Page 1


‫ماذا نفعل بإرثنا الثّقافي؟‬ ‫رئيس التحرير‬

‫فـالــح بن حســـين الهـاجـــري‬ ‫مدير التحرير‬

‫خـــالد العــودة الفـضـــلي‬ ‫هيئة التحرير‬

‫محـســن العـتيقـي‬ ‫اإلخراج والتنفيذ‬

‫عمرو الكفراوي‬ ‫رشا أبوشوشة‬ ‫هـــنـد آلبنسعيد‬ ‫فلوه الهاجري‬

‫جميــع المشــاركات ترســل باســم رئيــس‬ ‫التحريــر ويفضــل أن ترســل عبــر البريــد‬ ‫االلكترونــي للمجلــة أو علــى قــرص مدمــج‬ ‫فــي حــدود ‪ 1000‬كلمــة علــى العنــوان اآلتــي‪:‬‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022295 :‬‬ ‫تليفون ‪ -‬فاكس ‪)+974( 44022690 :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 22404 :.‬الدوحة ‪ -‬قطر‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪editor-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪aldoha_magazine@yahoo.com‬‬

‫مكتب القاهرة‪:‬‬ ‫وحيد الطويلة‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬

‫‪aldoha.cairo@gmail.com‬‬

‫المــواد المنشــورة فــي المجلــة ُتعبِّــر عــن‬ ‫عبــر بالضــرورة عــن رأي‬ ‫آراء كتّابهــا وال ُت ِّ‬ ‫ـرد‬ ‫الــوزارة أو المجلــة‪ .‬وال تلتــزم المجلــة بـ ّ‬ ‫أصــول مــا ال تنشــره‪.‬‬

‫كلَّمـــا ارتفـــع منســـوب الثّقافـــة فـــي المجتمعـــات زاد ترســـيخ الحـــوار والتعايـــش‬ ‫والســلْم بي ــن المواطني ــن والجماع ــات‪ ،‬وص ــو ًال إل ــى ح ــوار األم ــم فيم ــا بينه ــا‪ ،‬بم ــا‬ ‫يعـــود علـــى العالـــم باألمـــن والرفـــاه وســـيادة التعـــاون المشـــترك‪ ،‬بـــدل التفرقـــة‬ ‫ظاهري ـاً‪ ،‬التعبي ــر‬ ‫وإش ــعال الفت ــن‪ ...‬وه ــي م ــن بي ــن مقاص ــد علي ــا‪ ،‬ينط ــوي عليه ــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المألـــوف «حـــوار الحضـــارات»‪.‬‬ ‫لك ــن الواق ــع ف ــي كّف ــة‪ ،‬والش ــعارات تب ــدو ف ــي كّف ــة أخ ــرى‪ .‬وب ــد ًال م ــن تحقي ــق‬ ‫الســـلْم واألمـــن والتعايـــش فـــي عصـــر الطفـــرات العلميـــة‪ ،‬والتواصليـــة‪ ،‬الخارقـــة‪،‬‬ ‫تغيـــرت قواعـــد‬ ‫يبقـــى القضـــاء علـــى العنـــف هدفـــ ًا مســـتقبلي ًا بعيـــد المنـــال‪ ،‬بعدمـــا ّ‬ ‫العامـــة‪ ،‬وضحاياهـــا‬ ‫الحـــرب‪ ،‬وأصبحنـــا أمـــام ردود أفعـــال‪ ،‬مكانهـــا الفضـــاءات ّ‬ ‫المســـالمون الســـائرون إلـــى قضـــاء حاجاتهـــم‪ ،‬واآلمنـــون فـــي بيـــوت عباداتهـــم‪.‬‬ ‫وكم ــا يعاي ــن الجمي ــع‪ ،‬ف ــإن أغل ــب أح ــداث العن ــف اإلرهابي ــة تت ـّـم ف ــي دول غربي ــة‬ ‫التعدديــة الثّقافيــة‪ ،‬لتضمــن للمهاجريــن كامــل حقوقهــم فــي‬ ‫تبنــت سياســات‬ ‫بعينهــا‪َّ ،‬‬ ‫ُّ‬ ‫الخاص ــة‪ ،‬والمعتق ــدات الديني ــة‪ ...‬وال يخف ــى‬ ‫ـادات‬ ‫ـ‬ ‫الع‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫وممارس‬ ‫ـدل‬ ‫ـ‬ ‫والع‬ ‫المواطن ــة‬ ‫ّ‬ ‫كل خط ــاب‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫عن‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫يتبخ‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫وه‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫النبي‬ ‫ـاني‬ ‫ـ‬ ‫اإلنس‬ ‫ـب‬ ‫ـ‬ ‫المكتس‬ ‫ـذا‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫رؤي‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫متاب‬ ‫عل ــى‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫انتخاب ــي مح ـ ِّـرض عل ــى التفرق ــة وعل ــى العنصري ــة‪ ،‬غرض ــه المضم ــر كس ــب معرك ــة‬ ‫لـــردات فعـــل عنيفـــة‬ ‫مؤجـــج ّ‬ ‫انتخابيـــة عابـــرة‪ ،‬فيمـــا هـــو‪ -‬فـــي حقيقتـــه الحتميـــة‪ِّ -‬‬ ‫حم ــد عقباه ــا‪.‬‬ ‫وش ــاذّة‪ ،‬ال ُت َ‬ ‫وهكــذا‪ِ ،‬‬ ‫فعـ َـوض أن يرتفــع منســوب الثّقافــة‪ ،‬ويتـّـم توفيــر قنــوات جريانهــا الدائــم‬ ‫ضمنيــاً‪ ،‬ف ــي‬ ‫العام ــة وبي ــن كاف ــة الن ــاس‪ ،‬كم ــا ه ــو معَل ــن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ف ــي الش ــوارع واألزق ــة ّ‬ ‫التعدديــة الثّقافيــة‪ ،‬نــرى الخطــاب السياســي يتطـ َّـرف‪ ،‬منحرفـ ًا عــن صــواب‬ ‫ديباجــات‬ ‫ُّ‬ ‫الديموقراطي ــات الغربي ــة‪ ،‬حت ــى اختل ــط األم ــر‬ ‫ـبات‬ ‫ـ‬ ‫مكتس‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫وع‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫النبيل‬ ‫ـة‬ ‫السياس ـ‬ ‫ّ‬ ‫القيمــون‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫ت‬ ‫ضحي‬ ‫ـب‬ ‫ـ‬ ‫ويذه‬ ‫ـادة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫العب‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫أماك‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫يص‬ ‫ـف‬ ‫ـ‬ ‫العن‬ ‫ـهدون‬ ‫ـ‬ ‫يش‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫وه‬ ‫ـاس‬ ‫ـ‬ ‫علــى الن‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫عليه ــا‪ ،‬ف ــي كنيس ــة أو مس ــجد‪ ،‬عل ــى ح ـ ٍّـد س ــواء‪.‬‬ ‫ـــو أكثـــر وقعـــ ًا مـــن إقصائهمـــا تمامـــاً‪ .‬وإذا كان‬ ‫إن تشـــويه ثقافـــة‬ ‫ّ‬ ‫وهويـــة مـــا َلُه َ‬ ‫بقضيــة‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫االنتخابي‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫معاركه‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫َّحون‪،‬‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫يتس‬ ‫ـرب‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الغ‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـون‪،‬‬ ‫المتطرفـ‬ ‫السياسـّـيون‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫الهجــرة‪ ،‬بتصويرهــا للناخبيــن علــى أنهــا ســبب البــاء‪ ،‬فــإن هــذه الصــورة (والحــال‬ ‫أنهـــا التصقـــت‪ ،‬مـــع األســـف الشـــديد‪ ،‬بالعـــرب والمســـلمين فـــي المهاجـــر) تتجـــاوز‬ ‫ح ــدود تل ــك الب ــاد‪ ،‬لتش ـ ِّـكل‪ ،‬ف ــي ذه ــن المواط ــن الغرب ــي الجاه ــل بمب ــادئ اإلس ــام‪،‬‬ ‫كل األقط ــار العربي ــة‪ ،‬وت ــزرع ف ــي‬ ‫ـوهة ع ــن ّ‬ ‫والثّقاف ــة العربي ــة‪ ،‬ص ـ ً‬ ‫ثقافي ــة مش ـ َّ‬ ‫ـورة ّ‬ ‫نفس ــه ب ــذور الحق ــد والكراهي ــة تج ــاه المس ــلمين‪.‬‬ ‫وإذا كان ــت أص ــوات كثي ــر م ــن المثقَّفي ــن‪ ،‬ف ــي الغ ــرب‪ ،‬ترتف ــع تج ــاه الحكوم ــات‪،‬‬ ‫لســّد الثغ ــرات المعرفي ــة‬ ‫وتطالبه ــا بض ــرورة إع ــادة النظ ــر ف ــي المناه ــج التعليمي ــة َ‬ ‫حـــول اإلســـام‪ ،‬فـــي صفـــوف الناشـــئة‪ ،‬فإننـــا‪ -‬أيضـــاً‪ -‬فـــي البيئـــة الثّقافيـــة‪،‬‬ ‫أي وقـــت مضـــى‪ ،‬إلـــى‬ ‫العربيَتْيـــن‪ ،‬فـــي‬ ‫والبيئـــة التعليميـــة‬ ‫أمـــس الحاجـــة‪ ،‬قبـــل ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تبنّـــي تعريـــف ُم َّتفـــق عليـــه للثّقافـــة‪ ،‬ال ينتطـــح فيـــه عنـــزان‪ ،‬وال تختلـــط فيـــه‬ ‫األوراق األيديولوجي ــة وال العرقي ــة‪ ،‬بالثّقافي ــة؛ ذل ــك أن م ــا ه ــو ثقاف ــي نش ــترك في ــه‬ ‫تنوعهـــا‪ ،‬وفـــي‬ ‫جميعـــ ًا داخـــل الوطـــن الواحـــد‪ ،‬وفـــي ســـائر البـــاد العربيـــة‪ ،‬فـــي ّ‬ ‫توح ــده اللّغ ــة والدي ــن الل ــذان يش ـ ِّـكالن‪ -‬مع ـاً‪ -‬حاضن ــة متين ــة‬ ‫ثرائه ــا الثّقاف ــي‪ ،‬ال ــذي ِّ‬ ‫ممتــّدة‪ ،‬جغرافيــ ًا وتاريخيــاً‪ .‬وه ــذا التبّن ــي الواض ــح لمفه ــوم الثّقاف ــة‪ ،‬القائ ــم عل ــى‬ ‫المش ــاركة واالعت ــراف واالخت ــاف ومب ــادئ الح ــوار والتس ــامح واحت ــرام اآلخ ــر‪ ،‬ف ــي‬ ‫كل الفئــات ســواء‬ ‫ثقافتــه‬ ‫وخصوصياتــه‪ ،‬إذا أوجدنــا لــه ســبل تكريســه العــادل بيــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـام واإلع ــام)‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الع‬ ‫ـاء‬ ‫ـ‬ ‫والفض‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫المجتم‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ث‬ ‫ـية‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الدراس‬ ‫ـج‬ ‫ـ‬ ‫المناه‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫(بداي‬ ‫محلي ـ ًا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ودوليــ ًا عب ــر مواثي ــق أكث ــر صرام ــة‪ ،‬ترع ــى الس ــيادة الثّقافي ــة‪ ،‬وتضم ــن‬ ‫وإقليميــاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احترامه ــا وحمايته ــا م ــن التش ــويه‪ ...‬م ــن ش ــأنه‪ ،‬لي ــس‪ ،‬فق ــط‪ ،‬تصحي ــح ص ــورة‬ ‫الثّقاف ــة العربي ــة واإلس ــامية ف ــي نظ ــر اآلخ ــر‪ ،‬أو حماي ــة المواطني ــن م ــن االنح ــراف‬ ‫أي تشــويه يطالهــا مســتقبالً‪ .‬والحــال أننــا دخلنــا‬ ‫الفكــري‪ ،‬إنمــا‪ -‬أيضـاً‪ -‬تقويتهــا مــن ّ‬ ‫عصـــر الحـــروب الثّقافيـــة‪ ،‬ولدينـــا تـــراث ثقافـــي مســـتنير‪ ،‬علينـــا معرفـــة تســـويقه‬ ‫واق‪ ،‬ف ــي واجه ــة المعرك ــة‪.‬‬ ‫ـدرع ٍ‬ ‫وحمل ــه‪ ،‬ك ـ ٍ‬ ‫رئيس التحرير‬


‫مجان ًا مع العدد‪:‬‬

‫الغالف‪:‬‬

‫ثــقــافـيـة شــــهــريــة‬

‫العدد‬

‫‪107‬‬

‫السنة التاســعة ‪ -‬العـدد مئة وسبعة‬ ‫ذو الحجة ‪- 1437‬سبتمبر ‪2016‬‬

‫تصدر عن‬ ‫إدارة البحوث والدراسات الثقافية‬

‫وزارة الثقافة والرياضة‬ ‫الـــدوحــــة ‪ -‬قـــــطــــر‬

‫لوحة غالف المجلة‪:‬‬ ‫ديفيدالفنّان‬ ‫الشرق‬ ‫اجانغو‬

‫لوحة غالف الكتاب‪:‬‬ ‫صورة ألحد أحياء القاهرة‬ ‫في بداية القرن العشرين‬

‫د‪.‬زكي نجيب محمود‬

‫صدر العدد األول في نوفمبر ‪ ،1969‬وفي يناير ‪ 1976‬أخــذت توجهها العربي واستمرت‬ ‫فــي الــصــدور حــتــي يــنــايــر ع ــام ‪ 1986‬لتستأنف الــصــدور مــجــددًا فــي نوفمبر ‪.2007‬‬ ‫توالى على رئاسة تحريرالدوحة إبراهيم أبو ناب‪ ،‬د‪ .‬محمد إبراهيم الشوش و رجاء النقاش‪.‬‬

‫االشتراكات السنوية‬ ‫داخل دولة قطر‬ ‫األفراد ‬ ‫الدوائر الرســمية‬

‫‪ 120‬ريــا ًال‬ ‫‪ 240‬ريا ًال‬

‫خارج دولة قطر‬ ‫دول الخليــج العربــي‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫باقــــــي الدول العربية‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 75‬يورو‬

‫أمـــــــــــــــــــيــــركـــــــا‬

‫‪ 100‬دوالر‬

‫كــــنــــدا وأسترالــــيا‬

‫‪ 150‬دوالرًا‬

‫الموقع اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪www.aldohamagazine.com‬‬

‫التوزيع واالشتراكات‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022338 :‬‬ ‫فـاكـس ‪)+974( 44022343 :‬‬

‫اقتصاد‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪distribution-mag@moc.gov.qa‬‬ ‫‪doha.distribution@yahoo.com‬‬

‫الشؤون المالية واإلدارية‬

‫‪finance-mag@moc.gov.qa‬‬

‫ترســـل قـيمة االشـــتراك بموجـب حـــوالة‬ ‫مصــــرفية أو شــــيك بالريـال القــطــري‬ ‫باسـم وزارة الثقافـة والرياضـة علـى‬ ‫عنـوان المجلـة‪.‬‬

‫الموزعون‬ ‫وكيل التوزيع في دولة قطر‪:‬‬ ‫وكالء التوزيع في الخارج‪:‬‬ ‫المملكة العربية السعودية ‪ -‬الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع ‪ -‬الرياض‪ -‬ت‪0096614871262 :‬‬ ‫ فاكــس‪ /0096614870809 :‬مملكــة البحريــن ‪ -‬مؤسســة الهــال لتوزيع الصحــف ‪ -‬المنامة ‪-‬‬‫ت‪ - 007317480800 :‬فاكــس‪/007317480819 :‬دولــة اإلمارات العربية المتحدة ‪ -‬المؤسســة‬ ‫العربيــة للصحافــة واإلعــام ‪ -‬أبــو ظبــي ‪ -‬ت‪ - 4477999 :‬فاكس‪ /4475668 :‬ســلطنة ُعمان‬ ‫ مؤسســة ُعمان للصحافة واألنباء والنشــر واإلعالن ‪ -‬مســقط ‪ -‬ت‪ - 009682493356 :‬فاكس‪:‬‬‫‪ /0096824649379‬دولــة الكويــت ‪ -‬شــركةالمجموعة التســويقية للدعايــة واإلعــان ‪ -‬الكويت‬ ‫ ت‪ - 009651838281 :‬فاكــس‪ /0096524839487 :‬الجمهوريــة اللبنانيــة ‪ -‬مؤسســة‬‫نعنــوع الصحفيــة للتوزيــع ‪ -‬بيــروت ‪ -‬ت‪ - 009611666668 :‬فاكــس‪/009611653260 :‬‬ ‫الجمهوريــة اليمنيــة ‪ -‬محــات القائــد التجاريــة ‪ -‬صنعــاء ‪ -‬ت‪- 00967777745744 :‬‬ ‫فاكــس‪ / 009671240883 :‬جمهوريــة مصــر العربيــة ‪ -‬مؤسســة األهــرام ‪ -‬القاهــرة ‪ -‬ت‪:‬‬ ‫‪ - 002027704365‬فاكــس ‪/002027703196‬الجماهيريــة الليبية ‪ -‬دار الفكر الجديد الســتيراد‬ ‫ونشــر وتوزيــع المطبوعات ‪ -‬طرابلــس ‪ -‬ت‪ - 0021821333260 :‬فاكس‪00218213332610 :‬‬ ‫‪ /‬جمهورية السودان ‪ -‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع ‪ -‬الخرطوم ‪ -‬ت‪0024915494770 :‬‬ ‫ فاكس‪ / 00249183242703 :‬المملكة المغربية ‪ -‬الشــركة العربية اإلفريقية للتوزيع والنشــر‬‫والصحافة‪ ،‬سبريس ‪ -‬الدار البيضاء ‪ -‬ت‪ - 00212522249200 :‬فاكس‪/00212522249214:‬‬ ‫الجمهورية العربية الســورية ‪ -‬مؤسســة الوحدة للصحافة والطباعة والنشــر والتوزيع ‪ -‬دمشق ‪-‬‬ ‫ت‪- 00963112127797 :‬فاكس‪00963112128664:‬‬

‫األسعار‬ ‫دولة قطر‬

‫‪ 10‬رياالت‬

‫الجمهورية اللبنانية‬

‫دينار واحد‬

‫الجمهورية العراقية‬

‫اإلمارات العربية المتحدة‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫سلطنة عمان‬

‫‪ 800‬بيسة‬

‫دولة الكويت‬ ‫المملكة العربية السعودية‬ ‫جمهورية مصر العربية‬ ‫الجماهيرية العربية الليبية‬ ‫الجمهورية التونسية‬ ‫الجمهورية الجزائرية‬ ‫المملكة المغربية‬ ‫الجمهورية العربية السورية‬

‫دينار واحد‬ ‫‪ 10‬رياالت‬ ‫‪ 3‬جنيهات‬ ‫‪ 3‬دنانير‬ ‫‪ 2‬دينار‬ ‫‪ 80‬دينارًا‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 80‬ليرة‬

‫تقارير‬

‫‪8‬‬

‫قمة األمل‪(.................................‬نواكشوط‪ :‬عبد اهلل ولد محمدو)‬ ‫خيمة ّ‬ ‫موسم أصيلة الثّقافي‪ ..‬ما له وما عليه‪ (......‬أصيلة ‪ :‬محمد عبد الصمد اإلدريس)‬ ‫جائزة «كتارا» للرواية العربية في دورتها الثالثة‪ (.....‬الدوحة‪:‬طه عبدالرحمن)‬ ‫البحث عن العالج في ما وراء األمواج! ‪(.....................................‬محمد األصفـر)‬

‫‪12‬‬

‫نرسين حمود‬

‫استطالع‬

‫نوارةلحـرش)‬ ‫غياب ّ‬ ‫المجلت الثّقافية في الجزائر ‪( ...................‬الجزائر‪ّ :‬‬

‫رسالة من المهجر‬

‫‪18‬‬

‫تحقيق‬

‫‪26‬‬

‫الدورة «‪ »70‬لمهرجان أفينيون المسرحي‪(...................‬أفينيون‪ :‬محمد برادة)‬

‫دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة ‪ -‬ت‪ 44557810 :‬فاكس‪44557819 :‬‬

‫مملكة البحرين‬

‫‪4‬‬

‫الطريق إلى البيت األبيض‪َ ..‬م ْش ٌي فوق شظايا األزمة‪(............‬جمال الموساوي)‬

‫المملكة األردنية الهاشمية‬ ‫الجمهورية اليمنية‬

‫‪ 3000‬ليرة‬ ‫‪ 3000‬دينار‬ ‫‪ 1.5‬دينار‬ ‫‪ 150‬ريا ًال‬

‫جمهورية السودان‬

‫‪ 1.5‬جنيه‬

‫موريتانيا‬

‫‪ 100‬أوقية‬

‫فلسطين‬ ‫الصومال‬

‫‪ 1‬دينار أردني‬ ‫‪ 1500‬شلن‬

‫بريطانيا‬

‫‪ 4‬جنيهات‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 4‬يورو‬

‫الواليات المتحدة األميركية‬

‫‪ 4‬دوالرات‬

‫كندا واستراليا‬

‫‪ 5‬دوالرات‬

‫ورش الكتابة األدبية‪..‬هل تصنع كاتب ًا ؟ ‪(........‬القاهرة‪:‬هند مختار‪ -‬إيمان السباعي)‬

‫قضية‬

‫«بوكيمون جو»‬

‫‪40‬‬

‫في واقعنا غير المعزَّز!‬ ‫‪30‬‬ ‫مروى بن مسعود‬ ‫أسماء الغول‬ ‫عبدالوهاب األنصاري‬ ‫إليزابيلال كاميرا دافليتو‬ ‫عماد إرنست‬ ‫نويمي فيرو‬ ‫فروزسينا إردوغ‪،‬ت‪:‬أنور الشامي‬


‫ملف‬

‫الــيـد‬

‫‪68‬‬

‫تهدي وردة‬ ‫وتضغط على الزناد‬

‫أدب‬

‫‪102‬‬

‫جورج يرق‪:‬الرواية ال تطعم خبزاً‪( ..........................‬حوار‪:‬نسرين حمود)‬ ‫كارل أوفه كناوسجارد‪ :‬الرواية تميل إلى حجب العالم‪( ........‬حوار‪ :‬جيمس وود)‬ ‫الدخول األدبي الفرنسي ليس مجرد احتفال باألدب! ‪( ..............‬سعيد بوكرامي)‬ ‫ظل بكين‪( ....‬حوار‪ :‬نسرين البخشونجي)‬ ‫شيو تسي تشين‪..‬الذين يعيشون في ّ‬

‫إصدارات‬

‫‪112‬‬

‫طريق النظرية إلى الواقع العربي‪( ..............................‬خالد وليد محمود)‬ ‫المدنيــة والعقالنية السياســية‪( .......................................‬د‪ .‬خالد طحطح)‬

‫بصمات‬

‫عبد العزيز‬ ‫المنصوري‪..‬‬ ‫العائد‬ ‫من النّسيان‬

‫‪134‬‬

‫نصوص‬

‫‪128‬‬

‫األرق‪( .................................................‬صالح لبريني)‬ ‫غنائمي ٌ‬ ‫كثيرة في َ‬ ‫نجوت؟!‪( .................................................‬بيان أسعد مصطفى)‬ ‫هل‪ ،‬حقاً‪ُ ،‬‬

‫ترجمات‬

‫‪140‬‬

‫سينما‬

‫‪130‬‬

‫مـــا تبقـــى مـــن األولمبياد‪(.........................‬عبـــد اهلل كرمـــون)‬

‫‪22‬‬

‫أكث ــر م ــن اعت ــذار إل ــى أحم ــد زويل‪(....................‬ش ــاهيناز وزي ــر)‬

‫‪24‬‬

‫تونس‪..‬تلـــك المدينـــة البيضـــاء‪(.........‬د‪ .‬عبدالعزيـــز المقالـــح)‬

‫‪48‬‬

‫اللّغــة العربيــة واإلرهــاب‪(..................‬د‪ .‬حســين الســوداني)‬

‫‪62‬‬

‫المثقّـــف موقف‪(.........................‬مـــرزوق بشـــير بـــن مـــرزوق)‬

‫‪67‬‬

‫الكتابـــة فـــي أزمنـــة الحرب‪(.........................‬هيثـــم حســـين) ‪133‬‬

‫«الســبيليات» إلســماعيل فهــد إســماعيل‪( ..................‬عبدالكريــم المقــداد)‬ ‫ـــعٌر أكثر‪(...............................‬رشـــيد الخديـــري)‬ ‫أحـــام ّ‬ ‫أقـــل‪ِ ،‬ش ْ‬ ‫ٌ‬

‫على خطى ريجيس دوبريه ‪ ..‬بين نارين وأربعة جدران‪(....................‬عالء خالدي)‬

‫الجئــون فــي أولمبيــاد ريــودي جانيرو‪(...................‬خطيــب بدلــة)‬

‫‪20‬‬

‫روايـــة وحيـــدة ‪(.......................‬أميـــر تـــاج الســـر) ‪127‬‬

‫الســماء علــى نحــو وشــيك‪..‬رغبات موازيــة للمــوت والالعــودة!‪( ...‬إبراهيــم عادل)‬

‫كتاب‬

‫مقاالت‬

‫فـــي المشـــي والكالم‪(..................................‬أمجـــد ناصـــر) ‪111‬‬

‫حيـــاة لـــم تدركهـــا فـــرادة الكتابـــة وبالغـــة األمنيـــات‪( .........‬د‪ .‬ســـعد القصابـــد)‬

‫‪124‬‬

‫عبداهلل بن محمد‬ ‫سعيد بنكراد‬ ‫مسعود شومان‬ ‫عبد الرحيم العطري‬ ‫منى فياض‬ ‫د‪ .‬وليالي كندو‬ ‫عبده وازن‬ ‫عبد السالم بنعبد العالي‬ ‫نورة محمد فرج‬ ‫عزيز أزغاي‬ ‫د‪ .‬فتحي المسكيني‬

‫«مخال ــب الق ــط» ل ــم تج ــرح يوس ــف السباعي‪(.........‬ش ــعبان يوس ــف) ‪158‬‬ ‫االختيـــار واألحالم‪(........................................‬أحمـــد طـــه) ‪160‬‬

‫سينما‬

‫محمَّد خان‬ ‫كيف قرأ الواقع‬ ‫سينيمائي ًا‬

‫مل‬ ‫ف خاص‬

‫حكايات بلد‬

‫حين تخفي كـندا أقـنعتها!‬

‫فاهافال ــو‪ ..‬ج ــان ل ــوك راهاريمانانا‪(...........‬ترجم ــة‪ :‬محم ــد عب ــد الغن ــي)‬

‫للهوي ــة أم تب ــادل ثقاف ــي؟‪( .....‬عل ــي فاض ــل)‬ ‫بي ــن الس ــاموراي وراع ــي البق ــر‪ :‬س ــلب ّ‬ ‫«‪ .»The BFG‬خي ــال ب ــا ح ــدود ف ــي مدين ــة العمالق ــة‪( ......‬د‪ .‬هان ــي حج ــاج)‬ ‫ط ــرزان األلفي ــة الثالث ــة‪(..........................................‬د‪ .‬ري ــاض عصم ــت)‬ ‫ـــع فـــي فرنســـا !‪( ..............................................‬أمجـــد جمـــال)‬ ‫ُصِن َ‬

‫معارض‬

‫‪154‬‬

‫محمــد ‪ :‬المقصــود مــن أعمالــي ّأل تكون مقــروءة !‪(.....‬حــوار‪ :‬رنا نجار)‬ ‫الفنــان الباكســتاني غــام َّ‬

‫‪142‬‬

‫د‪ .‬يوسف بن الغياثية‬ ‫رانيا سعد‬ ‫د‪ .‬أسامة عالم‬ ‫خالد ذهني‬

‫‪50‬‬


‫اقتصاد‬

‫الطريق إلى البيت األبيض‬ ‫َم ْ‬ ‫ي فوق شظايا األزمة‬ ‫ش ٌ‬

‫جمال الموساوي‬ ‫على بعد نحو شهرين‪ ،‬تبدو االنتخابات‬ ‫األميركيـة كمـا لو أنهـا انتخابات دولية‪.‬‬ ‫كل أربع سنوات‪ ،‬يشارك‬ ‫طقس يتجدد ّ‬ ‫ٌ‬ ‫فيه العالم من أقصاه إلى أقصاه‪ .‬وربما‬ ‫ال يوجـد حـدث‪ ،‬إذا اسـتثنينا مباريـات‬ ‫كأس العالـم لكـرة القـدم‪ ،‬يجـذب إليـه‬ ‫األنظار مثل ما تفعل انتخابات الرئاسة‬ ‫األميركية‪.‬‬ ‫ومـع أن للواليـات المتحـدة ثوابـت ال‬ ‫تحيـد عنهـا فـي سياسـتها الخارجيـة‬ ‫وفـي نظامهـا االقتصـادي وسـعيها إلـى‬ ‫إرسـاء هيمنتهـا علـى العالـم اقتصاديـ ًا‬ ‫‪4‬‬

‫وسياسـي ًا وعسـكري ًا إن لـزم األمـر‪،‬‬ ‫حمايـة لمصالحهـا‪ ،‬فـإن التنافـس بيـن‬ ‫ً‬ ‫الديموقراطييـن والجمهورييـن مـن أجـل‬ ‫الوصـول إلـى البيـت األبيـض ال يعـدم‬ ‫عناصـر التشـويق واإلثـارة‪ ،‬قبـل أن‬ ‫ينتهي بتلك المصافحة الشـهيرة‪ ،‬وتلك‬ ‫تسويق‬ ‫التهنئة من الخاسر للرابح‪ ،‬في‬ ‫ٍ‬ ‫حـي لصـورة الديموقراطيـة ولنمـط‬ ‫الحيـاة األميركيـة‪.‬‬ ‫في سياق تلك الثوابت‪ ،‬انطلق التنافس‬ ‫بيـن هيلاري كلينتـون ودونالد ترامب‪،‬‬ ‫متمحـور ًا حـول الجوانـب الشـخصية‬ ‫المتعلّقـة بالكفـاءة والقـدرة علـى تدبيـر‬ ‫القـوة األكبـر فـي العالـم‪ ،‬ثـم تبـادل‬

‫االتهامـات بشـأن التـورط فـي شـبهات‬ ‫فسـاد أو التهـرب مـن الضرائب ومعاداة‬ ‫أو محابـاة األجانـب والمهاجريـن‪ ،‬أو‬ ‫الوالء ألهداف السياسـة الروسـية التي‬ ‫ألصقتهـا كلينتـون أخيـر ًا بمنافسـها‪.‬‬ ‫وعلـى عكـس االنتخابـات التـي جـرت‬ ‫خلال العشـرين سـنة األخيـرة‪ ،‬فـإن‬ ‫التحديـات المتعلّقة باألمن القومي التي‬ ‫هيمنـت علـى اإلدارة األميركيـة وعلـى‬ ‫المرشـحين للرئاسـيات (العـراق‪11 ،‬‬ ‫سـبتمبر‪/‬أيلول‪ ،‬القاعـدة‪ ،‬طالبـان‬ ‫باإلضافة إلى كوريا الشـمالية)‪ ،‬والتي‬ ‫شـكلت ذرائـع للتدخـل العسـكري فـي‬ ‫عـدد مـن هـذه المناطـق وشـن الحـروب‬


‫لمطـاردة اإلرهـاب‪ ،‬سـلَّمت‪ ،‬بالرغم من‬ ‫وجـود تنظيـم «داعـش» حاليـاً‪ ،‬لـواء‬ ‫األولويـة لألزمـة االقتصاديـة وتبعاتهـا‬ ‫منذ الحملة االنتخابية لسنة ‪ 2008‬التي‬ ‫حملـت أوبامـا إلـى البيـت األبيـض‪.‬‬

‫حصيلة ثماني سنوات من‬ ‫تدبير األزمة‬ ‫لقـد كان علـى أوباما منـذ انتخابه توفير‬ ‫أسـباب إنعاش االقتصاد األميركي الذي‬ ‫تضـرر كثيـر ًا مـن واحـدة مـن أعنـف‬ ‫ّ‬ ‫األزمـات التـي عرفهـا العالـم وأدت إلـى‬ ‫اختلاالت اجتماعيـة‪ ،‬باإلضافـة إلـى‬ ‫تأثيراتها العميقة على األداء االقتصادي‬ ‫للقـوة األعظـم فـي العالم‪ .‬فسـواء تعلَّق‬ ‫األمـر بالبطالـة أو انهيار دخل األسـر أو‬ ‫ارتفـاع المديونيـة‪ ،‬وجـدت إدارة أوباما‬ ‫تحد داخلي محض قد يغذي‬ ‫نفسـها أمام ٍّ‬ ‫غضـب األميركييـن أكثـر فأكثر‪ ،‬واتضح‬ ‫أن الواقعيـة السياسـية تقتضـي كهـدف‬ ‫اسـتعجالي العمل على احتواء تداعيات‬ ‫األزمـة واسـتعادة ثقـة األميركييـن فـي‬ ‫أداء االقتصـاد‪.‬‬ ‫لذلـك تضمـن خطـاب التنصيب في يناير‬ ‫‪ 2009‬تأكيـد ًا وإلحاحـاً‪ ،‬علـى أن البلاد‬ ‫تمـر بأزمـة اقتصاديـة خانقـة‪ ،‬ليـس‬ ‫ألن األميركييـن‪ ،‬علـى حـد تعبيـره‪ ،‬أقل‬ ‫نشـاط ًا وإنتاجيـة‪ ،‬بـل ألن ذلـك كان‬ ‫نتيجـة «الفشـل الجماعـي» فـي اتخـاذ‬ ‫القـرارات الصعبـة لتفاديهـا‪.‬‬ ‫أوبامـا وقـع فـي ذلـك الخطـاب علـى‬ ‫قفـزة إلـى األمـام‪ ،‬ليقـدم مالمـح الوالية‬ ‫الجديـدة والتـي لخصهـا فـي فقـرة جـاء‬ ‫فيها «إن حالة االقتصاد تستدعي تحرك ًا‬ ‫جريئ ًا وسـريعاً‪ .‬وسوف نتحرك‪ ،‬ليس‬ ‫فقـط مـن أجـل خلق فرص عمـل جديدة‪،‬‬ ‫نمو جديد‪ .‬سـوف‬ ‫ولكـن لوضع‬ ‫ٍ‬ ‫أسـس ِل ّ‬ ‫نبنـي الطـرق والجسـور والشـبكات‬ ‫الكهربائيـة والرقميـة التي سـتعمل على‬ ‫تموين تجارتنا وعلى توحيدنا‪ .‬سـنعيد‬ ‫للعلم مكانته التي يسـتحقها‪ ،‬ونستعين‬ ‫باإلمكانيـات التـي تتيحهـا التكنولوجيـا‬ ‫للرفـع مـن جـودة الخدمـات الصحيـة‪،‬‬

‫وتخفيـض تكلفتهـا»‪.‬‬ ‫بعـد ثمانـي سـنوات‪ ،‬سـتكون حصيلـة‬ ‫هـذه الفقـرة مـن خطـاب أوبامـا هـي‬ ‫القاعـدة التـي سـينطلق منهـا التنافـس‬ ‫بيـن المرشـحين لالنتخابـات المقبلـة‪،‬‬ ‫بالرغـم مـن أن المراقبيـن والمحلليـن‬ ‫للمشـهد السياسـي في الواليات المتحدة‬ ‫يذهبـون إلـى أن المتحكـم فـي توجيـه‬ ‫الناخبيـن فـي نهايـة األمـر هـو اإلعلام‪،‬‬ ‫وقـوة اللوبيـات المتنوعـة‪ ،‬ثـم اإلثـارة‬ ‫الشديدة التي تخلقها استطالعات الرأي‬ ‫التـي تصبـح أكثـر كثافـة كلمـا اقتـرب‬ ‫موعـد االقتـراع‪.‬‬ ‫وبتأمـل بعـض األرقام في نهاية واليتي‬ ‫أوبامـا‪ ،‬تبـدو هيلاري كلينتـون فـي‬ ‫وضعيـة أفضـل للوصـول إلـى البيـت‬ ‫األبيـض‪ ،‬إذا أتقنـت لعبـة األرقـام‬ ‫واسـتثمرت تأثيرهـا‪ .‬لقـد كان معـدل‬ ‫البطالـة فـي العام ‪ 2008‬في حدود ‪5.8‬‬ ‫في المئة‪ ،‬وكانت األزمة االقتصادية في‬ ‫بدايتهـا‪ّ ،‬إل أن آثـار هذه األخيرة جعلت‬ ‫تلـك النسـبة فـي حركيـة متواصلـة‪،‬‬ ‫صعـود ًا ونـزوالً‪ ،‬قبل أن تسـتقر حسـب‬ ‫اإلحصائيات األخيرة لشهر يوليو‪/‬تموز‬ ‫‪ 2016‬فـي حـدود ‪ 4.9‬فـي المئـة‪ ،‬حيـث‬ ‫بلـغ إجمالـي الوظائـف المحدثـة خلال‬ ‫الشـهور السـتة األولـى مـن السـنة ‪1.13‬‬ ‫مليـون وظيفـة‪ ،‬و‪ 14.2‬مليـون وظيفـة‬ ‫منـذ ‪ ،2010‬وهـو مـا يمثـل فـي نظـر‬ ‫أنصـار الرئاسـة الحاليـة نجاح ًا للفريق‬ ‫الديموقراطـي الحالـي‪.‬‬ ‫بالمقابل‪ ،‬أفضت خطط إنعاش االقتصاد‬ ‫إلى الرفع من نسبة نمو الناتج الداخلي‬ ‫اإلجمالـي بالرغـم مـن اسـتمرار األزمـة‪.‬‬ ‫وبالعودة إلى معطيات في موقع البنك‬ ‫الدولي(‪ ،)1‬فقد انتقل االقتصاد األميركي‬ ‫مـن نمـو سـلبي (‪ -0.3‬فـي المئـة) سـنة‬ ‫‪ 2008‬إلـى ‪ 2.4‬سـنة ‪ ،2015‬مـع‬ ‫توقعـات االحتياطـي الفيدرالـي بتحقيق‬ ‫‪ 2‬فـي المئـة مـع نهايـة السـنة الحاليـة‪،‬‬ ‫يشـكل إلـى حد ما عبور ًا سـالم ًا‬ ‫وهـو مـا‬ ‫ِّ‬ ‫للعاصفـة‪ ،‬بالرغـم مـن أن هـذه النسـبة‬ ‫لم تكن جيدة كفاية لخلق وظائف أكثر‪.‬‬ ‫مـن جانـب آخـر‪ ،‬ربمـا تكـون الواليـات‬

‫المتحـدة قـد فقـدت ريادتهـا فـي مجـال‬ ‫التجـارة الدوليـة لصالـح الصيـن‪ ،‬وقـد‬ ‫تكـون المخـاوف ارتفعـت أكثـر مـع‬ ‫تصويـت البريطانييـن لصالـح مغـادرة‬ ‫االتحـاد األوروبـي‪ ،‬بيـد أن األرقـام‬ ‫المنشـورة حديثـ ًا تعكـس نوعـ ًا مـن‬ ‫التفـاؤل بالعـودة إلـى االرتفـاع خلال‬ ‫الفصـل الثانـي مـن السـنة الحاليـة‪،‬‬ ‫حيـث ارتفعـت الصـادرات بنسـبة ‪1.7‬‬ ‫فـي المئـة مقابـل انخفـاض بمعـدل ‪0.7‬‬ ‫فـي المئـة خلال الفصـل األول‪ ،‬بينمـا‬ ‫انخفضـت الـواردات بنسـبة ‪ 0.4‬فـي‬ ‫المئـة‪ .‬ويأتـي هـذا التفاؤل بعـد التذبذب‬ ‫والمراوحـة الـذي عرفـه القطـاع‪ ،‬متأثر ًا‬ ‫بانخفـاض أكبـر للصـادرات مقارنـة مـع‬ ‫الـواردات‪ ،‬خاصـة خلال العـام ‪2015‬‬ ‫الـذي شـهد انخفـاض الصـادرات بنسـبة‬ ‫‪ 7.3‬فـي المئـة والـواردات بنسـبة ‪4.7‬‬ ‫وأدى إلـى عجـز متراكـم‬ ‫فـي المئـة فقـط ّ‬ ‫بلغ في يونيو‪/‬حزيران الماضي ‪44.5‬‬ ‫مليـار دوالر‪.‬‬ ‫هـذه المؤشـرات المتعلّقـة بالحصيلـة‬ ‫االقتصادية ألوباما والمؤشرات األخرى‬ ‫المرتبطـة بهـا التـي تهـم الميزانيـة‬ ‫والمديونيـة واألجـور عمومـ ًا واالهتمـام‬ ‫بالطبقـة الوسـطى والضرائـب واإلنفاق‬ ‫العـام واالسـتثمار الخاص وارتفاع عدد‬ ‫األسـر المسـتفيدة من اإلعانـات الغذائية‬ ‫ستشكل محور‬ ‫وارتفاع الدين العمومي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫التجـاذب بيـن المتنافسـين علـى اإلقامـة‬ ‫فـي البيـت األبيـض للسـنوات األربـع‬ ‫المقبلـة علـى األقـل‪ ،‬وذلـك فـي إطـار‬ ‫ثوابـت السياسـة األميركيـة‪.‬‬ ‫فـي سـياق ذلـك‪ ،‬تشـتغل اآللـة‬ ‫اإلعالميـة مـن خالل الخبـراء والمحللين‬ ‫االقتصادييـن لترجيح كفة االسـتمرارية‬ ‫علـى اعتبـار الحصيلـة إيجابيـة‪ ،‬أو‬ ‫القطيعـة مـن منظـور معاكـس‪ ،‬وهـو‬ ‫ترجيح سيكون محكوم ًا أيض ًا بالقدرات‬ ‫التواصليـة وبنوع الخطاب الذي يتبناه‬ ‫كل مرشـح‪ ،‬وبمعنـى آخـر فـإن عيـون‬ ‫ّ‬ ‫وآذان الناخبيـن األميركييـن سـتركز‬ ‫كذلـك علـى شـفتيهما وعلى مـا ينطقانه‬ ‫مـن كالم‪.‬‬ ‫‪5‬‬


‫برنامج اقتصادي متطرف!‬ ‫يبـدو ترامـب‪ ،‬فـي بعـض توجهاتـه‪،‬‬ ‫قريبـ ًا أو متناغمـ ًا مع أطروحات اليمين‬ ‫المتطـرف فـي أوروبـا‪ .‬لقـد جعـل‪ ،‬على‬ ‫حل مشاكل البطالة التي‬ ‫سـبيل المثال‪ّ ،‬‬ ‫تواجـه األميركييـن‪ ،‬بعـد التأكيـد علـى‬ ‫فشـل اإلدارة الحالة في تسـجيل إنعاش‬ ‫حقيقـي لالقتصاد‪ ،‬في طـرد المهاجرين‬ ‫وسد األبواب في وجه المرشحين الجدد‬ ‫للهجـرة إلـى الواليـات المتحـدة وبنـاء‬ ‫جـدار عـازل على الحدود مع المكسـيك‪.‬‬ ‫هـذه النقطـة فـي البرنامـج التـي يمـزج‬ ‫فيهـا بين سـرقة وظائف األميركيين من‬ ‫جهة‪ ،‬واحتماالت اإلرهاب عندما يتعلَّق‬ ‫بالعـرب والمسـلمين مـن جهـة ثانية‪ ،‬ال‬ ‫تبـدو فـي نظـر المراقبيـن قائمـة علـى‬ ‫أسـس متينـة‪ ،‬وقبـل أن تكـون سـبب ًا‬ ‫محتملا فـي انكماش االنتـاج األميركي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فهي تذهب عكس الخالصات التي انتهت‬ ‫إليهـا الدراسـات والتقاريـر التـي تؤكـد‬ ‫أيض ًا على المساهمة الفعالة للمهاجرين‬ ‫فـي نمـو وتقـدم بلدان االسـتقبال(‪.)2‬‬ ‫هـذا الموقـف «االنغالقـي»‪ ،‬يمـس أيضـ ًا‬ ‫التجـارة الخارجيـة‪ ،‬ويتضمـن خروجـ ًا‬ ‫محتملا من المنظمـة العالمية للتجارة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ومراجعـة لعـدد مـن اتفاقيـات التبـادل‬ ‫الحـر مـع عـدد مـن الـدول‪ ،‬خاصـة تلك‬ ‫الموقعة مع كندا والمكسيك‪ ،‬بما يعيد‪،‬‬ ‫في نظره‪ ،‬للواليات المتحدة سـيطرتها‬ ‫علـى مواردهـا وعلـى سـوقها الداخلية‪.‬‬ ‫كل هذا‪« ،‬الخصم‬ ‫وتظل الصين‪ ،‬وسـط ّ‬ ‫التجـاري» األول لترامـب‪ ،‬حيـث يسـجل‬ ‫الميـزان التجـاري عجـز ًا بنحـو ‪29‬‬ ‫مليـار دوالر‪ .‬المرشـح الجمهـوري‬ ‫يعتقـد أن اللجـوء إلـى تدابيـر حمائيـة‬ ‫إزاء المنتوجـات الصينيـة سـيقلص‬ ‫بشـكل كبيـر مـن عجـز الميـزان التجاري‬ ‫العـام للبلاد‪ ،‬وسـينعكس علـى‬ ‫اإلنتـاج الداخلـي وتسـويقه‪ ،‬خاصـة‬ ‫مـع ربطهـا بإجـراءات أخـرى تتعلّـق‬ ‫بتحفيـز الشـركات األميركيـة ورجـال‬ ‫األعمـال بشـكل عـام‪ ،‬وكذلـك تشـجيع‬ ‫االستهالك‪ .‬ذلك أن المرشح الجمهوري‬ ‫‪6‬‬

‫يقترح تخفيض ًا كبير ًا في الضرائب على‬ ‫الشـركات مـن ‪ 35‬إلـى ‪ 15‬فـي المئـة‪،‬‬ ‫وإعفـاء األشـخاص الذيـن يكسـبون أقل‬ ‫مـن ‪ 25‬ألـف دوالر سـنوي ًا من الضريبة‬ ‫على الدخل في مقابل جعل األغنياء جد ًا‬ ‫مـن األميركييـن يدفعـون ضرائـب أكثـر‬ ‫علـى ثرواتهـم‪.‬‬ ‫بقـدر مـا تنطـوي هـذه اإلجـراءات‪،‬‬ ‫ظاهرياً‪ ،‬على قدر من اإليجابية‪ ،‬يعتقد‬ ‫مراقبون أنها تتجاهل مخاطر حقيقية قد‬ ‫تنتهـي إلـى عكـس أهدافهـا‪ .‬فاإلجراءات‬ ‫الحمائيـة سـتؤدي إلـى معاملـة بالمثـل‬ ‫من قبل الشـركاء التجاريين‪ ،‬وستخسر‬ ‫الشركات األميركية كثير ًا إذا تم تحجيم‬ ‫دخـول منتوجاتها إلى السـوق الصينية‬ ‫الواسعة الواعدة مثالً‪ .‬كما أن انخفاض‬ ‫مداخيـل الضرائـب‪ ،‬بالرغـم مـن تعويـل‬ ‫ترامـب علـى الــ ‪ 10‬فـي المئـة التـي‬ ‫سـتدفعها الشـركات الراغبـة في تحويل‬ ‫أموالهـا مـن الخـارج‪ ،‬سـينتج عنـه أحد‬ ‫أمريـن‪ ،‬إمـا تقليـص اإلنفـاق العمومـي‬ ‫والتقشـف‪ ،‬وإمـا تفاقـم حـاد فـي عجـز‬ ‫الميزانيـة العامـة للبلاد‪ ،‬وهـو مـا قـد‬ ‫يؤثر على قطاعات حيوية مثل خدمات‬ ‫التعليـم والرعايـة الصحيـة والبنيـات‬ ‫التحتية وحماية البيئة وعلى عدد الذين‬ ‫يعيشون على المساعدات الغذائية الذي‬ ‫ال في عهد الرئيس أوباما في‬ ‫ارتفع أص ً‬ ‫الحالـة األولـى‪ ،‬بينمـا سـيرتفع الديـن‬ ‫العمومـي فـي الحالـة الثانيـة وسـتظهر‬ ‫الحاجـة إلـى هندسـة سياسـات جديـدة‬ ‫للتحفيـز واإلنعـاش‪ ،‬وبالتالي ضرورة‬ ‫انتظـار وقـت إضافـي لتجـاوز آثـار‬ ‫األزمة‪.‬‬

‫فصل عازل بين البرنامجين‬ ‫إذا كان دونالـد ترامـب قـد أثـار جـد ًال‬ ‫امتد إلى داخل الحزب الجمهوري‬ ‫واسع ًا َّ‬ ‫نفسه سواء بنوعية خطابه أم بمحتوى‬ ‫تصريحاتـه أم ببرنامجـه االقتصـادي‬ ‫كل‬ ‫الـذي اعتبـره البعـض خليطـ ًا مـن ّ‬ ‫شـيء وفـي حاجـة إلـى تنسـيق وإلـى‬ ‫قابليـة للتنفيذ‪ ،‬فـإن هيالري كلينتون‪،‬‬

‫بالمقابـل تبـدو أكثـر ارتياحـ ًا لعـدة‬ ‫اعتبـارات‪ .‬ودون الحديـث عـن مرورهـا‬ ‫فـي البيـت األبيـض أو في كتابـة الدولة‬ ‫فـي الخارجيـة‪ ،‬لـم تكـن تزكيتهـا مـن‬ ‫قبـل الديموقراطييـن مثـار ٍ‬ ‫جـدل‪ ،‬كما أن‬ ‫برنامجهـا االقتصـادي‪ ،‬يبـدو‪ ،‬فـي نظر‬ ‫المراقبيـن‪ ،‬أكثـر واقعيـة بالمقارنـة مع‬ ‫منافسـها‪.‬‬ ‫لكـن قبل اسـتعراض بعـض المقترحات‬ ‫مـن برنامجهـا االقتصـادي‪ ،‬سـتكون‬ ‫السـيدة األولـى فـي مواجهـة جـزء مـن‬ ‫اإلعالم األميركي والمحللين االقتصاديين‬ ‫المقربيـن مـن الحزب الجمهوري‪ .‬هؤالء‬ ‫يعتبـرون أن حصيلة الديموقراطيين لم‬ ‫تكـن فـي مسـتوى تطلعـات األميركيين‪.‬‬ ‫حجتهم في ذلك أن عدد ًا من المؤشرات‬ ‫مؤكـداً‪ .‬فـي‬ ‫االقتصاديـة عرفـت تدهـور ًا ّ‬ ‫هـذا اإلطـار‪ ،‬تبـدو بعـض األرقـام‪،‬‬ ‫تمثيلا ال حصـراً‪ ،‬محبطـة‪ ،‬خاصـة في‬ ‫ً‬ ‫الجانـب االجتماعـي‪ .‬لقـد ارتفعت نسـبة‬ ‫األميركييـن المسـتفيدين مـن إعانـات‬ ‫التغذيـة مـن ‪ 9.3‬فـي المئة سـنة ‪2008‬‬ ‫إلى ‪ 14.6‬في المئة سنة ‪ ،2015‬كما أنه‬ ‫بالرغـم مـن االنخفـاض النسـبي لمعـدل‬ ‫البطالـة ّإل أن المـدة المتوسـطة للبقـاء‬ ‫في حالة بطالة انتقلت من ‪ 19.8‬أسبوع‬ ‫مع بداية ‪ 2009‬إلى ‪ 30.8‬أسبوع خالل‬ ‫الفصـل األول مـن سـنة ‪.2015‬‬

‫واقعية امرأة خبيرة‬ ‫ينطلـق البرنامـج االقتصـادي لهيلاري‬ ‫كلينتـون مـن التشـكيك في قـدرة ترامب‬ ‫علـى قيـادة سياسـة اقتصادية ناجعة‪،‬‬ ‫بالنظـر إلـى فشـله كرجل أعمال في عدد‬ ‫من المشـاريع الشـخصية‪ ،‬قبل أن تبدي‬ ‫انتقاداتهـا لبرنامجـه االقتصـادي‪ .‬وهي‬ ‫االنتقـادات التـي تلتقـي مـع التحفظـات‬ ‫عبـر عنها المحللـون االقتصاديون‬ ‫التـي َّ‬ ‫في أميركا‪ ،‬باإلضافة إلى عدد من كبار‬ ‫الشـخصيات فـي الحـزب الجمهـوري‪،‬‬ ‫حـول احتمـال ارتفـاع عجـز الميزانيـة‬ ‫وتدنـي تصنيـف الواليـات المتحـدة مـن‬ ‫طرف وكاالت االئتمان وارتفاع البطالة‬


‫مـع التوجهـات واالنشـغاالت الدوليـة‬ ‫المتعلّقـة بالمنـاخ‪ ،‬علـى خلاف ترامـب‬ ‫الـذي يقتـرح التنصـل من اتفـاق باريس‬ ‫المبـرم فـي السـنة الماضيـة و«إعـادة‬ ‫االعتبـار» إذا جـازت العبـارة للنفـط‬ ‫والغـاز والفحـم وإلغـاء القوانيـن‬ ‫المتعلّقـة بحمايـة البيئـة‪.‬‬ ‫كمـا أن األسـواق الماليـة التـي لم يلتفت‬ ‫إليهـا المرشـح الجمهـوري‪ ،‬تحظـى‬ ‫باهتمـام خـاص مـن قبـل منافسـته التي‬ ‫كانـت دائمـ ًا فـي نظـر المتابعيـن للشـأن‬ ‫األميركي قريبة منها ومدافعة عنها‪ .‬بيد‬ ‫أن هـذه األسـواق التـي كانـت سـبب ًا فـي‬ ‫انـدالع األزمة التي عمل الديموقراطيون‬ ‫مـن خلال أوبامـا وفريقه علـى محاولة‬ ‫لتقنيـن وتقييـٍد‬ ‫إطفائهـا‪ ،‬سـتخضع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ومراقبـة أكثـر احتياطـ ًا مـن تكـرار مـا‬ ‫حـدث ابتـداء مـن سـنة ‪.2007‬‬

‫لمن تقرع األجراس؟‬ ‫بشـكل خاص‪.‬‬ ‫ومـع أن برنامـج كلينتـون يتقاطـع فـي‬ ‫العناويـن مـع مـا يطرحـه منافسـها‪ّ ،‬إل‬ ‫أن هنـاك اختالفـات جوهريـة بينهمـا‪.‬‬ ‫إنهـا ال تدعـو إلـى الخـروج عـن المسـار‬ ‫المعولـم للتجـارة العالميـة‪ ،‬وإن كانـت‬ ‫تقتـرح فـرض بعـض الرسـوم على عدد‬ ‫مـن المنتوجـات القادمـة مـن الصيـن‬ ‫وأيضـ ًا مـن المكسـيك‪ .‬هـذه الرسـوم‬ ‫لـن تصـل إلـى الحـد الـذي يجعـل تلـك‬ ‫المنتوجـات غيـر قادرة على المنافسـة‪،‬‬ ‫لكـن كلينتـون تدفـع في المقابـل باتجاه‬ ‫تمكيـن الشـركات األميركيـة مـن دعـم‬ ‫عمومـي للحفـاظ على تنافسـيتها وعلى‬ ‫مسـتوى توظيـف اليـد العاملـة لتفـادي‬ ‫عـودة معـدل البطالـة لالرتفـاع‪.‬‬ ‫فـي الجانـب المتعلّـق بالتعامل مع ملف‬ ‫الهجرة‪ ،‬تميل المرشحة الديموقراطية‪،‬‬ ‫أكثـر إلجـراءات تقضـي بالتعامـل علـى‬ ‫قاعـدة المواطنـة مـع المهاجريـن غيـر‬ ‫الشـرعيين الموجوديـن فـي البلاد‬ ‫وتجنيسـهم‪ ،‬وهـو مـا يمكـن اعتبـاره‬ ‫وعيـ ًا بـدور هـؤالء فـي الحفـاظ علـى‬

‫مسـتوى اإلنتـاج فـي قطاعـات معينة ال‬ ‫يقبـل عليهـا األميركيـون عـادة لضعـف‬ ‫األجـور فيهـا كالزراعـة‪.‬‬ ‫وتلتقـي كلينتـون مـع منافسـها فـي‬ ‫المقترحـات المتعلّقـة بملـف الضرائـب‬ ‫والنيـة فـي تخفيضهـا‪ ،‬ومـع أنهـا‬ ‫تظـل غيـر واضحـة كفايـة فيمـا يتعلَّـق‬ ‫بتصورها‪ ،‬فهي‪ ،‬بشكل عام وباإلضافة‬ ‫إلـى زيـادة معـدل الضريبـة علـى األكثر‬ ‫غنـى‪ ،‬تسـتهدف تحفيـز الشـركات‬ ‫األميركيـة علـى االسـتمرار فـي اإلنتـاج‬ ‫وفـي خلـق فـرص العمـل وفـي نقـل‬ ‫أرباحها في الخارج إلى داخل الواليات‬ ‫المتحـدة‪ ،‬وسـيكون على هذه الوحدات‬ ‫االقتصاديـة أن تتجـاوب بالمقابـل مـع‬ ‫نقطـة أخـرى فـي البرنامـج هـي رفـع‬ ‫الحـد األدنـى لألجـور إلـى ‪ 12‬دوالر ًا‬ ‫فـي السـاعة لتقويـة دخل األسـر ولرفع‬ ‫القـدرة علـى االسـتهالك‪.‬‬ ‫يشـكل التركيـز على‬ ‫علـى صعيـد آخـر‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫الطاقـات البديلـة النظيفـة والرفـع مـن‬ ‫اإلنفـاق العمومـي عليها رهان ًا أساسـي ًا‬ ‫فـي برنامـج كلينتـون‪ ،‬فـي انسـجام‬

‫أي من البرنامجين االقتصاديين‬ ‫ال يملك ٌّ‬ ‫صفـة الكمـال‪ ،‬خاصـة أن األزمة التزال‬ ‫عنـد العتبـة‪ .‬لهـذا‪ ،‬ففـي الطريـق إلـى‬ ‫ٌ‬ ‫أشـواك وإن كانـت فـي‬ ‫البيـت األبيـض‬ ‫نهايتهـا ورود‪ ،‬وبالتالـي علـى أحـد‬ ‫المرشـحين أن يتقـن المشـي أكثـر مـن‬ ‫اآلخـر‪ .‬وإذا تأملنـا نوايـا األميركييـن‬ ‫فـإن ثالثـة اسـتطالعات للـرأي نشـرت‬ ‫فـي بدايـة شـهر أغسـطس‪/‬آب منحـت‬ ‫لهيلاري كلينتـون تقّدمـ ًا بفـارق وصـل‬ ‫إلـى ‪ 8‬نقـاط‪ّ .‬إل أن ترامـب بإمكانـه‬ ‫تحقيـق «اختراقـات»‪ ،‬بالرغـم مـن‬ ‫صعوبـة ذلـك‪ ،‬إذا سـاعده اإلعلام‬ ‫صاحـب الـدور المحـوري فـي تشـكيل‬ ‫الـرأي العـام فـي الواليـات المتحـدة‪.‬‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪1-http://donnees.banquemondi‬‬‫‪ale.org/indicateur/NY.GDP.MKTP.‬‬ ‫‪.KD.ZG?locations=US‬‬ ‫‪ - 2‬يمكن مراجعة مختلف تقارير منظمة التعاون‬ ‫والتنميـة االقتصادية والمنظمة العالمية للهجرة‬ ‫تؤكـد أن للهجـرة جوانبهـا‬ ‫وغيرهمـا والتـي‬ ‫ِّ‬ ‫اإليجابية في تسريع نمو االقتصادات المستقبلة‪.‬‬

‫‪7‬‬


‫تقارير‬

‫القمة العربية‪ّ ،‬إل أن الحكومة‬ ‫بالرغم من توفُّر منشأة قصر المؤتمرات التي َّ‬ ‫تتسع الستضافة ّ‬ ‫قمة األمل‬ ‫المخيم التراثــي «القرية الثّقافية»‪،‬‬ ‫الموريتانيــة اختــارت‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫واجهة الســتقبال ضيوف ّ‬ ‫العربية التي انعقدت في نواكشوط‪ ،‬أواخر يوليو‪/‬تموز الماضي‪ .‬االختيار ال يخلو من دالالت‬ ‫رمزية‪ ،‬يعكســها الواقع العربي‪ ،‬فال مشــترك يدعو لاللتئام العربي أكثر من العودة إلى الجذور التراثية‬ ‫العربية‪ ،‬وعراقتها الحضارية‪.‬‬ ‫ممثَّلة في أصالة الشعوب‬ ‫ّ‬

‫قمة األمل‬ ‫خيمة ّ‬ ‫نواكشـوط‪ :‬عبد اهلل ولد محمدو‬ ‫لـم يجـد بلد محـدود المـوارد كموريتانيا‪،‬‬ ‫قمـة األمـل مـن وجبـة‬ ‫مـا ِّ‬ ‫يقدمـه لضيـوف ّ‬ ‫أغنـى مـن ثقافتـه وتراثه‪ ،‬فاألمـد القصير‬ ‫لقمـة‬ ‫الـذي راهنـت حكومتـه علـى اإلعـداد ّ‬ ‫عربية فيه لم يتجاوز ثالثة أشهر‪ ،‬وهي‬ ‫فتـرة غيـر كافيـة للتهيئـة لحـدث كهـذا في‬ ‫أهميتـه وضخامتـه‪ ،‬لـذا كان البديـل هـو‬ ‫ّ‬ ‫أقـل تكلفة‬ ‫إنشـاء القريـة الثّقافيـة لكونها ّ‬ ‫غني ًا‬ ‫وأكثـر تأثيـراً‪ ،‬فكانت بذلـك معرض ًا ّ‬ ‫للـزوار العـرب قّدمـت فيـه مختلـف ألـوان‬ ‫وفنـون الثّقافـة الموريتانيـة فـي سلسـلة‬ ‫خيام اشـتملت على ثمانية عشـر جناحاً‪،‬‬ ‫التنـوع الثّقافـي الموريتاني‪.‬‬ ‫عكسـت‬ ‫ُّ‬ ‫متعـددة عرضـت‬ ‫تضمنـت الخيـام أجنحـة‬ ‫ِّ‬ ‫‪8‬‬

‫فيهـا نمـاذج مـن المخطوطـات النـادرة‪،‬‬ ‫والكتـب والمؤلفـات النفيسـة لعلمـاء‬ ‫شـناقطة فـي العصـر الذهبـي الزدهـار‬ ‫الثّقافـة فـي هـذا البلـد‪ ،‬وأخـرى لمؤلفيـن‬ ‫كل خيمـة خصصـت لعنصـر‬ ‫محدثيـن‪ّ .‬‬ ‫تراثـي أو علمـي‪ ،‬كخيمـة المحظـرة‬ ‫الموريتانية‪ ،‬السينما‪ ،‬اآلالت الموسيقية‪،‬‬ ‫كما ُخ ّصصت للشعر واألدب والفكر خيمة‬ ‫خاصـة‪ ،‬حيـث صدحـت حناجـر الشـعراء‬ ‫المفكريـن بنـدوات فكريـة‬ ‫ولهثـت ألسـن‬ ‫ِّ‬ ‫وثقافيـة كان مرتكزهـا إضـاءة الجوانـب‬ ‫القطر القصي‬ ‫التاريخية والعلمية في هذا ُ‬ ‫مـن خريطـة الوطـن العربـي‪ ،‬رغـم قربـه‬ ‫الوجدانـي والمعرفـي الـذي يجعلـه فـي‬ ‫المركـز‪ .‬وممـا ُق ِّـدم ضمـن هـذه النـدوات‬ ‫ثلاث محاضـرات‪ ،‬كان موضـوع األولـى‬ ‫حـول إسـهام العلمـاء الموريتانييـن‬

‫فـي نشـر الثّقافـة اإلسلامية وعلومهـا‪،‬‬ ‫وخصصـت المحاضـرة الثانيـة للحديـث‬ ‫عـن أهميـة البعـد الثّقافـي فـي مسـتقبل‬ ‫التكامـل العربـي مـع إبـراز جوانـب مـن‬ ‫الـدور الموريتانـي فـي هـذا التكامـل‪،‬‬ ‫فيمـا تركـزت المحاضـرة الثالثـة علـى‬ ‫البعـد الكونـي والنزعـة اإلنسـانية فـي‬ ‫التصـوف الشـنقيطي ودورهـا فـي تعزيز‬ ‫التواصل بين ثقافات الشـعوب‪ .‬كما أقيم‬ ‫بالقريـة الثّقافيـة معـرض َفنّـي لفنانيـن‬ ‫موريتانييـن‪ ،‬اشـتمل علـى جنـاح خـاص‬ ‫بالطوابـع البريديـة يحكـي تطـور هـذه‬ ‫الصناعة التاريخية‪ ،‬باإلضافة إلى عينات‬ ‫مـن اآلثـار والتحف النـادرة لمجموعة من‬ ‫العملات التـي اسـتخدمت فـي البلاد عبـر‬ ‫فضلا عـن منتجـات الصناعـة‬ ‫تاريخهـا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫التقليديـة ونمـاذج مـن األلعـاب التقليديـة‬


‫عرضـت بالمخيـم الثّقافـي الـذي أراده‬ ‫القائمـون علـى إعـداد القمة فرصة تعطي‬ ‫للزائـر العربي صـورة مصغرة ومتكاملة‬ ‫عن مختلف أوجه الحياة الموريتانية في‬ ‫مجـاالت ثقافيـة واجتماعيـة واقتصادية‪.‬‬

‫الخيمة والناقة‬ ‫وبالرغم من توفر منشأة قصر المؤتمرات‬ ‫التـي تتسـع السـتضافة القمـة العربية ّإل‬ ‫أن الدولـة عـن وعـي آثـرت الخيمـة كرمز‬ ‫عربي أصيل لبلد ال يزال كثير من سـكان‬ ‫صحرائـه الفسـيحة يعيشـون تحت ظالل‬ ‫الخيـام العربيـة األصيلة‪ ،‬ذلك أن تاريخ‬ ‫االجتماعات السياسية الموريتانية يرتبط‬ ‫بهـذا الرمـز‪ ،‬فقـد انعقـد أول اجتمـاع ألول‬ ‫حكومـة موريتانيـة فـي نواكشـوط تحـت‬ ‫تشـيد المبانـي الحكوميـة‬ ‫خيمـة قبـل أن ّ‬ ‫وينشأ القصر الرئاسي‪ ،‬وتبنى العمارات‪.‬‬ ‫ولكـي يتكامـل البعد التراثي في اسـتقبال‬ ‫ضيوف القمة العربية حشدت الدولة على‬ ‫طـول طريـق المطار ِجمـا ًال يحمل ركبانها‬ ‫أعلام الدول العربيـة بأيديهم على إحدى‬ ‫ليتين الناقة والنخلة» في مشهد يرى‬ ‫«الع َّ‬ ‫َ‬ ‫المجتمـع الموريتانـي فيه أسـمى درجات‬ ‫االعتبـار واإلكبـار للضيوف الكبار‪ ،‬وهذا‬ ‫العـدد الكبيـر الـذي يناهـز ألفـي رأس مـن‬ ‫اإلبـل ليـس غريبـ ًا علـى بلـد تقـدر ثروتـه‬ ‫الحيوانيـة بالماليين‪ ،‬وقد ازدان الركبان‬ ‫بالزي التقليدي‪.‬‬ ‫المسـتقبلون‬ ‫ّ‬

‫ليالي القمة‬ ‫قمـة األمـل تحـت الخيـام‬ ‫أنعشـت ليالـي ّ‬ ‫التراثيـة المجهـزة بآخـر تقنيـات‬ ‫االتصـاالت بقـراءات شـعرية وألـوان من‬ ‫الغنـاء والفلكلـور الوطنـي‪ ،‬عـاش فيهـا‬ ‫أبنـاء الخيمـة العربيـة الواحـدة لحظـات‬ ‫مـن االنسـجام والتناغم‪ ،‬بعيـدًا عما يكدر‬ ‫صفـو حيـاة العربي في ربـوع كثيرة من‬ ‫وطننـا العربـي الكبيـر الـذي أثقلته اآلالم‬ ‫والمآسـي بالهمـوم‪ ،‬وقـد أمتعـت ليالـي‬ ‫السـمر جمهورهـا العربـي بأحلـى ما شـدا‬ ‫الشـعراء أو تغنَّـى بـه المطربـون مـن‬ ‫كلمـات ترحيـب‪ ،‬أبرزها نشـيد مـن إنتاج‬ ‫اتحـاد األدبـاء والكّتـاب الموريتانييـن‬ ‫بـأداء فرقـة أهـل النانـة تفيـض كلماتـه‬ ‫بالترحيـب ‪:‬‬

‫مرحب ًا قادة العروبة أه ً‬ ‫ال ‪  ‬‬

‫قد نزلتم بين الجوانـــح سهال‬

‫ ‬

‫هذه موريتاني شعب أصيل ‪ ‬‬

‫عربي قد طاب فرع ًا وأصال‬

‫طلع الخير منذ أتيتم إلينا ‪   ‬‬ ‫أم ً‬ ‫ال رائع ًا لقاء ووصال‬ ‫ ‬ ‫ ‬

‫فهنيئ ًا لكم وطبتم مقام ًا ‪    ‬‬

‫مرحب ًا مرحب ًا‪ .‬وأه ً‬ ‫ال وسهال‬

‫كمـا تفاعـل مـع هـذه المناسـبة كّتـاب‬ ‫ومفكروهـا؛ المـدون والسـفير‬ ‫موريتانيـا‬ ‫ِّ‬ ‫السـابق المختار ولد داهي كتب عن القمة‬ ‫بوصفهـا فرصـة «للتسـويق اإلعالمـي»‬ ‫والسياسـي للبلـد الموريتانـي‪ ،‬وقـال‪:‬‬ ‫«يتمنـى العديـد مـن الحادبين على الوطن‬ ‫أن يتـم وبإحـكام وجـودة وإتقـان تنظيم‬ ‫بعـض المناشـط العلميـة والثّقافيـة‬ ‫الموازيـة يومـ ًا أو يومين قبل موعد القمة‬ ‫كتنظيـم «مخيـم للمحظـرة الموريتانيـة»‬ ‫التنوع العرقي‬ ‫و«مخيم للشـعر» و«مخيم‬ ‫ُّ‬ ‫والثّقافـي» و«مخيـم للحريـات العامـة‬ ‫والديموقراطيـة» وذلـك ضمانـ ًا لتوفيـر‬ ‫مـادة فكريـة وثقافيـة وسياسـية تنفـع‬ ‫الضيـوف اإلعالميين و«االسـتراتيجيين»‬ ‫وتحقِّـق مزيـد التعريـف اإليجابـي بالبلـد‬ ‫وتقدمـ ًا‬ ‫عطـاء علميـ ًا وتنوعـ ًا ثقافيـ ًا‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫سياسـياً‪ .»...‬فيمـا اتجـه كّتـاب آخـرون‬

‫نحـو التنظيـر للقمـة‪ ،‬محلليـن ظروفهـا‬ ‫بإبراز جملة من التحديات التي تواجهها؛‬ ‫الكّتاب‬ ‫حـرر الكاتـب محمـد األميـن ولـد َ‬ ‫إذ ّ‬ ‫مقالـة مطولـة عـن القمـة اسـتعرض‬ ‫فيهـا «مالمـح خطـة اسـتراتيجية شـاملة‬ ‫ومتعـددة األبعـاد قـد يكون من شـأن نظر‬ ‫ِّ‬ ‫كل أو بعـض جوانبهـا أن‬ ‫قمـة األمـل فـي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يفضـي ولـو جزئيـ ًا إلـى تخطـي الجمـود‬ ‫الـذي تعانـي منـه أوضـاع األمـة العربيـة‬ ‫حاليـاً‪ ،‬وصـو ًال إلـى تلبيـة طموحـات‬ ‫الشـعوب العربيـة وإلـى االسـتجابة‬ ‫لتوقعاتهـا‪ ،‬وتحقيقـ ًا فـوق هـذا وذاك لما‬ ‫تنيطـه هـذه الشـعوب مـن آمـال عريضـة‬ ‫«قمة‬ ‫بهـذه القمـة التـي أطلـق عليهـا اسـم ّ‬ ‫األمـل»‪.‬‬ ‫وختـم الكاتـب مقالتـه بخطـاب موجـه‬ ‫متوسلا منهـم تحقيـق آمال‬ ‫إلـى القـادة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الشـعوب المكلومـة التـي ترمقهـم بعيـون‬ ‫الرجـاء‪« :‬وهذا األمـل الذي تنتظر تحقيقه‬ ‫الجماهير العربية بفارغ الصبر‪ ،‬ال يجمل‬ ‫بالقادة العرب أن يخيبوه وال أن يخذلوا‬ ‫الشـعوب العربيـة التـي لم تعـد تتحمل ما‬ ‫تعانيـه بلدانهـا مـن فرقـة ووهـن وتبعيـة‬ ‫وهـوان رغـم إمكاناتها الهائلة ووسـائلها‬ ‫الضخمـة‪ .‬وال بـأس فـي هـذا المقـام أن‬ ‫قمة األمل هذه‪ ،‬قول‬ ‫يستحضر العرب في ّ‬ ‫شـاعرهم أبـي الطيـب المتنبي‪:‬‬

‫ولم أ َر في عيوب الناس عيب ًا‪      ‬‬

‫كنقص القادرين على الكمال‬ ‫‪9‬‬


‫موسم «أصيلة» الثّقافي‪..‬‬ ‫ما له وما عليه‬ ‫أصيلة‪ :‬محمد عبد الصمد اإلدريسـي‬ ‫في النصف الثاني من شهر يوليو‪/‬تموز‬ ‫المنصـرم انتعشـت الحركـة فـي نهـارات‬ ‫وليالـي مدينـة أصيلـة الصغيـرة النائمة‬ ‫علـى بحـر المحيـط األطلسـي شـمال‬ ‫المغـرب‪ .‬لـم يكـن الحـدث ّإل «موسـم‬ ‫أصيلـة الثّقافـي» الـذي جمـع حشـد ًا‬ ‫مـن رجـال الثّقافـة واإلعلام وأصحـاب‬ ‫القـرار فـي دورتـه الثامنـة والثالثيـن‪،‬‬ ‫حاثـ ًا خطـاه نحـو إتمـام العقـد الرابـع‬ ‫حولـت‬ ‫مـن مسـيرته‪ .‬تجربـة ممتـدة ّ‬ ‫المدينـة إلـى قبلـة ثقافيـة ولـم تعـد معها‬ ‫أصيلـة تلـك القريـة المنسـية‪ .‬فـي هـذه‬ ‫الـدورة حضـر مثقفـون وفنانـون مـن‬ ‫الـدول العربيـة وأوروبـا وآسـيا‪ ،‬مـا‬ ‫يعنـي أن الملتقـى يضيـف زوار ًا جـدد ًا‬ ‫كل موسـم بصحـة جيـدة‪.‬‬ ‫ويبـرز عنـد ّ‬ ‫ومؤسسـاتها ال تخفـى‬ ‫المدينـة‬ ‫شـوارع‬ ‫ّ‬ ‫على بصمة الموسـم أينما ولَّْي َت وجهك؛‬ ‫يكـون السـؤال الملـح‪ :‬هـل حقـ ًا قـد تفلح‬ ‫الثّقافـة فـي ترميـم وجـه المدينـة؟‬ ‫في العادة تقف الثّقافة منتظرة عطاءات‬ ‫رجـال السـلطة والمجالـس المنتخبـة من‬ ‫أجل إنجاح أوراشها‪ ،‬لذلك من الصعوبة‬ ‫مسـاءلة الثّقافـة عن دورها فـي التنمية‪.‬‬ ‫لكـن ما يشـجع على السـؤال بهـذا الصدد‬ ‫هـو اجتمـاع قيـادة المنتـدى الثّقافـي فـي‬ ‫يـد الجهـة المشـرفة علـى مجلـس المدينة‬ ‫كل الظـروف هنـا‬ ‫ذاتهـا‪ ،‬مـا يعنـي أن ّ‬ ‫متيسـرة لجعل الموسـم مختبر ًا لتجريب‬ ‫ّ‬ ‫التحـول إلـى ورش‬ ‫علـى‬ ‫ّقافـة‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫قـدرة‬ ‫ّ‬ ‫لتنميـة المدينـة أو فشـلها فـي ذلك‪.‬‬ ‫قبـل أربعيـن سـنة كان المـكان عبـارة‬ ‫عـن قريـة مغمـورة فـي شـمال المغـرب‬ ‫تدعـى «أصيلـة» أو «أزيال» ال يسـمع بها‬ ‫‪10‬‬

‫ّإل القريبـون منهـا‪ .‬فـي الـدورات األولـى‬ ‫للموسم اضطر بعض المثقفين أن يتنقل‬ ‫مـن محطـة القطـار إلـى حيـث كان يعقـد‬ ‫الملتقـى بواسـطة دابـة فـي غيـاب أي‬ ‫وسـيلة مناسـبة للمواصلات إذاك‪ ،‬كما‬ ‫المؤسسة‪ .‬شيئ ًا‬ ‫يحكي لنا بعض أعضاء‬ ‫ّ‬ ‫فشـيئ ًا بـدأ موسـم أصيلـة يراكـم دوراته‬ ‫األولـى‪ ،‬مكتسـب ًا شـهرة بيـن المثقفيـن‬ ‫بـادئ األمـر الذيـن اكتشـفوا هـذه المدينة‬ ‫الصغيرة والهادئة التي سـتصبح في ما‬ ‫بعـد قبلـة للمثقفيـن والكتـاب والمبدعين‬ ‫مـن داخـل المغـرب وخارجـه‪ .‬وحسـب‬ ‫مؤسسـة‬ ‫عبد اللطيف الطود أحد أعضاء ّ‬ ‫كل ما يمكن أن تراه‬ ‫موسم أصيلة‪ ،‬فإن ّ‬ ‫في هذه المدينة اآلن هو بفضل موسـمها‬ ‫الثّقافي‪ .‬مركز الحسـن الثاني للملتقيات‬ ‫الدوليـة حيـث تنظـم النـدوات كان فـي‬ ‫أصلـه عبـارة عـن إسـطبل للـدواب‪ ،‬كما‬ ‫يؤكد محدثنا‪ ،‬مفيد ًا أنه عند أول معرض‬ ‫ّ‬ ‫َفنّي فيه للفنان المغربي «فريد بلكاهية»‬ ‫كل شـيء ما يزال بالقصدير قبل أن‬ ‫كان ّ‬ ‫تتحـول األمـور إلـى مـا هـي عليـه اآلن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تـردد المثقفيـن والمسـؤولين‬ ‫وبسـبب ّ‬ ‫الكبـار علـى المدينـة أصبحـت الحاجـة‬ ‫ملحـة لتطويـر البنيـة التحتيـة للمدينـة‬ ‫ّ‬ ‫بما فيها حتى الكهرباء والماء الذي سبب‬ ‫متاعـب فـي الـدورات األولـى للموسـم‪.‬‬ ‫ويسـجل الموسـم أن فنانين شاركوا في‬ ‫تبليـط بعـض أرصفـة المدينـة‪ ،‬كمـا هـو‬ ‫الشـأن بالنسـبة للشـارع الرئيسـي الـذي‬ ‫أنجـز رصيفه األول الفنان فريد بلكاهية‬ ‫ورصيفـه الثانـي الفنـان المليحي‪.‬‬

‫إشعاع يجلب المشاريع‬ ‫ال تخطـئ عيـن الزائـر للمدينـة المنشـآت‬ ‫الثّقافيـة الكبـرى التـي تنتصـب فـي قلـب‬

‫المدينة‪ .‬مركز الحسن الثاني للملتقيات‪،‬‬ ‫ومكتبة األمير بندر بن سـلطان‪ ،‬وقصر‬ ‫مؤسسـات أنشـئت بتمويلات‬ ‫الثّقافـة‪ّ ،‬‬ ‫خليجيـة مـن السـعودية والكويـت‬ ‫واإلمـارات وغيرهـا‪ .‬مـا بيـن تلـك‬ ‫المنشـآت ُي َغّيـر «موسـم أصيلـة» وجـه‬ ‫المدينـة الصغيـرة‪ ،‬وتتقـدم األشـغال‬ ‫علـى قـدم وسـاق فـي مشـاريع أخـرى‬ ‫جلبهـا اإلشـعاع الثّقافـي‪ .‬مـن بينهـا‬ ‫متحف أصيلة‪ ،‬الممول من قبل صندوق‬ ‫أبوظبي للتنمية‪ ،‬ومشروع بناء مدرسة‬ ‫ممولة من ذات الصندوق‪ ،‬الذي يسـاهم‬ ‫كذلك في بناء المحطة الطرقية للمدينة‪.‬‬ ‫هـي مراكـز ثقافيـة تنتعش فيهـا الحركة‬ ‫طيلـة أيـام الموسـم‪ ،‬لكـن هـذا ال يمنـع‬ ‫مـن اإلشـارة إلـى أن لبقيـة أيـام السـنة‬ ‫فيهـا وجهـ ًا آخـر‪ .‬إحـدى الشـابات‬ ‫المسـاعدات فـي التنظيـم سـألناها كـم‬ ‫المؤسسـات فـي السـنة‪،‬‬ ‫تشـتغل هـذه‬ ‫ّ‬ ‫تتـردد فـي اإلجابـة ‪ 15‬يومـ ًا فـي‬ ‫فلـم‬ ‫ّ‬ ‫الصيف‪ ،‬لتترك لضحكتها إتمام الجواب‬ ‫المخجـل‪ .‬ليسـت الشـابة الوحيـدة التـي‬ ‫تصـرح بهـذه الحقيقـة الظاهـرة للعيان‪.‬‬ ‫يؤكـده عـدد مـن المتابعيـن هـو أن‬ ‫فمـا ّ‬ ‫مؤسسـات أصيلة التي جلبها الموسـم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫علـى الرغـم مـن أهميتهـا‪ ،‬ال تـدب فيهـا‬ ‫الحركـة ّإل لمـدة أسـبوعين فـي الصيـف‬ ‫أو السـتضافة بعـض المنتديـات أو‬ ‫الملتقيـات الوطنيـة أو الدوليـة األخـرى‬ ‫أليـام معـدودات ُأخـرى‪ .‬مكتبـة بنـدر‬ ‫بـن سـلطان علـى سـبيل المثـال ببنائهـا‬ ‫الفخـم ال تتضمـن قاعـة المطالعـة فيهـا‬ ‫قليلا مـن إصـدارات منتـدى أصيلـة‬ ‫ّإل‬ ‫ً‬ ‫وبضعـة أعـداد مـن مجلات خليجيـة‪.‬‬ ‫وهـو األمـر الذي يحتاج‪ ،‬حسـب عدد من‬ ‫التقيناهـم‪ ،‬إلـى تجديـد النظـر مـن أجـل‬


‫وضـع اسـتراتيجية تقريبيـة يجـد معهـا‬ ‫المواطـن ذاتـه فـي قلـب النشـاط الثّقافي‬ ‫طيلـة السـنة‪.‬‬ ‫فـي انتظـار ذلـك فـإن ما يوفره الموسـم‬ ‫مـن إشـعاع ثقافـي علـى الرغـم مـن‬ ‫حـول‬ ‫محدوديـة زمنـه فـي السـنة‪ ،‬فقـد ّ‬ ‫مدينـة صغيـرة نائمة في شـمال المغرب‬ ‫والفّن‬ ‫إلى معلمة عربية متلحفة بالثّقافة َ‬ ‫واألدب وتسـبق صورتهـا فـي المخيلـة‬ ‫العثـور عليهـا فـي الخريطـة‪.‬‬ ‫مـن يتجول في المدينة القديمة ألصيلة‪،‬‬ ‫يكتشف مقدار األريحية والصفاء واألمان‬ ‫الـذي يمكـن أن تبثـه األمكنـة فـي نفـوس‬ ‫زوارهـا لحظـة تكـون مزينـة بمظاهـر‬ ‫الجمـال واإلبـداع والنظافـة‪ .‬هنـا مـن‬ ‫أهـم إضافـات الموسـم التـي ال تخطئهـا‬ ‫ّية على‬ ‫العين‪ ،‬إضفاء لمسة جمالية َ‬ ‫وفنّ‬ ‫المدينـة وتربيـة النـشء على ذلك‪ .‬يوفر‬ ‫ذلك لسكانها وخاصة من األطفال ثقافة‬ ‫بصريـة‪ ،‬حيـث تبـدو المدينـة العتيقـة‬ ‫كمتحـف حـي‪ .‬يؤكـد أحمـد فتاح بن عالل‬ ‫صاحب مكتبة بالمدينة‪ ،‬وهو الذي رافق‬ ‫الموسـم الثّقافـي منـذ نشـأته‪ ،‬أن «هـذا‬ ‫المهرجـان َخ َّـرج الكثيـر مـن الفنانيـن‬ ‫الشـباب وجعـل لمدينـة أصيلـة سـمعة‬ ‫ّيـة وثقافيـة كبيـرة وهي التـي لم تكن‬ ‫َفنّ‬ ‫معروفـة فـي الخريطة وال تذكر حتى في‬ ‫أحـوال الطقـس علـى حـد قولـه‪ ،‬قبـل أن‬ ‫تتحـول مـن ‪ 10‬آالف نسـمة إلـى أكثـر‬ ‫ّ‬ ‫مـن ‪ 30‬ألـف نسـمة حاليـاً»‪ .‬ويضيـف‬ ‫بـن علال‪ ،‬أن شـعار «الثّقافـة فـي خدمة‬ ‫التنميـة» الـذي تـم رفعـه منـذ الـدورات‬ ‫األولى قد أعطى ُأكله بعدد من المشاريع‬ ‫وبالتـردد الكبيـر‬ ‫التـي عرفتهـا المدينـة‬ ‫ّ‬ ‫عليهـا ومـا خلقـه المنتـدى فيها من رواج‬ ‫غيـر مسـبوق»‪.‬‬ ‫ّيـة‬ ‫كمـا يكتشـف الزائـر‪ ،‬أن األعمـال َ‬ ‫الفنّ‬ ‫التي يسـاهم في رسـمها أطفال المدينة؛‬ ‫تظـل سـنة كاملـة وال يمكـن‪ -‬حسـب‬ ‫طفلا ُي َخ ّـرب حائط ًا‬ ‫المشـرفين‪ -‬أن تجـد‬ ‫ً‬ ‫أو يمسـه بسـوء وقـد كانـت لـه مسـاهمة‬ ‫فـي تزيينـه‪.‬‬ ‫تجربـة موسـم أصيلـة الطويلـة متفـردة‬ ‫فـي الوطـن العربـي‪ ،‬وفـي المغـرب‬ ‫كل سـنة العديـد مـن‬ ‫الـذي تتضخـم فيـه ّ‬ ‫المهرجانـات‪ ،‬والتـي علـى الرغـم مـن‬

‫ضرورتهـا ّإل أن نمطيتهـا وغيـاب رؤية‬ ‫أو استراتيجية لجعلها في قلب التنمية‪،‬‬ ‫ال يضيـف أي جديـد ويجعـل الحاجـة‬ ‫ملحـة لظهـور مهرجانـات ثقافيـة كبرى‪.‬‬ ‫فـي أصيلـة حتـى الشـوارع والسـاحات‬ ‫والحدائـق فيهـا شـيء مـن روح الثّقافة‪،‬‬ ‫حيث أغلبها يحمل أسماء مفكرين وأدباء‬ ‫مغاربـة وعـرب؛ مثـل محمـود درويـش‬ ‫والطيـب صالـح ومحمـد عابـد الجابـري‪.‬‬ ‫وعـدا بعـض األحيـاء األخـرى فـي الجهة‬ ‫الخلفيـة التـي ال تحمـل أي أسـماء مـن‬

‫ذلـك النـوع‪ ،‬بـل توصـف بأنهـا أحيـاء‬ ‫صفيحيـة‪ ،‬وينتظـر سـكانها أن يشـملهم‬ ‫نمـاء المدينـة وجمالهـا؛ تكسـر أصيلـة‬ ‫قاعـدة المهرجانـات الغنائيـة بمهرجـان‬ ‫ومتنـوع يهتـم بالفكـر‬ ‫متميـز‬ ‫ثقافـي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والفّن‪ ،‬وأفلح في إخراج المدينة‬ ‫واألدب َ‬ ‫مـن محليتهـا الضيقـة إلى مدينة مشـرعة‬ ‫على آفاق أرحب‪ ،‬حيث المعنى الحقيقي‬ ‫كل شي ُم َؤْن َسن وأليف‬ ‫للمدينة التي فيها ّ‬ ‫بمـا في ذلـك الجدران حينما تحكي قصة‬ ‫أو تاريخ ًا أو تحتضن رسـومات ملونة‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫استطالع‬

‫الجزائـر العاصمة (مركز المدينة)‬

‫متخصصــة‪ُ ،‬تعنى بالشــأن الثّقافــي‪ ،‬واألدبي‬ ‫مجــات أدبيــة وثقافية‬ ‫تفتقــر الجزائــر‪ ،‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫والفكــري‪ ،‬علــى غرار العديد من الدول العربية التي لها تاريخ عريق في هذا المجال‪ ،‬واألمثلة‬ ‫كثيرة‪ .‬الجزائر‪ ،‬حتى اليوم‪ ،‬لم تفلح في إنجاز مجلة ثقافية واحدة تســتمر في النشــر‪ .‬فأين‬ ‫يكمن الخلل؟ لماذا فشلت مجالت مثل «آمال» و«الثّقافة»‪ ،‬و«التبيين» في االستمرارية والصمود‪ ،‬وانتهت‬ ‫كلها إلى التوقف واالختفاء‪ ،‬وأحسنها حاالً‪ ،‬إلى عودة متذبذبة وخجولة؟‬

‫غياب المجلّات الثّقافية في الجزائر‬ ‫أزمة مج ّلات أم أزمة سياسة ثقافية؟‬ ‫نوارة لحــرش (الجزائر)‬ ‫استطالع‪ّ :‬‬ ‫حـول هـذه المسـألة‪ ،‬يتحـدث لنـا محمد‬ ‫جديـدي (باحث بقسـم الفلسـفة بجامعة‬ ‫موضحاً‪« :‬عدم وجود مجالت‬ ‫قسطينة)‬ ‫ِّ‬ ‫ثقافيـة في الجزائر واقعي ًا أو افتراضي ًا‬ ‫(إلكترونيـاً)‪ ،‬يبعـث علـى االسـتغراب‬ ‫حقـاً‪ ،‬وربمـا األغـرب منـه أننـا ال نجـد‬ ‫المجلات الثّقافيـة ذات القيمـة العاليـة‬ ‫‪12‬‬

‫ّيـاً‪ ،‬وهـذا األمـر فـي‬ ‫فكريـ ًا‬ ‫وعلميـ ًا َ‬ ‫وفنّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حـد ذاتـه يثيـر فـي نفوسـنا تسـاؤالت‬ ‫عـن سـر هـذا الغيـاب»‪ .‬جديـدي أضـاف‬ ‫بنبـرة متأسـفة‪« :‬هـذا الواقـع يبعـث‬ ‫فينـا السـؤال‪ :‬إذ كيـف لبلـد بمـا فيه من‬ ‫مثقفيـن شـهرتهم وصلـت خـارج الديـار‬ ‫كل‬ ‫وبمـا فيـه مـن طاقـات إبداعيـة فـي ّ‬ ‫وبكل المؤهالت التي‬ ‫المجاالت الثّقافية‬ ‫ّ‬ ‫ّيـاً‪ ،‬ماديـ ًا ومعنويـ ًا‬ ‫يمتلكهـا فكريـ ًا َ‬ ‫وفنّ‬

‫وحتـى جغرافيـ ًا وتاريخيـ ًا ولكـن فـي‬ ‫نهاية المطاف ال تجد في أكشاكه مجلة‬ ‫المتنوع‬ ‫ثقافيـة واحدة تبرز هذا الزخم‬ ‫ّ‬ ‫كل هذا نأسف لعدم وجود‬ ‫ثقافياً؟‪ ،‬مع ّ‬ ‫ّيـة أو مجلـة‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫مجلـة‬ ‫أو‬ ‫مجلـة فلسـفية‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫أدبيـة أو علميـة أو غيرها من المجالت‬ ‫الثّقافيـة العامـة أو المتخصصـة»‪.‬‬ ‫مـن جهتـه‪ ،‬يقـول الكاتـب والمترجـم‬ ‫السـعيد بوطاجيبـن‪« :‬المجلات‪ ،‬سـمة‬


‫حضاريـة تعكـس وجـه البلـد‪ ،‬ولـو‬ ‫جزئيـاً‪ ،‬وهـي ضروريـة فـي حياتنـا‪،‬‬ ‫أن افتقارنـا إلـى هـذه المجالت‪،‬‬ ‫وأظـن ّ‬ ‫ّ‬ ‫مهـم مـن طرائـق تكريـس‬ ‫جـزء‬ ‫وإلـى‬ ‫ّ‬ ‫تقاليـد المطالعـة‪ ،‬يرجـع إلـى عوامـل‬ ‫مركبـة ومتداخلـة‪ ،‬وقـد يتعـذر الفصـل‬ ‫بينهـا بالنظـر إلـى تكاملهـا‪ .‬إن لـم‬ ‫قابلا‬ ‫تكـن‪ ،‬فـي جوهرهـا‪ ،‬أمـرا واحـد ًا‬ ‫ً‬ ‫للتجـزيء»‪ .‬صاحـب «اللعنـة عليكـم‬ ‫جميعـاً»‪ ،‬أضـاف فـي ذات المنحـى‪:‬‬ ‫أو ًال مسـألة المقروئيـة‪ :‬يجـب‬ ‫«هنـاك ّ‬ ‫اإلقـرار بـأن القـراءة فـي البلـد متدنيـة‬ ‫جـداً‪ ،‬وللتمثيـل علـى ذلـك يمكـن أن‬ ‫نأخـذ الجامعـة الجزائريـة عينـة مثالية‬ ‫تعكـس الوجـه الشـاحب ِ‬ ‫للكتـاب عامة‪،‬‬ ‫دون الحديـث عـن المجلات‪( .‬سـكان‬ ‫الجامعـة) غيـر معنييـن بالمطالعـة‪،‬‬ ‫نظر ًا ألسـباب كثيـرة مرتبطة بالوضع‬ ‫العـام‪ ،‬وبالجانـب الذرائعـي المباشـر‪.‬‬ ‫حيـث توجـد المنفعـة اآلنيـة التـي تفيـد‬ ‫تحقيـق شـيء لـه عالقـة بالشـهادة أو‬ ‫بالرتبـة‪ ،‬ال غيـر»‪.‬‬ ‫مبرراً‪« :‬أيض ًا إذا كان‬ ‫بوطاجين واصل ّ‬ ‫الطلبـة غيـر مسـتعدين لقـراءة مؤلـف‬ ‫فـإن االهتمـام‬ ‫فـي المكتبـة‪ ،‬ومجانـاً‪ّ ،‬‬ ‫بشـراء مجلـة سـيكون فـي المرتبـة مـا‬ ‫بعـد األخيـرة مـن انشـغاالتهم‪ .‬ال يمكـن‬ ‫فـي هـذا الوضـع المتـردي الحديـث عـن‬ ‫الكتب‬ ‫التفكير في مجالت ما دمنا ال نقرأ ُ‬ ‫«أمـا إن‬ ‫المجانيـة»‪َ .‬‬ ‫وخُلـص متسـائالً‪ّ :‬‬ ‫كنّـا نقصـد مجلات بحجـم المجلات‬ ‫العربية المكرسـة‪ ،‬فتلك مسـألة ترتبط‬ ‫ومؤسسات‪ ،‬بداية‬ ‫أساس ًا بعدة هيئات‬ ‫َّ‬ ‫بـوزارة الثّقافـة‪ ،‬مـرور ًا بالشـركات‬ ‫والجمعيـات ومختلـف الـوزارات ومـا‬ ‫يمكـن أن يقدمـه رجال األعمال‪ ،‬كما في‬ ‫المشـرق والخليـج‪ ،‬وهـذا مسـتبعد فـي‬ ‫ظـل الفهـم الحالـي للثّقافـة ودورها في‬ ‫تنشئة األمة‪ .‬تبدو المسألة ها هنا شبه‬ ‫سريالية‪ ،‬ألنّه من المستبعد أن يضحي‬ ‫النـاس بأموالهـم خدمة للأدب والفكر‪،‬‬ ‫ثـم مـاذا نفعـل‬ ‫تلـك آخـر انشـغاالتهم‪ّ .‬‬ ‫بمجلات ال ُتقـرأ؟ ذلـك هـو السـؤال»‪.‬‬ ‫أمـا الناقـد والكاتـب بـن سـاعد قلولـي‪،‬‬ ‫فيرى أن انعدام سياسـة ثقافية شـاملة‬ ‫هـو السـبب فـي افتقـار الجزائـر إلـى‬

‫مجلات ثقافيـة وأدبيـة‪ .‬ويقـول فـي‬ ‫هـذا الصـدد‪« :‬أعتقـد‪ ،‬أن خلـو الفضـاء‬ ‫الثّقافـي الجزائـري مـن مجلات أدبيـة‬ ‫فكرية‪ ‬ودوريات متخصصة على درجة‬ ‫ال ومضمونـاً‪،‬‬ ‫كبيـرة مـن النوعيـة شـك ً‬ ‫أو عـدم اسـتمرارية وديمومـة بعـض‬ ‫المجلات األدبية القليلة جد ًا التي كانت‬ ‫تصـدر بيـن الحيـن واآلخـر‪ ،‬يتجـاوز‬ ‫مجرد البحث في أسباب الغياب الفادح‬ ‫أو االنقطـاع‪ ،‬لكونـه يتصـل اتصـا ًال‬ ‫وثيقـ ًا بمسـألة انعـدام رؤيـة واضحـة‬ ‫المعالـم لسياسـة ثقافيـة شـاملة‪ ،‬يتـم‬ ‫فيهـا التخطيـط لمشـاريع ثقافيـة علـى‬ ‫اتساع الثراء اإلبداعي الجزائري السائد‬ ‫بمختلـف مكوناته»‪ .‬وحسـب المتحدث‪،‬‬ ‫يفتـرض فـي السياسـة الثّقافيـة التـي‬ ‫ترعاهـا الـوزارة الوصيـة أن يتـم‬ ‫المـدون والمكتوب‪،‬‬ ‫االعتمـاد فيهـا على‬ ‫ّ‬ ‫بـدل التركيـز علـى مظاهـر الثّقافـة‬ ‫الكرنفاليـة‪ ،‬وأن توفـر مـا يكفـي مـن‬ ‫أسـباب الدعـم المالـي غيـر المشـروط‬ ‫للهيئات الثّقافية والمدنية‪ .‬ويرى أيض ًا‬ ‫أن المجالت يجب أن تشرف عليها ُنخب‬ ‫ّ‬ ‫متعـددة (أدبـاء ونقـاد) تشـتغل بهـدوء‬ ‫ِّ‬ ‫ضمـن محـاور معرفيـة وإبداعيـة‪،‬‬ ‫تتنـاول قضايا اإلبداع والثّقافة العربية‬ ‫المعاصـرة‪.‬‬ ‫وحـول األسـباب فـي غيـاب مجلات‬ ‫ثقافية في الجزائر يصرح ساعد قلولي‬ ‫رجـع‬ ‫بأنـه‪ :‬مـن الطبيعـي أن نجـد مـن ُي ِ‬ ‫ذلك إلى العوامل السوسيو‪ -‬اقتصادية‬ ‫وغالء سعر الورق وغيرها من الحجج‬ ‫الواهيـة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬يضيف المتحدث‪،‬‬ ‫كل المجالت األدبية الجزائرية التي‬ ‫بأن ّ‬ ‫تظهر وتختفي بين الحين واآلخر‪ ،‬هي‬ ‫مجرد مغامرات وجهود أفراد ال يملكون‬ ‫مـن اإلمكانـات ما يجعل هذه المشـاريع‬ ‫تقـاوم إرادة البقـاء‪ ،‬ولذلك سـرعان ما‬ ‫تختفي‪.‬‬ ‫بـدوره يسـتغرب الكاتـب والمترجـم‬ ‫عميـر‪ ،‬مـن كـون الجزائـر‬ ‫بـوداود‬ ‫ّ‬ ‫وبـكل إمكانياتهـا الماليـة والثّقافيـة‬ ‫ّ‬ ‫قائلا‪:‬‬ ‫ثقافيـة واحـدة‪،‬‬ ‫مجلـة‬ ‫تملـك‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫أن للجزائـر تقاليـد راسـخة‬ ‫«ال شـك ّ‬ ‫فـي إنتـاج المجلات الثّقافيـة‪ ،‬ففـي‬ ‫الثمانينيـات كانـت تصـدر مجلات‪:‬‬

‫األصالة‪ ،‬الثّقافة‪ ،‬ألوان‪ ،‬وآمال‪ ،‬التي‬ ‫ُتعنـى بـأدب الشـباب‪ ،‬الشاشـتان التي‬ ‫ُتعنـى بالسـينما‪ ،‬ناهيـك عـن المجلات‬ ‫المخصصـة لألطفـال والمـرأة‪ ،‬وكانـت‬ ‫تعتبـر بفضـل ما كانـت تحويه من مواد‬ ‫ثقافيـة وفكريـة عميقـة‪ ،‬بمثابة مراجع‬ ‫للبحـث ال منـاص منهـا‪ .‬لألسـف جميـع‬ ‫هـذه العناويـن اختفـت ماعـدا عنوانا أو‬ ‫عنوانيـن‪ ،‬عـادت مجلـة الثّقافة ومجلة‬ ‫مثلا ولكنهـا عـودة متعثرة إن لم‬ ‫آمـال ً‬ ‫نقـل فاشـلة‪ ،‬وهكـذا وجـدت الجزائـر‬ ‫نفسـها بإمكانياتهـا الماليـة والثّقافيـة‬ ‫دون مجلـة ثقافيـة ذات بـال‪ ،‬فـي حيـن‬ ‫تحفـل دول عربيـة أخـرى بمجلات‬ ‫ثقافيـة راقيـة فرضـت وجودهـا علـى‬ ‫السـاحة العربيـة‪ .‬وفـي هـذا السـياق‬ ‫أشـاد بـوداود فـي تصريحـه‪ ،‬ببعـض‬ ‫التجـارب النوعيـة التـي حقّقتهـا بعض‬ ‫الـدول العربيـة والخليجيـة فـي إصـدار‬ ‫مجالت والحفاظ على خط استمراريتها‬ ‫وازدهارهـا‪ ،‬وقـال بهـذا الخصـوص‪:‬‬ ‫«يبـدو فـي السـنوات األخيـرة‪ ،‬وهـو‬ ‫أمر يدعو حّق ًا للتنويه‪ ،‬أن ثمة تنافسـ ًا‬ ‫قائمـ ًا علـى مسـتوى الوطـن العربـي‬ ‫فـي السـعي إلـى إصـدار مجلات ثقافية‬ ‫بإمكانيـات ماديـة وبشـرية هائلـة‪،‬‬ ‫مجلات ال تطمـح إلـى تحقيـق مكاسـب‬ ‫تجاريـة علـى اإلطلاق‪ ،‬بدليـل أن‬ ‫البعـض مـن هـذه المجلات ترفـق معهـا‬ ‫ولعل المتفحص لسـعر‬ ‫ُكتبـ ًا مجانية‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫المجلـة يندهـش للثمـن الزهيـد الـذي قـد‬ ‫ال يغطـي حتـى ربـع صفحات من مجلة‬ ‫تتجاوز صفحاتها في كثير من األحيان‬ ‫مئة صفحة‪ ،‬ناهيك عن ِ‬ ‫الكتاب المرفق‬ ‫كهديـة مجانيـة»‪.‬‬ ‫ويختـم بـوداود اسـتطالعنا بالقـول‪:‬‬ ‫مـا ُيهـدر مـن أمـوال علـى مهرجانـات‬ ‫ومناسـبات عابرة كان يمكن اسـتثماره‬ ‫فـي إنتـاج وإصـدار مجلات ثقافيـة‬ ‫محترمـة منتظمـة اإلصدار‪ ،‬تسـعى إلى‬ ‫التعريـف بالتاريـخ الجزائـري القديـم‬ ‫والمعاصـر واالطلاع علـى الثّقافـة‬ ‫الجزائريـة المتنوعـة التـي هـي فـي‬ ‫أمـس الحاجـة إلى منبـر يتيح التعريف‬ ‫بزخمهـا وتنوعهـا إلـى مختلـف البلـدان‬ ‫العربيـة والعالـم»‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫عدد من الروائيين العرب يتفقدون خارطة كتارا (أرشيف)‬

‫جائزة «كتارا» للرواية العربية‬ ‫في دورتها الثالثة‬ ‫الدوحـة‪ :‬طه عبدالرحمن‬ ‫المؤسسـة العامـة للحـي‬ ‫مـع إعلان‬ ‫ّ‬ ‫الثّقافـي «كتـارا» فتـح بـاب الترشـح‬ ‫للـدورة الثالثـة مـن جائزة كتـارا للرواية‬ ‫العربية للعام ‪2017‬م‪ ،‬وما يصاحبها من‬ ‫مهرجـان للرواية‪ ،‬يكـون المتلقي العربي‬ ‫أمـام فضـاء جديـد‪ ،‬عندمـا يجـرى تحفيـز‬ ‫المبدعين لضخ منتوجاتهم األدبية‪ ،‬بغية‬ ‫إثراء حالة اإلبداع ذاتها‪ ،‬وهو ما يستفيد‬ ‫منـه بالتالـي القـارئ العربـي‪.‬‬ ‫مـن هنـا‪ ،‬وحينمـا تواصـل «كتـارا» فتـح‬ ‫البـاب أمـام نسـخة جديـدة مـن جائزتهـا‬ ‫للروايـة العربيـة‪ ،‬لتضـاف إلـى األخـرى‬ ‫المعروفة باسـم (‪#‬جائزة_كتارا_تويتر)‬ ‫فـي الثّقافـة والفنون‪ ،‬والتـي ُتنظمها عبر‬ ‫موقع التواصل االجتماعي «تويتر»‪ ،‬فإن‬ ‫كل هـذا الفضـاء مـن الجوائـز‪ ،‬يعكـس أن‬ ‫ّ‬ ‫هـذا الصـرح الثّقافي يسـعى إلى أن يكون‬ ‫لـه تواجـده عبر ألـوان اإلبـداع المختلفة‪،‬‬ ‫بـل ومسـايرة المنصـات الرقميـة‪ ،‬بهـدف‬ ‫إثـراء وتنويـع المشـهد الثّقافـي‪ ،‬بحيث ال‬ ‫يكـون مقصـورًا علـى جنس أدبـي بعينه‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫ويعكس هذا أن مثل هذه الجوائز لم تكن‬ ‫بمحـض المصادفـة‪ ،‬بـل ُولـدت فـي إطـار‬ ‫مؤسسـية‪ ،‬وهـو مـا تقـر به‬ ‫اسـتراتيجية ّ‬ ‫المؤسسـة ذاتها‪ ،‬بأن هدفها إثراء المشـهد‬ ‫ّ‬ ‫الثّقافـي محليـ ًا وعربيـ ًا ودوليـاً‪ ،‬لتضاف‬ ‫إلـى غيرهـا من الفعاليات األدبية الكبيرة‬ ‫التي تقيمها‪ ،‬ومنها أروقة الكتب‪ ،‬بجانب‬ ‫المعـارض التشـكيلية المتنوعـة‪ ،‬خلاف‬ ‫فعاليـات أخـرى‪ ،‬ذات صلـة بالمشـهد‬ ‫الثّقافـي العربي‪.‬‬ ‫ومـع اإلعالن عن النسـخة الثالثة لجائزة‬ ‫بكل ما حملته من جديد‪،‬‬ ‫الرواية العربية ّ‬ ‫تكـون هـذه المسـابقة قـد تحقّـق لهـا نقلـة‬ ‫تـم اإلعلان عنهـا عـام‬ ‫نوعيـة‪ ،‬منـذ أن ّ‬ ‫‪2014‬م‪ ،‬مـا يجعـل أنظـار الروائييـن‬ ‫العـرب تتجـه صـوب هذه الجائـزة‪ ،‬التي‬ ‫يتواصل االسـتمرار في قبول مشـاركاتها‬ ‫منذ وقت إعالنها‪ -‬مطلع شهر أغسطس‪/‬‬ ‫آب الماضي‪ -‬وحتى ‪ 31‬ديسمبر‪/‬كانون‬ ‫األول ‪ ،2016‬دون قبول أية مشاركة بعد‬ ‫هـذا التاريـخ‪ .‬فـي الوقـت الـذي سـيجرى‬ ‫فيـه توزيـع جوائـز النسـخة الثانيـة مـن‬ ‫ذات المسـابقة خلال الفتـرة مـن ‪ 10‬إلـى‬

‫‪ 12‬أكتوبر‪/‬تشـرين األول المقبـل‪.‬‬ ‫ومـن ثمـار هـذه النقلـة النوعيـة إضافـة‬ ‫فئة جديدة للنسـخة الثالثة من المسـابقة‬ ‫تعنـى بروايـات الفتيان غير المنشـورة‪،‬‬ ‫لفتـح المجـال أمـام الروائييـن العـرب‬ ‫لإلبـداع فـى مجـال جديـد‪ ،‬يحاكـي فئـة‬ ‫مهمـة مـن الجمهـور وهـم اليافعون‪ ،‬ممن‬ ‫تصـل أعمارهـم مـن ‪ 12‬إلـى ‪ 20‬سـنة‪،‬‬ ‫علاوة علـى زيادة القيمـة المادية لفئات‬ ‫ً‬ ‫الجائـزة‪.‬‬ ‫ويأتـي اإلعلان عـن النسـخة الجديـدة‬ ‫للجائزة‪ ،‬بعدما حقَّقت دورتاها السابقتان‬ ‫تطـورًا الفتـاً‪ .‬إذ تشـير األرقـام إلـى أن‬ ‫ّ‬ ‫أكثـر مـن ألـف رواية ُقدمت للمشـاركة في‬ ‫الجائزة بدورتها الثانية‪ ،‬بعدما أصبحت‬ ‫قيمـة جائزتهـا ‪ 725‬ألـف دوالر أميركي‪،‬‬ ‫واسـتحداث جائـزة النقـد الروائـي‪ .‬كمـا‬ ‫شاركت بالمسابقة ‪ 234‬رواية منشورة‪،‬‬ ‫و‪ 732‬أخـرى غيـر منشـورة‪ ،‬إضافـة‬ ‫إلـى ‪ 38‬دراسـة نقديـة غـرد النـص عبـر‬ ‫«تويتر»‪ .‬ومن بين تلك المشاركات ‪219‬‬ ‫مشـاركة نسـائية‪ ،‬مقابـل ‪ 777‬مشـاركة‬ ‫للرجال‪.‬‬


‫جانب من معرض الرواية العربية (أرشـيف)‬

‫وتصدرت مصر الدول المشـاركة بحوالي‬ ‫‪ 311‬مشـاركة‪ ،‬تلتهـا المغـرب بنحـو ‪112‬‬ ‫مشاركة‪ ،‬والعراق بحوالي ‪ 100‬مشاركة‪.‬‬ ‫فـي حيـن شـاركت السـعودية بقرابـة ‪35‬‬ ‫مشـاركة‪ .‬بينمـا تنافـس علـى الجوائـز ‪7‬‬ ‫مشـاركات مـن دول غيـر عربيـة‪ ،‬مثـل‬ ‫السـويد وإريتريـا ونيجيريـا‪.‬‬ ‫تـم اسـتالم ‪ 236‬روايـة‬ ‫وبالمقابـل‪ ،‬فقـد ّ‬ ‫منشـورة خلال الـدورة األولـى للجائزة‪.‬‬ ‫منهـا ‪ 85‬روايـة منشـورة عـام ‪2013‬م‬ ‫و‪ 151‬روايـة منشـورة عـام ‪2014‬م‪.‬‬ ‫بينمـا جـرى قبـول ‪ 234‬روايـة منشـورة‬ ‫بالنسـخة الثانيـة‪ ،‬مـا يـدل علـى اإلقبـال‬ ‫الالفـت الـذي القتـه هـذه الفئـة مـن قبـل‬ ‫الروائييـن العـرب‪.‬‬ ‫ومـن خلال مقارنـة إحصائيـة مغايـرة‬ ‫بيـن مشـاركات الـدورة األولـى واألخـرى‬ ‫الثانيـة‪ ،‬فقـد أظهرت المقارنة اسـتقطاب‬ ‫عـدد أكبـر مـن المشـاركين فـي نسـختها‬ ‫الثانيـة‪ ،‬مقابـل النسـخة األولـى‪ ،‬األمـر‬ ‫الـذي يتـم تفسـيره علـى أنـه حـرص مـن‬ ‫الجائـزة علـى ترسـيخ مكانتهـا‪ ،‬دون‬ ‫إغفـال أنهـا فـي طـور النشـأة‪ ،‬ولكنهـا‬ ‫كمـا يبـدو نشـأة صاعـدة‪ ،‬تسـعى إلى أن‬ ‫تكـون فتيـة‪.‬‬ ‫هـذا الرصيـد مـن المشـاركات للجائـزة‪،‬‬ ‫المؤسسـة‬ ‫يعنـي أن الفعـل الثّقافـي لـدى‬ ‫ّ‬ ‫يسـعى جادًا لتحقيق هدفه‪ ،‬برفد الساحة‬ ‫بـكل مـا هـو‬ ‫الثّقافيـة المحليـة والعربيـة ّ‬ ‫مبـدع‪ ،‬علـى نحـو مـا حملتـه شـروط‬ ‫عملا روائيـ ًا‬ ‫الجائـزة مـن أن تكـون‬ ‫ً‬

‫منشورًا أو غير منشور‪ ،‬وليس مجموعة‬ ‫قصصيـة‪ ،‬أو قصائـد شـعرية‪ ،‬دون أن‬ ‫يتـم منحهـا ألي أعمـال قد سـبق لها الفوز‬ ‫بجوائز أخرى‪ ،‬وأن يكون المشارك على‬ ‫قيد الحياة‪ ،‬كما ال يحق له الترشح بأكثر‬ ‫مـن عمـل واحـد‪ .‬وتشـترط لجنـة الجائزة‬ ‫مراعاة العمل المقدم إليها لحقوق الملكية‬ ‫الفكريـة وقوانيـن ولوائـح المطبوعـات‬ ‫تم إنتاجه بدءًا من‬ ‫والنشر‪ ،‬وأن يكون قد ّ‬ ‫شـهر ينايـر وحتـى آخـر شـهر ديسـمبر‪/‬‬ ‫كانـون األول ‪2016‬م‪ ،‬وأن يكـون غيـر‬ ‫مترجم‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وبنظـرة علـى مخرجـات الجائـزة‪ ،‬فـإن‬ ‫«كتارا» تعمل على ترجمة األعمال الفائزة‬ ‫بمسـابقة الروايـة العربيـة إلـى اللّغتيـن‬ ‫اإلنجليزيـة والفرنسـية‪ ،‬وطباعتهـا‬ ‫وتسـويقها‪ .‬كمـا تقـوم بتحويـل الروايـة‬ ‫علاوة‬ ‫ّيـ ًا إلـى عمـل درامـى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الصالحـة َفنّ‬ ‫علـى نشـر وتسـويق الروايـات غيـر‬ ‫المنشـورة‪ .‬وسـتقوم لجنـة الجائـزة‬ ‫بتقديم مزايا أخرى للروايات والدراسات‬ ‫الفائـزة‪ .‬منهـا‪ :‬طباعـة وتسـويق الفئـة‬ ‫تـم اسـتحداثها أخيـرًا والمتعلِّقـة‬ ‫التـي ّ‬ ‫بروايـات الفتيـان‪.‬‬ ‫ويبـدو أن ملمـح االنفتـاح علـى الثّقافـات‬ ‫األجنبيـة‪ ،‬حاضـر فـي ذاكـرة «كتـارا»‬ ‫مـن خلال حرصهـا علـى ترجمـة األعمـال‬ ‫الفائـزة إلـى لغتيـن أجنبيتيـن‪ ،‬والدليـل‬ ‫علـى ذلـك إعالن رسـمي لها بـأن األعمال‬ ‫الفائزة بالنسخة األولى هي قيد الطباعة‬ ‫حالياً‪ ،‬وأنها سترى النور خالل مهرجان‬

‫المقرر‬ ‫نسـختها الثانيـة للرواية العربية‪ّ ،‬‬ ‫لـه شـهر أكتوبر‪/‬تشـرين األول ‪2016‬م‪،‬‬ ‫والذي سيشـهد اإلعالن عن الفائزين بهذه‬ ‫الدورة‪.‬‬ ‫هـذا االنفتـاح يعـزز مـن أن ركيزة «كتارا»‬ ‫فـي فعـل ثقافـي‪ ،‬ال يقـف عنـد حـدود‬ ‫المحلية‪ ،‬بل يتخطاه إلى العربية‪ ،‬ومنه‬ ‫إلـى العالميـة‪ ،‬وهـو الفعل الـذي يتجاوز‬ ‫الجوائـز الماديـة‪ ،‬إلـى المنجـز الثّقافـي‬ ‫الشـامل‪ ،‬بمـا يجعـل «كتـارا» منصـة‬ ‫للروايـة العربيـة‪ ،‬وتعريـف الثّقافـات‬ ‫األخـرى بهـا‪.‬‬ ‫مثـل هـذا الهـدف‪ ،‬حتمـ ًا سـيكون باعثـ ًا‬ ‫علـى تفجـر طاقـات المبدعيـن‪ ،‬علـى نحو‬ ‫مـا ظهـر مـن مشـاركاتهم فـي المسـابقة‬ ‫خلال دورتيهـا الماضيتيـن‪ ،‬األمـر الـذي‬ ‫يعكس أن هاتين النسختين من الجائزة‪،‬‬ ‫تطورًا‬ ‫واألخـرى اآلتيـة‪ ،‬يمكن أن ّ‬ ‫تشـكل ّ‬ ‫بكل ما يثري المشـهد اإلبداعي‬ ‫للمسـابقة‪ّ ،‬‬ ‫العربـي‪ ،‬وفـي القلـب منـه الروايـة‪.‬‬ ‫المؤسسـة تسـتهدف مـن وراء‬ ‫وإذا كانـت‬ ‫ّ‬ ‫هـذه الجائـزة ترسـيخ حضـور الروايـات‬ ‫العربيـة المتميـزة عربيـ ًا وعالميـاً‪،‬‬ ‫وتشجيع الروائيين العرب‪ ،‬للمضي قدم ًا‬ ‫نحـو آفـاق أرحـب لإلبـداع‪ ،‬فإنهـا بذلـك‬ ‫تضـع لبنـة جديـدة مـن لبنـات تعريـف‬ ‫المتلقيـن بقيمـة الروايـة‪ ،‬ومـدى تأثيرها‬ ‫فـي الواقـع المعـاش‪ ،‬وإبـراز المواهـب‬ ‫األدبيـة الملهمـة والتحليـق بهـا في سـماء‬ ‫دول الخليـج والوطـن العربـي‪ ،‬دون‬ ‫التقوقـع عنـد اإلطـار المحلـي‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫البحث عن العالج‬ ‫في ما وراء األمواج !‬ ‫محمد األصفـر‬ ‫يقـول «رمضـان الحاسـي» مواطـن ليبـي‬ ‫مـن بنغـازي‪ ،‬بعـد أن عجـز عـن الحصول‬ ‫علـى دواء مـرض السـكر مـن صيدليـات‬ ‫ومستشـفيات المدينـة‪ ،‬وصـارت حالتـه‬ ‫تسـوء أكثـر‪:‬‬ ‫«مـا الفـرق بين مريض يحرم من أدويته‪،‬‬ ‫وبيـن من صدر ضده حكم باإلعدام»‪.‬‬ ‫كل مـدن ليبيا تسـوء‬ ‫الحالـة الصحيـة فـي ّ‬ ‫بشـكل حـاد‪ ،‬أنـاس يموتـون بصـورة‬ ‫عبثية‪ ،‬نتيجة نقص األدوية والمستلزمات‬ ‫الطبية‪ ،‬بل إن بعض األطفال توفي لعدم‬ ‫توفر اللقاحات واألمصال‪ .‬الطقس الحار‪،‬‬ ‫وانقطاع التيار الكهربائي المتواصل فاقم‬ ‫من المشـكلة‪ ،‬أدوية كثيرة فسـدت بسـبب‬ ‫الحرارة وسـوء التخزين‪.‬‬

‫مريض في عرض البحر‬ ‫ مـا العمـل يا أبي ؟‬‫أمر منه‪..‬‬ ‫ ما يأتي بك إلى ُّ‬‫المر ّإل الذي ّ‬ ‫كل الطرق مسدودة يا بني‪ ..‬الطريق إلى‬ ‫ّ‬ ‫طرابلـس مسـدود‪ ..‬إلـى سـرت مسـدود‪..‬‬ ‫إلى طبرق مسـدود‪ ..‬إلى سـبها مسـدود‪..‬‬ ‫األلـم ال يطـاق‪ ..‬الـدواء مفقود‪ ..‬ال مناص‬ ‫مـن المغامـرة‪ ..‬ويبتسـم وهـو يلعب بيده‬ ‫المتدليـة مـن القـارب المطاطـي فـي الماء‪:‬‬ ‫البحـر حبيبنـا‪ ..‬البحـر حنـون‪ ..‬ويترنّـم‬ ‫بأغنيـة شـعبية هربـ ًا من األلم‪:‬‬ ‫«اصاحبـت أنا والبحر‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫كثر خيره‪..‬‬ ‫القيتا حنون‪..‬‬ ‫وخيرلـي من غيره»‪.‬‬ ‫ابنـه أبوبكـر يقـود القـارب المطاطـي‪،‬‬ ‫إلـى جانبـه ‪ 2‬جالـون وقـود‪ ،‬هـي كافيـة‬ ‫للوصـول إلـى جـزر الجنـوب اإليطالـي‪،‬‬ ‫بينمـا االبـن اآلخـر علـي‪ ،‬يعتنـي بأبيـه‬ ‫‪16‬‬

‫الممـدد علـى فـراش إسـفنجي‪ ،‬هـم عائلـة‬ ‫َّ‬ ‫من مدينة ساحلية في غرب ليبيا‪ ،‬عاشوا‬ ‫أمـام البحـر‪ ،‬عرفهـم وعرفـوه‪ ،‬عاركهـم‬ ‫وعاركـوه‪ ،‬وهـا هـم يلجـؤون إليـه فـي‬ ‫أوقـات الضعـف والشـّدة‪.‬‬

‫حديث في أثناء الرحلة‬ ‫كل الحديـث أثنـاء رحلتهـم كان عـن مـا‬ ‫ّ‬ ‫آلـت إليـه األوضـاع في ليبيـا‪ ،‬األب ينظر‬ ‫مبـررًا مخاطرته‬ ‫إلـى السـماء شـاكي ًا لهـا‪ّ ،‬‬ ‫الشـبيهة باالنتحـار‪ ..‬يناجـي نفسـه‬ ‫قائلا‪ :‬ال مطـارات وال طائرات‪ ..‬وال نقود‬ ‫ً‬ ‫للتذاكـر‪ ..‬وال سـيولة فـي المصـارف‪ّ ،‬إل‬ ‫علـى جماعـات بعينهـا‪ ..‬بلاد تحولت إلى‬ ‫سـد كبير‪ ..‬سـد متنقل‪ ..‬ال يسـمح للحياة‬ ‫تمـر‪...‬‬ ‫أن ّ‬ ‫مقبلا‬ ‫يصبـره ابنـه أبوبكـر‪،‬‬ ‫وعندمـا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫«هـون عليـك يـا أبـي‪ ..‬شـّدة‬ ‫يـده‬ ‫ً‬ ‫قائلا‪ّ :‬‬ ‫وتزول‪ ..‬اهلل كريم»‪ ..‬يجيب األب بابتسامة‬ ‫متألمـة‪ :‬ليـس أمامنـا اآلن ّإل العـودة إلى‬ ‫كل‬ ‫سـيرتنا األولـى‪ ..‬إلـى الذي خلـق منه ّ‬ ‫شـيء حـي‪ ..‬ربمـا يحيينـا مـن جديـد‪..‬‬ ‫أملا فقدنـاه‪ ..‬ليـس أمامنـا‬ ‫ويبعـث فينـا ً‬ ‫ّإل البحـر‪ ..‬البحر صديقنا القديم‪ ..‬الموت‬ ‫فـي المـاء‪ ..‬أرحم مـن الموت في التراب‪..‬‬ ‫السـمك أنظـف مـن الـدود‪ ..‬الملـح أطهـر‬ ‫مـن الطمـي‪..‬‬

‫آمال خلف الموج‬ ‫األمـواج تقذف بهـم عالياً‪ ..‬يرون الموت‪،‬‬ ‫لكن األب يطمئنهم‪ ..‬ال تخافا‪ ..‬لن نغرق‪..‬‬ ‫يذهـب أبـو بكـر لدفـة القـارب‪ ،‬يأتـي علي‬ ‫للعنايـة بأبيـه‪ ،‬يصـب لـه نصـف كـوب‬ ‫شـاي سـاخن من الحافظ الحراري‪ ،‬بدأت‬ ‫معالم جزر الجنوب اإليطالي تتضح ربما‬ ‫جزيرة بنات الرياح (بانتليريا) أو جزيرة‬ ‫المبيدوزا التي قصفها القذافي في منتصف‬

‫الثمانينيات بالصواريخ بسبب نزاعه مع‬ ‫األميـركان وحلف األطلسـي حول مشـكلة‬ ‫الميـاه اإلقليمية الدولية في خليج سـرت‬ ‫ومشـاكل اإلرهـاب‪ ..‬الجزيرتـان قريبتـان‬ ‫مـن صقليـة (سيشـيليا)‪ ..‬يرشـف مـن‬ ‫الكـوب ويلعـب بيـده فـي الماء مـن جديد‪،‬‬ ‫يغسـلها أو يبردها من الحرارة‪ ،‬يقول له‬ ‫أبوبكـر‪ ..‬احـذر مـن أسـماك القـرش‪ ،‬قـد‬ ‫تعض يدك‪ ،‬يرد األب‪ ..‬ال تخف يا ابني‪،‬‬ ‫قـروش اليـم لن تفترسـني‪ ،‬لن تطمع في‬ ‫جسـد منهـك جـاف مريـض مثلـي‪ ،‬دمـي‬ ‫ليـس أحمـر كـي يغريهـا أو يجذبها‪ ،‬دمي‬ ‫رمـادي بنـي‪ ،‬مـاء علـى هيئـة سـخام‪،‬‬ ‫الحـزن علـى وطـن يتالشـى لـم يترك في‬ ‫جسـدي أي قطرة دم‪.‬‬ ‫المعالـم تتضـح أكثـر‪ ،‬واألب يأمـر ابنـه‬ ‫بإضاءة المصباح وتوجيهه نحو بصيص‬ ‫الضـوء المنبعث مـن البعيد‪.‬‬

‫دم وعادات‬ ‫يقـول علـي سـيلتقطنا الـرادار‪ ،‬األب‬ ‫يـرد‪ :‬نعـم‪ ..‬نعـم‪ ،‬لكـن البحـر والمنـارة‬ ‫التـي علـى الشـاطئ علمتنـا أن نعتمـد‬ ‫علـى التواصـل اليـدوي‪ ،‬التواصـل‬ ‫اليـدوي حيـاة تحتـاج إلـى مسـاعدة‪ ،‬تمد‬ ‫يدهـا لحيـاة أخـرى يسـعدها ذلـك‪ ،‬لـن‬ ‫نكـون ّإل قـرب الجزيرتيـن بانتليريـا أو‬ ‫المبيـدوزا‪ ،‬لـو وصلنـا سـالمين سـتحل‬ ‫المشـكلة‪ ،‬سـأتلقى اإلسـعافات الالزمـة‬ ‫وأسـجل فـي سـجالت اللجـوء وبعدهـا‬ ‫مؤسسـات‬ ‫سـأدخل المستشـفى‪ ،‬هنـاك ّ‬ ‫أهليـة وإنسـانية كثيـرة تتكفّـل بعلاج‬ ‫مـن يعانـون مـن أمـراض خطيـرة‪ ،‬إننـا‬ ‫نغامـر مـن أجـل اإلنسـانية‪ ،‬التـي نجدهـا‬ ‫فـي انتظارنـا إن عبرنـا صـراط الهـول‪.‬‬ ‫يواصـل األب تداعياتـه‪ :‬األعمـار بيـد اهلل‬ ‫نعـم‪ ،‬ولكـن إن مـت ادفنونـي هنـا‪ ،‬فـي‬


‫هـذه الجـزر‪.‬‬ ‫يقـول أبوبكـر‪ :‬يقولـون إن الجنـوب‬ ‫اإليطالـي بـه عائلات كثيـرة مـن أصـول‬ ‫ليبيـة‪ ،‬بـل إن وجوههـم تشـبه وجـوه‬ ‫الليبييـن وكذلـك عاداتهـم‪.‬‬ ‫قائلا‪ :‬نعـم يـا ابنـي‪ ،‬عندمـا‬ ‫يبتسـم األب‬ ‫ً‬ ‫احتلـت إيطاليـا ليبيـا عـام ‪ 1911‬م‪ ،‬نفـت‬ ‫إلـى جزرهـا أعـدادًا كبيـرة مـن الليبييـن‪،‬‬ ‫منهـم مـن عـاد بعـد أن وضعـت الحـرب‬ ‫الكونية الثانية أوزارها بانتصار الحلفاء‬ ‫علـى المحـور‪ ،‬ومنهـم مـن بقـي هنـاك‪،‬‬ ‫وصـار إيطاليـاً‪ ،‬سـنجد فـي هـذه الجـزر‬ ‫أناسـ ًا يشـبهوننا بـل سـنجد أقـارب لنا لو‬ ‫بحثنـا فـي سـجالت البلديـات والمحاكـم‬ ‫اإليطاليـة‪ ،‬لـن نشـعر بالغربـة‪ ،‬سـنحس‬ ‫كأننـا فـي طرابلس أو بنغازي أو مدينتنا‬ ‫صبراتـة‪ ،‬أنـا زرت الجنـوب اإليطالـي‬ ‫كثيـراً‪ ،‬وجنـوب إيطاليـا يختلـف تمامـ ًا‬ ‫عـن شـمالها‪ ،‬أحيانـ ًا تحـس أنهـم ليسـوا‬ ‫دولـة واحـدة‪.‬‬ ‫الوقـود نفـد‪ ،‬القـارب صـار يجـري وفـق‬

‫مـزاج األمـواج‪ ،‬األب شـعر بالقلـق‪ ،‬وأمـر‬ ‫ابنيـه باالنتبـاه‪ ،‬أرجـو أال يعـود بنـا‬ ‫جنوبـاً‪ ،‬أرجـو أن تكـون الرياح شـمالية‪،‬‬ ‫اذهـب يـا علـي مـع أخيـك‪ ،‬حـاول أن‬ ‫تجدف ناحية الشـمال‪ ..‬وينظر األب فوق‬ ‫وسـط الظلام‪ ..‬نعـم إلـى هنـاك‪ ..‬ناحية‬ ‫تلـك النجـوم‪ ..‬مـازال سـاعة علـى الفجـر‬ ‫تقريبـاً‪ ،‬ونـرى أين نحن بوضوح‪ ..‬وألن‬ ‫الريـاح اشـتدت أكثـر أرجـح‪ ،‬أننـا نقترب‬ ‫مـن جزيـرة بنات الريـح بانتليريا‪ ،‬فلندع‬ ‫الريـاح تقودنـا‪ ،‬نحو جزيرة كانت لنا في‬ ‫يـوم مـن األيـام‪ ،‬اتخذهـا القائد اإلسلامي‬ ‫أسـد بـن فـرات مركـزًا لجيشـه اسـتعدادًا‬ ‫لفتـح صقليـة‪ ،‬سـأحكي لكـم عنهـا عندما‬ ‫نصـل ونرتـاح‪.‬‬

‫حكايات مشابهة‬ ‫قارب مطاطي تتقاذفه األمواج‪ ،‬ليس لهم‬ ‫معين سوى اهلل‪ ..‬األمواج لن تغرقنا مهما‬ ‫علـت‪ ..‬نحـن لسـنا غـزاة‪ ..‬نحـن لـم نجـد‬

‫كل‬ ‫العلاج فـي الوطـن‪ ،‬فجئنـا إلـى هنـا‪ّ ،‬‬ ‫أمـوال وطننـا تذهب إلشـعال نار الحرب‪،‬‬ ‫كل يـوم أكثـر‪،‬‬ ‫شـيء مؤسـف أن نمـوت ّ‬ ‫قابلا‬ ‫حتـى ال نجـد شـيئ ًا فـي أنفسـنا‬ ‫ً‬ ‫للمـوت‪ ..‬هـل سـنواصل ماراثـون المـوت‬ ‫هـذا‪ ..‬والفجـر يجيب‪ ..‬صـار بإمكان األب‬ ‫أن يـرى الخيـط األبيـض مـن األسـود‪..‬‬ ‫وبـدأت المعالـم حولهـم تتضـح‪ ..‬زورق‬ ‫إيطالـي سـريع يطلـق منبهـات وأضـواء‬ ‫يقترب منهم‪ ..‬بعد أن تأكد أنهم ال يحملون‬ ‫أسـلحة‪ ،‬قادهـم إلـى سـفينة أكبر‪ ،‬رفعوا‬ ‫القـارب المطاطـي بمـن فيـه برافعـة إلـى‬ ‫سـطح السـفينة‪ ..‬لتبـدأ المرحلـة الثانيـة‬ ‫مـن الرحلـة‪ ..‬وهـم يرتفعـون مـن المـاء‬ ‫إلى اليابسـة المؤقتة على ظهر السـفينة‪،‬‬ ‫كانـوا يعانقـون بعضهـم البعـض‪ ،‬كانـوا‬ ‫يبتسـمون‪ ،‬كان األب يرفـع يديـه‪ ،‬داعيـ ًا‬ ‫اهلل وشـاكرًا لـه علـى سلامة الوصـول‪.‬‬ ‫لم تكن هي المغامرة الوحيدة للهجرة غير‬ ‫الشرعية من أجل العالج‪ ،‬قبلها بشهر كان‬ ‫قد سـبقهم أب بابنته المصابة بمرض في‬ ‫الدم‪ ،‬وكان قد وصل فعالً‪ ،‬ودخلت ابنته‬ ‫المستشـفى‪ ،‬وأجـرت العمليـة التـي تعـذر‬ ‫إجراؤهـا فـي ليبيـا‪ ،‬وبعدهمـا تواصلـت‬ ‫الهجرات‪ .‬منذ أسبوع فقط وصل مجموعة‬ ‫شـباب صغـار إلـى الشـاطئ اإليطالـي‪،‬‬ ‫عبـر قـارب هجـرة غيـر شـرعية‪ ،‬كانـوا‬ ‫يبتسـمون للمغامـرة ونجاحهـا‪ ،‬إحـدى‬ ‫القنـوات الفضائيـة أجـرت حـوارًا معهـم‪،‬‬ ‫عن أسـباب هجرتهم‪ ،‬وقال أحدهم‪ :‬هرب ًا‬ ‫من الحرب‪ ،‬ال أريد أن أكون مقاتالً‪ ،‬آخر‬ ‫قـال الشـيء نفسـه‪ ،‬وعـن سـبب اختيـار‬ ‫إيطاليـا دون غيرهـا‪ ،‬ابتسـم الشـاب‬ ‫قائلا‪ :‬الطليـان قريبون منـا‪ ،‬نلتقي معهم‬ ‫ً‬ ‫فـي أشـياء كثيـرة‪ ،‬نحـن نشـجع فرقهـم‬ ‫ومنتخبهـم فـي كـرة القـدم‪ ،‬أيضـ ًا نحـب‬ ‫أكلتهـم الشـهيرة المكرونـة بأنواعهـا‪.‬‬ ‫شـاب آخـر قـال‪ :‬إن إيطاليـا ليـس هـي‬ ‫الهـدف‪ ،‬هـي محطـة عبـور إلـى أوروبـا‬ ‫الغربية التى ال تعاني أزمات اقتصادية‪،‬‬ ‫يمكنـك أن تقـول إننـا هنـا فـي إيطاليـا‬ ‫بصـدد اسـتراحة محـارب ال أكثـر‪ ،‬لقـد‬ ‫حاربنـا البحـر وانتصرنـا عليـه‪ ،‬واآلن‬ ‫فلنخـض حـروب اليابسـة‪.‬‬ ‫‪17‬‬


‫رسالة من المهجر‬

‫الدورة « ‪ »70‬لمهرجان المسرح في مدينة أفينيون‬ ‫«عنـدما تسـتحيل الثورة‪ ..‬يبقى هناك المـسرح»‬ ‫أفينيـون‪ :‬محمد برادة‬ ‫ـغ مــهرجان المسـرح العالمـي لمدينـة‬ ‫بـلـ َ‬ ‫َ‬ ‫عـامــه السـبـعين هذه‬ ‫الفرنسية‬ ‫أفينيون‬ ‫َ‬ ‫السـنة (‪ 24 - 6‬يوليو‪/‬تمـوز ‪،)2016‬‬ ‫فـي أجـواء سياسـية‪/‬اجتماعية شــديدة‬ ‫ظــل اعــتداءات إرهابية‪،‬‬ ‫التـوتــر‪ ،‬وفي ّ‬ ‫وحشـية‪ ،‬بالغـة الـعنـف‪ ...‬وهو مـهرجان‬ ‫متفــرد في أهدافه ومـمــارساته‪ ،‬انطـلق‬ ‫ّ‬ ‫العام ‪ ،1947‬باقـتراح مـن الشاعر الكبير‬ ‫شــار‪ ،‬وتــنفيذ‬ ‫ســليل المقاومـة رونـي‬ ‫ْ‬ ‫واحتــضان المخـرج الفرنسـي الشـهـيــر‬ ‫جـــان فــيـلار‪ .‬وكان الهدف هو ترسيخ‬ ‫ْ‬ ‫فــكرة المـســرح فـي وصـِفــه سـاحة‬ ‫ٍ‬ ‫بــصوت‬ ‫عموميــة للحـوار والتـفـكـيــر‬ ‫مـرتفع‪ ،‬على نحو ما كان عليه المسـرح‬ ‫اليونانـي القديـم‪ ،‬وأيضـ ًا الستكشـــاف‬ ‫المواهـب الجديـدة وجـعــل المســرح‬ ‫مشــارك ًا في اسـتشراف مــستقبل فرنسا‬ ‫‪18‬‬

‫بعـد خروجهـا مـن االحتلال والحـرب‬ ‫منهكـة‪ ،‬متطلعـة إلـى إعـادة الــبناء‬ ‫لـالنــخراط في األزمنــة الـحديــثة‪ ..‬ولم‬ ‫تكن سبعون سنة عـمر ًا قـصيـر ًا وال فـتـرة‬ ‫عاديـة مـن التاريـخ‪ ،‬ولكـن المهرجـان‪،‬‬ ‫والجداالت الصاخبة‬ ‫خالل ّ‬ ‫كل التحوالت ِ‬ ‫وحاملا ألصـداء‬ ‫كان حاضـر ًا ومشـارك ًا‬ ‫ً‬ ‫أفكار المثقفين والمفكــرين الفرنسـيـين‪،‬‬ ‫قـريب ًا من أسئلة السياسة‪ ،‬حريص ًا على‬ ‫ــكونات‬ ‫ّيـة‬ ‫والم ّ‬ ‫تـطـويــر األشـكال الفنّ‬ ‫ُ‬ ‫للـفـــرجة المســرحية‪.‬‬ ‫الجماليـة ُ‬ ‫الــدورة التي تـرأســها المخــرج‬ ‫في هذه ْ‬ ‫ِ‬ ‫الـالمــع أوليـفيــيه ّبـــي‪ ،‬كان‬ ‫والكاتـب‬ ‫اخــتــيار مسـرحيات الــعرض الرسـمي‬ ‫مـراعيــ ًا لعالقـة النصـوص والعـروض‬ ‫باإلشـــكالية السياسـية فـي مـعــناها‬ ‫العــميق الـذي يــتوخى طــرح أســئلة‬ ‫ذات طابع فكري وفلــسفي‪ ،‬يعـيد النظر‬ ‫فـي عالقـة اإلنســان بالقيــم والمبـادئ‪،‬‬

‫الـشــر التـي تـستــولي‬ ‫وفـي ظاهــرة‬ ‫ّ‬ ‫جــر َدهم‬ ‫لـت‬ ‫والجماعـات‬ ‫علـى األفــراد‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫مـن إنسانـيتــهم وتحولهـم إلـى وحـوش‬ ‫ضاريـة‪ .‬أمــا مســرحيات «األوف» التـي‬ ‫ـنـتـقــى‪ ،‬فــقد‬ ‫الـم َ‬ ‫ُعَرضـت خـارج اإلطـار ُ‬ ‫بلـغ عددهـا هـذه الســنة ألـفــ ًا وأربعمئة‬ ‫مسـرحية ألنهـا مفتوحـة أمـام الجميـع‪،‬‬ ‫ـعــرض فـي‬ ‫هــواة ُ‬ ‫ومـحتـرفيــن‪ ،‬وتــُ َ‬ ‫أماكــن صغيـرة وبإمكانـات محـدودة‪،‬‬ ‫وعلـى أصحابهـا أن يطوفوا على الناس‬ ‫فـي الشـوارع والمقاهـي ليـقـنــعوهم‬ ‫بــجودة مـا يـَـعــرضون‪ .‬وهـذا القســم‬ ‫ْ‬ ‫مـن المســرحيات يـمـثــل نوعـ ًا مـن‬ ‫دمـقــر َط ِ‬ ‫ـــة المسـرح‪ ،‬إذ يــفتح األبـواب‬ ‫َ َ‬ ‫ُمشـرعة ليختار الجمهـور العروض التي‬ ‫يــريد‪ ،‬وليشـارك فـي تـقــيـيـمــها مـن‬ ‫تـتــم فـي قاعات‬ ‫خلال المناقشـات التـي ّ‬ ‫وسـاحات مخـصــصة لذلـك‪.‬‬ ‫المالحظـة التـي تسـتــرعي االنتبـاه فـي‬


‫هـذه الـدورة‪ ،‬أن عــدد ًا ال بـأس بــه مـن‬ ‫العروض‪ ،‬يـقوم على نـوع من االقـتباس‬ ‫أو االنطلاق مـن نصـوص روائيـة أو‬ ‫سـيــناريوهات تســمح للمخـرج أن‬ ‫يــحقّق مـا يــريده فـي مجــال التمثيــل‬ ‫والسينـوغرافـيــا والرقـص واسـتعمال‬ ‫الفيديـو وشاشـة العـرض السـينمائي‪،‬‬ ‫أي االنـفتــاح على األشكال التـعـبـيــرية‬ ‫األخــرى لـتــوظيفها فـي المــسرح‬ ‫الـذي هـو قـــادر‪ ،‬مــثــل الروايـة‪ ،‬علـى‬ ‫اسـتـيــعاب وامتصـاص معظم األشـكال‬ ‫ّية واستـــثمارها لـلاقتراب مـن‬ ‫الفــنّ‬ ‫زخــم المشـهد الحياتـي وإمــكاناتــه‬ ‫الـرقــمية‪ ..‬وبالـفعــل‪ ،‬أخـذ اإلخــراج‬ ‫حـيــز ًا (‪ )Les Damnés‬كبيـر ًا مـن‬ ‫ّ‬ ‫االهتمـام فـي هـذه الـدورة‪ ،‬خاصـة‬ ‫مـســرحية «الملعونــون» التـي انطلــقت‬ ‫مـن سيــناريو فيلـم إيطالـي شـهــير‬ ‫أخــرجه لـيشـينــو فيسكونتي وعاد إليه‬ ‫المخرج البلجيكي الـفالمنــدي إيـفـوفــان‬ ‫هـــوف‪ ،‬مـن منظـور خـاص وبــإخــراج‬ ‫مـتـمـيــز‪ ،‬جعــل مـن مسـرحيـــته حدثـ ًا‬ ‫ّــي ًا وثقافيـ ًا لهـذا الــمهرجان‪ .‬وإذا كان‬ ‫فـن ّ‬ ‫فيسـكونتــي قد قــال عن «الملعونــون»‪:‬‬ ‫«أردت أن أنـجــز فـيلم ًا عن النـازية ألنـها‬ ‫ُ‬ ‫كشـفت انـقــالب ًا تاريخـي ًا في القيم»؛ فـإن‬ ‫ْ‬ ‫حــدد غــرضه مـن‬ ‫المخــرج الـبلــجيكي َّ‬ ‫مـســر ِ‬ ‫حــة الســـيناريو على هذا النحــو‪:‬‬ ‫َ‬ ‫ِـر كيف أن الـبشـر قـادرون‬ ‫«أريد أن أظـه َ‬ ‫على أن يتخــلوا عــن إنـسـانـيـتـهم؛ومن‬ ‫ِ‬ ‫شكـــل‬ ‫أقدم ذلك في‬ ‫ثـم‬ ‫ــت إلـى أن ِّ‬ ‫ْ‬ ‫سعـي ُ‬ ‫الـشـــر»‪ .‬نعم‪ ،‬ثـيــمة الشــر‬ ‫من‬ ‫طـقــس‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫المــتــعددة هي التي غلبت‬ ‫في وجوهـــه‬ ‫ِّ‬ ‫علـى مسـرحيات المهرجـان‪ ،‬مـن خلال‬ ‫مواقـف وأحـداث تـستــوحي التاريـخ‬ ‫القريـب (صعـود الوطنــيات الضيقة في‬ ‫ثالثــينيات القـرن الماضـي ومـا رافقهـا‬ ‫مـن تـتــويج للنازيـة والفاشيـسـتــية‪،‬‬ ‫وصعـود األصوليـة الدينيـة المـتــطرفة‬ ‫وما يصاحبها اآلن مـن إرهاب ووحـشـية‬ ‫وأفكار ظالمية‪ .)...‬على هذا النحـو‪ ،‬كان‬ ‫المنـاخ الســـياسي األوروبـي والعالمـي‬ ‫حـاضــر ًا بــقوة في مسـرحيات مـهرجان‬ ‫أفـينــيـون‪ ،‬لكـن من خالل أشكال مقنعة‬ ‫أبعــد ما تكون عــن اللهجة الــخطابية أو‬ ‫الـوعظ‪ .‬وكـانت مـأسـاة الشـرق العـربي‬ ‫قـدمــه اللبــناني‬ ‫حاضـرة مـن خلال مـا َّ‬ ‫علي شــحرور والسـوريـان محـمد العـطار‬

‫وعـمــر أبـو ســـعدة‪ .‬وعـــدد الروايـات‬ ‫الــمـمـســرحة أكـثــر مـن أن ُيــحصى‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫انطالقـا مـن دوستـويفســكي وهيــجو‬ ‫ً‬ ‫ووصـو ًال إلـى روائـييــن معاصريـن‪،‬‬ ‫خاصـة النــمساوي تــوماس بــرنارد‬ ‫صاحب «ســاحة األبـطال» التي أخـرجـها‬ ‫ليــقــدم‬ ‫لوبــا‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫الـبـولونــي كرسـتيان ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشـــر‬ ‫جــذور‬ ‫عــن‬ ‫بــرنارد‬ ‫تــأمالت‬ ‫لنـا‬ ‫ّ‬ ‫وكــراهية اآلخــر وفـشـل الفكر والثـقافة‬ ‫فـي مـقاومــة الــعدوانية واإلرهـاب‪.‬‬ ‫على ضوء هذه اإلشــارات‪ ،‬يمكن القول‬ ‫إن مهرجـان أفينــيون الـذي تــعرض‬ ‫الماضـيـتـيـن‪،‬‬ ‫لـالنـتـقـــاد في الـسنـتـين‬ ‫ْ‬ ‫قـد صحــح الموازيـن والـتصــور‪،‬‬ ‫وفـريقـــه أن‬ ‫واسـتــطاع المديـر بـّــي‬ ‫ُ‬ ‫يحقّـقــوا الــهدف الـمــزدوج المطلـوب‪:‬‬ ‫الحرص على المـسـتــوى الفنّــي‪ ،‬وربط‬ ‫المسـرحيات بـأســئلة راهنـة تـشــغل‬ ‫المواطــنين والمثقـفــين والفاعــلين فـي‬ ‫تــردده مــعظم‬ ‫حـومـــة الســياسة‪ .‬ومـا ّ‬ ‫ْ‬ ‫مســرحيات المهرجان الســبعين‪ ،‬هو أن‬ ‫يـمــر من فــترة حــرجة‪ ،‬مـعتـمة‪،‬‬ ‫العالم ّ‬ ‫وأن ال مـجــال إلخـــفاء الحقيقـة أو‬ ‫ْ‬ ‫الســكوت علـى مـــزالق الـسـياسـيــين‬ ‫الذيـن يـستـطيــبون الـثـرثــرة وافتعـال‬ ‫الخصـــومات‪ ،‬خاصـة فـي فــرنسا‪ .‬بـد ًال‬ ‫يـؤكــد أوليـفـيـيــه ّبــي علـى‬ ‫مـن ذلـك‪ّ ،‬‬ ‫الـمـمــكنات‪،‬‬ ‫أن المســرح مـقــترن‬ ‫ّ‬ ‫بــحب ُ‬ ‫وصـوت‬ ‫رفــض لدكتاتورية الـحـزن‬ ‫وأنه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫للــتـبــشــيــر بـإمــكـــان الـفــرح‪.‬‬ ‫والـواقــع أن مـهرجـــان أفـيـنـيــون هـذه‬ ‫بــرهــن علـى مـا يـتـمـــتع بـه‬ ‫الســـنة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫خاصـيات في المقاومة وزرع‬ ‫المـسرح من‬ ‫الفــرح وحب الحياة رغم أجــواء الرعــب‬ ‫وهجمات اإلرهاب األصولي المـتـطرف‪.‬‬ ‫وقد كانت ليلة ‪ 14‬يوليو‪/‬تموز اخــتـبار ًا‬ ‫للمـسـرحـيـيــن وجمـهــورهم الـغـفـيــر‪،‬‬ ‫ألن فــاجــعة مدينة نــيــس فـاقــت جميع‬ ‫درجـات الــوحشية وأذهلـت النـاس إلـى‬ ‫أقصـى حــّد‪ ،‬وقلبـت ليلـة االحــتفــال‬ ‫التاريخـي إلـى مأسـاة ‪ .‬ومـع ذلـك‪،‬‬ ‫ورواد‬ ‫سرعان ما انــتــبــه المـسـرحيون ّ‬ ‫ـفـوتـــوا‬ ‫الـمهــرجان إلـى ضـــرورة أن يـُ ّ‬ ‫علـى اإلرهابيـيــن مـا قــصدوا إليـه‪،‬‬ ‫فـاستـمــرت العـروض إلـى سـاعات‬ ‫مـتـأخرة وظـلت ساحات المدينة وأزقـتها‬ ‫امـتــداد ًا لــفضاء المسـارح‪ ،‬يـمــلؤها‬ ‫الغنـاء والــرقص والحـوار والتــعليقات‬

‫الـمتــضامنة مـع ضحايـا نـــيس الذيـن‬ ‫الـوحــش‪.‬‬ ‫دهـســتــهم شـاحنة اإلرهابي‬ ‫ْ‬ ‫علـى هـذا النـــحو‪ ،‬اسـتــطاع الـمســرح‬ ‫يـؤكــد حضـوره فـي المـعــركة التـي‬ ‫أن ّ‬ ‫يخوضهـا الشـعب الفرنسـي ضــّد قــوى‬ ‫ــل علـى‬ ‫الظلام والـتـطــرف‪ ،‬وأن يـدلـّ َ‬ ‫أنـه‪ ،‬في جـوهـره‪ ،‬ثــورة دائمة تـعـمـل‬ ‫علـى طــرح األسـئلة وإعـادة النـظــر في‬ ‫ما هــو قـــائم أو مــوروث‪ ،‬ألن التـفكيـر‬ ‫الـحــر‪ ،‬والحـوار الجماعي هما الـضمانة‬ ‫ّ‬ ‫لـصيانة المجـــتمع من الـتـفكـك‪ ،‬وتجديد‬ ‫بالــقـيــم اإلنــسانية‬ ‫حـيويـــته وتـعــلقه‬ ‫َ‬ ‫التـي تـعــطي للــحياة مـعنــى‪ ،‬وتـقــف‬ ‫ســـّدا في وجــه الــوحشية والـكــراهية‪.‬‬ ‫مـا اســترعى انـتـبـاهي أيض ًا وأنا أتابع‬ ‫بــعض ًا من مســرحيات المــهرجان‪ ،‬هــو‬ ‫تـجــســد‬ ‫أن لقاءات أفـيـنــيون الــسنوية‬ ‫ّ‬ ‫نــموذج ًا لمـا يسـمى حضـور الثقافـة‬ ‫فـي المجتمـع‪ .‬ذلـك أن الحديـث عـن هـذا‬ ‫الحضـور يـقـــتضي عالقة عضوية بــين‬ ‫المواطــنين ومجـاالت الثقافـة‪ ،‬كمـا هـو‬ ‫الشــأن في هذا المـهرجان الذي اســتطاع‪،‬‬ ‫طوال سبـعين سنة‪ ،‬أن يـخلق جـمهـور ًا‬ ‫َ‬ ‫مــواظباً‪ ،‬مشـاركاً‪ ،‬مشــجع ًا ومـنـتقــداً‪.‬‬ ‫بعبـارة ثانــية‪ ،‬اسـتطاع مهرجـان‬ ‫أفـيـنــيون أن يجـعــل المـسرح جـزء ًا من‬ ‫يـحـجون إليه‪ ،‬أو‬ ‫حياة المواطنين الذين‬ ‫ّ‬ ‫أولئك الذين يتابعون مــسرحياته حيــن‬ ‫مــدن‬ ‫تعـاد علـى امتـداد السـنة في بــقية ُ‬ ‫فــرنسا‪ .‬ومـثــل هذه العالقة الملموسة‪،‬‬ ‫هـو مـا يحقــق حضـور الثقافة بــوصفها‬ ‫غــذاء ضــروريا للمواطـنيـن‪.‬‬ ‫أمـام األزمـة السياسـية التـي تعيشـها‬ ‫فرنسـا‪ ،‬خاصة من خالل صعود أقصى‬ ‫اليمين‪ ،‬يـعـزف الشباب عن االنتـماء إلى‬ ‫المؤسسـات‬ ‫حـزب أو منظمـة‪ ،‬ألن هـذه‬ ‫ّ‬ ‫تــبدو عــاجزة عـن تـغيـيــر بــنيات‬ ‫المجتمـع؛ لكـن يــبقى أمامهـم المــسرح‪،‬‬ ‫ال مــن أجل الهروب أو االســتسالم‪ ،‬بــل‬ ‫ألن فــضاء المســرح يـجــعلنا‪ ،‬على حــّد‬ ‫تــعبير أحـد الصحافيـيــن‪ ،‬نحافـظ علـى‬ ‫اإلرادة المــشدودة إلى األمــل السياسـي‬ ‫ــرح‪.‬‬ ‫الـم ِ‬ ‫المتجـّدد عـبــر ِخطـاب المسـرح َ‬ ‫‪19‬‬


‫مقال‬

‫الجئون في أولمبياد ريو دي جانيرو‬

‫خطيب بدلة‬ ‫يتمتـع الرياضيـون‪ ،‬فـي مختلـف أنحـاء‬ ‫َّ‬ ‫بحـظ يفلـق الصخـر‪ ،‬ليـس‬ ‫العالـم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويهتمـون بهـم‪،‬‬ ‫يحبونهـم‪،‬‬ ‫النـاس‬ ‫ألن‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وبأخبارهـم‪ ،‬وبتفاصيـل حياتهـم‬ ‫الشخصية‪ ،‬وأسماء أقاربهم‪ ،‬وزوجاتهم‪،‬‬ ‫محبتهـم سـهلة‪،‬‬ ‫وصديقاتهـم‪ ،‬بـل ألن َّ‬ ‫ِ‬ ‫ـب‬ ‫ح‬ ‫ي‬ ‫فـأن‬ ‫التعقيـد‪.‬‬ ‫وشـبه خاليـة مـن‬ ‫ُ َّ‬ ‫مثلا‪ ،‬ويعشـق‬ ‫المـرء‬ ‫فريـق برشـلونة‪ً ،‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫يحـب فريـق‬ ‫أو‬ ‫ميسـي‪،‬‬ ‫ليونيـل‬ ‫الالعـب‬ ‫ّ‬ ‫ونجمـه فرنشيسـكو توتـي‪ ،‬لـن‬ ‫رومـا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ُيكلِّفه سوى القليل من الثقافة الرياضية‬ ‫مجاناً‪ ،‬عبر‬ ‫التي تأتي إلى داخل منزله‪ّ ،‬‬ ‫المحطات الرياضية‪ ،‬بينما‬ ‫العشرات من‬ ‫ّ‬ ‫الفرنسـي «جان‬ ‫يحتاج قارئ الفيلسـوف‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫أيـوب لكي يفهم‬ ‫بـول سـارتر» إلى صبر ّ‬ ‫عشـرة بالمئـة مـن أفكار كتابـه «الوجود‬ ‫ومـن هـو شـغوف بفلسـفة‬ ‫والعـدم»‪َ ،‬‬ ‫المعـري عليـه أن يبحـث عـن كتبـه فـي‬ ‫ّ‬ ‫زوايـا المكتبـات القديمـة‪ ،‬وأن ُيمضـي‬ ‫أوقاتـ ًا عصيبـة في اسـتيعاب لغة كتابه‬ ‫«الفصـول والغايـات»‪.‬‬ ‫السحري الذي‬ ‫عاَل ُم الرياضة‪ ،‬هذا العالم‬ ‫ّ‬ ‫المهتميـن‬ ‫مـن‬ ‫يتسـلَّح بمئـات المالييـن‬ ‫ِّ‬ ‫المتحمسـين إلـى َحـّد الجنون‪ ،‬يسـتطيع‬ ‫ِّ‬ ‫يوميـاً‪ ،‬باألشـياء‬ ‫أن يفاجـئ النـاس‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الغريبة‪ ،‬كأن يأتي بالعبين من مشاهير‬ ‫كـرة القـدم المتقاعديـن‪ ،‬الذيـن أصبحـوا‬ ‫ويشكل منهم فريقاً‪،‬‬ ‫من ذوي الكروش‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫جبارة لإلعالن عن‬ ‫إعالمية‬ ‫ويبـدأ حملـة‬ ‫ّ‬ ‫مبـاراة تجمعهـم مـع نجـوم كـرة القـدم‬ ‫‪20‬‬

‫بشـبان وبنـات‬ ‫الحالييـن‪ ،‬أو أن يأتـي ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ويْركبهم‬ ‫ة‪،‬‬ ‫الخاص‬ ‫االحتياجات‬ ‫ذوي‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫المتحركـة‪ ،‬ويجعلهـم‬ ‫الكراسـي‬ ‫علـى‬ ‫ِّ‬ ‫يبدعـون فـي لعبـة كرة السـلّة‪ ،‬أو الكرة‬ ‫الطائـرة‪ ،‬ويحشـد لهـم مـا يملأ مالعبـه‬ ‫بالجماهيـر‪ ،‬كمـا يسـتطيع المعلِّقـون‬ ‫يحولـوا العب ًا ذا مهارات‬ ‫الرياضيـون أن ِّ‬ ‫ّ‬ ‫عاليـة إلـى أسـطورة‪ ،‬كمـا يسـتطيع‬ ‫إنـزال سـمعة العـب‬ ‫المعلِّقـون أنفسـهم‬ ‫َ‬ ‫آخـر إلـى الحضيـض‪ ،‬بدعوى أنـه تلفَّظ‬ ‫تنم عن تمييز عنصري‪ ..‬وهكذا‬ ‫بعبارات ّ‬ ‫دواليك‪.‬‬ ‫المدبـرة لهـذه االبتـكارات‬ ‫العقـول‬ ‫إن‬ ‫ِّ‬ ‫الرياضيـة‪ ،‬هـي‪ -‬فـي الحقيقـة‪ -‬شـديدة‬ ‫عقـول ال َت ْغَف ُـل‬ ‫واأللمعيـة‪ ،‬هـي‬ ‫الـذكاء‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫عـن كـون مشـكلة الالجئيـن قـد أصبحـت‬ ‫متقدمـة فـي الئحـة اهتمـام‬ ‫ّ‬ ‫تحتـل مرتبـة ِّ‬ ‫ومنظمـات‬ ‫الحكومـات والمواطنيـن‬ ‫َّ‬ ‫المجتمـع المدنـي‪ ،‬فـي الـدول األوربيـة‬ ‫قوانينهـا بقبـول الالجئين‪،‬‬ ‫التـي ُتلزمهـا‬ ‫ُ‬ ‫كل أشـكال التمييـز‬ ‫واحترامهـم‪ ،‬ومنـع ّ‬ ‫ضدهم‪ .‬وعليه‪،‬‬ ‫س َّ‬ ‫ار َ‬ ‫التـي ُي ْحَتَم ُل أن ُتَم َ‬ ‫منظمـي أولمبيـاد‬ ‫التمعـت‪ ،‬فـي ذهـن ِّ‬ ‫فكرة تشكيل فريق‬ ‫البرازيل لعام ‪ُ ،2016‬‬ ‫تعـداده عشـرة العبيـن‪،‬‬ ‫مـن الالجئيـن‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫اختيـروا مـن بين ثالثـة وأربعين العباً‪،‬‬ ‫جنسـيات مختلفـة‪ ،‬وأن يحـزم‬ ‫يمثِّلـون‬ ‫ّ‬ ‫ويتوجهـوا إلـى «ريـو‬ ‫هـؤالء حقائبهـم‬ ‫َّ‬ ‫دي جانيـرو» فـي البرازيـل‪ ،‬ليكونـوا‬ ‫محـط أنظـار المالييـن‪ ،‬فـي مختلـف‬ ‫ّ‬ ‫وإن كان ثمـة بضعـة‬ ‫العالـم‪.‬‬ ‫أنحـاء‬ ‫ْ‬ ‫مالييـن أخـرى مـن البشـر ال يتملَّكهـا‬

‫الفضـول للفرجـة على األلعاب األولمبية‬ ‫ينضـم هـؤالء إلـى‬ ‫فلربمـا‬ ‫المختلفـة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بقيـة المشـاهدين‪ ،‬إكرامـ ًا ألعيـن فريـق‬ ‫ّ‬ ‫األقـل‪.‬‬ ‫الالجئيـن‪ ،‬علـى‬ ‫ّ‬ ‫إن مـا يجـري علـى أرض الواقـع‪ ،‬فـي‬ ‫قـارات العالـم‪ ،‬مـن دسـائس‬ ‫مختلـف ّ‬ ‫وتنافـس وظلـم وحـروب‬ ‫ومؤامـرات‬ ‫ُ‬ ‫تـؤدي إلـى حـروب‬ ‫طاحنـة وثـورات ّ‬ ‫أهليـة‪ ،‬شـيء‪ ،‬ومـا يجـري فـي عالـم‬ ‫ّ‬ ‫الرياضـة المثالـي شـيء آخـر‪ ،‬فهنـاك‬ ‫أنظمـة‬ ‫سـيما التـي تحكمهـا‬ ‫ٌ‬ ‫دول‪ -‬ال َّ‬ ‫بأقـل‬ ‫اإلنسـان‬ ‫عام ُـل فيهـا‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫شـمولية‪ُ -‬ي َ‬ ‫عام ُـل به الكالب من احترام‪ ،‬بدليل‬ ‫ممـا ُت َ‬ ‫يت عن الجئ سوري‪َ ،‬مَثل أمام‬ ‫نكتة ُر ِو ْ‬ ‫محكمـة اللجـوء فـي إحـدى المقاطعـات‬ ‫األلمانيـة‪ ،‬فسـألته المحقِّقـة‪ :‬كيـف كنتـم‬ ‫تعيشـون فـي سـورية؟ فقـال لها‪ :‬عيشـة‬ ‫متعجبـة‪ :‬أوه‪ ..‬عظيـم!‬ ‫الـكالب‪ ،‬فقالـت‬ ‫ِّ‬ ‫لمـاذا تطلبـون اللجـوء عندنـا إذن؟!‬ ‫احت ِجَز طالبو الحياة‪ ،‬القادمون من بالد‬ ‫ُ‬ ‫االسـتبداد‪ ،‬علـى حـدود دول الجـوار‪،‬‬ ‫أيامـ ًا‬ ‫باأللـوف‪ ،‬وباتـوا فـي العـراء ّ‬ ‫وليالـي‪ ،‬ومـات شـيوخهم وأطفالهـم‪:‬‬ ‫َ‬ ‫بالحـر الشـديد‪ ،‬أو بالصقيـع‬ ‫إمـا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المهربـون تعلُّقهـم‬ ‫واسـتغل‬ ‫والزمهريـر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫بالحيـاة‪ ،‬فأركبوهـم فـي شـاحنات‬ ‫وسيارات نقل الرمال‪ ،‬والقوارب‬ ‫الغنم‪ّ ،‬‬ ‫المطاطيـة البدائيـة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مـات بعضهـم برصاص حـرس الحدود‪،‬‬ ‫إرهابيـون‪ ،‬ومـات‬ ‫لالشـتباه بأنهـم‬ ‫ّ‬ ‫رجـال‬ ‫وضَربهـم‬ ‫البعـض اآلخـر غرقـاً‪َ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫الشـرطة‪ ،‬فـي بعـض دول العبـور‪،‬‬


‫(البصمـة)‪ ،‬بغيـة أن‬ ‫ليجبروهـم علـى َ‬ ‫مخصصاتهم من‬ ‫تحصل تلك الدولة على‬ ‫َّ‬ ‫المخيمات‬ ‫المتحدة‪ ،‬وزربوهـم في‬ ‫األمـم َّ‬ ‫َّ‬ ‫والكامبـات‪ ،‬وتعاملـت معهم دول أخرى‬ ‫اتفاقيـات‬ ‫ووقِّعـت ِّ‬ ‫كمـا لـو أنهـم قطيـع‪ُ ،‬‬ ‫عملية تدفُّقهم‪.‬‬ ‫ضبط‬ ‫بين الدول من أجل‬ ‫ّ‬ ‫تتحكم بمنطق‬ ‫المشـكلة األساسـية التـي‬ ‫َّ‬ ‫أبناء اإلنسانية‪ ،‬في العصر الحديث الذي‬ ‫أقدارنـا للعيـش فيـه‪ ،‬تتَل َّخـص‬ ‫سـاقتنا‬ ‫ُ‬ ‫بازدواجيـة المعاييـر؛ فسياسـات الدول‬ ‫العظمـى تجـاه البلـدان المتخلِّفـة‪ ،‬التـي‬ ‫ودمويـون‪،‬‬ ‫يتحكُـم بهـا طغـاة أغبيـاء‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫شـديدة النفعيـة (البراغماتيـة)‪ :‬فمـن‬ ‫جهـة أولـى‪ ،‬نـرى أن هـذه الـدول (مـع‬ ‫أنهـا قـادرة) ال تمـّد يدهـا لوقف ما يجري‬ ‫هنـاك مـن قتـل وتهجير للنـاس‪ ،‬وتدمير‬ ‫للبنى التحتية والمنشآت الحيوية‪ ،‬ومن‬ ‫جهـة ثانيـة نـرى أن الحكومـات نفسـها‬

‫المتحضـرة التـي تمثِّلهـا‬ ‫والشـعوب‬ ‫ّ‬ ‫يسـتقر ويصبح‬ ‫للجئ‪ ،‬بعد أن‬ ‫يقدمون ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وجـوده أمـر ًا واقعـاً‪ ،‬مـا يلـزم للعيـش‬ ‫الكريـم‪ ،‬مـن مـأوى وطعـام وثقافـة‬ ‫وتسـلية واحتـرام‪.‬‬ ‫هـذا (المكيـال) الثانـي ظهـر علـى نحـو‬ ‫جميـل في موضـوع األولمبياد‪ ،‬فالفريق‬ ‫الـذي اختيـر للمشـاركة يتألَّـف مـن اثنين‬ ‫السـوريين‪ ،‬وخمسـة مـن‬ ‫مـن الالجئيـن‬ ‫ِّ‬ ‫جنـوب السـودان‪ ،‬واثنين مـن جمهورية‬ ‫الكونغـو الديموقراطيـة‪ ،‬وواحـد مـن‬ ‫اللجنـة‬ ‫إثيوبيـا‪ .‬وقـد اشـترطت عليهـم‬ ‫ُ‬ ‫المشاركة تحت العلم األولمبي‪،‬‬ ‫المنظمة‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫فـي إشـارة ضمنيـة تقـول‪ :‬إننـا‪ ،‬اآلن‪،‬‬ ‫نرتفع فوق الصراعات السياسـية‪ ،‬ولن‬ ‫نتحـدث فـي أسـباب اللجـوء وتفاصيلـه‬ ‫المزعجـة‪ ،‬وسـنبقى ضمـن إطـار‬ ‫الرياضـة‪.‬‬

‫حمـل الالجـئ السـوري إبراهيم الحسـين‬ ‫الشعلة األولمبية في أثينا‪ ،‬وركض عبر‬ ‫للجئيـن في العاصمـة اليونانية‪.‬‬ ‫مخيـم ّ‬ ‫َّ‬ ‫ولهـذا األمر دالالته‪ ،‬بالطبع‪.‬‬ ‫وجـاء فـي األخبـار أن اللجنـة األولمبيـة‬ ‫ـي دوالر لتغطيـة‬ ‫الدوليـة رصـدت‬ ‫َ‬ ‫مليون ْ‬ ‫تكاليف إعداد الالجئين العشرة للمشاركة‬ ‫فـي األولمبياد‪.‬‬ ‫أنـوه بـأن الـدول‬ ‫أن‬ ‫أحـب‬ ‫أخيـراً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫المتحضـرة مطاَلبـة‪ ،‬اليـوم‪ ،‬أكثـر مـن‬ ‫ِّ‬ ‫أي وقـت مضـى‪ ،‬بالعمـل علـى تهيئـة‬ ‫ّ‬ ‫الظـروف المواتيـة لعـودة هـؤالء الناس‬ ‫الطيبيـن إلـى بالدهـم‪ ،‬واألخـذ بأيديهـم‬ ‫ِّ‬ ‫إلقامـة أنظمـة ديموقراطيـة فـي البلاد‬ ‫التـي جـاؤوا منهـا‪ ،‬تحميهـم مـن الظلـم‬ ‫والبطـش‪ ،‬وبذلـك تـزول عنهـم صفـة‬ ‫(الالجـئ) التـي تنطـوي علـى الشـيء‬ ‫الكثيـر مـن الغضاضـة‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫ما ّ‬ ‫تبقى من األولمبياد‬

‫عبد الله كرمون‬ ‫ق ــرأت ف ــي م ــا مض ــى كتابــ ًا أت ــى في ــه‬ ‫مؤلفـــه الفرنســـي علـــى مخاطـــر ركـــوب‬ ‫الدراجـــة الهوائيـــة علـــى الفتيـــات‪.‬‬ ‫وإذا علمنـــا أن الكتـــاب قـــد ُوضـــع فـــي‬ ‫فتـــرة المجابهـــة الحرجـــة بيـــن فرنســـا‬ ‫وألمانيـــا‪ ،‬فإننـــا ســـوف نكـــف ســـريع ًا‬ ‫عـــن تمحيـــص األســـس العلميـــة لتلـــك‬ ‫المخـــاوف‪ ،‬ألنهـــا ال تعـــدو أن تكـــون‬ ‫صـــادرة حتمـــ ًا عـــن ظـــروف هـــوس‬ ‫وخشـــية مـــن العقـــر‪ ،‬وبالتالـــي عـــن‬ ‫حميـــة زائـــدة فـــي الحـــث علـــى زيـــادة‬ ‫التناس ــل والتكاث ــر م ــن أج ــل حش ــد ق ــوى‬ ‫بشـــرية هائلـــة فـــي مواجهـــة عـــدو قـــد‬ ‫جع ــل م ــن مبادئ ــه األول ــى صف ــاء‪ ،‬ق ــوة‬ ‫ونقـــاء العـــرق‪.‬‬ ‫ربمـــا لـــن نجانـــب الصـــواب إذا مـــا‬ ‫زعمن ــا ب ــأن الب ــارون بيي ــر دو كوبرت ــان‬ ‫لـــم يكـــن نائيـــ ًا عـــن هـــذا التوجـــه‬ ‫االســـتراتيجي عينـــه‪ ،‬عندمـــا قـــام‬ ‫ســـنة ‪ 1896‬بإحيـــاء التقليـــد اليونانـــي‬ ‫القديـــم المســـمى باأللعـــاب األولمبيـــة‪.‬‬ ‫فق ــد كان ــت حينه ــا هزيم ــة فرنس ــا س ــنة‬ ‫‪ 1870‬علــى يــد ألمانيــا (أو اإلمبراطوريــة‬ ‫البروســـية) ماثلـــة بعـــد فـــي األذهـــان‪،‬‬ ‫خاصـــة أن الجرمـــان كانـــوا قـــد أولـــوا‬ ‫أشـــد االهتمـــام للصالبـــة الجســـمانية‬ ‫وللرياضـــة التـــي تكفـــل ذلـــك‪ .‬كان‬ ‫البـــارون دو كوبرتـــان يســـعى بذلـــك‬ ‫ضمنيـــ ًا إلـــى حـــث الفرنســـيين علـــى‬ ‫كل‬ ‫مالحقـــة الركـــب األلمانـــي‪ ،‬وبـــذل ّ‬ ‫الجهـــود المتـــاك الســـاح ذاتـــه الـــذي‬ ‫طعن ــت ب ــه فرنس ــا وفق ــدت حينئ ــذ لزم ــن‬ ‫‪22‬‬

‫منطقتـــي األلـــزاس واللوريـــن‪.‬‬ ‫لـــم تكـــن فكـــرة اقتـــراح إعـــادة‬ ‫ممارســـة األلعـــاب األولمبيـــة وتنظيمهـــا‬ ‫عل ــى نط ــاق دول ــي ه ــي باك ــورة األف ــكار‬ ‫ـا‪ ،‬ب ــل‬ ‫الت ــي ش ــغلت ب ــال الب ــارون طوي ـ ً‬ ‫كانـــت آخـــر صرخاتـــه فـــي الـــوادي‪،‬‬ ‫والتـــي ســـمعت‪ -‬لحســـن حظـــه‪ -‬فـــي‬ ‫األخي ــر‪ .‬ف ــإن ل ــم تتحّق ــق رغبت ــه ف ــي أن‬ ‫تقـــام أولـــى دورات تلـــك األلعـــاب فـــي‬ ‫فرنس ــا‪ ،‬فق ــد كان ل ــه م ــا أراد بع ــد أرب ــع‬ ‫ســـنوات‪ ،‬وحظيـــت باريـــس بتنظيـــم‬ ‫ألعـــاب ســـنة ‪ ،1900‬تزامنـــ ًا مـــع قيـــام‬ ‫المع ــرض العالم ــي وافتت ــاح ب ــرج إيف ــل‪.‬‬ ‫بـــدأ البـــارون مســـاره الرياضـــي‪،‬‬ ‫متأّث ــرًا بالنم ــوذج الترب ــوي اإلنجلي ــزي‪،‬‬ ‫أهميـــة التربيـــة البدنيـــة‬ ‫بالتأكيـــد علـــى ّ‬ ‫وإعطائهـــا المكانـــة التـــي تليـــق بهـــا‬ ‫ـا بصح ــة‬ ‫ف ــي المناه ــج المدرس ــية‪ ،‬قائ ـ ً‬ ‫القـــول المأثـــور إن العقـــل الســـليم ال‬ ‫يتخـــذ لـــه مـــاذًا ّإل جســـم ًا ســـليماً‪.‬‬ ‫ولـــم يلجـــأ الرجـــل إذن إلـــى فكـــرة‬ ‫إعـــادة بعـــث جديـــد للتقليـــد الـــذي دأب‬ ‫عليـــه العالـــم اإلغريقـــي القديـــم فـــي‬ ‫الدعـــوة إلـــى ممارســـة معاصـــرة لهـــا‬ ‫علـــى نطـــاق واســـع‪ّ ،‬إل بعدمـــا لـــم‬ ‫تـــاق جهـــوده فـــي اإلصـــاح التربـــوي‬ ‫آذانــ ًا صاغي ــة ف ــي فرنس ــا‪ ،‬ول ــم يأخ ــذ‬ ‫أحــٌد مأخ ــذ الج ــد م ــا منح ــه م ــن أهمي ــة‬ ‫قصـــوى لضـــرورة إدراج التماريـــن‬ ‫الرياضي ــة ف ــي المق ـ ّـررات التربوي ــة ف ــي‬ ‫المـــدارس‪ .‬مـــن هنـــا التفـــت إلـــى العاَلـــم‬ ‫اليونانـــي باعتبـــاره النمـــوذج المحتـــذى‬

‫ملمحـــ ًا بهـــذا‬ ‫فـــي النهضـــة األوروبيـــة‪ّ ،‬‬ ‫المعنـــى إلـــى جـــدوى الرياضـــة التـــي‬ ‫كان معلمـــو اليونـــان يلقنـــون أســـس‬ ‫ممارس ــتها لتالمذته ــم‪ ،‬ب ــل كان ــت ج ــزءًا‬ ‫ال يتجـــزأ مـــن التكويـــن الشـــامل الـــذي‬ ‫كل متعلِّـــم‪ .‬مـــا يفســـر‬ ‫يتلقـــاه وقتئـــٍذ ّ‬ ‫وجـــود عـــدد كبيـــر مـــن األلعـــاب فـــي‬ ‫اإلغري ــق القديم ــة‪ ،‬مث ــل األلع ــاب الدلفي ــة‬ ‫(التـــي تتضمـــن إضافـــة إلـــى المباريـــات‬ ‫الرياضيـــة‪ ،‬مبـــاراة فـــي الموســـيقى‬ ‫ِ‬ ‫والنيمّيـــة؛ وليســـت األلعـــاب‬ ‫والغنـــاء)‬ ‫األولمبيـــة ّإل جـــزءًا منهـــا واســـتمرارية‬ ‫لهـــا‪ .‬وتعـــود تســـميتها إلـــى المركـــز‬ ‫الدينـــي أولمـــب الـــذي كانـــت تقـــام فيـــه‬ ‫نح ــو حوال ــي ‪ 776‬قب ــل مي ــاد المس ــيح‬ ‫ف ــي أقص ــى تقدي ــر؛ ألن التاري ــخ الدقي ــق‬ ‫للشـــروع فـــي تنظيمهـــا ال يـــكاد يعرفـــه‬ ‫أحـــد فـــي حقيقـــة األمـــر‪ .‬كمـــا أن علـــة‬ ‫كل‬ ‫مـــرة ال تـــكاد ُتعـــرف؛ ّ‬ ‫إقامتهـــا ألول ّ‬ ‫مـــا هنالـــك هـــو أنهـــا كانـــت تكتســـي‬ ‫كل شـــيء‬ ‫طابعـــ ًا «دينيـــا»‪ ،‬باعتبـــار أن ّ‬ ‫كان يج ــري فيه ــا بمش ــيئة إل ــه م ــا‪ ،‬كم ــا‬ ‫أن األلع ــاب األولمبي ــة كان ــت تق ــام عل ــى‬ ‫شـــرف كبيـــر اآللهـــة زوس‪ ،‬كمـــا كانـــت‬ ‫تقـــام األلعـــاب األخـــرى فـــي أماكـــن‬ ‫كل أربع ــة أع ــوام‪ ،‬إكب ــارًا‬ ‫مخالف ــة‪ ،‬م ـّـرة ّ‬ ‫آللهـــة أخـــرى‪.‬‬ ‫تجـــدر اإلشـــارة إلـــى أن فتـــرة هدنـــة‬ ‫مقدس ــة تمت ــد طيل ــة م ــدة إقام ــة األلع ــاب‬ ‫األولمبي ــة‪ ،‬يع ــم فيه ــا الس ــلم والس ــام‪،‬‬ ‫فـــي خضـــم التبـــاري الـــذي يخالطـــه‬ ‫االحتـــرام واأللفـــة‪.‬‬


‫غيـــر أن المشـــاركة فـــي األلعـــاب لـــم‬ ‫تكـــن مفتوحـــة‪ ،‬كمـــا قـــد يتبـــادر إلـــى‬ ‫ذهـــن الكثيريـــن‪ ،‬فـــي وجـــه الجميـــع‪،‬‬ ‫ذلـــك أنـــه يشـــترط فـــي المرشـــح إليهـــا‬ ‫أن يكـــون إغريقيـــاً‪ ،‬ذكـــرًا ثـــم حـــراً‪.‬‬ ‫فليـــس فيهـــا موقـــع قـــدم ألجنبـــي‪ ،‬أو‬ ‫المـــرأة أو لعبـــد‪.‬‬ ‫هنـــاك مـــن يحـــاول تبريـــر منـــع‬ ‫النســـاء فـــي المشـــاركة فيهـــا‪ ،‬بحجـــة‬ ‫كـــون المتباريـــن يكونـــون خاللهـــا‬ ‫بالضـــرورة عـــراة‪ .‬غيـــر أن ذلـــك إذا‬ ‫محتمـــا فـــي العالـــم اليونانـــي‬ ‫مـــا كان‬ ‫ً‬ ‫القديـــم‪ ،‬فمـــا تكـــون حجـــة البـــارون‬ ‫الفرنس ــي ال ــذي أحياه ــا وأغل ــق ب ــدوره‬ ‫بابهـــا فـــي البدايـــة فـــي وجـــه الجنـــس‬ ‫األنث ــوي؟ كت ــب س ــنة ‪« :1900‬إن البط ــل‬ ‫األولمب ــي الوحي ــد والحقيق ــي ه ــو الف ــرد‬ ‫الذكـــر (‪!»)...‬‬ ‫يبـــدو أن األلعـــاب األولمبيـــة‬ ‫القديمـــة قـــد تـــم منعهـــا مـــن طـــرف‬ ‫اإلمبراطـــور ثيـــودوز ســـنة ‪ 393‬بعـــد‬ ‫ميـــاد المســـيح‪ ،‬ألنـــه اعتبرهـــا مجـــرد‬ ‫ممارس ــات وثني ــة‪ .‬أم ــا ثي ــودوز الثان ــي‬ ‫فلـــم يكتـــف بمنعهـــا وإبطـــال تنظيمهـــا‪،‬‬ ‫وإنم ــا أم ــر س ــنة ‪ 426‬ميالدي ــة بتدمي ــر‬ ‫المعاب ــد والهي ــاكل كلي ــة‪ ،‬مم ــا أدى إل ــى‬ ‫طم ــس أث ــر الم ــكان برمت ــه بع ــد تعرض ــه‬ ‫بعـــد ذلـــك لزلزاليـــن هائليـــن‪.‬‬ ‫صحيـــح أن الكتـــب القديمـــة ظلـــت‬ ‫مـــع ذلـــك تحمـــل بيـــن طياتهـــا أصـــداء‬ ‫تلـــك األلعـــاب‪ ،‬التـــي لـــم تخفـــت أبـــداً‪،‬‬ ‫إلـــى أن اكتشـــف الرحالـــة اإلنجليـــزي‬

‫المعـــروف ريتشـــارد تشـــاندلر موقعهـــا‬ ‫التاريخ ــي م ــن جدي ــد س ــنة ‪ .1776‬ول ــم‬ ‫تك ــف التحري ــات األركيولوجي ــة م ــذ ذاك‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫خاصـــة وأن بعثـــة مـــن المستكشـــفين‬ ‫حـــددوا ســـنة ‪1829‬‬ ‫الفرنســـيين قـــد‬ ‫َّ‬ ‫مـــكان ذلـــك الموقـــع التاريخـــي‪ّ .‬إل‬ ‫أن المدرســـة األركيولوجيـــة األلمانيـــة‬ ‫هـــي التـــي ســـتعيد إبـــراز الموقـــع مـــن‬ ‫أنقاضـــه‪ ،‬مـــا بيـــن ســـنوات ‪1875‬‬ ‫و‪ 1881‬وذلـــك بإيعـــاز وعلـــى نفقـــة‬ ‫اإلمبراط ــور فريدري ــك الثال ــث‪ .‬م ــا فت ــح‬ ‫بالتالـــي المجـــال لدراســـة األلعـــاب‪،‬‬ ‫ومعرفـــة تفاصيـــل االضطـــاع بهـــا‪،‬‬ ‫وارتباطهـــا الصميمـــي بذلـــك الموقـــع‬ ‫«الدينـــي»‪.‬‬ ‫هكـــذا إذن وجـــد البـــارون بييـــر‬ ‫دو كوبرتـــان مـــن جهتـــه ضالتـــه فـــي‬ ‫تلـــك األلعـــاب‪ ،‬وســـاهم بإحيائهـــا‪،‬‬ ‫فـــي إحيـــاء الـــروح اليونانيـــة التـــي ال‬ ‫فصـــا مـــا بيـــن العقـــل المتفتـــح‬ ‫تـــرى‬ ‫ً‬ ‫والمنطلـــق والجســـم المتمـــرن علـــى‬ ‫الحركـــة والنشـــاط العضلـــي‪ .‬ثـــم إن دو‬ ‫كوبرت ــان نفس ــه كان يبح ــث ع ــن رافع ــة‬ ‫لفكـــره الســـلمي ولرغبتـــه فـــي خدمـــة‬ ‫الشـــبيبة الفرنســـية فـــي األســـاس‪ .‬ألـــم‬ ‫يأنـــف فـــي يفاعتـــه مـــن االنخـــراط فـــي‬ ‫الس ــبيل العس ــكرية الت ــي كان ــت تبش ــره‬ ‫حينهـــا بمســـتقبل زاهـــر؟‬ ‫هنـــاك‪ ،‬علـــى كل‪ ،‬قطيعـــة شـــبه‬ ‫تامـــة بيـــن األلعـــاب األولمبيـــة القديمـــة‬ ‫واأللعـــاب المعاصـــرة‪ ،‬ســـواء تعلـــق‬ ‫األمـــر بأهدافهـــا‪ ،‬أو بطـــرق تنظيمهـــا‬

‫ووســـائله‪ ،‬وشـــروطه وغيـــر ذلـــك‪.‬‬ ‫بالرغـــم مـــن أن العمـــل مـــا يـــزال جاريـــ ًا‬ ‫بمقتضـــى عـــدد مـــن دالالتهـــا ورموزهـــا‬ ‫القديمـــة‪ّ .‬إل أن أب األلعـــاب المعاصـــرة‬ ‫هـــو الـــذي أدخـــل‪ ،‬أحيانـــ ًا بمســـاعدة‬ ‫آخري ــن‪ ،‬الكثي ــر م ــن الرم ــوز األولمبي ــة‬ ‫العلـــم ذي‬ ‫المعاصـــرة‪ ،‬مـــن قبيـــل َ‬ ‫الدوائـــر الخمـــس المتشـــابكة‪ ،‬ثـــم‬ ‫الشـــعلة بصيغتهـــا الحاليـــة‪ ،‬وكـــذا‬ ‫الشـــعار والنشـــيد‪ ،‬ثـــم المكافـــآت التـــي‬ ‫ل ــم تع ــد تيجانــ ًا م ــن نب ــات ب ــل ص ــارت‬ ‫ميداليـــات نفيســـة‪.‬‬ ‫فـــإذا كانـــت الشـــعلة األولمبيـــة‬ ‫الحديثـــة قـــد فقـــدت قدســـيتها منـــذ‬ ‫البدايـــة‪ ،‬بعدمـــا احتواهـــا الرايـــخ‬ ‫األلمانـــي فـــي دورة برليـــن ‪ ،1936‬إذ‬ ‫لـــم يحـــرك أحـــد ســـاكناً‪ ،‬كـــي توقـــف‬ ‫مثـــا‪ ،‬فمـــا الـــذي يتبقـــى‬ ‫األلعـــاب‬ ‫ً‬ ‫منهـــا وقـــد جابـــت بقاعـــ ًا ملغومـــة فـــي‬ ‫الصيـــن (‪ ،)2008‬ومـــا الـــذي يتبقـــى‬ ‫مـــن شـــعارات الســـام والوئـــام‪،‬‬ ‫بعدمـــا صـــارت األلعـــاب فرصـــة للريـــع‬ ‫واالســـتهالك واالنتعـــاش االقتصـــادي‪.‬‬ ‫هـــا قـــد انطفـــأت الشـــعلة فـــي طريقهـــا‬ ‫إلـــى ريـــو دي جانيـــرو‪ ،‬أمـــا آن لهـــا أن‬ ‫ترق ــد ف ــي مرق ــد هيس ــتيا‪ ،‬ف ــي األولم ــب‪،‬‬ ‫حيـــث يرقـــد أيضـــاً‪ ،‬بـــا خفقـــان قلـــب‬ ‫البـــارون الفرنســـي مفصـــو ًال عـــن‬ ‫جســـده‪ ،‬بينمـــا صـــارت حاجـــات‬ ‫اإلصـــاح التربـــوي فـــي العالـــم اليـــوم‬ ‫غيـــر مـــا كانـــت عليـــه باألمـــس!‬ ‫‪23‬‬


‫رحيل‬

‫أكثر من اعتذار‬ ‫إلى أحمد زويل‬ ‫شاهيناز وزير‬ ‫بكثي ــر م ــن الصدم ــة واألس ــى اس ــتقبل العال ــم خب ــر وف ــاة‬ ‫د‪ .‬أحمـــد زويـــل‪ .‬فقـــد رحـــل عالـــم عربـــي حـــاز جائـــزة‬ ‫نوب ــل ف ــي الكيمي ــاء‪ .‬دف ــن ف ــي مص ــر حس ــب وصيت ــه ف ــي‬ ‫تقدمه ــا جن ــود يحمل ــون أكالي ــل‬ ‫جن ــازة عس ــكرية مهيب ــة َّ‬ ‫الزه ــور واألوس ــمة الت ــي ناله ــا‪.‬‬ ‫اختلفـــت ردود األفعـــال بيـــن نعـــي للعالـــم الفـــذ وإشـــادة‬ ‫بإنجازاتـــه العظيمـــة‪ ،‬ومـــا نـــال مـــن جوائـــز وأوســـمة‬ ‫وتكريم ــات عالمي ــة عل ــى امت ــداد حيات ــه العلمي ــة الزاخ ــرة‬ ‫كل التكريم ــات‬ ‫باإلنج ــازات‪ ...‬ولك ــن م ــن المؤس ــف‪ ،‬رغ ــم ّ‬ ‫المرموق ــة والجوائ ــز الت ــي ناله ــا م ــن مختل ــف دول العال ــم‬ ‫والتـــي تجـــاوزت ‪ 30‬جائـــزة‪ ،‬أن يكـــون بعـــض مـــن‬ ‫‪24‬‬

‫أبن ــاء بل ــده‪ ،‬أع ــداء النج ــاح‪ ،‬أق ـ ّـل تقدي ــرًا ل ــه‪ ،‬لذل ــك فم ــن‬ ‫الالئ ــق تقدي ــم االعت ــذار له ــذا العاِل ــم لعــّدة أس ــباب‪.‬‬ ‫أوله ــا اعت ــذار ع ــن جهلن ــا بعلم ــه وأبحاث ــه؛ فم ــن المثي ــر‬ ‫للعجـــب أن يكـــون د‪ .‬أحمـــد زويـــل واحـــدًا مـــن علمـــاء‬ ‫ه ــذا البل ــد العظ ــام ف ــي الوق ــت ال ــذي يجه ــل في ــه كثي ــرون‬ ‫طبيعـــة أبحاثـــه أو أنهـــم عرفوهـــا بعـــد وفاتـــه‪ .‬فقـــد كان‬ ‫الراح ــل أس ــتاذ فيزي ــاء وكيمي ــاء ف ــي جامع ــة كاليفورني ــا‬ ‫للتكنولوجيـــا (كالتـــك) أفضـــل جامعـــات العالـــم‪ .‬وكان‬ ‫أهـــم متخصـــص فـــي مجـــال كيميـــاء الفيمتـــو أحـــد‬ ‫ّ‬ ‫أفـــرع الكيميـــاء الفيزيائيـــة‪ .‬وهـــو علـــم يهتـــم بدراســـة‬ ‫التفاعـــات الكيميائيـــة فـــي مجـــال زمنـــي قياســـي جـــّداً‪،‬‬


‫وحدتـــه «الفيميتـــو ثانيـــة» أي جـــزء مـــن مليـــون مليـــار‬ ‫مـــن الثانيـــة‪ .‬ونـــال نتيجـــة أبحاثـــه فـــي هـــذا المجـــال‬ ‫جائ ــزة نوب ــل ف ــي الكيمي ــاء ع ــام ‪ 1999‬ليك ــون أول عال ــم‬ ‫مصـــري وعربـــي ينـــال الجائـــزة فـــي هـــذا التخصـــص‪،‬‬ ‫وكان إنجـــازه الفريـــد ابتـــكار نظـــام تصويـــر ســـريع‬ ‫للغاي ــة باس ــتخدام أش ــعة اللي ــزر لمراقب ــة حرك ــة ال ــذرات‬ ‫داخـــل الجزيئـــات أثنـــاء نشـــوئها والتحامهـــا ببعضهـــا‬ ‫البعـــض فـــي زمـــن مقـــداره فيمتـــو ثانيـــة‪ ،‬وبذلـــك‬ ‫يمكـــن رؤيـــة الجزيئـــات أثنـــاء التفاعـــات الكيميائيـــة‪.‬‬ ‫أهـــم علمـــاء الليـــزر الذيـــن‬ ‫وبذلـــك أصبـــح زويـــل أحـــد ّ‬ ‫أحدثـــوا ثـــورة فـــي العلـــوم الكيميائيـــة‪ ،‬وكانـــت أفضـــال‬ ‫هـــذا اإلنجـــاز عظيمـــة فـــي مجـــال الدراســـات الحيويـــة‪،‬‬ ‫وخاص ــة المجهري ــة‪ ،‬بكش ــف الكثي ــر م ــن األم ــراض‪ ،‬ع ــن‬ ‫طري ــق إمكاني ــة تتب ــع اآللي ــة الديناميكي ــة الش ــكلية لبن ــى‬ ‫الحلقـــات الجذعيـــة‪ .‬وفـــي ســـياق ذلـــك ألّـــف الراحـــل‬ ‫زوي ــل كتاب ــه «عل ــم األحي ــاء الفيزيائ ــي م ــن ال ــذرات إل ــى‬ ‫الطـــب» ليوضـــح فيـــه انعـــكاس هـــذه األبحـــاث بالنفـــع‬ ‫علـــى مجـــاالت عـــدة‪ ،‬أهمهـــا الطـــب‪.‬‬ ‫ثانيــاً‪ :‬اعت ــذار عم ــا نال ــه الراح ــل م ــن اتهام ــات بالخيان ــة‬ ‫والعمالـــة‪ ،‬ألنـــه اختـــار أن يكمـــل حياتـــه ومســـيرته‬ ‫العلميـــة والمهنيـــة فـــي بـــاد تقـــدر العلـــم‪ .‬دون تقديـــر‬ ‫لقصـــة كفاحـــه وتفوقـــه مـــذ تخـــرج فـــي كليـــة العلـــوم‬ ‫جامعـــة األســـكندرية عـــام ‪ 1967‬بامتيـــاز مـــع مرتبـــة‬ ‫الش ــرف حت ــى ن ــال ش ــهادة الماجس ــتير ف ــي عل ــم الض ــوء‪،‬‬ ‫ليذه ــب بع ــد ذل ــك ف ــي منح ــة إل ــى الوالي ــات المتح ــدة م ــن‬ ‫أجـــل شـــهادة الدكتـــوراه فـــي علـــوم الليـــزر مـــن جامعـــة‬ ‫بنس ــيلفينيا‪ ،‬لتب ــدأ رحلت ــه العلمي ــة الطويل ــة ف ــي جامع ــة‬ ‫كاليفورني ــا (كالت ــك) إذ س ــيتدرج ف ــي المناص ــب العلمي ــة‬ ‫حت ــى يص ــل إل ــى أس ــتاذ رئيس ــي ف ــي الكيمي ــاء بالمعه ــد‬ ‫وهـــو أعلـــى منصـــب علمـــي جامعـــي فـــي أميـــركا‪.‬‬ ‫كل ذلـــك وأرادوا‬ ‫لـــم يـــر البعـــض النبـــوغ الكامـــن وراء ّ‬ ‫رش ــق ه ــذه القام ــة العالي ــة بحج ــارة االتهام ــات الت ــي ذك ــر‬ ‫«كتـــب عنـــي أنـــي‬ ‫د‪ .‬زويـــل بعضـــ ًا منهـــا بنفســـه‬ ‫ً‬ ‫قائـــا‪ُ :‬‬ ‫أعم ــل ف ــي إس ــرائيل‪ ،‬وإن ــي بس ــاعد إس ــرائيل ف ــي تطوي ــر‬ ‫الصواريـــخ واألســـلحة النوويـــة‪ ،‬طيـــب أنـــا تخصصـــي‬ ‫لي ــس صواري ــخ وال أس ــلحة نووي ــة وال أفه ــم فيه ــا‪ ،‬بق ــرا‬ ‫عنهـــا لكـــن مفهمـــش فيهـــا‪ ،‬أنـــا فـــي حياتـــي كلّهـــا لـــم‬ ‫أعمـــل فـــي إســـرائيل‪ ،‬وأنـــا فـــي رأيـــي أنهـــا أذكـــى مـــن‬ ‫تعيــن واحــد زي حاالتــي خــدم بلــده لـــ ‪ 20‬عام ـ ًا مــن‬ ‫أنهــا ِّ‬ ‫أج ــل رف ــع قيم ــة العل ــم»‪ .‬والواض ــح أن الجه ــل بتخص ــص‬ ‫د‪ .‬زويـــل ُيعيـــق هـــؤالء عـــن رســـم ســـيناريو مقبـــول‬ ‫الحبك ــة‪ .‬اعتدن ــا س ــماع مث ــل ه ــذه االتهام ــات لي ــس تج ــاه‬ ‫كل مـــن وجـــد فرصتـــه فـــي‬ ‫د‪ .‬زويـــل فحســـب‪ ،‬بـــل عـــن ّ‬ ‫الخـــارج وهاجـــر بحثـــ ًا عـــن حلمـــه الضائـــع‪.‬‬ ‫كان حريـــ ًا بهـــم توجيـــه اللـــوم إلـــى الحكومـــات التـــي‬

‫ال توفـــر الرعايـــة الكافيـــة للبحـــث العلمـــي‪ ،‬فتضيـــع‬ ‫بســـبب ذلـــك فـــرص االســـتفادة مـــن مواهـــب كثيـــرة‬ ‫كل المجـــاالت‪ .‬وكان حريـــ ًا بهـــم أيضـــا أن يرعـــوا‬ ‫فـــي ّ‬ ‫مشـــروعه «مدينـــة زويـــل للعلـــوم والتكنولوجيـــا» الـــذي‬ ‫أسســـه الراحـــل مـــن أجـــل تطويـــر مصـــر والرقـــي بهـــا‬ ‫ّ‬ ‫إلـــى مســـتقبل أفضـــل‪ ،‬خاصـــة وأن هـــذا المشـــروع‪،‬‬ ‫مؤسســـة‬ ‫الـــذي ّ‬ ‫شـــيد فـــي مدينـــة الســـادس مـــن أكتوبـــر‪ّ ،‬‬ ‫تتمتـــع باالســـتقاللية‪ ،‬ضـــم نخبـــة مـــن العلمـــاء ليكونـــوا‬ ‫مجلـــس األمنـــاء فيـــه مـــن بينهـــم الجـــراح العالمـــي د‪.‬‬ ‫مج ــدي يعق ــوب ال ــذي ق ــال‪« :‬إنن ــا س ــنكمل رس ــالة زوي ــل‬ ‫الوطنيـــة» وكانـــت وصيـــة د‪ .‬زويـــل هـــي االهتمـــام‬ ‫بمشـــروعه‪.‬‬ ‫ثالث ـاً‪ :‬اعتــذار ألن الظلــم والجهــل امت ـّد ليكــون باســم الديــن‬ ‫م ــن قب ــل بع ــض الذي ــن ال يجي ــدون س ــوى لغ ــة الكراهي ــة‬ ‫والتكفي ــر والتهدي ــدات‪ .‬فعق ــب خب ــر وف ــاة د‪ .‬زوي ــل س ــمعنا‬ ‫ع ــن فت ــاوى تح ــرم الترح ــم علي ــه‪ ،‬وق ــد قام ــت دار االفت ــاء‬ ‫المصريـــة بالـــرد القاطـــع علـــى هـــذه األحـــكام المشـــينة‬ ‫تجـــاه عالـــم‪ ،‬انتصـــر للديـــن مـــن خـــال انتصـــاره للعلـــم‬ ‫واإلنســـانية‪ .‬وأذكـــر فـــي أحـــد اللقـــاءات أجـــاب الراحـــل‬ ‫باللّغـــة اإلنجليزيـــة أحـــد اإلعالمييـــن الغربييـــن عندمـــا‬ ‫س ــأله ع ــن الص ــراع بي ــن الش ــرق والغ ــرب وال ــذي تح ـ ّـول‬ ‫ـا ل ــه‪« :‬أش ــعر أن هن ــاك خط ــأ‬ ‫ليك ــون صراعــ ًا دينيــاً‪ ،‬قائ ـ ً‬ ‫ف ــي مفاهي ــم الغ ــرب نح ــو اإلس ــام‪ ،‬فالرس ــالة األساس ــية‬ ‫لإلس ــام ه ــي كباق ــي الرس ــاالت أن تك ــون إنس ــان ًا صالحــ ًا‬ ‫وتطيـــع ربـــك وتؤمـــن بـــه‪ ،‬والتركيـــز علـــى المعرفـــة‪...‬‬ ‫اكتســـاب المعرفـــة واتبـــاع طريـــق العلـــم»‪.‬‬ ‫ألَّـــف الراحـــل آخـــر كتبـــه باللّغـــة العربيـــة عـــام ‪2007‬‬ ‫«ح ــوار الحض ــارات» وبس ــيرته العلمي ــة والحياتي ــة أعطان ــا‬ ‫مث ــا ًال حقيقي ـ ًا للتواص ــل الحض ــاري‪ ،‬ال ــذي بدون ــه ال يمك ــن‬ ‫مالحق ــة العال ــم المتق ــدم وم ــن ث ــم اس ــترداد اعتبارن ــا بي ــن‬ ‫األمـــم كأمـــة تمجـــد العلـــم والعلمـــاء وتتباهـــى بهـــم فـــي‬ ‫المحافـــل‪.‬‬ ‫د‪ .‬زوي ــل ال ــذي نق ـ ِّـدم ل ــه ه ــذه االعت ــذارات ق ــال م ـّـرة‪« :‬أن ــا‬ ‫مص ــري‪ ،‬أن ــا عرب ــي‪ ،‬أن ــا إفريق ــي‪ ،‬أن ــا ش ــرق أوس ــطي‪،‬‬ ‫أن ــا م ــن البح ــر المتوس ــط‪ ،‬وأن ــا أميرك ــي‪ ،‬جئ ــت إل ــى هن ــا‬ ‫واســـتمتعت بالثّقافـــة األميركيـــة وأصبحـــت جـــزءًا منهـــا‪،‬‬ ‫لكنـــي لـــم أفقـــد جـــذوري المصريـــة وثقافتـــي كمصـــري‬ ‫وش ــرق أوس ــطي‪ ،‬وأعتق ــد أن المفت ــاح يكم ــن ف ــي كيفي ــة‬ ‫بنـــاء جســـور بيـــن النـــاس والثّقافـــات واألمـــم‪ ،‬وليـــس‬ ‫برفـــع شـــعار صـــراع األديـــان والحضـــارات»‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫تحقيق‬

‫هــل تتعــارض فكــرة ورش الكتابة مــع خصوصية اإلبداع؟ وهــل تحولت مؤخــرًا مع ظاهرة‬ ‫انتشــارها الواســع فــي الوطن العربــي إلى دجل وتجــارة أم أن ِنتاج هذه الورش كشــف عن‬ ‫ٍ‬ ‫أصوات شابة ْأثَرت المشهد األدبي؟‬ ‫االستطالع التالي يرصد الجدل الدائر حول جدوى ورش الكتابة األدبية في العالم العربي‪ ،‬ومدى أهميتها‬ ‫على مستوى تجويد أو اكتشاف مواهب في الكتابة‪.‬‬

‫ورش الكتابة األدبية‪..‬‬ ‫هل تصنع كاتب ًا ؟‬ ‫القاهرة‪ :‬هند مختار‪ -‬إيمان السباعي‬ ‫فـي نهايـة رسـائله إلـى روائـي شـاب‪،‬‬ ‫كتـب الروائي البيروفي ماريو فارغاس‬ ‫يوسـا‪ :‬صديقـي العزيـز إنـي أحاول أن‬ ‫كل مـا قرأتـه فـي‬ ‫أقـول لـك أن تنسـى ّ‬ ‫رسـائلي حول الشكل الروائي وأن تبدأ‬ ‫دفعـة واحـدة بكتابـة الروايات‪.»..‬‬ ‫رسـائل إلـى روائـي شـاب‪ ،‬هـو كتـاب‬ ‫يوسـا الشـهير الـذي طـرح فيـه وجهـات‬ ‫نظـر حـول الروايـة ال مـن حيـث تقنيات‬ ‫الكتابـة فقـط ولكـن مـن حيـث مـادة‬ ‫الروايـات وأفكارها واألسـرار الغامضة‬ ‫حولهـا لكنـه فـي النهايـة يخلـص إلـى‬ ‫كل هـذا وأن‬ ‫نصيحـة الشـاب بنسـيان ّ‬ ‫يبدأ في كتابة الروايات «دفعة واحدة»‪،‬‬ ‫المؤيـدون لـورش الكتابـة األدبيـة‬ ‫سـيجدون حجـة لهـم في موقف يوسـا‪،‬‬ ‫حيـث الكتابـة ممارسـة ال تتحقّـق ّإل‬ ‫بمعرفـة التقنيـات والقواعـد والنقـاش‬ ‫المثمـر مـع آخريـن من الكتـاب أصحاب‬ ‫التجربـة والخبـرة‪ ،‬أمـا المعارضـون‬ ‫فربمـا يسـخرون مـن هـذا كلـه‪ ،‬متخذين‬ ‫من نصيحة يوسا بـ«النسيان» حجتهم‪،‬‬ ‫‪26‬‬

‫حيـث ال توجـد قواعـد ثابتة فـي مغامرة‬ ‫الكتابـة التـي يجـب أن يكابدهـا الكاتـب‬ ‫وحـده بممارسـة شـخصية‪ ،‬كمـا فعـل‬ ‫ُكّتـاب كبـار لـم يعرفـوا ورش الكتابـة‬ ‫وأنتجـوا أدبـ ًا عظيمـاً‪..‬‬

‫كسر الحاجز‬ ‫تساءلنا في البداية عن مفهوم «الورشة‬ ‫األدبيـة» ومـا الـذي تقدمـه‪ .‬الكاتـب‬ ‫المصـري محمـد عبـد النبـي صاحـب‬ ‫التجربة األشـهر بمصر «ورشة الحكاية‬ ‫وما فيها» يعرفها بكونها تجربة‪ :‬إليجاد‬ ‫مسـاحة منظمـة لتبـادل الخبـرات‪،‬‬ ‫مسـاحة بالمعنـى الزمنـي والمكانـي‪،‬‬ ‫ومنظمـة بمعنـى تحديد الوقـت وطبيعة‬ ‫األنشـطة التـي سـتتم ممارسـتها لهـذا‬ ‫وتتنـوع أهداف الورشـة‪ ،‬في‬ ‫الغـرض‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫نظره‪ ،‬بين الكتابة الجماعية المشتركة‬ ‫فـي مشـروع جماعـي واحـد؛ مثـل فريق‬ ‫يعمـل علـى تطويـر سـيناريو مسلسـل‪،‬‬ ‫أو أن تكـون ورشـة تعليميـة يقـدم فيها‬ ‫أحد المدربين بعض التقنيات والخبرات‬ ‫للمتدربيـن‪ .‬وفيمـا يخص اإلضافة التي‬ ‫يؤكـد محمـد عبـد‬ ‫تقدمهـا هـذه الـورش ِّ‬

‫النبـي أنهـا تتلخـص فـي إيجـاد فرصـة‬ ‫للعمـل بانتظـام تحـت إشـراف شـخص‬ ‫متخصـص أكثـر خبرة‪ ،‬كمـا أنها فرصة‬ ‫جيـدة لالحتـكاك والتعرف على مدارس‬ ‫ومذاهـب مختلفـة فـي الكتابـة‪.‬‬ ‫الكاتـب المصري المقيم بكندا ياسـر عبد‬ ‫اللطيف له تجربتان مع ورش الكتابة‪،‬‬ ‫إحداهمـا فـي القصة القصيـرة واألخرى‬ ‫فـي الروايـة‪ .‬يتحـدث عنهمـا موضحـاً‪:‬‬ ‫كان دور الورشـة اإلبداعية كما تخيلته‬ ‫هـو مسـاعدة الكاتـب «الهـاوي»‪ ،‬بغـض‬ ‫النظـر عـن عمـره‪ ،‬علـى االنتقـال إلـى‬ ‫مرحلـة تلعـب فيهـا الكتابـة دور ًا أكثـر‬ ‫جديـة فـي حياتـه‪ ،‬لـم أكـن أهـدف إلـى‬ ‫«تعليـم» الكتابـة‪ ،‬فقد كنت أحرص على‬ ‫توافـر حـد من الموهبة في المشـاركين‪،‬‬ ‫يتم اختباره بتقديم نماذج من إبداعاتهم‬ ‫السـابقة قبـل قبولهـم فـي الورشـة‪،‬‬ ‫وكانـت تجـرى غربلـة الختيارهم‪ .‬ومن‬ ‫جانب آخر متعلق بطريقة عمل الورشة‬ ‫نفسها‪ ،‬كنت أوضح من البداية‪ ،‬بأنني‬ ‫ال أسـتخدم الطريقـة األميركيـة المتبعـة‬ ‫فـي عـدد مـن الـورش‪ ،‬والتـي تعتمـد‬ ‫علـى تماريـن الكتابـة‪ ،‬والتدريـب علـى‬


‫صـورة من ورشـة «الحكاية وما فيهـا» لمحمد عبد النبي‬

‫بنـاء الشـخصيات‪ ،‬والحبكـة ومـا إلـى‬ ‫ذلـك‪ .‬كنـت أعتمـد علـى إطلاق العنـان‬ ‫لممارسـتهم الكتابيـة‪ ،‬مـع تدخـل مـن‬ ‫جانبي‪ ،‬ومن جانب المشاركين اآلخرين‬ ‫باقتراحـات تخـص النـص الـذي يعمـل‬ ‫كل واحد منهم بالحذف أو اإلضافة‬ ‫عليه ّ‬ ‫أو فتـح مسـار جديـد فـي السـرد‪ .‬كانـت‬ ‫أشـبه بحلقـة نقـاش بيـن مجموعـة مـن‬ ‫فصلا تعليميـاً‪.‬‬ ‫األصدقـاء عـن كونهـا‬ ‫ً‬ ‫وتـرى الروائيـة اللبنانيـة لنـا عبـد‬ ‫الرحمـن أن ورش الكتابـة اإلبداعيـة‪:‬‬ ‫الكّتـاب المتدربيـن علـى كسـر‬ ‫تسـاعد ُ‬ ‫حاجـز الرهبـة مـن الكتابة‪ ،‬خاصة وأن‬ ‫الكاتـب المبتـدئ يخـاف ممـا يكتبـه فـي‬ ‫كل‬ ‫المراحل األولى ويكون‬ ‫متشـكك ًا في ّ‬ ‫ِّ‬ ‫شـيء‪ ،‬مما يحول دون اكتمال مشـاريع‬ ‫القصص والروايات التي يتم البدء بها!‬ ‫لكـن‪ ،‬وخلال وجوده في ورشـة‪ ،‬أظن‬ ‫أن حالـة النقـاش والعصـف الذهنـي‬ ‫تجعل المشـاركين أكثر اهتمام ًا وتركيز ًا‬ ‫على نصوصهم وأبطالهم‪ ،‬ويشـاهدون‬ ‫كيـف تنتقـل الفكـرة من الذهـن إلى نص‬ ‫مكتـوب علـى الـورق‪.‬‬ ‫عـن الشـروط التـي يجـب أن تتوافـر في‬

‫الكاتـب كـي يقدم ورشـة أدبية ناجحة‪،‬‬ ‫تحـدث الناقـد المصـري وأسـتاذ األدب‬ ‫قائلا‪ :‬إن الكتابـة‬ ‫سـيد ضيـف اهلل‬ ‫ً‬ ‫اإلبداعيـة ال يتـم تعلمهـا فـي الغـرب‬ ‫مـن خلال ورش الناشـئين‪ ،‬بـل مـن‬ ‫خلال صفـوف أكاديميـة فـي الجامعات‬ ‫المختلفة ويقوم بتدريسـها أستاذ خبير‬ ‫حاصلا علـى‬ ‫ممـارس لإلبـداع وليـس‬ ‫ً‬ ‫درجـة أكاديميـة فقـط! وللمفارقـة‪ ،‬فإن‬ ‫إنتاج إبداع متميز ال يعني أن هذا المبدع‬ ‫هو المدرس المتميز أو المدرب المناسب‬ ‫للناشـئين فـي ورش الكتابـة اإلبداعيـة‬ ‫وصفوفهـا الجامعيـة إن وجـدت‪ ،‬ألن‬ ‫هناك الكثير من المبدعين الذين يبدعون‬ ‫دون أن يعرفـوا كيـف يبدعون فما بالك‬ ‫لـو طالبناهـم بـأن يعلمـوا غيرهـم كيف‬ ‫يبدعـون؟! حتمـ ًا سـوف يسـخرون مـن‬ ‫الفكـرة‪ ،‬ويقولـون لـك القـول التراثـي‬ ‫القديـم اذهـب واحفـظ ألـف بيـت شـعر‬ ‫ثم انسـها لتكتب الشـعر! أو يقولون لك‬ ‫كل أعمال نجيب محفوظ أو‬ ‫اذهب واقرأ ّ‬ ‫يوسـف إدريـس ثـم ابـدأ كتابـة الروايـة‬ ‫أو القصـة القصيـرة!‬ ‫وبالعـودة إلـى محمـد عبـد النبـي فـإن‬

‫خبـرة الكاتـب وحدهـا ليسـت كافيـة‪،‬‬ ‫وفـي نظـره‪ :‬قـد يكـون الكاتـب عظيمـاً‪،‬‬ ‫مؤهلا للتدريـب‬ ‫لكنـه ليـس بالضـرورة‬ ‫ً‬ ‫الـذي يحتـاج إلـى أدوات ومهـارات‬ ‫مختلفـة تمامـاً‪ ،‬مـن قبيـل التواصـل‬ ‫الجيـد‪ ،‬وإدارة الوقـت‪ ،‬والتفاعـل مـع‬ ‫االختالفـات بيـن المتدربيـن‪ ،‬إلـى آخـر‬ ‫ذلـك‪ .‬وقـد يكـون العكـس صحيحاً‪ ،‬أي‬ ‫أن يكـون المـدرب جيد ًا لكنـه ليس كاتب ًا‬ ‫عظيمـاً‪ .‬فيمـا توضـح لنـا عبـد الرحمـن‬ ‫بأنهـا ال تعتمـد على تجربتها في الكتابة‬ ‫فقـط‪ ،‬بـل لرصيـد القـراءة واالطلاع‬ ‫دور هـام أثنـاء عمليـة اإلشـراف علـى‬ ‫ورشـة‪ ،‬وكمثـال علـى ذلـك‪ :‬لـو طـرح‬ ‫أحـد المشـاركين فكـرة روايـة فانتازيـة‬ ‫أو روايـة خيال علمـي‪ ،‬ينبغي توجيهه‬ ‫لقراءة التجارب اإلبداعية واالطالع على‬ ‫الكّتـاب الذيـن خاضوا هـذا النوع‬ ‫خبـرة ُ‬ ‫من الكتابة‪ ،‬بحيث ليس من الضروري‪،‬‬ ‫تقـول لنـا عبدالرحمـن فـي هـذه الحالة‪:‬‬ ‫ليـس بالضـرورة أن أكـون قـد كتبـت‬ ‫روايـة خيـال علمـي‪ ،‬لكن يمكن تسـليط‬ ‫الضـوء علـى النقـاط األبـرز فـي العمـل‬ ‫المقتـرح مـن خلال النقـاش وتنـاول‬ ‫‪27‬‬


‫ورشـة «فتنة السـرد» للنا عبد الرحمن‬

‫الفكـرة مـن جوانـب مختلفـة تكشـف مـا‬ ‫كان غائبـ ًا فيهـا‪.‬‬

‫هل تصنع كاتب ًا؟‬ ‫األصـوات المعارضـة ال تـرى فائـدة‬ ‫تجنـى مـن ورشـات الكتابـة اإلبداعيـة‪،‬‬ ‫وتسـتدل علـى ذلـك بجيـل مـن مبدعيـن‬ ‫عظـام لـم يعرفـوا مـا يسـمى بالـورش‬ ‫األدبيـة‪ ،‬وإنمـا قادتهـم موهبتهـم إلـى‬ ‫مجدهـم األدبـي‪ .‬الكاتـب ياسـر عبـد‬ ‫يؤكـد أنـه ال يمكـن لورشـة أن‬ ‫اللطيـف ِّ‬ ‫تصنع كاتب ًا من عدم‪ ،‬ما لم يتوفر على‬ ‫اسـتعداد مبدئـي أو علـى تلـك الكلمـة‬ ‫الغامضـة التي نسـميها موهبة‪ ،‬وبدون‬ ‫ذلـك فلـن يصيـر كاتبـ ًا أبـداً‪ .‬ومـا تفعله‬ ‫الورشـة‪ ،‬فـي نظـره‪ ،‬أنهـا قـد تمنحـه‬ ‫دفعـة لألمام‪ ،‬وتكسـبه بعـض الخبرات‬ ‫ً‬ ‫والمعارف النظرية عن طريق االحتكاك‬ ‫بخبـرة المدرب‪ ،‬والمشـاركين اآلخرين‪.‬‬ ‫أي أنّهـا قـد تشـحذ الموهبـة الموجـودة‬ ‫بالفعل‪ .‬ويشـير ياسـر عبد اللطيف إلى‬ ‫نقطـة مهمـة تكمـن فـي التخـوف الـذي‬ ‫يبديـه بعـض النقـاد وقـراء األدب مـن‬ ‫تحول المتدرب في الورشـة إلى نسـخة‬ ‫مـن الكاتـب الـذي يديرهـا‪ .‬وهـو مـا لـم‬ ‫يلمسـه في خبرته‪ ،‬وإن حدث ذلك فهو‬ ‫بالنسـبة لـه طبيعـي فـي البدايـة‪ ،‬وأي‬ ‫‪28‬‬

‫مبتـدئ قـد يكـون متأثـر ًا بكاتـب قريـب‬ ‫إلـى ذائقتـه‪.‬‬ ‫ال يختلـف رأي الكاتـب السـوري هيثـم‬ ‫حسـين عـن هـذا الطـرح‪ ،‬منطلقـ ًا مـن‬ ‫كـون اإلبـداع ال يلقـن حيـث يـرى بـأن ال‬ ‫يمكـن اختـراع أسـاليب لصناعـة كاتـب‪،‬‬ ‫وإنمـا هنـاك سـبل لتنظيـم دفقـه‪.‬‬ ‫أية ورشـة‬ ‫ويضيـف ِّ‬ ‫مؤكـداً‪ :‬ال أعتقد ّ‬ ‫أن ّ‬ ‫يمكـن أن تصنـع كاتبـاً‪ ،‬أو أن تمنحـه‬ ‫موهبـة ال يمتلكهـا‪ ،‬إنّمـا هـي تسـعى‬ ‫لألخـذ بيـده‪ ،‬والعمـل علـى صقـل تلـك‬ ‫أن البنـاء‬ ‫الموهبـة التـي يمتلكهـا‪ .‬أي ّ‬ ‫يكـون علـى األسـاس الموجـود لديـه‪،‬‬ ‫القوية في دخول عالم الكتابة‬ ‫والرغبة‬ ‫ّ‬ ‫واألدب‪ .‬الورشـات ال تخلـق شـغف ًا‬ ‫غيـر موجـود‪ ،‬ويختلـف األمـر فيهـا عـن‬ ‫تدريـب صحافييـن علـى كتابـة تقاريـر‬ ‫صحافية مهنية‪ ،‬والتقيد بقواعد الكتابة‬ ‫الصحافيـة وشـروطها المفترضـة‪.‬‬ ‫ولعـل أحـد مرامـي ورشـات الكتابـة‬ ‫ّ‬ ‫األدبيـة التحفيز علـى الخلق واالبتكار‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والتحريـض علـى إخـراج الطاقـات‬ ‫اإلبداعيـة الكامنـة‪ ،‬ومحاولـة تنظيمهـا‬ ‫مـن خلال وضعها تحت مجهـر المقاربة‬ ‫والمعالجـة والنقـد‪ ،‬وكذلـك السـعي‬ ‫إلطلاع األدبـاء الشـباب علـى أسـاليب‬ ‫ووسـائل اعتمدهـا كثيـر مـن األدبـاء‬

‫الكبـار فـي أعمالهـم‪ ،‬وحقّقـوا حضـور ًا‬ ‫ونجاحـاً‪ ،‬لتخلـق الحافـز لديهم بالبحث‬ ‫الخاصة وأساليبهم المميزة‬ ‫عن دروبهم‬ ‫ّ‬ ‫لهـم‪ ،‬بعـد إثـراء خبرتهـم وتجربتهم بما‬ ‫االطلاع عليـه مـن المنجـز‬ ‫يتيسـر لهـم ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربية‬ ‫المكتبـة‬ ‫فـي‬ ‫المتراكـم‬ ‫اإلبداعـي‬ ‫ّ‬ ‫والعالميـة‪.‬‬ ‫فيمـا يـرى الكاتـب والناقـد المصري عمر‬ ‫شهريار أن الهجوم على الورش اﻷدبية‬ ‫معظمـه ناتـج عـن تصـور غيـر صحيح‬ ‫علـى اﻷغلـب‪ ،‬مفـاده أنهـا قـادرة علـى‬ ‫خلـق وصناعـة أديـب من العـدم‪ ،‬أو أن‬ ‫اﻷدب حرفة يمكن تعلمها بسهولة بغض‬ ‫النظـر عـن وجـود موهبـة‪ .‬بمزيـد مـن‬ ‫التوضيح يضيف عمر شهريار‪ :‬ظني أن‬ ‫معظـم الـورش اﻷدبيـة ال تسـعى لذلك‪،‬‬ ‫فهـي تسـعى‪ ،‬بشـكل رئيس‪ ،‬الكتشـاف‬ ‫مواهـب المشـتركين فيهـا وتجعلهـم‬ ‫يكتشـفون ذواتهـم‪ ،‬كمـا توفـر للمتـدرب‬ ‫فرصـ ًا مهمـة لالحتـكاك بأدبـاء أكثـر‬ ‫خبـرة وأطـول تجربـة‪ ،‬والتفاعـل مـع‬ ‫زمالئـه مـن المتدربيـن‪ ،‬فتكـون فرصـة‬ ‫جيـدة للعصـف الذهنـي حـول مفهـوم‬ ‫النوع اﻷدبي وتاريخه وتقنياته وآفاقه‬ ‫المسـتقبلية وإمكانـات التجديـد‪.‬‬ ‫الشـاعر والناقـد عبـد المنعم رمضان من‬ ‫األصـوات المعارضـة لـورش الكتابـة‬ ‫األدبيـة وعن أسـباب ذلـك يقول‪ :‬هناك‬ ‫ثقافات كثيرة تسود العالم وال نستطيع‬ ‫أن ننكر هذا‪ ..‬ال أعتقد أننا نسـتطيع أال‬ ‫نـدرك الفـارق بيـن ثقافتيـن؛ ثقافـة في‬ ‫الغرب وثقافة في الشرق‪ ،‬وذلك بحكم‬ ‫التاريـخ والمـكان وإمكاناتـه‪ .‬فأميـركا‬ ‫المعاصـرة الحديثـة تؤمن بأن اإلنسـان‬ ‫إذا أراد فهـو يسـتيطع أن يفعـل مـا يريد‬ ‫ويتـدرب عليـه‪ ،‬يسـتطيع بإرادتـه أن‬ ‫يكون هو السيد‪ .‬أما في الثّقافة األخرى‬ ‫كمـا فـي المشـرق‪ ،‬فـاألدب والكتابـة‬ ‫موهبـة ُتمنـح لـك وال تصنعهـا‪ .‬شـيء‬ ‫آخـر مأخـوذ عن الغرب أيضاً‪ :‬الطبقات‬ ‫البرجوازيـة العليـا تـدرب أبناءهـا على‬ ‫كل شـيء‪ ،‬فيمكـن تعلـم الموسـيقى‬ ‫ّ‬ ‫والفّـن‪ ،‬حيـث تقـوم الـورش‬ ‫واألدب‬ ‫َ‬ ‫بتأهيلهم و«صناعتهم» ال ليصبح هؤالء‬ ‫مبدعين عظماء ولكنها أشياء ضرورية‬


‫يجب أن يعرفها اإلنسـان المعاصر الذي‬ ‫ينتمـي لهـذه الطبقـة والـذي يجـب أن‬ ‫كل شـيء‪ ،‬بالتالي فمسـألة‬ ‫يتحدث عن ّ‬ ‫الورش تنتمي لهاجس طبقي باإلضافة‬ ‫إلى كونها هاجسـ ًا ثقافي ًا وفي رأيي أن‬ ‫هـذا أشـبه بإعـداد فتيـات الجيشـا وهـو‬ ‫شـيء مهيـن للثّقافة‪.‬‬ ‫واألمـر األكثـر أهميـة‪ ،‬مـن وجهـة نظـر‬ ‫عبـد المنعـم رمضان‪ ،‬هو‪ :‬أن معظم من‬ ‫قامـوا بتأسـيس هـذه الورش هـم كتاب‬ ‫صغـار أرادوا أن يوجـدوا مرتيـن‪ ،‬مـرة‬ ‫عـن طريـق الكتابـة ومـرة عـن طريـق‬ ‫الـورش األدبيـة؛ ويضـرب علـى ذلـك‬ ‫مثـا ًال بقولـه‪ :‬ال يوجـد ورشـة أدبية قام‬ ‫بهـا محمـد المخزنجـي أو محمـد المنسـي‬ ‫قنديـل وغيرهمـا من كتاب كبار‪ ،‬كما أن‬ ‫بعـض هـذه الـورش تحول إلى سـبوبة‬ ‫تجاريـة يشـترك فيهـا ممول وناشـر‪.‬‬ ‫يتفـق الكاتـب والصحافـي السـعودي‬ ‫قائلا‪:‬‬ ‫أحمـد الواصـل مـع هـذا الـرأي‬ ‫ً‬ ‫ال يوجـد فـي السـعودية ورش أدبيـة‬ ‫بالشـكل المتعـارف عليـه فـي مصـر‪،‬‬ ‫أو بعـض البلاد العربيـة‪ ،‬ولكـن يوجـد‬ ‫هنـاك حلقـات نقاشـية‪ .‬وعـن تجربتـه‬ ‫مـع الـورش اإلبداعيـة يحكـي الواصـل‪:‬‬ ‫التحقـت بورشـة الكتابـة الدراميـة‬ ‫(األعمـال اإلذاعيـة والتليفزيونيـة)‬ ‫بالتنسيق بين هيئة اإلذاعة البريطانية‬ ‫والمجلـس الثّقافـي البريطانـي فـي أحد‬ ‫األعـوام الماضيـة‪ ،‬وتسـنى لي االطالع‬ ‫علـى طـرق وأسـلوب العمـل فـي مجـال‬ ‫الدرامـا اإلنجليزيـة‪ .‬ما أفدتـه هو عملية‬ ‫«التخيـل الدرامـي» ال الكتابـة‪ ،‬وهـي‬ ‫مرحلـة نهائيـة‪ ،‬وإنما طـرق اإلعداد لها‬ ‫تخطيطـ ًا وترسـيماً‪ ،‬ومـن ثـم أسـلوب‬ ‫إخراجهـا أي تحويلهـا إلـى أداء وقـول‬ ‫وحركـة‪..‬‬ ‫في سـياق آخر يرى البعض أن انتشـار‬ ‫ظاهـرة ورش الكتابـة ليـس فـي صالح‬ ‫المشـهد األدبـي‪ ،‬إذ تحـول األمـر إلـى‬ ‫دجـل وتجـارة‪ .‬فـي هـذا الصـدد يقـول‬ ‫الكاتـب والناقـد المصـري سـيد الوكيـل‪:‬‬ ‫كل قيمـة إلـى‬ ‫نحـن شـطار فـي تحويـل ّ‬ ‫ـن والعلـم بـل‬ ‫سـبوبة‪ ،‬ليـس فقـط َ‬ ‫الف ّ‬ ‫الدين نفسه‪ ،‬إنها ثقافة العولمة ورأس‬

‫المـال الريعـي‪ ،‬وأول مـا علـى المـدرب‬ ‫أن يعلمـه لطلاب الورشـة‪ ،‬هو مقاومة‬ ‫هـذا السـلوك االسـتهالكي داخلهـم‪ ،‬إنه‬ ‫سـلوك ال يفهـم قيمـة العمـل ّإل مـن‬ ‫خلال العائـد المـادي فقـط‪ ..‬هـذه ثقافة‬ ‫خطيـرة ونحـن متورطـون فيهـا‪ ،‬وقـد‬ ‫جعلـت دراسـة هـذه الظاهـرة موضوع ًا‬ ‫لكتابـي األخيـر (عمليـة تذويـب العالم)‪.‬‬ ‫فـي المقابـل يختلـف محمـد عبـد النبـي‬ ‫مـع اعتبـار ورش الكتابـة األدبيـة‬ ‫كظاهـرة سـلبية تحولـت إلـى عمليـة‬ ‫مبرر ًا ذلك‪ :‬أنحاز دائم ًا لترك‬ ‫تجارية‪ّ ،‬‬ ‫كل تجربـة تفـرز وتطـور نفسـها دون‬ ‫ّ‬ ‫إطلاق أحـكام مسـبقة وسـهلة تجاهها‪.‬‬ ‫تحولـت ورش الكتابـة إلـى تجـارة‪،‬‬ ‫لـو ّ‬ ‫فعلينـا أن نحـاول فهم أسـباب ذلك‪ ،‬ما‬ ‫هـي الحاجـة العميقـة التـي تلبيهـا عنـد‬ ‫ال حقيقي ًا‬ ‫المتدربين؟ وهل تقّدم لهم مقاب ً‬ ‫لقـاء مـا يدفعونـه؟ ال توجـد ظاهر تخلو‬ ‫من السـلبيات تماماً‪ ،‬ولكن الحكم عليها‬ ‫بالدجل خطأ‪ ،‬ولنترك الحكم للمتدربين‬ ‫وللوقت‪ .‬وتماشي ًا مع هذا الطرح تحدثت‬ ‫لنـا عبـد الرحمن من خلال تجربتها‪ :‬لقد‬ ‫أشـرفت علـى ورشـتين‪ :‬إحداهمـا فـي‬ ‫دار نشـر ومكتبـة «كتـب خـان»‪ ،‬كانتـا‬ ‫مجانيتيـن ألن هـذا النظـام متبـع داخـل‬ ‫المكتبة‪ ،‬وورشة في مكتبة اإلسكندرية‬ ‫بمبلـغ زهيـد جـدا‪ .‬وللكاتـب ياسـر عبـد‬ ‫اللطيـف تجربـة مشـابهة يحكـي عنهـا‬ ‫بدايـة أنا لم أكن أتلقى أي مقابل‬ ‫قائلا‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مـادي نظيـر الورش التي أدرتها‪ ،‬كذلك‬ ‫«الكتـب خـان» دار النشـر والمكتبة التي‬ ‫رعـت الورشـة وإصداراتهـا‪ .‬ثمـة ورش‬ ‫تتلقـى مبالـغ باهظـة نظيـر االشـتراك‬ ‫فيها‪ ،‬وهنا يمكن أن نتحدث عن تجارة‬ ‫تكسب ما‪ ،‬وتسليع للعمل األدبي في‬ ‫أو ّ‬ ‫سوق ضعيفة أصالً‪ .‬وثمة ورش أخرى‬ ‫«مؤسسات المجتمع‬ ‫ينظمها ما يعرف بـ‬ ‫َّ‬ ‫المدنـي»‪ ،‬علـى مسـتوى إقليمي عربي‪،‬‬ ‫وتلك الورش ال أعتقد أنها تضيف شيئ ًا‬ ‫الفنّـي للمشـاركين أكثـر‬ ‫علـى المسـتوى َ‬ ‫مـن كونهـا فرصـة للسـفر واالحتـكاك‬ ‫بخبـرات أخـرى لكتاب شـباب‪.‬‬ ‫لكن سيد ضيف اهلل يقول بوجود عالقة‬ ‫بيـن بعـض الجوائـز األدبيـة والـورش‪:‬‬

‫أعتقد أن هناك صلة وثيقة بين الطابع‬ ‫التجـاري لـورش الكتابـة اإلبداعيـة‪،‬‬ ‫خاصـة فـي الروايـة والجوائـز الكثيـرة‬ ‫أثـر‬ ‫المخصصـة للروايـة؛ األمـر الـذي ّ‬ ‫سـلب ًا علـى الكتابـة الروائية‪ ،‬إذ أصبح‬ ‫لـكل جائـزة روائيـة «وصفـة» ثابتـة‬ ‫ّ‬ ‫لشـكل الروايـة التـي تناسـبها‪ ،‬ولكـن ال‬ ‫يصـح التعميـم هنـا‪ ،‬فإلـى جانـب آفـة‬ ‫تنميـط اإلبـداع الروائـي هنـاك روايـات‬ ‫جيـدة كانـت مـن ثمـار ورش الكتابـة‬ ‫اإلبداعيـة‪ .‬وهـو مـا يسـتحضره ياسـر‬ ‫عبـد اللطيـف‪ ،‬مستشـهد ًا بأسـماء بعض‬ ‫الكتـاب الذيـن تخرجوا من تلك الورش‪:‬‬ ‫هذه الورش عموماً‪ ،‬وليس التي أدرتها‬ ‫أنـا فقـط‪ ،‬قـد أخرجـت عـدد ًا مـن الكتـاب‬ ‫الموهوبيـن فـي العالـم العربـي‪ :‬محمـد‬ ‫ربيع ومحمد فاروق وإيمان عبد الرحيم‬ ‫مثلا فـي مصـر‪ ،‬وهلال‬ ‫وطلال فيصـل ً‬ ‫شـومان فـي لبنـان‪ ،‬ومعـن أبـو طالـب‬ ‫فـي األردن‪.‬‬ ‫محمـد فـاروق‪ ،‬هـو أحـد المتدربيـن‬ ‫بورش الكتابة في مصر‪ ،‬والحائز على‬ ‫جائزة ساويرس الثّقافية عن مجموعته‬ ‫«سـينما قصـر النيـل» التـي كتبهـا عقـب‬ ‫التحاقـه بإحـدى الـورش‪ .‬سـألناه عـن‬ ‫تجربته فقال‪ :‬الكتابة مثلها مثل أي َفّن‪،‬‬ ‫لها قواعدها التي يجب اإللمام بها أو ما‬ ‫يطلق عليه الوعي بالكتابة‪ ،‬وأتفق مع‬ ‫محمد عبد النبي أن هناك ورش ًا للرقص‬ ‫والتمثيل والغناء‪ ،‬فلماذا ال يكون هناك‬ ‫ورش للكتابـة؟‪ ..‬فـي النهايـة الـورش‬ ‫األدبيـة ال تصنـع كاتبـ ًا أو إنسـان ًا‬ ‫موهوبـ ًا لـو كان يفتقـر للموهبـة‪ ،‬لكني‬ ‫اعتبـر انتشـارها وانتشـار فكـر التدريـب‬ ‫واكتسـاب المهـارات شـيئا إيجابيـ ًا فـي‬ ‫حـد ذاتـه‪ ،‬وينعكـس باإليجـاب علـى‬ ‫ممارسـي هـذه المهـن والفنـون وحتـى‬ ‫انتشـارها كثقافـة‪ ،‬وكمـا جـرى فـي‬ ‫مقارنة أنفسـنا بالغرب‪ ،‬بسـبب إنتاجه‬ ‫للمعرفة‪ ،‬فأي مهنة كانت ال يتم النبوغ‬ ‫فيهـا ّإل بالكثيـر مـن التدريـب والوعـي‬ ‫بتقنياتهـا وأسـرارها وهـذا مـا توفـره‬ ‫الورش‪.‬‬ ‫‪29‬‬


30


‫قضية‬

‫«بوكيمون جو»‬

‫في واقعنا غير المعزَّز!‬ ‫شـــب َه أحدهـــم مشـــية قّناصـــي البوكيمونات في الشـــوارع‬ ‫َّ‬ ‫بمشـــية «الزومبي»‪ .‬لقد بدوا له في أســـوأ هيئة‪ ،‬مفصولين‬ ‫إحداثيات الـ(جي‬ ‫عن محيطهم‪ ،‬يكلِّمون أنفســـهم‪ ،‬تقودهـــم‬ ‫ّ‬ ‫يتصيدوا‬ ‫بـــي إس) على هواتفهم الذكية‪ ،‬فيركضون عشـــوائياً‪ ،‬إلى أن‬ ‫ّ‬ ‫واحدًا من فصيلـــة البوكيمون!‪.‬‬ ‫حكايـــة لعبـــة «بوكيمون جـــو»‪ ،‬باتت صيحـــة ال تتوقّـــف الميديا عن‬ ‫تنـــاول مـــا يتعلَّق بها مـــن طرائف وأخبـــار وأرقام مبيعـــات وكوارث‬ ‫المعزز»‪،‬‬ ‫أيضـــاً‪ .‬تقنيـــاً‪ ،‬هـــي أول نجاح غيـــر متوقَّع لمبـــدأ «الواقـــع‬ ‫َّ‬ ‫بديل الواقـــع االفتراضي الذي طرح نفســـه‪ ،‬منذ البداية‪ ،‬عـــدوًا للواقع‬ ‫الطبيعـــي الحقيقي‪.‬‬ ‫معزز؛ تســـمية جّذابة مثيرة للفضـــول‪ ،‬واقع يقع بين المنزلتين‪،‬‬ ‫واقع َّ‬ ‫فال هـــو باالفتراضـــي وال هو بالحقيقي‪ .‬هكـــذا أرادوه؛ خداعـــ ًا موهم ًا‬ ‫وســـاحراً!‪ .‬وألنـــه احتاج أســـباب نـــزول كونيـــة فقد لعبـــت فتوحات‬ ‫«بوكيمـــون جو» دورها االمبراطـــوري! لكن األمر األكثر تشـــويقاً‪ ،‬بعد‬ ‫المعزز!‬ ‫تخيلـــه في هذا الواقـــع‬ ‫َّ‬ ‫اآلن؛ هـــو ما ال يمكن ُّ‬

‫‪31‬‬


‫البوكيمون جو‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫ط ْعم االستقطاب‬ ‫يهيمــون في المنــازل والطرقات‪ ،‬بهواتفهم‪ ،‬بحث ًا عــن البوكيمونات‪ ..‬إنهم مصابــون بـ«البوكيمونايا» أو جنون‬ ‫البوكيمــون‪ .‬تأثيــر اللعبة الحركــي والتواصلي‪ ،‬وجمعها بين غرباء في المكان نفســه‪ ،‬وفكرتهــا اإلبداعية التي‬ ‫المعزز)‪ ،‬عالوة على الزخم اإلعالمي الذي حظيت‪ ...‬عوامل‬ ‫تدمج الواقع بالخيال‪ ،‬أو ما يصطلح عليه بـ(الواقع‬ ‫َّ‬ ‫ساهمت في انتشارها الكاسح‪.‬‬ ‫اللعبة‪ ،‬في بســاطتها‪ ،‬تقوم على صيد وحوش الرســوم المتحركة (البوكيمونات) على شاشات الهواتف الذكية‪،‬‬ ‫وذلك باستخدام األماكن الواقعية كخلفية‪ ،‬تظهر فيها الوحوش بشكل مفاجئ‪ ،‬فيما يطاردها الالعبون بهواتفهم‬ ‫عن طريق كاميرات الهواتف‪.‬‬ ‫أهم جوانب‬ ‫لكن أسباب نجاح اللعبة وانتشارها ال يعود‪ ،‬فقط‪ ،‬لتضافر هذه العوامل؛ فالبوكيمون جو يمثّل أحد ّ‬ ‫الثّقافــة اليابانيــة التــي غزت الغرب‪ ،‬واســتقطبت جمهورًا واســعاً‪ ،‬اختــرق الحاجز الثّقافي الذي فصل وســائل‬ ‫اإلعالم اليابانية عن المستهلك الغربي‪ ،‬عموماً‪ ،‬واألميركي‪ ،‬بالخصوص‪ ،‬لفترة طويلة‪ ،‬ليتحول البوكيمون إلى‬ ‫يتجزأ من الثّقافة األميركية والثّقافة الغربية‪.‬‬ ‫جزء ال ّ‬

‫مروى بن مسعود‬ ‫غزو المتاحف‬ ‫ّيـة عديـدة على‬ ‫مؤسسـات َفنّ‬ ‫اغتنمـت ّ‬ ‫الفّن الحديـث في نيويورك‬ ‫غـرار متحـف َ‬ ‫الفرصة لحث صيادي البوكيمونات على‬ ‫ولـوج أبوابهـا‪ ،‬رغـم مـا أبـداه البعـض‬ ‫مـن عـدم المبـاالة‪ .‬وعادة ما يشـهد فصل‬ ‫الصيـف ركـود ًا فـي عـدد زوار المتاحف‪،‬‬ ‫ولكـن هـذا العام‪ ،‬مثلـت لعبة البوكيمون‬ ‫مؤسسـات‬ ‫جو حافز ًا إضافياً‪ ،‬وشـجعت ّ‬ ‫ّيـة علـى غـرار متحـف ويتنـي ومتحف‬ ‫َفنّ‬ ‫ـن الحديـث بنيويـورك علـى انتشـار‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫البوكيمـون‪ ،‬بمسـاعدة الالعبيـن فـي‬ ‫لعبـة الواقـع المعـزز علـى «القضـاء‬ ‫عليهـم جميعـاً»‪ ،‬ودعـم البوكيمـون‬ ‫لجذب الالعبين الشـبان وزيادة مبيعات‬ ‫التذاكر من لوس أنجلوس إلى نيويورك‬ ‫وتكسـاس وبوسـطن‪ .‬وكان تطبيـق‬ ‫‪32‬‬

‫اللعبة على الهواتف الذكية خالل الشـهر‬ ‫الماضي قد فاق ‪ 26‬مليون تحميل يومي ًا‬ ‫فـي الواليـات المتحـدة وحدها‪ ،‬في حين‬ ‫حقّقت مداخيل اللعبة أكثر من ‪ 15‬مليون‬ ‫دوالر بعـد توفيرهـا فـي أكثـر مـن ‪25‬‬ ‫دولة‪.‬‬ ‫تسـمى األماكـن المتاحـة لصيـد‬ ‫الوحـوش والتـي يتـم عـن طريقهـا‬ ‫كسـب النقـاط بــ«‪ ،»Pokéstops‬وقـد‬ ‫فتحـت العديـد مـن المتاحـف أبوابها لهذه‬ ‫ـن الحديـث)‬ ‫النقـاط‪ .‬وتوفـر متاحـف َ‬ ‫(الف ّ‬ ‫نقطتيـن للقضـاء علـى الوحـوش‬ ‫االفتراضيـة‪ ،‬أمـا فـي متحـف فيالدلفيـا‬ ‫للفنـون‪ ،‬فتوجـد ثمانيـة أماكـن حـول‬ ‫المبنـى لصيـد البوكيمونـات‪ .‬وأكـدت‬ ‫تشاسـي كيلـي‪ ،‬مسـؤولة التسـويق‬ ‫«مكـرس لفكـرة‬ ‫الرقمـي أن المتحـف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫اللعـب اإلبداعي»‪ ،‬وسـاعدت بدورها في‬

‫تأسيس «لقاء بوكيمون» خالل الساعات‬ ‫التـي ينظمهـا المتحـف بعنـوان «ادفـع ما‬ ‫شـئت» لجذب الزوار خالل فترة زمنية‪،‬‬ ‫وتشـجيع المسـتخدمين علـى زيـارة‬ ‫المعـارض‪ ،‬ولـم يكن ذلـك يهدف لزيادة‬ ‫تطـور ًا فـي‬ ‫المبيعـات‪ .‬وأظهـرت األرقـام ّ‬ ‫نسـب الحضـور خلال لقـاء المتابعـة من‬ ‫‪ % 13‬فـي األسـبوع األول إلـى ‪% 37‬‬ ‫خلال الربـع األول مـن الشـهر الماضـي‪.‬‬ ‫ّإل أنه يظل من السـهل التمييز بين رواد‬ ‫المتحـف الرصينيـن والالعبيـن النهميـن‬ ‫الباحثيـن عـن نقاط صيد البوكيمونات‪،‬‬ ‫في ظل خشية البعض من أن تدفع لعبة‬ ‫ـن ليصبـح مجـرد خلفية‬ ‫البوكيمـون َ‬ ‫بالف ّ‬ ‫ال ينظـر إليـه ّإل مـن خلال جهـاز هاتـف‬ ‫محمـول‪.‬‬


‫العام‬ ‫خراب الفضاء‬ ‫ّ‬

‫وبـد ًال مـن زرع الطعـوم حـول التحف‬ ‫ّيـة‪ ،‬تحركـت متاحف أخرى ألسـباب‬ ‫َ‬ ‫الفنّ‬ ‫مختلفـة للمشـاركة في هـذا الجنون! وقد‬ ‫سـارع «متحـف موريكامـي والحدائـق‬ ‫اليابانيـة» فـي ديلـراي بيتـش‪ ،‬فلوريـدا‬ ‫إلـى مسـاندة اللعبـة بسـبب االرتباطـات‬ ‫الثّقافيـة‪ ،‬واالمتياز الياباني للبوكيمون‬ ‫علـى يـد مصمـم األلعـاب ساتوشـي‬ ‫تاجيـري سـنة ‪ .1995‬وقالـت مونيـكا‬ ‫أمـار‪ ،‬التـي تعمـل فـي مجـال التسـويق‬ ‫فـي المتحـف الـذي يضـم ‪ 15‬مكانـ ًا لصيد‬ ‫البوكيمونات «شـعرنا بأن لدينا ارتباط ًا‬ ‫ثقافيـ ًا مباشـر ًا بهـذا االمتيـاز الياباني»‪،‬‬ ‫وأضافـت «الحضـور تزايـد منـذ إصـدار‬ ‫مـرة‪ ...‬لقـد وجدنـا أنـه‬ ‫التطبيـق ألول ّ‬ ‫بمجرد أن يأتي الناس للعب البوكيمون‪،‬‬ ‫فإنهـم يعـودون إلـى زيـارة المتحـف‬

‫والحدائـق‪ ،‬بحثـ ًا عـن فرصـة لصيدهـم‬ ‫وسـط المناظـر الطبيعيـة الخالبـة»‪.‬‬ ‫وعلـى صفحـة المعجبيـن بالمتحـف‬ ‫علـى الفيسـبوك‪ ،‬نشـر الـزوار صـور ًا‬ ‫مـن الحديقـة المخربـة جـراء صيـادي‬ ‫البوكيمـون‪ ،‬ونحـت بعض المسـتخدمين‬ ‫أسـماء فرقهـم علـى األشـجار‪ -‬أحـد‬ ‫العبـارات تقـول «‪Team Instinct‬‬ ‫‪ -»Rocks‬بينمـا قبـض حـراس المـكان‬ ‫علـى آخريـن بصـدد تسـلق األشـجار‪،‬‬ ‫وهو ما أثار حفيظة أحد الزوار الدائمين‬ ‫والمغرميـن بحدائـق موريكامـي‪ .‬وقالـت‬ ‫كاندى كاليسـتار‪« :‬أشـعر بالفزع بعد أن‬ ‫ُل ّطـخ مـكان هـادئ كهـذا مـن قبـل البلهـاء‬ ‫مطاردي البوكيمون»‪ ،‬وأضافت‪« :‬أشعر‬ ‫باالشـمئزاز بسـبب عـدم لطـف هـؤالء‬ ‫األطفـال‪ ،‬ولكنهـم ليسـوا أطفـا ًال فقـط؛‬ ‫يجـب احتـرام البيئـة مـن حولنـا»‪.‬‬

‫وفي نفس السياق طلب متحف ذكرى‬ ‫الهولوكوسـت فـي الواليـات المتحـدة‬ ‫بواشـنطن مـن مطـوري اللعبـة إزالـة‬ ‫نقـاط صيـد البيكومونـات مـن المتحـف‬ ‫بعـد أن تفطـن الموظفـون إلـى محاولـة‬ ‫بعـض المسـتخدمين صيـد البوكيمونـات‬ ‫هنـاك‪ .‬وقـال انـدرو هولينغـر‪ ،‬مديـر‬ ‫االتصاالت في المتحف «لعب البوكيمون‬ ‫فـي نصـب تـذكاري لضحايـا النازية غير‬ ‫مناسـب تمامـاً»‪ ،‬وأضـاف «المتحـف‬ ‫يشـجع الزائرين على اسـتخدام هواتفهم‬ ‫للمشاركة والتفاعل مع محتوى المتحف‪.‬‬ ‫التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تعليمية‬ ‫هامـة‪ ،‬ولكـن هـذه اللعبـة تقـع بعيـد ًا‬ ‫خـارج رسـالتنا التعليميـة والتذكارية»‪.‬‬ ‫ـن‬ ‫وبالنسـبة إلـى متحـف مكنـاي َ‬ ‫للف ّ‬ ‫فـي سـان أنطونيـو‪ ،‬تكسـاس‪ ،‬لعبـة‬ ‫البوكيمون مناسبة جداً‪ ،‬استناد ًا لجولي‬ ‫‪33‬‬


‫ليـدات‪ ،‬مسـؤولة االتصـال بالمتحـف‬ ‫«نأمل أن يجذب البوكيمون هؤالء الزوار‬ ‫مـن الشـباب‪ ،‬كمـا نسـاعد علـى تشـجيع‬ ‫الدخـول المجانـي لمـن هـم دون ‪.»19‬‬ ‫وتظهـر بعـض شـخصيات البوكيمـون‬ ‫مخبـأة فـي فنـاء المتحـف‪ ،‬بينمـا تقـع‬ ‫ّيـة‬ ‫األخـرى فـوق النصـب واألعمـال َ‬ ‫الفنّ‬ ‫الشـهيرة لبيكاسـو وفنسـنت فـان جـوخ‬ ‫وكلـود مونيـه‪ .‬وأضافـت جولـي ليـدات‬ ‫أن «أماكـن صيـد البوكيمون هي عالمات‬ ‫تاريخية وثقافية» تمنح الالعبين حافز ًا‬ ‫إضافيـ ًا لزيـارة هـذه األماكـن»‪ ،‬ولذلـك‬ ‫أصبحـت أماكـن صيـد البوكيمـون اآلن‬ ‫األكثـر شـعبية وزيـارة فـي المتحـف‪،‬‬ ‫ّية‬ ‫وهـذا يعنـي أن غيرها من األعمال َ‬ ‫الفنّ‬ ‫النادرة قد تخسر شعبيتها في خضم هذا‬ ‫الهـوس المتنامـي بالبوكيمـون‪.‬‬

‫بوشكين مقابل بيكاتشو‬ ‫وعلى غرار دول العالم‪ ،‬غرقت روسيا‬ ‫فـي جنـون لعبـة البوكيمـون‪ ،‬ممـا دفـع‬ ‫ببلدية موسكو إلى إطالق تطبيق مماثل‬ ‫للبوكيمون جو‪ ،‬يحث المستخدمين على‬ ‫البحـث عـن شـبه افتراضـي لشـخصيات‬ ‫من التاريخ الروسي في أنحاء موسكو‪.‬‬ ‫وأعلنـت علـى موقعهـا علـى اإلنترنـت‬ ‫إطلاق التحديـث الجديـد لتطبيـق يسـمى‬ ‫«اعـرف موسـكو» يعمـل وفـق مبـدأ‬ ‫البوكيمـون‪ ،‬ولكـن بـد ًال مـن مطـاردة‬ ‫الوحـوش الصغيـرة‪ ،‬اقتـرح المصممون‬ ‫«صيـد» شـخصيات تاريخيـة والتقـاط‬ ‫صـور شـخصية معهـم‪.‬‬ ‫أمـا أشـباه المشـاهير االفتراضييـن‬ ‫فهـم يعيشـون فـي األصـل فـي شـوارع‬ ‫موسـكو‪ :‬هـم القياصـرة الـروس إيفـان‬ ‫الرهيـب وبطـرس األول‪ ،‬والكاتـب‬ ‫الكسـندر بوشكين‪ ،‬ورائد الفضاء يوري‬ ‫غاغاريـن‪ ،‬ونجـم الـروك السـوفياتي‬ ‫فيكتور تسـوي والعديد من الشـخصيات‬ ‫الروسـية األخـرى‪ .‬وفـي الواقـع يوجـد‬ ‫تمثـال لـكل شـخصية فـي مـكان مـا مـن‬ ‫المدينـة (علـى سـبيل المثـال‪ ،‬بالنسـبة‬ ‫لتمثـال تسـوي‪ ،‬يوجـد بشـارع أربـات‬ ‫الشـهير)‪ ،‬ولكـن بعـد إطلاق تحديـث‬ ‫التطبيـق‪ ،‬تبـدأ الشـخصيات التاريخيـة‬ ‫فـي «السـباحة» عبـر شـوارع موسـكو‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫وعلـى عكـس البوكيمونـات التـي تظهـر‬ ‫فـي المدينـة بشـكل فوضـوي‪ ،‬يتنقـل‬ ‫والكّتـاب ورواد الفضـاء‬ ‫القياصـرة‬ ‫ُ‬ ‫الـروس عبـر مسـار تاريـخ حياتهم‪ .‬وقد‬ ‫جـاء علـى موقـع بلديـة موسـكو «يمكننا‬ ‫نسـخ الشـخصيات بسـهولة إلى عناوين‬ ‫متعددة تتعلَّق بقصصهم‪ ،‬وتغيير أماكن‬ ‫ِّ‬ ‫إقامتهـم بشـكل مركـزي‪ ،‬ثـم الدعـوة إلى‬ ‫البحـث عـن هـذه الشـخصية أو تلـك»‪.‬‬ ‫ويأمـل المسـؤولون أن تسـاهم اللعبـة‬ ‫فـي تحفيـز اهتمـام المسـتخدمين بتاريخ‬ ‫موسـكو ودفعهـم لدراسـته‪.‬‬ ‫ومنـذ أواخـر أغسـطس‪/‬آب الماضي‬ ‫أصبح بإمكان المستخدم المتسلح بهاتفه‬ ‫الذكي اصطياد بوشكين أو تسوي‪ .‬ولكن‬ ‫قبـل ذلـك وفـي الوقـت الراهـن‪ ،‬مازالـت‬ ‫البوكيمونـات تغـزو الفضـاء االفتراضي‬ ‫فـي موسـكو بالكامـل‪ ،‬وأصبـح مـن‬ ‫السـهل البحـث عنهـم واصطيادهـم بعـد‬ ‫المطـورون مـن جامعـة الترميـز‬ ‫أن قـام‬ ‫ّ‬ ‫بموسـكو بوضع خريطة لموسـكو تبين‬ ‫كل البوكيمونـات الموجـودة فـي مركـز‬ ‫المدينـة والوقـت المتبقـي قبـل هروبهـا‪.‬‬

‫البوكيمون كأثر أدبي!‬ ‫التفكيـر النقـدي فـي الثّقافـة الشـعبية‬ ‫يمكن أن يسـاعد على فهم األسـباب التي‬ ‫بفضلها اكتسبت بعض الظواهر الثّقافية‬ ‫واالجتماعيـة شـعبية غيـر مسـبوقة فـي‬ ‫أزمنة معينة؛ فالتأمل الجاد في األعمال‬ ‫الثّقافية كاألفالم والموسيقى واأللعاب‪،‬‬ ‫يسـاعدنا حتم ًا على فهم طبيعة المجتمع‬ ‫يقـوض الفكـرة‬ ‫الـذي نعيـش فيـه‪ ،‬كمـا ّ‬ ‫الراسـخة بـأن النصـوص التـي وسـمت‬ ‫مـر العصـور «باآلثـار األدبيـة‬ ‫علـى ّ‬ ‫العظيمة» هي بالضرورة أكثر أهمية من‬ ‫األعمـال الثّقافيـة األخـرى التي ال تحظى‬ ‫بنفـس القيمـة أو االهتمام‪.‬‬

‫بين النقد األدبي‬ ‫والبوكيمون‬ ‫تقـوم لعبـة «البوكيمـون جـو» علـى‬ ‫المعـزز التـي تسـتخدم‬ ‫تقنيـة الواقـع‬ ‫ّ‬ ‫كاميـرا الهاتـف المحمـول لربـط سـطح‬

‫اللعبـة البينـي بخريطـة رقميـة للمنطقـة‬ ‫التـي يتواجـد فيهـا الالعـب‪ .‬وتتضمـن‬ ‫اللعبـة اصطيـاد أنـواع مختلفـة مـن‬ ‫الوحـوش الصغيـرة‪ ،‬وتعزيـز قدراتهـم‬ ‫حتـى يتمكنـوا مـن كسـب المعـارك ومـن‬ ‫التحـول إلـى نسـخ أكبـر وأقـوى‪.‬‬ ‫ثـم‬ ‫ّ‬ ‫لكـن‪ ،‬وفـي ظـل التغيـرات التكنولوجيـة‬ ‫والثّقافيـة المتسـارعة التـي يشـهدها‬ ‫العالـم اليـوم‪ ،‬هـل يمكـن اعتبـار تطبيق‬ ‫لعبـة علـى الهاتـف المحمـول تقـوم علـى‬ ‫صيـد كائنـات صغيرة نصـ ًا أدبي ًا حديث ًا‬ ‫وجـاداً؟! الجـواب هـو نعـم وال فـي نفس‬ ‫الوقـت! هنـا ال نقصد أن لعبة البوكيمون‬ ‫ترتقـي إلـى مسـتوى روايـات ويليـام‬ ‫شكسـبير أو تشـارلز ديكنـز‪ ،‬ولكـن‬ ‫التفكير في نقاط االلتقاء بين كتب ديكنز‬ ‫ولعبـة البوكيمـون يمكـن أن يكـون مفيد ًا‬ ‫فـي الواقـع‪.‬‬ ‫مـن بيـن األسـباب الوجيهـة للمقارنـة‬ ‫المذكـورة‪ ،‬أن تشـارلز ديكنـز قـد نشـر‬ ‫رواياتـه فـي البدايـة علـى مراحـل فـي‬ ‫الصحـف‪ ،‬جنبـ ًا إلـى جنـب مـع إعالنـات‬ ‫عـن الوسـائط الروحيـة والمقويـات‬ ‫الصحيـة المشـكوك فـي صحتهـا‪ ،‬ورغم‬ ‫ذلـك كان هنـاك جمهـور واسـع مـن‬ ‫المشـجعين المقبليـن بنهـم علـى قـراءة‬ ‫كل فصـل مـن فصول رواياته المنشـورة‬ ‫تباعـاً‪ ،‬وال تـزال تلـك الروايـات تأسـر‬ ‫الكثيريـن مـن القـراء حتـى اليـوم‪ ،‬ولـم‬ ‫تكتسـب زخمهـا وانتشـارها الثّقافـي مـن‬ ‫القراء فحسب‪ ،‬وإنما بفضل جهود النقاد‬ ‫فـي المجـال األدبـي فـي وقـت الحق‪ ،‬من‬ ‫الذيـن لـم يكتفـوا في بحثهـم بما ورد في‬ ‫ورق الصحـف الرخيصـة‪ ،‬ولكن فحصوا‬ ‫بتمعـن جوهـر الروايـات التـي أسـرت‬ ‫جوانـب مهمـة مـن الطبيعـة البشـرية‪،‬‬ ‫وكشـفت اآلثـار االجتماعيـة للثـورة‬ ‫الصناعيـة‪ ،‬والجوانـب األكثـر ضبابيـة‬ ‫فـي اإلمبراطوريـة التـي ال تغيـب عنهـا‬ ‫الشـمس‪.‬‬ ‫وبالمثـل‪ ،‬توجـد عديـد الخطابـات‬ ‫النقديـة التـي يمكـن االسـتفادة منهـا‬ ‫وتطبيقهـا لفهـم دواعـي االنتشـار‬ ‫الفيروسـي للعبـة البوكيمـون‪ ،‬بعيـد ًا‬ ‫عـن ظاهـرة الهوس الجماعي السـتخدام‬ ‫الشاشـات التـي تعمـل باللمـس لصيـد‬


‫المخلوقـات الصغيـرة‪ .‬فـي هـذا السـياق‬ ‫كتبـت جيليـان بيـر‪ ،‬المثقفـة األكاديميـة‬ ‫من جامعة كامبردج‪ ،‬دراسات كثيرة في‬ ‫تبيـن كيف كانـت األفكار النابعة‬ ‫السـابق ّ‬ ‫مـن النظريـات العلميـة لتشـارلز داروين‬ ‫فسـر (في كثير‬ ‫المتعلّقة‬ ‫ّ‬ ‫بتطور األنواع ُت ّ‬ ‫من األحيان بشـكل خاطئ) في الروايات‬ ‫التـي عقبـت النظريـة‪ ،‬وال سـيما تلـك‬ ‫والتطور وسيطرة‬ ‫المتعلّقة منها بالقوة‬ ‫ّ‬ ‫اإلنسـان علـى الطبيعـة‪.‬‬ ‫فمـدرب البوكيمـون باعتباره المصمم‬ ‫تطـور عـدد مـن أنـواع‬ ‫والمشـرف علـى ّ‬ ‫الحيوانـات يمثـل انعكاسـ ًا دقيقـ ًا لهـذا‬ ‫التحـول الفكـري واأليديولوجـي الـذي‬ ‫ميـز نهايـة القـرن العشـرين‪ .‬والحقيقـة‬ ‫ّ‬ ‫أن اللعبـة التـي تقـوم علـى هـذا النـوع‬ ‫مـن القصـص يمكـن أن تكـون شـائعة‬ ‫جـد ًا اليـوم وتكشـف لنـا الكثيـر عـن مدى‬ ‫اسـتمرار انتشـار مثـل هـذه األفـكار فـي‬

‫المسـتقبل‪...‬‬ ‫تعـود جـذور لعبـة البوكيمـون‪ ،‬التي‬ ‫مـرة فـي اليابان‪ ،‬إلى بحث‬ ‫ظهـرت ألول ّ‬ ‫أكاديمـي حـول العالقـة المفترضـة بيـن‬ ‫كل مـن الوحـش اليابانـي «غودزيلا‬ ‫‪ ،»Godzilla‬الوحش العمالق والخيالي‬ ‫أو دايكايجـو الـذي ظهـر فـي سلسـلة‬ ‫األفالم اليابانية التي تحمل نفس االسـم‬ ‫غودزيلا) ورويـات البطـل الخـارق مـن‬ ‫جهـة‪ ،‬واآلمـال والمخـاوف التـي أثارتها‬ ‫التكنولوجيـا النوويـة حديثـاً‪ .‬وسـبق‬ ‫ذلـك بحثهـا فـي مجموعـة متنوعـة مـن‬ ‫المواضيع الدراسـية حول طبيعة ردود‬ ‫أفعالنـا التـي تختلف كثيـر ًا عندما يتعلَّق‬ ‫األمـر بالثّقافـة الرقميـة والتفاعليـة‪،‬‬ ‫مقارنـة بالنصـوص الثابتـة‪ .‬وتزايـد‬ ‫شـعبية البوكيمـون ال يخلـو مـن تفسـير‬ ‫منطقـي (بشـكل غيـر مباشـر) للعبـة‬ ‫تفتـرض منا أن نسـتهلك ترفيهنا الرقمي‬

‫في الفضاء العام‪ ،‬في الوقت الذي طغت‬ ‫فيـه التفاعلات الرقميـة الخاصـة علـى‬ ‫واقـع حياتنـا بشـكل متزايـد‪.‬‬ ‫بالطبـع‪ ،‬هـذا الموقـف ال يتطلّـب مـن‬ ‫الجميع البحث األكاديمي أو كتابة مقاالت‬ ‫مفصلـة حـول اآلثـار االجتماعيـة‬ ‫نقديـة ّ‬ ‫للبوكيمـون‪ ،‬ولكـن يمكـن تطبيـق تلـك‬ ‫االسـتراتيجيات المذكـورة عنـد كتابـة‬ ‫مقـال نقـدي حـول النصـوص المتعلّقـة‬ ‫بالثّقافة الشـعبية‪ .‬ما يجب أن يكون هو‬ ‫مفصلة‪:‬‬ ‫أن يتضمـن ذلـك ثلاث خطوات ّ‬ ‫تحديـد المحـاور الرئيسـية لألثـر‪ ،‬بيـان‬ ‫المنهجيـة المتبعـة فـي نقـل المواضيـع‬ ‫األساسـية‪ ،‬ثـم البحـث عـن التأثيـرات‬ ‫الثّقافيـة المحتملـة للنص‪ :‬هل تعزز تلك‬ ‫الموضوعات القواعد الثّقافية الراسخة‪،‬‬ ‫تؤسـس ألخـرى جديـدة؟‬ ‫أم ّ‬ ‫‪35‬‬


‫بدأت حكايتي الشخصية مع لعبة «البوكيمون جو» في أواخر يوليو‪/‬تموز الماضي‪ ،‬في أثناء عودتنا من هامبورج‬ ‫إلى فرنسا بالحافلة‪ ،‬ولم أكن مع ابني وابنتي وحدنا‪ ،‬فعلى الكرسي أمامنا‪ ،‬وخلفنا على النافذة‪ ،‬وتحت أقدامنا‪،‬‬ ‫يصحبنا الـ«البوكيمون»‪.‬‬

‫أسامء الغول‬ ‫فاللعبة تعتمد على التنقل واالستكشاف‬ ‫فـي العالـم الواقعـي عبـر تحديـد الموقـع‬ ‫باستخدام كاميرا الهاتف الذكي‪ ،‬والـ«جي‪.‬‬ ‫بي‪.‬أس»‪ ،‬وتتكامل بإيجاد العبين آخرين‬ ‫في المنطقة لهزيمتهم‪.‬‬ ‫كل المعالم المعروفة حولنا‬ ‫وقد كانت ّ‬ ‫تظهر على خارطة اللعبة قبل أن نراها‪.‬‬ ‫لـم أحتمـل مرافقـ ًا غريب ًا وهميـ ًا وصامت ًا‬ ‫ومتملص ًا إلى هذا الحد‪ ،‬فطلبت من ابني‬ ‫أقل مشاركة للروح‬ ‫أن يلعب شيئ ًا آخر‪ّ ،‬‬ ‫والجغرافيا والفيزياء‪.‬‬ ‫ّإل أن األجيـال األصغـر تعتبـر هـذا‬ ‫الزائـر متحديـ ًا لـدود ًا ترغـب بالتفتيـش‬ ‫عنـه المتالكـه‪ ،‬وتعاملهـا مـع األمـر فيـه‬ ‫كثيـر مـن الندية وليس فقـط كونها لوثة‬ ‫إلكترونيـة شـائعة‪ ،‬أو لعبـة رقميـة‪.‬‬ ‫هنـاك تحـٍد قائم على األرض يشـارك‬ ‫‪36‬‬

‫الالعـــــــــــب زمنه‬ ‫ومكانـه وعقلـه فيبـدأ‬ ‫الركـض‪ .‬إنهـا مـا يسـميها‬ ‫العلمـاء فاشسـتية التكنولوجيـا؛‬ ‫فـ«على العلم أن يكتشف والتكنولوجيا‬ ‫أن تطبـق واإلنسـان أن يتكيـف»‪.‬‬ ‫فـي مدينـة كليرموفورمنـت الفرنسـية‬ ‫حيـث نـادرًا ما ترى النـاس خارج منازلها‬ ‫مسـاء مـا عـدا فـي العطلـة‬ ‫بعـد التاسـعة‬ ‫ً‬ ‫األسـبوعية‪ ،‬خرجـت ألمشـي‪ ،‬وشـعرت‬ ‫بطبيعة الحال بوحشة الشوارع الخالية‪،‬‬ ‫والتـي لـن تكـون بالمثـل فـي بلداننـا‬ ‫العربيـة‪ّ ،‬إل أن «البوكيمـون جـو» حـول‬ ‫هـذه الوحشـة‪ ،‬وغيـر عـادة مجتمعيـة‪،‬‬ ‫فقـد أحـاط بـي فجـأة أكثـر مـن ‪ 30‬فتـى‬ ‫وفتـاة وأغلبهم يرتـدي حذاء العجالت‪،‬‬ ‫وتتبعهـم مجموعـة أخـرى بالسـيارة‪.‬‬


‫مألنـي الفضـول‪ ،‬والسـعادة بالطبـع‬ ‫إلحيائهـم المسـاء الفرنسـي الكئيـب‪،‬‬ ‫فسـألت أحدهـم «مـاذا يحـدث؟»‪ ،‬ليـرد‬ ‫ال «إنه البوكيمون»‪ ،‬وكان يجب‬ ‫مسـتعج ً‬ ‫أن أخمـن منـذ البدايـة؛ فكلهـم ينظـرون‬ ‫إلى هواتفهم الذكية وهم يركضون بحث ًا‬ ‫عـن البوكيمـون ذاتـه‪ .‬ركضـت بـدوري‬ ‫إلـى المنـزل ألخبـر ابنـي «العالـم إنجـن‬ ‫يـا مامـا»‪.‬‬ ‫التفاعـل وكسـر العزلـة والحركـة‬ ‫البدنيـة‪ ،‬جعـل هذه اللعبة خارج سـياق‬ ‫األلعـاب اإللكترونيـة المتعـارف عليهـا‬ ‫والتـي يرتبـط بهـا الثبـات واالنقطـاع‪،‬‬ ‫وحتى الحديث منها المرتبط باالشـتراك‬ ‫بشـبكة االنترنت‪ ،‬وتسـتطيع من خاللها‬ ‫اللعـب مـع مـن يمتلـك الجهـاز ذاتـه‬ ‫كـ«الباليستيشـن‪ ،»4‬ال تـزال معزولـة‬ ‫عـن المحيـط الفيزيائـي والحيـوي الـذي‬ ‫توفـره الـ«بويكمـون جـو»‪.‬‬ ‫فـي الوقـت ذاته‬ ‫ال يمكــــــن‬

‫إنـكار أن فلسـفتها مبنيـة علـى العزلـة‬ ‫الفرديـة وتحـدي الـذات‪ ،‬فلـوال ذلـك لمـا‬ ‫كان هنـاك التنافـس المحمـوم المتلاك‬ ‫«البوكيمـون»‪ ،‬وإيجـاده قبـل اآلخريـن‪،‬‬ ‫لتكتسـح اللعبـة الفضـاء اإللكترونـي‬ ‫وتبـدأ الحمـى باالنتشـار‪.‬‬ ‫وربمـا نحـاول تفسـير هـذا الطوفـان‬ ‫«اإللكتروبشـري» بنظرية عالم االجتماع‬ ‫ايفرت روجرز النتشـار المسـتحدثات أو‬ ‫االبتـكارات إحـدى النظريـات األساسـية‬ ‫فـي العصـر الحديـث لتبنـي المجتمعـات‬ ‫للمخترعـات الجديـدة‪ ،‬والتـي تؤكـد أن‬ ‫تبنـي أي مجتمـع لمسـتحدث يمـر أو ًال‬ ‫بـإدراك األفـراد وجـود اختـراع مـا‪،‬‬ ‫فيحاولـون التعـرف علـى وظائفـه ‪،‬‬ ‫وثانيـ ًا يقتنعـون بـه ليصبحـوا معـه أو‬ ‫ضـده‪ ،‬ثـم مرحلـة اتخـاذ القـرار بتبنـي‬ ‫استخدامه‪ ،‬والمرحلة األخيرة يقوم فيها‬ ‫الفـرد بدعم اسـتخدام االبتـكارات‪ ،‬ولكن‬ ‫نسـبة إلـى ما يحـدث اليوم‪ ،‬فتعتبر هذه‬ ‫مراحـل متتاليـة فـي غايـة البـطء‪ ،‬فـي‬ ‫حين أن انتشار المستحدث التكنولوجي‬ ‫متواز‪ ،‬ليقفز العالم مباشـرة‬ ‫يتم بشـكل‬ ‫ٍ‬ ‫إلـى الخطوتيـن األخيرتيـن‪.‬‬ ‫لكن ليس روجرز وحده من سـيفاجأ‬ ‫بهـوس لعبـة البوكيمـون‪ ،‬بـل فضولـي‬ ‫يكمـن إزاء مـا كان سـيقوله الكاتـب‬ ‫األميركـي ريتشـارد هورنبيرجـر (‪1924‬‬ ‫ ‪ )1997‬عـن الثـورة اإللكترونيـة‪ ،‬فهـو‬‫صاحـب العبـارة الشـهيرة عـن الثـورة‬ ‫الصناعية «لها التأثير األعظم في تحول‬ ‫الثّقافة البشـرية منذ اكتشـاف‬ ‫الزراعـة قبـل‬

‫نحـو‬

‫إلـى‬ ‫ثمانيـة‬ ‫عشرة آالف سنة»‪.‬‬ ‫كمـا قـال «لقـد أدت‬ ‫هـذه الثورة إلى تغيرات‬ ‫فـي النشـاط اإلنسـاني ال‬ ‫رجعـة فيهـا‪ ،‬في االسـتهالك‪،‬‬

‫وبنيـة األسـرة‪ ،‬والبنيـة االجتماعيـة‪،‬‬ ‫وحتـى فـي األفـكار والـروح الفرديـة‬ ‫ذاتهـا»‪.‬‬ ‫فكيـف كان سـيصف المجتمـع اآلن‬ ‫وعالقاتـه وبنيتـه وقيمـه؟ وهـل كان‬ ‫سـيمتدح ثـورة المعلومـات‪ ،‬كمـا فعـل‬ ‫مـع الثـورة الصناعيـة؟‪.‬‬ ‫التطـور السـريع فـي المعرفـة‬ ‫إن‬ ‫ّ‬ ‫البشـرية والقيـم والمعلومـات‪ ،‬ومـا‬ ‫آلـت إليـه األمـم مـن تناحـر وحـروب‬ ‫اسـتخدمت فيهـا التقانـة بأرقـى صورهـا‬ ‫للقتـل‪ ،‬وحـث اإلنسـان القديـم المحـب‬ ‫لالنقضـاض‪ ،‬يقـود إلـى السـؤال األهـم‬ ‫ألرنسـت مايـر «مـا األفضـل؛ أن نكـون‬ ‫أغبيـاء أم نكـون أذكيـاء؟»‪.‬‬ ‫ويحضرنـي قـول الدكتـور إسـماعيل‬ ‫أبـو شـميس فـي محاضـرة ألقاهـا عـن‬ ‫الـذكاء االصطناعـي «الالتفكيـر أيضـ ًا‬ ‫يؤكـد علـى الوجـود؛ فعـدم التفكيـر هـو‬ ‫التعبيـر الحقيقـي عـن وجـود الكائنـات‬ ‫ومنهـا البشـر‪ ،‬والشـعور واالتصال عبر‬ ‫يؤكد وجود اإلنسـان‬ ‫الحـواس هـو الـذي ِّ‬ ‫وتناغمـه مـع الطبيعيـة‪ -‬أنـا أشـعر إذن‬ ‫أنا موجود‪ -‬في حين أن الذكاء ال يجعله‬ ‫سوى مغترب‪ ،‬أو كائن مفارق وبالتالي‬ ‫متكبـر علـى الطبيعـة»‪.‬‬ ‫واسـتخدم في محاضرتـه «الزومبي»‬ ‫كمثـال علـى الكائنـات التـي عـادت إلـى‬ ‫الحيـاة‪ ،‬فهـي تفكـر ولكنهـا ال تشـعر‪.‬‬ ‫وهـذا التشـبيه ذكرنـي تمامـ ًا بشـكل‬ ‫الفتيان في شوارع فرنسا وهم يمشون‪،‬‬ ‫غائبيـن عمـا حولهـم شـعوري ًا ولكنهـم‬ ‫موجـودون بفكرهـم مـع «البوكيمـون»‬ ‫وهـو مـا ربـط هـذه اللعبـة بحـوادث‬ ‫السـيارات‪.‬‬ ‫وفـي فرنسـا أيضـ ًا قبـل مئـات‬ ‫السـنين تعثـر رينيـه ديـكارت بقطعـة‬ ‫رخام في األرض‪ ،‬ما جعل تمثال حارس‬ ‫اآللهـة ديانـا «األرتيمـس» يتقـدم خطـوة‬ ‫لحمايتهـا‪ ،‬وهـو تمثال شـهير من العصر‬ ‫الهيدروليكي‪ ،‬وهنا تساءل ديكارت «إذا‬ ‫مـا ُكنـا آالت تعمـل مثـل هـذا التمثـال؟»‪.‬‬ ‫فهـل كان ديـكارت سـيجد إجابتـه حيـن‬ ‫يرانـا وقـد غدونـا بوكيمونـات مقابلة؟!‪.‬‬ ‫‪37‬‬


‫معزَّز!‬ ‫عن واقعنا غير ال ُ‬

‫«بوكيمون جو» ثقافي ًا‬ ‫ّية كونه شخصية كرتونية مستخدمة في لعبة فيديو إلى َفّن األِنيمي الياباني‪ .‬وكلمة‬ ‫ينتمي بوكيمون من الناحية َ‬ ‫الفنّ‬ ‫أنيمــي مــا هي ّإل النطق المختصر (باليابانية) لكلمة أنيميشــن اإلنجليزية التي تعني أفــام الكرتون (بالرغم من قدم‬ ‫ــن المانجــا الياباني والذي هو أساســ ًا َفّن الكرتون)‪ .‬وكذلك فإن بوكيمون كلمــة مركبة من مختصري كلمتي بوكيت‬ ‫َف ّ‬ ‫ومونســتر واللتين تعنيان جيب ووحش على التوالي‪ .‬إذن بوكيمون يعني وحش الجيب‪ .‬ومدلول الجيب عموم ًا هو‬ ‫صغر الحجم (الكثيرون منا يذكرون سلســلة روايات الجيب)‪ .‬إذن بوكيمون في مجمله يعكس تبني المجتمع الشــرقي‬ ‫(بشــقه اآلســيوي) للمجتمع الغربي‪ ،‬بل تحديداً‪ ،‬تبني الثّقافة اليابانية للثّقافة األميركية؛ وبتفوق‪ .‬ومن ذلك أيضاً‪،‬‬ ‫في مجال الرياضة‪ ،‬لعبة البيســبول (كرة القاعدة األميركية) التي انفردت اليابان من بين دول آســيا في ممارســتها‬ ‫احترافي ًا (بدءًا من عام ‪ )1936‬ونقلتها اليابان إلى تايوان في عشــرينيات القرن الماضي‪ ،‬ومن َثّم إلى تشــكيل فريق‬ ‫كثير منهــم للعب في الفرق‬ ‫محتــرف فــي تايوان عــام ‪ .1990‬وهنا أيضــ ًا تفوق اليابانيــون في اللعبة إلــى أن انتقل ٌ‬ ‫ثقافة يابانية ارتوت من موارد أميركية ثم أعيد تصديرها إلى أميركا‪.‬‬ ‫األميركية‪ .‬ومثل ذلك‪ ،‬أصبح بوكيمون‬ ‫ً‬

‫عبدالوهاب األنصاري‬ ‫مبتكر بوكيمون هو الياباني َستوشي‬ ‫َتجيري الذي كان مولع ًا بجمع الحشــرات‬ ‫وهــو صغيــر (ولد عــام ‪ ،)1965‬حتى أنه‬ ‫كان يحلــم بــأن يكــون خبيــرًا فــي علــم‬ ‫الحشــرات‪ّ .‬إل أنــه لــم يفلــح فــي دراســته‬ ‫خــال ســنوات المراهقــة‪ ،‬حيــث إنــه كان‬ ‫يتغيــب مــن الحصص لصالح قضاء وقته‬ ‫فــي صــاالت ألعــاب الفيديــو‪ .‬ويشــاع عــن‬ ‫المبتكــر أنــه يعاني من متالزمة أســبرجر‬ ‫والــذي هــو ضمــن طيــف التوحــد‪ .‬تطــور‬ ‫األمــر ســريع ًا بعــد ذلــك بإصــداره مجلــة‬ ‫بدائيــة التحضيــر لهــواة ألعــاب الفيديــو‪،‬‬ ‫ومــن ثــم تعلمــه للبرمجــة لكــي يتمكــن‬ ‫مــن تطويــر شــخصيات ألعــاب الفيديــو‬ ‫بنفســه‪ .‬بطــرح َستوشــي َتجيــري فكــرة‬ ‫بوكيمــون بيــن عامــي ‪ 1989‬و‪ 1990‬إلــى‬ ‫شــركة ننتدو التي تقبلت الفكرة‪ ،‬وإن لم‬ ‫تكــن اســتوعبتها تمامـ ًا حينئـٍذ‪ ،‬أصبحت‬ ‫لعبة بوكيمون بمختلف إصداراتها إحدى‬ ‫أنجــح ألعاب الفيديو على اإلطالق (حيث‬ ‫بلغــت األربــاح إلى نهاية مايــو ‪ 2016‬إلى‬ ‫‪38‬‬

‫أكثــر مــن ‪ 46‬بليون دوالر) بحســب موقع‬ ‫الشركة‪.‬‬ ‫لكــن للعبــة «بوكيمــون جــو»‪ ،‬التــي‬ ‫طورتهــا شــركة نيانتــك‪ ،‬قصــة أخــرى‬ ‫غير قصة بوكيمون األصلية‪ ،‬تجمع بين‬ ‫اليابــان وأميركا‪ .‬نيانتك شــركة مســتقلة‬ ‫تتبع جوجل‪ ،‬وتخصصها تطوير األلعاب‬ ‫الواقعيــة‪ -‬المعــززة (‪augmented‬‬ ‫‪ )reality‬التــي تجمــع عناصــر واقعيــة‬ ‫مــن البيئــة كمــا هــي (عــن طريــق الكاميــرا‬ ‫المدمجــة فــي جــوال الالعــب) مــع عناصــر‬ ‫مــن الفيديــو‪ ،‬وهــي تســمى لذلــك أيض ـ ًا‬ ‫األلعــاب الموقعيــة الســتخدامها البيئــة‬ ‫المحيطــة بالالعــب‪ .‬الفكــرة األساســية‬ ‫للعبــة خطــرت لســونيكازو إيشــيهارا‬ ‫الرئيــس التنفيــذي لشــركة بوكيمــون‬ ‫باالشــتراك مــع ســاتورو إواتــا‪ ،‬الرئيــس‬ ‫التنفيــذي لننتندو (مبرمــج ألعاب‪ ،‬توفي‬ ‫السنة الماضية) اللذين لم يخفيا إعجابهما‬ ‫باأللعــاب التي أنتجتها شــركة (نيانتك)‪،‬‬

‫وكانــا يريــان أن البيئــة التــي تســتخدمها‬ ‫نيانتك أللعابها تناســب بوكيمون تماماً‪.‬‬ ‫كان تجنــب شــركة ننتنــدو تطويــر ألعــاب‬ ‫الجــوال مبكــرًا قــرارًا ســيئ ًا حــاول إواتــا‬ ‫تالفــي تبعاتــه الحقـاً‪ .‬بالتعــاون الثالثــي‬ ‫المشــترك طــورت شــركة نيانتــك بقيــادة‬ ‫رئيسها التنفيذي جون هانك‪ ،‬والذي كان‬ ‫أحــد مبرمجــي جوجــل إيــرث األساســيين‬ ‫عندمــا كان يعمــل لديها‪ ،‬لعبــة «بوكيمون‬ ‫جــو» والتــي قــد تكــون نقطــة فاصلــة‬ ‫فــي تاريــخ األلعــاب المبرمجــة للجــوال‪.‬‬ ‫المقــاالت المتعلقــة «ببوكيمــون جــو»‬ ‫تتصدرها عناوين مثل «الهوس العالمي»‬ ‫و«ظاهــرة اجتماعيــة وثقافيــة»‪ .‬أعــداد‬ ‫الالعبيــن خــال األيــام الســبعة األولــى‬ ‫(فــي ثــاث دول فقــط) تعــدت ‪ 65‬مليــون‬ ‫العــب‪ ،‬متخطيـ ًـة بذلــك عــدد المشــتركين‬ ‫بتويتــر التي أطلقت خدماتها عام ‪.2006‬‬ ‫ـور قــد ُتؤخــذ بقدرهــا الظاهــر‪:‬‬ ‫هــذه أمـ ٌ‬ ‫لعبــة إلكترونيــة كمــا هــي فــي ظاهرهــا‪،‬‬


‫مبتكر بوكيمون‪ ،‬الياباني َستوشي َتجيري‬

‫لكنهــا تعكــس أبعــادًا حضاريــة أبعــد مــن‬ ‫ال تالقح الثّقافات‬ ‫ذلك بكثير‪ .‬من ذلك مث ً‬ ‫ومــا ينتــج مــن ذلــك‪ .‬ومــن ذلــك أيض ـ ًا‬ ‫تغيــر مجريات‬ ‫االنعطافــات التقنيــة التــي ّ‬ ‫األمــور‪ .‬هــذه اللعبــة يمكــن تنزيلهــا بــا‬ ‫مقابــل‪ ،‬فكيــف تكســب الشــركات المعنيــة‬ ‫أرباحهــا؟ (الجــواب الجزئــي‪ :‬اإلعالنــات‬ ‫التجاريــة خــال اللعــب) مــن االنعطافــات‬ ‫ا تحــول منصــة األلعــاب اإللكترونيــة‬ ‫مثـ ً‬ ‫مــن األجهــزة المتخصصــة مثــل ســوني‬ ‫بــاي ستيشــن ومايكروســوفت إكــس‬ ‫بوكــس وننتنــدو وي إلــى الجــوال‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫تتغيــر األمــور‬ ‫ولــو‬ ‫بشــكل مبدئــي‪ .‬إذن ّ‬ ‫بالتدريــج اللطيــف الــذي ال يــكاد يحــس‬ ‫بــه أحــد‪ .‬ال يمكــن ألحـٍد أن يتنبــأ إلــى أيــن‬ ‫تــؤول األمــور‪ ،‬لكــن ال تثبــت األمــور علــى‬ ‫شــيء‪ .‬ثــم إن اللعبــة هــذه تقلــب الصورة‬ ‫النمطيــة لأللعــاب المبرمجــة عمومــ ًا‬ ‫رأسـ ًا علــى عقــب‪ ،‬مــن حيــث أنهــا تتطلب‬ ‫المشــي والســعي بــدل الخمــول علــى كنبة‬

‫مثـاً‪ .‬األمــر الــذي ال شــك فيــه أن األفــكار‬ ‫التــي تتمخــض لــدى اســتغالل بيئــة هــذه‬ ‫اللعبــة تجاريـ ًا ال حــدود لهــا غيــر مخيلــة‬ ‫المبتكرين‪ .‬مكدونالدز أعلنت عن دخولها‬ ‫في خطة تعاونية مع «بوكيمون جو» لم‬ ‫يتــم تحديــد أبعادهــا بعــد‪ .‬التــدرج الرقمي‬ ‫مــن الواقع االفتراضــي إلى الواقع المعزز‬ ‫لــه تطبيقــات ال محــدودة كمــا ســتبين‬ ‫المرحلــة الالحقــة بــا شــك‪ ،‬إثــر النجــاح‬ ‫الالمســبوق لهــذه اللعبــة‪.‬‬ ‫كيــف يمكن اللحــاق بالركب الحضاري‬ ‫دون تعلــم لغــة العصــر؟ كيــف يســتطيع‬ ‫اآلبــاء والمعلمــون اإلرشــاد وهم يجهلون‬ ‫الطريــق؟ إننــا جماعــة مــن البشــر نحســن‬ ‫االســتهالك فحســب‪ ،‬ونقــول دع العالــم‬ ‫المتقـ ِّـدم ينتــج مــا ينتــج‪ ،‬نحــن نكتفــي‬ ‫بالجلــوس علــى منصــات الجماهيــر‬ ‫ضمــن المتفرجيــن فحســب‪ ،‬ثــم نســتفيد‬ ‫ممــا ينتجــون فــي آخــر المطــاف‪ ،‬دون أن‬ ‫يهمنا أن نشارك في اللعب‪ .‬ثم إننا نمقت‬

‫اللقــاح الفكري بعمــق العاطفة ونتوجس‬ ‫ممــا لــدى الغيــر ونســميه الغــزو الثّقافــي‪.‬‬ ‫نحــن‪ ،‬بتعبيــر محمــد الماغــوط‪ ،‬ال نتأمل‬ ‫ّ‬ ‫كل اتجاه»‪.‬‬ ‫«إل القمر والغيوم الهاربة في ّ‬ ‫لكــن عندمــا تنظــر إلــى تفاصيــل األمــور‬ ‫ـدة لتلــك الدرجــة‪ .‬ليــس‬ ‫فهــي ليســت معقـ ً‬ ‫الدخــول فــي نــادي المبتكرين حصرًا على‬ ‫ثقافــات محـ َّـددة‪ .‬هناك من بين المراهقين‬ ‫من شــبابنا من هم مثل َستوشــي َتجيري‬ ‫أو جــون‪ ،‬حــري بالمربيــن أن يتيحــوا‬ ‫الفرص لمثلهم وألولياء األمور أن يهيئوا‬ ‫البيئــة الالزمــة لــزرع الثقــة فــي نفــوس‬ ‫كل فكـ ٍ‬ ‫ـرة جديــدة‪.‬‬ ‫الشــباب للســعي وراء ّ‬ ‫نظــرة‬ ‫لكــن واقعنــا غيــر ذلــك تمامــاً‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫واحدة إلى األوســاط اإلعالمية في العالم‬ ‫العربي‪ ،‬بتقليب قنوات التليفزيون مثالً‪،‬‬ ‫تبعــث اليــأس فــي النفــوس‪ .‬وبعــد ذلــك‬ ‫نــدع األمــور تجــري فــي أعنتهــا ثــم ننــام‬ ‫هانئــي البــال‪ .‬كذلــك ُقـّدر لنــا‪.‬‬ ‫‪39‬‬


‫الماســة لإلنســان‪ ،‬كــي يعيــش خــارج الواقــع‪ ،‬هــي اللعبــة‬ ‫الحاجــة‬ ‫ّ‬ ‫المتكررة‪ ،‬بال نهاية‪ ،‬على نطاق عالمي‪ ،‬ومنها «بوكيمون‬ ‫«اإللكترونيــة»‬ ‫ِّ‬ ‫جو»‪ ،‬التي يبدو أنها أسقطت ضحايا في جميع أنحاء العالم‪ ،‬ليس‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫في العالم االفتراضي‪ ،‬بل في العالم الحقيقي‪ ،‬أيضاً‪.‬‬

‫الهروب‬ ‫من الحياة‬ ‫إليزابيلال كامريا دافليتو‬ ‫ولكــن لمــاذا يحتــاج اإلنســان للهــروب‬ ‫دائم ـاً‪ ،‬وال يقبــل الحيــاة التــي يعيشــها‬ ‫ويلجــأ إلــى حيــاة أخــرى وهميــة تمامـاً‪،‬‬ ‫تتكــون مــن شــخصيات (مريعــة) غيــر‬ ‫موجــودة فــي الواقع (لحســن الحــظ ‪)...‬؟‬ ‫هــذا هــو الســؤال الــذي نطرحــه كثيــرًا وال‬ ‫نحصــل لــه أبــدًا علــى إجابة شــافية‪ .‬قبل‬ ‫بضــع ســنوات انتشــرت موضــة تربيــة‬ ‫حيــوان أليــف فــي الواقــع االفتراضــي‪،‬‬ ‫كان عليــك أن ترعــاه وتطعمــه وتســقيه‬ ‫وتنظفــه‪ّ ،‬‬ ‫وإل مــات‪ .‬ثــم ســرت موضــة‬ ‫لعبــة افتراضيــة تمثــل حيــاة مثاليــة‬ ‫موازيــة‪ :‬بنــاء منــزل يناســب أذواقنــا‪،‬‬ ‫يســكنه أشــخاص وهميــون (حتــى مــن‬ ‫الدمــى اللطيفــة) التــي كان علينــا أن‬ ‫نرعاهــم‪ ،‬فنقـ ِّـدم لهــم الطعــام بانتظــام‪،‬‬ ‫ونســهر علــى تلبيــة احتياجاتهــم‪ّ ،‬‬ ‫وإل‬ ‫يموتــون‪ .‬وهكــذا رأينــا بعــض النــاس‪،‬‬ ‫معظمهــم مــن الكبــار وليس مــن األطفال‪،‬‬ ‫يقضــون وقتهــم متعلقيــن بجهــاز‬ ‫الكمبيوتــر أو الهاتــف المحمــول‪ ،‬وفقــ ًا‬ ‫لمواعيــد الرضعــات‪ ،‬والحمام‪ ،‬والتنزه‪،‬‬ ‫إلــخ‪ .‬باختصــار‪ ،‬خلــق الكثيــرون حيــاة‬ ‫موازية للحياة الحقيقية‪ ،‬مما عقَّد الحياة‬ ‫‪40‬‬

‫الفعليــة تعقيــدًا ليــس قليــاً‪ .‬تخيلــوا‬ ‫شــخص ًا كان يعمل أو يســتذكر دروســه‪،‬‬ ‫أو يقــوم بــأي عمــل آخــر فــي الواقــع‪ ،‬ثم‬ ‫يضطــر فجــأة لوقــف عملــه حتــى يطعم‪،‬‬ ‫أو يفــي باحتياجــات شــخصيات ابتدعهــا‬ ‫هو بنفســه ابتداعاً‪ .‬هذا هو الجنون التام‬ ‫فــي رأيــي‪ ،‬وهــو جنــون لفت نظــر علماء‬ ‫النفــس واالجتمــاع واالقتصــاد وغيرهم‪،‬‬ ‫ممــن حاولــوا فهــم وتوضيــح أســباب‬ ‫نجــاح هــذا النــوع من األلعاب التي تتســم‬ ‫بقدرتها على اجتذاب الكثيرين لالنخراط‬ ‫فيها‪ .‬بعض هؤالء قارن اللجوء المستمر‬ ‫إلــى الواقــع االفتراضــي بمتاعــب العيــش‬ ‫فــي الماضــي‪ .‬مــن المؤكــد أن اللعــب‬ ‫شــيء جميــل‪ ،‬ويجــب علــى الجميــع أن‬ ‫يلعبــوا دون أن يتلّقــوا لوم ـ ًا أو تقريع ـ ًا‬ ‫علــى ذلــك‪ ،‬أو ينظــر إليهــم علــى أنهــم‬ ‫جهلــة أو ســطحيون‪ .‬غيــر أنــه ينبغي أن‬ ‫يقــال‪ ،‬إن أي لعبــة فــي الحقيقــة جميلة‪،‬‬ ‫ولكــن رأيــي أن تظــل لعبــة‪ ،‬وال تؤثــر‬ ‫علــى واقــع الحيــاة‪ ،‬وأن تعمــل بالمثــل‬ ‫اإليطالــي الــذي يقــول‪« :‬اللعــب جميــل‬ ‫عندمــا ال يــدوم كثيــراً»‪.‬‬ ‫وهــا قــد وصــل الجنــون الجديــد الــذي‬

‫يســمى «بوكيمــون جــو»‪ .‬فــي شــوارعنا‪،‬‬ ‫فــي مواقعنــا األثريــة‪ ،‬بدأنــا نــرى أناسـ ًا‬ ‫يهرولــون مــن جانــب إلــى آخــر مــن‬ ‫الطريــق مثــل «الزومبــي» يطــاردون‬ ‫شــيئ ًا هــم فقــط الذيــن يرونه‪ .‬من الســهل‬ ‫التعــرف عليهــم مــن الهواتــف المحمولــة‬ ‫التــي يحملونهــا بيــن أيديهــم‪ ،‬وتبــدو‬ ‫علــى وجوههــم ســيماء البالهــة وهــم‬ ‫يســابقون غيرهــم مــن «الالعبيــن» الذيــن‬ ‫يأتــون األفعــال نفســها‪ ،‬وفجــأة يثبــون‬ ‫فــي الهــواء ويلتقطــون شــيئ ًا ما‪ .‬مــا هذا!‬ ‫مــن الصعــب حقـ ًا فهــم هــؤالء النــاس إذا‬ ‫لــم تشــارك فعليـ ًا فــي اللعبــة واقتصــرت‬


‫فقــط علــى مالحظتهــم‪ .‬أســوأ شــيء هــو‬ ‫أن مــن اخترعــوا هــذه اللعبــة ليــس لديهم‬ ‫أي احتــرام ألي مــكان‪ ،‬وهــذا شــيء ال‬ ‫أحبــه‪ ،‬ألن هــذه الحيوانــات االفتراضيــة‬ ‫كل زمــان وفــي أي‬ ‫اللعينــة مخفيــة فــي ّ‬ ‫مــكان‪ ،‬حتــى فــي أماكــن العبــادة وفــي‬ ‫كل‬ ‫مقابرنــا‪ .‬والعبونــا يطاردونهــا فــي ّ‬ ‫مــكان للقبــض عليهــا‪ ،‬حتــى مــن دون‬ ‫الحاجــة لمراعــاة قدســية أماكــن معينــة‪،‬‬ ‫واالحتــرام الواجــب تجاههــا‪ .‬بــل إن‬ ‫بعــض هــؤالء دفــع حياتــه ثمنــ ًا لهــذا‬ ‫الســباق المجنــون للقبــض علــى أحد هذه‬ ‫الوحــوش الصغيــرة المريعــة‪ ،‬عندمــا لم‬

‫يتوخ أي حرص من السيارات واألخطار‬ ‫األخــرى التــي يمكــن أن يصادفهــا‪.‬‬ ‫ومــرة أخــرى نتســاءل‪ :‬لمــاذا هذا كله؟‬ ‫وعاظـاً‪ ،‬كمــا ال نريــد‬ ‫ال نريــد أن نصبــح ّ‬ ‫أن نســقط فــي فــخ البالغــة الكالمية‪ ،‬وال‬ ‫أن نســير خلــف نظريــات المؤامــرة بــأن‬ ‫كل هــذا أيــادي خفيــة شــيطانية أو‬ ‫وراء ّ‬ ‫أخ ًا أكبر هو الذي يســير دائم ًا اإلنســانية‬ ‫بغيــة تدميرهــا‪ .‬بــل أعتقــد ببســاطة أن‬ ‫بعــض المجتمعات‪ ،‬التي يعرفها البعض‬ ‫علــى أنهــا «مــرآة الحداثــة المضمحلــة»‬ ‫فقــدت بوصلــة القيــم الحقيقيــة للحيــاة‪،‬‬ ‫وصارت تميل أكثر إلى االنسحاب داخل‬

‫عالــم ثــري‪ ،‬غني‪ ،‬ســطحي وأناني على‬ ‫ـآس‬ ‫نحــو متزايــد‪ ،‬يغمــض عينيــه عــن مـ ٍ‬ ‫كبيــرة للبشــرية‪ ،‬يقــف صامتــ ًا أمــام‬ ‫الحــروب والدمــار والمجاعــة ومالحــم‬ ‫الهجرة الدرامية‪ ،‬منسحب ًا إلى مجتمعات‬ ‫تــزداد صغراً‪ ،‬داخل جهاز هاتف محمول‬ ‫صغيــر جــداً‪ ،‬لمطــاردة وحــش افتراضي‬ ‫صغيــر جــداً‪ ،‬ال معنــى لــه‪ ،‬وهــو فــوق‬ ‫ذلــك قبيــح أيضـاً‪ ،‬مثل البوكيمــون‪ .‬فإذا‬ ‫مــا اتهمنــي أحــد بأننــي مــا كتبــت هــذا ّإل‬ ‫جريــ ًا وراء التقاليــع الثّقافيــة المملــة‬ ‫المعتــادة‪ ،‬فإننــي لــن أحس بأيــة إهانة‪،‬‬ ‫يكفينــي أن أقــول مــا أعتقــد أنــه صحيح‪.‬‬ ‫‪41‬‬


‫«‪»Gotta Catch ‘Em All‬‬

‫«عليك أن تأسرهم جميع ًا»‬ ‫في عصر ما بعد الحداثة‪ ،‬و‪ -‬تحديداً‪ -‬بانتهاء أزمة الصواريخ الكوبية الشهيرة‪ ،‬اختفى الصراع التقليدي الرأسي‪،‬‬ ‫المتأخر‪ ،‬وعند لحظة خطورة التدمير النووي القصوى‪،‬‬ ‫وحل محلَّه صراع التجاور األفقي‪ .‬فقد أنهى طور الرأسمالية‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫تناحر الميثولوجيا‪ ،‬حتى أقصى قدر من الربح!‬ ‫مسألة تناحر الميثولوجيا حتى الموت‪ِّ ،‬‬ ‫محو ًال إياها لتجاور ُ‬

‫عامد إرنست‬ ‫ومــا بيــن مقولــة الكاتــب والمنظــر‬ ‫وعالــم األحياء األميركي إدوارد أوزبورن‬ ‫ويلســون «داخــل البشــرية غريــزة فطرية‬ ‫لتجميــع وفهــم وقضــاء وقــت مــع حيوات‬ ‫مختلفة عنها»‪ ،‬ومفهوم الموكوكوسيكي‬ ‫‪ mukokuseki‬التجــاري اليابانــي؛‬ ‫والمعنــي بتخطــي منتجهــا حاجــز الدولــة‬ ‫‪ statelessnesss‬أو الجنســية �‪nation‬‬ ‫‪ lessness‬يأتــي البيكاتشــيو‪ ،‬أو ذلــك‬ ‫الفأر الكهربائي األصفر الياباني الشهير‪،‬‬ ‫محقّقــ ًا ذلــك المفهــوم وتلــك الغريــزة‬ ‫الفطرية في اكتمال جلّي‪ ،‬ليجلس كثاني‬ ‫أشــهر شخصية بعد ميكي ماوس بحسب‬ ‫مجلــة التايمــز عــام ‪ .1999‬متخطيـ ًا اآلن‪،‬‬ ‫ـكل تأكيــد‪ ،‬بعــد صــدور نســخة ألعــاب‬ ‫وبـ ّ‬ ‫اقتصاد الترفيه «تحرك مع البوكيمــــون»‬ ‫‪ Pokemon-Go‬أول إبـــريل‪/‬نيسان‬ ‫‪ 2016‬عـبـر منصــة ‪ ،google‬تلك اللعبة‬ ‫المعـزز ‪AR‬‬ ‫المستنـدة إلى تقنيـة الواقـع‬ ‫ّ‬ ‫كل نظرائــه‬ ‫‪ّ ،Augmented Reality‬‬ ‫مــن الشــخصيات الشــهيرة التــي أســرت‬ ‫مخيلة البشــرية‪ ،‬محدث ًا هوسـ ًا مثيرًا لدى‬ ‫مســتخدمي اللعبــة‪ ،‬وارتبــاك ًا فائقـ ًا لــدى‬ ‫أوصيــاء المجتمعات والدول والباحثين‪،‬‬ ‫وتدقيقــ ًا مــن مجتمــع اقتصــاد الترفيــه‬ ‫ألســباب بريقــه المربــح والمذهــل في آن‪،‬‬ ‫مــن توظيف ســليم للجــوال الذكي‪ ،‬ومزج‬ ‫بيــن العالــم االفتراضي والواقعي بيســر‪،‬‬ ‫ودمــج لإلعالنــات مــع تطبيــق اللعبــة‪،‬‬ ‫وتعزيــز لتجربــة المســتخدم‪.‬‬ ‫فبعــد ظهــور تقنيــة الـــ ‪ ، VR‬أو‬ ‫‪42‬‬

‫الواقــع االفتراضــي ‪،Virtual Reality‬‬ ‫حيــث إســقاط األجســام الحقيقيــة داخــل‬ ‫بيئــة افتراضيــة‪ ،‬وأشــهر مظاهرهــا‬ ‫فيلــم أفاتــار ‪ Avatar‬ومواقــع التواصــل‬ ‫االجتماعــي‪ ،‬دخلــت ســاحة تكنولوجيــا‬ ‫االتصــال والمعلوماتيــة تقنيــة الـــ ‪،AR‬‬ ‫أو الواقـ�ع المعـ�ز ز �‪Augmented Re‬‬ ‫‪ ،ality‬حيــث‪ ،‬وعلــى النقيــض‪ ،‬يتــم‬ ‫إســقاط األجســام االفتراضيــة داخــل بيئة‬ ‫حقيقية‪ .‬متفوقة األخيرة‪ ،‬عبر ذلك الفأر‬ ‫حمل بإرث‬ ‫الم َ‬ ‫الكهربائي الياباني األصفر ُ‬ ‫ميثولوجيــا الشــينتو والبوذيــة الشــرق‬ ‫آســيوية‪ ،‬علــى األولــى فــي بورصــات‬ ‫متعــددة الجنســيات العالميــة‬ ‫الشــركات‬ ‫ِّ‬ ‫محقّقــة لعبــة «البوكيمــون جــو» أرباح ـ ًا‬ ‫خياليــة وقياســية لشــركة «نينتنــدو»‪،‬‬ ‫وهــي مــن أكبــر وأشــهر منتجــي أنظمــة‬ ‫األلعــاب فــي العالــم‪ ،‬والذي يحمل اســمها‬ ‫مفارقــة الفتــة لالنتبــاه فــي بحثنا المكثف‬ ‫هــذا؛ حيــث تعنــي بالعربيــة «دع الحــظ‬ ‫للســماء» !‬ ‫عزيــزي القــارئ؛ إن تاريــخ الســماء‬ ‫ملــك للبشــرية كافــة‪ ،‬وعلينــا فهــم ذلــك‬ ‫بدقــة وانتبــاه وفــي أســرع وقــت ممكــن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وإل تحولنــا لكائنــات منقرضــة فــي‬ ‫التاريــخ القريــب‪ ،‬أو علــى أفضــل تقديــر‬ ‫كائنــات مســتهلكة‪ ،‬فقــد كنــا كقاطنيــن‬ ‫لهــذه المنطقــة مــن العالــم مــن ضمــن‬ ‫أوائــل مــن اقترحــوا عليــه ميثولوجيــات‪،‬‬ ‫وأبطال فولكلور‪ ،‬وحكايات واسعة الباع‬ ‫والشــهرة‪ ،‬ومــا أكثــر مــن ميثولوجياتنــا‬

‫مــن آشــورية وفينيقيــة وحضرموتيــة‬ ‫وفرعونية وعربية‪ ،‬وما أكثر من أبطالنا‬ ‫الفولكلورييــن الغنييــن عــن الحصــر‪،‬‬ ‫أدلــل أخيــرًا علــى الحكايــات‬ ‫ويكفينــي أن ِّ‬ ‫بتلــك الحكايــات المعنونــة باأللــف ليلــة‬ ‫وليلــة‪ ،‬والتــي ال يمكــن أن يكتمــل نضــج‬ ‫مخيلــة فنــان فــي العالــم دون قراءتهــا‪.‬‬ ‫لماذا هذا التنويه بالغ التحديد؟!‬ ‫فــي بســاطة؛ ألن هــذا هــو أول نقطــة‬ ‫بحثيــة لظاهــرة البوكيمــون وســبب‬ ‫أســاس النتشــار ســحرها؛ فــاآلن يســتند‬ ‫عالــم اقتصــاد الترفيــه فائــض القيمــة‬ ‫المضافــة‪ ،‬والــذي يفــوق فــي أرباحــه‬ ‫اقتصاديــات النفــط والثــروات التقليديــة‪،‬‬ ‫من أفالم ومسلســات وألعاب‪ ،‬على هذه‬ ‫الميثولوجيــات واألبطــال والحكايــات‪،‬‬ ‫بــل ويجعلهــا تقــف موقــف الحســرة مــن‬ ‫صغــر تكلفتــه بالمقارنــة بتكلفتهــا‪ .‬تلــك‬ ‫الميثولوجيات واألبطال والحكايات التي‬ ‫ال يســتطيع أي إنســان أن يحيــا بدونهــا‪،‬‬ ‫فــإذا افتقدهــا فــي زمنــه اليومــي وفضائــه‬ ‫المكاني بحث عنها لدى آخر‪ ،‬وإذا أصابه‬ ‫ليحل محلّها‪ ،‬وإذا‬ ‫الملل منها خلق الجديد ّ‬ ‫لــم يكــن يملــك أي ـ ًا منهــا اســتولى عليهــا‬ ‫مــن مــكان آخــر‪ ،‬وأبــرز مثــل مــا يفعلــه‬ ‫اقتصــاد الترفيــه األميركــي مــن اســتيالء‬ ‫علــى ميثولوجيــات وأبطــال وحكايــات‬ ‫القــارة العجــوز أوروبــا‪ .‬وهــذا مــا فعلتــه‬ ‫اليابان في مجمل منتجاتها‪ ،‬ال البوكيمون‬ ‫وحــده‪ ،‬فقــد حملــت بعــد الحــرب العالميــة‬ ‫الثانيــة هذه المنتجــات بموروثها الثّقافي‬


‫مبكــرًا جــداً‪ ،‬وبقــدر ٍ‬ ‫عال‬ ‫المتنــوع‪ ،‬مدركــة ِّ‬ ‫مــن التجديــد المتســارع‪ ،‬معنــى صــراع‬ ‫الهويــات واعتــاء األقوى لمنصــة الربح‪.‬‬ ‫وال تندهــش حيــن تعــرف أن شــريك‬ ‫نينتينــدو اليابانيــة الرئيــس هــو شــركة‬ ‫نيانتــك األميركيــة وهــي إحــدى شــركات‬ ‫«الفابيــت» الشــركة األم ‪ google‬اآلن؛‬ ‫فقــد نوهنــا فــي البدايــة علــى أن التناحــر‬ ‫الرأســي انتهــى وأصبــح تجــاوز التناحــر‬ ‫هــو الســائد !‬ ‫اآلن وقــد وضعنــا األرضيــة للمفاهيــم‬ ‫االقتصاديــة والثّقافيــة فــي عجالــة؛ دعنا‬ ‫نبحــر ســريع ًا في حكاية ذلك البيكاتشــو‬ ‫األصفــر القــادم نحــوك فــي الصــورة‬ ‫أعــاه‪ ،‬ومــا يســتند إليــه مبدعــوه‪ ،‬ومــا‬ ‫يصبــون نحــوه‪ ،‬وكذلــك مــا يحدثــه مــن‬ ‫وتحــوالت محســوبة‪ ،‬وغيــر‬ ‫تبــدالت‬ ‫ّ‬ ‫محســوبة‪ ،‬ثــم أخيــرًا ســننهي بمفارقاتــه‬ ‫المرحــة الدالــة جّدًا علــى نقاط التحول في‬ ‫مســيرة اإلنســان والتكنولوجيــا !‬ ‫أوالً؛ وعبــر التاريــخ البشــري كلــه‪،‬‬ ‫حيــن تشــتد األزمات تجــد األلعاب طريقها‬ ‫للظهور وتزدهر‪ ،‬متمثلة إياها أو مخففة‬ ‫مــن وطأتهــا‪ .‬وهــذا مــا رصــده مخترعــو‬ ‫لعبــة «إنجريــس ‪ ،»Ingress‬وهــم ذاتهــم‬ ‫ـورو لعبــة «بوكيمون جــو»؛ فقد كانت‬ ‫مطـّ‬ ‫إنجريــس لعبــة تعتمــد علــى فريقيــن‪،‬‬ ‫المتنــورون مــن ناحيــة والمقاومــون مــن‬ ‫ناحيــة أخــرى‪ ،‬وهــي لعبــة ظهــرت عــام‬ ‫‪2012‬م مــع انــدالع العنــف فــي العالــم‪،‬‬ ‫ووصوله لدرجة طاغية دفعت في بعض‬

‫األحيــان إليــذاء الالعبيــن أنفســهم‪.‬‬ ‫ثانيــا؛ كلمــا زاد االغتــراب الناتــج عــن‬ ‫اإلدمــان التكنولوجــي‪ ،‬بحيــث أصبحــت‬ ‫تجبــر جســد مســتخدمها علــى الســكون‬ ‫الحركــي‪ ،‬وفقــد التواصــل مــع بيئتــه‬ ‫المحيطــة ومجتمعــه‪ ،‬بحــث منتجــو‬ ‫التكنولوجيــا ذاتهــا عــن حــل لســلبياتها‪،‬‬ ‫خاصــة مــع النهــم الرأســمالي لالســتيالء‬ ‫علــى وقــت الفراغ‪ ،‬والذي قد يتمثل أحيان ًا‬ ‫فــي الســير صباحـ ًا علــى الرصيــف نحــو‬ ‫ال في خبث الملل الروتيني‬ ‫عملك‪ ،‬مســتغ ً‬ ‫الديكنــزي فــي «قصــة مدينتيــن»‪ ،‬أو‬ ‫التريــض في طريــق‪ ،‬أو الجلوس منتظرًا‬ ‫لوســيلة مواصالت‪ ،‬أو الجلوس بشــرفة‬ ‫دون فعل شيء‪ ،‬أو للتقابل مع صحبتك‬ ‫التــي قــد يكــون أصابهــا بعــض الفتــور‬ ‫الجماعــي وتبحــث عــن تجــارب حياتيــة‬ ‫جديــدة ورؤيــة العالــم بعيــون مغايــرة‪.‬‬ ‫ـورو اللعبــة‬ ‫مــن هــذا الرصــد قـّـرر مطـ ّ‬ ‫تطويــر مخيلــة اليابانــي ساتوشــي‬ ‫تاجيــري المبــدع األصلــي للعبــة‪ ،‬نحــو‬ ‫خلــق لعبــة «فرديــة» تحفــز الغريــزة‬ ‫الفطريــة‪ ،‬والتــي أشــرنا لهــا بالفقــرة‬ ‫الثانيــة‪ ،‬آلســر «وحــوش الجيــب»‪ ،‬وهــو‬ ‫المعنــى الحرفــي لكلمــة ‪،Pokemon‬‬ ‫وكذلــك فهــم وتطويــر تلــك الكائنــات‪ ،‬ثم‬ ‫التعايــش معها كحيوات أخرى افتراضية‬ ‫متنوعــة‪ ،‬أصبحت موجودة بالفعل على‬ ‫كل‬ ‫هاتفــك الحديــث جــداً‪ ،‬وتطــاردك فوق ّ‬ ‫أرفــف المتاجــر‪ ،‬مــن كائنــات مدينيــة‪،‬‬ ‫وأخــرى للمناطــق المزروعــة‪ ،‬وأخــرى‬

‫تنتمــي للمياه‪ .‬ثم عبر الصعود لمســتوى‬ ‫الصالــة الرياضيــة مــن اللعبــة واالختيــار‬ ‫بيـ�ن ثالثـ�ة فـ�رق ؛ ‪ Valor‬األحمــر‪Mys� -‬‬ ‫‪ tic‬األزرق ‪ Instinct -‬األصفــر‪ ،‬يتــاح‬ ‫لبوكيمونــك التواصــل الجماعــي‪ ،‬وذلــك‬ ‫بعــد أن قمــت بتدريبه وتطويره‪ ،‬وفرصة‬ ‫نــزال بوكيمــون العــب فريــق آخــر‪.‬‬ ‫ثالثــا؛ األوصيــاء علــى المجتمعــات‬ ‫كل العالــم وليــس فــي منطقتنــا فقــط‬ ‫فــي ّ‬ ‫كل الديانــات ســيقفون حتم ـ ًا أمــام‬ ‫ومــن ّ‬ ‫هــذه الثــورة التكنولوجيــة فــي اقتصــاد‬ ‫الترفيــه‪ .‬حــدث ذلــك مــن الكنيســة فــي‬ ‫أميــركا ولــم يختلــف رد فعــل الســنة أو‬ ‫فكر‬ ‫الشــيعة فــي ذلــك األمــر‪ .‬ال تلــق بــاالً‪ّ ،‬‬ ‫فقــط فــي هــل تتمنــى صنــع لعبــة مثيلــة‬ ‫تنطــق باللّغــة العربية‪ ،‬وإذا كنت من أهل‬ ‫فكر فــي إبداع مثيل‬ ‫الفطنــة التكنولوجيــة ّ‬ ‫يقــوم علــى موروثــك‪ ،‬فهــو غنــي للغاية‪.‬‬ ‫نعــم أخــرج لتلعب‪ ،‬لكن كــن حريصا؛‬ ‫فقــد تجــد نفســك فــي هــوس أســرك‬ ‫للبيكمــون بالقــرب مــن منشــأة نوويــة أو‬ ‫عســكرية‪ ،‬أو علــى ســطح غطــاء موتــور‬ ‫عربــة مســرعة‪ ،‬أو داخــل قســم شــرطة‬ ‫تبحــث خلــف كرســي المأمــور عــن كائــن‬ ‫هــارب منــك‪ ،‬أو داخــل حمــام ســيدات أو‬ ‫رجــال‪ ،‬أو قــد يقبــض عليك مع أصدقائك‬ ‫بتهمــة التجمهــر غيــر العمــدي لقلــب نظــام‬ ‫البوكيمــون!‬ ‫‪43‬‬


‫من مسرح الدمى‬ ‫إلى الواقع المعزَّز!‬ ‫في غمار هذا المشهد القديم المتنكر أو الحديث أو ما بعد الحداثة‪ ،‬ال مشاحة في نجاح الواقع المعزز بشكل عام ولعبة‬ ‫بوكيمون جو بشكل خاص‪ ،‬وهو الشيء الذي يأخذني إلى السؤال األخير‪ :‬هل المرء بحاجة إلى واقع فوق الواقع‪،‬‬ ‫لعل رويدًا رويدًا سنتعلم لعبة العوالم‪،‬‬ ‫أو ممكن أن آباء البوكيمون كانوا يدركون قبلنا أننا نسينا االستمتاع بالملل؟ ّ‬ ‫وهــي قــد تعتمد على البقاء في عالم‪ ،‬حين يكون الناس في عالم آخر‪ ..‬هل تتصورون حقيقة افتراضية أو معززة‬ ‫أعظم من ذلك؟ أنا ال‪.‬‬

‫نوميي فريو‬ ‫قيــل لنــا مــن زمــن بعيــد إن الحيــاة‬ ‫مســرحية‪ ،‬ولكــن‪ -‬كمــا يحــدث فــي‬ ‫بعــض الحقائــق الدائمة‪ -‬ينبغي أن تجّدد‬ ‫الفكــرة بيــن فتــرة وأخــرى‪ ،‬أو هــذا مــا‬ ‫يبــدو لــي‪ ،‬باســتخدام الخصوصيــات‬ ‫واإلمكانــات واآلليــات المتابعــة لوقتهــا‪،‬‬ ‫لمحاولــة تجنّــب الملــل؛ عــدو اإلنســان‬ ‫األول واألخيــر‪.‬‬ ‫لقــد دخلنــا فــي قلــب الصيــف‪ ،‬هــذا‬ ‫الموســم األكثر مناســبة من بين المواسم‬ ‫األربعــة‪ ،‬لنشــعر بغوصنــا بيــن أيــادي‬ ‫تــم اإلعــان أن مدريــد‪،‬‬ ‫عدونــا حيــن ّ‬ ‫عاصمــة إســبانيا‪ ،‬المدينــة الفارغــة بعــد‬ ‫هــروب ســكانها إلــى ســواحل البلــد‪،‬‬ ‫انتقلــت افتراضيــ ًا إلــى عاصمــة العالــم‬ ‫لبوكيمــون جــو!! الســبب هــو لقــاء أكبــر‬ ‫مدربــي اللعبــة فــي مــكان معيــن‬ ‫عــدد مــن ِّ‬ ‫وآن واحــد ‪ .‬والنتيجــة خلخلــة مجنونــة‬ ‫ال بــد أن ندرســها إلــى حــد مــا لــو أردنــا‬ ‫أن نبقــى فــي الكــون نفســه‪ ،‬بعــد احتالل‬ ‫هــذه المخلوقــات القديمــة المتنكــرة فــي‬ ‫مــا بعــد الحداثــة‪.‬‬ ‫وكل مــا بعــد الحداثــة يســمى حاليــا‬ ‫ّ‬ ‫«الواقع المعزز»‪ .‬هذه التكنولوجيا تخطو‬ ‫خطــوة أخرى على «الواقع االفتراضي»‪،‬‬ ‫ا خاصة في‬ ‫ويختلــف عنهــا اختالفـ ًا هائـ ً‬ ‫معناهــا األصلــي‪ .‬هنــا ندخل فــي أحد هذه‬ ‫بحكم‬ ‫األمثــال‪ ،‬والــذي ذكرناه فــي البداية ُ‬ ‫‪44‬‬

‫التجديــد‪ ،‬التجديــد الضــروري بيــن فتــرة‬ ‫وأخــرى فــي تاريخنــا اإلبداعــي والفنــي‪.‬‬ ‫إن الواقــع المعــزز‪ ،‬وفيــه البوكيمونــات‪،‬‬ ‫يحتــوي علــى عناصــر عصرنــا الراهــن؛‬ ‫حيــث يتــم اختــراع عوالــم أخــرى لنعيــش‬ ‫فيها لعدد من الســاعات‪ .‬هذا الواقع يلوح‬ ‫اآلن كحــل بديــل بعــد تراجــع االهتمــام‬ ‫بإمكانيــة الواقــع االفتراضي توفير فضاء‬ ‫يغنينــا عــن بيئــة المســتخدم الحقيقيــة‪،‬‬ ‫وبعدمــا أصبــح فقيــرًا وعاجــزًا عن تحمل‬ ‫وقــت فراغنــا‪ .‬لكننــا فــي الواقــع ال نتوقف‬ ‫عــن المحــاوالت في الوقت الذي نتســاءل‪:‬‬ ‫لمــاذا الهــروب إلــى عالــم آخــر‪ ،‬كمــا كان‬ ‫يقتــرح «الواقــع االفتراضــي»‪ ،‬إذا كان‬ ‫نحســن عالمنــا هــذا بصــورة‬ ‫بإمكاننــا أن ّ‬ ‫أكثــر جاذبيــة؟‬ ‫يرغــب البعــض فــي عقــد مقارنــة بيــن‬ ‫ّية‬ ‫لعبــة البوكيمــون جــو واإلبداعــات َ‬ ‫الفنّ‬ ‫الســابقة‪ ،‬قــد يبــدو فــي هــذا األمــر مبالغة‬ ‫أود أن أصــل‬ ‫غيــر مســتحقّة‪ ،‬ولكننــي ّ‬ ‫معكــم إلــى التشــابهات الرائعــة التــي‬ ‫وجدتهــا ألقنعكــم بــأن العكــس صحيــح‪.‬‬ ‫مــن بيــن تلــك التشــابهات الفنيــة‬ ‫الســابقة نســتطيع أن نقــف عنــد أول‬ ‫مرحلة في الســريالية أو ما ســمي «فوق‬ ‫الواقــع»‪ ،‬والتــي ولــدت قبــل قــرن‪ ،‬حيــث‬ ‫كان فــي هــذه النظريــة تواصــل حيــوي‬ ‫ـكل‪ .‬أال يذكرنــا هذا‬ ‫مباشــر بيــن الفــرد والـ ّ‬

‫مدرب‬ ‫الوصــف بمــا يحــدث بيــن العــب أو ّ‬ ‫بوكيمــون وشاشــة هاتفه الذكــي؟‪ .‬كانت‬ ‫الســريالية تهــدف إلــى البعد عــن الحقيقة‬ ‫مثلمــا تهــدف فــي نهايــة المطــاف أنــواع‬ ‫البوكيمونات المختلفة مع عقولنا عندما‬ ‫يصــل الواقــع المعــزز إلــى إضافة أشــياء‬ ‫إليهــا عبــر حواســنا لتصبــح جــزءًا مــن‬ ‫الحقيقــة الواقعيــة‪ .‬عــاوة علــى ذلــك‪،‬‬ ‫ليــس عنــدي شــك فــي العناصــر األخــرى‬ ‫المأخوذة من السريالية؛ كعدم التماسك‬ ‫والغباوة ومخالفة المنطق‪ ،‬وهي مالمح‬ ‫جوهريــة فــي الفــن الحديــث‪ ،‬علــى األقــل‬ ‫خالل عقد العشرينيات من القرن الفائت‪.‬‬ ‫علــي أن أعتــرف‬ ‫ألكــون صادقــة يجــب ّ‬ ‫أنــي وصلــت إلــى مقارنــة البوكيمــون‬ ‫بالســريالية؛ ألن مــا نــراه فــي الشــوارع‬ ‫فــي أثنــاء محاولــة اصطيــاد المخلوقــات‬ ‫المحتلــة شــبه لــي بالمســألة الســريالية‬ ‫ا ‪ .‬ومــن اســتغرابي األول‬ ‫جملــة وتفصيـ ً‬ ‫عقــدت نيتــي للبحــث عــن عالقــات أكثــر‬ ‫عمقـ ًا وعناقـ ًا بيــن الفكرتيــن‪..‬‬ ‫أثنــاء تأمــل لعبــة الواقع المعــزز‪ ،‬في‬ ‫ارتباطها بالمسرح‪ ،‬خطر إلى بالي تذكر‬ ‫مســرح الدمــى؛ ألنــه فــن شــعبي أيض ـ ًا‬ ‫يعــود أصلــه إلــى الثقافــات اآلســيوية‬ ‫القديمــة‪ ،‬أليســت البوكيمونــات من أصل‬ ‫ياباني؟ بصرف النظر عن مسقط الرأس‬ ‫الذي ســاعدني بشــكل مباشــر في البداية‬


‫علــى إيجــاد الصلــة بينهمــا‪ ،‬كان فع ـاً‪،‬‬ ‫كمــا فــي المثــال األول‪ ،‬معنــى االســم‬ ‫هــو الــذي قادنــي إلــى البحــث عــن عمــق‬ ‫هــذه العالقــة‪ .‬صحيــح أنــه فــي عــروض‬ ‫مســرح الدمــى يختبــئ «المخــرج» تحــت‬ ‫طاولــة ويحــرك الدمى بخيــوط ممدودة‪،‬‬ ‫وبالطبــع ليــس لدينــا البوكيمــون جــو‬ ‫«مخرجــا» بــل أكثــر مــن ذلــك؛ مــا دمنــا‬ ‫قــد بلغنــا هــذه المرحلــة التاريخيــة التــي‬ ‫ربمــا ســوف تســمى بعد هــذه اللعبة «بما‬ ‫بعــد الحريــة»‪ ،‬ممكــن‪ِ ،‬لـ َـم ال؟‪.‬‬ ‫كل األحــوال‪ ،‬لفــن المســرح القديم‬ ‫فــي ّ‬ ‫هذا عالقة بالتصرف المجنون والمبرمج‬ ‫عندمــا يظهــر البوكيمون‪ .‬فكرت في مكان‬ ‫العرض أيضاً؛ وهو الشــوارع والميادين‬ ‫والحدائق التي أصبحت األماكن المعتادة‬ ‫فــي العالــم كلــه لمســرح الماريونــت‪.‬‬ ‫أليســت الحدائــق والمياديــن والشــوارع‬ ‫بالضبــط هي األماكــن حيث يتم اصطياد‬ ‫زمالئنــا من العالــم االفتراضي؟ االرتياب‬ ‫أعجــل بتفكيكــه هــو كشــف‬ ‫الوحيــد الــذي ّ‬ ‫مــن هــي الفريســة المتحركــة بالخيــوط‬ ‫الحديثــة‪ ،‬نحــن أم البوكيمونات؟!‬ ‫المثــال الثالــث والجديــر بالذكــر فــي‬ ‫مقارنتنــا هــذه؛ هــو مســرح العبــث الــذي‬ ‫ازدهر في أربعينيات وخمسينيات القرن‬ ‫الماضــي‪ .‬ربمــا مــازال ينبــض فــي قلبكــم‬ ‫والتفجــع بالذكــرى «فــي انتظــار‬ ‫القلــق‬ ‫ّ‬

‫غــودو»‪ ،‬ويخطــر فــي بالكم هذا الشــعور‬ ‫مــن جديــد حيــن اســتحضار هــذا القيــاس‬ ‫فــوراً‪ .‬هــل ســيصل؟ متــى ســيصل؟ مــاذا‬ ‫سيفعل؟ كانت هذه األسئلة عن شخصية‬ ‫«غــودو» خــال انتظــاره‪ ،‬وهــي أيضــ ًا‬ ‫أتخيلهــا فــي «عقــل» مدربــي البوكيمــون‬ ‫وهــم فــي ســاحة «ســول» المركزيــة فــي‬ ‫مدريــد قبــل ظهورهــم‪ .‬الفــرق الوحيــد‬ ‫بينهمــا‪ ،‬أي بيــن غــودو والمخلوقــات‬ ‫أن هــذه األخيــرة ال بــد‬ ‫االفتراضيــة هــو ّ‬ ‫أن تظهر لكي تستمر اللعبة‪ ،‬بينما غودو‬ ‫لــم يظهــر أبــداً‪ ،‬ومــع ذلــك‪ ،‬فعــدم التأكــد‬ ‫والتشـّـكك يبقــى كعنصــر مشــترك بيــن‬ ‫االثنيــن‪ .‬وليــس فقــط هــذا‪ ،‬بــل للزينــة‬ ‫والســينوغرافيا دور مهــم فــي المقابــل‪.‬‬ ‫أليــس مــن الصعــب عليكم فهــم الحوار‬ ‫بيــن العبــي بوكيمــون جــو‪ ،‬خاصــة فــي‬ ‫كل أســماء الشــخصيات ومالمحهــا‬ ‫حفــظ ّ‬ ‫وخصوصياتهــا‪ ،‬كمــا كان يجــري فــي‬ ‫الحــوارات بيــن شــخوص مســرح العبــث؟‬ ‫وأكثــر مــن ذلــك؛ إن شــخوص مســرح‬ ‫الالمعقــول تجــد عراقيــل وهــي بصــدد‬ ‫الحــوار والتعبيــر عــن نفســها‪ ...‬هــل حق ًا‬ ‫اصطيــاد مخلوقــات البوكيمون جو لعبة‬ ‫للتفاعــل التبادلــي كمــا يحــاول أن يقنعنا‬ ‫أصحابهــا؛ ألنهــم أخرجــوا اللعبــة إلــى‬ ‫مياديــن وحدائــق المــدن بــد ًال مــن البقــاء‬ ‫أمــام شاشــة البيت كما كانــت العادة بين‬

‫الالعبيــن قبــل عشــرين ســنة وقــت والدة‬ ‫أســاس الفكــرة؟ لســت متأكــدة بفوائــد‬ ‫نســخة مــا بعــد الحداثــة فيمــا يتعلق بهذه‬ ‫القضية؛ ألن باعتقادي سوف تبقى هذه‬ ‫التســلية فرديــة ومنعزلــة مثلما كانت في‬ ‫الماضي مهما حصل مســتخدمو التطبيق‬ ‫على فرصة المشي على القدمين لمليون‬ ‫الكيلومتــرات فــي الهــواء الطلــق ‪.‬‬ ‫فــي غمــار هــذا المشــهد القديــم المتنكــر‬ ‫أو الحديــث أو مــا بعــد الحداثــة ال مشــاحة‬ ‫فــي نجــاح الواقــع المعــزز بشــكل عــام‬ ‫ولعبــة بوكيمــون جــو بشــكل خــاص‪،‬‬ ‫وهــو الشــيء الــذي يأخذنــي إلى الســؤال‬ ‫األخيــر‪ :‬هــل المرء بحاجة إلى واقع فوق‬ ‫الواقــع‪ ،‬أو ممكــن أن آبــاء البوكيمــون‬ ‫كانوا يدركون قبلنا أننا نسينا االستمتاع‬ ‫ـل رويــدًا رويــدًا ســنتعلم لعبة‬ ‫بالملــل؟ لعـّ‬ ‫العوالــم‪ ،‬وهــي قــد تعتمــد علــى البقــاء‬ ‫فــي عالــم حيــن يكــون النــاس فــي عالــم‬ ‫آخــر‪ ..‬هــل تتصورون حقيقــة افتراضية‬ ‫أو معــززة أعظــم مــن ذلــك؟ أنــا ال‪.‬‬ ‫للختــام فقــط نصيحــة قديمــة مــن‬ ‫األطبــاء‪ :‬خذوا أوكســجين خــال الصيف‬ ‫لتحملوا الشتاء‪ ،‬وأضيف أنا‪ :‬انتبهوا‪،‬ال‬ ‫تختنقــوا بكثــرة غبــار النجــوم!!!‬ ‫‪45‬‬


‫ه َوس «بوكيمون جو»‬ ‫ماذا يقول َ‬ ‫عن المجتمع العصري؟‬ ‫تهيمــن علــى العالم‪ ،‬حالياً‪ ،‬حالة من الهوس بلعبة «بوكيمون جو» التي أطلقتها شــركة ناينتيك‪ ،‬وهي حتى‬ ‫عزز‪ ،‬حول العالم‪ .‬فقد اســتحوذت على محتوى شــبكات التواصل االجتماعي‪،‬‬ ‫الم َّ‬ ‫اآلن‪ ،‬أنجــح ألعاب الواقع ُ‬ ‫الحي المجاورة لك‪ .‬في أســتراليا‪ ،‬أصدرت الشــرطة بيانات تحث الناس على أن يرفعوا‬ ‫وكذلك على حديقة ّ‬ ‫تعرض بعض األشــخاص للســرقة‬ ‫وجوههم عن هواتفهم وهم يمارســون اللعبة‪ ،‬أو يعبرون الشــوارع‪ ،‬كما َّ‬ ‫ٌ‬ ‫مما دفع‬ ‫في أثناء ممارســتها‪ ،‬وبســببها ُف ِصل‬ ‫موظف من عمله‪ .‬لقد ُألقي بالالئمة على اللعبة في أمور كثيرة‪ّ ،‬‬ ‫لعبة خطرة‪.‬‬ ‫تليفزيــون الترفيــه « ‪ »E! Online‬ألن يعتبرها ً‬

‫فروزسينا إردوغ *‬ ‫ترجمة‪ :‬أنور الشامي‬ ‫نعــم‪ ،‬إنه صحيــح أن «بوكيمون جو»‬ ‫قــد أصابــت نمــط حياتنــا باالضطــراب‪،‬‬ ‫ولكــن لــن تظــل أبــدًا كمــا هــي‪ .‬لقــد كشــفت‬ ‫لنا اللعبة أيض ًا أمورًا عديدة عن أنفسنا‪،‬‬ ‫ولكــن نظــرًا إلــى أن شــبكة اإلنترنــت قــد‬ ‫باتــت فــي واقــع األمر متخمــة بالتحليالت‬ ‫التــي تتنــاول هذه اللعبة‪ ،‬فســوف أكتفي‬ ‫بثالثــة أمــور فقــط‪ ،‬باعتبارهــا األهــم كي‬ ‫أســلط عليهــا الضوء‪.‬‬ ‫أوالً‪ ،‬لقــد أصبــح العالــم أخيــرًا جاهــزًا‬ ‫أمر يبدو جلي ًا نوع ًا‬ ‫الم َّ‬ ‫عزز‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫للواقع ُ‬ ‫مــا‪ ،‬ورغــم أنــه لــم يكــن قــد مضــى علــى‬ ‫إطــاق «بوكيمــون جــو» ســوى أســبوع‬ ‫واحــد‪ ،‬فقــد ذهبت هيئات مالية إلى القول‬ ‫إن اللعبــة ســوف تغير وجهة تكنولوجيا‬ ‫العصــر‪ .‬وليــس ذلــك مــن نوعيــة الثرثرة‬ ‫الدعائيــة التــي تبتغــي اإلثــارة‪ ،‬فالواقــع‬ ‫المعزز يوشــك أن يتحول إلى نشــاط ُيدر‬ ‫ُ‬ ‫أرباحـ ًا كبيــرة‪ .‬وليســت هــذه هــي اللعبــة‬ ‫األولــى لشــركة «ناينتــك» التــي تســتخدم‬ ‫تقنيــة الواقــع المعــزز‪ ،‬فقــد كانــت هنــاك‬ ‫لعبــة «إنجــرس» فــي ‪ ،2012‬التــي ورغــم‬ ‫االســتقبال الجيــد الــذي حظيــت بــه‪ ،‬فإنها‬ ‫لــم تبلــغ ذلــك القــدر الكبيــر مــن االنتشــار‬ ‫والشــعبية‪ .‬أمــا «بوكيمــون جــو»‪ ،‬فقــد‬ ‫تــم تحميــل تطبيقهــا أكثــر مــن ‪ 15‬مليــون‬ ‫مـّـرة حتى اآلن‪ ،‬وتشــير بعض التقديرات‬ ‫‪46‬‬

‫إلــى أن التطبيــق قــد تجــاوز فــي شــعبيته‬ ‫«ســناب شــات» و«تويتــر» قياس ـ ًا بعــدد‬ ‫المســتخدمين النشــطين يوميــاً‪ .‬وحتــى‬ ‫إذا انصــرف النــاس عــن اللعبــة بحلــول‬ ‫أغســطس (وهــو توقــع خاطــئ أطلقــه‬ ‫البعــض)‪ ،‬فــإن تأثيرهــا الهائــل قد أصبح‬ ‫محسوسـ ًا لــدى الجميــع‪.‬‬ ‫كالم كثيــر‪ ،‬منــذ ســنوات‬ ‫لقــد دار ٌ‬ ‫وحتــى اآلن‪ ،‬حــول الواقــع االفتراضــي‬ ‫باعتباره صيحة العصر القادمة في عالم‬ ‫التكنولوجيــا‪ ،‬ولكــن الواقــع االفتراضــي‬ ‫برمتــه قــد واجــه صعوبــات فــي الحصول‬ ‫على القبول داخل السوق‪ ،‬وذلك لبضعة‬ ‫أســباب‪ :‬أن النــاس يحتاجــون إلــى شــراء‬ ‫أجهــزة جديــدة (باهظــة الثمــن) حتــى‬ ‫يمكنهــم التعاطي مع الواقــع االفتراضي‪،‬‬ ‫كمــا أن وضــع هــذا الصنــدوق األســود‬ ‫رجل‬ ‫فــوق عينيــك يجعلــك تبــدو وكأنــك ٌ‬ ‫ـي أخــرق يصيــح وهــو يصــارع صــورًا‬ ‫آلـ ٌ‬ ‫وخيــاالت ال يراهــا أحـٌد ســواه‪ .‬ثــم يكــون‬ ‫اضطــراب الحــواس وفقــدان التــوازن‬ ‫الــذي ينبغــي لألشــخاص حديثــي العهــد‬ ‫بألعــاب الواقــع االفتراضــي أن يتغلبــوا‬ ‫عليــه‪ .‬ومــع ذلــك فــإن االنتشــار الواســع‬ ‫الــذي حقّقتــه «بوكيمــون جــو» فــي شــتى‬ ‫أنحــاء المعمــورة بيــن عشــية وضحاهــا‪،‬‬ ‫إنما ُيعزى لكون الجميع يمتلكون بالفعل‬

‫األداة التي تتطلبها ممارسة اللعبة‪ ،‬وهي‬ ‫الهواتــف الذكيــة‪.‬‬ ‫وقــد تحــدث تــود ريتشــموند‪ ،‬مديــر‬ ‫تطويــر النمــوذج ا َألولــي المتقدم في معهد‬ ‫التكنولوجيــا االبتكاريــة التابــع لجامعــة‬ ‫جنــوب كاليفورنيــا إلى الصحافية جنيفر‬ ‫بوتــون في موقــع «ماركت واتــش» قائالً‪:‬‬ ‫المعـ َّـزز ســوف يطــال‬ ‫«إن تأثيــر الواقــع ُ‬ ‫جميع القطاعات وشــتى مناحي الحياة‪،‬‬ ‫أمــا الواقــع االفتراضــي فهــو اآلن صيحــة‬ ‫أود أن أخالف ذلك الرأي‪،‬‬ ‫العصر»‪ .‬لكني ّ‬ ‫ـور كصناعــة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫يتط‬ ‫ال‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫فالواقــع المعــزز ق‬ ‫ّ‬ ‫ولكنــه هــو صيحــة العصــر الجديــدة‬ ‫والحقيقية‪ .‬وأتوقع أن أرى بحلول نهاية‬ ‫هــذا العــام مجموعــة متكاملــة مــن ألعــاب‬ ‫الواقــع المعــزز ‪ ،‬بــل إننــي علــى اســتعداد‬ ‫للرهــان علــى أن واحــدة مــن أولــى تلــك‬ ‫األلعــاب التــي تعتمــد علــى الواقــع المعزز‬ ‫سوف تظهر على فيسبوك ودون الحاجة‬ ‫إلــى نظــارات‪.‬‬ ‫ثانياً‪ ،‬لقد أصبحنا بسبب التكنولوجيا‬ ‫أسرى للشعور بالوحدة والقلق والكسل‪،‬‬ ‫وربمــا جــاءت «بوكيمــون جــو» لتنقذنــا‬ ‫مــن مصيــر مجهــول‪ .‬وفــي جميــع األخبار‬ ‫التــي تتــوارد بشــأن «بوكيمــون جــو»‪ ،‬ال‬ ‫يكــف النــاس عــن اإلشــادة بكــون اللعبــة‬ ‫ـرب بيــن النــاس وأن الجميــع قــد أخــذ‬ ‫ُتقـ ِّ‬


‫مرة أخرى‪ .‬يبدو وكأن الناس قد‬ ‫يتريض ّ‬ ‫اكتشــفوا من جديد الفائدة العظمى لنزهة‬ ‫عبــر حديقة‪ ،‬والقيمة الكبرى لحوار ودي‬ ‫يجرونــه وجهـ ًا لوجــه مــع شــخص آخر‪،‬‬ ‫وإن كان ذلك بمساعدة هاتف ذكي‪.‬‬ ‫حتى ْ‬ ‫لقــد أصبــح ُيطلــق علــى «بوكيمــون جــو»‬ ‫أيضـ ًا اســم «التطبيــق األكثــر رواجـ ًا فــي‬ ‫اللياقــة البدنيــة»‪ ،‬وذلــك ألن النــاس فــي‬ ‫واقــع األمــر‪ ،‬كمــا تعلمــون‪ ،‬يخرجــون من‬ ‫منازلهم ومكاتبهم ويمشون‪ .‬ويستخدمون‬ ‫ســيقانهم الحقيقية‪ .‬يــا لالبتكار!‬ ‫لقــد جعلــت وســائل التكنولوجيــا‬ ‫العصريــة حياتنــا أســهل ويســر‪ ،‬ممــا‬ ‫يجعلنــا نتخــذ وضعيــة الجلــوس طــوال‬ ‫اليــوم‪ .‬فنجلــس أمــام أجهــزة الحاســوب‬ ‫لتأديــة األعمــال وممارســة األلعــاب‪،‬‬ ‫ونجلــس أمــام شاشــات التليفزيــون‬ ‫المســطحة والجميلــة بغــرض الترفيــه‬ ‫(وممارســة األلعــاب)‪ ،‬ونجلــس فــي‬ ‫ســياراتنا التــي ُتقلنــا إلــى أماكــن ســوف‬ ‫نجلــس فيهــا مزيــدًا مــن الوقــت‪ .‬وإذا مــا‬ ‫نحينــا األغذيــة المصنَّعــة البشــعة جانباً‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فهــل ِمــن َعجــب فــي أننــا كشــعب نعانــي‬ ‫جماعيـ ًا مــن زيادة وزن مفرطــة؟ إن كثرة‬ ‫الجلوس تقتلنا في واقع األمر‪ ،‬فهي على‬ ‫آالم‬ ‫األقــل تســبب لنــا أمراضـ ًا تصاحبهــا ٌ‬ ‫مبرحــة ويقتضــي عالجهــا تكلفـ ًـة باهظــة‬ ‫مثل الســرطان والســكري وأمــراض القلب‬ ‫واألوعيــة الدمويــة وغيرهــا‪.‬‬ ‫ـؤدي التكنولوجيــا التي لدينا إلى‬ ‫وال تـ ّ‬ ‫تدهور صحتنا الجســدية وحسب‪ ،‬ولكنها‬ ‫أيضـ ًا تعــوق وإلــى حــد بعيــد قدرتنــا على‬ ‫إجــراء محادثــات فــي الحيــاة الواقعيــة‪،‬‬ ‫وهي مسألة ال تزال موضع بحث ودراسة‬ ‫مــن قبــل الصحافييــن والباحثيــن منــذ‬ ‫ســنوات‪ .‬وفــي عــام ‪ ،2011‬قالــت ميليســا‬ ‫أورتيغــا‪ ،‬اختصاصيــة الطب النفســي في‬ ‫معهــد عقــل الطفل‪ ،‬خالل مقابلة مع موقع‬ ‫«هافينغتــون بوســت» إن المراهقيــن هــذه‬ ‫األيــام «ال يعرفــون كيــف يتعاطــون فــي‬ ‫خالفاتهــم مــع اآلخريــن وجهـ ًا لوجــه»‪.‬‬ ‫وفــي ورقــة بحثيــة تــم نشــرها فــي‬ ‫أكتوبــر عــام ‪ ،2014‬وجــد علمــاء جامعــة‬ ‫كاليفورنيــا فــي لــوس أنغلــوس‪ ،‬أن‬ ‫المراهقيــن الذيــن يدمنــون الهواتف الذكية‬ ‫يواجهــون صعوبــة فــي قــراءة انفعــاالت‬ ‫النــاس فــي الحيــاة الواقعيــة‪ .‬وهــو مــا‬ ‫أســمته صاحبــة الدراســة (وأســتاذة علم‬

‫النفــس فــي جامعــة كاليفورنيــا‪ ،‬لــوس‬ ‫أنغلوس) باتريشيا غرينفيلد‪« ،‬انخفاض‬ ‫الحساســية لإلشــارات االنفعاليــة»‪.‬‬ ‫وتســاءلت ســوزان تــاردان‪ ،‬الكاتبــة‬ ‫المتعاونــة مــع مجلــة فوربــس فــي عــام‬ ‫‪ ،2012‬عمــا إذا كانــت شــبكات التواصــل‬ ‫االجتماعــي ُتقــوض مهــارات االتصــال في‬ ‫الحيــاة الواقعيــة لــدى جميــع األعمــار‪،‬‬ ‫وفــي العــام الماضــي فقــط‪ ،‬خُلــص قســم‬ ‫الصحة في شــركة «ياهو»‪ ،‬إلى أنه حتى‬ ‫الكبار يواجهون اآلن صعوبة في عمليات‬ ‫التواصــل المباشــر وجه ـ ًا لوجــه‪.‬‬ ‫علينا إذن أن نحمد اهلل على «بوكيمون‬ ‫جــو»! وهــا هــو إريــك كيــن‪ ،‬الكاتــب‬ ‫المتعــاون مــع فوربــس‪ ،‬قــد قــال كالمــ ًا‬ ‫بديعـ ًا حــول الطــرق الرائعــة التــي «تثلج‬ ‫الصــدر» والتــي ُتقــرب «بوكيمــون جــو»‬ ‫مــن خاللهــا بيــن النــاس‪ ،‬فحتــى رجــال‬ ‫الشــرطة بــدأوا يلعبونهــا مــع المدنييــن!‬ ‫لقــد عــاد النــاس مـّـرة أخــرى يتحــاورون‬ ‫مــع بعضهــم بعض ًا وجه ًا لوجــه‪ ،‬بل إنهم‬ ‫أصبحــوا يتحــاورون مــع الغربــاء الذيــن‬ ‫يلتقونهــم بمحــض الصدفــة‪.‬‬ ‫وربمــا مــع ظهــور منتجــات أخــرى‬ ‫تعتمــد علــى تقنيــة الواقــع المعــزز فــي‬ ‫الســوق‪ ،‬تبــدأ اآلثــار الســيئة التي خلَّفتها‬ ‫التكنولوجيــا علــى أجســامنا وعقولنا في‬ ‫التراجــع‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ ،‬ليس هناك ســوى اليابان التي‬ ‫تســتطيع صادراتهــا الثّقافيــة منافســة‬ ‫صــادرات الواليــات المتحــدة‪ .‬عندما تفكر‬ ‫فــي البلــدان صاحبــة الصــادرات الثّقافيــة‬ ‫األكثــر تأثيــرًا حول العالم‪ ،‬فــإن الواليات‬ ‫المتحــدة تحتل‪ ،‬وربما ســوف تظل كذلك‬ ‫دائمـاً‪ ،‬المرتبــة األولــى عالميـاً‪ .‬فسالســل‬ ‫مطاعــم الوجبــات الســريعة واألجهــزة‬ ‫وأفالم هوليوود تنتشــر في جميع أنحاء‬ ‫العالــم‪ ،‬ويتــم ترجمة األخيــرة إلى جميع‬ ‫اللغــات الممكنــة‪ .‬وربمــا يذهــب الظــن بــك‬ ‫المنِتج األكبر‬ ‫إلــى أن الصيــن‪ ،‬باعتبارهــا ُ‬ ‫فــي العالــم‪ ،‬هــي الدولــة التــي تشــغل‬ ‫المرتبــة الثانيــة بطبيعــة الحــال‪ ،‬ولكنهــا‬ ‫صدر منتجات لدول أخرى‪ ،‬وال‬ ‫وت ِّ‬ ‫ُتصنِّع ُ‬ ‫تخصهــا‪ .‬وباإلضافــة إلــى طعامهم‪ ،‬يظل‬ ‫تأثير الصين على الثّقافة العالمية تأثيرًا‬ ‫محــدوداً‪ .‬هــل شــاهد أحٌد منكم مسلسـ ٍ‬ ‫ـات‬ ‫صينيــة؟ ال؟ ال؟‬ ‫ومــاذا عــن بريطانيــا؟ إن لديهــا‬

‫موســيقيين وبرامــج تليفزيونيــة وهــي‬ ‫لذلك قد تكون صاحبة المرتبة الثانية‪...‬‬ ‫ولكــن إذا نظرنــا إلــى حالــة الهــوس التــي‬ ‫أحدثتهــا «بوكيمــون جــو»‪ ،‬فــإن المرتبــة‬ ‫الثانيــة فــي التأثيــر الثّقافــي ربمــا ينبغــي‬ ‫أن تــؤول إلــى اليابــان‪.‬‬ ‫عندمــا تفكــر فــي األمــر‪ .‬فقــد اســتقطب‬ ‫اليابانيــون جمهــورًا واســع ًا فــي جميــع‬ ‫أنحــاء العالــم بمنتجاتهــم الثّقافيــة‪:‬‬ ‫ســواء بألعابهــم (مثــل شــركة نينتنــدو!)‬ ‫ورســومهم المتحركــة (األِنمــي اليابانية)‪.‬‬ ‫وليســت هناك دولة أخرى ُبثَّت رســومها‬ ‫وترجمــت فــي جميــع أنحــاء‬ ‫الكرتونيــة ُ‬ ‫العالــم كمــا هــي اليابــان‪ ،‬وهــو شــيء‬ ‫يحدث منذ عقود وحتى اآلن‪ ،‬حيث كانت‬ ‫بدايته في أواخر ستينات القرن الماضي‬ ‫مــع سلســلة األِنمــي «‪»Speed Racer‬‬ ‫وهــو مــا دفــع شــركات مثــل «نيتفليكس»‬ ‫و«هولــو» و«أمــازون برايــم» للدخول إلى‬ ‫عالــم الرســوم المتحركــة (األِنمــي)‪.‬‬ ‫وفــي عــام ‪ ،2007‬تنــاول تقريـ ٌـر فــي‬ ‫قنــاة «إن بــي ســي» اإلخباريــة المكانــة‬ ‫التــي أصبحــت عليهــا صناعــة األنمــي‬ ‫والتــي بلغت قيمتهــا مليارات الــدوالرات‪،‬‬ ‫وكيــف أنهــا قــد أصبحــت محــط االهتمــام‬ ‫فــي هوليــوود‪ .‬وممــا يلفت االهتمــام‪ ،‬في‬ ‫ذلــك التقريــر‪ ،‬أن رائــد صناعــة األنمــي‬ ‫صــرح‬ ‫األميركــي‪ ،‬جــون ليدفــورد قــد‬ ‫َّ‬ ‫لقنــاة «إن بــي ســي» أن «بوكيمــون»‪،‬‬ ‫التــي ُوجــدت فــي عــام ‪ ،1990‬كانــت هــي‬ ‫االنطالقــة الحقيقيــة لصناعــة األنمــي‬ ‫عندمــا اســتقطب البرنامج جمهــورًا غفيرًا‬ ‫وغيــر مســبوق حــول العالــم‪ ،‬ممــا «أوجــد‬ ‫فــي نهايــة المطــاف موجــة مــن كتــب‬ ‫المانغــا المصــورة وألعــاب الفيديــو التــي‬ ‫ُتــدر األمــوال‪ ،‬وأكــد اإلمكانــات التجاريــة‬ ‫لألنمــي»‪.‬‬ ‫إن «بوكيمــون جــو» لــم تبرهــن للعالــم‬ ‫علــى مــدى النجــاح الــذي يمكــن أن يبلغــه‬ ‫األنمــي الناجــح وحســب‪ ،‬وإنمــا فعلــت‬ ‫المعــزز‪ .‬وربمــا‬ ‫الشــيء ذاتــه مــع الواقــع ُ‬ ‫تكــون «بوكيمــون جــو» هــي كبــرى‬ ‫صــادرات اليابــان الثّقافيــة وتصبــح هــي‬ ‫المنافــس للعبة «ماريو بروس» المملوكة‬ ‫لشــركة «نينتنــدو»‪.‬‬ ‫_______________________‬

‫*كاتبة متعاونة في مجلة «فوربس» األميركية‬ ‫‪47‬‬


‫مدن‬

‫عبد العزيز المقالح‬

‫تونس‪..‬‬ ‫تلك المدينة البيضاء‬

‫لعلهـا المدينـة العربيـة الوحيـدة التـي اختـارت أو باألحرى‬ ‫اختار لها أهلها هذا اللون الناصع ليربطها بالسحب المتناثرة‬ ‫فـوق أفقهـا المضـيء مـن ناحيـة‪ ،‬وليميزهـا عـن غيرهـا من‬ ‫العواصم العربية واألجنبية‪ .‬حين تدخل إليها صباح ًا تشعر‬ ‫بـأن الشـمس كانـت نائمـة فـي سـطوحها وأنهـا تنهـض مـن‬ ‫هناك مسرعة لتضيء بأشعتها الشوارع والميادين‪ .‬أما حين‬ ‫ال فإنك تظن أن الشمس لم تغادرها أو أنها تركت‬ ‫تدخلها لي ً‬ ‫ظاللهـا علـى الجـدران وواجهـات البيوت‪ .‬لم أسـأل أحدًا من‬ ‫زيارتي الثانية‬ ‫مواطنيهـا فـي زيارتـي األولـى وال حتى فـي‬ ‫َّ‬ ‫والثالثة عن داللة اختيار هذا اللون لمدينتهم‪ ،‬فقد أحسست‬ ‫منـذ اللحظـة األولـى مـن دخولـي إليهـا أنـه صـادر عـن حب‬ ‫مواطنـي هـذه المدينة للنظافة وعشـقهم للنور‪ ،‬كما يتجلّى‬ ‫ذلك بوضوح في لباسـهم وسـلوكهم‪ ،‬إضافة إلى أن اللون‬ ‫األبيض هو لون النقاء والصفاء‪ ،‬وأنه يعكس صفاته على‬ ‫النـاس ويتجسـد فـي أسـلوب تعاملهم مع اآلخـر عربي ًا كان‬ ‫أو غيـر عربي‪.‬‬ ‫وال مـراء فـي أن أهـل تونـس علـى درجـة عاليـة مـن الخلـق‬ ‫والـذوق المجتمعـي الرفيـع‪ ،‬وأن اختيـار اللـون األبيـض‬ ‫لمدينتهـم لـم يتـم عشـوائي ًا أو صدفـة‪ ،‬بـل صـدر عـن وعـي‬ ‫وتفكيـر مسـبق‪ ،‬وليـس المهم كيف بدأ هـذا االختيار ومتى‪،‬‬ ‫لكـن المهـم أنـه اسـتمر مصحوبـ ًا بالحـرص الشـديد علـى أن‬ ‫تظـل المدينـة كلهـا وليـس الجانب القديم منهـا محافظ ًا على‬ ‫هذا الطابع المشرق‪ .‬وإذا كانت بعض المخالفات الطفيفة قد‬ ‫حدثت‪ ،‬ممثلة في مباني بعض الفنادق والمطاعم الكبرى‪،‬‬ ‫فقـد علمـت‪ -‬فـي ذلك الحيـن‪ -‬أن المسـؤولين التنفيذيين في‬ ‫المدينـة يقاومـون الخـروج على النظام السـائد ويحرصون‬ ‫على اللون األبيض حرصهم على النظافة واالرتقاء بالذوق‪.‬‬ ‫‪48‬‬

‫ويالحظ أن أبناء هذه المدينة البيضاء قد أدركوا منذ أمد بعيد‬ ‫أن ال صحة لما يذهب إليه البعض من أن اللون األبيض وحده‬ ‫كل األلوان تفعل ذلك‪ .‬يضاف‬ ‫الـذي يعكـس الحرارة‪ ،‬وإنمـا ّ‬ ‫إلى هذه المالحظة أن األبيض هو لون البهجة والفرح‪ ،‬وذلك‬ ‫مـا أشـعر بـه دائمـ ًا ومـا شـعرت بـه وأنـا أدخـل إلـى تونس‬ ‫المدينة المعمورة بالضوء والتي من حسن حظها أنها تأخذ‬ ‫اسم البالد التونسية كلها وال يشاركها في ذلك الشرف سوى‬ ‫عاصمتين عربيتين فقط هما‪ :‬الجزائر والكويت‪.‬‬ ‫وهنا تجدر اإلشـارة إلى أن االسـم التأريخي األقدم لتونس‬ ‫هو «قرطاج» عندما كانت عاصمة للفينيقيين العرب‪ ،‬وكانت‬ ‫المرفـأ الـذي انطلـق منـه القائـد األشـهر «هانـي بعـل» الـذي‬ ‫دوخ أوروبا القديمة‪ ،‬وشّتت شمل الرومانيين وأقصاهم عن‬ ‫َّ‬ ‫حوض البحر األبيض المتوسط‪ .‬واآلثار المتبقية إلى اآلن في‬ ‫أطراف مدينة تونس تحمل بصمات تلك المرحلة التاريخية‬ ‫بـكل مـا ارتبـط بها من أمجـاد وانتصارات وانكسـارات‪ ،‬وقد‬ ‫ّ‬ ‫قيل الكثير عن تسمية هذه المدينة بـ«تونس» وأصح األقوال‬ ‫وأقربهـا إلـى الواقـع أنهـا مشـتقة من األنـس والبهجة‪ ،‬فهي‬ ‫تؤنـس حقـاً‪ ،‬وذلـك ما تؤكده إشـارة منسـوبة إلى العالمة‬ ‫المـؤرخ العربـي العظيـم عبدالرحمـن بـن خلـدون أن اسـم‬ ‫«تونس» مشـتق من وصف سـكانها وما ُعرفوا به من طيب‬ ‫المعاشـرة وكرم الضيافة وحسـن الوفادة‪ ،‬وهي صفات ال‬ ‫تـزال ملحوظـة في أهل هـذه المدينة حتى اآلن‪.‬‬ ‫في زيارتين لي قصيرتين سابقتين لتونس لم أتمكن سوى‬ ‫مـن رؤيـة بعـض األحيـاء في المدينـة الجديدة‪ ،‬أمـا زيارتي‬ ‫الثالثة واألطول فقد مكنتني من التعرف على المدينة بقسميها‬ ‫القديم والجديد‪ ،‬وأعطتني مسـاحة من الوقت للتعرف على‬ ‫تشكل متنفس ًا بديع ًا ألبناء تونس أنفسهم‪،‬‬ ‫ضواحيها التي ّ‬


‫كمـا تمكنـت خاللهـا مـن زيارة بعـض المدن األخـرى‪ ،‬ومنها‬ ‫«بنزرت» المدينة البحرية في الشمال‪ ،‬و«القيروان» المدينة‬ ‫الصحراوية في الجنوب‪ ،‬ومن حق هذه المدينة األخيرة أن‬ ‫ُت ّخص بحديث مستقل لما لها من مكانة تاريخية‪ ،‬ومن تقدير‬ ‫خاص لدى أبناء تونس وأشـقائهم في المغرب والمشـرق‪،‬‬ ‫لما قدمته لإلسالم وللمعرفة اإلنسانية من خدمات ال تنكر‪.‬‬ ‫كل الذين زاروا تونس ممن أعرفهم‬ ‫وما يبعث على االرتياح أن ّ‬ ‫قد خرجوا منها باالنطباع نفسـه الذي خرجت به عنها وهو‬ ‫اإلحساس عن الشعور با ُأللفة مع المكان‪ ،‬والتجاوب التلقائي‬ ‫مع ما يخلقه المعمار الخاص للبيوت على اختالف أحجامها‬ ‫ومستوياتها من إحساس بالحميمة‪ ،‬إذ كلما زاد تجولك في‬ ‫األحياء والحواري وحتى األزقة الضيقة المسقوف بعضها‪،‬‬ ‫زاد شـعورك بالقـرب منهـا‪ ،‬وبمـا تمتلكه مـن جاذبية تقوم‬ ‫على البساطة والذوق الرفيع‪ ،‬ربما تذكرك بمعالم األندلس‬ ‫وما لم يتمكن الزمن من محوه‪ ،‬والتقليل من تأثيره‪.‬‬ ‫وال أخفـي أننـي كنـت وأنـا أسـير بيـن بيـوت المدينـة ذات‬ ‫الواجهـات البيضـاء أتسـاءل كيـف تكـون هـذه البيـوت مـن‬ ‫داخلهـا؟ وقـد وجـدت الجواب على سـؤالي هـذا عندما دخلت‬ ‫مـع رفيـق رحلتـي إلـى واحـد منهـا بدعـوة مـن صاحبـه‪،‬‬ ‫وأدهشـني أن بيـوت المدينـة لـم تكـن بيضـاء مـن خارجهـا‬ ‫فقـط‪ ،‬وإنمـا كانت بيضاء مـن الداخل أيضاً‪ ،‬وكانت مضاءة‬ ‫ومبهرة بساللمها وبما تعكسه مشربياتها من إنارة طبيعية‬ ‫تلفـت النظـر إلـى ما ُكتب على جدرانهـا من نقوش وخطوط‬ ‫وآيات قرآنية وأبيات من الشعر العربي الفصيح‪ ،‬وعندما‬ ‫سـألت مضيفنـا‪ :‬هـل هنـاك بيـوت أخـرى فـي الحـي تتزين‬ ‫جدرانهـا بمثـل هـذه النقـوش؟ أجاب أن بيتـه المتواضع أقل‬ ‫والفنّـي مـن بقية بيـوت الحي‪،‬‬ ‫احتفـاء بهـذا التقليـد الدينـي َ‬

‫وأن التونسـيين ال يـرون فـي هـذا زينـة فحسـب؛ بـل تبـرك ًا‬ ‫ـن واألدب‪ ،‬وكان مضيفنـا قد أخبرنا‬ ‫وتعبيـرًا عـن حبهـم َ‬ ‫للف ّ‬ ‫أنه يعمل عازف ًا على الناي في إحدى الفرق الموسيقية التي‬ ‫تبـدأ عملهـا فـي الليـل فـي أحـد الفنـادق الحديثة التـي يؤمها‬ ‫المئات من السياح ومن أبناء تونس‪ ،‬وعرض علينا حضور‬ ‫أمسـية ذلـك اليـوم‪ ،‬فاعتذرنـا لوجود مواعيد سـابقة‪ .‬وهنا‬ ‫حـدث وال حـرج عـن حب أبناء هذا البلد للموسـيقى وللغناء‬ ‫بأشـكاله القديـم والجديـد‪ ،‬وال غرابـة فقد ورثت هذه المدينة‬ ‫أكثـر مـن بقيـة المـدن في المغـرب العربي أهم مـا احتفظ به‬ ‫الزمن من الموسيقى األندلسية وإيقاعاتها التي تمأل النفوس‬ ‫بهجـة وطرباً‪.‬‬ ‫وال أظن حديث ًا عن تونس يحقّق بعض االكتمال إن لم يمتد‬ ‫إلـى «الزيتونـة» الجامـع الكبيـر الـذي يقـع فـي قلـب المدينة‬ ‫القديمـة‪ ،‬وال تصـل إليـه ّإل بعـد أن تعبـر الشـوارع واألزقـة‬ ‫الضيقـة‪ ،‬لتجـد نفسـك وجهـ ًا لوجـه مع إشـراقة بهيجة لهذا‬ ‫تخرج‬ ‫الجامـع الـذي كان ومـا يـزال مسـجدًا ومدرسـة‪ ،‬ومنه َّ‬ ‫كبـار العلمـاء‪ ،‬ليـس فـي تونـس وحدها؛ وإنما فـي عدد من‬ ‫األقطار العربية في المغرب العربي والمجاورة منها خاصة‪،‬‬ ‫فقد حمل هذا الجامع‪/‬المدرسة‪ ،‬راية اإلسالم والعروبة معاً‪،‬‬ ‫وكان في الشمال اإلفريقي يقوم بما يقوم به األزهر بالنسبة‬ ‫لمصـر والمشـرق العربي‪ .‬وسـتظل الصالة التـي أديتها مع‬ ‫رفيقي في ذلك الجامع المبهر بجالله ونصاعة بياضه ذكرى‬ ‫تمأل الجوانح رضا وطمأنينة‪ .‬وطوبى للقاطنين جوار ذلك‬ ‫المعلم الروحي العلمي الذي ال يكف عن اإلشعاع واالستنارة‪.‬‬ ‫‪49‬‬


‫ملف خاص‬

‫‪50‬‬


‫حكايات بلد‬ ‫حين تخـفي كـــندا أقــنعتها!‬ ‫رغــم قســاوة مناخهــا‪ ،‬هــي ِقْبلــة المهاجريــن مــن مختلــف أنحــاء العالــم‪ .‬كنــدا‪ ،‬األكثــر‬ ‫أي وق ــت مض ــى‪ ،‬ص ــورة اعتيادي ــة لمواطن ــي ه ــذه الب ــاد وه ــم‬ ‫ـاء م ــن ّ‬ ‫تع ـ ُّـددًا ونم ـ ً‬ ‫يتنزه ــون‪ ،‬صيف ـاً‪ ،‬صحب ـ َـة حيواناته ــم األليف ــة‪،‬‬ ‫يتريض ــون ف ــي الحدائ ــق الخض ــراء‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ـتاء‪ ...‬لكــن هــذه الصــورة الحداثيــة الداّلــة علــى‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ـاحرة‬ ‫ـ‬ ‫الس‬ ‫ـوج‬ ‫ـ‬ ‫الثل‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫عل‬ ‫ـون‬ ‫ـ‬ ‫َّج‬ ‫يتزل‬ ‫أو‬ ‫ً‬ ‫الصعيدْيــن‪ :‬االقتصــادي‪،‬‬ ‫رفاهيـ ًـة‪ ،‬علــى‬ ‫طبيعــة الحيــاة‪ ،‬فــي واحــدة مــن الــدول األكثــر‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فثمــة وجــه آخــر لكنــدا‪ ،‬ضــارب فــي الِقـَـدم‪،‬‬ ‫والمعيشــي‪ ،‬ال ّ‬ ‫تغطــي الشــمس بالغربــال! ّ‬ ‫تكشــفه حكايــات هــذا الملـ ّ‬ ‫ـاص‪..‬‬ ‫ـف الخـ ّ‬

‫‪51‬‬


‫حتى ثالثينيات القرن‬ ‫التاسع عشر‪ ،‬لم تكن‬ ‫القصص واألساطير‬ ‫مد َّو ً‬ ‫نة في قراطيس‪،‬‬ ‫يقدمه‬ ‫حسب ما ِّ‬ ‫أنفسهم‪ .‬غير‬ ‫األوروبيون‬ ‫ُ‬ ‫أن الذي َّ‬ ‫تأكد هو أن ّ‬ ‫كل‬ ‫قرية أو قبيلة‪ ،‬في هذه‬ ‫البالد‪ ،‬كانت تتو َّفر على‬ ‫ً‬ ‫ذاكرة‬ ‫يع ُّد‬ ‫شيخ ُم ِ‬ ‫ـن‪َ ،‬‬ ‫س ّ‬ ‫لتلك المنطقة‪ ،‬وهو‬ ‫والم ِّ‬ ‫شخص‬ ‫الحافظ‬ ‫ُ‬ ‫الفعلي لذلك المأثور‬ ‫ّ‬ ‫المروي شفه ّي ًا‪.‬‬ ‫ّ‬

‫الغراب الثّقافي‬ ‫والغراب الخادع!‬

‫يجسم رأس غراب‪ ،‬من التراث األصلي ألميركا الشمالية‬ ‫صورة ّ‬ ‫لسكين ّ‬

‫د‪ .‬يوسف بن الغياثية*‬ ‫ُت َعـّد كنـدا بلدًا صناعيـ ًا ذا إنتاجية عالية‪،‬‬ ‫متنوع الثّقافات والديانات واأللسن‪،‬‬ ‫وبلدًا ِّ‬ ‫بأهمّيـة كبيـرة‪ ،‬بفعـل الصـورة‬ ‫ويحظـى ّ‬ ‫سـوقها عـن نفسـه؛ فهـو‬ ‫ي‬ ‫التـي‬ ‫الحسـنة‬ ‫ُ ِّ‬ ‫أي شـيء؛ لكونه‬ ‫متفوق في تسـويق ّ‬ ‫بلد ِّ‬ ‫آليـات التسـويق والترويـج‪،‬‬ ‫متمك ً‬ ‫ِّ‬ ‫نـا مـن ّ‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫العالقـات‬ ‫فـي‬ ‫ق‬ ‫متفـو‬ ‫بلـد‬ ‫وهـو‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫لكن كثيرًا من الناس في العالم‪ ،‬ومنهم في‬ ‫العالـم العربـي‪ ،‬يجهلون تاريـخ هذا البلد‬ ‫العملاق اقتصاديـاً‪ ،‬والصغير سياسـياً‪،‬‬ ‫خصوصـ ًا فـي السـاحة الدوليـة‪ ،‬ويبقـى‬ ‫الجنوبي‬ ‫أقل شأن ًا من تأثير جاره‬ ‫تأثيره ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتحـدة األميركيـة‪.‬‬ ‫العملاق‪ :‬الواليـات َّ‬ ‫فعلـى الرغـم مـن شسـاعة مسـاحة البلاد‬ ‫(‪ 9‬مالييـن كلـم مربـع)‪ ،‬والتـي تأتـي‬ ‫ثانيـة بعـد روسـيا االّتحاديـة (‪ 11‬مليـون‬ ‫‪52‬‬

‫التنـوع الكنـدي يـكاد‬ ‫كلـم‪ ،) 2‬إال أن تعقيـد‬ ‫ُّ‬ ‫القوة االقتصادية‪ ،‬والنفوذ‬ ‫يختفـي خلف ّ‬ ‫الدولـي الـذي يمارسـه مـن خلـف السـتار‬ ‫البريطانـي‪ -‬أحيانـاً‪ -‬بحكـم االرتبـاط‬ ‫السياسـي‪ ،‬و‪ -‬أحيانـاً‪ -‬خلـف السـتار‬ ‫األميركي‪ ،‬باستعمال النفوذ الفرانكفوني‬ ‫الفرنسـي‪ ،‬و‪ -‬أحيانـاً‪ -‬أخـرى‪ ،‬مـن خالل‬ ‫القيقـب «‪.»Québec‬‬ ‫مقاطعـة ْ‬ ‫وفـي سـياق التعريـف ِبهاتـه األراضـي‬ ‫تنوعهـا الشـديد‬ ‫الشاسـعة‪ ،‬نشـير إلـى ُّ‬ ‫وغناهـا وثرائهـا األسـطوري والخرافي‪،‬‬ ‫القديـم منـه‪ ،‬والحديـث‪ .‬فحيـن نثيـر‬ ‫موضـوع األسـاطير والخرافـات نقصـد‬ ‫نبيـن أن تاريـخ كنـدا ومعهـا أميـركا‬ ‫أن َّ‬ ‫الشـمالية‪ -‬علـى العمـوم‪ -‬تاريـخ لم يبدأ‬ ‫مـع وصـول األوروبييـن فـي التاريـخ‬ ‫الرسـمي‪ ،‬وهـو ‪1492‬م؛ بـل قبـل ذلـك‬ ‫العصـر بقـرون سـحيقة‪ ،‬تمتـّد‪ -‬بحسـب‬

‫بعـض التقديـرات‪ -‬إلـى حوالـي ‪ 60‬ألـف‬ ‫سـنة‪ .‬ويعنـي هـذا أن البلاد قـد عرفـت‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وثقافـات‪ ،‬وعلومـ ًا تسـتجيب‬ ‫هجـرات‪،‬‬ ‫للتجمعـات اإلنسـانية‪ ،‬وتتماشـى مـع‬ ‫ُّ‬ ‫حاجاِتهـا الحضاريـة‪ ،‬والطبيعيـة‪،‬‬ ‫وتنظيماتهـا‪ :‬القبليـة‪ ،‬والسياسـية‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬وعلـى عكـس مـا َجهِـد األوروبيـون‬ ‫ِ‬ ‫ـن بعِدهم َم ْن َوِرث األرض األميركية)‬ ‫(وم ْ‬ ‫ّية‬ ‫ل‬ ‫المح‬ ‫والسـاكنة‬ ‫العالـم‬ ‫إقنـاع‬ ‫مـن‬ ‫فيـه‬ ‫ّ‬ ‫أنهـا لـم تكـن شـيئ ًا مذكـورًا قبـل مجيئهم‬ ‫فـي القـرن السـادس عشـر‪ ،‬وأنهـم هـم‬ ‫ـن أحضـر‪ ،‬لهـؤالء‪ ،‬الحضـارة والنور‪،‬‬ ‫َم ْ‬ ‫ِ‬ ‫الدراسـات‬ ‫المعتقـد الصحيـح أن‬ ‫يبـدو‬ ‫َ‬ ‫تتوخـى الموضوعيـة قـد‬ ‫الجـادة التـي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تهافتها‪.‬‬ ‫عـاءات‪،‬‬ ‫االد‬ ‫هاتـه‬ ‫ّـدت‬ ‫فن‬ ‫وبينـت ُ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫التاريخيـة‬ ‫الوقائـع‬ ‫كذلـك‪،‬‬ ‫كشـفت‪،‬‬ ‫بـل‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّيـون‪،‬‬ ‫لة أنـه لـوال‬ ‫ّ‬ ‫المسـج ُ‬ ‫السـكان المحلّ‬ ‫ّ‬ ‫تمكـن اإلنسـان‬ ‫ولـوال مسـاعداتهم‪ ،‬لمـا َّ‬


‫األوروبي من وضع قدميه على األرض‪،‬‬ ‫وتثبيتهمـا‪ ،‬خصوصـ ًا إذا علمنـا قسـاوة‬ ‫القارة‪ ،‬واالختالفات‬ ‫المناخ الشمالي في ّ‬ ‫الكبيـرة في الثّقافة والغذاء‪ ،‬وغيرها من‬ ‫المشاكل التي اعترضت اإلنسان األوروبي‬ ‫الـذي غـزا المنطقـة طمعـ ًا فـي خيراتهـا‪،‬‬ ‫مسـخرًا‬ ‫وتوسـع ًا في مجاالتها الحيوية‪ِّ ،‬‬ ‫ُّ‬ ‫كل اإلمكانيات التي توافرت لديه إلخضاع‬ ‫ّ‬ ‫سكانها واسـتعبادهم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّيين‪ ،‬نشير‬ ‫ل‬ ‫المح‬ ‫السكان‬ ‫عن‬ ‫حديثنا‬ ‫وفي‬ ‫ّ‬ ‫إلى أنهم وفدوا من سـيبيريا اآلسـيوية‪،‬‬ ‫ومـروا عبـر المضيـق الفاصـل بيـن‬ ‫ّ‬ ‫القارتين‪ :‬األميركية‪ ،‬واآلسيوية‪ ،‬وهو ما‬ ‫ّ‬ ‫بيرينغ «‪Bering‬‬ ‫عرف‪ ،‬اليوم‪ ،‬بمضيق‬ ‫ْ‬ ‫ُي َ‬ ‫‪ .»Strait‬وكان هؤالء الوافدون يعتمدون‬ ‫على الصيد لتلبية حاجاِتهم‪ ،‬وتنقَّلوا إلى‬ ‫أن بلغـوا نهر كولومبيـا «‪،»Columbia‬‬

‫وفـي أثنـاء هـذا االنتقـال‪ ،‬انطالقـ ًا مـن‬ ‫أراضي «أالســكا‪ »Alaska -‬قادمين إليها‬ ‫من شبه جزيرة «تشكوتكا‪»Chukotka -‬‬ ‫الحاليـة‪ ،‬واجهـوا أقوامـ ًا‬ ‫فـي سـيبيريا‬ ‫ّ‬ ‫آخريـن‪ ،‬فمنهـم من قاتلوهـم‪ ،‬ومنهم من‬ ‫تقاسـموا معهم األرض‪ ،‬شـأنهم في ذلك‬ ‫تجمعـات بشـرية أخـرى‪ ،‬فـي‬ ‫شـأن ّ‬ ‫أيـة ُّ‬ ‫باقي مناطـق العالم‪.‬‬ ‫التنـو ُع‪ ،‬فـي المناطق التي‬ ‫وقـد أفـاد هـذا‬ ‫ُّ‬ ‫اسـتقروا فيهـا‪ ،‬تالقحـ ًا فـي الثّقافـة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والتنـوع‬ ‫ومنهـا الملبـس والمـأكل‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫اللسـاني‪ِ ،‬‬ ‫والخلْقـي؛ مـا أعطـى ألميـركا‬ ‫الشـمالية أسسـ ًا إنسـانية فـي التعاطـي‬ ‫مـع المسـتجّدات‪ ،‬خصوصـ ًا أنهـم أقاموا‬ ‫التنوع‪ ،‬من‬ ‫في مناطق شاسـعة شـديدة‬ ‫ُّ‬ ‫ومناخهـا‪ ،‬ومنتوجهـا‬ ‫طبيعتهـا‪،‬‬ ‫حيـث‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الزراعـي‪ ،‬والحيوانـي‪ ،‬وعلـى مسـتوى‬

‫غطائهـا النباتـي‪ .‬فتراوحـت بيـن غابـات‬ ‫مداريـة حتى مناطق‬ ‫مطيـرة إلـى سـهول ّ‬ ‫ِ‬ ‫التكيف‪ -‬بحسب‬ ‫متجمدة؛ ما فرض‬ ‫حاالت ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫جيلا‬ ‫كل منطقـة‪ -‬علـى مـن يقيـم فيهـا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مـن بعـد جيـل‪.‬‬ ‫امتـد علـى طـول‬ ‫قـد‬ ‫البشـري‬ ‫التنـوع‬ ‫إن‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫فتنوعـت القبائـل‬ ‫القـارة‪ ،‬وعرضهـا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وتنوعـت أسـاطيرها‪ ،‬حتـى‬ ‫واأللسـن‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫يقل عن ‪ 300‬لغة‪ ،‬حتى قيل‬ ‫بلغـت مـا ال ّ‬ ‫إن «عدد القبائل هو عدد النجوم نفسها»‪.‬‬ ‫التنوع الحاصل‪،‬‬ ‫لكن‪ ،‬على الرغم من هذا ُّ‬ ‫وتتكرر‬ ‫‪،‬‬ ‫دائمة‬ ‫الحاجة إلى الهجرة‬ ‫كانت‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ربما‪ -‬كان‬ ‫بصفـة كبيرة‪ ،‬ومتعـّددة‪ .‬بل‪َّ -‬‬ ‫هـذا جـزءًا من بنيـة القـوم وتفكيرهم(‪.)1‬‬ ‫وضعهـم كذلـك إلـى أن حصـل‬ ‫واسـتمر‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫التحـول األبديـة‬ ‫نقطـة‬ ‫خطيـر؛‬ ‫تحـو ٌل‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫القارة‬ ‫تاريـخ‬ ‫فـي‬ ‫شـيء‬ ‫كل‬ ‫غيـرت‬ ‫التـي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪53‬‬


‫األيبيرييـن إلـى‬ ‫والعالـم‪ ،‬وهـو وصـول‬ ‫ّ‬ ‫المنطقـة‪ ،‬سـنة ‪ ،1492‬عقـب التخلُّـص‬ ‫مـن اليهـود والعـرب وطردهـم منهـا‪،‬‬ ‫لتبـدأ فصـول جديـدة مـن تاريـخ المنطقة‬ ‫والعالم‪.‬‬ ‫تواج ُـه الـدارس لثقافـة أميـركا الشـمالية‬ ‫ِ‬ ‫ات وصعوبـات‪ ،‬مـن‬ ‫إشـكالي‬ ‫األصليـة‬ ‫ّ ٌ‬ ‫صعوبـة التفريـق بيـن األسـاطير‬ ‫أهمهـا‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫المرويـة‬ ‫القصـص‬ ‫وبيـن‬ ‫والخرافـات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والمتداولة‪ ،‬فالشعوب األميركية األصلية‬ ‫مسـمى «القصـص»‬ ‫نفسـها تطلـق عليهـا ّ‬ ‫(‪ )Stories‬لتصنيف القصص الحقيقية‪،‬‬ ‫و«القصـص األسـطورية» للتعبيـر عـن‬ ‫تتحـدث عـن‬ ‫القصـص الخرافيـة‪ ،‬التـي‬ ‫َّ‬ ‫الخلـق والخليقـة‪ .‬ومـن الصعوبات التي‬ ‫مرويـات‪،‬‬ ‫كل ذلـك‬ ‫يواجههـا الـدارس أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكـون هاتـه الشـعوب لم تكن تتوفّر على‬ ‫لغة مكتوبة‪ ،‬بحسـب ما يورده من تفقّه‬ ‫ثالثينيـات القـرن‬ ‫فـي دراسـتهم‪ ،‬فحّتـى‬ ‫ّ‬ ‫التاسـع عشـر‪ ،‬لـم تكـن تلـك القصـص‬ ‫نة في قراطيس‪ ،‬بحسب‬ ‫مدو ً‬ ‫واألسـاطير َّ‬ ‫أنفسـهم‪ .‬غيـر أن‬ ‫ـون‬ ‫األوروبي‬ ‫يقدمـه‬ ‫مـا ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫كل قرية أو قبيلة كانت‬ ‫تأكـد هو أن ّ‬ ‫الـذي َّ‬ ‫ِ‬ ‫ذاكرة لتلك‬ ‫عد‬ ‫ً‬ ‫تتوفَّر على شيخ ُمس ّ‬ ‫ـن‪ُ ،‬ي ُّ‬ ‫الفعلي‬ ‫ص‬ ‫شخ‬ ‫والم‬ ‫ِّ‬ ‫المنطقة‪ ،‬وهو الحافظ ُ‬ ‫ّ‬ ‫شـفهياً‪.‬‬ ‫المروي‬ ‫لذلـك المأثـور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫خرافة الغراب وعالم اآلخرة!‬ ‫الغـراب من أكثر الشـخوص‬ ‫ُيعـّد حيـوان‬ ‫ُ‬ ‫التـي تسـتأثر باالهتمـام فـي القصـص‬ ‫الشـعبية‪ ،‬والتـي لهـا تأثيـر فـي التـراث‬ ‫فالغـراب‬ ‫األصلييـن؛‬ ‫للسـكان‬ ‫الشـعبي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫عد قتُله خط ًأ جسيماً‪،‬‬ ‫وي‬ ‫ً(‪.)2‬‬ ‫ال‬ ‫أو‬ ‫ُ ُّ‬ ‫مقّدس‪َّ ،‬‬ ‫يصـل إلـى درجـة التحريـم؛ ذلـك أن‬ ‫الغراب‪ -‬بحسب هاته المعتقدات‪ -‬ساهم‬ ‫قـدم علـى أسـاس‬ ‫وي َّ‬ ‫فـي خلـق األرض‪ُ ،‬‬ ‫المتقدمـة‪.‬‬ ‫والسـن‬ ‫ِّـل الحكمـة‬ ‫ّ‬ ‫كوِنـه يمث ُ‬ ‫ِّ‬ ‫وهـو‪ ،‬بذلـك‪ ،‬يمثِّـل مـا يحتضنـه مـن‬ ‫الغراب‪ -‬بحسـب‬ ‫رمـز للتجربة‪ .‬وسـاهم‬ ‫ُ‬ ‫معتقداتهم‪ -‬في تعليم الناس الحياة على‬ ‫وخلْق‬ ‫األرض؛ فهو َم ْن َجَلب معه النور‪َ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫ال عن الماء‬ ‫وكل‬ ‫الحيوانات‪ ،‬فض ً‬ ‫األرض‪ّ ،‬‬ ‫العذب(‪ .)3‬غير أن المفارقة التي يمكن أن‬ ‫نشير إليها هي أن الغراب‪ ،‬على قداسته‬ ‫ـن َأ ْح َضَر النـار إلى األرض‪،‬‬ ‫تلـك‪ ،‬هـو َم ْ‬ ‫ومـع العلـم بمـا فيهـا مـن فوائـد‪ّ ،‬إل أنـه‬ ‫فاسـو َّد لونـه‪ ،‬وكأنـه‬ ‫ض لعقوبـة‬ ‫تعـر َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫‪54‬‬

‫التفحم‪.‬‬ ‫احتـرق إلـى درجـة‬ ‫ُّ‬ ‫سـكان كنـدا‬ ‫وإلـى جانـب ذلـك‪ ،‬نجـد ّ‬ ‫األصلييـن يعتقـدون أن الغـراب بإمكانـه‬ ‫ّ‬ ‫أن يخـدع الذيـن يمارسـون الخـداع‪،‬‬ ‫رد االعتبـار‪،‬‬ ‫أيضـاً؛ وفـي هـذا نـوع مـن ّ‬ ‫السـيئة‪ .‬وهـو مـا يمكـن‬ ‫وردع األخلاق ِّ‬ ‫بعـض عشـائر‬ ‫تمييـز‬ ‫يفسـر سـبب‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أن ِّ‬ ‫جنـوب أالسـكا(‪ )4‬بيـن غرابيـن‪ :‬الغراب‬ ‫الثّقافي الذي ذكرناه في البداية‪ ،‬والغراب‬ ‫يتفرد‬ ‫المخادع‪ّ .‬‬ ‫أما عن سـواد لونه الذي َّ‬ ‫بقية الطيور المعروفة والمألوفة‪،‬‬ ‫به عن ّ‬ ‫فـإن الحكايات التي تشـير إلـى ذلك‪ ،‬في‬ ‫تراث هاته الشعوب‪ ،‬تقول إنه يعود إلى‬ ‫تعاركـه مـع بـوم‪ ،‬أو طائـر السـنور‪ ،‬أو‬ ‫الغـواص‪ ،‬فُألِقـي عليـه السـواد من‬ ‫ّ‬ ‫البـط ّ‬ ‫َ‬ ‫األلـوان التـي تتوفّـر عليها تلـك الطيور‪،‬‬ ‫فتـرض أنـه تعـارك معهـا(‪.)5‬‬ ‫التـي ُي َ‬ ‫ومـا يمكـن مالحظتـه عـن مسـألة العالـم‬ ‫األخـروي‪ ،‬ومـا يتعلّـق بهـا مـن «عقـاب»‬ ‫أدبيات هاته الشعوب‬ ‫و«ثواب»‪ ،‬نادر في ّ‬ ‫واألقـوام‪ .‬وأغلبيـة الشـعوب والقبائـل‬ ‫األصليـة ألميـركا الشـمالية (ومنهـا كندا)‬ ‫علـوي «‪upper‬‬ ‫بعالـم‬ ‫ال تؤمـن سـوى‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫فمثلا‪ :‬فـي قصـة «رحلـة نحـو‬ ‫‪،»world‬‬ ‫ً‬ ‫السـماء‪»Journey to the Sky -‬‬ ‫التـي تتناقلهـا قبائـل «ألبامـا‪ -‬كوشـاتا‪-‬‬ ‫تتعـرض‬ ‫‪،»Alabama-Coushatta‬‬ ‫َّ‬

‫ومطبـات كثيـرة‪ ،‬فـي‬ ‫الـروح لعراقيـل‬ ‫ّ‬ ‫القصة‬ ‫رحلتها نحو السماء‪ .‬وتستعرض ّ‬ ‫مياهـ ًا عظيمـة وأمكنة تجتاحها األفاعي‪.‬‬ ‫فهـذه مـن ضمـن المشـاكل واالبتلاءات‬ ‫التـي يواجههـا اإلنسـان في هاتـه الرحلة‬ ‫األخرويـة‪ ،‬إن جـاز لنـا اسـتخدام هـذا‬ ‫التعبير‪ .‬وال تكتفي الحكاية األسـطورية‬ ‫بما سـبق‪ ،‬بل تضيف إليه ِم َحن ًا أخرى‪،‬‬ ‫كل مـن‬ ‫ليـس أقلّهـا النسـر الـذي يهاجـم َّ‬ ‫يتحـرك طيلـة هاتـه الرحلـة المحفوفـة‬ ‫َّ‬ ‫بشـّتى أنـواع المخاطـر التـي تعتـرض‬ ‫اإلنسـان فـي رحلتـه األبديـة تلـك(‪.)6‬‬ ‫كل‬ ‫دفن مع ّ‬ ‫ولمواجهـة النسـر المخيـف‪ُ ،‬ي َ‬ ‫ٍ‬ ‫سـكين كبيـر لمسـاعدته فـي تلـك‬ ‫هالـك ّ‬ ‫المعركة‪ ،‬ويصل اإلنسـان إلى آخر عقبة‬ ‫مرور اإلنسـان من تحت‬ ‫تعترضه‪ ،‬وهي ّ‬ ‫قبة سماوية‪ ،‬ترتفع وتصعد فوقه‪ ،‬على‬ ‫ّ‬ ‫حافّـة األرض‪.‬‬ ‫___________________________‬ ‫*أكاديمي مغربي مقيم في كندا‪.‬‬ ‫___________________________‬ ‫هوامش‪:‬‬ ‫‪1- Encyclopedia of World Mythology, ed.‬‬ ‫‪Arthur Cotterell, 2008, Indonesia, p. 266.‬‬ ‫‪ - 2‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.276 .‬‬ ‫‪ - 3‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.277 .‬‬ ‫«تلينْغيت» (‪)Tlingit‬‬ ‫‪ - 4‬خصوص ًا شعب ْ‬ ‫‪ : 6 - 5‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.277 .‬‬


‫على ظهر سلحفاة!‬

‫رانيا سعد *‬ ‫أسـرار اهلل؛ فهي الكوكب‬ ‫سـر من‬ ‫ِ‬ ‫األرض ٌّ‬ ‫ٍ‬ ‫العظيم السابح في ملكوت أعظم‪ ،‬والذي‬ ‫يتلأأل مثـل بلّـورة مضيئة تعكس أطياف ًا‬ ‫مـن نـور سـديم الكـون‪ ،‬وهـي‪ -‬أيضـاً‪-‬‬ ‫أسـطورة الشـعوب وشـغف اإلنسـان‬ ‫ومحـور أحالمه ومخاوفه‪ .‬وقد تناولتها‬ ‫القديمـة بقصـص شـّتى‪،‬‬ ‫األسـاطير‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫خرافات ألهمت‬ ‫الشـعوب‬ ‫حولهــا‬ ‫وغزلت‬ ‫ُ‬ ‫كل المجـاالت‪،‬‬ ‫فنّانيهـا ومبدعيهـا فـي ّ‬ ‫تتشـكل‬ ‫فراحـت تلـك البلّـورة البديعـة‬ ‫َّ‬ ‫عبـر أزمـان عمرهـا المديـد لتعكس صور‬ ‫ٍ‬ ‫عقود‬ ‫فعبر‬ ‫قاطنيها وحيواِتهم المختلفة‪ْ .‬‬ ‫ٍ‬ ‫األرض (والزالـت) هـي‬ ‫طويلـة‪ ،‬كانـت‬ ‫ُ‬ ‫السكان األصليين‬ ‫محور أسطورة قبائل ّ‬ ‫لكنـدا؛ اقترنـت بحقَّهـم التاريخـي فـي‬ ‫ملكيـة األرض التـي توارثوهـا عـن‬ ‫ّ‬

‫أجدادهـم‪ ،‬وبصراعهـم الطويـل مـع‬ ‫الحكم الكولونيالي الذي تمثَّل في الرجل‬ ‫األبيـض القـادم مـن وراء البحار‪ ،‬والذي‬ ‫فـرض سـطوته علـى األرض وحضارتها‬ ‫القديمة وأسـطورتها التاريخية‪ .‬ويعتقد‬ ‫السـكان األصليـون لكنـدا أن األرض قـد‬ ‫ّ‬ ‫تشـكلت علـى ظهـر سـلحفاة ضخمـة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫شـكلها غـواص عظيـم‪ ،‬غـاص في باطن‬ ‫َّ‬ ‫أعماقها مستخرج ًا ذلك الطمي العجائبي‬ ‫شـك َل بـه سـطحها‪ .‬األرض‪ ،‬عنـد‬ ‫الـذي َّ‬ ‫األم‬ ‫قبائـل اإلنويـت والميتيـس‪ ،‬هـي ّ‬ ‫المقدسـة والملهِمـة التـي ُسـِلبت منهـم‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ـط‪ ،‬اسـترجاعها‪.‬‬ ‫ولـم يسـتطيعوا‪َ ،‬ق ّ‬ ‫كل االّتفاقيـات والمواثيق‬ ‫وبالرغـم مـن ّ‬ ‫برمـت‪ ،‬علـى مـدار العصـور‪،‬‬ ‫التـي ُأ ِ‬ ‫األصلييـن‬ ‫السـكان‬ ‫بيـن قـادة قبائـل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والحكومـات الكولونياليـة المتعاقبـة‪،‬‬ ‫التـي ضمنـت لهـذه القبائـل بعضـ ًا مـن‬

‫حقوقهـم فـي األرض‪ّ ،‬إل إنهـا كانـت‬ ‫(وال تـزال) مـن بـاب المنـح المشـروط‬ ‫خاصـة‪،‬‬ ‫باإلقامـة الدائمـة فـي‬ ‫محميـات ّ‬ ‫ّ‬ ‫ينقصهـا الكثيـر مـن الخدمـات الحيويـة‪.‬‬ ‫غصـة‬ ‫ظلَّـت تلـك االّتفاقيـات التاريخيـة ّ‬ ‫األصلييـن‬ ‫السـكان‬ ‫فـي قلـوب شـعوب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حريتهـم‪ ،‬وشـهدوا فنـاء‬ ‫الذييـن فقـدوا ّ‬ ‫المقدسـة‪.‬‬ ‫أسـطورة أرضهـم‬ ‫َّ‬ ‫دور أصيـل فـي الحفـاظ علـى‬ ‫َ‬ ‫وللف ّ‬ ‫ـن ٌ‬ ‫األسـطورة‪ ،‬وغزلهـا مـع الواقـع‪،‬‬ ‫ولطالمـا كانـت معانـاة قبائـل السـكان‬ ‫األصلييـن لكنـدا‪ ،‬وصراعهـم التاريخـي‬ ‫ّ‬ ‫مـع الحكـم الكولونيالـي‪ ،‬نـواة اإللهـام‬ ‫للعديـد مـن أعمـال فنّانـي تلـك القبائـل‬ ‫الذيـن سـخروا َفنّهـم لتخليـد أسـطورة‬ ‫األرض‪.‬‬ ‫كنـدي‬ ‫تشـكيلي‬ ‫ّـان‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫منكمـان»‬ ‫«كينـت‬ ‫ّ‬ ‫معاصـر‪ ،‬مـن أصـول قبائـل «الكريـي»‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫الفنّي‪ ،‬القت أعماله‬ ‫في بدايات مشواره َ‬ ‫كثيـر ًا مـن النقـد؛ نظـر ًا لتناولـه الصراع‬ ‫السـكان‬ ‫الحضـاري بيـن حضـارة قبائل‬ ‫ّ‬ ‫األصلييـن والحضـارة الكولونياليـة‪.‬‬ ‫قـّدم «منكمـان» لوحـات تعكـس ً‬ ‫رؤى‬ ‫حادة‪ ،‬شديدة السخرية لحضارة الرجل‬ ‫ّ‬ ‫األبيـض الـذي أهـان األرض‪ ،‬وحـاول‬ ‫دحـض أسـطورتها وحضـارة أبنائهـا‪،‬‬ ‫تنوعت بين لوحات‬ ‫ّي ًة َّ‬ ‫كما قّدم أعما ًال َفنّ‬ ‫زيتيـة‪ ،‬وأخرى نحتيـة ثالثية األبعاد‪،‬‬ ‫باإلضافـة إلـى إخـراج أفلام قصيـرة‪.‬‬ ‫وفـي أعمالـه‪ ،‬يطـرح «منكمـان» قراءته‬ ‫الخاصـة للتاريـخ الكولونيالـي لكنـدا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تصـور ًا فرضيـ ًا سـاخراً‪ ،‬بـل‬ ‫م‬ ‫ويقـد‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫الحضارتْيـن‪:‬‬ ‫عابثـاً‪ ،‬للعالقـة بيـن‬ ‫َ‬ ‫ِّلـة‬ ‫الكريـي‪ ،‬والكولونياليـة‪ ،‬متمث ً‬ ‫فـي الرجـل األبيـض‪ ،‬محـاو ًال إرسـاء‬ ‫قواعـد حضارتـه الضحلـة فـي مواجهـة‬ ‫األصلييـن للأرض‪ ،‬المقاومين‬ ‫السـكان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫السـاخرين والعابثيـن بتلـك الحضارة؛‬ ‫‪56‬‬

‫للحفاظ على أسـطورة أرضهم‪ .‬تعكس‬ ‫اإلنسـاني‬ ‫أعمـال «منكمـان» الصـراع‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الهوية اإلنسـانية‪،‬‬ ‫األبـدي للحفاظ على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مـن خلال أسـطورة األرض المتالحمـة‬ ‫مـع التاريـخ السياسـي‪ ،‬والتاريـخ‬ ‫الجغرافـي لكنـدا‪.‬‬ ‫المثيـر فـي عالـم األسـاطير أنهـا ال‬ ‫تنتهـي بانتهـاء ِحَقِبهـا التاريخيـة‪ ،‬بـل‬ ‫تتمـّدد خـارج نطاقهـا التقليـدي لتمتـزج‬ ‫حداثـة وشـموالً؛ مفاهيم‬ ‫بمفاهيـم أكثـر‬ ‫ً‬ ‫قـادرة علـى توصيـل رسـائل إنسـانية‬ ‫تنوعـ ًا مـن‬ ‫إلـى نطـاق أوسـع وأكثـر ُّ‬ ‫الثّقافـات‪.‬‬ ‫كنديـة مـن‬ ‫ّانـة‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫بلكـورت»‬ ‫«كريسـتي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫األم‪،‬‬ ‫قبائـل «الميتيـس»‪ُ ،‬محّبة لألرض ّ‬ ‫ومهتمة بالحفاظ على تراث «الميتيس»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وشـغوفة بنشـره‪ ،‬عالميـاً‪ ،‬مـن خلال‬ ‫ـن‬ ‫َفنّهـا‪ .‬تعكـس لوحـات «بلكـورت» َف ّ‬ ‫الزخـارف التقليـدي فـي قبيلتها‪ ،‬والذي‬ ‫رئيسـا‬ ‫يصور األرض‪ ،‬بوصفها مصدر ًا‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬

‫للجمال والخصوبة‪ .‬في اآلونة األخيرة‪،‬‬ ‫أصبحـت لوحات «بلكورت» مصدر إلهام‬ ‫جاعلة من‬ ‫مصممـي األزيـاء‪،‬‬ ‫للعديـد مـن‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫الزخـارف التقليديـة لقبائـل «الميتيـس»‬ ‫لغة بصرية تخلِّد ذكرى أسطورة األرض‬ ‫األم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫األصليين‪،‬‬ ‫ان‬ ‫السك‬ ‫من‬ ‫كندا‪،‬‬ ‫ّانو‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫يظل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فاعلي ًة في الحفاظ‬ ‫الداعم األقوى واألكثر‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫موروثـات قبائلهـم‪ ،‬واسـتحداث‬ ‫علـى‬ ‫وسائل إعادة إنتاجها ونشرها‪ ،‬ثقافياً‪،‬‬ ‫إنسـاني أوسـع‪ .‬والتـزال‬ ‫علـى نطـاق‬ ‫ّ‬ ‫األم‪ -‬رغـم تعاقـب‬ ‫األرض‬ ‫أسـطورة‬ ‫ّ‬ ‫األجيال‪ -‬ترفض الخضوع لقهر النسيان‪،‬‬ ‫عزيمـة األزهار‬ ‫وتبـث فـي أرواح أبنائهـا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫والبقاء‪.‬‬ ‫___________________________‬ ‫* فنّانـة تشـكيلية مصريـة مقيمـة فـي‬ ‫كنـدا‪.‬‬


‫تتم َّيز مقاطعة كيبك‪ ،‬أو القبقب‪ ،‬بخصائص‬ ‫تجعلها األكــثــر تــف ـرّداً بين كـ ّ‬ ‫ـل مقاطعات قــارّة‬ ‫أمــيــركــا الــشــمــالــيــة ووالي ــات ــه ــا‪ .‬لــيــس‪ ،‬فــقــط‪،‬‬ ‫بسبب اعــتــمــاد الفرنسية لــغـ ًـة أول ــى لهذه‬ ‫المقاطعة مترامية األطـ ــراف‪ ،‬بــل‪ -‬أيــضـ ًا‪-‬‬ ‫بسبب الــثــراء الـ ّثــقــافــي والــطــابــع األوروبـــي‬ ‫الغالب على كـ ّ‬ ‫ـل مــفــردات الحياة فــي هذا‬ ‫المكان الــبــديــع‪ .‬فرغم تخ ّلي اإلمبراطورية‬ ‫الفرنسية عن كيبك‪ ،‬والتي ُعر ِ َفت‪ ،‬لسنوات‪،‬‬ ‫باسم فرنسا الجديدة‪ ،‬إ ّلا أن شعب المقاطعة‬ ‫حا َف َ‬ ‫ظ‪ ،‬بشغف‪ ،‬على هويّته الفرنسية‪.‬‬

‫شبح بال رأس‬ ‫وسط مونتريال!‬ ‫د‪ .‬أسامة عالم*‬ ‫ملمح ًا وتعريف ًا‬ ‫ٍّ‬ ‫كتحد يحمل لهذا الشـعب َ‬ ‫ّيـة فـي وسـط طوفـان‬ ‫ل‬ ‫وكأق‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫د‬ ‫متفـر‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫األنجلوفونيـة الـذي قادتـه الواليـات‬ ‫القويـة‬ ‫المتحـدة األميركيـة‪ ،‬الجـارة‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫صاحبـة الثّقافـة الطاغيـة والتـي غـزت‬ ‫تصـدره‬ ‫العالـم بإنتـاج هوليـوود ومـا‬ ‫ِّ‬ ‫مـن ثقافـة (الماكدونالـد) و(البيتزاهت)‪،‬‬ ‫اسـتطاع أبنـاء كيبـك الحفـاظ علـى‬ ‫الخاصـة‪ ،‬لكـن‬ ‫قصصهـم وأسـاطيرهم‬ ‫ّ‬ ‫بانفتـاح الفـت علـى ثقافـة اآلخـر؛ هـذا‬

‫اآلخـر المتمثِّـل فـي ثقافـة المهاجريـن‬ ‫الذيـن يأتـون إلـى المقاطعـة بـاآلالف‪،‬‬ ‫كل عـام‪ ،‬مـن جهـات العالـم األربـع‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫باإلضافـة إلـى ثقافـة المواطنيـن‬ ‫اسـتقروا بـأرض‬ ‫األصلييـن الذيـن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المقاطعـة‪ ،‬مـن آالف السـنين‪ ،‬ليتأثّـر‬ ‫الفولكلور الكيبكي بحكايات المهاجرين‬ ‫األصليين معـاً‪ ،‬صانع ًا عالم ًا‬ ‫والسـكان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتفـردة‪ ،‬وإن تشـابه‬ ‫تـه‬ ‫خصوصي‬ ‫لـه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مـع الخيـال اإلنسـاني‪ ،‬فـي عمومـه‪.‬‬ ‫وفيما يلي حكايتان من كيبك‪ :‬إحداهما‬ ‫«القـارب الطائر»‪ ،‬وتشـتهر فـي الثّقافة‬

‫الكنديـة بـ«الكانـو الطائـر»‪ .‬و«الكانـو»‬ ‫هـو االسـم الكيبكـي لقـارب طويـل‪،‬‬ ‫سـتخدم فـي الرياضـات المائيـة فـي‬ ‫ُي َ‬ ‫بقصة البساط‬ ‫ُّر‬ ‫التأث‬ ‫نرى‬ ‫وفيها‬ ‫كيبك‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫السـحري التـي تنتمـي إلـى الثّقافـة‬ ‫العربيـة القديمـة‪ ،‬والثانيـة حكايـة‬ ‫شـعبية عـن أشـباح الموتـى الذيـن‬ ‫تتعـذَّب أرواحهـم بسـبب القتـل بطريقة‬ ‫بشـعة‪ .‬ومـن خلال الحكايتيـن‪ ،‬يبـدو‬ ‫مخيلـة اإلنسـان‪،‬‬ ‫التشـابه قائمـ ًا فـي‬ ‫ِّ‬ ‫مهمـا كانـت الفـروق‪ :‬الجغرافيـة‪،‬‬ ‫واالقتصاديـة‪ ،‬واالجتماعيـة‪.‬‬ ‫‪57‬‬


‫القارب الطائر‬ ‫منـذ زمـن طويـل‪ ،‬كان هنـاك‪ ،‬فـي قلـب‬ ‫الغابـة الشاسـعة‪ ،‬مجموعة من قاطعي‬ ‫األخشـاب‪ .‬يقهـرون بـرودة الشـتاء‬ ‫والوحـدة القاسـية بالكثيـر مـن العمـل؛‬ ‫يقطعـون األشـجار العمالقـة منتظريـن‬ ‫سـقوطها فـوق الثلـوج المتراكمـة فـي‬ ‫يحددونها‪ .‬كـم كان العمل‬ ‫األماكـن التـي ِّ‬ ‫شـاّقاً‪ ،‬ووحدتهـم قاسـية‪ ،‬بعيـد ًا عـن‬ ‫نسـائهم‪.‬‬ ‫وفـي ليلـة بدايـة عـام جديـد‪ ،‬تسـاقطت‬ ‫الثلـوج بغـزارة‪ ،‬لـم يعرفهـا قاطعـو‬ ‫فتعطل العمل‪ ،‬واختبأ الرجال‬ ‫األشجار‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫في أكواخهم مسـتدفئين بشـراب الروم‪،‬‬ ‫وبالحديـث عـن ذكريـات ُأ َسـرهم فـي‬ ‫ليالـي األعيـاد المبهجـة‪ ،‬ليصيح شـاب‬ ‫اسـمه باتيسـت‪« :‬كـم أتمنّـى أن أعـود‬ ‫إلـى البيت‪ ،‬وأقابل خطيبتي الحبيبة»‪،‬‬ ‫فسخر الرجال من أمنيته الساذجة‪ ،‬لكن‬ ‫رد بإصرار‪« :‬من منكم يريد أن‬ ‫باتيست َّ‬ ‫يعـود إلـى بيتـه الليلـة؟»‪ .‬كانت السـماء‬ ‫قـد أسـقطت أكثـر مـن مترين مـن الثلوج‬ ‫التـي لـم تتوقَّـف بعد‪.‬‬ ‫‪58‬‬

‫تسـاءل الرجـال‪« :‬وهـل سنسـتطيع‬ ‫الجـو القاتـل؟»‪ ،‬فأجاب‬ ‫المشـي فـي هـذا‬ ‫ّ‬ ‫باتسـيت‪« :‬بـل سـنطير إلـى القريـة فـي‬ ‫المخيـم»‪ .‬كان‬ ‫المرمـي خلـف‬ ‫قاربـي‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫باتيسـت قـد عقـد الصفقـة مـع الشـيطان‬ ‫علـى أن يجعـل قاربه يطير إلى القرية‪.‬‬ ‫يتوجـب علـى باتيسـيت‬ ‫وفـي المقابـل‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وأصدقائـه أن يعـودا قبـل انتهـاء الليلة‬ ‫وبدايـة العـام الجديـد‪ّ ،‬‬ ‫وإل سـيحتفظ‬ ‫الشـيطان بأرواحهـم جميعـاً‪ .‬ولتنفيـذ‬ ‫الرحلة األسـطورية‪ ،‬كان على باتسـيت‬ ‫ورفاقـه ّأل يطيـروا فـوق كنيسـة‪ ،‬أو‬ ‫األهم‬ ‫يلمسوا ّ‬ ‫أي صليب‪ ،‬طوال الرحلة‪ّ .‬‬ ‫أن عليهـم أن يمتنعـوا‪ ،‬تمامـاً‪ ،‬عـن ذكر‬ ‫الـرب‪ ،‬طـوال الرحلـة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ورغـم أن الكثيـر مـن الرجـال رفضـوا‬ ‫عـرض باتسـيت العجيـب‪ّ ،‬إل أنـه‪،‬‬ ‫وسبعة من الرجال‪ ،‬ركبوا القارب الذي‬ ‫ً‬ ‫طـار إلـى قريتهـم البعيدة‪ ،‬بعد أن نطق‬ ‫باتيسـت بكلماتـه السـحرية «أكابريس‪،‬‬ ‫أكبـارس‪ ،‬أكابـرام»‪.‬‬ ‫س الشـيطان جسد باتيست‪،‬‬ ‫عندها‪َّ ،‬‬ ‫تلب َ‬ ‫وطـار القـارب نحـو القريـة البعيـدة‪.‬‬ ‫طويلا‪ ،‬قبل أن يسـمعوا‬ ‫َج َّـدف الرجـال‬ ‫ً‬

‫صيحـات نسـائهم المبتهجـات بعودتهم‬ ‫إلـى الديـار‪ ،‬فاحتفلـوا معـاً‪ ،‬بالكثيـر‬ ‫مـن الرقـص والشـراب‪ .‬وقبـل أن تذهـب‬ ‫السـعادة والخمـر بعقولهـم‪ ،‬أدرك‬ ‫الرجال أن الليلة شارفت على االنتهاء‪،‬‬ ‫وأن عليهـم العـودة إلـى القارب حتى ال‬ ‫يختطـف الشـيطان أرواحهـم‪.‬‬ ‫طويلا عـن باتسـيت‪ ،‬فوجـدوه‬ ‫بحثـوا‬ ‫ً‬ ‫لا ‪ ،‬تحـت أحـد‬ ‫غارقـ ًا فـي النـوم‪َ ،‬ثِم ً‬ ‫موائـد الطعـام‪ .‬فحملـوه إلـى القـارب‬ ‫وجد فوا‬ ‫ونطقوا بالتعويذة السـحرية‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫باتجـاه معسـكرهم فـي الغابـة‪ .‬وألنهم‬ ‫ِّ‬ ‫يعرفـون رعونـة باتسـيت‪َ ،‬ق َّيـدوه‪،‬‬ ‫وأغلقـوا فمـه كـي ال يتحـّد ث بذكـر‬ ‫الـرب ‪ ،‬إن اسـتيقظ‪ .‬لكـن باتسـيت‬ ‫ّ‬ ‫يحـر ر‬ ‫الـذي أفـاق‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فجـأة ‪ ،‬كافـح كـي ّ‬ ‫متحد ثـ ًا إلـى نفسـه بصـوت‬ ‫قيـوده‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫قيدنـي‪ ،‬هكـذا‪،‬‬ ‫لمـاذا‬ ‫إلهـي‪،‬‬ ‫«يـا‬ ‫عـال ‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫هـؤالء الحمقـى؟»‪ .‬وعندمـا ُنطـق اسـم‬ ‫الـرب ‪ ،‬هـوى القـارب نحـو أشـجار‬ ‫ّ‬ ‫الغابـة الكثيفـة‪ ،‬قبـل أن يختفـي فـي‬ ‫الظلام‪ .‬ومـن يومهـا‪ ،‬لـم ُي َـر باتيسـت‬ ‫والرجـال السـبعة أبـد اً‪.‬‬


‫شبح المرأة‬ ‫التي ليس لها رأس‬ ‫القصة الشـعبية عام‬ ‫تمـت أحـداث هـذه ّ‬ ‫َّ‬ ‫‪ ،1879‬يـوم ‪ 27‬يونيو‪/‬حزيـران‪،‬‬ ‫تحديـداً‪ ،‬فـي المنـزل رقـم (‪ ،)242‬فـي‬ ‫وليـم‪ ،‬وسـط مدينـة مونتريال‪.‬‬ ‫شـارع َ‬ ‫تأهبـت سـوزان‬ ‫ففـي الليلـة (‪َّ ،)26‬‬ ‫كينيـدي‪ ،‬برفقـة مـاري كالغيـر‪ ،‬للقـاء‬ ‫أحـد الزبائـن‪ ..‬انتقـل الثالثة إلى منزل‬ ‫سـوزان كينيدي‪،‬رقـم (‪ ،)242‬شـارع‬ ‫وليـم‪ .‬وبعـد السـهر‪ ،‬انصـرف ميشـيل‬ ‫َ‬ ‫فلنجـن رفقـة مـاري‪ ..‬وفـي الصبـاح‪،‬‬ ‫تشـاجرت الفتاتـان حتى قتلت سـوزان‬ ‫كينيدي رفيقتها ماري كالغير بالبلطة‪،‬‬ ‫ل‬ ‫وفصلـت رأسـها‪ .‬أوقفـت الشـرطة ُكّ ً‬ ‫من سـوزان كينيدي‪ ،‬وميشـيل فلنجن‪،‬‬ ‫لتتـم تبرئـة‬ ‫بتهمـة قتـل مـاري كالغيـر‪،‬‬ ‫َّ‬

‫ميشـيل فلنجـن‪ ،‬بينمـا حكمـت المحكمـة‬ ‫علـى سـوزان كينيـدي بالقتـل شـنقاً‪،‬‬ ‫لي َخفَّـف الحكـم إلـى السـجن لمـّدة سـتة‬ ‫ُ‬ ‫عشـر عامـاً‪ .‬لكـن مقتـل مـاري كالغيـر‬ ‫سـكان‬ ‫الدرامـي َّ‬ ‫ظـل عالقـ ًا فـي ذاكـرة ّ‬ ‫وليـم‪ .‬فبعـد سـبع سـنوات مـن‬ ‫شـارع َ‬ ‫سكان المنطقة‬ ‫أكَد العديد من ّ‬ ‫الجريمة‪َّ ،‬‬ ‫مشـاهدتهم شـبح امـرأة بلا رأس‪،‬‬ ‫يمشـي فـي محيـط المنـزل الـذي وقعـت‬ ‫فيـه الجريمـة‪ .‬يختفـي الشـبح‪ ،‬وال‬ ‫يعـاود الظهـور ّإل بعـد سـبع سـنوات‪،‬‬ ‫وفي اليوم نفسـه الذي ُقِتلت فيه ماري‬ ‫كالغيـر‪ .‬ومـن تاريـخ ظهـور الشـبح‪،‬‬ ‫سـكان المنطقـة‬ ‫أول َمّـرة‪ ،‬اعتـاد‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫كل‬ ‫مشـاهدة الشـبح فـي اليـوم نفسـه‪ّ ،‬‬ ‫سـبع سـنوات‪.‬‬ ‫رغـم أن آخـر ظهـور لشـبح المـرأة‬ ‫ـج َل عـام ‪،1928‬‬ ‫التـي ال رأس لهـا‪ُ ،‬س ِّ‬ ‫ّإل أن أسـطورة شـبح مـاري كالغيـر‬

‫ناقـل بيـن األجيـال‪ ،‬وسـط‬ ‫اسـتمرت ُتَت َ‬ ‫َّ‬ ‫ـم تسـمية ‪27‬‬ ‫ت‬ ‫كمـا‬ ‫مونتريـال‪.‬‬ ‫مدينـة‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫كل سبعة أعوام‪ ،‬باسم‬ ‫يوليو‪/‬تموز‪ّ ،‬‬ ‫«يوم ماري كالغير»‪ .‬وفي ‪ 27‬يوليو‪/‬‬ ‫تمـوز‪ ،‬عـام ‪ ،2005‬أرسـلت الكنيسـة‬ ‫الكاثوليكيـة األب تومـاس ماكنتـي‬ ‫إلقامـة الصلـوات‪ ،‬من أجل راحة شـبح‬ ‫مـاري كالغيـر‪ .‬البعـض يعتقـدون بـأن‬ ‫روح مـاري كالغيـر المسـكينة ترقـد‪،‬‬ ‫اآلن‪ ،‬بسلام‪ ،‬فيمـا يحافـظ البعـض‬ ‫كل سـبع‬ ‫اآلخـر علـى عـادة االجتمـاع ّ‬ ‫سـنوات‪ ،‬فـي ‪ 27‬يوليو‪/‬تمـوز‪ ،‬فـي‬ ‫وليـم؛‬ ‫المنـزل رقـم (‪ ،)242‬شـارع َ‬ ‫لالحتفـال‪ ،‬علـى أمـل مشـاهدة شـبح‬ ‫امـرأة بلا رأس!‬ ‫___________________________‬ ‫* أكاديمـي وروائـي مصـري مقيـم فـي‬ ‫كندا‪.‬‬ ‫‪59‬‬


‫القابلة تسمع‬ ‫صوت األرض !‬

‫خالد ذهني*‬ ‫بدأت بالسؤال األول‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ عزيزتي‪ ،‬هل سبق لك الحمل من قبل؟‬‫ نعم‪ ،‬تسع مرات‪.‬‬‫ أوه! هذا مؤسف جّداً‪ .‬هل انتهت جميعها‬‫باإلجهاض؟‬ ‫لدي تسعة أطفال‪ ..‬تسعة أطفال!‬ ‫ ال‪ّ ،‬‬‫ أوه! تعنين أنهم من زوج سابق؟‬‫ ال بل من زوجي هذا!‬‫سـيدتي‪ ،‬لديـك تسـعة أطفـال أحيـاء‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫شـرحت‬ ‫هل‬ ‫وتزورين عيادة عالج عقم؟! ّ‬ ‫لي !‬ ‫لدي تسـعة من الذكور‪ ،‬لكننا فشـلنا في‬ ‫ َّ‬‫مرة‪.‬‬ ‫كل‬ ‫القابالت‬ ‫تبديل‬ ‫رغم‬ ‫فتاة‪،‬‬ ‫إنجاب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪60‬‬

‫َ‬ ‫ط ْرقات خفيفة على باب حجرة مكتبي‪،‬‬ ‫أعلنت بها مم ِّرضة العيادة وصول مريضتي‬ ‫التالية‪ .‬حين استقرّ الزوجان‪ :‬السيد نوتاك‪،‬‬ ‫والسيدة بيتسواك‪ ،‬على المقعدين‬ ‫المقابلين لمكتبي‪ ،‬شعرت بأجواء غريبة في‬ ‫المكان‪ :‬زقزقة عصافير‪ ،‬خششة أقدام على‬ ‫عطري‬ ‫أوراق شجر جا ّفة‪ ،‬ورائحة قويّة لعشب‬ ‫ّ‬ ‫بت بهما‪ ،‬كما هي العادة‪ ،‬وشرعت‬ ‫رح ُ‬ ‫يحترق‪َّ .‬‬ ‫أشرح لهما خطوات لقائي معهما اليوم‪:‬‬ ‫المرَضي‪ ،‬وعن‬ ‫بعض األسئلة عن تاريخهما َ‬ ‫صحتهما اإلنجابية‪ ،‬يليها فحص إكلينيكي‬ ‫ّ‬ ‫سريع للزوجة‪ ،‬ثم مناقشة للتشخيص‬ ‫المبدئي‪ ،‬تأتي‪ ،‬بعدها‪ ،‬الحلول المقترحة‪،‬‬ ‫وفي الختام ّ‬ ‫خطة العمل‪.‬‬

‫يج َّـرم اختيـار جنـس الجنيـن‪،‬‬ ‫فـي كنـدا‪َ ،‬‬ ‫فـي أثنـاء العالج‪ ،‬بالتلقيـح الصناعي أو‬ ‫مـا يعـرف بـ(طفـل األنبوب)‪ّ ،‬إل ألسـباب‬ ‫طبّيـة‪ .‬شـرحت لهمـا القانـون‪ ،‬وتمنَّيـت‬ ‫ّ‬ ‫ألول‬ ‫تكل‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫سـعيد‬ ‫ا‬ ‫يومـ‬ ‫لهمـا‬ ‫ً‬ ‫َّـم الـزوج‪َّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫مـرة‪ :‬ال نريـد تلقيحهـا صناعيـاً‪ .‬نحـن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فقـط‪ ،‬نريـدك أن تقـوم باإلشـراف علـى‬ ‫عملية الوالدة‪ ،‬وتعدنا أن تجعل المولود‬ ‫أنثى‪ .‬عدت بالذاكرة سـنوات إلى الوراء‪،‬‬ ‫التخرج في إحدى‬ ‫حين كنت طبيب ًا حديث‬ ‫ُّ‬ ‫الصحّية‪ ،‬في إحدى قرى مصر‪.‬‬ ‫الوحدات‬ ‫ّ‬ ‫الصحّيـة أزواج‬ ‫الوحـدة‬ ‫فـي‬ ‫يزورنـا‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫غاضبون‪ ،‬تجري خلفهم نساء بائسات‪..‬‬ ‫يأتون‪ ،‬جميعاً‪ ،‬بالشكوى نفسها‪« :‬امرأة‬ ‫ال تنجـب ّإل اإلنـاث»‪.‬‬

‫أكـرره مراراً‪:‬‬ ‫أيامهـا‪ّ ،‬‬ ‫كنـت أحفـظ‪ّ ،‬‬ ‫نصاً‪ِّ ،‬‬ ‫«رحـم المـرأة كالبسـتان‪ ،‬وأنـت الرجـل‬ ‫يحـب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كالفلاح‪ ،‬يلقـي فـي البسـتان مـا ّ‬ ‫قتاء أو برسيماً؛‬ ‫أو‬ ‫ا‬ ‫طماطم‬ ‫أو‬ ‫ا‬ ‫عنب‬ ‫يجعله‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كيف تلوم البستان على ما تلقيه فيه من‬ ‫بذور؟»‪.‬‬ ‫زائـر َّي مـا كنـت أحفظـه مـن‬ ‫علـى‬ ‫أعـدت‬ ‫َ‬ ‫إلـي‬ ‫نظـرا‬ ‫ـة‪..‬‬ ‫ي‬ ‫الصح‬ ‫الوحـدة‬ ‫فـي‬ ‫عملـي‬ ‫ّّ‬ ‫َّ‬ ‫نظـره إلى زوجته‪،‬‬ ‫بذهـول‪َ .‬ح َّ‬ ‫ـو َل الزوج َ‬ ‫وقـال لهـا‪ ،‬بأسـف‪« :‬عزيزتـي‪ ،‬حتـى لـو‬ ‫تمكَـن هـذا الطبيـب األخرق من مسـاعدتنا‬ ‫َّ‬ ‫علـى إنجـاب أنثـى لنـا‪ ،‬إال أننـي أخشـى‬ ‫تفـرق قبائل‬ ‫أن تكـون‬ ‫ً‬ ‫معتوهـة مثلـه»‪ .‬ال ِّ‬ ‫«األنويـت»‪ -‬وهـي إحـدى قبائـل الهنـود‬ ‫الحمـر التـي سـكنت كنـدا وشـمال أميـركا‬


‫وجرينالند‪ -‬بين المولود الذكر والمولود‬ ‫هديـة ثمينـة‪،‬‬ ‫األنثـى‪ ،‬وتعـّد ّ‬ ‫كل طفـل ّ‬ ‫شرعية الزواج‪ ،‬كما‬ ‫خارج‬ ‫حتى لو جاء‬ ‫ّ‬ ‫تؤمن‪ ،‬مثل كثير من الحضارات القديمة‪،‬‬ ‫تحـل‬ ‫بحلـول األرواح؛ فالمولـود الجديـد ّ‬ ‫فيـه روح أحـد األجـداد المتوفّيـن حديثاً‪،‬‬ ‫شـخصيته وطباعـه وأخالقـه‪،‬‬ ‫وتمنحـه‬ ‫ّ‬ ‫األم‬ ‫والكثير من خصائص حياته‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وتظل ّ‬ ‫الحبلـى تراقـب العالمـات‪ ،‬فـي أحالمهـا‪،‬‬ ‫سـتحل في جنينها‪.‬‬ ‫لتتنبـأ بالروح التي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أمـا العجيـب مـن المعتقـدات‪ ،‬فـي هـذه‬ ‫ّ‬ ‫البالد‪ ،‬فهي خرافة متعلِّقة بتحديد جنس‬ ‫سـر زيـارة الزوجيـن‪،‬‬ ‫المولـود؛ وهـذا ّ‬ ‫اليـوم‪ ،‬لـي‪ .‬بحثـت فـي أصـل الخرافـة‬ ‫فلـم أجد لها تفسـيرًا تاريخيـاً‪ .‬لجأت إلى‬ ‫بودلو‪ ،‬زميلي خبير األجنّة األنوينتي‪،‬‬ ‫إلـي أن‬ ‫فـي مركـز الخصوبـة‪ ،‬فأشـار ّ‬ ‫أتبعـه إلى حجرة التدخين‪( .‬حين لدغنا‬ ‫المدخنـون‪،‬‬ ‫القفـص) كمـا يطلـق عليـه‬ ‫ِّ‬ ‫أخـرج لبودلـو غليونـه‪ ،‬وحشـاه تبغـ ًا‬ ‫مـن حافظـة بالسـتيكية‪ ،‬ومـع تصاعـد‬ ‫الدخـان‪ ،‬قـال لـي‪:‬‬ ‫العلـم الحديـث علََّمنـا أن األصـل فـي‬ ‫تسـتمر علـى‬ ‫فإمـا أن‬ ‫ّ‬ ‫كل األجنّـة أنثـى‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫تتبـدل إلـى ذكـر‪ .‬فـي‬ ‫هـذا الجنـس‪ ،‬أو‬ ‫َّ‬ ‫حضارتنا‪ ،‬األصل في الحياة هو الحياد‪.‬‬ ‫تظـل األنثـى‬ ‫الحيـاة ال تعـرف التمييـز‪ّ .‬‬ ‫محـدد الجنـس‪ ،‬فلا‬ ‫ً‬ ‫حاملا بطفـل غيـر َّ‬ ‫تحبه ألنه ذكر‪ ،‬وال تبغضه ألنه أنثى‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫األم‬ ‫حيـن تدركهـا لحظة الـوالدة‪ّ ،‬‬ ‫تظـل ّ‬ ‫علـى حيادهـا‪ .‬األب‪ -‬أيضـاً‪ -‬لـن يكـون‬ ‫بوسـعه توجيـه اللـوم لزوجتـه‪ .‬فقط‪،‬‬ ‫تحدد جنـس المولود‪.‬‬ ‫القابلـة هـي التي ِّ‬ ‫تهمـس األرض للقابلـة بحاجتهـا مـن‬ ‫ـن توفِّـي‪،‬‬ ‫الذكـور أو اإلنـاث‪ ،‬بحسـب َم ْ‬ ‫حديثـاً‪ ،‬مـن العائلـة‪ ،‬لتحافـظ علـى‬ ‫التـوازن بين الذكـور واإلناث‪ ،‬وتنصت‬ ‫فتقرر جنس‬ ‫القابلة إلى صوت األرض‪ِّ ،‬‬ ‫المولـود سـاعة والدتـه‪!...‬‬ ‫واستغرق «بودلو» في تدخين غليونه‪،‬‬ ‫فجأة‪ ،‬فاغرًا فاه حين سألته‬ ‫ثم توقَّف‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يبـدل صـوت األرض‬ ‫أل‬ ‫يضمـن‬ ‫عمـا‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫قـراره‪ ،‬حيـن يسـمع خششـة ورقة من‬ ‫فئـة الخمسـين دوالراً‪ ،‬يضعهـا في يده‬ ‫أحد الزوجين!‬ ‫هنـدي‬ ‫أنـه‬ ‫ـرت‬ ‫تذك‬ ‫بذهـول‪.‬‬ ‫إلـي‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫نظـر ّ‬ ‫أحمـر‪ ،‬فتركتـه‪ ،‬وانصرفـت‪.‬‬ ‫______________________‬ ‫* روائـي وطبيـب مصـري مقيـم في‬ ‫كندا‬ ‫‪61‬‬


‫معناها ومبناها‬

‫ـي المعاص ــر عل ــى نح ــو ماك ــر‪،‬‬ ‫يتج ــاور ثال ــوث العربي ــة‪ ،‬واإلس ــام‪ ،‬واإلره ــاب‪ ،‬ف ــي الخط ــاب اإلعالم ـ ّ‬ ‫أن العربيــة لغــة إرهــاب‪ ،‬ويتحّقــق هــذا القيــاس عبــر عمليــات‬ ‫ـي نتيجتــه ّ‬ ‫َس قيــاس مغالطـ ّ‬ ‫فكثيــرًا مــا ُيـد ّ‬ ‫أن «اإلس ــام ه ــو اإلره ــاب وأن اإلره ــاب ه ــو اإلس ــام‪،‬‬ ‫روج ــت خطاب ــات العولم ــة ّ‬ ‫تحوي ــل وإيه ــام‪ ،‬فق ــد ّ‬ ‫العـــرب هـــم اإلســـام‪ ،‬فبـــدا االســـتنباط حتميّـــ ًا بالضـــرورة‪:‬‬ ‫َ‬ ‫العـــرب وأن‬ ‫ُ‬ ‫روجـــت أن اإلســـام هـــو‬ ‫ثـــم ّ‬ ‫نص ــه المقــدّس تحم ــل ف ــي كيانه ــا ب ــذور العن ــف َوَمناب ــت‬ ‫أن اللّغ ــة الت ــي به ــا ج ــاء اإلس ــام وبه ــا ن ــزل ّ‬ ‫ـوق الك ـ ْـره وتح ــرّض عل ــى اإلقص ــاء»(‪.)1‬‬ ‫البغض ــاء‪ ،‬فه ــي بذاته ــا عدوانّي ــة تس ـ ّ‬

‫ال ّلغة العربية واإلرهاب‬ ‫مساحات الشيطنة ال ّثقافية‬ ‫د‪ .‬حسني السوداين‬ ‫فعلــى هــذا النحو‪ُ ،‬تســتدرج األذهان إلــى مغالطة غياب االســتثمار العربيــة اإلســامية من أن تكــون خلفية لإلرهاب‪،‬‬ ‫يسميه أرســطو قياس ًا سفسطائياً‪ ،‬وهو اإليجابي للعالقة وهو أمر جعل هذه التعريفات الموضوعة في سياق‬ ‫فيما كان ّ‬ ‫يفاجأ بهــا الباحث‬ ‫التي‬ ‫ــة‬ ‫التقني‬ ‫إلــى‬ ‫تفتقر‬ ‫عربــي‬ ‫ما‬ ‫خالل‬ ‫مــن‬ ‫االســتدالل‬ ‫في‬ ‫يتــدرج‬ ‫الــذي‬ ‫القيــاس‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫اإلســــام‬ ‫بيــن‬ ‫ٍ‬ ‫في األطر البحثيــة الغربية‪ ،‬وذلك على النحو الذي‬ ‫يزعمه من تماه بين ثنائيات متباعدة نحو‪ :‬اإلسالم‬ ‫واإلرهاب‪ ،‬فاإلسالم والعرب‪ ،‬فالعرب واإلرهاب‪ ،‬والعربيـــة هو ما سنفصله الحقاً‪.‬‬ ‫لكل لقــد ســعى المجمــع الفقهــي اإلســامي مــن جهــة‬ ‫ّ‬ ‫ثــم اإلســام مــع العــرب والعربيــة‪ ،‬فالعربيــة فتح البــاب‬ ‫ومجمــع اللّغــة العربية من جهة ثانيــة في إطارين‬ ‫القيــاس المغالطي في‬ ‫واإلرهــاب(‪ .)2‬ويخــدم هذا‬ ‫َ‬ ‫اإلرهاب نفسه‪َّ ،‬فشأن مــن أراد بهــذه‬ ‫بحثيين منسجمين ومتكاملين إلى تطويق مصطلح‬ ‫التباس تعريف‬ ‫أذهان الناس‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ري العربي‬ ‫جريمــة اإلرهاب‪ ،‬في أبعادها السياســية‪ ،‬كشــأن العالقــة حيفــا‪ ،‬اإلرهاب بتعريف ينسجم واإلطار‬ ‫التصو ّ‬ ‫ّ‬ ‫ولكــن مــن يقــرأ تعريفيهمــا يجدهما ال‬ ‫اإلســامي‪،‬‬ ‫جريمــة‬ ‫ّ‬ ‫التحرش الجنســي فــي حدودهــا المدنية؛ على منــــــوال‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫التبــرؤ مــن أن تكون‬ ‫يخلــوان مــن أمريــن‪ :‬أولهمــا‬ ‫ويوســع بفعــل فاعل‪ .‬ففي الجريمة‬ ‫يضيق‬ ‫كالهما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫من وصــــــلوا‬ ‫أن‬ ‫تأكيد‬ ‫والثانــي‬ ‫اإلســام‪،‬‬ ‫مــن‬ ‫اإلرهــاب‬ ‫ظاهــرة‬ ‫توسيع‬ ‫يمكن‬ ‫الجنسي‪،‬‬ ‫ش‬ ‫التحر‬ ‫في‬ ‫كما‬ ‫اإلرهابية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫باإلرهاب‬ ‫العربية‬ ‫اإلرهاب سليل التطرف‪ ،‬وأنه ظاهرة عالمية ليست‬ ‫مؤول‪.‬‬ ‫الحدود وتضييقها بتأويل ّ‬ ‫لصيقــة ديــن أو قوم‪ .‬فلذلك ســعى المجمع الفقهي‬ ‫لكل‬ ‫لذلــك يعتبــر تعريف اإلرهــاب العقبة الــكأداء ّ‬ ‫اإلسالمي في اجتماعه المنعقد في العاشر من يناير‬ ‫الناظريــن فــي هــذه الظاهرة‪ ،‬إمــا عمليــ ًا كما في‬ ‫سنة ‪2002‬م في رابطة العالم اإلسالمي بمكة المكرمة في دورته‬ ‫الســياقات القضائية والسياســية‪ ،‬وإما نظري ًا كما في السياقات‬ ‫عــرف اإلرهاب‬ ‫اللســانية أو القانونية‪ ،‬وصعوبة التعريف جعلت التخوم غائمة‬ ‫السادســة عشــرة إلى صياغة تعريف بمقتضاه ّ‬ ‫بأنــه «ظاهــرة عالمية ال ينســب لدين‪ ،‬وال يختــص بقوم‪ ،‬وهو‬ ‫بين الجريمة اإلرهابية وغيرها من الجرائم‪.‬‬ ‫ناتج عن التطرف الذي ال يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات‬ ‫إن تواتر ربط الكثير مما يعد جرائم إرهابية بخلفية دينية إسالمية‬ ‫ّ‬ ‫المعاصرة‪ .‬وهو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول‬ ‫لكل من المجامع البحثية اإلسالمية واللّغوية العربية‬ ‫هو ما حّدد ّ‬ ‫بغي ًا على اإلنســان (دينه ودمه وعقله وماله وعرضه) ويشــمل‬ ‫الهوية‬ ‫أفقــ ًا تعريفي ًا مســكون ًا بهاجس تبرئة النفــس والدفاع عن ّ‬ ‫‪62‬‬


‫العمل الفني‪ :‬منير فاطمي‪ -‬المغرب‬

‫صنوف التخويف واألذى والتهديد والقتل بغير حق‪ ،‬وما يتصل‬ ‫وكل فعل‬ ‫بصــور الحرابــة‪ ،‬وإخافة الســبيل‪ ،‬وقطع الطريــق‪ّ ،‬‬ ‫من أفعال العنف أو التهديد‪ ،‬يقع تنفيذًا لمشــروع إجرامي فردي‬ ‫أو جماعــي‪ ،‬ويهــدف إلى إلقــاء الرعب بين النــاس أو ترويعهم‬ ‫حريتهم أو أمنهــم أو أحوالهم‬ ‫بإيذائهــم أو تعريــض حياتهــم أو ّ‬ ‫للخطــر ومــن صنوفه إلحــاق الضــرر بالبيئة أو بأحــد المرافق‬ ‫واألمــاك العامة أو الخاصــة‪ ،‬أو تعريض أحد الموارد الوطنية‬ ‫أو الطبيعية للخطر»‪.‬‬ ‫المعجمي الذي وضعه مجمع‬ ‫اإلطــار‬ ‫مع‬ ‫التعريف‬ ‫وينســجم هذا‬ ‫ّ‬ ‫اإلســامي‪،‬‬ ‫اللّغــة العربية مســتندًا إلــى تعريف المجمع الفقهي‬ ‫ّ‬ ‫فقــد صاغ مجمــع اللّغــة العربية على شــبكة اإلنترنــت تعريف ًا‬ ‫ووسم التعريف بأنه قرار قد‬ ‫لمصطلح اإلرهاب في شــكل قرار‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫يؤولــه مــؤول على أنه تفاعل مــع واقع أكثر ممــا يعني تطورًا‬ ‫تلقائيــ ًا داخــل اللّغة‪ ،‬وقــد جاء القرار بتوقيــع وختم من مجمع‬ ‫وتم‬ ‫اللّغــة العربية على الشــبكة العالمية ومقره مكــة المكرمة‪ّ ،‬‬ ‫تذييل التعريف بتفصيل تضمن ما صدر عن المجمعيين من آراء‬ ‫كل ذلك كله‬ ‫وجمع ّ‬ ‫وتفاعالت ومراســات بخصوص المســألة‪ُ ،‬‬ ‫المجمعي في هذا الموضوع‬ ‫بعنوان «تفصيل ما انبثق عن الحراك‬ ‫ّ‬ ‫الجلل»‪.‬‬ ‫واصطالحي‪،‬‬ ‫نص التعريف فقد صيغ على مستويين لغوي‬ ‫أما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ثانيهمــا مبني علــى األول‪ .‬فمحتوى التعريــف اللّغوي لإلرهاب‬

‫أنــه «اإلخافــة والتفزيع»‪ ،‬ومتــن التعريــف االصطالحي له أنه‬ ‫حق بالســعي في األرض فسادًا أو بقتل‬ ‫«اإلخافة والتفزيع بغير ّ‬ ‫مــن احتــال أو غصب أو نهب من رد ٍ‬ ‫عــاد أو فئة باغية أو دولة‬ ‫ظالمة»‪.‬‬ ‫دفاعي‬ ‫بعد‬ ‫مــن‬ ‫التعريفين‬ ‫هذين‬ ‫في‬ ‫مــا‬ ‫القارئ‬ ‫على‬ ‫يخفــى‬ ‫وال‬ ‫ّ‬ ‫قرآني‪.‬‬ ‫ســجل‬ ‫ذات‬ ‫عربية‬ ‫بعبارة‬ ‫المعنى‬ ‫تطويــق‬ ‫إلى‬ ‫ي‬ ‫ــع‬ ‫وس‬ ‫ّ‬ ‫َ ْ‬ ‫ّ‬ ‫وفي ذلك ما قد يجعل التعريف في عين خصومه محلي ًا تبريري ًا‬ ‫ال كونيــ ًا تقنيــاً‪ .‬وتتضــح خصوصيــة التعريــف فــي خلفيتيه‬ ‫المجمعيتين ‪-‬اللّغوية العربية والفقهية اإلســامية‪ -‬انطالق ًا من‬ ‫مقارنته بأطر تعريفية أخرى مثل التعريف الذي اصطلحت عليه‬ ‫تعــرف اإلرهاب بأنه‬ ‫وكالــة االســتخبارات األميركيــة (‪ )FBI‬إذ ّ‬ ‫«االستخدام غير القانوني للقوة والعنف ضّد األفراد والممتلكات‬ ‫بهدف إحداث ترويع أو إكراه لحكومة أو ســكان مدنيين أو ألي‬ ‫جزء منهما بغاية تحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية»(‪.)3‬‬ ‫يعــرف اإلرهــاب بأنه‬ ‫وكذلــك األمــر فــي معجــم أوكســفورد إذ ّ‬ ‫«االســتخدام غيــر القانونــي للعنــف والترويــع ضــّد المدنييــن‬ ‫ُ‬ ‫خصوصاً‪ ،‬وذلك سعي ًا لتحقيق أهداف سياسية»(‪.)4‬‬ ‫ويختزل معجم كمبريدج هذا التعريف في عبارة توجز اإلرهاب في‬ ‫أنه يتمثل في عمل العنف الذي يهدف إلى أغراض سياسية(‪.)5‬‬ ‫فيعــرف اإلرهاب بأنه مجموع أعمال العنف‬ ‫وأمــا معجم الروس‬ ‫ّ‬ ‫مــن هجمــات واحتجــاز رهائــن وغير ذلــك مما ترتكبــه منظمة‬ ‫‪63‬‬


‫تثبت التهمة بقرينة التالزم بين لســان العرب ودين اإلســام‪.‬‬ ‫إلحــداث مناخ من انعدام األمن‪ ،‬ابتــزازًا لحكومة أو كراهية تجاه‬ ‫كل جريمة‬ ‫مجموعة أو بلد أو نظام(‪.)6‬‬ ‫وذلــك فــي ضرب من االنفعــال يتنامى طردي ًا مــع ّ‬ ‫دوليــة‪ .‬ومــن المعلوم في علم نفــس الجريمة أنــه باإلصرار‬ ‫يعرف‬ ‫الغربية‬ ‫الدوائــر‬ ‫في‬ ‫اإلرهاب‬ ‫أن‬ ‫مــا نخلــص إليه من ذلــك ّ‬ ‫َّ‬ ‫نفســه في انفعاالت جالده‪ ،‬ســيان‬ ‫الضحية‬ ‫ينخرط‬ ‫والتكرار‬ ‫الدوائر‬ ‫تعريف‬ ‫وهو‬ ‫‪،‬‬ ‫العام‬ ‫التقني‬ ‫تعريفه‬ ‫علــى نحوين‪ :‬أحدهما‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫فــي ذلك أن يكون بريئ ًا أو مجرماً‪ ،‬حتى إنّك تجد اليوم كثيرًا‬ ‫كل أوجه العنف‬ ‫البحثيــة‪ ،‬وبناؤه‬ ‫نظري يســعى إلى اســتيعاب ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالتفصي‪.‬‬ ‫واإلدانة‬ ‫بالتبرؤ‬ ‫االتهام‬ ‫يســتبقون‬ ‫العربية‬ ‫أهل‬ ‫من‬ ‫الثاني‬ ‫والتعريف‬ ‫المجتمــع‪.‬‬ ‫واســتقرار‬ ‫الدولة‬ ‫ســطوة‬ ‫التي تهّدد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بهويته اللّغوية قبل‬ ‫أولى‬ ‫بدرجة‬ ‫العربي‬ ‫انخرط‬ ‫ذلك‬ ‫كل‬ ‫ومن‬ ‫الخطابين‬ ‫ســاحة‬ ‫علــى‬ ‫يطفــو‬ ‫الــذي‬ ‫التعريــف‬ ‫وهــو‬ ‫؛‬ ‫عرضــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المســلم الذي قد ال يكون عربي ًا فيما نحت له مصطفى حجازي‬ ‫إرهابي‪ .‬وميزة‬ ‫اإلعالمي والسياسي كلما حصل عمل يوصف بأنه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مصطلح استبطان القهر‪.‬‬ ‫انفعالــي وال يكاد يلتزم مــن مكونات التعريف‬ ‫هــذا التعريــف أنه‬ ‫ّ‬ ‫إن من المعلوم في المسألة اللّغوية أنّه كيفما يكون المتكلمون‬ ‫واستقرار‬ ‫الدولة‬ ‫ســطوة‬ ‫بتهديد‬ ‫اإلرهاب‬ ‫بربط‬ ‫العام الســابق ّإل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تكون لغتهم‪ ،‬ومن العبث ســعي البعض إلى البحث عن جذور‬ ‫المجتمع‪.‬‬ ‫صــت به العربية فــي تاريخ اللّغات‪،‬‬ ‫قديمــة إلرهاب‬ ‫تشــكل لظاهرة اإلرهاب إطــاران تصوريان مختلفان‬ ‫كل ذلك‬ ‫مــن ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫لغوي ُخ َّ‬ ‫تنحط مكانتها وتعلو بانحطاط أوضاع‬ ‫فكل اللّغات‬ ‫بين الغرب الذي ُيدين ويتهم ويرى نفسه ضحية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خرت السينما متكلميهــا‪ ،‬ولو كان األمر على غير هذا القانون لكان‬ ‫يبــرئ نفســه‬ ‫والســياق العربــي‬ ‫اإلســامي الــذي ّ‬ ‫ســ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫األولى بأن ال يكــون متداو ًال اليوم‪،‬‬ ‫اللســان‬ ‫كل اتهــام بشــجب األعمــال اإلرهابيــة‬ ‫ويســتبق ّ‬ ‫ّ‬ ‫العبري ْ‬ ‫كل من يفعلها أو يتبناها‪ .‬ومقتضى هاتين في قســم منها‪ ،‬فمــن ناحية لــم يكن لهــذا اللســان قبل قيــام الدولة‬ ‫وإدانــة ّ‬ ‫الوضعيتيــن نشــوء مواضعــة غــدت تجــري فــي إلرســــاء ترابط العبريــة تــداول يذكر‪ ،‬ومــن ناحية ثانيــة ُبعث هذا‬ ‫كيان‬ ‫مسخ ًا من العبرية القديمة ليكون‬ ‫لسان ٍ‬ ‫األذهــان والخطابــات مجرى القانــون‪ ،‬مفادها ّ‬ ‫َ‬ ‫أن بين العـــــربية اللسان ْ‬ ‫الدولــة ولغتهــا‪ .‬وعلى هــذا النحو‬ ‫ض‬ ‫مغتصــب‬ ‫م‬ ‫مته‬ ‫ِم بريء أبدًا ّ‬ ‫َ‬ ‫فــر َ‬ ‫وأن المسلم المتبرئ َ‬ ‫الغربي المته َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫لفصحــــــــى‬ ‫ا‬ ‫وضع متكلميها‪ :‬تزدهر‬ ‫جنيــس‬ ‫لغة‬ ‫كل‬ ‫وضع‬ ‫جــد‬ ‫ت‬ ‫دائماً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫وتنحــط بانحطاطهــم‪ .‬ولكــن الظواهر‬ ‫ترس َخ واإلرهــاب بجعل بازدهارهــم‬ ‫وعلى هذا النحو تســرب إلى األذهان‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫تالزم َّ‬ ‫ظن الســبب نتيجة‪،‬‬ ‫األفهام‬ ‫على‬ ‫تلتبس‬ ‫ما‬ ‫ا‬ ‫كثيــر‬ ‫جهة‪،‬‬ ‫من‬ ‫إرهابي‬ ‫كل حــدث‬ ‫ً‬ ‫بقصــد أو بغيــره بين ّ‬ ‫في ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫إن اللغــة العربيــة وتعّد النتيجة سبباً‪.‬‬ ‫فما‬ ‫ثانية‪.‬‬ ‫جهــة‬ ‫من‬ ‫واإلســام‬ ‫وثنائي العربية‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫كل من له فــي المشــاهد ومن مالمح السطحية الساذجة في المسألة اللّغوية‬ ‫ينبــري‬ ‫حتــى‬ ‫إرهابــي‬ ‫عمل‬ ‫يعلــن عــن‬ ‫ّ‬ ‫يبرئ نفسه من أن ُي َّتهم‪ .‬ا لتمثــــــــيلية أمــران؛ أولهمــا االكتفــاء بظواهر األمور والتســليم‬ ‫صلة بالعروبة واإلسالم ّ‬ ‫الحس المشــترك في الشــأن اللّغوي‪،‬‬ ‫إليه‬ ‫يقود‬ ‫بما‬ ‫هذا‬ ‫يغدو‬ ‫الكونيــة‪،‬‬ ‫القوانين‬ ‫وخالفــ ًا لألصل فــي‬ ‫ّ‬ ‫متهم ًا حتى تثبت براءته‪ .‬ومن المفارقات ا لســـــينما ئية والثانــي هــو االســتغناء بالراهن القريــب عن غيره‬ ‫ُ‬ ‫المتبــرئ َ‬ ‫أن المســألة‬ ‫أن هذا‬ ‫«المتهم دائماً» قد اســتبطن هذه التهمة حتى والمسرحية لغة مــن العوامل في تفســير الحاضر؛ ذلك ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫كل الشـخصيات اللّغوية ليســت في حياة الشعوب واألفراد من بنات‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫جزء‬ ‫(‪)Pavlov‬‬ ‫بافلوف‬ ‫مصطلح‬ ‫حســب‬ ‫غدت‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫اللحظة القريبة‪ ،‬وإنمــا هي حاضنة الثّقافة وخزان‬ ‫لكل طارئ‪.‬‬ ‫انعكاســاته الشــرطية التي ينفعل بها ّ‬ ‫الخـــلفيات‬ ‫ذات‬ ‫الهوية‪ .‬وكما‬ ‫المعارف‬ ‫وهــو األمر الــذي كثيرًا ما اســتثمره المســتثمرون‬ ‫ومحرك األحاسيس وعنوان ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل الدينيـــــــــــة أن ذلــك كلــه يتأســس بتغيــرات مجهريــة على مر‬ ‫متهما هــو األحرى بالتهمــة في ّ‬ ‫طالمــا ّ‬ ‫أن ثمــة َّ‬ ‫فإن التخطيط له إنما يتحقق‬ ‫التاريخ‪،‬‬ ‫وعبر‬ ‫القرون‬ ‫أثر‬ ‫األحداث‬ ‫مســرح‬ ‫في‬ ‫ج‬ ‫در‬ ‫ي‬ ‫أن‬ ‫فيكفي‬ ‫األحــوال؛‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫المتطرفة والتي‬ ‫بتأنــي الصبور المتبصــر وحرص الثابــت المثابر‪،‬‬ ‫من لسان العرب أو من القرآن ليكون قرينة تحصر‬ ‫دائــرة االتهام بين العروبة واإلســام‪ ،‬وإن تعلق تمــارس العنف! وهو أمر يقتضي وعي ًا قومي ًا ال فردياً‪.‬‬ ‫أن العالم‬ ‫األمــر بقرينة ال ترقى حجيتها إلــى درجة اإلثبات‪.‬‬ ‫ّغــوي الكوني يجد ّ‬ ‫فالمتأمل في المشــهد الل ّ‬ ‫اليــوم يحتكــم في قســمته اللّغويــة لنفس ما يحتكــم إليه في‬ ‫عربــي على نحو ما وقع‬ ‫وكثيــرًا ما كان االتهام بســبب حمل رمز‬ ‫ّ‬ ‫اإلعالمي نوعان‪:‬‬ ‫الحضارية‪ ،‬فاللّغات في الخطاب‬ ‫تصنيفاته‬ ‫فــي أحداث مدينة نيس الفرنســية في يوليــو ‪ 2016‬حين هوجم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متهمــة‪ ،‬كثيرًا مــا ينبــري أصحابها‬ ‫مغلوبــة‬ ‫لغــات‬ ‫أحدهمــا‬ ‫عربي‪.‬‬ ‫صحافي قناة «العربية» لمجرد حمله شارة قناة بلفظ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عند هذا المستوى ّ‬ ‫يتبرؤون مما ينســب إليهم وإليها‪ .‬والثاني لغات غالبة متهِمة‬ ‫يكف اإلسالم أن يكون انتماء عقدي ًا ليصبح انتماء‬ ‫ا ما يتنــازل أصحابها عما يكيلونه مــن تهم‪ .‬فالمتكلمون‬ ‫«إســامي» (‪ )Islamist‬مقام الصفة‬ ‫النعت‬ ‫حركياً‪ ،‬فلذلــك يقوم‬ ‫قليــ ً‬ ‫ُ‬ ‫ٌّ‬ ‫بلغــة معينة يضفــون على لغتهم بمكانتهــم الحضارية ما هو‬ ‫متنام‪ .‬وهو َلْبس اشتغلت عليه اآللة‬ ‫«مسلم» (‪ )Muslim‬وبشكل‬ ‫ٍ‬ ‫أن اللّغة‬ ‫اإلعالمية الغربية كثيرًا إبان حرب البوسنة والهرسك‪ ،‬حتى غدا‬ ‫في األصل صفة لهم هم ال للغتهم‪ .‬وإنما أساس ذلك ّ‬ ‫ثوب المجتمعات وترجمانها‪ .‬وبمصطلحات البالغيين كثيرًا ما‬ ‫أكثرها يصف ســكان البالد من المســلمين بأنهم إسالميون‪ ،‬وهو‬ ‫ينسب الشيء إلى غير قرينه‪ ،‬وذلك فيما يؤلف عند أهل الذكر‬ ‫تدرج يهيئ للتدحرج بهم إلى اإلرهاب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ال من المجاز‪ ،‬هو المجازات المرسلة والعقلية‪.‬‬ ‫شــرطي‬ ‫انعكاس‬ ‫حثيث‬ ‫وبســعي‬ ‫وعلى هذا النحو يتكرس اليوم‬ ‫قسم ًا كام ً‬ ‫ّ‬ ‫أن مــا يطــرأ على‬ ‫علــى درجة عالية من الخطورة‪ ،‬بمقتضاه يتجه اإلعالم واالتهام‬ ‫وأن تكــون اللّغــة ثــوب الحضــارة معنــاه ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّغوي‪ ،‬ولذلك كثيرًا ما‬ ‫المجتمعات من العلل‬ ‫كل جريمة دولية إلى البحث عن أثر من اللّغة العربية‪ ،‬حتى‬ ‫عند ّ‬ ‫يشــف به ثوبها الل ّ‬ ‫‪64‬‬


‫العمل الفني‪ :‬منير فاطمي‪ -‬المغرب‬

‫يشبه اللسانيون ما يظهر على اللّغات من اعتالل بما يظهر على‬ ‫حمــى‪ ،‬فالحمى في تقدير الطبيــب العارف هي من‬ ‫األجســام من ّ‬ ‫األعــراض ال األمــراض‪ ،‬ولذلك يكون من عبــث الجاهلين بالطب‬ ‫الحمى وترك العلة‪.‬‬ ‫تطبيب ّ‬ ‫كل لغة ترتبط‬ ‫بلغة‪،‬‬ ‫دين‬ ‫كل‬ ‫يرتبط‬ ‫ّغوي‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫الشــأن‬ ‫وفي‬ ‫ولكن َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بنــص مقّدس مصيرهــا أن تجمد فتموت لعــدم مواكبتها قوانين‬ ‫التطــور التــي تجــري علــى اللّغــة وعلى غيرهــا مــن الكائنات‬ ‫اطراد هذا‬ ‫الطبيعيــة والتاريخيــة على الســواء‪ ،‬ولكن ما يربــك ّ‬ ‫ّية اللّغوية هو شــذوذ‬ ‫القانون فيجعله ال يرقى إلى مســتوى الكلّ‬ ‫اللّغــة العربية عن هــذا القانون‪ ،‬فقد ارتبطت العربية باإلســام‬ ‫أي لغــة من الدين‬ ‫وظلــت حيــة فاعلة‪ .‬وعبــر التاريخ لــم تظفر ّ‬ ‫الــذي ارتبطت به مقدار ما ظفرته العربية مــن ارتباطها بالقرآن‬ ‫واإلسالم‪ .‬وحتى الذين يبدون جحودًا لهذا الفضل فإنه ال يمكنهم‬ ‫بــأي حال مــن األحوال إنكار الترابط بين دين اإلســام ولســان‬ ‫أن غيــاب االســتثمار اإليجابــي للعالقة بين‬ ‫العــرب‪ .‬وتقديرنــا ّ‬ ‫لكل مــن أراد بهذه العالقة‬ ‫اإلســام والعربيــة هو ما فتــح الباب ّ‬ ‫حيف ًا على منوال من وصلوا العربية باإلرهاب‪.‬‬ ‫ــخرت الســينما العربية في قســم منها إلرســاء ترابط بين‬ ‫لقد ُس ّ‬ ‫العربيــة الفصحى واإلرهاب‪ ،‬حتى إن انتظارات المشــاهد غدت‬ ‫العربية‬ ‫تتجــه بتلقائيــة إلى استشــرافات محــّددة كلما تخللــت‬ ‫ُ‬ ‫ــب‬ ‫وحس‬ ‫الفصحــى‬ ‫مســار األحــداث في المسلســات أو األفالم‪ُ ْ ،‬‬ ‫َ‬ ‫المتابــع لذلــك ثالثة أمثلــة(‪)7‬؛ أولها جعــل اللّغــة العربية في‬

‫كل الشخصيات‬ ‫المشاهد التمثيلية السنيمائية والمسرحية لغة ّ‬ ‫ذات الخلفيات الدينية المتطرفة والتي تمارس العنف‪ ،‬وحتى‬ ‫إن كانت هذه الشخصيات تتكلم اللهجة اليومية فإنها إذا أقدمت‬ ‫فإن اللّغة العربية‬ ‫علــى فعل إرهابي أو اجتماع إعدادي لذلك‪ّ ،‬‬ ‫السجل القرآني‬ ‫الفصحى تكون الحامل اللّغوي لذلك‪ .‬ويضفي‬ ‫ّ‬ ‫علــى كالم الشــخصيات صرامــة عاليــة تنزع عن الشــخصية‬ ‫اإلنســاني‪ .‬وهــذه الصورة‬ ‫الحــس‬ ‫نســبية الفكــرة ومرونــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل‬ ‫ترســخها التصريحــات التي تقّدم في وســائل اإلعالم بعد ّ‬ ‫ّ‬ ‫فكأن مــن مقومــات صدقية تصريحــات المجموعات‬ ‫عمليــة‪ّ ،‬‬ ‫جل‪.‬‬ ‫الس ّ‬ ‫الجهادية أن تكون بلغة عربية فصيحة قرآنية ّ‬ ‫والمثال الثاني الذي ترسخه السينما المصرية‪ ،‬بالخصوص‪،‬‬ ‫للغة العربية في ذاكرة المشاهد العربي هو صورة الشخصية‬ ‫النِ‬ ‫َّكد‪ ،‬وهي تتكلم بلغة عربية تفسد متعة غيرها من الشخصيات‬ ‫المتمتعة بزينة الحياة ولهوها‪ ،‬وبالنحت الهادئ المستمر على‬ ‫ترسخت صور نمطية في الذهن‪ ،‬وانطالق ًا مما تفضي‬ ‫الذاكرة ّ‬ ‫إليه لعبة القرائن في نظرية االنعكاس الشرطي لبافلوف تنشأ‬ ‫مجموعــة من ردود الفعل المشــروطة‪ ،‬فبشــكل غير واع يجد‬ ‫المشــاهد نفســه في مفاضلة متجّددة متواترة بين نكد وحزن‬ ‫قرينــي عربية قديمة آتيــة بقيمها وأصواتهــا وضوابطها من‬ ‫ْ‬ ‫لصيقي‬ ‫أزمنة سحيقة غريبة في تصوره‪ ،‬وبين فرح ونشوة‬ ‫ْ‬ ‫لهجــة عامية تحاك صورتها باعتبارها األحرى لتكون لســان ًا‬ ‫ال ما دامت هي األسلم قيم ًا ورؤية‪.‬‬ ‫بدي ً‬ ‫‪65‬‬


‫على هذا النحو ترسخت صورة نمطية للغة العربية في منتهى‬ ‫الجاد إلى المستوى‬ ‫الســلبية‪ ،‬وامتدت من المســتوى الحكائي ّ‬ ‫يرســخ فــي األذهان أخطــر األفكار عبــر النحت‬ ‫الهزلــي الــذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫الهادئ‪ ،‬وأكثر هذه المشــاهد خطرًا وتواتــرًا هي صورة يلهي‬ ‫عما فيها مــن أبعاد‪.‬‬ ‫والبســيط‬ ‫الحصيــف‬ ‫المشــاهد‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫إضحاكهــا ّ‬ ‫َ‬ ‫ونقصــد صــورة عــدل اإلشــهاد‪ -‬أي «المــأذون»‪ -‬وهــو يظهر‬ ‫ال للغــة عربية تجعله بحكم‬ ‫زي ناشــز عن محيطه ومفتع ً‬ ‫فــي ّ‬ ‫محط ســخرية الجميع‪ ،‬حتى إن مشهد عدل اإلشهاد قد‬ ‫النشــاز ّ‬ ‫غدا المقطع الثابت الذي ُتْق َطع به رتابة األحداث‪ .‬ولهذا المشهد‬ ‫النمطي امتداد في غيره من المشاهد حيث تكون مالزمة العربية‬ ‫ّ‬ ‫سمة الشخصيات الناشزة والخارجة عن التأريخ‪.‬‬ ‫إن هذا النحت الهادئ والمستمر للصورة السلبية للغة العربية‬ ‫بقيــاس ُخل ٍ‬ ‫ْف انطالق ًا مــن أن اآللــة اإلعالمية الكونية‬ ‫يتضــح‬ ‫ِ‬ ‫ال تفعــل فعلهــا حيــن يتعلــق األمــر بغيــر المرجعيــة العربية‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬فبشكل متزامن شهد العالم في يوليو‪/‬تموز ‪2016‬‬ ‫أحداث ًا إرهابية في إســطنبول بتركيا وفي نيس بفرنســا وفي‬ ‫دار للمسنين باليابان‪ .‬ولكن تعامل اآللة‬ ‫ميونيخ بألمانيا وفي ٍ‬ ‫اإلعالميــة المتحكمــة أبــى ّإل أن يكون على نهجــه االنتقائي؛‬ ‫فأعــاد إلى األذهــان عمى هذه اآللة عن محارق مســلمي بورما‬ ‫وإفريقيا الوسطى ومجازر بعض األنظمة العربية‪.‬‬ ‫للّغة ذاكرة ستكون للقادم من التأريخ حجة اإلنسان في اقتفاءِ‬ ‫ســعي ماكر ما فتئ أصحاب القرار يبذلونه للتلبيس ولطمس‬ ‫ٍ‬ ‫المعنــى إيهام ًا ببراءة مزعومة‪ .‬فلقد ظلّت صفة «جهادي» نعت ًا‬ ‫موسوم ًا بكثير من الرضى‪ ،‬يطلقه األميركيون على من يدعمون‬ ‫مــن مقاتلي الروس في أفغانســتان‪ ،‬ولفترة من الزمن لم يكن‬ ‫لفظ «الجهادي» ذا داللة حافة سلبية‪ ،‬حتى إذا تغيرت خارطة‬ ‫التحالفات والعالقات سعت وسائل اإلعالم األميركية والغربية‬ ‫عموم ًا إلى رســم صورة جديدة سلبية لحلفاء األمس‪ ،‬وشيئ ًا‬ ‫محل‬ ‫فشيئ ًا تطورت الصورة دا ًال ومدلو ًال ليحل لفظ «اإلرهابي» ّ‬ ‫أن الممثل السوري‬ ‫لفظ‬ ‫«الجهادي»‪ .‬ومن طرائف حياة األسماء ّ‬ ‫ّ‬ ‫غير اســمه ما إن دخل عالم الســينما في‬ ‫األصل جهاد عبده قد ّ‬ ‫فعوض اســمه «جهاد» بالجيم أول حروفه‬ ‫هوليود األميركية‪ّ ،‬‬ ‫وصرح لجريدة القدس‬ ‫‪،)Jay‬‬ ‫(‪Abdo‬‬ ‫ليصير اسمه جي عبده‬ ‫ّ‬ ‫العربي بأنه إنما فعل ذلك على ســبيل التقية‪ ،‬وأشار إلى أنه‬ ‫فــي هوليود قد يمتنع القائمون علــى العمل الفني عن إعطائه‬ ‫الدور بســبب االســم‪ ،‬وأنــه ال تمييز فــي أذهــان الكثير هناك‬ ‫بين االسم وما يسمعونه في وســـائل اإلعـــام عن الجهاديـين‬ ‫عرفته موسوعة ويكيبيديا‬ ‫والمتطرفين‪ .‬وباالسم الجديد الذي َّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلنجليزية‪.‬‬ ‫وتكتســب المســألة اللّغوية بعدًا رمزي ًا عالي ًا حين يتعلق األمر‬ ‫برفــض اآلخر في المناســبة التي تأسســت فــي األصل إلعالن‬ ‫قبولــه‪ ،‬ففي إطار االحتفال بأســبوع اللّغــات األجنبية ارتأت‬ ‫مدرســة باين بــوش (‪ )Pine Bush‬الثانوية (‪ 130‬كم شــمال‬ ‫غــرب نيويورك) أن يؤدي الطالب َق َســم الــوالء بلغة مختلفة‬ ‫كل يــوم‪ ،‬وذلك دأب ًا على عادة ماليين الطالب األميركيين في‬ ‫ّ‬ ‫تأدية قسم الوالء في الصف في بداية اليوم الدراسي‪ ،‬وهو ما‬ ‫يعــد إجباري ًا في بعض الواليات‪ .‬فــكان أن أدت إحدى طالبات‬ ‫المدرســة قسم الوالء باللّغة العربية التي تتكلمها‪ ،‬وذلك على‬ ‫‪66‬‬

‫ســبيل اإلسهام في االحتفال المخصص ألسبوع اللّغات األجنبية‬ ‫والتنــوع‪ ،‬فأثار ذلك جد ًال حادًا في المدرســة إذ وصفت الطالبة‬ ‫بأنهــا «إرهابية» ثم تجاوز الجدل المدرســة إلى والية نيويورك‬ ‫االجتماعي ويصل إلى درجة تهديد‬ ‫ليتواصل على مواقع االتصال‬ ‫ّ‬ ‫ناظر الصف في المدرسة لمناصرته للطالبة‪.‬‬ ‫وفي حوار مع وكالة األنباء الفرنســية ذكرت الناطقة باسم فرع‬ ‫نيويــورك فــي مجلس العالقات األميركية اإلســامية‪ ،‬ســعدية‬ ‫أن ما وقع لم يكن حدث ًا معزوالً‪ ،‬وإنما وقع نظيره ســنة‬ ‫خالــق ّ‬ ‫تم التفاعل مع المبادرة بالتهديد‬ ‫‪ 2013‬في والية كولورادو حين ّ‬ ‫وباتصاالت هاتفية تنم عن الكراهية‪ ،‬وفي السنة نفسها اعترض‬ ‫أوليــاء الطــاب فــي واليــة أالبامــا علــى إدراج العربيــة ضمن‬ ‫بأن ذلــك ســيعلّم أبناءهم ثقافة‬ ‫الــدروس‪ ،‬وعللــوا اعتراضهم ّ‬ ‫الكراهية‪ ،‬وانتهى األمر بمحاربين سابقين إلى التصريح لوسائل‬ ‫إعالم أميركية بمعارضتهم أداء القسم بغير اإلنجليزية‪.‬‬ ‫كل أبعاده‬ ‫إن المســألة اللّغويــة اليــوم هي غــاف اإلرهاب فــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫السياســية واالقتصاديــة واأليديولوجيــة‪ ،‬وما يحتاجــه العالم‬ ‫اليــوم هــو الخطاب الحكيم الذي ال يســتثمر معنى اإلرهاب بحث ًا‬ ‫ِ‬ ‫والتداولي‬ ‫اللساني‬ ‫مشروعية قرار أو موقع‪ ،‬فمن المنظورين‬ ‫عن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اكتســب لفظ اإلرهاب عبر االســتعمال المكثــف وظائف ِخطابية‬ ‫وخطابية تكشف عن أزمة أخالقية في سياسة إنسان هذا الزمان‬ ‫َ‬ ‫للكون‪ ،‬وهي األزمة التي ســيؤول استفحالها إلى عبثية متى لم‬ ‫يتشبث به اإلنسان‪.‬‬ ‫يعد في الكون معنى ّ‬

‫‪---------------------------------------------------‬‬‫هوامش‪:‬‬

‫الهوية العربية واألمن اللّغوي‪ ،‬دراسة وتوثيق‪ ،‬المركز‬ ‫‪ 1‬عبد السالم المسدي‪ّ ،‬‬ ‫العربي لألبحاث ودراسة السياسات‪ ،‬بيروت ‪ ،2014‬ص ‪.12‬‬

‫‪ - 2‬نفسه‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫‪ - 3‬التعريف بلفظه اإلنجليزي‪:‬‬ ‫«‪Terrorism is the unlawful use of force and violence against‬‬ ‫‪persons or property to intimidate or coerce a government, the‬‬ ‫‪civilian population, or any segment thereof, in furtherance‬‬ ‫‪.»of political or social objectives‬‬ ‫‪ - 4‬نصه اإلنجليزي‪:‬‬ ‫« ‪Terrorism is the unlawful use of violence and intimidation,‬‬ ‫‪.especially against civilians, in the pursuit of political aims‬‬ ‫‪ - 5‬لفظه اإلنجليزي‪:‬‬ ‫«‪.»Terrorism violent action for political purposes‬‬ ‫الفرنسي‪:‬‬ ‫النص‬ ‫‪ّ -6‬‬ ‫ّ‬

‫‪Le terrorisme est l’ensemble d’actes de violence (attentats,‬‬ ‫‪prises d’otages, etc.) commis par une organisation pour‬‬ ‫‪créer un climat d’insécurité, pour exercer un chantage sur‬‬

‫‪un gouvernement, pour satisfaire une haine à l’égard d’une‬‬ ‫‪.communauté, d’un pays, d’un système‬‬ ‫‪ - 7‬توســعنا في ذلك في بحث نشــرناه في العدد التاســع والثمانين من مجلّة‬ ‫«الدوحة» بعنوان «اللّغة العربية واإلسالموفوبيا»‪.‬‬


‫تأمالت‬

‫مرزوق بشير بن مرزوق‬

‫َّ‬ ‫المثقف موقف‬ ‫في عام ‪ 1974‬تولّى أحمد مختار امبو إدارة منظمة اليونسكو‪.‬‬ ‫وأحمد امبو مثقف وكاتب ووزير سابق لإلعالم والثّقافة في‬ ‫ال سياسي ًا كافح من أجل استقالل‬ ‫بلده (السنغال)‪ .‬كان مناض ً‬ ‫وطنه‪ ،‬وشهد عصره تغيرًا كبيرًا في توجه المنظمة‪ ،‬حيث قاد‬ ‫مواجهة مكشوفة بين الواليات المتحدة األميركية المهيمنة مالي ًا‬ ‫وسياسي ًا ومنظمة اليونسكو‪ ،‬وكان توجهه في هذه المواجهة‬ ‫التعددية الثّقافية بين شعوب األرض‪،‬‬ ‫هو التأكيد على‬ ‫ُّ‬ ‫واحترام ثقافات األمم‪ ،‬والتفاعل الحر والمفتوح بين الثّقافات‪.‬‬ ‫وهذا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬كان يخالف سياسة الهيمنة التي كانت تعرفها‬ ‫الواليات المتحدة األميركية في ذلك الوقت‪ ،‬بسبب توجهات‬ ‫اليمين المتشّدد أيام حكم الرئيس (رونالد ريغان)‪ ،‬وبلغ‬ ‫ذروة الصدام بين الطرفين عام ‪ 1980‬عندما رفضت أميركا‬ ‫تقرير لجنة (ماكبرايد) الذي كان يدعو لنظام دولي جديد عادل‬ ‫أكد تقرير‬ ‫ومتوازن لإلعالم واالتصال‪ ،‬وحرية اإلعالم‪ ،‬كما َّ‬ ‫حق االختالف والهيمنة‪ ،‬ولقد لقي هذا التقرير‬ ‫لجنة (ماكبرايد) ّ‬ ‫موافقة وتأييد معظم الدول األعضاء في المنظمة‪ ،‬باستثناء‬ ‫قررت االنسحاب من المنظمة‪ ،‬وتجميد مساهمتها‬ ‫أميركا التي ّ‬ ‫المالية التي كانت تصل إلى ‪ % 25‬من موازنة المنظمة‪،‬‬ ‫حيث رأت أن السياسات الجديدة التي يدعو لها هذا التقرير‬ ‫سوف تسهم في إضعاف نفوذ أميركا وسيطرتها على مصادر‬ ‫المعلومات واألخبار وتدفقها في اتجاه واحد من أعلى إلى‬ ‫تمكن (مختار امبو)‪ ،‬إبان واليته الثانية على‬ ‫أسفل‪ ،‬ومع ذلك َّ‬ ‫منظمة اليونسكو‪ ،‬وبدعم من معظم الدول‪ ،‬من تجاوز تلك‬ ‫المرحلة دون التأثّر من خفض موازنة المنظمة‪.‬‬ ‫المرة‬ ‫كانت‬ ‫الثمانينيات‪،‬‬ ‫التقينا أحمد امبو مرتين في بداية‬ ‫ّ‬ ‫األولى بمكتبه في منظمة اليونسكو (ضمن وفد دولة قطر)‪،‬‬ ‫حيث تحدث عن سعادته بنتائج تقرير لجنة (ماكبرايد)‬ ‫حر‪ ،‬يحرص على االنفتاح‬ ‫المتماشية مع طموحه كمثقَّف ّ‬

‫الثّقافي واإلعالم دون هيمنة أو سيطرة من القوى المتنفِّذة‪،‬‬ ‫وكان اللقاء الثاني أثناء زيارته لدولة قطر‪ ،‬وكان ضمن‬ ‫البرنامج تخصيص زياره إلى إذاعة قطر حيث صحبناه في‬ ‫جولة داخلية‪ ،‬وطلب منا إطالعه على مركز إعداد األخبار‪،‬‬ ‫وتوجه حا ًال إلى األجهزة المتعّددة الناقلة ألخبار الوكاالت‬ ‫ّ‬ ‫المتعددة‪ ،‬وأذكر أنه نظر إلينا‪ ،‬منبه ًا بأن هذا ما كان يخشاه‬ ‫ِّ‬ ‫ويتوقعه في وسائل إعالم معظم دول العالم الثالث‪ ،‬وهو‬ ‫هيمنة وكالتين أو ثالث وكاالت كمصادر أساسية لنشر‬ ‫األخبار‪ ،‬وأشار إلى وكالة (رويترز) ووكالة األنباء الفرنسية‬ ‫ووكالة (األسوشيتد برس)‪ ،‬وجميعها وكاالت غريبة‪ ،‬تعتمد‬ ‫عليها الوكاالت المحلية بشكل مطلق‪ ،‬وأعاد السبب حينها‬ ‫بعدم اهتمام الوكاالت بالمراسلين الذين ينقلون الوقائع من‬ ‫أرض الحدث ‪ ،‬بينما يعتبر المراسل هو الركيزة األساسية في‬ ‫وكاالت األنباء الغربية‪.‬‬ ‫مر على تلك الزيارة ثالثة عقود تقريباً‪ ،‬ولم يتغير واقع‬ ‫لقد ّ‬ ‫الحال (على األقل في الوطن العربي)‪ ،‬باستثناء قناة الجزيرة‪،‬‬ ‫التي كان سر صعودها هو شبكة مراسليها المنتشرين في‬ ‫معظم مواقع األحداث الساخنة وبرامجها الحوارية‪.‬‬ ‫يتخل عن مبادئه‬ ‫أحمد امبو‪ ،‬مثقَّف وصاحب موقف‪ ،‬لم‬ ‫ّ‬ ‫أخَتلف الناس حولها أم اتفقوا)‪ ،‬وكان ميدانه الحقيقي‬ ‫(سواء ْ‬ ‫هو منظمة اليونسكو‪ ،‬ملتقى ثقافات العالم وتراثها وقيمها‪،‬‬ ‫وفي هذه الساحة واجه أقوى قوة مهنية مسيطرة على ثقافة‬ ‫وإعالم الشعوب‪ ،‬وواجه امبو ذلك أحيان ًا بمساندة مثقفي‬ ‫العالم ومعظم األحيان لوحده‪ .‬وأكيد أن المثقّف هو الموقف‬ ‫مؤسسات ثقافية في كثير من‬ ‫وليس الشخص‪ ،‬لذلك تراجعت ّ‬ ‫البلدان عن أدائها‪ ،‬عندما توالها موظفون أكثر من مثقّفين‪،‬‬ ‫خصوص ًا مثقف الموقف‪.‬‬ ‫‪67‬‬


‫ملف‬

‫اللوحات الفنية للفنان ‪ -david agenjo‬إسبانيا‬

‫‪68‬‬


‫اليد‬ ‫تهدي وردة‪،‬‬ ‫وتضغط على الزناد‬ ‫متشــعبة‪ ،‬الحصــر لهــا‪ ،‬فهــي فــي‬ ‫دالالت اليــد‬ ‫ِّ‬ ‫يهمنــا‬ ‫الميثولوجيــا واألعــراف عجيبــة وغريبــة‪ .‬مــا ّ‬ ‫أكثــر‪ ،‬فــي هــذا الملـ ّ‬ ‫اليومي‪،‬‬ ‫فاعليتهــا فــي الســلوك‬ ‫ـف ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـل غرابــة وعجابـ ًا مــا يصــدر عــن‬ ‫ومــع ذلــك فليــس أقـّ‬ ‫اإلنســان مــن أفعالهــا؛ فاليــد هــي واســطة مــا ينــوي‬ ‫شــر‪ ...‬هــي صانعــة الحيــاة‪،‬‬ ‫فعلــه مــن خيــر أو ّ‬ ‫ومســؤولة عــن تحريــك مجريــات األمــور ومــآالت‬ ‫المصائــر‪ ،‬هــي أداة االختيــار ومترجمــة العواطــف‪..‬‬ ‫حجـ ًـة علــى مجــرم‪ ،‬والعون إنقــاذًا‬ ‫كمــا لهــا البصمــات ّ‬ ‫تنفــذ ضــرب طفــل فــي مدرســة‬ ‫وإغاثـ ًـة‪ ،‬وهــي التــي ِّ‬ ‫يتهجــى األبجديــة‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫كمــا درجــت علــى ذلك‪ ،‬في ملفّات ســابقة‪ ،‬حول قيمة‬ ‫األشــياء والظواهــر مــن حولنــا‪ ،‬تعــود «الدوحــة»‪،‬‬ ‫فــي هــذا الملـ ّ‬ ‫تأمــات‪،‬‬ ‫ـف عــن قيمــة اليــد‪ ،‬إلــى طــرح ُّ‬ ‫ـن واألدب والفلســفة‪.‬‬ ‫مدخلهــا الثّقافــة َ‬ ‫والفـّ‬

‫‪69‬‬


‫اإلنترنــت‪ ،‬أجهزة الكمبيوتر‪ ،‬الهواتف واأللــواح الذكية خلفت تأثيرات جذرية على نمط‬ ‫الحيــاة وأســلوب التواصل‪ ،‬بالشــكل الــذي تبدو فيه الحــدود القديمة للمــكان والزمان‬ ‫منهارة تحت سطوة التكنولوجيا الرقمية التي باتت شبه ضرورية في حياتنا اليومية‪..‬‬ ‫والمتجددة باســتمرار لم يحدث الطفرة العميقة في مســألة‬ ‫لكن اســتخدامنا لهذه الوســائط الجديدة‬ ‫ِّ‬ ‫التواصل والسلوكات فحسب بل للجسد نصيب وافر من تأثيرات هذه األجهزة‪.‬‬

‫تغيرات اللمس والتناول‬ ‫عبدالله بن محمد‬

‫إن شكل‬ ‫استخدامنا أليدينا‬ ‫المشغولة يتغير‬ ‫باستمرار‪ ،‬من‬ ‫حركات النسيج‬ ‫إلى الغزل إلى‬ ‫كتابة الرسائل‬ ‫النصية‬

‫‪70‬‬

‫تطل ــب األجه ــزة اإللكتروني ــة الرقمي ــة اس ــتخدام ًا‬ ‫جديــدًا لليــد‪ ،‬ونتيجــة لذلــك الحــظ األطبــاء حــدوث‬ ‫مش ــاكل ف ــي أصاب ــع الي ــد والمعص ــم‪ .‬وق ــد كان ــت‬ ‫التغييــرات علــى مســتوى األنســجة الصلبــة واللينــة‬ ‫لليـــد متوقعـــة بســـبب االســـتخدام الحركـــي لليـــد‬ ‫واألصاب ــع‪ .‬بجان ــب ه ــذه المالحظ ــات‪ ،‬اس ــتحضر‬ ‫األطبـــاء مقارنـــة تســـتدعي تطـــور أنمـــاط الحركـــة‬ ‫من ــذ التاري ــخ القدي ــم‪ ،‬وعل ــى ه ــذا النح ــو س ــتصبح‬ ‫حــركات أيدينــا‪ ،‬فــي نهايــة المطــاف‪ ،‬مختلفــة علــى‬ ‫نحــو مــا حصــل فــي شــكل فــم اإلنســان بعد اســتخدام‬ ‫الســكاكين فــي تنــاول الطعــام‪ ،‬الــذي غيــر تدريجيـ ًا‬ ‫حركــة القضــم؛ مــن الحافــة إلــى الحافــة إلــى العــض‬ ‫بالقواط ــع العلي ــا والس ــفلى‪...‬‬ ‫إن ش ــكل اس ــتخدامنا أليدين ــا المش ــغولة يتغي ــر‬ ‫باس ــتمرار‪ ،‬م ــن ح ــركات النس ــيج إل ــى الغ ــزل إل ــى‬ ‫كتابــة الرســائل النصيــة‪ .‬فــي الســابق كان الوالــدان‬ ‫علــى ســبيل المثــال مشــغولين بالحياكــة أو تصفــح‬ ‫الكتــب والصحــف‪ ،‬بينمــا تحـّـوال اليــوم إلــى اإلبحــار‬ ‫والنق ــر عل ــى األزرار‪ .‬ف ــي المن ــزل‪ ،‬تش ــغل ألع ــاب‬ ‫الكمبيوتـــر اليديـــن واألصابـــع‪« ،‬مايـــن كرافـــت»‪،‬‬ ‫اللعبـــة األكثـــر نجاحـــ ًا فـــي العالـــم‪ ،‬تتضمـــن يـــدًا‬ ‫غريب ــة عل ــى الشاش ــة تراف ــق الالع ــب أينم ــا ذه ــب‪.‬‬ ‫وكذلـــك «ليغـــو» التـــي اكتســـبت شـــعبية كبيـــرة ال‬ ‫تعــود للتســويق الذكــي فحســب‪ ،‬بــل إلــى وظيفتهــا‬ ‫األساس ــية م ــن خ ــال تركي ــز العم ــل عل ــى اليدي ــن‪.‬‬ ‫عندمـــا نـــدرك أهميـــة الحفـــاظ علـــى أيدينـــا‬ ‫مشــغولة‪ ،‬يمكننــا أن نبــدأ فــي التفكيــر فــي أســباب‬ ‫ه ــذه الض ــرورة الغريب ــة‪ ،‬ونتس ــاءل ع ــن مخاط ــر‬ ‫األيـــادي المعطلـــة ووظيفـــة النشـــاط الـــذي يبقـــي‬ ‫األيــادي مشــغولة علــى الــدوام‪ ،‬ومــاذا يحــدث عندمــا‬ ‫نمنــع مــن اســتخدام أيدينــا؟ حــاالت االنشــغال وتعكر‬

‫المــزاج وحتــى اليــأس التــي قــد نعيشــها تكشــف أن‬ ‫الحفــاظ علــى األيــادي مشــغولة ليســت مســألة نــزوة‬ ‫أو ترفي ــه‪ ،‬ولكنه ــا تالم ــس ش ــيئ ًا م ــا ف ــي جوه ــر‬ ‫وجودن ــا‪ ،‬وه ــذا ق ــد يقودن ــا إل ــى مفارق ــة عجيب ــة‪.‬‬ ‫والجــواب علــى التســاؤل الســابق هــو أننــا بحاجــة‬ ‫إل ــى أيدين ــا للقي ــام بأش ــياء متع ـ ِّـددة‪ .‬أيدين ــا خلق ــت‬ ‫مــن أجــل خدمتنــا‪ ،‬إنهــا مــن أدوات العمــل والتنفيــذ‪،‬‬ ‫التحك ــم ف ــي العال ــم ال ــذي يحّق ــق لن ــا‬ ‫تمكنن ــا م ــن‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫رغباتنـــا‪ .‬نرفـــع أيدينـــا فـــي التصويـــت‪ ،‬للتوقيـــع‬ ‫عل ــى اتف ــاق‪ ،‬للتأكي ــد عل ــى االتح ــاد‪ ،‬والي ــد غالبــ ًا‬ ‫مــا تســتخدم لتمثــل صاحبهــا‪ .‬وفــي أفــام األمــوات‬ ‫األحيـــاء وأفـــام فرانكشـــتاين نـــرى المخلوقـــات‬ ‫العجيبــة تمشــي ســيرًا علــى األيــادي وهــي مكبلــة‪.‬‬ ‫لك ــن ف ــي الوق ــت نفس ــه‪ ،‬ق ــد ال تس ــتجيب أيدين ــا‬ ‫ألوامرنـــا أحيانـــاً‪ .‬فـــي بعـــض القصـــص واألفـــام‬ ‫ق ــد تصب ــح أج ــزاء م ــن الجس ــم مث ــل العي ــن والق ــدم‬ ‫أو حتـــى األذن متحركـــة أو مملوكـــة‪ ،‬وهـــو جـــزء‬ ‫بســيط بالمقارنــة مــع عــدد كبيــر مــن األمثلــة عندمــا‬ ‫تبــدأ اليــد ‪ -‬ســواء المرتبطــة بالجســد أو المنفصلــة‬ ‫مدمــر‬ ‫عنــه‪ -‬فــي العمــل مــن تلقــاء نفســها‪ ،‬وبشــكل ّ‬ ‫ف ــي معظ ــم األحي ــان‪ .‬ف ــي أف ــام الرع ــب‪ ،‬وعندم ــا‬ ‫تصب ــح أج ــزاء م ــن الجس ــم مملوك ــة‪ ،‬عل ــى غ ــرار‬ ‫(أيــدي أورالك) أو (الميــت الشــرير)‪ ،‬تصبــح األيــدي‬ ‫تابع ــة وخاضع ــة إلرادة بع ــض الق ــوى الش ــريرة‪،‬‬ ‫ب ــد ًال م ــن القدمي ــن والعيني ــن أو الف ــم‪ .‬وف ــي معظ ــم‬ ‫قص ــص الخي ــال‪ ،‬تعم ــل األي ــادي ف ــي تع ــارض م ــع‬ ‫اإلرادة الواعيــة للشــخص‪ ،‬يمكــن أن ترتكــب جريمــة‬ ‫قتــل أو انتقــام راودت صاحبهــا فــي وقــت مــا‪ ،‬لكــن‬ ‫المجتم ــع ال ــذي تعي ــش في ــه ح ــال دون ذل ــك‪ .‬ف ــي‬ ‫يتعيـــن علـــى الفنـــان‬ ‫الكتـــاب الكوميكـــي (اليـــد)‪ّ ،‬‬ ‫(الـــذي يلعـــب دوره مايـــكل كيـــن) أن يكتشـــف أن‬


‫المذبح ــة الت ــي ارتكب ــت ض ــد أولئ ــك الذي ــن ظلم ــوه‬ ‫كانــت فــي الحقيقــة مــن عمــل يــده المقطوعــة‪ .‬وفــي‬ ‫تجســـد األيـــادي إرادة‬ ‫ســـيناريوهات أخـــرى‪ ،‬قـــد ّ‬ ‫شــخص آخــر بالكامــل‪ ،‬ربمــا أحــد األرواح أو الجهــة‬ ‫المانح ــة للعض ــو الم ــزروع ف ــي الجس ــد‪.‬‬ ‫لك ــن ه ــل ال ت ــزال مث ــل ه ــذه التجاذب ــات قائم ــة‬ ‫الي ــوم؟ ف ــي الوق ــت ال ــذي ق ــد نس ــعى في ــه للتركي ــز‬ ‫علـــى مضمـــون كالم محدثنـــا‪ ،‬تدغدغنـــا أيدينـــا‬ ‫إلرســال رســالة نصيــة‪ ،‬لفتــح بريدنــا اإللكترونــي‪،‬‬ ‫لتحديـــث صفحتنـــا علـــى الفيســـبوك‪ ...‬ومعظـــم‬ ‫األشــخاص يشــتكون مــن إدمانهم وتعلُّقهــم بهواتفهم‬ ‫وحواســيبهم اللوحيــة‪ ،‬وكأن أيديهــم تفلــت منهم وال‬ ‫تتوقــف عــن لمســها‪ .‬أيدينــا‪ ،‬رمــز قوتنــا وملكيتنــا‪،‬‬ ‫وجــزء مــن جســدنا تفلــت منــا دائمـاً‪ .‬فــي فيلــم ديزني‬ ‫(المجم ــد)‪ ،‬ال ــذي حّق ــق نجاح ـ ًا منقط ــع النظي ــر ف ــي‬ ‫ّ‬ ‫كل األوقــات‪ ،‬يســلِّط المخــرج الضــوء علــى معضلــة‬ ‫ّ‬ ‫الفتــاة (إلســا) التــي ال تتوّقــف يداهــا عــن فعل أشــياء‬ ‫كل مـــا تلمســـه إلـــى‬ ‫غصبـــ ًا عنهـــا‪،‬‬ ‫وتحـــول يدهـــا ّ‬ ‫ّ‬ ‫جليــد‪ ،‬والقصــة تتعّلــق بجهودهــا للســيطرة‪ ،‬وربمــا‬ ‫القب ــول به ــذا الج ــزء المتم ـّـرد م ــن جس ــدها‪.‬‬ ‫فــي ســنة ‪ 2015‬عندمــا أخبــر الرئيــس األميركــي‬ ‫األســـبق جيمـــي كارتـــر العالـــم أنـــه يعانـــي مـــن‬ ‫ســرطان الدمــاغ‪ ،‬قــال إن األمــور أصبحــت اآلن «بيــد‬ ‫اهلل»‪ .‬وفــي إشــارة للقــوة واإلرادة‪ ،‬اســتخدم عبــارة‬ ‫الي ــد ب ــد ًال م ــن العق ــل أو الدم ــاغ‪ ،‬كم ــا ل ــو أن الي ــد‬ ‫ق ــد أصبح ــت ج ــزءًا قائ ــم ال ــذات‪ .‬وق ــد تقودن ــا ه ــذه‬ ‫الصـ�ورة إلـ�ى المشـ�هد األخيـ�ر فـ�ي فيلـ�م �‪The Ter‬‬ ‫‪ minator‬فنجــد الســايبورغ الــذي عــزم على القضاء‬ ‫علــى ســارة كونــور يتقــدم إلــى األمــام بيــده الطويلة‬

‫دم ــر بالكام ــل‪ .‬ف ــي‬ ‫المس ــحوقة‪ ،‬رغ ــم أن جس ــده ق ــد ّ‬ ‫الواقـــع‪ ،‬ســـتنتج هـــذه اليـــد الوحيـــدة التـــي تمـــت‬ ‫المحافظ ــة عليه ــا‪ ،‬ف ــي األج ــزاء األخ ــرى م ــن ه ــذه‬ ‫السلســلة‪ ،‬التقنيــات الجديــدة القاتلــة فــي المســتقبل‪.‬‬ ‫ف ــي أف ــام الخي ــال العلم ــي والتجس ــس والمغام ــرة‬ ‫اكتس ــبت الي ــد قيم ــة خاص ــة وق ــوة خارق ــة‪ .‬ويمك ــن‬ ‫تفس ــير ذل ــك بقل ــق البش ــر م ــن الق ــوة الت ــي تفوق ــت‬ ‫بهــا اآلالت علــى اإلنســان‪ ،‬لكــن هــل يمكــن اعتبارهــا‬ ‫أيضــ ًا محاول ــة لتكري ــس االعتق ــاد ف ــي الي ــد كق ــوة‬ ‫ومرك ــز تحك ــم مطل ــق؟‬ ‫وفــي جانــب آخــر يصــف علــم األعصــاب متالزمــة‬ ‫«الي ــد الغريب ــة»‪ ،‬بالحال ــة الت ــي يمك ــن أن تع ــارض‬ ‫فيهــا يــد واحــدة إرادة اليــد األخرى للشــخص الواحد‪.‬‬ ‫وتطلـــق بعـــض الدراســـات البحثيـــة علـــى الحالـــة‬ ‫مصطلـــح «متالزمـــة الدكتـــور ســـترينجغلوف» ‪-‬‬ ‫بع ــد ص ــدور فيل ــم (الدكت ــور س ــترينجغلوف) ال ــذي‬ ‫اســتعمل فيــه الممثــل البريطانــي بيتــر ســيلرز يــده‬ ‫اليســرى لوقــف اليــد اليمنــى مــن أداء التحيــة النازيــة‬ ‫فــي عــدة مناســبات‪ .‬وتمتلــئ تقاريــر علــم األعصــاب‬ ‫باألمثلــة التــي تبــدو فيهــا اليديــن فــي تنافــر تــام‪ :‬يــد‬ ‫تغلــق كتابـ ًا وأخــرى تحــاول فتحــه‪ ،‬واحــدة تشــعل‬ ‫س ــيجارة واألخ ــرى تطفئه ــا‪ ،‬ي ــد تخت ــار برنامجــ ًا‬ ‫تليفزيوني ـ ًا واألخ ــرى تح ــاول تغيي ــر القن ــاة‪ .‬وف ــي‬ ‫أمثل ــة أكث ــر عدواني ــة‪ ،‬ي ــد تح ــاول خن ــق ش ــخص‬ ‫واليـــد األخـــرى تحـــاول تخفيـــف قبضتهـــا‪ ،‬أو يـــد‬ ‫تدفــع بالغــذاء إلــى الفــم فــي حيــن تحــاول األخــرى‬ ‫صّدهـــا‪ ،‬ويـــد تحـــاول إغـــراق مريـــض واألخـــرى‬ ‫تس ــعى لردعه ــا‪.‬‬

‫معظم‬ ‫األشخاص‬ ‫يشتكون‬ ‫من إدمانهم‬ ‫وتعلُّقهم‬ ‫بهواتفهم‬ ‫وحواسيبهم‬ ‫اللوحية‪ ،‬وكأن‬ ‫أيديهم تفلت‬ ‫منهم‪ ،‬وال‬ ‫تتو َّقف عن‬ ‫لمسها‬

‫‪71‬‬


‫أداة‬ ‫الضيق‪ ،‬من خالل طاقات الصوت عنده‪ ،‬فابتدع اللّغة ً‬ ‫انتشــر اإلنســان خارج ملكوته ِّ‬ ‫التطور في الزمان‪ ،‬فــكان الوجه واجهة العقل‬ ‫للفكــر والتحليل المنطقي‪ ،‬ورصــدًا إليقاع ّ‬ ‫وعضوه المباشر‪ ،‬ولكنه امتد خارجه‪ ،‬من خالل اليد‪ ،‬أيضاً‪ ،‬فكانت اإليماءات لغة موازية‬ ‫يخط‪ ،‬على جدران‬ ‫كل أشــكال الغرافية التي تعلَّم‪ ،‬من خاللها‪ ،‬اإلنســان كيف يكتب وكيف ّ‬ ‫انبثقت عنها ّ‬ ‫كل انفعاالته‪.‬‬ ‫الكهــوف وعلــى أديــم األرض والرمــال‪ ،‬ما اســتوطن وجداناً‪ ،‬ال يقــول دائم ًا بالصــوت ّ‬ ‫المتخيل واألســطوري في حياته‪ :‬يتعلَّق األمر بما ُيطلق عليه «الزوج‬ ‫فكان‪ ،‬بذلك‪ ،‬ينفتح على عوالم‬ ‫َّ‬ ‫فاعليتان‬ ‫الوظيفــي»(‪ )2‬الــذي يوازي بين اللّغة والوجه‪ ،‬من جهة‪ ،‬وبين اليــد واألداة‪ ،‬من جهة أخرى؛‬ ‫َّ‬ ‫مختلفتان في الوجود واالشتغال‪ ،‬متكاملتان في الطاقة الرمزية والمردود اإلبالغي‪« .‬ففي البدء كانت‬ ‫وحد بين الصوت واليد‪ ،‬في البداية‪ ،‬أيض ًاً»(‪.)3‬‬ ‫الكلمة‪ ،‬وكان الفعل؛ وذاك ما َّ‬ ‫قد تكون اليد‬ ‫هي أساس‬ ‫انفصال اإلنسان‬ ‫عن الطبيعة‬ ‫وسبيله نحو‬ ‫التأنسن‪ ،‬وقد‬ ‫تكون هي شرطه‬ ‫األول واألخير‪،‬‬ ‫فمن يملك يدين‬ ‫يملك القدرة‬ ‫على تحويل‬ ‫األفكار إلى‬ ‫حقائق‬

‫‪72‬‬

‫تعلَّم كيف يمشي‬ ‫(‪)1‬‬ ‫فأطلق يديه‬ ‫سعيد بنكراد‬ ‫وم ــع ذل ــك‪ ،‬ال ش ــيء ي ــوازي الي ــد ف ــي القيم ــة‬ ‫النفعيـــة والتعبيـــر الرمـــزي علـــى حـــد ســـواء‪،‬‬ ‫كل المقاص ــد‬ ‫إنه ــا عض ــو األعض ــاء ومرك ــز لتنفي ــذ ّ‬ ‫والنوايــا‪ .‬فهــي الفاصــل الدينامــي بيننــا وبيــن عالــم‬ ‫يأتينــا عبــر الحــواس فــي المقــام األول‪ ،‬فبهــا نقيــس‬ ‫المســافات وبهــا نحتمــي مــن األخطــار وإليهــا نســتند‬

‫كل الشــرور؛ وباليد نتقزز ونصد‬ ‫وبواســطتها نتقي ّ‬ ‫ونغ ــري ونتهك ــم ونن ــذر ونح ــذر ونأم ــر وننه ــي؛‬ ‫كل األحاســيس‪ ،‬ففيها الحزن‬ ‫وهــي مثــوى ومنطلق ّ‬ ‫والف ــرح والس ــعادة واالنط ــاق واالنكم ــاش‪ ،‬وه ــي‬ ‫كل النوعيــات‪ ،‬الخشــن والناعــم والحريــري‬ ‫موطــن ّ‬ ‫والمدبــس والرقيــق واللين‪ ،‬فالــَـملْمس فيها وحدها‪،‬‬


‫أم ــا العي ــن فتكتف ــي برص ــد م ــا َيْمُث ــل صامتــ ًا ف ــي‬ ‫كل المناف ــذ الحس ــية‬ ‫المحي ــط؛ وه ــي الراب ــط بي ــن ّ‬ ‫أيضـاً‪ ،‬إنهــا الــُـمَنفِّذ لغايــات العيــن والموجــه ألمــداء‬ ‫تتكلــم حيــن تصمــت العيــن‪ ،‬وتصرخ‬ ‫الصــوت‪ ،‬إنهــا َّ‬ ‫كل‬ ‫وي ِســم ّ‬ ‫حيــن َ‬ ‫تنفــد الكلمــات؛ وهــي مــا يخصــص َ‬ ‫حــاالت اإلبــاغ اللفظــي‪ ،‬فجــزء كبيــر مــن مدلــوالت‬ ‫التواصــل تحـ ِّـدده اليــد‪ ،‬أمــا مــا َيْف ُضــل منهــا فمــودع‬ ‫فــي ســياقات القواميــس والوضعيــات المســكوكة‪.‬‬ ‫لذلـــك قـــد تكـــون اليـــد هـــي أســـاس انفصـــال‬ ‫اإلنس ــان ع ــن الطبيع ــة وس ــبيله نح ــو التأنس ــن‪،‬‬ ‫وقــد تكــون هــي شــرطه األول واألخيــر‪ ،‬فمــن يملــك‬ ‫يديــن يملــك القــدرة علــى تحويل األفــكار إلى حقائق‬ ‫كل الطبائع‪« .‬فبدون اســتعمال‬ ‫تســتوعبها أفعال من ّ‬ ‫اليديــن مــا كان لإلنســان أن يصــل إلى مــا وصل إليه‬ ‫أبــداً» (دارويــن)‪ .‬إن اليد واســطة مثلــى‪ ،‬إنها توازي‬ ‫بي ــن أفع ــال اإلنس ــان وبي ــن قدرات ــه العقلي ــة ف ــي‬ ‫تنظيــم تجربتــه الذهنيــة وتحديــد المحتمل الســلوكي‬ ‫وممكنــات التبــادل االجتماعــي فــي الوقــت ذاتــه‪ .‬إنها‬ ‫الوجــاه(‪ )4‬الــذي‬ ‫الفكــر فــي وجهــه العملــي‪ ،‬أو هــي ِ‬ ‫يت ــم م ــن خالل ــه التب ــادل بي ــن المفهوم ــي والعمل ــي‬ ‫تجس ــد فعليــ ًا م ــا يفك ــر في ــه‬ ‫فين ــا‪ ،‬ذل ــك أن الي ــد ِّ‬ ‫الذه ــن ف ــي الممك ــن المفهوم ــي‪ .‬بعب ــارة أخ ــرى‪ ،‬إن‬ ‫«الي ــد فع ــل‪ :‬إنه ــا ُتْمس ــك وتب ــدع وتفك ــر (‪ )...‬وم ــن‬ ‫خاللهــا تتأمــل العــادة والغريــزة وإرادة الفعــل فــي‬ ‫اإلنس ــان(‪ .)5‬فلي ــس هن ــاك أح ــن م ــن ي ــد تداع ــب‪،‬‬ ‫وتتوعــد»‪.‬‬ ‫وليــس هنــاك أقســى مــن أخــرى تهـ ِّـدد‬ ‫َّ‬ ‫«يداً» فــي ِ‬ ‫العْبِرية‪،‬‬ ‫وليــس غريبـ ًا أن تكــون كلمــة َ‬ ‫الدالــة علــى المعرفــة‪ ،‬مشــتقة مــن اليــد التــي تعيــن‬ ‫ف ــي ه ــذه اللّغ ــة عض ــو الي ــد ذاته ــا‪ .‬ولي ــس غريبــ ًا‬ ‫العربيـــة مســـتودع ًا للفعـــل‬ ‫أيضـــ ًا أن تكـــون اليـــد َ‬ ‫والحركـــة والديناميـــة واإلبـــداع‪ ،‬وهـــي صفـــات‬ ‫ـور داخله ــا‪ .‬لق ــد قام ــت الي ــد‪،‬‬ ‫الحي ــاة وح ــاالت التط ـّ‬ ‫مـــن خـــال ذلـــك كلـــه‪ ،‬بالنفـــخ فـــي العالـــم مـــن‬ ‫روحهــا‪ ،‬فأصبــح العالــم إنســانياً‪ .‬وهــو مــا يعنــي‬ ‫أن ب ــؤرة اإلنس ــاني مودع ــة ف ــي الي ــد وحده ــا‪ ،‬أم ــا‬ ‫األعض ــاء األخ ــرى فه ــي مص ــدر لالنتش ــاء بالحس ــي‬ ‫فــي الطبيعــة‪ .‬بعبــارة أخــرى‪ ،‬إن اليــد ناطقــة فــي‬ ‫ذاته ــا وناطق ــة ف ــي غيره ــا‪ ،‬فم ــن خالله ــا وحده ــا‬ ‫كل األعض ــاء‪ .‬ولي ــس لألص ــم األبك ــم س ــوى‬ ‫تتكل ــم ّ‬ ‫كل شـــيء‪ ،‬ففيهـــا يضـــع القـــول‬ ‫اليـــد أداة لقـــول ّ‬ ‫والمقــول وصيــغ القــول فــي الوقــت ذاتــه‪ :‬االنخــراط‬ ‫ف ــي الملف ــوظ أو االنفص ــال عن ــه أو التمل ــص م ــن‬ ‫تبعات ــه‪ .‬فالي ــد عن ــده ص ــوت «صام ــت» يق ــول م ــا‬ ‫تقولــه اللّغــة فــي التســمية والفصــل بيــن االنفعــاالت‬ ‫والتمييــز بينهــا‪ .‬إنــه يفــرح ويحــزن ويقبــل ويرفض‬ ‫ويرغ ــب بالي ــد وحده ــا‪.‬‬ ‫ليــس للجســد مــأوى آخــر غيــر اليــد ذاتهــا‪ ،‬ففــي‬ ‫غيابهــا سـُـي َض ِّيع جــزءًا مــن ممكناتــه فــي التواصــل‬

‫والدالل ــة والفع ــل‪ .‬ففيه ــا ال ــدفء والب ــرودة والص ــد‬ ‫واالســتقبال الحســن‪ .‬بــل قــد ُيختصــر اإلنســان كلــه‬ ‫مجـــرد أداة عنـــد‬ ‫فـــي اليـــد وحدهـــا حيـــن ُيصبـــح‬ ‫ّ‬ ‫غي ــره (الي ــد اليمن ــى)‪ .‬وق ــد تك ــون الي ــد بذل ــك رم ــزًا‬ ‫للوجـــود ذاتـــه‪ ،‬إنهـــا حامـــل للســـلب واإليجـــاب‪،‬‬ ‫م ــا يش ـ ِّـكل ش ــرط الوج ــود الزمن ــي عل ــى األرض‪:‬‬ ‫منهــا اشـُـتق اليســار واليميــن فــي السياســة والديــن‬ ‫واإليديولوجيــا؛ وهــي مصــدر اليانــغ واليينــغ فــي‬ ‫التقلي ــد الصين ــي الفاص ــل بي ــن الصال ــح والطال ــح‬ ‫فــي القيــم واألخــاق ‪ :‬المشــمس والظليــل‪ ،‬والذكــر‬ ‫واألنثـــى‪ ،‬والولـــوج واالســـتيعاب‪ .‬وذاك أيضـــ ًا‬ ‫هـــو الفاصـــل بيـــن األخـــذ ( اليســـرى) و«العطـــاء»‬ ‫(اليمنـــى) وبيـــن «الســـر» (المضمومـــة) و«الثقـــة‬ ‫والحقيقة»(المبســوطة)‪ ،‬وبيــن «األعلــى» (الكبريــاء‬ ‫والعظم ــة) واألس ــفل (ال ــذل والمس ــكنة)‪ .‬فف ــي ه ــذه‬ ‫الحــركات ُت َّ‬ ‫كل التقابــات التــي تحـ ِّـدد مضمــون‬ ‫كثــف ّ‬ ‫ـور داخله ــا‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫التط‬ ‫ـرط‬ ‫الحي ــاة وش ـ‬ ‫ّ‬ ‫اس ــتنادًا إل ــى ذل ــك‪ ،‬ال ُيش ـّـكل الـ ـ َـم ْسك واللم ــس‬ ‫فيهـــا ســـوى وظيفـــة أوليـــة ال قيمـــة لهـــا قياســـ ًا‬ ‫إلـــى مخزونهـــا الرمـــزي‪ .‬إنهـــا ليســـت أداة ضمـــن‬ ‫أدوات أخ ــرى‪« ،‬إنه ــا أداة األدوات‪ ،‬م ــا يح ــل مح ــل‬ ‫كل شــيء‪ ،‬إن اإلنســان يتمتــع بيديــن‪ ،‬ألنــه أذكــى‬ ‫ّ‬ ‫ـكل مــا‬ ‫الكائنــات علــى اإلطــاق» حســب أرســطو‪ .‬فـ ّ‬ ‫ف ــي الك ــون ل ــه ي ــد‪ ،‬ي ــد اهلل وي ــد الق ــدر وي ــد المن ــون‬ ‫وكل األيـــادي‬ ‫ويـــد القاتـــل ويـــد الكريـــم والمانـــح ّ‬ ‫األخــرى‪« .‬فوحــده الكائــن المتكلــم‪ ،‬أي الكائــن الــذي‬ ‫يفك ــر‪ ،‬يمل ــك ي ــدًا به ــا ينج ــز أعمال ــه» ( هايدغ ــر )‪.‬‬ ‫وف ــي الي ــد تث ــوي ثيم ــات الوج ــود الكب ــرى أيضــاً‪،‬‬ ‫فهــي التملــك والتخلي واإلباحة والمصــادرة والمنع‬ ‫والهيمن ــة‪ :‬ف ــي مل ــك الي ــد‪ ،‬ووض ــع الي ــد ورفعه ــا‪،‬‬ ‫وطلــب اليــد أو ســحبها وبســط اليــد‪ .‬وفيهــا الحجــم‬ ‫واالمت ــداد وه ــي الفاص ــل بي ــن كائني ــن‪.‬‬ ‫لق ــد تس ــربت الي ــد م ــن خ ــال موقعه ــا ذاك إل ــى‬ ‫كل حـــاالت النفـــس‪ ،‬فهـــي‬ ‫كل الصفـــات وإلـــى ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخي ــر والج ــود والعط ــاء والب ــذل‪ ،‬وه ــي الس ــلطة‬ ‫والجب ــروت والرحم ــة والقس ــوة‪ .‬أو ه ــي «النعم ــة‬ ‫والقـــوة والقـــدرة والملـــك والســـلطان والطاعـــة‬ ‫والجماعـــة واألكل‪ ،‬وهـــي النـــدم واالستســـام‬ ‫كل ش ــيء يم ــر عبره ــا‪،‬‬ ‫والتوبة»(لس ــان الع ــرب)‪ّ .‬‬ ‫وتمســـك وتضـــرب وتغـــري وتداعـــب‬ ‫إنهـــا تحمـــل ُ‬ ‫وتتوعـــد وتنـــادي وتتشـــبث‪ .‬وهـــي الســـبيل إلـــى‬ ‫مواطـــن اللـــذة‪ .‬إنهـــا تـــرى وتســـمع وتتحســـس‬ ‫وتغ ــري وتص ــل العي ــن بالعي ــن‪ ،‬وته ــدي بواط ــن‬ ‫ُ‬ ‫األمــور إلــى ظواهرهــا‪ .‬فليــس لألعمــى ســوى يديــه‬ ‫لك ــي ي ــرى‪ ،‬ولك ــن العي ــن عن ــد الرائ ــي ال يمك ــن أن‬ ‫تـــرى ّإل بعـــون اليـــد‪ .‬إنهـــا «وجـــه بـــا عيـــن وال‬ ‫ص ــوت‪ ،‬ولكنه ــا ت ــرى وتتكّل ــم»(‪ .)6‬إنه ــا تغط ــي‬ ‫علـــى الكلمـــات أو تفضحهـــا‪.‬‬

‫ليس للجسد‬ ‫مأوى آخر غير‬ ‫اليد ذاتها‪،‬‬ ‫ففي غيابها‬ ‫سي ُ َ‬ ‫ضيِّع جزء ًا‬ ‫من ممكناته‪،‬‬ ‫في التواصل‪،‬‬ ‫والداللة والفعل‬

‫‪73‬‬


‫استطاعت‬ ‫التخلّي عن‬ ‫البيولوجي فيها‪،‬‬ ‫لكي تصبح‬ ‫حاملة لقيم‬ ‫ثقافية‪ ،‬هي ما‬ ‫يح ِّدد جزء ًا من‬ ‫هويّة اإلنسان‬

‫‪74‬‬

‫لذلــك لــم يكــن للحيــوان ســوى ســاح واحــد لــم‬ ‫َي ْســع إلــى تغييــره أبــداً‪ ،‬وذاك مــا تقــوم بــه قوائــم‬ ‫األســد والنمــر والضبــاع‪ ،‬ومــا تبدعــه أظافــر القــط‪،‬‬ ‫فهــذه كانــت موجهــة منــذ البدايــة لكــي ال تقوم ســوى‬ ‫به ــذه الوظيف ــة وحده ــا‪ ،‬أم ــا اإلنس ــان ف ــا يتوق ــف‬ ‫عــن تنويــع أســلحته ألن اليــد عنــده مطواعــة قابلــة‬ ‫للتمـ ُّـدد واالنكفــاء والتثنــي‪ .‬لقــد تأنســنت يــده قبــل‬ ‫أعضائه األخرى‪ ،‬أو هي وحدها اســتطاعت التخلي‬ ‫ع ــن البيولوج ــي فيه ــا‪ ،‬لك ــي تصب ــح حامل ــة لقي ــم‬ ‫ثقافي ــة ه ــي م ــا يح ـ ِّـدد ج ــزءًا م ــن هوي ــة اإلنس ــان‪.‬‬ ‫ـا بينن ــا وبي ــن م ــا يأتين ــا م ــن‬ ‫إن الي ــد ليس ــت فاص ـ ً‬ ‫ـكل التصنيفــات‬ ‫خارجنــا فحســب‪ ،‬بــل هــي مصــدر لـ ّ‬ ‫أيض ـاً‪ :‬هن ــاك تف ــاوت بي ــن ي ــد الف ــاح وي ــد العام ــل‬ ‫ويــد الحضــري والبــدوي‪ ،‬ويــد المــرأة ويــد الرجــل؛‬ ‫فــي اليــد طعــم التــراب وفيهــا الدقــة والعنــف والغنج‬ ‫كل الن ــاس‪ ،‬ولكنه ــا ال‬ ‫أيض ـاً‪ .‬إن الي ــد واح ــدة عن ــد ّ‬ ‫تنص ــاع إال للثّقاف ــي فيه ــا؛ فه ــي ال ُتَنف ــذ برنامجــ ًا‬ ‫مودع ـ ًا ف ــي الجين ــات‪ ،‬ب ــل تكت ــب نصوص ـ ًا تس ــتمد‬ ‫مضمونهــا مــن الثّقافــة ال مــن التشــكيل الحركي فيها‪.‬‬ ‫إننــا فــي الكثيــر مــن الحــاالت «نتكلــم بأفواهنــا‪،‬‬ ‫ونصمــت بأيدينــا»(‪ ،)7‬تمامـ ًا «كمــا نــرى فــي عوالــم‬ ‫ونتكلــم فــي عوالــم أخــرى» (دوبــري)‪ .‬وتلك حاالت‬ ‫«االصطــدام» بالعالــم‪ ،‬فنحــن موجهــون مــن داخلنا‪،‬‬ ‫ـا‬ ‫لكــي نحتضــن مــا يلتقطــه الوعــي مــن خارجــه دليـ ً‬ ‫عل ــى وج ــوده ف ــي العال ــم‪ .‬وللي ــد ف ــي ذل ــك أرق ــى‬ ‫األدوار‪ ،‬مــن خاللهــا نحســه فينــا ومــن خاللها يحس‬ ‫بنــا داخلــه‪ ،‬ذلــك أن «اإلنســان يتنفــس العالــم مــن‬ ‫خ ــال يدي ــه‪ ،‬ويم ــد أصابع ــه ليمس ــك بالالمرئ ــي‬ ‫ـكل ح ــاالت االنتش ــاء بالك ــون‬ ‫ف ــي محيط ــه»(‪ .)8‬ف ـ ّ‬ ‫مودع ــة ف ــي الي ــد‪ :‬األي ــدي المرفوع ــة إل ــى الس ــماء‬ ‫ابته ــا ًال إل ــى اهلل أو استس ــام ًا أو خوفــ ًا م ــن خط ــر‬ ‫داهـــم‪ ،‬واأليـــدي التـــي تســـتقبل نـــور الشـــمس أو‬ ‫تتقـــي وهجـــه‪ ،‬واأليـــدي التـــي تحتضـــن العائـــد‪،‬‬ ‫أو تتس ــلل إل ــى المخف ــي‪ ،‬وتل ــك الت ــي تداع ــب م ــاء‬ ‫األنهــار‪ ،‬أو تمســك بجــذوع النخــل‪ .‬ال تتعـ َّـرف اليــد‬ ‫كل ه ــذه الح ــاالت عل ــى محيطه ــا‪ ،‬إنه ــا تثب ــت‬ ‫ف ــي ّ‬ ‫انفصاله ــا عن ــه ووجوده ــا في ــه ف ــي الوق ــت ذات ــه‪.‬‬ ‫كل حــاالت النفــس التواقــة‬ ‫لذلــك احتضنــت اليــد ّ‬ ‫إلــى ســكينة فــي العالــم أو طمأنينــة فــي الــروح‪ :‬في‬ ‫اليــد الســام والخشــوع والتوســل واالبتهــال‪ .‬فنحــن‬ ‫نصلــي بأيدينــا‪ ،‬ونتوجــه إلــى اهلل مــن خاللهــا‪ ،‬فلــن‬ ‫يديــن تصوغــان التوســل‬ ‫يتكلــم الفــم إال مــن خــال ْ‬ ‫وتكشــفان عــن نوايــا النفــس وقصدهــا‪ .‬وتلــك هــي‬ ‫الحــاالت التــي تشــير إليهــا المــودرا(‪ )9‬فــي التقليــد‬ ‫السانســـكريتي‪ ،‬حيـــث تصبـــح اليـــد هـــي المـــادة‬ ‫الت ــي ُيص ــاغ منه ــا م ــا يحي ــل عل ــى مجموع ــة م ــن‬ ‫تتجلــى‬ ‫األحاســيس أو الوضعيــات‪ ،‬كمــا يمكــن أن‬ ‫َّ‬ ‫فـــي الرقـــص واليوغـــا وفـــي طقـــوس العبـــادة أو‬

‫التمثي ــل الرم ــزي لش ــخصيات بعينه ــا‪ .‬فلي ــس ب ــوذا‬ ‫س ــوى سلس ــلة م ــن الح ــركات ه ــي مجم ــل حيات ــه‬ ‫ومراحلهــا المتنوعــة‪ .‬وليــس للفنــان ســوى يديــه‪،‬‬ ‫إنــه يكتــب باليــد‪ ،‬ويرســم باألصابــع وبهــا وحدهــا‬ ‫يصـــوغ مادتـــه‪ .‬إن اللوحـــة إبـــداع «يـــدوي»‪ ،‬فـــا‬ ‫ش ــيء يمك ــن أن يس ــتقيم ف ــي اللوح ــة خ ــارج م ــا‬ ‫يمي ــز حقيق ــة‬ ‫ت ــوده العي ــن وتنف ــذه الي ــد‪ .‬وذاك م ــا ِّ‬ ‫الوج ــود ع ــن عب ــث األح ــام»‪ ،‬إن الحال ــم ال يب ــدع‬ ‫َفّن ـاً‪ ،‬ألن الي ــد عن ــده تك ــون نائم ــة‪ .‬إن الف ــن ينت ــج‬ ‫ع ــن الي ــد فه ــي أداة الخل ــق»(‪ .)10‬وج ــزء كبي ــر م ــن‬ ‫المس ــرح الميم ــي تصوغ ــه الي ــد وحده ــا‪ ،‬فبدونه ــا‬ ‫س ــتظل الكثي ــر م ــن ح ــركات جس ــد الراق ــص ب ــدون‬ ‫معن ــى‪.‬‬ ‫ومـــن هـــذه القـــدرة علـــى صياغـــة الكـــون فـــي‬ ‫يتعل ــق األم ــر‬ ‫ح ــركات الي ــد انبثق ــت لغ ــات عدي ــدة‪َّ ،‬‬ ‫بالتفكي ــر باألصاب ــع والك ــف والقبض ــة ‪ :‬الش ــهادة‬ ‫والق َس ــم والق ــدر والق ــوة واالته ــام واإلش ــهاد‪ .‬وف ــي‬ ‫َ‬ ‫خطـــوط اليـــد ُتختصـــر المصائـــر‪« :‬خـــط الحيـــاة»‬ ‫و«خ ــط ال ــرأس» و«خ ــط القل ــب» و«خ ــط الق ــدر»؛‬ ‫وفيهـــا تتكثـــف الجـــودة فـــي المعيـــش والمواهـــب‬ ‫واإلبـــداع والصحـــة والمـــزاج والطابـــع‪ .‬إن قـــدر‬ ‫اإلنســـان مكتـــوب فـــي يـــده‪ ،‬وفـــي اليـــد خطـــوط‬ ‫تهــدي إلــى المرصــود مــن الكنــوز‪ .‬وفيهــا «خميســة»‬ ‫الدال ــة عل ــى الم ــرأة المتفوق ــة وعل ــى ص ــد العي ــن‬ ‫وعلــى فاطمــة الزهــراء‪ .‬إنهــا شــعار دال علــى الموت‬ ‫والحي ــاة ف ــي الوق ــت ذات ــه‪.‬‬ ‫لذل ــك ق ــد تأت ــي البدائ ــل االصطناعي ــة بالعج ــب‬ ‫العج ــاب‪ ،‬لكنه ــا ل ــن تح ــل محله ــا أب ــداً‪ ،‬إنه ــا ف ــي‬ ‫ُ‬ ‫حاجــة دائمـ ًا إلــى عضــو األعضــاء أو أداة األدوات‪،‬‬ ‫الي ــد الت ــي وحده ــا تمن ــح اآلالت‪ ،‬ع ــن بع ــد أو ع ــن‬ ‫ق ــرب‪ ،‬ق ــدرة االش ــتغال‪.‬‬ ‫هوامش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬العبــارة مســتوحاة مــن روايــة نجيــب محفــوظ ثرثــرة‬ ‫ف ــوق الني ــل‪ ،‬حي ــث يق ــول أني ــس زك ــي وه ــو يح ــاور نفس ــه‬ ‫ف ــي الصفح ــة األخي ــرة م ــن الرواي ــة‪« :‬أص ــل المش ــاكل ق ــرد‪،‬‬ ‫تعل ــم كي ــف يس ــير عل ــى قدمي ــه فح ـ َّـرر يدي ــه»‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫‪ - 2‬انظر‪:‬‬ ‫‪André Leroi-Gourhan :Le geste et la parole,‬‬ ‫‪éd Albin Michel,1964, p262 et suiv.‬‬ ‫‪3 - Henri Focillon : Vie des formes, éd P U F 9‬‬ ‫‪édition, 2000,p.109.‬‬ ‫الوجاه ‪4 -‬‬ ‫‪ِ interface.‬‬ ‫‪5 - Henri Focillon : Vie des formes, p.104.‬‬ ‫‪ - 6‬المرجع السابق نفسه ص ‪.103‬‬ ‫‪ - 7‬المرجع السابق نفسه ص ‪.109‬‬ ‫‪ - 8‬المرجع السابق نفسه ص ‪.107‬‬ ‫‪ mudra - 9‬كلم ــة م ــن اللّغ ــة السنس ــكريتية‪ ،‬ت ــدل عل ــى‬ ‫سلســـلة الحـــركات الرمزيـــة التـــي تتخذهـــا اليـــد فـــي حـــاالت‬ ‫ـــن‪ ،‬أو التأمـــل‪ ،‬أو العبـــادة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫الف ّ‬ ‫‪10 - Henri Focillon : Vie des formes, p.112.‬‬


‫مجرد عضو في الجســد اإلنســاني فحســب‪ ،‬بل تّتســع برمزيتها لتحتل‬ ‫ليســت اليد ّ‬ ‫وفولكلورياً‪ ،‬وال ينبغي‪ -‬ونحن نتأمل‬ ‫أنثربولوجي ًا‬ ‫نطل عليها‬ ‫مكانــ ًا كبيراً‪ ،‬حين ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عما تفيض به اللّغة عليها من دالالت تلقي بظاللها على عناصر‬ ‫مكانها‪ -‬أن نعزلها ّ‬ ‫المأثور والتراث الشعبي كافّة‪.‬‬

‫مفاتيح اليد‬ ‫مسعود شومان‬ ‫ترتبـــط الحـــرف والمهـــن باليـــد‪ ،‬فيســـمونها‬ ‫بالح ــرف اليدوي ــة‪ ،‬وتعّل ــى الي ــد م ــن قدره ــا حي ــن‬ ‫تضفــي علــى قطعــة الســجاد أو الخشــب أو الحريــر‬ ‫بصم ــة جمالي ــة‪ ،‬فيقول ــون عل ــى الصان ــع الماه ــر‬ ‫«يــده تلــف فــي الحرير»‪ .‬وفــي المعتقدات الشــعبية‪،‬‬

‫توجــه اليــد بأصابعهــا الخمســة فإنمــا تمارس‬ ‫حيــن َّ‬ ‫ـا لــدرء الحســد والعيــن الشـّـريرة‪ ،‬وقــد صــارت‬ ‫فعـ ً‬ ‫ص ــورة الي ــد الت ــي تتوس ــطها العي ــن «التخمي ــس»‬ ‫أيقونـــة لصـــد العيـــن وطاقاتهـــا الشـــريرة‪ ،‬وكأن‬ ‫«تخمـــس» فإنهـــا تواجـــه طاقـــة‬ ‫كـــف اليـــد حيـــن ّ‬

‫في المعتقدات‬ ‫الشعبية‪،‬‬ ‫توجه‬ ‫حين‬ ‫َّ‬ ‫اليد بأصابعها‬ ‫الخمسة فإنما‬ ‫تمارس فع ً‬ ‫ال لدرء‬ ‫الحسد والعين‬ ‫الشرّيرة‬

‫‪75‬‬


‫تتوجـــه حاقـــدة أو حاســـدة‪،‬‬ ‫واعيـــة أو ال واعيـــة ّ‬ ‫لــذا «فقــد وضعهــا المصريــون علــى العربــات وفــي‬ ‫المن ــازل‪ ،‬وصنعه ــا الفالح ــون م ــن س ــنابل القم ــح‬ ‫لتوض ــع عل ــى واجه ــة المن ــزل لتتلّق ــى إش ــعاعات‬ ‫العي ــون الحاس ــدة وتلق ــي به ــا بعي ــدًا ع ــن المن ــزل‬ ‫وأهلـــه‪ ،‬كمـــا طبـــع المصريـــون أكفهـــم علـــى‬ ‫الحوائ ــط وعل ــى العرب ــات بع ــد أن غمس ــوها ف ــي‬ ‫لـــكل مـــؤذ‬ ‫دم الذبائـــح واألضاحـــي لتقـــف مصـــدًا ّ‬ ‫وحاقــد‪ ،‬وتتكاثــر األمثــال الشــعبية التــي تســتخدم‬ ‫الي ــد بوصفه ــا مج ــازًا رئيس ـ ًا فيم ــا يتعّل ــق بالعم ــل‬ ‫والعطـــاء والبخـــل واإلمســـاك باألشـــياء والقـــدرة‬ ‫وعلـــو الهامـــة واإلتيـــان بالخيـــر‪ ،‬والضعـــف‪،‬‬ ‫والجماعـــة‪ ،‬واالتحـــاد‪ ...‬إلـــخ‪ ،‬ويمكننـــا بنظـــرة‬ ‫عجلــى علــى بعــض األمثــال والتعبيــرات الشــعبية‬ ‫رؤيـــة االتســـاع الداللـــي الـــذي تضفيـــه الجماعـــة‬

‫ربطت الجماعة‬ ‫الشعبية بين اليد‬ ‫التي ال تعمل‪،‬‬ ‫والنجاسة‪.‬‬ ‫وضمن ًا‪ ،‬فإن‬ ‫اليد التي تعمل‬ ‫تتَّسم بالطهارة‬

‫‪76‬‬

‫عل ــى الي ــد وم ــا تفعل ــه‪ ،‬ونرص ــد ف ــي ه ــذا الس ــياق‬ ‫مجموع ــة منه ــا‪:‬‬ ‫ اإلي ــد قصي ــرة والعي ــن بصي ــرة ‪ -‬اإلي ــد الل ــي‬‫البطال ــة‬ ‫م ــا تق ــدرش عل ــى قطعه ــا بوس ــها‪ -‬اإلي ــد َّ‬ ‫نجســة ‪ -‬طــول مــا إيــدي فــي بقهــم هــا أفضــل عمهم‪-‬‬ ‫عصفــور فــي اليــد‪ ،‬وال عشــرة علــى الشــجرة ‪ -‬إيــده‬ ‫مليان ــة ‪ -‬إي ــده فاضي ــة ‪ -‬إي ــده تتل ــف ف ــي حري ــر ‪-‬‬ ‫إي ــد عل ــى إي ــد تكي ــد ‪ -‬إي ــد عل ــى إي ــد تس ــاعد ‪ -‬إي ــده‬ ‫ســخية ‪ -‬مــا باليــد حيلــة‪.‬‬ ‫إن اليــد تختــزل العوالــم الثّقافيــة التــي تعيشــها‬ ‫الجماعــة الشــعبية‪ ،‬وتعكــس مواقفهــا ممــا يواجههــا‬ ‫فــي الحيــاة‪ ،‬فقصــر اليــد يعنــي عــدم القــدرة علــى‬ ‫الفعــل‪ ،‬ويقتــرن ذلــك برؤيــة العيــن للحالــة‪ ،‬وهنــا‬ ‫يخت ــزل المث ــل ح ــاالت متع ـ ِّـددة تش ــير إل ــى وق ــوف‬ ‫الشـــخص عاجـــزًا أمـــام الظـــروف فتقـــدم إقناعـــ ًا‬ ‫مجازي ـ ًا للط ــرف اآلخ ــر ك ــي يتس ــامح أو يتعاط ــف‬ ‫كل يــد‬ ‫أو يقــدم دعم ـ ًا لهــذه «اليــد القصيــرة»‪ ،‬وألن ّ‬ ‫له ــا صفاته ــا وقدرته ــا‪ ،‬ف ــإن الجماع ــة تس ــتخدمها‬ ‫ـا‪ ،‬فالي ــد الت ــي ال تس ــتطيع‬ ‫بوصفه ــا مج ــازًا مرس ـ ً‬ ‫القض ــاء عليهــا‪ ،‬نظ ــرًا لم ــا تمتلك ــه م ــن قــوة أو م ــا‬ ‫تحــوزه مــن ثــروة أو ســلطة‪ ،‬فمــا عليــك‪ ،‬انصياع ًا‬ ‫لقوانيــن الحيــاة‪ّ ،‬إل أن تقبلهــا‪.‬‬ ‫كمـــا ترتبـــط اليـــد بالعمـــل‪ ،‬لـــذا فقـــد ربطـــت‬ ‫الجماعـــة الشـــعبية بيـــن اليـــد التـــي ال تعمـــل‬ ‫والنجاس ــة‪ ،‬وضمن ـ ًا ف ــإن الي ــد الت ــي تعم ــل تتس ــم‬ ‫بالطه ــارة‪ ،‬وه ــو رب ــط يجع ــل م ــن العم ــل عب ــادة‪،‬‬ ‫والعب ــادة ال تت ــم ّإل ف ــي أج ــواء الطه ــر والصف ــاء‪،‬‬ ‫وألن النصــوص الشــعبية الشــفهية تمتلــك تماســك ًا‬ ‫تســيجه منظومــة قيــم الجماعة وعاداتهــا وتقاليدها‬ ‫ومعتقداتهــا فإنهــا تربــط بيــن الطاعــة واالمتــاك‪،‬‬ ‫بي ــن المكان ــة والمق ــدرات االقتصادي ــة‪ ،‬فم ــن يمل ــك‬ ‫أقـــوات النـــاس‪ ،‬والمنـــح والمنـــع فإنـــه يكتســـب‬ ‫الس ــطوة والج ــاه والق ــدرة طـــوال فت ــرة امتالك ــه‬ ‫وقدرت ــه عل ــى التأثي ــر عل ــى األط ــراف األضع ــف أو‬ ‫يتأكــد ذلــك حيــن نســمع المثــل‬ ‫األكثــر احتياجـ ًا لــه‪َّ ،‬‬ ‫الشـــعبي الـــذي يســـتخدم اليـــد بوصفهـــا األعلـــى‪،‬‬ ‫ألنه ــا األث ــرى والق ــادرة عل ــى اإلطع ــام «ط ــول م ــا‬ ‫إي ــدي ف ــي بقه ــم ه ــا أفض ــل عمه ــم»‪ ،‬ويتس ــق ه ــذا‬ ‫ـردده الجماعــة «اطعــم الفــم‬ ‫المثــل مــع مثــل آخــر تـ ّ‬ ‫تســتحي العيــن»‪ ،‬واليــد فــي عــرف أبنــاء الجماعــة‬ ‫الشــعبية هــي مكمــن األحــام والممســكة بالثــروة‪،‬‬ ‫والباطشــة حيــن تواجــه األعــداء‪ ،‬فمــا فــي اليــد هــو‬ ‫مــا تمتلكــه‪ ،‬أمــا مــا يخــرج عنهــا فــا ســيطرة عليه‪،‬‬ ‫ـرددون «عصفــور فــي اليــد‪ ،‬وال عشــرة‬ ‫لــذا نجدهــم يـ ّ‬ ‫عل ــى الش ــجرة»‪ ،‬وتتس ــع دالالت الي ــد لتش ــير إل ــى‬


‫الوفــرة والقــدرة علــى العطــاء وديمومــة االمتــاء‪،‬‬ ‫فيقولــون «إيــده مليانــة»‪ ،‬أمــا مــن يأتــي خاليـ ًا مــن‬ ‫العطاي ــا والهداي ــا‪ ،‬ألن ــه ال يمل ــك حاج ــة أو م ــاالً‪،‬‬ ‫أو ألنــه آثــر البخــل علــى العطــاء‪ ،‬فإنهــم يقولــون‪:‬‬ ‫«إيـــده فاضيـــة» كمـــا تســـم الجماعـــة المهـــرة مـــن‬ ‫الصن ــاع والحرفيي ــن بالجواه ــر الثمين ــة الت ــي الب ــد‬ ‫م ــن الحف ــاظ عليه ــا‪ ،‬ل ــذا فإنه ــم يقول ــون ف ــي م ــدح‬ ‫كل ماه ــر ف ــي حرفت ــه «إي ــده تتل ــف ف ــي حري ــر»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كمــا تــدرك الجماعــة معنــى اجتمــاع األيــدي لمواجهة‬ ‫األعــداء‪ ،‬فكمــا أن المواجهــة الفرديــة ممثلــة فــي اليــد‬ ‫الواح ــدة ال تق ــوى عل ــى المواجه ــة‪ ،‬ب ــل ال تق ــوى‬ ‫حتــى علــى التصفيــق «إيــد لوحدهــا مــا تصقفــش»‪،‬‬ ‫أي اليـــد الواحـــدة ال تملـــك القـــدرة علـــى إحـــداث‬ ‫الص ــوت‪ ،‬بينم ــا اجتم ــاع األي ــدي يجع ــل الجماع ــة‬ ‫قويــة فــي مســاعدة أبنائهــا أو فــي كيــد أعدائهــا «إيــد‬ ‫عل ــى إي ــد تس ــاعد» ‪ -‬إي ــد عل ــى إي ــد تكي ــد‪ ،‬وتمن ــح‬ ‫الجماعــة قــدرة علــى التفكيــر واتخــاذ القــرار ورســم‬ ‫الحيــل‪ ،‬ألن اليــد ذراع العقــل حين يخطط أو يرســم‬ ‫خطـــة أو يواجـــه مشـــكلة‪ ،‬وحيـــن يعجـــز العقـــل‬ ‫فإنه ــم يقول ــون‪« :‬م ــا بالي ــد حيل ــة»‪.‬‬ ‫كل‬ ‫وتس ــتخدم الي ــد لتم ــارس لغ ــة خاص ــة عن ــد ّ‬ ‫جماع ــة إنس ــانية وإن اش ــتركت بع ــض الجماع ــات‬ ‫فـــي بعـــض اإلشـــارات التـــي تختصـــر عـــددًا مـــن‬ ‫المعانـــي التـــي تكمـــل لغـــة الـــكالم أو تتحـــول‬ ‫لتك ــون لغ ــة قائم ــة بذاته ــا‪ ،‬كإش ــارات الرف ــض أو‬ ‫الموافقــة أو التعنيــف أو الســب والشــتم أو تقبيــح‬ ‫اآلخــر‪ ،‬أو طــرح دالالت الرخــاء أو الراحــة‪ ،‬الحــزن‬ ‫أو الس ــعادة‪ ،‬حس ــب وض ــع الي ــد وعالقته ــا ببقي ــة‬ ‫أعض ــاء الجس ــد اإلنس ــاني‪ ،‬وه ــو موض ــوع يتس ــع‬ ‫لكتابــة فائضــة‪ ،‬ليــس مكانهــا فــي هــذا الموضــوع‪،‬‬ ‫لكنن ــا س ــندلل هن ــا ببع ــض األمثل ــة للتع ــرف عل ــى‬ ‫ثقافــة الجماعــة الشــعبية حيــن تســتخدم اليد والكف‬ ‫واألصابـــع‪ ،‬حيـــث يقـــوم بعـــض أفـــراد الجماعـــة‬ ‫باســتخدام الكــف لــدرأ الحســد أو إلخافــة الخصــوم‬ ‫أو اس ــتخدام األصاب ــع عب ــر إش ــارات للتقبي ــح أو‬ ‫االستحســان‪ ،‬كمــا تســتخدم اليــد المفتوحــة كشــكل‬ ‫متوســـا أو‬ ‫بصـــري يربـــط اإلنســـان بالســـماء‪،‬‬ ‫ً‬ ‫داعيــاً‪ ،‬فالي ــد وحركته ــا ق ــد تك ــون عتب ــة للدخ ــول‬ ‫إلــى الجســد اإلنســاني وثقافتــه‪ ،‬فاليــدان تختزنــان‬ ‫جملــة مــن المشــاعر تســتعصي علــى الحصــر‪ ،‬حيث‬ ‫تش ــير الك ــف المفتوح ــة إل ــى الوض ــوح واألمان ــة‬ ‫والخضـــوع‪ ،‬ويمكـــن مـــن خاللهـــا قـــراءة حـــال‬ ‫الش ــخص م ــن حي ــث الص ــدق أو الك ــذب‪ ،‬المواجه ــة‬ ‫أو االستس ــام‪ ،‬الثق ــة أو الضع ــف‪ ..‬إل ــخ‪.‬‬ ‫والكــف عنــد الجماعــة دليــل جمــال حيــن تحنــى‬

‫فتصبـــح لوحـــة تجمـــع العناصـــر الثّقافيـــة التـــي‬ ‫تزخــم برمــوز اعتقاديــة تســتدعي أشــكا ًال هندســية‬ ‫وحيواني ــة ونباتي ــة‪ ،‬كم ــا تتس ــع لرم ــوز الوش ــم‬ ‫علــى ظهــر اليــد وعلــى الــذراع‪ ،‬فنجــد رســوم األســد‬ ‫والس ــبع والحي ــة كعناص ــر طوطمي ــة اس ــتطاعت‬ ‫أن تعبـــر الزمـــن لتبقـــى صامـــدة علـــى األيـــدي‪،‬‬ ‫كم ــا تحت ــل الكتاب ــات الخطي ــة عل ــى األي ــدي مكان ـ ًا‬ ‫أثي ــرًا كعالم ــة دال ــة للتع ــرف عل ــى األش ــخاص أو‬ ‫للحف ــظ م ــن المخاط ــر أو ل ــدرأ الحس ــد والمخ ــاوف‬ ‫م ــن األع ــداء‪.‬‬ ‫إن نظـــرة متســـعة علـــى اســـتخدام الجماعـــة‬ ‫الشــعبية لليــد فــي مأثوراتهــا الشــعبية ســتلقي بنــا‬ ‫فــي جــب األنثروبولوجيــا الثّقافيــة والدينيــة‪ ،‬حيــث‬ ‫ترس ــم حركته ــا مف ــردات وس ــياقات لغوي ــة نج ــد‬ ‫فيه ــا رس ــم الح ــدود والمس ــافات بي ــن األش ــخاص‬ ‫واألماكـــن‪ ،‬كمـــا ترســـم األشـــكال الهندســـية مـــن‬ ‫ـا ع ــن طرحه ــا‬ ‫دوائ ــر ومربع ــات ومثلث ــات‪ ،‬فض ـ ً‬ ‫لعــدد مــن اإلشــارات التــي تعكــس ثقافــة الجماعــة‬ ‫فتشـــبيك األيـــدي ووضعهـــا علـــى الـــرأس يعنـــي‬ ‫الن ــدم والعج ــز‪ ،‬بينم ــا تش ــبيكها قب ــل بداي ــة العم ــل‬ ‫يعنــي التعقيــد ومواجهــة عراقيــل‪ ،‬لــذا يطلــب ممــن‬ ‫يشــبك يديــه أن يفكهــا كنــوع مــن التفــاؤل وتســهيل‬ ‫األمــور‪ ،‬فاليــد تتكاثــر دالالتهــا ثقافيـ ًا لتصيــر عالمـ ًا‬ ‫يخت ــزل الجس ــد اإلنس ــاني‪ ،‬فتلق ــي برمزيته ــا ف ــي‬ ‫أن ــواع الثّقاف ــة الش ــعبية‪.‬‬ ‫المتس ــعة ف ــي تراثن ــا ومأثورن ــا‬ ‫إن دالالت الي ــد ِّ‬ ‫الش ــعبي ليس ــت بعي ــدة ع ــن معاج ــم اللّغ ــة الت ــي‬ ‫تدعون ــا م ــن جدي ــد اللتق ــاط اإلش ــارات المش ــتركة‬ ‫التــي يطرحهــا تراثنا اللّغــوي الذي يفيض بالدالالت‬ ‫الثّقافيــة التــي عبــرت كتــب التــراث اللّغــوي لتقتحــم‬ ‫كل‬ ‫عوالمن ــا الجس ــدية ومدخله ــا الي ــد‪ ،‬فالي ــد م ــن ِّ‬ ‫شـ ٍ‬ ‫واليُد‪ ‬مــن َّ‬ ‫الثــوب ونحــوه ‪ُ :‬ك ُّمــه‪، ‬‬ ‫ـيء‪َ :‬مْقَب ُضــه‪َ ،‬‬ ‫ِّعمـــة وا ِإلحســـان تصطنعهـــم‪ ،‬وهـــي‬ ‫الن‬ ‫‪: ‬‬ ‫ـــد‬ ‫ُ‬ ‫والي ُ‬ ‫َ‬ ‫الســلطان والقــدرة‪ ،‬والجماعــة واألنصــار‪ ....‬إلــخ‪.‬‬ ‫هك ــذا ن ــري الي ــد وق ــد فتح ــت لن ــا أفقــ ًا لق ــراءة‬ ‫الجماعـــات اإلنســـانية ومـــا راكمتـــه مـــن عـــادات‬ ‫وتقالي ــد وصياغ ــات لغوي ــة اس ــتقرت ف ــي أش ــكال‬ ‫ّيــة مصــورة أو جســدية أو لغويــة وانســلت منهــا‬ ‫َفنّ‬ ‫جملــة من األمثال الشــعبية والمربعــات والمواويل‪،‬‬ ‫ـا عــن رســوخ مجموعــة مــن العالمــات الثّقافيــة‬ ‫فضـ ً‬ ‫المتعلِّقــة بالعــادات والتقاليــد والمعتقــدات والثّقافة‬ ‫كل عنصــر فيهــا داللتــه عبــر‬ ‫الماديــة التــي اكتســب ّ‬ ‫الزمــن‪ ،‬فصــارت اليــد مفتاح ـ ًا رئيس ـ ًا للكشــف عــن‬ ‫العوام ــل الثّقافي ــة واالجتماعي ــة والسياس ــية الت ــي‬ ‫ترس ــم ص ــورة اإلنس ــان ومنظوم ــة قيم ــه‪.‬‬

‫اليد فتحت لنا‬ ‫أفق ًا لقراءة‬ ‫الجماعات‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬وما‬ ‫راكمته من‬ ‫عادات وتقاليد‬

‫‪77‬‬


‫دال ومؤثِّر في صياغة المخيال‬ ‫لليد حضور ناتئ في الثّقافة الشعبية العربية‪ ،‬حضور ّ‬ ‫بوابة العبور إلى العالم‪ :‬عبرها‬ ‫الجمعي وبناء التمثُّالت وتقعيد المسلكيات‪ ،‬فاليد هي ّ‬ ‫ونقيم العالقات ونكتشــف‬ ‫نؤســس «النظــرة إلــى الكون»‪،‬‬ ‫ونتحســس الموجــودات‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫ونربت‪ ،‬ونصافح‪ ،‬ونشير‪ ،‬ونشّد بحرارة‪،‬‬ ‫ــس‬ ‫ونتحس‬ ‫س‬ ‫نتلم‬ ‫ونتفاعل‪،‬‬ ‫نتواصل‬ ‫االحتماالت‪ ،‬بها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ونحب‪ ،‬باليد نخترق تفاصيل العالم‪ ،‬ونكتب سيرتنا األولى عن طريق اإلشارة‬ ‫ونحّتج‪ ،‬ونغضب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشر‪ ،‬ونختبر السلطة‪ ،‬واللّذة‪ ،‬واأللم‪.‬‬ ‫والرمز‪ ،‬وباليد نجني البركة‪ ،‬ونتقي ّ‬

‫الرأسمال الرمزي لأليادي‬ ‫األزواج التاريخية‪،‬‬ ‫والض ّدية تحكمنا‬ ‫باستمرار‪،‬‬ ‫وعليه تلوح اليد‬ ‫بين المق َّدس‬ ‫والمدنَّس‪،‬‬ ‫تبع ًا لمضمون‬ ‫الثّقافة السائدة‬

‫‪78‬‬

‫عبد الرحيم العطري‬

‫َج ْن ُي البركة‬ ‫تتواصـــل التقابـــات فـــي ســـجالت الثّقافـــة‬ ‫الشــعبية‪ ،‬فــاألزواج التاريخيــة والضديــة تحكمنــا‬ ‫باســـتمرار‪ ،‬وعليـــه تلـــوح اليـــد بيـــن المقـــدس‬ ‫والمدن ــس تبع ـ ًا لمضم ــون الثّقاف ــة الس ــائدة‪ ،‬فف ــي‬

‫س ــياقنا العرب ــي اإلس ــامي تنوج ــد الي ــد اليمن ــى‬ ‫فــي مقابــل اليســرى‪ ،‬وتحّقــق عليهــا تفوقـ ًا رمزيـ ًا‬ ‫مـــن حيـــث التمثـــل واالســـتعمال‪ .‬فاليـــد اليمنـــى‬ ‫تخت ــص بالمق ــدس واإليجاب ــي (س ــام‪ ،‬تس ــبيح‪،‬‬ ‫تش ــهد‪ ،‬أصح ــاب اليمي ــن‪ ،)...‬فيم ــا اليس ــرى ت ــدل‬ ‫عل ــى المدن ــس والس ــلبي (االس ــتنجاء‪ ،‬أصح ــاب‬


‫الشـــمال‪ ،)..‬فالدخـــول إلـــى «المجـــال المقـــدس‬ ‫يكــون باليمنــى فيمــا الدخــول إلــى المدنــس يكــون‬ ‫باليســرى‪ ،‬فاألولــى تحيــل على الطهــارة والحظوة‬ ‫اإللهيـــة‪ ،‬فيمـــا تـــدل الثانيـــة علـــى االرتبـــاك‬ ‫والمدنـــس والخطيئـــة»‪ ،‬وهـــو اعتقـــاد يتجـــاوز‬ ‫المتــن اإلســامي إلــى حضــارات وديانــات أخــرى ‪.‬‬ ‫مدخـــا لجنـــي‬ ‫فـــي ذات الســـياق تصيـــر اليـــد‬ ‫ً‬ ‫البركــة‪ ،‬باعتبارهــا هبــة ســحرية تــدل علــى النمــاء‬ ‫والزيـــادة والعلـــو واليمـــن‪ ،‬مثلمـــا تحيـــل علـــى‬ ‫«عطــاء» وقــدرة اســتثنائية ذات مصــدر إلهي تتوفر‬ ‫لبعض األشــخاص‪ ،‬فروجيه باســتيد يعتبر البركة‬ ‫كـ«ســائل مقــدس يفيــض مــن الولــي الصالــح ويمتد‬ ‫كل م ــا يم ــس ه ــذا الول ــي م ــن ثي ــاب وم ــاء‪..‬‬ ‫إل ــى ّ‬ ‫وبعــد المــوت تظــل جثتــه محتفظــة بالبركــة وتظــل‬ ‫عالق ــة بقب ــره»‪ .‬هن ــا تصي ــر الي ــد المبارك ــة ت ــوزع‬ ‫ـراء مــن المــرض‪ ،‬وتيســيرًا‬ ‫قدرتهــا الخوارقيــة‪ ،‬إبـ ً‬ ‫لل ــرزق‪ ،‬ع ــن طري ــق التقبي ــل واللم ــس والرب ــت‪.‬‬ ‫ويجــري تدبيــر االعتقــاد وفــق ســلوك طقوســي‬ ‫يمتــح مــن دائــرة القدســي‪ ،‬بحيــث يغــدو الطقــس‬ ‫دائ ــرًا ف ــي فل ــك القدس ــي والدين ــي‪ ،‬ومش ــيرًا إل ــى‬ ‫تعال ــق ق ــوي بينهم ــا‪ ،‬فع ــن طري ــق التمس ــح بقب ــر‬ ‫الولـــي أو الثـــوب المغطـــى بـــه‪ ،‬يســـتعيد الزائـــر‬ ‫طقـــس التمســـح بالكعبـــة والحجـــر األســـعد‪.‬‬ ‫يتحق ــق بالي ــد‪ ،‬كطق ــس مؤس ــس‬ ‫فالتمس ــح ال ــذي‬ ‫َّ‬ ‫ومب ـ ِّـرر للزي ــارة يرم ــي إل ــى «جن ــي ثم ــار» برك ــة‬ ‫الولـــي واســـتدخالها إلـــى الـــذات لضمـــان حلـــول‬ ‫ممك ــن‪ ،‬ع ــن طري ــق التقبي ــل واللم ــس والتمس ــح‪،‬‬ ‫وتمري ــر الي ــد الت ــي قام ــت بـــ «جن ــي البرك ــة» عل ــى‬ ‫ســائر الجســد‪ ،‬إنهــا الرغبــة فــي االمتــاء والتشــبع‬ ‫بالبرك ــة‪.‬‬

‫«الخميسة» الواقية‬ ‫تع ــد الخميس ــة م ــن أش ــهر الرم ــوز والتعوي ــذات‬ ‫الشــعبية التــي يشــيع االعتقــاد فــي قوتهــا الحمائية‬ ‫ضــد العيــن واللســان‪ ،‬فالخميســة تتخــذ هــذا االســم‬ ‫لكونه ــا تمث ــل ص ــورة الي ــد البش ــرية بأصابعه ــا‬ ‫الخمســة‪ ،‬التــي تتخــذ شــكل المواجهــة ضــدًا علــى‬ ‫كل عي ــن حاس ــدة‪ ،‬بم ــا يش ــبه الحائ ــط الوقائ ــي‬ ‫ّ‬ ‫الرم ــزي‪ .‬وتعّل ــق الخميس ــة ف ــي أب ــواب المن ــازل‬ ‫ومقدمـــة الســـيارات‪ ،‬كمـــا تســـتعمل فـــي الحلـــي‬ ‫والمجوهـــرات‪ .‬وفـــي هـــذا الصـــدد يقـــول إدمونـــد‬ ‫دوتـــي إن رمـــز الكـــف معـــروف منـــذ القديـــم فـــي‬ ‫منطقــة البحــر األبيــض المتوســط فقــد عــرف تحــت‬ ‫متعـــددة‪« :‬يـــد الـــرب» و«يـــد اإللـــه بعـــل»‬ ‫أســـماء‬ ‫ِّ‬ ‫فــي المســات الفينيقيــة والقرطاجيــة‪ .‬و«يــد مريم»‬

‫عن ــد األوربيي ــن و«ك ــف ل ــا فاطم ــة» ف ــي الش ــمال‬ ‫اإلفريقــي وبــاد المغــرب‪ ،‬وعــرف «بكــف عائشــة»‬ ‫أيضـ ًا و«كــف مفتوحــة» و«كــف العباس» و«خمســة‬ ‫وخميســة» عند الشــرقيين العــرب وبعض المغاربة‬ ‫و«المربع ــة» ف ــي تون ــس‪ ،‬ويس ــمى عن ــد اليه ــود‬ ‫«حمس ــة أو شمس ــة» وتعن ــي أيضــ ًا رق ــم خمس ــة‪.‬‬ ‫قائـــا فـــي كتابـــه‪« ،‬الســـحر‬ ‫ويضيـــف دوتـــي‬ ‫ً‬ ‫والديــن فــي شــمال أفريقيــا» إن الوظيفــة الحمائيــة‬ ‫أو العالجي ــة الت ــي أس ــبغت عل ــى ه ــذا الرم ــز تم ــت‬ ‫بصلــة إلحــدى األســاطير اليونانيــة التــي تتحــدث‬ ‫عــن اإللهــة «هيجيــا» ( ‪ ( ،) Hygie‬إلهــة الصحــة)‪،‬‬ ‫الت ــي تش ــفي المرض ــى بلمس ــة م ــن يده ــا‪ .‬ومهم ــا‬ ‫يكـــن مـــن تبريـــر موضوعـــي أو ذرائعـــي وراء‬ ‫حضــور اليــد فــي الثّقافــات المتوســطية‪ ،‬فــإن ذلــك‬ ‫ال يمن ــع م ــن اإلق ــرار بالرس ــوخ الق ــوي للمعتق ــدات‬ ‫الشـــعبية التـــي تســـتحضر اليـــد كعضـــو جالـــب‬ ‫للبرك ــة وط ــارد للعي ــن والش ــرور‪.‬‬ ‫ومــن أجــل حمايــة المخــزون الزراعــي مــن العين‬ ‫واألرواح الشـــريرة‪ ،‬فإنـــه يصيـــر ضروريـــ ًا نثـــر‬ ‫المل ــح والش ــبة والحرم ــل ف ــي جنب ــات الخزي ــن‪،‬‬ ‫مــع وضــع خميســة اليــد المغموســة بالحنــاء علــى‬ ‫بابه ــا‪ ،‬ش ــرط أن تك ــون ه ــذه الي ــد ألصغ ــر فت ــاة‬ ‫ف ــي البي ــت‪ ،‬اعتب ــارًا لكونه ــا ف ــي ع ــداد المالئك ــة‪،‬‬ ‫ـا ف ــي حراس ــة المخ ــزون وضم ــان بركت ــه‪ ،‬إن‬ ‫أم ـ ً‬ ‫الرم ــز يصي ــر ف ــي ه ــذه الحال ــة دا ًال عل ــى تاري ــخ‬ ‫م ــن األداء االجتماع ــي‪ ،‬فالرم ــز ه ــو «تعبي ــر ع ــن‬ ‫إشــارة مجـّـردة‪ ،‬إنــه ال نهائــي‪ ،‬ألنــه يصــور شــيئ ًا‬ ‫ال نهائي ـاً»‪.‬‬ ‫إن التحصيـــن الســـحري يقـــدم نفســـه كبنيـــة‬ ‫مضـــادة تقـــي وتواجـــه وتـــرد‪ ،‬إنهـــا «ديانـــة‬ ‫مض ــادة» بتعبي ــر دوت ــي‪ ،‬يتقول ــب عل ــى غراره ــا‬ ‫الفاعــل االجتماعــي ويســتمد منهــا صياغاتــه للعالم‬ ‫ومســلكيات تعاملــه مــع المعانــي واألشــياء‪ .‬بــل إن‬ ‫األم ــر ال يبق ــى عل ــى وج ــه التض ــاد دائمــاً‪ ،‬وإنم ــا‬ ‫يصــل إلــى درجــة التماهــي والتجاور بين الســحري‬ ‫والدينــي‪ .‬فاألمــر يتعّلــق بصياغــة ممكنــة للمعنــى‬ ‫ف ــي مس ــتويات م ــن الفع ــل والص ــراع االجتماع ــي‪،‬‬ ‫يلجــأ إليهــا األفــراد لتأميــن المواقــع ودرء المخاطــر‬ ‫وإعـــادة إنتـــاج الحضـــور وفـــق مـــا تقتضيـــه‬ ‫المصال ــح والبني ــات‪.‬‬

‫من أجل حماية‬ ‫المخزون الزراعي‬ ‫من العين‬ ‫واألرواح الشريرة‪،‬‬ ‫فإنه يصير ضروري ًا‬ ‫وضع خميسة‬ ‫اليد المغموسة‬ ‫بالحناء على‬ ‫بابها‪ ،‬شرط أن‬ ‫تكون هذه اليد‬ ‫ألصغر فتاة في‬ ‫البيت‬

‫ُسلطة اليد‬ ‫الي ــد س ــلطة تتأرج ــح بي ــن الخف ــاء والتجل ــي‪،‬‬ ‫تظهــر وهــي تحنــو علــى اآلخــر‪ ،‬تربــت علــى كتفه‪،‬‬ ‫‪79‬‬


‫تصافحـــه وتشـــير إليـــه وعليـــه‪ ،‬فـــي اســـتدماج‬ ‫لوظيف ــة اعتيادي ــة يؤديه ــا عض ــو جس ــدي‪ ،‬لك ــن‬ ‫ـا‬ ‫ذات الي ــد ق ــد تصي ــر ف ــي س ــياقات أخ ــرى دلي ـ ً‬ ‫علــى الســلطة والنفــوذ‪ ،‬بــل إنهــا تختــص بالعقــاب‬ ‫وأج ــرأة مفع ــول ه ــذه الس ــلطة‪.‬‬ ‫إن تقبي ــل الي ــد م ــن قب ــل األتب ــاع ف ــي المج ــال‬ ‫السياســي تحديــدًا يفيــد «تقديــم البيعــة‪ ،‬لكن معناه‬ ‫كذل ــك طل ــب الرض ــى‪ ،‬بحي ــث تقب ــل الي ــد اليمن ــى‪،‬‬ ‫موطـــن القـــوة‪ ،‬اعترافـــ ًا لهـــا بفضلهـــا»‪ .‬وتأكيـــدًا‬ ‫عل ــى والئه ــا المس ــتمر‪ ،‬واعترافــ ًا أيضــ ًا بس ــلطة‬ ‫الي ــد وقوته ــا الرمزي ــة‪ ،‬فف ــي حق ــل الس ــلطة تع ــد‬ ‫اإلشــارات والرمــوز أكثــر أهميــة مــن لعبــة اإلفصاح‬ ‫المباش ــر‪ ،‬فللرم ــز دور ب ــارز ف ــي إظه ــار الس ــلطة‬ ‫والمكانــة التــي يحوزهــا الفــرد داخــل الجماعــة أو‬ ‫تتحـــول الهندســـة المجاليـــة أو‬ ‫المجـــال‪ ،‬وبذلـــك‬ ‫ّ‬

‫ع ّد اليد «رأسما ً‬ ‫ال‬ ‫تُ َ‬ ‫رمزي ًا» ‪ ،‬يتقابل‬ ‫ويتفاعل ويتح َّدد‪،‬‬ ‫أيض ًا‪ ،‬بنوعية ما‬ ‫يمتلكه الفرد‬ ‫من رأسمال‬ ‫ما ّدي‬

‫‪80‬‬

‫العالمــات المســتعملة أو حتــى التســميات واأللقاب‬ ‫ـا إل ــى اكتش ــاف حج ــم الس ــلطة‬ ‫واإلش ــارات دلي ـ ً‬ ‫ومدلوله ــا االجتماع ــي‪.‬‬ ‫تــدل الســلطة علــى التمكــن واالســتئثار بالقــوة‬ ‫والقـــدرة علـــى التوجيـــه واإلجبـــار نحـــو اتجـــاه‬ ‫معي ــن م ــن الس ــلوك االجتماع ــي‪ ،‬فالس ــلطة ه ــي‬ ‫القـــدرة علـــى التأثيـــر والفعـــل والقيـــادة‪ ،‬وهـــي‬ ‫تســتند فــي اشــتغالها التوجيهــي إلــى معطــى القوة‬ ‫واحتــكار العنــف‪ ،‬كمــا أنهــا ترتهــن إلــى معطيــات‬ ‫رمزي ــة أخ ــرى مؤث ــرة‪ .‬فس ــلطة الي ــد الت ــي تصف ــع‬ ‫وتوج ــه وتحت ــج وتح ــذر‪ ،‬تعن ــي ق ــوة تأثيري ــة‬ ‫تمن ــح صاحبه ــا مكان ــة م ــا ضم ــن نس ــق م ــا‪ ،‬كم ــا‬ ‫أنه ــا تتوس ــل ف ــي اش ــتغالها بع ــدد م ــن المص ــادر‬ ‫المؤسس ــة له ــا‪ ،‬والت ــي تت ــراوح بي ــن أساس ــيات‬ ‫ّ‬ ‫مثـــا) وأخـــرى رمزيـــة (شـــرعية‬ ‫ماديـــة (ثـــروة‬ ‫ً‬ ‫ـا عــن مســألة احتــكار العنــف‪،‬‬ ‫ـا) فضـ ً‬ ‫تاريخيــة مثـ ً‬ ‫وقب ــول المس ــودين به ــذه الس ــلطة‪.‬‬ ‫ليس ــت س ــلطة الي ــد ش ــيئ ًا متموضع ـ ًا ف ــي الي ــد‬ ‫فقـــط‪ ،‬أو فـــي خواتمهـــا وسالســـلها الذهبيـــة‪،‬‬ ‫إنهـــا ســـلطة عابـــرة لألمكنـــة واألزمنـــة‪ ،‬إنهـــا‬ ‫تعبـــر عـــن‬ ‫عالقـــات متفاوتـــة بالدرجـــة األولـــى‪ِّ ،‬‬ ‫اســتراتيجيات وقــوى وتراتبــات مســتمرة تختــرق‬ ‫مجم ــوع النس ــيج االجتماع ــي‪ ،‬وه ــو م ــا يجعله ــا‬ ‫وتتأســس من حيــث بنائها‬ ‫تتخــذ تمظهــرات شــتى‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وتجذّره ــا عل ــى أس ــانيد متع ـ ِّـددة‪.‬‬ ‫إلـــى ذلـــك كلـــه ُت َعـــّد اليـــد «رأســـما ًال رمزيـــاً»‬ ‫بالرغ ــم م ــن مبناه ــا ومعناه ــا الم ــادي الص ــرف‪،‬‬ ‫إنهــا تــدل علــى دال ومدلــول ســلطوي متفــاوت مــن‬ ‫حي ــث الن ــوع واالس ــتعمال والس ــلطة أيض ـاً‪ ،‬بي ــن‬ ‫كل األف ــراد والجماع ــات‪ .‬م ــا يجع ــل منه ــا رصي ــدًا‬ ‫ّ‬ ‫مــن العالقــات والقيــم والرمــوز‪ ،‬يتقابــل ويتفاعــل‬ ‫ويتحـــدد أيضـــ ًا بنوعيـــة مـــا يمتلكـــه الفـــرد مـــن‬ ‫َّ‬ ‫رأســمال مــادي‪ ،‬فالرأســمال الرمــزي لليــد اليمنــى‬ ‫أواليس ــرى ه ــو رصــيــ ــد قاب ــل للت ــداول والتراك ــم‬ ‫واالستعمـــــال‪ ،‬واالســتنفاذ أيضاً‪ ،‬شــأنه في ذلك‬ ‫ش ــأن الرأس ــمال الم ــادي‪.‬‬ ‫وككل الرســـاميل‪ ،‬فـــإن الخيـــرات الماديـــة‬ ‫ّ‬ ‫والرمزيـــة والبـــركات المخصوصـــة لأليـــادي‬ ‫فـــي مجتمعاتنـــا‪ ،‬هـــي التـــي تمنحنـــا وضعيـــات‬ ‫وانتمــاءات تتحـ َّـدد بمحتوى وشــكل هذه الرســاميل‬ ‫وطرائــق تمثلهــا واســتعمالها فــي ســوق التبــادالت‬ ‫االجتماعيـــة‪.‬‬


‫اهتمت‬ ‫ربما تكون حضارتنا العربية‪ ،‬مع امتداداتها الشرقية‪ ،‬من أكثر الحضارات التي َّ‬ ‫َّ‬ ‫باليــد‪ ،‬واحتفلــت بها‪ ،‬فجعلت منها رمزًا يحمله الناس أينما كانوا‪ ،‬كتميمة على شــكل‬ ‫الحظ والحماية والشــعور باألمن‬ ‫حليــة‪ ،‬أو على ســياراتهم وأبواب بيوتهــم‪..‬‬ ‫جالبة ّ‬ ‫ً‬ ‫والمساعدة؛ أال يقال‪ُ :‬مّد له يدك؟!‬

‫واسطة الفكر والعاطفة‬ ‫منى فياض‬ ‫ج ــاء ف ــي «لس ــان الع ــرب» تع ــدادًا ملفت ـ ًا لصف ــات‬ ‫اليـــد فـــي شـــمولها كافـــة نواحـــي وجـــود اإلنســـان‬ ‫وعالقاتــه‪ ،‬ســواء بالخالــق أو بالبشــر كمــا بصفاتــه‬ ‫وم ــا يحتاج ــه‪ :‬الي ــد النعم ــة‪ ،‬والي ــد الق ــوة‪ ،‬والي ــد‬ ‫القـــدرة‪ ،‬واليـــد الملـــك‪ ،‬واليـــد الســـلطان‪ ،‬واليـــد‬ ‫الطاعـــة‪ ،‬واليـــد الجماعـــة‪ ،‬واليـــد األكل‪ ،‬واليـــد‬ ‫الغيــاث‪ ،‬واليــد منــع الظلــم‪ ،‬واليــد االستســام واليــد‬ ‫الكفال ــة ف ــي الره ــن‪.‬‬ ‫ونق ــل ع ــن النب ــي أن ــه ق ــال لنس ــائه‪ :‬أس ــرعكن‬ ‫وكن ــي بط ــول الي ــد ع ــن‬ ‫لحوقــ ًا ب ــي أطولك ـ ّ‬ ‫ـن ي ــداً؛ ُ‬ ‫العط ــاء والصدق ــة‪.‬‬ ‫وقيـــل مـــا لـــي بهـــذا األمـــر يـــد وال يـــدان؛ ألن‬ ‫المباشــرة والدفــاع إنمــا يكونــان باليــد‪ ،‬فــكأن يديــه‬ ‫معدومت ــان لعج ــزه ع ــن تحقيق ــه‪ .‬ويق ــال للرج ــل إذا‬ ‫ُوّبــخ‪ :‬ذلــك مــا كســبت يــداك؛ أي هــذا مــا قمــت بــه‪.‬‬ ‫ال كســبت يــداه‪ .‬فاليــدان‪ ،‬األصل‬ ‫ويقــال‪ :‬مــن عمــل عم ً‬ ‫ف ــي التص ــرف‪.‬‬ ‫الجوه ــري يزي ــد ف ــي الش ــرح‪ :‬ه ــذا الش ــيء ف ــي‬ ‫يـــدي‪ ،‬أي ملكـــي‪ .‬واليـــد القـــوة‪ ،‬وأيـــده اهلل تعنـــي‬ ‫ق ـ ّـواه؛ ومال ــي بف ــان ي ــد‪ ،‬أي ال طاق ــة ل ــي علي ــه‪.‬‬ ‫كل ذل ــك رم ــزًا يختص ــر الوج ــود‬ ‫تب ــدو الي ــد ف ــي ّ‬ ‫البش ــري وم ــا ينج ــزه عل ــى األرض‪ .‬وال ينبغ ــي أن‬ ‫يغي ــب ع ــن بالن ــا أن طق ــس الخطوب ــة ُيكّن ــى عن ــه‬ ‫بطلــب يــد الفتــاة‪« :‬طالــب إيــدك»؛ أي أريــدك وأطلبك‬ ‫أن ــت بكليت ــك ش ــريكة لحيات ــي‪ .‬الي ــد‪ ،‬هن ــا‪ ،‬ترم ــز‬ ‫إل ــى جوه ــر الش ــخص‪.‬‬ ‫م ــا تقول ــه اللّغ ــة يجس ــده الرم ــز اإلنتروبولوج ــي‬ ‫ِّ‬ ‫المتمث ــل بالك ــف ال ــذي نعرف ــه جميعــاً‪ .‬إن ــه‬ ‫القدي ــم‬ ‫ّيــة مختلفة‬ ‫رمــز شــائع االســتعمال كحليــة وأعمــال َفنّ‬ ‫تتعـّدد أشــكالها وأحجامهــا والمــواد المشــغولة منهــا‪.‬‬ ‫لكــن لهــذه الحليــة وظيفــة عنــد الكثيريــن وخصوصـ ًا‬ ‫الطبقـــات الشـــعبية‪ ،‬فهـــي حجـــاب تبعـــد العيـــن‬

‫الحاس ــدة والس ــحر والغي ــرة‪ .‬ارتداؤه ــا‪ ،‬خصوصــ ًا‬ ‫م ــع الخ ــرزة الزرق ــاء‪ ،‬يش ــد عي ــن الحاس ــد فتصرف ــه‬ ‫عـــن التركيـــز فـــي غيـــره‪ ،‬فـــا يحســـد الطفـــل أو‬ ‫الش ــخص لم ــا لدي ــه‪.‬‬ ‫رمــز الكــف واســع االنتشــار فــي مناطــق جغرافيــة‬ ‫تمتـــد مـــن أقصـــى المغـــرب وحتـــى أفغانســـتان‬ ‫وباكس ــتان والهن ــد‪ ،‬م ــرورًا بمص ــر وتركي ــا والب ــاد‬ ‫الواقعــة بينهــا‪ .‬يقــال لليــد عنــد العرب «كــف فاطمة»‪،‬‬ ‫أم ــا عن ــد اليه ــود فه ــي «ك ــف ميري ــام»‪ .‬وه ــذا دلي ــل‬ ‫عل ــى تاريخه ــا القدي ــم وعل ــى التفاع ــل والتواص ــل‬ ‫الحميـــم بيـــن هـــذه المناطـــق الشاســـعة المتنوعـــة‬ ‫الثّقاف ــات‪.‬‬ ‫وهـــي ليســـت رمـــزًا دينيـــاً‪ ،‬ألن هنـــاك مـــن‬ ‫يعارضهـــا بيـــن المســـلمين‪.‬‬ ‫إنهـــا رمـــز يعـــود بأصولـــه إلـــى حقـــب مغرقـــة‬ ‫فـــي القـــدم‪ ،‬يرجعهـــا البعـــض إلـــى زمـــن النبـــي‬ ‫موس ــى‪ .‬إنه ــا ك ــف ميري ــام أخ ــت موس ــى وه ــارون‬ ‫وخِميس ــة ه ــي نفس ــها ف ــي‬ ‫عن ــد اليه ــود‪ ،‬والخمس ــة ْ‬ ‫العربيــة والعبريــة‪ .‬تعــود بهــا األســطورة إلــى زمــن‬ ‫هجــرة موســى مــن مصــر‪ ،‬حيــن أمــر أتباعــه بدهــن‬ ‫أب ــواب من ــازل اليه ــود ب ــدم الخ ــروف لحمايته ــا م ــن‬ ‫رســل المــوت‪ .‬وهــم لكســب الوقــت صــاروا يطبعــون‬ ‫عليهــا دم الخــروف بواســطة الكــف فقــط‪ .‬وهكــذا بعــد‬ ‫مــرور هــؤالء الرســل مــات جميــع الرضــع المصرييــن‬ ‫بمــن فيهــم أطفــال الفرعــون‪ ،‬بينمــا لــم يمــت الرضــع‬ ‫اليهــود‪ .‬واعتقــد المصريــون أن هــذا الرمــز أنقذ اليهود‬ ‫مــن المــوت واعتمــدوه هــم أيضـ ًا كوســيلة للحمايــة‪.‬‬ ‫إنه ــا الك ــف مفتوح ــة األصاب ــع الخم ــس ك ــي تحم ــي‬ ‫م ــن الش ــر‪.‬‬ ‫فـــي بابـــل أيضـــ ًا ُوجـــد بـــرج ترتفـــع فوقـــه يـــد‬ ‫واســمه بــرج اليــد اليمنــى‪ .‬إنهــا اليــد اليمنــى مرفوعة‪.‬‬ ‫مجس ــمات ه ــذه الي ــد عل ــى ش ــكل‬ ‫هن ــاك الكثي ــر م ــن ّ‬

‫طقس الخطوبة‬ ‫يُكنّى عنه‬ ‫بطلب يد‬ ‫الفتاة‪« :‬طالب‬ ‫إيدك»؛ أي أريدك‬ ‫وأطلبك‪ ،‬أنت‬ ‫ً‬ ‫شريكة‬ ‫بكلِّيَّتك‪،‬‬ ‫لحياتي‪ .‬اليد‪،‬‬ ‫هنا‪ ،‬ترمز إلى‬ ‫جوهر الشخص‬

‫‪81‬‬


‫أولوية اليد أم‬ ‫أولوية الفكر‪..‬‬ ‫موضع نقاش‬ ‫قديم‪ِ ،‬ق َدم‬ ‫الفلسفة‬

‫‪82‬‬

‫نح ــت حج ــري ف ــي مختل ــف األنح ــاء م ــن العال ــم‪.‬‬ ‫اليــد رمــز الهبــة واليــد القربــان التــي تمنــح البركــة‬ ‫وتنقــل القــدرة والحمايــة‪ .‬وبغــض النظــر عــن الثّقافة‬ ‫التــي ينبــع منهــا هــذا الرمــز فهــو تعبيــر عــن حركــة‬ ‫ابته ــال‪ .‬إن ــه رم ــز روح ــي ورم ــز أم ــل م ــا‪ .‬فعندم ــا‬ ‫نضـــع شـــيئ ًا نقصـــد منـــه طـــرد األرواح الشـــريرة‪،‬‬ ‫تك ــون روحن ــا ه ــي الت ــي يس ــكنها الخ ــوف والقل ــق؛‬ ‫هــذا الكــف يطمئنهــا‪ .‬كمــا أن مــن يضــع الكــف يفعــل‬ ‫ذلــك بنــوع مــن الفــرح والغبطــة‪ .‬إنــه حليــة للزينــة‬ ‫أيض ـ ًا يتفن ــن الصن ــاع ف ــي صقله ــا‪.‬‬ ‫لليـــد معنـــى أخيـــر ربمـــا يتماشـــى أكثـــر مـــع‬ ‫حداثتنــا‪ ،‬هــو ارتباطهــا باأللفبائيــة وبالكتابــة‪ .‬فاليد‬ ‫غيــرت‬ ‫هــي األداة التقليديــة والمفضلــة للكتابــة التــي ّ‬ ‫وج ــه العال ــم‪.‬‬ ‫مــع ذلــك هــل يخطــر ببالنــا عندمــا نتأمــل الكــرة‬ ‫وكل م ــا عليه ــا م ــن منج ــزات ت ــكاد تغي ــر‬ ‫األرضي ــة ّ‬ ‫معالمهــا علــى مــدى حيــاة إنســان واحــد‪ ،‬أن نقــول‪:‬‬ ‫ي ــا لبراع ــة الي ــد الت ــي تصن ــع الكثي ــر! أم أنن ــا أمي ــل‬

‫إل ــى الق ــول‪ :‬ي ــا لعظم ــة الفك ــر والعق ــل اإلنس ــانيين‬ ‫أنهم ــا مص ــدر الخل ــق واإلب ــداع!‬ ‫أولويــة اليــد أم أولويــة الفكر موضع نقاش قديم‪،‬‬ ‫ِقـَـدم الفلســفة‪ .‬كتب أناغزاغــور «‪:»ANAXAGORE‬‬ ‫اإلنســان ذكــي ألنــه يملــك يديــن‪ .‬أمــا أرســطو فكتــب‪:‬‬ ‫اإلنســان لــه يــدان ألنــه ذكــي‪.‬‬ ‫وكت ــب ت ــران دو ث ــو «‪ :»TRAN DUE THO‬ل ــم‬ ‫تفك ــره‬ ‫يق ــل اإلنس ــان م ــا فك ــر ب ــه ألن ــه فك ــره‪ ،‬ب ــل ّ‬ ‫ألن ــه قال ــه‪ ،‬وقال ــه ألن ــه تهي ــأ للقي ــام ب ــه‪.‬‬ ‫م ــن الصعوب ــة بم ــكان تع ــداد وإحص ــاء األعم ــال‬ ‫كل‬ ‫الت ــي حققته ــا الي ــد عل ــى وج ــه األرض‪ ،‬ألي ــس ّ‬ ‫م ــا ه ــو ُمنج ــز عل ــى ه ــذه الك ــرة م ــن صن ــع الي ــد!! ال‬ ‫يتحق ــق دون وج ــود اليدي ــن‪ .‬ذل ــك‬ ‫يمك ــن للفك ــر أن‬ ‫َّ‬ ‫وكل ترســـانة‬ ‫أن األداة واآللـــة والجهـــاز والماكنـــة ّ‬ ‫ّي ــة‪ ،‬ال تع ــود‬ ‫الوس ــائل والتقني ــات الصناعي ــة َ‬ ‫والفنّ‬ ‫ش ــيئ ًا يذك ــر وال يمكنه ــا أن تنت ــج ش ــيئ ًا دون الي ــد‬ ‫التــي تقودهــا وتعدلهــا‪ ،‬دون الهــدف الــذي مــن أجلــه‬ ‫تس ــتخدمها‪.‬‬


‫التقـــدم التقنـــي الهائـــل وســـيادة اآللـــة فـــي‬ ‫إن‬ ‫ُّ‬ ‫العصـــر الراهـــن يجعالننـــا ننســـى هـــذه البديهيـــة‪،‬‬ ‫ويغيـــب عـــن بالنـــا الشـــرطان األساســـيان لتقـــّدم‬ ‫ّ‬ ‫ونمــو اإلنســانية واللــذان يشـّـكالن جوهــره‪ ،‬وهمــا‪:‬‬ ‫ إدراك العالــم المرتكــز علــى الحــواس المنعكــس‬‫فــي رمزيــة اللّغــة‪.‬‬ ‫ التأثير على العالم بحركات اليد‪.‬‬‫لأليــدي حياتهــا الخاصــة‪ .‬ربمــا يعلــم ذلــك الكثيــر‬ ‫مـــن النـــاس بحدســـهم‪ ،‬لكـــن ليـــس ســـوى فنـــان‪،‬‬ ‫وباألخ ــص نح ــات‪ ،‬م ــن باس ــتطاعته أن يعب ــر ع ــن‬ ‫حي ــاة األي ــدي بدق ــة‪.‬‬ ‫كت ــب مي ــكال أن ــج‪ ،‬ال ــذي رس ــم أش ــهر يدي ــن ف ــي‬ ‫ـــن‪ ،‬يـــد الخالـــق التـــي تمتـــد لتنفـــح آدم‬ ‫عالـــم َ‬ ‫الف ّ‬ ‫بالحيــاة الــذي يمــد يــده هــو اآلخــر لخالقــه فــي لوحــة‬ ‫الخل ــق عل ــى س ــقف كنيس ــة سكتس ــين‪ ،‬م ــا معن ــاه‪:‬‬ ‫ال يملك الفنان الموهوب أي مفهوم‬ ‫يكفي أن يحصر نفسه في قطعة رخام واحدة‬ ‫وحده يصل إلى الهدف مع شيء إضافي‬ ‫ذلك الذي يمتلك يدًا تطيع ذكاءه‬ ‫فـــي كتـــاب يحكـــي عـــن حيـــاة كاميـــل كلوديـــل‬ ‫النحات ــة الت ــي أقام ــت عالق ــة عاصف ــة م ــع النح ــات‬ ‫الش ــهير رودان‪ ،‬يوج ــد المقط ــع التال ــي ع ــن عالق ــة‬ ‫النحاتــة باليــد‪ :‬كاميــل تخطــط يــداً‪ .‬منــذ عــدة أشــهر‬ ‫تعمــل علــى اليديــن مــا إن تمتلــك برهــة مــن الوقــت‪.‬‬ ‫انكب ــت عل ــى دراس ــة األي ــدي دائمــاً‪ ،‬من ــذ أن كان ــت‬ ‫صغيـــرة جـــداً‪ .‬أيـــدي أمهـــا‪ ،‬واللعـــب باألصابـــع‬ ‫علـــى الطاولـــة‪ :‬إلـــى الخلـــف وإلـــى األمـــام‪ ،‬إلـــى‬ ‫الخل ــف وإل ــى األم ــام‪ ،‬البنص ــر والس ــبابة‪ ،‬البنص ــر‬ ‫والس ــبابة؛ رقص ــة جهنمي ــة‪ ،‬آخ ــذ‪ ،‬كال ال آخ ــذ‪ .‬ي ــدا‬ ‫والدهــا‪ ،‬رفيعــة‪ ،‬رشــيقة‪ ،‬شــفيفة‪ ،‬دقيقــة‪ ،‬أصغــر‬ ‫م ــن المعت ــاد لرج ــل‪ .‬أي ــدي ب ــول (الش ــاعر المع ــروف‬ ‫وشـــقيق النحاتـــة بـــول كلوديـــل) منطويـــة خلـــف‬ ‫ظه ــره‪ ،‬مخب ــأة‪ ،‬س ــميكة راح ــة الك ــف‪ ،‬م ــع ذل ــك‬ ‫له ــا أصاب ــع طويل ــة‪ ،‬لكنه ــا دائمــ ًا الواح ــدة ف ــوق‬ ‫األخ ــرى‪ ،‬ومخب ــأة أحيانــاً‪...‬‬ ‫ي ــداه ه ــو (المقص ــود الفن ــان رودان) م ــن أجلهم ــا‬ ‫وقع ــت ف ــي غرام ــه! ه ــو أيض ـ ًا كان يعم ــل عل ــى أي ــد‬ ‫كل ن ــوع‪ .‬كأن ــه يق ــوم بطق ــس‪ ،‬كم ــا ل ــو أن ــه‬ ‫م ــن ّ‬ ‫جــزء مــن ديانــة‪ ...‬فجــأة كان الســيد رودان يســتغرق‬ ‫متأصلــة‪،‬‬ ‫لســاعات وســاعات لينحــت أيــدي‪ :‬بعضهــا‬ ‫ِّ‬ ‫بعضه ــا اآلخ ــر خش ــنة وفج ــة‪ .‬كان يق ــول‪« :‬هن ــاك‬ ‫أي ــد تصل ــي وأي ــد تلع ــن وأي ــد توس ــخ وأي ــد تنش ــر‬ ‫العط ــر وأي ــد تب ــرد الغلي ــل وأي ــدي الح ــب»‪.‬‬ ‫الحــب هنــا بالمعنــى الغرامــي‪ ،‬لكــن للحــب معانــي‬ ‫أوس ــع‪ ،‬وه ــي كله ــا متضمن ــة ف ــي ح ــركات األي ــدي‬ ‫ولمســاتها‪ .‬اليــد التــي تلمــس تحمــل الحــرارة ومعهــا‬ ‫ال ــدفء‪ ،‬وتش ــفي م ــن األل ــم‪ ،‬ألنه ــا تس ــاعد الجس ــم‬ ‫عل ــى التخل ــص م ــن الكورتي ــزول‪ .‬فعن ــد ملم ــس الي ــد‬

‫تح ــرر أط ــراف األعص ــاب الدقيق ــة الت ــي تح ــت الجل ــد‬ ‫م ــادة قريب ــة م ــن المورفي ــن فته ــدئ األل ــم‪.‬‬ ‫مـــن أجمـــل الصـــور عـــن اللمـــس‪ ،‬مـــا يقولـــه‬ ‫الشـــاعر‪:‬‬

‫كأن يدي تندى إذا ما لمستها‬ ‫وينبت في أطرافها الورق النضر‬

‫لك ــن للي ــد وظيفته ــا ف ــي مج ــال التربي ــة‪ ،‬فه ــي‪،‬‬ ‫تســاعد الطفــل علــى أن يستكشــف العالــم ويســتعلم‬ ‫األش ــياء‪ ،‬ك ــي يع ــي مختل ــف األش ــكال‪ ،‬إن ــه ن ــوع‬ ‫مــن التعلــم‪ ،‬نــوع مــن ذاكــرة اليــد‪ .‬تصبــح اليــد بعــد‬ ‫حوالـــي األربعـــة أشـــهر مـــن الـــوالدة‪ ،‬أداة البحـــث‬ ‫أهميــة مطلقــة فــي تكويــن صــورة‬ ‫األساســية ؛ فلليــد ّ‬ ‫ال ــذات وف ــي عملي ــة التفكي ــر والتعبي ــر‪ .‬ف ــي حوال ــي‬ ‫الخمســة عشــر شــهرًا يبــدأ الطفــل باكتشــاف األشــياء‬ ‫حولــه وباســتعمال لغــة حركيــة مميــزة‪ ،‬إذ يعـّـوض‬ ‫النقــص فــي التعبيــر بحــركات اليــد‪ .‬لغــة اليــد تكــون‬ ‫الوســيلة الوحيــدة واألوليــة للتواصــل‪ ،‬تتخــذ مكانــة‬ ‫ثانويــة فــي مــا بعــد وعنــد نمــو اللّغــة‪ ،‬ولكنهــا تبقــى‬ ‫مرافقــة للكلمــات فــي حياتنــا كلهــا‪.‬‬ ‫مهمـــة علـــى صعيـــد التأهيـــل النفـــس ‪-‬‬ ‫واليـــد ّ‬ ‫حرك ــي‪ ،‬إذ له ــا دوره ــا ف ــي االس ــترخاء وإنق ــاص‬ ‫التوتــر‪ ،‬وهــي تحمــل قيمــة عاطفيــة كبيــرة بواســط‬ ‫اللم ــس‪ ،‬اللم ــس ال ــذي يحم ــل إل ــى اآلخ ــر الس ــكينة‬ ‫التــي فقدهــا‪ ،‬ويعلــم ذلــك تمامـ ًا مــن يمــارس الطــب‬ ‫الهنــدي والشــرقي‪ .‬وعلــى غــرار الطــب الشــرقي قامــت‬ ‫بع ــض المراك ــز الغربي ــة بتطوي ــر نظري ــات العال ــم‬ ‫النفس ــي راي ــش وتطبيقه ــا ف ــي مراكزه ــا العالجي ــة‪.‬‬ ‫فاللمــس ُيدخــل فــي عالقــة قريبــة وحميمــة وقيمتــه‬ ‫العاطفي ــة أكب ــر م ــن تل ــك الت ــي للبص ــر أو للس ــمع‪.‬‬ ‫لكننــا ال نســتعمل اللمــس ّإل مــع األشــخاص القريبين‬ ‫منــا أو الذيــن نريــد أن نتقــرب منهــم عاطفيـاً؛ فراحــة‬ ‫كــف اليــد ال نعطيهــا ألي كان‪ ،‬إذ هــي نتيجــة اتصــال‬ ‫داخلــي عميــق نوعـ ًا مــا‪ .‬يحمــل هــذا االتصــال ُمعــاش‬ ‫عاطفــي‪ .‬واليــد لهــا هــذه الميــزة‪ :‬إنهــا تمتــد وتصــل‬ ‫إلــى اآلخريــن فــي أي وقــت نريــد وتعبــر عــن تطـّـور‬ ‫االتصــال العاطفــي وتعمــق المشــاعر‪ ،‬اليــد التــي تمتد‬ ‫تنق ــل الصداق ــة أو الح ــب ال ــذي نحمل ــه إل ــى اآلخ ــر‪،‬‬ ‫يصبـــح عندهـــا االتصـــال أطـــول وأمتـــن‪ ،‬تمتنـــه‬ ‫حمل ــه إياه ــا‪ .‬أم ــا الي ــد الت ــي تداع ــب‬ ‫ارتجاف ــات‪ُ ،‬ن ّ‬ ‫فهــي تعبــر أيضـ ًا عــن ُمعــاش عاطفــي علــى مســتوى‬ ‫آخ ــر ينتم ــي إل ــى عال ــم حس ــي حمي ــم‪.‬‬ ‫أحيانــ ًا الي ــد وحده ــا تحتف ــظ بذاكرتن ــا وتقب ــض‬ ‫عل ــى مش ــاعرنا أكث ــر م ــن الكلم ــات‪ ...‬الي ــد إذن ه ــي‬ ‫الواســطة بيــن الفكــر وتحققــه‪ ،‬هــي واســطة الــذكاء‬ ‫ألنه ــا تخ ــدم كأداة ف ــي مج ــال تجس ــيد ه ــذا الفك ــر‪.‬‬ ‫كل م ــا يتأمل ــه الفك ــر تحقق ــه الي ــد‪ ،‬كم ــا أن الفك ــر‬ ‫إن ّ‬ ‫يتأم ــل بحس ــب إمكاني ــات الي ــد‪.‬‬

‫اليد وحدها‬ ‫تحتفظ بذاكرتنا‪،‬‬ ‫وتقبض على‬ ‫مشاعرنا‪ ،‬أكثر‬ ‫من الكلمات‬

‫‪83‬‬


‫العربي له‪ ،‬في مســتوى ما‪،‬‬ ‫دال من اللّســان‬ ‫إن هذا الموضوع ال يزيد‪ ،‬في ظاهره على ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربية‪ ،‬قلّما يختلف في إدراكه أفراده‪ ،‬وفي‬ ‫أساســي مشترك بين أهل‬ ‫معجمي‬ ‫مدلول‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مســتوى آخــر‪ ،‬مدلــوالت إضافية‪ ،‬غالبــ ًا ما ينفرد بهــا أهل االختصــاص دون غيرهم‪.‬‬ ‫معان‬ ‫معينة لترجمة ٍ‬ ‫ومــا هذا المفهوم ســوى إيهــام متولّد‪ ،‬في تقديرنا‪ ،‬عن اختيارنا رمــوزًا كتابية ّ‬ ‫خاصة بالعربية‪.‬‬ ‫ودالالت‪ ،‬يحتمل أن ترد من غير‬ ‫العربية‪ّ ،‬‬ ‫بدوال ّ‬ ‫ّ‬

‫اإلصبع الواحد ال يجمع قمح ًا‬ ‫د‪ .‬وليالي كندو*‬

‫ّ‬ ‫الحظ تُطلَق‬ ‫يد‬ ‫على أ ّول من‬ ‫يشتري سلعة‬ ‫التّاجر في‬ ‫اليوم‪ ،‬عموم ًا‪،‬‬ ‫الصباح‪،‬‬ ‫أو في ّ‬ ‫خصوص ًا‪ ،‬فيتوافد‬ ‫عليه‪ ،‬من بعده‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫للشراء‬ ‫الزّبائن‪،‬‬

‫‪84‬‬

‫الظاهـــر‪ ،‬ليـــس قصدنـــا‬ ‫وعلـــى عكـــس هـــذا ّ‬ ‫بالـــّدال فـــي هـــذا المقـــام ســـوى ترجمـــة إلـــى‬ ‫تيس ــر م ــن‬ ‫العربي ــة لمدل ــوالت ّ‬ ‫دوال وأق ــوال ّ‬ ‫مم ــا ّ‬ ‫الشــعب‬ ‫ألســنة إفريقيــا؛ ومنهــا الـ«مــوري»‪ ،‬لســان ّ‬ ‫الموســي‪ ،‬والـ«مانــدي»‪ ،‬لســان أغلبيــة ســاحقة من‬ ‫الســودان الغربــي‪.‬‬ ‫الشــعوب المنتشــرة فــي منطقــة ّ‬ ‫الس ــياق م ــا نصوغ ــه عل ــى‬ ‫وإش ــكاليتنا ف ــي ه ــذا ّ‬ ‫وفـــو» (‪ )nugu‬فـــي‬ ‫«ن ُ‬ ‫النّحـــو التالـــي‪ :‬مـــا داللـــة ُ‬ ‫«بوُل ــو» (‪ )bolo‬أو «ِت ِ‬ ‫يغ ــي»‬ ‫الم ــوري؟ وم ــا دالل ــة ُ‬ ‫(‪ )tègè‬فــي المانــدي؟ ومــا صلــة تلــك الـّدالالت بمــا‬ ‫العربي ــة م ــن المعان ــي؟‬ ‫نج ــد ف ــي‬ ‫ّ‬ ‫ه ــذه بع ــض المس ــائل الت ــي ن ــروم مقاربته ــا‪،‬‬ ‫اســتنادًا إلــى منهــج اســتقرائي يقــوى بآخــر‪ ،‬يقوم‬ ‫ضمني ــة بي ــن األح ــكام‪ ،‬لك ــي يتأّت ــى‬ ‫عل ــى مقارن ــة‬ ‫ّ‬ ‫اســتنباط مــا يمكــن الّتأليــف بينــه مــن المعطيــات‪،‬‬ ‫خفيــة‪.‬‬ ‫وصــو ًال إلــى كشــف كلّيــات باطنــة ّ‬ ‫إذا نظرن ــا ف ــي مس ــتوى الّدالل ــة المعجمي ــة ف ــي‬ ‫الم ــوري‪ ،‬مس ــتندين ف ــي آن إل ــى حدس ــنا اللّغ ــوي‬ ‫توصلنــا‬ ‫وإلــى آراء بعــض المســتعملين األصــاء‪ّ ،‬‬ ‫دال مـــزدوج المدلـــول فـــي‬ ‫وفـــو» ّ‬ ‫إلـــى ّ‬ ‫«ن ُ‬ ‫أن لفـــظ ُ‬ ‫هــذا اللّســان؛ فهــو يعـّـم دالليـاً‪ ،‬مــن ناحيــة‪ ،‬فيفيــد‬ ‫فيتعين‬ ‫مطلــق اليــد؛ وينخــزل‪ ،‬مــن ناحيــة أخــرى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لمعن ــى الك ـ ّ‬ ‫ـف‪ .‬وال نج ــد ف ــي م ــوري غي ــر القرائ ــن‬ ‫المالزم ــة لمق ــام الّتخاط ــب الحقيق ــي س ــمات ُتف ــرد‬ ‫تعين ــه له ــذا المعن ــى أو ل ــذاك‪.‬‬ ‫ال ـّدال أو ّ‬

‫وإذا كانـــت هـــذه داللـــة اليـــد الحقيقيـــة فـــي‬ ‫الم ــوري‪ ،‬فله ــا دالالت مجازي ــة عدي ــد مط ــردة ف ــي‬ ‫االســتعمال‪ .‬ويمكــن تصنيفهــا صنفيــن أساسـّـيين‪:‬‬ ‫ومم ــا ين ــدرج‬ ‫ـلبي‪ّ .‬‬ ‫م ــا ه ــو إيجاب ــي وم ــا ه ــو س ـ ّ‬ ‫إن «لـــه يـــدًا‬ ‫األول قـــول الموســـي ّ‬ ‫فـــي ّ‬ ‫الصنـــف ّ‬ ‫للش ــخص لباق ــة ومه ــارة‬ ‫ـدون‬ ‫ـ‬ ‫يقص‬ ‫ـة»(‪)1‬؛‬ ‫طيب ـ‬ ‫أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصيــد أو الّتجــارة‪.‬‬ ‫أو‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫نع‬ ‫الص‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫وحظ‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫وإتقان‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصنع ــة غي ــر م ــن‬ ‫أم ــا الم ــراد بالي ــد الماه ــرة ف ــي ّ‬ ‫أول‬ ‫أمــا يد الحـ ّ‬ ‫ـظ فتطلق على ّ‬ ‫يحــذق حرفتــه وفّنــه‪ّ .‬‬ ‫مــن يشــتري ســلعة الّتاجــر فــي اليــوم‪ ،‬عمومـاً‪ ،‬أو‬ ‫الصبــاح‪ ،‬خصوصـاً‪ ،‬فيتوافــد عليــه مــن بعــده‬ ‫فــي ّ‬ ‫للش ــراء‪ ،‬فيق ــول الّتاج ــر حينئ ــذ ف ــي ذل ــك‬ ‫الزبائ ــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫خيــرة محظوظــة‪ ،‬ألنّهــا‬ ‫ـة»‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫«طي‬ ‫ـده‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫إن‬ ‫ـف‬ ‫ـ‬ ‫الحري‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأم ــا الم ــراد‬ ‫الس ــوق(‪ّ .)2‬‬ ‫نفّق ــت ل ــه تجارت ــه ف ــي ّ‬ ‫الصيــد فهــي تلــك التــي تحســن‬ ‫باليــد الماهــرة فــي ّ‬ ‫التصوي ــب‪ ،‬وتصي ــب فريس ــتها وال تش ــويها‪.‬‬ ‫الصنـــف أيضـــ ًا إســـناد «الموســـي»‬ ‫ومـــن هـــذا ّ‬ ‫الغنــى والثــراء والملــك إلــى يــد صاحبهــا؛ فيقولون‬ ‫إن يـــده تملـــك أو تحمـــل(‪ .)3‬وحيـــن تمتـــاز اليـــد‬ ‫ّ‬ ‫ـا ع ــن ذل ــك‪ ،‬كريم ــة‬ ‫الصف ــة وتك ــون‪ ،‬فض ـ ً‬ ‫به ــذه ّ‬ ‫محســنة يقــول فيهــا الموســي إنّهــا يــد معطــاء(‪.)4‬‬ ‫إن يــد‬ ‫الســلبي قــول الموســي ّ‬ ‫ونجــد مــن القســم ّ‬ ‫ف ــان ال تنبس ــط(‪)5‬؛ يقص ــدون أّن ــه ال يمــّد ي ــده ال‬ ‫للعط ــاء وال لإلحس ــان‪ .‬وه ــو بمثاب ــة الحك ــم علي ــه‬ ‫ـح‪ .‬وش ــبيه به ــذا المعن ــى م ــا ف ــي‬ ‫بالبخ ــل أو ّ‬ ‫الش ـ ّ‬


‫يعبـــرون‬ ‫قـــول الموســـي ّ‬ ‫إن يـــد فـــان تأخـــذ(‪)6‬؛ ّ‬ ‫بالســرقة والنزعــة إلــى‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫صاحبه‬ ‫بــه عــن اّتصــاف‬ ‫ّ‬ ‫اإلي ــذاء والمي ــل إل ــى اإلض ــرار والفس ــاد‪.‬‬ ‫وعلــى العمــوم‪ ،‬كلّمــا دخلــت أدوات النّفــي علــى‬ ‫الس ــلب‪ .‬وه ــو‬ ‫م ــا يفي ــد اإليج ــاب نقلت ــه إل ــى ّ‬ ‫حي ــز ّ‬ ‫حي ــز يّتس ــع لمعن ــى الي ــد العج ــول الت ــي ال يمل ــك‬ ‫ّ‬ ‫صاحبه ــا نفس ــه عن ــد الغض ــب‪ ،‬وه ــي ضدي ــد الي ــد‬ ‫الصب ــورة‪.‬‬ ‫«الب ــاردة» المتمالك ــة ّ‬ ‫تصورن ــا‬ ‫والمش ــترك بي ــن صنف ــي الّدالل ــة ف ــي ّ‬ ‫قيامهم ــا عل ــى المج ــاز المرس ــل؛ إذ الي ــد ج ــزء م ــن‬ ‫كي ــان اإلنس ــان اس ــتعملت ف ــي األق ــوال المذك ــورة‬ ‫بمعنـــى اإلنســـان بأكملـــه‪ ،‬وتلـــك دالالت تثبـــت‬ ‫للغـــة «مـــوري»‪ ،‬فـــي وجـــه مـــن الوجـــوه‪ ،‬قـــدرة‬ ‫عل ــى اس ــتيعاب الّتجري ــد العقل ــي والبع ــد الخيال ــي‬

‫الفّن ــي واألدب ــي عل ــى غ ــرار م ــا يس ــتوعبها س ــائر‬ ‫الشــفوية منهــا والمكتوبــة علــى‬ ‫األلســنة ّ‬ ‫الطبيعيــة ّ‬ ‫حــّد س ــواء‪.‬‬ ‫دال الي ــد مس ــتوى آخ ــر‬ ‫ب ــل نج ــد للموس ــي ف ــي ّ‬ ‫بتصرفــات المولــود؛ ذلــك أنّهــم‬ ‫مــن الّداللــة يّتصــل‬ ‫ّ‬ ‫يحكم ــون ل ــه أو علي ــه اس ــتنادًا إل ــى تأوي ــل حال ــة‬ ‫يديــه؛ فــإذا كان يبســطهما قـّدروا أّنــه يكــون كريمـ ًا‬ ‫أولــوا ذلــك أّنــه يكــون‬ ‫ـخياً؛ وإذا كان يقبضهمــا ّ‬ ‫سـ ّ‬ ‫ـخصية‬ ‫بخيـ ً‬ ‫ـا شــحيحاً‪ .‬بــل يوغلــون‪ ،‬فيقــرؤون شـ ّ‬ ‫المول ــود أو غي ــره م ــن األف ــراد‪ ،‬اس ــتنادًا إل ــى م ــا‬ ‫ف ــي كف ــه م ــن خط ــوط وعالم ــات‪.‬‬ ‫فلي ــس م ــن الغري ــب‪ ،‬إذن‪ ،‬أن يبن ــي الموس ــي‬ ‫عل ــى عض ــو يكتس ــي دالالت عدي ــدة مس ــتوى م ــن‬ ‫ـن المنظــوم منــه إلــى المنثــور؛‬ ‫األقــوال أقــرب إلــى فـّ‬

‫قول «الموسي»‬ ‫«إن يد فالن تأخذ»‬ ‫ّ‬ ‫يعبّرون به عن‬ ‫اتّصاف صاحبها‬ ‫بالسرقة والنزعة‬ ‫ّ‬ ‫إلى اإليذاء‪،‬‬ ‫والميل إلى‬ ‫اإلضرار والفساد‬

‫‪85‬‬


‫من أمثالهم‬ ‫في اليد قولهم‪:‬‬ ‫«إن اليد ال تدرك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الظهر»‪ ،‬وهذا إقرار‬

‫أو حكم بضعف‬ ‫اإلنسان معزو ًال‬ ‫مفرد ًا‪ ،‬ونسبيّة‬ ‫قدرته أيض ًا‬

‫‪86‬‬

‫الشــعبية؛ ومــن ذلــك مثــل لهــم‬ ‫نعنــي بــه األمثــال ّ‬ ‫أن اإلصب ــع الواح ــد ال يجم ــع قمحــاً‪ .‬ولئ ــن‬ ‫مف ــاده ّ‬ ‫ل ــم ي ــرد ف ــي ه ــذا الّتعبي ــر لف ــظ الي ــد‪ ،‬فه ــو وارد‬ ‫أن األصابــع فــي‬ ‫فــي عبارتهــم األصليــة(‪)7‬؛ ذلــك ّ‬ ‫لســان الموســي ال تتحـّدد ّإل اســتنادًا إلــى عالقتهــا‬ ‫بالي ــد‪ ،‬ألنّه ــا ف ــي اصطالحه ــم صغ ــار له ــا‪ .‬ون ــرى‬ ‫ـث علــى‬ ‫جليـ ًا هــو الحـ ّ‬ ‫فــي هــذا المثــل معنــى ظاهــرًا ّ‬ ‫ـوة ويوفّرهم ــا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫والق‬ ‫االّتح ــاد‪ ،‬ألّن ــه يوّل ــد الق ــدرة‬ ‫ّ‬ ‫ـي ه ــو نب ــذ الفرق ــة‬ ‫كم ــا يتجّل ــى في ــه معن ــى ضمن ـ ّ‬ ‫واألناني ــة‪.‬‬ ‫والعزل ــة‬ ‫ّ‬ ‫أن‬ ‫وال يعنـــي‬ ‫ّ‬ ‫حـــث الموســـي علـــى االّتحـــاد ّ‬ ‫أصابــع اليــد عندهــم متســاوية؛ إذ نجــد لهــم قياسـ ًا‬ ‫ـص عل ــى أّن ــه عل ــى ق ــدر م ــا تتف ــاوت‬ ‫مأث ــورًا ين ـ ّ‬ ‫الط ــول يتف ــاوت الّن ــاس‬ ‫أصاب ــع الي ــد م ــن حي ــث ّ‬ ‫ـكل‬ ‫أن ل ـ ّ‬ ‫م ــن حي ــث المنزل ــة أو الق ــدر‪ .‬لك ــن‪ ،‬مثلم ــا ّ‬ ‫إصبــع دوره فــي بنيــة الكـ ّ‬ ‫ـكل‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫ـون‬ ‫ـف وعملــه‪ ،‬يكـ‬ ‫ّ‬ ‫ف ــرد دوره ف ــي بن ــاء المجتم ــع وحيات ــه وتنميت ــه‪.‬‬ ‫إن الي ــد ال ت ــدرك‬ ‫وم ــن أمثاله ــم ف ــي الي ــد قوله ــم ّ‬ ‫أن يـــد اإلنســـان عاجـــزة مـــن‬ ‫ّ‬ ‫الظهـــر(‪)8‬؛ يعنـــون ّ‬ ‫ِخلقتهـــا عـــن غســـل ظهـــره بدقّـــة وتمـــام‪ ،‬مثلمـــا‬ ‫تغســل ســائر أعضائــه‪ .‬وهــذا إقــرار أو حكم بضعف‬ ‫ـبية قدرت ــه‪.‬‬ ‫اإلنس ــان مع ــزو ًال مف ــردًا ونس ـ ّ‬ ‫ومــن المعــروف عنــد الموســي وعنــد غيرهــم مــن‬ ‫حي ــة‬ ‫الس ــوداء أنّه ــم ّ‬ ‫يفضل ــون الّت ّ‬ ‫ش ــعوب إفريقي ــا ّ‬ ‫مجـــرد الـــكالم؛ فإلقـــاء‬ ‫علـــى‬ ‫الســـام باأليـــدي‬ ‫أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫التحيــة دون مـّد اليــد عندهــم عالمــة احتقــار وســوء‬ ‫تقديــر‪ ،‬وإلقاؤهــا مــع المصافحــة دليــل علــى صــدق‬ ‫ـودة واأللفــة‪.‬‬ ‫ـوة المـ ّ‬ ‫االحتــرام وقـّ‬ ‫وعلـــى غـــرار مـــا تقـــّدم فـــي المـــوري‪ ،‬نجـــد‬ ‫للي ــد دالالت عدي ــدة ف ــي اللّس ــان المان ــدي المتف ـّـرع‬ ‫كل م ــن الج ــوال ف ــي بوركين ــا فاس ــو والك ــوت‬ ‫إل ــى ّ‬ ‫ديف ــوار‪ ،‬والبامب ــارا ف ــي مال ــي‪ ،‬والمالينك ــي ف ــي‬ ‫غينيـــا كوناكـــري وغيـــر ذلـــك‪ .‬ومـــن دالالت اليـــد‬ ‫اإليجابي ــة ف ــي ه ــذا اللّس ــان إس ــناد أهل ــه إل ــى الي ــد‬ ‫الســخاء‬ ‫علــى وجــه المجــاز المرســل كذلــك معنــى ّ‬ ‫إن يـــد فـــان‬ ‫واإلحســـان والعطـــاء‪ ،‬فيقولـــون ّ‬ ‫إن‬ ‫طيبـــة(‪ ،)9‬أي تنفّـــق الّتجـــارة‪ ،‬كمـــا يقولـــون ّ‬ ‫ّ‬ ‫الســـلطة(‪ .)10‬بـــل‬ ‫علـــى‬ ‫اســـتولت‬ ‫قـــد‬ ‫فـــان‬ ‫يـــد‬ ‫ّ‬ ‫ـا‪ ،‬فيقولــون‬ ‫يشــتق أهــل المانــدي مــن لفــظ اليــد فعـ ً‬ ‫أن فالنــ ًا ق ــد صف ــع غي ــره(‪ .)11‬ومثلم ــا‬ ‫م ــا يفي ــد ّ‬ ‫ف ــي الم ــوري‪ ،‬تحتم ــل الي ــد ف ــي المان ــدي الدالل ــة‬ ‫ـح والبخ ــل مثلم ــا تحتم ــل في ــه الدالل ــة‬ ‫عل ــى ّ‬ ‫الش ـ ّ‬ ‫الســـحر؛‬ ‫الســـخاء‪ .‬ولليـــد فيـــه داللـــة علـــى ّ‬ ‫علـــى ّ‬ ‫إذ يأم ــر أحده ــم المخاط ــب المّته ــم ب ــأن ينف ـ ّ‬ ‫ـك ع ــن‬ ‫وظف ــت له ــا‬ ‫المس ــحور(‪ .)12‬وه ــذه بدوره ــا مع ــان ّ‬

‫الي ــد كذل ــك عل ــى أس ــاس المج ــاز المرس ــل‪.‬‬ ‫وعلـــى غـــرار مـــا رأينـــا عنـــد الموســـي أمثـــا ًال‬ ‫صيغــت علــى أســاس لفــظ اليــد‪ ،‬نجــد عنــد المانــدي‬ ‫الصغي ــر الت ــي أحس ــن‬ ‫مث ـ ً‬ ‫ـا يق ــول إّن ــه بإم ــكان ي ــد ّ‬ ‫المفضل ــة (ديغ ــي)‬ ‫ـن أكلت ــه‬ ‫ّ‬ ‫غس ــلها أن تعــّد للمس ـ ّ‬ ‫ـص‬ ‫ـ‬ ‫ين‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫آخ‬ ‫ـدي‬ ‫ـ‬ ‫مان‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫مث‬ ‫ـاد‬ ‫(‪ .)13‬والم ــراد به ــذا مف ـ‬ ‫ّ‬ ‫أن الفت ــى ال ــذي زار مائ ــة قري ــة ه ــو بمنزل ــة‬ ‫عل ــى ّ‬ ‫أن طــول العمــر‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫ذل‬ ‫ـان؛‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫الز‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫قرن‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫عم‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫شــيخ ّ‬ ‫وكث ــرة المش ــاهدة والمعاين ــة م ــن خ ــال الّترح ــال‬ ‫همــا فــي رؤيتهــم متكافئــان مــن حيــث الداللــة علــى‬ ‫طــول الّتجربــة واّتســاع الخبــرة واكتســاب الحكمــة‬ ‫والوع ــي‪.‬‬ ‫العربيــة‬ ‫وإذا نظرنــا فــي داللــة اليــد فــي الثّقافــة‬ ‫ّ‬ ‫الحظنــا فــوارق جزئيــة ال تطــال أن تخفــي مشــابهة‬ ‫توصلنـــا إليـــه‬ ‫قويـــة بينهـــا وبيـــن مـــا ّ‬ ‫ســـاطعة ّ‬ ‫باس ــتقراء لغ ــة الموس ــي والمان ــدي؛ وه ــو نزع ــة‬ ‫ـوة‬ ‫إلــى «أنســنة» اليــد وإحاللهــا محـّ‬ ‫ـل اإلنســان أو قـّ‬ ‫غيبي ــة ُتق ــدم عل ــى أعم ــال الخي ــر أو الش ـّـر‪ .‬وف ــي‬ ‫ّ‬ ‫أن النّزعــة لــدى‬ ‫ـ‬ ‫أدب‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫عقل‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫تجري‬ ‫هــذا‬ ‫ـي يـ ّ‬ ‫ـدل علــى ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتدينـــة هـــي االنصـــراف عـــن إســـناد‬ ‫الشـــعوب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقيــة أو وقــاراً‪ ،‬فهــل هذه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫إم‬ ‫ّوات‪،‬‬ ‫ذ‬ ‫ـ‬ ‫ال‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـال‬ ‫ـ‬ ‫األفع‬ ‫ّ ّ‬ ‫الش ــعوب آث ــار تفاع ــل‬ ‫المقوم ــات المش ــتركة بي ــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫مرده ــا إل ــى‬ ‫ـون‬ ‫ـ‬ ‫يك‬ ‫أو‬ ‫ـا؟‬ ‫ـ‬ ‫بينه‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫تاريخي‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ومثاقف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عرفاني ــة مش ــتركة‬ ‫ذهني ــة داّل ــة عل ــى كلّي ــات‬ ‫ّ‬ ‫بن ــى ّ‬ ‫البشـــري؟ مباحـــث نعرضهـــا‬ ‫الجنـــس‬ ‫أبنـــاء‬ ‫بيـــن‬ ‫ّ‬ ‫عرضــ ًا وال نس ــتبعد وراءه ــا معطي ــات مفي ــدة ف ــي‬ ‫والرقــي‬ ‫مجــال العلــم أو الثّقافــة أو سياســة البنــاء ّ‬ ‫الحض ــاري‪.‬‬ ‫* أســتاذ اللّغــة العربيــة وعميــد كلّيــة علوم التربيــة‪ ،‬المركز‬ ‫المتعددة في بوركينا‪.‬‬ ‫الجامعــي للتخصصــات‬ ‫ِّ‬ ‫هوامش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬أي ي ــده ماه ــرة‪ .‬وأص ــل عبارته ــم م ــا يل ــي ‪a nuga :‬‬ ‫‪nôomamɛ‬‬ ‫‪ - 2‬عبارتـــه بمـــوري هـــي ‪fo nuga nôomamɛ ;ti :‬‬ ‫‪m’daa locke‬‬ ‫‪ - 3‬أصل عبارتهم ‪a nuga taramɛ :‬‬ ‫‪ - 4‬أصل عبارتهم ‪a nuga kôtamɛ :‬‬ ‫‪ - 5‬أصل عبارتهم ‪a nuga pa tîigedie :‬‬ ‫‪ - 6‬أصل عبارتهم ‪a nuga rikedamɛ :‬‬ ‫‪ - 7‬أصل عبارتهم ‪nug bi yen dpa wukkede zomye :‬‬ ‫‪ - 8‬أصل العبارة ‪nug pa tate’m poorîye :‬‬ ‫‪ - 9‬يقولون ‪a bolo kadi :‬‬ ‫‪ - 10‬أصل العبارة ‪a yâ tègè dà kan :‬‬ ‫‪ - 11‬أصل العبارة ‪a yé karsa tègè :‬‬ ‫‪ - 12‬أصل العبارة ‪I tègè bo karsa kan :‬‬ ‫‪ - 13‬أكلــة شــبيهة بالمديــد المصنــوع بدقيــق ال ـّدرع‪ .‬لكنهــا‬ ‫تختلــف أنّهــا تشــرب بــاردة ممزوجــة باللّبــن أو الحليــب‪.‬‬


‫متعدد الدالالت والحقول المفهومية‪ ،‬فاليد التي تملك‬ ‫تحضر اليد في الشعر حضورًا ِّ‬ ‫أكثــر من وظيفة فيزيولوجية‪ ،‬بحســب طبيعة الجســد الذي تنتمــي إليه‪ ،‬بصفتها‬ ‫ترسخت عبر تاريخها أو في ذاكرتها الثّقافية‪.‬‬ ‫عضوًا من أعضائه‪ ،‬تمتلك رموزًا عديدة َّ‬

‫أقوال اليد‬

‫وأصابع بين قصيدت َ ْين‪..‬‬ ‫عبده وازن‬ ‫خضع ــت الي ــد لتأوي ــات كثي ــرة ف ــي الحض ــارات‬ ‫المتواليـــة منـــذ مـــا قبـــل التاريـــخ حتـــى الحقبـــات‬ ‫الالحق ــة الت ــي ب ــرزت فيه ــا الميتولوجي ــا واألدي ــان‬ ‫األســطورية ومــا تالهــا مــن عصــور‪ .‬والتقــت معظــم‬ ‫الحضـــارات واختلفـــت فـــي الحيـــن نفســـه حـــول‬ ‫نظرته ــا التأويلي ــة للي ــد وح ــول المواصف ــات الت ــي‬ ‫أســـبغتها عليهـــا‪ .‬وتكفـــي العـــودة إلـــى المالحـــم‬ ‫واألس ــاطير والكت ــب الديني ــة القديم ــة حت ــى يتبــّدى‬ ‫هـــذا االختـــاف فـــي التأويـــل بيـــن بـــاد مـــا بيـــن‬ ‫النهريــن أو الميزوبوتاميــا ومصــر الفرعونيــة وبــاد‬ ‫األغريــق والحضــارات اآلســيوية المتعـ ِّـددة كالبوذيــة‬ ‫والهندوس ــية وس ــواهما‪ ،‬وكذل ــك حض ــارة العص ــور‬ ‫الوســطى‪ ،‬وصــو ًال إلــى عصرنــا الراهــن‪ .‬والواضــح‬ ‫أن رمزي ــة الي ــد ل ــم تتج ـ ّـل فق ــط ف ــي الفك ــر والدي ــن‬

‫والطق ــوس‪ ،‬ب ــل ش ــملت الفن ــون كالنح ــت والرس ــم‬ ‫وعل ــى نح ــو خ ــاص الش ــعر ف ــي أش ــكاله المختلف ــة‪.‬‬ ‫حض ــرت الي ــد ف ــي ذاك ــرة الش ــعر عل ــى اخت ــاف‬ ‫عصــوره ومدارســه‪ :‬الشــعر الملحمــي‪ ،‬الشــعر الديني‬ ‫والرع ــوي والغنائ ــي‪ ،‬ش ــعر الجماع ــة أو القبيل ــة‪،‬‬ ‫الش ــعر الش ــفوي والمكت ــوب‪ ،‬وحض ــرت أيضــ ًا ف ــي‬ ‫شــعر العصــور المتقدمــة‪ ،‬كالنهضــة أو الرنيســانس‬ ‫ث ــم الكالس ــيكية ث ــم الرومانطيقي ــة‪ ،‬فالرمزي ــة ث ــم‬ ‫كافـــة‪:‬‬ ‫الحداثـــة‪ .‬حضـــرت اليـــد شـــعري ًا برموزهـــا‬ ‫ً‬ ‫رم ــز الق ــوة والج ــأش‪ ،‬الخي ــر والعط ــاء‪ ،‬التعاض ــد‬ ‫والتالحــم‪ ،‬الخدمــة‪ ،‬الســخاء‪ ،‬البخــل‪ ،‬االستســام‪،‬‬ ‫الحنــان‪ ،‬الحــب‪ ،‬القــدر‪ ،‬األمومــة‪ ،‬وحتــى األلوهــة‪،‬‬ ‫ال ســيما عندمــا عمــد بعــض الشــعراء إلــى الــكالم عــن‬ ‫أي ــدي اآلله ــة وأي ــدي المالئك ــة البيض ــاء‪...‬‬

‫التقت معظم‬ ‫الحضارات‪،‬‬ ‫واختلفت في‬ ‫الحين نفسه‪،‬‬ ‫حول نظرتها‬ ‫التأويلية‬ ‫لليد وحول‬ ‫المواصفات‬ ‫التي أسبغتها‬ ‫عليها‬

‫‪87‬‬


‫الشعر َّ‬ ‫ركز كثير ًا‬ ‫على يد الحبيبة‪،‬‬ ‫بوصفها العضو‬ ‫األشد حنو ًا وحنان ًا‬ ‫وأنوثة ونقاء‬

‫‪88‬‬

‫ركـــز كثيـــرًا علـــى يـــد الحبيبـــة‪،‬‬ ‫ّإل أن الشـــعر َّ‬ ‫بوصفهـــا العضـــو األشـــد حنـــوًا وحنانـــ ًا وأنوثـــة‬ ‫ونق ــاء‪ .‬ي ــد الحبيب ــة ه ــي منب ــع الصف ــاء والجم ــال‬ ‫والرق ــة والعذوب ــة‪ ،‬وعل ــى صفحته ــا يندم ــج الح ــب‬ ‫بالرغبة‪ ،‬الشــوق بالشــهوة‪ .‬وكثيرًا ما كتب الشــعراء‬ ‫عــن التحــام أيــدي العاشــقين بعضهــا ببعــض‪ ،‬وعــن‬ ‫أســرار يــد الحبيبــة وعــن الســحر الــذي ينبثــق منهــا‬ ‫ل ــدى مالمس ــتها أو تقبيله ــا‪ .‬ولئ ــن ل ــم تس ــتطع الي ــد‬ ‫تجــاوز حضــور العيــن أو العينيــن‪ ،‬عينــي الحبيبــة‪،‬‬ ‫اللتيـــن مألتـــا الدواويـــن والقصائـــد‪ ،‬وطغتـــا علـــى‬ ‫م ــا عداهم ــا م ــن مكام ــن الجم ــال ف ــي الجس ــد‪ ،‬كالخ ــد‬ ‫والش ــفة والحاج ــب‪ ،‬ف ــإن الي ــد تظ ــل تمل ــك س ــرها‬ ‫الفريـــد ورمزيتهـــا التـــي ألهمـــت خيـــال الشـــعراء‪.‬‬ ‫ولعــل الشــعراء الفرنســيين كانــوا مــن أغــزر الشــعراء‬ ‫الذيـــن كتبـــوا عـــن اليـــد أو اليديـــن‪ ،‬يـــدي الحبيبـــة‬ ‫تحديـــداً‪ ،‬وقـــد تكـــون القصيدتـــان الشـــهيرتان «يـــدا‬ ‫ج ــان م ــاري» ألرت ــور رمب ــو و«ي ــدا إلس ــا» للوي ــس‬ ‫أراغــون‪ ،‬مــن أجمــل مــا كتــب فــي هــذا الحقــل‪ .‬لكنهمــا‬ ‫ليســـا الوحيديـــن اللذيـــن أبدعـــا فـــي اســـتيحاء يـــد‬ ‫المــرأة أو الحبيبــة‪ ،‬بــل إن شــعراء فرنســيين كثــراً‪،‬‬ ‫ـا‬ ‫ســبقوهما أو أعقبوهمــا كتبــوا عــن اليــد شــعرًا جميـ ً‬ ‫وفري ــداً‪ .‬يكت ــب الش ــاعر الكالس ــيكي الش ــهير ج ــان‬ ‫راس ــين صاح ــب‪« :‬أنت ــن ي ــا فتي ــات الجحي ــم‪ ،‬ه ــل‬ ‫ـزة؟»‪ .‬ويقــول الشــاعر هنــري‬ ‫أصبحــت أياديكــن جاهـ ً‬ ‫فردري ــك أمي ــال‪« :‬ي ــدًا بي ــد نهيم ــن عل ــى كل مق ــام‪/‬‬

‫س ــوف نحي ــا ونم ــوت منتصري ــن بالح ــب»‪ .‬ويكت ــب‬ ‫الشــاعر الرومانطيقــي الفــرد دو موســيه‪« :‬أي ـ ًا يكــن‬ ‫الس ــبيل‪ ،‬أي ـ ًا يك ــن الغ ــد‪ /‬الدلي ــل والوحي ــد ف ــي ه ــذا‬ ‫العال ــم ي ـ ُـد الحبيب ــة»‪ .‬وف ــي قصي ــدة أخ ــرى يق ــول‪:‬‬ ‫«لقــد ماتــت مــن غيــر أن تحيــا‪ ،‬كانــت تتظاهــر بأنهــا‬ ‫تحي ــا‪ .‬م ــن يديه ــا س ــقط الكت ــاب ال ــذي ل ــم تق ــرأ في ــه‬ ‫شــيئاً»‪ .‬ويقــول كبيــر شــعراء فرنســا فيكتــور هيغــو‪:‬‬ ‫«المســتقبل شــبح بيديــن فارغتيــن‪ ،‬يعــد بــكل شــيء‬ ‫وال ش ــيء لدي ــه»‪ .‬ويق ــول أيضــاً‪« :‬الس ــماء صنع ــت‬ ‫لترممــا حياتــك نصــف المتهالكة‪ ،‬الســماء خلقت‬ ‫يـ ّ‬ ‫ـدي ّ‬ ‫ألقبــل قدميــك»‪ .‬أما بول‬ ‫ـفتي ّ‬ ‫روحــي ألفهــم قلبــك‪ ،‬شـ ّ‬ ‫فيرليــن الشــاعر الرمــزي صديــق رمبــو فيقــول‪« :‬هــي‬ ‫ذي الفواكــه‪ ،‬األزهــار‪ ،‬األوراق واألغصــان‪ ،‬ثــم هوذا‬ ‫قلبــي ال يخفــق ّإل لـ ِ‬ ‫ـك‪ .‬ال تمزقيــه بيديــك البيضاويــن‬ ‫وليصب ــح الحاض ــر المّتض ــع عذب ــا أم ــام ناظري ــك»‪.‬‬ ‫غي ــوم ابوليني ــر كت ــب ف ــي قصيدت ــه‬ ‫الش ــاعر الكبي ــر ّ‬ ‫الشـــهيرة «جســـر ميرابـــو»‪« :‬تحـــت جســـر ميرابـــو‬ ‫يذكرن ــي‬ ‫يج ــري نه ــر الس ــين‪ /‬وحبن ــا‪ /‬أيج ــب أن ّ‬ ‫‪ /‬بـــأن الحـــب يأتـــي دومـــ ًا بعـــد العـــذاب‪ /‬يـــداك‬ ‫ـدي نبقــى وجهـ ًا لوجــه‪ /‬بينمــا تحــت‬ ‫متشــابكتان بيـ ّ‬ ‫جس ــر أذرعتن ــا تعب ــر‪ /‬الموج ــة المنهك ــة لنظراتن ــا‬ ‫مؤســس الحركــة‬ ‫األبديــة»‪ .‬الشــاعر أندريــه بروتــون ِّ‬ ‫الس ــوريالية كت ــب كثي ــرًا ع ــن األي ــدي ومم ــا يق ــول‪:‬‬ ‫«أجلــب فاكهــة بريــة‪ ،‬ثمــرات عنابيــة فأعطيهــا إياهــا‬ ‫فتصبــح بيــن يديهــا جواهــر هائلــة»‪ .‬ويكتــب بروتون‬ ‫أيضـاً‪« :‬يــدان تبحثــان واحدتهمــا عن األخــرى‪ ،‬هذا ما‬ ‫يكفــي ســقف الغــد»‪ .‬ويكتــب الشــاعر رينــه غــي كادو‪:‬‬ ‫«امشــي واعلــم أن يديــك تجيباننــي‪ ،‬أيتهــا المــرأة»‪.‬‬ ‫ويكت ــب أوجي ــن غييوفي ــك‪« :‬ل ــو كان يكف ــي أن نم ــد‬ ‫يدنــا مثلمــا نســترق الســمع»‪ .‬ويكتــب جــان كوكتــو‪:‬‬ ‫«لــن أنظــر إلــى اليديــن اللتيــن تعطيــان مــا ال جــدوى‬ ‫من ــه»‪ .‬الش ــاعر اي ــف بونف ــوا يق ــول‪« :‬أرض تأت ــي‬ ‫إلين ــا بعيني ــن مغمضتي ــن كأنم ــا تس ــعى أن تقوده ــا‬ ‫ي ــد»‪ .‬ويق ــول ف ــي س ــياق آخ ــر‪« :‬ف ــي أحي ــان تحم ــل‬ ‫قليـــا مـــن‬ ‫المـــرآة بيـــن ســـماء وغرفـــة فـــي يديهـــا‬ ‫ً‬ ‫شــمس األرض»‪ .‬ويكتب الشــاعر والفيلســوف روجيه‬ ‫نيمي ــه‪« :‬نرب ــح الس ــماء والس ــيف مهزومــ ًا بالي ــد»‪.‬‬ ‫ويقــول الشــاعر والروائي كريســتيان بوبــان‪« :‬الكتب‬ ‫تنفت ــح مث ــل أي ــد خفيف ــة»‪.‬‬ ‫بعــد هــذه القبســات المضيئــة من الشــعر الفرنســي‬ ‫ال بــد مــن التوقــف أمــام قصيــدة الشــاعر أرتــور رمبــو‬ ‫«يــدا جــان مــاري» التــي تعــد مــن أهــم القصائــد التــي‬ ‫كتبــت عــن يــدي امــرأة ومــن خــال هاتيــن اليديــن عن‬ ‫قضاي ــا ع ــدة منه ــا الح ــب والث ــورة والنض ــال‪ .‬كت ــب‬ ‫رمب ــو ه ــذه القصي ــدة ف ــي فبراير‪/‬ش ــباط ‪ 1872‬ف ــي‬ ‫خضــم كومونــة باريــس الشــهيرة التي خضت فرنســا‬ ‫ورســخت معالــم الفكــر الثــوري الملتزم‪.‬وكتــب رمبــو‬ ‫هــذه القصيــدة بمثابــة تحيــة إلــى النســوة البطــات‬


‫اللواتـــي شـــاركن فـــي الكومونـــة حتـــى وإن بـــدت‬ ‫ش ــخصية ج ــان م ــاري فري ــدة بصورته ــا الت ــي ألق ــى‬ ‫عليه ــا رمب ــو ظ ــال ش ــعريته الس ــامية‪ .‬وإن اخت ــار‬ ‫يديه ــا عنوانــ ًا للقصي ــدة ومنطلقــ ًا رمزيــ ًا وجماليــ ًا‬ ‫له ــا فه ــو ل ــم يكت ــف بوص ــف هاتي ــن اليدي ــن فيزيقي ـ ًا‬ ‫ضمــن هــذا الوصــف ملمحـ ًا أخالقيـ ًا أو «اتيكيـاً»‬ ‫بــل ّ‬ ‫والتزاميــ ًا لئ ــا أق ــول سياس ــياً‪ .‬ج ــان م ــاري ام ــرأة‬ ‫مــن الشــعب‪ ،‬لكنهــا امــرأة تختلــف عــن ســائر نســوة‬ ‫الكومون ــة‪ .‬إنه ــا ِّ‬ ‫تمث ــل األهمي ــة الت ــي حظي ــت به ــا‬ ‫المــرأة بصفتهــا عضــوًا رئيسـ ًا فــي حركــة الكومونــة‪.‬‬ ‫فجــان مــاري امــرأة مناضلــة ولهــا «يــدان قويتــان»‪،‬‬ ‫لوحهم ــا الصي ــف»‪ .‬ويصفهم ــا رمب ــو‬ ‫«ي ــدان داكنت ــان ّ‬ ‫أيضـ ًا بـ«الشــاحبتين» شــحوب األيــدي الميتــة ألنهمــا‬ ‫ي ــدان متعبت ــان م ــن ف ــرط العم ــل أو نق ــل األس ــلحة‪.‬‬ ‫وي ــرد رمب ــو عل ــى االتهام ــات الت ــي راج ــت حين ــذاك‬ ‫وطاولـــت النســـوة المناضـــات‪ ،‬ومفادهـــا أنهـــن‬ ‫داع ــرات ومنح ــدرات أخالقيــاً‪ ،‬فيس ــأل‪ :‬ه ــل أخ ــذت‬ ‫هات ــان الي ــدان صبغتهم ــا الس ــمراء م ــن «مس ــتنقعات‬ ‫«تغمســـتا فـــي أقمـــار بـــرك‬ ‫الملـــذات»؟ أم أنهمـــا ّ‬ ‫الصف ــاء»؟ ث ــم يق ــول ف ــي م ــا يش ــبه صيغ ــة الج ــواب‬ ‫الـــذي ُيســـقط عـــن يـــدي جـــان مـــاري أي شـــائبة‪:‬‬ ‫«ليســتا يــدي مومــس ‪ /‬وال يــدي عامــات بجبهاتهــن‬ ‫العريضــة»‪ .‬بــل «همــا يــدان ال تؤذيــان البتــة»‪ ،‬إنهمــا‬ ‫«أقــوى مــن حصــان»‪ ،‬و«ِقوامهمــا المتحــرك كاألتون‪،‬‬ ‫والمرتع ــش بق ــوة‪ /‬ينش ــد المارس ــييز‪ /‬ال صل ــوات‬ ‫االســـترحام»‪ .‬ولعـــل هـــذا مـــا يـــدل علـــى الطبيعـــة‬ ‫الصل ــدة له ــذه الم ــرأة المناضل ــة الت ــي ال تنثن ــي له ــا‬ ‫عزيمــة والتــي تؤثــر أداء أناشــيد الثــورة علــى تــاوة‬ ‫الصــاة المســيحية‪ .‬ثــم يمتدح الشــاعر «بريــق هاتين‬ ‫اليديــن المحبوبتيــن» الــذي «يجــذب ســحنة النعــاج»‬ ‫وفــي راحتيهمــا الشــائقتين‪ /‬الشــمس العظميــة تضع‬ ‫يواقيــت»‪ .‬وال يغــض رمبــو عينيــه عــن بــأس هاتيــن‬ ‫اليديـــن اللتيـــن أحرقتهمـــا الشـــمس وهمـــا تحمـــان‬ ‫البندقي ــة ف ــي ث ــورة باري ــس‪ .‬ويبل ــغ الش ــاعر أوج‬ ‫ـا‪« :‬آه‬ ‫تغني ــه بهاتي ــن اليدي ــن عندم ــا يخاطبهم ــا قائ ـ ً‬ ‫أيته ــا الي ــدان المقدس ــتان اللت ــان ترتج ــف ش ــفاهنا‬ ‫وســعهما غيــر مســتيقظة مــن ســكرها»‪ .‬وفــي ختــام‬ ‫القصيــدة يصفهمــا بـ«يــدي مــاك»‪.‬‬ ‫أمــا قصيــدة «يــدا إلســا» فتختلــف تمــام االختــاف‬ ‫عــن قصيــدة رمبــو‪ ،‬وكذلــك تختلــف شــخصية إلســا‬ ‫ع ــن ش ــخصية ج ــان م ــاري‪ .‬إلس ــا ه ــي الحبيب ــة ف ــي‬ ‫كاف ــة تجلياته ــا‪ ،‬روحيـ ـ ًا وجس ــدياً‪ .‬ولئ ــن نش ــرها‬ ‫أراغـــون فـــي ديوانـــه الملحمـــي الرهيـــب «مجنـــون‬ ‫إلس ــا» فه ــي تب ــدو امت ــدادًا لقصائ ــده الش ــهيرة الت ــي‬ ‫ضمتهـــا دواوينـــه الشـــهيرة مثـــل «إلســـا» و«عينـــا‬ ‫إلســا»‪ .‬لكــن هــذه القصيدةالبديعــة وجــدت قوامهــا في‬ ‫قلــب النشــيد الملحمــي أو القصيــدة الملحميــة الطويلة‬ ‫«مجن ــون إلس ــا» الص ــادرة ف ــي كت ــاب ع ــام ‪.1963‬‬

‫وق ــد أمض ــى أراغ ــون س ــنوات يك ــب عل ــى الت ــراث‬ ‫وتحليـــا حتـــى تمكـــن مـــن بنـــاء‬ ‫األندلســـي قـــراءة‬ ‫ً‬ ‫ه ــذه القصي ــدة الت ــي يعده ــا النق ــد الفرنس ــي قصي ــدة‬ ‫ش ــاملة‪ ،‬يلتق ــي فيه ــا التاري ــخ والس ــرد والوص ــف‬ ‫والمســـرح والشـــعر والنثـــر المجـــرد‪ .‬وقـــد اختلـــق‬ ‫أراغــون شــخصية الشــاعر المجنــون ُأســوة بالشــاعر‬ ‫قي ــس‪ ،‬كم ــا تجّل ــى ف ــي ملحم ــة الش ــاعر الفارس ــي‬ ‫الكبيـــر جامـــي وفـــي قصائـــد المجنـــون العربيـــة‬ ‫الت ــي تمّث ــل أجم ــل قصائ ــد الغ ــزل الع ــذري‪ .‬الش ــاعر‬ ‫المجن ــون هن ــا يج ــوب ش ــوارع غرناط ــة وأحياءه ــا‬ ‫وس ــاحاتها والميادي ــن مغنّي ـ ًا مث ــل التروب ــادور ف ــي‬ ‫القــرون الوســطى لحبيبتــه إلســا التــي شــاءها قرينــة‬ ‫ليلــى‪ ،‬العشــيقة التــي تيمــت قيــس وأحيتــه وقتلتــه‬ ‫فــي آن واحــد‪ .‬ومثلمــا عانــى قيــس وســجن يعانــي‬ ‫مجنــون األندلــس ويســجن ثــم يخرج من ســجنه أشــد‬ ‫جنونــ ًا وإبداعــاً‪ ،‬يلق ــي القصائ ــد ش ــجية وحزين ــة‪،‬‬ ‫جــراء ســقوط غرناطــة فــي أيــدي الغــزاة الغربييــن‪.‬‬ ‫إنهــا إذًا أيــام العــرب األخيــرة فــي غرناطــة بــل فــي‬ ‫األندلــس‪ ،‬بــل آخــر أيــام الملــك أبــي عبــداهلل‪ ،‬يعيــش‬ ‫الش ــاعر مأس ــاتها متوازي ــة م ــع مأس ــاته الش ــخصية‬ ‫أو مأس ــاة حب ــه المجن ــون‪.‬‬ ‫يخاط ــب الش ــاعر حبيبت ــه ف ــي مطل ــع القصي ــدة‬ ‫قائ ــا‪« :‬اعطين ــي يدي ــك ألواج ــه القل ــق‪ /‬اعطين ــي‬ ‫يدي ــك اللتي ــن طالم ــا بهم ــا حلم ــت‪ /‬اللتي ــن حلم ــت‬ ‫طويـــا فـــي عزلتي‪/‬أعطينـــي يديـــك ليكـــون‬ ‫بهمـــا‬ ‫ً‬ ‫خالصــي»‪ .‬ويضيــف‪« :‬عندمــا آخــذ يديــك لــي شــرك ًا‬ ‫‪ /‬م ــن راح ــة ي ــد وخ ــوف م ــن عجل ــة واضط ــراب‪/‬‬ ‫عندمــا آخذهمــا كمثــل مــاء ثلــج‪ /‬يــذوب مــن النواحي‬ ‫ـدي‪ /‬ه ــل س ــتدركين م ــا يعبرن ــي‪ /‬م ــا‬ ‫كلّه ــا ف ــي ي ـ ّ‬ ‫يبلبلنــي ويجتاحنــي‪ /‬هــل ســتدركين مــا يخترقنــي‪/‬‬ ‫لمــا ارتجفــت»‪ .‬ثــم يقــول‪« :‬مــا تقولــه هكــذا‬ ‫مــا خنتــه ّ‬ ‫اللّغـــة العميقـــة‪ /‬هـــذا الـــكالم األخـــرس للحـــواس‬ ‫البهيم ــة‪ /‬ب ــا ف ــم وال عيني ــن م ــرآة ب ــا ص ــورة‪/‬‬ ‫ارتع ــاش الح ــب ال ــذي ب ــا كلم ــات ‪ /‬ه ــل س ــتعلمين‬ ‫يوم ـ ًا بم ــاذا تفك ــر األصاب ــع‪ /‬ع ــن فريس ــة تلتقطه ــا‬ ‫للحظ ــة‪ /‬ه ــل س ــتعرفين أن صمته ــا‪ /‬ب ــرق ع ــرف‬ ‫المجه ــول بومض ــة»‪ .‬ويختت ــم القصي ــدة عائ ــدًا إل ــى‬ ‫منــاداة الحبيبــة قائــا‪« :‬اعطينــي يديــك عســى قلبــي‬ ‫يتكـــون فيهمـــا‪ /‬وفيهمـــا يصمـــت العالـــم أقـــل مـــن‬ ‫ّ‬ ‫لحظ ــة‪ /‬اعطين ــي يدي ــك ع ـ ّـل روح ــي فيهم ــا تن ــام‪/‬‬ ‫ع ـ ّـل فيهم ــا تن ــام روح ــي إل ــى األب ــد»‪.‬‬ ‫فـــي هـــذه القصيـــدة الجميلـــة ال يبـــدو لويـــس‬ ‫ـا ع ــن قي ــس مجن ــون‬ ‫أراغ ــون الش ــاعر غريبــ ًا فع ـ ً‬ ‫ليلــى‪ ،‬ففــي أنفاســه الشــعرية يتبــدى صــوت قيــس‬ ‫ال ــذي نج ــح الش ــاعر الفرنس ــي ف ــي تلبس ــه‪ ،‬ليجس ــد‬ ‫مــن خاللــه إحــدى أبهــى الصــور التــي يمكــن تشــكيلها‬ ‫للش ــاعر العاش ــق والمغن ــي‪.‬‬

‫جان ماري امرأة‬ ‫مناضلة‪ ،‬لها‬ ‫«يدان قويّتان»‪،‬‬ ‫يصفهما رامبو‬ ‫بـ«الشاحبتين»؛‬ ‫من فرط العمل‬ ‫أو نقل األسلحة‬

‫‪89‬‬


‫تلبيــة لحاجات اللّغــة‪ ،‬أكبر العون‪ .‬فليــس مخطئاً‪ ،‬على‬ ‫«تســدي األيدي إلى اإلنســان‪،‬‬ ‫ً‬ ‫تميز طبيعــة العقل‪ ،‬وذلك‬ ‫اإلطــاق‪ ،‬مــن يرى‪ ،‬في اســتعمال األيــدي الخصائص التــي ّ‬ ‫لسبب يجري قبوله‪ ،‬ويسهل فهمه؛ وهو أنها تسمح لنا بأن نمثّل أقوالنا عن طريق حروف‪ .‬وبالفعل‪،‬‬ ‫يعبر عن نفســه عن طريق الحروف‪ ،‬وأن يتحــاور بكيفية ما عن‬ ‫إن مــن عالمــات حضــور العقل‪ ،‬أن ّ‬ ‫يمكن األصوات واألفعال من أن ترســخ عــن طريق الحروف المكتوبة ‪les‬‬ ‫طريــق األيدي‪ ،‬وذلك بأن ّ‬ ‫َ‬ ‫‪.»caractè res‬‬ ‫‪Gré goire de Nysse, La cré ation de l’homme‬‬

‫ّ‬ ‫تمكننا األيدي‪-‬‬ ‫إذ ًا‪ -‬من أن نمثِّل‬ ‫أقوالنا‪ ،‬في الوقت‬ ‫ذاته الذي تعكس‬ ‫فيه أمزجتنا‬ ‫وطباعنا‬

‫‪90‬‬

‫يد و يد‬ ‫عبد السالم بنعبد العايل‬ ‫يدل في الوقت ذاته‬ ‫لفظ ‪ caractères‬الفرنسي ّ‬ ‫والطبــاع‪.‬‬ ‫ـدل علــى األمزجــة ّ‬ ‫علــى الحــروف‪ ،‬كمــا يـ ّ‬ ‫تمكننــا األيــدي إذًا مــن أن نمثــل أقوالنــا فــي الوقــت‬ ‫ّ‬ ‫ذات ــه ال ــذي تعك ــس في ــه أمزجتن ــا وطباعن ــا‪ .‬ربم ــا‬

‫لهــذا الســبب فــإن مختلــف آالت الكتابــة‪ ،‬مــن الراقنة‬ ‫تتمكــن‪ ،‬وربما‬ ‫التقليديــة إلــى جهــاز الكمبيوتــر‪ ،‬لــم ّ‬ ‫تتمكــن علــى اإلطــاق‪ ،‬م ــن أن تنــزع ع ــن اليــد‬ ‫لــن ّ‬ ‫أدل علــى‬ ‫أهميتهــا وعالقتهــا الحميمــة بالكتابــة‪ .‬ال ّ‬


‫ذل ــك م ــن تزاي ــد القيم ــة والمكان ــة اللتي ــن يحظ ــى‬ ‫ـص المخط ــوط‪ ،‬ف ــا ش ــيء يع ــدل ق ــراءة‬ ‫بهم ــا الن ـ ّ‬ ‫ِ‬ ‫ـق الكاتــب‬ ‫«ي ْطلـ ُ‬ ‫عمــل الكاتــب بـ«خــط يــده»‪ ،‬حيــث ُ‬ ‫يقيدهــا‬ ‫ال‬ ‫أي‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫يــده»‪ ،‬كمــا تقــول الّدارجــة المغربيـ‬ ‫ّ‬ ‫بضوابــط بعينهــا‪ ،‬وال يخضعهــا للرقابة الشــعورية‬ ‫المتحكـــم‪،‬‬ ‫الموجـــه‬ ‫الصارمـــة‪ ،‬ولقواعـــد العقـــل‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫فتتمك ــن من«الخ ــروج»‪ ،‬وتفس ــح المج ــال أله ــواء‬ ‫ّ‬ ‫الجســد كــي يظهــر فــي تدفّقــه وتلقائيتــه‪.‬‬ ‫ـط الي ــد» إذًا ه ــو فض ــاء التلقائي ــة‬ ‫العم ــل بـ«خ ـ ّ‬ ‫ـردد‪ ،‬فضــاء الظهور والتســتر‪ ،‬فضــاء اإلفصاح‬ ‫والتـ ُّ‬ ‫واإلضمـــار‪ ،‬فضـــاء الحضـــور والغيـــاب‪ ،‬فضـــاء‬ ‫العقـــل والالعقـــل‪ ،‬فضـــاء الشـــعور والالشـــعور‪،‬‬ ‫الفضــاء الــذي يعمــل فيــه النســيان عملــه‪ .‬لــذا فهــو‬ ‫مكنن ــا م ــن أن نتواص ــل ف ــي التح ــام ش ــديد ال م ــع‬ ‫ُي ّ‬ ‫الن ــص وح ــده‪ ،‬ب ــل حت ــى م ــع صاحب ــه‪ .‬وه ــذا ال‬ ‫ـكل عمــل «مــن صنــع اليد»‬ ‫ـص الكتابــة وحدهــا‪ .‬فـ ّ‬ ‫يخـ ّ‬ ‫يجســد هــذه «التلقائيــة» فيحظى فــي مجتمع التقنية‬ ‫بقيمــة ماديــة ومعنويــة تفــوق أضعافـ ًا «محاكيــه»‬ ‫م ــن صن ــع اآلل ــة‪ .‬لع ــل ه ــذا م ــا جع ــل ُكّتاب ـ ًا كب ــارًا‬ ‫يتمســـكون باالمتنـــاع عـــن اســـتعمال اآللـــة‪ ،‬أو ال‬ ‫ّ‬ ‫يلجــؤون إليهــا فــي نصوصهــم جميعهــا‪ ،‬شــأن جان‬ ‫جوني الذي كان يؤمن بـ«أن الكتابة بواســطة اآللة‬ ‫جي ــدة»‪ ،‬أو ش ــأن‬ ‫ال يمكنه ــا ق ـ ّ‬ ‫ـط أن تك ــون كتاب ــة ّ‬ ‫جــاك دريــدا الــذي امتنــع لمــدة طويلة عن اســتعمال‬ ‫آلــة الكتابــة‪ ،‬بــل عــن اســتعمال األقــام الحديثــة‪،‬‬ ‫مكتفيـ ًا باســتعمال الريشــة والحبــر‪ ،‬وحتــى عندمــا‬ ‫«انتصــر» عليــه الكمبيوتــر فإنــه لــم يكــن يســتعمله‪،‬‬ ‫علـــى حـــّد قولـــه‪ ،‬إ ّال مـــن أجـــل كتابـــات بعينهـــا‬ ‫كال ــدروس والرس ــائل‪ ،‬وحت ــى إن ه ــو التج ــأ إلي ــه‬ ‫فيمــا يخــص نصــوص المحاضــرات والنــدوات فهــو‬ ‫ـط الصفح ــات األول ــى‬ ‫كان ال يج ــد بــّدًا م ــن أن يخ ـ ّ‬ ‫بيــده‪ ،‬أو شــأن هايدغــر الــذي لــم يكــن يكتــب قــط ّإل‬ ‫كل هــؤالء الكّتــاب ظلــوا يــرون فــي اآللــة‬ ‫«بيــده»‪ّ .‬‬ ‫حاجــزًا دون ظهــور «خط اليد»‪ ،‬دون ظهور«الحرف‬ ‫والطب ــع»‪ ،‬كله ــم رأوا ف ــي الكتاب ــة اآللي ــة مناس ــبة‬ ‫يغــدو فيهــا اللفــظ مجـّـرد «أداة» فتغيــب التلقائيــة‪،‬‬ ‫ويقهــر الجســد‪.‬‬ ‫وتختفــي الطبــاع‪ُ ،‬‬ ‫ق ــد يق ــال ب ــأن الكات ــب س ــرعان م ــا يأخ ــذ ف ــي‬ ‫النقر بيســر وســرعة وســهولة‪ ،‬ســرعان ما «يألف»‬ ‫اآللــة «فيتكــون لديــه‪ ،‬علــى ح ـّد تعبيــر ج‪ .‬دريــدا‪،‬‬ ‫جســد آخــر‪ّ ..‬إل أنــه ليــس الجســد نفســه»‪ ،‬كمــا قــد‬ ‫يق ــال إن كان ــت الي ــد الت ــي تحم ــل القل ــم تت ــوارى‪،‬‬ ‫فــان اليــد التــي تنقــر (أو كمــا تقــول اللّغــة الفرنســية‬ ‫ـل تعم ــل‪ .‬لك ــن ف ــرق بي ــن ي ــد‬ ‫تض ــرب ‪ )tape‬تظ ـ ّ‬ ‫ويــد‪ :‬بيــن يــد تعكــس الطبــاع واألمزجــة‪ ،‬وأخــرى‬

‫تتش ــابه خطوطه ــا وتتس ــاوى أمزجته ــا‪ .‬ذل ــك م ــا‬ ‫يؤكـــده م‪.‬هايدغـــر عندمـــا يقـــول‪« :‬فـــي الكتابـــة‬ ‫ّ‬ ‫بواس ــطة اآلل ــة‪ ،‬جمي ــع الن ــاس يتش ــابهون»‪.‬‬ ‫يش ــير الفيلس ــوف األلمان ــي هن ــا إل ــى خاصي ــة‬ ‫تميـــز اليـــد البشـــرية‪ ،‬بـــل لعلهـــا هـــي‬ ‫أساســـية ّ‬ ‫وفصـــا‬ ‫التـــي تجعـــل اليـــد حصـــرًا علـــى البشـــر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫نوعيـــ ًا يميزهـــم عـــن باقـــي األجنـــاس التـــي‬ ‫يصنف ــون ضمنه ــا‪ ،‬وه ــي خاصي ــة خل ــق الف ــروق‬ ‫ـكل عم ــل ي ــدوي ه ــو عم ــل فري ــد‬ ‫واالختالف ــات‪ .‬ف ـ ّ‬ ‫يتميــز عــن غيــره وال يشــابهه إطالقـاً‪ .‬فليــس العمــل‬ ‫اليــدوي «وحــدة إنتاجيــة»‪ ،‬وال رقمـ ًا فــي سلســلة‪،‬‬ ‫وال نســـخة مـــن آالف النســـخ‪ .‬إنـــه بالتعريـــف‬ ‫«عمــل» متفــرد ال شــبيه لــه‪ .‬اليــد صانعــة «النســخ‬ ‫الفري ــدة»‪ ،‬صانع ــة االختالف ــات والتف ـّـردات‪ ،‬فه ــي‬ ‫كل األشــياء التــي‬ ‫تعمــل علــى إحــداث الفــروق بيــن ّ‬ ‫تلمســها وتصوغهــا فــي قوالــب متمايــزة‪ .‬علــى هــذا‬ ‫النحــو فهــي تميــز اإلنســان عــن جميــع الحيوانــات‬ ‫الت ــي ليس ــت له ــا أي ــاد‪ ،‬كم ــا يق ــول هايدغ ــر‪ ،‬ب ــل‬ ‫مج ــرد قوائ ــم‪.‬‬ ‫أشـــرنا ســـابق ًا إلـــى الطبيعـــة الجيولوجيـــة‪،‬‬ ‫وإلــى خاصيــة اإلضمــار التــي يتســم بهــا المخطوط‬ ‫نـــرد ذلـــك أساســـ ًا إلـــى مـــا‬ ‫اليـــدوي‪ .‬ينبغـــي أن ّ‬ ‫تنطــوي عليــه اليــد مــن قــدرة علــى اإلخفــاء‪ .‬ذلــك‬ ‫أنه ــا ال تكتف ــي ب ــأن «تحم ــل» القل ــم‪ ،‬وإنم ــا تق ــوم‬ ‫بوظائـــف الحصـــر لهـــا‪ ،‬فهـــي تصـــون وتحفـــظ‪،‬‬ ‫وتحـــرص علـــى ضبـــط مـــا ال ينبغـــي أن يظهـــر‪.‬‬ ‫وهـــذه أيضـــ ًا مـــن الســـمات التـــي تميـــز اإلنســـان‬ ‫عــن غيــره مــن األنــواع‪ .‬اليــد أداة كتمــان األســرار‪،‬‬ ‫والتخفــي مــن إحــدى فضائــل األيــدي‪ .‬مــن المأثــور‬ ‫عـــن البوذييـــن اعتبارهـــم اليـــد المســـدودة رمـــزًا‬ ‫لإلخفــاء والتضليــل‪ .‬لــذا فــإن يــد بــوذا تبــدو دائمـ ًا‬ ‫مفتوح ــة‪« ،‬ألن المذه ــب‪ ،‬كم ــا تق ــول البوذي ــة‪ ،‬ال‬ ‫ينط ــوي عل ــى أس ــرار»‪.‬‬ ‫اليـــد تركيـــب خـــاص بالبشـــر بيـــن التذكيـــر‬ ‫والتأنيــث‪ ،‬بيــن اإلفصــاح والتخفــي‪ ،‬بيــن الكشــف‬ ‫والحش ــمة‪ ،‬بي ــن اإلعط ــاء والتلق ــي‪ ،‬بي ــن الفع ــل‬ ‫كل ذل ــك ف ــي الوق ــت ذات ــه‪ :‬إنه ــا‬ ‫واالنفع ــال‪ :‬فه ــي ّ‬ ‫منفعل ــة متخفي ــة محتش ــمة متلقي ــة م ــن حي ــث ه ــي‬ ‫فعالة‬ ‫تضــم وتحتــوي وتســتر و«تمــد يدهــا»‪ ،‬وهــي ّ‬ ‫مكش ــوفة مفتوح ــة م ــن حي ــث ه ــي تقب ــض وتشــّد‬ ‫وتعطـــي‪« ،‬وإنمـــا ســـميت يـــدًا ألنهـــا إنمـــا تكـــون‬ ‫باإلعط ــاء‪ ،‬واإلعط ــاء إنال ــة بالي ــد» (اللس ــان)‪.‬‬ ‫ـل حك ــرًا عل ــى‬ ‫كل ه ــذا وذاك‪ ،‬فإنه ــا تظ ـ ّ‬ ‫وف ــوق ّ‬ ‫ـدل‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫عالم‬ ‫ـط‬ ‫ـ‬ ‫وتخ‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ترس‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫اإلنســان ألنه‬ ‫وتبيــن وتـ ّ‬ ‫ِّ‬ ‫وتتكلــم‪.‬‬ ‫وتشــير وتحيــل ‪ ،signifie‬وألنهــا تنطــق‬ ‫َّ‬

‫هايدغر‪:‬‬ ‫«في الكتابة‬ ‫بواسطة اآللة‪،‬‬ ‫جميع الناس‬ ‫يتشابهون»‬

‫‪91‬‬


‫لعــل من أشــهر األيادي فــي تاريخ الَفّن‪ ،‬اليدان في لوحة «الخلــق» لمايكل أنجلو‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫لوحة وحده‪ ،‬بمعزل عن‬ ‫قبة كنيســة السيســتين‪ ،‬إذ اشــتهر هذا التفصيل كما لو كان‬ ‫ً‬ ‫مقطعات السقف كامالً‪ ،‬وهذا ما لم يتوفر كثيرًا ألي ٍ‬ ‫أياد أخرى‪ ،‬على ما يبدو‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫غير أننا نستطيع أن ندرج (اليد)‪ ،‬باعتبارها العنصر الثالث في أي لوحة‪ ،‬بعد الوجه والثوب‪ ،‬وهي‬ ‫إن بدت جزءًا هامشي ًا للمتلقّي‪ ،‬تستخدم عند الفنان لتعزيز حركية اللوحة‪ ،‬بخالف السياق السكوني‬ ‫الغالب في البورتريهات‪.‬‬

‫«درس قراءة»‪ ،‬عام ‪1888‬م‪ ،‬إميل مونيير‬

‫«عاشقان اثنان» عام ‪2012‬م‪ ،‬نيك آلم‬

‫تاريخ َفنّي لليد‬ ‫نورة محمد فرج‬

‫اليد العارفة‪:‬‬ ‫اليد الحانية هي‬ ‫يد قاسية‪ -‬أيض ًا‪-‬‬ ‫في أصلها‪ ،‬أو‬ ‫حين تشاء‪ ،‬في‬ ‫لوحة «عاشقان‬ ‫اثنان»‬

‫‪92‬‬

‫فــي لوحــة إميــل مونييــر ‪« Emile Munier‬درس‬ ‫ق ــراءة ‪ »reading lesson‬ع ــام ‪1888‬م‪ ،‬ن ــرى ث ــوب‬ ‫المعلِّم ــة الغام ــق الموش ــى‪ ،‬مقاب ــل الث ــوب األبي ــض‬ ‫البســـيط الـــذي ترتديـــه الفتـــاة‪ ،‬كمـــا نـــرى يديهـــا‬ ‫المتشـــابكتين عنـــد خدهـــا‪ ،‬مقابـــل يـــدي المعلِّمـــة‬ ‫المتفرقتيــن‪ ،‬واحــدة تمســك بالكتــاب‪ ،‬واألخرى تشــير‬ ‫محـــدد فيـــه‪ ،‬فكـــرة أو معلومـــة‬ ‫بإصبعهـــا إلـــى أمـــر‬ ‫َّ‬ ‫محـ َّـددة عنــد المعلِّمــة‪ ،‬ويجــب أن تتحـ َّـدد عنــد الفتــاة‪،‬‬ ‫ولك ــن الفن ــان ال يري ــد لن ــا أن نكتش ــف م ــا حقيق ــة ه ــذا‬ ‫ـا للتعابي ــر الت ــي يمت ــزج‬ ‫مكمـ ً‬ ‫التعلي ــم‪ ،‬يأت ــي كل ه ــذا ّ‬ ‫فيهـــا التســـاؤل وعـــدم الفهـــم وشـــيء مـــن الحيـــرة‬ ‫والصدمــة الخفيفــة‪ ،‬علــى الحاجــب وكذلــك علــى الفــم‬ ‫ـا‪ ،‬بينمــا يظهــر اليقيــن والصرامــة علــى‬ ‫المنفــرج قليـ ً‬

‫وجــه المعلِّمــة التــي تراقــب التعابيــر علــى وجــه الفتاة‪.‬‬

‫اليد الحانية‪:‬‬

‫اليـــد الحانيـــة هنـــا هـــي يـــد قاســـية أيضـــ ًا فـــي‬ ‫أصلهــا‪ ،‬أو حيــن تشــاء‪ ،‬فــي لوحــة نيــك آلــم ‪Nick‬‬ ‫‪« Alm‬عاشــقان اثنــان‪ »Two lovers -‬عــام ‪2012‬م‪،‬‬ ‫تســند الفتــاة ذات العيــن المغمضــة إلــى صــدر تمثــال‬ ‫إللــه بحــري مــا‪ ،‬وتمســك بذراعــه التــي تمســك بدورها‬ ‫شـــوكة طويلـــة‪ ،‬عنـــد أســـنانها تســـترخي الـــذراع‬ ‫األخ ــرى للفت ــاة ومعصمه ــا المح ــاط بس ــوار لؤل ــؤي‪.‬‬ ‫عيــن الفتــاة مغمضــة فــي حالــة اطمئنــان‪ ،‬بينمــا عيــن‬ ‫التمثــال غيــر ذات الحدقــة مفتوحــة بشراســة وتحفــز‪.‬‬ ‫كل م ــا ف ــي اللوح ــة أس ــود أو رم ــادي‪ ،‬حت ــى س ــاق‬ ‫ـا يــكاد يتماهى مع‬ ‫الفتــاة ألبســها الفنــان جوربـ ًا طويـ ً‬ ‫ل ــون التمث ــال‪ ،‬البي ــاض ف ــي ذراع ــي الفت ــاة ووجهه ــا‬


‫«إيفان الرهيب يقتل ابنه»‪ ،‬عام ‪ ،1885‬إيليا ريبين‬

‫«المركيزة بومبادور»‪ ،‬عام ‪1756‬م‪ ،‬لفرانسوا بوشور‬

‫وحاش ــية فس ــتانها المكش ــكة فق ــط‪.‬‬ ‫ف ــي تص ــور آخ ــر للوح ــة‪ ،‬ن ــرى الش ــوكة مس ـ َّـددة‬ ‫تمامـ ًا إلــى صــدر الفتــاة‪ ،‬ولكننــا حيــن نتتبع مســارها‬ ‫نراه ــا تم ــر م ــن أمام ــه‪ ،‬لتش ــكل له ــا ط ــوق الحماي ــة‪.‬‬ ‫اليــد القاتلــة الحانيــة الحاميــة‪ ،‬يــد التمثــال‪ ،‬وأيــادي‬ ‫الفتــاة‪ ،‬اآلمنــة المطمئنــة‪.‬‬

‫اليد النادمة‪:‬‬

‫لوحـــة «إيفـــان الرهيـــب يقتـــل ابنـــه ‪Ivan the‬‬ ‫‪ »Terrible killing his son‬عـــام ‪ ،1885‬إليليـــا‬ ‫ريبيــن ‪ Ilya Repin‬النــدم فــي عيــون إيفــان الرهيــب‬ ‫المذهول ــة‪ ،‬ذراع ــه اليمن ــى تحي ــط بابن ــه وتحضن ــه‬ ‫وتقربـــه إليـــه‪ ،‬فيمـــا اليـــد األخـــرى ممســـكة بـــرأس‬ ‫المغ ــدور‪ ،‬األصاب ــع مضموم ــة عل ــى بعضه ــا صفـ ـ ًا‬ ‫ال مــن‬ ‫واحــداً‪ ،‬لكنهــا ال تمنــع الــدم مــن أن ينــزف متســل ً‬ ‫بينه ــا‪ ،‬محاول ــة لمن ــع م ــا ل ــم يع ــد باإلم ــكان منع ــه‪.‬‬

‫اليد القارئة‪:‬‬

‫علــى الرغــم مــن أن ثيمــة القــراءة تتكـّـرر باســتمرار‬ ‫عنــد الرســامين‪ّ ،‬إل أن إحــدى أشــهر لوحــات النســاء‬ ‫القارئـ�ات‪ ،‬هـ�ي لوحـ�ة «المركيزة بومبادو ر �‪La mar‬‬ ‫‪ »quise de Pompadour‬ع ــام ‪1756‬م‪ ،‬لفرانس ــوا‬ ‫بوشور ‪ ،François Boucher‬عند وسط الفستان‬ ‫المتــرف نــرى اليــد المترفــة المحاطــة بســوار مــن ثالثة‬

‫«عالم الدين»‪ ،‬عام ‪1907‬م‪ ,‬عثمان حمدي بيه‬

‫صفــوف لؤلؤيــة وهــي تمســك بكتــاب‪ ،‬تبــدو أوراقــه‬ ‫ـا‪ ،‬كم ــا ل ــو كان ق ــد ُق ــرأ م ــرارًا وم ــراراً‪،‬‬ ‫متجع ــدة قلي ـ ً‬ ‫وهــو مــا يحتــل مركــز اللوحــة‪ ،‬وكأنهــا تأكيــد لصــورة‬ ‫أخـــرى غيـــر الصـــورة التقليديـــة لمـــدام بومبـــادور‬ ‫عش ــيقة للوي ــس الخام ــس عش ــر‪ ،‬الت ــي تعب ــر عنه ــا‬ ‫يده ــا األخ ــرى المرتخي ــة عل ــى المخ ــدة ف ــي الجان ــب‬ ‫األيمــن مــن اللوحــة‪.‬‬

‫اليد القلقة‪:‬‬

‫عثمان حمدي بيه ‪ ،Osman Hamdi bey‬الفنان‬ ‫التركــي‪ ،‬فــي لوحــة «عالــم الديــن ‪ »Theologist‬عــام‬ ‫‪1907‬م‪ ،‬هن ــا ال يب ــدو ق ــارئ الق ــرآن قارئــاً‪ ،‬وإنم ــا‬ ‫يظه ــر وكأن القل ــق يس ــيطر علي ــه لفك ــرة ال يس ــتطيع‬ ‫تبينهــا‪ ،‬يــده اليمنــى علــى رأســه‪ ،‬إصبــع علــى رأســه‬ ‫يمــس عمامتــه‪ ،‬وإصبــع علــى جبينــه‪ ،‬وإصبــع علــى‬ ‫حاجب ــه‪ ،‬وإصب ــع ام ــام عين ــه‪ ،‬فيم ــا الي ــد اليس ــرى‬ ‫عنــد طــرف المصحــف المفتــوح‪.‬‬ ‫ـاء والطالب‬ ‫مثلــه‪ ،‬طالما رســم المستشــرقون العلمـ َ‬ ‫الشـــرقيين فـــي حالـــة قلـــق فكـــري أمـــام كتبهـــم‪،‬‬ ‫خصوصــ ًا الفن ــان االستش ــراقي النمس ــاوي لودين ــغ‬ ‫داتــش‪ ،‬وفــي إحــدى لوحاتــه نــرى اليــد فــي الوضعيــة‬ ‫القلقــة نفســها التــي ظهــرت فــي لوحــة عثمــان حمــدي‪،‬‬ ‫حيــث األصابــع المتفرقــة علــى الــرأس والجبيــن‪ ،‬غيــر‬ ‫أنهــا اليــد اليســرى‪ ،‬فيمــا اليمنــى ممســكة بالكتــاب‪.‬‬

‫أشهر لوحات‬ ‫النساء القارئات‪،‬‬ ‫هي لوحة‬ ‫«المركيزة‬ ‫بومبادور»‬ ‫لفرانسوا بوشور‬

‫‪93‬‬


‫«المـفكر» عام ‪1880‬م‪ ،‬رودان‬

‫“ الراقصــة”‪ ،‬متحــف اآلثــار فــي أنطاليــا بتركيــا‪ -‬النصف الثاني‬ ‫مــن القــرن الثانــي بعــد الميالد‬

‫اليد المرعبة‪:‬‬ ‫في اللوحات‬ ‫التي تص ّور‬ ‫راقصات الباليه‬ ‫تتكرّر باستمرار‬ ‫صورة اليد التي‬ ‫تعقد رباط‬ ‫الحذاء‬

‫ِّ‬ ‫تمثــل لـوحـــة كـــريس تومـــاس ‪Chris Thomas‬‬ ‫«الـحصـــول عـــلى المـــــوز ‪ »Going Bananas‬عــام‬ ‫‪2007‬م‪ ،‬م ــا يش ــبه لقط ــة غروتس ــكية ألف ــام الرع ــب‬ ‫الدارجــة خــال هــذه الســنوات الحاليــة‪ ،‬والتــي تعتمــد‬ ‫علــى اســتخدام لعــب األطفــال‪ ،‬فالقــرد اللعبــة جالــس‬ ‫علـــى كتلـــة مـــوز‪ ،‬اللحـــم األحمـــر المتراجـــع حـــول‬ ‫عينيــه البارزتيــن يشــبه بــروز عيون قتلــى التفجيرات‬ ‫نتيج ــة الضغ ــط الهائ ــل‪ ،‬كذل ــك الل ــون األحم ــر للثت ــه‬ ‫التـــي تتراجـــع عنهـــا شـــفتيه‪ .‬يكتمـــل الرعـــب فـــي‬ ‫اللوح ــة عب ــر التناق ــض‪ ،‬فالق ــرد بيدي ــه الصغيرتي ــن‬ ‫ذات األصاب ــع القصي ــرة الناعم ــة‪ ،‬يمس ــك صاج ــات‬ ‫ذهبيــة‪ ،‬ملصوقــة بباطــن كفــه وليــس أصابعــه‪ .‬إنــه‬ ‫ص ــوت الموس ــيقى المرعب ــة‪.‬‬

‫اليد الراقصة‪:‬‬

‫فــي اللوحــات التــي تصــور راقصــات الباليــه تتكـّـرر‬ ‫باســتمرار صــورة اليــد التــي تعقــد ربــاط الحــذاء‪ ،‬غيــر‬ ‫أنن ــا ف ــي التاري ــخ يمك ــن أن نج ــد أمثل ــة ألي ـ ٍ‬ ‫ـاد أخ ــرى‬ ‫تص ــور نم ــاذج مختلف ــة م ــن الرق ــص‪ .‬تمث ــال الراقص ــة‬ ‫الــذي يتوســط قاعــة األباطــرة فــي متحــف اآلثــار فــي‬ ‫أنطاليــا بتركيــا‪ ،‬هــذا التمثــال يعود إلــى النصف الثاني‬ ‫مـــن القـــرن الثانـــي بعـــد الميـــاد‪ ،‬الراقصـــة ذراعهـــا‬ ‫اليســرى مكســور نصفهــا‪ ،‬لكن يدها اليمنــى‪ ،‬موصولة‬ ‫‪94‬‬

‫“الـحصـول عـلى المـــوز”‪ ،‬عام ‪2007‬م‪ ،‬كـريس تومـاس‬

‫ـا‪،‬‬ ‫علــى نحــو فرانكشــتايني‪ ،‬ومقطعــة‪ /‬مكســورة قليـ ً‬ ‫ثمــة أجــزاء منهــا مفقــودة‪ ،‬لتذكرنــا أنهــا كائــن حجري‪،‬‬ ‫لك ــن األصاب ــع‪ ،‬اإلصب ــع األوس ــط تحدي ــداً‪ ،‬يمس ــك‬ ‫بالثــوب المتمــاوج الــذي يبــدو خفيفـاً‪ ،‬حتــى أن حركــة‬ ‫الرقــص كلهــا تتركــز فيــه‪.‬‬

‫اليد المفكرة‪:‬‬

‫إح ــدى أش ــهر األي ــادي‪ ،‬ه ــي ي ــد تمث ــال «المـ ــفكر‬ ‫‪ »The Thinker‬عـــام ‪1880‬م‪ ،‬لـــــرودان ‪،Rodin‬‬ ‫المميــز‪ ،‬الكــف‬ ‫التــي ســاهمت فــي اتخــاذه هــذا الشــكل ّ‬ ‫اليمنــى علــى ســاقه المثنيــة‪ ،‬وأصابعــه تحيط بركبته‬ ‫تمامــاً‪ ،‬أم ــا الك ــف األخ ــرى فتح ــت ذقن ــه‪ ،‬ملتصق ــة‬ ‫بشــفتيه‪ ،‬وهــي تتجــه إلــى الداخــل ال الخــارج‪ ،‬وكأن‬ ‫األصاب ــع تش ــير إلي ــه ه ــو‪.‬‬

‫اليد المعذَّبة‪:‬‬

‫ف ــي منحوت ــة لجوزي ــف ف برايك ــي ‪Joseph F.‬‬ ‫‪ ،Brickey‬بعن ــوان «تج ــل ‪ »Manifestation‬ع ــام‬ ‫‪2012‬م‪ ،‬يظه ــر الوج ــه المع ــذب لش ــيخ ش ــبه ع ــار‪،‬‬ ‫نحيـــل حتـــى أن عظامـــه تظهـــر مـــن صـــدره‪ ،‬يـــده‬ ‫اليمنــى علــى ذقنــه وخــده األيمــن‪ ،‬فمــه يظهــر مــن بين‬ ‫إصبعــه األصغــر والبنصــر‪ ،‬أصابعــه تبــدو عريضــة‪،‬‬ ‫لكنه ــا نحل ــت‪ ،‬فالبراج ــم ب ــارزة ج ــداً‪ ،‬بينم ــا الك ــف‬ ‫األخــرى تســتند إلــى حاجبــه األيســر‪ ،‬وأصابعهــا تأخذ‬ ‫ص ــورة متدرج ــة وكأنه ــا تمس ــك بأط ــراف ش ــعره‪.‬‬


‫ظــل اإلكراهات الثّقافية التــي جعلت الفنان العربي‪ ،‬عمومــاً‪ ،‬يتعامل بانتقائية مع‬ ‫فــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتحوال إلى موضوع أثير ضمن‬ ‫موضوع الجسد‪ ،‬كان لليد‬ ‫وللكف نصيبهما األوفر في أن ّ‬ ‫ّية العربية المشهورة‪.‬‬ ‫مساعي كثير من األعمال الَفنّ‬

‫اليد الجسورة‬ ‫التي توبِّخ العالم‬ ‫عزيز أزغاي*‬

‫نق ــف هن ــا‪ ،‬عل ــى س ــبيل المث ــال‪ ،‬عن ــد ث ــاث‬ ‫كل واحــد‬ ‫ّيــة لفنانيــن مغاربــة‪ ،‬تعامــل ّ‬ ‫تجــارب َفنّ‬ ‫منهــم مــع موضوعة اليد أو الكف‪ ،‬وإن بمســتويات‬ ‫ـا علــى‬ ‫وخلفيــات متباينــة‪ ،‬إلــى أن أصبحــت دليـ ً‬ ‫أســاليبهم‪ .‬ويتعّلــق األمــر بالفنانيــن‪ :‬فريد بلكاهية‬ ‫(‪ ،)2014 - 1934‬أحمد الدريسي (‪،)2003 - 1946‬‬ ‫ثــم عبــد الحــي المــاخ (‪.)1947‬‬ ‫قبـــل ذلـــك‪ ،‬البـــد مـــن اإلشـــارة إلـــى بعـــض‬ ‫المعان ــي الت ــي أعطي ــت للي ــد‪ ،‬س ــواء ف ــي الثّقاف ــة‬ ‫العالمـــة أو فـــي الحكايـــات الشـــعبية المتداولـــة‪،‬‬ ‫مجـــرد‬ ‫وهـــي معـــان‪ ،‬رغـــم اجتهادهـــا‪ ،‬تبقـــى‬ ‫َّ‬ ‫اقتراحـــات لغويـــة تأويليـــة‪ ،‬مادامـــت الكلمـــات‪،‬‬ ‫الفّنــي البريطانــي جــون بيرجــر‪،‬‬ ‫كمــا يقــول الناقــد َ‬ ‫«ليســت أكثــر مــن تجريــدات قــادرة علــى أن تضمــر‬ ‫م ــن المش ــاعر بق ــدر م ــا تظه ــر»‪)1(.‬‬ ‫لغوي ـ ًا اتفق ــت ع ــدد م ــن القوامي ــس والمعاج ــم‪،‬‬ ‫علــى بعــض الــدالت المشــتركة لليــد‪ ،‬ومنهــا داللتهــا‬ ‫عل ــى النعم ــة واإلحس ــان (الي ــد العلي ــا)‪ ،‬أو عل ــى‬ ‫البخ ــل والش ــح (الي ــد الس ــفلى) أو عل ــى العط ــف‬ ‫والم ــن والعط ــاء (أس ــبغ علي ــه أيادي ــه البيض ــاء)‪،‬‬ ‫كم ــا ق ــد ت ــدل أحيانــ ًا عل ــى الم ــوت (ي ــد المن ــون)‪،‬‬ ‫أو الق ــوة (ي ــد اهلل م ــع الجماع ــة)‪ ،‬واالتح ــاد (الي ــد‬ ‫الواحــدة ال تصفــق)‪ ...‬إلــى غيــر ذلــك مــن المعانــي‬ ‫الس ــيارة‪.‬‬

‫هــذه المعانــي المتعـ ِّـددة لليــد تجد تفســيرها‪ ،‬من‬ ‫جه ــة‪ ،‬فيم ــا تؤش ــر علي ــه العي ــن م ــن موضوع ــات‬ ‫جديــرة بالمالحظــة والرصــد‪ ،‬عبر وســائط الثّقافة‬ ‫والخيـــال والمعتقـــدات‪ ،‬علـــى اعتبـــار أن العيـــن‬ ‫تــرى مــا تــود أن تــراه ال مــا يمثــل أمامهــا(‪ .)2‬ثــم‬ ‫ف ــي األهمي ــة الت ــي يحتله ــا ه ــذا الج ــزء م ــن جس ــم‬ ‫اإلنس ــان ف ــي حيات ــه اليومي ــة م ــن جه ــة ثاني ــة‪.‬‬ ‫كل شـــيء‪ :‬فـــي‬ ‫إذ يـــكاد يســـخرها اإلنســـان فـــي ّ‬ ‫العمـــل والمصافحـــة واألكل‪ ،‬كمـــا فـــي التزويـــر‬ ‫والصــد والتجويــع‪ ،‬فــي البنــاء واإلعمــار‪ ،‬كمــا فــي‬ ‫اله ــدم ومح ــور اآلث ــار‪ ،‬ف ــي العن ــاق والحن ــو‪ ،‬كم ــا‬ ‫ف ــي اإلبع ــاد وقط ــع األواص ــر‪ ،‬وبعب ــارة واح ــدة‪:‬‬ ‫فــي صنــع الحيــاة كمــا فــي إتــاف الــزرع والــدرع‬ ‫والقض ــاء عل ــى النس ــل‪.‬‬ ‫ـخيرًا مــن طــرف العقــل‬ ‫إنهــا الطــرف األكثــر تسـ ّ‬ ‫واألحاســيس والمشــاعر‪ ،‬مــن أجــل تنفيــذ األوامــر‬ ‫النافـــذة واألحـــكام الجاهـــزة‪ .‬فبإشـــارة واحـــدة‬ ‫ـول أفعــال اليــد مــن الحالــة إلــى نقيضهــا تماماً‪.‬‬ ‫تتحـّ‬ ‫ب ــل إنه ــا الج ــزء األول م ــن جس ــم اإلنس ــان‪ ،‬ال ــذي‬ ‫يدف ــع ب ــه األعم ــى نح ــو مغام ــرة المجه ــول‪ ،‬كم ــا‬ ‫يضح ــي ب ــه المبص ــر‪ ،‬كلم ــا باغت ــه الظ ــام؛ ب ــه‬ ‫يتحس ــس ح ــدود الخط ــر أو مس ــافة األم ــان‪ .‬ه ــذه‬ ‫ـن التشــكيلي‬ ‫التمثــات وغيرهــا تنــاول بعضهــا َ‬ ‫الفـ ّ‬ ‫متعـــددة‪ ،‬وفـــق‬ ‫المغربـــي الحديـــث بخلفيـــات‬ ‫ِّ‬

‫اليد هي الطرف‬ ‫األكثر تسخيّر ًا‬ ‫من طرف العقل‬ ‫واألحاسيس‬ ‫والمشاعر‪،‬‬ ‫من أجل تنفيذ‬ ‫األوامر النافذة‬ ‫واألحكام‬ ‫الجاهزة‬

‫‪95‬‬


‫نوبخ العالم” ‪ ،‬فريد بلكاهية‬ ‫“اليد الجسورة التي ِّ‬

‫في كثير من‬ ‫أعمال الفنّان‬ ‫الراحل فريد‬ ‫ّ‬ ‫ظل‬ ‫بلكاهية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الكف‬ ‫حضور‬ ‫يتمظهر بحمولته‬ ‫الشعبية‪ ،‬التي‬ ‫تحيل على‬ ‫التميمة‬

‫‪96‬‬

‫ـكل فن ــان عل ــى‬ ‫الحمول ــة الوجداني ــة والجمالي ــة ل ـ ّ‬ ‫ح ــدة‪ ،‬واس ــتنادًا كذل ــك إل ــى مرجعيات ــه الثّقافي ــة‬ ‫ّي ــة والمعرفي ــة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫والفنّ‬ ‫ففـــي كثيـــر مـــن أعمـــال الفنـــان الراحـــل فريـــد‬ ‫ظـــل حضـــور الكـــف‪ ،‬وليـــس اليـــد‪،‬‬ ‫بلكاهيـــة ّ‬ ‫يتمظهـــر‪ -‬مـــن بيـــن عالمـــات أخـــرى مشـــابهة‪-‬‬ ‫بحمولت ــه الش ــعبية‪ ،‬الت ــي تحي ــل عل ــى التميم ــة‪،‬‬ ‫أي بمــا يزكــي داللتــه علــى اتقــاء العيــن الشــريرة‬ ‫ودرء الحســد وتجنــب األخطــار‪ ،‬التــي قــد تتســرب‬ ‫م ــن تل ــك النظ ــرة الخاص ــة الت ــي يوجهه ــا اآلخ ــر‬ ‫ الخصـــم الحســـود ‪ -‬الـــذي ال يملـــك مـــن قـــوة‬‫للتأثيــر علــى عــدوه المحتمــل‪ ،‬ســوى تلــك النظــرة‬ ‫الشــزراء‪ ،‬التــي تشــبه الســهم القاتــل‪ .‬حيــث تظهــر‬ ‫اليــد كعالمــة مائــزة‪ ،‬فــي مجمــل أعمال هــذا الفنان؛‬ ‫وهــي شــاخصة‪ ،‬متحديــة ومتصلبة‪ ،‬كأنمــا تنتظر‬ ‫خطــرًا داهمـ ًا قــد تبعــث بكيميائــه أي عيــن عابــرة‪.‬‬ ‫ولع ــل م ــا يزك ــي ه ــذا المعن ــى الش ــعبي‪ ،‬ه ــو‬ ‫الفّنــي الــذي تبنــاه بلكاهيــة‪ ،‬رفقــة‬ ‫ذلــك االختيــار َ‬ ‫بع ــض زمالئ ــه م ــن الفناني ــن المغارب ــة واألجان ــب‬ ‫فــي ســتينيات القــرن الماضــي‪ ،‬والداعــي إلى تبني‬ ‫الم ــوروث الش ــعبي الب ــدوي ‪ -‬ع ــوض الم ــوروث‬ ‫التربـــوي االســـتعماري الفرنســـي ‪ -‬بأبعـــاده‬ ‫األمازيغيـــة والعربيـــة اإلســـامية‪ ،‬وامتداداتـــه‬ ‫الفنّي‪ ،‬بما‬ ‫اإلفريقية واألندلســية‪ ،‬موضوع ًا للعمل َ‬

‫يجســده هــذا االختيــار مــن توظيــف للموضوعــات‬ ‫المحلية واســتعمال لألدوات واألصباغ الطبيعية‪،‬‬ ‫الت ــي تنتم ــي للبيئ ــة الش ــعبية نفس ــها م ــن جه ــة‪.‬‬ ‫تجلــت بعــض مالمــح هــذا التوجــه‪ ،‬مــن جهــة‬ ‫كمــا َّ‬ ‫ثانيــة‪ ،‬فــي وفــاء فريــد بلكاهيــة‪ ،‬بوجــه خــاص‪،‬‬ ‫لتلــك الســندات المســتخلصة مــن جلد البقــر والماعز‬ ‫والخرفــان‪ ،‬التــي كان يباشــر عليهــا العمــل‪ ،‬بعدمــا‬ ‫ـل حريصـ ًا‬ ‫يكــون قــد عالجهــا كيميائيـاً‪ ،‬وهــو مــا ظـّ‬ ‫علي ــه‪ ،‬ف ــي معظ ــم أعمال ــه‪ ،‬حت ــى آخ ــر أيام ــه‪.‬‬ ‫وعلـــى النقيـــض مـــن ذلـــك تمامـــاً‪ ،‬تحضـــر‬ ‫الي ــد ف ــي أعم ــال الفن ــان الراح ــل محم ــد الدريس ــي‪،‬‬ ‫ال ــذي اش ــتهر بأس ــلوبه المش ــوه‪ ،‬ال ــذي يتن ــاول‬ ‫الكائنــات المعدمــة‪ ،‬المهشــمة والملقــاة على هامش‬ ‫المجتم ــع‪ ،‬كعنص ــر ط ــاغ ومهيم ــن‪ ،‬ضم ــن مش ــهد‬ ‫عــام‪ ،‬تبــدو فيــه أجســاد كائناتــه الهشــة‪ ،‬الهالمية‪،‬‬ ‫الفقيــرة مســتلقية مثــل مخلوقــات خارجــة‪ ،‬للتــو‪،‬‬ ‫م ــن الجحي ــم‪.‬‬ ‫إذ تب ــدو الي ــد المعروق ــة اليابس ــة الكظيم ــة ف ــي‬ ‫أعمـــال الفنـــان الدريســـي‪ ،‬مثـــل محاولـــة يائســـة‬ ‫لمواجه ــة خط ــر م ــا مح ــدق‪ .‬إنه ــا تنتص ــب كفزاع ــة‬ ‫فــي فــراغ‪ ،‬ال لكــي تبعــد هــذا الخطــر‪ ،‬وإنمــا لتداري‬ ‫هائـــا‪ ،‬أو لتخفـــي بؤســـ ًا مستشـــري ًا أتـــى‬ ‫فزعـــ ًا‬ ‫ً‬ ‫علـــى روح اإلنســـان‪ ،‬أو باألحـــرى مـــا بقـــي مـــن‬ ‫إنســان‪ .‬إنهــا‪ ،‬بمعنــى آخــر‪ ،‬يــد معاتبــة‪ ،‬محتجــة‬


‫من أعمال الفنان عبد الحي المالخ‬

‫ـكل تأكي ــد‪ ،‬تحي ــل عل ــى بع ــض‬ ‫وناقم ــة‪ ،‬كان ــت‪ ،‬ب ـ ّ‬ ‫تلـــك الحيـــاة الســـفلى‪ ،‬التـــي كان ينتجهـــا ليـــل‬ ‫طنج ــة (حي ــث ع ــاش الفن ــان)‪...‬‬ ‫أمــا حضــور الكــف فــي تجربــة الفنــان عبــد الحي‬ ‫الم ــاخ‪ ،‬فه ــي ال تختل ــف كثي ــرًا ع ــن المعن ــى ال ــذي‬ ‫كان يس ــتند إلي ــه الفن ــان الراح ــل فري ــد بلكاهي ــة‪،‬‬ ‫وإن كان المـــاخ يســـوق‪ ،‬فـــي ســـبيل الكشـــف‬ ‫ع ــن خلفي ــات ه ــذا التوظي ــف‪ ،‬بع ــض التفس ــيرات‬ ‫التــي تجــد لهــا مبـ ِّـررًا فــي درس التصــوف بحصــر‬ ‫اإلحال ــة‪.‬‬ ‫فإلـــى جانـــب حضـــور طائـــر الحمـــام وشـــكل‬ ‫الجني ــن وش ــجر النخي ــل ف ــي لوح ــة الم ــاخ‪ ،‬بم ــا‬ ‫هـــي عالمـــات تحيـــل علـــى الســـلم والمســـتقبل‬ ‫والثب ــات‪ ،‬تب ــرز كذل ــك رس ــمة الك ــف داخ ــل ه ــذه‬ ‫البني ــة م ــن الرم ــوز‪ ،‬الت ــي يس ــعى م ــن خالله ــا‪،‬‬ ‫إل ــى إيج ــاد رواب ــط رفيع ــة تص ــل بي ــن أبعاده ــا‬ ‫المختلفـــة‪ ،‬بالشـــكل الـــذي يوحـــي بالطمأنينـــة‬ ‫والصف ــاء واالرتف ــاع‪ ،‬وكله ــا كلم ــات ق ــد تج ــد له ــا‬ ‫موقـــع معنـــى فـــي الخطـــاب الصوفـــي‪ ،‬إن بهـــذا‬ ‫القـــدر أو ذاك‪.‬‬ ‫وعل ــى الرغ ــم م ــن ذل ــك‪ ،‬تنبغ ــي اإلش ــارة إل ــى‬ ‫أن مقترحــي الفنانيــن فــؤاد بلكاهيــة وعبــد الحــي‬ ‫المـــاخ الصباغييـــن‪ ،‬علـــى أهميتهمـــا التاريخيـــة‬ ‫وخلفيتهمـــا الجماليـــة ومرتكزهمـــا التقنـــي‪ ،‬قـــد‬

‫من أعمال الفنان محمد الدريسي‬

‫بقي ــا رهيني ــن لمعيق ــات وكواب ــح تل ــك المعادل ــة‬ ‫التأويلي ــة «الس ــاذجة»‪ ،‬م ــن خ ــال ارتهانهم ــا إل ــى‬ ‫الخلفيــة الثابتــة المحنطــة نفســها‪ ،‬بــل والتزويقيــة‬ ‫أحيانـاً‪ ،‬التــي ال تتعــدى المعنــى الواحــد المســطح‬ ‫والواضــح والشــائع لــدى عامــة النــاس‪ ،‬أي اعتبار‬ ‫الكــف تميمــة تقــي مــن العيــن‪ .‬فــي حيــن اعتبــرت‬ ‫تجربـــة محمـــد الدريســـي الجســـورة والجريئـــة‬ ‫والمرعبــة‪ ،‬مــن ِقبــل عــدد مــن النقــاد والدارســين‪،‬‬ ‫انخراطـ ًا ناضجـ ًا فــي أفــق مغايــر يتجــاوز المعطى‬ ‫ّي ــة‬ ‫والس ــائد والمتع ــارف علي ــه‪ .‬إنه ــا مغام ــرة َفنّ‬ ‫طالمـــا كانـــت‪ ،‬قيـــد حيـــاة هـــذا الفنـــان‪ ،‬ترعـــب‬ ‫الجماعيـــن وتتحاشـــاها صـــاالت العـــرض‪ ،‬كمـــا‬ ‫ّ‬ ‫ّي ــة‪ ،‬بس ــبب‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫ـال‬ ‫ـ‬ ‫األعم‬ ‫ـاء‬ ‫ـ‬ ‫اقتن‬ ‫ـواة‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫منه‬ ‫ـر‬ ‫ينف ـ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫جرأتهــا الزائــدة وخوضهــا فــي موضوعــات‪ ،‬مازال‬ ‫يتجنبهــا كثيــر مــن الفنانيــن ويحــاذرون االقتــراب‬ ‫منه ــا‪ ،‬كم ــا ل ــو كان ــت وب ــاء معدي ـاً!‪.‬‬

‫في لوحة المالخ‪،‬‬ ‫تبرز رسمة‬ ‫ّ‬ ‫الكف بالشكل‬

‫الذي يوحي‬ ‫بالطمأنينة‬ ‫والصفاء‬ ‫واالرتفاع‪ ،‬وكلها‬ ‫كلمات قد تجد‬ ‫لها موقع معنى‬ ‫في الخطاب‬ ‫الصوفي‬

‫هوامش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬جــون بيرجــر «بيكاســو‪ :‬نجاحــه وإخفاقــه»‪ ،‬ت‪ :‬فايــز‬ ‫الصياغ‪ ،‬منشــورات المنظمة العربية للترجمة‪ ،‬ط ‪ ،1‬بيروت‪،‬‬ ‫‪2010‬م‪ ،‬ص‪.223 :‬‬ ‫‪ - 2‬غــي غوتيــي «الصــورة‪ :‬المكونــات والتأويــل»‪ ،‬ت وت‪:‬‬ ‫ســعيد بنكــراد‪ ،‬المركــز الثّقافــي العربــي‪ ،‬ط ‪ ،1‬الــدار البيضــاء‪،‬‬ ‫‪2012‬م‪ ،‬ص‪.8 :‬‬ ‫(*) شاعر وفنان تشكيلي من المغرب‬ ‫‪97‬‬


‫يدين هــو أذكى‬ ‫قــال أرســطو‪« :‬يزعــم أنكســاغور أنّــه إنّما بســبب ّ‬ ‫أن اإلنســان يملــك ْ‬ ‫يدين ألنّه األكثر ذكاء»‪( .‬الفقرة‬ ‫لكن المعقول هو أن نقول باألحرى ّ‬ ‫الحيوانات‪ّ .‬‬ ‫إن لديه ْ‬ ‫يوناني من النصف الثاني من القرن الرابع‬ ‫‪ 10‬من كتابه أجزاء الحيوان )‪ -‬هذه المفارقة التي صاغها‬ ‫ّ‬ ‫كل استشــكال فلســفي‪ ،‬لداللة اليد أو منزلتها في ترتيب معنى‬ ‫قبل الميالد ال تزال تلقي بكلكلها على ّ‬ ‫اإلنسانية إلى حّد هيدغر ودريدا‪.‬‬ ‫ّ‬

‫يد الفالسفة‬ ‫د‪ .‬فتحي املسكيني‬

‫اليد‪ -‬إذ ًا‪ -‬بمثابة‬ ‫مكافأة‪ ،‬نالها‬ ‫اإلنسان كمقابل‬ ‫مناسب على‬ ‫كثرة الذكاء‬ ‫الذي يتمتَّع‬ ‫به دون سائر‬ ‫الحيوان‬

‫‪98‬‬

‫األولوية‪ ،‬بل‬ ‫ال يتعلــق األمــر بمجـّـرد عــراك حــول‬ ‫ّ‬ ‫بقــرار صعــب إزاء عالقــة اليــد اإلنســانية بالكينونــة‬ ‫بعالميــة العالــم‪ .‬افتــرض‬ ‫فــي العالــم أو عالقــة اليــد‬ ‫ّ‬ ‫أن الطبيعـــة ال تختـــار مـــن الممكنـــات ّإل‬ ‫أرســـطو ّ‬ ‫م ــا ه ــو أفض ــل‪ :‬فمج ـ ّـرد امت ــاك األي ــدي ال يجع ــل‬ ‫مـــن البشـــر أكثـــر الحيوانـــات ذكاء‪ ،‬بـــل العكـــس‪:‬‬ ‫إن ال ــذكاء ه ــو ال ــذي صن ــع األي ــدي‪ .‬وج ــد اإلنس ــان‬ ‫ّ‬ ‫ـزودًا ب ــأداة مناس ــبة تمامــ ًا لم ــا يري ــد أن‬ ‫نفس ــه م ـ ّ‬ ‫ـإن الي ــد ليس ــت مج ـ ّـرد‬ ‫يفعل ــه‪ .‬وحس ــب أرس ــطو ف ـ ّ‬ ‫أداة ب ــل ه ــي «مجموع ــة م ــن األدوات» أو ه ــي «أداة‬ ‫تقــوم مقــام أدوات كثيــرة»‪ .‬اليــد إذن بمثابــة مكافــأة‬ ‫ناله ــا اإلنس ــان كمقاب ــل مناس ــب عل ــى كث ــرة ال ــذكاء‬ ‫ال ــذي يتمت ــع ب ــه دون س ــائر الحي ــوان‪ :‬إّن ــه ق ــادر‬ ‫علــى اكتســاب أكبــر عــدد ممكــن مــن التقنيــات‪ ،‬واليــد‬ ‫ه ــي أكث ــر األدوات نفعــاً‪ .‬وإذا كان الحي ــوان يتق ــن‬ ‫طريقـــة واحـــدة فـــي الدفـــاع عـــن نفســـه ال يمكنـــه‬ ‫ـإن اإلنس ــان م ــن خ ــال الي ــد يس ــتطيع‬ ‫اس ــتبدالها ف ـ ّ‬ ‫أن يتقــن أنواعـ ًا ال حصــر لهــا مــن الدفــاع عــن نفســه‪:‬‬ ‫يمكــن لليــد أن تكــون «مخلبـاً‪ُ ،‬برثنـاً‪ ،‬قرنـاً‪ ،‬رمحـاً‪،‬‬ ‫كل ذلــك «ألنّهــا‬ ‫ســيفاً‪ ،.»..‬هــي تســتطيع أن تكــون ّ‬ ‫قــادرة علــى اإلمســاك بــكل شــيء والقبــض علــى كل‬ ‫شــيء»‪ .‬ولذلــك هــي عضــو يمكــن أن يكــون «واحــدًا‬ ‫أو مزدوج ـ ًا أو متع ـ ِّـدداً»‪.‬‬ ‫ه ــذا التص ـ ّـور األدات ــي للي ــد س ــوف نج ــد ص ــداه‬ ‫عنــد الفارابــي‪ .‬قــال فــي الفصــل ‪ 21‬مــن كتــاب اآلراء‪:‬‬ ‫«واآلالت منهــا مواصلــة‪ ،‬ومنهــا مفارقــة مــن ذلــك‪،‬‬ ‫ـإن اليــد آلــة للطبيــب‪ ،‬يعالــج بهــا‪،‬‬ ‫مثــل الطبيــب؛ فـ ّ‬ ‫والمبضــع آلــة يعالــج بهــا‪ ...‬والمبضــع آلــة ال تفعــل‬ ‫فعله ــا ّإل بمواصل ــة الطبي ــب المس ــتعمل ل ــه‪ ،‬والي ــد‬ ‫أن الفاراب ــي‬ ‫أش ــد مواصل ــة ل ــه م ــن المبض ــع»‪ ،‬م ــع ّ‬ ‫يعمــل فــي نطــاق إشــارات أرســطو عن اليــد‪ /‬األداة‪،‬‬ ‫إن‬ ‫فنح ــن نعث ــر هن ــا عل ــى خاط ــر فلس ــفي طري ــف‪ّ :‬‬

‫الي ــد آل ــة ولك ــن «مواصل ــة» للطبي ــب‪ ،‬عل ــى خ ــاف‬ ‫المبض ــع ال ــذي ه ــو آل ــة ولك ــن «مفارق ــة» ل ــه‪ .‬ه ــذا‬ ‫التميي ــز خطي ــر‪ ،‬ألّن ــه يش ــير بش ــكل خاط ــف إل ــى‬ ‫إن الي ــد آل ــة ولك ــن‬ ‫ح ــدود التص ـ ّـور األدات ــي للي ــد‪ّ :‬‬ ‫مواصل ــة لن ــا أي محايث ــة لإلنس ــان بم ــا ه ــو فاع ــل‪.‬‬ ‫أن الي ــد لئ ــن كان ــت آل ــة كم ــا‬ ‫انتب ــه الفاراب ــي إل ــى ّ‬ ‫ضبــط ذلــك أرســطو‪ ،‬فهــي آلــة تواصل اإلنســان وال‬ ‫تفارق ــه؛ أي ه ــي تواص ــل عق ــل اإلنس ــان وال توج ــد‬ ‫أن اب ــن‬ ‫بمع ــزل عن ــه مث ــل المبض ــع‪ .‬وم ــن الطري ــف ّ‬ ‫ســينا فــي موســوعة القانــون فــي الطــب اقتــرب مــن‬ ‫جهــة أخــرى مــن استشــكال يحتــوي هــو اآلخــر علــى‬


‫عنص ــر مج ـّدد‪ .‬فف ــي الكت ــاب الراب ــع ال ــذي خصص ــه‬ ‫ـا عجيبـ ًا‬ ‫للحديــث عــن «الزينــة وأدويتهــا» أفــرد فصـ ً‬ ‫ه ــو «فص ــل ف ــي تس ــمين عض ــو كالي ــد أو الرج ــل أو‬ ‫الشـــفة أو األنـــف»‪ .‬اليـــد عضـــو يمكـــن تطبيبـــه‪،‬‬ ‫ـي‬ ‫وفقــ ًا لن ــوع م ــن الزين ــة‪ ،‬أي وفقــ ًا لموق ــف جمال ـ ّ‬ ‫مخصــوص‪ .‬وهــذا قــدر مثيــر مــن الخــروج مــن نطــاق‬ ‫اليد‪/‬اآللــة إلــى أفــق اليــد‪ /‬الزينــة‪ .‬طبع ـ ًا يمكــن أن‬ ‫ـن طــرح إمكانيــة «تســمين‬ ‫أداتيــة؛ لكـ ّ‬ ‫تكــون الزينــة ّ‬ ‫الي ــد» يعن ــي إمكاني ــة العم ــل عل ــى تحوي ــل العض ــو‬ ‫ـي‪ .‬والجمــال ليــس آلــة‪.‬‬ ‫الطبيعــي إلــى عضــو جمالـ ّ‬ ‫إّن ــه غاي ــة ذات ــه كم ــا س ــيقول كان ــط‪.‬‬ ‫يظـــل هـــذا الغمـــوض فـــي معنـــى اليـــد‬ ‫ســـوف‬ ‫ّ‬ ‫ســائدًا إلــى حــدود هيغــل‪ ،‬مــرورًا بالفلســفة الحديثــة‬ ‫أول انفجـــار للمفهـــوم‬ ‫(ديـــكارت)‪ ،‬حيـــث يحصـــل ّ‬ ‫التقلي ــدي للي ــد‪.‬‬ ‫ففــي الفقــرة ‪ 196‬مــن المقالــة الرابعــة مــن كتــاب‬ ‫قصــة فتــاة قطعــوا‬ ‫مبــادئ الفلســفة‪ ،‬ذكــر ديــكارت ّ‬ ‫لهــا يدهــا‪ ،‬لكنّهــم أخفــوا عنها هذا التشــويه بواســطة‬ ‫معينــة‪ ،‬ولكونهــا ال تعلــم بأمــر اليــد المبتــورة‬ ‫ثيــاب ّ‬ ‫فه ــي ق ــد واصل ــت الش ــعور ب ــآالم تط ــرأ عل ــى تل ــك‬ ‫البقع ــة م ــن الجس ــم الت ــي ل ــم تع ــد موج ــودة‪ ،‬ف ــي‬ ‫ه ــذا اإلصب ــع أو ذاك منه ــا‪ .‬لك ــن تفس ــير دي ــكارت‬ ‫«إن أعص ــاب‬ ‫ينط ــوي عل ــى طراف ــة خاص ــة‪ ،‬ق ــال‪ّ :‬‬ ‫يده ــا‪ ،‬والت ــي كان ــت تنته ــي عندئ ــذ ف ــي المرف ــق‪،‬‬ ‫كانــت تتحــرك فيهــا بنفــس الطريقــة التــي كان يجــب‬ ‫أن تكــون عليهــا فــي الســابق عنــد أطــراف األصابــع‪،‬‬ ‫ـعور بهذه‬ ‫مــن أجــل أن ُتحــدث للنفــس فــي الدماغ الشـ َ‬ ‫أن ألــــم‬ ‫يبيــن بــكل وضــوح ّ‬ ‫اآلالم المشــابهة‪ .‬وهــذا ّ‬ ‫الي ــد ل ــم تش ــعر ب ــه النف ــس‪ ،‬باعتباره ــا توج ــد ف ــي‬ ‫اليــد‪ ،‬بــل باعتبارهــا توجــد فــي الدمــاغ»‪.‬‬ ‫فــي أفــق نظريــة النفــس التقليديــة لــم يكــن يمكــن‬ ‫للفلســفة أن تنظــر إلــى كينونــة اليــد بمــا هــي كذلــك‪.‬‬ ‫ليــس فقــط «ألـــم اليــد» بــل حتــى وجــود اليــد لــم يكــن‬ ‫حاس ــما ف ــي بل ــورة داللته ــا الفلس ــفية‪ .‬الي ــد ليس ــت‬ ‫أن شــعور‬ ‫مكانـ ًا للنفــس؛ ولذلــك يفتــرض ديــكارت ّ‬ ‫الفتــاة ذات اليــد المبتــورة بألــم فــي يدهــا المفقــودة‬ ‫ه ــو نات ــج ع ــن أل ــم النف ــس ولي ــس ع ــن أل ــم الي ــد‪.‬‬ ‫كأن يق ــول‪ :‬الي ــد غي ــر ضروري ــة ك ــي نش ــعر باألل ــم‬ ‫ْ‬ ‫فــي أيدينــا‪ .‬األلــم يحــدث فــي النفــس‪ ،‬والنفــس فــي‬ ‫مــكان آخــر‪.‬‬ ‫ولكن هل كان للفيلسوف التقليدي يٌد؟‬ ‫لطالمـــا شـــغل كانـــط التفريـــق الفلســـفي بيـــن‬ ‫الي ــد اليمن ــى والي ــد اليس ــرى‪ .‬ه ــل ذل ــك ف ــي طبيع ــة‬ ‫الم ــكان ف ــي ذات ــه أم ف ــي موق ــف المالح ــظ؟ ويق ـّـرر‬ ‫ـأن م ــا يجع ــل الي ــد يمن ــى أو يس ــرى ه ــو مج ــرد‬ ‫بـ ّ‬ ‫عالقــة بيــن المالحــظ والموضــوع‪ .‬كان مشــكل كانط‬ ‫ـندنتالي ًا لمفه ــوم الي ــد ف ــي‬ ‫أن يج ــد تس ــويغ ًا ترنس ـ‬ ‫ّ‬ ‫أف ــق ال ــذات‪ .‬ل ــم يك ــن يس ــائل نم ــط كينون ــة الي ــد‬

‫بمــا هــي كذلــك‪ .‬ولهــذا مــا أكثــر مــا أصــاب الشــاعر‬ ‫الفرنســي ‪ Péguy Charles‬في ســخريته الرشــيقة‬ ‫مــن فيلســوف الــذات المتعاليــة‪« :‬الكانطيــة لهــا أيـ ٍ‬ ‫ـاد‬ ‫محض ــة‪ ،‬ولك ــن لي ــس له ــا أي ـ ٍ‬ ‫ـاد [إمبيريقي ــة]»(‪.)1‬‬ ‫محض ــة أي ب ــا خطيئ ــة ولك ــن أيضــ ًا بمعن ــى أي ـ ٍ‬ ‫ـاد‬ ‫مجـّـردة أو فارغــة‪ .‬قــال بولس‪« :‬فأريد إذن أن يصلّي‬ ‫الرج ــال ف ــي كل م ــكان‪ ،‬رافعي ــن أي ــادي طاه ــرة»‪.‬‬ ‫(الرســـالة األولـــى إلـــى تيموثـــاوس ‪ .)8 ،2‬علينـــا‬ ‫أن ن ــرى التوري ــة عل ــى االنزي ــاح بي ــن «المح ــض»‬ ‫(الموجـــود فـــي عنـــوان كتـــاب كانـــط األكبـــر «نقـــد‬ ‫العقــل المحــض»‪ ،‬و«الطاهــر» (المتأتــي مــن التعاليــم‬ ‫المســيحية عن الطهارة)‪ .‬الطاهر‪/‬المحض إذن ليس‬ ‫خط ــاء»‬ ‫ل ــه ي ــد بش ــرية أي بالمعن ــى المس ــيحي «ي ــد ّ‬ ‫وبالمعن ــى الحدي ــث «ي ــد واقعي ــة»‪.‬‬ ‫واألمـــر القطعـــي الكانطـــي فـــي واحـــدة مـــن‬ ‫صيغ ــه الخم ــس ال ــواردة ف ــي تأس ــيس ميتافيزيق ــا‬ ‫األخ ــاق والت ــي تق ــول‪« :‬افع ــل عل ــى نح ــو بحي ــث‬ ‫أنــت تعامــل اإلنســانية ســواء فــي شــخصك أو فــي‬ ‫أي إنس ــان آخ ــر دائم ـ ًا وف ــي نف ــس الوق ــت‬ ‫ش ــخص ّ‬ ‫كأنّه ــا غاي ــة ولي ــس فق ــط كمج ـ ّـرد وس ــيلة أب ــداً»‪-‬‬ ‫ه ــذا األم ــر اعتب ــره الش ــاعر الفرنس ــي بيغ ــي غي ــر‬ ‫إن‬ ‫قابــل للتطبيــق إلــى ح ـّد المفارقــة المشــار إليهــا‪ّ :‬‬ ‫الكانطي ــة تخاط ــب كائنــ ًا يمك ــن أن تك ــون ل ــه «ي ــد‬ ‫محضــة»‪ ،‬أي يمكــن أن يكــون لــه مفهــوم (فلســفي‪،‬‬ ‫ترنس ــندنتالي‪ ،‬أخالق ــي‪ )..‬ع ــن الي ــد‪ ،‬ولك ــن لي ــس‬ ‫لــه «يــد» فــي عالــم التجربــة‪ .‬قــال بيغــي‪« :‬ونحــن‪،‬‬ ‫بأيادين ــا المتصلّب ــة‪ ،‬العج ــراء‪ ،‬اآلثم ــة‪ ،‬نح ــن ف ــي‬ ‫بع ــض األحي ــان لدين ــا أي ــاد ممتلئ ــة»‪.‬‬ ‫كان ينبغـــي انتظـــار هيغـــل حتـــى ينفجـــر‬ ‫التص ـ ّـور الفلس ــفي التقلي ــدي للي ــد‪ ،‬ويخ ــرج تمامــ ًا‬ ‫م ــن نط ــاق الي ــد‪ /‬األداة أو اليد‪/‬المبت ــورة‪ ،‬الي ــد‪/‬‬ ‫خ ــارج النف ــس‪ ،‬إل ــى أف ــق الي ــد باعتباره ــا تعبي ــرًا‬ ‫ع ــن ال ــروح أو تجلّي ـ ًا له ــا‪ - .‬فف ــي الفص ــل الخام ــس‬ ‫م ــن كتاب ــه فينومينولوجي ــا ال ــروح تع ـّـرض هيغ ــل‬ ‫تأمل ــي إل ــى مس ــألة الي ــد‪ ،‬وف ــي الموض ــع‬ ‫بش ــكل ّ‬ ‫الفلســفي الــذي مــن شــأنها‪ :‬أي فــي نطــاق «مالحظــة‬ ‫فعليتـــه المباشـــرة»‪،‬‬ ‫عالقـــة الوعـــي بالـــذات مـــع ّ‬ ‫وه ــو يعن ــي بذل ــك ف ــي نط ــاق تع ـ ّـرض في ــه إل ــى‬ ‫مناقشــة األســاس الفينومينولوجــي لعلــوم مــن قبيل‬ ‫«عل ــم الفراس ــة» (‪ )Physionomik‬و«عل ــم فراس ــة‬ ‫الجمجمـــة» (‪ .)Schädellehre‬ولكـــن كيـــف؟‬ ‫أن المشــكل قــد‬ ‫أول األمــر هــو ّ‬ ‫مــا ينبغــي تســجيله ّ‬ ‫انتق ــل م ــع هيغ ــل م ــن مس ــتوى اآلل ــة إل ــى مس ــتوى‬ ‫العالم ــة‪ .‬علين ــا أن نق ــرأ قس ــمات أو مالم ــح الجس ــد‬ ‫البشـــري كمـــا يقـــول نفســـه مـــن خـــال وجهـــه أو‬ ‫أن الــروح‬ ‫ـن ذلــك ال يعنــي ّ‬ ‫مــن خــال جمجمتــه‪ .‬لكـ ّ‬ ‫أي مي ــدان المعن ــى أو مي ــدان اللغ ــة‪ ،‬ه ــو م ــا يقول ــه‬ ‫أن‬ ‫«عظ ــم» بش ــري‪ .‬م ــا يعت ــرض علي ــه هيغ ــل ه ــو ّ‬

‫كان ينبغي‬ ‫انتظار هيغل‬ ‫حتى ينفجر‬ ‫التص ّور‬ ‫الفلسفي‬ ‫التقليدي لليد‪،‬‬ ‫ويخرج‪ ،‬تمام ًا‪ ،‬من‬ ‫نطاق اليد‪ /‬األداة‬ ‫أو اليد‪/‬المبتورة‪،‬‬ ‫اليد‪ /‬خارج‬ ‫النفس‪ ،‬إلى أفق‬ ‫اليد‪ ،‬باعتبارها‬ ‫تعبير ًا عن الروح‪،‬‬ ‫أو تجلّي ًا لها‬

‫‪99‬‬


‫هيغل يضع اليد‬ ‫جنب ًا إلى جنب‪،‬‬ ‫ليس‪ ،‬فقط‪ ،‬مع‬ ‫الفم‪ ،‬بل مع‬ ‫اللغة والعمل‪،‬‬ ‫أيض ًا‬

‫‪100‬‬

‫اعتم ــاد العل ــم الحدي ــث للمالحظ ــة مقياســ ًا لمعرف ــة‬ ‫ـؤدي إل ــى ق ــول م ــن قبي ــل‪:‬‬ ‫حقيق ــة البش ــر س ــوف ي ـ ّ‬ ‫«هــل تكــون كينونــة الــروح ّإل عظمـاً» (‪dass das..‬‬ ‫لكـــن‬ ‫‪.)Sein des Geistes ein Knochen ist‬‬ ‫ّ‬ ‫العظ ــم لي ــس ذات ـاً‪.‬‬ ‫أن‬ ‫ف ــي ه ــذا الس ــياق الدقي ــق ّ‬ ‫يؤك ــد هيغ ــل عل ــى ّ‬ ‫«خــارج» الــروح ال يمكــن أن يجعــل «باطــن» الــروح‬ ‫مرئيـ ًا لنــا ّإل بوصفــه «عضــواً»‪« :‬الفــم الــذي يتـكلّـــم‬ ‫ّ‬ ‫واليــــد التـــي تعــــمل (‪)die arbeitende Hand‬‬ ‫والس ــاقان»‪ .‬الف ــم والي ــد والس ــاق ه ــي ل ــدى هيغ ــل‬ ‫«األعضـــاء الفاعلـــة والمنجـــزة‪ ،‬التـــي فـــي ذاتهـــا‬ ‫تمتلــك النشــاط بوصفــه نشــاط ًا أو تمتلــك الباطــن‬ ‫أن هيغ ــل يض ــع‬ ‫بم ــا ه ــو كذل ــك»‪ .‬والطري ــف هن ــا ّ‬ ‫الي ــد جنبــ ًا إل ــى جن ــب‪ ،‬لي ــس فق ــط م ــع الف ــم‪ ،‬ب ــل‬ ‫وكل ذلـــك باعتبارهـــا‬ ‫مـــع اللغـــة والعمـــل أيضـــاً‪ّ ،‬‬ ‫«تجلّي ــات (‪ )Äusserungen‬حي ــث ل ــم يع ــد الف ــرد‬ ‫يحتفــظ بذاتــه أو يمتلكهــا‪ ،‬بــل يتــرك الباطــن يأتــي‬ ‫خــارج ذاتــه تمامـاً‪ ،‬ويتخلــى عنــه إلــى الغيــر»‪ .‬اليــد‬ ‫تعب ــر ع ــن باط ــن ال ــروح ب ــأن تترك ــه يأت ــي إليه ــا‬ ‫ّ‬ ‫ف ــي ش ــكل تعبي ــر ع ــن ال ــذات بش ــكل خ ــارج عنه ــا‪.‬‬ ‫اليـــد ال توجـــد خـــارج النفـــس وبمعـــزل عنهـــا كمـــا‬ ‫يجس ــد ال ــروح‬ ‫رأى دي ــكارت‪ ،‬ب ــل الي ــد ه ــي تعبي ــر ّ‬ ‫خ ــارج ذاته ــا‪.‬‬ ‫ـإن أعضــاء الفــم واليــد والســاق‪،‬‬ ‫وحســب هيغــل فـ ّ‬ ‫تعب ــر «كثي ــرًا جــّداً» ولك ــن‬ ‫أي اللغ ــة والعم ــل‪ ،‬ه ــي ّ‬ ‫ـا ج ـّداً» ع ــن باط ــن ال ــروح‪« .‬كثي ــرًا ج ـّدًا‬ ‫أيض ـ ًا «قلي ـ ً‬ ‫ألن الباط ــن نفس ــه ق ــد انبج ــس فيه ــا فل ــم يع ــد م ــن‬ ‫ّ‬ ‫تقاب ــل بينهم ــا؛ وه ــي ال تمن ــح فق ــط تعبي ــرًا ع ــن‬ ‫ـا جـّداً‪،‬‬ ‫ـرة؛ وقليـ ً‬ ‫الباطــن‪ ،‬بــل الباطــن نفســه مباشـ ً‬ ‫ألن الباطــن‪ ،‬فــي اللغــة والعمــل‪ ،‬هــو قــد جعــل مــن‬ ‫ّ‬ ‫نفســه آخــر‪ ،‬ومــن ثــم هــو تخلــى عــن نفســه بذلــك‬ ‫وإن أكب ــر مكس ــب فلس ــفي‬ ‫إل ــى عنص ــر التح ـ ّـول»‪ّ ...‬‬ ‫هن ــا ه ــو بي ــان هيغ ــل لتل ــك «الدالل ــة المزدوج ــة‪،‬‬ ‫المتضــادة»(‪die doppelte, entgegengesetzte‬‬ ‫إم ــا أّن ــه ه ــو «الفردي ــة‬ ‫‪ )Bedeutung‬لعم ــل الي ــد‪ّ :‬‬ ‫الباطني ــة ولي ــس عبارته ــا» أو «م ــن حي ــث ه ــو أم ــر‬ ‫فعلي ــة ح ـّـرة إزاء الباط ــن»‪.‬‬ ‫خارج ــي‪ ،‬ه ــو ّ‬ ‫إن العضــو ال يوّفــر التعبيــر‬ ‫هــذا االلتبــاس‪ ،‬حيــث ّ‬ ‫المبحــوث عنــه‪ ،‬دفــع هيغــل إلــى نقــل المشــكل مــن‬ ‫«العمــل» إلــى «العالمة» (‪ .)das Zeichen‬هنا أمكن‬ ‫النظ ــر إل ــى الي ــد لي ــس م ــن جه ــة م ــا تفعل ــه‪ ،‬ب ــل‬ ‫م ــن جه ــة م ــا تش ــير إلي ــه‪ .‬هن ــا تصب ــح الي ــد مث ــل‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫الكـــف‬ ‫كوكبـــة مـــن النجـــوم‪ ،‬جملـــة مـــن خطـــوط‬ ‫ـإن «خط ــوط الي ــد‬ ‫علين ــا قراءته ــا‪ .‬وحس ــب هيغ ــل ف ـ ّ‬ ‫هـــذه» هـــي شـــيء خارجـــي تمامـــ ًا بالنســـبة إلـــى‬ ‫«ق ــدر اإلنس ــان المف ــرد» ه ــل تك ــون حيات ــه طويل ــة‬ ‫أم قصي ــرة‪.‬‬ ‫«إن الي ــد‪ ،‬ب ــا ري ــب‪ ،‬ال يظه ــر أنّه ــا ش ــيء‬ ‫ق ــال‪ّ :‬‬

‫خارجــي إلــى هــذا الحـّد بالنســبة إلى القــدر‪ ،‬بل هي‪،‬‬ ‫باطنيــاً‪..‬‬ ‫باألح ــرى‪ ،‬تتعّل ــق ب ــه‪ ،‬باعتب ــاره ش ــيئ ًا‬ ‫ّ‬ ‫أن الي ــد ينبغ ــي أن تمّث ــل (الــ ــذي ف ــي ذات ــه)‬ ‫ولك ــن ّ‬ ‫ـإن ذل ــك‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫قدره‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫بالنظ‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫بالفردي‬ ‫الخ ــاص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫م ــن اليس ــير أن ن ــراه‪ ،‬انطالق ـ ًا م ــن أّن ــه إنّم ــا ه ــي‪،‬‬ ‫مباش ــرة بع ــد عض ــو ال ــكالم‪ ،‬وكأفض ــل م ــا يك ــون‪،‬‬ ‫مــا بــه يبلــغ اإلنســان إلــى التجّلــي والتحقيــق‪ .‬إنّهــا‬ ‫الصان ــع المفع ــم بال ــروح ال ــذي يصن ــع س ــعادته؛‬ ‫إن كينونتهــا هــي مــا يفعلــه‬ ‫ويمكــن للمــرء أن يقــول ّ‬ ‫اإلنس ــان‪ْ ،‬إذ فيه ــا‪ ،‬م ــن حي ــث ه ــي العض ــو النش ــط‬ ‫الســـتكماله لذاتـــه‪ ،‬هـــو يكـــون حاضـــرًا بوصفـــه‬ ‫م ــن يه ــب ال ــروح(‪ ،)Beseelender‬وألّن ــه ه ــو ف ــي‬ ‫تعب ــر ع ــن‬ ‫األص ــل ق ــدره الخ ــاص‪ ،‬ه ــي إذن س ــوف ّ‬ ‫ه ــذا (ال ــذي ف ــي ذات ــه)»‪.‬‬ ‫ثمــة صلــة مــا‪ ،‬ولكــن‬ ‫بيــن خطــوط اليــد والقــدر‪ّ ،‬‬ ‫ليــس بشــكل الهوتــي‪ :‬إنّهــا تعبيــر عــن «باطــن» ٍ‬ ‫ذات‬ ‫ـل دوم ـ ًا دفين ـ ًا «فــي ذاتهــا»‪،‬‬ ‫مــا‪ ،‬عــن شــيء مــا يظـّ‬ ‫«خارجي ـاً»‪.‬‬ ‫دون أن تقــول شــيئ ًا مح ـّدداً‪ ،‬أي شــيئ ًا‬ ‫ّ‬ ‫مجـــرد «عضـــو»؛ مـــا هـــو عضـــوي ال‬ ‫ليســـت اليـــد‬ ‫ّ‬ ‫ـإن‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫ولذل‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫عض‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫ليس‬ ‫ـروح‬ ‫ـ‬ ‫فال‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫يق ــول ش ــيئ‬ ‫ّ‬ ‫النظــر إلــى داللــة اليــد فــي حــدود كونهــا عضــوًا هــو‬ ‫خارجيــة‬ ‫حصرهــا فــي عالقــة يعتبرهــا هيغــل عالقــة‬ ‫ّ‬ ‫فحس ــب‪« :‬حي ــث يس ــقط الباط ــن والخ ــارج أحدهم ــا‬ ‫خ ــارج اآلخ ــر»‪ .‬ال يأت ــي باط ــن ال ــذات إل ــى التعبي ــر‬ ‫ع ــن نفس ــه‪ ،‬بوصف ــه عض ــواً‪ ،‬ب ــل بوصف ــه نوعــ ًا‬ ‫مــن «التجّلــي» الــذي يشــير إلــى مــا ال يمكــن للوعــي‬ ‫يميــز اليــد هــو كونهــا تقــع فــي منطقــة‬ ‫أن يــراه‪ .‬مــا ّ‬ ‫وســطى بيــن «العضــو» و«الفعــل»‪ :‬مــا تكونــه ومــا‬ ‫ـأن األعض ــاء ال تس ــتطيع‬ ‫تفعل ــه ال يلتقي ــان‪ .‬ذل ــك ب ـ ّ‬ ‫حس ــب هيغ ــل أن تك ــون «تعابي ــر ع ــن الباط ــن»(‪als‬‬ ‫أن كل ما تفعله‬ ‫‪ ،)Ausdrücke des Inneren‬إذ ّ‬ ‫الي ــد ه ــو مهــّدد ب ــأن يتح ـ ّـول إل ــى «واقع ــة» (‪eine‬‬ ‫ـي»‬ ‫‪ )Tat‬حاصلــة أو قائمــة‪ ،‬أي إلــى شــيء «خارجـ ّ‬ ‫بحــت‪ ،‬مشـّتت عّنــا‪ ،‬وبالتالــي يفقــد عالقتــه بمــا هــو‬ ‫باطنــي فينــا‪ .‬ال يتجّلــى اإلنســان وال يتحّقــق ّإل بقدر‬ ‫مــا يحتمــل قــدره‪ ،‬أي شــكل حياتــه باعتبارهــا قــدرًا‬ ‫ـن ال يدخــل فــي عالقــة روحيــة مــع قــدره‬ ‫خاصـاً‪ .‬لكـّ‬ ‫ّإل بق ــدر م ــا يفع ــل ولي ــس فق ــط بق ــدر م ــا يك ــون‪.‬‬ ‫ولذل ــك فه ــو ال يس ــتطيع أن يدخ ــل ف ــي عالق ــة م ــع‬ ‫قــدره الخــاص ّإل باســتعمال يديــه كأدوات كينونــة‪.‬‬ ‫لقــد نقــل هيغــل مســألة اليــد مــن نطــاق العضــوي‬ ‫إل ــى أف ــق الروح ــي‪ .‬ل ــم تع ــد الي ــد م ــا «ه ــي» ب ــل‬ ‫إن خط ــوط الك ـ ّ‬ ‫ـف ج ــزء م ــن خارط ــة‬ ‫م ــا «تقول ــه»‪ّ .‬‬ ‫تضـــم نغمـــة الصـــوت وحجمـــه‪،‬‬ ‫روحيـــة أوســـع‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫وهم ــا بدورهم ــا ج ــزءان م ــن خارط ــة أوس ــع‪ :‬ه ــي‬ ‫أي لغـــة‪ ،‬بـــل تلـــك اللغـــة التـــي‬ ‫اللغـــة‪ ،‬ليســـت ّ‬ ‫ُكتبـــت باليـــد‪ ،‬اللغـــة المكتوبـــة أو «المخطوطـــة»‪-‬‬ ‫كــــأن المخطـــوط(‪ )Schrift‬هـــو رســـم «بخطـــوط‬ ‫ّ‬


‫وكأن «حـــروف» اللغـــة‬ ‫اليـــد» (‪،)Handschrift‬‬ ‫ّ‬ ‫هـــي «حـــروف» الـــروح‪ .‬وفجـــأة تنـــزاح اليـــد مـــن‬ ‫الخارجي ــة البس ــيطة لألعض ــاء‪ ،‬كأش ــياء طبيعي ــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الخارجيــة «المتكّثــرة» للفعــل (عمــل اليــد بشــكل‬ ‫إلــى‬ ‫ّ‬ ‫«غيـــر عضـــوي») والقـــدر (تشـــكيل حيـــاة الوعـــي‬ ‫بوصفه ــا تجلّيــ ًا م ــن تجلّيــاًت ال ــروح ف ــي العال ــم)‪.‬‬ ‫ـإن مــا هــو «خارجــي» ال يوجد فــي «الخارج»‬ ‫وهكــذا فـ ّ‬ ‫ـن فعلهــا هــو‬ ‫ـ‬ ‫لك‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫خارج‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫عض‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫الي‬ ‫إن‬ ‫ـرورة‪.‬‬ ‫بالضـ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـإن الفع ــل الي ــدوي‬ ‫تعبي ــر ع ــن ق ــدر م ــا‪ .‬وبالتال ــي ف ـ ّ‬ ‫أن أرق ــى فع ــل‬ ‫ه ــو فع ــل روح ــي‪ .‬ويفت ــرض هيغ ــل ّ‬ ‫للي ــد ه ــو الكتاب ــة‪ :‬ه ــي فق ــط تنق ــل «قس ــمات» الي ــد‬ ‫إلـــى مســـتوى «نغمـــة الصـــوت» البشـــري‪ ،‬وذلـــك‬ ‫م ــن خ ــال اللغ ــة بوصفه ــا مق ــام تحوي ــل م ــا ه ــو‬ ‫خارجيــة‬ ‫باطنــي فــي أنفســنا إلــى «تعبيــر»‪ ،‬أي إلــى‬ ‫ّ‬ ‫كل كتاب ــة تنط ــوي‬ ‫«الفع ــل» التاريخ ــي أو «الق ــدر»‪ّ .‬‬ ‫عل ــى ق ــدر م ــا‪ .‬وذل ــك أنّه ــا تأخ ــذ عب ــر الي ــد وج ــودًا‬ ‫أي فع ــل عض ــوي‪ .‬إّن ــه وج ــود‬ ‫أكث ــر رس ــوخ ًا م ــن ّ‬ ‫اللغ ــة‪ .‬لغ ــة «الف ــم» ولك ــن أيض ـ ًا لغ ــة «المكت ــوب»‪،‬‬ ‫باعتبــاره «مخطوط ـاً»‪ ،‬أي كتابــة باليــد تنجــح فــي‬ ‫توفي ــر «التجل ــي» المناس ــب لل ــروح الكّل ــي‪.‬‬ ‫ثمــة «باطــن» مغلــق علــى نفســه‪ ،‬بــل فقــط‬ ‫ليــس ّ‬ ‫«خصوصي ـ�ة»( (�‪Eigentüm‬‬ ‫معين ـ�ة» أو‬ ‫ّ‬ ‫«طبيع ـ�ة ّ‬ ‫معين ــة للف ــرد ه ــي األج ــدر ب ــأن تك ــون‬ ‫‪ّ )lichkeit‬‬ ‫يتميــز بــه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـإن‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ث‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫وم‬ ‫ـدره»‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫وق‬ ‫«ماهيــة فعلــه‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الف ــرد ف ــي «فم ــه وي ــده وصوت ــه وكتابت ــه اليدوي ــة»‬ ‫أن الفـــرد‬ ‫هـــو تعبيـــر عـــن ذلـــك الباطـــن‪ ،‬بحيـــث ّ‬ ‫وخارجيتـــه»‪ -‬أي طريقتـــه‬ ‫بعـــد «ظاهرتـــه‬ ‫يملـــك‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الخاص ــة ف ــي التعبي ــر ع ــن باطن ــه‪ -‬وذل ــك قب ــل أن‬ ‫«فعليتـــه داخـــل العالـــم»‬ ‫يأتـــي إلـــى التعبيـــر عـــن‬ ‫ّ‬ ‫(‪ .)seiner Wirklichkeit in der Welt‬نح ــن ال‬ ‫نفعـــل فـــي العالـــم ّإل بعـــد أن نكـــون قـــد احتملنـــا‬

‫قدرنــا الخــاص‪ ،‬أي أظهرنــا أو أخرجنا باطن أنفســنا‬ ‫كمــا تقولــه طبيعتنــا الخاصــة فــي أفواهنــا وأيدينــا‬ ‫وأصواتنــا وخطوطنــا‪ .‬يوجــد الفــرد فــي جســمه قبل‬ ‫أن يكــون فــي عالمــه‪ .‬والرائــع فــي لغــة هيغــل أّنــه‬ ‫يجمــع بشــكل لطيــف في لفظــة «‪ »Äusserung‬بين‬ ‫عمــا هــو باطــن و«التخريــج»‬ ‫«التجّلــي» أو التعبيــر ّ‬ ‫ـي‪ :‬قس ــمات‬ ‫ـ‬ ‫مرئ‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـي‬ ‫ـي ف ـ‬ ‫ّ‬ ‫لم ــا ه ــو غي ــر مرئ ـ ّ‬ ‫ـي‬ ‫الي ــد (أو الوج ــه أو الص ــوت‪ )..‬ه ــي «تج ـ ّ‬ ‫ـل» روح ـ ّ‬ ‫أو «التعبي ــر الخارج ــي» ع ــن باط ــن أنفس ــنا دون أن‬ ‫ن ــراه‪ .‬ه ــذا الجان ــب غي ــر المرئ ــي يتمّث ــل ف ــي أّن ــه‬ ‫عم ــا‬ ‫ال يمكنن ــا أن نفص ــل بي ــن م ــا ه ــو «تعبي ــري» ّ‬ ‫ـا‪ .‬وله ــذا‬ ‫ـي» ف ــي خط ــوط أيدين ــا‪ ،‬مث ـ ً‬ ‫ه ــو «خارج ـ ّ‬ ‫الس ــبب يص ــوغ هيغ ــل ه ــذه الجمل ــة الت ــي ال تخل ــو‬ ‫م ــن مفارق ــة‪:‬‬ ‫«ه ــذه القس ــمات وحركته ــا ه ــي طبقــ ًا لمفهومه ــا‬ ‫العمـــل المحفـــوظ‪ ،‬الباقـــي لـــدى الفـــرد‪ ،‬وحســـب‬ ‫ُ‬ ‫ـي‪ ،‬هــي المراقبــة والمالحظــة‬ ‫ـ‬ ‫الفعل‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫بالعم‬ ‫ـه‬ ‫عالقتـ‬ ‫ّ‬ ‫تفك ــرًا ف ــي التجّل ــي‬ ‫الخاص ــة ل ــه‪ ،‬التجّل ــي بوصف ــه ّ‬ ‫الفعل ــي»‪.‬‬ ‫اليــد هــي فــي نفــس الوقــت ودونمــا انفصــال عضو‬ ‫«خارجــي» و«تعبيــر» عــن شــخصيتنا العميقــة‪ .‬كــذا‬ ‫ـط‪ .‬مــا هــو «خارجــي»‬ ‫نفــس األمــر مــع الصــوت والخـ ّ‬ ‫خارجيــ ًا فق ــط‪ .‬ب ــل ه ــو «ظاه ــرة» أي نم ــط‬ ‫لي ــس‬ ‫ّ‬ ‫ظهــور مــا هــو باطنــي فــي أنفســنا‪ ،‬وليــس ذلــك غيــر‬ ‫نعبــر‬ ‫ثقافيـ ًا مــا‪ .‬وال ّ‬ ‫شــكل الــروح الــذي يســكن عالمـ ًا ّ‬ ‫عــن أنفســنا ّإل بقــدر مــا ننتمــي إليــه‪ .‬يــد الفالســفة‬ ‫تفكـ ٌـر فــي يــد العالــم الــذي ينتمــون إليــه‪.‬‬ ‫هــي ّ‬

‫يفترض هيغل‬ ‫أن أرقى فعل‬ ‫ّ‬ ‫لليد هو الكتابة‬

‫هامش‪:‬‬ ‫‪Le kantisme a les mains pures mais il n’a« - 1‬‬ ‫‪.»pas de mains‬‬ ‫‪101‬‬


‫أدب‬

‫جورج يرق‪:‬‬ ‫الرواية ال تطعم خبز ًا‪..‬‬

‫حوار‪ :‬نرسين حمود (بريوت)‬

‫جورج يرق‬

‫بين عيش الحياة‪ ،‬بتفاصيلها‪ ،‬والكتابة عنها‪ ،‬اختار جورج يرق (مواليد‬ ‫األول‪ ،‬وحصر الكتابة بـ«أكل العيش»‪.‬‬ ‫‪ )1958‬الخيار ّ‬ ‫في روايته األولى «ليل» (دار مختارات‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،)2013 ،‬يرتفع‬ ‫ســيما من الكّتــاب والنقّاد‪ ،‬ويرد‬ ‫منســوب اللمحات الســاخرة في ثنايا الفصول‪ ،‬ال ّ‬ ‫يغير العالم‪ ،‬وهو ليس ســوى «مؤانسة‬ ‫على لســان البطل مروان حبيب أن األدب ال ّ‬ ‫وإمتاع»‪ .‬وفي «حارس الموتى» (منشــورات ضفاف ومنشــورات االختالف‪ ،‬الطبعة‬ ‫األولــى‪ ،)2015 ،‬الروايــة التي وصلت إلى الئحة «بوكر» القصيــرة للعام الجاري‪،‬‬ ‫حبكة تشويقية تنقل القارئ مع «عابر ليطاني» الهارب من ضيعته خشية من ِّاتهامه‬ ‫براد الموتى‪ ،‬على طريقة أغاثا كريستي!‬ ‫بجريمة لم يقترفها‪ ،‬إلى ّ‬ ‫المجاني‬ ‫يقــف يــرق‪ ،‬في روايتيه‪ ،‬اللتين تخوضان في الحــرب‪ ،‬موقف ًا ضّد القتل ّ‬ ‫والقهــر اليومــي‪ ،‬وضــّد الميليشــيات وصنّاع الفســاد المتدثّرين بالعفّــة‪ ،‬ويبني‬ ‫خط‪ ،‬يدخل «فيسبوك» في نسجه‪.‬‬ ‫العالقات بين أبطاله في «ليل» على ّ‬ ‫حول الروايتين وشجون الكتابة‪ ،‬يدور الحوار اآلتي‪ :‬‬

‫بأن رواية «ليل» ليســت باكورة‬ ‫‪ ‬يتســلَّل إلى القارئى الشــعور ّ‬ ‫أعمالك‪ ،‬ويقود البحث في األرشيف إلى معلومة‪ ،‬مفادها أنّك كتبت‬ ‫روايات وكتب ًا آلخرين‪...‬‬ ‫ الكاتب الشبح مهنة قائمة بذاتها‪ ،‬ورائجة في دول الغرب أكثر‪،‬‬‫مقارنة بالعالم العربي‪ .‬في مراهقتي‪ ،‬غادرت بلدة أبلح (ضواحي‬ ‫ً‬ ‫مدينة زحلة) إلى بيروت‪ ،‬حينها‪َّ ،‬اتخذت قرار العيش من القلم‪،‬‬ ‫محررًا وصحافي ًا وسكرتير تحرير ومدقّق ًا لغوي ًا وكاتب ًا شبح ًا‬ ‫وعملت ّ‬ ‫شهرة‪ ،‬وذاع صيت عدد من كّتابها‪ ،‬حتى‬ ‫وكتب عرفت‬ ‫ً‬ ‫لروايات ُ‬ ‫الطفيليين على الكتابة الصحافية‪،‬‬ ‫وصلت إلى مرحلة الغثيان من‬ ‫َّ‬ ‫وتفرغت‪ ،‬تماماً‪ ،‬للكتابة الروائية‪ ،‬وسأصدر‬ ‫فتركت هذا كلّه ورائي‪ّ ،‬‬ ‫األولي «دون‬ ‫عنوانها‬ ‫رة‪:‬‬ ‫(المحر‬ ‫المقبل‬ ‫العام‬ ‫روايتي الثالثة مطلع‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫جوان الفيسبوك»)‪ .‬كما أنوي الكتابة للتليفزيون‪ ،‬ألن غالبية األعمال‬ ‫يمت إلى الواقع‬ ‫الدرامية اللبنانية فقيرة‪ ،‬وآتية من كوكب آخر‪ ،‬ال ّ‬ ‫اللبناني ِب ِصلة‪ ،‬وتشكو من الركاكة والتطويل‪ .‬الكتابة للتليفزيون‬ ‫هي باب رزق لي‪ .‬الرواية ال تطعم خبزاً‪ ،‬وصيد الجوائز ليس متاح ًا‬ ‫على الدوام‪ .‬ما العمل‪ ،‬إذا ابُتليت بحرفة األدب؟‬ ‫يكرر بطال «ليل»‪ :‬مروان‪ ،‬وكاترين‪ ،‬اإلشارة إلى قانون مدينة‬ ‫ّ‬ ‫«ليون» الفرنسية الصادر في أواخر القرن األول الميالدي‪ ،‬والقاضي‬ ‫بإلزام الراسبين في المباريات األدبية‪ ،‬بمحو كتاباتهم بألسنتهم‪،‬‬ ‫منع ًا من انتشار أدب من الدرجة الثانية‪ .‬لو ُطّبق هذا القانون اليوم‪،‬‬ ‫سيما من الروايات التي لم نعد نعثر‬ ‫كم ستفرغ المكتبة العربية‪ ،‬ال َّ‬ ‫على غيرها‪ ،‬من الصنوف األدبية‪ ،‬في إصدارات دور النشر؟‬ ‫‪102‬‬

‫ من الواضح أن الجوائز األدبية ساهمت في حدوث طفرة في عالم‬‫جيد‪ .‬بيد أن الظهور السهل لعالم الرواية فتح المجال‬ ‫الرواية‪ ،‬وهذا ّ‬ ‫والفن الروائي؛ ما أفرز أعما ًال‬ ‫العربية‬ ‫اللغة‬ ‫أصول‬ ‫لكّتاب يجهلون‬ ‫ّ‬ ‫مآلنة باألخطاء‪ ،‬خاضت مسابقة «بوكر» بنسخاتها التسع‪،‬‬ ‫رديئة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبعض تلك األعمال بلغ الالئحة القصيرة من المسابقة! والسبب‬ ‫المحرر األدبي المحترف عن غالبية الدور‬ ‫يعود إلى غياب منصب‬ ‫ِّ‬ ‫التصرف في مخطوط‬ ‫ة‬ ‫بمهم‬ ‫‬‫عادة‬ ‫ر‪-‬‬ ‫المحر‬ ‫العربية‪ .‬يضطلع هذا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫لغوية‬ ‫الجيد‪ ،‬ويتمّتع بثقافة ّ‬ ‫الرواية‪ ،‬ألنّه يملك إحساس القارئ ِّ‬ ‫متقّدمة‪ ،‬كما أن أواصر صلته بعالم الرواية متينة‪ .‬‬ ‫في أثناء عملي في دارين للنشر‪ ،‬هما (الساقي‪ ،‬واآلداب)‪ ،‬وقعت‬ ‫يدي روايات ألسماء معروفة تزخر باألخطاء اللغوية والحشو‬ ‫بين ّ‬ ‫النص‪.‬‬ ‫مهابة‬ ‫من‬ ‫ّل‬ ‫ل‬ ‫يق‬ ‫بالطبع‪-‬‬ ‫وهذا‪-‬‬ ‫التعابير‪،‬‬ ‫في‬ ‫والركاكة‬ ‫ّ‬ ‫َت َّتهم الجوائز األدبية‪ ،‬إذاً‪ ،‬بأمر نشر الروايات الرديئة؟‬ ‫ دور النشر شريكة أيضاً‪ ،‬نظرًا إلى أن الجوائز (للمثال‪« :‬البوكر»)‬‫تطلب من كل دار عربية أن تتقّدم إلى مسابقتها بثالث روايات‪.‬‬ ‫عموماً‪ ،‬إن دور النشر الحقيقية االحترافية نادرة‪ ،‬وما حفالت‬ ‫تنظمها عند إصدار الروايات والكتب الجديدة‪ ،‬في‬ ‫التواقـيع التي ّ‬ ‫ورّد‬ ‫معارض الكتب‪ ،‬سوى تجارة بحتة؛ ألن هدفها بيع الكتاب‪َ ،‬‬ ‫تكلفة الطباعة ال اإلضاءة عليه‪.‬‬ ‫في «ليل»‪ -‬أيضاً‪ -‬تحيي أدب الرسائل‪ ،‬عبر وساطة «فيسبوك»‪.‬‬ ‫كم أثّرت وسائل التواصل في األدب؟‬


‫بتصيد األخبار‬ ‫ الـ«فيسبوك» عالم واقعي ميداني‪ ،‬يسمح للكاتب‬‫ُّ‬ ‫اجتماعي‪ .‬حين دخلت‬ ‫وبناء عالم روائي‪ ،‬خصوص ًا إذا كان غير‬ ‫ّ‬ ‫فضاء روائياً‪ ،‬انطالق ًا من هذا العالم‪،‬‬ ‫قررت أن أعّد‬ ‫ً‬ ‫الـ«فيسبوك»‪ّ ،‬‬ ‫ال من‬ ‫و‪ -‬تحديداً‪ -‬من باب الرسائل‪ ،‬عبره‪ ،‬وبالفعل‪ ،‬كتبت فص ً‬ ‫رواية بعنوان «سبع حيوات على الفيسبوك» ونشرته مطلع‬ ‫‪ ،2009‬في الملحق الثقافي التابع لجريدة «النهار» اللبنانية‬ ‫(المحررة‪ :‬توقَّف عن الصدور قبل نحو ستة أشهر) ‪ ،‬ثم عدلت عن‬ ‫ّ‬ ‫أهمها أن الكتابة تستدعي‬ ‫متابعة كتابة الرواية ألسباب شتى‪ّ ،‬‬ ‫انقطاع ًا عن الناس‪ ،‬وأنا‪ ،‬في ذلك الحين‪ ،‬لم أكن مستعّدًا للعزلة‪.‬‬ ‫حرر الكّتاب من سلطة مسؤولي‬ ‫عموماً‪ ،‬أرى أن الـ«فيسبوك» ّ‬ ‫الصفحاتالثقافيةورؤساءالتحرير‪،‬فكلّماكانلهؤالءالكّتابأصدقاء‬ ‫على الموقع‪ ،‬انتشرت مناشيرهم بدون منّة من أحد! ومن المالحظ أن‬ ‫الصحافة الثّقافية بدأت تخسر من سلطتها‪ ،‬وأن الذين يتولّون إدارتها‬ ‫باتوا يستعينون بـ«فيسبوك» من أجل الترويج لمقاالتهم‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬أال ترى‪ ،‬من جهة ثانية‪ ،‬أن أخبار الـ«فيسبوك» الخفيفة‬ ‫أثّرت في القراءة الحقيقية‪ ،‬مع اإلشارة إلى أن بطلة «ليل» كاترين‬ ‫تذكرنا بمقالة للشاعر‬ ‫وذواقة أدب‪ِّ ،‬‬ ‫بو زيد العمياء‪ ،‬هي قارئة نهمة ّ‬ ‫أنسي الحاج بعنوان «نوبل لقارئ»؟‬ ‫ القراءة نظام حياة؛ «فيسبوك» أو غيره لن يؤثّر على قارئ منتظم‬‫أن هذه الفئة ضئيلة في‬ ‫يشتري الرواية‪ ،‬ويتابع جديد الكتب‪ ،‬ولو ّ‬ ‫العالم العربي‪ .‬أمضي وقتي على الشاطئ‪ ،‬وقلّما أعثر على من‬ ‫يمسك بكتاب في أثناء االسترخاء تحت الشمس‪.‬‬ ‫تميز األدب‬ ‫ّكة‪،‬‬ ‫ن‬ ‫ومح‬ ‫بالعودة إلى «ليل»‪ ،‬كاترين هي قارئة حقيقية‬ ‫ّ‬ ‫الجيد من األدب الرديء‪ ،‬وال تحتفظ‪ ،‬في مكتبتها‪ ،‬سوى بالكتب‬ ‫ّ‬ ‫يتصل بأنسي الحاج‪ ،‬فإن اسم عابر ليطاني‬ ‫الممتازة‪.‬‬ ‫أما في ما َّ‬ ‫ّ‬ ‫تحية مضمرة له‪ ،‬فقد كان الشاعر‬ ‫بطل «حارس الموتى»‪ ،‬هو ّ‬ ‫اسم «عابر»‪.‬‬ ‫الراحل يوقِّع مقاالته األخيرة في «النهار»‪ِ ،‬ب ْ‬ ‫البطالن‪( :‬مروان‪ ،‬وعابر) في «ليل» و«حارس الموتى»‪ ،‬هما‬ ‫مسيحيان‪ ،‬يعيشان في الشطر الشرقي من بيروت‪ ،‬وهاربان من‬ ‫ّ‬ ‫األول‪ ،‬في‬ ‫ماضيهما‪َ ،‬‬ ‫وقاتال في ميليشيا مسيحية‪ ،‬وقد أفرزت عزلة َّ‬ ‫احتماء من قوى األمر الواقع‪ ،‬مثقفاً‪ ،‬وأفرز اختباء الثاني‪،‬‬ ‫الدير‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لصاً‪ .‬كما أن وصال مروان والبطلة كاترين العمياء‬ ‫الموتى‪،‬‬ ‫اد‬ ‫بر‬ ‫ّ‬ ‫في ّ‬ ‫باألول‪ ،‬إلى الكتابة‪ ،‬لكن إعجاب عابر ليطاني بالراهبة‪،‬‬ ‫دفع‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫التكسب غير المشروع‪ .‬في الروايتين‬ ‫نحو‬ ‫قاده‬ ‫المستشفى‪،‬‬ ‫مديرة‬ ‫ُّ‬ ‫يقل الوصف لمصلحة السرد‪ ،‬وتبدو النهايتان مفتوحَتْين‪ .‬هل‬ ‫ّ‬ ‫لكل من المخطوطين قبل أن تباشر الكتابة؟‬ ‫رسمت‬ ‫خطة ّ‬ ‫ً‬ ‫شخصيات روائية من‬ ‫ على الكتابة أن تكون صادقة؛ استولدت‬‫ّ‬ ‫جيدًا نتيجة عيشي فيها‪ ،‬وإن لم أشترك في الحرب‪.‬‬ ‫بيئة أعرفها ّ‬ ‫صنّاع‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫سلبي‬ ‫ا‬ ‫موقف‬ ‫خذت‬ ‫ات‬ ‫لذا‬ ‫والموت‪،‬‬ ‫والقهر‬ ‫العنف‬ ‫كنت ضّد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫الحرب‪ ،‬ليس أبلغ منه سوى استبدال سروال المقاتلة في «حارس‬ ‫بعَلم الميليشيا‪ ،‬التي كان عابر يقاتل في صفوفها! عن‬ ‫الموتى» َ‬ ‫السياسيون‪ ،‬حين يخوضون أمر النقاش في‬ ‫ث‬ ‫د‬ ‫يتح‬ ‫أي قضية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحرب؟! أنا‪ ،‬على غرار مروان وعابر‪ ،‬أحيا اليوم بالصدفة‪ ،‬ألن‬ ‫مدة في جوار خطوط‬ ‫رصاص القنص أخطأني مراراً‪ ،‬إذ سكنت ً‬ ‫الحظ من بضع‬ ‫الَتماس بين المنطقَتْين المتحاربَتْين‪ .‬وكذلك أنقذني ّ‬ ‫قذائف عشوائية! في سردي سخرية الذعة من عالم الميليشيات‪،‬‬

‫كما من تجارة الدواء‪ ،‬وأفضلية تطبيب المقاتل على المدني في‬ ‫المستشفيات‪ ،‬وفساد بعض رجال الدين‪ .‬أنطلق‪ ،‬في سردي‪ ،‬من‬ ‫نصي يقودني‪ .‬اإلبداع الكتابي يتمثّل‬ ‫جيداً‪ ،‬وأترك ّ‬ ‫مكان أعرفه ّ‬ ‫في إيجاد حلول للمشكالت التي تعترض الكاتب في أثناء الشغل‬ ‫ممن‬ ‫األدبي‪ ،‬والمقدرة على اإلجابة عن سؤال‪ :‬ماذ بعد؟ لست ّ‬ ‫خطة قبل استهالل مخطوطهم‪ .‬الكتابة متاهة‪ .‬أسعى‬ ‫يضعون ّ‬ ‫حرّية اختيار الخاتمة التي‬ ‫للقارئ‬ ‫أترك‬ ‫كي‬ ‫المفتوحة‬ ‫إلى النهاية‬ ‫ّ‬ ‫تروقه‪ .‬‬ ‫هل خرجت من هذه المتاهة رابحاً؟‬ ‫ الزمن سيفصل في األمر‪ .‬كلّما قرأ المرء أكثر‪ ،‬عرف كم هو صغير‪.‬‬‫التواضع األدبي فضيلة‪.‬‬ ‫المحتفية بالروايَتْين‪ ،‬ولو أنّك تقف موقف ًا معادي ًا‬ ‫تكثر المقاالت ُ‬ ‫صراحة‪ ،‬أنّهم‬ ‫من النقّاد‪ ،‬على لسان مروان في «ليل»‪ ،‬وتقول‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ويباعون‪.‬‬ ‫ُيشَتَرْون ُ‬

‫جيداً‪ .‬ثمة نقّاد شرفاء‪ ،‬وهم‬ ‫ صحيح‪ ،‬كان النقد ّ‬‫بحق الروايتين ّ‬ ‫الجو الثقافي‬ ‫قلّة قليلة جّداً‪ ،‬مسَتْثَن ْون من «الشراء والبيع»‪ .‬لكن ّ‬ ‫جو نميمة وحقد وطعن في الظهر!‬ ‫الذي أعرفه عن كثب هو ّ‬ ‫الصحافة‪ ،‬في العالم العربي‪ ،‬مهنة تغبن ممتهنها‪ ،‬وال تسمح له‬ ‫بعيش كريم‪ .‬ثم‪ ،‬يأتي َدور ُدور النشر التي تأكل تعب الكاتب‪ ،‬وال‬ ‫تسديه ّإل الفتات اليسير‪ .‬في هذا اإلطار‪ ،‬ال أعرف رقم الطبعة التي‬ ‫جراء‬ ‫وصلتها «ليل»‪ّ ،‬‬ ‫وكم األرباح التي يراكمها الناشرون القراصنة ّ‬ ‫اضطّررت إلى أن‬ ‫بداية‪ ،‬على نفقتي‬ ‫ذلك! طبعُتها‪ً ،‬‬ ‫الخاصة‪ ،‬لكني ُ‬ ‫ّ‬ ‫أضع اسم «دار مختارات»‪ ،‬على غالفها‪ ،‬ألضمن دخولها مسابقة‬ ‫الخاص‪ .‬ثم‪ ،‬صدرت‪ ،‬عن‬ ‫«البوكر ‪ »2013‬التي ال تعترف بالنشر‬ ‫ّ‬ ‫ثالث دور للنشر‪ ،‬طبعة ثانية منقّحة من الرواية‪ ،‬مع غالف جديد‪.‬‬ ‫وهنالك محادثات في شأن تحويلها فيلم ًا سينمائياً‪.‬‬ ‫ماذا أضاف وصول روايتك إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر‬ ‫للرواية العربية؟‬ ‫ مدعاة ابتهاج أن تصدر أربع طبعات‪ ،‬لرواية‪ ،‬خالل سنة‪.‬‬‫والطبعة الخامسة قريباً‪.‬عدا االنتشار الالفت‪ ،‬سمح لي وصول‬ ‫روايتي إلى القائمة القصيرة للبوكر أن أسافر في فئة الدرجة‬ ‫للمرة األولى‪ ،‬إلى‬ ‫األولى‪ ،‬وأن أقيم في فندق باذخ‪ ،‬وأن أسافر‪ّ ،‬‬ ‫ال عن عدد كبير من‬ ‫أتعرف إلى أناس كثر‪ ،‬فض ً‬ ‫دولة ّ‬ ‫عربية‪ ،‬وأن ّ‬ ‫أفضل‬ ‫مهم ًا جداً‪ .‬فأنا ّ‬ ‫المقابالت الصحافية والمتلفزة‪ .‬أرى هذا كلّه ّ‬ ‫عيش الحياة على الكتابة عنها‪ ،‬ولم ألتزم بمهن تتطلّب دوام ًا‬ ‫ُ‬ ‫سيما الذهاب إلى البحر وممارسة‬ ‫كام ً‬ ‫حر َّيتي‪ ،‬ال َّ‬ ‫حرم ِّ‬ ‫ال حتى ال أ َ‬ ‫أهم متعَتْين لي‪ :‬السباحة‪ ،‬والمشي على رصيف طويل ملتصق‬ ‫ّ‬ ‫بالشاطئ‪ .‬وقد وضعت روايتي الثالثة‪ ،‬هناك‪ ،‬على وقع الموج‪.‬‬ ‫‪103‬‬


‫كارل أوفه كناوسجارد‬

‫ال ّروائي النرويجي كارل أوفه كناوسجارد‪:‬‬

‫الرواية تميل إىل حجب العالم بد ً‬ ‫ال من كشفه!‬ ‫حوار‪ :‬جيمس وود‬ ‫ترجمة‪ :‬مجدي عبد املجيد خاطر‬

‫لم يكن عنوان رواية «كارل أوفه كناوســجارد» (‪1968‬م) ذات الســّتة أجزاء‪« ،‬كفاحي»‪ ،‬الباعث الوحيد‬ ‫اتية‪،‬‬ ‫لحالة الجدل التي أثارتها روايته‪ ،‬بســبب تشــابه اسمها مع العنوان الّذي اختاره هتلر لسيرته الّذ َّ‬ ‫الخاصــة ألصدقائه وعائلته‪ِ ،‬بمــا في ذلك زوجته‬ ‫الروائي النرويجي فــي تعريته للحياة‬ ‫ّ‬ ‫بــل تمــادي ّ‬ ‫ّ‬ ‫مصاف أعظم‬ ‫القراء درجة وضعتها في‬ ‫وج َّدته‪ .‬مع ذلك‪ ،‬حظيت الرواية بمراجعات‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫إيجابية واستحسان ّ‬ ‫السابقة‪َ ،‬‬ ‫نرويجيين يمتلك نسخة من تلك‬ ‫عشرة‬ ‫كل‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫واحد‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫تقديرات‬ ‫تشير‬ ‫إذ‬ ‫اآلن؛‬ ‫ى‬ ‫ت‬ ‫ح‬ ‫النرويج‬ ‫في‬ ‫النشر‬ ‫ظواهر‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرواية التي صدرت‪ ،‬تباعاً‪ ،‬في الفترة بين ‪2009‬م إلى ‪2011‬م‪.‬‬ ‫وترجمت إلى ‪ 22‬لغة حّتى اآلن‪ ،‬وقد صدرت الترجمة‬ ‫الرواية للكثير من الجوائز‪ ،‬داخل النرويج‪ ،‬وخارجه ُ‬ ‫ُر ِّشحت ّ‬ ‫(كتب أركبيلجو) فــي الواليات المّتحدة‪،‬‬ ‫الرواية‪ ،‬شــهر مــارس‪/‬آذار الماضي‪ ،‬عن ُ‬ ‫َّ‬ ‫اإلنجليزيــة للجزء الخامس من ّ‬ ‫نقدي ًا تجاوز ما أثارته ّأية ترجمــة أخرى داخل الواليات المّتحدة‪،‬‬ ‫ا‬ ‫نقاشــ‬ ‫وأثارت‬ ‫بريطانيا‪.‬‬ ‫في‬ ‫ســيكر)‬ ‫و(هارفيــل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الشاعر التشيلي «روبرتو بوالنو»‪2666 ،‬م‪.‬‬ ‫منُذ رواية ّ‬ ‫صحافي ًا مفتوح ًا‬ ‫لقاء‬ ‫يدير‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫وود»‪،‬‬ ‫«جيمس‬ ‫«نيويوركر»‪،‬‬ ‫صحيفة‬ ‫في‬ ‫ــهير‬ ‫الش‬ ‫األدبي‬ ‫ّاقد‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫دفع‬ ‫هذا النجاح‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الروائــي النرويجــي‪ ،‬على هامش المهرجان الســنوي األدبــي الثالــث‪ ،‬النرويجي األميركي‪ ،‬في أوســلو‪ .‬كان‬ ‫مــع ّ‬ ‫الشــارع‪ ،‬للقصر الملكــي‪َ ،‬قد فاق ُقدرة المركز‬ ‫مركز‬ ‫في‬ ‫الرئيس‬ ‫ــو‬ ‫ه‬ ‫الب‬ ‫فــي‬ ‫الحضــور‬ ‫الكّتاب في الجهة المقابلة‪ِ ،‬من ّ‬ ‫َْ‬ ‫ُ‬ ‫المتأخرون‪ ،‬خائبي الرجاء‪ ،‬في المقهى المجاور‪.‬‬ ‫الزوار‬ ‫ّ‬ ‫على االستيعاب‪ ،‬فاحتشد ّ‬ ‫‪104‬‬


‫ ‬

‫•حظيــت أجــزاء روايتــك الســّتة بترحيــب كبيــر‪ ،‬بوصفها‬ ‫استثنائي ًا لجرأة األدب‪ -‬جرأة االعتراف واالجتراء‬ ‫أنموذج ًا‬ ‫ّ‬ ‫الشــكل‪ .‬أحيانــاً‪ ،‬تخفِّض رهانك درجة‪ ،‬قد تتالشــى‬ ‫علــى ّ‬ ‫معها الحكاية أو الدراما‪ ،‬والصراع والحبكة‪.‬‬

‫ســيما الكتاب‬ ‫ كانــت كتابــة هذا الشــيء مصــدر تنكيل بــي‪ ،‬ال َّ‬‫الســابعة والعاشــرة‬ ‫الثالــث؛ ألنّــه ُيروى من منظور‬ ‫صبي بين ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِمــن عمره‪ ،‬وهو منظور أحمق‪ .‬كنت أشــعر‪ ،‬طــوال الوقت الّذي‬ ‫بــأن تلك الكتابة ليســت‬ ‫قضيتــه فــي كتابة تلك الكتب الســّتة‪ّ ،‬‬ ‫االفتتاحية الخمس‬ ‫جيدة‪ .‬الجميل منها‪ -‬في اعتقادي‪ -‬الصفحات‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫أتأمل فيها الموت‪ .‬حين ُكنّا ننشــر ذلك‬ ‫التي‬ ‫ل‪،‬‬ ‫األو‬ ‫الكتــاب‬ ‫مــن‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫بحجة اختالفها‬ ‫حرر حذف تلك الصفحات‪ّ ،‬‬ ‫الم ِّ‬ ‫الكتاب‪َ ،‬طَلب منّي ُ‬ ‫ربمــا‪ ،‬صار الكتاب‬ ‫الشــديد عــن باقي الكتــاب‪ ،‬وكان على ّ‬ ‫حق‪ّ .‬‬ ‫أفضــل‪ ،‬لكننــي كنت في حاجة إلى مكان فــي الكتاب‪ ،‬تكون فيه‬ ‫أمضيت أســابيع تلو األخــرى في هذا الجزء‪،‬‬ ‫جيدة‪ .‬لقد‬ ‫الكتابــة ّ‬ ‫ُ‬ ‫يلبي‬ ‫وفــي ظنّي أنّه نثر‬ ‫حداثــي عالي الجودة‪ .‬باقــي الكتاب ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫معاييري في الكتابة‪ ،‬حّقاً‪.‬‬ ‫ ‬

‫•لكــن الوعي بهــذا‪ ،‬في أثنــاء الكتابــة‪ ،‬أال يجعلهــا كإجراء‬ ‫تجربة؟‬

‫ بلى‪.‬‬‫ ‬

‫ٍ‬ ‫تتفق معي؟‬ ‫•إنّها جرأة‬ ‫بطريقة ما‪ ،‬أال َّ‬

‫ ال عالقــة للجــرأة بحالتــي تلك‪ ،‬بل هو القنــوط واإلحباط‪ .‬لم‬‫أورط نفســي فــي الكتابــة ّإل على هذه‬ ‫يكــن أمامــي ســبيل كي ِّ‬ ‫الشــاكلة؛ أي أن أفــرض عليهــا الكتابة‪ ،‬بســرعة كبيــرة ودون‬ ‫ّ‬ ‫لــدي على الورق‪ .‬خالف ذلك‪ ،‬ســأعجز‬ ‫تحريــر‪ ،‬هكــذا أضع ما ّ‬ ‫حس شــديد االنتقــاد للذات‪ ،‬بالنســبة‬ ‫عــن إنجاز الكتــاب‪ .‬لدي ّ‬ ‫الحس على المشــروع‪ .‬كان تعذيباً‪.‬‬ ‫إلــى كاتب‪ ،‬وقد انعكس هذا‬ ‫ّ‬ ‫كل شــيء عبر الهاتــف؛ الثالثة آالف‬ ‫لــدي صديــق قرأت له ّ‬ ‫كان ّ‬ ‫مضطرًا إلى أن يقول‪:‬‬ ‫والسّتمئة صفحة في أثناء كتابتها‪ ،‬وكان‬ ‫ّ‬ ‫أن تواصل‪.‬‬ ‫الب َّد ْ‬ ‫ِّ‬ ‫جيد‪ُ ،‬‬ ‫ ‬

‫ثمة‬ ‫•الثيمــة الكبــرى‪ ،‬في عملــك‪ ،‬هــي المعنى وضياعــه‪ّ .‬‬ ‫تذكرني‬ ‫عبــارة رائعة في كتاب «أدورنو» «الجدل الســلبي» ّ‬ ‫بكتابــك‪ ،‬يقول «أدورنو»‪ :‬لــو كان الفكر‪ -‬حّقاً‪ -‬مستســلم ًا‬ ‫ينصــب عليه فعــاً‪ ،‬ال على‬ ‫أن اهتمامــه‬ ‫للموضــوع‪ ،‬ولــو ّ‬ ‫ّ‬ ‫فإن تلك الموضوعات نفسها ستبدأ باإلفصاح عن‬ ‫المقولة؛ ّ‬ ‫المتمهلة‪ .‬أال يبدو ذلــك وصف ًا معقو ًال‬ ‫العين‬ ‫أســفل‬ ‫نفســها‬ ‫ِّ‬ ‫ِلما تسعى إلنجازه؟‬

‫بأن‬ ‫ إلى ْأق َصى حّد‪ .‬قبل أن أكتب «كفاحي»‪ ،‬راودني إحســاس ّ‬‫ألن أشــكالها‬ ‫الروايــات تميــل إلــى حجب العالم بد ًال من كشــفه؛ ّ‬ ‫ينصب اهتمامها‬ ‫متطابقة‪ .‬األمر نفســه بالنســبة إلى األفالم التي‬ ‫ّ‬ ‫أفكر في‬ ‫أي حال‪ .‬كنــت ِّ‬ ‫الســرد‪ .‬أغلب األفــام‪ ،‬على ّ‬ ‫علــى هيكل ّ‬ ‫منقحاً‪ ،‬من خالل‬ ‫ذلك‪ ،‬وفي العالم الّذي يأتي إلينا‪ -‬في العادة‪ّ -‬‬ ‫نشــرات األخبار ووســائط الميديا‪ :‬الشــكل ذاته‪ ،‬واللّغة ذاتها‪،‬‬ ‫كل األمور متشــابهة‪ .‬كانت هذه مشكلة‪ ،‬عانيت منها قبل‬ ‫فيجعل ّ‬ ‫أن أبدأ كتابة «كفاحي»‪ .‬لم يكن الشــكل التقليدي للرواية مالئماً‪.‬‬

‫لــم أثق به لألســباب التي أســلفتها‪ .‬اآلن‪ ،‬ال أعيــر العالم الكثير‬ ‫كل شــيء‪ .‬أنا‬ ‫من االهتمام‪ ،‬لســت حاضرًا فيه‪ ،‬بل ُمْن َســِلخ ًا عن ّ‬ ‫مشــغول جّدًا بنفســي وبعقلي‪ .‬ال ِ‬ ‫صلة لي بهذا العالم‪ ،‬لكن‪ ،‬في‬ ‫عالم‬ ‫الصلة‪ .‬هذه طريقتي للكشــف عن ٍ‬ ‫أثناء الكتابة‪ ،‬تنشــأ تلك ِّ‬ ‫عامة‪.‬‬ ‫وليست‬ ‫شخصية‪،‬‬ ‫ما‪ .‬لكنّها مشكلة‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ ‬

‫عامــة‪ ،‬في ظنّي‪ .‬أحد األشــياء المثيرة لالنتباه‬ ‫•بل مشــكلة ّ‬ ‫التــي كانــت تجــري‪ ،‬فــي األدب النرويجي‪ -‬ال ريــب‪ -‬وفي‬ ‫واألميركيــة‪ ،‬هــو اإلصــرار على‬ ‫البريطانيــة‪،‬‬ ‫الروايَتْيــن‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫حداثية التي‬ ‫المابعــد‬ ‫القاعــدة‬ ‫بســبب‬ ‫ال‬ ‫األشــكال؛‬ ‫تحطيم‬ ‫َّ‬ ‫تفــرض على الكاتب تحطيم األشــكال‪ ،‬بــل‪ ،‬على النقيض‪-‬‬ ‫المصداقيــة أو محاكاة‬ ‫الظفر بمزيــد من‬ ‫تقريبــاً‪-‬‬ ‫رغبــة في ّ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫أن الســبيل الوحيــد إلى ذلك من خالل‬ ‫الواقــع‪،‬‬ ‫وثمة يقين ّ‬ ‫ّ‬ ‫كسر قوانين الواقع‪ -‬بالضبط‪ -‬كما تصف‪.‬‬

‫الفن واألدب‪ ،‬دائماً؛ لهذا السبب ال تتشابه‬ ‫ يجري شيء كهذا في ّ‬‫فنوننا مع فنون العصور الوســطى؛ ألنّنا نحتاج طريقة جديدة‬ ‫فإن السبب الّذي‬ ‫الروس ّ‬ ‫نرى بها العالم‪ .‬وكما كشف الشكالنيون ّ‬ ‫لنتمكن من‬ ‫جعــل «تولســتوي» عظيم ًا هو جعلــه العالم غريبــاً‪ّ ،‬‬ ‫رؤيته‪ :‬هذا التزام األدب‪ ،‬في رأيي‪.‬‬ ‫ ‬

‫•فــي عملك‪ ،‬هنــاك كفاح الســتعادة المعنــى؛ المعنى الّذي‬ ‫وثمة كفاح‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫يفلــت من بيــن أيدينا كلما تقّدم العمــر‪ّ ،‬‬ ‫مــع اللّغــة‪ .‬فــي الكتــاب الثانــي‪ -‬مثالً‪ُ -‬تشــير إلــى لوحة‬ ‫أن‬ ‫ربمــا‪ ،‬على ســبيل المبالغة‪ّ -‬‬ ‫لـ«أنزلــم كيفــر»‪ ،‬وتقول‪ّ -‬‬ ‫أعظــم ما فيهــا أنّها «ال تتعلّــق باألفكار»‪ ،‬كأنّــك ترغب في‬ ‫غســل يديك من اللّغــة‪ ،‬بطريقة ما‪ ،‬ومع ذلــك ترجع إليها‬ ‫ألن اإلفصاح عن الرغبة‬ ‫علــى نحو َب ِّين‪،‬‬ ‫تضطر إلى ذلــك؛ ّ‬ ‫ّ‬ ‫لتخطيها‪.‬‬ ‫هو الوسيلة الوحيدة ّ‬

‫الســادس‪،‬‬ ‫ نعــم‪ ،‬رغــم صعوبة الحديث عــن ذلك‪ .‬في الكتاب ّ‬‫أناقــش قصيــدة لـ«باول ســيالن» طوال ثالثين صفحــة تقريباً‪.‬‬ ‫الصمــت‪ .‬ما جرى في‬ ‫«ســيالن» هو أكثر شــاعر اقتــرب من ذلك ّ‬ ‫ألمانيــا (الهولوكوســت) عصف بلغته؛ لغة هتلــر التي ال يمكنك‬ ‫تأم ٌل‬ ‫استعمالها؛ ال يمكنك استعمال كلمة أرض أو دم‪ .‬القصيدة ُّ‬ ‫لمعنى الهولوكوســت ومعنى الموت‪ .‬الحال أنّك حين تشير إلى‬ ‫أما الموت نفسه فـ«ال»‪ :‬إنه عدم؛ سيالن على‬ ‫كلمة موت‪ ،‬تتمثّل‪ّ ،‬‬ ‫الحّد الفاصل بين العدم والمعنى‪ .‬وكل ما يســعني هو اإلشــارة‬ ‫حقيقية للوصول إليها‬ ‫ولدي رغبــة‬ ‫إليــه‪ .‬لقد بلغ هذه التخوم‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫تصور عالــم بال كلمات‪،‬‬ ‫أحاول‬ ‫بنفســي‪ ،‬لكني أعجز‪ُ ..‬محــال‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ضــى‪ .‬اللّغة هي ما‬ ‫يتقوض‪ :‬هباء‪َ ..‬ف ْو َ‬ ‫عالــم بال لغة‪ ،‬والعالــم ّ‬ ‫يصنــع العالــم‪ ،‬وهي‪ -‬أيضاً‪ -‬ما يجعله يتبــّدد‪ ،‬والكتابة نضال‬ ‫مستمر لتجديده‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫إن لم تستطع كتابة قصيدة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشــعر هو الوسيط المثالي‪ .‬لكن‪ْ ،‬‬ ‫الشــكل؛ هذا ما‬ ‫تتجــه إلى التالــي‬ ‫باألهمية‪ ..‬تحاول اإلفالت من ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ســعيت إليه‪ .‬بعدئذ‪ ،‬في غضون خمس ســنوات‪ ،‬يتبّدد أثر تلك‬ ‫وتضطر إلى االستمرار‪.‬‬ ‫الطزاجة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪..............‬‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫‪http://www.theparisreview.org‬‬

‫‪105‬‬


‫كل عام‪ ،‬يبدأ عالم‬ ‫بمجــرد عودة الفرنســيين من عطلهم الصيفية‪ ،‬بين ســبتمبر ونوفمبر مــن ّ‬

‫النشــر بالغليان‪ ،‬ومعه موســم الجوائز األدبية‪ .‬هذا الحدث الثّقافي التقليدي في فرنســا‪ ،‬غدا‬ ‫مرتبط ًا ارتباط ًا وثيق ًا بدينامية ثقافية وإعالمية تشرك المجتمع الفرنسي في التجارة الثّقافية‬

‫يتم نشــر أزيد مــن ‪ 600‬كتاب في ثالثة‬ ‫والمتعــة المعرفيــة‪ .‬مــا هي كواليس هــذا الدخول الثّقافي؟ كيف ّ‬ ‫أسابيع؟ وهل يمكن الحديث عن لعبة إعالمية؟ أم أنه مجرد احتفال باألدب؟‬

‫الدخول األديب الفرنيس‬

‫مجرد احتفال باألدب!‬ ‫ليس َّ‬ ‫سعيد بوكرامي‬

‫الدخول األدبي‪ ،‬تقليد‬ ‫فرنسـي سـنوي عريـق‪ ،‬يعـود إلـى العـام ‪ .1880‬لكـن الدخـول‬ ‫األدبي الفرنسي ليس قديم ًا قدم الكتاب وصناعته‪ ،‬على الرغم‬ ‫مـن أن وسـائل اإلعلام الفرنسـية تميـل إلـى جعلنـا نعتقـد أن‬ ‫هذه العادة الفرنسـية قد تواجدت منذ األبد في فرنسـا‪ .‬وال شـك‬ ‫أنـه اسـتثناء ثقافـي دعم مكانة فرنسـا وامتدادهـا الفرنكفوني‪،‬‬ ‫لكنـه لـم يصنـع دائمـ ًا أدبـ ًا رفيعـ ًا كمـا قـد يسـطع أحيانـ ًا مـن‬ ‫القارات البعيدة والمغمورة‪ ،‬ليجد الفرنسيون أنفسهم مضطرين‬ ‫لترجمتـه ومحاولـة فرنسـته‪ ،‬بـل إن األدب الفرنسـي الجيـد قدم‬ ‫مـع المهاجريـن ومـن البلـدان الفرنكفونية علـى الخصوص‪.‬‬ ‫ومع ذلك تبقى سمة االحتفاء باألدب وترويج الكتاب خاصية‬ ‫فرنسـية انبثقـت مـن داخـل الصالونـات األدبيـة‪ ،‬التـي كانـت‬ ‫نشـيطة بشـكل خـاص فـي أواخـر القـرن التاسـع عشـر‪ .‬وللعلم‬ ‫فقـد تـم إنشـاؤها فـي القرن السـابع عشـر‪ ،‬حيـث كان المثقفون‬ ‫واألدبـاء وعرابـو األدب يجتمعـون لبحـث ومناقشـة أحـوال‬ ‫والفّـن والسياسـة‪ ،‬وعلـى وجـه التحديـد اإلنتـاج األدبـي‬ ‫األدب َ‬ ‫المعاصر‪ .‬خالل هذه اللقاءات‪ ،‬كان يحضر باالضافة إلى أدباء‬ ‫مرموقيـن األخـوان غونكـور‪ .‬أما تصـور فكرة «الدخول األدبي»‬ ‫فقـد اسـتحدثه إرنسـت رينـان فـي عـام ‪ ،1880‬عندمـا كان جول‬ ‫وادمـون المرجعيـن األدبييـن الباريسـيين‪ ،‬وغيرهمـا قادريـن‬ ‫على جعل عالم األدب أكثر ازدهاء وإشـراق ًا وإشـعاعاً‪ .‬وللرفع‬ ‫مـن اإلنتـاج وتشـجيع الكّتـاب المعاصرين على منافسـة األدباء‬ ‫‪106‬‬

‫المكرسين‪ ،‬بادر األخوان غونكور إلى تنظيم مسابقة لمكافأة‬ ‫َّ‬ ‫أفضـل عمـل سـردي فرنسـي نشـر خلال السـنة‪ .‬وسـرعان ما‬ ‫وتصور إلى روح منافسـة‬ ‫انتقل الشـغف بالغونكور من فكرة‬ ‫ُّ‬ ‫بيـن الكّتـاب‪ ،‬ولكـن بالتحديـد بيـن الناشـرين الذيـن تحولـوا‬ ‫إلـى أعـداء ناعميـن اسـتولوا علـى سـوق النشـر ومبيعاتـه‪،‬‬ ‫وحاولـوا تجنيـد دورهـم ووسـائل اإلعلام عامـة واإلعلام‬ ‫خاصـة‪ ،‬للظفـر بالجوائـز األدبية‪ ،‬التي بـدأت تبتكر‬ ‫الثّقافـي ّ‬ ‫تدريجيـ ًا جوائـز أدبيـة منافسـة للغونكـور ودائمـ ًا بإيعاز من‬ ‫دور النشـر وبعـض النقـاد المؤثِّريـن فـي الوسـط األدبـي‪.‬‬ ‫فظهرت جائزة فيمينا عام ‪ 1904‬وجائزة رونودو في ‪1926‬‬ ‫وجائـزة أنتيرأليـي ‪ 1930‬وجائـزة ميديسـيس التـي ظهـرت‬ ‫بعـد الحـرب العالميـة‪ .‬وهكـذا خلـق التنافـس علـى الجوائـز‬ ‫ديناميـة إيجابيـة بيـن األدبـاء والناشـرين علـى حـد سـواء‪،‬‬ ‫كل عـام فـي منتصـف شـهر نوفمبـر‪.‬‬ ‫تبـدأ‪ -‬عـادة‪ّ -‬‬ ‫لكن سياق «الدخول األدبي» لم يبرز ألول مرة ّإل في صحيفة‬ ‫الفيغـارو عـام ‪ 1936‬لمـا وضعـت العبـارة بيـن مزدوجتيـن‪،‬‬ ‫ممـا يعنـي أن السـياق دخيـل أو غير شـائع بيـن القراء‪ .‬وفي‬ ‫الواقع‪ ،‬لم يشهد عالم النشر طفرة كبيرة ّإل في العام ‪1980‬‬ ‫حيـث سـيتحول سـوق الكتـاب إلـى موسـم ثقافـي واحتفالـي‬ ‫سنوي‪ ،‬أدى إلى ازدهار النشر وسوق الكتاب وجذب القراء‪،‬‬ ‫فـإذا حـدث وأخفـق ناشـر فـي اسـتعداداته واختياراتـه‪ ،‬فـإن‬ ‫العام يقضيه في كسـاد وخسـارة‪ .‬وبذلك أصبحت الرهانات‬ ‫خاصة في السـنوات األخيـرة التي عرفت‬ ‫االقتصاديـة مهمـة‪ّ ،‬‬


‫أزمـة ملحوظـة فـي عالـم النشـر‪ ،‬وأصبـح عـدد النسـخ التـي‬ ‫تسـحب مـن كتـاب فائـز بإحـدى الجوائـز يتناقـص‪ .‬وتسـوق‬ ‫صحيفـة «كتـاب إبـدو» المتخصصـة فـي عالم الكتـاب أمثلة عن‬ ‫فمثلا‪ ،‬معـدل‬ ‫نسـب مبيعـات الكتـب الحاصلـة علـى الجوائـز‪:‬‬ ‫ً‬ ‫مبيعـات الفائـز بالغونكـور تصـل إلـى (‪ )300‬ألـف نسـخة‪،‬‬ ‫وجائـزة رونـودو (‪ )150‬ألـف نسـخة‪ ،‬بينمـا جائـزة فيمينـا‬ ‫(‪ )100‬ألـف نسـخة‪ ...‬لكـن منطـق الناشـرين التجـاري القائـم‬ ‫على الترويج للكتاب األدبي بشتى السبل لحصوله على جائزة‬ ‫معينـة ومـن ثـم الرفـع مـن مبيعاتـه‪ ،‬منطـق ال يعجـب البعـض‬ ‫بدعـوى أنـه يجعـل الدخـول الثّقافـي يعـرف بعـض االنحرافـات‬ ‫التي تذهب ضحيتها نصوص أدبية رفيعة ودور نشـر صغيرة‬ ‫أو مغمورة‪.‬‬ ‫وبعيدًا عن البعد التجاري الذي يطبع الدخول األدبي الفرنسي‪،‬‬ ‫يبقى هذا الحدث مناسبة لالحتفال باألدب بحماس كبير تعكسه‬ ‫مقدمتهـا الصفحـات الثّقافيـة للصحـف‬ ‫وسـائل اإلعلام‪ ،‬فـي ِّ‬ ‫المشـهورة مثـل لومونـد في ملحقها الخـاص بالكتب‪ ،‬وصحيفة‬ ‫لوفيغـارو والمجلـة األدبيـة التـي تفـرد ملفـات عـن الكتـب‬ ‫المرشـحة للجوائـز أو الفائـزة بهـا وصحيفـة «ثقافـة بوكـس»‬ ‫ال عـن الدخـول الثّقافـي‪ .‬كمـا تعقـد‬ ‫التـي تعـد سـنوي ًا ملفـ ًا شـام ً‬ ‫موائد مسـتديرة كما كان يفعل برنار بيفو مع برنامجه الشـهير‬ ‫«أبوستروف» أو ما يقوم به باقتدار الصحافي والكاتب فرانسوا‬ ‫بوسـنيل في برنامجه على القناة الفرنسـية الخامسـة «المكتبة‬ ‫الكبيـرة» والـذي سـاهم فـي ترويـج الكتاب والتعريـف بالكّتاب‬

‫علـى نطـاق واسـع‪ .‬كمـا اهتـم بشـأن المكتبات ومشـاكلها‪...‬‬ ‫وهـذه الصفحـات والبرامج األدبية حول نمط الكتابة األدبية‬ ‫الفرنسـية وموضوعاتهـا وحكاياتهـا‪ ،‬تبقـى وسـائط فعالـة‬ ‫لمناقشـة النصـوص األكثـر رواج ًا واكتشـاف األعمـال الجيدة‬ ‫خاصة‬ ‫حتـى وإن كان أصحابهـا ُكّتابـ ًا مغموريـن أو شـباباً‪ّ ،‬‬ ‫أن الموسم األدبي يتزامن مع فترة إعالن الفائزين بالجوائز‬ ‫عنصري اإلثارة‬ ‫األدبيـة الكبـرى‪ ،‬وهـذا يوفر للقـارئ والناقد‬ ‫َ‬ ‫والمتابعـة‪ ،‬فيسـيل بذلـك مـداد الصحافـة الثّقافيـة وتـزداد‬ ‫تكهنـات النقـاد وتهافـت القراء‪.‬‬ ‫هـذا العـام‪ ،‬يعـرف الدخـول األدبـي الفرنسـي‪ ،‬صـدور عـدد‬ ‫مهـم مـن الكتـب األدبية الجديـدة‪ .‬ومقارنة بالسـنوات الفائتة‬ ‫تـم تسـجيل انخفـاض طفيـف حيـث سـيصدر حوالـي ‪560‬‬ ‫كتابـ ًا بيـن روايات ومجاميع قصصية ودواوين‪ .‬دور النشـر‬ ‫العريقـة مثـل دار غاليمـار وسـوي ومينـوي والفـون وأكـت‬ ‫سـود وكريسـتيان بورجوا بدأت منذ منتصف أغسـطس‪/‬آب‬ ‫الماضي في تزويد المكتبات ومراكز البيع بكتب أدبية جديدة‬ ‫باللغة الفرنسـية والمترجمة‪ ،‬وستسـتمر عملية التوزيع إلى‬ ‫غاية أواخر شـهر أكتوبر‪/‬تشـرين األول‪.‬‬ ‫‪ 66‬رواية ستصدر لكتاب جدد يقتحمون عالم النشر ويعدون‬ ‫كل سـنة‪ .‬أمـا األسـماء‬ ‫بمفاجـآت جديـدة كمـا يحـدث عـادة ّ‬ ‫المكرسـة فهـي حاضـرة بقـوة وسـتتنافس‪ ،‬كالعـادة علـى‬ ‫الجوائز المعروفة‪ :‬غونكور‪ ،‬رونودو‪ ،‬ميديسـيس‪ ،‬فيمينا‪،‬‬ ‫أنتيرأليي أو الجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها األكاديمية‬ ‫‪107‬‬


‫الفرنسية‪ .‬وتتضمن الالئحة‪ :‬فيليب فورست‪ ،‬الذي حصل على‬ ‫جائـزة الغونكـور للسـيرة الذاتيـة فـي أوائـل يونيـو عـن كتابه‬ ‫«أراغـون» الصـادر عن (دار غاليمار)‪ ،‬ياسـمينة خضرا‪ ،‬لوران‬ ‫موفينيي‪ ،‬جان بول دوبوا‪ ،‬لوران غودي‪ ،‬فرانسـوا بيغودو‪،‬‬ ‫كاريـن تويـل‪ ،‬ريجيس جوفري‪ ،‬كريسـتوف دوني والحاضرة‬ ‫األبدية! منذ عام ‪ 1992‬إيميلي نوثومب وإريك إمانويل شميث‬ ‫وغيرهم‪ .‬وفي اآلداب األجنبية‪ ،‬ينتظر القارئ جيم هاريسون‪،‬‬ ‫ديفيد فان‪ ،‬عاموس عوز‪ ،‬ودونالد راي بولوك وغيرهم‪ .‬وفي‬ ‫مـا يلـي الئحـة بأهم الروايات الصادرة في أغسـطس الماضي‪:‬‬ ‫«اللعبـة الكبـرى» سـيلين مينار‪ ،‬منشـورات ضفاف الفرنسـية‪.‬‬ ‫«التركـة» جـان بـول دوبـوا‪ ،‬دار لوليفيـي‪« .‬العيـش بالقـرب‬ ‫مـن أشـجار الزيزفـون» سـرد جماعـي‪ ،‬فالماريـون‪« .‬اسـمعوا‬ ‫هزائمنـا»‪ ،‬للـوران غـودي‪ ،‬أكـت سـود‪« .‬السـيد اوريغامـي»‪،‬‬ ‫لجـان مـارك‪ ،‬غاليمار‪« .‬الجزيئات»‪ ،‬فرانسـوا بيغودو‪« .‬عبور‬ ‫رواد الفضـاء»‪ ،‬إليتـزا جورجيفـا ‪ ،‬غاليمـار‪« .‬بابل»‪ ،‬ياسـمينة‬ ‫خضـرا‪ ،‬فالماريـون‪« .‬تابـع»‪ ،‬لـوران موفينيـي وتصـدر خلال‬ ‫هـذا الشـهر عـن دار مينوي‪.‬‬ ‫ومـن الروايـات األجنبيـة‪ ،‬التـي صـدرت خلال أغسـطس‪/‬‬ ‫آب الماضـي‪« :‬يهـوذا»‪ ،‬عامـوس عـوز‪ ،‬غاليمـار‪« .‬يـاك فالـي‬ ‫مونتانا»‪ ،‬سـميث هندرسـون‪ ،‬بيلفو‪« .‬حب متوحش»‪ ،‬كاثرين‬ ‫دان‪ ،‬غالميسـتر‪« .‬علـى هـذه األرض كمـا فـي السـماء»‪ ،‬لدافيـد‬ ‫إنيـا‪ ،‬ألبـان ميشـيل‪« .‬صبـي فريـد»‪ ،‬كيـت سمرسـكيل‪ ،‬دار‬ ‫كريسـتيان بورجـوا‪.‬‬ ‫ومـن األعمـال المنتظـر صدورهـا خلال هـذا الشـهر‪« :‬المشـعوذ‬ ‫العجـوز»‪ ،‬للراحـل هـذا العـام‪ ،‬جيـم هاريسـون‪ ،‬فالماريـون‪.‬‬ ‫‪108‬‬

‫وثمـان وعشـرين ليلـة»‪ ،‬سـلمان‬ ‫«عامـان وثمانيـة أشـهر‬ ‫ٍ‬ ‫رشـدي‪ ،‬أكـت سـود‪« .‬رحلـة هانومـان» أندريـه إيفانـوف‪،‬‬ ‫دار ترايبـود‪ ،‬و«الغرفـة المظلمـة»‪ ،‬إلسـحاق روزا‪ ،‬عن دار‬ ‫بورجـوا‪.‬‬ ‫وتبقى التسـريبات التي تدعمها دور النشـر تزيد من حماس‬ ‫القراء والنقاد على حد سـواء إلى أعمال بعينها‪ .‬مثل رواية‬ ‫إريـك فويـار التـي صدرت فـي ‪ 14‬يوليو‪/‬تموز عن دار أكت‬ ‫سـود‪ ،‬والتي يمنح فيها الكاتب الكلمة لثوار الباسـتيل عام‬ ‫‪ .1789‬كما تنشـر الدار نفسـها سـيرة المخرج الفرنسـي جان‬ ‫لـوك غـودار‪ ،‬التـي أنجزهـا تييـري فوغيـر في قالـب روائي‬ ‫تمزج بين تاريخ فرنسـا وسـيرة الفنان الكبير‪ ،‬ويتوقع أن‬ ‫تكـون مفاجـأة أدبيـة‪ .‬كمـا وفـرت دار سـتوك أعمـا ًال جديـدة‬ ‫ألدبـاء معروفين وجدد‪.‬‬ ‫كمـا ستشـهد األعمـال الشـعرية إصدارات متميزة سـواء لدى‬ ‫السلسـلة العريقـة البليـاد أو لـدى دور متخصصة مثل فايار‬ ‫أو ميركـور أو غاليمـار‪ .‬كمـا ينتظـر القراء مذكرات الشـاعرة‬ ‫مارسـلين ديسـبورد فالمـور و«حياة ممتـدة» لرامبو وأعمال‬ ‫الشـاعر الروسـي أوسـيب ماندستام وغيرهم‪.‬‬ ‫وال يخلـو الدخـول األدبـي أيضـ ًا مـن نصـوص مفتوحـة‬ ‫ومذكـرات منهـا مـا صـدر فـي أغسـطس‪/‬آب الماضـي ومنها‬ ‫مـا هـو منتظـر صـدوره فـي أكتوبـر القـادم بمعـدل ‪ 87‬كتاب ًا‬ ‫بين أغسطس‪/‬آب وأكتوبر‪/‬تشرين األول‪ .‬من هذه األعمال‬ ‫مراسلات بيـن سـتيفان تسـفايغ ورومـان روالن (‪- 1928‬‬ ‫‪ )1940‬أللبان ميشيل‪ ،‬وستنشر دار أليا «المقدس في الحياة‬ ‫اليوميـة» للفيلسـوف ميشـال ليريس‪.‬‬


‫ُي َعــّد الكاتــب الصيني «شــيو تســي‬

‫تشــين» واحدًا من أبــرز ُكّتاب األدب‬ ‫الصينــي المعاصــر‪ُ .‬وِلد عــام ‪1978‬‬ ‫تخر َج‬ ‫في إحدى قرى شــرق الصين‪َّ .‬‬ ‫ّيــة اآلداب بجامعــة بكين‪ ،‬ثم‬ ‫فــي كلّ‬ ‫حصل على درجة الماجستير‪.‬‬ ‫صــدر له أربع مجموعــات قصصية‪،‬‬ ‫وثالثة روايات‪ ،‬باإلضافة إلى رواية‬ ‫رجمت إلى عّدة‬ ‫«بكين‪ ..‬بكين» التي ُت ِ‬ ‫لغــات‪ ،‬منها اإلنجليزية‪ ،‬واأللمانية‪،‬‬ ‫مؤخراً‪ ،‬نسختها العربية‬ ‫كما صدرت‪َّ ،‬‬

‫عــن «دار العربي للنشــر»‪ ،‬بالتعاون‬ ‫مع «بيت الحكمة»‪ ،‬في الصين‪.‬‬

‫شيو تسي تشين‬

‫شيو تسي تشين‪..‬‬ ‫الذين يعيشون يف ّ‬ ‫ظل بكني‬ ‫حاورته‪ :‬نرسين البخشونجي‬

‫يتحدث عن الفساد‪،‬‬ ‫موضوع روايتك «بكين‪ ..‬بكين»‬ ‫َّ‬ ‫والمخدرات‪ ،‬والعالقات غير الشرعية‪ ،‬والفقر‪ ..‬وكلّها مشكالت‬ ‫ِّ‬ ‫تعاني منها العواصم الكبرى‪ .‬هل تعتقد أن لهذا السبب َت َّم‬ ‫ترجمة روايتك‪ ،‬إلى عّدة لغات؟‬ ‫ الطبيعة البشرية عالمية‪ ،‬كما تتشابه الحضارات المختلفة‪،‬‬‫التطور؛ حيث يجري‬ ‫في مناطق عديدة‪ ،‬في مراحل مختلفة من‬ ‫ُّ‬ ‫تقاسم المزايا والمساوئ‪ ،‬كالفقر‪ ،‬والفساد‪ ،‬ومهن األسواق‬ ‫أحد يستطيع أن يهرب من هذه األوضاع‪.‬‬ ‫السوداء‪ ...‬ال َ‬

‫شخصيات روايتك بسيطة‪ ،‬لكن العالقات فيما بينها تبدو‬ ‫ّ‬ ‫شديدةالتعقيد‪.‬‬ ‫ بالفعل؛ العالقات المعقَّدة بين شخصيات الرواية مصدرها‬‫العالقات المعقَّدة في حياتهم الحقيقية‪ .‬كتبت عن الحياة‬ ‫حالياً‪ ،‬أكثر من عصورها‬ ‫في الصين المعاصرة‪،‬‬ ‫المتفوقة‪ّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫السابقة‪ ،‬وعن الفترة الزراعية‪ ،‬ثم الفترة الصناعية‪،‬‬ ‫المحطات‬ ‫ورصدت التعايش في عصر العولمة‪ ...‬في هذه‬ ‫ّ‬ ‫تحوالت كبرى تطرح العديد من القضايا والتفاصيل التي تؤثِّر‬ ‫ّ‬ ‫‪109‬‬


‫التي ال نهاية لها‪ ،‬ويسمحان بكتابة المزيد‬ ‫من القصص الرائعة وابتكار العبارات الفريدة‬ ‫من نوعها‪ .‬الفنّان الحقيقي يحتاج إلى حياة‬ ‫طويلة لمعرفة كيفية التعبير عن نفسه‪ ،‬بشكل‬ ‫قصة‬ ‫كامل؛ لذلك‪ ،‬من األفضل أن ال تكتب ّ‬ ‫واحدة في بضع كلمات‪ ،‬وأنا أرجو أن أكون‬ ‫فنّان ًا يعيش بالكثير من التفاصيل‪.‬‬ ‫أول رواية كتبتها كانت عام ‪ .1994‬كنت‪،‬‬ ‫جادًا‬ ‫حينئذ‪ ،‬في السادسة عشر‪ ،‬لكني صرت ّ‬ ‫أركز‪ ،‬بشكل‬ ‫في األمر عام ‪ ،1997‬حين بدأت ِّ‬ ‫كلّي‪ ،‬على الكتابة اإلبداعية‪.‬‬

‫في حياة الناس اليومية‪.‬‬

‫يدور جزء كبير من أحداث الرواية‬ ‫متخرج في هذه‬ ‫أمام جامعة بكين‪ .‬وأنت‬ ‫ِّ‬ ‫أي مدى اعتمدت‪ ،‬في كتابة‬ ‫الجامعة‪ .‬إلى ّ‬ ‫روايتك‪ ،‬على شخصيات حقيقية وواقعية؟‬

‫واقعي جّداً‪ .‬فالعديد‬ ‫ في هذه الرواية‪ ،‬أنا‬‫ّ‬ ‫من المواقف والتفاصيل نبعت من واقع‬ ‫خبرتي الشخصية‪ ،‬ما رأيته‪ ،‬وما سمعته‬ ‫فكرت في ما هو‬ ‫جعلني أتألَّم كثيراً‪ ،‬وقد َّ‬ ‫شخصيات من‬ ‫أكثر من ذلك‪ :‬أردت تقديم‬ ‫ّ‬ ‫بكين‪ ،‬وأن أكتب عن مشاعرهم‪ ،‬وعواطفهم‬ ‫وحيرتهم‪ ،‬التي ظلت عالقة في ذهني‪ ،‬منذ‬ ‫ربما‪ ،‬ألني‪ ،‬آنذاك‪،‬‬ ‫كنت طالب ًا جامعياً‪َّ .‬‬ ‫نفسياً‪ ،‬في‬ ‫الهوية‪،‬‬ ‫أتمكن من َحّل أزمة‬ ‫لم َّ‬ ‫ّ‬ ‫مدينة حديثة مثل بكين؛ لذلك أردت أن‬ ‫الهوية ليست‬ ‫أكتب عن أولئك الذين يعيشون في ظلِّها‪ ،‬لكن‬ ‫ّ‬ ‫عائقاً‪ ،‬فأنا أكتب لهم‪ ،‬وأكتب عن نفسي‪ ،‬أيضاً‪.‬‬

‫فتاة غريبة األطوار تظهر في روايتك «بكين‪ ..‬بكين»‪ ،‬لكنها‬ ‫متعمداً‪.‬‬ ‫تختفي‪ً ،‬‬ ‫فجأة‪ ،‬من ّ‬ ‫النص! لسبب ما‪ ،‬يبدو أنك أخفيتها ِّ‬

‫تذكرت اختفاء‬ ‫ يبدو أنك قرأت الرواية بعناية فائقة‪ ،‬لذلك ِّ‬‫الفتاة‪ ،‬شكرًا لك! إنها تختفي على طول الطريق‪ .‬في األدب‬ ‫النص الروائي‪ ،‬أن تكون موجودة‪،‬‬ ‫الب َّد للشخصيات‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫من البداية إلى النهاية‪ .‬ال ينبغي أن تختفي َعَرضاً‪ .‬لكن‪،‬‬ ‫سمحت لهذه الفتاة الغريبة‬ ‫إلى يومنا هذا‪ ،‬أنا ال أعرف لماذا‬ ‫ُ‬ ‫وأي‬ ‫ربما إليماني بأن الحياة مليئة بالفرص‪ّ ،‬‬ ‫أن تختفي! َّ‬ ‫شيء يمكن توقُّعه لهذه الفتاة الغريبة‪ ..‬أعتقد أن أفضل َحّل‬ ‫وربما جاء لتذكير البطل «دونهوانج»‬ ‫هو اختفاؤها الغريب‪َّ .‬‬ ‫أنه ليس إلهاً‪ .‬أدرك أن هذا الموقف كان قاسي ًا جّدًا على بطل‬ ‫الرواية‪ ،‬لكن‪ ..‬هذه هي الحياة‪.‬‬

‫أي‬ ‫كونك نجم ًا من نجوم األدب الصيني المعاصر؛ إلى ّ‬ ‫تفكر في كتابة رواية جديدة؟‬ ‫مدى تشعر بضغط‪ ،‬حين ِّ‬ ‫ ال شيء يؤثِّر على كتاباتي‪ :‬ال الضغط‪ ،‬وال النقد‪ ،‬وال حتى‬‫الثناء‪ .‬فأنا أكتب منذ سنوات طويلة‪ ،‬وصرت أعرف ما هو‬ ‫المطلوب‪ ،‬وما ينبغي فعله‪.‬‬

‫يتعرف إليك‪ ،‬بشكل أفضل‪ .‬كيف‬ ‫يود أن‬ ‫القارئ العربي ّ‬ ‫َّ‬ ‫كانت طفولتك وبداية شغفك بالكتابة؟‬

‫كل‬ ‫ نشأت في منطقة ريفية‪ ،‬في وسط الصين‪ ،‬وتعلَّمت ّ‬‫أنواع العمل في المزارع‪ ،‬بما في ذلك إمساك الضفادع‪.‬‬ ‫في السادسة التحقت بالمدرسة‪ ،‬وكانت مدرستي في بيئة‬ ‫بسيطة‪ .‬سافرت إلى بكين في الرابعة والعشرين من عمري‪،‬‬ ‫محررًا ثقافياً‪ .‬طوال هذه‬ ‫وفي السابعة والعشرين بدأت عملي ِّ‬ ‫السنوات (باستثناء العمل)‪ ،‬كنت أقوم بالقراءة والكتابة‪.‬‬ ‫وبغض النظر عن تعقيدات‬ ‫إلي‪ ،‬بوصفي كاتباً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن‪ ،‬بالنسبة ّ‬ ‫وحساسيته هما‬ ‫الداخلي‬ ‫المرء‬ ‫ثراء‬ ‫أن‬ ‫أعتقد‬ ‫سيرتي الذاتية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أهمّية‪ ،‬ألنهما يجلبان له الخبرات واألفكار الجديدة‬ ‫األكثر ّ‬ ‫‪110‬‬

‫حدثني عن الكتب التي َأثَّرت فيك‪ ،‬على‬ ‫ِّ‬ ‫المستويْين‪ :‬اإلنساني‪ ،‬والمهني‪.‬‬ ‫َ‬

‫ الرواية الصينية الكالسيكية «حلم الغرفة‬‫والتجول»‪،‬‬ ‫الحمراء» لـ«كاو تشوشين»‪ ،‬و«دعوة لحمل السالح‬ ‫ُّ‬ ‫للكاتب الصيني «لو شون»‪ ،‬و«بالتازار وبوليميندا» للبرتغالي‬ ‫«ساراماجو»‪ ،‬و«السمك المفلطح» للكاتب األلماني «غونتر‬ ‫و«هدية همبولت» للكاتب األميركي «سول بيلو»‪،‬‬ ‫غراس»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وكل‬ ‫و«منعطف النهر» للكاتب اإلنجليزي «ف‪.‬س‪ .‬نايبول»‪ّ ،‬‬ ‫أعمال الكاتب المكسيكي «خوان رولفو»‪.‬‬

‫أي‬ ‫نشرت ثالث روايات‪ ،‬وأربع مجموعات قصصية؛ إلى ّ‬ ‫تتفق معي على أن الرواية تصنع نجوم األدب‪ ،‬األعلى‬ ‫مدى َّ‬ ‫مبيعاً؟‬ ‫شعبيته من‬ ‫ بقدر ما يتعلَّق األمر بالروائي نفسه‪ ،‬تنبع‬‫ّ‬ ‫رواياته‪ .‬لكن الرواية ليست هي الشكل الوحيد لألدب؛ هناك‬ ‫كل شكل من األشكال اإلبداعية يمكن أن‬ ‫الشعر والقصص‪ّ .‬‬ ‫يحقِّق المجد لمبدعه‪ .‬في الوقت الحاضر‪ ،‬الشعبية للرواية‪،‬‬ ‫أي شخص بارع في األدب يعرف أن إنجاز المرء اإلبداعي‬ ‫لكن ّ‬ ‫القراء‪.‬‬ ‫يرتبط‪ ،‬بشكل غير مباشر‪ ،‬بقدرته على التأثير في ّ‬

‫المسودة األولى لرواياتك؟‬ ‫من الذي يقرأ‬ ‫َّ‬

‫‪ -‬زوجتي‪.‬‬

‫أي مدى استفدت‪ ،‬على المستوى اإلبداعي‪ ،‬من عملك‪،‬‬ ‫إلى ّ‬ ‫محررًا في مجلّة «‪ ،»People’s literature‬والتي‬ ‫بوصفك‬ ‫ِّ‬ ‫أدبية في الصين؟‬ ‫ّة‬ ‫ل‬ ‫ُت َعّد أشهر مج‬ ‫ّ‬

‫ هذه المجلّة هي جوهر األدب الصيني المعاصر‪ ،‬هي األقدم‬‫كل ما هو جديد في سوق‬ ‫واألهم‪ .‬وعملي يتيح لي متابعة ّ‬ ‫ّ‬ ‫النشر‪ ،‬ليس‪ ،‬فقط‪ ،‬في الصين‪ ،‬بل على مستوى العالم‪،‬‬ ‫جيدة‪ .‬بالطبع‪ ،‬يفيدني ذلك جّداً؛ حيث أقرأ‬ ‫وهذه فرصة ِّ‬ ‫أحدث الكتب سعي ًا لفهم وجهة نظر ُكّتابها‪ ،‬أو بحث ًا عن‬ ‫اكتشاف أساليب سردية جديدة‪ ،‬و‪ -‬أيضاً‪ -‬السعي لفهم اآلخر‬ ‫جيدة لفهم الذات واكتشافها‪ ،‬و‪ -‬بالطبع‪ -‬يتيح لي‬ ‫كوسيلة ِّ‬ ‫عملي معرفة موقعي بوصفي أديباً‪.‬‬


‫استدراك‬

‫أمجد ناصر‬

‫في المشي والكالم‬ ‫أفكر؛ إذن أنا موجود‪.‬‬ ‫نعرف «الكوجيتو» الديكارتي الشهير‪ :‬أنا ّ‬ ‫الوجود هنا متحقِّق بوعي ذاته ووعي منزلته في العالم‪ .‬إنه‬ ‫وجود ال يبرهن عليه التفكير فقط بل يجعله مميزًا عن سواه‪.‬‬ ‫المسجلة‪ ،‬وبما‬ ‫التفكير‪ ،‬هنا‪ ،‬هو أصل الكائن في العالم وعالمته‬ ‫َّ‬ ‫أن المشي (كما هو عند الفالسفة المشائين) مرتبط بالتفكير‪ ،‬فليس‬ ‫كثيراً‪ ،‬والحال‪ ،‬أن نقول‪ :‬نحن نمشي إذن نحن موجودون‪ .‬مذ‬ ‫شعرت أن لي «عالمي» الداخلي الخاص‪ .‬لي أسراري‪ .‬لي تلك‬ ‫تدوم‪ ،‬على نحو غامض‪ ،‬في‬ ‫الصور والكلمات والترانيم التي ِّ‬ ‫رأسي‪ ،‬صرت أمشي وحدي‪ .‬يربكني الذين يتكلَّمون وهم يمشون‪.‬‬ ‫خصوص ًا الذين يتكلَّمون بالهاتف المحمول وهم يغذّون الخطى‬ ‫إلى مكاتبهم المكفهرة‪ ،‬إلى مواعيد عمل مضجرة‪ ،‬إلى مدارس‬ ‫كل هذا الشغف‬ ‫كئيبة‪ ،‬إلى لقاءات منذورة لفرح مأمول‪ .‬ال أفهم ّ‬ ‫تسمى الهاتف‬ ‫بالكالم في أثناء المشي‪ ،‬بهذه اآللة الحجاب التي َّ‬ ‫يدوم فوق‬ ‫النقَّال‪ ،‬المحمول‪ ،‬الجوال‪ ،‬الموبايل إلخ‪ .‬لغط هائل ّ‬ ‫المدن الكبرى‪ ،‬ثرثرة ال نهائية تطفو فوق رؤوس أناس‪ ،‬ال‬ ‫يزيدهم الكالم ّإل وحدة وضجرًا وعزلة‪.‬‬ ‫«كال‪ ،‬عيناي حزينتان»‪ .‬هذا ما قالته سيدة ذات جمال مؤلم‬ ‫وروح مرفّرفة‪ ،‬في هاتفها المحمول‪ ،‬وهي تغّذ الخطى بوقع‬ ‫غزالة شاردة إلى محطة قطار األنفاق‪ ،‬ثم قبل أن تتوارى‬ ‫في جوف العالم السفلي سمعتها تقول لشخص على الطرف‬ ‫فكرت في الشخص‬ ‫اآلخر من الخط‪« :‬هل تظنني سعيدة؟»‪َّ .‬‬ ‫إنجليزي ٍ‬ ‫بارد‪ ،‬على‬ ‫بتحفظ‬ ‫األبله‪ ،‬أو الوحيد‪ ،‬الذي يغازل‪،‬‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫بأن الحزن‬ ‫رت‬ ‫فك‬ ‫ثم‬ ‫مطهمة‪،‬‬ ‫امرأة كفرس عربية‬ ‫ما يبدو‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫والوحدة والكآبة يمكن أن تتجرأ‪ ،‬بوقاحة‪ ،‬على الجمال فتنهشه‬ ‫بمخالبها‪ ،‬وأن هذا الهاتف الصغير قد يصلح لنجوى عابرة‪،‬‬ ‫ولكنه ال ينقل حرارة األنفاس وال انقباضات األعماق وال لغة‬ ‫العينين وتقلبات ألوانهما‪.‬‬ ‫أعزو فشلي‪ ،‬في إقناع الذين يتكلَّمون وهم يمشون‪ ،‬إلى‬ ‫خلل بين طرفي المعادلة‪ .‬هناك خلل فعالً‪ .‬ثمة شخص يتكلم‬ ‫وهو يمشي‪ ،‬وشخص يصغي وهو جالس‪ .‬الفجوة موجودة‬ ‫وال سبيل إلى ردمها‪ .‬ال يكفي أن يقول لك الطرف اآلخر‪ :‬نعم‪..‬‬

‫صحيح‪ ..‬بالتأكيد‪ ،‬أنا معك‪ ،‬كي تردم الفجوة التي تفصلك‬ ‫عنه‪ ،‬أو كي يحقّق التواصل هدفه‪.‬‬ ‫هذا يحصل‪ ،‬أيضاً‪ ،‬عندما تكلّم شخصاً‪ ،‬وجه ًا لوجه‪،‬‬ ‫فجأة‪ ،‬إلى‬ ‫وتنصرف عيناه إلى تفقّد أثاث المكان‪ ،‬أو يتطلَّع‪،‬‬ ‫ً‬ ‫قميصك أو حذائك فتتابعه‪ ،‬وأنت تتكلَّم بارتباك‪ ،‬بنظراتك لتعيد‬ ‫ثانية بعينيه‪ .‬لتلتقط خيط السمع والفهم الذي‬ ‫مرة‬ ‫االتصال ً‬ ‫ً‬ ‫انقطع فجأة بانصراف العين‪ ،‬وانشغالها بشيء آخر‪ .‬فليست‬ ‫األذن التي تسمع فقط‪ ،‬إنها العين أيضاً‪ ،‬فإن تكلِّم شخص ًا وال‬ ‫ترى عينيه يعني أنك فقدت االتصال به‪ .‬يعني أنه خرج عن‬ ‫المدار الذي تتحرك فيه‪.‬‬ ‫يحرك الضريرون رؤوسهم‪ ،‬ويشخصون بعيونهم‬ ‫ألهذا‬ ‫ِّ‬ ‫يتحدثون أو يصغون؟ ّأل يبدو‬ ‫وهم‬ ‫اتجاه‪،‬‬ ‫غير‬ ‫في‬ ‫المطفأة‬ ‫َّ‬ ‫األمر كأنهم يبحثون في سديم محاجرهم عن ذلك الشعاع الذي‬ ‫يصدر من العين التي تصغي أو تتكلم؟‬ ‫أرتبك عندما يهاتفني شخص وهو يمشي‪ .‬أتصور أن اآلخرين‬ ‫مجرد‬ ‫مثلي ال يركزون في الكالم وهم يمشون‪ .‬كأن ما يقولونه ّ‬ ‫ملء فراغ‪ ،‬أو محاولة عبثية لتبديد وحشة مقيمة‪ .‬ينتابني‬ ‫إحساس مضحك أن الكالم يطير أثناء المشي‪ .‬ال يرسخ‪ .‬يطيش‬ ‫أن تتكلم مع شخص يمشي‪ ،‬بالنسبة لي‪،‬‬ ‫وال يصل إلى هدفه‪ْ .‬‬ ‫هو جهد ضائع‪ ،‬فهناك حواس أخرى تعمل بقوة وتستولي‬ ‫على منطقة التركيز في دماغ المستمع‪ .‬هناك الحركة‪ ،‬البصر‪،‬‬ ‫الشم‪ ،‬التوازن‪ .‬ولطالما وجدتني أعدت الجملة مرتين‪ ،‬أو ثالث‬ ‫ّ‬ ‫أريد قوله‪،‬‬ ‫مرات‪ ،‬لكي أتيقن أنني‬ ‫أوصلت‪ ،‬إلى الماشي‪ ،‬ما ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫سهم في قلب الهدف‪ ،‬ال بالقرب‬ ‫رمي ٍ‬ ‫كمن يحاول‪ ،‬باستماتة‪ْ ،‬‬ ‫منه أو على حوافه‪ .‬لذلك أعيد‪ ،‬فأضجر من نفسي‪ ،‬وأخشى‬ ‫أن ُيضجر التكرار الطرف اآلخر‪ ،‬أو يشعره باستهانتي بقدرته‬ ‫على الفهم‪.‬‬ ‫قد يقول‪ :‬لماذا تعيد؟‬ ‫أو‪ :‬لماذا تصرخ؟‬ ‫هل أنا أصم؟‬ ‫عندها يتأكد لي‪ ،‬على نحو مزعج‪ ،‬أن سهمي طاش‪.‬‬ ‫‪111‬‬


‫إصدارات‬

‫مقالة يف الح ّر ّية‪..‬‬ ‫طريق النظرية إىل الواقع العريب‬

‫خالد وليد محمود‬

‫الحرّية بوصفها‬ ‫الحرّيــة‪ ،‬أو ّ‬ ‫«مقالة في ّ‬ ‫حرّيــات»‪ ،‬عنوان الكتاب الجديد للدكتور‬ ‫ّ‬ ‫مؤخراً‪ ،‬عن المركز‬ ‫عزمي بشارة‪ ،‬صدر‪َّ ،‬‬ ‫العربي لألبحاث ودراســة السياســات‪.‬‬ ‫الكتــاب يقع في ‪ 200‬صفحة‪ ،‬و يناقش‬ ‫الحرّية‪ ،‬بصفتها مســألة متعلِّقة‬ ‫قضيــة ّ‬ ‫باألخالق‪ ،‬انطالق ًا من شرط المسؤولية‬ ‫الحرّيــة قيمة في‬ ‫األخالقيــة‪ ،‬ومــن كون ّ‬ ‫حــد ذاتهــا‪ .‬وذلــك علــى ضوء األســئلة‬ ‫ِّ‬ ‫ثمــة عالقــة بين‬ ‫هــل‬ ‫اآلتيــة‪:‬‬ ‫الراهنيــة‬ ‫ّ‬ ‫المدنية‪،‬‬ ‫والحرّيات‬ ‫الحرّيات الشــخصية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تصــح‬ ‫وهــل‬ ‫ة؟‬ ‫السياســي‬ ‫ــات‬ ‫ي‬ ‫والحر‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫ّ‬ ‫والحرّيات‬ ‫المدنية‪،‬‬ ‫بالحرّيات‬ ‫التضحية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحرّيات‬ ‫ّ‬ ‫السياسية لغرض الحفاظ على ّ‬ ‫الشخصية؟ وهل تحرير المجتمع والفرد‬ ‫ّ‬ ‫مــن اإلمالءات الدينيــة يكفي كي يمارس‬ ‫حرّيته؟‬ ‫اإلنسان ِّ‬ ‫تأمــل ومتابعة‪ ،‬عن‬ ‫نتــاج‬ ‫هو‬ ‫والكتــاب‬ ‫ُّ‬ ‫تحوالته‬ ‫وظروف‬ ‫العربي‬ ‫للواقــع‬ ‫كثب‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫وتحوالتــه االجتماعيــة‪،‬‬ ‫السياســية‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫ولعــل الداعــي إلــى تأليفــه يحيلنــا إلى‬ ‫ّ‬ ‫حرّيــة التعبيــر عــن الــرأي‪ ،‬ال‬ ‫واقــع ّ‬ ‫ظــل ثورة‬ ‫ســيما الــرأي السياســي‪ .‬في ّ‬ ‫َّ‬ ‫التواصــل الحديثــة‪ ،‬والجيــل الجديد من‬ ‫الحرّيــة وحدودهــا‪،‬‬ ‫الحقــوق‪ ،‬وواقــع ّ‬ ‫‪112‬‬

‫الحرّية مع‬ ‫يتساءل بشــارة‪ :‬هل َّ‬ ‫تعززت ّ‬ ‫انتشار وســائل التواصل االجتماعي؟ ما‬ ‫وحرّية الجماعة‬ ‫حرّية الفرد ّ‬ ‫العالقة بين ّ‬ ‫التــي ينتمي إليها؟ وِلَمــن األولوية‪ :‬أهي‬ ‫َ‬ ‫للحرّيات؟‪.‬‬ ‫للمساواة أم ّ‬ ‫ا إلــى الجوانب العمليــة‪ ،‬يتجاوز‬ ‫منتقــ ً‬ ‫الكتاب الطــرح التنظيري‪ :‬يقتفي الفصل‬ ‫الحرّية ودالالته العربية‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫األول‪ ،‬أثر لفظ ّ‬ ‫وتحد ٍ‬ ‫أهمها‬ ‫ويرســم له مخاضات‬ ‫ِّ‬ ‫يــات‪ّ ،‬‬ ‫القدرة على مغادرة النقاش الفلسفي عن‬ ‫الحرّيات‪،‬‬ ‫الحرّية‪ ،‬واالنطالق إلى مسألة ّ‬ ‫ّ‬ ‫وشــروط تحقيقها‪ ،‬وحدودها‪ ،‬وعوائق‬ ‫تحقُّقهــا في المجتمعات والدول العربية‪.‬‬ ‫الحرّيــات فــي العصــر‬ ‫وحــول تصنيــف ّ‬ ‫الراهــن‪ ،‬يرى بشــارة أن هــذا التصنيف‬ ‫ومدنية‬ ‫شــخصية‬ ‫حرّيــات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حاصــل بين ّ‬ ‫حرّية الفكر‬ ‫ّ‬ ‫وسياسية‪« :‬يمكننا موضعة ّ‬ ‫الفنّــي‪ ،‬واألدبي‪ ،‬بيــن المدني‬ ‫واإلبــداع َ‬ ‫والسياســي‪ ،‬حيــث ال يــزال النضــال‬ ‫الحرّيــات‬ ‫لتحقيقهــا‬ ‫مســتمراً‪ ،‬أو بيــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫المدنيــة‪ ،‬حيــث‬ ‫ــات‬ ‫ي‬ ‫والحر‬ ‫الشــخصية‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫سياســية»‪.‬‬ ‫قضية‬ ‫ّ‬ ‫ما عــادت ممارســتها ّ‬ ‫ويتابــع‪ ،‬الفتــ ًا إلــى إمكان الســعي إلى‬ ‫الحرّيات وتحقيقهــا وصونها‪ ،‬بوصفها‬ ‫ّ‬ ‫«حقــوق المواطنــة» فــي إطــار الدولــة‬

‫«أمــا الجماعــة القائمــة خــارج‬ ‫فحســب‪ّ :‬‬ ‫الدولــة فتحوي الســلطة السياســية في‬ ‫باطنها هــي ذاتها‪ ،‬وال حقوق فيها للفرد‬ ‫بما هو فرد‪ ،‬بل اســتحقاقات وواجبات‪،‬‬ ‫مترتبة علــى انتمائه‬ ‫تقابلهــا امتيــازات‬ ‫ِّ‬ ‫إليها ومكانته فيها»‪.‬‬ ‫ويؤكد المؤلِّف‪ ،‬في الفصل الثاني‪ ،‬على‬ ‫ِّ‬ ‫الحرّيــة بقــدرة اإلنســان علــى‬ ‫تعريــف‬ ‫ّ‬ ‫الحســم بين خيارات‪ ،‬وهي قدرة مالزمة‬ ‫لــه‪ ،‬يمتــاز بها عــن باقي الكائنــات‪« :‬ال‬ ‫حرّية للكائنات التي تقع دون اإلنسان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أو فوقــه‪ ،‬األولــى بحكــم طبيعتهــا‪،‬‬ ‫وميــزت‬ ‫والثانيــة بحكــم تعريفهــا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الديانات التوحيدية اإلنسان من المالئكة‬ ‫بهــذه القــدرة علــى االختيار بيــن الخير‬ ‫والشــر‪ ،‬وتجعل اإلنسان كائن ًا أخالقياً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُيتوقَّــع منــه التمييــز بينهمــا واختيــار‬ ‫توقَّع منه‪ -‬بصفته كائن ًا‬ ‫أحدهما‪ ،‬مثلما ُي َ‬ ‫يميــز بين الصــواب والخطأ‪،‬‬ ‫عاقــاً‪ -‬أن ِّ‬ ‫حــراً)‪،‬‬ ‫اإلنســان‬ ‫(والدة‬ ‫أمــا‬ ‫أيضــاً»‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫قصد‬ ‫ي‬ ‫آخــر‪،‬‬ ‫مفهوم‬ ‫إلى‬ ‫بشــارة‬ ‫فيردها‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫بــه‪« :‬أنّه لم يولد عبــداً»‪ ،‬وفي رأيه أنها‬ ‫هة ضــّد العبودية‬ ‫موج ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مقولــة صحيحــة َّ‬ ‫بنفــي طبيعيتهــا‪ .‬فــي حيــن يــرى أن ‪:‬‬ ‫ومكوناتها؛ أي الوعي‬ ‫الحرّية‬ ‫ِّ‬ ‫«شــروط ّ‬


‫واإلرادة‪ ،‬ال تتوافر في المولود البشري‪،‬‬ ‫الحرّية‪،‬‬ ‫عند والدته مباشــرة»‪ .‬وتبقــى ّ‬ ‫فــي مقالة بشــارة‪« ،‬مشــروطة بالوعي‬ ‫تحمل مســؤولية‬ ‫واإلرادة والقــدرة على ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫مجال ما‪ ،‬كي يكون‬ ‫المستقل‪ ،‬في‬ ‫القرار‬ ‫ّ‬ ‫لالختيــار عالقة بهذا المجال؛ إذ ال معنى‬ ‫للحرّية في مجال ما إذا لم يكن للخيارات‬ ‫ّ‬ ‫عالقة به»‪.‬‬ ‫في الفصل الثالث‪ ،‬يضع بشارة الفوضى‬ ‫االجتماعيــة فــي خانــة «أشــنع أنــواع‬ ‫الحرّية‬ ‫االســتبداد»‪ ،‬ألنها تمنع ممارسة ّ‬ ‫الحرّيــة غيــر ممكنــة‬ ‫بالضــرورة‪ ،‬وألن ّ‬ ‫التعســف والفوضى‬ ‫التحقيق إن ســيطر‬ ‫ُّ‬ ‫علــى حياة البشــر‪ ،‬لكنها قابلــة للتحقّق‬ ‫ظــل القوانين‪ ،‬على الرغــم من قدرة‬ ‫في ّ‬ ‫الحرّيــات‪.‬‬ ‫حجــب‬ ‫علــى‬ ‫القوانيــن‬ ‫هــذه‬ ‫ّ‬ ‫فبحســب بشــارة‪ ،‬يجد العلمــاء صعوبة‬ ‫الحرّية علمياً‪ ،‬ذلك‬ ‫في التعامل مع فكرة ّ‬ ‫ّية‪،‬‬ ‫ل‬ ‫للع‬ ‫المقابــل‬ ‫الحرّيــة ليســت هي‬ ‫ّ‬ ‫أن ّ‬ ‫لحرّية كوزمولوجية‪ ،‬وليس‬ ‫وجــود‬ ‫وال‬ ‫ّ‬ ‫يؤدي‬ ‫للحرّية فلسفياً‪ ،‬كما ال ّ‬ ‫العلم رديف ًا ّ‬ ‫عبور حاجــز الفكر الدينــي‪ ،‬إلى المجال‬ ‫الحرّيــة‪،‬‬ ‫العقالنــي الوضعــي‪ ،‬إلــى‬ ‫ّ‬ ‫بالضــرورة‪ .‬يقــول بشــارة‪« :‬إذا كانــت‬ ‫الحرّيــة موضوع تنظيرات فلســفية ذات‬ ‫ّ‬ ‫معنًــى‪ ،‬فال بّد من أن تكــون‪ ،‬في رأينا‪،‬‬ ‫تنظيــرات فلســفية في مجــال األخالق‪،‬‬ ‫مقولتْين‪ :‬شرط األخالق‬ ‫وتتمحور حول‬ ‫َ‬ ‫والحرّية قيمة»‪.‬‬ ‫حرّية اإلرادة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحرّية‬ ‫أن‬ ‫بشارة‬ ‫يرى‬ ‫الرابع‪،‬‬ ‫في الفصل‬ ‫ّ‬ ‫الســالبة ال تظهــر بذاتهــا فــي التاريــخ‪،‬‬ ‫مجــردة‪ ،‬وال‬ ‫حرّيــة اختيار‬ ‫ّ‬ ‫ال بوصفهــا ّ‬ ‫الحرّية‪.‬‬ ‫هذه‬ ‫على‬ ‫قيد‬ ‫ألي‬ ‫بوصفها كسرًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحرّيــة الموجبة‬ ‫وفــي المقابــل ال تظهر ّ‬ ‫تحــرر؛‬ ‫صيــرورة‬ ‫وحدهــا مــن دون‬ ‫ُّ‬ ‫حرّيــة ســالبة‬ ‫بيــن‬ ‫فالتصنيــف القائــم‬ ‫ّ‬ ‫وأخــرى موجبــة هي‪ -‬في رأي بشــارة‪-‬‬ ‫ينتمــي إلــى تصنيفــات عقليــة لعناصر‬ ‫غيــر منفصلة في الظواهــر االجتماعية‪،‬‬ ‫الحرّية السالبة تنفي‬ ‫مع اإلشارة إلى أن ّ‬ ‫«التحرر من إكراه اإلنســان‬ ‫القيود‪ ،‬إنها‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫اتباع نمط حياة مفروض‪ ،‬ورفض‬ ‫علــى ِّ‬ ‫حرّيــة الحركة‪ ،‬وتكميــم األفواه‪،‬‬ ‫تقييــد ّ‬ ‫التجمع‪ ،‬والســجن العشــوائي‪.‬‬ ‫وحظــر‬ ‫ُّ‬ ‫حرّية اإلنســان بأن‬ ‫تشــمل‬ ‫لــم‬ ‫إذا‬ ‫وهــي‬ ‫ّ‬ ‫حرّيات‬ ‫في‬ ‫ّى‬ ‫ل‬ ‫تتج‬ ‫نــة‬ ‫معي‬ ‫بأفعال‬ ‫يقــوم‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫موجبــة‪ ،‬وتوفير الشــروط كــي يمارس‬ ‫مجــردة»‪.‬‬ ‫الحرّيــات‪ ،‬فإنهــا تبقى‬ ‫ّ‬ ‫هــذه ّ‬

‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬يصف بشارة الفصل‬ ‫والحرّيــات بـ(المصطنع)؛‬ ‫التحــرر‬ ‫بيــن‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫فالتحــرر عنده «انطالق يحمل اســتعدادًا‬ ‫ّ‬ ‫وقيَمــه‬ ‫للتضحيــة‪،‬‬ ‫وفــرح االنعتــاق‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ريْين‪...‬‬ ‫وينتج أدب ًا َ‬ ‫تحر َّ‬ ‫وفنّــ ًا ُّ‬ ‫الفاتنــة‪ُ ،‬‬ ‫للحرّيات والحقوق‬ ‫لكنــه إذا لم ِّ‬ ‫يؤســس ّ‬ ‫والمســؤولية عــن ممارســتها‪ ،‬ينقلــب‪-‬‬ ‫ضــده‪ .‬وهذا‪ -‬في َحــّد ذاته‪-‬‬ ‫غالبــاً‪ -‬إلى‬ ‫ِّ‬ ‫الحرّيــة الموجبــة‬ ‫ينفــي التمييــز بيــن ّ‬ ‫والحرّيــة الســالبة‪ ،‬علــى المســتوى‬ ‫ّ‬ ‫ــح التمييــز لحظياً‪،‬‬ ‫ص َّ‬ ‫التاريخــي‪ ،‬وإن َ‬ ‫وصّدقه الناس»‪.‬‬ ‫بالحرّيــة‪،‬‬ ‫حــول االنشــغال الفلســفي‬ ‫ّ‬ ‫يدور الفصــل الخامس من الكتاب‪ ،‬وفيه‬ ‫يواصــل بشــارة الخــوض فــي النقــاش‬ ‫المستمر في شــأن العالقة بين‬ ‫الفلســفي‬ ‫ّ‬ ‫ثم‬ ‫ومن‬ ‫اإلرادة‪،‬‬ ‫ــة‬ ‫ي‬ ‫وحر‬ ‫ة‬ ‫ّي‬ ‫ل‬ ‫الع‬ ‫ّّ‬ ‫حتميــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحــق في محاســبة اإلنســان‪ ،‬وال يرى‬ ‫ّ‬ ‫يلخص‬ ‫ّية‬ ‫والحرّية‪ ،‬إذا ِّ‬ ‫تناقض ًا بين العلّ‬ ‫ّ‬ ‫حرّيــة اإلنســان بأنه‪ ،‬في فعله نفســه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّيــة جديــدة ناجمــة‬ ‫يضيــف سلســلة علّ‬ ‫عــن اإلرادة والفعل‪ ،‬ويلفت إلى مســألة‬ ‫بالحرّيــة‪ ،‬وهي كون‬ ‫مرجعيــة مرتبطة‬ ‫ّ‬ ‫ــة سياســة ومجتمع‬ ‫قضي ً‬ ‫هــذه األخيــرة ّ‬ ‫واقتصاد‪ ،‬في الفكر الليبرالي المعاصر‪.‬‬ ‫ويطرح الفصل الســادس تساؤالت عّدة‪،‬‬ ‫الحرّية‬ ‫يجعلها ّ‬ ‫منصات نقاشــية لمسألة ّ‬ ‫والحرّيات‪ .‬يســأل‪ :‬ما نوع الوعي الالزم‬ ‫ّ‬ ‫السياســية؟ أتشترط‬ ‫الحرّيات‬ ‫ّ‬ ‫لممارســة ّ‬ ‫الحرّية هي‬ ‫ممارستها بها‪ ،‬أم أن ممارسة ّ‬ ‫لتطور هذا الوعي؟ يقول بشــارة‬ ‫شــرط‬ ‫ّ‬ ‫إن الوصول إلى درجات عليا من الوعي‬ ‫حرّيــة‬ ‫ليــس ممكنــ ًا مــن دون ممارســة ّ‬

‫الرأي والتعبيــر‪ ،‬واالجتماع‪ ،‬واالّتحاد‪،‬‬ ‫وحق الوصول إلى المعلومات‪ ،‬وغيرها‬ ‫ّ‬ ‫الحرّيات‬ ‫الحرّيــات‬ ‫ّ‬ ‫المدنية‪ .‬فتوافــر ّ‬ ‫مــن ّ‬ ‫الفردية شــرط الديمقراطيــة الليبرالية‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫كجــزء من حقوق المواطنة‬ ‫معطى‬ ‫وهي ً‬ ‫الحديثة‪ ،‬ويســأل‪« :‬إذا وقعت المفاضلة‬ ‫بين االســتقرار وحفــظ الحياة من جهة‪،‬‬ ‫فأيهما نختار؟»‬ ‫والحرّية من جهة أخرى‪ُّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهو‪ ،‬في نظره‪ ،‬السؤال الشائع‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫فــي المجتمعــات العربيــة؛ فاألنظمــة‬ ‫الحاكمــة تميــل إلــى تخييــر المحكومين‬ ‫بيــن االســتبداد والفوضــى‪ ،‬لكنــه‪ ،‬مع‬ ‫وهمي‪ ،‬فمن يعارض منح‬ ‫ســؤال‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫الحرّيات‪ :‬المدنية‪ ،‬والسياســية‪،‬‬ ‫الناس ّ‬ ‫عادة‪ -‬تأييــد الظلم‪ ،‬بل يقابل‬ ‫ال يّدعــي‪-‬‬ ‫ً‬ ‫الحرّيــة بقيمــة أخرى‪ ،‬مثــل الوطنية أو‬ ‫ّ‬ ‫يتهم‬ ‫االستقرار والحفاظ على األمن‪ .‬فهو َّ‬ ‫الحرّيــات المدنيــة والسياســية‬ ‫مطالــب ّ‬ ‫بأنها مؤامرة خارجية‪.‬‬ ‫الحرّيــة في العالم‬ ‫وإجابة عن إشــكالية ّ‬ ‫العربــي‪ ،‬يدعونــا بشــارة‪ ،‬فــي الفصل‬ ‫تأمل العالقة بين‬ ‫الســابع واألخير‪ ،‬إلى ُّ‬ ‫الحرّية‪ ،‬والعدالة‪ ،‬والتعريفات المرجعية‬ ‫ّ‬ ‫الســرديات العربية‪ ،‬ويصل بنا‬ ‫لهما في‬ ‫ّ‬ ‫الحرّية بوصفها شــرط ًا من‬ ‫إلــى إثبــات ّ‬ ‫يتغير مفهوم الناس‬ ‫شروط العدالة التي‬ ‫َّ‬ ‫لهــا‪ ،‬بالمعرفــة والممارســة؛ فـ«نظرياً‪،‬‬ ‫مركباً‪ ،‬ال يمكن تجاهله‬ ‫الحرّية ّ‬ ‫أصبحــت ّ‬ ‫عنــد الحديث عن العدالة ألســباب ثالثة‪:‬‬ ‫أهم‬ ‫أوالً‪َّ ،‬‬ ‫الحرّية أحد ّ‬ ‫ربمــا يكون تقييــد ّ‬ ‫التعبيرات عن الالمســاواة في الحقوق؛‬ ‫الحرّية‬ ‫ثانيــاً‪ّ ،‬‬ ‫ربمــا ينتــج‪ ،‬مــن تقييــد ّ‬ ‫بحّد ذاته‪ -‬المســاواة فــي الحقوق‪ ،‬ومن‬ ‫ســيما‬ ‫ثم ّ‬ ‫يــؤدي إلى انعــدام العدالة‪ ،‬ال َّ‬ ‫ّ‬ ‫تصور‬ ‫فــرض‬ ‫تحاول‬ ‫التي‬ ‫العدالــة‬ ‫تلــك‬ ‫ُّ‬ ‫عن الســعادة‪ ،‬قائــم لدى مــن يفرضها؛‬ ‫الحرّيــة أصبحــت‪ ،‬مــن‬ ‫ثالثــاً‪ ،‬ألن‬ ‫ّ‬ ‫الناحيــة الفكريــة‪ ،‬وفي حاجــات الناس‬ ‫وتوقُّعاتهم وتطلُّعاتهم‪ ،‬أحد الخيرات أو‬ ‫إحــدى المنافع االجتماعيــة‪ ،‬والوطنية‪،‬‬ ‫فأصبح لزاماً‪ -‬أيضــاً‪ -‬توزيعها توزيع ًا‬ ‫الحرّية السياســية‬ ‫عادالً‪ ،‬حيث أصبحت ّ‬ ‫إنسانية»‪.‬‬ ‫حاجة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫‪113‬‬


‫املدنية والعقالنية السياسية‬

‫د‪ .‬خالد طحطح‬

‫ُي َع ُّد موضوع الفكر السياسي اإلسالمي‬ ‫مــن المواضيــع الراهنيــة فــي ثقافتنــا‬ ‫العربية‪ ،‬اليوم‪ ،‬بالنظر إلى اإلشــكاليات‬ ‫المحوريــة المرتبطة بــه‪ ،‬من قبيــل الجدل‬ ‫بشــأن الجــذور المدنيــة للفكــر السياســي‬ ‫وصفاتــه النوعية‪ ،‬وكــذا إشــكالية عالقة‬ ‫الديــن بالسياســة والوحــي‪ ،‬وغيرهــا من‬ ‫اآلنيــة المرتبطــة بموضوع‬ ‫الموضوعات ّ‬ ‫الدولــة الدينيــة والدولــة المدنيــة‪.‬‬ ‫تتب َع األستاذ امحمد جبرون‪ ،‬في كتابه‬ ‫َّ‬ ‫وتطوره»‬ ‫«نشأة الفكر السياسي اإلسالمي‬ ‫ُّ‬ ‫(دراســة فــي المثلــث اإلشــكالي‪ :‬المدنيــة‪،‬‬ ‫واألصالــة‪ ،‬والعقالنيــة السياســية)‪،‬‬ ‫الصــادر عــن منتــدى العالقــات العربيــة‬ ‫والدوليــة‪ ،‬في الدوحــة‪ ،‬أواخــر ‪2015‬م‪،‬‬ ‫ـان المختلفــة ذات المنحى السياســي‬ ‫المظـ ّ‬ ‫فــي الثّقافــة اإلســامية‪ ،‬متجــاوزًا بذلــك‬ ‫ركزت على َفّن‬ ‫المقاربات التجزيئية التي َّ‬ ‫معين من َقبيــل اآلداب الســلطانية ومرايا‬ ‫َّ‬ ‫الملــوك‪ ،‬حيــث انتشــرت الدراســات التــي‬ ‫تناولت هذا الجنس من الكتابة بالدراســة‬ ‫والتحليــل والنقــد‪ ،‬بكثــرة‪ ،‬فــي العقــود‬ ‫األخيــرة‪.‬‬ ‫يقــع كتــاب «نشــأة الفكــر السياســي‬ ‫ـوره» فــي ‪ 254‬صفحــة‪،‬‬ ‫اإلســامي وتطـ ُّ‬ ‫توزعــت فصول الدراســة علــى أربعة‬ ‫وقد َّ‬ ‫‪114‬‬

‫فصول رئيســة‪ ،‬هي‪ :‬الســلطة السياســية‬ ‫وسلَّم)‪:‬‬ ‫في دولة الرسول (صلّى اهلل عليه َ‬ ‫ـكاليَتي‬ ‫دراســة فــي الجــذور المدنيــة إلشـ َّ‬ ‫الشــرعية والدولــة‪ ،‬وفي الفكر السياســي‬ ‫اإلســامي قبــل عصــر التدويــن‪ ،‬والفكــر‬ ‫السياسي اإلسالمي خالل عصر التدوين‪،‬‬ ‫وألهمّية هذا‬ ‫والفكــر السياســي الصوفــي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الكتاب‪ ،‬في مجاله‪ ،‬فإنه حاز على جائزة‬ ‫المغرب للكتاب‪ ،‬لهذه السنة (‪2016‬م)‪ ،‬في‬ ‫مناصفة‬ ‫صنف العلوم اإلنســانية‪ ،‬وذلك‬ ‫ً‬ ‫مع كتاب محمد ســرو الموســوم بــ«النظر‬ ‫ـب األندلســي بيــن ابــن‬ ‫والتجريــب فــي الطـ ّ‬ ‫رشــد وابــن زهــر»‪ ،‬الصــادر عــن المنظمــة‬

‫اإلســامية للتربيــة والعلــوم والثّقافــة‪،‬‬ ‫فــي الرباط‪.‬‬ ‫إن تجميع معطيات وأحداث وتواريخ‬ ‫ِ‬ ‫وحكم من التراث اإلسالمي بهدف ترسيخ‬ ‫معيــن للســلطة‪ ،‬ورســم صــورة‬ ‫تصــور َّ‬ ‫ُّ‬ ‫عــن الملــك المطلــق‪ ،‬يكــون فيــه الحاكــم‬ ‫أداة للمحافظــة علــى الســلطة‪ ،‬وتكــون‬ ‫الرعيــة في خدمــة الدولة الســلطانية‪ ،‬هو‬ ‫ّ‬ ‫الشــكل الذي غلب على إنتاجــات القراءات‬ ‫األرثودوكسية للفكر السياسي اإلسالمي‪.‬‬ ‫جمع غفير من‬ ‫تعام َل ٌ‬ ‫وبهذا الفهم التقليدي َ‬ ‫المؤلِّفيــن مع الواقــع الحالــي؛ فيبدو زمن‬ ‫الكتابــة وكأنــه منفصــل عــن الزمــن الــذي‬ ‫تبلورت فيه األفكار السياسية اإلسالمية‪،‬‬ ‫كمــا لــو أن التاريــخ توقَّف منــذ أمــد بعيد‪،‬‬ ‫تميــز أو إضافة‬ ‫يعبــر عن ُّ‬ ‫فليس هنــاك ما ِّ‬ ‫تختــرق الحالة التي يوجــد عليها الحاضر‬ ‫تميزت‬ ‫الفعلي‪ ،‬إذ الطابع التكــراري الذي َّ‬ ‫به هذه النصوص‪ ،‬جعل أغلب الباحثين‪،‬‬ ‫ممن تناولوا التراث السياســي اإلســامي‬ ‫َّ‬ ‫بالدراســة‪ ،‬يجمعون على التشــابه الكبير‬ ‫بين النصوص السلطانية؛ فهي نصوص‬ ‫تتطور‪ .‬صحيح أنها‬ ‫ال تنمو وال َت ْغتني وال‬ ‫َّ‬ ‫وو ِّجهــت إلى‬ ‫ُكِتبــت فــي أزمنــة متباعــدة‪ُ ،‬‬ ‫عصبيات ودول مختلفة‪،‬‬ ‫ملوك وأمراء من‬ ‫ّ‬ ‫مستعيدة‬ ‫إال أنها‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬ظلَّت تتناسل‬ ‫ً‬


‫محددة‪ ،‬من دون‬ ‫معيناً‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ووجهة َّ‬ ‫مضمون ًا َّ‬ ‫أي أفق في اإلبداع قادر على تطوير‬ ‫توليد ّ‬ ‫الرؤيــة وتنويــع الخطــاب رغــم التجــارب‬ ‫السياســية المتع ـّددة التــي عرفهــا العالــم‬ ‫ـوره المتالحقة‬ ‫اإلســامي خالل حقــب تطـ ُّ‬ ‫والممتّدة داخــل زمن التأريخ اإلســامي‪،‬‬ ‫فك َّتاب الســاطين الذين‬ ‫في مجراه العام؛ ُ‬ ‫خدموا في ســلك الدول لم يقّدموا إجابات‬ ‫مستفيضة للمشاكل الكبرى في عصرهم‪،‬‬ ‫كمــا لــم يقّدمــوا مشــاريع نظريــة متكاملــة‬ ‫تعالــج الواقــع المعيــش‪ ،‬بــل لجــأ أغلبهم‬ ‫المدونــة في‬ ‫إلــى اإلحالــة علــى الحكايــات‬ ‫َّ‬ ‫كتب اآلداب واألحكام الســلطانية‪.‬‬ ‫إننــا نجــد أنفســنا‪ ،‬فــي كثيــر مــن كتــب‬ ‫النــص الواحــد‪-‬‬ ‫مرايــا الســاطين‪ ،‬أمــام‬ ‫ّ‬ ‫ـاص‪ ،‬فالمحاور‬ ‫آليــة التنـ ّ‬ ‫المتعـّدد بفضــل ّ‬ ‫وتعاد بطرق جديدة‪ ،‬فهل نستطيع‬ ‫تتكرر ُ‬ ‫ّ‬ ‫نص واحــد؛ أي إن التعّدد‬ ‫القول إننا أمام ّ‬ ‫الظاهري للنصوص يخفي وحدة الرسالة‬ ‫ويرتب قواعد‬ ‫الجامعة ّ‬ ‫لكل هذه المصنَّفات‪ِّ ،‬‬ ‫يتغيــر؟ فــي‬ ‫ال‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫واح‬ ‫ـط‬ ‫ـ‬ ‫نم‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ضم‬ ‫كتابتهــا‬ ‫َّ‬ ‫اب‬ ‫نظر ّ‬ ‫عزالدين العـّـام ال يمكن اعتبار ُك َّت ُ‬ ‫اآلداب السلطانية أصحاب نظرية سياسية‬ ‫جديدة‪ -‬باستثناء عبد الرحمن ابن خلدون‪-‬‬ ‫ـن َسـ َـبقهم‪ ،‬أي‬ ‫بــل هــم مجـ َّـرد لواحــق ِلَمـ ْ‬ ‫حلقــة فــي سلســلة طويلــة‪ ،‬تبــدأ مــن أبي‬ ‫بكــر المــرادي الــذي نقــل مــا قالــه المشــرق‬ ‫ويلخص أبو‬ ‫حول السياسة الســلطانية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫القاســم بن رضوان ما قاله المرادي وأبو‬ ‫يكرر أبوعبد اهلل بن‬ ‫بكر الطرطوشــي‪ ،‬ثم ّ‬ ‫كل هــؤالء علــى المنــوال‬ ‫األزرق مــا قالــه ّ‬ ‫ذاته‪ ،‬ويرى أن هذه السلســلة ســرعان ما‬ ‫وك َّس َرت معها المجتمع السلطاني‪،‬‬ ‫َت َك َّس َر ْت َ‬ ‫بمؤسساته التقليدية‪ ،‬أمام ضربات أوروبا‬ ‫ّ‬ ‫الحداثة؛ فالعقل السياسي السلطاني الذي‬ ‫كـ َّـرس نفســه‪ ،‬طيلــة مئــات الســنين‪ ،‬لــم‬ ‫أول مواجهة‬ ‫يســتطع تحقيق الصمود في َّ‬ ‫بين الشرق والغرب‪ ،‬خالل القرن التاسع‬ ‫عشر ومطلع القرن العشرين‪ ،‬ألنه خطاب‬ ‫يمكنه من الصمود‬ ‫لم‬ ‫يتطور بالشكل الذي ِّ‬ ‫َّ‬ ‫المتغيــرات الجديــدة التــي بــدأ‬ ‫وجــه‬ ‫فــي‬ ‫ِّ‬ ‫التفكيــر السياســي األوروبــي يعرفهــا منذ‬

‫تحررت السياسة‪ -‬منذئذ‪،‬‬ ‫القرن ‪16‬م‪ ،‬حيث ّ‬ ‫وبالتدريــج‪ -‬مــن تأثيــرات رجــال الديــن‪،‬‬ ‫المؤسســات المدنية القائمة‬ ‫وســادت قيم‬ ‫ّ‬ ‫والمواطنــة‪ ،‬وفصل‬ ‫ـون‬ ‫ـ‬ ‫القان‬ ‫على مبادئ‬ ‫َ‬ ‫السلطات‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إن الوظيفــة األساســية التــي أنشــئت‬ ‫مــن أجلهــا الكتابــة السياســة الســلطانية‪-‬‬ ‫بحســب كمــال عبــد اللطيــف‪ -‬تتح ـّدد فــي‬ ‫الــدور التبريــري فــي إعــادة إنتــاج أخالق‬ ‫المدعمــة لالســتبداد الســلطاني‬ ‫الطاعــة‬ ‫ِّ‬ ‫معينــة‬ ‫قــراءة‬ ‫إلــى‬ ‫باالســتناد‬ ‫الســائد‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫للنصــوص الدينيــة‪ ،‬تضــع الملــوك فــي‬ ‫ـتأمنين علــى الديــن‪ ،‬ومصير‬ ‫مرتبــة المسـ َ‬ ‫العباد‪ ،‬فالكاتب السلطاني يحاول التوفيق‬ ‫بيــن تجــارب األقدميــن‪ِ ،‬‬ ‫وح َكــم األوائــل‪،‬‬ ‫وأقــوال الملــوك والحكمــاء‪ ،‬يضــاف إليها‬ ‫ِح َك ٌم من التاريخ المحلّــي‪ ،‬ونصوص من‬ ‫الشــرع اإلســامي‪ ،‬وذلك في إطار سعيه‬ ‫تبرر مشــروعية‬ ‫إلنتــاج سياســية ملوكية ّ‬ ‫استبدادية الدولة الوقتية‪ ،‬وتنتصر لتدابير‬ ‫السلطة السائدة واختياراتها‪ ،‬وتحذِّر من‬ ‫مغبــة الخــروج عنهــا‪ ،‬كمــا تنشــر أخــاق‬ ‫ّ‬ ‫العامة‪ ،‬وتحــذِّر من‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫بي‬ ‫والصبر‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الطاع‬ ‫ّ‬ ‫بحجة المحافظة‬ ‫مغبة الخروج والعصيان‪َّ ،‬‬ ‫وتجنــب‬ ‫علــى النظــام ووحــدة الجماعــة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫زهــق فيهــا األرواح‪ ،‬فظلَّت‪،‬‬ ‫الفتــن التــي ُت َ‬ ‫بذلــك‪ ،‬حبيســة الفهــم التقليــدي والتفكيــر‬ ‫السياســي المــوروث‪.‬‬ ‫اســتوعب المؤلِّــف امحمــد جبــرون‪،‬‬ ‫جيــد‪ ،‬تقاليد السياســة‬ ‫في كتابــه‪ ،‬بشــكل ِّ‬ ‫الملوكية‪ ،‬وأخالقها‪ ،‬كما صاغتها كتابات‬ ‫أهمّيــة‬ ‫مرايــا األمــراء‪ ،‬كمــا َّ‬ ‫ــه إلــى ّ‬ ‫تنب َ‬ ‫مســاهمات باقــي األجنــاس األخــرى مــن‬ ‫محترمــ ًا‬ ‫مهمشــة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫الكتابــات التــي ظلَّــت َّ‬ ‫التسلســل الزمني لظهورها (عصــر ما قبل‬ ‫التدوين‪ -‬عصر التدوين)‪ ،‬ونلمس في هذا‬ ‫مظان متعّددة‪ ،‬بل نجد‬ ‫المؤلَّف تقاطعات‬ ‫ّ‬ ‫ال بيــن المواضيع التــي يتناولها؛ ما‬ ‫تكام ً‬ ‫أهمّية ما طرح من أفــكار وقضايا‬ ‫ـح‬ ‫يوضـ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫تتجاوز إشكاليات الماضي‪ ،‬وتغوص في‬ ‫قلب انشــغاالت العصــر الذي نعيــش فيه؛‬ ‫ممــا قّد َمتــه كتابــات‬ ‫إذ حــاول االســتفادة ّ‬

‫الكالم السياسي‪ ،‬بشّتى تالوينها‪ ،‬لإلجابة‬ ‫عن إشــكاليات الواقع السياســي الحالي‪،‬‬ ‫وتبــدو الرؤيــة المقاصديــة القائمــة علــى‬ ‫فهــم جديــد للعالقــة‪ ،‬بين مــا هو سياســي‬ ‫ـرة فــي ثنايــا هــذا‬ ‫ومــا هــو دينــي‪ ،‬حاضـ ً‬ ‫العمل؛ فالمنزع العقلي واالّتجاه المقاصدي‬ ‫يمكــن عّدهمــا مــن أهـ ّـم المالمــح البــارزة‬ ‫التوجــه الجديــد مــن الكتابــة‪ ،‬التــي‬ ‫لهــذا‬ ‫ُّ‬ ‫تهــدف إلــى مراجعــة عــدد مــن المســلَّمات‬ ‫الخاطئــة‪ ،‬فــي مجــال العالقــة بيــن الديــن‬ ‫والسياسة‪ ،‬كما تبتغي القطع مع خطابات‬ ‫شــرعنة االســتبداد الســائدة فــي نصوص‬ ‫التــراث السياســي اإلســامي؛ إذ أعــاد‬ ‫تركيب النصوص وترتيبهــا وتبويبها في‬ ‫ـام‪ -‬مــع‬ ‫متــن جديــد‪ ،‬يتناقــض‪ -‬بشــكل تـ ّ‬ ‫القــراءات األرثوذوكســية الس ـَلفية‪ ،‬التــي‬ ‫ظلــت تفســيراتها بعيــدة‪ ،‬فــي مضمونهــا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كل البعــد عــن الواقــع والتاريــخ الفعلــي‬ ‫ّ‬ ‫الــذي أفــرز الممارســة السياســية المدنيــة‬ ‫فــي التجربــة التاريخية اإلســامية‪.‬‬ ‫اجتهد األستاذ جبرون‪ ،‬في هذا الكتاب‪،‬‬ ‫لتعريفنــا بالفكــر السياســي اإلســامي‪،‬‬ ‫علمية‬ ‫بصــورة تســمح ببنــاء وجهــة نظــر ّ‬ ‫حول جذور المدنية والعقالنية السياسية‬ ‫فــي االجتمــاع السياســي اإلســامي‪،‬‬ ‫وتطــوره‪ .‬وهــو ينتمــي إلــى فئــة ُك َّتــاب‬ ‫ُّ‬ ‫يتوخون مراجعة الفكر‬ ‫ممن‬ ‫َّ‬ ‫الجيل الجديد َّ‬ ‫حالياً‪ ،‬وهي مراجعات‬ ‫السياسي اإلسالمي ّ‬ ‫تصطدم بكثير من العوائق المرتبطة ببنية‬ ‫التفكيــر الدينــي المــوروث؛ حيــث يصعب‬ ‫الهويات األيديولوجية واألهواء‬ ‫التحرر من ّ‬ ‫ُّ‬ ‫السياســية القاتلــة‪ .‬وقد ســبق للباحث أن‬ ‫تناول‪ ،‬بالدراسة‪ ،‬موضوع مفهوم الدولة‬ ‫وحتمية الحداثة‪،‬‬ ‫اإلسالمية‪ :‬أزمة األسس‬ ‫ّ‬ ‫فــي كتــاب صــدر عــن المركــز العربــي‬ ‫لألبحــاث ودراســة السياســات‪ ،‬ســنة‬ ‫‪ .2014‬ومــن المهـّـم اإلشــارة‪ -‬أيضـاً‪ -‬إلى‬ ‫أن أطروحة الباحث لنيل شهادة الدكتوراه‬ ‫تطــر َق فيهــا لموضــوع الفكــر السياســي‬ ‫َّ‬ ‫اإلســامي فــي بــاد المغــرب واألندلــس‪،‬‬ ‫خــال القــرن الخامــس الهجري‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫ٍ‬ ‫تبادل خصب للرســائل‪ ،‬وتلميحات‬ ‫تســع ّإل إلى‬ ‫عالقاتهــم العاطفية‪ ،‬لم‬ ‫َ‬

‫متفرقة بالنســاء اللواتي‬ ‫حميمــة في مؤلَّفاتهم األدبية‬ ‫َّ‬ ‫المتخيلة‪ ،‬ولقاءات ِّ‬

‫درك»‪ ،‬ذلك االمتالء المرغوب به‪،‬‬ ‫أحب ّ‬ ‫ّ‬ ‫وهن‪ .‬حيث المرأة هي الصورة الممكنة لما «ال ُي َ‬

‫الدال على متعة العيش‪ّ .‬إل أن‬ ‫الحب‪ ،‬حيناً‪ ،‬والحلم‪ ،‬أحيان ًا أخرى‪ّ ،‬‬ ‫بشّدة‪ ،‬من خالل ّ‬

‫كالمهم عن هذه العاطفة كان أكثر من تلك اللقاءات الحقيقية مع ذات المرأة المعشوقة‪،‬‬ ‫جراء الخوف منه‪،‬‬ ‫فيما االّتصال الجسدي هو األشّد ً‬ ‫ندرة‪ ،‬بل غالب ًا ما كان ّ‬ ‫يتم تفاديه ّ‬

‫المغوي‪ ،‬كأرواح‬ ‫ُّ‬ ‫والتشــكك بقيمته‪ ،‬أو حتى احتقاره‪ .‬كائنات عاشــت عذاب العزلــة ُ‬ ‫تائهة‪ ،‬استنفدت تجوالها داخل حلقات صغيرة‪.‬‬

‫حياة لم تدركها فرادة الكتابة وبالغة األمنيات‬ ‫د‪ .‬سعد القصاب‬ ‫شــيء مــا‪ ،‬ال يمكــن وصفــه أو تعيينــه‬ ‫بدقّة‪َ ،‬مَنع ثالثة مبدعين كبار‪ :‬فرانز كافكا‬ ‫(روائي تشكي)‪ ،‬وفيرناندوا بيسوا (شاعر‬ ‫برتغالــي)‪ ،‬وتشــيزاري بافيــزي (شــاعر‬ ‫وروائــي إيطالــي)‪ ،‬فــي أن يكونــوا داخــل‬ ‫تخيلوها‪ ،‬وحلموا‬ ‫العالم‪ ،‬بالطريقة التــي َّ‬ ‫ثمــة مشــابهات حياتيــة ووجوديــة‬ ‫بهــا‪ّ .‬‬ ‫أطَرت حضورهم اإلنساني‪ :‬كانوا مجّدين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بش ـّدة‪ ،‬في البحث عن الســعادة‪ ،‬لكنهم لم‬ ‫يســتطيعوا أن ينشــئوا (أو يديمــوا) عالقــة‬ ‫ذات طبيعة ثابتة مع اآلخريــن‪ .‬جميعهم‪،‬‬ ‫لم يتجــاوز واحدهــم الخمســين مــن العمر‪:‬‬ ‫ـن األربعين‪،‬‬ ‫كافــكا وبافيــزي توفِّيا فــي سـ ّ‬ ‫وبيســوا فــي الســابعة واألربعيــن‪ ،‬بســبب‬ ‫يتزوجــوا‪ ،‬ولــم‬ ‫المــرض أو االنتحــار‪ .‬لــم ِّ‬ ‫أبناء‪ ،‬لكنهم كتبوا من دون هوادة‪.‬‬ ‫ينجبوا ً‬ ‫بافيزي نال الشــهرة والتكريم فــي حياته‪،‬‬ ‫فيما كافكا وبيســوا رحال مــن دون أن يروا‬ ‫انتشــارًا ألعمالهــم‪ .‬هــم‪ ،‬كذلــك‪ ،‬شــهود‬ ‫عالميَتْيــن‪ ،‬شــهدتا هزائــم أوروبــا‬ ‫حربْيــن‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫‪116‬‬

‫وانتصاراتهــا‪.‬‬ ‫تلــك المشــابهات‪ ،‬هــي بمثابــة أســباب‬ ‫علَلت اختيــار الكاتــب واألكاديمي‬ ‫مناســبة َّ‬ ‫األرجنتينــي‪« ،‬لويــس غــروس‪Luis -‬‬ ‫‪ »Gruss‬للكتابــة عنهــم مجتمعيــن‪.‬‬ ‫ــدرك»‬ ‫كتابــه الــذي حمــل عنــوان «مــا ال ُي َ‬ ‫ترجمــة‪ :‬د‪ .‬زينــب بنيايــة‪ ،‬مشــروع كلمة‪،‬‬ ‫أبوظبــي‪ ،2016 ،‬هــو تعبيــر ملتبــس‪،‬‬ ‫والحب‪،‬‬ ‫يســتدعي مضاهاة ممكنة للمرأة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بقوة‪،‬‬ ‫فيه‬ ‫ولكل شــيء مرغــوب‬ ‫والحياة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫عــدا كونــه توصيفـ ًا لمســيرتهم التــي كانت‬ ‫تخيلوها‪،‬‬ ‫بمثابة انطالق دائم نحو عوالم َّ‬ ‫ّإل أن قدرتهــم علــى تحقيــق أمنياتهــم التي‬ ‫واظبوا على تفســيرها في كتاباتهم جاءت‬ ‫شــحيحة بامتيــاز‪.‬‬ ‫ــدرك» حمــل‪-‬‬ ‫كتــاب غــروس «مــا ال ُي َ‬ ‫ًّ‪« :‬النســاء فــي‬ ‫أيضــاً‪ -‬عنوانــ ًا ثانويــ ًا دال‬ ‫حيــاة وأعمــال فرانــز كافــكا‪ ،‬وفرنانــدو‬ ‫بيسوا‪ ،‬وتشــيزاري بافيزي»‪ .‬كتاب يبحث‬ ‫فــي العالقــة مــع هــؤالء المبدعيــن ومكانــة‬

‫الشاق والشائك‬ ‫الحب لديهم‪ ،‬عبر التواصل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مع المرأة‪ ،‬كمــا يتصفَّح طرائق انشــغالهم‬ ‫باألدب وأفكارهــم حول الحيــاة؛ هم الذين‬ ‫كتبوا نصوص ـ ًا حاشــدة بالفــرادة والقيمة‬ ‫اإلبداعيــة الشــديدة االســتثناء‪ ،‬وأنتجــوا‬ ‫أعمــا ًال إنســانية متألِّقــة‪ّ ،‬إل أن مفارقتهــم‬ ‫تتجســد فــي حياة لم‬ ‫الوجوديــة الوحيدة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ـدرك»‪.‬‬ ‫تلحــق بـ«ما ال ُيـ َ‬ ‫ثيمــة جوهريــة ســكنت صفحاتــه التــي‬ ‫ــدرك بشــكل‬ ‫يصفهــا المؤلِّــف‪« :‬ال شــيء ُي َ‬ ‫مطلــق‪ ،‬وال حتى تلك األشــياء التي ننالها‬ ‫بســخاء‪ ،‬فــي بــادئ األمــر‪ ،‬ونحتفــظ بهــا‬ ‫لبعض الوقت»؛ مثل هذه المفارقة العتيدة‬ ‫هي ما استدعى قراءة نصوصهم‪ ،‬والبحث‬ ‫في إعــان أمنياتهم ومشــاعرهم‪ ،‬بوصفها‬ ‫ألغــازًا تدعــو إلى اكتشــافها‪.‬‬ ‫الكتــاب يمضــي فــي تداعيــات األســئلة‬ ‫ـب‪ ،‬والمــرأة‪،‬‬ ‫المحيــرة عــن العيــش‪ ،‬والحـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫والكتابــة‪ ،‬هــو بحــث فــي األعمــال التــي‬ ‫تأهلهم في الحياة‪ ،‬وعبر‬ ‫َّ‬ ‫تشكلت من خالل ُّ‬


‫معرفة تحاول الكشــف عــن بواعث غامضة‬ ‫ـخصيات كتبهم‪ ،‬وحيواتهــم التي تصل‬ ‫لشـ ّ‬ ‫من الماضي غيــر واضحــة‪ ،‬إذ ليس هناك‬ ‫المدونة في نصوصهم‪ .‬لم‬ ‫ســوى ِسـ َـيرهم‬ ‫َّ‬ ‫يتمكنــوا مــن تأســيس وحــدة تجمــع بيــن‬ ‫َّ‬ ‫الحياة العاطفية واإلبداع‪ ،‬ذلك الذي وهبوا‬ ‫كشفْتها‬ ‫له أنفسهم‪ .‬صور حرمان متعّددة‪َ ،‬‬ ‫رســائلهم‪ِ ،‬‬ ‫ويومياتهــم‬ ‫وسـَـيرهم الذاتيــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المفعمــة بالتــوق والرغبة المليئــة‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫بمشــاعر اإلحبــاط‪ ،‬المحتشــدة بهواجــس‬ ‫بالحــب‪ ،‬كذلــك‪.‬‬ ‫الوحــدة‪ ،‬والمغمــورة‬ ‫ّ‬ ‫أسســوا طبيعــة عالقــات وطرائــق عيــش‬ ‫ّ‬ ‫كانــوا يتمنّون بقاءهــا الدائــم‪ ،‬لكنها انتهت‬ ‫بصــورة عابــرة‪.‬‬ ‫المتقشــف‬ ‫كافــكا (‪،)1924 - 1883‬‬ ‫ِّ‬ ‫والمرهف‪ ،‬المرأة‪ -‬بالنســبة إليه‪ -‬محاولة‬ ‫للهروب من سلطة األب القاسي الذي احتقر‬ ‫موهبــة ابنــه األدبيــة‪ .‬الشــعور بالوحــدة‬ ‫والذنــب كان مالزم ًا لــه مــن دون أن يعرف‬ ‫يتمكــن من إقامــة عالقــة عاطفية‬ ‫لماذا‪ .‬لــم َّ‬ ‫ثابتــة‪ ،‬فلــم يحتفــظ‪ -‬تقريب ـاً‪ّ -‬إل بصديــق‬ ‫واحد‪ .‬يخاف العالم والحيــاة‪ ،‬فيما الكلمة‬ ‫مــاذه األخيــر‪« :‬إذا مــا تركــت األدب يوماً‪،‬‬ ‫أتوقــف عــن الحيــاة»‪ ،‬هكــذا يذكــر‬ ‫فســوف َّ‬ ‫يومياتــه‪ .‬ضــروب الخلــق الفّنــي لديه‬ ‫فــي ّ‬ ‫تعّلــة للتواصــل مع العالــم‪ ،‬وعبــر طبيعة‬ ‫يومياته‪ .‬وصفته‬ ‫وجود‪ ،‬كشفت عنها دفاتر ّ‬ ‫صديقتــه فــي إعــان نعيــه‪ ،‬عــام ‪،1929‬‬ ‫في إحــدى الصحف‪« :‬كانت لديه حساســية‬ ‫تقــارب اإلعجــاز‪ ،‬ونقــاء أخالقــي صــارم‬ ‫إلــى أبعــد َح ـّد‪ ...‬كان يــرى عالم ـ ًا مملــوءًا‬ ‫مرئيــة تحــارب األشــخاص‬ ‫بشــياطين ال ّ‬ ‫وتدمرهــم»‪.‬‬ ‫الضعفــاء‪ِّ ،‬‬ ‫مشــيد مــن التيــه‪،‬‬ ‫أألدبــي‬ ‫كان عالمــه‬ ‫َّ‬ ‫ومســكون بأشــخاص مــن رجــال ونســاء‬ ‫ال يعرفــون مــن أيــن أتــوا‪ ،‬وإلــى أيــن هــم‬ ‫ذاهبون‪ ،‬آثمون من دون ذنب‪ ،‬يتساءلون‪،‬‬ ‫لكــن دون إجابــة‪ُ ،‬و ِجــدوا كــي َيحيــوا فــي‬ ‫عالــم مجـ َّـرد مــن اإلنســانية‪.‬‬ ‫بيسوا «‪ ،»1935 - 1888‬الشاعر المعادي‬ ‫وللتعصب والجهل‬ ‫للشيوعية واالشتراكية‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫مختصــرة‬ ‫ـذة‬ ‫ـ‬ ‫نب‬ ‫ـي‬ ‫مع ـاً‪ ،‬كمــا ذكــر ذلــك فـ‬ ‫َ‬ ‫وجّدة‬ ‫عن نفســه‪ .‬عــاش مــع ّ‬ ‫عمــة عزبــاء‪َ ،‬‬ ‫مجنونــة‪ ،‬كتــب بأســماء أدبيــة ألشــخاص‬ ‫تخيل‬ ‫مســتعارين‪ِ .‬سـ َـمُته األكثــر وضوحـ ًا ُّ‬

‫وهمييــن‪ ،‬يعطيهــم ِسـ َـيرًا‬ ‫ُكّتــاب وشــعراء‬ ‫ِّ‬ ‫ذاتيــة مختلقــة‪ :‬البــرودي كامبــوس‪،‬‬ ‫برناردوسوارس‪ ،‬ريكاردو ريس‪ ،‬البيرتو‬ ‫كائيــرو‪ ،‬وجميعهــم ينتهــون شــباباً‪ ،‬أو‬ ‫ـارة أخــرى‪ .‬عـّـرف نفســه‬ ‫يغــادرون إلــى قـ ّ‬ ‫البصري)‪ ،‬وكان فعله في الحياة‬ ‫بـ(العاشق َ‬ ‫هــو الكتابــة‪.‬‬ ‫فيمــا قضــى تشــيزاري بافيــزي «‪1902‬‬ ‫ ‪ »1950‬منتحــراً‪ ،‬فــي غرفة فنــدق بمدينة‬‫تورينــو اإليطاليــة؛ تلــك كانــت لحظــة‬ ‫الخاصــة‪ ،‬يكتــب‪« :‬كانــت لديــك‬ ‫تضحيتــه‬ ‫ّ‬ ‫كل الظــروف المالئمــة‪ ،‬لكنــك تبحــث عــن‬ ‫ّ‬ ‫الهزيمــة»‪ .‬عــاش تحــت إحســاس عــارم‬ ‫بصعوبــة االرتبــاط بالعالــم الواقعــي‪،‬‬ ‫تحمــل الصــراع‪« :‬إذا‬ ‫وتراجــع دائــم عــن ُّ‬ ‫مــا ُوِلــدت مــن جديــد‪ ،‬فعليــك أن تمضــي‬ ‫ببــطء‪ ..‬إن لــم تفعــل ذلــك فســوف تخســر‬ ‫مستقرة‬ ‫الكثير»‪ .‬لم يقم‪ ،‬أبداً‪ ،‬بارتباطات‬ ‫ّ‬ ‫يتصور‬ ‫إذ‬ ‫مع امــرأة‪ ،‬كان كارهـ ًا للنســاء‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الحســية أكثــر‬ ‫أنهــن ينجذبــن إلــى العالقــة ّ‬ ‫ـب‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫مــن كونهــن حائــرات بســبب الح ّ‬ ‫ــدت رســائلهم التــي غلبــت عليهــا‬ ‫ُع َّ‬ ‫الملحة‬ ‫الحاجة‬ ‫بدافع‬ ‫والقائمة‬ ‫االعترافات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إلــى تواصــل حقيقــي‪ ،‬وبنــاء جســور مــع‬ ‫الحياة والمــرأة‪ ،‬أحد المراجع للكشــف عن‬ ‫وذاتي ًة‪،‬‬ ‫سرّي ًة‬ ‫ّ‬ ‫عواطفهم ومشاعرهم األكثر ّ‬ ‫متميزاً؛‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫خطابي‬ ‫وكانت‪ ،‬كذلــك‪ ،‬أنموذج ًا‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫جيدة‪ .‬خطابات‪،‬‬ ‫الحتوائها على نصوص ِّ‬ ‫لعبت دورًا في التواصل مع معشــوقاتهم‪،‬‬ ‫طياتهــا‪ ،‬هاجــس‬ ‫خبــأت‪ ،‬بيــن ّ‬ ‫حتــى وإن َّ‬ ‫عليهــن‪ :‬كافــكا إلــى فليســي‪،‬‬ ‫االســتحواذ‬ ‫ّ‬ ‫وميلينــا‪ ،‬بيســوا إلــى أوفيليــا‪ ،‬بافيــزي‬ ‫إلــى كونســتانس‪ ،‬ودوريــس‪ ،‬وفرنــادا‬ ‫بيفانــو‪ ،‬وأخريــات‪ ،‬تلــك الرســائل التــي‬ ‫كانت تمضي‪ ،‬بانتظام وحماس‪ ،‬بطابعها‬ ‫ـاص‪ ،‬وكأنهــا ذريعــة كــي‬ ‫الشــخصي والخـ ّ‬ ‫ويتحدثوا إلى ذواتهم‪،‬‬ ‫يحاوروا أنفســهم‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫تطرقوا فيها لموضوعات عّدة‪،‬‬ ‫من خاللها‪َّ .‬‬ ‫الحب والجنس والموت واألدب‪ ،‬لكنها‪-‬‬ ‫في ّ‬ ‫فــي الوقــت ذاتــه‪ -‬شـ َّـكلت صعوبــة ألولئك‬ ‫النساء‪ .‬تذكر ملينا عن رسائل كافكا‪« :‬حتى‬ ‫وإن قلَّبتهــا ونفضتهــا بجميــع االّتجاهات‪،‬‬ ‫فالشــيء يســقط منها»‪.‬‬ ‫هذا الحديث مع الغائب‪ ،‬حيث الحضور‬ ‫األنثوي‪ -‬بالنســبة إليهــم‪ -‬يماثــل الغياب‪،‬‬

‫ستشكل‬ ‫مذكراتهم‪ ،‬التي‬ ‫ِّ‬ ‫يستمر‪ ،‬كذلك‪ ،‬مع ِّ‬ ‫ّ‬ ‫الملهمون خسارتهم‬ ‫هؤالء‬ ‫فيه‬ ‫أفرغ‬ ‫‪،‬‬ ‫وعاء‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫تكبدوهــا‪ ،‬ولحظاتهــم الحرجــة فــي‬ ‫التــي‬ ‫َّ‬ ‫يفكرون كثيرًا كي يعشــقوا‪.‬‬ ‫الحيــاة‪ .‬كانوا ِّ‬ ‫أفكارهــم الكثيــرة‪ ،‬فــي تأويــل خيباتهــم‬ ‫العاطفيــة‪ ،‬وفــي عالــم رغبــوا فــي الدخول‬ ‫إليــه‪ ،‬لم تكــن‪ -‬في حقيقتها‪ -‬ســوى شــكل‬ ‫من أشــكال التواصل مــع عزلتهــم‪ .‬لقد كان‬ ‫رهانهم الغريب هو قول الكثير عن أنفسهم‪.‬‬ ‫طياتهــا األكثــر‬ ‫كتابــات تغــوص فــي ّ‬ ‫بالتكهــن والمخــاوف‪،‬‬ ‫ســرّية‪ ،‬مطبوعــة‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫والتفاصيــل اليوميــة الصغيــرة‪ ،‬تتخلَّلهــا‬ ‫دعوات دائمــة للوحــدة والســكينة‪ ،‬كطرق‬ ‫للعيش في حيــاة‪ ،‬يعّدونهــا تقليدية وغير‬ ‫مثيــرة لالهتمــام؛ لــذا يتركــون ذواتهــم‬ ‫تنجــرف بالكتابة إلى مــا هو غيــر متوقَّع‪،‬‬ ‫ويهاجمــون‪ -‬غالب ـاً‪ -‬عالم ـ ًا غريب ـ ًا عنهــم‪،‬‬ ‫ـن الضحايــا المختــارات‬ ‫وحيــث النســاء هـ ّ‬ ‫لخطاباتهــم تلــك‪.‬‬ ‫نــداء رغبــةٍ‬ ‫النســاء‪ -‬بالنســبة إليهــم‪ُ -‬‬ ‫عابــر‪ ،‬صديقــات حميمــات‪ ،‬عشــيقات‪،‬‬ ‫خطيبات‪ ،‬فتيات عابــرات‪ ،‬لكنهن‪ -‬غالباً‪-‬‬ ‫عســيرات المنــال‪ ،‬كائنــات غيــر متوقَّعــة‪،‬‬ ‫تجعلهــن‬ ‫يخبئــن فــي ذواتهــن ألغــازاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ومتخيــات‪،‬‬ ‫الفهــم‪،‬‬ ‫علــى‬ ‫مســتعصيات‬ ‫َّ‬ ‫اختراعهــن‪،‬‬ ‫ليــس بوســع األخــر ســوى‬ ‫ّ‬ ‫لكــن خلــف قنــاع عاطفــي‪ ،‬ال يخلــو مــن‬ ‫ـن الدائــم هــو بمثابة‬ ‫التمجيــد‪ .‬إن حضورهـ ّ‬ ‫مجــاز وامتــاك يفتقــد إلــى اليقيــن‪ .‬كانــت‬ ‫ثمــة أبــواب موصــدة فــي ذلــك البيــت الذي‬ ‫ّ‬ ‫يدعــى المــرأة‪.‬‬ ‫علــى العكس مــن ذلــك‪ ،‬شــكلَّت الكتابة‬ ‫ا عــن الحيــاة‬ ‫لهــم خيــارًا وحيــدًا وبديــ ً‬ ‫والحب الدائم‪ ،‬وطريق ًا للخالص‪،‬‬ ‫والعاطفة‬ ‫ّ‬ ‫وسيطرة على عالم‪ ،‬لم يألفوه كثيراً‪ .‬حتى‬ ‫أن مؤلَّفاتهم لم ُتكَتب بهدف نشرها‪ ،‬أو من‬ ‫أجل تغيير العالم الذي كانوا يعيشون فيه‪.‬‬ ‫لقــد فعلــوا ذلــك مــن أجــل البقــاء وتحقيــق‬ ‫ذواتهم‪ ،‬بوصفهم أفــراداً‪ .‬كانــت كتابة من‬ ‫تتأمــل هدفـ ًا نــادراً‪ ،‬مــن مكان‬ ‫أجــل ذاتهــا‪َّ ،‬‬ ‫بعيــد‪ ،‬وكأن قبــول فقدانهم‪ ،‬ذلــك الذي «ال‬ ‫ـدرك»‪ ،‬هــو عاطفتهــم الممكنــة‪ ،‬ولحظــة‬ ‫ُيـ َ‬ ‫تمضي في التواصل مع وجودهم وعزلتهم‪.‬‬ ‫‪117‬‬


‫السماء عىل نحو وشيك‪..‬‬ ‫رغبات موازية للموت والالعودة!‬ ‫إبراهيم عادل‬ ‫«الســماء علــى نحــو وشــيك» عنــوان‬ ‫الكتــاب الجديــد للروائــي المصــري عــزت‬ ‫القمحــاوي‪ ،‬الصــادر‪ ،‬مؤخــراً‪ ،‬عــن «دار‬ ‫بتانة المصرية»‪ ،‬وهو مجموعة قصصية‪،‬‬ ‫ـص‪ ،‬بعدمــا كان‬ ‫تأتــي انتصــارًا َ‬ ‫لفـ ّ‬ ‫ـن القـ ّ‬ ‫«القمحــاوي» قــد ابتعــد عنــه منــذ أكثر من‬ ‫‪ 15‬عام ـاً‪ ،‬عند إصــدار مجموعتــه الثانية‬ ‫«مواقيــت البهجــة»‪ ،2000 ،‬وقبلهــا «في‬ ‫بــاد التــراب والطيــن»‪ .1992 ،‬بعدهــا‪،‬‬ ‫جذبته نّداهة «الرواية» ليخرج لنا بأربع‬ ‫مهمة‪.‬‬ ‫روايــات ّ‬ ‫تتضمــن «الســماء علــى نحو وشــيك»‬ ‫ّ‬ ‫بقصتين طويلتين‪،‬‬ ‫ـدأ‬ ‫ـ‬ ‫تب‬ ‫قصص‪،‬‬ ‫ثماني‬ ‫ّ‬ ‫بقصتيــن طويلتين‪،‬‬ ‫كما تنتهــي‪ -‬أيض ـاً‪ّ -‬‬ ‫نسبي ًا (ما دفع لإلشارة إلى أنهما روايتان‬ ‫قصيرتان)‪ .‬تدور المجموعة‪ ،‬في أغلبها‪،‬‬ ‫حــول أجــواء قريبــة مــن المــوت أو نهاية‬ ‫الحياة‪ ،‬وكذلك الغربة والوحدة وغيرها‬ ‫من المشــاعر الســلبية‪ ،‬لكنها تحوي‪ -‬في‬ ‫الوقــت نفســه‪ -‬بعــض المشــاهد القــادرة‬ ‫على لفت انتباه القــارئ وجذبه إلى جهة‬ ‫أخرى إيجابيــة‪ ،‬قد تتــوه عنــه‪ ،‬في تلك‬ ‫الصــورة القاتمة‪.‬‬ ‫الجــو المقِبــض الــذي‪-‬‬ ‫وبالرغــم مــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بمجرد االقتراب‬ ‫القارئ‪،‬‬ ‫سيتلبس‬ ‫الشك‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫قصة‬ ‫من عالــم هــذه المجموعة‪ ،‬بــدءًا مــن ّ‬ ‫‪118‬‬

‫«ش َكر اهلل سعيك» حيث نجد أنفسنا‬ ‫البداية َ‬ ‫ـودع أخــاه إلــى مثــواه‬ ‫مــع البطــل الــذي يـ ّ‬ ‫القصة‬ ‫األخير‪ ،‬حتــى حضــور الموت فــي ّ‬ ‫األخيرة «عزيزنا الضيف» التي يرصد فيها‬ ‫انصراف األشياء العديدة عن عالمه‪ ،‬فإذا‬ ‫يتحدث‪ -‬أيضاً‪ -‬عنهم‪« :‬الموتى يذهبون‬ ‫به‬ ‫َّ‬ ‫وال يعودون ليحكوا كيف كانوا يشعرون‬ ‫مهمة من يبقى‬ ‫في أوقاتهم األخيرة‪ ،‬هذه ّ‬ ‫هالة‬ ‫بعدهم ليضفي عليهم‪،‬‬ ‫لحظة موتهم‪ً ،‬‬ ‫َ‬ ‫يعيد‬ ‫ـدة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫البلي‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫حياته‬ ‫لم تكن لهم طــوال‬ ‫ُ‬ ‫األحياء‪ ،‬دون كلل‪ ،‬الكلمات األخيرة التي‬ ‫ُ‬ ‫قالها الموشــك على الموت‪.»..‬‬

‫ثمــة «تفاصيل»‬ ‫بالرغم مــن ذلك كلّه‪ّ ،‬‬ ‫«حياتيــة» يتـّـم رصدهــا بدقّة‪ ،‬واإلشــارة‬ ‫لتعبر عن االحتفاء بالحياة‪،‬‬ ‫إليها ببراعة‪ِّ ،‬‬ ‫كل مــا قــد يحيــط بهــا وبأفرادها من‬ ‫رغــم ّ‬ ‫«موات»!‬ ‫تسيطر مشاعر الحزن وطقوس العزاء‬ ‫«شـ َـكر اهلل ســعيك»‪،‬‬ ‫القصــة األولى َ‬ ‫على ّ‬ ‫ويســتعيد «ابــن المدينــة» ذكريــات أخيــه‬ ‫بأســى حقيقــي‪ ،‬ولكنــه يفاجأ‪،‬‬ ‫الراحل‪ً ،‬‬ ‫ثمة انهيــارًا لجدار‬ ‫بأن‬ ‫ـي‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫التال‬ ‫في اليوم‬ ‫ّ‬ ‫الحزن الذي كان جاثم ًا على صدره‪ ،‬فهاهم‬ ‫المعـّـزون قــادرون علــى التنـ ُّـدر بمواقــف‬ ‫عابــرة‪ ،‬والخروج مــن حالة الكآبــة التي‬ ‫تحيــط بهــم‪ ،‬بــل هاهــم يمزحــون أيضـاً‪:‬‬ ‫منســياً‪ ،‬الشــيء فــي‬ ‫الميــت بعيــدًا‬ ‫ّ‬ ‫«بــدا ِّ‬ ‫المــزاح المفتــوح يشــير إليــه‪ ،‬هــو الــذي‬ ‫جمــع هــؤالء على مائـ ٍ‬ ‫ـكان‪ ،‬كان‬ ‫ـدة فــي مـ ٍ‬ ‫باألمس مغلق ـ ًا علــى الظالم والغبــار‪.»..‬‬ ‫ويبــدو «ابــن المدينــة» األقــدر علــى‬ ‫التغيــرات‪ ،‬ورصدهــا‪ ،‬بعناية‪:‬‬ ‫مالحظة‬ ‫ُّ‬ ‫السن‪ ،‬ويصبح‬ ‫«عندما تطعن النخلة في ّ‬ ‫جذعهــا الطويلة عرضـ ًـة لعصــف الريح‪،‬‬ ‫ال يستســلم المــزارع الماهــر‪ ،‬بســهولة‪،‬‬ ‫عمتــه العجــوز؛ يثِبــت خاتمـ ًا مــن‬ ‫لمــوت ّ‬ ‫القش والحبال قرب رأسها‪ ،‬ويرفع فوقه‬ ‫ّ‬ ‫ريها‪ ،‬حتى‬ ‫حلقة من التراب يواظب على ّ‬


‫تضــرب النخلــة جــذورًا جديــدة فــي ذلــك‬ ‫ـرة‪،‬‬ ‫الخاتــم‪ ،‬فيقطعهــا مــن تحتــه مباشـ ً‬ ‫ويعيــد غرســها‪ ،‬فتكــون نخلــة جديــدة‬ ‫األم!»‪.‬‬ ‫متمتعة ّ‬ ‫صغيرة مثمرة ِّ‬ ‫بكل نضج ّ‬ ‫تتوقــف الحياة بوفــاة أحــد األفراد‪،‬‬ ‫ال َّ‬ ‫ومحبته؛ شــيئ ًا‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫قرابت‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫درج‬ ‫مهما بدت‬ ‫ّ‬ ‫ـل محّلــه‬ ‫فشــيئاً‪ ،‬ينــزاح الحــزن‪ ،‬بــل تحـ ّ‬ ‫بوادر «فرح» قادم‪ ،‬ليكتشف القارئ‪ -‬في‬ ‫ـاة جديــدة تتشـ َّـكل؛‬ ‫ثمــة حيـ ً‬ ‫النهايــة‪ -‬أن ّ‬ ‫يتزوجها‪،‬‬ ‫عمن َّ‬ ‫فهاهو ابن المتوفّى يبحث ّ‬ ‫ولــن يكــون مناســب ًا لكــي يخطــب لــه ّإل‬ ‫كل‬ ‫عمــه الــذي يبــدو ذاهـاً‪ ،‬وهــو يراقــب ّ‬ ‫ّ‬ ‫ما يحــدث!‬ ‫ال تبتعــد تلــك الحالــة كثيــرًا عــن‬ ‫قصــة «إنــه الخريــف»‪ّ ،‬إل‬ ‫القــارئ‪ ،‬فــي ّ‬ ‫التغير الــذي يحدث‬ ‫في تكنيــك رصد هــذا‬ ‫ُّ‬ ‫ال‬ ‫للنــاس ولألشــياء‪ ،‬والــذي يبــدو شــغ ً‬ ‫لـ«القمحــاوي»‪ ،‬فــي هــذه المجموعــة؛ إذ‬ ‫يصــور‪ ،‬هنــا‪ ،‬ســائق ســيارة األجــرة‬ ‫ِّ‬ ‫والراكب الذي معه‪ ،‬بينما تدور الهواجس‬ ‫داخــل نفســيهما‪ ،‬دون أن يحــاوال كســر‬ ‫كل‬ ‫يفكــر ّ‬ ‫بــأي حــوار‪ ،‬وكيــف ِّ‬ ‫الصمــت ّ‬ ‫واحٍد منهمــا بأن مجـ َّـرد حديثه مــع اآلخر‬ ‫قــد يجعلــه فــي موقــف ضعــف‪ ،‬فيتخّلــى‬ ‫كل منهمــا عــن الحديــث لصالــح ســيطرة‬ ‫ٌّ‬ ‫تغير العالم من حولهما‪،‬‬ ‫«الصمت» ورصد ُّ‬ ‫ثابتْيــن!‪.‬‬ ‫بينمــا همــا يبــدوان َ‬ ‫تغيرات‬ ‫تبقى حالة «االغتراب» ورصد ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫حادثة كبرى «كالوفاة»‬ ‫العالم‪ ،‬سواء بعد‬ ‫أو فــي مواقــف حياتيــة بســيطة‪ ،‬التــي‬ ‫يســجلها «القمحــاوي»‪ ،‬باقتــدار‪ ،‬مــع‬ ‫ّ‬ ‫ذلــك الرجــل الوحيــد الــذي أخــذ يراقــب‬ ‫تتشكل على زجاج نافذته‬ ‫«حياة» أخرى‬ ‫ّ‬ ‫قصــة «عتمة‬ ‫في‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫وذل‬ ‫ـام‪،‬‬ ‫مقاومة الظـ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مضطــرًا‬ ‫صباحيــة»؛ حيــث يجــد نفســه‬ ‫ّ‬ ‫لتغييــر عــادات حياتــه اليوميــة حتــى‬ ‫عشــهما‬ ‫يتمكــن «زوج اليمــام» مــن وضع ّ‬ ‫َّ‬

‫«قرر‬ ‫الهادئ بجوار نافذته حيث‬ ‫اســتقر‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫ّأل يزعجهما‪ ،‬وأحس بالرضى عن ذاته‪.‬‬ ‫ـيتحمل‬ ‫كان يعــرف أنــه‪ ،‬بقراره هــذا‪ ،‬سـ ّ‬ ‫الظــام نحــو شــهر‪ ،‬بيــن وضــع البيــض‬ ‫ربمــا‪ ،‬أراد أن‬ ‫وطيــران الفــراخ الوليــدة‪ّ .‬‬ ‫يثبــت لنفســه‪ ،‬وليــس ألي أحٍد آخــر‪ ،‬أن‬ ‫ٍ‬ ‫مدينة فقدت سكينتها‪،‬‬ ‫ثمة ركن ًا هادئ ًا في‬ ‫ّ‬ ‫ركن‬ ‫وأن هذا الركن في بيته هو بالذات‪ٌ ،‬‬ ‫لــم يــزل بعيــدًا عــن التفجيــرات التــي تقع‬ ‫هنا وهناك‪ ،‬والبرهان الناصع على ذلك‬ ‫هــو زوج اليمام البـّـري المرتــاب بطبعه‪،‬‬ ‫الــذي يعيش فــي نافذتــه بأمــان!»‪.‬‬ ‫خارجية‪،‬‬ ‫فقرة‬ ‫ولكن «الحياة» ليست‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يتـّـم رصدهــا والتعامــل معها مــن منظور‬ ‫ثمة‬ ‫المراقــب‪ ،‬فحســب‪ ،‬على الــدوام‪ ،‬بــل ّ‬ ‫ـاة» أخرى يمكــن رصدهــا واالحتفاء‬ ‫«حيـ ٌ‬ ‫بتفاصيلهــا مهمــا بــدت غريبة أو نــادرة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫تتمثــل في تلــك اللحظــات التي يختلســها‬ ‫زوجــا أبنائهما‬ ‫زوجان عجــوزان بعــد أن َّ‬ ‫الثالثة «الذكور»‪ ،‬ووجدا‪ ،‬أخيراً‪ ،‬فرصة‬ ‫القصة‪،‬‬ ‫أن يختلي أحدهما باآلخر‪.‬في هذه ّ‬ ‫نجــد لوحـ ًـة فنيــة للعالقــة بيــن زوجين‪،‬‬ ‫دارت بهمــا الدنيــا بتفاصيلهــا الغريبــة‬ ‫والقاسية والمفرحة‪ ،‬بالتأكيد‪ ،‬حتى انتهى‬ ‫بهما الحــال إلى مــا همــا عليــه اآلن‪ .‬تبدو‬ ‫لوحة شــديدة الشاعرية مرســومة بدقّة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫«الحب» ينضح مــن َجَنباتها‪ :‬في‬ ‫يكاد‬ ‫بل‬ ‫ّ‬ ‫غيرة الزوج على زوجته حتى من أوالده‪،‬‬ ‫ثم في رغبتــه فيها‪ ،‬فــي نهايــة المطاف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ترهــل جســمها وامتــأ جســده هو‬ ‫بعــد أن ّ‬ ‫اآلخــر‪ ..‬يــدور بينهمــا حــوار مــن كلمــات‬ ‫قليلــة وبســيطة‪ ،‬لكنهــا كاشــفة‪ .‬وهكــذا‬ ‫يتدبران زيارات الرغبة المتباعدة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫«ظل ّ‬ ‫في ظــام الغرفــة محكمــة اإلغالق»!‪.‬‬ ‫القصة األخيرة «عزيزنا الضيف»‬ ‫تأتي ّ‬ ‫أشــبه بالمعزوفة الختامية لتلك الحالة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫عــام‪ ،‬وهــي‪ -‬وإن اختلفــت فــي‬ ‫بشــكل ّ‬

‫تفاصيلهــا‪ ،‬وتباعــدت فــي شــخصياتها‬ ‫وأحداثهــا‪ -‬تمثِّــل‪ ،‬فيمــا أرى‪ ،‬التصاعــد‬ ‫ـكل مــا تحويه من‬ ‫الهرمــي لتلــك الحالــة بـ ّ‬ ‫مالبسـ ٍ‬ ‫ـات‪ ،‬حيــث «الوحــدة» و«الغربــة»‬ ‫والخوف من اآلخريــن‪ ،‬ومحادثة النفس‬ ‫كثيــرًا ومســاءلة الماضــي‪ ،‬مــع رصــد‬ ‫االقتــراب مــن حافّــة المــوت فــي الوقــت‬ ‫نفســه‪ ،‬واالحتفــاء بتفاصيــل الحيــاة‬ ‫الصغيــرة البســيطة‪.‬‬ ‫تبــدو شــخصيات المجموعــة كأنهــا‬ ‫ـخصية واحــدة؛ مــا قــد يدفــع القــارئ‬ ‫شـ ّ‬ ‫ثمة‬ ‫إلى َع ِّدها «متتالية قصصية»؛ فليس ّ‬ ‫ربمــا‪ ،‬باســتثناء‬ ‫فــروق نوعيــة كبيــرة‪ّ ،‬‬ ‫قصــة «الموقــد» التي جعــل الكاتــب بطلها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتحدث إلى‬ ‫الشك‪-‬‬ ‫هو ذلك البائع الذي‪-‬‬ ‫َّ‬ ‫آخر‪ ،‬عارض ًا سلعته‪ ،‬ويبدو‪ -‬في الوقت‬ ‫َ‬ ‫ذاتــه‪ -‬وحيــدًا ال يملــك ّإل ذلــك «الموقــد»‬ ‫الذي جعله محور حياته‪ ،‬وأصبح حديثه‬ ‫عنه كمــا لو كان يتحـ َّـدث عن عزيــز لديه!‬ ‫كذلــك‪ ،‬ال تبتعــد حالــة «الضيــف» عــن‬ ‫حالــة الرجــل الــذي جلــس فــي «مقعــد في‬ ‫الحديقــة»‪ ،‬وبيــن يديــه تلك الفتــاة التي‬ ‫ويتعجبون مــن عالقتها‬ ‫يراقبهــا الجميــع‬ ‫َّ‬ ‫يؤكد لهــا أنه ال‬ ‫بذلك العجــوز‪ ،‬فيمــا هــو ِّ‬ ‫ـود أن يبتعــد عنهــا‪« :‬مــا يتعبنــي تكرار‬ ‫يـ ّ‬ ‫الفراق‪ ،‬وليــس وجودك»‪ ،‬فهــي‪ -‬كعادة‬ ‫و«كل األشــياء الجميلــة»‪ -‬مــا إن‬ ‫الحيــاة‬ ‫ّ‬ ‫نتعلّــق بهــا حتــى تختفــي وترحــل‪ ..‬أو‬ ‫تمــوت!‬ ‫لغة «عزت القمحاوي»‪ -‬كما عهدناها‪-‬‬ ‫شــاعرية الموقــف ورســم‬ ‫تعتمــد علــى‬ ‫ّ‬ ‫التفاصيل الدقيقــة لخلق حالة شــعورية‬ ‫تجعل القارئ جزءًا من األحداث ومشارك ًا‬ ‫فيها بل متورط ًا فــي تصديقها واإلعجاب‬ ‫بهــا‪ ،‬مــن جهـ ٍـة‪ ،‬وتعكــس حالــة أبطــال‬ ‫بشفافيٍة وصدق‪ ،‬من جهة أخرى‪.‬‬ ‫قصصه‬ ‫ّ‬ ‫‪119‬‬


‫«السبيليات» إلسماعيل فهد إسماعيل‬ ‫أم قاسم يف زمن الحرب‬ ‫حكاية ّ‬ ‫عبدالكريم املقداد‬ ‫ســيمفونية وجدانيــة يعزفهــا الروائي‬ ‫الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل (‪1940‬م)‬ ‫فــي أحــدث إصداراتــه‪ .‬فبعد رصيــد كبير‬ ‫مــن األعمــال الســردية‪ ،‬كان آخرهــا «فــي‬ ‫طيور التاجــي»‪ ،)2014( ،‬و«في حضرة‬ ‫العنقــاء ِ‬ ‫ــل الوفــي»‪ )2014( ،‬التــي‬ ‫والخ ّ‬ ‫وصلــت إلــى القائمــة الطويلــة لجائــزة‬ ‫البوكــر‪ ،2015 ،‬و«الظهــور الثانــي البن‬ ‫لعبون» (‪ ،)2015‬تأتي روايته الخامسة‬ ‫والعشــرين بعنــوان «الســبيليات‪ ..‬مــا لم‬ ‫أم قاســم»‬ ‫يــرد ذكــره مــن ســيرة حيــاة ّ‬ ‫الصــادرة عــن دار «نوفــا بلس» للنشــر‪.‬‬ ‫أم قاسم بروح‬ ‫الرواية توثِّق ربط روح ّ‬ ‫زوجهــا‪ ،‬فــي حياتــه وبعــد مماتــه‪ ،‬كمــا‬ ‫ِّ‬ ‫توثــق ربطهــا بالمــكان‪ ،‬مســقط الــرأس‪،‬‬ ‫قريــة «الســبيليات»‪ ،‬ســدى الروايــة‪،‬‬ ‫وُل ْحَمتها‪ ،‬فاســتحقَّت‪ -‬بجدارة‪ -‬أن تكون‬ ‫عنوانها‪ ،‬كما توثِّق ربطها‪ -‬أيضاً‪ -‬بروح‬ ‫الحمــار «قــدم خيــر»‪ ،‬إلــى درجــة إدراكــه‬ ‫أم قاســم‪ ،‬وهواجســها‬ ‫لنوايــا صاحبتــه ّ‬ ‫وإحساســها هي «بمشــاعره» ومتطلَّباته‬ ‫الروحيــة‪ ،‬إضافـ ًـة إلــى إدراكــه لكالمهــا‪،‬‬ ‫كل ما تطلب مــا إن تأمره بذلك؛‬ ‫وتنفيذه ّ‬ ‫ـن حوَلها‪ ،‬وأفضــى إلى ذهابهم‬ ‫حير َمـ ْ‬ ‫ما ّ‬ ‫مذاهــب ش ـّتى فــي ذلك!‬ ‫مركــزة‪ ،‬وبعيــدة‬ ‫حكايــة بســيطة‪َّ ،‬‬ ‫التشــعب واالنفتــاح علــى عالقــات‬ ‫عــن‬ ‫ُّ‬ ‫متعــددة‪ ،‬كمــا‬ ‫وحَيــوات‬ ‫ِّ‬ ‫وشــخوص َ‬ ‫تجنــح أغلــب الروايــات‪ .‬إنهــا أقــرب مــا‬ ‫القصة القصيــرة منها‬ ‫تكون إلــى طبيعــة ّ‬ ‫‪120‬‬

‫إلــى الروايــة‪ .‬عمــد الكاتــب إلــى الحفــر‬ ‫فــي الجانــب الروحــي‪ ،‬فبنــى روايــة مــن‬ ‫تتعـ َّـد‪ ،‬فــي حدثهــا الرئيســي‪،‬‬ ‫حكايــة لــم َ‬ ‫أم قاسم على الرجوع إلى قريتها‬ ‫إصرار ّ‬ ‫«الســبيليات»‪ ،‬علــى الرغــم مــن األخطــار‬ ‫وكل‬ ‫التــي تحيــق بالقريــة‪ُ .‬أجبرت‪ ،‬هــي ّ‬ ‫أهل القرية‪ ،‬على مغادرتها خالل الحرب‬ ‫العراقية اإليرانية‪ ،‬لكونها ساحة حرب‪،‬‬ ‫على وعد حكومي ّ‬ ‫بأل يطول الغياب أكثر‬ ‫مــن ثالثــة أشــهر‪ّ ،‬إل أن الشــهور طالــت‪،‬‬ ‫واستطالت‪ ،‬ولم تعد تطيق االبتعاد عنها‬ ‫أكثــر‪ ،‬فغافلت أوالدهــا وأصهارهــا‪ ،‬بعد‬ ‫ســنتين من لجوئهم إلى النجــف‪ ،‬وقفلت‬ ‫عائدة إلى السبيليات‪ ،‬على ظهر حمارها‬

‫«قدم خير»‪ .‬وحين لحق بها أوالدها‪ ،‬في‬ ‫منتصف الطريــق‪ ،‬لثنيها عن المخاطرة‪،‬‬ ‫اخترعت ذريعة أن زوجها‪ ،‬الذي مات في‬ ‫طريق مغادرة القرية‪ ،‬أوصاها بدفنه في‬ ‫الســبيليات‪ .‬وبعــد عجزهــم‪ ،‬لّفــوا لهــا ما‬ ‫تبقى من عظام أبي قاسم‪ ،‬فاحتضنتها‪،‬‬ ‫وواصلت المســير إلــى القريــة‪« :‬أنتم في‬ ‫قلبي‪ ،‬لكن روحي وروح المرحوم والدكم‬ ‫لن تطيب لهما الراحة ّإل في السبيليات»‪.‬‬ ‫وبتوهجها الروحي‪،‬‬ ‫(األم قاسم)‬ ‫ُّ‬ ‫بهذه ّ‬ ‫حــارب إســماعيل الفهد الحــرب‪ ،‬وانتصر‬ ‫عليهــا‪ ،‬وقــد اســتخدم‪ ،‬فــي ســبيل ذلك‪،‬‬ ‫أســلحة غير مألوفة‪ ،‬جعلت العســكريين‬ ‫يتقبلــون وجودها في القرية‪،‬‬ ‫العراقيين َّ‬ ‫رغــم الحظــر‪ ،‬كمــا جعلتهــم يخالفــون‬ ‫فيفكــون حبــس‬ ‫التعليمــات العســكرية ّ‬ ‫الميــاه عــن أشــجار القريــة التــي صبغهــا‬ ‫االصفرار‪ ،‬وأوشكت على الموت‪ ،‬وكذلك‬ ‫بســاتينها‪ .‬فــي البدايــة‪ ،‬كانــوا يهــزؤون‬ ‫بهــا حيــن تقــول لهــم إن أبــا قاســم قــال‬ ‫لها كــذا وكــذا‪ ،‬لكنهم ســرعان مــا انجذبوا‬ ‫كل‬ ‫وعّدوها «مبروكة»‪ ،‬حين تحقّق ّ‬ ‫إليها َ‬ ‫ادعــت‪ .‬كمــا َعـ َّـزز ذلــك مــا رأووه مــن‬ ‫مــا َّ‬ ‫إدراك الحمــار لكالمها وتنفيــذه ما تأمره‬ ‫به‪ .‬والنتيجة انقــاب اصفرار البســاتين‬ ‫إلى االخضرار‪ ،‬خالف ًا للبســاتين األخرى‬ ‫فــي المنطقــة‪ ،‬بــل اعتمــاد الجنــود‪ ،‬فــي‬ ‫تموينهــم‪ ،‬علــى حقــل البقوليــات الــذي‬ ‫أقنعتهــم بزراعتــه‪.‬‬ ‫وتبّدى العزف الروحي‪ ،‬الذي ارتكزت‬


‫أم قاســم على‬ ‫عليه الرواية‪ ،‬فــي إصرار ّ‬ ‫االحتفاظ بعظام زوجها‪ ،‬أينما ارتحلت‪.‬‬ ‫فحيــن ســمح لهــا الجنــود‪ ،‬بدايـ ًـة‪ ،‬بدفــن‬ ‫زوجهــا فــي القريــة‪ ،‬والبقــاء فيهــا لم ـّدة‬ ‫أيــام فقــط‪ ،‬أبقــت علــى القبــر‬ ‫عشــرة ّ‬ ‫مفتوح ـاً‪« :‬ال أضمن بقائي إلــى جانبه»‪،‬‬ ‫في إشــارة إلى اعتزامها أخــذ رفاته معها‬ ‫حــال إصرارهــم علــى مغادرتهــا‪ .‬وحيــن‬ ‫أخبرتهــم أن الجندي جاســم‪ ،‬الذي بترت‬ ‫وتّم‬ ‫كّفــه اليســرى بدانــة مدفــع معاديــة‪َ ،‬‬ ‫نقله إلى بغداد‪ ،‬سيعود‪ ،‬أشفقوا عليها‪،‬‬ ‫لجهلهــا بــأن الجنــود الذيــن يصابــون‬ ‫باإلعاقــة ُيعفــون مــن الخدمــة العســكرية‬ ‫آلي‪ ،‬لكنه التحــق بالخدمــة ثانية‬ ‫بشــكل ّ‬ ‫بنــاء علــى رغبتــه‪ ،‬وعــاد فعــاً‪ .‬وقبــل‬ ‫ً‬ ‫حدد لها الضابط مّدة عشرة‬ ‫ذلك‪ ،‬وحين َّ‬ ‫أيــام‪ ،‬فقــط‪ ،‬كــي تغــادر القريــة‪ ،‬حلمــت‬ ‫ّ‬ ‫بأبــي قاســم يطمئنها بأنهــا باقيــة‪ ،‬وهو‬ ‫مــا حــدث‪.‬‬ ‫حكايــة مســتقيمة ومباشــرة‪ ،‬وبعيدة‬ ‫عــن التدويــر‪َ ،‬عَرضهــا الكاتــب بأســلوب‬ ‫بســيط أيضاً؛ إذ عمد إلى ســردها بشــكل‬ ‫معو ًال على‬ ‫تتابعي‪ ،‬بال تقديم وال تأخير‪ّ ،‬‬ ‫تحدي األخطار‪ ،‬ومن‬ ‫الزخم العاطفي في ِّ‬ ‫َثـّـم اقتنــاص فضــول القــارئ‪ ،‬واهتمامه‪.‬‬ ‫وللتركيز على بــؤرة الحكاية ومنعها من‬ ‫توسل الكاتب‬ ‫الوقوع في «الفالش باك»‪َّ ،‬‬ ‫تقنية الحذف‪ ،‬فأسقط الكثير من األحداث‬ ‫التــي ال تتســاوق مــع روح الحكايــة؛‬ ‫لذلــك رأينــاه يطوي األســابيع والشــهور‬

‫والسنين أحياناً‪« :‬بعد استقرارهم بثالثة‬ ‫«مرت شهور سّتة»‪« ،‬انقضاء‬ ‫أسابيع»‪َّ ،‬‬ ‫عامين على المغادرة»‪ ...‬وقد َت َّم إســقاط‬ ‫المتضمنــة فــي هــذه‬ ‫الحلقــات الحكائيــة‬ ‫َّ‬ ‫األســابيع وهذه الشــهور وهذه الســنين‪،‬‬ ‫ـم فــرش‬ ‫فــي سـ ّ‬ ‫ـت صفحــات‪ ،‬فــي حيــن َتـ َّ‬ ‫أم قاســم مــن النجــف إلــى‬ ‫رحلــة عــودة ّ‬ ‫الســبيليات‪ ،‬والتــي اســتغرقت أســبوع ًا‬ ‫واحداً‪ ،‬علــى نحو ثالثيــن صفحة‪ ،‬بينما‬ ‫األيــام العشــرة التــي منحها‬ ‫امتـ َّـدت مهلــة ّ‬ ‫لهــا الضابــط‪ ،‬للبقــاء فــي القريــة‪ ،‬إلــى‬ ‫حــدود س ـّتين صفحــة مــن الروايــة؛ مــا‬ ‫يفســر ســعي الكاتــب إلــى التمحــور حول‬ ‫ِّ‬ ‫ـب اهتمــام القــارئ‬ ‫بــؤرة الحكايــة‪ ،‬وصـ ّ‬ ‫منحــى محـ َّـدد‪ ،‬ومنعــه مــن الشــرود‬ ‫فــي ً‬ ‫والزوغان‪ ،‬أو‪ -‬باألحــرى‪ -‬الحرص على‬ ‫خاصّيــة التشــويق التي ســتجعله يتابع‬ ‫ّ‬ ‫القــراءة‪ ،‬بانجــذاب واهتمام‪.‬‬ ‫اعتمد إسماعيل فهد الراوي كلّي العلم‬ ‫مكَنه من نضح هواجس‬ ‫لتولّي السرد؛ ما َّ‬ ‫كل موقف‬ ‫أم قاسم ومشاعرها‪ ،‬عند ّ‬ ‫بطلته ّ‬ ‫متوّتــر‪ ،‬إضافـ ًـة إلــى رصــد تداعياتها في‬ ‫اســتحضار مشــاهد مــن ماضيهــا‪ ،‬تكفَّلت‬ ‫شخصيتها‪ .‬كما‬ ‫بإضاءة جوانب أخرى من‬ ‫َّ‬ ‫التلصص‬ ‫مكَنه هذا األسلوب السردي من‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫علــى مضاميــن زيــارات زوجهــا لهــا فــي‬ ‫الحلم‪ ،‬بــل قــراءة هواجــس الحمــار «قدم‬ ‫حادة‬ ‫خير»‪« :‬شــاغلت «قــدم خير» رغبــة ّ‬ ‫ـادًا رقبتــه‬ ‫فــي أن يرفــع رأســه عالي ـاً‪ ،‬مـ ّ‬ ‫تمهيدًا لكي يطلق لحنجرته عنان النهيق‪،‬‬

‫تذكــر تحذيرهــا لــه أن ال يفعــل‪ ،‬أصــدر‬ ‫ّ‬ ‫حمحمة محاصرة‪.»..‬‬ ‫استهل‬ ‫يبقى لنا التنويه بالكلمة التي‬ ‫َّ‬ ‫بها الكاتــب روايته‪ ،‬وكشــفت لنا أن قرية‬ ‫الســبيليات هــي مســقط رأس إســماعيل‬ ‫الفهــد نفســه‪ ،‬كمــا كشــفت الســبب الــذي‬ ‫شــغله‪ ،‬وقاده إلى تأليــف هــذه الرواية‪.‬‬ ‫وقد تب ـّدى ذلــك فــي مكالمة مــن صحافي‬ ‫لبى دعوة السلطات العراقية‪،‬‬ ‫أخبره أنه ّ‬ ‫لالطــاع على حجم‬ ‫فور انتهــاء الحــرب‪ِّ ،‬‬ ‫الخراب الذي خلّفته‪ ،‬مشيرًا إلى ذهوله‪،‬‬ ‫وزمــاءه‪ ،‬خالل متابعتهم‪ ،‬مــن الطائرة‬ ‫المروحيــة‪ ،‬للمشــهد علــى األرض‪ ،‬إذ‬ ‫رصــدوا اصفــرار بســاتين النخيــل‪،‬‬ ‫ـداء مــن الشــريط الســاحلي‬ ‫وذبولهــا‪ ،‬ابتـ ً‬ ‫ـط العــرب‪ ،‬حتى مينــاء الفاو‬ ‫الغربي لشـ ّ‬ ‫جنوبـاً‪« :‬فجأة غــاب اللون األصفــر‪ ،‬كنا‬ ‫نحلــق فــوق أرض مزحومــة باألخضــر‪،‬‬ ‫أشــبه بواحــة غّنــاء‪ ،‬عرضهــا ال يتجاوز‬ ‫ـرة‪ ،‬عــادت‬ ‫كيلومتريــن‪ ...‬بعدهــا‪ ،‬مباشـ ً‬ ‫سيادة األصفر‪ ...‬تساءلت‪ ...‬اكتفى أحد‬ ‫ّ‬ ‫األدلء‪ ،‬قال‪ :‬هذه قرية السبيليات»‪ .‬بعد‬ ‫ا‬ ‫ذلــك‪ ،‬يختــم الصحافــي مكالمتــه قائــ ً‬ ‫إلسماعيل الفهد‪« :‬بصفتها مسقط رأسك‪،‬‬ ‫يلزمــك أن تكتشــف السـ ّـر»‪ .‬والبــادي أن‬ ‫الكاتــب قــد اســتجاب لطلــب الصحافــي‪،‬‬ ‫فجــاءت هــذه الروايــة لتميــط اللثــام عــن‬ ‫سـّـر األخضــر‪.‬‬ ‫‪121‬‬


‫أحالم ّ‬ ‫أقل‪ِ ،‬ش ْع ٌر أكرث‬ ‫ٌ‬

‫رشيد الخديري‬

‫يقــدم الشــاعر المغربــي حســن‬ ‫ِّ‬ ‫النصــي‬ ‫منجــزه‬ ‫خــال‬ ‫مــن‬ ‫انــي‪،‬‬ ‫الوز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«أحالم ماكلوهان» (صــدر عن دار العين‬ ‫شعرية تنبني‬ ‫مأدبة‬ ‫المصرية‪،)2016 ،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ولعــل‬ ‫والتضادّيــات‪،‬‬ ‫علــى المفارقــة‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫العنــوان الــذي اختــاره‪ ،‬بمــا يحملــه مــن‬ ‫إيحــاءات ورمــوز تتعـّدى مــا هــو قدســي‬ ‫ـم عــن‬ ‫طقوســي إلــى كتابــي شــعري‪َ ،‬يِنـ ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫وثمة وعي‬ ‫مسافة من الكشف والمكاشفة‪ّ ،‬‬ ‫في االشتغال على ُممكنات الرمز‪ ،‬وقدرته‬ ‫علــى تمريــر الخطــاب‪ ،‬بوصفــه معرفــة‬ ‫مســكوت ًا عنهــا‪ ،‬بيــن ثنايــا النصــوص‪.‬‬ ‫والواقــع أن التقابــات الضّدّيــة أخــذت‬ ‫مهم ًا مــن أحواز الكتابة لدى حســن‬ ‫ِّ‬ ‫حيزًا ّ‬ ‫تتشكل العبارة الشعرية‬ ‫الوزاني‪ .‬وهكذا‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ربما‪-‬‬ ‫ويتم استســعافها‪َّ -‬‬ ‫في هذا العمل‪ّ ،‬‬ ‫النصّية‪،‬‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫المتعالي‬ ‫عبــر مجموعــة مــن‬ ‫ّ‬ ‫ال عــن ذلك‪ ،‬تخــوض فــي مرجآتها‬ ‫وفض ً‬ ‫ـق رؤيــا شــعرية‬ ‫ـ‬ ‫وف‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الكتابي‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫وأوفاقه‬ ‫َ‬ ‫الجدليــة بالحلــم‬ ‫للواقــع‪ ،‬فــي عالقتــه‬ ‫ّ‬ ‫ــوي بمفارقــات الحيــاة‪،‬‬ ‫والحلــم‬ ‫الرؤي ّ‬ ‫َ‬ ‫وهــي تخــوض مســتحيلها مــع المــوت‪.‬‬ ‫يميز هــذه التجربة ويعلــن فرادتها‬ ‫ما ِّ‬ ‫هو حالة التماس التي تنسجها النصوص‬ ‫فيما بينها‪ .‬صحيح أن السمة الغالبة في‬ ‫كل مــا ُكِتب‪ ،‬وما لــم ُيكتب‪ ،‬هــو‪ -‬بتعبير‬ ‫ّ‬ ‫‪122‬‬

‫الهـّـم‪ ،‬ونلمــس هــذا الهـّـم‬ ‫أنســي الحــاج‪َ -‬‬ ‫األنطلوجــي موجــودًا في هــذه التجربة‪،‬‬ ‫وثمة «إيمان» ُم ْعَلن بقدرة القصيدة على‬ ‫ّ‬ ‫اإلربــاك والدهشــة‪ ،‬هــذا وقــت القــراءة‪،‬‬ ‫األول‬ ‫قراءة الزمن الشــعري‪ ،‬منذ الســفر َّ‬ ‫إلى منتهــاه‪ ،‬ودوم ـاً‪ ،‬طابــور طويل من‬ ‫حتمي للبدايــات‪ .‬هنا‪،‬‬ ‫الكلمات‪ ،‬وأفــول‬ ‫ّ‬ ‫في هذه التجربة الشعرية‪ ،‬يحرص حسن‬ ‫الوزانــي علــى دخــول معتــرك الكتابــة؛‬ ‫ّ‬ ‫بحثـ ًا عن شــجرة السـّـر‪ ،‬وعــن مكنونات‬ ‫الــذات‪ ،‬يقــول فــي قصيــدة «بــرج الدلو»‪:‬‬

‫ـت بعض ًا من‬ ‫«أنا ســليل برج الدلو‪ /‬منحـ ُ‬ ‫ـل بالموســيقى‪/‬‬ ‫اســمي‪ /‬للوزن كي أبتـ ّ‬ ‫الوزاني‪ /‬كي أتدفَّق منتشياً‪/‬‬ ‫بعضه لنهر ّ‬ ‫مــن جبــل الشــيخ إلــى بحيــرة طبريـاً‪»..‬‬ ‫(ص‪.)34:‬‬ ‫يجتــرح الشــاعر لنفســه‪ ،‬فــي هــذه‬ ‫خط ـ ًا يمــور بتعـ ُّـدد‬ ‫التجربــة الشــعرية‪ّ ،‬‬ ‫تحمل رؤيا‬ ‫األنســاق‪ ،‬ويمكن القول إنها‬ ‫ُ‬ ‫لقيــم الحيــاة األثيــرة‪ :‬المــوت‪ /‬الحياة‪/‬‬ ‫وبكل‬ ‫الوجــود‪ /‬العــدم‪ /‬اآلنــا‪ /‬اآلخــر‪ّ ،‬‬ ‫تحمل على عاتقها هموم اإلنسان‬ ‫بساطة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ومكابداتــه الطويلة فــي مواجهة صخور‬ ‫بتنوع‬ ‫ـوع المـّد الشــعري ُّ‬ ‫ســيزيف‪ ،‬ويتنـ َّ‬ ‫الرؤى التي تخــوض فــي الممكنات وفي‬ ‫مــا ال يتحّقــق‪ ،‬هــي لعنــات فــي مواجهــة‬ ‫ســطوة األمكنــة ومفارقــات الحيــاة‪،‬‬ ‫ـرر‬ ‫بغايــة ترميــم شــقوق الــذات‪ ،‬والتحـ ُّ‬ ‫مــن الكوابيــس الطويلــة‪ .‬يقــول الشــاعر‬ ‫فــي قصيــدة «أنصــب فخاخ ـ ًا للشــمس»‪:‬‬ ‫«يوم ًا ما‪ /‬سأفيق من كابوسي الطويل‪/‬‬ ‫ألمس حينها ســريري الصغير‪ /‬مصباح‬ ‫غرفتي الذي لــم أطفئه البارحة‪ /‬ســمرة‬ ‫يــدي‪ /‬دفتــر التاريــخ جنــب رأســي‪»...‬‬ ‫(ص‪ .)101:‬وهنا‪ ،‬نجد الشاعر (يستعيد)‬ ‫كل التفاصيل‪ ،‬وكأنه يحاول الخروج من‬ ‫ّ‬ ‫بأقل الخسائر الممكنة‪،‬‬ ‫حربه مع الحياة ّ‬


‫رغــم أنــه يعلــن‪ ،‬فــي أكثــر مــن َمـّـرة‪ ،‬أن‬ ‫«ليــس لــه مــا يخســره» علــى اإلطــاق‪،‬‬ ‫وكل الدروب والحيوات تتشابه‪ ،‬تماماً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كمــا تتشــابه الوجــوه واألمكنة‪.‬‬ ‫تنبنــي نصــوص «أحــام ماكلوهــان»‬ ‫وآليات قرائية‬ ‫على‬ ‫مرجعيات متعـّددة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫السيما‬ ‫والمعارف‪،‬‬ ‫الحقول‬ ‫عديد‬ ‫من‬ ‫ترفد‬ ‫َّ‬ ‫أول إصــدار‬ ‫أن المســاحة الزمنيــة بيــن َّ‬ ‫«هدنــة مــا»‪ ،1997 ،‬وديــوان «أحــام‬ ‫ماكلوهان» تجعلنا أمام نصوص مكتملة‪،‬‬ ‫والمتخيــل‪،‬‬ ‫ألنهــا اختمــرت فــي الــرؤى‬ ‫َّ‬ ‫ألكثر من عشرين سنة‪ ،‬وهي مّدة كفيلة‬ ‫بــأن تمنحنــا تجربــة شــعرية مختلفــة‪،‬‬ ‫علــى امتــداد تســعة نصــوص‪ ،‬فقــط‪.‬‬ ‫الوزاني حيــن يحتفي بالشــعر‪،‬‬ ‫وحســن ّ‬ ‫يحتفــي ‪ -‬فــي الوقــت نفســه ‪ -‬بمــا علــق‬ ‫ترســبات ماضويــة؛ ما‬ ‫فــي الذاكــرة مــن ُّ‬ ‫ثمة حنين ًا إلى الطفولة‪ ،‬بشغبها‬ ‫نعنيه أن ّ‬ ‫وجنونهــا‪ ،‬فــي أفــق االســترفاد مــن هــذا‬ ‫ـاق‪ ،‬من خــال محــاورات مع‬ ‫النبــع الخـّ‬ ‫األب‪ ،‬ومع طيفه‪ ،‬ومع المكان الذي جمع‬ ‫تصوري‪ ،‬إن‬ ‫بين الوحشة واأللفة‪ .‬وفي‬ ‫ُّ‬ ‫هــذه المحاورات أخــذت طابع ًا ســجالياً‪،‬‬ ‫ونلمــس عتابــ ًا خفيفــ ًا لمــا كان‪ ،‬وِلمــا‬ ‫ســيكون فــي المســتقبل‪ ،‬هــذه اإلقامــة‬ ‫فــي الطفولــة‪ ،‬ال تفســدها إال الرغبــة فــي‬

‫الصبي‬ ‫الكتابة‪ ،‬ولملمة شــتات الذاكرة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫في مقابل الشيخ‪ /‬الكينونة والصيرورة‪/‬‬ ‫كل هذا‬ ‫األحالم‬ ‫المؤجلة ودفتر الذكريات‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫االحتفاء الجنائزي بسيرة المكان مدعاة‬ ‫أوالً‪-‬‬ ‫لمواصلة الحفر العميق في الذات‪ّ -‬‬ ‫ثم في تاريخ الســالة‪ .‬يقول الشاعر في‬ ‫قصيــدة «أحتفــي بمــا تبّقــى»‪« :‬عزيزي‪/‬‬ ‫تقدم قليـًـا‪ /‬كي أرى ما تبقّى من شــجن‬ ‫ُّ‬ ‫أينــا الشــيخ الذي‬ ‫أينــا الطفــل‪ُّ .‬‬ ‫صبــاي‪ُّ /‬‬ ‫ســأكون‪ /‬كنــت تحتمــي أنــت بالبالغــة‬ ‫تؤجــل زحــف الثلــج علــى‬ ‫دائمــاً‪ /‬كــي ِّ‬ ‫صوتــك الخفيــض‪ ،‬وعلــى مــا تبّقــى من‬ ‫أحالمــك الصغيــرة‪ /‬كــي ال تبرح شــغب‬ ‫تظــل كمــا كنــت‪ /‬ولوعــ ًا‬ ‫الطفولــة كــي‬ ‫َّ‬ ‫بالذي لــن يكــون» (ص‪.)19 :‬‬ ‫قصائــد الديــوان ســفر فــي الدواخــل‪،‬‬ ‫ومســاءلة للســراديب الســفلية للــذات‪،‬‬ ‫ال عــن تأبيد القــول الشــعري وترميم‬ ‫فض ً‬ ‫تصدعــات الكــون وتشــقُّقاته‪ .‬إننــا أمــام‬ ‫ُّ‬ ‫عمل شعري يخوض في شعرية المفارقة‬ ‫أقل‪،‬‬ ‫ممــا نتــج عنه أحــام ّ‬ ‫والمقابــات‪ّ ،‬‬ ‫وشــعر أكثــر‪ ،‬وبيــن هــذا وذاك‪ ،‬يصيــر‬ ‫سيدًا للريح‪ ،‬وناسج ًا للخسارات‪،‬‬ ‫الشاعر ِّ‬ ‫مدجن ًا للفرح‪ ،‬وحارســ ًا لأللم‪ .‬يقول في‬ ‫َّ‬ ‫قصيدة «حارس الزلــزال»‪« :‬أنا‪ /‬حارس‬ ‫ال‬ ‫األلم‪ /‬أعــرف كيــف ُأَل ِّينــه‪ /‬أفتعــل قلي ً‬

‫من الغضب‪ /‬كي أســتدرجه‪ /‬إلى مكيدة‬ ‫الفــرح‪ /‬أنــا ناســج الخســارات‪ /‬أعــرف‬ ‫كيف أشــذِّبها‪ /‬أنســج من أطيافها‪ /‬بيت ًا‬ ‫للوهن‪ /‬وبيت ًا للريح‪( ../‬ص‪ 58 :‬و‪.)59‬‬ ‫هكــذا تقتــرن الكتابــة الشــعرية‪ ،‬عنــد‬ ‫الوزاني‪ ،‬باأللم والفرح‪ ،‬وإن كان‬ ‫حسن ّ‬ ‫الفــرح ليــس مهنــة الشــعراء‪ ،‬كمــا يقــول‬ ‫محمد الماغوط‪ ،‬ولن يكون‪ ،‬يوماً‪ ،‬مهنة‬ ‫َّ‬ ‫الشــاعر‪ ،‬فهــو يحتــرف األلــم‪ ،‬ويعيــد‬ ‫صياغتــه مــن أجــل كتابــة قصيــدة تنزف‬ ‫ألم ـ ًا وعنفوان ـاً‪.‬‬ ‫صــدر للشــاعر‪« :‬دليــل الكتــاب‬ ‫المغاربــة»‪ ،)1993( ،‬و«هدنــة مــا»‪،‬‬ ‫‪ ،»)1997‬و«األدب المغربي الحديث‪1929 :‬‬ ‫ ‪ ..1999‬دراسة ببليوغرافية»‪»)2002( ،‬‬‫و«معجم طبقات المؤلِّفين على عهد دولة‬ ‫العلويين لعبد الرحمن بن زيدان‪ :‬تحقيق‬ ‫ّ‬ ‫ودراسة ببليومترية»‪ ،‬جزءان‪،)2009( ،‬‬ ‫الكّتــاب بالمغــرب‪ :‬الوضعيــة‬ ‫و«قطــاع ُ‬ ‫واآلفــاق»‪ ،‬بالفرنســية‪ .)2009( ،‬كمــا‬ ‫شــارك فــي العديــد مــن المهرجانــات‬ ‫الشعرية‪ :‬الوطنية‪ ،‬والعربية‪ ،‬والدولية‪،‬‬ ‫مــن بينهــا‪ :‬لوديــف (فرنســا)‪ ،‬ومايوركا‬ ‫(إسبانيا)‪ ،‬وميدلين (كولومبيا)‪ ،‬وآسفي‬ ‫(المغــرب)‪ ،..‬وغيرهــا‪.‬‬ ‫‪123‬‬


‫كتاب‬

‫عىل خطى ريجيس دوبريه‪..‬‬ ‫تقاطعات بني نارين وأربعة جدران‬ ‫عالء خالد‬ ‫«مذكــرات برجوازي‬ ‫تعرفــي بكتــاب ِّ‬ ‫كان ُّ‬ ‫نارْيــن وأربعــة جــدران»‪،‬‬ ‫بيــن‬ ‫صغيــر‬ ‫َ‬ ‫لريجيــس دوبريــه‪ ،‬في العــام الثاني أو‬ ‫الثالث من عقد التسعينيات‪ .‬كتب دوبريه‬ ‫مذكراتــه خــال فتــرة اعتقاله السياســي‬ ‫ِّ‬ ‫فــي بوليفيــا‪ ،‬بســبب نضالــه مع تشــي‬ ‫جيفارا‪ .‬بعد مرور قرابة أربعة وعشــرين‬ ‫المذكرات‬ ‫عامــ ًا من قراءتــي األولى لهــذه‬ ‫ِّ‬ ‫(وكانــت مــن المصادفــات الســعيدة التي‬ ‫المحطات‬ ‫غيرت حياتي)‪ ،‬أستعيد‪ ،‬اآلن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫والمحطــات األخالقيــة التــي‬ ‫النفســية‬ ‫ّ‬ ‫توقَّــف عندهــا دوبريــه فــي كتابــه الذي‬ ‫يشــكل مرجع ًا إنســاني ًا في النقــد الذاتي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وفي إعادة النظــر في العديد من المواقف‬ ‫الفكرية‪.‬‬ ‫تــم القبــض على دوبريــه والحكــم عليه‬ ‫ّ‬ ‫بالسجن ‪ 20‬عاماً‪ ،‬تقلَّصت إلى ‪ 3‬سنوات‬ ‫إثر تغييرات سياسية حدثت في بوليفيا‪،‬‬ ‫المذكــرات ُكِتبت تحــت الجدار‬ ‫ولكن هــذه‬ ‫ِّ‬ ‫الطويــل‪ ،‬الــذي يحجــب الضــوء‪ ،‬خــال‬ ‫أية ثقة في أن هناك‬ ‫العشرين عاماً‪ ،‬بدون ّ‬ ‫ال يمكن أن يلمسه‪ ،‬وستعيش فيه‬ ‫مســتقب ً‬ ‫المذكــرات‪ .‬كانــت مســاحة الصــدق‬ ‫هــذه‬ ‫ِّ‬ ‫ضيقــة لكنها جارحــة‪ ،‬أو‪ -‬بمعنى آخر‪-‬‬ ‫ِّ‬ ‫كانت «الجرح داخــل الصمت»‪ ،‬وهو حال‬ ‫السجن‪.‬‬ ‫المذكرات‪« :‬في تلك اللحظة‪/‬‬ ‫نقرأ في هذه ِّ‬ ‫الســنوات‪ ،‬كانت هناك رغبة في تضييق‬ ‫المســافة بيــن الداخــل والخــارج‪ ،‬ألظهر‬ ‫‪124‬‬

‫على حقيقتــي‪ ،‬أو ألتبــع الحقيقة حيثما‬ ‫كانت‪ ،‬حتى ولو كان في اكتشــافها قضاء‬ ‫يســمى حقيقي ًا بالنسبة إلى‬ ‫علي‪ ...‬إن ما ّ‬ ‫ّ‬ ‫فرد‪ ،‬هو هذه الحقبة من حياته المتطابقة‬ ‫مــع الفكرة التي َك َّوَنهــا عن الحياة‪ ،‬حين‬ ‫يحــس أن حياته ترتفع وتتســاوى‪ ،‬ذات‬ ‫ّ‬ ‫الحميمــي‪ ،‬تنتــزع‬ ‫جوهــره‬ ‫مــع‬ ‫لحظــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫نفســها مــن نفســها‪ ،‬تتخفَّــف‪ ،‬تصبــح‬ ‫تضحيتهــا الذاتية المتهلِّلة‪ -‬بالنســبة إلى‬ ‫كاتب‪ -‬أن يكتب‪( »...‬ص ‪*.)165‬‬ ‫‪...‬‬ ‫تمرد‬ ‫لحظــة‬ ‫الكثيــرون‪،‬‬ ‫عشــت‪ ،‬وعاش‬ ‫ُّ‬ ‫بنارْين وأربعة جدران‪ .‬لم‬ ‫طويلة ُمحاطة َ‬ ‫أي هدف أو فعل‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫تمردي‬ ‫منصب ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يكــن ُّ‬ ‫ثوري‪ ،‬بل على صفات شخصية وعائلية‬ ‫ّ‬ ‫وطبقيــة‪ ،‬ال تطمــح لتغييــر مجتمع‪ ،‬بل‬ ‫التمرد‬ ‫لتغييــر إحداثيات الذات‪ .‬وكأن هذا‬ ‫ُّ‬ ‫ــحب معــه قائمة من‬ ‫خيط‪ ،‬لو شــددته َس َ‬ ‫البنــاءات الفكريــة الجمعيــة‪ ،‬والتقاليد‪،‬‬ ‫وأشــباحاً‪ ،‬وصــوراً‪ ،‬ونمــاذج تاريخية‬ ‫لتنقض‬ ‫جاهــزة‪ ،‬فــي نهاية هذا الخيــط‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫على تلك اللحظة‪.‬‬ ‫كنــت راكبــ ًا علــى الحيــاة‪ ..‬البحــث عــن‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫متعال عليها‪.‬‬ ‫وض َعني في مكان‬ ‫الحقيقــة َ‬ ‫ربما‪ ،‬كان هذا هو الخطأ؛ أنك لم تعدل مع‬ ‫َّ‬ ‫اآلخــر الذي تريد منه العــون‪ .‬هذا التعالي‬ ‫ســمح بدخــول شــعور طبقــي برجوازي‬ ‫إلي‪،‬‬ ‫داخل ضفيرة ما هو حقيقي بالنسبة َّ‬ ‫تمــردي نفســه‪ ،‬وإلى حقيقة‬ ‫وإلــى منبت ّ‬

‫التحرر‪ .‬جزء غير مَت َح َّكم فيه‪،‬‬ ‫رغبتي في‬ ‫ّ‬ ‫يأتي من زمن أسبق في التكوين‪.‬‬ ‫تقّدمت وســط البحر‪ ،‬وسحبت من ورائي‬ ‫تحرر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل األبــواب‪ ،‬كعــادة ّ‬ ‫أيــة لحظــة ُّ‬ ‫ليس لهــا أبواب خلفيــة مفتوحة للهرب‪.‬‬ ‫كنــت أبحــث عــن منفــذ وســط «ورطــة‬ ‫يتحرك‬ ‫التحــرر» هــذه‪ ،‬التي تشــبه مــن‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫في غرفة مظلمة مليئــة بالجثث الفكرية؛‬ ‫كل خطــوة‪ ،‬هنــاك فــرح بمالمســة‬ ‫فــي ّ‬ ‫كل‬ ‫المــوت‪ ،‬و‪ -‬أيضــاً‪ -‬تثبيــت لــه‪ .‬وفي ّ‬ ‫خطوة‪ ،‬هناك استبعاد عن الجماعة وعن‬ ‫األسرة‪ ،‬وعن الســلطة األبوية والسلطة‬ ‫األمومية‪ ،‬واســتبعاد إلمكانية استئناف‬ ‫متمرد‪ ،‬وهو‬ ‫الحياة‪ ،‬كشــخص عادي‪ ،‬ال ِّ‬ ‫كنُته قبل أن أدخل هذا المعترك الكبير‬ ‫مــا ْ‬ ‫التحــرر‪ ،‬له‬ ‫أو‬ ‫د‪،‬‬ ‫التمــر‬ ‫الت‪.‬‬ ‫التحــو‬ ‫مــن‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ــبَقنا الكثيــرون إليها‪،‬‬ ‫س‬ ‫جاهزة‪،‬‬ ‫قوائــم‬ ‫َ َ‬ ‫ولــم يتركــوا لنا امتيازًا مــن طول عمره‪،‬‬ ‫وِقَدِمه‪ ،‬وتعقيد مساراته‪.‬‬ ‫كل األبواب‬ ‫وفَتــح لــي ّ‬ ‫جــاء هــذا الكتاب َ‬ ‫الخلفيــة المغلقــة؛ تلــك التــي أوصدتها‬ ‫التحــرر‪َ .‬مَن َحنــي‬ ‫التمــرد‪/‬‬ ‫خــال رحلــة‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫أي‬ ‫بــا‬ ‫لكــن‬ ‫التراجــع‪،‬‬ ‫إمكانيــة‬ ‫الكتــاب‬ ‫ّ‬ ‫شعور بالسقوط أو االنكسار أو الذنب أو‬ ‫عادة‪-‬‬ ‫الخيانة‪ ،‬الشــعور الــذي يصاحب‪-‬‬ ‫ً‬ ‫هــذا النوع من التراجعــات الفكرية‪ .‬لكن‪،‬‬ ‫بانفتاح الفكرة نفسها ثمة استسالم بدون‬ ‫أن تفقد احترامك لنفســك؛ كونك تفتح‪،‬‬ ‫بهــذا االستســام‪ ،‬مكانــ ًا جديــدًا لرؤيــة‬


‫نفسك‪ ،‬والحياة‪ ،‬واآلخرين؛ مكان ًا ليس‬ ‫يتســع‪ ،‬فقــط‪ ،‬لعبورك‪ ،‬بل‬ ‫أحادياً‪ ،‬وال َّ‬ ‫لعبور الكثيرين؛ الجماعة‪.‬‬ ‫‪...‬‬ ‫متحدث ًا عن مصير‬ ‫كتــب ريجيس دوبريــه‬ ‫ِّ‬ ‫يتكون بســبب وحدة‬ ‫الوعــي‬ ‫ّ‬ ‫الحاد الــذي َّ‬ ‫وأية وحدة مشابهة في سجون‬ ‫الســجن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أخــرى َمجازيــة‪ ...« :‬إن وعي ًا مشــحوذًا‬ ‫مما ينبغي يصبــح‪ -‬إذا طال الزمن‪-‬‬ ‫أكثــر ّ‬ ‫ــفرة ِمْدية‪ :‬مــاذا يفعل بهــا المرء إن لم‬ ‫َش ْ‬ ‫يتحمــل فرد‬ ‫يوجههــا إلــى نفســه؟ حيــن‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫ا منهجياً‪ ،‬فإنــه ال يجد‬ ‫وحدتــه‬ ‫مــا‬ ‫تحمــ ً‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫(المقدمــة‪،‬‬ ‫االنتحــار»‪.‬‬ ‫إل‬ ‫آخــر‬ ‫ا‬ ‫مخرجــ‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫يتوجــه‬ ‫ص ‪ .)8‬وإن هــذا الوعــي الــذي‬ ‫ّ‬ ‫ضــّد صاحبــه‪ ،‬نحملــه‪ ،‬جميعــاً‪ ،‬لحظة‬ ‫مواجهاتنا الحبيســة بيــن أربعة جدران‪،‬‬ ‫ســواء أكانــت جــدران الســجن أم كانــت‬ ‫جــدران العائلة‪ ،‬أم كانت جــدران الطبقة‬ ‫االجتماعيــة‪ .‬هــذا الوعــي المشــحوذ هو‬ ‫ميراث الطبقــة البرجوازية وتناقضاتها‪،‬‬ ‫هو مزيج الموهبة الشــخصية‪ ،‬والكسل‪،‬‬ ‫والحساســية‪ ،‬والخجل‪ ...‬وسط الوحدة‬ ‫يتحول هذا الوعي‪ ،‬سواء داخل‬ ‫الكبيرة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الســجن وبين جدران المجتمع‪ ،‬إلى وعي‬ ‫دموي ُم َو َّجه ضّد الذات‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فــي عزلته داخل الســجن‪ ،‬يكلِّــم دوبريه‬ ‫خاطب‪ .‬وعبر هــذا الحوار‬ ‫كآخــر ُم َ‬ ‫نفســه َ‬ ‫ــرد سيرته؛‬ ‫وس ْ‬ ‫الباطني‪ ،‬يقيم التصالح َ‬ ‫يتم ذلك‬ ‫واإلضافــة‪.‬‬ ‫بالتعديــل والحــذف‬ ‫ّ‬ ‫واع‪ ،‬متيقِّــظ‪ ،‬لغتــه المعرفــة‪،‬‬ ‫بهذيــان ٍ‬ ‫ِ‬ ‫والمقــوالت الفلســفية‪ ،‬والحكــم (جوهــر‬ ‫العقائد واألديان)‪ ،‬والصور الســينمائية‪،‬‬ ‫والروايــات وصــور الحيــاة اليومية‪ ،‬و‪-‬‬ ‫أيضــاً‪ -‬صــور من خيالــه الشــعري‪ .‬وقد‬ ‫كل ذلك‪ ،‬منتقالً‪ ،‬تارة‪ ،‬إلى‬ ‫خلط دوبريه ّ‬ ‫آخر جديد‪ ،‬وبالوصل‬ ‫إلى‬ ‫من عالم قديــم‬ ‫َ‬ ‫تــارة أخــرى‪ .‬يقول في‬ ‫ــن‪،‬‬ ‫بيــن العاَلَمْي‬ ‫ً‬ ‫كل ذلك‪« :‬وهكذا بفضل جمع عدد‬ ‫تجميــع ّ‬ ‫من الكتب‪ ،‬عبر الزيارات التي كانت تقوم‬ ‫تحول‬ ‫بها رفيقتي ّ‬ ‫كل ســتة أشــهر(‪ّ ،)....‬‬ ‫العقــاب الجزائــي إلــى فترة قصيــرة في‬ ‫تدريب للدرس واالســتبطان‪ ،‬من الصعب‬ ‫توفُّره في الحياة العادية (‪ )...‬ولئن كان‬ ‫الحيــوي شــديد الضيــق فقد كان‬ ‫المجــال‬ ‫ّ‬ ‫(المقدمة‪،‬‬ ‫سيد وقته»‪.‬‬ ‫المرء‪ -‬على ّ‬ ‫ِّ‬ ‫األقل‪ِّ -‬‬ ‫ص ‪.)9‬‬ ‫‪...‬‬ ‫ربما كان الجزء الشبيه‪ ،‬في حياتي‪ ،‬الذي‬ ‫ّ‬

‫كنت أملك فيه فائض وقت ممزوج بتساؤل‬ ‫وجودي وبألم شخصي‪ ،‬هو الفترة التي‬ ‫أتــت بعــد وفــاة والــدي‪ .‬لقد جعلنــي هذا‬ ‫كل مــا حــدث‪ :‬كنت‬ ‫الحــدث أعيــد تقييــم ّ‬ ‫داخــل عزلة نفســية اضطراريــة‪ ،‬أحاول‬ ‫الخروج والصــراخ‪ ،‬لكن بال صدى‪ .‬وفاة‬ ‫المتمرد‪،‬‬ ‫أبي ســحبت منّــي امتياز االبــن‬ ‫ِّ‬ ‫وأخذ موته سلطة الرمز الذي كنت أقاوم‪،‬‬ ‫امتدت‬ ‫عبره‪ ،‬ضعف نفسي وقلّة حيلتي‪َّ .‬‬ ‫هذه الحالة لسنوات من الصمت الخارجي‬ ‫مصحوبــة بنوبات من الصــراخ الداخلي‪.‬‬ ‫فيمــا بعــد هــدأ هــذا الصــراخ‪ ،‬عندهــا‪،‬‬ ‫اســتعدت القــدرة علــى الــكالم والكتابــة‬ ‫ســت ســنوات‬ ‫والوضــوح بعد توقُّف دام ّ‬ ‫تقريبــاً‪ .‬فتــرة التوقُّــف هــذه كانــت فترة‬ ‫االستيعاب‪ ،‬وسجني اإلرادي الذي قمت‪،‬‬ ‫داخلــه‪ ،‬بمراجعــة أولى لفصــل جديد من‬ ‫«التمرد»‪.‬‬ ‫حياتي‪ ،‬عنوانه‬ ‫ُّ‬ ‫«التمــرد» أصبح‬ ‫بــدأت أشــعر بــأن هــذا‬ ‫ُّ‬ ‫سجناً‪ ،‬قيدًا على مقاس الجسم بالضبط‪،‬‬ ‫فكان ســجني مضاعفاً؛ الســجن األصغر‬ ‫َف َضح الســجن األكبر‪ .‬ســجن األفكار كان‬ ‫أي ســجن آخر‪ ،‬حتى ولو كان‬ ‫أقــوى من ّ‬ ‫اجتماعياً‪ ،‬أو طبقياً‪ ،‬عكس ما كان يطمح‬ ‫إليــه توفيــق الحكيــم فــي ســجن العمر‪،‬‬ ‫ســجن الطبع‪ .‬كنت مســجون ًا داخل فكرة‬ ‫التمرد‪ ،‬ليس لخطأ فيها‪ ،‬بل‬ ‫«التحرر» أو‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ألن لها ضحايــا‪ ،‬يجب أن يغذّوا نيرانها‪،‬‬ ‫تظل صاحية إلى األبد‪ .‬كانت‬ ‫والتي البّد أن ّ‬ ‫وألي مجتمع‪ ،‬مهما‬ ‫فكرة‪،‬‬ ‫ألية‬ ‫ّ‬ ‫هناك قيود ّ‬ ‫كانــت خطورتهــا وفرادتهــا وتضحياتها‪.‬‬

‫هنــاك أجندة ما‪ ،‬ونظــام ضاغط يجعلك‬ ‫تعيــش‪ ،‬فقــط‪ ،‬جحيــم الفكــرة وســلبها‬ ‫وعبوديتــك لهــا‪ ،‬أو منحهــا‬ ‫لحر َّيتــك‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫وعبوديتهــا لك‪.‬‬ ‫حــدود‪،‬‬ ‫بــا‬ ‫حرّية‬ ‫َّ‬ ‫لــك ّ‬ ‫تخضــع لها أكثر مــن خضوعك لحياتك‪،‬‬ ‫أي‬ ‫خصوص ًا بعــد أن أصبحت منفلت ًا من ّ‬ ‫قيد اجتماعي‪ ،‬وغير خاضع آلراء القبيلة‬ ‫وأثبت أمام‬ ‫االجتماعيــة التي أنت منهــا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫نفســك قدرتك على التخلّي‪ ،‬والتضحية‪،‬‬ ‫والجَلد‪ .‬تقف‪ -‬أخيراً‪ -‬في العراء‪ ،‬تحاول‬ ‫َ‬ ‫أن ال تذهب إلــى دفء قبيلة أخرى‪ ،‬مهما‬ ‫مميزة كعضوية نادي‬ ‫كانت لها‬ ‫عضويــة َّ‬ ‫ّ‬ ‫الميليونيرات‪ .‬الفكــرة‪ -‬مهما كانت‪ -‬يجب‬ ‫ّأل تكون أقوى من حياة اإلنســان‪ .‬الفكرة‬ ‫تعيش‪ ،‬بينما نحن نموت‪.‬‬ ‫الفكــرة أقــوى دائمــاً؛ ألن لها كيانــ ًا غير‬ ‫تطورها يأخذ عقودًا وقرون ًا‬ ‫ّ‬ ‫مادي‪ ،‬وألن ُّ‬ ‫وأحقابــاً‪ ،‬وكذلك دورة حياتها وميالدها‬ ‫وموتها؛ لذا يشــغل اإلنسان جزءاً‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫مــن دورة حياتهــا‪ ،‬واليــرى بدايتهــا أو‬ ‫نهايتها‪ .‬يقف داخل لحظة َت َح ُّول‪ ،‬سكون‬ ‫لهــا أو موت‪ ،‬أو ميالد‪ .‬فــي تلك اللحظة‬ ‫ال‬ ‫الحرجــة‪ ،‬يريــد أن يخــرج منهــا‪ ،‬حام ً‬ ‫كل تــراث الهزيمة واللــوم والذنب؛ كونه‬ ‫ّ‬ ‫األبدية التي تعيــش فيها هذه‬ ‫تخلّــى عــن ّ‬ ‫الفكرة‪ /‬األفكار لصالح تراث هذه الفكرة‪.‬‬ ‫يســترد تراث ًا‬ ‫لكنــه‪ -‬فــي الوقــت نفســه‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫مشــابه ًا مــن الكينونة‪« ،‬األنــا الصغير»‪،‬‬ ‫الــذات الشــبيهة‪ ،‬اآلخر الداخلــي‪ .‬لم تعد‬ ‫الــذات تستســلم بســهولة‪ ،‬كأنهــا نفضت‬ ‫عنها ثوبها الواسع أو «األنا األعلى» التي‬ ‫توجهها‪ ،‬متســلِّطة عليها‪ ،‬وتدفعها‬ ‫كانت ِّ‬ ‫للمواجهة‪.‬‬ ‫‪...‬‬ ‫يقيــم دوبريــه حــوارات افتراضيــة مــع‬ ‫فالســفة‪ ،‬وساســة‪ ،‬وعلمــاء نفــس‬ ‫واجتمــاع‪ ،‬وشــعراء‪ .‬يستشــهد بفكرهــم‬ ‫ويجادلهم‪« :‬إن المرء ليتطابق مع وجوه‬ ‫تاريخيــة أو روائيــة كبيــرة‪ ،‬لكنهــا كلّها‬ ‫حصريــة‪ ،‬ماثلة في وقــت واحد ‪ :‬ينبغي‬ ‫أن تصبــح هكــذا‪ ...‬وال ينبغــي لــك‪ ،‬في‬ ‫تخــل بهــذه الرغبــة (‪.)...‬‬ ‫أي حــال‪ ،‬أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يرجع المرء دائم ًا إلى األنموذج‪ ،‬يكبر في‬ ‫مــكان آخر‪ ،‬خارج ذاته‪ ،‬فهو ليس‪ ،‬أبداً‪،‬‬ ‫نفســه‪ ،‬وال قيمــة لــه ّإل بالمعايرة» (ص‬ ‫‪.)60 - 59‬‬ ‫‪...‬‬ ‫نقطة مفصلية؛ أن تعود لنفسك وتجعلها‬ ‫‪125‬‬


‫ٍ‬ ‫تعــال أو تفاخر أو‬ ‫أنموذجــ ًا بديالً‪ ،‬دون‬ ‫تضخيم للــذات‪ .‬لكنك‪ ،‬في هــذه الحالة‪،‬‬ ‫تســتحق هــذه النفس صدق هذه‬ ‫يجب أن‬ ‫ّ‬ ‫تحول‬ ‫حالــة‬ ‫في‬ ‫تكــون‬ ‫أن‬ ‫يجــب‬ ‫الــدور‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫دائمْيــن‪ ،‬يجــب أن تعيــش‬ ‫وعــدم ثبــات َ‬ ‫وتكتشــف وســيط ًا يمنعهــا‪ ،‬دائمــاً‪ ،‬من‬ ‫التعالي ومن تكوين هــذه «األنا األعلى»‪.‬‬ ‫كان ســؤالي‪ :‬كيــف نكبــر فــي «مــكان‬ ‫آخــر»‪ ،‬وبدون «أنموذج»؛ بحيث ال نكون‬ ‫متنصليــن مــن أنفســنا‪ ،‬و‪ -‬أيضاً‪ -‬لســنا‬ ‫ِّ‬ ‫متربصيــن داخلها؟ أين يكمــن هذا المكان‬ ‫ِّ‬ ‫ربما‪ ،‬كانت رحلة البحث تبدأ من‬ ‫نــي؟ َّ‬ ‫َ‬ ‫البْي ّ‬ ‫هنــا‪ ،‬من رفض أن نكبر في «مكان آخر»‪،‬‬ ‫متغربيــن عــن أنفســنا‪ .‬إنــه ليــس مكان ًا‬ ‫ِّ‬ ‫آخر‪ ،‬بل جــزءًا من تكويننا‪ ،‬وكينونتنا‪،‬‬ ‫والطفولي؛ إنه‬ ‫ســري‪،‬‬ ‫ومن تاريخنــا ا ُأل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعي‪ ،‬الــذي يجمع‬ ‫الســر ّي‬ ‫مكاننــا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الداخل والخارج معاً‪.‬‬ ‫في هذه الحالــة‪ ،‬حيث األنموذج يكبر في‬ ‫رجح دوبريــه التراجع إلى‬ ‫مــكان آخر‪ُ ،‬ي ِّ‬ ‫كثــوري يجــب أن يزحــف علــى‬ ‫الواقــع‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بطنــه فــي الوحل‪ ،‬كمــا يقــول لينين في‬ ‫ــن االنســحاب بــا يــأس»‪« :‬إن لم يكن‬ ‫َ‬ ‫«ف ّ‬ ‫المــرء مســتعّدًا للزحــف علــى بطنــه في‬ ‫ثورياً‪ ،‬وإنما ثرثاراً»‪.‬‬ ‫الوحل‪ ،‬فهو ليــس ّ‬ ‫قوي بالمسؤولية تجاه‬ ‫(ص‪.)60‬‬ ‫وبحس ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫نفســه‪ ،‬وتجاه الدولة التي تعاني أزمات‬ ‫‪126‬‬

‫طفولــة األفــراد نفســها‪ ،‬يقــول دوبريه‪:‬‬ ‫فتصرف كما لو أنها‬ ‫«إذا لــم ُتِرد مأســاة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫تتهددك دائماً»‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫يحفِّــز دوبريــه الفــرد لمنــع عــودة‬ ‫يشــكل ُعصابــ ًا للفرد‪ ،‬منذ‬ ‫التاريــخ الذي‬ ‫ِّ‬ ‫طفولته‪ ،‬وللدولــة أيضاً‪ .‬وعي بالتاريخ‬ ‫تراخ‪ ،‬يمنع أســطورة‬ ‫الشــخصي‪ ،‬بدون ٍ‬ ‫األبــدي» والتكرار؛ فهنــاك‪ ،‬عند‬ ‫«العــود‬ ‫ّ‬ ‫إعادة تكرار التاريخ‪ ،‬مأســاة ستقف في‬ ‫الطريق‪.‬‬ ‫فــي كتابي «خطــوط الضعــف»‪ ،‬الصادر‬ ‫عام ‪ ،1995‬كتبت عن «التبكير بالتناقض»‬ ‫قبــل أن يأتــي‪ ،‬في وقت‪ ،‬أكــون فيه غير‬ ‫تحمله أو التعامــل معه‪ .‬كنت‬ ‫قــادر علــى ُّ‬ ‫أستثير بعض معضالت الطفولة النائمة‪.‬‬ ‫فــي لحظــة الخطــر الحياتيــة؛ لحظــة‬ ‫مجســاتي لرصــد‬ ‫التغييــر‪ ،‬كنــت ِّ‬ ‫أثبــت ّ‬ ‫الزالزل‪ ،‬والتي كانت مستنفرة‪ ،‬وأرسلها‬ ‫فــي الماضــي والمســتقبل‪ ،‬لتســتقرئ‬ ‫االنهيارات الداخلية التي ســتأتي من كال‬ ‫الزمَنْين‪ :‬المســتقبل‪ ،‬والماضــي‪ ،‬اللذين‬ ‫يكمــل أحدها اآلخر‪ .‬داخل هــذه اللحظة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫كنت أعيش تحت ضغط هذه المســؤولية‬ ‫ماضي وعن‬ ‫الكبــرى عــن حياتي‪ ،‬وعــن‬ ‫َّ‬ ‫مستقبلي‪.‬‬ ‫‪...‬‬ ‫االتصــال والعــودة إلــى‬ ‫‪ -‬هــي لحظــة ِّ‬

‫الجــذور؛ لحظة االنفصال عــن االنفصال‬ ‫األول عــودة مــا‬ ‫األول‪ .‬كان االنفصــال َّ‬ ‫َّ‬ ‫ثــم االنفصــال الثانــي عــن‬ ‫إلــى الــذات‪ّ ،‬‬ ‫الذات وانكشــافها على تاريخها وعالقاتها‬ ‫المتحركــة داخَلهــا‪ :‬طريــق‬ ‫وأدوارهــا‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ذهاب وعودة‪.‬‬ ‫ «إن الناس يســاوون‪ُ ،‬بعدياً‪ ،‬بين الفرد‬‫وعمله‪ ،‬ناســين أن في الثورة أكثر كثيرًا‬ ‫ممــا فــي الثــوري‪ .‬قــال فيديل ‪ :‬لقــد قمنا‬ ‫ّ‬ ‫بثورة أكبر منّا كثيراً»‪.‬‬ ‫مهمتــي في‬ ‫‬‫أرشــدني دوبريــه إلــى أن َّ‬ ‫َ‬ ‫الفّن‪ ،‬من غير أن أشــعر بأني‬ ‫هي‬ ‫الحياة‬ ‫َ‬ ‫الفّن خوفــ ًا من المواجهات‬ ‫أقــف وراء هذا َ‬ ‫مصداقيته‬ ‫السياســية التي تمنح اإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫أمــام نفســه‪ ،‬أو خوفــ ًا مــن الســجن أو‬ ‫المــوت‪« :‬كنــت بحاجــة إلى هذا الســجن‬ ‫لتدرك هذه البديهية بوضوح‪ :‬لست مثقف ًا‬ ‫بالمعنــى الدقيق‪ ،‬من غيــر أن تكون‪ ،‬من‬ ‫جهة أخرى‪ ،‬فنّاناً»‪( .‬ص ‪.)135‬‬ ‫___________________________‬ ‫«مذكرات برجوازي صغير‬ ‫*المختارات من كتاب ِّ‬ ‫نارْين وأربعة جدران»‪ .‬ريجيس دوبريه‪.‬‬ ‫بين َ‬ ‫ترجمه عن الفرنسية‪ :‬سهيل إدريس‪ .‬الطبعة‬

‫األولى‪ ،‬دار األداب‪ ،‬بيروت‪1977 ،‬م‪.‬‬


‫ضغط الكتابة‬

‫أمير تاج السر‬

‫رواية وحيدة‬

‫أول‬ ‫مازلت أحتفل ســنوياً‪ ،‬في داخلي على ّ‬ ‫األقل‪ ،‬بذكرى نشــر َّ‬ ‫عمــل روائي لــي‪ .‬كان ذلك في دار نشــر صغيرة فــي القاهرة‪.‬‬ ‫ثمــة روايــة أخرى كتبهــا عامل في مصنــع‪ ،‬تزامن‬ ‫وأتذكــر أن ّ‬ ‫نشرها مع نشر روايتي في الدار نفسها‪ .‬كانت رواية ذلك العامل‬ ‫بكل ما أراد ذكره من تفاصيل حياته‬ ‫هي الوحيدة له وقد شحنها ّ‬ ‫المســتمر‪ ،‬لكنه بعد ذلك انزوى‪ ،‬أو باألصح‪،‬‬ ‫وعمله‪ ،‬وكفاحه‬ ‫ّ‬ ‫لم يظهر على الســطح‪ ،‬وظلت روايته محدودة القراء‪ ،‬في زمن‬ ‫ثمة إعالم واســع‪ ،‬ليطــارد كاتب ًا طارئاً‪ ،‬وينبشــه في‬ ‫لــم يكن ّ‬ ‫تجربته‪.‬‬ ‫هذا السلوك‪ ،‬أي كتابة عمل روائي واحد‪ ،‬يختفي بعده الكاتب‪،‬‬ ‫ليــس اختراعــ ًا حديثاً‪ ،‬فمنذ أن بدأ الناس بكتابــة الرواية‪ ،‬كان‬ ‫مرة وال يكتب بعدها أبداً؛ وذلك ألســباب‬ ‫دائم ًا هناك من يكتب ّ‬ ‫متفرغــ ًا للكتابة‪ ،‬النشــغاله‬ ‫كثيــرة‪ ،‬منهــا‪ :‬أن الكاتب لــم يكن ِّ‬ ‫بوظيفــة يعتــاش منها وال يريد أن يزحم نفســه بضرة لها‪ ،‬فال‬ ‫يخلص لالثنتين‪ ،‬فيما تكون الرواية الوحيدة التي كتبها شحنة‬ ‫عابــرة خنقته‪ ،‬واضطرته إلخراجها وكفى‪ .‬من األســباب أيض ًا‬ ‫أن تكــون الكتابة عند البعض انشــغا ًال مؤقّتــاً‪ ،‬جاء في فترة ما‬ ‫وذهب‪ ،‬فال تبقى حاجة له‪.‬‬ ‫لكّتاب بعينهم‪ ،‬مرموقة‬ ‫(الوحيدة)‬ ‫الروايات‬ ‫في المقابل‪ ،‬كانت بعض‬ ‫ُ‬ ‫جــداً‪ .‬اســتطاعت أن تحــدث نقــات جيــدة فــي الكتابة‪ ،‬مثــل رواية‬ ‫المكســيكي‪ :‬خــوان رولفو‪ ،‬بدرو بارامــو‪ ،‬ورواية المصــري النوبي‬ ‫محمد خليل قاســم «الشــمندورة»‪ ،‬وهناك نماذج كثيــرة في األدبين‪:‬‬ ‫العربي‪ ،‬والعالمي‪.‬‬

‫كتــب خــوان رولفو مجموعات قصصية‪ ،‬فكان مشــروعه‪ ،‬غالباً‪ ،‬في‬ ‫القصة القصيرة‪ ،‬وكذلك كانت رواية بدرو بارامو‪ ،‬في تركيبتها أقرب‬ ‫للقصــة القصيــرة‪ ،‬والشــمندورة روايــة وحيدة‪ ،‬أغنت عن عشــرات‬ ‫ّ‬ ‫الروايــات التــي كان من الممكن أن ُتكتب عن منطقة النوبة في صعيد‬ ‫مصر‪ ...‬وأعتقد أن قاســم بعدما أنجز «الشــمندورة»‪ ،‬لم يرد أن ينجز‬ ‫غيرها حتى تظل جوهرة‪.‬‬ ‫من األمثلة أيض ًا رواية «موفي ديك» الشهيرة‪ ،‬للكاتب هيرمان ملفيل‪،‬‬ ‫وهي رواية وحيدة وشــاهقة في عالم الروايات‪ ،‬وكانت الســبب في‬ ‫االحتفــاء بكاتبها كثيرًا وإيصاله‪ ،‬وهي موجودة إلى القمة بترجمات‬ ‫جيدة في مختلف اللّغات‪.‬‬ ‫ســألني كاتــب ليس من الشــباب‪ ،‬يعمل موظفاً‪ ،‬كان قــد أنجز رواية‬ ‫واحدة منذ عشر سنوات‪ ،‬ولم يجد وقت ًا أو دافع ًا لينجز غيرها‪ ،‬برغم‬ ‫وجود كثير من األفكار التي تتحاوم في رأسه‪ ،‬وال يستطيع أن يدفع‬ ‫تكاليف النشر بال عائ‪ .،‬إن كان ذلك عيبا‪ ،‬أي أن يظل هكذا صاحب‬ ‫رواية واحدة؟‬ ‫ردي هو أن األمر عيب كبير‪ ،‬إن كان الكاتب مهتم ًا فع ًال بالكتابة‪،‬‬ ‫كان ّ‬ ‫وسبق أن راودته فكرة تبنّي مشروع خاص به‪ ،‬ففي هذه الحالة عليه‬ ‫أن يضاعف من تحليقه‪ ،‬وينسى تكلفة نشر الكتاب‪ .‬في هذه الحالة قد‬ ‫يكتب شــيئ ًا جيداً‪ّ .‬أما في حالة أنه لم يكن مهتم ًا أصالً‪ ،‬وكتب بدافع‬ ‫شــحنة أجبرته‪ ،‬فال مشكلة‪ ،‬وهنا‪ ،‬ســيحتفظ التاريخ باسم روايته‬ ‫إن كانت شحنته المفرغة جيدة‪ ،‬وقد ال يذكرها‬ ‫الوحيدة‪ ،‬ومضمونها‪ْ ،‬‬ ‫يهمه شــيء‪ ،‬ألنه خارج‬ ‫لن‬ ‫بالطبع‪-‬‬ ‫والكاتب‪-‬‬ ‫أحــد رغم أنهــا كذلك‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫دائرة االهتمام بمنجزه ومنجز اآلخرين‪!..‬‬ ‫‪127‬‬


‫نصوص‬

‫ٌ‬ ‫األرق‬ ‫غنائمي‬ ‫كثرية يف َ‬ ‫صالح لربيني (املغرب)‬

‫َها َو ْر َد ٌة ُأ ْخ َرى‬

‫ِيك َع ْب َر ال َْم َساف ِ‬ ‫وَآت ِ‬ ‫َات مُ َعفَّ ر ًا بِ غُ َب ِار ال ِ ّتيهِ‪َ ..‬ظ َمئِي‬

‫اب َي ْت ُلو مِ ْح َن َة الْقَ َواف ِِل‬ ‫الص ْح َراءِ‪ِ ..‬ت ْر َحالِي كِ َت ٌ‬ ‫ِسي َر ُة َّ‬ ‫ين فِي‬ ‫ص َل ُة ال َّتائ ِِه َ‬ ‫ب ال َْم َدى‪ُ ..‬غ ْر َبتِي َب ْو َ‬ ‫فِي م ََه ِ ّ‬

‫ِين َع ِن ال َْيق ِ‬ ‫ين َع ِن‬ ‫ِين‪ ..‬ال ُْم ْر َت ِ ّد َ‬ ‫م ََدائ ِِن ال َّر ْي ِب‪ ..‬ال َْع ِازف َ‬

‫َّ‬ ‫يب ال َْع َت َمات‪.‬‬ ‫الض ْوءِ‪ ..‬وَال َْع ِ‬ ‫ِين َّس َر ِاد ِ‬ ‫اشق َ‬

‫اش ُق ق ََبائ َِل ال ِ ّرم ِ‬ ‫َال‪ُ ..‬أ َر ِ ّو ُ‬ ‫ض ُع َوا َء ال َْب َر ِاري‬ ‫َأنَا ال َْع ِ‬

‫صافِي َر ال َْم َح َّب ِة فِي قَفَ ِ‬ ‫ص‬ ‫ِي‪ُ ..‬أ َر ِ ّبي َع َ‬ ‫الساكِ َن ف َّ‬ ‫َّ‬ ‫الص ْبرِ فِي ب َْي َدا ِء ال َْج َس ِد‪،‬‬ ‫يس‬ ‫ال ُّر ِ‬ ‫َّ‬ ‫وح‪َ ..‬أ ْر َعى عِ َ‬ ‫الس َأ ِم‪َ ..‬أ ْعزِ ُ‬ ‫اع ال َْحن ِ‬ ‫ِين‬ ‫ف ِإيقَ َ‬ ‫َو َأ ْر ُق ُ‬ ‫ص َف َرح ًا مِ ْن ِش َّد ِة َّ‬ ‫َاي ال َّن َدم‪.‬‬ ‫َع َلى ن ِ‬

‫السامِ قَ ُة فِي َح َيا ِة‬ ‫يب ٌة فِي ال ُْب ْع ِد‪..‬‬ ‫َّ‬ ‫َو َأ ْن ِت الْقَ رِ َ‬ ‫الذ ْك َري ِ‬ ‫ِّ‬ ‫يد‬ ‫َات‪ ..‬ال َْح ِ‬ ‫اض َر ُة فِي ا ْلغ َِي ِ‬ ‫ين نَشِ َ‬ ‫اب‪َ ..‬ت ْر ُقبِ َ‬

‫ض َ‬ ‫بِ َي َد ْي ِك غَ َ‬ ‫ين ُح ْر َق ًة‬ ‫َج ِه الِا ْنت َِظ ِار‪َ ،‬و َت ْب ِك َ‬ ‫اض ًة فِي و ْ‬ ‫َع َلى ر ََسائ َِل َ‬ ‫اها فِي ال َّن ِار‪ .‬‬ ‫ض َّي ْع َن َ‬ ‫و ََها َأنَا َأ ْع َز ُل مِ ْن ِك‪ ،‬بِ َلا َذ ِخي َر ٍة‪ ‬‬

‫وب‪ُ ..‬أو ِ‬ ‫َاري‬ ‫صي َخ ْي َباتِي َت ْح َ‬ ‫ُأ ْح ِ‬ ‫وم ال ُْح ُر ِ‬ ‫ُج ِ‬ ‫ت ن ُ‬ ‫ين َق ْت َل َ‬ ‫يد‬ ‫ص ِ ّلي َع َل َّي؛ َأنَا الشَّ ِه ُ‬ ‫َجثَامِ َ‬ ‫اي فِي ا ْلع ِْش ِق‪ُ ..‬أ َ‬ ‫الص َبا َبةِ‪ ..‬غَ َنائِمِ ي َكثِي َر ٌة فِي ا ْل َأر َِق‪..‬‬ ‫فِي م ََع ِار ِك‬ ‫َّ‬

‫وحاتِي َ‬ ‫صال‪.‬‬ ‫ض ِ ّيقَ ُة ال َْخ َرائ ِ‬ ‫ِط فِي م ََمال ِِك الْوِ َ‬ ‫ُف ُت َ‬ ‫َها َو ْر َد ٌة ُأ ْخ َرى‬

‫َج ِه ال َْح َياة‬ ‫ُأ َر ِ ّت ُ‬ ‫ْس ُأ ُصص ًا فِي و ْ‬ ‫ب ال َْيأ َ‬ ‫ص ِديق ًا ِلل َْع َد ِم‬ ‫ال َْخ َر َ‬ ‫اب َ‬

‫ين َه َدايَا ِل َزف ِ‬ ‫َاف ال ُْق ُب ِ‬ ‫ور‪ ،‬‬ ‫ال َْجثَامِ َ‬

‫الس َماء‬ ‫َوأَطْ ُر ُد ُّ‬ ‫الش َه َدا َء مِ ْن غَ ن َ‬ ‫ِيم ِة َّ‬

‫يم ال َْح َياةِ‪ ،‬‬ ‫ود مِ ْن َم َر ِ‬ ‫اس ِ‬ ‫ال ُْج ُن َ‬

‫اب ا ْل َو ِح ِ‬ ‫آه ٍ‬ ‫ال ُْع ُي ِ‬ ‫ات‬ ‫ون َي َت َس َّل ُل ِخل َْس ًة مِ َن ال َْب ِ‬ ‫يد‪َ ..‬‬

‫اص ِ‬ ‫ات و َُه َّن‪ ‬‬ ‫ص َ‬ ‫ص ِديقَ اتِي ال َّر َ‬ ‫َو َأ ْح َتفِي بِ َ‬

‫ين‬ ‫صي ال َْحياة‪َ ..‬ت ْح ُر ِس َ‬ ‫َت ِح ُّن َع َلى ال َّن َد ِم‪َ ،‬ح َّتى َلا ي َْع َ‬

‫ِص ِارهِ َّن َع َلى ال َْح َياة‪،‬‬ ‫َوي َْح َتف َ‬ ‫ِين بِ ا ْنت َ‬

‫وم‪ ،‬وَهِ َي‬ ‫يد َة مِ ْن َشرِ ِ‬ ‫َت ْص َد ُح ُغ ْر َف َت َنا الْفَ رِ َ‬ ‫يط ُأ ِ ّم َك ْل ُث َ‬ ‫ظِ َل َ‬ ‫ت َش َج َر ِة ال ُّت ِ‬ ‫ب‬ ‫ال الشَّ ْو ِق َت َح َ‬ ‫وت‪َ ،‬و َتطْ ُر ِد َ‬ ‫ين َش َغ َ‬ ‫ين‬ ‫ب‪ُ ..‬ت َل ِ ّو ِح َ‬ ‫ص ُ‬ ‫صافِيرِ َح َّتى َلا َت ُموت َأغْ َ‬ ‫ال َْع َ‬ ‫ان ال ُْح ِ ّ‬ ‫‪128‬‬

‫ي َْس َت ْمت ِْع َن بِ فَ َر ِح ِه َّن فِي نَزِ ِ‬ ‫يف ال َْم ْو َتى‪،‬‬

‫ِيم ِة ال َّنشِ ِ‬ ‫يد ال َْج َنائِزِ ي‪ ‬‬ ‫َو َأ ْد ُعو ال َْم ْو َ‬ ‫ت ِل َول َ‬ ‫ان ال َْك َم ْن َج ِ‬ ‫َع َلى فٌ قْ َد ِ‬ ‫اع َة الْفَ َرح‬ ‫ات َم َن َ‬


‫ام‪ ‬‬ ‫الس َل ِ‬ ‫َع َلى ا ْن ِه َي ِار ِج َد ِار َّ‬

‫اج ِ‬ ‫َح ُل ِ‬ ‫اب‪ ،‬ال َْم ْو ِت‪ْ ،‬ت َر ِ‬ ‫يديَا ال ِ ّتي ِه‬ ‫ول ال َْح ْر ِب‪ ،‬ال َْخ َر ِ‬ ‫و ُ‬ ‫ص ْح َرا ِء ال َْع َبث‬ ‫فِي َ‬ ‫َها َو ْر َد ٌة ُأ ْخ َرى‪ ‬‬

‫الذ ْك َري ِ‬ ‫اص َ‬ ‫يل ِ ّ‬ ‫َاب‬ ‫ِين َيقْ َر َا َتفَ ِ‬ ‫َحن ٍ‬ ‫ب ب ٍ‬ ‫َات ُق ْر َ‬ ‫و َ‬ ‫اب‪ ‬‬ ‫ُي َر ِ ّبي َز ْه َر َة ا ْلغ َِي ِ‬ ‫َوي َْح ُض ُن َف َر َ‬ ‫يق مِ ْن ُأغْ ن َِي ٍ‬ ‫اغ َّ‬ ‫الطرِ ِ‬ ‫َت َت ْز ُهو‬ ‫ات َكان ْ‬

‫وم َع ِن ال َّن َه ِار‪ ‬‬ ‫ال َّل ْي ُل ي ُ‬ ‫َص ُ‬

‫الس َما َء‪ ،‬‬ ‫َي ْر َت ِدي َّ‬

‫الص َبايَا‬ ‫َع َلى ِشفَ ا ِه َّ‬

‫اب ال َْم َح َّبةِ‪ ‬‬ ‫َوي َُغ ِ ّني َخ َر َ‬

‫فِي‪ ‬‬

‫ت‬ ‫ال ِْج َرا ُر َت َك َّس َر ْ‬

‫ض‪ ‬‬ ‫َأ ْر ٍ‬

‫الس َواقِي‪ ‬‬ ‫م َ‬ ‫َات ال َْما ُء فِي َّ‬

‫َت ْعشَ ُق‪ ‬‬ ‫ال َّرمْل‬

‫َح َل ِت ال ُْخ ْض َر ُة َع ِن‬ ‫ر َ‬

‫وم‬ ‫َتطْ ُر ُد ا ْلغُ ُي َ‬ ‫مِ ْن َس َما ِء‬

‫وج‬ ‫ال ُْم ُر ِ‬

‫ا ْل َو َطن‬

‫َت ْر ُش ُق ا ْل ُأفْ قَ‬

‫َات ال َْخرِ ُ‬ ‫يف ي َُغ ِ ّني‪،‬‬ ‫ب َ‬

‫بِ َغ َرابِ ِ‬ ‫ين‬

‫ال َْم ْو ِت‬

‫اج‪..‬‬ ‫ِج ِ‬ ‫َوي ْ‬ ‫َص َه ُل فِي ا ْلف َ‬

‫َو ُت َع ِ ّب ُئ ال َْح َيا َة بِ َيأ ِ‬ ‫ْس‬

‫ال َْح َياةِ‪ ..‬‬

‫َت ْن ُث ُر َو ْر َد ا ْل َأ َسى َع َلى ال ُْج َث ِث‬

‫يد‪ ‬‬ ‫َو َأ ْن َ‬ ‫ت ا ْل َو ِح ُ‬ ‫العمل الفني‪ :‬كاي سافيلسبيرغ ‪ -‬ألمانيا‬

‫َج ِه ال َْع َد ُم‬ ‫َو َت ْب َتسِ ُم فِي و ْ‬

‫ال َْع َدم ِ‬ ‫الذي ي َْسرِ ي فِي ال َْجثَامِ ِ‬ ‫ين‬ ‫َو َي ْن ُف ُ‬ ‫ض َع ْن ُه ال َّن َدم‪..‬‬ ‫َها َو ْر َد ٌة ُأ ْخ َرى ‬

‫ت َتفْ ت ُِل ال َْخطْ َو فِي ُط ُرق ٍ‬ ‫ت ال َْم َدى‬ ‫ص ْم َ‬ ‫َو َأ ْن َ‬ ‫َات َت ْر َعى َ‬ ‫يح ال َْم َسا ِء بِ شَ فَ َت ْي ِن َذابِ َل َت ْي ِن‪ ‬‬ ‫ُتقَ ِ ّب ُل ِر َ‬

‫ ‬

‫ص ْح َرا ِء ا ْل َأبَد‬ ‫فِي َ‬ ‫ود الْقَ َواف َِل تِيه ًا‬ ‫َت ُق ُ‬

‫وس ا ْل َأ ْنفَ ِ‬ ‫بش ُم ِ‬ ‫اس‬ ‫ُت ِ‬ ‫ام ُ‬ ‫ضي ُء ال ِ‬ ‫ْخ َي َ‬ ‫الص ْمت‪.‬‬ ‫َو َل ْو َع ِة ال َّر ِ‬ ‫احل َ‬ ‫ِين ِإ َلى َّ‬ ‫‪129‬‬


‫نجوت؟!‬ ‫هل‪ ،‬حق ًا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بيان أسعد مصطفى (األردن)‬

‫مبكراً‪ ،‬علــى غير العادة؛ أي قبل ســاعتين‪،‬‬ ‫المرة ِّ‬ ‫ُ‬ ‫وصلــت هــذه ّ‬ ‫يحدد وقتي هو ســاعة انطالقي من البيت‪ ،‬بل‬ ‫تقريباً‪ .‬لم يكن ما َّ‬ ‫تتجول في الشوارع‪ .‬في العادة‪ ،‬حين أصل‬ ‫عدد الســيارات التي‬ ‫َّ‬ ‫إلى المستشــفى أدخل ســريع ًا آلخذ رقم ًا لي‪ ،‬أو كما اعتدنا على‬ ‫(د ْوراً)‪ ،‬يكون رقم ًا كئيب ًا ال يفضي إلى‬ ‫تســميته نحن‪ -‬المرضى‪َ -‬‬ ‫مرة‪ .‬هذه األرقام التي ننساها؛ إذ ال تأخذ‬ ‫شيء ويختلف‪ ،‬في ّ‬ ‫كل ّ‬ ‫ِ‬ ‫تنتــه‪ ،‬ولكنها تكون‬ ‫أي شــيء‪ُ ،‬تنســى مــا إن‬ ‫منّا شــعورًا تجاه ّ‬ ‫أجمل من مالمح وجه الطبيب‪ ،‬وهو يصف حالتنا ذاتها‪ ،‬التي لم‬ ‫تتغير منذ سنين‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫أشجار كبيرة‪ ،‬والغيوم‬ ‫المكان‬ ‫حول‬ ‫اليوم‪:‬‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫د‬ ‫ج‬ ‫ال‬ ‫جمي‬ ‫الجو‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫كان ّ‬ ‫ٌ‬ ‫األول من المطر‪ .‬عندما أرى‬ ‫الشــهر‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫الســماء‪،‬‬ ‫على‬ ‫قد حلّت‬ ‫َّ‬ ‫األشــجار حولي‪ ،‬دائماً‪ ،‬أؤمن أنهم قصدوا إيواءنا هنا‪ ،‬كي يكبر‬ ‫األمــل فينــا أكثر‪ ..‬األخضر‪ -‬كمــا تعلمون‪ -‬يمّدنــا باألمل والطاقة‬ ‫باتجاه‬ ‫قويــة اليــوم‪ :‬ســرت ِّ‬ ‫الجيــدة‪ .‬وبالفعــل‪ ،‬كانــت طاقتــي ّ‬ ‫ِّ‬ ‫قــررت أن أجلس‬ ‫الكافيتيريــا‪ ،‬واشــتريت كوبــ ًا من القهــوة‪ ،‬ثم َّ‬ ‫خــارج المستشــفى‪ ،‬حيث كانــت هنــاك مقاعد وطــاوالت كثيرة‬ ‫تتسخ‪ -‬ربما‪-‬‬ ‫مهيأة لحشــد كبير غير المرضى‪ ،‬المقاعد بيضاء ال َّ‬ ‫َّ‬ ‫ربما‪ ،‬يخافون‬ ‫ألنها تابعة للمستشفى‪ ،‬ورائحتها‪ -‬أيضاً‪ -‬نظيفة‪َّ .‬‬ ‫خلية ســرطانية‪ -‬هذا‬ ‫عليهــا‪ ،‬دائماً‪ ،‬من أجســادنا أن تنقل إليها ّ‬ ‫أفكر بهذا أبداً‪،‬‬ ‫األيام الســابقة‪ ،‬أما اليوم‪ ،‬فلــم ِّ‬ ‫مــا كنت أقوله في ّ‬ ‫كل‬ ‫بــل‪ -‬على العكس‪ -‬قــد أعجبتني هذه الرائحة‪ ،‬مع أنها تخلَّلت ّ‬ ‫جسدي‪ ،‬وليس أنفي‪ ،‬فحسب‪.‬‬ ‫ولمحت يدي‪ :‬كانت عروقها بارزة‪،‬‬ ‫وضعت الكأس على الطاولة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ربما‪ ،‬ألن الجو جميل فعالً‪،‬‬ ‫تجاهلتها!‬ ‫أدر ِل َم‬ ‫وملمســها جاّفاً‪ .‬لم ِ‬ ‫َّ‬ ‫يدي المفتوحَتْين برأســي‪ ..‬هطل‬ ‫نظرت إلى الســماء‪ ،‬وألصقــت ّ‬ ‫عليهمــا مطر كثير‪ ،‬ثــم أنزلتهما‪ ،‬ولــم أنتبه إليهمــا‪ ،‬أيضاً‪ .‬كان‬ ‫الطقــس هادئاً‪ ،‬ولــم أكن أرغب أن أتكلَّم مع أحــد‪ ،‬مع أني حين‬ ‫أعود إلى البيت ال أجد أحداً‪ ..‬أبقى طوال اليوم حتى منتصف الليل‬ ‫وحيــدة إلــى أن يأتي ابني (األخير)‪ ،‬وحين أراه أقول له‪ :‬صباح‬ ‫أي موضوع ســهل‪ ..‬أســأله األســئلة‬ ‫الخيــر‪ ،‬ثم نتكلم قلي ً‬ ‫ال عن ّ‬ ‫كل يــوم‪ :‬عن العمل‪ ،‬وهل تنــاول الطعام أم ال‪ ،‬ثم أرجع‬ ‫نفســها ّ‬ ‫أحب أن أســتيقظ فــي الصباح وأذهب‬ ‫إلــى نومــي القصير‪ ،‬فأنا ّ‬ ‫‪130‬‬

‫للتسوق‪ ،‬أسأل البائع عن ثمن البضائع التي أريد شراءها‪ .‬وهذا‬ ‫ُّ‬ ‫كل ما أقوله‪ ،‬يومياً‪ ،‬كلمات قليلة جّدًا وضرورية‪ ،‬لكني‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أرغــب‪ -‬فعــاً‪ -‬أن أبقى صامتة‪ ،‬حتى لو ســألني الطبيب شــيئ ًا‬ ‫فســأجيبه باإليمــاءات أو بكلمــات مقتضبة‪ ،‬سيحســبني كئيبة‪،‬‬ ‫وســيتعاطف معــي‪ ،‬وســيختصر الكالم ووصــف حالتي التي ال‬ ‫تذكرها اليوم أيضاً‪ ،‬وسينتهي األمر‪.‬‬ ‫أرغب في ُّ‬ ‫الســن على الطاولة التي تقابلني‪ ،‬كانت‬ ‫في‬ ‫كبيرة‬ ‫امرأة‬ ‫جلســت‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫وسترة مرسوم ًا‬ ‫تغطي عنقها بشال أسود‪ ،‬ترتدي تنّورة سوداء‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عليهــا جلــد النمر‪ ،‬ال أعلم لمــاذا‪ ،‬دائماً‪ ،‬تجذبنــي هذه الخطوط!‬ ‫تدل على الوحشية‪ ،‬ولطالما أحببت أن أرتدي‬ ‫على األرجح‪ ،‬ألنها ّ‬ ‫كل من يرتديها يصير مخيف ًا وقاسياً‪ ،‬نعم‪،‬‬ ‫مثلها‪ ،‬فأنا أشــعر أن ّ‬ ‫ربمــا هذه المرأة هكــذا‪ ..‬على األرجح‪،‬‬ ‫قاســية‪.‬‬ ‫أحتــاج أن أكون‬ ‫ّ‬ ‫مالمح وجهها‪ :‬حاجباها رفيعان‪ ،‬عيناها‬ ‫هي مخيفة‪ ،‬كما ُتظهــر‬ ‫ُ‬ ‫حادتان‪ .‬تخيفني هذه المرأة كثيراً‪ ،‬لكن ليس اآلن‪ ،‬فقد‬ ‫ضيقتان ّ‬ ‫ِّ‬ ‫أحسســت أنها تحتاج إلى مســاعدة‪ ،‬لقد أنزلت رأسها‪ ،‬وأغمضت‬ ‫نهضت ســريعاً‪ ،‬أمسكت جسدها‪،‬‬ ‫عينيها‪ ،‬وبدأت يداها ترتجفان‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫أتعكز على أبواب المكان‪ ،‬أوصلتها إلى‬ ‫كان ساخن ًا جداً‪ ..‬حملُتها َّ‬ ‫خرجت‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫مبهم‬ ‫ا‬ ‫كالم‬ ‫كان‬ ‫تقوله؛‬ ‫ما‬ ‫الطبيــب‪ ،‬حيث لم تكن تدرك‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫اختــرت أن أبقى داخل القســم‪ ،‬فنحن نكون‬ ‫وأغلقــت البــاب‪ ،‬ثم‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫مخيفيــن‪ ،‬في بعض األحيان‪ ،‬ثم إنني وحيدة‪ .‬ســأجلس‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫بجانب الكثيرين‪ ،‬وسأنتظر دوري بهدوء‪.‬‬ ‫نتمعن فــي الوجوه التي بقربنا‪،‬‬ ‫يصبــح الوقــت طوي ً‬ ‫ال جّدًا حين َّ‬ ‫كنت أتمنّى أن يكون هناك مثل‬ ‫نا‪،‬‬ ‫تهم‬ ‫وال‬ ‫نعرفها‬ ‫الوجوه التي ال‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫وجــه تلك الســيدة؛ فالوجوه‪ ،‬هنا‪ ،‬عادية ومريضــة فعالً‪ ،‬كلّها‬ ‫شــاحبة بطريقة متشــابهة‪ .‬مضى من الوقت نصف ســاعة فقط‪،‬‬ ‫الممر الطويل المطفأ والفارغ‪ ،‬تقريباً‪ ،‬ألن‬ ‫فقررت أن ّ‬ ‫أتمشــى في ّ‬ ‫َّ‬ ‫نتذكر آخر شيء حدث‪ ...‬لقد‬ ‫نتمشى‬ ‫ونحن‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫مبك‬ ‫َّ‬ ‫الوقت ما زال ِّ‬ ‫السير الذي كانت فيه حافلتنا‪ :‬كانت‬ ‫الشرطي ُة‬ ‫أوقفت‬ ‫تذكرت كيف‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫الحافلة تقف في المقّدمة‪ ،‬ثم رأينا إشــارة من يدها بالتوقُّف‪ ،‬ثم‬ ‫أود كثيرًا فعلها في‬ ‫أدارت ظهرهــا إلينــا‪ ،‬هذه الحركة التي كنــت ّ‬ ‫أود أن أوقف بعض األشــخاص‬ ‫مواقــف كثيــرة مررت بهــا‪ ،‬كنت ّ‬


‫العمل الفني ‪:‬كاي سافيلسبيرغ ‪-‬ألمانيا‬

‫ممر حياتي بحركة يدها تلك نفســها‪ ،‬ثم أدير لهم‬ ‫مــن المرور في ّ‬ ‫لم أفعل ذلك؟!‬ ‫لم‬ ‫ّقة‪.‬‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫وتلك‬ ‫السهولة‬ ‫ظهري بتلك‬ ‫َ ْ‬ ‫أدرت وجهي إلى القسم الذي كنت أنتظر فيه‪ ،‬فرأيت المرأة تخرج‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫المنتظرة‪،‬‬ ‫كل الوجــوه‬ ‫مــن عنــد الطبيب‬ ‫شــاحبة الوجــه‪ ،‬مثــل ّ‬ ‫َ‬ ‫متعرق‪ ،‬ضعيفة جّداً‪ ،‬كما يجب أن تكون‬ ‫صارت تشبههم‪ :‬وجهها‬ ‫ِّ‬ ‫وقفــت أمامها بعــد أن كانت في‬ ‫عليــه ما دامــت تأخذ مكانــ ًا هنا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫بالقوة‪ ،‬والحّدة التــي تمأل مالمح وجهها‪ ،‬واآلن‪،‬‬ ‫الصبــاح تمّدنا ّ‬ ‫عيني إلى األرض‪ ،‬بضعف بالغ جداً‪،‬‬ ‫)‬ ‫(أنزلت‬ ‫علي أن أفعل؟‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ماذا ّ‬ ‫ثم انضممنا إلى غرفة االنتظار من جديد‪.‬‬ ‫بــدأت األرقــام تظهر علــى الشاشــة أمامنا‪ ..‬كان رقمــي(‪ ،)9‬رقم‬ ‫أن أحداث ًا كثيرة أخــذت الرقم (‪)9‬‬ ‫ســهل للحفــظ‪ ،‬باإلضافة إلــى ّ‬ ‫غيــر شــهر ميالدي؛ فقد ُســجن زوجــي (‪ّ )9‬أيــام بتهمة اختالس‬ ‫األموال قبل أن يقودوه إلى السجن المركزي‪ ،‬حيث تحمل زنزاته‬ ‫رقــم (‪ ،)9‬وتوفّيت ابنتي البكر قبل (‪ )9‬ســنوات‪ ،‬وتطلََّقت ابنتي‬ ‫وأستأجر شقّة‬ ‫األخرى من زوجها بتاريخ ‪ 9/9‬من هذه الســنة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الحي‪ ،‬يطالب مالكها أن نتركها بعد ‪ّ 9‬أيام‪،‬‬ ‫في مبنى رقم (‪ )9‬في ّ‬ ‫ّية‬ ‫ل‬ ‫الك‬ ‫في‬ ‫األصغر‬ ‫ابنــي‬ ‫ج‬ ‫وســيتخر‬ ‫النقود‪،‬‬ ‫بســبب عدم تأميننا‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ربما‪ ،‬هناك أحداث‬ ‫الشهر‪...‬‬ ‫هذا‬ ‫من‬ ‫التاسع‬ ‫اليوم‬ ‫العسكرية في‬ ‫ّ‬ ‫تدوخنــا األرقام! كــم هي بغيضة‬ ‫أخــرى لــم َّ‬ ‫أتذكرهــا‪ ...‬آه‪ ،‬كم ِّ‬ ‫حين تعني لنا شــيئاً! ثم جاءني الســؤال الشــديد‪« :‬هل ســأبقى‬ ‫كل ذلك؟» لكنــه انقطع بعد أن رأيت رقمي يظهر‬ ‫فــي العراء‪ ،‬بعد ّ‬ ‫ُ‬ ‫تم اإلجراءات المملّــة التي نواجهها‪ ،‬في‬ ‫أل‬ ‫فذهبت‬ ‫علــى الشاشــة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫لنتمكن من رؤية الطبيب‪.‬‬ ‫‪،‬‬ ‫حكومي‬ ‫أي مستشفى‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقفت‪ ،‬في انتظار أن أســمع اســمي‪ .‬هناك ثالثة أرقام لم يظهر‬ ‫ُ‬ ‫كل مــن حولي يحدقــون بي‪ ..‬ال‬ ‫أصحابهــا‪ ،‬وفجــأة شــعرت أن ّ‬ ‫أعلم لماذا! نظرت إلى شاشــة هاتفي‪ ،‬فظهر وجهي في عتمتها‪..‬‬ ‫كنت أبتســم في الصبــاح‪ ...‬يــا للعنة األشــياء! أين‬ ‫أذكــر أننــي ُ‬ ‫ِ‬ ‫ذهبت بابتســامتي؟! ل َم ذابت عيناي‪ ،‬هكذا‪ ،‬بهذه الســذاجة؟! نعم‬ ‫ُ‬ ‫كل المرضــى حولي‪ ،‬حتى‬ ‫إن وجهــي يومــئ بالضعف أكثــر من ّ‬ ‫بالحّمى‪ ...‬مستقيمة ومنسابة‬ ‫َشعري ّ‬ ‫تحول إلى خيوط مسكونة ُ‬ ‫في اّتجاه واحد‪.‬‬

‫الممرضــة‪ .‬كان وجههــا مستبشــرًا كالزهور‪،‬‬ ‫ســمعت اســمي من‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫وســِم َع اســمي‪ ،‬بصوتها‪ ،‬كلعنة‪ ،‬كان وجهها يقول لي شــيئ ًا لم‬ ‫ُ‬ ‫فتحت لي الباب كالعادة‪ ،‬وقادتني إلى الطبيب على غير‬ ‫أفهمــه‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫دخلت معي عنــد الطبيب أيضاً‪ ،‬هناك شــيء يحدث‪...‬‬ ‫العــادة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫وجهه يقول لي أشــياء أكثر‪ ،‬نظرت إليهما نظرة تســاؤل مريبة‪،‬‬ ‫أظنّهمــا قد خافــا منها‪ ...‬لكنهما لم يفعــا‪ .‬وجهاهما يختلفان عن‬ ‫الوجوه في الخــارج‪ ،‬الفرح كثير فيهما ويبعث على األمل‪ .‬عندما‬ ‫أمعنت كثيرًا فــي كالمه‪ ،‬حرفــ ًا حرفاً‪ .‬كنت‬ ‫يتحــدث‬ ‫بــدأ الطبيــب‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫َّلت‬ ‫أخــاف أن تفوتني كلمــة ما فال أفهمها‪ ،‬ودون أن أدري‪ ،‬تســل ْ‬ ‫وشعرت أنني بانتظار مفاجأة عظيمة‪،‬‬ ‫ابتســامتهما إلى وجهي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫انتظرتها‪ .‬وقبل أن أســمعها باغتتني الممرضة بالعناق‪.‬‬ ‫لطالمــا‬ ‫ُ‬ ‫أدركت ذلك من دموعي الخفيفة التي «غســلت وجهي»‪،‬‬ ‫نعم‪ ،‬لقد‬ ‫ُ‬ ‫تشــوه وجوهنا‪ ،‬دائم ًا‬ ‫الحزينة‬ ‫الدموع‬ ‫الطبيب‪.‬‬ ‫عليها‬ ‫ّق‬ ‫هكــذا عل‬ ‫ِّ‬ ‫ســيئ مثل هذا أشبه بالخطو‬ ‫أحســها كذلك‪ ،‬والشــفاء من مرض ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وهواء‬ ‫نحــو الجنّة‪ ،‬يشــبه كثيرًا النجاة من الغرق (فــي البحر)‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يدخل من النافذة بشــراهة إلى غرفــة مختنقة جّداً‪« .‬لقد نجوت»‪،‬‬ ‫قال لي الطبيب‪.‬‬ ‫ربمــا ألنه لم يزرني مثل هــذا الفرح منذ‬ ‫طــال هذا المشــهد كثيراً؛ َّ‬ ‫ربما‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫تمام‬ ‫ا‬ ‫نقي‬ ‫يصبح‬ ‫حين‬ ‫الجسد‬ ‫يشعر‬ ‫زمن بعيد! ال أعلم كيف‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هو‪ ،‬اآلن‪ ،‬يطير (في داخلي)‪.‬‬ ‫الفر َحْين‪،‬‬ ‫قدمي‪،‬‬ ‫واستطعت أن أغلق صورة وجهيهما ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وقفت على ّ‬ ‫هواء ٌ‬ ‫كثيف من‬ ‫وجهي‬ ‫لفــح‬ ‫حينها‪،‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ومشــيت‬ ‫ظهري‬ ‫أدرت‬ ‫ٌ‬ ‫حين ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫النوافذ التي فتحها المرضى في غرفة االنتظار‪ ،‬لم أشأ أن أفزعهم‬ ‫بابتســامتي؛ لذا بقيت أســير مســرعة‪ .‬نعم‪ ،‬ها هو جسدي يطير‬ ‫فعالً‪...‬‬ ‫األرض أمامي‪،‬‬ ‫خارجــة َّاتســعت‬ ‫أغلقــت باب المستشــفى‬ ‫عندمــا‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كنت كلّما ّ‬ ‫خف صوتي‬ ‫نجوت‪،»...‬‬ ‫نجوت‪...‬لقــد‬ ‫«لقد‬ ‫د‪:‬‬ ‫أرد‬ ‫وأنــا ِّ‬ ‫ُ‬ ‫السيئة التي مازالت تغلّفني‪ ،‬وإلى الوجوه‬ ‫أنعطف إلى الذكريات ّ‬ ‫نجوت؟!‬ ‫الحزينة التي تنتظرني‪ ،‬وأتساءل‪ :‬هل‪ ،‬حقاً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫‪131‬‬


‫ظل الحروب المستعرة في عدد من البقاع في العالم؟‬ ‫ما الذي ينبغي على األديب القيام به في ّ‬ ‫لدوي األســلحة وأزيز الرصاص‪ ،‬ويصمت في انتظــار التهدئة المرتقبة؟ ما الذي‬ ‫هــل يرضخ ّ‬ ‫يمكن تحصيله في حالة وقوفه إلى جانب الداعين إلى تأجيج الحروب‪ ،‬واختالق التبريرات لهذا الطرف‬ ‫المدمرة؟ هل تجد‬ ‫المحارب أو ذاك؟ إلى ّ‬ ‫أية درجة يمكن للكتابة أن تســاهم بالتخفيف من آثار الحروب ّ‬ ‫ظل جنون الحرب وضجيجها؟ كيف يمكن للكتابة أن تلعب دورًا ما في عالم مضطرب‬ ‫الكلمة صدى في ّ‬ ‫باطراد؟‬ ‫تتجّدد فيه دورات العنف وتتنامى حاالت‬ ‫الكراهية ّ‬ ‫ّ‬

‫الكتابة يف أزمنة الحرب‬ ‫األدباء‪ ..‬من طروادة إىل بغداد‬ ‫هيثم حسني (أدنربة)‬ ‫قارب كثير من األدباء والكّتاب الحرب في معالجاتهم وخطاباتهم‪،‬‬ ‫الكارثية التي تخلّفها على البشر‪ ،‬وكيف أنّها‬ ‫توقّفوا عند آثارها‬ ‫ّ‬ ‫اإلنســانية في البقاع التي تســتعر‬ ‫الحضارة‬ ‫تســاهم في تدمير‬ ‫ّ‬ ‫يتم إســباغ‬ ‫بشــعارات‬ ‫ع‬ ‫والتذر‬ ‫الحروب‬ ‫جي‬ ‫مؤج‬ ‫فيها‪ ،‬وخدعة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحض على العنف والتحريض‬ ‫إلى‬ ‫ا‬ ‫معبر‬ ‫لتكون‬ ‫القداسة عليها‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫علــى القتال‪ ،‬بحيث تكفل للمحاربين أقنعــة ليتخفّوا خلفها في‬ ‫يؤدون‬ ‫رحلة إســالتهم الدماء‪ ،‬وتعميمهم الدمــار‪ ،‬والثقة بأنّهم ّ‬ ‫واجبهم المقّدس إزاء وطنهم وجماعتهم وأنفسهم‪.‬‬ ‫التاريخية‬ ‫األدبيات‬ ‫ارتبــط مفهــوم الحرب في زوايا معينة فــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نظريــ ًا ‪ -‬بأخالق رفيعة يتمّتع بها المحاربون من أجل قضايا‬ ‫ ّ‬‫تنصب في إطار حماية األســرى‬ ‫محاوالتهم‬ ‫كانت‬ ‫لذلك‬ ‫عادلــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫واحتــرام القتلى وكســب احتــرام األطراف المغلوبــة من خالل‬ ‫والفروسية‪ ،‬وإن كان مفهوم الحرب‬ ‫التحلّي بروح المســؤولية‬ ‫ّ‬ ‫يوصف بالخدعة‪ ،‬والخدعة‬ ‫حين‬ ‫الفروسية‬ ‫نفســه يتناقض مع‬ ‫َ‬ ‫هنــا تحمــل نقيضهــا أيضــاً‪ ،‬فقد تكــون مثــار إعجــاب أو مثار‬ ‫استهجان أيضاً‪.‬‬ ‫العدو‬ ‫يمكــن التقاط حكايات معــدودة من التاريخ عن إحســان‬ ‫ّ‬ ‫لعــدوه بعــد هزيمتــه‪ ،‬والتعامل معــه‪ ،‬انطالق ًا مــن أخالقيات‬ ‫ّ‬ ‫أي‬ ‫المدمر الذي ال يفســح ّ‬ ‫رفيعــة‪ ،‬ال انطالقــ ًا من جانب االنتقام ّ‬ ‫إنساني‪ ،‬ألنّه‬ ‫أي تقدير‬ ‫مجال للنظر إلى اآلخر على أنّه‬ ‫ّ‬ ‫يستحق ّ‬ ‫ّ‬ ‫عدو ومهــزوم‪ .‬في مقابل تلك الحكايات المعدودة يمكن العثور‬ ‫ّ‬ ‫التدميري‬ ‫الجانب‬ ‫تعكس‬ ‫التي‬ ‫التاريخية‬ ‫القصص‬ ‫من‬ ‫كثير‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫‪132‬‬

‫البشــرية‪ ،‬وكيف تم االنتقام من اآلخر بعد االنتصار‬ ‫في النفس‬ ‫ّ‬ ‫يتم‬ ‫عليه‪ ،‬ولم يكن ذاك االنتقام يستثني الموتى والقبور‪ ،‬كأن ّ‬ ‫إحــراق الموتى‪ ،‬أو نبش القبور لإلســاءة الى الجثث‪ ،‬أو حتى‬ ‫العظام المتبقية‪.‬‬ ‫حربيــة‪ ،‬وتكــون بأكثر مــن صيغة‬ ‫عــادة‬ ‫القتيــل‬ ‫إعــادة قتــل‬ ‫ّ‬ ‫وطريقة‪ ،‬وتعكس مدى غضــب الخصم وجنونه وتركه المجال‬ ‫للوحــش الكامن فيه أن يتغلّب على اإلنســان ويقوده في رحلة‬ ‫التوحش‬ ‫يتمكن منــه‬ ‫التدميــر‬ ‫أن اإلنســان الــذي ّ‬ ‫الذاتــي‪ ،‬ذلــك ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فخ شهوة القتل‪ ،‬ويضيع في‬ ‫يغدو خطرًا على نفســه‪ ،‬يقع في ّ‬ ‫متاهات االنتقام‪.‬‬ ‫فــي خطابــه لمناســبة افتتــاح مؤتمر القلــم الدولي فــي برلين‬ ‫مايو‪/‬أيــار ‪ ،2006‬والذي كان قد اختار جملة «الكتابة في عالم‬ ‫نوه األلمــــاني غونـتـــر غـراس (‪- 1927‬‬ ‫مضطرب» شعارًا له‪ّ ،‬‬ ‫أن‬ ‫‪ )2015‬الحائــز على جائزة نوبل لآلداب ســنة ‪1999‬م‪ ،‬إلى ّ‬ ‫أن ّ‬ ‫الشك في ما يعتقد به يصّده عن الركون إلى‬ ‫الذي يكتب يعلم ّ‬ ‫أمل قد يكون مصيره الخســران‪ .‬ويلفت إلى استمرارية الحروب‬ ‫عبر الزمن‪ ،‬وأنّها كثيرًا ما تقنّعت بقناع «فرض السالم» أو بقناع‬ ‫كل األحوال‪.‬‬ ‫«تطبيــع األوضاع»‪ ،‬وبأنّهــا كانت تفرز الموت في ّ‬ ‫أن الحرب ســادت دومــاً‪ ،‬وحتى معاهدات الســام ذاتها‬ ‫وذكــر ّ‬ ‫نية أو عــن قصد خبيث‪،‬‬ ‫بحســن‬ ‫ســطورها‪،‬‬ ‫بين‬ ‫تخفي‬ ‫كانــت‬ ‫ّ‬ ‫النواة التي تتولّد منها حروب قادمة‪.‬‬ ‫غراس الذي تمحورت معظم كتاباته عن الحرب بطريقة مباشرة‬


‫المتفحم عام ‪( 1965‬برلين)‬ ‫غونتر غراس أمام باب منزله‬ ‫ِّ‬

‫يؤكد أن الحرب تســخر من اّتفاقيات الســام وتهزأ‬ ‫أو مواربة‪ّ ،‬‬ ‫أن فاعلية الحرب تقارن بفاعلية الكوارث الطبيعية‪،‬‬ ‫بها‪ .‬ويجد ّ‬ ‫وأنّها تفاخر بالدمار الذي تحقّقه األسلحة التي تستعملها‪ ،‬وأنّها‬ ‫أن‬ ‫تقّدر خسائرها من القتلى بعدد قتلى العدو‪ .‬وتبرهن لألدباء ّ‬ ‫كلماتهم لن تحــول دون اندالع الحروب حّتى وإن كانت صائبة‬ ‫كل الصواب‪ ،‬ويلفت إلى ســخرية أنّها ترى في نفســها حّق ًا من‬ ‫ّ‬ ‫حقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫وبسؤاله عن كيف يمكن التعامل مع الكتابة في عالم مضطرب‪،‬‬ ‫أن األدباء من طــروادة إلى بغــداد كانوا (وال‬ ‫لفــت غــراس إلــى ّ‬ ‫يتأوهــون مــن خــال القوافــي‪ ،‬ويــروون الوقائــع‬ ‫يزالــون) ّ‬ ‫بموضوعية‪ ،‬يطرون السالم في مكان وفي مكان آخر ينشدون‬ ‫البطــوالت‪ .‬ويعتقــد أنــه يســهل تكذيــب المقولــة التــي يصفها‬ ‫بالبالية‪« :‬حينما تكون الكلمة لألسلحة تصمت الفنون»‪.‬‬ ‫إن األدباء ينبشون الجثث‪ ،‬يعيشون من األمور التي‬ ‫يقول غراس ّ‬ ‫يضيعها أو ينساها اآلخرون‪ ،‬يعيشون من الحطام الصدئ الذي‬ ‫يتجولون في ميادين القتــال وأكوام الحطام‬ ‫تخلفــه الحــروب‪ّ ،‬‬ ‫التــي خلفتها حروب العصــور المنفرطة ويعثــرون على أزرار‬ ‫المالبس العســكرية التي ارتداها ضحايا هــذه الحروب والدمى‬ ‫الصغيرة التي كانت تســلّي األطفال الذين قضوا نحبهم في تلك‬ ‫قصة‬ ‫األيــام الدامية‪ .‬ويجــد ّ‬ ‫أن هذه المخلّفات تعيد إلــى الذاكرة ّ‬ ‫الجنود الذين ُمّزقوا إرب ًا واألطفال الذين ُطمروا تحت األنقاض‪.‬‬ ‫أطلق غراس كثيرًا من األســئلة التي مــا تزال تبحث عن أجوبة‬

‫شافية في عالمنا المعاصر الذي يزداد توّترًا وعنف ًا واضطراباً‪،‬‬ ‫من قبيل‪ :‬هل يمكن رواية الوقائع الحربية؟ وحين يزول الخطر‪،‬‬ ‫أال تقــف بالمرصاد األقصوصة الطريفة التي عاشــها المرء في‬ ‫الحرب مناشــدة الكاتب أن يرويها؟ ما هي المشاعر التي تفرزها‬ ‫وقائــع معركــة حربية يروي قصتها كاتب منهــا وصار مضطرًا‬ ‫لتذكر تلــك الوقائع؟‬ ‫للحديــث باســم األنا ولبذل قصــارى جهده ّ‬ ‫تقريبي‪ ،‬أن تنقل‬ ‫هــل يمكن للوســائل األدبية‪ ،‬ولو على نحــو‬ ‫ّ‬ ‫المنظمة التي ترافق هذه الحرب أو تلك؟ وهل يستطيع‬ ‫الفوضى ّ‬ ‫الكاتب المتحّدث عن معايشاته إعطاء الجواب عن األسئلة التي‬ ‫المتخصص؟ وماذا وقع في الزمن الذي تخلّلته‬ ‫المؤرخ‬ ‫ّ‬ ‫يخلّفها له ّ‬ ‫المعــارك الشــهيرة؟ كيف كانــت الحياة اليوميــة خلف خطوط‬ ‫ممن يخاف المرء أكثر‪ :‬من العدو أو من جنود الوطن؟ ما‬ ‫القتال؟ ّ‬ ‫تتطرق لها أبدًا البيانات اإلحصائية؟‬ ‫هي المناحي التي ال ّ‬ ‫الكّتاب بإحصاء عدد الموتى ال بأسلوب‬ ‫أشار غراس إلى واجب ُ‬ ‫التحيز فحسب‪ ،‬بل ضرورة‬ ‫مختلف فقط‪ ،‬وال بجردهم بعيدًا عن‬ ‫ّ‬ ‫كل واحد منهم‪ ،‬سواء أكان من قتلى األصدقاء أم من‬ ‫النظر إلى ّ‬ ‫قتلى األعداء‪ ،‬ســواء أكان امرأة أم كان طفالً‪ ،‬باعتباره إنســان ًا‬ ‫الخاص به‪ ،‬وليس واحدًا من كومة قتلى ال اســم لهم‪،‬‬ ‫له كيانه‬ ‫ّ‬ ‫ويؤكــد على وجــوب المطالبــة برؤيته إنســان ًا صرعته عملية‬ ‫اسمها الحرب‪ ،‬عملية لها أسباب كثيرة‪.‬‬ ‫‪133‬‬


‫بصمات‬

‫عبد العزيز المنصوري‪..‬‬ ‫العائد من النّسيان‬ ‫تقديم وترجمة‪ :‬مبارك وساط‬ ‫للشاعر المغربي الفرنكوفوني‪،‬‬ ‫تقرأ قصائد ّ‬ ‫عبد العزيز المنصوري‪ ،‬فتشــعر أنّك أمام‬ ‫متفرد ونظرة إلى‬ ‫شــاعر مبدع ذي صوت ِّ‬ ‫العاَلــم‪ِ ،‬‬ ‫بالطبع‪-‬‬ ‫يســمها‬ ‫عمــق أكيــد‪ .‬و‪ّ -‬‬ ‫ٌ‬ ‫شبه‬ ‫االسم‬ ‫هذا‬ ‫يجعل‬ ‫ا‬ ‫عم‬ ‫ستتســاءل‬ ‫إنّك‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫مجهــول‪ ،‬بل مجهو ًال من قبــل من يكتبون‬ ‫والشــعراء‪ ،‬في المغرب نفسه‬ ‫الشــعر ّ‬ ‫عن ّ‬ ‫وخارجه‪.‬‬ ‫المنصوري)‬ ‫بلد‬ ‫هو‬ ‫(الذي‬ ‫َ‬ ‫الشــعرية‬ ‫وبالفعــل‪ ،‬فقبل صدور األعمال ّ‬ ‫الكاملــة لعبــد العزيز المنصــوري ‪ -‬تحت‬ ‫«نَفــس‪ِ ،‬بالــكاد»‪ ،‬فــي إبريــل‪/‬‬ ‫عنــوان َ‬ ‫الســنة‪ ،‬كان متعــذَّرًا‬ ‫نيســان‪ ،‬مــن هــذه ّ‬ ‫العثور على كتاباتــه‪ ،‬ومن أراد أن يبحث‬ ‫عنهــا‪ ،‬بإصــرار‪ ،‬فلــن يجد‪ -‬فــي الغالب‪-‬‬ ‫ــبق أن ُن ِشــرت في‬ ‫ســوى‬ ‫ٍ‬ ‫نصوص له‪َ ،‬س َ‬ ‫مجلّــة «‪( »Sooffle‬كانــت قــد ظهــرت إلى‬ ‫أصبحت‪ ،‬الحقاً‪،‬‬ ‫ثم‬ ‫ْ‬ ‫الوجود سنة ‪ّ ،1966‬‬ ‫إضافة إلى‬ ‫اســم «أنفاس»‪ -‬أيض ًا ‪-‬‬ ‫تحمل‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫الفرنســي‪ ،‬وذلك بعد أن صار لها‬ ‫اســمها‬ ‫ّ‬ ‫عربي)‪ ،‬أو نصوص أخرى كانت قد‬ ‫ِقســم‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُنشــرت في أعداد من مجلّــة «أنتيغرال» أو‬ ‫«كلمة» (وهذه األخيرة فرنكوفونية أيضاً‪،‬‬ ‫الصدور منذ عقود)‪.‬‬ ‫وقد توقّفت عن ّ‬ ‫مــن أجــل الحديــث عــن عبــد العزيــز‬ ‫بأهــم تاريخين‪ ،‬ينبغي‬ ‫المنصوري‪ ،‬نبدأ‬ ‫ّ‬ ‫بدايــة ‪ -‬بخصوصه‪ :‬والدته‬ ‫أن نعرفهمــا‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ســنة ‪ 1940‬في مدينة َســا‪ ،‬ووفاته في‬ ‫العام ‪ ،2001‬في الّدار البيضاء‪.‬‬ ‫أن أعمال عبد العزيز‬ ‫نشير هنا‪ -‬أيضاً‪ -‬إلى ّ‬ ‫المشــار إليهــا آنفاً‪،‬‬ ‫المنصــوري الكاملة‪ُ ،‬‬ ‫ــيون»‬ ‫إديس‬ ‫ول‬ ‫يرغ‬ ‫والصــادرة عــن دار «ِف‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ْ ُ‬ ‫فــي طنجــة‪ ،‬إنّمــا قــام ِبجمعهــا وتنظيم‬ ‫الشــاعر المغربي‬ ‫محتوياتهــا والّتقديم لها ّ‬ ‫الفرنكوفونــي مصطفــى النّيســابوري‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وزوجها‬ ‫ساعدْته في ذلك جوسلين اللعبي‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫عبد اللطيف اللعبي‪ .‬وقد اعتمدنا‪ ،‬في هذه‬ ‫‪134‬‬

‫عريفية بعبد العزيز المنصوري‪،‬‬ ‫المقالة الّت ّ‬ ‫إلــى حــّد بعيــد‪ ،‬علــى مقّدمــة مصطفــى‬ ‫النّيسابوري المذكورة‪.‬‬ ‫ميــا ًال إلى‬ ‫حياته‪،‬‬ ‫فــي‬ ‫كان المنصــوري‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫نــوع مــن العزلــة واالبتعاد عــن األضواء‬ ‫شــير مصطفى‬ ‫وعن وســائل اإلعــام‪ُ .‬‬ ‫وي ُ‬ ‫استثنائية‪،‬‬ ‫حالة‬ ‫النّيسابوري إلى ما َشّكل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫السياق‪ ،‬لدى المنصوري؛ ويتبّدى‬ ‫في هذا ّ‬ ‫فــي كونــه اســتجاب‪ ،‬فــي نهايــة خريف‬ ‫الشــعر» في الّدار‬ ‫‪ ،2000‬لدعوة من «بيت ّ‬ ‫شــعرية‪،‬‬ ‫قراءات‬ ‫البيضــاء‪ ،‬وشــارك في‬ ‫ّ‬ ‫رفقة شعراء آخرين‪.‬‬ ‫أن شــعره لم يكن فيه حضور‬ ‫ال يعني هذا ّ‬ ‫العكسي‪،‬‬ ‫على‬ ‫ّنا‪،‬‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫بل‬ ‫‪،‬‬ ‫الخارجي‬ ‫للعاَلم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن المســافة التي احتفظ بهــا إزاء ما‬ ‫نجــد ّ‬ ‫ٍ‬ ‫شاعري عميق‬ ‫إدراك‬ ‫من‬ ‫ه‬ ‫نت‬ ‫مك‬ ‫به‪،‬‬ ‫يحيط‬ ‫ّ ْ‬ ‫ّ‬ ‫وقوي للعاَلم من حوله‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ولم يكن عبدالعزيــز المنصوري يميل إلى‬ ‫الحديــث في شــؤون األدب مــع أصدقائه‬ ‫قربين‪ ،‬بل كان ينصرف معهم إلى إثارة‬ ‫الم ّ‬ ‫ُ‬ ‫اليوميــة‪ ،‬وشــجونها‪.‬‬ ‫شــؤون والحيــاة‬ ‫ّ‬

‫الصحافة‪،‬‬ ‫لم يكتــب أبدًا فــي ّ‬ ‫وهكــذا‪ ،‬هو ْ‬ ‫يحــدث أن منح‬ ‫تصــوره لألدب‪ ،‬ولم‬ ‫عن‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫صحافي‪.‬‬ ‫جرى معه حــوار‬ ‫ّ‬ ‫الفرصــة ألن ُي َ‬ ‫متميــزة‪ ،‬و‪-‬‬ ‫ت‬ ‫مجــا‬ ‫فــي‬ ‫وكان ينشــر‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫جماهيريــة‪ .‬ففــي فتــرة‬ ‫غيــر‬ ‫بالطبــع‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مســتهل النّصــف الثّاني‬ ‫األدبية‪-‬‬ ‫بداياتــه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نشــرت‬ ‫مــن ســّتينيات القــرن الماضــي‪-‬‬ ‫ْ‬ ‫لــه مجلّة تصــدر في فرنســا ِق ّصة قصيرة‬ ‫تحمل عنــوان‪« :‬انتحار طائر نــادر»‪ ،‬كما‬ ‫قصصي في‬ ‫ظهــرت له قصيــدة ذات َنفس‬ ‫ّ‬ ‫«‪ - Souffle‬أنفــاس» (ســتليها قصائــد)‬ ‫بعنوان «مرحلة»‪.‬‬ ‫أثرها على شــعره‪،‬‬ ‫‪1967‬‬ ‫وقــد كان لحرب‬ ‫ُ‬ ‫ثم إنّه ّ‬ ‫المغربية‬ ‫ّة‬ ‫ل‬ ‫المج‬ ‫في‬ ‫اإلسهام‬ ‫كف عن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المذكــورة‪ .‬وكانــت اليــد العاملــة مطلوبة‬ ‫فــي ليبيا بعد ‪ ،1969‬فتخلّى شــاعرنا عن‬ ‫وظيفتــه ومضى في تاكســي كبيــر‪ ،‬رفقة‬ ‫مجموعة من أبناء بلده‪ ،‬صوب ليبيا‪ .‬هكذا‬ ‫وألن عائلته لم تكن‬ ‫اشتغل هنالك شهوراً‪ّ ،‬‬ ‫غنية‪ ،‬فقد كان ُي ِ‬ ‫رسل إليها قسط ًا وافرًا من‬ ‫ّ‬ ‫بأن حياته‪ ،‬هنالك‪،‬‬ ‫ُأجرته‪ .‬ولكنّه بدأ يشعر ّ‬ ‫ــم «جاءه»‬ ‫لم تكن‪ ،‬فــي الواقع‪ِ ،‬لُتطاق‪ُ ،‬ث ّ‬ ‫الشرق‪ ،‬فانطلق صوب بيروت‪ ،‬حيث‬ ‫نداء َّ‬ ‫ســيتعرف إلى عدد من شــعراء المشــرق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وخاصة شــعراء مجلّة «مواقف» التي كان‬ ‫ّ‬ ‫يشــرف عليها أدونيس‪ .‬وبعــد عودته من‬ ‫لبنــان‪ ،‬ســيقوم عبــد العزيــز المنصوري‬ ‫بترجمة عدد من قصائد شــعراء مشــارقة‪،‬‬ ‫ومختارات مــن «المواقــف والمخاطبات»‪،‬‬ ‫الفرنسية‪.‬‬ ‫للنِّفَّري‪ ،‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫تتشــكل أعمــال المنصــوري مــن ثــاث‬ ‫ّ‬ ‫مجموعات‪ ،‬لم ُيرّتبها النيســابوري حسب‬ ‫كل منها من‬ ‫الزمني ِلما‬ ‫تتضمنــه ٌّ‬ ‫الّتوالــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫قصائد‪ ،‬وهــي‪« :‬كتاب المــاء»‪ ،‬و«قصائد‬ ‫تم‬ ‫متفرقة»‪ ،‬و«زيالشــة‪ :‬قصائد صغيرة ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوصل بين أطرافها»‪.‬‬


‫املنصوري يف سائر األ ّيام*‬ ‫فــت إلــى عبــد العزيــز المنصــوري‬ ‫تعر ُ‬ ‫ّ‬ ‫ســنة ‪ِ ،1966‬غ ّب مســاهمته األولى في‬ ‫مجلّــة «‪ -Souffle‬أنفــاس»‪ .‬فــي اليوم‬ ‫وجدت أمامي‬ ‫مــرة‪،‬‬ ‫الــذي التقيته ّ‬ ‫ُ‬ ‫ألول ّ‬ ‫حيويــ ًا فــي‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫باســم‬ ‫ً‪،‬‬ ‫شــاب ًا بشوشــا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هيئتــه‪ ،‬ومن دون نزوع إلــى الّتباهي‪.‬‬ ‫وكان يتكلّــم بصــوت هــادئ‪ ،‬وكان‪-‬‬ ‫علــى الخصــوص‪ُ -‬يحســن اإلصغــاء‬ ‫مســيرو المجلّة اآلخرون‬ ‫إلى مــا يقوله‬ ‫ّ‬ ‫الذيــن كانــوا حاضريــن يومهــا‪ .‬وعلى‬ ‫العمــوم‪ ،‬فهــذه اللقــاءات كانــت تجري‬ ‫مقــر المجلّــة‪ ،‬فــي‬ ‫الربــاط‪ ،‬فــي ّ‬ ‫فــي ّ‬ ‫المرتقبة‪،‬‬ ‫األعداد‬ ‫تهييء‬ ‫أشــغال‬ ‫نطاق‬ ‫َ‬ ‫وكان َيحضرها بانتظام‪ .‬كان يشــتغل‪،‬‬ ‫المركزية إلحدى‬ ‫حينــذاك‪ ،‬فــي اإلدارة‬ ‫ّ‬ ‫الوزارات‪ ،‬ويســكن فــي البيت الذي ُولد‬ ‫فيــه‪ ،‬فــي أحــد األحيــاء العتيقــة‪ ،‬فــي‬ ‫مدينة َســا‪ ،‬رفقة عائلتــه‪ .‬ومثل أغلب‬ ‫العّزاب الذيــن كانوا‬ ‫ّ‬ ‫الشــبان المغاربــة ُ‬ ‫يعيشــون مثــل ظروفــه‪ ،‬كان يشــعر‬ ‫بضــرورة أن يســاهم فــي المصاريــف‬ ‫اليومية لوالديه‪.‬‬ ‫يمــر‬ ‫منــذ صيــف ‪ ،1971‬كان المغــرب ّ‬ ‫خضــم األحداث‬ ‫بفتــرات خطيــرة‪ .‬ففــي‬ ‫ّ‬ ‫السنوات‬ ‫التي كانت ّ‬ ‫تهز البالد خالل تلك ّ‬ ‫الكالحــة‪ ،‬وفــي ســنة ‪ ،1972‬تحديــداً‪،‬‬ ‫(محمد شــبعة‪ :‬فنّان‬ ‫اعتقــال َشــبعة‬ ‫تــم‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تشــكيلي مغربــي)‪ ،‬الــذي كان شــاعرنا‬ ‫قــد أصبح يشــتغل فــي محترفــه للفنون‬ ‫السجن بتهمة‬ ‫الّت‬ ‫ّ‬ ‫خطيطية‪ ،‬وُألقي به في ّ‬ ‫وســيْفرج عــن‬ ‫ولــة»‪،‬‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫بأمــن‬ ‫«المــس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫شــكيلي بعد ســنة من اعتقاله‪،‬‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫الفنّان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكــن أنشــطة المحتــرف لــن تعــود إلــى‬ ‫ّ‬ ‫الوجود مجّدداً‪.‬‬

‫وعــاد عبد العزيز المنصــوري إلى بيت‬ ‫عائلتــه في ســا‪ ،‬وســيبقى فيه فترة‪،‬‬ ‫وية‪ ،‬ثم قفل‬ ‫تأمل أمــوره ِبَر ّ‬ ‫ُيعيــد فيها ّ‬ ‫إلــى الــّدار البيضــاء ليقيــم فيها بشــكل‬ ‫المــرة‪ ،‬بعــد أن التحــق‬ ‫نهائــي هــذه‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مهمة فــي المدينة (كان‬ ‫بوكالــة َت‬ ‫واصل ّ‬ ‫األيام)‪.‬‬ ‫تلــك‬ ‫في‬ ‫إشــهار»‬ ‫«وكالة‬ ‫ُيقــال‬ ‫ّ‬ ‫أن يعيش‬ ‫وتــزوج‪ ،‬عاقــدًا العزم علــى ْ‬ ‫ّ‬ ‫حيــاة منضبطــة‪ ،‬كما فــي الحقبة التي‬ ‫ً‬ ‫كان يشــتغل خاللهــا فــي الوظيفــة‬ ‫العمومية‪ .‬وكان ســعيدًا في تلك األيام‬ ‫ّ‬ ‫باقتنائه كتاب «األغاني» لألصفهاني‪.‬‬ ‫التقيتــه فــي الــّدار البيضــاء خــال‬ ‫ُ‬ ‫بالصدفــة‪ ،‬و‪ -‬تحديــداً‪-‬‬ ‫ات‪،‬‬ ‫ســعيني‬ ‫الّت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حي‬ ‫في ّ‬ ‫الشــارع الذي كان يقطن به في ّ‬ ‫كنــت ماضيــ ًا لزيارة‬ ‫فيمــا‬ ‫وتييــه»‪،‬‬ ‫«غ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫واحد من معارفنا المشــتركين‪ ،‬وقد كان‬ ‫الحي نفسه‪ ..‬كان ذلك الرجل‬ ‫يسكن في ّ‬ ‫حيــا والــودود الذي‬ ‫نفســه‪ّ ،‬‬ ‫الم ّ‬ ‫الطلــق ُ‬ ‫الســنوات المنصرمــة‪ ،‬وقد‬ ‫فــي‬ ‫عهدتــه‬ ‫ّ‬ ‫احتفظ بأســارير الشــباب وبالبســاطة‬ ‫األنيقة التــي كان عليها في أثناء لقائنا‬ ‫األول في الرباط‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ال بإدخــال تعديالت‬ ‫وفيمــا كان منشــغ ً‬ ‫تــم الوصل بين‬ ‫علــى «قصائد صغيرة ّ‬ ‫بتوعــك‪،‬‬ ‫أطرافهــا»‪ ،‬أصيــب‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فجــأة‪ّ ،‬‬ ‫وشــعر ْت عائلتــه بقلــق شــديد‪ُ .‬أدخل‬ ‫َ‬ ‫الشاعر المستشــفى‪ ،‬لكنّه‪ ،‬رغم حالته‬ ‫ّ‬ ‫ورغــم نصائــح طبيــب أمــراض القلب‬ ‫الــذي كان يعالجــه‪ ،‬بقــي علــى توّتره‬ ‫انتظــار مــا‪،‬‬ ‫حمــى‬ ‫ٍ‬ ‫الذّهنــي‪ ،‬يعيــش ّ‬ ‫وار قلــق مالزم‪ ،‬ثم عــاد إلى بيته‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ود َ‬ ‫الظن بأنّه استعاد عافيته‪،‬‬ ‫وفيما ساد ّ‬ ‫أيام ًا بعد ذلك‪.‬‬ ‫انتابتــه أزمة جديدة ّ‬

‫الســابع من ديســمبر‪/‬‬ ‫وقــد توفّــي فــي ّ‬ ‫كانون األول‪ ،‬سنة ‪.2001‬‬ ‫الحديــث عــن حيــاة عبــد العزيــز‬ ‫ليــس‬ ‫ُ‬ ‫الســهل؛ فهو‬ ‫المنصوري وأعماله باألمر ّ‬ ‫يتمســك‬ ‫لــم يكن بالمعروف فعالً‪ ،‬وكان ّ‬ ‫الخارجي‪،‬‬ ‫بعزلــة صارمــة إزاء العاَلــم‬ ‫ّ‬ ‫إذا اســتثنينا‪ -‬طبعــاً‪ -‬العالقــات التــي‬ ‫كان يحافــظ عليهــا‪ ،‬علــى المســتوى‬ ‫االجتماعــي‪ ،‬بارتبــاط مــع العمــل الذي‬ ‫ّ‬ ‫األيام‪.‬‬ ‫كان يقوم به في سائر ّ‬ ‫متتبعو َمســاره‪ ،‬في‬ ‫رغــم ما كان يعــّده ّ‬ ‫معيــن‪ ،‬بأنّه انطــواء علــى الذّات‬ ‫وقــت ّ‬ ‫ِمــن ِقبله‪ ،‬فقــد كان يبرهن‪ -‬باســتمرار‪-‬‬ ‫الخاص‬ ‫على أنّــه ال يفقد‪ ،‬أبداً‪ ،‬ارتباطه‬ ‫ّ‬ ‫باألدب‪ ،‬فقد كان يقرأ كثيراً‪.‬‬ ‫ميــا ًال إلــى الخــوض في‬ ‫وهــو لــم ْ‬ ‫يكــن ّ‬ ‫الشــخصية‪ ،‬وال عن‬ ‫الحديث عــن حياته ّ‬ ‫نشــاطه في مجــال الكتابــة‪ .‬وكان يحلو‬ ‫قربيــن‪ّ ،‬أل‬ ‫الم َّ‬ ‫لــه‪ ،‬في رفقــة أصدقائــه ُ‬ ‫يتحــّدث ّإل عــن األمــور البســيطة وعن‬ ‫اليوميــة‪ ،‬مشــيراً‪-‬‬ ‫مشــكالت الحيــاة‬ ‫ّ‬ ‫أحيانــاً‪ -‬إلــى ِ‬ ‫الحْميــة التــي كانــت قــد‬ ‫يخص الغذاء‪.‬‬ ‫ضت عليه فيما‬ ‫ُفِر ْ‬ ‫ّ‬ ‫الشديد لكتاباته‬ ‫مع هذا‪ ،‬ورغم االرتباط ّ‬ ‫فإن عبد العزيز المنصوري‬ ‫بذاتــه (‪ّ ،)...‬‬ ‫ّقافية‬ ‫بقي راســخ االنتماء إلى الذّاكرة الث ّ‬ ‫ٍ‬ ‫لجيل بأكمله‪.‬‬ ‫__________________________‬ ‫هامش‪:‬‬ ‫* شــهادة مصطفى النّيسابوري (مقاطع من‬ ‫مقدمــة األعمال الكاملة لعبد العزيز المنصوري)‬ ‫ِّ‬

‫‪135‬‬


‫الصباح‪..‬‬ ‫ليل ٌة تمضي نحو ّ‬

‫ليلة تمضي نحو الصباح‬

‫‪-1-‬‬

‫قصائد لعبدالعزيز املنصوري‬ ‫ترجمة‪ :‬مبارك وساط‬

‫ُّ‬ ‫كل شيء‪ ،‬وال شيء‪..‬‬ ‫بداي ُة ونهاي ُة ليل ٍة‬ ‫الصباح‬ ‫تمضي نحو ّ‬ ‫عابر ٍة‪ ،‬وبال غد‬ ‫ّ‬ ‫كل الحاضر‬ ‫بأزقّ ته وبيوته‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫أن‬ ‫كل المستقبل‬ ‫المقيض له ْ‬ ‫ّ‬

‫يصير‬ ‫ذكرى بعيدة‬

‫ّ‬ ‫كل الماضي‬ ‫المغطّ ى بالغبار‬ ‫ُ‬ ‫مقلوب الغطاء‬ ‫ال يطاله ّ‬ ‫الضوء‬ ‫ما يجب أن يكون‬ ‫وهو لن يكون‬ ‫ما كان‪،‬‬ ‫وكان ينبغي أ ّلا يكون‬ ‫ولم يعد‬ ‫ما كان ْ‬ ‫ال ّنظرات المنثورة على البالط‬ ‫والتي ترتفع وتنخفض‬ ‫المد‬ ‫مع‬ ‫ّ‬

‫العمل الفني ‪:‬أيمن طاهر ‪-‬مصر‬

‫‪136‬‬

‫ال ّنظرة التي ترى ّ‬ ‫كل شيء‬ ‫وشديد البعد‬ ‫شديد القرب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تقبض على ال ّروائح‬ ‫التي تسلك الطّ ريق متباطئة‪.‬‬


‫‪-2‬‬‫ّ‬ ‫مجدد ًا‬ ‫أن يُكتب‬ ‫َّ‬ ‫كل شيء ينبغي ْ‬ ‫المقدس واالبتسامة‬ ‫الغضب‬ ‫َّ‬ ‫المقدسة‬ ‫َّ‬ ‫اللذان يأتيان مع ال ّنهار‬ ‫اللذان ينامان في ال ِفناء‬ ‫ّ‬ ‫كل شيء يجب تدميره‬ ‫وإعاد ُة إنشائه‬ ‫ُ‬ ‫شتات المترادفات‬

‫انتظامات ِ‬ ‫ُ‬ ‫الجناسات‬ ‫ك ّلها تمضي‪ ..‬ك ّلها تأتي‬ ‫ُ‬ ‫وبنات عمومتها‬ ‫األشتي ُة‬ ‫ْ‬ ‫تو َلد وتموت‪ ،‬كبير ًة أو صغير ًة‬ ‫وبال قيمة‪.‬‬ ‫‪-3‬‬‫الطّ ريق طويل‬ ‫الساعة‬ ‫ينظرون إلى ّ‬

‫ٌّ‬ ‫كل أمام خوفه‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫موت إنسان‬ ‫موت لحظ ٍة‪،‬‬ ‫إ ّنه‬ ‫الساعات‬ ‫ماذا ُتصبح ّ‬ ‫التي ترحل ع ّنا؟‬ ‫إ ّنها ُتخ ّلف َع َرق ًا‬ ‫وع ّث ًا‬ ‫ُ‬ ‫إلى أين يمضي اإلنسان الذي‬ ‫يَم ّر‬ ‫كأسه؟‬ ‫بعد أن يكون قد أفرغ َ‬ ‫ال أحد س ّلم عليه بحرارة!‬ ‫ُ‬ ‫حيث كان‬ ‫سيجلس‬ ‫وشخص آخر‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الرأس قاع ٌة مُ غطّ اة الجدران‬ ‫ُ‬ ‫باللبد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫فسية‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫باته‬ ‫ل‬ ‫تق‬ ‫للكاتب‬ ‫ِ‬ ‫ّ ّ‬ ‫مركبه‪،‬‬ ‫لقد أضاع‬ ‫َ‬ ‫ولم يعثر على مجاذيفه‪.‬‬ ‫‪-4‬‬‫يبتسم ال ّزمن‬ ‫حين‬ ‫ُ‬ ‫يخفره ال ّنسيم‪،‬‬ ‫ويذوب في الفم‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫فتكون له نكهة الكرز‬ ‫حين يبتسم‬ ‫قوس ُقزح‬ ‫البِ س ًا‬ ‫َ‬ ‫سباق ًة لرؤيته‬ ‫تكون األزهار ّ‬ ‫فتكتسب الخلود‬ ‫يجمعها المرء في نظر ٍة‬ ‫ُتنافس فراشات الغروب‬ ‫الغرامية‬ ‫على األلعاب‬ ‫ّ‬ ‫‪137‬‬


‫التي يقوم بها ال َّرحيق تجاه ُغبار‬ ‫الطّ لع‬ ‫حين يبتسم‬ ‫جيدة‬ ‫تكون َ‬ ‫الغ ّلة ّ‬ ‫يأخذ القلب ويُعطِ ي‬ ‫يتأ ّلم‪ ..‬ينسى‪ ،‬ويَغفر‪.‬‬ ‫‪-5‬‬‫يُفارقنا ال ّزمن‬ ‫مع هبوط الليل‬ ‫تارك ًا خلفه حلم ًا‬ ‫مأهو ً‬ ‫ال بالوطاويط‬ ‫الب ُرنز‬ ‫في مدينة ُ‬ ‫المنسحبة إلى حدائقها‬ ‫الصمت‬ ‫يلتمع ّ‬ ‫مرآةً‪ ،‬ظه ُرها بال طالء‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫تتعذر قراء ُتها‬ ‫يترك صيغ ًة‬ ‫مشدود ًة بدبّوس إلى الباب‬ ‫الج ّوالون يح ّلون غوامضها‬ ‫ك ّلما أصبح القمر في المحاق‬

‫‪-6-‬‬

‫ال لإلزعاج ّ‬ ‫بأي مب ّرر‬ ‫اآللي‬ ‫سجل‬ ‫الم ِ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫يجيب مُ خبر ًا بِ‬ ‫غياب على الطّ رف‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫اآلخر‪،‬‬ ‫ويٌحيل على «ال ّتيليتيكس»‬

‫يعود إلينا ال ّزمن‬ ‫على مِ حفّ ة ُصنِعت كيفما ا ّتفق‪،‬‬ ‫ممدد ًا أمام باب ال ّنهار‬ ‫َّ‬ ‫في انتظار اإلسعاف‬

‫ال ّزمن هو الذي نفتقده أ كثر‬ ‫ُ‬ ‫كبش الفداء قد ُض ِ ّحي به‬ ‫موسوم الجبهة بقطرة دم‬ ‫َ‬ ‫من أجل إبعاد «ال ّتيفوس»‬

‫لحظ ٌة لقول صباح الخير‬ ‫لحظ ٌة لقول ُشكر ًا‬ ‫بأن هذا‬ ‫ولل ّتظاهر ّ‬ ‫يوم جديد‪.‬‬ ‫ٌ‬

‫من سيعتني بعاهاته‬ ‫نمشط ُع ْرفه‬ ‫نحن ّ‬ ‫نَحمله إلى الخارج‬ ‫ُح ّمله ِوزر ّ‬ ‫كل األضرار‬ ‫ن َ‬

‫ُصبح فضا ًء‬ ‫أمام أعيننا ي ُ‬ ‫ثم يأ كله الفضاء‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫فتافت‬ ‫تبقى‬ ‫تنقرها طيور‬

‫‪138‬‬


‫َ‬ ‫الطيور ترفرف بأجنحتها‪..‬‬ ‫السماء‬ ‫تضيع في ّ‬ ‫السماء ال ّزرقاء تصبح سوداء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يحل المساء‬ ‫بعد ال ّنهار‪،‬‬ ‫ال ِف َرق العاملة لي ً‬ ‫ال‬ ‫تهيئ في مستودع ال ّثياب‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫قنابل حارقة‬ ‫ُ‬ ‫صواعقها على أجفانهم‪.‬‬ ‫‪-7‬‬‫تهب‬ ‫رياح‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫على حيوات وجيزة‪،‬‬ ‫كانت لها أحالم مشدوهة‬ ‫ُطمِ رت في غالب األحيان‬ ‫ّ‬ ‫متسكعة‬ ‫رياح‬ ‫ٌ‬ ‫حد‬ ‫مشحونة إلى أقصى ّ‬ ‫ُتف ّرق ال ّناس‬ ‫الصخور‬ ‫وتدفع ّ‬ ‫الخفّ ة‬ ‫األزهار الشديد ُة ِ‬ ‫تفقد بَتالتها‪.‬‬ ‫ولتع ُثر عليها من جديد‬ ‫كسد في احتكاكها بالهواء‬ ‫تتأ َ‬ ‫إ ّنها تتطاير سجين ًة‬ ‫الصافية‬ ‫الصخب ّ‬ ‫في سما ِء ّ‬ ‫إ ّنها تنمو إلى أعلى‬ ‫إذ ترغب في العودة إلى سطح‬ ‫األرض‪.‬‬

‫‪-8‬‬‫االنعزال غريزة قديمة‬ ‫حاقت بالمر ِء‬ ‫لكن‪ ،‬ح ّتى وإن‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُّ‬ ‫الظلمة‬ ‫فإن ذبال َة شمعة صغير ًة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫تغدق عليه سيول األمل‬ ‫نتع ّلم أن نقرأ األحكام‬ ‫الصمت‪..‬‬ ‫على شفاه ّ‬ ‫نسمع األصوات بصورة أحسن‬ ‫إذ ي ّ‬ ‫َحل الليل‬ ‫ّ‬ ‫يدق‪..‬‬ ‫نسمع قلب ًا‬ ‫إ ّنها المدينة وقد اعتراها الخوف‬ ‫ّ‬ ‫يحتل األرصفة‬ ‫ظِ ٌّل‬ ‫الحلم من المرور‬ ‫يمنع ُ‬ ‫إ ّنها المدينة ك ّلها‪ ،‬في عزلة‬ ‫القلوب تجتمع وتتآزر‪،‬‬ ‫لِتخلق توازن ًا‬ ‫حين ترتعد األرض‪.‬‬ ‫‪-9‬‬‫ال ّزمن يُشعل نار ًا كبيرة‬ ‫مستعم ً‬ ‫ال خشب ًا أخضر‬ ‫يتصاعد منه دخان كثير‬ ‫مُ سر َب ً‬ ‫ّ‬ ‫بالضوء‬ ‫ال‬ ‫ّ‬ ‫يتحكم في اندفاعه‪،‬‬ ‫إ ّنه‬ ‫فيكون م ّر ًة جدو ً‬ ‫ال سريع‬ ‫ال ّنضوب‪،‬‬ ‫و ُأخرى سي ً‬ ‫ال جارف ًا‬ ‫ً‬ ‫ندى ثمينة‬ ‫قطر َة‬

‫ال ّزمن يكبر معك‬ ‫ّ‬ ‫بكل شيء‬ ‫ال ّزمن يعتني‬ ‫إ ّنها الحياة تبدأ‪،‬‬ ‫والحياة تستم ّر‬ ‫يتجدد‬ ‫إ ّنه‬ ‫ّ‬ ‫ماتِح ًا من ينابيع ضا ّرة‬ ‫ينابيع المسافات الحارقة‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫التي استولى عليها األفق‪.‬‬ ‫ ‪- 10‬‬‫ستوجه يدك‬ ‫أ ّي ُة مهارة عالية‬ ‫ّ‬ ‫بين العوسج‬ ‫ِنبية‬ ‫من أجل أن َتقطف الع ّ‬ ‫التي ُتوقِف اآلالم؟!‬ ‫هنالك جرحى يُجيلون‪ ،‬فيما‬ ‫حولهم‪،‬‬ ‫نظرة قويّة‪،‬‬ ‫ومنهم من يدلق‬ ‫مل َء بئرٍ من َ‬ ‫الكرب‬ ‫نرغب في مَلء صندوق بالقمامة‬ ‫واستغالل لحظ ٍة تصحو فيها‬ ‫السماء‬ ‫ّ‬ ‫إلفراغه في مكان ما‪،‬‬ ‫وإغالق الباب في وجه الكابوس‬ ‫الخوف يُرافقك‪..‬‬ ‫ولتد ِفّ ئ سريرك‬ ‫َ‬ ‫حينما ال يأتي ال ّنوم‪،‬‬ ‫الحلم دائم الحضور‪.‬‬ ‫سيكون ُ‬ ‫‪139‬‬


‫فاهافالو (‪)1‬‬ ‫جان لوك راهاريمانانا‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد عبد الغني‬

‫متنوع‬ ‫جان لوك راهاريمانانا‪ ،‬كاتب مدغشقري ِّ‬ ‫يتخــذ من باريس‬ ‫اإلنتــاج‪ ،‬يكتب بالفرنســية‪َّ ،‬‬ ‫مســتقرًا له‪ ،‬ومن مدغشقر وطن ًا لقصصه‪ .‬كتب‬ ‫ّ‬ ‫القصة والرواية والشــعر والمســرح وأدب الطفل‪ُ .‬وِلد سنة‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،1967‬فــي العاصمــة المدغشــقرية‪ ،‬أنتاناناريــف‪ ،‬وفيها‬ ‫تلقّــى تعليمه حتى حصل على شــهادة جامعية في األدب‪،‬‬ ‫اإلثني‪،‬‬ ‫ثم حصل على منحة فرنسية لدراسة علم اللّغويات‬ ‫ّ‬ ‫في جامعة الســوربون والمعهد الوطني للّغات والحضارات‬ ‫الشرقية في باريس‪ ،‬عمل‪ ،‬بعدها‪ ،‬معلِّم ًا وصحافياً‪.‬‬ ‫قوي‪،‬‬ ‫القصة والرواية بأسلوب شعري ّ‬ ‫يكتب راهاريمانانا ّ‬ ‫متأثّر بالتقليد الشفهي‪ ،‬ويتمحور أدبه حول تاريخ بالده‪،‬‬ ‫و(راهنها)‪ ،‬وتتداخل فيه األســاطير والخرافات القديمة مع‬ ‫األحداث السياسية المعاصرة‪.‬‬ ‫ســنة ‪ ،1992‬نشــر مجموعة قصصية بعنوان «المجذوم»‪،‬‬ ‫ثــم حصــل علــى «الجائزة األدبيــة الكبرى» عــن مجموعته‬ ‫القصصيــة «أحالم تحت الكفــن» (‪ ،)1998‬وهي المجموعة‬ ‫القصــة التي ننشــر ترجمتها‪ .‬وفي‬ ‫التــي ُنشــرت‪ ،‬ضمنها‪ّ ،‬‬ ‫ســنة ‪ ،2001‬أصــدر روايتــه األولــى «نــور ‪ ،»1947‬وفي‬ ‫العام ذاته‪ ،‬خاض تجربة الكتابة لألطفال فنشــر «النديزوا‬ ‫واألحجــار الثالثة»‪ ،‬مســتلهم ًا أســاطير بــاده‪ ،‬ثم أصدر‪،‬‬ ‫سنة ‪ ،2004‬سيرة روائية بعنوان «الشجرة آكلة البشر»‪،‬‬ ‫ثم رواية بعنوان «زا»‪ ،‬ســنة ‪ ،2008‬ثم مجموعة شــعرية‬ ‫بعنــوان «كوابيــس أبي بريص»‪ ،‬ســنة ‪ .2010‬وفي ســنة‬ ‫الفرانكوفونيين‪ ،‬من بينهم‬ ‫‪ ،2012‬شــارك عددًا من الكّتاب‬ ‫ّ‬ ‫الجزائري بوعالم صنصال‪ ،‬في مجموعة شعرية‪ ،‬بعنوان‬ ‫«بيان ألجل َكَرم اللّغات»‪.‬‬ ‫‪140‬‬


‫فبراير ‪1994‬‬

‫يغمر الماء الشــاطئ كلّه‪ ،‬ممتّدًا إلى ما وراء الكثبان‪ .‬يطفو كلب‬ ‫جــرح عميق‪ ،‬يتصاعد نتنه إلى أعلى‬ ‫نافق‪ ،‬تحت فرائه الخشــن‬ ‫ٌ‬ ‫السموات‪ ..‬تنجرف األسقف الصفيحية‪ ،‬وسعف النخيل الضخم‪.‬‬ ‫كل شــيء‪ .‬هنــا‪ ،‬يحلو النظر نحو‬ ‫علــى مبعدة‪ ،‬تحرق الدبابات ّ‬ ‫األفق‪ ،‬يحلو كثيراً‪.‬‬

‫خطاب مقطوع من السحاب‬

‫ال مســّن ًا كان يبكي على هذه الشــواطئ‬ ‫أتذكــر‪ -‬يــا حبيبتي‪ -‬رج ً‬ ‫ّ‬ ‫يجر بؤسه‪ ،‬بينما‬ ‫كان‬ ‫المياه‪.‬‬ ‫واجتاحتها‬ ‫اإلعصار‪،‬‬ ‫رها‬ ‫دم‬ ‫التي‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تصــب األمطار غضبهــا‪ .‬كان يصيح وقــد َقَهره المطــر المتدفّق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عما جعله يفعل هذا‪ .‬كم كان عمره؟‪:‬‬ ‫ســألت‬ ‫من‬ ‫كل‬ ‫يخبرني‬ ‫ولم‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ســبعون؟ ثمانــون؟ ال أدري‪ .‬كانــت بشــرته تبدو كســعف نخيل‬ ‫ممزقة وجافّــة‪ ،‬وتبدو‬ ‫قديــم‪ ،‬أبلته الشــمس‪ ،‬وكذلك‪ ،‬المطــر‪ّ ،‬‬ ‫كالتراب‪.‬‬ ‫ميتاً‪ ،‬وهو يغتســل‬ ‫َّ‬ ‫أتذكــر الرجــل العجوز الــذي كان يرجم كلب ًا ِّ‬ ‫على الشاطئ‪ .‬كان يؤلمني أن أراه يومئ بهذا الجنون‪ .‬خطر لي‬ ‫لكــن يدًا حانية‬ ‫أنــه ينبغي أن أســاعده ليبتعد عن ذلك المكان‪ّ ،‬‬ ‫منعتني‪.‬‬ ‫بقصة هذا الرجل‪.‬‬ ‫رفيــق‪ ،‬صديق‪ ،‬زميل محلّي‪ ،‬قــال‪ :‬فألخبرك ّ‬ ‫فألخبرك بتاريخ هذا المكان‪.‬‬ ‫القصة‪ -‬يا حبيبتي‪ -‬كي نقرأ‪،‬‬ ‫سوف ّ‬ ‫أقص عليك‪ ،‬بدوري‪ ،‬هذه ّ‬ ‫روحْينا‪ .‬ال لنشــعر باألســى ألنفسنا‪ ،‬وننغمس‪-‬‬ ‫في‬ ‫بغض‪،‬‬ ‫بال‬ ‫َ‬ ‫شــكلنا باألمس‪،‬‬ ‫إلــى األبد‪ -‬فــي مصائبنا‪ ،‬بل لكي ال ننســى ما ّ‬ ‫وجعل منّا ما نحن عليه‪ ،‬اليوم‪.‬‬

‫نوفمبر ‪1947‬‬

‫كل من فــي القرية‪،‬‬ ‫مروعيــن ّ‬ ‫هبــط الغــزاة خارجيــن من الليــل ِّ‬ ‫ّ‬ ‫فليصطــف‬ ‫المتمرديــن الفاهافالــو‪ ،‬والمشــعوذين‪.‬‬ ‫متعقِّبيــن‬ ‫ِّ‬ ‫الجميع‪ :‬الرجال‪ ،‬والنساء‪ .‬األطفال‪.‬‬ ‫تنبح الكالب‪ .‬كالب أصيلة الساللة‪ ،‬ضخمة‪ ،‬ال تطيع إال الجنود‬ ‫االستعماريين السود‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اصطف الرجال‪ ،‬والنســاء‪ ،‬واألطفال‪ ،‬يا صديقتي‪ .‬كان بعضهم‬ ‫عراة ما يزالون‪ ،‬انُتزعوا من نومهم‪ .‬سأل الغزاة عن الفاهافالو‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يحــر أحٌد جوابــاً‪ .‬أطلق الغــزاة النار على عشــرة رجال‪ ،‬ثم‬ ‫لــم ْ‬ ‫ثالثة آخرين‪ ،‬وخمسة أيضاً‪....‬‬ ‫كان ذلــك الرجــل يعرف أين ذهــب الفاهافالــو‪ .‬ذات ليلة‪ ،‬بينما‬ ‫يفــرون مــن الســاحل‪ ..‬ذات ليلــة من الخوف من أشــباح‬ ‫كانــوا ّ‬ ‫المحيــط‪ ،‬قطعــوا األمــواج‪ ،‬وســبحوا نحــو الجــزر الزائفة في‬ ‫البحيرة‪.‬‬ ‫ظل الرجل صامتاً‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫يســكن الروح‪،‬‬ ‫صديقتــي‪ ،‬يقولــون إن الصمــت‪ ،‬رغــم أنــه قــد ّ‬

‫فاللسان‪ -‬بطبيعته‪ -‬يبغض ثقله‪.‬‬ ‫ســكانها منهــا‪ .‬هناك‪ ،‬كانت‬ ‫وطردوا‬ ‫عســكَر الغــزاة في القرية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ترقد الجثث‪ ،‬تشويها الشمس‪.‬‬ ‫ال ما يعودون ليطالبوا بجثث‬ ‫ومرت األيام‪ ..‬وكان القرويون قلي ً‬ ‫ّ‬ ‫ذويهــم‪ ،‬ليدفنوهــا‪ .‬خســئتم ّأيها الزنــوج القــذرون‪ ..‬هذه جثث‬ ‫الفاهافالــو! كان الغزاة يصيحون‪ ،‬وجباههــم ناضحة بالعرق‪،‬‬ ‫وأيديهم ترتعد‪.‬‬ ‫ظل الرجل صامتاً‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫كانــت الرائحــة النتنة طاغية‪ ،‬وكانت طباع الــكالب تزداد حّدة‪،‬‬ ‫صعوبــة متزايــدة فــي‬ ‫ووجــد الجنــود االســتعماريون الســود‬ ‫ً‬ ‫إبعادها‪.‬‬ ‫وما زال الرجل يلزم الصمت‪.‬‬ ‫وبعــد ذلك‪ -‬يا صديقتــي‪ -‬انفتحت الســماوات‪ ،‬وهطلت األمطار‬ ‫بقوة‪.‬‬ ‫مــدراراً‪ .‬نــزل الماء على الجثــث المتعفّنة‪ ،‬وأخــذ يضربها ّ‬ ‫ُأطلقــت الكالب‪َ ،‬وَثَب ْت على الجثث وافترســتها‪ ،‬في وقت ال يكاد‬ ‫ُيذكر‪.‬‬ ‫صــرخ الرجل‪ ..‬كان هناك طيلة الوقت‪ ،‬جالســاً‪ ،‬أو‪ -‬باألحرى‪-‬‬ ‫مقرفصــ ًا أمام عمود أحد األكواخ‪ .‬هناك‪ ،‬كان يصرخ وقدماه في‬ ‫ّيون من المشــهد‪،‬‬ ‫الوحــل‪ ،‬ثم جثا على ركبتيه‪َ .‬ف َّر الجنود المحلّ‬ ‫ربمــا ذبحهم القرويون!‬ ‫ولم يعــرف أحد‪ ،‬بعدها‪ ،‬ماذا أصابهم‪َّ :‬‬ ‫تحولــوا إلــى أرواح شــريرة‪ُ ،‬كتــب عليهــا أن تهيم على‬ ‫وربمــا ّ‬ ‫َّ‬ ‫وجوهها في هذه األنحاء!‬ ‫قــرر الغــزاة أن يقتلوا الــكالب‪ ،‬ويرحلــوا‪ .‬عــاد الفاهافالو إلى‬ ‫َّ‬ ‫لكن مــا وجدوه لم يكن إال‬ ‫البــاد‪ ،‬وحاولوا أن يشــكروا الرجل‪َّ ،‬‬ ‫قشــرة رجل بــا روح‪ ،‬يقف في المطر ملقيــ ًا اللعنات‪ ،‬غير قادر‬ ‫يتحمل رؤية حتى كلب واحد‪.‬‬ ‫على أن‬ ‫َّ‬ ‫ولهذا السبب ُتحظر الكالب في تلك القرية‪.‬‬ ‫ألرد‬ ‫القصة‪ ،‬وال تقولي إنني كذبت‪ ،‬فقط‪ّ ،‬‬ ‫تدبري هذه ّ‬ ‫صديقتي‪ّ ،‬‬ ‫اعتبــار رجل عجــوز‪ ،‬طاش منه صوابه‪ .‬صحيــح أنه ليس من‬ ‫ولكن الرجل نبذ‬ ‫يتصرف رجل ناضج بهذه الكيفية‪،‬‬ ‫المألوف أن‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫وجوده يوم حاول أن يحفظ حياة اآلخرين‪.‬‬ ‫قصة ذلك الرجل؛ تاريخ ذلك المكان‪.‬‬ ‫تلك هي ّ‬

‫خطاب‪ ،‬نَفَ س مأخوذ من الريح‬

‫الجزيــرة غارقــة‪ ..‬الجزيــرة تحتــرق‪ .‬ضباب مــن الرعب‪ ،‬ومن‬ ‫المــاء‪ ،‬ومــن ألســنة اللهــب‪ ،‬فوقها تحلِّــق‪ ،‬تأوي إلــى أحالمي‬ ‫تظل جاثمة‪.‬‬ ‫الثقيلة التي ليس لها قرار‪،‬‬ ‫وتظل جاثمة‪ّ ..‬‬ ‫ّ‬ ‫أنتظر أن ينفجر الوجود‪.‬‬ ‫‪............................‬‬ ‫(‪ )1‬فاهافالو‪ :Fahavalo -‬العدو‪ ،‬هي كلمة استخدمها االستعماريون‬ ‫المدغشقريين‪.‬‬ ‫الثوار‬ ‫ِّ‬ ‫عام ْي ‪ 1896‬و‪1948‬؛ لإلشارة إلى ّ‬ ‫الفرنسيون بين َ‬

‫(الهامش للمؤلِّف)‪.‬‬

‫‪141‬‬


‫سينما‬

‫السياسية‬ ‫النربة‬ ‫ّ‬ ‫يف ســــــــــــــــــــــــــــــينما‬

‫حممد خان‬ ‫َّ‬ ‫أمجد جامل‬ ‫كان المخـــرج المصـــري الراحل «محمـــد خان» دائـــم التعبير عن‬ ‫ولعه بســـينما اإليطالي «أنطونيوني» أحد أعمدة سينما الحداثة‬ ‫األوروبيـــة في الســـتينيات‪ .‬يقـــول خان في كتابـــه‪ ،‬الذي صدر‬ ‫العـــام الماضي بعنوان «مخرج على الطريق»‪ ،‬إنه في اليوم الذي شـــاهد‬ ‫تأكد أن صناعة األفالم هي الشـــيء الذي‬ ‫فيلـــم «المغامرة» ألنطونيونـــي َّ‬ ‫يريـــد فعله بقيـــة حياته‪ ،‬وتابع‪« :‬دارت األيـــام والتقيت بأنطونيوني في‬ ‫وذكرت أنطونيوني‬ ‫أثناء انعقاد مهرجان قرطاج الســـينمائي عـــام ‪ّ 1984‬‬ ‫كل مخرج‪ ،‬فعلياً‪ ،‬يخـــرج فيلم ًا أوحد في‬ ‫بمقولـــة قرأتهـــا له تصرح بـــأن ّ‬ ‫حياتـــه‪ ،‬وأن بقية األفالم ليســـت ّإل تكرارًا لهذا الفيلـــم‪ .‬وكان رده طريف ًا‬ ‫وســـاخرًا حيـــن قال‪ :‬إذا كان المخـــرج مجتهدًا بما فيه الكفايـــة فربما يقّدم‬ ‫فيلمين بد ًال مـــن فيلم واحد»‪.‬‬ ‫نظريــة أنطونيونــي وإن بــدت‬ ‫ـل بهــا جــزء مــن الحقيقــة‪،‬‬ ‫متطرفــة يظـ ّ‬ ‫فهنــاك عامــل مشــترك يجمــع بيــن أفــام‬ ‫كل مخــرج‪ ،‬هــذا العامــل هــو جــزء مــن‬ ‫ّ‬ ‫شــخصيته‪ ،‬لمحــة شـ ّـكلت وجدانــه‪ ،‬أو‬ ‫ـل يؤرقــه ونتــج منــه َفّنــه‪ ،‬فتكـّـرر‬ ‫َهـّـم ظـّ‬ ‫رغمـ ًا عنــه مــع توالــي أعمالــه‪ .‬وال شـ ّ‬ ‫ـك‬ ‫أن محمــد خــان كان أحــد المخرجيــن‬ ‫المجتهديــن فــي ُعــرف أنطونيونــي‪ ،‬أي‬ ‫ُ‬ ‫الذيــن يصنعــون الفيلميــن بــدل الواحــد‪،‬‬ ‫أو بكلمــات أخــرى‪ ،‬يســهل تقســيم‬

‫‪142‬‬

‫توجهيــن‪ ،‬فأفــام‬ ‫مشــواره َ‬ ‫الفّنــي إلــى ُ‬ ‫النصــف األول مــن هــذا المشــوار تنتمــي‬ ‫لنــوع الســينما المهمومــة بقضيــة ذات‬ ‫ُبعــد سياســي‪ ،‬وذلــك منــذ أول أفالمــه‬ ‫فــي أواخــر الســبعينيات وحتــى مطلــع‬ ‫التســعينيات‪ .‬أمــا التوجــه الثانــي ففــي‬ ‫النصــف األخيــر مــن مشــواره‪ ،‬حيــث‬ ‫ســينما أكثــر تصالحــ ًا وزهــداً‪ ..‬ســينما‬ ‫تخطــت حاجــز القضيــة واكتفــت بكونهــا‬ ‫مجــرد قصــص إنســانية تقـ ِّـدم البهجــة أو‬ ‫المتعــة أو الشــجن وعلــى وعــي بأنهــا‬

‫ال تســتطيع تغييــر العالــم‪ ،‬بمــا فــي‬ ‫ذلــك فيلمــه «أيــام الســادات ‪،»2001 -‬‬ ‫حيــث يقــول خــان إنــه لــم يخرجــه ّإل من‬ ‫أجــل صديقــه ورفيــق نجاحاتــه «أحمــد‬ ‫زكــي»‪ ،‬وأن مــا شـّده بالقصــة هــو ثــراء‬ ‫وبعدهــا اإلنســاني‪ ،‬وكانــت‬ ‫الشــخصية ُ‬ ‫رؤيتــه خاليــة من أي أغراض سياســية‪.‬‬ ‫اختصــاراً‪ ،‬لــو اعتبرنــا مشــوار خــان‬ ‫ا فســيكون تجســيدًا‬ ‫الســينمائي رجــ ً‬ ‫للمقولــة المنســوبة إلــى «وينســتون‬ ‫تشيرشــل»‪« :‬إذا لم يكن المرء اشــتراكي ًا‬ ‫فــي العشــرينات مــن ُعمــره فهــو بــا‬ ‫ـول إلــى يمينــي فــي‬ ‫قلــب‪ ،‬وإذا لــم يتحـ ّ‬ ‫أربعينياتــه فهــو بــا عقــل»‪ .‬وقــد كان‬ ‫خــان يــرى‪ ،‬فعـاً‪ ،‬بالفكــرة االشــتراكية‬ ‫نوعــ ًا مــن الرومانســية‪ ،‬ففــي أحــد‬ ‫حواراتــه المصــورة عندمــا ُيســأل عــن‬ ‫ميوله االشتراكية‪ ،‬يجيب‪« :‬الفنان يجب‬ ‫أن يكــون اشــتراكياً‪ ،‬ينبغــي أن يؤمــن‬ ‫بعدالــة اجتماعيــة‪ ،‬وأن يثيــر الفقــراء‬ ‫اهتمامــه‪ ،‬فاالشــتراكية تعطــي الفنــان‬ ‫رؤيــة عاطفيــة للعالــم‪ ،‬ألنهــا متجـّـردة‬ ‫مــن القســوة»‪ .‬ربمــا هنــاك كثيــر مــن‬ ‫األمثلــة التــي تدحــض تعميــم خــان‪،‬‬ ‫ا المخــرج األميركــي «كلينــت‬ ‫منهــا مثــ ً‬ ‫إيســتوود» الــذي صنــع أفالمــ ًا شــديدة‬ ‫اإلنســانية رغم أنه اشــتهر بكونه يميني ًا‬ ‫صرفـاً‪ ،‬لكــن مــا يهمنــا فــي تصريح خان‬ ‫يؤكــد علــى ميولــه هــو علــى األقــل‪.‬‬ ‫أنــه ّ‬ ‫أتوقــف أمــام مقطــع آخــر مــن كتابــه‬ ‫المذكــور‪ ،‬يحكــي فيــه ذكرياتــه وهــو‬ ‫شــاب فــي إنجلتــرا بمطلــع ســتينيات‬ ‫القــرن الماضــي‪ ،‬فيقــول‪ ...« :‬تلــك‬ ‫كانــت أيــام الموجــة الجديدة في الســينما‬ ‫الفرنســية والتشــيكية واإلنجليزيــة‬ ‫وغيرهــا‪ .‬كلّهــا التقــت فــي لنــدن قبــل‬ ‫أن تبتلعهــا هوليــوود مــع وصــول‬ ‫(ماكدونالــد) و(بيتــزا هــات) و‪ 32‬صنــف‬ ‫آيــس كريــم»‪ .‬نالحــظ فــي الحديــث نبــرة‬ ‫ازدراء للثّقافة االستهالكية والرأسمالية‬ ‫ورموزهــا‪ ،‬وكيــف يراها كانت ســبب ًا في‬ ‫ـن‪ .‬ولعــل تلــك‬ ‫تفســخ القيــم وانحــدار َ‬ ‫الفـّ‬ ‫النبــرة كانــت الهـّـم السياســي الرئيســي‬ ‫الــذي غلــب على أفالمه في النصف األول‬ ‫مــن مشــواره‪ ،‬هــذا النصــف الــذي تزامــن‬ ‫مــع قــرارات الرئيــس الســادات باالنفتاح‬ ‫االقتصــادي لمصــر على العالم والحّد من‬ ‫السياســات االشــتراكية‪ .‬وبــدأ هــذا الهـّـم‬


‫المخرج المصري الراحل “محمد خان”‬

‫المبكــرة مفتقــدًا للنضج‬ ‫فــي أعمــال خــان ُ‬ ‫والتســييس الكافــي‪ ،‬واقتصــر علــى‬ ‫احتفــاء بالطبقــة العاملــة والبســطاء‪،‬‬ ‫مقابــل غضــب تجــاه طبقــة األثريــاء‬ ‫وخاصــة باقتــران هــذا الثــراء بالنفــوذ‬ ‫والســلطة والفســاد‪ ،‬ويظهــر ذلــك فــي‬ ‫أفــام مثــل «ضربــة شــمس‪ »1978 -‬و‬ ‫«موعــد علــى العشــاء‪.»1981 -‬‬ ‫أول األفــام التــي يمكننــا القــول إن‬ ‫ـول مــن مجـّـرد انفعــال‬ ‫الهـ ّـم بهــا قــد تحـ ّ‬ ‫إنســاني إلــى بــذرة رؤيــة سياســية‬

‫ناضجة حول أسباب الظلم االجتماعي‪،‬‬ ‫كان فيلــم «نــص أرنــب‪ ،»1982 -‬الفيلــم‬ ‫الــذي يــروي قصــة مجموعــة مــن البشــر‬ ‫مــن مختلــف الطبقــات تتصــارع علــى‬ ‫مبلــغ مســروق‪ ،‬هــذا المبلــغ كان رمــزًا‬ ‫ـكل منهم يريد االغتناء‬ ‫للثــروة العامــة‪ ،‬فـ ّ‬ ‫علــى حســاب اآلخــر‪ ،‬وفــي ســبيل ذلــك‬ ‫يدخلــون فــي معــارك عبثيــة طاحنــة‬ ‫ال يخــرج منهــا فــي النهايــة أح ـٌد فائــزاً‪.‬‬ ‫المشــهد األبــرز فــي هــذا الفيلــم كان‬ ‫حيــن دلفــت العصابــة لتفتيــش منــزل‬

‫«يوســف»‪ُ ،‬ممثــل الطبقــة المتوســطة‬ ‫الــذي تــورط فــي الصــراع علــى المبلــغ‬ ‫(الثــروة)‪ ،‬وقتهــا ظّنــت األم أنهــم أفــراد‬ ‫البوليــس السياســي‪ ،‬كمــا جــرت العــادة‬ ‫قديمـاً‪ ،‬فصاحــت بهــم أن ولدهــا يوســف‬ ‫ليســت لديــه ميــول سياســية! ولــم تكــن‬ ‫مــا قالتــه مجــرد ُجملــة عابــرة يوحــي‬ ‫فيهــا صانــع الفيلــم بســذاجة األم‪ ،‬بــل‬ ‫نــص تحتــي يريــد القــول إنــه فــي عصــر‬ ‫االنفتــاح ورفــع يــد الدولــة عــن االقتصاد‬ ‫أصبحت عصابات المال المســيطرة على‬ ‫العالــم هــي الوجه الجديد من االســتبداد‪.‬‬ ‫تســتمر تلــك النبــرة مــع فيلــم خــان‬ ‫«الحريــف ‪ ،»-1983‬عــن حيــاة‬ ‫التالــي‬ ‫ّ‬ ‫بالحــي الشــعبي‬ ‫الهــاوي‬ ‫ــرة‬ ‫الك‬ ‫العــب ُ‬ ‫ّ‬ ‫الفقيــر‪ ،‬ويذكرنــي هــذا الفيلــم بالمقولــة‬ ‫الشــهيرة‪« :‬نحــن نعمــل لنجنــي المــال‬ ‫كــي نســتطيع الحيــاة‪ ،‬لكــن فــي خضــم‬ ‫التكالــب علــى جنــي هــذا المــال‪ ،‬ال نجــد‬ ‫الوقــت للحيــاة»‪ ،‬هــذا تحديــدًا مــا يقّدمــه‬ ‫خــان فــي «الحريــف»‪ ،‬فهنــاك خيــاران‪،‬‬ ‫إمــا اللعــب كرمــز للحيــاة‪ ،‬وإمــا الصــراع‬ ‫العبثــي علــى الثــروة‪ ،‬يحــدث ذلــك‬ ‫أيض ـ ًا علــى إيقــاع االنفتــاح االقتصــادي‬ ‫وأعراضــه الجانبيــة من شــيوع التسـلّق‬ ‫واالســتغالل والغــش‪ ،‬فنجــد «شــعبان»‬

‫‪143‬‬


‫بعــض من ملصقات افالم «خان»‬

‫الــذي ترك اللعب واتجه لســرقة وتهريب‬ ‫كــون امبراطوريتــه‪،‬‬ ‫الســيارات حتــى ّ‬ ‫وهنــاك «ســامة» الــذي تــرك اللعــب‬ ‫أيض ًا واتجه للمنطقة االقتصادية الحرة‬ ‫«بورســعيد» للعمــل كتاجــر شــنطة‪،‬‬ ‫ليبقــى بطــل الفيلــم «فــارس» فــي صــراع‬ ‫داخلي‪/‬خارجــي حــول الخياريــن‪،‬‬ ‫فنخــرج كمشــاهدين فــي النهايــة بصورة‬ ‫واضحــة عــن حجــم التفســخ فــي القيــم‬ ‫الذي تســببت به الرأســمالية‪ ،‬وتحويلها‬ ‫اإلنســان إلــى تــرس فــي ماكينــة (كمــا‬ ‫يجري التعبير الماركســي الشــهير)‪ ،‬وقد‬ ‫كان بطــل الفيلــم يعمــل (حرفيــاً) علــى‬ ‫ماكينــة فــي أحــد المصانــع قبــل أن ُيرفــد‬ ‫‪144‬‬

‫ألنــه لم يســتطع مجــاراة قوانين الواقع‪.‬‬ ‫ويمتــد رصــد تفســخ القيــم كنتيجــة‬ ‫للسياســات االقتصاديــة فــي أفــام خــان‬ ‫يعــد‬ ‫التاليــة‪ ،‬وأبرزهــا «خــرج ولــم ُ‬ ‫ ‪ ،»1984‬الــذي آثــر فيــه هــذه المــرة‬‫حــل الهــروب مــن العاصمــة بصراعاتهــا‬ ‫وضوضائهــا وفســادها وتلوثها وقبحها‬ ‫وجشــعها‪ ،‬والرجــوع للطبيعــة‪ ،‬حيــث‬ ‫عالم نقي وبشــر تتحدث لغة أخرى غير‬ ‫لغــة المــال‪ .‬لكنــه يعود مجـ َّـددًا للمواجهة‬ ‫بفيلــم «عــودة مواطــن ‪ ،»1986 -‬عــن‬ ‫ذلــك األخ األكبــر الــذي يرجــع لمصــر بعد‬ ‫ســنوات مــن العمــل فــي الخليــج‪ُ ،‬مدخــرًا‬ ‫مبلغ ـ ًا وقــدره مــن المــال‪ ،‬ويســعى بــه‬

‫لدعــم أشــقائه الصغــار‪ ،‬لكنــه ُيفاجــأ‬ ‫بعالم جديد غير الذي تركه‪ ،‬عالم أشــبه‬ ‫كل فــرد فيهــا للصعــود‬ ‫بغابــة‪ ،‬يســعى ّ‬ ‫علــى جثــة اآلخــر‪ ،‬فيكتشــف فــي أيــام‬ ‫قليلــة مــن عودتــه أنــه تعــرض لعمليــة‬ ‫نصــب مالــي‪ ،‬وأن حبيبتــه القديمــة‬ ‫يكبرهــا‬ ‫تركتــه وتزوجــت رجــ ً‬ ‫ا ثريــ ًا ُ‬ ‫العمــر‪ ،‬وأن محــل عملــه‬ ‫بقــدر كبيــر مــن ُ‬ ‫ـول إلى «كباريــه»‪ ،‬وأن عصر‬ ‫القديــم تحـّ‬ ‫الوظائــف قــد انتهــى‪ ،‬وانهــارت الطبقــة‬ ‫الوســطى‪ ،‬لدرجــة أن بناتهــا أصبحــن‬ ‫يعملــن نــادالت فــي الفنــادق مثــل أختــه‬ ‫يعد أمام الشــباب طريق‬ ‫الصغــرى‪ ،‬ولــم ُ‬ ‫ســوى التغافــل بتعاطــي المخــدرات أو‬ ‫االنخــراط فــي أنشــطة سياســية خطــرة‬ ‫لتغييــر األوضــاع‪.‬‬ ‫الجمــل‬ ‫ـض‬ ‫ـ‬ ‫بع‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫قيل‬ ‫ـم‬ ‫فــي هــذا الفيلـ‬ ‫ُ‬ ‫على لسان «مهدي» األخ األصغر لشاكر‪،‬‬ ‫يمكنهــا تلخيــص هواجــس وهمــوم‬ ‫خــان عبــر النصــف األول مــن مســيرته‬ ‫الســينمائية‪ ،‬فمهــدي العدمــي المتشــائم‬ ‫(الواقعــي) ينصــح أخــاه شــاكر فــي‬ ‫نهايــة الفيلــم بتــرك القاهــرة والعــودة‬ ‫للخليــج إذا لــم يكــن مســتعدًا للقبــول‬ ‫بقيــم المجتمــع المصــري الجديــد وإيجــاد‬ ‫ســكة للتســلق واالســتغالل مثلمــا فعلــت‬ ‫تتكــرر‬ ‫أختهــم «فوزيــة»‪ .‬هــذه الرؤيــة‬ ‫ّ‬ ‫بفيلــم ٍ‬ ‫تــال لخــان هــو «ســوبر ماركــت‬ ‫ ‪ ،»1990‬ومــن عنوانــه يطــرح مفهــوم‬‫ـول العالــم إلــى ســوق‪ ،‬والبشــر إلــى‬ ‫تحـّ‬ ‫ســلع‪ ،‬وتتكـّـرر جملــة مهــدي الســابقة‪،‬‬ ‫هذه المرة‪ ،‬على لســان شــخصية عزمي‬ ‫الرجــل فاحــش الثــراء الــذي يــرى أنــه‬ ‫ال ســبيل لالرتقــاء االقتصــادي ســوى‬ ‫بتقديــم تنــازالت أخالقيــة‪.‬‬ ‫يميــز المحتــوى السياســي فــي‬ ‫مــا ّ‬ ‫األعمــال الســابقة شــيئان‪ :‬أو ًال عــدم‬ ‫المباشــرة‪ ،‬فالسياســة كمــا أســميها فــي‬ ‫ُ‬ ‫عنوان هذا المقال مجرد «نبرة»‪ ،‬أي أنها‬ ‫ـول َبعــد لصــوت أو لغة صريحة‬ ‫لــم تتحـّ‬ ‫بالمقارنــة‪ ،‬مثــاً‪ ،‬مــع أفــام «عاطــف‬ ‫الطيــب» رفيــق جيل خان‪ ،‬والذي شــغله‬ ‫عبــر‬ ‫نفــس هـّـم خــان السياســي‪ ،‬ولكنــه ّ‬ ‫عنــه فــي أعمالــه بشــكل أكثــر مباشــرة‬ ‫مــن خــان‪ .‬وثانيـ ًا أن ذلــك المحتوى غير‬ ‫مقيــد بالظــرف المحلــي ويتســم بصبغــة‬ ‫عالميــة يمتــد الشــعور بهــا مــن القاهــرة‬ ‫إلــى نيويــورك إلــى هونــج كونــج‪ ،‬أو‬


‫«الحريف»‬

‫«موعد على العشــاء»‬

‫أي بقعــة جغرافيــة طغــت بهــا الثّقافــة‬ ‫االســتهالكية علــى حيــاة اإلنســان‪ .‬لــم‬ ‫يقدم خان نقدًا للســلطة المصرية بعينها‬ ‫ِّ‬ ‫أو بــه صبغــة محلية حصرية ســوى في‬ ‫فيلــم «زوجــة رجــل مهــم ‪ ،»1987 -‬عــن‬ ‫ضابــط الشــرطة هشــام (أحمــد زكــي)‬ ‫الــذي يســتغل نفــوذه ويتــورط فــي‬ ‫ممارســات ُيقــال إنهــا ضــد القانــون‪،‬‬ ‫ويمكــن‬ ‫فيفصــل علــى إثرهــا مــن عملــه‪ُ .‬‬ ‫ُ‬ ‫اعتبــار هــذا الفيلــم نــزوة شــخصية مــن‬ ‫خــان‪ ،‬حيــث قّدمــه على خلفية مشــاجرة‬ ‫فعليــة حدثــت بينــه وبين ضابط شــرطة‬ ‫فقـّـرر بعدهــا أن ينتقــم منــه بفيلــم‪.‬‬ ‫لكن يبدو أن شــخصنة الخالف داخل‬ ‫فيلم نتج عنها رؤية ُمتحاملة لشخصية‬ ‫هشــام أو لتعقيــد األوضــاع فــي مــا ُعرف‬ ‫بانتفاضــة ‪ 18‬يناير‪/‬كانــون الثانــي‬ ‫‪ ،1977‬التــي قامــت ضــد قــرار ســيادي‬

‫«خــرج ولم يعد»‬

‫«زوجــة رجل مهم»‬

‫برفــع األســعار‪ ،‬وهــي االنتفاضــة التــي‬ ‫شــارك الضابــط هشــام فــي قمعهــا‪ .‬هــذا‬ ‫التحامــل رصــده الناقد «ســمير فريد» في‬ ‫مقــال هجومــي علــى الفيلــم ُنشــر بمجلــة‬ ‫كرســه في تفنيد‬ ‫«القاهــرة» عــام ‪ّ ،1988‬‬ ‫كل الحجج ضد هشــام‪ ،‬يقول في مقطع‬ ‫ّ‬ ‫مــن المقــال‪« :‬المشــكلة هنــا أن ضابــط‬ ‫الشــرطة يمــارس عملــه إزاء مظاهــرات‬ ‫وصلــت لحــد التخريــب‪ ،‬كمــا جــاء علــى‬ ‫لســان «منــى»‪ ...‬حتــى اســتخدام هشــام‬ ‫لزوجتــه فــي الحصــول علــى معلومــات‬ ‫مــن زمالئهــا يأتــي فــي ســياق ممارســته‬ ‫لعملــه‪ ...‬وهــذا الموقــف مــن هشــام ضــد‬ ‫زوجتــه يعنــي أنــه عندمــا يختــار بيــن‬ ‫الواجــب والعاطفــة يختــار الواجــب مثــل‬ ‫أبطــال الدراما الكالســيكية النبالء‪ ،‬على‬ ‫عكــس مــا يتصور صناع الفيلم‪ .‬فالنذالة‬ ‫ال تكــون ّإل حيــن تكــون الشــخصية‬

‫علــى وعــي تــام بالفعــل الــذي يوصفهــا‬ ‫بالنذالــة‪ ،‬وقناعــة هشــام هنــا والتــي ال‬ ‫ينكرهــا الفيلــم أنــه يفعــل ذلــك مــن أجــل‬ ‫«إنقــاذ البلــد» دون أي قــدر مــن االدعــاء‬ ‫أو الكــذب علــى نفســه‪ ،‬فما الــذي يجعلنا‬ ‫كتمفرجيــن نكــره هشــام؟»‬ ‫«تظــل نصيحــة‬ ‫ويتابــع فريــد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫بريخــت صحيحــة تمامــ ًا عندمــا قــال ال‬ ‫تصنعــوا األفالم السياســية بطريقة غير‬ ‫سياســية»‪ ،‬حســناً‪ ،‬إن اتفقــت مــع فريــد‬ ‫ا علــى شــخصية‬ ‫فــي أن هنــاك تحامــ ً‬ ‫ا تلــك‬ ‫هشــام وأنــه لــم يســتحق فعــ ً‬ ‫النهايــة المأســاوية‪ ،‬فإنــي أختلــف معــه‬ ‫لكــره الفيلــم‪ ،‬ألنــه‬ ‫فــي كــون ذلــك ســبب ًا ُ‬ ‫بنــي علــى افتــراض غيــر دقيــق بــأن‬ ‫َم ّ‬ ‫الحيــاة‪ ،‬فــي الدرامــا أو الواقــع‪ ،‬البــد‬ ‫أن تكــون عادلــة‪.‬‬

‫‪145‬‬


‫التمـــدد شـــرقاً‪ ،‬بحث ًا عـــن األفـــكار الجديدة في‬ ‫لـــم تتوقـــف هوليوود عـــن‬ ‫ُّ‬ ‫أعمالها وكان آخرها دور ســـكارليت جوهانســـون في فيلم ‪Ghost in the‬‬ ‫‪( Shell‬مدرعة شـــرطة مكافحة الشـــغب المتنقلة) والنسخة الجديدة من فيلم‬ ‫تتعرض‬ ‫«ســـبعة»‪ .‬ورغـــم ذلك لم ُيبـــِد اليابانيون قلق ًا من هذا (الســـلب الثّقافـــي) الذي َّ‬ ‫له صناعتهم الســـينمائية‪.‬‬

‫بني الساموراي‬ ‫وراعي البقر‪:‬‬ ‫المخرج جون ستورجيس‬

‫للهوية أم تبادل ثقايف؟‬ ‫سلب‬ ‫ّ‬

‫عيل فاضل‬ ‫تقـــول األخبـــار إن المخـــرج الياباني‬ ‫صاحـــب الفضـــل علـــى هوليـــود أكيـــرا‬ ‫كوروســـاوا لـــم يكـــن معجب ًا بالنســـخة‬ ‫الهوليوديـــة لفيلم «ســـبعة»‪ ،‬بعد أن قام‬ ‫جون ســـتورجيس بإعـــادة صياغته هذا‬ ‫العمل‪ ،‬واصفـــ ًا الجهود بنقل الملحمة إلى‬ ‫العهد الغربي القديم‪« ،‬بخيبة األمل»‪ ،‬رغم‬ ‫أن النســـخة الجديـــدة لم تخل مـــن طابع‬ ‫«التســـلية» األصلي‪.‬‬ ‫في ذلـــك الوقـــت أرجع معظـــم النقاد‬ ‫عوامـــل فشـــل ســـتورجيس إلـــى حقيقة‬ ‫التزام العمل األصلي باألنماط االجتماعية‬ ‫اليابانيـــة الصارمـــة‪ :‬وصـــف هـــوارد‬ ‫ثومبســـون من صحيفة نيويـــورك تايمز‬ ‫إعـــادة العمـــل بأنـــه «بانعكاس شـــاحب‬ ‫وطنّـــان وزائـــد علـــى الفكـــرة األصليـــة‬ ‫َ‬ ‫أكثـــر مما ينبغي»‪ ،‬ويفتقر إلى التشـــويق‬ ‫و«محـــاكاة للقصص اإلنســـانية القصيرة‬ ‫والمعبرة» علـــى غرار فيلم كوروســـاوا‪.‬‬ ‫رغـــم ذلك‪ ،‬وعلى مـــدى عقود‪ ،‬لم تتوقف‬ ‫هوليوود في مناســـبات عديـــدة عن نهب‬ ‫الثّقافـــة اليابانيـــة‪ .‬فـــي نهاية ســـنوات‬ ‫شـــجع نجـــاح عمـــل المخـــرج‬ ‫‪1990‬م‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫اليابانـــي هيديو ناكاتا بعنـــوان (رينغ)‪،‬‬ ‫وهو الجزء األول من أفالم الرعب لسلسلة‬ ‫رينـــغ‪ ،‬علـــى إعادة تصويـــر نفس العمل‬ ‫في عدة مناســـبات بالواليـــات المتحدة‪،‬‬ ‫ال عن سيل من عمليات إعادة صياغة‬ ‫فض ً‬

‫‪146‬‬

‫أخرى ألفالم رعب يابانية‪ :‬نبض‪ ،‬الحقد‪،‬‬ ‫مكالمـــة فائتـــة‪ ،‬والمياه المعتمـــة‪ ،‬التي‬ ‫كانـــت مســـتوحاة من الثّقافة اآلســـيوية‪.‬‬ ‫وفـــي اآلونة األخيـــرة‪ ،‬أثار عمـــل كيانو‬ ‫ريفز (رونين ‪ )47‬انتقادات بسبب تضمينه‬ ‫ألســـطورة اليابان الوطنية الســـاموراي‪.‬‬ ‫واســـتنادًا إلـــى تقاريـــر بالصحـــف‬ ‫األميركيـــة فـــإن المانجـــا الكالســـيكية‬ ‫«الذئـــب الوحيد والشـــبل»‪ ،‬التـــي أنتجت‬ ‫ســـتة أفالم فـــي اليابـــان‪ ،‬والمعروفة في‬ ‫الغـــرب تحت عنـــوان «شـــوغون القاتل»‬ ‫ســـتخضع إلى إعادة إنتاج جديدة من قبل‬ ‫اســـتوديوهات هوليـــوود‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫الدعوات المتجّددة إلعـــادة تصوير الفيلم‬ ‫الكرتوني الياباني (أكيرا) بواسطة مخرج‬

‫فيلـــم (ســـريع وغاضب) جوســـتين لين‪.‬‬ ‫وفي إبريل هذا العام‪ ،‬تعرضت ســـكارليت‬ ‫جوهانســـون لعاصفة انتقادات واســـعة‬ ‫على تويتر بعد نشـــرها الصـــورة األولى‬ ‫لنجم (المنتقمون)‪ ،‬الشـــرطي السايبورغ‪،‬‬ ‫الرائد كوســـاناجي فـــي طبعة جديدة حية‬ ‫للعمـــل المقبل مـــن فيلم الخيـــال العلمي‬ ‫(مدرعة شـــرطة مكافحة الشغب المتنقلة)‪.‬‬ ‫وتركـــزت االنتقادات على مظهـــر المانجا‬ ‫الممثل األميركي‪ ،‬الحامل لشـــعر سيبراني‬ ‫مستعار باألسود واألزرق‪ ،‬ونتج عن ذلك‬ ‫عريضـــة‪ ،‬وقع عليها حتـــى اآلن أكثر من‬ ‫‪ 100‬ألف شـــخص‪ ،‬تطالـــب بوضع ممثل‬ ‫من أصول شرق آســـيا للقيام بالدور بد ًال‬ ‫منها ‪.‬‬ ‫لكن في اليابان‪ ،‬هناك ارتباك واســـع‬ ‫النطـــاق حول الجدل القائـــم‪« .‬اليابانيون‬ ‫تغمرهـــم الســـعادة مـــن أن جوهانســـون‬ ‫تقمصـــت دور الشـــخصيات الكرتونيـــة‬ ‫الشهيرة‪ ،‬وهم يعتقدون أن وجودها سوف‬ ‫يساعد على تعزيز شعبية السلسلة»‪ ،‬كما‬ ‫علق جون بيرا‪ ،‬رئيس التحرير المشـــارك‬ ‫في موقـــع الفيلم اآلســـيوي ‪VCinema‬‬ ‫ورئيس تحريـــر دليل الســـينما العالمية‪:‬‬ ‫سلســـلة كتب اليابان‪ ،‬وأضـــاف «في هذا‬ ‫الصـــدد‪ ،‬كانـــت الجماهيـــر اليابانية أكثر‬ ‫اتزانـــ ًا من نظيراتها الغربيـــة»‪ .‬وقال بيرا‬ ‫إن التالقح بين هوليوود واالستوديوهات‬


‫مشهد من فيلم « ‪» Ghost in the Shell‬‬

‫اليابانيـــة أصبـــح اآلن «مقبـــو ًال إلى حد‬ ‫ومرحب ًا به في اليابان عندما تكون‬ ‫كبيـــر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫النتائج جيدة»‪ ،‬مشـــيرًا إلى تزايد شعبية‬ ‫النســـخة األخيرة لورنر بـــروس (غدزيال)‬ ‫وفيلم (رينغ) الياباني الذي أعاد تصويره‬ ‫غور فيربينسكي بتقنيات هوليوود‪ .‬ولكنه‬ ‫شـــّدد على ضرورة «أن تبدي كل نســـخة‬ ‫جديدة االحترام للعمـــل األصلي من خالل‬ ‫تعيين الكفـــاءات المناســـبة وقيم اإلنتاج‬ ‫الكافيـــة‪ ،‬بحيـــث ال يحط مـــن قيمة العمل‬ ‫األصلي»‪ ،‬وأضاف «حقّق (رينغ) شعبية‬ ‫كبيرة فـــي اليابان‪ ،‬وعلـــى الرغم من أنه‬ ‫أزال الغموض عن العمل األصلي للجمهور‬ ‫وفيين‬ ‫الغربـــي‪ ،‬فقد ظل المفهوم والرواية ّ‬ ‫إلى حـــد كبير ونقال المزاج المقلق بحرفية‬ ‫عالية إلـــى الجمهور األميركي»‪.‬‬ ‫ّإل أن التبـــادل الثّقافـــي يتدفـــق فـــي‬ ‫االتجاهيـــن‪ .‬فقـــد أعيـــد تصويـــر األفالم‪:‬‬ ‫(غيـــر مغفـــور) و(جانبيـــا) وبدرجـــة أقل‬ ‫(شـــبح) في اليابان‪ ،‬ومن السهل مالحظة‬ ‫بصمـــات الصناعة األميركية فـــي بدايات‬ ‫الســـينما الصامتـــة من خـــال عمل قصة‬

‫طوكيو (أوزو ياســـوجيرو)‪ ،‬الذي يستند‬ ‫إلـــى أفكار إرنســـت لوبيتش‪ ،‬وتشـــارلي‬ ‫شـــابلن وهارولـــد لويـــد‪ .‬ويرى جســـبر‬ ‫شـــارب‪ ،‬الناقد الســـينمائي ومؤلف كتاب‬ ‫القامـــوس التاريخـــي للســـينما اليابانية‬ ‫(‪ ،)2011‬أن االتهامـــات األخيرة المتزايدة‬ ‫بخصوص الســـرقة الثّقافيـــة الينبغي أن‬ ‫تحظـــى بقدر كبير مـــن االهتمام‪ .‬ويضيف‬ ‫«يفتـــرض فيلـــم (مدرعة شـــرطة مكافحة‬ ‫الشـــغب المتنقلة) وجود عالم ال حدود له‬ ‫بالكامل‪ ،‬حيث تتداخل الحدود بين اإلنسان‬ ‫واآللـــة والعالم الحقيقـــي واالفتراضي‪..‬‬ ‫شخصية يوهانســـون للرائد كوساناجي‬ ‫هي ســـايبورغ آلـــي تمام ًا فـــي القصص‬ ‫األصليـــة‪ ،‬على الرغم من أنها تحمل وعي ًا‬ ‫بشـــرياً‪ .‬لذلك مازال النقاش قائم ًا حول ما‬ ‫إذا كان مـــن المفتـــرض أن تكون في هيئة‬ ‫الرجـــل الياباني أم ال‪ ،‬ألنه عـــادة ما يتم‬ ‫رسم شـــخصيات أنيم في مظهر القوقازي‬ ‫بشـــكل عام»‪ .‬ويرى شـــارب أن الخالف ال‬ ‫يظهر ّإل عندما تتجاهـــل هوليود التعامل‬ ‫باالهتمـــام الكافي مع الثّقافة اآلســـيوية‪،‬‬ ‫كما هو الحال بالنســـبة إلى «مذكرات فتاة‬

‫الجيشـــا» لروب مارشـــال (‪ ،)2005‬الذي‬ ‫فشـــا ذريع ًا فـــي اليابان‪ ،‬بســـبب‬ ‫عرف‬ ‫ً‬ ‫اعتمـــاده على مجموعة مـــن الممثلين من‬ ‫أصول صينية باألســـاس‪.‬‬ ‫مضيف ًا بـــأن «(أكيرا) هو فـــي الواقع‪،‬‬ ‫وبشـــكل خـــاص‪ ،‬غير مناســـب تمام ًا ألن‬ ‫يكون موضوع طبعة جديـــدة لهوليوود‪،‬‬ ‫ألنه يتعامـــل ضمن ًا مع قضايا مثل هزيمة‬ ‫اليابان فـــي أثناء الحـــرب واالحتجاجات‬ ‫الطالبية في سنوات ‪ . »1960‬وقال «يحمل‬ ‫الفيلم الكثير مـــن الخفايا المبطنة‪ ،‬وأظن‬ ‫أن ذلـــك ســـيدفن تحـــت أي صيغـــة عمل‬ ‫للصورة في النسخة الجديدة»‪ .‬وكان فيلم‬ ‫(الذئب الوحيد والشـــبل) قد تبوأ (موقعه)‬ ‫بيـــن الجمهور األميركي بعد إعادة صياغة‬ ‫الفيلم األميركي الياباني (شوغون القاتل)‬ ‫فـــي عـــام ‪ .1980‬وفي الواقـــع قد ال تملك‬ ‫الســـينما اليابانيـــة مصلحـــة حقيقية في‬ ‫رؤيـــة طبعة جديدة مـــن هوليوود‪ ،‬ولكن‬ ‫فـــي نهايـــة المطـــاف‪ ،‬إذا كانت النســـخة‬ ‫الجديـــدة من األفـــام تلفـــت االنتباه نحو‬ ‫الســـينما اليابانية‪ ،‬فإنها ال يمكن أن تكون‬ ‫خطوة سلبية‪.‬‬

‫‪147‬‬


‫المخرج ستيفن سبيلبيرج‬

‫ستيفن سبيلبيرج في فيلمه الجديد ‪ The BFG‬يثبت أنه أقدر المخرجين على جعلك تتعلَّق بمشاعر وأفكار طفل‪ ،‬فعلها من‬ ‫قبل في (هوك) ورفاق بيتربان‪ ،‬وفي (الذكاء االصطناعي)‪ ،‬ومع األوالد الذين يحاولون تهريب (إي تي) لكوكبه‪ ،‬ربما لم‬ ‫ينجح في األمر ذاته سوى المخرج العظيم مارتن سكورسيزي في (هوغو)‪ ،‬ولكليهما المقدرة الفائقة على أن يخرجا أفضل ما لدى‬ ‫الطفل الممثل أو الممثلة من إمكانيات‪.‬‬

‫«‪»The BFG‬‬

‫خيال بال حدود‬ ‫يف مدينة العمالقة‬ ‫د‪ .‬هاين حجاج‬

‫صوفــي ابنة العاشــرة تلتقــي بعمالق‬ ‫صديــق‪ ،‬هــذا هــو تفســير عنـــوان الفيلــم‬ ‫«‪»the BFG: the big friendly giant‬‬ ‫وهــو بالرغــم مــن منظــره المخيــف يبــدو‬ ‫أقرب لعمالق الجميلة والوحش‪ ،‬صاحب‬ ‫قلــب طيــب مســالم‪ ،‬وروح طفــل‪ ،‬مكــروه‬ ‫مــن جنــس العمالقــة‪ .‬لمــاذا؟ ألنــه يرفــض‬ ‫التهــام األطفــال طبع ـاً! بالطبــع تخشــاه‬ ‫صوفــي فــي أول لقــاء‪ ،‬قبــل أن تجــده‬ ‫يعاملهــا بمنتهــى الرقــة واللطــف كأي‬ ‫جنتلمــان مهــذب‪ ،‬لكــن الصداقــة بينهمــا‬ ‫ال تــدوم طويــاً؛ إذ تلفــت انتبــاه بقيــة‬

‫‪148‬‬

‫الوحــوش والعمالقــة أصحــاب القلــوب‬ ‫الميتــة والنفــوس المتعطشــة للــدم!‬ ‫وبالتالي على صوفي وصديقها العمالق‬ ‫الطيــب الرحيــل إلــى لنــدن القنــاع الملكــة‬

‫إليزابيــث بــأن تســاعدهما في التخلص من‬ ‫الوحــوش المفترســة الخبيثــة التي تلحق‬ ‫بهمــا‪ ،‬مــرة واحــدة ولألبــد‪.‬‬ ‫الفيلــم مأخــوذ عــن روايــة للكاتــب‬ ‫والممثــل ومؤلــف أغانــي األفــام (روآلــد‬ ‫دال)‪ ،‬ومعــروف بأســلوبه الســاخر‬ ‫وكتا