Page 1


‫كنوز مفقودة‬ ‫رئيس التحرير‬

‫فـالــح بن حســـين الهـاجـــري‬ ‫مدير التحرير‬

‫خـــالد العــودة الفـضـــلي‬ ‫التحرير‬

‫محـســن العـتيقـي‬ ‫اإلخراج والتنفيذ‬

‫عمرو الكفراوي‬ ‫رشا أبوشوشة‬ ‫هـــنـد آلبنسعيد‬ ‫فلوه الهاجري‬

‫جميــع المشــاركات ترســل باســم رئيــس‬ ‫التحريــر ويفضــل أن ترســل عبــر البريــد‬ ‫االلكترونــي للمجلــة أو علــى قــرص مدمــج‬ ‫فــي حــدود ‪ 1000‬كلمــة علــى العنــوان اآلتــي‪:‬‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022295 :‬‬ ‫تليفون ‪ -‬فاكس ‪)+974( 44022690 :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 22404 :.‬الدوحة ‪ -‬قطر‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪editor-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪aldoha_magazine@yahoo.com‬‬

‫مكتب القاهرة‪:‬‬ ‫وحيد الطويلة‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬

‫‪aldoha.cairo@gmail.com‬‬

‫المــواد المنشــورة فــي المجلــة ُتعبِّــر عــن‬ ‫عبــر بالضــرورة عــن رأي‬ ‫آراء كتّابهــا وال ُت ِّ‬ ‫ـرد‬ ‫الــوزارة أو المجلــة‪ .‬وال تلتــزم المجلــة بـ ّ‬ ‫أصــول مــا ال تنشــره‪.‬‬

‫ّقافيـــة‪ ،‬ســـواء كانـــت‬ ‫العلميـــة‬ ‫فـــي ِك ِّل عـــام تفقـــد الســـاحة‬ ‫والفكريـــة والث ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويش ـ ِّـكل فق ــدان أصح ــاب الخب ــرات‬ ‫ـا‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫رجاالته‬ ‫ـن‬ ‫العربي ــة أم العالمي ــة‪ ،‬العدي ــد م ـ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫التخصصـــات المختلفـــة‪ ،‬وباألخـــص فـــي المجـــال‬ ‫والقـــدرات المعرفيـــة فـــي‬ ‫ُّ‬ ‫ـارة كبي ــرة للوط ــن وللعال ــم بأس ــره‪ ،‬مادام ــت العل ــوم والمع ــارف‬ ‫الثقاف ــي‪ ،‬خس ـ ً‬ ‫عائدهـــا علـــى البشـــرية جمعـــاء‪.‬‬ ‫وبدرج ـ ٍ‬ ‫ـات متفاوت ــة‪ ،‬ترج ــع إلمكاني ــات وأولوي ــات كل دول ــة وظروفه ــا‪ ،‬كم ــا‬ ‫عـــادة مـــا يفضلـــون‬ ‫فكريـــن والمثقَّفيـــن الحقيقييـــن الذيـــن‬ ‫الم‬ ‫لتواضـــع‬ ‫ترجـــع‬ ‫ً‬ ‫ُ ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ـــل واالبتعـــاد عـــن األضـــواء‪ ،‬ال يتـــم توثيـــق كل مـــا يتعلَّـــق بحيـــاة‬ ‫منطقـــة الظ ّ‬ ‫والعمليـــة أثنـــاء تواجدهـــم علـــى قيـــد الحيـــاة‪.‬‬ ‫ـــة‬ ‫العلمي‬ ‫ريـــن‬ ‫فك‬ ‫والم‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العلمـــاء ُ‬ ‫ـرة بإهم ــال تركته ــم‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫فقدانه‬ ‫وهك ــذا يت ــم‬ ‫ـرة برحيله ــم ع ــن الدني ــا‪ ،‬وم ـ ً‬ ‫مرتي ــن؛ م ـ ً‬ ‫ّ‬ ‫المعرفيـــة التـــي ال يتـــم أرشـــفتها حتـــى تكـــون لألجيـــال القادمـــة المنطلـــق‬ ‫والمرجـــع فـــي البحـــث والتطويـــر‪.‬‬ ‫عالـــم‬ ‫ويحـــدث‪ ،‬بعـــد فـــوات األوان‪ ،‬االنتبـــاه لهـــذه الخســـارة بعـــد رحيـــل‬ ‫ٍ‬ ‫يحـــظ باالهتمـــام والرعايـــة وال حتـــى التكريـــم قيـــد حياتـــه‪ .‬كمـــا‬ ‫فكـــر لـــم‬ ‫أو ُم ِّ‬ ‫َ‬ ‫يحـــدث أن تتســـابق الجهـــات المختلفـــة إلـــى ذويـــه بعـــد رحيلـــه للحديـــث عنـــه‬ ‫وعـــن إســـهاماته وإصداراتـــه وإنجازاتـــه‪ ،‬أو تكريمـــه بإطـــاق اســـمه علـــى‬ ‫شـــكر عليـــه الجهـــات‬ ‫جيـــد وإيجابـــي ُ‬ ‫وت َ‬ ‫شـــارع أو ســـاحة عامـــة‪ ،‬وهـــذا أمـــر ّ‬ ‫ِ‬ ‫فكـــر‬ ‫ـــم‬ ‫ل‬ ‫العا‬ ‫تكريـــم‬ ‫يتـــم‬ ‫أن‬ ‫األفضـــل‬ ‫التـــي تقـــوم بذلـــك‪ .‬لكـــن أليـــس مـــن‬ ‫والم ِّ‬ ‫ُ‬ ‫واالحتف ــاء ب ــه أثن ــاء حيات ــه وتواج ــده؛ حت ــى يش ــعر بالقيم ــة الفعلي ــة لم ــا ق ــام‬ ‫العلمي ــة؟! والح ــال أن ه ــذا التكريـــم واالعت ــراف ه ــو مطل ــب‬ ‫ب ــه طـــوال مس ــيرته‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫والفنّـــان وهـــو علـــى قيـــد الحيـــاة‪،‬‬ ‫ـــم‬ ‫ل‬ ‫العا‬ ‫نفـــس‬ ‫فـــي‬ ‫وغايـــة عظيمـــة‬ ‫والم ِّ‬ ‫فكـــر َ‬ ‫ُ‬ ‫ـل ِّ‬ ‫مؤث ــر عل ــى‬ ‫وم ــا دم ــوع الف ــرح الت ــي نعاينه ــا ف ــي حال ــة حص ــول ذل ــك ّإل دلي ـ ٌ‬ ‫ـردد أحيانــ ًا‬ ‫ش ــعوره باالعت ــراف والتقدي ــر ال ــذي يس ــتحقه‪ .‬وعل ــى عك ــس م ــا يت ـ َّ‬ ‫نش ــط ًا للمعن ــي ب ــه‬ ‫وم ِّ‬ ‫بكون ــه تقاع ــد ع ــن العط ــاء‪ ،‬ف ــإن التكري ــم يك ــون ُم ِّ‬ ‫حف ــزًا ُ‬ ‫والتجـــدد‪.‬‬ ‫حتـــى يواصـــل العمـــل فـــي مجالـــه بكامـــل الحيويـــة‬ ‫ُّ‬ ‫ِإ ّن تكريـــم أصحـــاب العلـــم والثّقافـــة والِفكـــر رســـالة ســـامية تجـــاه المجتمـــع‬ ‫ب ــكل أطياف ــه‪ ،‬ودع ــوة القتف ــاء النم ــوذج الناج ــح والطري ــق الس ــليم والمرغ ــوب‬ ‫تتبـــع‬ ‫يوجـــه هـــذا التكريـــم دعـــوة تحفيـــز لألجيـــال الناشـــئة‪ ،‬حتـــى َّ‬ ‫فيـــه‪ ،‬كمـــا ّ‬ ‫ـــن ســـبقها ولتكمـــل المســـيرة بعـــده بكامـــل الثقـــة‬ ‫مســـار النجـــاح الـــذي ســـلكه َم ْ‬ ‫والطمـــوح‪.‬‬ ‫وإذ يتض ــح م ــا ف ــي التكري ــم م ــن تحفي ــز‪ ،‬وه ــذا ه ــو المقص ــد والمغ ــزى من ــه‪،‬‬ ‫فإننـــا نـــرى فـــي المقابـــل مـــا يحـــدث مـــن فتـــور للذيـــن ال يحظـــون بـــه‪ ،‬فتكـــون‬ ‫النتيج ــة انقط ــاع المش ــوار العلم ــي‪ ،‬كم ــا ينض ــاف إل ــى اإلهم ــال‪ ،‬وع ــدم االلتف ــات‬ ‫للعط ــاءات واألبح ــاث الت ــي يقوم ــون به ــا‪ ،‬س ــبب آخ ــر يكم ــن ف ــي الي ــأس ال ــذي‬ ‫الفنّـــان عندمـــا يالحـــظ مـــآالت الســـابقين الذيـــن‬ ‫الم ِّ‬ ‫فكـــر أو َ‬ ‫ُيصيـــب العاِلـــم أو ُ‬ ‫طاله ــم النس ــيان‪ ،‬ب ــل ويص ــل به ــم إل ــى الفق ــر والحاج ــة أحيان ـاً‪ ...‬واألمثل ــة عل ــى‬ ‫ذل ــك ف ــي عالمن ــا العرب ــي كثي ــرة وال داع ــي لذكره ــا ف ــي ه ــذا المق ــام‪ .‬وحس ــبنا‬ ‫ـــن مـــات علـــى قارعـــة الطريـــق مـــن البـــرد والجـــوع!!‬ ‫اإلشـــارة إلـــى أن منهـــم َم ْ‬ ‫ـن انته ــت حيات ــه إل ــى واق ــع مأس ــاوي ول ــم يت ــم االلتف ــات إلي ــه ّإل بع ــد‬ ‫ومنه ــم َم ـ ْ‬ ‫الرحي ــل‪ ،‬وج ــاء التكري ــم والش ــهرة والم ــال ف ــي الوق ــت الضائ ــع ال ــذي ل ــم يس ــعد‬ ‫ب ــه صاح ــب الش ــأن ول ــم يش ــعر ب ــه أهل ــه وأقارب ــه وأصدق ــاؤه‪.‬‬ ‫وأخيـــرًا البـــد مـــن اإلشـــادة بمـــا يتحقَّـــق فـــي هـــذه المســـألة‪ ،‬فهنـــاك جهـــات‬ ‫عربيـــة فـــي مجـــاالت األدب والثّقافـــة‬ ‫وقفـــت مشـــكورة علـــى تكريـــم شـــخصيات ّ‬ ‫كـــرم أم بعـــد وفاتـــه‪،‬‬ ‫الم َّ‬ ‫والعلـــوم بأشـــكالها المختلفـــة‪ ،‬ســـواء أثنـــاء حيـــاة ُ‬ ‫ـن يس ــتحق‬ ‫ولكنن ــا ندع ــو لالهتم ــام بأكب ــر ع ــدد ممك ــن حت ــى ال نتفاج ــأ برحي ــل َم ـ ْ‬ ‫التكريـــم بعـــد رحيلـــه‪.‬‬ ‫رئيس التحرير‬


‫ملف‬

‫مجان ًا مع العدد‪:‬‬

‫الغالف‪:‬‬

‫جـــــبران‪..‬‬ ‫الرســــــــام‬ ‫ّ‬

‫ثــقــافـيـة شــــهــريــة‬

‫العدد‬

‫‪108‬‬

‫السنة التاســعة ‪ -‬العـدد مئة وثمانية‬ ‫ذو الحجة ‪- 1437‬أكتوبر ‪2016‬‬

‫تصدر عن‬ ‫إدارة البحوث والدراسات الثقافية‬

‫وزارة الثقافة والرياضة‬ ‫الـــدوحــــة ‪ -‬قـــــطــــر‬

‫لوحة غالف المجلة‪:‬‬ ‫أولجاالفنّان‬ ‫الشرق‬ ‫دوجينا‬

‫‪36‬‬

‫لوحة غالف الكتاب‪:‬‬ ‫صورة لباريس في القرن التاسع عشر‬

‫د‪.‬زكي نجيب محمود‬

‫أعد الملف‪ :‬شربل داغر‬

‫إعادة جبران إلى سياقه‬ ‫لقب النابغة كان يسبقه‬ ‫قلم الرصاص‪..‬من بوسطن إلى باريس‬ ‫مشاهير في المرسم‬ ‫باحث ًا عن لوحته الزيتية‬ ‫في متحف جبران‬ ‫نسـب َفنّــي!‬ ‫بــدون ٍ‬

‫صدر العدد األول في نوفمبر ‪ ،1969‬وفي يناير ‪ 1976‬أخــذت توجهها العربي واستمرت‬ ‫فــي الــصــدور حــتــي يــنــايــر ع ــام ‪ 1986‬لتستأنف الــصــدور مــجــددًا فــي نوفمبر ‪.2007‬‬ ‫توالى على رئاسة تحريرالدوحة إبراهيم أبو ناب‪ ،‬د‪ .‬محمد إبراهيم الشوش و رجاء النقاش‪.‬‬

‫االشتراكات السنوية‬ ‫داخل دولة قطر‬ ‫األفراد ‬ ‫الدوائر الرســمية‬

‫‪ 120‬ريــا ًال‬ ‫‪ 240‬ريا ًال‬

‫خارج دولة قطر‬ ‫دول الخليــج العربــي‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫باقــــــي الدول العربية‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 75‬يورو‬

‫أمـــــــــــــــــــيــــركـــــــا‬

‫‪ 100‬دوالر‬

‫كــــنــــدا وأسترالــــيا‬

‫‪ 150‬دوالرًا‬

‫الموقع اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪www.aldohamagazine.com‬‬

‫التوزيع واالشتراكات‬

‫رسالة من المهجر‬

‫تليفون ‪)+974( 44022338 :‬‬ ‫فـاكـس ‪)+974( 44022343 :‬‬

‫‪4‬‬

‫يوسف وصحن الفول ‪(................................‬عبدالوهاب األنصاري)‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪distribution-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪doha.distribution@yahoo.com‬‬

‫الشؤون المالية واإلدارية‬

‫‪finance-mag@moc.gov.qa‬‬

‫ترســـل قـيمة االشـــتراك بموجـب حـــوالة‬ ‫مصــــرفية أو شــــيك بالريـال القــطــري‬ ‫باسـم وزارة الثقافـة والرياضـة علـى‬ ‫عنـوان المجلـة‪.‬‬

‫تقارير‬

‫‪8‬‬

‫صورة متوقَّعة للتفقير الثّقافي‪(.....................‬بنغازي‪ :‬أحمد الفيتوري)‬ ‫تاريخ تحت القصف‪( ..........................................‬بيتر ستون)‬ ‫«ك ٌ‬ ‫سـوف» للمثقَّفيـن في فرنسا؟‪(..............................‬محمد برادة)‬ ‫هل هناك ُ‬

‫‪15‬‬

‫استطالع‬

‫شباب فلسطينيون‪ ..‬شهرة عائدها على الشبكة ‪( ..................‬الدوحة)‬

‫تحقيق‬

‫‪18‬‬

‫السوري»‪ ..‬مواقع ومواقف‪(....................‬طالب عبد الغفار الدغيم)‬ ‫«المثقَّف ُّ‬

‫الموزعون‬ ‫وكيل التوزيع في دولة قطر‪:‬‬

‫‪ 10‬رياالت‬ ‫دينار واحد‬

‫الجمهورية العراقية‬

‫اإلمارات العربية المتحدة‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫سلطنة عمان‬

‫‪ 800‬بيسة‬

‫دولة الكويت‬ ‫المملكة العربية السعودية‬ ‫جمهورية مصر العربية‬ ‫الجماهيرية العربية الليبية‬ ‫الجمهورية التونسية‬ ‫الجمهورية الجزائرية‬ ‫المملكة المغربية‬ ‫الجمهورية العربية السورية‬

‫دينار واحد‬ ‫‪ 10‬رياالت‬ ‫‪ 3‬جنيهات‬ ‫‪ 3‬دنانير‬ ‫‪ 2‬دينار‬ ‫‪ 80‬دينارًا‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 80‬ليرة‬

‫الحرب واألدب الكولومبي‪ ..‬نصف قرن من االنتظار‪( .............‬خالد الريسوني)‬ ‫جبار ‪ ..‬خطاب فرانكفورت‪( ..............‬ترجمة وتقديم‪ :‬عبد الحميد بواريو)‬ ‫آسيا ّ‬

‫إصدارات‬

‫البوركيني‪..‬‬ ‫‪40‬‬

‫قضية‬

‫لباس أم فزّاعة؟!‬ ‫‪22‬‬

‫كتاب‬ ‫قراءات‬

‫المملكة األردنية الهاشمية‬ ‫الجمهورية اليمنية‬ ‫جمهورية السودان‬

‫‪ 1.5‬جنيه‬

‫موريتانيا‬

‫‪ 100‬أوقية‬

‫فلسطين‬ ‫الصومال‬

‫‪ 1‬دينار أردني‬ ‫‪ 1500‬شلن‬

‫بريطانيا‬

‫‪ 4‬جنيهات‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 4‬يورو‬

‫الواليات المتحدة األميركية‬

‫‪ 4‬دوالرات‬

‫كندا واستراليا‬

‫‪ 5‬دوالرات‬

‫حنيـــن إلـــى دمشـــق‪(........................‬عبد العزيـــز المقالـــح) ‪144‬‬ ‫تتارســتان فــي مخطــوط ابــن فضالن‪(....................‬محمــد التداوي) ‪146‬‬

‫«هذا األزرق» لمحمد بنيس‪(................................................‬عبده وازن)‬

‫‪62‬‬

‫‪96‬‬

‫سينما‬

‫‪128‬‬

‫الســـينما والحـــرب األهليـــة فـــي لبنـــان‪( .......................‬نديـــم جرجـــوره)‬ ‫توم هانكس وبطاقتنا االستشراقية!‪( .................................‬نورة محمد فرج)‬

‫أدب‬

‫«الرواية الجديدة»‬

‫ميشال بوتور‬ ‫وجماعته‬

‫«ســـولي»‪..‬هبوط اضطـــراري‪(...............................‬د‪ .‬ريـــاض عصمـــت)‬ ‫وودي آلــن يواصــل فوضــاه الفلســفية‪( ................................‬أمجــد جمــال)‬

‫رحيل‬

‫مروى بن مسعود‬ ‫إدوي بلينيل‪-‬ت‪ :‬محمد اإلدريسي‬ ‫علي فاضل‬

‫ــــميش) ‪150‬‬ ‫بيـــن مشـــرق ومغرب‪(........................‬بنســـالم ِح ِّ‬ ‫الكتابـــة‪..‬أو ًال وأخيراً‪(...........................‬ســـعيد الكفـــراوي) ‪159‬‬ ‫ّ‬

‫مل‬

‫ف خاص‬

‫كتاب غير موجود!‬ ‫ بييترو سيطاتي‬‫ت‪ :‬محمود عبد الغني‬ ‫ تيم آشلي‬‫ت‪:‬أنور الشامي‬ ‫‪-‬صالح علماني‬

‫‪138‬‬ ‫‪140‬‬

‫المـــكان ذاته‪«..‬الكـــرادة» بغـــداد توثيـــق بصـــري بمثابـــة بيان‪(.....‬ســـعد القصـــاب)‬

‫الدوحة زمان‬

‫‪154‬‬

‫تفاصيـــل الليلـــة األخيـــرة فـــي حيـــاة الشـــاعر صـــاح عبـــد الصبـــور ‪( ..‬مجلـــة الدوحـــة ‪)1984‬‬

‫صفحات مطوية‬

‫‪156‬‬

‫معركـــة الواقعيـــة بيـــن منـــدور وأســـتاذه طـــه حسين‪(.....‬شـــعبان يوســـف)‬

‫‪61‬‬

‫مهمة‪(................................‬أميـــر تـــاج الســـر)‬ ‫شـــخصيات ّ‬ ‫مناب ــر الق ــراءة والكتابة‪(..................‬عبدالس ــام بنعبدالعال ــي) ‪126‬‬

‫‪93‬‬

‫المقبرة الجديدة‪( ........................................................‬حسن بحراوي)‬ ‫الكركي‪( ......................................................................‬نزار شقرون)‬ ‫ّ‬

‫فيـــرو)‬ ‫فالنســـيا‪..‬مدينة الحريـــر «‪(.....................»2016‬نويمـــي ّ‬

‫‪32‬‬ ‫‪65‬‬

‫‪124‬‬

‫‪110‬‬

‫دروس إنســـانية‪(...........................‬ايزابيلال كاميـــرا دافليتـــو)‬

‫‪31‬‬

‫الثّقافــة‪ ..‬تــرف أم ضــرورة ؟‪(.................‬مرزوق بشــير بن مرزوق)‬

‫«الال منتمي» أشبه بالقفز في لحظة سقوط!‪(....................‬يوسف وقاص)‬

‫معارض‬

‫‪ 3000‬ليرة‬

‫‪ 150‬ريا ًال‬

‫‪88‬‬

‫مقاالت‬

‫مـــارك ريبـــو‪ :‬العيـــن التـــي وثَّقـــت القـــرن الـــ ‪(................... 20‬عبـــد اهلل كرمـــون)‬

‫‪ 3000‬دينار‬ ‫‪ 1.5‬دينار‬

‫مضى زمن النقد‬

‫«استبانة»محطات ومواقف لعبد اهلل العروي‪( ...................‬المهدي مستقيم)‬ ‫ّ‬

‫نصوص‬

‫األسعار‬ ‫الجمهورية اللبنانية‬

‫‪66‬‬

‫يمنى العيد‬

‫نص ــوص معاص ــرة م ــن الهند‪(....................‬ترجم ــة‪ :‬محم ــد عب ــد ابراهي ــم)‬

‫وكالء التوزيع في الخارج‪:‬‬ ‫المملكة العربية السعودية ‪ -‬الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع ‪ -‬الرياض‪ -‬ت‪0096614871262 :‬‬ ‫ فاكــس‪ /0096614870809 :‬مملكــة البحريــن ‪ -‬مؤسســة الهــال لتوزيع الصحــف ‪ -‬المنامة ‪-‬‬‫ت‪ - 007317480800 :‬فاكــس‪/007317480819 :‬دولــة اإلمارات العربية المتحدة ‪ -‬المؤسســة‬ ‫العربيــة للصحافــة واإلعــام ‪ -‬أبــو ظبــي ‪ -‬ت‪ - 4477999 :‬فاكس‪ /4475668 :‬ســلطنة ُعمان‬ ‫ مؤسســة ُعمان للصحافة واألنباء والنشــر واإلعالن ‪ -‬مســقط ‪ -‬ت‪ - 009682493356 :‬فاكس‪:‬‬‫‪ /0096824649379‬دولــة الكويــت ‪ -‬شــركةالمجموعة التســويقية للدعايــة واإلعــان ‪ -‬الكويت‬ ‫ ت‪ - 009651838281 :‬فاكــس‪ /0096524839487 :‬الجمهوريــة اللبنانيــة ‪ -‬مؤسســة‬‫نعنــوع الصحفيــة للتوزيــع ‪ -‬بيــروت ‪ -‬ت‪ - 009611666668 :‬فاكــس‪/009611653260 :‬‬ ‫الجمهوريــة اليمنيــة ‪ -‬محــات القائــد التجاريــة ‪ -‬صنعــاء ‪ -‬ت‪- 00967777745744 :‬‬ ‫فاكــس‪ / 009671240883 :‬جمهوريــة مصــر العربيــة ‪ -‬مؤسســة األهــرام ‪ -‬القاهــرة ‪ -‬ت‪:‬‬ ‫‪ - 002027704365‬فاكــس ‪/002027703196‬الجماهيريــة الليبية ‪ -‬دار الفكر الجديد الســتيراد‬ ‫ونشــر وتوزيــع المطبوعات ‪ -‬طرابلــس ‪ -‬ت‪ - 0021821333260 :‬فاكس‪00218213332610 :‬‬ ‫‪ /‬جمهورية السودان ‪ -‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع ‪ -‬الخرطوم ‪ -‬ت‪0024915494770 :‬‬ ‫ فاكس‪ / 00249183242703 :‬المملكة المغربية ‪ -‬الشــركة العربية اإلفريقية للتوزيع والنشــر‬‫والصحافة‪ ،‬سبريس ‪ -‬الدار البيضاء ‪ -‬ت‪ - 00212522249200 :‬فاكس‪/00212522249214:‬‬ ‫الجمهورية العربية الســورية ‪ -‬مؤسســة الوحدة للصحافة والطباعة والنشــر والتوزيع ‪ -‬دمشق ‪-‬‬ ‫ت‪- 00963112127797 :‬فاكس‪00963112128664:‬‬

‫دولة قطر‬

‫أدب‬

‫ترجمات‬

‫دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة ‪ -‬ت‪ 44557810 :‬فاكس‪44557819 :‬‬

‫مملكة البحرين‬

‫حوار‬

‫‪80‬‬

‫‪116‬‬


‫رسائل من المهجر‬

‫مهرجان شـارع األطعمة بسياتل‬

‫يوسف وصحن الفول‬ ‫سـياتل‪ :‬عبدالوهاب األنصاري‬ ‫ألسباب عديدة‪ :‬للبحث عن‬ ‫المرء‬ ‫يغترب‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫فرص اقتصادية وطلب الرزق‪ ،‬أو لكسر‬ ‫ٍ‬ ‫طـوق الضيـم السياسـي أو االجتماعـي‬ ‫أو الدينـي‪ ،‬أو للحـاق بآخريـن اغتربـوا‬ ‫كل‬ ‫لالنضمـام إليهـم‪ ..‬إلـخ‪ .‬لكـن فـي ّ‬ ‫نوعيـة‬ ‫األحـوال يجـد المـرء مـا يسـميه‬ ‫ً‬ ‫أفضـل مـن الحيـاة‪ .‬قـد تكـون النوعيـة‬ ‫ليسـت أكثـر مـن أن يبقـى اإلنسـان قريب ًا‬ ‫مـن أهلـه أو أن يمـارس حياتـه وفـق‬ ‫أهوائه ومعتقداته في أرض اهلل الواسعة‬ ‫ٍ‬ ‫تدخـل مـن‬ ‫بالتعبيـر القرآنـي‪ ،‬دونمـا‬ ‫الحريـة‬ ‫اآلخريـن‪ ،‬أو أن يتنفـس هـواء ّ‬ ‫فـي التعبيـر عمـا يضمـره دون وجـل‪.‬‬ ‫نوعيـة أفضـل مـن‬ ‫كل هـذا‬ ‫وهـو يسـمي ّ‬ ‫ً‬ ‫‪4‬‬

‫الحيـاة‪ .‬علـى أي حـال فاالغتـراب ممـا‬ ‫كان يستحسـنه األولون وينصحون به‪،‬‬ ‫كقـول أبـي تمـام‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫الح ِ ّي مُ ْخلِقٌ ‪...‬‬ ‫وطـول مُ قـامِ المر ِء في َ‬ ‫جـد ِد‬ ‫ب َت َت َّ‬ ‫لديباج َت ْيـ ِه فاغْ َتـرِ ْ‬ ‫َ‬

‫فإ ِ ّني ر ُ‬ ‫َح َّب ًة ‪..‬‬ ‫ـمس زيِ َد ْ‬ ‫تم َ‬ ‫َأيت الشَّ َ‬ ‫إلَى ال َّن ِ‬ ‫سـت عليهم بِ َسـ ْرم َِد‬ ‫اس إذْ ل َْي َ ْ‬

‫كالم نظـري‪ ،‬إذ قلّمـا‬ ‫بيـد أن مـا َّ‬ ‫تقـدم ٌ‬ ‫تجري األمور مثل ذلك في واقع الحياة‪.‬‬ ‫ال يختـار أحدنـا فـرص الحيـاة كمـا لـو‬ ‫معروضـة فـي كتالـوج ُمصنّـف‪.‬‬ ‫كانـت‬ ‫ً‬ ‫كمـا ال يختـار المغتـرب أن تقبلـه طوعـ ًا‬ ‫بلاد مـا يظـن هـو أنهـا هـي األفضـل لـه‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫أكثر المغتربين يشّد بهم الحنين للرجوع‬

‫خاصـة عندمـا‬ ‫إلـى موطنهـم األصلـي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يكابـدون مشـقات الحيـاة فـي بيئتهـم‬ ‫الجديـدة وينتهـي «نقـل فـؤادك» إلـى‬ ‫«الحنيـن ألول منـزل»‪ .‬لكنهـم عندمـا‬ ‫يرجعـون فـإن المغتـرب يرجـع إلـى‬ ‫ذكريـات قـد ولَّـت وأصدقـاء مضـوا فـي‬ ‫ٍ‬ ‫وطفولـة لـم يعـد لهـا وجـود‪،‬‬ ‫طرقهـم‬ ‫ٍ‬ ‫ووجـوه جديـدة فـي حـارات ليسـت كمـا‬ ‫تقدمـوا في‬ ‫َّ‬ ‫يتذكرهـا تمامـاً‪ ،‬وأقـارب قـد َّ‬ ‫صورهـم لـه‬ ‫كمـا‬ ‫ليسـوا‬ ‫فهـم‬ ‫العمـر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫يمر‬ ‫مؤلمـة‬ ‫مرحلـة‬ ‫حنينـه إليهـم‪ .‬وهـذه‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وبالهوية‪.‬‬ ‫بها المغترب تتعلَّق باالنتماء‬ ‫ّ‬ ‫عندئـٍذ إمـا البـدء مـن جديـد فـي الموطـن‬ ‫األصلي أو استئناف الحياة في الموطن‬ ‫المتبنّـى‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إليكـم مـا هـو مجمـل قصـة يوسـف‪،‬‬

‫الفلسـطيني األصـل‪ ،‬الكويتـي المولـد‪.‬‬ ‫كان والـده ضمـن مـن نزحـت بهـم نكبـة‬ ‫عـام ‪ 1948‬إلـى الكويـت‪ ،‬حيـث ُوِلـد‬ ‫يوسـف وإخوتـه وترعرعـوا وكبـروا‬ ‫ٍ‬ ‫عربيـة شـعروا فيهـا‬ ‫أرض‬ ‫وعاشـوا فـي ٍ‬ ‫أنهـا موطنهـم باحتضانهـا اآلالف مثلهم‪.‬‬ ‫التحـق يوسـف بعد تخرجـه في منتصف‬ ‫ثمانينيـات القـرن الماضـي بالشـركة‬ ‫الدوليـة للحوسـبة فـي الكويـت والتـي‬ ‫كانـت إحـدى أكبـر شـركات البرمجـة فـي‬ ‫العالـم العربـي فـي تلـك المراحل األولى‬ ‫مـن بـزوغ فجـر الكمبيوتـر ‪ .‬وكانـت‬ ‫للشـركة ارتباطاتهـا بمراكـز تصنيـع‬ ‫الشـرائح الحاسـوبية في اليابان‪ ،‬حتى‬ ‫أنهـا كانـت تنتـج الحواسـيب الخاصـة‬ ‫بهـا‪ ،‬وبمراكـز تقنيـة المعلومـات فـي‬ ‫الجامعـات‪ ،‬وكذلـك بشـركات البرمجـة‬ ‫وبفروع‬ ‫فـي أرجـاء مختلفـة من العالـم‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫لهـا فـي أرجـاء العالـم العربـي‪.‬‬ ‫لـم يكـن مسـتغرب ًا إذن أن طلبـت‬ ‫مايكروسـوفت حينمـا عزمـت تطويـر‬ ‫برامجهـا بالعربيـة‪ ،‬ضمن لغات أخرى‪،‬‬ ‫مـن الشـركة الدوليـة تحديـد ًا أن تبعـث‬ ‫ببعـض مبرمجيهـا لتعين مايكروسـوفت‬ ‫علـى تطويـر مـا ُسـمي بلغـات اليميـن‬ ‫إلـى اليسـار (العربيـة والعبريـة)‪ .‬كان‬ ‫توسـمت‬ ‫يوسـف ضمـن فئـة صغيـرة‬ ‫َّ‬ ‫الشـركة الدوليـة فيهـم النجابـة لتبعـث‬ ‫بهـم إلـى مايكروسـوفت‪ ،‬والتـي كانـت‬ ‫هي األخرى على وشـك أن تبدأ اكتسـاح‬ ‫العالـم أجمـع ببرمجياتهـا‪ .‬كان ذلـك في‬ ‫أواخـر ثمانينيـات القـرن الماضـي‪.‬‬ ‫مضـت األمـور كمـا ينبغـي ليوسـف‬ ‫التعـرف‬ ‫وتـم لهـم‬ ‫وزمالئـه المبتعثيـن‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫إلـى أصدقـاء جـدد فـي بيئتهـم الجديـدة‬ ‫فـي الشـمال الغربـي للواليـات المتحـدة‬ ‫التـي أعجبتهـم فيهـا طبيعتها السـاحرة‪،‬‬ ‫حتـى أنهـم كانـوا ال يطيقـون االنتظـار‬ ‫إلـى عطلـة نهايـة األسـبوع للذهـاب‬ ‫موقـع جديـٍد الكتشـافه بيـن الجبـال‬ ‫إلـى‬ ‫ٍ‬ ‫والغابـات واألنهـار‪ .‬لكنهـم لـم يـدر بخلد‬ ‫أي منهـم التفكيـر باالسـتقرار‪ :‬مـا هي ّإل‬ ‫أشهر أخرى التمام البرمجيات والرجوع‬ ‫إلـى الكويـت‪ ،‬حيـث األهـل واألصدقـاء‬ ‫والمسلسالت العربية والصحون اللذيذة‬

‫مما تطبخ األمهات‪ ،‬والقيادة دون خوف‬ ‫وكل مـا‬ ‫مـن تعـدي السـرعة المحـدودة‪ّ ،‬‬ ‫ليـس فـي الواليـات المتحـدة‪ .‬ذلـك حتى‬ ‫ٍ‬ ‫سيارة‬ ‫يفكر في امتالك‬ ‫أن أحد ًا منهم لم ِّ‬ ‫ال في مقابل االكتفاء بتأجيرها للفترة‬ ‫مث ً‬ ‫التـي كانـوا سـيمضونها فـي الواليـات‬ ‫المتحـدة‪.‬‬ ‫لكـن األمـر أشـبه بقـول «أنـت تشـاء وأنا‬ ‫أشـاء واهلل يفعـل مـا يشـاء»‪ .‬إذ إن فـي‬ ‫الثانـي مـن أغسـطس‪/‬آب عـام ‪1990‬‬ ‫غـزت القـوات العراقيـة الكويـت‪ .‬لـم‬ ‫تكـن المتطلبـات البرمجيـة فـي الواليات‬ ‫المتحـدة قـد انتهـت بعـد‪ .‬خلال أشـهر‬ ‫االحتالل‪ ،‬بالرغم من أن الشركة الدولية‬ ‫تمكنـت آخـر األمـر من نقل أنشـطتها إلى‬ ‫َّ‬ ‫تتمكـن مـن ممارسـة‬ ‫لـم‬ ‫فإنهـا‬ ‫القاهـرة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل عـادي بطبيعـة‬ ‫األعمـال اإلداريـة‬ ‫مثلا أنهـا عجـزت عن‬ ‫الحـال‪ .‬ومـن ذلـك ً‬ ‫إيصـال رواتـب أفـراد بعثتهـا التـي منهـا‬ ‫يوسـف إليهـم‪ .‬خلال هـذه الفتـرة رأت‬ ‫الحـل األمثـل هـو أن‬ ‫مايكروسـوفت أن‬ ‫ّ‬ ‫توظـف يوسـف وأصدقـاءه ليعملـوا‬ ‫لديهـا إذ لـم يكـن معلومـ ًا متـى يمكـن أن‬ ‫ينتهـي االحتلال‪ .‬اتخذت مايكروسـوفت‬ ‫اإلجـراءات القانونيـة الكفيلـة بتغييـر‬ ‫وضـع هـؤالء مـن حيـث قوانيـن الهجـرة‬ ‫األميركيـة واإلقامـة بعـد موافقتهـم علـى‬ ‫االنضمـام إلـى مايكروسـوفت‪ ،‬ومـن َث ّـم‬ ‫باشـروا متابعـة أعمالهـم‪.‬‬ ‫بين ٍ‬ ‫واقع‬ ‫ليلة وضحاها أصبح ليوسف ٌ‬ ‫هجـرة لـم يكـن انتواهـا ولـم تـدر‬ ‫جديـد‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫بخلـده فيمـا سـبق‪ ،‬بالرغـم مـن إعجابـه‬ ‫بمقـر إقامتـه‪ .‬مـا معنـى ذلـك ومـا موقف‬ ‫ّ‬ ‫أهلـه مـن ذلـك وهـل سـيباركون وضعه‬ ‫الجديـد أم هـل سـتلح عليـه والدتـه‬ ‫بالرجـوع؟ لكـن الواقـع أن الكثيـر لـم‬ ‫يتغيـر إذ هـو اسـتمرار لوضـع كان قـد‬ ‫فعلا لعاميـن مضيـا‪ .‬لـم يتغيـر ّإل‬ ‫بـدأ‬ ‫ً‬ ‫وضعه القانوني من حيث اإلقامة‪ ،‬األمر‬ ‫الـذي سيسـمح لـه قريب ًا بطلب الجنسـية‬ ‫إن هـو أراد ذلـك‪ .‬الجديـد هـو تناولـه‬ ‫منظـار جديـد‪ :‬لـم يعـد مجدي ًا‬ ‫األمـور مـن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫تأجير سـيارة لفترات طويلة‪ ،‬فسـرعان‬ ‫سـيارة خاصـة‪ .‬لـم‬ ‫مـا اشـترى يوسـف‬ ‫ً‬ ‫يعـد لألمـور لديـه الصفـة المؤقَّتـة والتي‬

‫ُاسـتبدلت بالدائمـة‪ .‬لـم يعـد زائـر ًا عابـر ًا‬ ‫يتجـاوز عمـا ال يـروق له ال شـأن له به‪،‬‬ ‫إنمـا مقيـم مـن أهل البلد له ما لهم وعليه‬ ‫مـا عليهـم‪ ،‬يتفاعـل مـع قضاياهـم‪.‬‬ ‫وتزوج يوسف‬ ‫مرت أعوام طويلة منذئٍذ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ورِز َق‬ ‫له‬ ‫قريبة‬ ‫من‬ ‫السـنوات‬ ‫تلك‬ ‫خالل‬ ‫ُ‬ ‫بأبنـاء كبـروا اآلن‪ .‬فمـا الـذي يقوله اآلن‬ ‫عندمـا تسـأله عـن تجربتـه فـي المهجـر؟‬ ‫يقـول يوسـف إنـه ال يفكـر بالعودة‪ ،‬وال‬ ‫يعـرف أبنـاؤه غيـر البيئـة التـي وجـدوا‬ ‫أنفسـهم بهـا‪ ،‬بالرغـم مـن اعتزازهـم‬ ‫بكونهـم عربـ ًا ّإل أنهـم يعتبرون أنفسـهم‬ ‫أميركييـن‪ .‬كمـا أن للجاليـة العربيـة‬ ‫مـؤن‬ ‫كل مـا يحتـاج إليـه مـن‬ ‫حواليـه ّ‬ ‫ٍ‬ ‫شـرق أوسـطية مثلما يجد أصدقاء عرب ًا‬ ‫يتحاور معهم بشأن األمور السياسية في‬ ‫العالم العربي‪ .‬يقول يوسف‪ ،‬الذي يحب‬ ‫الفـول‪ ،‬إن صحـن الفـول الـذي يجده في‬ ‫المطاعـم التـي حواليه تضاهي بجودتها‬ ‫ولذتهـا الفـول لـدى أفضـل المطاعـم فـي‬ ‫العالـم العربـي‪ .‬فلمـاذا عسـاه يحـن‬ ‫إلـى صحـن الفـول؟ وبالنسـبة ليوسـف‬ ‫فهـو يجـد أن وضعـه فـي المهجـر ُيهيـئ‬ ‫لـه نوعيـة حيـاة أفضـل‪ ،‬لـه وألبنائـه‪.‬‬ ‫نعـم‪ ،‬فهـو قـد يـرى عنصرية بيـن الحين‬ ‫واآلخـر‪ ،‬لكنهـا عنصريـة فردية‪ ،‬ليسـت‬ ‫سـية أو حتـى إثنيـة‪ُ .‬يثني يوسـف‬ ‫مؤس ّ‬ ‫َّ‬ ‫خاصـة علـى األميركييـن فـي الشـمال‬ ‫ً‬ ‫الغربـي‪ ،‬بـل والغرب األميركـي عموماً‪،‬‬ ‫لا لآلخر من‬ ‫تفتح ًا‬ ‫وتقب ً‬ ‫علـى أنهـم أكثـر ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫غيرهم ولم يشعر أنه أجنبي دخيل يوم ًا‬ ‫حتـى خلال أحـداث الحـادي عشـر مـن‬ ‫سـبتمبر‪/‬أيلول‪ ،‬والـذي يذكـر يوسـف‬ ‫منـه مدى تعاطـف األميركيين معه خالل‬ ‫األسـبوع التالـي لذلـك اليـوم‪ ،‬وكأنمـا‬ ‫كانـوا يسـعون إلـى طمأنتـه‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بمسؤولية‬ ‫واليوم يمارس يوسف حياته‬ ‫تجـاه مجتمعـه وجاليتـه كأي إنسـان‬ ‫سوي‪ .‬فهو لم يزل على اتصال بأصدقاء‬ ‫في العالم العربي عرفهم إبان مراهقته‪،‬‬ ‫وفـي االنتخابـات األميركيـة المنتظـرة‬ ‫سـيدلي بصوته‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫‪5‬‬


‫صورة متو َّقعة‬ ‫للتفقير الثّقافي‬

‫بنغـازي‪ :‬أحمد الفيتوري‬ ‫تأسسـت ليبيـا الحديثـة‪ ،‬مـع الحركـة‬ ‫َّ‬ ‫أسسـها الجزائـري‬ ‫«السنوسـية» التـي ّ‬ ‫«محمد بن علي السنوسي» في منتصف‬ ‫القـرن التاسـع عشـر‪ ..‬هـذه الحركـة‬ ‫تمكنـت مـن‬ ‫المعروفـة عنـد‬ ‫المؤرخيـن‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫رؤيـة دينيـة تقويميـة تقـوم‬ ‫صـوغ‬ ‫ِ‬ ‫علـى االّتبـاع مـن جهـة‪ ،‬وعلـى النظـرة‬ ‫الخصوصيـة اإلصالحيـة لعالقـة الديـن‬ ‫لمؤسسها الذي نجح بالتمترس‬ ‫والحياة‬ ‫ِّ‬ ‫فـي الصحـراء الليبيـة فـي االبتعـاد عـن‬ ‫أي نفـوذ للقـوى النافـذة حينها من جهة‬ ‫س‬ ‫أخرى‪ ،‬ومن َثّم نجح حفيده‪َ ،‬م ْن َرَأ َ‬ ‫الحركـة‪ -‬بعـد وفـاة والـده المهـدي‪ -‬فـي‬ ‫تأسـيس المملكـة الليبيـة المتحـدة بعـد‬ ‫خـوض معركـة جهاديـة تحريريـة ضـد‬ ‫االسـتعمار اإليطالـي بيـن عامـي ‪1911‬‬ ‫و‪ ،1944‬أي نهايـة الحـرب العالميـة‬ ‫الثانيـة‪ ،‬واسـتقلّت ليبيـا بقـرار مـن‬ ‫األمم المتحدة في ديسمبر‪/‬كانون األول‬ ‫‪1951‬م‪ ،‬كدولة حديثة ناتجة بمعنى ما‬ ‫مـن حركـة دينيـة إصالحيـة‪.‬‬ ‫بيـن عامـي ‪1951‬م‪ ،‬و‪1969‬م تاريـخ‬ ‫‪6‬‬

‫االنقلاب العسـكري علـى الملـك‬ ‫النظـام الملكـي فـي‬ ‫نجـح‬ ‫السنوسـي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫دعائم دولة حديثة‪ ،‬هذه الدولة‬ ‫إرسـاء‬ ‫ِ‬ ‫المنفتحـة علـى محيطهـا‪ ،‬وقبـل سـاعة‬ ‫ُ‬ ‫إنشـائها جعلـت مـن انتمائهـا للجامعـة‬ ‫ؤسسـين‬ ‫الم ِّ‬ ‫العربيـة تعبيـر ًا عـن رؤيـة ُ‬ ‫لبعدهـا الثّقافـي العربـي والديموغرافي‬ ‫حتى‪ ،‬ولذا كانت المناهج التعليمية في‬ ‫البدء ذات المناهج المصرية‪ ،‬وكذا كان‬ ‫جـزء مـن المعلميـن بهـا مـن المصرييـن‬ ‫فـي كافـة المسـتويات التعليمية‪ ،‬وعلى‬ ‫تأسسـت الجامعـة الليبيـة مطلـع‬ ‫هـذا َّ‬ ‫وعقـدت‬ ‫خمسـينيات القـرن الماضـي‪ُ ،‬‬ ‫مؤتمـرات فكريـة دوليـة شـارك فيهـا‬ ‫أشـهر المفكريـن والباحثيـن حينهـا‬ ‫كالمـؤرخ اإلنجليـزي «أرنولـد توينبـي»‬ ‫ّ‬ ‫ونخبـة مـن األسـاتذة العـرب كمـا‬ ‫«عبدالرحمـن بـدوي» الـذي أصـدرت لـه‬ ‫الجامعـة الليبيـة العديـد مـن الكتب‪ ،‬كما‬ ‫ُفتحـت مراكـز ثقافيـة عربيـة‪ ،‬وغصـت‬ ‫المراكـز الليبية بالكتب للمؤلفين العرب‬ ‫وبكل اللّغات‪ ،‬بل حتى الكتب‬ ‫واألجانب‬ ‫ّ‬ ‫الممنوعـة فـي بلدانهـا توافـرت فـي هذه‬ ‫المكتبـات وفـي األكشـاك حينها كرواية‬

‫«أوالد حارتنـا» لنجيـب محفـوظ‪...‬‬ ‫تكـرس إذن‪ ،‬مفهـوم وحـدة الثّقافـة‬ ‫َّ‬ ‫العربيـة فـي المملكـة الليبيـة فـي‬ ‫التعليـم وفـي الحيـاة الثّقافيـة‪ ،‬وعليـه‬ ‫المؤسسـات الثّقافيـة‪ ،‬لكـن‬ ‫إنشـاء‬ ‫تـم‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫إذا كانـت الثّقافـة فـي الدولـة الناشـئة‬ ‫ؤسسـات ُمنفتحـة‪ ،‬وإن‬ ‫ُتنشـُأ لهـا ُم َّ‬ ‫كانـت الحركـة السنوسـية قـد سـاهمت‬ ‫فـي التأسـيس‪ ،‬فقـد تأصـل فـي الدولـة‬ ‫ٍ‬ ‫كحركـة‬ ‫ومنطلقهـا‬ ‫ُبعدهـا اإلصالحـي ُ‬ ‫ثقافيـة‪ ،‬وجعـل هـذا مـن اللّغـة العربية‬ ‫ٍ‬ ‫كمنزلـة للـروح فغدت ال حدود في وجه‬ ‫الثّقافة العربية التي كانت سـاعتها في‬ ‫ٍ‬ ‫مكانة للثّقافة‬ ‫انشاء‬ ‫َأ ْو ِج نهضتها‪ ،‬وتم‬ ‫ُ‬ ‫المؤسسـات التعليميـة‪ ،‬فــ «أيـام»‬ ‫فـي‬ ‫َّ‬ ‫طـه حسـين هـي أيـام طلبـة التعليـم‬ ‫سـات ثقافية‬ ‫مؤس ٌ‬ ‫األساسـي‪ ،‬وُأنشـئت َّ‬ ‫كالمسـارح ودور السـينما ونـوادي‬ ‫الفكـر‪ ،‬وحتى النوادي الرياضية كانت‬ ‫مـن صـروح الثّقافـة‪ ،‬لكـن مـع هـذا فإن‬ ‫النظـام الملكـي فـي ليبيـا ‪ -‬كمـا غالبيـة‬ ‫األنظمـة الحاكمـة حينهـا‪ -‬منـع إنشـاء‬ ‫األحـزاب والمنظمـات السياسـية فـكان‬ ‫مـن هـذا مقتـل هـذا النظـام الـذي فصـل‬

‫بنغازي‬

‫ومؤسسـاتها وبيـن العمـل‬ ‫بيـن الثّقافـة‬ ‫ّ‬ ‫السياسـي‪.‬‬ ‫مـع االنقلاب العسـكري فـي سـبتمبر‪/‬‬ ‫أيلـول ‪1969‬م ازداد الوضـع ِحـّدة‪.‬‬ ‫اّتخـذ اإلقصـاء منهجـ ًا يقـوم علـى‬ ‫والتعسـف‪ ،‬وغـدت الثّقافـة‬ ‫القمـع‬ ‫ُّ‬ ‫أداة‬ ‫فـي عـرف الملازم معمـر القذافـي َ‬ ‫تغريـب وسـلب‪ ،‬وشـاع مفهـوم الغـزو‬ ‫ٍ‬ ‫الثّقافـي البلاد‪ ،‬وجعـل الثّقافـة ُمرادفـ ًا‬ ‫وتارة‬ ‫تـارة باسـم الديـن‪،‬‬ ‫لالسـتعمار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أخـرى باسـم القوميـة‪ -‬حسـب النظريـة‬ ‫القذافية‪ ،-‬حيث سيعلن صاحبها (أمين‬ ‫القوميـة العربيـة كمـا صـرح جمـال عبد‬ ‫الناصـر فـي خطـاب لـه بطرابلـس فـي‬ ‫ديسـمبر‪/‬كانون األول ‪ )1969‬الثـورة‬ ‫الثّقافيـة فـي إبريل‪/‬نيسـان ‪1973‬‬ ‫تـم‬ ‫التـي أغلقـت المراكـز الثّقافيـة!‪َّ .‬‬ ‫تكريـس ثقافـة التليفزيـون الشـفاهية‪،‬‬

‫والكتيبـات التعليميـة التي‬ ‫والكراسـات ُ‬ ‫كانـت وسـيلة التنظيمـات واألحـزاب‬ ‫الكتب‬ ‫الشـمولية للتثقيـف‪ ،‬فيمـا ُأحرقت ُ‬ ‫في الساحات العامة واآلالت الموسيقية‬ ‫الغربيـة ومنـع تـداول دواويـن الشـعر‪،‬‬ ‫وتـم نعـت محمـود درويـش بشـاعر‬ ‫َّ‬ ‫الملحـدة‪ .‬وكان‬ ‫العالميـة‬ ‫الشـيوعية‬ ‫ُ‬ ‫خطاب له بعد االنقالب‬ ‫القذافي في أول‬ ‫ٍ‬ ‫أي في ‪ 16‬سبتمبر‪/‬أيلول ‪1969‬م‪ ،‬وهو‬ ‫اليـوم الـذي يوافـق ذكـرى إعـدام شـيخ‬ ‫الشـهداء عمـر المختـار مـن ِقَب ِل الفاشـية‬ ‫اإليطاليـة عـام ‪1931‬م‪ ،‬قـد أعلن أن َم ْن‬ ‫تحـزب خـان‪ ،‬وعليـه ُمنعـت الحزبيـة‬ ‫َّ‬ ‫مؤسسـات ثقافية‬ ‫ومـا فـي شـاكلتها من ّ‬ ‫واجتماعيـة غيـر حكوميـة‪ ،‬فالمجتمـع‬ ‫المدنـي بهـذا عمـل مـن عمـل االسـتعمار‪.‬‬ ‫كـرس هـذا المنحـى الديماغوجـي العداء‬ ‫َّ‬ ‫للعقل والعقالنية‪ ،‬وكان من انعكاسات‬

‫التضخـم النفطـي‪ ،‬بعـد ارتفـاع سـعره‬ ‫ُّ‬ ‫تضخـم شـخصية‬ ‫عقـب حـرب ‪،1973‬‬ ‫ُّ‬ ‫المفكـر والمعلِّـم القائـد‪،‬‬ ‫الزعيـم القائـد‬ ‫ِّ‬ ‫وكذلـك سـاهم النفـط فـي تغطيـة‬ ‫النخـب‪ ،‬بينما ُقِم َع‬ ‫معايـب المرحلـة عن ُ‬ ‫المثقَّفون الليبيون بالجملة منذ إبريل‪/‬‬ ‫المؤسسـات‬ ‫نيسـان ‪1973‬م‪ ،‬وُأغلقـت‬ ‫َّ‬ ‫الثّقافيـة كالمركـز الثّقافـي البريطانـي‬ ‫واألميركـي ثـم المصـري‪ ...‬وغيرهـا‪،‬‬ ‫تـم اعتبـار محـو األميـة مفسـدة‪،‬‬ ‫كمـا َّ‬ ‫بدعـوى تعريـف مسـتحدث للتعليـم‬ ‫الحـق والـذي ال يقـوم فـي نظـر النظـام‬ ‫تم‬ ‫داخل دور العلم‪ ،‬بل في الحياة‪ .‬لقد َّ‬ ‫كل ما‬ ‫توظيف الثروة النفطية في شراء ّ‬ ‫واللعقالنية وتكريس‬ ‫كرس الفوضى ّ‬ ‫ُي ِّ‬ ‫البلاد كإمبراطوريـة للفـراغ‪ ،‬والكثيـر‬ ‫مـن المثقَّفيـن العـرب وحتـى مـن العالم‬ ‫كروجيـه غـرودي ُيدعـون ويحضـرون‬ ‫‪7‬‬


‫محافـل «الكتـاب األخضـر»‪ ،‬وكـ«غالـي‬ ‫شـكري» الـذي سـاهم فـي إنشـاء «مركز‬ ‫تـم حصـر‬ ‫الكتـاب األخضـر»‪ ،‬وبهـذا َّ‬ ‫تـم دحـر الحياة‬ ‫الثّقافـة فـي ُكتيـب وبـه َّ‬ ‫الثّقافيـة‪ ،‬بـل الحيـاة نفسـها فـي ليبيـا‬ ‫ولعقود (‪ 1‬سـبتمبر‪/‬أيلول ‪17 - 1969‬‬ ‫فبراير‪/‬شـباط ‪.)2011‬‬ ‫المؤسسـات‬ ‫أمـام هـذا الوضـع جنحـت‬ ‫َّ‬ ‫الثّقافيـة الليبيـة لخيـارات تنـأى بهـا‬ ‫ِ‬ ‫المباشـرة مـع السـلطة‬ ‫الم‬ ‫جابهـة ُ‬ ‫عـن ُ‬ ‫الغاشـمة‪ ،‬وكان لهـذا نتائـج فـي‬ ‫المحصلة‪ :‬فـ «مركز الدراسات التاريخية‬ ‫الليبية» أنتج موسـوعة تاريخية ليبية‬ ‫شـفاهية وثَّقت فترة مقاومة االسـتعمار‬ ‫تـم تحقيـق إصـدار‬ ‫اإليطالـي‪ ،‬كذلـك ّ‬ ‫يوميـات الفقيـه حسـن فـي مجلـدات‬ ‫ـت بعاميـة مدينـة طرابلـس‬ ‫والتـي ُكِتَب ْ‬ ‫الغـرب خلال منتصـف القـرن الثامـن‬ ‫عشـر‪ ،‬وكذلـك أصـدر «مركز الدراسـات‬ ‫اإلفريقيـة»‪« :‬الموسـوعة اإلفريقيـة»‪،‬‬ ‫فيمـا أنشـأ الكاتـب والباحـث الليبـي‬ ‫المعـروف «الصـادق النيهـوم» دار ًا‬ ‫لتحريـر وترجمـة وإصدار الموسـوعات‬ ‫العلميـة‪ ،‬ومنهـا موسـوعة «بهجـة‬ ‫المعرفـة»‪ ،‬وموسـوعات تعليميـة‬ ‫تخصصـة للنـشء‪،‬‬ ‫علميـة ومهنيـة ُم ّ‬ ‫صـورة‪ ،‬أمـا‬ ‫وموسـوعات تاريخيـة ُم َّ‬ ‫تخصـص‬ ‫الكاتـب يوسـف الشـريف فقـد‬ ‫َّ‬ ‫فـي ثقافـة الطفـل‪ ،‬وبمجهـود ذاتـي‬ ‫أصـدر «معجـم اللّغـة العربيـة لألطفال»‬ ‫و«الموسـوعة العلميـة الميسـرة»‪...‬‬ ‫والقائمـة تطـول‪ ،‬وينبغي اإلشـارة في‬ ‫هذا السياق إلى الجانب اإلبداعي‪ ،‬حيث‬ ‫حقَّقـت فيـه الروايـة الليبيـة بـروز ًا على‬ ‫مدونة سردية صدر‬ ‫الساحة األدبية عبر ّ‬ ‫أغلبهـا فـي الخارج مثل روايات إبراهيم‬ ‫ـت للكثيـر مـن لغات‬ ‫الكونـي التـي ُتْر ِجَم ْ‬ ‫العالـم‪ ،‬والروائـي هشـام مطـر الـذي‬ ‫يكتـب باإلنجليزيـة‪ ،‬والروائـي أحمـد‬ ‫إبراهيـم الفقيـه وغيرهـم‪.‬‬ ‫مـا وقـع فـي ليبيـا غـداة انتفاضـات‬ ‫«الربيـع العربـي»‪ ،‬كان اسـتثنائياً؛‬ ‫النظـام المسـيطر علـى فواصـل ومراكز‬ ‫‪8‬‬

‫البلاد‪ ،‬أمنيـ ًا وعسـكرياً‪ ،‬أعلـن الحـرب‬ ‫علـى شـعب أراد إسـقاط النظـام عبـر‬ ‫اإلجمـاع‬ ‫ثـورة شـعبية سـلمية‪ .‬سـاهم‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫تدخل عسـكري في ليبيا‪،‬‬ ‫الدولـي بدعـم‬ ‫ومـن خلال حربيـن‪ :‬ليبيـة أهليـة‪،‬‬ ‫وحـرب دوليـة أسـقط النظـام‪ .‬وكمـا‬ ‫أن ليبيـا ُمسـتبعدة مـن عيـن الباحـث‬ ‫العربـي‪ُ ،‬اسـتبعد هـذا «االسـتثناء» مـن‬ ‫وتـم التركيـز‬ ‫النظـرة العربيـة‬ ‫بالمـرة‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫علـى انهيـار الدولـة دون البحـث فـي‬ ‫مسـبباته ودواعيـه‪.‬‬ ‫تحـررت‬ ‫القذافـي‬ ‫بعـد إسـقاط نظـام‬ ‫َّ‬ ‫الثّقافـة فـي ليبيـا مـن أسـرها‪ ،‬انبثـق‬ ‫وتكونـت جمعيـات‬ ‫المجتمـع المدنـي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ومراكـز ثقافيـة وبحثيـة؛ ففـي مدينـة‬ ‫بنغازي وحدها تجاوز عددها الثالثمئة‪،‬‬ ‫وصـدرت صحـف خاصـة وأخـرى‬ ‫تخصصـة‪ ،‬وُأقيمـت ملتقيـات ثقافيـة‬ ‫ُم ّ‬ ‫مؤسسـات‬ ‫وتأسسـت‬ ‫وفنّيـة عديـدة‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫وتنظيمـات ثقافيـة وسياسـية ومراكـز‬ ‫ٍ‬ ‫وعِقَد ْت مؤتمرات‬ ‫بحثية‬ ‫ونواد للكتاب‪ُ ،‬‬ ‫وندوات واكبت المسـتجدات‪ ...‬كما َم َّكن‬ ‫هـذا ِ‬ ‫الحـراك المدنـي والثّقافـي اإلثنيات‬ ‫مرة‬ ‫كاألمازيـغ والطـوارق والتبو ألول ّ‬ ‫المكونـات‬ ‫فـي ليبيـا مـن أن يكونـوا مـن‬ ‫ِّ‬ ‫االجتماعيـة الثّقافيـة والسياسـية‬ ‫الناشـئة‪ ،‬فخلال السـنتين األولييـن‬ ‫للثـورة ُأقيمـت مراكـز تختـص بالشـأن‬ ‫لـكل منهـا‪ ،‬بـل‬ ‫الثّقافـي والمجتمعـي ّ‬ ‫وصـدرت معاجـم ومجلات فـي اللّغـات‬ ‫مرة‬ ‫األمازيغيـة‪ ،‬والتباويـة التـي ألول َّ‬ ‫يسمع عنها العالم‪ ،‬ولهذا اعتبروا قبيلة‬ ‫ليبيـة وهـم قـوم لهـم تاريخهـم ولغتهـم‬ ‫ومـن سـكان الصحـراء القدمـاء وممـن‬ ‫وثمة‬ ‫سـاهموا فـي حضاراتهـا القديمـة‪ّ .‬‬ ‫مؤسسـة ‪BBC‬‬ ‫ؤشـر مهـم رصدتـه‬ ‫َّ‬ ‫ُم ٌ‬ ‫الدولية في دراسة ميدانية لدول الربيع‬ ‫يؤكد‪ :‬أن‬ ‫العربـي فـي الشـمال اإلفريقـي ِّ‬ ‫اإلنجـاز الـذي تـم فـي مجـال المجتمـع‬ ‫األهلـي‪ ،‬وخاصـة الثّقافـي منـه‪ ،‬فـاق‬ ‫مـا حصـل فـي مصـر وتونـس‪ ،‬وأنـه‬ ‫انطلـق مـن الصفـر تقريبـاً‪ ،‬وقـد كشـف‬ ‫أن المبـادرات المجتمعيـة أنشـأت مراكز‬

‫بحثيـة مسـتقلّة وإصـدار تقارير دورية‬ ‫وإقامة ورش عمل في القضايا الثّقافية‪،‬‬ ‫خاصـة السياسـية منهـا‪.‬‬ ‫فـي روايـة «مـن مفكـرة رجـل لـم يولـد»‬ ‫للكاتـب الليبـي يوسـف القويـري التـي‬ ‫نشـرت عـام ‪ ،1965‬وهـي مـن روايـات‬ ‫الخيال العلمي والمسـتقبليات كيوميات‬ ‫تخيلـة بيـن عامـي ‪ 2565‬و‪2567‬م‪.‬‬ ‫ُم ّ‬ ‫يتخيـل فيهـا الكاتـب أن خليـج سـرت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهـو أكبـر خليـج في البحر المتوسـط‪،‬‬ ‫قـد ُأنشـئت فـي صحرائـه أكبـر بحيـرة‬ ‫مـاء عـذب اصطناعيـة‪ ،‬وجعـل مـن‬ ‫مدينـة «سـرت» أكبـر مختبـر دولـي فـي‬ ‫علم الصحراء والمياه‪ ،‬والعلماء سـكان‬ ‫المدينـة وبقيـة السـكان يعيشـون فـي‬ ‫حديقـة وافـرة‪ ،‬ويتنقلـون بالطيـران‬ ‫الذاتـي فـي قبـة سـماوية اصطناعيـة‬ ‫تحـوط أجـواء المدينـة‪« .‬سـرت» اآلن‬ ‫هنـاك مـن يحـاول جعلهـا إمـارة‪ ،‬وال‬ ‫ننسـى أن هـذه المدينـة فـي هـذا الخليج‬ ‫كانـت مسـقط رأس معمـر القذافـي‪.‬‬ ‫تبيـن أثنـاء الربيـع العربـي المغدور أن‬ ‫َّ‬ ‫«القـوى الناعمـة» تسـتخدم «رأسـمالها‬ ‫الرمـزي» بطرائـق اجتازهـا شـارع‬ ‫«الشـعب يريد إسـقاط النظام»‪ ،‬لحظتها‬ ‫كان هـذا الشـارع العربـي يرسـم بلغـة‬ ‫«الجرافيتي» ويغني الراب‪ ،‬أما الفلسفة‬ ‫التـي يتعاطاهـا فهـي الواقعيـة‪ ،‬ولـذا‬ ‫فكريـة عنـد النخبـة‬ ‫شـاهدنا عطالـة‬ ‫ّ‬ ‫المتحصنـة بنظرياتهـا‪.‬‬ ‫التقليديـة‬ ‫ّ‬ ‫انتشـرت لغـة تبـادل التهـم وخـاب أمـل‬ ‫الشـارع في النخب‪ ،‬ومن َث َّم في نفسـه‪،‬‬ ‫فتركـت السـاحة للغـة الرصـاص‪...‬‬ ‫ُ‬ ‫وغـدت الثّقافـة ردود أفعـال وفتـاوى‬ ‫تدحـض أخـرى‪.‬‬ ‫مضـادة وتفسـيرات‬ ‫ُ‬ ‫واكبـت كمواطـن ليبـي بـزوغ الربيـع‬ ‫العربـي‪ .‬من مدينـة بنغازي‪ ،‬حيث بيت‬ ‫النـار‪ ،‬المهجـر القسـري‪ ،‬الكالشـنكوف‬ ‫للجميـع‪ ،‬وحيـث ال صـوت ّإل صـوت‬ ‫بألم‬ ‫معـارك جبانـة‪ ،‬نكتب هـذا الوضع ٍ‬ ‫معلن‪ ،‬للتفكير في أزمة الثّقافة العربية‬ ‫وتأمـل أبشـع صـورة لغيابهـا‪.‬‬ ‫ُّ‬

‫تمثـال محطـم بالمتحف الوطني العراقي‬

‫تاريخ تحت القصف‬ ‫بيرت ستون*‬ ‫ألحقـت الصراعـات الدائـرة فـي الشـرق‬ ‫األوسـط دمـارًا فـي جـزء كبيـر مـن اآلثار‬ ‫المهمـة فـي المنطقـة‪ .‬فـي‬ ‫التاريخيـة‬ ‫ّ‬ ‫هـذه الدراسـة يعـرض البروفيسـور بيتر‬ ‫سـتون(‪ )1‬سـبل الحـد مـن الخسـائر فـي‬ ‫الكنـوز التاريخيـة مسـتقبالً‪.‬‬ ‫مبشرة‪« .‬هل توجد بعض‬ ‫لم تكن البداية ّ‬ ‫اآلثار التي ينبغي علينا تجنبها هناك؟»‪،‬‬ ‫«نعم‪ ،‬أعرف رجالً‪ ،‬وسـأتصل به خالل‬ ‫عطلة نهاية األسبوع» ‪ -‬هكذا كان الحوار‬ ‫فـي صلـب وزارة الدفـاع فـي ‪ 29‬ينايـر‬ ‫‪ ،2003‬قبـل شـهرين فقـط مـن غـزو‬ ‫قـوات التحالـف الغربيـة بقيـادة المملكـة‬

‫المتحـدة والواليـات المتحـدة األميركيـة‬ ‫العـراق «إلسـقاط النظـام»‪ .‬كنت أنا ذلك‬ ‫الرجل المقصود‪ ،‬الشـخص الخطأ ‪ -‬كنت‬ ‫أعـرف القليـل عن اآلثار بالتفصيل هناك‬ ‫ فـي الوقـت الخطـأ‪ .‬كانـت معظـم قـوات‬‫ال «أرض المعركة»‪،‬‬ ‫التحالف قد دخلت فع ً‬ ‫األهـداف محـّددة والخرائط جاهزة (دون‬ ‫التنصيـص علـى أماكـن تواجـد المتاحـف‬ ‫والمكتبـات والمحفوظـات أو المواقـع‬ ‫األثريـة)‪ ،‬ودون رغبـة كبيـرة فـي القيام‬ ‫بمهـام إضافيـة‪ ،‬ناهيـك عـن التدريب‪.‬‬ ‫بدعـم مـن زمالئـي بالمملكـة المتحـدة‬ ‫والعـراق ‪ -‬دون ذكـر أسـمائهم‪ ،‬ضمانـ ًا‬

‫لسلامتهم ‪ -‬حددنـا قائمـة ضمـت ‪36‬‬ ‫موقعـاً‪ ،‬مـن العصـر الحجـري القديـم‬ ‫إلـى التاريـخ اإلسلامي‪ ،‬مـن بيـن أكثـر‬ ‫المواقع أهمية بهدف حمايتها من الدمار‪.‬‬ ‫وقـد شـددنا علـى ضعـف هـذه المواقـع‬ ‫ظـل فـراغ السـلطة‪ ،‬وأكدنـا علـى‬ ‫فـي ّ‬ ‫ضـرورة تقيـد قـوات التحالـف بالقانـون‬ ‫اإلنسـاني الدولـي‪ .‬لسـوء الحـظ‪ ،‬لـم‬ ‫تصـادق الواليـات المتحـدة وبريطانيـا‬ ‫على القانون الدولي اإلنساني األساسي‬ ‫ذي الصلـة ‪ -‬اتفاقيـة الهـاي لعام ‪1954‬‬ ‫ّقافيـة أثنـاء‬ ‫بشـأن حمايـة الممتلـكات الث ّ‬ ‫النزاعات المسلحة‪ ،‬وعلى البروتوكولين‬ ‫‪9‬‬


‫ّيـة اسـتولى‬ ‫جنـود أميركيـون بألمانيـا عـام ‪ 1945‬يسـتعيدون لوحـات فنّ‬ ‫عليهـا النازيـون‬

‫الملحقيـن بهـا لعامـي ‪ 1954‬و‪.1999‬‬ ‫في عام ‪ 2009‬صادقت الواليات المتحدة‬ ‫األميركيـة أخيـرًا علـى االتفاقيـة‪ ،‬لكـن‬ ‫المملكـة المتحـدة لـم تصـادق عليهـا بعـد‬ ‫وكذلـك البروتوكـوالت بتعلة عدم وجود‬ ‫وقـت للبرلمان منذ عام ‪ .2004‬لألسـف‪،‬‬ ‫نعلـم جميعـ ًا مـا تعرضـت لـه المتاحـف‬ ‫والمكتبـات والمحفوظـات والمواقـع‬ ‫األثريـة مـن نهـب عقـب غـزو العـراق‪.‬‬ ‫وعلـى الرغـم مـن تحذيراتنـا‪ ،‬نهبـت‬ ‫المؤسسـات‬ ‫جميـع المتاحـف والعديد من‬ ‫َّ‬ ‫ّقافيـة األخـرى‪ .‬لكـن ربما ما خفف إلى‬ ‫الث ّ‬ ‫حـد مـا مـن آثـار الغـزو كان القـرار الـذي‬ ‫اتخذتـه معظـم قطاعات الجيـش العراقي‬ ‫بعـدم االسـتماتة فـي الدفـاع‪ ،‬إلـى جانـب‬ ‫المؤسسـات الذين‬ ‫شـجاعة موظفـي تلك‬ ‫َّ‬ ‫رفضـوا‪ ،‬فـي بعـض الحـاالت‪ ،‬التقيـد‬ ‫باألوامر المباشرة لصدام حسين‪ ،‬وقاموا‬ ‫كل ما أمكن من القطع‬ ‫بتحويل أو إخفاء ّ‬ ‫األثريـة‪ ،‬وقـد سـاء حال المواقـع األثرية‬ ‫كثيـراً‪ .‬انهيـار القانـون والنظـام شـجع‬ ‫علـى عمليـات النهـب الواسـعة التـي أتـت‬ ‫علـى معظـم المواقـع فـي أنحـاء البلاد‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫بقايـا قطعـة أثريـة تم تدميرها في تدمر‬

‫وأعتقد أن التحالف يجب أن يتحمل جزءًا‬ ‫مـن المسـؤولية عـن ذلـك‪ ،‬كان يمكـن أن‬ ‫المؤسسات‪،‬‬ ‫يحمي المتاحف وغيرها من‬ ‫َّ‬ ‫مثلما حمى المنشآت الحساسة األخرى‪،‬‬ ‫كالبنـك المركـزي والـوزارات الحكوميـة‬ ‫المختلفـة‪ .‬صحيـح لـم يكـن ممكنـ ًا نشـر‬ ‫قـوات لحمايـة جميـع المواقـع األثريـة‪،‬‬ ‫لكـن كان يمكـن للتحالـف اتخـاذ تدابيـر‬ ‫عمليـة للحـد من عمليات السـلب والنهب‪-‬‬ ‫علـى سـبيل المثـال‪ -‬عـن طريـق شـراء‬ ‫المحاصيـل التـي مـن شـأنها أن تمنـح‬ ‫السـكان المحليين قدرًا أكبر من العائدات‬ ‫الماليـة‪ ،‬أو مواصلـة دفع رواتب حراس‬ ‫المواقـع مـن القبائـل لـردع اللصوص‪.‬‬

‫حصيلة الخسائر‬ ‫‪ ‬ما حدث في العراق ال يتحمل مسؤوليته‬ ‫الجيـش وحـده‪ ،‬لكن كذلك عجز الساسـة‬ ‫والمخططيـن عـن فهـم مكانـة الملكيـة‬ ‫وخاصـة فـي‬ ‫ّقافيـة والتراثيـة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الث ّ‬ ‫سـياق تحالـف غربـي لغـزو بلد بالشـرق‬ ‫األوسـط‪ ،‬علاوة علـى فشـل قطـاع‬

‫التـراث‪ ،‬الـذي سـمح بتراجـع العالقـة‬ ‫الوثيقـة التـي طورهـا مـع الجيـش خالل‬ ‫القـرن العشـرين‪ .‬وقـد ال نعـرف حجـم‬ ‫الخسـائر بالتحديـد أبداً‪ ،‬ولـن نعرف أبدًا‬ ‫حجم المعرفة التي كان يمكن أن نتعلمها‪.‬‬ ‫يبـدو بديهيـ ًا أن التراث الثقافي سـيكون‬ ‫عرضـة للتخريب والدمار خالل النزاعات‬ ‫المسـلحة‪ ،‬ورغـم ذلـك أجمـع أصحـاب‬ ‫النظريـات العسـكرية‪ ،‬مـن صـن تـزو‬ ‫بالقـرن ‪ 6‬قبـل الميلاد بالصيـن إلى فون‬ ‫كالوزفيتـز بالقـرن ‪ 19‬بأوروبـا‪ ،‬علـى‬ ‫ّقافيـة‬ ‫أن السـماح بتدميـر الممتلـكات الث ّ‬ ‫لعـدوك ‪ -‬أو مـا هـو أسـوأ مـن ذلـك‪،‬‬ ‫تدميرهـا عـن قصـد ‪ -‬هـو من الممارسـات‬ ‫العسـكرية الدنيئـة‪ ،‬ألن ذلـك قـد يشـكل‬ ‫تحديـ ًا لحكـم السـكان المحلييـن ويمثّـل‬ ‫الشـرارة األولـى للصـراع المقبـل‪ .‬وقـد‬ ‫ّقافية‬ ‫ضمن القانون حماية الممتلكات الث ّ‬ ‫أثنـاء الحـرب أول مـرة سـنة ‪ 1863‬مـن‬ ‫خلال تعليمـات لقـادة جيـوش الواليـات‬ ‫تنـص علـى أن‬ ‫المتحـدة الميدانييـن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫للفـن والمكتبـات‬ ‫ّيـة القديمـة ّ‬ ‫«القطـع الفنّ‬ ‫تؤمـن‬ ‫والمجموعـات العلميـة‪ ..‬يجـب أن َّ‬

‫كل ضـرر يمكـن تجنبـه‪.» ...‬‬ ‫ضـد ّ‬ ‫وباالنتقـال سـريع ًا نصـف قـرن مـن‬ ‫األحداث‪ ،‬شهدت الحرب العالمية األولى‬ ‫نقلة إيجابية‪ .‬بعد االستيالء على القدس‬ ‫في عام ‪ ،1917‬أصدر الجنرال البريطاني‬ ‫إدمونـد اللنبي أوامره بضرورة «الحفاظ‬ ‫كل مبنى مقدس‪ ،‬أو نصب‪ ،‬أو بقعة‬ ‫على ّ‬ ‫مقدسـة‪ ،‬أو مـزار‪ ،‬أو موقـع قديـم‪ ...‬في‬ ‫الديانـات الثلاث وحمايتهـا»‪ .‬وبعـد أن‬ ‫أمـن‬ ‫أظهـر فهمـ ًا للحساسـيات الث ّ‬ ‫ّقافيـة‪ّ ،‬‬ ‫الجنـرال اللنبـي نشـر جنـود مسـلمين من‬ ‫الجيش الهندي لحماية المواقع اإلسالمية‬ ‫كل الجهـود‪ ،‬خلفـت‬ ‫المهمـة‪ .‬لكـن رغـم ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحـرب العالميـة األولى أضرارًا جسـيمة‬ ‫بالتـراث األوروبـي‪ ،‬ممـا دفـع المجتمـع‬ ‫الدولي إلى مناقشة أفضل السبل لحماية‬ ‫ّقافية زمن النزاعات عشـية‬ ‫الممتلكات الث ّ‬ ‫الحـرب العالميـة الثانية‪.‬‬ ‫وفي الفترة الممتدة بين ‪ 1939‬و‪،1945‬‬ ‫ّقافيـة‬ ‫أدرجـت حمايـة الممتلـكات الث ّ‬ ‫ضمـن مسـؤولية المتحاربيـن ‪ -‬وقـد أخذ‬ ‫الحلفـاء (وبعـض عناصر قوات المحور)‬ ‫المسـؤولية علـى محمـل الجـد‪ ،‬وبذلـت‬ ‫فـرق اآلثـار ضمـن الحلفـاء (المعروفـة‬ ‫رسـمي ًا «بوحدة اآلثار‪ ،‬والفنون الجميلة‬ ‫والمحفوظـات») جهـودًا جبـارة لحمايـة‬ ‫ّقافيـة فـي جميـع مسـارح‬ ‫الممتلـكات الث ّ‬ ‫الحـرب‪ .‬وكانـت الفـرق تتلقـى الدعـم‬ ‫الكامـل مـن دوايـت ايزنهـاور‪ ،‬القائـد‬ ‫األعلـى لقـوات التحالـف‪ ،‬الـذي كتـب قبل‬ ‫إنـزال النورمانـدي‪ ،‬مذكـرًا قواتـه بمـا‬ ‫يلـي‪« :‬حتمـا‪ ،‬فـي مسـار تقدمنـا سـنعثر‬ ‫علـى معالـم تاريخيـة ومراكـز ثقافيـة‬ ‫كل مـا نقاتـل مـن أجلـه‪ .‬إنهـا‬ ‫ترمـز إلـى ّ‬ ‫كل قائـد لحمايـة تلـك الرمـوز‬ ‫مسـؤولية ّ‬ ‫واحترامهـا قـدر االمـكان‪ .»...‬فـي الواقـع‬ ‫ّقافيـة والمبانـي‬ ‫دمـرت عديـد المواقـع الث ّ‬ ‫والمجموعات‪ ،‬رغم مساعي الحلفاء الحد‬ ‫مـن حجـم الدمـار‪.‬‬ ‫لسـوء الحـظ‪ ،‬لـم ُتبـذل جهـود كبيرة بعد‬ ‫الحـرب حتـى يواصـل هـؤالء الجنـود‬ ‫المجنـدون إلزامـ ًا عملهم‪ ،‬ورغـم التوقيع‬ ‫علـى اتفاقيـة الهـاي لعـام ‪ ،1954‬كان‬ ‫هنـاك عـدد قليـل فقـط مـن القـوات‬ ‫العسـكرية ممـن لديهـم خبـرة سـطحية‪،‬‬

‫ّقافية سنة‬ ‫أو التزام بحماية الممتلكات الث ّ‬ ‫‪ 2003‬إبـان الغـزو‪ ،‬وكانـت األحداث في‬ ‫العـراق خيـر دليـل مأسـاوي علـى ذلـك‪.‬‬ ‫ّقافيـة تتعـرض للتلـف‬ ‫الممتلـكات الث ّ‬ ‫والدمار خاصة زمن الصراعات ألسـباب‬ ‫متنوعـة؛ فـي بعـض األحيـان ال تعتبـر‬ ‫ّ‬ ‫الحمايـة مـن األهميـة بمـكان حتـى تـدرج‬ ‫فـي التخطيـط المسـبق للصـراع‪ ،‬وفـي‬ ‫أحيـان أخـرى ينظـر إلـى اآلثـار «كغنيمة‬ ‫حـرب» مشـروعة‪ ،‬أو يصنـف دمارهـا‬ ‫ضمـن األضـرار الجانبيـة فقـط‪ .‬وفـي‬ ‫ظـل نقـص الوعـي العسـكري وعمليـات‬ ‫ّ‬ ‫النهب و«اإلهمال القسـري»‪ ،‬واالستهداف‬ ‫الممنهـج‪ ،‬تصبـح آثـار اإلنسـانية إزاء‬ ‫مزيـج قـوي مـن التهديـدات‪.‬‬ ‫قـد ال يمكـن القيـام ّإل بالقليـل لمنـع‬ ‫السـببين األخيريـن‪ ،‬علـى األقل في إطار‬ ‫البروتوكول الثاني لسـنة ‪ 1999‬الملحق‬ ‫باتفاقيـة ‪ ،1954‬والقانـون األساسـي‬ ‫للمحكمـة الجنائيـة الدوليـة لسـنة‬ ‫‪ّ ،1998‬إل أنـه أصبـح باإلمـكان اليـوم‬ ‫اعتبـار الضـرر المتعمـد وتدميـر اآلثـار‬ ‫جريمـة حـرب‪ .‬أمـا بالنسـبة للتهديـدات‬ ‫الخمسـة األولـى‪ ،‬فإنـه يمكـن‪ ،‬بل يجب‪،‬‬ ‫الحـد منهـا عبـر إقامـة عالقـة أوثـق بيـن‬ ‫مهنيي التراث والمجموعات األكثر تأثيرًا‬ ‫فـي الصـراع‪ :‬السياسـيين والعسـكريين‬ ‫ووكاالت الطوارئ األخرى‪ ،‬يجب أن تعي‬ ‫جميـع األطـراف أهميـة القيـم المتعـددة‬ ‫ّقافيـة‪.‬‬ ‫للممتلـكات الث ّ‬

‫تعزيز دور فرق اآلثار‬ ‫كل ذلـك‪ ،‬اتخـذت خطـوات‬ ‫مـن أجـل ّ‬ ‫إيجابيـة بإشـراف اليونسـكو والـدرع‬ ‫األزرق‪ ،‬المنظمـة التطوعيـة التـي يشـار‬ ‫إليهـا عـادة بأنهـا «المعـادل الثقافـي‬ ‫للصليـب األحمـر والهلال األحمـر»‪ .‬علـى‬ ‫سـبيل المثـال‪ ،‬يـدرس الناتـو تطويـر‬ ‫ّقافية؛ بينما تسـعى‬ ‫عقيـدة الممتلـكات الث ّ‬ ‫المملكـة المتحـدة والواليـات المتحدة إلى‬ ‫إعادة إنشاء وحدات مماثلة لفرق اآلثار‪.‬‬ ‫وسنوي ًا يجتمع قادة الجيوش األوروبية‬ ‫علـى مـدى السـنوات السـت الماضيـة فـي‬ ‫ونظـم‬ ‫مؤتمـرات «التعامـل مـع الثّقافـة»‪ّ ،‬‬

‫البريطانيـون ندوتهـم الخاصـة «الثّقافـة‬ ‫في زمن الصراعات» لمدة ثماني سنوات‪.‬‬ ‫مؤخـرًا نشـر مركـز التدريـب الرئيسـي‬ ‫التابـع لحلـف شـمال األطلسـي وثيقـة‬ ‫ّقافية عمل أساسـي‬ ‫(حماية الممتلكات الث ّ‬ ‫ومنطقـي)‪ ،‬وتعمـل القـوات المسـلحة‬ ‫مـن مالـي إلـى كمبوديـا إلـى نيوزيلنـدا‬ ‫وكافـة أنحـاء أوروبـا علـى إدراج حمايـة‬ ‫ّقافيـة فـي التدريبـات‪.‬‬ ‫الممتلـكات الث ّ‬ ‫تم إعداد قوائم‬ ‫آخر‪،‬‬ ‫مشـجع‬ ‫تطـور‬ ‫وفـي ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّقافيـة بالعـراق وليبيـا ومالـي‬ ‫للكنـوز الث ّ‬ ‫وسورية واليمن ‪ -‬ساعدت بشكل واضح‬ ‫على حماية مواقع تراثية مهمة في ليبيا‪.‬‬ ‫وفـي الوقـت نفسـه‪ ،‬حكـم بالسـجن علـى‬ ‫ضابطين صربيين لقصفهما (غير المبرر)‬ ‫لموقع دوبروفنيك للتراث العالمي سـنة‬ ‫‪ .1991‬ويخضـع أحمـد المهـدي‪ ،‬العضـو‬ ‫المزعوم بجماعة أنصار الدين المتشددة‪،‬‬ ‫حاليـاً‪ ،‬للمحاكمـة بالمحكمـة الجنائيـة‬ ‫ّقافية‬ ‫الدوليـة بتهمـة تدميـر الممتلـكات الث ّ‬ ‫في تمبكتو عام ‪ .2012‬بطبيعة الحال‪ ،‬ال‬ ‫يـزال التراث مسـتهدف ًا علـى وجه التحديد‬ ‫علـى غـرار الصور المروعـة لتدمير أجزاء‬ ‫مـن مواقـع «تدمـر» للتـراث العالمـي مـن‬ ‫قبل عناصر ما يسمى بالدولة اإلسالمية‪.‬‬ ‫فـي عـام ‪ ،2015‬أعلنـت الحكومـة‬ ‫البريطانية‪ ،‬بعد إقرارها بخطورة وضع‬ ‫ّقافيـة فـي منطقـة الشـرق‬ ‫الممتلـكات الث ّ‬ ‫الوطنية والدولية‪ ،‬عن‬ ‫األوسط وأهميتها‬ ‫ّ‬ ‫ّقافيـة‪ .‬نحـن‬ ‫إنشـاء صنـدوق للحمايـة الث ّ‬ ‫بحاجـة للتأكـد مـن أن هـذه األمـوال تنفق‬ ‫بطريقـة اسـتراتيجية ومحكمـة‪ ،‬ونأمـل‬ ‫ال بالتزامها عبر‬ ‫أن تفـي الحكومـة مسـتقب ً‬ ‫التصديـق علـى اتفاقيـة الهـاي‪ .‬صحيـح‬ ‫ليس بوسـع خبراء التراث الثقافي وقف‬ ‫الحـرب أبـداً‪ ،‬ولكـن يمكننا المسـاعدة في‬ ‫توفيـر حمايـة أفضـل للتـراث اإلنسـاني‬ ‫المشـترك‪.‬‬ ‫*البروفيسـور بيتـر سـتون‪ :‬أسـتاذ كرسـي‬ ‫ّقافيـة والسلام‬ ‫اليونسـكو لحمايـة الممتلـكات الث ّ‬ ‫بجامعـة نيوكاسـل‪.‬‬ ‫نشـر المقـال بمجلـة ‪ BBC Knowledge‬عـدد‬ ‫أغسـطس ‪.2016‬‬ ‫ترجمـة‪ :‬عبداهلل بن محمد‬ ‫‪11‬‬


‫تقارير‬

‫هل هناك ُ‬ ‫ٌ‬ ‫سـوف»‬ ‫«ك‬ ‫َّ‬ ‫للمثقفيـن في فرنسا؟‬

‫مـحمد بــرادة‬ ‫منــذ مــطلع األلــفية الثالثة‪ ،‬على األقـل‪،‬‬ ‫كـثــرت التــساؤالت عن الوضع الــثّقافي‬ ‫ْ‬ ‫دور‬ ‫بـفـرنســا‪،‬‬ ‫واقـتــرن الـتشـكــيك فـي ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫كــوكبة من‬ ‫الثّقافـة والمثقفيـــن‬ ‫بـرحيــل ْ‬ ‫أهـم الفالسفة والمفكـرين الذيـن واكـبـوا‬ ‫ّ‬ ‫ــب الحرب‬ ‫تـرمــيم المجتمع الفرنسي عـِق َ‬ ‫َ‬ ‫العالميـة الثانيـة‪ ،‬مثـل مالـرو‪ ،‬سـارتر‪،‬‬ ‫سـيمون دو بــوفوار‪ ،‬كــامــو‪ ،‬ليفـي‬ ‫سـتـروس‪...‬ثــم رحيل جيـل الستـينيات‬ ‫(بورديـو‪ ،‬فــوكو‪ ،‬دولــوز‪ ،‬دريـــدا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫تحوالت‬ ‫وتـطابــق ذلك مــع‬ ‫بـــارت‪.)...‬‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫جــذرية مـــتسارعة مــنذ سبعينات القرن‬ ‫يـصــرح‬ ‫الماضي‪ ،‬جــعلت ميشال فــوكو‬ ‫ّ‬ ‫بأن نــموذج الـمــثقف «الشامـل»‪ ،‬الـرمز‪،‬‬ ‫ــفه نمـوذج «الـمثــقف‬ ‫قـد انتهـى‪ ،‬وخـلـَ ُ‬ ‫الـنوعــي» الـذي يـمـلأ حـيــزًا داخــل‬ ‫ْ‬ ‫بـدوٍر فـي إبــراز‬ ‫ويـضـطلــع‬ ‫تــخصصه‬ ‫ْ‬ ‫التــعارضات والتـنــاقضات المصاحبـة‬ ‫البتـكارات التــكنولوجيا والعلـوم‬ ‫وانعكاسـاتها علـى ســلوك المجتمـع‬ ‫والنـاس‪...‬‬ ‫في هذا السياق‪ ،‬تعيش فـرنسا وأوروبا‬ ‫ِ‬ ‫بالغة التـأثــير‪،‬‬ ‫أيضـاً‪ ،‬تحـوالت كــبيرة‬ ‫لـلـعـولـمة‪ ،‬مـن دون أن تـتـوافـر‬ ‫ــرة‬ ‫ْ‬ ‫ُمـؤطـّ َ‬ ‫علـى مفكريـن وفالسـفة لــهم صــوت‬ ‫مسموع وراجــح لـدى الـرأي العام‪ .‬من َثّم‬ ‫‪12‬‬

‫الشعور بـفـراغ ثقافي تـمـلؤه التـأويالت‬ ‫المــتنــاسلة والمداخلات التلفزيـة‬ ‫تـضـبــب الصـورة أكثــر‬ ‫المــكرورة التـي‬ ‫ّ‬ ‫مـمـا توضحها‪ .‬هذه الوضعية المـلتـبسة‬ ‫شـجعت الـكثـيــرين علـى انـتــقاد األزمـة‬ ‫الحـقــل الثقافي الفرنسي‪،‬‬ ‫يـمــر بها‬ ‫ُ‬ ‫التي ّ‬ ‫خـاصــة مـن لـدن باحــثين فـي بريطانيا‬ ‫ّ‬ ‫والواليـات المتحـدة األميركيـة‪...‬‬ ‫الواقـع أن فــقدان البــوصلة فـي المجـال‬ ‫سياسـية‬ ‫ــن مـع أزمـة‬ ‫الثقافـي‬ ‫ّ‬ ‫يـتـزام ُ‬ ‫َ‬ ‫تـتـمـثـل مـنذ تسـعينات القرن الماضي في‬ ‫ِ‬ ‫الكبيــرين‬ ‫الحزبـيــن‬ ‫تــضاؤل الثقة تجاه‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫المـمــثلين لليميـن واليـســار‪ ،‬وصعــود‬ ‫ْ‬ ‫أقصـى اليميـن؛ ثــم ظــهور اإلرهـاب‪..‬‬ ‫طــرحت‬ ‫هــذه العنـاصــر‪ ،‬وأخــرى‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫بالـهوية وفــعالية‬ ‫أسئلة كــثيرة تـتـصل‬ ‫ّ‬ ‫ودور التــعليم‬ ‫الـتـمثــيلية‬ ‫الديموقراطية‬ ‫ْ‬ ‫والثّقافـة فـي حمايـة مبـادئ الجمــهورية‬ ‫المــتـحــّدرة مـن صلـب عـصــر األنـوار‬ ‫وثـورة ‪.1789‬‬ ‫خـلال هـذه السـنة‪ ،‬تـحــديداً‪ ،‬عــرفت‬ ‫السـاحة الفرنسـية ســلسلة مـن اللقاءات‬ ‫تـتـناول‬ ‫والـنـدوات والحوارات المفتوحة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫جــميعها أوضاع الثّقافة ودورها راهـنــ ًا‬ ‫الـلــذين‬ ‫فـي مواجهـة االنحـدار والـبـلبــلة‬ ‫ْ‬ ‫يـشمالن الفـكـر والسـياسة على الـسواء‪.‬‬ ‫وقــد اضطـلع البـرنامج الثقافي الشهـيـر‬ ‫(فــرانس كيلـتـيــر) بــتعاون مع صحيفة‬

‫لومونـد‪ ،‬بـتـنـظــيم ونـشــر الحـوارات‬ ‫والجـــداالت التـي شـارك فيهـا نــخبة من‬ ‫ِ‬ ‫المثقفـين والمفكرين الفرنسيين البارزين‪.‬‬ ‫وسنتــوقف هنا عـند حوار ٍ‬ ‫الفت للنـظـر‪،‬‬ ‫نشــرته صحيفة لوموند بتاريخ ‪2016-‬‬ ‫‪ ،7-8‬بين عالم االجتماع مارسيل كوشي‬ ‫والمؤرخـة مـيــشيل ريو‪-‬ســارسي‪.‬‬ ‫تـتـجــلى أهميـة هـذا الحـوار فـي اختالف‬ ‫ـتـحاورين ‪ :‬كـوشي يـبدو‬ ‫الم‬ ‫ْ‬ ‫وجـهة نـظـر ُ‬ ‫مــتشائماً‪ ،‬حذرًا تــجاه المستـقبل؛ بـينما‬ ‫تـتـوقــع سـارسي يـقظة للفكـر الفرنسي‬ ‫ــوامــها انـبـثــاق الحاسـة الــنقدية‬ ‫ِق ُ‬ ‫واإلنـصات إلى التـمـلمل االجتماعي الذي‬ ‫ُ‬ ‫كــل مجـاالت الحياة‪...‬‬ ‫يشـمل ّ‬ ‫المــتحاوريــن مـن تحديـد‬ ‫يــبدأ خلاف‬ ‫ْ‬ ‫مفهوم «اليـقظة» ‪ :‬يـرى كوشي أن اليقظة‬ ‫ال تـعني الوعي الذاتي لألفراد والجماعات‬ ‫مـن أجـل فـرض تصـور آخــر‪ ،‬وإنما هي‬ ‫يقظة على إيـقاع الخـراب الشـاسع النـاتـج‬ ‫عن تـهـاوي جميع األنماط واألطـروحات‬ ‫ّقافية الكبرى التي عاشت عليها فـرنسا‬ ‫الث ّ‬ ‫خلال العقـود األخيـرة‪ .‬بعبـارة ثانيـة‪،‬‬ ‫هـــو يــرى أن فــكرة التاريـخ الحــامــل‬ ‫ٍ‬ ‫لـضـرورة داخلية تـقود إلى التـحـرر‪ ،‬قد‬ ‫بـإمـكان الفكـر الـنقدي‬ ‫انـتـهــت ولم يـُــعْد‬ ‫ِ‬ ‫أن يـنـطلق من تـراث الـثالوث‪ :‬ماركس‪،‬‬ ‫فــرويد‪ ،‬نـيـتشــه‪ .‬وإذا تحدثنا عن يقظة‬ ‫ْ‬ ‫فهي تـعني‪ ،‬في نظره‪ ،‬وعـــــي شـسـاعة‬ ‫َ‬

‫ميشـال ريوـ سارسـي ومارسيل كوشي‬

‫تـكـبــل فرنسـا‪ ،‬وتــقتضي‬ ‫الخرائب التي ّ‬ ‫التفكيـر فـي إعـادة الـبــناء‪ ...‬فـي حيـن‪،‬‬ ‫تــرى ســارسي أن القـرن العشـرين قـد‬ ‫حـرف السيرورة التـاريخية الـمـبـنية على‬ ‫الغــرب يــسقط‬ ‫مـبادئ األنـوار‪ ،‬وجـعـل‬ ‫َ‬ ‫في مجازر الحروب الوحشية والعنصرية‪.‬‬ ‫مـن َث ّـم يغـدو طريـق األمل‪ ،‬فــي نظرها‪،‬‬ ‫مـرتبط ًا بـمـناقشة القضايا المسـكوت عنها‬ ‫والتي هي استكـمــال ضــروري لـتحقيق‬ ‫فكـر األنـوار علـى األرض‪ .‬وفـي طليعـة‬ ‫هـذه القضايـا‪ ،‬االسـتعمار وعـواقــبه‪،‬‬ ‫تحريـر المواطنيـن مـن البـؤس‪ ،‬محاربة‬

‫العنصرية والـالسامية‪ ،‬ومـراجعة النظام‬ ‫الديموقراطي‪...‬وفي رأيها‪ ،‬أن الشــروط‬ ‫تـتـوافــر اليوم إلنـجاز هذه الـيقظة‪ ،‬ألن‬ ‫ســلطة اإليديولوجيات المـحـتـوية للرأي‬ ‫العام قد تالشت‪ ،‬وأصبح المجـال ُمسـعف ًا‬ ‫على تأسيس مـجمــوعات غـُـفــل تـتـولى‬ ‫وصـوغ االنتـقادات والـبدائل‪...‬‬ ‫التفكير‬ ‫ْ‬ ‫«الــعدو»‬ ‫بتحديـد‬ ‫ّـق‬ ‫ل‬ ‫يتع‬ ‫سـؤال‬ ‫وعــن‬ ‫ّ‬ ‫الكامـــن وراء أزمـة فــرنسا‪ ،‬أجابـت‬ ‫األسـتاذة ســارســي بــأنه يـتـمـثــل فـي‬ ‫«خــطاب الحقيقـة» الـذي ينشـر فــكرًا‬ ‫لـيـوهمــنا بأنــنا نعيـش فـي‬ ‫خـاطئـــاً‪ُ ،‬‬

‫الديموقراطيـة‪ .‬مـن َث ّـم ضــرورة فضـح‬ ‫هـذه الحقائـق الخاطئـة‪ .‬وعلـى عكـس‬ ‫مـا يـراه زميلـي‪ ،‬تقـول سارسـي‪ ،‬أرى‬ ‫أن فكـرة الثـورة فـي فرنسـا اآلن‪ ،‬هـي‬ ‫ــوى مـن أجـل تحقيـق‬ ‫بـصــدد تكويـن قـُ ّ‬ ‫التــحويل االجتماعي المطلـوب‪ ،‬وإنجاز‬ ‫القطيعـة مـع «المثـقـفـيــن الـنوعـيـيــن»‬ ‫ِ‬ ‫لــخدمـة الفـكر‬ ‫الذين تـحولوا إلى خـبـراء‬ ‫ـسـي ِ‬ ‫ــطـر‪ُ ،‬مـحاولين أن يـوهــمـونــا‪،‬‬ ‫الـم ْ‬ ‫ُ‬ ‫تحت سـتار العلم‪ ،‬بحقائــق تـنـتــمي إلى‬ ‫التـخـيـيــل البــعيد عـن واقـع األزمـة‪.‬‬ ‫أمـا مارسـيل كوشـي فيــرى أن اإلجابـة‬ ‫‪13‬‬


‫استطالع‬

‫الرقابــة علــى المواقع‪ ،‬انقطاعــات الكهرباء‪ ،‬معوقــات تواجه مســتخدمي اإلنترنت في قطاع‬ ‫غــزة وبعــض مناطق الضفــة الغربية‪ ،‬ورغم ذلك تبقــى مواقع التواصــل االجتماعي المؤثر‬ ‫األكبر على الرأي العام في الشارع الفلسطيني‪ .‬لكن الجلوس أمام شاشة الحاسوب لساعات‬ ‫متواصلة لم يعد فقط إدمان ًا على اإلبحار في ملكوت الشبكة العنكبوتية‪ ،‬وإنما بات مصدرًا للربح المادي‬ ‫السريع والذكي‪ ،‬بالنسبة للكثير من الشباب الفلسطيني في ظل تنامي العطالة وصعوبة الحصول على‬ ‫عمــل‪ ،‬حيــث تفيد إحصاءات قام بها المركز الفلســطيني عام ‪ 2015‬أن نســبة العطالة بلغت ‪ 47‬في المئة‬ ‫بين صفوف الشباب الفلسطيني‪.‬‬

‫شباب فلسطينيون‬

‫شهرة عائدها على الشبكة‬

‫عـن هـذا السـؤال تقتضـي الـتـميـيــز بيـن‬ ‫قضيـة‬ ‫المناضلــين الذيـن يدافعـون عـن ّ‬ ‫خاصـة‪ ،‬وبيـن المفكرين الذين يسـعــون‬ ‫تـصــوٍر واضـح يــمكن‬ ‫إلـى بـــلورة‬ ‫ّ‬ ‫لــد ِن الجميـع‬ ‫مــن‬ ‫وتــنفيذه‬ ‫اســـتعماله‬ ‫ُ‬ ‫وحـــتى مــن طــرف الذيـــن ال يـتـفــقون‬ ‫مع أفكارك‪ .‬وهــو ال يـعــتــقد في إمــكان‬ ‫تـصور لـمـجتمع بـديل‪ ،‬يـنـسف‬ ‫صـياغة‬ ‫ٍ‬ ‫مـا هـو قــائم‪ .‬بـد ًال مـن ذلـك‪ ،‬يطـرح‬ ‫الــسؤال على هذا النحو‪ :‬ما هو التحويل‬ ‫االجتماعـي الـذي ســيكون‪ ،‬في الشـروط‬ ‫الراهنـة‪ ،‬أكـثـــر ديموقراطيـة وتـحـريــرًا‬ ‫لـلـبشــر؟ من َثّم‪ ،‬تــغدو مـهمة الـمـثقـفين‬ ‫هـي أن يـصحـحــــوا هـذا الـخــلــل عـــن‬ ‫طريـق الــعـقــل‪.‬‬ ‫وعـن سؤال‪ :‬هل من الممكن لهذا التصور‬ ‫الواضـح‪ ،‬الشـامل‪ ،‬أن يــتحقق على يــد‬ ‫أفـراد أم على يد مجموعات‪ ،‬أجاب كوشي‬ ‫بأن العمل الثقافي ال يـعني إنـتاج حقائق‬ ‫كاشفة‪ ،‬غـيــر مســبوقة‪ ،‬وإنما يـتـمــثـل‬ ‫ٍ‬ ‫مقـــترحات هادفـة إلـى صـوغ‬ ‫فـي نـشــر‬ ‫يـتـبنــاه آخـرون‬ ‫أن‬ ‫يمكن‬ ‫واضح‬ ‫تـصور‬ ‫ُ‬ ‫ويســعون إلـى تحقيقـه‪ .‬لكـن مارسـيل‬ ‫‪14‬‬

‫ــت علـى ضـرورة تكويـن‬ ‫ألح ْ‬ ‫سارسـي ّ‬ ‫مجموعات مـنــتـِقــدة ألنه‪ ،‬في عصـرنا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كل واحد بـمفـرده أن يــتـوفــر‬ ‫يصعب على ّ‬ ‫ٍ‬ ‫رؤيـــة شامــلة عـن العالـم‪ ،‬مــثلما‬ ‫علـى‬ ‫كان عليه الحال في القرن التاسـع عشـر‪.‬‬ ‫وقالت إنها تــشارك في مجموعة تمارس‬ ‫النقـد االجتماعـي والثقافـي وتــتـنــاول‬ ‫الــرهانات اللـصيـــقة بالــواقع؛ وبـعــد‬ ‫نـشــر النص الـمـنـبـثــق عن الحوار فـإنه‬ ‫ال مـن دون توقيـع ليــصبح‬ ‫يظـل غــُــف ً‬ ‫ّ‬ ‫ِمــلــكا ألي قــارئ يــقــرؤه‪ .‬ويمكـن لـكل‬ ‫واحـد أن يـقــترح رأيـه‪ ،‬وبذلـك يصبـح‬ ‫لحـوار في الفضاء‬ ‫النـص الجماعي نــواة‬ ‫ٍ‬ ‫العمومي‪ .‬بـتعـبـيــر آخــر‪ ،‬هي تــرى أن‬ ‫ِ‬ ‫ـنـقـ ِ‬ ‫ـل المـعارف‬ ‫األسـبقية يجب أن تكون ل ْ‬ ‫أصحـاب‬ ‫يـنـتــجه‬ ‫الـمــتاحة‪ ،‬ال ِل َـمــا‬ ‫ُ‬ ‫االختصاص‪.‬‬ ‫وبالنسبة للتـــعليم ومســتــوى الجامعة‬ ‫المـتحاوران على وجود‬ ‫بــفرنسا‪ ،‬اتـفـق ُ‬ ‫أزمـة عميقـة‪ ،‬مــصدرها أن البرامـج‬ ‫عمــلت على‬ ‫المطبقـة فـي العقود األخيرة‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ـــن‬ ‫م‬ ‫ال‬ ‫بـــد‬ ‫إيـجــاد «مجتــمع للـجـهــل»‬ ‫ْ‬ ‫تـثـبـيــت أســس «مجــتمع للـمعــرفة»‪...‬‬

‫وجدت في هذا الحوار نـموذج ًا‬ ‫شـخصياً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الـم ِ‬ ‫ـخصــب الذي يــرافق اآلن‬ ‫لـلاختالف‬ ‫ُ‬ ‫حـوار المثقفيـن والمفكــرين فـي فرنســا‪.‬‬ ‫اخـتياريـن‬ ‫ذلك أن األزمة تـطـرح أمامهم‬ ‫ْ‬ ‫إمــا اللجوء إلى‬ ‫فـي المنهـج والتـحـليــل‪ّ :‬‬ ‫الـعقــل بحث ًا عن الوضوح واإلجماع عند‬ ‫صياغة البـدائل‪ ،‬على نحو ما يـدعو إليه‬ ‫مارســيل كوشـي؛ وإمـّــا االنطلاق مـن‬ ‫األعــطاب واالنحرافـات التـي حالت دون‬ ‫استـكمــال تـحرير المواطنين‪ ،‬واالعتماد‬ ‫علـى تكويـن مجموعـات للحـوار تـنشــر‬ ‫آراءهـا مـن أجـل تكويـن فضـاء عمــومي‬ ‫يـنشــر المعرفـة الملموسـة مـن منظـور‬ ‫عـــام قادر‬ ‫نقـدي يفضـي إلـى بلورة رأي ّ‬ ‫حـل األزمة ‪ ،‬كما اقتـرحت األستاذة‬ ‫على ّ‬ ‫ســارسي‪.‬‬ ‫وال شـك أن بقيـة الحـوارات والدراسـات‬ ‫التي تــتــوالى هي‪ -‬في نهاية التحــليل‪-‬‬ ‫عالمة على الحيوية والرغبة في التـجّدد‬ ‫لدى مثقفي ومفكري فـرنسا‪ ،‬وليست بأي‬ ‫دليلا علـى االنحـدار واالستــسالم‬ ‫حـال‬ ‫ً‬ ‫الـبوصــلة‪.‬‬ ‫لـمنطـق السياسة التي‬ ‫ْ‬ ‫فـقدت ْ‬

‫استطالع‪ :‬الدوحة‬ ‫حسـب تقريـر وسـائل التواصـل‬ ‫االجتماعـي فـي فلسـطين لعـام ‪،2015‬‬ ‫فإن نسـبة مسـتخدمي مواقـع التواصل‬ ‫االجتماعـي فـي فلسـطين بلـغ ‪2.4‬‬ ‫مليون مسـتخدم‪ ،‬من أصل ‪ 6.7‬مليون‬ ‫فلسـطيني فـي الضفـة وغـزة والقـدس‬ ‫والداخـل الفلسـطيني‪ ،‬وبلـغ اسـتخدام‬ ‫موقع الفسيبوك المرتبة األعلى بنسبة‬ ‫‪ 84‬بالمئـة أي مـا يعـادل مليون ًا و‪780‬‬ ‫ألـف مسـتخدم‪ ،‬وفـي المرتبـة الثانيـة‬ ‫الواتسـاب بنسبة ‪ 47‬بالمئة أي مليون ًا‬ ‫وسـبعة آالف مسـتخدم‪ ،‬وجوجل بلس‬ ‫فـي المرتبـة الثالثـة بنسـبة ‪ 18‬بالمئة‪،‬‬ ‫وعـدد مسـتخدميه ‪ 385‬ألـف مسـتخدم‪،‬‬ ‫ثـم توتيـر بنسـبة ‪ 16‬بالمئـة وعـدد‬ ‫مسـتخدميه ‪ 342‬ألفـاً‪ ،‬يليـه أنسـتغرام‬ ‫بنسبة ‪ 16‬بالمئة بنفس عدد مستخدمي‬ ‫توتير‪.‬‬ ‫وبالنظـر لهـذه األرقام‪ ،‬لم يعد النشـاط‬

‫التجـاري حصـر ًا علـى األسـواق‬ ‫والدكاكين؛ ففي اآلونة األخيرة أصبح‬ ‫توجه الشـباب الفلسطيني إلى التجارة‬ ‫عبـر مواقـع التواصـل االجتماعـي‪.‬‬ ‫التسـويق للبضائـع يتـم بإعالنـات‬ ‫ممولـة لعـروض توصـف بالحصريـة‬ ‫وباألسعار المعقولة‪ .‬شجع هذا التوجه‬ ‫علـى تأسـيس شـركات خاصـة فـي‬ ‫مجـال التسـويق عبـر مواقـع التواصـل‬ ‫االجتماعـي واالستشـارات وتطويـر‬ ‫األعمـال‪ ،‬يديرهـا شـبان لهـم خبـرة في‬ ‫التكنولوجيـا الرقميـة‪.‬‬ ‫مقـدم برنامـج فـي عالـم‬ ‫سـعدي حمـد‪ِّ ،‬‬ ‫التكنولوجيـا ووسـائل التواصـل‬ ‫االجتماعـي فـي قنـاة فلسـطين اليـوم‪،‬‬ ‫ومتخصـص فـي التسـويق عبـر مواقـع‬ ‫التواصـل االجتماعـي‪ ..‬فـي ظل شـغفه‬ ‫المـوزع بيـن عملـه وهوايتـه‪ ،‬سـاهم‬ ‫بتأسـيس شـركة خاصـة بالتسـويق‬ ‫واالستشارات وتطوير األعمال ويشغل‬ ‫منصـب المديـر التنفيـذي فيها‪ ،‬وتتوجه‬

‫الشـركة إلـى إبـراز الميـزة التنافسـية‬ ‫فـي التسـويق عبـر مواقـع التواصـل‬ ‫االجتماعي لشركات فلسطينية وعربية‬ ‫ودوليـة‪.‬‬ ‫وتشـير األرقـام إلـى أن ‪ 3‬إلـى ‪4‬‬ ‫سـاعات يومي ًا يقضيها المسـتخدم على‬ ‫مواقـع التواصـل االجتماعـي‪ ،‬وحوالي‬ ‫‪ 18‬بالمئـة مـن الفلسـطينيين يصـل‬ ‫اسـتخدامهم مـا بيـن ‪ 7‬إلـى ‪ 8‬سـاعات‬ ‫يوميـاً‪ .‬ويتـم الترويـج للمنتوجـات‬ ‫والخدمـات الموجهـة إلغراء أكبر نسـبة‬ ‫مـن المسـتخدمين‪ ،‬اعتمـاد ًا علـى زيادة‬ ‫عـدد المشـاهدات‪ ،‬وإنشـاء إعالنـات‬ ‫ممولـة مـع ضبـط إعـدادات اإلعلان‬ ‫حسـب الفئة المسـتهدفة وزمن ومنطقة‬ ‫العـرض‪.‬‬ ‫إلى جانب مواقع التواصل االجتماعي‪،‬‬ ‫يحتـل موقـع اليوتيـوب العالمـي‪،‬‬ ‫المتخصـص فـي عـرض ومشـاركة‬ ‫الفيديوهـات‪ ،‬المرتبـة الثانيـة‪ ،‬مـن‬ ‫حيـث االسـتخدام فـي فلسـطين‪ .‬ويتيح‬ ‫‪15‬‬


‫المغامرات األربع‬

‫اليوتيـوب تقاسـم األربـاح حسـب عـدد‬ ‫المشـاهدات التي يحصـل عليها محتوى‬ ‫جذاب يثير فضول المستخدمين‪ .‬عربياً‪،‬‬ ‫شـركات تجنـي مالييـن مـن الـدوالرات‬ ‫عبـر الموقع من خالل عرض محتويات‬ ‫منوعة وشبابية‪ ،‬تتخللها إعالنات يتم‬ ‫اختيارهـا من إعدادات جوجل أدسـنس‬ ‫(‪ )Google AdSense‬وهـو برنامـج‬ ‫إعالنـي تابـع لشـركة جوجـل‪ ،‬يتيـح‬ ‫إنشـاء إعالنـات مبوبـة تخـدم معلنيـن‬ ‫تعاقـدوا مـع جوجـل مسـبقاً‪ ،‬ويقـوم‬ ‫جوجـل بعـرض إعالناتهـم بمقابـل‬ ‫مـادي يقتسـمه مـع أصحـاب المواقـع‬ ‫التـي تظهـر فيها اإلعالنـات‪ ،‬بحيث يتم‬ ‫الدفـع‪ ،‬إمـا باحتسـاب عـدد الضغطـات‬ ‫التي قام بها الزوار‪ ،‬أو باحتسـاب عدد‬ ‫المـرات التـي ظهـر فيهـا اإلعلان علـى‬ ‫الموقـع المعلـن‪.‬‬ ‫فرق شبابية عديدة في فلسطين‪ ،‬تنشط‬ ‫علـى اليوتيـوب بغرض تقديـم محتوى‬ ‫يسـتقطب نسـب ًا أعلـى مـن المتابعيـن‪،‬‬ ‫الذيـن يشـكلون ضمني ًا العامل الحاسـم‬ ‫في موضوع الربح من إعالنات جوجل‬ ‫أدسـنس‪ ،‬ومـن خلال البحـث تبيـن أن‬ ‫أكثر القنوات المشـاهدة على اليوتيوب‬ ‫‪16‬‬

‫فريـق «بس يا زلمة»‬

‫هـي قنـاة «بـس يـا زلمـة»‪ ،‬الخاصـة‬ ‫بفريـق «تشـويش» الكوميـدي؛ بحيـث‬ ‫تحظى بأكثر من ‪ 70‬ألف مشترك‪ ،‬فيما‬ ‫تصـل نسـبة مشـاهدة بعـض الحلقـات‬ ‫ألكثـر مـن مليـون مشـاهدة‪ ،‬إلـى جانب‬ ‫صفحـة القنـاة علـى الفيسـبوك التـي‬ ‫تتوفـر علـى أكثـر مـن ‪ 217‬ألف معجب‪.‬‬ ‫وعلـى غـرار تجـارب عديـدة فـي‬ ‫العالـم العربـي‪ ،‬حيـث يتـم اسـتقطاب‬ ‫البودكاستر األكثر استقطاب ًا للمتابعين‬ ‫علـى اليوتيـوب‪ ،‬فقـد انتقـل فريـق‬ ‫العمـل فـي قنـاة «بـس يـا زلمـة» مـن‬ ‫تقديـم محتـوى مصـور يتنـاول قضايـا‬ ‫اجتماعيـة فـي قالـب ترفيهـي‪ ،‬إلـى‬ ‫محتـوى مبرمـج بالتعاقـد مـع شـركات‬ ‫فلسـطينية تقـوم برعايـة وتمويـل‬ ‫نشـاطهم علـى اليوتيـوب‪ ،‬مقابـل‬ ‫الدعايـة لهـا فـي مجـال معيـن‪ .‬ويصرح‬ ‫مديـر الفريـق‪ ،‬الفنان محمود زعيتر أن‬ ‫العالقـة بيـن الفريـق وشـركات القطـاع‬ ‫الخـاص الراعيـة‪ ،‬هـي عالقـة تكافليـة‬ ‫تقـوم علـى المصلحـة المشـتركة‪ ،‬دون‬ ‫أن يكـون لذلـك انعـكاس سـلبي علـى‬ ‫جـودة المحتـوى‪ .‬ويقـول زعيتـر فـي‬ ‫هـذا السـياق‪« :‬المحتـوى الـذي نقّدمـه‬

‫يحاكي الواقع المجتمعي‪ ،‬وقد سمحت‬ ‫لنـا مواقـع التواصـل‪ ،‬وخصوصـ ًا‬ ‫اليوتيـوب‪ ،‬قبـل أربعـة أعـوام إظهـار‬ ‫لكل النـاس‪ ،‬واليوم أصبحت‬ ‫محتوانـا ّ‬ ‫ولـكل مـن‬ ‫مواقـع التواصـل منصـة لنـا‬ ‫ّ‬ ‫يـود أن يدعمنـا مقابـل ظهـور عالمتـه‬ ‫التجاريـة»‪.‬‬ ‫فـي الضفـة الغربية يظهـر تنافس جلي‬ ‫بيـن أكثـر مـن قنـاة علـى اليوتيـوب‪،‬‬ ‫فهناك فريق «وطن ع وتر» الكوميدي‪،‬‬ ‫يقـدم برنامجـ ًا يحمـل نفـس‬ ‫والـذي‬ ‫ِّ‬ ‫اسـم الفريـق‪ ،‬وتحظـى القنـاة بأكثـر‬ ‫مـن ‪ 50‬ألـف مشـترك وتتجـاوز بعـض‬ ‫حلقاتهـا أكثـر مـن ‪ 900‬ألـف مشـاهدة‪،‬‬ ‫وفريـق «فنجـان البلـد» الشـبابي الـذي‬ ‫يقـدم برنامـج «بالشـكلوب»‪ ،‬ويحظـى‬ ‫ِّ‬ ‫بمتابعـة أكثـر مـن ‪ 39‬ألـف مشـترك‪،‬‬ ‫وتصـل بعـض حلقاته ألكثـر من نصف‬ ‫مليون مشـاهد‪ .‬لكن استفادة الشركات‬ ‫مـن جماهيـر أصحـاب القنـوات علـى‬ ‫اليوتيـوب ال يقتصـر علـى الفـرق‬ ‫الشـبابية فقـط‪ ،‬بـل يضـاف إليهـم‬ ‫فنانـون يطرحـون أعمالهـم المصـورة‬ ‫علـى اليوتيـوب‪ ،‬مثـل الفنـان مؤمـن‬ ‫يقـدم برنامـج الكاميـرا‬ ‫شـويخ الـذي ِّ‬

‫الخفيـة «طـول بالـك» وأعمـا ًال أخـرى‬ ‫ذات طابـع إنسـاني‪ ،‬ويبلـغ نسـبة‬ ‫المشتركين في قناته ‪ 30‬ألف مشترك‪،‬‬ ‫فيمـا تحظـى صفحتـه الشـخصية بأكثر‬ ‫مـن ‪ 331‬ألـف معجـب‪.‬‬ ‫الربـح عبـر مواقع التواصل االجتماعي‬ ‫هـو أيضـ ًا وجهـة العنصـر األنثـوي فـي‬ ‫فلسـطين‪ ،‬فرغم احتكار عنصر الشباب‬ ‫والرجـال لهـذا الفضـاء بشـكل أكبـر‪ّ ،‬إل‬ ‫أن فريـق «المغامـرات» فـي غـزة لـه‬ ‫تجربـة فريـدة مـن نوعهـا‪ ،‬خصوصـ ًا‬ ‫عبـر موقـع التواصـل «انسـتغرام»‬ ‫واليـوم يصـل مجمـوع المتابعيـن عبـر‬ ‫حسابات عضوات الفريق أكثر من ‪200‬‬ ‫ألـف متابـع‪ .‬أعضـاء فريـق المغامـرات‬ ‫هـن‪ :‬إنصـاف حبيـب (‪ 21‬عامـاً) وهـي‬ ‫طالبة صحافة في الجامعة اإلسالمية‪،‬‬ ‫وبـراءة الغاليينـي (‪ 21‬عامـاً) طالبـة‬ ‫إعلام واتصـال جماهيـري فـي جامعـة‬ ‫األزهر‪ ،‬وفاطمة أبو مصبح (‪ 20‬عاماً)‬ ‫طالبـة هندسـة فـي جامعـة األزهـر‪،‬‬ ‫وروان الكباريتـي (‪ 22‬عامـاً) خريجـة‬ ‫عالقـات عامـة واعلان مـن الكليـة‬ ‫الجامعيـة‪.‬‬ ‫«المغامـرات» كسـرن جـدار العـادات‬

‫والتقاليـد‪ ،‬وخضـن تجربـة مواقـع‬ ‫التواصل‪ .‬يستخدمن هواتفهن بتلقائية‬ ‫لتصويـر اللقطـات ومقاطـع الفيديـو‬ ‫وينشـرنها عبـر حسـاباتهن ليكسـبن‬ ‫الكثيـر مـن اإلعجـاب والثنـاء يوميـاً‪.‬‬ ‫يقدمهـا الفريـق‬ ‫مواضيـع الصـور التـي ِّ‬ ‫تـزرع األمـل فـي النفـوس‪ ،‬إذ تعكـس‬ ‫الجوانـب الجميلـة فـي قطـاع غـزة‬ ‫المحاصـر منـذ ‪ 10‬أعـوام‪ ،‬األمـر الـذي‬ ‫يجـذب عشـرات اآلالف مـن المتابعيـن‪،‬‬ ‫إلى أن أصبحن محط اهتمام الشـركات‬ ‫المحليـة الفلسـطينية‪ .‬فـي هـذا الصـدد‬ ‫عضـوة «المغامرات» أبو مصبح تقول‪:‬‬ ‫«اليـوم دخلنـا عالـم الربـح وأصبحنـا‬ ‫مصـدر ثقـة لترويـج عدد مـن المنتجات‬ ‫المحليـة وخدمـة القطـاع الخـاص بمـا‬ ‫يعـود بالفائدة للمنتجات الوطنية‪ ،‬من‬ ‫خلال حسـاباتنا التـي تكسـوها صـور‬ ‫منوعـة وجميلـة‪ ،‬وهـذا مـا يزيـد نسـبة‬ ‫متابعينـا»‪.‬‬ ‫لكـن ظاهـرة الربـح مـن اإلنترنـت ال‬ ‫تخلـو مـن انتقـادات ومعوقـات‪ .‬خبـراء‬ ‫التواصـل فـي نادي اإلعلام االجتماعي‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬يلحون على أهمية الفكرة‬ ‫وقوتهـا حتـى يمكـن إقنـاع المسـتخدم‬

‫الفلسـطيني الـذي بلـغ مـن النضـج مـا‬ ‫يكفـي فـي تعاملـه مـع مواقـع التواصل‬ ‫االجتماعـي‪ .‬إلـى جانـب ذلـك تبقـى‬ ‫تكلفـة إنتاج محتوى عائق ًا عند البعض‬ ‫لمـا تتطلبـه مـن وسـائل فـي التصويـر‬ ‫وتكاليـف اإلعالنـات الممولـة علـى‬ ‫شـبكات التواصـل االجتماعـي‪ .‬كمـا‬ ‫أشـار رئيـس نـادي اإلعلام االجتماعي‬ ‫الفلسطيني علي بخيت أن هنالك بعض‬ ‫المسـتخدمين فـي فلسـطين يلجـؤون‬ ‫لطـرق غيـر مشـروعة للربـح عبـر‬ ‫ٍ‬ ‫كنـاد مهتـم‬ ‫اإلنترنـت‪ ،‬منوهـ ًا بدورهـم‬ ‫بوسـائل التواصـل فـي الحـد مـن توجه‬ ‫بعـض الشـبان لتلـك الطـرق وتغييـر‬ ‫مسـارهم للكسـب المشـروع‪ .‬ويبقـى‬ ‫المعـوق األكبـر فـي ثقافـة المجتمـع‬ ‫نفسـها‪ ،‬حيـث إن هنالـك نسـبة كبيـرة‬ ‫لغاية اآلن ال تفهم الترويج ألي محتوى‬ ‫عبـر مواقـع التواصـل االجتماعـي‪،‬‬ ‫والبعـض يعتبرهـا سـلبية فـي ظـل‬ ‫الحالـة السياسـية التـي تقـوم علـى‬ ‫عمـل إعالنـات ممولـة لبـث الخالفـات‬ ‫السياسـية مـع أحـزاب مختلفـة في ظل‬ ‫االنقسـام الفلسـطيني‪.‬‬ ‫‪17‬‬


‫تحقيق‬

‫والمؤسســات التابعة لها‪ ،‬متخفّي ًا خلــف كواليس الصمت والخوف‪،‬‬ ‫الســلطة‬ ‫َّ‬ ‫ملتحمــ ًا بمنظومة ُ‬ ‫وطن جديد‪ ...‬كانت هذه حاالت المثقَّف الســوري قبل‬ ‫أو منفيــ ًا خــارج حدود وطنه‪َ ،‬يحُلم بفجر ٍ‬ ‫الثورة‪ .‬لكن ِ‬ ‫ــك َل اختبارًا وتحدي ًا أسقط‬ ‫الحراك الشــعبي في ســورية منذ مارس‪/‬آذار ‪َ ،2011‬ش َّ‬ ‫أقنعــة كثيرة‪ ،‬فيمــا يواصل تغذية الحلم عند مثقَّفين آخرين‪ .‬التحقيق التالي يرصد دور المثقَّف الســوري‬ ‫الهبة الشــعبية أو‬ ‫في ســياقات الثورة والســجالية التي رافقت هذا الدور‪ ،‬على ضوء طبيعة مشــاركته في َّ‬ ‫معاداته لها‪.‬‬

‫مسـرحية األخوين ملص عن الثورة السـورية‬

‫َّ‬ ‫السوري»‪ ..‬مواقع ومواقف‬ ‫«المثقف ُّ‬ ‫طالـب عبد الغفار الدغيم‬ ‫جـاءت ثـورات الربيـع العربي تعبيرًا عن‬ ‫انفجـارات اجتماعيـة فـي منظومـة القيم‪،‬‬ ‫أسـئلة مصيريـة‬ ‫وطرحـت هـذه الثـورات‬ ‫ً‬ ‫التحوالت التاريخية‬ ‫عن دور المثقَّف زمن‬ ‫ُّ‬ ‫العربية؛ فالُنخب الثّقافية العربية لم تكن‬ ‫شرارة الثورة‪ّ ،‬إل أن عددًا ليس بالقليل‬ ‫‪18‬‬

‫المثقَّفيـن العـرب وجـدوا فـي حركيـة‬ ‫مـن ُ‬ ‫سـامية‪ ،‬فيمـا‬ ‫رسـالة‬ ‫الشـعوب العربيـة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المثقَّفيـن‪ ،‬وهـم أولئـك‬ ‫تنطعـت ُث ٌ‬ ‫لـة مـن ُ‬ ‫الذين لم تكن تطلعات الشعوب آتية وفق‬ ‫تصوراتهـم وآرائهـم؛ فسـاندوا اسـتبداد‬ ‫السـلطة‪ ،‬وأشهروا سالحهم المعرفي في‬ ‫ُ‬ ‫وجـه الثورات‪ ،‬ووقفـوا في وجه التغيير‬ ‫العربي(‪.)1‬‬

‫ُق َ‬ ‫بيل الثورة‬ ‫بعـد وصـول حـزب البعـث إلـى السـلطة‬ ‫َّ‬ ‫المثقَّـف‬ ‫فـي سـورية؛‬ ‫خـف صـوت ُ‬ ‫السـوري الـذي صـاغ البنـاء السياسـي‬ ‫بعـد االسـتقالل‪ ،‬ومـع انسـداد الحلـول‬ ‫الديموقراطية في أواخر القرن العشرين‪،‬‬ ‫اتجه اإلسلاميون السـوريون إلى العنف‬ ‫(الطليعـة المقاتلـة)‪ ،‬ولكـن فـي مـوازاة‬

‫ذلـك بـرز تيـار طالـب بدولـة الحريـات‪،‬‬ ‫وقـاده المثقَّفـون وطلبـة الجامعـات‬ ‫وأعضـاء النقابـات المهنيـة (كالمحاميـن‬ ‫واألطبـاء‪ ،)..‬وفـي تلـك األثنـاء صـدر‬ ‫الغربـة (باريـس)‪ ،‬كتاب برهان‬ ‫مـن بلاد ُ‬ ‫غليـون «بيـان مـن أجـل الديموقراطيـة»‪،‬‬ ‫ليعلن عن مرحلة جديدة من تاريخ الفكر‬ ‫ُ‬ ‫السـلطة‬ ‫الديموقراطـي‪ ،‬ولكـن انتصـار ُ‬ ‫علـى اإلخـوان المسـلمين‪ ،‬وعلـى القـوى‬ ‫الديموقراطيـة؛ جعـل المثقَّـف السـوري‬ ‫يخلـد إلـى مملكـة الصمـت(‪ ،)2‬وخيـر‬ ‫ُمعبر عن ضبابية المشهد السوري آنذاك‬ ‫رسـالة المفكر السـوري سـعد اهلل ونوس‬ ‫ُ‬ ‫إلـى الناقـدة المصريـة َعبلـة الروينـي‪،‬‬ ‫التـي جـاء فيهـا‪« :‬سـأعود إلـى قوقعتـي‬ ‫نسجها‬ ‫وحياتي اليومية‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫وأوهامي التي َأ ُ‬ ‫تبـي‪ ،‬وهناك‬ ‫ك‬ ‫وبيـن‬ ‫غرفتـي‬ ‫فـي‬ ‫ُ ِ‬ ‫ِ‬ ‫وحيـدًا ِ‬ ‫يبدو للعالم كثافة‪،‬وتبدو لألفكار أهمية‪،‬‬ ‫وتتخـذ الثّقافـة ُبعـدًا مصيريـاً‪ ،‬أمـا هنـا‬ ‫ِ‬ ‫ـوت‬ ‫فلا‬ ‫وم ُ‬ ‫شـيء ّإل الكـذب‪ ،‬والفسـاد‪َ ،‬‬ ‫المثقَّفيـن ُسـلطة ظـل‬ ‫نحـن‬ ‫إننـا‬ ‫األمـل‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫شاغلها األساسي أن ُتصبح فعلية‪ ..‬إننا‬ ‫َقْفـا النظـام‪ ،‬ولسـنا نقيضـه أو بديله‪ ،‬يا‬ ‫للخيبـة! ويـا للحـزن!»(‪.)3‬‬ ‫المثقَّفـون السـوريون عـن‬ ‫لـم يصمـت ُ‬ ‫الُنخبـة العسـكرية الحاكمـة منـذ وصولها‬ ‫المجتمـع مـن‬ ‫إلـى الحكـم‪ ،‬فتوجهـوا إلـى ُ‬ ‫خلال دعـوة إلـى بنـاء الحيـاة المدنيـة‪،‬‬ ‫وجرى استخدام صيغة البيانات الموقعة‬ ‫كطريقـة للَتأثيـر والتواصـل مـع الـرأي‬ ‫العـام‪ ،‬فعنـد دخـول القـوات السـورية‬ ‫إلـى لبنـان سـنة ‪ 1976‬ومحاصرتهـم تـل‬ ‫الزعتـر‪ ،‬وقَّـع ُمثقَّفـون‪ ،‬وكان مـن بينهـم‬ ‫سعد اهلل ونوس‪ ،‬بيان ًا أدانوا فيه التدخل‬ ‫السـوري فـي لبنـان‪ ،‬وكانـت بدايـة رفـع‬ ‫المثقَّفيـن السـوريين صوتهـم المعنـوي‬ ‫األمر في سنة ‪ 1999‬وقَّع‬ ‫والرمزي‪ ،‬وكذا ُ‬ ‫عـدد مـن المثقَّفيـن السـوريين البارزيـن‬ ‫«ريـاض التـرك ومحمـد ملـص وعمـر‬ ‫أميـراالي ونبيـل المالـح‪ ،»...‬بيانا عرف‬ ‫المؤسسة‬ ‫بـ«بيان األلف» أدانوا فيه تدخل‬ ‫َّ‬ ‫العامـة للسـينما التابعـة للحكومـة فـي‬ ‫عملهـم‪ .‬اختـرق البيـان جدار الصمت الذي‬ ‫ساد سنين طويلة‪ ،‬وأعاد التذكير مجددًا‬ ‫بالمثقَّـف السـوري العضـوي‪ ،‬ودوره في‬

‫التأثير في الفضاء العام(‪ ،)4‬وكما ازدهر‬ ‫في أواخر القرن الماضي ما ُسمي بـ«أدب‬ ‫السـجون»؛ الذي كان ُينشر خارج الوطن‬ ‫ويسـرب سـرًا إليـه‪ ،‬ومـن ثـم بـرز دور‬ ‫ُ‬ ‫مثقَّفـي ربيـع دمشـق فـي ‪2001‬؛ ذلـك‬ ‫عندما أطلق األسد االبن وعودًا باإلصالح‬ ‫والتغيير‪ ،‬وفتح باب الحريات(‪ ،)5‬ولكن‬ ‫األنشطة االجتماعية واالعتصامات ُقوبلت‬ ‫بشـدة من السـلطة‪ ،‬فنتج عن هذا السـعي‬ ‫االنتقـال مـن المعارضـة المطلبيـة إلـى‬ ‫السياسـة المنظمـة‪ ،‬فـكان صـدور إعلان‬ ‫دمشـق للتغيير الوطني الديموقراطي في‬ ‫شـك َل‬ ‫وت َّ‬ ‫أكتوبر‪/‬تشـرين األول ‪َ ،2004‬‬ ‫تكتل جمع قوى ثقافية وسياسية متنوعة‬ ‫وأحزابـ ًا كرديـة وآشـورية ويسـارية‬ ‫وقوميـة وإسلامية؛ وجميـع هـؤالء‬ ‫المثقَّفيـن اجتمعـوا علـى فكـرة «اإليمـان‬ ‫بمفهـوم الديموقراطيـة والحريـات»‪ّ ،‬إل‬ ‫أن األمـر لـم ينجـح‪ ،‬فطالت الجميع حملة‬ ‫مـن المالحقـات األمنيـة‪ ،‬واالعتقـاالت‪،‬‬ ‫والتهجيـر‪ ،‬فتـوزع مثقَّفـو سـورية داخـل‬ ‫وخـارج الوطن‪ ،‬واسـتمرت حالـة التوتر‬ ‫المثقَّفيـن‬ ‫والصـراع أو التناغـم بيـن فئـة ُ‬ ‫والسـلطة إلى أن انفجر الشـارع السـوري‬ ‫فـي مطلـع العـام ‪.)6(2011‬‬

‫الفنان واألديب‬ ‫ّيـة فـي سـورية قبيـل‬ ‫كانـت الحيـاة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫الربيـع العربـي متوائمـة فـي الغالـب‬ ‫مـع السـلطة الحاكمـة‪ ،‬فـكان عالـم‬ ‫الفنانيـن األكثـر ارتباطـ ًا بالسـلطة مـن‬ ‫غيـره‪ ،‬واسـتثمرت فيـه أجهـزة الحاكـم‬ ‫القـدرة‬ ‫السـطوة والوجاهـة؛ المتالكـه ُ‬ ‫علـى التأثيـر فـي الـرأي العـام‪ ،‬ومـن‬ ‫ناحيـة ثانيـة اسـتفاد الفنانـون بتحقيـق‬ ‫مكاسـب شـخصية ونفـوذ سياسـي‪،‬‬ ‫الفنّـي بعيـدًا عـن التأثُّـر‬ ‫فلـم يكـن العالـم َ‬ ‫صـوت‬ ‫وارتفـع‬ ‫والتأثيـر(‪.)7‬‬ ‫والتفاعـل‬ ‫َ‬ ‫ُمثقَّـف السـلطة الـذي اعتـاد أن يسـتثمر‬ ‫ُعدتـه الفكريـة؛ لتبريـر خيـارات النظـام‬ ‫وأفعالـه مهمـا كانـت‪ ،‬حيـث ناصبـت فئـة‬ ‫من المثقَّفين السوريين العداء للثورة من‬ ‫الشـيخي إلـى العلمانـي من أحمد حسـون‬ ‫بتهمـة التآمـر‬ ‫إلـى األديـب نبيـل فيـاض؛ ُ‬

‫والسـلفية‪ ،‬وكمـا أن الفئـات األخـرى مـن‬ ‫المثقَّفيـن توزعـت مواقفهـا بيـن الصمـت‪،‬‬ ‫إلـى موقـف نـزع إلـى عـدم القطيعـة مـع‬ ‫النظـام والبحـث عن تسـوية معـه‪ ،‬فنرى‬ ‫حتج‬ ‫الشـاعر نزيه أبو عفش وهو الذي َي ُ‬ ‫«فهـم لـم يمهلـوا‬ ‫علـى الثـورة بالقـول‪ُ :‬‬ ‫النظـام السـوري للقيـام بإصالحـات‪،‬‬ ‫فهـذه ال تكـون فـي يـوم وليلـة»‪ّ ،‬إل أن‬ ‫فئـة واسـعة مـن المثقَّفيـن وقفـوا مـع‬ ‫حراك الشـارع السـوري‪ ،‬ودعموه بشتى‬ ‫الوسائل‪ ،‬واتجهت هذه الفئة إلى محاولة‬ ‫إيجـاد طريقـة للتغييـر الجـذري‪ ،‬وإقامـة‬ ‫نظـام ديموقراطـي علـى أسـس المواطنة‬ ‫ٍ‬ ‫كتابات السوريين‬ ‫وظهرت‬ ‫السورية(‪،)8‬‬ ‫ُ‬ ‫مـن ُعمـق الحـراك‪.‬‬ ‫أحدثـت مشـاركة الفنانيـن أثـرًا بالغـ ًا فـي‬ ‫حراك الشارع السوري‪ ،‬وهؤالء تعرضوا‬ ‫منذ البداية للتشهير والتهديد‪ ،‬وكانت أول‬ ‫مشاركة للمثقَّفين السوريين بشكل علني‬ ‫عنـد إصـدار بيـان إنسـاني سـمي بـ«بيان‬ ‫الحليب»‪ ،‬والذي أطلقته الكاتبة السورية‬ ‫ريمـا فليحـان‪ ،‬عبـر صفحتهـا الشـخصية‬ ‫على فيسـبوك‪ ،‬ووقع عليه ‪ 1200‬مثقَّف‬ ‫(منـى واصـف‪ ،‬يـارا صبـري‪،‬‬ ‫سـوري ُ‬ ‫عـزة البحـرة‪ ،‬كنـدة علـوش‪ ،‬عبدالحكيـم‬ ‫قطيفـان‪ ،‬فـدوى سـليمان‪ ،‬سـميح‬ ‫شـقير‪ ،‬ياسـر العظمـة‪ ،‬مي سـكاف‪،)...‬‬ ‫السـلطة بإدخـال الغذاء والدواء‬ ‫وطالبـوا ُ‬ ‫ألطفـال درعـا‪ ،‬وجـرى توقيـع البيان في‬ ‫‪ 28‬مـارس‪/‬آذار ‪ ،2011‬لكنـه ُقوبـل‬ ‫بالعنـف‪ ،‬وبحملـة واسـعة مـن التخويـن‬ ‫من طرف اإلعالميين والفنانين المؤيدين‬ ‫للنظـام السـوري(‪ ،)9‬ورد الفنـان زهيـر‬ ‫عبدالكريـم علـى الموقعيـن علـى البيـان‬ ‫بالقول‪« :‬تفاجأت بهذا البيان الذي ال يلق‬ ‫بفنانيـن عاشـوا فـي هـذا الوطـن وكبـروا‬ ‫فيـه»‪ ،‬وأعـرب الفنان عـارف الطويل عن‬ ‫سـعادته بوضـع اسـمه علـى قائمة العار‬ ‫السورية‪ ،‬وقال إنها قائمة «كرامة»(‪.)10‬‬ ‫وتحدثـت الممثلـة السـورية عـزة البحـرة‬ ‫وهي إحدى الموقعين على بيان الحليب‪،‬‬ ‫علـى تبعـات هـذا البيـان‪ ،‬ومـا أعقبـه من‬ ‫حملات التخويـن واإلقصـاء‪ ،‬فقـد أصـدر‬ ‫المخـرج نجـدت أنـزور مـا ُسـمي «بيـان‬ ‫ُ‬ ‫الشـركات»‪ ،‬والـذي وقعـت عليه نحو ‪26‬‬ ‫‪19‬‬


‫شـركة منتجـة لألعمـال الدرامية‪ ،‬وقضى‬ ‫بمقاطعـة فنانـي الثـورة والمتعاطفيـن‬ ‫معهـا‪ ،‬وكان فريـق ثالـث مـن الفنانيـن‬ ‫«محايدين» أقرب للفئة الموقعة‪ ،‬فقد قرر‬ ‫المنتـج المرحـوم أديـب خيـر ّأل يتدخـل‬ ‫فـي السياسـة‪ ،‬وأن يأخـذ موقفـ ًا محايداً‪،‬‬ ‫وهـو المنتـج الوحيد الذي رفض التوقيع‬ ‫علـى بيـان الشـركات بمقاطعـة الفنانين‪،‬‬ ‫فاسـتمر الفنانـون معـه بأعمـال الدبلجـة‬ ‫إلـى أن اضطـر أكثرهـم للخـروج خـارج‬ ‫الوطن(‪.)11‬‬ ‫ولعـل العالمـة األبـرز لمشـاركة الفنانيـن‬ ‫كانـت التظاهـرة التـي ُأطلـق عليهـا‬ ‫«مظاهـرة المثقَّفيـن» التـي ُاتفـق علـى‬ ‫خروجها من أمام جامع الحسن‪ ،‬فوجدوا‬ ‫األمـن فـي انتظارهـم‪ ،‬فقـام باعتقـال ‪29‬‬ ‫فتـاة و‪ 10‬شـباب‪ ،‬ومنهـم الفنانـة مـي‬ ‫سـكاف ورئيـس تحريـر مجلـة شـبابلك‬ ‫إيـاد شـربجي‪ ،‬واألخـوان المسـرحيان‬ ‫ملـص‪ ،‬والموسـيقي رامـي العاشـق‪،‬‬ ‫والمخرج نضال حسن‪ ،‬والمصورة ساشا‬ ‫أيـوب‪ ،‬والكاتـب فايـز سـارة‪ ،‬والممثـل‬ ‫فـارس الحلـو وغيرهـم(‪.)12‬‬ ‫كان إجمـاع المثقَّفيـن السـوريين علـى‬ ‫موقـف واضـح تجلـى فـي توقيـع بيـان‬ ‫«تجمـع فنانـي ومبدعـي سـورية من أجل‬ ‫الحريـة» فـي ‪ 27‬ديسـمبر‪/‬كانون األول‬ ‫بعضنا‬ ‫‪ ،2011‬ونـص البيان‪« :‬لقد حاول ُ‬ ‫ّـن‪ ،‬وصـون حـق‬ ‫أو ُكلنـا المقاومـة بالف ّ‬ ‫المبدعيـن‬ ‫الـرأي‪ ..‬لقـد ُحوصـرت ُمخيلـة ُ‬ ‫ٍ‬ ‫مؤسسـات‬ ‫السـوريين‬ ‫لعقـود طويلـة فـي ّ‬ ‫فاسدة ووزارات فاسدة ونقابات فاسدة‪..‬‬ ‫إن‬ ‫شرعيَتها األخالقية‬ ‫ؤسسـات‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫الم ّ‬ ‫فقدان ُ‬ ‫ِ‬ ‫ـث عـن إنسـانيتنا‬ ‫ه‬ ‫والم‬ ‫نيـة َت ْج َعُلنـا َنْب َح ُ‬ ‫َ َّ‬ ‫الملطخـة بدمـاء‬ ‫خـارج َهـِذِه «الشـرعية» ُ‬ ‫ريـة الشـارع‬ ‫السـوريين‪ .‬لقـد أيقظـت ُح ُّ‬ ‫إعادة ُشـهدائنا‬ ‫حريتنا‪ ،‬نحن ال نسـتطيع‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫جيـد الحيـاة‬ ‫م‬ ‫ت‬ ‫نسـتطيع‬ ‫ّنـا‬ ‫ن‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫للحيـاة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َْ َ‬ ‫ِ‬ ‫ْـب مـع ثـورة‬ ‫بالعمـل يـدًا ِبَيـْد َ‬ ‫وقلبـ ًا ِبَقل ْ‬ ‫وطـن جديـد»(‪.)13‬‬ ‫السـوريين لبنـاء‬ ‫ٍ‬ ‫وقـف بجانـب الثـورة والحـراك الشـعبي‬ ‫المثقَّفين السـوريين‪،‬‬ ‫عـدد َغّي ُـر قليـل مـن ُ‬ ‫وكتـاب‪،‬‬ ‫مـن فنانيـن وصحافييـن‪ُ ،‬‬ ‫وشـعراء وغيرهـم‪،‬‬ ‫وموسـيقيين‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فالمعارضـة للنظـام السـوري امتـدت إلى‬ ‫‪20‬‬

‫مواقف مضادة‬

‫علي فرزات‬

‫ـن التشـكيلي بريشـة الفنـان السـوري‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫أحد أبرز فناني الكاريكاتير‬ ‫فرزات‪،‬‬ ‫علي‬ ‫ُ‬ ‫جنـح فـي رسـومه نحـو‬ ‫فـي العالـم‪َ ،‬‬ ‫وي ُ‬ ‫السـخرية المريـرة‪ ،‬فـكان أن أصدر سـنة‬ ‫ُ‬ ‫‪ 2003‬صحيفـة الدومـري األسـبوعية‪،‬‬ ‫ّإل أنـه تـم إيقافهـا بقـرار حكومـي‪ ،‬وبعـد‬ ‫انطلاق الثـورة تفاعـل مـع ِ‬ ‫الحـراك وهو‬ ‫صورًا ساخرة‬ ‫رسـم ُ‬ ‫داخل دمشـق‪ ،‬فبدأ َي ُ‬ ‫لمسؤولين كبار‪ ،‬وطالت رسوماته رأس‬ ‫السلطة «بشار األسد»‪ ...‬وكان أن أوقفته‬ ‫أمـن ومؤيديـن تابعيـن للنظـام‬ ‫سـيارة ٍ‬ ‫السـوري بدمشـق فـي ‪ 25‬أغسـطس‪/‬‬ ‫بكسـر أصابـع يديـه‬ ‫آب ‪ ،2011‬فقامـوا‬ ‫ِ‬ ‫وسـيارته‪ ،‬وقالـوا لـه «حتـى مـا تتطاول‬ ‫علـى أسـيادك»‪ ،‬وردًا للجميـل ُرفعـت‬ ‫المـدن‬ ‫ُرسـوم الفنـان فـي مظاهـرات ُ‬ ‫والبلـدات السـورية وقوفـ ًا معـه‪ ،‬وعندما‬ ‫ُسـئل فـرزات‪ ،‬مـن أيـن ُتطـل اليـوم علـى‬ ‫طـل علـى‬ ‫الثـورة السـورية؟‪ ،‬أجـاب‪ُ :‬أ ُّ‬ ‫المشـهد انطالقـ ًا مـن انسـجام الفنـان مـع‬ ‫أي فنان ُيفكر كما ُيعبر تماماً(‪.)14‬‬ ‫نفسه؛ ّ‬ ‫المنحـاز‬ ‫أمـا النمـوذج الثانـي للفنـان ُ‬ ‫للثـورة‪ ،‬فهـو المسـرحي ُهمـام حـوت‪،‬‬ ‫والـذي كان مـن أكثـر الفنانيـن ُقربـ ًا مـن‬ ‫الرئيـس األسـد‪ ،‬وفـي متابعتنـا برنامـج‬ ‫«تغيرنا» على قناة أورينت‪ ،‬نراه يتعمق‬ ‫بشـرحه حـول دور المثقَّـف السـوري‪،‬‬ ‫وطبيعـة عالقتـه السـابقة بالنظـام‬ ‫السـوري‪ ،‬فقـد كان يطلـب منـه الرئيـس‬ ‫شـخصي ًا أن ُيوصل رسـائل عن الممانعة‬

‫والمقاومة إلى الشارع السوري‪ ،‬ويبتعد‬ ‫عـن المشـاكل الداخليـة‪ ،‬فاتهـم الكثيرون‬ ‫همـام حـوت بأنـه فنـان ُسـلطة‪ ،‬فهـو‬ ‫الفنّييـن‪،‬‬ ‫كان يتولـى ُأسـرة المتحديـن َ‬ ‫وسـخرت لـه المسـارح القوميـة فـي‬ ‫ُ‬ ‫كل سـورية‪ ،‬فكانـت مسـرحياته تحمـل‬ ‫ّ‬ ‫شـعارات مشـروع ممانعـة «ليلـة سـقوط‬ ‫بغداد‪ ،‬وطاب الموت يا عرب‪ ،»...‬وكان‬ ‫يحضـر فـي مسـرحه كبـار المسـؤولين‬ ‫السـوريين بمـن فيهـم رئيـس الجمهورية‬ ‫ورؤسـاء فروع األمن ورئيس الحكومة‪،‬‬ ‫ولكنـه منـذ بدايـة ‪ 2009‬وجـد ضـرورة‬ ‫توجيه مسـرحه لمناقشـة قضايـا داخلية‬ ‫محليـة‪ ،‬فجـاءت مسـرحيته «فسـاد‬ ‫أكاديمـي» لتكشـف عـن الفسـاد الحكومي‬ ‫والقبضة األمنية على مؤسسات الدولة‪،‬‬ ‫ومـع بدايـة الثـورة ُطلـب منـه الخـروج‬ ‫على شاشـة التليفزيون السـوري ليعمل‬ ‫علـى تغييـر مـزاج الشـارع الحلبـي‪،‬‬ ‫وجـرى تهديـده وأسـرته بالقتـل؛ ألنـه‬ ‫رفـض الظهـور علـى الشاشـات‪ ،‬فخـرج‬ ‫إلـى تركيـا‪ ،‬وقبـل خروجـه وجه رسـالة‬ ‫إلـى الرئيـس األسـد يطالبـه بالتنحـي‪،‬‬ ‫وأن يحقـن دماء الشـعب السـوري باسـم‬ ‫الصداقـة القديمـة بينهمـا‪ّ ،‬إل أنـه تـم‬ ‫واتهـم بالخيانـة‬ ‫الحجـز علـى أموالـه‪ُ ،‬‬ ‫مـن قبـل النظـام والمسـرحيين المؤيديـن‬ ‫لـه‪ ،‬وعندمـا ُسـئل عن موعـد عودته إلى‬ ‫والـد ُم‬ ‫المسـرح‪ ،‬فأجـاب‪« :‬ال مسـرح‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫السـوري َيسـيل بشـكل يومـي»(‪.)15‬‬ ‫ُ‬

‫مـن أبـرز المواقـف التـي أثـارت اتجاهـ ًا‬ ‫معاديـ ًا للثـورة‪ ،‬موقـف الفنـان السـوري‬ ‫المعـروف دريـد لحـام الـذي كان مـن أكثر‬ ‫ّية‬ ‫المؤثريـن فـي مسـرحياته وأعماله َ‬ ‫الفنّ‬ ‫بالشـارع السـوري قبيـل الثـورة (كانـت‬ ‫أعمالـه تحتوي علـى نقد ضمني لألنظمة‬ ‫المسـتبدة وتغـول األجهـزة األمنيـة فـي‬ ‫حيـاة النـاس)‪ّ ،‬إل أنـه ومـع بـدء الحراك‬ ‫الشـعبي في سـورية أخذ اتجاه ًا مختلفاً‪،‬‬ ‫ودعـا إلعـادة انتخـاب الرئيـس السـوري‬ ‫لدورة رئاسية جديدة‪ ،‬وفي أكثر من لقاء‬ ‫إعالمـي دعـا إلـى ضرورة نـزول الجيش‬ ‫السـوري إلى الشارع لينشر األمان حسب‬ ‫قوله‪ ،‬وآخر تصريح له كان في مهرجان‬ ‫اإلسكندرية السينمائي في أواخر ‪2015‬؛‬ ‫حيث رأى أن ما يجري في سورية معقد‪،‬‬ ‫وال يـزال الوقـت مبكرًا لمناقشـة ما يجري‬ ‫سـينمائياً‪ ،‬فـي الوقـت الـذي كان فيه أحد‬ ‫األفلام المشـاركة فـي المهرجـان يحكـي‬ ‫مرثيـة ألم تعيـش وحيـدة فـي أطـراف‬ ‫دمشـق‪ ،‬وتمـوت فـي غيـاب أبنائهـا‪،‬‬ ‫لحاقهم بها ُمخاطرة‪ ،‬وفيلم األم‬ ‫ويصبح َ‬ ‫ويمثـل االنتصار‬ ‫هـذا لـه طابـع إنسـاني‪ُ ،‬‬ ‫إلرادة الحيـاة عنـد اإلنسـان(‪ ،)16‬وال‬ ‫ننسـى أن دريد لحام هو الفنان الذي نذر‬ ‫نفسـه لقضايـا حقوقيـة قوميـة ووطنية‪،‬‬ ‫فـكان يعمـل سـفيرًا للنوايـا الحسـنة لـدى‬ ‫اليونسـييف في سورية والعالم العربي‪.‬‬ ‫ويشابه موقفه هذا موقف مرتبك للشاعر‬ ‫ُ‬ ‫أدونيـس الـذي ُيقـدم لنا فـي كتابه الثابت‬ ‫والمتحول ُمعنون ًا «الثورة حركة شاملة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لـكل مثقَّـف ثـوري‬ ‫والهـدف الجوهـري ّ‬ ‫ُمبـدع‪ ،‬ليـس الوصـول إلـى السـلطة‪،‬‬ ‫لـق الوعـي الثـوري الـذي ُيحطـم‬ ‫وإنمـا َخ ُ‬ ‫البنيـة الالثوريـة فـي المجتمـع»(‪،)17‬‬ ‫فأدونيـس شـاعر الحريـات لـم يجـد‬ ‫شـطط ًا فـي مسـاواة ِ‬ ‫الحـراك الشـعبي‬ ‫بالسـلطة الحاكمـة فـي سـورية‪ ،‬فمـن‬ ‫خلال كالمـه لوكالـة األنبـاء الفرنسـية‬ ‫يقـول‪« :‬إن مشـكلة تغييـر النظـام فـي‬ ‫سـورية ثانويـة‪ ،‬فيمـا المشـكلة الجذريـة‬ ‫التـي نحتـاج َحلَّهـا هي تغييـر المجتمع»‪،‬‬ ‫كظهيـر ثقافـي‬ ‫وبـدل أن ُيخاطـب الشـارع‬ ‫ٍ‬

‫برهان غليون‬

‫أدونيس‬

‫خاطب الرئيس السوري باعتباره رئيس‬ ‫جمهوريـة ُمنتخبـاً‪ ،‬وأوكل إليـه نقـل‬ ‫سورية إلى الديموقراطية‪ ،‬ونرى تناقض ًا‬ ‫مخيفـ ًا فـي شـخصية المثقَّـف المكـرس‪،‬‬ ‫فهـو ينتقـد المتظاهريـن لخروجهـم مـن‬ ‫المسـاجد فيما سـماه أدلجة الثورة‪ ،‬وهو‬ ‫صاحـب المديـح الوافـر للثـورة اإليرانيـة‬ ‫«اإلسلامية» واإلمـام الخمينـي(‪ ،)18‬وقد‬ ‫وجهـت لـه انتقـادات واسـعة مـن المفكـر‬ ‫السـوري صـادق جلال العظـم وعـدد ال‬ ‫يسـتهان به من المثقَّفين الداعمين لحركة‬ ‫التغييـر العربـي‪ ،‬فهـل كان مطلوبـ ًا مـن‬ ‫تغيـروا قبـل أن ُيطالبـوا‬ ‫السـوريين أن َي َّ‬ ‫ُ‬ ‫بحـل إشـكالية مكـوث عائلـة األسـد فـي‬ ‫السـلطة أربعـة عقـود مـن الزمـن؟‬ ‫ً‬ ‫ومـن المواقف المسـاندة للنظام السـوري‬ ‫كذلـك‪ ،‬كان موقـف الفنانـة رغـدة التـي‬

‫بالعمالء‪ ،‬واحتقرت‬ ‫وصفت المتظاهرين ُ‬ ‫الفنانين الذين وقفوا مع الثورة‪ ،‬وطالبت‬ ‫األسـد باسـتخدام الكيمـاوي‪ ،‬مصرحـة‪:‬‬ ‫«أمـا آن للكيمـاوي أن يستشـيط»‪ ،‬كمـا‬ ‫طالـب فنـان آخـر‪ ،‬وهـو بشـار إسـماعيل‬ ‫بمصـادرة أراضـي الثـوار والتركمـان في‬ ‫الالذقيـة وبانياس‪ ،‬وتوزيعها على ُأ َس ِـر‬ ‫الفقـراء والشـهداء مـن العسـكر(‪.)19‬‬ ‫ُ‬ ‫وتجـدر اإلشـارة إلـى أن فئـة ثالثـة مـن‬ ‫المثقَّفيـن لـم تشـترك باألحـداث؛ فلا‬ ‫هـي والـت النظـام‪ ،‬وال هـي عارضتـه‪،‬‬ ‫وتنعت هذه‬ ‫وهـم المثقَّفـون الحياديـون‪ُ ،‬‬ ‫الفئـة في سـورية بــ «الرمادية»‪ ،‬وتجمع‬ ‫والكتاب‬ ‫عـددا ليـس بالقليل مـن الفنانين ُ‬ ‫واألكاديميين والصحافيين والفقهاء الذين‬ ‫بقـوا علـى حيادهـم بعيـدًا عـن طرفـي‬ ‫الصـراع‪...‬‬ ‫‪21‬‬


‫قضية‬

‫أدوار ٌ جديدة‬ ‫المثقَّفون المعارضون أثمان ًا باهظة؛‬ ‫دفع ُ‬ ‫فاالعتداء على عائلة الموسـيقار السوري‬ ‫األميركي مالك الجندلي‪ ،‬وتهشيم أصابع‬ ‫رسـام الكاريكاتيـر علي فـرزات‪ ،‬واقتالع‬ ‫ُعيـون المصـور فـرزات يحيـى َجربـان‪،‬‬ ‫وقتـل السـينمائي الشـاب باسـل شـحادة‬ ‫بقذيفـة دبابـة‪ ،‬والتصفيـة الجسـدية‬ ‫للروائـي إبراهيـم خريط‪ ،‬ورامي السـيد‪،‬‬ ‫وبـراء البوشـي ممـن قضـوا اغتيـاالً‪،‬‬ ‫ونهايـة الفنـان التشـكيلي وائـل قسـطون‬ ‫فـي السـجون تحـت التعذيـب‪ ،‬والقيـام‬ ‫بعمليـات االختطـاف لمثقَّفيـن اختفـى‬ ‫الكثيـر منهـم‪ ،‬كالناشـطة الحقوقيـة رزان‬ ‫زيتونـة وزوجهـا المحامـي وائـل حمـادة‬ ‫منـذ يناير‪/‬كانون الثاني ‪ ،2013‬وعملية‬ ‫تهجيـر مئـات المثقَّفيـن السـوريين خـارج‬ ‫البلاد(‪ ..)20‬ال شـك أن هـذه المـآالت‬ ‫هدفهـا إضعـاف دور المثقَّـف السـوري‬ ‫خاصـة فـي توجيـه الحـراك الشـعبي لكن‬ ‫ذلـك لـم ينجـح مـع الشـبكية االفتراضيـة‬ ‫صعدون من الثورة‪،‬‬ ‫التـي جعلـت الناس ُي ّ‬ ‫خطون طريقهم في المظاهرات العفوية‬ ‫وي ّ‬ ‫ُ‬ ‫دون قيادة منتظمة‪ ،‬يتوالها مثقَّفون منذ‬ ‫البدايـة‪.‬‬ ‫كمـا بـرز مثقَّفـون سـوريون تبنـوا عمليـة‬ ‫النقـد الثـوري‪ ،‬كالشـاعرين أنـس الدغيـم‬ ‫كل‬ ‫ومصطفـى عكرمـة‪ ،‬حيـث تولـى ّ‬ ‫منهمـا إثـارة الـروح الوطنيـة فـي نفـوس‬ ‫المتظاهريـن منـذ بدايـات الثـورة‪ ،‬ولـم‬ ‫يكتفيا بذلك‪ ،‬بل نددا بتجاوزات األطراف‬ ‫الثوريـة‪ ،‬ووجهـا نقـدًا لبعـض قـادة‬ ‫الحـراك عبـر صفحتهمـا علـى اإلنترنـت‪،‬‬ ‫وفي األمسـيات والفعاليات داخل وخارج‬ ‫سـورية(‪ ،)21‬وكذلك ُيمثل ياسـين الحاج‬ ‫العمـق الثـوري الناقـد‪،‬‬ ‫صالـح المثقَّـف ذا ُ‬ ‫الـذي قضـى فـي سـجون النظـام السـوري‬ ‫سـتة عشـر عاماً؛ بسـبب فكره‪ ،‬وانتمائه‬ ‫اليسـاري‪ ،‬وهـو اليـوم يعيـش فاجعـة‬ ‫ٍ‬ ‫أفـراد مـن عائلتـه‪،‬‬ ‫ُمسـتمرة باعتقـال‬ ‫واختفـاء زوجتـه‪ ،‬ومـع هذا لـم ينفك عن‬ ‫محاكاة وقراءة سياقات الثورة السورية‪،‬‬ ‫ويحذر من كبواتها من‬ ‫ورصـد ّ‬ ‫تحوالتهـا‪ُ ،‬‬ ‫خلال كتاباتـه الغزيـرة‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫مـا أنتجـه المثقَّـف السـوري فـي عمليـة‬ ‫الحـراك ُيعيدنـا إلـى ذاكـرة الخمسـينيات‬ ‫مـن القـرن الماضـي‪ ،‬فقد أسـس المثقَّفون‬ ‫السـوريون عشـرات الصحـف والمراكـز‬ ‫البحثيـة‪ ،‬والقنـوات التليفزيونيـة‬ ‫كل مشـاهد الدمـار واألخطـار‬ ‫بالرغـم مـن ّ‬ ‫التـي تعرضـوا لهـا‪ ،‬فشـرعت الثّقافـة‬ ‫باالنطلاق مـن جديـد وكان هـذا جـزءًا‬ ‫تحملـه المثقَّـف الثائـر‪،‬‬ ‫مـن الـدور الـذي ّ‬ ‫وصـدرت الصحـف السـورية المطبوعـة‬ ‫واإللكترونيـة ‪ :‬مجلـة عنـب بلـدي‬ ‫(داريـا)‪ ،‬وبانورامـا الثـورة (طرطوس)‪،‬‬ ‫والفجراألحمـر (الالذقيـة)‪ ،‬وطلعنـا علـى‬ ‫الحريـة (دمشـق)‪ ،‬وضوضاء السـويداء‪،‬‬ ‫الكتـل والتجمعـات‬ ‫وبـرزت العديـد مـن ُ‬ ‫الثّقافيـة والحقوقيـة والعشـرات مـن‬ ‫مراكـز الدراسـات نـواة للمجتمع السـوري‬ ‫الكتاب السوريين‪ ،‬ورابطة‬ ‫الجديد (رابطة ُ‬ ‫الصحافيين‪ ،‬ورابطة المحاميين األحرار‪،‬‬ ‫ومكتـب التوثيـق الحقوقـي فـي سـورية‪،‬‬ ‫والحريـة أماجـي‪ ،‬ومركـز‬ ‫وتجمـع َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ـن ُ‬ ‫الجمهوريـة للدراسـات‪ ،)...‬إضافـة إلـى‬ ‫المواقـع اإلعالميـة اإللكترونيـة (شـبكة‬ ‫شـام‪ ،‬وأغاريت‪ ،‬وزمـان الوصل‪ ،‬وقناة‬ ‫حلب اليوم‪ ،‬ومجالت الثائر السوري‪،)...‬‬ ‫ومجلات شـبابية أخـرى مثـل أحـرار‬ ‫سـورية‪ ،‬وأحـرار قاسـيون‪ ،‬وسـورية‬ ‫بـدا حريـة(‪.)22‬‬ ‫ٍ‬ ‫حراك سلمي‬ ‫تحول الثورة من‬ ‫بالرغم من ّ‬ ‫إلى طور العسكرة بفعل الظروف الداخلية‬ ‫والخارجيـة‪ ،‬فـإن كثيـرًا مـن المثقَّفيـن لـم‬ ‫يناصبوهـا العـداء‪ ،‬بـل َح َّملـوا النظـام‬ ‫وشكلوا مع الثورة‬ ‫التحول‪،‬‬ ‫مسؤولية هذا‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫جمهـورًا ثالثـ ًا يعيش بيـن النظام والقوى‬ ‫المتطرفـة‪ ،‬كالكاتـب حسـين عـودات‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وأعـرب عـن ذلـك برهـان غليـون بالقول‪:‬‬ ‫«فـي النهايـة نحن ماضون إلى هدفنا ألنه‬ ‫من غير الممكن العودة إلى الوراء‪ ،‬ولكن‬ ‫كشـربة‬ ‫إقامـة الدولـة الجديـدة لـن تكـون ُ‬ ‫مـاء؛ يتوجـب علينـا جميعـ ًا العمـل ليـل‬ ‫نهـار مـن أجـل لملمـة أشلائنا وتضميـد‬ ‫تلة‬ ‫ـنخُرج من هـذه الحرب ُك ً‬ ‫وس ّ‬ ‫جراحنـا‪َ ،‬‬ ‫مـن الدمار المادي والنفسـي والسياسـي‪،‬‬ ‫كمـا خرجـت أميـركا مـن حربهـا األهليـة‪،‬‬ ‫صاحب رأي‬ ‫ولكننا سـنخرج شـعب ًا جديدًا‬ ‫َ‬

‫ومبـادرة‪ ،‬وسـنبني مجتمعـ ًا حـرًا كريمـ ًا‬ ‫علـى مسـتوى طموحاتنـا‪ ،‬ويليـق بدمـاء‬ ‫الشـهداء والجرحى والمنكوبين»(‪ .)23‬‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬حمـزة مصطفـى‪« ،‬المثقَّـف العربـي ومراحـل‬ ‫التحـول التاريخيـة»‪ ،‬العربـي الجديد‪ 16 ،‬مارس‪/‬‬ ‫ّ‬ ‫آذار ‪.2015‬‬ ‫‪ - 2‬شمس الدين الكيالني‪« ،‬دور المثقَّف في الثورة‬ ‫السـورية بيـن شـهيد ومتفكـر»‪( ،‬ورقـة بحثيـة فـي‬ ‫مؤتمر العلوم اإلنسانية واالجتماعية في مراكش‪،‬‬ ‫‪ 21 - 19‬مارس‪/‬آذار ‪.)2015‬‬ ‫‪ - 3‬سـعد اهلل ونـوس‪« ،‬نحـن المثقَّفـون قفـا النظام‬ ‫ولسـنا نقيضـه»‪ ،‬ملحـق السـفير الثّقافـي‪15 ،‬‬ ‫مـارس‪/‬آذار ‪.2016‬‬ ‫‪ - 4‬رضـوان زيـادة‪ ،‬السـلطة واالسـتخبارات‬ ‫فـي سـورية‪( ،‬بيـروت‪ :‬دار الريـس‪ ،‬ط‪)2013 1‬‬ ‫‪.165.164‬‬ ‫‪ - 5‬الكيالني‪ ،‬المرجع السـابق‪.6 .‬‬ ‫‪ - 6‬زيادة‪ ،‬المرجع السـابق‪.186.185 ،‬‬ ‫‪ - 7‬محمـد كريـم‪« .‬الفنانـون والسـلطة‪ :‬الثـورات‬ ‫تفرزهم إلى فريقين»‪ .‬العربي الجديد‪ ،‬آخر تحديث‬ ‫‪ 17‬يناير‪/‬كانـون الثانـي ‪.2016‬‬ ‫‪ - 8‬الكيالني‪ ،‬المرجع السـابق‪.12 ،‬‬ ‫‪ - 9‬تقريـر «مقتـل ‪ 22‬فنانـا واعتقـال ‪ 57‬مـن بيـان‬ ‫الحليـب إلـى حملات الترهيـب»‪ ،‬الحيـاة‪ ،‬لنـدن‪،‬‬ ‫‪.2015/6/22‬‬ ‫نظم نشطاء ومثقَّفون سوريون وعرب قوائم‬ ‫‪َّ - 10‬‬ ‫للفنانيـن والمثقَّفيـن ضـد أو مـع الثـورة السـورية‬ ‫باسـم «قائمة العار‪ .‬قائمة الشـرف»‪.‬‬ ‫‪ - 11‬عدنان عبدالرزاق‪« ،‬عزة البحرة‪ :‬نظام بشـار‬ ‫األسـد عاقبنـي لتأييـدي الثـورة»‪ ،‬العربـي الجديد‪،‬‬ ‫‪ 10‬سبتمبر‪/‬أيلول ‪.2014‬‬ ‫‪ - 12‬الكيالني‪ ،‬المرجع السـابق‪.16 ،‬‬ ‫‪ - 13‬بيـان تجمـع فنانـي ومبدعي سـورية من أجل‬ ‫الحرية‪ ،‬موقع أماريجي‪ ،‬سورية‪.2011/12/27 ،‬‬ ‫كل‬ ‫‪ - 14‬فاطمـة ياسـين‪« ،‬علـي فـرزات‪:‬‬ ‫رسـمت ّ‬ ‫ُ‬ ‫الديكتاتوريين في واحد ألنهم متشابهون»‪ ،‬العربي‬ ‫الجديد‪.2116/2/15 ،‬‬ ‫‪ - 15‬همـام حـوت‪« ،‬مـن مسـرح الممانعـة إلـى‬ ‫صفـوف الثـورة»‪ ،‬برنامج تغيرنـا‪ ،‬قناة أورينت‪،‬‬ ‫اسـطنبول‪ 10 ،‬أكتوبر‪/‬تشـرين األول ‪.2014‬‬ ‫‪ - 16‬وكالـة رويتـرز‪ ،‬مقابلـة «دريـد لحـام‪ :‬الوقـت‬ ‫مبكـر لمناقشـة مـا يجـري فـي سـورية سـينمائياً»‪،‬‬ ‫العربـي الجديـد‪ ،‬آخـر تحديـث ‪ 6‬سـبتمبر‪/‬أيلول‬ ‫‪.2015‬‬ ‫‪ - 17‬صاحب الربيعي‪ ،‬المرجع السـابق‪.14 ،‬‬ ‫‪ - 18‬معـن البيـاري‪ ،‬أدونيـس‪ ..‬مـا هـذا البـؤس؟‪،‬‬ ‫العربـي الجديـد‪ ،‬آخـر تحديـث ‪.2014/5/22‬‬ ‫‪ - 19‬الكيالني‪ ،‬المرجع السـابق‪.13 ،‬‬ ‫‪ - 20‬الكيالني‪ ،‬المرجع السـابق‪.20 ،‬‬ ‫‪ - 21‬أنـس الدغيـم‪ ،‬أمسـية ماضـون على خطاكم‪،‬‬ ‫قنـاة يوتيـوب‪ ،‬إدلب‪ ،‬في أغسـطس‪/‬آب ‪.2012‬‬ ‫‪ - 22‬الكيالني‪ ،‬المرجع السـابق‪.21.20 ،‬‬ ‫‪ - 23‬برهـان غليـون‪« ،‬حـوار برهـان غليـون»‪،‬‬ ‫مجموعـة الجمهوريـة‪ ،‬بتاريـخ ‪ 18‬فبراير‪/‬شـباط‬ ‫‪.2013‬‬

‫البوركيني‪..‬‬ ‫لباس أم فزّاعة؟‬

‫علــــــى إثـــــر قــــــــرار حظـــــر لبــــاس الســــباحة‬ ‫المعـــــــروف بـــ «البوركينــي» فــي بعــض جهــات‬ ‫فرنســا خــال أغســطس‪/‬آب المنصــرم‪ ،‬صــرح‬ ‫الناطــق باســم المفوضيــة األمميــة العليــا لحقــوق اإلنســان‬ ‫ْفيــل‪« :‬إنــه بصراحــة‬ ‫التابعــة لألمــم المتحــدة‬ ‫ريبــرت كول ْ‬ ‫ْ‬ ‫َرّد فعــل غبــي علــى مــا نواجهــه فيمــا يتعلّــق بالهجمــات‬ ‫عــزز األمــن‪ ،‬وال يضيــف شــيئ ًا‬ ‫اإلرهابيــة‪ .‬فهــو ال ُي ِّ‬ ‫أي شــيء آخــر‪ ،‬بــل ُيحفِّــز‬ ‫فــي مجــال النظــام العــام أو ّ‬ ‫ـوض النظــام العــام‪ ،‬ويتسـ َّـبب فــي‬ ‫التصــادم‪ ،‬ومــن َثـّـم يقـ ِّ‬ ‫آثــار ِ‬ ‫معاكســة»‪.‬‬ ‫القضــاء الفرنســي‪ ،‬رأى فــي قــرار منــع الـــ «بوركينــي»‬ ‫الــذي رفعتــه إحــدى بلديــات جنــوب شــرق فرنســا‪ ،‬تهديــدًا‬ ‫رحبــت‬ ‫للحرّيــات التــي َت ْض ُ‬ ‫منهــا القوانيــن الفرنســية‪ .‬فيمــا َّ‬ ‫ّ‬ ‫المفوضيــة األمميــة بقــرار مجلــس الدولــة الفرنســي تعليــق‬ ‫حظــر ارتــداء «البوركينــي» فــي شــواطئ فرنســا‪ .‬ودعــت‬ ‫الســلطات المحليــة التــي تبنَّــت الحظــر إلــى إبطالــه‪،‬‬ ‫يحضــون علــى الحقــد‬ ‫واتخــاذ إجــراءات لمعاقبــة الذيــن ّ‬ ‫والكراهيــة وتأجيجهــا بيــن مختلــف األعــراق والجاليــات‬ ‫بــد ًال مــن المســاس بحقــوق النســاء اللواتــي يرغبــن فــي‬ ‫ارتــداء البوركينــي وهــن راضيــات بــه‪.‬‬ ‫تحــول «البوركينــي» إلــى‬ ‫بيــن قــرار الحظــر وإبطالــه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫موضــوع جــدل سياســي كبيــر فــي فرنســا انخــرط فيــه‬ ‫المثقفــون وكبــار الساســة فــي فرنســا‪..‬‬

‫‪23‬‬


‫«البوركيني»‬ ‫بيد القضاء الفرنسي‬ ‫مروى بن مسعود‬ ‫تداولـت مواقـع اجتماعيـة فـي اآلونـة‬ ‫األخيـرة صـورة مـن األرشـيف تعـود إلـى‬ ‫العـام ‪ ،1957‬ويظهـر فـي الصـورة ضابـط‬ ‫شـرطة بصـدد تحريـر مخالفـة ضـد امـرأة‬ ‫خالفـت القانـون بارتدائهـا «البيكينـي» على‬ ‫شـاطئ ريمينـي‪ ،‬بالسـاحل األدرياتيكـي‬ ‫اإليطالـي‪ .‬ففـي ذلـك الوقـت‪ ،‬كانـت إيطاليا‬ ‫ومعظم الدول الغربية تحظر ثوب السباحة‬ ‫المكشوف واألزياء غير المحتشمة في األماكن‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫ونحـن فـي خضـم معركـة فرنسـا لحظـر‬ ‫«البوركيني» (لباس السباحة المحتشم)‪ ،‬ال‬ ‫يسـعنا ّإل القول‪ :‬ما أشـبه اليوم بالبارحة‪.‬‬ ‫فـي نفـس الوقـت‪ ،‬يحتفـل «البيكينـي» هـذه‬ ‫السـنة بالذكـرى السـبعين لتصميمـه‪ ،‬حيـث‬ ‫تعرض حالي ًا إحدى صاالت العرض األنيقة‬ ‫بمدينة باريس صورًا تعود لسـنوات ‪1940‬‬ ‫و‪ 1950‬و‪ ،1960‬أحدثت عبر التاريخ ضجة‬ ‫مماثلـة للبوركيني اليوم‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫مالبس السباحة النسائية أثارت الجدل في‬ ‫المجتمعات منذ القدم‪ ،‬ودفعتها لسن قوانين‬ ‫منظمة لخيارات المرأة الشخصية‪ .‬كما كانت‬ ‫مالبس السباحة النسائية موضوع ًا للنقاش‬ ‫بيـن المؤرخيـن وعلمـاء االجتمـاع وعلمـاء‬ ‫األنثروبولوجيـا منـذ عقـود‪ ،‬ومثّلت أجسـاد‬ ‫النسـاء وال تـزال سـاحة للنقـاش والجـدل‪،‬‬ ‫بشـكل رسـمي أو غير رسـمي‪ .‬وضع الرجل‬ ‫(في المقام األول) ضوابط المالبس النسائية‬ ‫منذ فترة طويلة جداً‪ ،‬وخالل مراحل متفاوتة‬ ‫متعددة حول مدى‬ ‫أثار الموضوع تسـاؤالت‬ ‫ِّ‬ ‫الحريات الشـخصية والمخاوف بشـأن الحد‬ ‫منها تحت طائلة القانون‪ .‬وبطبيعة الحال‪،‬‬ ‫لـم يكـن النقـاش حـول «البوركينـي» خاص ًا‬ ‫بالحركـة النسـوية فقـط؛ فحسـب األصوات‬ ‫المعارضـة فـإن أسـاس هـذا الجـدل يكمـن‬ ‫فـي خـوف المجتمـع الفرنسـي مـن ضيـاع‬ ‫هويتـه العلمانيـة‪ ،‬خاصـة بعـد العمليـات‬ ‫اإلرهابيـة األخيـرة فـي نيـس‪ ،‬على سـاحل‬

‫البحـر المتوسـط‪ ،‬حيـث‪ -‬بعد الهجـوم بأقل‬ ‫من شهر‪ -‬صدر قرار الحظر األول‪ -‬من جملة‬ ‫ثالثين قانون ًا على األقل‪ -‬على المالبس «غير‬ ‫المناسـبة» علـى الشـواطئ فـي مدينـة كان‪،‬‬ ‫ميلا مـن نيـس‪ ،‬ونـص القرار‬ ‫علـى بعـد ‪ً 20‬‬ ‫علـى الحـد من انتشـار «اللباس اإلسلامي»‪.‬‬ ‫لكـن‪ ،‬ورغـم أن المحكمـة اإلداريـة العليا في‬ ‫فرنسـا قـد ألغـت حظـر «البوركينـي» الـذي‬ ‫أصدرته إحدى البلدات‪ -‬وهو األمر الذي كان‬ ‫من المنتظر تعميمه في حال صدور قرارات‬ ‫بالحظر في مدن أخرى تلقت دعاوى قضائية‬ ‫بخصـوص «البوركينـي»‪ّ -‬إل أن المعركة لم‬ ‫تنتـه بعـد‪ ،‬خاصـة وأن فرنسـا مقبلـة علـى‬ ‫يشـرع‬ ‫انتخابـات جديـدة‪ ،‬ومـن المحتمل أن ّ‬ ‫البرلمان قانون ًا يمنع ارتداء «البوركيني» بعد‬ ‫أن تعهد بعض مرشـحي الرئاسـة الفرنسية‬ ‫لسـنة ‪ 2017‬مـن اليميـن وأقصـى اليميـن‬ ‫بسـن إجراءات لحظر الحجاب اإلسالمي في‬ ‫الجامعات والشـركات ومنع جميع المالبس‬

‫الدينيـة فـي األماكن العامة‪.‬‬ ‫مـر التاريـخ‪ ،‬أثّـرت التشـريعات‬ ‫علـى ّ‬ ‫والتنظيمات المحلية والضغوط االجتماعية‬ ‫فـي طبيعـة وشـكل مالبـس النسـاء‪،‬‬ ‫مـن الكورسـيهات والدكولـت‪ ،‬والتنانيـر‬ ‫والفسـاتين‪ ،‬إلى السـراويل المثيرة للجدل‪،‬‬ ‫متحـرر يدعـو‬ ‫وتحولـت فرنسـا إلـى مجتمـع‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫التعـري فـي األماكـن العامـة‪ .‬وفـي‬ ‫إلـى‬ ‫ّ‬ ‫تبريراتهم لحظر «البيكيني» و«البوركيني»‪،‬‬ ‫كرر المسـئولون القول إنهم‪« :‬يضعون تلك‬ ‫َّ‬ ‫القواعـد لصالـح المـرأة»‪ .‬ويعقّـب ديـردري‬ ‫كليمنتي‪ ،‬أسـتاذ التاريخ في جامعة نيفادا‬ ‫الـذي بحـث في رمـوز اللباس النسـائي «هذا‬ ‫يعنـي أن المـرأة غيـر قـادرة علـى تنظيـم‬ ‫مظهرهـا بنفسـها»‪ .‬فـي الماضـي‪ ،‬وإلـى‬ ‫حدود سـنوات ‪ ،1980‬سـنّت عديد الشركات‬ ‫األميركية الكبرى قواعد واسعة لشكل اللباس‬ ‫النسـائي فـي قائمـة مـن أربـع صفحـات لمـا‬ ‫يمكـن للمـرأة أن تلبسـه أثنـاء للعمـل‪.‬‬ ‫ولـم يكـن «البيكينـي» ممنوعـ ًا تمامـ ًا‬ ‫فـي بعـض البلـدان فحسـب‪ ،‬بـل مـع إجبـار‬ ‫النسـاء علـى دفـع الغرامـات وتـرك العديـد‬ ‫مـن الشـواطئ إذا خالفـن ذلـك‪ ،‬وكان يعتبر‬ ‫تصرف ًا هدام ًا وعالمة على التدني األخالقي‪.‬‬ ‫وذكـر غيسلان رايـر‪ ،‬المؤلف المشـارك في‬ ‫كتاب ««البيكيني»‪ :‬األسطورة‪ ،‬تاريخ مصغر‬ ‫لمالبـس السـباحة» أن إيطاليـا وإسـبانيا‬ ‫وبعـض الشـواطئ علـى سـاحل المحيـط‬ ‫األطلسـي فـي فرنسـا حظرت ارتـداء المايوه‬ ‫فـي السـنوات القليلـة األولـى مـن بيعـه فـي‬ ‫األسواق‪ .‬في بعض البلدان المعروفة بشدة‬ ‫تدينهـا‪ ،‬مثـل إيطاليـا‪ ،‬كانت السـيطرة على‬ ‫جسـد المـرأة جـزءًا مـن األخلاق الدينيـة في‬ ‫البالد‪ .‬أما اليوم في فرنسـا فيسـيطر النظام‬ ‫المدني والعلماني الذي ال يختلف عن السابق‬ ‫في ما يتعلّق بالسيطرة والتحكم في أجساد‬ ‫النساء‪ ،‬حيث يؤمن المجتمع كثيرًا بإلزامية‬ ‫خلـع المالبـس‪ ،‬تمامـ ًا علـى غـرار إيطاليـا‪،‬‬ ‫تحـت تأثيـر الفاتيـكان‪ ،‬الـذي يشـّدد علـى‬ ‫ضـرورة تغطية أجسـاد النسـاء‪.‬‬ ‫لم يكن األمر على هذا النحو دائماً؛ عندما‬ ‫صاغ مصمم «البيكيني» األول‪ ،‬لويس ريار‪،‬‬ ‫التسـمية (نسـبة لجزيرة المرجان الصغيرة‬ ‫بيكينـي‪ ،‬التي أجرت فيها الواليات المتحدة‬ ‫اختبـار القنبلـة الذريـة) وعـرض مالبـس‬ ‫السـباحة الجديـدة فـي مسـبح موليتـور‬

‫بباريـس يـوم ‪ 5‬يوليو‪/‬تمـوز ‪ ،1946‬لـم‬ ‫يجد عارضات أزياء على استعداد إلرتدائه‪،‬‬ ‫فاضطـر لالسـتعانة براقصـات مـن كازينـو‬ ‫باريـس‪ ،‬لـم تكـن موضة مألوفة بل سـابقة‬ ‫ألوانهـا‪ .‬فـي تلـك الحقبـة‪ ،‬كان المجتمـع ال‬ ‫يـزال صارماً‪ .‬ورغم أن «البيكيني» سـرعان‬ ‫مـا أصبـح مألوفـ ًا في األفالم‪ ،‬فقد اسـتغرق‬ ‫أكثر من ‪ 15‬عام ًا ليقتحم عالم الموضة بشكل‬ ‫رسمي‪ ،‬وسبقت فرنسا عديد البلدان األخرى‪،‬‬ ‫وسـمحت في نهاية المطاف حتى للعاريات‬ ‫بالسـباحة‪ .‬ويرى دجيان واالتش سـكوت‪،‬‬ ‫أسـتاذ العلـوم االجتماعية بمعهد الدراسـات‬ ‫المتقدمة في برينسـتون‪ ،‬أن موافقة فرنسـا‬ ‫فضلا عـن‬ ‫علـى ارتـداء مالبـس السـباحة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫حظـر «البوركينـي» اليوم‪ ،‬هي من منتجات‬ ‫األفكار المستمدة من مبادئ الثورة الفرنسية‬ ‫عام ‪.1789‬‬ ‫الرسـام أوجيـن ديالكـروا‬ ‫ر‬ ‫صـو‬ ‫وقـد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«الليبرتـي» (الحرية) في شـكل امـرأة عارية‬ ‫الصـدر تقود الفرنسـيين الصالحين‪ .‬ويمكن‬ ‫العثـور بسـهولة علـى منحوتـات ونقـوش‬ ‫ماريـان عاريـة الصـدر أو شـبه عاريـة‪ ،‬رمز‬ ‫والحرّيـة بفرنسـا‪ ،‬علـى الوثائـق‬ ‫الثـورة‬ ‫ّ‬ ‫الحكومية والمباني والطوابع البريدية‪ .‬في‬ ‫الواقع‪ ،‬أشـار كريسـتيان استروسي‪ ،‬نائب‬ ‫رئيس بلدية نيس‪ ،‬والوسيط السياسي في‬ ‫كوت دازور‪ ،‬مرارًا إلى أن النساء المحتشمات‬ ‫على الشـاطئ ‪ -‬سـواء عبر بوركيني أو تي‬ ‫شيرت فضفاض وسراويل وحجاب ‪ -‬يشكلن‬ ‫يشـكل‬ ‫«اسـتفزازاً»‪ ،‬ملمحـ ًا إلـى أن لباسـهن ِّ‬ ‫تحديـ ًا للنمـط الفرنسـي‪ ،‬فـي تعـارض مـع‬ ‫أفـكار مصممـي «البوركينـي»‪ ،‬علـى غـرار‬

‫قـررت‬ ‫فانيسـا لورينسـو‪ ،‬التـي أكـدت أنهـا َّ‬ ‫تصميـم وصنع «البوركينـي» حتى ال تحرم‬ ‫كل‬ ‫المرأة المسـلمة من فرصة المشـاركة في ّ‬ ‫األنشطة مثل بقية فئات المجتمع‪ ،‬ووصفت‬ ‫حرمـان المسـلمات المتدينـات أو غيرهن من‬ ‫األشخاص من السباحة باألمر غير المقبول‪.‬‬ ‫وفـي جانـب آخر اعتبـرت األمـم المتحدة‬ ‫القـرارات البلديـة التـي تحظـر لبـاس البحـر‬ ‫(البوركينـي) فـي فرنسـا دافعـ ًا للتعصـب‬ ‫وعبـر المفـوض‬ ‫وللتمييـز ضـد المسـلمين‪ّ .‬‬ ‫ِّ‬ ‫األعلى لحقوق اإلنسان في األمم المتحدة عن‬ ‫ترحيبه بالقرار الذي اتخذه القضاء الفرنسي‬ ‫لوقـف قـرارات بحظـر «البوركينـي»‪« :‬هـذه‬ ‫تحسـن الوضـع األمنـي‪ ،‬بل هي‬ ‫القـرارات ال ّ‬ ‫علـى عكـس ذلـك تميـل إلى تغذيـة التعصب‬ ‫الدينـي ووصـم األشـخاص مـن الديانـة‬ ‫اإلسلامية فـي فرنسـا وبخاصـة النسـاء»‪.‬‬ ‫وأضـاف «القوانيـن المتعلِّقة بالمالبس مثل‬ ‫القـرارات التـي تحظـر «البوركينـي» تؤثـر‬ ‫بصورة غير متجانسة على النساء والفتيات‬ ‫وتقضـي على اسـتقالليتهن من خلال إنكار‬ ‫قدرتهـن علـى اتخـاذ قـرارات مسـتقلة حـول‬ ‫طريقة ملبسـهن»‪.‬‬ ‫وبموجـب المعاييـر الدوليـة لحقـوق‬ ‫حرّيـة أي شـخص‬ ‫اإلنسـان‪ ،‬فـإن حـدود ّ‬ ‫إلظهـار ديانتـه أو معتقداتـه‪ ،‬بمـا فـي ذلـك‬ ‫خيار طريقة ملبسـه‪« ،‬ال ُيسـمح بها سـوى‬ ‫محددة جـداً‪ ،‬بما في ذلك لحفظ‬ ‫فـي ظـروف َّ‬ ‫األمن العام والنظام العام والصحة العامة أو‬ ‫األخالق»‪ ،‬ويجب أن تكون بموجب القانون‬ ‫الدولـي لحقوق اإلنسـان مالئمـة وضرورية‬ ‫ومتناسقة‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫البوركيني‪..‬‬ ‫لباس كباقي األلبسة‬

‫*‬

‫إدوي بلينيل‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد اإلدرييس‬ ‫تّتسـم المراحـل االنتقاليـة فـي العديد من‬ ‫الـدول‪ ،‬مـن بينها بلدنا (فرنسـا)‪ ،‬بالفوضى‬ ‫وعـدم اليقيـن‪ ،‬حينمـا يكـون العالـم القديـم‬ ‫يحتضـر ببـطء والعالـم الجديـد فـي طـور‬ ‫النشـوء‪ ،‬لكونهـا تفقـد عالماتهـا األوليـة‪،‬‬ ‫الحرّيـات األساسـية‪.‬‬ ‫وبخاصـة نسـيان ّ‬ ‫الحرّيـات األساسـية‪،‬‬ ‫مـن أجـل هاتـه ّ‬ ‫ومنـذ عـام ‪( 1789‬وبعـده ‪ ،1830‬و‪،1898‬‬ ‫و‪ ،1936‬و‪ ...1968‬لنذكر بتواريخ الثورات‬ ‫الخلقـة)‪ ،‬واجـه شـعبنا القـوى التـي تخدم‬ ‫ّ‬ ‫األقوياء والمهيمنين‪ ،‬وتولد الظلم والالعدالة‬ ‫االجتماعيـة‪ .‬مـن بيـن هـذه المبـادئ‪ ،‬والتي‬ ‫‪26‬‬

‫تتماشى مع مصالح الجمهورية الديموقراطية‬ ‫الحرّية الفردية‪ :‬المساواة‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬هناك ّ‬ ‫فـي الحقـوق بين الجميـع‪ ،‬بغض النظر عن‬ ‫األصل‪ ،‬أو الظرف‪ ،‬أو االنتماء‪ ،‬أو المعتقد‪،‬‬ ‫أو الجنس أو النوع‪ ،‬بشرط أال يتعدوا على‬ ‫حقوق اآلخرين‪ ،‬سواء من خالل أيديولوجيا‬ ‫(سياسـية) أو دوغمائية (دينية)‪.‬‬ ‫كما هو الحال على الشـاطئ‪ ،‬وجب على‬ ‫كل واحـد منـا أن يفكـر فـي المواقـف التـي‬ ‫ّ‬ ‫اختارهـا باقي المصطافيـن (وفق ًا لثقافتهم‪،‬‬ ‫ومعتقداتهم‪ ،‬وأديانهم‪ ،)...‬ولكن ال أحد منا‬ ‫لـه الحـق أن يفـرض علـى اآلخر‪ -‬سـلطوياً‪-‬‬

‫اختياراتـه مـن خلال زي إلزامـي‪ .‬وهكـذا‪،‬‬ ‫بـكل قـواي‬ ‫فعندمـا كنـت باألمـس أعـارض ّ‬ ‫أي سـلطة تجبر المرأة على تغطية جسـدها‬ ‫فـي المجـال العـام‪ ،‬فإنني سـأعارض اليوم‬ ‫منـع ارتـداء لباس السـباحة على الشـاطئ‪،‬‬ ‫بحجة أنه مرتبط بالدين‪ .‬في كلتا الحالتين‪،‬‬ ‫حرّياتنـا الفرديـة لصالح‬ ‫نحـن نتنـازل عـن ّ‬ ‫منطق سلطوي وتمييزي والذي‪ ،‬في الحالة‬ ‫األولى‪ ،‬يستهدف النساء من خالل االستمرار‬ ‫في تقديمهن كأقلية سياسية مضطهدة‪ ،‬وفي‬ ‫الحالة الثانية‪ ،‬يستهدف المسلمين ويجعلهم‬ ‫بمثابة أقلية مسـتبعدة‪.‬‬ ‫الحرّية غير قابلة للقسمة‪ ،‬وهي تعني‬ ‫إن ّ‬ ‫أيض ًا أال نتشارك في نفس األفكار واألحكام‬ ‫المسـبقة‪ .‬بشـرط أال نسـعى‪ ،‬فـي المقابـل‪،‬‬ ‫لفرضهـا سـلطوي ًا ‪ -‬وهـذه بالتأكيـد ليسـت‬ ‫حالـة المسـلمات‪ ،‬كمـا تـدل على ذلـك العديد‬ ‫من التقارير‪ ،‬اللواتي يرتدين البوركيني في‬ ‫الشـاطئ مـع صديقاتهن اللواتـي ال يرتدينه‬ ‫بدورهـن‪ ،‬ويعلـن عـن احترامهـن للتنـوع‬ ‫والتعـدد الـذي يناجيـه مسـلمو فرنسـا‪ .‬هـل‬ ‫يجـب علينـا أن نذكر بتعصبنـا الديني خالل‬ ‫سنة ‪ ،1905‬في إطار عملية التصويت على‬ ‫قانون الفصل بين الكنيسة والدولة‪ ،‬حينما‬ ‫أراد بعـض الجمهورييـن المحافظيـن فـرض‬ ‫حظر ارتداء ثوب الكهنوت في الفضاء العام؟‬

‫من الواضح أن «أريستيد بريان‪Aristide -‬‬ ‫‪( »Briand‬الـذي تبنـى القانـون بدعـم قـوي‬ ‫مـن «جـان جوريـس‪ )»Jean Jaurès -‬قـد‬ ‫الحرّية‪ ،‬وعمل على الجهر‬ ‫عارض األمر باسم ّ‬ ‫بآرائه (وأيض ًا اعتقاده)‪ ،‬بدعم تدريجي من‬ ‫قبل الجمهوريين (لكن لألسف‪ ،‬كما اآلخرين‪،‬‬ ‫ينسـى النسـاء اللواتي ليس لهن صوت وال‬ ‫الحـق فـي التصويـت‪ -‬فـي بعـض األحيـان‪،‬‬ ‫ال تخلـو هـذه الذريعـة مـن سـخرية ذات أثـر‬ ‫رجعـي‪ ،‬وتظل حبيسـة الظالمية الدينية)‪.‬‬ ‫زعـم أنصـار منـع ارتداء «الزي الكنسـي»‬ ‫(كمـا يفعـل آخـرون اليـوم‪ ،‬والذيـن يريدون‬ ‫منع ارتداء أي «زي إسالمي) أن األمر يتعلق‬ ‫بعـادة رضـوخ‪ ،‬وأن مـن واجـب الدولـة أن‬ ‫تحـرر باسـم القانـون (وبالتالي بالقـوة‪)...‬‬ ‫ُّ‬ ‫الكهنـة مـن الزي الكهنوتي‪ .‬بالمناسـبة‪ ،‬أكد‬ ‫بعـض الرجولييـن أن زي الكهنـوت‪ ،‬والـذي‬ ‫يشـبه التنورة‪ ،‬ينتهك «الكرامة الرجولية»‪.‬‬ ‫وهنـا أجابهـم أريسـتيد بريـان‪ ،‬برفضـه‬ ‫للحرّية»‬ ‫للقانـون الـذي يعتـزم «إقامة نظـام ّ‬ ‫يفرض على الكهنة «ضرورة تعديل جزء من‬ ‫مالبسهم»‪« :‬إن لجنتكم‪ ،‬أيها السادة‪ ،‬تعتقد‬ ‫بـأن نظـام الفصـل الخـاص بمسـألة اللباس‬ ‫الكنسـي ال يجـب أن يطـرح للنقـاش‪ .‬إن هـذا‬ ‫الزي لم يوجد في األصل من أجلنا في صفته‬ ‫الرسـمية (‪ )...‬لقـد أصبـح الـزي الكهنوتي‪،‬‬ ‫بعـد اليـوم التالـي من الفصل‪ ،‬لباسـ ًا كباقي‬ ‫األلبسـة‪ ،‬ومتاح ًا لجميع المواطنين‪ ،‬سواء‬ ‫كانوا كهنـة أم ال»‪.‬‬ ‫وبعبارة أخرى (وبعيدًا عن إعالن بريان‪،‬‬ ‫االستفزازي‪ ،‬حول هذا التجمع الذكوري الذي‬ ‫يجعـل مـن حـق أي شـخص‪ ،‬ضمـن نظـام‬ ‫الحرّية‪ ،‬التنزه بـ«التنورة» إن أراد ذلك) إذا‬ ‫ّ‬ ‫أراد الناس (أي ًا كانوا)‪ ،‬غداً‪ ،‬أن يذهبوا بثوب‬ ‫الكهنوت إلى الشـاطئ‪ ،‬ويسـبحوا به‪ ،‬فلهم‬ ‫كامـل الحـق فـي ذلـك‪ ..‬وبالمثـل‪ ،‬وعلاوة‬ ‫علـى ذلـك‪ ،‬يمكننا أن نلتقـي‪ ،‬كما حدث في‬ ‫تصفحنا لـ«باري ماتش‪ »paris match -‬هذا‬ ‫ال عاري ًا يمشي على الشاطئ‪،‬‬ ‫األسبوع‪ ،‬رج ً‬ ‫ال عن عراة (بياريتز‪ )Biarritz -‬والذين‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫نجدهم‪ ،‬ضمن لقائهم مع «ايمانويل ماكرون‪-‬‬ ‫‪ »Emmanuel Macron‬وزوجته‪ ،‬يحيون‬ ‫الوزير وزوجته بابتسامة عريضة‪ .‬لكن نفس‬ ‫النـاس الذيـن يشـعرون بالقلـق مـن وجـود‬ ‫المسـلمات المرتديـات لمالبسـهن بالبحر‪ ،‬ال‬ ‫يحركون ساكن ًا ضد هذا االنتهاك الذي يطال‬

‫راهبات العزاء أثناء حضورهن لمسابقة ركوب األمواج في اندز‪ -‬فرنسا‬

‫حرّيتهن‪ .‬في كلتا الحالتين‪ ،‬نجد أنفسنا في‬ ‫ّ‬ ‫بالحرّيـة الفردية‪.‬‬ ‫ترتبـط‬ ‫خيـارات‬ ‫مواجهـة‬ ‫ّ‬ ‫إذا كان درسـنا ال يقترن بأي تبشـير (البحث‬ ‫حرّية األفـراد اآلخرين)‪،‬‬ ‫عـن محاولـة تقييـد ّ‬ ‫وقبـول السـلطة المفروضـة‪ ،‬فـإن ذلك يمهد‬ ‫الطريـق أمـام أخالقيـات الدولـة التـي رافقت‬ ‫دائمـ ًا النظـم االسـتبدادية‪ ،‬أيـ ًا كانـت ومهمـا‬ ‫كانت حدتها‪.‬‬ ‫كل هـذه الخالفـات‪ ،‬والتـي كان مـن‬ ‫إن ّ‬ ‫ّ‬ ‫نتائجهـا الوقـوع فـي الفـخ الـذي نصبتـه‬ ‫«داعش» (وصم المسلمين ككبش فداء يبعث‬ ‫على مخاوفنا)‪ ،‬تبدو سـخيفة للغاية عندما‬ ‫نجابهها بالتفكير المنطقي‪ .‬هل يمكن أن نقوم‬ ‫غداً‪ ،‬وباسم رفض رؤية المعتقدات والرموز‬ ‫الدينية في الفضاء العام‪ ،‬بحظر ارتداء غطاء‬ ‫الـرأس الذي ترتديـه الراهبات الكاثوليكيات‬ ‫حينمـا يذهبـن إلى الشـاطئ؟ أو منـع اليهود‬ ‫المتدينين من ارتداء الـ«كيبا» فوق رؤوسهم‬ ‫أثناء تجولهم في الشارع؟ لكن‪ ،‬هل سنقوم‬ ‫غـدًا أيضـاً‪ ،‬وباسـم «حيـاد» الفضـاء العـام‪،‬‬ ‫بمنـع ارتـداء القمصـان التـي تحمـل كتابـات‬ ‫عـن آراء يفتـرض أنهـا تخريبية أو المالبس‬ ‫الشـبابية التـي مـن المفتـرض أنهـا تـدل عـن‬ ‫انشقاقهم؟ هل سنعمل على منع و«اصطياد»‬

‫الشـعر الطويل‪ ،‬الثقوب‪ ،‬واألوشـام‪ ..‬إلخ؟‬ ‫الحرّيـة فـي التراجـع‪ ،‬تحـت‬ ‫عندمـا تبـدأ ّ‬ ‫ذريعة أيديولوجية تحميها‪ ،‬في هذه الحالة ال‬ ‫كل شيء‬ ‫تصعب استعادتها فقط‪ ،‬ولكن قبل ّ‬ ‫فإنهـا تظل مفقـودة من قبل الجميع‪ ،‬وليس‬ ‫فقط من قبل أولئك المقيدين والذين يظهرون‬ ‫على أنهم الهدف‪ .‬غداً‪ ،‬ووفق ًا لتقلبات حياتنا‬ ‫السياسـية‪ ،‬فـإن البلديـات‪ ،‬والحكومـات‪،‬‬ ‫والشركات ستتخذ ذريعة أيديولوجية لتقييد‬ ‫الحرّية المرتبطة بالجسد والمظاهر لمهاجمة‬ ‫ّ‬ ‫المواقـف األخـرى التـي تعتبـر غيـر متوافقة‬ ‫مع أهوائها‪ ،‬وعقائدها ومصالحها‪ .‬إن الدفاع‬ ‫حرّياتنا الفردية (بما في ذلك أجسادنا‪،‬‬ ‫عن ّ‬ ‫حرّيـة‬ ‫ومالبسـنا أو عرينـا) هـو دفـاع عـن ّ‬ ‫النضـال مـن أجـل حقوقنـا‪ ،‬وعـدم التعرض‬ ‫لعبوديـة السـلط (سـواء تلـك المرتبطـة‬ ‫بالدولـة‪ ،‬واالقتصاديـة‪ ،‬واأليديولوجيـة‪،‬‬ ‫والدينية‪ ،‬والجنسـانية‪ ..‬إلخ)‪.‬‬ ‫ينـص اإلعلان الثانـي لحقوق اإلنسـان‪،‬‬ ‫األكثـر نجاحـ ًا واألكثـر زواالً‪ ،‬والمرتبـط‬ ‫بالسنة األولى للجمهورية (‪ )1793‬في المادة‬ ‫«الحرّية هـي القوة‬ ‫السادسـة علـى مـا يلـي‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫التي تجعل اإلنسـان يفعل أي شـيء ال يضر‬ ‫بحقوق اآلخرين؛ إنها ذات مبدأ طبيعي؛ من‬ ‫‪27‬‬


‫الفيسكيني‪..‬‬ ‫حكاية أخرى في الصين‬

‫أجـل تسـطير العدالة؛ مـن أجل الحفاظ على‬ ‫القانون؛ ويكمن حدها األخالقي في القاعدة‬ ‫التاليـة‪« :‬ال تعامـل اآلخريـن بمـا ال تحـب أن‬ ‫يعاملـوك به»‪.‬‬ ‫أود أن أشير إلى المنشور الذي تم تداوله‬ ‫في اآلونة األخيرة على الشبكات االجتماعية‪،‬‬ ‫بنداء بسـيط حول السـبب الكامن حول عدم‬ ‫معالجتنـا لقضايـا أخـرى (ديموقراطيـة‪،‬‬ ‫واجتماعية‪ ،‬وايكولوجية‪ ،‬وجيو‪-‬سياسية‪،‬‬ ‫وعلمية‪ ..‬إلخ) والتي تفرض علينا ضرورة‬ ‫تعبئـة جهودنا لمجابهتهـا‪ ،‬كما يتضح ذلك‬ ‫ضمـن أولويـات خـط تحريـر مجلـة «ميديـا‬ ‫بـات» على طـول فصل الصيف‪:‬‬ ‫فـي صيـف سـنة ‪( 2014‬سـنتين قبـل‬ ‫هجمـات ‪ 2015‬و ‪ )2016‬كتبـت عـن ذلك في‬ ‫كتابـي «دفاعـ ًا عـن المسـلمين» (‪Pour les‬‬ ‫‪« )musulmans‬منشورات ال ديكوفير»(‪.)1‬‬ ‫هـل مـن الضـروري التأكيـد علـى كـون هـذا‬ ‫‪28‬‬

‫التحذيـر ال يـزال قائمـ ًا أكثـر مـن أي وقـت‬ ‫كل أولئك‬ ‫مضـى؟ وهـل من واجبنـا أن ندعم ّ‬ ‫الذيـن وصمـوا ال لشـيء سـوى لمعتقداتهـم‬ ‫أو مظاهرهـم؟ إليكـم هـذه المقتطفـات‪« :‬فـي‬ ‫ظـل جميـع المواقـف‪ ،‬هـذا هـو مصيـر أقليـة‬ ‫صرحت بالحالة األخالقية للمجتمع (‪ )...‬في‬ ‫مـا وراء بلـدي‪ ،‬كتبـت ضـد هـذه الحرب بين‬ ‫العالميـن‪ ،‬والتـي ندفع من خاللها الشـعوب‬ ‫إلـى بنـاء كراهيـة هوياتيـة تجعل مـن الدين‬ ‫حجة لها‪ .‬لكن أنا في فرنسا‪ ،‬حيث أعيش‪،‬‬ ‫وأعمـل‪ ،‬ومـن هنا‪ ،‬وبالنسـبة لنـا‪ ،‬انطلقت‬ ‫شـرارة هـذا الوعـي‪ .‬إن الجرائـم التـي يزعـم‬ ‫أن المسـلمين مـن يرتكبها‪ ،‬والذين أسـقطوا‬ ‫أنفسهم في مثل هذه الحروب التي ال تنتهي‪،‬‬ ‫تبـرر أبـدًا اضطهاد المسـلمين في فرنسـا‪.‬‬ ‫ال ِّ‬ ‫وال تسـمح التجـاوزات الفرديـة أو البعيدة‪،‬‬ ‫فـي بلدنـا‪ ،‬سـوى فـي وضـع كتلـة الرجال‪،‬‬ ‫يهدد السلامة‪،‬‬ ‫والنسـاء واألطفال في خطر ِّ‬

‫وحتى نقاء مجتمعنا الوطني‪ ،‬تحت ذريعة‬ ‫إيمانهم‪ ،‬أو معتقدهم‪ ،‬أو دينهم‪ ،‬أو أصلهم‪،‬‬ ‫أو ثقافتهم أو انتمائهم أو مظهرهم‪ .‬ال يمكن‬ ‫بأي حال من األحول أن تكون االضطرابات‬ ‫مبررًا إلهمال العالم‪ ،‬في‬ ‫التي يعيشها العالم ّ‬ ‫تعقيداته‪ ،‬وتنوعه وهشاشـته‪.‬‬ ‫____________________________‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫ *‬

‫�‪https://blogs.mediapart.fr/ed‬‬

‫‪wy-plenel/blog/140816/un-vetement‬‬‫‪.comme-les-autres‬‬ ‫‪ - 1‬انظـر مقـال إدوي بلينيـل موسـوم بـ«ضـد‬ ‫الكراهيـة (مـع رومـان روالنـد)» (‪Contre la haine‬‬ ‫‪:»(avec Romain Rolland‬‬ ‫‪https://blogs.mediapart.fr/edwy‬‬‫‪plenel/blog/200116/contre-la-haine‬‬‫‪.avec-romain-rolland‬‬

‫عيل فاضل‬ ‫قبل أن يتصدر موضوع البوركيني( (�‪bur‬‬ ‫‪ )kini‬عناوين الصحف العالمية‪ ،‬كان هناك‬ ‫الفيسـكيني (‪ )facekini‬فـي الصيـن‪ ،‬قنـاع‬ ‫متعددة وملونة‪ ،‬وال‬ ‫كامل للوجه وبأشـكال‬ ‫ِّ‬ ‫يزال يغزو الشواطئ الصينية المزدحمة في‬ ‫ال تجارة جديدة رابحة على‬ ‫مشك ً‬ ‫كل صيف‪ّ ،‬‬ ‫اإلنترنـت‪ .‬فـي األشـهر األخيـرة‪ ،‬شـهد تويتر‬ ‫وغيره من منصات وسائل اإلعالم االجتماعية‬ ‫تعليقات ساخرة حول قرار حظر البوركيني‬ ‫في عشرات المدن والبلدات الساحلية الفرنسية‬ ‫متسائلين عن طبيعة ردود فعل المسؤولين‬ ‫الفرنسيين تجاه مرتادي الشواطئ الصينية‪،‬‬ ‫ومعظمهم بقناع الفيسكيني‪ .‬الجدل في فرنسا‬ ‫حـول قـرار حظـر البوركينـي‪ ،‬لبـاس بعـض‬

‫النسـاء المسـلمات فـي البحـر‪ ،‬الـذي اتخذتـه‬ ‫حوالـي ‪ 30‬بلديـة فرنسـية‪ ،‬لـم ينتـه بعـد‪،‬‬ ‫واتسـعت رقعـة التعليقـات بشـأنه‪ ،‬خاصـة‬ ‫وأن المحكمة العليا الفرنسية عارضت الشهر‬ ‫الماضي حظر إحدى البلدات ارتداء البوركيني‬ ‫على الشاطئ‪.‬‬ ‫فـي الصيـن هناك حكاية أخرى؛ النسـاء‬ ‫علـى الشـواطئ يرتدين الفيسـكيني لحماية‬ ‫أنفسـهم مـن الشـمس‪ .‬فـي بعـض البلـدان‬ ‫اآلسيوية‪ ،‬ال تخشى معظم النساء التجاعيد‬ ‫التي تسببها األشعة فوق البنفسجية فحسب‪،‬‬ ‫ولكنهن يفضلن البشرة الفاتحة قدر اإلمكان‪،‬‬ ‫وكريمـات تفتيـح البشـرة تحظـى بشـعبية‬ ‫وإقبال كبيرين في اليابان وكوريا الجنوبية‬

‫وتايالنـد‪ ،‬علـى سـبيل المثـال‪ .‬النسـاء‬ ‫الصينيـات بتفضيلهـن الفيسـكيني يرتديـن‬ ‫أيضـ ًا فـي بعـض األحيان مالبس للسـباحة‬ ‫تغطـي معظم بدنهـن‪ ،‬على غرار البوركيني‬ ‫والمالبـس الرطبـة المألوفـة بيـن راكبـي‬ ‫االمـواج‪ ،‬والمطلـوب من المـرأة الصينية أن‬ ‫تكـون فاتحـة البشـرة دائمـ ًا حتـى ال تعتبـر‬ ‫إحـدى الفالحات‪.‬‬ ‫ورغـم طرافة شـكله المذهل وغرابته في‬ ‫البدايـة‪ ،‬أصبح الفيسـكيني بسـرعة لباسـ ًا‬ ‫شـعبي ًا فـي الصيـن‪ .‬ولكـن مـاذا عن فرنسـا؟‬ ‫كيـف يمكـن أن يتصـرف نفـس المسـؤولين‬ ‫وضبـاط الشـرطة الذيـن أجبـروا النسـاء‬ ‫المسلمات على خلع البوركيني في الشواطئ‬ ‫‪29‬‬


‫بين ضفتين‬

‫ايزابيلال كاميرا دافليتو‬

‫دروس إنسانية‬

‫تجـاه هـذا الزي الصينـي المماثل؟ في الواقع‬ ‫خلـف حظـر البوركينـي مجموعـة مـن ردود‬ ‫األفعـال والمواقـف الصينيـة عبـر وسـائل‬ ‫اإلعلام والتواصـل االجتماعـي‪ ،‬ولكنـه لـم‬ ‫يكن موضوع ًا رئيسـي ًا للنقاش ولم يخضع‬ ‫ألي قانون‪ .‬وقد كتب أحد المفكرين الصينيين‬ ‫علـى موقـع ويبـو (‪ )Weibo‬الصيني‪« :‬هذه‬ ‫ليست خطوة نحو الحضارة‪ ،‬ولكنها خطوة‬ ‫إلى الوراء‪ ،‬إلى وحشية التدخل في الشؤون‬ ‫الشـخصية‪ .‬إذا كنتـم قـد سـمحتم بالتعري‪،‬‬ ‫فيجب أن تسمحوا لهن بحرية الغطاء أيضاً»‪.‬‬ ‫وفـي األسـبوع الماضـي‪ ،‬جـاء فـي موقـع‬ ‫(ويبو)‪ ،‬النسخة الخارجية لصحيفة الشعب‬ ‫اليوميـة‪ ،‬وهـي الصحيفـة الرسـمية للحزب‬ ‫الشـيوعي بالصيـن‪ ،‬تعليـق سـاخر علـى‬ ‫الحظر الفرنسـي والغربي على البوركيني‪،‬‬ ‫وهجوم على ممارسـات الحكومات الغربية‬ ‫التي تنتقد الصين باستمرار بسبب انتهاكاتها‬ ‫لحقـوق اإلنسـان‪ .‬وكتـب موظـف بجريـدة‬ ‫الشـعب اليوميـة «الشـرطة المسـلحة فـي‬ ‫فرنسا أجبرت امرأة مسلمة على خلع مالبس‬ ‫السـباحة المحافـظ‪ ،‬أين حقوق اإلنسـان؟»‬ ‫في عام ‪ ،2014‬أصبح تشانغ تشيفان‪،‬‬ ‫رجـل األعمـال الصيني من مدينة تشـينغداو‬ ‫السـاحلية يتصـدر عناويـن الصحـف فـي‬ ‫جميـع أنحـاء العالـم بفكـرة الفيسـكيني أو‬ ‫القنـاع الالصـق والمصمـم لحمايـة مرتـادي‬ ‫الشـواطئ مـن الشـمس فـي الصيـن‪ ،‬حيـث‬ ‫‪30‬‬

‫البشـرة الفاتحـة مطمح الجميـع‪ .‬في البداية‬ ‫حظـي بإقبـال السـيدات فـي منتصـف العمـر‬ ‫والشـابات‪ ،‬قبـل أن يقبـل حتى الرجال على‬ ‫ويتضمـن الفيسـكيني صـورًا ألكثر‬ ‫شـرائه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المهددة باالنقراض في العالم‪ ،‬بما‬ ‫الحيوانات‬ ‫َّ‬ ‫في ذلك الباندا العمالقة‪ ،‬والتماسيح والنمور‬ ‫السيبيرية‪ .‬وكان الجيل األول من الفيسكيني‬ ‫عبـارة عـن غطـاء رأس باألسـاس‪ ،‬قبـل أن‬ ‫يتطـور القنـاع الحقـ ًا ويغطـي كامل الجسـم‬ ‫ّ‬ ‫في مجموعة متنوعة من األلوان والنقوش‪.‬‬ ‫ويستقطب المصمم «تشانغ تشيفان» عمالء‬ ‫بـاآلالف وإقناعهـم بضرورة حماية أنفسـهم‬

‫مـن األشـعة فـوق البنفسـجية ومـن قنديـل‬ ‫ويتضمـن قنـاع الفيسـكيني‬ ‫البحـر الخطيـر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أيض ًا ثقوب ًا في نسيج الجلد الضيق والمرن‬ ‫للعيون واألنف والفم‪ ،‬وفي بعض الحاالت‪،‬‬ ‫لذيول المهر‪ .‬ورغم ما أثاره الفيسـكيني من‬ ‫سخرية عالمية بسبب طرافة شكله وألوانه‪،‬‬ ‫أصبحـت هـذه األقنعـة البحريـة‪ -‬النسـائية‬ ‫فـي البدايـة باألسـاس‪ -‬شـعبية بين النسـاء‬ ‫والرجـال األصغر سـّن ًا اليوم‪ .‬وقال صاحب‬ ‫الفكـرة تشـانغ «سـأبقى أصمم وأحـاول أن‬ ‫أجعل منها رمزًا للموضة في الداخل والخارج‬ ‫علـى حد سـواء»‪.‬‬

‫بقلــب كبيــر‪،‬‬ ‫نعــرف جميعــ ًا أن أهــل نابولــي يتمتعــون‬ ‫ٍ‬ ‫ســخاء بيــن اإليطالييــن‪ ،‬ألنهــم‬ ‫ويقــال إنهــم األكثــر‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫رغــم معاناتهــم فــي الماضــي مــن فقــر وبــؤس ّإل أنهــم‬ ‫قــدم يــد العــون‬ ‫كانــوا ومــا زالــوا‪ ،‬فــي طليعــة مــن ُي ِّ‬ ‫للمحتاجيــن مــن أهليهــم‪ .‬كمــا نعــرف أيضــ ًا العــادة‬ ‫القديمــة لـ«القهــوة المدفوعــة»‪ ،‬والتــي تحّدثــت عنهــا‪-‬‬ ‫أنــا نفســي‪ -‬علــى صفحــات هــذه المجلــة قبــل بضــع‬ ‫ســنوات‪ .‬ووفقــ ًا لهــذه العــادة فــإن مــن يدخــل إلــى‬ ‫مقهــى يطلــب فنجانــ ًا مــن القهــوة‪ ،‬وبــد ًال مــن أن يدفــع‬ ‫ثمــن الفنجــان الــذي شــربه يدفــع ثمــن فنجانيــن‪ ،‬يذهــب‬ ‫اآلخــر لمجهــول يرتــاد المقهــي وال يجــد معــه نقــوداً‪.‬‬ ‫أتذكــر جيــد ًا عندمــا كنــت أعمــل فــي نابولــي‪ ،‬وكنــت‬ ‫ّ‬ ‫أذهــب مــع الزمــاء لتنــاول القهــوة فــي مقهــى فــي‬ ‫منطقــة الجامعــة‪ ،‬كنــا غالبــ ًا مــا نعيــش مشــاهد مثــل‬ ‫هــذه‪ :‬شــخص عــادي يدخــل ويســأل‪« :‬هــل دفــع أحــد‬ ‫يقــدم النــادل القهــوة لــه‪،‬‬ ‫فنجانــ ًا مــن القهــوة لــي؟»‬ ‫ِّ‬ ‫فيشــرب ويدعــو لمــن دفعهــا لــه‪ ،‬ويمضــي بيــن عيــون‬ ‫الزبائــن اآلخريــن المملــوءة بالدهشــة‪ .‬الشــيء نفســه‬ ‫قــل‪.‬‬ ‫يتكــرر أيضــ ًا مــع البيتــزا‪ ،‬وإن كان بدرجــة َأ ّ‬ ‫َّ‬ ‫اآلن هنــاك مبــادرة أخــرى أعجبتنــي‪ ،‬وأريــد أن‬ ‫أرويهــا لكــم‪ ،‬ألننــا قــد نحتــاج‪ ،‬وســط األشــياء‬ ‫الســيئة التــي تحــدث فــي العالــم‪ ،‬إلــى أشــياء‬ ‫الكثيــرة‬ ‫ّ‬ ‫أهميــة‪،‬‬ ‫بســيطة وصغيــرة جــداً‪ ،‬ربمــا ال تكــون لهــا ّ‬ ‫ولكنهــا تكشــف عــن إنســانية كبيــرة تجعلنــا جميعــ ًا‬ ‫نشــعر بأننــا أفضــل‪ .‬فقــد أبــرزت جميــع الصحــف‬ ‫اإليطاليــة قصــة أثــارت ضجــة كبيــرة‪ :‬قصــة صاحــب‬ ‫كل يــوم خــارج‬ ‫بقالــة‪ ،‬فــي نابولــي‪ ،‬يضــع صبــاح ّ‬

‫المحــل كرتونــة كبيــرة بهــا أكيــاس تحتــوي علــى‬ ‫الخبــز الطــازج‪ .‬وفــوق هــذه المأدبــة المرتجلــة‪ ،‬كتــب‬ ‫يقــول‪« :‬هــذا الخبــز ليــس للبيــع‪ ..‬إذا كنــت بحاجــة‬ ‫إليــه خــذه»‪ .‬وهكــذا بــدأ اعتبــار ًا مــن شــهر إبريــل‪/‬‬ ‫نيســان يمنــح الخبــز لمــن يحتــاج إليــه‪ ،‬وأضــاف إليــه‬ ‫غيرهــا مــن الفوائــض الغذائيــة لــم يكــن قــد باعهــا حتــى‬ ‫خصصــة ألولئــك‬ ‫نهايــة اليــوم‪ ،‬لتصبــح منتجــات ُم ّ‬ ‫الذيــن ال يســتطيعون حتــى الدخــول إلــى متجــر‪ .‬لــم‬ ‫تكــن بالتأكيــد منتجــات منتهيــة الصالحيــة‪ ،‬ولكنهــا‬ ‫ســلع ذات جــودة عاليــة‪ ،‬بمــا فــي ذلــك المنتجــات‬ ‫البيولوجيــة غاليــة الثمــن‪ ،‬ومعهــا المعكرونــة واألرز‬ ‫وأكثــر مــن ذلــك‪ .‬والشــيء المدهــش هــو أن مــن اقتربــوا‬ ‫مــن هــذه الوليمــة لــم يكونــوا فقــط مــن الفقــراء‪ ،‬بــل كان‬ ‫بينهــم العديــد مــن كبــار الســن مــن أربــاب المعاشــات‬ ‫والذيــن ال تكفيهــم معاشــاتهم للوصــول إلــى نهايــة‬ ‫ٍ‬ ‫بحيــاء شــديد مــن‬ ‫الشــهر‪ .‬وهــؤالء كانــوا يقتربــون‬ ‫المتجــر ويأخــذون شــيئ ًا واحــد ًا ثــم ينصرفــون بعــد أن‬ ‫يشــكروا صاحــب المتجــر‪ .‬لــم يســتغل أحــد‪ ،‬حتــى اآلن‪،‬‬ ‫الموقــف و«ينهــب» هــذا الكنــز الصغيــر‪ .‬وربمــا كانــت‬ ‫تمخضــت عــن مبــادرة‬ ‫هــذه هــي المعجــزة األعظــم التــي َّ‬ ‫نابولــي هــذه‪.‬‬ ‫أثــارت فكــرة هــذا التاجــر ضجــة كبيــرة‪ ،‬ألنــه فــي الوقــت‬ ‫الــذي تزيــد فيــه الفجــوة بيــن األغنيــاء والفقــراء أكثــر وأكثر‪،‬‬ ‫يصبــح مــن المثيــر لإلعجــاب أن تجــد مــن النــاس مــن يهتــم‬ ‫بالمحتاجيــن بمبــادرات مــن هــذا النــوع‪ .‬ولكــن هناك مبــادرة‬ ‫أخــرى‪ ،‬مثــل «اآليــس كريــم المعلَّــق»‪ ،‬التــي تنتشــر علــى‬ ‫الصعيــد الوطنــي‪ ،‬وأريــد أن أرويهــا لكــم أيض ـاً‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫فــي عــام ‪ 2015‬ظهــرت جمعيــة ُتســمى «انقــذوا األمهــات»‬ ‫كل مــن يدخــل محــل آيــس‬ ‫وابتكــرت المشــروع التالــي‪ّ :‬‬ ‫كريــم طيلــة شــهر أغســطس‪ ،‬مــن تلــك المحــات التــي‬ ‫تحمــل عالمــة الجمعيــة‪ ،‬يمكنــه‪ ،‬إذا أراد‪ ،‬أن يدفــع ثمــن‬ ‫اآليــس الكريــم الخــاص بــه‪ ،‬ومثلــه لمــن ال يســتطيع أن‬ ‫يدفــع المقابــل‪ .‬هــذا الزبــون عندمــا يذهــب إلــى الخزنــة‬ ‫ســيقدم لطفــل‬ ‫يتــرك ثمــن «اآليــس كريــم المعلَّــق» الــذي‬ ‫ُّ‬ ‫تحمــل ثمنــه‪ .‬ومــن المعــروف أن جميــع‬ ‫ال يســتطيع‬ ‫ُّ‬ ‫األطفــال‪ ،‬خصوصــ ًا فــي فصــل الصيــف‪ ،‬يعشــقون‬ ‫تنــاول اآليــس كريــم‪ ،‬ولكــن والديهــم ال يســتطيعون‬ ‫بســبب األزمــة االقتصاديــة‪ ،‬لألســف‪ ،‬إســعاد أطفالهــم‬ ‫ــد ْت هــذه المبــادرة «اتــرك‬ ‫دائمــ ًا بشــرائه لهــم‪ .‬وهكــذا ُوِل َ‬ ‫آيــس كريــم مدفوعــ ًا لطفــل» أو «شــهر اآليــس كريــم‬ ‫إلنقــاذ األمهــات»‪ ،‬وقــد انطلقــت هــذه المبــادرة مــن‬ ‫نابولــي‪ ،‬ووصلــت إلــى رومــا‪ ،‬حيــث انضمــت وللســنة‬ ‫الثانيــة العديــد مــن محــات اآليــس كريــم للمبــادرة التــي‬ ‫تلقــى إقبــا ًال يزيــد شــيئ ًا فشــيئ ًا ليعــم إيطاليــا كلّهــا‪.‬‬ ‫ونشــر موقــع الجمعيــة خريطــة بالمحــات التــي انضمــت‬ ‫للمبــادرة‪ .‬ونفهــم مــن هــذه الخريطــة أن المنضميــن فــي‬ ‫العــام الماضــي بلغــوا أكثــر مــن ‪ 200‬محــل آيــس كريــم‬ ‫فــي جميــع أنحــاء إيطاليــا‪ ،‬منحــوا أكثــر مــن ‪20.000‬‬ ‫آيــس كريــم مجانــاً‪ .‬المشــكلة الوحيــدة هــي أن الفقــراء‬ ‫ال يحاطــون علم ـ ًا بمثــل هــذه المبــادرات‪ ،‬فليســوا جميع ـ ًا‬ ‫ممــن لــه حســابات علــى الفيســبوك‪ ،‬أو اشــتراكات فــي‬ ‫اإلنترنــت‪ ،‬وليســوا جميعــ ًا ممــن يتنزهــون فــي الشــوارع‬ ‫الواســعة فــي وســط المدينــة التــي ُتوجــد فيهــا محــات‬ ‫اآليــس كريــم المانحــة‪ ،‬ولهــذا فــإن المبالــغ المودعــة‬ ‫‪32‬‬

‫لحســاب اآليــس كريــم المجانــي فاقــت كثيــر ًا مــا‬ ‫ــم ســحبه منهــا‪ .‬لهــذا اســتخدمت جمعيــة «إنقــاذ‬ ‫َت ّ‬ ‫األمهــات» المبلــغ الــذي لــم يســتخدم لشــراء ألعــاب‬ ‫لتوزيعهــا علــى األطفــال المرضــى فــي أقســام األطفــال‬ ‫فــي بعــض المستشــفيات اإليطاليــة‪.‬‬ ‫ـل‬ ‫ومــع ذلــك بــادر بعــض الخبثــاء لطــرح أســئلة ال تقـ ّ‬ ‫ا فــي حاجــة‬ ‫خبثــاً‪ ،‬مــن نوعيــة‪ :‬هــل األســرة فعــ ً‬ ‫حقيقيــة‪ ،‬أم تســتغل الفرصــة ال غيــر؟ أو يثيــرون‬ ‫الشــكوك حــول نزاهــة بائــع اآليــس كريــم الــذي‬ ‫يمكنــه ســرقة المــال بســهولة‪ ،‬فــا أحــد رقيبــ ًا عليــه!‬ ‫بالطبــع ال يمكننــا أن نعــرف هــذا وال ذاك‪ ،‬فالعالــم‬ ‫ـون مــن أهــل الخيــر‬ ‫منــذ نشــأته قوامــه هــذا وذاك‪ ،‬يتكـ ّ‬ ‫وأهــل الشــر‪ ،‬مــن الطيبيــن والماكريــن‪ ،‬الكرمــاء‬ ‫والجشــعين‪ ،‬الصادقيــن والمحتاليــن‪ ،‬ولكننــا ال يمكــن‬ ‫أن نقتــل فــي أنفســنا الثقــة واألمــل فــي عالــم أفضــل‪،‬‬ ‫وإذا كانــت القهــوة‪ ،‬والبيتــزا‪ ،‬وقطعــة مــن الخبــز‬ ‫واآليــس كريــم تجعلنــا نشــعر بأننــا أفضــل‪ ،‬بإهدائهــا‬ ‫لشــخص آخــر‪ ،‬فلمــاذا ال نفعــل ذلــك؟ التكلفــة فــي‬ ‫ٍ‬ ‫واقــع األمــر قليلــة‪ ،‬يكفــي فقــط ّأل نركــن إلــى هــذه‬ ‫المبــادرات البســيطة لكــي نريــح ضميرنــا ونطمئــن‬ ‫إلــى أننــا قــد أصبحنــا طيبيــن‪ ،‬فنتعامــى عــن باقــي‬ ‫أشــكال الظلــم التــي تقــع فــي العالــم تحــت ســمع‬ ‫وبصــر الجميــع‪.‬‬

‫متحف الحريرـ فالنسـيا‬

‫فالنسيا‪..‬‬ ‫مدينة الحرير «‪»2016‬‬ ‫فيرو‬ ‫فالنسـيا ‪ :‬نويمي ّ‬ ‫قـدر‬ ‫بانقضـاء زيـارة أفـواج‬ ‫الم َّ‬ ‫ّ‬ ‫السـياح ُ‬ ‫عددهـم بسـتة آالف سـائح خلال شـهر‬ ‫يونيو‪/‬حزيـران ‪ 2016‬إلـى متحـف‬ ‫الحريـر فـي مدينـة فالنسـيا اإلسـبانية‬ ‫يعـود المتحـف مع قدوم فصـل الخريف‬ ‫إلـى هدوئـه المعتـاد‪ ،‬ممـا يتيـح لنـا‬ ‫اإلبحار قدر اإلمكان بخيالنا إلى القرون‬ ‫الوسـطى وبدايـة العصـر الحديـث‪ .‬فـي‬ ‫حقيقـة األمـر ُت َعـّد رحلتنـا عبـر التاريخ‬

‫فـي القـرن الثامـن أول محطـة عنـد‬ ‫وصـول العـرب إلـى شـبه الجزيـرة‬ ‫األيبيريـة وتأسـيس مـدن األندلـس‬ ‫ومعهـم أسـرار صناعـة الحريـر‪.‬‬ ‫يفتخر هذا المتحف بكونه أقدم وأوسع‬ ‫قاعـدة لطائفـة حرفيـة فـي أوروبـا‪،‬‬ ‫والذي ُي َعّد بما يحويه من المخطوطات‬ ‫والكتـب والصناديـق أرشـيف ًا كبيـر ًا‬ ‫يوثِّـق تاريـخ المـكان ومـا يتعلَّـق‬ ‫بمجال صناعة الحرير‪ ،‬فكمية الوثائق‬ ‫أهمية هذه المادة‬ ‫القديمة الفريدة تثبت ّ‬

‫وصناعتهـا منـذ القـرن الخامـس عشـر‬ ‫إلـى نهايـة القـرن الثامن عشـر مختزلة‬ ‫بذلـك أربعـة قـرون بنورهـا وظلمتهـا‬ ‫فـي رحلـة عبـر التاريـخ‪.‬‬ ‫إن زيـارة المتحـف تبـدأ فـي الحقيقـة‬ ‫من الشـوارع المحــيطة به‪ ،‬وهو يقــع‬ ‫عــــند حــي ‪ Velluters‬اسـم محلـي‬ ‫باللّغـة البلنسـية مأخـوذ ًا مـن الكلمـة‬ ‫اإليطاليـة ‪ velluto‬ومعناهـا «مخمل»‪.‬‬ ‫يعـود بنـاء المبنى إلى القـرن الخامس‬ ‫مميـزة‬ ‫عشـر عندمـا ازدهـرت بصـورة ّ‬ ‫‪33‬‬


‫صناعـة الحريـر وتقنيتهـا فـي المدينـة‬ ‫علـى يـد التجار القادميـن من جينوا في‬ ‫الشمال اإليطالي‪ ،‬والذين اشتهروا فيما‬ ‫بعـد باإلنتـاج الحرفي للمخمل الموجود‬ ‫في المدينة الساحلية اإلسبانية‪ ،‬والذي‬ ‫ُي َعـّد شـاهد ًا علـى مـا تركـه العـرب فـي‬ ‫المؤرخ في القرن‬ ‫فالنسـيا‪ .‬هـذا المبنـى‬ ‫َّ‬ ‫الخامس عشـر يحتوي أيض ًا في داخله‬ ‫علـى ثـروة أثريـة فريـدة مـن نوعهـا‪،‬‬ ‫خاصـة مـن الفسيفسـاء التـي تضفـي‬ ‫جمـا ًال فريـد ًا لمـن يرغـب الغـوص فـي‬ ‫رحلـة عبـر الثّقافـات‪.‬‬ ‫مدينـة فالنسـيا اإلسـبانية ُسـميت‬ ‫هـذا العـام مـن ِقَبـل منظمـة اليونسـكو‬ ‫«مدينة الحرير ‪ ،»2016‬وهذه التسـمية‬ ‫قـد منحـت إسـبانيا العضويـة الثانيـة‬ ‫والثالثيـن فـي طريـق الحريـر داخـل‬ ‫برنامـج منظمـة األمـم المتحـدة للتربية‬ ‫والعلـوم والثّقافـة‪ ،‬والتـي تهـدف بهذه‬ ‫المناسـبة إلـى انتشـار التـراث الثّقافـي‬ ‫والفنّـي علـى مـدى طريـق الحريـر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫(والجدير بالذكر أن أعمال إعادة تأهيل‬ ‫مبنى المتحف قد استغرقت قرابة عامين‬ ‫و‪ 68000‬ساعة عمل وحوالي مليوني‬ ‫يـورو مـن ِقَبـل مؤسسـة خاصـة)‪ .‬إن‬ ‫الزائـر المهتـم يمكنـه أن يحظى بمعرفة‬ ‫بكل‬ ‫مسـار‬ ‫تطـور إنتـاج الحريـر مـرور ًا ّ‬ ‫ُّ‬ ‫الق ّـز‬ ‫مراحلـه‬ ‫ابتـداء مـن تربيـة دودة َ‬ ‫ً‬ ‫الملون‬ ‫وحتـى الحصـول علـى القمـاش‬ ‫َّ‬ ‫النهائـي‪ .‬إضافـة إلـى هـذه المعلومـات‬ ‫التقنيـة ومراجعـة تاريـخ هـذه المـادة‬ ‫بيـن الشـرق األقصـى والغـرب‪ ،‬فـإن‬ ‫متحف الحرير في فالنسـيا ُيتيح للزائر‬ ‫إمكانية رؤية وتعلُّم َفّن النسيج المعقَّد‬ ‫بفضـل آلـة مصنوعـة مـن الخشـب وهو‬ ‫النـول الـذي يعـود اختراعـه إلـى القرن‬ ‫الثامن عشـر على يد المهندس الفرنسي‬ ‫الـذي ابتـدع طريقـة ثوريـة للحصـول‬ ‫علـى رسـومات خاصـة فـي صناعـة‬ ‫النسـيج المطبـوع‪ .‬وهـذه الرسـومات‬ ‫ـم‬ ‫صنعـت بواسـطة اليـد‬ ‫ً‬ ‫بدايـة‪ ،‬ومـن َث َّ‬ ‫ُ‬ ‫باسـتخدام لوحات خشـبية مربعة على‬ ‫طـراز قوالـب كبيرة الحجم وفيها شـكل‬ ‫الرسم المحفور الذي كان ُيطبع بقماش‬ ‫‪34‬‬

‫مـن معروضات المتحف‬

‫الحريـر‪ ،‬ولكـن الحاجـة أم االختـراع‪،‬‬ ‫كمـا ُيقـال‪ ،‬وبذلـك لـم يحتـج العامـل‬ ‫الفنّـي إلـى الكثيـر مـن الوقـت ليدرك أن‬ ‫َ‬ ‫األصبغـة المسـتعملة لطبع الرسـومات‬ ‫تسـبب انتفـاخ خشـب اللوحـات‪،‬‬ ‫كانـت‬ ‫ِّ‬ ‫ومـن َث ّـم ُاسـتبدلت هـذه المـادة الثمينـة‬ ‫بأسـطوانات مـن الحديـد للحصول على‬ ‫طباعـة بلا أخطـاء فـي القمـاش‪.‬‬ ‫زيـارة متحـف الحريـر تسـاعدنا كذلـك‬ ‫علـى فهـم مـدى أهميـة هـذا المنتـج عبر‬ ‫التاريخ وطبيعة التبادل التجاري الذي‬ ‫كان سـائد ًا بيـن الحضـارات‪ ،‬كمـا أنهـا‬ ‫زيـارة قـد تطبـع فـي قلـب الزائـر أثـر ًا‬ ‫مفعمـ ًا بالحنيـن إلـى الماضـي ولو كان‬ ‫لمجـرد برهـة قصيـرة ليصبـح شـاهد‬ ‫عيـان علـى ازدهـار مدينـة ومينـاء‬ ‫علـى السـاحل الغربـي للبحـر األبيـض‬

‫المتوسـط‪.‬‬ ‫التأمـل فـي‬ ‫قـد يبـدو مـن الطريـف لنـا‬ ‫ُّ‬ ‫تطوره‬ ‫قرننا الحادي والعشرين مع ّ‬ ‫كل ُّ‬ ‫وتقـدم التكنولوجيـا أن نرنـو بنظـرة‬ ‫ُّ‬ ‫عاطفيـة إلـى ذلـك الماضـي الغابـر‬ ‫لنكتشـف فـي نهايـة المطـاف أننا لسـنا‬ ‫متواصليـن مع بعضنا البعض بطريقة‬ ‫ـن‬ ‫أفضـل مـن تلـك التـي تواصـل بهـا َم ْ‬ ‫عـاش قبـل سـبعة قـرون‪.‬‬

‫شرق صغير‬ ‫طريـق معروف؛ انتشـر‬ ‫طريـق الحريـر‬ ‫ٌ‬ ‫من الصين إلى األندلس مرور ًا بعواصم‬ ‫«الشـرق األوسط»‪ ،‬وهو يسلِّط الضوء‬ ‫علـى تاريـخ التجـارة منـذ بدايتـه فـي‬ ‫القـرن الثانـي قبـل الميلاد وصـو ًال إلى‬

‫مـدن األندلـس عنـد دخـول العرب خالل‬ ‫القـرن الثامـن بعـد الميالد‪.‬‬ ‫وتـروي األسـطورة أن اإلمبراطـور‬ ‫ِّـب‬ ‫جسـتينيان الرومانـي‪ ،‬الـذي ُلق َ‬ ‫بـ«اإلمبراطـور الـذي ال ينـام»‪ ،‬والـذي‬ ‫حكم اإلمبراطورية الرومانية في بداية‬ ‫القرن السادس‪ ،‬كان مهووس ًا باكتشاف‬ ‫أسـرار إنتـاج الحريـر‪ ،‬وأنـه أرسـل‬ ‫راهبيـن إلـى الصيـن وعـادا مـن هنـاك‬ ‫الق ّـز مخفيـ ًا فـي عصاهمـا‬ ‫ببيـض دودة َ‬ ‫المتعددة حتى‬ ‫ليتجنبـا مخاطر الطريق‬ ‫ِّ‬ ‫القسـطنطينية‪ .‬بعـد العثـور علـى هـذا‬ ‫السـر الخفـي الـذي كان مـن الصعـب‬ ‫للغايـة الحصـول عليـه كانـت تنميـة‬ ‫صناعـة موازيـة للحريـر مجـرد مسـألة‬ ‫وقت ومعها فقدت الصين احتكار تجارة‬ ‫الحرير‪ .‬وسـرعان ما ُأنشـئت وانتشرت‬ ‫مصانـع الحريـر وأهمهـا موجـودة فـي‬ ‫ثمة مراكز أخرى‬ ‫القسـطنطينية‪ ،‬ولكن ّ‬ ‫بالغة األهمية أيض ًا في مدن بالد الشام‬ ‫مثـل بيـروت وصـور وأنطاكيـا علـى‬ ‫ـم فـي اليونان‪،‬‬ ‫حـدود الشـمال‪ ،‬ومـن َث َّ‬ ‫خاصـة فـي مدينـة طيبـة‪ ،‬كمـا البـد‬ ‫أن نذكـر مصنـع الحريـر الموجـود فـي‬ ‫اإلسـكندرية آنذاك فـ«الحرير المصري»‬ ‫كان ُيبـاع فـي القسـطنطينية أيضاً‪ .‬كما‬ ‫أصبحـت تجـارة الحريـر احتـكار ًا ممـا‬ ‫ال اقتصادي ًا‬ ‫أعطى للدولة البيزنطية دخ ً‬ ‫ال بـأس بـه سـمح باسـتمرار ثقافـة‬ ‫وع ِّم َـم اسـتخدام هـذا النـوع من‬ ‫الحريـر ُ‬ ‫القمـاش إلـى أبعـد نقطـة فـي العالم من‬ ‫منطقتـه األصليـة فـي الشـرق األقصى‪.‬‬

‫العرب وحرير المتوسط‬ ‫القّز‬ ‫كان العرب أول من بدأ بتربية دودة َ‬ ‫عبـر البحـر األبيـض المتوسـط وصـو ًال‬ ‫إلى شبه الجزيرة األيبيرية في القرنين‬ ‫الثامـن والتاسـع إلى قرطبـة وغرناطة‬ ‫كأول محطـة وطليطلـة وفالنسـيا فـي‬ ‫المرحلة الثانية‪ .‬فتح حكم عبد الرحمن‬ ‫األوسـط أو «عبد الرحمن الثاني»‪ ،‬كما‬ ‫كان معروفـ ًا فـي المصـادر األجنبيـة‪،‬‬ ‫وهـو رابـع أمـراء الدولـة األمويـة فـي‬

‫األندلـس‪ ،‬النهضة الثّقافية والحضارية‬ ‫التـي شـهدتها المنطقـة‪ .‬أمـا فـي سـياق‬ ‫تخـل من‬ ‫االزدهـار فصناعـة الحريـر لـم ُ‬ ‫البـدخ آنـذاك‪ ،‬لكـن مـدن األندلـس لـم‬ ‫تكـن فـي ذلـك الوقـت بنفـس السـوية‬ ‫التقـدم والنمـو‪ ،‬ومثـال‬ ‫علـى صعيـد‬ ‫ُّ‬ ‫على ذلك اللفظ المستخدم في المصادر‬ ‫العربية لفالنسيا وهو «مدينة التراب»‪.‬‬ ‫فـي حقيقـة األمـر لم تعـش المدينة نمو ًا‬ ‫مرموقـ ًا حتـى مرحلـة ملـوك الطوائـف‬ ‫فـي القـرن الحـادي عشـر‪ ،‬ودليـل علـى‬ ‫ذلـك بنـاء سـور جديـد للمدينـة مـا زال‬ ‫يحتفـظ بجـزء منـه حتـى أيامنـا هذه‪.‬‬ ‫ومـع مـرور األيـام وما حملتـه معها من‬

‫وقع سيوف المعارك واألحداث وملوك‬ ‫جـدد لمـدن عتيقة بقيـت صناعة الحرير‬ ‫والتحـوالت‬ ‫التغيـرات‬ ‫علـى الرغـم مـن‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫السياسـية واالقتصاديـة واالجتماعيـة‬ ‫فـي المـكان نفسـه كمـا كانـت دائمـ ًا‬ ‫متواجدة‪.‬‬ ‫بعودتنـا لطريـق الحريـر نكتشـف أنـه‬ ‫مـا مـن سـبب سياسـي أو تجـاري أو‬ ‫اقتصادي كان قادر ًا على نفاد استهالك‬ ‫هـذا المنتـج الطبيعي منذ ظهوره‪ ،‬وأن‬ ‫مـرور الوقـت والحـروب والحـوادث‬ ‫التاريخيـة المختلفـة ال يـدل ّإل علـى‬ ‫ذوق رفيـع مشـترك بيـن الثّقافـات‪...‬‬ ‫‪35‬‬


‫ملف‬

‫جـــــبران‪..‬‬ ‫الرســـــــــــام‬ ‫ّ‬ ‫ــن‪ ،‬بيــن تاريخهــا ومدارســها‬ ‫جبــران الفّنــان قلمــا يحضــر فــي كتــب َ‬ ‫الف ّ‬

‫وفّنانيهــا وأســاليبها‪ ،‬وال ســيما فــي الكتــب العربيــة منهــا‪ .‬مــا ســبب هــذا‬

‫التغييــب؟ مــا دواعــي هــذا النقــص؟ أكثــر مــن كتــاب وكاتــب يتحـ َّـدث عــن‬

‫جبــران‪ ،‬بوصفــه أحــد أركان «النهضــة العربيــة»‪ ،‬وهــو مــا يناســب إنتاجه‬ ‫بطبيعــة الحــال‪ّ .‬إل أن مــا قــام بــه يتع ـّدى ذلــك‪.‬‬

‫يتوخــى فيهــا‬ ‫هــذا الملــف دراســة أعدهــا الناقــد اللبنانــي شــربل داغــر‪،‬‬ ‫َّ‬

‫اإلجابــة عــن هــذه األســئلة‪.‬‬

‫أعد الملف‪ :‬شربل داغر‬

‫‪36‬‬

‫‪37‬‬


‫حظــي جبران بــدرس «أدبي» فائق ومتوســع‪ ،‬فيما لم‬ ‫يحظ بقســطه من الدرس الَفنّي‪ ،‬حتى إنه يغيب أحيان ًا‬ ‫َ‬ ‫عــن كتب التاريخ الَفنّي العربية‪ .‬ومنها أيض ًا أن جبران «دخل» إلى‬ ‫تبينه في هذا الملف) عن‬ ‫عالم اللوحة دخو ًال مختلف ًا (على ما‬ ‫سيتم ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫أقــران جيله‪ ،‬ووفــق عالقة مميزة (ال نجدها عنــد غيره) بين األدب‬ ‫ــن‪ .‬ومنهــا كذلك أن جبران ســلك إلى اللوحة ســلوك ًا «مبتكراً»‬ ‫والَف ّ‬ ‫ــن العربي الحديث‪ ،‬إذ قرن‬ ‫حــاد به عن ســبيل أقرانه من «رواد» الَف ّ‬ ‫َ‬ ‫خاصة بمنظوره الرؤيوي‪.‬‬ ‫بل‬ ‫فلسفية‪،‬‬ ‫بشواغل‬ ‫الَفّن‬ ‫ّ‬

‫إعادة جبران إلى سياقه‬ ‫هل كان جبران‬ ‫اثنين في واحد‪،‬‬ ‫أي ممارس ًا‬ ‫لمهنتَين في‬ ‫الوقت عينه؟‬ ‫أم أنه واحد في‬ ‫اثنين؟‬

‫‪38‬‬

‫ال مشــابه ًا لغيره‬ ‫ســلك جبــران إلــى الصورة ســبي ً‬ ‫م ــن أوائ ــل المصوري ــن الع ــرب‪ ،‬غي ــر أن ــه اتج ــه‪،‬‬ ‫ال مختلفـــاً‪ ،‬مرتيـــن‪ :‬مختلفـــ ًا‬ ‫فـــي إنتاجهـــا‪ ،‬ســـبي ً‬ ‫م ــع م ــا كان ــه التصوي ــر ف ــي أوروب ــا (حي ــث درس)‬ ‫وفــي الواليــات األميركيــة (حيــث أقــام وعــرض وباع‬ ‫ّيــة)؛ ومختلفـاً‪ -‬ثانيــة‪ -‬مــع مــا انــدرج فيــه‬ ‫أعمــا ًال َفنّ‬ ‫ـن جب ــران‬ ‫ـن البداي ــات العربي ــة‪ .‬له ــذا ف ــإن درس َف ـ ّ‬ ‫َف ـ ّ‬ ‫لــه أن يســتكمل الفحــص المتعـ ِّـدد لمرحلــة التشـ ُّـكالت‬ ‫واالنطالقـــات فـــي التصويـــر العربـــي الحديـــث‪ ،‬إذ‬ ‫ـرب جب ــران م ــن أقران ــه «ال ــرواد» الع ــرب‬ ‫يظه ــر ق ـ َ‬ ‫(داود الق ــرم‪ ،‬حبي ــب س ــرور‪ ،‬محم ــود مخت ــار‪،)...‬‬ ‫بع ــد أن انتق ــل مثله ــم لل ــدرس ف ــي معاه ــد أوروب ــا؛‬ ‫كم ــا ُيظه ــر ابتع ــاده عنه ــم‪ ،‬ف ــي القس ــم األب ــرز م ــن‬ ‫ال مخصوصـ ًا بــه‪ ،‬مــا جعلــه‬ ‫إنتاجــه‪ ،‬إذ ســلك ســبي ً‬ ‫بفنّـــه‪ ،‬وإن يســـتند إلـــى «النهضتيـــن»‪:‬‬ ‫مســـتق ً‬ ‫ال َ‬ ‫النهضـــة اإليطاليـــة‪ ،‬والنهضـــة العربيـــة‪ ،‬وهـــو‬ ‫الش ــريك والفاع ــل فيه ــا‪.‬‬ ‫الفنّانيــن‪ ،‬العــرب‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫أو‬ ‫ـاء‪،‬‬ ‫قّلــة قليلــة مــن األدبـ‬ ‫َ‬ ‫واألجانـــب‪ ،‬انصرفـــت إلـــى األدب والتصويـــر فـــي‬ ‫الوقـ�ت عينـ�ه‪ .‬هـ�ذا مـ�ا يصـ�ح فـ�ي وليـ�م باليـ�ك( (�‪Wil‬‬ ‫وفّن ــه أث ــر‬ ‫‪ ،)liam Blake‬ول ــه ف ــي حي ــاة جب ــران َ‬ ‫كبيــر (علــى مــا ســيتضح)‪ ،‬أمــا فــي العربيــة فإننــا‬ ‫ل ــم نع ــرف ذل ــك قب ــل الق ــرن العش ــرين‪ ،‬م ــع‪ :‬جب ــرا‬ ‫إبراهيــم جبــرا (الــذي مــا لبــث بعــد خمســينيات القــرن‬ ‫العش ــرين أن تخل ــى ع ــن التصوي ــر وانص ــرف إل ــى‬ ‫ـن‪ ،‬كمــا تخلــى أيضـ ًا عــن الشــعر‪ ،‬وانصــرف‬ ‫نقــد َ‬ ‫الفـّ‬ ‫مرك ــزًا جانب ــه اإلبداع ــي عل ــى الرواي ــة‬ ‫إل ــى نق ــده‪ِّ ،‬‬

‫ـا عــن الترجمــة)‪ ،‬وإيتيل عدنــان‪ ،‬التي‬ ‫تحديــداً‪ ،‬فضـ ً‬ ‫جمعــت بيــن التصويــر والشــعر والروايــة (باللّغتيــن‬ ‫اإلنجليزيــة والفرنســية)‪.‬‬ ‫جبـــران هـــو أحـــد هـــذه القلـــة‪ ،‬وإن كان دارســـو‬ ‫أدب ــه‪ -‬وه ــم كث ــرة‪ -‬يكتف ــون ب ــه وح ــده‪ ،‬ودارس ــو‬ ‫بفّن ــه حص ــراً‪ .‬ل ــه س ــيرة‬ ‫َفّن ــه‪ -‬وه ــم قل ــة‪ -‬يكتف ــون َ‬ ‫منفصلــة‪ ،‬وإنتاجــان متباعدان‪ .‬فهــل كان جبران اثنين‬ ‫ف ــي واح ــد‪ ،‬أي ممارس ـ ًا لمهنَتي ــن ف ــي الوق ــت عين ــه؟‬ ‫أم أن ــه واح ــد ف ــي اثني ــن‪ ،‬أي مب ــدع يكت ــب‪ -‬يص ــور‬ ‫باليدي ــن (إذا ج ــاز التش ــبيه)؟ وه ــو م ــا يتعي ــن ف ــي‬ ‫أس ــئلة متفرع ــة م ــن الس ــؤال اإلش ــكالي‪ :‬ه ــل يص ــدر‬ ‫«مذهبين»‬ ‫أدب جبــران مثــل َفّنــه عــن «مذهــب»‪ ،‬أو عــن‬ ‫َ‬ ‫فــي المنظــور الجمالــي؟ مــا صلــة مــا يكتب بمــا يصور؟‬ ‫مــا صلــة مــا يصــور بمــا يكتــب؟ أهنــاك تشــاركات بين‬ ‫ّي ــة) ف ــي إنت ــاج جب ــران؟ م ــاذا‬ ‫الكتاب ــة والص ــورة َ‬ ‫(الفنّ‬ ‫ع ــن الكتاب ــة ف ــي التصوي ــر؟ م ــاذا ع ــن التصوي ــر ف ــي‬ ‫الكتابــة؟ هــل يمكــن اســتخراج أو تبيــن منظــور جمالي‬ ‫ماث ــل ف ــي اإلنتاجي ــن؟ وم ــا ه ــو (ف ــي ح ــال وج ــوده)؟‬ ‫أكث ــر م ــن كت ــاب وكات ــب يتح ــدث ع ــن «النهض ــة»‬ ‫بوصفه ــا نات ــج االتص ــال بمص ــادر المعرف ــة واألدب‬ ‫وبـــكل‬ ‫والفنـــون األوروبيـــة («التمـــدن» عمومـــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫تعيـــن فـــي «نفـــاذ» هـــذه‬ ‫أصنافـــه)‪ ،‬وهـــو مـــا ّ‬ ‫المص ــادر إل ــى النخ ــب والبيئ ــات العربي ــة‪ ،‬بفع ــل‬ ‫مباشـــر أو بأثـــر مـــن سياســـات محليـــة مشـــجعة‬ ‫لهــا‪ّ ،‬إل أن جبــران (و«المهجرييــن» عموم ـاً) خرقــوا‬ ‫هــذه القاعــدة‪ ،‬إذ ذهبــوا وانتقلــوا إلــى منابــع هــذه‬ ‫الثّقاف ــة‪ ،‬ب ــل إل ــى رابطته ــا ومحطته ــا الت ــي جعل ــت‬

‫م ــن ه ــذه الثّقاف ــة‪ ،‬ال أوروبي ــة مثلم ــا كان ــت‪ ،‬وكم ــا‬ ‫تعــرف عليهــا «النهضويــون» العــرب‪ ،‬بــل «غربيــة»‪،‬‬ ‫كم ــا بات ــت تس ــمى من ــذ ذل ــك الوق ــت‪.‬‬ ‫جب ــران ه ــو ال ــذي ذه ــب أبع ــد ف ــي ه ــذا المس ــعى‬ ‫(كمــا فعــل ذلــك أميــن الريحانــي وميخائيــل نعيمــة‪،‬‬ ‫وإن بحــدود أقــل)‪ :‬انتقــل إلــى الكتابــة باإلنجليزيــة‪،‬‬ ‫فيمـــا صـــرف لهـــا الريحانـــي ونعيمـــة مجهـــودات‬ ‫مع ــدودة؛ وم ــا أنتج ــه جب ــران م ــن أعم ــال تش ــكيلية‬ ‫اقتصـــر عنـــد زميَليـــه علـــى محـــاوالت محـــدودة‪،‬‬ ‫ـرق إل ــى اإلنت ــاج االحتراف ــي‪ ،‬فاكتف ــى نعيم ــة‬ ‫ل ــم ت ـ َ‬ ‫ضمـــن الريحانـــي بعـــض‬ ‫فيمـــا‬ ‫رســـوم‪،‬‬ ‫ببضعـــة‬ ‫َّ‬ ‫رحالتــه رســوم ًا معــدودة‪ ،‬وصرف مجهــودات طيبة‬ ‫فــي «متابعــة» و«نقــد» بعــض العــروض التشــكيلية‪.‬‬ ‫ومـــن يتتبـــع فقـــرات حيـــاة جبـــران وصالتـــه‬ ‫يتحّقــق مــن أنها جمعت بيــن «أوروبيته» و«غربيته»‬ ‫(بوصفهــا «أميركيتــه»)‪ ،‬فيما وجــد صالت بينة‪ ،‬في‬ ‫الفك ــر‪ ،‬م ــع الفك ــر الهن ــدي والش ــرقي القدي ــم‪ ،‬وف ــي‬ ‫ـن اإليطالــي «النهضــوي» واإلنجليــزي‬ ‫ـن‪ ،‬مــع َ‬ ‫َ‬ ‫الفـّ‬ ‫الفـّ‬ ‫ـا ع ــن صالت ــه اإلنس ــانية‬ ‫والفرنس ــي طبعــاً‪ ،‬فض ـ ً‬ ‫المتع ـ ِّـددة بي ــن ش ــعب وآخ ــر‪...‬‬ ‫هـــذا مـــا يتنبـــه إليـــه الـــدارس فـــي «صـــورة»‬ ‫المبــدع‪ ،‬حيــث إن جبــران عايــش تجليــات الصــورة‬ ‫«النجوميـــة» للمبـــدع بيـــن أوروبـــا والواليـــات‬ ‫المتحــدة األميركيــة‪ ،‬مــا ظهـ َـر فــي نــداءات الصــورة‬ ‫الفوتوغرافيـــة األولـــى‪ ،‬وفـــي طلبـــه ألن يكـــون‬ ‫بلغه‬ ‫منتجهــا لغيــره (رســوم «المشــاهير»)‪ ،‬وهــو مــا َ‬ ‫َ‬ ‫ف ــي صورت ــه لنفس ــه‪ :‬ال ف ــي م ــا ص ــوره لنفس ــه‪،‬‬

‫وإنمــا فــي إنتاجــه صــورة عــن نفســه‪ ،‬عبــر الكتابــة‬ ‫و«المراســات»‪ ،‬تقيــم صلــة خصبــة بيــن المعاينــة‬ ‫والمخيل ــة‪ ،‬بي ــن م ــا ه ــو علي ــه وم ــا يري ــده لنفس ــه‪.‬‬ ‫وه ــو أم ــر يتحّق ــق ال ــدارس م ــن «نجاحات ــه» حت ــى‬ ‫فــي حيــاة جبــران نفســها‪ ،‬ومــع أقــرب أقربائــه‪ ،‬وال‬ ‫س ــيما م ــع م ــاري هاس ــكل‪ ،‬وم ــع ميخائي ــل نعيم ــة‬ ‫فــي كتابــه عــن جبــران‪ ،‬أو مــا أذاعتــه «مراســاته»‬ ‫مــع مــي زيــادة مــن صــورة مرغوبــة‪ ،‬وال ســيما عبر‬ ‫الصحاف ــة العربي ــة واأللس ــن ف ــي أوس ــاط النخب ــة‪.‬‬ ‫الفّن ــان‪،‬‬ ‫يب ــدأ وهي ــب كي ــروز كتاب ــه ع ــن جب ــران َ‬ ‫ـل زائــري متحفــه‪:‬‬ ‫بهــذا القــول‪« :‬يصعقــك تســاؤل جـ ِّ‬ ‫ـل مادة‬ ‫وهــو َفّنــان أيضـاً؟»(‪)1‬؛ ويتبعــه بالقــول‪« :‬ظـ َّ‬ ‫موصوفــة‪ ،‬ولــم ُيكتنــه كحالــة إبداعيــة‪ ،‬كموضــوع‬ ‫مقص ــود بح ــد ذات ــه» (م‪ .‬ن‪ ،.‬ص ‪ ،)9 - 8‬وه ــو م ــا‬ ‫يعت ــرف ب ــه كثي ــر م ــن دارس ــيه‪ .‬وق ــد يع ــود األم ــر‬ ‫الفّن ــي ل ــم يع ــد قي ــد الت ــداول‬ ‫إل ــى أن إنت ــاج جب ــران َ‬ ‫والملكيـــة والتنافـــس منـــذ عقـــود بعيـــدة‪ ،‬طالمـــا‬ ‫أن «متحف ــه» يحت ــوي عل ــى قس ــم واس ــع م ــن ه ــذا‬ ‫ـن عربيـ ًا وتقــوم ابتــداء‬ ‫اإلنتــاج‪ ،‬فيمــا قامــت كتــب َ‬ ‫الفـّ‬ ‫مــن احتياجــات مجموعــات خاصــة أو متحفيــة‪ ،‬فــي‬ ‫التوثي ــق والتقدي ــم والتثمي ــن له ــا‪.‬‬ ‫ّي ــة‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫ـران‬ ‫ـ‬ ‫جب‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ول ــو ش ــاء ال ــدارس تفق ـ َـد مدون‬ ‫َّ‬ ‫وألعانت ــه ف ــي درس جوان ــب‬ ‫لوج ــد الكثي ــر فيه ــا‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ّيــة‪ ،‬ومن تعابيــر إنتاجه‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫ـخصيته‬ ‫مختلفــة مــن شـ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الفّن ــي‪ .‬وه ــو م ــا ال يتواف ــر بالض ــرورة لكثي ــر م ــن‬ ‫َ‬ ‫ـن الحديــث فــي البلــدان العربيــة‪ّ .‬إل‬ ‫أوائــل ورواد َ‬ ‫الفـّ‬ ‫أن م ــا يرب ــك ف ــي فح ــص ه ــذه المدون ــة‪ ،‬ه ــو أنه ــا‬

‫إنتاج جبران‬ ‫ال َ‬ ‫فنّي لم يعد‬

‫قيد التداول‬ ‫والملكية‬ ‫والتنافس منذ‬ ‫عقود بعيدة‪،‬‬ ‫طالما أن‬ ‫«متحفه» يحتوي‬ ‫على قسم واسع‬ ‫من هذا اإلنتاج‬

‫‪39‬‬


‫يعلّم (جبران)‬ ‫أن في روحه‬ ‫توأمين‪ -‬ال َ‬ ‫فنّان‬ ‫والشاعر‪ .‬وقد‬ ‫حمل إلى‬ ‫األميركيين َفنّه‬ ‫من دون شعره‬ ‫تعــود إلــى «شــهادات» فــي الغالــب‪ ،‬وفــي بعضهــا‪،‬‬ ‫إلــى مــن صنــع «نجوميــة» جبــران وســاهم في رســم‬ ‫تقاطيعه ــا‪ .‬ه ــذا م ــا يجع ــل ال ــدارس أو يدفع ــه إل ــى‬ ‫االحتـــراس والتحـــوط مـــن مفاعيـــل هـــذه الكتابـــة‬ ‫االحتفائيـــة؛ ويزيـــد مـــن لـــزوم هذيـــن االحتـــراس‬ ‫الفّن ــان‪ ،‬وع ــن‬ ‫والتح ــوط أن م ــا ُكت ــب ع ــن جب ــران َ‬ ‫َفّن ــه‪ ،‬م ــن اللبنانيي ــن‪ ،‬قب ــل موت ــه‪ ،‬وال س ــيما بع ــد‬ ‫موت ــه‪ ،‬تحك ـ َـم ب ــه الخط ــاب االحتفائ ــي عين ــه‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫الخط ــاب ع ــن «النابغ ــة»‪ .‬وف ــي ه ــذا الخط ــاب م ــا‬ ‫ـن‪ ،‬وه ــو وج ـ ُـه‬ ‫ه ــو مدع ــاة لتجهي ــل تاريخي ــة َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫ـــن أيضـــ ًا (حســـب عالـــم االجتمـــاع‬ ‫«عجائبيـــة» َ‬ ‫الف ّ‬ ‫الفرنســـي بيـــار بورديـــو)‪ ،‬الـــذي يجعـــل أعمـــال‬ ‫«خلقـــة»‪« ،‬خارقـــة»‪ ،‬خارجـــة‬ ‫الفنّانيـــن أعمـــا ًال ّ‬ ‫َ‬ ‫بمعنــى مــا علــى مســار التاريــخ‪ ،‬وال تتنــزل بالتالــي‬ ‫ف ــي من ــازل المجتم ــع وتعبيرات ــه‪.‬‬ ‫تفـــرد جبـــران بمكانـــة أدبيـــة عاليـــة فـــي األدب‬ ‫َ‬ ‫العربــي الحديــث‪ ،‬بــل عـ َّـده البعــض «أول» الحداثــة‪،‬‬ ‫ـن العرب ــي الحدي ــث‪،‬‬ ‫فيم ــا اختف ــى تقريبــ ًا م ــن َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫واقتص ــر البع ــض م ــن الدارس ــين والمؤرخي ــن عل ــى‬ ‫ذكــره‪ ،‬مــا جعــل ميخائيــل نعيمــة يتنبــه لمثــل هــذه‬ ‫المفارق ــة‪ ،‬ودرس ــها كم ــا يل ــي‪« :‬يعّل ــم (جب ــران) أن‬ ‫الفّن ــان والش ــاعر‪ .‬وق ــد حم ــل‬ ‫ف ــي روح ــه توأمي ــن‪َ -‬‬ ‫إلــى األميركييــن َفّنــه مــن دون شــعره‪ ،‬وإلــى أبنــاء‬ ‫لغتــه شــعره دون َفّنــه‪ .‬فــا العــرب يفهمــون شــيئ ًا‬ ‫ـن التصوي ــري‪ .‬وال‬ ‫م ــن َفّن ــه‪ ،‬ألنه ــم ال يفهم ــون َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫األميـــركان يعرفـــون شـــيئ ًا مـــن شـــعره‪ ،‬ألنهـــم ال‬ ‫يعرف ــون العربي ــة (نعيم ــة‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ّ .)157‬إل‬ ‫أن األكيـــد هـــو أن جبـــران أحـــدث فـــي األدب نقلـــة‬ ‫‪40‬‬

‫واس ــعة‪ ،‬وأج ــرى في ــه تأثي ــرات واس ــعة وعميق ــة‪،‬‬ ‫فيم ــا ل ــم يع ــرف َفّن ــه مث ــل ه ــذا األث ــر‪ ،‬ال هن ــا وال‬ ‫هن ــاك (بخ ــاف م ــا قال ــه نعيم ــة‪ ،‬وال ــذي ق ــد ص ــح‬ ‫علـــى األرجـــح فـــي زمـــن جبـــران ونعيمـــة فـــي‬ ‫الواليــات المتحــدة األميركيــة)‪ .‬أيعــود أثــره الخفيــف‬ ‫إلــى كــون جبــران‪ ،‬بعــد رحيلــه‪ ،‬خــرج مــن التــداول‬ ‫الفّن ــي‪ ،‬وم ــن التناف ــس والع ــرض؟ أم أن ف ــي األم ــر‬ ‫َ‬ ‫يتعيــن فــي لحظــة جبــران المباينــة مــع ســياق‬ ‫ا‬ ‫ـبب‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ـــن العربـــي الحديـــث‪ ،‬إذ هـــي لحظـــة لـــم تتقيـــد‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫لفنّه ــا‬ ‫ـن محليــاً‪ ،‬ع ــدا أنه ــا تدب ــرت َ‬ ‫باحتياج ــات َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫صيغــة مخصوصــة بعيــدة عــن المدارس واألســاليب‬ ‫المتبع ــة هن ــا وهن ــاك؟‬ ‫فــي أي حــال‪ ،‬ينتمــي جبــران إلــى الدفعــة الثالثــة‬ ‫م ــن المصوري ــن اللبنانيي ــن الحديثي ــن‪ ،‬بع ــد دفع ــة‬ ‫الفنّانيـــن‪ -‬الهـــواة‪ ،‬ســـواء مـــن‬ ‫أولـــى تتمثَّـــل فـــي َ‬ ‫الكهنـــة والرهبـــان‪ ،‬أو مـــن المتأثريـــن المحلييـــن‬ ‫ببدايــات التصويــر العثمانــي؛ ودفعــة ثانيــة‪ ،‬تتعين‬ ‫فـــي فنانـــي االحتـــراف األوائـــل‪ ،‬مـــن أمثـــال‪ :‬داود‬ ‫القــرم‪ ،‬وحبيــب ســرور‪ ،‬وخليــل صليبــي وغيرهــم‪.‬‬ ‫أمــا هــذه الدفعــة الثالثــة‪ ،‬فتتشـ َّـكل فــي مطالــع القــرن‬ ‫العش ــرين‪ ،‬م ــع‪ :‬جب ــران بطبيع ــة الح ــال‪ ،‬وش ــكري‬ ‫المصـــور (‪ ،)1935 - 1865‬المهاجـــر بـــدوره إلـــى‬ ‫الوالي ــات المتح ــدة األميركي ــة‪ ،‬ويوس ــف الحوي ــك‬ ‫(‪ ،)1962 - 1883‬كمــا ســبق القــول‪ ،‬وغيرهــم‪ ،‬فيما‬ ‫يلتحــق بهــؤالء فنانــون مــن أمثــال‪ :‬يوســف غصــوب‬ ‫(‪ ،)1967 - 1898‬وجـــورج داود القـــرم (‪- 1896‬‬ ‫‪ )1971‬وغيرهم ــا‪.‬‬ ‫يقـــع جبـــران فـــي هـــذا الســـياق‪ّ ،‬إل أنـــه يمثـــل‬

‫تخير َ جبران‬ ‫لحظة لنفسه‬ ‫في تاريخ ال َ‬ ‫ن‬ ‫ف ّ‬ ‫األوروبي‪،‬‬ ‫وبنى عليها‪،‬‬ ‫وهي لحظة‬ ‫غير مطابقة‬ ‫لما عمل عليه‬ ‫وتعلّمه أوائل‬ ‫ال َ‬ ‫فنّانين العرب‬ ‫والرواد منهم‬ ‫خصوص ًا‬ ‫ـبههم ف ــي أكث ــر م ــن وج ــه‬ ‫لحظ ــة مباين ــة في ــه‪ :‬يش ـ ُ‬ ‫وفّنــه‪ ،‬وفــي بعــض مــا رســمه‪ّ ،‬إل أنــه‬ ‫فــي تعلّمــه َ‬ ‫يختلـــف عنهـــم فـــي كثيـــر مـــن أوجـــه ممارســـته‪.‬‬ ‫ـن‪ ،‬كم ــا س ــعوا إليه ــا‪،‬‬ ‫فه ــو لي ــس ممَتِث ــا لقي ــم َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫وتمثلوه ــا‪ ،‬ف ــي محترف ــات ال ــدرس أو ف ــي أعماله ــم‬ ‫ـن‪،‬‬ ‫ّي ــة‪ .‬ويختل ــف عنه ــم ف ــي م ــا طلب ــه م ــن َ‬ ‫َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫الفنّ‬ ‫وف ــي م ــا أنج ــزه في ــه خصوصــاً‪.‬‬ ‫ـن‬ ‫تخي ـ َـر جب ــران لحظ ــة لنفس ــه ف ــي تاري ــخ َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫األوروبـــي‪ ،‬وبنـــى عليهـــا‪ ،‬وهـــي لحظـــة غيـــر‬ ‫الفنّاني ــن‬ ‫مطابق ــة لم ــا عم ــل علي ــه وتعلّم ــه أوائ ــل َ‬ ‫الع ــرب وال ــرواد منه ــم خصوص ـاً‪ .‬فه ــؤالء وأولئ ــك‬

‫ـكل متعلقاتــه وشــروطه‪،‬‬ ‫ـن الكالســيكي بـ ّ‬ ‫طلبــوا َ‬ ‫الفـّ‬ ‫وجنحــوا صــوب المعاينــة أو الوصــف أو التوثيــق‪،‬‬ ‫فيمــا طلــب جبــران التخيــل التــام‪ ،‬مــا يعكــس تباعــدًا‬ ‫ـعيين‪ .‬وإذا كان هنــاك مــن جامــع‬ ‫شــديدًا بيــن المسـ َ‬ ‫بين ــه وبينه ــم فه ــو يتمث ــل ف ــي رس ــم «المش ــاهير»‪،‬‬ ‫مثلم ــا ق ــام ب ــه الكثي ــر منه ــم‪.‬‬ ‫___________________________________‬ ‫هامش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬وهيــب كيــروز‪« :‬عالــم جبــران الرســام‪ :‬مدخــل إلــى أبعــاده‬ ‫ّيــة‪ ،‬بشـ ِّـري (شــمال لبنــان)‪،1982 ،‬‬ ‫ّيــة»‪ ،‬لجنــة جبــران َ‬ ‫َ‬ ‫الفنّ‬ ‫الفنّ‬ ‫ص ‪.8‬‬

‫‪41‬‬


‫قد تكون «شــهادة» نعيمة فــي جبران من «أقرب»‬ ‫الشهادات إليه‪ ،‬بمعنى أن غيرها انطلق من كون‬ ‫جبران «نابغة» أو «عبقريا»ً أو «شــهيراً» وغيرها‬ ‫مــن الصفات‪ .‬ذلــك أن نعيمة عايــش جبران عن‬ ‫قــرب‪ ،‬وكان زميــ ًا وندًا له‪ ،‬مــا يخفف من الميل‬ ‫«التعظيمي» في الكتابة عنه‪ .‬والالفت في شهادة‬ ‫نعيمــة أو بربارة يونغ أو غيرها هو أنها جنحت‬ ‫صوب الطفولة مباشــرة‪ ،‬قبــل مرحلة التعلُّم في‬ ‫باريــس‪ ،‬أو اإلنتاج الَفنّي فــي الواليات المتحدة‬ ‫األميركية‪ ،‬فيما ال نجد ذلك في سيرة األديب لدى‬ ‫جبــران‪ .‬أيعود ذلك إلى كون جبران تباســط في‬ ‫يعن‬ ‫الــكالم حول نعومة أظفــاره الَفنّ‬ ‫ّية‪ ،‬فيما لم َ‬ ‫بأمــر ذلــك في ســيرته األدبية أم أن ميلــه الَفنّي‬ ‫بقي متمكن ًا منه في ســنوات استعادة السيرة؟ أم‬ ‫أن هــذا يعود إلى كون جبران أراد تأكيد صورته‬ ‫ــيري لها‪ ،‬فيمــا كان ال‬ ‫الَفنّ‬ ‫ّيــة‪ ،‬وإيجــاد ســند ِس َ‬ ‫يحتاج ذلك في األدب؟‬

‫دخل أبو جبران‬ ‫البيت‪ ،‬فوجد‬ ‫ابنه‪ ،‬وفي يده‬ ‫فحمة‪ ،‬يرسم‬ ‫بها على الحائط‬ ‫أشكا ً‬ ‫ال لم يفهم‬ ‫الوالد لها معنى‬

‫لقب النابغة‬ ‫كان يسبقه‬ ‫ـن» جبــران‪،‬‬ ‫يســتعيد نعيمــة‪ ،‬فــي كالمــه عــن َ‬ ‫«فـّ‬ ‫حفظتهــا الذاكــرة العائليــة عــن ميــول‬ ‫صــورًا أولــى‬ ‫ْ‬ ‫ّيــة‪ ،‬فينقــل مــا رواه بطــرس عــن أخيــه‪،‬‬ ‫الفتــى َ‬ ‫الفنّ‬ ‫جبـــران‪ ،‬أثنـــاء الدراســـة االبتدائيـــة فـــي بلدتهمـــا‬ ‫ـور جبــران فــي دفتــره المدرســي «شــبه‬ ‫بشــري‪ :‬صـ َ‬ ‫حمــار نائــم‪ ،‬وعلــى رأســه قلنســوة ســوداء‪ ،‬وفــي‬ ‫إحـــدى أذنيـــه قـــد ُعلـــق كتـــاب‪ ،‬وفـــي األخـــرى‬ ‫مخـــاة‪ .‬وكان قبـــل ذلـــك بأيـــام قـــد دخـــل أبـــو‬ ‫جب ــران البي ــت‪ ،‬فوج ــد ابن ــه‪ ،‬وف ــي ي ــده فحم ــة‪،‬‬ ‫‪42‬‬

‫يرس ــم به ــا عل ــى الحائ ــط أش ــكا ًال ل ــم يفه ــم الوال ــد‬ ‫لهــا معنــى‪ -‬كأنهــا بيــت وليســت بيت ـاً‪ ،‬وكأن أمــام‬ ‫البيــت فتــاة كئيبــة‪ ،‬وليســت فتــاة كئيبــة‪ .‬فضربــه‬ ‫وعنَّف ــه»(‪ .)1‬من ــذ ه ــذه الص ــورة‪ ،‬ال يج ــد بط ــرس‬ ‫(كم ــا جب ــران ف ــي أق ــوال ل ــه) س ــبب ًا واعي ـ ًا إلقبال ــه‬ ‫ـا عــن أن ميلــه التلقائــي (إذا جــاز‬ ‫ـن‪ ،‬فضـ ً‬ ‫علــى َ‬ ‫الفـّ‬ ‫الق ــول) يلق ــى ع ــدم الرض ــا م ــن وال ــده‪...‬‬ ‫ال يجــد الفتــى تفســيرًا لهــذا‪ ،‬حتــى إثــر هجرتــه‬ ‫مـــع أفـــراد مـــن عائلتـــه إلـــى بوســـطن‪ ،‬فيمـــا‬

‫تنتبـــه معلمتـــه إلـــى موهبتـــه‪ ،‬بخـــاف والـــده‪.‬‬ ‫هـــذا مـــا يرويـــه جبـــران بنفســـه‪« :‬جـــاءت اليـــوم‬ ‫(المعلم ــة اإلنجليزي ــة ف ــي بوس ــطن) برج ــل قال ــت‬ ‫إن ــه مص ــور ‪ -‬مص ــور بي ــده‪ ،‬ي ــا أم ــي‪ ،‬ال باآلل ــة‬ ‫وأرت ــه بع ــض رس ــومي‪ .‬فق ــال‬ ‫(الفوتوغرافي ــة)‪ْ ،‬‬ ‫ل ــي‪« :‬أن ــت ف ــرخ مص ــور‪ ،»...‬ودعان ــي لزيارت ــه‬ ‫بالغــد» (م‪ .‬ن‪ ،.‬ص ‪ .)40‬فــي اليــوم التالــي ينتقــل‬ ‫جب ــران إل ــى بي ــت المص ــور‪ ،‬ال ــذي يس ــميه نعيم ــة‬ ‫بـ«الرج ــل المق ــدور» لجب ــران خلي ــل جب ــران‪ ،‬وه ــو‬ ‫«مالكــه الحــارس الــذي ســيفتح لــه أبــواب األرض‬ ‫والســماء» (ص ‪ .)41‬كان جبران في الرابعة عشــرة‬ ‫مــن عمــره‪ ،‬فيمــا يقــول فيــه المصــور للســيدة التــي‬ ‫اس ــتقبلت جب ــران مع ــه‪« :‬رأي ــت ف ــي رس ــومه ق ــوة‬ ‫ّيــ ًا دقيقــاً» (ص ‪.)42‬‬ ‫خي ــال غريب ــة‪ ،‬وذوقــ ًا َفنّ‬ ‫ّيـــة‬ ‫هـــذا «االنبثـــاق» المفاجـــئ للصـــورة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫تس ــبقه أو تفس ـ ُـره س ــياقات مؤاتي ــة ل ــه‪ ،‬عل ــى م ــا‬ ‫تفي ــد ش ــهادات أخ ــرى ترب ــط ب ــروز مي ــل جب ــران‬ ‫الفنّـــي بمـــا كان يألفـــه فـــي حياتـــه اليوميـــة فـــي‬ ‫َ‬ ‫بشــري قبــل بوســطن‪ .‬تكتــب بربــارة يونــغ‪« :‬فــي‬ ‫السادس ــة م ــن عم ــره أعطت ــه والدت ــه مجل ــدًا م ــن‬ ‫َّـــب‬ ‫تصاويـــر ليونـــاردو دي فنشـــي‪ ،‬وبعـــد أن قل َ‬ ‫صفحاتــه لبضــع لحظــات انفجـَـر باكيـاً‪ ،‬وخــرج من‬ ‫ـب الوحــدة‪ .‬ومــن تلــك الســاعة‬ ‫الغرفــة هارب ـ ًا يطلـ ُ‬ ‫تمل ََّكــه كلـ ٌ‬ ‫ـف كبيــر بليونــاردو‪ ،‬حتــى إذا مــا انتهـَـره‬ ‫أبــوه لســوء ســلوكه الصبيانــي ثــار صارخـاً‪« :‬مــا‬ ‫لــك ولــي؟ أنــا إيطالــي»»(‪ .)2‬هــذا مــا نتعــرف إليــه‬ ‫وضعه ــا جب ــران ف ــي رس ــالة‬ ‫أيضــ ًا ف ــي حاش ــية‬ ‫َ‬ ‫لم ــي زي ــادة ف ــي ‪ 28‬يناي ــر‪ /‬كان ــون الثان ــي م ــن‬ ‫ـت ه ــذه‬ ‫س ــنة ‪ ،1920‬ويق ــول فيه ــا‪« :‬بع ــد أن ختم ـ ُ‬ ‫فوجدت المدينة متشــحة‬ ‫ـت نافذتــي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الرســالة‪ ،‬فتحـ ُ‬ ‫بـــرداء أبيـــض‪ ،‬والثلـــج يتســـاقط بهـــدوء وعـــزم‬ ‫فتهيبـــت لهـــذا المشـــهد الجليـــل بطهـــره‬ ‫وغـــزارة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ـدت بالفكــر إلــى شــمال لبنــان‪ ،‬إلــى‬ ‫ـ‬ ‫وع‬ ‫ـه‪،‬‬ ‫ونقاوتـ‬ ‫ُ‬ ‫أي ــام حداثت ــي‪ ،‬عندم ــا كن ــت أصن ــع التماثي ــل م ــن‬ ‫الثل ــج‪ ،‬ث ــم تطل ــع الش ــمس فتذيبه ــا»(‪.)3‬‬ ‫األكيــد هــو أنــه كان لجبــران قريــب‪ ،‬هــو‪ :‬لحــود‬ ‫(المتوفــى فــي العــام ‪ ،)1878‬الــذي صنــع‬ ‫جبــران‬ ‫َّ‬ ‫معروفيـــن فـــي بشـــري للســـيد المســـيح‬ ‫تمثاَليـــن‬ ‫َ‬ ‫مصلوبــاً‪ :‬واح ــدًا ف ــي كنيس ــة م ــار س ــابا‪ ،‬وآخ ــر‬ ‫ف ــي كنيس ــة م ــار يوحن ــا؛ كم ــا ل ــه لوح ــات تمث ــل‬ ‫قديســين‪ ،‬علــى مــا يذكــر كيــروز فــي كتابــه المذكور‬ ‫(م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ .)226 - 225‬يكتب جبران إلى ماري‬ ‫هاســكل فــي يوميــات ‪ 29‬أغســطس‪/‬آب مــن ســنة‬ ‫‪« :1913‬عندمــا كنــت حدث ـ ًا ابــن خمــس أو ســت أو‬ ‫ســبع ســنين‪ ،‬كانــت لــي غرفتــي الخاصــة‪ ،‬وكانــت‬ ‫جمعته ــا‪ .‬كان ــت أش ــبه بحان ــوت‬ ‫تلمؤه ــا أش ــياء‬ ‫ُ‬ ‫للخــردة مــن «براويــز» قديمــة ومجموعــة حصى(‪)4‬‬ ‫أملـــس وخواتـــم ونباتـــات وأقـــام‪ .‬وكان عنـــدي‬

‫ـت علــى عــدم‬ ‫مئــات األقــام‪ ،‬والصغيــر منهــا حرصـ ُ‬ ‫رميــه‪ .‬وفــي زمــن الحــق درجــت األقــام الملونــة‪،‬‬ ‫ـت أرس ــم بس ــرعة حت ــى م ــأت دزين ــات م ــن‬ ‫فرح ـ ُ‬ ‫صحائ ــف ال ــورق‪ .‬وإذ نف ـ َـد ال ــورق أخ ــذت أص ــور‬ ‫علــى جــدار الغرفــة»(‪.)5‬‬ ‫هنـــاك شـــهادات غيرهـــا ُتظهـــر بـــأن مـــا بـــرز‬ ‫«فجـــأة» فـــي ســـلوك الطفـــل فـــي بشـــري كان‬ ‫مســـبوق ًا بمعنـــى مـــا‪ :‬مـــن قريـــب جبـــران‪ ،‬الـــذي‬ ‫أقب ــل هاويــ ًا عل ــى بع ــض تقني ــات التصوي ــر‪ ،‬وال‬ ‫ســيما مــن الثّقافــة الدينيــة المصــورة المعروفــة منــذ‬ ‫ق ــرون س ــابقة ف ــي الكنائ ــس واألدي ــار المش ــرقية‪،‬‬ ‫وال س ــيما ف ــي الطائف ــة الماروني ــة (الت ــي تنتس ــب‬ ‫إليه ــا عائل ــة جب ــران)‪ .‬فف ــي بل ــدة جب ــران لوح ــة‬ ‫دينيـــة شـــهيرة ترقـــى إلـــى قـــرون قبـــل ميـــاد‬ ‫جب ــران؛ والزي ــارات الكثي ــرة (الت ــي كان يح ــرص‬ ‫فيهـــا موفـــدون بابويـــون علـــى إيصـــال لوحـــات‬ ‫وص ــور مطبوع ــة إل ــى أجه ــزة الطائف ــة) حصل ــت‬ ‫فــي جانــب كبيــر منهــا فــي منطقــة أجــداد جبــران‪،‬‬ ‫إذ ش ــكلت بلدت ــه (وم ــا يحي ــط به ــا) مق ــر بطري ــرك‬ ‫الطائف ــة الماروني ــة الدائ ــم (قب ــل أن تتح ــول إل ــى‬ ‫«مقـــر صيفـــي»)‪ .‬وهـــو مـــا يمكـــن قولـــه‪ -‬حســـب‬ ‫ش ــهادات أخ ــرى‪ -‬ف ــي ألف ــة جب ــران‪ ،‬ف ــي الكنيس ــة‬ ‫خصوصــاً‪ ،‬م ــع اللوح ــات الديني ــة الزيتي ــة وم ــع‬ ‫التماثيــل وغيرهــا‪ ،‬فــا يقــوى الدارس علــى التمييز‬ ‫تمام ـ ًا بي ــن «االنخطافي ــن»‪ :‬انخط ــاف المؤم ــن إل ــى‬ ‫مـــا تشـــير إليـــه اللوحـــة فـــي المعتقـــد الدينـــي‪،‬‬ ‫وانخط ــاف الفت ــى إل ــى اللوح ــة نفس ــها‪ ،‬بأش ــكالها‬ ‫وألوانه ــا؛ ب ــل ق ــد يك ــون االنخط ــاف الثان ــي ه ــو‬ ‫األرس ــخ واألعم ــق ف ــي نفس ــية الطف ــل‪ ،‬وال س ــيما‬ ‫ف ــي تجلي ــات َفّن ــه بع ــد وق ــت‪.‬‬ ‫وم ــن يع ــد إل ــى ش ــهادات أخ ــرى‪ ،‬يتحّق ــق م ــن‬ ‫الفّن ــي ه ــو حاص ــل التربي ــة‬ ‫أن ب ــروز ه ــذا المي ــل َ‬ ‫الفنّانيـــن‪-‬‬ ‫مـــن‬ ‫كثيريـــن‬ ‫لـــدى‬ ‫الدينيـــة المســـيحية‬ ‫َ‬ ‫اله ــواة‪ ،‬س ــواء ف ــي جب ــل لبن ــان أو ف ــي الق ــدس‬ ‫أو ف ــي حل ــب وغيره ــا‪ ،‬إذ عن ــى التصوي ــر جانبــ ًا‬ ‫عبادي ـاً‪ ،‬مــن جهــة‪ ،‬كمــا عنــى التخيــل المصحــوب‬ ‫بالس ــفر أحيانــاً‪ ،‬م ــن جه ــة ثاني ــة‪.‬‬ ‫ق ــد ي ــرى البع ــض ف ــي ه ــذا االنش ــداد الطفول ــي‬ ‫ملمحـــ ًا خفيفـــ ًا فـــي تكويـــن جبـــران‪ ،‬فيمـــا هـــم‬ ‫يجانب ــون الص ــواب‪ ،‬عل ــى م ــا يمك ــن التحّق ــق ف ــي‬ ‫ال ــدرس‪ ،‬إذ إن ه ــذا االنش ــداد إل ــى المنب ــت المحل ــي‬ ‫يبقـــى قويـــ ًا عنـــد جبـــران‪ ،‬ســـواء فـــي ميولـــه‬ ‫ّي ــة‪ ،‬أو ف ــي كتابت ــه األدبي ــة خصوصــاً‪ ،‬الت ــي‬ ‫َ‬ ‫الفنّ‬ ‫مـــا انقطعـــت عـــن اســـتمداد معانيهـــا مـــن مشـــاهد‬ ‫ـان كتابيــة دينيــة الصيغــة‪ ،‬فيمــا‬ ‫ريفيــة‪ ،‬ومــن مبـ ٍ‬ ‫كان يعاي ــش واقع ـاً‪ ،‬ف ــي س ــنوات اإلنت ــاج األدب ــي‬ ‫والتش ــكيلي ه ــذه‪ ،‬مظاه ــر التصني ــع الش ــديد ف ــي‬ ‫الواليـــات المتحـــدة األميركيـــة‪ .‬أيعـــود هـــذا إلـــى‬

‫في السادسة‬ ‫من عمره أعطته‬ ‫والدته مجلد ًا من‬ ‫تصاوير ليوناردو‬ ‫دي فنشي‪ ،‬وبعد‬ ‫ب صفحاته‬ ‫أن قلَّ َ‬ ‫لبضع لحظات‬ ‫انفجر َ باكي ًا‬

‫‪43‬‬


‫في شعر جبران‬ ‫كما في نثره‪،‬‬ ‫في لوحاته كما‬ ‫في رسومه‪ ،‬ال‬ ‫نلقى عالمة‬ ‫مدينية واحدة‬ ‫(مما كان‬ ‫يعايشه في بيته‬ ‫ومحترفه‪ ،‬ومما‬ ‫يقرأه في الكتاب‬ ‫والجريدة)‬

‫كانت لي‬ ‫غرفتي الخاصة‪،‬‬ ‫وكانت تملؤها‬ ‫أشياء جمعتُها‪.‬‬ ‫كانت أشبه‬ ‫بحانوت‬ ‫للخردة من‬ ‫«براويز» قديمة‬ ‫ومجموعة‬ ‫حصى‬ ‫انش ــداد الطف ــل إل ــى م ــا انقط ــع عن ــه‪ ،‬نازعــ ًا إل ــى‬ ‫الحضـــن األول؟‬ ‫فــي شــعر جبــران كمــا في نثــره‪ ،‬فــي لوحاته كما‬ ‫فــي رســومه‪ ،‬ال نلقــى عالمــة مدينيــة واحــدة (ممــا‬ ‫كان يعايشــه فــي بيتــه ومحترفــه‪ ،‬وممــا يقــرأه فــي‬ ‫الكت ــاب والجري ــدة)‪ ،‬وإنم ــا نتاب ــع مش ــاهد وص ــور‬ ‫الطبيع ــة‪ ،‬ف ــي المق ــام األول‪ ،‬الطبيع ــة الرعوي ــة‪،‬‬ ‫التـــي قـــد تبـــدو للبعـــض‪ -‬وهـــي كذلـــك‪« -‬مـــاذاً»‬ ‫رومنســياً‪ّ ،‬إل أنهــا‪ ،‬قبــل هــذا‪ ،‬وبالمعنــى التكوينــي‬ ‫المفتق ــد بحك ــم الهج ــرة‬ ‫والنفس ــي‪ ،‬ص ــورة المنب ــت‬ ‫َ‬ ‫االضطراري ــة‪ :‬صخ ــور وغم ــام وت ــال ومنبس ــطات‬

‫‪44‬‬

‫مــن دون بنايــة واحــدة أو شــقة أو شــارع!‬ ‫هكـــذا يلتقـــي المشـــهد «التوراتـــي»‪ -‬مشـــهد‬ ‫«التكوي ــن»‪ -‬بمش ــهد الحض ــن الريف ــي‪ ،‬ف ــي ن ــوع‬ ‫مــن «التنافــذ» والتكافــل بينهمــا‪ ،‬مــن دون أن ُينكــر‬ ‫ذل ــك الخط ــاب الرومنس ــي نفس ــه‪ ،‬ب ــل أوج ــد ل ــه‬ ‫أس ــانيد جمالي ــة أكي ــدة‪ .‬ه ــذا يعن ــي أن انص ــراف‬ ‫جب ــران إل ــى التصوي ــر‪ ،‬بش ــكل ه ــاو‪ ،‬يتعي ــن ف ــي‬ ‫طلبـــه‬ ‫قبـــل الصـــورة‪ ،‬بـــل‬ ‫ســـياق محلـــي َ‬ ‫َّ‬ ‫اشـــتد ُ‬ ‫عليه ــا؛ وه ــو س ــياق «نهض ــوي» كذل ــك‪ ،‬إذ عن ــى‪،‬‬ ‫عن ــد لبنانيي ــن وفلس ــطينيين وغيره ــم‪ ،‬م ــن ه ــواة‬ ‫ـال علــى تقنيــات اللوحــة الزيتيــة‪،‬‬ ‫التصويــر‪ ،‬اإلقبـ َ‬

‫كمـــا تبلـــورت فـــي موضوعاتهـــا وأســـاليبها فـــي‬ ‫المــدن اإليطاليــة‪ ،‬كمــا عنــى توليـَـد لوحــة أخــرى‪،‬‬ ‫إنس ــانية المالم ــح‪ ،‬ال ديني ــة وحس ــب‪.‬‬ ‫___________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬ميخائيــل نعيمــة‪« :‬جبــران خليــل جبــران‪ :‬حياتــه‪ ،‬موتــه‪،‬‬ ‫مؤسس ــة نوف ــل‪ ،‬طبع ــة ‪ ،11‬بي ــروت‪،1991 ،‬‬ ‫أدب ــه‪َ ،‬فّن ــه»‪َّ ،‬‬ ‫ص ‪.32‬‬ ‫‪ - 2‬بربــارة يونــغ‪« :‬هــذا الرجــل مــن لبنــان»‪ ،‬ترجمــة وتحقيق‪:‬‬ ‫ســعيد عفيــف بابــا‪ ،‬دار األندلــس للطباعــة والنشــر والتوزيع‪،‬‬

‫بيروت‪ ،1905 ،‬ص ‪.38‬‬ ‫‪- 3‬مـــي زيـــادة‪« :‬الشـــعلة الزرقـــاء» (رســـائل جبـــرن خليـــل‬ ‫جب ــران إل ــى م ــي زي ــادة)‪ ،‬تحقي ــق‪ :‬س ــلمى حف ــار الكزب ــري‬ ‫وســـهيل بشـــروئي‪ ،1979 ،‬ص ‪.98‬‬ ‫‪- 4‬ه ــذه الع ــادة ل ــم تفارق ــه ف ــي حيات ــه‪ ،‬حي ــث وج ــدت ف ــي‬ ‫محترف ــه إث ــر وفات ــه مجموع ــة حص ــى‪ ،‬وه ــو م ــا احتف ــظ ب ــه‬ ‫«متح ــف جب ــران»‪.‬‬ ‫‪ - 5‬مــاري هاســكل‪« :‬نبــي الحبيــب» (رســائل الحــب بيــن مــاري‬ ‫هاســكل وجبــران مــع مذكرات ماري هاســكل)‪ ،‬تحقيــق‪ :‬فرجينيا‬ ‫حلــو‪ ،‬دار الجريــدة‪ ،‬بيــروت‪ ،1974 ،‬الجزء األول‪ ،‬ص ‪.160‬‬ ‫‪45‬‬


‫عــاد جبــران مــن هجرتــه األميركيــة‪ ،‬وهو فتــى‪ ،‬للتعلّــم فــي مدرســة «الحكمة» في‬ ‫بيــروت‪ ،‬مثلمــا اتصل‪ ،‬بفضل إحدى قريباته‪ ،‬بالَفنّان حبيب ســرور (‪)1938 - 1863‬‬ ‫لتعلّــم تقنيات التصوير في محترفه(‪ .)1‬أتى إلى بيروت لدراســة العربية والفرنســية‬ ‫وزيَنها برســومه‬ ‫(أغســطس‪/‬آب ‪ ،)1901 - 1898‬فنشــط في المدرســة‪ ،‬وأصدر مجلة «النهضة»‪ّ ،‬‬ ‫(منها رسما‪ :‬الملكة فيكتوريا وعبد القادر الجزائري)‪ ،‬كما التقى فيها بيوسف الحويك‪ ،‬رفيق إقامته‬ ‫ّية‪ ،‬والنحات المعروف بعد وقت‪.‬‬ ‫الالحقة بباريس للدراسة الَفنّ‬

‫تأثر جبران‬ ‫بالشاعر‬ ‫ماوترلنك‪ ،‬في‬ ‫مراهقته‪ ،‬وال‬ ‫سيما في سعيه‬ ‫لتجديد األشكال‪،‬‬ ‫وبوليم باليك‬ ‫خصوص ًا‪ ،‬الذي‬ ‫راح يطالع أعماله‬ ‫في المكتبات‬ ‫والنوادي وغيرها‬ ‫في بوسطن‬

‫قلم الرصاص‪..‬‬ ‫من بوسطن إلى باريس‬ ‫أتت دراسته في‬ ‫ْ‬ ‫باريس لتع ِّوض‬ ‫وتستكمل ما‬ ‫كان قد بدأ يطلع‬ ‫عليه في الكتب‬ ‫والمعارض في‬ ‫بوسطن‬

‫‪46‬‬

‫وهــي عــودة ثنائيــة جعلتــه ينــدرج فــي تدافعات‬ ‫«النهضـــة» بأوجههـــا المختلفـــة‪ ،‬وفـــي مصادرهـــا‬ ‫األكث ــر قربــ ًا م ــن ثقافت ــه المحلي ــة‪ .‬وه ــي نهض ــة‬ ‫التثاقــف قبــل أي شــيء آخــر‪ ،‬التــي تعنــي االطــاع‬ ‫والتأثــر بفنــون وأســاليب وقيــم وســلوكات متأتيــة‬ ‫مـــن تجـــارب وبيئـــات أخـــرى‪ ،‬باتـــت أقـــرب إلـــى‬ ‫«النمــوذج الحضــاري»‪ ،‬الــذي ُيطلب اللحــاق بركبه‪،‬‬ ‫مخاف ــة البق ــاء ف ــي الغفل ــة‪.‬‬ ‫هـــذا مـــا مـــا سيســـتكمله جبـــران فـــي باريـــس‬ ‫نفســـها‪ ،‬إذ ســـينتقل إليهـــا لكـــي يتابـــع مســـارًا‬ ‫عصاميــاً‪ ،‬س ــواء ف ــي الكتاب ــة أو ف ــي التصوي ــر‪،‬‬ ‫بيـــن بوســـطن وبيـــروت‪ ،‬خصوصـــ ًا وإنـــه لـــم‬ ‫يعــرف مســارًا دراســي ًا «نظاميـاً»‪ ،‬إذا جــاز القــول‪،‬‬ ‫يحص ــل في ــه أي ش ــهادة‬ ‫ب ــل مس ــارًا متقطعــاً‪ ،‬ل ــم‬ ‫ِّ‬ ‫تعليمي ــة‪ ،‬مكتفي ـ ًا بس ــنوات دراس ــية مع ــدودة ف ــي‬ ‫بيـــروت‪ ،‬وبخبـــرات تقنيـــة كـ«طالـــب حـــر» فـــي‬ ‫الفنّانيـــن فـــي باريـــس‪.‬‬ ‫محترفـــات بعـــض َ‬ ‫ـت دراس ــته ف ــي باري ــس لتع ــوض وتس ــتكمل‬ ‫أت ـ ْ‬

‫مــا كان قــد بــدأ يطلــع عليــه فــي الكتــب والمعــارض‬ ‫ف ــي بوس ــطن‪ :‬رأى ف ــي «مكتب ــة بوس ــطن العام ــة»‬ ‫ّيـــة لبوفيـــس دو شـــافان (‪puvis de‬‬ ‫األعمـــال َ‬ ‫الفنّ‬ ‫‪ ،)chavanne) (1898 -1824‬وأدون أوســـتن‬ ‫(‪ ،)edwin austin abbey) (1911-1852‬وج ــان‬ ‫سنجر سرجنت (‪john singer sargent) (1925-‬‬ ‫واســـتوقفه خصوصـــ ًا تمثـــال‬ ‫‪ )1856‬وغيرهـــم‪.‬‬ ‫َ‬ ‫«الباخوســيات» الــذي أثــار أهــل بوســطن بدورهــم‪،‬‬ ‫وهــو للنحــات فريدريــك ماكمونيــز‪ ،‬فأقبــل جبــران‬ ‫عل ــى رس ــمه أكث ــر م ــن م ــرة‪ ،‬وه ــو ف ــي الثالث ــة‬ ‫ـت معلمت ــه جس ــي‬ ‫عش ــرة م ــن عم ــره‪ .‬ه ــذا م ــا لف ـ َ‬ ‫فريمون ــت إلي ــه‪ ،‬وش ــجعته عل ــى اللق ــاء بالمص ــور‬ ‫الفوتوغرافي فرد هولند داي ()‪fred holland day‬‬ ‫ّية‪ ،‬تقوم على‬ ‫‪ )(1933 - 1864‬الــذي يصــدر كتبـ ًا َفنّ‬ ‫جمــع شــعر أحدهــم بصــور تعبيريــة مــن إنتاجــه‪.‬‬ ‫ول ــم يتأخ ــر داي ع ــن تصوي ــر جب ــران مث ــل غي ــره‬ ‫مــن الهيئــات غيــر «البيضــاء»‪« ،‬الملونــة» بالتالــي‪،‬‬ ‫وال س ــيما ف ــي بوس ــطن‪.‬‬

‫تأثــر جبــران بالشــاعر ماوترلنك‪ ،‬فــي مراهقته‪،‬‬ ‫وال س ــيما ف ــي س ــعيه لتجدي ــد األش ــكال‪ ،‬وبولي ــم‬ ‫بالي ــك خصوصــاً‪ ،‬ال ــذي راح يطال ــع أعمال ــه ف ــي‬ ‫المكتب ــات والن ــوادي وغيره ــا ف ــي بوس ــطن‪ ،‬وال‬ ‫ســـيما فـــي الفتـــرة الواقعـــة بيـــن عامـــي ‪1897‬‬ ‫و‪ ،1898‬فيقـــول فيـــه‪« :‬بليـــك هـــو أعظـــم رجـــل‬ ‫إنجلي ــزي من ــذ شكس ــبير‪ .‬ورس ــومه أعم ــق بم ــا ال‬ ‫يقــاس مــن أيــة رســوم أنتجتهــا إنجلتــرا‪ .‬ورؤيــاه‪،‬‬ ‫بصــرف النظــر عــن رســومه وقصائده‪ ،‬أكثــر الرؤى‬

‫إلهيــة‪ .‬لكــن ال يتســنى ألي امــرئ‪ ،‬أن يتفهــم بليــك‪،‬‬ ‫عـــن طريـــق العقـــل‪ .‬فعالمـــه ال يمكـــن أن تـــراه ّإل‬ ‫عيــن العيــن‪ ،‬وال يمكــن أن تــراه العيــن ذاتهــا»(‪.)2‬‬ ‫فـــي هـــذا القـــول مـــا يدحـــض معرفـــة جبـــران‬ ‫ببالي ــك بع ــد تل ــك الس ــنوات‪ ،‬ف ــي باري ــس تحدي ــدًا‬ ‫(مثلمـــا ذهـــب نعيمـــة إلـــى القـــول‪ :‬م‪ .‬س‪ ،.‬ص‬ ‫‪ ،)107 - 106‬كم ــا تدحض ــه الكت ــب المحفوظ ــة ف ــي‬ ‫مكتبـــة جبـــران‪ .‬كتـــب نعيمـــة‪« :‬حقـــ ًا إن األمـــور‬ ‫مرهونـــة بأوقاتهـــا‪ .‬فـــا يحـــدث شـــيء ّإل عندمـــا‬ ‫‪47‬‬


‫وجد جبران ح ً‬ ‫ال‬ ‫ميسر ًا لتأكيد‬ ‫حضوره ال َ‬ ‫فنّي‬ ‫هذا‪ ،‬وإلشباع‬ ‫رغبته المتوقدة‬ ‫في الشهرة‪ ،‬وهو‬ ‫رسم المشاهير‬

‫‪48‬‬

‫تقضــي الحاجــة بحدوثــه‪ .‬كنــت أظننــي غريب ـ ًا فــي‬ ‫األرض‪ .‬والي ــوم جاءن ــي بالي ــك ليؤن ــس غربت ــي‪.‬‬ ‫كنــت أظننــي تائهـاً‪ .‬وهــا باليــك يســير أمامــي‪ .‬ترى‬ ‫مــا هــي القرابــة التــي تجمعنــا؟ ألعلــي روحــه عــادت‬ ‫إل ــى األرض وارت ــدت جس ــدي ثوبــاً؟» (م‪ .‬ن‪ ،.‬ص‬ ‫الزم‪ ،‬إذ يفي ــد‬ ‫‪ .)107‬والتدقي ــق ف ــي س ــيرة جب ــران ٌ‬ ‫بــأن معرفــة جبــران بباليــك ســابقة علــى باريــس‪،‬‬ ‫وتعــود إلــى ســنوات بوســطن األولى‪ ،‬التــي تنبني‬ ‫فيه ــا ثقاف ــة جب ــران‪ ،‬واج ــدة ف ــي بالي ــك‪ -‬وس ــط‬ ‫ـوف إليــه جبــران‪،‬‬ ‫تأثــرات كثيــرة أخــرى‪ -‬مثــا ًال تشـ َ‬ ‫مثلم ــا يتض ــح بج ــاء ف ــي ق ــول نعيم ــة عن ــه‪.‬‬ ‫مــا َيظهــر‪ ،‬فــي شــهادة نعيمة وغيــره‪ ،‬أن جبران‬ ‫كان يعيــش حالــة غريبــة ومزدوجــة‪ :‬يرســم ألناس‬ ‫(أي األميركييــن) مــن دون أن يكونــوا من أهله‪ ،‬فيما‬ ‫يكتــب بالعربيــة ألهلــه ولبعــض المهاجريــن العــرب‬ ‫ف ــي جرائده ــم‪ .‬وه ــو ازدواج بي ــن َفنّي ــن‪ ،‬ب ــل بي ــن‬ ‫ممارس ـ َـتين‪ ،‬تجل ــب األول ــى منهم ــا (أي التصوي ــر)‬ ‫حضــورًا لجبــران فــي المجتمــع الــذي يعيــش فيــه‪،‬‬ ‫ـا فيــه (فــي حــدود‬ ‫ـا معــه‪ ،‬وفاعـ ً‬ ‫مــا يجعلــه متواصـ ً‬ ‫ضيقــة بطبيعــة الحــال)؛ كمــا يجلــب لــه التصويــر‬ ‫عائـــدًا ماديـــاً‪ ،‬وإن يبقـــى محـــدودًا فـــي ســـنوات‬ ‫احترافــه األولــى‪ .‬واألكيــد أيضـ ًا هــو أن جبــران‪ ،‬إذ‬ ‫ُيقبــل علــى التصويــر‪ُ ،‬يقبــل علــى ممارســة عمــل لــه‬ ‫شــروطه ومــواده وتقنياتــه وخبراتــه‪ ،‬مــا يحتــاج‬ ‫إلــى مقاديــر مــن التعّلــم والتمــرس والتدريــب‪.‬‬ ‫وإذا كان جب ــران يخاط ــب‪ ،‬ف ــي األدب (ف ــي أدب‬ ‫المقالــة خصوصـاً)‪ ،‬جمهــورًا عــن‪ُ ...‬بعــد‪ ،‬إذا جــاز‬ ‫القــول‪ ،‬فإنــه كان‪ ،‬فــي التصويــر‪ ،‬يحــاور ويتعامل‬

‫مــع جمهــور ماثــل أمــام عينيــه‪ ،‬فــي عالقاتــه‪ ،‬فــي‬ ‫م ــا كان ــت تتيح ــه المع ــارض (م ــن ف ــرص ع ــرض‬ ‫وبيــع) أو دور النشــر أو الجرائــد (مــن نشــر رســوم)‬ ‫وغيره ــا‪ ،‬ف ــي بوس ــطن أو ف ــي نيوي ــورك‪ .‬ولق ــد‬ ‫الفّن ــي‬ ‫وج ــد جب ــران ح ـ ً‬ ‫ـا ميس ــرًا لتأكي ــد حض ــوره َ‬ ‫هــذا‪ ،‬وإلشــباع رغبتــه المتوقــدة فــي الشــهرة‪ ،‬وهــو‬ ‫وم ــن ه ــم أق ــل منه ــم ش ــهرة‪ ،‬أي‬ ‫رس ــم المش ــاهير‪َ ،‬‬ ‫كل م ــن يرغ ــب ف ــي إثب ــات رس ــمه بخط ــوط القل ــم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫هــذا مــا يفســر إقبالــه علــى الرســم‪ ،‬بدايــة‪ ،‬وبالقلــم‬ ‫الفحمــي تحديــداً‪ ،‬مــا يناســب تحديــدًا رســم الوجــوه‬ ‫والهيئ ــات؛ وه ــو م ــا يخبرن ــا ب ــه نعيم ــة بنفس ــه‪:‬‬ ‫«أخـــذ يصـــور بعضهـــم بقلمـــه الرصاصـــي (‪.)...‬‬ ‫ويبيــع مــن بعضهــم شــيئ ًا آخــر مــن نتــاج ريشــته»‬ ‫(ص ‪.)157‬‬ ‫وه ــو تقلي ــد َفّن ــي‪ ،‬ث ــم فوتوغراف ــي‪ ،‬متق ــادم‪.‬‬ ‫ب ــل يمك ــن الق ــول إن احت ــذاء جب ــران ه ــذا الرس ــم‬ ‫بعين ــه مح ــاكاة لم ــا كان ق ــد ش ــرع في ــه المص ــور‬ ‫الفوتوغرافـــي الفرنســـي كاســـبار فيليكـــس‬ ‫تورناشــون (‪،)Gaspard Félix Tournachon‬‬ ‫المعروف بـ‪ :‬نضر (‪ ،)Nadar)، (1910-1820‬الذي‬ ‫اعتنــى بتوظيــف ممكنــات الوســيط المــادي الجديــد‪:‬‬ ‫مــن صــورة الهويــة ووثائــق الســفر (التــي احتيــج‬ ‫إليهــا‪ ،‬وال ســيما مــع دفعــات المهاجريــن فــي غيــر‬ ‫اتج ــاه‪ ،‬وال س ــيما ص ــوب «العال ــم الجدي ــد»)‪ ،‬إل ــى‬ ‫احتياج ــات الش ــرح والتمثي ــل للهيئ ــات اإلنس ــانية‬ ‫المشـــهورة والمعروفـــة فـــي الجرائـــد والمجـــات‬ ‫الناش ــئة كم ــا عل ــى أغلف ــة الكت ــب‪ ،‬م ــرورًا بص ــور‬ ‫األعيـــان و«األفنديـــة» بعـــد األباطـــرة والملـــوك‬

‫والرؤســاء والوجهــاء وغيرهــم‪ .‬ومــن يتفّقــد صــور‬ ‫نضــر للمشــاهير‪ ،‬و«الوضعيــات التصويريــة» التي‬ ‫كان يرتبهـــا فـــي مشـــغله‪ ،‬فـــي باريـــس ثـــم فـــي‬ ‫مرســيليا‪ ،‬يــرى فيهــا صيغــة مجربــة لمــا ســيعمل‬ ‫عليــه جبــران‪ ،‬وإن اتخــذ مــن َفّن الرســم أو التصوير‬ ‫الزيت ــي للهيئ ــة اإلنس ــانية نموذج ــه التأسيس ــي‪.‬‬ ‫ســـيكون لجبـــران معـــرض أول ألعمالـــه‪ ،‬فـــي‬ ‫ربي ــع ‪ ،1904‬ف ــي «محت ــرف داي»‪ ،‬لك ــن األخب ــار‬ ‫عنــه ليســت مشــجعة‪« :‬مضــى علــى معــرض جبــران‬ ‫بضعــة أيــام‪ ،‬ولــم تذكــره الصحــف ّإل تنويهـاً‪ .‬وال‬ ‫ازدحـ َـم فيــه المتفرنجــون‪ ،‬كمــا كان يتوهــم صاحبه‬ ‫أنه ــم س ــيزدحمون‪ ،‬وال بي ــع م ــن رس ــومه رس ــم‬ ‫واحــد‪ .‬هــو الفشــل بعينــه‪ ،‬والفشــل الــذي مــا بعــده‬ ‫فش ــل» (م‪ .‬ن‪ ،.‬ص ‪.)73‬‬ ‫ّية منفــذة بالقلم‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫ـال‬ ‫ـ‬ ‫أعم‬ ‫ـى‬ ‫اشــتمل المعــرض علـ‬ ‫َّ‬ ‫الفحمــي‪ ،‬واســتثارت دهشــة كثيريــن‪ ،‬لمــا فيهــا من‬ ‫غراب ــة تخييلي ــة غي ــر مألوف ــة‪« :‬إن جب ــران ش ــاب‬ ‫ـزاج ش ــعبه الخيال ــي‬ ‫لبنان ــي ُيظه ــر ف ــي رس ــومه م ـ َ‬ ‫ـا مفــردًا عجيبـ ًا‬ ‫وخيالهــم الشــعري‪ ،‬كمــا ُيظهــر ميـ ً‬ ‫للخلـــق‪ .‬إن جمـــال أخيلتـــه التصويريـــة لجمـــال‬ ‫مذهـــل‪ ،‬ونبلهـــا نبـــل مدهـــش‪ ،‬كمـــا إن مولـــدات‬ ‫تخيالت ــه المفجع ــة مدل ــوالت مخيف ــة مرعب ــة‪ .‬بي ــد‬ ‫أن رس ــومه عل ــى العم ــوم تت ــرك ف ــي النف ــس أث ــرًا‬ ‫عميقــاً‪ .‬وإذا م ــا أخذن ــا ف ــي عي ــن االعتب ــار س ــنه‬ ‫(‪ 21‬عامــاً)‪ ،‬ف ــإن القي ــم الت ــي ظه ــرت ف ــي ص ــوره‬ ‫لقيــم رائعــة فــي أصالتها وعميــق أهميتهــا الرمزية‪.‬‬ ‫إن الرغبــة فــي التعبيــر عــن األفــكار الميتافيزيقيــة‬ ‫انتصــرت علــى القيــود التكنيكيــة انتصــارًا واضحاً‪،‬‬

‫فيس ــرت لجم ــال الفك ــر المعن ــوي المج ــرد أن يثي ــر‬ ‫الخيــال إثــارة كبــرى»(‪ :)3‬ســيقضي الحريــق علــى‬ ‫هــذه األعمــال‪ ،‬وعلــى أعمــال أربعيــن فنانـ ًا مشــارك ًا‬ ‫فـــي المعـــرض عينـــه‪ .‬تحتـــرق األعمـــال‪ّ ،‬إل أنهـــا‬ ‫كانــت كافيــة لكــي تســتثير إعجــاب مــاري هاســكل‪،‬‬ ‫م ــا جعله ــا تش ــتري لوحتي ــن منه ــا (بمئ ــة دوالر)‪،‬‬ ‫ّي ــة ف ــي باري ــس‪ ،‬وتصب ــح‬ ‫وتتكف ــل بدراس ــته َ‬ ‫الفنّ‬ ‫س ــنده الم ــادي والروح ــي ف ــي الحي ــاة واإلب ــداع‪.‬‬ ‫ســتعجب هاســكل‪ ،‬حســب نعيمــة‪ ،‬بقــوة خيــال‬ ‫جبــران‪ ،‬وتغــرق فــي نقــاش مســتفيض معــه علــى‬ ‫مــدى أكثــر مــن ســاعتين‪ ،‬حــول َفّنــه عمومـاً‪ .‬وينقل‬ ‫ّي ــة‪ ،‬ف ــي حوارات ــه‬ ‫نعيم ــة بع ــض آراء جب ــران َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ّيــة‪.‬‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫ـه‬ ‫معهــا‪ ،‬مــا يكشــف عــن عقيدتـ َ ّ‬ ‫___________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ُ - 1‬يعــد ســرور‪ ،‬بعــد داود القــرم‪ ،‬أحــد رواد التصويــر الزيتــي‬

‫سيكون لجبران‬ ‫معرض أول‬ ‫ألعماله‪ ،‬في‬ ‫ربيع ‪ ،1904‬في‬ ‫«محترف داي»‪،‬‬ ‫لكن األخبار عنه‬ ‫ليست مشجعة‪:‬‬ ‫«مضى على‬ ‫معرض جبران‬ ‫بضعة أيام‪ ،‬ولم‬ ‫تذكره الصحف‬ ‫إلّا تنويه ًا‬

‫فـــي جبـــل لبنـــان وبيـــروت‪ ،‬الـــذي جمـــع فـــي موضوعـــات‬

‫تصويــره بيــن الدينــي والمدنــي‪ :‬جميل جبر‪« :‬جبران‪ :‬ســيرته‪،‬‬ ‫أدب ــه‪ ،‬فلس ــفته ورس ــمه»‪ ،‬دار الريحان ــي‪ ،‬بي ــروت‪،1958 ،‬‬ ‫ص ‪.24‬‬ ‫‪- 2‬توفي ــق صاي ــغ‪« :‬أض ــواء جدي ــدة عل ــى جب ــران»‪ ،‬األعم ــال‬ ‫الكامل ــة‪ ،‬ري ــاض الري ــس للكت ــب والنش ــر‪ ،‬لن ــدن‪ ،1990 ،‬ص‬ ‫‪ ،162‬وتاري ــخ الق ــول‪ 6 :‬تش ــرين األول‪.1915 ،‬‬ ‫ـا‬ ‫‪ - 3‬ورد ف ــي كت ــاب «ه ــذا الرج ــل م ــن لبن ــان»‪ ،‬ص ‪ ،103‬نق ـ ً‬ ‫عــن مجلــة أميركيــة (‪ ،)Transcript‬وأخذتــه مــن كتــاب وهيب‬ ‫كيروز‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ 102‬و‪.104‬‬ ‫‪49‬‬


‫جبران فنان على حدة من دون شــك في بدايات التصوير العربي‪ ،‬إذ إننا ال نعرف‬ ‫الفنّانين المصورين‬ ‫أحــدًا‬ ‫حمــل معه‪ ،‬أو دافع عن منظــور مثل هذا أو غيره‪ ،‬بيــن َ‬ ‫َ‬ ‫العرب‪ ،‬عدا أن منظوره هذا يضعه حتى في أوروبا وفي الواليات المتحدة األميركية‬ ‫الفنّانين المعتنين بالرموز والرؤى الروحية‪ ،‬وال ســيما الشــرقية منها‪.‬‬ ‫في خانة خاصة‪ ،‬خانة َ‬ ‫وإذا كانــت مواقــف جبران هذه تغتذي من فكره‪ ،‬فإنها كانــت تغتذي أيض ًا من أدبه‪ ،‬ومن ثقافته‬ ‫خبرة أكيدة‪ ،‬هي األخرى‪،‬‬ ‫الدينية البعيدة ولكن المتمكنة منه‪ ،‬من دون أن يعني التبلور النظري‬ ‫ً‬ ‫الفّن‪ .‬فاالتكال على القلم الفحمي ال يعدو كونه قلم التمرس األولي والتخطيط األولي في‬ ‫بأدوات َ‬ ‫الفّن بالتالي‪.‬‬ ‫أي مشروع تصويري‪ ،‬وال يبلغ َ‬

‫مشاهير في المرسم‬ ‫َ‬ ‫عرف الشاعر‬ ‫الهندي طاغور‬ ‫(‪ )Tagore‬وصورَه‪،‬‬ ‫من دون أن نعلم‬ ‫ما إذا كانت‬ ‫الصورة عم ً‬ ‫ال‬ ‫وجاهي ًا‬

‫‪50‬‬

‫الفّنــي‪ ،‬الــذي اعتــاد علــى‬ ‫جبــران هــو ابــن زمنــه َ‬ ‫وتخليدهــم في لوحــات تتصدر‬ ‫صنــع «المشــاهير»‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ـوم ال تلب ــث أن‬ ‫ـ‬ ‫رس‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫أو‬ ‫ـف‪،‬‬ ‫ال ـ ُـدور ث ــم المتاح ـ‬ ‫ٍ‬ ‫تتــوارد فــوق صفحــات الجرائــد والمجــات‪ .‬يكفــي‬ ‫أن نتأكـــد مـــن كونـــه عمـــل علـــى تصويـــر العديـــد‬ ‫مـــن «مشـــاهير» زمنـــه‪ ،‬إذ إن الجامـــع المشـــترك‬ ‫ـــن أو فـــي ذاك األدب‪،‬‬ ‫بينهـــا ال يقـــع فـــي هـــذا َ‬ ‫الف ّ‬ ‫وإنم ــا ف ــي ك ــون ه ــذه وتل ــك تلتق ــي ف ــي كونه ــا‬ ‫باتــت «علمـاً» معروفـ ًا ذائــع الصيــت‪ ،‬ويحتــاج إلــى‬ ‫صي ــت تصوي ــري مماث ــل‪ .‬فه ــو ق ــد ص ــور الش ــاعر‬ ‫والممثلـــة والراقصـــة وغيرهـــم الكثيـــر‪ ،‬بـــل كان‬ ‫«يخط ــط» لجم ــع تصاوي ــره ه ــذه ف ــي كت ــاب (م ــا‬ ‫ل ــم يتحّق ــق ف ــي حيات ــه)‪.‬‬ ‫يقــوى الــدارس علــى الجمــع‪ ،‬فــي هــذه اللحظــة‬ ‫ّي ــة‪ ،‬بي ــن الص ــورة الفوتوغرافي ــة‬ ‫التاريخي ــة َ‬ ‫والفنّ‬ ‫ّي ــة‪ ،‬وابت ــداء م ــن «الجلس ــة» عينه ــا‬ ‫واللوح ــة َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ـن‪ :‬فكان المصــور الفوتوغرافي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫كل‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫يحتاجه‬ ‫التــي‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫يتأنـــى فـــي بنـــاء «إطـــار» ووضعيـــة للتصويـــر‬ ‫مناســـبين للشـــخصية التـــي يرســـمها‪ ،‬وهـــو مـــا‬ ‫َ‬ ‫كان يفعلـــه قبلـــه المصـــور فـــي الكاتدرائيـــات أو‬ ‫ف ــي األدي ــرة أو ف ــي القص ــور ث ــم ال ـ ُـدور‪.‬‬ ‫أص ـ َّـر جب ــران عل ــى رس ــم الش ــاعر ولي ــم بط ــر‬ ‫ييتـــس (‪ )Yeats‬وجاهـــ ًا فـــي العـــام ‪( 1909‬مـــا‬ ‫اســتغرق ســاعة واحــدة)‪ ،‬حســبما ورد فــي كتــاب‬ ‫توفيـــق صايـــغ (م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ .)217‬كمـــا صـــور‬ ‫الممثل ـ�ة المس ـ�رحية الفرنس ـ�ية س ـ�ارة برن ـ�ار( (�‪Sa‬‬ ‫وعرف‬ ‫‪ )rah Bernard‬وجاهيـ ًا فــي العام ‪1913‬؛‬ ‫َ‬ ‫ـوره‪ ،‬مــن‬ ‫الشــاعر الهنــدي طاغــور (‪ )Tagore‬وصـ َ‬ ‫ـا وجاهيـاً‪،‬‬ ‫دون أن نعلــم مــا إذا كانــت الصــورة عمـ ً‬

‫فيم ــا رس ــم الش ــاعرة األميركي ــة إيم ــي لوي ــل م ــن‬ ‫«صــورة عــن الذاكــرة»‪ ...‬وممــن صورهــم وجاهـاً‪:‬‬ ‫كل ــود دوبيس ــي (‪ ،)Claude Debussy‬وإدم ــون‬ ‫روســـتان (‪ ،)Edmond Rostand‬والليـــدي‬ ‫أوغســت غريغوري (‪،)Lady August Gregory‬‬ ‫ويونغ( (‪ ،)Jung‬وأرثور فارويل (�‪Arthur Far‬‬ ‫‪ ،)well‬وألبرت رايدر (‪ ،)Albert Ryder‬وجورج‬ ‫راســـل (‪ )Georges Russel‬وغيرهـــم‪ّ ...‬إل أنـــه‬ ‫ل ــم ينج ــح‪ ،‬بالمقاب ــل‪ ،‬ف ــي اس ــتحصال إذن لرس ــم‬ ‫النح ــات الفرنس ــي أوغس ــت رودان وجاهيــاً‪.‬‬ ‫ولق ــد وج ــدت‪ ،‬ف ــي المدون ــة‪ ،‬أخب ــارًا متناث ــرة‬ ‫عــن كيفيــة عمــل جبــران فــي هــذا النــوع من الرســم‪،‬‬ ‫إذ يق ــول ف ــي رس ــالة ع ــن رس ــم الريحان ــي‪« :‬لق ــد‬ ‫ـت رس ــم ًا لريحان ــي‪ ،‬وه ــو أفض ــل أث ــر عملت ــه‬ ‫عمل ـ ُ‬ ‫إطالقـ ًا منــذ عودتــي مــن باريــس‪ .‬ينبغــي أال أتحدث‬ ‫أكثــر عنــه! إنــه فــي الواقــع أكثــر مــن رســم لــرأس»‬ ‫(صايــغ‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪...)237‬‬ ‫يســـتعيد نعيمـــة الـــكالم بنفســـه عـــن جلســـة‬ ‫التصويــر فيقــول‪« :‬كنــت جالس ـ ًا فــي كرســي علــى‬ ‫دكــة التصويــر‪ .‬وعلــى مقربــة مني المنصــب‪ .‬وعلى‬ ‫المنصـــب لوحـــة مـــن الكرتـــون األبيـــض بقيـــاس‬ ‫‪ 42 x 55‬ســـنتمتراً‪ .‬وجبـــران يصورنـــي عليهـــا‬ ‫كل مـــن‬ ‫بقلـــم مـــن رصـــاص حســـب عادتـــه مـــع ّ‬ ‫صورهــم فــي حياتــه مــن الرجــال والنســاء‪ .‬ومنهــم‬ ‫رودين‪ ،‬وطاغور‪ ،‬وميســفيلد ‪ -‬شــاعر بريطانيا‪،-‬‬ ‫والمصـــور األميركـــي ريـــدر‪ ،‬والكاتـــب األســـوجي‬ ‫س ــترندبرغ وس ــواهم‪ ،‬مكتفي ـ ًا بتصوي ــر ال ــرأس ال‬ ‫غيـــر» (م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ .)3207-208‬ثـــم يســـتكمل‬ ‫نعيم ــة ال ــكالم بنفس ــه ع ــن الجلس ــة عينه ــا‪« :‬كن ــت‬

‫أرق ــب ح ــركات جب ــران وه ــو يصورن ــي فتدهش ــني‬ ‫بســـهولتها ورشـــاقتها‪ .‬فـــكان بعـــد أن يحدقنـــي‬ ‫هنيه ــة يهج ــم عل ــى المنص ــب بقلم ــه الرصاص ــي‬ ‫ال ــذي ل ــم يك ــن يتج ــاوز أربع ــة قراري ــط ويعمل ــه‬ ‫ف ــي لوح ــة الكرت ــون‪ .‬ث ــم يأخ ــذ ينق ــل بص ــره م ــن‬ ‫اللوح ــة إل ــى وجه ــي‪ ،‬وم ــن وجه ــي إل ــى اللوح ــة‪.‬‬ ‫يزورن ــي‬ ‫ـا ع ــن المنص ــب‪ ،‬ويأخ ــذ‬ ‫ث ــم يبتع ــد قلي ـ ً‬ ‫ِ‬ ‫تـــارة واللوحـــة أخـــرى‪ .‬ثـــم يعـــود إلـــى اللوحـــة‬ ‫بقلمــه أو بالماحــي (الممحــاة) الــذي لــم يكــن أكبــر‬ ‫مـــن حبـــة الفـــول‪ .‬وبعـــد أن يفركـــه بيـــن إبهامـــه‬ ‫والســبابة حتــى يتكــون لــه رأس كــرأس القلــم يأخذ‬ ‫يصلــح بــه بعــض الخطــوط أو الظــال‪ .‬وكثيــرًا مــا‬ ‫كان يس ــتعيض ع ــن الماح ــي بإصبع ــه‪ -‬بالس ــبابة‬ ‫ليخف ــف م ــن ظ ــل أو‬ ‫أحيان ـ ًا وأحيان ـ ًا بالوس ــطى‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫كل ذل ــك ووجه ــه مش ــرق بل ــذة العم ــل‪.‬‬ ‫ـا‪ّ .‬‬ ‫ليم ــد ظ ـ ً‬ ‫ولس ــانه ج ــذل يج ــاري بالس ــرعة قلم ــه‪ .‬وأن ــا‪ ،‬إذ‬ ‫آنس ــت من ــه تل ــك الرغب ــة ف ــي ال ــكالم‪ ،‬ترك ــت ل ــه‬ ‫كل الحدي ــث‪ .‬فم ــا كن ــت أقاطع ــه ّإل ألس ــتزيده» (م‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ن‪ ،.‬ص ‪.)208 - 207‬‬

‫ث ــم يس ــتكمل نعيم ــة الس ــرد ناس ــب ًا ال ــكالم إل ــى‬ ‫كل مــن أصورهــم مثــل‬ ‫جبــران‪« :‬ليــس يتعبنــي مــن ّ‬ ‫النس ــاء‪ ،‬ي ــا ميش ــا‪ .‬فقلم ــا َترض ــى الواح ــدة منه ــن‬ ‫بصورته ــا‪ ،‬كم ــا تراه ــا عين ــي‪ ،‬ويبرزه ــا قلم ــي‪.‬‬ ‫ألنهــا‪ ،‬إن تكــن عليهــا مســحة مــن الجمــال‪ ،‬تتوقــع‬ ‫من ــي أن أصوره ــا أجم ــل م ــن فين ــس (فين ــوس)‪.‬‬ ‫وإن تك ــن خل ــوًا م ــن الجم ــال‪ ،‬تحس ــب م ــن واجب ــي‬ ‫أســـخر َفنّـــي ألحـــد‪.‬‬ ‫أن أجعلهـــا جميلـــة‪ .‬وأنـــا ال‬ ‫ِّ‬ ‫فالمعانــي التــي أراهــا فــي الوجــه الــذي أمامــي هــي‬ ‫كل معانــي الــروح‬ ‫التــي أصورهــا‪ .‬والوجــه يعكــس ّ‬ ‫ـن فــي‬ ‫ـ‬ ‫الف‬ ‫كل‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ّ‬ ‫لمــن يعــرف كيــف يســتجلبها‪َ .‬‬ ‫َّ‬ ‫والف ّ‬ ‫تصويره ــا‪ ،‬فه ــي مركب ــة م ــن دقائ ــق ال تحص ــى‪.‬‬ ‫ـا ألن يدعــى فنانـ ًا‬ ‫تبصرهــا عيــن الفنــان إذا كان أهـ ً‬ ‫وقلم ــا تبصره ــا حت ــى عي ــن صاحبه ــا‪ .‬أم ــا اآلل ــة‬ ‫الفوتوغرافي ــة فعمي ــاء ع ــن الكثي ــر منه ــا‪ .‬ول ــو ل ــم‬ ‫يكــن األمــر كذلــك لقامــت اآللــة الفوتوغرافيــة مقــام‬ ‫الفنـــان‪ .‬لكنهـــا ال ولـــن تقـــوم مقامـــه» (م‪ .‬ن‪ .‬ص‬ ‫‪.)208‬‬

‫ال أس ِّ‬ ‫خر َفنّي‬ ‫ألحد‪ .‬فالمعاني‬ ‫التي أراها في‬ ‫الوجه الذي‬ ‫أمامي هي التي‬ ‫أصورها‬

‫‪51‬‬


‫في ‪ 13‬يونيو‪/‬حزيران من ســنة ‪ 1908‬ينتقل جبران إلى باريس‪ ،‬ويعود منها في ‪31‬‬ ‫أكتوبر‪/‬تشــرين األول من ســنة ‪ .1910‬ومن المعروف أنه كان يرســم بالقلم الفحمي‬ ‫قبل العام ‪ ،1908‬ثم ينتقل‪ ،‬إثر دراسته في باريس‪ ،‬إلى التصوير الزيتي‪ ،‬بين العام‬ ‫‪ 1908‬والعام ‪ ،1915‬فيما سيعرف بعد وقت األلوان المائية‪ ،‬وال سيما في رسوم كتاب «النبي»‪.‬‬

‫باحث ًا عن لوحته الزيتية‬ ‫ُّ‬ ‫كل ما قيل عن‬ ‫عالقتهوتتلّمذه‬ ‫علىالنحات‬ ‫الشهير (رودان)‪،‬‬ ‫وشهادةاالمتياز‬ ‫في كلية الفنون‬ ‫اإلفرنسية‪،‬وعضوية‬ ‫الشرف في جمعية‬ ‫المصوريناإلنجليز‪،‬‬ ‫ليس إلّا ضرب ًا من‬ ‫األباطيل‬ ‫‪52‬‬

‫ـق جب ــران ف ــي‬ ‫ـب َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫ـن‪ ،‬راف ـ َ‬ ‫يوس ــف الحوي ــك‪ ،‬طال ـ ُ‬ ‫الفّن ــي الباريس ــي‪ ،‬بع ــد أن التقي ــا ف ــوق مقاع ــد‬ ‫عيش ــه َ‬ ‫الدراســة فــي مدرســة «الحكمــة» فــي بيــروت‪ ،‬وهــو مــا‬ ‫اس ــتعاد بع ــض أخباره ــا ف ــي صيغ ــة «ذكري ــات»(‪.)1‬‬ ‫لش ــهادة الحوي ــك فائ ــدة بين ــة‪ ،‬إذ تخف ــف م ــن بع ــض‬ ‫معال ــم «النب ــوغ» الت ــي تصاح ــب س ــيرة أي نقل ــة م ــن‬ ‫«كل مــا قيل‬ ‫نقــات جبــران‪ ،‬فيصحــح الحويــك بعضهــا‪ُّ :‬‬ ‫ع ــن عالقت ــه وتتلّم ــذه عل ــى النح ــات الش ــهير (رودان)‪،‬‬ ‫وشـــهادة االمتيـــاز فـــي كليـــة الفنـــون اإلفرنســـية‪،‬‬ ‫وعضوي ــة الش ــرف ف ــي جمعي ــة المصوري ــن اإلنجلي ــز‪،‬‬ ‫ليــس ّإل ضربـ ًا مــن األباطيــل» (م‪ .‬ن‪ ،.‬ص ‪ّ .)210‬إل أن‬ ‫الشــهادة تبقى محدودة الفائدة‪ ،‬وتخص الحويك‪ ،‬وإن‬ ‫تحدثــت عــن جبــران فــي غالــب أخبارهــا‪ .‬تنقــل الشــهادة‬ ‫الفّنــي‬ ‫أحــوال الحويــك وجبــران وغيرهمــا فــي التتلمــذ َ‬ ‫«الحــر»‪ ،‬إذ التحــق جبــران بـ«أكاديميــة جوليان» لبعض‬ ‫الوق ــت‪ ،‬ث ــم خ ــرج منه ــا‪ ،‬م ــن دون أن يحص ــل ش ــهادة‬

‫منه ــا‪ ،‬فانص ــرف‪ ،‬ه ــو والحوي ــك‪ ،‬إل ــى التعّل ــم ف ــي‬ ‫الفنّانين؛ وهو تقليد دراسي وعملي معروف‬ ‫محترفات َ‬ ‫الفّنــي‪ .‬فقــد‬ ‫ومتبــع مــن قبــل بعــض هــواة التخصــص َ‬ ‫الفنّانين‬ ‫درس أحــد َ‬ ‫كانــوا يتبعــون ‪ -‬لقــاء رســم مالــي ‪َ -‬‬ ‫المحترفيــن فــي محتــرف خــاص‪ ،‬مــع «موديــل» نســائي‬ ‫للتصويــر‪ ،‬فيتعلّمــون ويتقبلــون نصائحــه وتوجيهاته‬ ‫ف ــي الرس ــم‪...‬‬ ‫كانــت جلســات التصويــر الزمــة‪ ،‬بــل تعتبــر البدايــة‬ ‫الطبيعيــة ألي فنــان محتــرف ومتمــرس؛ وهــو مــا تدرب‬ ‫عليــه بعدهمــا فنانــون وفنانــون‪ ،‬مثــل صليبــا الدويهــي‬ ‫اللبنانــي وفائــق حســن العراقــي وغيرهمــا الكثيــر مــن‬ ‫الفنانيــن العــرب الالحقيــن‪ ،‬ســواء فــي باريــس أو روما‬ ‫أو لنــدن وغيرهــا‪ .‬وهــو مــا كان يناســب حاجــات التعّلــم‬ ‫ل ــدى جب ــران‪ ،‬إذ كان هاوي ـ ًا وممارس ـ ًا لرس ــم الوج ــوه‬ ‫والهيئــات‪ ،‬حيــث كانــت تقضي الجلســة بجلــوس الفتاة‬ ‫الفّن ــان المتعّل ــم أن يصوره ــا‬ ‫جلس ــة بعينه ــا‪ ،‬ال يلب ــث َ‬

‫بدقــة ابتــداء مــن المــكان الــذي يجلــس فيــه ويــرى إليهــا‬ ‫منــه‪ّ .‬إل أننــا نلحــظ‪ ،‬فــي مــا قالــه الحويــك عــن بعــض‬ ‫هذه الجلســات‪ ،‬أن جبران كان يبتغي شــيئ ًا مختلف ًا من‬ ‫ّي ـاً‪ ،‬ال‬ ‫عارضــة جســدها للتصويــر‪ ،‬وهــو أن تجلــس َفنّ‬ ‫لرســم أو تصويــر وجههــا‪ ،‬وإنما لتصويرها وفق مشــهد‬ ‫يتعــدى جســمها وتقاطيعــه‪ .‬وهــو مــا يشــير إلــى رغبــة‬ ‫أولــى عنــده فــي تمثــل أجســاده الطائــرة وتصويرهــا‪،‬‬ ‫كمــا نلقاهــا فــي لوحاتــه الزيتيــة؛ وهــو مــا ُيلمــح إليــه‬ ‫بحديثــه عــن «المالئكــة»‪ ...‬ســيتعلّم جبــران فــي باريس‬ ‫ـن اللوحــة الزيتيــة‪ ،‬ومــا تحتاجــه مــن بنــاء «مشــهد»‪،‬‬ ‫َفـّ‬ ‫ل ــه «حكاي ــة»‪ ،‬أو يش ــتمل عل ــى رم ــز؛ وه ــو م ــا يش ـ ِّـكل‬

‫ّيــة الثانيــة‪ ،‬بعد «رســم المشــاهير»‪ .‬فما يمكن‬ ‫نقلتــه َ‬ ‫الفنّ‬ ‫القــول فيهــا؟‬ ‫الفّنــي فــي‬ ‫يقــول الحويــك‪« :‬كانــت حركــة التحريــر َ‬ ‫الجــو الباريســي قــد شــارفت النضــج‪ ،‬لكــن جبــران لــم‬ ‫يتأث ــر به ــا‪ ،‬ول ــم ُيعره ــا اهتمام ـ ًا (‪ .)...‬كان ــت مخيلت ــه‬ ‫تضج بالفلسفة والتعاليم والرموز (‪ )...‬وأشياء مبهمة‬ ‫ل ــم يك ــن ه ــو نفس ــه ق ــد اس ــتوضح معانيه ــا‪ ،‬ووعاه ــا‬ ‫«الفّنــان»‪ ،‬وبقــي‬ ‫بعــد‪ .‬فقــد طغــى «األديــب» فيــه علــى َ‬ ‫الرســم بيــن أصابعــه حائــراً‪ ،‬يتلمــس طريقــه بجهد إلى‬ ‫ّي ــة م ــن‬ ‫إثب ــات ال ــذات (‪ )...‬وهك ــذا ل ــم تك ــن فائدت ــه َ‬ ‫الفنّ‬ ‫وجــوده بباريــس بــذات أهميــة كبيــرة» (الحويــك‪ ،‬ص‬

‫سيتعلّم جبران‬ ‫ن‬ ‫في باريس َف ّ‬ ‫اللوحة الزيتية‪،‬‬ ‫وما تحتاجه من‬ ‫بناء «مشهد»‪ ،‬له‬ ‫«حكاية»‬

‫‪53‬‬


‫ما قام به جبران‬ ‫من رسوم فحمية‬ ‫انطلق من‬ ‫المعاينة (الجلسة‬ ‫الوجاهية)‪ ،‬أو من‬ ‫التذكر‪ ،‬إلّا أنه قام‬ ‫أحيان ًا واتكل على‬ ‫مطالعاته األدبية‪،‬‬ ‫مثلما فعل في‬ ‫رسوم كثيرة‬ ‫لـ«مشاهير»‬ ‫األدب العربي‬ ‫القديم‬

‫‪54‬‬

‫‪ .)210‬وفــي مــا قالــه الحويــك شــيء مــن الصحــة‪ ،‬وال‬ ‫يشــمل جبران وحده بل الحويك أيضاً‪ ،‬إذ إن ما انســاق‬ ‫إليــه الطالبــان‪ -‬وهــو مــا انســاق إليــه صليبــا الدويهــي‬ ‫وفائــق حســن‪ ،‬بعــد عقديــن‪ ،‬فــي باريــس نفســها‪ -‬تقيــد‬ ‫بالــدروس الكالســيكية للتصويــر‪ ،‬ولــم يبلغهمــا مــا كان‬ ‫قــد تبلــور خــارج جــدران األكاديميــة أو المحترفــات التــي‬ ‫الفّنــي»‬ ‫اعتــادوا علــى زيارتهــا‪ ،‬أي موجــات «التحريــر َ‬ ‫(كمــا يســميها الحويــك)‪ ،‬وتعنــي أســاليب االنطباعيــة‬ ‫والتكعيبي ــة وغيره ــا‪ .‬وم ــا يتوج ــب قول ــه‪ ،‬ف ــي ه ــذا‬ ‫الفّنــي (بعــد‬ ‫الســياق‪ ،‬هــو أن الطــاب الوافديــن للتعّلــم َ‬ ‫ســابقيهم‪ ،‬مــن أمثــال‪ :‬داوود القــرم اللبنانــي فــي رومــا‬ ‫الق ــرن التاس ــع عش ــر‪ ،‬ومحم ــود مخت ــار المص ــري ف ــي‬ ‫باريـــس) كانـــوا مســـبوقين بتوجيهـــات كالســـيكية‬ ‫الفنّيين‪ ،‬الدينيين‬ ‫بالضــرورة‪ ،‬وال ســيما مــن «رعاتهــم» َ‬ ‫أو الحكوميين‪ ،‬وما كان لهم بالتالي أن يخرجوا عليها‪،‬‬ ‫عــدا أنهــم مــا كانــوا يعرفــون بوجودهــا بالضــرورة‪ّ .‬إل‬ ‫أنهــم كانــوا مســبوقين أيضـ ًا باحتياجــات التصوير التي‬ ‫المؤسســة الدينيــة أو‬ ‫انُتدبــوا لتعلُّمهــا‪ ،‬وهــي حاجــات‬ ‫َّ‬ ‫الحكوميــة‪ ،‬مــا يجــد مثالــه بطبيعــة الحال فــي التصوير‬ ‫األكاديم ــي والكالس ــيكي‪ .‬واألكي ــد أيضــ ًا ه ــو أن ــه كان‬ ‫يصعــب علــى هــؤالء «المبعوثيــن» أو «الطلبــة األحــرار»‬ ‫(مثــل جبــران) أن يتابعــوا مجمــل الدروس والخبــرات إن‬ ‫لــم يكونــوا قــد حصلــوا المســتوى التمهيــدي واإلعــدادي‬ ‫لهــا فــي مــدارس ســابقة ومســتويات دراســية تؤهلهــم‬ ‫إلــى االنتقــال إلــى مســتوى دراســي‪ ،‬جامعــي‪.‬‬ ‫ل ــم تك ــن دراس ــة جب ــران نظامي ــة‪ ،‬وه ــو م ــا يقول ــه‬ ‫جمي ــل جب ــر ف ــي ه ــذه العب ــارات‪« :‬بع ــد ه ــذه المرحل ــة‬ ‫التمهيديــة (فــي «الحكمــة») لــم يدخــل جبــران فــي معهــد‪،‬‬ ‫ولــم يتبــع أي درس نظامــي مــدة طويلــة‪ ،‬فــإذا ثقافتــه‬ ‫العامــة مزاجيــة‪ ،‬بعيــدة عــن المنهجية األكاديميــة» (ص‬ ‫‪ .)66‬هــذا مــا جعلــه يختــار‪ ،‬ويطلــب خبــرات بعينهــا‪،‬‬ ‫ومـــن دون غيرهـــا‪ ،‬فيمـــا للطالـــب أن يتعلَّـــم فنـــون‪:‬‬ ‫التشــريح‪ ،‬و«البورتريه» (اللوحة الوجهية) و«الطبيعة‬ ‫ّيــة شــهيرة (ابتــداء مــن‬ ‫الصامتــة» واستنســاخ أعمــال َفنّ‬ ‫لوحاتهــا أو تماثيلهــا فــي المتاحــف غالبـاً) وغيرهــا مــن‬ ‫ّيــة‬ ‫دون تمييــز بينهــا‪ .‬ومــا عنــى جبــران مــن خبرتــه َ‬ ‫الفنّ‬ ‫الباريس ــية تعي ــن تحدي ــدًا ف ــي تعّل ــم تقني ــات اللوح ــة‬ ‫الزيتي ــة‪ ،‬م ــا س ــيظهر‪ ،‬إل ــى جان ــب رس ــوم الوج ــوه‬ ‫ّيــة الالحقــة بعــد عودتــه إلى‬ ‫والهيئــات‪ ،‬فــي أعمالــه َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ذكرهــم أعــاه‪،‬‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫وت‬ ‫ـم‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ره‬ ‫صو‬ ‫بوســطن‪ .‬فبعــض مــن َّ‬ ‫َّ ُ‬ ‫يعــودون إلــى مــا بعــد عودتــه مــن باريــس‪ ،‬فيمــا راح‬ ‫يعمــل بصــورة ســتبدو أكيــدة أكثــر فأكثــر علــى بلــورة‬ ‫نموذجــه الخــاص فــي التصويــر‪.‬‬ ‫فمــا قــام بــه جبــران مــن رســوم فحميــة انطلــق مــن‬ ‫المعاينــة (الجلســة الوجاهيــة)‪ ،‬أو مــن التذكــر‪ّ ،‬إل أنــه‬ ‫قــام أحيانـ ًا واتــكل علــى مطالعاتــه األدبيــة‪ ،‬مثلمــا فعــل‬ ‫في رســوم كثيرة لـ«مشــاهير» األدب العربي القديم (أبي‬ ‫ن ــواس‪ ،‬أب ــي الع ــاء المع ــري‪ ،‬المتنب ــي وغيره ــم)‪ ،‬إذ‬

‫ـوض‬ ‫ع ــاد إل ــى م ــا ُكت ــب عنه ــم ف ــي المت ــون‪ ،‬لك ــي يع ـ ِّ‬ ‫يقص ــر ف ــي رس ــم‬ ‫ب ــه عم ــا ْ‬ ‫فاتت ــه معاينت ــه‪ .‬فيم ــا ل ــم ِّ‬ ‫معاصريــه مــن األدبــاء‪ ،‬مــن أمثــال‪ :‬فرنســيس مــراش‪،‬‬ ‫أميــن الريحانــي‪ ،‬ميخائيــل نعيمــة وغيرهــم‪.‬‬ ‫الفّنــي‪ ،‬بعــد أن أصــدر‬ ‫ينتقــل إلــى باريــس للــدرس َ‬ ‫كتابه األول‪« ،‬الموســيقى»‪ ،‬في العام ‪ ،1905‬فيما نشـَـر‬ ‫قب ــل ه ــذا مق ــاالت كثي ــرة‪ ،‬م ــا س ــيجتمع تح ــت عن ــوان‬ ‫كتـــاب‪« :‬دمعـــة وابتســـامة»‪ ،‬قبـــل أن ينشـــر روايتـــه‬ ‫«األجنحــة المتكســرة» فــي نيويــورك‪ ،‬بعــد انتقالــه إليها‬ ‫والفّن ســترافق‬ ‫فــي العــام ‪ .1911‬هــذه الصلــة بيــن األدب َ‬ ‫جب ــران ف ــي فق ــرات حيات ــه ومراح ــل إنتاج ــه‪ ،‬فيص ــور‬ ‫ويكت ــب‪« ،‬باليدي ــن»‪ ،‬إذا ج ــاز الق ــول(‪ ،)2‬م ــن دون أن‬ ‫تتخل ــى الواح ــدة ع ــن األخ ــرى(‪ .)3‬ه ــذا م ــا تجل ــى ف ــي‬ ‫مكــن الخيــال نفســه من‬ ‫أدبــه ذي الصوريــة العاليــة‪ ،‬مــا ِّ‬ ‫أن يكــون شــريك ًا صانعـاً‪ ،‬فما عــاد األدب يطلب «إصابة‬ ‫المعانـــي»‪ ،‬ووفـــق «مقاديرهـــا» (حســـب البالغييـــن‬ ‫القدام ــى)‪ ،‬وإنم ــا ب ــات يجع ــل م ــن س ــعة الخي ــال‪ ،‬م ــن‬ ‫ـن نفســه‪،‬‬ ‫قوتــه‪ ،‬مولــدًا لــأدب‪ .‬وهــو مــا تجلــى فــي َ‬ ‫الفـّ‬ ‫حي ــث إن ــه يبق ــى مش ــدود الصل ــة والنس ــب بمقترح ــات‬ ‫األدب (مــا ســيتم التعــرض لــه أدنــاه)‪ .‬هــذه التجليــات‬ ‫أشــبه بـ«أوعيــة متصلــة» إلبداعــات جبــران المختلفــة‪،‬‬ ‫وهــو مــا يجــد فــي بعــض إنتاجــه صــورة «تنفيذيــة» (إذا‬ ‫جــاز القــول) عنــه‪ .‬فغيــر جهــة نشــرية‪ ،‬وغيــر كاتــب من‬ ‫معارف جبران‪ ،‬ســتطلب منه رســوم ًا تصاحب إنتاجات‬ ‫األدب‪ :‬بعد عودته من باريس‪ ،‬تكلفه إحدى دور النشــر‬ ‫(«كوبلندوداي») بتزيين كتب شــعرية برســوم من َفنّه؛‬ ‫كمــا نفـَذ أكثــر مــن رســم خــاص بـ«كتــاب خالــد» ألميــن‬ ‫الريحانــي فــي العــام ‪.)4( 1911‬‬ ‫هــذا مــا فعَلــه بنفســه إلنتاجــه‪ ،‬وهــو مــا يكتــب عنــه‬ ‫نعيمــة بهــذه العبــارات‪« :‬وضــع جبــران لكتابــه «النبــي»‬ ‫اثن ــي عش ــر رس ــماً‪ .‬عش ــرة منه ــا باألده ــان (األل ــوان)‬ ‫المائيــة‪ ،‬واثنــان بالرصــاص‪ ،‬وهمــا رســم «المصطفى»‬ ‫فــي أول الكتــاب‪ ،‬و«اليــد المبدعــة» فــي آخــره‪.‬‬ ‫___________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬يوسف الحويك‪« :‬ذكرياتي مع جبران‪ ،‬باريس ‪،»1910 - 1909‬‬ ‫مؤسس ــة نوف ــل‪ ،‬بي ــروت‪،‬‬ ‫حررته ــا‪ :‬إدفي ــك جريدين ــي ش ــيبوب‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫طبعــة ثانيــة‪.1976 ،‬‬ ‫‪ - 2‬نقــع فــي كتــاب د‪ .‬نديــم نعيمــة‪« :‬ميخائيــل نعيمــة‪ :‬طريــق الذات‬ ‫إل ــى ال ــذات»‪ ،‬بي ــروت‪ ،1978 ،‬عل ــى رس ـ َـمي نعيم ــة بقل ــم جب ــران‪:‬‬ ‫ص ‪ 41‬و‪42‬؛ كم ــا رس ــم نعيم ــة جب ــران ب ــدوره‪ :‬ورد الرس ــم ف ــي‬ ‫كتــاب نعيمــة عــن جبــران‪ ،‬ص ‪.220‬‬ ‫‪ - 3‬تمن ــى جب ــران أن يك ــون ثالث ــة أش ــخاص مع ـاً‪ :‬أحده ــم يقاب ــل‬ ‫النــاس‪ ،‬واآلخــر «يبقــى لوحده‪ ،‬ويعمل ويعمــل»‪ ،‬والثالث «يرتاح»‪.‬‬ ‫ثــم يقــول‪« :‬ينبغــي علــى خليلــك (متوجهـ ًا إلــى هاســكل) أن يغوص‬ ‫إلــى أعمــاق الفــرح وأعمــاق األلــم كيمــا يعــرف كيــف يرســم صــورة‪،‬‬ ‫أو يكتــب شــعراً»‪.‬‬ ‫‪- 4‬تقاضى عليها ‪ 50‬دوالراً‪ ،‬حسب مذكرات هاسكل‪.‬‬

‫ّية‪،‬‬ ‫يجمــع «متحــف جبران»‪ ،‬في بلدته‬ ‫بشــري (شــمال لبنــان)‪ ،‬غالب أعمالــه َ‬ ‫الفنّ‬ ‫ِّ‬ ‫ا عــن مدونة صحافيــة ونقدية واســعة عن‬ ‫ومقتنيــات محترفــه األميركــي‪ ،‬فضــ ً‬ ‫أعمالــه ومعارضــه وكتابات النقاد والدارســين فيه‪ .‬وال يحتاج الــدارس إلى كثير‬ ‫من الفحص والتمحيص للتعرف على المواد األولية التي يقوم عليها بناء لوحاته الزيتية‪ ،‬إذ‬ ‫تشــتمل على مواد معدودة‪ :‬غمام‪ ،‬صخور‪ ،‬أفق‪ ،‬شــعلة نار‪ ،‬طيور‪ ،‬أجساد بشرية‪ ...‬هذا ما‬ ‫يقرب التصوير من عناصر الكون المكونة له‪ ،‬فيكون الفنان أشبه بمن يصور «سفر تكوين»‪.‬‬ ‫ِّ‬

‫في متحف جبران‬ ‫وم ــن َي ُع ــد إل ــى آخ ــر المع ــارض الكبي ــرة الت ــي‬ ‫خصصــت لــه(‪ ،)1‬يتحّقــق مــن الحاصــل التالــي‪440 :‬‬ ‫ال‬ ‫ـا محفوظـ ًا فــي «متحــف جبــران»‪ ،‬منهــا ‪ 180‬عم ً‬ ‫عمـ ً‬ ‫معروضـاً‪ .‬كمــا يمكــن تتبــع معارضــه فــي حياتــه كما‬ ‫يلــي‪ :‬معــرض أول فــي بوســطن‪ ،‬فــي العــام ‪1904‬‬ ‫(المذكور أعاله)‪،)Fred Hollande Day, 1904( ،‬‬ ‫ومع ــرض ت ـ ٍ‬ ‫ـال ف ــي الع ــام ‪ 1909‬ف ــي(‪« )2‬معه ــد‬ ‫ويلســلي» (‪ ،)Wellesley College‬ثم معرض ثالث‬ ‫فـــي نيويـــورك‪ ،‬فـــي العـــام ‪ ،1914‬فـــي «غاليـــري‬ ‫موتنروس» (‪)Montross Gallery‬؛ ومعرض آخر‬ ‫بع ــد ث ــاث س ــنوات‪ ،‬ف ــي الع ــام ‪ ،1917‬ف ــي صال ــة‬ ‫عرض «دول أند ريتشارد» (‪)Doll and Richards‬؛‬

‫وفـــي الســـنة عينهـــا فـــي صالـــة عـــرض «نويدلـــر»‬ ‫(‪ ...)Galerie Nuidler‬كمــا اختــار جبــران رســوم ًا‬ ‫لكت ــاب أص ــدره الناش ــر ألف ــرد كن ــوف‪ ،‬ف ــي الع ــام‬ ‫‪ ،1919‬وهــو بعنــوان‪« :‬عشــرون رســماً»‪Twenty :‬‬ ‫‪.drawings: Alfred Knopf‬‬ ‫ّإل أن هــذه المعلومــات‪ -‬علــى لزومهــا‪ -‬معالــم فــي‬ ‫مس ــار‪ ،‬م ــن دون أن توف ــر لل ــدارس معرف ــة مزي ــدة‬ ‫ـدل عل ــى مراح ــل‬ ‫باإلنت ــاج وبمرامي ــه‪ .‬فه ــي معال ــم ت ـ ُّ‬ ‫ف ــي إنتاج ــه‪ ،‬م ــا يعك ــس تنقالت ــه وتتابعات ــه‪ ،‬فيم ــا‬ ‫تعكــس كذلــك مقاديــر التفاعــل بيــن أعمالــه وأذواق‬ ‫ال ــزوار والش ــراة والجامعي ــن‪ .‬وم ــا يمك ــن قول ــه ف ــي‬ ‫هـــذا المجـــال هـــو أن المعلومـــات شـــحيحة لجهـــة‬

‫‪ 440‬عم ً‬ ‫ال‬ ‫محفوظ ًا في‬ ‫«متحف جبران»‪،‬‬ ‫منها ‪ 180‬عم ً‬ ‫ال‬ ‫معروض ًا‬

‫‪55‬‬


‫كان ال يحب‬ ‫إطالق عناوين‬ ‫على أعماله‬ ‫ال َ‬ ‫فنّيّة‪ ،‬إذ كان‬ ‫يقول‪« :‬هل‬ ‫يمكن حصر رؤية‬ ‫فنان في عنوان؟‬

‫‪56‬‬

‫التع ــرف عل ــى المزي ــد م ــن ه ــذه المعال ــم ومعانيه ــا‪،‬‬ ‫إذ ال نمتل ــك ص ــورة وافي ــة ع ــن معروضات ــه‪ ،‬م ــن‬ ‫ـن المحي ــط‪،‬‬ ‫جه ــة‪ ،‬وال ع ــن عالقات ــه م ــع عال ــم َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫م ــن جه ــة ثاني ــة‪.‬‬ ‫هـــذا النقـــص األكيـــد تخفـــف منـــه معلومـــات‬ ‫ومعطيـــات توافـــرت‪ -‬فـــي المراســـات خصوصـــاً‪-‬‬ ‫ـن جب ــران ف ــي نطاق ــه الخ ــاص‪ ،‬بين ــه وبي ــن‬ ‫ع ــن َف ـ ّ‬ ‫نفســه‪ ،‬بينــه وبيــن أعمالــه نفســها‪ .‬بــل يبــدو جبــران‬ ‫ف ــي ذل ــك أش ــبه بناق ــد نفس ــه‪ ،‬مثلم ــا ه ــو الروائ ــي‬ ‫(فلوبيــر خصوصـاً) حيــن يكتــب فــي «يومياتــه» عــن‬ ‫عالقتــه بالعالــم الســردي الــذي يكتــب عنــه‪ ،‬ويتقــدم‬ ‫ف ــي أمكنت ــه وعوالمه ــا‪.‬‬ ‫إذا كان كتـــاب نعيمـــة فـــي جبـــران يفيـــد فـــي‬ ‫توفي ــر ش ــهادة باك ــرة ع ــن جب ــران‪ ،‬وال س ــيما ع ــن‬ ‫ّي ــة‬ ‫قس ــم بعي ــد ع ــن طفولت ــه‪ ،‬أو ع ــن أخب ــاره َ‬ ‫الفنّ‬ ‫األولــى‪ ،‬فــإن كتــاب توفيــق صايــغ‪« :‬أضــواء جديــدة‬ ‫علــى جبــران» يفيــد فــي التعــرف المقــرب علــى عالــم‬ ‫الفّنــي‪ ،‬وال ســيما فــي مراســاته مــع مــاري‬ ‫جبــران َ‬ ‫هاس ــكل نفس ــها‪ .‬فالكت ــاب يش ــتمل عل ــى رس ــائل ل ــم‬ ‫تكـــن معروفـــة‪ ،‬وال منشـــورة‪ ،‬مـــا يمنـــح الكتابـــة‬ ‫جانبـــ ًا بوحيـــاً‪ ،‬اعترافيـــ ًا بمعنـــى مـــن المعانـــي‪.‬‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫تحف ــل ه ــذه المراس ــات بـ«أض ــواء جدي ــدة» فع ـ ً‬ ‫وتفيــد أن جبــران‪ ،‬علــى ســبيل المثــال‪ ،‬اطلــع علــى‬ ‫أعم ــال فناني ــن مختلفي ــن‪ ،‬م ــن أمث ــال‪ :‬ميكيلنجل ــو‪،‬‬ ‫وتيتيــان‪ ،‬ودوالكروا‪ ،‬وماتيس‪ ،‬وتيرنر‪ ،‬ودوشــان‬ ‫اطالع ــه‬ ‫وغيره ــم‪ ،‬م ــا ل ــه قيم ــة بالغ ــة‪ ،‬إذ يعن ــي‬ ‫َ‬ ‫عل ــى «م ــدارس» التصوي ــر المتأخ ــرة‪ ،‬م ــن النزع ــة‬

‫االستش ــراقية (دوالك ــروا) إل ــى النزع ــة االنطباعي ــة‬ ‫(ماتيــس)‪ ،‬مــا ال يجــد الــدارس أثــره أبــدًا فــي تصويــر‬ ‫جب ــران‪.‬‬ ‫كم ــا ت ــرد ف ــي الرس ــائل التفات ــات س ــريعة ولك ــن‬ ‫مرك ــزة ح ــول أعم ــال بع ــض الفناني ــن‪ :‬يق ــول ع ــن‬ ‫دافنشــي إنــه يصعــب التمييــز فــي لوحاتــه بيــن الذكــر‬ ‫واألنثــى‪ ،‬وهــو مــا يصعــب كذلــك فــي بعــض أعمــال‬ ‫ّي ــة‪ .‬كم ــا يتح ـ َّـدث ع ــن لوح ــة لدوش ــان‬ ‫جب ــران َ‬ ‫الفنّ‬ ‫(ص ‪ )256‬وغيــره‪ ،‬فيمــا يصــرف كثيــرًا مــن الــكالم‬ ‫خبرهـــا فـــي‬ ‫عـــن «الموديـــات» (ص ‪ ،)264‬التـــي َ‬ ‫ويس ــتفاد م ــن ه ــذه الرس ــائل أن ــه تول ــع‬ ‫باري ــس‪ُ .‬‬ ‫باللــون فــي فتــرة متأخــرة (بعــد العــام ‪ ،)1911‬بعــد‬ ‫أن كان «جبان ـاً» (حس ــب لفظ ــه) ف ــي التعام ــل مع ــه؛‬ ‫كمــا يعتــرف بــأن مــا فعلــه بدايــة رســوم‪ ،‬ال لوحــات‬ ‫(ص ‪ .)272‬ونتع ــرف ف ــي الرس ــائل عل ــى أن ــه م ــا‬ ‫كان يح ــب تصوي ــر المناظ ــر الطبيعي ــة‪ ،‬ول ــم يك ــن‬ ‫ـول علــى ّأل يرســمها قــط؛ كمــا‬ ‫يســتطيع رسـَـمها‪ ،‬وعـ َّ‬ ‫ّي ــة‪،‬‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫أعمال‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫عل‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫عناوي‬ ‫كان ال يح ــب إط ــاق‬ ‫َّ‬ ‫إذ كان يق ــول‪« :‬ه ــل يمك ــن حص ــر رؤي ــة فن ــان ف ــي‬ ‫عن ــوان؟»‪.‬‬ ‫الفّنــي‬ ‫يمكــن ّ‬ ‫التأكــد‪ ،‬بالعــودة إلــى إنتــاج جبــران َ‬ ‫(ال مــا قيــل فيــه‪ ،‬منــه أو مــن غيــره)‪ ،‬مــن أنــه يتــوزع‬ ‫بيــن أدوات ووســائل صريحــة فــي تتابعهــا‪ :‬بين قلم‬ ‫فحم ــي‪ ،‬وأل ــوان زيتي ــة‪ ،‬ث ــم أل ــوان مائي ــة‪ ،‬جامع ـ ًا‬ ‫ّي ــة مختلف ــة‪ :‬الرس ــم الوجه ــي (بم ــا‬ ‫بي ــن أن ــواع َفنّ‬ ‫فيــه رســمه لنفســه باأللــوان الزيتيــة) بيــن وجاهــي‬ ‫ومتخيــل‪ ،‬اللوحــات المتخيلــة‪ ،‬اللوحــات والرســوم‬

‫ـا ع ــن رس ــم تكعيب ــي‬ ‫المتصل ــة بكت ــب األدب‪ ،‬فض ـ ً‬ ‫واحــد لــه (صايــغ‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ ،)255‬فــي مــا توافر‬ ‫م ــن إنتاج ــه‪ .‬ويس ــتطيع ال ــدارس التوق ــف بالمقاب ــل‬ ‫ّيـــة رائجـــة فـــي زمنـــه‪ ،‬أو مســـتمرة‬ ‫عنـــد أنـــواع َفنّ‬ ‫فيـــه‪ ،‬مـــن دون أن يقتـــرب جبـــران منهـــا أبـــداً‪ ،‬وال‬ ‫ســـيما لوحـــات المشـــاهد الدينيـــة أو التاريخيـــة أو‬ ‫الطبيعي ــة (الت ــي ع ــاد إليه ــا أكث ــر م ــن فن ــان عرب ــي‬ ‫ف ــي مرحل ــة البداي ــات‪ ،‬مث ــل داوود الق ــرم وحبي ــب‬ ‫س ــرور وصليب ــا الدويه ــي وغيره ــم)‪.‬‬ ‫مــا يمكــن مالحظتــه فــي عــدد مــن أعمــال جبــران‪،‬‬ ‫هـــو أنهـــا تمتـــاز بقياســـاتها القصيـــرة‪ ،‬مـــا يشـــير‬ ‫خصوصــ ًا إل ــى كونه ــا ولي ــدة المحت ــرف‪ -‬الصغي ــر‬ ‫فــي حالتــه‪ ،‬وإلــى ضيقــه بالتالــي‪ .‬كمــا يمكــن ربــط‬ ‫ع ــدد م ــن أعمال ــه بالمطبوع ــة نفس ــها‪ ،‬بي ــن جري ــدة‬ ‫وكت ــاب‪ ،‬إذ إن اللج ــوء إل ــى رس ــم «المش ــاهير» كان‬ ‫يلب ــي حاج ــات زمني ــة‪ ،‬إخباري ــة‪ ،‬بين ــة؛ وه ــو م ــا‬ ‫يعن ــي عالق ــة تواكلي ــة بي ــن الص ــورة الفوتوغرافي ــة‬ ‫(والمحفــورة الطباعيــة‪ -‬الزنكوغرافية) وبين الرســم‬ ‫الفّنــي‪ .‬بــل يمكــن القــول إن عالقــة جبــران بالرســم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫بفنّه‪،‬‬ ‫الفّنــي فــوق ورقــة‪ ،‬بقيــت تتحكم َ‬ ‫أي بالتدويــن َ‬ ‫حتــى حيــن ابتعــد عــن الورقــة كحامــل مــادي‪ ،‬صوب‬ ‫القماشــة الزيتيــة‪ :‬مــن يراجــع الخلفيــات التصويريــة‬ ‫ف ــي ع ــدد م ــن لوحات ــه يتحّق ــق م ــن كونه ــا س ــديمية‬ ‫أش ــبه بخلفي ــة ورق ــة‪ ،‬بمعن ــى م ــن المعان ــي؛ كم ــا‬ ‫ف ــي إمكان ــه مالحظ ــة أم ــر أه ــم‪ ،‬وه ــو أن األجس ــاد‬ ‫ـل ف ــي أمكن ــة ذات‬ ‫الت ــي ترتس ــم ف ــي اللوح ــات ال تح ـ ُّ‬ ‫مواصف ــات طبيعي ــة (م ــا خ ــا بع ــض التضاري ــس‬

‫ـل فوقهــا حلــول الرســوم‬ ‫الطبيعيــة أحيانـاً)‪ ،‬بــل تحـ ُّ‬ ‫ّي ــة‬ ‫عل ــى ال ــورق‪ .‬وه ــو م ــا يتض ــح ف ــي عالم ــات َفنّ‬ ‫أخ ــرى‪ ،‬مث ــل اختف ــاء لعب ــة الض ــوء فيه ــا‪ ،‬إذ تق ــع‬ ‫األجســاد فــي فضــاء لونــي‪ ،‬ال يشــير إلــى انعكاســات‬ ‫أو ظـــال‪ ،‬وهـــو مـــا يقـــوم عليـــه الرســـم بالقلـــم‬ ‫الرص ــاص أو الفحم ــي ف ــي الغال ــب‪ ،‬وف ــوق ال ــورق‪.‬‬ ‫وإذا مــا ظهــرت فــي اللوحــات جبــال وصخــور فإنهــا‬ ‫تظهــر مــن دون انعكاســات الشــمس عليهــا‪ .‬هــذا مــا‬ ‫يظهــر خصوصـ ًا فــي األجســاد‪ ،‬القريبــة مــن تصاوير‬ ‫المالئكــة فــي التصويــر اإليطالــي «النهضــوي»‪ ،‬حيث‬ ‫إنــه يلونهــا بقلــم مــن رصــاص‪ ،‬مبقيـ ًا ومشـ ِّـددًا علــى‬ ‫تقاطيــع وخطــوط الرســم فيهــا‪ ،‬ال علــى «عجينتهــا»‬ ‫الماديــة واللونيــة بالتالي‪ .‬وال نبالــغ بالتالي بالقول‬ ‫إن جب ــران بق ــي مش ــدودًا إل ــى قلم ــه‪ ،‬حت ــى حي ــن‬ ‫انح ــاز إل ــى اللوح ــة الزيتي ــة أو المائي ــة‪.‬‬

‫جان ماري امرأة‬ ‫مناضلة‪ ،‬لها‬ ‫«يدان قويّتان»‪،‬‬ ‫يصفهما رامبو‬ ‫بـ«الشاحبتين»؛‬ ‫من فرط العمل‬ ‫أو نقل األسلحة‬

‫___________________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪« - 1‬جب ــران خلي ــل جب ــران‪ :‬ف ــي آف ــاق الرس ــم»‪ ،‬متح ــف نق ــوال‬ ‫سرس ــق‪ ،‬بي ــروت‪.2000 ،‬‬

‫ّيــة لــه‪ ،‬أثنــاء إقامتــه فــي باريبــس‪،‬‬ ‫‪ - 2‬وجــب ذكــر مشــاركة َفنّ‬

‫فــي العــام ‪ ،1909‬فــي «معــرض الخريــف» المعــروف‪ ،‬إذ عــرض‬ ‫فيــه عمــل «الخريــف» مــن ثالثــة أعمــال للعــرض‪.‬‬ ‫‪57‬‬


‫بــــــدون‬ ‫نســــــب‬ ‫ٍ‬ ‫َفنّــــــي!‬ ‫إذا كان للدارس أن يجد لجبران نسب ًا‬ ‫ّيــاً‪ ،‬فإنه لن يجده في زمنه‪ ،‬على‬ ‫َفنّ‬ ‫الرغم من العالقة القوية التي جمعته‬ ‫بشــخص رودان وبَفنّــه‪ .‬تقــول ماري هاســكل‪،‬‬ ‫عنــد رؤيتها بعض مائيات جبــران (على ما ورد‬ ‫في كتاب صايغ)‪« :‬ســيتحدث الناس عن رودان‬ ‫عندمــا يرون هذه المائيات‪ .‬لكن رودان يعبر عن‬ ‫النفس فيما أنت تعبر عن نفس النفس‪.»...‬‬

‫تالحظ ماري‬ ‫هاسكل‪ ،‬في‬ ‫رسالة إلى جبران‬ ‫في العام ‪،1915‬‬ ‫شبه ًا بين رسومه‬ ‫ورسوم وليم‬ ‫باليك‬

‫‪58‬‬

‫الفنّانيـــن‬ ‫كمـــا لـــم يجـــد جبـــران نســـبه فـــي َ‬ ‫المستشـــرقين‪ ،‬وال االنطباعييـــن‪ ،‬وال مصـــوري‬ ‫اللوحــات الدينيــة ذات اإلخبــار التوراتي واإلنجيلي‬ ‫(كمــا تعــرف عليهــا جبــران فــي الكنائــس اللبنانيــة‬ ‫من ــذ نعوم ــة أظف ــاره)‪ ،‬وإنم ــا س ــيجده ف ــي فن ــان‬ ‫«النهضـــة» اإليطاليـــة األول‪ :‬ليونـــاردو دافنتشـــي‬ ‫(‪ .)1519 - 1452‬يقـــول فيـــه (فـــي مراســـلة فـــي‬ ‫مايو‪/‬أيـــار مـــن ســـنة ‪ ،1915‬واردة فـــي كتـــاب‬ ‫جب ــر المذك ــور)‪« :‬إن ــه أب ــدع ش ــخصية ف ــي الدني ــا‪.‬‬ ‫صورتـــه‪ -‬يســـوع ومريـــم وأمهـــا والحمـــل‪ -‬أروع‬ ‫صـــورة» (ص ‪ :)74‬يكفـــي العـــودة إلـــى مالئكـــة‬ ‫دافنتشــي الطائــرة لكــي نتحّقــق مــن نســب األجســاد‬ ‫المتش ــكلة بحري ــة فائق ــة ف ــي لوح ــات جب ــران‪.‬‬ ‫كم ــا تالح ــظ م ــاري هاس ــكل‪ ،‬ف ــي رس ــالة إل ــى‬ ‫جبـــران فـــي العـــام ‪ ،1915‬شـــبه ًا بيـــن رســـومه‬ ‫ـرد عليها‬ ‫ورســوم وليــم باليــك‪ ،‬مــا يجعــل جبران يـ ُّ‬ ‫«عالم ــه (ولي ــم بالي ــك) ال يمك ــن أن ت ــراه‬ ‫بالق ــول‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ّإل عيـــن العيـــن‪ ،‬وال يمكـــن أبـــدًا أن تـــراه العيـــن‬

‫ذاته ــا» (صاي ــغ‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،.‬ص ‪ .)207‬وه ــو نس ــب‬ ‫ـن فــي‬ ‫ـتجمع فيــه الشــخص َ‬ ‫والفـ ّ‬ ‫آخــر لجبــران‪ ،‬اسـ َ‬ ‫الوق ــت عين ــه‪.‬‬ ‫تعـ َّـر َف جبــران علــى وليــم باليــك فــي بوســطن‪،‬‬ ‫ووجـَـد فيــه رفيقــه الروحــي علــى أكثــر مــن صعيــد‪:‬‬ ‫ش ــاعر ومص ــور‪ ،‬ول ــه رؤى‪ ...‬وه ــو م ــا حل ــم ب ــه‬ ‫جبـــران منـــذ عمـــره الباكـــر‪« :‬جئـــت ألقـــول كلمـــة‬ ‫ـكل وبالــكل»(‪.)16‬‬ ‫وســأقولها (‪ )...‬جئــت ألكــون للـ ّ‬ ‫وكان باليـــك يبنـــي رســـومه علـــى اســـتعارات‪،‬‬ ‫ـم العثــور‪ ،‬فــي محفوظــات‬ ‫وعلــى أجســاد‪ .‬ولقــد تـ َّ‬ ‫جبـــران الكتبيـــة‪ ،‬علـــى عـــدة كتـــب عـــن باليـــك‪:‬‬ ‫كت ــاب اليزابي ــت لوت ــر ع ــن «ف ــن ولي ــم بالي ــك»‪،‬‬ ‫الــذي أهدتــه إيــاه هاســكل فــي العــام ‪ ،1911‬وكتــاب‬ ‫«تصاوي ــر ولي ــم بالي ــك» وكت ــب كثي ــرة غيرهم ــا‪.‬‬ ‫ويســـتخرج جميـــل جبـــر مـــن علـــى ورقـــة أحـــد‬ ‫ـبه‬ ‫الكت ــب ه ــذه العب ــارة لهاس ــكل تق ــول فيه ــا‪« :‬ش ـ ٌ‬ ‫ـن صديقــه»‪ ،‬أي باليــك (م‪.‬‬ ‫مذهــل بيــن جبــران وفـ ِّ‬ ‫س‪ ،.‬ص ‪ .)72‬كمــا يقــول لهــا جبــران‪ :‬باليــك هــو‬

‫األعظ ــم بع ــد شكس ــبير‪ .‬لكن ــه ال ُيفه ــم ع ــن طري ــق‬ ‫العقــل‪ .‬عالمــه ال تدركــه العيــن بــل عيــن العيــن‪ ،‬أي‬ ‫الحــدس‪ .‬عنــد باليــك يغلــب اإلدراك علــى التعبيــر‪،‬‬ ‫عل ــى عك ــس س ــوينبرن» (جب ــر‪ ،‬م‪ .‬ن‪ ،.‬ص ‪.)72‬‬ ‫يفيـــد كتـــاب جميـــل جبـــر‪ ،‬فـــي التعـــرف إلـــى‬ ‫مكونــات جبــران الثّقافيــة‪ ،‬منذ دراســته في مدرســة‬ ‫«الحكم ــة» ف ــي بي ــروت‪ :‬حي ــث اطل ــع عل ــى الكت ــب‬ ‫الديني ــة‪ ،‬وكتاب ــات رج ــاالت «النهض ــة»‪ ،‬وبع ــض‬ ‫كتــب الرومنطيقييــن األوروبييــن‪ .‬وأكــد جبــر هــذه‬ ‫المعلومـــات‪ ،‬بعـــد أن اطلـــع بـــدوره علـــى كتـــب‬ ‫محفوظـــة فـــي مكتبـــة جبـــران‪ ،‬وال ســـيما الكتـــب‬ ‫الدينيــة منهــا وبعــض كتــب األســاطير (التــي أهداهــا‬ ‫لــه المصــور داي قبــل مجيئــه إلــى لبنــان للدراســة)‪.‬‬ ‫وقــد كتــب جبــران عبــارات علــى بعــض هــذه الكتــب‬ ‫ت ــدل عل ــى ملكيت ــه له ــا‪ ،‬كم ــا رس ــم فوقه ــا رس ــوم ًا‬ ‫أحيان ـاً‪ ،‬مث ــل‪ :‬غ ــروب الش ــمس ويوحن ــا الحبي ــب‪.‬‬ ‫ويؤكــد جميــل جبــر (مــن دون غيــره‪ ،‬ومــن دون أن‬ ‫نع ــرف مص ــدر معلومات ــه) أن جب ــران‪« :‬كثي ــرًا م ــا‬

‫مرس ـ َـمي حبي ــب س ــرور وداود الق ــرم‪،‬‬ ‫ت ـ َّ‬ ‫ـردد إل ــى َ‬ ‫البارزيـــن فـــي الرســـم‬ ‫الرائديـــن‬ ‫وراقـــب أعمـــال‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫المعجبيـــن مثلـــه بروائـــع النهضـــة‬ ‫اللبنانـــي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫اإليطاليـــة» (ص ‪ .)76‬كمـــا اطلـــع جبـــران‪ ،‬أثنـــاء‬ ‫عيشـــه فـــي بوســـطن‪ ،‬ومنـــذ احتكاكاتـــه األولـــى‬ ‫بوســط بوســطن الثّقافــي‪ ،‬بعــدد مــن األدبــاء‪ ،‬مــن‬ ‫أمثــال‪ :‬موريــس ماترلنــك‪ ،‬الفيلســوف إمرســون‪،‬‬ ‫كارلي ــل وغيره ــم‪...‬‬ ‫الفّنــي الغالــب‬ ‫قــد يكــون البحــث عــن بنــاء النمــط َ‬ ‫ـن جبــران أشــبه بعمليــات تفكيــك لفسيفســاء‬ ‫فــي َفـّ‬ ‫متعــّددة العناص ــر‪ ،‬وعل ــى مقادي ــر م ــن التداخ ــل‬ ‫بي ــن عناص ــره‪ :‬ف ــإذا كان ــت معرف ــة جب ــران به ــذه‬ ‫األســاطير واآلداب والفلســفات ترقــى إلــى قراءاتــه‬ ‫األولـــى فـــي بوســـطن‪ ،‬فإنـــه انتقـــل إلـــى رســـم‬ ‫الفنّـــي‪ ،‬ولقـــد‬ ‫الجســـد فـــي باريـــس‪ ،‬فـــي تعلّمـــه َ‬ ‫كان م ــن دون ش ــك للجس ــد المنح ــوت عن ــد رودان‬ ‫أثــره البيــن فــي خيــارات جبــران؛ وهــو مــا يجتمــع‬ ‫ب ــدوره م ــع «مالئك ــة» دافنتش ــي‪...‬‬

‫كان من دون‬ ‫شك للجسد‬ ‫المنحوت عند‬ ‫رودان أثره البين‬ ‫في خيارات‬ ‫جبران‬

‫‪59‬‬


‫تأمالت‬

‫الحديث عن تأثر‬ ‫جبران بدافنتشي‪،‬‬ ‫أو رودان‪ ،‬أو‬ ‫بعالم أورفيوس‪،‬‬ ‫ال يكفي أبد ًا‬ ‫لفهم المسعى‬ ‫الجبراني في‬ ‫ال َ‬ ‫ن‬ ‫ف ّ‬

‫‪60‬‬

‫ـن جبــران صلــة أكيــدة بمــا قــرأ‪ ،‬بمــا اطلع عليه‬ ‫َ‬ ‫لفـّ‬ ‫عينــان فــي منظــور‬ ‫ي‬ ‫وذاك‬ ‫ـذا‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫أن‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫عل‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫وثقاف‬ ‫َفّنـ ًا‬ ‫ُ ِّ‬ ‫ـا‪ ،‬بواس ــطة‬ ‫ـن ال تع ــدو كونه ــا تواص ـ ً‬ ‫أو رؤي ــة َ‬ ‫للف ـ ّ‬ ‫الكلم ــة والخ ــط‪ ،‬بي ــن معتق ــدات ورؤى تأك ــدت ف ــي‬ ‫تطلعــات جبــران‪ .‬وهــذا يعني كذلك أن نــوازع جبران‬ ‫ّي ــة بالخال ــص‪ ،‬ول ــم تص ــدر‬ ‫إل ــى َ‬ ‫الف ـ ّ‬ ‫ـن ل ــم تك ــن َفنّ‬ ‫عــن هــوى تلقائــي فــي الرســم‪ ،‬أو عــن طلــب مهنــي‬ ‫بال ــذات‪ ،‬وإنم ــا تول ــدت ف ــي ن ــوع م ــن االس ــتحضار‬ ‫لعالــم كان يتــراءى لــه بقــدر مــا يســمو إليــه‪.‬‬ ‫لهــذا يبــدو كالم جبــران عــن َفّنــه أشــبه بلحظــة‬ ‫ـل له ــذا العال ــم‪ ،‬إذ يق ــول‪« :‬عندم ــا أعك ــف عل ــى‬ ‫تج ـ ٍّ‬ ‫ـا‪ ،‬أو يس ــتحق‬ ‫الرس ــم‪ ،‬وأنت ــج ش ــيئ ًا جي ــدًا قلي ـ ً‬ ‫التقديـــر‪ ،‬يجـــيء ذلـــك علـــى غيـــر وعـــي منـــي‪.‬‬ ‫وعقـــب انتهائـــي مـــن الرســـم بثـــاث أو أربـــع‬ ‫س ــاعات‪ ،‬ال أس ــتطيع أن أق ــول ل ــك ش ــيئاً‪ ،‬وأن ــا‬ ‫عل ــى خ ــاف ذل ــك ف ــي كتابت ــي‪ .‬فأن ــا أع ــرف عم ــا‬ ‫أكت ــب‪ ،‬ف ــي حي ــن أن ــي أجه ــل لم ــا أن ــا أرس ــم أو‬ ‫أصــور» (رســالة لمــاري هاســكل‪ ،‬فــي يوميــات ‪20‬‬ ‫أغس ــطس‪/‬آب م ــن س ــنة ‪ .)1920‬وه ــو م ــا يش ـ ِّـدد‬ ‫علي ــه ف ــي أكث ــر م ــن مق ــال ومخط ــوط‪« :‬إن العم ــل‬ ‫الفّن ــي ضباب ــة ُتجم ــع فتنق ــش ص ــورة»؛ أو‪« :‬ف ــي‬ ‫َ‬ ‫وكل عناصرهــا‬ ‫كل أســرار الطبيعــة مختبئــة‪ّ ،‬‬ ‫ـن ّ‬ ‫َ‬ ‫الفـّ‬ ‫رابض ــة» (مخطوط ــات جب ــران)‪.‬‬ ‫لهــذا فــإن الحديــث عــن تأثــر جبــران بدافنتشــي‪،‬‬ ‫أو رودان‪ ،‬أو بعالــم أورفيــوس‪ ،‬ال يكفــي أبــدًا لفهم‬ ‫ـن‪ ...‬هــذا مــا قالــه لماري‬ ‫المســعى الجبرانــي فــي َ‬ ‫الفـّ‬ ‫هاس ــكل ف ــي ه ــذه العب ــارات‪« :‬ه ــل ط ــرازك ف ــي‬ ‫اخترت‬ ‫ـرازك فــي التصويــر؟ ولمــاذا‬ ‫الكتابــة مثــل طـ َ‬ ‫َ‬ ‫هـــذا الطـــراز؟»‪ ،‬فيجيـــب‪« :‬لعلـــه اختارنـــي ولـــم‬ ‫وجدتن ــي ماش ــي ًا ف ــي ه ــذه الطري ــق‬ ‫أخت ــره‪ .‬لق ــد‬ ‫ُ‬ ‫ـكل طريق ــه ف ــي م ــا‬ ‫دون عل ــم أو قص ــد من ــي‪ .‬ول ـ ٍّ‬ ‫يعمــل‪ .‬عندمــا بــدأت بالتصويــر لــم أقــل لنفســي‪- :‬‬ ‫هــوذا الطريــق الكالســيكية أو الحديثــة أو الرمزيــة‬ ‫أو كثي ــر س ــواها‪ ،‬اخت ـْـر ل ــك واح ــدة منه ــا‪ .‬ب ــل م ــا‬ ‫ـعرت ّإل وقلم ــي يرس ــم رم ــوزًا لم ــا يج ــول ف ــي‬ ‫شـ ُ‬ ‫خاط ــري م ــن خي ــاالت وأف ــكار وعواط ــف‪ .‬يحس ــب‬ ‫ـن فــي تقليــد الطبيعــة‪ .‬والطبيعــة أعظم‬ ‫البعــض َ‬ ‫الفـّ‬ ‫ـن ال يأتــي بمعجــزة‬ ‫مــن أن ُتقلــد‪ .‬ومهمــا تســامى َ‬ ‫الفـّ‬ ‫م ــن معجزاته ــا‪ .‬وم ــن ث ــم فم ــا الحاج ــة إل ــى تقلي ــد‬ ‫ـكل ذي ح ــس؟ إنم ــا‬ ‫الطبيع ــة‪ ،‬وه ــي محسوس ــة ل ـ ّ‬ ‫ـن أن نتفهــم الطبيعــة‪ ،‬ونــؤدي معانيهــا للذيــن‬ ‫َ‬ ‫الفـ ّ‬ ‫ـن أن ن ــؤدي روح الش ــجرة‪ ،‬ال أن‬ ‫ـ‬ ‫الف‬ ‫ـا‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫يفهمونه‬ ‫ال‬ ‫َّ‬ ‫نص ــور جذعــ ًا وفروعــ ًا وأغصانــ ًا وأوراقــ ًا تش ــبه‬ ‫ـن أن نأتــي بضميــر البحــر ال أن نرســم‬ ‫الشــجرة‪َ .‬‬ ‫الفـّ‬ ‫الفّن أن نرى‬ ‫أمواجـ ًا مزبــدة أو مياهـ ًا زرقــاء هادئة‪َ .‬‬

‫مرزوق بشير بن مرزوق‬

‫الثّقافة‪ ..‬ترف أم ضرورة ؟‬

‫ف ــي المأل ــوف م ــا لي ــس مألوفــاً‪ .‬لذل ــك أبتع ــد ف ــي‬ ‫كل مأل ــوف ألتوص ــل‬ ‫التصوي ــر وف ــي الكتاب ــة ع ــن ّ‬ ‫ـان وأل ــوان غي ــر مألوف ــة‬ ‫في ــه إل ــى م ــا في ــه م ــن مع ـ ٍ‬ ‫(‪ .)...‬تلـــك هـــي طريقـــي‪ .‬وهـــي تعرفنـــي وأنـــا‬ ‫ـي ف ــي بع ــض األحايي ــن‬ ‫أعرفه ــا‪ .‬حت ــى ليخي ــل إل ـ ّ‬ ‫أنـــي ســـلكتها قبـــل أن ولـــدت‪ .‬فأنـــا ال أكاد أبلـــغ‬ ‫عطف ــة فيه ــا حت ــى أش ــعر بم ــا بعده ــا‪ .‬وال أع ــرف‬ ‫عنه ــا قي ــد ب ــاع ّإل أع ــرف أنن ــي انحرف ــت قي ــد ب ــاع‪.‬‬ ‫فأع ــود إليه ــا»‪.‬‬ ‫___________________________________‬ ‫هامش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬جبـــران خليـــل جبـــران‪« :‬المجموعـــة الكاملـــة‬ ‫لمؤلفـــات جبـــران خليـــل جبـــران»‪ ،‬المؤلفـــات‬ ‫العربيـــة‪ ،‬بيـــروت‪ ،1964 ،‬ص ‪.233‬‬

‫كثيرًا ما نستحضر السؤال التالي‪ ،‬خصوص ًا عند وضع‬ ‫أولويات التخطيط االستراتيجي أو في أوقات األزمات‬ ‫االقتصادية‪ :‬هل الثّقافة ترف أم ضرورة؟‪ ،‬وتعتمد اإلجابات‬ ‫على موقف المستجيب من الثّقافة وفهمه لها وألهميتها‬ ‫في المجتمع‪ ،‬ويظهر ذلك بوضوح في االستراتيجيات‬ ‫والرؤى الوطنية التي أصدرتها معظم دول مجلس التعاون‬ ‫ركزت معظم تلك‬ ‫في السنوات القليلة الماضية‪ ،‬حيث َّ‬ ‫االستراتيجيات على ركائز أساسية مثل البيئة واالقتصاد‬ ‫وتم استبعاد ركيزة أساسية‬ ‫والتعليم والركيزة االجتماعية‪َّ ،‬‬ ‫وهي الركيزة الثّقافية‪ ،‬بدعوى أنها مرتبطة بالركيزتين‬ ‫االجتماعية والتعليمية‪ ،‬ما يضع الثّقافة في مسار ثانوي أو‬ ‫ترفي ضمن مسارات التنمية الوطنية األخرى‪.‬‬ ‫دائم ًا ما تواجه الثّقافة التي تشمل الفكر واألدب واإلبداع‬ ‫ومتغيرات في النظرة إليها‬ ‫والفنون المختلفة‪ ،‬تحّديات‬ ‫ّ‬ ‫والمتغيرات مرتبطة‬ ‫بين الحين واآلخر‪ ،‬وهذه التحّديات‬ ‫ّ‬ ‫المتغير السياسي المعتمد على‬ ‫بالمتغيرات الوقتية‪ ،‬مثل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حرية التعبير المسموح به‪،‬‬ ‫وهامش‬ ‫االنغالق‬ ‫أو‬ ‫االنفتاح‬ ‫ّ‬ ‫النص الديني‪،‬‬ ‫التغيرات واالجتهادات‬ ‫وعلى‬ ‫ِّ‬ ‫المتبدلة في تفسير ّ‬ ‫ُّ‬ ‫التي ترى في الفنون‪ -‬على وجه الخصوص‪ -‬مجا ًال للتحريم‬ ‫التمسك بالوسطية فيه‪ ،‬أو انتقاء وحذف ما يساير‬ ‫المطلق أو‬ ‫ُّ‬ ‫تتحمل األزمات‬ ‫التفسير الشرعي له‪ .‬كما على الثّقافة أن‬ ‫َّ‬ ‫االقتصادية عند النظر إليها على أنها ترف يمكن االستغناء عن‬ ‫نشاطه وتوفير موازناته‪.‬‬ ‫طرح الزميل الدكتور محمد الرميحي في ٍ‬ ‫مقال له في إحدى‬ ‫الصحف العربية استفهاماً‪ :‬هل الحديث عن الثّقافة ترف؟!!‪،‬‬ ‫ويرجح الكاتب بأن ظهور المشكالت المستعصية في األصل‬ ‫ِّ‬ ‫هو غياب الثّقافة الكلية‪ ،‬أي القناعات واألفكار التي تجعل‬ ‫تصرفات‪ ،‬ولو عدنا‬ ‫الواحد منا يفعل هذا وال يفعل ذاك من‬ ‫ُّ‬ ‫إلى الركائز التي تطرحها االستراتيجيات الوطنية في دول‬ ‫الخليج‪ ،‬سنتأكد بأنها وفي غياب البعد الثّقافي تصبح‬ ‫ركائز ناقصة وغير مكتملة‪ ،‬فال يمكن أن ننجز ركيزة البيئة‬ ‫والمحافظة عليها‪ ،‬أو تطوير االقتصاد الوطني‪ ،‬في غياب‬ ‫تشكل وعي الفرد‬ ‫قناعات ثقافية من األفراد‪ ،‬فالثّقافة هي التي ِّ‬ ‫وتصرفاته أو حتى قيمه وأخالقه‪ ،‬وهي التي تنجز‬ ‫وسلوكه‬ ‫ُّ‬

‫تلك الركائز وتتبنّاها وتصبح جزءًا من أهدافها وسلوكها‪ ،‬فإذا‬ ‫اعتبرنا ركائز االستراتيجيات الوطنية هي خارطة الطريق‬ ‫لتطور المجتمع‪ ،‬فالثّقافة الكلية هي المرشد لتلك الخارطة‬ ‫ُّ‬ ‫والمحفز للسائرين على دروبها‪.‬‬ ‫تمكنت الكثير من البلدان‪ ،‬التي كانت تضع للثّقافة‬ ‫لقد َّ‬ ‫أولوياتها في مسيرة المجتمع‪ ،‬أن تجتاز الكثير من المحن‪،‬‬ ‫بفضل الوعي والسلوك اللذين شكلتهما الثّقافة في وعي‬ ‫ووجدان المجتمع‪ ،‬وكان رصيد األمة الثّقافي هو الزاد الذي‬ ‫عززت القيم‬ ‫السبل‪ ،‬فلقد ّ‬ ‫َّ‬ ‫تتزود به األمة عندما تضيق بها ُ‬ ‫واألخالق والعادات الحميدة المجتمع الخليجي‪ ،‬وساعدته‬ ‫فتمكن بحرفه‬ ‫على تجاوز أزمنة االختناقات وضيق العيش‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وصناعته التي أنتجتها ثقافته‪ ،‬وكذلك بفنونه‪ ،‬أن يحافظ‬ ‫على ِعّزته‪ ،‬ويستثمر ثقافته في أبواب ومصادر بديلة لعيشه‬ ‫ورزقه‪.‬‬ ‫وهنا تأتي أهمية الركيزة الثّقافية التي يجب أن تكون هي‬ ‫األساس والمقّدمة لالستراتيجيات الوطنية‪ ،‬وهذا ما فعلته‬ ‫دول مثل ماليزيا‪ ،‬وسنغافورة‪ ،‬وكوريا الجنوبية‪ ،‬وقبلها‬ ‫اليابان الخارجة من حرب حصدت فيها األخضر واليابس‪،‬‬ ‫عندما التفت الواضعون الستراتيجيات نهضتها على ركيزة‬ ‫ثقافة األمة واستدعائها وشحذها لبناء مجتمع جديد‪.‬‬ ‫في الحقبة االستعمارية المباشرة والحقبة غير المباشرة‪،‬‬ ‫كانت الدول االستعمارية تبدأ مرحلة التغيير لشعوب‬ ‫مستعمراتها بالجوانب الثّقافية‪ ،‬بدءًا من إضعاف لغة تلك‬ ‫الشعوب‪ ،‬والتخطيط للتعليم فيها‪ ،‬وانتقاء ما يستوجب‬ ‫قراءته‪ ،‬وإضعاف العقيدة الدينية للمجتمعات بكافة الوسائل‪،‬‬ ‫األهمية الثّقافية للمجتمع‪ ،‬بأنها السد‬ ‫ألن المستعمر يدرك‬ ‫ّ‬ ‫تمكنت من‬ ‫المنيع للتسلُّل إلى عقل األمة ووجدانها‪ ،‬فمتى َّ‬ ‫إسقاط ذلك السد يصبح ترويض األمة وتوجيهها أمرين‬ ‫يسيرين‪.‬‬ ‫لقد اعتبرت منظمة اليونسكو بأن الثّقافة هي العنصر‬ ‫كل‬ ‫األساسي في منظومة التنمية المستدامة‪ ،‬لذلك‬ ‫تتحول ّ‬ ‫َّ‬ ‫الخطط الوطنية االستراتيجية حبرًا على ورق إذا غابت ركيزة‬ ‫الثّقافة‪ ،‬أو ُاختير لها عنوان جانبي‪ ،‬فالثّقافة إذًا ضرورة‬ ‫وليست ترفاً‪.‬‬ ‫‪61‬‬


‫أدب‬

‫معني بقراءة هذا الكتاب‪.‬‬ ‫أن القارئ الفرنسي‬ ‫أعتقد َّ‬ ‫ٌّ‬

‫‪ ‬يبدأ الكتاب بالبحث عن ِ‬ ‫اسمْين‪ :‬اسمك‬ ‫نفس ِك بين َ‬ ‫األصلي حكمت‪ ،‬واالسم المستعار يمنى‪ ،‬هل يختزل‬ ‫األول‬ ‫التوقّف عند هَذْين‬ ‫االسمْين صراع ًا بين االسم َّ‬ ‫َ‬ ‫وموروثه والتقاليد‪ ،‬واالسم الثاني‪ ،‬الذي أردتِه أن يكون‬ ‫لمسار شخصي منفتح على العصر والحداثة؟‬ ‫مرادف ًا‬ ‫ٍ‬ ‫أبحث عن ذاتي بما هي ذات مسكونة بهاجس الحياة‬ ‫كنت‬ ‫ُ‬ ‫ ُ‬‫عرفته‬ ‫والموت‪ ،‬وتعاني‪ ،‬في اآلن نفسه‪ ،‬طعم الموت الذي‬ ‫ُ‬ ‫باكرًا‪.‬‬

‫يمنى العيد‬

‫السيرة الذاتية‪ ،‬عند الكاتبة والناقدة اللبنانية يمنى العيد‪ ،‬ال تنفصل عن سيرة لبنان وأحواله‬ ‫الذات بقدر ما‬ ‫فــي مرحلــة زمنية مليئة بالتناقضات السياســية والحروب‪ .‬تروي هذه‬ ‫ُ‬ ‫الســيرة َ‬ ‫مهمة من الواقــع االجتماعي‪ ،‬والواقع‬ ‫تــروي اآلخــر‪ ،‬لكن من غير أن تتماهى معه‪ ،‬وتكشــف عن جوانب ّ‬ ‫الصادْرين عن دار اآلداب‬ ‫األخيرْين‪« :‬أرق الروح»‪ ،‬و«زمن المتاهة»‬ ‫كتابْيها‬ ‫َ‬ ‫الثّقافي‪ .‬وهذا ما يطالعنا في َ‬ ‫َ‬ ‫األول من هذه‬ ‫في بيروت‪ .‬وقد صدرت‪َّ ،‬‬ ‫مؤخراً‪ ،‬عن دار «الرماتان» الباريسية‪ ،‬الترجمة الفرنسية للجزء َّ‬ ‫السيرة تحت عنوان «بعيدًا عن الحجب»‪ ،‬وتحمل هذه الترجمة توقيع ليلى الخطيب توما‪.‬‬ ‫«الدوحة» قابلت الكاتبة في باريس‪ ،‬فكان هذا الحوار الشامل‪:‬‬

‫يمنى العيد‪:‬‬ ‫مىض زمن النقد‬ ‫حوار‪ :‬أوراس زيباوي (باريس)‬ ‫ً‬ ‫بداية‪ ،‬ماذا يعني لك صدور «أرق الروح» باللغة‬ ‫‪ ‬‬ ‫الفرنسية؟‬ ‫ صدور «أرق الروح» باللّغة الفرنسّية تعبير عن رغبتي في‬‫خاص‪.‬‬ ‫التواصل مع اآلخر‪ ،‬الفرنسي‪ ،‬بشكل ّ‬ ‫الساردة عن عالقتها‬ ‫في قسم كبير من هذا الكتاب‪ ،‬تحكي ّ‬ ‫‪62‬‬

‫بالحضور في بلدها؛ فهي ترفض هذا الحضور الذي له صفة‬ ‫االنتداب والذي أصابها برصاصه‪ ،‬وهي‪ -‬أيضاً‪ -‬ترغب‪ ،‬بل‬ ‫للتزود بثقافته‪.‬‬ ‫تشعر بحاجتها‬ ‫ُّ‬ ‫روح حريصة على استقالل وطنها‪ ،‬وهي‪،‬‬ ‫الروح‬ ‫المؤرقة هي ٌ‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫بحاجة إلى االنطالق أبعد من حدود هذا‬ ‫في اآلن نفسه‪ ،‬تشعر‬ ‫الوطن‪.‬‬

‫غيبي ال يحفل‬ ‫كان طعم الموت هذا على عالقة وثيقة بوعي‬ ‫ّ‬ ‫بالمعرفة‪ ،‬ويستند إلى تقاليد إيمانّية موروثة‪ .‬هكذا‪ ،‬كنت أرى‬ ‫الصغار يموتون في دارنا الكبيرة‪ ،‬قبل أن يروا الحياة‪ .‬حين‬ ‫كنت أشعر بأنّي أترك موروثه َّ‬ ‫وكل ما يرتبط به‬ ‫تركت اسمي ُ‬ ‫ُ‬ ‫من تقاليد‪ ،‬ولم يكن اسم يمنى سوى حلم لصياغة ٍ‬ ‫ذات تتمتَّع‬ ‫بوعي معرفي منفتح‪ -‬كما تقولين‪ -‬على العصر والحداثة‪.‬‬

‫بقوة في هذا الكتاب‪ ،‬وهي طفولة‬ ‫‪ ‬الطفولة حاضرة ّ‬ ‫مفتونة بجمال مدينتك صيدا‪ ،‬وبحرها‪ ،‬وبساتينها‪،‬‬ ‫وهي‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬مطبوعة برصاص االنتداب‬ ‫ِ‬ ‫أصابتك منه رصاصة في أثناء مشاركتك‬ ‫الفرنسي الذي‬ ‫توجهاتك‬ ‫على‬ ‫أثره‬ ‫الحدث‬ ‫هذا‬ ‫ترك‬ ‫هل‬ ‫في تظاهرة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫السياسّية والّثقافية الالحقة؟‬ ‫األول الذي له‪ ،‬في مخّيلتي‪ ،‬جمالّيته‪،‬‬ ‫ صحيح‪ .‬إنّه المكان َّ‬‫ً‬ ‫أمينة لذلك الزمن‪ ،‬لبراءته ولتلك‬ ‫ودد ُت أن أكون‬ ‫ولقد ْ‬ ‫كتبت عن ذلك الزمن بلغة تعبيرّية‬ ‫المسرات الغامرة؛ لهذا‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وتعبر‪ ،‬في اآلن نفسه‪ ،‬عن‬ ‫شعرّية تقارب لغة الطفلة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مشاعرها‪.‬‬ ‫لكن رصاص االنتداب أصاب براءتي‪ .‬كنت طفلة‪ ،‬ولم أشارك‬ ‫متأخرة‪ ،‬بعد أن‬ ‫مجرد صدفة جعلتني أصل ّ‬ ‫في مظاهرة‪ .‬هي ّ‬ ‫أمرت مديرة المدرسة زميالتي‪ ،‬في صفوف الحديقة‪ ،‬بالعودة‬ ‫ْ‬ ‫جمع من التلميذات‪ ،‬أهتف‬ ‫بين‬ ‫ست‬ ‫اندس‬ ‫هكذا‬ ‫‪.‬‬ ‫بيوتهن‬ ‫إلى‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫كن سائرات‪.‬‬ ‫أين‬ ‫إلى‬ ‫أدري‬ ‫أن‬ ‫دون‬ ‫مثلهن‪،‬‬ ‫بحماس‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫توجهاتي‪ :‬السياسّية‪،‬‬ ‫عاني ُت من هذه اإلصابة‪ ،‬غير َّ‬ ‫لقد ْ‬ ‫أن ُّ‬ ‫عاينتها في‬ ‫التعصب التي‬ ‫بأثر من أجواء‬ ‫ُ‬ ‫والّثقافية كانت ٍ‬ ‫ّ‬ ‫التحرر والسعي‬ ‫بأثر من رغبتي في‬ ‫محيطي‪ ،‬كما كانت ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫لسيادة الوعي المعرفي‪ .‬أجواء زمالئي في الجامعة‪ ،‬الّلقاءات‬ ‫مع بعض المثقّفين اليسارّيين‪ ،‬حضور الندوات‪ ،‬قراءاتي‪...‬‬ ‫ُّ‬ ‫كل ذلك كان سبيلي لتحقيق حلم التغيير االجتماعي‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫مهماً‪ ،‬في الكتاب‪ ،‬عن تجربتك في ثانوّية‬ ‫ّ‬ ‫خصصت حّيزًا ّ‬ ‫أن‬ ‫صيدا الرسمّية للبنات‪ ،‬حيث كنت مديرة لها‪ ،‬وبدا كيف َّ‬ ‫‪63‬‬


‫ضغط الكتابة‬

‫التوجه الذي قمت به كان يرتكز على هاجس الخروج من‬ ‫ُّ‬ ‫االنتماء الطائفي والعصبيات المرضّية‪ .‬في رأيك‪ ،‬ما الذي‬ ‫حال دون خروج لبنان من نظامه الطائفي‪ ،‬على الرغم من‬ ‫حرب أهلّية دامت خمس عشرة سنة؟‬ ‫ كان ذلك زمن البناء الوطني للبنان‪ ،‬واهتمام الدولة بفتح‬‫المدارس الثانوّية‪ ،‬وتعليم الفتيات‪ .‬ولم يكن يومها قد مضى‬ ‫تخرجي في الجامعة أكثر في ثالث سنوات‪ .‬هكذا‪ ،‬وجدت‬ ‫على ّ‬ ‫نفسي أنخرط في هذا المشروع الوطني التعليمي‪ ،‬رغم أنّي لم‬ ‫أحب العمل اإلداري‪ ،‬فخالل ما يقارب الخمس عشرة سنة‬ ‫أكن ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫تضم صفَّْين‬ ‫مدرسة‬ ‫من‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫الثانو‬ ‫لت‬ ‫تحو‬ ‫‪،)1977‬‬ ‫‬‫(‪1963‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫يضم ألف ًا وأربعمئة فتاة‪ .‬كانت الثانوّية‬ ‫صرح‬ ‫ثانويْين إلى‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫قوامه تحصيل المعرفة‪ ،‬والعمل‬ ‫صغير‪،‬‬ ‫لوطن‬ ‫ا‬ ‫أنموذج‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫المشترك‪ ،‬وتربية الذات على أسس العدالة في التحصيل‪،‬‬ ‫مكونات هذا الصرح‪.‬‬ ‫واالحترام المتبادل بين مختلف ّ‬ ‫النمو‬ ‫مثل زهرة‪ ،‬كان لبنان يتفتّح على مزيٍد من الرغبة في‬ ‫ّ‬ ‫الحرب األهلّية‪ ،‬التي ُأ ِ‬ ‫شعل فتيلها باغتيال معروف‬ ‫والتقدم‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫سعد (‪ ،)1973‬ثم بحادثة بوسطة عين الرمانة (‪ ،)1975‬كانت‬ ‫ضد خروج لبنان من نظامه الطائفي؛ كانت لتدمير ما انبنى‬ ‫َّ‬ ‫تعليمّياً‪ ،‬وثقافّياً‪ ،‬واجتماعّياً‪ ،‬من أجل إقامة نظام وطني‬ ‫بديل للنظام الطائفي‪.‬‬ ‫أن يشكِّل مثا ًال‬ ‫كان ممنوع ًا على لبنان‪ ،‬إقليمّي ًا ودولّياً‪ْ ،‬‬ ‫التحرر الذي هدف إليه لبنان‬ ‫للتغيير في العالم العربي‪ .‬لقد بدا‬ ‫ُّ‬ ‫مرض ًا معدياً‪ ،‬جرى السعي (إقليمّي ًا ودولّياً) للقضاء عليه‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬اغتيل كمال جنبالط زعيم الحركة الوطنّية‪ ،‬ثم جرى‬ ‫مفكري اليسار‪ ،‬وعدد من المثقّفين المناهضين للنظام‬ ‫تصفية ّ‬ ‫الطائفي‪.‬‬

‫‪ ‬تابعت‪ ،‬في أعمالك النقدّية‪( ،‬وماتزالين) رصد‬ ‫المشهد الروائي العربي‪ ،‬كيف تنظرين إلى واقع الرواية‬ ‫العربّية‪ ،‬اآلن؟‬ ‫ متابعتي للرواية العربّية كانت بهدف البحث في العالقة بين‬‫الفّنّية‪ .‬أو‪ -‬بكالم أوضح‪ -‬البحث في العالقة‬ ‫المتخيل وبنيته َ‬ ‫َّ‬ ‫بين ما ترويه الرواية (أي الحكاية‪ ،‬التي غالب ًا ما تحيل على‬ ‫حي) وبين كيفّية ما ترويه الرواية‬ ‫المعيش‪ ،‬أي على مرجع ّ‬ ‫الفنّي)‪ .‬وباعتبار هذه العالقة‪ ،‬يمكنني القول‬ ‫(أي عملّية البناء َ‬ ‫إن الرواية العربّية هي‪ ،‬اليوم‪ ،‬أكثر أنواع األدب اهتمام ًا‬ ‫وعما نعيشه ونعانيه من ويالت‬ ‫وشغف ًا بالتعبير عن الذات‪ّ ،‬‬ ‫اإلقبال على كتابة‬ ‫عم‬ ‫ُ‬ ‫االقتتال والّدمار‪ .‬هي ظاهرة‪ ،‬فقد َّ‬ ‫البلدان العربّية‪ ،‬بل هي طفرة‪ ،‬لم يعد معها السرد‬ ‫الرواية‬ ‫َ‬ ‫الروائي يلتزم بما كان يلتزم به‪ ،‬قبل‪ ،‬من قواعد َفّنّية‪ ،‬أو‬ ‫يحاول التجريب الستحداث قواعد بنائّية أخرى‪ ،‬شأنه في‬ ‫كأن ثقل األحداث وكثافتها‪،‬‬ ‫الثلث األخير من القرن الماضي‪َّ .‬‬ ‫‪64‬‬

‫من جهة‪ ،‬وتعقُّدات الوضع المعيش وفداحته‪ ،‬من جهة ثانية‪،‬‬ ‫دفع ًا إلى ٍ‬ ‫سرد مفتوح‪ ،‬يتجاوز قيود الشكل‪.‬‬

‫أمير تاج السر‬

‫تميل الرواية العربية‪ ،‬اليوم‪ ،‬إلى تجاوز السرد المعهود‪.‬‬ ‫أن يرتقي‪َ ،‬فّنّيَا‪ ،‬ببناء عالم‬ ‫يسعى بعض هذا السرد إلى ْ‬ ‫عام‪ ،‬بينما ال يكترث بعضه‬ ‫روايته‪ ،‬إلى مستوى إنساني ّ‬ ‫خاص‪-‬‬ ‫الفنّي‪ ،‬و‪ -‬بشكل‬ ‫اآلخر‪ -‬وهو الغالب‪ -‬بعملّية البناء َ‬ ‫ّ‬ ‫السياق السردي من حيث عالقته بالزمان والمكان‪.‬‬ ‫بمقتضيات ّ‬ ‫إن الرواية العربّية‪ ،‬اليوم‪ ،‬بحاجة إلى التعبير‬ ‫ويمكن القول َّ‬ ‫عن الذات‪ ،‬وإلى ابتداع متخّيٍل‪ ،‬هو بمثابة حياة أخرى بديلة‪،‬‬ ‫تتغلّب بها هذه الذات على زمنها‪ .‬ولئن كان للسرد الروائي‬ ‫فإن الزمن سوف يغربل هذا‬ ‫العربي‪ ،‬اليوم‪ ،‬طابع الطفرة‪َّ ،‬‬ ‫الفنّي‪ ،‬شأنه مع بقّية الفنون‪.‬‬ ‫النتاج َ‬

‫مهمة‬ ‫شخصيات‬ ‫ّ‬

‫أي مدى تواكب الحركة النقدّية في العالم العربي‪،‬‬ ‫‪ ‬إلى ّ‬ ‫اليوم‪ ،‬األعمال األدبّية‪ ،‬شعرًا ونثرًا؟‬ ‫ لقد مضى زمن طه حسين وعّباس محمود العقاد‪ ،‬كذلك‬‫محمود أمين العالم‪ ،‬وعبد العظيم أنيس‪ ،‬ورئيف خوري‪...‬‬ ‫يوم كان النقد يتّخذ طابع ًا فكرّياً‪ ،‬ويربط بين األدب والّثقافة‬ ‫ونهوض المجتمع‪ .‬ولعلَّه مضى‪ -‬أيضاً‪ -‬زمن النقاش النقدي‬ ‫الحاد حول الحداثة وقصيدة النثر والبنيوّية ومناهج النقد‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫النصوص‬ ‫وعزلت‬ ‫أولى‪،‬‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫أهم‬ ‫األدب‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫أدب‬ ‫أولت‬ ‫التي‬ ‫الحديث‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫عن مرجعّياتها االجتماعّية‪ ،‬وقالت بموت المؤلِّف… لم يعد‬ ‫ٍ‬ ‫منطلقات‬ ‫النقد يحفل بالتنظير وبدراسة النصوص األدبّية من‬ ‫فكرّية ثقافّية‪ .‬ويمكن القول‪ -‬إذا ما استثنينا الدراسات‬ ‫األكاديمّية‪ -‬إن ما يغلب على النقد‪ ،‬اليوم‪ ،‬هو قراءة النصوص‬ ‫ً‬ ‫من‬ ‫قراءة تقييمّية هي‪ ،‬أحياناً‪ ،‬بمثابة آراء وأحكام تجعل َ‬ ‫ً‬ ‫رهينة لها‪.‬‬ ‫النص‬ ‫ّ‬ ‫تفسر حال النقد هذه‪ ،‬هو انتشار‬ ‫أعتقد َّ‬ ‫أن ّ‬ ‫أهم األسباب التي ِّ‬ ‫وسائل التواصل االجتماعي‪ ،‬والنشراإللكتروني‪ ،‬ووفرة‬ ‫النتاج األدبي‪ ،‬ليس‪ ،‬فقط‪ ،‬بدافع الرغبة أو الحاجة للتعبير‪،‬‬ ‫تروج له‬ ‫بل‪ -‬أيضاً‪ -‬بسبب النشر المدفوعة تكاليفه‪ ،‬والذي ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ولعل هناك سبب ًا آخر‪ ،‬هو انتشار ظاهرة‬ ‫بعض دور النشر‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الجوائز‪ ،‬فهي بمثابة تقييم نقدي من الدرجة األولى‪ ،‬قد ُيغني‬ ‫عن رأي النقد والناقد‪.‬‬ ‫تحول تاريخي ثوري‪ ،‬لها طابع‬ ‫نحن نعيش‪ ،‬اليوم‪ ،‬فترة ُّ‬ ‫الفوضى‪ ...‬ال الفوضى ّ‬ ‫الخلقة كما يقال‪ ،‬بل التي تتراجع‪،‬‬ ‫والفّنّية‪ ،‬أو تتغّير‬ ‫ة‪،‬‬ ‫ي‬ ‫األدب‬ ‫النتاجات‪:‬‬ ‫أهمّية بعض‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بسببها‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫نتاجات أخرى‪ ،‬وقد يكون ذلك‬ ‫وظائفها وأهدافها لحساب‬ ‫سبل جديدة لممارسته!! ال أدري‪،‬‬ ‫مدعاة للنقد كي يبحث عن ٍ‬ ‫وأن عليه أن يسعى‬ ‫أهمّيته‪َّ ،‬‬ ‫كنت واثقة بأنّه يبقى للنقد ّ‬ ‫وإن ُ‬ ‫ليتمنهج‪ ،‬معرفّي ًا وثقافّياً‪ ،‬كي تكون له فاعلّيُته التثويرّية‪،‬‬ ‫التحول التاريخي التي نعيشها إلى اليوم‪.‬‬ ‫في عملّية‬ ‫ّ‬

‫لطالما كنت ُمغرم ًا بالشخصية اإلنسانية عموم ًا بمختلف‬ ‫صفاتها وأمزجتها‪ ،‬وسعيت كثيرًا إلى قراءة العالم المحيط بي‬ ‫والبعيد أيض ًا عبر شخصيات صادفتها أو قرأت عنها‪ ،‬وعندي‬ ‫يقين أن الشخصية هي مفتاح العمل السردي‪ ،‬وكلما أتقن الكاتب‬ ‫النص الذي‬ ‫رسم شخصيته‪ ،‬أتقن كتابة حركتها وتفاعلها في ّ‬ ‫وبناء على ذلك تجدني أسير أعمال وروايات ِعّدة ُكّتاب‬ ‫يكتبه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫بشغف‬ ‫مختلفين‪ ،‬فقط ألنني فهمت الشخصيات وأخذت أتابعها‬ ‫النص الروائي‪.‬‬ ‫داخل ّ‬ ‫من هذه الشخصيات المؤثرة في رأيي شخصية «يمام»‪،‬‬ ‫الدليل التركي الذي صادفته «دسديرا» اإلسبانية‪ ،‬أو «دسي»‬ ‫كما يختصر اسمها‪ ،‬في رواية «الوله التركي» للكاتب اإلسباني‬ ‫أنطونيو غاال‪ ،‬ووقعت أسيرة عشقه حتى ضاعت حياتها‪ .‬لقد‬ ‫رسم غاال «يمام» بريشة مبدعة‪ ،‬لم يرسمه وسيم ًا منسق الجلد‬ ‫ٍ‬ ‫لرجل شرقي ستسقط شقراء‬ ‫وفتى أحالم‪ ،‬كما يتوقّع أن يكون‬ ‫إسبانية في حبه‪ ،‬وإنما رسمه رمزًا مختلف ًا بتوافه لن تلتفت‬ ‫إليها فتاة في العادة‪ ،‬ولكن تلتفت إليها سائحة قادمة من بعيد‪.‬‬ ‫أعني هنا ما يشّد من غير أن يبدو شاداً‪ ،‬وما يوقد الهوى في‬ ‫القلب من دون أن يكون نارًا الهبة‪ .‬ولذلك تبدو «الوله التركي»‬ ‫بهذه الشخصية وغيرها من الشخصيات األخرى‪ ،‬رواية ذات‬ ‫طعم ال يمكن أن ُينسى‪ .‬أيض ًا فرناندو داثا في «الحب في زمن‬ ‫الكوليرا» للعظيم ماركيز‪ ،‬الشخصية التي تجعلك تتساءل طوال‬ ‫الوقت‪ :‬بأي ريشة ُرسمت هذه الشخصية؟ وبأي إزميل ُنحتت؟‬ ‫ولو عرجنا لألدب العربي نجد تلك النماذج موجودة بكثرة‪،‬‬ ‫وتزين النصوص كأبهى ما يكون التزيين‪َ .‬م ْن ينسى «السيد» في‬ ‫ِّ‬ ‫«ثالثية» محفوظ؟‪َ ،‬م ْن ينسى «نيقوال» في «فساد األمكنة» لصبري‬ ‫موسى‪ ،‬وكذا شخصيات محمد مستجاب الساخرة المجنونة‪،‬‬

‫للكّتاب العظماء‪.‬‬ ‫وغير ذلك من األعمال العظيمة ُ‬ ‫رسم من الخيال‬ ‫أنا ُأجزم وبوصفي كاتب ًا أن الشخصية ال ُت َ‬ ‫تعرف إليها الكاتب ذات‬ ‫إطالقاً‪ ،‬وإنما هي شخصية موجودة َّ‬ ‫نص سيكتبه‪ .‬وغالب ًا‬ ‫يوم وركدت في خياله انتظارًا للبزوغ في ّ‬ ‫ما تأتي حين يجيء وقت كتابتها بزي جديد وإضافات جديدة‪،‬‬ ‫النص‪.‬‬ ‫وهكذا هي تصنع نفسها داخل ّ‬ ‫كل الشخصيات التي يصادفها الكاتب موحية؟‬ ‫سؤال‪ :‬هل ّ‬ ‫خيل‬ ‫بالقطع ال‪ ،‬هناك شخصيات تبدو شديدة البريق‪ُ ،‬ي ّ‬ ‫للكاتب أنها شخصيات مثالية للكتابة وما يحيط بها من بريق‬ ‫يوحي بأن كتابتها سهلة‪ ،‬لكن ربما ال تكتب قط وتأتي شخصيات‬ ‫ال عنها‪ .‬ومن تجربتي‪ ،‬فقد ظللت‬ ‫معتمة‪ ،‬لتمنح الضوء بدي ً‬ ‫كل خصائص الكتابة الناجحة‪ ،‬لسنوات‬ ‫أتابع مسن ًا آسيوي ًا فيه ّ‬ ‫مرة أراه فيها‪ ،‬حتى‬ ‫وأدون ما يمنحه من إيحاء في ّ‬ ‫طويلة ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫اختفى‪ ،‬ولم يظهر في أي من الروايات التي كتبتها‪ .‬كان الرجل‬ ‫ملون ًا‬ ‫ميزًا جداً‪ ،‬زي ًا َّ‬ ‫قليل الحديث‪ ،‬لكن زيه الذي يرتديه‪ ،‬كان ُم ّ‬ ‫مزقة‪،‬‬ ‫باألخضر واألحمر واألصفر‪ ،‬كان يحمل حقيبة جلدية ُم ّ‬ ‫ال قديم ًا بدا لي من تلك‬ ‫سج ً‬ ‫وخالية من أي شيء‪ ،‬وأيض ًا ُم ِّ‬ ‫األجهزة التي لم تعّد تصنع اآلن‪ ،‬وأغرب ما فيه‪ ،‬هو مشيه‬ ‫الطويل‪ ،‬يمشي ربما عشرين أو ثالثين كيلومترًا في اليوم‪،‬‬ ‫ويأتي للعيادة يشكو بأن قدمه مكسورة‪ ،‬وال يستطيع المشي‪.‬‬ ‫كذلك جمعت مئات الوثائق والصور والتحقيقات الصحافية‬ ‫عن ٍ‬ ‫رجل اشتهر منذ عّدة سنوات‪ ،‬وبدا لي موضوع ًا شائق ًا‬ ‫لكتاب‪ ،‬وحين جلست ألكتبه‪ ،‬لم تخرج كلمة واحدة‪.‬‬ ‫يفكر‬ ‫إذن الكاتب ال يتبع هواه‪ ،‬في كتابة الشخصية‪ ،‬ولكن ِّ‬ ‫وينتظر ما تمنحه شخصية ما‪ ،‬أراد كتابتها‪.‬‬ ‫‪65‬‬


‫وت َّم التوقيع‪،‬‬ ‫أخيــراً‪ ،‬وبعــد أكثر من نصف قرن‪ ،‬وضعت الحرب األهلية الكولومبية أوزارها‪َ ،‬‬ ‫فــي ســبتمبر‪/‬أيلول الماضي‪ ،‬على ِّاتفاقية ســام تاريخيــة بين رئيس البالد خــوان مانويل‬ ‫(القوات المســلَّحة الثوريــة الكولومبية ‪« )FARC‬تيموليــون خيمينيث» الملقَّب‬ ‫ســانتوس وزعيم وقائد ّ‬ ‫العنف»‪ ،‬بينما اعترف‬ ‫حل وقت‬ ‫صرح قائالً‪« :‬لقد َّ‬ ‫ِ‬ ‫إغالق َّ‬ ‫بـ«تيموشــينكو»‪ ،‬الــذي َّ‬ ‫البوابــة في وجه أنصار ُ‬ ‫يفكر بأنه‬ ‫متأكد من أن الشعب الكولومبي يمتلك من الذكاء ما يتيح له أن ِّ‬ ‫الرئيس الكولومبي بقوله‪« :‬أنا ِّ‬ ‫ليس سالم ًا في صورة الكمال‪ ،‬لكنه أفضل من ‪ 20‬أو ‪ 30‬سنة إضافية من الحرب»‪.‬‬

‫الحرب واألدب الكولومبي‬

‫نصف قرن من االنتظار‬ ‫خالد الريسوين‬

‫‪66‬‬

‫المتأمل في تاريخ كولومبيا ما بعد االســتقالل يتوقَّف‪ ،‬دوماً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫أهلية ممتّدة الجذور‪ ،‬حروب‬ ‫وحروب‬ ‫وعنف‬ ‫ر‬ ‫توت‬ ‫لحظات‬ ‫أمام‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫كانــت تغذِّيها‪ ،‬باســتمرار‪ ،‬صراعــات سياســية تاريخية بين‬ ‫أحزاب وحركات سياسية متباينة الرؤى والمواقف‪َّ ،‬اتخذت من‬ ‫وسيلة لحســم خالفاتها ولالستيالء‬ ‫الســاح‪ ،‬عوض الحوار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫على السلطة وممارسة الحكم‪ .‬من هنا‪ ،‬يمكن اعتبار اصطالح‬ ‫وغني بالدالالت في‬ ‫كناية ذات مغزى عميق‬ ‫«جمهورية الموز»‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ولعل الصراع المسلَّح‪،‬‬ ‫السياق الكولومبي‪ ،‬على وجه التحديد‪ّ .‬‬ ‫لالستيالء على السلطة في كولومبيا‪ ،‬تمتّد جذوره إلى الحرب‬ ‫األهلية الكولومبية األولى سنة ‪ ،1839‬وهي الحرب المعروفة‬ ‫بحرب األديرة أو حرب الزعماء‪ ،‬وستعقب هذه الحرب سلسلة‬ ‫من الحروب التي خاضتها كولومبيا؛ تضامن ًا بين الليبيراليين‬ ‫والمحافظيــن ضــّد قــوى االنقالب العســكري على الشــرعية‪،‬‬ ‫مثلمــا حدث مــع انقالب الجنرال «خوســيه ماريا ميلو» ســنة‬ ‫‪ ،1854‬ضــّد الرئيس الشــرعي للبالد «أوبانــدو»‪ ،‬حين رفض‬ ‫حل البرلمان وإعالن نفسه دكتاتوراً‪،‬‬ ‫هذا األخير مطاوعته في ّ‬ ‫فمــا كان منه ّإل أن َّاتخذ المبادرة من تلقاء نفســه‪ ،‬واســتولى‬ ‫ــل البرلمــان‪ ،‬وألغــى الدســتور‪ ،‬واعتقل‬ ‫وح َّ‬ ‫علــى الســلطة‪َ ،‬‬ ‫الرئيــس ووزراءه‪ ،‬وأعلــن الدكتاتوريــة‪ ،‬وواجــه االنتفاضة‬ ‫الشــعبية المســلَّحة العارمة التي أشعلت البالد‪ ،‬بقيادة القوى‬ ‫المضادة لالنقالب‪.‬‬ ‫الدستورية‬ ‫ّ‬ ‫ســتتكرر هــذه الصفحــات مــن العنــف علــى امتــداد تاريــخ‬ ‫َّ‬ ‫ولعل‬ ‫كولومبيا‪ ،‬خالل القرنين‪ :‬التاســع عشــر‪ ،‬والعشــرين‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫حدثْين من أحداث العنف السياســي شهدتهما البالد‪ ،‬إبان‬ ‫أهم َ‬ ‫ّ‬ ‫هــذا التاريخ‪ ،‬وتناولتهما اآلداب الكولومبية بكثير من العناية‬ ‫(حرب ألف يوم ‪ )1902 - 1899‬التي‬ ‫والتأمــل والتدقيق‪ ،‬هما‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫مهم ًا من الســرد الروائــي الكولومبي‪ ،‬خصوص ًا‬ ‫تشــغل جزءًا ّ‬ ‫عنــد «غابرييــل غارســيا ماركيز» فــي رواياته‪« :‬مئــة عام من‬ ‫العزلــة»‪ ،‬و«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»‪ .‬والحدث الثاني‬ ‫هــو «البوغوتاثــو»‪ ،‬ومــا أعقبــه من حــرب عصابــات طويلة‬ ‫األمــد‪ ،‬اســتنزفت البــاد والعباد‪ ،‬وقــد قادتها قوى مســلَّحة‪،‬‬ ‫(القوات المســلَّحة‬ ‫بتســميات مختلفــة‪ ،‬كان آخرها ما‬ ‫يســمى ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثوريــة الكولومبية‪ ،)FARC -‬فما هــو «البوغوتاثو»‪ ،‬الذي‬ ‫يعّده المؤرخون والمحلِّلون السياسيون الحدث الذي أفرز هذه‬ ‫الممتدة على مدى عقود في كولومبيا؟‬ ‫الحرب‬ ‫َّ‬ ‫يقــول «إدواردو غاليانــو» فــي كتابــه «الشــرايين المفتوحــة‬ ‫ألميــركا الالتينيــة»‪« :‬كانــت ديموقراطيــة صغــار المنتجيــن‬ ‫الكولومبيين إلى‬ ‫حولت‬ ‫الزراعيين المشــتغلين بإنتاج ّ‬ ‫ِّ‬ ‫البــن قد َّ‬ ‫ِّ‬ ‫أهم جانب لتطبيع‬ ‫أن‬ ‫«ويفتــرض‬ ‫وقنوعين»‪،‬‬ ‫معتدلين‬ ‫رجــال‬ ‫ّ‬ ‫األداء فــي الحياة السياســية الكولومبية هو تحقيق اســتقرار‬ ‫البــن‪ ،‬وأنتــج معــه الســكينة‬ ‫مميــز‪ ،‬وقــد أنتجــه ّ‬ ‫اقتصــادي َّ‬ ‫والرصانــة»‪ .‬وبعــد زمن يســير‪ ،‬انفجر العنف‪ ،‬ففــي الواقع‪،‬‬ ‫عصا‬ ‫لــم تســتطع مدائح ّ‬ ‫البــن أن توقف‪ -‬كمــا لو كانــت تملك ً‬

‫ســحرية‪ -‬التاريــخ الطويــل مــن االنتفاضات وأحــداث القمع‬ ‫المرة‪ ،‬وعلى امتداد عشــر سنوات‪:‬‬ ‫الدموية في كولومبيا‪ .‬هذه ّ‬ ‫الفلحية المزارع الصغيرة‬ ‫بيــن ‪ 1948‬و‪ ،1957‬بلغت الحــرب ّ‬ ‫والمــزارع الكبيرة والصحاري والحقــول المزروعة‪ ،‬والوديان‬ ‫والغابات‪ ،‬والســهوب األنديزيــة‪ ،‬وأرغمت جماعات‪ ،‬بكاملها‪،‬‬ ‫علــى االرتحــال‪ ،‬وخلقت حــروب عصابات ثوريــة وعصابات‬ ‫قــد ُر أنها‬ ‫مجرميــن‪،‬‬ ‫وحولــت البالد‪ ،‬بأســرها‪ ،‬إلــى مقبرة‪ُ :‬ي َّ‬ ‫َّ‬ ‫ــام الدم فترة‬ ‫خلَّفــت مئــة وثمانين ألف قتيــل‪ ،‬وقد صادف َّ‬ ‫حم ُ‬ ‫انتعاش اقتصادي للطبقة المهيمنة‪ :‬فهل من المشروع أن نخلط‬ ‫رخــاء طبقــة اجتماعية برفاه بلــٍد ما؟ لقد بــدأ العنف كمواجهة‬ ‫بيــن الليبرالييــن والمحافظيــن‪ ،‬لكــن دينامية الحقــد الطبقي‬ ‫بــر ُز ملمح الصراع الطبقي‪ ،‬كما يقــول «غاليانو»‪ .‬كان‬ ‫بــدأت ُت ِ‬ ‫«خورخــي إلييثيــر غايتــان»‪ ،‬الزعيــم الليبرالــي الــذي كانت‬ ‫تســميه‪ ،‬بين ازدراء ورهبة‪« ،‬الذئب»‬ ‫أوليغارشية حزبه ذاته‬ ‫ّ‬ ‫يهدد‬ ‫وصار‬ ‫ة‪،‬‬ ‫مهم‬ ‫شعبية‬ ‫مكانة‬ ‫كسب‬ ‫أو «المخادع»‪ ،‬وكان قد‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ولما قتلوه رمي ًا بالرصاص‪ ،‬انطلق اإلعصار‪.‬‬ ‫النظام القائــم‪ّ ،‬‬ ‫شــوارع العاصمة‪ ،‬ثم‬ ‫كبح‪ ،‬في‬ ‫كانــت البداية مــّدًا‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫بشــري ًا ال ُي ُ‬ ‫ــو‪ ،‬انتقل‬ ‫وللت‬ ‫بـ«البوغوتاثو»‪،‬‬ ‫المعروفــة‬ ‫العفويــة‬ ‫المذبحــة‬ ‫َّ ِّ‬ ‫العنف إلى األرياف»‪.‬‬ ‫مفصليْين في تاريخ كولومبيا؛‬ ‫التاريخيان‬ ‫ُي َعــّد هذان الحدثان‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫لكل ما ســيحدث‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬من عنف‪،‬‬ ‫فهما‬ ‫يشــكالن المنطلق ّ‬ ‫ِّ‬ ‫المؤرخين من يرى أن الصــراع تعود جذوره‬ ‫مــن‬ ‫نجد‬ ‫إننا‬ ‫بــل‬ ‫ِّ‬ ‫مرتبطْين بتأســيس كيــان الدولة‬ ‫أساســيْين‬ ‫لســببْين‬ ‫األولــى‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫القرنْين‪ :‬التاســع عشــر‪ ،‬والعشرين‪ ،‬والصراع المحموم‬ ‫خالل َ‬ ‫الحزبْيــن المهيمَنْين آنــذاك‪ ،‬وهما‪ :‬الحزب‬ ‫بيــن‬ ‫الســلطة‬ ‫على‬ ‫َ‬ ‫الليبرالــي‪ ،‬والحــزب المحافظ‪ ،‬مع بروز عوامــل أخرى‪ ،‬مثل‬ ‫للفلحيــن من أجل امتــاك األرض وتوزيع‬ ‫الصــراع المحتــدم ّ‬ ‫المخدرات وتهريبهــا‪ .‬لقد غدا‬ ‫إنتــاج‬ ‫إلى‬ ‫الثــروات‪ ،‬باإلضافــة‬ ‫ِّ‬ ‫القوات المســلَّحة للثوار‬ ‫العنــف ومظاهــر الحرب‬ ‫األهلية‪ ،‬بين ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقوات الجيش والمســلَّحين‪ ،‬من الجماعات شــبه العسكرية‪،‬‬ ‫عاديــ ًا في الحيــاة اليومية لإلنســان الكولومبي؛ لذلك‬ ‫مشــهدًا ّ‬ ‫كان من الطبيعي أن تتسلَّل هذه الصور والمشاهد إلى إبداعات‬ ‫روائييــن كبــارًا قد‬ ‫الكولومبييــن‪ ،‬إذ نجــد‬ ‫الكّتــاب والشــعراء‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫األهلية‬ ‫المترتب عــن الحرب‬ ‫رصدوا مشــاهد العنف السياســي‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫في كولومبيا‪.‬‬ ‫األهلية كانــت جزءًا من اليومي الذي عايشــه‬ ‫وبمــا أن الحــرب‬ ‫ّ‬ ‫نقدم‪ ،‬هنا‪ ،‬بعض األعمال الروائية التي‬ ‫اإلنســان الكولومبي‪ِّ ،‬‬ ‫كل من‪ :‬غابرييل‬ ‫تناولــت هذه الظاهــرة‪ ،‬و‪ -‬خصوصاً‪ -‬أعمال ّ‬ ‫غارســيا ماركيز‪ ،‬وألفارو ثيبيدا ساموديو‪ ،‬وإيبيليو خوسيه‬ ‫الكولومبيْين‬ ‫ســنقدم نماذج من قصائد الشعراء‬ ‫روسيرو‪ .‬كما‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ومأســاويتها في‬ ‫الحــرب‬ ‫متاهة‬ ‫مــا‪-‬‬ ‫بشــكل‬ ‫روا‪-‬‬ ‫صــو‬ ‫الذيــن‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫وتَم ُّيزه في التعامل‬ ‫شعرهم‪ ،‬بحساب أن للشعر لغته‬ ‫الخاصة َ‬ ‫ّ‬ ‫مع الواقع ومع اللغة‪.‬‬ ‫‪67‬‬


‫سرد حرب األلف يوم‬ ‫كولومبي‪ ،‬في عالم السرد‪ ،‬هو اسم «غابرييل‬ ‫لعل أبرز اسم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتعددة‬ ‫غارســيا ماركيز» الذي طالمــا بهر العالم برواياتــه‬ ‫ِّ‬ ‫و«الحــب فــي زمــن‬ ‫والســاحرة‪« :‬مئــة عــام مــن العزلــة»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الكوليــرا»‪ ،‬و«خريــف البطريــرك»‪ ،‬و«ليس لــدى الكولونيل‬ ‫المتميزة‬ ‫من يكاتبه»‪ ،‬و«ســاعة نحس»‪ ،...‬وبسيرته الذاتية‬ ‫ِّ‬ ‫يهم‪ ،‬هنا‪ ،‬هو إبراز حضور الحروب‬ ‫«عشت ألحكي»‪ .‬وألن ما ّ‬ ‫للروائيين‬ ‫الســردية‬ ‫األعمال‬ ‫فــي‬ ‫األهليــة والعنف السياســي‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫السباقين إلى وصف حرب‬ ‫الكولومبيين‪ ،‬فإن ماركيز كان من ّ‬ ‫ِّ‬ ‫األلف يوم من خالل «مئة عام من العزلة»‪ ،‬ومن خالل «ليس‬ ‫للكولونيــل مــن يكاتبــه»‪ ،‬فشــخصية الكولونيــل أوريليانو‬ ‫مؤســس‬ ‫بوينديــا‪ ،‬االبــن الثاني لخوســيه أركاديو بوينديا ِّ‬ ‫ماكوندو يشــارك في مقاومة النظام المحافظ‪ ،‬وقتاله‪ ،‬بينما‬ ‫وعســكرياً‪،‬‬ ‫مدني ًا‬ ‫ّ‬ ‫عمه قائدًا ّ‬ ‫أركاديو بوينديا‪ ،‬الحفيد‪ِّ ،‬‬ ‫يعينه ُّ‬ ‫متجبــراً‪ ،‬ويلقــى مصيــرًا مفجعــاً؛ إذ يتم‬ ‫فيصيــر دكتاتــورًا‬ ‫ِّ‬ ‫تمكنت القوى المحافظة من‬ ‫إعدامه رمي ًا بالرصــاص‪ ،‬بعد أن َّ‬ ‫يتمكن الكولونيل أوريليانــو بوينديا من‬ ‫اســتعادة الســلطة‪َّ .‬‬ ‫يحس باإلرهاق‬ ‫وعندما‬ ‫مناسبات‪،‬‬ ‫ة‬ ‫النجاة من الموت في عّد‬ ‫ُّ‬ ‫يســتمر‬ ‫اتفاقية ســام‪،‬‬ ‫مــن قتال ليس له معنى‪ ،‬يوقِّع على ِّ‬ ‫ّ‬ ‫غابرييل غارسيا ماركيز‬

‫‪68‬‬

‫حتى آخر فصول الرواية‪ ،‬رغم أنه حاول أن يطلق النار على‬ ‫يستمر على قيد الحياة‪ .‬وباإلضافة‬ ‫نفســه ّإل أن َقَدره كان أن‬ ‫َّ‬ ‫إلــى إثارتــه لتيمــة حرب األلف يــوم‪ ،‬نجد في «مئــة عام من‬ ‫عمال مزارع‬ ‫تعرض لها ّ‬ ‫العزلة» وصف ًا للمذبحة البشــعة التي َّ‬ ‫قوات الجيش الوطني‬ ‫المــوز‪ ،‬القريبة من ماكوندو‪ ،‬على يــد ّ‬ ‫تتوخى تحســين أوضاعهم‬ ‫بعــد إضرابات احتجاجية‪ ،‬كانت‬ ‫ّ‬ ‫المادّيــة‪ ،‬وبعــد أن َت َّم تقتيلهم بالحديد والنــار‪ُ ،‬ألِقي بهم في‬ ‫ّ‬ ‫تتكرر في أكثر من عمل روائي كولومبي؛‬ ‫شهادات‬ ‫إنها‬ ‫البحر‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫عمــال مزارع في عمل‬ ‫مقتل‬ ‫حادثة‬ ‫نجد‬ ‫فعلــى ســبيل المثال‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مميز يحمل عنوان «البيــت الكبير» وهو للروائي‬ ‫روائــي آخر َّ‬ ‫مقدمة‬ ‫الكولومبــي ألبــارو ثيبيدا ســاموديو الذي يقــول‪ ،‬في ِّ‬ ‫إحــدى مجاميعه القصصية‪ ،‬بصيغــة إنكارية‪« :‬ما األدب‪ ،‬إن‬ ‫جيد؟»‪ ،‬فألبارو‪،‬‬ ‫لــم يكن حكاية العالم الكبرى‬ ‫محكية بشــكل ِّ‬ ‫َّ‬ ‫في روايته «البيت الكبير»‪ ،‬يحكي‪ -‬بشــكل جمالي ممتع‪ ،‬في‬ ‫حوالــي ‪ 120‬صفحــة‪ -‬صــور البشــاعة والرعب والوحشــية‬ ‫الفلحــون المضربــون الذين كانوا‬ ‫والظلــم الذي‬ ‫تعــرض له َّ‬ ‫َّ‬ ‫يشــتغلون لدى إحدى الشركات األجنبية (‪la United Fruit‬‬ ‫ال مــن أشــكال االحتجاج على‬ ‫‪ ،)Company‬فمارســوا شــك ً‬ ‫شروط العمل المجحفة؛ ألجل تحسينها‪ ،‬من خالل اإلضراب‪،‬‬ ‫فــكان مصيرهم التقتيل على يد الجيــش‪ ،‬وذلك في ثييناغا‪،‬‬ ‫في ديسمبر من عام ‪ .1928‬إنها حادثة غدت شهيرة في تاريخ‬ ‫كولومبيا‪ ،‬لكنها ما تزال‪ ،‬حتى يومنا هذا‪ ،‬غارقة في التعتيم‪،‬‬ ‫إذ ال نعــرف‪ -‬إلــى اآلن‪ -‬عــدد القتلى الذين ســقطوا‪ ،‬وهناك‬ ‫مــن يقول بأن العــدد يتراوح بين ‪ 3‬آالف و‪ 9‬آالف‪ ،‬وقد أدان‬ ‫ضحية‬ ‫الحادثة حينها «خورخي إلييســير غايتــان»‪ ،‬ليصير‬ ‫ّ‬ ‫مؤامرة الحزب المحافظ‪ ،‬عشــرين ســنة بعــد ذلك‪ .‬إن رواية‬ ‫ال عن قيمتها‬ ‫«البيت الكبير» أللبارو ثيبيدا ساموديو ُت َعّد‪ -‬فض ً‬ ‫الجمالية‪ -‬شــهادة تاريخية مضادة للشــهادة الرسمية‪ ،‬على‬ ‫والتمردات‬ ‫العنف والظلم اللذين أنتجا أشــكا ًال من المواجهات‬ ‫ُّ‬ ‫عمال‬ ‫والحــروب‬ ‫ّ‬ ‫األهليــة؛ فهي تحكي عــن معانــاة آالف من ّ‬ ‫مزارع الموز‪ ،‬من االســتغالل البشــع للشــركة األجنبية التي‬ ‫وجــدت نفســها‪ -‬نتيجة لسياســتها االجتماعية الفاشــلة‪ -‬في‬ ‫الزراعيين المطالبين بحقوقهم‪.‬‬ ‫مواجهة إضراب آالف العمال‬ ‫ِّ‬ ‫التحكم في الوضع لالستمرار في استغالل‬ ‫وأمام عجزها عن‬ ‫ُّ‬ ‫بالتدخل‪،‬‬ ‫المــوز الكولومبي بتكلفة بخســة‪ ،‬طالبت الحكومة‬ ‫ُّ‬ ‫القوات المســلَّحة‬ ‫القوة‪ ،‬إلخضاع‬ ‫المتمردين‪ ،‬فأمر قائد ّ‬ ‫عبــر ّ‬ ‫ِّ‬ ‫التمرد‬ ‫لماجدلينــا‪ ،‬الجنرال كورتيس بارغاس‪ ،‬بالقضاء على‬ ‫ُّ‬ ‫والعصيان‪ ،‬وبإطالق النار على المضربين‪.‬‬ ‫تتوزع إلى عشرة فصول‪ ،‬يمضي فيها الحكي بشكل‬ ‫إن الرواية‬ ‫َّ‬ ‫الخطي‪ ،‬ويمتزج فيه الحوار بالموجز‪ ،‬والسرد‬ ‫يخرق التسلسل ّ‬ ‫على لســان أكثر من ســارد‪ ،‬بالوثائق الرسمية‪ ،‬وبالتداعيات‬ ‫والتذكرات‪ ،‬واستحضار األصوات‪ ،‬ووصف‬ ‫واالســترجاعات‬ ‫ُّ‬ ‫اللحظــات الســابقة علــى المذبحــة‪ ،‬لبنــاء روايــة تمــزج بين‬ ‫التاريخي والشعري‪ ،‬وبين الشهادة واإلدانة‪.‬‬ ‫أمــا حدث اغتيال زعيم الحزب الليبرالي «خورخي إلييســير‬ ‫ّ‬

‫غايتــان»‪ ،‬فينقلــه «غابرييــل غارســيا ماركيز» فــي الفصل‬ ‫الخامس من ســيرته الذاتيــة المعنونة بـ‪« :‬عشــت ألحكي»‪،‬‬ ‫إذ صادفــت الحادثة المعروفة بـ«البوغوتاثو» وجود ماركيز‬ ‫فــي العاصمــة للدراســة الجامعيــة‪ ،‬بل وجوده فــي المكان‬ ‫مضرجــ ًا بالدمــاء‪.‬‬ ‫مباشــرة‪ ،‬بعــد ســقوط غايتــان‬ ‫نفســه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫يقــول بصــدد ذلــك‪ ،‬في «عشــت ألحكــي»‪« :‬ومع ذلــك‪ ،‬فقد‬ ‫كان خورخــي إليســير غايتــان‪ ،‬يــوم الجمعــة التاســع من‬ ‫تمكن من تبرئة المالزم‬ ‫أبريل‪ ،‬رجل اليوم في األخبار‪ ،‬ألنه َّ‬ ‫المتهم بقتــل الصحافي‬ ‫خيســوس ماريــا كورتيس بوبيــدا‪َّ ،‬‬ ‫أودورو غاالرثــا أوســا‪ ،‬كان قد بلغ مكتبــه للمحاماة‪ ،‬وهو‬ ‫بالمارة‪ ،‬للطريق الســابع‬ ‫ــش‪ ،‬فــي التقاطع اآلهــل‬ ‫ِجــّد ُمْنَت ٍ‬ ‫ّ‬ ‫مع شــارع خيمينث دي كيســادا‪ ،‬قبل الساعة الثامنة صبح ًا‬ ‫بقليــل‪ ،‬رغم أنه كان قد بقي فــي المحاكمة حتى الفجر‪ .‬كان‬ ‫لديــه العديد من المواعيد خالل الســاعات التالية‪ ،‬لكنه ُقِتل‪،‬‬ ‫للتــو‪ ،‬حينما دعاه بلينيو ميندوثا نيرا للغداء‪ ،‬قبل الواحدة‬ ‫ّ‬ ‫وسياســيين كانوا قد‬ ‫شــخصيين‬ ‫بقليــل‪ ،‬مع ســّتة أصدقاء‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ذهبــوا إلى مكتبــه لتهنئته على االنتصــار القضائي الذي لم‬ ‫الخاص‬ ‫يتيســر للصحف نشــره‪ ،‬بعد‪ .‬كان من بينهــم طبيبه‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫بيدرو إليسيو كروث‪ ،‬الذي كان‪ -‬أيضاً‪ -‬عضو ًا في حاشيته‬ ‫السياسية‪.‬‬ ‫المتوتر‪ ،‬جلســت لتنــاول الغداء فــي مطعم‬ ‫الجــو‬ ‫فــي ذلــك‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫أقل ثــاث كوادرات‪ .‬لم‬ ‫النــزل‪ ،‬حيث كنت أعيــش‪ ،‬على بعد ّ‬ ‫لمــا وقف ويلفريدو ماثيو أمام‬ ‫إلي بعد‪ّ ،‬‬ ‫يكن الحســاء قد ُق ِّدم َّ‬ ‫الطاولــة‪ .‬قال لي‪ :‬لقد فســدت هــذه البالد‪ ،‬لقــد قتلوا غايتان‬ ‫القط األسود»‪.‬‬ ‫للتو‪ ،‬أمام ّ‬ ‫ّ‬ ‫يمتــّد‪ ،‬عبــر الصفحــات الالحقــة‪ ،‬وصــف غارســيا ماركيــز‬ ‫ألحــداث الفوضى العارمــة التي شــهدتها العاصمة بوغوتا‪،‬‬ ‫بعد اغتيال الزعيم الليبرالي‪ ،‬وهو نقطة انطالق للعنف الذي‬ ‫أهلية تواصلت على امتداد الســنوات‬ ‫ِّ‬ ‫ســيجدد مسلســل حرب ّ‬ ‫اتفاقية للســام بين‬ ‫المواليــة‪ ،‬إلى حدود اإلعالن األخير عن ِّ‬ ‫المتمردة‪ .‬وقد واصلت الرواية الكولومبية‬ ‫الحكومة والقــوى‬ ‫ِّ‬ ‫متميزة‪ ،‬من خالل أعمال كبرى‪ ،‬مثل‬ ‫رصــد األحداث بإبداعية ِّ‬ ‫ــي ماركيــز «خبر اختطاف»‪ ،‬وســاعة نحس»‪ ،‬ورواية‬ ‫َ‬ ‫روايت ْ‬ ‫كل يوم» للروائي غوستافو ألفاريس‬ ‫«نسور الكندور ال تدفن ّ‬ ‫غاردياثابال‪ ،‬و«ريــح جافة» لدانييل كاييثيدو‪ ،‬و«الجيوش»‬ ‫إليبيليو خوسيه روسيرو‪ ...‬وغيرها‬

‫بيانات الشعراء‬ ‫الكولومبييــن لــم تغفل عــن التقاط صور‬ ‫قصائــد الشــعراء‬ ‫ِّ‬ ‫مأســاوية للحرب‪ ،‬مزجت فيها جانب الشــهادة واإلشــهاد‪،‬‬ ‫بجانــب التكثيــف والتحويــل‪ ،‬فــي صــور مدهشــة ومتألِّقة‬ ‫تعكس معنى الحرب‪ ،‬بوصفها دمار ًا واقتالع ًا لإلنســان من‬ ‫كل الدالالت‬ ‫برمتــه‪ ،‬فالحرب تحمــل ّ‬ ‫الفضــاء ومــن الوجود َّ‬ ‫والســلبية‪ .‬يقــول «فيرناندو رينــدون» في قصيدته‬ ‫القاتمة‬ ‫ّ‬

‫المعنونة بـ«حرب»‪:‬‬ ‫ستمتلك َّ‬ ‫ُ‬ ‫األسباب والدواعي‬ ‫كل‬ ‫ِ‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫السيف‬ ‫ستمتشق‬ ‫أنت‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫مالك‬ ‫مثل‬

‫ِ‬ ‫غمد ِه‬ ‫لما ج َّر ْد َت ُه من‬ ‫لكنك ّ‬ ‫ت شيطان ًا!‬ ‫ص ْر َ‬ ‫قد ِ‬ ‫ها ْ‬ ‫يبعــث الشــاعر «خوان مانويل روكا» رســالة مشــفَّرة‬ ‫بينمــا‬ ‫ُ‬ ‫تتوخى أن تجد صداها في الريح‪ ،‬رســالة ُتدين المنافي التي‬ ‫ّ‬ ‫تفــرض هجر األوطان‪ ،‬وتصادر األحــام الجميلة والتماعات‬ ‫الضحكة في المرايا‪ .‬يقول روكا‪:‬‬ ‫صندوق ِ‬ ‫أع َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫بريد ال ِ ّريح‬ ‫أبعث هذه الرسالة في‬ ‫رف ل َِم ْن‬ ‫أن ْ‬ ‫ُد َ‬ ‫ون ْ‬ ‫ِر ٌ‬ ‫ون طافوا ببابي‬ ‫عتم َ‬ ‫جال مُ ّ‬

‫سد ِ‬ ‫سات «الغِ ي ْر»‬ ‫بم َّ‬ ‫معاطفهم منتفخة ُ‬

‫ُ‬ ‫رائي القدامَى‬ ‫الليل‪ ،‬بينما‬ ‫وفي‬ ‫ِ‬ ‫كنت أقر ُأ ُش َع َ‬

‫المصابين بل ْو ِ‬ ‫ثات ُج ُن ٍ‬ ‫ون‪،‬‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫الظالل‬ ‫من‬ ‫َك َس َر نافذتي فيلقٌ َ‬ ‫ُه ْم ليسوا ج ِ ّن ِ ّيين‬

‫ليسوا أشباح ًا!‬ ‫ُس َّك ُ‬ ‫ان هذا ال ُّر ْك ِن الثَّمِ ِل مِ َن َ‬ ‫العال َِم ْ‬ ‫َ‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫ومع‬ ‫َ‬

‫شخصية‪:‬‬ ‫أسما ًء‬ ‫َجدنَا أنفسنا ُنطْ ل ُِق على الفَ َر ِ‬ ‫و َ‬ ‫اغ ْ‬ ‫َّ‬

‫ث ََّم َة َبل َْد ٌة مِ ْن ِر َج ٍ‬ ‫فين‬ ‫ال مُ ْخ َت َ‬

‫ومِ َن المأ ُل ِ‬ ‫اع ال َّن ِ‬ ‫اس‪...‬‬ ‫وف َس َم ُ‬

‫عن َه ْجرِ البِ ِ‬ ‫الد مِ ْث َل َم ْر َك ٍب‬ ‫ُ‬ ‫وه ْم ي َت َح َّدثُون ْ‬ ‫ي َْغ َر ُق‪.‬‬

‫أن أع َل َم ل َِم ْن‪،‬‬ ‫َ‬ ‫دون ْ‬

‫وق ب ِ‬ ‫الموضوع َة في ُص ْن ُد ِ‬ ‫يح‪،‬‬ ‫ب َه ِذ ِه الرسالَة‬ ‫َريد ال ِ ّر ِ‬ ‫َ‬ ‫أ ْك ُت ُ‬ ‫ُ‬ ‫الحل َْم‪،‬‬ ‫مِ ْن أ َّمةٍ‪،‬‬ ‫حيث َش ْخ ٌ‬ ‫ص ما ي َْم َن ُع ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِيل‪،‬‬ ‫حيث يَقْ ُط ُر ال َّزم َُن مِ ْث َل َمطَ رٍ َذل ٍ‬

‫َّ‬ ‫المرايَا‬ ‫بس َب ِب خيا َن ِة َ‬ ‫والض ْح َك ُة مُ َدا َن ٌة َ‬

‫لس ُ‬ ‫أن يَفْ َت َح ناف َِذ َت ُه‬ ‫ت ْ‬ ‫س مِ ْن ُه ْ‬ ‫أدري م َِن الذي سأ ْل َتمِ ُ‬ ‫ْ‬

‫وق بَرِ ِ‬ ‫الم ُ‬ ‫وع ُة في ُص ْن ُد ِ‬ ‫يح!‬ ‫يد ال ِ ّر ِ‬ ‫وض َ‬ ‫ل َِك ْي َتل َِج َه ِذ ِه ال ِ ّر َسا َل ُة َ‬ ‫‪69‬‬


‫فيرناندو ريندون‬

‫غابرييل خايمي فرانكو‬

‫وِبُل ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫هاش‪،‬‬ ‫َّــق‬ ‫جمــل‬ ‫ســرد‪ ،‬وفي‬ ‫غــة‬ ‫إد ٍ‬ ‫قصيرة تتأل ُ‬ ‫بلمعــات ْ‬ ‫عمال‬ ‫َّ‬ ‫يتحد ُث الشــاعر «خوســيه مانويل أرانغو» عن مواجهة ّ‬ ‫ِ‬ ‫الحرب‪ ،‬وعــن ردود أفعالهــم المؤثِّرة‬ ‫غســل الشــوارع آلثار‬ ‫ِ‬

‫تجاه ما يخلِّفه العنف السياسي من آثار فظيعة‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫َ‬ ‫غسل الشَّ وارع‬ ‫الذين يمتهنون‬

‫(يستيقظون باكر ًا‪ ،‬كان الله في عونهم)‬

‫يوم إلى آخر‪،‬‬ ‫يعثرون‪ ،‬في األحجار‪ ،‬من ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫الدمِ ‪،‬‬ ‫خيوط‬ ‫على‬ ‫من َّ‬ ‫قطرات ْ‬ ‫فيغسلونها‪ ،‬أيْض ًا‪ :‬تلك مهنتهم‪.‬‬

‫أسرِ عوا‪..‬‬ ‫ْ‬

‫يدوسها أو َُّل العابرين‪.‬‬ ‫ال ينبغي أن‬ ‫َ‬

‫خوسيه مانويل أرانغو‬

‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫تم ِ ّد ُد‬ ‫وآالف مِ ْن‬ ‫لحظات َّ‬ ‫الص ْم ِت َ‬ ‫الروح المجدوعة‪.‬‬ ‫ضماداتِها فَوق‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬

‫ما الذي يستطيعه الشاعر إزاء الحرب سوى أن يطلق العنان‬ ‫لكلماته وأســئلته التي تلوم صنّاع الحرب‪ ،‬وتدينهم‪ ،‬هؤالء‬ ‫وتلــوث براءة‬ ‫الذيــن يطلقونهــا من عقالها لتحصــد أرواحاً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫يســتحق الشــفقة‪،‬‬ ‫الفضاءات واألمكنة‪ ،‬فيغدو الوطن مهترئ ًا‬ ‫ّ‬ ‫الحــب ألبنائه‪ ،‬الوطن الذي ُيذِبل أطفا ًال‬ ‫الوطــن الذي ال يمنح‬ ‫ّ‬ ‫بعمــر الزهــور‪ ،‬ويغدو وطنــ ًا مهترئــ ًا في طابــور االنتظار؛‬ ‫انتظــار أن يلــج مطهــر األرواح‪ ،‬ويعلو إلــى مرتقى فردوس‬ ‫مفقــود‪ ،‬الوطــن المغدور هــو الفردوس المفقــود ذاته‪ .‬يقول‬ ‫غابرييــل خايمــي فرانكو‪ ،‬فــي قصيدته «نحــن نطلق حروب ًا‬ ‫داخلية من عقالها»‪:‬‬

‫أمــا الشــاعرة «بييداد بونيــت» التي تكتب القصيدة بأشــكال‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫منتزعة ِم َن‬ ‫ــوٍر‬ ‫بص‬ ‫‪،‬‬ ‫لحظة‬ ‫كل‬ ‫في‬ ‫قارئها‬ ‫فتفاجــئ‬ ‫دة‪،‬‬ ‫متجــد‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ِّــق االنزياح‪.‬‬ ‫تضيف إليه مــا‬ ‫الواقــع‪ ،‬لكنهــا‬ ‫ُ‬ ‫يجعل لغتها تحق ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫هنا‪ ،‬تنقل لنا صورة الحرب من خالل لغة األرقام‪ ،‬لكنها لغة‬ ‫تصور قتلى الحرب‪ .‬تقول في قصيدة «مســألة‬ ‫مختلفــة‪ ،‬لغة‬ ‫ِّ‬ ‫إحصائيات»‪:‬‬

‫والعيون البريئة‬

‫سبعة عشر رج ً‬ ‫ال‪ ،‬وثالث نساء‪،‬‬

‫أنا ال أملك سوى كلمات وأسئلة‪،‬‬

‫نحن نطلق حروب ًا داخلية من عقالها‬

‫والموتى موتانا‪.‬‬

‫فيرناندو شاري الرا‬

‫كل‬ ‫إن صــورة الحرب تقترن‪ ،‬في األذهان‪ ،‬بصور القتلى في ّ‬ ‫مــكان؛ قتلى في أوضاع قــد تجلِّي معاني مختلفــة‪ ،‬أحياناً‪،‬‬ ‫يتمددون بــا حركة على‬ ‫هــي أقرب إلــى الســوريالية‪ ،‬قتلى َّ‬ ‫نساء ورجا ًال‬ ‫وأرواحهم‪،‬‬ ‫التراب‪ ،‬تشتبك أجسادهم وأياديهم‬ ‫ً‬ ‫يصور‬ ‫امتصهم العدم فصــاروا مثل أكذوبة‪ ..‬هكذا‪،‬‬ ‫وأطفــاالً‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫ال وفتاة‪ ،‬فاجأتهما الحرب‪،‬‬ ‫الشاعر «فيرناندو شاري الرا» رج ً‬ ‫في قصيدته «سهل ُتوُل َّوا»‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫جس ِ‬ ‫دان‬ ‫على حافّ ِة‬ ‫الطريق َ‬

‫ّاهما َرشيقَ ْين‬ ‫كان ظل ُ‬ ‫ْ‬ ‫قد َ‬

‫الم َساءِ‪.‬‬ ‫ي َت َزيَّنان بال َو َه ِن في َ‬

‫مرعب ْين‬ ‫وقد كان وجهاهما‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫والب ُر ِ‬ ‫وق!‬ ‫أمام‬ ‫التهديدات ُ‬

‫عدم‪،‬‬ ‫هما حج ٌر‪ ،‬وهما‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬

‫جسدان من أ كذوبةٍ‪ ،‬مُ شَ َّو َه ِ‬ ‫ان‬

‫النسائم في نقيع الملح‬

‫يج ِ‬ ‫هالن مَصي َر ُهما‪ ،‬مو َت ُهما‪،‬‬ ‫ْ‬

‫كانوا عشرين نفر ًا‪ ،‬تقول األخبار‪:‬‬

‫تحت تراب من اإلسرنج‪.‬‬

‫صارا فرصة سانح ًة ُّ‬ ‫للط ِ‬ ‫السوداء‪.‬‬ ‫َ‬ ‫يور المفترِ س ِة َّ‬

‫وطفلين بنظرات منذهلة!‬

‫أعلن ح ْرب ًا‬ ‫لكني‬ ‫ُ‬

‫ثالث وستون طلقة‪ ،‬وأربع ديانات‬

‫على وطني المهترئ‪.‬‬

‫أربع ٌة وأربعون قدم ًا بأحذيتها‬

‫بين الموتى والسرغس‪.‬‬

‫ٌ‬ ‫وحقْ ٌد ي َُد ِ ّوي‪،‬‬ ‫وخوف‬ ‫واحد‪ِ ،‬‬ ‫ٌ‬

‫وهي ترتقي بين الصلصال‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫لعنات عميق ٍة ومُ نط ِفئة‬ ‫ثالث‬

‫أربعة وأربعون يد ًا عزال َء‬

‫‪70‬‬

‫أيُّها‬ ‫الحب‪ ،‬ليس منا من ينحد ُر عب َر النهرِ‬ ‫ُّ‬ ‫بالد تنتظ ُر‪،‬‬ ‫الحب‪ ،‬ها‬ ‫أيها‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬

‫عن قُ ْر ٍب‪،‬‬ ‫تم تأمُّ ُل ُهما ْ‬ ‫اآلن‪ ،‬وقد َّ‬

‫للجلدين الذين‬ ‫القتيل من ضحايا‬ ‫وبعد‪ ،‬مــاذا يقول‬ ‫الحــرب ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫تتلطــخ أياديهم‬ ‫المرة‪ ،‬أولئــك الذين َّ‬ ‫يســقونه كأس المــوت ّ‬ ‫ونســاء‪ ،‬وشــيوخاً؟ يقول هوراســيو‬ ‫بدم الضحايا‪ :‬أطفاالً‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫أس»‪:‬‬ ‫إلي َّ‬ ‫الر َ‬ ‫بنابيديس‪ ،‬في قصيدته «أعْد َّ‬ ‫ِ‬ ‫أس‪..‬‬ ‫إلي َّ‬ ‫الر َ‬ ‫أعْد َّ‬

‫تنام‪ ،‬في ُط َمأنِينةٍ‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫لن َ‬

‫بييداد بونيت‬

‫خوان مانويل روكا‬

‫إلي ِ ّ‬ ‫راع ْي ِن أيض ًا‪،‬‬ ‫الذ َ‬ ‫أعِ ْد َّ‬

‫السا َق ْين‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وس ِ ّل ْمني َّ‬

‫الد َم عن يديْك‪.‬‬ ‫لن‬ ‫تم ُح َو َّ‬ ‫وإ ّلا ْ‬ ‫َ‬ ‫تستطيع أن ْ‬ ‫األحشاء‪،‬‬ ‫َي‬ ‫أعِ ْد إل َّ‬ ‫ْ‬

‫الغ ِ‬ ‫ثيان إلى األبد‪.‬‬ ‫وإ ّلا‬ ‫ِ‬ ‫س بِ َ‬ ‫ستح ُّ‬ ‫ضي‪،‬‬ ‫ال ي َُه ُّم إلى أي َْن َت ْم ِ‬

‫يتبع َ‬ ‫ك‪ ،‬دون مُ هادنة‪.‬‬ ‫فدمي َس ُ‬ ‫رت‬ ‫الشــعري والســرد إلدانة‬ ‫هكــذا‪ ،‬يتضامن القول‬ ‫ٍ‬ ‫حــرب ُع ِّم ْ‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫طاقات‪،‬‬ ‫استنزفت‬ ‫حرب‬ ‫عليها؛‬ ‫مأسوف‬ ‫طويالً‪ ،‬ورحلت غير‬ ‫ْ‬ ‫والسياســيون‪،‬‬ ‫أججتهــا السياســة‬ ‫ّ‬ ‫وخلَّفــت ضحايــا‪ ،‬حــرب َّ‬ ‫ــرت لها اإليديولوجيات والمصالح االقتصادية‪ ،‬والغنائم‬ ‫َ‬ ‫ون َّظ َ‬ ‫السياســية وغير السياســية‪ ،‬وكان حطبهــا ووقودها الناس‬ ‫والحجارة‪ ،‬والعباد والبالد‪ ..‬حرب أجمع الشعراء والروائيون‬ ‫تــورث ّإل‬ ‫والفالســفة وأهــل الــرأي والحكمــة علــى أنهــا لن‬ ‫ِّ‬ ‫الخــراب‪ ...‬حــرب كانت تحتــاج إلى مبادرة وإرادة سياســية‬ ‫لرجــال يضعون‪ ،‬نصب أعينهم‪ ،‬مســتقبل اإلنســان‪ ،‬ولذلك‪،‬‬ ‫كلمات الرئيس الكولومبي «خوان مانويل سانتوس»‪،‬‬ ‫ستظل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الثوار «تيموشــينكو»‪ ،‬الصانعة للسالم‪ -‬مثلما‬ ‫وكلمات زعيم ّ‬ ‫الكولومبيين الذين‬ ‫والشــعراء‬ ‫اصين‬ ‫والقص‬ ‫الروائيين‬ ‫كلمــات‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫خالدة في الذاكرة‪ ،‬إلى األبد‪.‬‬ ‫أدانوا الحرب‪-‬‬ ‫ً‬

‫إلي‪.‬‬ ‫لم ُتع ِْدها ّ‬ ‫إن ْ‬

‫‪71‬‬


‫جــــبار‪..‬‬ ‫آســــيا‬ ‫ّ‬

‫خطاب فرانكفورت (‪ 22‬أكتوبر ‪)2000‬‬

‫(ألقته بمناسبة نيل جائزة السالم الممنوحة‬ ‫من ِق َبل الناشرين والكتب ّيين األلمان)*‬

‫ترجمة وتقديم‪ :‬عبدالحميد بورايو (الجزائر)‬ ‫ّية‪،‬‬ ‫جبار حق ً‬ ‫نجز َ‬ ‫ُيَمث ُ‬ ‫ال خصب ًا من حيث غناه النوعي؛ كتابات أدبية وإنجازات َفنّ‬ ‫الفنّي واألدبي عند األديبة آسيا ّ‬ ‫الم َ‬ ‫ِّل ُ‬ ‫ومن حيث تمثيله لفترة تاريخية عاشها المجتمع الجزائري منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم‪ .‬وهي فترة تبلورت‬ ‫فيها الحركة الوطنية السياسية ومعالم الثّقافة الوطنية بمختلف أشكالها التعبيرية‪ ،‬والتي أثارت أسئلة تتعلّق بالتاريخ‬ ‫القبرات‬ ‫والمجتمع‬ ‫والهوية؛ وهي نفس األسئلة المطروحة في أعمال آسيا جبار الروائية‪( :‬العطش‪ ،‬القلقون‪ ،‬أبناء العالم الجديد‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ظل سلطانة‪ ،‬بعيدًا عن المدينة‪ ،‬وهران‪ ..‬لسان‬ ‫الساذجة‪ ،‬كم هو شاسع السجن‪ ،‬نساء مدينة الجزائر في‬ ‫بيتهن‪ ،‬الحب والفانتازيا‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ضريحها‪ ،‬ال مكان لي في بيت أبي‪ )...‬وكذلك في األعمال األخرى الســردية والشــعرية‬ ‫ميت‪ ،‬ليالي ستراســبورغ‪ ،‬المرأة المفقود‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫والمسرحية والسينمائية‪( :‬أحداث صيف جزائري‪ ،‬بياض الجزائر‪ ،‬جمال يوسف‪ ،‬األصوات التي تحاصرني‪ ،‬أشعار من أجل جزائر‬ ‫سعيدة‪ ،‬الفجر األحمر (مسرحية)‪ ،‬نوبة جبل شنوة (شريط طويل)‪ ،‬الزردة أو حقول النسيان (شريط وثائقي)‪.‬‬ ‫تجمـــع أعمـــال آســـيا جبـــار بيـــن‬ ‫الصـــوت الحميمـــي للـــذات والتعبيـــر‬ ‫الحـــر عـــن المكبوتـــات الجمعيـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ومعانـــاة اإلنســـان‪ ،‬والتـــوق إلـــى‬ ‫االنعتـــاق مـــن صنـــوف اإلكراهـــات‪،‬‬ ‫كل مـــن التاريـــخ والذاكـــرة‬ ‫واســـتحضار ّ‬ ‫كل ذل ــك ف ــي أش ــكال‬ ‫الجمعي ــة‪،‬‬ ‫ليتجس ــد ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الموغـــل فـــي التجريـــب‬ ‫مـــن اإلبـــداع‬ ‫والمتجـــاوز للكتابـــة النمطيـــة الثابتـــة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫فتســـتثير األســـئلة العميقـــة الباعثـــة‬ ‫التأمـــل أكثـــر ممـــا تقـــّدم األجوبـــة‬ ‫علـــى ّ‬ ‫الجاهـــزة فـــي مـــا يتعلَّـــق بالتاريـــخ‬ ‫والمجتمـــع والهويـــة‪.‬‬ ‫قمن ــا بترجم ــة الخط ــاب ال ــذي قدمت ــه‬ ‫ف ــي احتف ــال تكريمه ــا وتس ــلمها لجائ ــزة‬ ‫الســـام الممنوحـــة مـــن قبـــل الناشـــرين‬ ‫والكتبييـــن األلمـــان فـــي ‪ 22‬أكتوبـــر‬ ‫مـــن ســـنة ‪2000‬؛ قبـــل رحيلهـــا بعقـــد‬ ‫ونصـــف تقريبـــ ًا (بدايـــة ‪ .)2015‬يتميـــز‬ ‫‪72‬‬

‫هـــذا الخطـــاب بكونـــه يقـــدم صـــورة‬ ‫ّيـــة‬ ‫مختزلـــة للمســـيرة األدبيـــة‬ ‫َ‬ ‫والفنّ‬ ‫للكاتبـــة‪ ،‬رســـمتها األديبـــة آســـيا‬ ‫جبـــار مقدمـــة مجموعـــة مـــن اإلجابـــات‬ ‫عـــن األســـئلة المثـــارة حـــول موقفهـــا‬ ‫مـــن قضايـــا الوطـــن واللّغـــة والمجتمـــع‬ ‫الجزائـــري‪ .‬وهـــي إجابـــات تمثـــل فـــي‬ ‫الحقيقـــة صـــورة واضحـــة للظـــروف‬ ‫التـــي أحاطـــت بحركـــة الكتابـــة األدبيـــة‬ ‫باللّغ ــة الفرنس ــية ف ــي الجزائ ــر المنبثق ــة‬ ‫ف ــي الفت ــرة االس ــتعمارية‪ .‬وه ــي ص ــورة‬ ‫تختلـــف تمامـــ ًا عـــن تلـــك المتعلِّقـــة‬ ‫بكتـــاب عـــرب آخريـــن كتبـــوا باللّغـــات‬ ‫األخ ــرى غي ــر العربي ــة ع ــن قص ــد‪ ،‬ناب ــع‬ ‫م ــن اختي ــار ح ـّـر‪ ،‬دون أن تك ــون هن ــاك‬ ‫ظـــروف قاهـــرة تجبرهـــم علـــى ذلـــك‪،‬‬ ‫وعدده ــم كثي ــر‪ ،‬وق ــد اختلف ــت دوافعه ــم‬ ‫باخت ــاف وضعياته ــم‪ .‬هدفن ــا م ــن ه ــذه‬ ‫الترجمـــة التعريـــف بقطـــب مـــن أقطـــاب‬

‫األدب الجزائـــري المكتـــوب باللّغـــة‬ ‫الفرنســـية‪ ،‬نالـــت حظـــوة عالميـــة‪،‬‬ ‫فقدتهـــا الســـاحة الثقافيـــة الجزائريـــة‬ ‫منـــذ ســـنتين‪ ،‬وقـــد حظيـــت بعنايـــة‬ ‫أوس ــاط مختلف ــة ف ــي الجزائ ــر؛ وأقيم ــت‬ ‫حـــول أدبهـــا الملتقيـــات‪ ،‬وتأسســـت‬ ‫جائـــزة باســـمها فـــي المعـــرض الدولـــي‬ ‫كل س ــنة بعاصم ــة‬ ‫للكت ــاب ال ــذي يج ــري ّ‬ ‫الجزائ ــر تح ــت وصاي ــة وزارة الثّقاف ــة‪،‬‬ ‫مؤسســـات النشـــر‬ ‫مـــن خـــال نشـــاط َّ‬ ‫العموميـــة‪.‬‬ ‫والتوزيـــع‬ ‫ّ‬ ‫تطـــرق‬ ‫ا‬ ‫ـــ‬ ‫أدبي‬ ‫ا‬ ‫بيانـــ‬ ‫الخطـــاب‬ ‫يمثـــل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لمجموعـــة مـــن الطروحـــات المتعلِّقـــة‬ ‫بوظيفـــة األدب ودوره فـــي فتـــرات‬ ‫التـــأزم االجتماعـــي والسياســـي‪،‬‬ ‫مـــن خـــال تجربـــة رائـــدة فـــي مجـــال‬ ‫االلتـــزام بقضايـــا المـــرأة والوطـــن‬ ‫واإلنســـان عاشـــتها األديبـــة ســـواء‬ ‫أثنـــاء ثـــورة الجزائـــر أو فـــي فتـــرة مـــا‬

‫بعـــد االســـتقالل‪ ،‬وكان ذلـــك خـــال‬ ‫نص ــف ق ــرن (النص ــف الثان ــي م ــن الق ــرن‬ ‫القيـــت بعـــض الصعوبـــات‬ ‫العشـــرين)‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ف ــي ترجم ــة الخط ــاب‪ ،‬ألن ــه ص ــادر ع ــن‬ ‫أديب ــة كثي ــرًا م ــا تلج ــأ ف ــي تعبيره ــا إل ــى‬ ‫مهمـــة المترجـــم‪،‬‬ ‫المجـــاز‪ ،‬ممـــا ّ‬ ‫يصعـــب ّ‬ ‫لـــكل لغـــة طريقتهـــا فـــي التعبيـــر‬ ‫ألن ّ‬ ‫ّ‬ ‫المج ــازي‪ ،‬ويصب ــح البح ــث ع ــن مع ــادل‬ ‫ملحـــة‬ ‫للصـــورة المجازيـــة ضـــرورة ّ‬ ‫لتعوي ــض الترجم ــة الحرفي ــة للعب ــارات‪.‬‬ ‫كم ــا أن الن ــص مرتب ــط بظ ــروف عاش ــها‬ ‫المجتمـــع الجزائـــري‪ ،‬كانـــت أحداثهـــا‬ ‫وخلفياتهـــا السياســـية حاضـــرة فـــي‬ ‫أذهـــان متلقّـــي الخطـــاب‪ ،‬فاكتفـــت‬ ‫الكاتبـــة بالتلميـــح إليهـــا‪ ،‬وحاولنـــا‬ ‫فـــي الهامـــش توضيحهـــا‪ ،‬لكـــي ال‬ ‫يغيـــب عـــن القـــارئ فهمهـــا‪ .‬كمـــا قمنـــا‬ ‫بوضـــع هوامـــش لمســـاعدة القـــارئ‬

‫عل ــى فه ــم مف ــردات مألوف ــة ف ــي الثقاف ــة‬ ‫الجزائريـــة‪ ،‬غيـــر أن معانيهـــا قـــد‬ ‫تكـــون غيـــر واضحـــة بالنســـبة لغيـــر‬ ‫الجزائرييـــن)‪.‬‬

‫نص الخطاب‪:‬‬ ‫ّ‬

‫«وأنـــا أتلقّـــى اليـــوم أمامكـــم‪،‬‬ ‫ســـيداتي ســـادتي‪ ،‬جائـــزة الســـام‬ ‫والكتبييـــن األلمـــان‪،‬‬ ‫مـــن الناشـــرين‬ ‫ّ‬ ‫أخش ــى أن ين ــوء كاهل ــي تح ــت الحمول ــة‬ ‫الرمزيـــة لهـــذه الجائـــزة الممنوحـــة‪.‬‬ ‫أريـــد أن أقـــّدم نفســـي أمامكـــم علـــى‬ ‫مجـــرد امـــرأة كاتبـــة تنتمـــي‬ ‫أنـــي‬ ‫ّ‬ ‫تربيـــت‬ ‫لبـــاد مضطربـــة ّ‬ ‫وممزقـــة‪ .‬لقـــد ّ‬ ‫إســـامية‪ ،‬هـــي عقيـــدة‬ ‫وفـــق عقيـــدة‬ ‫ّ‬ ‫عاطفيــ ًا‬ ‫لتني‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ـال‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫أجي‬ ‫أس ــافي من ــذ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وروحي ـاً‪ ،‬لك ــن‪ ،‬أعت ــرف بأنه ــا جعلتن ــي‬ ‫ّ‬

‫أواج ــه نفس ــي بفع ــل المحظ ــورات الت ــي‬ ‫عجـــزت حّتـــى اآلن عـــن التخلـــص منهـــا‬ ‫ُ‬ ‫تمامـــاً‪.‬‬ ‫أنـــا أكتـــب إذن‪ ،‬وبالفرنســـية‪ ،‬لغـــة‬ ‫ِ‬ ‫ســـتعمر التـــي أصبحـــت مـــع ذلـــك‪،‬‬ ‫الم‬ ‫ُ‬ ‫وبالضـــرورة‪ ،‬هـــي لغـــة أفـــكاري‪ ،‬فـــي‬ ‫أحـــب‪ ،‬وأتألّـــم‪،‬‬ ‫الوقـــت الـــذي مازلـــت‬ ‫ّ‬ ‫وأصلّـــي (لمـــا يحـــدث أن أصلّـــي‬ ‫األم‪.‬‬ ‫أحيانـــا)‬ ‫ّ‬ ‫بالعربيـــة‪ ،‬لغتـــي ّ‬ ‫باإلضافـــة إلـــى أن لغـــة الجماعـــة‬ ‫التـــي أنتمـــي إليهـــا‪ ،‬لغـــة البـــاد‬ ‫البربريـــة‪،‬‬ ‫المغاربيـــة‪ ،‬وأقصـــد بهـــا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫لغـــة تيـــن هنـــان‪ ،‬ملكـــة الطـــوارق‬ ‫حيـــث ســـاد النظـــام األموســـي(‪ )2‬لفتـــرة‬ ‫طويلـــة‪ ،‬وهـــي لغـــة يوغرطـــة(‪ )3‬الـــذي‬ ‫رفـــع لـــواء المقاومـــة عاليـــ ًا ضـــّد‬ ‫الرومانيـــة‪ ،‬هـــذه اللّغـــة‬ ‫اإلمبرياليـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التـــي ليـــس بإمكانـــي أن أنســـاها‪،‬‬ ‫‪73‬‬


‫وتحضرن ــي عل ــى‬ ‫وه ــي الت ــي وس ــمتني‬ ‫ُ‬ ‫الـــدوام‪ ،‬مـــع أنـــي ال أتكلّـــم بهـــا‪ ،‬وهـــي‬ ‫الصيغ ــة‪ ،‬الت ــي تجعلن ــي‪ ،‬رغمــ ًا عّن ــي‪،‬‬ ‫ومـــن أعماقـــي‪ ،‬أن أقـــول «ال»‪ :‬كامـــرأة‪،‬‬ ‫وبالخصـــوص‪ ،‬فيمـــا يبـــدو لـــي‪ ،‬فـــي‬ ‫جهـــدي المثاِبـــر ككاتبـــة‪.‬‬ ‫ـح‬ ‫ـ‬ ‫ص‬ ‫إن‬ ‫ـزال‪،‬‬ ‫إنّه ــا لغ ــة رف ــض االخت ـ‬ ‫ّ‬ ‫التعبي ــر‪ .‬يمك ــن باألح ــرى‪ ،‬به ــذا الص ــدد‪،‬‬ ‫ذكـــر الرغبـــة فـــي التجـــذّر أو إعـــادة‬ ‫التجـــذّر‪ ،‬أي العـــودة إلـــى األصـــول‪،‬‬ ‫أؤكـــد بأنـــي لـــو كنـــت َســـْلِت َّية‬ ‫أريـــد أن ّ‬ ‫اس ِ‬ ‫ـــك َّية أو ُكْرِد َّيـــة(‪ )4‬لـــكان نفـــس‬ ‫أو َب ْ‬ ‫األم ــر بالنس ــبة ل ــي‪ :‬الق ــول «ال» لبع ــض‬ ‫المراحـــل األساســـية فـــي مســـاري‪...‬‬ ‫وق ــول ذل ــك عندم ــا ينبج ــس م ــن ذات ــك‪،‬‬ ‫ويرتعـــش فيهـــا‪ ،‬فـــي ظـــروف هيمنـــة‬ ‫ســـلطة ذات ثقـــل كبيـــر لدولـــة‪ ،‬لديـــن‬ ‫أو لضغـــط مـــا يســـعى بجميـــع الســـبل‬ ‫لمحـــو هـــذه اللّغـــة األولـــى‪ ...‬فقـــول‬ ‫«ال» هك ــذا‪ ،‬يمك ــن أن يب ــدو «ال» للتعبي ــر‬ ‫ع ــن التعّن ــت‪ ،‬ع ــن الصم ــت‪ ،‬ع ــن رف ــض‬ ‫المش ــاركة ف ــي دفع ــة جمعي ــة لإلغ ــواء‪-‬‬ ‫أو الموضـــة‪ .-‬لـــم يكـــن هـــذا الميـــل‬ ‫مجـــرد تحفّـــظ فـــردي‪ ،‬لكنّـــه‬ ‫الغريـــزي‬ ‫ّ‬ ‫انيـــاً‪ ،‬أو‬ ‫مج‬ ‫«ال»‬ ‫ا‬ ‫أحيانـــ‬ ‫يكـــون‬ ‫قـــد‬ ‫ً‬ ‫ّ ّ‬ ‫بالظـــل‪ ...‬عمومـــ ًا‬ ‫هـــو اعتـــزاز خالـــص‬ ‫ّ‬ ‫إنّـــه كمـــال األنـــا الثقافيـــة والخلقيـــة‪،‬‬ ‫هـــذا االنكفـــاء ليـــس دافعـــه الحـــذر وال‬ ‫ـاوم‬ ‫العق ــل‪ ،‬باختص ــار‪ ،‬ه ــذا الـــ«ال» المق ـ ِ‬ ‫ال ــذي ينبج ــس من ــك أحيان ــا حّت ــى قب ــل‬ ‫أن ينجـــح عقلـــك فـــي تبريـــره‪ ،‬إنّـــه‬ ‫الباطنـــي‬ ‫طبعـــاً‪ ،‬هـــذا االســـتمرار لـــ«ال»‬ ‫ّ‬ ‫الـــذي أســـمعه فـــي نفســـي‪ ،‬فـــي شـــكل‬ ‫بربرييـــن‪ ،‬والـــذي يبـــدو‬ ‫وصـــوت‬ ‫ّ‬ ‫شـــخصيتي أو‬ ‫قاعـــدة‬ ‫ّـــل‬ ‫ث‬ ‫يم‬ ‫ّـــه‬ ‫لـــي أن‬ ‫ّ‬ ‫األدبيـــة‪.‬‬ ‫اســـتمراريتي‬ ‫ّ‬ ‫ال ش ـ ّ‬ ‫أن برب ــر التاري ــخ المكت ــوب‪،‬‬ ‫ـك ّ‬ ‫المكت ــوب بصف ــة خاص ــة بالالتيني ــة م ــن‬ ‫ِقَب ـ ِ‬ ‫ـل سالوس ــت (‪ ،Seallust)5‬السياس ــي‬ ‫المنحـــرف‪ ،‬والمـــؤرخ الرهيـــب‪ ،‬مؤلّـــف‬ ‫الكتـــاب المأثـــور «حـــرب يوغرطـــة»‪،‬‬ ‫قب ــل التاري ــخ المي ــادي بق ــرن‪ ...‬ه ــؤالء‬ ‫البربـــر‪ ..‬بربـــر التاريـــخ الغربـــي إذن‬ ‫الذيـــن ُق ِّدمـــوا دومـــ ًا علـــى أنهـــم األعـــداء‬ ‫األلـــّداء‪.‬‬ ‫لكـــن يكفـــي أن يقـــوم يوغرطـــة‪،‬‬ ‫المدجـــن‪ ،‬بالذهـــاب إلـــى آخـــر‬ ‫غيـــر‬ ‫ّ‬ ‫الشـــوط فـــي تحّديـــه لرومـــا التـــي لـــم‬ ‫‪74‬‬

‫ـــد وقتئـــذ ‪ -‬كان ذلـــك قبـــل ‪50‬‬ ‫ُتْقَهـــر َب ْع ُ‬ ‫س ــنة م ــن عه ــد جي ــل س ــيزار‪ -‬ليت ـ ّـم ف ــي‬ ‫كل مقاومـــة‬ ‫إفريقيـــا الشـــمالية‪ ،‬عنـــد ّ‬ ‫ضـــّد المحتلّيـــن التاليـــن (ضـــد العـــرب‪،‬‬ ‫اإلســـبان‪ ،‬األتـــراك ثـــم الفرنســـيين)‬ ‫اســـتحضار شـــبح هـــذا الســـلف البطـــل‪.‬‬

‫‪II‬‬

‫األدبيـــة‪،‬‬ ‫تحدثـــت عـــن اســـتمراريتي‬ ‫ّ‬ ‫وهـــذا المفهـــوم الزمنـــي يمكـــن أن يثيـــر‬ ‫اللبـــس‪ .‬أكتـــب وأنشـــر منـــذ أربعـــة‬ ‫عقـــود علـــى األقـــل‪.‬‬ ‫مهمـــا كان األمـــر‪ ،‬كان باألحـــرى أن‬ ‫أق ـّدم نفس ــي أمامك ــم بغيابات ــي‪ ،‬بأوق ــات‬ ‫بتردداتـــي‪ ،‬بامتناعاتـــي‬ ‫صمتـــي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫القديمـــة أو الجديـــدة‪ ،‬التـــي ال أفهمهـــا‬ ‫األقـــل فـــي هـــذه‬ ‫علـــى الـــدوام‪ ،‬علـــى‬ ‫ّ‬ ‫اللحظ ــة‪ ،‬أضي ــف أيضــ ًا هروب ــي (ألن ــي‬ ‫ـا إل ــى فض ــاء للكتاب ــة)؛‬ ‫ف ــي حاج ــة فع ـ ً‬ ‫أقصـــد باألحـــرى َمَناِفـــي‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ال أعـــرف ســـوى قاعـــدة‪ ،‬مـــن األكيـــد‬ ‫وجليـــة‪ ،‬شـــيئ ًا فشـــيئاً‪،‬‬ ‫أنّهـــا معلومـــة‬ ‫ّ‬ ‫فـــي العزلـــة بعيـــدًا عـــن االنتمـــاءات‬ ‫األدبيـــة‪ :‬عـــدم ممارســـة الكتابـــة‬ ‫ّ‬ ‫للضـــرورة‪.‬‬ ‫كتابـــة حفـــر‪ ،‬اندفـــاع فـــي الظـــام‬ ‫والعتمـــة! كتابـــة «رافضـــة» لـ«رفـــض»‬ ‫المعارضـــة‪ ،‬للثـــورة‪ ،‬أحيانـــ ًا تكـــون‬ ‫كل ــه‪.‬‬ ‫كيان ــك َّ‬ ‫خرس ــاء‪ ،‬ته ـّـزك وتخت ــرق َ‬ ‫رافضـــة‪ ،‬لكنهـــا أيضـــ ًا كليـــة الرفـــض‪،‬‬ ‫أي كتاب ــة للمقارب ــة‪ ،‬لإلنص ــات‪ ،‬لحاج ــة‬ ‫إل ــى التق ـ ُّـرب م ــن‪ ..‬إل ــى تطوي ــق ح ــرارة‬ ‫بشـــرية‪ ،‬تضامـــن‪ ،‬إنهـــا حاجـــة بـــدون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مثاليـــة ألنـــي قادمـــة مـــن مجتمـــع‬ ‫شـــك ّ‬ ‫حي ــث العالق ــات بي ــن الرج ــال والنس ــاء‪،‬‬ ‫األســـرية‪ ،‬هـــي مـــن‬ ‫خـــارج العالقـــات‬ ‫ّ‬ ‫القس ــاوة‪ ،‬م ــن الض ــراوة بحي ــث تجعل ــك‬ ‫فاقـــدًا للصـــوت‪.‬‬ ‫فـــي المنطلـــق‪ ،‬قبـــل االنبجـــاس‬ ‫ْمَب ِّكـــر لنشـــاطي ككاتبـــة‪،‬‬ ‫األولـــي والُ‬ ‫ّ‬ ‫توفّـــر فضـــاء ُمعطـــى‪ُ ،‬أُفـــق انفتـــح‬ ‫حـــظ لـــم يكـــن منتظـــراً‪.‬‬ ‫فجـــأة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مـــن األكيـــد أنـــه فـــي الواقـــع لـــن‬ ‫أك ــون أب ــدًا كاتب ــة ل ــو‪ ،‬أن ــي ف ــي ســنّي‬ ‫أتمكـــن‬ ‫العاشـــرة والحاديـــة عشـــرة لـــم ّ‬ ‫مـــن متابعـــة دروســـي الثانويـــة؛ فهـــذه‬ ‫المعجـــزة الصغيـــرة التـــي أضحـــت‬ ‫ممكنـــة بفضـــل والـــدي المعلِّـــم‪ ،‬رجـــل‬

‫القطيعـــة والمؤمـــن بالحداثـــة فـــي‬ ‫اإلســـامية التـــي‪،‬‬ ‫االمتثاليـــة‬ ‫مواجهـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بـــدون أدنـــى شـ ّ‬ ‫ــك‪ ،‬كان ــت ســـتدفع ب ــي‬ ‫نحـــو انحجـــاب الفتيـــات البالغـــات‪.‬‬ ‫نف ــس الش ــيء‪ ،‬بع ــد ‪ 5‬أو‪ 6‬س ــنوات‪،‬‬ ‫لـــم يكـــن مـــن الممكـــن أن أقتحـــم ميـــدان‬ ‫األدب بشـــغف لـــو أنّـــي (وهـــو أمـــر‬ ‫أحـــب المشـــي‬ ‫قـــد يكـــون مدهشـــاً) لـــم‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫فـــي طرقـــات المـــدن بهويـــة مجهولـــة‪،‬‬ ‫كمتشـــبهة‬ ‫كمتنبئـــة‪،‬‬ ‫كعابـــرة ســـبيل‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫بالذك ــور‪ ،‬وكم ــا ه ــو الح ــال حت ــى اآلن‪،‬‬ ‫مجـــرد ُمَت َج ِّوَلـــة‪ .‬إنّـــه بالنســـبة لـــي‬ ‫ّ‬ ‫حرّيـــة الحركـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحريـــات‪ ،‬هـــي ّ‬ ‫أول ّ‬ ‫االنتقـــال‪ ،‬اإلمكانيـــة المدهشـــة فـــي‬ ‫دة نفســـي فـــي مجيئـــي‬ ‫ســـي َ‬ ‫أن أكـــون ّ‬ ‫وإياب ــي‪ ،‬م ــن الداخ ــل إل ــى الخ ــارج‪ ،‬م ــن‬ ‫العامـــة‪،‬‬ ‫المـــكان الخـــاص إلـــى األمكنـــة ّ‬ ‫كل هـــذا يبـــدو‬ ‫والعكـــس صحيـــح‪ّ .‬‬ ‫بســـيط ًا هنـــا‪ ،‬اليـــوم‪ ،‬فـــي أوروبـــا‪،‬‬ ‫بالنســـبة للمراهقـــات‪ .‬هـــذا األمـــر‪،‬‬ ‫بالنس ــبة ل ــي‪ ،‬ف ــي بداي ــة الخمس ــينيات‪،‬‬ ‫ـــدق‪.‬‬ ‫ـــرف َل ُي َص َّ‬ ‫َت َ‬ ‫قـــد تقولـــون مـــا عالقـــة المشـــي فـــي‬ ‫الخـــارج بكلمـــات الروايـــات‪ ،‬بالجمـــوح‬ ‫وبـــكل خيـــال؟ لكـــن‬ ‫بالمخيلـــة‬ ‫الخـــاص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األمـــر هنـــا يتعلَّـــق بحركـــة الجســـم‬ ‫الخـــط األكثـــر‬ ‫األنثـــوي‪ :‬هنـــا يرتســـم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لمـــا مجتمـــع مـــا‪،‬‬ ‫لالنتهـــاك‬ ‫صالبـــة‬ ‫ّ‬ ‫ومَت َص ِّل ــب‪ ،‬يح ــاول‬ ‫ـادع‬ ‫ـ‬ ‫خ‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫تقلي‬ ‫باس ــم‬ ‫ُ‬ ‫وينجـــح أحيانـــ ًا اليـــوم‪ ،‬فـــي ســـجن‬ ‫نســـائه‪ ،‬أي نصـــف كيانـــه‪.‬‬ ‫أن أكتـــب بالنســـبة لـــي‪ ،‬محتفظـــة‬ ‫فـــي الذهـــن بهـــذا األفـــق األســـود‪ ،‬إنّـــه‬ ‫كل شـــيء الخلـــق مـــن جديـــد فـــي‬ ‫قبـــل ّ‬ ‫اللّغـــة التـــي أســـكن‪ .‬إنّهـــا الحركـــة‬ ‫التْقَه ــر لـ«الجس ــم نح ــو الخ ــارج»‪،‬‬ ‫الت ــي ُ‬ ‫ويمكـــن القـــول تقريبـــ ًا إنهـــا هـــي التـــي‬ ‫تســـمح بِإْقَل ِع ِ‬ ‫ـــه‪.‬‬ ‫فـــي العهـــد االســـتعماري للبـــاد‬ ‫المغاربي ــة‪ -‬والت ــي كان ــت أكث ــر محافظ ــة‬ ‫ّ‬ ‫مـــن المجتمـــع الحضـــري فـــي مصـــر‬ ‫والشـــرق األوســـط‪ ،-‬بنـــات عمومتـــي‪،‬‬ ‫كـــن يعشـــن ســـجينات منـــذ‬ ‫قريباتـــي‪ّ ،‬‬ ‫ســـن البلـــوغ حّتـــى بدايـــة الشـــيخوخة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ـــب المجتمـــع للنســـاء عـــن العيـــن‪،‬‬ ‫ج‬ ‫َف َح ْ ُ‬ ‫عـــن االتصـــال وعـــن متنـــاول األجانـــب‬ ‫(ألنه ــم ليس ــوا بمس ــلمين)‪ ،‬م ــا كان يب ــدو‬ ‫هوياتـــي فـــي‬ ‫اســـتراتيجية حفـــاظ‬ ‫ّ‬

‫جزائـــر القـــرن التاســـع عشـــر أصبـــح‬ ‫اضطهـــادًا ال ُي ْحَتَمـــل لشـــخصية األنثـــى‪.‬‬ ‫ـــق كتابـــة‬ ‫فـــي وطنـــي‪ ،‬إذن‪ِ ،‬ع ْش ُ‬ ‫إطالقهـــا نحـــو اآلخريـــن‪،‬‬ ‫الكلمـــات‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أو فقـــط نحـــو الســـماء‪ ،‬ينبجـــس مـــن‬ ‫أقدامـــي‪ ،‬مـــن أطرافـــي‪ ،‬وكذلـــك مـــن‬ ‫ـــرة‪ ،‬التـــي ألقيهـــا علـــى‬ ‫ْح ّ‬ ‫نظرتـــي ال ُ‬ ‫ّ‬ ‫شـــك الثـــأر‪،‬‬ ‫اآلخريـــن‪ ...‬إنّـــه بـــدون‬ ‫لـــكل الســـلف الـــذي أنحـــدر‬ ‫لشـــخصي‪ّ ،‬‬ ‫ســـجنهن منـــذ الثانيـــة‬ ‫تـــم‬ ‫ّ‬ ‫منـــه‪ ،‬جـــّدات ّ‬ ‫ـــن مـــن‬ ‫ق‬ ‫ن‬ ‫ت‬ ‫اخ‬ ‫جـــن‪،‬‬ ‫تزو‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ثـــم ّ‬ ‫َ َ‬ ‫عشـــرة‪ّ ،‬‬ ‫ظـــل‬ ‫األســـى‪ ،‬مـــن الضغينـــة فـــي‬ ‫ّ‬ ‫ســـن‬ ‫«صحـــن»(‪ )6‬البيـــت‪ ،‬حتـــى‬ ‫ّ‬ ‫الخمســـين أو الســـتين علـــى التوالـــي!‬ ‫ث ـ ّـم إّن ــه‪ ،‬ف ــي مس ــاري ككاتب ــة‪ ،‬كان‬ ‫هن ــاك ارتج ــاج‪ ،‬س ــؤال عمي ــق أس ــكتني‬ ‫طويـــا‪ :‬عشـــر ســـنوات دون أن أنشـــر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لكـــن خاللهـــا ذرعـــت بـــادي‪ ،‬مـــن أجـــل‬ ‫القيـــام باســـتطالعات‪ ،‬بتحقيقـــات‪،‬‬ ‫وأخيـــرًا بتصويـــر للســـينما‪ ،‬تملّكتنـــي‬

‫الحاجـــة إلـــى الحـــوار مـــع الفالّحـــات‪،‬‬ ‫قرويـــات مـــن مناطـــق ذات تقاليـــد‬ ‫مـــع ّ‬ ‫متنوعـــة‪ ،‬كانـــت هنـــاك حاجـــة أيضـــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫إلـــى العـــودة إلـــى قبيلـــة أخوالـــي‪ ،‬كان‬ ‫ذلـــك بعـــد ‪ 12‬ســـنة مـــن االســـتقالل‪.‬‬ ‫«جالس ــة عل ــى ط ــرف الطري ــق‪ ،‬ف ــي‬ ‫ـــت هـــذه الفتـــرة مـــن‬ ‫الغبـــار»‪ ،‬بهـــذا َن َعْت ُ‬ ‫حياتـــي‪ ،‬فـــي عملـــي «هـــذه األصـــوات‬ ‫التـــي تحاصرنـــي» حيـــث‪ ،‬مـــن خـــال‬ ‫للتحـــوالت‬ ‫حـــوادث مرئيـــة يوميـــة‬ ‫ّ‬ ‫الملحوظـــة‪ ،‬أخرجـــت شـــريط ًا معتمـــدًا‬ ‫األنثويـــة‪ -‬هـــي‬ ‫علـــى إيقـــاع الذاكـــرة‬ ‫ّ‬ ‫اســـترجاعات‪َ ،‬ل َّمـــا روت لـــي جّدتـــي‬ ‫مقاوم ــة األس ــاف المحاربي ــن‪ ،‬ذكري ــات‬ ‫حديثـــة لمقاومـــة البارحـــة‪...‬‬ ‫ـتطعت‬ ‫إّن ــه ف ــي ه ــذه الفت ــرة فق ــط اس ـ‬ ‫ُ‬ ‫أن أشـــتغل وأن ُأْبـــِد َع بالتفاعـــل مـــع‬ ‫أهلـــي‪ :‬كتابـــة الفضـــاء والســـماع‪ ،‬فـــي‬ ‫األذن فـــي‬ ‫غاصـــت‬ ‫وجـــوه الطفولـــة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫العربيـــة الدارجـــة عبـــر الحـــوارات‪،‬‬ ‫ّ‬

‫ـــق معانـــاة‬ ‫عـــادت‬ ‫البربريـــة فـــي َأَل ِ‬ ‫ّ‬ ‫ام ــرأة «جب ــل ش ــنوة»(‪ ،)7‬وأخي ــرًا ج ــرت‬ ‫مناجـــاة مـــع النفـــس بالفرنســـية لـــدى‬ ‫تلـــك التـــي تجـــول فـــي أرض حيـــث‬ ‫يتجـــاوب الماضـــي والحاضـــر‪...‬‬ ‫كانـــت الســـنتان أو الثـــاث األروع‬ ‫فـــي حياتـــي‪ :‬البحـــث الحقيقـــي فـــي‬ ‫الذاك ــرة لمعرف ــة ه ــذه المواق ــع‪ ،‬أصب ــح‬ ‫اهـــا!‬ ‫هـــذا َت َع ُّرفـــ ًا علـــى النفـــس‪ُ ،‬لْقَي َ‬ ‫فـــي ‪ 79/1978‬اســـتنكر ســـينمائيو‬ ‫(‪)8‬‬ ‫الجزائـــر العاصمـــة شـــريطي الطويـــل‬ ‫تفاؤليـــة‬ ‫(ألنهـــم لـــم يعثـــروا فيـــه علـــى‬ ‫ّ‬ ‫«الواقعيـــة االشـــتراكية»)؛ حـــاز فـــي‬ ‫مـــا بعـــد علـــى جائـــزة النقـــد العالمـــي‬ ‫فـــي بيينـــال فينيســـيا ‪Biennale de‬‬ ‫‪ .Venise‬فـــي انعطافـــة األربعيـــن‪،‬‬ ‫عـــدت إلـــى باريـــس‪ ،‬المدينـــة التـــي‬ ‫رت أن‬ ‫قـــر ُ‬ ‫ُ‬ ‫درســـت فيهـــا‪ .‬مـــن هنـــاك‪ّ ،‬‬ ‫أكتـــب عـــن بعـــد مـــن أجـــل أن أســـتكنه‬ ‫نفســـه‪ -‬خفاياهـــا‪،‬‬ ‫منذئـــذ َ‬ ‫قلـــب الجزائـــر َ‬ ‫‪75‬‬


‫ذاكرتهـــا األكثـــر غموضـــاً‪ -‬فـــي تشـــابك‬ ‫َ‬ ‫علـــي‬ ‫وكان‬ ‫فرنســـي‪:‬‬ ‫جزائـــري‪-‬‬ ‫ّـــد‬ ‫معق‬ ‫ّ‬ ‫أن أعثـــر علـــى شـــكل وبنيـــة ســـردية‬ ‫فـــي مســـتوى هـــذه المســـاءلة‪ ،‬وهـــذا‬ ‫الطمـــوح‪.‬‬

‫‪III‬‬

‫والتـــر بنجاميـــن‪ ،‬الـــذي عـــرف‬ ‫جي ــدًا الت ــي اكتش ــفها من ــذ ‪1913‬‬ ‫باري ــس ّ‬ ‫وحي ــث ع ــاش‪ ،‬كالج ــئ سياس ــي‪ ،‬ق ــال‬ ‫األجنبـــي‬ ‫إنّـــه «فـــي باريـــس‪ ،‬يشـــعر‬ ‫ّ‬ ‫بأنّـــه فـــي بلـــده ألنّـــه يمكـــن أن يســـكن‬ ‫هـــذه المدينـــة مثلمـــا يســـكن فـــي مـــكان‬ ‫آخـــر بيـــن جـــدران بيتـــه األربعـــة»‪...‬‬ ‫تســـك ُع باريـــس» بالمعنـــى‬ ‫«م‬ ‫ِّ‬ ‫فهـــو ُ‬ ‫أول مـــن‬ ‫كان‬ ‫والـــذي‬ ‫امتـــاء‪،‬‬ ‫األكثـــر‬ ‫ّ‬ ‫كت ــب ع ــن «رحالت ــه الباريس ـّـية»‪ ،‬كان ــت‬ ‫ـطحية‪:‬‬ ‫عالقات ــه بالفرنس ـّـيين ن ــادرة وس ـ ّ‬ ‫صديقـــه حنّـــا أرنـــدت‬ ‫يشـــهد بذلـــك‬ ‫ُ‬ ‫ظـــل كذلـــك‬ ‫‪ ،Hanna Arendt‬الـــذي ّ‬ ‫حتـــى أخريـــات حياتـــه‪.‬‬ ‫مـــن ناحيتـــي‪ ،‬فـــي إقامتـــي منـــذ‬ ‫االمبراطوريـــة‬ ‫اآلن فصاعـــدًا فـــي «قلـــب»‬ ‫ّ‬ ‫يـــت بـــدوري بينـــي وبيـــن‬ ‫القديمـــة‪َ ،‬بِق ُ‬ ‫المجتم ــع الفرنس ــي مس ــافة‪ ،‬وال ــذي ل ــم‬ ‫آخـــذ عنـــه ســـوى اللّغـــة! لغـــة الكتابـــة‬ ‫ه ــذه أصبح ــت موطن ــي الوحي ــد‪ ،‬حت ــى‬ ‫وإن كن ــت أن ــزل عل ــى هوامش ــه‪ .‬وكأّن ــي‬ ‫ألبـــس هـــذه‬ ‫غـــادرت وطنـــي عاريـــة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫اللّغـــة! إنّهـــا دثـــاري الوحيـــد!‬ ‫حّت ــى هن ــا ظل ــت الكتاب ــة بالفرنس ــية‬ ‫بالنســـبة لـــي نوعـــ ًا مـــن الغطـــاء‪،‬‬ ‫خاصـــة بالنســـبة لرواياتـــي األولـــى‪،‬‬ ‫الخيالي ــة‪ ،‬الت ــي جنّبتن ــي أن أكت ــب ع ــن‬ ‫ســـيرتي‪ ،‬بحيـــث لـــم أرتـــد حقّـــ ًا ســـوى‬ ‫أماكـــن الطفولـــة‪ ،‬منبهـــرة بشمســـها أو‬ ‫التقليديـــة‪.‬‬ ‫ظـــل البيـــوت‬ ‫مقتربـــة مـــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫مـــن اآلن فصاعـــداً‪ ،‬قـــررت بعـــزم أن‬ ‫أكتـــب «أمـــام» و«مـــن الداخـــل» بلـــدي‪،‬‬ ‫فـــي نـــوع مـــن المقاربـــة عـــن بعـــد‪،‬‬ ‫ـور ال ــذي‬ ‫ْم َص ـ ِّ‬ ‫إنن ــي ف ــي حاج ــة‪ ،‬مث ــل الُ‬ ‫يتأخ ــر لك ــي ال يس ــحق موضوع ــه‪ ،‬إل ــى‬ ‫ّ‬ ‫المنظـــور األكثـــر شـــموالً‪.‬‬ ‫بواســـطتها‪ ،‬أو برغـــم القـــول إنهـــا‬ ‫«أجنبيـــة »‪ ،‬ســـأطرح علـــى‬ ‫لغـــة‬ ‫ّ‬ ‫بل ــدي‪ ،‬جمي ــع األس ــئلة‪ ،‬الت ــي أقرره ــا!‬ ‫هويتهـــا‪ ،‬جراحهـــا‪،‬‬ ‫حـــول تاريخهـــا‪ّ ،‬‬ ‫طابوهاتهـــا‪ ،‬ثرواتهـــا الدفينـــة‪ ،‬وحـــول‬ ‫‪76‬‬

‫مـــا ســـلبه االســـتعمار خـــال قـــرن‬ ‫كامـــل‪ -‬واألمـــر ال يتعلّـــق باحتجـــاج وال‬ ‫بمحاكمـــة‪ .‬لقـــد دفعنـــا ثمـــن االســـتقالل‬ ‫غاليـ ـاً! ال يتعّل ــق األم ــر س ــوى بذاك ــرة‪،‬‬ ‫بوشـــم الثـــورة والمعركـــة‪ ،‬التـــي‬ ‫أضحـــت ال ُتمحـــى مـــن أفئدتنـــا وحّتـــى‬ ‫مـــن ألـــق نظرتنـــا‪ ،‬وعلينـــا تســـجيلها‪،‬‬ ‫حفظه ــا‪ ،‬حت ــى ول ــو كان ذل ــك بح ــروف‬ ‫فرنســـية وبأبجديـــة التينيـــة!‬ ‫العـــودة إلـــى بدايـــات الثمانينيـــات‬ ‫فـــي باريـــس والكتابـــة بهـــذا الحمـــاس‬ ‫ّ‬ ‫الشـــك أنـــه يبـــدو ليـــس‬ ‫عـــن الذاكـــرة‪،‬‬ ‫مرتبطـــ ًا بالحاضـــر الســـاخن‪ -‬إذا مـــا‬ ‫األقـــل بـ«المواســـم‬ ‫قرنّـــا ذلـــك علـــى‬ ‫ّ‬ ‫الباريســـية‪.‬‬ ‫األدبيـــة» للنـــدوات‬ ‫ّ‬ ‫ف ــي مواجه ــة كتاب ــات نقدي ــة فرنس ــية‬ ‫تقليديـــة‪ ،‬إن جـــاز التعبيـــر‪ -‬لـــم تكـــن‬ ‫لتبحـــث فـــي نصـــوص الكتـــاب «الذيـــن‬ ‫كان ــوا ُم ْســَت ْعَمِرين» س ــوى ع ــن مفاتي ــح‬ ‫ـي‪ -‬م ــا ال ــذي‬ ‫لتأوي ــل سوس ــيولوجي آن ـ ّ‬ ‫وطنيـــة‬ ‫كان يدفعنـــي إذن؟ هـــل هـــي‬ ‫ّ‬ ‫متأخـــرة؟ ال‪ ،‬طبعـــاً‪ ،‬إنهـــا اللّغـــة فقـــط‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تغمُرن ــي‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الت‬ ‫ـية‬ ‫ـ‬ ‫الفرنس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ّغ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫وحده‬ ‫ُ‬ ‫ـــاء الليـــل والنهـــار‪ .‬لكـــن لقـــول‬ ‫َ‬ ‫آن َ‬ ‫الجزائريـــة (عـــن طريـــق‬ ‫خصوصيتـــي‬ ‫ّ‬ ‫ـرتها أخيــراً)‪،‬‬ ‫الســيرة الذاتيــة‪ ،‬التــي باشـ ُ‬ ‫علـــي بصفـــة مـــا أن أخفّـــف عـــن‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫لغ ــة الكتاب ــة ه ــذه ثقَله ــا مم ــا يكتنفه ــا‪،‬‬ ‫مـــن ماضيهـــا الملتبـــس والمضطـــرب‬ ‫تســـبب ســـابق ًا‬ ‫فـــي الجزائـــر‪ ،‬والـــذي‬ ‫ّ‬ ‫والبربريـــة مـــن‬ ‫فـــي اســـتبعاد العربيـــة‬ ‫ّ‬ ‫العامـــة‪...‬‬ ‫المـــدارس واألماكـــن ّ‬ ‫ســـعيت إلـــى تبليـــغ‬ ‫كنـــت قـــد‬ ‫إذا مـــا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الجزائريـــات الثقيـــل‪،‬‬ ‫صمـــت النســـاء‬ ‫ّ‬ ‫أجســـادهن‪ ،‬الـــذي عـــاد مـــع‬ ‫حجـــب‬ ‫ّ‬ ‫متزمـــت‪ ،‬مـــن‬ ‫ّـــف‬ ‫ل‬ ‫متخ‬ ‫تقليـــد‬ ‫عـــودة‬ ‫ّ‬ ‫واجبـــي‪ -‬لكونـــي كاتبـــة (واجـــب كل‬ ‫يعبـــر باللّغـــة)‪ -‬كان‬ ‫كاتـــب هـــو أن ّ‬ ‫أوالً‪ ،‬اســـمحوا لـــي بهـــذا التعبيـــر‬ ‫علـــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫أتشـــبث بهـــذه اللّغـــة‬ ‫أن‬ ‫االســـتعاري‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الفرنســـية التـــي ولجـــت إلـــى الجزائـــر‬ ‫ّ‬ ‫ـــزاة ‪ 1830‬وأن أعتصرهـــا‪ ،‬وأن‬ ‫مـــع ُغ َ‬ ‫كل غبارهـــا المشـــبوه‪...‬‬ ‫أنفـــض عنهـــا ّ‬ ‫خـــال األربعيـــن ســـنة العنيفـــة‬ ‫للغـــزو‪ -‬التـــي أدعوهـــا «حـــرب الجزائـــر‬ ‫توغلـــت هـــذه اللّغـــة حينئـــذ‬ ‫األولـــى»‪ّ ،-‬‬ ‫فـــي دروب مـــن الـــدم والمجـــازر‬ ‫وعملي ــات االغتص ــاب‪ .‬البــّد ع ــن طريقه ــا‬

‫وبكلماتهـــا‪ ،‬أن تنقلـــب علـــى نفســـها‬ ‫بصـــورة مـــا‪.‬‬ ‫ثـــم إنّـــه‪ ،‬فـــي مـــا كان يبـــدو مرحلـــة‬ ‫ّ‬ ‫ـــمي حينـــذاك‬ ‫خضـــوع بعدئـــذ‪ ،‬مـــا ُس‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫«الجزائـــر المستســـِلَمة» لســـنوات ‪1920‬‬ ‫و‪ 1930‬ظهـــرت الكلمـــات والصـــور‬ ‫ّغويـــة‬ ‫واإليقـــاع وجميـــع‬ ‫المحســـنات الل ّ‬ ‫ّ‬ ‫لُلغ ــة الجميل ــة‪ -‬لغ ــة دي ــكارت الشــفّافة‪،‬‬ ‫لغـــة راســـين الصافيـــة والرهيفـــة‪،‬‬ ‫التكراريـــة السلســـة‪ ،‬لغـــة‬ ‫لغـــة ديـــدرو‬ ‫ّ‬ ‫فيكتـــور هيغـــو الفخمـــة‪ -‬بـــدأت جميـــع‬ ‫هـــذه الجواهـــر فـــي الولـــوج والســـطوع‬ ‫ـــص عـــدد‬ ‫فـــي المـــدارس‪ ،‬التـــي ُخ ِّ‬ ‫ص َ‬ ‫قليـــل منهـــا لألطفـــال الذيـــن كانـــوا‬ ‫يس ـّـمون‪« :‬األهال ــي»(‪ ،)9‬وكان م ــن بينه ــا‬ ‫قســـم(‪ )10‬والـــدي‪ ،‬المعلِّـــم فـــي إحـــدى‬ ‫قـــرى مّتيجـــة‪...‬‬ ‫«الحـــب والفانطازيـــا»‬ ‫كان كتابـــي‬ ‫ّ‬ ‫ـــد ْت‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫حيـــث‬ ‫ـــة‬ ‫ف‬ ‫اع‬ ‫ض‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َّ‬ ‫ســـيرة ذاتيـــة ُ َ‬ ‫رئيســـية‪،‬‬ ‫كشـــخصية‬ ‫اللّغـــة الفرنســـية‬ ‫ّ‬ ‫منتظـــرة‬ ‫تشـــخيصها بصفـــة غيـــر‬ ‫تـــم‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أتنبـــه لذلـــك إال فـــي مـــا بعـــد‪.‬‬ ‫ولـــم‬ ‫ّ‬ ‫الصـــراع‬ ‫مشـــاهد‬ ‫اســـتحضرت‬ ‫ُ‬ ‫ـــة‬ ‫الفرنســـي‬ ‫الجزائـــري‪-‬‬ ‫المنســـي‪ُ ،‬م َجلَِّي ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َشـــَذر ٍ‬ ‫ات مـــن طفولتـــي أيـــن كانـــت‬ ‫َ‬ ‫الكلمـــات الفرنســـية تنزلـــق حتـــى بيـــن‬ ‫الحريـــم‪ ،‬وكأنهـــا َقَب َســـات مـــن النـــور‬ ‫ـت باالختن ــاق‬ ‫والث ــورة‪ ...‬حينه ــا أحسس ـ ُ‬ ‫الـــذي تعيشـــه النســـاء‪ ،‬الثقيـــل جـــّداً‪،‬‬ ‫القات ــل أكث ــر م ــن الدخ ــان ال ــذي ُأ ْجِب ـ َـرت‬ ‫قبائـــل ثائـــرة علـــى االختنـــاق بـــه مـــن‬ ‫ِقَب ـ ِ‬ ‫ـل المحت ـ ّـل‪ ،‬ف ــي الجب ــال القريب ــة م ــن‬ ‫مدينتـــي‪..‬‬ ‫«علـــي أن أجيـــب‬ ‫أردد أنّـــه‬ ‫كنـــت ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫عـــن جميـــع األســـئلة!»‪ ،‬أو باألحـــرى‪،‬‬ ‫أحسس ــت بالحاج ــة الس ــريعة‪ ،‬بالنس ــبة‬ ‫عليهـــن‬ ‫كـــن مثلـــي‬ ‫ّ‬ ‫لـــي‪ ،‬بالنســـبة لمـــن ّ‬ ‫بالمغـــادرة فقـــط مـــن أجـــل استنشـــاق‬ ‫ـن؛ كان ذل ــك أيضــ ًا م ــن‬ ‫أكس ــجين حياته ـ ّ‬ ‫أجـــل النســـاء األخريـــات‪ ،‬الصامتـــات‪،‬‬ ‫ـن‬ ‫المضطه ــدات إل ــى ح ـّد الم ــوت‪ ،‬وقلوبه ـ ّ‬ ‫ُ‬ ‫تحتـــرق‪ ،‬ألنهـــن وعيـــن بجميـــع‬ ‫المناكـــر‪...‬‬ ‫تـــم ذلـــك فـــي تواصـــل حميـــم مـــع‬ ‫ّ‬ ‫التاريـــخ مـــن خـــال مـــا كتبتـــه فـــي‬ ‫«ظـــل‬ ‫ثـــم‬ ‫«الحـــب والفانطازيـــا»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ســـلطان» ومـــا جـــاء فيمـــا بعـــد مـــن‬ ‫رباعيـــة الجزائـــر الروائيـــة‪.‬‬

‫ل ــم أك ــن ألتوّق ــع‪ ،‬وأن ــا أعي ــش هك ــذا‬ ‫الباريســـية‪،‬‬ ‫كمهاجـــرة فـــي الضواحـــي‬ ‫ّ‬ ‫بأنّـــي ســـوف أواجـــه‪ ،‬فـــي الســـنوات‬ ‫المواليـــة‪ ،‬الذعـــر‪ ،‬المخـــاوف‪ ،‬الهذيـــان‬ ‫ثـــم العنـــف والقتـــل‪ ،‬كل يـــوم‪،‬‬ ‫ثـــم‪ّ ...‬‬ ‫وه ــو م ــا رأين ــاه ينكت ــب! ف ــي صفح ــات‬ ‫ويشـــوهها!‪.‬‬ ‫يوميـــات بلـــدي‬ ‫ّ‬ ‫ـــوة‬ ‫ـــو َل َ‬ ‫ول ُق َّ‬ ‫ـــر أعـــزل‪َ ،‬ال َح ْ‬ ‫إنّـــه َت َح ّ‬ ‫حملت ــه كتب ــي؛ ه ــي أس ــئلتي الت ــي‬ ‫َل ـ ُـه‪ْ ،‬‬ ‫ـــة أكثـــر فأكثـــر‪...‬‬ ‫ـــت ُمِل َّح ً‬ ‫َأ ْ‬ ‫ض َح ْ‬

‫‪IV‬‬

‫إنّهـــا لغـــة اآلخـــر تلـــك التـــي أكتـــب‬ ‫أن أذنـــي ظلّـــت‪،‬‬ ‫بهـــا وأتنفّســـها‪ ،‬غيـــر ّ‬ ‫وتظـــل علـــى الـــدوام خـــارج الحقـــل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫نـــت‬ ‫تمك‬ ‫كيـــف‬ ‫ابتـــداء‬ ‫الحـــرف‪.‬‬ ‫خـــارج‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫مـــن تطويـــع الفرنســـية‪ ،‬فـــي إيقاعهـــا‬ ‫األوليـــن‪ ،‬إن لـــم أحتفـــظ‪،‬‬ ‫ـــها ّ‬ ‫وفـــي َنَف ِس َ‬ ‫كنـــت فـــي المنفـــى األكثـــر‬ ‫حتـــى وإن‬ ‫ُ‬ ‫امتـــداداً‪ ،‬بانغراســـي فـــي األصـــوات‬ ‫حميميـــة‪ ،‬أصـــوات الرعـــب‬ ‫األكثـــر‬ ‫ّ‬ ‫الهمجيـــة‬ ‫األصـــوات‬ ‫والعذوبـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الباطنيـــة‪ ،‬تلـــك التـــي‬ ‫والحلقيـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫صارخـــة‬ ‫تنبعـــث مـــن أماكـــن الطفولـــة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫صـــادرة عـــن زائـــرات‬ ‫ـــة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ومْرَت َجَل ً‬ ‫ُ‬ ‫(‪)11‬‬ ‫غنائيـــة أو‬ ‫كانـــت‬ ‫ســـواء‬ ‫‪،‬‬ ‫المقامـــات‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ـــت علـــى الـــدوام طبعـــ ًا‬ ‫يائســـة‪ُ ...‬كْن ُ‬ ‫شـــة‪،‬‬ ‫الفرنســـية‪،‬‬ ‫خـــارج اللّغـــة‬ ‫متوح ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يـــة»‬ ‫‪:‬‬ ‫دة‬ ‫متمـــر‬ ‫الحـــاالت‬ ‫فـــي جميـــع‬ ‫ً‬ ‫«أم ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫علـــى حـــّد تعبيـــر نســـاء مجهـــوالت‬ ‫األبجديـــة‬ ‫طفلـــة‪ ،‬بـــدون حّتـــى‬ ‫حولـــي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫العربيـــة‪ ،‬باســـتثناء مـــا هـــو موجـــود‬ ‫ّ‬ ‫ـــة فـــي‬ ‫فـــي األحجبـــة التـــي كانـــت ُم َعلََّق ً‬ ‫الِم ُســـِني‪،‬‬ ‫العنـــق‪ ،‬تحـــت قميصـــي‪ُ ،‬ت َ‬ ‫ُ‬ ‫ـــن بـــه‪.‬‬ ‫لكـــي تحمينـــي‪ ،‬فيمـــا ُك َّ‬ ‫ـــن َتْهِم ْس َ‬ ‫كان ذلـــك فـــي المدرســـة الفرنســـية‪.‬‬ ‫ـأن‬ ‫ـدت لمــّدة طويل ــة ب ـ ّ‬ ‫إّن ــه له ــذا اعتق ـ ُ‬ ‫إبحـــار فـــي ليـــل النســـاء يمنحنـــي‬ ‫كل‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫القـــوة مـــن جديـــد‪ ،‬الطاقـــة‪ ،‬إيمـــان‬ ‫ّهـــن‬ ‫األســـاف الراســـخ‪.‬‬ ‫حلمـــت بأن ّ‬ ‫ُ‬ ‫هن لمواصلـــة العيـــش‪،‬‬ ‫ســـر ّ‬ ‫نقلـــن لـــي ّ‬ ‫مـــن أجـــل أن أتمكـــن مـــن بـــذل هـــذا‬ ‫التيـــار مـــن جديـــد‪ ،‬فـــي‬ ‫الجهـــد لركـــوب ّ‬ ‫الميـــاه َالُ ِ‬ ‫ـــد َدة فـــي‬ ‫ْمَتَب ِّ‬ ‫ـــرة‪ ،‬لنقـــل َالُ‬ ‫ْمْن َحس َ‬ ‫الشـــفوية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ـأن س ــرفانتيس‬ ‫ن ِس ـ‬ ‫ـي عل ــى ال ــدوام ب ـ ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫‪ Servantes‬عـــاش لمـــدة خمـــس‬ ‫ســـنوات فـــي مدينـــة الجزائـــر‪ ،‬ابتـــداء‬

‫مـــن ســـنة ‪ ...1575‬لـــم يكـــن وقتـــذاك‬ ‫اربــ ًا ِمْقَدامــاً‪ ،‬فق ــد‬ ‫روائيــاً‪ ،‬لكن ــه كان ُم َح ِ‬ ‫ّ‬ ‫ذراع ــه ف ــي معرك ــة ليبان ــت ‪،Lépante‬‬ ‫َ‬ ‫وق ــع ف ــي أس ــر قراصن ــة البح ــر األبي ــض‬ ‫المتوســـط‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ـا ف ــي ب ــادي ف ــي عال ــم‬ ‫ع ــاش طوي ـ ً‬ ‫كان علـــى النقيـــض تمامـــ ًا مـــن العالـــم‬ ‫تخيلهــا فــي‬ ‫المســيحي‪ .‬فـ«الهاربــة» التــي ّ‬ ‫مـــا بعـــد فـــي روايتـــه «دون كيشـــوط»؛‬ ‫لعلهـــا أول صـــورة أدبيـــة المـــرأة‬ ‫جزائريـــة‪ :‬وهـــي المـــرأة التـــي كان‬ ‫ّ‬ ‫أبوهـــا ممّتعـــ ًا بجميـــع الثـــروات‪ ،‬فيمـــا‬ ‫وهربـــت األســـير‬ ‫الحريـــة‪ ،‬هربـــت ّ‬ ‫عـــدا ّ‬ ‫المس ــيحي ال ــذي ي ــروي مغامرتهم ــا ف ــي‬ ‫ملجـــٍأ‪ ،‬فـــي إســـبانيا‪...‬‬ ‫الشـــخصية المدعـــوة‬ ‫بعـــد هـــذه‬ ‫ّ‬ ‫ُز َر ْايــِدي ‪ Zoraidé‬بطل ــة العم ــل األدب ــي‬ ‫ـرأت عل ــى إدراج‬ ‫اإلس ــباني الش ــهير‪ ،‬تج ـ ُ‬ ‫«ك ـ ْـم ُه ـ َـو شاس ــع‬ ‫والدت ــي ف ــي روايت ــي َ‬ ‫اســـتحضرت مســـار األمومـــة‪،‬‬ ‫الســـجن»‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫حضـــري‬ ‫كانـــت تعيـــش فـــي وســـط‬ ‫ّ‬ ‫المَر َّحلـــون مـــن‬ ‫ّ‬ ‫تقليـــدي (مدينـــة ســـكنها ُ‬ ‫األندل ــس ف ــي س ــنة ‪ ،)1610‬لم ــدة تق ــارب‬ ‫األربعيـــن ســـنة‪ ،‬وجـــدت شـــيئ ًا مـــن‬ ‫الطاق ــة‪ ،‬قب ــل ‪ 1960‬بقلي ــل‪ ،‬لك ــي تعب ــر‬ ‫البحـــر األبيـــض المتوســـط وتجـــول‬ ‫ِّلـــة مـــن ســـجن إلـــى‬ ‫فـــي فرنســـا‪ ،‬متنق ً‬ ‫آخ ــر‪ ،‬باحث ـ ًـة ع ــن ولده ــا الش ــاب ال ــذي‬ ‫سياســـية‪ ...‬إن جـــرأة‬ ‫ـــل ألســـباب‬ ‫اعُتِق َ‬ ‫ّ‬ ‫مم ــا يس ــتدعي ش ــجاعة‬ ‫ـات‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الرح‬ ‫ه ــذه‬ ‫ّ‬ ‫صامتـــة‪ ،‬تكتنفهـــا انطوائيـــة خجولـــة‪،‬‬ ‫بالنس ــبة الم ــرأة مس ــلمة‪ ،‬ب ــدا ل ــي أنه ــا‬ ‫تك ـّـرر م ــا فعلت ــه ش ــخصية س ــرفانتيس‪.‬‬ ‫لق ــد أض ــاء ل ــي ه ــذا النق ــل النس ــوي‪،‬‬ ‫بالرجـــوع أكثـــر إلـــى الـــوراء‪ ،‬الســـوابق‬ ‫المســـتحضرة لـــدى المريـــض والتـــي‬ ‫ع ــادت إل ــى الحرك ــة م ــن جدي ــد؛ والدت ــي‬ ‫التـــي لـــم أعـــد أرى فيهـــا ســـوى أنهـــا‬ ‫راويـــة مـــن الســـلف لملحمـــة القبيلـــة‬ ‫انبعثـــت مـــن جديـــد عبـــر قلمـــي‪ ،‬لكنهـــا‬ ‫لمـــا نزلـــت مـــن‬ ‫كانـــت وقتئـــذ مراهقـــة‪ّ ،‬‬ ‫ســـن الثالثـــة‬ ‫َّم»‪ ،‬فـــي‬ ‫ّ‬ ‫الجبـــل ُ‬ ‫لـ«ت َســـل َ‬ ‫عش ــرة‪ ،‬ألح ــد أعي ــان المدين ــة األثري ــاء‪.‬‬ ‫بعـــد مـــّدة وجيـــزة أصبحـــت أرملـــة‪،‬‬ ‫فعـــادت إلـــى «الزاويـــة»(‪ )12‬األولـــى‪،‬‬ ‫مرتي ــن أخريي ــن‪ ،‬لك ــي تطل ــب‬ ‫ّ‬ ‫وتزوج ــت ّ‬ ‫ْـــع‬ ‫ل‬ ‫ْخ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫القاضـــي‪،‬‬ ‫مـــن‬ ‫‪1920‬‬ ‫فـــي ســـنة‬ ‫ُ َ‬ ‫وتمكينهـــا مـــن تســـيير أمالكهـــا‪ ،‬وهـــو‬

‫م ــا كان يس ــمح ب ــه اإلس ــام من ــذ ق ــرون‪.‬‬ ‫انطالقــ ًا م ــن ه ــذه اللحظ ــة‪ ،‬ف ــي المدين ــة‬ ‫األندلســـي أيـــن أقامـــت‪،‬‬ ‫ذات الماضـــي‬ ‫ّ‬ ‫س ــوف تك ــون كلمُته ــا مس ــموعة‪ُ ،‬تْق َص ـ ُـد‬ ‫ـــم فـــي المنازعـــات‬ ‫لالستشـــارة‪ُ ،‬ت َح َّك ُ‬ ‫التـــي تحـــدث بيـــن النســـاء األخريـــات‪،‬‬ ‫وتقـــوم فـــي هـــذه األثنـــاء بتربيـــة‬ ‫أبنائهـــا الخمســـة‪...‬‬

‫‪V‬‬

‫ف ــي أكتوبر‪/‬تش ــرين األول ‪ 1988‬ف ــي‬ ‫مدين ــة الجزائ ــر‪ ،‬أس ــبوع م ــن العصي ــان‬ ‫ق ــام ب ــه ش ــباب ظ ـ ّـل لفت ــرة طويل ــة ف ــي‬ ‫مؤط ــر جزئيــاً‪ ،‬أو ُم ْخَت ـ َـرق م ــن‬ ‫عطال ــة‪َّ ،‬‬ ‫ِقَب ـ ِ‬ ‫ـل ِإ ْس ـَـا َم ِو ِّيين(‪ .)13‬بع ــد ع ــدة أي ــام م ــن‬ ‫الفوضـــى‪ ،‬ســـمح الرئيـــس الجزائـــري‪،‬‬ ‫الـــذي كان فـــي حالـــة ضعـــف‪ ،‬للجيـــش‬ ‫بـــأن يطلـــق النـــار علـــى المتظاهريـــن‬ ‫العـــزل‪ .‬كانـــت الحصيلـــة مئـــات مـــن‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫رس ـ َـها‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫ذ‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫ـاة‬ ‫ـ‬ ‫مأس‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫كان‬ ‫ـى‪..! ‬‬ ‫القتل ـ‬ ‫ْ‬ ‫ُ ُ َ ُ‬ ‫بمســـتقبل غامـــض‪.‬‬ ‫ســـارعت إلـــى‬ ‫األولـــى‪،‬‬ ‫فـــي األيـــام‬ ‫ُ‬ ‫الجزائـــر ألكـــون بجنـــب ابنتـــي‪ ،‬طالبـــة‬ ‫اصـــرة فـــي شـــقّة موجـــودة‬ ‫شـــابة‪ُ ،‬م َح‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫(‪)14‬‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫المرتفع‬ ‫ف ــي‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫ّي‬ ‫ل‬ ‫تم‬ ‫ـرفة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫خ ــال ع ــدة ليال ــي م ــن األرق‪ ،‬الدباب ــات‬ ‫ْر ُع العاصمـــة‪ ،‬التـــي خضعـــت‬ ‫وهـــي َتـــذ َ‬ ‫التجـــول!‪.‬‬ ‫لمنـــع‬ ‫ُّ‬ ‫أدعـــي بأنـــي زرقـــاء‬ ‫دون أن ّ‬ ‫علـــي‬ ‫اليمامـــة(‪ ،)15‬كان مـــن الســـهل‬ ‫ّ‬ ‫أن أتوقّـــع بأنّـــه فـــي العـــام الموالـــي‪،‬‬ ‫ســـيعود‬ ‫األصوليـــون(‪ )16‬إلـــى الســـاحة‬ ‫ّ‬ ‫السياســـية‪ .‬بـــدون شـــك هـــم الذيـــن‬ ‫يتحملـــون وزر مـــوت هـــؤالء األبريـــاء‪،‬‬ ‫لكنهـــم كانـــوا مصمميـــن علـــى فـــرض‬ ‫الكاريكاتوريـــة إلســـام‬ ‫رؤيتهـــم‬ ‫ّ‬ ‫األص ــول‪ ...‬ف ــي انتظ ــار ذل ــك‪ ،‬كان م ــن‬ ‫نتائـــج المأســـاة المرعبـــة نهايـــة حكـــم‬ ‫(‪)17‬‬ ‫الحـــزب الواحـــد ‪«-‬جبهـــة تحريـــر»‬ ‫أي تحريـــر منـــذ‬ ‫لـــم تعـــد قـــادرة علـــى ّ‬ ‫ســّتة وعش ــرين عامــاً‪ ،‬لك ــن ف ــي نف ــس‬ ‫الوقـــت تـــم االعتـــراف بحـــزب سياســـي‬ ‫دينـــي(‪ ،)18‬وهـــو قـــرار كان يتعـــارض‬ ‫يكـــرس الحـــّد‬ ‫مـــع الدســـتور الـــذي‬ ‫ّ‬ ‫العلمانيـــة!‪.‬‬ ‫األدنـــى مـــن‬ ‫ّ‬ ‫ـدت إل ــى باري ــس‪ ،‬ولك ــي ال أعي ــش‬ ‫عـ ُ‬ ‫رت أن أواجـــه‪،‬‬ ‫قـــر‬ ‫االنكســـار‪،‬‬ ‫حالـــة‬ ‫ّ ُ‬ ‫كمؤرخـــة‪،‬‬ ‫َّح ًة بتجربتـــي وحدهـــا ّ‬ ‫ُم َســـل َ‬ ‫‪77‬‬


‫ـدت بنفس ــي‪،‬‬ ‫إس ــام األص ــول ه ــذا‪ ...‬ع ـ ُ‬ ‫مـــرة واحـــدة‪ ،‬ألعيـــش فـــي ســـنة‬ ‫فـــي ّ‬ ‫‪ 632‬بعـــد الميـــاد فـــي المدينـــة‪ ،‬فـــي‬ ‫النبـــي‬ ‫اللحظـــة التـــي ســـيتوفّى فيهـــا‬ ‫ّ‬ ‫ـــت مســـألة‬ ‫لمـــا ُطِر َح ْ‬ ‫محمـــد (ص)‪ّ :‬‬ ‫الخالفـــة السياســـية‪ ،‬بـــذرة الشـــقاق‪،‬‬ ‫فعالجـــت دور زوجـــات الرســـول (ص)‬ ‫ُ‬ ‫األول‪،‬‬ ‫وبناتـــه والصحابـــة والخليفـــة ّ‬ ‫بالخصـــوص البـــروز المفاجـــئ لفاطمـــة‬ ‫الزهـــراء بنـــت الرســـول (ص)‪ ،‬وكأنّهـــا‬ ‫(‪)19‬‬ ‫المعبـــر‬ ‫أنتيغـــون‬ ‫حتجـــة بصوتهـــا ّ‬ ‫الم ّ‬ ‫ُ‬ ‫والمـــر‪.‬‬ ‫الصريـــح‬ ‫والغضـــب‬ ‫األلـــم‬ ‫عـــن‬ ‫ّ‬ ‫إّن ــه االحتج ــاج العني ــف لجمي ــع النس ــاء‬ ‫مـــن خاللهـــا!‪.‬‬ ‫انغمســـت فـــي ّ‬ ‫فـــك رمـــوز كتابـــات‬ ‫ُ‬ ‫العربيْيـــن ابـــن ســـعد‬ ‫خيـــن‬ ‫ّ‬ ‫المؤر ْ‬ ‫ّ‬ ‫وفصـــا‬ ‫فكلمـــة‪،‬‬ ‫كلمـــة‬ ‫والطبـــري‪،‬‬ ‫ً‬ ‫علـــي أن أنصـــت‬ ‫ففصـــا‪ .‬هكـــذا كان‬ ‫ّ‬ ‫األم‪ ،‬فـــي بذرتهـــا‪ ،‬فـــي إيقاعهـــا‬ ‫للغتـــي ّ‬ ‫وفـــي رصانتهـــا‪ ،‬فـــي فجواتهـــا‬ ‫أيضـــاً‪ ...‬كمـــا كتـــب ميشـــلي(‪ )20‬العظيـــم‬ ‫بخصـــوص رؤيتـــه لتاريـــخ فرنســـا‪:‬‬ ‫«كان هن ــاك ح ــوار غري ــب بين ــه وبين ــي‪،‬‬ ‫بينـــي‪ ،‬أنـــا باعثـــه‪ ،‬والزمـــن القديـــم‬ ‫تـــم بعثـــه مـــن جديـــد»‪.‬‬ ‫الـــذي ّ‬ ‫كتبـــت «بعيـــدًا عـــن المدينـــة»‬ ‫هكـــذا‬ ‫ُ‬ ‫لكـــي أقتـــرب مـــن هـــذا «الزمـــن القديـــم‬ ‫ال ــذي ت ـّـم بعُث ـ ُـه م ــن جدي ــد»‪ ،‬لك ــن أيضــ ًا‬ ‫الحـــرة‬ ‫مـــن األحاســـيس‪ ،‬مـــن الكلمـــات‬ ‫ّ‬ ‫والمتعـــّددة لنســـاء المدينـــة‪ ،‬معروفـــات‬ ‫ّهـــن ناقـــات‬ ‫ً‬ ‫قليـــا أو مشـــهورات‪ ،‬لكن ّ‬ ‫وصانعـــات لهـــذا التاريـــخ اإلســـامي‪.‬‬ ‫بعـــد ســـنتين تقريبـــ ًا مـــن الكتابـــة‪،‬‬ ‫أتذكـــر‪ :‬فـــي بيـــت أبـــي‪ ،‬فـــي منتصـــف‬ ‫ّ‬ ‫يونيو‪/‬حزيـــران ســـنة ‪ ،1990‬حيـــن‬ ‫أكتـــب الكلمـــة األخيـــرة فـــي‬ ‫ـــت‬ ‫ُكْن ُ‬ ‫ُ‬ ‫ـوت فج ــأة عل ــى راه ــن‬ ‫ـ‬ ‫صح‬ ‫ـي‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫مخطوط‬ ‫ُ‬ ‫مدين ــة الجزائ ــر‪ :‬بع ــد ثالث ــة أي ــام نج ــح‬ ‫البلديـــة!‪.‬‬ ‫األصوليـــون فـــي االنتخابـــات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حلمـــي بإســـام متفّتـــح وعـــادل‬ ‫انبنـــى‪ ،‬فيمـــا بـــدا لـــي‪ ،‬فـــي كلماتـــي‬ ‫كقصـــر مـــن الرمـــل!‪ ..‬تـــم نشـــر كتابـــي‬ ‫فـــي الجزائـــر فـــي نفـــس الوقـــت الـــذي‬ ‫ظه ــرت في ــه طبع ــة باري ــس (كان النش ــر‬ ‫وقتئـــذ قـــد بـــدأ يتخلـــص مـــن وصايـــة‬ ‫ذهبـــت للدفـــاع عنـــه فـــي عـــدة‬ ‫الدولـــة)؛‬ ‫ُ‬ ‫جزائريـــة‪.‬‬ ‫وجامعـــات‬ ‫مـــدن‬ ‫ّ‬

‫‪78‬‬

‫‪VI‬‬

‫كيـــف‪ ،‬منذئـــذ‪ ،‬أتحـــّدث عـــن هـــذه‬ ‫التحـــول‬ ‫الســـنوات الثمانـــي مـــن‬ ‫ّ‬ ‫الجزائـــري الـــذي حـــدث فـــي مـــا بعـــد‪،‬‬ ‫والـــذي حملـــت صـــداه كتبـــي التـــي‬ ‫ُكِتبـــت حينـــذاك؟ عـــن حياتـــي التـــي‬ ‫أصبحـــت محكومـــ ًا عليهـــا بالمنفـــى‪.‬‬ ‫حتـــى وإن كان األمـــر يتعلّـــق بمنفـــى‬ ‫قـــار! ‪ ..‬هـــل فـــي إمكانـــي أن‬ ‫غيـــر‬ ‫ّ‬ ‫ألخـــص هـــذا الجـــزء مـــن حياتـــي فـــي‬ ‫ّ‬ ‫عنـــوان تقديمـــي لمجموعـــة القصـــص‬ ‫أردت أن‬ ‫ميتـــة» التـــي‬ ‫«وهـــران‪ ،‬لغـــة ّ‬ ‫ُ‬ ‫ألخبـــار عـــن عمليـــات‬ ‫تكـــون ســـردًا‬ ‫ٍ‬ ‫االغتي ــال‪ ،‬الخ ــوف‪ ،‬والدم ــوع‪ ،‬م ــا كان‬ ‫بعـــض‬ ‫بعـــض أقاربـــي‪،‬‬ ‫ينقُلـــه لـــي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫فقـــدت‬ ‫كنـــت قـــد‬ ‫أصدقائـــي الذيـــن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عثـــرت عليهـــم‪.‬‬ ‫أو‬ ‫االتصـــال بهـــم‬ ‫ُ‬ ‫جســـدت فيهـــا‪-‬‬ ‫أو‬ ‫فيهـــا‪-‬‬ ‫عرضـــت‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫خـــال هـــذا الربيـــع وصيـــف ‪1996‬‬ ‫هـــذه الكلمـــات القصيـــرة لهـــؤالء الذيـــن‬ ‫ـت به ــم عل ــى ال ــدوام بالصدف ــة ف ــي‬ ‫التقي ـ ُ‬ ‫شـــوارع باريـــس‪ :‬إنهـــا أخبـــار الهثـــة‬ ‫أحيانـــ ًا عـــن المـــوت العنيـــف‪ ،‬أو عـــن‬ ‫القلـــق‪ ،‬أو عـــن الوحشـــية (مثـــل تلـــك‬ ‫رأســـها‬ ‫المتعلِّقـــة بالمعلمـــة التـــي ُق ِطـــع ُ‬ ‫أمـــام تالميذهـــا)‪ ...‬وأنـــا أســـتعيد‪،‬‬ ‫ـــت‬ ‫بـــدوري‪ ،‬هـــذه الحـــوادث‪َ ،‬تَأ َّو ْه ُ‬ ‫لعـــل ذلـــك أيضـــ ًا مـــن‬ ‫مـــن عجـــزي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الدهش ــة أم ــام إص ــراري عل ــى تثبيته ــا‪،‬‬ ‫أن صب ــري َنَفــَذ‬ ‫وتس ــجيل آثاره ــا‪ .‬غي ــر ّ‬ ‫ف ــي الواق ــع‪ ،‬فتملّكن ــي الس ــؤال‪« :‬لم ــاذا‬ ‫أظـــل أكتـــب‬ ‫يســـتمر المـــوت؟ لمـــاذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫باســـتمرار عـــن المـــوت؟»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تجـــف‬ ‫بـــأن «الدمـــاء ال‬ ‫اســـتنتجت‬ ‫ّ‬ ‫فـــي اللّغـــة!‪ .»..‬واســـتوقفني هـــذا‬ ‫لعـــل كان ذلـــك‬ ‫التعبيـــر المجـــازي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫دون جـــدوى‪ ...‬مـــن أجـــل الخـــروج‪،‬‬ ‫ـــرك‪:‬‬ ‫بطريقتـــي‬ ‫الخاصـــة‪ ،‬مـــن َّ‬ ‫ّ‬ ‫الش َ‬ ‫ال‪َ ،‬حْتمـــاً‪ ،‬الكتابـــة فـــي جميـــع اآلداب‪،‬‬ ‫ـــم ليـــس طرفـــ ًا‬ ‫الملَ‬ ‫وكذلـــك الـــكالم ُ‬ ‫ْه ُ‬ ‫فـــي محفـــل الجنـــازة‪ ،‬أو طرفـــ ًا فـــي‬ ‫الجريمـــة؛ ُم َصّوبـــ ًا فـــي الفضـــاء‬ ‫الخـــاوي‪ ،‬خـــال ذيـــوع بضعـــة آالف‬ ‫ـطرة‬ ‫م ــن نس ــخ آث ــار أق ــدام النم ــل المس ـ ّ‬ ‫هديـــة ُم َعلََّبـــة‬ ‫علـــى الـــورق‪ ،‬وكأنّهـــا ّ‬ ‫وفـــة فـــي وجـــه المـــوت‪.‬‬ ‫َمْقُذ َ‬ ‫انقطعـــت لهـــا‪،‬‬ ‫التـــي‬ ‫الكتابـــة‬ ‫ال‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عـــن هـــذا األذى الـــذي لحـــق الجزائـــر‪،‬‬

‫ْمَن ِّبـــه‪َ ،‬أ ِهـــي نـــداء االســـتغاثة‬ ‫َأ ِه‬ ‫ـــي َالُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫(طلـــب اإلغاثـــة مـــن الـــذات؟)‪ .‬إنّهـــا‬ ‫الم َعلَّـــق مـــع الصديـــق الـــذي‬ ‫الحـــوار ُ‬ ‫رن‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫رأس‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـأس‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الف‬ ‫ـه‬ ‫َه ـ َـوى علي ـ‬ ‫ّ‬ ‫فيـــه الرصـــاص‪ ،‬بينمـــا نحـــن نعيـــش‪،‬‬ ‫نتس ــاءل ع ــن التفاصي ــل الصغي ــرة ج ـّداً‪،‬‬ ‫ـــن عرفنـــاه‬ ‫بالضبـــط قبـــل أن يصبـــح َم ْ‬ ‫ِ‬ ‫ضحي ــة ب ــدون ح ـ َـراك‪،‬‬ ‫ـن عرفناه ــا‬ ‫أو َم ـ ْ‬ ‫ّ‬ ‫ُجْثَمانـــاً‪ ،‬محكومـــ ًا عليـــه بالصمـــت‪.! ‬‬ ‫كتابتنـــا إذن ترقـــص مـــع األشـــباح‪،‬‬ ‫مســـتمرين فـــي العيـــش‪،‬‬ ‫ومادمنـــا‬ ‫ّ‬ ‫تجـــري فـــي ذواتنـــا ضـــرورة الســـرد‬ ‫الكهربائيـــة الوحيـــدة‪.‬‬ ‫وكأنّهـــا طاقتنـــا‬ ‫ّ‬ ‫إنه ــا ليس ــت نف ــس اللّغ ــة‪ ،‬لغ ــة بإمكانه ــا‬ ‫ـــر أو‪ ،‬لمـــاذا ال‪ ،‬لغـــة العالمـــات‬ ‫أن ُت ْخِب َ‬ ‫بالصـــم‪ -‬البكـــم‪ ،‬يكفـــي‬ ‫الخاصـــة‬ ‫ّ‬ ‫االســـتمرارية‪ ،‬إرادة‬ ‫خـــط‬ ‫أنهـــا تدعـــم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القـــول أو الرغبـــة المتوحشـــة فـــي أن‬ ‫ـــد ُن‬ ‫ال ننســـى‪ ...‬يســـميها البعـــض‪َ :‬م ْع َ‬ ‫المقاومـــة الصلـــب‪.‬‬ ‫الحـــظ إدمونـــد جابـــس‪ ،‬الكاتـــب‬ ‫ـــع مـــن مســـقط‬ ‫المصـــري‪ ،‬الـــذي اقُتِل َ‬ ‫رأســـه مصـــر‪ ،‬فـــي أواســـط عمـــره‪:‬‬ ‫ـــب ُل الـــدم»‪ .‬كتـــب‬ ‫ـــب ُل الحبـــر هـــي ُس ُ‬ ‫«س ُ‬ ‫ُ‬ ‫هـــذا فـــي باريـــس‪ ،‬وهـــو مـــا قلُتـــه‬ ‫بصـــوت خفيـــض‪.‬‬ ‫ســـأظل أقـــّدم نفســـي أمامكـــم‬ ‫هـــل‬ ‫ّ‬ ‫بيديـــن خاويتيـــن والقلـــم ينزلـــق مـــن‬ ‫ـــر‬ ‫بيـــن أصابعـــي؟ امرأة‪-‬كاتبـــة‪َ ،‬ت ْجَه ُ‬ ‫بانتمائهـــا للعالـــم الثالـــث‪.‬‬ ‫إنّه ــا ه ــذه الق ــوة‪ ،‬قليل ــة الوض ــوح‪،‬‬ ‫غيـــر المحسوســـة‪ ،‬قليلـــة البـــروز فـــي‬ ‫األضـــواء الســـاطعة‪ ،‬فيمـــا يبـــدو لـــي‪،‬‬ ‫توجهنـــي‪ :‬إنهـــا القـــوة‬ ‫التـــي عليهـــا أن ّ‬ ‫قـــوة‬ ‫الوحيـــدة‪ ،‬الشـــفافة أو ّ‬ ‫الهشـــة‪ّ ،‬‬ ‫الكتاب ــة‪ .‬أو‪ ،‬أّن ــه ف ــي الحال ــة الت ــي أن ــا‬ ‫عليهـــا‪ ،‬الثقـــل الـــرازح لصمـــت النســـاء‬ ‫المســـلمات هـــو منبـــع هـــذه الكتابـــة‪.‬‬ ‫عزمـــت علـــى تســـمية‬ ‫وفـــي األخيـــر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الســـنوات األخيـــرة بخصـــوص بلـــدي‬ ‫«ســـنوات يوســـف»‪ ..! ‬لتتذكـــروا‪ :‬أن‬ ‫ـــج َن‬ ‫يوســـف‪ ،‬اد ِع‬ ‫وس ِ‬ ‫ـــي عليـــه كذبـــاً‪ُ ،‬‬ ‫ُّ َ‬ ‫فـــي ســـجن فرعـــون‪ ،‬لعـــّدة ســـنوات‪.‬‬ ‫قدرتـــه علـــى تفســـير‬ ‫ـــت عنـــه‬ ‫ُعِرَف ْ‬ ‫ُ‬ ‫األحـــام‪ .‬إنّهـــا موهبـــة التفســـير‪ -‬أو‬ ‫التأويـــل‪ -‬هـــي التـــي جعلـــت فرعـــون‬ ‫يهتـــم بـــه‪ .‬فبعـــث إليـــه َمْر ُســـو ًال‬ ‫ّ‬ ‫يســـتقدمه‪ .‬حينئـــذ (إنهـــا الروايـــة‬ ‫ُ‬

‫قصـــة‬ ‫القرآنيـــة التـــي ّ‬ ‫وضحُتهـــا فـــي ّ‬ ‫«جمـــال يوســـف»)‪ ،‬رفـــض يوســـف‬ ‫الخـــروج مـــن الســـجن‪ ،‬بحنكـــة‪ ،‬قـــال‪:‬‬ ‫«اذهبـــوا أوالً‪ ،‬لتبرئنـــي النســـاء مـــن‬ ‫التهمـــة!‪.»..‬‬ ‫ـــت‪ ،‬بصفـــة خاصـــة‪ ،‬هـــذه‬ ‫ْ‬ ‫أحَبْب ُ‬ ‫المشـــوقة مـــن الحكايـــة‪-‬‬ ‫اللحظـــة‬ ‫ِّ‬ ‫لمـــا كان يوســـف فـــي عتبـــة الســـجن‬ ‫ّ‬ ‫ينتظـــر‪ -‬ألن نـــص الســـورة ‪ 12‬يتصـــف‬ ‫بجمـــال باهـــر‪...‬‬ ‫فـــي هـــذه الروايـــة‪ ،‬إنهـــا محاكمـــة‬ ‫كـــن واقعـــات‬ ‫النســـاء‬ ‫(هـــن اللواتـــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫فـــي عشـــق يوســـف وفـــي مواجهـــة‬ ‫تحري ــم ه ــذا العش ــق) ه ــي الت ــي س ــتعيد‬ ‫بتبـــوؤ‬ ‫حريتـــه وتســـمح لـــه‬ ‫ليوســـف ّ‬ ‫ُ‬ ‫منزلـــة خارقـــة للعـــادة فـــي مصـــر‪،‬‬ ‫وهـــو الغريـــب عنهـــا!‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ـــفِر التكويـــن‪،‬‬ ‫علـــى العكـــس مـــن س ْ‬ ‫ال تتحـــدث الســـورة القرآنيـــة عـــن‬ ‫والســـيئة‪.‬‬ ‫زوجـــة بوطيفـــار المّدعيـــة‬ ‫ّ‬ ‫األمـــر عكـــس ذلـــك‪ ،‬ألن الزوجـــة هنـــا‪،‬‬ ‫ـــن يوســـف‬ ‫وكذلـــك صاحباِتهـــا‪ُ ،‬يَب ِّرْئ َ‬ ‫ويترجيـــن «أن يعفـــو عنهـــن اهلل»‪ ،‬مـــن‬ ‫ّ‬ ‫خـــال اعترافهـــن بالحقيقـــة‪ ،‬يقمـــن‬ ‫فعـــا بتحريـــر يوســـف‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هكـــذا‪ ،‬اســـتبّد بـــي أمـــل كبيـــر‪ :‬مـــن‬ ‫وحـــي هـــذه الســـورة القرآنيـــة‪ ،‬أن‬ ‫تق ــوم النس ــاء ف ــي الجزائ ــر‪ ،‬م ــن خ ــال‬ ‫وبكالمهـــن عـــن الحقيقـــة‪،‬‬ ‫آالمهـــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اش ِ‬ ‫ـــة(‪ )21‬الســـنوات‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫مـــن‬ ‫بتحريرنـــا‬ ‫َ َّ َ‬ ‫الرهيبـــة‪.‬‬ ‫اليـــوم‪ ،‬مـــن أجـــل أن يعـــود الســـام‬ ‫قريبـــاً‪ ،‬مقترنـــ ًا بالعدالـــة وبالمحافظـــة‬ ‫علـــى الذاكـــرة‪ ،‬أهـــدي «جائـــزة الســـام‬ ‫لســـنة ‪ »2000‬هـــذه التـــي أتلقاهـــا‬ ‫للكّتـــاب الجزائرييـــن المغتاليـــن‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الروائـــي الطاهـــر جعـــوط والشـــاعر‬ ‫يوســـف الســـبتي والمســـرحي عبـــد‬ ‫الق ــادر علول ــة‪ ،‬لق ــد ت ــم اغتي ــال الثالث ــة‬ ‫ســـنة ‪ 1993‬و‪.1994‬‬ ‫أهديهـــا أيضـــ ًا لرائدنـــا‪ -‬نحـــن‬ ‫ُكّتـــاب األدب المغاربـــي المعاصريـــن‪-‬‬ ‫كاتـــب ياســـين‪ ،‬الشـــاعر والروائـــي‬ ‫والمســـرحي‪ ،‬المتوفـــي ســـنة ‪،1989‬‬ ‫قبـــل ســـنواتنا «ســـنوات يوســـف»‬ ‫ـــرَفَها‪.‬‬ ‫والتـــي أعـــرف أنـــه َا ْسَت ْش َ‬ ‫جبار‪ ،‬باريس‬ ‫آسيا ّ‬

‫_________________________‬

‫* المصـــدر‪ :‬وثيقـــة ُم ْســـَتلَّة مـــن كتـــاب حـــول‬ ‫الروائيـــة‪:‬‬ ‫جبـــار‬ ‫ّ‬ ‫أعمـــال آســـيا ّ‬ ‫‪Beida Chikhi, Le Roman d’Assia‬‬ ‫‪Djebar, Office des Publications Univer‬‬‫‪.sitaires, Alger, 2002, pp.225-Z42‬‬ ‫‪ - 1‬تيـــن هنـــان‪ :‬شـــخصية تاريخيـــة ُتذكـــر‬ ‫عل ــى أنه ــا كان ــت ملك ــة س ــكان منطق ــة الط ــوارق‬ ‫الت ــي تق ــع ف ــي الصح ــراء الكب ــرى اإلفريقي ــة عل ــى‬ ‫تخـــوم الجزائـــر وليبيـــا ومالـــي والنيجـــر‪.‬‬ ‫‪ - 2‬األموس ــي‪ :‬نظ ــام اجتماع ــي تح ــت س ــلطة‬ ‫المــرأة (األم)‪ ،‬يقابلــه النظــام األبوســي (الذكــوري)‪.‬‬ ‫‪ - 3‬يوغرطـــة‪ :‬مـــن ملـــوك البربـــر القدامـــى‪،‬‬ ‫ق ــام بث ــورة ضــّد الروم ــان الذي ــن كان ــوا يحتل ــون‬ ‫ش ــمال إفريقي ــا ف ــي عه ــده‪.‬‬ ‫‪ - 4‬نســـبة ألقـــوام الســـلت (أوروبـــا‬ ‫الشـــمالية)‪ ،‬الباســـك (فرنســـا)‪ ،‬األكـــراد (الشـــرق‬ ‫ّ‬ ‫األوســـط)‪.‬‬ ‫‪ - 5‬مؤرخ روماني قديم‪.‬‬ ‫يتوســـط‬ ‫الـــذي‬ ‫الموقـــع‬ ‫‪ - 6‬صحـــن الـــدار‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫مكون ـ ًا‬ ‫المن ــزل‪ ،‬تنفت ــح في ــه أب ــواب الغ ــرف‪ .‬يمث ــل ّ‬ ‫ـن المعم ــاري التقلي ــدي ف ــي أحي ــاء الم ــدن‬ ‫ثابت ـ ًا َ‬ ‫للف ـ ّ‬ ‫ِ‬ ‫ـت ف ــي العه ــد العثمان ــي‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫ب‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الت‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الجزائري‬ ‫ُ َ ْ‬ ‫‪ - 7‬موق ــع جغراف ــي‪ ،‬غ ــرب مدين ــة الجزائ ــر‪،‬‬ ‫يبعـــد عنهـــا بحوالـــي ســـبعين كلـــم‪ ،‬بمحـــاذاة‬ ‫البح ــر األبي ــض المتوس ــط‪ .‬تقطن ــه قبيل ــة أخ ــوال‬ ‫الكاتبـــة آســـيا جبـــار‪ ،‬تقـــع إلـــى جـــواره مدينـــة‬ ‫شرشـــال مســـقط رأســـها‪.‬‬ ‫‪ - 8‬عنوان الفيلم «نوبة نساء شنوة»‪.‬‬ ‫‪ - 9‬األهالـــي‪ُ :‬مصطلـــح تمييـــزي أطلقتـــه‬ ‫اإلدارة الفرنســـية علـــى الســـكان األصلييـــن‬ ‫المســـلمين فـــي مقابـــل المواطنيـــن الفرنســـيين‬ ‫المســـيحيين واليهـــود‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫صـــف دراســـي‪،‬‬ ‫‪ - 10‬يعنـــي قســـم هنـــا‬ ‫وهـــو وحـــدة مـــن وحـــدات المؤسســـة التعليميـــة‬ ‫الرســـمية الفرنســـية‪.‬‬ ‫‪ - 11‬المقـــام‪ :‬مبنـــى متواضـــع‪ ،‬عبـــارة عـــن‬ ‫قب ــة وضري ــح مبن ــي يك ــون دفين ــه وليــ ًا صالحــ ًا‬

‫يقدســـه ســـكان المنطقـــة‪ ،‬وتـــزوره النســـاء‬ ‫خاصـــة للتبـــرك وقضـــاء الحاجـــات والقيـــام‬ ‫ببعـــض الطقـــوس‪.‬‬ ‫‪ - 12‬الزاويـــة‪ :‬مؤسســـة دينيـــة تقليديـــة‬ ‫تعليمي ــة يتكف ــل به ــا الس ــكان‪ ،‬دوره ــا تعليم ــي‪،‬‬ ‫وتطلـــق التســـمية أحيانـــ ًا علـــى الموقـــع اآلهـــل‬ ‫ُ‬ ‫بالس ــكان ال ــذي تق ــع في ــه ه ــذه المؤسس ــة‪ ،‬وه ــو‬ ‫المعنـــى المقصـــود هنـــا‪.‬‬ ‫‪ - 13‬المقصـــود هنـــا أصحـــاب النـــزوع‬ ‫ـاموي؛ أي الذي ــن يتخ ــذون موقفــ ًا سياس ــي ًا‬ ‫اإلس ـ‬ ‫ّ‬ ‫يّدع ــون أن ــه ناب ــع م ــن مفه ــوم ُم ْطَل ــق للدول ــة ف ــي‬ ‫اإلســـام‪.‬‬ ‫‪ - 14‬المرتفعـــات‪ :‬المقصـــود بهـــا مواقـــع فـــي‬ ‫مدين ــة الجزائ ــر‪.‬‬ ‫‪ - 15‬اس ــتعملت الكاتب ــة ش ــخصية أس ــطورية‬ ‫م ــن األدب الغرب ــي ه ــي «كاس ــندرا»‪ ،‬الت ــي ُينس ــب‬ ‫األســـطورية‬ ‫لهـــا نفـــس مـــا ُينســـب للشـــخصية‬ ‫ّ‬ ‫«زرقـــاء اليمامـــة» فـــي األدب العربـــي‪.‬‬ ‫اإلســـاموية الذيـــن‬ ‫‪ - 16‬تقصـــد ذوي النزعـــة‬ ‫ّ‬ ‫أش ــرنا إليه ــم أع ــاه‪.‬‬ ‫‪ - 17‬حـــزب جبهـــة التحريـــر هـــو التنظيـــم‬ ‫السياســـي الـــذي قـــاد ثـــورة التحريـــر‪ ،‬وتـــم‬ ‫ـــق علـــى الحـــزب‬ ‫االحتفـــاظ بالتســـمية لُت ْطَل َ‬ ‫السياس ــي ال ــذي حك ــم الجزائ ــر إل ــى غاي ــة نهاي ــة‬ ‫الثمانينيـــات مـــن القـــرن الماضـــي‪ ،‬فـــي فتـــرة‬ ‫حك ــم الح ــزب الواح ــد ومن ــع التعددي ــة الحزبي ــة‪.‬‬ ‫ثـــم أصبـــح مـــن بيـــن األحـــزاب المشـــاركة فـــي‬ ‫الس ــلطة بع ــد التح ـ ّـول إل ــى التعّددي ــة السياس ــية‬ ‫واالعتـــراف باألحـــزاب األخـــرى‪.‬‬ ‫ـامية‬ ‫‪ - 18‬المقص ــود هن ــا ح ــزب الجبه ــة اإلس ـ ّ‬ ‫لإلنق ــاذ‪ ،‬وال ــذي ت ـّـم حّل ــه ف ــي بداي ــة التس ــعينيات‬ ‫م ــن الق ــرن الماض ــي‪.‬‬ ‫اليونانية الشهيرة‪.‬‬ ‫التراجيدية‬ ‫‪ - 19‬البطلة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ - 20‬كاتـــب فرنســـي شـــهير مـــن عصـــر‬ ‫ا لنهضـــة ‪.‬‬ ‫‪ - 21‬آلـــة يســـتخدمها الحـــداد اللتقـــاط قطـــع‬ ‫الحديـــد الســـاخن‪.‬‬ ‫‪79‬‬


‫كيف انتصرت‬ ‫«الرواية الجديدة»‬ ‫ميشال بوتور وجماعته‬ ‫برحيل الروائي الفرنســـي ميشال بوتور‪،‬‬ ‫ســـن‬ ‫فـــي ســـبتمبر‪/‬أيلول الماضي‪ ،‬عن‬ ‫ّ‬ ‫تناهز ‪ 89‬ســـنة‪ ،‬تكون حركـــة «الرواية‬ ‫الجديـــدة» قد فقـــدت آخر َحّبة فـــي عنقودها‪.‬‬ ‫بواقـــع الحـــال‪ ،‬إن إشـــعاع هـــذه الحركـــة لم يقف‬ ‫عنـــد تخوم األدب الفرنســـي‪ ،‬بـــل امتّد إلـــى العالم‬ ‫بأســـره‪ ،‬منـــذ ســـتينيات القـــرن الماضـــي‪ ،‬عبـــر‬ ‫ْ‬ ‫الترجمـــة والدراســـات النقدية‪ ،‬ســـواء في الصحف‬ ‫والمجـــات أو من خالل المناهـــج المعيارية‪ ،‬داخل‬ ‫ّ‬ ‫المدرجـــات الجامعية‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ينبهنـــا هذا ّ‬ ‫نقدمه‬ ‫الملف عن الروايـــة الجديدة‪ ،‬الذي ِّ‬ ‫تزامنـــ ًا مـــع رحيل آخـــر أعمدتها‪ ،‬ميشـــال بوتور‪،‬‬ ‫إلى أن «قســـط ًا كبيرًا من المنجز الســـردي العربي‪،‬‬ ‫اليوم‪ ،‬ما يـــزال ينهل من ذخيـــرة «الرواية الجديدة‬ ‫األم»‪ ،‬ويصـــوغ علـــى شـــاكلتها‪ ،‬ويحـــوم حـــول‬ ‫ّ‬ ‫متجاوزة‬ ‫أســـاليبها التي أضحـــت‪ -‬بحكم التقـــادم‪-‬‬ ‫َ‬ ‫َفّنّي ًا !»‪.‬‬ ‫حيثيـــات نشـــوء الروايـــة الجديـــدة‪ ،‬والجديد الذي‬ ‫ّ‬ ‫جاءت بـــه أطروحاتها‪ ،‬ومواقف كبـــار النقّاد‪ ،‬مثل‬ ‫يقدمه هذا‬ ‫روالن بـــارت‪ ،‬وبييـــر بورديو‪ ...‬هو مـــا ِّ‬ ‫ّ‬ ‫األدبي‪.‬‬ ‫الملف‬ ‫ّ‬ ‫‪80‬‬

‫‪81‬‬


‫أشخاص غري عاد ِّيني‬ ‫عادي‬ ‫يف رسد‬ ‫ّ‬

‫سعيد بوكرامي‬ ‫ميشال بوتور مع فريدريك جينييت‬

‫أتى ميشــال بوتور‪( Michel Butor -‬ســبتمبر‪/‬أيلول‪1926 ،‬‬ ‫نبعي الفلسفة‬ ‫ أغسطس‪/‬آب‪ )2016 ،‬إلى األدب والرواية من َ‬‫تخصــص فيهما فــي جامعة الســوربون‬ ‫وعلــم اللّغــة‪ ،‬اللذيــن َّ‬ ‫ٍ‬ ‫لرغبة دفينة في نفســه؛ أن يخوض‬ ‫بباريــس‪ .‬زاول التدريــس‬ ‫مغامرة الســفر واكتشــاف األمكنــة والشــخوص‪ .‬ولتحقيق هذا‬ ‫كل مــن مصر‪،‬‬ ‫مدرســ ًا للّغــة الفرنســية فــي ٍّ‬ ‫الهــدف‪ ،‬واشــتغل ِّ‬ ‫واليونان‪ ،‬وبريطانيا‪ ،‬وسويســرا‪ .‬كمــا اعتمدته «دار غاليمار»‬ ‫س‪ -‬أيضاً‪ -‬في جامعة جنيف‪.‬‬ ‫محررًا لمنشوراتها‪ ،‬ثم َّ‬ ‫العريقة ّ‬ ‫در َ‬ ‫المهتمة بتاريخ الرواية‪ ،‬ضمن‬ ‫النقدية‬ ‫األدبيات‬ ‫في‬ ‫صنِّف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وقد ُ‬ ‫مؤسســي حركــة الرواية الجديدة إلى جانــب صديقه آالن روب‬ ‫ِّ‬ ‫غرييه‪ ،‬خالل فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي‪.‬‬ ‫«التحــول» الصادرة عام ‪،1957‬‬ ‫أحــد أبــرز أعمال بوتور رواية‬ ‫ُّ‬ ‫وهي الســنة األدبيــة التاريخية واالســثتنائية‪ ،‬التي ســتعرف‬ ‫صــدور ثالث روايــات أخرى بالنزوع التجريبي نفســه‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫«الغيــرة» آلالن روب غرييــه‪ ،‬و«الريــح» لكلــود ســيمون‪،‬‬ ‫واكَبها‬ ‫و«االنتحاء» لناتالي ساروت‪ .‬لكن هذه الحركة التجديدية َ‬ ‫تارة أخــرى‪ ،‬وقد دافع بوتور‬ ‫تارة‪ ،‬وبازدراء ً‬ ‫النقــد‪ ،‬باحتفــاء ً‬ ‫مهم مــن المقاالت‬ ‫عدد‬ ‫خــال‬ ‫من‬ ‫ة‪،‬‬ ‫بقــو‬ ‫األدبية‬ ‫توجهاتــه‬ ‫ّ‬ ‫عــن ُّ‬ ‫ّ‬ ‫«التحول»‪ ،‬مــن آراء‬ ‫والدراســات‪ .‬ورغــم مــا يقال عــن روايــة‬ ‫ُّ‬ ‫أهم‬ ‫ســلبية‪ ،‬إال أن النقد األدبي العالمي أجمع على أنها من بين ّ‬ ‫روايات القرن العشــرين‪ ،‬التي أحدثت انقالب ًا في بناء الرواية‪،‬‬ ‫بــل إعالنــ ًا بموت الروايــة التقليدية‪ .‬كما نــال مؤلفها العديد من‬ ‫الجوائز عن اســتحقاق‪ ،‬من بينها جائزة «رونودو»‪ ،‬والجائزة‬ ‫األدبية الكبرى من األكاديمية الفرنسية‪.‬‬ ‫«الرواية الجديدة»‪ ،‬مصطلح أطلقه النقّاد على تجارب مجموعة‬ ‫الفرنســيين الذين كانوا ينتقــدون الرواية التقليدية‪،‬‬ ‫الكّتاب‬ ‫من ُ‬ ‫ِّ‬ ‫الكّتاب‪ ،‬خالل الفترة ما بين ‪ 1950‬و‪ ،1960‬أن‬ ‫وقد حاول هؤالء ُ‬ ‫‪82‬‬

‫قطيعة مع التقليد البالزاكي‬ ‫يجّددوا التقنيات الروائية‪ُ ،‬محِدثين‬ ‫ً‬ ‫تيار الواقعية خالل‬ ‫حول الحبكة والشــخصيات‪ ،‬كما ُعِرف عند ّ‬ ‫الروائيين‬ ‫القرن التاســع عشر‪ .‬وهكذا‪ ،‬لفظوا‪ ،‬في أعمال هؤالء‬ ‫ِّ‬ ‫الجــدد‪ ،‬مفهوم البطل‪ ،‬والمعرفة المهيمنة للمؤلِّف‪ ،‬واالنســجام‬ ‫النفسي للشخصيات‪ ،‬ومفهوم االنعكاس مع الواقع‪ ،‬كما تخلَّوا‬ ‫الخطية الزمنية والحبكة التقليديــة‪ ،‬واهتموا أكثر بالحياة‬ ‫عــن ّ‬ ‫عملية السرد‪.‬‬ ‫مركز‬ ‫أصبح‬ ‫الذي‬ ‫للفرد‬ ‫الداخلية‬ ‫ّ‬ ‫وقد شــمل هذا التيار أســماء كبيرة مثل‪ :‬ميشال بوتور ‪- 1926‬‬ ‫‪ ،2016‬ومارغريت دوراس ‪ ،1996 - 1914‬وكلود أوليي ‪1922‬‬ ‫ ‪ ،2014‬وروبير بينجي ‪ ،1997 - 1919‬وجان ريكاردو ‪1932‬‬‫ ‪ ،2016‬وآالن روب غرييه ‪ ،2008 - 1922‬ونتـالي سـاروت‬‫‪ ،1999 - 1900‬وكلود سيمون ‪ .2005 - 1913‬فهؤالء العمالقة‬ ‫لم يكتبوا رواية جديدة فقط‪ ،‬بل ساهموا بالتفكير فيها من خالل‬ ‫تصورهم للروايــة الجديــدة‪ .‬ويأتي‪ ،‬في‬ ‫مقــاالت وكتــب حــول‬ ‫ُّ‬ ‫مقدمة هؤالء‪ ،‬ميشــال بوتور‪ ،‬وروب غرييه‪ ،‬وناتالي ساروت‬ ‫ِّ‬ ‫خصصوا فصو ًال لتوضيح أفكارهم النقدية‪.‬‬ ‫الذين‬ ‫َّ‬ ‫كان بوتور‪ ،‬عكس أنداده‪ ،‬األكاديمي الذي يبحث عن آفاق أوسع‬ ‫مؤهل للبحث عن الجديد ومالمح التجديد‪،‬‬ ‫للكتابة السردية‪ ،‬ألنه َّ‬ ‫وربما‪،‬‬ ‫والموسيقى‪.‬‬ ‫والفكر‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫في‬ ‫بل‬ ‫ليس في الرواية وحدها‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫هنا‪ ،‬يكمن جوهر الخالف الذي نشب بين بوتور وغرييه؛ بحيث‬ ‫كان هذا األخير‪ -‬بحكم قربه من ناشــر «دار غاليمار»‪ -‬مستفرداً‪،‬‬ ‫دون سواه‪ ،‬بالتنظير والحديث والخرجات اإلعالمية‪ ،‬فيما كان‬ ‫أهم من‬ ‫بوتــور يرى أن العمل األدبي‬ ‫ُّ‬ ‫والتأمل في المنجز الجديد ّ‬ ‫الندوات والورشــات والحوارات الصحافية‪ .‬لكن هذا الخالف لم‬ ‫يؤثّر في إشعاع الحركة؛ إذ استشرت في جسم الثّقافة الفرنسية‬ ‫لتعم الكّتاب المعاصرين في العالم‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫أوالً‪ ،‬ثم العالمية فيما بعد‪ّ ،‬‬ ‫األميركيَتْين‪ ،‬وفي‬ ‫وفــي‬ ‫العرب‪،‬‬ ‫ين‬ ‫الروائي‬ ‫عنــد‬ ‫أثرها‬ ‫فوجدنــا‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬

‫من اليسار إلى اليمين‪ :‬ناتالي ساروت‪ ،‬أالن روب جرييه‪،‬ميشال بوتور‪ ،‬كلود سيمون‬

‫عمت العالم‬ ‫اليابــان‪ ،‬وغيرها مــن البلدان‪ .‬بل يمكن القول إنهــا َّ‬ ‫بأســره‪ ،‬فظهرت تجارب تقلِّد‪ ،‬وتتمثَّل‪ ،‬وتتجاوز‪ ،‬انطالق ًا من‬ ‫ْ‬ ‫وجمالياً‪ .‬لكن ما‬ ‫سردي ًا‬ ‫قناعتها بنداء أصوات الرواية الجديدة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لم يكن في الحسبان أن بعض هذه التجارب سقطت في التجريب‬ ‫والالمعنــى‪ ،‬ولم تســتوعب‪ ،‬من الوعي الروائــي الجديد‪ ،‬الذي‬ ‫حرّية الكتابة‪،‬‬ ‫ابتدعه بوتور‪ ،‬وغرييه‪ ،‬وساروت‪ ،‬غير مفهوم ّ‬ ‫أدبي‪ ،‬وال‬ ‫فكانــت النتيجــة نصوص ًا كثيرة هجينة بــا تجنيس ّ‬ ‫تــارة‪ ،‬وأخرى بــا ذيل‪.‬‬ ‫مالمــح ســردية؛ نصوص ًا بــا رأس‬ ‫ً‬ ‫حكايات بال حكاية‪ ،‬ولغة بال روح وبال معنى‪.‬‬ ‫انطلقــت الروايــة الجديدة في البحــث عن الحكاية غيــر العادية‬ ‫عادية؛ وذلك من خالل‬ ‫ألشخاص‬ ‫عاديين‪ ،‬يعيشون حياة غير ّ‬ ‫ِّ‬ ‫رصد حضورهم الوجودي بين الحركة والفعل واألشــياء‪ .‬لكن‪،‬‬ ‫تحكمهــم في الكتابة ضمــن ُبنيات روائية‬ ‫فــي الوقــت ذاته‪ ،‬بدا ُّ‬ ‫تستشــرف المســتقبل وتراهن على التلقّي وتأويالته المتعّددة‪.‬‬ ‫خاص ًا باألشــياء التافهة‪ ،‬ولم‬ ‫َأ ْولــت الروايــة الجديدة اهتمامــ ًا ّ‬ ‫تفــك َك اإلطاران‪ :‬المكاني‬ ‫تخضع لواقع مســبق‪ ،‬وبالقدر نفســه َّ‬ ‫الســرديان فيها‪ ،‬حيث ينطلق الوصف من ال شــيء‪،‬‬ ‫والزمانــي‬ ‫ّ‬ ‫وبــدون هــدف واضح‪ ،‬و‪ -‬فــي المقابــل‪ -‬تربك القــارئ بالدقّة‬ ‫يعــرف الرواية‬ ‫العاليــة‪ .‬فــي هــذا الصــدد‪ ،‬نجد بييــر بورديــو ِّ‬ ‫ِ‬ ‫مؤسســي»‪َ ،‬ت َّم إنشــاؤه مــن قَبل نقّاد‪،‬‬ ‫الجديــدة بأنها‪« :‬مفهوم ّ‬ ‫وناشر ألغراض استراتيجية‪ ...‬مفهوم الرواية الجديدة يقع في‬ ‫جغرافيا الجماعات األدبية‪ ،‬نقيض ًا لجبهَت ْي ماالرميه‪ ،‬وهوغو‪،‬‬ ‫وهــي مجموعــة ُبِنَيت بدون تقــارب ذهني‪ ،‬على أســاس نفور‬ ‫وتوافــق على ضرورة‬ ‫متبادل من األدب الكالســيكي الســابق‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫التغييــر الجذري‪ ،‬وقــد َخ َّطط لذلك ناشــر «دار مينوي» جيروم‬ ‫ليندن‪ ،‬والكاتب آالن روب غرييه المستشار لدى الدار نفسها‪.‬‬ ‫مســرحية متقنة‬ ‫بالنســبة إلــى بييــر بورديــو‪ ،‬كانــت الحركــة‬ ‫ً‬

‫اإلعداد‪ ،‬لكنها ال تقول شــيئاً‪ ،‬خطاباتهــا متعالية‪ ،‬ونصوصها‬ ‫خاليــة من القضايــا والدينامية التاريخية‪ ،‬بل إنــه يذهب بعيدًا‬ ‫يوحدها غير‬ ‫لينزع عنها صفة الحركة أو الجماعة؛ ألن ال شيء ِّ‬ ‫البيانات والمقاالت التنظيرية واالستعراض اإلعالمي‪.‬‬ ‫غير أن حركة الرواية الجديدة كان لها دور حاسم على مستوى‬ ‫صيــرورة األدب؛ فقد نجحــت في إخراج الرواية الفرنســية من‬ ‫وتنــوع ُكّتابها‬ ‫بطليعيتها‬ ‫ارْين‪ :‬الرومنســي‪ ،‬والوجــودي‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي َ‬ ‫وقوتهم االبتكارية ومشــروعهم الطموح‬ ‫وحساســيتهم األدبيــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثري؛‬ ‫وج ْعل الســرد مجا ًال للبحــث‬ ‫ّ‬ ‫لتجديــد الشــكل الروائــي‪َ ،‬‬ ‫ــن الحركة من وضــع معايير جديدة للروايــة‪ .‬كما أن هذا‬ ‫مــا َم َّك َ‬ ‫نقدية‬ ‫رؤية‬ ‫عن‬ ‫ر‬ ‫ب‬ ‫ع‬ ‫الروايــة‪،‬‬ ‫وفي‬ ‫للرواية‬ ‫المزدوج‪،‬‬ ‫االبتــكار‬ ‫ّ‬ ‫َ َّ‬ ‫خلقة عصفت بالتمثُّالت التقليدية الســابقة‪ ،‬وأفســحت المجال‬ ‫ّ‬ ‫تفاعله مع العالم‬ ‫للتعبير عن تعقيدات حياة اإلنسان‬ ‫ُ‬ ‫وتمظهرات ُ‬ ‫الجديد‪.‬‬ ‫يحظ‬ ‫ورغم المجد األدبي الذي حقّقته حركة الرواية الجديدة‪ ،‬لم َ‬ ‫بالتتويج بجائزة نوبل سوى كلود سيمون‪ ،‬الذي وصفه تقرير‬ ‫األكاديميــة بأنه يجمع‪ ،‬في رواياته‪ ،‬بين إبداع الشــاعر وإبداع‬ ‫الرسام‪ ،‬مع وعي عميق بالزمن في تصويره للوجود اإلنساني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫رواد الحركة‪،‬‬ ‫باقي‬ ‫على‬ ‫ينطبق‬ ‫التوصيف‬ ‫هذا‬ ‫إن‬ ‫القول‬ ‫ويمكن‬ ‫ّ‬ ‫من بينهم غرييه‪ ،‬وســاروت‪ ،‬وبوتور‪ .‬وضمنياً‪ ،‬كان التتويج‬ ‫لحركــة الروايــة الجديدة‪ ،‬بطاقتهــا التجديديــة للرواية‪ ،‬بصفة‬ ‫عامة‪ .‬وحتــى إن طالها األفــول‪ ،‬منذ‬ ‫ّ‬ ‫خاصــة‪ ،‬ولــأدب بصفــة ّ‬ ‫الروائيين‪ ،‬عبــر العالم‪،‬‬ ‫عــودة‬ ‫بحكــم‬ ‫الثانية‪،‬‬ ‫األلفيــة‬ ‫نهايــة‬ ‫ِّ‬ ‫إلــى الواقــع والتاريــخ والحبكــة التقليدية؛ نظــرًا لضغوطات‬ ‫والقراء الذين يريدون رواية تلتزم بالقواعد‬ ‫السينما والناشرين‬ ‫ّ‬ ‫الخلقة ما زالــت تنجب أدباء‬ ‫التقليديــة للحكايــة‪ ،‬فإن طاقتهــا ّ‬ ‫طليعيين المعين‪ ،‬في مختلف أنحاء العالم‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫‪83‬‬


‫قطيعة مع رواية‪ ..‬يجب تصديقها‬ ‫محمد معتصم‬

‫مــا معنى الروايــة الجديدة؟ معنى ذلك أنهــا مختلفة عن الرواية‬ ‫«القديمة» أو «التقليدية»؛ لهذا ال يمكن فهم معنى الرواية الجديدة‬ ‫التعــرف إلــى مالمــح الروايــة التقليدية‪ ،‬و‪ -‬أساســاً‪ -‬إلى‬ ‫دون‬ ‫ُّ‬ ‫الظــروف االجتماعيــة‪ ،‬والسياســية‪ ،‬واالقتصاديــة التــي دعت‬ ‫الروائيين إلى البحث عن أشكال جديدة تخلِّصهم من أثر الرواية‬ ‫ِّ‬ ‫القديمة‪ ،‬زمنياً‪.‬‬ ‫عمليــاً‪ ،‬فــي تخليــص الروايــة مــن المالمح‬ ‫لقــد بــدأ التفكيــر‪ّ ،‬‬ ‫التقليديــة‪ ،‬منــذ بدايــة القــرن الماضي (القــرن العشــرين)‪ ،‬في‬ ‫المعترف بها إال‬ ‫نيــة)‬ ‫(العَل ّ‬ ‫أوروبــا‪ .‬ولم يأخذ صورتــه النهائية َ‬ ‫َ‬ ‫الكّتاب الذين‬ ‫خالل السبعينيات من القرن المنصرم‪ ،‬مع عدد من ُ‬ ‫ارتبطــت الرواية الجديدة بأســمائهم‪ :‬أالن روب غرييه‪ ،‬وفيليب‬ ‫والمفكرين‪ ،‬على‬ ‫ســوليرس‪ ،‬وناتالي ساروت‪ ،‬وعدد من النقّاد‬ ‫ِّ‬ ‫مقدمــة تنظيرية‬ ‫وضــع‬ ‫رأس القائمــة منهــم مشــيل فوكــو الذي‬ ‫ِّ‬ ‫خاصة بالرواية الجديدة لرواية فيليب سوليرس «الحديقة»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تطــورًا كبيرًا في‬ ‫والتكنولوجية‬ ‫الصناعيــة‬ ‫الثــورة‬ ‫ّقــت‬ ‫ق‬ ‫ح‬ ‫لقــد‬ ‫ّ‬ ‫التطور الحاصل‪ ،‬على مســتوى االقتصاد والمال‪،‬‬ ‫أوروبا‪ ،‬لكن‬ ‫ّ‬ ‫آثــار علــى الحياة السياســية والحيــاة االجتماعية؛ أي‬ ‫كان لــه ٌ‬ ‫خاصــة تلــك‬ ‫أن التأثيــر شــمل «اإلنســان»‪ ،‬مفــردًا وجماعــة‪ّ ،‬‬ ‫تتحكم‬ ‫قوى جديــدة‬ ‫الفئــات البســيطة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫والمتوســطة‪ .‬فظهــرت ً‬ ‫ِّ‬ ‫التطور‬ ‫والمفكــرون أن حركــة‬ ‫الكّتــاب‬ ‫ِّ‬ ‫فــي اإلنتــاج‪ ،‬واكتشــف ُ‬ ‫ّ‬ ‫تطور اإلنسان‪/‬‬ ‫من‬ ‫أســرع‬ ‫بوتيرة‬ ‫تســير‬ ‫االقتصادي‪ ،‬والمالي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أدت إلــى وقوع اختــاالت على‬ ‫المواطــن‪ ،‬بــل إن هــذه الحركة ّ‬ ‫ثراء‪ ،‬والفئات‬ ‫تــزداد‬ ‫ة‬ ‫والثري‬ ‫مســتوى الوعي‪ ،‬فالفئات المالكة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫البســيطة والمتوســطة تزداد بؤســاً‪ .‬وفي ظل الصراع المحموم‬ ‫القوة الصناعية والتكنولوجيا‪ ،‬من أجل الســيطرة‬ ‫حول امتالك ّ‬ ‫ســيؤدي ضرائبها‪ ،‬في‬ ‫والتمايــز‪ ،‬ظهر شــبح «الحــرب»‪ ،‬التي‬ ‫ّ‬ ‫العادي‪ ،‬والفكر‪.‬‬ ‫األرواح والعمران‪ ،‬المواطن‬ ‫ّ‬ ‫عالميتان‪ ،‬كانتا كافيتن لتعلن فرجينيا وولف‪ ،‬في العام‬ ‫حربان‬ ‫َّ‬ ‫تغير‪،‬‬ ‫قــد‬ ‫فالعالم‬ ‫‪،‬‬ ‫ــم‬ ‫ث‬ ‫ومن‬ ‫ــر»‪،‬‬ ‫تغي‬ ‫قــد‬ ‫«اإلنســان‬ ‫أن‬ ‫‪1924‬م‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫خاصة) أن‬ ‫وتغيــرت نظمــه وقوانينــه‪ ،‬وعلــى األدب (الروايــة‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫يتغيــر‪ ،‬وأن الروايــة التقليديــة التي تنقل الواقــع‪ ،‬على اعتبار‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ال عليا‬ ‫ــة‪،‬‬ ‫عام‬ ‫ا‬ ‫مــ‬ ‫ي‬ ‫ق‬ ‫وتنقل‬ ‫مــة‪،‬‬ ‫ك‬ ‫ح‬ ‫وم‬ ‫منســجمة‬ ‫وحدة‬ ‫أنــه‬ ‫ً‬ ‫ومُث ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تتغير‪ .‬المعضلة التي اكتشــفتها‬ ‫لم‬ ‫ويقينيــة‪،‬‬ ‫ثابتة‬ ‫«مشــتركة»‬ ‫َّ‬ ‫يتطور واإلنســان‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫فرجينيــا وولــف‪ -‬إذن‪ -‬هي أن العالم ّ‬ ‫يتغيــر‪ ،‬إلــى األحســن أو إلــى األســوء‪ ،‬أو أن العالــم يــزداد‬ ‫َّ‬ ‫ثــراء‪ ،‬والمواطــن فقــرًا و«عزلــة»‪ ،‬بينما األدب‪ ،‬بوصفــه واقع ًا‬ ‫ً‬ ‫‪84‬‬

‫ال يــراوح في مكانه‪،‬‬ ‫«موصوفــاً»‪ -‬كما قال بوتــور‪ -‬واقع ًا‬ ‫متخي ً‬ ‫َّ‬ ‫مــا زال يعيش على قوانين تقليدية موروثة‪ ،‬وعلى موضوعات‬ ‫لمتخيــل عقــدي أو‬ ‫َّــق األمــر بالترويــج‬ ‫مســتهلكة‪ ،‬ســواء أتعل َ‬ ‫َّ‬ ‫يســميه هرمان هيسه‪ ،‬في روايته «دميان‪،‬‬ ‫«خرافي»‪ ،‬أو ما كان ّ‬ ‫سية‪ ،‬التي‬ ‫قصة شــباب إميل سنكلير»‪ ،‬القصص‬ ‫اإلنجيلية َ‬ ‫ّ‬ ‫والكَن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫حكايات غير محبوكة‪ ،‬لكن‬ ‫تنقل إلى المواطــن (القارئ) المؤمن‬ ‫بالمتخيل التاريخي‬ ‫َّق األمر‬ ‫عليــه تصديقها واالعتقاد بها‪ ،‬أو تعل َ‬ ‫َّ‬ ‫تصور‬ ‫الذي داخلته كثير من الحكايات واألفعال األسطورية التي ِّ‬ ‫خرافيين‪ ،‬مثل أبطال األساطير الخارقين‪.‬‬ ‫القادة أبطا ًال‬ ‫ِّ‬ ‫رواد الرواية‬ ‫عرف بالرواية الواقعية‪ ،‬بالنســبة إلى ّ‬ ‫إن ما كان ُي َ‬ ‫عامة‪ ،‬ليســت رواية‬ ‫الغربي‬ ‫العالــم‬ ‫وفــي‬ ‫فرنســا‪،‬‬ ‫الجديــدة في‬ ‫ّ‬ ‫تطور‬ ‫تغير بعد ّ‬ ‫حقيقية؛ إنها رواية غير واقعية‪ ،‬فمفهوم الواقع ّ‬ ‫الفيزيــاء الكوبرنيكية‪ ،‬ولم يعد الواقع كتلة منســجمة‪ ،‬بل هو‪-‬‬ ‫أول مالمــح الرواية‬ ‫فــي حقيقتــه‪ -‬مجموعــة من األجــزاء‪ ،‬وهذا َّ‬ ‫المتخيــل الجديد ينبغي له أن يعترف‬ ‫الجديــدة‪ ،‬فالعالم الروائي‬ ‫َّ‬ ‫جملة‬ ‫بمحدوديــة الرؤية‪ ،‬وأن الرواية ال يمكنهــا أن تنقل العالم‬ ‫ً‬ ‫وتفصيــاً‪ ،‬بــل هي قــادرة‪ ،‬فقط‪ ،‬على حصر «جــزء» من العالم‬ ‫مرة أخرى‪-‬‬ ‫الذي تنقله‪ ،‬وهو المكان؛ لذلك نجد مشــيل بوتور‪ّ -‬‬ ‫يشير إلى ذلك في التعبير اآلتي‪« :‬إن العالقات‪ ،‬عند بلزاك‪ ،‬بين‬ ‫بأهمّية‬ ‫المكان الموصوف والمكان الموجود فيه القارئ‪َ ،‬ت َّتســم ّ‬ ‫قوي ًا بــأن القارئ هو‪ ،‬في الواقع‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يحس إحساســ ًا ّ‬ ‫خاصة؛ فهو ّ‬ ‫موجــود فــي مكان محــّدد؛ ولهــذا ينتظم هيــكل عمله وفقــ ًا لهذا‬ ‫الشــرط األساســي»‪ .‬في هذا المجتزأ‪ ،‬نجــد أن الرواية الواقعية‬ ‫محدد‪ ،‬يصعب‬ ‫التقليدية تحصر‬ ‫ماد ّي َّ‬ ‫المتخيل الروائي في مكان ّ‬ ‫َّ‬ ‫علــى القــارئ فهمــه إذا لم يكن ينتســب إليــه؛ أي أن بلزاك كتب‬ ‫التعرف إلى‬ ‫عــن باريس‪ ،‬والقــارئ التقليدي‪ -‬بدوره‪ -‬ال يمكنــه‬ ‫ُّ‬ ‫المتخيل األدبي إال بزيارة باريس‪ ،‬وهذه ليست الحقيقة‪،‬‬ ‫العالم‬ ‫َّ‬ ‫ألن الوعــي؛ وعي القارئ الجديد للرواية الجديدة‪ ،‬ينبغي له أن‬ ‫يدرك‪ ،‬ويعي‪ -‬في اآلن ذاته‪ -‬أن المكان الواقعي «الطوبوغرافي»‬ ‫أجزاء‬ ‫(المتخيل) شــيء آخر‪ ،‬قد يأخذ‬ ‫شــيء‪ ،‬والمكان الروائي‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫منه‪ ،‬لكنه ليس هو تماماً‪ .‬وهنا‪ ،‬تتجلّى مالمح اشتغال الرواية‬ ‫الجديدة في‪:‬‬ ‫شــموليته‪ ،‬والواقع‬ ‫في‬ ‫الخارجي‪،‬‬ ‫ي‬ ‫الماد‬ ‫الواقع‬ ‫بين‬ ‫ التمييــز‬‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أجــزاء مختلفة مــن المكان‬ ‫الخيالــي المبتكــر الــذي يجمــع بيــن‬ ‫ً‬ ‫(األمكنة)‪.‬‬ ‫يقدمه‬ ‫‪ -‬التمييز بين القارئ التقليدي الذي يؤمن إيمان ًا أعمى بما ِّ‬

‫له ُكّتاب الرواية التقليدية والقديمة‪ ،‬والقارئ المشــارك في بناء‬ ‫العالم الروائي‪ ،‬فالرواية الجديدة لم تهمل عملية االرتقاء بوعي‬ ‫قرائها‪ ،‬وخيالهم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المتخيــل الروائي‬ ‫ الزمــان ليــس وحدة منســجمة‪ ،‬بل هــو في‬‫َّ‬ ‫الجديــد أزمنة متعــّددة‪ ،‬وهذا من تأثير االكتشــافات الفلســفية‪،‬‬ ‫والفيزيائيــة‪ ،‬والرياضية (النســبية)‪ .‬وأصبح «شــرعياً» طرح‬ ‫مقدمــة «األب غوريو»‪:‬‬ ‫ســؤال مشــيل بوتور حول مــا جاء فــي ِّ‬ ‫«هــل يمكن فهم الرواية خارج باريس؟» ص (‪ .)43‬أي أن المكان‬ ‫(المتخيل) يختلف‪ ،‬وينبغي له‪ ،‬في الرواية الجديدة‪،‬‬ ‫الموصوف‬ ‫َّ‬ ‫أن يختلف عن المكان في الرواية التقليدية والقديمة‪.‬‬ ‫خرافيين‪ ،‬يقومون بأفعال‬ ‫ الشــخصيات الروائية ليسوا أبطا ًال‬‫ِّ‬ ‫تعجيزيــة وفوق طبيعية‪ ،‬وال هم قادة معارك وفتوحات بعض‬ ‫اإلمبراطوريــات الغربيــة «ال تغــرب عنها الشــمس»؛ إنهم أناس‬ ‫الظن‪ .‬وقد‬ ‫عاديون «ال يعرفون الكتاب إال أماني»‪ ،‬ويغلب عليهم ّ‬ ‫تأثَّرت الشــخصية الروائية‪ ،‬المختلفة عن الشــخص في الواقع‪،‬‬ ‫وتبين أن الشخص ليس وحدة‬ ‫بنتائج بحوث التحليل النفسي‪َّ ،‬‬ ‫منســجمة‪ ،‬بــل هو عقل ورغبة وأخالق تتنــازع فيما بينها‪ ،‬وقد‬ ‫دال هو‬ ‫معبــر ّ‬ ‫َع َّبــر عنها ســتيفان زفايغ‪ ،‬فــي روايته‪ ،‬بعنوان ِّ‬ ‫وظــف هرمان هيســه نتائج معاصره‬ ‫«فوضــى المشــاعر»‪ .‬وقد َّ‬ ‫«يونــغ»‪ ،‬أمــا كافكا فقد َع َّبَر عن حالة الفرد العاجز الذي ال يدرك‬ ‫متهم دون‬ ‫حقيقــة وجــوده‪ ،‬وال يملك مصيــره بين يديه‪ ،‬وهــو َّ‬ ‫ارتكاب خطأ أو خطيئة‪.‬‬ ‫ الســارد في الرواية التقليدية كان مهيمناً‪ ،‬ســواء أجاء بضمير‬‫الغائــب أم جــاء بضمير المتكلِّم‪ ،‬وهو الســارد «كلِّــي الحضور»‬ ‫ســتبدل بـ«وجهة‬ ‫والمعرفــة‪ ،‬كمــا هو معــروف؛ لذلك وجب أن ُي‬ ‫َ‬ ‫المحكي‬ ‫النظــر»‪ ،‬وبتعّدد الرواة؛ ومن َث َّم تتعّدد األصوات داخل‬ ‫ّ‬ ‫المحكيات وأســاليب الخطاب (القول)‪ ،‬كذلك‪،‬‬ ‫اإلطــار‪ ،‬وتتفاعل‬ ‫ّ‬ ‫في الرواية الجديدة‪.‬‬ ‫ لقــد اســتفادت الروايــة الجديــدة‪ ،‬كذلــك‪ ،‬من مالحظــة وليم‬‫تقطعت بينها األســباب‪...‬‬ ‫جيمــس‪« :‬ال يبــدو الوعي لذاته‬ ‫أجزاء َّ‬ ‫ً‬ ‫وهــو ليس شــيئ ًا موصوالً‪ ،‬فهــو يتدفَّق‪ ...‬دعنا َن ِصفه بمســيل‬ ‫الفكر‪ ،‬أو الوعي‪ ،‬أو الحياة الذاتية» ص (‪ .)354‬ومسيل الوعي‬ ‫«تيــار الوعــي» الجارف‬ ‫هــو مــا نســتعمله اليوم تحــت‬ ‫مســمى ّ‬ ‫ّ‬ ‫ــاقط كل الحواجــز بيــن القــارئ والكاتــب‬ ‫تس َ‬ ‫والمتدفّــق‪ ،‬حيــث َّ‬ ‫والســارد والشــخصية‪ .‬يقول والتر آالن‪« :‬لقد ســقطت الحواجز‬ ‫الروائي‪.‬‬ ‫شــخصيات‬ ‫القديمــة التي كانت تقف بين القارئ وبين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫ميشال بوتور مع ميريل جروبر‬

‫الروائي‪ ،‬بوصفه وسيطاً‪ ،‬تقريباً» (ص‪.)355 .‬‬ ‫لقد اختفى دور‬ ‫ّ‬ ‫لــم ِ‬ ‫تنته مغامــرة الرواية الجديــدة‪ ،‬ألن أشــراطها كانت‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫زمنيَتْين‬ ‫البينــة بيــن رحلَتْيــن َّ‬ ‫الحافــز نحــو اكتشــاف الفــروق ِّ‬ ‫تحول معه‬ ‫تحول فيهما مفهوم اإلنســان‪ ،‬ومــن َث َّم ّ‬ ‫تاريخيَتْيــن‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫وتحولــت‪ ،‬تبعــ ًا لذلــك‪ ،‬طرائــق التعبير عن‬ ‫اإلدراك والوعــي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الذات والعالم والوجود والمصير‪.‬‬ ‫وبصــورة مختزلة‪ ،‬يمكــن القول‪ :‬إن الرواية الجديــدة التي َن َّظَر‬ ‫اســتمرت مع‬ ‫لهــا آالن روب غرييه‪ ،‬وجان ريكاردو‪ ،‬وغيرهما‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وكّتاب آخرين‪ ،‬ذكر من بينهم ناتالي ســاروت‪ ،‬وفيليب‬ ‫كاتبات ُ‬ ‫ســولرس‪ ،‬وإن مــا َد َّونه ميشــال بوتور في كتابــه «بحوث في‬ ‫الروايــة الجديــدة»‪ ،‬يتعارض مع مــا َد َّونه أيــان وات في كتابه‬ ‫«نشوء الرواية»‪.‬‬ ‫‪85‬‬


‫حكاية كتابة بدل كتابة حكاية‬ ‫شكري نرصالدين‬

‫عرف لدى‬ ‫كثيــرة هــي الحركات الفكرية والمــدارس األدبية التــي ُت َ‬ ‫معين‪ ،‬دون أن يكون أهل تلك الحركات والمدارس‬ ‫بمسمى ََّ‬ ‫الجمهور ّ‬ ‫ومســمى «الرواية الجديدة» ال يشــّذ عن هذه‬ ‫تام حوله‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫على وفاق ّ‬ ‫القاعــدة‪ ،‬فهو من التوصيفات التي تصدر‪ ،‬في أغلب األحيان‪ ،‬عن‬ ‫أقــام صحافية أو أكاديمية‪ ،‬وتصيــر‪ ،‬مع الوقت‪ ،‬مفهوم ًا معرفي ًا‬ ‫موحــدًا لواقع متعّدد بــل متنافر‪ .‬والحال يــزداد تعقيدًا بخصوص‬ ‫ِّ‬ ‫المســمى الذي أطلقــه إميل هنريو؛ فحتى‬ ‫هذا‬ ‫الجديدة»؛‬ ‫«الروايــة‬ ‫ّ‬ ‫فكرة حركة أو «مدرسة» لم تفلح في الحظوة بإجماع ُكّتاب الرواية‬ ‫تلك أنفســهم‪ ،‬والنقّــاد المنافحين عنها‪ ،‬أو الذيــن جابهوها بالنقد‬ ‫بداية‪ -‬إلى «التاريخ‬ ‫الهّدام‪ ،‬منذ البداية‪ .‬لكن‪ ،‬ال محيد عن االستناد‪ً -‬‬ ‫األدبي»؛ بغية استجالء هذا التشكيل الخطابي الذي برز في الساحة‬ ‫الثّقافية‪ ،‬واألدبية الفرنســية‪ ،‬بعد الحرب العالمية الثانية‪ ،‬والذي‬ ‫الروائيين هم علــى التوالي‪:‬‬ ‫ــم‪ -‬فــي البدء‪ -‬أســماء كوكبة مــن‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ض َّ‬ ‫آ‪.‬ر‪.‬غرييــه‪ ،‬وكلــود ســيمون‪ ،‬وك‪ .‬مورياك‪ ،‬وج‪ .‬لينــدون‪ ،‬ور‪.‬‬ ‫بانجي‪ ،‬وصموئيل بكيت‪ ،‬وناتالي ساروت‪ ،‬وكلود أوليي‪ .‬لكن‪ ،‬ما‬ ‫لبثت باقي األسماء تتضاءل أمام سطوة اسمين أو ثالثة‪ ،‬عرفت ما‬ ‫اب اآلخرين‪ ،‬وأحالهم‬ ‫يشبه التكريس الذي حجب‬ ‫ضوءه المبهر ُ‬ ‫الكّت َ‬ ‫ُ‬ ‫تفــر َق الكوكبة‪ ،‬وانصراف‬ ‫أن‬ ‫األمر‬ ‫وحقيقة‬ ‫إلــى دائرة النســيان؛‬ ‫ُّ‬ ‫أعضائها إلى كتابة الرواية‪ ،‬دون اإلحساس بثقل مسؤولية الوفاء‬ ‫الروائيين َجَمعهم‬ ‫لوثوقية التســمية المتداولة‪ ،‬كان تعبيرًا عن أن‬ ‫ِّ‬ ‫أيديولوجي ذي غايات جمالية واحدة‪ ،‬وإن اختلفت‬ ‫فكري‬ ‫ســياق ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل واحد منهم‪ .‬وتلك حال‬ ‫طرائق الكتابة وأســاليب التأليف‪ ،‬عند ّ‬ ‫صمويل بكيت‪ ،‬وناتالي ساروت‪ ،‬وميشال بيتور‪ ،‬وأخرين‪.‬‬ ‫وهــذا روالن بارت‪ ،‬بخبرته القرائية التي ال تضاهى‪ ،‬يعلن‪ ،‬باكرًا‬ ‫الكّتاب المومأ‬ ‫(‪ ،)1958‬أن الحديث عن «مدرسة»‪ ،‬سواء بالنسبة إلى ُ‬ ‫إليهم أو إلى واحد منهم‪ ،‬وهو األكثر تعبيرًا عن «الرواية الجديدة»‪،‬‬ ‫ويقصد بكالمه آالن روب غرييه‪ ،‬هو غير وارد‪ -‬بتاتاً‪ -‬بالمقارنة مع‬ ‫ال (على سبيل التمثيل ال الحصر)؛ إذ يرى بارت أن‬ ‫ميشال بيتور مث ً‬ ‫‪86‬‬

‫محرج ًا‬ ‫«الجمع االعتباطي‬ ‫لروائيين مثل غرييه‪ ،‬وبيتور أضحى ِ‬ ‫ِّ‬ ‫أول‬ ‫لسبب‬ ‫غرييه؛‬ ‫مدرســة‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫جزء‬ ‫ل‬ ‫يشــك‬ ‫ال‬ ‫لهذا وذاك‪ .‬فبيتور‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫أما عن األعمال الروائية لديهما‬ ‫هو أن هذه المدرسة ال وجود لها‪ّ ،‬‬ ‫طرف ْي نقيض» (ال وجود لمدرسة روب غرييه‪ ،‬مقاالت‬ ‫فإنها على َ‬ ‫نقدية‪ ،‬ص‪.)102‬‬ ‫مقارنة‬ ‫بعْقده‬ ‫ً‬ ‫فــإذا كان بارت ينفي وجود مدرســة روب غرييه‪َ ،‬‬ ‫لكل مــن صاحب‬ ‫بيــن األعمــال المنشــورة حتــى ذلــك الحيــن‪ّ ،‬‬ ‫«الممحاوات» وكاتب «التحوير»‪ ،‬فإن أغلب ُكّتاب «الرواية الجديدة»‬ ‫نَأْوا بأنفسهم‪ ،‬الحقاً‪ ،‬عن االنتماء إلى مدرسة واحدة‪ ،‬وإن كانت‬ ‫طرائــق الكتابــة‪ ،‬عندهم‪ ،‬فيها من المشــترك أكثر مــن المفترق‪،‬‬ ‫فهذا ميشال بيتور (‪ )2016 - 1926‬يشّدد على أن الجوهري‪ ،‬في‬ ‫ممر ميالنو‬ ‫منجــزه اإلبداعــي‪ ،‬ال ُيخَتَزل في أربع روايــات‪ ،‬هي‪ّ :‬‬ ‫(‪ ،)1954‬واستعمال الزمن (‪ ،)1956‬والتحوير (‪ ،)1957‬ودرجات‬ ‫(‪)1960‬؛ روايات تنتمي إلى روح عصر الشك‪ ،‬الذي أنتج «الرواية‬ ‫الجديــدة»‪ ،‬فتلــك‪ -‬في رأيــه‪ -‬مؤلَّفات صادفت هوى لــدى النقّاد‬ ‫فتوزعها‬ ‫الذين ربطوها بسياق الرواية الجديدة‪ ،‬أما حقيقة منجزه َّ‬ ‫الشعر‪ ،‬والتجريب الروائي‪ ،‬وكتابة المقاالت النقدية والدراسات‬ ‫حول الرسم والســينما‪ ،‬وغيرها من الفنون المتاخمة‪ .‬واالبتعاد‬ ‫عن ذهنية «المدرســة» أمر نرصده‪ -‬أيضاً‪ -‬عند صموئيل بكيت‪،‬‬ ‫األول الذي يقترن أكثر بمسرح العبث‪ ،‬والثانية‬ ‫وناتالي ساروت‪ّ :‬‬ ‫التي‪ -‬وإن عملت في كتاباتها السردية األولى على تفتيت الحبكة‬ ‫لشخصياتها‪ ،‬على طريقة‬ ‫اهتمت أكثر باألبعاد النفسية‬ ‫ّ‬ ‫الحكائية‪ّ -‬‬ ‫جيمس جويس‪ ،‬وفرجينيا وولف‪ ،‬وويليام فولكنر‪.‬‬ ‫بينما الرواية الجديدة‪ -‬كما هي عند روب غرييه‪ ،‬وجان ريكاردو‬ ‫مثالً‪ُ -‬ت َعّد رفض ًا للبواعث النفســية للحكايــة‪ ،‬وللخبر‪ ،‬ولدالالت‬ ‫األشياء‪ .‬إذ تقوم الكتابة الروائية‪ -‬بحسبهما‪ -‬على نفي المتعارف‬ ‫عليه‪ ،‬والموروث من الرواية التقليدية‪ ،‬وتجاوزه‪ ،‬الرواية التي‬ ‫نســبة إلى‬ ‫يصفونهــا‪ ،‬من بــاب الســخرية‪ ،‬بالرواية البلزاكية‪،‬‬ ‫ً‬

‫هونــوري دو بلــزاك‪ ،‬رائد الرواية الواقعية الفرنســية في القرن‬ ‫ــية زائفة‪ ،‬وهي‪ -‬أيضاً‪ -‬ال‬ ‫التاســع عشر‪ ،‬ورفض ّ‬ ‫حس ّ‬ ‫كل نزعة ّ‬ ‫ترمي إلى توصيل رسالة ما‪ .‬فإذا كانت الرواية «التقليدية» تقوم‬ ‫على كتابة حكاية‪ ،‬فالرواية الجديدة هي (حكاية كتابة)‪ ،‬بحسب‬ ‫توصيــف جان ريكاردو الذي جمع بين اإلبداع الروائي والتنظير‬ ‫له‪ ،‬في كتابه النقدي المشهور «إشكاالت الرواية الجديدة»‪ ،‬وهذه‬ ‫النزعة التجريبية هي القاسم المشترك بين المنتسبين‪ ،‬كره ًا أو‬ ‫تيار الرواية الجديدة التي يريدونها «رواية‬ ‫عن طيب خاطر‪ ،‬إلى ّ‬ ‫ضادة»‪ ،‬سواء فيما تعلَّق بمعالجة الزمن‪ :‬بدءًا بتكسير الترتيب‬ ‫ُم ّ‬ ‫والخطي‪ ،‬أم فيما تعلَّق بمقولة الموضوعية‬ ‫الزمني المتسلســل‬ ‫ّ‬ ‫والذريعــة الواقعية‪ ،‬أو األدب الملتزم (أخذ مســافة من جان بول‬ ‫سارتر المهيمن‪ ،‬آنذاك‪ ،‬بوصفه فيلسوف ًا وناقدًا أدبي ًا وروائياً)‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫لكل التفاصيل‪ ،‬ثم‬ ‫ثم َقلْب المســافة روائي‪ -‬ســارد‬ ‫متعال مدرك ّ‬ ‫تشويش هذه المسافة بالحكي بضمير المخاطب‪ ،‬مثلما هو الحال‬ ‫فــي رواية ميشــال بيتور «التحويــر» التي ُّعــّدت بمثابة العالمة‬ ‫الفارقــة فــي منجز «الروايــة الجديدة»‪ ،‬وســارت‪ ،‬علــى َهْديها‪،‬‬ ‫روايات فرنســية أخرى الحقاً‪ ،‬وكان لها تأثير كبير في ممتهني‬ ‫كتابة‪ ،‬ونقداً‪ ،‬وتدريساً‪.‬‬ ‫األدب‪:‬‬ ‫ً‬ ‫وتجدر اإلشــارة إلى أن هذه «الرواية» وجدت‪ ،‬في «النقد الجديد»‬ ‫الذي ُعِرف‪ -‬اصطالحاً‪ -‬بـ«البنيوية»‪ ،‬أكبر سند‪ ،‬بل ال يمكن للمرء‬ ‫ثمة ما يشــبه المصلحة المتبادلة بينهما‪،‬‬ ‫عــدم مالحظة أنه كان ّ‬ ‫فالنقّــاد مثل بارت‪ ،‬وجنيــت‪ ،‬وريكاردو اعتمــدوا تلك الروايات‬ ‫الروائيين‬ ‫نظريتهم الجديدة‪ ،‬و‪-‬بالمثل‪ -‬عمل هؤالء‬ ‫ِّ‬ ‫للتدليل على ّ‬ ‫على الدفع بالتجريب إلى حدوده القصوى‪ ،‬باالستناد إلى مقوالت‬ ‫الطرفْين!‬ ‫األكاديميين‪ ،‬بمنطق ربح‬ ‫ومفاهيم من إبداع‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫كل ذلك النجاح اإلعالمي الذي حقّقته هذه «الرواية الجديدة»‬ ‫ّإل أن ّ‬ ‫لم شــمله‪-‬‬ ‫م‬ ‫ت‬ ‫جمع‪،‬‬ ‫ســوى‬ ‫فيها‬ ‫ير‬ ‫لم‬ ‫نقدية‪،‬‬ ‫مواقف‬ ‫يحجب‬ ‫لم‬ ‫َ َّ ّ‬ ‫َ‬ ‫بالصدفة‪ -‬لشخصيات غير متجانسة‪ ،‬لم يربط بينها سوى دار نشر‬

‫(منشورات ِ‬ ‫ينوي» التي كان يشرف عليها آالن روب غرييه!)‪،‬‬ ‫«م ْ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫يل كيل»‪ ،‬وعلى رأسها فيليب سوليرس‪ ،‬وشغف بما‬ ‫وجماعة «ِت ْ‬ ‫وحب لخلق الجدال‪ .‬إلى جانب هذه المؤاخذات‪ ،‬التي قد‬ ‫هو جديد‪ٍّ ،‬‬ ‫متخصصة‪ ،‬هناك‬ ‫تبدو مالحظات صادرة عن أقالم صحافية غير‬ ‫ّ‬ ‫ألسسها الفكرية‬ ‫من تصّدى لها من داخل‬ ‫المؤسسة الجامعية؛ نقدًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّية والجمالية‪ ،‬وإبــراز مغاالتها‪ ،‬إذ‬ ‫األيديولوجيــة ومراميهــا َ‬ ‫الفنّ‬ ‫مكونــات العمــل الروائي َح َّد‬ ‫كل‬ ‫تقويــض‬ ‫وصــل الحــرص على‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫التطــرف‪ ،‬واإلشــباع‪ ،‬والغمــوض الذي بلغ الطريق المســدود‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫معيقْين للقراءة‪،‬‬ ‫وصار البحث المفرط والتجريب الشديد عامَلْين َ‬ ‫عصية‪ ،‬بل متعذِّرة على القراءة «‪.»illisible‬‬ ‫فالروايــات أضحت ّ‬ ‫وبعدما خلقت هذه الرواية اســتراتيجيات جديدة للقراءة‪ ،‬ودورًا‬ ‫غير مســبوق للقارئ‪ ،‬وصلت منتهاها‪ ،‬وكانت‪ -‬مثل سابقاتها‪-‬‬ ‫حاملة ألســباب تجاوزها‪ ،‬بعدما ُع ِّمــرت ألكثر من أربعة عقود‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وتتغير العادات القرائية‪،‬‬ ‫لتهدأ فورة التجريب‪ ،‬وبهر النجومية‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فيقبــل القراء على نمط قديم جديد‪ ،‬بالعودة إلى َأ ْســر الحكاية‪،‬‬ ‫مــع التجديد فــي المواضيع‪ ،‬بداهــة‪ .‬وإذا كان صخــب «الرواية‬ ‫الجديدة» قد هدأ في مسقط رأسها‪ ،‬مع نهاية السبعينيات ومطلع‬ ‫حياة جديدة في الفترة نفســها‪،‬‬ ‫الثمانينيات‪ ،‬فإنها ســوف تحيا‬ ‫ً‬ ‫المرة‪ ،‬تحت سماء جديدة عبر النقد األدبي والترجمة‪،‬‬ ‫لكن‪ ،‬هذه ّ‬ ‫الضاد‪،‬‬ ‫خاص؛ ونقصد بذلك حياتها الجديدة في لغة‬ ‫ّ‬ ‫علــى وجه ّ‬ ‫ولعل األمثلة هي بالقدر‬ ‫وتأثيرها علــى ُكّتاب الرواية بالعربية‪ّ .‬‬ ‫الذي ال يحصيه َعّد‪ .‬وليس من المبالغة القول إن قسط ًا كبيرًا من‬ ‫العربي‪ ،‬اليوم‪ ،‬ما يزال ينهل من ذخيرة (الرواية‬ ‫السردي‬ ‫المنجز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األم)‪ ،‬ويصوغ على شــاكلتها‪ ،‬ويحوم حول أســاليبها‬ ‫الجديــدة ّ‬ ‫ّياً!‪.‬‬ ‫التي أضحت‪ ،‬بحكم التقادم‪،‬‬ ‫متجاوزة َفنّ‬ ‫َ‬ ‫‪87‬‬


‫إصدارات‬

‫«استبانة»‬ ‫محطات ومواقف لعبد اهلل العروي‬ ‫ّ‬ ‫املهدي مستقيم‬

‫عــرض عبــد اهلل العــروي‪ ،‬فــي كتابــه‬ ‫َي ِ‬ ‫األخيــر «اســتبان»‪ ،‬الصادر عــن المركز‬ ‫مــادة مكثَّفة‬ ‫العربــي للكتــاب (‪ّ ،)2016‬‬ ‫ومركبــة وفــق هندســة كتابيــة ليســت‬ ‫َّ‬ ‫تتخذ صورة حوار ذاتي‪،‬‬ ‫إذ‬ ‫كسابقاتها؛‬ ‫َّ‬ ‫يسائل فيه العروي نفسه مجيب ًا عن مئة‬ ‫موزعة على تسعة‬ ‫وأحد عشــر ســؤاالً‪َّ ،‬‬ ‫فصول‪ ،‬بدون عناويــن‪ .‬وجاءت أجوبة‬ ‫رائــد التاريخانيــة‪ ،‬فــي الفكــر العربــي‬ ‫منظمة وفق‬ ‫المعاصر‪ ،‬على شكل فقرات َّ‬ ‫كل سؤال‬ ‫تسلسل متجانس‪ ،‬يرتبط فيه ّ‬ ‫بسابقه‪ ،‬ويقود إلى السؤال اآلتي بعده‪.‬‬ ‫وزعــه عبــد اهلل‬ ‫الكتــاب عصــارة لمــا َّ‬ ‫فصَله في كتب ســابقة‪،‬‬ ‫العــروي‪ ،‬ومــا َّ‬ ‫ونخــص بالذكــر منهــا‪« :‬مجمــل تاريــخ‬ ‫ّ‬ ‫المغــرب»‪ ،‬و«األصــول االجتماعيــة‬ ‫والثّقافيــة للوطنية المغربيــة»‪ ،‬كما أنه‬ ‫المتعددة‪،‬‬ ‫المــؤرخ‬ ‫مرآة تعكــس وجوه‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫األول‪،‬‬ ‫الفصليــن‪:‬‬ ‫أســئلة‬ ‫فــإذا حذفنــا‬ ‫َّ‬ ‫والثانــي‪ ،‬فســنجد أنفســنا أمام ســيرة‬ ‫مــؤرخ‬ ‫ذاتيــة قصيــرة الحجــم‪ ،‬بطلهــا‬ ‫ِّ‬ ‫لــه بــاع طويــل فــي لعبــة الســرد‪ ،‬كما‬ ‫سنكتشف‪ ،‬في الفصول الالحقة‪ ،‬وجوه‬ ‫المــؤرخ الذي ال يكتفي بتقديم المعطيات‬ ‫ِّ‬ ‫يعبــر عــن رؤيتــه إزاء‬ ‫بــل‬ ‫التاريخيــة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مجريات األحداث والوقائع التي عاشها‪،‬‬ ‫ويؤولها‪ ،‬بوصفه عاِلم سياسة‪ ،‬وعاِلم‬ ‫ِّ‬ ‫اجتمــاع‪ ،‬وعاِلم أنثروبولوجيــاً‪ ،‬وعاِلم‬ ‫‪88‬‬

‫نفس‪ ،‬فــي بعض األحيان؛ ويرجع ذلك‬ ‫تشــعب الموضوعــات التي يتناولها‬ ‫إلى‬ ‫ُّ‬ ‫بالنقــد والتحليــل‪ :‬بــدأ بحالــة المغرب‪،‬‬ ‫قبــل االســتعمار الفرنســي وبعــده‪ ،‬ثــم‬ ‫كل من التعليم‪ ،‬واألعيان‪،‬‬ ‫َّــب بقضايا ٍّ‬ ‫عق َ‬ ‫واألمــة‪ ،‬ونفســية المغربي‪،‬‬ ‫والشــعب‪ّ ،‬‬ ‫والحركة السلفية‪ ،‬والنخبة السياسية‪...‬‬ ‫رجع عبــد اهلل العروي خراب المنظومة‬ ‫ُي ِ‬ ‫التعليميــة‪ ،‬فــي بلــده المغــرب‪ ،‬إلــى‬ ‫المــدرس بمحيطــه المجتمعــي‪ ،‬إذ‬ ‫ألفــة‬ ‫ِّ‬ ‫يتمكــن هــذا األخيــر مــن القطــع مع‬ ‫لــم َّ‬ ‫منظومة القيم البالية الســائدة في حقله‬ ‫االجتماعــي‪ ،‬بــل ال يتوانــى عــن نقلهــا‬ ‫وتســريبها‪ ،‬بوعي أو بــدون وعي‪ ،‬إلى‬ ‫ــم‪،‬‬ ‫محيــط المدرســة‪،‬‬ ‫لتترســخ‪ ،‬مــن َث َّ‬ ‫َّ‬ ‫المــدرس‬ ‫فــي أذهــان المتعلِّميــن‪ ،‬وكأن‬ ‫ِّ‬ ‫أصبــح ماكينــة في يد المجتمــع؛ لحفظ‬

‫معاييره وقيمه التقليدية البدوية وإعادة‬ ‫إنتاجهــا‪ ،‬علــى أن مســتوى التعليــم‪،‬‬ ‫المدرس‪،‬‬ ‫اليوم‪ ،‬أو‪ -‬باألحرى‪ -‬مستوى‬ ‫ِّ‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫يتأثَّر بمستوى الثّقافة ّ‬ ‫تتغيــا اإلســهام‬ ‫وإذا كانــت هنــاك إرادة ّ‬ ‫في االنعتاق المجتمعي من أزمة التعليم‬ ‫ومخلَّفاتهــا‪ ،‬فعليها أن تأخذ بالحســبان‬ ‫االرتباط الشديد القائم بين أزمة التعليم‬ ‫ــم أزمة الدولة‪،‬‬ ‫وأزمــة المجتمع‪ ،‬ومن َث َّ‬ ‫وهــذه المســتويات اإلشــكالية‪ ،‬في نظر‬ ‫ومحبطــة‪« :‬نعلــم‬ ‫العــروي‪ ،‬متداخلــة‬ ‫َ‬ ‫مررنا‬ ‫اليوم‪ ،‬بعد التجارب المحبطة التي َ‬ ‫بها‪ ،‬أن الجميع يريد اإلصالح‪ ،‬أو‪ -‬على‬ ‫كل فريق يريده‬ ‫األقــل‪ -‬يّدعي ذلك‪ ،‬لكــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل مشــروع‬ ‫موافقــ ًا لمصالحه‪ ،‬فيرفض ّ‬ ‫إصالحي ال يســاير تلك المصالح‪ ،‬وفي‬ ‫أي شيء» (ص‪.)24/‬‬ ‫النهاية‪ ،‬ال يتحقّق ّ‬ ‫فشــكلت‬ ‫أمــا سياســة مــواالة األعيــان‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫كل‬ ‫اســتراتيجية أساســية بالنســبة إلى ّ‬ ‫قــررت غــزو بلــد ما؛‬ ‫إدارة اســتعمارية َّ‬ ‫ثــم فإن هــذا النهــج لم يكــن حكرًا‬ ‫ومــن ّ‬ ‫على اإلدارة االســتعمارية الفرنسية‪ ،‬بل‬ ‫حاضرًا لدى اإلسبان في منطقتهم ولدى‬ ‫االنجليز‪ ،‬في البلدان التي استولوا عليها‬ ‫االتفاق والتفويــض‪ ،‬كالهند‬ ‫عن طريــق ِّ‬ ‫ومصر‪.‬‬ ‫وبالنســبة إلــى «األعيــان»‪ ،‬فقــد قبلــوا‬ ‫بفــرض الحمايــة علــى المغــرب مقابــل‬

‫تقويــة نفوذهــم‪ ،‬وحفــظ مصالحهــم‪،‬‬ ‫صالحياتهم‪ .‬وقد وجدت‬ ‫وتوسيع دائرة‬ ‫ّ‬ ‫اإلدارة الفرنســية نفســها مرغمــة علــى‬ ‫االلتــزام بتحقيق مطالــب األعيان‪ ،‬ألنهم‬ ‫«لــم يغــادروا الميــدان بعــد الهزيمة كما‬ ‫ســحقوا ســحق ًا‬ ‫حصــل في الجزائر‪ ،‬لم ُي َ‬ ‫كمــا حصل فــي تونس‪ ،‬لم ُي َطــردوا إلى‬ ‫األطــراف‪ ،‬لــم ُيْنَفــوا‪ ...‬بــل ظلّــوا فــي‬ ‫التصــرف معهم‬ ‫أماكنهــم قاعديــن‪ .‬كيف‬ ‫ُّ‬ ‫ّإل بتأليــف قلوبهــم وكســب والئهــم‪،‬‬ ‫بالوعــد القاطــع أن ال ضــرر يلحقهــم‪،‬‬ ‫وأنهم ســيحافظون على وظائفهم‪ ،‬وأن‬ ‫تكيفوا مع‬ ‫أبناءهم‬ ‫ْ‬ ‫ســيخِلفونهم‪ ،‬إن هم َّ‬ ‫الوضــع الجديــد‪ ،‬بتعلُّــم لغة الرؤســاء‬ ‫والتــدرب علــى أســاليبهم فــي‬ ‫الجــدد‬ ‫ُّ‬ ‫السياسة والتدبير؟»(ص‪.)50/‬‬ ‫موظفــو اإلدارة االســتعمارية فقــد‬ ‫أمــا َّ‬ ‫التشــتت والتناثــر‪،‬‬ ‫روجــوا لعوامــل‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫مــن خــال وصــف المغاربــة بالقبائــل‬ ‫المتنافــرة‪ ،‬ال يوالون الســلطة المركزية‬ ‫إال بهــدف قهــر جيرانهــم‪« :‬وإذا ُمِنعــوا‬ ‫مــن ذلــك انقلبــوا علــى تلــك الســلطة‪،‬‬ ‫وحاربوهــا بشراســة‪ .‬لــم تكــن لديهــم‬ ‫تقرب بين السكان‬ ‫الوسائل ّ‬ ‫المادية التي ِّ‬ ‫المتقدمة‪ :‬ال طــرق معبدة‪ ،‬وال‬ ‫فــي األمم‬ ‫ِّ‬ ‫عملة واحدة‪ ،‬وال مكاييل مســتقيمة‪ ،‬وال‬ ‫الموحــد الوحيد‬ ‫منظمــة‪ .‬العامــل‬ ‫لهجــة َّ‬ ‫ِّ‬ ‫هــو الديــن‪ ،‬وهــو‪ ،‬بــدوره‪ ،‬يختلف في‬ ‫التطبيــق‪ ،‬مــن ناحيــة إلى أخــرى‪ ،‬كما‬ ‫يختلــف الوشــم واللبــاس والطبــخ‪...‬‬ ‫إلخ»(ص‪.)57/‬‬ ‫وقــد تكــون هــذه الفكــرة صحيحــة في‬ ‫تظل قائمة بعد‬ ‫الماضي البعيد‪ ،‬لكنها لم ّ‬ ‫ذلــك‪ ،‬خصوص ًا مــع حلول االســتعمار‬ ‫الذي شــرع هو نفســه في تشييد وسائل‬ ‫الوحــدة واالنصهــار‪ .‬وإن مــا أســهم في‬ ‫هذا التماســك تجانس العنصر البشــري‬ ‫المغربــي‪ ،‬وهــو ما دلَّت عليــه‪ -‬في نظر‬ ‫«كل البحوث األنتروبولوجية‬ ‫العــروي‪ّ -‬‬ ‫تروج له‬ ‫كانت‬ ‫لمــا‬ ‫مناقضة‬ ‫التــي جاءت‬ ‫ِّ‬ ‫اإلدارة الفرنســية‪ .‬ال يوجــد فرق واضح‬ ‫الســكان‪ ،‬يشــير إلــى اختــاف في‬ ‫بيــن‬ ‫ّ‬ ‫األصــول اإلثنيــة‪ .‬الفــرق الوحيــد الذي‬ ‫ظــل قائماً‪ ،‬إلى يومنا هــذا‪ ،‬هو المتعلِّق‬ ‫َّ‬ ‫باللسان؛ هناك مغاربة ناطقون بلهجات‬

‫عربيــة‪ ،‬وأخــرون ناطقــون بلهجــات‬ ‫أمازيغية» (ص‪.)59/‬‬ ‫يؤكد‬ ‫الكتــاب‪،‬‬ ‫مــن‬ ‫وفــي موضــع آخــر‬ ‫ِّ‬ ‫العــروي علــى ضــرورة التفريــق بيــن‬ ‫ــد لظهور‬ ‫الســَلفّية‪ ،‬بوصفهــا اتجاه ًا َم َّه َ‬ ‫الحركــة الوطنيــة التــي ُت َعــّد‪ ،‬بدورها‪،‬‬ ‫امتــدادًا لحركــة ســابقة‪ ،‬كان يغذّيهــا‬ ‫المخــزن‪ ،‬ويقوم بها العلمــاء والموالون‬ ‫الرب‬ ‫لــه‪ ،‬وكان هدفهــا توحيــد الــوالء‪ّ :‬‬ ‫واحد في الســماء‪ ،‬والسلطة واحدة على‬ ‫األرض‪ ،‬وبين ظاهرة جديدة بات يطلق‬ ‫عليهــا االســم نفســه‪« :‬الســلفية» وهــي‬ ‫حركــة اجتماعية مدنية‪ ،‬ترفع شــعارات‬ ‫غيــر سياســية مثــل عــدم إهــدار ثروات‬ ‫المغاربــة المســلمين‪ ،‬ومنع النســاء من‬ ‫التبــرج‪ ،‬وتوطيــد ســلوك الحشــمة في‬ ‫ُّ‬ ‫بيئة‪َ ،‬كُثَر فيها الكفار‪...‬‬ ‫ولعــل مــا يعالجــه عبــد اهلل العــروي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فــي هــذا الكتــاب‪ ،‬ال ينتمــي كلّــه إلــى‬ ‫يتخذه معبــرًا للوصول‬ ‫الماضــي‪ ،‬إنمــا َّ‬ ‫يتردد في‬ ‫إلــى قضايــا الحاضر‪ ،‬فهــو ال َّ‬ ‫وضع مقارنــات ذكية بين مغرب األمس‬ ‫ومغــرب اليــوم‪ ،‬ليخلص‪ ،‬مــن خاللها‪،‬‬

‫إلــى نتائــج مثيــرة‪ .‬فــي هــذا الصــدد‪،‬‬ ‫يتســاءل العروي‪ :‬هل النخبــة المغربية‬ ‫وطنية من التي ســبقتها؟‪،‬‬ ‫أقــل‬ ‫الحالية ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫المقــرر أعــاه‪،‬‬ ‫«بالمعنــى‬ ‫يجيــب‪:‬‬ ‫ثــم‬ ‫َّ‬ ‫أســتطيع أن أقــول إن النخبــة الحاليــة‬ ‫أقــل «وطنية»‪.‬‬ ‫ــيرة لدواليب الدولة ّ‬ ‫المس ِّ‬ ‫َ‬ ‫أقل غيرة على مصلحة الوطن‪،‬‬ ‫ال أعنــي ّ‬ ‫إما‬ ‫أو ّ‬ ‫أقل تعلُّق ًا برفاهية الشــعب‪ ،‬لكنها ّ‬ ‫للتصور الذي حّددناه‪،‬‬ ‫جاهلة أو رافضة‬ ‫ُّ‬ ‫وإن أقسمت بالثالثي الشهير المذكور في‬ ‫النشــيد الوطني‪ .‬وهــي‪ ،‬إن لم تتجاهله‬ ‫تحب أن‬ ‫تمامــاً‪ ،‬فإنها‪ -‬على ّ‬ ‫أقــل تقدير‪ّ -‬‬ ‫خاصة وهي تشــتغل‪،‬‬ ‫تعيــد النظر فيه‪ّ ،‬‬ ‫يومياً‪ ،‬بلغة‪ ،‬وبحســب معايير موروثة‬ ‫عن عهد الحماية‪ .‬لو طرحت على أعضاء‬ ‫هذه النخبة الحاكمة األسئلة التي أحاول‬ ‫اإلجابــة عنهــا‪ ،‬اآلن‪ ،‬لعجــزت عــن فهم‬ ‫المقصــود منها‪ ،‬أو الســتخفّوا بها‪ .‬لهذه‬ ‫تصــور آخــر‪ ،‬وتعريــف آخــر‬ ‫النخبــة‬ ‫ُّ‬ ‫للوطنية‪ .‬هذا تخمين‪ ..‬وتخمين بريء»‪.‬‬ ‫(ص‪.) 138/‬‬ ‫‪89‬‬


‫كتاب‬

‫الال منتمي‬

‫أشبه بالقفز يف لحظة سقوط!‬ ‫يوسف وقاص‬ ‫في الســبعينيات من القرن الماضي‪ ،‬كان‬ ‫كتــاب «الــا منتمــي» لمؤلِّفــه اإلنكليزي‬ ‫يتصــدر معظم واجهات‬ ‫كولن ويلســون‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫المكتبات‪ ،‬أو أرصفة األقبية‪ ،‬حيث كانت‬ ‫مســتعملة‪ ،‬في َح ّي‬ ‫كتب‬ ‫ُتبــاع‪ُ ،‬‬ ‫داول ٌ‬ ‫وتَت َ‬ ‫َ‬ ‫الجميليــة فــي حلــب‪ .‬وكان هــذا الكتاب‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى توأمه «ضياع في سوهو»‪،‬‬ ‫يســتأثر علــى اهتمامنــا نحــن‪ ،‬الطالب‪،‬‬ ‫وكنا ننظر بإعجاب‪ ،‬وببعض الغيرة إلى‬ ‫مَثقَّف عابر وهو يشــتريه‪ ،‬ويدفع ثمنه‪،‬‬ ‫‪90‬‬

‫ثــم يضعه تحــت إبطه‪ ،‬ويمضــي مختا ًال‬ ‫بيــن الزحام‪ .‬في الحقيقــة‪ ،‬نحن‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫كان بإمكاننا أن نشتريه‪ .‬لكن‪ ،‬لسبب ما‪،‬‬ ‫ربما لشــعورنا بأن الوقت لم يكن قد حان‬ ‫َّ‬ ‫لطالب فــي المرحلة اإلعداديــة األولى أن‬ ‫يدخــل في متاهــة‪ ،‬ال يعــرف‪ ،‬فيما بعد‪،‬‬ ‫نتــردد لحظة‬ ‫كيــف يخــرج منهــا‪ ،‬كنّــا ال‬ ‫َّ‬ ‫واحــدة فــي صرف تلــك الليــرات القليلة‬ ‫التي نحتفظ بها في جيوبنا لمشاهدة فيلم‬ ‫سينمائي‪ .‬وخيارنا كان يقع على نوعين‬

‫مــن األفــام‪ ،‬فقــط‪ :‬أفــام الكاوبــوي‪،‬‬ ‫تتحــدث عــن‬ ‫واألفــام التاريخيــة التــي‬ ‫َّ‬ ‫مالحــم اإلغريــق والرومــان وأبطالهــم‬ ‫األســطوريين‪ .‬إال أن هــذه الكلمــة‪ ،‬كثيرًا‬ ‫ِّ‬ ‫تشــوش أفكارنــا‪ ،‬وتدفعنــا‬ ‫مــا كانــت‬ ‫ِّ‬ ‫للتســاؤل ‪ -‬وإن علــى ســبيل اللهو‪ :-‬من‬ ‫هــو الال منتمــي؟ وما الذي يدفعــه الّتخاذ‬ ‫قــرار خطيــر كهــذا‪ ،‬للبقــاء خــارج لعبة‬ ‫الحيــاة؟ ثــم‪ ،‬بعــد أن يحتــدم النقــاش‪،‬‬ ‫كان ينبــري أحد زمالئنا‪ ،‬ويعلن‪ ،‬بلهجة‬

‫ربمــا‪ -‬ســيختار هــذا‬ ‫مأســاوية‪ ،‬أنــه‪َّ -‬‬ ‫الطريــق بالضبــط‪ ،‬أي الــا انتماء‪ ،‬دون‬ ‫يتمكن من شــرح األســباب أو المعنى‬ ‫أن َّ‬ ‫تخبئه هــذه الكلمة بين أحرفها التي‬ ‫الذي ِّ‬ ‫كانــت تبدو لنا معقَّدة وغامضة‪ .‬ولم نكن‬ ‫نعلــم أن فكــرة الالانتماء كانــت قد واتت‬ ‫كولــن ويلســون‪ ،‬فــي عــام ‪ ،1954‬وأنه‬ ‫كان يعيــش‪ ،‬في ذلك الوقــت‪ ،‬في لندن‪،‬‬ ‫كمتســكع‪ ،‬لكنــه منغمــس فــي الثقافــة‬ ‫ِّ‬ ‫حتــى أذنيــه؛ وهو مــا دفعــه لتأليف هذا‬ ‫الكتــاب منطلق ًا من ســؤال‪ ،‬يبدو أنه كان‬ ‫يؤرقه منذ زمــن طويل‪ :‬كيف يمكن للمرء‬ ‫ِّ‬ ‫أن يتابــع الحيــاة بعــد أن يكتشــف أنــه‬ ‫واقعيــة الوجود؟‬ ‫اســتوعب‪ ،‬تماماً‪ ،‬عدم‬ ‫ّ‬ ‫اســتجابة لذكرى ذلك‬ ‫قبــل فترة قصيرة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الجــدال‪ ،‬طرحــت هــذا الســؤال علــى أحد‬ ‫صدفة أمام‬ ‫زمالء الدراســة‪ ،‬الذي التقيته‬ ‫ً‬ ‫معبــر الحدود بيــن ســورية وتركيا‪ ،‬في‬ ‫أواخر عام ‪ ،2015‬قبل أن نخطو خطوتنا‬ ‫األولــى نحــو مجهــول‪ ،‬كنّــا نتوقّعه‪ ،‬بل‬ ‫كل يــوم‪ ،‬تقريباً‪ ،‬في‬ ‫كنّا نشــاهد بوادره ّ‬ ‫طفــرات العنجهية التي بدأت تتســلَّل إلى‬ ‫حياتنا اليومية‪ ،‬واالســتبداد الســافر إلى‬ ‫َحــّد االبتذال‪ .‬كالنا كان يحمل بيده حقيبة‬ ‫يد صغيرة‪ ،‬ويتفــادى النظر إلى الوراء‪،‬‬ ‫حيث الدمــار وطابور طويل من مهاجرين‬ ‫كل المحافظات السورية‪.‬‬ ‫جدد قادمين من ّ‬ ‫«ال أدري»‪ ،‬أجــاب‪« ،‬ولكــن يبــدو أننــا‪-‬‬ ‫ربمــا‪ -‬حتــى دون وعــي منّا‪ ،‬كنّــا نرى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ونحــس بذلك‪ ،‬منذ زمن بعيد؛ أي منذ أن‬ ‫ّ‬ ‫صــادروا رســائلنا وكتبنا‪ ،‬هــل تذكر؟»‪.‬‬ ‫ربما‪ ،‬كان يريد أن يقول‪ :‬منذ أن صادروا‬ ‫َّ‬ ‫عقولنا ووجودنا؟ جوابه هذا حفَّزني لكي‬ ‫مــر ًة أخرى‪ ،‬بعد‬ ‫أعيــد قراءة هــذا الكتاب ّ‬ ‫أكثــر من أربعين عامــ ًا من قراءتي األولى‬ ‫المرة‪،‬‬ ‫لتلك الطبعة‬ ‫َّ‬ ‫الملخصة‪ ،‬لكن‪ ،‬هذه ّ‬ ‫حي‬ ‫فــي مقهــى صغيــر‪ ،‬فــي أحــد أزقّــة ّ‬ ‫«تقسيم»‪ ،‬في إسطنبول‪.‬‬ ‫رجــم إلى أكثر من ثالثين‬ ‫والكتــاب الذي ُت ِ‬ ‫األول في إنجلترا‪ ،‬عام‬ ‫لغة‪ ،‬منذ ظهــوره َّ‬ ‫‪ ،1956‬كان ويلســون قــد كتبه‪ ،‬وهو في‬ ‫ســن الخامســة والعشــرين‪ ،‬فــي إحــدى‬ ‫ّ‬ ‫صــاالت المطالعــة مــن مكتبــة المتحــف‬ ‫البريطانــي‪ ،‬في فترة كان المؤلِّف يقضي‬ ‫وي َعّد‪ ،‬اآلن‪ ،‬أحد‬ ‫لياليه في حديقة ّ‬ ‫عامة‪ُ ،‬‬

‫أهم الكتب الكالسيكية في القرن العشرين‬ ‫ّ‬ ‫يســمى‪ ،‬فــي الغــرب‪،‬‬ ‫الــذي أنجــب مــا‬ ‫ّ‬ ‫أدب «العالــم الســفلي»‪ .‬فعبــر أعمــال‬ ‫فنّانيــن‪ :‬كّتابــاً‪ ،‬وفالســفة‪ ،‬ومــن خالل‬ ‫حيواتهم‪ ،‬مثل كافــكا‪ ،‬وكامو‪ ،‬وهيرمان‬ ‫هيس‪ ،‬وإرنســت هيمنجواي‪ ،‬ونيتشــه‪،‬‬ ‫وفــان كــوخ‪ ،‬ووليــم بليــك‪ ،‬وســارتر‪،‬‬ ‫ودوستويفســكي‪ ،‬وكولــن ويلســون‪،‬‬ ‫يســبر‪ ،‬بواسطة سيكولوجية األشخاص‬ ‫بعد‬ ‫ودورهــم‪ ،‬أولئــك «الذيــن يمتلكــون َ‬ ‫نظــر أكثر بكثير من المعتــاد»‪ ،‬ويصلون‬ ‫إلــى إضافــة أنمــوذج جديد مــن المعرفة‬ ‫والحرّية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫«فجــأة‪ ،‬أيقنــت أننــي أعيــش فــي‬ ‫الوضــع نفســه الــذي كان يعيــش فيــه‬ ‫المفضلين‪:‬‬ ‫األدبييــن‬ ‫كثيــر مــن أبطالــي‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫راســكولينكوف بطــل روايــة «الجريمــة‬ ‫والعقــاب» لدوستويفســكي‪ ،‬أو مالتــه‬ ‫لوريــدس بريغه‪ ،‬بطل رواية راينر ماريا‬ ‫ريلكــه اليتيمــة «دفاتــر مالتــه لوريــدس‬ ‫بريغــه»‪ ،‬أو المغامــر الشــاب فــي رواية‬ ‫«الجــوع» للكاتــب النرويجــي كنــوت‬ ‫همســون‪ ،‬التي كتبها بعد جولة مشؤومة‬ ‫في أميركا‪ ،‬في أواخر القرن التاسع عشر‬ ‫(الروايــة صدرت في عام ‪ .)1890‬لم يكن‬ ‫وضع ًا يمكنني أن أفتخر به‪ ،‬وكانت فكرة‬ ‫ّأل أقضي عيد الميالد في البيت تحزنني‪،‬‬ ‫لكن شــيئ ًا ما‪ ،‬في داخلي‪ ،‬كان قد دفعني‬

‫الختيــار العزلــة‪ .‬بــدأت أكتــب عنهــا في‬ ‫مفكرتــي‪ ،‬محــاو ًال البحــث عــن الســبب‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫يــدي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فجــأة‪ ،‬فهمــت أننــي أملــك‪ ،‬بيــن ّ‬ ‫المفكرة وكتبت‬ ‫موضوعــ ًا لكتاب‪ .‬فتحــت‬ ‫ِّ‬ ‫فــي رأس الصفحــة‪ :‬مالحظــات لكتــاب‬ ‫مخططــ ًا معقَّدًا‬ ‫«الالمنتمــي»‪ ،‬ثم رســمت َّ‬ ‫بمــا فيه الكفايــة‪ ،‬علــى صفحتين‪ ،‬وفي‬ ‫ذلك المساء‪ ،‬غفوت بإحساس من سرور‬ ‫عميــق‪ ،‬وبدا لي كأننــي قضيت أجمل عيد‬ ‫ميالد في حياتي»‪.‬‬ ‫ــي يملك شــذرة‬ ‫َّ‬ ‫ربمــا‪ ،‬ال يوجــد كائــن َح ّ‬ ‫ضميــر‪ ،‬ولــم يجرب‪ -‬ولو لبضــع ثوان‪-‬‬ ‫بوهمية الواقع في أثناء حدث‬ ‫اإلحساس‬ ‫ّ‬ ‫مشوشــة‪،‬‬ ‫ذكرى‬ ‫بروز‬ ‫عند‬ ‫أو‬ ‫خارجــي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أو حالــة مــن عــدم االرتيــاح‪ ،‬حيــث ال‬ ‫يعــرف‪ -‬بالضبــط‪ -‬إذا كان يجب عليه أن‬ ‫ُيرجع أســبابها إلى العقل أم إلى الجسد‪.‬‬ ‫وبالفعل‪ ،‬يكفي القليل لكي نســتوعب أن‬ ‫الحســي‪ ،‬وارتباطنا الوجداني‪،‬‬ ‫ارتباطنا ّ‬ ‫كل األشــخاص اآلخرين‪،‬‬ ‫مع العالم‪ ،‬مثل ّ‬ ‫هــو نوع من العــادة الموروثــة والقناعة‬ ‫المتأصلــة‪ .‬إذاً‪ ،‬يجب أن يكون هنالك‪ -‬ال‬ ‫ِّ‬ ‫محالة‪ -‬مســتوى من الحقيقة أكثر ِّاتساع ًا‬ ‫وشــموالً‪ ،‬يتوافــق مــع نمــط جديــد مــن‬ ‫الحرّية‪ ،‬ومع درجة من الحياة الســعيدة‬ ‫ّ‬ ‫التــي يبــدو أن اإلنســانية قد تخلَّــت عنها‬ ‫نتيجــة لعنة أو شــعوذة غامضــة‪ .‬ولكن‬ ‫اإلحســاس العابــر بأننا ُأ ِ‬ ‫صبنــا بالغبن‪،‬‬ ‫منــذ الوالدة‪ ،‬هو أمر ال ُي َعــّد نادرًا تماماً‪،‬‬ ‫ويجب أن نضيف‪ ،‬فوراً‪ ،‬أن اإلنســانية ال‬ ‫تبــدو أنها تعاني‪ ،‬بشــكل مفرط‪ ،‬من هذا‬ ‫التقييد‪ .‬العادة والضــرورة تدعواننا إلى‬ ‫االعتقــاد بــأن الحيــاة التي نعيشــها هي‬ ‫الحيــاة الواقعيــة الوحيــدة‪ ،‬وتجري في‬ ‫العالــم الوحيد من العوالــم الممكنة‪ .‬وإذا‬ ‫ما أردنا أن ّ‬ ‫نشك في طريقة ممنهجة‪ ،‬من‬ ‫شكلها الظاهري‪ ،‬فإن‪ ،‬قدرتنا الوجودية‪-‬‬ ‫نسف من أساسها‪.‬‬ ‫بحّد ذاتها عندئذ‪ُ -‬‬ ‫ست َ‬ ‫ال‬ ‫اإلنسانية يمكن أن تمنح نفسها عددًا قلي ً‬ ‫المزودين ﺒ «حياة ثانية»‪،‬‬ ‫جّدًا من األفراد‬ ‫َّ‬ ‫ّيــة‪ ،‬من جهــة ثانيــة‪ ،‬مؤلَّفة‬ ‫وهــذه األقلّ‬ ‫من رجال يعيشــون منعزلين‪ ،‬ويزدادون‬ ‫توغلــوا في طريــق المعرفة‪،‬‬ ‫عزلــة كلّما َّ‬ ‫ونــادرًا مــا يتعارفــون‪ ،‬وســرعان مــا‬ ‫يتملَّكهم اإلحساس بأنهم الوحيدون الذين‬ ‫‪91‬‬


‫قراءات‬

‫يبصــرون فــي عالم من العميــان‪ ،‬الواحد‬ ‫منهــم يمكــن تعريفه بـ«الــا منتمي»‪ ،‬أي‬ ‫الشخص الذي يبقى خارج اإلطار‪ ،‬والذي‬ ‫يجعــل مــن اختالفــه العنصــر المحوري‬ ‫لوجوده‪.‬‬ ‫عندمــا خطــرت لكولن ولســون فكرة هذا‬ ‫الكتاب‪ ،‬لم يكن يتوقَّع أنه سيلقى نجاح ًا‬ ‫أهــم كتــب القرن العشــرين‪،‬‬ ‫يجعلــه من ّ‬ ‫ليتحــول‬ ‫أمامــه‬ ‫المجــال‬ ‫وأنــه ســيفتح‬ ‫َّ‬ ‫إلى اســم مشــهور في عالــم األدب‪ ،‬حيث‬ ‫إنه‪ ،‬منذ ذلــك الوقت‪ ،‬ولغاية وفاته عام‬ ‫‪ ،2013‬لــم يتوقَّــف عــن كتابــة مؤلَّفــات‬ ‫نقدية‪ ،‬وروايات واقعية وأخرى خيالية‪،‬‬ ‫وصلت إلى مئة كتــاب تقريباً‪ .‬حتماً‪ ،‬إذا‬ ‫أردنــا أن نحكم على ويلســون من وجهة‬ ‫نظر أكاديمية‪ ،‬نستطيع القول إن منهاجه‬ ‫لــم يكن ُمحكم ًا تماماً‪ ،‬حتى أنه ُّاتهِم‪ ،‬في‬ ‫كثيــر من األحيان‪ ،‬بالدجــل والزيف‪ .‬لكن‬ ‫نيته تأليف كتاب في‬ ‫ويلسون لم يكن في َّ‬ ‫النقد األدبي أو الفلسفي‪ ،‬بل ما كان يريده‬ ‫التطرق إلى موضوع غير شائع حول‬ ‫هو‬ ‫ُّ‬ ‫تاريــخ األدب‪ ،‬ذي إشــكالية كبيــرة؛ إنه‬ ‫تتشــكل داخل‬ ‫الحرّيــة‪ ،‬وكيف‬ ‫ِّ‬ ‫موضــوع ّ‬ ‫النظريــات‪ .‬والكتب التي‬ ‫الحيــاة ال عبــر‬ ‫ّ‬ ‫بحّد‬ ‫لهــا‪،‬‬ ‫ــة‬ ‫ي‬ ‫أهم‬ ‫ال‬ ‫الرؤيــا‬ ‫تعكــس هــذه‬ ‫ّّ‬ ‫َ‬ ‫ذاتها‪ ،‬بل هي شذرات من تجارب أخرى‪،‬‬ ‫ضيق‬ ‫لحيوات عاشت وجودها على ّ‬ ‫خط ِّ‬ ‫جّدًا يفصل ما بين التنوير والتجهيل؛ ألن‬ ‫هــذه هي حياة الالمنتمي‪ ،‬ذاك الذي يرى‬ ‫ما ال يراه اآلخرون‪ ،‬والذي ال يمنح القيمة‬ ‫كل تلك األشــياء التي يعّدها‬ ‫نفســها إلــى ّ‬ ‫اآلخرون َقّيمة وثمينة‪ .‬إنها حياة صعبة‪،‬‬ ‫ضيق ال يمكن ولوجــه‪ ،‬مع ذلك‪،‬‬ ‫وبــاب ِّ‬ ‫اســتطاع‪ ،‬ويلســون من خالل كتابه‪ ،‬أن‬ ‫يحدد‪ -‬بالضبــط‪ -‬التناقض الذي يجب أن‬ ‫ِّ‬ ‫يواجهــه الال منتمي؛ أي أنــه يناضل من‬ ‫حرّيته‪ .‬وفي الوقت نفسه‪،‬‬ ‫أجل ترســيخ ّ‬ ‫ال يملــك ثقة في واقــع العالم الذي يحيط‬ ‫به‪ ،‬وغالب ًا ما يتالفاه اآلخرون‪ .‬لكن‪ ،‬هل‬ ‫الحرّية فــي الواقع‪ ،‬فقط؟‬ ‫يمكن ترســيخ ّ‬ ‫الالمنتمــي يجازف‪ ،‬دائمــاً‪ ،‬في أن يبقى‬ ‫حبيس ظروف مســتحيلة‪ ،‬ألن «ممارسة‬ ‫الحرّية‪ ،‬في عالم خيالي ومستحيل‪ ،‬هي‬ ‫ّ‬ ‫أشبه بالقفز في لحظة السقوط»‪.‬‬ ‫هــذه الخاتمــة‪ ،‬لويلســون‪ ،‬تبــدو لــي‬ ‫‪92‬‬

‫أيامنا‬ ‫معاصــرة‪ ،‬كما لــو أنها كتبت فــي ّ‬ ‫باألخص‪ -‬فــي عالمنا العربي‪،‬‬ ‫هــذه‪ ،‬و‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ألن الــا انتماء أصبح‪ ،‬منذ فترة طويلة‪،‬‬ ‫يتجــزأ مــن حياتنا‪ .‬لــذا نجد من‬ ‫جــزءًا ال‬ ‫َّ‬ ‫الغريــب‪ ،‬حقــاً‪ ،‬أن كولن ولســن قد حقّق‬ ‫شــهرة كبيرة في بالدنا‪ ،‬رغم أنه يكاد ال‬ ‫يكــون معروف ًا في بلــدان أوربية عديدة‪،‬‬ ‫جاداً‪ ،‬أبداً‪.‬‬ ‫ولم ُيعَترف به‪ ،‬بوصفه كاتب ًا ّ‬ ‫ــي ‪1956‬‬ ‫فــي الوقت نفســه‪ ،‬مــا بين َ‬ ‫عام ْ‬ ‫و‪ ،2016‬لوحــظ تغييــر جــذري‪ ،‬و‪-‬‬ ‫أهمّيــة وفاعلية‪،‬‬ ‫ربمــا‪ -‬مطلــق‪ ،‬ال ّ‬ ‫َّ‬ ‫يقــل ّ‬ ‫في ســلوك األفراد والمجتمعات‪ ،‬بشــكل‬ ‫عــام‪ .‬فلنأخــذ النمــاذج المفضلــة من الال‬ ‫ّ‬ ‫منتمــي المذكورة فــي الكتــاب‪ ،‬مثل تي‪.‬‬ ‫إس‪ .‬إليــوت‪ ،‬ودافيــد هربــرت لورانس‪،‬‬ ‫وفــان كــوخ وفلســفته المريــرة التــي‬ ‫سردها في رسائله إلى أخيه‪ ،‬وفاسالف‬ ‫نيجينســكي‪ ،‬نجم الرقص الحديث‪ ،‬وهو‬ ‫روسي من أصل بولندي الذي ترك خلفه‬ ‫مذكــرات تطفح بالصوفية‪ ،‬قبل أن يغرق‬ ‫ِّ‬ ‫في الجنون‪ .‬يمكننــا أن ننظر‪ ،‬بإعجاب‪،‬‬ ‫إلى ويلســون‪ ،‬وإلــى قدرتــه الرائعة في‬ ‫التقمــص العاطفــي‪ ،‬لكــن تأتــي‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫اللحظــة التي نتســاءل فيهــا‪ :‬كيف انتهت‬ ‫القصــة؟ مــن هــم‪ ،‬اليــوم‪ ،‬أولئــك‬ ‫هــذه ّ‬ ‫األشــخاص‪ ،‬مثل دوستويفســكي‪ ،‬وفان‬ ‫كوخ‪ ،‬ونيجينسكي؟‬ ‫وجــود الــا منتمــي‪ ،‬حتمــاً‪ ،‬ليــس مــن‬ ‫اختــراع ويلســون‪ ،‬ويتطابق مع شــيء‬ ‫راســخ‪ ،‬بعمق‪ ،‬في الطبيعة اإلنســانية‪.‬‬ ‫وكل جيــل ينتج أفراده مــن الال منتمين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أيامنا‬ ‫وال‬ ‫شــك في أنهــم موجودون فــي ّ‬ ‫هــذه‪ ،‬أيضــاً‪ ،‬حبيســين فــي حجراتهم‪،‬‬ ‫أمــام الحواســب أو التليفونــات الذكيــة‪،‬‬ ‫أو ضائعيــن فــي زحام مدينة مــا‪ ،‬بينما‬ ‫يمارســون امتياز العزلــة‪ ،‬ويعانون من‬ ‫عــذاب الحيــاة الثانية‪ ،‬يقظيــن في عالم‬ ‫يعبرون عن أنفســهم؟‬ ‫نائــم‪ .‬لكن‪ ،‬كيــف ِّ‬ ‫وكيــف ينظــرون إلــى عالمنــا الحالــي؟‬ ‫تحديــث كتــاب ويلســون‪ ،‬فــي الحقيقة‪،‬‬ ‫هــو أمــر صعــب جــّداً‪ .‬فبالنســبة إليــه‪،‬‬ ‫اصطيــاد مواضيعــه‪،‬‬ ‫كان أمــرًا طبيعيــ ًا‬ ‫ُ‬ ‫فــي الروايــات‪ ،‬وفــي األعمال الفلســفية‬ ‫لسارتر‪ ،‬وكامو‪ ،‬وغيرهما‪ .‬بينما‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫الفــن والفكر‪ ،‬في نســقها‬ ‫تبــدو منظومــة ّ‬

‫العــام‪ ،‬كأنها خالية مــن الال منتمين‪ .‬هذا‬ ‫ّ‬ ‫اســتثنائيين‬ ‫ّانين‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫يوجد‬ ‫ال‬ ‫أنه‬ ‫يعنــي‬ ‫ال‬ ‫ِّ‬ ‫وعباقــرة‪ ،‬أيضــاً‪ .‬لكن‪ ،‬في هــذه العقود‬ ‫الســّتة التــي تفصلنــا عن تاريــخ صدور‬ ‫الفن‬ ‫كتاب ويلســون‪ ،‬أصبح الفارق بين ّ‬ ‫والتجربــة المعايشــة كبيــراً‪ ،‬لدرجــة أن‬ ‫فأية‬ ‫األول لم يعد يعرف شيئ ًا عن اآلخر؛ ّ‬ ‫َّ‬ ‫أية لوحة‪ ،‬تبدو‬ ‫أو‬ ‫فيلــم‪،‬‬ ‫أي‬ ‫أو‬ ‫روايــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكأنهــا قادمة من وجود ال يمكن تمييزه‪،‬‬ ‫كل الوجوديــات‪ ،‬بفضــل العولمــة‬ ‫ألن ّ‬ ‫الفن‬ ‫الفجــة‪ ،‬أصبحت متشــابهة‪ ،‬تقريباً! ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتخذ‪ ،‬دائماً‪ ،‬شــكل احتفاء باذخ‪،‬‬ ‫أصبح َّ‬ ‫المادي‪،‬‬ ‫بالربح‬ ‫مرتبط‬ ‫اجتماعي‬ ‫وطقس‬ ‫ّ‬ ‫معينة من المجتمع‪ ،‬في‬ ‫وبمباركة طبقــة َّ‬ ‫صــاالت البيــع بالمــزاد العلنــي‪ .‬طبعاً‪،‬‬ ‫ربمــا‪ -‬تســتطيع أن تنتــج فنّــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫المــادة‪َّ -‬‬ ‫ذا جــودة عاليــة‪ ،‬ولكــن مــن الصعب أن‬ ‫نجــد اليوم في رواية أو في فيلم شــهادة‬ ‫تحو ًال داخلياً‪،‬‬ ‫تعكس رؤية مستقبلية أو ُّ‬ ‫بالمعنى الذي يتكلَّم عنه ويلسون‪.‬‬ ‫«أنا َح ٌّي‪ ،‬وأنتم أموات»‪ ،‬هذا هو العنوان‬ ‫الذي اختاره إيمانويل كاريير(‪ )1‬للســيرة‬ ‫الخاصــة بـ«فيليــب ديــك»(‪)2‬؛‬ ‫الذاتيــة‬ ‫ّ‬ ‫كل الال‬ ‫يلخص حياة ّ‬ ‫عنــوان يبدو وكأنــه ِّ‬ ‫منتميــن‪ .‬وفيليــب ديــك‪ -‬رغــم أنــه ترك‬ ‫كل مجاالت التعبير‪ ،‬تقريباً‪-‬‬ ‫بصماته في ّ‬ ‫حقبة‬ ‫لم يمتلك وريث ًا حقيقياً‪ ،‬ألنه أغلق‬ ‫ً‬ ‫بــد ًال مــن أن يفتــح أخرى‪ ،‬وألن مســاره‬ ‫كان تجربة حياة أصيلة؛ تجربة صوفي‬ ‫وحالــم‪ ،‬وتجربة الال انتماء‪ ،‬في شــكلها‬ ‫العفــوي‪ُ ،‬مغلّفــة من المهنــة المتواضعة‬ ‫علمي‪ .‬اليوم‪ ،‬بقيت المهنة‪،‬‬ ‫لكاتــب خيال ّ‬ ‫ربما‪-‬‬ ‫فقــط‪ ،‬بال جــذور في عمق‬ ‫ّ‬ ‫المــادة‪َّ -‬‬ ‫وربمــا بشــكل مؤقــت؛ إذ إن الــا‬ ‫لألبــد‪َّ ،‬‬ ‫منتمــي تخلّــى عن قنــاع الفنّــان الحالم‪،‬‬ ‫التعــرف إليــه‪ ،‬اليوم‪ ،‬في‬ ‫ومن العســير‬ ‫ُّ‬ ‫المزيفيــن‪ ،‬والمناديــن‬ ‫المتنبئيــن‬ ‫زحــام‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بالخالص وبالنقاء المستحيل‪.‬‬ ‫هامش‪:‬‬

‫‪1 - Emmanuel Carrére.‬‬ ‫‪2 - Philip Kindred Dick (1928 -1982).‬‬

‫«هذا األزرق» لمحمد بنيس‬ ‫متحررًا من َأ ْسر الحواس‬ ‫اللون‬ ‫ِّ‬ ‫عبده وازن‬ ‫ــد ليفضــي إلى كتاب‬ ‫«و ِج َ‬ ‫إذا كان العالــم ُ‬ ‫جميــل»‪ ،‬كمــا يقــول الشــاعر الفرنســي‬ ‫ستيفان ماالرميه‪ ،‬فال ّ‬ ‫شك في أن ديوان‬ ‫«هــذا األزرق» هــو واحــد من الكتــب التي‬ ‫تعيــد إلــى العالــم ســحراً‪ ،‬يــكاد يفقده‪،‬‬ ‫أو ًال وأخيــراً‪ -‬ســحر الشــعر الذي‬ ‫وهــو‪َّ -‬‬ ‫لطالما مارســه الشاعر محمد بنيس‪« .‬هذا‬ ‫األزرق» ليــس ديوانــ ًا بحســب مــا ُيفهــم‬ ‫عادة‪ ،‬بل هو «الكتاب»‬ ‫الديوان الشعري‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الــذي انتهت إليه‪ ،‬في ما يشــبه الخالصة‬ ‫وحياة‪ ،‬همــا أعمق‬ ‫تجربــة‬ ‫الجوهريــة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫نص‪ .‬و‪-‬‬ ‫وأوســع من أن يحّدهما زمن أو ّ‬ ‫ربمــا‪ -‬لم تكن هــذه الخالصة لتنتهي إلى‬ ‫َّ‬ ‫هذا «الكتاب» بمقدار ما غدت تبدأ به‪ .‬وهذا‬ ‫يؤكد أن ليس في حســبان محمد بنيس‬ ‫ما ِّ‬ ‫صاحب المشــروع الشــعري ال الشــاعر‪،‬‬ ‫انتهاء؛ فالشعر لديه يبدأ‬ ‫فقط‪ ،‬ما ُيســمى‬ ‫ً‬ ‫مــن لحظة االنتهــاء مــا دام االنتهاء عودًا‬ ‫علــى بدء‪ ،‬خلقــ ًا وإبداعاً‪ .‬ولــم أختر هذا‬ ‫ألطل‪ ،‬مــن خالله‪ ،‬على‬ ‫الديــوان الجديــد ّ‬ ‫بحق‪-‬‬ ‫عالــم شــاعرنا ّإل ألنــه يختصــر‪ّ -‬‬ ‫كل محمــد بنيــس‪ :‬شــخص ًا وشــاعراً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل محمد بنيس هنا‪:‬‬ ‫كينونــة وتجلِّيــات‪ّ .‬‬ ‫ً‬ ‫والمفكر‪ ،‬والمترجم‪...‬‬ ‫الشــاعر‪ ،‬والناثر‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫المتصوف‪ ،‬والمثقَّــف‪ ،‬العارف المتراوح‬ ‫ِّ‬ ‫والمقــدس‪ ،‬الجامــع بيــن‬ ‫الدنيــوي‬ ‫بيــن‬ ‫َّ‬ ‫ــي أبولــون وديونيــزوس‪ ،‬ســليل‬ ‫َ‬ ‫طيف ْ‬ ‫فاس‪ ،‬المشــبع بجماليات الزليج والطين‬ ‫فخاراً‪ ...‬الســندباد الذي جاب‬ ‫المســتحيل ّ‬ ‫مدنــ ًا وحضــارات‪ ،‬ثــم الشــاعر‪ ،‬أيضــاً‪،‬‬ ‫بالســر‪،‬‬ ‫الملم‬ ‫وســارق النــار ومضرمها‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬

‫الحافــظ األمانــة‪ ،‬الرائــي‪ ،‬لكــن بقدمين‬ ‫راسختين وعينين مفتوحتين على الزرقة‬ ‫الشاســعة‪ ،‬الزرقــة التــي شــاء أن يكتب‬ ‫ملحمتهــا فــي قصائد هي‪ -‬فــي جوهرها‪-‬‬ ‫تتوزع أنفاس ًا وإيقاعات‪.‬‬ ‫قصيدة واحدة‬ ‫َّ‬

‫ملحمة األزرق‬ ‫ليست مصادفة أن يكتب محمد بنيس ملحمة‬ ‫األزرق‪ ،‬في ما تعني الملحمة الحديثة من‬ ‫اقتضــاب واســتنباط واســتيحاء وحفــر‬ ‫جوانية اللّغــة‪ ،‬وتشــكيل بصري‪...‬‬ ‫فــي ّ‬ ‫كان األزرق ديــدن شــاعرنا‪ ،‬رفيق عينيه‬ ‫منذ أن أبصرتا‪ ،‬ســجنه الــذي بال جدران‬ ‫وال أبــواب‪ ،‬رآه و(مــا يــزال يــراه) فــي‬ ‫العمــال العابريــن‬ ‫ّ‬ ‫كل مــا حولــه‪ :‬لبــاس ّ‬ ‫يومياً‪ ،‬والزليج‪ ،‬واألنســجة‪ ،‬واألواني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والــدواة‪ ،‬والنــار‪ ،‬والبحــر‪ ،‬والســماء‪،‬‬

‫ثــم الداخل‪ ،‬وفــي الداخل «ال حــدود بين‬ ‫األزرق والــاأزرق» كما يقول‪ ،‬ثم األزرق‬ ‫الذي طالما «حفر فضــاءه في القصيدة»‪،‬‬ ‫يعبــر‪ .‬وبينمــا يعلن الشــاعر أن هذا‬ ‫كمــا ِّ‬ ‫اللــون لم يكــن غريب ًا عنــه‪ ،‬يعترف‪« :‬لم‬ ‫أعــد أعرف متــى جاءنــي األزرق»‪ ،‬وفي‬ ‫صيغــة أخــرى‪ ،‬يقــول‪« :‬نســيت الطرق‬ ‫أدت بــي إلــى هــذا األزرق»‪ .‬وكلّما‬ ‫التــي ّ‬ ‫أوغــل القارئ في ســبر هــذا األزرق‪ ،‬في‬ ‫مجرد‬ ‫الديــوان‪ ،‬اكتشــف أنه ليس لونــاً‪َّ ،‬‬ ‫لون‪ ،‬بل هو حال ومقام‪ ،‬حضور بالغيب‬ ‫أو غيــاب بالحضور‪ .‬وهنــا‪ ،‬تكمن فرادة‬ ‫أما‬ ‫شــعري ًا‬ ‫مقاربــة األزرق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ووجوديــاً‪ّ .‬‬ ‫مظاهــره الخارجية أو «الحواســية» فهي‬ ‫ليســت ّإل عالمات تخفي‪ ،‬فــي صميمها‪،‬‬ ‫الخلق واألبد‬ ‫كينونة‪ ،‬هي كينونة العدم ّ‬ ‫الالنهائــي والفراغ الممتلئ‪ ،‬والتي تنعدم‬ ‫فيها الثنائيات أو تتناغم األضداد‪ ،‬تناغم ًا‬ ‫جوهرياً‪ ،‬وليس ظاهرياً‪.‬‬ ‫ال غرابــة فــي أن يمســي األزرق حــا ًال أو‬ ‫صوفيــ ًا فــي شــعر محمــد بنيس‪.‬‬ ‫مقامــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫الشــاعر المتجذِّر فــي النصوص الصوفية‬ ‫والعرفانيــة‪ ،‬ينجز نقلة َب ِّينة في ما يمكن‬ ‫وصفــه بـ«تحديــث» المعطــى الصوفــي‬ ‫داخل الصنيع الشعري‪ .‬ال حجاب هنا وال‬ ‫مســتور وال تعميــة وال إلغــاز وال إغراق‬ ‫في الرمزية المغلقة‪ ،‬بل كشــف وإشــراق‬ ‫يعبر الشــاعر‪ ،‬واضطراب‬ ‫أو بــزوغ‪ ،‬كما ِّ‬ ‫وســكينة وصمــت‪ .‬حتى عندما يســتخدم‬ ‫بضعــة مفــردات مــن المعجــم الصوفــي‬ ‫الكالســيكي‪ ،‬فهــو يدرجهــا فــي ســياق‬ ‫‪93‬‬


‫مفهومــي حديــث‪ ،‬منها‪ -‬مثــاً‪ -‬العروج‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والجــال‪ ،‬والشــطحة‪ ،‬والحضــرة‪،‬‬ ‫واالبتالء‪ ،‬كأن يقــول‪« :‬ابتليت باألزرق»‬ ‫أو «شــروع الحضرة يفتح لــي‪ /‬طرقات‬ ‫الصمــت»‪ ،‬أو « هــل هــي نبتــة الهذيان‪/‬‬ ‫تبلوني‪ /‬بقســط من اإلشــراق‪/‬يخطفني‬ ‫صوفيــة األزرق (إن‬ ‫إلى ســكينة»‪ .‬إنهــا‬ ‫ّ‬ ‫صوفية الحلــول األزرق‪،‬‬ ‫أمكن القــول)‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يسميه ماالرميه «غريزة‬ ‫التي تجمع بين ما ّ‬ ‫الســماء»‪ ،‬أو الــازورد الــذي يختصــره‬ ‫التــام»‪ ،‬وما يســميه بيار‬ ‫«منظــر الفــراغ‬ ‫ّ‬ ‫«مادة ســماوية»‪ ،‬وما ارتأى‬ ‫جــان جوف ّ‬ ‫بنيــس تســميته «االنبســاط الالنهائي»‪.‬‬ ‫هــذا األزرق الذي ُي َعّد مــن أعمق األلوان‪،‬‬ ‫يغــرق فيه النظر دون أن يواجه حواجز‪،‬‬ ‫ويتــوه فيه حتــى الالمنتهى‪ .‬هــو اللون‬ ‫ــة‪ ،‬اللون األشــف‪ ،‬األصفى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مادّي ً‬ ‫األقــل ّ‬ ‫تشــبع ًا بالفراغ‪،‬‬ ‫د‬ ‫األشــ‬ ‫األبــرد‪،‬‬ ‫األدفــأ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫فراغ الهواء‪ ،‬فراغ الالزورد‪ ،‬فراغ النار‪.‬‬ ‫ال أعتقد أن ديوان ًا احتفل باألزرق‪ ،‬شعري ًا‬ ‫وصوفي ًا وفلســفياً‪ ،‬كما يحتفل به ديوان‬ ‫تحرينا عن األزرق‪ ،‬في‬ ‫محمد بنيــس‪ .‬لو ّ‬ ‫الشعرالعربي والشــعر العالمي‪ ،‬أللفيناه‬ ‫وقف ًا علــى قصائد أو شــذرات؛ فلم ُيكَتب‬ ‫ســباق ًا في‬ ‫ديوان في األزرق‪ .‬كان بنيس ّ‬ ‫خلــق هــذا الفضاء الشــعري المرتكز على‬ ‫تاريخيــة األزرق وكينونتــه وتجلِّياتــه‬ ‫المتعــددة في الرســم(فيرمير‪ ،‬فان غوغ‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫الخلقة‬ ‫ماتيــس‪ ،)...‬والفنــون اليدويــة ّ‬ ‫تميــزت بهــا مــدن مغربيــة‪ ،‬منهــا‬ ‫التــي َّ‬ ‫فــاس‪ .‬وفي الطبيعة منبعــه األول‪ ،‬وفي‬ ‫المشرعة‬ ‫والمخيلة‬ ‫النفس موئله الحميم‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫الحــواس من‬ ‫حــرر رامبو‬ ‫ْ‬ ‫التخــوم‪ .‬وكما َّ‬ ‫وظيفتها‪ ،‬عبر «الخلل» الذي أسبغه عليها‬ ‫حرر بنيس األزرق من َأ ْسر الحواس فإذا‬ ‫ّ‬ ‫ويتنفَّس‬ ‫ــرى‬ ‫وي‬ ‫لمــس‬ ‫وي‬ ‫ســمع‬ ‫ي‬ ‫األزرق‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كل هــذه الفضائــل ليســت‬ ‫لكــن ّ‬ ‫ــم‪ّ ،‬‬ ‫وي َش ّ‬ ‫ُ‬ ‫ناجمــة عــن «خلــل» أو هذيان بمقــدار ما‬ ‫وسْــكناه‬ ‫هي فائضة من‬ ‫ُّ‬ ‫التوحد باألزرق ُ‬ ‫واالمحاء فيه‪ .‬وما أكثر الدالئل الشعرية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫فــي الديــوان‪ ،‬علــى ســحر هــذا األزرق‬ ‫ال‬ ‫وعجائبيته‪« :‬جذر من النار يظهر‪ /‬حام ً‬ ‫َّ‬ ‫صــوت هــذا األزرق‪ /‬يضــيء كفــا‪ /‬في‬ ‫عتمــة»‪ ،‬أو‪« :‬ال تــدري بــأي يــد ‪ /‬تلمس‬ ‫يشــق‬ ‫األزرق»‪ ،‬أو‪« :‬انظــر إلــى األزرق‬ ‫ّ‬ ‫صــدري‪ ،‬ينفــذ‪ ،‬ال فــي شــكل ترانيم بل‬ ‫كلمعة»‪ .‬هــو األزرق الذي يعلن الشــاعر‬ ‫‪94‬‬

‫رحلة إلى السماء!‬

‫محمد بنيس‬

‫توحده معه‪ ،‬األزرق الذي يتكلَّمه جسده‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫الــذي «يذهــب نحو الشــطآن» منطلق ًا من‬ ‫داخل نفسه‪ ،‬األزرق الذي يتدفَّق من بين‬ ‫األضــاع «واثباً‪/‬جارف ًا ما انكســر مني»‬ ‫كمــا يقــول بنيــس‪ .‬ويســتخدم الشــاعر‬ ‫المتصوفة‬ ‫اإللهي الذي جــذب‬ ‫فعل «كــن»‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫المســلمين‪ ،‬لكــن في ســياق ميتافيزيقي‬ ‫ربما‪ -‬قائالً‪:‬‬ ‫غيــر ديني تماماً‪ ،‬أو وثني‪َّ -‬‬ ‫ِ‬ ‫ويشــفع هذا‬ ‫«كن مــن أزرق إلى أزرق»‪ُ ،‬‬ ‫الســطر بســطر شــعري آخر قائالً‪ ،‬على‬ ‫الحلولييــن (البانتييســت)‪« :‬من‬ ‫طريقــة‬ ‫ّ‬ ‫يرى نفســه يرى األزرق»‪ .‬ولم يشــأ هذه‬ ‫الـ«م ْن» اســم شرط ليجزم فعل يرى‪ ،‬بل‬ ‫َ‬ ‫جعلها اســم ًا موصو ًال بمعنى «الذي»؛ ما‬ ‫يدل علــى ميتافيزيقية فعــل الرؤية هنا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويؤكــد أثــر فعــل األمر هــذا قائــاً‪ -‬على‬ ‫ِّ‬ ‫ســبيل المثــل‪« : -‬أزرق الخليقة يمتّد في‬ ‫عينــي»‪ .‬وفــي وســط الفيــض الصوفي‬ ‫ّ‬ ‫وتراســله بين الــذات والعالم‪،‬‬ ‫لألزرق‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫يتحرر الشــاعر من وطــأة األضداد وثقل‬ ‫َّ‬ ‫حرّية‬ ‫تحــد‪-‬‬ ‫الثنائيــات التي‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫عادة‪ -‬مــن ّ‬ ‫الخلق‪ ،‬وتعيق االنطــاق خارج التخوم‬ ‫المفروضــة َقَدرياً‪ .‬بل إن الشــاعر يلغي‪،‬‬

‫فــي شــطحه األزرق‪ ،‬وجــوه االختــاف‬ ‫والتنافــر بيــن هــذه الثنائيــات‪ ،‬منتصرًا‬ ‫لَ‬ ‫أل َحديــة التــي هي الجمع‪ ،‬فــي آن معاً‪،‬‬ ‫متعــدد‪ ،‬كما‬ ‫وللصــوت الواحــد الذي هو‬ ‫ِّ‬ ‫يعبــر‪ .‬هكذا‪ ،‬يتســاوى األســفل واألعلى‬ ‫ِّ‬ ‫والســورياليون‬ ‫المتصوفة‬ ‫وفق ما يقول‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫(أندريه بروتون‪ ،‬في بيان الســوريالية)‬ ‫كل منهــم على طريقته‪ ،‬وبحســب‬ ‫لكــن‪ّ ،‬‬ ‫مســلكه‪ .‬وتتســاوى‪ -‬أيضــاً‪ -‬الـ«نعــم»‬ ‫ســيان»‪ ،‬يقــول‬ ‫والـــ«ال»‪« :‬نعــم وال‬ ‫ّ‬ ‫الشــاعر‪ ،‬ويصبــح الضميــر «أنــت»‬ ‫ضميــرًا مجهو ًال هو «ال أنــت»‪ .‬أما «اآلن»‬ ‫و«األبد» فيضحيــان «ارتماء في الوجود‪-‬‬ ‫الالوجود» كما يقول الشــاعر‪ .‬وال تفوت‬ ‫جدليــة األنــا واآلخــر‪ ،‬فاآلخــر‬ ‫الشــاعر ّ‬ ‫يظــل آخــر األنــا‪ ،‬وال قيام له مــن دونه‬ ‫ّ‬ ‫غريبْين‪ ،‬أحدهمــا عن اآلخر‪:‬‬ ‫ــدوا‬ ‫مهما َغ َ‬ ‫َ‬ ‫«هــل نحن اليوم غريبــان ‪ /‬الواحد منا‪/‬‬ ‫تتوحد‬ ‫عــن آخــره؟»‪ّ .‬إل أن األضداد لــن‬ ‫َّ‬ ‫توحدهــا الحقيقــي ّإل عندمــا تصبح هي‬ ‫ُّ‬ ‫الشاعر نفســه‪« :‬تناحر بين أضداد‪ /‬هي‬ ‫أنا»‪.‬‬

‫ســماه «مجالــس في الجنة»‪،‬‬ ‫في فاصل‪ّ ،‬‬ ‫يتحرى بنيس مفردة «األزرق» في التراث‬ ‫ّ‬ ‫العربــي؛ ســعي ًا منــه إلــى تجذيــر هــذه‬ ‫المفردة التي اكتسبت معه أفق ًا غير مألوف‬ ‫في الشعر العربي‪ .‬لكنه يصاب بالحيرة‪-‬‬ ‫كما يقول‪ -‬إزاء ندرة استعمال هذه الكلمة‬ ‫تتبع‬ ‫في اللّغة العربية‪ .‬وتبّدى له‪ ،‬بعدما َّ‬ ‫منــازل األلــوان عنــد العــرب‪ ،‬أن األزرق‬ ‫«غريــب بيــن األلــوان» التي لهــا الوجاهة‬ ‫لــدى العرب القدامــى‪ ،‬ويتقّدمهــا األبيض‬ ‫ثــم األســود‪ ،‬يليهمــا األحمــر واألخضــر‬ ‫واألصفــر‪ .‬وبغيــة بلــوغ مأربــه اللّغوي‬ ‫يتخيل نفســه في رحلة إلى الجنّة‪ ،‬يكون‬ ‫َّ‬ ‫المعري‪ ،‬صاحب‬ ‫العالء‬ ‫أبو‬ ‫فيها‬ ‫رشــده‬ ‫ُم‬ ‫ّ‬ ‫«رســالة الغفران»‪ .‬ومثلما خاطب الشاعر‬ ‫فيرجيليــو نظيره دانتي فــي الرحلة التي‬ ‫رافقــه فيها إلى «الجحيم»‪ ،‬في «الكوميديا‬ ‫اإللهيــة»‪ ،‬يحــّدث أبــو العــاء شــاعرنا‬ ‫قبــل الشــروع فــي الصعــود إلــى الجنّــة‬ ‫وينبهه‪ ،‬فــي لفتة أورفية‬ ‫ــين‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫على َفَر َس ْ‬ ‫(أورفيــوس)‪ ،‬قائالً‪« :‬انظــر وال تلتفت»‪،‬‬ ‫«انظــر وال تتكلَّــم»‪ .‬وفــي انطالقــة شــبه‬ ‫غرائبيــة تســترجع فانتازتيكيــة دانتي‪،‬‬ ‫يبلغــان الجنّة بطابعهــا القرآني‪ ،‬فـ«على‬ ‫حافّــة نهــر‪ ،‬تجــري فــي أصــول الشــجر‬ ‫مياهــه» يلتقــي أهــل اللّغــة‪« ،‬متلذِّذيــن‬ ‫أمــا النهــر فهو نهــر الخلود‬ ‫بســكينتهم»‪ّ ،‬‬ ‫الــذي يمنح مــاؤه الحيــاة األبديــة‪ .‬يعبر‬ ‫الشــاعران حقبــات الحضــارة العربيــة‪،‬‬ ‫مــن الجاهليــة إلــى العصــر العباســي‪،‬‬ ‫متوقِّفيــن عنــد ذكر األزرق أو مــا يرادفه‪.‬‬ ‫ومــن هذه الصفات‪ :‬العدو األزرق بحســب‬ ‫قــول الشــاعر رؤبة‪« :‬فقــل ألعــداء أراهم‬ ‫زرقــاً»‪ ،‬و«األزرق الشــديد العــداوة» وفق‬ ‫الســكيت‪ ،‬صاحــب «تهذيــب األلفاظ»‬ ‫ابن‬ ‫ّ‬ ‫الــذي يضيــف قائــاً‪« :‬قالوا عــن األزرق‪:‬‬ ‫كل شــيء‪ ،‬وأضافــوا مــن‬ ‫الصافــي مــن ّ‬ ‫كالمهم‪ :‬مــاء أزرق‪ ،‬ونصــل أزرق‪ ،‬ومن‬ ‫العــدو األزرق كأنه صافي العداوة»‪.‬‬ ‫ذلك‬ ‫ّ‬ ‫محمد بــن أبي‬ ‫وفــي هــذا القبيــل يحضــر ّ‬ ‫بكــر الرازي‪ ،‬وابن ســيده‪ ،‬وابن منظور‪.‬‬ ‫أمــا الشــعراء العباســيون فيحضر منهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بشــار بــرد‪ ،‬وابــن‬ ‫فــي أحــد مجالســهم‪ّ ،‬‬ ‫المعتز‪ ،‬وكجاشــم‪ ،‬وأبو القاسم الزاهي‪،‬‬ ‫وابــن خفاجــة‪ ...‬ويتلــون جميعــ ًا أبيات ًا‬

‫مقطعــات‪َ ،‬و َرد فيهــا األزرق‪ ،‬منهــا‪:‬‬ ‫أو ّ‬ ‫«والبــدر فــي أفق الســماء كدرهــم ‪/‬ملقى‬ ‫ِ‬ ‫زرقاء»(ابن المعتز)‪« ،‬أقبلت‬ ‫علــى ديباجة‬ ‫ِ‬ ‫ــري‬ ‫زرقــاء‪/‬‬ ‫فــي ُغاللــة‬ ‫ً‬ ‫بج ْ‬ ‫زرقــة ُلقّبــت َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫«والزورديــة أوفت بزرقتها‪ /‬بين‬ ‫الماء»‪،‬‬ ‫إالم ترجع‬ ‫الريــاض على زرق اليواقيت»‪َ .‬‬ ‫نــدرة األزرق في التــراث العربي؟ طبعاً‪،‬‬ ‫ليس على الشــاعر أن يجيــب عن مثل هذا‬ ‫الســؤال‪ ،‬فــي ديــوان يحتفل بهــذا اللون‬ ‫عــوض عن تلك‬ ‫الرهيــب‪ّ ،‬‬ ‫ولعل شــاعرنا ّ‬ ‫النــدرة بفيض‪ ،‬هو فيض الشــعر ممزوج ًا‬ ‫بفيوض اللّغة والذات والطبيعة‪.‬‬ ‫البد من أن تطغى مفردة األزرق على‬ ‫كان َّ‬ ‫الديــوان حتــى تؤلِّــف معجمه األســاس‪،‬‬ ‫لكن تواتر هــذه المفردة لم يوقع القصائد‬ ‫في شــرك االســترجاع أو الرتابة‪ ،‬بل هو‬ ‫ســاهم فــي توســيع أفــق القصائــد التي‬ ‫يمكــن أن ُتَقرأ في كونهــا قصيدة واحدة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ومتقطع‪،‬‬ ‫متهــاد‬ ‫ينتظمهــا َنَفس شــعري‬ ‫ِّ‬ ‫متعــدد اإليقاعــات‪ ،‬بيــن تدوير‬ ‫غنائــي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫حــر‪ ،‬ونثــر‬ ‫تفعيلــي‬ ‫ونظــام‬ ‫عروضــي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫خالــص‪ .‬والتدويــر‪ ،‬غالبــ ًا مــا أضفــى‬ ‫شــكل الكتلة الشــعرية على صفحات من‬ ‫الديــوان‪ ،‬بينما خضعــت صفحات أخرى‬ ‫الحــرة التــي يتخلَّلهــا‬ ‫لنظــام القصيــدة‬ ‫ّ‬ ‫البيــاض‪ ،‬وهو رجع البياض الذي يوحي‬ ‫به الشعر‪ -‬وتحديداً‪ -‬األزرق نفسه‪ ،‬عندما‬ ‫يبلغ أوج امتالئه؛ أي فراغه‪ .‬أما التدوير‪،‬‬ ‫وعــاوة علــى فــرادة نســيجه اإليقاعي‪،‬‬ ‫ْــورة لغة الديــوان؛ هذه‬ ‫فقد ســاهم في َبل َ‬ ‫اللّغة التي تتوالد من نفســها في ما يشــبه‬ ‫وقع المطلق؛ فاللّغة‪ -‬كما يقول الشــاعر‪-‬‬ ‫هي «لغة خــارج اللّغة»‪ ،‬لغة «تشــاهد ما‬ ‫أود أن أقول إنها تشهد‬ ‫يستعصي»‪ .‬وهنا‪ّ ،‬‬ ‫تجســد ما‬ ‫أو‬ ‫تعيــش‬ ‫مــا يســتعصي‪ ،‬بــل‬ ‫ِّ‬ ‫يســتعصي‪ ،‬فهي لغة الكينونة الشعرية‪.‬‬ ‫وأتذكر‪ ،‬في هذا الصدد‪ ،‬ما قاله ماالرميه‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫«الشــعر هو التعبير‪ ،‬عبر اللّغة البشرية‪،‬‬ ‫وقــد اســتعادت إيقاعهــا الجوهــري‪ ،‬عن‬ ‫المعنى السري لظواهر الوجود»‪.‬‬

‫الميالد الثاني‬ ‫ســماه «الميالد‬ ‫وفــي الفاصل البديع الذي ّ‬ ‫الثاني»‪ ،‬وهو من أجمل مســالك الديوان‪،‬‬ ‫يطغــى البياض علــى مفهــوم الزمن الذي‬ ‫يمضــي ببطء‪ ،‬والــذي «يحمله البياض ‪/‬‬

‫إلى بياض»‪ ،‬كما يقول الشاعر‪ .‬لكن سماء‬ ‫الغرفــة‪ ،‬وهي غرفة المستشــفى‪« ،‬تترك‬ ‫زرقة» لعلّها زرقة األمل في غمرة مواجهة‬ ‫المــوت‪ ،‬وهي الزرقة نفســها التي يســمع‬ ‫الشــاعر موســيقاها‪ ،‬والتــي تهبــط منها‬ ‫يعبر‬ ‫غيمة‪َ ،‬و ْحَده الشــاعر يبصرها‪ ،‬كما ِّ‬ ‫أيضــ ًاً‪ .‬وال يغيــب الليل عــن الغرفة هذه‪،‬‬ ‫غرفة المواجهة والمكابدة واالنتظار‪ ،‬كأن‬ ‫يقول‪« :‬في الليــل ال تعرف‪ :‬هل االنتظار؟‬ ‫هــل األنين الواصل من مرضى مجاورين؟‬ ‫ممددًا‬ ‫هل غياب وجه يمكــن أن تنظر إليه َّ‬ ‫في غرفــة معقَّمة‪ ،‬تســتقبل أقســاط األلم‬ ‫التــي ترهــق الصــدر تلــك درجــات الليل‬ ‫يظــل‬ ‫تقيســها برجــاء أن تغفــو؟ ســقف‬ ‫ّ‬ ‫ســقفاً‪ ..‬بيــاض يســقط فــوق جســدك‪..‬‬ ‫حتى اليدان بيضاوان‪ .»...‬وفي ختام هذا‬ ‫الفاصل الشــعري الرهيب‪ ،‬يشرق الفجر؛‬ ‫فجر الحياة التي تبحث عن الشاعر لتجعل‬ ‫من نبضــات قلبــه طريق ًا «إلى موســيقى‬ ‫يشبهها األزرق»‪.‬‬ ‫ال يمكــن الخــروج‪ ،‬بســهولة‪ ،‬مــن عالــم‬ ‫كل قصيــدة هنــا‬ ‫ديــوان «هــذا األزرق»؛ ّ‬ ‫وكل‬ ‫وكل مقــام‪ّ ،‬‬ ‫وكل إيقــاع‪ّ ،‬‬ ‫تغــري‪ّ ،‬‬ ‫صــورة‪ .‬عالم يتالقى فيــه اليومي العابر‬ ‫الحســي والروحــي‪ ،‬وفيه‬ ‫والماورائــي‪ّ ،‬‬ ‫الفكــر‪،‬‬ ‫والقلــب‬ ‫‪،‬‬ ‫الســمع‬ ‫العيــن‬ ‫تحاكــي‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الــروح‪ .‬عالم الكلمــة «األكبر من‬ ‫والجســد‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الزمــن»‪ ،‬كما يقــول الشــاعر‪ ،‬ألنها «أخت‬ ‫الســماء وصديقة البحر»‪ ،‬وأضيف‪ :‬ألنها‬ ‫السر وقد كشف نفسه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وقــد ال تخلــو قصائــد «هــذا األزرق» أو‬ ‫قصيدتــه المتواصلــة‪ ،‬إيقاع ًا ونســيجاً‪،‬‬ ‫يســمى «هرمسية»‪ ،‬وهي أعلى مرتبة‬ ‫مما ّ‬ ‫ّ‬ ‫بأن‬ ‫مــن الغموض‪ ،‬حتى ليشــعر القــارئ ّ‬ ‫عليــه أن يتلقّى قصائد أو مقاطع بعينها‪،‬‬ ‫بحواســه وفكره وحدســه‪ ،‬فــي آن معاً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن هرمســية بنيــس عمادهــا البحث عن‬ ‫تعبير ال يهدف إلى نشــر الغموض لذاته‪،‬‬ ‫بــل يقتضــي مــن القــارئ قبــول عالم من‬ ‫الصــور واإليحــاءات والرمــوز‪ ،‬وحــده‬ ‫ســرها‪« .‬ما يحيا غامض ًا ال‬ ‫الشــاعر يملك ّ‬ ‫يــذوب»‪ ،‬يقول محمــد بنيــس‪ .‬عندما قال‬ ‫مر ًة‪« :‬األرض زرقاء‬ ‫الشــاعر بول إليوار‪ّ ،‬‬ ‫مثــل برتقالة» وجد نفســه يضيف إلى هذا‬ ‫الســطر الشعري ســطرًا آخر؛ بغية تبديد‬ ‫الغموض الذي قد يعتري القارئ‪« :‬ال خطأ‬ ‫بتاتاً؛ الكلمات ال تكذب»‪.‬‬ ‫‪95‬‬


‫نصوص معاصرة‬

‫خمسة مبدعني من الهند‬

‫بـ‪ .‬ك‪ .‬باراكادافو‬ ‫‪P. K. Parakkadavu‬‬

‫(قصص قصيرة ج ّد ًا)‬

‫قلت‪.‬‬ ‫النافذة قليالً‪ ،‬دعي‬ ‫«افتحي‬ ‫ً‬ ‫النور يدخل»‪ُ ،‬‬ ‫َ‬ ‫النور‪.‬‬ ‫‪،‬‬ ‫الخارج‬ ‫من‬ ‫‪،‬‬ ‫ب‬ ‫فانص‬ ‫‪،‬‬ ‫الباب‬ ‫فتحت‬ ‫ِ‬ ‫َ ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫قلت‪.‬‬ ‫»‪،‬‬ ‫كذلك‬ ‫يدخلني‬ ‫النور‬ ‫دعي‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ال‬ ‫قلي‬ ‫فيني‬ ‫اكش‬ ‫‪،‬‬ ‫«اآلن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫فكشفتني‪.‬‬ ‫َ‬ ‫رت‪،‬‬ ‫تحر ُ‬ ‫لقد ِن ُ‬ ‫لت نوراً‪ّ ،‬‬ ‫الظالم‪.‬‬ ‫قضبان‬ ‫وراء‬ ‫ِ‬ ‫وهي ال ُ‬ ‫ِ‬ ‫تزال َ‬

‫النهر‬

‫ترجمة ‪ :‬محمد عيد ابراهيم‬ ‫بـ‪ .‬ك‪ .‬باراكادافو‪ :‬اســمه األصلي أحمد‪ُ ،‬وِلد في قرية‬ ‫تخرجه‪ ،‬عمل في دول‬ ‫باراكادافــو‪ ،‬والية كيرال‪ .‬بعــد ّ‬ ‫الخليــج‪ ،‬وهــو عضــو أكاديميــة ســاهيتا‪ ،‬ويعمــل‪،‬‬ ‫محررًا في الدوريات األدبيــة‪ .‬له (‪ )32‬كتاباً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حاليــاً‪ِّ ،‬‬ ‫بين قصص قصيرة‪ ،‬وقصص قصيرة جّداً‪ ،‬وحكايات‬ ‫للصغار‪ ،‬وترجمات أدبية‪.‬‬

‫مسألة الحرّيّة‬

‫األعمال الفنية ‪- Ganesh Patil:‬الهند‬

‫الجنوب طائر‬ ‫ّق من‬ ‫ِ‬ ‫َحل َ‬ ‫ٍ‬ ‫منقار ُه من ِ‬ ‫مدان‪.‬‬ ‫حكك‬ ‫الطائر الذي لم ُي ّ‬ ‫عالم جديد‪ٌ ،‬‬ ‫أجل ٍ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫عيدان ا َأل ُرّز‪.‬‬ ‫حفنة من‬ ‫بمنقاره‪،‬‬ ‫الطائر‪،‬‬ ‫أمس َك‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ــب ا َ‬ ‫الطائــر‬ ‫عقوبــات على الغذاء‪،‬‬ ‫ض‬ ‫ت‬ ‫حيث‬ ‫‪،‬‬ ‫ز‬ ‫ر‬ ‫أل‬ ‫ل‬ ‫ج‬ ‫الذي‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫فر ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫ُ‬ ‫جرم‪.‬‬ ‫ُم ٌ‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫يوقظنا الطائر‪ ،‬فجراً‪،‬‬ ‫بأغاريد من ٍ‬ ‫َ‬ ‫عالم َ‬ ‫العليلة‬ ‫أوالدنا‬ ‫ة‬ ‫صح‬ ‫‪..‬‬ ‫الالئق‬ ‫النوم‬ ‫نقص‬ ‫من ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وح َكْمنا‪:‬‬ ‫أهل‬ ‫نحن‪َ -‬‬ ‫ُ‬ ‫البالد‪ -‬احتشدنا‪َ ،‬‬ ‫إرهابي‬ ‫الطائر‬ ‫ٌّ‬ ‫ُ‬ ‫منطبقين‪،‬‬ ‫بجناحين‬ ‫ذهبي‬ ‫قفص‬ ‫قيم‬ ‫داخل ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فإما أن ُي َ‬ ‫ٍّ‬ ‫أو َي ِ‬ ‫صاصات‪.‬‬ ‫الر‬ ‫ته‬ ‫ّب‬ ‫ق‬ ‫ث‬ ‫‪،‬‬ ‫بجسم‬ ‫األرض‬ ‫إلى‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وذاك‪،‬‬ ‫بين هذا‬ ‫خيُر‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫سن ّ‬ ‫الطائر َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫السمحة‪.‬‬ ‫فنحن‬ ‫نؤمن بالديموقراطية ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫جنون‬ ‫خطير‪،‬‬ ‫حد‬ ‫أنه‬ ‫عرفوا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫مجنون إلى ٍّ‬ ‫فجأة‪ُ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫سبع آبار‬ ‫فصّبوا عليه‬ ‫سبعة آالف ٍ‬ ‫َ‬ ‫دلو من ِ‬ ‫َ‬ ‫أنه لم يرتجف!‬ ‫إال‬ ‫‪،‬‬ ‫شتاء‬ ‫كان‬ ‫أنه َ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ومع ُ‬ ‫َ‬ ‫جهودهم باءت بالفشل‪..‬‬ ‫بعد‪ ،‬أن‬ ‫َ‬ ‫عرفوا‪ ،‬فيما ُ‬ ‫صعب إطفاؤها‪،‬‬ ‫لي‬ ‫حتى‬ ‫‪،‬‬ ‫ساطعة‬ ‫‪،‬‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫فثمة‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫جمرة داخَ ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وإن بمياه المحيط‪.‬‬ ‫‪96‬‬

‫النور والظالم‬

‫صدرك‬ ‫أنام علــى‬ ‫النهــر) قالــت‪:‬‬ ‫ــل‬ ‫َ‬ ‫تتأم ُ‬ ‫(وهــي ّ‬ ‫«ليس لــي أن َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مرَتْين»‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫مراح‪:‬‬ ‫م‬ ‫حك‬ ‫بض‬ ‫النهر‬ ‫فرد‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫ِ‬ ‫قبل ُسقراط»‬ ‫سئمت من‬ ‫لقد‬ ‫‪.‬‬ ‫«هيرقليطس‬ ‫فلسفة ما َ‬ ‫ُ‬ ‫ذن ِ‬ ‫يه‪:‬‬ ‫النهر‬ ‫فأبدَلت ّ‬ ‫الخط َة‪ ،‬وهي ُتفشي إلى ِ‬ ‫بالسر في ُأ َ‬ ‫ّ‬ ‫سهَدة»‬ ‫م‬ ‫روح‬ ‫لكل‬ ‫العزاء‬ ‫انتظارك‬ ‫«في‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٍ ُ َّ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ورد حاســماً‪« :‬جبران‪..‬‬ ‫بتأمالتها‬ ‫يؤخــذ‬ ‫اللطيفــة‪ّ ،‬‬ ‫لــم َ‬ ‫النهــر ّ‬ ‫ُ‬ ‫خليل جبران»‬ ‫للنهر‪..‬‬ ‫نفسها‬ ‫ِ‬ ‫وذات ٍ‬ ‫َ‬ ‫يوم‪ ،‬أخيراً‪َ ،‬‬ ‫وهبت َ‬ ‫النهر‪:‬‬ ‫قال‬ ‫م‬ ‫ث‬ ‫من َ ّ َ‬ ‫ُ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫غيرك‪ .‬يوكيو مشيما‪ ،‬ألبرت كامي‪ ،‬راجا لكشمي »‬ ‫«هذه‬ ‫ِ‬ ‫صّمت عن‬ ‫نحو أحشــاء‬ ‫تفتح‬ ‫ِ‬ ‫األبــواب المزرق َ‬ ‫ّة َ‬ ‫َ‬ ‫النهــر‪ُ ،‬‬ ‫وهــي ُ‬ ‫َس ِ‬ ‫ماعه‪.‬‬

‫الثمن‬ ‫السن‪.‬‬ ‫رجل‬ ‫حكاها لي ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫طاعن في ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫سب‪،‬‬ ‫تناول‬ ‫ضجر من‬ ‫فقد‬ ‫فح ُ‬ ‫الخضروات‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫يبتاع لحم ًا لوجبته‪.‬‬ ‫وقر َر أن‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الضأن‪،‬‬ ‫بيع‬ ‫ان‬ ‫دك‬ ‫على‬ ‫زحام‬ ‫ثمة‬ ‫كان‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ادخار ِ‬ ‫أشهر‬ ‫ستة‬ ‫أن‬ ‫يعلم‬ ‫وهو‬ ‫‪،‬‬ ‫أدراجه‬ ‫عاد‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫لكنه َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫اللحم!‬ ‫يبتاع كيلو من‬ ‫ال يكفيه أن‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫بالشارع‬ ‫عودته‪ ،‬حشدًا‬ ‫درب‬ ‫الحظ‪ ،‬في ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫شخص ِ‬ ‫ّة‪،‬‬ ‫اآلخرين‪ ،‬مّد‬ ‫خلف‬ ‫يشق‬ ‫وبينما ّ‬ ‫إليه لف ً‬ ‫طريقه َ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫طازج‬ ‫تشي‬ ‫لحم َ‬ ‫بأنه ٌ‬ ‫الدماء على الورقة الملفوفة ُ‬ ‫ُ‬ ‫أنه لم يطلب‪.‬‬ ‫شه‬ ‫َ‬ ‫فأده ُ ُ‬ ‫قال بعضهم‪ ،‬كمن يقرأ خياَل ُه‪:‬‬ ‫َ‬ ‫يطلب»‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫يهم‬ ‫ُ‬ ‫«ال ّ َ‬ ‫فسأل‪« :‬وما ِسعرها؟»‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫إنك‪»...‬‬ ‫بمالك‬ ‫فلتمض‬ ‫«تباً!‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الملعون‪َ ،‬‬ ‫برأسه‪ ،‬وهو يمضي عائدًا باللفِ‬ ‫ِ‬ ‫ّة‪.‬‬ ‫أومأ‬ ‫بشري‪.‬‬ ‫لحم‬ ‫وللمرِة األولى‪َ ،‬‬ ‫طعم ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫َّ‬ ‫ذاق َ‬

‫‪97‬‬


‫جائزة‬ ‫األم‬ ‫ُ‬ ‫شفقة ِّ‬ ‫الخصيب‬ ‫الحب‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫حليب الثدي‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بكل ما ِ‬ ‫قناعة‪،‬‬ ‫فيه‪ ،‬عن‬ ‫ت‬ ‫أطعم‬ ‫الوليد ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مطويٍة‪ ..‬ويا لدهشتها!‬ ‫إصبع‬ ‫كل‬ ‫فتحت‪،‬‬ ‫بحنان‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ثم َ‬ ‫وجدت مبلغاً‪:‬‬ ‫َ‬ ‫حليب الثدي‪.‬‬ ‫ثمن‬ ‫ِ‬ ‫َ‬

‫هديّة قدسيّة‬ ‫ِ‬ ‫قدم‪،‬‬ ‫ّة‬ ‫دق ُ‬ ‫خطوة ٍ‬ ‫باب‪،‬‬ ‫وحشي ٌة من‬ ‫صرخة‬ ‫ثم هلّت‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫جرس ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الباب‬ ‫وجهه من ش ِّق‬ ‫برق‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫‪،‬‬ ‫ورقة‬ ‫ّمه‬ ‫ل‬ ‫يس‬ ‫وهو‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ّس َت»‪.‬‬ ‫ف‬ ‫تن‬ ‫الذي‬ ‫الهواء‬ ‫«فاتورة‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬

‫الكلمة‬ ‫قالت ِ‬ ‫الكلمة‪:‬‬ ‫لينام»‬ ‫سانك‬ ‫شفتيك‪،‬‬ ‫«زّم‬ ‫وأرخ ِل َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫سألت‬ ‫«ِل َم؟»‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫أمامك»‪.‬‬ ‫مة‬ ‫تعبت من‬ ‫«لقد‬ ‫مهند ً‬ ‫َ‬ ‫الوقوف َ‬ ‫ُ‬

‫اللص‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫قال‬ ‫فــر بُأذنها‬ ‫رب‬ ‫المصلومــة‪َ .‬‬ ‫َ‬ ‫النافــذة‪ ،‬ثم ّ‬ ‫وصــل عندهــا‪ُ ،‬ق َ‬ ‫اللص‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يوم»‪،‬‬ ‫تلك التي‬ ‫«عوض ًا عن َ‬ ‫ذات ٍ‬ ‫وهبتك َ‬ ‫عب ِ‬ ‫شمس‪.‬‬ ‫اد‬ ‫ٍ‬ ‫بين ّ‬ ‫واختفى َ‬

‫ليلة الزفاف‬ ‫ِ‬ ‫أنجــم‬ ‫الســماء‪،‬‬ ‫ــمين‪ ،‬وخارجــ ًا فــي‬ ‫ــراش‬ ‫بالياس ِ‬ ‫اكتســى الِف ُ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫هرة‪.‬‬ ‫مزد ٌ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫الطاولة‪،‬‬ ‫سطح‬ ‫حليب‪ ،‬فوق‬ ‫ّع من‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫كوب مضل ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫الشباب‪.‬‬ ‫كطي‬ ‫وشك أن‬ ‫يقف على‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫يفيض ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ليلة زفافنا»‪.‬‬ ‫«هذه‬ ‫يها‪:‬‬ ‫ذن‬ ‫أ‬ ‫في‬ ‫همس‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وجه ُه‪،‬‬ ‫يداها‬ ‫ت‬ ‫فالطف‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ثقبت عيَن ِ‬ ‫تحس‬ ‫يزال‬ ‫ال‬ ‫وهو‬ ‫يه‪،‬‬ ‫لسانها‪ ،‬من ِ‬ ‫يقلع َ‬ ‫ُ‬ ‫دون أن ّ‬ ‫ثم َ‬ ‫ُ‬ ‫ألم!‬ ‫بأدنى‬ ‫ٍ‬ ‫البر ِ‬ ‫اقة‪.‬‬ ‫واألنجم‬ ‫مين‬ ‫بالياس‬ ‫ولياليهما‬ ‫امهما‬ ‫أي‬ ‫رت‬ ‫تعط‬ ‫منذئٍذ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ ّ‬ ‫َ‬

‫‪98‬‬

‫لون األسى‬ ‫المطبخ‪،‬‬ ‫الكعك في‬ ‫تخبز‬ ‫كانت‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫مفتوح‪.‬‬ ‫نصف‬ ‫والمطبخ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫علة‪ ،‬قالت‪:‬‬ ‫الفرن‪ ،‬كي‬ ‫تميل على‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫تضبط ُ‬ ‫الش َ‬ ‫وهي ُ‬ ‫يخطف ويجري»‬ ‫فقد‬ ‫؛‬ ‫الغراب‬ ‫من‬ ‫‪،‬‬ ‫أرجوك‬ ‫«احترس‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫الص ِ‬ ‫ِ‬ ‫ينية‪.‬‬ ‫في‬ ‫الكعك‬ ‫على‬ ‫اهتمامه‬ ‫فانص ّب‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫يطير‬ ‫فقد‬ ‫!‬ ‫والعين‬ ‫البال‬ ‫من‬ ‫لغفوة‬ ‫ّى‬ ‫وأن‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫الباب‬ ‫شقوق‬ ‫ليدخل من‬ ‫ماكر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫غراب ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫كان بالعدد ذاته‪،‬‬ ‫لكن‪ ،‬يبدو أن‬ ‫َ‬ ‫الكعك َ‬ ‫مكين‪.‬‬ ‫حارس‬ ‫فهو‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫الغراب‪،‬‬ ‫تصارع بين َفّك ْي‬ ‫وبعيداً‪ ،‬وهي‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫بالوداع‪.‬‬ ‫تومئ‬ ‫بيديها‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫لو َحت ُ‬ ‫له َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫رمز األسى‪.‬‬ ‫الس‬ ‫الغراب‬ ‫صار‬ ‫‪،‬‬ ‫ذ‬ ‫منذئ‬ ‫حيم َ‬ ‫ُ ّ ُ‬ ‫َ‬

‫هي‬ ‫النار‪،‬‬ ‫تبتل عيناها من‬ ‫قد ال ّ‬ ‫النفخ في ِ‬ ‫ِ‬ ‫بالنار‪.‬‬ ‫يحترق‬ ‫الذي‬ ‫الحطب‬ ‫هي‬ ‫عنها؛‬ ‫فتخل‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫الر َحى‪،‬‬ ‫حجر‬ ‫ضغط‬ ‫من‬ ‫ذراعاها‬ ‫تلين‬ ‫قد ال ُ‬ ‫ِ ّ‬ ‫الر َحى‪.‬‬ ‫فاجتِنبها؛ هي التي‬ ‫َ‬ ‫سح ُن َ‬ ‫تحت ّ‬ ‫سوف ُت َ‬ ‫ِ‬ ‫العتمة؛‬ ‫النور في‬ ‫حين ال ُتبدي لك‬ ‫وال تُلْمها َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫عتمتك‪.‬‬ ‫عنك‬ ‫حرقة الجثث التي‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ستصرف َ‬ ‫شعل َم َ‬ ‫ست ُ‬ ‫فهي التي ُ‬

‫الشعلة‬ ‫كمصباح‬ ‫البــارق‬ ‫الحارق‪،‬‬ ‫عثر علــى جماِلها‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫للوهلــة األولى‪َ ،‬‬ ‫فتائل‪.‬‬ ‫بسبع‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫صباح‬ ‫البارق أشــّد مــن م‬ ‫الحارق‪،‬‬ ‫ــر جماَلها‬ ‫ب‬ ‫خ‬ ‫‪،‬‬ ‫الزفاف‬ ‫فــي‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الشعائر‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الكيروســين‪،‬‬ ‫فيصب‬ ‫المــرأة‪،‬‬ ‫تجــارة‬ ‫يســاوم على‬ ‫أن‬ ‫ــر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وفك َ‬ ‫ويشعَل ُه‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫عداه‪.‬‬ ‫أي‬ ‫الحارق‪،‬‬ ‫سيكون جماُلها‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أكثر من ّ‬ ‫ُ‬ ‫شيء ُ‬ ‫البارق َ‬

‫برق‬ ‫ِ‬ ‫العتمة‪،‬‬ ‫آخر‬ ‫تاه في ِ‬ ‫دربه َ‬ ‫ّ‬ ‫حين َ‬ ‫س َ‬ ‫تلم َ‬ ‫جر‪.‬‬ ‫شعاع من‬ ‫فأنقذه‬ ‫البرق من أن ّ‬ ‫يزل على َح ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الحياة‪،‬‬ ‫عتمة‬ ‫آخر‬ ‫حين‬ ‫ه‬ ‫درب‬ ‫س‬ ‫تاه في ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تلم َ‬ ‫بعدما احتضَنه‪.‬‬ ‫برق‬ ‫فأنقذه ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ساطع َ‬ ‫ُ‬ ‫الدوام‪:‬‬ ‫على‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫عموم‬ ‫ّي‪،‬‬ ‫ل‬ ‫يص‬ ‫وهو‬ ‫ِ‬ ‫النور‪.‬‬ ‫برفق إلى‬ ‫ِ‬ ‫ُقْدِني ٍ‬

‫كيراليام‬ ‫ِ‬ ‫وز الهنِد‪..‬‬ ‫طالع‬ ‫ثانية‪،‬‬ ‫تسنّم‬ ‫ً‬ ‫شجرة َج ِ‬ ‫ُ‬ ‫علبتا بيبسي‪،‬‬ ‫واحدة سفن آب‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ثالث كوكا كوال؛‬ ‫ٌ‬ ‫تساقط‪.‬‬ ‫ما‬ ‫هي‬ ‫َ‬

‫الشجرة والشاعر‬

‫للشاعر‪:‬‬ ‫الشجرة‬ ‫قاَلت‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫لكن عندي جذوراً»‪.‬‬ ‫تكون عندي‬ ‫الشهرة‪ .‬قد ال‬ ‫«عندك‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫شهرة‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الشجرة‪:‬‬ ‫ت‬ ‫ل‬ ‫وواص‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫طيباً»‪،‬‬ ‫قد‬ ‫‪،‬‬ ‫حال‬ ‫«بأحسن‬ ‫ِ‬ ‫تصبح إنسان ًا ِّ‬ ‫ُ‬ ‫الشاعر‪:‬‬ ‫فسأل‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫طيباً؟»‬ ‫ا‬ ‫إنسان‬ ‫‪،‬‬ ‫قبل‬ ‫من‬ ‫ن‪،‬‬ ‫أك‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫«أَلم ُ‬ ‫ِّ‬ ‫الشجرة‪:‬‬ ‫ردت‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشيء»‪،‬‬ ‫يحس‬ ‫ال‬ ‫ب‬ ‫ط‬ ‫ح‬ ‫د‬ ‫مجر‬ ‫‪.‬‬ ‫ب‬ ‫ط‬ ‫ح‬ ‫د‬ ‫مجر‬ ‫كنت‬ ‫«ال‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫َ َّ َ‬ ‫الشاعر‪:‬‬ ‫فسأل‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫مجرد َح َط ٍب‪ ،‬أيضاً؟»‬ ‫تكوني‬ ‫ألم‬ ‫؟‬ ‫عنك‬ ‫ماذا‬ ‫«لكن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشجرة‪:‬‬ ‫شرحت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫العميقة تحتي‪،‬‬ ‫«ال‪ ،‬بجذوري‬ ‫النجوم‪،‬‬ ‫وأغصاني التي قد ُتداني‬ ‫َ‬ ‫ّان»‪.‬‬ ‫أنا‬ ‫الشاعر ّ‬ ‫الحق‪ .‬أنا الفن ُ‬ ‫ُ‬ ‫بالض ِ‬ ‫وبعد ِ‬ ‫ِ‬ ‫حك‪.‬‬ ‫كلمة‬ ‫اهتزت ّ‬ ‫الشجرة‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫باألزهار‪.‬‬ ‫الشاعر‬ ‫ّل‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ت‬ ‫وهي‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬

‫يونيس دي سوزا‬ ‫‪Eunice de Souza‬‬

‫(قصائد)‬

‫الزمن‬ ‫ِ‬ ‫ضاً‪.‬‬ ‫وتثرثر عن‬ ‫تثرثر‪،‬‬ ‫ظلّت‬ ‫كان أمرًا ُمِم ّ‬ ‫البعث‪َ ..‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫رصُر‪،‬‬ ‫ريح َر ٌ‬ ‫ُ‬ ‫تدخل ٌ‬ ‫ص َ‬ ‫طبة َ‬ ‫ُ‬ ‫الكرسي‪.‬‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫ع‬ ‫ج‬ ‫مضط‬ ‫همهم‬ ‫أ‬ ‫وكنت‬ ‫ً‬ ‫َِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫مقذوفة‪.‬‬ ‫صباء‬ ‫كح‬ ‫ّط‬ ‫ق‬ ‫ين‬ ‫السقف‬ ‫ألواح‬ ‫على‬ ‫مطر‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫النوم؟‬ ‫أخذتني بينها سَن ًة من‬ ‫هل ُ‬ ‫ِ‬ ‫قط ٌة‪.‬‬ ‫حت عيَن ّي‪ ،‬كانت إزائي‪ ،‬على‬ ‫الكرسي‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫حين فّت ُ‬ ‫ّ‬

‫صرخات الصمت‬ ‫البحر‪.‬‬ ‫يهدر في بالي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫وما من ٍ‬ ‫األسى‪.‬‬ ‫صيف‬ ‫في‬ ‫ح‬ ‫ت‬ ‫تتف‬ ‫كلمة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫تخرج‬ ‫األحرف وهي‬ ‫زه ُق‬ ‫ُ‬ ‫ُت َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫الباطنية‪،‬‬ ‫مخبوزة من حرارتي‬ ‫ً‬ ‫مكان ما‪.‬‬ ‫فتتبخُر‬ ‫لتتجم َع فوقي‪ ،‬في ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫قص ًة‬ ‫رت أنا‪ ،‬بنفسي‪ّ ،‬‬ ‫ص ُ‬ ‫ٍ‬ ‫رت ككف ٍ‬ ‫ساج‪.‬‬ ‫ضمن‬ ‫ّارة‬ ‫صمت ٍ‬ ‫َ‬ ‫فح ِش ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أتسم ُع صرخات الصمت!‪.‬‬ ‫َ‬

‫ولد ْت في بونــا‪ ،‬وهي مدينة في‬ ‫يونيــس دي ســوزا‪َ :‬‬ ‫تخرجــت في بومبــاي‪ .‬لها أربعة‬ ‫واليــة ماهارشــترا‪ّ ،‬‬ ‫دواوين شــعرية‪ ،‬وأربع مجموعات قصص للصغار‪،‬‬ ‫الهندي‪.‬‬ ‫النسائي‬ ‫وعّدة كتب في الشعر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫نساءٌ بلوح ٍة هولندية‬ ‫ِ‬ ‫هن‪.‬‬ ‫شمس الظهير ِة في‬ ‫أوجه ّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫راسيات‪ ،‬ال يتغابَين‪،‬‬ ‫كن‬ ‫ّ‬

‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫بليدات‪.‬‬ ‫حوامل‪ ،‬غي َر‬

‫‪99‬‬


‫ُ‬ ‫أعرف نسا ًء على هذ ِه الشاكلةِ‪،‬‬

‫ِ‬ ‫باللوحات‪ ،‬فقط‪:‬‬ ‫ال‬

‫ترد على زوجها‬ ‫خال ٌة لم ّ‬ ‫ليس ألنها واضحةٌ‪.‬‬ ‫َ‬

‫قصائد‪،‬‬ ‫و«آ ّنا» التي تسطّ ر‬ ‫َ‬

‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ثمرات‬ ‫وتأمل أن ُتربّي‬

‫بمطبخها‪.‬‬ ‫األفوكادو‪َ ،‬‬

‫ِ‬ ‫والعسل‪.‬‬ ‫الشوفان‬ ‫صوتها كعصيد ِة‬ ‫ِ‬

‫هي وأنا‬ ‫يمت‪.‬‬ ‫أبد ًا‪ ،‬لم ُ‬

‫وتفجعنا علي ِه منفصل َت ْين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫صمت‪،‬‬ ‫في‬

‫هي وأنا‪.‬‬

‫فجأةً‪ ،‬في الثامن ِة والسبعين‪،‬‬ ‫َ‬ ‫حكت لي عن نِكاتهِ‪،‬‬

‫يحب‬ ‫َصصهِ‪ ،‬أسماء ما‬ ‫ق َ‬ ‫ّ‬ ‫من لوحاتهِ‪،‬‬

‫منسي ٍة‬ ‫أماكن‬ ‫وعن‬ ‫َ‬ ‫ّ‬

‫تتد ّلى منها أزها ٌر زرقاءُ‪.‬‬

‫إلى ابنة «ريتا»‪ ،‬المولودة حديث ًا‬ ‫جد ٌة زاهر ٌة‬ ‫ورق ُة شجرٍ مس َت ّ‬

‫(قصائد)‬

‫ُ‬ ‫الشمس ناعم ًة‬ ‫ستنهض‬ ‫ُ‬ ‫للع ِ‬ ‫يان‪.‬‬ ‫بادي ًة َ‬

‫تتمه ُل دائم ًا‪ ،‬في الفِناءِ‪،‬‬ ‫ّ‬

‫ِ‬ ‫بعد المطرِ ‪..‬‬ ‫رائح ُة‬ ‫األرض َ‬

‫ِ‬ ‫صالب ُة َ‬ ‫الخطوات‬ ‫تلك‬

‫ُ‬ ‫أخاف‬

‫آ‪ .‬ك‪ .‬رامانوجــان‪ُ :‬وِلــد فــي ميســوري‪ ،‬فــي واليــة‬ ‫تخرج في جامعة شــيكاغو‪ ،‬وهو أســتاذ‬ ‫كارناتــاكا‪ّ ،‬‬ ‫جنوبي آســيا‪ ،‬أصدر ‪ 15‬ديواناً‪،‬‬ ‫أدب مقارن بثقافات‬ ‫ّ‬ ‫يصــور في شــعره الطبيعــة ضمن‬ ‫وعــّدة ترجمــات‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫صراعها مع اإلنسان‪ ،‬كما تأثّر بالثقافات الغربية‪.‬‬

‫ُ‬ ‫تلبث رَطب ًة وقديمةً‪.‬‬

‫وعلي‪،‬‬ ‫عليها‪،‬‬ ‫ّ‬

‫ُ‬ ‫نقول شيئ ًا‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬ال‬

‫نصيحةٌ للنساء‬ ‫ر ِ ّبي قطط ًا‪،‬‬

‫ِ‬ ‫َ‬ ‫كيف‬ ‫أردت أن تعرفي‬ ‫لو‬

‫العش ِ‬ ‫اق‪.‬‬ ‫غرائب‬ ‫مع‬ ‫ت ّت‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫سقين َ‬ ‫هم ُل عادةً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫والغرائب ال ُت َ‬

‫ُ‬ ‫تعود إلى صواني نفاياتها‬ ‫فالقطط‬ ‫ُ‬ ‫تحتاج‪.‬‬ ‫ك ّلما‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫النوافذ‬ ‫ين من‬ ‫وال ُت ِه ُ‬ ‫أعداءها‪.‬‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫التحديق‪ ،‬بدهش ٍة مالزم ٍة‪،‬‬ ‫ذلك‬

‫أرباب في الزوايا‬ ‫ٌ‬

‫نحاس ٍ‬ ‫الحوائط‬ ‫بال على‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫حاد من الحدأة‪.‬‬ ‫صراخ‬ ‫وال‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬

‫لقاء الشعراء‬ ‫لقا ُء الشعرا ِء يُحبِ ُطني‪ ،‬أحيان ًا‪،‬‬ ‫لون َجواربهم‪،‬‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫المستعار‪،‬‬ ‫ال ّريب ُة من َشعرِ هم‬ ‫الضغين ُة في أصواتهم‪،‬‬

‫المخد ِ‬ ‫رات‪ ،‬أحيان ًا‪.‬‬ ‫وج ّو‬ ‫ّ‬ ‫َ‬

‫ّ‬ ‫بقة الماء‬

‫ ‬ ‫وابح ْ‬ ‫ث عن‬ ‫َ‬

‫بقّ ة الماءِ‪ ،‬بعي َنيها ُ‬ ‫الفقاع َت ْين‪ ،‬المحقون َت ْين‬ ‫النحيل َت ْين‪.‬‬

‫ّ‬ ‫تحط‬ ‫انظ ْر إليها وهي‬

‫بساقَين مُ شعِر َتين جافّ َتين‪،‬‬ ‫وزن ي َ‬ ‫ٍ‬ ‫ُذكر‪،‬‬ ‫من غيرِ‬

‫المم ّوج‪.‬‬ ‫على‬ ‫ِ‬ ‫سطح الغديرِ ُ‬ ‫ِ‬ ‫يمش األنبيا َء‪،‬‬ ‫ال‪ ،‬لم‬

‫من عي َن ْين خضرا َو ْين كبير َت ْين‪،‬‬

‫ِ‬ ‫ي َّ‬ ‫بالقصائد‪:‬‬ ‫تلقاهم‬ ‫ُفض ُل أن‬ ‫ُ‬

‫ٍ‬ ‫كأصداف مبقّ ع ٍة رَطب ٍة‬

‫تجلس‬ ‫وحدهم‪ ،‬على الماءِ‪ .‬فهذ ِه البقّ ُة‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫فوق ُج ِ‬ ‫رف الضيا ِء‬

‫أن تموتي وحيدة‪.‬‬

‫بعيد‪.‬‬ ‫بحر ًا حزين ًا‪ ،‬لكن ُه‬ ‫ٌ‬

‫نح َو ُعري السماءِ‪،‬‬

‫ِ‬ ‫عنك‬ ‫قد يُس ّري‬

‫‪100‬‬

‫آ‪ .‬ك‪ .‬رامانوجان‬ ‫‪A. K. Ramanujan‬‬

‫يسمع المر ُء فيها‬ ‫قد‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫واألعين الغريق ِة‬

‫‪101‬‬


‫ِ‬ ‫الركن‪،‬‬ ‫يوقّ ُع‪ ،‬غالب ًا‪ ،‬في‬

‫عميق ًا‪،‬‬

‫ُ‬ ‫فتهبط أرض ًا‬ ‫م ّتخذ ًا َسمائي‪ ،‬وقد غامَت‪،‬‬

‫باسم أبي‪.‬‬ ‫ِ‬

‫ِ‬ ‫الدقيق‪.‬‬ ‫بجرمها‬ ‫ُ‬

‫مقدد ًا‪ ،‬وقد حش َرت في فمي‬ ‫َسمك ًا ّ‬ ‫رائح ًة فظّ ة‪.‬‬

‫حين لم‬ ‫ألم‪،‬‬ ‫طالعتني‪ ،‬في ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬

‫الجلوس أو آ كل‪ ،‬كأن ردا ًء‬ ‫أستطع‬ ‫َ‬

‫ِ‬ ‫من ِ‬ ‫ٍ‬ ‫الخوف‪،‬‬ ‫دون‬ ‫أغصان‪ ،‬كشجرِ‬

‫مع ُعقد ٍة أعالهُ؛‬ ‫َ‬

‫الشط‪ ،‬وقلبي في فمي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يدق‪.‬‬ ‫إلى‬

‫كالثعبان‪ ،‬كمس ّر ِ‬ ‫ِ‬ ‫ات الميا ِه الهاربةِ‪،‬‬ ‫البيضاءِ‪ ،‬الزجاجي ِة‬

‫ٌ‬ ‫رئات فقط‪ .‬والما ُء ك ّل ُه عيون‪.‬‬ ‫للمشاعل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫بالع َض ِل‪ .‬والهوا ُء‬ ‫لألرض َعظم ٌة َ‬

‫مرئي‪.‬‬ ‫رب من‬ ‫يمام غيرِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِس ٌ‬ ‫ٍّ‬ ‫أمّا التو ُّت ُر‬

‫مجاز نقضي علي ِه بهِ‪.‬‬ ‫فليس ثم َة‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬

‫موت قصيدة‬ ‫ِ‬ ‫عند‬ ‫صورة شخصيّة‬ ‫الجميع‬ ‫ُأماث ُِل‬ ‫َ‬

‫إال نفسي‪ ،‬وأرى‪ ،‬أحيان ًا‪،‬‬ ‫الم ّ‬ ‫ِ‬ ‫حال‬ ‫بواجهات َ‬

‫ِ‬ ‫قوانين‬ ‫الرغم من‬ ‫ـ على‬ ‫ِ‬ ‫البصرِ المعروفةِ‪-‬‬

‫ٌ‬ ‫مجهول‪،‬‬ ‫غريب‪ ،‬تاريخ ُه‬ ‫صور َة‬ ‫ٍ‬

‫«زن » «شيكاغو»‬ ‫(‪)3‬‬

‫َ‬ ‫ذاك أنا‪.‬‬

‫أمام عي َن ّي‪ :‬امرأ ٌة طويل ٌة داكن ٌة‬ ‫ُكشِ فت َ‬

‫الرمل‪ .‬ا ّت َج ُ‬ ‫هت‬ ‫بال مباال ٍة مع ّرق ٍة من‬ ‫ِ‬

‫أختي المرمري َة الباردة‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫رخي ٍة‬ ‫بأطراف‬ ‫المتكافئةِ‪،‬‬ ‫ّ‬

‫متليف ًا‪ ،‬في مَصرف‪.‬‬ ‫فهو‬ ‫ُ‬ ‫ينعس‪ ،‬دبق ًا‪ّ ،‬‬

‫مقدد ٌة‬ ‫جافّ ةٌ‪ ،‬قد َك ّرها‬ ‫المد‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬

‫ين مفتوح َت ِ‬ ‫بعي َن ِ‬ ‫ام البيضا َء‪،‬‬ ‫ين‪ ،‬محتضن ًا نوني َة‬ ‫الحم ِ‬ ‫ّ‬

‫سق ُ‬ ‫ال ي ّت ُ‬ ‫األمل‬ ‫طوع‬ ‫ِ‬ ‫كق ِ‬

‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫أرض َسبخة!‬ ‫الذكريات بلفّ ِة‬ ‫من‬ ‫ثعبان على ٍ‬

‫ٍ‬ ‫قماش‪،‬‬ ‫أمتار من‬ ‫ضمن‬ ‫شاطئ‪،‬‬ ‫على‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬

‫ُ‬ ‫حيث‪ ،‬تم َر ُ‬ ‫ض معدتي‪ ،‬أصحو‬

‫ٍ‬ ‫وأماليد مستور ٍة‪.‬‬ ‫بجذور عاري ٍة‬ ‫َ‬

‫غي ُر مُ َس ّه ٍد في دروب ِه‬

‫ُ‬ ‫ميت ٌة‬ ‫نصف عاري ٍة‪ّ ِ ،‬‬

‫«سان فرنسيسكو»‪،‬‬

‫توتُّر‬

‫سمك مقدَّ د‬

‫جلبت لي‪ ،‬خصوص ًا‪،‬‬ ‫َ‬

‫‪102‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الخامس‪ ،‬في ثاني ٍة‪،‬‬ ‫الطابق‬ ‫األرض‪ ،‬من‬ ‫إلى‬

‫تستشي ُر الصورُ‪،‬‬

‫واحد ٌة األخرى‪،‬‬ ‫فين‬ ‫هيئ ُة مح ّل َ‬ ‫مكروبةٌ‪،‬‬

‫ّ‬ ‫فتستهل‪،‬‬

‫الجملةُ‪.‬‬ ‫بطيئ ًا‪ُ ،‬‬

‫ساللم وثعابين‬ ‫ُ‬ ‫أصعد‬ ‫أكس ُب‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أخس ُر ك ّلما َ‬

‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ساللم‪ ،‬ث َّم‬ ‫الثعابين‪،‬‬ ‫مع‬ ‫أهبط إلى‬ ‫ِ‬ ‫القاع َ‬ ‫َ‬

‫فأهتاج‪:‬‬ ‫ُ‬

‫أهش ُم ّ‬ ‫كل شفّ ٍ‬ ‫اف؛‬ ‫في غضبي‪ّ ،‬‬

‫ٍ‬ ‫ب ّل ٍ‬ ‫واحد‪،‬‬ ‫ذات وج ٍه‬ ‫زجاج‪ ،‬مرايا َ‬ ‫ألواح‬ ‫ور‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬

‫وكؤوسي‪،‬‬

‫ُ‬ ‫فأخبط رأسي‬ ‫عمى نفسي‪،‬‬ ‫َت َ‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وأغلق الباب على نفســي‪ ،‬في‬ ‫بيــض‪،‬‬ ‫حوائط‬ ‫فــي‬ ‫ٍ‬ ‫ام‪،‬‬ ‫الحم ِ‬ ‫ّ‬

‫ِ‬ ‫وسى‪،‬‬ ‫وأنا‬ ‫ألعب بشَ‬ ‫ُ‬ ‫الم َ‬ ‫فرات ُ‬ ‫الدم َ‬ ‫فوق إبهامي‪ ،‬حينما‬ ‫حتى أرى‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫جديد‪،‬‬ ‫طفل من‬ ‫يس َو ّد حالي‪ ،‬ينها ُر‬ ‫زجاجي‪،‬‬ ‫صع ٍد‬ ‫ّ‬ ‫بمِ َ‬

‫َ‬ ‫منزلك‪،‬‬ ‫اآلن‬ ‫ر ّتب‬ ‫َ‬

‫‪1‬‬

‫َ‬ ‫معيشتك‬ ‫يفعم غرف َة‬ ‫خاصةً‪،‬‬ ‫فالغبارُ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫سمي‬ ‫تنس أن ُت ّ‬ ‫وال َ‬ ‫َ‬ ‫أوالدك‪.‬‬ ‫كافّ َة‬

‫‪2‬‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫يوقعك المنظ ُر‪،‬‬ ‫خطوتك‪ .‬قد‬ ‫ِب‬ ‫راق ْ‬

‫أماكن غيرِ مطروق ٍة‪.‬‬ ‫كأعمى‪ ،‬في‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫تستحيل برتقالي ًة‬ ‫المرور‬ ‫شار ُة‬

‫في‬ ‫وأنت تكبو‪،‬‬ ‫َ‬ ‫شارع ‪« 57‬دورشستر(‪،»)4‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫حرائق غاب ٍة‪،‬‬ ‫فتسقط في رؤي ِة‬

‫ُخ ْ‬ ‫ض ُق ُدم ًا في نهرِ «هيمااليا(‪،»)5‬‬ ‫ّ‬ ‫عج ً‬ ‫ُ‬ ‫ال‪.‬‬ ‫حل‬ ‫الصمت‪ ،‬مُ ِ ّ‬ ‫‪103‬‬


‫ِ‬ ‫الطابق ‪،14‬‬ ‫في‬

‫«ميتشجان» حثيث ًا‬ ‫تدب بحير ُة‬ ‫َ‬ ‫ّ‬

‫ِ‬ ‫جواز سفرٍ ‪ ..‬مطلق ًا‪،‬‬ ‫من غيرِ‬ ‫ِ‬ ‫المألوف على‬ ‫بالرد‬ ‫بل‬ ‫ّ‬

‫اإلبهام‬ ‫إلى النافذةِ‪ُ .‬ظف ُر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الزجاج‪.‬‬ ‫لوح‬ ‫يشقّ ُق قمل َة‬ ‫ِ‬ ‫سرطان البحرِ على ِ‬

‫هواتف ٍ‬ ‫َ‬ ‫سود‪ ،‬وأسئل ٍة‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫األوالد‪،‬‬ ‫الحوائط وصغا ُر‬ ‫يجاوبها‬

‫َ‬ ‫ابنتك‬ ‫من َشعرِ‬ ‫ُ‬ ‫تغرق‪ ،‬بعي َن ْين مفتوح َت ْين‪،‬‬ ‫وأنت‬ ‫َ‬

‫ِ‬ ‫نداءات الطبيعة‪.‬‬ ‫والرد على‬ ‫ّ‬

‫ِ‬ ‫الهند‪ ،‬وما يقابلها‪.‬‬ ‫نح َو ُج ِزر‬ ‫أنت‪ ،‬دائم ًا‪ ،‬متعقّ ٌل حكيم‪.‬‬ ‫بينما َ‬ ‫‪3‬‬

‫ُ‬ ‫اآلن‪ ،‬ما دائم ًا تعرف ُه‪:‬‬ ‫تعرف‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ليس َ‬ ‫بلدتك‬ ‫تبلغ‬ ‫لك أن َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫أدغال‪،‬‬ ‫بالنفّ اثةِ‪ ،‬وال‬ ‫بقارب في نهرِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫القرد‪،‬‬ ‫معبد‬ ‫فالحشيش ورا َء‬ ‫ٍ‬ ‫متهالك‬ ‫وال برحل ٍة قمري ٍة نح َو بحرٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫نحيفات‬ ‫سيرك‬ ‫بنات‬ ‫من الطمأنينةِ‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بين شجر ٍة وشجر ٍة‬ ‫بل‬ ‫على َح ٍ‬ ‫مشدود َ‬ ‫بمِ ّ‬ ‫َ‬ ‫بتلك القيثار ِة‬ ‫بيض‪ ،‬أو‬ ‫ظال ٍت ٍ‬ ‫سب‪.‬‬ ‫وح ُ‬ ‫الوحيدةِ‪ ،‬الزرقا ِء َ‬ ‫وال ّ‬ ‫بأي‬

‫وسيل ٍة أخرى من التنقّ ِل‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫نظيف‪،‬‬ ‫صالح‬ ‫تهاج ُر‬ ‫بجواز َسفرٍ‬ ‫ٍ‬

‫ال‪ ،‬وال حتى بالهجر ِة‬ ‫‪104‬‬

‫‪4‬‬

‫ُ‬ ‫َ‬ ‫راقبها‪،‬‬ ‫أقول‪:‬‬ ‫خطوتك‪..‬‬ ‫ِب‬ ‫راق ْ‬ ‫ْ‬ ‫عند ِ‬ ‫أول عتب ٍة عالي ٍة‪،‬‬ ‫خاص ًة َ‬ ‫َ‬ ‫وتلك الواطئ ِة بغتةً‪،‬‬ ‫َج الس َّل ِم‪،‬‬ ‫رب آخرِ َدر ِ‬ ‫ُق َ‬ ‫ِب‬ ‫وراق ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫هناك‪.‬‬ ‫تكون‬ ‫خطوتك األخيرةَ‪ ،‬فلن‬ ‫َ‬

‫ب‪ .‬م‪ .‬ز َُه َرة‬ ‫‪B. M. Suhara‬‬

‫(قصص قصيرة)‬

‫بـ‪ .‬م‪ُ .‬ز َهَرة‪ُ :‬وِلدت في ثيكودي‪ ،‬في والية كيرال‪ ،‬من‬ ‫ظل‪ ،‬صيف‪ ،‬جنون)‪،‬‬ ‫أعمالها الروائية‪( :‬حلم‪ ،‬ظلمة‪ّ ،‬‬ ‫باإلضافــة إلــى مجموعة قصــص قصيرة‪ .‬وقــد نالت‬ ‫تتميز‬ ‫أربــع جوائز أدبية رفيعة عن كتبهــا اإلبداعية‪َّ ،‬‬ ‫الهندي‪.‬‬ ‫برصد ظواهر األسى الشائعة في الريف‬ ‫ّ‬

‫الخط‬ ‫ّ‬ ‫فك‬ ‫ّ‬ ‫اســتيقظ محمد من الهدير على شاطئ البحر‪ .‬الفجر قد شقشق‪،‬‬ ‫كل ما يملكه ‪ 140‬روبية‪ .‬ربح أمس‬ ‫فتســاءل إن بقي له ســمك‪ّ .‬‬ ‫الحمى‪،‬‬ ‫من‬ ‫يغلي‬ ‫ابنــه‬ ‫كان‬ ‫البيت‪،‬‬ ‫‪ 25‬روبيــة‪ ،‬وحينمــا وصل‬ ‫ّ‬ ‫فاندفــع بالولــد إلى الدكتور ســام‪ ،‬فــي البيت المجــاور‪ .‬كلّفه‬ ‫أرز‪،‬‬ ‫حبة ّ‬ ‫الدواء ورســوم الطبيب ‪ 25‬روبية‪ .‬لم تكن في البيت ّ‬ ‫ليطعم عائلته‪ .‬يعلم اهلل ماذا بقي لهم اليوم‪.‬‬ ‫فراح إلى المخزن ُ‬ ‫مبكــرة؛ فال يــزال األوالد الثالثة‬ ‫يبــدو أن أمينة تركت ِفراشــها ِّ‬ ‫نائميــن على الحصير‪ .‬جبيــن الطفل بارد‪ .‬من ِن َعم اهلل أن راحت‬ ‫حمل ِ‬ ‫القشــي‬ ‫لــح البحر عبر الكوخ‬ ‫بم ِ‬ ‫الم ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحمــى‪ .‬يندفــع الهــواء ُ‬ ‫ّ‬ ‫فغطى بهــا ابنه‪ .‬يريــد‪ ،‬منذ زمن‬ ‫الصغيــر‪.‬‬ ‫وجــد ِخرقــة قديمــة ّ‬ ‫َ‬ ‫القشــي واســتبداله بألواح خشبية‪ .‬ابنتهم‬ ‫طويل‪ ،‬هدم الســقف‬ ‫ّ‬ ‫في العاشــرة‪ ،‬وإحساســه أن الكوخ لم يعد آمن ًا لها كان مصدر‬ ‫القشي‪ .‬اشتروا‬ ‫قلق دائم‪ .‬منذ سنتين يعيشون تحت هذا السقف‬ ‫ّ‬ ‫هــذه األرض بعد بيع أقــراط أمينة ِ‬ ‫ليها‪ .‬باعــوا ما يملكون‪،‬‬ ‫وح ّ‬ ‫واستدانوا قروض ًا ثقيلة لرفع الكوخ‪ ،‬لكن إصالحه مستحيل‪.‬‬ ‫غســل وجهه مســتعجالً‪،‬‬ ‫ثمة وقت ألفكار قلقة شــغوفة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لم يعد ّ‬ ‫نظف أســنانه بالمــاء من إبريق الطمي فــي المطبخ‪ ،‬ثم تناول‬ ‫ّ‬ ‫المنشفة الخشــنة الرقيقة‪ ،‬من فوق الحبل‪ ،‬ليمسح وجهه‪ .‬جاء‬ ‫الدراجة‬ ‫بدراجته من الداخل‪ ،‬وربط ســلّة الســمك على الحامل‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫كحطام مندثر؛ الفرامل ضعيفة منذ زمن‪ ،‬ويعلم اهلل متى تصدمه‬ ‫عربة مســرعة أو شــاحنة‪ .‬عائلته تبيع الســمك‪ ،‬أصالً‪ ،‬وكان‬ ‫دراجة‪.‬‬ ‫جّده يحمل السلّة على رأسه ويدور‪ ،‬وهو؛ َّ‬ ‫محمد‪ ،‬معه ّ‬

‫الفقــر المدقــع هو الشــيء الوحيد الذي يعرفونه منذ ســنين‪ .‬لم‬ ‫تجارة غيــره‪ .‬لو وجد مهنة أخــرى لتخلّى عن هذه من‬ ‫يعرفــوا‬ ‫ً‬ ‫يجر نفســه هنا وهناك‪ ،‬تحت الشــمس الســاطعة‪،‬‬ ‫زمــان‪ .‬كان ّ‬ ‫األرز‬ ‫شــراء‬ ‫يملك‬ ‫وال‬ ‫الغداء‪،‬‬ ‫وقت‬ ‫حتــى‬ ‫مــن الصبح‬ ‫حصة من ّ‬ ‫ّ‬ ‫بحصيلة عمله‪.‬‬ ‫أية‬ ‫الحــظ إن صاد‬ ‫تأخــر الوقت‪ ..‬سيســعده‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ســمكة ماكريل أو ّ‬ ‫ســمكة أخرى‪ّ .‬‬ ‫يلف ســاميكوتي على زبائنه اآلن‪ .‬لديه الكثير‪..‬‬ ‫محمد فيعود من دون أن يبيع شــيئاً‪ .‬ملّت‬ ‫أما َّ‬ ‫ويمضي أســرع‪ّ .‬‬ ‫نوعية أســماكه الرديئــة‪ .‬أســعاره مرتفعة‪ ،‬وهو‬ ‫زبائنــه مــن ّ‬ ‫يظل زبائنه ساخطين‪ ،‬فكان‬ ‫يتحمل أن ّ‬ ‫يخســر معظم األيام‪ .‬ال ّ‬ ‫أي مقابل يعرضون عليه‪.‬‬ ‫ل‬ ‫يتقب‬ ‫أو‬ ‫جبر على البيع بخســارة‪،‬‬ ‫ّ ّ‬ ‫ُي َ‬ ‫تكلّفه ســلّة الماكريل ‪ 140‬روبية‪ ،‬ولو باع الســمكة بـ ‪ 50‬بيزة‬ ‫أقل‬ ‫لظلّت هناك خســارة‪ .‬ســاميكوتي ينافســه‪ ،‬ويبيع بســعر ّ‬ ‫يتحمل؛ ألن أخاه عنده قارب وشبكة‪ ،‬فيستطيع بيع‬ ‫منه‪ ،‬فهو ّ‬ ‫أقل نوع ًا ما‪.‬‬ ‫السمك بسعر ّ‬ ‫الدراجة في موقفها‪ ،‬ودخــل ليلبس قميصه الذي أصبح‬ ‫وضــع ّ‬ ‫رّثاً‪ .‬يأمل بشراء قميص جديد هذا العام‪ ،‬لكنه لن يستطيع اآلن‪.‬‬ ‫«ســيده» وإحــدى زبائنه‪،‬‬ ‫قد يطلــب‪ -‬طبعاً‪ -‬من فاكيل‪ ،‬زوجة‬ ‫ِّ‬ ‫يتردد في الطلب‪.‬‬ ‫أن تعطيــه أحد قمصان زوجهــا القديمة‪ ،‬لكنه ّ‬ ‫ّقت‪ ،‬وهو يعطيها‬ ‫يحرجه أن يطلــب فض ً‬ ‫ال من أحد‪ .‬باألمس‪ ،‬علَ‬ ‫السيد»‪.‬‬ ‫السمك‪« :‬قميصك ّ‬ ‫محمد‪ ،‬سآتيك بأحد قمصان ِّ‬ ‫ممزق‪ ،‬يا ّ‬ ‫ِ‬ ‫لم يعد‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ألمينة؟‬ ‫حصل‬ ‫ماذا‬ ‫رأسه‪.‬‬ ‫حول‬ ‫سخ‬ ‫ربط القماش المّت‬ ‫َ ْ‬ ‫عادة‪ -‬بالشــاي الســادة‪ ،‬قبل‬ ‫تأتيه‪-‬‬ ‫كانت‬ ‫ت؟‬ ‫راح‬ ‫ً‬ ‫لهــا أثر؟ أين َ‬ ‫رحيله للعمل‪ .‬ألن يحصل على مثل هذا اليوم؟‬ ‫«أمينة‪ ،‬أين ِ‬ ‫أنت‪ ،‬يا صعلوكة‪...‬؟»‬ ‫«أنا هنا‪ .‬قادمة»‪.‬‬ ‫شنيع‪ .‬ليس‬ ‫طعمه‬ ‫ساه‪..‬‬ ‫ت‬ ‫واح‬ ‫منها‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫تناو‬ ‫الشاي‪.‬‬ ‫وظهرت مع‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫السكر‪ .‬نظرت إليه أمينة‪،‬‬ ‫سكر‪ .‬لم يعقّب؛ فال فلوس لشراء ّ‬ ‫به ّ‬ ‫وبدا أنها تريد قول شيء‪:‬‬ ‫خمس روبيات»‪.‬‬ ‫«أريدك أن تعطيني‬ ‫َ‬ ‫ «لماذا؟»‬‫وكتب»‪.‬‬ ‫إردواز‬ ‫لوح‬ ‫ «لشراء ِ‬‫ُ‬ ‫الفلوس ألجل ِ‬ ‫كتبه األسبوع الماضي»‪.‬‬ ‫أعطيت الولد‬ ‫ «لكني‬‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ «الفلوس ليست له‪ ..‬هي لي»‪.‬‬‫لوح إردواز وكتباً؟»‬ ‫ «ولماذا تحتاجين َ‬‫«ألدرس»‪.‬‬ ‫‬‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ «ومن جعلك تلتحقين بالمدرسة وأنت في هذا العمر؟»‬‫التحقت بهم‬ ‫ناس هنا ليعلّمونا‪ ،‬وقد‬ ‫َ‬ ‫ «آه‪ ،‬أنت ال تعرف؛ يأتي ٌ‬‫ألواح‬ ‫معهن‬ ‫الحي‪ .‬ســيأتون في الحادية عشرة‪ .‬النسوة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫نسوة ّ‬ ‫وكتب‪ ،‬وأنا وحدي ليس عندي شيء»‪.‬‬ ‫إردواز‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ابنــك‬ ‫وقتــك‪ .‬حاولــي أن تعاونــي‬ ‫تضيعــي‬ ‫«يستحســن أ ّال ّ‬ ‫ُ‬ ‫األقل‪-‬‬ ‫بالمدرسة؛ فلو تعلّم القراءة والكتابة‪ ،‬فسيعمل لنا‪ -‬على ّ‬ ‫أما ِ‬ ‫أنت‪ ،‬فما جدوى تعل ِ‬ ‫ِ‬ ‫أي شيء؟»‬ ‫ّمك ّ‬ ‫حسابات السمك‪ّ .‬‬ ‫كل يوم‪ ،‬وســينجح‪ ،‬ســواء أتعلّم أم‬ ‫«إنه يذهب إلى المدرســة ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصف العاشر‪ .‬هكذا هي القاعدة‪،‬‬ ‫سيتم‬ ‫اســمع‪ ..‬إنه‬ ‫لم يتعلّم‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫بكل ما لدينــا من ٍ‬ ‫مال‪ ،‬حين‬ ‫لكنه يرفض الدراســة‪.‬‬ ‫سأســاعدك ّ‬ ‫َ‬ ‫‪105‬‬


‫أكتب‬ ‫أتعلّــم القــراءة والكتابة‪ .‬أمس‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أمســك بيــدي‪ ،‬وجعلني ُ‬ ‫بإصبعي على الرمل»‪.‬‬ ‫أمسك ِ‬ ‫بيدك؟ ولد أم بنت؟»‬ ‫«من‬ ‫َ‬ ‫«أوالد كبار يأتون ليعلّمونا القراءة والكتابة»‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫«أيهم؟»‬ ‫ُّ‬ ‫سيد الفي‪ ،‬آفاران‪ ،‬ومعه اثنان أو ثالثة»‪.‬‬ ‫«ابن ِّ‬ ‫لحيــن فــي الذهاب إلــى هذه‬ ‫«يــا فاجــرة! اآلن‪،‬‬ ‫عرفــت لمــاذا ُت ّ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫يديــك حيــن يغيــب رجال‬ ‫الفصــول‪ .‬تتركيــن األوالد يمســكون‬ ‫القريــة‪ ،‬وال يعــود هنــاك أحــد‪ .‬صحيــح‪ ،‬يا فاجرة؟ ســأوقف‬ ‫الدروس كلّها اليوم‪ ..‬اآلن!»‬ ‫ومر ًة‪ ،‬قبل أن‬ ‫ة‬ ‫مر‬ ‫أمينة‬ ‫فصفع‬ ‫الغضب‪،‬‬ ‫محمد يرتجف من‬ ‫ً‬ ‫راح َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫احتمت‬ ‫يدفعها جانب ًا في عنف‪ .‬حين رفع ذراعه للضربة التالية‪َ ،‬‬ ‫أرجوك‪ ،‬آي‪ ،‬ال!‬ ‫مدافعة عن نفســها‪ ،‬وهي تصرخ‪« :‬ال‪،‬‬ ‫أمينة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الخط ثانية»‪.‬‬ ‫ال تضربني! لن أذهب إلى‬ ‫شارع فك ّ‬ ‫َ‬

‫غيتا هاريهاران‬ ‫‪Githa Hariharan‬‬

‫(قصص قصيرة)‬

‫غيتــا هاريهــاران‪ُ :‬وِلدت فــي بلدة كويــم باتور‪ ،‬في‬ ‫تخرجــت في جامعــة بومباي‪،‬‬ ‫واليــة تاميل نــادو‪ّ ،‬‬ ‫محررة في دور للنشــر‪ ،‬في أميــركا والهند‪،‬‬ ‫وتعمــل ِّ‬ ‫مــن أعمالهــا‪« :‬زمن الحصار حين تســافر األحالم فن‬ ‫الموت»‪ .‬نالت جائزة الكومنولث عام ‪.1993‬‬

‫بعد موت أمّي‬ ‫ِ‬ ‫ّع من‬ ‫الكتاب‪،‬‬ ‫أغلقــت‬ ‫الفصــل‪،‬‬ ‫آخر‬ ‫حيــن‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ورحــت أتطل ُ‬ ‫بلغــت َ‬ ‫ِ‬ ‫غير هندمة‪ ،‬في ساري‬ ‫في‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ملفوف‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أليف‬ ‫ال‬ ‫شــك‬ ‫رأيت‬ ‫‪.‬‬ ‫النافذة‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫شجرة تين‪.‬‬ ‫تحت‬ ‫ٍّ‬ ‫رمادي‪َ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تلك النوعية نصف‬ ‫وكانــت‬ ‫مطر عنيٌد شــحيح‪ ،‬من َ‬ ‫تمطر‪ .‬إنه ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫بليل‬ ‫س‬ ‫ملم‬ ‫ة‬ ‫ثم‬ ‫الموسم‪.‬‬ ‫نهايات‬ ‫في‬ ‫تهمي‬ ‫التي‬ ‫الشفوقة‬ ‫رطب ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ َ ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫أيام ًا من‬ ‫لشــيء‬ ‫مفر منها‬ ‫الهواء‪،‬‬ ‫في‬ ‫مشــحٍم‪ُ ،‬تِر َك ّ‬ ‫ّ‬ ‫كرائحة ال ّ‬ ‫غير غسيل‪.‬‬ ‫المطر الشف ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫نافذة غرفتي‪.‬‬ ‫أمي من‬ ‫شاشة‬ ‫عبر‬ ‫ّافة ّ‬ ‫ِ‬ ‫رأيت ّ‬ ‫الهشة‪ُ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫تســع ســنين؛ كتلك‬ ‫تنظــر دائم ًا من‬ ‫كما‬ ‫‪،‬‬ ‫ّــة‬ ‫ق‬ ‫بد‬ ‫تنظــر‬ ‫كانــت‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حائط ِ‬ ‫ِ‬ ‫ــرة المعل ِ‬ ‫المؤط ِ‬ ‫ِ‬ ‫مطر‬ ‫ّقة علــى‬ ‫الصــورة‬ ‫ّ‬ ‫غرفة معيشــتنا‪ٌ .‬‬ ‫كل شيءٍ‬ ‫ِ‬ ‫تحت الشجرة‪ ،‬وأنا عند النافذة‪.‬‬ ‫انكمش ّ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫واهن‪ّ ..‬‬ ‫أمي َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫غوية‬ ‫أجــزاء‬ ‫ثالثة‬ ‫إلى‬ ‫ّــص‬ ‫ل‬ ‫وتق‬ ‫‪،‬‬ ‫للحظــة‬ ‫مرئيٍة من صــورة ُم ِ‬ ‫َ ّ‬ ‫باب على ٍ‬ ‫منســيٍة‪ ،‬غير‬ ‫غرفة‬ ‫تثيــر االنتبــاه‪ .‬كانت تبدو كفتح ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫تعثر فيها على َكشف ملغز‪.‬‬ ‫َ‬ ‫مستعملة‪ ،‬بعد حادث‪ ،‬قد ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ضخمة ظليلة‪ ،‬ال‬ ‫شــجرة تين‬ ‫األرض‪ ،‬تحت‬ ‫تجلس على‬ ‫أمــي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫نظرة لم‬ ‫تفعل شــيئاً‪ .‬لم تكن تحّدق في فضــاء صريح‪ ،‬وهي‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫أكن ِ‬ ‫مستغرقة في‬ ‫تجلس‬ ‫بســهولة‪ ،‬عن وجهها‪ .‬كانت‬ ‫أفصُلها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫َســكينة‪ ،‬يــدور في بالها ٌ‬ ‫األليفة التي قد‬ ‫األفــكار‬ ‫نمط مــن تلك‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫تحت شــجرة‪،‬‬ ‫باختصار‪-‬‬ ‫‬‫ترتاح‬ ‫امــرأة‪ ،‬وهي‬ ‫أية‬ ‫ُت َظ ّ‬ ‫ــن لدى ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫في فنائها‪.‬‬ ‫‪106‬‬

‫الفصل‬ ‫بت نفســي علــى أن أبدَأ‬ ‫التقطت‬ ‫َ‬ ‫وغص ُ‬ ‫ُ‬ ‫الكتاب بســرعة‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫يحصله في مايو‪ ،‬وِلَمن‬ ‫لم‬ ‫لمــن‬ ‫النهائي‬ ‫االمتحان‬ ‫إنه‬ ‫التالــي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫البعض‬ ‫المطر‪ .‬يقول‬ ‫بعــد‬ ‫‪،‬‬ ‫أكتوبر‬ ‫في‬ ‫ى‬ ‫يؤد‬ ‫ــب‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ورس َ‬ ‫حصَله َ‬ ‫َ‬ ‫تحصله؛ أو تقرُأ‬ ‫إنك‬ ‫آخرون‬ ‫يقول‬ ‫أو‬ ‫‪،‬‬ ‫لالمتحان‬ ‫تجلس‬ ‫إنــك‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫امتحان‪ ،‬لكني ال أظهر هكذا‪.‬‬ ‫أنك في حالة‬ ‫ٍ‬ ‫من أجله‪ .‬ويبدو َ‬ ‫كأم‪،‬‬ ‫إلي دائم ًا لرعايتها ّ‬ ‫أختي الصغرى‪ ،‬غوري‪ ،‬التي تحتاج ّ‬ ‫دفنت وجهي برقبتها‪ ،‬وأنا أبكي‬ ‫حضنتني بين ذراعيها‪ ،‬حين ُ‬ ‫بضعف‪ ،‬فأرســَلت إلــى ِ‬ ‫ٍ‬ ‫حقيبة‬ ‫الطبيــب‪ ،‬وحزمت‬ ‫تقرير‬ ‫البيت‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الشباب‪.‬‬ ‫نز ِل‬ ‫سفري بغرفتنا في ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫طاولة‬ ‫القريبة من‬ ‫النافذة‬ ‫بعد نفسي عن النظر من‬ ‫علي أن ُأ َ‬ ‫كم ّ‬ ‫هناك‪ .‬كانت‪،‬‬ ‫تــزال‬ ‫خاطفــة فرأيتها ال‬ ‫نظرة‬ ‫ألقيــت‬ ‫المذاكــرة؟‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫اآلن‪ ،‬ترفــع بصرهــا نحــو األوراق المســن ِ‬ ‫ّنة التــي تنقّــط من‬ ‫تنســل على أطراف‬ ‫ثان على وجهها‪ ،‬نقطة مطر قياســية‬ ‫ّ‬ ‫مطر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫األوراق‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫أمنا‪ ،‬وأتينا بها‬ ‫نادينا‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫مع‬ ‫لذهبنا‬ ‫‪،‬‬ ‫المنزل‬ ‫في‬ ‫غوري‬ ‫لو كانت‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫العلوي‪.‬‬ ‫الطابق‬ ‫المطر‪ ،‬لكني وحدي في‬ ‫المنزل‪ ،‬بعيدًا عن‬ ‫إلى‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫األرضــي‪ ،‬أبي‪ ،‬الذي اختار‬ ‫الطابق‬ ‫في‬ ‫‪،‬‬ ‫المعيشــة‬ ‫غرفة‬ ‫وفي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫يجرب‬ ‫المبكر‪ .‬قد يكون جالســ ًا إزاء رقعة ِش‬ ‫المعاش ّ‬ ‫ــطرنجه‪ّ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يتذكرهــا من الليلــة الفائتة‪ .‬وعلــى الطاولة‪،‬‬ ‫الحــركات التــي ّ‬ ‫لعبة الصبر التي َمّهد لها باكرًا استعدادًا ِ‬ ‫لشطرنج فترة‬ ‫َ‬ ‫لصقه‪ُ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫أمي‪،‬‬ ‫الضيوف‪ُ ،‬قــرب‬ ‫منتصــف النهــار‪ .‬في غرفــة‬ ‫ِ‬ ‫أم ّ‬ ‫البــاب‪ّ ،‬‬ ‫حمَمْتها‬ ‫غفوة‪ ،‬وهي‬ ‫رأس العائلة‪ ،‬تأخُذ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تشــخر كوليٍد‪ ،‬بعدما َّ‬ ‫آية باإلسفنجة‪.‬‬ ‫تســاءلت لماذا‬ ‫أمي‪ .‬وال‬ ‫نظرة‬ ‫لم أنزل أللقي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فاحصة أكثر على ّ‬ ‫ُ‬ ‫المطر‬ ‫بين قطــرات‬ ‫‪،‬‬ ‫ذلك‬ ‫مــن‬ ‫جــاءت‪ .‬بــد ًال‬ ‫رحــت أراقبها مــن ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫(‪)6‬‬ ‫بــة مــن اختيارهــا‬ ‫الواهــن‪،‬‬ ‫شــجرة التين ‪ ،‬ال شــجرة‬ ‫متعج ً‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫(‪)7‬‬ ‫البونسيانا‬ ‫رت أنه‬ ‫فك‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫بحياتها‬ ‫ما‪-‬‬ ‫د‬ ‫ح‬ ‫إلى‬ ‫تدين‪-‬‬ ‫التي‬ ‫‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫تزال على‬ ‫قد يجلب لها الســعادة‪ ،‬أن ترى شجرة البونسيانا ال ُ‬ ‫قيــد الحياة‪ ،‬بل مزدهرة‪ ،‬على الرغم من غارة اليرقات عليها‪،‬‬ ‫من سنين‪.‬‬ ‫شــجرة البونســيانا‪،‬‬ ‫قرابة الثامنة‪ ،‬حين هاجم‬ ‫كنــت‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أظنّنــي ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الشــجرة‬ ‫ت‬ ‫فتغط‬ ‫‪.‬‬ ‫المشــعرة‬ ‫الســود‬ ‫اليرقات‬ ‫من‬ ‫قطيع‬ ‫بدايــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ومجرد‬ ‫‪.‬‬ ‫حركة‬ ‫ّهــا‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫مشــعرة‪،‬‬ ‫ببوصات‬ ‫الليل‪،‬‬ ‫في‬ ‫‪،‬‬ ‫الضخمــة‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫نود ّ‬ ‫كل‬ ‫جلدْينا من ّ‬ ‫النظــر إليها كان يجعلنا‪ ،‬أنا وغوري‪ّ ،‬‬ ‫حك َ‬ ‫ِ‬ ‫تســاقط‬ ‫فبعضها‬ ‫فقط‪،‬‬ ‫الشــجرة‬ ‫مــكان‪ .‬لم تلبث اليرقات على‬ ‫َ‬ ‫وزحف هؤالء عبر الفناء كلّه‪ .‬بدا‬ ‫الريح‪،‬‬ ‫هبِة‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫عــن األوراق مع ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫بشــرائط ســود قبيحة ملصقة هنا‬ ‫المنزل مصاب ًا‬ ‫خلف‬ ‫الجــدار َ‬ ‫َ‬ ‫جلدي خشن‪.‬‬ ‫كطفح‬ ‫وهناك‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫قريبــة من الجدار الذي يقســم فناءنــا عن فناء‬ ‫كانــت الشــجرة‬ ‫ً‬ ‫تتقوس عليه‪،‬‬ ‫الجدار‪،‬‬ ‫على‬ ‫ّقة‬ ‫ل‬ ‫مع‬ ‫األغصان‬ ‫من‬ ‫الجــار‪ ،‬وكثير‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫زاوية من فناء الجار‪.‬‬ ‫فتظلًّل‬ ‫ً‬ ‫يحب أن يحتفظ بفنائه‬ ‫لعمي‪ ،‬وهــو رجل عجوز ّ‬ ‫وكان الجــدار ّ‬ ‫نقطع البونســيانا‪ ،‬أو‬ ‫أن‬ ‫منا‬ ‫د‬ ‫و‬ ‫اليرقات‪.‬‬ ‫من‬ ‫مرتباً‪ ،‬ويشــكو‬ ‫َّ‬ ‫َ َّ‬ ‫َ‬ ‫األقل‪ -‬أغصانها‪ ،‬بشــكل حاســم‪ .‬كان مهذَّباً‪ ،‬وقد‬ ‫ّــم‪ -‬علــى ّ‬ ‫نقل َ‬

‫(خاصة أن الشجرة‬ ‫اعتذر في البداية‪ .‬لكن‪ ،‬مع مرور األسابيع‬ ‫َّ‬ ‫يمسســها أحد) كنّا نســمع‪ -‬غالبــاً‪ -‬جّدتي والجار‬ ‫واليرقات لم َ‬ ‫يتصارخان ويتبادالن الشــتائم من وراء الجدار‪ .‬ولم يكن أمام‬ ‫الكثيــر ليفعلــه‪ .‬تبدو جّدتــي‪ ،‬اآلن‪،‬‬ ‫الرجــل العجــوز البائس‬ ‫ُ‬ ‫بجْرم ضخم ذي عزم‪.‬‬ ‫مختلفــة‪ ،‬لكنها‪ ،‬في ذلــك الوقت‪ ،‬امرأة ُ‬ ‫كان وجههــا فاتنــ ًا كقنــاع كاثاكالي(‪ .)8‬وينســدل‪ ،‬علــى جلدها‬ ‫الداكن‪َ ،‬ش ٌ ِ‬ ‫مفضــض تماماً‪ ،‬ولها‬ ‫معقوص‬ ‫ــلكي‬ ‫أبيض‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ــعر س ٌّ‬ ‫حاجبان بلون الرماد‪ ،‬كثيفان‪ ،‬قاسيان‪ ،‬ومتقلِّبان‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫المثال‪-‬‬ ‫قط‪ .‬وقد اختارت‪ -‬على‬ ‫لم تكن جّدتي‬ ‫تحد‪ّ ،‬‬ ‫أي ٍّ‬ ‫تتفادى ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫كأمي‪،‬‬ ‫بدينة‬ ‫الكبرى‬ ‫بنتان‪:‬‬ ‫لها‬ ‫ي‪،‬‬ ‫كأم‬ ‫وهي‪،‬‬ ‫ن‪.‬‬ ‫ي‬ ‫هرْين متيَنْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫صَ‬ ‫تزوجت وهي صغيرة‪ ،‬وأنجبت سّتة‬ ‫أقل‬ ‫بظل ّ‬ ‫لكن ّ‬ ‫ومنسحبة‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫أما ابنتها الصغرى فرعديدة‪ ،‬لكنها‬ ‫ذكور‪.‬‬ ‫منهم‬ ‫أربعة‬ ‫أطفــال‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫حظيت بنصيب‪ ،‬ال ُيصّدقه أحد‪.‬‬ ‫هادئ‪،‬‬ ‫ال وسيماً‪ ،‬بمالمح هازئة‪،‬‬ ‫شاب‪ ،‬نحي ً‬ ‫ٌ‬ ‫وكان أبي‪ ،‬وهو ّ‬ ‫يتحــّدث بــكالم ناعم كمــا ينبغي للعريس أن يكــون‪ .‬ال أعرف‬ ‫أية حال‪.‬‬ ‫كيــف ّ‬ ‫توصال إلى اّتفاق‪ ،‬لكن األمر كان متوافق ًا على ّ‬ ‫فتــاة بريئــة ومنصاعــة‪ ،‬على‬ ‫كان لجّدتــي المنــزل‪ ،‬وابنتهــا‬ ‫ٌ‬ ‫س الحاجــة إلى رعاية‪ ،‬كما‬ ‫اســتعداد أن تبكــي‬ ‫ً‬ ‫أم ّ‬ ‫فجأة‪ ،‬وفي َ‬ ‫هــي حاجتها إلــى عريس‪ .‬وقد انتقل أبي إلى المنزل فكســبوه‬ ‫ابن ًا مطيع ًا َلّين العريكة‪ ،‬ال صهرًا مستبّداً‪.‬‬ ‫غريبْين معاً؛ فهو‬ ‫والدي كانــا‬ ‫مــن الصور التي فــي خيالي أن‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ووســيم‪ ،‬بينما هي قصيرة بدينة‪ ،‬ببشــرة طينية‪ ،‬ذات‬ ‫ناعم‬ ‫ٌ‬ ‫زيتي‪ .‬ال أذكر ســماعي‬ ‫حاجبين‬ ‫ملتقيْين ِ‬ ‫ّبْين‪َ ،‬‬ ‫غير مهذَ‬ ‫َ‬ ‫وشــعر ّ‬ ‫صوتــ ًا مرتفعــاً‪ ،‬وال كلمــة غضب واحــدة بينهمــا‪ .‬فقد رضخا‬ ‫ٍ‬ ‫مســتقل فيهما‪:‬‬ ‫ثمة ما هو‬ ‫كل‬ ‫ٌّ‬ ‫كالهمــا لجّدتي‪ ،‬في ّ‬ ‫شــيء‪ .‬كان ّ‬ ‫ساعاته الهادئة في ألعاب عزلته‪ ،‬وساعاتها الالمنتهية‪ ،‬وهي‬ ‫ساكنة‪ُ ،‬تحّدق‪.‬‬ ‫راقدة في الِفراش‪ ،‬في تلك الغرفة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫يســتقيل‪ .‬وهو ينفق‬ ‫قرر أبــي أن‬ ‫ي‪،‬‬ ‫أم‬ ‫مــوت‬ ‫من‬ ‫ســنين‬ ‫بعــد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫األلعاب القياسية‬ ‫كلياً‪ ،‬في لعبة الشطرنج‪ :‬يتعلّم‬ ‫يومه‪ ،‬اآلن‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يلعب وحده‪ ،‬أو مــع ٍ‬ ‫ذات أخرى‪ ،‬لم‬ ‫يــزال‬ ‫وال‬ ‫قلب‪،‬‬ ‫عــن ظهر ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫خطة‬ ‫يصرف‬ ‫نصادفهــا‪ ،‬وهو‬ ‫كل حركــة؛ لتنفيذ ّ‬ ‫ســاعات في ّ‬ ‫ُ‬ ‫إستراتيجية‪.‬‬ ‫اآلن‪ .‬عموماً‪ ،‬هو لم يكن بحديقة‬ ‫المنزل‬ ‫فناء‬ ‫إلى‬ ‫د‬ ‫ال يمضي أحٌ‬ ‫َ‬ ‫مساحة تنتمي إلينا‪،‬‬ ‫يهتم بها أحد‪ ،‬وظلّت هكذا؛‬ ‫ً‬ ‫حقيقية‪ ،‬إذ لم ّ‬ ‫جرتْين‪ ،‬وبقعَتْين ناميَتْين بالخضرة واألعشاب‪ ،‬من‬ ‫بمجرد َش َ‬ ‫َّ‬ ‫يفكــر أحٌد منّــا أن يقوم بتغذيــة أو تجميل هذه‬ ‫الجانبيــن‪ .‬لــم ّ‬ ‫ملكية‪ .‬بعد تلك المشــاجرة‬ ‫البقعــة مــن األرض‪ .‬كانــت‬ ‫مجــرد ّ‬ ‫َّ‬ ‫المســتوعبة القصيرة‪ ،‬عن شــجرة البونسيانا‪ ،‬عاد الفناء إلى‬ ‫َ‬ ‫عام‪،‬‬ ‫م‬ ‫ال ومهجوراً‪ .‬كانت اليرقات تأتي وتروح ّ‬ ‫هم ً‬ ‫كل ٍ‬ ‫طبيعتــه ُ َ‬ ‫لكننــا لم نســمع نأمة من الجــار‪ ،‬بعد تلك الزيــارة المفاجئة‪،‬‬ ‫يوم‪.‬‬ ‫الحيي ُة‬ ‫أمي‬ ‫ُ‬ ‫معقودة اللسان‪ ،‬ذات ٍ‬ ‫ّ‬ ‫التي قامت بها إليه‪ّ ،‬‬ ‫األمهات‪ .‬أعتــرف بهذا في‬ ‫أمــي مختلفــة كلّ‬ ‫ّي ًا عن عمــوم ّ‬ ‫كانــت ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ضربت‬ ‫الــذي‬ ‫العــام‬ ‫فــي‬ ‫لكــن‪،‬‬ ‫‪.‬‬ ‫لطفــل‬ ‫ينبغــي‬ ‫كمــا‬ ‫خفــوت‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أعترف مع‬ ‫بــكل ِثَقلها‪.‬‬ ‫البونســيانا‬ ‫غرقت في األمر‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫اليرقات‪َ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫‪107‬‬


‫أتذكر‬ ‫نفسي بهذه الحقيقة‪ ،‬على الرغم من أنني ال أستطيع أن َّ‬ ‫تفصيالً‪.‬‬ ‫بغياب‬ ‫‪،‬‬ ‫رمادي‬ ‫بنذير‬ ‫ث‬ ‫تتلــو‬ ‫الســماء‬ ‫كانت‬ ‫‪،‬‬ ‫مطر‬ ‫ي‬ ‫نوبت‬ ‫ٍ‬ ‫بين َ ْ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أمي إلى َمَهّمتها‬ ‫مرئي للنور الواضح‪ ،‬ثم يعود المطر‪ ،‬وتعود ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫المعتادة‪ ،‬وقتها‪ ،‬تحت شجرة التين‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫الدامع حيث يهمي‪ .‬لم‬ ‫أثره‬ ‫كل‬ ‫يثبط ّ‬ ‫كان المطر ّ‬ ‫َ‬ ‫شيء‪ُ ،‬‬ ‫فيخلِّف َ‬ ‫ركن من المنزل‪،‬‬ ‫مطر يجتاح ّ‬ ‫كل ٍ‬ ‫صِبيباً‪ ،‬لكنه‪ -‬مع ذلك‪ٌ -‬‬ ‫يعــد َ‬ ‫ٍ‬ ‫كل شــيء كان‬ ‫هين الشــأن‪ّ .‬‬ ‫والســماء‪ ،‬والفناء‪ ،‬بصوت ٍ‬ ‫عذب ّ‬ ‫أخضــر بالغ النضج‪ ،‬وظليالً‪ ،‬أيضاً‪ ،‬كأنه الموســم الصحيح‬ ‫لظهور األشباح‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫اختــراع حكايات‬ ‫صغيرتْين‪ ،‬اعتدنا‬ ‫حيــن كنّــا‪ ،‬أنا وغــوري‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫نتحاضن‬ ‫‪،‬‬ ‫ليلة‬ ‫بعــد‬ ‫ليلة‬ ‫األخرى‪.‬‬ ‫إحدانا‬ ‫خيف‬ ‫ً‬ ‫األشــباح كــي ُت َ‬ ‫ُ‬ ‫ملتصقتْيــن بالِفراش‪ ،‬ونتبادل الدور في ســرد حكايات‬ ‫معــاً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫اإلســمنتي‪،‬‬ ‫حقيقيــة غريبة‪ :‬عــن ذراع دامية تبرز من الحائط‬ ‫ّ‬ ‫نابْيــن‪ ،‬ترقبنا من وراء‬ ‫وامــرأة َهِرمــة للغايــة درداء‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫بمجرد َ‬ ‫باب الغرفة المغلقة‪.‬‬ ‫آخرْين؛ ينهض أحدهما‬ ‫لكن أفضل حكاياتنا كانت عن َ‬ ‫شبحْين َ‬ ‫من ِب ٍ‬ ‫ركة‪ ،‬منتفخ ًا بماء موحل‪ ،‬وهو ينقّط‪ ،‬وهو عديم الشكل‪،‬‬ ‫قررنــا مع ًا أ ّال يكون‬ ‫برؤية شــحيحة‪ ،‬من عالــم ما فوقنا‪ .‬وقد ّ‬ ‫فحكمنا‬ ‫بمســتطاع هذا الشــبح أن يغادر تلك الِب َ‬ ‫الســبخة‪َ ،‬‬ ‫ركة َ‬ ‫أبدية في ذلــك الماء الموحل‪ ،‬لكننا ســمحنا‬ ‫أن ُنديَنــه بحيــاة ّ‬ ‫سطح الماء ببطء‪ ،‬بوصة بعد‬ ‫على‬ ‫ى‬ ‫د‬ ‫ليتب‬ ‫ِ‬ ‫يدفع نفســه ّ‬ ‫له أن َ‬ ‫ٍ‬ ‫كل سنة‪.‬‬ ‫مرة‪ ،‬فقط‪ّ ،‬‬ ‫بوصة‪ ،‬منبعث ًا حتى وسطه‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫روح شــجرة‪ ،‬شــبح ًا يســتحوذ على شــجرة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أما اآلخر فكان َ‬ ‫وكان هــذا أصعــب شــيء علــى الرؤيــة‪ ،‬حتــى ليســتحيل أن‬ ‫رطــب‪ ،‬لكنه لم‬ ‫شــبح‬ ‫نصفه‪ .‬فروح الشــجرة كشــبح الِبركة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ال بالطيــن‪ ،‬أو منبعث ًا من الماء‪ .‬تعرف أن الشــجرة‬ ‫محم ً‬ ‫يكــن ّ‬ ‫دامعة‪ .‬كانت‬ ‫أو‬ ‫ّلة‬ ‫ل‬ ‫مب‬ ‫‪،‬‬ ‫فجأة‬ ‫اســتحالت‪،‬‬ ‫أنها‬ ‫لو‬ ‫ذ‪،‬‬ ‫ســتحو‬ ‫قد ُت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫مبرر‪.‬‬ ‫تنقّط من المطر‪ ،‬بدموع َش ِجّية‪ ،‬من دون ّ‬ ‫اعتدت رؤية المرأة تحت الشــجرة‪ ،‬غالباً؛ فهي تذهب إلى‬ ‫لقــد‬ ‫ُ‬ ‫نور النهار العريض‪،‬‬ ‫هناك عّدة مرات‪ ،‬أسبوعياً‪ ،‬ودائماً‪ ،‬في ِ‬ ‫فحسب‪.‬‬ ‫تمطر الدنيا‬ ‫نظن‪ ،‬حين‬ ‫وكما ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أي‬ ‫مــرات عّدة‪ ،‬فتلتقي أعيننا‪ .‬لم يكن بها ّ‬ ‫كانــت ترفع بصرها ّ‬ ‫ودّية‬ ‫اثنتْين‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مــر ًة أو َ‬ ‫ابتســامة ّ‬ ‫شــيء َّ‬ ‫مميــز‪ ،‬لكنها وهبتني‪ّ ،‬‬ ‫ثم لم يكن أمامي سوى أن أستجيب‪.‬‬ ‫ومن‬ ‫مرحبة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫مؤخراً‪ ،‬حين لم تعد‬ ‫المنزل‬ ‫إلى‬ ‫جــاءت‬ ‫مر ًة واحــدة‪ .‬كان ذلك َّ‬ ‫ّ‬ ‫المرة كانت‬ ‫تلك‬ ‫في‬ ‫مســتغرقة‪.‬‬ ‫ساكنة‬ ‫تجلس‬ ‫تبتســم لي‪ ،‬أو‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫حية‪.‬‬ ‫وهي‬ ‫تكونه‬ ‫أن‬ ‫اعتادت‬ ‫ا‬ ‫مم‬ ‫ال‬ ‫قلي‬ ‫أكثر‬ ‫غامضة‪،‬‬ ‫تبدو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تنهض ذات ظهيرة مطيرة‪ ،‬وتسير ناحية المنزل‪،‬‬ ‫حين رأيتها‬ ‫ُ‬ ‫األرضي‪.‬‬ ‫تواً‪ ،‬إلــى الطابق‬ ‫نزلت‪ّ ،‬‬ ‫تتحــرك صوبي لرؤيتــي‪ُ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تقيــم‪ ،‬وحيث‬ ‫أن‬ ‫اعتــادت‬ ‫حيث‬ ‫رحــت إلى غرفــة الضيــوف‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫مســنودة ِ‬ ‫بالمخّدات‪ ،‬في الِفــراش‪ ،‬طيلة‬ ‫أمهــا‬ ‫اآلن‪،‬‬ ‫‪،‬‬ ‫تجلــس‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ملفوفــة كلّها‪،‬‬ ‫جالســة هنــاك‪،‬‬ ‫رأيــت المــرأة العجوز‬ ‫اليــوم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫‪108‬‬

‫وتمضغ‪ ،‬مع أن أسنانها الصناعية‬ ‫تمضغ‬ ‫كالكرْنبة أو اليرقة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫علبة جنب ِ‬ ‫ترقد في ٍ‬ ‫غير البصاق‪.‬‬ ‫فمها‬ ‫في‬ ‫يكن‬ ‫ولم‬ ‫راشها‪،‬‬ ‫ف‬ ‫ُ‬ ‫تجاهلتهــا‪ ،‬كمــا نفعــل‪ ،‬اآلن‪ ،‬بالضبــط‪ .‬فقــد رّتَبــت أن ُتعين‬ ‫الغرفة‪ ،‬لو‬ ‫يدخــل‬ ‫نفســها قبــل أن تمــرض‪ ،‬ولم يكن ألحــٍد أن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أبحث عنه‪.‬‬ ‫مما‬ ‫فتحــت‬ ‫أراد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫خزانة‪ ،‬مع أني لم أكن على يقين ّ‬ ‫ُ‬ ‫خارجها‪،‬‬ ‫أقف‬ ‫كانت الخزانة الفارغــة كالغرفة المعتمة‪ ،‬وكنت ُ‬ ‫َ‬ ‫حيث النور‪ ،‬أنظر إليها‪.‬‬ ‫الرائحة العفنة لزيت جوز الهند المتروك على َشعر‬ ‫شــممت‬ ‫ثم‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫استدرت فرأيتها تقف ورائي‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫أيام‬ ‫منذ‬ ‫مغسول‪،‬‬ ‫غير‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫فة تقريباً‪ ،‬ال‬ ‫ة‪،‬‬ ‫المــر‬ ‫كهذه‬ ‫الغرفة‪،‬‬ ‫جئت إلى‬ ‫مصاد ً‬ ‫َ‬ ‫يــوم ماتت ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫خــاص‪ .‬وكانت ترقد فــي الفراش‪،‬‬ ‫أنظــر إلى شــيء على نحو‬ ‫ّ‬ ‫متفحصة طويلة‪.‬‬ ‫نظرة‬ ‫كالمعتاد‪ ،‬لكنها وهبتني‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تقــول‪« :‬أنــا تعبانــة للغايــة‪ ..‬ليــس بمقــدوري أن‬ ‫نادتنــي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫منطقي‪ ،‬كما‬ ‫أواصــل بعد»‪ .‬كانت تتحّدث بهدوء‪ ،‬وعلــى نحو‬ ‫َ‬ ‫ٍّ‬ ‫محل العلبة الفارغة‪،‬‬ ‫كانــت تخبرني عن حبوب الدواء‪ ،‬وعــن ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كنت في‬ ‫أظن‪ -‬حتماً‪ -‬حدوث‬ ‫من الخزانة‪ .‬لم ّ‬ ‫شــيء خطأ؛ فقد ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ثمة حدث ًا خطيراً‪،‬‬ ‫الحادية عشــرة وقتئذ‪ ،‬أومن‪،‬‬ ‫فحسب‪ ،‬بأن َّ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫كالمــوت أو الحيــاة‪ ،‬فقط‪ ،‬لــو كان صاخب ًا أو درامياً؛ شــيئ ًا‬ ‫كبيرًا يكفي أن يكون واقعياً‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫حكايات‬ ‫ســرد‬ ‫أوقفنا‪ ،‬غوري وأنا‪،‬‬ ‫بعد موتها‬ ‫بشــهر تقريباً‪ْ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫أمي تنتمــي‪ ،‬اآلن‪ ،‬إلى‬ ‫األشــباح‪ .‬لم‬ ‫أتخيل ّ‬ ‫َّ‬ ‫قــط‪ ،‬للحظة‪ ،‬أن ّ‬ ‫ذلــك العالــم العريض شــبه المقيــم‪ ،‬أو أنها صــارت نبع ًا من‬ ‫الفزع لمن ال يزالون على قيد الحياة‪.‬‬ ‫علي أن‬ ‫َّ‬ ‫حدقــت بهــا‪ ،‬وهي واقفة فــي تلك الغرفة‪ ،‬واســتحال ّ‬ ‫الحب من هذا الشــبح األليف الذي كان‬ ‫حتى‬ ‫أو‬ ‫بالخوف‬ ‫أحس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫درت‬ ‫ّما‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫بــي‬ ‫ق‬ ‫تحــد‬ ‫وهي‬ ‫بنعومة‪،‬‬ ‫ا‬ ‫متثاقــ‬ ‫ورائــي‬ ‫يمشــي‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫قبل‪.‬‬ ‫حولها‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫رأيت بعض ًا منه على وجهها‪ ،‬من ُ‬ ‫بشوق مرتبك‪ُ ،‬‬ ‫وكنت وحــدي في تلك الغرفة‪،‬‬ ‫‪،‬‬ ‫العلوي‬ ‫الطابق‬ ‫إلــى‬ ‫تبعتنــي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫فحاولت أن أتبادل معها الكالم‪ ،‬لكني لم أســتطع ســؤالها عن‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫رحــت أخبرها ُنَتف ًا قليلة عــن أخبارنا الحالية‪ :‬غوري‬ ‫ــها‪.‬‬ ‫نفس‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫استقال‪،‬‬ ‫قد‬ ‫أبي‬ ‫وأن‬ ‫‪،‬‬ ‫شبابي‬ ‫نزل‬ ‫في‬ ‫الجامعة‪،‬‬ ‫في‬ ‫صرنا‬ ‫وأنا‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫أمها قد تقضي َنحبها‪ ،‬قريباً‪.‬‬ ‫وأني مريضة‪ ،‬وأن ّ‬ ‫ٍ‬ ‫وهلة‪،‬‬ ‫جلســت على ِفراشــي‪ .‬بعد‬ ‫َ‬ ‫فابتســمت وهــي تومئ‪ ،‬ثم َ‬ ‫ِ‬ ‫وظننت أني لــن أراها‬ ‫ودخلــت فــي الفــراش‪،‬‬ ‫ملبســي‬ ‫ّ‬ ‫غي ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ــرت َ‬ ‫سمعت‬ ‫ربي‪.‬‬ ‫ق‬ ‫تجلس‬ ‫بوجودها‬ ‫ســت‬ ‫أحس‬ ‫لكني‬ ‫مطفأ‪،‬‬ ‫والنور‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫ومّرة‪ ،‬بالزمــة رتيبة ال‬ ‫ة‬ ‫ــر‬ ‫م‬ ‫الخارج‪،‬‬ ‫المطــر وهو ينقّــط في‬ ‫ً‬ ‫َ ّ َ‬ ‫َ‬ ‫تنتهي‪.‬‬ ‫راحــت‪ ،‬ولم تدخــل المنزل‬ ‫ص‬ ‫ُ‬ ‫حيــن َ‬ ‫حــوت صباحــاً‪ ،‬كانت قد َ‬ ‫ثانيــة؛ لم تتفــاد‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫ثانيــة‪ .‬راحــت‪ -‬علــى ما يبــدو‪ -‬مرة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المبكرة إليها‪ ،‬بل‪ -‬أيضاً‪ -‬حزني البالي‪ ،‬أو‬ ‫حاجتــي الطفولية‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫روح‬ ‫‪،‬‬ ‫صامت‬ ‫لشبح‬ ‫ّى‬ ‫ن‬ ‫وأ‬ ‫أفهمها‪.‬‬ ‫أن‬ ‫أستطع‬ ‫كان ذنبي أني لم‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يغفر؟‬ ‫شجرة معطوبة‪ ،‬أن ُي َسّري‪ ،‬أو َ‬ ‫ترنيمة‬ ‫رت‬ ‫ً‬ ‫أعود إلى كتبي‪ّ ،‬‬ ‫تذك ُ‬ ‫قمت بالتحديق بالمطر‪ ،‬قبل أن ُ‬ ‫ُ‬

‫تافهة كنّا نخترعها‪ ،‬غوري وأنا‪ ،‬من زمان طويل‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ضفادع‪،‬‬ ‫مطر من‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫لؤلؤ‪،‬‬ ‫مطر من ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫مطر من نيران‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مطر من رماد‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مطر من ُق ٍ‬ ‫بالت‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫اآلن‪:‬‬ ‫وقد ُأ ُ‬ ‫ضيف َ‬ ‫تمطر من يديها‪،‬‬ ‫أزهار‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫تمطر من خّديها‪،‬‬ ‫دموع‬ ‫ُ‬ ‫تمطر عليها‪.‬‬ ‫نفحات‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫فعلي ًا في الخارج‪.‬‬ ‫تمطر‪،‬‬ ‫كانت‬ ‫ثم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بصرها‬ ‫أيام‪ ،‬عادت تحت الشــجرة‪،‬‬ ‫بعد ّ‬ ‫وجلست هناك‪ُ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ترفع َ‬ ‫ٍ‬ ‫بلهفــة‪ ،‬ال يصّدقها أحد‪.‬‬ ‫ناحيــة األوراق المنقّطة‪ ،‬الســاطعة‪،‬‬ ‫نظــرت إليها ولألوراق معاً‪ ،‬كهدفيــن ال ينفصالن‪ ،‬حتى َلُيَريا‬ ‫ُ‬ ‫ضمن اإلطار ذاته‪.‬‬ ‫َ‬ ‫يعرف‬ ‫ن‬ ‫كم‬ ‫نفســي‪،‬‬ ‫في‬ ‫رت‬ ‫فك‬ ‫الموســم‪.‬‬ ‫في‬ ‫مطر‬ ‫آخر‬ ‫هذا‬ ‫كان‬ ‫ُ‬ ‫َ ٍ‬ ‫ّ ُ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫توقيت مضبوط‪،‬‬ ‫كجــزء من‬ ‫اللحظة عينها‪،‬‬ ‫واقعــي‪ .‬وفي‬ ‫أنه‬ ‫ّ‬ ‫صوب وجهي‪.‬‬ ‫ترفع بصرها‬ ‫َ‬ ‫أدارت رأسها‪ ،‬وهي ُ‬ ‫َ‬

‫كانت تبتســم؛ ال تلك االبتسامة اللطيفة الودودة‪ ،‬بل ابتسامة‬ ‫أتحرك بعيــدًا عن‬ ‫رحت‬ ‫ُ‬ ‫مجيــدة‪ ،‬وعلــى آخرهــا‪ُ .‬‬ ‫ألهــث وأنــا ّ‬ ‫مصدومة‪ ،‬في النهاية‪.‬‬ ‫النافذة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫اآلن‪ ،‬فقد كانت‬ ‫شــجرة التين‪ ،‬وألن الســماء لم تعد‬ ‫أما‬ ‫ُ‬ ‫تمطــر َ‬ ‫ُ‬ ‫مألوفــة نوع ًا ما‪،‬‬ ‫مرتاحــة‪ ،‬تبدو‬ ‫ّــق وهي‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫زيهــا المتأل َ‬ ‫ُتهزهــز ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أعد أراها‬ ‫لم‬ ‫أني‬ ‫ومع‬ ‫المعتــادة‪.‬‬ ‫الظل‬ ‫واهبة‬ ‫‪،‬‬ ‫الفناء‬ ‫كشــجرة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫شــيء‪،‬‬ ‫تغيَر‬ ‫بعد‪ ،‬أنه قد ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ومع أني لم أكن أعرف‪ُ ،‬‬ ‫مــن جديــد‪َ ،‬‬ ‫غادر تلك الغرفة‪ ،‬إلى األبد‪.‬‬ ‫أني‬ ‫ُ‬ ‫أحسست بالطفل داخلي‪ ،‬وقد َ‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫ســقراطي (‪ 475 /535‬ق‪.‬م)‪ ،‬نــادى بوحــدة األضداد‪ ،‬وهو‬ ‫‪ - 1‬فيلســوف‬ ‫ّ‬ ‫مرَتْين)‪( .‬م)‬ ‫نفسه‬ ‫النهر‬ ‫تنزل‬ ‫أن‬ ‫لك‬ ‫القائل‪« :‬ليس‬ ‫َّ‬ ‫ربة المال في األساطير الهندية القديمة‪( .‬م)‬ ‫‪ّ -2‬‬ ‫صوفية للحياة‪ ،‬في طقوس الفلســفة البوذية‪ ،‬منشؤها الصين‪.‬‬ ‫‪ - 3‬طريقة‬ ‫ّ‬ ‫(م)‬ ‫‪ - 4‬بلدة تاريخية‪ ،‬جنوبي إنجلترا‪( .‬م)‬ ‫الهندي‪( .‬م)‬ ‫‪ - 5‬نهر ينبع من الهند ليواصل إلى باكستان‪ ،‬ثم إلى المحيط‬ ‫ّ‬ ‫المقدسة‪( .‬م)‬ ‫‪ - 6‬تذكر الكاتبة شجرة ‪ ،peepal‬وهي شجرة التين‬ ‫َّ‬ ‫يسمونها (الشجرة الشعلة)‪( .‬م)‬ ‫‪ - 7‬شجرة مزهرة‪ ،‬بأوراق حمر داكنة‪ّ ،‬‬ ‫‪ - 8‬درامــا هنديــة راقصة‪ ،‬بأقنعة مختلفة‪ ،‬أصلها ملحمة (رامايانا)‪ ،‬وكانت‬ ‫رقصة دينية‪ ،‬ثم استحالت طقوسية‪ ،‬للفرح‪( .‬م)‬ ‫‪109‬‬


‫نصوص‬

‫األعمال الفنية ‪:‬صفوان داحول ‪-‬سورية‬

‫املقربة الجديدة‬ ‫حسن بحراوي‬

‫األقل‪ -‬تعرف والدتي أنه في صبيحة‬ ‫منذ عشرين سنة‪ -‬على ّ‬

‫النهار‪ ،‬لنكون في المقبرة قبل أن تشــتعل حرارة الشــمس‪،‬‬

‫كل شهر رمضان‪ ،‬البّد أن أطرق بابها‬ ‫السابع والعشرين من ّ‬

‫أمي‬ ‫إذا كنّا صيفاً‪ ،‬أو قبل أن تهطل األمطار‪ ،‬إذا كنّا شتاء‪ّ ..‬‬

‫أتدبر أمري لكي أصل إليها قبيل منتصف‬ ‫كان مكان إقامتي‪َّ ..‬‬

‫معظم الزوار‪ ..‬تقول‪ :‬من األفضل أن نعطيهم‪ ،‬بد ًال من ذلك‪،‬‬

‫ألرافقهــا في زيارة إلــى المقبرة‪ ..‬أفعل هذا بانتظام‪ ،‬وأينما‬

‫‪110‬‬

‫ّ‬ ‫الجاف على الفقراء‪ ،‬كما يفعل‬ ‫تحــب توزيع الخبز والتين‬ ‫ال‬ ‫ّ‬

‫والمتســوالت ليسوا‬ ‫المتســولين‬ ‫نقوداً؛ فهي تعلم أن هؤالء‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫يوزع‬ ‫بحاجة إلى ّ‬ ‫كل ذلك القدر الهائل من الخبز والتين الذي َّ‬ ‫عليهم؛ ولذلك‪ ،‬يســتبدلونه لدى الباعة‪ ،‬في مدخل المقبرة‪،‬‬ ‫أقل‪ .‬وهؤالء األخيرون يعيدون بيعه لنا في‬ ‫بنصف ثمنه أو ّ‬ ‫دورة اقتصادية‪ ،‬ال مثيل لها على وجه األرض‪ ..‬النقود َأْفَيد‬ ‫حصتها‬ ‫أمي‪ ،‬وليــس الخبز والتين‪ ..‬أعطيها ّ‬ ‫للفقــراء‪ .‬تقول ّ‬ ‫مــن الدراهــم لتتولّــى توزيعهــا علــى مــن تشــاء‪ ،‬وأحتفظ‬ ‫أتصــدق بها على األطفال والنســاء العجائز‪.‬‬ ‫بحصتــي التي‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تقدم صدقاتها ألصحاب العاهات ولألرامل‪ ..‬تقول إنهم‬ ‫أمي ِّ‬ ‫ّ‬ ‫يستحقّون المعروف أكثر من غيرهم‪.‬‬ ‫أوالً‪ ،‬ألنه يوجد في مكان قريب‪ ،‬عند مدخل‬ ‫نــزور قبر جــدي ّ‬ ‫المقبرة‪ ،‬من جهة اليمين‪ ..‬أقتلع األعشاب التي نبتت عليه‪،‬‬ ‫وأنظف شــاهدته مــن الغبار أو التراب الــذي يكون علق بها‬ ‫أمي قارئ ًا للقــرآن ليتلو عليه‬ ‫خــال فترة غيابنــا‪ ،‬ثم تدعو ّ‬ ‫بعــض اآليــات‪ ،‬مقابــل أربعــة أو خمســة دراهم‪ ،‬أســلِّمها‬ ‫متبوعْين‬ ‫بنفسي إلى الرجل القارئ‪ ،‬ثم نغادر إلى قبر جّدتي‬ ‫َ‬ ‫بالقارئ نفسه‪.‬‬ ‫المنطقــة التي توجد فيها رفات جّدتي جاءت محاذية لســور‬ ‫المــارة عديمو الضميــر أكياس‬ ‫المقبــرة؛ لذلــك يرمي فيهــا‬ ‫ّ‬ ‫أضطر إلى بذل‬ ‫الكرتــون‪.‬‬ ‫وعلب‬ ‫النفايــات وقشــور الفواكه‬ ‫ّ‬ ‫ورشه بالماء‪.‬‬ ‫مجهود مضاعف لتنظيف المكان ّ‬ ‫عملية‬ ‫يجلــس قــارئ القرآن الذي‬ ‫ّ‬ ‫يظــل بانتظار فراغــي من ّ‬ ‫غطى رأســه‬ ‫التطهيــر‪ .‬يأخــذ الرجل في قــراءة اآليات‪ ،‬وقد ّ‬ ‫أميز‬ ‫بقب ّ‬ ‫ّ‬ ‫جلبته‪ ،‬بحيث يصير صوته إلى خفوت‪ ،‬فال أعود ِّ‬ ‫ما يقرأه‪ ،‬فأناشــده‪ ،‬بلطف‪ ،‬أن يرفــع عقيرته‪ ،‬فيخاطبني‬ ‫ا بأنه يقــرأ لألمــوات وليــس لألحياء‪.‬‬ ‫بنبــرة غريبــة قائــ ً‬ ‫أدعوه إلــى الرحيل‪ ،‬وأواصل القراءة على جّدتي بنفســي‪.‬‬ ‫وتحبها قيد‬ ‫الســور القصيرة التي كانت تحفظها‪،‬‬ ‫أختار تلك‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫بكل يســر‪ ،‬في أداء صلواتها‪ .‬يعجب‬ ‫حياتها‪ ،‬وتســتعملها‪ّ ،‬‬ ‫ذلــك والدتي وتثني علــى قراءتي‪ ،‬وعندما أفــرغ تمّد يدها!‬ ‫ناســية أننا في‬ ‫إلي ببعض التين‪ ،‬ألســتعيد بها أنفاســي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫رمضان‪.‬‬ ‫غيــر أننــي ال أســتطيع مواصلة القــراءة علــى جميع قبور‬ ‫جل‬ ‫الحّر والعطش والنســيان الــذي أتى على ّ‬ ‫أهلنا‪ ،‬بســبب َ‬ ‫محفوظاتــي‪ ،‬التــي تعــود كلّها‪ -‬تقريبــاً‪ -‬إلى زمــن الصبا‪.‬‬ ‫الموســميين الذين‬ ‫القــراء‬ ‫ِّ‬ ‫ولذلــك ألجأ إلــى خدمات هــؤالء ّ‬ ‫ولما كانوا‪ ،‬في‬ ‫يمــأون المقبرة‪ ،‬من أقصاها إلــى أقصاها‪ّ .‬‬ ‫معظمهــم‪ ،‬بــدوًا حفظــوا الكتــاب ســماعاً‪ ،‬وال يفقهون‪ -‬في‬ ‫الغالــب‪ -‬معانيــه ودالالته العميقة‪ ،‬فقد كنــت أقترح عليهم‪،‬‬ ‫ســور قريبة‬ ‫ســور‪ ،‬أو آيات بعينها‪ ،‬من َ‬ ‫منذ البداية‪ ،‬قراءة َ‬ ‫ــة ســورة البقــرة‪ ،‬أو ســورة الرحمن؛‬ ‫خاص ُ‬ ‫إلــى نفســي‪ّ ،‬‬

‫ألنهمــا توقظان في أعماقي ذكريــات طفولية جميلة‪ ،‬عندما‬ ‫المدرســون يطلبــون منــا التنافــس فــي تجويــد آيــات‬ ‫كان‬ ‫ِّ‬ ‫الســورتْين طويلتان‪،‬‬ ‫القرآن الكريم‪ .‬لكن المشــكلة كانت أن‬ ‫َ‬ ‫وال يّتســع وقــت القارئ لتــاوة كليهما‪ ،‬أو حتــى إحداهما‪،‬‬ ‫في جلســة واحدة‪ ،‬أي على قبر واحــد‪ .‬وقد اهتديت إلى َحّل‬ ‫قبر ْي َجّدي‬ ‫ّ‬ ‫عملــي وطريف؛ هو توزيع ســورة الرحمن بين َ‬ ‫قبر ْي والدي وخالتي جميعة‪.‬‬ ‫بين‬ ‫البقرة‬ ‫وســورة‬ ‫تي‪،‬‬ ‫وجّد‬ ‫َ‬ ‫طبعــاً‪ ،‬شــريطة أن يبقــى القــارئ الواحــد هــو نفســه‪ ،‬و‪-‬‬ ‫أي واحد أن يقول عن صنيعي‪ :‬تلك‬ ‫حينئذ‪ -‬ال يكون بوسع ّ‬ ‫قسمة ضيزى!‪.‬‬ ‫نبلغ قبر والدي أخيراً‪ ،‬وكان في الطرف اآلخر من المقبرة‪،‬‬ ‫الســكة الحديدية‪ ،‬ومشــرف ًا على منطقة‬ ‫ا على خطوط‬ ‫ّ‬ ‫مطــ ً‬ ‫ّ‬ ‫صــارت صناعيــة‪ ،‬وتنبت فيهــا معامل القرميــد وصهاريج‬ ‫محطة تزويــد قريبة‪ .‬تقول‬ ‫النفــط التي تنتظر تعبئتهــا من ّ‬ ‫والدتــي إنها قــد اعترضت‪ ،‬في حينه‪ ،‬علــى دفن زوجها في‬ ‫ظــل‪ .‬لكن محافظ‬ ‫هــذا الركن الموحش‪ ،‬حيث ال أشــجار وال ّ‬ ‫فإمــا هنــا أو‬ ‫المقبــرة أخبرهــا بأنــه ليــس لهــا االختيــار‪ّ ،‬‬ ‫فــي منطقة ســيدي عباد‪ ،‬علــى بعد عشــرين كيلومتراً‪ ،‬في‬ ‫وعوضت ذلك بغرس‬ ‫ضاحية المدينة‪ ،‬فقبلت على مضض‪َّ ،‬‬ ‫شجيرات ونخيالً‪ ،‬لم تنبت أبداً‪.‬‬ ‫كان الوالد‪ ..‬أقصد قبر الوالد‪ ،‬طبعاً‪ ،‬قد صار إلى حالة يرثى‬ ‫والتصدع‪ ،‬بســبب عوامــل الطبيعة ونفايات‬ ‫لها من اإلهمال‬ ‫ُّ‬ ‫أظن أن أســوأ شــيء كان‬ ‫البشــر وأدخنــة المصانع‪ ،‬لكني ّ‬ ‫يعاني منه‪ -‬في الحقيقة‪ -‬هو الصوت المرعب لمرور القطار‪،‬‬ ‫تذكرت تضايق‬ ‫علــى رأس ّ‬ ‫كل ربع ســاعة‪ ،‬تقريباً‪ .‬وهنــا‪َّ ،‬‬ ‫الوالد الدائم‪ ،‬وهو على قيد الحياة‪ ،‬من صوت القطار‪ ،‬الذي‬ ‫صادف أنه كان يعبر قريب ًا من بيتنا‪ ،‬في وقت من األوقات‪.‬‬ ‫وقلــت في نفســي‪ :‬البّد أنه غير ســعيد بمجــاورة هذا الكائن‬ ‫يصر‬ ‫الفــوالذي الذي ضايقه فــي الحياة الدنيا‪ ،‬وهــا هو ذا ّ‬ ‫على مضايقته في اآلخرة‪.‬‬ ‫ألنظف ما اســتطعت من المــكان‪ .‬وفي األخير‪،‬‬ ‫أخــذت وقتــ ًا ّ‬ ‫ُ‬ ‫صبيــ ًا يحمل دلوًا فيه (جير)‪ ،‬ويعرض خدماته على‬ ‫دعوت ّ‬ ‫اتفقنــا عليه‪ ،‬تبييض‬ ‫الــزوار‪ ،‬فتولّى‪ ،‬مقابــل مبلغ صغير َّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ــفت ألننا‬ ‫واجهة القبر‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫فســعدت والدتي لهذه االلتفاتة‪ ،‬وأس ْ‬ ‫لم نفعل الشــيء نفسه مع القبور األخرى‪ ،‬ثم نفحت الصبي‬ ‫بقشيشــ ًا زائــدًا نظيــر أن يزيــد في مســاحة الطــاء‪ ،‬بحيث‬ ‫تتجاوز الشاهدة إلى األجزاء األخرى من القبر‪.‬‬ ‫لوحتها‬ ‫كانــت كوكبة‬ ‫َّ‬ ‫مشــكلة من األوالد ذوي الوجــوه التي َّ‬ ‫حصتهم مــن الزيارة؛‬ ‫الشــمس‪ ،‬يطوفون بين القبــور ألخذ َّ‬ ‫أي مــن الخبــز والتيــن اللذين يجــري توزيعهمــا‪ ،‬على قدم‬ ‫المهمات الصغيــرة نظير ما‬ ‫وســاق‪ .‬بعضهم ارتجل بعــض ّ‬ ‫‪111‬‬


‫(ينوبــه) عبرها من نقــود صغيرة‪ ،‬مثل تنقية األضرحة من‬ ‫األعشــاب وطالء القبور بالجير أو حتى قراءة بعض اآليات‬ ‫القصيــرة علــى أرواح األموات‪ .‬آخرون بــدوا تائهين‪ ،‬دون‬ ‫قصــد معلوم‪ ،‬فــي أرجاء المقبــرة‪ ،‬يلتقطون حبــات النبق‬ ‫وعنــب الذئب أو فاكهــة الخروب من الشــجرة الوحيدة التي‬ ‫تنبت وســط المــكان‪ ،‬على مقربة من ضريــح متهالك‪ ،‬قيل‬ ‫إنه لوِل ّي مجهول‪ ،‬اسمه سيدي امحمد المليح‪ .‬لحظة أخرى‬ ‫وتظهــر امرأة مّتشــحة بالبياض جالســة عند شــاهدة قبر‪،‬‬ ‫كأنهــا ُتحّدث الراحل أو تبوح له ببعض األســرار‪ ،‬وتكون‪-‬‬ ‫الترمل لم تجد‪ ،‬بعد‪ ،‬طريقها إلى‬ ‫فــي الغالب‪ -‬زوجة حديثة‬ ‫ُّ‬ ‫الزوار يمضون‬ ‫بقيــة ّ‬ ‫الحيــاة الطبيعية بين طائفة األحياء‪ّ .‬‬ ‫غطته النباتات‪ ،‬أو‬ ‫صامتيــن‪ ،‬وهم ينقّبون عن قبــر قريب‪ّ ،‬‬ ‫تغي َر موقعه بســبب االكتظاظ وسوء هندسة مدينة األموات‬ ‫َّ‬ ‫يتحركون جماعة‪ ،‬وهم مستغرقون في‬ ‫اآلخر‬ ‫البعض‬ ‫هاته‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫يقدمــون مقترحات‪ ،‬ال‬ ‫أو‬ ‫ّة‪،‬‬ ‫ل‬ ‫أد‬ ‫يســوقون‬ ‫نقاشــات عارمة‪:‬‬ ‫ِّ‬ ‫يستمع إليها أحد‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫تمضي ســاعات الصباح والظهيــرة‪ ،‬والمواطنون ال يكفّون‬ ‫عــن التوافــد‪ ،‬غالبــاً‪ ،‬مشــي ًا على األقــدام قاطعين مســافات‬ ‫طويلــة‪ ،‬أحيانــاً‪ ،‬مــن أجــل والــد أو ابــن‪ ..‬رجــل أو امرأة‬ ‫َغ َّيَبهــم الموت‪ ،‬ولم تنقطــع‪ ،‬بعد‪ ،‬صلتهــم بالحياة‪ ..‬األلم‬ ‫والحنين مرســومان علــى الوجوه التي ال تبتســم‪ .‬عالمات‬ ‫الســهر وأمارات التعب‪ ،‬ال تخطئها العين على مالمح البشــر‬ ‫الجنائــزي الكالح‪ ..‬هناك‬ ‫الســائرين كالنيــام‪ ،‬في هذا الجو‬ ‫ّ‬ ‫معدنية‪ ،‬يملؤها‬ ‫جلديــة أو صفائح‬ ‫ّ‬ ‫ســقّاؤون يحملون ُق َرب ًا ّ‬ ‫مــاء‪ ،‬ال يــدري أحٌد من أيــن جلبوه! هؤالء يمارســون مهنة‬ ‫غريبــة هي ســقي القبور‪ .‬أســأل نفســي‪ :‬هل تعانــي قبور‬ ‫الزوار‬ ‫يلح ّ‬ ‫الحّد؟ ّ‬ ‫األشــخاص األموات من العطش‪ ،‬إلى هــذا َ‬ ‫فــي مســاومة الســقّائين‪ ،‬وال ينجحــون فــي إقناعهــم بمــا‬ ‫يعرضون عليهم‪.‬‬ ‫كل واحــد‪ ،‬هنا‪ ،‬يمضي إلى حال ســبيله‪ ،‬وقد بدا مشــغو ًال‬ ‫ّ‬ ‫يخصه‪ ،‬أو بشيء يجّد في البحث عنه‪ :‬قبر‪ ،‬أو شاهدة‪،‬‬ ‫بأمر ّ‬ ‫مثالً‪ ،‬شــجرة أو عالمة ما‪ ،‬ترشــده إلى مثوى حبيب غائب‪.‬‬ ‫الســقّاؤون يعلنــون عــن بضاعتهــم‪ ،‬وال يجــدون كثيرًا من‬ ‫الزبائن بسبب األســعار المرتفعة لقربة (أو صفيحة) الماء‪.‬‬ ‫اتركوا موتاكم عطشى‪ ،‬إذن‪ ..‬أهذا ما تريدونه؟ جميع الناس‬ ‫والمتســولين وحفّاري‬ ‫الــزوار والباعــة‬ ‫هنــا فقراء؛ أقصــد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫شمروا عن سيقانهم المعفَّرة بالتراب‪.‬‬ ‫القبور‪ ،‬وقد ّ‬ ‫كل مأخذ‪ ،‬لكن‪ -‬لحســن‬ ‫كان التعــب والجــوع قــد أخذا منّــي ّ‬ ‫مهمتنــا الجنائزية‪ ،‬ولم‬ ‫ّ‬ ‫الحــظ‪ -‬كنــا قد أشــرفنا على إنهــاء ّ‬ ‫يبق لنا ســوى االنســحاب ومغادرة المقبــرة‪ ،‬والذهاب إلى‬ ‫حال ســبيلنا‪ ،‬على موعد العودة في اليوم نفســه من السنة‬ ‫القادمة‪.‬‬ ‫والجــو خانــق؛ بســبب‬ ‫الحــرارة تشــتّد‪ ،‬والغبــار يرتفــع‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وكل شيء‪.‬‬ ‫الطقس‪ ،‬ورمضان‪ّ ،‬‬ ‫أسأل الوالدة‪ :‬هل نغادر؟‬ ‫ ليــس بعــد‪ .‬تجيبنــي‪ ..‬لــم نعثر‪ ،‬بعــد‪ ،‬على قبــر خالتك‬‫ربمــا‪ -‬ابتلعته األرض!‬ ‫جميعــة‪ .‬ال أدري أيــن اختفــى‪ ،‬أو‪َّ -‬‬ ‫أذكرهــا بأننــا دفنّاها عنــد مدخل المقبــرة الجنوبي‪ ،‬ناحية‬ ‫ِّ‬ ‫الحقول‪.‬‬ ‫ ال‪ ..‬ال‪ .‬يــا ابنــي (تعتــرض الوالــدة)‪ ،‬قبــر جميعــة يوجد‬‫هنا‪ ،‬بالتأكيد‪ .‬ولكن‪ ،‬أين؟ تلك هي المشــكلة‪ .‬تبدو أحاديث‬ ‫المقبــرة ووقائعهــا شكســبيرية‪ ..‬عبثيــة‪ ،‬بــل ســريالية‪،‬‬ ‫ينقصهــا االنســجام والتواصل‪ :‬هذا شــخص نصف مجنون‬ ‫مشــرد يقفز على األضرحة مثل بطل أولمبي وســط‬ ‫ونصف‬ ‫َّ‬ ‫يتصبب عرق ًا وتنزف ســاقه فال يأبه لها‪،‬‬ ‫دهشــة الجميــع‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫ال أحــد يجــد ضرورة لنهره أو إعادته إلــى الصواب‪ ،‬هذا إذا‬ ‫بقي هناك صواب‪ -‬أصالً‪ -‬في بقاع الموت هاته‪ .‬قبر خالتي‬

‫دمره هذا المعتوه‪ ،‬في عبــوره الجهنَّمي‪،‬‬ ‫جميعــة ّ‬ ‫تبخــر أو َّ‬ ‫ربمــا‪ -‬ابتلعتــه األرض‪ ،‬كمــا تعتقد والدتــي‪ .‬هذه المرأة‬ ‫و‪َّ -‬‬ ‫كانــت عرافة مشــهورة قيــد حياتهــا‪ ،‬وتتعامل مــع طوائف‬ ‫والبد أنهم دعوها إلى ضيافتهم‪ .‬نهرتني‬ ‫الجــن والعفاريت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫الوالدة وكأنها كانت تقرأ أفكاري‪.‬‬ ‫ال تقــل ذلــك عــن خالتــك جميعــة‪ .‬ال‪ ،‬لــم تكــن خالتــي ّإل‬ ‫بالمعنــى المجــازي‪ .‬كانت جارتنا فحســب‪ ،‬وخيرها يفيض‬ ‫كل يوم‪ .‬ظلّوا‬ ‫على حومتنا‪ ،‬بفضل زبنائها الذين يتوافدون ّ‬ ‫يأتون للســؤال عنها مــن جميع المناطق‪ ،‬حتــى بعد موتها‬ ‫ودفنهــا بعــّدة أشــهر‪ .‬يقولون إنهــم ال يجدون أحســن منها‬ ‫تخصصها‪ .‬كانت تبــرع في مجال عقــد الزيجات‬ ‫فــي مجــال‬ ‫ُّ‬ ‫وإنقاذ البنات من البوار‪ ،‬وتعمل على تخليص الزوجات من‬ ‫التخصص األخير‪ ،‬كانت تبرز‬ ‫الضرات المزعجات‪ .‬وفي هذا‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫برمتها‪.‬‬ ‫المدينة‪،‬‬ ‫في‬ ‫افة‬ ‫عر‬ ‫فيها‬ ‫تنافسها‬ ‫ال‬ ‫التي‬ ‫موهبتها‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫هــا هــي ذي الوالــدة تعثر‪ ،‬أخيــراً‪ ،‬على قبرهــا‪ ،‬وقد عاله‬ ‫الشوك والعلّيق‪ ،‬حتى توارت معالمه كلّها‪ ،‬أو كادت‪..‬‬ ‫مســكينة خالتي جميعة‪ ..‬لم تخلّف أوالدًا أو أحفادًا ليعتنوا‬ ‫فكرت‪ ،‬وأنا أســاعد‬ ‫بقبرهــا الذي عمل فيــه اإلهمال عملته‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫والدتي في إدخال بعض التغيير على شكل القبر‪ ،‬لكن دون‬ ‫لحجوا‬ ‫ذرة من الرحمة ّ‬ ‫جــدوى‪ .‬لو كانت في قلوب عمالئهــا ّ‬ ‫لزيارتها واالعتناء بضريحها بعد مماتها‪ ،‬بعد أن اعتنت بهم‬ ‫في حياتها‪ ..‬ولكن من شــيم الناس نكران الجميل واالمتناع‬ ‫عن االعتراف بالخدمات التي يكون قد‪ ‬أســداها لهم األموات‬ ‫المساكين‪.‬‬ ‫فــي الســنة التاليــة‪ ،‬غمرت المقبــرة مياه األمطار وســيول‬ ‫األوحــال‪ ،‬وصار من غير الممكن أن نصل إلى قبور أهلنا‪.‬‬ ‫أمــي أن نســلّم عليهم‪ ،‬وندعــو لهم‪ ،‬ونحن‬ ‫وكان مــن رأي ّ‬ ‫ســيتعرفون إلينا‪،‬‬ ‫واقفــان عند بــاب المقبرة‪ ،‬والبــّد أنهم‬ ‫َّ‬ ‫غمرنا األســف الضطرارنا إلى فعل‬ ‫وتصلهــم دعواتنا‪ .‬لقد َ‬ ‫أمي‪.‬‬ ‫ذلك‪ .‬لكن‪ ،‬ال بأس‪ .‬قالت ّ‬ ‫وفــي الســنة التــي بعدهــا‪ ،‬انتشــرت أعشــاب‬ ‫متوحشة وعالية في جميع أطراف المقبرة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫الممرات الصغيــرة بين القبور‬ ‫وأصبحــت ّ‬ ‫والمطبات‪ ،‬بحيث صار من‬ ‫مليئة بالحفر‬ ‫ّ‬ ‫المســتحيل عبورها والبلوغ إلى مواقع‬ ‫عدت إلى‬ ‫القبور‪ .‬بعد محاوالت فاشلة ُ‬ ‫يدي‪،‬‬ ‫أمي‪ ،‬وقد أدمت األشــواك ّ‬ ‫جــوار ّ‬ ‫تحول‬ ‫وعلقت‬ ‫بســاقي‪ .‬كان المــكان قد َّ‬ ‫ّ‬ ‫برّية‪ ،‬ال يقوى‬ ‫إلى شيء شبيه بأدغال ّ‬ ‫على مقاومتها إنســان أو حيوان‪ .‬ومرة‬ ‫أخــرى‪ ،‬أرســلنا دعواتنــا فــي الهــواء‪،‬‬

‫وابتلعنا مرارة األسف ألننا أخطأنا موعدنا مع أمواتنا‪.‬‬ ‫أمــي كمشــة مــن النقــود إلى امــرأة ضريــرة تقف‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫أعطــت ّ‬ ‫المتســوالت‬ ‫بعكازهــا‪ ،‬عند بــاب المقبرة‪ ،‬وال تتســابق مع‬ ‫ِّ‬ ‫حصتهن من الخبــز والتين‪ .‬وفــي الطريق‬ ‫األخريــات ألخــذ َّ‬ ‫كمّية من البرتقــال‪ ،‬قالت إنها‬ ‫إلــى البيت‪ ،‬اشــترت بالباقــي ّ‬ ‫ــة ألوالد الجيــران؛ ألنهــم‪ ،‬فــي رأيهــا‪ ،‬مثــل‬ ‫هدي ً‬ ‫ِّ‬ ‫ســتقدمها ّ‬ ‫المالئكة الذين تجوز عليهم الصدقة‪.‬‬ ‫اتصلت‬ ‫في ليلة السابع والعشرين من رمضان‪ ،‬لهذه السنة‪َّ ،‬‬ ‫بي الوالدة عبر هاتف البيت لتقول لي‪ :‬ال حاجة لمجيئك‪ -‬يا‬ ‫باآلجر‪،‬‬ ‫ابني‪ -‬هذه السنة‪ ،‬فقد أقفلوا المقبرة‪ ،‬وسّدوا بابها‬ ‫ّ‬ ‫تبــر َع بأرضها أحــد أعيان‬ ‫وفتحــوا بجانبهــا مقبــرة جديدة َّ‬ ‫تتجشم مشقّة المجيء‪ ،‬فليس لنا أموات في هذه‬ ‫المدينة‪ .‬ال‬ ‫ّ‬ ‫المقبرة الجديدة‪ ،‬يا ولدي‪.‬‬ ‫بغصــة فــي حلقــي‪ ،‬ألنهم أغلقــوا علــى أمواتنا‪،‬‬ ‫أحسســت ّ‬ ‫ُ‬ ‫الســماعة‪،‬‬ ‫أضع‬ ‫أن‬ ‫معهم‪ .‬وقبــل‬ ‫التواصــل‬ ‫مــن‬ ‫وحرمونــا‬ ‫ّ‬ ‫بالتفوه بعبارة رهيبة؛ قالت لي‬ ‫ارتكبت الوالدة خط ًأ فادح ًا‬ ‫ُّ‬ ‫كأنها تواصل حديث ًا لم ينقطع‪:‬‬ ‫ اسمع‪ ،‬يا ولدي‪ :‬حديقة المقبرة الجديدة نظيفة‪ ،‬وطرقاتها‬‫مبلَّطــة‪ ،‬ويشــتهي الواحد أو يوارى التــراب فيها‪ ..‬لكن‪ ،‬إذا‬ ‫فالبد من االنتظار بعض الشيء؛ أقصد‪ -‬على‬ ‫أردت الصواب‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫األقّل‪ -‬حتى تأخذ باالمتالء كفاية‪.‬‬ ‫َ‬

‫‪113‬‬


‫الكريك‬

‫لي ً‬ ‫َ‬ ‫ال‬ ‫يأتيك ْ‬

‫دود؟‬ ‫أ َل َك في الما ِء ُج ٌ‬

‫تش ِته َ‬ ‫يك في مقْ بر ٍة َ‬ ‫حد‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫ال يزورُها َأ ْ‬

‫وما ْ‬ ‫أم تناديك رُوحها‬ ‫ترك َت‪ٌّ ،‬‬

‫وال ّن ْب ُع ي ُ‬ ‫من ال هوا َء َل ُه‬ ‫ُغرق ْ‬

‫حات‬ ‫ْ‬ ‫نخ ٌل‪ ،‬ناطِ‬ ‫ب َْح ٌر‪ْ ،‬‬

‫ات‪.‬‬ ‫حب ْ‬ ‫أحب ٌة في ُس َ‬ ‫َّ‬ ‫بحتك ّ‬

‫ٌّ‬ ‫مختل‬ ‫والعالم‬ ‫ُ‬

‫َ‬ ‫ال َت ُع ْد‬

‫الكركي‬ ‫أيُّها‬ ‫ُّ‬

‫َ‬ ‫تع ْد‬ ‫ال ُ‬

‫َ‬ ‫تع ْد‪.‬‬ ‫ال ُ‬

‫أعاليها‬ ‫من‬ ‫ْ‬ ‫َ‬

‫ني َز ُك رؤيا‪،‬‬ ‫ْ‬

‫نزار شقرون‪( -‬تونس)‬

‫روح َك‬ ‫إخو ٌة في خاليا ِ‬ ‫ْ‬ ‫أعاليها‪،‬‬ ‫من‬ ‫ْ‬ ‫َ‬

‫رات‪.‬‬ ‫من‬ ‫الحس ْ‬ ‫يُط ِلقُ نظرة األع َز ِل َ‬ ‫َ‬ ‫الش ْوق‪،‬‬ ‫حمى ّ‬ ‫بِ ِه َّ‬ ‫السودا ُء‬ ‫وحقيبت ُه ّ‬ ‫َ‬

‫برات‪.‬‬ ‫ليس في كهفِها غير ال َّن ْ‬ ‫َ‬

‫َس ُتمط ُر دمًا‬

‫الح ْز ُن‬

‫و ُت ُّ‬ ‫من جلْدت َ‬ ‫ِك‬ ‫مس ٌخ ْ‬ ‫طل ج ْو َق ٌة أو ْ‬

‫تاريــخ «ف ْرحــة‬ ‫ضــد‬ ‫لمــن‬ ‫إدانَــ ٌة‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬

‫ْس يح ّرفو َن ُه بأ ًْسا‬ ‫اليأ ُ‬

‫عد‬ ‫ال َت ْ‬

‫الشاشات‪.‬‬ ‫الغي َم في‬ ‫ْ‬ ‫ُتل ّو ُن ْ‬

‫الحياة»‪.‬‬

‫َ‬ ‫تع ْد‬ ‫ال ُ‬

‫أعاليها‬ ‫من‬ ‫ْ‬ ‫َ‬

‫ُ‬ ‫فن األحيا َء‬ ‫تد ُ‬ ‫الك ْث ُ‬ ‫بان ْ‬

‫مع ٌّ‬ ‫تل‬ ‫ّ‬ ‫الصد ُر ْ‬

‫ني ُة ال ّتنفّ ِ‬ ‫ات‪.‬‬ ‫س ُتجاو ُر‬ ‫المم ْ‬ ‫َ‬ ‫وأ ْن َت َّ‬

‫الكركي‬ ‫أيُّها‬ ‫ُّ‬

‫ْح ٍة مُ فْ َر َدة‪،‬‬ ‫ها أ ّن َك مُ فْ َر ٌد في دو َ‬

‫مطا ٌر يق ّل ُب َج َ‬ ‫ات‬ ‫وازك َم ّر ْ‬

‫ُوسوس في ِ‬ ‫حيل‪:‬‬ ‫ي‬ ‫أذن ال ّر ِ‬ ‫ُ‬

‫عنيد‬ ‫كن ح ْز ٌن‬ ‫ٌ‬ ‫ول َْي ْ‬

‫َات‪.‬‬ ‫عابِ ًرا ضيقَ الطّ رق ْ‬

‫ْ‬ ‫خذ نفَ ًسا‬

‫اس ٌم آخر لما تبقّ ى؟‬ ‫أ َل َك ْ‬

‫وح َ‬ ‫دك َت ْص ُحو‬ ‫ْ‬

‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫خذ مَا بدا َ‬ ‫الكلمات‬ ‫أسمال‬ ‫من‬ ‫ْ‬ ‫لك ْ‬

‫عي َ‬ ‫جاج‬ ‫من ورا ِء ال ّز ِ‬ ‫ناك ْ‬ ‫ْ‬

‫ات‪.‬‬ ‫من فقْ رِ الشَّ ه َو ْ‬ ‫ْ‬

‫ِص َ‬ ‫ف ف ْرحت َ‬ ‫ِك‬ ‫ِخ ْط ن ْ‬

‫وذاكر ٌة م ّر ٌة‬

‫يشي ُع َك‪،‬‬ ‫مطا ٌر ّ‬

‫ال َت ُع ْد‬

‫ْ‬ ‫خذ شهي ًقا‬

‫الخ ْو ُ‬ ‫ف يُح ّرفو َن ُه خر ًفا‬

‫فما ْ‬ ‫َ‬ ‫أبيك‬ ‫ضريح‬ ‫ترك َت سوى‬ ‫ِ‬

‫جئ َت؟‬ ‫ْ‬ ‫من أ ْي َن ْ‬

‫من ي ُّ‬ ‫غي َ‬ ‫ِداد؟‬ ‫رك على هذا االمت ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُطل ْ‬

‫ُ‬ ‫وعات‪.‬‬ ‫مزابل‪ ،‬با ُل‬ ‫خان‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ُد ٌ‬

‫َ‬ ‫تع ْد‪.‬‬ ‫ال ُ‬

‫وليد‪،‬‬ ‫كن ُع ْم ٌر‬ ‫ٌ‬ ‫ول َْي ْ‬

‫َ‬ ‫ال َت ُع ْد‬

‫الد؟‬ ‫غي ُرك ي ْرثي َعصافي َر البِ ْ‬ ‫ْ‬ ‫من ْ‬

‫فل َِم َ‬ ‫اذا ُيطارِ ُد َك ش ْو ٌق‬

‫اليها‬ ‫ُك ّل َما َحلّقْ َت في َ‬ ‫أع َ‬

‫من ُش ِ ّح الطّ مأنين ِة‬ ‫وح َد َك ِج ْئ َت َ‬ ‫ْ‬

‫عنات‪.‬‬ ‫راب ال ّل ْ‬ ‫َت َ‬ ‫إلي َك َأ ْس ُ‬ ‫ناه ْت ْ‬

‫َح َ‬ ‫نام‬ ‫دك َت ُ‬ ‫و ْ‬

‫شارِ ُع بُورقيبة مُ دمّى‬

‫َ‬ ‫رؤاك‬ ‫تص ُر في‬ ‫يع ِ‬ ‫ْ‬ ‫من ْ‬

‫حيل‬ ‫ُشهدا ُء في ِو ْحد ِة ال ّر ِ‬

‫وسائد على َس َ‬ ‫بيضا ُء‬ ‫ُ‬ ‫ريرك ْ‬

‫سمى‬ ‫قت َل ٌة في‬ ‫ٍ‬ ‫جبل مُ َّ‬

‫مُ قْ ِ‬ ‫لهب الكدمات‪،‬‬ ‫من ِ‬ ‫لتان ْ‬

‫ْ‬ ‫خمد َ‬ ‫راخ؟‬ ‫هل‬ ‫فيك ُص ٌ‬ ‫َ‬

‫ُهاب في األ ْر ِصفَ ْه‬ ‫ر ٌ‬

‫ِخ ْط مَا تبقّ ى َ‬ ‫الخطوات‪.‬‬ ‫من‬ ‫ْ‬ ‫لك َ‬

‫ْجاع‬ ‫من حقيقَ ِة األو ِ‬ ‫ْ‬

‫ع ْنوان َ‬ ‫ّ‬ ‫البريدي‪،‬‬ ‫َك‬

‫معطف ْ‬ ‫فم ْن ْ‬ ‫ُ‬ ‫ذكرى‪،‬‬ ‫لهم‬ ‫َ‬ ‫ترك َت‪ْ ،‬‬

‫من ّ‬ ‫ياع‬ ‫الض ِ‬ ‫جئ َت َ‬ ‫ْ‬ ‫إذن‪ْ ،‬‬

‫أدغَ ال َ‬ ‫األسما ْء‬ ‫ِك‬ ‫ْ‬ ‫تاهت في ْ‬ ‫ْ‬

‫غبا‬ ‫س ُت ْمط ُر َش ً‬

‫إلى الوق ِْت المسكرِ ‪،‬‬

‫األشباَح‬ ‫ْت ُصو َر‬ ‫تقيأ َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬

‫ِخ ْط َو ْق َ‬ ‫تك‬

‫َ‬ ‫تع ْد‬ ‫ال ُ‬

‫اوات‬ ‫الس َم ْ‬ ‫هم ال كباقي َّ‬ ‫وسماؤُ ْ‬

‫الحم َر ِة‬ ‫جناح َك‬ ‫ناصع ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫نوات‪.‬‬ ‫الس ْ‬ ‫قضم ْتها ّ‬ ‫من ِ‬ ‫نبيذ الوقْت‬ ‫ْ‬

‫شتات‪.‬‬ ‫اس ٌة‬ ‫ْ‬ ‫وس َ‬ ‫َ‬

‫تع ْد َت ُ‬ ‫صي َ‬ ‫صب ْه‪،‬‬ ‫لم ُ‬ ‫َأ ْ‬ ‫حتك في القَ َ‬ ‫ذكر ْ‬

‫وح إلى و ْرد ٍة في مقبرة‬ ‫وأق ٌ‬ ‫ْدام ت ُر ُ‬

‫ورق َْم ج ّوال َ‬ ‫الكائنات؟‬ ‫ِك ت ْنهشُ ُه‬ ‫ْ‬

‫إلى مُ قل ٍة ْ‬ ‫ثكلى‬

‫وام‬ ‫أع ٍ‬ ‫م ْن ُذ ْ‬

‫المه َز َل ْه‪.‬‬

‫موع‬ ‫الد ِ‬ ‫بي ِت ّ‬ ‫أق ٌ‬ ‫ْدام َتجي ُء مِ ْن ْ‬

‫بصــد ِق‬ ‫الكــذب‬ ‫غيــ َر‬ ‫وال‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫أحــد َّ‬ ‫تعود‬ ‫أن‬ ‫َ‬ ‫َأال ي َْج ُد ُر ْ‬

‫و َت ُ‬ ‫الشوارِ ُع بال ّن ِ‬ ‫فاق الكري ِه‬ ‫فيض ّ‬

‫من ر ِ‬ ‫َغيف ُس ّر ِ‬ ‫ورات؟‬ ‫اق ال َّث ْ‬ ‫أم ْ‬ ‫ْ‬

‫رأ ْي َت ال ُوجو َه في خ ْل َوتها‬

‫إليها‬ ‫ْ‬

‫وات‬ ‫وع من الهفَ ْ‬ ‫والف ْر ُد مم ُن ٌ‬

‫َ‬ ‫الصحرا ِء أث ٌر؟‬ ‫ألك في ّ‬

‫العي ِ‬ ‫ون‬ ‫تقي ْأ‬ ‫ً‬ ‫مزيدا من ُ‬ ‫ّ‬

‫ّ‬ ‫جيدها؟‬ ‫يخض ُب‬ ‫وال تت ُر ُك َدمًا‬ ‫َ‬

‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫الكل‬ ‫مع‬ ‫الكل َ‬

‫‪114‬‬

‫وكم ت ْنوي اإلقا َم ْه؟‬ ‫ْ‬

‫َام المِ رآ ِة‬ ‫أم َ‬

‫علي َك‬ ‫عي ْنيها ْ‬ ‫و ُتف ّت َح ْ‬

‫‪115‬‬


‫كتاب غري موجود!*‬ ‫بييرتو سيطايت‬ ‫ترجمة‪ :‬محمود عبد الغني‬

‫األعمال الفنية ‪- Olga dugina:‬موسكو‬

‫‪116‬‬

‫«ألــف ليلــة وليلــة» كتــاب غيــر موجــود‪ ،‬أو‪-‬‬ ‫ــل موضــوع العديد من‬ ‫باألحــرى‪ -‬هــو كتاب َظ َّ‬ ‫والتحــوالت غير النهائيــة‪ ،‬مثل غيمة في‬ ‫التشــخيصات‬ ‫ُّ‬ ‫الســماء‪ ،‬أو مثل عفاريتها وشــياطينها األحرار أحياناً‪،‬‬ ‫كل‬ ‫المســاجين أحيان ًا أخرى‪ ،‬داخل مزهريات نحاسية‪ّ .‬‬ ‫مخطــوط مــن مخطوطاتهــا (لكننا ال نعرف ســوى عدد‬ ‫مقارنة مع تلــك التي تخفيها مكتبات العالم‬ ‫قليــل منها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ال مختلفاً‪ :‬بعــض المخطوطات تحكي‬ ‫يتخذ شــك ً‬ ‫كلّــه)‪َّ ،‬‬ ‫القصة‬ ‫حوالي عشــرين حكاية‪ ،‬ومنها ما يحكي المئات‪ّ .‬‬ ‫وتتطور‬ ‫ختزل‪ ،‬تتضاعــف أو تتقلَّص‪،‬‬ ‫نفســها تمتّد أو ُت َ‬ ‫ّ‬ ‫تغير‬ ‫بســرعة نحو خاتمتها‪ ،‬أو تضيع في الطريق وهي ِّ‬ ‫العقد األساسية في الفعل‪ .‬إن وضع طبعة نقدية أمر‬ ‫من ُ‬ ‫المتعدد‪،‬‬ ‫مســتحيل‪ ،‬وال يبقى سوى االستســام لمتعة‬ ‫ِّ‬ ‫كل مكتبات العالم‪.‬‬ ‫كل المخطوطات‪ ،‬في ّ‬ ‫وقراءة ّ‬

‫ــب‪ -‬الترجمة‬ ‫إن ّ‬ ‫عشــاق «ألــف ليلــة وليلــة» ُ‬ ‫بح ّ‬ ‫الكثر تلقّــوا‪ُ -‬‬ ‫خــوام لمخطوط من القرن الثالث عشــر‪،‬‬ ‫روني‬ ‫أنجزها‬ ‫التــي‬ ‫ّ‬ ‫القادم من ســورية ومصر‪ .‬إننا لســنا بعيدين جّدًا عن أصول‬ ‫الكتاب‪ ،‬المنغمسة في أعماق القرنين‪ :‬التاسع‪ ،‬والعاشر‪ .‬كما‬ ‫يمكننــا قراءة «ألف ليلة وليلة» كما قرأها الخلفاء‪ ،‬والوزراء‪،‬‬ ‫والمهربــون‪ ،‬وعــدد كبيــر مــن النســاء الماكرات‪،‬‬ ‫والتجــار‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫العاشــقات والمدهشــات‪ ،‬في مرحلــة الغزو المغولــي‪ .‬لكن‪،‬‬ ‫قصة هارون‬ ‫ينقص المخطوط القديم بعض القصص الرائعة‪ّ :‬‬ ‫وقصة حسيب‬ ‫وقصة حصان األبنوس‪ّ ،‬‬ ‫الرشيد وبائع الحلي‪ّ ،‬‬ ‫وقصة‬ ‫وقصة مدينة النحاس‪ّ ،‬‬ ‫كريم الدين‪ ،‬ورحالت سندباد‪ّ ،‬‬ ‫وقصــة عــاء الديــن والمصباح الســحري‪،‬‬ ‫حســن البصــري‪ّ ،‬‬ ‫كل‬ ‫التــي أغنــت طبعة بــوالق المصريــة‪ .)1835( ،‬ليــس هذا ّ‬ ‫شــيء‪ ،‬فعنــد قــراءة الجــزء الثالث مــن الطبعــة الرائعة لدى‬ ‫أنطوان غاالن‪ ،‬التي ظهرت في بداية القرن الثامن عشر‪ ،‬نجد‬ ‫مجموعــة مــن الحكايات الغائبة فــي الطبعــات األخرى‪ .‬ولو‬ ‫النص الضخم لجوزيف شارل ماردروس‪ ،‬هذا العمل‬ ‫تصفَّحنا ّ‬ ‫تسرب الخطأ‬ ‫العظيم المنسي من طرف األدب الفرنسي‪ ،‬الذي َّ‬ ‫إلــى جزء منه‪ ،‬والمليء بعطر نهاية القرن‪ ،‬وتوابله وبذخه‪،‬‬ ‫نصــ ًا مجهولة المصدر‪،‬‬ ‫مر ًة أخرى‪ -‬حوالي عشــرين ّ‬ ‫ســنجد‪ّ -‬‬ ‫مزيف كبيــر‪ .‬وهــذا ما يحصــل‪ -‬كما‬ ‫ربمــا جــاءت مــن خيــال ّ‬ ‫َّ‬ ‫اطلعنا على الترجمات اإلنجليزيــة التي أنجزها‬ ‫أفتــرض‪ -‬لــو َّ‬ ‫كل مــن «اليــن»‪ ،‬و«باين» و«بورتــن»‪ ،‬أو الترجمات األلمانية‬ ‫ٌّ‬ ‫مــن ِقَبــل «زايزرلينــغ»‪ ،‬و«هابيشــت»‪ ،‬و«ليترمــان»‪ ،‬أو إذا‬ ‫تجولنا‪ -‬أيضاً‪ -‬بين مخطوطات باريس‪ ،‬والقاهرة‪ ،‬وطهران‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫أي كتاب فــي العالم‪« ،‬ألــف ليلة وليلــة» كتاب‬ ‫خــاف‬ ‫علــى‬ ‫ّ‬ ‫ال ينفــد‪ .‬وبعــد صيــف وربيع في صحبــة شــهرزاد وهارون‬ ‫الرشــيد‪ ،‬أحسســت أن العالم ليس شــيئ ًا آخر غير «ألف ليلة‬ ‫متأكد من أنني لو بحثت داخل مخزن البيت‪ ،‬أو‬ ‫وليلــة»‪ .‬وأنــا ِّ‬ ‫صعدت أشــجار الحديقة‪ ،‬لوجدت «ألف ليلة وليلة» أخرى في‬ ‫القمطــرات العتيقة أو بين أغصان أشــجار الصنوبر‪ :‬حكايات‬ ‫هنديــة األصــل‪ ،‬ويونانيــة‪ ،‬وإيرانية‪ ،‬وتركية‪ ،‬وعباســية‪،‬‬ ‫محكية مــن طرف راوية توســكانية‪ ،‬تعرض‪-‬‬ ‫ومصريــة؛ أو‬ ‫ّ‬ ‫دون دراية‪ -‬الخيط الذي تركته يســقط‪ ،‬منذ اثني عشــر قرناً‪،‬‬ ‫شــابة بشــعر أســود‪ ،‬قارئة حركات الملــوك القدامى‪،‬‬ ‫امرأة‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫وتواريخ الشعوب السابقة‪ ،‬والقصائد‪ ،‬والقصص‪ ،‬واألمثال‪،‬‬ ‫والحكم‪ ،‬والتي تحاول الهروب من الموت‪.‬‬ ‫الحكايــة‪ -‬اإلطــار‪ ،‬فــي «ألف ليلــة وليلة»‪ ،‬هــي أجمل خرافة‬ ‫القصة‪ .‬إيروس‬ ‫عرفتها في َفّن الحكي‪ .‬الخيانة توجد في أصل ّ‬ ‫يفضل العبيد الســود‬ ‫األنثى‬ ‫القوي‪ ،‬الماكر‪ ،‬الشــيطاني‪ ،‬الذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫متكبريــن ورائعيــن‪،‬‬ ‫وصبيــان المطبــخ المطيعيــن ألســياد ِّ‬ ‫يســخر من السلطة‪ ،‬والســلطة تنتقم بقتل النســاء‪ .‬لكن‪ ،‬في‬ ‫َ‬ ‫للتمــزق وفقدان نصفه‪،‬‬ ‫ال‬ ‫اللحظــة التي يكــون فيها العالم قاب ً‬ ‫ُّ‬ ‫تتزوج شــهرزاد األمير‪ ،‬وهي‬ ‫يتدخل المكر األنثوي المخادع؛‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬

‫وكل ليلة‪،‬‬ ‫مثــل األخريات‪ ،‬محكوم عليهــا بالموت عند الفجر‪ّ .‬‬ ‫قصــة‪ ،‬يكون األمير في حضرة االســتماع‬ ‫تحكــي فيها ألختها ّ‬ ‫جو مالئم‪،‬‬ ‫إليها‪ .‬إن حكاية قصص مؤثِّرة أو تقديم نســاء في ّ‬ ‫وبالحرّية‬ ‫يهمها‪.‬‬ ‫ِل‬ ‫َ‬ ‫تجعل المســتمع ينســى الحكاية‪ -‬اإلطار‪ ،‬ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقدم عار‬ ‫الكتــاب‬ ‫التــي يتمّتع بها أكبر ُّ‬ ‫األخالقيين‪ ،‬يحدث أن َّ‬ ‫ِّ‬ ‫وخيانتهــن‪ .‬وحده فعل الحكــي يجعلها تفلت‬ ‫بعض النســاء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫من الموت‪.‬‬ ‫نحــن‪ -‬إذن‪ -‬أمام حكايــات «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬أمام تلك التي‪،‬‬ ‫منذ زمن‪،‬مازال آالف الرجال والنساء يقولونها ويكتبونها في‬ ‫المقاهــي العربية والبيــوت األوروبية‪ .‬الحكــي‪ ،‬في األصل‪،‬‬ ‫توجهها امرأة المــرأة أخرى‪ ،‬والرجل‬ ‫هــو ِهبة أنثويــة‪ ،‬كلمة ِّ‬ ‫يســتمع‪ .‬تبدأ شــهرزاد حكاياتها عندما تعلن العتمة عن نهاية‬ ‫النهــار‪ .‬وفــي ارتباط بإيــروس‪ ،‬وبالشــياطين‪ ،‬وبالخياالت‬ ‫واللّغات الســرية‪ ،‬يولد الحكي مــن الليل‪ ،‬ويتغذّى منه‪ ،‬لكنه‬ ‫كل لحظة مــن أجلنا‬ ‫يتغلَّــب علــى العتمــات‪ ،‬ويلد النهار فــي ّ‬ ‫جميعــاً‪ ،‬نحــن الذيــن نتكلَّــم ونســتمع‪ .‬عوليس‪ -‬أيضــاً‪ -‬في‬ ‫وكل من كانوا‬ ‫ســاحة ألسينوس‪ ،‬كان يحكي وسط العتمات‪ّ ،‬‬ ‫كل ليلة في االســتماع‬ ‫يســتمعون إليــه كانــوا يريدون قضــاء ّ‬ ‫لمغامراتــه المدهشــة‪ ،‬كمــا لــو أن هرميس‪ ،‬بواســطة عصاه‬ ‫لكن تحــّدي عوليس هو‬ ‫نــزع النوم مــن جفونهم‪ّ .‬‬ ‫الســحرية‪َ ،‬‬ ‫أقل يأســ ًا من تحّدي شــهرزاد‪ :‬عوليس ال يريد االنتصار على‬ ‫ّ‬ ‫كل ليلة‪ ،‬قبل بزوغ‬ ‫الموت‪ ،‬في حين أن على حكاية شهرزاد‪ّ ،‬‬ ‫يترصد‬ ‫وترده‪ ،‬هو الذي‬ ‫تغير ِّ‬ ‫اتجاه الموت‪ ،‬وتبعده ّ‬ ‫َّ‬ ‫الفجر‪ ،‬أن ِّ‬ ‫كل لحظــة‪ .‬وبفضل ِحَيلها‪ ،‬وحكاياتهــا اإليروتيكية‪،‬‬ ‫بنــا في ّ‬ ‫الخفيــة‪ ،‬تفرط الكلمة األنثويــة العظيمة‪ ،‬وتقلّص‬ ‫ومعرفتها‬ ‫ّ‬ ‫قوة السلطة الرجولية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫في أحيان كثيرة‪ ،‬تحكي شــهرزاد‪ ،‬ومن يخلفها‪ ،‬حكايات عن‬ ‫القــدر‪ ،‬هي من أجمل الحكايات التــي لم ُيكتب مثلها بعد‪ ،‬مثل‬ ‫التوأمْين (الوزير نور الدين وشــقيقه شــمس‬ ‫القلبْين‬ ‫حكايات َ‬ ‫َ‬ ‫الديــن)‪ .‬إنــه ذلك النــوع من القــدر الذي ال أســتطيع تصنيفه‬ ‫فلكــي‪ ،‬وأحيانــ ًا أخرى إلهــي‪ ،‬وأحيان ًا‬ ‫بدقّــة؛ فهــو أحياناً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مجرد مبدأ ســردي بســيط‪ ،‬يستخدم الصدفة كما لو‬ ‫أخرى هو ّ‬ ‫الوفية‪ :‬إنه ُيحدث انســجام ًا خارق ًا بين األحداث‬ ‫أنهــا خادمته ّ‬ ‫والشــخصيات؛ يســاهم فــي وحــدة المصائــر الشــخصية أو‬ ‫ّ‬ ‫انفصالها؛ ويســتتر داخل أشــياء في منتهــى الصغر‪ ،‬كما في‬ ‫ربى الرمــان) بإحداث خليط لذيذ‬ ‫ّ‬ ‫أقــل التفاصيل (مثل صنع ُم ّ‬ ‫من األساســي والعــارض‪ .‬وبالتناوب بيــن الهزلي والمفجع‪،‬‬ ‫المتعدد لألشــياء‪ ،‬كما لــو أن االزدواجية هي‬ ‫يلعــب بالوجــه‬ ‫ِّ‬ ‫مملكتــه‪ .‬مــن القــدر‪ ،‬يدافع اإلنســان عن نفســه ما اســتطاع‪.‬‬ ‫فهــو‪ ،‬أحيانــاً‪ ،‬يذهــب للصيــد بهدف التســلية‪ ،‬أو النســيان‪،‬‬ ‫أو الفضــول‪ .‬وأحيانــ ًا أخرى‪ ،‬يبحــث‪ -‬بانتباه شــديد الدقة‪-‬‬ ‫عــن اجتناب الممنوعات‪ .‬ال شــيء يمكن القيــام به‪ .‬وبأقصى‬ ‫يبين لنا السرد‪،‬‬ ‫ســخرية ممكنة‪ ،‬وبلباقة خفيفة ومدروسة‪ِّ ،‬‬ ‫‪117‬‬


‫مرة‪ ،‬أن اإلنسان ال يمكنه الهروب من القدر‪.‬‬ ‫في ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫صفــاء للعقل‪.‬‬ ‫األكثــر‬ ‫والــوزن‬ ‫ّــة‬ ‫ق‬ ‫الد‬ ‫يحــب‬ ‫شــهرزاد‬ ‫ــن‬ ‫إن َف ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خصوصــ ًا فــي النصوص القديمــة‪ ،‬حيث تســتثمر الغموض‪:‬‬ ‫تضــم حكاية‬ ‫بد ْورها‪-‬‬ ‫الحكايــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تضــم حكايــة ثانيــة‪ ،‬هــي‪َ -‬‬ ‫وكل واحــدة تنعكس في‬ ‫ً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫هــي‪-‬‬ ‫أخــرى‪،‬‬ ‫تضــم حكاية‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫قصة‪ ،‬كما‬ ‫قصة إلــى ّ‬ ‫األخــرى‪ ،‬بينما الشــخصيات تنتقــل من ّ‬ ‫يتكرر عّدة‬ ‫لــو أن الفضــاء الســردي ال تحّده حدود‪ّ .‬‬ ‫كل حــدث َّ‬ ‫كل شــخصية‪ :‬شــهرزاد تبحث عن التكرار‪ ،‬عن‬ ‫مرات‪ ،‬وكذلك ّ‬ ‫آثار المرآة‪ ،‬عن االنعكاســات‪ ،‬عن األصداء‪ ،‬عن التطابقات‪،‬‬ ‫كل‬ ‫عــن التماثــات‪ .‬ومــع االقتراب مــن الخاتمة‪ ،‬بعــد وضع ّ‬ ‫أشــكال الغموض‪ ،‬تحاول الحكاية القيام باإلعادة أو بسلسلة‬ ‫يتــم الوصول إلى النهاية‪ ،‬مع‬ ‫مــن اإلعادات المتتالية‪ ،‬كي ال ّ‬ ‫إنتــاج إعادة يائســة من طرف شــهرزاد وهــي تواجه الموت‪.‬‬ ‫كل‬ ‫كل غموض‪ّ ،‬‬ ‫مدوخة‪ ،‬لقد َت َّم جــاء ّ‬ ‫تتغيــر النبرة بســرعة ِّ‬ ‫ّ‬ ‫شــيء انقلــب‪ ،‬إلى أن يضيع تعقيد البنية في شــكل بســاطة‬ ‫نهاية سعيدة‪.‬‬ ‫فــي صــرح «ألــف ليلــة وليلــة» العظيم‪ ،‬أحــٌد مــا ينصت إلى‬ ‫شــهرزاد‪ :‬ليــس‪ ،‬فقط‪ ،‬األخــت والزوج‪ ،‬بل هارون الرشــيد‪،‬‬ ‫المضاد‪ .‬ال نعرف‬ ‫الخليفة العباســي العظيم‪ ،‬الذي هو الوجه‬ ‫ّ‬ ‫شيئ ًا من شهرزاد؛ هي‪ -‬بالنسبة إلينا‪ -‬صوت بدون دمغة‪ ،‬في‬ ‫كل شــيء من هارون الرشــيد‪ ...‬لكن الخليفة‬ ‫حين أننا نعرف ّ‬ ‫الخاصة‪ :‬األرق يعذِّبه باســتمرار‪ ،‬والكآبة‬ ‫ال يحتمل ســلطته‬ ‫ّ‬ ‫التنكر هو النزعــة الحقيقية‬ ‫تضطهده‪ .‬إذن‪ ،‬ســيضع قناعــاً؛‬ ‫ُّ‬ ‫يتنكــر فــي شــكل تاجــر‪ ،‬أو درويش‪ ،‬أو‬ ‫للســلطة المطلقــة‪َّ :‬‬ ‫مهرج أو مخادع‪ .‬في الليل‪ ،‬وبينما في‬ ‫صياد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويتصرف مثل ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ترن حكايات شهرزاد‪ ،‬يجتاز مدينته‪ ،‬بغداد‪ ،‬التي‬ ‫قصر آخر‪ُّ ،‬‬ ‫ويتجســس‬ ‫ويتقصى‪ ،‬ويســتمع‪ ،‬ويبحث‪،‬‬ ‫ال يعرفها‪ :‬ينظر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫كل شــيء‪ ،‬ألنه يريد ممارســة الســلطة إلى‬ ‫مثل رجل يحرس ّ‬ ‫وقوة‬ ‫قوة النظر ّ‬ ‫أقصى حّد؛ السلطة التي ال تجد كمالها ّإل في ّ‬ ‫كل الحكايات (حكايات‬ ‫الســمع‪ .‬فكيــف‪ -‬إذن‪ُ -‬نفاجأ من كــون ّ‬ ‫شــهرزاد كما حكايات من يخلفها) تصل إلى مســمعه‪ ،‬وبكونه‬ ‫ّي العلم‪ ،‬القادر‬ ‫ّي القدرة‪ ،‬والكل ّ‬ ‫الوحيد‪ ،‬هارون الرشــيد‪ ،‬الكل ّ‬ ‫كل غموض؟!‬ ‫على هزم ّ‬ ‫ال نســتطيع أبدًا فهم «ألف ليلة وليلة» والحضارة اإلسالمية‪،‬‬ ‫األول هو خلق آدم‪،‬‬ ‫دون أن َّ‬ ‫نتذكــر وجود نوعين من الخلق‪َّ :‬‬ ‫وشيطاني‬ ‫كل عجيب‪،‬‬ ‫الذي ننحدر منه جميعاً‪ .‬والثاني‪ ،‬يشمل ّ‬ ‫ّ‬ ‫وســحري‪ :‬مملكة سليمان؛ هذه المملكة تجاور عالمنا‪ ،‬تحيى‬ ‫ّ‬ ‫وتتسرب‪ ،‬أحياناً‪،‬‬ ‫ة‪،‬‬ ‫الخاص‬ ‫قوانينها‬ ‫وتمتلك‬ ‫موازية‪،‬‬ ‫حياة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫داخل وجودنا‪...‬‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫* ‪Pietro Citati, La Voix de Schéhérazade, Fata‬‬ ‫‪.Morgana, 1996‬‬ ‫‪118‬‬

‫قدم لنا عالء الدين والســندباد‬ ‫َأَثر كتاب (الليالي) هائل؛ هذا العمل الموســوعي الضخم‪ ،‬الذي َّ‬ ‫تباعد مارسيل بروست‪ ،‬وخورخي بورخيس‪ ،‬وباولو‬ ‫وس َحَر أدباء متباعدين بقدر ُ‬ ‫وعلي بابا‪َ ،‬‬ ‫افتِتنوا بالليالي‪ .‬وأبرز هؤالء ريمســكي‬ ‫امتد إلى‬ ‫بازوليني‪ ،‬وســلمان رشــدي‪ ،...‬كما َّ‬ ‫موســيقيين كبار ُ‬ ‫ِّ‬ ‫كورساكوف‪ ،‬وموريس رافيل‪.‬‬

‫ملاذا اف ُت ِت مؤ ِّلفو املوسيقى بـ(الليايل) العربية؟‬ ‫تيم آشيل*‬ ‫ترجمة‪ :‬أنور الشامي‬ ‫لقــد ظلَّت تلــك الحكايات مجهولــة المؤلِّف‪ ،‬المعروفة باســم‬ ‫كل المعاني‬ ‫«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬طوال تاريخها العجيب‪ ،‬تحمل ّ‬ ‫لكل الناس‪ .‬وصفها روبرت لويس ستيفنســون بأنها «كتاب‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫وكأي‬ ‫ر»‪.‬‬ ‫أدبي‬ ‫عمل‬ ‫ب‬ ‫الك‬ ‫فــي‬ ‫بهج‬ ‫ي‬ ‫ويظل‬ ‫غر‪،‬‬ ‫الص‬ ‫في‬ ‫ــر‬ ‫يأس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫بتبدل المفاهيم‪ ،‬مع مرور الزمن‪.‬‬ ‫تتبدل ُّ‬ ‫كبير‪ ،‬فإن رؤيتنا له َّ‬ ‫ممــن كانت (الليالــي) العربية (وهو عنوانها األوســع‬ ‫وكثيــر َّ‬ ‫ٌ‬ ‫غــذاء لخيــاالت طفولتهم‪ ،‬قد‬ ‫اإلنجليزية)‬ ‫اللغــة‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫انتشــار‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(ســواء كلّها أو بعضها) وهم كبار‪،‬‬ ‫عادوا إلى هذه الحكايات‬ ‫ً‬ ‫مر ًة أخرى‪ ،‬في مضامينها‪ .‬وعندما‬ ‫ليجدوا شواغلهم تنعكس‪ّ ،‬‬ ‫بحس شهواني‪،‬‬ ‫كبر‪ ،‬نكتشــف أن‬ ‫َّ‬ ‫حيويتها الغرائبية تمتزج ّ‬ ‫َن ُ‬ ‫وآخر ديني‪ ،‬وبشــعور متغلغل بالموت وِق َصر الحياة‪ ،‬وهي‬ ‫جميعها أحاسيس‪ ،‬كانت خافية علينا‪ ،‬في الحكايات‪ ،‬عندما‬ ‫قرأناها ونحن صغار‪.‬‬ ‫(يضم‬ ‫لقــد كان أثرها هائالً؛ فهذا العمل الموســوعي الضخم‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫قدم لنا‬ ‫ما بين ‪ 10‬إلى ‪ 15‬مجلَّداً‪ ،‬إذا َت َّم شــراؤه كامالً) الذي َّ‬ ‫ــحر أدباء متباعدين‪،‬‬ ‫عالء الدين والســندباد وعلي بابا قد َس َ‬ ‫بقدر تباعد مارســيل بروست‪ ،‬وخورخي بورخيس‪ ،‬وباولو‬ ‫بازوليني‪ ،‬وســلمان رشــدي‪ .‬لكن ســحرها قد امتــّد‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫فتِتنــوا بهــا‪ ،‬وأبرز هؤالء ريمســكي‬ ‫إلــى‬ ‫موســيقيين كبــار ُا ُ‬ ‫ِّ‬ ‫كورساكوف‪ ،‬وموريس رافيل‪.‬‬ ‫إن َفــرادة «ألــف ليلة وليلــة» تكمن في كونه ُألِّــف عبر عملية‬ ‫تطورية؛ إذ يجري االعتقاد بأن بعض الحكايات فيه مســتمٌد‬ ‫ُّ‬ ‫مــن حكايــات فارســية‪ ،‬لم تعــد موجــودة اآلن‪ُ ،‬ترجمت إلى‬ ‫العربية في القرن التاســع الميــادي‪ ،‬رغم أن العديد من هذه‬

‫هنــدي في األصل‪،‬‬ ‫ــدم التاريخ‪ ،‬وبعضها‬ ‫ّ‬ ‫الحكايــات قديمــة ِق َ‬ ‫ربما‪ -‬من تفاعالت ثقافية جرت‬ ‫أما بعضها اآلخر فقد‬ ‫َّ‬ ‫تشــكل‪َّ -‬‬ ‫في الشــرق األوســط‪ ،‬أو حتى في بالد الشــام‪ .‬وعلى سبيل‬ ‫قوية بين حكاية السندباد واألوديسا‪،‬‬ ‫ثمة أوجه شبه ّ‬ ‫المثال‪ّ ،‬‬ ‫األسطورتْين‪ ،‬إما تنبثقان‬ ‫أن‬ ‫على‬ ‫كثيرون‬ ‫به‬ ‫يستدل‬ ‫وهو ما‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مصدر واحد‪ ،‬أو أن المؤلِّفين المجهوَلْين لحكاية السندباد‬ ‫من‬ ‫ٍ‬ ‫كانــوا على دراية بهوميــروس‪ .‬وبمرور الزمن‪ُ ،‬أضيفت إليها‬ ‫حكايات من مصر وبغداد‪ ،‬وأســاطير شعبية من شّتى أنحاء‬ ‫النــص المعتمــد‪ ،‬وهو مــن عمل‬ ‫الشــرق األوســط‪ ،‬رغــم أن‬ ‫ّ‬ ‫كاتــب مجهول‪ ،‬لم يظهر ّإل في القرن الثامن عشــر في مصر‪،‬‬ ‫األصــل الذي اســتندت إليــه الطبعــات والترجمات‬ ‫وأصبــح‬ ‫َ‬ ‫الحديثة للحكايات‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ــمتان‪ ،‬هما من الســمات األبرز في «ألف‬ ‫س‬ ‫ومــع ذلك‪ ،‬توجد َ‬ ‫ثابتتْين فيهــا خالل معظم‬ ‫ليلــة وليلــة»‪ ،‬ويبــدو أنهما ظلَّتــا‬ ‫َ‬ ‫ظــل‪ -‬على‬ ‫تاريخهــا‪ :‬الســمة األولــى هــي أن عــدد الحكايات ّ‬ ‫مــا يبــدو‪ -‬ثابت ًا عند الرقــم ‪ ،1001‬منذ مطلع القرن العاشــر‪،‬‬ ‫والســمة الثانية هي أن الحكايات كانت الوســيلة األدبية في‬ ‫قصة شهرزاد المألوفة‪ .‬لكن‪ ،‬يبقى المغزى الدقيق للرقم الذي‬ ‫ّ‬ ‫ُيقرأ من اليمين كما ُيقرأ من اليسار (‪ )1001‬غامض ًا في بعض‬ ‫جوانبه‪ ،‬رغم أن الروائية «أيه أس بيات» قد أشارت إلى أنه‬ ‫للنهائيــة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فقد كان‬ ‫قــرأ بوصفه رمزًا ّ‬ ‫ينبغــي أن ُي َ‬ ‫لحكاية شــهرزاد‪ ،‬وهي راوية المجموعة كلّها‪ ،‬نتائج هائلة‪،‬‬ ‫تحدد‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫تحدد بنية المجموعة فحســب‪ ،‬بل ِّ‬ ‫فــي كونها ال ِّ‬

‫‪119‬‬


‫إلحاحهــا غيــر المعتــاد علــى الطبيعــة الوجوديــة للحكاية‪،‬‬ ‫ومغزاها‪.‬‬ ‫إن شــهرزاد‪ ،‬فــي جوهــر األمــر‪ ،‬تــروي حكاياتها كــي ُتبقي‬ ‫على حياتها؛ فزوجها الملك الهندي شــهريار‪ ،‬قد قتل زوجته‬ ‫ضَبطها بالجرم المشــهود‪ ،‬مع عشــيقها‪ ،‬ونذر‬ ‫األولى بعد أن َ‬ ‫كل زوجة من زوجاته صباح ليلة زفافهما؛ ومن َث َّم‬ ‫أن يقتــل ّ‬ ‫كانت حيلة شــهرزاد‪ ،‬في أن «تزجــي الليل» بحكاية تنقطع‪،‬‬ ‫دائمــاً‪ ،‬قبل انحالل العقدة‪ ،‬حتى يدعها شــهريار تعيش يوم ًا‬ ‫كارٍه للنســاء‬ ‫آخــر‪ ،‬ويعــرف نهايتها‪ ،‬تهدف إلى تكبيل َر ُجٍل ِ‬ ‫نفســياً‪ .‬لكن الحكايات ســرعان مــا كانت تبدأ في‬ ‫ومضطرب‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫شــخصية‬ ‫كل بطل من أبطال شــهرزاد‬ ‫التداخــل‪ ،‬حيث يلتقي ّ‬ ‫ً‬ ‫أخــرى‪ ،‬لديهــا حكاية أخــرى‪ ،‬ترويهــا بدورهــا‪ .‬ولذلك كان‬ ‫العــام يشــبه تأثيــر المتاهــة‪ ،‬حيث ترتــّد الروايات‬ ‫تأثيرهــا‬ ‫ّ‬ ‫المختلفة‪ ،‬دائماً‪ ،‬إلى نفسها‪.‬‬ ‫وهي تعني‪ -‬أيضاً‪ -‬أنه إذا كان لك أن تبقى على قيد الحياة‪،‬‬ ‫قصــة‪ ،‬مهما كانت‬ ‫فعليــك أن تمتلــك القــدرة علــى أن تحكي ّ‬ ‫بسيطة أو معقَّدة‪ .‬فجميع الحكايات ُتروى تحت تهديد الموت‪:‬‬ ‫والناس في «ألف ليلة وليلة» ال يعيشون «في سعادة أبدية»؛‬ ‫وهــم زائــف‪ .‬وحتــى عندمــا تكتمــل الحكاية رقم‬ ‫فالديمومــة‬ ‫ٌ‬ ‫يتم‬ ‫(‪ ،)1001‬وتعيش شــهرزاد وشهريار في هناء وسعادة‪ّ ،‬‬ ‫ومفرق الجماعات»‪.‬‬ ‫تذكيرنــا بأنه قد جاءهما «هادم اللــذات‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وثمــة عبارات مماثلــة تتخلَّل صفحات الحكايــات كلّها‪ ،‬مثل‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫متكررة‪.‬‬ ‫الزمة‬ ‫ِّ‬ ‫يتخذان‬ ‫إن ريمســكي كورســاكوف‪ ،‬وموريس رافيل‪ ،‬كليهما َّ‬ ‫ــين‬ ‫من شــخصية شــهرزاد نقطة االنطــاق لعمَلْيهما‬ ‫المقتبس ْ‬ ‫َ‬ ‫مــن «ألف ليلــة وليلة»‪ ،‬فكالهمــا يهدفان إلى بنــاء الحكايات‬ ‫وكل منهما‪ -‬إلى َح ٍّد مــا‪ -‬ينطلق من «ألف ليلة‬ ‫عبــر الصوت‪ٌ ،‬‬ ‫ا مباشــرًا ألجزاء‪،‬‬ ‫يقــدم تمثيــ ً‬ ‫وليلــة»‪ ،‬لكنــه ال يحــاول أن ِّ‬ ‫يقتطعها منها‪.‬‬ ‫يتوخــى الحيطة عندما يتعلّــق األمر بنقاش‬ ‫وكان ريمســكي‬ ‫ّ‬ ‫ســيمفونيته «شهرزاد» وكتاب «ألف ليلة وليلة»‪،‬‬ ‫الصلة بين‬ ‫َّ‬ ‫ويدفــع‪ -‬فــي األســاس‪ -‬بــأن تأثير «ألــف ليلة وليلــة» عليه‬ ‫كان إيحائيــ ًا ال وصفيــاً‪ .‬وقــد كتب يقول في ســيرته الذاتية‪:‬‬ ‫تضم‬ ‫«كنــت أضع نصب‬ ‫عيني تأليف مقطوعة أوركســترالية ّ‬ ‫ّ‬ ‫أربــع حركات‪ ،‬وترتبط ارتباط ًا وثيق ًا من خالل موضوعاتها‬ ‫يضم صورًا‬ ‫وجَملها الموسيقية‪ ،‬لكنها‪ ،‬مع ذلك‪ِّ ،‬‬ ‫تقدم مشهدًا ّ‬ ‫ُ‬ ‫خياليــة وتصاميــم ذات ســمة استشــراقية»‪ .‬إن مــا يقوم به‬ ‫عمل دقيق للغايــة؛ وذلك ألنه يحافظ‬ ‫هــو‪ -‬في واقع األمــر‪ٌ -‬‬ ‫القصــة اإلطارية لشــهرزاد وشــهريار‪ ،‬جنبــ ًا إلى جنب‬ ‫علــى ّ‬ ‫مــع فكــرة الحكايات التي تــدور داخل حكايــات أخرى‪ ،‬لكنه‬ ‫يعمد‪ ،‬بعدئذ‪ ،‬إلى سلسلة من القصص الموسيقية التي هي‪-‬‬ ‫جزئياً‪ -‬من ابتكاره‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تنم عن غضب شهريار‪،‬‬ ‫ســمع‬ ‫ت‬ ‫البداية‪،‬‬ ‫في‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫جملة موســيقية ّ‬ ‫َ‬ ‫عبر آالت النفخ النحاســية‪ ،‬وهي جملــة يجيب عليها صوت‬ ‫الكمــان منفرداً‪ ،‬معلن ًا بدء شــهرزاد حكاياتهــا‪ ،‬وهذا يقودنا‪-‬‬ ‫‪120‬‬

‫بدوره‪ -‬إلى تصوير ريمســكي الخالد لسفينة السندباد‪ ،‬وهي‬ ‫يشكل إطارًا ثانياً‪ ،‬تندرج فيه‬ ‫مما ِّ‬ ‫تضطرب فوق مياه البحر‪ّ ،‬‬ ‫الحكايات المتبقِّية بحسب تسلسلها‪ .‬وعند هذه النقطة‪ ،‬تزداد‬ ‫جلي ًا أن ريمسكي ال يتبع‬ ‫األمور تعقيداً‪ ،‬إذ سرعان ما يصبح ّ‬ ‫ٍ‬ ‫محددة من «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬بل هو يأبى أن يخبرنا‬ ‫حكايات َّ‬ ‫أما‬ ‫بالرحلة التي يصفها من بين الرحالت الســبعة للسندباد‪ّ .‬‬ ‫القسم الثاني من المتتابعة السيمفونية فيكتفي بوضعه تحت‬ ‫عنــوان «حكاية األميــر الكالنداري»‪ .‬ولو أننــا عدنا إلى «ألف‬ ‫تضم ثالثة أمراء كالنداريين‪،‬‬ ‫ليلة وليلة»‪ ،‬فســوف نجد أنهــا ّ‬ ‫أي ًا من حكاياتهم‪.‬‬ ‫يتبع‬ ‫ال‬ ‫وأن المسار الموسيقي لدى ريمسكي‬ ‫ّ‬ ‫لقد كان ريمســكي‪ -‬في واقــع األمر‪ -‬يؤلِّف‪ ،‬خالل ذلك‪« ،‬ألف‬ ‫خاصة به‪.‬‬ ‫ليلة وليلة» ّ‬ ‫أهمّية‪ ،‬عن ذلك‪ ،‬الطريقة التي ُتورد فيها الحكايات‬ ‫وال ّ‬ ‫تقــل ّ‬ ‫مســتمرة حــول العالقــة بين شــهرزاد وشــهريار‪،‬‬ ‫تعليقــات‬ ‫ّ‬ ‫برمته‪ .‬إن كون‬ ‫العمل‬ ‫أساس‬ ‫الموسيقية‬ ‫ها‬ ‫ل‬ ‫تشــكل جم‬ ‫والتي‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫شــهريار قــد مزج نفســه‪ -‬على الفور‪ -‬بشــخصية الســندباد‪،‬‬ ‫هــو أمــر واضــح منــذ اللحظة التــي نســمع فيها الموســيقى‬ ‫المصاحبــة للرحلــة البحرية لهــذا األخير‪ ،‬والتــي تقوم على‬ ‫تعزيــز الموضوع الرئيســي للملك‪ .‬وفي أثنــاء ذلك‪ ،‬ينطلق‬ ‫صوت الكمان المنفرد لشهرزاد ليتخلَّل المقطوعة الموسيقية‬ ‫تحطم‬ ‫مادتهــا‪،‬‬ ‫ويرتبهــا‪ ،‬ويتزامن ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫كلّهــا‪ ،‬كما لو أنه ينشــئ ّ‬ ‫ســفينة الســندباد‪ ،‬قــرب نهايــة العمل‪ ،‬مــع انهيــار األحكام‬ ‫الدمويــة لشــهريار‪ .‬وفي النهاية‪ ،‬يتالقى لحن شــهريار‪ -‬وقد‬ ‫تطهر‪ ،‬اآلن‪ ،‬من عنفه المرعب‪ -‬مع لحن شهرزاد ليصنعا مع ًا‬ ‫َّ‬ ‫حب مفعم بالنشــوة‪ .‬إنها مقطوعة موســيقية رائعة‪،‬‬ ‫ثنائية‬ ‫ّ‬ ‫وقد ظلَّت‪ ،‬دائماً‪ ،‬تحظى بشــعبية ُمستحقّة‪ ،‬رغم أن قليلين‪،‬‬ ‫بع َظمتها أو بأصالتها‪.‬‬ ‫أقروا َ‬ ‫فقط‪ ،‬هم من ّ‬ ‫لكن شــهرزاد‪ ،‬لدى رافيل‪ ،‬تثير مشــاعر أكثر تباين ًا وإبهاماً؛‬ ‫وذلــك ألنهــا ترتبــط‪ -‬أساســاً‪ -‬بالنظــرة االستشــراقية إلى‬ ‫ثقافــة الشــرق‪ .‬وألن أولــى الترجمــات الغربية لكتــاب «ألف‬ ‫ليلة وليلة» تعود إلى مطلع القرن الثامن عشــر‪ ،‬فقد تزامنت‬ ‫مــع ظهــور األيديولوجيــة اإلمبرياليــة‪ ،‬والكولونيالية‪ .‬وقد‬ ‫غــذَّت الصراحــة الجنســية التي تجلَّــت في بعــض الحكايات‬ ‫متأصل‪ ،‬في بعض األحيــان‪ ،‬الخياالت التي‬ ‫ممتزجــة بعنف‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫تــرى «الشــرق» الــذي يعتريــه الغمــوض‪ ،‬بوصفه تجســيدًا‬ ‫نســنة من ثقافتنــا؛ ومن‬ ‫لثقافــة كانــت فــي الماضي أكثــر َج َ‬ ‫ــم‪ ،‬فــإن أغانــي رافيل يجب النظــر إليها بوصفهــا جزءًا من‬ ‫َث َّ‬ ‫ً‬ ‫«الشــرقيات»‬ ‫ديوان‬ ‫مثل‬ ‫أدبية‪،‬‬ ‫ال‬ ‫أعما‬ ‫ن‬ ‫تتضم‬ ‫جمالية‬ ‫تقاليد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫لفيكتور هوغو‪ ،‬ورواية «سالمبو» لغوستاف فلوبير‪ ،‬فض ً‬ ‫عــن مجموعة من األوبرات‪ ،‬التي‪ ،‬وإن كانت قد أصبحت اآلن‬ ‫تتميز بأجوائها الشرقية الغريبة‪.‬‬ ‫طي النسيان‪ ،‬إال أنها َّ‬ ‫في ّ‬ ‫نص شهرزاد كتبه أحد أصدقاء رافيل‪ ،‬وهو الشاعر ليون‬ ‫إن ّ‬ ‫اتخذ اســم ًا مســتعاراً‪ ،‬مزج فيه بين بطلين من‬ ‫لوكلير‪ ،‬الذي َّ‬ ‫أبطال ريتشــارد فاجنر‪ ،‬ليصبح تريســتان كلينغســور‪ .‬وقد‬ ‫تضــم ‪ 100‬قصيــدة‪ ،‬تحت‬ ‫نشــر كلينغســور مجموعتــه التي‬ ‫ّ‬

‫ترجمة جديدة‬ ‫عنوان «شــهرزاد في عام ‪ ،1903‬اســتلهم فيها‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫إيحاءات جنسية‪.‬‬ ‫لـ«ألف ليلة وليلة» كانت تحمل‬ ‫اختــار رافيــل‪ ،‬بعناية‪ ،‬ثــاث قصائد من قصائد كلينغســور‬ ‫طباعة جديدة‪ .‬وبينما يترك‬ ‫وطَبعها‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫األقل تصريح ًا بالجنس‪َ ،‬‬ ‫يحدده‪ ،‬فإن‬ ‫كلينغســور‪ -‬غالباً‪ -‬جنس الراوي لخيال القارئ ِّ‬ ‫متوســطة؛‬ ‫رافيل يختار‪ -‬تحديداً‪ -‬مغنِّية ســوبرانو من طبقة‬ ‫ِّ‬ ‫ما يجعلها تمتزج مع شهرزاد نفسها‪.‬‬ ‫وكمــا هــو الحال مــع مقطوعة ريمســكي‪ ،‬فإن رافيــل يفتتح‬ ‫المــرة‪ ،‬جولــة عبــر‬ ‫أغنيتــه برحلــة بحريــة‪ ،‬وهــي‪ ،‬هــذه ّ‬ ‫آســيا‪ ،‬بحســب مــا َت َص َّورها كلينغســور «حيث ينــام الخيال‬ ‫مثــل إمبراطورة في غابــة مليئة باأللغــاز»‪ .‬إن الراوية تريد‬ ‫الحــب أو الكراهيــة»‪ ،‬وأن‬ ‫أن تــرى «النــاس يموتون بســبب‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫تســتمع إلــى «العلمــاء يتناقشــون حــول الشــعر والجمال»‪،‬‬

‫«القَتلة وهم‬ ‫وأن تســافر‪ -‬أخيــراً‪ -‬إلــى الصين‪ ،‬كــي تشــاهد َ‬ ‫الجلد رأس رجل بريء»‪ .‬لكنها‪ ،‬فوق‬ ‫يبتسمون‪ ،‬فيما يقطع ّ‬ ‫ذلــك‪ ،‬تتوق إلى العودة من أســفارها حتى يمكنها أن تروي‬ ‫حكاياتها‪« ،‬وأوقفها بدهاء مثل الســندباد‪ ،‬بأن أضع فنجاني‬ ‫شفتي»‪ .‬إن الموسيقى‪ ،‬المترعة بالبريق‬ ‫العربي القديم على‬ ‫ّ‬ ‫وهمية مدهشة‪ ،‬وغالب ًا‬ ‫صور‬ ‫عبر‬ ‫بنا‪،‬‬ ‫تنطلق‬ ‫والشــهوانية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ما تكون ســاحرة (‪ .)...‬ورغم القلق األيديولوجي فإن أغنية‬ ‫رافيل‪ ،‬مثلما هي مقطوعة ريمسكي‪ ،‬ال تفتأ تفتن مستمعيها‪،‬‬ ‫فيمــا ال يــزال «ألف ليلة وليلــة» يمارس ســحره على الخيال‬ ‫البشري‪.‬‬ ‫* ناقد في صحيفة الجارديان البريطانية‬

‫‪121‬‬


‫الحكاءة‪ ،‬وهي الحكاية‪ .‬إنها «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬والليالي األلف هي شهرزاد‪...‬‬ ‫شهرزاد هي ّ‬ ‫غيرت‬ ‫كن متشــابهات‪ ،‬إلى أن‬ ‫وقَد ّ‬ ‫اختلفت ّ‬ ‫جميعهن َّ‬ ‫ّ‬ ‫فغيرت َقَدرها َ‬ ‫ْ‬ ‫رهن‪ ،‬بل َّ‬ ‫عنهن شــهرزاد؛ َّ‬ ‫قدر شهريار القاسي نفسه‪.‬‬

‫شهرزاد‬

‫الواقعية السحر ّية‬ ‫رائدة‬ ‫ّ‬ ‫صالح علامين‬

‫‪122‬‬

‫شــهرزاد تقــود خيــط الحكايــة‪ ،‬وتــروي القصــص لتنجو‪،‬‬ ‫ولتعيد بعث «إنسانية» السلطان‪ ،‬أيضاً‪.‬‬ ‫ولكي يكون ما ُيروى واقعي ًا وساحراً‪ ،‬ال بّد أن تكون الراوية‬ ‫هي شهر زاد‪.‬‬ ‫رويته‪ -‬يا أختاه‪ -‬ال يمكن مقارنته بما سأرويه في الليلة‬ ‫«ما‬ ‫ُ‬ ‫حية‪ ،‬واســتبقاني مــوالي الملك إلى‬ ‫بقيت َّ‬ ‫القادمــة‪ ،‬إذا مــا ُ‬ ‫جواره»‬ ‫فاستراتيجيتها تعتمد على‬ ‫إنه لسان حال شهرزاد وصوتها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫القصة‪ ،‬لتطيــل حياتها يوم ًا آخر‪ ،‬من‬ ‫تصعيد التشــويق في ّ‬ ‫حي ًة في ذاكرة العصور‪ ،‬إلى أبد اآلبدين‪.‬‬ ‫أجل أن تبقى ّ‬ ‫تتطوع‬ ‫كيــف كانــت ســتصلنا ســبائك الذهــب هــذه‪ ،‬لو لــم‬ ‫َّ‬ ‫شــهرزاد الفتــداء بنات جنســها‪ ،‬ولــو لم تضع اســتراتيجية‬ ‫الم ْح َكمة‪.‬‬ ‫َق َّ‬ ‫صها ُ‬ ‫مضت قرون على والدة الكتاب في عالم األدب‪ ،‬ومازال سحر‬

‫أيها الملك الرشــيد‪،‬‬ ‫القراء‪« :‬بلغني‪ُّ ،‬‬ ‫صوت شــهرزاد يفتن ّ‬ ‫األخاذ‪،‬‬ ‫الشجي‬ ‫السرد‬ ‫ويتواصل‬ ‫ذو الرأي الســديد أن‪،»...‬‬ ‫ّ ّ‬ ‫أيديولوجيات ومعتقدات‪ ،‬وتتالشى‬ ‫يعبر العصور‪ ،‬تسقط‬ ‫ّ‬ ‫ويظل صوت شهرزاد يأتي هادئاً‪ ،‬يريده‬ ‫دول وحضارات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل ليلة‪ ،‬يريدون فرك المصباح ليخرج‬ ‫األطفال فــي حكاية ّ‬ ‫ويلبــي رغباتهــم‪ .‬يســابقون الكبار‪،‬‬ ‫لهــم المــارد الجنّــي‪ّ ،‬‬ ‫ويدخلــون الحكايــة‪ ،‬يصيــرون عــاء الديــن‪ ،‬وســندباد‪،‬‬ ‫وشخوص كنز الحكايات الخيالية التي ال تنفد‪.‬‬ ‫من الغريب أن هذا العمل الذي ُأ ِ‬ ‫ال في بالد العرب‪،‬‬ ‫همل طوي ً‬ ‫ِ‬ ‫العربيــة اإلســامية‪،‬‬ ‫مرجعيــات الثقافــة‬ ‫ــل‪ ،‬لــدى‬ ‫وعوم َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كتاب خرافات شــعبية‪،‬‬ ‫بــازدراء‪ ،‬طــوال قرون‪ ،‬بوصفــه َ‬ ‫ضئيل القيمــة الفكرية‪ ،‬واألدبية‪ ،‬انتهى به المطاف ليكون‬ ‫ا كالســيكي ًا بامتيــاز‪ ،‬والعمــل األدبــي العربــي الــذي‬ ‫عمــ ً‬ ‫ســيتمتع بالخلود‪ ،‬عالميــاً‪ ،‬إلى األبد‪ ،‬ويجتذب‪ ،‬بســحره‬ ‫َّ‬ ‫القراء‪ ،‬ويشــيد به‬ ‫ماليين‬ ‫العصــور‪،‬‬ ‫امتــداد‬ ‫على‬ ‫الهائــل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫العظماء‪ ،‬من فولتير إلى بورخيس‪ ،‬ويســتحوذ على قلوب‬ ‫الصغــار والكبــار مــن كافّة األعــراق واألجنــاس‪ .‬بل وصل‬ ‫أهم مصادر إلهام‬ ‫األمر بـ«ألف ليلة وليلة» إلى أن يكون أحد ّ‬ ‫مدوية وشــكلوا‬ ‫جيل كامل من الكّتاب في الذين أحدثوا ّ‬ ‫هزة ِّ‬ ‫أبرز ظاهرة ثقافية عالمية شــهدها النصف الثاني من القرن‬ ‫تيار الواقعية السحرية‪ ،‬في الرواية‬ ‫العشــرين‪ ،‬وأعني بها ّ‬ ‫األمريكية الالتينية‪.‬‬ ‫عنــد الحديــث عــن األثر الــذي خلَّفه «ألــف ليلــة وليلة» في‬ ‫تيار الواقيعة الســحرية واألدب األمريكي الالتيني عموماً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عراب (الليالي)‬ ‫بورخيس‪،‬‬ ‫لويــس‬ ‫بخورخي‬ ‫البدء‬ ‫من‬ ‫د‬ ‫البــ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قارة العجائــب‪ ،‬ألن بورخيس الذي لم‬ ‫في‬ ‫األكبر‪،‬‬ ‫ــة‬ ‫العربي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قارته‪،‬‬ ‫في‬ ‫ين‬ ‫الروائي‬ ‫ِّــم‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ذلك‪-‬‬ ‫مع‬ ‫‬‫د‬ ‫ع‬ ‫وي‬ ‫رواية‪،‬‬ ‫يكتــب‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫َُ‬ ‫َُ‬ ‫ّ‬ ‫كان مولعــ ًا بكتــاب «ألــف ليلــة وليلــة»‪ ،‬الذي اكتشــفه منذ‬ ‫المبكرة‪ ،‬فهو يقول‪ ،‬في إحدى محاضراته‪« :‬ذاكرتي‬ ‫طفولته ّ‬ ‫تعيدني إلى مســاء يوم‪ ،‬قبل ســّتين عامــاً‪ ،‬إلى مكتبة أبي‬ ‫فـــي بوينــس آيرس‪ :‬إننــي أرى أبي‪ ،‬وأرى ضــوء الغاز‪،‬‬ ‫ويمكننــي لمس رفوف المكتبة‪ .‬أعــرف‪ -‬بالضبط‪ -‬أين أجد‬ ‫«ألــف ليلــة وليلة» بترجمة بورتن‪ ...‬عندما أفكر فـــي «ألف‬ ‫المتعددة‪،‬‬ ‫أفكر فـي المجلَّدات‬ ‫ليلة وليلة»‪ -‬تحديداً‪ -‬فإنني ال ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫أدق‪ -‬المشــغولة بتكلُّف)‪،‬‬ ‫الثقيلة والمزركشــة (أو‪ -‬بعبارة ّ‬ ‫أسميه أنا ألف ليلة وليلة الحقيقية‪ :‬ليالي‬ ‫إنما ِّ‬ ‫أفكر فـي ما ّ‬ ‫ربما‪ -‬ليالي إدوارد ويليام لين‪.‬‬ ‫غاالن‪ ،‬و‪َّ -‬‬ ‫معظــم قراءاتي كانت باإلنجليزية؛ معظــم الكتب وصلتني‬ ‫ممتــن‪ ،‬بعمــق‪ ،‬لهــذا االمتياز»‪.‬‬ ‫باللّغــة اإلنجليزيــة‪ ،‬وأنــا‬ ‫ّ‬ ‫ويســتطرد فــي محاضرة أخــرى قائــاً‪« :‬إن ترجمة بورتن‬ ‫كانــت ُت َعــّد‪ ،‬آنــذاك‪ ،‬كتابــ ًا إباحيــاً‪ ،‬تحظــر قراءتــه علــى‬ ‫األطفال»‪ ،‬ولهذا كان بورخيس الطفل يقرؤه خلسة‪ ،‬ولشّدة‬ ‫افتتانــه بســحر الكتاب‪ ،‬لــم ينتبه إلــى ما كان ُي َعــّد فقرات‬ ‫‪123‬‬


‫متهتكــة‪ .‬فالحكايــات لم تكن‬ ‫إباحيــة‬ ‫ِّ‬ ‫يدْر في خلده أنها‬ ‫سوى حكايات‪ ،‬ولم ُ‬ ‫أية إيحاءات أخرى غير الئقة‪.‬‬ ‫تتضمن ّ‬ ‫َّ‬ ‫خالصة‬ ‫الكتــاب‬ ‫هــذا‬ ‫بورخيــس‬ ‫يعــّد‬ ‫َ‬ ‫الكتــب‪ ،‬ومتاهة المتاهــات‪ ،‬و«الرواية‬ ‫الدائريــة»‪ ،‬وأنه محاولــة النهائية مثل‬ ‫«كتــاب الرمــل» الــذي كتبــة بورخيــس‬ ‫نفســه‪ .‬يقول بورخيس‪« :‬العــرب يقولون‬ ‫إنــه ال يمكن ألحــد أن يقرأ «ألف ليلــة وليلة»‬ ‫حتى النهاية‪ ...‬ألن «ألف ليلة وليلة» بال نهاية‪ .‬فحين نقول‬ ‫ألــف ليلة فهذا يعني ليالي النهائيــة‪ ،‬ليالي كثيرة‪ ،‬ليالي ال‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُتحصى‪ .‬والقول «ألف ليلة وليلة» هو إضافة ليلة أخرى إلى‬ ‫فلنتذكر عبارة إنجليزية مثيرة‬ ‫الالنهائي‪ .‬ويتابع بورخيس‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫للفضول‪ .‬ففي بعض األحيان‪ ،‬بدل أن ُيقال‪« :‬إلى األبد»؛ أي‬ ‫‪ ،for ever‬يقــال‪for ever and a day :‬؛ أي «إلــى األبــد‪،‬‬ ‫ويــوم إضافــي»‪ .‬يضــاف يوم آخر إلــى كلمة «األبــد»‪ .‬وهذا‬ ‫«سأحبك‬ ‫موجه إلى امرأة‪:‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫يذكرنا‪ -‬أيضاً‪ -‬ببيت شعر لهاينه َّ‬ ‫أبدي‪ ،‬كذلك»‪.‬‬ ‫أبدياً‪ ،‬وما بعد ّ‬ ‫حب ًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويتابــع بورخيــس‪« :‬هنالك‪ ،‬في هذا الكتــاب‪ ،‬أحالم داخل‬ ‫أحالم‪ُ ،‬تحدث إحساس ًا بالدوار‪ ،‬وحكايات ضمن الحكايات‪.‬‬ ‫وهذا يشــبة‪ ،‬قليالً‪ ،‬مــا يحدث في «الكيخوتــي»‪ ،‬أو كما في‬ ‫«أليس في بــاد العجائب»‪ ،‬وفــي «الديكاميرون»‪ ،‬وكما في‬ ‫‪124‬‬

‫مغامرات «أوليســيس»‪ ،‬أيضاً‪ ،‬مع األخذ في الحســبان أن‬ ‫يسمى‪ ،‬هنا‪ ،‬السندباد البحري»‪.‬‬ ‫«أوليسيس» ّ‬ ‫أول ما آخذه فـــي‬ ‫«عندما ِّ‬ ‫أفكر فـــي «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬فإن َّ‬ ‫بالحرّيــة‪ .‬ولكنني أعرف‪،‬‬ ‫الحســبان هو إحســاس فســيح‬ ‫ّ‬ ‫وحراً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫فســيح‬ ‫كان‬ ‫وإن‬ ‫الكتــاب‪-‬‬ ‫فـــي الوقــت نفســه‪ ،‬أن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫المنهجيات؛ فالعــدد ثالثة‪ -‬على‬ ‫محكــوم بعدد محــدود من‬ ‫ّ‬ ‫سبيل المثال‪ -‬يظهر بتواتر كبير‪ ،‬وال نجد فيه شخصيات؛‬ ‫شــخصيات‬ ‫شــخصيات‪ ،‬لكنهــا‬ ‫أو أننــا‪ -‬باألحــرى‪ -‬نجــد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحلق الصامت)‪ ،‬نجد‬ ‫َّ‬ ‫(ربما‪ ،‬باستثناء شخصية ّ‬ ‫مسطحة َّ‬ ‫رجا ًال أشــرارًا ورجا ًال أخياراً‪ ،‬نجد ثواب ًا وعقاباً‪ ،‬وخواتم‬ ‫ســحرية‪ ،‬وطالســم‪ .‬ومع أننــا ننزع إلى التفكير فـــي أنه‬ ‫بحّد ذاته‪ -‬أن يكون شــيئ ًا هائــاً‪ّ ،‬إل أنني‬ ‫يمكــن للحجم‪َ -‬‬ ‫أظــن أن هنــاك وفــرة من الكتــب التي يكمن جوهرها فـــي‬ ‫اتساعها الكبير‪ .‬ففـــي حالة «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬على سبيل‬ ‫ِّ‬ ‫متســع للتفكير فـــي أن الكتــاب ضخم‪ ،‬وأن‬ ‫ــة‬ ‫ثم‬ ‫المثــال‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫القصــة ال تنتهي أبــداً‪ ،‬وأننا لن نصل إلــى النهاية مطلقاً‪.‬‬ ‫ال يمكــن لنــا أن نذرع (ألــف ليلة وليلــة) كلّها أبــداً‪ ،‬ولكن‬ ‫واقــع أنها موجودة في متناول اليد‪ ،‬يزيد‪ ،‬إلى َحّد ما‪ ،‬من‬ ‫نتعمق‬ ‫عظمة المســألة‪ .‬ذلك أننــا نعرف أنه يمكن لنــا أن‬ ‫َّ‬ ‫فـي الكتاب أكثر‪ ،‬وأننا نستطيع مواصلة ذرع الصفحات‪،‬‬ ‫والســحرة والشــقيقات الثــاث الجميــات‬ ‫وأن العجائــب‬ ‫َ‬ ‫سيكونون هناك‪ ،‬دائماً‪ ،‬بانتظارنا»‪.‬‬ ‫الســحرية وكاهنها‬ ‫أمــا غارســيا ماركيــز‪ ،‬رائــد الواقعيــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مذكراته «عشــت ألروي»‪ ،‬إن‬ ‫األكبــر‪ ،‬فيقــول‪ ،‬فــي مطلــع ِّ‬ ‫تذكره ليرويــه‪ .‬لقد كان‬ ‫حياتــه لــم تكن ما عاشــه‪ ،‬بل مــا َّ‬ ‫ومتميزاً‪،‬‬ ‫اء بارع ًا‬ ‫غارسيا ماركيز (شهرزاد) معاصرة‪ّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫حك ً‬ ‫مثــل بطلة «ألف ليلة وليلة»‪ .‬إنه بارع إلى حّد القدرة على‬ ‫القــراء إلى جنــان خيالية‪ ،‬لم تخطر لهــم في بال‪...‬‬ ‫حمــل ّ‬ ‫إلــى غراميــات ورديــة‪ ،‬ومغامــرات مواخير‪ ،‬إلــى غرائب‬ ‫بأدب‬ ‫مفعمــة ٍ‬ ‫وعجائــب أســطورية‪ ،‬وصفحــات صحافية َ‬ ‫يتجــاوز حــدود الخيــال‪ .‬وأروع من ذلك كلّــه أن الجميع‪،‬‬ ‫كل أنحاء العالم‪ ،‬صاروا يدعونــه «غابو»‪ ،‬كما لو أن‬ ‫فــي ّ‬ ‫الجميــع كانوا زمالءه في المدرســة‪ .‬وصــار هناك إجماع‬ ‫قراء‬ ‫علــى أن تاريــخ اآلداب لم يعرف روائي ًا مثله (جمهور ّ‬ ‫ــدر بمئات الماليين‪ ،‬وثراء ثقافي‪ ،‬ومعرفي‪ ،‬بال حدود)‬ ‫ُيَق َّ‬ ‫منذ أزمنــة آخر العمالقة‪ :‬جويــس‪ ،‬وهمنغواي‪ ،‬وفوكنر‪.‬‬ ‫ار اجتاح العالــم‪ ،‬انطالق ًا من بلد ُتنهِكه حروب‬ ‫تي ٍ‬ ‫إنــه رائد ّ‬ ‫منسية‪ .‬وكان السحر‬ ‫وشبه‬ ‫بائسة‬ ‫قارة‬ ‫في‬ ‫متتالية‪،‬‬ ‫أهلية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخرافي المسلَّح بالواقعية والقدرة على اإلقناع هو السبيل‬ ‫الذي استطاع‪ ،‬من خالله‪ ،‬االستحواذ على أوسع جمهور‪،‬‬ ‫أدبي أن يحلم به‪.‬‬ ‫ما كان يمكن لكاتب ّ‬ ‫أكد غارســيا ماركيز أنه يدين بمنهجه الروائي الذي‬ ‫لطالما َّ‬ ‫والمتشعبة‪ ،‬لكن أعظم تأثير‬ ‫اختطه إلى قراءاته الواســعة‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬

‫عظيمْين‬ ‫صــادم تلقّــاه فــي حياته هــو ذهوله أمــام عمَلْيــن‬ ‫َ‬ ‫أهم مصادر إلهامه‪« :‬ألف ليلة وليلة»‪ ،‬ومؤلفات فرانز‬ ‫َش َّكال ّ‬ ‫مذاكرته‪« :‬إنني‬ ‫كافــكا؛ فهــو يقول في الفصل العاشــر‪ ،‬مــن ِّ‬ ‫أتذكر اليوم‪ ،‬بينما أنا أســترجع مسيرة حياتي‪ ،‬أن مفهومي‬ ‫َّ‬ ‫للقصــة القصيــرة كان بدائياً‪ ،‬على الرغــم من كثرة القصص‬ ‫ّ‬ ‫األول بقصص «ألف ليلة وليلة»‪.‬‬ ‫انبهــاري‬ ‫منذ‬ ‫قرأتها‪،‬‬ ‫التــي‬ ‫َّ‬ ‫تجرأت علــى التفكير بأن العجائــب التي ترويها‬ ‫حتــى إنني َّ‬ ‫اليومية‪ ،‬وأنها‬ ‫عصرها‬ ‫حياة‬ ‫في‬ ‫ال‬ ‫فع‬ ‫تحدث‬ ‫شــهرزاد كانت‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫لــم تعد تحدث بســبب عدم تصديق األجيــال التالية‪ ،‬وجبنها‬ ‫الواقعــي‪ .‬كان يبدو لي أنه من المســتحيل‪ -‬للســبب نفســه‪-‬‬ ‫أن يعــود أحــد‪ ،‬في عصرنا‪ ،‬إلى تصديق أنــه يمكن الطيران‬ ‫عاقب عبد‪ ،‬في‬ ‫فوق المدن والجبال على متن بســاط‪ ،‬أو أن ُي َ‬ ‫كارتاخينا دي إندياس‪ ،‬بالعيش مئتي عام داخل قارورة‪ّ ،‬إل‬ ‫يصدقون ذلك»‪.‬‬ ‫قرائه‬ ‫ِّ‬ ‫إذا كان مؤلِّف ّ‬ ‫القصة قادرًا على جعل ّ‬ ‫اللغــز‪ -‬إذاً‪ -‬ليــس في الخيــال الجامح‪ ،‬إنما فــي القدرة على‬ ‫جعــل الحــدث الخيالي ُمْقِنعاً‪ .‬وشــهرزاد تســتطيع إقناعنا‪،‬‬ ‫سحرية‬ ‫طيارة‪ ،‬ومصابيح‬ ‫ّ‬ ‫دون جدال‪ ،‬بأن هناك ســجاجيد ّ‬ ‫تحقِّق المعجزات‪ ،‬وجبل مغنطيس يجتذب الســفن‪ ،‬ويسحب‬ ‫ــن فيهــا‪ .‬وقــد اســتلهم ماركيز‬ ‫بم ْ‬ ‫ليغرقهــا َ‬ ‫منهــا مســاميريها ُ‬ ‫المعلِّمــة شــهرزاد‪ ،‬فجعــل لشــراب البابونج الســاخن مذاق‬ ‫نافذة‪ ،‬وعندما تســتهجن قوَله الخادمة التي جاءته بالشراب‬ ‫وتتــذوق ما في الفنجان‪ ،‬تجــد أن له َطعم نافذة‪،‬‬ ‫الســاخن‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫مكن صاحب «مئة عام‬ ‫بالفعل‪ .‬إنها المعادلة الســحرية التي ُت ّ‬ ‫مــن العزلة» مــن اإلقناع‪ ،‬بل أكثر من ذلــك‪ ،‬فهو يبدأ وصف‬ ‫المتخيلة «ماكوندو» بأنها قرية صغيرة‪ ،‬من عشــرين‬ ‫قريته‬ ‫َّ‬ ‫بيتاً‪ .‬حيث «كان العالم حديث النشوء‪ ،‬حتى أن أشياء كثيرة‬ ‫كانت ال تزال بال أســماء‪ .‬ومن أجل ذكرها‪ ،‬البّد من اإلشــارة‬ ‫إليهــا باإلصبــع»‪ ،‬ويواصــل الحديث‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬عن أســرة‬ ‫الغجــر التــي تنصب خيمتهــا قرب القرية‪ ،‬في شــهر آذار من‬ ‫أوالً‪-‬‬ ‫كل عــام‪ ،‬تأتــي في ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل مــرة باختراع جديد‪« :‬جــاءت‪َّ -‬‬ ‫بعرض‬ ‫ميلكيادس‬ ‫دعــى‬ ‫ي‬ ‫مربوع‬ ‫غجــري‬ ‫قام‬ ‫بالمغنطيــس‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫المقدونيين الثامنة‪.‬‬ ‫الخيمياء‬ ‫علماء‬ ‫سماه أعجوبة‬ ‫ّ‬ ‫صاخب لما ّ‬ ‫معدنيَتْين‪،‬‬ ‫ســبيكتْين‬ ‫يجر‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫مضــى‪ ،‬من بيت إلى بيــت‪ ،‬وهو ّ‬ ‫فاســتولى الذعر على الجميع‪ ،‬حين رأوا القدور والطســوت‬ ‫والكماشــات والمواقــد تتســاقط مــن أماكنهــا‪ ،‬واألخشــاب‬ ‫ّ‬ ‫تطقطق‪ ،‬ألن المسامير والبراغي راحت تتململ لتنتزع نفسها‬ ‫مــن الخشــب‪ ...‬وتنقاد جميعها‪ ،‬في حشــد مضطــرب‪ ،‬وراء‬ ‫المغنطيســيَتْين»‪ .‬هذا المشــهد بحكايته‬ ‫ــي ميلكيادس‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫حديدت ْ‬ ‫قصة جبل المغنطيس الذي يجتذب‬ ‫من‬ ‫ريب‪-‬‬ ‫دون‬ ‫ى‪-‬‬ ‫مستوح‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الســفن‪ ،‬ويسحب المسامير من ألواح أخشابها لتغرق‪ ،‬مثلما‬ ‫حدث لسفينة الملك عجيب‪ ،‬في واحدة من حكايات شهرزاد‪.‬‬ ‫مرة إلــى «ألف ليلة‬ ‫بــل إن غارســيا ماركيز يشــير أكثر مــن ّ‬ ‫وليلــة»‪ ،‬فــي رائعتــه «مئــة عام مــن العزلة»‪ ،‬حيــث لكتاب‬

‫أية شبهة؛ ففي الفصل العاشر‪،‬‬ ‫شهرزاد حضور ثابت‪ ،‬دون ّ‬ ‫توصل فيــه أوليانو‬ ‫َّ‬ ‫يتحــدث الــرواي واصف ًا المشــهد‪ ،‬الذي ّ‬ ‫الثاني إلى إقناع أورسوال بأن تسمح له بفتح غرفة الغجري‬ ‫ملكيادس‪ ،‬فكانت الغرفة نظيفة ال أثر فيها للغبار‪ ،‬مثلما كانت‬ ‫يــوم مات الغجري فيها‪ ،‬قبل ســنين طويلــة‪ .‬وحين رجعت‬ ‫أورســوال حاملــة دلــو ماء ومكنســة‪ ،‬كي تغســل األرضية‪،‬‬ ‫وجدت أوريليانو الثاني مســتغرق ًا في قراءة كتاب‪ .‬ومع أنه‬ ‫أي مكان‪ّ ،‬إل أن الطفل‬ ‫كتاب بال غالف‪ ،‬وال يظهر عنوانه في ّ‬ ‫بقصة امرأة تجلس إلــى المائدة‪ ،‬وال تأكل ّإل‬ ‫كان مســتمتع ًا ّ‬ ‫بالدبابيس‪.‬وقصــة الصيــاد الذي طلب‬ ‫حبــات رز‪ ،‬تلتقطهــا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من جــاره أن يعيره قطعــة رصاص لشــبكته‪ ،‬وكافأه‪ ،‬بعد‬ ‫وقصة المصباح الذي‬ ‫ذلك‪ ،‬بســمكة‪ ،‬وجد‬ ‫ً‬ ‫ماســة في بطنها‪ّ .‬‬ ‫يلبــي رغبــات حامله‪ ،‬والســجاجيد التي تطير‪ .‬ســأل الطفل‬ ‫ّ‬ ‫فردت‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫حقيقي‬ ‫ذلــك‬ ‫كل‬ ‫كان‬ ‫إذا‬ ‫ا‬ ‫عم‬ ‫ذاهل‪-‬‬ ‫وهــو‬ ‫أورســوال‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عليــه بـ«نعم»‪ ،‬وبأن الغجر كانــوا يأتون إلى ماكوندو‪ ،‬منذ‬ ‫وبســط ًا‬ ‫ســنوات طويلة‪ ،‬حاملين معهم مصابيح‬ ‫ّ‬ ‫ســحرية‪ُ ،‬‬ ‫وتنهدت قائلة‪ :‬ما جرى هو أن العالم أخذ بالضياع‪،‬‬ ‫طيارة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫شيئ ًا فشيئاً‪ ،‬ولم تعد تلك األشياء تأتي‪.‬‬ ‫إنهــا إشــارة امتنــان واضحــة‪ ،‬ال لبــس فيهــا‪ ،‬لشــهرزاد‬ ‫تتكرر في الفصل الثامن عشــر‪ ،‬مع‬ ‫وحكاياتهــا‪ .‬وهي لفتــة ّ‬ ‫يتحول‬ ‫أوريليانو قبل األخير من ســالة آل بوينديا‪ ،‬والذي‬ ‫َّ‬ ‫ممزق الغالف نفسه‪ ،‬حتى أنه‬ ‫إلى قارئ نهم‪ ،‬كذلك‪ ،‬للكتاب َّ‬ ‫حفظ أساطيره عن ظهر قلب‪.‬‬ ‫الممزق هو نفســه الذي وجده الطفل‬ ‫هــذا الكتــاب ذو الغالف‬ ‫َّ‬ ‫غابرييل غارســيا ماركيز‪ ،‬حين كان في التاسعة من عمره‪،‬‬ ‫فــي قاع صنــدوق مهمل‪ ،‬في بيــت جّده الكولونيــل‪ ،‬وافتتن‬ ‫بحكاياته مثل جميع أطفال العالم‪ ،‬وهم يقرؤون أو يسمعون‬ ‫تلــك الحكايات الخيالية‪ ،‬ويحلِّقــون معها في عوالم الخرافة‬ ‫لمجــرد أنه حقيقي‪ ،‬إنما‬ ‫الســاحرة‪ .‬فالواقــع ال يبدو حقيقي ًا‬ ‫َّ‬ ‫بسبب الطريقة التي ُيروى بها‪.‬‬ ‫يؤكــده‪ -‬أيضــاً‪ -‬الكاتــب البيروفــي الكبيــر ماريو‬ ‫وهــذا مــا ِّ‬ ‫بارغــاس يوســا‪« :‬ال وجــود فــي تاريــخ األدب لمثــال أكثر‬ ‫بســاطة وتألُّق ًا من مثال شــهرزاد وشــهريار‪ ،‬لتفســير سبب‬ ‫التخيلية في حياة البشــر‪ .‬فرواية شــهرزاد‬ ‫وجــود القصص‬ ‫ُّ‬ ‫لقصص تفتن الملك‪ ،‬هي‪ -‬في نظرها‪ -‬مسألة حياة أو موت؛‬ ‫س بالضجر‪ ،‬فسوف‬ ‫أح َّ‬ ‫ألنه إذا ما فقد شــهريار االهتمام‪ ،‬أو َ‬ ‫أول أنوار الفجر‪ .‬هــذا الخطر القاتل‬ ‫ُت َســلَّم إلــى ّ‬ ‫الجلد‪ ،‬مــع َّ‬ ‫مخيلتها‪ ،‬ويقودها‪ -‬دون أن تدري‪ -‬إلى اكتشــاف أن‬ ‫يشــحذ ِّ‬ ‫ومتنوع وغير‬ ‫واحــد‬ ‫الواقع‪،‬‬ ‫عالم‬ ‫هــو‬ ‫مثلما‬ ‫الخيــال‪،‬‬ ‫عالــم‬ ‫ِّ‬ ‫قابــل لالنقســام‪ .‬وعندما يعفو شــهريار عــن زوجته‪ ،‬يكون‬ ‫تمكنــت القصص مــن تحويله إلــى كائن‬ ‫قــد صار شــخصاً‪َّ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫وح ّساس‪ ،‬وحالم»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫متحضر‪َ ،‬‬ ‫‪125‬‬


‫فاصلة‬

‫عبدالسالم بنعبدالعالي‬

‫منابر القراءة‪ ..‬والكتابة‬ ‫ترددي‪ ،‬بل حرجي في بعض‬ ‫لم أعد أقوى على إخفاء ّ‬ ‫األحيان‪ ،‬عندما يسألني أحدهم أن أدلّه بالضبط على‬ ‫المكان الذي اطلعــت فيه على فكرة‪ ،‬أو المصدر الذي‬ ‫اســتقيت منــه معلومــة‪ ،‬أو المنبــر الذي نشــرت فيه‬ ‫آخــر مقال‪ ،‬وغالب ًا مــا ألجأ إلى الجــواب الواضح‪/‬‬ ‫الغامض قائالً‪« :‬في الشــبكة»‪ ،‬شــاعرًا كأنني أجيب‪:‬‬ ‫«فــي الالمــكان»‪ .‬ولعلهــا اإلجابة نفســها التي تخطر‬ ‫ببالي‪ ،‬عندما يســألني َمــن أكلّمه عبر الهاتف النقال‪:‬‬ ‫أي مكان تتكلم؟»‪.‬‬ ‫«أين أنت اآلن‪ ،‬ومن ّ‬ ‫ال شـــك أن هـــذا اإلحســـاس ال يصـــدق فحســـب علـــى كل مـــن‬ ‫«يســـبح» فـــي الشـــبكة ليتابـــع مـــا ُينشـــر‪ ،‬وإنمـــا حتـــى‬ ‫عل ــى المؤلفي ــن أنفس ــهم‪ .‬فمعظ ــم الكّتـــاب تنتابه ــم الدهش ــة‬ ‫ويأخذهـــم الذهـــول عندمـــا يقفـــون اليـــوم علـــى ســـرعة‬ ‫التنقـــل و«القفـــز» التـــي تلحـــق مـــا ينشـــرونه‪ .‬مـــا يطبـــع‬ ‫المطل ــع عليه ــا غي ــر ق ــادر عل ــى‬ ‫الكتاب ــة المعاص ــرة ه ــو أن َّ‬ ‫ضب ــط مصدره ــا «األصل ــي»‪ ،‬مثلم ــا أن صاحبه ــا عاج ــز ع ــن‬ ‫التحك ــم ف ــي تنقّله ــا‪ ،‬وحص ـ ِـر الحوام ــل الت ــي تظه ــر عليه ــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وربمـــا حتـــى الوظائـــف التـــي تؤديهـــا‪ ،‬والمتلقِّـــي الـــذي‬ ‫تتوج ــه إلي ــه‪ .‬فم ــا أن يظه ــر المق ــال عل ــى صفح ــة مجّل ــة أو‬ ‫حي ــز موق ــع إلكترون ــي‪ ،‬حت ــى يأخ ــذ ف ــي‬ ‫عم ــود جري ــدة أو ّ‬ ‫و«الســـباحة» فـــي الشـــبكة‪ .‬ال عجـــب‬ ‫المواقـــع‬ ‫القفـــز بيـــن‬ ‫ّ‬ ‫فاج ــأ المؤل ــف‬ ‫أن يعت ــري الق ــارئ ن ــوع م ــن الدوخ ــة‪ ،‬وأن ُي َ‬ ‫بـــأن مـــا كتبـــه منشـــور فـــي أكثـــر مـــن مـــكان وبأكثـــر مـــن‬ ‫ـا م ــن موق ــع آلخ ــر‪،‬‬ ‫ش ــكل‪ ،‬ب ــل إن ــه ق ــد يج ــد نفس ــه متنق ـ ً‬ ‫وف ــي مناب ــر ل ــم يك ــن ل ــه عه ــد به ــا‪ ،‬وبي ــن أس ــماء ل ــم يك ــن‬ ‫يخط ــر ببال ــه أن ــه س ــيكتب إل ــى جنبه ــا‪ .‬مجم ــل الق ــول إذًا إن‬ ‫القـــراء اليـــوم تائهـــون بيـــن مرجعيـــات غيـــر قـــارة‪ ،‬مثلمـــا‬ ‫ّ‬ ‫أن الكّت ــاب ل ــم ُيعــّد باس ــتطاعتهم أن يّدع ــوا أنه ــم يخت ــارون‬ ‫نصهـــم‬ ‫المنابـــر التـــي ينشـــرون فيهـــا‪ ،‬إذ بمجـــرد أن يظهـــر ّ‬ ‫‪126‬‬

‫فـــي أحدهـــا حتـــى تصطـــاده «الشـــبكة»‪ ،‬كـــي يدخـــل فـــي‬ ‫مسلســـل االستنســـاخ الالمتناهـــي‪.‬‬ ‫التحـــول العميـــق الـــذي‬ ‫ليـــس بوســـعنا أن نـــدرك مـــدى‬ ‫ّ‬ ‫هـــز «جغرافيـــة» القـــراءة والكتابـــة مـــا لـــم نتذكـــر العالقـــة‬ ‫ّ‬ ‫ترســـخت لدينـــا مـــع «المراجـــع» و«المصـــادر» التـــي‬ ‫التـــي‬ ‫ّ‬ ‫كقـــراء‪ ،‬والمنابـــر التـــي كنّـــا‪ ،‬حتـــى وقـــت‬ ‫نعتمدهـــا‬ ‫كنـــا‬ ‫ّ‬ ‫قريـــب‪ ،‬نتخذهـــا حوامـــل لكتاباتنـــا‪ .‬فقبـــل أن يفـــرض‬ ‫ـن للمؤل ــف‬ ‫النّش ــر اإللكترون ــي أخالقيات ــه المس ــتحدثة‪ ،‬ويس ـ ّ‬ ‫اء وكّتابـــاً‪،‬‬ ‫قـــر ً‬ ‫وللمتلقـــي قواعـــده الجديـــدة‪ ،‬كانـــت لنـــا‪ّ ،‬‬ ‫ال أقـــول معاييـــر ثابتـــة‪ ،‬وإنمـــا أعـــراف ُمّتبعـــة تضبـــط‬ ‫«النـــص»‪ ،‬فكانـــت تســـمح للقـــارئ باإلحالـــة‬ ‫عالقاتنـــا بـــ‬ ‫ّ‬ ‫«الصارم ــة»‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫القواع‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫تفرض‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫بعينه‬ ‫ـع‬ ‫إل ــى مراج ـ‬ ‫ُ ّ‬ ‫للكتاب ــة م ــن تميي ــز دقي ــق بي ــن المص ــادر والمراج ــع‪ ،‬وذك ــر‬ ‫الســـم المؤلـــف ومصـــدر االقتبـــاس ومـــكان النشـــر وتاريـــخ‬ ‫يمي ــز‬ ‫الظه ــور‪ ،‬وبالمث ــل فإنه ــا كان ــت تدف ــع المؤل ــف إل ــى أن ّ‬ ‫بيـــن مـــا يصلـــح للنّشـــر علـــى صفحـــات المجـــات‪ ،‬ومـــا ال‬ ‫للصحـــف‪ .‬وحتـــى إن كان النّشـــر فـــي الجريـــدة‪،‬‬ ‫يصلـــح ّإل ّ‬ ‫ـيميزون بي ــن م ــا يلي ــق للنش ــر ف ــي‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫عليه‬ ‫ـاهرين‬ ‫الس ـ‬ ‫ّ‬ ‫ف ــإن ّ‬ ‫الصفح ــة األول ــى‪ ،‬وم ــا ال يمك ــن أن يظه ــر ّإل عل ــى األخي ــرة‪،‬‬ ‫ب ــل إنه ــم ق ــد يق ــررون أن المق ــال ال يمك ــن أن ينش ــر ّإل ف ــي‬ ‫ملحـــق أســـبوعي‪ .‬واألهـــم مـــن كل ذلـــك‪ ،‬هـــو أن حوامـــل‬ ‫مسيســـة مؤدلجـــة‪ .‬فقـــد كانـــت‬ ‫ملونـــة ّ‬ ‫الكتابـــة كانـــت دومـــ ًا ّ‬ ‫تنقســـم مثلنـــا أحزابـــ ًا وشـــيعاً‪ ،‬منهـــا اليمينـــي ومنهـــا‬ ‫اليســـاري‪ ،‬منهـــا التقليـــدي ومنهـــا الحديـــث‪ ،‬منهـــا المتزمـــت‬ ‫ومنهـــا الطالئعـــي‪...‬‬ ‫الخالصـــة أنّنـــا كنـــا نعـــرف‪ ،‬كقـــراء‪ ،‬إلـــى أيـــن نولّـــي‬ ‫وجوهنـــا‪ ،‬مثلمـــا كنّـــا‪ ،‬ككّتـــاب‪ ،‬نســـلّم بـــأن مـــا نكتبـــه‬ ‫وأن منبـــر الكتابـــة‬ ‫ويتحـــدد بـِ«أيـــن» نكتبـــه‪ّ ،‬‬ ‫كان ُي ِّ‬ ‫حـــدد‪َ ،‬‬ ‫يعيـــن قيمتهـــا‪ ،‬بلـــه شـــكلها ولغتهـــا وحتـــى مضمونهـــا‬ ‫كان ّ‬ ‫وانضواءهـــا والوظيفـــة المتوخـــاة منهـــا‪ .‬فـــي هـــذا اإلطـــار‬ ‫تميـــزت صحـــف عـــن أخـــرى ومجـــات عـــن مثيالتهـــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وكّت ــاب ع ــن زمالئه ــم‪ .‬وتجنبــ ًا ل ــكل موازن ــة ق ــد ال ت ــروق‪،‬‬ ‫لنكتـــف بأخـــذ أمثلـــة مـــن اإلنتاجـــات األجنبيـــة‪ ،‬ولتكـــن‬

‫اإلنتاجـــات باللّغـــة الفرنســـية التـــي شـــاءت الظـــروف أن‬ ‫أتابعهـــا عـــن كثـــب‪ .‬هنـــا نالحـــظ أن ُكّتـــاب مجلّـــة األزمنـــة‬ ‫الحديثـــة‪ ،‬ومجلّـــة نقـــد ومجلّـــة بوييتيـــك ومجلّـــة تيـــل‬ ‫كي ــل والماغازي ــن ليتيري ــر‪ ..‬يختلف ــون أشــّد االخت ــاف ع ــن‬ ‫كّت ــاب مجّل ــة إيس ـْـبري‪ ،‬وكّت ــاب المجّل ــة الفرنس ــية الجدي ــدة‪،‬‬ ‫وكّتـــاب مجلّـــة الميتافيزيقـــا واألخـــاق‪ ،‬بـــل حتـــى عـــن‬ ‫كّت ــاب النق ــد الجدي ــد‪ ،‬واإلنس ــان والمجتم ــع‪ ...‬وه ــذا يص ــدق‬ ‫كذلـــك علـــى الصحـــف واليوميـــات‪ ،‬فمـــن ينشـــر مقالـــه فـــي‬ ‫جريـــدة لومونـــد ليـــس كمـــن ينشـــره فـــي ليبيراســـيون أو‬ ‫لومانيتـــي أو الفيغـــارو‪ ...‬بـــل إن دور النشـــر ذاتهـــا كانـــت‬ ‫تتـــوزع جهـــات غيـــر متكافئـــة‪ ،‬فـــكان منهـــا الطالئعـــي‬ ‫والمتزم ــت‪ ،‬المنفت ــح والمنغل ــق‪ ،‬الحدي ــث والتقلي ــدي‪ .‬فم ــن‬ ‫«فـــران»‬ ‫ينشـــر عنـــد «المنشـــورات الجامعيـــة الفرنســـية» أو ْ‬ ‫أو «غاليمـــار»‪ ،‬ليـــس كمـــن ينشـــر عنـــد «ماســـبيرو» أو‬ ‫ِ‬ ‫ينـــوي» أو«المنشـــورات االجتماعيـــة»‪ .‬لقـــد كان اســـم دار‬ ‫«م ْ‬ ‫الفكري ــة‬ ‫النش ــر عل ــى الغ ــاف ي ــكاد يدخ ــل ضم ــن المحــّددات‬ ‫ّ‬ ‫قـــراءه‪.‬‬ ‫للكّتـــاب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويعيـــن ّ‬ ‫توجهـــه فيحـــّدد ّ‬ ‫محـــددًا‬ ‫ا‬ ‫معروفـــ‬ ‫القـــراءة‬ ‫منبـــر‬ ‫كان‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫إذ‬ ‫قريـــب‬ ‫وقـــت‬ ‫حتـــى‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫يمك ــن اإلحال ــة إلي ــه وإل ــى م ــكان نش ــره وتاري ــخ ظه ــوره‪،‬‬ ‫مثلمـــا كان اختيـــار منبـــر الكتابـــة جـــزءًا مـــن انضـــواء‬ ‫الكاتـــب والناشـــر معـــا‪ ،‬ولـــم تكـــن منابـــر القـــراءة قـــط‬ ‫عائم ــة ف ــي «الالم ــكان»‪ ،‬وال مناب ــر النّش ــر وحوام ــل الكتاب ــة‬ ‫مســـألة َعَرضيـــة علـــى اإلطـــاق‪ ،‬وإنمـــا كانـــت تدخـــل فـــي‬ ‫وســـم الكتابـــة وتحديـــد شـــكلها‪ ،‬بـــل ربمـــا حتـــى معانيهـــا‬ ‫ووظائفهـــا‪.‬‬ ‫ل ــم تك ــن ه ــذه األع ــراف باألم ــر الجدي ــد عل ــى ثقافتن ــا‪ ،‬فه ــي‬ ‫ل ــم تك ــن لتخف ــى عل ــى قدمائن ــا الذي ــن ذهب ــوا بعي ــدًا ف ــي ه ــذا‬ ‫المجـــال‪ ،‬ولـــم يكتفـــوا بتحديـــد الكتابـــة بمنبرهـــا فحســـب‪،‬‬ ‫وإنمـــا أيضـــ ًا بالمـــادة التـــي تكتـــب عليهـــا‪ ،‬والحامـــل الـــذي‬ ‫وأهميـــة حســـبما إذا ُنقـــش‬ ‫قيمـــة‬ ‫فالنـــص يختلـــف‬ ‫يحملهـــا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عل ــى الحج ــر أو ُحفـــر عل ــى الخشـــب أو ُرس ــم عل ــى الجل ــد‪.‬‬ ‫تأكي ــدًا لذل ــك لنكت ــف باإلش ــارة إل ــى م ــا كتب ــه الجاح ــظ م ــن‬ ‫ـص ال يلق ــى االس ــتجابة نفس ــها إذا كان مرس ــوم ًا عل ــى‬ ‫أن الن ـ ّ‬

‫القطن ــي‬ ‫قطع ــة جل ــد أو عل ــى دفات ــر القطن ــي‪« :‬فلي ــس لدفات ــر ُ‬ ‫أثمـــان فـــي الســـوق‪ ،‬وإن كان فيهـــا كل حديـــث طريـــف‪،‬‬ ‫عرضـــت عليهـــم عدَلهـــا‬ ‫وُلطـــف مليـــح‪ ،‬وعلـــم نفيـــس‪ .‬ولـــو‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫كل شـــعر بـــارد وكل‬ ‫فـــي عـــدد الـــورق جلـــودًا ثـــم كان فيهـــا ُّ‬ ‫فـــكأن‬ ‫»‪.‬‬ ‫أســـرع‬ ‫عليهـــا‬ ‫حديـــث غـــث‪ ،‬لكانـــت أثمـــن ولكانـــوا‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫الن ــص يس ــتمد قيمت ــه م ــن الجل ــد ال ــذي ُحم ــل علي ــه‪ .‬وال عج ــب‬ ‫ف ــي ذل ــك‪ ،‬فالجل ــود «أحم ـ ُـل للح ـ ّ‬ ‫ـك والّتغيي ــر‪ ،‬وأبق ــى عل ــى‬ ‫ِ‬ ‫تعـــاور العاريـــة وعلـــى تقليـــب األيـــدي‪ ،‬ولَرديدهـــا ثمـــن‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫أتـــم‬ ‫ولطْر ِســـها مرجـــوع»‪ .‬مـــا يفيـــد أن قدماءنـــا كانـــوا علـــى ّ‬ ‫وع ــي ب ــأن «أرواح» النص ــوص ُتس ــتمد م ــن «أجس ــامها»‪ ،‬وأن‬ ‫للكتاب ــة جس ــدًا تعي ــش بـــه وعلي ــه‪.‬‬ ‫م ــا غ ــدا مؤك ــدًا الي ــوم ه ــو أن «أرواح» الكتاب ــة ه ــذه أصبح ــت‬ ‫تعـــرف «تناســـخاً» ال ينقطـــع‪ .‬فباســـتطاعتها أن تتنقّـــل‬ ‫علـــى الـــدوام‪ ،‬ليـــس فقـــط مـــن هـــذا الجســـد نحـــو ذاك‪ ،‬مـــن‬ ‫الصحـــف الســـيارة نحـــو‬ ‫الورقـــي نحـــو اإللكترونـــي‪ ،‬ومـــن ّ‬ ‫المصنّف ــات الق ــارة‪ ،‬ب ــل ف ــي مقدوره ــا أن تقف ــز م ــن اليمي ــن‬ ‫المتحج ــر‬ ‫إل ــى اليس ــار‪ ،‬وم ــن التقلي ــدي إل ــى الحدي ــث‪ ،‬وم ــن‬ ‫ّ‬ ‫نحـــو الطالئعـــي‪ .‬هـــذا إن كان هنـــاك اليـــوم معنـــى لهـــذه‬ ‫«االتجاهـــات» داخـــل الشـــبكة التـــي يبـــدو أن ال مـــكان لهـــا‬ ‫ـــم حســـب وجهـــات متباينـــة‪.‬‬ ‫‪ ، a-topique‬ال مـــكان ُي َّ‬ ‫قس ُ‬ ‫فالش ــبكة‪ ،‬عل ــى م ــا يظه ــر‪ ،‬ال يمي ــن له ــا وال يس ــار‪ ،‬فه ــي ال‬ ‫توجهـــات عقائديـــة‪،‬‬ ‫تتـــوزع حســـب اتجاهـــات جغرافيـــة أو ُّ‬ ‫م ــا دام ف ــي مقدوره ــا أن «تصط ــاد» كل ش ــيء‪ ،‬بحي ــث ُتش ــكل‬ ‫ـون‬ ‫ُ‬ ‫خيوطه ــا الحام ــل النهائ ــي ل ــكل م ــا ُيكَت ــب م ــن غي ــر أن يتل ـ ّ‬ ‫متلـــق مقصـــود‪ .‬فـــكأن‬ ‫بلـــون بعينـــه‪ ،‬وال أن يتوجـــه نحـــو‬ ‫ّ‬ ‫المناب ــر التقليدي ــة ل ــم تع ــد الي ــوم س ــوى «مناف ــذ» مؤقت ــة تل ــج‬ ‫الكتابـ ُـة عبرهــا الشــبكة كــي «تتطهــر» وتنفــض عنهــا ألوانهــا‪،‬‬ ‫فتتمك ــن م ــن «الس ــباحة الح ــرة»‪ ،‬واإلطالل ــة عل ــى الق ـّـراء م ــن‬ ‫«الالمـــكان»‪ ،‬ومـــن جميـــع النوافـــذ أنّـــى كانـــت‪ ،‬وكيفمـــا كان‬ ‫وتنوعـــت‬ ‫وضعهـــا‪ ،‬ومهمـــا تباينـــت مواقعهـــا واّتجاهاتهـــا‪ّ ،‬‬ ‫أهدافهـــا ومقاصدهـــا‪.‬‬ ‫‪127‬‬


‫سينما‬

‫في مقابــل االرتبــاك الحاصل‬ ‫بيــن مشــاهدين لبنانييــن‬ ‫كثيريــن‪ ،‬وأفــام لبنانية تتنــاول فصو ًال‬ ‫مــن الحــرب األهليــة‪ ،‬الواقعة فــي بلدهم‬ ‫بين العامين ‪ 1975‬و‪ ،1990‬تظهر صورة‬ ‫نقيضة تمامــاً‪ ،‬تتمثّل بانهمــاك مخرجين‬ ‫عديدين في الحفر في أعماق تلك الحرب‪،‬‬ ‫ومغيب‪.‬‬ ‫كثير‬ ‫وفي نبش‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫المخبأ فيها‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫يستمرون في‬ ‫سينمائيون ونقّاد ومثقفون‬ ‫ّ‬ ‫الخط الســينمائي‪ ،‬الهادف‬ ‫الدفــاع عن هذا ّ‬ ‫إلى عــدم تناســي الماضــي‪ ،‬والبحث في‬ ‫أســراره وحكاياتــه الفرديــة‪ ،‬وكشــف‬ ‫المبطن‪ ،‬على‬ ‫المبطن فيه‪ ،‬أو بعــض هذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األقل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مشهد من فيلم «روحي»‬

‫السينما والحرب األهلية يف لبنان‬ ‫الصناعة يف اجتاه‬

‫واملشاهدة يف اجتاه آخر‬ ‫نديم جرجوره‬ ‫سـؤال العالقـة بيـن السـينما (إخراج ًا‬ ‫ومعالجـة ومشـاهدة وقـراءات نقديـة)‬ ‫والحـرب األهليـة‪ ،‬ومـن َث ّـم الذاكـرة‬ ‫(الفردية‪ ،‬الجماعية)‪ ،‬ال يزال حاضرًا في‬ ‫وإن ُيواجه تحّديات شّتى‪،‬‬ ‫اآلني‪ْ ،‬‬ ‫المشهد ّ‬ ‫موزعيـن وأصحـاب‬ ‫تبـدأ مـن انفضـاض ّ‬ ‫صـاالت عـن أفلام كهـذه‪ ،‬وتنتهـي عنـد‬ ‫موقـف الغالبية السـاحقة مـن اللبنانيين‬ ‫أوالً‪ ،‬ومن المشاهدين السينمائيين ثانياً‪،‬‬ ‫ومـن صحافييـن سـينمائيين وفنييـن‬ ‫سـلبي يرفض تناول‬ ‫ثالثـاً‪ ،‬وهـو موقف‬ ‫ّ‬ ‫‪128‬‬ ‫‪128‬‬

‫الحـرب والتحـّدث عنها‪ ،‬بحجـج واهية‪،‬‬ ‫عـل أسـوأها أن النـاس يريـدون خالص ًا‬ ‫َل ّ‬ ‫كأن الخالص منها يكمن‪ ،‬فقط‪ ،‬في‬ ‫منها‪ّ ،‬‬ ‫عدم استحضارها ومساجلتها ومواجهتها‪.‬‬ ‫الناقـد السـينمائي اللبنانـي هوفيـك‬ ‫حبشـيان يقول‪ ،‬في تعليقه النقدي على‬ ‫إن «سينما الحرب» تواجه‬ ‫هذه المسألة‪ّ ،‬‬ ‫خطـرة جـداً‪ ،‬تتمثّـل فـي إقنـاع‬ ‫«ظاهـرة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السـلطة النـاس بـأن الكالم عـن الحرب‪/‬‬ ‫الماضـي يجـب أن ينتهـي‪ ،‬وأن الصفحـة‬ ‫القديمـة يجـب أن ُتطـوى»‪ُ .‬يشـير إلـى أن‬

‫هـذا يحصـل «بتواطـؤ شـعبي‪ ،‬وضغـط‬ ‫ِ‬ ‫«لحاجـة المواطـن‬ ‫اقتصـادي»‪ ،‬وأيضـ ًا‬ ‫المكسور إلى استعادة شيء من سويته‬ ‫المفقودة»‪.‬‬ ‫هـذا كلّـه ال يرتبـط بمضاميـن األفلام‬ ‫وآليـات المعالجـة‪ ،‬أو بنوعية الحكايات‬ ‫وكيفية سردها‪ ،‬بل فقط بتعبير «الحرب‬ ‫إذ ُيعلـن لبنانيـون كثيـرون‪،‬‬ ‫األهليـة»‪ْ ،‬‬ ‫ومشـاهدون «سـينمائيون» عديـدون‬ ‫لـكل ما له عالقة‬ ‫المطلق ّ‬ ‫أيضـاً‪ ،‬رفضهـم ُ‬ ‫بتلك الفترة األليمة‪ ،‬ألنهم يعتبرون «أن‬

‫الماضي مضى»‪ ،‬وأنهم ال يرتاحون إلى‬ ‫«إعـادة فتـح هـذا الملـف»‪ ،‬ظنّـ ًا منهـم أن‬ ‫ٍ‬ ‫ومنته‪ ،‬وأن‬ ‫غلق‬ ‫ملف الحرب وأسئلتها ُم ٌ‬ ‫مآزقهـا وآثارهـا السـلبية ُمعاَل َجـة‪ ،‬وأن‬ ‫حلـو ًال عديـدة موضوعـة قيـد التنفيذ‪ ،‬أو‬ ‫لخروج إنسـاني ونفسي وثقافي‬ ‫ُمنفَّذة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫واجتماعـي واقتصـادي منهـا‪ .‬وهـذا غيـر‬ ‫صحيـح البّتة‪.‬‬ ‫يرفـض سـينمائيون لبنانيون نظرية‬ ‫ّـاد ومثقفـون‬ ‫كهـذه‪.‬‬ ‫ينضـم إليهـم نق ٌ‬ ‫ّ‬ ‫وناشطون ومواطنون عديدون‪ ،‬يلتقون‬ ‫جميعهـم عنـد مسـألة أساسـية‪ :‬سـؤال‬ ‫الحـرب األهلية لـم ُيعاَلج كفاية‪ ،‬ومئات‬ ‫ِ‬ ‫المشـاكل واألزمـات ال تـزال فاعلة‪ ،‬بقوة‬ ‫سـلبية‪ ،‬فـي بنيـان المجتمـع اللبنانـي‪.‬‬ ‫الخـاص‬ ‫أساسـي‪ .‬النقـاش النقـدي‪،‬‬ ‫هـذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بكيفيـة صناعـة األفالم بحـّد ذاتها‪ ،‬يأتي‬ ‫نجـز بيـن حيـن‬ ‫ً‬ ‫الحقـا‪ .‬أفلام عديـدة ُت َ‬ ‫الفنّية والجمالية‪،‬‬ ‫حيويتها‬ ‫تمتلك‬ ‫وآخر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وتطرح أسئلتها المختلفة‪ ،‬وتعالج بعض‬ ‫المدمـرة لغايـة‬ ‫خـراب الحـرب وآثارهـا‬ ‫ِّ‬ ‫اآلن‪.‬‬ ‫لكـن‪ ،‬لبعـض النقّـاد آراء «قاسـية»‬ ‫(َلعلّها صحيحة أيضاً) في مقاربة العالقة‬ ‫الملتبسة بين السينما والحرب‪ /‬الذاكرة‪.‬‬ ‫فالمخرج والناقد السينمائي اللبناني علي‬

‫زراقـط يقـول إن معظـم األفلام المتعلّقة‬ ‫بالحـرب «لـم ُت ِ‬ ‫فصـح عـن مكنونـات‬ ‫وعما لها‬ ‫خباياهـا‪،‬‬ ‫عـن‬ ‫الحـرب هـذه‪ ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫مـن تأثيـر ومكانـة»‪ُ .‬يضيـف أن «األفلام‬ ‫يتبرأ أصحابها‬ ‫كلّها‪ ،‬من دون اسـتثناء‪ّ ،‬‬ ‫من الحرب»‪ ،‬ويرى أن أي ًا من المخرجين‬ ‫الذين يتبنّون الحرب‪ ،‬ويعطونها حقها‪،‬‬ ‫ال يتعاطـون معهـا «بكونهـا الصـراع‬ ‫الحقيقي الذي يعيشه أبناء هذا البلد‪ ،‬بل‬ ‫إحسـاس بأن‬ ‫يتولّـد لدى ُمشـاهد أفالمهم‬ ‫ٌ‬ ‫المخـرج‪ ،‬أو صانـع الفيلـم‪ ،‬يحـاول َجلْد‬ ‫المتكلّميـن عـن الحـرب َجلْـداً»‪ُ ،‬مستشـهدًا‬ ‫ٍ‬ ‫«ليـال بلا نـوم» (‪)2013‬‬ ‫بأمثلـة قليلـة‪:‬‬ ‫إلليان الراهب‪ ،‬و«هدنة» (‪ )2015‬لميريام‬ ‫الحـاج‪ ،‬و«مقاتـل» (‪ )2005‬لمونيـكا‬ ‫بورغمـان ولقمان سـليم‪.‬‬ ‫يرتكز ٍ‬ ‫«ليال بال نوم» على شخصيتين‪،‬‬ ‫إحداهما عائدة للمسـؤول األمني السـابق‬ ‫في «القوات اللبنانية»‪ ،‬أسـعد شـفتري‪،‬‬ ‫الذي ُيعلن‪ ،‬منذ عام ‪« ،2000‬ندمه» على‬ ‫مشـاركته فـي مسـاوئ الحـرب وجنونهـا‬ ‫وبشـاعتها‪ ،‬مـن دون أن يذهـب بعيـدًا‬ ‫فـي «فعـل االعتـراف» بمسـؤولياته كلّهـا‬ ‫(الشخصية الثانية والدة ُمقاتل شيوعي‪،‬‬ ‫حمـل شـفتري‬ ‫مفقـود منـذ عـام ‪ُ ،1982‬ت ِّ‬ ‫مسؤولية اختفائه‪ ،‬وتريد منه االعتراف‬ ‫«قواتيون» سابقون‬ ‫بالحقيقة)‪ .‬مقاتلون‬ ‫ّ‬ ‫أعوام طويلة‬ ‫يظهـرون فـي «هدنة»‪ :‬بعـد‬ ‫ٍ‬ ‫علـى النهايـة المزعومة للحـرب‪ ،‬يلتقون‬ ‫معـ ًا دائمـاً‪ ،‬والمشـترك بينهـم الصيـد‬ ‫وأسـلحته‪ ،‬فيبوحـون أمـام الكاميـرا‬ ‫المخبأ في صدورهم وذكرياتهم‪.‬‬ ‫ببعض‬ ‫ّ‬ ‫فيحـاور مقاتلين سـابقين‬ ‫«مقاتـل»‪،‬‬ ‫أمـا‬ ‫ُ‬ ‫فـي «القوات اللبنانية» أيضاً‪ُ ،‬يشـاركون‬ ‫فـي مجـزرة المخيميـن الفلسـطينيين في‬ ‫بيروت‪ ،‬شاتيال وصبرا‪ ،‬يومي ‪ 15‬و‪16‬‬ ‫سبتمبر ‪.1982‬‬ ‫بالنسـبة إلى زراقط‪ ،‬فإن معظم هذه‬ ‫هة‪ ،‬أخالقياً‪،‬‬ ‫منز ً‬ ‫نصب نفسـها َّ‬ ‫األفلام ُ‬ ‫«ت ِّ‬ ‫التـورط فـي الصـراع»‪ُ ،‬معيـدًا سـبب‬ ‫عـن‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ذلـك إلـى «الكسـل‪ ،‬أو قلّـة الحيلـة فـي‬ ‫الروايـة»‪ ،‬وليـس «المراجعـة النقديـة»‪.‬‬ ‫محارباً‪،‬‬ ‫إذ‪ ،‬برأيه‪« ،‬يسهل دائم ًا أن نجد‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ونضعـه أمـام الكاميـرا‪ ،‬ونجعلـه يتألّم‪.‬‬ ‫لكـن مـن الصعـب أن نحـاول روايـة قصة‬ ‫ٍ‬ ‫ناحية إنسـانية متعاطفة‬ ‫المحـارب‪ ،‬مـن‬ ‫وشـغوفة»‪ .‬أمـا حبشـيان‪ ،‬الـذي يختار‪،‬‬ ‫هـو أيضـاً‪ ،‬فيلمـي الراهـب وبورغمـان‬

‫أهمية هذا‬ ‫وسـليم كــ «أمثلـة»‪ ،‬فيـرى أن ّ‬ ‫النـوع مـن األفلام «مسـتمّدة مـن قـدرة‬ ‫المخرجيـن علـى توثيـق الحـرب‪ ،‬بعيـدًا‬ ‫عن الرواية الرسمية‪ ،‬التي تحاول طمس‬ ‫الحقائـق‪ ،‬حرصـ ًا علـى السـلم األهلـي»‪.‬‬

‫مسارات مرتبكة‬ ‫عـام ‪ ،1992‬أي بعـد عاميـن اثنيـن‬ ‫تقريبـ ًا علـى نهايـة الحـرب األهليـة‪،‬‬ ‫المعقودة على ‪ 13‬أكتوبر ‪ ،1990‬بحسب‬ ‫«الرواية الرسمية»‪ُ ،‬ينجز اللبناني سمير‬ ‫حبشي «اإلعصار»‪ ،‬وهو أول فيلم روائي‬ ‫نجز‬ ‫طويل له‪ ،‬وأول فيلم روائي طويل ُي َ‬ ‫بعـد الحـرب نفسـها‪ ،‬وأول فيلـم روائـي‬ ‫طويـل يتنـاول‪ ،‬بعـد نهايتهـا‪ ،‬شـيئ ًا من‬ ‫آثارهـا النفسـية والمعنويـة والماديـة‪،‬‬ ‫علـى الفـرد ومسـاره الحياتـي‪ ،‬كمـا على‬ ‫سـلوكه وذاتـه‪ .‬بعـده‪ ،‬لـم تتوقّف عملية‬ ‫تحقيق أفالم‪ ،‬روائية ووثائقية‪ ،‬تتناول‬ ‫الحـرب نفسـها‪ ،‬وإن بوتائـر مختلفـة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل كثيـف فـي‬ ‫ومتناقضـة‪ :‬أحيانـ ًا‬ ‫ٍ‬ ‫بأعـداد‬ ‫فتـرات متتاليـة‪ ،‬وأحيانـ ًا أخـرى‬ ‫التنبـه إلـى مـرور أعوام‬ ‫قليلـة جـداً‪ ،‬مـع ّ‬ ‫عديـدة بيـن فترة وأخرى‪ ،‬من دون أدنى‬ ‫سـينمائي بها‪.‬‬ ‫اهتمـام‬ ‫ّ‬ ‫يرى هوفيك حبشيان أنه من الصعب‬ ‫تحديـد العالقـة بيـن السـينما اللبنانيـة‬ ‫والحـرب‪ ،‬أساسـاً‪ .‬فهـذه التجربـة‬ ‫«تحتـاج إلـى دراسـات عميقـة»‪ ،‬معتبـرًا‬ ‫أن «محدوديتهـا‪ ،‬وابتعـاد األفلام التـي‬ ‫ُتعالـج الحـرب‪ ،‬بعضهـا عـن البعـض‬ ‫ٍ‬ ‫دراسـات كهذه‬ ‫اآلخـر‪ ،‬زمنيـاً‪ ،‬لـم يجعال‬ ‫أولوية»‪ .‬ذلك أن السينما نفسها في لبنان‬ ‫وفنّية‬ ‫«منوطة بظروف كثيرة‪ ،‬إنتاجية َ‬ ‫واجتماعية وتسويقية»‪ ،‬واصف ًا الحرب‪،‬‬ ‫بــ «الغيمـة السـوداء فـي تاريخنـا‪ ،‬التـي‬ ‫يحـاول الجميـع القـول إنهـا مضـت‪ ،‬لكـن‬ ‫وجودهـا‪ ،‬فـي الحقيقـة‪ ،‬مسـتمر‪ ،‬ولـو‬ ‫بمظهـر مختلـف»‪.‬‬ ‫يؤكـد حبشـيان أن «العالقة بين‬ ‫لهـذا‪ّ ،‬‬ ‫تاريـخ إشـكالي لـم نهضمـه ولـم نكتبه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫كوننـا ال نـزال نعيـش فيـه‪ ،‬مـن ناحيـة‬ ‫أولـى؛ وسـينما تعانـي ظروفـ ًا معاكسـة‬ ‫كل‬ ‫لوجودهـا‪ ،‬وهـي تولـد مـن جديـد ّ‬ ‫عقـد أو أكثـر‪ ،‬مـن دون أن تكـون والدة‬ ‫حقيقيـة‪ ،‬مـن ناحيـة ثانيـة؛ لـم تنتـج‬ ‫سـوى تجـارب تشـبه الحالـة التـي هـي‬ ‫‪129‬‬ ‫‪129‬‬


‫ينتمون إلى ما ُيعرف بـ «السينما البديلة»‬ ‫(السـبعينيات)‪ ،‬ومراحـل الحرب األهلية‬ ‫(الثمانينيات الفائتة‪ ،‬تحديداً)‪ ،‬التي تشهد‬ ‫لهـم إنجـاز أفالم تناقـش الحرب وتلتقط‬ ‫شـيئ ًا من نبضها ومتاهاتها وتفاصيلها‪،‬‬ ‫أثنـاء اندالعها‪.‬‬ ‫يقـول حبشـيان إنـه بسـبب كـون‬ ‫«صناعة» معظم األفالم اللبنانية «مبادرات‬ ‫شـخصية»‪ ،‬فـإن األفلام هـذه «تتبنّـى‬ ‫وجهـة نظـر ذاتيـة فـي قـول األشـياء»‪.‬‬ ‫لهـذا‪« ،‬بقيـت فـي دائـرة النخبويـة‪ ،‬ولـم‬ ‫تصـل إلـى الجمهـور العريض‪ .‬ومـن َثّم‪،‬‬ ‫تتحـول إلـى ٍ‬ ‫مـادة لنقـاش حقيقـي»‪.‬‬ ‫لـم‬ ‫ّ‬ ‫مع ذلك‪ ،‬هناك بضعة أفالم ُيمكن القول‬ ‫متمسكة بـ «وجهة نظر حقيقية» في‬ ‫إنها ّ‬ ‫طرحهـا الحرب‪ ،‬أولها «حروب صغيرة»‬ ‫ـور أثنـاء الحـرب‪،‬‬ ‫ص ِّ‬ ‫(‪ ،)1982‬الـذي ُ‬ ‫وثانيهـا «خـارج الحيـاة» (‪ ،)1991‬الـذي‬ ‫ُأنجـز بعـد انتهائهـا‪ ،‬وكالهمـا لمـارون‬ ‫بغـدادي‪ .‬يضيـف حبشـيان أن الفيلـم‬ ‫بسط موضوع الحرب‪ ،‬وجعلها في‬ ‫الذي ّ‬ ‫متناول الجمهور‪ ،‬فهو «بيروت الغربية»‬ ‫(‪ )1998‬لزياد دويري‪« :‬منذ ذلك الوقت‪،‬‬ ‫كانت للسينما اللبنانية صوالت وجوالت‬ ‫عديدة مع الحرب‪ُ ،‬تستخدم حين ًا كخلفية‬ ‫للحكايـة‪ ،‬وحينـ ًا آخـر تـرد كجملـة علـى‬ ‫لسـان إحـدى الشـخصيات‪ ،‬عنـد تنـاول‬ ‫الماضي»‪.‬‬

‫إنتاجات جديدة‬ ‫مشهد من فيلم «بيروت الغربية»‬

‫ال ومضمونـاً‪ .‬تجـارب حائـرة‬ ‫فيهـا‪ ،‬شـك ً‬ ‫باسـتغراب‪ ،‬وإلـى‬ ‫تنظـر إلـى الماضـي‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كلحظة‬ ‫بشـؤم‪ ،‬وإلى المستقبل‬ ‫الحاضر‬ ‫ٍ‬ ‫لـن نبلغهـا أبـداً»‪.‬‬ ‫المخرجـون‪ ،‬المنتمـون إلـى مـدارس‬ ‫صـرون‬ ‫وأسـاليب سـينمائية مختلفـة‪ُ ،‬ي ّ‬ ‫على أن تكون للحرب األهلية مكانتها في‬ ‫التوغل‬ ‫مشـاريعهم البصريـة‪ .‬يـرون فـي‬ ‫ّ‬ ‫تنقيب فـي عوالمها‪ ،‬التي‬ ‫فيهـا نوعـ ًا مـن‬ ‫ٍ‬ ‫ُيـراد لهـا‪ ،‬مـن ِقَبـل كثيريـن‪ ،‬أن تـزول‬ ‫نسـى‪ .‬أسـماؤهم معروفـة‪ ،‬وأفالمهـم‬ ‫ُ‬ ‫وت َ‬ ‫‪130‬‬

‫والفنّـي‬ ‫ُت ّ‬ ‫شـكل جـزءًا مـن الثقـل الجمالـي َ‬ ‫والدرامـي لصناعـة الفيلـم اللبنانـي‪،‬‬ ‫والمواضيع التي يختارونها تنضوي في‬ ‫ثنايـا تلـك الحرب وفصولها ومسـاراتها‪.‬‬ ‫هـؤالء يغلـب عليهـم انتماؤهـم إلـى جيل‬ ‫إن‬ ‫مـا بعـد الحـرب األهليـة اللبنانيـة‪ْ ،‬‬ ‫يكـن ممكنـ ًا تحديـد تراتبيـة مـا لألجيـال‪.‬‬ ‫لكـن‪ ،‬هنـاك مخرجـون آخـرون يأتـون‬ ‫من سـبعينيات القرن العشرين واألعوام‬ ‫الالحقة بها‪ ،‬كي يساهموا‪ ،‬هم أيضاً‪ ،‬في‬ ‫طرح األسئلة‪ ،‬تمام ًا كأفعالهم السابقة‪ْ ،‬إذ‬

‫بعيـدًا عـن تاريـخ المسـار اإلنتاجـي‬ ‫ألفلام الحـرب األهليـة اللبنانيـة‪ُ ،‬يطرح‬ ‫السـؤال مجـّددًا بالتزامـن مـع الذكـرى‬ ‫السادسة والعشرين للحرب (‪ 13‬أكتوبر‪/‬‬ ‫تشـرين األول ‪ 13 1990‬أكتوبر‪/‬تشـرين‬ ‫عـروض‬ ‫األول ‪ ،)2016‬ومـع تنظيـم‬ ‫ٍ‬ ‫محلية ودولية ألفالم حديثة اإلنتاج‪ ،‬في‬ ‫مهرجانات واحتفاالت سينمائية مختلفة‪،‬‬ ‫بانتظار معرفة مصير عروضها التجارية‬ ‫في الصاالت اللبنانية‪ ،‬وهو مصير يبدو‪،‬‬ ‫َأقلّـه فـي مطلـع خريـف ‪ُ ،2016‬معلّقـ ًا‬ ‫وغامضـ ًا وغيـر معـروف‪ .‬وهـذا علـى‬ ‫نقيض «لي قبور في هذه األرض» (‪)2015‬‬ ‫إذ ال يـزال عرضـه ممنوعـ ًا‬ ‫لريـن متـري‪ْ ،‬‬ ‫قـادر علـى‬ ‫أنـه‬ ‫ـة‬ ‫بحج‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫تجاريـ ًا وثقافيـ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ذاكرة‬ ‫«زعزعة السلم األهلي»‪ ،‬لنبشه في‬ ‫تبـدأ مطلـع الحـرب (‪ 1976‬تحديـداً)‪ ،‬مـن‬

‫مشهد من فيلم «ليال بال نوم»‬

‫الديموغرافي‬ ‫خالل البحث في مسار الفرز‬ ‫ّ‬ ‫المنفَّذ أثناء اندالع المعارك‬ ‫واالجتماعي‪ُ ،‬‬ ‫راهـن‬ ‫وعمليـات التهجيـر‪ ،‬وصـو ًال إلـى‬ ‫ٍ‬ ‫صحة بعض‬ ‫ُيثبت‪ ،‬بطريقة أو بأخرى‪ّ ،‬‬ ‫العناويـن األساسـية للفيلـم‪ .‬علمـ ًا بـأن‬ ‫مصير عرض «عجالت الحرب» (‪،)2016‬‬ ‫ٌ‬ ‫معروف‬ ‫الوثائقـي الجديـد لرامـي قديـح‪،‬‬ ‫نجـز‬ ‫ي‬ ‫إذ‬ ‫أيضـاً‪ّ ،‬‬ ‫لكـن بشـكل إيجابـي‪َ ُ ،‬‬ ‫بفضـل «الجزيـرة الوثائقية»‪.‬‬ ‫يلتقـي «عجلات الحـرب» بــ «لبنـان‬ ‫يربـح كأس العالـم» (‪ )2016‬لطونـي‬ ‫الخـوري وأنتونـي البيـه‪ ،‬فـي مسـألتين‬ ‫متالزمتيـن‪ :‬فهمـا‪ ،‬أوالً‪ ،‬يجعلان عـددًا‬ ‫مـن المقاتليـن السـابقين فـي ميليشـيات‬ ‫مختلفـة يلتقـون‪ ،‬راهنـاً‪ ،‬بطريقـة أو‬ ‫بأخـرى‪ .‬وهمـا‪ ،‬ثانياً‪ ،‬يريدان االسـتماع‬ ‫وإذ‬ ‫إلـى تجارب فردية‪ ،‬ومآالتها اآلنية‪ْ .‬‬ ‫ُيمكن اعتبار «عجالت الحرب»‪ ،‬سينمائياً‪،‬‬ ‫أفضل بصرياً‪ ،‬وأمتن درامياً‪ ،‬وأعمق في‬ ‫الحـوار مـع المقاتليـن‪ ،‬الذيـن ُيصبحـون‬ ‫دراجـات «هارلـي دافيدسـن» (مـع‬ ‫رفـاق ّ‬ ‫إدخـال لقطـات عديـدة مصنوعـة بتقنيـة‬ ‫أهميـة «لبنـان‬ ‫التحريـك‬ ‫َّ‬ ‫الملـون)؛ فـإن ّ‬ ‫كامنة‪ ،‬أساسـاً‪ ،‬في‬ ‫يربـح كأس العالم»‬ ‫ٌ‬ ‫منتم‬ ‫لقاء مقاتلين اثنين سابقين‪ ،‬أحدهما ٍ‬ ‫إلـى «حزب الكتائب اللبنانيـة»‪ ،‬والثاني‬

‫إلـى «الحـزب الشـيوعي اللبنانـي»‪ ،‬كـي‬ ‫يسـتعيدا معـ ًا زمنـ ًا مضـى‪ ،‬وخيبـات‬ ‫قاهرة‪.‬‬ ‫روائيـاً‪ ،‬هنـاك فيلمان جديـدان أيضاً‪:‬‬ ‫«روحي» لجيهان شعيب (تمثيل اإليرانية‬ ‫غولشـفته فراهانـي)‪ ،‬و«مـن السـماء»‬ ‫لوسام شرف (تمثيل رودريغ سليمان)‪:‬‬ ‫شـابة إلى قريتها‪ ،‬بحث ًا‬ ‫األول عن عودة ّ‬ ‫في تاريخ عائلتها‪ ،‬ومعرفة مصير جّدها‬ ‫«البطل»‪ ،‬الذي لن يكون «بطالً» بالنسبة‬ ‫إلـى آخريـن؛ والثانـي عـن عـودة مقاتـل‬ ‫سـابق إلـى عائلتـه‪ ،‬بعـد اختفاء قسـري‬ ‫طويـل‪ ،‬ومحاولـة إيجـاد وسـائل إلقامة‬ ‫نـوع مـن المصالحـة مع الـذات والراهن‪.‬‬ ‫يـرى هوفيـك حبشـيان أنـه يـكاد ال‬ ‫يكـون هنـاك فيلـم واحـد ال «يتنفّـس»‬ ‫ٍ‬ ‫بشـكل أو بآخر‪« :‬حتى السـينما‬ ‫الحرب‪،‬‬ ‫الهابطة تلجأ إليها‪ ،‬وتجد فيها توظيفات‬ ‫تفيدهـا»‪ ،‬كمـا يقول‪ ،‬مضيف ًا أن السـينما‬ ‫الوثائقيـة «أبـرع في الدخول إلى مناطق‬ ‫أعمـق فـي التجربة الحربية‪ ،‬السـتنادها‬ ‫إلـى عامليـن أساسـيين‪ ،‬همـا‪ :‬البـوح‪،‬‬ ‫والعلاج النفسـي الجماعـي‪ ،‬مـن خلال‬ ‫ذلـك البـوح»‪ ،‬مستشـهدًا بــ «سـمعان‬ ‫(عم‬ ‫بالضيعـة» (‪ )2009‬لسـيمون الهبـر‪ّ :‬‬ ‫المخرج يعود إلى قريته في جبل لبنان‪،‬‬

‫بعد سنين على عمليات التهجير الحاصلة‬ ‫ويقيـم فيهـا‬ ‫فـي المنطقـة أثنـاء الحـرب‪ُ ،‬‬ ‫لوحـده‪ .‬عبـر الكاميـرا‪ ،‬يسـتعيد المخرج‬ ‫فصـو ًال مـن ذاكـرة أليمة‪ ،‬ويكشـف نبض‬ ‫الراهـن إزاء الماضـي‪ ،‬وارتبـاك كثيريـن‬ ‫أمـام هـول الحـدث‪ ،‬وأمـام البـوح بهـول‬ ‫الحـدث أيضاً)‪.‬‬ ‫يقـول حبشـيان‪« :‬أثبـت الوثائقـي‬ ‫اللبنانـي أن تجربتنـا مـع الحـرب ال‬ ‫تحتـاج إلـى أن ُتكتـب كروايـة أو كحبكـة‬ ‫فكل العناصر‬ ‫أهمية ذلك)‪ّ .‬‬ ‫خيالية (على ّ‬ ‫موجـودة فـي الواقـع‪ ،‬ويكفـي امتلاك‬ ‫القـدرة علـى التقاطهـا‪ ،‬ووضعهـا فـي‬ ‫اإلطار السينمائي الصحيح»‪ .‬أما زراقط‪،‬‬ ‫فيرى «أن هناك أشـباح ًا تسـكن مخيالت‬ ‫أظـن أن هنـاك‬ ‫السـينمائيين اللبنانييـن‪ّ .‬‬ ‫أفالم رعب كثيرة تشغل أذهانهم‪ّ ،‬إل أنهم‬ ‫لم يخرجوها إلى الورق‪ ،‬أو إلى التنفيذ‪.‬‬ ‫ربمـا ألنهـم هـم أول َم ْن يخـاف الوحوش‬ ‫التـي تسـكنهم‪ ،‬أو ألنهـم ربمـا يحلمـون‬ ‫فيقـررون أن ُي ْج ُـروا المحاكمة‬ ‫بالعدالـة‪ّ ،‬‬ ‫في األفالم على َم ْن تطالهم أيديهم‪ ،‬طالما‬ ‫أن المحاكمة الحقيقية شبه مستحيلة»!‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫توم هانكس‬

‫وبطاقتنا االستشراقية!‬ ‫نورة محمد فرج‬

‫في نهاية شهر إبريل‪/‬نيسان الماضي‪،‬‬ ‫بدأ عرض فيلم ‪A Hologram for the‬‬ ‫‪ ،King‬لتوم هانكس صاحب جائزتي‬ ‫أوسكار في فئة أفضل ممثل رئيسي‪،‬‬ ‫األولى عام ‪ 1993‬عن أدائه في فيلم‬ ‫فيالدلفيا‪ ،‬والثانية عام ‪ 1994‬عن دوره في‬ ‫فورست جامب‪ ،‬عدا عن ثالثة ترشيحات‬ ‫في الفئة نفسها‪.‬‬ ‫الفيلم الجديد لتوم هانكس‪ ،‬صورت‬ ‫أغلب مشاهده في المغرب‪ ،‬ومشاهد أخرى‬ ‫في الرياض! وقد عرض في الكثير من الدول‬ ‫األوروبية‪ ،‬واآلسيوية والالتينية‪ّ ،‬إل أنه‬ ‫لم يعرض في أي دولة عربية حتى اآلن‪.‬‬ ‫الفيلم مأخوذ من رواية تحمل العنوان‬ ‫ذاته لديف إيجرز‪ ،‬التي يبدو أن توم‬ ‫هانكس قد قرأها عام ‪ ،2012‬وفي أكتوبر‪/‬‬ ‫تشرين األول من العام نفسه‪ ،‬كانت الرواية‬ ‫قد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة‬ ‫الكتاب الوطني في أميركا‪.‬‬ ‫يستعيد هذا الفيلم على نحو فج‬ ‫الكليشيهات االستشراقية‪ :‬الصحراء‪،‬‬ ‫والخيام‪ ،‬والجمال‪ ،‬لكنه يستعيد أيض ًا‬ ‫الروح القديمة التي سادت االستشراق‬ ‫منذ القرن الثامن عشر‪ ،‬وهي االستكشاف‬ ‫واالكتشاف‪ ،‬أرض الشرق المجهولة دوماً‪،‬‬ ‫هنا أيضاً‪ ،‬توم هانكس (آالن) يزور‬ ‫السعودية ألول مرة‪.‬‬ ‫السعودية التي تم اكتشافها كمركز‬ ‫‪132‬‬

‫للنفط واالستثمار‪ ،‬اآلن سيجري اكتشافها‬ ‫كمنطقة غير آمنة‪ ،‬ليس لعدم وفرة المال‪،‬‬ ‫وإنما بسبب القائمين عليه الذين ال يمكن‬ ‫الركون إليهم‪.‬‬ ‫في البحث على اإلنترنت‪ ،‬سنجد أن‬ ‫كلمة ‪ Hologram‬قد ترجمت إلى (وصية)‪،‬‬ ‫ولكنها تعني (العرض ثالثي األبعاد)‪ ،‬وهو‬ ‫مناسب أكثر لفكرة الفيلم‪ ،‬الذي يتكلم عن‬ ‫عرض يقوم على عرض تجسيمي ثالثي‬ ‫األبعاد‪ ،‬يقّدمه وكيل الشركة توم هانكس‬ ‫أمام الملك عبد اهلل‪.‬‬ ‫إن الصورة التي ستعرض للملك ثالثية‬

‫األبعاد‪ ،‬إذن هي صورة ليست حقيقية‪،‬‬ ‫شبه حقيقية‪ ،‬ولكن الواقع والحقيقة في‬ ‫مكان آخر‪ ،‬أي أن ما سيقّدمونه للملك هو‬ ‫فرصة غير حقيقية‪ ،‬فعلى الرغم من الطابع‬ ‫التقني الذي يغلفها‪ّ ،‬إل أن المحتوى ترفيهي‬ ‫استحضرا عبر‬ ‫وسمج‪ ،‬فالمؤديان اللذان‬ ‫ُ‬ ‫العرض لم يقوما سوى بالرقص والغناء‪،‬‬ ‫الذي أثار سعادة الملك من جهة أخرى‪.‬‬ ‫دون أن ننسى‪ ،‬أن الملك لقيهم في‬ ‫خيمة‪ ،‬والخيام عابرة وليست ثابتة‪ ،‬وفي‬ ‫الصحراء التي تتحرك فيها الرياح‪ ،‬كما تم‬ ‫ليزال أيضا بعدها‬ ‫تزيين المكان بسرعة‪ُ ،‬‬ ‫كل شيء هناك هش وغير ثابت‬ ‫بسرعة‪ّ .‬‬ ‫كرمال الصحراء‪.‬‬ ‫أيضاً‪ ،‬سنرى الدور القديم للغرب‪ ،‬أو‬ ‫الحجة األميركية القديمة التي سردها جورج‬ ‫بوش االبن‪ :‬سنذهب لتعليمهم الحضارة‬ ‫والديموقراطية‪.‬‬ ‫يتحول األميركي الى مرشد وواعظ‬ ‫ّ‬ ‫لسائق السيارة‪ ،‬سيعلمه أداة جديدة‬ ‫لحل النزاعات (الحوار)‪ :‬ليستخدمها مع‬ ‫غريمه‪ ،‬وسنرى سائق السيارة وغريمه‬ ‫يجلسان على الطاولة (يتحاوران)‪ ،‬ولن‬ ‫يظهرهما الفيلم‪ ،‬وقد توصال إلى اتفاق ما‬ ‫أو تراضيا‪ ،‬وإنما فقط وهما يتحاوران‪،‬‬ ‫والحوار هو إحدى ركائز السياسة األميركية‬ ‫التي تعتمدها في إدارتها للشرق األوسط‪،‬‬ ‫أي التركيز على الحوار باعتباره عملية‬

‫سياسية‪ :‬الحوار بين األطراف المتنازعة‪،‬‬ ‫ليصبح الحوار هدف ًا في ذاته بد ًال من أن‬ ‫يكون وسيلة‪.‬‬ ‫أما المشهد األنكى في الفيلم‪ ،‬فهو مشهد‬ ‫الذئب‪ ،‬فتوم هانكس يذهب مع سائقه إلى‬ ‫محل القبيلة‪ ،‬ويتعرض ألحاسيس ريبة‬ ‫وكراهية من أحد أفراد القبيلة‪ ،‬حينما‬ ‫يشتبه في أنه يعمل للسي آي إيه‪ ،‬ال يقول‬ ‫الفيلم سبب الكراهية‪ ،‬لتبدو وكأنها كراهية‬ ‫مجانية‪ ،‬بال سبب‪ ،‬وغير مفهومة‪ ،‬وعند‬ ‫الليل سيتجمعون بالقرب من خرافهم في‬ ‫وضعية االستعداد إلطالق النار على الذئب‬ ‫الذي يحتمل أن يأتي في أي لحظة‪ ،‬ويدور‬ ‫حوار بين توم هانكس وسائقه‪ ،‬يقترح‬ ‫األول على الثاني أن يغادر السعودية كي‬ ‫يتمكن من إكمال دراسته‪ -‬التي بدأها في‬ ‫ال‬ ‫بريطانيا‪ ،‬أميركا‪ -‬ثم يجد لنفسه عم ً‬ ‫هناك‪ ،‬فيرد عليه بأنه يرغب بالبقاء‬ ‫والمشاركة في التغيير‪ ،‬ثم يسأله‪ ،‬إن‬ ‫قام بثورة ضد النظام‪ ،‬فهل سيقف توم‬ ‫هانكس‪/‬أميركا في صفه؟ دعم باألسلحة؟‬ ‫ال‪ ،‬إسناد جوي؟ ال‪ ،‬فالواليات المتحدة‬ ‫تحتاج إلى سبب (حسب تعبيره)‪ ،‬ولكنه‬ ‫كـ(آالن) سيكون معه!‪ .‬بعد ذلك سيقوم‬ ‫الرجال جميع ًا لصالة الفجر‪ ،‬وبينما هم‬ ‫يصلون وقد جعلوا ظهورهم لجهة الترصد‪،‬‬ ‫نجد الذئب وقد أتى‪ ،‬وليس هناك ّإل توم‬

‫هانكس‪ ،‬فيرفع البندقية ليطلق عليه‪ ،‬لكنه‬ ‫يعاود التفكير‪ ،‬وينظر إليهم منهمكين في‬ ‫الصالة‪ ،‬وقد تركوا‪ -‬جميعا‪ -‬عدوهم من‬ ‫أجل صالتهم‪ ،‬فلم عليه أن يقتله هو‪،‬‬ ‫ثم نرى الذئب وقد تراجع دون أن يمس‬ ‫الخراف!‪.‬‬ ‫يتحدث عن القطاع‬ ‫الفيلم‬ ‫إن‬ ‫ً‪،‬‬ ‫أخيرا‬ ‫َّ‬ ‫االقتصادي األميركي المتدهور‪ ،‬ويعالج‬ ‫الفكرة التي تعتبر السعودية منجم المال‬

‫ومحط االستثمار‪ ،‬للنجاة من هذه البطالة‪،‬‬ ‫لكنها منجم غير مضمون‪ ،‬ففي النهاية‪،‬‬ ‫حين يذهب المشروع إلى المستثمر الصيني‬ ‫أقل‪،‬‬ ‫الذي سيقّدم الجهاز نفسه ولكن بسعر ّ‬ ‫سنرى توم هانكس يوجه نظرة المغدور به‬ ‫إلى كريم األحمد‪ ،‬أحد المسؤولين‪ ،‬والذي‬ ‫يرتدي البدلة وليس الثوب‪ ،‬وكأنه يقول‬ ‫إن هؤالء سيخونوننا‪ ،‬وخصوص ًا هؤالء‬ ‫الذين يتظاهرون بأنهم مثلنا!‪.‬‬ ‫‪133‬‬


‫«سويل»‬ ‫هبوط اضطراري‬ ‫د‪ .‬رياض عصمت‬

‫يفاجـئ الممثـل والمخـرج األميركـي‬ ‫كل‬ ‫كلينـت إيسـتوود عشـاق السـينما ّ‬ ‫طـراز جديـد‪.‬‬ ‫بإبـداع مـن‬ ‫عاميـن‪ ،‬تقريبـاً‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جـاءت مفاجأتـه فـي العـام ‪ 2016‬بفيلـم‬ ‫عـن حادثـة طيـران شـهيرة إعالميـ ًا حمـل‬ ‫عنـوان «سـولي»‪ .‬تتمحـور القصـة حـول‬ ‫هبـوط اضطـراري فـي نهـر هدسـون قـام‬ ‫به طيار مخضرم ومساعده بطائرة ركاب‬ ‫أقلعـت مـن مدينـة نيويـورك متجهـة إلـى‬ ‫مدينة شارلوت في نورث كاروالينا وعلى‬ ‫متنهـا ‪ 155‬شـخص ًا دون أن ُيصـاب أحـد‬ ‫بأذى‪ .‬بعد أن رسم اإلعالم صورة الكابتن‬ ‫ٍ‬ ‫كبطل منقذ‪َ ،‬تّم اسـتدعاؤه الستجواب من‬ ‫تشـككت فـي كونه اتخذ‬ ‫تحقيق‬ ‫لجنـة‬ ‫ِقَبـل‬ ‫َّ‬ ‫القـرار السـليم بالهبوط في النهر وتحطيم‬ ‫الطائـرة مقابـل إنقـاذ الركاب‪ ،‬بـد ًال من أن‬ ‫يحاول الهبوط بها على مدرج المطار الذي‬ ‫عرضـ ًا أرواحهـم إلـى كارثـة‬ ‫أقلعـت منـه ُم ِّ‬ ‫إنسـانية رهيبة‪.‬‬ ‫الغريـب‪ ،‬بالرغـم من االعتراف السـائد‬ ‫بقـدرة كلينـت إيسـتوود التمثيليـة‪ّ ،‬إل أنه‬ ‫لـم يحـز جائـزة أفضـل ممثـل حتـى اآلن‪،‬‬ ‫لكنه أتاح كمخرج فرص ًا لممثلين وممثالت‬ ‫كبـار كـي ينافسـوا علـى جوائـز التمثيـل‪،‬‬ ‫وقـاد هيلاري سـوانك إلى الفـوز بجائزة‬ ‫أفضل ممثلة عن فيلم «فتاة المليون دوالر»‬ ‫(‪.)2004‬‬ ‫بدايـة مثيـرة‪،‬‬ ‫يبـدأ فيلـم «سـولي»‬ ‫ً‬ ‫‪134‬‬

‫إذ نـرى طائـرة ركاب تهـوي فـوق أبنيـة‬ ‫مدينـة نيويـورك‪ ،‬وتصطـدم بهـا فتنفجـر‬ ‫حطاماً‪ ،‬قبل أن ندرك أن ما نشاهده ليس‬ ‫سـوى كابـوس يتـراءى لكابتـن الطائـرة‬ ‫الناجيـة بركابهـا (سـولي)‪ ،‬وهـو االسـم‬ ‫المختصـر للكابتـن تشيسـلي سـولنبرغر‪.‬‬ ‫كالعـادة فـي الدرامـا المسـرحية الحديثـة‪،‬‬ ‫إذن‪ ،‬يبـدأ الفيلـم بعـد إنقاذ الكابتن لركاب‬ ‫طائرتـه جميعـ ًا عبر اتخاذه القرار المغامر‬ ‫الجـريء بتجنُّـب محاولـة الوصـول إلـى‬ ‫مـدرج مطـار «الغوريـا» فـي نيويـورك‪،‬‬ ‫والهبـوط بالطائرة التـي احترق محركاها‬ ‫بفعـل اصطـدام سـرب مـن الطيـور بهـا‬ ‫علـى نهـر هدسـون هبوطـ ًا اضطراريـاً‪.‬‬ ‫فـي مرحلـة متأخـرة مـن الفيلـم‪ ،‬يسـتعيد‬ ‫ويصور لنا إيستوود‬ ‫السيناريو الحادثة‪،‬‬ ‫ِّ‬

‫بتفصيـل متقـن ردود فعـل الـركاب وطاقم‬ ‫الطائـرة‪ ،‬ومعاناتهـم مـن بـرودة المـاء‬ ‫فـي الطقـس الشـتائي مـن شـهر ينايـر‪/‬‬ ‫كانـون الثانـي ‪ ،2009‬لكـن فـرق اإلنقـاذ‬ ‫تهـرع إليهم بالسـفن مـع بطانيات الصليب‬ ‫األحمر لتنقذهم جميع ًا بال اسـتثناء‪ .‬يقوم‬ ‫سولي بواجبه في أن يكون آخر مغادري‬ ‫الطائـرة الموشـكة علـى الغـرق‪ ،‬ومـا أن‬ ‫يصبـح علـى متـن السـفينة‪ ،‬حتـى يطمئن‬ ‫زوجته عبر الموبايل كي ال تقلق ابنتاهما‬ ‫علـى مصيـر األب‪ .‬بسـرعة البـرق‪ ،‬ينتشـر‬ ‫ال في‬ ‫الخبـر عبـر اإلعالم ليغدو سـولي بط ً‬ ‫أعيـن النـاس‪ ،‬يلقـى الحفـاوة واإلعجـاب‬ ‫أينما ذهب‪ .‬لكن األمر ال يبعث النشوة عند‬ ‫تظل تـراوده‪ ،‬في‬ ‫سـولي‪ ،‬ألن الكوابيـس ّ‬ ‫حيـن تالحقـه وزميله لجنـة تحقيق تهدف‬ ‫إلثبـات خطئـه بعـدم االنصيـاع للتعليمات‬ ‫والتوجـه للهبـوط بطائرتـه سـالمة علـى‬ ‫ّ‬ ‫أرض المطـار‪ ،‬وإن كان القـرار الذي اتخذه‬ ‫أنقـذ أرواح ‪ 155‬شـخصاً‪ .‬فـي الواقع‪ ،‬هنا‬ ‫تكمـن بـذرة النجاح الدرامي لهذا الفيلم‪ ،‬إذ‬ ‫إن كاتـب السـيناريو (تـود كومارنيسـكي)‬ ‫اقتبـس بحرفيـة عاليـة كتـاب «الواجـب‬ ‫األعلـى» التسـجيلي‪ ،‬الـذي ألّفـه الكابتـن‬ ‫الطيـار سـولي ومسـاعده جيـف حول تلك‬ ‫الحادثـة‪ .‬تجنَّـب كاتـب السـيناريو أيـة‬ ‫ميلودرامـا عاطفيـة بجمـع الطيار بزوجته‬ ‫وابنتيـه‪ ،‬بـل جعلـه يطمئـن أسـرته عبـر‬

‫الهاتف فحسب‪ .‬بنى الكاتب فيلمه بطريقة‬ ‫غيـر تقليديـة‪ ،‬ولـم يحمـل السـيناريو أيـة‬ ‫فـكل شـيء جـاء فـي‬ ‫إطالـة أو اسـتطراد‪ّ ،‬‬ ‫مكانه بالضبط كما في لوحة الفسيفساء‪،‬‬ ‫دون زيـادة أو نقصـان‪ .‬الجدير باالنتباه‪،‬‬ ‫أن فيلـم «سـولي» هـو أقصـر فيلـم أخرجه‬ ‫كلينت إيسـتوود في حياته على اإلطالق‪،‬‬ ‫إذ لـم يتجـاوز زمنـه ‪ 96‬دقيقـة‪ .‬ومـن َثّم‪،‬‬ ‫يمكننـا القـول‪ :‬إن إيسـتوود صنـع فيلمـ ًا‬ ‫المـرة‪.‬‬ ‫صارمـاً‪ ،‬رصينـ ًا ومقتضبـاً‪ ،‬هـذه ّ‬ ‫عبـر االسـتعادات الزمنيـة‪ ،‬ومـن‬ ‫خلال الكوابيـس والذكريات‪ ،‬تتكشـف لنا‬ ‫تدريجيـ ًا مالمـح شـخصية سـولي الزاهدة‬ ‫فـي الشـهرة‪ ،‬والحريصـة علـى الحقيقـة‪.‬‬ ‫إنـه شـخص يرفـض الثنـاء والتمجيـد‪،‬‬ ‫ويعلـن أنـه تصـرف فـي تلـك اللحظـة‬ ‫العصيبـة بوحـي مـن خبرتـه وحدسـه‪،‬‬ ‫ولـم ينصـع لتعليمـات الكتـب النظرية‪ .‬لم‬ ‫يبـرئ تـوم هانكـس والمخـرج إيسـتوود‬ ‫شـخصية سـولي طيلـة الفيلـم مـن بعـض‬ ‫ّ‬ ‫الشـك والقلـق‪ ،‬فاألسـئلة تزيـد مـن جرعة‬ ‫التشـويق فـي الدرامـا‪ ،‬وتضاعـف البهجـة‬ ‫بانتصـار البطـل أمـام الـرأي العـام فـي‬ ‫النهايـة السـعيدة‪ .‬عندمـا يتم عرض تمثيل‬ ‫الحادثـة كومبيوتريـ ًا بصـورة افتراضيـة‬ ‫مـن ِقَبـل لجنـة التحقيـق أمـام حشـد كبيـر‬ ‫إلثبـات أن الطيـار ومسـاعده ارتكبـا خطـ ًأ‬ ‫بعدم عودتهما للهبوط على مدرج المطار‪،‬‬ ‫يفحمهـم سـولي بالتذكيـر بـأن العامـل‬ ‫اإلنسـاني حاسـم فـي اللحظـات العصيبة‪.‬‬ ‫وعندمـا يعيـدون التجربـة االفتراضيـة مع‬ ‫إضافـة ‪ 35‬ثانيـة فقـط‪ ،‬يكتشـفون أن‬ ‫الطائـرة بركابهـا ال يمكـن أن تنجـو‪ ،‬وأن‬ ‫سـولي اتخـذ بحدسـه القـرار السـليم‪.‬‬ ‫«سـولي» (‪ )2016‬فيلم رائع وفريد من‬ ‫نوعـه‪ ،‬اسـتطاع فيـه كلينـت إيسـتوود أن‬ ‫مـرة أخرى مهارة حرفيـة عالية جدًا‬ ‫يثبـت ّ‬ ‫فـي اإلخـراج‪ ،‬خاصـة فـي مشـاهد هبـوط‬ ‫الطائرة على سـطح نهر هدسـون‪ ،‬وإنقاذ‬ ‫الـركاب منهـا‪ .‬تلك مشـاهد اقتـرب تنفيذها‬ ‫مـن اإلعجـاز‪ ،‬فحركـة الكاميـرا‪ -‬التـي أدار‬ ‫تصويرها توم سـتيرن‪ -‬مدهشـة فعالً‪ .‬أما‬ ‫المونتـاج‪ ،‬فأكمـل تلـك الصـورة على يدي‬

‫مشهد من فيلم «سولي»‬

‫بلـو مـوراي‪ ،‬وهو شـاب بديـل طالما عمل‬ ‫مسـاعدًا للمونتيـر العجـوز المخضرم الذي‬ ‫قام بمونتاج جميع أفالم كلينت إيسـتوود‬ ‫بعد عام ‪ 1982‬حتى اآلن‪ ،‬جويل كوكس‪.‬‬ ‫وال شـك أن مصمـم الديكـور غاري فيتيس‬ ‫أضفـى مصداقيـة المـكان‪ .‬كتـب موسـيقى‬ ‫كل مـن كريسـتيان‬ ‫الفيلـم التصويريـة ٌ‬ ‫جيكـوب وتيرنـي سـاتون باند‪.‬‬ ‫عندمـا نصـل إلـى التمثيـل‪ ،‬البـد مـن‬ ‫اإلشـادة بالـدور المحـوري الـذي حمـل‬ ‫الفيلـم علـى متنـه‪ ،‬وهـو دور سـولي‪،‬‬ ‫الذي أداه توم هانكس بكثير من الشفافية‬ ‫المـرة الثانية التي‬ ‫والحساسـية‪ .‬هـذه هي ّ‬ ‫يجسـد فيها توم هانكس شخصية حقيقية‬ ‫بعـد دوره فـي «الكابتـن فيليبـس»‪ ،‬وهـو‬ ‫قبطـان السـفينة التـي اختطفهـا قراصنـة‬ ‫مرة‬ ‫صوماليون‪،‬‬ ‫وتعرض للموت أكثر من ّ‬ ‫َّ‬ ‫قبـل أن ينقـذ سـفينته وينجو بحياته‪ ،‬كما‬ ‫المرة الثانية التي يلعب فيها دور طيار‬ ‫أنها ّ‬ ‫بعد فيلم «أبولو ‪ »13‬عن رحلة إلى الفضاء‬ ‫الخارجـي‪ .‬تكمـن روعـة أداء تـوم هانكس‬ ‫فـي هـذا الـدور أنـه يجعـل المشـاهد يؤمـن‬ ‫أنه يخفي أكثر مما يبوح به‪ ،‬وأنه يعاني‬ ‫مـن قلـق داخلـي عميـق‪ ،‬فيثيـر فضولـه‬ ‫كـي يكتشـف ويعـرف ويرتـوي‪ .‬إنـه أداء‬

‫صـادق ومرهـف يوحي بعدم اليقين‪ ،‬وإن‬ ‫كان يوحدنا مع شـخصية دافئة ومخلصة‬ ‫وصادقة مع نفسـها واآلخرين‪ .‬لعبت دور‬ ‫الزوجـة الممثلـة لـورا لينـي‪ ،‬التـي سـبق‬ ‫مرتيـن مـن قبـل تحـت إدارة كلينت‬ ‫ومثلـت ّ‬ ‫إيسـتوود اإلخراجيـة فـي فيلميـه «القـوة‬ ‫المطلقـة» و«نهـر غامض»‪ .‬كمـا لعب آرون‬ ‫إيكهارت دور الطيار المساعد‪ ،‬جاهدًا بكثير‬ ‫مـن الزهـد كي يلتـزم بروح السـيناريو في‬ ‫ّأل يسـرق األضـواء مـن شـخصية سـولي‬ ‫المحوريـة‪ .‬لذلـك‪ُ ،‬أعطـي فرصـة ذهبيـة‬ ‫ليختـم الفيلـم بجملـة رائعـة طريفـة عندما‬ ‫يـود‬ ‫سـأله رئيـس لجنـة التحقيـق إذا كان ّ‬ ‫فيفكـر ويقـول‪« :‬نعم»‪،‬‬ ‫أن يضيـف شـيئاً‪ّ ،‬‬ ‫مشـوقة يضيـف‪ :‬كنت‬ ‫وبعـد لحظـة صمـت ّ‬ ‫آمل لو جرت الحادثة في شهر من الصيف‪.‬‬ ‫مـع تيترات النهاية‪ ،‬يعرض لنا إيسـتوود‬ ‫لقطـات تسـجيلية للطيار الحقيقي سـولي‬ ‫وهـو يتلقّـى شـكر وثنـاء الـركاب الذيـن‬ ‫أنقذهـم بقـراره الجـريء والحكيـم‪ .‬إن‬ ‫االختبار الفعلي لقدرة اإلنسان على اتخاذ‬ ‫القرار السليم ال يأتي في األحوال العادية‪،‬‬ ‫بـل فـي اللحظـات العصيبـة‪ ،‬فإمـا النجـاة‬ ‫يتحمل الكابتن المسؤولية الكاملة عن‬ ‫لمن ّ‬ ‫المحتم‪.‬‬ ‫أرواحهـم‪ ،‬وإمـا المـوت‬ ‫َّ‬ ‫‪135‬‬


‫يف «مجتمع المقاهي»‬ ‫وودي آلن‬

‫يواصل فوضاه الفلسفية‬ ‫أمجد جامل‬ ‫فـي فيلمـه األحـدث «مجتمـع المقاهـي‪-‬‬ ‫‪ »Café Society‬يعـود الكاتـب والمخـرج‬ ‫األميركـي المخضـرم وودي آلـن للحقبـة‬ ‫الزمنيـة التـي ُعـرف بحنينـه الدائـم لهـا‪،‬‬ ‫وهي أواخر الثالثينيات وأوائل األربعينيات‬ ‫مـن القـرن الماضـي‪ ،‬الحقبـة التـي شـهدت‬ ‫لمعـان نجومـه المفضليـن مثل فريد آسـتير‬ ‫واإلخـوة ماركـس وبـوب هـوب وغيرهـم‪،‬‬ ‫سـمى بالعصر الذهبـي لهوليوود‪،‬‬ ‫وكانـت ُت ّ‬ ‫مثلما ُعرفت أيض ًا بعصر الجاز‪ ،‬الموسيقى‬ ‫التـي يعشـقها آلـن ويعزفهـا بصفة منتظمة‬ ‫تعج‬ ‫في مسـارح مانهاتن حتى يومنا‪ ،‬كما ّ‬ ‫بهـا كافـة أفالمه‪.‬‬ ‫هـذا التأسـيس المكاني والزماني للفيلم‬ ‫يدخـل بالمخـرج ذي الثمانيـن عامـ ًا إلـى‬ ‫منطقتـه اآلمنـة‪ ،‬ويسـلمه كافـة المفاتيـح‬ ‫ليقدم تيماته الدرامية التي ال‬ ‫التي يحتاجها ِّ‬ ‫زالت ممتعة ويحيطها نفس البريق الجذّاب‬ ‫رغـم تكرارهـا (نظريـاً) علـى مـدار مشـواره‬ ‫الفنّي‬ ‫الفنّـي‪ .‬آلـن العجوز المرح ُيعـّد الرمز َ‬ ‫َ‬ ‫لمدينة نيويورك ومعلم ًا من معالم السينما‬ ‫األميركية‪ ،‬وأحد أبرز المسؤولين عن نقلها‬ ‫نحـو الطابـع األوروبـي‪ ،‬حيـث المهـارة في‬ ‫تضمين القضايا الفكرية واألسئلة الفلسفية‬ ‫سلية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الم ّ‬ ‫الكبرى بداخل القصص الجماهيرية ُ‬ ‫والقصـة‪ ،‬هـذه المـرة‪ ،‬عـن «بوبـي»‬ ‫(جيسي إيزنبرج)‪ ،‬الشاب الرومانسي الحالم‬ ‫قرر ترك نيويورك‬ ‫لدرجة السذاجة‪ ،‬والذي ُي ّ‬ ‫‪136‬‬ ‫‪136‬‬

‫والسـفر إلـى هوليـوود‪ ،‬حيـث يعمـل خالـه‬ ‫«فيـل سـتيرن» (سـتيف كاريـل) ُمنتجـ ًا فـي‬ ‫مجال صناعة األفالم‪ ،‬وهناك يقتحم بوبي‬ ‫العالـم المخملـي ألثريـاء ومشـاهير لـوس‬ ‫أنجلـوس الـذي يشـير إليهـم عنـوان الفيلـم‬ ‫بمصطلـح «مجتمع المقاهـي»‪ ،‬كما يقع في‬ ‫غـرام «فوني» (كريسـتين سـتيوارت)‪ ،‬قبل‬ ‫أن يعرف أنها على ارتباط بخاله‪ ،‬ومن هنا‬ ‫يبـدأ مثلـث الصـراع الـذي اعتـاد آلـن تقديمه‬ ‫فـي أفالمـه بأشـكال وحاالت واسـتنتاجات‬ ‫متنوعة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وإن غـاب عـن فريـق التمثيـل فقـد‬ ‫آلـن‪ْ ،‬‬

‫َظّل حاضرا بالتعليق الصوتي الساخر على‬ ‫األحـداث‪ ،‬وكان ذلـك مـن أبـرز الخيـارات‬ ‫ّيـة للسـرد‪ .‬فهـو‪ ،‬مـن ناحيـة‪ ،‬يضيـف‬ ‫َ‬ ‫الفنّ‬ ‫طابعـ ًا أسـطوري ًا وعراقـة للقصـة‪ ،‬ومـن‬ ‫ناحيـة أخـرى يقـوم ببـث روحـه ونقـش‬ ‫هوية الفيلم وانتسابه‬ ‫إمضائه؛ تأكيدًا على ّ‬ ‫إليـه‪ ،‬أو كأنـه يوجـه رسـالة ضمنيـة‬ ‫تحذيريـة للمراهقـات مفادهـا أن حضـور‬ ‫الممثلـة كريسـتين سـتيورات ضمـن فيلـم‬ ‫ذي طابـع رومانسـي ال يعنـي بأنهـم أمـام‬ ‫جـزء جديـد من الفيلم الفنتـازي «تواياليت»‬ ‫ـن بصـدد فيلـم ألحد‬ ‫أو مـا شـابهه‪ ،‬وإنمـا ُه ّ‬ ‫عباقـرة السـينما وأكثرهـم جدلية وصدامية‬ ‫فـي نظرتـه لعالقـات الحـب التـي تتناقـض‬ ‫مع تلك العقلية المراهقة الحالمة‪ ،‬فهو كما‬ ‫يقـول علـى لسـان بطلـه «بوبـي» فـي جملة‬ ‫حوارية من الفيلم‪« :‬إن الحياة أشبه بعرض‬ ‫كوميدي من تأليف كاتب كوميديا سـادي»‪،‬‬ ‫الجملة التي تتناغم مع أحداث الفيلم ورؤية‬ ‫بشـر دائم ًا بالنهايات‬ ‫الراوي (آلن) التي ال ُت ّ‬ ‫السـعيدة والعيـش فـي «تبـات ونبـات»‪.‬‬ ‫ترتكـز قـوة السـيناريو الـذي كتبـه آلـن‬ ‫على ثراء المعضالت األخالقية التي يطلقها‬ ‫لتعـدد الشـخصيات‬ ‫علينـا الفيلـم نتيجـة‬ ‫ُّ‬ ‫واختلاف صراعاتهـا وأهدافهـا وتضـارب‬ ‫فكل شـخصية‬ ‫وجهـات نظرهـا عن الحياة‪ّ ،‬‬ ‫منهم تحارب معركتها الخاصة وكأنها البطل‬ ‫ال بذاته‪.‬‬ ‫في قصة تصلح لتكون فيلم ًا مستق ً‬

‫هناك معضلة أخالقية يواجهها الخال فيل‪،‬‬ ‫التـردد بيـن اإلبقاء علـى زوجة العمر‬ ‫حيـث‬ ‫ُّ‬ ‫التـي ال يحبهـا أو االنفصـال والـزواج مـن‬ ‫فتـاة تصغـره كثيـرًا فـي العمر لكنـه يحبها‪.‬‬ ‫وهي معضلة تنتقل‪ ،‬بصورة ما‪ ،‬إلى بوبي‬ ‫بعـد زواجـه مـن «فيرونيـكا» (بليـك ليفلي)‬ ‫يتخطى مشـاعره تجاه فوني التي‬ ‫دون أن‬ ‫ّ‬ ‫ظهـرت فـي حياته من جديد مقّدمة له إغواء‬ ‫بالخيانة‪ .‬وهناك األخت التي انتهت شكوتها‬ ‫من جارها المشاغب بتحريض ملتبس على‬ ‫القتـل‪ ،‬وزوجهـا المضطـر للتسـتر علـى‬ ‫جريمتهـا‪ ،‬وشـقيقها الـذي ارتكـب الجريمـة‬ ‫المخيرة‬ ‫ولكـن بدافـع نبيـل‪ ،‬وهناك فونـي‬ ‫َّ‬ ‫بيـن زواج شـاب فقيـر تكـن لـه مشـاعر‪ ،‬أو‬ ‫رجـل ثـري ال تسـتطيع تحديـد مشـاعرها‬ ‫نحوه‪.‬‬ ‫كل مـا سـبق مـن تسـاؤالت أخالقيـة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تعمـد آلـن أن يتركهـا غير محسـومة‪ ،‬هو ما‬ ‫َّ‬ ‫صنع توليفة كاتب الكوميديا السادي الذي‬ ‫يترك شخصياته تدور في حلقة مفرغة مما‬ ‫تفرضه القصة من سـخرية بمن يعيشـونها‬ ‫يتدخل إلنقاذهم‪ ،‬بل إنه يشارك في‬ ‫دون أن َّ‬ ‫السخرية منهم بإبراز ضعفهم وتناقضاتهم؛‬ ‫مثلا تعيـش حيـاة مملّـة وخاويـة‬ ‫فاألخـت ً‬ ‫ّإل أنهـا ال تتوقّـف عـن توزيـع النصائـح‬ ‫علـى أخيهـا بوبـي بصورة مثيـرة للضحك‬ ‫بسبب تناقض حالها مع ما تزعمه من خبرة‬ ‫وفهـم للحيـاة يؤهلهـا إلعطـاء النصائـح‪،‬‬ ‫تـردد كراهيتها للحياة‬ ‫بينمـا «فونـي» ّ‬ ‫تظـل ّ‬ ‫المخملية المرفهة‪ ،‬لكنها مع أول اختبار أو‬ ‫عرض حقيقي لدخول هذه الحياة تسقط في‬ ‫كل ما اعتادت‬ ‫براثنها وتنغمس في ممارسة ّ‬ ‫أن تنتقـده‪ ،‬أمـا زوج األخت فيتظاهر طوال‬ ‫الفيلـم باالنتمـاء للفكر الشـيوعي واالعتقاد‬ ‫بمادية الحياة وحياد الطبيعة‪ ،‬لكنه يدخل‬ ‫فـي حالـة هلـع أخالقـي تجاه جريمـة القتل‬ ‫تدلّل على أن فطرته اإلنسانية الرقيقة هزمت‬ ‫غلظـة ادعاءاته الفكرية‪.‬‬ ‫السـمة اإلخراجيـة األبـرز للفيلـم هـي‬ ‫الكرنفاليـة‪ ،‬حيـث يقـّدم لنـا آلـن مـا يشـبه‬ ‫كل مـا‬ ‫الوليمـة‪ ،‬خليـط ممـا لـّذ وطـاب مـن ّ‬ ‫يبحث عنه متلقو الفنون وراغبو االنفصال‬ ‫عـن الواقـع‪ ،‬وهـذا النـوع من زخـم الحاالت‬ ‫أو الكرنفاليـة مثلمـا يقـوم بمهمـة اإلمتـاع‬ ‫للمتفـرج‪،‬‬ ‫البصـري والحسـي والفكـري‬ ‫ّ‬ ‫فهـو يسـاهم أيضـ ًا في التعبير عن الفلسـفة‬ ‫الفوضويـة آللـن‪.‬‬ ‫«إنـه يشـبه سـارتر وكامـو‪ ،‬الفـارق أنه‬

‫مشهد من فيلم «مجتمع المقاهي»‬

‫أكثـر مرحـاً»‪ .‬تلـك كانت كلمات الفيلسـوف‬ ‫األميركـي المعاصـر «طـوم موريـس» فـي‬ ‫سياق حديثه عن آلن‪ ،‬ضمن مقالة افتتاحية‬ ‫لكتاب بعنوان «وودي آلن والفلسفة»‪ .‬شغل‬ ‫سـر الولـع‬ ‫هـذه االفتتاحيـة محاولـة فهـم ّ‬ ‫الشـديد من ِقَبل أسـاتذة ودارسـي الفلسـفة‬ ‫تجـاه آلن‪.‬‬ ‫وتلـك اإلحالـة التـي يقّدمهـا موريـس‬ ‫الثنين من أيقونات األدب والفكر الوجودي‬ ‫فـي القـرن العشـرين‪ ،‬جـان بـول سـارتر‬ ‫وألبير كامو‪ ،‬هي أول ما يقفز بالذهن أثناء‬ ‫مشاهدة فيلمه «مجتمع المقاهي»‪ ،‬وتحديدًا‬ ‫خالل مشـهد لشـخصية «ِبن»‪ ،‬شقيق بوبي‬ ‫تورط في ارتكاب جريمة قتل وينتظر‬ ‫الذي َّ‬ ‫مصيـره بعـد الحكم عليـه باإلعدام‪ِ .‬بن الذي‬ ‫قـرر فـي لحظـة أن يعتنـق‬ ‫ُوِل َـد يهوديـ ًا ّ‬ ‫ثـم ّ‬ ‫الكاثوليكيـة‪ ،‬بعـد جلسـة عقدهـا مـع كاهن‬ ‫السـجن الـذي يجالـس المحكـوم بإعدامهـم‬ ‫لمحاولـة هدايتهـم قبـل فـوات األوان‪ .‬وألن‬ ‫اليهودية ديانة ال تبشر بمفهوم الحياة بعد‬ ‫المـوت‪ ،‬لـذا فـكان علـى ِبـن اعتنـاق ديانـة‬ ‫أخـرى تحقّـق لـه ذلـك الغـرض‪ ،‬دافعـه‬ ‫األمـل بـأن موته ليس النهاية المطلقة وأنه‬ ‫سـيبعث بعدهـا فـي حيـاة أخرى‪.‬‬ ‫هـذا الموقـف يتشـابه‪ ،‬لدرجـة‪ ،‬مـع مـا‬ ‫سـبق أن قّدمـه ألبيـر كامـو فـي «الغريـب»‪،‬‬ ‫روايتـه األشـهر‪ .‬فبطـل الروايـة «مارسـو»‬ ‫هـو اآلخـر قـد ارتكـب جريمـة قتـل وينتظـر‬ ‫تنفيـذ حكـم باإلعـدام‪ ،‬ويبعـث لـه السـجن‬ ‫بكاهـن مسـيحي لمحاولـة هدايته قبل تنفيذ‬ ‫الحكـم‪ ،‬مثلمـا يحـدث فـي فيلـم آلـن تماماً‪،‬‬ ‫ولكـن الفـارق هنـا أن مارسـو يرفـض كالم‬ ‫ويفضل الموت وهو قابض على‬ ‫هذا الكاهن ُ‬

‫فلسفته الخاصة للحياة؛ والسبب كما يضعه‬ ‫كامـو بكلمـات علـى لسـان مارسـو‪« :‬نعـم‪،‬‬ ‫قل كنت‬ ‫لـم يكـن لـي ّإل هـذا‪ .‬ولكني علـى ا َأل ّ‬ ‫أمسـك بهـذه الحقيقـة علـى قـدر مـا كانـت‬ ‫تمسـك بي»‪.‬‬ ‫إن كان مشـهد مارسـو في الرواية مثيرًا‬ ‫علـى الصعيـد الفكـري وبـه مسـحة مـن‬ ‫الشـجن‪ ،‬فهـو ال ينتـزع الضحـكات مثلمـا‬ ‫يقـل‬ ‫يفعـل مشـهد ِبـن فـي الفيلـم‪ ،‬الـذي ال ّ‬ ‫إثـارة فكريـة عن سـابقه‪ ،‬لكنه أقرب للقلب‬ ‫وال يأخـذ أفـكار مبدعـه بجديـة زاعقـة‪ ،‬بـل‬ ‫يظـل يحـوي‬ ‫إنـه وبرغـم نزعتـه السـاخرة ّ‬ ‫تعاطفـ ًا دفين ًا مع حالة الضعف اإلنسـاني‪،‬‬ ‫إنه يجعلنا نضحك على أنفسنا بد ًال من أن‬ ‫نبكي‪ ،‬فهو التطبيق المثالي لما قاله الكاتب‬ ‫البريطانـي «أوسـكار وايلـد»‪« :‬إذا أردت أن‬ ‫تقـول الحقيقة للناس فاجعلهم يضحكون‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وإل فسـوف يقتلونـك»‪.‬‬ ‫هنـا تكمـن أهميـة وودي آلـن الحقيقيـة‬ ‫ونعـرف لمـاذا هو النسـخة األكثـر مرح ًا من‬ ‫كامـو وسـارتر‪ ،‬كمـا قـال موريـس‪ ،‬وأنـه‬ ‫ليـس مجـرد صانـع أفلام‪ ،‬بـل ظاهـرة‬ ‫ثقافيـة بامتيـاز‪ .‬هنـا أيضـ ًا يتجلّـى السـبب‬ ‫الذي جعل موريس يقول إن رابطة الفالسفة‬ ‫األميركييـن كانـت لتعطـي آلـن تمثـا ًال مـن‬ ‫تحمـل نفقـات‬ ‫الذهـب لـو كانـت قـادرة علـى ُّ‬ ‫الذهـب‪ ..‬فمـا مـن أحـد قـادر علـى قيادتنـا‬ ‫ثـم ضربنا‬ ‫نحـو حافـة هاويـة الكون‪ ،‬ومن ّ‬ ‫بدعابـة تجعـل من األمر محتمالً‪ ،‬بل وقابع ًا‬ ‫فـي الذاكـرة مثلمـا يفعـل‪ .‬وربمـا هـو نفـس‬ ‫السبب الذي جعل أشهر نقاد السينما «روجر‬ ‫إيبيـرت» ال يتوقّـف عـن وصـف آلـن بالكنز‬ ‫الـذي حظـت بـه السـينما األميركية‪.‬‬ ‫‪137‬‬ ‫‪137‬‬


‫رحيل‬

‫رحيل مارك ريبو‪:‬‬

‫العني‬

‫التي و َّثقت‬

‫القرن الـ‪20‬‬ ‫باريس‪ :‬عبد الله كرمون‬

‫يبو‪MARC -‬‬ ‫هذا الصيف‪ ،‬رحل «مارك ِر ُ‬ ‫‪ »RIBOUD‬الفنّان الفوتوغرافي الفرنسي‪،‬‬ ‫األول‪ ،‬ومـن طينـة‬ ‫وهـو رائـد مـن الرعيـل َّ‬ ‫األفذاذ أيضاً‪.‬‬ ‫ُوِلـد ريبـو سـنة ‪ ،1923‬فـي بلـدة سـان‬ ‫جونـس الفـال‪ ،‬على مقربة من مدينة ليون‬ ‫في منطقة الرون الفرنسـية‪ ،‬تحديداً‪ .‬كانت‬ ‫عائلتـه ميسـورة الحـال؛ مـا شـجعه علـى‬ ‫مواصلة دراسته إلى أن حصل على دبلوم‬ ‫في الهندسـة‪.‬‬ ‫كانت آلة التصوير التي أهداها له والده‬ ‫سـنة ‪ ،1937‬وهو ابن الرابعة عشـرة‪ ،‬هي‬ ‫التي فتحت أمامه آفاق الحلم والخيال‪ ،‬وقد‬ ‫حرضته‪ -‬بالفعل‪ -‬فيما بعد‪،‬‬ ‫تكون هي التي َّ‬ ‫علـى العصيـان والمغامرة‪ ،‬إلى أن انفتحت‬ ‫للتوغـل فـي مجاهل‬ ‫لـه مسـاحات شاسـعة‬ ‫ُّ‬ ‫المخاطر‪.‬‬ ‫مهمان‪ ،‬في حياة ريبو‪َ ،‬ح َس َـما‬ ‫موقفـان‬ ‫ّ‬ ‫أولهمـا التحاقه بالمقاومة‬ ‫طبعـه العاصي‪َّ :‬‬ ‫الفرنسـية ضـّد األلمـان‪ُ ،‬قَبيل انتهاء الحرب‬ ‫العالميـة الثانيـة‪ ،‬علـى غيـر رضـا أهلـه‪،‬‬ ‫وثانيهمـا مغـادرة عملـه‪ ،‬فـي مصنـع‪ ،‬إلـى‬ ‫شـكال خيبة أمل لدى‬ ‫غيـر رجعـة‪ .‬الموقفان َّ‬ ‫اآلخرْين اللذين قطعا‪،‬‬ ‫أخوْيه‬ ‫أهله‪ ،‬بعكس َ‬ ‫َ‬ ‫متميزاً‪ ،‬فجان‬ ‫ٌّ‬ ‫مهني ًا ّ‬ ‫كل من ناحيته‪ ،‬مشوارًا ّ‬ ‫ريبو اشتغل في الحقل الصناعي‪ ،‬بينما كان‬ ‫المؤسـس الفعلـي لشـركة «دانـون»‬ ‫أنتـوان‬ ‫ِّ‬ ‫الشهيرة‪.‬‬ ‫‪138‬‬

‫لكن آلة التصوير‪ ،‬والصورة‪ ،‬ومشـاهد‬ ‫الخلبة‪َ ،‬أ ْغ َوت مارك ريبو‪ ،‬فانطلق‬ ‫الحياة ّ‬ ‫حرًا في عالم الفوتوغرافيا‪ .‬وكانت الصورة‬ ‫ّ‬ ‫األولـى التـي ُعـرف بهـا‪ ،‬والتـي ماتـزال من‬ ‫صبـاغ بـرج‬ ‫أيقونـات فنّـه‪ ،‬هـي صـورة ّ‬ ‫إيفـل‪ .‬فكمـا هـو معـروف‪ُ ،‬تعـاد صباغـة‬ ‫محـددة‪ ،‬وفـي‬ ‫حديـد بـرج إيفـل ّ‬ ‫كل فتـرة َّ‬ ‫يتـم ذلـك بلـون صباغـة مختلـف‬ ‫ّ‬ ‫مـرة ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫الخاصـة بالبرج‪.‬‬ ‫عـن سـابقه‪ ،‬وبالطريقـة‬ ‫ّ‬ ‫الصبـاغ الـذي يشـبه راقصـ ًا علـى‬ ‫كان ذلـك ّ‬ ‫والمهمة‪ ،‬وقد‬ ‫األولى‬ ‫صورته‬ ‫الحبـل‪ ،‬بطـل‬ ‫ّ‬ ‫اعتـرف بنفسـه‪ ،‬فيمـا بعـد‪ ،‬بأنـه كان قلقـ ًا‬ ‫ومتوتـرًا وهـو يلتقطهـا‪ ،‬مـن خشـيته على‬ ‫ِّ‬ ‫الصبـاغ الـذي كان يتأرجـح علـى‬ ‫تـوازن‬ ‫ّ‬ ‫شـفا الهاويـة‪ ،‬وهـو يغـدو‪ ،‬ثـم يـروح بيـن‬ ‫غطـس آلتـه فـي إنـاء الصباغـة‪ ،‬وطالئـه‬ ‫أعمـدة البرج‪.‬‬ ‫ـن‬ ‫ف‬ ‫فـي‬ ‫أيقونـة‬ ‫الصـورة‬ ‫تلـك‬ ‫كانـت‬ ‫َّ‬ ‫التصويـر الفوتوغرافـي؛ وذلـك ألصالتها‪،‬‬ ‫ّيـة الرفيعـة‪ .‬وفاقـت طلعـة‬ ‫ولتقنيتهـا َ‬ ‫الفنّ‬ ‫َّ‬ ‫صباغها طلعات صور الفنّانين األفذاذ‬ ‫جمال ّ‬ ‫وب َّزْتهم في بريقها الجديد‪،‬‬ ‫السابقين كلّهم‪َ ،‬‬ ‫وإضافـة إلـى مـا لهذه الصـورة من‬ ‫األخـاذ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مرة‪-‬‬ ‫ل‬ ‫ألو‬ ‫االنتباه‪-‬‬ ‫أثارت‬ ‫فقد‬ ‫عالية‪،‬‬ ‫مزايا‬ ‫َّ ّ‬ ‫وخاصة بعدما ُنشرت في‬ ‫إلى مارك ريبو‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ثم‪ ،‬سـيبدأ مارك ريبو‬ ‫ومن‬ ‫مجلّة «اليف»‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫فعلـي‪ ،‬و‪ -‬تحديـداً‪-‬‬ ‫بشـكل‬ ‫ّـي‬ ‫الفن‬ ‫مشـواره َ‬ ‫ّ‬ ‫عندمـا اسـتدعاه كارتيـه بريسـون‪ ،‬أحـد‬

‫ينضم إلى‬ ‫ـن الفوتوغرافـي‪ ،‬كي‬ ‫عمالقـة َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ّ‬ ‫كوكبـة وكالة ماغنوم للتصوير الصحافي‪.‬‬ ‫تجاهل‬ ‫وال يمكـن‪ّ -‬‬ ‫بـأي حـال مـن األحـوال‪ُ -‬‬ ‫كون هذا االعتراف بتلميذ مبتدئ‪ ،‬من طرف‬ ‫فنّان كبير‪ ،‬من طراز كارتيه بريسون‪ ،‬لعب‬ ‫الفنّي‪.‬‬ ‫مهمـ ًا فـي مسـتقبل مارك ريبـو َ‬ ‫دورًا ّ‬ ‫فلا ّ‬ ‫شـك فـي أن ريبـو تلقّـى‪ ،‬فـي وكالـة‬ ‫ماغنـوم‪ ،‬توجيهـات المعلِّـم‪ ،‬والتي لم تكن‬ ‫دائم ًا حريرًا على حرير‪ ،‬فكارتيه بريسـون‬ ‫(كمـا ُعـرف عنـه) كان قاسـي ًا فـي أحكامـه‪،‬‬ ‫وشـديد البأس فـي توجيهاته‪.‬‬ ‫عـاش ريبـو‪ -‬إذاً‪ -‬خلال تلـك الفتـرة‬ ‫الباريسـية األولـى‪ ،‬فـي رعايـة كارتيـه‬ ‫بريسون‪ ،‬وروبير كابا‪ ،‬اللذين تأثَّر بهما َّأيما‬ ‫تأثُّـر‪ ،‬وأنجـز‪ -‬وقتئـذ‪ -‬صوره الباريسـية‪،‬‬ ‫في نوتردام‪ ،‬وليهال‪ ،‬والباسـتيل‪ .‬وبعدما‬ ‫قضـى زمنـ ًا يسـيرًا فـي أحضـان ماغنـوم‪،‬‬ ‫وضمن االنتماء إليها‪ ،‬بل َّ‬ ‫ترأ َسـها‪ ،‬أواسـط‬ ‫َ‬ ‫مـر ًة أخرى‪-‬‬ ‫أنصـت‪-‬‬ ‫لزمـن‪،‬‬ ‫السـبعينيات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المتمرد‪ ،‬وأذعن إلغراءاته‬ ‫لصوتـه الداخلي‬ ‫ِّ‬ ‫بالسفر والخروج‪ .‬وكانت وجهة مارك ريبو‬ ‫وصـور‬ ‫بلاد الهنـد‪ ،‬فمشـى فـي مناكبهـا‬ ‫ّ‬ ‫حب المغامرة والسـفر‬ ‫أهلهـا‪ ،‬وأضـاف إلى ّ‬ ‫صـوره الصحافيـة التـي تنطـق عـن واقـع‬ ‫تلـك األصقـاع‪َّ .‬اتجـه ريبو‪ ،‬فيمـا بعد‪ ،‬إلى‬ ‫المفضـل خلال‬ ‫سـتظل بلـده‬ ‫الصيـن‪ ،‬التـي‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫عقـود‪ ،‬فالصـور التـي أنجزهـا‪ ،‬فـي أحيـاء‬ ‫تنـم عـن عشـق للمدينـة‬ ‫المـدن الصينيـة‪ّ ،‬‬ ‫ض َّـم‬ ‫الصينيـة‪ ،‬بمختلـف مظاهرهـا‪ .‬وقـد َ‬ ‫كتابه «مشاهد من الصين» الذي نشره سنة‬ ‫قصَد‬ ‫‪ ،1981‬عـددًا مـن الشـواهد ّ‬ ‫الحيـة‪ .‬كما َ‬ ‫سـماه‬ ‫صور‬ ‫اليابـان‪ ،‬وأصـدر حولـه كتاب‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫«نسـاء اليابان»‪ ،‬سـنة ‪ ،1951‬وزار الهونغ‬ ‫كونـغ قبـل أن يقلع إلـى الفيتنام‪ ،‬فكان من‬ ‫تمكنوا‬ ‫المصورين‬ ‫الصحافيين القالئل الذين َّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫مـن الدخـول إلـى الفيتنـام خلال الحـرب‪.‬‬ ‫وقـد حمـل كتابـه عن شـمال الفيتنـام صور‬ ‫تلـك الفتـرة‪ ،‬تحـت عنـوان «وجـوه فيتنـام‬ ‫الشـمالية»‪ ،‬وذلـك سـنة ‪.1971‬‬ ‫ال نغالي إذا قلنا إنه ما من بلد ّإل وطَئْته‬ ‫َقَدمـا مـارك ريبـو‪ :‬مـن آسـيا إلـى إفريقيـا‪،‬‬ ‫إلـى أميـركا‪ ،‬ومـن إنجلتـرا إلـى روسـيا‪...‬‬ ‫ـج بهـا عالـم‬ ‫فهـو َّ‬ ‫يتتبـع األحـداث التـي َع ّ‬ ‫القـرن العشـرين‪ ،‬مـن شـمال األرض إلـى‬ ‫جنوبها‪ .‬وال غرو أن إحدى صوره المشهود‬ ‫بهـا‪ -‬إن لـم نقـل أشـهرها علـى اإلطلاق‪ -‬قد‬ ‫المتحـدة األميركيـة‪،‬‬ ‫التقطهـا فـي الواليـات َّ‬ ‫و‪ -‬بالتحديـد‪ -‬فـي العاصمـة واشـنطن‪،‬‬

‫أمـام مبنـى البنتاغـون‪ّ ،‬إبـان التظاهـرة‬ ‫المعروفـة ضـّد الحـرب فـي الفيتنـام‪ ،‬سـنة‬ ‫وتعـرف الصـورة بـ«الفتـاة حاملـة‬ ‫‪ُ ،1967‬‬ ‫الزهـرة»‪ ،‬تظهـر فيهـا فتـاة مبتسـمة تحمـل‬ ‫قوات‬ ‫فـي يدهـا زهـرة‪ ،‬فـي مواجهة بنـادق ّ‬ ‫المصوبة من طرف وجوه صادمة‪،‬‬ ‫القمع‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫حازمـة وصارمـة‪ُ .‬ع َّـدت هـذه الصورة‪ ،‬من‬ ‫حينها‪ ،‬مثا ًال استثنائي ًا لرمز نشدان السالم‬ ‫والتعطش‬ ‫وحقـن الـدم ضـّد زبانيـة العنـف‬ ‫ُّ‬ ‫إلـى إراقـة الدماء‪.‬‬ ‫يتعـرف ريبـو‪ ،‬فيمـا بعـد‪ ،‬إلـى‬ ‫سـوف‬ ‫َّ‬ ‫الفتـاة الحاملـة للزهـرة‪ ،‬والتـي تدعى جان‬ ‫روز كسمير‪ ،‬التي تناضل من أجل السالم‪،‬‬ ‫تيارات تبنَّـت ذلك الخيار حينها‪،‬‬ ‫فـي إطـار ّ‬ ‫بينمـا كانـت أميـركا منخرطـة فـي جبهـات‬ ‫حـرب عديـدة عبـر العالم‪.‬‬ ‫سيتحّدث‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬بإسهاب‪،‬‬ ‫كما أنه‬ ‫َ‬ ‫عن مالبسـات التقاطه لتلك الصورة‪ ،‬عقب‬ ‫نهايـة إحـدى المظاهـرات المعاديـة للحـرب‬ ‫ويبرر كونه صاحب السـبق‬ ‫على الفيتنام‪ِّ ،‬‬ ‫فـي أخـذ تلـك الصورة‪ ،‬التـي كانت بالغتها‬ ‫ومبتكـرة حينهـا‪ ،‬إذ ْادَلَه ّـم‬ ‫الجريئـة جديـدة‬ ‫َ‬ ‫الظلام‪ ،‬ولـم يعـد المتظاهـرون سـوى قلّـة‬ ‫قليلـة‪ ،‬بينمـا راح الجميع في سـبيلهم‪.‬‬ ‫كل حال‪ -‬من‬ ‫ستظل تلك الصورة‪ -‬على ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمؤكـدة لموهبـة مارك‬ ‫المعبـرة‪،‬‬ ‫الصـور‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫الفعلي في قضايا السـلم‬ ‫والنخراطه‬ ‫ريبو‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫العـام حـول مصيـر‬ ‫والسلام‪ ،‬فـي نضالـه‬ ‫ّ‬ ‫اإلنسانية‪.‬‬ ‫يتخـل‪،‬‬ ‫يمكـن القـول إن مـارك ريبـو لـم‬ ‫ّ‬ ‫مصورًا مسـافراً‪،‬‬ ‫يومـاً‪ ،‬عن َقَدره‪ ،‬بوصفه‬ ‫ِّ‬ ‫وأبَلـت‬ ‫والموانـئ‪،‬‬ ‫فقـد تقاذفتـه المطـارات‬ ‫ْ‬ ‫أحذيَتـه الطرقـات‪ ،‬بما فيها طرقات الحياة‪.‬‬ ‫وليس من الصدفة المحضة أن يصدر‪ ،‬سنة‬ ‫«محطات‬ ‫ص َور تحت عنوان‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،1983‬كتاب ُ‬ ‫وقطـارات»‪ .‬فمـن روسـيا إلـى كوبـا‪ ،‬حيـث‬ ‫التقى بالزعيم فيديل كاسـترو‪ ،‬الذي التقط‬ ‫له صورة مشـهورة‪ -‬أيضاً‪ -‬في أحد فنادق‬ ‫هافانا‪.‬‬ ‫ويجـدر بالذكـر أنـه أقيـم فـي الفتـرة مـن‬ ‫‪ 24‬أغسـطس إلـى ‪ 11‬سـبتمبر معـرض‬ ‫«فيـزا مـن أجـل الصـورة»‪ ،‬المبرمـج ضمـن‬ ‫المهرجـان الدولـي للصـورة الصحافيـة فـي‬ ‫مدينـة بيربينيـون جنـوب فرنسـا‪ُ ،‬عـرض‬ ‫فيـه الصـور التـي التقطها مارك ريبو سـنة‬ ‫‪ 1963‬في كوبا عند لقائه بفيديل كاسترو‪...‬‬ ‫ُي َعّد مارك ريبو فنّان ًا أصيالً‪ ،‬ومشروعه‬ ‫ال ينفصل عن أسـفاره وقناعاته‪ .‬ذكر يوم ًا‬

‫بأنه يعرف أساليب فنّانين آخرين‪ ،‬لكنها‪،‬‬ ‫ال تكمن‪ ،‬في نظره‪ ،‬في طرائق تصويرهم‪،‬‬ ‫حيثيـات عيشـهم؛ ذلك‬ ‫وتقنياتهـا‪ ،‬بـل فـي ّ‬ ‫جيـدة‪ ،‬امتلاك‬ ‫صـور‬ ‫أنـه‪« :‬يلـزم‪ ،‬إلنجـاز‬ ‫ِّ‬ ‫جيـدة»؛ وذلـك كنايـة عـن المشـي‬ ‫أحذيـة ِّ‬ ‫يترصـد مناسـبات‬ ‫الـذي‬ ‫ّـان‬ ‫ن‬ ‫للف‬ ‫الملازم‬ ‫َّ‬ ‫صـوره‪ ،‬ويطاردها‪.‬‬ ‫تحـدث مـارك ريبو‪ ،‬مـراراً‪ ،‬عن خجله‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫دواء‬ ‫وعن التصوير الفوتوغرافي‪ ،‬بوصفه ً‬ ‫النطوائه‪ ،‬ألم يقل له والده قبل أن يرحل‪،‬‬ ‫سـنة ‪« :1939‬مـا دمـت عاجـزًا عـن الـكالم‬ ‫والتبصر؟»‪.‬‬ ‫والمحادثة‪ ،‬فقد تحسـن النظـر‬ ‫ُّ‬ ‫مـن هنـا‪ ،‬كانـت العيـن هي الجسـر الذي‬

‫بات يعبر منه إلى الحياة‪ ،‬صامتاً‪ ،‬منعزالً‪،‬‬ ‫المكتظـة‪،‬‬ ‫ـاء ووحيـداً‪ ،‬هاجـرًا األماكـن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مش ً‬ ‫ظـل متشـبث ًا‬ ‫لا الصمـت‬ ‫والتأمـل‪ .‬فقـد ّ‬ ‫مفض ً‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫بآلته الفوتوغرافية حتى اللحظة األخيرة‪،‬‬ ‫يقو‬ ‫مثلمـا كان ويليـس رونيـس‪ ،‬عندمـا لم َ‬ ‫يطل من نافذته في أعالي بيل‬ ‫على المشي‪ّ ،‬‬ ‫فيل الباريسية‪ ،‬ناظرًا إلى األزقّة والكائنات‬ ‫ص َّورها‪.‬‬ ‫التـي طالما َ‬ ‫حـب النـاس واألماكن في نفس‬ ‫لقـد وقـر ّ‬ ‫مارك ريبو إلى األبد؛ أليس هو القائل بنوع‬ ‫يحبـون‬ ‫مـن المفارقـة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫«أحـب النـاس الذيـن ّ‬ ‫أحب القطط»!؟‪.‬‬ ‫القطـط‪ ،‬لكنني ال ّ‬ ‫‪139‬‬


‫معارض‬

‫مبادرة جماعيــة خلّاقة‪ ،‬التأم فيها فنانون‬ ‫تشــكيليون في بغداد‪ ،‬مــن خالل عرض‬ ‫ليوم واحد داخل أحــد المجمعات في منطقة‬ ‫أُقيم‬ ‫ٍ‬ ‫الكرادة‪ ،‬وهو المكان الذي تعــرَّض للدمار حرق ًا جرّاء‬ ‫تفجير بسيارة ُمف ّ‬ ‫خخة‪ ،‬شهدته المنطقة في الثالث‬ ‫من شــهر يوليو‪/‬تموز المنصرم‪ .‬العرض أُقيم في ‪27‬‬ ‫أغسطس‪/‬آب‪ ،‬وحمل عنوان المكان ذاته «الكرادة»‪،‬‬ ‫ليعكس حجــم الفاجعة التي حدثت في الســاعة‬ ‫يــوم رمضاني‪ ،‬وراح ضحيته المئات‬ ‫الواحدة فجر ًا من‬ ‫ٍ‬ ‫من األهالي المتساكنين قرب مكان الحدث‪.‬‬

‫المكان ذاته‪« ..‬الكرادة» بغداد‬ ‫توثيق بصري مبثابة بيان‬ ‫رياض هاشم‬

‫ّيــ ًا ُمغايــرًا‬ ‫َّ‬ ‫شــكل العــرض حدثــ ًا َفنّ‬ ‫بامتيــاز‪ ،‬ليس من ناحية توثيق الحدث‬ ‫أو التعبير عنه باســتنكار مأســاويته‪...‬‬ ‫بــل لكونــه انطوى على مبادرة لم تألفها‬ ‫عديــد المعــارض التشــكيلية المقامــة فــي‬ ‫يتمســك فنانوهــا‪ ،‬غالباً‪،‬‬ ‫بغــداد‪ ،‬والتي ّ‬ ‫تخصصة‪.‬‬ ‫ّية ُم ّ‬ ‫بالعــرض داخل قاعات َفنّ‬ ‫فــي هــذا الصــدد‪ ،‬يمكــن التذكيــر بأنــه‬ ‫ثمــة حــذر اليــزال مالزم ًا للفنــان العراقي‬ ‫ّ‬ ‫فــي الداخــل‪ ،‬يتمثــل فــي التعاطــي مــع‬ ‫انشــغاالت معاصــرة عابــرة للتجنيــس‪،‬‬ ‫ســواء فــي اللوحــة المســندية‪ ،‬القطعــة‬ ‫الخزفيــة‪ ،‬أو العمــل النحتــي‪ ،‬بخــاف‬ ‫الفنانيــن العراقييــن المجايليــن مــن‬ ‫الذيــن هاجــروا إلــى بلــدان غربيــة‪ ،‬فكان‬ ‫تأثرهــم واضح ـ ًا بالمــدارس المعاصــرة‬ ‫ذات الصلــة باتجاهــات مــا بعــد الحداثة‪،‬‬ ‫المتنوعــة فــي طروحاتهــا وفلســفتها‬ ‫ّ‬ ‫الجماليــة‪.‬‬ ‫معــرض «الكرادة» كان ممارســة على‬ ‫ـوع ما بين‬ ‫انفتــاح تعبيــري وبصري‪ ،‬تنـّ‬

‫‪140‬‬

‫سعد القصاب‬

‫رؤية مفهومية‪ ،‬وتنصيبات‪ ،‬واستفادة‬ ‫مــن مــواد جاهــزة الصنــع‪ ،‬وعــروض‬ ‫أداء‪ ،‬وأعمــال مســندية‪ .‬انفتحــت خاللهــا‬ ‫الممارســات البصريــة والتصويريــة‪،‬‬ ‫علــى فضــاءات المــكان وحساســية‬ ‫مشــهده الواقعــي وآالمــه‪ ،‬كمــا فــي‬ ‫متضررة‬ ‫االســتفادة بما تبقى من أشــياء‬ ‫ِّ‬ ‫متروكــة بعــد الحــدث‪ .‬فجــوات الجدران‪،‬‬ ‫عدات‬ ‫خراطيــم ميــاه إلطفــاء الحرائــق‪ُ ،‬م ِّ‬ ‫وإكسســوارات لواجهــات محــات‬ ‫تجاريــة متضـ ِّـررة‪ ،‬مانيكانــات‪ ،‬مالبس‬ ‫محترقــة‪ُ ،‬دمــى أطفــال‪ ،‬صــور مختلفــة‬ ‫لضحايــا الحــادث‪ ،‬والفتــات نعــي‬ ‫ــت علــى جــدران المــكان‪ .‬جميعهــا‬ ‫ُعلَِّق ْ‬ ‫تممــة‬ ‫م‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫وجعله‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫عليه‬ ‫ـتغال‬ ‫ـ‬ ‫االش‬ ‫جــرى‬ ‫ُ ّ‬ ‫الفنّــي‬ ‫العــرض‬ ‫الشــتراطات‬ ‫ومكملــة‬ ‫َ‬ ‫وبنيتــه‪ .‬خيــار يهدف إلى خلق مقاربات‬ ‫تعبيرية وتصعيد أثرها الدرامي وتبليغ‬ ‫داللتهــا الرمزيــة‪ ،‬وتحميلهــا اســتجابات‬ ‫وبواعــث شــعورية ونفســية‪ُ ،‬تعـ ِّـزز مــن‬ ‫أثــر التحــّدي واســتنكار هــذه الجريمــة‬

‫رضا فرحان‬

‫ورفــض فعلهــا اإلرهابــي‪.‬‬ ‫كل مــن الفنانيــن وضــاح مهــدي‬ ‫ق ـّدم ّ‬ ‫ومحمــد مسـّـير وهــادي ماهــود لوحــات‬ ‫مســندية‪.‬‬ ‫(تخــرج فــي كليــة‬ ‫مهــدي‬ ‫وضــاح‬ ‫ّ‬ ‫الفنــون الجميلــة‪ ،‬جامعــة بغــداد عــام‬ ‫كل‬ ‫‪ ،2000‬ولــه معــارض جماعيــة فــي ّ‬ ‫مــن‪ ،‬بغداد‪ ،‬دمشــق‪ ،‬الدوحة‪ ،‬القاهرة‪،‬‬ ‫واشــنطن وكاليفورنيــا) اســتخدم فــي‬ ‫عملــه المشــارك الكــوالج «التلصيــق» في‬ ‫لوحتــه‪ ،‬عبــر لصــق مــا تبقّى من مالبس‬ ‫ألطفــال‪ ،‬ومعالجــة قماشــتها باللــون‬ ‫تنوعــات نســيجها‬ ‫األبيــض مبقيـ ًا بعــض ّ‬ ‫األصلــي بزخارفــه وصبغتــه اللونيــة‬ ‫المختلفــة‪ ،‬مــا منح عملــه تنويع ًا بصري ًا‬ ‫زاهيـاً‪ ،‬توافقــت حساســية معالجتــه مع‬ ‫رهافــة الطفولــة بمعناهــا اإلنســاني‪.‬‬ ‫هــادي ماهــود (لــه معــارض جماعيــة‬ ‫فــي بغــداد‪ ،‬دمشــق‪ ،‬شــيكاغو ولنــدن)‬ ‫حملــت لوحتــه المشــاركة ُبعــدًا رمزيــ ًا‬ ‫مباشــراً‪ ،‬يتجلّــى بتعليــق قماشــة‬

‫وتوزعت‬ ‫بيضــاء‪ ،‬أحــدث فيهــا خروقـاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫علــى مســاحتها عبــارة «بــدون تعليــق»‬ ‫باللّغــة العربيــة‪ ،‬إضافــة الــى تكرار هذه‬ ‫العبــارة بـــ ‪ 22‬لغــة أجنبيــة‪ ،‬وباللونين‬ ‫األحمــر واألســود‪ ،‬وهــو تمثيــل للــون‬ ‫الــدم والحرائــق‪ .‬تداخلــت هــذه الكلمــات‬ ‫توزعــت بشــكل‬ ‫مــع مســاحات لونيــة َّ‬ ‫عفــوي لتشــغل ســطح القماشــة‪ ،‬فيمــا‬ ‫توزعــت‬ ‫امتــد أســفلها تابــوت خشــبي‪َّ ،‬‬ ‫بيــن جنباتــه شــموع مشــتعلة تعبيــرًا‬ ‫عــن المــآل الــذي أحدثتــه هــذه الفاجعــة‬ ‫باإلنســان العراقــي‪.‬‬ ‫كمــا جــاءت لوحة الفنان محمد مسـّـير‬ ‫(مواليد البصرة ‪ )1963‬حاملة للمعالجة‬ ‫الرمزيــة نفســها‪ ،‬وبصياغــة تشــخيصية‬ ‫تجســدت في‬ ‫ال تخلــو مــن أداء تعبيــري‪َّ ،‬‬ ‫رســمه طيــورًا محلِّقــة تشــغل منتصــف‬ ‫اللوحــة فــي جانبهــا العلــوي‪ ،‬فيمــا‬ ‫تكّدســت فــي أســفل اللوحــة أشــكال‬ ‫لعجــات دراجــات هوائيــة‪ ،‬وهــي‬ ‫صــورة تســتعيد ولعــ ًا طفوليــاً‪ ،‬لكــن‬

‫عفراء خالد‬

‫وتعبــر عنــه نــار‬ ‫فــي واقــع يحتــرق‬ ‫ّ‬ ‫صغيــرة تندلــع بالقــرب مــن العجــات‪.‬‬ ‫المشــهدية مباشــرة فــي توصيفاتهــا‪،‬‬ ‫وتمثــل موقــف الفنــان الصريــح تجــاه‬ ‫فعــل االعتــداء الــذي تعـّـرض لــه األطفــال‬ ‫مســير فــي كليــة‬ ‫فــي تفجيــر الكــرادة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الفنــون الجميلــة‪ ،‬جامعــة بغــداد عــام‬

‫‪ ،1990‬بعدهــا توالــت مشــاركاته فــي‬ ‫معــارض جماعيــة بالعــراق تخلَّلهــا‬ ‫معرضــه الشــخصي األول ببغــداد عــام‬ ‫‪ 2004‬والثانــي فــي عمــان عــام ‪.2011‬‬ ‫رياض هاشم‪ ،‬حاصل على ماجستير‬ ‫ـن‪ ،‬كلية الفنــون الجميلة‪،‬‬ ‫فــي تاريــخ َ‬ ‫الفـّ‬ ‫جامعــة بابــل‪ ،‬ولــه خمســة معــارض‬

‫‪141‬‬


‫كريم السعدون‬

‫ال‬ ‫شــخصية راكمها منذ العــام ‪ ،1992‬فض ً‬ ‫عــن مشــاركات فــي معــارض جماعيــة في‬ ‫كل من بغداد‪ ،‬عمان‪ ،‬فانكهوفر وكولونيا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فــي مشــاركته بمعــرض الكــرادة‪ ،‬اختــار‬ ‫عنوانــ ًا دا ًال لعلّــه يكــون صــدى ممتــّدًا‬ ‫«كل ضحايــا‬ ‫ينطلــق مــن هــذا الحــدث؛ ّ‬ ‫العالــم هــو أنــا» عنــوان عملــه الــذي قـّدم‬ ‫فيه صورته الشخصية في عمل تنصيبي‬ ‫ـخ عديــدة لصــورة واحــدة‬ ‫ـون مــن ُنسـ ٍ‬ ‫يتكـّ‬ ‫باللونين األبيض واألســود‪ ،‬وبمعالجات‬ ‫طباعيــة متباينــة فــي صوريتهــا‪ ،‬وفيمــا‬ ‫الصــور متدليــة بواســطة خيــوط ُمعلَّقــة‬ ‫فــي ســقف المــكان تبــدو حالة التكــرار في‬ ‫هــذا العمــل عاكســة لكونيــة األلــم‪ ،‬فهــو‬ ‫ذاتــه فــي أي مــكان وفــي أي زمــان فــي‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫وفــي مقاربــة أدائيــة قــّدم النحــات‬ ‫المكــون‬ ‫رضــا فرحــان عملــه التركيبــي‬ ‫ّ‬ ‫مــن دميــة طفل بريئة‪ ،‬تســتند إلى أجزاء‬ ‫مــن صندوق خشــبي متضـ ِّـرر ومحترق‪،‬‬ ‫تحلــق فــوق الدميــة طيــور ســوداء‬ ‫فيمــا ِّ‬ ‫توحــي بمحاولــة االعتــداء واختطــاف‬ ‫الدميــة‪ .‬وينضــم هذا العمل‪ ،‬إلى المنحى‬ ‫الرمــزي الــذي ُتحيل إليــه غالبية األعمال‬ ‫ض ْت في هذه المناســبة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ّيــة التــي ُعِر َ‬ ‫الفنّ‬

‫‪142‬‬

‫وضاح مهدي‬

‫هادي ماهود‬

‫والتــي تمحــورت حــول غــرض التبليــغ‬ ‫عــن رســالة وخطاب مباشــر علــى الرغم‬ ‫ـوع المــواد المســتخدمة فــي هــذه‬ ‫مــن تنـ ُّ‬ ‫األعمــال‪ .‬ورضــا فرحــان مــن مواليــد‬ ‫بغــداد ‪ ،1955‬تخـ َّـرج فــي كليــة الفنــون‬ ‫الجميلــة‪ ،‬جامعــة بغــداد عــام ‪ ،1998‬له‬ ‫كل‬ ‫مشــاركات فــي معــارض جماعيــة في ّ‬ ‫مــن بغــداد‪ ،‬دمشــق‪ ،‬دبــي‪ ،‬بيــروت‪،‬‬ ‫عمــان‪ ،‬إســطنبول‪ ،‬باريــس ولنــدن‪،‬‬ ‫وحاصــل علــى جائزة «إســماعيل فتاح‪،‬‬ ‫الواســطي» للنحــت‪.‬‬

‫محمد مسير‬

‫الفنــان كريــم الســعدون‪( ،‬مواليــد‬ ‫بغــداد عــام ‪ ،1959‬حاصــل علــى‬ ‫ماجســتير فنــون تشــكيلية مــن كليــة‬ ‫كل‬ ‫الفنــون ولــه معــارض جماعيــة فــي ّ‬ ‫مــن تونــس‪ ،‬عمــان‪ ،‬القاهــرة‪ ،‬باريــس‪،‬‬ ‫بلغــراد‪ ،‬مدريــد‪ ،‬وحاليـ ًا يعيــش ويعمل‬ ‫في الســويد منذ العام ‪ ..)2002‬اســتعار‬ ‫فــي مشــاركته بالمعــرض خرطوميــن‬ ‫إلطفــاء الحرائــق‪ ،‬لتشـّـييد مشــهد بصري‬ ‫شــديد االختــزال‪ ،‬بحيــث جعــل الخرطوم‬ ‫األول ُمعلَّقًــا علــى جــدار متضـ ِّـرر بفعــل‬

‫حريــق‪ ،‬فيمــا الثانــي مرميــ ًا علــى‬ ‫األرض‪ ،‬وقــد اعتمــد فــي تكويــن هــذه‬ ‫المفارقــة علــى مــادة جاهــزة الصنــع‪،‬‬ ‫يقتــرح خاللهــا توصيــف حــدث واقعــي‪،‬‬ ‫يتجـ َّـرد بشــكل تــام مــن أشــياء تفصيليــة‬ ‫أخــرى‪ ،‬مكتفيـ ًا علــى االنفتــاح عبــر هــذه‬ ‫االســتعارة المبســطة والكثيفــة‪ ،‬علــى‬ ‫حساســية تأويليــة للمشــهد وقراءتــه‬ ‫بــدالالت متعـ ِّـددة‪ .‬ونجــد الرؤيــة نفســها‬ ‫(تخرجت‬ ‫تمارســها الفنانــة عفــراء خالد‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فــي كليــة الفنــون الجميلــة عــام ‪،1992‬‬

‫وتوالت بعدها مشــاركاتها في المعارض‬ ‫الجماعيــة فــي بغــداد) وذلــك‪ ،‬بخلــق‬ ‫عالقــة تركيبيــة مــا بيــن ِدالء مــاء ُمعلَّقــة‬ ‫ـتخدم إلطفــاء الحرائق‪ ،‬واســتحضار‬ ‫تسـ َ‬ ‫خراطيم مياه شــفافة تمتد على األرض‪،‬‬ ‫يتدفــق منهــا ســائل أحمــر‪ ،‬فــي داللــة‬ ‫واضحــة علــى دمــاء ضحايــا الحــادث‬ ‫التــي ُأريقــت تحــت ســقف المــكان ذاتــه‪.‬‬ ‫حملــت أعمــال الفنانيــن اآلخريــن‬ ‫المشــاركين فــي العرض‪ ،‬نفس الرســالة‬ ‫االحتجاجيــة‪ ،‬وإن اختلفــت األســانيد‬

‫واألســاليب المعتمــدة فــي إيصــال هــذه‬ ‫الرســالة‪ .‬حليــم قاســم‪ ،‬ضحــى الكاتب‪،‬‬ ‫مــازن المعمــوري‪ ،‬محمــد القاســم‪ ،‬محمد‬ ‫ديجــان‪ ،‬ناديــة فليــح‪ ،‬هنــاء مــال اهلل‪..‬‬ ‫انضمــوا إلــى هــذا العــرض مــن خــال‬ ‫أعمــال تســتعيد ذكــرى أو موقفـ ًا واقعيـ ًا‬ ‫أو قصــة مــا عــن الحــدث‪ .‬وكان خطــاب‬ ‫الفنانيــن فــي عرضهــم نص ـ ًا بليغ ـ ًا عــن‬ ‫تضامنهم اإلنساني مع عائالت الضحايا‬ ‫ورفضهــم للبشــاعة التــي ولَّدهــا الحــدث‬ ‫المأســاوي بمنطقــة الكــرادة فــي بغــداد‪.‬‬

‫‪143‬‬


‫مدن‬

‫عبد العزيز المقالح‬

‫حنين‬ ‫إلى دمشق‬

‫المؤرخين‪ ،‬وسـواء كانـت األقدم أم‬ ‫هكـذا يكتـب عنهـا بعض‬ ‫ِّ‬ ‫واحـدة مـن المـدن األقـدم علـى وجـه البسـيطة فالثابـت أنهـا‬ ‫وعاء للحضارات‬ ‫كانت حديث العالم عندما اّتسع قلبها ليكون‬ ‫ً‬ ‫المتعاقبـة‪ ،‬وكان آخـر تلـك الحضـارات وأهمهـا الحضـارة‬ ‫تطور في الفكر‬ ‫العربيـة اإلسلامية ّ‬ ‫بـكل ما وصلت إليه مـن ُّ‬ ‫والعلوم والفنون واآلداب‪ ،‬وبما شكلَّته من حضور سياسي‬ ‫علـى مسـتوى العالـم القديـم‪ .‬وإذا كانت دمشـق في زمن من‬ ‫التوسط بين الشرق والغرب وإليها‬ ‫األزمان قد شكلَّت قاعدة‬ ‫ُّ‬ ‫ينتهي طريق الحرير القادم من الشرق ومنها يبدأ طريقه إلى‬ ‫الغرب فقد َظّل نشاطها التجاري والصناعي قائم ًا حتى بعد‬ ‫وتحـول طريق الحرير‬ ‫اكتشـاف طريـق «الرجـاء الصالـح»‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫محـل القوافل سـواء في طريقها‬ ‫إلـى البحـر‪ ،‬وحلّـت السـفن ّ‬ ‫إلى الشرق أم الغرب وهي رحالت لم تحمل إلى الشرق في‬ ‫أسـوأ فترات التواصل‪ -‬غير الحميم‪ -‬سـوى جنود االحتالل‬ ‫ومـا يمثِّلونـه مـن قـوة عدائيـة ورغبـة فاضحـة فـي السـلب‬ ‫مؤرخي هـذه المدينة العربية «أن‬ ‫والنهـب‪ .‬ويـرى واحـد من ِّ‬ ‫طل عليها قبل‬ ‫«قاسـيون»‬ ‫جبل‬ ‫سـكانها األقدمين سـكنوا‬ ‫الم ّ‬ ‫ُ‬ ‫أن يسـكنوها وأنهـم عاشـوا أجيـا ًال طويلـة مـن الزمـن حتى‬ ‫كثـروا وتناسـلوا وارتقـت معارفهـم وتجاربهـم فهبطـوا إلى‬ ‫السـهل البسـيط أسفله وأنشأوا مدينتهم دمشق»‪.‬‬ ‫لسـت معنيـ ًا فـي هـذا التطواف العابر عـن المدينة بتفاصيل‬ ‫التاريخ وما كانت عليه دمشق القديمة قدر اهتمامي بدمشق‬ ‫الحديثة المعاصرة التي تنتشي الروح لمرآها‪ ،‬وتلتذ العين‬ ‫والوجدان بالطواف غير الممل في شوارعها وأزقتها وأحيائها‬ ‫القديمـة كالصالحيـة وباب توما وسـوق الحميدية الشـهير‪،‬‬ ‫ال عن زيارة غوطتها األشهر التي كانت حتى ذلك الحين‬ ‫فض ً‬ ‫‪144‬‬

‫(زمـن زيارتـي األولـى ‪ )1965‬ممتّدة أميا ًال تتخللها المطاعم‬ ‫توسعت واستولت‬ ‫والمتنزهات‪ .‬ولم تكن دمشق‪ -‬يومئذ‪ -‬قد َّ‬ ‫على الجانب الكبير من الغوطة الظليلة‪ ،‬كما لم تكن األرياف‬ ‫قد مّدتها‪ -‬شأن بقية العواصم العربية‪ -‬بأقوام يفوقون عددًا‬ ‫سـكانها األصلييـن‪ ،‬إذ كانـت دمشـق قبـل توافدهم المتتابع‬ ‫أشبه ما تكون بواحة بديعة تنام في حضن جبل قاسيون‪،‬‬ ‫التمدد أن يصلوا إليه‬ ‫الذي لم يكن هو اآلخر قد سمح ألنصار ُّ‬ ‫ويتسلّقوا هضابه ويحاولوا طمس معالمه الجبلية وإخفاء‬ ‫ألوانه الطبيعية التي كانت مزيج ًا من االخضرار واالصفرار‪.‬‬ ‫كنـت أعـرف قبـل الدخـول إلـى دمشـق أنهـا سـتأخذني فـي‬ ‫رحلـة طويلـة عبـر الزمان والمكان لهذا فقد وضعت لنفسـي‬ ‫حدد‬ ‫خريطة طريق ِّ‬ ‫الم َّ‬ ‫تمكنني من اسـتغالل الوقت القصير ُ‬ ‫للزيارة في أن أرى أهم معالم هذه المدينة‪ ،‬وأن أتوقّف عند‬ ‫شكل نموذج ًا فريدًا في المعمار وفي‬ ‫أحيائها التاريخية التي ُت ِّ‬ ‫طريقة البناء التي تجعل نوافذ البيت تتجه نحو الداخل الذي‬ ‫تتوسطه حديقة ونافورة مياه ال ّ‬ ‫تكف عن الغناء الهامس‪،‬‬ ‫وقـد فضلّـت أن يكـون البـدء مـع الجامع األمـوي ذلك المعلم‬ ‫بكل ما احتوته ساحاته وأروقته‬ ‫التاريخي الذي يبهر زائره ّ‬ ‫الداخليـة مـن أعمـدة عاليـة وزخـارف ونقوش تأسـر العين‬ ‫بجدرانها الموشاة والمرصعة بآيات من القرآن الكريم بالخط‬ ‫كل مدينة عربية ذات‬ ‫الكوفي البديع‪ .‬ومن المعروف أن في ّ‬ ‫تاريـخ جامعـ ًا واحـدًا كبيراً‪ ،‬لكن الجامع األموي في دمشـق‬ ‫للتأمـل‪ ،‬وقد قال لي‬ ‫هـو أكثـر هـذه الجوامع إدهاشـ ًا وإثارة ُّ‬ ‫تعرضت عبر العصور لموجات‬ ‫أحد المصلين إن دمشـق قد َّ‬ ‫ومبـان وأسـوار‪ّ ،‬إل أنها‬ ‫قصـور‬ ‫تهدمـت َجّراهـا‬ ‫ٍ‬ ‫مـن الـزالزل َّ‬ ‫لـم تتـرك فـي الجامـع سـوى آثـار محـدودة وظلّـت قوائمـه‬

‫أمان بفضل متانة األحجار وأسـلوب البناء‪.‬‬ ‫ومحاريبه في ٍ‬ ‫تحظ مدينة عربية قديم ًا وحديث ًا بمثل ما حظيت به دمشق‬ ‫لم َ‬ ‫من اهتمام الشـعراءنظرًا لموقعها وما أسـبغه اهلل عليها من‬ ‫ٍ‬ ‫جمال طبيعي ُيضاف إليه جهد اإلنسـان وإبداعاته‪ .‬وعندما‬ ‫كنت طالب ًا في المتوسـطة (اإلعدادية) والحنين إلى دمشـق‬ ‫ينمـو وتتسـع آفاقـه مـن خلال مـا أوحـت بـه قصيـدة أميـر‬ ‫الشعراء أحمد شوقي ذات اإليقاع الرنان والموسيقى اآلسرة‬ ‫«آمنت باهلل واستثنيت جنته‪ ،‬دمشق روح وجنات وريحان»‪،‬‬ ‫وربمـا كانـت هـذه «الشـوقية» بدايـة لعشـرات القصائد التي‬ ‫هطلـت علـى دمشـق مـن شـعراء كثيريـن ينتمـون إلـى أكثر‬ ‫من ٍ‬ ‫جيل وأكثر من بلٍد عربي‪ ،‬وفي تلك الروائع الشعرية‪،‬‬ ‫القديم منها والحديث‪ ،‬ما يتغنّى بهذه المدينة أو يأسـى لما‬ ‫كان ينزل بها من كوارث طبيعية وبشرية‪ .‬ورغم أهمية ما‬ ‫أبدعه الشعراء العرب عن دمشق يبقى صوت شاعرها وابن‬ ‫ياسـمينها الشـاعر نزار قباني هو األقوى واألسـطع واألكثر‬ ‫وتمثلا لروح ذلك المكان وجمالياته‪:‬‬ ‫حضـورًا‬ ‫ً‬

‫كتب الله أن تكوني دمشق ًا‬ ‫التكوين‬ ‫بك يبدأ وينتهي‬ ‫ُ‬

‫علمينا فق َه العروبة يا شام‬

‫فـأنت البيــان والتبيــين‬

‫إن نبع التاريخ ينبع في الشام‬

‫طرح عجين؟‬ ‫أيلغي التاريخ‬ ‫ٌ‬

‫ويتجول‬ ‫يقولون إن من يزور دمشق ولم يزر غوطتها الجميلة‬ ‫َّ‬

‫بيـن خمائلهـا فـإن زيارته تبقى ناقصة‪ ،‬وهو قول صحيح‪،‬‬ ‫فالغوطـة ليسـت ضاحيـة أو الحديقـة الكبـرى للمدينـة‪ ،‬بـل‬ ‫هـي امتدادهـا األخضـر ورئتها األنقـى‪ ،‬وكان البد من زيارتها‬ ‫والتشـبع من هوائها العليـل وتناول‬ ‫واالسـتمتاع بمناظرهـا‬ ‫ُّ‬ ‫بعض ما تجود به من فواكه الموسم الصيفي‪ ،‬وما كان أحلى‬ ‫المؤكد‬ ‫ـل خمائلهـا الوارفة‪ .‬ومـن‬ ‫التجـول علـى األقـدام فـي ِظ ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫أنها كانت تلعب دورًا في حياة المدينة وأهلها ال في تخفيف‬ ‫وطأة الحرارة فحسب‪ ،‬وإنما في كونها متنزه ًا قريب ًا وفريداً‪.‬‬ ‫آن هـو‪ :‬أيـن دمشـق اآلن‪..‬‬ ‫والسـؤال المهـم والجـارح فـي ٍ‬ ‫دمشق الشعر والعروبة؟ أين هي جماليات المكان وما أبقى‬ ‫كل زاويـة ممـا‬ ‫التاريـخ المتقلِّـب مـن جماليـات الزمـان علـى ّ‬ ‫بـكل مـرارة وحسـرة‪ :‬هـي‬ ‫يصعـب علـى الكلمـات أن تقـول ّ‬ ‫اآلن دمعـة بعـد أن كانـت ابتسـامة‪ ،‬وهـي جـرح نـازف بعـد‬ ‫أن كانت أغنية فيروزية تمأل الفضاء العربي طرب ًا وبهجة‪.‬‬ ‫أمـا سـماؤها «حلوة األلـوان»‪ ،‬كما غنَّت فيروز‪ ،‬فقد صارت‬ ‫ملبـدة بدخـان الحـرب ومرسـومة بدماء األبريـاء ودموعهم‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ومهما قيل إن تاريخها عبر العصور لم يكن عطورًا وحريراً‪،‬‬ ‫بـل كانـت تتخلَّلـه المذابـح واآلالم‪ ،‬وذلـك صحيح‪ ،‬لكنه لم‬ ‫يـوم مـن األيـام إلـى ما وصـل إليـه اآلن وفي هذه‬ ‫يصـل فـي ٍ‬ ‫اآلونـة مـن بـؤس وسـوداوية ودمويـة‪ .‬فهـل هـذه حقـ ًا هي‬ ‫«دمشـق» أو «الشـام» أو «جلّـق» أو «الفيحـاء» التـي تعـّددت‬ ‫أسـماؤها واسـتوعبت من المجد العربي‪ -‬عبر العصور‪ -‬ما‬ ‫يبعـث الدهشـة واالنبهـار؟! وال منـاص مـن اإلشـارة إلـى مـا‬ ‫يؤكـده الواقـع مـن أن لبعـض األماكن مـن التأثير والحضور‬ ‫ّ‬ ‫في التاريخ أكثر مما للبشـر أنفسـهم مع االعتراف بأن تلك‬ ‫الخلق‪.‬‬ ‫األماكن لم تكن سوى أثر من آثار حركتهم ونشاطهم َّ‬ ‫‪145‬‬


‫هنا فــي أرض البلغار‪ ،‬االحتفاء بابن فضالن ورحلته جد كبير‪ ،‬فرحلته إلى بالدهم منذ أحد عشــر قرن ًا‪،‬‬ ‫مرجــع هام حول تأريخ البالد‪ ،‬لكن مخطوط ابن فضالن‪ ،‬الذي تضمن أخبارهم‪ ،‬لم يأخذ حقه في بالد‬ ‫تتكلم اللّغة نفسها التي كتب بها‪ ،‬في حين يجد اهتمام ًا واضح ًا من أصحاب اللّغات األخرى‪.‬‬

‫تتارستان‪..‬‬ ‫في مخطوط ابن فضالن‬ ‫محمد التداوي‬

‫خمـــس ســـنوات أخـــرى تفصلنـــا‬ ‫ع ــن الذك ــرى المئ ــة بع ــد األل ــف‪ ،‬لرحل ــة‬ ‫هـــي األقـــدم‪ ،‬واألهـــم‪ ،‬أنهـــا الوحيـــدة‪،‬‬ ‫التـــي تصـــف رحلـــة ســـفير عربـــي‪،‬‬ ‫خـــرج مـــن بغـــداد إلـــى بـــاد بلغـــار‬ ‫الفولجـــا ثـــم إلـــى أقصـــى الشـــمال مـــن‬ ‫القـــارة األوروبيـــة‪ ،‬والعـــودة إلـــى‬ ‫بغـــداد عاصمـــة العباســـيين الضعيفـــة‬ ‫وقتهـــا‪ ،‬بعـــد رحلـــة ألكثـــر مـــن ســـنتين‬ ‫رأى فيه ــا م ــا ل ــم نك ــن لنعرف ــه لواله ــا‪،‬‬ ‫الت ــي ت ــرك وصفــ ًا له ــا ف ــي مخطوطت ــه‬ ‫والوحي ــدة الت ــي خطه ــا بي ــده‪ ،‬وحفظه ــا‬ ‫لنـــا نســـاخون الحقـــون‪.‬‬ ‫ال أخفـــي ســـراً‪ ،‬حيـــن أتحـــدث‬ ‫عـــن صعوبـــات واجهـــت ابـــن فضـــان‬ ‫وقافلتـــه‪ ،‬ولكنـــي ســـُأخفي جانبـــ ًا‬ ‫مـــن الحســـرة حيـــن لـــن ُأفصـــل وأعـــدد‬ ‫الصعوبـــات التـــي واجهتنـــي شـــخصي ًا‬ ‫للســـير علـــى نفـــس طريـــق ســـفارة‬ ‫ابـــن فضـــان‪ ،‬وأن أخـــرج مثلمـــا‬ ‫خـــرج مـــن بغـــداد‪ ،‬متجهـــ ًا فـــي البدايـــة‬ ‫شـــرقاً‪ ،‬ثـــم شـــماالً‪ ،‬قاطعـــ ًا أجـــزاء‬ ‫‪146‬‬

‫مـــن بـــاد تنوعـــت أســـماؤها اليـــوم مـــا‬ ‫بيـــن العـــراق‪ ،‬وإيـــران‪ ،‬وأفغانســـتان‪،‬‬ ‫ثـــم تركمانســـتان‪ ،‬وأوزبيكســـتان‪،‬‬ ‫وكازاخســـتان‪ ،‬ثـــم روســـيا‪ ،‬والتـــي‬ ‫قـــررت أن أتجـــه إليهـــا مباشـــرة‪ ،‬حيـــث‬ ‫ّ‬ ‫كان اس ــتقبال اب ــن فض ــان ال ــذي خل ــده‬ ‫التاريـــخ بمخطوطـــه الشـــهير‪( ،‬رحلـــة‬ ‫إلـــى بـــاد بلغـــار الفولجـــا)‪.‬‬ ‫بدايـــة أحكـــي لكـــم عـــن المخطـــوط‪،‬‬ ‫ومـــن خاللـــه أحكـــي لكـــم عـــن زيارتـــي‬ ‫إلـــى بـــاد بلغـــار التـــي ذكرهـــا فـــي‬ ‫مخطوطـــه‪ ،‬وهـــي تتارســـتان الحاليـــة‪.‬‬ ‫منـــذ العـــام ‪1800‬م‪ ،‬بـــدأت فـــي روســـيا‬ ‫لـــكل مـــا كتبـــه‬ ‫حركـــة ترجمـــة ونشـــر ّ‬ ‫العـــرب عـــن بـــاد الـــروس‪ ،‬والشـــمال‬ ‫وتُتبع ــت كتاب ــات اإلدريس ــي‬ ‫األوروب ــي‪ُ ،‬‬ ‫والمســـعودي‪ ،‬وابـــن فضـــان‪ ،‬الـــذي‬ ‫نقـــل ياقـــوت الحمـــوي عنـــه صراحـــة‬ ‫فـــي معجـــم بلدانـــه‪ ،‬وقـــام المستشـــرق‬ ‫األلمانـــي كريســـتيان فراهـــن‪ ،‬بترجمـــة‬ ‫جـــزء مـــن مخطوطـــة ياقـــوت الحمـــوي‪،‬‬ ‫والت ــي نق ــل فيه ــا وصفــ ًا م ــن مخطوط ــه‬

‫لرحال ــة عرب ــي تحــّدث ع ــن ب ــاد بلغ ــار‬ ‫الفولجـــا والصقالبـــة وعـــن الشـــعوب‬ ‫الروســـية التـــي تســـكن إلـــى الشـــمال‬ ‫الغربـــي منهـــم‪ ،‬ومـــن يومهـــا لفتـــت‬ ‫أنظـــار المستشـــرقين إلـــى البحـــث عـــن‬ ‫هـــذه المخطوطـــة‪ ،‬إلـــى أن اكتشـــفت‬ ‫مخطوطـــة كتبهـــا أحـــد رجـــال الدولـــة‬ ‫فـــي بـــاط الخليفـــة العباســـي المقتـــدر‬ ‫بـــاهلل‪ ،‬نســـختها الوحيـــدة فـــي مكتبـــة‬ ‫مدينـــة مشـــهد فـــي إيـــران‪ ،‬ومـــن يومهـــا‬ ‫جـــرت دراســـات كثيـــرة جلهـــا مـــن‬ ‫مستشـــرقين غربييـــن‪ ،‬إلـــى أن جـــاء‬ ‫د‪.‬ســـامي الدهـــان‪ ،‬وحقّـــق النســـخة‬ ‫األصليـــة وطبعـــت بالعربيـــة عـــام‬ ‫‪1960‬م‪ .‬المـــكان حـــوض نهـــر الفولجـــا‪،‬‬ ‫تحديـــدًا منطقـــة التقـــاء نهـــر كامـــا بنهـــر‬ ‫الفولج ــا ف ــي أقص ــى الش ــرق األوروب ــي‪،‬‬ ‫حيـــث جمهوريـــة تتارســـتان الحاليـــة‪.‬‬ ‫الشـــعب هـــو شـــعب بلغـــار‪ ،‬وملكهـــم‬ ‫كمـــا ســـماه ابـــن فضـــان‪ ،‬المـــوش بـــن‬ ‫يلط ــوار‪ .‬ف ــي الغ ــرب منه ــم دول ــة الخ ــزر‬ ‫أل ــد أعدائه ــم ف ــي ذل ــك الوق ــت‪ ،‬والذي ــن‬

‫اتخ ــذوا ف ــي الق ــرن الثام ــن المي ــادي م ــن‬ ‫اليهودي ــة دينــ ًا وعقي ــدة‪ ،‬وم ــن َث ـ ّـم كان‬ ‫نع ــت المل ــك له ــم باليه ــود مقب ــوالً‪ ،‬وف ــي‬ ‫الشـــمال منهـــم الـــروس الوثنيـــون مثلـــه‬ ‫(مث ــل ش ــعبه قب ــل أن يدي ــن باإلس ــام)‪.‬‬ ‫تحكـــي كتـــب التاريـــخ والروايـــات غيـــر‬ ‫الموثَّقـــة قصصـــ ًا ثالثـــ ًا لمعرفـــة هـــذا‬ ‫الملـــك بالديـــن اإلســـامي‪ ،‬لكـــن ســـبب‬ ‫رســـالته إلـــى الخليفـــة العباســـي‪،‬‬ ‫هـــو ســـبب سياســـي لمجابهـــة قـــوة‬ ‫قـــرر أن يراســـل الخليفـــة‬ ‫الخـــزر‪ ،‬ومـــن ّ‬ ‫المقتـــدر بـــاهلل العباســـي ليطلـــب إليـــه‬ ‫أن يرســـل مـــن يعلِّمـــه وأهلـــه وشـــعبه‬ ‫الديـــن اإلســـامي‪ ،‬وأن يبنـــي مســـجدًا‬ ‫وحصنـــاً‪ ،‬واألهـــم أن يرســـل لـــه مـــن‬ ‫يجيـــب ســـؤاله األهـــم‪« ،‬كيـــف اســـتطاع‬ ‫ذلـــك الديـــن اآلتـــي مـــن قلـــب الصحـــراء‬ ‫يكـــون تلـــك االمبراطوريـــة الضخمـــة‬ ‫أن‬ ‫ِّ‬ ‫التـــي لـــم تضاههـــا ســـوى امبراطوريـــة‬ ‫اإلســـكندر المقدونـــي؟ ووجـــد الخليفـــة‬ ‫العباســـي فـــي األمـــر نصـــرًا وأرضـــ ًا‬ ‫جديـــدة ترفـــع رايـــة العباســـيين‪ ،‬بعـــد‬

‫تقلـــص النفـــوذ شـــرق ًا وغربـــاً‪ ،‬ورأى‬ ‫ف ــي ش ــخصية اب ــن فض ــان م ــن الثّقاف ــة‬ ‫والمعرفـــة مـــا يؤهلـــه لذلـــك‪ ،‬علـــى أن‬ ‫هنـــاك تفســـيرات تتحـــدث عـــن إرســـال‬ ‫ابـــن فضـــان فـــي هـــذه الســـفارة‪ ،‬كان‬ ‫بســـبب عـــداء داخـــل أروقـــة البـــاط‬ ‫العباســـي لشـــخصه‪ ،‬المهـــم أيـــ ًا كان‬ ‫الس ــبب إلرس ــال اب ــن فض ــان إل ــى مل ــك‬ ‫بلغـــار الفولجـــا ضمـــن ســـفارة المقتـــدر‬ ‫بـــاهلل‪ ،‬هـــو أســـدى للعلـــم والمعرفـــة‬ ‫كنـــزًا ال يقـــدر بثمـــن‪ ،‬حيـــث أصبحـــت‬ ‫مخطوط ــة اب ــن فض ــان المص ــدر الوحي ــد‬ ‫الـــذي يصـــف هـــذه البـــاد فـــي هـــذه‬ ‫الفتـــرات غيـــر المؤرخـــة مـــن تاريخهـــا‬ ‫القديـــم‪ .‬فـــي العـــام (‪921‬م‪309/‬هـــ)‬ ‫خرجـــت ســـفارة الخليفـــة المقتـــدر بـــاهلل‬ ‫مـــن بغـــداد متوجهـــة لبـــاد بلغـــار‬ ‫الفولجـــا‪ ،‬ووصـــل ابـــن فضـــان بعـــد‬ ‫عنـــاء كبيـــر‪ ،‬إلـــى مدينـــة بلغـــار يـــوم‬ ‫‪ 12‬مايو‪/‬أيـــار ‪ 12( 922‬محـــرم ‪310‬‬ ‫هـــ)‪ ،‬واســـتقبله الملـــك وأوالده أفضـــل‬ ‫اس ــتقبال‪ ،‬تح ــدث عن ــه ف ــي مخطوطت ــه‬

‫بمـــا هـــو نصـــه‪« :‬فلمـــا كنـــا مـــن ملـــك‬ ‫الصقالب ــة وه ــو ال ــذي قصدن ــا ل ــه عل ــى‬ ‫مســـيرة يـــوم وليلـــة وجـــه الســـتقبالنا‬ ‫الملـــوك األربعـــة الذيـــن تحـــت يـــده‬ ‫وإخوتـــه وأوالده‪ ،‬فاســـتقبلونا ومعهـــم‬ ‫الخبـــز واللحـــم والجـــاورس وســـاروا‬ ‫معن ــا‪ .‬فلم ــا صرن ــا م ــن عل ــى فرس ــخين‬ ‫تلقانـــا هـــو بنفســـه‪ ،‬فلمـــا رآنـــا نـــزل‬ ‫جـــل وعـــز‪-‬‬ ‫فخـــر ســـاجدًا شـــكرًا هلل ‪ّ -‬‬ ‫َّ‬ ‫وكان فـــي كمـــه دراهـــم فنثرهـــا علينـــا‪،‬‬ ‫ونصـــب لنـــا قبابـــ ًا فنزلناهـــا‪ .‬وكان‬ ‫وصولنـــا إليـــه يـــوم األحـــد الثنتـــي‬ ‫عشـــرة ليلـــة خلـــت مـــن المحـــرم ســـنة‬ ‫عشـــر وثالثمئـــة‪ .‬فكانـــت المســـافة مـــن‬ ‫الجرجانيـــة إلـــى بلـــده ســـبعين يومـــاً‪.‬‬ ‫فأقمن ــا ي ــوم األح ــد وي ــوم االثني ــن وي ــوم‬ ‫الثالثـــاء ويـــوم األربعـــاء فـــي القبـــاب‬ ‫التـــي ضربـــت لنـــا حتـــى جمـــع الملـــوك‬ ‫والقـــواد وأهـــل بلـــده ليســـمعوا قـــراءة‬ ‫الكت ــاب»‪ .‬والقص ــد هن ــا ه ــو كت ــاب أمي ــر‬ ‫المؤمنيـــن الخليفـــة العباســـي‪ ،‬المقتـــدر‬ ‫بـــاهلل‪ ،‬وفقـــرة كتلـــك مـــن المخطـــوط‬ ‫‪147‬‬


‫القديـــم مليئـــة بالتفاصيـــل عـــن البـــاد‬ ‫والمســـافات بينهـــا والعـــادات وحتـــى‬ ‫التواريـــخ‪ ،‬ثـــم مراســـم كمراســـم قـــراءة‬ ‫رســـالة أميـــر المؤمنيـــن إلـــى شـــعوب‬ ‫البلغـــار وملكهـــم‪ ،‬وهنـــا نتـــرك ابـــن‬ ‫فض ــان ون ــص م ــا كت ــب‪ ،‬فلم ــا كان ي ــوم‬ ‫الخميـــس واجتمعـــوا نشـــرنا المطرديـــن‬ ‫اللذيـــن كانـــا معنـــا‪ ،‬وأســـرجنا الدابـــة‬ ‫بالســـراج الموجـــه إليـــه‪ ،‬وألبســـناه‬ ‫الســـواد وعممنـــاه‪ ،‬وأخرجـــت كتـــاب‬ ‫الخليف ــة وقل ــت ل ــه‪ ..‬ال يج ــوز أن نجل ــس‬ ‫والكتـــاب يقـــرأ‪ ،‬فقـــام علـــى قدميـــه هـــو‬ ‫ومـــن حضـــر مـــن وجـــوه أهـــل مملكتـــه‪،‬‬ ‫وهـــو رجـــل بديـــن بطيـــن جـــداً‪ .‬وبـــدأت‬ ‫فق ــرأت ص ــدر الكت ــاب فلم ــا بلغ ــت من ــه‪..‬‬ ‫س ــام علي ــك فإن ــي أحم ــد إلي ــك اهلل ال ــذي‬ ‫ال إلـــه ّإل هـــو‪ ..‬قلـــت‪ :‬رد علـــى أميـــر‬ ‫فـــرد وردوا جميعـــ ًا‬ ‫المؤمنيـــن الســـام‪ّ .‬‬ ‫بأســـرهم‪ ،‬ولـــم يـــزل الترجمـــان يترجـــم‬ ‫لن ــا حرفــ ًا حرفــاً‪ .‬فلم ــا اس ــتتمنا قراءت ــه‪،‬‬ ‫كبـــروا تكبيـــرة‪ ،‬ارتجـــت لهـــا األرض»‪.‬‬ ‫هكـــذا كان اســـتقبال ملـــك بلغـــار‬ ‫الفولجـــا‪ ،‬لســـفارة الخليفـــة العباســـي‪،‬‬ ‫دونه ــا اب ــن فض ــان‪ ،‬ت ــم ذل ــك ف ــي‬ ‫كم ــا ّ‬ ‫عاصم ــة مملك ــة مدين ــة بلغ ــار الفولج ــا‪،‬‬ ‫‪148‬‬

‫المدينـــة األشـــهر وقتهـــا‪ ،‬واألصغـــر‬ ‫وقتنـــا هـــذا‪ ،‬مدينـــة بلغـــار المكتشـــفة‬ ‫أطاللهـــا حديثـــاً‪ .‬تحـــول شـــعب بلغـــار‬ ‫الفولجـــا إلـــى اإلســـام وبعدهـــم تحـــول‬ ‫ال ــروس إل ــى المس ــيحية‪ ،‬وكب ــرت دول ــة‬ ‫البلغ ــار وبن ــوا مدين ــة جدي ــدة ف ــي س ــنة‬ ‫‪ 1005‬ميالديـــة‪ ،‬وحضـــرت احتفـــا ًال‬ ‫بألفيـــة المدينـــة األولـــى‪ ،‬وانتقلـــت‬ ‫الســـلطة واألهميـــة تدريجيـــ ًا مـــن‬ ‫بلغـــار إلـــى قـــازان‪ ،‬حتـــى جـــاء التتـــار‬ ‫بقيـــادة القائـــد الشـــهير باتـــو خـــان‪،‬‬ ‫حفيـــد جنكيزحـــان ودخـــل قـــازان ســـنة‬ ‫‪ 1236‬ميالديـــة‪ ،‬وبعدهـــا كييـــف ‪1237‬‬ ‫ميالديـــة‪ ،‬وكان علـــى بعـــد خطـــوة مـــن‬ ‫الســـيطرة علـــى باقـــي أوروبـــا‪ ،‬لـــوال‬ ‫عودتـــه‪ ،‬ســـنة ‪ 1241‬ميالديـــة‪ ،‬إلـــى‬ ‫(قـــره قـــورم) الختيـــار خاقـــان جديـــد‬ ‫بعـــد وفـــاة عمـــه‪ ،‬أوغتـــاي بـــن جنكيـــز‬ ‫خـــان‪ .‬إذا كانـــت قديمـــ ًا أرض بلغـــار‬ ‫الفولجـــا فلمـــاذا تتارســـتان؟ اإلجابـــة‬ ‫أن هـــذا فعـــل التاريـــخ‪ ،‬الـــذي جعـــل‬ ‫ســـكان وشـــعوب األرض يجوبونهـــا‬ ‫فـــي هجـــرات اســـتيطانية كبيـــرة‪،‬‬ ‫وكانـــت الهجـــرات التتاريـــة والمغوليـــة‬ ‫مـــن أهمهـــا وأوســـعها انتشـــارًا علـــى‬

‫اإلطـــاق‪ ،‬حيـــث ُشـــكلت نتيجـــة هـــذه‬ ‫الهجـــرات‪ ،‬أجـــزاء واســـعة ممـــا نعرفـــه‬ ‫مـــن عالـــم اليـــوم‪ ،‬وشـــعوب التتـــار‬ ‫تحديـــدا‪ ،‬اســـتوطنوا هـــذه البـــاد‬ ‫وحولـــت مـــن أرض للبلغـــار إلـــى أرض‬ ‫للتتـــار‪ ،‬الذيـــن جـــرى عليهـــم نفـــس‬ ‫الشـــيء مـــع مجـــيء إيفـــان الرابـــع‬ ‫الملق ــب بالرهي ــب س ــنة ‪ 1552‬ميالدي ــة‪،‬‬ ‫وانتـــزع األرض مـــن ســـكانها التتـــار‪،‬‬ ‫لكنه ــا ع ــادت إليه ــم بع ــد ق ــرون طويل ــة‬ ‫تح ــت س ــيطرة االمبراطوري ــة الروس ــية‪،‬‬ ‫ثـــم تحـــت االتحـــاد الســـوفياتي‪ .‬فـــي‬ ‫مدينـــة بلغـــار وجـــدت بقايـــا للمســـجد‬ ‫القديـــم ومأذنتـــه‪ ،‬ووجدتهـــم أيضـــ ًا‬ ‫بنـــوا مســـجدًا كبيـــرًا أســـموه المســـجد‬ ‫األبيـــض‪ ،‬ومتحفـــ ًا يضـــم بعـــض‬ ‫المخطوط ــات واللوح ــات‪ ،‬أهمه ــا لوح ــة‬ ‫اســـتقبال بعثـــة ابـــن فضـــان‪ ،‬وقاعـــة‬ ‫تضـــم أكبـــر مصحـــف مصنـــع يدويـــ ًا‬ ‫كل ه ــذا ف ــي موق ــع مدين ــة‬ ‫ف ــي العال ــم‪ّ ،‬‬ ‫بلغـــار القديـــم نفســـه‪ ،‬علـــى الضفـــة‬ ‫الشـــرقية لنهـــر الفولجـــا الكبيـــر؛ وهـــو‬ ‫نف ــس الم ــكان ال ــذي وصل ــه اب ــن فض ــان‬ ‫وتح ــدث عن ــه ف ــي مخطوط ــه‪ ،‬ووص ــف‬ ‫ظواهـــر لـــم تكـــن معروفـــة فـــي زمانـــه‬

‫مث ــل ط ــول النه ــار وقص ــره‪ ،‬وه ــي م ــن‬ ‫دونه ــا ف ــي مخطوط ــه‬ ‫المالحظ ــات الت ــي ّ‬ ‫حيـــث قـــال‪« :‬ورأيـــت النهـــار عندهـــم‬ ‫طويـــا جـــدًا وإذ أنـــه يطـــول عندهـــم‬ ‫ً‬ ‫مـــدة مـــن الســـنة ويقصـــر الليـــل‪ ،‬ثـــم‬ ‫يطـــول الليـــل ويقصـــر النهـــار‪ .‬فلمـــا‬ ‫كانـــت الليلـــة الثانيـــة جلســـت خـــارج‬ ‫القبـــة وراقبـــت الســـماء فلـــم أر مـــن‬ ‫الكواكـــب ّإل عـــددًا يســـيرًا ظننـــت أنـــه‬ ‫نحـــو الخمســـة عشـــر كوكبـــ ًا متفرقـــة‪،‬‬ ‫وإذا الش ــفق األحم ــر ال ــذي قب ــل المغ ــرب‬ ‫ال يغي ــب بت ــة‪ ،‬وإذا اللي ــل قلي ــل الظلم ــة‬ ‫يع ــرف الرج ــل في ــه م ــن أكث ــر م ــن غل ــوة‬ ‫ســـهم»‪ .‬وفـــي ثقافـــة الشـــعوب وقتهـــا‪،‬‬ ‫تغيـــر الحـــال والوضـــع مـــن أرض إلـــى‬ ‫ّ‬ ‫أرض يعـــد أعجوبـــة عنـــد شـــعوب لـــم‬ ‫تص ــل بع ــد إل ــى ح ــدود أوس ــع لمعرف ــة‬ ‫األرض والنظ ــام الشمس ــي ال ــذي نتبع ــه‪،‬‬ ‫اآلن نحـــن نعـــرف بالتدقيـــق أوقـــات‬ ‫كل‬ ‫شـــروق وغـــروب الشـــمس فـــي ّ‬ ‫مناطـــق المعمـــورة‪ ،‬وابـــن فضـــان فـــي‬ ‫مخطوطـــه تنقـــل بيـــن البـــاد وحكـــى‬ ‫ووص ــف‪ ،‬ونق ــل حت ــى ع ــن م ــن قابله ــم‬ ‫أش ــياء قابل ــة للتصدي ــق وأش ــياء قابل ــة‬ ‫للتحقيـــق‪ ،‬وأشـــياء ال تقبـــل التصديـــق‬

‫وال التحقيـــق‪ ،‬ولـــم تكـــن ّإل خرافـــة‬ ‫أو ظاهـــرة لـــم يســـتطع رأســـه تدبـــر‬ ‫الحكاي ــة‪ ،‬فنق ــل لن ــا الرواي ــة كم ــا ه ــي‪.‬‬ ‫هنـــا فـــي أرض البلغـــار‪ ،‬االحتفـــاء‬ ‫بابـــن فضـــان ورحلتـــه جـــد كبيـــر‪،‬‬ ‫والص ــور والفعالي ــات المس ــتمرة للحدي ــث‬ ‫حـــول الرحالـــة‪ ،‬ورحلتـــه إلـــى بالدهـــم‬ ‫منـــذ أحـــد عشـــر قرنـــا‪ ،‬تعطـــي بعضـــ ًا‬ ‫مـــن الضـــوء علـــى حـــال البـــاد وقتهـــا‪،‬‬ ‫يذكـــر فيـــه مـــا شـــاهد فـــي بلـــد التـــرك‪،‬‬ ‫والخـــزر‪ ،‬والـــوس‪ ،‬والصقالبـــة‪،‬‬ ‫والباشـــغرد‪ ،‬وغيرهمـــا‪ ،‬عـــام اختـــاف‬ ‫مذاهبهـــم‪ ،‬وأخبـــار ملوكهـــم وأحوالهـــم‬ ‫فـــي كثيـــر مـــن أمورهـــم‪ .‬الحقيقـــة أن‬ ‫مخطوطـــ ًا كهـــذا‪ ،‬لـــم يأخـــذ حقـــه بعـــد‬ ‫ف ــي ب ــاد تتكل ــم اللّغ ــة نفس ــها الت ــي كت ــب‬ ‫بهـــا‪ ،‬فـــي حيـــن يجـــد ضـــوءًا مســـلط ًا‬ ‫مـــن أصحـــاب اللّغـــات األخـــرى‪ ،‬فنجـــد‬ ‫الكاتـــب مايـــكل كريتشـــتون يســـتقي‬ ‫تفاصيـــل روايته‪،‬أكلـــة الموتـــى‪ ،‬منـــه‪،‬‬ ‫وتأت ــي الس ــينما األميركي ــة لتنت ــج فليمــ ًا‬ ‫ضخمـــ ًا اســـمه «الفـــارس الثالـــث عشـــر»‬ ‫بطول ــة النج ــم أنطوني ــو باندي ــراس ال ــذي‬ ‫ق ــام ب ــدور اب ــن فض ــان ف ــي فيل ــم ح ــول‬ ‫رحلتـــه تلـــك‪ ،‬ويأتـــي الكاتـــب أحمـــد‬

‫عب ــد الس ــام البقال ــي ليص ــدر‪ ،‬مغام ــرات‬ ‫س ــفير عرب ــي‪ .‬وج ــدت أن م ــن الواج ــب‪،‬‬ ‫عمـــل رحلـــة كتلـــك للوقـــوف علـــى مـــا‬ ‫تغيـــر‪ ،‬ومـــا دثـــر مـــن بـــاد ومـــا جـــد‬ ‫م ــن م ــدن‪ ،‬لكن ــي وج ــدت األم ــر عظيمــاً‪،‬‬ ‫واكتفي ــت كم ــا ذك ــرت ف ــي بداي ــة ال ــكالم‪،‬‬ ‫بالذهـــاب مباشـــرة إلـــى مدينـــة بلغـــار‪،‬‬ ‫مقصـــد ســـفارة ابـــن فضـــان‪ ،‬ووجـــدت‬ ‫أن الش ــعب تغي ــر وأصب ــح س ــكان الم ــكان‬ ‫اآلن خليطـــ ًا مـــن التتـــار والـــروس‪ ،‬مـــع‬ ‫أن األرض تســـمى تتارســـتان‪ ،‬ووجـــدت‬ ‫اإلس ــام ف ــي أرض ــه ل ــم يتغي ــر بالرغ ــم‬ ‫مـــر عليهـــم مـــن عصـــور تنصيـــر‪،‬‬ ‫ممـــا ّ‬ ‫وإبـــادة‪ ،‬ووجـــدت المســـاجد تجـــاور‬ ‫الكنائـــس‪ ،‬بـــل تضاعفـــت فـــي العقديـــن‬ ‫األخيريــن‪ ،‬وفــي هــذا خيــر دليــل علــى أن‬ ‫عقي ــدة االختي ــار خي ــر وأبق ــى م ــن عقي ــدة‬ ‫اإلجبـــار‪ .‬أكثـــر مـــا يلفـــت النظـــر لعربـــي‬ ‫تط ــأ قدم ــه أرض التت ــار‪ ،‬ه ــي األس ــماء‪،‬‬ ‫فهنـــا تســـمع أســـماء عربيـــة صرفـــة‪،‬‬ ‫للرجـــال والنســـاء‪ ،‬وتشـــاهد عـــودة‬ ‫وحضـــورًا للغتهـــم األم التتاريـــة‪ ،‬حتـــى‬ ‫وإن تغي ــر الح ــرف م ــن الح ــرف العرب ــي‬ ‫للحـــرف الســـافي‪ ،‬وبـــاد بلغـــار إلـــى‬ ‫بـــاد التتـــار‪.‬‬ ‫‪149‬‬


‫رأي‬

‫ـميش‬ ‫بنسالم ِح ِّ‬

‫بين مشرق ومغرب‬

‫م ــا زال الجن ــاح الغرب ــي للعال ــم العرب ــي‪ ،‬كم ــا ف ــي الماض ــي‪،‬‬ ‫يعانـــي مـــن إنـــكار غالبيـــة المشـــارقة ومـــن عقـــدة تفوقهـــم‬ ‫عب ــر ع ــن ذل ــك الصاح ــب اب ــن عب ــاد حي ــن اطل ــع‬ ‫تجاهه ــم‪ّ ،‬‬ ‫علـــى العقـــد الفريـــد البـــن عبـــد ربه‪ ،‬وقـــال قولتـــه التـــي‬ ‫ســـارت بهـــا الركبـــان‪« :‬هـــذه بضاعتنـــا ُر َّدت إلينـــا»‪ .‬وال‬ ‫الحكـــم ونبطلـــه‬ ‫يفيـــد فـــي شـــيء أن نجـــادل فـــي هـــذا ُ‬ ‫لكون ــه ص ــادرًا ع ــن كات ــب ضعي ــف الج ــودة‪ ،‬قلي ــل الب ــاع‪،‬‬ ‫وزي ــر جائ ــر متس ــلط‪ ،‬ص ــوره أب ــو حي ــان التوحي ــدي أبل ــغ‬ ‫تصوي ــر وأوف ــاه ف ــي مؤلف ــه مثال ــب الوزيري ــن‪ ،‬وكان عان ــى‬ ‫إب ــان حك ــم البويهيي ــن‪ .‬ص ــح‬ ‫األمري ــن م ــن عنف ــه وجبروت ــه ّ‬ ‫أنـــه ال يفيـــد ذلـــك وال يجـــدي‪ ،‬إذ إن غايـــة ابـــن عبـــد ربـــه‬ ‫مـــن وضـــع مؤلَّفـــه بقيـــت حبـــرًا علـــى ورق‪ ،‬وهـــي إظهـــار‬ ‫أن ب ــاد المغ ــرب‪ ،‬عل ــى بع ــد ش ــقته‪ ،‬ل ــه م ــن العل ــم واألدب‬ ‫نصي ــب معتب ــر‪ ،‬ب ــل إن ص ــورة المغاربيي ــن‪ ،‬ول ــو بع ــد ذل ــك‬ ‫العه ــد‪ ،‬ظل ــت ف ــي المش ــرق تتس ــم باإلهم ــال واالس ــتنقاص‪.‬‬ ‫بـــدع‬ ‫وحتـــى مؤرخـــوه فقـــد وصفـــوا تلـــك البـــاد كأرض ٍ‬ ‫وضـــاالت‪.‬‬ ‫المغـــرب أو المغـــارب؟ بـــاد مغيـــب شـــمس المشـــرق‪.‬‬ ‫والشـــمس هنـــا ليســـت بالمعنـــى الحقيقـــي فحســـب‪ ،‬وإنمـــا‬ ‫القط ــر ال ــذي تش ــحب في ــه‬ ‫بالمعن ــى المج ــازي كذل ــك‪ ،‬إذ إن ــه ُ‬ ‫العربـــي وأشـــعته‪ ،‬وتضمـــر بفعـــل المغايـــرة‬ ‫ثقافـــة المهـــد‬ ‫ّ‬ ‫البشـــرية وبعـــد الشـــقة‪« ...‬كـــم اللبـــاس» هـــو هـــذا الجنـــاح‬ ‫الـــذي ال يأخـــذ مـــن التاريـــخ العربـــي اإلخبـــاري‪ ،‬المنجـــذب‬ ‫حي ـ ٍـز يتي ــم أو ملح ــق‪ .‬إن ــه‪ ،‬كم ــا نظ ــر‬ ‫إل ــى الش ــرق‪ ،‬س ــوى ّ‬ ‫إليـــه مؤلّـــف شـــرقي‪ ،‬يستشـــهد بـــه المـــؤرخ الســـوري‪-‬‬ ‫المصـــري ابـــن فضـــل اهلل العمـــري‪« :‬مـــن اإلقليـــم الثالـــث‬ ‫‪150‬‬

‫والغـــل ومـــا يتبـــع‬ ‫صاحـــب ســـفك الدمـــاء والحســـد والحقـــد‬ ‫ّ‬ ‫ذلـــك (‪.»)...‬‬ ‫ف ــي اتج ــاه مغاي ــر جذري ـاً‪ ،‬ع ــن ه ــذا المغ ــرب م ــن أدن ــاه إل ــى‬ ‫أقص ــاه س ــعى عب ــد الرحم ــن ب ــن خل ــدون‪ ،‬لحس ــن ح ــظ ه ــذا‬ ‫القطـــر‪ ،‬إلـــى الكتابـــة عنـــه بقصـــد إبـــراز فروقـــه وتثبيـــت‬ ‫ذاكرتـــه‪ ،‬ناقـــدًا المشـــرقيين ومتجـــاوزًا أدبيـــات الحولييـــن‬ ‫وال ــرواة االنطباعي ــة العجل ــى‪ .‬ث ــم ج ــاء كتاب ــه الموس ــوعي‬ ‫المســـمى كتـــاب العبـــر‪ ،‬فأجـــاد فيـــه وأفـــاد‪ ،‬ورد‬ ‫األشـــمل‬ ‫ّ‬ ‫للقطـــر المغربـــي مـــا يســـتحقه مـــن عنايـــة واعتبـــار‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫علـــى ذكـــر ابـــن خلـــدون وللتمثيـــل فقـــط‪ ،‬كانـــت ســـنة‬ ‫‪ 2006‬ســـنة إحيـــاء الذكـــرى المئويـــة السادســـة لوفاتـــه‪،‬‬ ‫وتســـنَّى لـــي‪ ،‬مـــن بـــاب التخصـــص‪ ،‬الحضـــور فـــي العديـــد‬ ‫مـــن النـــدوات بمـــدن عربيـــة وبعضهـــا أوروبيـــة‪ .‬ومـــا قيـــل‬ ‫عـــن فكـــر ابـــن خلـــدون المغربـــي وعـــن كتـــاب المقدمـــة‬ ‫حصريـــ ًا فـــي غرناطـــة وتونـــس والجزائـــر وخصوصـــ ًا فـــي‬ ‫القاه ــرة واإلس ــكندرية لي ــدل بالملم ــوس عل ــى أن هن ــاك عن ــد‬ ‫نس ــبة مهم ــة م ــن األس ــاتذة والدكات ــرة مش ــكل ق ــراءة للن ــص‬ ‫الخلدون ــي وتواص ــل مع ــه ال ري ــب في ــه‪ ،‬مش ــكل م ــن صفات ــه‬ ‫الخم ــول النظ ــري والتس ــطيح التحليل ــي والغفل ــة ب ــل العم ــى‬ ‫عـــن منطـــوق النـــص ومدلوالتـــه المحسوســـة‪ .‬ويبلـــغ بـــك‬ ‫االنزعـــاج منتهـــاه حينمـــا تـــرى تلـــك الصفـــات كامنـــة فـــي‬ ‫كالميـــات مـــن تعتبرهـــم «الســـاحة الثّقافيـــة» ولغـــة اإلعـــام‬ ‫أس ــماء وازن ــة‪ ،‬ب ــل ق ــد يخام ــرك الش ــك ف ــي ك ــون ه ــؤالء ق ــد‬ ‫يتحدث ــون عن ــه وأخ ــذوا نصوص ــه بق ــوة‬ ‫ق ــرؤوا حّقــ ًا لم ــن‬ ‫َّ‬ ‫التحقيـــق والجـــد‪.‬‬

‫في ص ّد الشكاوى!‬ ‫أليـــس أقـــوى دليـــل علـــى اختـــال عبـــارات التبـــادل بيـــن‬ ‫وتحيـــف هـــذا علـــى ذاك يقـــوم فـــي‬ ‫المغـــرب والمشـــرق‬ ‫ُّ‬ ‫المعب ــر عنه ــا م ــن ط ــرف أع ــام‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫المتظلم‬ ‫ص ــك الشـــكاوى‬ ‫َّ‬ ‫وأقطـــاب مغاربييـــن وأندلســـيين مـــن العهـــد الوســـيط‪.‬‬ ‫فمـــن القـــرن الســـادس هـــ‪ ،‬هـــذا ابـــن بســـام الســـنتوريني‪،‬‬ ‫وليـــد ســـانتورين البرتغاليـــة‪ ،‬يـــروم إعـــادة االعتبـــار إلـــى‬ ‫عطـــاءات األندلســـيين والمغاربـــة المتميـــزة فـــي مجـــاالت‬ ‫شـــتى مـــن آداب وعلـــوم‪ ،‬وذلـــك فـــي كتابـــه الموســـوم‪،‬‬ ‫الدخي ــرة ف ــي ذك ــر محاس ــن الجزي ــرة؛ وه ــذا معاص ــره أب ــو‬ ‫يقـــر بفكـــرة وحـــدة العقـــل البشـــري‪،‬‬ ‫الوليـــد ابـــن رشـــد‬ ‫ُّ‬ ‫ومفاده ــا أن العق ــل النظ ــري كطاق ــة تحصي ــل وإدراك واحــٌد‬ ‫ـكل البش ــر‪ ،‬ول ــو ُأختل ــف ف ــي انته ــاج س ــبله وأس ــاليبه‪...‬‬ ‫لـ ّ‬ ‫أمـــا ابـــن خلـــدون فـــي هـــذا المقـــام أيضـــ ًا فيكتـــب أيضـــ ًا مـــا‬ ‫يل ــي‪« :‬ويعتق ــدون (المش ــارقة) التف ــاوت بينن ــا وبينه ــم ف ــي‬ ‫ويتشـــيعون لذلـــك ويولعـــون بـــه لـِـــما‬ ‫حقيقـــة اإلنســـانية‬ ‫ّ‬ ‫يـــرون مـــن َكَيســـهم فـــي العلـــوم والصنائـــع (‪ )...‬وليـــس‬ ‫َ‬ ‫ذلـــك بصحيـــح‪ .»...‬وهـــؤالء األعـــام ال يأبهـــون لبـــاد‬ ‫مأتاهـــم حيـــن تكـــون بـــاد موئلهـــم ومســـتقرهم معرضـــة‬ ‫لالســـتخفاف واإليهـــان‪.‬‬ ‫أمـــا فـــي زماننـــا فقـــد ظـــل صنـــو تلـــك التظلمـــات ســـارياً‪،‬‬ ‫كمـــا نجـــده عنـــد التونســـي محمـــد الحليـــوي فـــي رســـائله‬ ‫إل ــى أب ــي القاس ــم الش ــابي‪ ،‬وعن ــد ع ــال الفاس ــي ف ــي كتاب ــه‬

‫الح ــركات االس ــتقاللية ف ــي الغ ــرب العرب ــي‪ ،‬وب ــرزت القضي ــة‬ ‫أكث ــر م ــع عب ــد اهلل َكـ ــنون ف ــي مؤلَّف ــه الفــّذ النب ــوغ المغرب ــي‬ ‫فـــي األدب العربـــي‪ .‬وقصـــده مـــن وضعـــه‪ ،‬كمـــا يعلـــن عنـــه‬ ‫بكلمـــات ال أوضـــح منهـــا وال أجلـــى‪« :‬ولعلـــي أرفـــع الضيـــم‬ ‫عـــن بـــادي وأثبـــت مركزهـــا فـــي حظيـــرة العلـــم واألدب‪،‬‬ ‫علـــى مـــا هـــو عليـــه مركزهـــا فـــي السياســـة والحـــرب أو‬ ‫أعظ ــم»‪ّ .‬إل أن الكت ــاب ل ــم يبل ــغ واضع ــه القص ــد الم ــراد من ــه‪،‬‬ ‫يجـــن الثمـــرات المرجـــوة‪ .‬وكيـــف لـــه ذلـــك وإخوتنـــا‬ ‫ولـــم‬ ‫ِ‬ ‫فـــي المشـــرق إجمـــا ًال غيـــر طالبيـــن وال مطلعيـــن علـــى آثـــار‬ ‫المغاربييـــن المعاصريـــن وإنتاجاتهـــم‪ ،‬كأن الواحـــد منهـــم‬ ‫ي ــردد خفتــ ًا م ــع الصاح ــب اب ــن عب ــاد قولت ــه ال ــواردة أع ــاه‪،‬‬ ‫واآلخـــر الصـــدى»‪.‬‬ ‫أو مـــع المتنبـــي «أنـــا الطائـــر المحكـــي‬ ‫ُ‬ ‫وإن اجتـــرح بعضهـــم ذلـــك فبخصـــوص النـــزر اليســـير‪،‬‬ ‫تكـــرم بعضهـــم‬ ‫وبأذهـــان الهيـــة وعيـــون مســـتنيمة؛ أمـــا إن‬ ‫َّ‬ ‫بالحدي ــث أو الكتاب ــة ع ــن ش ــيء منه ــا‪ ،‬فمس ــلكهم ف ــي األم ــر‬ ‫االخت ــزال واالبتس ــار‪ ،‬وربم ــا بتحبي ــر كلم ــات ثن ـ ٍ‬ ‫ـاء وتقري ــظ‬ ‫ٍ‬ ‫كتـــاب صـــدر ومـــن حيثمـــا ورد‬ ‫ألي‬ ‫ٍ‬ ‫معلبـــة جاهـــزة تصلـــح ِّ‬ ‫وأقبـــل‪ ...‬هـــذا وإن شـــخصيات منهـــم مـــا زالـــوا يســـمون‬ ‫المغ ــرب مراك ــش‪ ،‬وال يتوفق ــون ف ــي إخف ــاء جهله ــم بتاريخ ــه‬ ‫ورجاالتـــه‪.‬‬ ‫‪151‬‬


‫صفحات مطوية‬

‫معركة الواقعية‬

‫بني مندور وأستاذه طه حسني‬

‫شعبان يوسف‬ ‫منــذ أن كتــب طــه حســين مقالــه «فــي محنــة األدب» مطلع‬ ‫الخمســينيات من القرن الماضي‪ ،‬متهم ًا حال اإلبداع المصري‬ ‫حينها‪ ،‬بالجــدب والجفاف‪ ،‬تواترت المعارك والمشــاحنات‬ ‫بينــه وبين األدباء الشــباب‪ ،‬وتكتلت مجموعة بشــكل شــبه‬ ‫منظــم للــرد علــى عميــد األدب العربــي‪ ،‬فكتب عبــد الرحمن‬ ‫الشــرقاوي وصــاح حافظ وإحســان عبد القــدوس ولطفي‬ ‫الخولــي وأحمد بهاء الدين وغيرهم‪ ،‬ولكــن المعركة األبرز‪،‬‬ ‫اشــتدت بينــه وبين الشــابين الطليعيين عبــد العظيم أنيس‬ ‫ومحمود أمين العالم‪ ،‬عندما كتب طه حســين مقاله «صورة‬ ‫األدب» فــي جريدة الجمهورية في ‪ 5‬فبراير‪/‬شــباط ‪،1954‬‬ ‫وكان هذا المقال بمثابة تعقيب عميق واســتطراد لحوار بينه‬ ‫‪152‬‬

‫وبين ثالثة من كبار النقاد آنذك‪ ،‬وهم‪ :‬لويس عوض‪ ،‬وعبد‬ ‫الحميد يونس‪ ،‬وإسماعيل مظهر‪.‬‬ ‫وكانــت قضيــة طه حســين‪ ،‬تتلخــص في كــون األدب ليس‬ ‫تعبيــرًا ميكانيكيــ ًا عــن الواقــع‪ ،‬وال وســيلة للوصــول إلى‬ ‫غايــة‪ ،‬ولكنه ارتفــاع عن األغراض واألعــراض التي يبتغي‬ ‫النــاس في حياتهــم اليوميــة والمادية «إلى أغــراض أخرى‬ ‫تبتغيهــا القلوب والعقول واألذواق‪ ،‬ولن يكره هؤالء لألدب‬ ‫صــور بؤس البائس وجوع الجائــع وحرمان المحروم‪،‬‬ ‫أن ُي ِّ‬ ‫بشــرط أال يفــرض ذلــك فرضــ ًا وال يأخــذه بذلــك قانون أو‬ ‫مرسوم أو مذهب سياسي محتوم»‪.‬‬ ‫كان طــه حســين قد كتــب مجموعتــه القصصيــة «المعذبون‬

‫فــي األرض»‪ ،‬التــي أثــارت جد ًال آنــذاك‪ ،‬وصل إلــى منعها‬ ‫مــن التــداول في مصر‪ ،‬وإعــادة طبعها في بيــروت‪ ،‬وكانت‬ ‫تعبــر عن بؤس البائســين‪،‬‬ ‫القصــص فــي هــذه المجموعة‪ّ ،‬‬ ‫وجوع الجائعين‪ ،‬بشــكل ينافس فيه أعتى معتنقي المذاهب‬ ‫السياســية والمادية في ذلك الوقت‪ ،‬ولكــن العميد كان يرى‬ ‫ــن‪ ،‬دون أن تكون‬ ‫أن تلــك القصــص مبنيــة على أســاس َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ّية فيها‪.‬‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫القيم‬ ‫القضايا االجتماعية مقتحمة لمنظومة‬ ‫َّ‬ ‫كمــا لــم يســلم مقالــه «صــورة األدب» مــن النقــد العنيــف‪،‬‬ ‫ردا عليــه ردًا مطو ًال في‬ ‫فالناقدان الشــابان أنيــس والعالم‪ّ ،‬‬ ‫جريــدة «المصــري»‪ ،‬واعتبــرا المقــال فاتحة لمعركــة أدبية‬ ‫ردهمــا «األدب بين‬ ‫اســتمرت أســابيع عديــدة‪ ،‬وكان عنوان ّ‬ ‫الصياغــة والمضمــون»‪ ،‬وانتقدا فيه نزوع طه حســين نحو‬ ‫الفنّي‪ ،‬فكتبا‪« :‬نحب أن‬ ‫التقليل من شأن االجتماعي‪ ،‬لصالح َ‬ ‫نقــرر أو ًال أن مــا تتهم به حركتنا النقدية مــن تغليب الجانب‬ ‫ِّ‬ ‫االجتماعي‪ ،‬إنما يرجع إلى ما أشــاعه هؤالء األدباء القدامى‬ ‫من فهم قاصر لهذه العالقة بين صورة األدب ومادته‪ ،‬وإلى‬ ‫مــا يتميز بــه أدبهم من جمــود وانفصال عن حركــة الحياة‪،‬‬ ‫فجة ال‬ ‫رســبوه في وجداننا القومي من قواعد نقدية ّ‬ ‫وإلى ما ّ‬ ‫الفنّي ّإل إلى أزقة مقفلة»‪.‬‬ ‫تفضي باإلبداع َ‬ ‫كل األفكار التــي وردت في مقال طه‬ ‫وراح الكاتبــان يفنــدان ّ‬ ‫للرد عليهما بمقاله الشــهير «يوناني فال‬ ‫حســين‪ ،‬مما دفع به ّ‬ ‫يقرأ»‪ ،‬اتهمهما فيه بأنهما لم يدركا ما ذهب إليه‪ ،‬ولذلك جاء‬ ‫في ردهما قصور بشكل فادح‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫وفي خضم هذه المناقشــات ُولدت أوســع معركــة أدبية في‬ ‫منتصف القــرن الماضي‪ ،‬وهي معركــة الواقعية في األدب‪،‬‬ ‫وكتــب الناقــدان الشــابان دراســتين طويلتيــن‪« :‬فــي األدب‬ ‫الواقعي»‪ ،‬و«من أجل أدب واقعي»‪ ،‬وشــرحا فيهما مذهبهما‬ ‫الجديد في األدب‪ ،‬وتبع ذلك الحراك الفكري والنقدي سلسلة‬ ‫كل ألــوان الطيــف األدبي‬ ‫حــوارات واســعة‪ ،‬شــاركت فيهــا ّ‬ ‫والفكري آنذاك‪.‬‬ ‫ولم تقتصر المناقشــة على الساحة المصرية فقط‪ ،‬بل امتدت‬ ‫والمفكر‬ ‫إلى بيروت ودمشــق وعواصم أخرى‪ ،‬فكتــب الناقد‬ ‫ِّ‬ ‫تصــدى فيــه للفكرة‬ ‫حســين مــروة كتابــه «قضايــا أدبية»‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الواقعيــة في األدب‪ ،‬وانتصــر بالطبع لزميليــه عبد العظيم‬ ‫أنيــس ومحمــود أمين العالــم‪ ،‬وصدر الكتاب فــي القاهرة‪،‬‬ ‫وضما‬ ‫بينمــا جمع الناقــدان العالم وأنيس حصــاد المعركة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الدراسات والمقاالت في كتاب بعنوان «في الثقافة المصرية»‬ ‫عــام ‪ ،1955‬وقــّدم له حســين مروة بدراســة نقدية طويلة‪،‬‬ ‫معتبــرًا أن القضيــة عربية بجــدارة‪ ،‬رغم أن عنــوان الكتاب‬ ‫«فــي الثقافة المصريــة»‪ ،‬وصدر الكتاب فــي بيروت عن دار‬ ‫الفكر الجديد‪.‬‬ ‫بيــد أن المعركــة لــم تكــن نقدية فقــط‪ ،‬وإنما كانــت النماذج‬ ‫كل العواصم العربية‪ ،‬وكانت‬ ‫األدبية تالحق هذا الحراك في ّ‬ ‫القصــص واألشــعار تنشــر فــي المجــات والصحف بشــكل‬ ‫لتعبر عن ذلك الحراك بين طرفي الحوار الذي صار‬ ‫متواتر‪ّ ،‬‬ ‫معركــة وجود ومســتقبل‪ ،‬وكذلك كانت ترجمــات النقد الذي‬ ‫ينتصر للواقعية تعمل على قدم وساق‪.‬‬ ‫وبعــد أن كاد غبار المعركة ينقشــع‪ ،‬يكتب طه حســين مقا ًال‬

‫فــي إبريل‪/‬نيســان عــام ‪ 1956‬في مجلة «الرســالة الجديدة»‬ ‫عنوانه «واقعيون»‪ ،‬ليســخر فيه مجــّددًا من الواقعية‪ ،‬وكأنه‬ ‫ال يريد التسليم بسالمة أطروحات الواقعية التي بدأت تنتشر‬ ‫نقــدًا وفكرًا وإبداعاً‪ ،‬وكتب مقاله وكأنه اســتطراد لما ســبق‪:‬‬ ‫«ولكنهــم ال يفهمون مذهبهــم على نحو مريــح ال يكلفهم جهدًا‬ ‫وال عنــاء‪ ،‬وإنمــا يغريهم بالنقل والتســجيل‪ ،‬وهــم وادعون‬ ‫يحســون شــيئ ًا مــن هذا العــذاب الذي ال يعرفه ويشــقى به‬ ‫ال ّ‬ ‫الحــق‪ ،‬حين تعرض له صورة مــن الصور‪ ،‬فيريد أن‬ ‫األديــب‬ ‫ّ‬ ‫حية قوية تقع في نفســك فتحدث فيها أثرًا‬ ‫ة‬ ‫حر‬ ‫إليك‬ ‫يؤديها‬ ‫ِّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫مثلهــا حرًا حيــ ًا قويــاً‪ ،‬يغريك باألمــل والعمــل ويدفعك إلى‬ ‫شــقاء اليــأس واالستســام‪ ...‬يحيــا الواقعيون من شــبابنا‬ ‫ويلم بها النور إذا‬ ‫حياة متناقضة يشــتد ظالمها حين يكتبون ّ‬ ‫تركوا القلم والقرطاس‪ ،‬وهم مؤمنون بهذه الواقعية‪ ..‬كّتابنا‬ ‫الواقعيون يصطنعون واقعيتهم هذه اصطناع ًا وال يشتقونها‬ ‫الفّن‪ ،‬وليس‬ ‫مــن طبائعهم وهم يرون مع ذلك هــذا صدق ًا في َ‬ ‫الفّن في شيء»‪.‬‬ ‫هذا من الصدق في شيء‪ ،‬كما أنه ليس من َ‬ ‫واسترســل طــه حســين فــي رجــم المذهــب الواقعــي حســب‬ ‫المفاهيــم التي طرحها األدباء الشــباب آنذاك‪ ،‬باتهامات تكاد‬ ‫تكــون انفعالية وجزافية‪ ،‬مما دفع تلميذه المباشــر‪ ،‬والمحب‬ ‫لــه‪ ،‬الناقــد الطليعــي محمــد منــدور أن يرد على أســتاذه في‬ ‫العــدد التالــي من المجلة (مايــو ‪ )1956‬بمقــال عنوانه «نحن‬ ‫واقعيون»‪ ،‬وفنّد مندور كافة الحجج التي طرحها طه حسين‪،‬‬ ‫وقال‪« :‬الدكتور طه حسين يأخذ على أدبائنا الناشئين أو على‬ ‫األصح المحدثين أمرين كبيرين‪ ،‬أولهما الكسل وعدم الجهد في‬ ‫صياغة َفنّية تضمن له الخلود وترتفع به إلى مســتوى األدب‬ ‫الصحيــح‪ ،‬وهو يرى هذا الكســل واضح ًا فــي طرائق التعبير‬ ‫اللّغوي التي يلجأ إليها هؤالء األدباء الواقعيون‪ ،‬وثانيهما أن‬ ‫هــؤالء الواقعيين يصطنعون هــذه الواقعية اصطناع ًا كاذباً‪،‬‬ ‫ألنــه رآهم فــي حياتهم العادية ال يشــقون بالحيــاة كما يبدو‬ ‫في أدبهم‪ ...‬والدكتور طه حســين ال يخلو في كال األمرين من‬ ‫مغالطــة واضحة‪ ،‬وذلك ألن الواقعييــن ال يدعون إلى إهمال‬ ‫ّيــة في صياغــة األدب‪ ،‬وال إلى ضعــف العبارة‬ ‫األصــول َ‬ ‫الفنّ‬ ‫أو هلهلتهــا‪ ،‬وذلــك ألن الواقعيــة ال تختلــف عــن المثالية أو‬ ‫الفّن وأصول‬ ‫الرومانســية أو أي مذهب آخر مــن حيث مبادئ َ‬ ‫الصياغة‪ ،‬وذلك ألن هذه المبادئ وتلك األصول التي اشتقت‬ ‫تمكنهم مــن أن يحقّقوا‬ ‫مــن عيــون األدب العالمي‪ ،‬هي التــي ّ‬ ‫األهــداف التي يســعى إليهــا أدبهــم الواقعي‪ ،‬وفــي الحق أن‬ ‫الواقعية ليست صورة أدبية خاصة‪ ،‬وإنما هي مضمون يريد‬ ‫دعاتــه أن يصوغوه أدباً‪ ،‬وفق ًا لألصول والمبادئ الثابتة في‬ ‫كل َفّن من فنون األدب كالقصة أو المسرحية أو القصيدة»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وقــد ُعّدت هــذه المقالــة حينها ومــا طرحه فيها منــدور نوع ًا‬ ‫من التجاوز في مناقشــته ألســتاذه‪ ،‬ولكن ضــرورة المعركة‬ ‫الجادة استدعت مثل هذه الردود والمقاالت‪ ،‬التي منها ما يزال‬ ‫لقــراء األدب‪ ،‬والذين يبحثــون في تاريخ‬ ‫مجهــو ًال حتــى اآلن ّ‬ ‫األدب‪ ،‬ال يســتندون فــي أبحاثهم ودراســاتهم األكاديمية‪ّ ،‬إل‬ ‫على ما نشــر في الكتب للنقاد‪ ،‬ولذلك فمن المفيد أن تجد تلك‬ ‫تتعرف األجيال الجديدة‬ ‫المقاالت ّ‬ ‫المهمة طريقها للنشر‪ ،‬حتى ّ‬ ‫على أصول تاريخنا األدبي والثّقافي‪.‬‬ ‫‪153‬‬


‫«الدوحة» زمان‬

‫بمناســبة ذكــرى رحيــل الشــاعر صــاح عبدالصبــور (‪ - 1931‬أغســطس‪ ،)1989 ،‬تســتعيد «الدوحــة»‬ ‫وقدَّم ــه‬ ‫الينس ــى‪ .‬الح ــوار كان ق ــد أج ــراه محم ــد يوس ــف‪َ ،‬‬ ‫ح ــوارًا ن ــادرًا م ــن أرش ــيفها؛ تحّي ـ ًـة لش ــاعر ُ‬ ‫بم ــا يأت ــي‪:‬‬

‫كيف انتهت حياة شاعر كبري؟‬

‫تفاصيل الليلة األخرية يف حياة الشاعر صالح عبد الصبور‬ ‫(مجلة الدوحة‪ ،‬عدد أغسطس‪)1984 ،‬‬ ‫في هذا الحوار مع الســيدة ســميحة غالب (زوجة الشاعر الراحل‬ ‫صالح عبد الصبور)‪ ،‬تميط رفيقة دربه اللثام عن تفاصيل الليلة‬ ‫وتلم شظايا المشهد األخير‬ ‫األخيرة التي شهدت سقوط الفارس‪ّ ،‬‬ ‫الفاجع قبل إسدال الستار‪.‬‬ ‫من جانب آخر‪ ،‬تســتدعي السيدة سميحة غالب ذاكرتها المضيئة‬ ‫لتتحــدث عــن الكتــب واألوراق األخيــرة التي تركهــا صالح عبد‬ ‫َّ‬ ‫الصبور‪ ،‬وتجيب على بعض األســئلة التــي تتناول العصر الذي‬ ‫عاشــه وعايشــه‪ ،‬وإذا مــا كان قد أنصفه أم ظلمــه‪ ،‬ولماذا كانت‬ ‫‪154‬‬

‫يتفرغ‬ ‫رؤيته الشعرية َّ‬ ‫مبطنة برائحة اليأس الوجودي‪ ،‬ولماذا لم َّ‬ ‫الفــارس الراحل لإلبداع والكتابة‪ ،‬وهل خذل صاحب «الناس في‬ ‫بالدي» الشعر والموقف أم ال‪ ،‬وما هي َأ َح ّب أشعاره ومسرحياته‬ ‫ومعتزة‪ ،‬إلى جانب بعض‬ ‫َّم ابنَتْيه‪ :‬مــي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إلى نفســها‪ ،‬وماذا َعل َ‬ ‫ذكرياتها معه‪.‬‬ ‫نص الحوار‪:‬‬ ‫وفي ما يلي ّ‬ ‫ ‬

‫•س‪ -‬األوراق األخيــرة التي تركها صــاح عبد الصبور‪ ..‬ماذا‬ ‫كانت تحتوي؟ وهل أكملها؟‬

‫مشتتة‪،‬‬ ‫ج‪ -‬األوراق األخيرة التي كتبها صالح عبد الصبور أتت َّ‬ ‫األيام نفسها‪.‬‬ ‫تفرق‬ ‫ُّ‬ ‫وتشتت ّ‬ ‫متفرقة ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫كانت األيام‪ ،‬بالنســبة إلى صالح‪ ،‬قاســية موحشــة‪ ،‬لم يعرف‬ ‫ومترددة‪ ،‬تأتي على استحياء‪ ،‬وتنعكس‬ ‫فيها ّإل بســمات قليلة‬ ‫ّ‬ ‫ومعتزة؛ فهما كانتا البسمة الوحيدة في‬ ‫على ُم َحّيا ابنَتْيه‪ :‬مي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حياتــه‪ ،‬أضيف أنهما كانتا الســبب الوحيد‪ -‬أيضــاً‪ -‬الذي جعله‬ ‫يحرص على بعض األشياء التي لم يكن هو‪ ،‬شخصياً‪ ،‬بحاجة‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫وأنــا أدين نفســي‪ ،‬بصفتي زوجة لصالح عبــد الصبور‪ ،‬ألنني‬ ‫ألي ظرف من‬ ‫وضعــت أمومتي في المرتبة األولى‪ ،‬ولم أســمح ّ‬ ‫يهز كيان أسرتي الصغيرة‪.‬‬ ‫الظروف أن ّ‬ ‫أعــود إلــى األوراق التــي تركها صالح فأقول لــك إنه انتهى من‬ ‫كتابة «الحديقة الموحشة» وهو عبارة عن نصوص مختارة من‬ ‫نقدية‪.‬‬ ‫المعري‪ ،‬مع تقديم وتحليل ونظرة ّ‬ ‫شعر أبي العالء ّ‬ ‫مســرحيَتْين‪ :‬األولــى عن‬ ‫كتــب‪ -‬أيضــاً‪ ،‬قبــل رحيلــه‪ -‬بدايــات‬ ‫َّ‬ ‫(عنتــرة)‪ ،‬واألخــرى عن (الزير ســالم)‪ ،‬إلى جانــب كتابة بداية‬ ‫لمســرحية نثرية‪ ،‬وبداية مشروع قاموس عربي‪ ،‬كان قد َّاتَفق‪،‬‬ ‫على إعداده وكتابته‪ ،‬مع سهيل إدريس‪ ،‬لنشره في دار اآلداب‪.‬‬ ‫ ‬

‫•س‪ -‬الليلة األخيرة التي شهدت رحيل صالح عبد الصبور‪..‬‬ ‫ما هي تفاصيلها؟‪:‬‬

‫ ‬

‫•ماذا حدث؟ وكيف سقط الفارس؟‬

‫بداية‪ ،