‫جيد‪ .‬بالمناسبة‪ ،‬لقد ضحكنا كثيراً‪،‬‬ ‫الردكالين هنا‪ ،‬وهو أديب ِّ‬ ‫بعد ذلك‪.‬‬ ‫اكتبــوا لــي على عنوانــي في «بورغــوس»؛ إذ أننا ســنمكث‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫يدق‬ ‫أيام فقط‪ .‬في هذه اللحظة‪،‬‬ ‫بالذات‪،‬وبصمت‪ّ ،‬‬ ‫هنــا‪ ،‬ثاثة ّ‬ ‫ناقوس الدير‪.‬‬ ‫غرفتــي‬ ‫تطــل على فنــاء فخم عتيق‪ ،‬حيث نافــورة وكثير من‬ ‫ّ‬ ‫الباب‪،‬‬ ‫خــال‬ ‫من‬ ‫القمــر‪.‬‬ ‫ضــوء‬ ‫أحــس بخطوات رجــال الدين‬ ‫ّ‬ ‫الذاهبين‪ ،‬اآلن‪ ،‬إلى الكنيسة‪.‬‬ ‫لــم تعــد لــي رغبة فــي النــوم‪ .‬إنــي مكدود مــن كثــرة ركوب‬ ‫الســيارات‪ ،‬للوصــول إلى هنا‪.‬أبــي‪ ،‬لو رأيت كــم هي هزيلة‬ ‫ّ‬ ‫لي‬ ‫تركــوا‬ ‫لقد‬ ‫أمــي‪:-‬‬ ‫اســمعي‪-‬‬ ‫القمــح!‬ ‫ســنابل‬ ‫ربــى توت‬ ‫م‬ ‫ُ ّ‬ ‫عمي «غارســيا باالثيوس‪-‬‬ ‫جعت‪ ،‬ما ألذَّه! ابنة ّ‬ ‫األرض‪ ،‬إذا ما ُ‬ ‫سكية(‪.)3‬‬ ‫سكية‪ُ ،‬م َّ‬ ‫‪ُ »Garcia Palacios‬م ّ‬ ‫تحياتي للجميع‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫قباتي إلخوتي‬ ‫والدي‪ -‬مليون قبلة من ولدكما‪.‬‬ ‫ولكما‪-‬‬ ‫َّ‬

‫الرسالة الثالثة‬ ‫العنوان‪ :‬إقامة الطلبة‬ ‫ مدريد‬ ‫ربيع‪.1920 ،‬‬ ‫والدي العزيز‪،‬‬ ‫وصلتني رســالتك ذات اللهجة الرصينــة‬ ‫والجادة‪ ،‬وباللهجة‬ ‫ّ‬ ‫لدي رغبة أكبر‬ ‫إلي‪َّ ،‬‬ ‫الرصينة نفســها أجيبك‪ ،‬أيضاً‪ :‬بالنسبة ّ‬ ‫السيما وأنتم مجتمعون كلّكم‪ ،‬هناك‪ ،‬وأنا‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫في رؤيتكم‪ّ ،‬‬ ‫‪102‬‬

‫يبق‬ ‫وحــدي‪ ،‬غير أنــه إذا فرضت ذلك الظــروف‪ ،‬والعمل‪ ،‬لم َ‬ ‫ّإال أن أخضــع‪ .‬ال أســتطيع أن أقــاوم هــذا التــراوح‪ ،‬ألن ذلك‬ ‫أتخذ موقف ًا تجاه العمل‪،‬‬ ‫عادية‪،‬‬ ‫وعلي أن َّ‬ ‫يؤذيني بكيفية غير ّ‬ ‫َّ‬ ‫بالنسبة‬ ‫الحاسمة‬ ‫اللحظات‬ ‫هذه‬ ‫و«اتجاه ًا يســارياً»‪ ،‬في‬ ‫إلي‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫تفكر(مع األسف)‪ ،‬لكني أقول لك‪،‬‬ ‫جيداً‪ ،‬في أي شيء ِّ‬ ‫أعرف‪ِّ ،‬‬ ‫حبي الكبير لــك‪ :‬عندما يأخذ المرء‬ ‫وأعــدك‪ ،‬بكل احترام‪ ،‬مع ِّ‬ ‫الحظ‪،‬‬ ‫طريقــه‪ ،‬ال الذئــاب وال الــكاب تجعله يتقهقر‪ .‬لحســن ّ‬ ‫أمتلك رمح ًا كرمح «دون كيخوتي‪.»Don Quijote-‬‬ ‫والــدي‪ ،‬إنــي على الطريق الســليم؛ لذا ال تجعلنــي ألتفت إلى‬ ‫الوراء!‪.‬‬ ‫تحبوننــي كثيــراً‪ ،‬وال يســعكم ّإال أن تبادلونــي‬ ‫أنكــم‬ ‫أعــرف‬ ‫ّ‬ ‫أحبكــم أكثــر‪ ،‬وأعــرف‪ -‬أيضــاً‪ -‬أنكــم‬ ‫أنــا‬ ‫نفســه؛‬ ‫شــعوري‬ ‫ِّ‬ ‫تريدونني إلى جانبكم‪ ،‬غير أن هذا الشــيء تفرضه الظروف‪.‬‬ ‫ماذا ســأفعل أنا‪ ،‬في غرناطة؟ أستمع إلى كثير من الحماقات‪،‬‬ ‫وكثيــر من النقاشــات‪ ،‬وكثير من مشــاعر الحســد‪ ،‬وكثير من‬ ‫الســفاالت(هذا ال يحــدث ّإال للرجــال الموهوبيــن)‪ ،‬وهذا األمر‬ ‫يهمنــي في شــيء‪ ،‬ألنــي‪ -‬وهلل الحمد‪ -‬فوق ذلــك‪ ،‬لكن ذلك‬ ‫ال ّ‬ ‫األغبياء‪.‬‬ ‫تناقشــون‬ ‫ال‬ ‫الخصوص‪،‬‬ ‫ً‪.‬بهذا‬ ‫ا‬ ‫د‬ ‫ج‬ ‫مزعج‬ ‫مزعج‪،‬‬ ‫أما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أنا فيجادلني فيه في مدريد‬ ‫شخصيات جّد محترمة‪ ،‬حين أقوم‬ ‫ّ‬ ‫تثار‬ ‫ســوف‬ ‫محاوالتي‪.‬‬ ‫بنزهــات‪ ،‬رغم أنها أولى‬ ‫ضجة كبرى‬ ‫ّ‬ ‫أقدم أعما ًال أخرى‪ ،‬ومن المحتمل أن يكون ذلك في أوائل‬ ‫حين ِّ‬ ‫أدبي المع‪.‬‬ ‫بلقب‬ ‫أحظى‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫العمل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الخط‪ ،‬يســيء إلــى الفنّان‪.‬‬ ‫إن النجــاح الســريع‪ ،‬وعلى طول ّ‬ ‫بتأن كبير‪ ،‬وأســير ببطء شديد‪،‬‬ ‫هذا شــيء‪ :‬إني ِّ‬ ‫أحضر كتبي ٍّ‬ ‫ألنــي أخطو بقدمين من رصاص‪ ،‬كي أبدع كتاب ًا مدهشــاً‪ .‬هنا‬ ‫أكتــب‪ ،‬وأعمل‪ ،‬وأقــرأ‪ ،‬وأبحث‪...‬إنها بيئــة عجيبة‪ ،‬ال أخرج‬ ‫ــر) يأتون لزيارتــي‪ .‬ال أخرج ّإال‬ ‫ّإال لمامــاً‪ .‬النــاس‪( ،‬وهــم ُكُث ٌ‬ ‫للذهاب إلى ِ‬ ‫بيت «مارتينيث ســييرا غريغوريو(‪Martinez )4‬‬ ‫حبة‬ ‫ص َ‬ ‫‪ ،»Sierra Gregorio‬وإلــى ّ‬ ‫مقــر صحيفة «إســبانيا» ُ‬ ‫مجموعة من الشــباب المثقّفين‬ ‫أهم شــيء‬ ‫َّ‬ ‫والمميزين جّداً‪ .‬لكن ّ‬ ‫ا‬ ‫عنصر‬ ‫كان‬ ‫(وإن‬ ‫أكتــب‬ ‫يمنعنــي من الســفر ليس ما‬ ‫مهماً)‪ ،‬بل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ألننــي أوجد في مــكان إقامة الطلبة‪ ،‬ال في فنــدق‪ ،‬وااللتحاق‬ ‫ٍ‬ ‫بأعمال كثيرة ألحافظ‬ ‫بها ليس أمرًا سهاً! هنا‪ ،‬يجب أن نقوم‬ ‫ومميزاتي الشــخصية‪ .‬وبفضــل صداقاتي‬ ‫علــى اســتحقاقاتي‬ ‫ِّ‬ ‫اســتطعت االلتحــاق باإلقامــة فيــه‪ ،‬دون طلــب ودون عائق‪.‬‬ ‫خصنــي المديــر باهتمــام‪ ،‬حيــث ظفــرت بمكان‪ ،‬رغــم وجود‬ ‫َّ‬ ‫يدْين نظيفتين‪،‬‬ ‫كنت أمتلك َ‬ ‫عشرة كانوا ينتظرون قبلي‪ ،‬ألني ُ‬ ‫ويعــّد ســفري في ُعــرف هذا الســكن‪ ،‬قلّة لياقة‪ .‬إنهــا بذاءة ال‬ ‫ُ‬ ‫ُتغتفر أن أقول لهم‪ ،‬وســط الســنة الدراســية‪ ،‬إني ســأغادر‪،‬‬ ‫وأردد قبــل أن أرحل‪ ،‬أنني قد‬ ‫تــارك ًا حضرتكــم في أمان اهلل»‪ِّ ،‬‬ ‫إنني‬ ‫لهم‬ ‫سأقول‬ ‫شيء)‪.‬‬ ‫كل‬ ‫دوارة‬ ‫أعود أو ال أعود (وتعرفون ّ‬ ‫َّ‬ ‫الريح‪ ،‬وأبقى خارج المنافسة‪ ،‬وسخيف‪.‬‬ ‫أنــا‪ ،‬مــن أجــل هــذا‪ ،‬أكثــر من شــيء آخــر‪،‬‬ ‫أتوســل إليك أن‬ ‫َّ‬ ‫هل‬ ‫مســتقيم‪.‬‬ ‫تتركني هنا‪ .‬أنا‪ -‬ياوالدي العزيز‪ -‬رجل‬ ‫أســأت‬ ‫ُ‬ ‫إنــي‬ ‫لك؟‬ ‫إليــك يومــاً؟ ألم أكن‪ ،‬دومــاً‪ ،‬مطيع ًا‬ ‫أتصرف‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كمــا ينبغي‪ ،‬وأفضل من‬ ‫أتخذ‬ ‫تصرفي في البيت؛ فهنا يجب أن َّ‬ ‫ُّ‬ ‫جاداً‪ .‬رسالتك التي تطلب مني فيها أن أعود‪ّ ،‬‬ ‫أتيت‬ ‫موقف ًا ّ‬ ‫وإال َ‬ ‫سببت لي حزن ًا عميقاً‪ ،‬وقلق ًا عظيماً؛ ذلك أن موقفك‬ ‫ألخذي‪َّ ،‬‬


‫صد ِ‬ ‫أعمال شيطانية‬ ‫رت عن ولده‬ ‫ٌ‬ ‫هذا يكشف لي عن حالة ٍ‬ ‫أب‪َ ،‬‬ ‫ال ُتغتفر‪ ،‬فيمسك به األب كي يضربه َسوطين‪ ،‬أو يدخله دير‬ ‫«القّديســة ريتــا(‪ .»Santa Rita-)5‬هــذا يكشــف عن حالتك‪،‬‬ ‫شهرْين‪ ،‬ثم‬ ‫حالة ال أريد أن ِّ‬ ‫أصدقها‪ .‬ستقول لي‪« :‬عْد‪ ،‬وامكث َ‬ ‫عد بعد ذلك»‪ .‬متى‪ ،‬ياوالدي العزيز؟ متى؟ أفي شهر أغسطس؟‬ ‫إني أشــعر برغبة شديدة في رؤيتك‪ ،‬كما جميع أفراد األسرة‪.‬‬ ‫وإن‬ ‫أردت أن أذهب معك‪ ،‬ألنك تأمل في ذلك‪ ،‬فإني سأفعل‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أني‬ ‫غير‬ ‫أؤكد لك أنك ســوف تندم‪ .‬سأذعن لك‪ ،‬ألنه واجبي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫هت‬ ‫وج‬ ‫قد‬ ‫ســتكون‬ ‫لكنك‬ ‫إلي ضربة قاضية‪ ،‬ومن َث َّم ســأمتلئ‬ ‫َّ َ َّ‬ ‫حزناً‪ ،‬ســتثبط عزيمتي‪ ،‬وســأفقد َحماســتي التــي تغمرني‪،‬‬ ‫اآلن‪.‬‬ ‫أرجــوك‪ ،‬مــن قلبــي‪ ،‬أن تتركنــي هنــا حتــى نهايــة الســنة‬ ‫الدراسية‪ .‬حينئذ‪ ،‬سأذهب بكتبي المطبوعة‪ ،‬وبضمير مرتاح‪،‬‬ ‫الفن‬ ‫ــرت ســيوفاً‪ ،‬وأنا أناضل ضّد المارقيــن لحماية ّ‬ ‫ألني َّ‬ ‫كس ُ‬ ‫لقد‬ ‫رونــي‪.‬‬ ‫تغي‬ ‫أن‬ ‫يمكنكم‬ ‫ال‬ ‫الحقيقــي‪.‬‬ ‫الفــن‬ ‫الخالــص‪،‬‬ ‫ولدت‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫شــاعرًا وفنّان ًا كمن يولد أعرج‪ ،‬وكمن يولد أعمى‪ ،‬وكمن يولد‬ ‫جيداً‪.‬‬ ‫جميــاً‪ ...‬اتركــوا أجنحتي في مكانها‪ ،‬ســوف أحلِّق بها ِّ‬ ‫تلح‬ ‫علــي بالعــودة‪ ،‬ألن هــذه الفكرة‬ ‫أنــت‪ ،‬والــدي‪ .‬ال ّ‬ ‫هكــذا َ‬ ‫َّ‬ ‫لقد‬ ‫‪.‬‬ ‫كآبة‬ ‫تملؤني‬ ‫طرحت‪ ،‬بين يديك‪ ،‬تبريراتي‪ .‬أهي تبريرات‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫إن‬ ‫ال؟‬ ‫أم‬ ‫ُمقنعــة‬ ‫أرد عليك‬ ‫كنــت ثقيــ ً‬ ‫ا فقل لي ذلك‪ ،‬وســوف ُّ‬ ‫ُ‬ ‫حبة ذكاء فا يصعب عليه جمع المال‪،‬‬ ‫كر ُجــل‪ .‬إذا كان للرجل ّ‬ ‫َ‬ ‫الحظ‪ ،‬إني أفكر هكذا‪ ،‬وأعتقد أني على صواب‪ .‬ينبغي‬ ‫لحسن ّ‬ ‫أن تنظــر إلى الحياة‪ ،‬إلى العالم‪ ،‬بعيَنْين صافيَتْين ومليئَتْين‬ ‫بالتفاؤل‪ .‬إني‪ -‬يا والدي‪ -‬رجل متفائل‪ ،‬مليء بالفرح‪.‬‬ ‫مرة‬ ‫كل قلبي‪ ،‬أن‬ ‫أتوسل إليك‪ ،‬من ّ‬ ‫َّ‬ ‫أجبني كما أجيبك‪ .‬وآلخر ّ‬ ‫جيداً‪،‬‬ ‫فكر‪ ،‬إلى جانب ذلك‪ ،‬بأني‬ ‫وبترو‪ ،‬هذه الرســالة‪ِّ .‬‬ ‫ٍّ‬ ‫تقرأ ِّ‬ ‫فكر أن لي حياتي‬ ‫يخصك‪،‬‬ ‫الخاصة‪،‬‬ ‫وتحبه كثيراً‪ِّ .‬‬ ‫لست شيئ ًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫حل مشــاكلي‪ ،‬وهذا الذهــاب وهذا اإلياب يؤذيانني‪،‬‬ ‫ويمكنني ُّ‬ ‫وليســا معقوَلْين‪ .‬يجب أن نكون جريئين وشجعاناً‪ ،‬كما يجب‬ ‫أن ال نقنــع بالوســط‪ ،‬أو بـ(مــا بين بيــن)؛ فهذا ُي َعــّد ممقوتاً‪.‬‬ ‫ال تستشــر‪ -‬بخصــوص هــذه األشــياء‪ -‬أصدقــاءك المحاميــن‬ ‫عاديون وثقاء دم‪،‬‬ ‫واألطبــاء‬ ‫والبيطريين‪...‬إلخ‪ .‬إنهم أناس ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫بل استشر ماما واألطفال‪ .‬أعتقد أني على صواب‪.‬‬ ‫أحبك من قلبي‪.‬‬ ‫تعرف أني ّ‬

‫فيديريكو‬

‫الرسالة الرابعة‬ ‫العنوان‪ :‬إقامة الطلبة‬ ‫مدريد‬ ‫ربيع ‪ 1921‬‬ ‫العزيزْين‪،‬‬ ‫والدي‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ومهمة بالنسبة‬ ‫كثيرة‬ ‫أشــياء‬ ‫ئ‬ ‫وأهي‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫كثير‬ ‫وأدرس‬ ‫بخير‪،‬‬ ‫إني‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫إلي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اســتطعت تأليف كتــاب‪ ،‬وتنقيحه‪ ،‬وقد انتهيــت‪ ،‬اآلن‪ ،‬من‬ ‫لقــد‬ ‫ُ‬ ‫تشذيبه ألنشره‪.‬‬ ‫كذلك‪ ،‬أريد أن أنشر قصيدة يعرفها «باكيتو‪( »Paquito-‬غارسيا‬ ‫لــوركا)‪ ،‬وأريد أن أســلِّمها إليه بنفســي؛ العتقــادي أن هذا أكثر‬ ‫ومعنوياً‪.‬‬ ‫مادّي ًا‬ ‫لياقة من تسليمه إلى الناشرين الذين ُيدمونه‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫انتهيــت مــن كتابــة متتاليات شــعرية‪ ،‬لكــي يضع موســيقاها‬ ‫«أدولفــو ســاالثار(‪ ،»Adolfo Salazar-)6‬و«روبيــرت‬ ‫شابان‪،‬‬ ‫جيرهارد(‪ ،»Robert Gerhard-)7‬وهما‬ ‫موســيقيان ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّيــة خالصة‪ ،‬وجــّد حديثة‪ ،‬وهــو ما لم‬ ‫ينتميــان إلــى مدارس فنّ‬ ‫أتطلَّع إليه‪.‬‬ ‫ومَلكات‬ ‫أشــعر‪ ،‬فــي ّ‬ ‫كل يوم ينقضي‪ ،‬بأني أتوفَّر علــى صفات َ‬ ‫ٍ‬ ‫صاف‪ ،‬فنّان‪َ ،‬ح َسن الذوق؛ وهو‬ ‫يتميز بها شاعر‪ ،‬شاعر‬ ‫أكثر‪َّ ،‬‬ ‫ما ينبغي أن أكونه‪.‬‬ ‫كل يوم‪ ،‬أزداد بغض ًا للشعوبية والسوقية‪ ،‬والتهليل لجاهل(لن‬ ‫ّ‬ ‫تــروا‪ ،‬أبــداً‪ ،‬مثــل «فرانثيســكو فياســبيرا(‪Francisco-)8‬‬ ‫‪.)»Villaespera‬‬ ‫علي أن أخوض معركة طاحنة؛ فمن جهة‪ ،‬أمامي المدرســة‬ ‫كان َّ‬ ‫أما أنا فأنتمي‬ ‫القديمة‪ ،‬ومن جهة أخرى‪َّ ،‬‬ ‫لدي المدرسة الحديثة‪ّ ،‬‬ ‫أتفرغ‪-‬‬ ‫إلى المدرســة الجديدة‪ ،‬بل إلى مدرسة حديثة جّداً‪ ،‬حتى َّ‬ ‫حرّية‪ -‬ألشيائي وأشياء أخرى مطروحة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بكل ّ‬ ‫اآلن‪ ،‬أحظــى بتقديــر األدباء الشــباب المعاصرين‪ ،‬بوصفي من‬ ‫الشــخصيات القائل‪ ،‬الواعدة‪ ،‬في مشهد الشعر اإلسباني‪ ،‬وهذا‬ ‫يكفي‪.‬‬ ‫هنا‪ ،‬ما زلنا مرتجلين أشــعار «راِبندرانات طاغور»‪ .‬أنا أوافقك‬ ‫‪103‬‬


‫ٍ‬ ‫إلي‬ ‫علــى أنه يجب أن أشــتري‬ ‫جزمات ونعــا ًِال‪ّ ،‬‬ ‫وأود أن تبعثوا ّ‬ ‫أرضية حذائــي‪ ،‬فيها ثقب صغير‬ ‫أن‬ ‫ما‬ ‫الســي‬ ‫بالنقود لشــرائها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جّدا‪ ،‬وال أريد أن يستفحل األمر‪.‬‬ ‫لدي جدول عمل واســع‪،‬‬ ‫أعــود فأقول لكم إنه‪ ،‬في هذا الصيف‪َّ ،‬‬ ‫وأود أن أقضي فترة في سلسلة جبال «السييرا»‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫إنهم يستدعونني للتدريب‪ .‬لقد وصل «خوان رامون خيمينيث(‪-)9‬‬ ‫‪ .»Juan Ramon Jimenez‬هــل اشــتريتم «الذبيحــة»؟ هكــذا‬ ‫أؤدي فيها دور البطل‪ ،‬أي‬ ‫تســمى‬ ‫نقدمها‪ ،‬وأنا ِّ‬ ‫المســرحية التي ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«خاينسينغ‪ ..»Jainsing-‬اشتروها‪.‬‬ ‫وداعاً‪.‬‬ ‫قبات إلى إخوتي وإلى ماريا‪،‬‬ ‫وألف قبلة من ابنكما‪.‬‬ ‫فيديريكو‬

‫الرسالة الخامسة‬ ‫مدريد‪ :‬ربيع ‪1925‬‬ ‫والدي وإخوتي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫جو عاصــف‪ ،‬وبرد قــارس‪ ،‬أمســك قلمي ألتواصــل معكم‬ ‫فــي ّ‬ ‫ذهنياً‪ ،‬فأنتم تحتلّون‪ ،‬فــي تفكيري‪ ،‬مكانة الئقة‬ ‫أمــا ّ‬ ‫بالكلمــة‪ّ ،‬‬ ‫سيؤدون‬ ‫علي من «برشيلونة»‪ ،‬وأنهم‬ ‫وا‬ ‫رد‬ ‫أمس‪،‬‬ ‫ل‬ ‫أو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ودائمة‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫تكاليــف الســفر واإلقامــة‪ ،‬لقــراءة أشــعاري‪ ،‬وقــد رجونــي أن‬ ‫أعفيهــم مــن التعويض‪ ،‬لكونهــم ال يمتلكون مــاالً؛ فالحكومة قد‬ ‫ِ‬ ‫إلي‪ ،‬وأنا أشــدو‬ ‫تركتهــم دون منــح‪ ،‬وأن الرغبة في االســتماع َّ‬ ‫وافقت‪ ،‬وهذا‪ -‬كما‬ ‫كل شيء‪ .‬أنا‪ -‬طبعاً‪-‬‬ ‫أشعاري‪ ،‬دفعتهم لعمل ّ‬ ‫ُ‬ ‫أرى‪ -‬يروقكــم‪ .‬إن مجموعة من مثقَّفي «برشــيلونة» تعرف أكثر‬ ‫حالياً‪ ،‬في أوربا‪ .‬ســتكون القراءة في‬ ‫المجموعــات الموجودة‪ّ ،‬‬ ‫«عيــد االنبعــاث»‪ ،‬طبعاً‪ .‬لكن‪ ،‬بما أن «دالــي(‪ -»Dali-)10‬وهو‬ ‫حدثتكم عنه‪ -‬اســتدعاني إلى «كاداكيس ‪،»Cadaques -‬‬ ‫الذي َّ‬ ‫وهي قرية على شــاطئ «خيرونا ‪ ،»Gerona -‬ســأقصدها قبل‬ ‫ِ‬ ‫صمت القريــة‪ ،‬وأكتب مســرحية جديدة‪،‬‬ ‫الموعد‪ ،‬ألشــتغل فــي‬ ‫وآخر مشــهد مــن مســرحية «اإلســكافية(‪ .»Zapatera-)11‬لقد‬ ‫اســتدعاني «دالــي» بكــرم‪ .‬حظيــت برســالة مــن والــده‪ ،‬وهــو‬ ‫موثق فــي «فيغيراس‪ ،»Figueras-‬وبرســالة أخرى من أخته‬ ‫يفتن جماالً)‪ ،‬يســتدعياني‪ ،‬أيضــاً‪ .‬إني‪ ،‬في‬ ‫(فتــاة مــن اللواتي َّ‬ ‫كل مــرة‪ ،‬أخجــل من أن أنزل ضيفــ ًا في بيتهم‪ ،‬لكنهم (أســرة )‬ ‫ّ‬ ‫تختلــف عن اآلخرين‪ ،‬إنهــم معتادون على الحيــاة االجتماعية‪،‬‬ ‫عــادة يجري بهــا العمل في‬ ‫ذلــك أن اســتدعاء ُأنــاس إلى البيت‬ ‫ٌ‬ ‫يصر على أن أشتغل خال‬ ‫إسبانيا‪«.‬دالي»‬ ‫العالم أجمع‪ ،‬ما عدا‬ ‫ًّ‬ ‫المقــدس(‪ »Semana Santa )12‬الحالــي‪ ،‬في بيته‬ ‫«األســبوع‬ ‫َّ‬ ‫ألبي دعوته‪ ،‬وآمــل أن أقضي ّأياماً‪،‬‬ ‫وســوف‬ ‫«كاداكيس»‪،‬‬ ‫فــي‬ ‫ّ‬ ‫قريب ًا من البحر ألشــتغل‪ ،‬أنتما تعرفان كيف أن الريف والصمت‬ ‫كل ذلك لــن يكلِّفني ماالً؛‬ ‫كل األفــكار‪ .‬بالطبع‪ّ ،‬‬ ‫يمنحــان رأســي ّ‬ ‫فطالمــا أنهــم فــي «برشــيلونة»‪ ،‬ســيدفعون لي‪ ،‬كما ســأقضي‬ ‫‪104‬‬

‫المقدس» في بيت صديق‪ .‬إن ذلك لن يكلِّفكما شيئاً‪.‬‬ ‫«األسبوع‬ ‫َّ‬ ‫لكن من المستحســن أن تبعثوا‪ ،‬حاالً‪ ،‬إلى المســؤولين‪ ،‬بثاث‬ ‫أردها لكما حين‬ ‫قدموها لي ُسلفة‪ ،‬سوف ّ‬ ‫مئة «بيســيتا»‪ ،‬كانوا َّ‬ ‫أعود من «برشــيلونة»‪ ،‬بما أننــي ال أتقاضى أجراً؛ لذا فإنكما ال‬ ‫عما أعانيه حين أطلب منكما نقوداً‪..‬فشــكرا هلل‪ ،‬ثم‬ ‫تملكان فكرة ّ‬ ‫ألبي‪ ،‬وإن كنّا غير محتاجين‪.‬‬ ‫وعدت أن‬ ‫سوف أبعث إليكم بالصحف‪ ،‬وبنصوص القراءة التي‬ ‫ُ‬ ‫ا كبيراً‪.‬‬ ‫مهمة جّدا‪ ،‬وأنا أبني عليها أم ً‬ ‫تكون ّ‬ ‫ســوف تكون رحلة رخيصة جّدا‪ ،‬إذ لن تكلِّفني شــيئاً‪ ،‬تقريباً‪،‬‬ ‫لحساســيتي‪ .‬أرجو أن تنظرا إلى‬ ‫وهــي مفيدة‪ ،‬إلى أقصى َحّد‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫هذا برضى‪...‬‬ ‫أتحــدث مــع «مارتينيــث ســييرا‪،»Martinez Sierra -‬‬ ‫كنــت‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫«اإلســكافية»‪ ،‬غير أنه يخاف من أن يمنعوا‬ ‫ســيقدم‬ ‫فقال لي إنه‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫تجرأت وقلت له‪(« :‬ال‬ ‫عرض «ماريانيتا‪ .»Marianita -‬حينئذ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫المســرحيَتْين‪ ،‬وانتهى‬ ‫فلنســحب‬ ‫«إســكافية» وال «ماريانيتــا»‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫إلي أن أنتظر سّتة‬ ‫ل‬ ‫فتوس‬ ‫لونه‪،‬‬ ‫وشــحب‬ ‫ارتبك‬ ‫حينئذ‪،‬‬ ‫األمر)‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ســراً‪ -‬بعض ًا مــن أصدقائــه‪ ،‬إن ِ‬ ‫كانت‬ ‫ويســأل‪-‬‬ ‫ى‬ ‫ليتحر‬ ‫ّأيــام‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نتصرف بحسب‬ ‫اإلجراء‪،‬‬ ‫هذا‬ ‫إنهاء‬ ‫وبعد‬ ‫ال‪،‬‬ ‫أم‬ ‫منع‬ ‫ت‬ ‫س‬ ‫المسرحية‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫قلت له‪« :‬تماماً‪ ،‬هذا من حقِّك‪ ،‬بصفتك مدير المسرح»‪.‬‬ ‫الظروف‪ُ .‬‬ ‫تأســف لكوني لم أعد أعامله كصديق‪...‬إلخ‪.‬‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫قلت له‬ ‫َّ‬ ‫حين ُ‬ ‫حل آخر‪ .‬ســأراه‬ ‫مطروحة‬ ‫ــة‬ ‫القضي‬ ‫بيــد أن‬ ‫بحرّية‪ .‬ليس هناك ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حددنا الموعد لذلك‪ .‬هناك‪،‬‬ ‫يوم سبت «المجد» في «برشيلونة»‪َّ .‬‬ ‫طلبت منه شــيَئْين‪:‬‬ ‫مر ًة واحدة‪.‬‬ ‫ســنتغذّى معاً‪ ،‬وننهي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫القضية َّ‬ ‫األول‪ ،‬واألمان‪.‬‬ ‫تاريخ العرض ّ‬ ‫سأجعلكما على إلمام بمجريات األمور‪.‬‬ ‫عناق من ولدكما‪.‬‬ ‫هوامش المترجم‪:‬‬ ‫‪ُ - 1‬عملة صغيرة‪ ،‬كانت متداولة قبل األورو‪.‬‬ ‫‪ - 2‬ألفونســو الثامــن (‪ :)1155/1214‬ملــك قشــتالة‪ ،‬منــذ ســنة ‪ 1158‬حتــى‬ ‫ِّب بـ«النبيل»‪.‬‬ ‫وفاته‪ُ ،‬لق َ‬ ‫العنب‬ ‫إلى‬ ‫نسبة‬ ‫ة‪:‬‬ ‫سكي‬ ‫المسكي‪.‬‬ ‫‪ِ - 3‬م َّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ - 4‬شــاعر إســباني (‪ ،)1881/1947‬مــن أعمالــه‪« :‬قصائــد العمــل‪ ،‬وأزهــار‬ ‫الصقيع‪ ،‬بيت الربيع‪ ،‬رسائل جديدة إلى النساء»‪...‬‬ ‫‪ - 5‬القّديســة ريتا (‪ :)1381/1457‬قّديســة إيطالية‪ .‬البابا الون الثالث هو من‬ ‫أعلنها قّديسة‪.‬‬ ‫‪ - 6‬أدولفــو ســاالثار (مدريد ‪ /1890‬مدينة المكســيك ‪)1958‬باحث في تاريخ‬ ‫ومؤرخ‪ ،‬وصحافي‪ ،‬ومؤلِّف موسيقي أسباني‪.‬‬ ‫الموسيقى‪ ،‬ناقد‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫‪ - 7‬روبيرت جيرهارد (‪ :)1896/1970‬موســيقي إســباني‪ ،‬من أب سويسري‬ ‫وأم فرنسية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ - 8‬فرانثيسكو فياسبيسا (‪ :)1977/1936‬شاعر ومسرحي وروائي إسباني‬ ‫ٍ‬ ‫الحب والمــوت»‪،‬‬ ‫و«أيــاد فارغــة»‪ ،‬و«آخر عبد‬ ‫حداثــي‪ ،‬مــن أعمالــه‪« :‬كتــاب ّ‬ ‫الرحمن» (رواية)‪.‬‬ ‫‪ - 9‬خــوان رامــون خيمينيث (‪ :)1881/1958‬شــاعر إســباني غزيــر اإلنتاج‪،‬‬ ‫أهم أعماله «أنا وحماري‪-‬‬ ‫حصل على جائزة نوبل في األدب‪ ،‬سنة ‪ ،1956‬من ّ‬ ‫‪»Platero y Yo‬‬ ‫أهم فنّاني القرن‬ ‫رسام إسباني‪ُ ،‬ي َعّد من ّ‬ ‫‪ - 10‬سالفادور دالي (‪ّ :)1904/1989‬‬ ‫العشرين‪ ،‬وهو أحد أعمدة المدرسة السوريالية‪.‬‬ ‫اإلســكافية‪:‬‬ ‫‪- 11‬‬ ‫مــرة‪ -‬في مدريد‪،‬‬ ‫مســرحية لغارســيا لوركا‪ُ ،‬عرضت‪َّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ألول ّ‬ ‫سنة ‪.1930‬‬ ‫المقدس‪ :‬مناسبة يحتفل بها‬ ‫المسيحيون؛ تخليدًا للمسيح‪ ،‬عليه‬ ‫‪ - 12‬األسبوع َّ‬ ‫ّ‬ ‫السام‪.‬‬


‫ﻧﺼﻮص‬

‫املُ ِ‬ ‫رسف‬ ‫أﺣﻤﺪ اﳌﺮزوﻗﻲ )اﳌﻐﺮب(‬

‫األعمال الفنية‪ :‬ضياء العزاوي‪-‬العراق‬

‫ذهــب‪ ،‬ذات صبــاح‪ ،‬لزيــارة أختــه الســاكنة صحبــة زوجها‬ ‫وأبنائهمــا فــي أحد األحيــاء الفقيرة‪ ،‬في البيضــاء‪ ،‬وكان في‬ ‫نيته أن يصحبها معه لعيادة والدهما المريض‪.‬‬ ‫المكون من غرفتين صغيرتين‪ ،‬وجد‬ ‫وحين دخل بيتها الصغير ّ‬ ‫همت‬ ‫أبناءها األربعة مستغرقين في مراجعة دروسهم‪ .‬وما إن َّ‬ ‫بلبس جلبابها‪ ،‬حتى انبرى األطفال يســألونها‪ ،‬قبل مغادرتها‬ ‫أعدتها لهم‪.‬‬ ‫البيت‪ ،‬عن وجبة الغداء التي َّ‬ ‫ثاجة صغيــرة‪ ،‬عاها‬ ‫فقالــت‪ ،‬ببســاطة‪ ،‬وهــي تشــير إلــى ّ‬ ‫الصدأ‪:‬‬ ‫هنالك نصف «بسطيلة»‪ ،‬مع قطع كاملة من الشواء‪ ،‬وقضبان‬ ‫ســخنوه‪،‬‬ ‫عديــدة مــن «الكبــاب»‪ .‬خــذوا منهــا مــا يكفيكم‪ ،‬ثم ّ‬ ‫(فضل) شيء فذروه إلى المساء‪.‬‬ ‫وكلوه‪ ،‬وإذا ّ‬ ‫ســمعه‪،‬‬ ‫لما‬ ‫اســتغرب األخ‬ ‫وظــن أن أخته تمــازح أبناءها؛ إذ‬ ‫ّ‬ ‫وزوجها‬ ‫والكباب‪،‬‬ ‫والشــواء‬ ‫«البســطيلة»‬ ‫من أين تأتيها‬ ‫مجرد‬ ‫َّ‬ ‫ثري‬ ‫بســتاني يعمــل‪ ،‬مــن الصباح إلــى المســاء‪ ،‬في حديقــة ّ‬ ‫مجرد أوباش وحشرات؟‬ ‫متعجرف‪ ،‬يعتبر ّ‬ ‫كل َم ْن دونه َّ‬ ‫الرجل‬ ‫تعاظم اســتغراب‬ ‫يردون عليها بلهجة‬ ‫لما سمع األطفال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ممتعضة‪ ،‬كمن يعاف طعام ًا أدمن على أكله زمن ًا طوياً‪:‬‬ ‫أماه‪ ..‬لقد مللناه حتى القرف‪ ،‬نريد‬ ‫حســبنا من هذا الطعام يا ّ‬ ‫«بيصارة» و«منقوبا» وفاصوليا وعدس‪..‬‬ ‫تحس أمــام أخيهــا بنوع من‬ ‫قالــت ِّ‬ ‫تهــدئ مــن روعهم‪ ،‬وهــي ّ‬ ‫اإلحراج‪:‬‬ ‫ة‬ ‫جبلي‬ ‫«بيصارة»‬ ‫اهلل‪-‬‬ ‫بحول‬ ‫الغد‪-‬‬ ‫في‬ ‫لكم‪،‬‬ ‫ســأحضر‬ ‫شــهية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يعــوم فوقها زيت الزيتون‪ ،‬ويتخلّلهــا كامون وفلفل وليمون‪،‬‬ ‫أما اآلن‪ ،‬فاتركوني ألني على عجلة من أمري‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لم‬ ‫الطريق‪،‬‬ ‫في‬ ‫يفوت المعلِّم الفرصة‪ ،‬فسأل أخته يستفسرها‬ ‫ِّ‬ ‫عن هذا الذي سمع!‪.‬‬ ‫فقالت‪ ،‬وهي تبتسم‪:‬‬ ‫المســألة‪ -‬يــا أخي‪ -‬فــي غاية البســاطة‪ :‬زوجي‪ -‬كمــا تعلم‪-‬‬ ‫يشــتغل بســتاني ًا مع شــرذمة مــن الخدم في قصر أحــد أثرياء‬ ‫المدينــة‪ ،‬وهنالــك ســائقان‬ ‫وطباخات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫رســميان وخادمــات ّ‬ ‫مهمته في إطعام الكاب وغســلهم وتعطيرهم‬ ‫ورجــل تنحصر ّ‬ ‫كل مساء‪ ،‬بتجويلهم‪.‬‬ ‫مع القيام‪ّ ،‬‬ ‫وال يمضــي يــوم أو يومان دون أن يســتقبل‬ ‫الثري‪ ،‬في بيته‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كثيــرًا مــن رجــال األعمــال والنافذيــن في هــذا البلــد‪ :‬وزراء‪،‬‬ ‫وضباط ًا سامين‪ ،‬وأجانب ميسورين‪.‬‬ ‫وكبراء‪،‬‬ ‫ّ‬

‫ــم الهائل من الضيوف الذيــن يتقاطرون عليه‪،‬‬ ‫ونظــرًا لهذا َ‬ ‫الك ّ‬ ‫ممون‬ ‫بكيفيــة تــكاد تكــون يوميــة‪ ،‬ارتأى أن يبــرم عقدًا مــع ِّ‬ ‫بكل ما يرغب فيه من أفخر األغذية‬ ‫للحفات‪ ،‬يقضــي بتزويده ّ‬ ‫وألّذ المشروبات‪.‬‬ ‫وكمــا ال يخفــى عنــك‪ ،‬فإن هذا النــوع من الضيــوف مصابون‬ ‫عــرض عليه ّإال لمالماً‪ ،‬فتبقى‬ ‫جلّهــم بالتخمة‪ ،‬إذ ال يأكل ّ‬ ‫مما ُي َ‬ ‫الثري كان‬ ‫الخيــرات علــى الموائــد كما هي‪ ،‬تقريبــاً‪ .‬وبمــا أن‬ ‫ّ‬ ‫مما يأكل هــو؛ إيمان ًا منه بأن‬ ‫ــر َم على خّدامــه أن يأكلوا ّ‬ ‫قــد َح َّ‬ ‫يتجبر‬ ‫أن‬ ‫خشــية‬ ‫ده‪،‬‬ ‫ســي‬ ‫مائدة‬ ‫من‬ ‫يأكل‬ ‫أن‬ ‫ينبغي‬ ‫ال‬ ‫الخــادم‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫أو يطغــى‪ ،‬فقــد كان يأمرهم أن يلفّوا مــا فضل من الطعام في‬ ‫الــورق المعدنّي‪ ،‬ويرموا به فــي حاوية كبيرة للقمامة‪ ،‬توجد‬ ‫على بعد مئات األمتار من قصره‪.‬‬ ‫غيــر أن الخــدم لــم يكونــوا ليستســيغوا هــذا العمــل األخــرق‬ ‫الموســوم بكثير من االحتقار واالستصغار‪ ،‬إذ كانوا يشعرون‬ ‫يحس به الظمآن أمام‬ ‫بنوع من الضيم والهوان‪،‬‬ ‫ويحسون بما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ماء يجري أمامه رقراق ًا سلسبياً‪.‬‬ ‫دكان‬ ‫تظاهروا بتطبيق األوامر‪ ،‬بيد أنهم تواطؤوا مع صاحب ّ‬ ‫واتفقوا على إخباره‪ ،‬ســَلفاً‪ ،‬عبر‬ ‫كان يجاور حاوية القمامة‪َّ ،‬‬ ‫الهاتف‪ ،‬كلّما كانت تنزل «بضاعة» جديدة‪.‬‬ ‫بالمهمــة األخيــرة‪ ،‬المتمثّلة في‬ ‫فــكان صاحب الــدكان يتكفّــل‬ ‫ّ‬ ‫اســترجاع الطعام وتقسيمه إلى حصص متساوية‪ ،‬في انتظار‬ ‫الســر وراء‬ ‫كل خــادم ألخــذ نصيبه‪ .‬هذا‪ -‬يا أخي‪ -‬هو‬ ‫يمــر ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن ّ‬ ‫وتشــوقهم للقطاني‪،‬‬ ‫زهــد األطفال في ألّذ األطعمة وأشــهاها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وما جاورها‪.‬‬ ‫‪105‬‬


‫حبات الكرز الكبرية‬ ‫ّ‬ ‫د‪ .‬أﺣﻤﺪ زﻳﺎد ﻣﺤَ ﺒﱢﻚ اﺑﻦ ﻣﺼﻄﻔﻰ )ﺳﻮرﻳﺔ(‬ ‫ُأْم ِس ُك يد ابني جال‪ ،‬أمسكها بلطف‪ ،‬ولكنه يقول لي‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬أوجعت أصابعي‪.‬‬ ‫وأدرك أننــي‪-‬‬ ‫حقيقــة‪ -‬كنت أشــّد على أصابعــه‪ ،‬من حيث ال‬ ‫ً‬ ‫أدري‪.‬‬ ‫أمضــي به في الشــارع الصاعــد‪ ،‬وأنا أكاد أنزلق‪ .‬الماء‬ ‫يســح‬ ‫ّ‬ ‫على عرض الشــارع‪ ،‬وأنا أســير في وســطه‪ ،‬بين السيارات‪،‬‬ ‫صاعدًا على طوله‪ ،‬ال أعرف لماذا أسرع‪ ،‬كأني أريد الوصول‪،‬‬ ‫قمتــه‪ ،‬حيــث تتناثر هنــاك‪ ،‬في‬ ‫فــوراً‪ ،‬إلــى نهايتــه‪ ،‬ألبلــغ ّ‬ ‫المحات‬ ‫الخ َضر والفواكه‪ ،‬وبعض‬ ‫ّ‬ ‫األعلى‪ ،‬البسطات وعربات ُ‬ ‫الشعبية البسيطة‪.‬‬ ‫جال يقول لي‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬هذا هو الكرز‪ ،‬هناك‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫محــل ذي واجهة زجاجية‪ ،‬علــى يميني‪،‬‬ ‫ويشــير إلى‬ ‫تصطف‬ ‫ّ‬ ‫مدرجــات خشــبية‪ ،‬تنهض فوقها أهرامــات صغيرة من‬ ‫أمامــه ّ‬ ‫التفّاح األحمــر‪ ،‬واألصفر‪ ،‬والبرتقال الذهبــي‪ ،‬والكرز األحمر‬ ‫بحباته الكبيرة‪.‬‬ ‫القاني‪ّ ،‬‬ ‫واألجير أمام‬ ‫يرش أرض الشارع‪،‬‬ ‫المحل‪ ،‬يمســك بالخرطوم‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويتصاعد الصهد‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫أشّد (جال) من يده‪ ،‬وأقول له‪:‬‬ ‫أول السوق غلط‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬فوق‪ ،‬بائع أعرفه‪ ،‬والشراء من َّ‬ ‫ويرد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫هــذا الكرز شــاهدناه فــي التليفزيــون‪ ،‬المذيع قال إنــه مفيد‪،‬‬ ‫واألحمر الغامق مفيد أكثر‪.‬‬ ‫***‬ ‫الفضائية‬ ‫القنــوات‬ ‫قبل ســاعة‪ ،‬كانت إحدى‬ ‫تتحدث عن فوائد‬ ‫َّ‬ ‫حبات الكرز في‬ ‫الكــرز‪ ،‬وولــدي جال ُج َّن جنونه لدى رؤيتــه ّ‬ ‫التليفزيون‪.‬‬ ‫ويسألني‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬نزل الكرز إلى السوق؟‬ ‫وتعلِّق األم‪:‬‬ ‫المحات‬ ‫أنــا كنت في الباص‪ ،‬ورأيته في الســوق العالي‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫والحبة كأنها بحجم الجوزة‪.‬‬ ‫طرفي السوق‪،‬‬ ‫الكبيرة‪ ،‬على َ‬ ‫ّ‬ ‫زجاج‬ ‫مثــل‬ ‫بها‬ ‫أحس‬ ‫حنجرتــي‬ ‫أبلــع ريقــي‪،‬‬ ‫يتكســر‪ ،‬ألتفت‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫إليها‪ ،‬أغمز بعيني‪.‬‬ ‫علي للذهاب إلى السوق فوراً‪ ،‬بل يلّح على ذهابه‬ ‫وجال ّ‬ ‫يلح َّ‬ ‫معــي‪ ،‬فقــد َع َّودته على أخــذه معي إلى الســوق‪ ،‬وأنا أحاول‬


‫إقناعه باالنتظار‪ ،‬حتى تميل الشمس إلى المغيب‪ .‬أقول له‪:‬‬ ‫ياولــدي‪ ،‬اآلن الســاعة الرابعــة‪ ،‬ولــم يــؤذَّن‪ ،‬بعــد‪ ،‬للعصر‪.‬‬ ‫الحّر‪.‬‬ ‫شمس آخر ّ‬ ‫تموز حارقة‪ ،‬أخاف عليك من َ‬ ‫أجره مــن يده إلى‬ ‫أجدنــي‬ ‫جال‪،‬‬ ‫إلحــاح‬ ‫أمام‬ ‫ســاعة‪،‬‬ ‫وبعــد‬ ‫ّ‬ ‫السوق العالي‪ ،‬والشــمس ترمي نارها على الرؤوس‪ ،‬وكأنها‬ ‫قد ازدادت اشتعاالً‪.‬‬ ‫***‬ ‫ألمح أمام الكرز الذي أشار إليه ابني‪ ،‬رقم‪.400 :‬‬ ‫مر ًة ثانية‪ ،‬يقول لي جال‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫بابا‪ ،‬أوجعت أصابعي‪.‬‬ ‫الخطا‪،‬‬ ‫حــراً‪ ،‬وأنأ أغّذ ُ‬ ‫وأترك يده‪ ،‬أتركه يمشــي إلى جواري ّ‬ ‫أحــس بأني أنحني إلى األمام وأنا أصعد في الشــارع‪ ،‬والماء‬ ‫ّ‬ ‫يسح على عرضه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أقول لولدي‪:‬‬ ‫المحات هنا كما ترى‪ ،‬دائم ًا‬ ‫انتبه‪ ،‬ال تنزلق‪ ،‬وتقع‪ ،‬أصحاب‬ ‫ّ‬ ‫يرشون الشارع أمامهم بالماء‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويسأل جال‪:‬‬ ‫مرَتْين!‬ ‫لكن‪ ،‬المياه في ِّ‬ ‫مر ًة أو َّ‬ ‫حينا قليلة‪ ،‬وتأتي في األسبوع ّ‬ ‫خاصة‪.‬‬ ‫آبار‬ ‫ هنا‪ ،‬عندهم‬‫ّ‬ ‫جال يمسك بيدي‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬تعال لنمشــي على الرصيف‪ ،‬في المدرســة‪ ،‬قال المعلم‪:‬‬ ‫يجب السير على الرصيف األيمن‪.‬‬ ‫***‬ ‫أسير في منتصف الشارع‪ ،‬أو على طرف منه‪ ،‬على الرغم من‬ ‫مرور‬ ‫الســيارت إلى جــواري‪ ،‬أحاول أال نســير على الرصيف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أمام‬ ‫الخضــر والفواكه‪ ،‬على‬ ‫تصطف‬ ‫حيث‬ ‫الفخمة‪،‬‬ ‫ت‬ ‫المحــا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مدرجات خشــبية‪ ،‬في أشــكال هندسية جميلة‪ ،‬المعة متألِّقة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فأنا أخشــى أن أشتهيها‪ ،‬أو يشتهيها ولدي جال‪ .‬حقيقة‪ ،‬كما‬ ‫مر ًة‪ ،‬أحد أصدقائي‪« :‬تشــتهي أخذ صورة تذكارية أمام‬ ‫قــال‪ّ ،‬‬ ‫ال‬ ‫«واهلل‪،‬‬ ‫أضــاف‪:‬‬ ‫ثــم‬ ‫محــل»‪،‬‬ ‫كل‬ ‫أصــدق وجود من يشــتري‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫تلــك الفواكــه بمثل هــذه األســعار‪ ،‬أظنّهــا للفرجــة ال للبيع‪،‬‬ ‫كأننــا في متحــف أو معــرض‪ ،‬وممنوع اللمــس»‪ ،‬لكنني أرى‬ ‫كل واحد منهم عنده‬ ‫النــاس يشــترون‪ ،‬كأننا في عيــد‪ ،‬أو كأن ّ‬ ‫خاصة‪ ،‬أو عنده مثل ولدي جال‪ .‬آه‪ ،‬لو كنت مثلهم‪،‬‬ ‫مناسبة ّ‬ ‫كل ما يشتهيه‪ ،‬بل الشــتريت لنفسي أنا‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫الشــتريت له ّ‬ ‫كل ما أشتهيه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫أحس بالطريق إلى نهاية الشــارع الصاعــد‪ ،‬طويلة‪ .‬ال أعرف‬ ‫ّ‬ ‫ســيارات صاعــدة‪ ،‬وأخرى‬ ‫متــى ســأبلغها‪ ،‬الزحــام شــديد‪ّ ،‬‬ ‫هابطــة‪ ،‬على الطرفيــن‪ ،‬وأخرى تقف أمام‬ ‫المحــات دقائق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ا حتــى ينطلق بهــا أصحابهــا‪ ،‬وقد اشــتروا‬ ‫ومــا تلبــث قليــ ً‬ ‫حاجاتهــم‪ .‬ال أعــرف لماذا يأتون إلى هذا الســوق لشــراء كيلو‬ ‫ســيارة ومعي عملة‪،‬‬ ‫تفــاح أو كيلــو خيار! أنا‪ ،‬لو كان عندي ّ‬ ‫كل شيء‬ ‫كنت ذهبت إلى سوق الهال واشتريت صندوق تفّاح‪ّ .‬‬ ‫هناك (بالجملة) أرخص‪.‬‬

‫عند أعلى الســوق‪ ،‬تتناثر عربات وبســطات‪ .‬يشير ولدي إلى‬ ‫حباته كبيرة‪ ،‬ويصيح‪:‬‬ ‫عربة‪ ،‬عليها كرز أحمر ٍ‬ ‫قان‪ّ ،‬‬ ‫بابا‪ ،‬هذا هو الكرز‪.‬‬ ‫مكوم على العربة‪ ،‬في شــكل هضبــة‪ ،‬تعلوها وريقة‪،‬‬ ‫الكــرز ِّ‬ ‫ُر ِسم فوقها بحبر أسود‪300 :‬‬ ‫أشّد ولدي من يده‪ ،‬أضغط عليها‪ ،‬أقول‪:‬‬ ‫هناك‪ ،‬في الطرف اآلخر‪ ،‬بائع‪.‬‬ ‫ونسير بين عربات كثيرة متزاحمة‪.‬‬ ‫كرز كثير‪ ،‬وعربات كثيرة‪ ،‬ليس هناك ماهو دون ‪.300‬‬ ‫***‬ ‫قبــل خروجــي‪ ،‬فتحــت حافظة نقــودي‪ ،‬ناولــت زوجتي ألف‬ ‫ليرة‪ ،‬وقلت لها‪:‬‬ ‫أبقيهــا معك‪ ،‬ما بقي معي غير ألف وخمســمئة ليرة‪ ،‬وأمامنا‬ ‫تأخر المعتمد‪،‬‬ ‫أســبوع كامل حتى أقبض راتبي‪ ،‬وأخاف مــن ُّ‬ ‫في تقبيض الراتب‪ ،‬يومين أو ثاثة‪.‬‬ ‫وعند الباب‪ ،‬تقول لي‪:‬‬ ‫تنس شراء كيلوين من الباذنجان لنقليه‪ ،‬غداً‪ ،‬بالزيت‪.‬‬ ‫ال َ‬ ‫وأرد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫وهــل بقــي عندنا زيت؟ ســنمضي بقية األســبوع مــع العدس‬ ‫بالحامض والخبز اليابس‪.‬‬ ‫***‬ ‫وألمح‪ ،‬من بعيد‪ ،‬عربة‪ ،‬فوقها كومة صغيرة من الكرز المائل‬ ‫حبات الكرز ناعمة‪ ،‬لونها باهت‪،‬‬ ‫إلى األصفر‪ ،‬وأســرع إليها‪ّ .‬‬ ‫الكمّية قليلة‪ ،‬ليست‬ ‫صفراء‪،‬‬ ‫كأنها‬ ‫ليس باألحمر وال الوردي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تلّة وال هضبة‪.‬‬ ‫أمر بين أكوام من القمامة‪ ،‬وأقول لولدي‪:‬‬ ‫وأنا‬ ‫أسرع إليها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫انتبه‪ ،‬ال تضع قدمك هنا‪ .‬انتبه‪ ،‬حتى ال تنزلق‪.‬‬ ‫يســد أنفه مــن الروائح المنبعثة من بين‬ ‫وأالحظ (جال) وهو ّ‬ ‫العربات‪.‬‬ ‫وأسأل البائع عن السعر‪ ،‬فيجيب‪:‬‬ ‫للدروايش‪ ،‬نصف الكيلو بمئة ليرة‪.‬‬ ‫يشدني من يدي‪ ،‬وهو يغمغم‪:‬‬ ‫جال ِّ‬ ‫طيب‪ ،‬وليس هو الذي حكى عنه المذيع‬ ‫ما‬ ‫الكرز‬ ‫هذا‬ ‫أل‪ ،‬بابا‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫في التليفزيون‪.‬‬ ‫جال في السادســة من عمره‪ .‬العام الماضي‪ ،‬اشــتريت له من‬ ‫هــذا النــوع‪ ،‬أو أفضل‪ ،‬كان ســعر الكيلــو مئة ليــرة‪ ،‬لكنه ما‬ ‫حبات‪ ،‬ثم تركه‪.‬‬ ‫أح َّبه‪ ،‬أكل بضع ّ‬ ‫َ‬ ‫تصب نارها‪ ،‬أضع‬ ‫رأسي‬ ‫فوق‬ ‫الشــمس‬ ‫العربات‪،‬‬ ‫أتجول بين‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أرد عنه الشمس‪.‬‬ ‫يدي على رأس ولدي جال‪ّ ،‬‬ ‫مر ًة أخرى‪ ،‬وهو يغمغم‪:‬‬ ‫جال يشّدني من يدي‪ّ ،‬‬ ‫محل‪ ،‬في بداية السوق‪.‬‬ ‫أول ّ‬ ‫بابا‪ ،‬تعال نرجع إلى َّ‬ ‫أعلِّق‪:‬‬ ‫حبات الكــرز الكبيــرة‪ ،‬أكبر‬ ‫كرمــى لعيونك‪ ،‬سأشــتري لــك ّ‬ ‫حبات كرز في السوق‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪107‬‬


‫***‬ ‫مضطــراً‪ ،‬لعلّي‬ ‫الرصيف‬ ‫على‬ ‫وأهبــط به في الشــارع‪ ،‬أســير‬ ‫ّ‬ ‫محل‪ ،‬يكون الكرز فيه بســعر مقبول‪ .‬ليس هناك ما‬ ‫أعثر على ّ‬ ‫محل‪ ،‬أقول للبائع‪:‬‬ ‫هو دون ‪ 400‬ليرة‪ .‬أقف أمام ّ‬ ‫ضع لي‪ ،‬من هذا الكرز‪ ،‬ربع كيلو‪.‬‬ ‫البائع يضحك‪ ،‬يقهقه‪ ،‬يفتح شدقه العريض‪ ،‬يحشرج بصوت‬ ‫أجش‪ ،‬وهو يسأل ساخراً‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ربــع كيلو؟ ربع كيلو‪ ،‬يا رجل؟ طولك وعرضك تشــتري ربع‬ ‫كيلو؟ تريد شراء ربع كيلو! هكذا‪ ،‬ببساطة‪ ،‬أحمل لك الكيس‪،‬‬ ‫وأملؤه‪ ،‬وأضعه في الميزان ألبيعك ربع كيلو‪ ،‬بمئة ليرة؟‬ ‫أحــس‬ ‫الــدم يقفــز إلــى وجهــي‪،‬‬ ‫بأذنــي االثنتين قــد أصبحتا‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫حمراوين‪ ،‬شيء ِ‬ ‫يخزني في الصدر‪ ،‬عند الطرف األيسر‪ ،‬قلبي‬ ‫يدق‪ ،‬أعلِّق‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫عائلتي صغيرة‪ ،‬وما عندي غير هذا الولد‪.‬‬ ‫ويضحك البائع‪ ،‬وصوته يجلجل‪:‬‬ ‫عمرك رايح إلى الخمسين‪ ،‬وما عندك غيره؟‬ ‫وأرد بصوت خافت‪ ،‬وأنا أتلعثم‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫متأخر‪.‬‬ ‫وقت‬ ‫في‬ ‫جت‬ ‫وتزو‬ ‫الموظف دائم ًا قاسية‪،‬‬ ‫ظروف‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫البائع يمضي في تعليقه‪:‬‬ ‫عمــي‪ ،‬اهلل يرضى‬ ‫ومــا عندك غيره‪ ،‬وتشــتري لــه ربع كيلو؟ ِّ‬ ‫عليــك‪ ،‬اطلــع لفــوق‪ ،‬هنــاك عربــات فــي آخر الســوق‪ ،‬في‬ ‫األعالي‪ ..‬ما شاء اهلل‪ ،‬عندها كيلو الكرز بمئة ليرة‪ .‬أنا ال أبيع‬ ‫ربع كيلو‪.‬‬ ‫األجش العريض‪:‬‬ ‫ثم يلتفت إلى الداخل‪ ،‬وينادي بصوته‬ ‫ّ‬ ‫ورش المــاء أمام‬ ‫تعــال ياولد‪ ،‬هات الخرطوم‪ّ ،‬‬ ‫المحل‪ .‬تعال‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫اغسل الرصيف‪.‬‬ ‫أتركه‪ ،‬وأهبط عن الرصيف‪ .‬جال يسأل‪:‬‬ ‫بابــا‪ ،‬هذا البائع عصبــي‪ ،‬ال يريد البيع‪ ،‬يريد عرض البضاعة‬ ‫للفرجة‪ ،‬ولماذا يتكلَّم على عمرك‪ ،‬أنا بدأت أكره السوق‪.‬‬ ‫أقطع الشــارع‪ ،‬عبر الســيارات‪ ،‬إلى الرصيف اآلخر‪ .‬ال أعرف‬ ‫أقل‪ .‬الماء ينداح على‬ ‫لماذا قطعته! األسعار‪ ،‬هناك‪ ،‬لن تكون ّ‬ ‫الشارع‪ ،‬ويغمر طرفيه‪ ،‬ولدي يعلِّق‪:‬‬ ‫كل هذه المياه؟‬ ‫واهلل هذا إسراف‪ ،‬لماذا ّ‬ ‫أرد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫الجو‪ ،‬ومن أجل الخضر والفواكه‪ ،‬حتى ال ّ‬ ‫تجف‪.‬‬ ‫هذا لترطيب ّ‬ ‫أتجه‪ ،‬فوراً‪ ،‬إلى البائع‪ ،‬أقول له‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫ضع لي نصف كيلو‪.‬‬ ‫البائع يغمغم‪:‬‬ ‫حســبي اهلل‪ ،‬ونعم الوكيــل! زبائن البســطات والعربات بدأت‬ ‫تنــزل مــن فوق‪ .‬أخي‪ ،‬تكــرم‪ .‬واهلل لن تخجل‪ ،‬ســأبيعك ولو‬ ‫مئة غرام‪ ..‬ما كرمى لك‪ ،‬ولكن كرمى لهذا الولد‪ .‬أنا أعرف‪ ،‬أنا‬ ‫شــاهدتك قبل قليل‪ ،‬أنت طلعت إلى فوق ونزلت‪ ،‬أنا أعرف‪..‬‬ ‫الولد اشتهى الكرز‪ ،‬وما أعجبه الكرز فوق‪.‬‬ ‫كرزتْين‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬ ‫ويمّد يده‪ ،‬يناول ولدي عودًا يحمل‬ ‫َ‬ ‫عمي‪ ،‬خذ‪.‬‬ ‫خذ ّ‬ ‫‪108‬‬

‫جال يقول‪:‬‬ ‫ياعمي‪ ،‬ال أستطيع أكلها‪ ،‬تحتاج إلى غسل‪.‬‬ ‫شكرًا ّ‬ ‫المحّل‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬ ‫داخل‬ ‫في‬ ‫غام‬ ‫إلى‬ ‫ويلتفت‬ ‫يضحك‪،‬‬ ‫البائع‬ ‫َ‬ ‫ورش األرض قبل ما تنشــف‪ ،‬واغســل‬ ‫يا ولد‪ ،‬هات الخرطوم ّ‬ ‫هذه الكرزات‪.‬‬ ‫جال يعلِّق‪:‬‬ ‫عمي‪ ،‬سأغسلها في البيت‪.‬‬ ‫شكرًا يا ّ‬ ‫تفرج عليها‪ .‬وفي البيت اغسلها‬ ‫للزينة‪،‬‬ ‫معك‬ ‫احملها‬ ‫كما تريد‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫كما تشاء‪ ،‬وكلها‪.‬‬ ‫ونهبــط‪ ،‬أنــا أحمــل الكيس‪ ،‬وفيــه نصف الكيلــو‪ ،‬الكيس من‬ ‫النايلون الشفّاف‪ ،‬وولدي يحمل العود‪ ،‬تتدلّى منه كرزتان‪.‬‬ ‫صوت من جانبي ينادي‪:‬‬ ‫أبو جال‪ ،‬أبو جال‪.‬‬ ‫الســيارة‪ ،‬في‬ ‫وألتفت‪ ،‬وإذا غادة‪ ،‬زوجة شــقيق زوجتي في‬ ‫ّ‬ ‫أحييها‪ ،‬وأجير‬ ‫إلي بيدهــا‪ .‬أقف‪ِّ ،‬‬ ‫مقعدها وراء المقود‪ ،‬تشــير َّ‬ ‫األمامــي بالماء‪ ،‬والمســاحات‬ ‫ســيارتها‬ ‫المحــل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يــرش زجــاج ّ‬ ‫ّ‬ ‫تتحرك‪ ،‬برتابة‪ ،‬فوق الزجاج‪ ،‬وتسأل‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫ماذا اشــتريت؟ أســعار هذا الســوق غالية‪ ،‬ال تناســب راتبك‪.‬‬ ‫حرام‪ ،‬اطلع إلى فوق‪.‬‬ ‫مصوبتيــن إلــى الكيــس الباســتيكي األبيــض‬ ‫أرى عينيهــا‬ ‫َّ‬ ‫الشفّاف‪ ،‬وفيه نصف كيلو كرز‪.‬‬ ‫أحس بهما‬ ‫أهــز رأســي‪ ،‬الدم ينفر مــن وجهي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تحمر أذنــاي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫أحس بوخــزة في الجانب األيســر من‬ ‫مــر ًة أخرى ّ‬ ‫تشــتعان‪ّ ،‬‬ ‫صدري‪ ،‬أغمغم‪:‬‬ ‫أعرف‪.‬‬ ‫وتلتفت إلى جال‪ ،‬تسأل‪:‬‬ ‫كيفك‪ ،‬حبيبي جال؟‬ ‫ثم تنادي‪:‬‬ ‫الحار‪.‬‬ ‫الجو‬ ‫ل‬ ‫أتحم‬ ‫عدت‬ ‫ما‬ ‫ياجون‪،‬‬ ‫بسرعة‪،‬‬ ‫جون‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫صبيــة قاتمــة الســمرة‪ ،‬تحمل بضعــة أكياس‪،‬‬ ‫منهــا‬ ‫م‬ ‫وتتقــد‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تسألها‪:‬‬ ‫كم دفعت؟‬ ‫ترد جون‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ألفين وخمسمئة‪.‬‬ ‫تعلِّق‪:‬‬ ‫هات األكياس‪ ..‬ضعيها معك على المقعد‪.‬‬ ‫وتدخل جون في السيارة‪.‬‬ ‫غادة تضيف‪:‬‬ ‫تفضل ألوصلك إلى البيت‪.‬‬ ‫أبو جال‪َّ ،‬‬ ‫أرد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫شكرا‪ ،‬البيت قريب‪.‬‬ ‫وترجع بسيارتها إلى الوراء قلياً‪ ،‬تمّد يدها من النافذة‪ ،‬تضع‬ ‫المحل ورقة نقدية‪ ،‬أظنّها من فئة الخمسين ليرة‪،‬‬ ‫في يد أجير‬ ‫ّ‬ ‫وهي تقول لي‪:‬‬ ‫أم جال‪ ،‬وقل لها‪ :‬أخوك يسلِّم عليك‪ ،‬وقل لها‪:‬‬ ‫سلِّم لي على ّ‬


‫إذا احتاجت إلى شيء تّتصل‪...‬‬ ‫وتمضي‪.‬‬ ‫يسألني جال‪:‬‬ ‫أمها‪ ،‬وال خالي‪.‬‬ ‫متورمة‪ ،‬وال تشبه ّ‬ ‫بابا‪ ،‬بنتها عيونها ّ‬ ‫أضحك‪ ،‬وأعلِّق‪:‬‬ ‫حبيبي‪ ،‬هذه خّدامة من الفيليبين‪ ،‬ما هي ابنتها‪.‬‬ ‫ويرد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫لما زارنا خالي في العيد ما كانت معه‪.‬‬ ‫لكن ّ‬ ‫وأرد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫الخّدامــة ال تصحبهم فــي زياراتهم‪ ،‬الخّدامة تعمــل في البيت‪،‬‬ ‫وقد تصحبهم إلى الســوق لشــراء الحاجات‪ ،‬وإذا صحبتهم‪ ،‬ال‬ ‫تظل في السيارة‪.‬‬ ‫تنزل معهم‪ّ ،‬‬ ‫وأغمغم‪:‬‬ ‫وليتهم ما زارونا‪ ،‬ال في العيد‪ ،‬وال في غير العيد‪.‬‬ ‫جال يسألني‪:‬‬ ‫ولماذا تناديها جون؟ هل هذا اسمها؟ وما هذا االسم؟‬ ‫متعمداً‪ ،‬وأقول له‪:‬‬ ‫المرة‬ ‫ِّ‬ ‫أضغط على أصابعه بيدي‪ ،‬هذه ّ‬ ‫ال تســألني‪ ،‬هكــذا ينادي األغنياء خّدامهم‪ ،‬ما هو اســمها‪ ،‬هو‬ ‫بأي شــيء‪ :‬جان‪..‬‬ ‫مجــرد نداء‪ .‬فــي ّ‬ ‫كل لحظة‪ ،‬يمكن مناداتها ّ‬ ‫َّ‬ ‫جون‪ ..‬جين‪.‬‬ ‫يلتفت نحوي‪ ،‬ويسأل‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬يجوز هذا؟‪.‬‬ ‫***‬ ‫عنــد آخر الســوق‪ ،‬الذي أصبــح‪ ،‬اآلن‪ ،‬هابطــاً‪ ،‬ونحن ننزل‬ ‫فيــه‪ ،‬كان علينا قطع الشــارع إلى الطرف اآلخــر‪ .‬الماء ينداح‬ ‫من أعلى الشــارع كالنهر‪ .‬وعنــد نهايته‪ ،‬يمأل جانب الرصيف‪،‬‬

‫ويمشي في المسيل‪.‬‬ ‫أنزل‬ ‫بقدمي عن الرصيف ألقطع الشارع‪ ،‬أمّد رجلي إلى أمام‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫قليــاً‪ ،‬حتــى ال يغطــس حذائي في المــاء الجــاري عند طرف‬ ‫الرصيف‪ ،‬أجد كيس النايلون األبيض الشفّاف قد طار من يدي‪،‬‬ ‫وتناثرت الكرزات على الشارع الذي كنت سأعبره‪ ،‬والسيارت‬ ‫أخذت تدوســه‪ ،‬وأنا ملقى على قفاي‪ ،‬فوق الرصيف‪ ،‬وجال‬ ‫يصيح مذعوراً‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬بابا‪.‬‬ ‫شــبان يســرعون نحــوي‪ ،‬قبل وصولهــم أكون قد‬ ‫ثاثــة‬ ‫أرى‬ ‫ّ‬ ‫إلي‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬ ‫نهضت‪ ،‬يتقّدم مني أحدهم‪ ،‬يمّد يده َّ‬ ‫سامتك‪ ،‬سامتك‪.‬‬ ‫جال ما يزال يصيح مذعوراً‪:‬‬ ‫بابا‪ ،‬بابا‪.‬‬ ‫أقول له‪:‬‬ ‫حبيبي‪ ،‬األمر بسيط‪ ،‬زلَّت قدمي بسبب الماء‪.‬‬ ‫وأنظــر إلــى حيــث وضعــت قدمي‪ ،‬ال قشــرة موز‪ ،‬وال قشــرة‬ ‫برتقال! غريــب‪ ..‬كيف زلَّت قدمي؟ ال أعرف‪،‬‬ ‫اختل توازني من‬ ‫َّ‬ ‫كل حــال‪ .‬الحمــد هلل‪ ،‬أنا‪ ،‬وال‬ ‫حيــث ال أشــعر‪ ،‬الحمــد هلل على ّ‬ ‫جال‪.‬‬ ‫الشبان الثاثة يقول لي‪:‬‬ ‫أحد ّ‬ ‫عمي‪ ،‬ســيارتي هناك‪ ،‬على الرصيف المقابل‪ ،‬هل آخذك إلى‬ ‫المستشفى‬ ‫لتصور ظهرك‪ ،‬أو رأسك؟ أنا مستعّد‪ -‬ال سمح اهلل‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫لكل االحتماالت‪ .‬والدي هو صاحب المستشفى‪ ،‬وأنا طبيب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أنظــر إلــى بنطالي المبلِّل‪ ،‬وأبتســم‪ ،‬وإن كنــت‪ ،‬في داخلي‪،‬‬ ‫أضحك مدهوشاً‪ ،‬وأقول له‪:‬‬ ‫بأي ألم‪ ،‬وال ضرورة للمستشفى‪.‬‬ ‫أحس ّ‬ ‫شكراً‪ ،‬الحمد هلل‪ ،‬ال ّ‬ ‫الشاب يضيف‪:‬‬ ‫سأوصلك إلى البيت‪.‬‬ ‫ شكراً‪ ،‬شكراً‪ ،‬بارك اهلل فيك‪.‬‬‫جال ينظر إلى الكرز‪ ،‬والسيارات المسرعة تدوسه بعجاتها‪.‬‬ ‫أمسك يده بلطف‪ ،‬وبنطالي مبلَّل‪ ،‬وأنا أقول‪:‬‬ ‫ال تزعل‪ ،‬فداك‪ ،‬تعال سنرجع‪ ،‬بقي معي أربعمئة‪ ،‬سأشتري‬ ‫أول بائع في الســوق‪ .‬ليتنــا ماصعدنا إلى‬ ‫لــك كيلو كــرز من َّ‬ ‫فوق‪ ،‬وال نزلنا‪.‬‬ ‫جال يمسك يدي‪ ،‬يجذبني بشّدة‪ ،‬وهو يصيح‪ ،‬والدموع تمأل‬ ‫عينيه‪:‬‬ ‫أل‪ ،‬بابــا‪ ،‬أنــت ما بقــي معك غيــر ثاثمئة ليرة‪ ،‬نســيت؟ أنت‬ ‫ورد إليك‬ ‫اشــتريت نصف كيلو كرز‪ ،‬أعطيت للبائع خمسمئة‪ّ ،‬‬ ‫ثاثمئة‪ ،‬أنا انتبهت إليه‪.‬‬ ‫أمسح رأسه بيدي‪ ،‬وأقول‪:‬‬ ‫سأشــتري نصــف كيلــو بمئتيــن‪ ،‬ويبقــى معنــا مئــة‪ ،‬نرجع‬ ‫بسيارة األجرة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫جال يجذبني من يدي‪ ،‬يشّدني والدموع تمأل عينيه‪:‬‬ ‫أل‪ ،‬بابــا‪ ،‬أل‪ ،‬ســنرجع إلــى البيت‪ ،‬ســنرجع ماشــيين‪ ،‬مثلما‬ ‫جئنا‪ ،‬كرهت السوق‪ ،‬كرهت الكرز‪ ،‬ما عدت أريد الكرز‪.‬‬ ‫‪109‬‬


‫إﺻﺪارات‬

‫يف اإلسالم ال ّثقايف‪..‬‬ ‫عظماء العلم والفكر عىل خطوط النار‬ ‫ﻋﺎﻃﻒ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﺒﺪ اﳌﺠﻴﺪ‬ ‫مقدمة شــبه طويلــة‪ ،‬يفتتح األديب‬ ‫قبل ِّ‬ ‫حميــش‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫والمفكــر المغربــي د‪ .‬بنســالم ِّ‬ ‫كتابه «في اإلســام الثّقافي» الصادر في‬ ‫مايو‪/‬أيــار الماضي‪ ،‬عــن الدار المصرية‬ ‫أولهما‬ ‫اللبنانية في القاهرة‪ ،‬بمقتطفين‪َّ :‬‬ ‫مقدمتــه‪ ،‬وثانيهمــا‬ ‫البــن خلــدون مــن ِّ‬ ‫«الدجال»‪.‬‬ ‫كتابــه‬ ‫لفريدريك نيتشــه مــن‬ ‫ّ‬ ‫يقــول ابن خلدون‪ :‬إذا فســد اإلنســان في‬ ‫قدرتــه علــى أخاقــه ودينــه فقد فســدت‬ ‫إنســانيته‪ ،‬وصار مســخ ًا على الحقيقة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أمــا نيتشــه فيقــول‪ :‬إن المســيحية قــد‬ ‫حرمتنا من حصاد الثّقافة القديمة‪ ،‬وبعد‬ ‫ذلــك حرمتنا‪ -‬أيضاً‪ -‬من حصــاد الثّقافة‬ ‫اإلسامية‪.‬‬ ‫مقدمــة كتابــه‪ ،‬أن‬ ‫فــي‬ ‫يثبــت‪،‬‬ ‫حميــش‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫كل المجــاالت المعرفية‪،‬‬ ‫األبحــاث‪ ،‬فــي ّ‬ ‫بتجــدد المناهــج‬ ‫تسترســل وتنتعــش‬ ‫ُّ‬ ‫وتطورهــا‪ ،‬وينســحب‬ ‫والمقاربــات‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫هــذا الفعــل‪ ،‬حتى علــى ترجمــة األعمال‬ ‫اإلبداعية الكاسيكية الكبرى التي مضى‬ ‫علــى طبعهــا مئــات الســنين‪ ،‬كأعمــال‬ ‫هوميروس‪ ،‬و«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬وأعمال‬ ‫شكسبير‪ ،‬وفاسفة اليونان‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫رَدّ اعتبار‬ ‫حميش أن يعتني‪ ،‬بكثافة‪ ،‬بأكثر‬ ‫يحاول ِّ‬ ‫من اســم من أهل العلــم والفكر واإلبداع‪،‬‬ ‫بالتميز‬ ‫إليهم‪،‬ممن َّاتصفوا‬ ‫ويرد االعتبار‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫واالقتــدار‪ ،‬كما بالجرأة واإلقدام‪ ،‬وأغنوا‬ ‫بــكل روافده الخصيبة‪،‬‬ ‫اإلســام الثّقافي ّ‬ ‫أيما إسهام‪ -‬في تعزيز طاقاته‬ ‫وأسهموا‪ّ -‬‬ ‫وصحــة قوامه‬ ‫التكيفيــة‪ ،‬والتجديديــة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫وبنيانه‪ ،‬وتنمياتها ولم َي ْســلم هؤالء من‬ ‫ِّاتهامهــم بالزيغ والزندقــة‪ ،‬وهم أبو بكر‬ ‫بــن زكريــا الــرازي‪ ،‬صاحب موســوعة‬ ‫‪110‬‬

‫«الطــب‬ ‫الطــب»‪ ،‬وكتــاب‬ ‫«الحــاوي فــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الروحانــي»‪ ،‬والحســن (أبــو نــواس)‪،‬‬ ‫الخمريات‪ ،‬با منــــازع‪ ،‬في أرض‬ ‫شاعر‬ ‫ّ‬ ‫المعري‪ ،‬الشاعر‬ ‫اإلســــام‪ ،‬وأبو العاء‬ ‫ّ‬ ‫الحق بن سبعين‬ ‫والفيلسوف الفذّ‪ ،‬وعبد ّ‬ ‫صاحب «مذهب ابن ســبعين»‪ .‬ولو َّات َسع‬ ‫حميش‪ -‬ألضاف‬ ‫المجــال‪ -‬على َحّد قــول ِّ‬ ‫مثل‬ ‫إلى هؤالء أســماء أخرى‪،‬‬ ‫المعتزلي‬ ‫ّ‬ ‫النظــام‪ ،‬وابــن الراونــدي‪،‬‬ ‫والحــاج‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وعمر الخيام‪ ،‬والســهروردي‪ ،‬وجميعهم‬ ‫الحقتهــم ُتهــم الزندقة وفتــاوى التكفير‪.‬‬ ‫حميــش يــرى أن ما يجعل عظمــاء العلم‬ ‫ِّ‬ ‫والفكــر علــى خطــوط النار هــو وقوفهم‬ ‫رمز إليهم بالنطع‬ ‫والسياف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بين ُحّكام ُي َ‬ ‫ِ‬ ‫إليهم‬ ‫أولئك‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ي‬ ‫فقهاء‬ ‫وبين فلــول‬ ‫مهمة‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫تبسيط الدين وتحجيم المذاهب‪ ،‬وأخرى‬ ‫تقضــي بتســكين‬ ‫الرعيــة‪ ،‬وتبليدهــم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لــو‬ ‫حتى‬ ‫الراعــي‪،‬‬ ‫وضمــان طاعــة‬ ‫جار‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫يؤك‬ ‫وتج َّبر‪ .‬هنا‪،‬‬ ‫حميش على أن غالبية‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫فقهاء التجهيــل والتكفير‪ ،‬هم أناس ُه َّمل‬ ‫أغمــار‪ ،‬ال يحفــظ لهــم التاريخ ذكــرًا أو‬ ‫تحرشــاتهم المتهافتة المشينة‪،‬‬ ‫أثراً‪ ،‬عدا ُّ‬ ‫بينمــا ُي ِ‬ ‫ســكن التاريخ علمــاءه‬ ‫ومفكريه‬ ‫ِّ‬ ‫أمتهم‪ ،‬ألنهم‪ ،‬مــدى حياتهم‪،‬‬ ‫في ذاكــرة ّ‬ ‫روه‪،‬‬ ‫وطــو‬ ‫تراثها‪،‬‬ ‫أبدعوا‬ ‫وقووا وعيها‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بهويتهــا ومقدراتهــا‪ ،‬فهــم‪ -‬إذن‪ -‬فيهــا‬ ‫ِّ‬ ‫األعَل ْون‬ ‫ــون‪ .‬هذا الكتاب أو البحث‬ ‫واألبق ْ‬ ‫َ‬ ‫يضم‬ ‫يقســمه ِّ‬ ‫حميش إلى ســّتة فصول‪ّ ،‬‬ ‫إليها ثاث خاتمات‪ ،‬وثاثة ماحق‪ ،‬في‬ ‫آخر الكتاب‪.‬‬ ‫ث‬ ‫د‬ ‫يتحــ‬ ‫ل‪،‬‬ ‫األو‬ ‫الفصــل‬ ‫فــي‬ ‫حميش عن‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫أبــي حنيفــة وأنســنة الفقه اإلســامي‪،‬‬ ‫مســتها هــذا الفصــل بمقولــة اإلمــام‬ ‫ًّ‬ ‫مالــك بن أنــس التي يقول فيهــا عن أبي‬ ‫ا ْأفَقــه منه‪ ،‬وال‬ ‫حنيفــة إنه مــا رأى رج ً‬

‫وحجة‪ .‬وكذلك‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ــوص منه في معنًــى ّ‬ ‫أغ َ‬ ‫يقــول اإلمام إدريس الشــافعي عنه‪« :‬إن‬ ‫العلمــاء عيــال أبــي حنيفة فــي القياس‬ ‫حميش‪ :‬لماذا‬ ‫واالستحسان»‪ .‬ثم يتساءل ِّ‬ ‫ظل أبو حنيفة النعمان بن ثابت يحظى‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫عند كثير من األئّمة والفقهاء‬ ‫والمفكرين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بعطــف‬ ‫خــاص وإعجاب راســخ‪ ،‬وذلك‬ ‫ّ‬ ‫ســواء أكانــوا على مذهبــه أم كانوا على‬ ‫مذهــب اإلمام مالــك أو اإلمام الشــافعي؟‬ ‫ويجيــب بــأن هــذا يرجــع إلــى أن إمــام‬ ‫الهجــرة‪ ،‬مالك بن أنس‪ ،‬قد اعترف بعلم‬ ‫عــززًا من طرف‬ ‫وف ْضلــه‪ُ ،‬م ّ‬ ‫أبــي حنيفــة َ‬ ‫كذلك‬ ‫الشــافعي‪.‬‬ ‫اإلمام‬ ‫ميــل ابن خلدون‬ ‫ْ‬ ‫المالكــي إلى أبــي حنيفة‪ ،‬كمــا عمل أبو‬ ‫حنيفة‪ ،‬أكثر من غيره‪ ،‬على أنسنة الفقه‬ ‫اإلســامي‪ ،‬أي إضفاء الطابع اإلنســاني‬ ‫حاد لتاريخية‬ ‫بناء على فهم ثاقب ّ‬ ‫عليه‪ً ،‬‬ ‫اإلنســان‪ ،‬بوصفه كائن ًا ناقص ًا مشروط ًا‬ ‫بوجوده في الزمان والمكان‪ ،‬بقدر ما هو‬ ‫والتحضر‪.‬‬ ‫قادر على االجتهاد والخبر‬ ‫ُّ‬

‫تجربة وجودية‬ ‫حميش عن‬ ‫في فصل كتابه الثاني‪ ،‬يكتب ِّ‬ ‫تجربة الوجود والكتابة عند التوحيدي‪،‬‬ ‫ا إن التوحيدي المتفاعــل‬ ‫(وجودياً)‬ ‫قائــ ً‬ ‫ّ‬ ‫عصــره‪،‬‬ ‫مــع‬ ‫و(موســوعياً) مــع ثقافــة‬ ‫ّ‬ ‫الســَلف واألحيــاء‪ ،‬قــد اهتدى إلــى أفكار‬ ‫صياغتها الانسقية‬ ‫نيرة‪ ،‬كانت له‬ ‫ُ‬ ‫متألِّقة ِّ‬ ‫مهلــة‪ ،‬بــل ُمَهاً‪ ،‬يراجع فيهــا عقله‪ ،‬كما‬ ‫ً‬ ‫الثرية‬ ‫الوجودية‬ ‫تجربته‬ ‫معها‬ ‫يستحضر‬ ‫ّ‬ ‫وحســه الجمالي‬ ‫المتوهــج‪ .‬هنا‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫حميش عــن وقائع إحراق الكتب‬ ‫َّ‬ ‫يتحدث ِّ‬ ‫وإتافهــا‪ ،‬وتاريخهــا فــي الثّقافــات عبر‬ ‫مختلــف العصــور واألمكنــة‪ ،‬ذاكــرًا أن‬ ‫حصة مــا في ذلك‬ ‫الثّقافــة العربيــة لهــا ّ‬


‫التاريخ‪ ،‬ما زالت تنتظر َم ْن يبحث فيها‪،‬‬ ‫بوصفها موضوع ًا قائم ًا بذاته‪ ،‬وظاهرة‬ ‫أمــا‬ ‫ّيــة ّ‬ ‫كلّ‬ ‫غنيــة باإلفــادات والــدالالت‪ّ .‬‬ ‫التوحيــدي الذي لم ُيعرف له نشــاط في‬ ‫السياســة‪ ،‬وال دوران في مصالح الدولة‬ ‫ومطابخهــا‪ ،‬فقــد أقــدم على حــرق كتبه‬ ‫بنفســه‪ ،‬مــع ســبق اإلصــرار‪ ،‬وتحكــي‬ ‫أقد َم على ذلك بعد أن ُأوحي‬ ‫الروايات أنه َ‬ ‫إليه‪ ،‬بذلك‪ ،‬في المنام‪ .‬لكن‪ ،‬هل السلطة‬ ‫السياســية ودوائرها القمعية لم يكن لها‬ ‫حميش‪.‬‬ ‫دخــل في هــذا؟ هكــذا‪ ،‬يتســاءل ِّ‬ ‫حميــش‪ ،‬كذلــك‪ ،‬أن التوحيــدي‬ ‫يذكــر ِّ‬ ‫كان قــد لجأ إلى‬ ‫تكي ٍف‬ ‫ُّ‬ ‫التصوف كســبيل ُّ‬ ‫وتحمــل‪ ،‬يعلِّــم الزهد‬ ‫والتــوكل‪ ،‬وكباب‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫الرباني‪ ،‬الذي إليه‬ ‫مفتــوح على المطلــق ّ‬ ‫الرجعــى والمنتهــى‪ .‬في الفصــل الثالث‪،‬‬ ‫حميــش‪ ،‬قلياً‪ ،‬عند ابن رشــد‬ ‫يســتريح ِّ‬ ‫وشــوقه للمعرفــة‪ ،‬متحّدثــ ًا عن ســيرته‬ ‫ووقوفــه ضــّد‬ ‫التصــوف‪ ،‬دون تمييــز‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫دعــوى‬ ‫بســبب‬ ‫المتصوفــة االقتــدار على‬ ‫ِّ‬ ‫بالعقــل‬ ‫صــال‬ ‫االت‬ ‫تحقيــق‬ ‫الفعــال‪ ،‬بــا‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫حاجة إلى درس وعلم‪ ،‬وهذا ما يراه ابن‬ ‫رشــد خرافة ووهماً‪ ،‬كمــا كان يعارض‪،‬‬ ‫في حّدة‪ ،‬وبشــكل صدامــي‪ ،‬أغلب الفرق‬ ‫واألســر المذهبيــة‪،‬‬ ‫وأهمهــا الفقهــاء‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫حميــش يخــال أن فيلســوف قرطبــة‬ ‫ِّ‬ ‫غصة‪ ،‬لكون‬ ‫ومراكش‪ ،‬مات وفي صدره ّ‬ ‫الوقــت لــم يمهله حتى يضــع كتاباً‪ ،‬كان‬ ‫بالقوة؛ وذلك لشــّدة‬ ‫يحلــم به‪ ،‬ويحمله ّ‬ ‫انقطاعه إلى تــراث اإلغريق وتفانيه في‬ ‫تلخيــص نصوصــه‪ ،‬وتفســيرها‪ .‬وبعد‬ ‫أن‬ ‫حميش لكتابات ابن رشــد‪،‬‬ ‫يتعــرض ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ينهــي حديثه عنه بذكر بعــض تحفُّظاته‬ ‫ومؤاخذاتــه الكثيــرة علــى مواضيــع‬ ‫اللقطــات والمشــاهد والموســيقى‪ ،‬كمــا‬ ‫على السيناريو واللغة المكتوبة باللهجة‬ ‫المصرية‪ ،‬لفيلــم «المصير» الذي أخرجه‬ ‫الراحل يوسف شاهين‪.‬‬

‫رحلة المتعة والتقوى‬ ‫حميش مع ابن‬ ‫في الفصــل الرابع يبقــى ِّ‬ ‫بطوطة ورحلة المتعة والتقوى‪ ،‬ويبدأه‬ ‫ّ‬ ‫ا إن هــذا الفصــل قد يفــي بغرضه‪،‬‬ ‫قائــ ً‬ ‫تمكــن من إظهار أن العالم اإلســامي‬ ‫إن َّ‬ ‫بــدوره‪،‬‬ ‫أنتــج‪،‬‬ ‫قــد‬ ‫إغرابييــه و‪ -‬إلــى‬ ‫ِّ‬ ‫َحــّد مــا‪ -‬مســتغربيه‪ ،‬وهــم أصناف من‬ ‫أهــل الجغرافيــا والرحات والســفارات‪،‬‬ ‫كانــوا مولعين باآلخر‪ ،‬مــن حيث ثقافته‬

‫خلــدون وأخطاءه المعرفية‪ ،‬في مجاالت‬ ‫الطبيعيات‪ ،‬وعلم الفلك‪.‬‬

‫المدجَّ نون الجدُ د‬

‫ومقوالته ونمط عيشــه‪.‬‬ ‫حميش‬ ‫َّ‬ ‫يتحدث ِّ‬ ‫الملقَّــب‪ -‬عــن جــدارة‬ ‫عــن ابــن ّ‬ ‫بطوطــة ُ‬ ‫بجوالة العــرب‪ ،‬وأفّاقهم‪،‬‬ ‫واســتحقاق‪ّ -‬‬ ‫ورحــال هــذه الملِّــة‪ ،‬محــاو ًال معرفــة‬ ‫ّ‬ ‫الدوافــع العميقة التي كانت تجعله يشــّد‬ ‫الرحــال‪ ،‬ويخترق اآلفاق بعيــداً‪ ،‬وأبعد‬ ‫من ســواه‪ .‬لم يكن شــوق السفر عند ابن‬ ‫يتســم دافعه بنوع من اإلطاق‬ ‫ّ‬ ‫بطوطة‪َّ ،‬‬ ‫والخلــوص‪ ،‬كمــا عند ابن جبيــر‪ ،‬كما لم‬ ‫يكــن للتجارة‪ ،‬كما عنــد الرحالة البندقي‬ ‫ٍ‬ ‫لســفارة‬ ‫ماركو بولو‪ ،‬ولم يكن‬ ‫رسمية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مهمــات صعبــة أو مواقف‬ ‫أو فــرارًا مــن ّ‬ ‫خطيــرة‪ ،‬كمــا الشــأن عند ابــن خلدون‪،‬‬ ‫ولم يكــن نتيجة إكــراه وقســر‪ ،‬كما عند‬ ‫للحج ثم التجوال في‬ ‫البيرونــي‪ ،‬بل كان ّ‬ ‫بلدان شّتى‪.‬‬ ‫يظل‬ ‫الخامس‪،‬‬ ‫الفصــل‬ ‫وفي‬ ‫حميش في‬ ‫ِّ‬ ‫ضيافة ابن خلدون المغربي‪ ،‬وســيرته‪،‬‬ ‫ا ّإيــاه بمقتطــف مــن حــوار البن‬ ‫مســته ً‬ ‫خلــدون مــع الطاغيــة تيمــور المغولي‪،‬‬ ‫يقول فيه ابــن خلدون له إنه غريب بهذه‬ ‫البــاد غربَتْين‪ :‬واحدة مــن المغرب الذي‬ ‫هو وطنــه ومنشــأه‪ ،‬وأخــرى من مصر‬ ‫حميش أن‬ ‫وأهــل جيله بها‪ .‬أيضــاً‪ ،‬يرى ِّ‬ ‫عصــر ابن خلــدون ُي َعــّد عصــرًا‬ ‫مفصلي ًا‬ ‫ّ‬ ‫أساســي ًا فــي تاريــخ أقطــار المغــرب‬ ‫ّ‬ ‫والمشــرق‬ ‫العربيْيــن‪ ،‬وذلــك لغلبــة‬ ‫َّ‬ ‫األزمات والنكبات فيه‪ ،‬ومن أشّدها وقع ًا‬ ‫وتأثيــرًا فقــدان األندلــس‪ .‬وبعــد المرور‬ ‫حميش إلى‬ ‫بحيــاة ابــن خلــدون‪ ،‬يصــل ِّ‬ ‫القــول بأن التعريــف‪،‬‬ ‫والمقدمة‪ ،‬وكتاب‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫«العَبــر» أعمــال خلدونيــة‪ ،‬ســتبقى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ال‬ ‫حقــو‬ ‫بوصفهــا‬ ‫لكل‬ ‫مرجعية أصيلــة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫متأمل‪ .‬كما ال‬ ‫مــؤرخ وباحث‪ّ ،‬‬ ‫ولكل ِّ‬ ‫مفكر ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫حميش أن يذكر بعض غلطات ابن‬ ‫يفوت ِّ‬

‫حميش‬ ‫كر َســه ِّ‬ ‫ّ‬ ‫أمــا الفصــل األخيــر فقــد َّ‬ ‫للحديــث عن حقوق اإلنســان والمرجعية‬ ‫اإلســامية‪ ،‬وفيــه يقــول إن مســألة‬ ‫اإليمانيــة‪ ،‬في الفكر اإلســامي‪ ،‬لم تكن‬ ‫حكــرًا علــى رجــال الديــن وحدهــم‪ ،‬إنما‬ ‫هــي‪ -‬أيضــاً‪ -‬مــن القضايــا التــي خاض‬ ‫فيهــا الفاســفة‪ ،‬وكانــت لهــم فيهــا آراء‬ ‫ومقــاالت‪ ،‬ومــا مــن فيلســوف إســامي‬ ‫ّإال تكلَّــم عنها‪ ،‬في باب مــا كان يتقصّده‬ ‫مــن توفيق بين العقــل والنقل‪ ،‬أو إظهار‬ ‫ما بيــن الحكمة والشــريعة مــن ِّاتصال‪،‬‬ ‫بحســب تعبيــر ابن رشــد الشــهير‪ .‬مثلما‬ ‫المادة الثامنة عشرة في الحقوق‬ ‫يذكر أن ّ‬ ‫لكل‬ ‫الفكرية والحقوق السياسية تقول إن ّ‬ ‫حرّية الفكر‪ ،‬والوجدان‪،‬‬ ‫شخص حّق ًا في ّ‬ ‫حرّيته في‬ ‫الحــق‬ ‫هــذا‬ ‫والديــن‪ ،‬ويشــمل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وحرّيتــه فــي‬ ‫معتقــده‪،‬‬ ‫تغييــر دينــه أو‬ ‫ّ‬ ‫بالتعبــد وإقامة‬ ‫معتقده‬ ‫أو‬ ‫إظهــار دينــه‬ ‫ُّ‬ ‫الشــعائر والممارســة والتعليم‪ ،‬بمفرده‬ ‫أو مــع جماعــة‪ ،‬وأمــام المــأل‪ ،‬أو علــى‬ ‫ــون خاتمــات كتابــه‬ ‫حميــش ُي َعْن ِ‬ ‫حــدة‪ِّ .‬‬ ‫الثــاث هكذا‪ :‬إن اإلســاموفوبيا لواقع‪،‬‬ ‫محمــد أركون بيــن االختــزال واالفتراء‪،‬‬ ‫والمدجنــون كلمة‬ ‫الجــدد‪.‬‬ ‫المدجنين‬ ‫عــن‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُتطَلــق على عــرب األندلس‪ ،‬بدءًا من عام‬ ‫‪1492‬م‪ ،‬تاريــخ ســقوط غرناطــة آخــر‬ ‫مملكــة إســامية‪ ،‬وهم من آثــروا البقاء‬ ‫ولم ُيطردوا‪ .‬فيما ُي َعْن ِون ماحقه الثاثة‬ ‫نص‬ ‫هكذا‪ :‬هكذا تكلَّم نيتشه في اإلسام‪ّ ،‬‬ ‫لهيجل‪ ،‬نصوص منتقاة‪ ،‬ومنها نصوص‬ ‫لكل من‪ :‬التوحيدي‪ ،‬وابن رشد‪ ،‬ومحيي‬ ‫ٍّ‬ ‫الدين بن عربي‪ ،‬وعبد الواحد المراكشي‪،‬‬ ‫وخورخــي لويــس بورخــس‪ ،‬وابــن‬ ‫بطوطة‪ ،‬وابن خلدون‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مهم ومفيد في‬ ‫من‬ ‫أكثر‬ ‫كتاب‬ ‫وبعد‪..‬هــذا‬ ‫ّ‬ ‫كل باحــث فــي حقول‬ ‫مجالــه‪ ،‬يحتاجــه ّ‬ ‫المفكريــن‬ ‫اإلســام الثّقافــي‪ ،‬وتاريــخ‬ ‫ِّ‬ ‫والفاســفة العــرب‪ ،‬بــذل فيــه مؤلّفه د‪.‬‬ ‫جلياً‪ُ ،‬يشــكر عليه‬ ‫حميش جهدًا ّ‬ ‫بنســالم ِّ‬ ‫كثيــراً‪ ،‬متمنّيــن أن يســتفيد منــه القارئ‬ ‫تمــت ترجمتــه إلى‬ ‫العربــي‪ ،‬وحبــذا لــو َّ‬ ‫لغات أخرى؛ لينتشر محتواه على نطاق‬ ‫قــراء آخريــن‪ ،‬في‬ ‫واســع‪ ،‬ويصــل إلى ّ‬ ‫أراض أخرى‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫‪111‬‬


‫«يف فمي لؤلؤة»‬ ‫ِ‬ ‫صائدي اللؤلؤ‬ ‫مصائر‬ ‫د‪ .‬ﻫﻮﻳﺪا ﺻﺎﻟﺢ‬ ‫«هــذه ليســت حقيقة الصيــد‪ ،‬وال حقيقة‬ ‫مــواز يشــبه‬ ‫الغــوص؛ هــو واقــع‬ ‫ٍ‬ ‫الحقيقة‪ ،‬ويقترب منها‪ ،‬هو قرب السحر‬ ‫فــي مواطــن الجمــال‪ ،‬وقــرب األلــم في‬ ‫ربما‪ ،‬يتتبــع مصائر من‬ ‫مواقــع الغبــن‪ّ .‬‬ ‫كانــوا‪ ،‬لكــن مصائــر أخرى تنبــت حذو‬ ‫مصائرهــم‪ ،‬وتتداخــل هــذه المصائــر؛‬ ‫لتصبــح حالة من النشــوة والعبق اآلخذ‬ ‫باالمتثــال لرائحة البحــر‪ ،‬وللصوت في‬ ‫الصيادين وهم يبــدأون رحاتهم‪،‬‬ ‫غنــاء ّ‬ ‫تقصــي أماكــن اللؤلــؤ‪،‬‬ ‫عازميــن علــى ّ‬ ‫وهي ليست ببعيدة‪ .‬هذه رؤية «شمسة»‬ ‫بطلة روايــة «في فمي لؤلــؤة»‪ ،‬للكاتبة‬ ‫المصرية ميســون صقــر‪ ،‬والتي صدرت‬ ‫المصريــة البنانية في القاهرة‪.‬‬ ‫عــن الدار‬ ‫ّ‬ ‫قدمت «شمسة» بحثها ألستاذها في‬ ‫حين َّ‬ ‫قســم الدراســات األنثربولوجيــة‪ ،‬كتبت‬ ‫هــذه الرؤيــة التــي تتطابق‪ -‬تمامــاً‪ -‬مع‬ ‫رؤيــة الكاتبة‪ ،‬فحال االنتهاء من الرواية‬ ‫التــي قاربت الســّتمئة صفحة‪ ،‬تكتشــف‬ ‫أنهــا رؤية ميســون صقر لعالــم الرواية‬ ‫تتتبــع مصائر‬ ‫ّ‬ ‫األخــاذ‪ ،‬فقــد حاولــت أن َّ‬ ‫صائــِدي اللؤلؤ‪ ،‬بل مصائــر اللؤلؤ الذي‬ ‫يســتقر على أعناق الجميات‪ ،‬من نساء‬ ‫ّ‬ ‫غريبــات‪ .‬لــم يتوقَّــف‪ ،‬يومــاً‪ ،‬هــؤالء‬ ‫الصيادون ليســائلوا أنفسهم‪ :‬ترى‪ِ ،‬لَمن‬ ‫ّ‬ ‫نقطــف هــذه الآلــئ؟ وعلى صــدور من‬ ‫تستقر؟‬ ‫سوف‬ ‫ّ‬ ‫فــي مقّدمــة «المغاصــة األولــى»‪ ،‬تحكي‬ ‫ميســون صقــر عــن كليوباتــرا‪ ،‬كعتبــة‬ ‫نصّيــة جديــدة‪ ،‬تضعهــا الكاتبــة بيــن‬ ‫ّ‬ ‫يدي القــارئ؛ ليحاول أن ّ‬ ‫يفك شــيفرات‬ ‫َ‬ ‫النصّيــة بيــن‬ ‫النــص‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ويوجــد العائــق ّ‬ ‫‪112‬‬

‫المقدمــات ومتــن الســرود الخمســة التي‬ ‫ِّ‬ ‫أعطتها عنــوان «المغاصة»‪ ،‬وهي اســم‬ ‫مكان من الفعل (غاص)‪ ،‬فهي تســتقصي‬ ‫يتم اصطياد اللؤلؤ‬ ‫أماكن الغوص التــي ّ‬ ‫منهــا‪ ،‬كما تســتقصي تاريــخ اللؤلؤ عبر‬ ‫التاريــخ‪ ،‬وفــي النصــوص‬ ‫المقدســة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫واألساطير‪ ،‬والشعر‪.‬‬ ‫تصــدر الكاتبــة للروايــة بقــول «روبرت‬ ‫ِّ‬ ‫برواننــج»‪« :‬هناك لحظتــان في مغامرة‬ ‫الغــوص‪ :‬واحــدة يكــون فيها‬ ‫متســوالً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وهــو يســتعّد للغطــس‪ ،‬وواحــدة يكون‬ ‫ا لؤلؤته»‪.‬‬ ‫فيهــا أميراً‪ ،‬حين يطفــو حام ً‬ ‫ربمــا‪ -‬يغوص‪،‬‬ ‫هــذا التصديــر المكثَّــف‪ّ -‬‬ ‫صيــاد اللؤلــؤ‪ ،‬الذي‬ ‫عميقــاً‪ ،‬فــي نفس ّ‬ ‫يغامــر بحياته كلّها في ســبيل الحصول‬ ‫وإمــا يعــود منتصــرًا‬ ‫علــى اللؤلــؤة‪ّ ،‬‬ ‫ا كنــزه العظيــم‪ ،‬أو يدفــع حياتــه‬ ‫حامــ ً‬ ‫ثمنــ ًا لغضبــة البحر عليه‪ ،‬لكــن البحر ال‬ ‫ربمــا‪ -‬هناك‬ ‫يحتفــظ بــه َغ َضبــاً‪ ،‬بــل‪َّ -‬‬ ‫الغواص‪ ،‬تنشأ بينه‬ ‫عاقة‪ ،‬ال يفهمها ّإال ّ‬ ‫ســرّي ًة‬ ‫وبيــن البحــر‪ ،‬و«كأن هناك ً‬ ‫لغة ّ‬ ‫الغواص والبحر‪ ،‬تنســجم فيها‬ ‫مــا‪ ،‬بين ّ‬ ‫األرواح بيــن متاهــة الرؤيــة واندياحات‬ ‫المــوج‪ ،‬بمــا يزيح معــه‪ ،‬ويضيف إليه‪.‬‬ ‫كأنهــا األمــواج‪ ،‬كلّما تداخلت وانكســرت‬ ‫ســرّية ال تطــاوع أماكنها‬ ‫َشــفَّت عن لغة ّ‬ ‫إال بذبذبــات طفيفــة‪ ،‬في ســكون العمق‬ ‫قوة‪ ،‬وحكمة تسمعها‬ ‫وسطوته ّ‬ ‫األخاذة‪ّ .‬‬ ‫قــوة الخلق من‬ ‫‪،‬‬ ‫قليا‬ ‫صمت‬ ‫بقلبــك‪ ،‬لو‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫عمق الماء الســائل لؤلؤة فريدة‪ ،‬تخرج‪،‬‬ ‫لتضيف حكمة إلى المال الطاغي‪،‬‬ ‫وزيادة‬ ‫ً‬ ‫في‬ ‫جماليات الموت والجبروت والتاريخ‬ ‫ّ‬ ‫المنســاب مع مياه ذاهبة عائدة‪ ،‬وأرض‬

‫ال تثبــت فيها قدم إال لترحل‪ ،‬حاملة معها‬ ‫ثــروة‪ ،‬وتاركــة مكانهــا (ال أثــر) ليبقــى‬ ‫مكانه‪ ..‬حتى جثامين من رحلوا‪ ،‬لم يبق‬ ‫منهــم إال عظــام‪ ،‬قد ال‬ ‫تســتقر مع حركة‬ ‫ّ‬ ‫المــّد والجــزر‪ .‬المــوت العضــوي‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫يتضح في تحلُّل األشياء إلى مياه‪ ،‬وفي‬ ‫َّ‬ ‫تحلُّــل العواطف إلى ســائل‪ ،‬وفي تحلُّل‬ ‫آللئ‬ ‫المواد إلى ّ‬ ‫مادة ّ‬ ‫حية‪ ،‬قد تخرج منها ُ‬ ‫عظيمة‪ ،‬بعد ذلك»‪.‬‬ ‫خطان‬ ‫دراميان‪ ،‬تصنع بهما الكاتبة‬ ‫ثمــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متواز‪ ،‬على طريقة‬ ‫السردي‪ ،‬بشكل‬ ‫متنها‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫الخط‬ ‫المونتــاج المتــوازي في الســينما‪ّ :‬‬ ‫األول زمنه قديم‪ ،‬قبل اكتشــاف‬ ‫الدرامــي َّ‬ ‫البتــرول‪ ،‬حيــن كان صيــد اللؤلؤ عصب‬ ‫الحيــاة هنــاك‪ ،‬فنرى النــاس وحيواتهم‬ ‫وتفاصيلهــم الصغيــرة ورؤيتهــم للبحر‬ ‫الخط‬ ‫بكل شــيء‪ .‬أما ّ‬ ‫والصيد‪ ،‬وعاقتهم ّ‬ ‫الدرامــي اآلخــر فزمنــه عصــري‪ ،‬حيــث‬ ‫«شمسة»‪ ،‬تستدعي‪ ،‬من ذاكرتها‪ ،‬تاريخ‬ ‫اإلنســان واللؤلؤ‪ ،‬وتحاول أن تســتقرئ‬ ‫ــر ِ‬ ‫يتزين‬ ‫لم َن َّ‬ ‫تاريخ األلم‪ ،‬فكل لؤلؤة ُت ِس ُّ‬ ‫بها بتاريخها‬ ‫الســر ّي وتاريخ ألمها‪ .‬إنها‬ ‫ّ‬ ‫تقرأ تاريخ الوجيعة أو تاريخ الفجيعة‪.‬‬ ‫تواصــل الكاتبــة اإلفــادة مــن خطــاب‬ ‫بنص‬ ‫العتبــات‪ ،‬فتقــّدم‪ّ ،‬‬ ‫لكل مغاصــة‪ّ ،‬‬ ‫ســردي مكثَّــف تقطفــه من متــون الكتب‬ ‫ّ‬ ‫والمتصوفة‪،‬‬ ‫المقدســة وتاريخ الحكمــاء‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫مغاصة‬ ‫كل‬ ‫وتقســم‬ ‫ســرديات صغيرة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكل‬ ‫تقــدم لهــا‪ -‬أيضــاً‪ -‬بعتبــة‬ ‫ّ‬ ‫ســردية ِّ‬ ‫ّ‬ ‫للقــراءة‪.‬‬ ‫ا‬ ‫مفتاحــ‬ ‫تصلــح‬ ‫ــة‬ ‫ي‬ ‫تقــدم‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫نصّ‬ ‫للمغاصــة األولــى بقــول حكيــم‪« :‬يوجد‬ ‫أمــا شــفاء المعرفة‬ ‫ذهــب وكثــرة آللئ‪ّ ،‬‬ ‫فمتــاع ثميــن»‪ .‬إذن‪ ،‬المعرفــة أثمــن من‬


‫الذهــب واللؤلؤ‪ ،‬فهل هــي رواية معرفة؟‬ ‫إن غواية المعرفة تأســر الكاتبة‪ ،‬لتذهب‬ ‫فــي تاريــخ الغــوص والبحــر‬ ‫والرحالة‬ ‫ّ‬ ‫واللؤلــؤ‪ ،‬إلــى أقصــى مدى‪ ،‬فكمــا رأينا‬ ‫كيلوباترا تحتســي النبيــذ باللؤلؤ‪ ،‬نرى‬ ‫جــال الديــن الرومــي‪ ،‬وإخبــاره عــن‬ ‫اللؤلؤ‪« :‬إن تطلب اللؤلؤ فعليك الغوص‬ ‫فــي عمق البحــر‪ ،‬فما على الشــاطئ غير‬ ‫الزبــد»‪ .‬فهــل تراهــن ميســون صقر على‬ ‫َ‬ ‫الغوص‪ -‬عميقاً‪ -‬في البعيد‪ ،‬وال تنشــغل‬ ‫كثيرًا بالزبد الذي يذهب «جفاء»؟‬ ‫في‬ ‫ثمة وعي عميق بحركة الزمن‬ ‫النص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ســواء أكان زمــن الســرد أم كان الزمــن‬ ‫المحكــي‪ ،‬الــذي يأتــي إلينــا عبــر ذاكرة‬ ‫ّ‬ ‫الساردة«شمسة»‪ ،‬وهي تعّد لكتابها الذي‬ ‫نشــأت فكرتــه‪ ،‬وهــي تحــاول أن تكتب‬ ‫بحثــ ًا عن اللؤلــؤ وتاريخ تلــك الجماعة‬ ‫«قررت‬ ‫البشــرية التــي تمــارس صيــده‪َّ :‬‬ ‫الســفر‪ ،‬وفيمــا أنــا منشــغلة بالتحضير‬ ‫له‪ ،‬بدأت أغرق فــي عالم الغوص‪ ،‬ألجد‬ ‫يومياً‪ ،‬وكأنني في ســباق‬ ‫نفســي أكتب ّ‬ ‫مــع الزمن‬ ‫والحــب يربكنــي‪ .‬كلّما نظرت‬ ‫ّ‬ ‫إلــى الواقــع‪ ،‬فهمت بعض مــا قصده ابن‬ ‫عربــي فــي مقولتــه «يحــدث فــي اليوم‬ ‫الواحــد ما يحدث في العالــم كلّه‪ ،‬وكنت‬ ‫عما تعنيه»‪.‬‬ ‫أسأل ّ‬ ‫وتقــدم‪ ،‬للمغاصــة الثانيــة‪ ،‬بمقولة من‬ ‫ِّ‬ ‫الكتــاب‬ ‫أيوب في‬ ‫َّ‬ ‫المقدس‪ ،‬من إصحــاح ّ‬ ‫«العهد القديم»‪،‬‬ ‫لنتعرف معها‪ ،‬بعد قراءة‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫عن‬ ‫ة‪،‬‬ ‫النصّي‬ ‫ــر اللؤلــؤة التي‬ ‫س‬ ‫العتبــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫األمير‬ ‫ــرقت مــن‬ ‫الوصي‪ ،‬في فرنســا‪،‬‬ ‫ُس ِ‬ ‫ّ‬ ‫المهراجــا‬ ‫لؤلــؤة‬ ‫وكذلــك‬ ‫الهنــدي الــذي‬ ‫ّ‬ ‫وضعها عينــ ًا لتمثال أفعى‪ .‬إن المغاصة‬ ‫تتأمــل تاريــخ‬ ‫الســيدة الكاهنة‪:‬‬ ‫ِّ‬ ‫الثانيــة َّ‬ ‫هي‬ ‫‪:‬ليســت‬ ‫يقــول‬ ‫«الغمــر‬ ‫فــي‪ ،‬والبحر‬ ‫ّ‬ ‫عنــدي»‪.‬‬ ‫ليســت‬ ‫هي‬ ‫يقــول‪:‬‬ ‫عمــن تبحث‬ ‫َّ‬ ‫الساردة في هذه المغاصة؟‪ ،‬ولماذا ُيعاد‬ ‫تدويــر الــكام حــول الآلــئ المفقــودة؟‬ ‫فـ«خلفان» الذي أخذه البحر قبل ســنين‪،‬‬ ‫ُيعــاد إلى بؤرة الســرد حينمــا يرى جثّة‬ ‫«مرهون» في األسفل‪ ،‬فكما اللؤلؤ ذاكرة‬ ‫للجمــال‪ ،‬كذلــك «خلفــان»‪ ،‬يحضــر فــي‬ ‫تصر‬ ‫ّ‬ ‫النــص كذاكرة ّ‬ ‫للحب‪ ،‬وكأن الكاتبة ّ‬ ‫السر ّي بتاريخ‬ ‫على اقتران تاريخ اللؤلؤ ّ‬ ‫صياديــه‪:‬‬ ‫«أحس الغواصــون أن خلفان‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬

‫أخــذ معــه الفرحــة‪ ،‬فظلّــوا ُمطلِّين على‬ ‫يتحركون من أماكنهم على هذه‬ ‫فــراغ‪ ،‬ال‬ ‫َّ‬ ‫الســفينة‪ ،‬التي يعيشون عليها حياتهم‪،‬‬ ‫بيــن غطــس وعكــس‪ ،‬كشــهيق وزفير‪،‬‬ ‫كحيــاة جافّة‪....‬قال لــي «مرهون»‪« :‬لقد‬ ‫فقدنــاه هكــذا‪ ،‬دون أن ناحــظ رقّتــه‬ ‫وهشاشة روحه»‪.‬‬ ‫فهــل تنتصــر «شمســة»‪ ،‬فــي بحثهــا‬ ‫لــكل‬ ‫األنثربولوجــي المفعــم بالحنيــن‪ّ ،‬‬ ‫هؤالء الذين ذهبوا وراء اللؤلؤ‪ ،‬وأخذهم‬ ‫البحــر فــي جوفــه‪ ،‬أم هــي تبحــث فــي‬ ‫«كأن للموت‬ ‫جماليات المــوت والحياة؟‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫جمالياتــه هنــا‪ ،‬مروحــة تتهــادى مــع‬ ‫ّ‬ ‫المــوج‪ ،‬رحات الموتى فــي الذهاب إلى‬ ‫للغواص‪ ،‬يذهب‬ ‫القاع‪ ،‬الرحلــة األخيرة ّ‬ ‫فيها‪ ،‬وال يعود بلؤلؤة أو محارة‪ ،‬يذهب‬ ‫حارسا للمغاصات التي ُنِبشت‪.‬‬ ‫ليصبح‬ ‫ً‬ ‫تقــول المغاصات‪ :‬هنا‪ ،‬كانــت يٌد تقطع‬ ‫محــارا؛ لتأخــذ لؤلــؤة المــرأة غريبــة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كريما؛ هم‬ ‫كان‬ ‫ذلــك‪-‬‬ ‫رغم‬ ‫البحــر‪-‬‬ ‫لكــن‬ ‫ً‬ ‫يأخــذون لؤلــؤه‪ ،‬وهو يقبــل جثامينهم‬ ‫كا‪،‬‬ ‫يوما؟ َّ‬ ‫دون اعتــراض‪ .‬هل اعتــرض ً‬ ‫لــم يعتــرض‪ ،‬بــل كان يحاورهــم؛ كــي‬ ‫تظــل فيــه أجســادهم‪ ،‬فتنفد أنفاســهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويموتــون‪ ،‬بينمــا يحاولــون الصعود‪.‬‬ ‫وكل‬ ‫فــكل خــروج وصعــود‪ ،‬حيــاة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫غطس وانغماس وانحباس َنَفس‪ ،‬موت‬ ‫مؤقَّت»‪.‬‬ ‫المنســيين‬ ‫بتاريــخ‬ ‫الروايــة‬ ‫تحتشــد‬ ‫ِّ‬ ‫والمهمشــين الذيــن كانــوا يومــاً‪ ،‬ولــم‬ ‫َّ‬ ‫يعودوا‪ .‬تحاول الساردة أن تنتصر لهم‪،‬‬

‫وتســرد تاريخهم االجتماعي‪ ،‬وتاريخهم‬ ‫السياســي‪ .‬ليس ذلك فقط‪ ،‬بل تستجلي‬ ‫للرحالــة والوافدين‬ ‫التاريــخ االجتماعي ّ‬ ‫مــن الغــرب‪ ،‬خلــف اللؤلــؤ‪ ،‬وتاريــخ‬ ‫المناطــق التي تحيــط بالخليج العربي‪،‬‬ ‫مــن دول ومــدن َبَن ْت مجدهــا القديم على‬ ‫تجــارة اللؤلؤ‪ ،‬وتتوقَّــف‪ -‬طوياً‪ -‬أمام‬ ‫وحكامها الشــغوفين‬ ‫الهنــد وأســاطيرها ّ‬ ‫لنتعــرف معهــا مامــح تلــك‬ ‫باللؤلــؤ‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫المدن القديمة وتاريخها‪ ،‬وتاريخ الغرب‬ ‫االســتعماري‪ ،‬وبحثــه الــدؤوب خلــف‬ ‫الثروات‪ ،‬في بلدان الشرق‪.‬‬ ‫هــل الروايــة تاريــخ للــذات الســاردة‬ ‫«شمســة»‪ ،‬التــي تتماهــى فــي صــورة‬ ‫تحوالت المنطقة‬ ‫المؤلِّفة‪ ،‬أم هي تاريخ ُّ‬ ‫العربيــة‪ ،‬وعاقتهــا بالوافــد الطامع في‬ ‫ّ‬ ‫خيراتهــا؟ هــل يمكــن أن نقــرأ الروايــة‬ ‫وفــق النســق الثقافــي لتلــك الجماعات‬ ‫اإلنســانية‪ ،‬وعلــم األجنــاس البشــرية‬ ‫وحكاياتها وأساطيرها؟‪.‬‬ ‫تقــدم للمغاصة الثالثــة بمقتبس من‬ ‫ثــم ِّ‬ ‫«العهد الجديد»‪ ،‬من إنجيل مّتى‪ -‬تحديداً‪-‬‬ ‫حيث‬ ‫الرب يسوع المسيح ملكوت‬ ‫َّ‬ ‫«شــبه ّ‬ ‫الســماوات بلؤلؤة واحــدة غالية الثمن‪،‬‬ ‫وجدها تاجر يطلب آللئ حســنة‪ ،‬فمضى‬ ‫كل مــا لــه‪ ،‬واشــتراها»‪ .‬وكذلك‪،‬‬ ‫وبــاع ّ‬ ‫تفعــل فــي المغاصة الرابعــة‪ ،‬فتقّدم لها‬ ‫بآيــة قرآنية من ســورة «الواقعة» حيث‬ ‫يوعــد المؤمنون بـــ «حور عيــن كأمثال‬ ‫َ‬ ‫ثمة تراســل‪ ،‬في‬ ‫اللؤلؤ المكنون»‪ .‬وكأن ّ‬ ‫الكتب الســماوية‬ ‫المقدســة‪ ،‬فــي نظرتها‬ ‫َّ‬ ‫كل مــن الخطــاب‬ ‫يتخــذ ٌّ‬ ‫للؤلــؤ‪ ،‬حيــث َّ‬ ‫التوراتــي‪ ،‬واإلنجيلــي‪ ،‬والقرآني‪ ،‬من‬ ‫اللؤلؤ‪ ،‬استعارة كبرى لتصوير الجمال‪.‬‬ ‫تختــم الكاتبــة مغاصاتهــا الخمــس‬ ‫نصّيــة‪ ،‬تأتــي‪ ،‬فــي‬ ‫النــص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بهوامــش ّ‬ ‫بمثابــة النصــوص الحافّــة‪ ،‬فنراهــا‬ ‫تتحدث عن تاريخ اإلمارات‪ ،‬وكيف رأى‬ ‫َّ‬ ‫الشعراء اللؤلؤ‪،‬‬ ‫وتضمن الرواية أشعارًا‬ ‫ِّ‬ ‫لشــوقي‪ ،‬ولحافــظ إبراهيــم‪ ،‬ولمحمود‬ ‫تذيلها بأسماء اللؤلؤ‪ ،‬في‬ ‫درويش‪ ،‬كما ِّ‬ ‫الثقافات المختلفة‪.‬‬ ‫إنهــا روايــة معرفــة‪ ،‬تتدثَّــر باللغــة‬ ‫العرفانية التي تكشــف‬ ‫الحس الصوفي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫النص‪.‬‬ ‫الذي َغلَّف زاوية الرؤية‪ ،‬في ّ‬ ‫‪113‬‬


‫بورتريه‬ ‫لرجل غري مر ّ‬ ‫يئ‬ ‫واﺋﻞ ﺳﻌﻴﺪ‬ ‫رهبة من مواجهة‬ ‫(تعلَّمت؛ ال شيء أكثر‬ ‫ً‬ ‫أغراض رجل مات‪ .‬األشــياء تهمد أيضاً‪،‬‬ ‫فمعناهــا كامــن فــي دورها خــال حياة‬ ‫صاحبهــا‪ ،‬فحســب) هكــذا‪ُ ،‬يخبرنا بول‬ ‫أوســتر‪ ،‬في أحد مقاطــع كتابه «اختراع‬ ‫مؤخــراً‪ -‬عــن (دار‬ ‫العزلــة»‪ ،‬الصــادر‪َّ -‬‬ ‫مذكرات‪ ،‬ترجمة الشــاعر‬ ‫أثر) في شــكل ِّ‬ ‫السعودي أحمد العلي‪.‬‬ ‫تدريجياً‪ -‬أن الكاتب لم‬ ‫يتضح لنا‪-‬‬ ‫لكن‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫مما قالــه أو عمل به؛ حيث‬ ‫ا‬ ‫شــيئ‬ ‫يتعلَّم‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫المتبقِّية‪-‬‬ ‫ُيقدم على ّ‬ ‫فــض ذكريات والده ُ‬ ‫كأثــر يحمــل صــورة‪ ،‬لــم تعــد ســوى‬ ‫مرئــي‪ -‬والــده الذي‬ ‫صــورة لرجــل غير‬ ‫ّ‬ ‫رحل عن الدنيا‪ ،‬بعدما عاشها فيما ُيشبه‬ ‫خاصة في‬ ‫العزلة عن ّ‬ ‫المحيطين به‪ّ ،‬‬ ‫كل ُ‬ ‫ســنواته األخيرة‪ .‬وبرغم أنها ال ُتفصح‬ ‫بالكثيــر‪( ..‬لكنهــا تقول لنا شــيئاً؛ تقف‬ ‫هنــاك‪ ،‬ال بوصفهــا أدوات‪ ،‬بــل كبقايــا‬ ‫لفكرة‪ ،‬كبقايا إلدراك‪ ،‬إنها رموز الخلوة‬ ‫يتخذ فيها رجــل قرارات بخصوص‬ ‫التــي َّ‬ ‫نفسه‪.)...‬‬ ‫يتخذ أوســتر من‬ ‫فمــن مفهــوم العزلــة‪َّ ،‬‬ ‫المذكــرات‪ ،‬ســبب ًا للبــوح‬ ‫كتابــة هــذه‬ ‫ِّ‬ ‫والكشف؛ حيث يستعرض تاريخ العائلة‬ ‫من خــال متــروكات والــده‪ ،‬وذكرياته‬ ‫مذكرات‬ ‫معه بعــد مماته‪ .‬وبالطبــع‪ ،‬إن ِّ‬ ‫الروائي ســيكون فيها (من روح الرواية)‬ ‫أكثر مــن الواقع الذي حدث بالفعل؛ فهل‬ ‫ليكمــل عزلة أبيه‪ ،‬أم هي‬ ‫اخترع العزلة ُ‬ ‫عزلــة هــذه العائلــة اليهودية‪ ،‬ومــن َث َّم‬ ‫عزلة الكاتب نفســه‪ ،‬أم هي العزلة التي‬ ‫آدمي لم يكن بوسعه‬ ‫قد يحتاج إليها ّ‬ ‫أي ّ‬ ‫التعايش مع َم ْن حوله؟!‬ ‫‪114‬‬

‫تكمن الحقيقة فيما يرويه أوســتر‪،‬‬ ‫أيــن ُ‬ ‫مذكراتــه بجملــة‬ ‫الــذي‬ ‫وهــو‬ ‫ــد َر ِّ‬ ‫ص َّ‬ ‫َ‬ ‫لهيراقليطــس عــن هــذه الحقيقــة بأنهــا‬ ‫وبمجــرد أن تقبــض‬ ‫«صعبــة المنــال‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫عليها‪ ،‬ســتقف ناظرًا إليها وهي تنسرب‬ ‫من بين أصابعك»؟‬ ‫موت والده كان حقيقة‪ ،‬كما أن أشــياءه‬ ‫يتعرف‬ ‫التي تقــف في مواجهتــه تجعله‬ ‫َّ‬ ‫ممــا كان مســكوت ًا عنــه في‬ ‫إلــى بعــض ّ‬ ‫تاريــخ العائلــة وعاقــات أفرادهــا‪،‬‬ ‫كقصــة مــوت جــّده‬ ‫بعضهــم ببعــض‪ّ ،‬‬ ‫لوالده المأساوية‪ ،‬على يد جّدته‪ ،‬بسبب‬ ‫الخيانــة‪ ،‬وقــد كانــت حديــث الصحــف‬ ‫تتكشــف له عدة حقائق‬ ‫وقتهــا؛ ومن َث َّم‬ ‫َّ‬ ‫أخرى‪ ،‬عنه وعن اآلخرين‪.‬‬ ‫عــاش الوالد وهو يحمل فــي داخله توق ًا‬ ‫إلــى العزلــة؛ ففــي الوقــت الــذي كانــوا‬ ‫يجتمعــون تحت ســقف واحد‪ ،‬كان االبن‬

‫ا‬ ‫الــراوي صغيــرًا وقتها‪ ،‬يــرى أباه رج ً‬ ‫غريــب األطــوار؛ األمــر الــذي جعل األب‬ ‫األم في‬ ‫يســتجيب‪ ،‬دون نقاش‪ ،‬لرغبــة ّ‬ ‫االنفصــال‪،‬‬ ‫ويفضل أن يعيــش ما تبقّى‬ ‫ِّ‬ ‫مــن حياته منفــردًا بنفســه‪ ،‬داخل البيت‬ ‫نفســه‪ ،‬الذي لم ُيغادره‪،‬‬ ‫وظــل متوائم ًا‬ ‫َّ‬ ‫كل مفرداتــه القديمة ومبقيــ ًا عليها‪،‬‬ ‫مــع ّ‬ ‫كما هي‪ ،‬دون أدنى تغيير‪.‬‬ ‫حكاية األب لن يرويها أوستر تحت تأثير‬ ‫فجيعــة الموت‪ ،‬فلــن تلمحــه يرثي أباه‬ ‫مرثية‪ُ ،‬يمكن‬ ‫ثمــة ّ‬ ‫أويبكيــه! ليس هناك ّ‬ ‫كل ما في األمر أنه جلس‪،‬‬ ‫الحديث عنها؛ ّ‬ ‫غير‬ ‫لرجل‬ ‫(بورتريه)‬ ‫وأخذ يرسم‬ ‫مرئي‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ربما‪ -‬خوف ًا أو استشــراف ًا لمصير ُمشابه‬ ‫َّ‬ ‫ينتظــر الكاتب‪ ،‬فيجد نفســه‪-‬‬ ‫فجأة‪ -‬في‬ ‫ً‬ ‫فيعيد اكتشــافه‬ ‫مواجهتــه بعــد رحيلــه‪ُ ،‬‬ ‫ورؤيتــه‪ .‬وفــي بعــض المشــاهد‪ ،‬ومن‬ ‫خال صور الوالد القديمة‪ ،‬نرى أوســتر‬ ‫ووالده‪ ،‬وهما في العمر نفســه‪ ،‬تقريباً؛‬ ‫الوالــد تجتمــع مــن حولــه عــّدة فتيات‪،‬‬ ‫والكاتــب يخطــو خطواتــه األولــى فــي‬ ‫الترجمة وكتابة الشــعر من أجل العيش‪.‬‬ ‫كانا على موعــد ليلتقيا في هذه الحالة‪،‬‬ ‫أحس‬ ‫منذ أن ُوجد الوالد في الدنيا‪ ،‬حتى ّ‬ ‫فور خروجه إلى‬ ‫الراوي بأنفاسه األولى َ‬ ‫الحياة نفسها‪.‬‬ ‫ومــن خــال شــهر العســل‬ ‫الخــاص‬ ‫ّ‬ ‫بالوالديــن‪ ،‬الــذي قضياه بأحــد الفنادق‬ ‫شــاالت نياجــرا‪ُ ،‬يعــاود‬ ‫فــي منتجــع ّ‬ ‫الــراوي الحضور بينهمــا؛ ففي الماضي‬ ‫كان‬ ‫اتحدا مع ًا لتكوينها‬ ‫ثم َّ‬ ‫مجــرد ُنطفة‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫مولــودًا جديــداً‪ .‬واآلن‪ ،‬يســترجع مكان‬ ‫األول ليكــون معهمــا‪ ،‬بشــكل‬ ‫تكوينــه َّ‬


‫آخــر‪ ،‬عبــر اســتدعاء الذكــرى‪ ..‬لكــن‬ ‫المؤكــد أنه‪ -‬فــي الحالتين‪ -‬كان‬ ‫الشــيء‬ ‫َّ‬ ‫عزلــة‬ ‫فــي‬ ‫تامــة عنهمــا؛ عزلــة تكوينه‬ ‫ّ‬ ‫التــي‬ ‫ل‬ ‫األو‬ ‫تمــت دون وعــي منــه قبــل‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫أما العزلــة‬ ‫الحالية‬ ‫ّ‬ ‫المجيء إلــى الدنيا‪ّ ،‬‬ ‫فهــي‬ ‫اختيارية مــن الــراوي؛ حيث رأى‬ ‫ّ‬ ‫أن وجــوده ارتبــط بحــدث طــارئ جمع‬ ‫ما بيــن والديــه‪،‬‬ ‫فتزوجا‪ ،‬ثــم أنجباه‪..‬‬ ‫َّ‬ ‫القد‬ ‫رية ُتدخلــه في عزلة‪،‬‬ ‫هــذه الصدفــة َ ّ‬ ‫عنهما وعن الوجــود بأكمله‪« ..‬وعندها‪،‬‬ ‫أنــا مخلوق قزم‬ ‫وعشــوائي‪ ،‬كأنني أحد‬ ‫ّ‬ ‫تهوروا‪ ،‬منذ زمن‪ ،‬ورموا بأنفسهم‬ ‫الذين َّ‬ ‫الشاالت‪ ،‬داخل برميل»‪.‬‬ ‫من فوق ّ‬ ‫يتبــع أوســتر طريقــة لصــق المنمنمات‬ ‫المتجــاورة لتكويــن صــورة الرجل غير‬ ‫ُ‬ ‫المرئــي‪ ،‬فــي النهايــة؛ فهــو‪ -‬مــن حيث‬ ‫ّ‬ ‫الشــكل‪ -‬شــبيه بالرئيس السادس عشر‬ ‫المتحــدة األميركيــة «أبراهام‬ ‫للواليــات َّ‬ ‫لينكولن»‪ ،‬وبما أن وجهه يحمل ســمات‬ ‫جنرال سابق فهو ال يخشى الكاب‪ ،‬على‬ ‫ســبيل المثال؛ إذ يتعامل معها بجسارة‪.‬‬ ‫ويؤكــد الكاتب كثيــرًا علي وجه األب بما‬ ‫ِّ‬ ‫هذه‬ ‫ة‪،‬‬ ‫قــو‬ ‫من‬ ‫يحملــه‬ ‫القــوة التي ُتحيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تخياتــه‪ -‬رغــم ذلــك‪ -‬إلــى (األســماك‬ ‫ُّ‬ ‫متعــددة األلوان‪.‬‬ ‫االســتوائية) الصغيرة‬ ‫ِّ‬ ‫كأن وجــه األب‪ -‬تحديــداً‪ -‬فــي جانــب‪،‬‬ ‫وبقية تكوينه الجســدي في جانب آخر؛‬ ‫حيــث ُيشــير الكاتــب إلــي (حجــم كفَّْيــه‬ ‫وصابتهمــا) و(مراقبته يلعــب التنس)‪.‬‬ ‫وثمــة مفــردات صغيــرة تحملهــا ذاكرة‬ ‫ّ‬ ‫أي شيء‪،‬‬ ‫الكاتب عن أبيه‪ ،‬وقد ال تعني ّ‬ ‫حيــث يذكرهــا ‪-‬هكــذا‪ -‬دون تفســيرات‪:‬‬ ‫(شــاي بالليمــون)‪( ،‬يــأكل الطبقــة‬

‫المتخثّرة فوق الشــيكوالتة الســاخنة)‪،‬‬ ‫(الطريقــة التــي تلتــوي بهــا ركبتــاه‪-‬‬ ‫أحياناً‪ -‬وهو يسير)‪ ...‬وكلّها تسير على‬ ‫الطريق نفســه في رســم صــورة الرجل‬ ‫الذي لم يعد موجودًا على وجه األرض‪.‬‬ ‫طريقتــه فــي الحديث‪ ،‬وبعــض حركاته‬ ‫المســرحية فــي أثنــاء ذلــك‪ ،‬ومخــارج‬ ‫بعــض الكلمات واألســماء مــن فمه‪ ،‬بما‬ ‫يخصه هو‪ -‬تحديــداً‪ -‬في ُنطقها‪ُ ،‬مختلف ًا‬ ‫ّ‬ ‫ــن حوله‪ ،‬وبعض‬ ‫في ذلك عــن معظم َم ْ‬ ‫اآلراء‬ ‫الشــاذة التي ُيطلقهــا‪ ،‬بين الحين‬ ‫ّ‬ ‫واآلخــر‪ ،‬عندمــا يدخــل فــي حــاالت من‬ ‫الطباع الغريبة أو المجنونة!‬ ‫يكشــف أوســتر الكثيــر مــن الجوانــب‬ ‫المســتترة مــن تاريــخ العائلــة‪ ،‬بطرح‬ ‫ُ‬ ‫تحدثت عن مقتل‬ ‫قصاصات الجرائد التي َّ‬ ‫َجــّده علــي يد َجّدتــه‪ ،‬بســبب خياناتها‪،‬‬ ‫الجــّد الفاشــلة لقتلهــا‬ ‫ومحاولــة أخ َ‬ ‫بالرصــاص انتقامــ ًا ألخيــه‪ ،‬وبعــض‬ ‫الحكايــات التــي ُتكمــل‪ -‬بتجاوراتهــا‪-‬‬ ‫ظــل طوال‬ ‫الصــورة الكاملــة ألبيه الذي ّ‬ ‫حياتــه يتخفّــى وراء غرابــة أطــواره‬ ‫وســلوكاته‬ ‫الشاذة عن الجميع‪ ،‬وعزلته‬ ‫ّ‬ ‫الكبيــرة؛ األمر الذي ُيعّد انتقاماً‪ ،‬بشــكل‬ ‫الميت؛ بكشــفه‬ ‫أو بآخــر‪ ،‬من هــذا األب ّ‬ ‫رغمــا عنــه‪ ،‬بعــد أن عــاش‬ ‫وتعريتــه ً‬ ‫ُمحافظــ ًا على هذه العزلــة طوال حياته‪.‬‬ ‫اآلن‪ ،‬لــم يعــد يملــك مــا يســتره عــن‬ ‫الجميع‪ ،‬ومن َث َّم أصبح‬ ‫فكرة‪ ،‬يستطيع‬ ‫ً‬ ‫كما‬ ‫وتشكيلها‬ ‫ابنه الكاتب رســمها‬ ‫يحب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهذا ما كان!‬ ‫المعْن َون‬ ‫فــي الجــزء الثاني مــن الحكــي َ‬ ‫بـ«كتــاب الذاكــرة‪-‬‬ ‫مطــوالت مقتطفة»‪،‬‬ ‫ّ‬

‫يأخذنا أوســتر‪ -‬بعد رسم صورة والده‬ ‫مخيلتــه هو نفســه‪ ،‬عن‬ ‫لمــا يــدور فــي ِّ‬ ‫الجميع‪،‬‬ ‫الوالد وعنه وعن‬ ‫ثم عن الكتابة‬ ‫ّ‬ ‫نفســها‪-‬‬ ‫«يقــرر أن يدعو نفســه بالحرف‬ ‫ِّ‬ ‫األول مــن األبجديــة «أ»‪ ..‬يمشــي بيــن‬ ‫َّ‬ ‫النافــذة والطاولة ذهاب ًا وإياباً‪ُ ..‬يشــعل‬ ‫دخن سيجارة»‪.‬‬ ‫الراديو‪ ،‬ثم ُيطفئه‪ُ ..‬ي ِّ‬ ‫اآلن‪ ،‬يخــرج الحكــي عــن تفصيــات‬ ‫ويتم َل ْضمه‪،‬‬ ‫شــخصية الوالد والعائلة‪ّ ،‬‬ ‫للغرض‬ ‫برهافة‪ ،‬من ِقَبل أوســتر‪،‬‬ ‫األول‬ ‫َّ‬ ‫أي‬ ‫مــن طرحه في كتــاب؛ حيث غــرض ّ‬ ‫كاتــب مــن إدخــال تفصيــات حياتيــة‪-‬‬ ‫الفنّي‪ ،‬ومن‬ ‫للوالد أو لغيــره‪ -‬هو العمل َ‬ ‫ّيــة التــي يطرحهــا ذلك‬ ‫ــم الحالــة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫َث َّ‬ ‫العمل‪.‬‬ ‫فكأن الجزء اآلخر من الكتاب هو تطبيق‬ ‫عملي لصدفة المــوت التي أخذت الوالد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وجعلت أوســتر ُيعيد رسمه ورؤيته من‬ ‫جديد‪ ،‬ومن َث َّم رؤية ما لم يكن يستطيع‬ ‫مؤطــرًا ذلــك بحالــة‬ ‫رؤيتــه مــن قبــل‪ِّ ،‬‬ ‫العزلة التي اخترعها‪.‬‬ ‫وحدهــا ‪ ،‬الصدفة‪ ،‬قادرة على خلق تلك‬ ‫العزلــة؛ فلم نجد إنســاناً‪ ،‬من قبل‪ ،‬جاء‬ ‫ُ‬ ‫الكل‬ ‫العزلة عــن ّ‬ ‫إلــى الدنيا وفــي َّ‬ ‫نيتــه ُ‬ ‫ُمســبقاً‪ُ .‬كلُّنــا تلعــب الصدفــة معنا دور‬ ‫كل شــيء( أو في الغالب)‪،‬‬ ‫البطولــة في ّ‬ ‫ومن َثّم يخرج مــن بيننا‪ ،‬طوال الوقت‪،‬‬ ‫َم ْن كان فيه شيء من االستعداد الفطري‬ ‫العزلة عنهــم‪ .‬وبهذا‪،‬‬ ‫إلقصــاء البشــر أو ُ‬ ‫فــي‬ ‫الحق‬ ‫لــكل بنــي آدم‬ ‫العزلة‪،‬‬ ‫يكون ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫والرغبــة فيهــا‪ ...‬واالحتيــاج إليهــا‪،‬‬ ‫أحياناً!‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫أﻣﺎﻛﻨﻬﻢ‬

‫متحف «الوشه» يف بكني‬ ‫)ﺑﻜني( ﻣﻲ ﻋﺎﺷﻮر‬ ‫صورة للكاتب «الوشه» داخل منزله‬

‫والفّن‪ ،‬عملت صباح ًا‬ ‫«أنا عســكري شطرنج في أوســاط األدب َ‬ ‫مســاء‪ ،‬بجّد واجتهــاد‪ ،‬بين مكتب و كرســي صغير‪ ،‬على مدى‬ ‫ً‬ ‫مســدس‪ ،‬جعــل الحماســة تتناثر على‬ ‫القلم‬ ‫الســنين‪.‬‬ ‫عشــرات‬ ‫َّ‬ ‫الــورق‪ .‬إن الشــيء الوحيــد الــذي يســتدعي أن أفخر بنفســي‪،‬‬ ‫وكّد‪ .‬لم يكن في قلب عســكري الشــطرنج‬ ‫هــو أنني عملت بدأب َ‬ ‫كل شــيء تطلَّب من‬ ‫اســتراتيجية عســكرية لقائــد كبيــر‪ ،‬لكــن ّ‬ ‫العســكري أن يفعلــه‪ ،‬قد فعلتــه‪ .‬هكذا‪ ،‬كان األمر في الســابق‪،‬‬ ‫وكذلــك هو في الوقت الحالي‪ ،‬وأتمنّــى أن يكون كذلك‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫في المســتقبل‪ .‬في ذلك اليوم الذي أدخل فيه قبري‪ ،‬أتطلَّع إلى‬ ‫أن يهديني شــخص ما شــاهدة قبر قصير‪ ،‬محفور عليه‪ :‬يرقد‪،‬‬ ‫المؤدي‬ ‫ــن‪،‬‬ ‫هنا‪ ،‬عســكري شــطرنج‪ ،‬فــي أوســاط األدب َ‬ ‫والف ّ‬ ‫ّ‬ ‫لواجبه»‪.‬‬ ‫هــذه الكلمــات التي كتبها الكاتب الصيني الكبير «الوشــه»‪ ،‬هي‬ ‫والفّن‪ ،‬والتي ُأ ِّسســت‬ ‫َق َســم االنضمام إلــى جمعية دوائر األدب َ‬ ‫عــام ‪ ،1938‬وهــي مكتوبــة علــى ظهــر الورقة الصغيــرة التي‬ ‫شباك تذاكر المتحف‪.‬‬ ‫أخذتها من ّ‬ ‫روائي‪،‬‬ ‫«الوشــه»‪:‬‬ ‫إغفــال‬ ‫يمكن‬ ‫فــا‬ ‫الصينــي‪،‬‬ ‫األدب‬ ‫إذا ُذكــر‬ ‫ّ‬ ‫وكاتــب مســرحي‪ ،‬وأديــب صيني كبيــر‪ُ ،‬وِلد عــام ‪ ،1899‬في‬ ‫مبكرة‪ ،‬كما أن والدته‪،‬‬ ‫سن ِّ‬ ‫بكين‪ ،‬ألســرة فقيرة‪َ .‬فَقد والده في ّ‬ ‫وحدهــا‪ ،‬كانت تعيل األســرة‪ ،‬من نقــود تتقاضاها نظير العمل‬ ‫بغسيل المابس‪ .‬قضى «الوشه» طفولة صعبة وحياة قاسية‪،‬‬ ‫وكان لذلك تأثير كبير على تغيير مجرى حياته‪ ،‬بأسرها‪َ .‬و َهب‬ ‫والفّن‪ .‬وفي عام ‪ُ ،1951‬منح لقب «فنّان‬ ‫حياته كلّها لخدمة األدب َ‬ ‫الشــعب»‪ ،‬من ِقَبل الحكومــة الصينية في بكيــن‪ ،‬معظم أعماله‬ ‫تعكس حياة أبناء شعبه من الطبقة الكادحة‪ ،‬وطموحاتهم‬ ‫المعلِّمين‪ ،‬فــي بكين‪.‬‬ ‫تخــرج «الوشــه» عــام ‪ 1918‬في جامعــة ُ‬ ‫شــغل منصــب «ناظر» فــي مــدارس مختلفة‪ ،‬وعمــل بالتدريس‬ ‫في جامعة شــان دونغ‪ ،‬وجامعة بكين‪ .‬ســافر إلى إنجلترا عام‬ ‫ّية‬ ‫‪ .1924‬وهناك‪ ،‬عمل أســتاذًا للّغة واألدب‬ ‫الصينيْين‪ ،‬في كلّ‬ ‫َّ‬ ‫اطلع «الوشه»‪،‬‬ ‫الدراسات الشرقية واإلفريقية‪ ،‬في جامعة لندن‪َّ .‬‬ ‫هذه الفترة‪ ،‬على عدد من الروايات واألعمال األدبية‪ ،‬حتى َنشر‬ ‫أول رواية له‪ ،‬تحت عنوان «فلســفة الو جانغ»‪ ،‬والتي صدرت‬ ‫َّ‬ ‫الكّتاب‬ ‫عام ‪ .1925‬تولّى «الوشــه» منصب نائب رئيس‬ ‫جمعية ُ‬ ‫ّ‬ ‫س جمعية ُكّتاب بكين‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫الصينيين‪ ،‬ورَأ َ‬ ‫‪116‬‬

‫معرض صور «الوشه»‪ ،‬ومؤلَّفاته‬

‫رحل «الوشــه» منذ وقــت طويل‪ ،‬ولم يعد لقــاؤه ممكناً‪َّ ،‬إال من‬ ‫الغنية التي تركها‪ .‬لكن‪ ،‬لم يخطر في بالي‪ ،‬وأنا‬ ‫خــال أعماله ّ‬ ‫ا من أعماله‪ ،‬أنه ســيأتي اليوم الــذي تتاح لي فيه‬ ‫أترجــم عمــ ً‬ ‫تحــول إلى متحــف صغير‪ ،‬ورؤية‬ ‫الذي‬ ‫بيته‬ ‫لزيــارة‬ ‫الفرصــة‬ ‫َّ‬ ‫مقتنياته‪ ،‬وصوره المختلفة‪ ،‬ويكون لها تأثير كبير على إدراك‬ ‫الكثير من األمور واإللمام بها‪.‬‬ ‫المــرة األخيــرة التــي زرت فيهــا بكيــن‪ ،‬بحثت عــن منزل‬ ‫فــي ّ‬ ‫ِ‬ ‫افتتح متحفاً‪ ،‬عــام ‪ ،1999‬بعدما كتبت زوجة‬ ‫«الوشــه»‪ ،‬الذي ُ‬ ‫يتبرعون‬ ‫بكين‪،‬‬ ‫مدينة‬ ‫لجنة‬ ‫سكرتير‬ ‫إلى‬ ‫رة‬ ‫مذك‬ ‫الوشه وأبناؤه ِّ‬ ‫َّ‬ ‫فيهــا بالمســكن الســابق لـــ «الوشــه»‪ ،‬وبجــزء مــن متعلّقاته‪،‬‬ ‫وصوره‪ ،‬ولوحاته‪.‬‬ ‫اشــترى «الوشه» هذا البيت بعد عودته من أميركا‪ ،‬عام ‪،1950‬‬ ‫وقضــى فيه ما يقرب مــن ‪ 13‬عام ًاً‪ .‬والجدير بالذكر أنه كتب فيه‬ ‫الكّتاب‬ ‫حوالــي ‪ 23‬عماً‪ ،‬ومســرحية‪ ،‬واســتضاف العديد مــن ُ‬ ‫الصينيين واألجانب‪.‬‬ ‫المشهورين‪ ،‬من‬ ‫ِّ‬ ‫المتفرعة عن شــارع كبيــر‪ ،‬وصلت إلى‬ ‫فــو»‬ ‫«فنــغ‬ ‫فــي حــارة‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫منزل «الوشــه» القديم‪ ،‬والــذي ُبني على طراز البيوت الصينية‬ ‫تتكون من‬ ‫ضيقــة‪َّ ،‬‬ ‫التقليديــة؛ والتــي تقــع‪ -‬غالباً‪ -‬في حــارة ِّ‬ ‫طابــق واحــد‪ ،‬منقســم إلى عّدة أقســام‪ ،‬فــي منتصفهــا باحة‪،‬‬ ‫وتتوج أشــجارها أشــعة‬ ‫تزينهــا بعــض األشــجار والنباتات‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫الشمس الذهبية‪.‬‬ ‫المؤدي إلى باحة الدار‪،‬‬ ‫أول شيء رأيته‪ ،‬عندما دخلت من الباب ّ‬ ‫ّ‬


‫المؤدي إلى الباحة‪ ،‬ولوحة السعادة «فو»‬ ‫المدخل‬ ‫ِّ‬

‫داخل باحة متحف «الوشه»‬

‫غرفة الجلوس‪ ،‬داخل بيت «الوشه»‬

‫غرفة نوم «الوشه»‬

‫كانــت لوحــة مكتوب عليها رمــز «‪ ،»和‬والذي ُينطــق بالعربية‬ ‫«فو»؛ ويعني الســعادة باللّغة الصينية‪ ،‬وقد كتبت هذه اللوحة‬ ‫السيدة «خو تجيه تشينغ»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الخطّية زوجته‪ِّ ،‬‬ ‫فــي الباحة الصغيرة شــجرتان لفاكهة الكاكي‪ ،‬زرعهما بنفســه‬ ‫عام ‪ ،1954‬تحت واحدة منهما تمثال منحوت له‪.‬‬ ‫مهمــة من تاريخ الصيــن‪ ،‬منها الحرب‬ ‫عاصــر «الوشــه» فترات ّ‬ ‫اليابانيــة الصينيــة (‪ .)1945 - 1937‬وفــي هــذه الفتــرة‪ ،‬كتب‬ ‫وت َعّد رواية «أربعة أجيال تحت‬ ‫عددًا من األعمال‬ ‫والمسرحيات‪ُ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ســقف واحــد»‪ ،‬إحدى أشــهر أعماله التي كتبها فــي أثناء حرب‬ ‫المقاومة ضّد اليابان‪.‬‬ ‫تحولت إلى معرض‬ ‫على يسار الباحة‪ ،‬كانت هناك قاعة صغيرة َّ‬ ‫لصور «الوشــه» خال مراحل حياته المختلفــة‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫أما في منتصف الباحة‪ ،‬فكانت هناك‬ ‫مؤلَّفاته وكتبه‬ ‫ّ‬ ‫الشخصية‪ّ .‬‬ ‫خاصة به‪ ،‬وإلــى جانبها غرفة نومــه‪ ،‬تحتوي‬ ‫غرفــة جلــوس ّ‬ ‫على بعض متعلِّقاته الشخصية‪.‬‬ ‫الغنــي‪ ،‬وكذلك الفقير‪ ،‬ومن أجل‬ ‫«هطــول المطر يكون من أجل‬ ‫ّ‬ ‫العادل‪ ،‬والظالــم‪ ،‬أيضاً‪ .‬في الحقيقة‪ ،‬إنه يهطل في عالم ٍ‬ ‫خال‬ ‫من العدالة»‪.‬‬ ‫تعرض «الوشــه»‪ ،‬كغيره مــن المثقَّفين‪ ،‬إلى اضهــاد في أثناء‬ ‫أما وفاته فكانت عام ‪ ،1966‬وقيل إنه‬ ‫الثورة الثقافية الكبرى‪ّ ،‬‬ ‫وضرب على‬ ‫ألقى بنفسه في بحيرة «تاي بينغ»‪ ،‬بعدما ُأهين‪ُ ،‬‬ ‫يد الحرس األحمر‪.‬‬

‫باب بيت «الوشه»‪ ،‬من الخارج‬

‫‪117‬‬


‫ﺗﺎرﻳﺦ‬

‫َّ‬ ‫العثماني‬ ‫وي‬ ‫الشعر الن ِّْس ّ‬ ‫ّ‬ ‫واملنيس‬ ‫التاريخ األلطف‬ ‫ّ‬ ‫)اﺳﻄﻨﺒﻮل( ﻋﺒﺪ اﻟﻘﺎدر ﻋﺒﺪ اﻟﲇ‬ ‫القوميون‪ ،‬عــن المرحلة العثمانية‪،‬‬ ‫المؤرخون‬ ‫لــم ينقل إلينــا‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ســوى أنهــا كانت مرحلة ســادها الظــام والجهــل‪ ،‬وأن تلك‬ ‫الدولة لم ُتفِلح في غير الحروب‪ ،‬بواسطة جيشها اإلنكشاري‪.‬‬ ‫المؤرخون‬ ‫صور لنا‬ ‫اإلســاميون المرحلة نفســها‬ ‫وبالمقابل‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫بأنهــا امتــداد للخافــة اإلســامية‪ ،‬وإحــدى مراحــل االزدهار‬ ‫ّيــة‪،‬‬ ‫ّقافيــة‪ ،‬والفنّ‬ ‫اإلســامي‪ ،‬دون الغــوص بالمنجــزات‪ :‬الث ّ‬ ‫وغيرها‪.‬‬ ‫العربيــة عن الفنون العثمانية‪،‬‬ ‫لــو بحثنا في المكتبة‬ ‫وخاص ًة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لما وجدنا شــيئ ًا‬ ‫يســتحق الذكــر‪ ،‬عــدا مقتطفات من‬ ‫ّ‬ ‫الشــعر‪ّ ،‬‬ ‫العثمانيين المنثورة في مختلف الكتب‬ ‫الساطين‬ ‫بعض‬ ‫قصائد‬ ‫ِّ‬ ‫أو الدراسات أو المقاالت‪ ،‬هنا وهناك‪.‬‬ ‫إذا كان القارئ العربي ال يعرف ّإال النذر اليســير عن الشــعراء‬ ‫العثمانيين الذكور الذين يطغون على المشــهد الشــعري‪ ،‬فماذا‬ ‫عثمانيات؟‬ ‫سيكون موقفه لو عرف أن هناك شاعرات‬ ‫ّ‬ ‫قوميين‬ ‫المؤرخين العــرب‪ ،‬بين‬ ‫لعــل‬ ‫وإســاميين‪ ،‬ســاهموا‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫بشــكل مباشــر أو غير مباشــر‪ ،‬بإبعاد األنظار عن الفنون في‬ ‫‪118‬‬

‫وفن الشــعر‪ ،‬خصوصاً‪.‬‬ ‫فالقومي‬ ‫العصــر العثمانــي‪ ،‬عموماً‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫فن في تلك‬ ‫أر َخ للمرحلــة بحيث يجعل القارئ يســتبعد وجود ّ‬ ‫َّ‬ ‫المرحلــة المظلمــة‪ ،‬و‪ -‬بالمقابــل‪-‬‬ ‫تجاهل التأريخ اإلســامي‬ ‫َ‬ ‫العربي الجانب الفنّي‪.‬‬ ‫غالبيتهــن‬ ‫هنــاك شــاعرات عثمانيــات عديــدات‪ ،‬والافــت أن‬ ‫ّ‬ ‫وكن منتسبات إلى المدرسة‬ ‫النسوية‬ ‫ْن المشاعر‬ ‫والحب‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تناول َ‬ ‫المولويــة؛ ولعــل هــذا مــا يشــير إلــى العاقــة بيــن الطريقة‬ ‫ّ‬ ‫المولوية الصوفية‪ ،‬وازدهار الشعر‪.‬‬ ‫وتشــير المصــادر التاريخية إلــى أن التدوين لــم يدخل الدولة‬ ‫العثمانيــة‪ ،‬علــى نطاق واســع‪ ،‬حتى القرن الخامس عشــر؛‬ ‫يفسر ظهور أولى الشاعرات في تلك الفترة‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫وهذا ما ِّ‬

‫زينب خاتون‪ :‬‬ ‫قاض عاشــت في القرن الخامس عشر‬ ‫قاض‪ ،‬وزوجة ٍ‬ ‫هي ابنة ٍ‬ ‫وتعرف بلقــب «رائدة الشــعر النســوي العثماني»‪،‬‬ ‫ميــادي‪ُ ،‬‬ ‫بوصفها صاحبة أقدم قصيدة وصلت إلينا‪ ،‬وقد اشتهرت ببيت‬


‫شعري‪ ،‬تقول فيه‪:‬‬

‫وسامتك وعشقي‪ ،‬جورك وصبري ال تنتهي‬ ‫تزداد‪ ،‬في الدنيا‪ ،‬بين حين وحين‪.‬‬

‫تأرجحــت الشــاعرة زينب خاتون‪ ،‬في تقديم الجانب النســوي‬ ‫ــدت رغبــات المرأة‬ ‫فع َّ‬ ‫فــي المــرأة‪ ،‬بين االنعتــاق وااللتــزام‪َ .‬‬ ‫جشــعاً‪ ،‬وفي الوقت نفســه‪ ،‬طرحت رغبة المــرأة في التملُّص‬ ‫من الوضع المهين الذي كانت تعيشــه في تلك المرحلة‪ .‬ولكي‬ ‫قدمت صورة «ذكورية» للمرأة‪،‬‬ ‫تحظى زينب خاتون بالقبول‪َّ ،‬‬ ‫فكانــت رغباتها بصــورة «ذكورية»‪ ،‬كما في شــطر البيت هذا‪:‬‬ ‫«ال تنجذبي لزينة الدنيا كالنســاء‪ ،‬يــا زينب»‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫كالرقــة والحنان‪،‬‬ ‫اعتبــار بعــض الصفــات‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة بالمــرأة‪ّ ،‬‬ ‫نفسيْين‪.‬‬ ‫ضعف ًا ونقص ًا‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫هناك قصيدة منســوبة إليها‪َ ،‬حظيت بانتشار واسع‪ ،‬عنوانها‬ ‫«غزل»‪ ،‬تختزل هذه الصفات كلّها‪ ،‬تقول فيها‪:‬‬

‫انزعي نقابك‪ ،‬ون ِ ّوري األرض والسماء‬ ‫واجعلي عناصر هذه الدنيا ج ّنة منيرة‪.‬‬ ‫ح ِ ّركي شفتيك‪ ،‬واجعلي الكوثر يفيض‬ ‫وحلّي شعرك العنبر‪ّ ِ ،‬‬ ‫وعطري الدنيا‬ ‫ِ‬ ‫مما كتبته لريح الصبا‬ ‫قال‬ ‫المميز ّ‬ ‫ّ‬ ‫اجمع ما بين هطاي والصين‪ ،‬واضبطه‪.‬‬ ‫مت في سبيل لقاء العاشق‬ ‫إذا ّ‬ ‫من يقول إنك س َّلمت روحك لنار العشق؟‬ ‫ال تنثري ِش ْع َرك كالشَّ عر المتطاير‪ ،‬يا زينب‬ ‫ال تفقدي عقلك‪ ،‬واجمعيه في ديوان‪.‬‬ ‫ال تنجذبي لزينة الدنيا كالنساء‪ ،‬يا زينب‬ ‫ثمة شهامة‪ ،‬فكوني لغة الريح وال َت َّزيَّني‪.‬‬ ‫المــؤرخ عاشــق جلبــي (‪ )1571 - 1519‬أن زينــب‬ ‫ويــروي‬ ‫ِّ‬ ‫خاتون‪ ،‬في آخر عمرها‪ ،‬انزوت‪ ،‬وهجرت الشعر‪.‬‬

‫مهري خاتون‪ :‬‬ ‫اسمها الحقيقي مهر النساء‪ ،‬أو فخر النساء (أماصيا ‪61 ،1460‬‬ ‫غالبية‬ ‫ ‪ ،)1506‬واختارت اســم «مهري» الفنّي‪ ،‬على طريقة‬‫ّ‬ ‫العثمانييــن‪ ،‬ومنهم والدها الشــــاعر محمد جلبي بن‬ ‫الشــعراء‬ ‫ِّ‬ ‫معاصرة لزينب‬ ‫يحيى الذي اّتخذ االسم الفني «بائي»‪ .‬وكانت‬ ‫ً‬ ‫خاتون‪ ،‬ويروى أن محاورات شعرية جرت بينهما‪.‬‬ ‫الفــن واألدب التي‬ ‫لــم‬ ‫تتزوج‪ ،‬وكانــت مواظبة علــى مجالس ّ‬ ‫َّ‬ ‫كان الســلطان بيازيــد الثاني يدعو إليها عندمــا كان والي ًا على‬ ‫أماصيا‪ ،‬وكذلك ابنه األمير أحمد‪.‬‬ ‫وتميزت بين الشاعرات العثمانيات األخريات‬ ‫اشتهرت بجمالها‪َّ ،‬‬ ‫جرأة بتناول مواضيع العشــق‪ ،‬وهناك‬ ‫منهن‬ ‫ً‬ ‫بأنها كانت أكثر ّ‬ ‫روايات عن عشقها للشاعر نجاتي بيك‪ .‬وهناك من تقفّى‪ ،‬في‬

‫مؤيد زادة‪،‬‬ ‫قصائدها‪ ،‬آثار عشــقها ٍّ‬ ‫لكل من عبد الرحمن جلبي َّ‬ ‫وإسكندر جلبي سنان باشا زادة‪.‬‬ ‫ُطِبع ديوانها عام ‪ ،1967‬في موسكو‪.‬‬ ‫من شعرها‪ ،‬بعنوان «غزل»‪:‬‬

‫ُ‬ ‫وفي ًا‬ ‫كنت أم ّني النفس بأن تكون عاشق ًا ّ‬ ‫كيف لي معرفة أنك ستكون مجافي ًا؟‬ ‫علي‬ ‫قص َ‬ ‫ما َّ‬ ‫رت بتطبيق قواعد الجور ّ‬ ‫َّ‬ ‫سامحتك؛ فهذا حقّ الصداقة‪ ،‬وليس لدي أ كثر‪.‬‬ ‫عندما تقع في العشق‪ ،‬يوم ًا‪ ،‬ستعرف‬ ‫ما عانيته على طريق العشق‪ ،‬يا صديقي‪.‬‬ ‫قيدك الله‪ -‬أمنيتي‪:‬‬ ‫لم تسمع‪ ،‬أيّها القلب‪َّ -‬‬ ‫أن ُتشنق بخصلة من شعره‪ ،‬أخير ًا‬ ‫أوقعتني في العشق‪ ،‬وأنا ح ّرة طليقة‬ ‫ْ‬ ‫اسقط في العشق مثلي‪ -‬أيض ًا‪ -‬لكي أراك ‪.‬‬ ‫ال أدعو عليك‪ ،‬ولكن أتم ّنى من الله‬ ‫يد ْي مجافي ٍة مثلك‪.‬‬ ‫تقع بين َ‬ ‫أن َ‬ ‫وقعنا بما يجعلك تدعو على عد ِ ّوك‬ ‫ّ‬ ‫كحظ مهري‪.‬‬ ‫بقول‪ُ :‬جعِل حظّ ك‬

‫حبّي خاتون‪ :‬‬ ‫واحدة من أعام الشــعر التركي الكاسيكي في القرن السادس‬ ‫عشر (كانت وفاتها‪ -‬احتماالً‪ -‬عام ‪ )1590‬في إسطنبول‪ .‬وهي‬ ‫تمثِّل الشعر النسوي في عهد السلطان سليمان القانوني‪ .‬وهي‬ ‫مــن أماصياً‪ ،‬أيضاً‪ .‬اســمها الحقيقي عائشــة‪ ،‬وقد اســتخدمت‬ ‫«حبي»‪.‬‬ ‫ّي ًا هو ّ‬ ‫اسم ًا فنّ‬ ‫هي زوجة شمسي جلبي‪ ،‬شقيق سليمان القانوني بالرضاع‪.‬‬ ‫حبي من القصر‪ ،‬حيث وجدت وسط ًا‬ ‫قربت عائشة ّ‬ ‫هذه العاقة ّ‬ ‫المدرســين في عصرها‪،‬‬ ‫ثقافيــاً‪ ،‬وتلقَّت دروســ ًا من مشــاهير‬ ‫ِّ‬ ‫وأجادت اللّغة‬ ‫العربية‪ ،‬وعملت نديمة للسلطان سليم الثاني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وللسلطان مراد الثالث‪ ،‬من بعده‪.‬‬ ‫يضم أكثر من ثاثة آالف بيت من الشعر‪.‬‬ ‫تركت ديوان ًا ّ‬ ‫ممن ســبقوها‪،‬‬ ‫يرى كثير من النقّاد أن منزلتها الشــعرية أعلى َّ‬ ‫تفوقــت عليهــا‪ ،‬بتناول المشــاعر‬ ‫وثّمــة مــن يــرى أن مهــري َّ‬ ‫فثمة لمســة ذكورية في قصائد‬ ‫النســوية بأســلوب شــاعري؛ ّ‬ ‫حبي خاتون‪ ،‬كما في األنموذج اآلتي‪:‬‬ ‫ّ‬

‫بذل المجاهدون أموالهم وأرواحهم في طريق الحقّ‬ ‫ونزلوا إلى ساحات الوغى ليحظوا بلقاء الله‪.‬‬ ‫ضحوا بأنفسهم فكانوا عبيد الله المحبوبين المق َّربين‬ ‫ّ‬ ‫ضحوا برؤوسهم وأرواحهم في ميدان الحقّ ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ثَمِ ل المجاهدون بشراب العشق في سبيل الله‬ ‫وس َم ْوا إلى مجلس الخالدين‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫وقدموا أرواحهم للحبيب‪َ ،‬‬ ‫‪119‬‬


‫وحبه‬ ‫اندفعوا في سبيل نشر توحيد الله‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأراقوا دماءهم طواعي ًة في طريقه‪.‬‬ ‫كحلي عينيك بتراب طريق المجاهدين‬ ‫حبي‪ّ ،‬‬ ‫يا ِ ّ‬ ‫فقد حظوا بحسنات ال ُت َع ّد وال تحصى‪.‬‬

‫صدقي خاتون‪ :‬‬ ‫هي َأمة اهلل‪ ،‬الشاعرة التي عاشت في النصف الثاني من القرن‬ ‫ِّيت عــام ‪ ،)1703‬وهي ابنة قاضي عســكر‬ ‫الســابع عشــر (توفَ‬ ‫الدولــة العثمانية‪ .‬أختها‪ ،‬فائزة خانم‪ ،‬شــاعرة‪ ،‬أيضاً‪ ،‬لكنها‬ ‫تحظ بالشهرة التي حظيت بها صدقي‪.‬‬ ‫لم َ‬ ‫انتســبت صدقــي خاتــون إلــى الطريقــة الصوفيــة البيرمية؛‬ ‫وهــذا ما جعلهــا تكتب قصائد مديح هلل وللرســول‪ .‬لديها ثاث‬ ‫مجموعات شــعرية لم ُتطبع‪ ،‬وهي‪ :‬الديوان‪ ،‬أنوار الشــباب‪،‬‬ ‫مجموع الخيال‪.‬‬ ‫من شعرها‪:‬‬

‫ال يم ّر أسبوع دون أن يستقبلني طريقك‬ ‫أئن ّ‬ ‫كل صباح‪.‬‬ ‫لع َّلك أنت من يجعلني ّ‬ ‫هل يمكن تجاوز فراق بعيد بالحيطة منه؟‬ ‫أنت من جعلني أعجب بجمالك المن ِ ّور‪.‬‬

‫آني خاتون‪ :‬‬ ‫ِّيت في منطقة فنار‪ ،‬من إسطنبول‪،‬‬ ‫تاريخ والدتها مجهول‪ ،‬توفَ‬ ‫عام ‪ ،1710‬اســمها الحقيقي فاطمة‪ ،‬وهــي ابنة عائلة مثقّفة‪،‬‬ ‫حظيــت بثقافة واســعة‪ ،‬جعلتهــا ُتلقَّب بـ«خوجة النســاء» أي‬ ‫العربية‪ ،‬وقرأت اآلداب الشرقية واآلداب‬ ‫معلِّمة النساء‪ .‬تعلَّمت‬ ‫ّ‬ ‫الغربيــة‪ُ .‬يــروى أن لها ديوانــاً‪ ،‬لكنه لم يصــل إلينا‪ ،‬وعرفت‬ ‫الخط العربي‪.‬‬ ‫بمهارتها في كتابة ّ‬ ‫من شعرها‪:‬‬

‫الهم‪ ،‬ويئست‬ ‫تعطلت سفينة القلب في بحر‬ ‫ّ‬ ‫وراح قبل أن يترك زمن ًا من أجل الحزن‪.‬‬ ‫يئن دون دواء‪ ،‬منذ أن وقع في عشقك‬ ‫قلبي ّ‬ ‫وبقي في أوَّل الطريق دون أن يصرخ لحاله‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫أ ّلا يعرف لماذا‬ ‫يتذكر قيس ًا‪ ،‬أحيان ًا؟‬ ‫لقد فقد نفسه‪ ،‬وراح دون أن يجد الطريق‪.‬‬

‫فتنة خانم‪:‬‬ ‫‪،)1780‬وت َعــّد أكثــر‬ ‫اســمها الحقيقــي زبيــدة (وفاتهــا عــام‬ ‫ُ‬ ‫غنية‬ ‫بيئة‬ ‫فــي‬ ‫نشــأت‬ ‫الشــاعرات المعاصــرات لفت ًا لانتباه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫األدبية‪ُ .‬عِرفت‬ ‫بالشــعراء والمثقّفين‪ ،‬وانخرطت في األوســاط‬ ‫ّ‬ ‫وخاصة الطرائف التي تدور‬ ‫بروح السخرية وسرعة البديهة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ــكل من راغب باشا قوجا‪ ،‬والشاعر‬ ‫المش َّ‬ ‫حول محيطها الضيق َ‬ ‫حشمت‪.‬‬ ‫‪120‬‬

‫مهري خاتون‬

‫لــم يكن زوجهــا الدرويش محمد أفندي منســجم ًا مــع طبيعتها‬ ‫ــب َب‬ ‫وروحهــا الرهيفــة‪ ،‬كمــا أنــه ال يقــّدر الشــعر؛ وهذا ما َس َّ‬ ‫اشتهِرت على نطاق واسع‪ ،‬تقول‬ ‫تعاستها‪ .‬لها كلمات أغنية‪ُ ،‬‬ ‫فيها‪:‬‬

‫أوهنتني بهمومك‪.‬‬ ‫قل لي‪ :‬ألن ترحمني‪ ،‬يا ظالم؟‬ ‫ْ‬ ‫عيني بالسيالن‪.‬‬ ‫أمرض َت‬ ‫َّ‬ ‫قل لي ألن ترحمني‪ ،‬يا ظالم؟‬ ‫يا ُ‬ ‫نبيل وردة الروح النضرة‬ ‫ِ‬ ‫هم الشفتين‪ ،‬دواء ل ّلسان‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫الميت‪.‬‬ ‫بنات نعش روح للعشق ِ ّ‬ ‫قل لي‪ ..‬ألن ترحمني‪ ،‬يا ظالم؟‪.‬‬ ‫يرددونها‪ ،‬وحظيت بشــهرة‬ ‫وهناك قصيدة‪ ،‬مازال المطربون ِّ‬ ‫واسعة أيضاً‪ ،‬تقول بعض مقاطعها‪:‬‬

‫يحم ّر ز ّر الوردة عندما يضحك‬ ‫ّ‬ ‫تلتف خصلة الشعر ينحني الزنبق‪.‬‬ ‫وحين‬ ‫عندما ِّ‬ ‫تسددين نظرتك لصيد الصقر‬ ‫يقع في العشق‪ ،‬حتى طائر الفينيق‪.‬‬ ‫عندما يسقط دمع القلب الطائش كالندى‬ ‫تضحك أزرار الورد‪ ،‬وتتف َّتح ‪.‬‬ ‫خدك‬ ‫عندما تس ّرحين شعرك الفاحم‪ ،‬ويلمس َّ‬


‫زينب خاتون‬

‫تتل ّوى ّ‬ ‫كل شعرة من خزنة الجمال‪.‬‬ ‫يا فتنة‪ ،‬إذا أردت أن تموتي عشق ًا‬ ‫فال تبعدي من أمام باب بيت حبيبك‪.‬‬

‫ليلى خانم‪:‬‬ ‫هــي ابنــة حميــد أفنــدي مورلــي زادة‪ ،‬وابنــة أخــت الشــاعر‬ ‫عزت كتشــة جــي زادة‪ ،‬وقــد توفيت‬ ‫العثمانــي الشــهير المــا ّ‬ ‫طفلــة‪،‬‬ ‫تزال‬ ‫مــا‬ ‫وهي‬ ‫عــام ‪ .1848‬فقــدت والدها‬ ‫وز ِّوجت في‬ ‫ُ‬ ‫األســبوع‬ ‫من‬ ‫ضت‪،‬‬ ‫تعر‬ ‫األول‪ ،‬للقمع من‬ ‫ّ‬ ‫الفترة نفســها‪ ،‬لكنها َّ‬ ‫ِقَبــل زوجهــا‪ ،‬ما دفعها إلى طلــب الطاق‪ .‬تلقّت دروســ ًا على‬ ‫ــرف عنها أنها‬ ‫يد شــعراء مشــهورين‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وع ِ‬ ‫إضافة إلــى خالها‪ُ ،‬‬ ‫جيدة بنساء القصر‬ ‫عاقة‬ ‫وعلى‬ ‫واســعة‪،‬‬ ‫شــاعرة ذات ثقافة‬ ‫ِّ‬ ‫العثماني‪ .‬اشــتهرت بســرعة البديهــة والمرح‪ ،‬وانتســبت إلى‬ ‫الطريقة المولوية‪.‬‬ ‫لفتــت األنظــار بجــرأة تناولهــا المشــاعر النســوية‪ ،‬ويمكــن‬ ‫متحررة بالنســبة إلــى الظروف التي عاشــت فيها‪.‬‬ ‫اعتبارهــا‬ ‫ِّ‬ ‫وكانت شــاعرة كثيرة اإلنتاج‪ ،‬بســبب وجودها في األوســاط‬ ‫مستمر‪ .‬لها ديوان شعري‪.‬‬ ‫األدبية‪ ،‬بشكل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من شعرها‪:‬‬

‫مع هبوب النسيم‪ ،‬من جهة الكعبة‪َّ ،‬‬ ‫كل َس َحر‪،‬‬ ‫يتناهى العنبر إلى أنف العاشق من خصلة شعرها‬ ‫أطلقْ سهم الرموش على القلب الجريح‪.‬‬ ‫الغم‪ ،‬يا نديم‪.‬‬ ‫ليكن لساني حزين ًا في زاوية ّ‬

‫يحترق الوجه‪ ،‬حتى الموت‪ ،‬بهذا العشق‪ ،‬لي ً‬ ‫ال نهار ًا‪.‬‬ ‫ألم غير هذا الجرح القديم؟‬ ‫أليس لي ٌ‬ ‫تخفْ ني بالعنف‪.‬‬ ‫ازهد‪ ،‬وال ِ‬ ‫ْ‬ ‫وما نار جه َّنم مقارن ًة بنار عشقي؟‬ ‫ال طمأنينة لنا حتى لو ك ّنا في روضة؛‬ ‫فعشقنا يجعلنا نقيم في مدخنة موقد َح ّمام‬ ‫لقد ظلمت ليلى كثير ًا‪ ،‬اليوم‪ ،‬يا ملك الدنيا‪.‬‬ ‫حاسب حساب ًا عسيرا‪.‬‬ ‫سنقف مع ًا يوم الحشر‪ ،‬و ُت َ‬

‫ازدهار الشعر النسوي‪ :‬‬ ‫مــع بدايــة القرن التاســع عشــر‪ ،‬ازداد عــدد الشــاعرات‪ ،‬كما‬ ‫تأثيرهــن‪،‬‬ ‫ازداد‬ ‫ــة فــي النصــف الثاني منــه‪ ،‬مع بدء‬ ‫وخاص ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ــميت «التنظيمات»‪.‬‬ ‫س‬ ‫التي‬ ‫العثمانية‪،‬‬ ‫الدولة‬ ‫في‬ ‫اإلصاحــات‬ ‫ُ ِّ‬ ‫وقــد واكبــت الشــاعرات التأثيــرات الحداثية التي طــرأت على‬ ‫الشعر في تلك الفترة من تبسيط اللّغة والتعبير‪ .‬وبرزت‪ ،‬من‬ ‫منهن الشــاعرة شــريفة‬ ‫ذكر ّ‬ ‫بين شــاعرات تلك الفترة‪ ،‬ثلّة‪ُ ،‬ي َ‬ ‫خانــم (إســطنبول‪ ،)1861 – 1809 ،‬وقــد ُطِبــع ديونهــا بعد‬ ‫وفاتها عام ‪ .1867‬والشــاعرة الســلطانة عادلة (إســطنبول‪،‬‬ ‫‪ )1898 – 1825‬وهي أخت السلطان عبد الحميد ابنة السلطانة‬ ‫زرنيغار‪ ،‬إحدى زوجات الســلطان محمود الثاني‪ ،‬والشــاعرة‬ ‫توحيــدة خانم (مانيســا‪ ،)1902 – 1847 ،‬وقد عاشــت حياة‬ ‫واألم‪ ،‬وروت حياتها في ديوان‪،‬‬ ‫مؤلمــة‪ ،‬عرفت فيها ُيْتم األب ّ‬ ‫من المتوقَّع أنها كتبته عام ‪.1881‬‬ ‫‪121‬‬


‫ﻣﻠﻒ ﺧﺎص‬

‫الفيلم الوثائقي الفلسطيني‪..‬‬

‫جدل التجارب‬ ‫ملف من إعداد‪:‬‬ ‫محمد محمود البشتاوي‬ ‫بكراً؛‬ ‫في فلسـطين تحديداً‪ ،‬كان االشـتباك مع الصورة ُم ِّ‬ ‫الوسيلة األكثر تأثيرًا في معركة الصراع‪ ،‬واألكثر‬ ‫إذ إنها‬ ‫ُ‬ ‫قـدرة علـى الحشـد‪ ،‬والتعبئـة‪ ،‬فلجـأت فـي سـبيل ذلـك‬ ‫ً‬ ‫«الحركة الصهيونية»‪ ،‬ومنذ تأسيسها‪ ،‬إلى ماكينة الدعاية‬ ‫المصـورة‪ ،‬فيلمـ ًا وفوتوغرافـاً‪ ،‬إلثبـات حـق اليهـود فـي‬ ‫َّ‬ ‫أرض كنعان‪ ،‬فأنتجت فيلم «صبار» عام ‪1932‬م‪ ،‬وفيلم‬ ‫«هـذه هـي األرض» عـام ‪1935‬م‪ ،‬وغيرهمـا مـن األفـام‪،‬‬ ‫وألبومات الصور‪ ،‬وكان التركيز وقتها ينصب على «الحلم‬ ‫المروج لها‬ ‫الصهيوني»‪ ،‬وحقه في العبور إلى فلسـطين‬ ‫َّ‬ ‫عـاوة علـى‬ ‫كــ‪« :‬أرض بـا شـعب‪ ،‬لشـعب بـا أرض»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫تكثيـف الدعايـة ضـد العرب‪ ،‬واإلسـاءة إلى صورتهم في‬ ‫مسـارح العرض األوروبية‪.‬‬ ‫تشـكل الفيلم الفلسـطيني فـي إرهاصاته‬ ‫ً‬ ‫وخافـا لذلـك؛ َّ‬ ‫ٍ‬ ‫تقريـري‬ ‫طابـع‬ ‫األولـى‪ ،‬مـن مـادة بصريـة فيلميـة ذات‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫إخباري عام ‪1935‬م‪ ،‬عندما وثَّق المخرج إبراهيم حسن‬ ‫ٍّ‬ ‫سـرحان زيـارة الملـك سـعود بـن عبدالعزيـز آل سـعود‬ ‫إلـى القـدس ويافـا‪ ،‬في ‪ 20‬دقيقة‪ ،‬وبإمكانات بسـيطة‪،‬‬ ‫تكـن هـذه المحاولـة يتيمـة‪ ،‬إذ سـبقها قيام‬ ‫وفرديـة‪ .‬لـم ْ‬ ‫ّ‬ ‫األخويـن إبراهيـم وبـدر المـا‪ ،‬تأسـيس شـركة إنتـاج‬ ‫سـينمائي فـي فلسـطين عـام ‪1926‬م‪ّ ،‬إال أن الظـروف‬ ‫السياسـية آنـذاك‪ ،‬وما صحابها مـن اضطرابات‪ ،‬دفعت‬ ‫بهمـا نحـو اإلسـكندرية فـي مصـر‪ ،‬لينتجـا فيلمهما األول‬ ‫«قبلـة فـي الصحـراء» عـام ‪1927‬م‪.‬‬ ‫سجل أيض ًا أن االهتمام بالثّقافة البصرية في فلسطين‬ ‫وي َّ‬ ‫ُ‬ ‫متميزاً؛ فهنالك صاالت ودور‬ ‫سجل حضورًا ِّ‬ ‫قبل النكبة َّ‬ ‫العـرض المنتشـرة فـي طـول البـاد‪ ،‬وعرضهـا‪ ،‬وفـي‬ ‫ّيـة صـدرت جريـدة «الرياضـة والسـينما»‬ ‫الصحافـة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫باللّغتيـن العربيـة واإلنجليزيـة‪ ،‬ومجلـة «األشـرطة‬ ‫السـينمائية»‪ ،‬الصـادرة فـي القـدس عـام ‪1937‬م‪،‬‬ ‫وباللّغتيـن العربيـة واإلنجليزيـة‪.‬‬ ‫المصورة‬ ‫تكـن إذًا العاقـة بين الفلسـطيني والثّقافـة‬ ‫لـم ْ‬ ‫َّ‬ ‫‪122‬‬

‫يتمكن االحتال‬ ‫حديثـة‪ ،‬وال‬ ‫عمومـ ًا‬ ‫ً‬ ‫منقطعة الجذور‪ ،‬ولم َّ‬ ‫َ‬ ‫أيضـ ًا مـن تكبيل الفلسـطيني‪ ،‬ومنعه من تطويع الصورة‬ ‫ومفرداتهـا فـي حروبـه لتحريـر وطنـه‪ّ ،‬إال أن مـا حـدث‬ ‫الحقـا بعـد النكبـة‪ ،‬تمثَّـل في دخول عمليـة اإلنتاج المرئي‬ ‫ً‬ ‫فـي‬ ‫والمسـموع‬ ‫تعرجـات وتشـعبات فرضتهـا طبيعـة‬ ‫ُّ‬ ‫المرحلـة؛ بـدءًا مـن الشـتات واللجـوء القسـري‪ ،‬وصـو ًال‬ ‫إلـى الثـورة‪ ،‬والكفاح المسـلح‪ ،‬ثم االنكفاء نحو أوسـلو‪،‬‬ ‫وليس انتهاء باالنقسام السياسي الذي أضاف عبئ ًا جديدًا‬ ‫علـى كاهل الفلسـطيني‪.‬‬ ‫تكيـف الفيلـم الفلسـطيني مـع‬ ‫ومـن مرحلـة إلـى أخـرى؛ َّ‬ ‫الواقـع‪ ،‬فأصبحـت الكاميـرا‬ ‫مقرونـة بالبندقيـة في مرحلة‬ ‫ً‬ ‫الثـورة‪ ،‬والكفـاح المسـلح‪،‬‬ ‫فائضـة بمضاميـن التحريـر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫والصراع ضد العدو‪ ،‬مع جرعات زائدة من األيديولوجيا‪،‬‬ ‫والبروبوغنـدا التنظيميـة‪ ،‬ثم لينعطف اإلنتاج الحق ًا تحت‬ ‫مظلـة التجـارب الفرديـة‪ ،‬وشـركات اإلنتـاج الخاصـة‪،‬‬ ‫وصـو ًال إلـى المرحلـة الحاليـة ومـا‬ ‫تمثلـه مـن انتشـار‬ ‫ُ‬ ‫للفضائيـات الفلسـطينية‪ ،‬والعربيـة‪ ،‬والدخـول في عصر‬ ‫اإلعـام الرقمـي‪.‬‬ ‫تفرد الفيلم الفلسـطيني مضموناً‪،‬‬ ‫وطـوال فتـرة وجـوده‪َّ ،‬‬ ‫وشـكاً‪ ،‬وكسـر حاجـز التوقعـات في قدرته علـى الصمود‬ ‫تكيفـه مـع بيئـات مختلفـة مـن‬ ‫أمـام التحّدّيـات‪ ،‬وإمكانيـة ُّ‬ ‫العمل تحت االحتال‪ ،‬وبعيدًا عن الوطن في الشـتات‪ّ ،‬إال‬ ‫مادة مثيرة للجـدل‪ ،‬حول مفهومه‪،‬‬ ‫أنـه ورغـم ذلـك‪ ،‬بقي ً‬ ‫وقيمـه‬ ‫وأسـاليبه التعبيريـة‪،‬‬ ‫ّيـة‪ ،‬والمضاميـن التـي‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫فثمة في هذا الصدد ِعّدة مدارس‪ ،‬ورؤى‪ ،‬ومشارب‬ ‫ِّ‬ ‫يقدمها؛ ّ‬ ‫ّيـة‪ ،‬والجغرافيـا‪ ،‬والموقـف‬ ‫تتنـوع حسـب التجربـة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫كل‬ ‫مرحلـة بيـن‬ ‫السياسـي‪ ،‬األمـر الـذي ُيعيـد النقـاش فـي ّ‬ ‫صنَّـاع الفيلـم‪ ..‬إلـى الواجهـة؛ وهـذا مـا قامـت بـه مجلـة‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫«الدوحة»‪ ،‬إذ جمعت في هذا الملف‪ ،‬آراء‬ ‫صنَّاع‬ ‫نخبة من ُ‬ ‫الفيلـم الفلسـطيني‪ ،‬ونقَّـاده‪ ،‬مثَّلـت مختلـف األجيال‪ ،‬منذ‬ ‫زمـن الثـورة‪ ،‬وحتـى اليوم‪.‬‬


‫أربع مغالطات في‬ ‫اإلنتاج الوثائقي‬ ‫الفلسطيني‬ ‫«الــمــضــمــون الــجــديــد» ح ــول فلسطين ‬ ‫ُمــتــاح وض ـ ــروري‪ ..‬والــمــســكــوت عنه أكبر ‬ ‫شر أو تم بثه‬ ‫بكـــثير مما قِيل أو نُ ِ‬

‫روان الضامن‬

‫ثـ ــبـ ــت بـ ــالـ ــتـ ــجـ ــربـ ــة أن الـ ــوثـ ــائـ ــقـ ــيـ ــات ‬ ‫الــفــلــســطــيــنــيــة ال ــص ــادق ــة حــيــن تــتــرجــم ‬ ‫لإلنجليزية تحظى باهتمام دولي واسع‪ ،‬‬ ‫دون أي ســعــي وراء تضمين «الــصــوت ‬ ‫الصهيوني» و«األكاذيب الصهيونية»‬

‫روان الضامن*‬ ‫بدأ برنامج «فلسطين تحت المجهر» إنتاج ًا‬ ‫وبثـ ًا على قنـاة الجزيرة اإلخبارية أواخر‬ ‫‪ ،2003‬وذلك بعد أن كان برنامج «تحت‬ ‫المجهـر» قـد بـدأ إنتاجـ ًا وبثـ ًا علـى قنـاة‬ ‫الجزيرة اإلخبارية أواسـط عـام ‪.1998‬‬ ‫وقـد قمـت بإعـداد وإخراج سلسـلة النكبة‬ ‫الوثائقيـة (‪ 4‬سـاعات) لتبـث علـى قنـاة‬ ‫الجزيـرة اإلخباريـة باللّغة العربية ألول‬ ‫مـرة عـام ‪ ،2008‬وهـي السلسـلة التـي‬ ‫ّ‬ ‫ُتْر ِجَم ْت إلحدى عشرة لغة هي‪ :‬اإلنجليزية‬ ‫والبوسـنية والتركيـة والفرنسـية‬ ‫واإليطاليـة واإلسـبانية والبرتغاليـة‬ ‫واأللمانيـة والصينيـة والروسـية ولغـة‬ ‫اإلشارة‪ ،‬وبثتها الحق ًا ِعّدة فضائيات في‬ ‫العديـد مـن المهرجانات وحصـدت جوائز‬ ‫دوليـة وعربيـة‪.‬‬ ‫وبعيـد بـث سلسـلة النكبـة بالعربيـة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫اسـتلمت تحريـر وإنتـاج برنامـج «تحـت‬

‫ثـم برنامـج «فلسـطين تحـت‬ ‫المجهـر»‪ّ ،‬‬ ‫المجهـر» منـذ صيـف ‪ 2008‬إلـى صيـف‬ ‫‪ ،2016‬وأصبحـت أشـرف بشـكل يومـي‬ ‫علـى حلقـات البرنامجيـن الذيـن تحـوال‬ ‫لـدورة بـث أسـبوعية خـال السـنوات‬ ‫الثـاث األخيـرة مـن عمرهمـا ‪- 2013‬‬ ‫‪ .2016‬ولـذا مـن واقـع متابعتـي اليومية‬ ‫لألفام الوثائقية الفلسـطينية على مدى‬ ‫ثمانـي سـنوات يسـعدني أن أكتـب مقـال‬ ‫الـرأي هـذا بعنـوان «أربـع مغالطـات فـي‬ ‫اإلنتـاج الوثائقـي الفلسـطيني» لملـف‬ ‫«الفيلـم الوثائقي الفلسـطيني»‪ ،‬شـاكرة‬ ‫القائمين على مجلة «الدوحة» الهتمامهم‬ ‫بهـذا الموضوع الذي تندر الكتابة حوله‪،‬‬ ‫ولمبادرتهم باستكتابي‪ .‬جميع العناوين‬ ‫المذكـورة أدنـاه هـي حلقـات وثائقيـة‬ ‫ُبثَّْـت ضمـن برنامجـي «تحـت المجهـر»‬ ‫و«فلسطين تحت المجهر»‪ ،‬وفي هوامش‬ ‫المقال الروابط للحلقات الكاملة متوافرة‬ ‫علـى اليوتيـوب للمشـاهدة والدراسـة‪.‬‬

‫أربع مغالطات‬ ‫أثنـاء عملـي الوثائقـي كمخرجة ومنتجة‬ ‫عدة‪ ،‬ومن خال احتكاكي اليومي عن‬ ‫وم َّ‬ ‫ُ‬ ‫قـرب مع عشـرات المخرجيـن والمنتجين‬ ‫والفـرق الميدانيـة العاملـة علـى حلقـات‬ ‫صورت‬ ‫وثائقية عن القضية الفلسطينية َّ‬ ‫داخل فلسـطين التاريخية وفي الشتات‪،‬‬ ‫تتكرر من‬ ‫هناك أربع مغالطات سـمعتها َّ‬ ‫وأود‬ ‫صنَّاع اإلنتاج الوثائقي الفلسطيني‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫الـرد عليها باألمثلة العملية‪.‬‬ ‫ّ‬

‫المغالطة األولى‪ :‬من «الصعب»‬ ‫اإلتيان بـ«زاوية معالجة» جديدة‬ ‫لمواضيع عن فلسطين‪ ،‬فقد ُأنتجت‬ ‫وقِت َل‬ ‫مئات األفام عن فلسطين ُ‬ ‫الموضوع بحثاً‪.‬‬

‫ثبـت لي بالتجربة أن «المضمون الجديد»‬ ‫حـول فلسـطين متـاح وضـروري‪ .‬وأن‬ ‫المسـكوت عنـه أكبـر بكثيـر ممـا ِقيـل أو‬ ‫‪123‬‬


‫ُن ِشَر أو َتّم بثّه‪ ،‬ليس فقط «المعالجة أو‬ ‫الزاوية» يمكن أن تكون جديدة‪ ،‬لكن حتى‬ ‫«الموضوع نفسه»‪ ،‬وكذلك طريقة الرواية‬ ‫وطريقـة العرض األرشـيفي والصوري‪،‬‬ ‫يقـدم بطريقة جديدة‬ ‫كلّـه يمكـن دائمـ ًا أن ِّ‬ ‫تثير اهتمام المشاهد والمتابع والباحث‪.‬‬ ‫فحين أعددت وأخرجت سلسلة النكبة(‪)1‬‬ ‫ أربـع سـاعات وثائقيـة ‪ -‬عـام ‪2008‬‬‫(عـن قصـة فلسـطين منـذ عـام ‪ 1799‬إلى‬ ‫ثـم سلسـلة أصحاب البـاد(‪-)2‬‬ ‫اليـوم)‪ّ ،‬‬ ‫خمـس سـاعات وثائقيـة‪ -‬عـام ‪2010‬‬ ‫‪124‬‬

‫(عـن قصـة فلسـطيني الداخـل منـذ عـام‬ ‫ثـم سلسـلة ثمـن‬ ‫‪ 1948‬إلـى اليـوم(‪ّ ،)3‬‬ ‫أوسـلو(‪ -)4‬سـاعتان وثائقيتـان‪ -‬عـام‬ ‫‪( 2013‬عـن قصـة المفاوضـات السـرية‬ ‫بيـن منظمـة التحريـر وحـزب العمـال‬ ‫اإلسرائيلي منذ ‪ 1974‬إلى اليوم)‪ ،‬وحلقة‬ ‫المّر(‪ )5‬عام ‪2009‬‬ ‫تحت المجهر‪ -‬السام ُ‬ ‫(حول المفاوضات المصرية‪ -‬اإلسرائيلية‬ ‫في كامب ديفيد في السبعينيات) اكتشفت‬ ‫أثنـاء إعـداد هـذه السـاعات الوثائقيـة‬ ‫وبعـد بثهـا أنـه لم يكن هناك أي سلسـلة‬

‫أرشيفية فلسطينية تتناول قصة ما قبل‬ ‫النكبـة عام ‪ 1948‬منـذ ‪ ،1799‬وتخطيط‬ ‫المشروع الصهيوني في القرنين التاسع‬ ‫عشـر والعشـرين لطرد الفلسـطينيين أو‬ ‫تفاصيـل التطهيـر العرقي للفلسـطينيين‬ ‫ميدانيـ ًا خـال ‪ ،1949 - 1947‬ولـم يكـن‬ ‫هناك أي فيلم وثائقي فلسطيني يتناول‬ ‫بشـكل متكامـل إشـكاليات فلسـطينيي‬ ‫الداخـل (مئـة وسـتين ألفـ ًا عـام ثمانيـة‬ ‫وأربعيـن‪ ،‬أصبحـوا اليـوم يزيـد عددهـم‬ ‫علـى مليـون ونصـف المليون فلسـطيني‬


‫فرضـت عليهـم الجنسـية اإلسـرائيلية)‪،‬‬ ‫ولـم يكـن هنـاك أي فيلـم وثائقـي يحكي‬ ‫قصـة دور حـزب العمـال النرويجـي فـي‬ ‫الوسـاطة بين حزب العمال اإلسـرائيلي‬ ‫ومنظمـة التحريـر الفلسـطينية منذ كانت‬ ‫في بيروت في السبعينيات‪ .‬ولم يعرض‬ ‫أرشيف مفاوضات كامب ديفيد عام ‪1978‬‬ ‫علـى أي قنـاة مـن قبـل‪ ،‬وكان تراكم هذه‬ ‫مذهـا لـي علـى الصعيديـن‬ ‫االكتشـافات‬ ‫ً‬ ‫الشـخصي والمهنـي‪ ،‬وفاضحـ ًا لنقـص‬ ‫غير عادي في زوايا المعالجة في األفام‬ ‫الوثائقية الفلسـطينية‪.‬‬ ‫ولـذا حرصـت فـي عملـي علـى حلقـات‬ ‫فلسـطين تحـت المجهـر علـى تشـجيع‬ ‫المخرجيـن الفلسـطينيين أن يتناولـوا‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل‬ ‫مختلف أجزاء القضية الفلسطينية‬ ‫كل «موضـوع» فلسـطيني‬ ‫جديـد‪ ،‬وأن ّ‬ ‫يسـتحق أن‬ ‫يتحـول لـ«وثائقـي» فـي‬ ‫ّ‬ ‫زمـن أصبحـت القـراءة حكرًا علـى الِقلَّة‪،‬‬ ‫وأصبح الوثائقي الجاد وسيلة الوصول‬ ‫لكل الفئات‪ .‬ومن أمثلة‬ ‫المعمقة ّ‬ ‫بالمعلومة ّ‬ ‫ذلـك فيلـم «اغتيـال المدينـة»(‪ )6‬للمخرج‬ ‫رامـز قزمـوز عـام ‪ ،2011‬والـذي يتنـاول‬ ‫المخطـط الصهيونـي الغتيـال المدينـة‬ ‫الفلسـطينية مثل يافا وحيفا‪ ،‬واسـتمرار‬

‫حصـار واغتيـال المدينـة العربيـة األبـرز‬ ‫وردًا بالوثائـق‬ ‫فـي الجليـل‪ :‬الناصـرة‪ّ ،‬‬ ‫واألرشـيف وشـهود العيان على الرواية‬ ‫الصهيونيـة أن الفلسـطينيين لـم يعرفـوا‬ ‫المدنيـة قبـل ‪ .1948‬وقـد صنـع المخـرج‬ ‫بـال يوسـف في فيلمـه «ضد التيـار»(‪)7‬‬ ‫عـام ‪ 2013‬زاويـة جديـدة برسـم صـورة‬ ‫فلسـطين مـن عيـون صحافي إسـرائيلي‬ ‫يكتـب عـن فلسـطين منـذ الثمانينيات هو‬ ‫الصحافـي جدعـون ليفـي‪ ،‬والـذي يدعـو‬ ‫الفلسـطينيين فـي الفيلـم إلـى االنتفاضة‬ ‫على المحتل اإلسرائيلي الذي يصفه ليفي‬ ‫أصـا وأكثـر‬ ‫بأنـه ال يـرى الفلسـطيني‬ ‫ً‬ ‫مـا يزعجـه أن يطلـب منـه أحـد أن يضـع‬ ‫طورته‬ ‫نفسه مكان الفلسطيني‪ .‬وهو ما ّ‬ ‫المخرجـة تشـارلوت برونـو فـي حلقتهـا‬ ‫الوثائقيـة مـن «فلسـطين تحـت المجهـر»‬ ‫بعنوان «المستنقع»(‪ )8‬عام ‪ 2013‬والتي‬ ‫أبطالها جنود إسـرائيليون بعضهم خدم‬ ‫ثم اختار الهجرة العكسية عن‬ ‫في الجيش ّ‬ ‫إسـرائيل إلـى الهنـد أو ألمانيا‪ ،‬وبعضهم‬ ‫رفض أن يكون جندي احتال إسرائيلي‪.‬‬ ‫زاويـة أخـرى جديـدة أبـدع فيهـا المخـرج‬ ‫أحمد الضامن عام ‪ 2013‬في فيلم «الحج‬ ‫المحـرم»(‪ )9‬التـي تنـاول فيهـا األكاذيـب‬ ‫الصهيونية تجاه الحج المسيحي وخداع‬

‫إسـرائيل لماييـن الحجـاج المسـيحيين‪.‬‬ ‫وكذلك المخرج أشـرف المشـهراوي حين‬ ‫وثَّق بصري ًا وباألدلة اسـتخدام إسـرائيل‬ ‫للفلسـطينيين دروعـ ًا بشـرية فـي فيلمـه‬ ‫«الـدروع البشـرية»(‪.)10‬‬

‫كل األفام‬ ‫المغالطة الثانية‪ّ :‬‬ ‫الوثائقية الفلسطينية بكائية و‪/‬أو‬ ‫حزينة‬

‫وقـد ثبـت أن هـذا أمـر غيـر سـليم‪ ،‬ففـي‬ ‫كثير من أفام «فلسطين تحت المجهر» تم‬ ‫تنـاول القصـص بطريقة إنسـانية تجعل‬ ‫المشـاهد يتسـلح بالقـوة التـي تأتـي مـن‬ ‫األمـل‪ ،‬وأن ال حاجة السـتدرار العواطف‬ ‫الجياشـة ليتعاطـف المشـاهد مـع قصـة‬ ‫فلسـطين‪ ،‬ما أطلق عليه أسـلوب «الناي‬ ‫الحزيـن»‪ .‬ومـن أقـوى األمثلـة علـى ذلك‬ ‫فيلـم «أقـوى مـن الـكام»(‪ )11‬للمخـرج‬ ‫مصطفـى النبيـه إنتـاج عـام ‪،2014‬‬ ‫والـذي يتنـاول تحّديـات وصمـود فئـة‬ ‫غـزة المحاصـر‪ ،‬وفيلـم‬ ‫الصـم فـي قطـاع ّ‬ ‫«غـزة تعيـش»(‪ )12‬للمخرج الفلسـطيني‬ ‫أشـرف المشـهراوي إنتـاج عـام ‪،2008‬‬ ‫والـذي يتنـاول سـبع قصـص سـعيدة‬ ‫غـزة المحاصـر‪ ،‬وكذلك‬ ‫مـن واقـع قطـاع ّ‬ ‫‪125‬‬


‫فيلـم المشـهراوي مؤخـرًا فـي ‪2015‬‬ ‫«مستشـفى الشـفاء»(‪ )13‬والـذي يتنـاول‬ ‫ِعـّدة قصـص جرحـى وطواقـم طبيـة‬ ‫غـزة‬ ‫خـال العـدوان اإلسـرائيلي علـى ّ‬ ‫عام ‪ ،2014‬والتحّديات من أجل الحياة‪.‬‬ ‫وينطبـق األمـر ذاتـه علـى فيلـم «خـارج‬ ‫األسـوار»(‪ )14‬للمخـرج أحمـد الرمحـي‬ ‫عـام ‪ ،2012‬والـذي يتنـاول‬ ‫المحرريـن‬ ‫ّ‬ ‫مـن األسـرى الفلسـطينيين واألردنييـن‬ ‫واللبنانييـن الذيـن قضـوا فـي السـجون‬ ‫اإلسرائيلية عشرات السنوات ليحكوا عن‬ ‫«الحريـة» التي‬ ‫قـدرة اإلنسـان أن يعيـش‬ ‫ّ‬ ‫وأكد على الفكرة‬ ‫لـم يـذق طعهما‬ ‫ً‬ ‫طويـا‪َّ .‬‬ ‫ذاتهـا المخـرج عايد نبعة في فيلمه «قرى‬ ‫تتحـدى الجـدار»(‪ )15‬عـام ‪ ،2013‬والذي‬ ‫رسم فيه بعدسة أخاذة الجمال معطيات‬ ‫تحـدي جدار الفصل العنصري في الضفة‬ ‫الغربيـة والسـرقة اإلسـرائيلية لـألرض‬ ‫وحصـار فضـاء الحيـاة للفلسـطينيين‪.‬‬

‫المغالطة الثالثة‪ :‬تحّديات الواقع‬ ‫الميدانية والسياسية داخل فلسطين‬ ‫تمكن من إنتاج‬ ‫وفي الشتات ال ِّ‬ ‫وقوية‬ ‫وثائقيات فلسطينية متكاملة ّ‬

‫وهـذه مغالطـة تصـدى لهـا أكثـر مـن‬ ‫مخـرج فلسـطيني‪ ،‬فأثبتـوا أن البحـث‬ ‫العميـق والجهـد الكبيـر يمكـن مـن إنتـاج‬ ‫تقدم فقط جديدًا وبعيدة عن‬ ‫وثائقيات ال ِّ‬ ‫تعمـق‬ ‫لكنهـا‬ ‫البكائيـات‪،‬‬ ‫الحـق وتتحّدى‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫كل الصعوبات‪ ،‬أذكر منهم المخرجة مريم‬ ‫ّ‬ ‫شـاهين في فيلمها السـلطة الفلسـطينية‬ ‫وآليات المحاسبة(‪ )16‬عام ‪ ،2011‬والذي‬ ‫تنـاول ملـف الفسـاد فـي بعـض مقاوالت‬ ‫السلطة الفلسطينية منذ بدايات التأسيس‬ ‫علـى األرض عـام ‪ .1994‬وكذلك المخرج‬ ‫أحمـد الضامـن عـام ‪ 2012‬حيـن صنـع‬ ‫فيلمه «الحجر األحمر»(‪ )17‬حول البيوت‬ ‫الفلسـطينية فـي القـدس الغربيـة والحق‬ ‫الفـردي الملمـوس لمنـازل مـا زالت ماثلة‬ ‫هناك يسكن فيها اإلسرائيليون‪ .‬وصحيح‬ ‫أن التصوير داخل السـجون اإلسـرائيلية‬ ‫ثـن المخـرج‬ ‫غيـر ُمتـاح‪ ،‬لكـن ذلـك لـم ُي ِ‬ ‫أشـرف المشـهراوي عـن توثيـق إضـراب‬ ‫فردي ًا‬ ‫األسـرى الفلسـطينيين عن الطعام ّ‬ ‫وجماعيـاً‪ ،‬فجـاء فيلـم معركـة «األمعـاء‬ ‫ّ‬ ‫الخاوية»(‪ )18‬عام ‪ 2014‬وثائقي ًا ودرامي ًا‬ ‫المحـررون‬ ‫تميـزاً‪ ،‬مثّـل فيـه األسـرى‬ ‫ُم ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وتّم تحويل‬ ‫أنفسـهم المشـاهد التمثيلية‪َ ،‬‬ ‫‪126‬‬

‫سجن إسرائيلي مهجور ُتِر َك في القطاع‬ ‫إلى مسـرح إلعادة التمثيل‪ ،‬وكان الدمج‬ ‫بيـن دروس التجربـة اإليرلنديـة مـع‬ ‫التجربة الفلسـطينية‪.‬‬

‫المغالطة الرابعة‪ :‬ال تستطيع‬ ‫الوثائقيات الفلسطينية أن تصل‬ ‫للجمهور الغربي ّإال إذا شملت «الرأي‬ ‫اآلخر‪ :‬الرواية الصهيونية»‬

‫وهـذه مغالطـة كبيرة‪ ،‬وخطـأ فادح وقع‬ ‫فيـه بعـض المخرجيـن الفلسـطينيين‬ ‫السـاعين وراء عـرض أفامهـم فـي‬ ‫المهرجانات والمنصات الدولية محاولين‬ ‫أن تكـون هنـاك روايتـان دائمـ ًا فـي‬ ‫أفامهـم‪ ،‬ومسـاحة للروايـة الصهيونيـة‬ ‫التـي لهـا المسـاحة الوثائقيـة والدراميـة‬ ‫الهائلة في العالم الغربي‪ .‬ثبت بالتجربة‬ ‫أن الوثائقيـات الفلسـطينية الصادقـة‬ ‫حيـن تترجم لإلنجليزية تحظى باهتمام‬ ‫دولـي واسـع‪ ،‬دون أي سـعي وراء‬ ‫تضمين «الصوت الصهيوني» و«األكاذيب‬ ‫الصهيونية»‪ ،‬ومن األمثلة على ذلك فيلم‬ ‫«غـزة الصورة األخيـرة»(‪ )19‬عام ‪2016‬‬ ‫للمخـرج عـاء العالـول‪ ،‬والتـي حـازت‬ ‫نسـختها اإلنجليزيـة اهتمـام مشـاهدي‬ ‫الجزيـرة اإلنجليزيـة بالماييـن‪ ،‬وكذلـك‬ ‫فيلـم «غـزة إننـا قادمـون»(‪ )20‬للمخـرج‬ ‫اليونانـي يورغـوس أفيريبولـوس الـذي‬ ‫حصـد الجائـزة األولـى فـي مهرجـان‬ ‫سـالونيك الوثائقـي عـام ‪،2011‬‬ ‫وذلـك لتوثيقـه وجهـة النظـر اليونانيـة‬ ‫لناشطين خططوا لكسر الحصار البحري‬ ‫غزة ونجحوا في‬ ‫اإلسـرائيلي على قطاع ّ‬ ‫ذلـك‪ .‬وقـد أثبـت موقع ريمكس فلسـطين‬ ‫التفاعلـي فـي نسـخته اإلنجليزيـة(‪،)21‬‬ ‫والـذي شـرفت بالتخطيـط لـه وقيـادة‬ ‫الفريـق التقنـي والتحريـري إلطاقه عام‬ ‫‪ ،2014‬أن األفام الوثائقية الفلسطينية‬ ‫باللّغة اإلنجليزية تحظى باهتمام مايين‬ ‫المتابعيـن علـى الفضـاء اإللكترونـي‪،‬‬ ‫خاصـة مـن الواليـات المتحـدة األميركية‬ ‫الذيـن يتعطشـون لمحتـوى فلسـطيني‬ ‫تقدمـه الشـبكات اإلعاميـة‬ ‫مختلـف عمـا ِّ‬ ‫األميركيـة خاصـة والعالميـة عامـة‪.‬‬ ‫وفـي الختـام‪ ،‬ال ُأنكـر أن التحـّدي أمـام‬ ‫صنَّاع الفيلم الوثائقي الفلسطيني هائل‬ ‫ُ‬ ‫لشـتات الشـعب واحتال األرض وتبعثر‬ ‫الرواية واألرشيف‪ ،‬لكن التحّدي ليس في‬

‫جـرد اإلشـكاليات ووصـف الصعوبـات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫للمغالطـات‬ ‫ي‬ ‫د‬ ‫التصـ‬ ‫فـي‬ ‫لكـن‬ ‫وتحمـل‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫المسؤولية في رواية قصتنا الفلسطينية‬ ‫ا ويمكن‬ ‫بأداة الوثائقي التي تعيش طوي ً‬ ‫ترجمتهـا لعشـرات اللّغـات‪ ،‬وهـي أداتنـا‬ ‫لتقديـم مـادة‬ ‫مشـوقة مبنيـة علـى مـا في‬ ‫ِّ‬ ‫بطـون الكتـب وصدور شـهود العيان‪.‬‬ ‫‪...........................................‬‬ ‫* صانعة أفام ومستشارة إعامية‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫هامش‪:‬‬

‫‪1-https://www.youtube.com/pla‬‬ ‫‪ylist?list=PL30A8F80C4E383847‬‬ ‫‪=PL30A8F80C4E383847‬‬

‫‪.2-https://www.youtube.com/playli‬‬ ‫‪st?list=PL671762C266986BE6‬‬

‫‪ - 3‬سلسلة أصحاب الباد متوافرة باللّغات‬

‫العربية واإلنجليزية واإلسبانية والبرتغالية‪.‬‬

‫‪4 - https://www.youtube.com/playl‬‬ ‫‪ist?list=PLHANtVdrBq3qfyzDnsFB82‬‬ ‫‪Wc8DHdr6pZZ.‬‬

‫‪5- https://www.youtube.com/playl‬‬ ‫‪ist?list=PLCD5A457747A13A7C.‬‬

‫‪6- https://youtu.be/n6N1fnty7eA.‬‬ ‫‪7- https://youtu.be/Sl-l0-uFgJ0.‬‬

‫‪8- https://youtu.be/KJSbg00EJNY.‬‬ ‫‪9- https://youtu.be/ZulMDK5qhBo.‬‬ ‫‪10- https://youtu.be/hydqTUSH‬‬‫‪cQ4.‬‬

‫‪11- https://youtu.be/ijK7L3lXCz0.‬‬

‫‪12- https://youtu.be/NgYf_z4O0ro.‬‬ ‫‪13- https://youtu.be/tpDZ‬‬‫‪Kx4B8C4.‬‬

‫‪14- https://youtu.be/WaLBB2kP‬‬‫‪kDw.‬‬

‫‪15- https://youtu.be/jATIsS9_swo.‬‬

‫‪16- https://youtu.be/-iFEH7EBYzs.‬‬ ‫‪17- https://youtu.be/q29Af_Sv20s.‬‬

‫‪18- https://youtu.be/K293aqf4LKk.‬‬ ‫‪19- https://youtu.be/Sql3Ml10FkU.‬‬

‫‪20- https://youtu.be/a9rGEPGpDis.‬‬ ‫‪21- http://interactive.aljazeera.‬‬

‫_‪com/aje/PalestineRemix/films‬‬ ‫‪main.html.‬‬


‫الفيلم الوثائقي‬ ‫الفلسطيني بين زمنين‬ ‫ي ــق ــع الــوثــائــقــي الفلسطيني ‬‫السينمائي مــا بــيــن زمــنــيــن؛ زمــن ‬ ‫الـ ــثـ ــورة الــمــســلــحــة‪ ،‬عــنــدمــا كــان ‬ ‫الوثائقي فيلم ًا تحريضي ًا تثويري ًا ‬ ‫دعائي ًا‪ ..‬وزمن االنحسار الذي ال مجال ‬ ‫فــيــه سـ ــوى االســتــنــجــاد بــالــصــوت ‬ ‫ال ــخ ــاف ــت‪ ،‬وال ــل ــج ــوء إلـ ــى األب ــع ــاد ‬ ‫اإلنسانية‪.‬‬

‫بشار إبراهيم‬

‫بشار إبراهيم*‬ ‫فـاز الفيلم الوثائقي الفلسـطيني القصير‬ ‫«رجـل يعـود»‪ ،‬للمخـرج مهـدي فليفـل‪،‬‬ ‫بجائزة الدب الفضي من «مهرجان برلين‬ ‫السينمائي» في دورته ‪ ،66‬مطلع العام‬ ‫نادرة للسـينما العربية‬ ‫خطـوة‬ ‫الجـاري‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫عمومـاً؛ ليسـت مألوفـة‪ ،‬وال ممكنـة أو‬ ‫متاحة في كثير من األحيان‪ ،‬ولم يستطع‬ ‫فعلها ّإال القليل من أفام السينما العربية‪،‬‬ ‫منذ عقود من الزمن‪ .‬ومهدي فليفل الشاب‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬ابن مخيم عين الحلوة‪ ،‬الذي‬ ‫ُوِل َـد وترعـرع فـي اإلمـارات‪ ،‬سـبق له أن‬

‫نال الجائزة الكبرى ألفضل فيلم وثائقي‬ ‫في «مهرجان أبوظبي السـينمائي»‪ ،‬تلك‬ ‫سـماة «اللؤلـؤة السـوداء»‪،‬‬ ‫الم ّ‬ ‫الجائـزة ُ‬ ‫أي سـينمائي‬ ‫نيلهـا‬ ‫يسـتطع‬ ‫والتـي لـم‬ ‫ّ‬ ‫عربـي آخـر‪ ،‬فـي المسـابقة الرسـمية‪،‬‬ ‫علـى مـدى ثمانـي دورات انعقدت من هذا‬ ‫المهرجان الفقيد‪.‬‬ ‫إنجاز جديد للسـينما الفلسطينية ُيضاف‬ ‫حافـا‪ ،‬بـدءًا مـن‬ ‫إلـى سـجلّها الـذي بـات‬ ‫ً‬ ‫التواجـد سـنة بعـد أخـرى علـى القائمـة‬ ‫القصيـرة ألوسـكار أفضـل فيلـم أجنبي‪،‬‬ ‫وصـو ًال إلـى المنافسـة علـى جوائـز‬ ‫فـي مسـابقات مهرجـان كان‪ ،‬وبرليـن‪،‬‬

‫وفينيسـيا‪ ،‬سـواء المسـابقات الرسمية‪،‬‬ ‫أو الموازيـة التـي تنظـر بعينـي النقَّـاد‪،‬‬ ‫أو تتطلـع إلـى «اآلفـاق الجديـدة»‪ .‬نذكـر‬ ‫هنـا النجـاح الـذي حقّقـه وثائقي «خمس‬ ‫حطمـة»‪ ،‬لعمـاد برنـاط‪،‬‬ ‫كاميـرات ُم َّ‬ ‫ووثائقـي «أنـا مـع العروسـة»‪ ،‬لخالـد‬ ‫سـليمان الناصـري‪ .‬فـاألول حقّقـه عمـاد‬ ‫برنـاط باالشـتراك مـع اإلسـرائيلي غاي‬ ‫دافيـدي‪ ،‬فـي العـام ‪ ،2011‬وأمكـن لـه‬ ‫الوصول إلى القائمة القصيرة ألوسـكار‬ ‫أفضـل فيلـم وثائقـي‪ ،‬فـي العـام ‪،2013‬‬ ‫مـع توقّعـات كانت كبيـرة بفوزه الذي لم‬ ‫يتحقّـق فـي اللحظـة األخيـرة‪ ،‬والثانـي‬ ‫‪127‬‬


‫حطمة»‬ ‫ملصق فيلم «خمس كاميرات ُم َّ‬

‫«أنا مع العروسة»‬

‫«رجل يعود»‬

‫حقّقه خالد سليمان الناصري باالشتراك‬ ‫مـع اإليطالييـن أنتونيـو أوغوليـارو‪،‬‬ ‫وتمكـن من حصد‬ ‫وغابريلـه دل غرانـده‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫العديـد مـن الجوائـز العالميـة‪ ،‬وصـو ًال‬ ‫إلـى المنافسـة النهائيـة علـى األوسـكار‬ ‫اإليطالـي‪ ،‬فـي العـام ‪.2015‬‬ ‫ال تشـابه وال تقاطعـات مـا بيـن هـذه‬ ‫ثمـة‬ ‫األفـام الوثائقيـة الفلسـطينية‪ ،‬بـل ّ‬ ‫مواضيـع ومناهـج وطرائـق وأسـاليب‬ ‫بناء وسرد مختلفة تماماً‪ ،‬تدلِّل أو ًال على‬ ‫مـدى غنـى وثـراء عالـم الفيلـم الوثائقـي‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬بسبب من الواقع الفلسطيني‬ ‫ذاتـه الـذي يعيـش تناثـرًا مـا بيـن الداخل‬ ‫الفلسـطيني‪ ،‬مـا بيـن األراضـي المحتلـة‬ ‫فـي العـام ‪ ،1948‬والضفـة الغربيـة‬ ‫غـزة والقـدس‪ ،‬وبلـدان اللجـوء‬ ‫وقطـاع ّ‬ ‫والشـتات‪ ،‬وبسـبب تشـابك المؤثـرات‬ ‫الثّقافية الفلسطينية بغيرها‪ ،‬ما أثمر عن‬ ‫توظيـف المهارات والتقانات واألسـاليب‬ ‫فـي مقاربـة اﳌﻮﺿﻮعـات الفلسـطينية‪،‬‬ ‫ومعالجتهـا‪ ،‬وصياغتهـا‪ ،‬والنظـر إليها‪.‬‬ ‫ثقافـة فلسـطينية مـن هـذا الطـراز باتـت‬ ‫مختبرًا يمزج ثقافات واطاعات وتجارب‬ ‫ومـدارس فـي بوتقتهـا‪.‬‬ ‫يفشـل رضـا فـي «رجـل يعـود»‪ ،‬وال‬ ‫يتمكـن مـن الحصـول علـى سـمة اللجـوء‬ ‫ّ‬ ‫فـي أوروبـا‪ .‬يعيـش علـى أرصفـة أثينـا‬ ‫ضياع ًا مكتمل األركان‪ .‬ال يترك موبقة لم‬

‫التشرد إلى المخدرات‪ ،‬ومن‬ ‫يقترفها‪ ،‬من‬ ‫ُّ‬ ‫الدعارة إلى السرقة‪ ،‬ويعود أخيرًا خائب ًا‬ ‫إلـى مخيـم عيـن الحلـوة‪ ،‬حيث سـيكون‬ ‫عليه البدء من جديد في التأسيس لحياته‬ ‫فـي مخيمـه الـذي حـاول الهـروب منـه‪،‬‬ ‫دون جـدوى‪ .‬ذات يـوم؛ عندما ظهر رجل‬ ‫فلسطيني يبكي في أحد الوثائقيات‪ ،‬كان‬ ‫ثمة ما يشبه االنقاب‪ .‬كيف لفلسطيني أن‬ ‫ّ‬ ‫ا‬ ‫يبكي‪ ،‬وهو الذي اعتدنا على رؤيته بط ً‬ ‫اسـتثنائي ًا خارقـاً‪ ،‬ال تثنيـه الصعاب عن‬ ‫مواجهة االحتال اإلسـرائيلي واالنتصار‬ ‫عليـه!‪ .‬اليـوم مـع «رجل يعود» سـيكون‬ ‫يـدس إبـرة‬ ‫علينـا أن نـرى رضـا وهـو ّ‬ ‫المخـدر فـي ذراعـه‪ ،‬هكـذا جهـارًا نهـاراً‪،‬‬ ‫تتعمـد‬ ‫وفـي حضـور أفـراد أسـرته التـي ّ‬ ‫تجاهله‪ ،‬وتتصنّع أنها ال تراه‪ ،‬وال تعرف‬ ‫مـاذا يفعل‪.‬‬ ‫يقـول المخـرج مهـدي فليفـل‪« :‬سـأل‬ ‫الكثيرون‪ :‬لماذا ُأنجز أفام ًا حول الاجئين‬ ‫فقـط؟ إجابتـي كانـت‪ :‬ألني واحـد منهم»‪.‬‬ ‫يقود خالد سليمان الناصري‪ ،‬من جهته‪،‬‬ ‫مجموعـة مـن الاجئيـن الفلسـطينيين‬ ‫الذيـن أمكـن لهـم عبـور البحـر والوصول‬ ‫إلـى ميانـو‪ ،‬فـي إيطاليا‪ .‬سـوف يصنع‬ ‫الناصـري برفقـة صديقيـه اإليطالييـن‬ ‫عرسـ ًا وهميـاً‪ ،‬أفـراده أولئـك الاجئـون‬ ‫الفـارون مـن مخيـم اليرموك‬ ‫المهاجـرون ّ‬ ‫جنوب العاصمة السورية دمشق‪ ،‬ليعبر‬

‫بهـم مـن إيطاليـا إلـى السـويد؛ مقصدهـم‬ ‫النهائـي للجـوء األوروبي‪.‬‬ ‫فيلـم يخلق دراميته من بنيته الحكائية‪،‬‬ ‫لتصبـح جوهريـة فـي البنـاء والسـرد‪،‬‬ ‫ونعيش قصص الجميع في رحلة الطريق‬ ‫تلـك‪ ،‬بـدءًا مـن خالـد سـليمان الناصـري‬ ‫يتمكن من حبس دموعه‬ ‫نفسـه‪ ،‬الذي لم ّ‬ ‫وهو يتلقّى خبر حصوله على الجنسـية‬ ‫اإليطالية أخيراً‪ .‬يعترف الناصري بأنها‬ ‫مـرة يكـون بجنسـية‬ ‫أول ّ‬ ‫مـرة لـه؛ أول ّ‬ ‫أول‬ ‫بهـا‪.‬‬ ‫ا‬ ‫مـرة بجـواز سـفر‪،‬‬ ‫معترفـ ً‬ ‫ّ‬ ‫وأول‬ ‫وثيقـة‪.‬‬ ‫مجـرد‬ ‫وليـس‬ ‫مـرة صانع ًا‬ ‫ّ‬ ‫لفيلـم وثائقـي سـيكون واحـدًا من أفضل‬ ‫الوثائقيـات الفلسـطينية‪ ،‬فـي السـنوات‬ ‫األخيـرة‪ ،‬ومـن أفضـل الوثائقيـات التـي‬ ‫تناولت المأسـاة السـورية‪ ،‬بعد مارس‪/‬‬ ‫آذار ‪ ،2011‬في مزيج فاجع فلسـطيني‪-‬‬ ‫سوري‪.‬‬ ‫حطمة»‪،‬‬ ‫ربما بات فيلم «خمس كاميرات ُم َّ‬ ‫المنتـج فـي العـام ‪ 2011‬بعيـداً‪ ،‬فلننتقل‬ ‫ُ‬ ‫إلـى وثائقـي فلسـطيني جديـد بعنـوان‬ ‫«خـارج اإلطـار أو ثـورة حتـى النصـر»‪،‬‬ ‫للمخـرج مهنـد يعقوبـي‪ .‬هـذا الفيلـم الذي‬ ‫يوقّعه مخرجه في العام ‪ ،2016‬هو نتاج‬ ‫مسـيرة بحـث امتـدت علـى مـدى خمـس‬ ‫سـنوات‪ ،‬أمضاهـا المخـرج وفريـق عمله‬ ‫تنقيب ًا في األرشيف السينمائي ذي الصلة‬ ‫بالقضية الفلسطينية‪ ،‬لينسج فيلمه من‬

‫‪128‬‬


‫قرابـة عشـرين فيلمـ ًا حقّقها سـينمائيون‬ ‫فلسـطينيون وعـرب وأجانـب علـى مـدى‬ ‫قرابة نصف قرن منذ العام ‪ ،1968‬وحتى‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫كان عمـاد برنـاط أفنـى خمـس كاميـرات‬ ‫علـى مـدى سـنوات‪ ،‬راقـب خالها وقائع‬ ‫الحيـاة اليوميـة لـه وألسـرته ورفاقـه‪،‬‬ ‫وللفاحيـن الفلسـطينيين المدافعيـن عن‬ ‫أراضيهـم‪ ،‬ضـد االحتـال واالسـتيطان‬ ‫والجـدار‪ .‬وهـا هـو مهنـد يعقوبـي ُيفنـي‬ ‫سنوات في البحث في الصور األرشيفية‬ ‫ليخلـص إلـى مـا يشـبه إعـاة مونتـاج‬ ‫لذاكـرة بصريـة فلسـطينية هائلـة تنتقـل‬ ‫برشاقة عبر سنوات النضال الفلسطيني‪،‬‬ ‫والثـورة الفلسـطينية المسـلحة التـي‬ ‫انطلقـت رصاصتهـا األولـى فـي العـام‬ ‫‪ ،1965‬ومضـت علـى درب وعر وشـائك‬ ‫حطت على شواطئ أوسلو ‪.1993‬‬ ‫حتى ّ‬ ‫التنـوع والغنى في حقل الفيلم الوثائقي‬ ‫ُّ‬ ‫الفلسـطيني يندفـع‬ ‫ويتعـزز‪ ،‬مرحلـة‬ ‫ّ‬ ‫بعـد أخـرى‪ ،‬بفعـل جملـة عوامـل‪ ،‬منهـا‬ ‫الشـعور المتزايد‬ ‫بالحرية‪ ،‬والتخفُّف من‬ ‫ّ‬ ‫عـبء الشـعارات الكبرى‪ ،‬وثقـل األهداف‬ ‫العظيمـة‪ ،‬والميـل على مسـتوى التناول‬ ‫نحو التفاصيل اليومية الصغيرة‪ ،‬ولكن‬ ‫المعبـرة عن جوهر معاناة الفلسـطيني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بفعـل وجـود االحتـال‪ ،‬وممارسـه‪،‬‬ ‫وآثاره البغيضة‪ ،‬من القتل بدم بارد إلى‬ ‫التمييز العنصري‪ ،‬إلى الحواجز والجدار‬ ‫والمعابر‪ .‬يساعد في ذلك‪ ،‬على مستوى‬ ‫اإلنتـاج‪ ،‬اليسـر المتزايـد تقنيـ ًا بفعـل‬ ‫التطـورات إن لـم نقـل الثـورات التقنيـة‬ ‫ُّ‬ ‫علـى مسـتوى كاميـرات التصويـر‪ ،‬التـي‬ ‫باتـت بدقـة عاليـة جـداً‪ ،‬مـع سـهولة فـي‬ ‫االسـتخدام‪ ،‬وخفّـة فـي الوزن‪ ،‬واتسـاع‬ ‫خيـارات الحركـة‪ ،‬وكذلـك علـى مسـتوى‬ ‫برامـج المونتـاج والميكسـاج والمؤثرات‬ ‫البصرية والسـمعية‪.‬‬ ‫وال شـك أن التزايـد المتنامـي فـي عـدد‬ ‫القنـوات الفضائية العربيـة‪ ،‬والعالمية‪،‬‬ ‫المتخصصة باألفام والبرامج‬ ‫المهتمة أو‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الوثائقيـة‪ ،‬وكذلـك التزايـد فـي عـدد‬ ‫المهرجانـات السـينمائية‪ ،‬والمهرجانـات‬ ‫اإلعاميـة‪ ،‬سـاهم فـي خلـق سـوق‬ ‫لتوزيـع وتسـويق األفـام الوثائقيـة‪،‬‬ ‫للبـث علـى‬ ‫التـي باتـت سـلعة مطلوبـة ّ‬

‫شاشـاتها‪ ،‬أو للمشـاركة فـي برامجهـا‪،‬‬ ‫ومسـابقاتها‪ ،‬مـن دون إغفـال األهميـة‬ ‫المتزايدة للسبل اإللكترونية‪ ،‬عبر شبكة‬ ‫اإلنترنـت‪ ،‬بـدءًا مـن قنـوات يوتيـوب‪،‬‬ ‫ومواقـع التواصـل االجتماعـي‪ ،‬وصـو ًال‬ ‫إلـى المواقـع التفاعليـة‪ ،‬والصفحـات‬ ‫الرسـمية والشـخصية‪ ،‬التي باتت أبواب ًا‬ ‫ُمشرعة لعرض األفام الوثائقية القصيرة‬ ‫والطويلـة‪.‬‬ ‫االختـاف فـي الوسـائل ال يقـف عنـد‬ ‫كونـه اختافـ ًا فـي التقنيـات‪ ،‬بـل هو في‬ ‫الحقيقة يجلب معه اختاف ًا في الذهنيات‪،‬‬ ‫مـا يعنـي اختـاف طـرق تعامـل الفيلـم‬ ‫الوثائقي مع مواضيعه‪ ،‬واختاف طرق‬ ‫تعامـل صانـع الفيلـم ذاتـه مـع فيلمـه‪،‬‬ ‫ناهيـك عـن االختافـات علـى مسـتوى‬ ‫والبث‪،‬‬ ‫الحيازة‪ ،‬والتوزيع‪ ،‬والتسويق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والعـرض‪ .‬تتراجـع قبضـة الرقابـة إلـى‬ ‫درجـة االنطفـاء‪ ،‬حيـث لـم يعـد باإلمكان‬ ‫الحديـث عـن ممنوعـات رقابيـة‪ ،‬فتتقـّدم‬ ‫ينضم‬ ‫«الحريـة!» بأنواعهـا‪ ،‬بمـا فيهـا ما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تحت عنوانها من فوضى وعبث‪ .‬ال يقف‬ ‫األمـر عنـد حـدود الشـخصيات‪ ،‬بل يصل‬ ‫إلـى القضايـا والعناويـن والمواضيـع‪،‬‬ ‫حتـى تلـك التي كان من الحرج نقاشـها‪،‬‬ ‫أو مـن المحـذور مقاربتها‪ ،‬أو مسـاءلتها‪.‬‬ ‫فـي الوثائقـي الجديد لم يعّد الفلسـطيني‬ ‫وفضـا عـن‬ ‫بطـا خارقـ ًا (سـوبرمان)‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هـذا‪َ ،‬فَق َـد حصانته التـي كانت‪ ،‬ومكانته‬ ‫تميـز بهـا‪ .‬سـنرى فـي «رسـائل من‬ ‫التـي ّ‬ ‫اليرمـوك»‪ ،‬للمخـرج رشـيد مشـهراوي‪،‬‬ ‫كارثـة محاصرة الاجئين الفلسـطينيين‬ ‫فـي مخيـم اليرموك‪ ،‬وقـد وقعوا ضحايا‬ ‫في مرمى النيران بين المتحاربين‪ .‬انتهاك‬ ‫الفلسـطيني فـي حياتـه ومالـه ووجوده‬ ‫تفصيـا فـي المشـهد‬ ‫وحضـوره‪ ،‬بـات‬ ‫ً‬ ‫المحاصـر‬ ‫الفلسـطيني‬ ‫العربـي الدامـي‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫حتى االختناق والموت جوع ًا في المخيم‪،‬‬ ‫أو المطـرود مـن المـكان‪ ،‬والممنـوع مـن‬ ‫الدخـول والعبـور‪ ،‬والموقوف عند حافة‬ ‫ا‬ ‫حدود الدول‪ ،‬وفي المطارات‪ ،‬صار بط ً‬ ‫لقصـص داميـة‪ ،‬يمكـن للجبيـن أن ينـدى‬ ‫لهـا‪ ،‬وللقلـب أن ينفطـر عليها‪.‬‬ ‫المؤسسـاتي‬ ‫طبيعـة اإلنتاج الفردي‪ ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫الصغيـر المحـدود‪ ،‬وغيـاب اإلنتـاج‬ ‫المؤسسـاتي الرسـمي والحكومي‪ ،‬جعل‬ ‫ّ‬

‫المواضيع التي تتناولها األفام الوثائقية‬ ‫تنحاز في غالبيتها إلى القصص الفردية‪،‬‬ ‫والسـير الذاتيـة‪ ،‬أو التفاصيـل اليوميـة‬ ‫الحياتية‪ ،‬ومن َثّم غياب القضايا الكبرى‪،‬‬ ‫أو الشـعارات العاليـة‪ ،‬مـا جعـل الحديـث‬ ‫فـي هـذا الشـأن يأخـذ أشـكا ًال دالليـة‪ ،‬أو‬ ‫تعبيريـة‪ .‬هكـذا سـتأخذ المخرجـة وفـاء‬ ‫جميـل مـن قصـة الفـاح عبـد‪ ،‬مـن قريـة‬ ‫لكل األمم»‪،‬‬ ‫الولجة‪ ،‬في وثائقيها «قهوة ّ‬ ‫مفتاح ًا للحديث عن التمسك باألرض في‬ ‫مواجهـة االقتـاع واالسـتيطان‪ ،‬وترصد‬ ‫هند شوفاني وثائقيها «رحلة في الرحيل»‬ ‫لسيرة والدها إلياس شوفاني‪ ،‬الشخصية‬ ‫والفكريـة والسياسـية والنضاليـة‪ ،‬بمـا‬ ‫يـوازي مرحلـة كاملـة مـن عمـر القضيـة‬ ‫الفلسـطينية فـي نصف قـرن أخير‪.‬‬ ‫أمـا المخـرج عامـر شـوملي فإنـه يحقِّـق‬ ‫وثائقيـه البديـع «المطلوبون الـ‪ .»18‬هنا‬ ‫ثمة متابعة لقصة غاية في الطرافة‪ ،‬تتابع‬ ‫ّ‬ ‫حكايـة بقرات اشـتراها أهالـي قرية بيت‬ ‫سـاحور‪ ،‬لاسـتفادة مـن حليبهـا‪ .‬ويوم‬ ‫أراد أهـل بيـت سـاحور إعـان العصيـان‬ ‫المدنـي‪ ،‬خـال االنتفاضـة الشـعبية فـي‬ ‫العام ‪ ،1987‬باتت مهمة جيش االحتال‬ ‫اإلسـرائيلي إلقـاء القبض علـى البقرات‪،‬‬ ‫ما يسلِّط الضوء على العامل الشعبي في‬ ‫االنتفاضـة الكبـرى‪ ،‬وعظمـة مـا قـام بـه‬ ‫النـاس العاديون البسـطاء من تضحيات‬ ‫فصـا رائعـ ًا فـي تاريـخ‬ ‫كبيـرة‪ ،‬كتبـت‬ ‫ً‬ ‫الشعب الفلسطيني‪.‬‬ ‫عبـر الوثائقـي الفلسـطيني السـينمائي‬ ‫ُي ِّ‬ ‫مـا بيـن زمنيـن؛ زمـن الثورة المسـلحة‪،‬‬ ‫والفدائيـة‪ ،‬والنضـال والكفـاح والجهاد‪،‬‬ ‫واالنتفاضـات الشـعبية‪ ،‬عندمـا كان‬ ‫الوثائقـي فيلمـ ًا تحريضيـ ًا تثويريـ ًا‬ ‫دعائيـاً‪ ...‬وزمن االنحسـار الذي ال مجال‬ ‫فيه سـوى االستنجاد بالصوت الخافت‪،‬‬ ‫واللجـوء إلـى األبعـاد اإلنسـانية فـي‬ ‫القصص والحكايا‪ ،‬واألسف على ما كان‪،‬‬ ‫التشبث به من أحبال‬ ‫والتأسي بما يمكن‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫الذاكـرة والحنيـن ألزمنـة وأمكنـة وباد‪.‬‬ ‫‪..............‬‬

‫* ناقد سينمائي فلسطيني‬ ‫‪129‬‬


‫ بين الموضوعية ‬ ‫والعاطفة مساحات ‬ ‫يمكن للمخرج أن يُ ْبرِز ‬ ‫خاللها موهبته في إيصال ‬ ‫رسالته من الفيلم بذكاء ‬ ‫وتسلسل وتوازن‬

‫ليس مجرد‬ ‫وثيقة وبيان‬ ‫سياسي‬

‫إيهاب خمايسة‬

‫إيهاب خمايسة*‬ ‫مـن المهـم اإلشـارة إلـى أن الفيلـم‬ ‫الفلسـطيني ُوِلَد كمحاوالت وثائقية قبل‬ ‫أن تكـون هنـاك محاوالت روائية‪ ،‬وهو‬ ‫يشـبه بذلـك والدة السـينما العالميـة‪..‬‬ ‫أيـة محاولـة لتعـداد األفـام عـن‬ ‫وأن ّ‬ ‫فلسطين لتحديد حصة اإلنتاج الوثائقي‬ ‫الفلسـطيني بالنسـبة للروائي فإن الكفّة‬ ‫وبفـارق كبيـر للفيلـم الوثائقـي‬ ‫تميـل‬ ‫ٍ‬ ‫وينتج‬ ‫أنتج‬ ‫ما‬ ‫فمعظم‬ ‫مذهلة‪،‬‬ ‫وبنسـب‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫من أفام عن فلسطين منذ بدايات األفام‬ ‫الفلسـطينية‪ ،‬وخصوصـ ًا مـا ُأنتـج بعـد‬ ‫نكبة ‪ 1948‬أفام وثائقية على اختاف‬ ‫مسـتوياتها‪ ..‬وعليـه يمكـن أن نعتبر أن‬ ‫األفام الفلسطينية في مجملها وثائقية‪.‬‬ ‫ولـو اسـتثنينا بدايـات الفيلـم الوثائقـي‬ ‫الفلسطيني في ثاثينيات القرن الماضي‬ ‫فرديـة لوجدنـا أن‬ ‫علـى يـد مبـادرات‬ ‫ّ‬ ‫الفيلـم الفلسـطيني منـذ نكبـة ‪ 1948‬وما‬ ‫تاهـا مـن أحداث يتصـف بالكونية على‬ ‫‪130‬‬

‫مستوى صناعة الفيلم الوثائقي‪ ،‬بمعنى‬ ‫يصح أن ُيقال إنك ال تكاد تجد دولة‬ ‫أنه‬ ‫ّ‬ ‫تخلو من مخرج أو منتج لم يصنع فيلم ًا‬ ‫عـن فلسـطين علـى اختـاف موقفـه مـن‬ ‫القضيـة‪ ،‬وبالـذات مـع زيـادة اهتمـام‬ ‫القنوات الفضائية بالتسجيلي اإلخباري‬ ‫أو السياسـي عـن فلسـطين والتـي تزيـد‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل‬ ‫وتنقـص مـن فتـرة إلـى أخـرى‬ ‫يتناسـب مـع مـدى سـخونة األحداث في‬ ‫الصراع الفلسـطيني‪ -‬اإلسـرائيلي‪.‬‬ ‫هـذه الكونيـة لألفـام الوثائقيـة عـن‬ ‫فلسـطين رغـم مـا يمكـن اعتبارهـا أمـرًا‬ ‫إيجابيـ ًا مـن ناحيـة االنتشـار للقضيـة‬ ‫الفلسطينية واالهتمام العالمي فيها‪ّ ..‬إال‬ ‫متعددة أثرت‬ ‫تخل من إشكاليات‬ ‫أنها لم ُ‬ ‫ِّ‬ ‫على مفهوم ومسيرة الفيلم الفلسطيني‪.‬‬ ‫فمـن ناحيـة المفهـوم كان هنـاك تسـاؤل‬ ‫دائـم عـن مـا يمكـن أن نعتبـره فيلمـ ًا‬ ‫مثـا هـو الفيلـم الـذي‬ ‫فلسـطينياً‪ .‬فهـل ً‬ ‫ينتـج داخـل فلسـطين التاريخيـة فقـط‬ ‫مـكان يوجـد فيـه‬ ‫؟ أم يتجـاوزه ألي‬ ‫ٍ‬

‫فلسـطيني الشـتات واللجـوء؟ وهـل‬ ‫يقتصـر علـى المخرج الفلسـطيني أو من‬ ‫أصـل فلسـطيني أم أن األمـر مرتبـط في‬ ‫محتوى الفيلم وما يتضمنه عن فلسطين‬ ‫فنتجـاوز بذلـك المخرج الفلسـطيني إلى‬ ‫المخـرج العربـي أو غيـر العربي؟ وحتى‬ ‫لـو سـلمنا بالتصنيـف حسـب المحتـوى‬ ‫وليس أصل المخرج فهل يمكن أن نعتبر‬ ‫أن الفيلـم الفلسـطيني هـو الفيلـم الـذي‬ ‫يقـف ويناصـر قضايـا فلسـطين؟‪ ..‬أم‬ ‫نعتبـر أي فيلـم عـن فلسـطين هـو فيلـم‬ ‫فلسـطيني سـواء كان بمنظـور المناصر‬ ‫أو المحايـد أو حتـى المعادي لقضاياها؟‬ ‫التسـاؤالت كثيـرة وهـي ليسـت مجـرد‬ ‫تسـاؤالت نظريـة حـول المفاهيـم‬ ‫والتعريفـات كمـا تبـدو للوهلـة األولـى‪،‬‬ ‫بـل تتعـداه إلى مسـيرة الفيلـم الوثائقي‬ ‫مـر وصعـب يعاني منه‬ ‫مـن واقـع إنتـاج ّ‬ ‫الفيلـم عـن فلسـطين‪ ،‬فاإلنتـاج يرتبـط‬ ‫بواقـع فلسـطيني مشـتت داخليـ ًا مـن‬ ‫جهـة وبكونيـة لألفـام الوثائقيـة عـن‬


‫فلسـطين غارقـة فـي صراعـات ومواقف‬ ‫كل هذا‬ ‫سياسـة دوليـة من جهة أخـرى‪ّ ،‬‬ ‫يجعـل بعـض مـا ُيسـمى فيلم فلسـطيني‬ ‫ٍ‬ ‫معينـة هـو فيلـم‬ ‫معـاد‬ ‫مـن وجهـة نظـر ِّ‬ ‫للقضيـة الفلسـطينية وأقـرب للمنظـور‬ ‫الصهيونـي‬ ‫ويمـرر رسـائل صهيونيـة‬ ‫ِّ‬ ‫مـن وجهـة نظـر أخـرى‪.‬‬ ‫فـي مقابـل ذلـك تجـد أفامـ ًا أخـرى مـن‬ ‫الهّم الفلسطيني تجعل الفيلم ‪ -‬لو‬ ‫داخل َ‬ ‫ـح التعبيـر‪ -‬فصائليـ ًا أكثـر مـن كونه‬ ‫ص َّ‬ ‫َ‬ ‫فلسـطينياً‪ ،‬يخاطـب نفسـه وال يخاطـب‬ ‫اآلخر‪.‬‬ ‫وهنـا قـد يكـون لمشـكات اإلنتـاج‬ ‫والجهات الممولة وتدخلها المباشر وغير‬ ‫المباشـر فـي محتـوى األفـام الممولـة‬ ‫ضمـن مـا يتوافـق مـع شـروط التمويـل‬ ‫وسياسـات وتوجهـات الجهـات الممولة‬ ‫المختلفـة دور فـي هـذا الصـراع‪ ،‬فجهات‬ ‫التمويل في العالم ممتدة تبدأ بمؤسسات‬ ‫فلسـطينية وعربيـة مـرورًا بأوروبيـة‬ ‫وأميركيـة وحتـى إسـرائيلية‪ .‬لهـذه‬

‫الجهـات سياسـات وأجندة قـد تتعارض‬ ‫مع بعضها البعض بطريقة تجعل صانع‬ ‫الفيلم عن فلسطين في ما يمكن تسميته‬ ‫يقدم‬ ‫سـوق يبيـع لمـن يدفـع أكثر‪ ..‬فهـو ِّ‬ ‫للجهـة الممولـة مـا تريـده عـن فلسـطين‬ ‫أكثـر مـن كونـه يوثِّق ويـروي ما يحدث‬ ‫عـن وفـي فلسـطين‪.‬‬ ‫وهـذا يدخـل الفيلـم الوثائقـي فـي غابـة‬ ‫مـن العشـوائيات المتداخلـة لمحتويـات‬ ‫وإنتاجـات‬ ‫مكـررة ومتناقضـة فتجـد‬ ‫َّ‬ ‫المتكررة‬ ‫ة‬ ‫ّي‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫واألساليب‬ ‫الموضوعات‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّية‬ ‫بشـكل اسـتهاكي دون تقديم رؤية َفنّ‬ ‫جديدة ومشوقة مما ُيْفِقُد هذه الوثائقيات‬ ‫مـن جهـة جاذبيتها وتأثيرها المطلوب‪..‬‬ ‫ومـن جهـة أخـرى تفقد أولويـات اإلنتاج‬ ‫للموضوعات التي يجب أن تعطى حقها‬ ‫فـي اإلنتـاج قبـل أن نفقدهـا مـع مـرور‬ ‫الزمن‪..‬‬ ‫فمثـا القضية الفلسـطينية تمتد لحوالي‬ ‫ً‬ ‫سـبعين عامـاً‪ ..‬وهـذا يعنـي أن الجيـل‬ ‫الـذي عاش فلسـطين قبـل النكبة وعاش‬

‫تفاصيـل النكبـة قـد فقـد أو كاد‪ .‬وفـي‬ ‫يمـر نقتـرب أكثـر مـن مصيـر‬ ‫ّ‬ ‫كل يـوم ّ‬ ‫فقـدان هـذا الجيـل بالكامـل‪ .‬ورغـم‬ ‫ذلـك لـم ينفـذ مشـروع متكامـل ‪ -‬رغـم‬ ‫المحـاوالت الفرديـة‪ -‬لحفـظ روايـة هـذا‬ ‫الجيـل الشـفوية والبصريـة عـن الحيـاة‬ ‫الفلسـطينية قبـل النكبـة وعـن معاناتـه‬ ‫فـي النكبـة‪ .‬مـا أقصـده هنـا هـو الروايـة‬ ‫الشـخصية التـي يجـب أن تحفـظ والتـي‬ ‫تشـكل بمجموعهـا الروايـة الشـفوية‬ ‫ِّ‬ ‫الجمعيـة للذاكـرة الفلسـطينية‪ ..‬هـذه‬ ‫الذاكـرة التـي‬ ‫سـتمكن الفلسـطيني مـن‬ ‫ِّ‬ ‫ـق القانونـي‪.‬‬ ‫تـوارث َح ّ‬ ‫والح ّ‬ ‫ـق العـودة َ‬ ‫إشـكالية أخـرى تصطـدم بهـا صناعـة‬ ‫الفيلـم الوثائقـي عـن فلسـطين تبـرز‬ ‫مـن خـال محـاوالت تحميـل الواقـع‬ ‫الفلسـطيني بمـا ال يحتملـه مـن مبالغات‬ ‫وملئه بالعواطف المصطنعة والبكائيات‬ ‫المحشـوة فـي الفيلـم بقصـد زيـادة‬ ‫التأثيـر وزيـادة المناصريـن للقضايـا‬ ‫الفلسـطينية‪ ..‬فتجـد أفامـ ًا «وثائقيـة»‬ ‫‪131‬‬


‫مليئـة بالدعايـة والترويـج والتعبئـة‬ ‫والتبريـر علـى حسـاب الموضوعيـة‪..‬‬ ‫وهـذا يطـرح علينـا جدليـة الموضوعيـة‬ ‫والحياديـة لـدى صانع الفيلـم الوثائقي‬ ‫عـن فلسـطين؟ وكـم يسـتطيع أن يبقـى‬ ‫حياديـ ًا وموضوعيـاً؟‬ ‫نفرق بين الحيادية‬ ‫من الضروري هنا أن ِّ‬ ‫والموضوعيـة بكـون الحياديـة موقـف‬ ‫المتفـرج الناقـل‬ ‫وسـلوك‬ ‫المجرد للحدث‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫كمـا هـو‪ ..‬وهـو مـن وجهـة نظـري واقع‬ ‫ٍ‬ ‫مسـتحيل لدى أي فنان‬ ‫بشـكل عام وعند‬ ‫ٍ‬ ‫صانـع الفيلـم الوثائقـي‬ ‫بشـكل خـاص‪،‬‬ ‫فـا مـكان للحياديـة فـي اإلخـراج‪،‬‬ ‫فالفيلـم الوثائقـي فـي نهايـة األمـر‪-‬‬ ‫اتفقنـا أم اختلفنـا‪ -‬هـو الواقـع من رؤية‬ ‫المخـرج‪ ..‬وبكلمـات أخـرى الواقـع كمـا‬ ‫يراه المخرج‪ ..‬ورؤية المخرج يسـتحيل‬ ‫تحيزًا‬ ‫أن تكـون حياديـة‪ ،‬فهو سـيكون ُم ّ‬ ‫‪132‬‬

‫لوجهـة نظره وواقعـه‪ ،‬وفيلمه يجب أن‬ ‫يحمـل الرسـالة التـي يريـد إيصالهـا ّ‬ ‫وإال‬ ‫كان مجـرد عـرض للقطـات متتاليـة ال‬ ‫تـروي قصـة وال توثِّـق حدثـاً‪.‬‬ ‫وعـدم الحياديـة ال يتعـارض مـع‬ ‫الموضوعيـة فهـي‪ -‬مـن وجهـة نظـري‪-‬‬ ‫أن يـروي المخـرج الواقـع بصـدق مـن‬ ‫دون تزييـف وال ترويـج وال دعايـة‪..‬‬ ‫فهـو يـروي القصـص كمـا هـي ويعـرض‬ ‫ما يعانيه اإلنسـان الفلسطيني واألرض‬ ‫الفلسطينية من معاناة ومن سلب حقوق‬ ‫بصدق وموضوعية من غير مبالغة ومن‬ ‫دون تضليـل‪.‬‬ ‫وأتعجـب كيـف لمخـرج ولصانـع فيلـم‬ ‫وثائقـي عـن فلسـطين أن يعـارض‬ ‫الموضوعيـة فـي فيلمـه فهـو يدافـع عـن‬ ‫قضية عادلة في أساسها‪ ..‬والموضوعية‬ ‫هي أقوى سـاح له في مواجهة الدعاية‬

‫للح ّق الفلسـطيني‪ ..‬فكلما كان‬ ‫المضـادة َ‬ ‫موضوعيـ ًا وصادقـ ًا سـيكون أكثـر قرب ًا‬ ‫مـن المشـاهد‪.‬‬ ‫وبيـن الموضوعيـة والعاطفة مسـاحات‬ ‫يمكـن للمخـرج أن يبـرز خالهـا موهبته‬ ‫فـي إيصـال رسـالته مـن الفيلـم بـذكاء‬ ‫وتسلسـل وتـوازن فـي المعالجـة بيـن‬ ‫مخاطبـة العقـل والقلب وإبراز المحتوى‬ ‫الفنّي‬ ‫الموضوعي من دون إغفال الشكل َ‬ ‫والجمالي‪.‬‬ ‫فالفيلـم الوثائقـي عـن فلسـطين ليـس‬ ‫وثيقـة وبيانـ ًا سياسـياً‪ ،‬بـل هـو قصـة‬ ‫روى‬ ‫إنسان وحق وأرض ُو َج َب لها أن ُت َ‬ ‫بمهنيـة واحتـراف َفنّـي ٍ‬ ‫عـال‪.‬‬ ‫‪..........‬‬ ‫*‬

‫منتج ومخرج أفام وثائقية‬


‫وثائقي فلسطيني‪..‬‬ ‫وموسيقى حزينة‬ ‫بشار حمدان‬

‫بشار حمدان*‬ ‫قبـل سـنوات وبعـد انتهائـي مـن النسـخة‬ ‫األولـى مـن فيلـم عـن القـدس‪ ،‬طلـب منـي‬ ‫المنتج تغيير الموسـيقى المسـتخدمة في‬ ‫بعـض األماكـن‪ ،‬إذ هـي ليسـت حزينـة‬ ‫بمـا فيـه الكفايـة‪ ..‬ولم يكن مسـتغرب ًا هذا‬ ‫بالنسـبة لـي‪ ،‬فقـد اعتـاد النـاس مشـاهدة‬ ‫األفام الوثائقية أو ّأية صور عن فلسطين‬ ‫مـع خلفيات موسـيقية بكائيـة وحزينة‪،‬‬ ‫ظنـ ًا منهـم بأنهـا تسـتفز عاطفـة المشـاهد‬ ‫وتتـرك فيـه أثـرًا أكبر‪.‬‬ ‫وقبلها بسنوات أيض ًا وبعد مشاهدة الفيلم‬ ‫الوثائقـي «جيرمـي هـاردي ضـد الجيـش‬ ‫اإلسـرائيلي» للمخرجـة ليلـى صنصـور‪-‬‬ ‫والذي يحكي عن الفنان الكوميدي البريطاني‬ ‫جيرمـي هـاردي ورحلتـه إلـى فلسـطين‬ ‫المحتلة‪ ،‬ومشـاركته مـع حركة التضامن‬ ‫الدوليـة فـي دعـم صمـود الفلسـطينيين‬ ‫بوجـه االعتـداءات اإلسـرائيلية‪ -‬وكان‬ ‫العـرض فـي إحـدى الصـاالت‪ ..‬كان الفتاً‪،‬‬ ‫غياب موسيقى مؤثرة للكثير من المشاهد‬ ‫التـي تنقـل معانـاة عدد من الفلسـطينيين‬ ‫خال االنتفاضة الثانية‪ ،‬وكان من ضمنها‬ ‫أرشـيف اسـتخدمته المخرجـة فـي فيلمهـا‬ ‫لرجل فلسطيني َفَقَد عددا من عائلته بسبب‬ ‫العـدوان اإلسـرائيلي‪ ..‬والصـوت فيه كان‬ ‫طبيعي ًا وواقعي ًا دون مؤثرات أو موسيقى‬ ‫لهـذا الرجـل الـذي ينـدب عائلتـه ويبكـي‪..‬‬ ‫ويومهـا اسـتغرب البعض عـدم وجود ّأية‬ ‫خلفية موسـيقية ترافق المشـهد!‪.‬‬ ‫كل هذا القهر والحزن الذي نراه‬ ‫يعقل أن ّ‬ ‫فهل ُ‬ ‫واقعـ ًا بـدون ّأيـة إضافات أو «بهـارات» لم‬ ‫يكن كافي ًا بالنسبة للبعض حتى يتأثر؟!‪.‬‬ ‫ربمـا يمكـن تفسـير ذلـك بارتبـاط القضية‬ ‫الفلسـطينية بالعاطفـة‪ ،‬وكلمـا كانـت‬

‫ـى آخـ ــر ف ــي الــتــعــريــف بالقضية ‬ ‫ هــنــاك أف ـ ــالم أخ ـ ــذت مــنــحـ ً‬‫الفلسطينية بعيداً عن العاطفة المفرطة‪ ،‬وحاولت االهتمام ‬ ‫بتفاصيل جــديــدة بعيداً عــن الملفات ذات العالقة المباشرة ‬ ‫بالصراع مع االحتالل‪.‬‬ ‫تأججت المشـاعر‬ ‫موسـيقاها حزينـة أكثر ّ‬ ‫أكثر‪ ،‬وعلى الرغم من ازدياد الفيديوهات‬ ‫التي تنقل صورًا للقتل والدمار والحرمان‬ ‫وانتشارها عبر اإلعام ووسائل التواصل‬ ‫االجتماعي وتكاد تكون من كثرتها وتناقلها‬ ‫أقرب إلى «ملهاة تراجيدية» للكثيرين‪ّ ،‬إال‬ ‫أنها ما زالت ُتغلّف بإطار موسيقى حزين‬ ‫يـكاد يصـل أحيانـ ًا َحـّد النواح فـي اللحن‪،‬‬ ‫وهـذا يشـبه إلـى َح ٍّـد كبيـر ما نشـاهده في‬ ‫الكثير من األفام عن فلسـطين‪ -‬ويبدو أن‬ ‫الحالة العامة ما تزال تفرض انعكاسها على‬ ‫هذه األفام‪ ..‬هذه الحالة ليست بالجديدة‪،‬‬ ‫مآس وويات بدا وكأنه‬ ‫ولكن ما يجري من ٍ‬ ‫يفـرض علـى ناقليـه مـن المخرجيـن أيهما‬ ‫أبـرع فـي تقديـم الحـزن واأللـم والمعانـاة‬ ‫بزيـادة الجرعات العاطفية فيها‪.‬‬ ‫فـي فيلمـي «فوتوغـراف»‪ ،‬والـذي يحكـي‬ ‫غـزة ترصـد بكاميرتهـا‬ ‫قصـة فتـاة مـن ّ‬ ‫الفوتوغرافيـة العديـد مـن الصـور للناس‪،‬‬ ‫لـكل صـورة حكايتها بمـا فيها من‬ ‫وتكتـب ّ‬ ‫ـم شـخصي لصاحبهـا‪ ،‬تأتينـي‬ ‫ٍ‬ ‫فـرح أو َه ٍّ‬ ‫يتطـرق‬ ‫ماحظـة رئيسـية بـأن الفيلـم لـم‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫غزة ومعاناة‬ ‫بشكل جلي وواضح لحصار ّ‬ ‫النـاس هناك‪ ،‬فليسـت فيه لقطات لبيوت‬ ‫مهدمـة وال مـا ُيظهر أثر الحصـار والعدوان‬ ‫وال بكائيـة ألم فقـدت ابنهـا‪ ..‬علـى الرغـم‬ ‫من أن الفيلم بدأ بجملة لبطلته تقول فيها‬ ‫بمـا معنـاه إنهـا تتألـم حينمـا تسـمع بـأن‬ ‫أميـركا وصلـت للمريـخ وهـي غير قـادرة‬ ‫غزة لرؤية العالم بسبب‬ ‫على الخروج من ّ‬ ‫الحصار‪.‬‬ ‫صـارت العاطفـة معيـارًا لتقييـم الفيلـم‪،‬‬ ‫ا مؤثرًا في نجاحه من عدمه‬ ‫شكل عام ً‬ ‫وت ِّ‬ ‫ُ‬ ‫أو حتـى فـي مشـاركته فـي المهرجانـات‬ ‫وفـوزه بالجوائـز‪ ،‬وأحيانـ ًا كثيـرة تجـد‬ ‫أفامـا تـراوح مكانهـا فـي معالجـة بعـض‬ ‫ً‬

‫ملصق فيلم «فوتوغراف»‬

‫الموضوعـات‪ ،‬ويصـل األمـر إلـى إغراقهـا‬ ‫في اإلنشائية والشعاراتية‪ ،‬خصوص ًا في‬ ‫التعليـق أو فـي اسـتخدام بعـض المقاطع‬ ‫المعينـة مـن مقابـات شـخصيات الفيلـم‬ ‫َّ‬ ‫والحـوارات معهـم‪ ،‬أو أحيانـ ًا االضطـرار‬ ‫عين‬ ‫لتوجيه جزء من الفيلم نحو سياق ُم ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫ـج إليصـال رسـالة مـا‪ ..‬وهـذا مـا‬ ‫بشـكل َف ّ‬ ‫حدث معي شخصي ًا في فيلمي «الحريق ال‬ ‫مستمراً»‪ -‬والذي يتناول قصة حريق‬ ‫يزال‬ ‫ّ‬ ‫المسجد األقصى بما فيها من كشف تفاصيل‬ ‫جديدة حول الحادثة‪ -‬حيث كان هناك شبه‬ ‫إجمـاع مـن المنتجين للفيلم على ضرورة‬ ‫أن نضيف مقطع ًا يحكي عن أهمية المسجد‬ ‫األقصـى لـدى المسـيحيين فـي فلسـطين‪،‬‬ ‫تـم في‬ ‫وللداللـة علـى التعايـش‪ ،‬وهـو ما ّ‬ ‫اضطررت لعمل مقابلة مع األب‬ ‫النهاية إذ‬ ‫ّ‬ ‫عطا اهلل حنا ليحكي عن هذا الجانب‪ ..‬على‬ ‫‪133‬‬


‫مشاهد من فيلم «على باب اهلل»‬

‫الرغـم مـن قناعتـي بـأن هذا خارج سـياق‬ ‫الفيلم وفكرته األساسـية‪.‬‬ ‫شـكل تحّديـ ًا ليـس بالسـهل‪،‬‬ ‫مـا سـبق ُي ِّ‬ ‫ـل وجـود قناعـات لـدى‬ ‫خصوصـ ًا فـي ِظ ّ‬ ‫العديـد مـن المنتجيـن قبـل الجمهـور بأنـه‬ ‫يجـب التركيز عن المعانـاة تحت االحتال‬ ‫ومـا نتـج عنـه‪ ،‬وهـو بالفعـل ما يجـب أن‬ ‫ظـل وجـود قضيـة مركزيـة‬ ‫يكـون‪ ،‬فـي ّ‬ ‫وأساسـية تؤثـر علـى المناحـي المختلفة‬ ‫لحياة الفلسـطينيين‪ ،‬ولكن ليس بعزلهم‬ ‫والمكونـات‬ ‫عـن الظـروف الطبيعيـة‬ ‫ِّ‬ ‫االجتماعية والثّقافية المحيطة بهم‪ ،‬وعدم‬ ‫التطرق لهمومهم األخرى ولجوانب كثيرة‬ ‫ُّ‬ ‫مـن حياتهم‪.‬‬ ‫هـذا ال ينفـي أن هنـاك العديـد مـن األفـام‬ ‫التي خرجت عن القالب النمطي والبكائي‬ ‫الذي غلَّف الكثير من األفام عن فلسطين‪،‬‬ ‫ففي فيلمه «على باب اهلل» يتناول المخرج‬ ‫غزة تمارس‬ ‫إيهاب خمايسة قصة فتاة من ّ‬ ‫الصيد‪ ،‬وفي فيلم «حكايات البحر في عكا»‬ ‫لدرويش البوطي نسـمع ونشـاهد قصص ًا‬ ‫وفنّـان تشـكيلي‬ ‫رئيسـية لصيـاد وتاجـر َ‬ ‫ومديـر فرقـة غنائيـة يحكون عـن عكا وما‬ ‫الـذي تعنيـه لهم هذه المدينـة‪ ،‬بينما وثَّق‬ ‫فيلم «طائر الشمس» لمخرجه عائد نبعة‪،‬‬ ‫ّية‪ -‬مقاومة‪ -‬للفنان الفلسطيني‬ ‫لتجربة َفنّ‬ ‫ختم‬ ‫خالد جرار تقوم على تصميم وطباعة ّ‬ ‫لفلسـطين علـى جـوازات السـفر وإصـدار‬ ‫طوابـع بريديـة كلهـا تحمـل صـورة طائر‬ ‫الشمس‪ -‬وهو طائر فلسطيني قديم يرمز‬ ‫للحرية‪ ،‬كفعل َفنّي يرمز إلى إعان الدولة‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطينية‪.‬‬ ‫طبعـ ًا هـذا يقودنـا إلـى أن هنـاك أفامـ ًا‬ ‫منحـى آخر فـي التعريف بالقضية‬ ‫أخـذت‬ ‫ً‬ ‫بعيـدًا عـن العاطفـة المفرطـة‪ ،‬وحاولـت‬ ‫‪134‬‬

‫االهتمـام بتفاصيـل جديـدة بعيـدًا عـن‬ ‫الملفـات ذات العاقـة المباشـرة بالصـراع‬ ‫ٍ‬ ‫وبشكل أكثر عمق ًا‬ ‫مع االحتال‪ ،‬وحاولت‬ ‫االهتمـام باإلنسـانيات والفنـون‪ ،‬وهـذه‬ ‫بحّـد ذاتهـا هـي أداة مقاومـة بعيدًا‬ ‫األفـام َ‬ ‫عن التباكي واسـتجداء العاطفة والوقوع‬ ‫في مطب «التنميط» و«التأطير» لإلنسـان‬ ‫الفلسـطيني‪ ،‬وسـاعد علـى خلـق هـذه‬ ‫األفـام عوامـل كثيـرة منهـا زيـادة الوعي‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل عام‪،‬‬ ‫حول الفيلم الوثائقي وأدواته‬ ‫والتوسـع‬ ‫وأيضـ ًا انتشـار الفضائيـات‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫فـي إنتـاج األفـام الوثائقيـة وأصبحـت‬ ‫المتخصصـة‬ ‫هنـاك العديـد مـن الشـركات‬ ‫ّ‬ ‫بإنتاجه‪ ،‬باإلضافة‪ -‬طبعاً‪ -‬إلى المخرجين‬ ‫المسـتقلين‪ ،‬بـل هنـاك مـن الشـركات مـن‬ ‫تركـت بصمتهـا واضحـة في مجـال الفيلم‬ ‫الوثائقي الفلسـطيني تحديداً‪ ..‬وإن كانت‬ ‫هذه األفام ما تزال تفتقر إلى ضخامة في‬ ‫اإلنتـاج مقارنة باألفـام الروائية أو حتى‬ ‫باألفـام الوثائقية‪ -‬األجنبية‪ّ ،‬إال أنه بات‬ ‫ملحوظـ ًا زيـادة عددها مقارنة بالسـنوات‬ ‫السابقة‪ ..‬بل وكانت هناك برامج وثائقية‬ ‫تخصصـة بإنتـاج األفـام الوثائقيـة عن‬ ‫ُم ّ‬ ‫فلسـطين وربمـا أهمهـا «فلسـطين تحـت‬ ‫المجهر»‪ ،‬والذي ُيعرض على قناة الجزيرة‬ ‫ض تحت‬ ‫وعِر َ‬ ‫منذ حوالي عشـر سـنوات‪ُ ،‬‬ ‫مظلته ما ال يقل عن ‪ 100‬ساعة وثائقية‪.‬‬ ‫لكـن التحّديـات التـي تقـف بوجـه الفيلـم‬ ‫الوثائقي الفلسطيني تتجاوز التفكير في‬ ‫كيفيـة الخروج مـن القوالب البكائية‪ ،‬إلى‬ ‫التسـاؤالت حول الطريقة األنسـب لتقديم‬ ‫محـددة وبمعالجة‬ ‫فيلـم‪ ،‬يتنـاول قصصـ ًا َّ‬ ‫غيـر تقليديـة‪ ،‬يقبـل بـه المنتجـون‪،‬‬ ‫تهتم بالدرجة‬ ‫خصوص ًا من القنوات التي ّ‬ ‫األولـى باألفـام التـي لهـا مواضيـع عامة‬

‫وعناويـن فضفاضـة (على سـبيل المثال‪:‬‬ ‫عـن االسـتيطان فـي القـدس) كجـزء مـن‬ ‫توسـعة تغطياتهـا اإلخباريـة‪ ،‬وبحيـث‬ ‫يكـون الفيلـم وثائقيـ ًا بطابـع إخبـاري‪-‬‬ ‫إن صحـت التسـمية‪ ،‬وفـي هـذا السـياق‬ ‫فقـد نجـح المخـرج أشـرف مشـهراوي في‬ ‫فيلمه «غزة تعيش» بنقل تسـع صور من‬ ‫غزة‪ ،‬كلوحات‬ ‫الحياة العادية داخل قطاع ّ‬ ‫منفصلة وبدون تعليق وال مداخات حتى‬ ‫من أصحاب القصص‪ ،‬وإنما ترك الكاميرا‬ ‫تحكي الحكاية وترصد مامح الحياة في‬ ‫هـذه الصـور‪ ،‬ووجد هـذا الفيلم بمعالجته‬ ‫غيـر التقليديـة طريقـه للعـرض على قناة‬ ‫الجزيـرة اإلخبارية‪..‬‬ ‫وعلى الرغم من االزدياد في إنتاج األفام‬ ‫الوثائقيـة عـن فلسـطين‪ّ ،‬إال أنهـا باتـت‬ ‫مرده‬ ‫تشـهد تراجعـ ًا فـي العرض‪ -‬عربيـاً‪ّ -‬‬ ‫األساسـي ليـس إلـى ضعـف َفنّي فيهـا أو‬ ‫مكررة‬ ‫لطبيعة مواضيعها‪ -‬حتى وإن بدت َّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل عام‬ ‫أو مستهكلة‪ ،‬وإنما ألن االهتمام‬ ‫بالقضية الفلسـطينية بدأ يتراجع عربياً‪،‬‬ ‫ـل الثـورات التي فرضت‬ ‫خصوصـ ًا فـي ِظ ّ‬ ‫همومـ ًا واهتمامـات أخـرى فرضت نفسـها‬ ‫علـى المنتجين وعلـى القنوات‪ ،‬ولكن مع‬ ‫ـل لألفام الفلسـطينية حضورها‬ ‫يظ ّ‬ ‫ذلـك َ‬ ‫تشـكل قضيـة مركزيـة ال يمكـن‬ ‫كونهـا‬ ‫ِّ‬ ‫تجاهلها وفيها مستجدات وتفاصيل طارئة‬ ‫علـى السـاحة بيـن فتـرة وأخـرى تفـرض‬ ‫ضرورة العمل على أن تجد لها مكان ًا على‬ ‫شاشـات الفضائيات العربية‪.‬‬ ‫‪............‬‬ ‫* منتج ومخرج أفام وثائقية‬


‫َ‬ ‫يعاني الفيلم الوثائقي الفلسطيني اليوم من تراجع ك ّمي‪ ،‬وذلك ألسباب كثيرة أهمها ‬ ‫التغ ُّيرات السياسية في المنطقة‪ ،‬فالقضية الفلسطينية ال تبدو راهني ًا القضية األساس ‬ ‫على الساحة العربية وال في الشرق األوســط‪ ،‬بعدما كانت عبارة «أزمــة الشرق األوســط» ‬ ‫تشير عبر وســائــل اإلع ــالم واألبــحــاث ووك ــاالت األنــبــاء على مــدى ‪ 70‬سنة‪ ،‬إلــى القضية ‬ ‫الفلسطينية والصراع العربي‪ -‬اإلسرائيلي‪ .‬وال ننسى كذلك مشكلة التسويق التي ‬ ‫عانى منها الفيلم الوثائقي عامة‪ ،‬إذ تُ ِّ‬ ‫فضل وسائل اإلعــالم في غالبيتها الهروب إلى ‬ ‫برامج التسلية سريعة الربح‪.‬‬

‫الوثائقي الرقمي‪ ..‬‬

‫رنا نجار‬

‫رنا نجار‬ ‫والحال أن إسـرائيل عمدت طوال سـنوات‬ ‫االحتال على طمس التاريخ الفلسطيني‪،‬‬ ‫ومارسـت إبـادات ثقافيـة بالجملـة أهمهـا‬ ‫الهويـة المعمارية وتدمير اآلثار وسـرقتها‬ ‫ّ‬ ‫وتزويـر التـراث بشـتى أشـكاله ونسـبه‬ ‫إليهـا‪ .‬فهـي بذلك تحاول‬ ‫التحكم بالتاريخ‬ ‫ُّ‬ ‫يسمى بالـ «‪Past Mas-‬‬ ‫وطمسه‪ ،‬وهو ما ّ‬ ‫تعمـدت دولـة‬ ‫‪ .»tering‬هـذه اآلثـار التـي ّ‬ ‫االحتـال علـى محوهـا‪ ،‬هـي فـي معظمها‬ ‫تؤكد بأن فلسطين‬ ‫وثائق تاريخية ملموسة ِّ‬ ‫لهـا جـذور وتاريخ وحضـارة قديمة‪.‬‬ ‫التكنولوجيا نفسها التي أتاحت لاحتال‬ ‫تطوير أسلحته وتوسيع قاعدة الجماهير‬ ‫المتعاطفـة معه‪ ،‬وتضليـل اإلعام‪ ،‬ومن‬ ‫َثّم البشر‪ ،‬عبر بروباغاندا تمتد إلى ما قبل‬ ‫‪ ،1948‬لو عرفنا استغالها فإنها ستمكن‬ ‫من قلب موازين القضية في معركة ثقافية‬ ‫طويلة األمد‪ .‬نتحّدث هنا عن ساح اسمه‬ ‫الثـورة الرقميـة بأشـكالها الجديـدة‪ ،‬التي‬ ‫تتيـح لنـا توثيق وحفـظ تراثنا وقضيتنا‬

‫الـــرواة الجـــــدد‬ ‫للحقيقة الفسطينية‬ ‫بطريقة يصعب تدميرها‪ .‬كما تتيح توثيق‬ ‫أرشـيف يمتـّد لقـرون طويلـة‪ ،‬يحفـظ‬ ‫تاريخنا وروايتنا العادلة‪.‬‬ ‫ويحتـاج ذلـك إلـى خطـة وتضافـر جهود‬ ‫ليس بالضرورة رسـمية‪ ،‬وإنما قد تكون‬ ‫مبـادرات فرديـة تقتلع الحقيقة من الزمن‬ ‫والجـذور‪ .‬وإحـدى أهـم هذه الوسـائل في‬ ‫وسائل االتصال الجديدة (‪)New Media‬‬ ‫هـي األفـام الوثائقية‪ ،‬في شـتى أنواعها‬ ‫مـن التقليديـة إلى ذات األشـكال الجديدة‪،‬‬ ‫وهـي وثائقـي الويـب ‪webdocumen-‬‬ ‫‪ tary‬والوثائقـي التفاعلي ‪interactive‬‬ ‫‪ documentary‬والتصوير الذي يعتمد‬ ‫على قاعدة المعلومات ‪database- film-‬‬ ‫المتحولة ‪transme-‬‬ ‫‪ ،making‬والميديا‬ ‫ِّ‬ ‫المتعرج ‪ nonlinear‬أي‬ ‫‪ ،dia‬والوثائقي‬ ‫ِّ‬ ‫الذي ال يسـير فـي خط واحد‪.‬‬ ‫ومـع ذلـك فإننـا نعيـش اليـوم فـورة فـي‬ ‫التوثيق الرقمي ونشر المادة‪ ،‬هذا عدا عن‬ ‫أن صناعـة الفيلـم فـي َحـّد ذاتها أصبحت‬ ‫صنَّاع‬ ‫أسـهل وميزانياتهـا َأ ّ‬ ‫قل‪ .‬فقد ّ‬ ‫تحـرر ُ‬ ‫الفيلم الوثائقي من قيود اإلنتاج والتصوير‬

‫والمونتـاج وتركيـب الصـوت‪ ،‬ومن قيود‬ ‫تحـرروا مـن‬ ‫الرقابـة علـى المنتـج‪ .‬كمـا ّ‬ ‫عـبء توزيـع الفيلـم وتسـويقه وسـطوة‬ ‫بـكل بسـاطة‬ ‫أسـواق التوزيـع‪ ،‬إذ يمكـن ّ‬ ‫تحميل الفيلم على اإلنترنت والتواصل مع‬ ‫الجمهور مباشرة‪ ،‬ويمكن لهذا الجمهور أن‬ ‫ا وشـريك ًا في تطوير الفيلم‬ ‫يكون متفاع ً‬ ‫وانتقـاده والمشـاركة فيـه‪ .‬وهنـا طبعـ ًا‬ ‫تبرز مسـألة الشـفافية والمصداقية ومدى‬ ‫وتحمل المسؤولية أمام‬ ‫التزام األفراد فيها‬ ‫ُّ‬ ‫الجمهور وأمـام التاريخ!‬ ‫هذا الفيلم الوثائقي نفسه لديه فرصة اليوم‬ ‫ليستفيد من عملية الترقيم ‪،Digitization‬‬ ‫وأن تطرح هذه العملية مجموعات كثيرة‬ ‫من األسئلة حول األرشفة وعملياتها‪ّ ،‬إال‬ ‫أنهـا تمثّـل أداة ال نظير لها من وجهة نظر‬ ‫أرشيفية في معالجة األفام والمستندات‪.‬‬ ‫والفيلـم الوثائقـي الفلسـطيني هنـا الـذي‬ ‫يبحـث فـي التاريخ والزمـن وفعل الحياة‬ ‫والواقع وأصل األرض وجذور الفلسطيني‬ ‫فيها ومعاناته ويومياته ومآسيه وتدمير‬ ‫يصور الواقع‬ ‫تراثـه‪ ،‬وليس وثائقي ًا آني ًا ّ‬ ‫‪135‬‬


‫العادي ويموت في نهاية الغاية المطلوبة‬ ‫منه‪.‬‬ ‫الوثائقي الفلسطيني هنا هو فعل حقيقة‬ ‫تحتاج إلى نشرها والبحث في تفاصيلها‬ ‫لتقديم الحكاية الفلسطينية من جهة نظر‬ ‫المحتل‪.‬‬ ‫أهل الباد وليس من وجهة نظر‬ ‫ّ‬ ‫فالحقيقة تكون عادة نائمة وعلى صانعي‬ ‫األفام الوثائقية أن يوقظوها‪ ،‬وإن كانت‬ ‫بالنسـبة إلينـا كعـرب واضحـة وضـوح‬ ‫الشمس‪.‬‬ ‫تبقـى طريقـة تقديم الفيلم علـى اإلنترنت‬ ‫والمشاهد التي تحتويه مهمة جداً‪ ،‬فمعظم‬ ‫مثـا مـن ِقَب ِ‬ ‫ـل قنـاة‬ ‫التقاريـر‬ ‫المصـورة ً‬ ‫َّ‬ ‫غزة في ‪ُ ،2004‬حذفت‬ ‫الجزيرة عن حرب ّ‬ ‫من اإلنترنت ألن المجموعات اإلسرائيلية‬ ‫واللوبيـات الصهيونيـة كانـت تسـتخدم‬ ‫وسـائل قانونيـة متاحة مثـل الكتابة إلى‬ ‫موقـع «يوتيـوب» بـأن هـذا التقريـر فيـه‬ ‫صور ومشـاهد مزعجـة تخدش‪ ،‬فيحذفها‬ ‫«يوتيـوب»‪ .‬لذلـك قـد يكـون تحميـل فيلـم‬ ‫وثائقـي مهـم جـدًا ال يخـدم القضيـة ألنـه‬ ‫سـيحذف‪ .‬وهـذا مـا توصـل إليـه عمـر‬ ‫ُ‬ ‫عاضـي‬ ‫المتخصـص بمجـال «السوشـيال‬ ‫ِّ‬ ‫ميديا» في بحث قّدمه في منتدى فلسطين‬ ‫الدولي لإلعام والتواصل في اسـطنبول‬ ‫فـي مايو‪/‬أيـار الماضي‪.‬‬ ‫يتم البحـث عن كلمة‬ ‫كمـا َّ‬ ‫أكـد عاصـي أنـه ّ‬ ‫إسرائيل عبر «غوغل» ثمانية أضعاف أكثر‬ ‫‪136‬‬

‫مـن البحـث عـن كلمة فلسـطين‪ .‬والمواقع‬ ‫تخص إسرائيل هي‬ ‫التي تعتبرها «غوغل» ّ‬ ‫أكثـر مـن ‪ 800‬مليون موقـع‪ ،‬أما المواقع‬ ‫التـي‬ ‫تخـص فلسـطين بحسـب «غوغـل»‬ ‫ّ‬ ‫فهي تقريب ًا ال تتعّدى الـ ‪ 150‬مليون موقع‬ ‫فـي العالـم‪ .‬ويضيف عاصـي «ليس مهم ًا‬ ‫يهتـم‬ ‫أن نـرى نحـن أن موقعـ ًا فلسـطيني ًا ّ‬ ‫بالقضية الفسلطينية‪ ،‬المهم أن محركات‬ ‫وتسجله‪ .‬وقد عرضنا هنا‬ ‫البحث ترى ذلك‬ ‫ّ‬ ‫هـذه المسـألة المتعلِّقة بوسـائل االتصال‬ ‫الجديدة‪ ،‬لنؤكد أن الفلسطينيين ال يروون‬ ‫بشـكل ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كاف علـى اإلنترنت‪ ،‬على‬ ‫قصتهـم‬ ‫ا ومتاح ًا ألي‬ ‫الرغم من أن األمر بات سه ً‬ ‫شخص على الكرة األرضية لديه موبايل‬ ‫ذكي موصول على شـبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫لـذا البـّد مـن صناعـة المزيـد مـن األفـام‬ ‫الوثائقيـة وتحميلهـا علـى اإلنترنـت التي‬ ‫تمثّـل اليـوم فـي عصـر الرقمنـة‪ ،‬حقيقـة‬ ‫وجودنا‪ .‬وخير دليل على هذه التـجربــــة‬ ‫موقــع «‪ »Remix palestine‬الذي يوثِّق‬ ‫بالصـوت والصـورة والفيلـم الوثائقـي‬ ‫لرواية فلسـطين‪.‬‬

‫مشروع مفتوح‬ ‫تصـب صناعـة األفـام الوثائقيـة حـول‬ ‫القضيـة الفلسـطينية في خانة المشـروع‬ ‫المفتوح الذي ال ينتهي في فيلم أو عشرة‬

‫أو مئة أو مليون‪ .‬هو مشروع حياة وفي‬ ‫صراع مع الزمن‪ ،‬لتعود األرض إلى أهلها‪.‬‬ ‫ومـن َث ّـم فـإن «مخرجي األفـام الوثائقية‬ ‫الجـدد هـم النسـخة المعاصـرة مـن رواة‬ ‫القصـص والحكايـات الذيـن عرفهم العالم‬ ‫يدونون القصص‬ ‫في الماضي الذين كانوا ّ‬ ‫الشـفوية التي كانوا يسـمعونها من رواة‬ ‫مجهوليـن»‪ ،‬كمـا يقـول الباحـث التركـي‬ ‫إرسـان أوتشيك‪.‬‬ ‫لـذا علـى صانعـي هـذه األفـام «جعـل‬ ‫الامرئـي مرئيـاً» كمـا يقـول المخـرج‬ ‫األميركـي الشـهير جوشـوا أوبنهايمـر‬ ‫صاحـب فيلمـي «فعـل القتـل» و«نظـرة‬ ‫الصمـت» وأصبـح مرجعـ ًا فـي صناعـة‬ ‫الفيلـم الوثائقـي‪ .‬ويضيـف‪ :‬إنمـا ال أؤمن‬ ‫فثمة‬ ‫بالموضوعيـة فـي الفليم الوثائقي‪ّ ،‬‬ ‫المشاهد على مسافة آمنة من‬ ‫أفام تضع ُ‬ ‫الموضـوع المطـروح‪ ،‬وهـذا مـا يسـّهلها‪.‬‬ ‫إنـه تكنيـك الصحافـة التـي تحاول شـرح‬ ‫للمشـاهد‪ ،‬ال توريطـه فيـه أو‬ ‫الموضـوع ُ‬ ‫جـره إليـه‪ .‬جمـال الفيلم يجعل مشـاهدته‬ ‫ّ‬ ‫أكثـر صعوبـة‪ .‬إنـه يسـمح للغضـب أن‬ ‫ينمـو فينـا جـراء مشـاهدتنا للعنـف الـذي‬ ‫س في أثنـاء المجازر مثاً»‪ .‬فالعنف‬ ‫ُم ِ‬ ‫ـور َ‬ ‫في الفيلم الوثائقي الفلسـطيني ال يتمثَّل‬ ‫فقـط بذلـك الـذي حصـل سـابقاً‪ ،‬بل يجب‬ ‫أن يفرض الصمت على الناس وإحراجهم‬ ‫ومحاصرتهـم بالخـوف‪.‬‬


‫من الماضي‬ ‫إلى الحاضر‪..‬‬ ‫صور مستمرّة‬ ‫قيس الزبيدي‬

‫قيس الزبيدي*‬ ‫ٍ‬ ‫(ن ِش َـر فـي السـفير ‪2015-‬‬ ‫فـي‬ ‫مقـال لـه ُ‬ ‫‪ )12-22‬أشـار الكاتـب محمـود أبـو‬ ‫نـدى إلـى إشـكالية الفيلـم الفلسـطيني‬ ‫نـا أنـه‪ :‬بعـد االطـاع علـى وضـع‬ ‫بي ً‬ ‫ُم ِّ‬ ‫السـينما الفلسـطينية فـي السـتينيات‬ ‫والسـبعينيات‪ُ ،‬تطـرح أسـئلة ِعـّدة عـن‬ ‫تفوقت األفام‬ ‫وضع السينما اآلن‪« :‬لماذا ّ‬ ‫ذات اإلمكانيـات الماديـة المحدودة جداً‪،‬‬ ‫الممولة ذات الجودة العالية؟‬ ‫على األفام ّ‬ ‫هـل أصبـح المخـرج الفلسـطيني يبحـث‬ ‫عـن مقعـد لفيلمه في مهرجانات السـينما‬ ‫الدوليـة فقـط‪ ،‬مـن دون أي اهتمـام لمـا‬ ‫الهوية‬ ‫يحملـه الفيلـم؟ وهـل الفيلم يمثِّـل‬ ‫ّ‬ ‫الحقيقية لإلنسـان الفلسـطيني أم ال؟ أم‬ ‫هـل التمويـل هـو اإلشـكالية الحقيقيـة؟‬ ‫وهل ُجندت السينما في النشاط المحموم‬ ‫لتأديـب الفلسـطينيين (معرفيـ ًا ونفسـي ًا‬

‫ كثيراً ما أدهشت السينما الفلسطينية المتلقين الفلسطينيين ‬ ‫باعتبارهم يشاهدون للمرّة األولى صوراً حقيقية وح َّية وجديدة من ‬ ‫وطنهم السليب‪.‬‬

‫ونضاليـاً)‪ ،‬مادام اإلنسـان «الفلسـطيني‬ ‫الجديـد» بحاجـة لسـينما جديـدة؟‪ .‬يبقـى‬ ‫مـا سـبق مطروح ًا للنقـاش‪ ،‬لكن يمكننا‬ ‫اعتبـار أن سـينما «البلـد والمخيمـات»‪،‬‬ ‫كانـت خير ممثل لخيارات الفلسـطينيين‬ ‫وطريقـة سـلوكهم ورؤيتهـم لذاتهـم‬ ‫تفوقـت علـى‬ ‫ولعدوهـم وللعالـم‪ ،‬ولقـد ّ‬ ‫السـينما الحاليـة مـن هـذه الناحيـة»‪.‬‬ ‫يمكـن تلخيص عناوين مواضيع األفام‬ ‫كمـا فعـل روزاليـن باكسـاندا فـي ملـف‬ ‫«أفام حول تاريخ الصراع الفلسطيني‪-‬‬ ‫اإلسـرائيلي» كاآلتي‪:‬‬ ‫ أفام عن النكبة‪.‬‬‫ أفـام عـن مـا بعـد احتـال الضفـة‬‫وغـزة‪.‬‬ ‫الغربيـة‬ ‫ّ‬ ‫ أفام عن المستوطنات اليهودية‪.‬‬‫«غزة» في سنوات‬ ‫ أفام عن غزو ّ‬‫مختلفة‪.‬‬ ‫‪ -‬أفام عن التاريخ الصهيوني‬

‫واأليديولوجية الصهيونية‪.‬‬ ‫ أفام عن الحرب في لبنان‪.‬‬‫ األفـام الطليعيـة‪ ،‬كوميـدي‪ ،‬أو ذات‬‫اتجـاه شـاعري‪.‬‬ ‫الفّن الفلسطيني‪.‬‬ ‫ أفام عن َ‬‫ أفـام مـن قبـل وعـن النقَّـاد اليهـود في‬‫إسـرائيل والصهيونية‪.‬‬ ‫ أفـام عـن قـوات الدفـاع اإلسـرائيلية‬‫(‪.)IDF‬‬ ‫ األفام اإلسرائيلية بشأن التضامن مع‬‫الفلسطينيين‪.‬‬ ‫ أفام المخرجين العرب واإلسرائيليين‪.‬‬‫ األفام المتعلِّقة بالشتات الفلسطيني‪.‬‬‫ أفام عن التضامن والمقاومة‪.‬‬‫ األفـام المتعلِّقـة بالذاكـرة الثّقافيـة‬‫ا لفلسـطينية ‪.‬‬ ‫ أفـام تظهـر التضامـن الدولـي مـع‬‫الشـعب الفلسـطيني‪.‬‬ ‫ األفـام المتعلِّقـة بالحيـاة اليوميـة في‬‫‪137‬‬


‫األراضي الفلسـطينية‪.‬‬ ‫ األفـام المتعلِّقـة بالشـرق األوسـط‬‫وبشكل غير مباشر فلسطين‪ /‬إسرائيل‪.‬‬ ‫وبغـض النظـر عـن هـذا الترتيـب فـي‬ ‫مواضيـع األفـام حـول تاريـخ الصـراع‬ ‫أود أن‬ ‫الفلسطيني‪ -‬اإلسرائيلي‪ّ ،‬إال أني ّ‬ ‫أعـرض هنـا أو ًال أكثـر المواضيـع أهمية‬ ‫التـي تناولهـا الفيلـم الفلسـطيني فـي‬ ‫الحاضـر‪ ،‬وثانيـ ًا في الماضـي‪ ،‬وتبيان‬ ‫الفـروق بينهمـا‪ ،‬خصوصـ ًا أنـه جـرت‬ ‫محـاوالت جـادة سياسـية وتحليلية في‬ ‫بعـض أفـام الماضـي الوثائقيـة التـي‬ ‫ـل جهـات فلسـطينية‬ ‫كانـت تنتـج مـن َقِب َ‬ ‫تابعـة لمنظمـة التحريـر الفلسـطينية‪،‬‬ ‫بينمـا تنتـج أفـام الحاضـر فـي الغالـب‬ ‫من ِقَب ِل جهات عديدة عربية‪ ،‬وأوروبية‪،‬‬ ‫ومخرجوها فلسطينيون يعيشون إما في‬ ‫فلسطين أو في أوروبا؟ وتتناول األمثلة‬ ‫التي اخترناها من بين أكثر من سـبعين‬ ‫فيلمـ ًا فلسـطيني ًا عرضت فـي مهرجانات‬ ‫دبـي وأبـو ظبـي وقرطـاج‪ :‬مواضيـع‬ ‫الشـتات الفلسـطيني‪ ،‬الحيـاة اليوميـة‬ ‫فـي األراضـي الفلسـطينية واحتـال‬ ‫وغـزة‪ .‬بينمـا تناولـت‬ ‫الضفـة الغربيـة‬ ‫ّ‬ ‫األمثلـة التـي اخترناهـا مـن بيـن أفـام‬ ‫‪138‬‬

‫سـمى الثورة الفلسـطينية‪ :‬أسـاليب‬ ‫ما ُي َّ‬ ‫وتنـوع هجـرة اليهـود إلـى فلسـطين‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫األسـاليب الصهيونيـة فـي االسـتياء‬ ‫علـى األراضـي الفلسـطينية وتحويلهـا‬ ‫لمسـتوطنات لليهود القادمين من شـتى‬ ‫أنـواع المعمـورة واسـتمرار النضـال‬ ‫الفلسطيني في الصمود والبقاء وتحرير‬ ‫فلسـطين المحتلـة‪.‬‬

‫أفالم من الحاضر‬ ‫«غرفـة سـمير» إخـراج‪ :‬أسـامة قشـوع‪،‬‬ ‫‪ ،2011‬المملكة المتحدة‪ 17،‬دقيقة‪ :‬يعود‬ ‫سـمير بعـد سـنوات دراسـته بالخـارج‬ ‫لبلـده فلسـطين‪ ،‬مشـتاق ًا لعائلتـه وبيته‬ ‫وذكرياتـه وتفاصيـل حياتـه القديمـة‪،‬‬ ‫المحتـل وقـد وصـل‬ ‫لكنـه يفاجـأ بوطنـه‬ ‫ّ‬ ‫االحتـال إلـى داخـل بيتـه‪.‬‬ ‫«ذاكـرة الصبـار‪ :‬حكايـة ثـاث قـرى‬ ‫فلسـطينية» إخـراج‪ :‬حنـا مصلـح‪،‬‬ ‫فلسـطين‪ 42 ،2008 ،‬دقيقـة‪ :‬يرمـز‬ ‫الصبار في هذا الفيلم للذاكرة‪ ،‬ويتناول‬ ‫ّ‬ ‫ـل بالقـرى الفلسـطينية‬ ‫الدمـار الـذي َح ّ‬ ‫فـي منطقـة اللطـرون بالضفـة الغربيـة‬ ‫المحتلة‪ ،‬والتهجير القسري للمدنيين من‬

‫سكان هذه القرى عام ‪ .1967‬وبعد مرور‬ ‫‪ 40‬عاماً‪ ،‬ما يزال االحتال اإلسـرائيلي‬ ‫قائمـاً‪ ،‬ومـا يـزال سـكان هـذه القـرى با‬ ‫وطـن‪ .‬تـدور أحـداث الفيلم فـي رحلتين‬ ‫متوازيتيـن‪ ،‬حيـث تأخذنـا «عائشـة أم‬ ‫ناجح» إلى الشـوارع المؤلمة التي ُأجبر‬ ‫الفلسـطينيون علـى النـزوح إليهـا بعيـدًا‬ ‫عـن األرض التـي أنجبتهـم‪ ،‬بينمـا يعيث‬ ‫فيهـا اإلسـرائيليون ويأكلون من خيرها‬ ‫الصبـار مـا زالـت‬ ‫وثمرهـا‪ّ .‬إال أن جـذوع ّ‬ ‫هناك شاهدًا على ما كان ومن كان هنا‪.‬‬ ‫جرار‪ ،‬فلسطين‬ ‫«متسللون» إخراج‪ :‬خالد ّ‬ ‫واإلمـارات العربيـة المتحـدة‪،2012 ،‬‬ ‫وثائقـي‪ 70 ،‬دقيقـة‪ :‬فيلـم مغامـرات‬ ‫يكشـف النقـاب عـن محـاوالت مـن ِقَب ِ‬ ‫ـل‬ ‫مختلـف األفراد والجماعات خال بحثهم‬ ‫عـن ثغـرات فـي الجـدار مـن أجل التسـلل‬ ‫خالـه‪« .‬متسـللون» هـو فيلـم مـن نـوع‬ ‫التحوالت اليومية‬ ‫«الـرود موفـي» يتابع‬ ‫ُّ‬ ‫كل الفئـات االجتماعية‬ ‫لفلسـطينيين مـن ّ‬ ‫يبحثون عن مسالك ومنافذ عبر حواجز‬ ‫ال نهايـة لهـا‪.‬‬ ‫عـواد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫«غـزة تنـادي» إخـراج‪ :‬ناهـد ّ‬ ‫فلسـطين‪ ،‬سويسـرا واإلمـارات العربية‬ ‫المتحـدة‪ 64 ،2012 ،‬دقيقـة‪ :‬سـامر‬


‫غزة ويعيشان ويعمان في‬ ‫وحكمت من ّ‬ ‫رام اهلل (الضفـة الغربيـة)‪ ،‬مجبران على‬ ‫أن يكونا في وطنهما «متسللين»‪ ،‬وهما‬ ‫تحول الحياة العادية إلى‬ ‫مثال حي على ُّ‬ ‫صـراع يومـي‪ ،‬يتعرضـان خالـه لخطر‬ ‫غزة‪.‬‬ ‫الترحيـل إلـى ّ‬ ‫غزة» إخراج‪ :‬خير الدين مبروك‬ ‫«قصيدة ّ‬ ‫وسـمير عبـد اهلل‪ 100 ،2010 ،‬دقيقـة‪:‬‬ ‫يتناول الفيلم تداعيات «عملية الرصاص‬ ‫المصهور» عام ‪ .2008‬يذهب المخرجان‬ ‫وأصدقاؤهمـا مـن المركـز الفلسـطيني‬ ‫غزة لتصوير أولئك‬ ‫لحقوق اإلنسان إلى ّ‬ ‫المتروكين بين األنقاض والعائات التي‬ ‫لـم تجـد مناصـ ًا مـن أن تعيـش شـظايا‬ ‫حياة‪ ،‬ويجعلون من فيلمهم شهادة على‬ ‫غزة وعزيمتهم الفوالذية‬ ‫شجاعة أهالي ّ‬ ‫علـى النهـوض مـن تحـت الحطـام وبناء‬ ‫مرة‪.‬‬ ‫عالمهـم‬ ‫َّ‬ ‫مـرة بعد ّ‬ ‫المقوض ّ‬ ‫«جنـود مجهولـون» إخـراج‪ :‬سـارة‬ ‫دحيـدل‪ ،‬حمـزة خليفـة‪ ،‬عـدي الطنيـب‪،‬‬ ‫روان التميمي‪ ،‬جابر أبو رحمة‪ ،‬محمود‬ ‫الهذالين وأحمد عمرو‪ .‬يــتألَّف الفيلم من‬ ‫ثمانيـة أفـام قصيرة َتّم إعدادها من ِقَب ِل‬ ‫مخرجيـن فلسـطينيين شـباب فـي أولـى‬ ‫تجاربهـم السـينمائية‪ .‬تتمحـور هـذه‬ ‫األفـام حـول األمـل بمقاومـة االحتـال‬ ‫بأسـاليب سـلمية‪ .‬وهـي حصيلـة ِعـّدة‬ ‫دورات تدريبيـة‪ ،‬وورشـات عمـل مكثفة‬ ‫جـرى تنظيمهـا فـي فلسـطين مـن ِقَب ِ‬ ‫ـل‬ ‫«مركـز كـورف ووسـترو»‪ ،‬وبإشـراف‬ ‫المخرجـة الفلسـطينية «مـي عـودة»‪.‬‬ ‫مخرجـو هـذه األفام هم مـن المتطوعين‬ ‫فـي «اللجنـة التنسـيقية للمقاومـة‬ ‫الشـعبية»‪ ،‬ومجموعـة «شـباب ضـد‬ ‫االسـتيطان»‪.‬‬ ‫«الطريـق إلـى بيـت لحـم» إخـراج‪ :‬ليلـى‬ ‫صنصـور‪ ،‬المملكـة المتحـدة‪ ،‬اإلمـارات‬ ‫العربيـة المتحـدة وفلسـطين‪،2010 ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫سـنوات‬ ‫فيلـم َي ْج ِس ُـر سـبع‬ ‫‪ 120‬دقيقـة‪ٌ .‬‬ ‫ويقـدم‬ ‫خطيـرة مـن حيـاة بيـت لحـم‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫سـاحر في نضالها الشـاق‬ ‫بجمال‬ ‫مدينـة‬ ‫ٍ‬ ‫يتتبـع الفيلم قصة‬ ‫تحـت ِظ ِّ‬ ‫ـل االحتـال‪ّ .‬‬ ‫ٍ‬ ‫مديرة اسمها ليلى صنصور‪ ،‬حين تعود‬ ‫توًا بجدار‪.‬‬ ‫إلى مدينتها تجدها قد ُأحيطت ّ‬ ‫ويوثُِّـق لنضـال صنصور مـن أجل وقف‬ ‫قـوات االحتـال اإلسـرائيلي عـن‬ ‫جنـود ّ‬ ‫بجـدار عـازل‪ .‬كمـا‬ ‫تطويـق بيـت لحـم‬ ‫ٍ‬ ‫حيـة لقصـة مؤثِّـرة‬ ‫ِّ‬ ‫يقـد ُم الفيلـم شـهادة ّ‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نضـال عنيد‬ ‫عـن‬ ‫وجهـود مثابرة لتوحيد‬ ‫المسـيحيين والمسـلمين واليهـود‪ ،‬كـي‬ ‫تظـل المدينـة مفتوحـة للجميـع‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫«خمـس دقائـق عـن بيتي» إخـراج‪ :‬ناهد‬ ‫عـواد‪ ،‬فلسـطين‪ 52 ،2008 ،‬دقيقـة‪:‬‬ ‫تكتشـف المخرجـة أن مطـارًا يوجـد على‬ ‫بعـد ‪ 5‬كيلومتـرات مـن رام اهلل و‪10‬‬ ‫كيلومتـرات مـن القدس‬ ‫تحـول إلى معبر‬ ‫َّ‬ ‫بعد أن وقعت مصادرته من ِقَب ِل الجيش‬ ‫اإلسرائيلي سنة ‪ .1967‬كان هذا المطار‬ ‫فـي الخمسـينيات والسـتينيات يسـمح‬ ‫بحريـة‪.‬‬ ‫للفلسـطينيين أن يسـافروا ّ‬ ‫«أبنـاء عيلبـون» إخـراج هشـام زريـق‪،‬‬ ‫ألمانيا‪ 24 ،2007 ،‬دقيقة‪ :‬حكاية قرية‬ ‫تشكل نموذج ًا لـ (‪ )531‬قرية‬ ‫فلسطينية ِّ‬ ‫هدمتهـا إسـرائيل‪ ،‬وطـردت أهلهـا منها‪،‬‬ ‫ثـم ادعـت أن أهالـي هذه القرى هم الذين‬ ‫غادروها‪.‬‬ ‫«قهـوة لـكل األمـم» إخـراج وفـاء جميـل‪،‬‬ ‫فلسـطين‪ ،‬السـويد واإلمـارات العربيـة‬ ‫المتحـدة‪ 52 ،2014 ،‬دقيقـة‪ :‬أجبـر‬ ‫الجيـش اإلسـرائيلي عـام ‪ 1948‬عائلـة‬ ‫«عبـد علـي» مغـادرة قريـة «الولجـة»‬ ‫كحـال بقيـة العائـات‪ ،‬لتعيـش فـي‬ ‫مخيـم «الدهيشـة» لاجئيـن‪ .‬لكـن «عبـد»‬ ‫سيبقى مصمم ًا على العودة إلى قريته‪،‬‬ ‫والعيـش فيهـا ليسـتعيد ملكيتـه ألرضـه‬ ‫ـل ظروف شـديدة الصعوبة‪ .‬وفي‬ ‫فـي ِظ ّ‬ ‫محاولته الصمود في أرضه‪ ،‬يعيش في‬ ‫كهـف كنعانـي عمـره ‪ 400‬سـنة‪ّ ،‬إال أن‬ ‫قـوات االحتـال اإلسـرائيلي تكـون لـه‬ ‫بالمرصـاد‪.‬‬

‫أفالم من الماضي‬ ‫«يوم األرض» تسجيلي من إخراج غالب‬ ‫مؤسسـة صامـد بيروت‪،‬‬ ‫شـعث‪ ،‬إنتـاج َّ‬ ‫لبنـان‪ 38 ،1978 ،‬دقيقـة‪ :‬يبـدأ الفيلـم‬ ‫بلوحة عن الكتاب األسود الذي أصدرته‬ ‫اللجنـة القطريـة للدفـاع عـن األراضـي‬ ‫العربية في «إسـرائيل» محاولة لتوثيق‬ ‫مـا حـدث أثناء انتفاضة يوم األرض في‬ ‫‪ .1972/2/20‬والفيلم محاولة لتحويل‬ ‫«الكتـاب األسـود» إلى وثيقة سـينمائية‬ ‫ليصـور النضـال الـذي يخوضـه الشـعب‬ ‫ّ‬ ‫الفلسـطيني في األرض المحتلة منذ عام‬ ‫‪ 1948‬ضـد االحتـال‪ ،‬وذلـك بمناسـبة‬ ‫الذكرى الثانية ليوم األرض في ‪...1978‬‬

‫«فلسـطين سـجل شـعب» إخـراج قيـس‬ ‫الزبيـدي‪ ،‬فلسـطين ‪ 35 .1982‬ملـم‪،‬‬ ‫أسـود وأبيـض‪ 110 ،‬دقائـق‪ :‬الفيلـم‬ ‫تسـجيل للقضيـة الفلسـطينية‪ ،‬وقـراءة‬ ‫تمتـد مـن أوائـل القـرن العشـرين حتـى‬ ‫منتصـف السـبعينيات‪ ،‬يتكـئ علـى‬ ‫وثائـق بصريـة نـادرة فـي سـياق‬ ‫سـيناريو بصـري‪ ،‬مترافـق مـع قـراءة‬ ‫تاريخيـة وتحليلية‪ ،‬ومقابات مع قادة‬ ‫ومؤرخين‪ ،‬مثل محمد عزة‬ ‫فلسـطينيين‬ ‫ِّ‬ ‫دروزة وأكـرم زعيتـر وأميل توما‪ ،‬الذي‬ ‫كتـب تعليـق الفيلـم مسـتندًا إلـى معرفـة‬ ‫عميقة بتاريخ فلسطين القديم والحديث‪.‬‬ ‫‪...‬‬ ‫أكـدت توصيـة‬ ‫فـي العـام ‪َّ 1980‬‬ ‫شكل‬ ‫«اليونسكو» على أن السينما بدأت ُت ِّ‬ ‫مصـدرًا مهم ًا للبحـث االجتماعي ولكتابة‬ ‫التاريـخ‪ ،‬إضافة لكونها ذاكرة وشـاهدًا‬ ‫على تسجيل األحداث التاريخية و«تعبيرًا‬ ‫الهويـة الثّقافيـة‪ ،‬لقيمتهـا التربويـة‬ ‫عـن‬ ‫ّ‬ ‫والثّقافيـة والعلميـة والتاريخيـة‪ ،‬ألنهـا‬ ‫ـا لـإلرث الثّقافـي ألي‬ ‫مكم ً‬ ‫ِّ‬ ‫تشـكل جـزءًا ِّ‬ ‫أمـة»‪ .‬وفـي السـياق نفسـه يـرى الناقـد‬ ‫مقدمتـه‬ ‫الفلسـطيني فيصـل دراج فـي ِّ‬ ‫لكتاب «فلسطين في السينما» أن الوثيقة‬ ‫السـينمائية تضـيء‪ ،‬في مسـتوى منها‪،‬‬ ‫المستقرة‬ ‫الفارق بين الذاكرة المكتوبة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في كتب كثيرة‪ ،‬وبين الذاكرة الشفهية‪،‬‬ ‫تتكـون مـن ترافـد صـور المخيمات‬ ‫التـي ّ‬ ‫الفقيـرة والجثـث المتراصفـة والبيـوت‬ ‫المهدمـة وابتسـامات المقاتليـن‪ ،‬الذيـن‬ ‫إن لـم يقتلـوا فـي الهجـوم األول قتلتهـم‬ ‫غـارات إسـرائيلية الحقـة‪ .‬إنهـا عيـن‬ ‫الكاميـرا التـي ال تشـيخ‪ ،‬احتفظـت‪ ،‬وال‬ ‫تـزال‪ ،‬بأطيـاف الصبيـة الفلسـطينيين‬ ‫وراء األسـاك الشـائكة وبمامـح مـن‬ ‫القـدس قبـل أن يغتصبهـا «التهويـد»‪،‬‬ ‫واحتضنـت‪ ،‬وال تـزال‪ ،‬صـور أجيـال‬ ‫فلسـطينية تشـرح مآسـيها وآمالهـا‪،‬‬ ‫وصـور «قـادة فلسـطينيين» اسـتولدوا‬ ‫األمـل مـن المقاومـة ورحلـوا‪.‬‬ ‫‪........‬‬ ‫*‬

‫ناقد ومخرج سينمائي عراقي‬ ‫‪139‬‬


‫ﻣﺴﺮح‬

‫«هاملت» األلفية الثالثة‬

‫شع من لندن على العامل‬ ‫ُت ُّ‬ ‫د‪ .‬رﻳﺎض ﻋﺼﻤﺖ‬

‫عل بعض الناس يعتقد أن المسرح في‬ ‫َل ّ‬ ‫طريقـه إلى الفنـاء‪ ،‬وأن الجمهور العريض‬ ‫انصـرف عنـه إلـى السـينما والتليفزيـون‪،‬‬ ‫لكـن عرض «هاملت» (‪ ،)2015‬الذي الزالت‬ ‫مسـتمره حتـى اآلن فـي لنـدن‪ ،‬يدحض هذا‬ ‫الزعـم تمامـاً‪ِ .‬بيعـت بطاقات عـرض «فرقة‬ ‫المسـرح القومـي البريطانـي» علـى مسـرح‬ ‫«باربيكان» كالذهب أو كالخبز‪ ،‬رغم أن ثمن‬ ‫البطاقة ال يقل عن ‪ 40‬جنيه ًا استرلينياً‪ ،‬وقد‬ ‫وصل في السـوق السـوداء إلى ‪ 100‬جنيه‬ ‫استرليني‪ .‬ليس األمر غريباً‪ ،‬فبطل العرض‬ ‫هـو الممثـل البريطانـي الشـهير بنيدكـت‬ ‫كامبرباتـش‪ ،‬الـذي اشـتهر عبـر مسلسـل‬ ‫«شرلوك» التليفزيوني في تجسيده الحديث‬ ‫المحقِّـق غريـب األطـوار التـي‬ ‫لشـخصية ُ‬ ‫ابتدعها آرثر كونان دويل‪ ،‬وهو أيض ًا نجم‬ ‫سينمائي صعد سلم المنافسة الهوليوودية‬ ‫بقـوة عبـر أدائـه دور البطولـة فـي «لعبـة‬ ‫المحـاكاة» عـن مختـرع أول كومبيوتـر فـي‬ ‫العالم‪ ،‬ودورًا مساعدًا في «القداس األسود»‬ ‫أمـام جونـي ديـب‪ .‬لكـن العـرض بمجملـه‬ ‫يسـتدعي االهتمـام الجماهيـري البالـغ‪،‬‬ ‫سواء بعديد من الخبرات في طاقم تمثيله‪،‬‬ ‫أو بإخـراج المخرجـة الشـابة ليندسـي‬ ‫تورنـر‪ ،‬وديكـور إيـز ديفليـن‪ .‬لكـن الجديـد‬

‫والافـت للنظـر أن عـرض «هاملـت» الجديد‬ ‫اسـتفاد مـن تكنولوجيـا اإلنترنـت‪ ،‬بحيـث‬ ‫َت ّـم بثـه عبـر نقـل حـي ومباشـر إلـى عديـد‬ ‫مـن مـدن العالـم‪ ،‬وبينهـا شـيكاغو وسـان‬ ‫فرانسيسـكو وطوكيو وموسـكو وسواها‪،‬‬ ‫ليتابع الجمهور في صاالت سينما العرض‬ ‫خصصة لهذا الغرض «هاملت» مع الجمهور‬ ‫ُم َّ‬ ‫البريطاني المحتشد في مسرح «باربيكان»‬ ‫فـي قلـب العاصمة البريطانيـة لندن‪.‬‬ ‫لـكل جيـل هاملتـه‪ .‬هـذه حقيقـة ال بـد‬ ‫أن نذكرهـا ونحـن نشـاهد عـرض «هاملـت»‬ ‫(‪ .)2015‬لكـن «هاملـت» أيضـ ًا هرم يصعب‬ ‫شـكل تحّديـ ًا صعبـ ًا لمـؤدي‬ ‫تسـلُّقه‪ ،‬ألنـه ُي ِّ‬ ‫الـدور المحـوري‪ .‬تقـول أسـتاذة التمثيـل‬ ‫الشـهيرة سـتيا آدلر إن الممثل ال يمكن أن‬ ‫سمى عظيم ًا إذا اكتفى بأداء أدوار واقعية‬ ‫ُي َّ‬ ‫فحسب‪ ،‬ولم يلعب بعض األدوار المهمة في‬ ‫تاريـخ المسـرح مثـل هاملـت‪ .‬جديـر بالذكر‬ ‫أن سـير لورنـس أوليفييـه كان أول مـن‬ ‫أضفى لمسـة حداثة واقعية على شـخصية‬ ‫هاملت حين مثَّلها مسرحي ًا أو ًال بينما كانت‬ ‫الطائـرات األلمانيـة تقصـف لنـدن بالقنابل‬ ‫إبـان الحـرب العالميـة الثانيـة‪ .‬وأوليفييـه‬ ‫هو من قال‪ ،‬وهو في السـبعين من العمر‪،‬‬ ‫إن دور هاملـت يسـكن روح الممثـل منـذ أن‬

‫يلعبـه إلـى األبد‪ ،‬بحيث اعترف بأنه يتوق‬ ‫إلـى أدائـه ثانيـة فـي تلـك السـن المتقدمـة‬ ‫عل‬ ‫وهـو يـدري أن األمـر مسـتحيل طبعـاً‪َ .‬ل ّ‬ ‫أكبر هاملت عمرًا شاهدته على المسرح في‬ ‫لنـدن فـي الثمانينيـات هـو إدوارد فوكـس‬ ‫علـى مسـرح «يونـغ فيـك»‪ ،‬وكان يخوض‬ ‫تحّديـ ًا صعبـاً‪ ،‬ألن هاملـت يمثـل الشـباب‪.‬‬ ‫أمـا الممثـل ديفيـد وارنـر‪ ،‬فـكان أحد أصغر‬ ‫ممثلي دور هاملت‪ ،‬إذ أداه وهو في الرابعة‬ ‫والعشرين من العمر‪ .‬الحق ُيقال‪ ،‬إن هناك‬ ‫فهم ًا شائع ًا مغلوط ًا لسمات هاملت الجسدية‬ ‫والعمريـة‪ ،‬فمعظـم النـاس يخالونـه شـاب ًا‬ ‫ا وشـاحباً‪.‬‬ ‫في العشـرينات‪ ،‬طوياً‪ ،‬نحي ً‬ ‫النص‬ ‫خال‬ ‫لكن التمحيص بسمات هاملت‬ ‫ّ‬ ‫يقودنـا إلـى حقائـق مغايـرة‪ ،‬فعمر هاملت‬ ‫ا‬ ‫يقـل عـن ثاثين سـنة‪ ،‬وهو ليس نحي ً‬ ‫ال ّ‬ ‫ورشـيق القـد‪ ،‬بـل علـى شـيء مـن امتـاء‬ ‫الجسم‪ ،‬ألنه مغرم بالمطالعة على نقيض‬ ‫اليرتـس المبـارز البارع‪.‬‬ ‫أشـهر مـن أدى دور هاملـت مـن كبـار‬ ‫الممثليـن القدامـى هـم‪ :‬هنـري إرفينـغ‬ ‫(‪ ،)1870‬جـون باريمـور (‪ ،)1922‬جـون‬ ‫غيلغود (‪ ،)1934‬لورنس أوليفييه (‪.)1936‬‬ ‫ثـم نذكـر مـن كبـار الممثليـن الذيـن أدوا‬ ‫الشخصية الشكسبيرية األشهر منذ أواسط‬


‫السـتينيات‪ :‬ريتشـارد بيرتـون (‪،)1964‬‬ ‫ديفيـد وارنـر (‪ ،)1965‬مـارك ريانـس‬ ‫(‪ .)1988‬كما يذكر أيضاً‪ :‬جوناثان برايس‪،‬‬ ‫نيكـول وليامسـون‪ ،‬كيفن كايـن‪ ،‬أنتوني‬ ‫شـير‪ ،‬ديفيـد تينانـت‪ ،‬مايـكل بننغتـون‪،‬‬ ‫جيمـس بـاالرد‪ ،‬سـيمون راسـل بيـل‪،‬‬ ‫جـود لـو‪ ،‬كامبـل سـكوت‪ ،‬جيمـي بـاالرد‪،‬‬ ‫وروري كينيـار‪ .‬هنـاك أيضـ ًا نسـاء لعبـن‬ ‫دور هاملـت‪ ،‬نذكـر منهـن األلمانيـة أنجيـا‬ ‫وينكلر‪ ،‬والبريطانية ماكسين بيك‪ .‬أخيرًا‬ ‫وليـس آخـراً‪ ،‬جاء بنيدكت كامبرباتش في‬ ‫العـام ‪ 2015‬ليضيـف بصمتـه المهمـة إلـى‬ ‫تاريـخ «هاملت» عبر عـرض ذائع الصيت‪،‬‬ ‫شـديد اإلقبـال الجماهيـري‪ .‬أمـا أشـهر مـن‬ ‫أخـرج هاملـت‪ ،‬فهـم‪ :‬بيتر هول‪ ،‬ريتشـارد‬ ‫آيـر‪ ،‬جوناثـان ميلـر‪ ،‬جـون بارتـون‪،‬‬ ‫غريغـوري دوران‪ ،‬رون دانيالـز‪ ،‬جـون‬ ‫كيـرد‪ ،‬واأللمانـي بيتـر زاديك‪ ،‬والروسـي‬ ‫يـوري لوبيمـوف‪ ،‬قبـل أن تنضـم إلـى‬ ‫القائمـة المخرجة ليندسـي تورنـر برؤيتها‬ ‫النضـرة‪ .‬أمـا سـينمائياً‪ ،‬فجـاء «هاملـت»‬ ‫الروسـي (‪ )1964‬فأعقـب فيلـم «هاملـت»‬ ‫أوليفييـه الحائـز أربع جوائز أوسـكار عام‬ ‫‪( ،1949‬مـن بينهـا جائـزة أفضـل ممثـل)‪،‬‬ ‫ليقـّدم مقاربـة مغايرة الفتة للنظر وجديرة‬

‫باالحتـرام عبـر أداء سموكتونوفسـكي‬ ‫الرائـع تحـت إدارة غريغـوري كوزنيسـيف‬ ‫اإلخراجيـة‪ .‬سـينمائي ًا أيضـاً‪ ،‬نجـد هاملـت‬ ‫ميـل غيبسـون فـي فيلم مـن إخـراج فرانكو‬ ‫زيفريللـي‪ ،‬وهاملت كينيث براناه في فيلم‬ ‫مبالغ األمانة لألصل‪ ،‬من إخراجه وبطولته‬ ‫معـاً‪ .‬هنـاك أيضـ ًا «هاملـت» إيثـان هـوك‪،‬‬ ‫يلـق النجـاح المأمـول ربمـا ألنـه‬ ‫الـذي لـم َ‬ ‫بأزياء عصرية‪ .‬أما تليفزيونياً‪ ،‬فلعب دور‬ ‫هاملت ديريك جاكوبي في نسخة تليفزيون‬ ‫بي‪ .‬بي‪ .‬سـي‪ .‬التليفزيونية‪ ،‬وهو الممثل‬ ‫الـذي لعـب دور الملـك كلوديـوس فـي فيلم‬ ‫كينيـث برانـاه‪ .‬أمـا النسـخة السـينمائية‬ ‫األحـدث مـن «هاملت» فهـي قادمة في العام‬ ‫‪ ،2016‬وهي من بطولة توم كلير‪ ،‬وإخراج‬ ‫ديـك دوغـاس‪.‬‬ ‫تعددت تفسيرات مسرحية «هاملت» التي‬ ‫َّ‬ ‫ُتعـّد واحـدة مـن تراجيديات وليم شكسـبير‬ ‫األربـع الكبـرى‪ ،‬منـذ تصنيف الناقـد الكبير‬ ‫برادلـي‪ ،‬إلـى جانب «الملـك لير»‪« ،‬عطيل»‬ ‫و«ماكبـث»‪ .‬رأى أنصـار نظريـة فرويـد‬ ‫فـي علـم النفـس التحليلـي عاقـة أوديبيـة‬ ‫الطابـع بيـن هاملـت وأمـه‪ ،‬بينمـا رأى‬ ‫فيهـا الناقـد البولنـدي يـان كـوت فـي كتابه‬ ‫الشـهير «شكسـبير معاصرنـا» مسـرحية‬

‫والتوجـه‪ ،‬بينمـا رأى فيهـا‬ ‫وجوديـة الفكـر‬ ‫ّ‬ ‫المخـرج الروسـي يـوري كوزنيتسـيف‬ ‫انقابـا سياسـي ًا مخططـ ًا لـه عـن سـابق‬ ‫ً‬ ‫مـرة عرضـ ًا‬ ‫ذات‬ ‫شـاهدت‬ ‫وتصميـم‪.‬‬ ‫قصـد‬ ‫ّ‬ ‫بولنديـ ًا لمسـرحية «هاملـت» فـي مهرجـان‬ ‫«أفينيـون» الفرنسـي يظهـر فيـه هاملت في‬ ‫مشـهد مواجهتـه ألمـه فـي مخدعهـا عاريـ ًا‬ ‫تماماً‪ ،‬كأنه طفل وليد‪ .‬ثم هناك شخصية‬ ‫فورتنبراس‪ ،‬التي نعتقد أن شكسبير ما كان‬ ‫ليضيفهـا لو كانـت األحداث تجري في بلده‬ ‫إنجلترا بدل الدانمارك‪ ،‬ألنها شخصية قائد‬ ‫غاز ليفرض تغييرًا في النظام‪ .‬لكن بصيرة‬ ‫ٍ‬ ‫بررت ذلك بكـون النظام‬ ‫الثاقبـة‬ ‫شكسـبير‬ ‫َّ‬ ‫فـي الدانمـارك فاسـدًا يسـتحق التغييـر‪،‬‬ ‫وعقدت لقاء عابراً‪ ،‬إنما ودود‪ ،‬بين هاملت‬ ‫وفورتنبـراس يوحـي بتفاهم ينشـد إحداث‬ ‫تغيير إصاحي يعيد الشرعية والعدل إلى‬ ‫عـرش الدانمـارك المغتصب‪.‬‬ ‫فـي الواقـع‪ ،‬هنـاك الكثير عـن مقاربات‬ ‫إخراجية وأدائية مختلفة لشخصية هاملت‪،‬‬ ‫وخاصـة بمـا يتعلَّق بكـون جنونه حقيقي ًا‬ ‫ّ‬ ‫أو مصطنعـ ًا إليهـام اآلخريـن بـه كـي يصل‬ ‫إلـى التأكـد مـن اغتيـال عمـه ألبيـه غـدراً‪،‬‬ ‫وبـراءة أمـه مـن معرفـة الجريمـة‪ ،‬ليدبـر‬ ‫انتقامـه‪ .‬بالمقابـل‪ ،‬أصبـح هاملـت أيقونة‬


‫يتشـدق‬ ‫المتـردد‪ ،‬الـذي‬ ‫للشـخص المثقَّـف‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫بالكلمـات‪ ،‬ويغلـي بالمشـاعر‪ ،‬لكنـه ال‬ ‫يقـدم علـى األفعـال‪ .‬إذا فعـل وأقـدم‪ ،‬فإنـه‬ ‫يتسـبب فـي إراقـة دمـاء الشـخص الخطـأ‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كمـا حـدث حيـن طعـن الوزيـر بولونيوس‬ ‫من وراء ستارة‪ ،‬ظن ًا منه أنه عمه الملك‪،‬‬ ‫تسبب ًا في جنون حبيبته أوفيليا الحقيقي‪،‬‬ ‫ُم ِّ‬ ‫وإقدامها على االنتحار‪ُ .‬تعّد النصائح التي‬ ‫قدم‬ ‫يعطيهـا هاملـت لفرقـة الممثليـن التـي ُت ِّ‬ ‫مسـرح ًا داخـل المسـرح تلخيصـ ًا بارعـ ًا‬ ‫لمنهـج أداء تمثيلـي بـارع‪ .‬كمـا أن هنـاك‬ ‫مقاربـات عديـدة جـدًا لمواجهتيـه مع شـبح‬ ‫والـده القتيـل‪ ،‬إذ إن بعضهـم صـوره كقوة‬ ‫تجسـدت لـه ولهوراشـيو وبعـض‬ ‫غيبيـة َّ‬ ‫أصحابـه‪ ،‬بينمـا صـورة آخريـن كوهـم‬ ‫فصدقـه‬ ‫انبثـق مـن خيـال هاملـت نفسـه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وآمـن بـه‪ .‬هناك اعتقاد سـائد عند بعضهم‬ ‫أن والدة هاملت غرترود ساهمت في جريمة‬ ‫قل تقدير‪.‬‬ ‫قتـل زوجهـا‪ ،‬أو علمت بهـا على َأ ّ‬ ‫لكـن هـذا التفسـير خاطـئ تمامـاً‪ ،‬ألن نـص‬ ‫وليـم شكسـبير يدحضـه بوضـوح تـام‪،‬‬ ‫سـواء فـي حـوار الشـبح مـع ابنـه هاملت‪،‬‬ ‫أم فـي ظهـوره الثانـي فـي مخـدع األم‪ .‬كمـا‬ ‫ا‬ ‫تباينت التفسيرات لشخصية هاملت‪ ،‬شك ً‬ ‫وسلوكاً‪ ،‬فظهر هاملت أحيان ًا كثيرة كشاب‬

‫يمـر بمحنـة حـزن‬ ‫أنيـق‪ ،‬وسـيم ومثقَّـف‪ّ ،‬‬ ‫شـديد لفقـدان والـده الملك‪ ،‬وزفـاف والدته‬ ‫الملكـة السـريع والمفاجـئ من عمـه قبل أن‬ ‫يمـر شـهران علـى رحيـل زوجهـا‪ ،‬بحيـث‬ ‫ّ‬ ‫ينقلـب مظهـره وسـلوكه رأسـ ًا علـى عقب‪.‬‬ ‫لكـن بعـض التفسـيرات المجـّددة األخـرى‬ ‫لممثلين آخرين قاربت هاملت بشكل جنوني‬ ‫صـارخ‪ ،‬أقـرب مـا يكون إلى مسـرح العبث‬ ‫والامعقـول‪ ،‬ووصلـت إلـى َحـّد تلطيخـه‬ ‫ثيابـه بالقـذارة‪ ،‬وتهريجـه الصـارخ مـن‬ ‫أجل خداع جاسوسي الملك‪ ،‬روزنكرانتس‬ ‫وغيلدنسترن‪ ،‬وهما الشخصيتان اللتان كتب‬ ‫المؤلِّف المسـرحي البريطاني الشـهير توم‬ ‫ستوبارد مسرحية حملت اسميهما‪ .‬اشتهر‬ ‫رواد المسرح العربي جورج أبيض في‬ ‫من َّ‬ ‫إطاق الشكسبيريات‪ ،‬ومن بينها «هاملت»‪.‬‬ ‫كمـا اشـتهر الرائـد المسـرحي السـوري عبد‬ ‫الوهـاب أبـو السـعود بـأداء هاملـت علـى‬ ‫المسـرح في بواكير القرن العشـرين‪ .‬عندما‬ ‫قمـت بإخـراج «هاملـت» للهـواة فـي عـام‬ ‫‪ ،1973‬ثـم عندمـا أعـددت نصهـا ليخرجـه‬ ‫ركـزت في‬ ‫عـروة العربـي فـي عـام ‪ّ ،2012‬‬ ‫المرتين على التفسير السياسي للمسرحية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫خاصة أن بعض عبارات شكسـبير تسـاعد‬ ‫ً‬ ‫علـى ذلك حيـن ُيقال‪« :‬الدانمارك سـجن»‪،‬‬

‫فضـا‬ ‫و«كل شـيء عفـن فـي الدانمـارك»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عـن كـون المسـرحية بمجملهـا عبـارة عـن‬ ‫التخطيـط النقـاب ثـأري ضـد طاغيـة قتل‬ ‫أخـاه واقتـرن بزوجتـه واعتلـى عرشـه‪،‬‬ ‫بحيـث يتـم تطهيـر القصـر مـن الدنـس‪،‬‬ ‫والبـاد مـن الفسـاد‪ .‬السـؤال اآلخـر الـذي‬ ‫لطالمـا طـرح‪ :‬مـاذا يقـرأ هاملـت؟ هـل يقـرأ‬ ‫اإلنجيل‪ ،‬أم كتاب ًا ثورياً؟ هل هو مجنون أم‬ ‫واع؟ هـل هاملـت نقي السـلوك حقاً‪ ،‬أم أنه‬ ‫ٍ‬ ‫يتعاطـى المخـدرات أو الكحول‪ ،‬ليهرب من‬ ‫إحباطاته ومعاناته؟ ما معنى سلوكه الذي‬ ‫تصفـه أوفيليـا ألبيهـا بولونيوس في جزع‬ ‫عندمـا تـروي كيـف أفزعهـا دخـول هاملـت‬ ‫عليهـا بمنظـر فوضـوي؟ هـل يحـب هاملـت‬ ‫سـيبرر‬ ‫فعـا‪ ،‬أم يخدعهـا؟ وكيـف‬ ‫أوفيليـا ً‬ ‫ِّ‬ ‫اإلخـراج غضبتـه عليهـا عندمـا ينفـرد بهـا‬ ‫ويصيـح «اذهبـي إلـى ديـر»؟ ثم مـا طبيعة‬ ‫العاقـة التـي تربـط هاملـت بأمـه؟ لمـاذا‬ ‫بـرر هاملـت لنفسـه عدم قتـل الطاغية وهو‬ ‫َّ‬ ‫يبتهل‪ ،‬بل قتل في نوبة هياج بولونيوس‪،‬‬ ‫وتسبب في جنون أوفيليا وانتحارها؟ وهل‬ ‫َّ‬ ‫يختـار هاملـت صداقاتـه بشـكل جيد‪ ،‬بينما‬ ‫يتفاوت أصدقاؤه بين هوراشيو المخلص‪،‬‬ ‫وروزنكرانتـس وغيلدنسـترن الخائنيـن؟‬ ‫لمـاذا ُيحـذِّر اليرتيس أخته من هاملت؟ ثم‪،‬‬


‫أكـد‬ ‫هـل يـرى هاملـت الشـبح حقـاً؟ ولمـاذا َّ‬ ‫شكسـبير علـى ظهور الشـبح بجعله ثاثة‬ ‫أشـخاص آخريـن يرونـه بـأم أعينهـم‪ ،‬في‬ ‫حيـن رفـض أن يجعـل الملكة تـراه كما رآه‬ ‫وسمعه هاملت؟ أخيراً‪ ،‬ما دور فورتنبراس‬ ‫غاز أم مخلص؟ ال‬ ‫في المسرحية‪ ،‬وهل هو ٍ‬ ‫كل هذه األسئلة المشروعة وسواها‬ ‫شك أن ّ‬ ‫أسهمت في جعل مسرحية «هاملت» خالدة‪،‬‬ ‫بتعـدد اإلجابـات لتكتسـب‬ ‫تجـددت‬ ‫ألنهـا‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫كل‬ ‫كل جيـل‪ ،‬بـل ّ‬ ‫معانـي مختلفـة حسـب ّ‬ ‫زمـان ومكان‪.‬‬ ‫قدم عرض «فرقة المسـرح‬ ‫ّ‬ ‫الحـق ُيقـال‪َّ ،‬‬ ‫القومـي البريطانـي» عرضـ ًا لمسـرحية‬ ‫«هاملـت» (‪ )2015‬يسـتحق بجـدارة أن‬ ‫سـمى «هاملـت األلفيـة الثالثـة»‪ .‬ال يقتصر‬ ‫ُي َّ‬ ‫سـر روعـة العـرض علـى حضـور بنيدكـت‬ ‫ّ‬ ‫كامبرباتـش وأدائـه الحـار السـاحر‪ ،‬الـذي‬ ‫غيـر مفاهيـم سـائدة فـي التمثيـل عـن كبح‬ ‫َّ‬ ‫جمـاح العاطفـة‪ ،‬بـل يسـري فـي أسـلوب‬ ‫تصـدوا ألدوارهـم بحضـور‬ ‫عـّدة ممثليـن‬ ‫ُّ‬ ‫الفـت وحـرارة انفعاليـة عاليـة‪ .‬ال شـك أن‬ ‫قـدم تجسـيدًا وجودي‬ ‫بنيدكـت كامبرباتـش َّ‬ ‫الطابـع لشـخصية هاملت‪ ،‬بـدأ منذ ترقرقت‬ ‫الدمـوع فـي عينيـه وبكى من المشـهد األول‬ ‫حين ذكر والده الراحل‪ ،‬ووصو ًال إلى ذروة‬ ‫مناجاتـه الفرديـة الشـهيرة «أن نكـون أو ال‬ ‫نكـون» فـي الفصل الثانـي‪ ،‬مضفي ًا واقعية‬ ‫النص الذي‬ ‫ومعاصرة وخلودًا إنساني ًا على ّ‬ ‫يصلـح لـكل زمان ومـكان‪ .‬إنه ممثل مثالي‬ ‫وقـدم دوره بساسـة‬ ‫لشـخصية هاملـت‪َّ ،‬‬ ‫وصـدق وإيمـان‪ ،‬ومن دون تكلُّف وتعقيد‪.‬‬ ‫أول الممثلين المجيدين اآلخرين إلى جانب‬ ‫كامبرباتـش هـي سـيان بـروك فـي دور‬ ‫أوفيليا‪( ،‬الدور الذي سبق أن لعبته ممثات‬ ‫شهيرات تراوحن بين جين سيمونز وكيت‬ ‫ونسليت)‪ ،‬إذ اتبعت النهج العاطفي نفسه‪،‬‬ ‫فضـا‬ ‫ضفيـة حـرارة وحيويـة وإقناعـاً‪،‬‬ ‫ُم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عـن لمسـة خاصـة بعزفهـا علـى البيانـو‪،‬‬ ‫ثـم حلّقت عالي ًا في مشـهد الجنـون‪ ،‬وذابت‬ ‫كالحلـم فـي خلفيـة المسـرح‪ ،‬حيـث نـدرك‬ ‫أنهـا رحلـت إلـى العالـم اآلخر‪ .‬هنـاك أيض ًا‬ ‫أنستاسـيا هيـل فـي دور الملكـة غرتـرود‪،‬‬ ‫(وهـو دور أدتـه أيض ًا ممثات كبيرات مثل‬ ‫جولـي كريسـتي وغليـن كلـوس)‪ ،‬لتنتهج‬ ‫المنهج نفسه‪ ،‬مؤدية بعض المشاهد ببكاء‬ ‫حقيقي حار‪ ،‬غير آبهة حتى لسيان أنفها‪،‬‬ ‫وباألخص في مشهد المخدع مع ابنها هاملت‬ ‫نهج مشـابه‪،‬‬ ‫بعـد قتلـه بولونيـوس‪ .‬على ٍ‬

‫أدى كارل جونسـون دور شـبح الملـك‬ ‫فقـدم إلقـاء انفعالي ًا حـارًا ومؤثراً‪.‬‬ ‫القتيـل‪َّ ،‬‬ ‫أعتقـد أن هـؤالء كانـوا فرقة متناغمة قادها‬ ‫المايسـترو بنيدكـت كامبرباتـش ببراعـة‪،‬‬ ‫وهـو مـا يمكن أن نطلق عليه تجاوزًا اسـم‬ ‫«التمثيـل االنتقائـي»‪ ،‬الذي ينهل من جميع‬ ‫االتجاهـات‪ ،‬يصهرهـا فـي بوتقـة واحـدة‪،‬‬ ‫ويبـدع مـن الحلـم حياة‪.‬‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬ال بد أن نذكر أسلوب ًا‬ ‫جسـد‬ ‫آخـر مـن األداء فـي العـرض نفسـه‪َّ ،‬‬ ‫ذروتـه الممثـل المخضـرم سـياران هيندس‬ ‫في دور الملك كلوديوس‪( ،‬وهو دور تعاقب‬ ‫عليـه نجـوم‪ ،‬منهـم أنتونـي هوبكنـز وآلن‬ ‫قدم دوره بأسلوب أكثر تقليدية‬ ‫بيتس)‪ ،‬إذ َّ‬ ‫اشـتهر بـه الممثلون اإلنجليـز في االقتصاد‬ ‫البليـغ واإللقـاء الواضـح‪ ،‬وإن حافظ على‬ ‫اإلقنـاع وتمتـع بحضـور قـوي‪ .‬كذلـك كان‬ ‫الممثـل المخضـرم اآلخـر جيـم نورتـون‬ ‫فـي دور الوزيـر العجـوز بولونيـوس‪،‬‬ ‫محترف ًا بشـكل خارجي‪ .‬لكن مشـكلة األداء‬ ‫الكاسيكي هي كونه ‪ -‬بالرغم من الحرفية‬

‫العاليـة فـي اإللقـاء والحضـور ‪ -‬يفتقر إلى‬ ‫قـدر ٍ‬ ‫كاف مـن الصدق العاطفي الذي يسـري‬ ‫إلينا بمشاعر تتراوح بين التعاطف والتأثر‬ ‫إلـى درجـة‬ ‫التوحد‪ ،‬وبيـن النفور والخوف‬ ‫ُّ‬ ‫إلـى َحـّد الكراهيـة‪ .‬الباقـي مـن التمثيل كان‬ ‫في حدود المقبول‪ ،‬وليس العظيم‪ ،‬كما في‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل خاص‪،‬‬ ‫دوري اليرتيس وهوراشيو‬ ‫وبضعـة أدوار أخـرى نالهـا أصحابها على‬ ‫مبدأ «التوزيع غير التقليدي لألدوار»‪ ،‬الذي‬ ‫يعطـي فرصـ ًا متسـاوية ألداء أدوار مهمـة‬ ‫دون النظـر إلـى العـرق والجنـس واللون‪،‬‬ ‫وهو مفهوم مفيد أحيان ًا ما لم تتم المبالغة‬ ‫توزع األدوار‪ -‬بغض النظر عن‬ ‫فيه‪ ،‬بحيث َّ‬ ‫الموهبـة‪ -‬والتـاؤم مع الدور‪.‬‬ ‫عرض «فرقة المسرح القومي البريطاني»‬ ‫لمسـرحية شكسـبير الخالدة «هاملت» على‬ ‫خشبة مسرح «باربيكان» عرض للذكرى‪ .‬إن‬ ‫أشعت‬ ‫«هاملت» األلفية الثالثة ماسة ثمينة َّ‬ ‫ببريقها على العالم أجمع‪.‬‬


‫ﺛﻘﺎﻓﺎت‬

‫يُع ّد الجمال من المفاهيم األساســية في مقاربة رؤى ّ‬ ‫تتجسد به في إنتاج‬ ‫الشــعوب للكون وما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحضارة من بنى في ال َ‬ ‫والشعوب‬ ‫يسرت الكتابة لبعض األمم‬ ‫ن والثّقافة والفكر وغيرها‪ .‬ولئن ّ‬ ‫ف ّ‬ ‫ّ‬ ‫السوداء بالشفوية‬ ‫فإن ارتضاء كثير من شــعوب إفريقيا ّ‬ ‫تقييد تص ُّورها للجمال ونقله عبر مختلف أجيالها‪ّ ،‬‬ ‫طي الكتمان منغلق ًا عن كثير من أبنائها‬ ‫فــي تنظيم حياتها قد جعل رؤيتها للجمال ولغيره أمر ًا ال يزال في‬ ‫ّ‬ ‫ولَعلّها تكون عن غيرهم أش ّد انغالق ًا وأبعد منا ً‬ ‫ال‪.‬‬

‫الجمال في‬ ‫السوداء‬ ‫إفريقيا ّ‬ ‫د‪ .‬وﻟﻴﻼي ﻛﻨﺪو*‬ ‫وَلع ـ ّـل م ــن أق ــوم المداخ ــل إل ــى مقارب ــة‬ ‫هـــذا‬ ‫المتصـــور‪ ،‬البـــدء بعـــرض النّظـــرة‬ ‫ّ‬ ‫ـاج‬ ‫ـ‬ ‫اإلنت‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫القديم‬ ‫الفّن ــي ل ــدى األفارق ــة‬ ‫َ‬ ‫الســـود واالســـتئناف بتقديـــم مـــا يقـــوم‬ ‫ّ‬ ‫بيــن الجماليــة والوظيفيــة مــن عاقــة فــي‬ ‫الفنّـــي بإفريقيـــا وصـــو ًال‬ ‫حركـــة اإلنتـــاج َ‬ ‫ـــة‬ ‫نقدي‬ ‫رؤيـــة‬ ‫إلـــى صياغـــة‬ ‫تقويميـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ل ــآراء المعروض ــة واستش ــراف مس ــتقبل‬ ‫ـــن اإلفريقـــي‪.‬‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫األناســـة‬ ‫علمـــاء‬ ‫دأب‬ ‫الغربيـــون‬ ‫ّ‬ ‫علـــى حصـــر المعطيـــات‬ ‫اإلفريقيـــة فـــي‬ ‫ّ‬ ‫دراس ــاتهم ف ــي نم ــاذج مح ــدودة يس ــقطون‬ ‫عليهـــا أحكامـــ ًا‬ ‫معياريـــة مطلقـــة‪ .‬وهـــي‬ ‫ّ‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫نظري‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫دع‬ ‫ي‬ ‫ـند‬ ‫الجمالي ــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نزع ــة له ــا س ـ ُ‬ ‫إن إفريقي ــا‬ ‫اإلثني ــة(‪ .)1‬وم ــن نافل ــة الق ــول ّ‬ ‫الس ــوداء تض ـ ّـم مناط ــق وبلدانــ ًا عدي ــدة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪144‬‬

‫كل منطقـــة‬ ‫وأنّـــه علـــى قـــدر مـــا تنقســـم ّ‬ ‫إلـــى دول عديـــدة‬ ‫كل دولـــة كثيـــرًا‬ ‫تضـــم ّ‬ ‫ّ‬ ‫مـــن األجنـــاس‪ .‬ولئـــن ســـلّمنا‬ ‫بـــأن‬ ‫ّ‬ ‫األجنـــاس إذا تجـــاورت تثاقفـــت بتأثّـــر‬ ‫بعضهـــا ببعـــض وتبادلهـــا الخبـــرات‬ ‫علـــى نحـــو ينشـــأ بـــه تقـــارب وتشـــابه‬ ‫الرؤيـــة واإلنتـــاج‬ ‫ويؤســـس بينهـــا‬ ‫ّ‬ ‫فـــي ّ‬ ‫ال‬ ‫ذلـــك‬ ‫فـــإن‬ ‫مشـــتركة‪،‬‬ ‫مـــات‬ ‫مقو‬ ‫يســـوغ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل جنـــس باســـتقراء‬ ‫تجـــاوز إفـــراد ّ‬ ‫يستكش ــف الخصوصي ــات قب ــل الخل ــوص‬ ‫إل ــى مرحل ــة المقارن ــة والتألي ــف لمعاين ــة‬ ‫القواســـم المشـــتركة‪.‬‬ ‫ويمضـــي الغربيـــون فـــي منطقهـــم‬ ‫االختزالـــي إلـــى مســـتويين آخريـــن مـــن‬ ‫أولهمـــا اقتصـــار قبلـــي يقـــوم‬ ‫االقتصـــار؛ ّ‬ ‫األثـــر‬ ‫تفســـير‬ ‫علـــى‬ ‫الفنّـــي فـــي إفريقيـــا‬ ‫َ‬ ‫الســـوداء اســـتنادًا إلـــى القبيلـــة التـــي‬ ‫ّ‬ ‫لـــكل قبيلـــة‬ ‫ينتمـــي إليهـــا؛ هكـــذا حـــّددوا ّ‬ ‫خاصـــة فـــي الخلـــق‬ ‫أســـاليب وســـمات ّ‬

‫واإلنتـــاج؛ وثانيهمـــا اقتصـــار علـــى‬ ‫مفه ــوم الجماع ــة ف ــي تفس ــير األث ــر؛ ف ــا‬ ‫يفســـرونه ّإال فـــي ضـــوء انتمائـــه إلـــى‬ ‫ّ‬ ‫يغيبـــون‬ ‫عينـــة‪ .‬وإذن‪ّ ،‬‬ ‫جماعـــة أو فئـــة ُم ّ‬ ‫أســـماء الفنّانيـــن ويطمســـون بصماتهـــم‬ ‫ّيـــة(‪.)2‬‬ ‫الذّاتيـــة عـــن األعمـــال َ‬ ‫الفنّ‬ ‫وتســـتند هـــذه المقاربـــة االختزاليـــة‬ ‫ـــن اإلفريقـــي‬ ‫إلـــى موقـــف‬ ‫نظـــري مـــن َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ّ‬ ‫جماليـــة‬ ‫مـــن‬ ‫بـــه‬ ‫صـــل‬ ‫ت‬ ‫ي‬ ‫ومـــا‬ ‫الســـوداني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـارة م ــن حرك ــة إنت ــاج‬ ‫ـ‬ ‫الق‬ ‫ـتفراغ‬ ‫قوام ــه اس ـ‬ ‫ّ‬ ‫ورد اآلثـــار الماثلـــة فيهـــا إلـــى‬ ‫فنـــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصناعـــات الّتقليديـــة والحـــرف‬ ‫صنـــف ّ‬ ‫اليدويـــة‪ .‬وذريعتهـــم ف ــي هـــذا الّتصنيـــف‬ ‫ّ‬ ‫تصورهـــم‬ ‫فـــي‬ ‫األفارقـــة‬ ‫المنتجيـــن‬ ‫أن‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫موجهـــة ألداء‬ ‫آثـــار‬ ‫ســـوى‬ ‫ينتجـــون‬ ‫ال‬ ‫ّ‬ ‫نفعيـــة(‪.)3‬‬ ‫وظائـــف‬ ‫ّ‬ ‫ونجـــد عنـــد ســـنغور‪ ،‬أحـــد أعـــام‬ ‫الســـودان الغربـــي‪ ،‬مـــا يدعـــم‬ ‫الفكـــر فـــي ّ‬ ‫ـــن عنـــد‬ ‫أن َ‬ ‫الف ّ‬ ‫هـــذا الموقـــف‪ ،‬إذ يـــرى ّ‬


‫كل ش ــيء‪،‬‬ ‫الس ــودان ه ــو‪ ،‬قب ــل ّ‬ ‫األفارق ــة ّ‬ ‫إنتـــاج الجماعـــة مـــن أجـــل الجماعـــة؛‬ ‫فالمجتمــع شــريك الفّنــان فــي إنتــاج أثــره‬ ‫ـن‬ ‫الفّن ــي(‪.)4‬‬ ‫الجماعي ــة‬ ‫ّ‬ ‫وتتأك ــد صبغ ــة َ‬ ‫َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّيـــة‬ ‫عنـــد ســـنغور باعتبـــاره اآلثـــار َ‬ ‫الفنّ‬ ‫أن الفنّـــان ال‬ ‫نتيجـــة إلهـــام إلهـــي؛ أي ّ‬ ‫ُيبــدع ّإال وهــو تحــت مفعــول ســحر اآللهــة‬ ‫والجـــن واألجـــداد(‪.)5‬‬ ‫ّ‬ ‫ـ‬ ‫تص‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫ـاز‬ ‫ـ‬ ‫يمت‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫أن‬ ‫ـر‬ ‫غي ـ‬ ‫ـور س ــنغور‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ارســـين‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫موقـــف‬ ‫علـــى‬ ‫األوروبييـــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ّـــه‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫هـــو‬ ‫يـــن‬ ‫المركزي‬ ‫يـــرد األثـــر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصناع ــات اليدوي ــة‬ ‫اإلفريق ــي إل ــى صن ــف ّ‬ ‫ّي ـ ًا ينه ــض‬ ‫التقليدي ــة‪ ،‬ب ــل يعتب ــره أث ــرًا َفنّ‬ ‫إل ــى جان ــب الوظيف ــة االجتماعي ــة الديني ــة‬ ‫رمزيـــة‬ ‫أن‬ ‫روحانيـــة‪ ،‬إذ يـــرى ّ‬ ‫ّ‬ ‫بوظيفـــة ّ‬ ‫الفنـــان‬ ‫وظيفـــة‬ ‫األساســـية هـــي مقاربـــة‬ ‫ّ‬ ‫(‪)6‬‬ ‫مـــا ال يـــرى بمـــا يـــرى ؛ فعلـــى خـــاف‬ ‫ـور األرسطوطاليس ــي ال ــذي يحص ــر‬ ‫التص ـ ُّ‬ ‫بيعيـــة‪،‬‬ ‫ـــن فـــي محـــاكاة ّ‬ ‫الظواهـــر ّ‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫الط ّ‬

‫يـــرى ســـنغور ومـــن جـــرى مجـــراه أنّـــه‬ ‫الســـودان َفنّـــ ًا‬ ‫قلّمـــا نجـــد عنـــد األفارقـــة ّ‬ ‫ـن عنده ــم‬ ‫ترتــّد غايت ــه عل ــى ذات ــه؛ إذ َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫تعبيـــر‬ ‫وتصـــور ينشـــد معرفـــة القوانيـــن‬ ‫ُّ‬ ‫الكـــون‬ ‫تســـود‬ ‫التـــي‬ ‫والقـــوى‬ ‫وتحركـــه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأخاقيـــة‬ ‫دينيـــة‬ ‫فهـــو ذو داللـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وسياســـية(‪.)7‬‬ ‫ّ‬ ‫هـــذا‬ ‫يخـــل‬ ‫لـــم‬ ‫ولئـــن‬ ‫التصـــور عنـــد‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ـــا‬ ‫مم‬ ‫يقـــرب جانبـــ ًا مـــن حقيقـــة‬ ‫ســـنغور ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلفريقـــي‬ ‫ـــن‬ ‫الســـوداني‪ ،‬فإنّـــه يوهـــم‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ّ‬ ‫بغيـــاب بعـــد الجماليـــة مـــن آثـــاره‪ ،‬كمـــا‬ ‫ال يخفـــى مـــا تتســـم بـــه مقاربتـــه مـــن‬ ‫تعميميـــة‬ ‫صبغـــة‬ ‫شـــمولية وأحـــكام‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـار‬ ‫ـ‬ ‫اآلث‬ ‫كل‬ ‫وكأن‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫مطلق‬ ‫ـة‬ ‫معياري ـ‬ ‫ّي ــة‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫إفريقي‬ ‫ـعوب‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫عن ــد‬ ‫الس ــوداء ال تخ ــرج‬ ‫ّ‬ ‫ـدة‬ ‫ـ‬ ‫القاع‬ ‫ع ــن‬ ‫العام ــة الت ــي أرس ــلها‪ .‬وه ــذا‬ ‫ّ‬ ‫ممـــا يعتـــرض عليـــه الـــّدارس بامونـــي‬ ‫ّ‬ ‫ـن‬ ‫أن نظري ــات َ‬ ‫(‪ ،)BAMONY‬إذ ي ــرى ّ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫جـــدد‪،‬‬ ‫غيـــر والّت ُّ‬ ‫فـــي أوروبـــا تمتـــاز بالّت ُّ‬

‫فتتولّـــد عـــن ذلـــك قـــراءات ورؤى‬ ‫أن‬ ‫ثريـــة وأصيلـــة‪ ،‬فـــي حيـــن ّ‬ ‫طائعيـــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫النّظري ــات المســلّطة عل ــى فن ــون إفريقي ــا‬ ‫ّ‬ ‫تختـــص بالجمـــود؛ فـــا‬ ‫نظريـــات‬ ‫تنفـــك‬ ‫ّ‬ ‫عـــن‬ ‫الباليـــة‬ ‫رات‬ ‫التصـــو‬ ‫عـــن‬ ‫جماليـــة‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫(‪)8‬‬ ‫الفنـــون فـــي القـــارة ‪.‬‬ ‫الســـائدة لـــدى‬ ‫علـــى خـــاف النّزعـــة ّ‬ ‫الّدارســـين القدامـــى مـــن‬ ‫الغربييـــن‬ ‫ّ‬ ‫الســـودان‪ ،‬انطلـــق بيـــروا‬ ‫واألفارقـــة ّ‬ ‫مقاربـــة‬ ‫فـــي‬ ‫(‪)PIERROIS‬‬ ‫الجماليـــة‬ ‫ّ‬ ‫اإلفريقيـــة مـــن مبـــدأ نســـبية الجمـــال‪ ،‬إذ‬ ‫ّ‬ ‫ثقافيـــ ًا خالصـــ ًا‬ ‫يعتبـــر الجميـــل مفهومـــ ًا ّ‬ ‫خاص ــة‪ ،‬وال يتص ـ ّـور ّإال‬ ‫يرتب ــط بمعايي ــر ّ‬ ‫ف ــي ش ــكل ت ــوازن بي ــن عناص ــر بعضه ــا‬ ‫عب ــر عن ــه ف ــي غبط ــة‬ ‫مجس ــد وبعضه ــا ُم َّ‬ ‫ّ‬ ‫أو عـــذاب أو إشـــراق كمـــا فـــي الحفـــات‬ ‫الطق ــوس(‪ .)9‬وق ــد أض ــاف المب ــدأ بيانــ ًا‬ ‫أو ّ‬ ‫إن النّـــاس يعيشـــون علـــى نحـــو‬ ‫بقولـــه‪ّ :‬‬ ‫ويفكـــرون وينتجـــون علـــى نحـــو‬ ‫مغايـــر ّ‬ ‫‪145‬‬


‫مخال ــف‪ ،‬ل ــذا يدع ــو إل ــى ع ــدم الخل ــط بي ــن‬ ‫م ــا يك ــون لن ــا ع ــن األش ــياء الغريب ــة م ــن‬ ‫انطب ــاع ومعرف ــة حقيقته ــا كم ــا ه ــي عن ــد‬ ‫أولئـــك الذيـــن أنتجوهـــا واســـتعملوها‪.‬‬ ‫أن األوروبيي ــن يش ــاهدون‬ ‫ويخل ــص إل ــى ّ‬ ‫ويتأملـــون فنـــون اآلخريـــن وال‬ ‫ّ‬ ‫يعيشـــونها‪ ،‬وأنّـــه ينبغـــي البحـــث عـــن‬ ‫العاق ــة بي ــن األداة المحفوظ ــة وحقيقته ــا‬ ‫خـــاص مواظـــب‬ ‫الســـياقية ببـــذل مجهـــود‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نقيـــب‬ ‫علـــى الّتوثيـــق والّت‬ ‫عمـــا يجـــاوز‬ ‫ّ‬ ‫االنطباعيــة األولــى‪ .‬لكّنــه ياحــظ‬ ‫الرؤيــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـظ م ــن‬ ‫أن ه ــذا المنه ــج ال ي ــزال قلي ــل الح ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫عنايـــة‬ ‫المختصيـــن(‪.)10‬‬ ‫ّ‬ ‫واســـتنادًا إلـــى مبدئـــه النّظـــري‬ ‫ـي يس ــعى بي ــروا إل ــى اس ــتدراك‬ ‫والمنهج ـ ّ‬ ‫ضمـــن‬ ‫ـــة‬ ‫الجمالي‬ ‫جانـــب‬ ‫الرؤيـــة العقديـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫مز