Page 1


‫رئيس الهيئة االستشارية‬

‫د‪ .‬حمد بن عبد العزيز الكواري‬ ‫وزير الثقافة والفنون والتراث‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪.‬علي أحمد الكبيسي‬ ‫هيئة التحرير‬ ‫سـعــيــد خـطـيـبـي ‪ -‬محـســن العـتـيـقـي‬ ‫رئيس القسم الفني‬

‫ســلـمـان المـالك‬ ‫اإلخراج والتنفيذ‬

‫رشا أبوشوشة‬ ‫هـــنـــد المنصوري‬

‫الهيئة االستشارية‬ ‫أ‪ .‬مبارك بن ناصر آل خليفة‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمد عبد الرحيم كافود‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمد غانم الرميحي‬ ‫د‪ .‬عـــلـي فــخــــرو‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬رضوان السيد‬ ‫أ‪ .‬خـالد الخـمـيـسي‬ ‫جميع المشاركات ترسل باسم رئيس‬ ‫التحرير ويفضل أن ترسل عبر البريد‬ ‫االلكتروني للمجلة أو على قرص مدمج في‬ ‫حدود ‪ 1000‬كلمة على العنوان اآلتي‪:‬‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022295 :‬‬ ‫تليفون ‪ -‬فاكس ‪)+974( 44022690 :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 22404 :.‬الدوحة ‪ -‬قطر‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪aldoha_magazine@yahoo.com‬‬

‫مكتب القاهرة‪:‬‬ ‫مدير المكتب‪ :‬وحيد الطويلة‬

‫‪  34‬ش طلعت حرب‪ ،‬الدور الخامس‪،‬‬ ‫شقة ‪  25‬ميدان التحرير‬ ‫تليفاكس‪5783770 :‬‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪aldoha.cairo@gmail.com‬‬ ‫عبر عن‬ ‫المواد المنشورة في المجلة ُت ِّ‬ ‫عبر بالضرورة عن رأي‬ ‫آراء كّتابها وال ُت ِّ‬ ‫برد‬ ‫الوزارة أو المجلة‪ .‬وال تلتزم المجلة ّ‬ ‫أصول ما ال تنشره‪.‬‬

‫السلمي بين الشعوب‬ ‫التّعايُش ِّ‬ ‫مهتمــ ًا بالّتط ـّـرف واإلره ــاب‪،‬‬ ‫الراه ــن‪ّ -‬‬ ‫أصب ــح العال ــم كّل ــه‪ -‬ف ــي وقتن ــا ّ‬ ‫حي ــث تتابع ــت حوادثهم ــا‪ ،‬وعظم ــت مآس ــيهما حّت ــى ل ــم تس ــلم منه ــا بقع ــة‬ ‫م ــن ه ــذا العال ــم‪ :‬ش ــرقه وغرب ــه‪ ،‬ش ــماله وجنوب ــه‪ ،‬وص ــار الحدي ــث ع ــن‬ ‫يقول ــون‪.‬‬ ‫الس ــرب‪ ،‬كم ــا ّ‬ ‫غيرهم ــا تغري ــدًا خ ــارج ّ‬ ‫الزمـــن‬ ‫وإذا كان الحديـــث عنهمـــا ُي َعـــّد‬ ‫ً‬ ‫آنيـــ ًا مـــع حـــوادث ّ‬ ‫تفاعـــا ّ‬ ‫الراه ــن‪ ،‬ف ــإن الحدي ــث‬ ‫ـتجابة‬ ‫الحاض ــر‪ ،‬واس ـ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ضروري ــة لم ــا يطلب ــه الواق ــع ّ‬ ‫الســـبل الكفيلـــة بصـــّد‬ ‫لنـــا‬ ‫يرســـم‬ ‫وأمانيـــه‬ ‫المســـتقبل‬ ‫عـــن تطلّعـــات‬ ‫ّ‬ ‫عايـــش‬ ‫ّ‬ ‫التطـــرف ومكافحـــة اإلرهـــاب‪ .‬وبـــذا يصبـــح الحديـــث حـــول «الّت ُ‬ ‫الســـلّمي بيـــن الشـــعوب» استشـــراف ًا لمســـتقبل أكثـــر أمنـــ ًا واســـتقرارًا‬ ‫للشـــعوب كلّهـــا‪.‬‬ ‫ـون بينه ــا‬ ‫ق ــد يق ــول قائ ــل‪ :‬إن العال ــم ش ــعوب وقبائ ــل مختلف ــة‪ ،‬فه ــل يك ـ ّ‬ ‫تعاي ــش س ـلّمي؟ وكي ــف يتحّق ــق؟‬ ‫ُ‬ ‫كونيـــة‪ ،‬وال يمكـــن‬ ‫ّة‬ ‫ن‬ ‫وســـ‬ ‫ـــة‪،‬‬ ‫إلهي‬ ‫إرادة‬ ‫أن هـــذا االختـــاف‬ ‫والجـــواب ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عايـــش الســـلّمي ممكـــن‪ ،‬متـــى تعاملنـــا معـــه‬ ‫إنـــكاره أو تجاهلـــه‪ّ ،‬‬ ‫وأن الّت ُ‬ ‫كل منهمـــا‪ ،‬علـــى وجـــه الّدقّـــة‬ ‫تـــام‪ ،‬وعلينـــا أن نـــدرك مقاصـــد ّ‬ ‫بوعـــي ّ‬ ‫والحقيق ــة‪ .‬فحكم ــة االخت ــاف ه ــي الّتع ــارف كم ــا ق ــال تعال ــى «وجعلناك ــم‬ ‫شـــعوب ًا وقبائـــل لتعارفـــوا‪ ،»...‬وهـــذا الّتعـــارف يقتضـــي الّتواصـــل مـــع‬ ‫اآلخ ــر وتب ــادل المعرف ــة‪ ،‬بشــّتى صوره ــا وأش ــكالها‪ ،‬وص ــو ًال إل ــى تفاه ــم‬ ‫كل ط ــرف‪ ،‬م ــن‬ ‫يوف ــر ل ــكال ّ‬ ‫أفض ــل ِّ‬ ‫ـتقرة‪ ،‬يس ــهم ّ‬ ‫الطرفي ــن حي ـ ً‬ ‫ـاة آمن ــة مس ـ ّ‬ ‫اســـتخِلف فيهـــا‪.‬‬ ‫التـــي‬ ‫األرض‬ ‫عمـــارة‬ ‫فـــي‬ ‫خاللهـــا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وال بـــّد أن ُيبنـــى هـــذا الّتعـــارف علـــى أســـاس االحتـــرام المتبـــادل‪،‬‬ ‫والصـــدق فـــي المعاملـــة‪ ،‬تمهيـــدًا لبنـــاء الثّقـــة ونشـــر‬ ‫وصـــون الحقـــوق‪ّ ،‬‬ ‫عاي ــش الس ـلّمي الت ــي تعتم ــد عل ــى تعزي ــز القي ــم المش ــتركة‪ ،‬ونب ــذ‬ ‫ثقاف ــة الّت ُ‬ ‫التط ـّـرف‪ ،‬ومحارب ــة اإلره ــاب‪ ،‬وع ــدم اإلقص ــاء‪ ،‬وتش ــجيع الح ــوار البّن ــاء‪،‬‬ ‫عايـــش‬ ‫ال‬ ‫ّ‬ ‫واعتمـــاد الّتفاهـــم ســـبي ً‬ ‫لحـــل المشـــكالت‪ .‬والحكمـــة فـــي إدارة الّت ُ‬ ‫تقضـــي بوجـــود قانـــون يحقّـــق العـــدل والمســـاواة‪ ،‬ويضمـــن الحقـــوق‪،‬‬ ‫ـكل األط ــراف‪ ،‬بم ــا يحّق ــق‬ ‫ويمك ــن م ــن رعاي ــة المصال ــح وتأمي ــن الســلّم ل ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الّتالحـــم الّداخلـــي والوئـــام العالمـــي‪.‬‬ ‫الســـلمي ضـــرورة مـــن ضـــرورات اســـتقرار األمـــن‬ ‫عايـــش ّ‬ ‫وإذا كان الّت ُ‬ ‫أي مجتم ــع‪ ،‬ف ــإن العم ــل عل ــى ترس ــيخ ه ــذا المفه ــوم واج ــب‬ ‫واألم ــان ف ــي ّ‬ ‫أصي ــل‪ ،‬م ــن خ ــال نش ــره ضم ــن مناه ــج الّتعلي ــم وعب ــر وس ــائل اإلع ــام‪،‬‬ ‫المؤسس ــات والهيئ ــات ف ــي دعم ــه وتوطي ــد أركان ــه ومبادئ ــه‪.‬‬ ‫وتفعي ــل دور‬ ‫ّ‬ ‫الس ــلمي ش ــرط ًا‬ ‫عاي ــش ّ‬ ‫وم ــن ه ــذا المنطل ــق‪ ،‬يغ ــدو الّت ّ‬ ‫مس ــك بمب ــادئ الّت ُ‬ ‫طيبـــة‪ ،‬وإقامـــة تفاهـــم بنّـــاء وتعـــاون مثمـــر‬ ‫ضروريـــ ًا لبنـــاء عالّقـــات ّ‬ ‫ّ‬ ‫إيجابيـــة‪ -‬فـــي تماســـك المجتمعـــات‪ ،‬واســـتقرار العالـــم‬ ‫بـــكل‬ ‫‬‫يســـهمان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتنميتـــه‪.‬‬ ‫رئيس التحرير‬


‫مجان ًا مع العدد‪:‬‬

‫الغالف‪:‬‬

‫ثــقــافـيـة شــــهــريــة‬

‫العدد‬

‫‪99‬‬

‫السنة التاسعة ‪ -‬العدد التاسع والتسعون‬ ‫ربيع األول ‪ - 1437‬يناير ‪2016‬‬

‫تصدر عن‬

‫وزارة الثقافة والفنون والتراث‬ ‫الـــدوحــــة ‪ -‬قـــــطــــر‬

‫صدر العدد األول في نوفمبر ‪ ،1969‬وفي يناير ‪ 1976‬أخــذت توجهها العربي واستمرت‬ ‫فــي الــصــدور حــتــي يــنــايــر ع ــام ‪ 1986‬لتستأنف الــصــدور مــجــددًا فــي نوفمبر ‪.2007‬‬ ‫توالى على رئاسة تحريرالدوحة إبراهيم أبو ناب‪ ،‬د‪ .‬محمد إبراهيم الشوش و رجاء النقاش‪.‬‬

‫الشرق الفنّان‬

‫زيــــــادة‬ ‫تأليف‪ :‬مــي‬ ‫نجيب محمود‬ ‫د‪.‬زكي‬

‫العمل الفني‪:‬‬ ‫نذير اسماعيل ‪ -‬سورية‬

‫متابعات‬

‫‪4‬‬

‫االشتراكات السنوية‬

‫رئيس قسم التوزيع واالشتراكات‬

‫داخل دولة قطر‬

‫عبد اهلل محمد عبداهلل المرزوقي‬

‫جدارية «طفولة محاصرة» ‪(..........‬فلسطين – عبداهلل عمر)‬

‫تليفون ‪)+974( 44022338 :‬‬

‫يروجون ُلكتبهم على جدرانهم الفيسبوكية (الجزائر‪ّ :‬نوارة لحرش)‬ ‫ُكّتاب ّ‬

‫األفراد ‬

‫‪ 120‬ريــا ًال‬

‫الدوائر الرســمية‬

‫‪ 240‬ريا ًال‬

‫دول الخليــج العربــي‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫باقــي الــدول العربيــة‬

‫‪ 300‬ريال‬ ‫‪75‬يورو‬

‫أمـــــــــيــــركـــــــــا‬

‫‪ 100‬دوالر‬

‫كــــنــــدا وأســتـــرالـــيــــا‬

‫‪150‬دوالرًا‬

‫الموزعون‬

‫‪al-marzouqi501@hotmail.com‬‬ ‫‪doha.distribution@yahoo.com‬‬ ‫الموقع اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪www.aldohamagazine.com‬‬

‫ترســل قيمة االشتراك بموجب حوالة‬ ‫مصرفيــة أو شــيك بالريــال القطري‬ ‫باسم وزارة الثقافة والفنون والتراث‬ ‫على عنوان المجلة‪.‬‬

‫وكيل التوزيع في دولة قطر‪:‬‬ ‫دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة ‪ -‬ت‪ 44557810 :‬فاكس‪44557819 :‬‬

‫وكالء التوزيع في الخارج‪:‬‬ ‫المملكة العربية السعودية ‪ -‬الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع ‪ -‬الرياض‪ -‬ت‪0096614871262 :‬‬ ‫ فاكــس‪ /0096614870809 :‬مملكــة البحريــن ‪ -‬مؤسســة الهــال لتوزيع الصحــف ‪ -‬المنامة ‪-‬‬‫ت‪ - 007317480800 :‬فاكــس‪/007317480819 :‬دولــة اإلمارات العربية المتحدة ‪ -‬المؤسســة‬ ‫العربيــة للصحافــة واإلعــام ‪ -‬أبــو ظبــي ‪ -‬ت‪ - 4477999 :‬فاكس‪ /4475668 :‬ســلطنة ُعمان‬ ‫ مؤسســة ُعمان للصحافة واألنباء والنشــر واإلعالن ‪ -‬مســقط ‪ -‬ت‪ - 009682493356 :‬فاكس‪:‬‬‫‪ /0096824649379‬دولــة الكويــت ‪ -‬شــركةالمجموعة التســويقية للدعايــة واإلعــان ‪ -‬الكويت‬ ‫ ت‪ - 009651838281 :‬فاكــس‪ /0096524839487 :‬الجمهوريــة اللبنانيــة ‪ -‬مؤسســة‬‫نعنــوع الصحفيــة للتوزيــع ‪ -‬بيــروت ‪ -‬ت‪ - 009611666668 :‬فاكــس‪/009611653260 :‬‬ ‫الجمهوريــة اليمنيــة ‪ -‬محــات القائــد التجاريــة ‪ -‬صنعــاء ‪ -‬ت‪- 00967777745744 :‬‬ ‫فاكــس‪ / 009671240883 :‬جمهوريــة مصــر العربيــة ‪ -‬مؤسســة األهــرام ‪ -‬القاهــرة ‪ -‬ت‪:‬‬ ‫‪ - 002027704365‬فاكــس ‪/002027703196‬الجماهيريــة الليبية ‪ -‬دار الفكر الجديد الســتيراد‬ ‫ونشــر وتوزيــع المطبوعات ‪ -‬طرابلــس ‪ -‬ت‪ - 0021821333260 :‬فاكس‪00218213332610 :‬‬ ‫‪ /‬جمهورية السودان ‪ -‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع ‪ -‬الخرطوم ‪ -‬ت‪0024915494770 :‬‬ ‫ فاكس‪ / 00249183242703 :‬المملكة المغربية ‪ -‬الشــركة العربية اإلفريقية للتوزيع والنشــر‬‫والصحافة‪ ،‬سبريس ‪ -‬الدار البيضاء ‪ -‬ت‪ - 00212522249200 :‬فاكس‪/00212522249214:‬‬ ‫الجمهورية العربية الســورية ‪ -‬مؤسســة الوحدة للصحافة والطباعة والنشــر والتوزيع ‪ -‬دمشق ‪-‬‬ ‫ت‪- 00963112127797 :‬فاكس‪00963112128664:‬‬

‫األسعار‬ ‫دولة قطر‬ ‫مملكة البحرين‬

‫‪ 10‬رياالت‬

‫الجمهورية اللبنانية‬

‫دينار واحد‬

‫الجمهورية العراقية‬

‫اإلمارات العربية المتحدة‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫سلطنة عمان‬

‫‪ 800‬بيسة‬

‫دولة الكويت‬ ‫المملكة العربية السعودية‬ ‫جمهورية مصر العربية‬ ‫الجماهيرية العربية الليبية‬ ‫الجمهورية التونسية‬ ‫الجمهورية الجزائرية‬ ‫المملكة المغربية‬ ‫الجمهورية العربية السورية‬

‫دينار واحد‬ ‫‪ 10‬رياالت‬ ‫‪ 3‬جنيهات‬ ‫‪ 3‬دنانير‬ ‫‪ 2‬دينار‬ ‫‪ 80‬دينارًا‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 80‬ليرة‬

‫المملكة األردنية الهاشمية‬ ‫الجمهورية اليمنية‬

‫‪ 3000‬ليرة‬ ‫‪ 3000‬دينار‬

‫يوم في متحف األدب الحديث ببكين ‪(.....‬بكين‪ :‬مي عـاشور)‬ ‫الشرخ الفرنسي ‪ ..‬عصر األنوار في مواجهة نقيضه ‪( ...‬مارك ويتزمتان)‬ ‫منصة مشرقة عن الثّقافة والَفّن في تركيا‪( ...‬إسطنبول‪ -‬رنا نجار)‬ ‫«إسطنبول المعاصر» (‪ّ ..)10‬‬

‫اقتصاد‬

‫‪18‬‬

‫رياح اإلرهاب تهّز اقتصاد العالم ‪(....‬جمال الموساوي)‬ ‫‪28‬‬

‫حوار‬

‫صالح ستيتية‪« :‬يقلقني مستقبل العالم العربي‬ ‫ويخيفني» ‪(...........‬حوار ‪ -‬أوراس زيباوي)‬

‫الخروج‬ ‫من‬ ‫سورية‬

‫غياب‬

‫‪22‬‬ ‫عبدالحق ميفراني‬ ‫د‪.‬عبد الرحيم العطري‬ ‫الحسن بنمونة‬

‫‪ 150‬ريا ًال‬

‫جمهورية السودان‬ ‫موريتانيا‬

‫‪ 100‬أوقية‬

‫فلسطين‬

‫نشر «كفاحي» مطلع ‪ .. 2016‬هل تنبعث النازية من جديد! ‪(.......‬د‪ .‬خالد طحطح)‬

‫‪ 1.5‬دينار‬ ‫‪ 1.5‬جنيه‬

‫الصومال‬

‫‪4‬‬

‫النكتة في بيروت‪ ..‬ضحك ونسيان ‪(........‬بيروت‪ :‬نسرين حمود)‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬

‫خارج دولة قطر‬

‫دول االتحاد األوروب ‬ ‫ي‬

‫فـاكـس ‪)+974( 44022343 :‬‬

‫الخروج من سورية ‪(............‬اسطنبول ‪ -‬فاطمة ياسين)‬

‫‪ 1‬دينار أردني‬ ‫‪ 1500‬شلن‬

‫بريطانيا‬

‫‪ 4‬جنيهات‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 4‬يورو‬

‫الواليات المتحدة األميركية‬

‫‪ 4‬دوالرات‬

‫كندا واستراليا‬

‫‪ 5‬دوالرات‬

‫أسئلة فاطمة المرنيسي‬


‫ملف‬

‫التّعايُش‬

‫‪40‬‬

‫إلى أين ؟‬

‫كمال عبد اللطيف‬ ‫عبد اهلل كرمون‬ ‫د‪ .‬حسين محمود‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمد غانم الرميحي‬ ‫أ‪.‬د ‪ /‬فـؤاد الصالحي‬ ‫إيزابيلال كاميرا دافليتو‬ ‫يوسف أحمد مكي‬

‫عبد السالم بنعبد العالي‬ ‫أمير العزب‬ ‫د‪ .‬فتحي المسكيني‬ ‫عبدالوهاب األنصاري‬ ‫ستفانو بيني‬ ‫د‪ .‬شاكر نوري‬

‫العمل الفني‪« :‬صفوان داحول»‬

‫عمارة‬

‫‪80‬‬

‫في مديح مقاربة «تاداو أندو» المعمارية‪( .............‬د‪ .‬خالد السلطاني)‬

‫أدب‬

‫‪86‬‬

‫أول حوار له‬ ‫الخراط يتحّدث عن أزمة المثقَّف العربي‪ ..‬في َّ‬ ‫إدوار ّ‬ ‫لـ (مجلّة الدوحة ‪ -‬سبتمبر ‪( .......)1983‬حوار وتقديم ماجد يوسف)‬ ‫الغصن الذهبي‪( ............................‬عبد المنعم رمضان)‬ ‫محطات إدوار التي ال تنتهي‪( .........................‬أحمد طه)‬ ‫ّ‬ ‫المتمرد بالكتابة على الكتابة!‪( ..............‬محمد عيد إبراهيم)‬ ‫ِّ‬

‫حوار‬

‫‪98‬‬

‫يخص العرب ‪(.........‬حوار‪ :‬نسرين البخشونجي)‬ ‫يوناس لوشر‪ :‬الغرب أسير أفكاره في ما ّ‬

‫ترجمات‬

‫صالح ستيتية‪:‬‬ ‫«يقلقني‬ ‫مستقبل العالم‬ ‫العربي ويخيفني»‬

‫‪28‬‬ ‫‪104‬‬

‫ثالث َشْو ٍ‬ ‫اس» ‪( .....‬ترجمة‪ :‬المهدي أخريف)‬ ‫ُ‬ ‫كات فقط ‪ ..‬مختارات شعرية لـ ُ«غوْنَزاُلو ُر َ‬ ‫وخ ْ‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم ‪( .....................‬ترجمة‪ :‬محمد عيد إبراهيم)‬

‫دجـــاجة ‪( .......................................‬ترجمة‪ :‬ناديا الخليل)‬

‫نصوص‬

‫حوار‬

‫بروفايل‬

‫رحيل‬

‫التفكير في الثّقافة عند روني جيرار‪( .............‬محمد مروان)‬

‫للروائي أن يكون غزير اإلنتاج؟‪( .........‬ستيفن كينغ)‬ ‫أيمكن‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬

‫‪116‬‬

‫ماتياس إينار‪ ..‬شرق مختلف‪( ......‬عبداللطيف القرشي)‬

‫‪118‬‬

‫والوزان‪( ................‬أمجد ناصر)‬ ‫الكاردينال‬ ‫َّ‬

‫‪153‬‬

‫فرض القناعات‪( ......‬مرزوق بشير بن مرزوق)‬

‫‪160‬‬

‫ذكرى‬

‫‪134‬‬

‫روالن بارث ‪ ..‬من الدرجة الصفر إلى لذة النص ‪( ..............‬حسن بحراوي)‬

‫‪138‬‬

‫للتحرر‪( ............‬محمد اشويكة)‬ ‫«على حلة عيني» ‪ ..‬الغناء ‪ ..‬رمزًا‬ ‫ُّ‬ ‫«فيلم كتير كبير» مصالحة بين «السينيفيليين»‪( .......‬بيروت‪ :‬نسرين حمود)‬ ‫الصورة تحمي الذاكرة من النسيان‪( ...............................‬نـاهـد صـالح)‬ ‫الشر من جديد ‪( ...........‬د‪ .‬رياض عصمت)‬ ‫جيمس بوند ‪ ..‬أسطورة ّ‬

‫الليدي تشاترلي تخسر نبرتها‪( .......................‬أحمد ثامر جهاد)‬

‫‪122‬‬

‫‪132‬‬

‫الطب واألدب‪( ....................‬أمير تاج السر)‬

‫‪111‬‬

‫تحت مظلة أفالم الربيع‪( .....................‬محمد هاشم عبد السالم)‬

‫‪114‬‬

‫التاريخ والذاكرة الثقافية ‪ ..‬في الرواية الفكتورية الجديدة‪( .....‬سعيد بوكرامي)‬ ‫المكرمة ‪ ..‬عبر التاريخ والمجتمع والعمران‪( .....‬د‪ .‬محمد رضوان)‬ ‫ُّ‬ ‫تحوالت مّكة َّ‬ ‫«بياض ساخن»‪ ..‬عبلة والفصام والثورة‪( .....‬مهنة الحروب القذرة)‬ ‫«التصور اإلسالمي للطبيعة» ‪( ......................‬محمود الحلواني)‬ ‫ُّ‬ ‫متخيل البادية وفخاخ األمكنة في «مرعى النّجوم»‪(.....‬إبراهيم الحجري)‬ ‫ّ‬

‫التعايش ؟‪( ..........‬إيزابيلال كاميرا)‬ ‫األسوار أم‬ ‫ُ‬

‫‪57‬‬

‫سينما‬

‫من ذاكرة رجل ظهر في الليل‪( ..............‬علي لطيف ‪ -‬ليبيا)‬

‫كتب‬

‫مقاالت‬

‫سماح سليم‪..‬‬ ‫أطروحاتها عن‬ ‫أصل الرواية‬

‫‪100‬‬

‫ٌ‬ ‫«وحوش بال وطن» ‪ ..‬الطفل الوديع يصبح وحشاً‪( .......‬علي التاجر)‬

‫مسرح‬

‫‪156‬‬

‫«برج لوصيف» للمسرح الوطني التونسي ‪ ..‬حينما يغيب القط‬ ‫تلعب الفئران‪( .......................................‬عواد علي)‬

‫علوم‬

‫‪158‬‬

‫النباتات اإللكترونية‪( .........................‬مروى بن مسعود)‬


‫متابعات‬

‫‪6‬‬


‫الخروج من سورية‬ ‫الحـــدود البريـــة الجنوبيـــة مـــع ســـورية شـــيء مشـــابه‬ ‫للمط ــارات‪ ،‬لك ــن األع ــداد هن ــاك أكب ــر وس ــير الطوابي ــر أبط ــأ‪..‬‬ ‫تتحـــرك الموجـــات البشـــرية علـــى شـــكل جماعـــات متراصـــة‬ ‫لتحص ــل عل ــى الخت ــم الدائ ــري وتصب ــح داخ ــل الح ــدود اآلمن ــة‬ ‫مخلفـــة وراءهـــا القذائـــف واالنفجـــارات والحواجـــز الكتيمـــة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪7‬‬


‫اسطنبول ‪ -‬فاطمة ياسين‬ ‫فـي مطـار إسـطنبول‪ ،‬حيـث تزدحـم‬ ‫الجنسـيات واللّغـات توجـد لوحـات‬ ‫كبيـرة واضحـة تحـّدد أعلام الـدول التي‬ ‫ال يطلب من حامليها سـمة دخول‪ ،‬أعالم‬ ‫كثيـرة عددهـا يكاد يقارب عدد دول األمم‬ ‫المتحدة‪ ..‬الطوابير الطويلة أمام موظفي‬ ‫المطـار تسـير بسـرعة فلا يـكاد موظـف‬ ‫الجوازات يرفع رأسه أمام القادم الجديد‪،‬‬ ‫لكنـه يمنحـه مـن األسـفل نظـرة سـريعة‬ ‫كمـا يليق بموظـف حكومي بيروقراطي‪،‬‬ ‫ويناولـه الجـواز ليتجـاوز الخـط األحمـر‬ ‫إلـى الناحيـة الثانيـة مـن المطار‪..‬‬ ‫تململ الطوابير الطويلة يقابله النفس‬ ‫العميـق الـذي يأخذه َم ْن يقف إلى الطرف‬ ‫خـارج مـن عمليـة‬ ‫نفـس‬ ‫اآلخـر‪ ،‬وكأنـه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫غوص بحرية‪ ،‬والحدود البرية الجنوبية‬ ‫مع سورية شيء مشابه للمطارات‪ ،‬لكن‬ ‫األعداد هناك أكبر وسير الطوابير أبطأ‪..‬‬ ‫تتحـرك الموجـات البشـرية علـى شـكل‬ ‫جماعـات متراصـة لتحصـل علـى الختـم‬ ‫الدائـري وتصبـح داخـل الحـدود اآلمنـة‬ ‫مخلفـة وراءهـا القذائـف واالنفجـارات‬ ‫ً‬ ‫والحواجـز الكتيمة‪.‬‬ ‫عبر «زهير» المطار الدولي منطلق ًا من‬ ‫سـورية بعـد مـرور مؤقـت ببيـروت قابل‬ ‫خالله «ميساء» التي كانت تخطط‪ ،‬مثله‪،‬‬ ‫إلقامة سـريعة في إسـطنبول ثم االنتقال‬ ‫إلى أزمير ومحاولة مقابلة مهرب لخوض‬ ‫عبـاب البحـر إلـى الضفـة األوروبية ذات‬ ‫السـمعة الحسـنة‪ ..‬ولكن التخطيط شيء‬ ‫والتنفيـذ شـيء آخـر‪ .‬أمضـى زهير وقته‬ ‫تسـكع ًا فـي محالت الشـاورما السـورية‬ ‫ُم ّ‬ ‫الكثيـرة المنتشـرة فـي حيـي الفاتـح‬ ‫وأكسراي في إسطنبول‪ ،‬وأحب الجلوس‬ ‫طويلا إلـى المقاهي زهيـدة الثمن‪ ،‬حيث‬ ‫ً‬ ‫يقابـل شـبان ًا يشـبهونه بأمـور كثيـرة‬ ‫كطريقـة الخـروج وأسـبابه وانتظـار‬ ‫معجـزة المهـرب الـذي سـيصل بهـم إلـى‬ ‫يحـس بامتالء‬ ‫الضفـة المقابلـة‪ ..‬بعـد أن‬ ‫ّ‬ ‫معدته بقطع الشاورما وقد تناول لفافتين‬ ‫وكأس ًا مترعة بالعيران كان زهير يجلس‬ ‫‪8‬‬

‫المتجولة بين أرجل‬ ‫وحيدًا يراقب القطط‬ ‫ّ‬ ‫الجائعين وهي تبحث عن قطعة صغيرة‬ ‫ضائعة وسـط حشـائش الرصيف‪..‬‬ ‫يأخذ زهير نفس ًا عميق ًا من سيجارته‬ ‫ويتذكـر أوراقه البيضاء قياس ‪ A4‬التي‬ ‫يسـجل عليهـا كل مـا يخطـر فـي بالـه‪..‬‬ ‫يعبـر شـعراً‪ ،‬فيكتـب‬ ‫كان يفضـل أن ِّ‬ ‫ويملأ األوراق بسـرعة بعـد عودتـه مـن‬ ‫المشاركة األسبوعية بالمظاهرات‪ ،‬لكنه‬ ‫وفضل المتابعة على‬ ‫فيمـا بعـد تقاعس‪َّ ،‬‬ ‫التليفزيـون الممـل قبـل قـراره الرحيـل‬ ‫عندمـا تمـّددت قطعـات الجيـش خـارج‬ ‫ثكناتهـا ووجـدت لدباباتهـا موطئـ ًا بيـن‬ ‫بيـوت المدنييـن‪..‬‬ ‫الشـوارع الحمـراء والجثـث الكثيـرة‬ ‫علـى الشاشـات أشـعرته برعـب ضاعف‬ ‫من إنتاجه الشعري‪ ،‬هربت فكرة الذهاب‬ ‫إلـى أزميـر ومعهـا فكـرة الهـروب إلـى‬ ‫أوروبـا مـن رأسـه‪ ،‬فـي العاميـن اللذيـن‬ ‫قضاهما في إسـطنبول‪ ،‬حيث لم يسـأله‬ ‫أحـد أيـن هويتك؟‪ ،‬ولم يصـادف حاجزًا‬ ‫واحـداً‪ ،‬وحتـى الحـوادث القليلـة التـي‬ ‫حدثـت للسـوريين هنـاك كانـت بعيـدة‬ ‫عنـه‪ ،‬شـعر بأمـان بعـد أن وجـد موقعـ ًا‬ ‫إلكتروني ًا ينشـر قصائده لقاء مئة دوالر‬ ‫للقصيـدة الواحـدة‪ ..‬ووجـد فتاة تشـبهه‬ ‫وتعجـب بقصائـده‪ ،‬أحبهـا‪ ،‬وأصبحـا‬ ‫يلتقيـان دوريـاً‪ ،‬يقـرأ لهـا وتضحـك‬ ‫فيشعر أنه امتلك كل أوروبا‪ ..‬أما ميساء‬ ‫صممة‬ ‫التـي رافقتـه في الطريـق فكانت ُم ّ‬ ‫علـى الخـروج‪ .‬خططت جيـدًا وبقيت في‬ ‫إسـطنبول أسـبوعين فقـط‪ ،‬شـاركت‬ ‫مـرت علـى معالـم‬ ‫خاللهمـا برحلـة بريـة ّ‬ ‫تسـتهوها المناظـر وال‬ ‫إسـطنبول‪ ،‬لـم‬ ‫ِ‬ ‫األنهـار‪ ،‬كانت ترمق الغابات واألشـجار‬ ‫بنظـرات عدائيـة مفضلـة الشـوارع‬ ‫المرصوفـة واإلشـارات الضوئيـة‪..‬‬ ‫ميسـاء تحـب الضوضـاء والجمـوع‬ ‫الكثيـرة تخـاف الوحـدة وزادهـا خوفـ ًا‬ ‫األسـبوع الذي قضته في أحد أقبية األمن‬ ‫فـي الشـام عندمـا أخذوا أخاهـا وأخذوها‬ ‫معـه‪ ،‬خرجـت مـن السـجن كومـة مـن‬ ‫الحطـام‪ ،‬ورحلـت بـأول فرصـة‪ ،‬كانـت‬

‫تتذكر النافذة الحديدية العالية واألرضية‬ ‫ّ‬ ‫الرطبـة المتسـخة ووجـوه زميالتهـا فـي‬ ‫المعتقـل‪ ،‬فتصـاب بقشـعريرة شـديدة‬ ‫وتنظـر إلـى سـاعتها كأنهـا ترغـب أن‬ ‫تركـض العقـارب بسـرعة‪ ،‬لتصـل إلـى‬ ‫هدفهـا النهائـي‪ ..‬وجدت المهرب والقارب‬ ‫المناسب‪ ،‬وبرحلة بحرية سادها الهدوء‪،‬‬ ‫أقل من‬ ‫لـم تواجـه موجـة واحدة‪ ،‬وخالل ّ‬ ‫سـاعة كانـت علـى الشـاطئ اليونانـي‪،‬‬ ‫خلعت سترة نجاتها بثقة وقذفت بها إلى‬ ‫الكومـة البالسـتيكية الكبيـرة واسـتقلّت‬ ‫بـاص األمـم المتحـدة إلـى ألمانيـا‪...‬‬ ‫ال فقـد‬ ‫الخـروج‬ ‫عـادة ليـس سـه ً‬ ‫ً‬ ‫يتكلّـل بكثيـر مـن المصاعـب والهـروب‬ ‫عبـر الحـدود البريـة‪ ،‬حيـث عليـك أن‬ ‫وق ّطـاع‬ ‫تتفـادى رجـال العصابـات ُ‬ ‫الطرق والمهربين وحرس الحدود‪ ،‬لكن‬ ‫جميلا فقـد أتـت بعـد‬ ‫حـظ ميسـاء كان‬ ‫ً‬ ‫مظاهـرات ألمانيـة وأوروبيـة شـعبية‬ ‫داعمـة لحقـوق الالجئيـن فلـم تضطـر‬ ‫لقطـع أي مسـافة سـيراً‪ ،‬أمـا دون ذلك‬ ‫حملك‬ ‫فيجـب أن ترقيك والدتك وربما ُت ِّ‬ ‫حجابـ ًا يحميـك مـن كل شـيء‪ ..‬هكـذا‬ ‫تقـو علـى مغـادرة‬ ‫فعلـت أم محمـد‪ ،‬لـم َ‬ ‫سورية‪ ،‬ولكن ابنها محمود غادر مبكرًا‬ ‫عبر الطريق البري متجه ًا شما ًال صوب‬ ‫عبـر الحـدود الدوليـة وعندمـا‬ ‫تركيـا‪ْ ،‬‬ ‫تعـرض إلطلاق الرصـاص مـن أحـد‬ ‫ّ‬ ‫الكتائـب التـي لـم يعـرف لمـن تتبع في‬ ‫تمسـك بحجـاب والدته أكثر‪ ،‬لم‬ ‫والئها ّ‬ ‫يـدر أن الرصـاص فـي الهواء بـل أعتقد‬ ‫أن الحجـاب فعـل فعلـه السـحري‪.‬‬ ‫وصـل قريـة الريحانيـة جنـوب‬ ‫تركيـا مريضـاً‪ ،‬تحلّـق حولـه السـوريون‬ ‫واألتـراك‪ ،‬أحضـروا لـه طبيبـ ًا وصـف‬ ‫لونـة يحضرهـا لـه‬ ‫لـه حبوبـ ًا وسـوائل ُم ّ‬ ‫زملاؤه ليشـربها‪ ،‬ولكنـه بقـي مريضـاً‪،‬‬ ‫تحسـس الحجـاب السـحري وشـّده علـى‬ ‫ّ‬ ‫فتذكـر رائحـة أمـه ودعواتهـا‪،‬‬ ‫جسـده ّ‬ ‫فدبـت بـه حيـاة دفعتـه‬ ‫غيـر المنمقـة‪ّ ،‬‬ ‫يهـب علـى قدميـه ويغـادر الريحانيـة‬ ‫أن ّ‬ ‫إلـى مرسـين‪ ،‬مـن هنـاك بـدأ بالبحث عن‬ ‫ـس‬ ‫المهـرب‪ ،‬حيـث يذهـب الجميـع‪ْ ..‬‬ ‫لم ُ‬


‫وت َح ُّسسـه أصبح عـادة تالزمه‬ ‫الحجـاب َ‬ ‫قبـل أن ُيْقـِد َم علـى أي شـي‪..‬‬ ‫عرضـت محطـة تليفزيونيـة معارضة‬ ‫مركزهـا مدينـة غازي عينتاب العمل على‬ ‫زهيـر كمعـٍد لبرنامـج صغير فطـار فرح ًا‬ ‫يفكـر بأنـه ال يرغـب بالخروج من‬ ‫قبـل أن ّ‬ ‫إسـطنبول وقـد بـدأت الجاليـة السـورية‬ ‫بالتعـرف إليـه شـاعرًا تجـذب طريقـة‬ ‫ّ‬ ‫إلقائـه الجمهـور‪ ..‬يضـم يديـه ويرفـع‬ ‫رأسـه عاليـ ًا ويأخـذ نفسـ ًا عميقـ ًا ويحلق‬ ‫بحدائـه الغنائـي كشـاعر جاهلـي يصـف‬ ‫ُ‬ ‫رحلتـه وناقتـه وال ينسـى وقوفـه علـى‬ ‫األطالل‪ ،‬المحطة التليفزيونية المعارضة‬ ‫سـخية وافقـت أن يبقـى حيـث هـو‪ ،‬يـرى‬ ‫ّ‬ ‫فـي كل شـارع مـن شـوارع إسـطنبول‬ ‫توأم ًا لشارع في دمشق‪ ،‬رغم االختالفات‬ ‫الكبيـرة‪ ،‬وفـي كل مقهـى مقهى يشـابهه‪،‬‬ ‫يسـتعين بمخيلتـه الشـعرية لتكويـن‬ ‫هـذا التآلـف العاطفـي المريـح‪ ،‬وتتكفـل‬ ‫ابتسامة صديقته اللطيفة بالباقي‪ ،‬تعلّم‬ ‫الكثير من الكلمات التركية وأصبح يقيم‬ ‫المباريـات اللغوية مع صديقته في لعبة‬ ‫الكلمات كان يربح دائماً‪ ،‬فيوقف المباراة‬ ‫ليلقـي المزيـد من الشـعر‪:‬‬ ‫ما بيننا ليل تضيء نجومه‬

‫وهياكل للمسرحية‬ ‫السياف يشحذ سيفه‬ ‫بيننا‬ ‫ّ‬ ‫ويداه تحمالن بندقية‬ ‫ما بيننا درب تراقبه الكتائب‬ ‫والحواجز طائفية‬ ‫وصلـت ميسـاء إلـى ألمانيـا وكسـاعة‬ ‫سويسـرية فائقـة الضبـط نفـذت الخطـط‬ ‫المرسـومة‪ ..‬قّدمـت طلـب اللجـوء‪ ،‬كان‬ ‫األلمـان مضيافيـن‪ ،‬ليـس كحاتـم الطائـي‬ ‫الـذي قـرأت عنـه فـي الكتـب المدرسـية‪،‬‬ ‫بـل الكـرم الحضـاري المرفـق بـأوراق‬ ‫ووثائق يجب كتابتها والتوقيع عليها مع‬ ‫غرفـة تسـلمتها مرفقـة ببضـع وصايـا من‬ ‫المحامـي‪ ..‬كانـت مرحلة المرور من تركيا‬ ‫سـريعة وسـهلة لـم تذكـر منهـا شـيئ ًا ولم‬ ‫يسـتحوذ عليهـا ّإل الموجات الرقيقة التي‬ ‫عانقت قارب الهروب والرسو السلس على‬ ‫الشـاطئ الصخـري قليـل العمق‪ ..‬أرسـلت‬ ‫رسـائل طمأنة إلى أهلها وأسـندت رأسـها‬ ‫إلـى مخـدة مريحـة‪ ..‬كانـت آثـار النافـذة‬ ‫تبخـرت مـن ذاكرتهـا‬ ‫الحديديـة العاليـة ّ‬ ‫وتبخـر كل شـيء خلـف الحـدود األلمانيـة‬ ‫ّ‬ ‫واعتبـرت نفسـها هنـا ولـدت مـن جديـد‪.‬‬ ‫يبـق أمـام محمـود إال ركـوب‬ ‫لـم‬ ‫َ‬

‫طويلـة مشـي ًا علـى‬ ‫جولـة‬ ‫القـارب‪ ..‬أخـذ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫طـول كورنيش مرسـين العريض المليء‬ ‫ال في وسـط سـاحة‬ ‫بالمقاهي‪ ،‬توقّف قلي ً‬ ‫محاطة بأعمدة تراثية‪،‬‬ ‫ُمطلّة على البحر‬ ‫ً‬ ‫المسطح كشرشف‬ ‫نظر إلى البحر الهادئ‬ ‫ّ‬ ‫سرير‪ ،‬ابتسم وهو يقرأ كتابات بالعربية‬ ‫علـى العمـود األثـري المحيـط بالسـاحة‬ ‫«ذكـرا شـريف ومحـي الديـن»‪ ،‬لم يحاول‬ ‫تحويل األلف الممدودة إلى مقصورة ترك‬ ‫الخطـأ العفـوي الذي تمحـوه قوة التعلّق‬ ‫بالمـكان‪ ..‬شـّد يـده علـى حجـاب والدتـه‬ ‫وانطلـق إلـى المينـاء الصغيـر‪ ،‬حيـث‬ ‫تجـري مراسـيم الهـرب البحري‪.‬‬ ‫وجـد السـوريون فـي تركيـا مكانـ ًا‬ ‫امتـداد طبيعـي ال يتوقّـف‬ ‫أنيسـ ًا وكأنـه‬ ‫ٌ‬ ‫حتـى يصـل إلـى الجـزء الغربـي مـن‬ ‫إسطنبول‪ ،‬ووجدت تركيا بمساعدة نظام‬ ‫سياسي فريد لم تشهد مثله سابق ًا صنوًا‬ ‫ديموغرافيـ ًا مكافئـاً‪ ،‬لـم يتأثـر االقتصـاد‬ ‫التركـي بمالييـن السـوريين القاطنيـن‬ ‫والعابريـن‪ ،‬ولـم تتأثـر مصالـح األحوال‬ ‫المدنيـة وازدادت حركـة السـوق‪ ،‬وحتى‬ ‫المخيمات التي انتشرت مع بدايات الثورة‬ ‫على الحدود كتوقّع سياسـي لسـلوكيات‬ ‫تحر ٍك‬ ‫الديكتاتوريـات‪َ ..‬تّم كل ذلك وفق ُّ‬ ‫وتحمٍل ٍ‬ ‫كامل‬ ‫وإنسـاني من تركيا‬ ‫رصين‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫لمسـؤولية إقليميـة أمـام كارثـة إنسـانية‬ ‫تقـع علـى مرمـى السـمع والبصـر‪.‬‬ ‫ازداد ضغـط محمـود علـى حجـاب‬ ‫والدتـه وهـو يتأرجـح بقـوة فـي وسـط‬ ‫القارب المطاطي الصغير وصخب األمواج‬ ‫التضـرع العاليـة‪،‬‬ ‫يغطـي علـى أصـوات‬ ‫ُّ‬ ‫فيما كان زهير يحلّق بأمسـيته الشـعرية‬ ‫األخيرة فيشد على يديه ويرفعهما وكأنه‬ ‫يتضـرع هـو اآلخـر‪ ،‬ثـم يسـرق نظـرة‬ ‫ّ‬ ‫أخيـرة مـن عينـي حبيبتـه ويقـول‪:‬‬ ‫ما بيننا حدود ألف كتيبة‬ ‫ودفاتر السفر الغبية‬ ‫بيننا‬ ‫كل العواصم والمطارات التي ال تنتهي‬ ‫المسـجل‬ ‫وقـوارب التهريـب والمـوت‬ ‫ّ‬ ‫بالميـاه األجنبيـة‪..‬‬ ‫‪9‬‬


‫جدارية «طفولة محاصرة»‬ ‫غزّة ترفع سالح الجرافيتي‬ ‫فلسطين – عبداهلل عمر‬ ‫غـزة‪ ،‬وعلـى حائـط أكبـر أبراجها‬ ‫وسـط ّ‬ ‫المرتفعـة‪ ،‬أنجـز مجموعـة مـن الفنانيـن‬ ‫الفلسـطينيين الشـباب‪ ،‬أكبـر جدارية في‬ ‫فلسـطين‪ ،‬تحاكـي واقـع الطفولـة فيهـا‪،‬‬ ‫بصـورة ضخمـة لطفلـة بـدت مالمحهـا‬ ‫حزينـة ُمحاصـرة خلـف قضبـان حديديـة‬ ‫الكوفيـة الفلسـطينية‪.‬‬ ‫تتوشـح‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫البد أن تستوقفك تلك الجدارية وأنت‬ ‫تتجـول فـي شـوارع المدينـة‪ ،‬لـو لم يكن‬ ‫ّ‬ ‫‪10‬‬

‫لداللتهـا الكبيرة‪ ،‬سـيكون بسـبب حجمها‬ ‫الضخـم‪ ،‬فسـكان القطـاع الذيـن اعتـادوا‬ ‫متابعـة أعمـال فنانـي الجرافيتـي علـى‬ ‫الجـدران‪ ،‬طـوال السـنوات الماضيـة‬ ‫لـم يعتـادوا هـذا الحجـم الضخـم لتلـك‬ ‫اللوحـات‪.‬‬ ‫ـج الفنانـون المشـاركون فـي‬ ‫ت‬ ‫لـم َي ْحَ ْ‬ ‫رسـم الجداريـة للترويـج لهـا كثيـراً‪ ،‬فقد‬ ‫شـّدت اللوحـة علـى جـدار بـرج الظافـر‬ ‫وسـط المدينـة عدسـات المصوريـن‪،‬‬ ‫رواد مواقع التواصل االجتماعي‬ ‫وتناقلها ّ‬

‫فـي فلسـطين‪ ،‬بسـرعة كبيـرة وبشـكل‬ ‫مكثّف‪ ،‬وأبدى كل المتابعين لها إعجابهم‬ ‫الشديد بالفكرة وبدقة التنفيذ‪ ،‬وبموقعها‬ ‫المتميز الذي ُاختير بعناية فائقة‪ ،‬والذي‬ ‫ّ‬ ‫يحمـل هـذه الرسـالة الكبيـرة والمهمـة‪.‬‬ ‫«طفولـة محاصـرة»‪ ،‬هـو االسـم الذي‬ ‫حملتـه أكبر لوحة جدارية في فلسـطين‪،‬‬ ‫وهو االسم الذي اختاره فنان الجرافيتي‬ ‫بلال خالـد مـن سـكان مدينـة خانيونـس‬ ‫غـزة‪ ،‬وصاحـب فكـرة‬ ‫جنوبـي قطـاع ّ‬ ‫الجداريـة‪ ،‬فيقـول عنهـا‪« :‬هـذه ليسـت‬


‫الجداريـة الوحيـدة التـي نقـوم برسـمها‬ ‫وإنما هناك لوحة أخرى أصغر منها في‬ ‫الحجـم‪ ،‬كلتاهمـا رسـمتا بالتزامـن كجزء‬ ‫مـن مشـروع يحمـل اسـم «لمـا الحيطـان‬ ‫ينظمه االتحاد األوروبي‬ ‫تحكي»‪ ،‬والذي ّ‬ ‫بالشـراكة مـع شـبكة االتحـاد األوروبـي‬ ‫ّقافيـة ‪.EUNIC‬‬ ‫للمراكـز الث ّ‬ ‫ويضيـف خالد‪ :‬لهـذه اللوحة مدلوالت‬ ‫ورمزيـة كبيـرة‪ ،‬كونهـا األكبـر فـي‬ ‫فلسـطين‪ ،‬وهـو العمـل األول مـن نوعـه‬ ‫والـذي ترسـم فيـه جداريـة بهـذا الحجـم‪،‬‬ ‫وتخصـص فكرتهـا للتعبيـر عـن األطفـال‬ ‫ّ‬ ‫ومعاناتهـم خلال سـنوات الحصـار‬ ‫غزة‪ ،‬منـذ ما يزيد‬ ‫المفـروض علـى قطـاع ّ‬ ‫علـى تسـع سـنوات كاملـة‪ ،‬لم يـروا فيها‬ ‫يوم ًا واحدًا ينعمون فيه بطفولتهم كبقية‬ ‫أطفـال العالـم‪.‬‬ ‫كما أنها تحمل رسـائل متعّددة أيضاً‪،‬‬ ‫فهـذه الطفولـة المحاصـرة ال زالـت تؤمن‬ ‫بعدالـة قضيتهـا‪ ،‬وتلمـح فـي عيونهـا‬ ‫الذابلـة نظرة تحـٍد وإصرار‪ ،‬حالمين بغٍد‬ ‫أفضـل رغـم كل الظـروف‪.‬‬ ‫وهـذا مـا حاولنـا عكسـه كشـبان‬ ‫طموحين نسعى إلى أن نثبت للعالم بأن‬ ‫غـزة بهـا الكثيـر مـن الطاقـات والمواهـب‬ ‫ّ‬ ‫الفريـدة‪ ،‬والتـي يمكن لها أن تنجز أعما ًال‬ ‫وبأقـل التكاليـف‬ ‫ـل نظيرهـا فـي العالـم‬ ‫ّ‬ ‫َق ّ‬ ‫ـل انعـدام أبسـط اإلمكانـات‪.‬‬ ‫وفـي ِظ ّ‬ ‫خالـد‪ ،‬المؤمـن بـأن العمـل الجماعـي‬ ‫ُيتيـح فرصـة أكبـر للعمـل بجـد تحـت‬ ‫روح الفريـق‪ ،‬ويسـمح بتبـادل األفـكار‪،‬‬ ‫وأنجـز مـع زملاء له أكثر من ‪ 20‬جدارية‬ ‫خلال السـنوات األربـع الماضيـة‪ ،‬تحمل‬ ‫متنوعـة يـرى أن هـذا العمـل‬ ‫موضوعـات ّ‬ ‫ّية‪ ،‬مما‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫مسـيرته‬ ‫في‬ ‫الفنّـي هـو األهم‬ ‫ّ‬ ‫ُيعـّد نقلـة نوعيـة لـه ولـكل طاقـم العمـل‬ ‫المشـارك‪ ،‬لمـا تمثلـه هـذه الجداريـة مـن‬ ‫ّيـة لهـم‪.‬‬ ‫أهميـة فنّ‬ ‫ماجـد مقـداد ومحمـد زكريـا ومحمـد‬ ‫زكـي‪ ،‬هـم شـركاء بلال خالـد فـي رسـم‬ ‫هـذه الجداريـة‪ ،‬ويقـول محمـد زكريـا عن‬ ‫العمـل‪« :‬كانـت فكـرة رائعـة بذلنـا فـي‬ ‫سـبيل تحقيقهـا جهـدًا كبيـراً‪ ،‬وقضينـا‬ ‫سـاعات عمـل طويلـة حتـى خرجـت إلـى‬ ‫النـور بهـذا الشـكل المشـرف‪ ،‬ومـا نجـده‬ ‫مـن كلمـات شـكر وثنـاء هـو ثمـره تعبنـا‬ ‫وهو ما ينسـينا ذلك اإلرهاق الذي طالما‬ ‫عانينـاه‪ ،‬ويثبـت لنـا أننـا وصلنـا إلـى‬

‫النـاس البسـطاء الذيـن يمرون من المكان‬ ‫يوميـ ًا ويبـدون إعجابهـم بمـا صنعناه»‪.‬‬ ‫وعـن عالقـة الفلسـطيني بالجداريـات‬ ‫يشـير زكريـا بالقـول‪« :‬طالمـا عـرف‬ ‫الفلسطينيون للجدار استخدامات كثيرة‪،‬‬ ‫بدايـة مـن انتفاضة الحجارة عام ‪،1987‬‬ ‫وتحولت‬ ‫حيث كانت وسيلة إعالم مهمة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يخطها‬ ‫الجـدران آنـذاك إلى جريدة يومية ّ‬ ‫المقاومـون كوسـيلة لتوعيـة وتوجيـه‬ ‫تطـور اسـتخدامها‬ ‫المواطنيـن‪ ،‬وتابعـوا ّ‬ ‫مـع الوقـت‪ ،‬إلى شـكل أكثر جمـاالً‪ ،‬حيث‬ ‫احتـوت علـى صـور شـهداء االنتفاضـة‪،‬‬ ‫حتـى بـات مألوفـ ًا أن تتابـع رسـوم‬ ‫الجرافيـت علـى أغلـب الحوائـط‪ ،‬أينمـا‬ ‫عبـر‬ ‫ّيـة‪ُ ،‬ي ِّ‬ ‫أدرت رأسـك تشـاهد أعمـا ًال فنّ‬ ‫فيهـا الموهوبون والمبدعون في شـوارع‬ ‫القطـاع الصغير المحاصر‪ ،‬عن معاناتهم‬ ‫وآالمهـم وأحالمهـم فـي أحيـان كثيـرة»‪.‬‬ ‫ومـن هنـا أصبحـت الجدران الوسـيلة‬ ‫ال مع الجمهور‪ ،‬والتي تصل‬ ‫األكثر تواص ً‬ ‫إليه فيها الرسـالة بقوة وسـرعة وعمق‪،‬‬ ‫وتعـّددت مسـتويات وأسـاليب الفنانيـن‬ ‫مـا بيـن األسـلوب الواقعي المباشـر الذي‬ ‫يفهمـه ويقـرؤه الجميـع‪ ،‬إلـى أسـاليب‬ ‫ّية متعّددة‪.‬‬ ‫تعبيرية تنتمي إلى مدارس فنّ‬ ‫أما الفنان محمد زكي وأحد المشاركين‬ ‫فيعبـر عـن عشـقه لهـذا النـوع‬ ‫بالعمـل‬ ‫ّ‬ ‫مـن الفنـون بالقـول‪« :‬منـذ بداياتـي وأنـا‬ ‫أنظـر إلـى أن العمـل بالجداريـات هـو‬ ‫ّيـة تضـاف إلـى صاحبهـا‪ ،‬فأنـت‬ ‫قيمـة فنّ‬ ‫تصـل إلـى النـاس بشـكل أسـرع دائمـاً‪،‬‬ ‫فالجداريـة هـي معـرض مجانـي تعـرض‬ ‫فيه اللوحات للناس في الشـارع وترصد‬

‫انطباعاتهـم عليهـا فـي مواقـع التواصـل‬ ‫االجتماعـي»‪ .‬وعـن عملـه الفنّـي األضخم‬ ‫فيصف شـعوره بالفخر لمشـاركته ضمن‬ ‫هـذا المشـروع‪ ،‬ويتحـّدث عـن لوحتهـم‬ ‫األضخم في فلسطين قائالً‪« :‬تعكس هذه‬ ‫اللوحـة حجـم الظلم والقهر الذي يعيشـه‬ ‫غزة على‬ ‫الفلسطينيون في كل مكان وفي ّ‬ ‫وعبرنـا عنه باألطفال‬ ‫وجـه الخصوص‪ّ ،‬‬ ‫كونهـم األكثـر تأثـرًا به»‪.‬‬ ‫ويشـير إلـى اعتماده مـع زمالئه على‬ ‫يكن‬ ‫اللـون األسـود‪ ،‬موضحـ ًا أن هـذا لـم ْ‬ ‫عبثاً‪ ،‬وإنما جاء نتيجة تفكير ونقاشـات‬ ‫طولـة فيمـا بينهـم‪ ،‬معتبـرًا أن األسـود‬ ‫ُم ّ‬ ‫عبـر عـن واقـع الحيـاة داخـل‬ ‫ي‬ ‫لـون‬ ‫هـو‬ ‫ُ ّ‬ ‫الشـريط السـاحلي الضيـق والمحاصـر‪،‬‬ ‫وعندمـا يعيـش أحـد هـذا الواقـع ال بـد أن‬ ‫عبر عنه دون‬ ‫الم ّ‬ ‫يكون اللون األسود هو ُ‬ ‫بقيـة األلوان‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يوضح مسؤول اإلعالم‬ ‫من جهة أخرى ّ‬ ‫في مكتب االتحاد األوروبي شادي عثمان‬ ‫أن مشروع «لما الحيطان تحكي»‪ ،‬يسعى‬ ‫إلـى خلـق تواصـل وتفاعل بيـن الفنانين‬ ‫األوروبييـن والفلسـطينيين‪ ،‬مـن خلال‬ ‫التركيز على فعاليات وأنشـطة مشـتركة‬ ‫يتم تنفيذها في فلسـطين‪.‬‬ ‫وإن هـذه اللوحـة كانـت نتـاج تفكيـر‬ ‫كبيـر ومجهـود أكبـر‪ ،‬خصوصـ ًا أننـا‬ ‫نتحّدث عن لوحة بارتفاع ‪ 20‬متراً‪ ،‬على‬ ‫جـدار ضخـم‪ ،‬وهـو مـا يبـدو صعبـ ًا فـي‬ ‫البدايـة‪ ،‬ولكـن بالعزيمة واإلصرار يثبت‬ ‫هـؤالء المبدعـون أن المسـتحيل ممكـن‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫كتّاب وأدباء ير ّوجون ُ‬ ‫ُ‬ ‫لكتبهم‬ ‫على جدرانهم الفيسبوكية‬ ‫نوارة لحـــرش‬ ‫الجزائــر‪ّ :‬‬ ‫تحولـت فـي اآلونة األخيرة‪ ،‬صفحات‬ ‫ّ‬ ‫الكّتـاب الجزائرييـن‪ ،‬علـى‬ ‫الكثيـر مـن ُ‬ ‫الفيسبوك إلى ما يشبه المنابر اإلعالمية‬ ‫للترويج لكتبهم وإصداراتهم األدبية‪ ،‬ففي‬ ‫وقـت سـابق كانـت المالحـق والصفحـات‬ ‫وتروج للكتب‬ ‫ّقافيـة‪ ،‬تقـوم بهـذا الدور ّ‬ ‫الث ّ‬ ‫مخصصة‬ ‫وزوايا‬ ‫أركان‬ ‫في‬ ‫واإلصـدارات‬ ‫ّ‬ ‫للعناويـن الجديـدة‪ ،‬وكانـت هـي المنبـر‬ ‫الوحيد لعملية الترويج واإلعالن عن أي‬ ‫ِكتـاب جديـد‪ .‬لكن ومع انتشـار واكتسـاح‬ ‫مواقـع التواصـل االجتماعـي فـي فضـاء‬ ‫الكّتـاب‬ ‫وشـبكات اإلنترنـت‪ ،‬أصبـح ُ‬ ‫واألدبـاء‪ ،‬يروجـون بأنفسـهم لكتبهـم‬ ‫وإصداراتهـم الجديـدة‪ ،‬وال ينتظـرون من‬ ‫ّقافية‪،‬‬ ‫الجرائد وصفحاتها أو مالحقها الث ّ‬ ‫تـروج أو ُتعلن في‬ ‫أن تقـوم بدورهـا وأن ّ‬ ‫مساحاتها عن العناوين الجديدة لكتبهم‪..‬‬ ‫حـول هـذا الشـأن‪ ،‬اسـتطلعت «الدوحـة»‬ ‫الكّتـاب‪.‬‬ ‫آراء مجموعـة مـن ُ‬ ‫يرى الشاعر ميلود حكيم‪« :‬أن فضاءات‬ ‫التواصـل الجديـدة فتحـت أفقـ ًا أرحـب‬ ‫للمبدعين ليتبادلوا إبداعاتهم ومشاغلهم‪،‬‬ ‫ويجـدوا فسـحة أوسـع للحضـور‪،‬‬ ‫واإلحسـاس بأهميـة ما يكتبـون‪ ،‬خاصة‬ ‫حيـن يكـون التفاعـل كبيـراً‪ ،‬والتعليقـات‬ ‫غنيـة‪ ،‬والنقـاش مثمـراً‪ .‬وقـد ولّـدت هـذه‬ ‫ّ‬ ‫الحالـة ظاهـرة جديـدة يمكـن تسـميتها‬ ‫(كّتـاب الفيسـبوك) الذيـن لـم يسـبق لهـم‬ ‫ُ‬ ‫نشـر ِكتـاب ورقـي‪ ،‬وكانـوا مهمشـين مـن‬ ‫الوصيـة علـى‬ ‫ُدور النشـر والمؤسسـات‬ ‫ّ‬ ‫الحـر‬ ‫الثّقافـة‪ ،‬فوجـدوا فـي هـذا الفضـاء ّ‬ ‫قراء‬ ‫والديموقراطـي المـكان الـذي منحهـم ّ‬ ‫وأحيانـ ًا نقّادًا ومتابعيـن‪ .‬وبذلك أصبح‬ ‫فعـل الكتابـة ذا جـدوى بالنسـبة إليهـم‪،‬‬ ‫قـرر أن ال ينشـر ّإل فـي‬ ‫بـل إن بعضهـم ّ‬ ‫الفيسـبوك بعـد أن أصبـح اسـمه متداو ًال‬ ‫ومعروفـاً‪ ،‬نكايـة فـي الوضـع المؤسـف‬ ‫للمشـهد الثّقافـي العربـي»‪.‬‬ ‫أقل من أبدية»‬ ‫صاحـب «أكثـر من قبر‪ّ ،‬‬ ‫‪12‬‬

‫أضاف مستدركاً‪« :‬لكن يجب‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬أن‬ ‫نتأمل هذه الظاهرة‪ ،‬ونحلّل أسبابها وما‬ ‫يترتب عنها‪ ،‬فإذا كانت وسائل التواصل‬ ‫الحديثة ضرورية لتسهيل وصول المبدع‬ ‫وانتشـاره‪ ،‬ولتكويـن جماعـة تحتفـي‬ ‫بالقسـمة الجميلـة للنصـوص واألشـياء‬ ‫األخـرى‪ّ ،‬إل أننـا نعيـب عليهـا اختلاط‬ ‫والغث بالسمين‪ ،‬والجيد‬ ‫الحابل بالنابل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالـرديء‪ ،‬ألن السـهولة جعلـت الكثيـر‬ ‫يركـب اإلبـداع ويعتبـر نفسـه قـادرًا علـى‬ ‫الكتابة‪ ،‬ما ولّد رداءة أكبر‪ ،‬بحكم الرقعة‬ ‫الواسـعة المتاحة لالنتشـار‪ ،‬كما رسخت‬ ‫هذه الوضعية ظاهرة الشـفهية الجديدة‪،‬‬ ‫التـي جعلـت األدب يخسـر ذلـك الحضـور‬ ‫الرصيـن‪ ،‬الـذي تصاحبـه الممارسـة‬ ‫النقديـة الجـادة‪ ،‬والتراكـم الـذي يسـمح‬ ‫بتشـكل الظاهـرة األدبية ودراسـتها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وخُلـص ميلـود حكيم إلـى نتيجة قال‬ ‫فيهـا‪« :‬ال بـأس أن يسـاهم الكاتـب فـي‬ ‫الترويـج ألعمالـه في فضـاءات التواصل‬ ‫الجديـدة‪ ،‬لكـن هـذا يجـب ّأل يحجـب عنـا‬ ‫الكّتاب مكانهم الطبيعي‬ ‫ضرورة أن يجد ُ‬ ‫في المشهد الثّقافي وعند دور النشر‪ ،‬كما‬ ‫هـو معمـول بـه فـي الـدول التـي تحتـرم‬ ‫نفسـها‪ .‬يجـب ّأل يتحـول الفيسـبوك إلـى‬ ‫مؤسسـات‬ ‫ملجـأ لفشـلنا فـي صناعـة‬ ‫ّ‬ ‫ثقافيـة‪ ،‬وفضـاءات هـي المفتـرض فيهـا‬ ‫ّ‬ ‫أن تتكفّـل باإلبـداع والمبدعين‪ .‬لكن يبقى‬ ‫العالـم االفتراضـي أكثـر إغـراء وغوايـة‪،‬‬ ‫الحرّيـة التـي تسـمح‬ ‫إذ يوفـر علـى ّ‬ ‫األقـل ّ‬ ‫للمبـدع أن يتجـاوز الرقابـة‪ ،‬وينشـر مـا‬ ‫يحب»‪.‬‬ ‫أمـا الناقـد والكاتـب عبـد الحفيـظ بـن‬ ‫جلولـي‪ ،‬فيـرى أن ترويـج الكاتـب لكتبه‬ ‫وأعمالـه عبـر جـداره علـى الفيسـبوك ال‬ ‫يعني اسـتغناءه عن الوسـائل اإلعالمية‬ ‫التقليديـة مـن جرائـد ومجلات‪ ،‬إنمـا هـو‬ ‫وسـيلة أخـرى للترويـج‪ ،‬ويقـول بهـذا‬ ‫«إن الكاتـب منتـج أفـكار‪،‬‬ ‫الخصـوص‪ّ :‬‬ ‫والمنِتـج كيفمـا كانـت طبيعتـه ال بـد لـه‬ ‫مـن الترويـج لمنتجـه‪ ،‬ومـن هنـا كانـت‬

‫شبكات العالقات التواصلية جد ضرورية‬ ‫للكاتـب‪ ،‬حتـى يجعل اآلخر على تواصل‬ ‫بمـا ينتجه»‪.‬‬ ‫وأضـاف في السـياق ذاتـه‪« :‬قد يكون‬ ‫نفكر في الجانب االسـتغنائي‬ ‫مـا يجعلنـا ّ‬ ‫الكّتـاب‪،‬‬ ‫بعـض‬ ‫إعلان‬ ‫هـو‬ ‫لـدى الكاتـب‬ ‫ُ‬ ‫مبرراتهـم وأسـبابهم فـي ذلـك‪،‬‬ ‫ولهـم ّ‬ ‫عـن مقاطعتهـم للتواصـل مـع وسـائل‬ ‫اإلعلام‪ ،‬وخصوصـا الجرائـد‪ ،‬لكنـه ال‬ ‫يؤسـس لموقـف عـام يشـمل الكافـة‪ ،‬ألن‬ ‫ّ‬ ‫الكاتب مازال له منبره اإلعالمي وعموده‬ ‫األسـبوعي وحواراتـه الصحافية‪ ،‬وكلها‬ ‫تدخل ضمن العملية الترويجية إلنتاجيته‬ ‫وكيانيتـه المعرفيـة واإلبداعيـة»‪.‬‬ ‫أمـا الشـاعر والناقـد محمـد األميـن‬ ‫سـعيدي‪ ،‬فذهـب إلـى القـول‪ ،‬بـأن‬ ‫الكاتـب اليـوم‪ ،‬وقـد دخـل معتـرك العالم‬ ‫االفتراضـي‪ ،‬يلغـي‪ ،‬دون قصـد‪ ،‬كثيـرًا‬ ‫مـن الحـدود الضروريـة‪ .‬وفـي نظـره فقد‬ ‫انهـارت المسـافة بيـن زمـن كتابـة النـص‬ ‫وزمـن قراءتـه‪ ،‬ولهذا كثير مـن التبعات‪،‬‬ ‫صـارت ُتنشـر‬ ‫ألن كثيـرًا مـن النصـوص‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫مباشرة بعد إتمامها‪ ،‬تنسخ من متصفّح‬ ‫‪ Word‬لتلصـق في متصفّح الفيسـبوك‪،‬‬ ‫بينمـا الكتابـة تمحيص ومراجعة وإعادة‬ ‫كتابـة‪.‬‬ ‫صاحـب «مباهـج الحيـرة»‪ ،‬أضـاف‬ ‫يكتـب النص‬ ‫بهـذا الصـدد‪« :‬الكاتـب اليوم‬ ‫ُ‬ ‫ويـروج لـه ويتفاعـل مـع قارئه‬ ‫وينشـره‬ ‫ّ‬ ‫مباشـرة وبردود سـريعة جداً‪ ،‬بل ينشـر‬ ‫النـص ويقـوم بـدور الحـارس الحريـص‬ ‫ٍ‬ ‫مخالف لما‬ ‫رأي‬ ‫ألي ٍ‬ ‫علـى كمالـه الرافـض ّ‬ ‫تـراه عنتريـات المبـدع فـي ذلـك النـص‪،‬‬ ‫وبهـذا انهـار النقـد أيضـاً‪ .‬ووقـع النـص‬ ‫يتوهمه البعـض انعتاقة‬ ‫فـي‬ ‫ٍ‬ ‫مـأزق كبيـر ّ‬ ‫وتحـررًا وانطالقـاً»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫سـعيدي‪ ،‬قـال بكثيـر مـن النقـد‪« :‬لقـد‬ ‫أنتـج لنا الفيسـبوك كاتب ًا «سـوبرمان»‪،‬‬ ‫ال علـى طريقـة نيتشـه الكبيـرة‪ ،‬بـل‬ ‫علـى طريقـة أفلام الكرتـون والفانتازيـا‬ ‫الهوليووديـة‪ .‬الكاتـب الـذي يفعـل كل‬


‫كمال قرور‬

‫شـيء‪ ،‬ويفقـه فـي كل شـيء‪ ،‬وال يخاف‬ ‫أن ُيميت‬ ‫من شيء‪ ،‬وبإمكانه بضغطة زر ْ‬ ‫وأن يمنح الحياة‬ ‫من يشـاء «فيسـبوكياً» ْ‬ ‫لمـن يشـاء»‪.‬‬ ‫فـي حيـن يرى‪ ،‬الروائـي كمال قرور‪،‬‬ ‫أن الكاتـب وجـد فـي (الفيسـبوك) مناخـ ًا‬ ‫لـم يكـن ليعثـر عليـه بيسـر في الوسـائل‬ ‫اإلعالمية التقليدية‪« :‬كان الكاتب مغبون ًا‬ ‫أبديـة قاتلة‪ ،‬يسـتطيع‬ ‫يعيـش فـي عزلـة ّ‬ ‫أن يفكهـا بطبـع ِكتـاب أو نشـر مقـال‬ ‫أو حـوار فـي جريـدة‪ ،‬لكـن بعـد انفجـار‬ ‫وسـائط التواصـل االجتماعـي أصبـح‬ ‫الكاتـب أكثـر راحـة وأريحيـة وأوفر حظ ًا‬ ‫من سـابقيه للترويج ألفكاره ومؤلفاته‪،‬‬ ‫وإثبـات حضـوره‪ ،‬ألن االنخراط في هذه‬ ‫الوسـائط سـهل وفعـال‪ ،‬وغيـر مكلـف»‪.‬‬ ‫صاحب «حضرة الجنرال»‪ ،‬أضاف في‬ ‫ذات المعطـى‪« :‬يمكـن للكاتـب مـن بيتـه‬ ‫أو جهـازه اآللـي أو هاتفـه الذكي أن ُيدير‬ ‫صفحاتـه بسـهولة فـي كل وقـت ليكسـب‬ ‫أعـدادًا كبيـرة من المتابعين‪ ،‬كما بإمكانه‬ ‫ويحين مادته‬ ‫أن ينشر ويحذف ويضيف ُ‬ ‫دون االستعانة بوسيط‪ ،‬ودون رقابة أو‬ ‫حواجـز‪ ،‬أو وصايـة مـن أحد أو جهة من‬ ‫الجهات‪ .‬ومثلما ينشر نصوصه يمكن أن‬ ‫ينشـر صـوره وكل الفيديوهات المتعلّقة‬ ‫بنشـاطه‪ .‬وفـي الوقـت نفسـه يمكـن أن‬ ‫يتفاعـل مـع متابعيـه موضح ًا ومناقشـاً‪.‬‬ ‫إنهـا نعمـة التواصل محسـود عليها كاتب‬ ‫هـذا العصر»‪.‬‬ ‫أمـا الكاتـب والناقـد‪ ،‬قلولـي بـن‬ ‫سـاعد‪ ،‬فيـرى أن اللجـوء إلـى فضـاءات‬ ‫ال‬ ‫النـت والتواصـل االجتماعي ليسـت بدي ً‬ ‫عـن وسـائل اإلعلام المكتوبـة‪ ،‬ولكنهـا‬

‫قلولي بن ساعد‬

‫عبدالحفيظ بن جلولي‬

‫ـل لمعضلـة الغيـاب الفـادح‬ ‫جـزء مـن َح ّ‬ ‫المتخصـص‪ ،‬مضيفـ ًا‬ ‫األدبـي‬ ‫لإلعلام‬ ‫ّ‬ ‫بهـذا الخصـوص‪« :‬ال يمكـن بالطبـع أن‬ ‫يسـتغني المبـدع والمثقـف عـن الصحـف‬ ‫ووسـائل اإلعلام المكتوبـة علـى صعيـد‬ ‫التواصـل والكتابـة والترويـج لمنتوجـه‬ ‫اإلبداعـي‪ ،‬ولكـن عندمـا يالحـظ ضيـق‬ ‫األفق وتقلّص مساحات النشر وفضاءاته‬ ‫مـع مـا نعلـم مـن الغيـاب الفـادح لإلعالم‬ ‫األدبـي المتمثـل فـي المجلـة‪ ،‬والصحافـة‬ ‫المتخصصـة‪ ،‬ليس عيب ًا أن يلجأ‬ ‫األدبيـة‬ ‫ّ‬ ‫إلى فضاءات النت والتواصل االجتماعي‬ ‫لتغطيـة هـذا الغيـاب وتعويضـه بغـرض‬ ‫الترويج (لسـلعته األدبيـة) والتعبير عن‬ ‫آرائـه»‪.‬‬ ‫قلولـي‪ ،‬خلص فـي األخير إلى نتيجة‬ ‫ثقافيـة‬ ‫ـل غيـاب سياسـة‬ ‫عكسـية فـي ِظ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ناجعـة‪ُ ،‬ملحـ ًا علـى ضـرورة أن يتولّـى‬ ‫الكاتـب نفسـه عمليـة الترويـج لكتبـه‬ ‫حل لمثل هذه‬ ‫وأعماله‪ ،‬معتبرًا هذا أفضل ّ‬

‫ميلود حكيم‬

‫محمد األمين سعيدي‬

‫المعضلـة‪« :‬طالمـا أنـه ال توجـد سياسـة‬ ‫ثقافيـة أو مشـروع ثقافـي وطنـي يضـع‬ ‫ّ‬ ‫ضمـن أولوياتـه دعـم ِ‬ ‫الكتـاب والترويـج‬ ‫لـه والبحث عن آليات التسـويق الناجعة‬ ‫لوصـول ِ‬ ‫الكتاب األدبي إلى القارئ بثمن‬ ‫معقـول تشـجيع ًا علـى اإلقبـال عليـه‬ ‫فسـيظل المبـدع يبحـث عـن أيسـر الطـرق‬ ‫للوصـول بمنتوجه اإلبداعـي إلى القارئ‬ ‫بمـا فـي ذلـك فضـاءات النـت والتواصـل‬ ‫ال عـن المجلة‬ ‫االجتماعـي فهـي ليسـت بدي ً‬ ‫المتخصصـة‬ ‫ّقافيـة‬ ‫ّ‬ ‫األدبيـة والصحـف الث ّ‬ ‫الغائبـة فـي مشـهدنا الثّقافـي‪ ،‬ولكنهـا‬ ‫حـل لمعضلـة اإلعلام األدبـي‬ ‫جـزء مـن ّ‬ ‫ثقافيـة عاريـة ّإل من‬ ‫واجهـة‬ ‫المغيـب فـي‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫بعض المسـاحيق والموديلات المتروكة‬ ‫للعرض واالستعراض والسخرية‪ ،‬وهي‬ ‫أيض ًا نافذة مهمة إلمكانية ترويج الكاتب‬ ‫ألعماله في ِظّل غياب أو تقاعس اإلعالم‬ ‫الثّقافي عن دوره تجاه اإلبداع واألدباء»‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫ال من التوتر والعدوانية واألنا‬ ‫صحيــح أن ك ً‬ ‫المنتفخــة فــي الشــخصية اللبنانيــة تحــول‬ ‫دون جعل روح النكتة سمة أصيلة في ثقافتنا‪ ،‬أو ربط‬ ‫بهويتنا‪ّ ،‬إل أن ما تقــّدم ال ينفي أننا ننطلق من‬ ‫الظــرف ّ‬

‫واقعنــا المــأزوم لنبلغ في ملحتنــا مبلغ ًا غيــر متوقّع‪،‬‬ ‫حــل أزماتنا‪،‬‬ ‫وأننــا نغطــي عبــر مبالغاتنا عجزنــا عن ّ‬ ‫وأننا نسخر من الشــعوب التي نتعايش وإياها سخرية‬ ‫الذعة‪...‬‬

‫النكتة في بيروت‪ ..‬ضحك ونسيان‬ ‫بيروت‪ :‬نسرين حمود‬ ‫ال يسـتقيم تجـاذب أطـراف الحديـث بين‬ ‫جمـع لبناني بـدون التنكيت في الكالم؛ في‬ ‫جعبتنـا نـكات تطال العالقات في ما بيننا‪،‬‬ ‫وأخرى ال توفر ساسة البالد‪ ،‬وثالثة تبالغ‬ ‫فـي رسـم أوضاعنـا االقتصاديـة‪ ،‬ورابعـة‬ ‫هويتنا لتالمس الجنسـيات التي‬ ‫تقفز فوق ّ‬ ‫نتعايش وإياها‪...‬‬ ‫العنصريـة‬ ‫تحتـل‬ ‫نكتنـا‪،‬‬ ‫فـي تشـريح‬ ‫ّ‬ ‫والعرقيـة‬ ‫(الجنسـية‬ ‫بمفهومهـا الواسـع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمذهبيـة) المسـاحة األبـرز‬ ‫والجندريـة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فيهـا‪ ،‬إذ ال نجـد ضيـرًا فـي قولبـة سـليلي‬ ‫بعـض الجنسـيات (السـورية خصوصـاً)‬ ‫لتبيـان أفضليتنـا عليهـم‪ ،‬بـدون أن نوفّـر‬ ‫الضحـك علـى أنفسـنا في فصول أخرى من‬ ‫الشـفوية‪ ،‬علمـ ًا بأننـا نتخـذ‬ ‫هـذه القصـص‬ ‫ّ‬ ‫هـذا الموقـف بصـورة الواعيـة‪ ،‬تالفيـ ًا لئال‬ ‫يفعـل آخـر كذلـك فـي حقنـا‪ ،‬مـع اإلشـارة‬ ‫إلـى أن مصطلـح اآلخر يعني طائفة أخرى‬ ‫أو جنسـية أخـرى‪...‬‬ ‫تتحـول تفاصيـل يومياتنـا‪ ،‬التـي تبرز‬ ‫ّ‬ ‫‪14‬‬

‫عجزنـا عـن َح ّـل األزمات المتصلـة بالنظام‬ ‫الطائفـي الفاسـد‪ ،‬إلـى نكـت هادفـة إلـى‬ ‫التخفيـف مـن ِحـّدة الواقـع‪ ،‬أو توريـة‬ ‫الفشـل فـي إنتـاج حـال أفضـل‪ .‬مـع تكـرار‬ ‫هـذه النكـت وتناقلهـا‪ ،‬تنتفـي قباحـة هـذا‬ ‫فيتحـول إلـى مألـوف!‬ ‫الواقـع‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مـا تقـّدم يّتفـق وإشـارة الباحـث‬ ‫والكاتـب أنيـس فريحـة فـي كتابـه‬ ‫«الضحـك عنـد العـرب» الصـادر عـن‬ ‫مكتبـة رأس بيـروت (‪ ،)1962‬إلـى أن‬ ‫«الفكاهـة فـي بواعثهـا محاولـة لتحويل‬ ‫األلـم والكبـت إلى نوع مـن التعبير الذي‬ ‫يخفّـف مـن وطأة البـؤس (‪ ،»)...‬معّددًا‬ ‫أشـكال الفكاهـة بالقصـة أو النـادرة أو‬ ‫النكتـة‪.‬‬ ‫كانـت وسـائل اإلعلام‪ ،‬وخصوصـ ًا‬ ‫شاشـات التلفزة‪ ،‬سـاهمت في نشر التنكيت‬ ‫في المجتمع‪ ،‬بعد أن بارح المقاهي الشعبية‬ ‫واللقاءات االجتماعية‪ ،‬التي كانت تحضنه‪،‬‬ ‫فزكـت بعـض الشـخصيات المعروفـة بإلقـاء‬ ‫تحولـت األخيـرة إلـى وجـوه‬ ‫النكـت‪ ،‬حتـى ّ‬ ‫منتظـرة جماهيريـاً‪ ،‬على الرغم من انحصار‬

‫مضاميـن مـا تلقيـه فـي إطـاري الجنـس‬ ‫والعنصريـة بأذرعهـا‪ .‬تنافسـت برامـج‬ ‫لبنانية بالجملة في كسر «تابوهات» الهواء‪،‬‬ ‫لكنهـا مـا لبثـت أن تراجعـت‪ ،‬لتلعب وسـائل‬ ‫التواصل االجتماعي حالي ًا أمر نشـر النكت‪،‬‬ ‫جوال إلى آخر‪ ،‬على الرغم‬ ‫التي تسـري من ّ‬ ‫إن صـح القـول‪،‬‬ ‫مـن أن التنكيـت الرقمـي‪ْ ،‬‬ ‫الحية‪ ،‬كحركات‬ ‫ينسف بعض عناصر النكت ّ‬ ‫اليديـن والعينيـن والوجـه ونبـرة الصـوت‪،‬‬ ‫ويقضي على خصوصية النكت ومحلّيتها‪...‬‬ ‫يعرف األسـتاذ في علم‬ ‫فـي هـذا اإلطار‪ّ ،‬‬ ‫االجتمـاع التربوي وعلم النفس االجتماعي‬ ‫بالجامعة اللبنانية الدكتور طالل عتريسي‬ ‫النكتة بأنها «سرد مبالغ لفكرة أو ظاهرة‪،‬‬ ‫ومعبـر عـن تناقضـات أو أحـداث غيـر‬ ‫ّ‬ ‫متوقّعـة‪ ،‬بحيـث ينطلـق هـذا السـرد مـن‬ ‫الواقـع ويحلّـق نحـو مـكان غيـر مألـوف‪،‬‬ ‫بصيغتـه المضخمـة»‪ .‬يجمـع د‪ .‬عتريسـي‬ ‫مضاميـن النكـت فـي العالـم‪ ،‬تحـت عناوين‬ ‫السياسة واالقتصاد والشعوب (العنصرية)‬ ‫والجنس‪ ،‬قبل أن يسـتعيد ابن خلدون لدى‬ ‫الحديـث عـن أثـر المنـاخ فـي وصـف شـعب‬


‫مـا بـ«صاحـب نكتـة»‪ ،‬كما هي حـال المناخ‬ ‫الحـار فـي مصـر والسـودان‪ ،‬علـى سـبيل‬ ‫المثال‪ ،‬باإلضافة إلى دور قسوة أو طراوة‬ ‫الحيـاة فـي هـذا المجال‪.‬‬

‫السخرية لتجاوز األزمات‬ ‫ويميـز د‪ .‬عتريسـي فـي حديثـه إلـى‬ ‫ّ‬ ‫«الدوحة» بين روح النكتة األصيلة‪ ،‬وتأليف‬ ‫أو إلقـاء أو نشـر النكتـة‪ ،‬مفيـدًا «أن المـرح‬ ‫سـمة شـعوب البلاد الحـارة والمسـالمة‬ ‫عمومـاً‪ ،‬حيـث يشـغل الظـرف جـزءًا مـن‬ ‫الثقافـة‪ .‬بالمقابـل‪ ،‬من المالحظ أن التنكيت‬ ‫يشكل أس الثقاقة اللبنانية‪ ،‬الثقافة التي‬ ‫ال ّ‬ ‫تنطوي على السـخرية في جزء بسـيط منها‬ ‫يتذكـر محطـات مـن تاريخنـا‬ ‫حصـراً»‪ .‬هـو ّ‬ ‫المعاصر‪ُ ،‬مبرزًا كيف كان الناس يحاولون‬ ‫تجـاوز أحوالهـم الصعبـة عبـر السـخرية‪،‬‬ ‫كمـا فـي الحـرب األهليـة (‪)1990 - 1975‬‬ ‫حيـن كثـرت النكـت التـي تناولـت المقاتليـن‬ ‫الحزبييـن‪ ،‬وخطـوط التمـاس‪ ،‬والسـلطة‬ ‫الهشـة‪ ...‬بعدهـا‪ ،‬شـهدت مرحلـة الوجـود‬ ‫ّ‬ ‫المخابراتـي السـوري‪ ،‬علـى ارتفـاع وتيـرة‬ ‫التنكيـت بطابعـه العنصري المباشـر بهدف‬ ‫تسليط ضوء فاقع على ممارسات السوري‬ ‫تفوق لبنانـي عليه يّتفق‬ ‫مـن جهـة‪ ،‬وإبـراز ّ‬ ‫تميـز الشـخصية‬ ‫مـع صفـة التشـاوف التـي ّ‬ ‫مـن جهـة ثانيـة‪ .‬فـي هـذا اإلطـار‪ ،‬يلفـت د‪.‬‬ ‫المكون العنصري في النكت‬ ‫عتريسي إلى أن ّ‬ ‫مشـترك فـي الجنسـيات كافـة‪ ،‬فعلـى ِغـرار‬ ‫الثنائيـة اللبنانيـة‪ -‬السـورية‪ ،‬نعـرف أن‬ ‫المصـري ال يوفـر الهنـدي من نكتـه‪ ،‬وكذلك‬ ‫يفعل الفرنسي حين يحكي عن البلجيكي‪...‬‬

‫تجمعات اإلناث مصانع النكات‬ ‫يعرف الباحث في علم اإلنسان‬ ‫بدوره‪ّ ،‬‬ ‫واألستاذ الجامعي محب شانه ساز النكتة‬ ‫بـ«الصيغـة الكالميـة التـي تقـّدم صـورة‬ ‫هادفـة إلـى كسـر الرتابـة»؛ انطالقـ ًا مـن‬ ‫هـذا التعريـف‪ ،‬وسـرعة انتشـار النكتـة‬ ‫فـي السـر والعلـن‪ ،‬تخضـع األخيـرة ذات‬ ‫المضمـون السياسـي إلى مراقبة السـلطة‪،‬‬ ‫التـي تحـرض علـى ّأل يبـارح الوقـار‬ ‫مظهرهـا‪ .‬ويتابـع د‪ .‬شـانه سـاز تشـريح‬

‫د‪ .‬طالل عتريسي‬

‫مضاميـن النكـت عبـر إثارة وظيفـة الرقابة‬ ‫المجتمعيـة‪ ،‬التـي تطـال النكـت الجنسـية‬ ‫بصـورة أكبـر بالمقارنـة بتلك السياسـية‪.‬‬ ‫يشـرح د‪ .‬شـانه سـاز لـ«الدوحة» أن «على‬ ‫مكـون رئيـس فـي‬ ‫الرغـم مـن أن الجـرأة ّ‬ ‫الثقافة اللبنانية وميزة عن محيطنا‪ ،‬وربما‬ ‫محـط غيـرة مـن الجـوار‪ ،‬يبـدو التنفيـس‬ ‫ّ‬ ‫فـي مجـال النكتـة السياسـية مكلّفـاً‪ ،‬وفـي‬ ‫مجـال النكتـة الجنسـية أو كسـر «التابـو»‬ ‫الجنسـي غيـر محمـود العواقـب دائماً‪ ،‬ولو‬ ‫مما يجعل التنكيت على أنفسـنا‬ ‫أنّـه قائـم‪ّ ،‬‬ ‫واألقـوام األخـرى رائج بصورة أكبر»‪ .‬هو‬ ‫يتجاوز أمر مهارات األفراد في إعداد النكت‬ ‫ونشـرها‪ ،‬المهارات التي تحتاج إلى مجهر‬ ‫يوجه إلى نماذج ُمحّددة‪ ،‬مع متابعتها في‬ ‫يومياتها ورصد خلفياتها ونشأتها‪ ،‬شاكي ًا‬ ‫مـن إدارة بحـوث علـم اإلنسـان اللبنانيـة‬ ‫ظهرهـا لهـذه المظاهـر المجتمعيـة‪ ،‬علـى‬ ‫الرغـم مـن أهميتهـا! ويـرى أن مـن يبتكـر‬ ‫النكتـة‪ ،‬عمومـاً‪ ،‬امرؤ سـريع البديهة وذو‬ ‫ومتحـرر مـن القيـود‪.‬‬ ‫خيـال خصـب‬ ‫ّ‬

‫التنكيت ال يُ ّ‬ ‫شكل‬ ‫أساس ّ‬ ‫الثقاقة‬ ‫اللبنانية‪ ،‬التي تنطوي‬ ‫على السخرية حصراً‬ ‫في جزء بسيط منها‬

‫د‪ .‬محب شانه ساز‬

‫عما إذا كان مصدر‬ ‫يتساءل د‪ .‬شانه ساز ّ‬ ‫التجمعات النسـائية‪ ،‬ومن‬ ‫النكتة قديم ًا هو‬ ‫ّ‬ ‫الحمامات‪ ،‬حيث تكشف مرتادات هذه‬ ‫بينها ّ‬ ‫األماكن الشعبية عن أجسادهن وأرواحهن‪.‬‬ ‫يشرح فكرته من نقطة مفادها أن الذكور هم‬ ‫أكثر جدية ومحافظة نتيجة الضوابط التي‬ ‫كان يفرضهـا خروجهـم إلـى العـام عليهـم‪،‬‬ ‫مقابـل اإلنـاث اللواتـي ال يواجهـن الخـارج‬ ‫بمعنـاه الواسـع‪ ،‬ومن َثّم هـن متفلتات من‬ ‫هـذه الضوابـط‪ .‬إذا انطلقنـا مـن مسـلّمة أن‬ ‫المرأة هي المشاركة األبرز في بناء الثقافة‬ ‫(تربـي‪ ،‬وتطبخ‪ ،‬وتدجـن‪ ،)...‬وأنّها كانت‬ ‫ومـا تـزال مضطهـدة‪ ،‬يمكن أن نسـتنتج أن‬ ‫أصـل النكتـة معلّـق على اإلنـاث‪ ،‬بدون أن‬ ‫ينفي أن ما تقّدم يحتاج إلى بحوث دقيقة‪.‬‬ ‫مـن جهـة ثانيـة‪ ،‬يربـط د‪ .‬شـانه سـاز‬ ‫تقرب الناس‬ ‫النكتة بوسائل االتصال‪« ،‬هي ّ‬ ‫وتقصر المسافات على‬ ‫من بعضهم البعض‪ّ ،‬‬ ‫المسـتوى الجماعـي‪ ،‬وتبـدو فاتحـة ألمـور‬ ‫تتجـاوز مضامينهـا‪ ،‬إذ هـي رسـالة‪ ،‬أو‬ ‫إشـارة قـد تفتـح نقاشـاً‪ ،‬أو تجعـل النـاس‬ ‫تنفـض عـن بعضهـا البعـض‪ ،‬لكنّهـا في كل‬ ‫ّ‬ ‫األحـوال كاريكاتـور كالمـي موضع سـخط‬ ‫ومراقبـة مـن السـلطة علـى اختالفها»‪.‬‬ ‫ألننـا رعايـا كيان مضطرب منذ نشـأته‪،‬‬ ‫فليـس مبالغـة الخالصـة إلـى أن عناويـن‬ ‫نكتنا الراهنة ال تختلف تمام االختالف عن‬ ‫تلك العائدة إلى سـنوات عشـر خلت‪ ،‬إذ لم‬ ‫نجد حتى السـاعة ترياق ًا أو راق لسـمومنا‪.‬‬ ‫فـي انتظـار أن يحيـن هذا الوقـت‪ ،‬قد تجدي‬ ‫المركبة من مصادر‬ ‫مشاركة بعض الفكاهة ّ‬ ‫متفرقـة عبر جواالتنا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪15‬‬


‫نشر «كفاحي» مطلع ‪2016‬‬

‫هل تنبعث النازية من جديد!‬

‫د‪ .‬خالد طحطح‬ ‫بالرغـم مـن كل هـذا الزخـم المحيـط‬ ‫بسـيرة أدولـف هتلـر‪ ،‬فـإن نقاشـ ًا حـادًا‬ ‫مـا يـزال قائمـ ًا فـي األوسـاط الجامعيـة‬ ‫واإلعالمية بألمانيا حول ما إذا كان نشر‬ ‫نسـخة جديـدة مـن كتابـه مع بدايـة العام‬ ‫(‪ )2016‬ينطوي على خطر استخدامه من‬ ‫ِقَبـل النازييـن الجـدد ألغـراض تحريضية‬ ‫وعنصرية‪ .‬فهذا الكتاب الذي دعمته الدولة‬ ‫النازية سنة ‪ ،1933‬وطبعت منه ماليين‬ ‫وو ِّز َع بشـكل واسـع على‬ ‫النسـخ آنذاك‪ُ ،‬‬ ‫أعضـاء الحـزب واألنصار‪ ،‬يعـرف حظرًا‬ ‫صارم ًا من قبل الدولة األلمانية منذ نهاية‬ ‫الحـرب العالميـة الثانيـة‪ .‬كمـا ُتمـارس‬ ‫رقابة شديدة على كل ما يتعلّق بمراجعة‬ ‫الروايـة الرسـمية المتعلّقـة بالمحرقـة‬ ‫النازيـة‪ ،‬ليـس فـي ألمانيـا فقـط‪ ،‬وإنمـا‬ ‫فـي غالبيـة الـدول األوروبيـة‪ ،‬فقـد تبنّت‬ ‫الـدول األعضـاء فـي االتحـاد األوروبـي‬ ‫موحـدة ضـد مـن ينكـر‬ ‫عقوبـات جزائيـة ّ‬ ‫وتعـّد إسـبانيا مـن الـدول‬ ‫المحرقـة‪ُ .‬‬ ‫األوروبيـة التـي بـدأت ّ‬ ‫تخـف بهـا الرقابـة‬ ‫قـررت المحكمـة الدسـتورية‬ ‫اليـوم‪ ،‬فقـد ّ‬ ‫بهـا إلغـاء عقوبـة السـجن المضمنـة فـي‬ ‫القانـون الجنائـي لمن تتم إدانتهم بإنكار‬ ‫المحرقة ضد اليهود «الهولوكوست»‪ .‬وقد‬ ‫كان القانـون الجنائـي اإلسـباني يعاقـب‬ ‫يبـرر جرائـم اإلبـادة‬ ‫كل َم ْ‬ ‫ـن ينفـي أو ّ‬ ‫الجماعيـة لليهـود بالسـجن مـن عـام إلـى‬ ‫عامين‪ .‬وقد ارتبطت مسألة تأكيد محرقة‬ ‫الهويـة اليهودية‬ ‫الهولوكوسـت بصحـوة ّ‬ ‫التـي تركـز علـى تثبيت اإلبـادة الجماعية‬ ‫‪16‬‬

‫كمقـوم أساسـي للذاكـرة اليهوديـة‪ .‬لكـن‬ ‫ّ‬ ‫نشـهد اليـوم عـودة النقاشـات والجـدل‬ ‫فـي المجلات والدوريـات حـول النازيـة‬ ‫والمحرقـة‪ .‬وإذا كان «معهـد التاريـخ‬ ‫المعاصـر» التابـع لجامعـة ميونيـخ قـد‬ ‫أبـدى رغبـة حثيثـة فـي إتمـام مشـروع‬ ‫إصـدار نسـخة جديـدة مـن كتـاب كفاحـي‬ ‫نقدية‪ ،‬فإن‬ ‫المحظور مصحوبة بتعليقات ّ‬ ‫حكومة والية بافاريا التي ُتعّد ثالث أكبر‬ ‫مدينـة فـي جمهوريـة ألمانيـا االتحاديـة‪،‬‬ ‫عبرت عن معارضتها الشديدة‪ ،‬باعتبارها‬ ‫بحـق ملكية‬ ‫الجهـة التـي تحتفـظ قانوني ًا ّ‬ ‫الكتـاب إلـى غايـة نهايـة سـنة ‪،2015‬‬ ‫حيث تنتهي مهلة سـبعين سـنة الخاصة‬ ‫الفكريـة‪ ،‬ومـع ذلك فقد‬ ‫بحقـوق الملكيـة‬ ‫ّ‬ ‫سـارعت إلـى إصـدار قـرار عاجـل بوقـف‬ ‫الدعم المالي للمشروع‪ ،‬بدعوى أن الكتاب‬ ‫«تحريضي»‪ ،‬ومليء بالكراهية واالحتقار‬ ‫ومعـاداة السـامية‪ ،‬وأن نشـره حتـى مع‬ ‫نقدية‪ ،‬ال يتفق مع مطلب حظر‬ ‫تعليقات ّ‬ ‫المتطرف‪.‬‬ ‫النـازي‬ ‫الحـزب‬ ‫ّ‬ ‫يصطـدم قـرار حكومـة بافاريـا فـي‬ ‫ميونيـخ بعمـل تاريخـي أكاديمـي امتـد‬ ‫لسـنوات‪ ،‬قـام بـه باحثـون مـن المعهـد‬ ‫المذكـور‪ ،‬بهدف سـد فجـوة بحثية كبيرة‬ ‫في األبحاث التاريخية المتعلّقة بالحقبة‬ ‫البغيضـة مـن تاريـخ بالدهـم‪ .‬ويتفـق‬ ‫العلمـاء على ضـرورة إخراج هذا العمل‪،‬‬ ‫خصوصـ ًا أنـه السـيرة الذاتيـة الوحيـدة‬ ‫ويتوخـى‬ ‫التـي خلفهـا الديكتاتـور هتلـر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫معهد التاريخ المعاصر من هذه الدراسـة‬ ‫المنتظـرة بعـث نسـخة تاريخيـة ناقـدة‪،‬‬ ‫مهمتهـا توضيـح البعـد التاريخي لتمكين‬

‫القارئ من فهم محتوى الكتاب ودوافعه‪،‬‬ ‫ومـن المتوقّـع بعـد سـقوط حـق الملكيـة‬ ‫القانونيـة للكتـاب الـذي بحـوزة حكومـة‬ ‫بافاريـا أن يصبـح مـن حـق دور النشـر‬ ‫طبعـه وتوزيعـه‪ ،‬غير أن موافقة الدوائر‬ ‫العليـا تبقـى العقبـة الرئيسـية‪.‬‬ ‫لقـد أثـار قـرار وقـف مشـروع معهـد‬ ‫التاريخ حالة من االمتعاض في صفوف‬ ‫الباحثين‪ ،‬خصوص ًا أن األحداث لم تعد‬ ‫عبـر المـؤرخ‬ ‫بذلـك القـرب الشـديد‪ ،‬فقـد ّ‬ ‫فولكـر أولريـش‪ ،‬عـن رفضه لهـذا القرار‬ ‫واصفـ ًا إيـاه بالفضيحـة‪ ،‬وسـاند فـي‬ ‫تصريحاتـه جهـود زمالئـه المؤرخيـن‬ ‫وثمـن رغبتهـم فـك‬ ‫فـي معهـد ميونيـخ‪ّ ،‬‬ ‫لغـز مصـادر كتـاب هتلـر‪ ،‬فالتسـاؤل‬ ‫ملـح بشـأن األفـكار الـواردة فيـه هـل‬ ‫هي مواقفه الخاصة أم أنه قام بتجميع‬ ‫معتقـدات عصـره؟ نافي ًا في نفس الوقت‬ ‫فكـرة التحريـض عـن الكتـاب بعـد مرور‬ ‫عقـود على الحرب والمحرقة‪ ،‬مؤكدًا أن‬ ‫شكل أي خطورة في الراهن‪،‬‬ ‫الكتاب ال ُي ّ‬ ‫يتوجس من طبعه‪.‬‬ ‫وذلـك ردًا علـى مـن ّ‬ ‫وقد وافقه في الرأي مدير معهد األبحاث‬ ‫التاريخيـة بميونيـخ‪ ،‬والـذي اعتبـر أن‬ ‫صدور نسخة جديدة من الكتاب الممنوع‬ ‫مصحوبة بتعليقات توضيحية قد ينهي‬ ‫األسـطورة التـي تحـوم حولـه‪ ،‬فالتفهم‬ ‫يحتاج إلى البوح ال الصمت‪ .‬وفي فرنسا‬ ‫تسـعى دار فيـار بدورهـا إلـى إصـدار‬ ‫طبعـة جديـدة منـه مـع حلـول السـنة‬ ‫المقبلـة‪ ،‬وتعـود أول طبعـة للكتاب في‬ ‫هـذا البلـد إلـى سـنة ‪ ،1934‬وذلـك قبـل‬ ‫صـدور قـرار بتجريـم نشـره بعـد نهايـة‬


‫الحـرب العالميـة الثانية‪.‬‬ ‫وإذا كان موقف المؤرخين والباحثين‬ ‫يتجـه إلـى البحـث فـي التاريـخ الراهـن‬ ‫لبالدهـم قصـد فهـم مـا جـرى‪ ،‬بـد ًال مـن‬ ‫إصـدار األحـكام‪ ،‬فـإن السياسـيين علـى‬ ‫العكـس مـن ذلـك‪ ،‬يتجنبـون الخـوض‬ ‫فـي الموضـوع‪ ،‬خوفـ ًا مـن ُرهـاب تهمـة‬ ‫التعاطـف مـع النازيـة‪ ،‬فالمستشـارة‬ ‫األلمانيـة انغيلا ميـركل اعتبرت وبشـكل‬ ‫مبالغ فيه أن في وصول هتلر إلى ُسـّدة‬ ‫الحكـم قبـل ثمانيـن سـنة تهديـدًا مسـتمرًا‬ ‫للحرّيـة والديموقراطيـة فـي ألمانيـا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأردفـت فـي كلمـة ألقتهـا على بعـد أمتار‬ ‫مـن نصـب المحرقـة الشـهير‪« :‬يجـب أن‬ ‫يكـون ذلـك تحذيـرًا دائمـ ًا لنـا معشـر‬ ‫األلمـان»‪.‬‬ ‫يسعى الباحثون في ألمانيا إلى فصل‬ ‫التاريخ عن الذاكرة في النقاشات اليوم‪،‬‬ ‫فطريقـة اشـتغال هـذه األخيـرة تشـبه‬

‫بطريقة أو بأخرى طريقة اشتغال المجمد‬ ‫حسـب تعبير الروائية اإليطالية سـوزانا‬ ‫تامارو‪ ،‬فما الذي يحدث لما نقوم بانتزاع‬ ‫مـا بداخـل المجمـد من طعام مكـث بداخله‬ ‫مـدة طويلـة؟ إنـه يبـدأ تدريجيـ ًا فـي‬ ‫اسـتعادة شـكله ولونـه‪ ،‬ويملأ المطبـخ‬ ‫برائحتـه‪ ،‬هكـذا تقبـع الذكريـات الحزينة‬ ‫لمـدة طويلـة فـي أحـد الكهـوف العديـدة‬ ‫للذاكرة‪ ،‬تقبع هناك سنوات‪ ،‬بل عشرات‬

‫الكتاب يعرف حظراً‬ ‫صارم ًا من قِ َبل الدولة‬

‫األلمانية منذ نهاية‬ ‫الحرب العالمية الثانية‬

‫السـنوات بأكملهـا‪ ،‬ثم يحـدث يوم ًا ما أن‬ ‫تعـود إلى السـطح ويعـود من جديد األلم‬ ‫الذي كان قد اصطحبها في يوم من األيام‬ ‫يعـود حالمـ ًا وحـادًا كما كان منذ سـنوات‬ ‫عديـدة‪ .‬وهـذا ما يعرفـه التاريخ الحاضر‬ ‫بألمانيـا‪ ،‬إنـه الخلـط الـذي يعيـق بشـكل‬ ‫أو بآخـر تقـّدم األبحاث والدراسـات‪ .‬كما‬ ‫التـذرع بفكـرة عـدم انقضـاء الوقـت‬ ‫يتـم‬ ‫ُّ‬ ‫الكافـي علـى وقـوع األحـداث‪ ،‬باعتبـار‬ ‫أن الوقائـع الكبيـرة لهـا ذيـول ليسـت في‬ ‫الح ّجة لم تعد تقنع أحدًا‬ ‫الحسبان‪ ،‬وهذه ُ‬ ‫اليوم‪ ،‬وبالخصوص المؤرخون‪ ،‬فرواية‬ ‫الماضي نفسه محفوفة بالظنون‪ ،‬إذ حذّر‬ ‫المـؤرخ الصينـي المعاصـر لهيكاتيـوس‬ ‫ّ‬ ‫نتوغـل في الزمن تحضر‬ ‫قائلا‪« :‬بقـدر ما ّ‬ ‫ً‬ ‫ويذكـر بمقتـرح‬ ‫الزائفـة»‪،‬‬ ‫الروايـات‬ ‫ّ‬ ‫تاريخـي لكزوتسـي «ينبغـي أن نكـون‬ ‫موجزيـن فـي تنـاول الماضـي ومفصلين‬ ‫فـي الحديـث عـن الحاضر»‪.‬‬ ‫‪17‬‬


‫قاعة الندوات‬

‫يوم في متحف األدب الحديث ببكين‬ ‫بكين‪ :‬مـــــي عـاشـــور‬ ‫مـرات‬ ‫إن ذهابـك إلـى نفـس المـكان ّ‬ ‫عديـدة‪ ،‬ال يعنـي أبـدًا اكتشـافك له‪ .‬كانت‬ ‫زيارتـي األخيـرة للصيـن مختلفـة بعـض‬ ‫المرة أن دوري‬ ‫الشـيء؛ فقد شـعرت هذه ّ‬ ‫كمترجمـة يجتـاز صفحات الكتب ليشـمل‬ ‫نقـل كل مـا ألمـس فيـه فائـدة وإضافـة‬ ‫جديـدة للقـارئ‪ ،‬بدايـة مـن زيـارة أماكـن‬ ‫قربتنـي أكثـر‬ ‫مختلفـة ومـرورًا بتجـارب ّ‬ ‫من الثّقافة الصينية‪ .‬قبل سفري مباشرة‬ ‫كنـت أبحـدث عـن شـيء مـا علـى شـبكة‬ ‫اإلنترنـت‪ ،‬حينمـا الح أمامـي عنـوان‬ ‫دونـت العنوان‬ ‫«متحـف األدب الحديـث»‪ّ ،‬‬ ‫ووضعتـه علـى رأس األماكـن التـي‬ ‫سـأزورها عنـد وصولـي إلـى هنـاك‪.‬‬ ‫عنـد نزولـي إلـى أقـرب محطـة متـرو‬ ‫للمتحـف‪ ،‬مشـيت بمـا يقـرب مـن عشـرين‬ ‫دقيقة أو أكثر‪ ،‬وللتأكد من أنني أسير في‬ ‫‪18‬‬

‫االتجاه الصحيح‪ ،‬سألت بعض المارة في‬ ‫الشارع‪ ،‬وكانوا يرشدونني جميعهم على‬ ‫المـكان‪ ،‬والـذي بـدا لـي أنـه معـروف جـدًا‬ ‫لعامـة النـاس‪ .‬علـى باب المتحف‪ ،‬سـألت‬ ‫الحـارس عـن ثمـن التذكـرة‪ ،‬ففوجئـت بـه‬ ‫يقـول لـي إن الدخـول مجانـي‪ ،‬ممـا يعنـي‬ ‫أن أبوابـه مفتوحـة السـتقبال الجميع‪.‬‬ ‫فتتـح متحـف األدب الحديـث عـام‬ ‫ُا ُ‬ ‫‪ ،1985‬وجـاءت فكـرة إنشـائه باقتـراح‬ ‫مـن الكاتـب باتــجين وعـدد مـن الكتـاب‬ ‫ويعـّد هـذا المتحـف واحـدًا‬ ‫اآلخريـن‪ُ ،‬‬ ‫مـن أكبـر المتاحـف األدبيـة فـي العالـم‪.‬‬ ‫يضـم المتحـف ‪ 6‬قاعات عـرض مختلفة‪،‬‬ ‫كمـا أن بـه قاعـة للقـراءة ومكتبـة‬ ‫تضـم عـددًا ضخمـ ًا مـن األعمـال األدبيـة‬ ‫المختلفـة‪ .‬يقـوم المتحـف بشـكل عـام‬ ‫بالتعريـف باألدبـاء‪ ،‬المترجميـن والنقّاد‬ ‫المتخصصيـن فـي األدب‪ ،‬ويضـم نمـاذج‬ ‫حقيقيـة مـن أعمالهـم وبعـض مقتنياتهـم‬

‫الشـخصية‪ .‬يصـل عـدد المعروضـات في‬ ‫المتحف إلى خمسين ألف قطعة مختلفة؛‬ ‫بين صور‪ ،‬مخطوطات أصلية‪ ،‬رسـائل‬ ‫خطية‪ ،‬كتب‪ ،‬صحف وغيرها‪ .‬كما ُي َع ِّرف‬ ‫المتحـف الزائريـن بعـدد كبيـر مـن ُكّتـاب‬ ‫هونـغ كونـغ وتايـوان‪.‬‬ ‫تحتـوي إحـدى قاعـات المتحـف علـى‬ ‫األعمـال األدبيـة للكاتـب الكبير لوشـون‪،‬‬ ‫والشاعر والكاتب جوه موه روه وغيرهما‬ ‫من الكتاب‪ ،‬باإلضافة إلى األعمال األدبية‬ ‫التـي ترجـع إلـى فتـرة حركـة الرابـع مـن‬ ‫مايـو ومـا تالهـا مـن أحـداث‪ .‬بعـد ثـورة‬ ‫‪ 1911‬التي أنهت الحكم اإلقطاعي الذي دام‬ ‫قرابة ‪ 2000‬عام في الصين‪ ،‬بدأت فترة‬ ‫تاريخيـة جديـدة تطـرق أبـواب الصيـن‪.‬‬ ‫وقبـل إعلان جمهوريـة الصيـن الشـعبية‬ ‫عـام ‪ ،1949‬توالـت أحـداث مختلفـة على‬ ‫البلاد‪ ،‬وكان األدب جـزءًا مهمـ ًا فيهـا أثّـر‬ ‫فيهـا وتأثّـر بهـا‪ .‬فـي الرابـع مـن مايـو‪/‬‬


‫حديقة المتحف‬

‫أيـار عـام ‪ 1919‬اندلعـت حركـة فـي بكين‬ ‫قادهـا شـباب مـن مختلـف الجامعات‪ ،‬ثم‬ ‫انضمـت إلـى هذه الحركة طوائف مختلفة‬ ‫ّ‬ ‫من الشعب‪ ،‬وتعرف هذه الحركة بالرابع‬ ‫مـن مايـو‪ ،‬وكانـت عبـارة عـن مظاهـرات‬ ‫طالبيـة حاشـدة اجتاحـت أنحـاء بكيـن‪،‬‬ ‫اعتراض ًا على موقف الحكومة من معاهدة‬ ‫فرسـاي‪ ،‬كمـا هدفـت الحركـة أيضـ ًا إلـى‬ ‫معارضـة اإلمبرياليـة واإلقطاع‪.‬‬ ‫أدت حركـة الرابـع مـن مايو‪/‬أيـار‬ ‫‪ ،1919‬إلى اندالع حركة «الثّقافة الجديدة»‬ ‫بقيـادة مجموعـة مـن شـباب المثقفيـن‪،‬‬ ‫تطلعـوا إلـى إحـداث تغييـر فـي المجتمع‬ ‫الصينـي‪ ،‬وكانـت مجلـة «الشـباب» التـي‬ ‫كان تشـين دو شـيوه رئيـس تحريرهـا‪،‬‬ ‫وتغيـر اسـمها إلى «الشـباب الجديد» عام‬ ‫المحرك لها‪ .‬فكل هذه‬ ‫‪ ،1916‬هي الوقود‬ ‫ّ‬ ‫األحـداث رأيتهـا رؤيـة العيـن مـن خلال‬ ‫األعمـال األدبيـة المختلفـة المعروضـة‪،‬‬ ‫فضلا عـن الصـور المختلفة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وفـي قاعـة آخـرى ُتعـرض األعمـال‬ ‫األدبية من الفترة بين (‪،)1949 - 1937‬‬ ‫وهـي فتـرة حـرب اليابـان مـع الصيـن‬ ‫وحـرب التحريـر‪ ،‬إلـى إعلان جمهوريـة‬ ‫الصيـن الشـعبية‪ .‬كمـا عرضـت بعـض‬ ‫الصـور‪ ،‬وبعـض التسـجيالت الصوتيـة‬ ‫الحيـة‪.‬‬ ‫واللقطـات ّ‬ ‫مـن دواعـي سـروري فـي هـذا اليـوم‬ ‫زيـارة قاعـة األدب المعاصـر‪ ،‬والتـي‬ ‫كانـت فكرتهـا مبتكـرة للغايـة؛ فحائـط‬ ‫صمـم على شـكل مكتبـة كبيرة‪،‬‬ ‫القاعـة ُم ّ‬ ‫وكل رف به مجموعة أعمال لكاتب بعينه‬ ‫باإلضافـة إلـى صورتـه وتعريـف بـه‪.‬‬ ‫رأيـت صـورًا عديـدة لكّتـاب التقيـت بهـم‬ ‫وترجمت أعمالهم‪ ،‬وتعرفت إلى عدد أكبر‬ ‫من الكّتاب الذين لم أكن أعرفهم من قبل‪.‬‬ ‫يوجـد ركـن فـي القاعة نفسـها‪ ،‬معروض‬ ‫فيـه صـور لألدبـاء األجانـب الحائزيـن‬ ‫علـى جائـزة نوبل‪ ،‬والذيـن قاموا بزيارة‬ ‫الصيـن‪ ،‬مـن ضمنهـم الكاتـب التركـي‬ ‫ـو َج بالجائـزة‬ ‫أورهـان بامـوق‪ .‬الـذي ُت ِّ‬ ‫عـام ‪.2006‬‬ ‫بين قاعة وأخرى هناك قاعة صغيرة‬ ‫خصصـة للندوات األدبيـة‪ ،‬والتي ُيعلن‬ ‫ُم ّ‬ ‫عنهـا فـي مدخـل المتحـف‪ .‬عرفـت مـن‬ ‫العاملـة فـي المتحـف أن هـذه النـدوات‬

‫قاعة األدب المعاصر‬

‫ُتقـام بشـكل أسـبوعي‪ ،‬وتكـون الدعـوة‬ ‫لعمـوم النـاس‪.‬‬ ‫«إن وجـد الحـب وجـد كل شـيء»‪ .‬هذه‬ ‫مقولـة للكاتبـة بينـغ شـين ُنحتت أسـفل‬ ‫تمثالهـا الموجـود بحديقـة المتحف؛ أكثر‬ ‫شـيء ملفـت هـو تلـك الباقـة التـي كانـت‬ ‫بجانـب تمثالهـا‪ ،‬رحلـت بينـغ شـين منـذ‬ ‫أمـد بعيد‪ ،‬ولكـن مازال الناس يتذكرونها‬ ‫ويهدونهـا األزهـار‪ .‬إن حديقـة المتحـف‬ ‫رائعة جداً‪ ،‬مصممة على الطراز الصيني‬ ‫تتوسـط الحديقـة بحيـرة‬ ‫التقليـدي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫جميلـة‪ ،‬تحيطهـا النباتـات الصينيـة‬ ‫المختلفـة‪ ،‬باإلضافـة إلـى تماثيـل أدبـاء‬ ‫آخريـن مصنوعـة من البرونـز والنحاس‬ ‫واليشـم‪ ،‬ممـا ُيضفـي على المـكان أجواء‬ ‫أدبيـة خالصـة‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫تمثال الكاتبة بينغ شين‬


‫اقتصاد‬

‫يحــاول هــذا المقــال‪ ،‬اســتنادًا إلى أرقــام وتحليــات وردت في‬ ‫رســمية‪ ،‬أن‬ ‫تقاريــر ومقــاالت‪ ‬فــي الصحافة العالميــة ووثائق‬ ‫ّ‬ ‫يقــدم نظــرة تمثيلية حــول حجم الخســائر االقتصادية الناجمــة عن األعمال‬ ‫ِّ‬ ‫اإلرهابية التي عرفت تصاعدًا خطيرًا في الســنوات األخيرة وأسفرت‪ ،‬حسب‬ ‫آخر تقرير من المؤشــر العالمي لإلرهاب‪ ،‬عن قتل حوالي ‪ 33‬ألف شــخص‬ ‫سنة ‪ 2014‬بارتفاع بلغت نسبته ‪ 80‬في المئة مقارنة مع سنة ‪ ،2013‬فيما‬ ‫بلغت الخسائر التي تسببت فيها ‪ 52.9‬مليار دوالر‪.‬‬

‫رياح اإلرهاب تهز ّ اقتصاد العالم‬ ‫جمال الموساوي‬ ‫لـم تعـد األعمـال اإلرهابيـة أعمـا ًال‬ ‫معزولة كما كان عليه األمر في الماضي‪،‬‬ ‫وانتقلـت أهدافهـا مـن الرغبـة فـي إثـارة‬ ‫االنتبـاه إلـى قضيـة مـن القضايـا أو‬ ‫االنتقـام‪ ،‬إلـى عمليـات أكثـر دمويـة‬ ‫تسـعى لـزرع الرعـب كهـدف أول‪ .‬وكمـا‬ ‫توسـعت رقعـة‬ ‫تبّدلـت األهـداف‪ ،‬فقـد‬ ‫َّ‬ ‫يبق هناك تقريب ًا‬ ‫االسـتهداف‪ ،‬بحيث لم َ‬ ‫‪20‬‬

‫بلـد آمـن بشـكل كامـل‪ ،‬بالرغـم مـن أن‬ ‫نتائج المؤشر المذكور تشير إلى وجود‬ ‫‪ 37‬دولة تنعدم فيها مخاطر اإلرهاب من‬ ‫بينها دولتان عربيتان هما قطر وعمان‪.‬‬ ‫فـي هـذا السـياق‪ ،‬تبـدو مشـاهد القتل‬ ‫وجثـث الضحايـا هـي النتائـج األوليـة‬ ‫المباشـرة لإلرهـاب‪ .‬خلال ذلـك تكـون‬ ‫للعواطـف الكلمـة العليـا‪ ،‬حيـث يسـود‬ ‫التنديـد والتضامـن‪ .‬فعنـد وقـوع عمليـة‬ ‫إرهابيـة ال يسـتحضر النـاس التبعـات‬

‫االقتصاديـة‪ ،‬أو ًال ألن اإلرهابييـن غيـر‬ ‫معنييـن‪ ،‬فـي الغالـب‪ ،‬بتحديـد حجـم‬ ‫الخسـائر االقتصاديـة(‪ ،)1‬ألن أكثـر مـا‬ ‫يهمهم هو إسقاط أكبر عدد من الضحايا‪،‬‬ ‫ومـن األفضـل أن يكـون هـؤالء مـن‬ ‫جنسـيات مختلفة‪ ،‬بحيث ينتشـر الرعب‬ ‫عبـر العالـم‪ ،‬كما حدث عند تفجير مقهى‬ ‫أركانـة بمراكـش فـي المغـرب قبـل أربع‬ ‫سـنوات‪ ،‬وعمليـة سوسـة فـي تونـس‪،‬‬ ‫وصـو ًال إلـى عمليـات باريـس واحتجاز‬


‫فندق في باماكو خالل سـنة‬ ‫رهائـن فـي ٍ‬ ‫‪ 2015‬كأمثلـة لالسـتئناس‪ .‬وثانيـ ًا ألن‬ ‫الـدول المسـتهدفة ال تكـون قـد رّتبـت‬ ‫أمورهـا بشـكل يسـمح بالتقديـر الفوري‬ ‫للخسـائر اعتبـارًا لكـون اإلرهـاب أمـرًا‬ ‫عارضاً‪ ،‬وأن تداعياته ليست بالضرورة‬ ‫آنيـة‪ ،‬بـل قـد تحتـاج لعـّدة أشـهر وربما‬ ‫سـنوات لتصبح واضحة‪ .‬بمعنى آخر‪،‬‬ ‫يحتـاج االقتصـاد إلـى وقـت ليحصـي‬ ‫خسـائره وإلـى وقـت أطـول ليتعافـى‪،‬‬ ‫وبيـن الصدمـة والتعافـي ينبغـي العمـل‬ ‫علـى ِعـّدة واجهـات‪ ،‬خاصـة إذا كانـت‬ ‫فترة ركود أو أزمة وليسـت فترة‬ ‫الفترة َ‬ ‫ُ‬ ‫نمـو وازدهـار‪.‬‬

‫الواليات المتحدة األميركية‪ :‬تكاليف الحرب‬ ‫عىل اإلرهاب نزيف متواصل منذ ‪2001‬‬ ‫انطالقـا مـن الوعـي بهـذه الحيثيـات‬ ‫ً‬ ‫يمكـن أن نفهـم سـبب إحجـام الواليـات‬ ‫المتحـدة األميركيـة عـن الدخـول فـي‬ ‫حـرب بريـة مـع إرهابيـي داعـش فـي‬ ‫سـورية والعراق‪ ،‬واالكتفاء بالضربات‬ ‫الجويـة‪ ،‬مـع أن حربهـا علـى اإلرهـاب‬ ‫لـم تتوقّـف‪ ،‬عملياً‪ ،‬منذ أحداث سـبتمبر‬ ‫‪ .2001‬إن خسـائر االقتصـاد األميركـي‬ ‫لـم تقـف عنـد المخلفـات المباشـرة لتلك‬

‫األحـداث التـي بلغـت حسـب تقديـرات‬ ‫متباينـة مـا بيـن ‪ 25‬و‪ 80‬مليـار دوالر‪،‬‬ ‫بـل امتـدت للسـنوات التـي تلتهـا مـن‬ ‫المخصصـة‬ ‫خلال الرفـع مـن الميزانيـة‬ ‫ّ‬ ‫للنفقات العسكرية‪ ،‬بما في ذلك إرسال‬ ‫ٍ‬ ‫جنـود إلـى أفغانسـتان والعـراق‪ ،‬بنحو‬ ‫‪ 100‬مليـار دوالر سـنوي ًا بيـن ‪2001‬‬ ‫و‪ ،2011‬باإلضافـة إلـى المتطلبـات‬ ‫األخـري للحـرب التـي رفعـت مجمـوع‬ ‫النفقات إلى ما بين ‪ 3200‬و‪ 4000‬مليار‬ ‫دوالر (أرقام غير نهائية) حسب دراسة‬ ‫أعدهـا لجامعة بـراون األميركية حوالي‬ ‫عشـرين مـن الباحثيـن االقتصادييـن‬ ‫والسياسـيين واألنثربولوجيين ورجال‬ ‫‪21‬‬


‫القانـون‪ ،‬ونشـرت سـنة (‪ .2011)2‬لقـد‬ ‫تسـببت عمليـات ‪ 11‬سـبتمبر ودخـول‬ ‫ّ‬ ‫الواليـات المتحـدة فـي مسـتنقع‬ ‫حـرب العـراق وأفغانسـتان فـي رفـع‬ ‫الديـن العمومـي األميركـي بشـكل غيـر‬ ‫مسـبوق‪ ،‬وفـي ارتفـاع عجـز الميزانيـة‬ ‫ونقـص االسـتثمارات وارتفـاع معـدل‬ ‫البطالـة وصـو ًال إلـى اسـتنتاجات‬ ‫بعـض االقتصادييـن الذيـن يعتقـدون‬ ‫أن اإلجـراءات التـي اتخذتهـا الواليـات‬ ‫المتحـدة بعـد ‪ 2001‬تمثـل أحـد جـذور‬ ‫األزمة المالية التي بدأت في أواخر سنة‬ ‫وتطـورت إلـى أزمـة اقتصاديـة‬ ‫‪2007‬‬ ‫ّ‬ ‫عالميـة‪.‬‬

‫فرنسا‪ 815 :‬مليون أورو نفقات‬ ‫أمنية وعسكرية إضافية‬ ‫لقـد كانـت أحـداث ‪ 11‬سـبتمبر منعطف ًا‬ ‫تشـظى شـرق ًا وغرباً‪ .‬وإذا‬ ‫لإلرهاب الذي ّ‬ ‫كان االقتصـاد األميركـي قويـ ًا ومرتكزاته‬ ‫متنوعـة وأذرعـه مـن الشـركات العمالقة‬ ‫ّ‬ ‫تحقّق أداء عالي ًا في مختلف أنحاء العالم‬ ‫مما يؤهله للصمود والمقاومة‪ ،‬فإن عددًا‬ ‫األقـل‬ ‫مـن البلـدان األخـرى األضعـف أو‬ ‫ّ‬ ‫قـوة‪ ،‬تكـون الخسـائر التي تتكبدها أشـّد‬ ‫وقعـ ًا علـى اقتصادهـا(‪ )3‬بمـا فيهـا دول‬ ‫أوروبيـة وعربيـة وإفريقية‪.‬‬ ‫مثلا‬ ‫وتبـدو فرنسـا فـي هـذا الخضـم ً‬ ‫في منطقة وسـطى بين القوة والضعف‪.‬‬ ‫لقـد شـهدت في السـابق عمليـات إرهابية‬ ‫لكنها لم تكن بفداحة عمليات الجمعة ‪13‬‬ ‫نوفمبر‪/‬تشرين الثاني الماضي‪ ،‬ال على‬ ‫مسـتوى عـدد الضحايـا وال على مسـتوى‬ ‫الخسـائر االقتصاديـة‪ .‬ومـن المحتمـل‬ ‫أن تسـاهم هـذه العمليـات فـي انتـكاس‬ ‫التوقّعـات بانتعـاش االقتصـاد الفرنسـي‬ ‫بعـد ِعـّدة سـنوات مـن األزمـة‪ .‬فبالرغـم‬ ‫مـن النبـرة التـي تحـاول التخفيـف مـن‬ ‫التخوفـات بالتأكيـد علـى التوقعات‬ ‫ِحـّدة‬ ‫ّ‬ ‫بشـأن نسـبة النمـو السـنوي فـي حـدود‬ ‫‪ 1.2‬في المئة برسـم سـنة ‪ ،2015‬كشـف‬ ‫بلاغ أن‬ ‫البنـك المركـزي الفرنسـي فـي ٍ‬ ‫نسـبة النمـو فـي الفصل األخيـر من العام‬ ‫الجـاري مرشـح للتراجـع بنقطـة واحـدة‬ ‫مـن ‪ 0.4‬فـي المئـة إلـى ‪ 0.3‬في المئة أي‬ ‫ما يعادل ‪ 500‬مليون أورو كنتيجة على‬ ‫‪22‬‬

‫المـدى القصيـر جداً‪.‬‬ ‫أقـل مـن‬ ‫إن ضربتيـن إرهابيتيـن فـي ّ‬ ‫سـنة(‪ ،)4‬سـتدفعان فرنسـا بلا شـك‬ ‫إلـى اّتخـاذ إجـراءات سـيكون لهـا تأثيـر‬ ‫أكيـد علـى حيويـة اقتصادهـا‪ .‬وكمـا‬ ‫فعلـت الواليـات المتحـدة األميركيـة بعـد‬ ‫‪ 11‬سـبتمبر‪ ،‬كان أول قـرارات الدولـة‬ ‫الفرنسـية إعلان الحـرب علـى اإلرهـاب‬ ‫وإرسـال حاملة الطائرات شـارل ديغول‬ ‫إلـى الشـرق األوسـط لتكثيـف العمليـات‬ ‫العسكرية ضد «داعش» في سورية‪ ،‬وهو‬ ‫مـا ينبـئ بالسـيناريو ذاتـه‪ ،‬أي بارتفـاع‬ ‫مهـم في النفقات العسـكرية في الميزانية‬ ‫العامة لتمويل هذه الحرب ابتداء من سنة‬ ‫‪ .2016‬الرئيس الفرنسي في خطاب ألقاه‬ ‫نهاية شـهر إبريل‪/‬نيسان الماضي أشار‬ ‫ستتعزز بما‬ ‫إلى أن ميزانية وزارة الدفاع‬ ‫ّ‬ ‫قـدره ‪ 3.8‬مليـار أورو علـى مـدى أربـع‬ ‫سـنوات بدءًا من ‪ 2016‬وذلك في أعقاب‬ ‫العمليـة اإلرهابيـة ضـد صحيفة شـارلي‬ ‫إيبـدو‪ّ ،‬إل أنـه مـن الـوارد بعـد أحـداث‬ ‫شـهر نوفمبر‪/‬تشـرين الثانـي األخيـر أن‬ ‫ترتفـع هـذه االعتمـادات أكثـر في إطار ما‬ ‫أسمته الحكومة بـ«الميثاق األمني»‪ ،‬حيث‬ ‫َت ّـم رصـد اعتمـادات إضافيـة لإلجـراءات‬ ‫موزعـة علـى وزارات الدفـاع‬ ‫األمنيـة ّ‬ ‫والداخليـة والعـدل والجمـارك والمديرية‬ ‫العامة لألمن الخارجي بلغت ‪ 815‬مليون‬ ‫أورو‪ ،‬وذلـك فـي ميزانيـة سـنة ‪2016‬‬ ‫التي عرفت بالمقابل تخفيض االعتمادات‬ ‫المرصودة للمساعدات العمومية للتنمية‬ ‫الموجهـة للبلـدان الفقيـرة بمبلـغ ‪170‬‬ ‫مليـون أورو ممـا أثـار غضـب المنظمـات‬ ‫غيـر الحكوميـة العاملـة فـي هـذا المجال‪.‬‬ ‫المؤكـد أن الضغـوط الناجمـة‬ ‫ومـن‬ ‫ّ‬ ‫عـن هـذه الوضعيـة سـتزداد إيالمـاً‪ ،‬إذ‬ ‫سـيكون علـى فرنسـا فـرض قيـود علـى‬ ‫تنقُّـل األشـخاص والسـلع‪ ،‬خاصـة فـي‬ ‫عالقتهـا بعـدد مـن الـدول العربيـة‪ ،‬التـي‬ ‫يفتـرض أن العناصـر اإلرهابيـة تنحـدر‬ ‫منهـا وتمثـل فـي نفـس الوقـت شـركاء‬ ‫علـى درجـة كبيـرة مـن األهميـة‪ ،‬وهـو‬ ‫األمـر الذي سـيؤثر علـى حركة المبادالت‬ ‫وعلـى الميـزان التجـاري وعلى مردودية‬ ‫المالحة الجوية‪ ،‬وعلى الحركة التجارية‬ ‫في فرنسا بشكل عام‪ ،‬خاصة أن باريس‬ ‫تسـتقبل خلال شـهر ينايـر أعـدادًا كبيرة‬ ‫من المتسوقين األجانب (منهم أعداد مهمة‬

‫مـن العـرب) لالسـتفادة مـن التخفيضـات‬ ‫التـي تعرفهـا هـذه الفتـرة من السـنة‪ .‬في‬ ‫هـذا السـياق‪ ،‬جديـر بالتذكيـر أنـه فـي‬ ‫أعقـاب حادثـة شـارلي إيبـدو انخفـض‬ ‫رقم معامالت المحالت التجارية الكبرى‪،‬‬ ‫حسـب وزير االقتصاد الفرنسـي‪ ،‬بنسـبة‬ ‫تراوحـت بيـن ‪ 10‬و ‪ 18‬فـي المئـة‪ .‬وهـذه‬ ‫الوضعية من شأنها أن تكون أكثر قسوة‬ ‫هـذه السـنة بالنظـر إلـى طبيعـة األماكـن‬ ‫التـي َت ّـم اسـتهدافها يـوم ‪ 13‬نوفمبـر‪/‬‬ ‫ٍ‬ ‫ومقـاه وقاعـة‬ ‫تشـرين الثانـي (مطاعـم‬ ‫للعـروض وملعـب لكـرة القـدم‪.)....‬‬

‫تونس‪ :‬اإلرهاب يق ّوض اقتصاد‬ ‫ما بعد الياسمين‬ ‫بمقـدور اقتصـاد متماسـك وقـوي‬ ‫مثـل االقتصـاد األميركـي‪ ،‬أو متماسـك‬


‫تقريبـ ًا مثـل االقتصاد الفرنسـي أن يقاوم‬ ‫التداعيـات الوخيمـة للعمليـات اإلرهابية‬ ‫أقل نسبي ًا‬ ‫وأن يبدأ في التعافي في وقت ّ‬ ‫هش مثل اقتصاد تونس‪ .‬هذا‬ ‫من اقتصاد ّ‬ ‫البلد الذي أطلق شرارات «الربيع العربي»‬ ‫لـم يشـفع لـه ذلـك ليكـون في مأمـن‪ .‬فقد‬ ‫بلـغ عـدد الهجمـات اإلرهابيـة بين ‪2012‬‬ ‫و‪ 2015‬أزيـد مـن ‪ 15‬عمليـة أودت بحياة‬ ‫محتلا المركـز ‪ 47‬فـي‬ ‫عشـرات الضحايـا‬ ‫ً‬ ‫المؤشـر العالمـي لإلرهـاب‪ .‬مـن بين هذه‬ ‫يظل حادث فندق سوسة خالل‬ ‫األحداث ّ‬ ‫يونيو ‪ 2015‬األكثر عنف ًا ودموية وتأثيرًا‬ ‫أيضـ ًا علـى االقتصـاد التونسـي المعتمـد‬ ‫كثيـرًا علـى القطـاع السـياحي (نحـو ‪7‬‬ ‫فـي المئـة مـن الناتج الداخلـي اإلجمالي‪،‬‬ ‫شـغل عـددًا مهم ًا من التونسـيين)‪ .‬وقد‬ ‫وي ّ‬ ‫ُ‬ ‫ال‬ ‫كلّفـت هـذه العمليـة التي خلّفـت ‪ 38‬قتي ً‬ ‫مـن السـياح خسـائر اقتصاديـة مباشـرة‬ ‫ُقـّدرت بنحـو ‪ 450‬مليـون أورو‪.‬‬ ‫بيـد أن السـياحة لـن تكـون القطـاع‬

‫الوحيد الذي سيتأثر‪ .‬صحيح أن أرقام ًا‬ ‫رسمية تشير إلى تراجع الحجوزات بعد‬ ‫العمليـة مباشـرة بنحـو ‪ 60‬فـي المئـة‬ ‫واإليـرادات بنحـو ‪ 33‬فـي المئـة خلال‬ ‫األشـهر العشـرة األولـى مـن ‪ّ ،2015‬إل‬ ‫أن نظرة شـاملة إلى الخسـائر المحتملة‬ ‫ٍ‬ ‫القتصـاد يحـاول أن ينهض على أسـس‬ ‫جديدة بعد أحداث سنة ‪ 2011‬لن تقتصر‬ ‫علـى ذلـك‪ .‬فالحسـابات الوطنيـة(‪)5‬‬ ‫تؤكـد‬ ‫للربـع الثالـث مـن هـذه السـنة ِّ‬ ‫تراجع الناتج الداخلي اإلجمالي بنسـبة‬ ‫‪ 0.1‬فـي المئـة مقارنـة بالفترة ذاتها من‬ ‫عام ‪ ،2014‬نتيجة النمو السلبي (‪-5.2‬‬ ‫فـي المئـة) للقطـاع الصناعـي وتراجـع‬ ‫نمـو قطـاع الخدمات (المسـوقة) بما فيها‬ ‫الفنـادق والمقاهـي والنقـل بنسـبة ‪0.9‬‬ ‫فـي المئة‪.‬‬ ‫كمـا أن مشـروع قانـون الماليـة لسـنة‬ ‫‪ ،2016‬يستحضر هاجس محاربة اإلرهاب‬ ‫بالتأكيـد علـى «مقاومة اإلرهاب‪ ،‬خاصة‬

‫بعـد عمليتـي بـاردو وسوسـة‪ ،‬بإعطـاء‬ ‫األولويـة المطلقـة للجانـب األمنـي وذلك‬ ‫بتدعيم قدرات وجاهزية الجيش الوطني‬ ‫وقـوات األمـن والجمـارك»(‪ ،)6‬وهـو مـا‬ ‫يعنـي‪ ،‬علـى ِغـرار مـا قامـت بـه فرنسـا‪،‬‬ ‫المخصصة‬ ‫الرفـع من االعتمـادات المالية‬ ‫ّ‬ ‫لهـذه القطاعـات علـى حسـاب القطاعـات‬ ‫االجتماعيـة واالسـتثمار التـي من شـأنها‬ ‫خلـق الثـروة والرفـع مـن نسـبة النمـو‬ ‫وتوفيـر فرص الشـغل‪.‬‬ ‫ربمـا سـيكون علـى الحكومـات عبـر‬ ‫العالم إعادة النظر في الكثير من المبادئ‬ ‫التي جاءت مع العولمة‪ ،‬خاصة ما يتعلّق‬ ‫بانتقال األشخاص والسلع باتجاه فرض‬ ‫قيود صارمة‪ .‬وستضطر‪ ،‬إذا أرادت الحّد‬ ‫من خسائر اإلرهاب‪ ،‬إلى تعزيز التعاون‬ ‫فـي مجـال تبـادل المعلومـات بعيـدًا عـن‬ ‫الحسـابات والخالفات السياسية مادامت‬ ‫جميع الدول معنية ومسـتهدفة‪.‬‬ ‫لكـن المقاربـة األمنية لـن تكون كافية‬ ‫وحدهـا لدفـع الخطـر‪ .‬لذلـك مـن المهـم‬ ‫محاصـرة منابـع اإلرهـاب بسياسـات‬ ‫اقتصاديـة تهـدف إلـى إدمـاج الفئـات‬ ‫المقصيـة اجتماعيـاً‪ ،‬بحيـث ال ينبغـي‬ ‫أن يؤثـر الرفـع مـن االعتمـادات الماليـة‬ ‫المخصصـة لإلجـراءات األمنيـة علـى‬ ‫ّ‬ ‫قـدرة هـذه السياسـات علـى تحقيـق‬ ‫النمـو‪ ،‬وخلـق فـرص الشـغل‪ ،‬ومـن َث ّـم‬ ‫توفيـر البديـل لإلغـراءات التـي تعرضهـا‬ ‫الجماعـات اإلرهابيـة علـى هـذه الفئـات‪.‬‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬باستثناء أحداث ‪ 11‬سبتمير ‪ 2001‬التي كانت‬ ‫أهدافهـا االقتصاديـة واضحـة باسـتهداف المركـز‬ ‫التجـاري العالمـي فـي نيويورك‪.‬‬ ‫‪َ - 2‬ت ّـم تحينهـا سـنة ‪ ...2014‬انظـر موقـع‬ ‫الجامعـة ‪http://watson.brown.edu/‬‬ ‫‪/costsofwar‬‬ ‫‪ - 3‬انظـر عـدد يونيـو ‪ 2015‬مـن نشـرة «التمويـل‬ ‫التنميـة» للبنـك الدولـي‪ ،‬ص ‪.26‬‬ ‫مقر صحيفة‬ ‫على‬ ‫‪ - 4‬في يناير ‪َ 2015‬تّم الهجوم‬ ‫ّ‬ ‫شارلي إيبدو‪.‬‬ ‫‪ - 5‬المعهد الوطني التونسي لإلحصاء ‪http://‬‬ ‫‪www.ins.nat.tn/communiques/‬‬ ‫‪. PIB_2015-T3.pdf‬‬ ‫‪ - 6‬انظـر مقدمـة مشـروع قانـون الماليـة للحكومة‬ ‫التونسـية برسـم سنة ‪.2016‬‬ ‫‪23‬‬


‫غياب‬

‫أسئلة‬

‫فاطمة المرنيسي‬ ‫حظي ــت كتاب ــات السوس ــيولوجية فاطم ــة المرنيس ــي بترجم ــات‬ ‫إلـــى لغـــات عديـــدة (أكثـــر مـــن ‪ 30‬لغـــة بمـــا فيهـــا الصينيـــة)‪،‬‬ ‫كمـــا نشـــرت دراســـاتها باللّغتيـــن الفرنســـية واإلنجليزيـــة‪،‬‬ ‫إضافـــة إلـــى اللّغـــة العربيـــة‪ ،‬وتناولـــت مـــن جوانـــب‬ ‫أنثروبولوجيـــة وسوســـيولوجية المـــرأة فـــي العالـــم العربـــي‬ ‫واإلســـامي‪ ،‬إلـــى جانـــب مقاربتهـــا لمواضيـــع ظلّـــت خطوطـــ ًا‬ ‫حم ــراء ف ــي التن ــاول وس ــط الحق ــل العلم ــي والثقاف ــي العرب ــي‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫كانت قاهرة اليوتوبيات‬ ‫عبدالحق ميفراين‬

‫الراحلـة فاطمـة المرنيسـي مـن مواليد‬ ‫مدينـة فـاس العلميـة (‪ ،)1940‬كانـت‬ ‫محاضـرة فـي جامعـة محمـد الخامس في‬ ‫الرباط‪ ،‬وباحثة في معهد الجامعة للبحث‬ ‫العلمـي‪ ،‬تابعـت دراسـتها فـي جامعـة‬ ‫السـربون (‪ )1957‬فـي العلوم السياسـية‬ ‫ونالـت إجـازة فـي علـم االجتمـاع مـن‬ ‫جامعـة برنديـز األميركيـة‪ ،‬حيث حصلت‬ ‫علـى الدكتـوراه‪ .‬حيـث أجـرت العديـد من‬ ‫المقابلات كناشـطة وعالمـة اجتمـاع‪،‬‬ ‫وسـاهمت مـع بعـض المنظمـات الدوليـة‬ ‫(اليونسكو ومنظمة العمل الدولية‪ )..‬في‬ ‫إعداد دراسات ميدانية تتحّدث عن النساء‬ ‫وظـروف العمـل وواقعهـن المجتمعـي‪.‬‬ ‫حظيت كتابات السوسيولوجية فاطمة‬ ‫المرنيسـي بترجمـات إلـى لغـات عديـدة‬ ‫(أكثـر مـن ‪ 30‬لغـة بمـا فيهـا الصينيـة)‪،‬‬ ‫كما نشـرت دراسـاتها باللّغتين الفرنسية‬ ‫واإلنجليزية‪ ،‬إضافة إلى اللّغة العربية‪،‬‬ ‫وتناولـت مـن جوانـب أنثروبولوجيـة‬ ‫وسوسـيولوجية المـرأة فـي العالـم‬ ‫العربي واإلسلامي‪ ،‬إلى جانب مقاربتها‬ ‫لمواضيـع ظلّـت خطوطـ ًا حمـراء فـي‬ ‫التنـاول وسـط الحقـل العلمـي والثقافـي‬ ‫العربي‪ .‬وساهمت أفكارها التثويرية في‬ ‫ربـط عالقـة المـرأة بالعديـد مـن القضايـا‬ ‫كمؤسسـة الـزواج والعمـل والمجتمـع‪...‬‬ ‫كمـا أعـادت ربـط العديـد مـن القضايـا‬ ‫بنصوصهـا ومرجعياتهـا اإلسلامية‬ ‫وتناولتهـا مـن جوانـب معاصـرة‪.‬‬ ‫انطلقـت المرنيسـي مـن فكـرة مفادهـا‬ ‫أن مقـوالت التحديـث لـم تؤثـر علـى‬ ‫التصـورات السـائدة والعتيقـة التي ظلّت‬ ‫ّ‬

‫وثيقـة االرتبـاط بالفكر المضطهد للمرأة‪.‬‬ ‫وقـد طرحت فـي كتبها الكثير من الحاالت‬ ‫والقضايا المرتبطة بوضعية المرأة ضمن‬ ‫متحكم ًا‬ ‫هذا المنظور التقليداني والذي َظّل ّ‬ ‫بمستويات الوعي ووضعية المرأة داخل‬ ‫مست‬ ‫المجتمع‪ .‬فرغم حركة التغيير التي ّ‬ ‫المجتمـع والمسـت العديـد مـن المجاالت‪،‬‬ ‫فـإن المرنيسـي ترى مأسـاة المـرأة ظلّت‬ ‫حاضـرة خصوصـ ًا عندمـا يتعلّـق األمـر‬ ‫بالمـرأة البدويـة‪ ،‬والتـي ُتعـّد نموذجـ ًا‬ ‫للكفاءة والفاعلية في مجالها االجتماعي‪.‬‬ ‫تنسـب الباحثـة األنثروبولوجيـة‬ ‫والسوسـيولوجية فاطمـة المرنيسـي‬ ‫هـذه الوضعيـة إلى تفسـيرات وتأويالت‬ ‫النصـوص‪.‬‬ ‫والالفـت فـي تجربـة الراحلـة أنهـا لـم‬ ‫خصـص كتابتهـا ونصوصها ودراسـتها‬ ‫ُت ّ‬

‫فقـط للمجـاالت البحثيـة العلميـة‪ ،‬بـل‬ ‫خصصـت لموضـوع «الحـب» كتابـ ًا‬ ‫لقـد ّ‬ ‫قّدمـت مـن خاللـه ارتبـاط قامـوس تراثنا‬ ‫الثقافـي العربـي بهـذه الكلمـة التـي أوجد‬ ‫لهـا ‪ 60‬كلمـة فـي قامـوس ال مثيـل لـه‪.‬‬ ‫خصصـت كتابها الصادر بالفرنسـية‬ ‫وقـد ّ‬ ‫«الحب في الحضارة اإلسالمية» لنصوص‬ ‫عن الحب لمجموعة من األئمة كابن حزم‬ ‫وابـن القيـم واألنطاكـي والسـراج وبـن‬ ‫حجلـة‪ ،..‬وذهبـت المرنيسـي إلـى القـول‬ ‫إن العلمـاء المسـلمين قـّدروا عاليـ ًا هـذه‬ ‫القيمـة مستشـهدة بقولهـم بإنـه ال يمكـن‬ ‫أن تغـذّي عقلـك ّإل بعاطفتـك‪ ،‬ومـن هنا‬ ‫رأت المرنيسـي قـوة اإلسلام وجماليته‪.‬‬ ‫عبـر مسـارها العلمـي الطويـل‪،‬‬ ‫ظلّـت الباحثـة السوسـيولوجية فاطمـة‬ ‫المرنيسـي تنكـب علـى تحليـل أسـباب‬ ‫هـذا الحضـور القـوي للنزعـة الذكوريـة‬ ‫فـي المجتمـع‪ ،‬فـي ِظّل وضعيـات القهر‬ ‫التـي تمـارس علـى المـرأة‪ ،‬ومـن خالل‬ ‫مرجعيـات نصـوص تقـوم علـى تأويـل‬ ‫«مجانـب» للصـواب‪ .‬وهكـذا اسـتطاعت‬ ‫أن تخـوض‪ ،‬ومـن خلال إضاءاتهـا‬ ‫المعرفيـة المتواصلـة والبحـث العلمـي‬ ‫الصـرف‪ ،‬فـي إبـراز وتجـاوز التمثلات‬ ‫الخاطئة التي حاولت أن تخضع المرأة‬ ‫لسـلطتها‪ .‬وقـد ظلّـت المرنيسـي عبـر‬ ‫الفكريـة والسوسـيولوجية‬ ‫كتاباتهـا‬ ‫ّ‬ ‫واألدبيـة‪ُ ،‬تعيـد قـراءة الفكر اإلسلامي‬ ‫بمقـوالت معاصـرة تحديثيـة‪ ،‬محاولـة‬ ‫فـي إعـادة «أنسـنة» بعضهـا وإبـراز‬ ‫انفتاحهـا علـى وعـي بوظيفـة المـرأة‬ ‫ودورهـا المجتمعـي‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫شهرزاد ترفض المقاس «‪»38‬‬ ‫د‪.‬عبد الرحيم العطري‬ ‫اإلثنيـن ‪ 30‬نوفمبـر ‪ ..2015‬السـاعة‬ ‫نشـغل بإدخـال‬ ‫العاشـرة صباحـاً‪ُ ...‬م‬ ‫ٌ‬ ‫آخـر اللّمسـات علـى كتـاب حـول «قرابـة‬ ‫الملح»‪ ،‬أحاول ممارسـة طقس اإلهداء‪..‬‬ ‫النصيـة‬ ‫يـرن الهاتـف وتتقاطـر الرسـائل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األحبـة‪ :‬إدريـس‬ ‫مـن‬ ‫قادمـة‬ ‫القصيـرة‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫بنسـعيد‪ ،‬المختـار الهـراس‪ ،‬مصطفـى‬ ‫محسـن‪ ،‬عمـر بنعيـاش‪ ،‬أحمـد شـراك‪،‬‬ ‫محمـد مصبـاح‪ ،‬إدريـس القـري‪ ...‬الخبـر‬ ‫فجائعـي ومؤلـم‪ ...‬الرائعـة للا فاطمـة‬ ‫المرنيسـي فـي ذمـة اهلل‪ِ« ..‬إنَّـا ِل َوِإنَّـا‬ ‫ـون»‪.‬‬ ‫ِإَلْي ِـه َر ِ‬ ‫اج ُع َ‬ ‫تحضرنـي اللقـاءات التأطيريـة ببيتها‬ ‫الكائـن بأكـدال بالربـاط‪ ..‬اتصاالتهـا‬ ‫الهاتفيـة‪ ..‬تشـجيعاتها المتواصلـة‪..‬‬ ‫حضورها الوازن لحفل مناقشة أطروحتي‬ ‫لنيـل الدكتوراه‪ ..‬انتصارها الدائم لثقافة‬ ‫العبـارة وتتسـع‬ ‫االعتـراف‪ ..‬تضيـق‬ ‫ُ‬ ‫أصيـل لعالمـةِ‬ ‫ٍ‬ ‫نجـز‬ ‫الرؤيـة‪..‬‬ ‫رؤيـة ُم ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪26‬‬

‫اجتمـاع فـوق العـادة‪ ...‬فإليك أسـتاذتي‬ ‫ٍ‬ ‫الجليلة الدكتورة فاطمة المرنيسـي‪ ،‬إلى‬ ‫روح طيبـة واسـتثنائية‪ ،‬تدمـن الحـب‬ ‫وصناعة الخير والجمال‪ ..‬شكرًا لدروسك‬

‫خالف ًا لما ير ّوجه عنها‬ ‫تسرعة‪،‬‬ ‫الم ّ‬ ‫أصحاب القراءات ُ‬ ‫تكن يوم ًا ضد اإلسالم‪،‬‬ ‫لم ْ‬ ‫ّ‬ ‫وتفكر معرفي ًا‬ ‫إنها تناضل‬ ‫من داخل النسق الثقافي‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬الذي تعتبر أنه‬ ‫أعطى المرأة مكانة مائزة‬

‫العميقة‪ ..‬شكرًا من شغاف القلب‪ ..‬إليك‬ ‫عملا عن «قرابة الملح» وأنت التي‬ ‫ُأهـدي ً‬ ‫علّمتنـي «قرابـة المعنـى»‪.‬‬ ‫تحضرنـي حكايتهـا مـع المقـاس ‪،38‬‬ ‫يتسـرب مـن اللبـاس إلى‬ ‫والـذي يبـدو أنـه‬ ‫ّ‬ ‫المـأكل وإلـى باقي الفعاليات االجتماعية‪،‬‬ ‫على درب التنميط وتعزيز ثقافة الحريم‪،‬‬ ‫تقـول بـكل امتلاء‪« :‬فجـأة أضـاء لـي لغـز‬ ‫الحريـم األوروبـي‪ ،‬فـي ذلـك الهيـكل‬ ‫االسـتهالكي المتمثل في متجر نيويوركي‬ ‫كبير‪ ،‬عندما أعلنت البائعة أنها ال تملك لي‬ ‫تنـورة مناسـبة ألن كتفي عريضتـان جّداً‪.‬‬ ‫فـي كل هـذا المتجـر‪ ،‬الـذي يفوق بمئة‬ ‫مـرة بـازار إسـطنبول‪ ،‬ال توجـد تنـورة‬ ‫ّ‬ ‫تناسـبني؟ ال شـك أنك تمزحين! شـككت‬ ‫فـي أن تكـون هـذه الشـخصية المتأنقـة‬ ‫كسـولة‪ .‬هـذا أمـر يمكننـي فهمـه‪ .‬ولكنهـا‬ ‫تابعـت فـي إلحـاح‪ :‬أنـت ضخمـة جـّداً‪..‬‬ ‫أجبتهـا وقـد صوبـت إليهـا نظراتـي‪:‬‬


‫أنـا ضخمـة جـّدًا قياسـ ًا إلـى مـاذا؟ لقـد‬ ‫شـعرت أن بينـي وبينهـا خندقـ ًا ثقافيـ ًا‬ ‫حقيقيـاً‪ .‬وتابعـت‪ ،‬متشـجعة بنظراتـي‬ ‫المتسـائلة‪ ،‬وكأن صوتهـا يحمـل فتـوى‪:‬‬ ‫قياسـ ًا إلـى المقـاس ‪ .38‬إن مقـاس ‪36‬‬ ‫و‪ 38‬هـو المقـاس األكثـر تـداوالً‪ ،‬أو لنقل‬ ‫إنه المقاس المثالي‪ .‬المقاسـات الخارجة‬ ‫والسـيما مثل مقاسـك‪ ،‬ال‬ ‫عـن النمـوذج‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫متخصصـة‪.‬‬ ‫متاجـر‬ ‫توجـد ّإل فـي‬ ‫ّ‬ ‫المـرة األولـى التـي أسـمع فيهـا‬ ‫إنهـا ّ‬ ‫هـراء كهـذا‪ .‬مـن قـال إن الجميـع يجـب أن‬ ‫يكـون مقاسـه ‪38‬؟‪ ،‬قلـت ذلـك بشـيء‬ ‫مـن السـخرية‪ ،‬متعمـدة تجاهـل الرقـم‬ ‫إلـي البائعـة فـي شـيء مـن‬ ‫‪ .36‬نظـرت ّ‬ ‫االسـتغراب وتابعـت قائلـة‪ :‬إن المقـاس‬ ‫المثالـي هـو مـا نجـد فـي كل مـكان‪ ،‬فـي‬ ‫المتاجـر الكبـرى‪ ،‬وفـي التليفزيـون‪،‬‬ ‫وفـي اإلشـهارات‪ ...‬كل المتاجـر تلتـزم‬ ‫بالنمـوذج‪ ،‬ولـو أنهم يبيعون المقاسـات‬ ‫التي بين ‪ ،46-48‬إذن ألصابهم اإلفالس‪.‬‬ ‫سـألتني‪ :‬مـن أي بلـد أنـت؟‪ .‬فـي تلـك‬ ‫اللحظـة انتبهـت إلـى أنهـا في مثـل عمري‬ ‫تقريبـاً‪ ،‬هـي أقـرب إلى السـتين منها إلى‬ ‫صبية‬ ‫الخمسـين‪ .‬غير أن لجسـمها نحافة ّ‬ ‫فـي السادسـة عشـرة مـن عمرهـا‪ ..‬كأنها‬ ‫تلميـذة‪ ..‬أجبتهـا‪ :‬أنا من بلد ليس للثياب‬ ‫فيهـا مقـاس ُمحـّدد‪ .‬أشـتري القمـاش‪ ،‬ثم‬ ‫إن الخياطـة أو العاملـة المجـاورة تخيط‬ ‫لـي التنـورة أو الجالبـة التـي أريـد‪.‬‬ ‫ال نعـرف مقاسـي‪ ،‬ال هـي وال أنـا‪ .‬فـي‬ ‫المغرب‪ ،‬ال أحد يهتم بذلك‪ ،‬ما دمت أدفع‬ ‫الضرائـب‪ .‬بالفعـل‪ ،‬ال أسـتطيع أن أدلّـك‬ ‫علـى مقاسـي‪ .‬إننـي أجهـل ذلـك تماماً‪.‬‬ ‫سألتني‪ :‬أتريدين القول ببساطة إنك‬ ‫ال تـ ِـزنين نفسك؟ هنا‪ ،‬فقد عدد من النساء‬ ‫َ‬ ‫عملهن بسبب ذلك‪ .‬لقد كانت تمزح‪ ،‬ولكن‬ ‫مالحظتها كانت تخفي حقيقة مرعبة‪ .‬لقد‬ ‫كان سـوط الحقيقة يجلدني‪ :‬إن المقاس‬ ‫‪ 38‬يمثـل قيدًا أشـرس مـن أثخن نقاب‪...‬‬ ‫إن األسـلحة التـي يسـتعملها الرجـال ضد‬ ‫النسـاء فـي الغـرب غيـر مرئيـة‪ ..‬إنهـم ال‬ ‫التشـكل بالصورة‬ ‫يلزمون أي امرأة على‬ ‫ُّ‬ ‫المثالية‪ ،‬وال أن تلبس المقاس ‪.»38‬‬ ‫شـهرزاد ترحـل إلـى الغـرب‪ ،‬هـذا مـا‬ ‫تشـّدد عليـه المرنيسـي‪ ،‬فليـس هنـاك من‬ ‫محصـن ضد ثقافـة الحريم‪،‬‬ ‫سـجل ثقافـي ّ‬ ‫لهذا آثرت أن تنافح عن كرامة تاء التأنيث‬ ‫مـن مدخـل العلـم بـدل السياسـة‪ ،‬وإن كان‬

‫االنتمـاء إلـى هكذا صف‪ ،‬في مجتمع فائق‬ ‫الذكوريـة‪ ،‬البـد وأن يكون له ثمن‪ ،‬يؤديه‬ ‫المرء‪ ،‬تهميش ًا وتبخيس ًا ومنع ًا وهدرًا للدم‪،‬‬ ‫أو فـي أبسـط الحـاالت «حقـداً» أعمـى مـن‬ ‫طـرف زملاء الحرفـة‪ ،‬لكن ما يجعل المرء‬ ‫ويتحـرر من آالم «ضريبة‬ ‫ينتشـي أخيراً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫النجاح» هو االعتراف بصيغة «العالمية»‪،‬‬ ‫ولـو جـاء متأخـراً‪ ،‬ومـن توقيـع «اآلخـر»‪.‬‬ ‫ففـي سـنة ‪ 2003‬سـيأتي هـذا االعتـراف‬ ‫مـن الضفـة األخـرى‪ ،‬فـي صيغـة جائـزة‬ ‫أسـتورياس للآداب فـي إسـبانيا‪ ،‬والتـي‬ ‫أحرزتهـا المرنيسـي مناصفـة مـع الكاتبـة‬ ‫األميركية سـوزان سـونتاغ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ـل‪،‬‬ ‫لقـد منحـت الكلمـة لنسـاء فـي الظ ّ‬ ‫ألصـوات مـن الهامـش‪ ،‬لمـن ال صوت له‬ ‫أصلا‪ ،‬مـن القريـة و«الموقـف» والمعمـل‬ ‫ً‬ ‫والرصيف والبيت‪ ،‬لمواطنات من الدرجة‬ ‫الثانيـة لـم يسـألن مـن قبـل‪ ،‬عمـا يعتمـل‬ ‫فـي أعماقهـن‪ ،‬ومـا يرغبـن أو ال يرغبـن‬ ‫فيه‪ ،‬حينها ستكتشـف فاطمة المرنيسـي‬ ‫حيـوات أخـرى جديرة بالتأمـل والتحليل‬ ‫السوسيولوجي‪.‬‬ ‫لنقرأ حاصل هذه المقابالت في «نساء‬ ‫الغـرب» و«المغـرب عبـر نسـائه»‪ ،‬فيمـا‬ ‫ستتعرض أعمال أخرى للمنع‪ ،‬بالمباشر‬ ‫ّ‬ ‫وغيـر المباشـر‪ ،‬تمامـ ًا كمـا هـو األمـر مع‬ ‫«الحريـم السياسـي‪ :‬النبـي والنسـاء»‬ ‫ال عن‬ ‫و«الحجاب والنخبة الذكورية»‪ ،‬فض ً‬ ‫أطروحتها «الجنس كهندسـة اجتماعية»‪.‬‬ ‫يروجه‬ ‫فاطمة المرنيسـي‪ ،‬وخالف ًا لما ّ‬ ‫تسـرعة‪ ،‬لـم‬ ‫الم ّ‬ ‫عنهـا أصحـاب القـراءات ُ‬ ‫تكـن يومـ ًا ضـد اإلسلام‪ ،‬إنهـا تناضـل‬ ‫ْ‬ ‫وتفكـر معرفيـ ًا مـن داخـل النسـق الثقافي‬ ‫ّ‬ ‫اإلسلامي‪ ،‬الـذي تعتبر أنـه أعطى المرأة‬

‫يتوجـب العمـل باسـتمرار‬ ‫مكانـة مائـزة‪ّ ،‬‬ ‫تظـل ثقافـة‬ ‫علـى اسـتعادتها‪ ،‬حتـى ال‬ ‫ّ‬ ‫الحريم واالستعباد هي المسيطرة مغربي ًا‬ ‫وعربياً‪ .‬ذلك أن تفكيرها في قضايا المرأة‬ ‫هـو احتجـاج علمـي علـى ذات القـراءات‬ ‫والكتابـات التـي ال تتمثـل المـرأة مـا بيـن‬ ‫المحيـط والخليـج‪ّ ،‬إل كحجـاب وحريـم‬ ‫وتحريـم‪ ،‬فيمـا هي تاريخي ًا وواقعي ًا أكبر‬ ‫بكثير من هذه النظرة االختزالية‪ .‬فالنساء‬ ‫في العالم العربي برأيها هن «وقود لكثير‬ ‫مـن التداعيات السـلبية فـي غالب القضايا‬ ‫المعاصرة‪ ،‬وهن طرف المعادلة الخاسـر‬ ‫دائماً‪ ،‬بالرغم من التركة األخالقية الغابرة‬ ‫للمجتمعات العربية المسـلمة»‪.‬‬ ‫لهـذا مـا تنفـك تؤكـد أنه«لـن يولـد‬ ‫المجتمـع العربـي‪ ،‬كمجتمـع معرفـة‪،‬‬ ‫يتكيـف مـع المجـرات ودقائـق التقنيـة‬ ‫ّ‬ ‫الحديثـة‪ ،‬مـا لـم يتـح للمـرأة أن تتعلّـم‪،‬‬ ‫وتشـارك فـي صنـع القـرار‪ ،‬وتنسـج‬ ‫أفكارهـا حول شـبكات البث اإللكتروني‪،‬‬ ‫مثلمـا كانـت الجدات تحيك بتلقائية آالف‬ ‫األزهـار الهندسـية فـوق السـجاجيد»‪.‬‬ ‫أي نعـم‪ ..‬رحلـت فاطمـة المرنيسـي‪،‬‬ ‫لكـن األثـر والرمـز باق ال يمـوت‪ ،‬فالبقاء‬ ‫لألثـر‪ ،‬ومـن يتـرك أعما ًال دالـة ال يرحل‪،‬‬ ‫إنه مسـتمر في الحضور‪ ،‬يخلخل الجاهز‬ ‫من أفكار‪ ،‬ويدعو باستمرار إلى الخروج‬ ‫مـن المقاسـات المنطمـة‪ .‬إنهـا مـن خلال‬ ‫حكايتها مع المقاس ‪ ،38‬تدعونا إضمارًا‬ ‫وإعالنـا إلـى وجوب تثويـر الفكر وإنتاج‬ ‫ً‬ ‫اليقـظ مـن أسـئلة بصـدد الحـال والمـآل‪.‬‬ ‫فلا بـد مـن الخـروج مـن العلبة الكتشـاف‬ ‫وتلمس طريـق المعرفة‪.‬‬ ‫ضـوء العالـم‪ُّ ،‬‬ ‫ال يهـم أن نجنـي اعترافـات وأرباحـ ًا‬ ‫رمزيـة وماديـة فـي الحيـاة قبـل الممات‪،‬‬ ‫مـا يهـم هو مـا نتركه وراءنا عندما نغادر‬ ‫فعلا هـو مـا نكتبـه‬ ‫هـذا العالـم‪ ،‬مـا يهـم ً‬ ‫مـن معنـى فـي سـياقات ُمتعـّددة‪ ،‬إنـه‬ ‫الشـاهد علـى مرورنـا مـن هـذي الدروب‪،‬‬ ‫ويحيـل‬ ‫إنـه الدليـل الـذي ُيخلّـد الـذوات ُ‬ ‫الغيـاب حضـورًا ضدًا علـى الموت‪ ،‬هكذا‬ ‫تؤسـس نظرتها إلى الكون وتقول‬ ‫كانت ّ‬ ‫كلمتهـا وتمضـي‪ ،‬دون أن تكـون عابرة‪،‬‬ ‫إنها فاطمة المرنيسـي المغربية البسيطة‬ ‫والمعتقـة‪ ،‬الرافضـة لمقـاس ‪.38‬‬ ‫‪27‬‬


‫رحيل مزعج!‬ ‫الحسن بنمونة‬

‫فـي اآلونـة األخيـرة رحـل كثيـر مـن‬ ‫المفكريـن واألدبـاء المغاربـة‪ ،‬ووروا‬ ‫التـراب ولكنهـم باقـون أحيـاء بفكرهـم‬ ‫والسياسية‬ ‫ّقافية‬ ‫ّ‬ ‫وتأثيرهم في الحياة الث ّ‬ ‫واالجتماعية‪ .‬هذا التأثير قد يكون رمزياً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ولكنـه ال محالـة قـّدم َلِبَن ٍ‬ ‫ـات ال تقـّدر بثمن‬ ‫فـي إرسـاء ثقافـة التغييـر والنقـد الذاتـي‬ ‫وإعـادة االعتبـار للـروح المغربيـة التـي‬ ‫يمكـن لهـا أن تبنـي مجتمعـ ًا متقّدمـ ًا‬ ‫وأصيلا فـي الوقـت عينـه‪.‬‬ ‫ومنفتحـ ًا‬ ‫ً‬ ‫واليـوم ترحـل فاطمـة المرنيسـي عالمـة‬ ‫كرسـت حياتها للبحث في‬ ‫االجتمـاع التـي ّ‬ ‫مفهوم المرأة عبر التاريخ أو في اللحظة‬ ‫يقـض‬ ‫الراهنـة‪ ،‬علمـ ًا بـأن الكاتبـة كان‬ ‫ّ‬ ‫مضجعها دور المعرفة في بناء شخصية‬ ‫المرأة وتكوينها على المستويين النفسي‬ ‫واالجتماعـي لمجابهـة التحّدّيات الكبرى‪.‬‬ ‫وعندمـا نذكـر المـرأة ال شـك أننـا نكـون‬ ‫وثقافية عويصة‬ ‫أمام إشكالية اجتماعية‬ ‫ّ‬ ‫لـم نسـتطع التخلُّـص منهـا بعـد‪ .‬الراحلة‬ ‫اشـتغلت بحقـل المـرأة ومـا يرتبـط بهـا‬ ‫مـن اسـتقاللية توفـر لهـا مرجعـ ًا لتغييـر‬ ‫وضعها ونيل حقوقها‪ ،‬فهي ليست مصدرًا‬ ‫للذة واإلنجاب بحسب نظرة العامة‪ ،‬هي‬ ‫مصدر للحضارة والعمران‪ ،‬وكأن الراحلة‬ ‫كانـت تسـعى إلـى تأسـيس راهـن جديـد‬ ‫للمـرأة بعيـدًا عـن راهـن ثقافـة الحريـم‪.‬‬ ‫كانـت فـي أطاريحهـا مغرضة بطريقة‬ ‫محببـة للنفـس؛ ال تلـوم ّإل السـلطة‬ ‫بالمفهـوم الواسـع الـذي أراد لإلشـكالية‬ ‫‪28‬‬

‫(الرجـل والمـرأة) أن يشـتد الصـراع‬ ‫حولها ألغراض سياسـية‪ .‬ولهذا كان من‬ ‫الضـروري انتقـاد وضـع الجنسـين معاً‪،‬‬ ‫علـى أسـاس أن تكـون المسـاواة مرادفـة‬ ‫لمفهـوم التسـاوي فـي التعلُّـم والمعرفـة‬ ‫وبناء المجتمع‪ .‬كانت الموضوعات التي‬ ‫تدرسـها تبـدو غريبـة فـي مجتمع يسـتمد‬ ‫مرجعياتـه المعرفيـة إمـا مـن التقاليـد أو‬ ‫مـن الفقهـاء‪ .‬لـم تكـن تخشـى مـا يمكـن‬ ‫ألفكارهـا أن تثيـره من عـداء وخصومات‬ ‫ونقاشـات بخاصـة عندمـا يقرؤهـا رجال‬ ‫الديـن أو رجـال السياسـة اليمينيـون‪.‬‬ ‫تتحّدث عن شهرزاد المرأة النموذج التي‬ ‫حريتها (وهو‬ ‫استطاعت بخيالها أن تنال ّ‬ ‫مـا ينعكـس في ثقافتنـا المعاصرة بتوفر‬ ‫الفكـر والقـراءة والتعلُّـم)‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ـب عـن‬ ‫ت‬ ‫ك‬ ‫ممـا‬ ‫مـا شـدني إلـى كثيـر‬ ‫ُ َ‬ ‫رحيـل فاطمة المرنيسـي عالمـة االجتماع‬

‫التـي درسـت حالـة المـرأة عبـر التاريخ‪،‬‬ ‫أو فـي وضـع قـار ببلدهـا المغـرب‪ ،‬دون‬ ‫دونتـه عـن البيئـة الغربيـة‬ ‫أن ننسـى مـا ّ‬ ‫التـي عاشـت فيهـا ردحـ ًا مـن الزمـن‪ ،‬هـو‬ ‫أن بعـض المثقفيـن انشـغلوا بتأبيـن‬ ‫الراحلـة بمـا يليق بها مـن تعظيم وتقدير‬ ‫يليـق بمثقفـة أثّـرت فـي الفكـر المغربـي‬ ‫وتوجهـات الـرأي العـام‪ ،‬فهـي فـي َحـّد‬ ‫ذاتهـا تمثـل معادلـة صعبـة فـي الثّقافـة‬ ‫المغربيـة المعاصـرة‪ ،‬بحكـم تعاملها مع‬ ‫موضوع المرأة الذي ُيثير دوم ًا إشكاليات‬ ‫مرفقـة بموضوعـات اللبـاس والمعرفـة‬ ‫والمتعـة‪ ،‬أمـا الصنـف الثانـي فقـد شـحذ‬ ‫ليوجـه الطعنـات‪ ،‬فيمـا انبـرى‬ ‫السـكين ّ‬ ‫ليوجـه اللـوم والعتـاب‬ ‫الثالـث‬ ‫الصنـف‬ ‫ّ‬ ‫إلـى مـن كتـب عنهـا‪ ،‬وكأنـه كان متابعـ ًا‬ ‫نهمـ ًا لدراسـاتها‪.‬‬ ‫رحبـ ًا بها‬ ‫لـم تكـن فاطمـة المرنيسـي ُم ّ‬


‫فـي المحافـل السياسـية بالـذات؛ سـواء‬ ‫أكان هذا مرتبط ًا باألحزاب أم بالسـلطة‪.‬‬ ‫همـا معـ ًا كانـا يجاملان الباحثـة التـي‬ ‫دأبـت علـى النبـش فـي المسـكوت عنـه‪.‬‬ ‫كانـت منشـغلة بدراسـة نظـرة المجتمـع‬ ‫التقليـدي والمجتمـع الحداثـي للمـرأة‪،‬‬ ‫وكيـف أنهمـا معـ ًا ال يريـدان لهـا أن تتبـوأ‬ ‫هرميـة المجتمـع كـي تحقّـق‬ ‫مكانـة فـي‬ ‫ّ‬ ‫تفردًا أو زعامة‪ .‬ينطبق هذا على المجال‬ ‫ّ‬ ‫السياسـي ومجال األسـرة‪ .‬وهي لم تكن‬ ‫تهـدف ّإل لرؤيـة المـرأة المغربية متعلّمة‬ ‫وحاصلـة علـى قـدر مـن المعرفـة يحقـق‬ ‫لها ذاتها ومقدرتها على مواجهة مصاعب‬ ‫الحيـاة‪ .‬كانت تخاطب نخبة في المجتمع‬ ‫ألن كتاباتها كانت تنجز إما بالفرنسية أو‬ ‫باإلنجليزيـة‪ ،‬وهـو مـا أفرز بعد سـنوات‬ ‫من الكدح والنضال مجتمع ًا مدنياً‪ ،‬فقامت‬ ‫نسـاء كثيـرات بتشـكيل جمعيـات للدفـاع‬ ‫عـن حقوقهـن‪ ،‬ولكـن مـع ترجمتهـا إلـى‬ ‫اللغة العربية أصبحت لفاطمة المرنيسي‬ ‫ّقافيـة‬ ‫مكانـة خاصـة فـي المنظومـة الث ّ‬ ‫المغربيـة‪ ،‬يقرؤهـا السياسـي والسـلفي‬ ‫والحداثي والتقليدي ورجل السـلطة حب ًا‬ ‫لدْر َجِة‬ ‫أو فضو ًال أو استطالع ًا أو مجاراة ُ‬ ‫العصر‪ ،‬ولهذا يمكن لنا تفسـير غياب أي‬ ‫عضـو مـن الحكومـة الحاليـة فـي جنـازة‬ ‫دليلا علـى موقـف معـارض أو‬ ‫الراحلـة‬ ‫ً‬ ‫ال على حياد تام بالنظر لما يجري في‬ ‫دلي ً‬ ‫الساحة العالمية‪ .‬يمكن القول إن الصراع‬ ‫الدائـر فـي اآلونـة األخيـرة حـول المـرأة‬ ‫وتقاسـم اإلرث والتعديلات المحدثـة في‬ ‫المدونـة (‪ )2004‬دليـل علـى نضـج فـي‬

‫مع ترجمتها إلى اللغة العربية أصبحت لفاطمة‬ ‫المرنيسي مكانة خاصة في المنظومة ّ‬ ‫الثقاف ّية‬ ‫المغربية‪ ،‬يقرؤها السياسي والسلفي والحداثي‬ ‫والتقليدي ورجل السلطة حب ًا أو فضو ًال أو استطالع ًا أو‬ ‫لدر ْ َج ِة العصر‬ ‫مجاراة ُ‬ ‫للتحـوالت‪ ،‬وتكسـير‬ ‫الوعـي المواكـب‬ ‫ّ‬ ‫للصمـت الـذي فرضتـه السـلطة علـى‬ ‫حـركات وسـكنات النخـب النسـائية زمن ًا‬ ‫طويلا‪ ،‬ومـا الرضـوخ لكوتا االسـتوزار‬ ‫ً‬ ‫تنـام لهذا‬ ‫فـي الحكومـة وفـي البرلمان إال ٍ‬ ‫الوعـي واشـتداده بالنظـر إلى مرجعياته‬ ‫الثورية‪ ،‬وال أحد طبع ًا يستطيع أن ينكر‬ ‫الـدور الـذي قامـت به كتابـات الراحلة في‬ ‫الدفـع بمجـال المـرأة إلـى أن يتبـوأ هـذه‬ ‫المكانـة الحالية‪.‬‬ ‫األمـر الثانـي الـذي بـدا غريبـ ًا هـو مـا‬ ‫تنبهـت إليـه وأنـا أقـرأ مقـا ًال صـدر فـي‬ ‫ُ‬ ‫جريـدة يوميـة مغربيـة‪ ،‬هـو فـي الواقـع‬ ‫تعبيـر عـن عصـاب ثقافـي ُيصيـب عـادة‬ ‫بعض المثقفين عندما يعتقدون أن اآلخر‬ ‫الفكريـة‪،‬‬ ‫ال يقـرأ مـا يجـد فـي السـاحة‬ ‫ّ‬ ‫ولهـذا ال يحـق لـه أن يدلي بدلوه في إرث‬ ‫تركتـه الراحلـة‪ .‬يمجـد هـذا الكاتب نفسـه‬ ‫ويسـخر مـن اآلخـر الـذي صـار متحّدثـ ًا‬ ‫لـم بـكل مرجعياتها‬ ‫عـن الراحلـة وكأنـه ُم ّ‬

‫ـام‬ ‫صّ‬ ‫وأبحاثهـا‪ ،‬ذلـك أنـه بعـد أن َ‬ ‫ـب َج َ‬ ‫غضبـه علـى هـذا اآلخـر طفـق يحدثنا عن‬ ‫فاطمـة المرنيسـي والـدور الـذي مثلتـه‬ ‫فـي تحديـث المجتمـع المغربـي مـن جهـة‬ ‫قيـض‬ ‫الدفـاع عـن حقـوق المـرأة‪ .‬ولـو ّ‬ ‫يتعـرف بدقـة إلى جمهور‬ ‫لهـذا الكاتـب أن‬ ‫ّ‬ ‫الراحلـة ألصيب بالدهشـة؛ في جامعاتنا‬ ‫وفي األوساط المهتمة‪ .‬ونحن هنا ال ننكر‬ ‫أن هنـاك إجحافـ ًا فـي حقهـا سـاهمت فـي‬ ‫ثقافيـة مختلفـة اجتمعت‬ ‫إذكائـه أوسـاط ّ‬ ‫كلها على تجاوز الراحلة الخطوط الحمر‬ ‫في البحث وكشف زيف كثير مما كان ُيراد‬ ‫له أن يكون حقيقة مشاعة‪ ،‬مع العلم أن‬ ‫لهـا مكانـة خاصـة فـي الثّقافـة الغربيـة‪.‬‬ ‫واألمر األخير هو ما صدر عن الشـيخ‬ ‫محمـد الفيـزازي المثيـر للجـدل عندمـا‬ ‫ُسـئل عـن الراحلـة (وإن كان السـؤال فـي‬ ‫َحـّد ذاتـه مغرضـ ًا بامتيـاز) إن كان دعـا‬ ‫فـرد علـى ذلـك‬ ‫لهـا بالرحمـة والمغفـرة ّ‬ ‫بالقـول إنـه ال يدعـو لهـا ال بالجنـة وال‬ ‫بجهنـم‪ِ ،‬‬ ‫وعلّـة هـذا العـداء مـا تضمنتـه‬ ‫عـل لهذا العداء‬ ‫آراؤهـا مـن جرأة فكرية‪َ .‬ل ّ‬ ‫أسـباب ًا مختلفـة يعـود الرئيـس منهـا إلى‬ ‫كونهما يشـكالن منظومتين متناقضتين؛‬ ‫ففاطمـة المرنيسـي باحثة فـي مجال علم‬ ‫االجتمـاع‪ ،‬وهـي مهتمـة أكثـر بدراسـة‬ ‫المـرأة فـي مجتمـع ال يـزال ينظـر إليهـا‬ ‫باعتبارهـا مصـدر لـذة ال معرفـة‪ ،‬فكانـت‬ ‫تسـعى إلـى فضـح أالعيـب السـلطة علـى‬ ‫اختلاف أشـكالها‪ ،‬فهـي كلهـا تـرى فـي‬ ‫المرأة مؤسسة تحتاج إلى ترويض‪ ،‬وما‬ ‫اختيـار الراحلـة الكتابـة بلغـات أجنبيـة‬ ‫ّإل إشـارة إلى اسـتحالة تقويض رؤيتها‬ ‫فـي الصـراع الطبقي والفكري الذي وسـم‬ ‫تحـوالت المجتمـع المغربـي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪29‬‬


‫حوار‬

‫ينتمي الشاعر والباحث باللغة الفرنسية‪ ،‬اللبناني صالح ستيتية‪ ،‬المقيم‬ ‫منذ عقود في فرنسا‪ ،‬والذي عمل في السلك الدبلوماسي لسنوات طويلة‪،‬‬ ‫إلــى تلــك الفئة من المثقَّفيــن والكّتاب الذين يمثِّلون‪ ،‬فــي الخارج‪ ،‬الوجه‬ ‫المشــرق لبلدانهم األصلية‪ ،‬وجســر تواصل وحوار بين الشــرق والغرب‪،‬‬ ‫في ما وراء الثقافات والجنسيات واألديان المختلفة‪.‬‬ ‫ســتيتية غزير اإلنتاج‪ ،‬له كتب كثيرة في الشــعر والبحث‪ ،‬آخر إصداراته‬ ‫«رابعــة النار والدموع»‪ ،‬وهو ترجمة لنصــوص رابعة العدوية مع مقدمة‬ ‫مذكراته تحــت عنوان «حفلة جنون»‪،‬‬ ‫طويلــة لها‪ .‬قبل هذا اإلصدار‪ ،‬نشــر ِّ‬ ‫وتحتوي على سيرته الذاتية بين لبنان وفرنسا‪ ،‬وهي سيرة تالمس الذات‬ ‫مهمة من الحياة السياســية والحيــاة الثقافية‬ ‫والعــام‪ ،‬وتختصــر جوانب ّ‬ ‫ّ‬

‫للبلدين‪ ،‬بين منتصف القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين‪.‬‬ ‫في باريس‪ ،‬التقته «الدوحة» ‪ ،‬فكان هذا الحوار الشامل والراهني‪:‬‬

‫حوار ‪ -‬أوراس زيباوي‬

‫صالح ستيتية‪:‬‬ ‫«يقلقني مستقبل العالم العربي ويخيفني»‬

‫تحــت عنوان «حفلــة جنون»‪ ،‬صدرت‬ ‫مذكراتــك عــن دار «روبيــر الفــون»‪ ،‬في‬ ‫ِّ‬ ‫المحطات‬ ‫باريس‪ ،‬وقد اســتعرضت فيها‬ ‫ّ‬ ‫األساســية فــي حياتــك‪ ،‬منــذ والدتــك‬ ‫فــي بيــروت عــام ‪ ،1929‬حتــى اليوم‪.‬‬ ‫نت في الكتاب عالقتك بالثقافة‬ ‫كذلك‪ّ ،‬‬ ‫بي َ‬ ‫الفرنسية‪ ،‬وهي عالقة بدأت منذ دراستك‬ ‫في بيــروت‪ .‬كيف نشــأت هــذه العالقة؟‬ ‫ولماذا اخترت الكتابة بالفرنسية؟‬ ‫مذكراتــي التي حازت على نجاح كبير‬ ‫ ِّ‬‫في فرنســا‪ ،‬وحصلت على جائزة «سان‬ ‫‪30‬‬

‫ســيمون» العريقــة‪ ،‬تصــدر ترجمتهــا‬ ‫العربيــة قريبــاً‪ ،‬فــي بيروت‪ .‬أمــا لماذا‬ ‫كتبــت نتاجــي كلّــه باللغــة الفرنســية‪،‬‬ ‫أتحــدث عن العالم العربي‪،‬‬ ‫حتى عندما‬ ‫َّ‬ ‫وأنــا من ُوِلد في كنف عائلة مســلمة في‬ ‫بيــروت‪ ،‬أقول ِل َم ال؟ ما يجمع بين رجل‬ ‫ولغــة كالذي يجمــع بين رجــل وامرأة‪:‬‬ ‫أتفحص أبــدًا بطاقة‬ ‫عالقــة ّ‬ ‫حب‪ .‬أنــا ال ّ‬ ‫حب ًا بها‪ .‬هكذا‬ ‫هويــة امرأة قبل أن أهيــم ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحب اللغة الفرنسية‬ ‫‪.‬‬ ‫إلي‬ ‫بالنسبة‬ ‫األمر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تحبني‪ ،‬وهناك قرابة‬ ‫الفرنســية‬ ‫واللغة‬ ‫ّ‬ ‫ال لإلبداع‬ ‫خمســين كاتباً‪ ،‬من األكثر تمثي ً‬

‫العربيْيــن‪ ،‬يكتبــون باللغــة‬ ‫والثقافــة‬ ‫َّ‬ ‫الفرنسية‪.‬‬ ‫فرنسيين كباراً‪ ،‬وعايشت‬ ‫عرفت ُكّتاب ًا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫تحوالت مدينة باريس منذ النصف الثاني‬ ‫ُّ‬ ‫تتذكر‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫من القرن العشرين‪ ،‬كيف ّ‬ ‫هــذه المرحلــة؟ وبمــاذا تختلــف باريس‬ ‫القرن الماضي عن باريس اليوم؟‬ ‫نموهــا‬ ‫تغيــرت باريــس بحســب ّ‬ ‫ ّ‬‫الحية التي‬ ‫الطبيعــي‪ .‬المدن كاألجســام ّ‬ ‫تتغير‪ ،‬وأحيان ًا تموت‪« .‬شــكل‬ ‫تتطور‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬


‫صالح ستيتية‬

‫يتغير‪ ،‬لألسف‪ ،‬بسرعة أكبر من‬ ‫المدينة ّ‬ ‫قلب اإلنســان الفاني»‪ ،‬هــذا ما ورد على‬ ‫لسان الشاعر شــارل بودلير في ديوانه‬ ‫تعرفــت إلى باريس عام‬ ‫«أزهار الشــر»‪َّ .‬‬ ‫‪ ،1950‬وكانــت يومهــا تــكاد تخرج من‬ ‫القرن التاسع عشر‪ ،‬بينما أراها‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫المحــددة‪ ،‬وهي تجتاز‬ ‫فــي هذه اللحظة‬ ‫َّ‬ ‫األول مــن األلفيــة الثالثة‪ .‬عرفت‬ ‫القــرن َّ‬ ‫باريس ســوداء (بعــد الحرب)‪ ،‬وها هي‬ ‫تصبح بيضاء نظيفة‪ ،‬بأكملها‪ ،‬تلتمع‪،‬‬ ‫أحيانــاً‪ ،‬بواجهاتها المتجــّددة اآلتية من‬ ‫المســتقبل‪ .‬عرفــت‪ -‬أيضــاً‪ -‬فــي أنحــاء‬

‫كثيرة من العالــم‪ ،‬مدن ًا قتلها أهلها‪ ،‬كما‬ ‫يفعــل بعــض المجانيــن الذيــن يقتلون‬ ‫أمهاتهــم‪ ،‬بيــروت هــي واحــدة من تلك‬ ‫ّ‬ ‫المدن‪ ،‬حلب وتدمر أيضاً‪ِ .‬‬ ‫لنبك‪ ،‬فنحن‪،‬‬ ‫يسميه‬ ‫ال نستطيع أن نفعل شيئ ًا ضّد ما ّ‬ ‫بسحنة ثور»‪.‬‬ ‫الشاعر بودلير «الحماقة ُ‬ ‫عملــت لســنين طويلــة فــي الســلك‬ ‫الدبلوماســي‪ ،‬وكنــت ســفيرًا لبلــدك‬ ‫لبنــان في عدد من الــدول‪ ،‬ومنها هولندا‬ ‫والمغرب؛ مما أتاح لك اللقاء بالعديد من‬ ‫الرؤساء والسياسيين والكّتاب والشعراء‬

‫والفنّانيــن‪ .‬هــل كان لعملــك ســفيرًا أثر‬ ‫على نتاجك الشــعري‪ ،‬ونتاجك األدبي‪،‬‬ ‫عموماً؟‬ ‫ فتحت لي الدبلوماســية الباب واســع ًا‬‫علــى ثقافــة اآلخرين‪ .‬أحببــت اآلخرين‬ ‫وثقافتهم‪ ،‬ومازلت كذلك‪ .‬اآلخر يغنيني‬ ‫باختالفــه‪ .‬أنــا رجــل موجــود مــن أجل‬ ‫الحــوار‪ .‬فــي غيــاب الحــوار‪ ،‬ال يعــود‬ ‫اإلنســان ســوى جــدار مقابــل جــدران‬ ‫أخــرى‪ ،‬تلــك الجــدران الكئيبــة التــي‬ ‫تستهوي إسرائيل‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫كيف عشت على المستوى الشخصي‪،‬‬ ‫بصفتــك شــاعرًا ومثقّف ًا عربي ًا ومســلم ًا‬ ‫مقيم ًا في فرنسا‪ ،‬االعتداءات التي حصلت‬ ‫في باريس‪ ،‬العام الماضي؟‬ ‫ أنا مقيم في فرنســا منذ حوالي سّتين‬‫عامــاً؛ أي منــذ ســنواتي الدراســية‪.‬‬ ‫نتاجــي األدبي الذي بدأتــه في بيروت‪،‬‬ ‫فــي الخمســينيات من القــرن الماضي‪،‬‬ ‫كتبته باللغة الفرنســية‪ .‬ويتألَّف‪ ،‬حتى‬ ‫يتطرق‬ ‫اآلن‪ ،‬من أكثر من ســّتين كتاباً‪ّ ،‬‬ ‫مباشرة إلى القضايا‪ :‬السياسية‬ ‫بعضها‬ ‫ً‬ ‫واالجتماعيــة والمســائل‪ :‬الثقافيــة‪،‬‬ ‫والروحيــة‪ ،‬للعالــم الــذي نشــأت فيــه‬ ‫وأقصد بــه العالم العربــي‪ .‬وقد عملت‪،‬‬ ‫أنا والكّتــاب العرب الذيــن ينتمون إلى‬ ‫الجيــل نفســه‪ ،‬علــى تحليــل واقع ذلك‬ ‫العالــم من أجل مســاعدته على الخروج‬ ‫من حال االنغالق‪ ،‬والدخول في الحداثة‬ ‫العالميــة القائمــة علــى الحــوار بيــن‬ ‫الثقافات‪.‬‬ ‫حــكام ال يعيرون‪،‬‬ ‫َح َكــم العالم العربي ّ‬ ‫في الغالب‪ ،‬اهتمام ًا لألخالق‪ ،‬وليســوا‬ ‫أكفــاء كمــا ينبغــي‪ ،‬ال سياســي ًا وال‬ ‫اقتصاديــاً‪ .‬وعلى الرغم مــن ذلك‪ ،‬كان‬ ‫العالــم العربي يحفــل بشــبيبة مثقّفة‪،‬‬ ‫مصممــة علــى الخــروج مــن‬ ‫طموحــة‪ّ ،‬‬ ‫ماض متخلِّف‪ ،‬أصبح‪ -‬بالنســبة إليها‪-‬‬ ‫غيــر قابــل للعيــش‪ ،‬وال ُيحتمــل‪ .‬هــذه‬ ‫الشــبيبة كانــت ترغب فــي أن يكون لها‬ ‫موقع في الزمن الراهن‪ ،‬هي التي ورثت‬ ‫ماضيــ ًا عريقــاً‪ ،‬لــه أثر ثقافي واســع‪،‬‬ ‫التقدم التقنــي أو في‬ ‫ســواء في حركــة‬ ‫ُّ‬ ‫معنــى التاريــخ نفســه‪ .‬من هنــا‪ ،‬كان‬ ‫للتغير وبلوغ منحى ديموقراطي‬ ‫الدافع‬ ‫ّ‬ ‫المهمة‬ ‫ومشــاركة ّ‬ ‫فعليــة فــي القــرارات ّ‬ ‫كل شــعب مــن الشــعوب‬ ‫التــي تعنــي ّ‬ ‫العربيــة علــى حــدة‪ ،‬ووضــع هــذه‬ ‫الشــعوب علــى طريق المســتقبل‪ .‬وهذا‬ ‫بينة‪ ،‬الثورات‬ ‫ما شهدت عليه‪ ،‬بطريقة ّ‬ ‫التي ُعِرفــت بـ «الربيــع العربي»‪ .‬لكنها‬ ‫تعرضت هنا وهناك‪ ،‬وبسرعة‪،‬‬ ‫ثورات َّ‬ ‫إلــى الهتــك والذبول‪ ،‬أو كمــا حدث في‬ ‫ســورية‪ ،‬حيــث ُقِمعــت بالنــار والــدم‪،‬‬ ‫‪32‬‬

‫صالح ستيتية‬

‫عــدو خارجي يّدعي‬ ‫الحية ّ‬ ‫وهــّدد قواها ّ‬ ‫الدفــاع عن إيمانهــا‪ ،‬بينما هو‪ ،‬في رأي‬ ‫عدو اإلنســانية‪ ،‬وأقصد‬ ‫العالــم أجمع‪ّ ،‬‬ ‫العــدو تنظيم داعش‪ .‬نحن‪ -‬العرب‬ ‫بهذا‬ ‫ّ‬ ‫والمســلمين‪ -‬مرضــى بهــذا المــرض‬ ‫الرهيــب‪ ،‬المــرض األدهــى؛ أال وهــو‬

‫بائسون هم عرب فرنسا‬ ‫ومسلموها‪ ،‬ولست‬ ‫أدري كيف سيخرجون‬ ‫من الفخاخ التي نُصبت‬ ‫لهم أو التي نصبوها‬ ‫ألنفسهم!‬

‫«سرطان الروح»‪.‬‬ ‫كيــف ســينعكس هــذا الواقــع علــى‬ ‫الجاليــات‪ :‬العربيــة‪ ،‬والمســلمة فــي‬ ‫المدَيْين‪ :‬القريب‪ ،‬والبعيد؟‬ ‫فرنسا‪ ،‬على َ‬ ‫ بائسون هم عرب فرنسا ومسلموها‪،‬‬‫ولســت أدري كيــف ســيخرجون مــن‬ ‫الفخــاخ التــي ُنصبــت لهــم أو التــي‬ ‫نصبوهــا ألنفســهم! فرنســا‪ ،‬البلــد‬ ‫هويــة‬ ‫العريــق‪ ،‬اســتقبلتهم ومنحتهــم ّ‬ ‫مجانــي‪،‬‬ ‫وســقف وضمانــات وتعليــم ّ‬ ‫وكلها مشــروعة؛ ومــا كان ذلك ليحدث‬ ‫أن‬ ‫لــوال مســار طويــل ومعقّــد‪ .‬غيــر ّ‬ ‫هــؤالء المواطنين الجــدد‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫المســكنة على‬ ‫مــن الخطابات الرســمية‬ ‫ّ‬ ‫العموم‪ ،‬والتي تتمظهر بمظهر إنساني‪،‬‬ ‫هــي‪ ،‬اآلن‪ ،‬بصــدد خســارة شــرعيتها‬ ‫العام‬ ‫في نظر نســبة كبيــرة من الــرأي‬ ‫ّ‬ ‫الفرنسي‪ ،‬هذا باإلضافة إلى أنها تضع‪،‬‬ ‫في حالة من الخطر‪ ،‬على أرض فرنســا‬


‫األســباب المشــروعة لوجودهم‪.‬‬ ‫هذه‪،‬‬ ‫َ‬ ‫فهــم‪ ،‬ومــن خــال أفعــال مجنونــة‪،‬‬ ‫وحشــية ومعيبة للبعض منهم‪ ،‬يغذّون‬ ‫أعداءهم الذين يقفون ضّدهم منذ البداية‪،‬‬ ‫المتطرف وقسم ًا‬ ‫وأعني‪ ،‬بذلك‪ ،‬اليمين‬ ‫ِّ‬ ‫العام الفرنسي‪.‬‬ ‫من الرأي‬ ‫ّ‬ ‫المصابــون بالضيــاع مــن المســلمين‪،‬‬ ‫اليــوم‪ ،‬يشــبهون مــن يهبونــه بقــرة‪،‬‬ ‫وبد ًال من أن يعتني بها‪ ،‬ألنه يعيش من‬ ‫حليبها‪ ،‬يعمل علــى ذبحها؛ وبذلك هو‬ ‫يذبح مســتقبله نفســه‪ .‬أشــعر بالخجل‬ ‫حيــال غبــاء هــؤالء األفــراد الغريبــي‬ ‫األطوار والمنفصلين عن الواقع‪ ،‬هؤالء‬ ‫عقليــاً‪ ،‬والفاقــدي‬ ‫األفــراد المختلّيــن‬ ‫ّ‬ ‫بســبب مــن الإنســانيتهم‬ ‫التــوازن؛‬ ‫ٍ‬ ‫وعلــي في آن‬ ‫عليهم‬ ‫العــار‬ ‫والوعيهــم‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫إن مستقبل اإلسالم‪ ،‬هذا اإلسالم‬ ‫واحد‪ّ .‬‬ ‫يلوث اإلســام‬ ‫علــى ّ‬ ‫أي حــال‪ ،‬والــذي ّ‬ ‫اآلخر المســالم‪ ،‬مســتقبل اإلسالم هذا‪،‬‬ ‫يبــدو لــي‪ ،‬مــن اآلن فصاعــداً‪ ،‬معتمــ ًا‬ ‫ومظلمــ ًا فــي فرنســا‪ ،‬بــل فــي أوروبا‬ ‫والعالم أجمع‪.‬‬ ‫أنــا مــن عــاش فــي فرنســا منذ ســنين‬ ‫طويلــة‪ ،‬وعــرف معظــم المســؤولين‪:‬‬ ‫الفرنســيين‪ ،‬واألوروبييــن‪ :‬من شــارل‬ ‫دوغــول‪ ،‬وفرنســوا ميتــران‪ ،‬وجورج‬ ‫بومبيدو إلى جاك شــيراك‪ ،‬وفرنســوا‬ ‫َّر‪،‬‬ ‫هوالند‪ ،‬أنــا من كتب‪ ،‬ودافــع‪ ،‬وحذ َ‬ ‫أعتــرف‪ ،‬اليــوم‪ ،‬بأنني أشــعر بالعجز‬ ‫حيال ما يجري‪.‬‬ ‫كيــف باإلمــكان أن ندافــع أو‪ -‬فقط‪ -‬أن‬ ‫تصرفات‪ ،‬هي على هذا المستوى‬ ‫نفسر‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫مــن الالعقالنيــة ومــن الســفالة‪ ،‬كتلك‬ ‫التي شاهدناها في شهر كانون الثاني‪/‬‬ ‫ينايــر‪ ،‬مــن العــام الماضي ضــّد مجلّة‬ ‫«شــارلي إبدو»‪ ،‬وما شــاهدناه‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫فــي الثالث عشــر مــن تشــرين الثاني‪/‬‬ ‫نوفمبــر من العــام الماضي‪ ،‬مــع مقتل‬ ‫نساء وشباب وأطفال ما كانوا يطلبون‬ ‫التمتــع بأبســط حقوقهــم في‬ ‫شــيئ ًا إال‬ ‫ُّ‬ ‫العيــش؟ نعم‪ ،‬كيــف يمكــن تبرير ذلك‬ ‫وإيجاد األعذار‪ ،‬باســم من؟ وبماذا؟ هل‬ ‫باســم اهلل «الرحمــن الرحيم»‪ ،‬وباســم‬ ‫مصالــح بعيــدة وغامضة غذّاهــا الحقد‬ ‫وغريــزة الموت‪ ،‬أو باســم قضية ليس‬

‫لها من نتائج فعليــة إ ّال تدمير الكائنات‬ ‫يدافع‬ ‫عمــا ال َ‬ ‫واألمــاك؟ أرفــض الدفاع ّ‬ ‫عنه‪ .‬أكسر قلمي‪.‬‬ ‫ُيعيــب البعض على أبنــاء الجاليات‪:‬‬ ‫العربية‪ ،‬والمســلمة عــدم انخراطهم في‬ ‫الحيــاة السياســية الفرنســية‪ ،‬وعــدم‬ ‫قدرتهــم على تشــكيل َت َج ُّمــع فاعل قادر‬ ‫علــى التأثير على الرأي العام الفرنســي‬ ‫وعلى القرارات السياسية‪ ،‬ما رأيك؟‬ ‫ هنــاك فرنســيون مــن أصــول عربية‬‫موجــودون فــي البرلمــان الفرنســي‪،‬‬ ‫مهمون من أصول عربية‪،‬‬ ‫وهناك وزراء ّ‬ ‫مهمــة‪ ،‬ومايزالــون‬ ‫تقلّــدوا‪ ،‬مناصــب ّ‬ ‫متحدرين‬ ‫ونساء‬ ‫يتقلّدونها‪ .‬هناك رجال‬ ‫ِّ‬ ‫من أصول عربية يشــغلون مناصب من‬ ‫الدرجة األولى‪ ،‬في الحياة االقتصادية‪:‬‬ ‫منهــم‪ -‬علــى ســبيل المثــال‪ -‬رئيــس‬ ‫شــركة «رونــو» للســيارات‪ ،‬وهــو من‬ ‫أصل لبناني‪ ،‬وكذلك أحد مدراء شــركة‬ ‫«الغاردير» العالميــة الكبيرة‪ ،‬وهو من‬ ‫أصــل جزائــري‪ ،‬وهمــا مثــاالن لمئات‬ ‫األمثلة فــي هذا المجــال‪ .‬أخبريني‪ :‬في‬ ‫أي بلــد من بلداننا يوجد مســؤول واحد‬ ‫ّ‬ ‫رفيــع المســتوى‪ ،‬مــن أصــل فرنســي؟‬ ‫العرب الذين يمتلكون مواهب وشهادات‬ ‫عليا‪ ،‬ويريدون العمل‪ ،‬يستطيعون ذلك‬ ‫في فرنســا‪ ،‬اليــوم‪ ،‬بســهولة أكبر مما‬ ‫هو الحال فــي بلدانهــم األصلية‪ .‬هناك‬ ‫والمتخصصين‪،‬‬ ‫األطبــاء‬ ‫عدد كبيــر من‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫من أصــول عربيــة‪ ،‬يحتلّــون‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫مســؤوليات كبــرى ومراكــز رفيعــة في‬ ‫ّ‬ ‫المستشــفيات الفرنسية‪ .‬أنا‪ ،‬شخصياً‪،‬‬

‫االندماج في حضارة‬ ‫وثقافة ال يستقيم‬ ‫إال إذا أردناه‪ ،‬وعملنا‬ ‫من أجله‬

‫إن االندماج‬ ‫أعرف العشــرات من هؤالء‪ّ .‬‬ ‫فــي حضــارة وثقافــة ال يســتقيم إال إذا‬ ‫أردناه‪ ،‬وعملنا من أجله‪ .‬أنا‪ ،‬نفســي‪،‬‬ ‫كنت أحــد المســؤولين األساســيين في‬ ‫«اللجنــة الوطنيــة لمصطلحــات اللغــة‬ ‫الفرنســية» التي تعمل إلى جانب رئيس‬ ‫الــوزراء‪ .‬تقول األناجيل‪« :‬اقرعوا ُيفتح‬ ‫لكم»‪ ،‬وتقول اإلدارة الفرنسية‪« :‬اقرعوا‬ ‫إن‬ ‫بشــهاداتكم المالئمــة نفتــح لكــم»‪ّ .‬‬ ‫كل قاعــدة لتحقيــق الــذات تنطلــق مــن‬ ‫ّ‬ ‫المعادلة اآلتيــة‪« :‬لكي نكون ينبغي أن‬ ‫نتحلّى باإلرادة؛ إرادة أن نكون»‪ .‬ثم إن‬ ‫اإلدارة الفرنســية توفِّر للفرنسيين‪ ،‬من‬ ‫أصول غيــر أوروبية‪ ،‬الحقوق نفســها‬ ‫التــي توفِّرها للفرنســيين «األصليين»‪:‬‬ ‫مجانية‪ ،‬تعليم ًا عالياً‪ ،‬طبابة‪،‬‬ ‫مدرســة ّ‬ ‫حرّية‬ ‫ّ‬ ‫حق العمــل ألصحاب الكفــاءات‪ّ ،‬‬ ‫وحرّيــة‬ ‫ممارســة الشــعائر الدينيــة‬ ‫ّ‬ ‫التعبيــر‪ ...‬أخبرينــي‪ :‬مــا هــي الدول‪:‬‬ ‫العربيــة‪ ،‬واإلســامية‪ ،‬التــي توفّــر‬ ‫الحقــوق ذاتهــا لمواطنيها‪ ،‬فــي بلدانهم‬ ‫األصلية؟‬ ‫ما كتبته في أشــعارك األخيرة يشبه‬ ‫الحية‬ ‫الوصيــة‪،‬‬ ‫وصيــة إلى الكائنــات ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كلّهــا‪ :‬بشــر‪ ،‬ونباتــات‪ ،‬وأزهــار‪ .‬مــاذا‬ ‫أردت أن تقــول فعــاً؟ هل أنــت خائف‪،‬‬ ‫َ‬ ‫إلى هذا الحّد‪ ،‬على مصير اإلنسانية‪ ،‬من‬ ‫المخاطر التي تتهّددها؟‬ ‫حــق‪ .‬اإلنســانية التــي طالمــا‬ ‫ معــك ّ‬‫أحببتها‪ ،‬تبدو لي‪ -‬أحياناً‪ -‬على طريق‬ ‫والتفــكك‪ .‬وأحيانــ ًا أخــرى‪،‬‬ ‫االنحــال‬ ‫ُّ‬ ‫التقدم العلمــي الرائع الذي‬ ‫عــول علــى ُّ‬ ‫ُأ ّ‬ ‫أيما إعجاب‪ ،‬وأرجو أن ينجح‬ ‫به‬ ‫ب‬ ‫عج‬ ‫ّ‬ ‫ُأ َ‬ ‫في مّد إنســان المســتقبل بهــذا «الملحق‬ ‫تحدث عنه الفيلســوف‬ ‫الروحــي» الذي َّ‬ ‫الفرنســي هنــري بيرغســون‪ ،‬والــذي‬ ‫نحن في أشــّد الحاجة إليــه‪ .‬في انتظار‬ ‫المرجــوة‪ ،‬أجــد نفســي أتعّهد‬ ‫اللحظــة‬ ‫ّ‬ ‫بكنــزي األثمــن؛ أي الــروح الضرورية‬ ‫أتحــدث عنهــا‪ ،‬إلــى مــا ال يــزال‬ ‫التــي‬ ‫َّ‬ ‫يشــكل إشــارة إليها‪ ،‬وما يطالعني في‬ ‫ّ‬ ‫حديقتــي‪ ،‬مــن خالل الشــجرة والوردة‬ ‫والنحلة واألزهار والقمر الحالم‪.‬‬ ‫‪33‬‬


‫نشــرت المجلّة األدبية الفرنســية‪ ،‬في عدد ‪ 560‬أكتوبر ‪2015‬‬ ‫هــذا الملف ونقّدمــه هنا للقارئ العربي كنمــوذج راهني للجدل‬ ‫الدائــر في صفوف بعض المثقفين الفرنســيين‪ ،‬والــذي تتضح في إطاره‬ ‫ردود األفعال واآلراء على ضوء األحداث العنيفة المتالحقة ‪.‬‬

‫الشرخ الفرنسي‬ ‫عصر األنوار في مواجهة نقيضه‬ ‫مارك ويتزمتان‬ ‫تعيـش فرنسـا‪ ،‬نقاشـ ًا محمومـاً‪،‬‬ ‫مهمـة التمييـز بيـن اليميـن‬ ‫ـب معـه ّ‬ ‫َت ْص ُع ُ‬ ‫واليسار‪ ،‬التي أصبحت غامضة‪ .‬السؤال‬ ‫أي فكـر يمكـن أن‬ ‫المطـروح اليـوم هـو‪ّ :‬‬ ‫بـر األمـان؟‪:‬‬ ‫إلـى‬ ‫يقـود فرنسـا أو أوروبـا‬ ‫ّ‬ ‫النخبـة تقـاوم النزعـات الشـعبوية‪،‬ومع‬ ‫ذلك يبدو أن فرنسا‪ ،‬اليوم‪ ،‬تشهد عودة‬ ‫مضـاد لفكـر عصـر األنـوار‪.‬‬ ‫قويـة لتيـار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خضـم النقاشـات بيـن المثقَّفيـن‬ ‫فـي‬ ‫ّ‬ ‫والسياسيين حول إنجازات عصر األنوار‬ ‫تشـك َل فريقـان‪ :‬فريـق المدافعيـن عـن هذا‬ ‫َّ‬ ‫اإلرث بما يعنيه من إيمان بالقدرة الهائلة‬ ‫للعقل البشري‪ ،‬وفريق المعارضين لفكر‬ ‫األنـوار‪ ،‬الرافضيـن لفكـرة الثقافـة التـي‬ ‫تدعـم المسـاواة السياسـية والمسـاواة‬ ‫االجتماعية يبن الثقافات واألجناس‪ .‬فمن‬ ‫مستقبل فرنسا أو أوروبا انطالق ًا‬ ‫سيحدد‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫مـن العصـور السـابقة‪ ،‬وبالخصـوص‪،‬‬ ‫القـرن الثامـن عشـر والتاسـع عشـر؟‬ ‫نقـاش سيسـاهم فيـه‪ :‬الثـوري‪،‬‬ ‫والمعتـدل‪ ،‬والجـذري‪ ،‬والالثـوري‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والشـك أنـه‬ ‫والعقالنـي‪ ،‬والغنوصـي‪.‬‬ ‫نقـاش مثمر‪ ،‬سـيعيد النظر في الثوابت‪،‬‬ ‫ويحـّدد رهانـات العصـر‪.‬‬ ‫يقـول آالن فنكلكـروت «‪Alain‬‬ ‫مقدمة كتابه الجديد‬ ‫‪ ،»Finkielkraut‬في ِّ‬ ‫‪34‬‬

‫«الِدقَّ�ة الوحي�د‪،‬ة‪La seule Exacti�،‬‬ ‫‪« :»tude‬نعيـش اليـوم منعطفـ ًا تاريخيـاً»‬ ‫منعطفـ ًا تخفيـه‪ -‬بشـكل مفـارق‪ -‬اإلحالـة‬ ‫الدائمـة علـى التاريـخ» بينمـا «حاضرنـا‬ ‫ليـس نسـخ ًا للعالـم القديـم أكثـر ممـا هـو‬ ‫إعالن للتقاطع مسـتقبالً»‪ .‬في هذا الكتاب‪،‬‬ ‫يقتـرح فنكلكـروت (سـليل عصـر األنـوار)‪-‬‬ ‫كمـا ُي َع ّـرف نفسـه‪ ،‬وعلـى أسـاس أحـداث‬ ‫العاميـن المنصرميـن‪ -‬تخصيـص زاويـة‬ ‫كل مـن‪ :‬بيكـي‬ ‫صحافيـة وجوديـة‪ ،‬تشـمل ّ ً‬ ‫َ‬ ‫«‪ ،»Péguy‬وليفيناس‪ ،‬وهيدجر‪ .‬إذا كانت‬ ‫النتيجة الفتة لالنتباه‪ ،‬فألن المؤلِّف ‪ -‬على‬ ‫ممـا يقوم بـه أحيان ًا ‪ -‬يضع‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫العكـس ّ‬ ‫حساسـيته ال العكـس‪.‬‬ ‫خدمـة‬ ‫فـي‬ ‫معرفتـه‬ ‫ّ‬ ‫المتسـرع الـذي‬ ‫للغضـب‬ ‫ا‬ ‫أثـر‬ ‫هنـا‪،‬‬ ‫ال نجـد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫منصـة التلفـاز‪ ،‬بـل حتـى‬ ‫قـد يضعفـه علـى ّ‬ ‫فـي بعـض أعمالـه‪ .‬إن األمـر يتعلّـق‪ ،‬هنـا‪،‬‬ ‫مما هو فلسفي خالص؛‬ ‫باشتغال أدبي أكثر ّ‬ ‫اشتغال ُمَر َّكز كلّه‪ ،‬ومأخوذ على‪ -‬مايبدو‪-‬‬ ‫حادة ودقيقة‬ ‫بوضعية استعجالية‪ .‬الرؤية ّ‬ ‫في اآلن نفسه‪ ،‬رؤية تغذِّيها سعادة الكتابة‬ ‫التـي تتـرك مـا يكفـي مـن مسـاحة اللعـب‪،‬‬ ‫للقـراء‪ ،‬كـي يعلنـوا عـن عـدم موافقتهـم‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫يشـمل هـذا الكتـاب حقبـة ‪ 2013‬إلـى‬ ‫قـوة وصراحـة‪-‬‬ ‫اليـوم‪ ،‬ويتنـاول‪ّ -‬‬ ‫بـكل ّ‬ ‫هجومـات ينايـر‪ .‬التمريـن صعـب‪،‬‬ ‫مختـزل‬ ‫والسـبب فـي ذلـك‪ ،‬سياسـي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫يفسـره أحـد‬ ‫فـي‬ ‫ّ‬ ‫كاريكاتوريتـه‪ ،‬كمـا ّ‬

‫مستشـاري فرانسـوا هوالنـد‪ ،‬فـي واليته‬ ‫الخامسة لجريدة «‪ ،»Libération‬بقوله‪:‬‬ ‫«إذا ارتفعـت نسـبة البطالـة‪ ،‬فهـذا يعنـي‬ ‫يتنكـر‬ ‫أنهـا سـتنخفض»‪ .‬وهـي جملـة لـم ّ‬ ‫لهـا فلوبيـر‪ ،‬صاحـب عمـل «‪Bouvard‬‬ ‫‪ ،»et Pécuchet‬هـذا مـن جهـة‪ ،‬ومـن‬ ‫جهـة أخـرى‪ ،‬الشـبكات االجتماعيـة‪،‬‬ ‫اللا‬ ‫كسـبب هذيانـي‪ ،‬دافعـه‬ ‫القـوي ّ‬ ‫ّ‬ ‫إشباع والشعور باالنخداع‪ .‬إذا ما صّدقنا‬ ‫كتـاب «‪ ،»Le Systèmesoral‬الكتـاب‬ ‫األخيـر لروبيـن أنجيلـو‪ ،‬وماتيو موالر‪،‬‬ ‫التحري‬ ‫المختصْين في قسـم‬ ‫الصحافيْين‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫والبحـث واالسـتقصاء‪ ،‬فـإن الموقـع‬ ‫اإللكترونـي‪ ،‬لهـذا األخيـر‪ ،‬قـد جمـع‪ ،‬منذ‬ ‫بداية سنة ‪ ،2015‬حوالي ‪ 7‬ماليين زائر‬ ‫(فـي مقابـل أن مواقـع األحـزاب التقليدية‬ ‫تسـجل إال ‪ 200‬ألـف زائـر‪ ،‬بصعوبة)‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫«إن الحداثـة هـي هـذه‬ ‫فنكلكـروت‪:‬‬ ‫يقـول‬ ‫ّ‬ ‫الحقبـة مـن التاريـخ‪ ،‬التـي يصبـح فيهـا‬ ‫للتحـول والتأثُّـر‪ .‬وحدهـا‬ ‫قابلا‬ ‫الكائـن‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫الوقائع‪ ،‬فـي المجتمعات الديموقراطية‪،‬‬ ‫تظـل‪ -‬بعنـاد‪ -‬مع نفسـها (‪ .)....‬لقد رفع‬ ‫ّ‬ ‫اإلنترنيـت الحاجـز‪ ،‬بوصفـه ثورتنـا‬ ‫التكنولوجيـة األخيـرة‪ .‬لـم تعـد األحـداث‬ ‫صلبة‪ ،‬بل مرنة‪ .‬بإمكاننا إعادة تشكيلها‬ ‫لفائـدة اإليديولوجيـات‪ ،‬بمنحهـا لهـذه‬ ‫فضلا عـن ذلـك المظهـر المزيل‬ ‫العمليـة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫المضـاد»‪.‬‬ ‫للغمـوض المتعلِّـق بالبحـث‬ ‫ّ‬


‫آالن باديو‬

‫ميشل هولبيك‬

‫ميشيل أونفري‬

‫عندمـا ينبثـق الـكاوس (السـديم)‪،‬‬ ‫يصبـح العقل اسـتعجالياً‪ ،‬أليس العقل‪،‬‬ ‫هنـا‪ ،‬هـو أكثـر عجـزاً‪ ،‬كذلـك؟ مـا الـذي‬ ‫سـيقدر عليـه العقـل أمـام الالعقالنـي؟‬

‫ال جديد يف الشرق‬ ‫مـن جانبـه‪ ،‬يقـول مارسـيل كوشـي‬ ‫«‪« :»Marcel Gauchet‬تفـرض علينـا‬ ‫الوضعيـة إعادة مسـاءلة مـوروث عصر‬ ‫األنـوار»‪ .‬أكيـد‪ ،‬ولكـن‪ ،‬كيـف؟‪،‬‬ ‫كمـا يذكـر لنـا ذلـك رفائيل كليكسـمان‬ ‫«‪ »Raphael Glucksman‬فـي إحـدى‬ ‫مقاالتـه‪ ،‬أنـه َت ّـم تجسـيد تـراث عصـر‬ ‫األنـوار سياسـي ًا بعـد الحـرب‪ ،‬فـي غـرب‬ ‫ـن كنّـا‬ ‫الحـرب البـاردة‪ ،‬مـن طـرف َم ْ‬ ‫نسـميهم «المنشـقّين»‪ ،‬وأغلبهم فالسفة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تربـوا فـي أحضـان‬ ‫علمـاء‪،‬‬ ‫أو‬ ‫ـاب‬ ‫ت‬ ‫أو ك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثّقافـة الكالسـيكية واالشـتراكية‪،‬‬ ‫ولكنهـا ثّقافـة معارضـة للشـيوعية التـي‬ ‫كانـوا يعانون قهرهـا اليومي‪ ،‬فباإلحالة‬ ‫تشـكل مـا بدأنـا‬ ‫إلـى معاركهـم‪ ،‬حيـث‬ ‫ّ‬ ‫نسـميه‪ ،‬فـي فرنسـا‪ ،‬فـي بدايـة سـنوات‬ ‫ّ‬ ‫الخمسينيات من القرن الماضي‪« ،‬اليسار‬ ‫كل من‬ ‫ضـّد الكلّيانـي»‪ .‬ففي فرنسـا‪ -‬كان ٌّ‬ ‫ألبيركامو‪ ،‬وكورنيليس كاستورياديس‪،‬‬ ‫وفرانسـوا فيـراي‪ ،‬وبعد ذلك «الفالسـفة‬ ‫الجـدد» (أنـدري كليكسـمان فنكلكـروت‪،‬‬ ‫ثـم بعـد ذلك‪ ،‬في‬ ‫وبرنـار هنـري ليفـي)‪ّ ،‬‬ ‫بريطانيا‪ ،‬كان هناك أرثير كوستلر« «�‪Ar‬‬ ‫‪ »thur Koestler‬والفيلسـوف أسـياه‬ ‫بـرالن «‪ ،»Isiaah Berlin‬وفيمـا بعـد‪،‬‬ ‫ف�ي أمي�ركا‪ ،‬ص�ول بيل�و �‪Saul Bel‬‬ ‫‪ low‬وفيليـب روث «‪،»Philip Roth‬‬

‫آالن فنكلكروت‬

‫وسوزان سونتاج‪ ،‬ونورمان مايلر‪ ،‬من‬ ‫بيـن آخريـن‪ ،‬كانـوا كلّهـم قد لعبـوا دورًا‬ ‫المقـدم لممثِّلـي البقـاء‬ ‫فـي شـبكة الدعـم‬ ‫َّ‬ ‫على قيد الحياة‪ ،‬لثّقافة كوسموبوليتانية‬ ‫فـي قلـب أوربـا‪ .‬ثـم بعـد ذلـك‪ ،‬فـي سـنة‬ ‫تحط َم جدار برلين أمام آلة كمان‬ ‫‪َّ ،1989‬‬ ‫«‪»Rostropovitch‬؛ ففـي بـراغ‪ ،‬وصل‬ ‫والمنشق«‪»Vaclav havel‬‬ ‫الدراماتورج‬ ‫ّ‬ ‫إلى السـلطة‪ ،‬وفي السـنة نفسها (‪)1990‬‬ ‫عشـنا انتخـاب رئيـس بولونيـا النقابـي‬ ‫المنشـق «‪.»lech walesa‬‬ ‫ّ‬ ‫األول‪،‬‬ ‫اإلطـار‬ ‫إلـى‬ ‫أوروبـا‬ ‫تعـود‬ ‫ّ‬ ‫سيسـود السلام فـي الشـرق األوسـط‪،‬‬ ‫وسـتمتّد الديموقراطيـة إلـى حـدود‬ ‫الصيـن‪ ...‬ألـم يسـقط نظـام الميـز‬ ‫العنصـري (األبارتايـد)‪ ،‬تحـث تأثيرهـا‬ ‫والبقيـة سـتأتي‬ ‫فـي إفريقيـا الجنوبيـة؟‬ ‫ّ‬ ‫بعـد ذلـك‪.‬‬ ‫ذكر؟ يتساءل‬ ‫ي‬ ‫الشيء‬ ‫ذلك؟‬ ‫بعد‬ ‫وماذا‬ ‫ُ َ‬ ‫ـوق‪،‬‬ ‫مارسـيل كوشـي «لماذا؟ سـؤال َ‬ ‫مش ِّ‬

‫مارسيل كوشي‬

‫نتأملـه بمـا يكفـي‪ .‬لقـد أدركنـا أنه إذا‬ ‫لـم ّ‬ ‫كان للمنشـقّين وضعيـة أخالقيـة مثيـرة‬ ‫لإلعجـاب‪ ،‬فِل َـم َلْم يعد لديهم‪ -‬ببسـاطة‪-‬‬ ‫أي شـيء ليدلـوا بـه حـول صعوبـة عمل‬ ‫ّ‬ ‫األنظمـة الديموقراطيـة‪ .‬فـاكالف هافـل‪،‬‬ ‫إنسان محترم جّداً‪ ،‬ظهر بوصفه سياسي ًا‬ ‫يجسـد‬ ‫مبتـذالً‪ ،‬لـم يصنـع معجزات‪ ،‬ولم ِّ‬ ‫أي شيء‪ .‬وسياسة ليش فاليسا «‪Lech‬‬ ‫َّ‬ ‫‪ ،»walesa‬في بولونيا‪ ،‬ظهرت بوصفها‬ ‫أدى باليميـن األقصـى إلـى‬ ‫ً‬ ‫فشلا مطلقـاً‪ّ ،‬‬ ‫أبـواب السـلطة‪ .‬حدثـت‪ ،‬عنـد الجميـع‪،‬‬ ‫بقـوة‪ -‬مسـار االنتقـال‬ ‫خيبـة‬ ‫ْ‬ ‫ضربـت‪ّ -‬‬ ‫الديموقراطـي‪ .‬أمـا نحـن‪ ،‬فمـن كنّا نعتمد‬ ‫عليهم كي يجّددوا الديموقراطيات الرخوة‬ ‫والفاسدة‪ ،‬لم يعرفوا كيف ينجزون ذلك‪،‬‬ ‫ابتِذلـوا‪ ،‬ولـم يعرفـوا كيـف يبعثـون‬ ‫لقـد ُ‬ ‫الحمـاس الـذي كنّا نأملـه»‪ ،‬وفي غضون‬ ‫تتلـق النخبـة المثقَّفـة الدوليـة‬ ‫ذلـك‪ ،‬لـم ّ‬ ‫منشق آخر اسمه سلمان‬ ‫أجل‬ ‫المجنّدة من‬ ‫ّ‬ ‫رشدي (الذي أصدر بحقِّه الخميني فتوى‬ ‫‪35‬‬


‫إهـدار دمـه فـي السـنة نفسـها التي سـقط‬ ‫أي تضامـن سياسـي‪ ،‬هـذه‬ ‫فيهـا الجـدار) َّ‬ ‫المـرة‪ .‬وعلـى العكس مـن ذلك‪ ،‬إذا كانت‬ ‫ّ‬ ‫قيـادات الغـرب‪ ،‬فـي غالبيتهـا‪ ،‬تديـن‬ ‫فإن غالبيتها‪ -‬في المقابل‪ -‬كانت‬ ‫الفتوى‪َّ ،‬‬ ‫جيـداً‪ ،‬أن تديـن‪ ،‬مـن جهة أخرى‪،‬‬ ‫تأمـل‪ّ ،‬‬ ‫«استفزاز» سـلمان رشدي‪.‬‬ ‫بينمـا ينتقـل سـؤال االنشـقاق نحـو‬ ‫العالم اإلسالمي‪ ،‬سيختفي اإلرث الثقافي‬ ‫لسولجس�تاين أن�دري س�اخاروف« «�‪An‬‬ ‫‪ ،»dré Sakharov‬وجوزيف برودسكي‬ ‫«‪ ،»Joseph Brodsky‬وجـان باتـوكا‬ ‫«‪ .»Jan Patocka‬مـاذا بقـي اليـوم مـن‬ ‫عشـرات هـذه األعمـال‪ ،‬بـل مـن التكّهنات‬ ‫األكثـر ظالميـة؟ كتـب جـان باتـوكا‪ ،‬مـن‬ ‫سجنه‪ ،‬منذ منتصف سنوات السبعينيات‬ ‫مـن القـرن الماضـي فـي مؤلَّفـه‪« :‬أوروبا‬ ‫بعـد أوروبـا‪L’Europe après ،‬‬ ‫القـوات القديمـة (‬ ‫‪:»L’Europe‬‬ ‫«توجُـه ّ‬ ‫ِّ‬ ‫األوروبيـة) مجهوداتهـا نحـو تشـييداتها‬ ‫الخاصة‪ ،‬وهي تبحث‪ ،‬في هذه األوراش‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بواسطة إقامة نظام للخدمات االجتماعية‬ ‫ال مثيـل لـه‪ ،‬عـن نسـيان حقارتها»‪.‬‬ ‫تنبـأت أرملـة أنـدري سـاخاروف‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫إلينـا بونـر «‪ ،»Elena Bonner‬فـي‬ ‫سـنة ‪ ،2007‬وعلى أعمدة مجلّة «أفضل‬ ‫العوالم‪،»Le meilleur des mondes ،‬‬ ‫عن القرن الواحد والعشـرين الكابوسي‪،‬‬ ‫المركـب مـن «أردأ مـا فـي الشـيوعية‬ ‫َّ‬ ‫والرأسـمالية»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫نـؤرخ لهذه الحقبة نفسـها‪،‬‬ ‫أن‬ ‫يمكننـا‬ ‫ِّ‬ ‫حيـن دخلـت فرنسـا‪ ،‬بشـكل منفتـح‪،‬‬ ‫فـي حقبـة القلـق واألمـراض العصابيـة‬ ‫الكامنـة‪ ،‬التـي لـم تخـرج منهـا منذئـذ‪.‬‬ ‫ـح القول) منذ‬ ‫ص َّ‬ ‫ترعـرع هـذا المرض (إن َ‬ ‫ـون خلال عشـرات‬ ‫مـّدة طويلـة‪ ،‬وقـد َت َك َّ‬ ‫مـن السـنين‪ ،‬كانـت فيهـا «ثقافة اليسـار»‬ ‫في السـلطة حيث «التواصل»‪ ،‬والنشـوة‬ ‫اإلشهارية»‪ ،‬وإدارة الشركات‪ ،‬و«تضامن‬ ‫المواطنة»‪ ،‬ومحاربة العنصرية الباهتة‪،‬‬ ‫قـد َعّوضـت‪ -‬شـيئ ًا فشـيئاً‪ُ -‬ك َّل شـكل من‬ ‫أشـكال الوضـوح النقـدي‪ .‬تدهورت‪ ،‬في‬ ‫منتصف التسـعينات من القرن الماضي‪،‬‬ ‫هـذه الثّقافـة‪ :‬وبدأنـا بالَت َع ُّود على تقرير‬ ‫خالصـة اليومي‪ ،‬في صحافة «القضايا»‬ ‫غيـر المفهومـة‪ ،‬مـن جهـة أخـرى‪ ،‬ومـن‬ ‫الفسـاد السياسـي‪ ،‬وهكـذا‪ ،‬فقـد انتحـر‬ ‫األول والمستشـار السياسـي‪،‬‬ ‫الوزيـر ّ‬ ‫‪36‬‬

‫وفـي الضواحـي كنّا نشـهد علـى الطلقات‬ ‫تتأسـس‬ ‫للرصـاص‪ ،‬بينمـا‬ ‫ّ‬ ‫األولـى‪ّ ،‬‬ ‫الشبكات اإلسالمية األولى‪ .‬في المقابل‪،‬‬ ‫بـدأت الجبهـة الوطنيـة فـي البـروز‬ ‫السياسـي‪ ،‬بينمـا الرئيـس‪ ،‬بهـذا المعنى‬ ‫الفوضـوي لإلثـارة التي سـتجعله لطيف ًا‬ ‫لغاية ما‪ ،‬سـيعمل على تحديث صداقاته‬ ‫مـع المواطنيـن القدامـى لحكومة فيشـي‪.‬‬

‫هولبيك والفجوة التي سيفتحها‬ ‫يقـول بلـزاك‪« :‬كلّمـا كانـت الحيـاة‬ ‫تشـبت بهـا اإلنسـان‪ .‬إنهـا‪ -‬إذاً‪-‬‬ ‫مقـززة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫كل اللحظـات»‪.‬‬ ‫احتجـاج‪ ،‬وانتقـام مـن ّ‬ ‫ُتبـرز هـذه الجملـة رؤية لميشـل هولبيك‬ ‫«‪ ،»Michel Houellebecq‬فـي روايته‬ ‫المنصة»‪ ،‬كانت صالحة‬ ‫«‪،Plateforme‬‬ ‫ّ‬ ‫لروايـة للكاتـب نفسـه‪ ،‬ظهـرت فـي تلـك‬ ‫اآلون�ة‪ ،‬ه�ي« «�‪Extension du do‬‬ ‫‪ ،maine de la lutte‬تمـّدد مجـال‬ ‫الصـراع»‪ ،‬المنشـورة سـنة ‪ ،1994‬عنـد‬ ‫موريس نادو‪ ،‬بغالف رمادي تتعذَّر معه‬ ‫قراءة عنوانه‪ .‬وفي تجاهل ملحوظ جّداً‪،‬‬ ‫لـم يجـد الكتـاب طريقـه نحـو المكتبـات‪.‬‬ ‫نعرفـه‪ ،‬آنـذاك‪،‬‬ ‫َش َّ‬ ‫ـن الكتـاب مـا كنّـا ِّ‬ ‫بـ«الهجوم الوحشي ضّد الغرب الحالي»‪،‬‬ ‫كـي نعيـد تكـرار كلمات المؤلِّـف؛ أي ضّد‬ ‫الفدراليـة‪ ،‬الليبراليـة‪ ،‬والديموقراطيـة‬ ‫البرلمانيـة‪ ،‬ومـوروث عصـر األنـوار‪،‬‬ ‫يسـميه ميشـل‬ ‫وبشـكل علمي‪ّ ،‬‬ ‫كل ما كان ّ‬ ‫هولبيك‪ ،‬في البداية‪ ،‬على غرار أوغست‬ ‫كونـت‪« ،‬العصر الميتافيزيقي» المفتوح‪،‬‬

‫منـذ خمسـة قـرون‪ ،‬مـع عصـر النهضـة‪.‬‬ ‫إن عـددًا كبيـرًا مـن الذيـن انغمسـوا في‬ ‫الفجوة‪ ،‬آنذاك‪ ،‬مدهش قطعاً‪ :‬من ميشـل‬ ‫أونفـري‪ ،‬وهـو يعيـد اإلكتشـاف ِبِم َض َّخِته‬ ‫المألوفـة‪ ،‬إلـى سـبنجلر وكتابـه «سـقوط‬ ‫يصـرح ميشـيل أونفـري بقولـه‬ ‫الغـرب»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫«حضارتنـا تتبـّدد‪ .‬كانـت لنـا أوربا‪ ،‬بدأت‬ ‫فـي قسـطنطينة‪ ،‬وبعـد ذلـك انهـارت بعد‬ ‫سنوات (‪ .)1914-1918‬استفحلت العدمية‪،‬‬ ‫واليوم‪ ،‬حضارتنا في نهاية السباق‪ ،‬ألنها‬ ‫ال تنتـج شـيئاً‪ .‬المركـب يغـرق‪ ،‬وال فائدة‬ ‫المطاطيـة»‪ . ‬وهـو‬ ‫مـن وضـع اإلطـارات ّ‬ ‫يخاطـب ميشـل مافيزولـي‪ ،‬الـذي يعلِّـق‬ ‫علـى رواية هولبيك «خضوع»‪ ،‬إذ يقترح‬ ‫عليـه‪ -‬بلطف‪ -‬العودة إلى «‪Joseph de‬‬ ‫‪ »Maistre‬فـي قولـه‪« :‬ال شـيء يصلـح‬ ‫إلنـكار ظاهـرة‪ ،‬نصفهـا بـ(الخطيرة)‪ ،‬من‬ ‫األحسـن إدراكها والعمل على مصاحبتها‪.‬‬ ‫هـذه هـي الوضعيـة النسـبية‪ -‬بالضبـط‪-‬‬ ‫التي يبلورها الرومانسي»‪ .‬هذا ما سيكتبه‬ ‫بخصـوص اعتنـاق فرنسـا اإلسلام‪،‬‬ ‫المعـروض فـي الرواية‪.‬‬ ‫«مـع الجمهوريـة‪ ،‬مـع العلمانيـة‬ ‫سـتخفق فلسـفةعصر األنـوار؛ إذ أصبح‬ ‫عصـر األنـوار ينـذر بوميضهـا الخافـت‪،‬‬ ‫أهمية‪،‬‬ ‫وعلى ّ‬ ‫كل حال‪ ،‬ال يضيء شيئ ًا ذا ّ‬ ‫يعبر‬ ‫ال‬ ‫هولبيك‬ ‫ولكن‬ ‫الكبير!‪،‬‬ ‫العالم‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫عن ذلك بعنف‪ ،‬إنه يدعو‪ -‬باألحرى‪ -‬إلى‬ ‫قد َرها جوزيف‬ ‫حكمة شـعبية‪ ،‬تلك التي َّ‬ ‫دوميستر بقوله‪« :‬التفكير السليم والعقل‬ ‫السليم مجتمعان»‪ .‬إذا أمكننا الحديث عن‬ ‫المؤكـد‬ ‫الخـاص‪ ،‬فمـن‬ ‫التيـار بالمعنـى‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن اقتحـام هولبيـك المشـهد قـد كشـف‬ ‫مضـادة غامضـة (سـديمية)‪،‬‬ ‫عـن حداثـة‬ ‫ّ‬ ‫يمكننـا‪ ،‬مـن خاللهـا إيجـاد تصنيـف‪،‬‬ ‫متنوعـة‬ ‫بمسـتويات مختلفـة‪ ،‬ومواهـب ّ‬ ‫تتفـق علـى نقـد شـرس‬ ‫(لكنهـا جميعهـا َّ‬ ‫كل مـن ريجيـس دوبـري‪،‬‬ ‫للموضـوع)‪ّ .‬‬ ‫وريشـارميي‪ ،‬ورونو كامو‪ ،‬العزيز على‬ ‫ّ‬ ‫فكلنكـروت‪ ،‬وفيليب مـوراي بعد الوفاة‪،‬‬ ‫و‪ -‬أيضـاً‪ -‬إيريـك زامـور‪ُ ،‬ي َعـّدون مـن‬ ‫أفضل عقول هذا البلد‪ ،‬باستثناء البعض‪.‬‬ ‫إن مقوالت نهاية الجمهورية‪ ،‬ونهاية‬ ‫عصـر األنـوار والغرب‪ ،‬هي بمثابة قبول‬ ‫راض ونسـبي النهيـار النظـام الجديـد‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫حتـى ولـو ذكـر لنـا زيـف سـتيرنهيل‬ ‫مهمـ ًا مـن‬ ‫«‪ »Zee Vsterhell‬أن جـزءًا ّ‬ ‫هـذه المقـوالت الجوهريـة وصلـت إلـى‬


‫أوجها تحت سلطة ‪ .Vichy‬وهي مقارنة‬ ‫ليست معقولة‪ .‬ففي سنة ‪ ،1940‬لم تكن‬ ‫إسـرائيل موجـودة‪ ،‬ولـم تعـرف فرنسـا‬ ‫بقـوة الحضـور اإلسلامي‪ ،‬وال‪ -‬طبعـاً‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫انتشـار الشـبكات االجتماعيـة‪ ،‬طبعـاً‪.‬‬ ‫بعبارة أخرى‪ :‬إن اختالف السياق يجعل‬ ‫الوضعيـة جديـدة تمامـاً‪.‬‬ ‫كل حال‪ ،‬يبقى السؤال مطروحاً‪:‬‬ ‫على ّ‬ ‫المؤهلة‪ ،‬بصورة‬ ‫مـا الـذي يجعل فرنسـا‬ ‫َّ‬ ‫استثنائية‪ ،‬قادرة على صياغه تقديرات‬ ‫تهم هذه النقطة المريبة بطريقة منتظمة؟‬ ‫ّ‬ ‫لقـد عـاد مارسـيل كوشـي فـي مجلّـة‬ ‫النّقـاش «‪ ،»Le débat‬إلـى حـدود سـنة‬ ‫يسـميه «أزمـة المسـتقبل‬ ‫‪ ،1970‬فيمـا‬ ‫ّ‬ ‫تعبـر‪ ،‬فـي فرنسـا‪ ،‬تحـت وقـع‬ ‫«التـي ِّ‬ ‫الصدمـة البتروليـة‪ ،‬عـن هـذه األزمـة‪-‬‬ ‫كمـا يقـول‪ -‬بواسـطة إزالـة اإليمـان‬ ‫المخطط‬ ‫بالمسـتقبلي‪ ،‬ونهايـة االقتصاد‬ ‫َّ‬ ‫لـه‪ ،‬وانهيـار المنظـور الثـوري‪ ،‬لكـن‬ ‫الظاهـرة هـي عالمية؛ ففي سـنة ‪،1979‬‬ ‫و‪-‬بالخصـوص‪ -‬فـي الصين الشـيوعية‪،‬‬ ‫ق�ام دين�ك كس�ياوينغ« «�‪Deng Xiaop‬‬ ‫‪ ،»ing‬بإدخال اإلصالحات الرأسـمالية‪.‬‬ ‫وعرفـت السـنة نفسـها وصـول ريغـان‪،‬‬ ‫وتاتشـر‪ ،‬وبداية الحرب السـوفياتية في‬ ‫أفغانسـتان وانتصار اإلسلام السياسـي‬ ‫سلسـلة مـن‬ ‫فـي طهـران مـع الخمينـي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫األحـداث‪ ،‬جعلـت مـن سـنة ‪ 1979‬سـنة‬ ‫وصـل‪ ،‬حيـث ابتعـد العالـم‪ -‬ببـطء‪ -‬عـن‬ ‫النظـام المـوروث بعـد الحـرب‪ ،‬بالنسـبة‬ ‫إلـى السـواحل المجهولـة للقـرن الواحـد‬ ‫والعشـرين‪ .‬كيـف يعيـش العالـم الثقافي‬ ‫الفرنسـي هـذا الزلـزال الالمرئي؟ يسـتبق‬ ‫جان فرانسواليوتار الحقبة بمفهومه عن‬ ‫الوضعي�ة م�ا بع�د الحداثي�ة« «�‪la condi‬‬ ‫‪ُ .»tion postromoderne‬ي َعـّد ميشـيل‬ ‫ملتبس ْـين‬ ‫روبورتاجْيـن‬ ‫فوكـو‪ ،‬فـي‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫نش َـرْتهما صحيفتـا «‪Corriere della‬‬ ‫َ‬ ‫‪ »،sera‬و«‪ ،»Libération‬واحـدًا مـن‬ ‫أهمّيـة الثـورة‬ ‫القالئـل الذيـن أدركـوا ّ‬ ‫قائلا‪« :‬إنها‬ ‫اإلسلامية وقـد كتـب‪ -‬عنها‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ضـد األنظمة الكونية‪،‬‬ ‫ربمـا‬ ‫األول ّ‬ ‫التمرد َّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫حداثـة للثـورة‪ ،‬واألكثـر‬ ‫والشـكل األكثـر‬ ‫ً‬ ‫كل شـيء تقريبـاً‪.‬‬ ‫جنونـاً»‪ ،‬وهـذا ّ‬ ‫ينغمـس غالبيـة المثقَّفيـن‪ ،‬كذلك‪ ،‬في‬ ‫الماركسـية‪ ،‬ويظلّـون أوفيـاء إلـى َحـّد‬ ‫ثـم دافـع آالن باديـو‪،‬‬ ‫الغمـوض؛ ومـن ّ‬ ‫وجاهة‪ ،‬والنّاجين من‬ ‫أحد األحياء األكثر‬ ‫ً‬

‫السفينة في سنة ‪ ،1979‬في مقالة‪،‬‬ ‫غرق ّ‬ ‫ظلت شـهيرة‪ ،‬عن اإلبـادة الجماعية التي‬ ‫يقودهـا «الخميـر الحمـر»‪َ ،‬ت ّـم تسـنين‬ ‫التطور»‪ .‬سـيفعل‬ ‫مرسـوم «الرعب باسـم‬ ‫ُّ‬ ‫نعوم تشومسكي الشيء نفسه في السنة‬ ‫سـيؤدي دعم مذابح الماركسية‬ ‫الموالية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بعيـدًا مـادام قد المـس أحد المقاومين للمّد‬ ‫االسـتعماري‪ ،‬سـيرج تيـون «‪Serge‬‬ ‫‪ ،»Thion‬فـي هـذه السـنة‪ ،‬مسـألة إنكار‬ ‫الهولوكوس�ت عن�د فوريس�ون« «�‪Fau‬‬ ‫جـر وراءه المجموعـة‬ ‫‪ ،»risson‬وقـد َّ‬ ‫التحرريـة «‪( »La vieille Taupe‬حركـة‬ ‫ُّ‬ ‫ثورية)‪ .‬واليوم‪ ،‬باسم إرث عصر األنوار‬ ‫الذي يلهب األحرام الجامعية الغربية‪ ،‬في‬ ‫هذا الخليط من العالم الثّالثي والمعارضة‬ ‫يظـل باديـو أحد أكبر‬ ‫للنّزعـة الليبراليـة‪ّ ،‬‬ ‫مشاهيره‪ ،‬بدون منازع‪ .‬يحلِّل بيير أندري‬ ‫تاركيـف «‪»Pierre- André Targueff‬‬ ‫مهمـ ًا مـن الفكـر‬ ‫ذلـك‪ ،‬بقولـه‪ّ :‬‬ ‫«إن جـزءًا ّ‬ ‫المعـارض للّيبراليـة‪ ،‬الـذي ينبثـق مـن‬ ‫كل مكان‪،‬‬ ‫دوائر اليمين الجديد‪ ،‬قد ذاع في ّ‬ ‫المتطرف‪،‬‬ ‫و‪-‬بالخصوص‪ -‬بفضل اليسار‬ ‫ِّ‬ ‫فاليـوم‪ ،‬علـى مسـتوى القيـم‪ ،‬إن الـزاد‬ ‫الثقافـي لليميـن الجديـد قابـل للمقارنـة‬ ‫مـع ذلـك المتعلِّـق بالحركـة «‪»L’action‬‬ ‫الفرنسـية‪ ،‬لسـنوات ‪ .1930‬نحافـظ فـي‬ ‫خطابنا عن المؤلّفين «المنبوذين»‪ ،‬مثالً‪،‬‬ ‫نفكـر فيهـا‬ ‫معينـة‪ ،‬لـم نكـن ِّ‬ ‫علـى نسـبية َّ‬ ‫منذ ما يقرب من عشـرين عاماً‪ .‬يمكننا أن‬ ‫نـرى فيهـا مخرجـ ًا للمانويـة (مذهب ديني‬ ‫قديـم يقـول بمبدأ النور والظلمة)‪ ،‬ولكن‪،‬‬ ‫توجـد‪ -‬أيضـاً‪ -‬سـذاجة أكثر»‪.‬‬ ‫أمـا فنكلكـروت‪ ،‬مـن جهتـه‪ ،‬فقـد‬

‫أعطـى‪ ،‬فـي كتابـه‪ ،‬بعـض األمثلـة لمـا‬ ‫يـؤدي إليـه هـذا الخليـط مـن‬ ‫يمكـن أن‬ ‫ِّ‬ ‫التصحيـح السياسـي واالرتـداد‪ :‬إن‬ ‫العريضـة الجماعية التي أطلقها الروائي‬ ‫إدوارد لويـس«‪ ،»Edouard Louis‬في‬ ‫مواجهة مارسيل كوشي‪ ،‬خالل المواعيد‬ ‫األخيـرة‪ ،‬وتضمنـت «إيمانويـل تـود‬ ‫«‪ ،»Emmanuel todd‬وإيـدوي بلينال‬ ‫«‪ »Edwy Plenel‬وهما قد أصبحا‪ ،‬باسم‬ ‫«ضروريين» للنزعة اإلسالمية‪.‬‬ ‫األنوار‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إن وزيـرة التربيـة الوطنيـة نجـاة فالـو‬ ‫بلقاسـم فـي إصالحهـا للتعليـم‪ ،‬باسـم‬ ‫المسـاواة‪ ،‬تضـع نصـب عينيهـا‪ -‬كمـا‬ ‫يقول فنكلكروت‪« -‬الرداءة للجميع كهدف‬ ‫وحيد»‪ ،‬وماذا سنقول عن المدافعين عن‬ ‫التوجـه اآلخـر الـذي نجد‬ ‫العلمانيـة‪ ،‬هـذا‬ ‫ُّ‬ ‫ُمَم ِّثِليـه‪ ،‬حتـى في اليميـن األقصى‪ ،‬وهم‬ ‫يطالبـون‪ -‬كذلـك‪ -‬بعصـر األنـوار؟‬ ‫يقـول مارسـيل كوشـي‪« :‬إن مفارقـة‬ ‫العقـل‪ ،‬فـي العمـق‪ ،‬ال تفهـم إال نفسـها‪:‬‬ ‫انظـروا إلـى العلمانييـن الذيـن يواجهون‬ ‫الظاهـرة الدينيـة! الجـواب الوحيـد هـو‬ ‫رفـع األكتـاف‪ .‬حتمـاً‪ ،‬هـذا مختـزل جـّداً‪،‬‬ ‫تطـور المسـتوى‬ ‫يعبـر ّ‬ ‫يفسـر لمـاذا ّ‬ ‫وال ِّ‬ ‫الّتربـوي فـي العالـم عـن رفـع مسـتوى‬ ‫الجوهرانيـة «‪.»Fondamentalisme‬‬ ‫يذكرنـا‪ ،‬مـن جهتـه‪ ،‬بيير أنـدري تاركيف‬ ‫ِّ‬ ‫بـأن «االعتقـاد فـي مشـروع الالنهائـي‬ ‫ال عالقـة لـه بعصـر األنـوار» ُمَت َح ِّدثـ ًا‬ ‫فـي هـذا الموضـوع عـن «انهيـار النزعـة‬ ‫المفكر والفيلسوف‬ ‫الفولتيرية( نسبة إلى‬ ‫ِّ‬ ‫فولتيـر)»‪ ،‬إنـه يطالـب جميـع النـاس‬ ‫بموروث عصر األنوار‪ ،‬وبشـكل مفارق‪،‬‬ ‫اليوم‪« :‬الرافضون» ‪ Déclinistes‬باسم‬ ‫الحضـارة (وبعـض الكاثوليكييـن الذيـن‬ ‫يدعـون إلـى العلمانيـة‪ ،‬إلـى فولتيـر)‪،‬‬ ‫«المتع ِّدد‬ ‫و«التقدميـون» باسـم المسـتقبل‬ ‫َ‬ ‫األقطـاب» ( اكتشـفوا تعاطفـات اّتجـاه‬ ‫النسبية الثقافية‪ ،‬وهو موضوع مرتبط‪،‬‬ ‫تقليديـاً‪ ،‬بمـا هـو نقيـض عصـر األنوار)‪.‬‬ ‫متنـوراً‪ ،‬لكنـه‬ ‫كل العالـم يريـد أن يكـون‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫لـم يكـن‪ -‬أبـداً‪ -‬قاتمـ ًا (معتمـاً) جـّداً‪ ،‬بهـذا‬ ‫الشـكل مـن القتامـة التـي هو عليهـا اآلن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المصدر‬ ‫المجلّـة األدبيـة الفرنسـية‪ ،‬عـدد ‪ 560‬أكتوبـر ‪،2015‬‬ ‫الصفحـات‪86/72 :‬‬ ‫ترجمة‪ :‬سعيد بن الهاني‬

‫‪37‬‬


‫‪Ahmet Gu-nes-tekin _ encounter-kostantiniyye-series-3‬‬

‫«إسطنبول المعاصر» (‪)10‬‬ ‫منصة مشرقة عن الثّقافة وال َ‬ ‫ن في تركيا‬ ‫ف ّ‬ ‫ّ‬ ‫إسطنبول‪ -‬رنا نجار‬ ‫قـل مـن شـهرين يفصلان بيـن أهـم‬ ‫َأ ّ‬ ‫تشكيليتين تجاريتين في تركيا‬ ‫تظاهرتين‬ ‫ّ‬ ‫همـا «آرت انترناشـونال» و«إسـطنبول‬ ‫المعاص�ر»« «�‪Contemporary Istan‬‬ ‫‪ ،»bul‬رافقهمـا «بينالـي إسـطنبول» فـي‬ ‫دورتـه الرابعـة عشـرة‪ ،‬وهـو األبـرز فـي‬ ‫الشـرق األوسـط‪ .‬ثلاث تظاهـرات حملت‬ ‫طياتهـا قضايـا سياسـية وإنسـانية‬ ‫فـي ّ‬ ‫واجتماعيـة مختلفـة‪.‬‬ ‫فـي جولـة سـريعة في أرجـاء معرض‬ ‫«‪ ،»Contemporary Istanbul‬الـذي‬ ‫احتفل في نوفمبر الماضي بعشر سنوات‬ ‫يركـز علـى أعمـال‬ ‫علـى افتتاحـه‪ ،‬والـذي ّ‬ ‫‪38‬‬

‫كميـة ال بأس بها‬ ‫الفنانيـن األتـراك‪ ،‬نرى ّ‬ ‫مـن األعمـال طرحـت قضايـا ُملحـة أهمهـا‬ ‫وحرّيـة التعبيـر‪ .‬الفنـان‬ ‫الديموقراطيـة‬ ‫ّ‬ ‫التركـي الشـهير بـدري بايـكام الـذي ُيلقّب‬ ‫بــ «آنـدي وارهـول تركيـا» يصـرح لمجلة‬ ‫«الدوحـة» بـأن «مثـل هـذه المعـارض هي‬ ‫المتنفّـس األكبـر للفنانيـن األتـراك الذيـن‬ ‫يعملون تحت الرقابة ويقاتلون بأعمالهم‬ ‫حرّية التعبيـر»‪ .‬ويضيف‪« :‬هذه‬ ‫مـن أجـل ّ‬ ‫طـورت السـوق‬ ‫ّقافيـة ّ‬ ‫التظاهـرات الث ّ‬ ‫ّيـة فـي تركيـا‪ ،‬ووسـعت آفـاق ثقافـة‬ ‫الفنّ‬ ‫المواطـن التشـكيلية العالميـة‪ .‬كمـا أنهـا‬ ‫لفتـت نظـر الجامعيـن األتـراك إلـى أعمال‬ ‫مواطنيهـم‪.»..‬‬

‫اإليجابية هي سالحنا‬ ‫هـذه اإليجابيـة التـي تراهـا فـي عيون‬ ‫كثيـر مـن الفنانيـن األتـراك‪ ،‬تحـّدث عنها‬ ‫علي غورلي رجل األعمال ورئيس مجلس‬ ‫إدارة «‪ »Contemporary Istanbul‬في‬ ‫حديثه لمجلة «الدوحة»‪ ،‬لدى سؤالنا عما‬ ‫منصـة مشـرقة‬ ‫اذا كان معرضـه ّ‬ ‫يشـكل ّ‬ ‫ـن فـي تركيـا‪ :‬المعـرض‬ ‫عـن الثّقافـة َ‬ ‫والف ّ‬ ‫يقـّدم لوحـات جريئـة‪ ،‬فكيـف ُيسـمح لكم‬ ‫الحرّيـة‪ ،‬أال تخافـون‬ ‫بهـذا الهامـش مـن ّ‬ ‫إقفالـه؟ يجيـب غورلـي‪« :‬نحـن مؤسسـة‬ ‫ّيـة ال نتعاطـى السياسـة‪،‬‬ ‫خاصـة وفنّ‬ ‫ً‬ ‫ّيـة مـن حـول‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫ال‬ ‫أعمـا‬ ‫نعـرض‬ ‫ونحـن‬ ‫ّ‬ ‫العالـم فـي مركـز خـاص غيـر حكومـي‪،‬‬


‫‪Serkan Yuksel - ciftlik‬‬

‫الحرّيـة‪.‬‬ ‫لـذا يعطينـا وضعنـا هامشـ ًا مـن ّ‬ ‫وهـذا المعـرض الـذي يجمـع أعمـا ًال لكبـار‬ ‫الفنانيـن حـول العالـم‪ ،‬هـو بحـّد ذاتـه‬ ‫حرّيـة التعبيـر فـي‬ ‫صـورة إيجابيـة عـن ّ‬ ‫تركيا مهما اختلف النقاد والمحللون حول‬ ‫حالتهـا‪ .‬لـذا فـإن الحكومـة ال تسـألنا عـن‬ ‫ماهيـة األعمـال المعروضـة وال تطلـب أن‬ ‫تراها‪ ،‬هي توافق على عرضها باعتبارها‬ ‫ّيـة وتشـكيلية فقـط‪ .‬ثـم إن هـذه‬ ‫أعمـا ًال فنّ‬ ‫ال‬ ‫تجاريـة‬ ‫ا‬ ‫أيضـ‬ ‫هـي‬ ‫األعمـال‬ ‫ً‬ ‫وتدخل دخ ً‬ ‫ُ‬ ‫مهمـ ًا علـى االقتصـاد‪ ،‬سـواء مـن ناحيـة‬ ‫تشـغيل الفنـادق واألماكـن السـياحية من‬ ‫خلال زوار المعـرض الذين وصل عددهم‬ ‫إلـى ‪ 90‬ألـف زائـر مـن تركيـا والعالم‪ ،‬أم‬ ‫من ناحية تشغيل الغاليريهات والفنانين‬ ‫والعامليـن فـي القطـاع»‪.‬‬ ‫يمـر العالـم بظـروف صعبـة نظـرًا‬ ‫ّ‬ ‫لألحداث السياسية المتالحقة والمتسارعة‬ ‫في المنطقة‪ ،‬خصوص ًا موجات اإلرهاب‪،‬‬ ‫وتشـعب‬ ‫إضافـة إلـى األزمـة االقتصاديـة‬ ‫ّ‬ ‫قضيـة الالجئيـن السـوريين وقضيـة‬ ‫األكـراد‪ .‬كيـف تؤثّـر كل هـذه العناصـر‬ ‫ـن التركـي وعلـى تنظيـم معرض‬ ‫علـى َ‬ ‫الف ّ‬ ‫«إسـطنبول المعاصـر» تحديـداً؟ يجيـب‬ ‫غورلـي‪« :‬تواجـه غالبيـة دول العالـم‬ ‫صعوبـات ماليـة‪ .‬وواجهـت تركيـا مثـل‬ ‫هـذه الصعوبـات مـن قبـل‪ ،‬حيـث وصلـت‬ ‫معدالت التضخم مستويات قياسية‪ .‬نحن‬ ‫نفكـر كيـف‬ ‫نمـر‬ ‫بتحـد كبيـر‪ .‬ولكـن نحـن ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫يمكننا استثمار الجوانب اإليجابية بد ًال من‬ ‫زيـادة التحّدّيات؟ وكيف يمكن االسـتفادة‬ ‫من هذه التحّدّيات لتحقيق نتائج مختلفة؟‬

‫‪Bahadir baruter 2 - fatality‬‬

‫أنـا أتحـّدث عـن جعل األمـور إيجابية عن‬ ‫سـابق إصـرار وتصميم بعيـدًا عن ارتفاع‬ ‫التضخـم‪ .‬و‪ 50‬فـي المئـة اعمـال‬ ‫معـدالت‬ ‫ّ‬ ‫هـذه المهمـة المواجهـة للسـلبية‪ ،‬هـي‬ ‫رياضيـة وماليـة‪ ،‬ولكـن الخمسـين فـي‬ ‫المئة المتبقية هي نفسية وإدراكية‪ .‬نحن‬ ‫اآلن نحاول تحفيز البيئة وملؤها بالطاقة‬ ‫اإليجابيـة مـن خلال معرض «إسـطنبول‬ ‫المعاصـر»‪ ،‬الـذي نجـح علـى مـدى عشـر‬ ‫سـنوات فـي بـث روح إيجابيـة فـي البلـد‬ ‫كمـا يقـول لنـا النـاس»‪.‬‬ ‫لقـد أتـى المعـرض مباشـرة بعـد‬ ‫االنتخابـات الوطنيـة التـي فاز بهـا مجّددًا‬ ‫حـزب العدالـة والتنميـة اإلسلامي‪ ،‬ومع‬ ‫ذلـك كان عـدد الـزوار كبيـرًا جـدًا ونسـبة‬ ‫البيـع تخطـت الــ ‪ 63‬مليون يـورو‪ ،‬وهذا‬ ‫مـا يؤكـد أن «األتـراك يتوقـون إلـى بيئـة‬ ‫ثقافية مشرقة وإيجابية‪ ،‬وهذا ما آمله»‪،‬‬

‫المعرض الذي يجمع‬ ‫أعما ًال لكبار الفنانين حول‬ ‫العالم‪ ،‬هو بح ّد ذاته صورة‬ ‫إيجابية عن حرّيّة التعبير في‬ ‫تركيا مهما اختلف النقاد‬ ‫والمحللون حول حالتها‬

‫‪Bahadir baruter 3 - fatality‬‬

‫كما يقول غورلي‪ُ .‬مضيفاً‪« :‬آمل أن يدعم‬ ‫ـن ويجـدون مسـاحات إضافيـة‬ ‫قادتنـا َ‬ ‫الف ّ‬ ‫ّقافية في البلد‪ ،‬كما تفعل‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫البيئات‬ ‫لهذه‬ ‫ّ‬ ‫دول مثل قطر واإلمارات‪ .‬هم يسـتثمرون‬ ‫ـن ألنهـم يعـون أنه ُيعطـي صورة‬ ‫فـي َ‬ ‫الف ّ‬ ‫جيلا مثقف ًا‬ ‫وينشـئ‬ ‫بلدانهم‬ ‫عـن‬ ‫إيجابيـة‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫واعياً»‪.‬‬

‫منصة تبتكر ال َف ّن‬ ‫س�اهم« «�‪Contemporary Istan‬‬ ‫‪ »bul‬المعـرض الفنّـي التجـاري األول من‬ ‫نوعه في المدينة والذي تأسس في العام‬ ‫‪ ،2005‬فـي ازدهـار الفنـون المعاصـرة‬ ‫أسـس لشـراكات مثمـرة بين‬ ‫ّ‬ ‫محليـاً‪ ،‬كمـا ّ‬ ‫فنانيـن أتـراك وهـواة تجميـع عالمييـن‬ ‫وغاليريهـات دوليـة‪ ،‬ولكـن هذا المعرض‬ ‫ليـس وحـده الـذي أعـاد إسـطنبول إلـى‬ ‫ّيـة‪ ،‬خصوصـ ًا المعاصـرة‪.‬‬ ‫الخارطـة الفنّ‬ ‫فهناك «بينالي إسـطنبول»‪ ،‬الذي أسسـه‬ ‫بيـرال مـادرا فـي العام ‪ 1987‬وهـو الرائد‬ ‫ـن المعاصر‪ ،‬والذي‬ ‫فـي تحريـك عجلة َ‬ ‫الف ّ‬ ‫اسـتقدم فنانيـن مشـهورين إلـى تركيـا‬ ‫وقيمين دوليين مثل دان كاميرون ورينيه‬ ‫ّ‬ ‫بلوك‪ .‬وال ننسى تأثير مؤسستي « �‪Ve‬‬ ‫‪( »hbi Koç Foundation‬تأسسـت‬ ‫فـي العـام ‪ )1969‬و«‪( »Arter‬تأسسـت‬ ‫فـي العـام ‪ )2010‬الشـقيقتين وغيـر‬ ‫الحكوميتيـن‪ ،‬فـي تطويـر بنيـة تحتيـة‬ ‫ـن المعاصر‪.‬‬ ‫مسـتدامة إلنتـاج وعرض َ‬ ‫الف ّ‬ ‫‪39‬‬


‫اليوناني جانيس كونيل ّيس األعىل ثمناً‬ ‫قـد يشـعر زائـر المعـرض الـذي يأتـي‬ ‫فـي المرتبـة الخامسـة عالميـ ًا مـن حيـث‬ ‫عـدد الـزوار‪ ،‬والـذي شـارك فيـه ‪102‬‬ ‫غاليـري مـن ‪ 24‬بلـدًا حول العالم‪ ،‬و‪790‬‬ ‫فنانـاً‪ ،‬أن التنظيـم وتوزيـع الغاليريهات‬ ‫وطريقـة العـرض تحتـاج إلـى مزيـد مـن‬ ‫الخبـرة والدقـة مـن ناحية اختيار األعمال‬ ‫والغاليريهـات العالميـة‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫ذلـك‪ ،‬وصـل المعـرض إلى مبلغ قياسـي‬ ‫في المبيعات في الشرق األوسط وهو ‪63‬‬ ‫مليون يورو‪ ،‬بمعدل مبيعات بلغ ‪ 64‬في‬ ‫المئـة مـن نسـبة األعمـال المعروضـة فـي‬ ‫الفّن‬ ‫هذه الدورة‪ .‬ولكن المتابعين لسـوق َ‬ ‫المعاصـر كانـوا يتوقعـون مبيـع حوالـي‬ ‫‪ 70‬إلـى ‪ 80‬فـي المئـة مـن المعروضـات‪،‬‬ ‫خصوص ًا مع زيارة المعرض حوالي ‪600‬‬ ‫هـاوي تجميـع مـن مختلـف بلـدان العالم‪.‬‬ ‫وال ننسـى أن المعـرض نفسـه وصلـت‬ ‫نسـبة مبيعاتـه العـام الماضـي‪ ،‬إلـى ‪72‬‬ ‫فـي المئـة مـن نسـبة المعروضـات التـي‬ ‫عرضهـا ‪ 190‬غاليـري (‪ 62‬منهـا دوليـة)‪.‬‬ ‫وفـي نظـرة سـريعة علـى األعمـال‬ ‫المباعـة‪ ،‬احتلـت منحوتـة «بلا عنـوان»‬ ‫الضخمـة لليونانـي جانيـس كونيلّيـس‬ ‫(ولـد فـي العام ‪ )1936‬المرتبة األولى من‬ ‫حيـث األعمـال األعلـى ثمن ًا فـي المعرض‪.‬‬ ‫المنحوت�ة الت�ي عرضه�ا غالي�ري« «�‪Art‬‬ ‫‪ »ist‬بيعت بمليون و‪ 40‬ألف يورو‪ .‬تالها‬ ‫عمل لرسام الغرافيتي البريطان ي �‪Bank‬‬ ‫‪ sy‬عـام ‪ 1974‬بيـع بــ ‪ 500‬ألـف باونـد‬ ‫مـن غاليـري «‪ .»Lazarides‬أمـا لوحـة‬ ‫«‪ »Homage to Titan‬للفنـان التركـي‬ ‫‪ Mehmet güleryüz‬عـام ‪،1938‬‬ ‫فبيعـت مـن غاليـري ‪ Marsyas‬بــ ‪175‬‬ ‫ألـف يـورو‪ .‬فيمـا بيعـت منحوتـة «كايـت‬ ‫مـوس» للبريطانـي مارك كويـن (‪)1964‬‬ ‫من غاليري ‪ Krampf‬بـ ‪ 160‬ألف دوالر‪.‬‬

‫تط ّور ملحوظ‬ ‫تط�ور« «�‪Contemporary Is‬‬ ‫لق�د‬ ‫ّ‬ ‫‪ »tanbul‬مـن مسـتضيف لــ ‪ 49‬غاليـري‬ ‫فـي السـنة األولـى إلـى ‪ 108‬غاليـري‬ ‫هـذا العـام‪ .‬وقـد ُأضيفـت إلـى برنامجـه‬ ‫ّقافيـة‬ ‫مشـاريع كثيـرة منهـا الحـوارات الث ّ‬ ‫الحيـة التـي يشـارك فيهـا فنانـون وأمناء‬ ‫ّ‬ ‫‪40‬‬

‫‪SERKAN YUKSEL‬‬

‫وقيمـون وغيرهـم مـن خبـراء‪،‬‬ ‫متاحـف ّ‬ ‫ومنصة «‪ »Plugin‬التي تستضيف أحدث‬ ‫ّ‬ ‫االتجاهـات والنزعـات فـي عالـم وسـائل‬ ‫اإلعلام الجديـدة للفنون‪ .‬كما تختار لجنة‬ ‫مستشـارين بلـدًا أو مدينـة مـن العالـم كل‬ ‫ـن المعاصر‬ ‫عـام ّ‬ ‫تطـورات َ‬ ‫الف ّ‬ ‫لتركـز على ّ‬ ‫فيها‪ ،‬ومن َثّم تستضيف أهم الغاليريهات‬ ‫ّيـة فيهـا‪ ،‬وتحـاول‬ ‫والمؤسسـات الفنّ‬ ‫ّية في البلد‬ ‫ن‬ ‫الف‬ ‫الحركات‬ ‫االستقصاء حول‬ ‫ّ‬ ‫المختار من خالل النقاشـات التي تديرها‬ ‫خالل المعرض‪ .‬كما أضاف المعرض إلى‬ ‫برنامجـه مشـروع «‪ »X-change‬الـذي‬ ‫يسـتضيف فنانيـن شـباب ًا محلييـن ومـن‬ ‫العالـم‪ ،‬ليسـلط الضـوء علـى أعمالهـم‬

‫ّية‬ ‫وتحفيزهم من خالل عرض مشاريع فنّ‬ ‫خاصة بـ «إسطنبول المعاصر»‪ .‬فالشباب‬ ‫والمخضرمـون هـم الشـريحة األكبـر التي‬ ‫يركز عليها «‪ ،»CI‬في مشاريعه كافة كما‬ ‫ّ‬ ‫يؤكـد غورلـي‪« .‬المعـرض بهـذه البرامـج‬ ‫ـن وسـياقاته»‪ ،‬كمـا‬ ‫أصبـح مبتكـرًا َ‬ ‫للف ّ‬ ‫يقـول غورلـي‪ .‬ويضيـف أن «»إسـطنبول‬ ‫المعاصر» الذي مّهد إليه الطريق «بينالي‬ ‫إسـطنبول» الـذي ُيعـّد الشـعلة بالنسـبة‬ ‫لنـا‪ ،‬اسـتطاع أن يزيـد مـن عـدد الفنانيـن‬ ‫األتـراك والدولييـن فـي السـوق المحلية‪،‬‬ ‫خصوص ًا أن المعرض يكشف سنوي ًا عن‬ ‫وجـوه ومواهـب جديـدة‪ .‬وقـد زاد المشـهد‬ ‫تنوع ًا وغنى منذ ‪ 10‬سنوات‬ ‫اإلسطنبولي ّ‬


‫‪ - Ozgur korkmazgil‬قذيفة‬

‫يصعـب تتبع وتعقّب‬ ‫حتـى اآلن‪ .‬وهـو ما ّ‬ ‫ّية‬ ‫كل هـذا التدفـق الهائـل مـن األعمـال الفنّ‬ ‫مـن ِقَبل الجامعيـن والخبراء‪ ،‬وهنا تكمن‬ ‫مهمتنـا كمنصـة أو كدليـل للعـرض وليس‬ ‫ّ‬ ‫للنصيحـة‪ ،‬للجامعيـن وأمناء المتاحف»‪.‬‬

‫منافسة محتدمة‬ ‫اليـوم أصبـح لمعـرض «إسـطنبول‬ ‫المعاص�ر» مناف�س وه�و« «�‪Artinter‬‬ ‫‪ )national Istanbul» (AI‬الـذي يغمـز‬ ‫غورلـي إلـى أنـه يسـتغل نجـاح «بينالـي‬ ‫إسـطنبول» وزواره والصحافـة الدوليـة‬ ‫المدعـوة إلـى التظاهـرة العريقة منذ العام‬ ‫‪ ،1987‬من خالل تنظيم معرضه بالتزامن‬ ‫مـع البينالـي فـي سـبتمبر‪/‬أيلول‪ .‬لطالمـا‬ ‫أكـد غورلـي علـى أهميـة التشـبيك‪ ،‬لكـن‬ ‫فكـر بالمنافسـة؟ وهـل يمكـن القـول‬ ‫هـل ّ‬ ‫إن «إسـطنبول المعاصـر» سـاهم كمنصـة‬ ‫فـي والدة معـرض جديـد وهـو «‪»AI‬؟ يـرد‬ ‫مميزة‬ ‫غورلـي‪« :‬يمكن إلسـطنبول كمدينة ّ‬ ‫للفّن‬ ‫وجميلة ومعروفة تاريخي ًا بتشجيعها َ‬ ‫ّية‪.‬‬ ‫والعمارة‪ ،‬أن تتسع لكل المساحات الفنّ‬ ‫وهو أمر يساعد على إبراز الوجه المشرق‬ ‫إلسـطنبول الـذي تفتقـده خصوصـ ًا فـي‬ ‫الصحافـة الدوليـة‪ .‬ولكننـي أعتمد مبدأ في‬ ‫حياتي المهنية وهو عدم تقليد أي مشروع‬ ‫أو نسـخه وعـدم تأسـيس عمـل مبني على‬ ‫نجاحـات اآلخريـن‪ .‬هـذا خطـأ»‪ .‬وهـو مـا‬ ‫فعله معرض «‪ ،»AI‬إذ اسـتفاد مما أسسـه‬ ‫«إسـطنبول المعاصر» وحـاول تقليده مع‬ ‫الدولية أكثر من‬ ‫التركيز على الغاليريهات‬ ‫ّ‬

‫بدري بايكام‬

‫المحليـة‪ ،‬علـى عكـس مـا يفعـل معـرض‬ ‫ّ‬ ‫غورلـي‪ .‬وهنـا يوضح غورلـي‪« :‬الغرض‬ ‫والحاجة هما اللذان يحددان عملك‪ .‬وعندما‬ ‫أسسـنا «إسطنبول المعاصر» كانت هناك‬ ‫فجـوة كبيـرة واسـتطعنا سـّدها‪ .‬لكنني ال‬ ‫أعرف ما هي حاجة «‪Artinternational‬‬ ‫‪ »Istanbul‬ومـا هـي الفجوة التي يسـدها‬ ‫فـي مدينتنا»‪.‬‬ ‫ه�ل اس�تفا د �‪Contemporary Is‬‬ ‫‪ tanbul‬مـن «بينالـي إسـطنبول»؟ يجيـب‬ ‫غورلـي‪« :‬أبـداً‪ ،‬لـم نفكـر باألمـر‪ .‬وقـد كنت‬ ‫من الداعمين لهذه التظاهرة الوطنية وأدعو‬ ‫دائمـ ًا إلـى دعمهـا‪ ،‬وال يمكـن أن أقتنـص‬ ‫نجاحاتهـا»‪ .‬وهنـا يشـرح أن أي معـرض‬ ‫يجـب أن تكـون لـه شـخصيته وتوقيتـه‬ ‫وزواره‪ ،‬لـذا «نحـن رفضنـا أن يتزامـن‬

‫علي غورلي‬

‫معرضنـا مـع البينالـي‪ ،‬وال نقبـل بتقاسـم‬ ‫الخبـزة معـه‪ ،‬ال ماديـ ًا وال صحافيـاً»‪ .‬ثـم‬ ‫تنظم معرض ًا مثل‬ ‫أشار إلى أنه ال يمكن أن ّ‬ ‫«‪ »AI‬في سـبتمبر‪/‬أيلول‪ ،‬وتختفي طوال‬ ‫العام‪ ،‬عليك التواصل مع الناس والفنانين‬ ‫والزوار والمجتمع الفنّي عامة‪ .‬أما بالنسبة‬ ‫إلى جدولة المعارض الزمنية‪ ،‬فقال إنه ال‬ ‫نظم معرضان في‬ ‫يجوز وليس مقنع ًا أن ُي َّ‬ ‫مدينـة واحـدة خلال مـّدة زمنيـة ال تتعـّدى‬ ‫الشـهرين‪ ،‬فتنظيـم تظاهرتيـن فـي الوقـت‬ ‫نفسـه يـؤدي إلـى منافسـة سـلبية أو غيـر‬ ‫شـريفة‪ .‬وهنـا يؤكـد أن إدارة «إسـطنبول‬ ‫المعاصـر» اّتخـذت قرارهـا بمقاطعـة كل‬ ‫الغاليريه�ات الت�ي تتعام�ل م�ع« «�‪Artint‬‬ ‫‪.»ernational Istanbul‬‬ ‫‪41‬‬


‫العمل الفني لـ «صفوان داحول»‬ ‫كل األعمال الفنية في الملف لفنانين من سورية‬


‫ملف‬

‫التّعايُش‪..‬‬ ‫إلى أين‬

‫ّعايــش‬ ‫لــم ُتعــد مســألة الت ُ‬ ‫اليــوم قضّيــة توزيــع عــادل‬ ‫للمواطنــة والهوّيــة بيــن‬ ‫ُ‬ ‫األقّلّيــات داخــل البلــد الواحد‬ ‫فقــط‪ ،‬وإن كان هــذا مطلبــ ًا‬ ‫وري فيــه غيــر ُمكتمــل فــي‬ ‫اليــزال البنــاء ُّ‬ ‫الدسـُت ّ‬ ‫حيــث‬ ‫الجغرافّيــات‪ ،‬بــل إنّهــا مــن‬ ‫ُ‬ ‫الكثيــر مــن ُ‬ ‫مطروحــة‬ ‫المبــدأ والقيمــة باتــت مســألة كونّيــة ُ‬ ‫ودولــي للصــراع‬ ‫ـي ُ‬ ‫ُ‬ ‫بصــورة عاجلــة كحـٍـل إقليمـ ّ‬ ‫القائــم فــي مناطــق الّنــزاع والهجرة‪ُ .‬منـُذ أواخر‬ ‫الحالي ســاهمت‬ ‫القــرن العشــرين وبدايــة القــرن‬ ‫ّ‬ ‫ُك ُّل مــن التّجربتيــن األميركيــة واألوروبيــة فــي‬ ‫ـن سياســات‬ ‫ّعايــش عبــر سـّ‬ ‫نمــوذج للت ُ‬ ‫ترســيخ ُ‬ ‫ـي واالندمــاج‬ ‫تطبيقّيــة مــن قبيــل التّعـ ُّـدد الّثقافـ ّ‬ ‫ــن مجــرى األحــداث‬ ‫لك ّ‬ ‫كرســة‪ُ ،‬‬ ‫الم ّ‬ ‫والمواطنــة ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّفنــا علــى ُمالحظــة تبـ ُـدو فيهــا هــذه‬ ‫اليــوم ُيوقُ‬ ‫قدرتهــا علــى‬ ‫ّجــارب وكأنّهــا قــد اســتنفدت ُ‬ ‫الت ُ‬ ‫البنيوّيــة داخــل ُمجتمعــات‬ ‫احتــواء التّحـ ُّ‬ ‫ـوالت ُ‬ ‫أكثــر اســتفحا ًال مــع ُرُدود‬ ‫وبشــكل‬ ‫الهجــرة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ـرب علــى اإلرهــاب إبــان‬ ‫الفعــل الّتــي تلـ ّ‬ ‫ـت الحـ ُ‬ ‫ـال‬ ‫تفجيــرات ‪ 11‬ســبتمبر ‪ 2001‬إلــى اآلن‪ .‬والحـ ُ‬ ‫ـف إليــه تاريــخ‬ ‫أن هــذا االســتنفاد إذا مــا أضيـ ُ‬ ‫الدس ـُتورّية داخــل الّدولــة الوطنّيــة‬ ‫المراوغــة ُّ‬ ‫ُ‬ ‫المهاجريــن وفشــلها فــي‬ ‫ــال‬ ‫م‬ ‫للع‬ ‫صــدرة‬ ‫الم‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫والعرقــي‬ ‫اتــي‬ ‫ي‬ ‫الهو‬ ‫ع‬ ‫ّنــو‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫قوانيــن‬ ‫تنزيــل‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ـي ُمعلّقـ ًا‬ ‫ـوم الت ُ‬ ‫محلّيـاً‪ ،‬يبقــى مفهـ ُ‬ ‫ّعايــش الكونـ ّ‬ ‫بيــن المحّلّيــة والكونّيــة‪ ،‬وبديهّيــ ًا فــإن فشــل‬ ‫االندمــاج محلّيـ ًا ُيســاوي نظيــره فــي ُمجتمعــات‬ ‫ُّ‬ ‫وري‬ ‫يبــدو‬ ‫الحــل ُّ‬ ‫الدســُت ُّ‬ ‫الهجــرة‪ .‬نظرّيــاً‪ُ ،‬‬ ‫بســطة‬ ‫الم ّ‬ ‫للت ُ‬ ‫المعادلــة ُ‬ ‫ـي فــي هــذه ُ‬ ‫ّعايــش المحّلـ ّ‬ ‫ُمقتصــرًا علــى االثنيــات الّثقافّيــة الوارثــة‬

‫لتاريــخ ُمثقــل ســّمته اإلقصــاء والحرمــان‬ ‫الخاصــة‪،‬‬ ‫مــن التّمتُّــع بالهوّيــة والذّاكــرة‬ ‫ّ‬ ‫السياســّية الليبراليــة فــي تلبيــة‬ ‫والتّجــارب ّ‬ ‫مطالــب الحــركات النّضالّيــة االثنيــة حقّقــت‬ ‫نموذجّيــة ناجحــة كمــا هــو حــال‬ ‫ُم‬ ‫ُ‬ ‫كتســبات ُ‬ ‫الحُمــر فــي‬ ‫الس ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ــكان األصلييــن‪ :‬كالهنــود ُ‬ ‫أميــركا وكنــدا‪ ،‬واألبوريجــان فــي أســتراليا‪،‬‬ ‫ــام‬ ‫ّ‬ ‫والس ّ‬ ‫ــورو فــي نيوزيالنــدا‪ّ ،‬‬ ‫وســكان ُ‬ ‫الم ُ‬ ‫فــي إســكندنافيا‪ ،‬وكذلــك بالنّســبة لألقاليــم‬ ‫كمقاطعــة الكيبيــك‬ ‫والمقاطعــات الوطنّيــة ُ‬ ‫ُ‬ ‫فــي كنــدا‪ ،‬واســكتلندا والغــال فــي بريطانيــا‪،‬‬ ‫والقشــتاليين والباســك فــي إســبانيا‪،‬‬ ‫الماليو‬ ‫والفالمونــد فــي بلجيكا‪ ،‬وأيضـ ًا تجربة‬ ‫ُ‬ ‫فــي ماليزيــا وآتشــيه فــي إندونيســيا‪ ...‬وعلــى‬ ‫وح ُصولها‬ ‫ّ‬ ‫الرغــم مــن مخاضــات هــذه التّجــارب ُ‬ ‫الصراع‬ ‫ـ‬ ‫ّات‬ ‫ذ‬ ‫ال‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ك‬ ‫الح‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫عل‬ ‫ـي وإمكانيــة اســتمرار ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫مــع الّدولــة المركزّيــة يصــل فــي بعضهــا إلــى‬ ‫المطالبــة باالســتقالل‪ ،‬فــإن اآللّيــة البرلمانّيــة‬ ‫ُ‬ ‫القـّـوة الحزبّيــة تجعـ ُـل مــن‬ ‫الخاضعــة لموازيــن ُ‬ ‫للمكتســبات‬ ‫ّ‬ ‫الصــراع ّ‬ ‫ـلمي ضامن ًا ُ‬ ‫ـي السـ ّ‬ ‫السياسـ ّ‬ ‫الدســُتورّية‪ ،‬وهــو مــا ينتفــي فــي‬ ‫والمطالــب ُّ‬ ‫يســتنزف‬ ‫ّتــي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ــراع‬ ‫الص‬ ‫مناطــق‬ ‫الكثيــر مــن‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫فيهــا ّ‬ ‫يتــم‬ ‫الطرفــان الّثــروة الوطنّيــة‪ ،‬كمــا ُ‬ ‫قافــي بينهمــا‪ ،‬وبالمــآل‬ ‫تعطيــل ُ‬ ‫المشــترك الّث ّ‬ ‫لشـ ُـعوبها أســبقّية تصديــر األفــكار‬ ‫نفســه باتــت ُ‬ ‫ّعايــش‪.‬‬ ‫الم ّ‬ ‫والمهــّددة للســلم والت ُ‬ ‫تطرفــة ُ‬ ‫ُ‬ ‫فــي هــذا الملـ ّ‬ ‫تطرحــه «الّدوحــة» علــى‬ ‫ـف‪ ،‬اّلــذي‬ ‫ُ‬ ‫ّط‬ ‫ضــوء األحــداث التــي يعيشــها العالــم‪ ،‬نس ـل ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّعايــش ومآالتــه‪،‬‬ ‫الضــوء علــى مفهــوم الت ُ‬ ‫الملحــة لــه فــي تكريــس الســلم‬ ‫وعلــى الحاجــة ُ‬ ‫ومســتقبالً‪.‬‬ ‫األهلــي حاضــرًا ُ‬


‫والتواصل‬ ‫التعايُش‬ ‫ُ‬ ‫والتنـوع‬ ‫فـي المسـاواة‬ ‫ُّ‬ ‫كامل عبد اللطيف‬

‫أع ــادت ظواه ــر اإلره ــاب والعن ــف ف ــي العال ــم‬ ‫التعايش بين األفــراد والجماعات‬ ‫المعاصــر‪ ،‬ســؤال‬ ‫ُ‬ ‫إلــى دوائــر الجــدل السياســي والثقافــي فــي العالــم‬ ‫أجم ــع‪ .‬فف ــي األح ــداث اإلرهابي ــة الت ــي تنفج ــر كل‬ ‫يــوم فــي الشــرق والغــرب وفــي الشــمال والجنــوب‪،‬‬ ‫الترب ــص والتخن ـُـدق وق ــد ع ــادا إل ــى‬ ‫نتبي ــن مالم ــح‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫حول‬ ‫الظهــور بأشــكال وصــور مختلفــة‪ ،‬األمر الــذي َّ‬ ‫المجتمعــات إلــى َم ْعِقــل للخــوف وعــدم األمــان‪.‬‬ ‫وإذا كان مـــن المؤكـــد أن الحـــروب المتواصلـــة‬ ‫ف ــي العال ــم‪ ،‬تتخ ــذ الي ــوم ص ــورًا جدي ــدة مختلف ــة‬ ‫عــن أنمــاط الحــروب التــي مـّـرت فــي التاريــخ‪ ،‬فــإن‬ ‫مــن المؤكــد أيض ـاً‪ ،‬أننــا نعيــش اليــوم أنماط ـ ًا مــن‬ ‫المواجهــات الحربيــة‪ ،‬تســتعمل فيهــا وســائط عديدة‬ ‫فزاعــة اإلرهــاب‪ ،‬حيــث ُتمــارس انفجــارات‬ ‫أبرزهــا َّ‬ ‫بالوكالــة‪ُ ،‬م َخلَِّف ًة عشــرات القتلــى ومئات الجرحى‪،‬‬ ‫المهجري ــن والخائفي ــن والمغ ـ َّـرر‬ ‫إضاف ــة إل ــى آالف‬ ‫َّ‬ ‫به ــم‪ ،‬األم ــر ال ــذي ُينت ــج أش ــكا ًال م ــن الحق ــد بي ــن‬ ‫يترتـــب عنهـــا اســـتبعاد إمكانيـــة‬ ‫المجتمعـــات‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫والتعاي ــش‪ .‬فينبع ــث التميي ــز العنص ــري‬ ‫التواص ــل‬ ‫ُ‬ ‫والكراهيــة ُم َع َّز َزيــن بلغــة القطــع واليقيــن المعاديــة‬ ‫لمنطـــق التاريـــخ‪ ،‬لغـــة المواجهـــة بيـــن اإلســـام‬ ‫والهويــات‪ ،‬وهــي‬ ‫والغــرب‪ ،‬بيــن األعــراق واأللــوان‬ ‫ّ‬ ‫لغ ــات تس ــتنجد بقي ــم وقواع ــد ومف ــردات ُمعادي ــة‬ ‫ومخاصم ــة ل ــروح التع ــاون‬ ‫ُ‬ ‫للتعاي ــش والح ــوار‪ُ ،‬‬ ‫والتضامـــن‪ ،‬أي ُمعاديـــة لـــكل القيـــم الضامنـــة‬ ‫لالســتقرار فــي المجتمــع الواحــد وبيــن المجتمعــات‪.‬‬ ‫لنتأمــل أوضــاع ســاكنة المــدن الفرنســية اليــوم‬ ‫َّ‬ ‫م ــن الع ــرب المس ــلمين‪ ،‬وس ــط الوقائ ــع اإلرهابي ــة‬ ‫‪44‬‬

‫ولنتأم ــل أيض ـ ًا‬ ‫عم ــت مدن ـ ًا فرنس ــية عدي ــدة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الت ــي ّ‬ ‫المهجري ــن م ــن ب ــؤر الح ــروب ف ــي المش ــرق‬ ‫حال ــة‬ ‫َّ‬ ‫العربـــي‪ ،‬ففـــي أوضـــاع مـــن أشـــرنا إليهـــم علـــى‬ ‫صــور مــن الريبــة والخــوف‪.‬‬ ‫ســبيل التمثيــل تســود ُ‬ ‫ويصبـــح المجتمـــع بمثابـــة فضـــاء لتوقُّـــع أبشـــع‬ ‫أشـــكال القتـــل والحـــرق‪ ،‬بـــدل أن يكـــون إطـــارًا‬ ‫للتع ــارف والتع ــاون والت ــآزر‪.‬‬ ‫يقتضـــي العيـــش المشـــترك فـــي المجتمـــع‬ ‫الواحـــد االنتصـــار لقيـــم المجتمـــع المنفتـــح علـــى‬ ‫ـوع الثقافــات وتعـ ُّـدد العقائــد‪،‬‬ ‫ـوع والتعـ ُّـدد‪ ،‬تنـ ُّ‬ ‫التنـ ُّ‬ ‫كمـــا يقتضـــي ضـــرورة اإليمـــان بالمســـاواة رغـــم‬ ‫االختالفــات العديــدة القائمــة بيــن أفــراد ومجموعات‬ ‫التنظيـــم االجتماعـــي‪ .‬وال شـــك فـــي أن مختلـــف‬ ‫تعبـــر عـــن‬ ‫المبـــادئ والقيـــم التـــي أشـــرنا إليهـــا‪ِّ ،‬‬ ‫ـور المجتمعــات البشــرية فــي‬ ‫شــكل مــن أشــكال تطـ ُّ‬ ‫العال ــم الحدي ــث‪.‬‬ ‫الت َع ْوُلـــم الجاريـــة‬ ‫إذا كنـــا نعـــرف أن عمليـــات َّ‬ ‫ف ــي عال ــم الي ــوم‪ ،‬تدعمه ــا بص ــورة قوي ــة آلي ــات‬ ‫ـور الحاصــل فــي تقنيــات التواصــل االفتراضي‬ ‫التطـ ُّ‬ ‫بوســائطها التقنيــة الجديــدة‪ ،‬أدركنــا أهميــة تطويــر‬ ‫آليــات وأنظمــة االندماج في عالم تتقلص المســافات‬ ‫بي ــن فضاءات ــه‪ ،‬ف ــي الوق ــت ال ــذي تتضاع ــف في ــه‬ ‫ابــذ‪ .‬فكيــف نعيــد‬ ‫نافــر َّ‬ ‫مكوناتــه أخــاق َّ‬ ‫الت ُ‬ ‫بيــن ِّ‬ ‫والتَن ُ‬ ‫التعايــش الثقافــي والحضــاري دون‬ ‫ـدأ‬ ‫ـ‬ ‫لمب‬ ‫االعتبــار‬ ‫ُ‬ ‫ـوع‪ ،‬أي دون جع ــل‬ ‫إقص ــاء مب ــدأ االخت ــاف والتن ـ ُّ‬ ‫ـوع والتعـ ُّـدد فــي‬ ‫ـ‬ ‫التن‬ ‫ـا لمآثــر‬ ‫التنميــط القســري بديـ ً‬ ‫ُّ‬ ‫المجــال الثقافــي؟‬ ‫التعايش الثقافــي انطالق ًا من‬ ‫فكــر فــي موضــوع‬ ‫ُن ّ‬ ‫ُ‬


‫مقّدمــة كبــرى‪ ،‬نقـّـر فيهــا بأنــه ال حديــث عــن عيــش‬ ‫مشــترك وعــن تواصــل متفاعل مع اآلخــر واآلخرين‬ ‫دون اختــاف وتعـ ُّـدد فــي وجهــات النظــر‪ ،‬في كل ما‬ ‫يج ــري بينن ــا وم ــا يج ــري ف ــي العال ــم م ــن حولن ــا‪،‬‬ ‫فنحــن نفتــرض أن فهــم وتعقُّل مختلــف أوجه الحياة‬ ‫ال يمكــن أن يحصــل بطريقــة واحــدة‪ .‬كمــا نفتــرض‬ ‫أن الح ــوار الناش ــئ ف ــي قل ــب المجتمع ــات‪ ،‬يتي ــح‬ ‫إمكاني ــة تقري ــب وتجس ــير الفج ــوات واالختالف ــات‬ ‫التـــي تنشـــأ بيـــن الذيـــن يتقاســـمون الحيـــاة فـــي‬ ‫المجتمــع الواحــد والكوكــب الواحــد‪.‬‬ ‫ينتـــج عـــن المقّدمـــة الســـابقة مقّدمـــة أخـــرى‬ ‫تواص ــل دون تس ــليم‬ ‫تعاي ــش وال‬ ‫ُ‬ ‫مفاده ــا‪ ،‬أن ــه ال ُ‬ ‫بالنديــة والتكافــؤ بيــن مــن يجمعهم مصير مشــترك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والمقدمتـــان معـــ ًا تعتبـــران مـــن القواعـــد الكبـــرى‬ ‫المؤسس ــة ل ــروح الفك ــر والثّقاف ــة ف ــي المجتمع ــات‬ ‫ِّ‬ ‫الحديثــة‪ .‬صحيــح أن االختــاف بيــن البشــر قديــم‪،‬‬ ‫وأن منظومـــات الفكـــر والثّقافـــة والتعـــاون فـــي‬ ‫التاريــخ ُر ِّكَبــت فــي إطــاره‪ ،‬وصحيــح أيضـ ًا أن أفق‬ ‫المس ــاواة َش ـ َّـكل ويش ـّـكل ب ــؤرة ناظم ــة لتطلع ــات‬ ‫وأح ــام البش ــر ف ــي التاري ــخ‪ّ ،‬إل أن حديثن ــا هن ــا‬ ‫عـــن هـــذه المقدمـــات يرتبـــط بفضـــاء التحديـــث‬ ‫السياس ــي والثقاف ــي المطلوبي ــن ف ــي مجتمعاتن ــا‪،‬‬ ‫حيــث أصبــح مبــدأ االختــاف ومبــدأ التكافــؤ بمثابــة‬ ‫األســين الناظميــن لــكل مشــروع ثقافــي‪ ،‬وأصبحــت‬ ‫ّقافيــة تســتند أو ًال وقبــل كل شــيء‪،‬‬ ‫قــوة النمــاذج الث ّ‬ ‫إل ــى الج ــدارة المعرفي ــة والتاريخي ــة الت ــي تؤهله ــا‬ ‫لتكــون مقنعــة وفاعلــة داخــل المجتمــع‪ ،‬دون إغفال‬ ‫فضائ ــل منت ــوج التفاع ــل الحاص ــل بفع ــل التس ــاكن‬ ‫ومقتضي ــات العي ــش المش ــترك‪.‬‬

‫العيش المشترك وضرورة االعتراف‬ ‫المتبادل‬ ‫التعايــش‬ ‫لــو اّتجهنــا للبحــث فــي مبـ ِّـررات أزمــة‬ ‫ُ‬ ‫الثقاف ــي القائم ــة داخ ــل المجتمع ــات‪ ،‬الكتش ــفنا أن‬ ‫وراءهــا سالســل مــن األوهــام المعاديــة لالعتــراف‬ ‫المتبــادل‪ ،‬االعتــراف التاريخــي والموضوعــي الــذي‬ ‫ُيشــكل فــي نظرنــا الخطــوة األســاس فــي كل حــوار‬ ‫ُيَم ِّهـــد إلنجـــاز التوافقـــات المســـاعدة علـــى حســـن‬ ‫التصـــرف‪ ،‬أي المســـاعدة علـــى بنـــاء الخيـــارات‬ ‫ُّ‬ ‫تعـــدده وتناقضـــه‪،‬‬ ‫المطابقـــة لواقـــع الحـــال فـــي‬ ‫ُّ‬ ‫توتــره واختالفــه‪ ،‬مــن أجــل إنتــاج مــا يســاعد‬ ‫فــي ُّ‬ ‫عل ــى تخط ــي العناص ــر الت ــي تع ــوق بن ــاء حاض ــر‬ ‫ومســتقبل مشــترك‪ ،‬حاضــر يســتند إلــى الطموحات‬ ‫الجامعـــة بيـــن كل األطـــراف التـــي يهمهـــا مصيـــر‬ ‫اإلنس ــانية ف ــي التاري ــخ‪.‬‬ ‫تقـــف فـــي نظرنـــا‪ ،‬ثالثـــة أوهـــام كبـــرى وراء‬

‫المؤججـــة اليـــوم فـــي العالـــم‪ ،‬أوهـــام‬ ‫المفاهيـــم‬ ‫ِّ‬ ‫سياســـية‪.‬‬ ‫وثالثـــة‬ ‫ة‬ ‫نفســـي‬ ‫وأوهـــام‬ ‫عقائديـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ـورات واألفــكار‬ ‫ـ‬ ‫التص‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫العقائدي‬ ‫ـام‬ ‫ـ‬ ‫األوه‬ ‫تتمثــل‬ ‫ُّ‬ ‫ـول المذاه ــب والعقائ ــد إل ــى دوغمائي ــات‬ ‫الت ــي تح ـ ِّ‬ ‫صنمي ــة‪ ،‬حي ــث يت ــم اس ــتبعاد التاري ــخ وتحوي ــل‬ ‫األفــكار إلــى نمــاذج نظريــة ُمغلقــة‪ ،‬نمــاذج ُن ِ‬ ‫خاصــم‬ ‫العال ــم بواس ــطتها وانطالقــ ًا منه ــا‪ ،‬وه ــذا الموق ــف‬ ‫يحـــول العقائـــد مـــن أدوات مســـاعدة علـــى الفهـــم‬ ‫ّ‬ ‫واإلدراك والتعقُّـــل‪ ،‬إلـــى أدوات ُمْرِب َكـــة آلليـــات‬ ‫والتعاي ــش؛ حي ــث ُنصب ــح أم ــام‬ ‫الفه ــم والتواص ــل‬ ‫ُ‬ ‫مواقــف تســتبعد كمــا قلنــا لغــة التاريــخ‪ ،‬لمصلحــة‬ ‫وتعــادي التاريخ‪.‬‬ ‫لغــات أخــرى تحتفــي بالمطلقــات ُ‬ ‫يعن ــي اس ــتبعاد لغ ــة التاري ــخ والفك ــر التاريخ ــي‬ ‫اس ــتبعاد لغ ــة النق ــد والنس ــبية‪ ،‬وهم ــا م ــن أكب ــر‬ ‫مكاس ــب التاري ــخ الحدي ــث والمعاص ــر‪.‬‬ ‫نتعّلــم مــن دروس الفكــر المعاصــر فــي الفلســفة‬ ‫المؤســس فــي إطــار‬ ‫التعايــش الثّقافــي‬ ‫والعلــم‪ ،‬أن‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫العي ــش المش ــترك ُيس ــاهم ف ــي تطوي ــر منظوم ــات‬ ‫ـور المجتمعــات البشــرية‪.‬‬ ‫الفكــر كمــا يســاهم فــي تطـّ‬ ‫نتعل ــم م ــن ال ــدروس المذك ــورة‪ ،‬أن مش ــروع‬ ‫كم ــا َّ‬ ‫يتطلــع إليهــا الجميــع عبــارة‬ ‫الثّقافــة الكونيــة التــي‬ ‫َّ‬ ‫عــن مشــروع فــي التعـ ُّـدد واالختــاف‪ ،‬مشــروع فــي‬ ‫احتضــان النقــد والفكــر النقدي وبصــورة متواصلة‪،‬‬ ‫وت َع ـ ُّـد مكاس ــبها ومنجزاته ــا محصل ـ ًـة لتاري ــخ م ــن‬ ‫ُ‬ ‫مرهون بانخراط‬ ‫التعايش المشترك‪ ،‬وأن مستقبلها‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الجميــع فــي إعــادة تأسيســها فــي ضــوء مــا يعرفــه‬ ‫ـوالت ومــآزق‪.‬‬ ‫العالــم مــن تحـ ُّ‬ ‫ـص مجموعــة‬ ‫إن كل حديــث عــن ثقافــة غربيــة تخـ ّ‬ ‫ـرية بعينه ــا ُي َع ـ ُّـد ف ــي نظرن ــا مج ــرد حدي ــث ف ــي‬ ‫بش ـ ّ‬ ‫األعــراق واألصــول األســطورية‪ ،‬أي مجــرد حديــث‬ ‫ال عالقــة لــه بالتاريــخ الفعلــي‪ ،‬وهــو تاريــخ مفتوح‬ ‫ومتع ـّدد‪ .‬كمــا أن الحديــث عــن اإلســام والحضــارة‬ ‫اإلســامية بلغــة الدوغمــا المغلقة والنــص المعياري‬ ‫المطلــق ينــدرج ضمــن األفــق نفســه‪ ،‬أفــق اليقينيات‬ ‫القطعيــة والنقيــة‪ ،‬وهــو األمــر الــذي تكذبــه شــواهد‬ ‫التاري ــخ‪ ،‬حي ــث ال يش ــكل اإلس ــام المعي ــاري أكث ــر‬ ‫مـــن يوتوبيـــا موازيـــة فـــي التاريـــخ لإلســـام‬ ‫ـور وم ــا فت ــئ‬ ‫التاريخ ــي‪ ،‬اإلس ــام كم ــا نش ــأ وتط ـ َّ‬ ‫ـور فــي التاريــخ‪ .‬ومقابــل التقليــص مــن حضور‬ ‫يتطـّ‬ ‫المطلقـــات العقائديـــة أثنـــاء الحديـــث فـــي المجـــال‬ ‫الثقاف ــي‪ ،‬ينبغ ــي أن ُنوِل ــي عناي ــة كبي ــرة بمفه ــوم‬ ‫َ‬ ‫المثاقف ــة وأدواره ــا ف ــي التاري ــخ وف ــي التق ـ ُّـدم‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫فتتمث ــل ف ــي نظرن ــا ف ــي‬ ‫أم ــا األوه ــام النفس ـّـية‬ ‫المحــن واألزمــات المرتبطــة بوعــي الفــارق‪ ،‬وعــي‬ ‫األقويـــاء بقوتهـــم ووعـــي المتأخريـــن بتأخرهـــم‪،‬‬ ‫يولــد فــي النفــوس كثيــرًا مــن الضغائــن‬ ‫وهــذا األمــر ِّ‬ ‫واألحقـــاد المتبادلـــة‪ّ .‬إل أننـــا نـــرى أن اإلدراك‬ ‫الموضوعــي والتاريخــي لمظاهــر القــوة والتأخــر‪،‬‬

‫ال تعايُش‬ ‫تواصل‬ ‫وال‬ ‫ُ‬ ‫دون تسليم‬ ‫بالنديّة‬ ‫والتكافؤ‬ ‫بين من‬ ‫يجمعهم‬ ‫مصير مشترك‬

‫‪45‬‬


‫سعد يكن‬

‫يتي ــح لن ــا إمكاني ــة التفكي ــر ف ــي كيفي ــات تقلي ــص‬ ‫درجــات التوتــر‪ ،‬وبنــاء مــا يســعف بترتيــب عالقــات‬ ‫تاريخي ــة أكث ــر توازنــاً‪ ،‬وف ــي ه ــذه الحال ــة تك ــون‬ ‫األطـــراف المعنيـــة بالعيـــش المشـــترك مطالبـــة‬ ‫باســـتحضار مطلـــب التفكيـــر بالقيـــم والمفاهيـــم‬ ‫النس ــبية والتاريخي ــة‪ ،‬أي المفاهي ــم الق ــادرة عل ــى‬ ‫بنـــاء توافقـــات يكـــون بإمكانهـــا بلـــورة خيـــارات‬ ‫ومواثي ــق مس ــاعدة عل ــى تقلي ــل ِحــّدة التوت ــرات‪،‬‬ ‫وتقليـــص درجـــات الغليـــان المولِّـــد ألشـــكال مـــن‬ ‫االنفجـــار بعضهـــا حصـــل وبعضهـــا اآلخـــر ممكـــن‬ ‫الحص ــول‪ ،‬وه ــو م ــا يعن ــي المزي ــد م ــن المس ــاهمة‬ ‫ف ــي تكري ــس التناف ــر والتباع ــد القائمي ــن‪.‬‬ ‫فيترتــب عنهــا مجموعــة من‬ ‫أمــا األوهــام النفسـّـية‬ ‫َّ‬ ‫بالتعايــش الثقافــي‪ ،‬ولــن‬ ‫ـمح‬ ‫الضغــوط التــي ال تسـ‬ ‫ُ‬ ‫نتمك ــن م ــن تفتي ــت الضغ ــوط الس ــائدة ّإل بتركي ــب‬ ‫ّ‬ ‫مفاهيــم قـ ٍ‬ ‫ـادرة علــى إنجــاز التواصــل المســاعد علــى‬ ‫بل ــورة ممكن ــات التواف ــق التاريخ ــي‪ ،‬ال ــذي يجع ــل‬ ‫الجميــع يشــتركون فــي صناعــة ثقافــة المســتقبل‪.‬‬ ‫ُيمك ــن تعيي ــن األوه ــام السياس ـّـية القائم ــة ف ــي‬ ‫والتناقـــض‪،‬‬ ‫الخلـــط بيـــن مســـتويات االختـــاف‬ ‫ُ‬ ‫ّقافية والسياسـّـية في‬ ‫المنتشــرة بين المجموعات الث ّ‬ ‫العالــم المعاصــر‪ ،‬وهــي المجموعــات التــي تنــدرج‬ ‫التعايــش المطلــوب فــي عالمنا‪،‬‬ ‫جميعهــا فــي فضــاء‬ ‫ُ‬ ‫بـــرر‪ ،‬بيـــن إرادة فـــي‬ ‫وم‬ ‫مشـــروع‬ ‫وهـــو اختـــاف‬ ‫ُ َّ‬ ‫ـور واح ــد‪،‬‬ ‫الهيمن ــة ت ــروم تنمي ــط العال ــم وف ــق تص ـ ُّ‬ ‫والتعـــدد‬ ‫للتنـــوع‬ ‫التاريخيـــة‬ ‫دون مراعـــاة القيمـــة‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫الثقافــي فــي التاريــخ‪ .‬فــإذا كان مــن المؤكــد تاريخي ًا‬ ‫وج ــود صراع ــات ومع ــارك سياس ـّـية متع ـّددة ف ــي‬ ‫العال ــم‪ ،‬صراع ــات ف ــي أكث ــر م ــن جبه ــة وجه ــة‪،‬‬ ‫‪46‬‬

‫ـول إلــى معــارك‬ ‫فــإن هــذه المعــارك ينبغــي ّأل تتحـّ‬ ‫متج ــاوزة لح ــدود معطياته ــا التاريخي ــة المح ـ َّـددة‬ ‫لتصنــع أعــداء مفترضيــن لثقافــة وحضــارات يملكها‬ ‫الجمي ــع‪.‬‬ ‫نعـــم هنـــاك خالفـــات سياســـية عنيفـــة بيننـــا‬ ‫وبيــن الغــرب األوروبــي واألميركــي‪ ،‬وهــي خالفات‬ ‫ترتب ــط بقضاي ــا ُمح ـ َّـددة ف ــي الجغرافي ــا والتاري ــخ‬ ‫واالقتصــاد وتدبيــر العالقات والمصالح المشــتركة‪،‬‬ ‫ّإل أنــه ال ينبغــي التفكيــر فــي هــذه الخالفــات خــارج‬ ‫ســقفها العيانــي والمحـ َّـدد‪ ،‬وهــو الســقف الــذي ُت َع ِّين‬ ‫معاييـــره الضابطـــة آليـــات المنافـــع والمصالـــح‬ ‫التاريخي ــة والمادي ــة‪ .‬أم ــا المس ــاعي الت ــي تتج ــه‬ ‫البت ــكار أس ــماء ومفاهي ــم ال عالق ــة له ــا بمس ــارات‬ ‫الصـــراع القائمـــة‪ ،‬فإنهـــا تســـاهم كمـــا قلنـــا فـــي‬ ‫كثي ــر م ــن األحي ــان ف ــي صناع ــة أع ــداء بمقاس ــات‬ ‫ـور المس ــاهمون ف ــي تركي ــب ه ــذه‬ ‫أخط ــر مم ــا يتص ـ َّ‬ ‫المركبة علــى مبتكريها‬ ‫ـور‪ ،‬فقــد تنطلــي الصــور‬ ‫َّ‬ ‫الصـ َّ‬ ‫ـول الس ــيناريوهات‬ ‫وعل ــى المنس ــوبة إليه ــم‪ ،‬فتتح ـ َّ‬ ‫المفترض ــة إل ــى وقائ ــع‪ ،‬حي ــث يصب ــح االخت ــاط‬ ‫ســيد المواقــف والمواقــع‪ .‬وقــد يترتــب عــن هــذا األمــر‬ ‫جملــة مــن األمــور غيــر المتوقّعــة‪ ،‬لهذا الســبب يكون‬ ‫وتعقــل الظواهــر‬ ‫مــن الضــروري فــي خطابــات فهــم‬ ‫ُّ‬ ‫والتاريخيــة‪ ،‬التمييــز فــي المعــارك بيــن‬ ‫السياسـّـية‬ ‫ّ‬ ‫المعطيــات فــي مســتوياتها القريبــة والبعيــدة‪ ،‬حتى‬ ‫ـول المفاهيــم إلى‬ ‫ال تنفلــت الوقائــع واللّغــات‪ ،‬وتتحـّ‬ ‫أدوات حربيــة‪ ،‬يصعــب الحـّد مــن مفعولها في المدى‬ ‫الزمن ــي القري ــب‪ ،‬وه ــو األم ــر ال ــذي يقتض ــي مزي ــدًا‬ ‫م ــن الح ــذر عن ــد محاول ــة فه ــم معطي ــات التاري ــخ‬ ‫ف ــي أبعاده ــا المختلف ــة‪.‬‬


‫مأزق التعايُش في فرنسا‬ ‫عبد الله كرمون‬

‫كان مفهوم صراع الحضارات‪ ،‬سابقاً‪ ،‬هو الشائع‬ ‫في النقاشــات‪ ،‬وفي شــتى األقطار‪ ،‬كلما تعلّق األمر‬ ‫بصــراع سياســي مغلّف باختالفــات مبدئية في الرأي‬ ‫اسـُتبدل اليــوم‬ ‫أو فــي المنبــت الحضــاري العــام‪ .‬وقــد ْ‬ ‫التعايــش؛ بينمــا راحــت اآلراء‬ ‫بمفهــوم آخــر هــو‬ ‫ُ‬ ‫تتضارب باستمرار حول ضرورته أو حول استحالة‬ ‫تحقّقه‪ ،‬في حين أن المفهوم األول لم يضمحل نهائي ًا‬ ‫مــن حلقــة التــداول‪ .‬ففــي الوقــت الــذي توصــف فيــه‬ ‫صراعــات سياســية‪ ،‬يكــون مبعثهــا األساســي‪ ،‬فــي‬ ‫الغالــب‪ ،‬اقتصادي ـ ًا أو اســتراتيجي ًا بأنهــا صراعــات‬ ‫التعايــش‪ ،‬يبــرز بعد‬ ‫حضاريــة ودينيــة‪ ،‬فــإن مفهــوم‬ ‫ُ‬ ‫انفجار أزمة تحمل أحد ألوان قطبي اختالف‪ ،‬ســواء‬ ‫كان دينيـ ًا أم عرقيـ ًا أم وطنيـاً‪.‬‬ ‫كان إميــل دوركهايــم (‪ )1917 - 1858‬وهــو أحــد‬ ‫يؤســس فــي أبحاثــه‬ ‫آبــاء علــم االجتمــاع الحديــث‪ّ ،‬‬ ‫للتعايــش االجتماعــي والثقافــي‬ ‫السوســيولوجية‬ ‫ُ‬ ‫مــن خــال التركيــز علــى أســس التربيــة‪ ،‬وإلزاميتهــا‬ ‫لتشـ ُّـرب القيــم المجتمعيــة‪ ،‬فخلــص إلــى أنــه بــدون‬ ‫لتعايش‬ ‫مراعــاة قيــم مشــتركة‪ ،‬كمــا كتب‪ ،‬فال وجــود‬ ‫ُ‬ ‫ممكــن‪.‬‬ ‫واليــوم‪ ،‬بــل ومنــذ عقــد ونصــف العقــد‪ ،‬صــار‬ ‫«التعايــش» هــو الالزمــة التــي تتكــرر فــي كل محفــل‬ ‫ُ‬ ‫ونـ ٍ‬ ‫التعايــش؟ مــع‬ ‫ـاد‪ ،‬فــي كل أرجــاء الغــرب‪ .‬مــا هــو‬ ‫ُ‬ ‫َم ْن نتعايش؟ كيف نتعايش؟ وهل يمكن أن نتعايش؟‬ ‫التعايــش يتــم علــى قاعــدة‬ ‫يتفــق الجميــع علــى أن‬ ‫ُ‬ ‫احتــرام عناصــر االختــاف‪ ،‬التــي ال تشـّـكل بــأي حال‬ ‫أدنــى عرقلــة‪ ،‬لتحّقــق االئتــاف‪ ،‬بيــن أفــراد مجتمــع‬ ‫يؤّلــف بينهــم قانــون يحمــي الجميــع بــدون ميــز‪.‬‬

‫التعايــش فــي فرنســا (المثــال‬ ‫ولــم ُتطــرح معضلــة‬ ‫ُ‬ ‫الــذي ســنتناوله بيــن دول أوروبــا) مثلمــا أضحــت‬ ‫عليــه اليــوم‪ .‬ذلــك أن المجتمــع الفرنســي بــات يقــف‬ ‫علــى حقيقــة أنــه يعيــش بالفعــل أزمــة مجتمعيــة مــا‬ ‫فتئــت تســتفحل حــو ًال بعــد حــول‪ .‬مــن أهــم مظاهرهــا‬ ‫مــا تعرفــه الغالبيــة الســاحقة مــن أبنــاء الضواحــي‪،‬‬ ‫هويــة‪ ،‬يشــوبهم‬ ‫وأبنــاء األحيــاء الفقيــرة‪ ،‬مــن أزمــة ّ‬ ‫إحســاس بالضيــاع‪ ،‬ميــل إلــى الجريمــة‪ ،‬ومقــت‬ ‫لألواصــر التــي تصلهــم بأمهــم‪ :‬فرنســا‪ ،‬أو باألحــرى‬ ‫الجمهورية التي رأوا النور فوق أرضها‪ .‬الشيء الذي‬ ‫يبرهــن عليــه الكثيــر مــن الوقائــع‪ ،‬ويقلــق ســكينة‬ ‫المتتبعيــن الفرنســيين قلقـاً‪.‬‬ ‫ـض هــذا األمر مضجعهم هــم بالدرجة‬ ‫ـن يقـ ّ‬ ‫وأكثــر َمـ ْ‬ ‫األولــى المثقفــون والمفكــرون قبــل السياســيين الذين‬ ‫ال يــكادون يجــدون فيه ســوى بركــة عفنة يصطادون‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫تفكك ًا‬ ‫شخص الجميع بأن المجتمع يعيش ّ‬ ‫فبعدما ّ‬ ‫وتنافــرًا بيــن فئــات مــن أفــراده مــع ســائر المواطنيــن‬ ‫الذين ينتمون إلى الفضاء الجمهوري نفســه‪ ،‬باندالع‬ ‫أحــداث هنــا وهنــاك‪ ،‬وببــروز ألــوان مــن الســلوك‬ ‫لــم ُتعهــد مــن قبــل‪ ،‬صــارت الدعــوات إلــى َشـّد عــرى‬ ‫االلتئــام وااللتحام أكثــر وروداً‪.‬‬ ‫راح النــاس فــي البــدء يعتقــدون أن ســبب التصـ ُّـدع‬ ‫ـرده الصــراع بيــن الديانــات التوحيديــة‬ ‫المجتمعــي مـ ّ‬ ‫الثــاث الســائدة فــي فرنســا‪ ،‬فعمــدوا إلــى اســتنفار‬ ‫أصحــاب هــذه الديانــات‪ ،‬وتوجيههــم إلــى أشــكال‬ ‫خاصــة أن العنصرية‬ ‫متنوعــة مــن‬ ‫التعايــش الديني‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫المرتبطــة باختــاف المّلــة لــم ُتســتبعد ممــا يعتــور‬

‫التعايُش يتم‬ ‫على قاعدة‬ ‫احترام عناصر‬ ‫االختالف‪ ،‬التي‬ ‫ّ‬ ‫تشكل بأي‬ ‫ال‬ ‫حال أدنى‬ ‫ّ‬ ‫لتحقق‬ ‫عرقلة‪،‬‬ ‫االئتالف‪ ،‬بين‬ ‫أفراد مجتمع‬

‫‪47‬‬


‫إدوار شهدا‬

‫المجتمــع مــن انقســام‪.‬‬ ‫التعايــش بالعلمانيــة‪،‬‬ ‫ـط‬ ‫ـ‬ ‫يرب‬ ‫فمــن المفكريــن مــن‬ ‫ُ‬ ‫ومنهــم مــن يعّدد بين أســباب تحققــه األخرى عناصر‬ ‫مخالفــة لهــا عالقــة بسياســات المدينــة‪ ،‬أمــا الفئــة‬ ‫التعايــش مســتحيل وال يمكــن أن‬ ‫األخــرى فتــرى أن‬ ‫ُ‬ ‫يتحّقــق أبــداً‪.‬‬ ‫يطــرح المفكــر أالن توريــن‪ ،‬أســتاذ علــم االجتمــاع‬ ‫بالمدرســة العليــا للعلــوم االجتماعيــة بباريــس‪،‬‬ ‫كعنــوان ألحــد كتبــه‪ ،‬ســؤا ًال جوهريـاً‪« :‬هل نســتطيع‬ ‫أن نتعايــش؟ متســاوين ومختلفيــن؟»‪ .‬يــرى فيــه أن‬ ‫األمــر يتعّلــق فــي نهايــة المطــاف بمجهــود فــرد ألن‬ ‫يصيــر فاعـاً‪ ،‬ولــن يتــم ذلــك ّإل باالعتــراف باآلخــر‪،‬‬ ‫ألنــه بــدون ذلــك لــن تتحقــق أيــة حيــاة اجتماعيــة‬ ‫بالمعنــى الســليم‪.‬‬ ‫كمــا يؤكــد كذلــك‪ ،‬فــي نفــس المنحــى علــى تغييــر‬ ‫المؤسســات‪ ،‬يقــول‪« :‬ال يمكننــا أن نتعايــش‪ ،‬أي‬ ‫ّ‬ ‫أن ندمــج وحــدة مجتمــع مــع تعّدديــة األشــخاص‬ ‫والثقافــات‪ّ ،‬إل بجعلنــا فكــرة المواطــن الفاعــل فــي‬ ‫صميــم تفكيرنــا وعملنــا»‪.‬‬ ‫أمــا إدغــار مــوران هــو فيتحـّدث عن أزمــة الثوابت‬ ‫األخالقيــة فــي مجتمعاتنــا الحالية‪ ،‬إذ يشــير إلى أنه‪:‬‬ ‫«فــي المجتمعــات القديمــة والتقليديــة‪ ،‬كان األفــراد‬ ‫متشــبعين بالواجبــات والنواهــي‪ ،‬وكانــوا يدركــون‬ ‫مــا يلــزم إتيانــه‪ ،‬ومــا ال يجــب فعلــه»‪ .‬لــذا الحــظ أن‬ ‫الحضــارة الغربيــة اليــوم‪ ،‬تجنــح أشــّد مــا تجنــح‬ ‫‪48‬‬

‫إلــى الفردانيــة‪ ،‬وهشاشــة األواصــر االجتماعيــة‪.‬‬ ‫فهــو يدعــو إذن إلــى أخالقيــات التفهــم والتفاهــم مــع‬ ‫اآلخــر‪ ،‬وهــي‪ ،‬برأيــه‪ ،‬الكفيلــة لوحدهــا‪ ،‬بــأن تمكننا‬ ‫التعايــش‪.‬‬ ‫مــن‬ ‫ُ‬ ‫التعايــش بــرأي جــان لــو أمســيل‪ ،‬أســتاذ‬ ‫ـرط‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ُ‬ ‫علــم االجتمــاع واألنثروبولوجيــا بالمدرســة العليــا‬ ‫للعلــوم االجتماعيــة‪ ،‬التــي كان رئيســ ًا لهــا لزمــن‪،‬‬ ‫يكمــن فــي محاربــة العنصريــة التــي تنبــت فــي أرض‬ ‫معــاداة الســامية وكراهيــة المســلمين‪ .‬غيــر أنــه لــم‬ ‫الهويــة تحجــب‬ ‫يلبــث أن أضــاف‪« :‬أعتقــد أن مســألة ّ‬ ‫عنــا حقيقــة الصراعــات االجتماعيــة التــي تحــدث فــي‬ ‫فرنســا»‪.‬‬ ‫يبــدو جــان بول دروا‪ ،‬صاحــب المقاالت الرصينة‬ ‫ال أكثــر مــن أي شــخص‬ ‫فــي جريــدة لومونــد‪ ،‬منشــغ ً‬ ‫التعايش‬ ‫ـألة‬ ‫ـ‬ ‫مس‬ ‫ـأن‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫ـرى‬ ‫التعايــش‪ ،‬فهــو يـ‬ ‫بهـّـم‬ ‫آخــر َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بزغت مثل تســاؤل أساســي منذ ســنوات قليلة فقط‪:‬‬ ‫التعايــش إذن هــو الــذي ُيشـّـكل أمــرًا حديــث‬ ‫«فليــس‬ ‫ُ‬ ‫التعايش‪ ،‬يلوح‬ ‫هذا‬ ‫أن‬ ‫هو‬ ‫الجديد‪،‬‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ولك‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫بن‬ ‫العهــد‬ ‫ُ‬ ‫وكحيــز‬ ‫منــذ اآلن مثــل إشــكال‪ ،‬ومصــدر تســاؤالت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ال ونقاشـاً»‪.‬‬ ‫يســتدعي تفكيــراً‪ ،‬ويســتلزم تحلي ً‬ ‫«الجــدة تكمــن فــي أن هــذا‬ ‫يواصــل قولــه بــأن ِ‬ ‫(التعايــش) قــد فقــد بداهتــه‪ ،‬حضــوره المفتــرض‪ .‬فلم‬ ‫ُ‬ ‫يعــد معطــى وال متتاليــة إكراهــات مفروضــة‪ ،‬إنــه‬ ‫بنــاء يلــزم تشــييده‪ ،‬عالــم معقــد يلــزم استكشــافه‪،‬‬ ‫جبلــه»‪.‬‬ ‫مــن أجــل حســن ْ‬


‫يخلــص الرجــل‪ ،‬بحنكتــه المعتــادة‪ ،‬إلــى أن‬ ‫األســباب التــي أدت إلــى هــذه الوضعيــة ُمتعــّددة‪،‬‬ ‫وقــد ذكــر بعضـ ًا مــن العوامــل التــي أصابــت وتصيــب‬ ‫التعايــش اليوم‪ ،‬مــن بينها‪ ،‬االحتقانات الالقتصادية‬ ‫ُ‬ ‫والماليــة‪ ،‬المصاعــب االجتماعيــة‪ ،‬أنمطــة التواصــل‬ ‫التي تيسر‪ ،‬ولكنها‪ ،‬تجمد أيضاً‪ ،‬جزءًا من عالقاتنا‪،‬‬ ‫والتــي ُيضــاف إليهــا‪ ،‬كمــا يعلــم الجميــع‪ ،‬التوتــرات‬ ‫بالهويــة‪ ،‬والصراعــات األيديولوجيــة‪،‬‬ ‫المتعلّقــة‬ ‫ّ‬ ‫للمثــل‬ ‫النســبي‬ ‫الفقــدان‬ ‫ثــم‬ ‫الطائفيــة‪،‬‬ ‫أو‬ ‫الدينيــة‬ ‫ُ‬ ‫الجماعيــة‪ ،‬ولكــن أيضـاً‪ ،‬مــا ال يجــب إغفالــه‪ ،‬نظــرا‬ ‫ـارا الفردانيــة والعولمــة»‪.‬‬ ‫ألهميتــه‪ ،‬أال وهــو‪« :‬انتصـ َ‬ ‫أمــا ســيغيل أوزيــرات صاحــب مســار مهني غني‪،‬‬ ‫تحول إلى العمل في تخطيط‬ ‫إذ بعد تكوين فلســفي‪ّ ،‬‬ ‫المــدن‪ .‬مــن هــذا المنطلــق أثــار اهتمامنــا رأيــه فــي‬ ‫التعايــش‪ ،‬إذ رأى بأنــه البــد أن يمـّـر عبــر ثــورة فــي‬ ‫ُ‬ ‫المجــال الحضــري‪ ،‬وفــي سياســة تخطيــط المــدن‪.‬‬ ‫تعايــش ممكــن‬ ‫فــا يمكــن أن نتحـّدث فــي نظــره عــن ُ‬ ‫فــي الحــال التــي توجــد عليهــا مدينــة كباريــس مثـاً‪،‬‬ ‫مــن جهــة نســيجها الحضــري الــذي يســتتبع نســيج ًا‬ ‫اجتماعيـ ًا معينـاً‪ .‬ففــي الوقت الــذي تتواجد فيه أحياء‬ ‫راقيــة مــن جانــب وأحيــاء باليــة مــن جانــب آخــر‪،‬‬ ‫عينة‬ ‫ليــس هنــاك مــن ســبيل للحديــث عن احتمــاالت ُم ّ‬ ‫للتعايــش‪ .‬كمــا أن المضاربــات العقاريــة التــي بلغــت‬ ‫ُ‬ ‫أشـّدها فــي باريــس‪ ،‬والتــي تمنــع موظف ًا بســيط ًا من‬ ‫اكتــراء شــقة متوســطة فيهــا‪ ،‬ناهيــك عــن شــرائها‪،‬‬ ‫تقــف هــي أيضــ ًا حجــر عثــرة أمــام تحقّــق ألبســط‬ ‫التعايــش بيــن فئــات اجتماعيــة منفصلــة‪ .‬لــذا‬ ‫أشــكال‬ ‫ُ‬ ‫بــدون هــذا التقــارب فــي الرقعــة الجغرافيــة‪ ،‬واتصــال‬ ‫أبنــاء الفقــراء بأبناء األغنياء في مدارس الجمهورية‪،‬‬ ‫بالتعايش‪ .‬من هنا يرى‬ ‫للتبجح بالمنــاداة‬ ‫فــا داعــي‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ســيغيل هــذا أن هــذه الثــورة الحضريــة ضروريــة‪،‬‬ ‫ضــدًا علــى تحويــل المــدن إلــى متاحف‪« ،‬حتــى يصير‬ ‫والتعايش شــيئ ًا آخر‬ ‫االختــاط االجتماعــي حقيقــة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أكثــر مــن شــعار انتخابــي»‪.‬‬ ‫عصيــة‬ ‫يبــدو‬ ‫التعايــش إذن فــي َح ـّد ذاتــه فكــرة ّ‬ ‫ُ‬ ‫علــى التطبيــق حيــال مــا يحيــط بعالمنــا األوروبــي‬ ‫اليــوم مــن رعــود وبــروق‪ .‬فقــراءة كتــاب صاحبنــا‬ ‫فريديريــك بوييــه الصــادر مؤخــراً‪ ،‬حــول مــا ســماه‬ ‫تؤكــد مـّـرة أخــرى أن‬ ‫بـ«الهلــع الــذي فــي نفوســنا»‪ّ ،‬‬ ‫الخــوف واالنكفــاء علــى الــذات همــا أقــوى مــن كل‬ ‫التعايــش أو االندمــاج‪.‬‬ ‫نيــة أو رغبــة أو قــدرة علــى‬ ‫ُ‬ ‫فريديريــك بوييــه هــذا كان قــد ســاهم‪ ،‬بــل أشــرف‬ ‫علــى ترجمــة للكتــاب المقــدس‪ ،‬مثلمــا أنجــز ترجمــة‬ ‫جديدة ورائعة لكتاب القديس أغســطين منذ ســنوات‪.‬‬ ‫أمــا فــي كتابــه الحديــث العهــد بالنشــر‪ ،‬فحــاول أن‬ ‫يكســر مــن شــوكة الخــوف مــن الغريــب القــادم مــن‬ ‫بعيــد‪ُ ،‬مشـّددًا علــى ضــرورة التســربل بــرداء حفــاوة‬ ‫الضيافــة وفتــح البــاب لعابــري الســبيل وإيوائهــم‪.‬‬

‫وفــي الكتــاب مبثوثــة اعتراضــات المعترضيــن علــى‬ ‫أفــكاره‪ ،‬وحجــج المحتجيــن ضــده‪ .‬يقــول فــي واحدة‬ ‫منهــا‪« :‬أجــل‪ ،‬أعــرف أنهــم ليســوا مثلنــا‪ ،‬ال يأبهــون‬ ‫يفكرون مثلنا‪ ،‬ال يصلّون مثلنا‪ ،‬ال يتعاملون‬ ‫بنا‪ ،‬ال ّ‬ ‫مثلنــا‪ »...‬إلــى غيــر ذلــك‪ .‬علــى كل فالكتــاب عبــارة‬ ‫عــن خطــاب طويــل يدحــض فيــه بوييــه فكــرة نقــاوة‬ ‫الجمهوريــة وخطــر الغريــب اآلخــر‪ .‬تلــك هــي رؤيتــه‬ ‫التعايــش الــذي يــرى أنــه الســبيل إلــى‬ ‫ومفهومــه عــن‬ ‫ُ‬ ‫بنــاء مجتمــع النــد للنــد‪.‬‬ ‫اســتعرضنا حتــى اآلن آراء المفكريــن والمثقفيــن‬ ‫التعايــش إمكانيــة للســام‬ ‫الذيــن يــرون فــي‬ ‫ُ‬ ‫االجتماعــي‪ ،‬ورأينــا كيــف كانــت اقتراحاتهــم مــن أجل‬ ‫التعايــش فــي المجتمــع الفرنســي‪ .‬مهما كانت‬ ‫تحقيــق‬ ‫ُ‬ ‫أطروحــة كل واحــد مــن الذيــن ذكرناهــم‪ ،‬علــى ســبيل‬ ‫المثــال وليــس الحصــر‪ ،‬فإنهــم يتفقــون جميعهم على‬ ‫التعايــش ممكــن التحّقــق متــى ُســلكت الســبل‬ ‫كــون‬ ‫ُ‬ ‫المؤديــة إليــه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫غيــر ذلــك هنــاك معســكر آخــر مــن الســجاليين‪،‬‬ ‫ومــن أشــباه المثقفيــن‪ ،‬ومــن بعــض رجــال الديــن‬ ‫مثــل األســقف ليــك رافيــل الذيــن يــرون بــأن ســماء‬ ‫فرنســا ملبــدة بالغيــوم الداكنــة وأن العاصفــة ســوف‬ ‫تقصــف المــدن‪ ،‬والخطــر ٍ‬ ‫آت مــن المهاجــر والغريــب‪،‬‬ ‫والحــرب معلنــة علــى الغــرب فــي عرفهــم‪ .‬فتراهــم‬ ‫التعايــش‪ ،‬بــل يقولون باســتحالته‪ .‬من بين‬ ‫ينكــرون‬ ‫ُ‬ ‫هــؤالء ريشــار مييــه مثـاً‪ ،‬الــذي يرفــض رفضـ ًا باتـ ًا‬ ‫ـس بخطــر اآلخــر‪ ،‬مــا يجعلــه‬ ‫التع ـّدد الثقافــي‪ ،‬ويحـ ّ‬ ‫التعايــش‪.‬‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫إلمكاني‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫يقــول باالســتحالة التام‬ ‫ُ‬ ‫أو إريــك زيمــور المشــهور بعدائــه لتواجد األجانب‬ ‫ـردد في كل مكان‬ ‫علــى أرض فرنســا‪ ،‬والــذي ال ينــي يـ ّ‬ ‫التعايش مــع األجنبي المختلف‪ ،‬ويرفض‬ ‫يقيــن فشــل‬ ‫ُ‬ ‫بشكل أو بآخر التعّددية الثقافية وغيرها في فرنسا‪.‬‬ ‫ُكثــر اليــوم الذيــن ينشــرون ثقافــة الخــوف فــي‬ ‫المجتمــع الفرنســي‪ ،‬الخــوف مــن المختلــف فــي‬ ‫المعتقــد‪ ،‬اللــون‪ ،‬اللّغــة والمنشــأ‪ .‬فتشــتد أصــوات‬ ‫الذيــن يــرون مســالك الجمهوريــة غيــر آمنــة‪ ،‬وقــد‬ ‫نفخــوا فــي نفــس القــرن منــذ عقــد ونصــف العقــد‪ .‬كل‬ ‫ذلــك مــن أجــل مكاســب سياســية وأربــاح انتخابيــة‪.‬‬ ‫فمــن قبــل كان الشــعار‪« :‬هــا قــد جــاء الغريــب ليــأكل‬ ‫خبزنــا»‪ ،‬واليــوم صــار‪« :‬إنــه قــد أتــى ليســتأصلنا‬ ‫كــي يســتحوذ علــى أرضنــا»‪.‬‬ ‫ال بــد أن الحيثيــات العالميــة مقلقــة‪ ،‬والبــد أن‬ ‫فجــر أكثــر التناقضــات المختبئــة تحــت قشــرة التأزم‬ ‫ُت ّ‬ ‫التعايــش‬ ‫ـرة‬ ‫ـ‬ ‫فك‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫يجع‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫فرنس‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫االجتماع‬ ‫ُ‬ ‫المؤرخ‬ ‫عرضــة أكثــر فأكثــر للتصـ ُّـدع‪ .‬وقد ال يخطــئ ّ‬ ‫ُم ّ‬ ‫األميركــي ثيموتــي ســنيدر الــذي تنبــأ بمســتقبل‬ ‫للبشــرية قــد يعــرف إبــادات جديــدة مثــل تلــك التــي‬ ‫حدثــت فــي الماضــي‪ ،‬والتــي يكــون ســببها بالدرجــة‬ ‫األولــى‪ :‬االقتصــاد‪ ،‬األرض والغــذاء!‬

‫الخوف‬ ‫واالنكفاء‬ ‫على الذات‬ ‫هما أقوى من‬ ‫كل نية أو رغبة‬ ‫أو قدرة على‬ ‫التعايُش أو‬ ‫االندماج‬

‫‪49‬‬


‫صدام التعايُش الحضاري‬ ‫د‪ .‬حسني محمود‬ ‫لــم تنقطــع قنــوات االتصــال بيــن الشــرق العربــي‬ ‫والجنــوب األوروبــي على َمـّـر التاريخ‪ .‬ذلك التاريخ‬ ‫الــذي يحكي ســير البطــوالت والمعارك الطاحنة بين‬ ‫الطرفيــن‪ ،‬كمــا يحكــي بالقــدر نفســه مــن الحمــاس‬ ‫العالقــات التجاريــة واإلنســانية بينهمــا‪ .‬ومــن هنــا‬ ‫فــإن إحــدى هــذه القنــوات كانــت بــا شــك الحــرب‪.‬‬ ‫وكمــا يقــول ابــن جبيــر فــي رحلتــه «أهــل الحــرب‬ ‫مشــغولون بحربهــم والنــاس فــي ِدعــة»‪ ،‬وهــو‬ ‫يصــف حــال ســكان عــكا التــي زارهــا إبــان االحتــال‬ ‫الصليبــي لهــا‪ ،‬فوجــد العــرب والصليبييــن يختلفــون‬ ‫إلــى المقاهــي نفســها ويشــربون معـاً‪ ،‬ويتزاوجــون‬ ‫فيمــا بينهــم‪ .‬هــذه الحــرب الغاشــمة‪ ،‬وكل الحــروب‬ ‫غاشــمة‪ ،‬كانــت لهــا جوانــب إيجابيــة كثيــرة علــى‬ ‫العــرب وعلــى الغــرب فــي اآلن نفســه‪ .‬يحكي أســامة‬ ‫بــن منقــذ قصصـ ًا كثيرة عن العالقــات التي أقامها مع‬ ‫الصليبييــن إبــان احتاللهــم لتلــك األراضــي‪ ،‬وكانــت‬

‫عبداللطيف الصمودي‬

‫‪50‬‬

‫تعايــش ثقافــي بينــه وبيــن أعدائــه‪،‬‬ ‫كلهــا عالقــات ُ‬ ‫والقصة‪،‬‬ ‫ـعر‬ ‫ـ‬ ‫الش‬ ‫في‬ ‫ة‬ ‫أدبي‬ ‫ـون‬ ‫ـ‬ ‫فن‬ ‫ـا‬ ‫انتقلــت مــن خاللهـ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كمــا انتقلــت معــارف كثيــرة مــن الشــرق إلــى الغــرب‪،‬‬ ‫وتطورت في ِظّل الحرب‬ ‫وانتقلت زراعات‪ ،‬وعلوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وخاصــة الصناعــات الحربيــة‪ ،‬كمــا كان‬ ‫صناعــات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫هنــاك جهــد فكــري وفلســفي دفــع الصليبييــن إلــى‬ ‫التمــاس أســباب النهضــة فــي الشــرق‪ ،‬وأن ينهلــوا‬ ‫مــن منابــع العلــم اإلســامي الموجــود بيــن جنبيهــم‪،‬‬ ‫فــي األندلــس وصقليــة‪ ،‬ويبــدؤون عصــر النزعــة‬ ‫اإلنســانية التــي نهلــت مــن منابــع العلــم الشــرقي بــا‬ ‫حــدود‪ .‬وقصــة القديــس فرانشيســكو مشــهورة‪ ،‬ففي‬ ‫وانضم إلى‬ ‫زمــن الحــروب الصليبيــة جــاء إلــى مصــر‬ ‫ّ‬ ‫الصليبييــن‪ ،‬ويقــال إنــه جــاء معهــم لتحميســهم ضــد‬ ‫«مغتصبــي» القــدس مــن العــرب‪ ،‬ولكنــه عندما التقى‬ ‫بالملــك الكامــل األيوبــي‪ ،‬وجرى بينهمــا حوار ثقافي‬ ‫انتهــى بــه الحــال إلى العــودة إلى بلــده إيطاليا زاهدًا‬ ‫للتعايش بين المســلمين‬ ‫تقشــف ًا نابــذًا للحــرب داعي ًا‬ ‫ُم ّ‬ ‫ُ‬ ‫والمسيحيين‪ ،‬وتقول باقي األسطورة في الغرب إن‬ ‫فرانشيســكو أقنع الملك العادل باعتناق المســيحية‪،‬‬ ‫فيمــا ُتشــير المصادر اإلســامية إلــى أن الملك الكامل‬ ‫هــو الــذي أقنع فرانشيســكو باعتناق اإلســام‪ ،‬ولكن‬ ‫هــذا كلــه ال ينفــي أنهمــا التقيــا وأنهمــا تحــاورا وأن‬ ‫حوارهمــا كانــت لــه نتيجــة إيجابيــة‪ ،‬بــل إن وجــود‬ ‫العــرب فــي صقليــة وفــي األندلــس لقــرون طويلــة‬ ‫بــدأ باحتــال تلــك األصقــاع ثــم بإقامــة ُأســس الــدول‬ ‫الحديثــة بهــا‪ .‬وتطـ ّـورت هــذه الدولــة وازدهــر فيهــا‬ ‫العلــم واألدب‪ ،‬وكانــت هــي البنيــة األساســية التــي‬ ‫بنــى عليهــا اإليطاليــون عصــر النهضــة بمــا يحمــل‬ ‫مــن تطـّـور وتقـّدم فــي جميــع المجــاالت‪.‬‬ ‫اآلن وقــد أفــل نجــم هــذه الــدول ولــم يعــد لهــا أثــر‬ ‫ـق منهــا ّإل آثار‬ ‫سياســي علــى أرض الواقــع‪ ،‬لــم يتبـ َ‬ ‫خالــدة تــدل علــى وجــود عربــي ثقافــي حضــاري في‬ ‫المرتبــة األولــى‪ .‬بــاط الملــوك تــزول منــه حــوارات‬ ‫شــن الحروب بما تحمل من كلمات كبيرة وقاســية‪،‬‬ ‫وتبقّــى منهــا فقــط مخطوطاتهــا وكتبهــا النــادرة‬ ‫وتماثيلهــا الفاتنــة ولوحاتهــا الباهــرة‪ ،‬وتصبــح‬ ‫قبلــة للزائريــن والســائحين‪.‬‬


‫كنــت ســائح ًا فــي بريطانيــا فــي بدايــة أعــوام‬ ‫الثمانينيــات‪ ،‬واســتوقفني رجــل إنجليــزي ُمســن‬ ‫ا باللّغــة‬ ‫فــي الشــارع عندمــا ســمعني أحــادث زميـ ً‬ ‫العربيــة‪ .‬قــال لــي باللغــة العربيــة بلكنــة قاهريــة‪:‬‬ ‫انتــو مــن مصــر؟ قلنــا لــه نعــم‪ .‬وكان هــذا هــو كل‬ ‫مــا قلنــاه‪ ،‬والباقــي قالــه كلــه هــو‪ ،‬كيــف أنــه عــاش‬ ‫فــي مصــر طويــاً‪ ،‬وأنــه كان جنديــ ًا فــي الجيــش‬ ‫اإلنجليــزي‪ ،‬وأنــه تعّلــم العربيــة هنــاك‪ ،‬واعتنــق‬ ‫ـرض أهلهــا أن يزوجوها‬ ‫اإلســام‪ ،‬وأحــب فتــاة لم يـ َ‬ ‫تتغرب» إذا سافرت معه‪ ،‬ولكنه ال يزال‬ ‫له «حتى ال ّ‬ ‫يحبهــا رغــم مــرور الســنين ورغــم أنــه ال يعــرف إن‬ ‫حيــة أو ميتــة‪ ،‬وكيــف أنــه يشــتاق ألكل طبــق‬ ‫كانــت ّ‬ ‫كشــري‪ .‬كان الحنيــن الدافــق الــذي يتحـّدث به الرجل‬ ‫تعايــش عميــق مــع الجماعــة التــي جاءهــا‬ ‫ينـّـم عــن ُ‬ ‫غازيـ ًا وخــرج منهــا عاشــق ًا لهــا وألهلهــا‪ ،‬ولثقافتها‪.‬‬ ‫ـل النفــوذ السياســي الــذي يعكــس موازين‬ ‫يضمحـّ‬ ‫القــوة‪ ،‬ويســتمر النفــوذ الثقافــي قوي ـاً‪ ،‬ألن قدرتــه‬ ‫والتعايــش معهــم أقــوى‬ ‫علــى العيــش بيــن النــاس‬ ‫ُ‬ ‫كثيــرًا مــن أي قــوة حربية‪ ،‬تــزول إذا ضعف الغازي‬ ‫المغتــر بقوتــه‪ .‬يكفــي أن نذكــر نابليــون وحملتــه‬ ‫العســكرية على مصر في أواخر القرن الثامن عشــر‪،‬‬ ‫والتــي حملــت معهــا إلــى مصــر حملــة أخــرى علميــة‬ ‫ودونــت دراســاتها‬ ‫درســت مصــر بــكل تفاصيلهــا ّ‬ ‫فــي ِسـْـفٍر كبيــر ال يــزال مرجعـ ًا أساســي ًا فــي الشــأن‬ ‫المصــري هــو «وصــف مصــر»‪ ،‬الــذي ســاعد علــى‬ ‫دخــول مصــر إلــى العصــر الحديــث وبدايــة النهضــة‬ ‫التــي قادهــا محمــد علــي‪ ،‬اعتبــارًا مــن أوائــل القــرن‬ ‫التاســع عشــر‪ ،‬بعــد الحملــة الفرنســية بســنوات‬ ‫قليلــة‪.‬‬ ‫يكن حــوار المدافع والبنادق‬ ‫لم‬ ‫ـذي‬ ‫ـ‬ ‫ال‬ ‫ـت‬ ‫ـ‬ ‫الوق‬ ‫ـي‬ ‫ففـ‬ ‫ْ‬ ‫والســيوف ينقطــع كانــت هنــاك عالقــات إنســانية‬ ‫بيــن الطرفيــن المتحاربيــن‪ ،‬بمــا فــي ذلــك عالقــات‬ ‫الحــب والــزواج واعتنــاق كل منهــا ديــن اآلخــر‪ .‬قصة‬ ‫حــب أنطونيــو وكليوباترا كانــت ذروة أحداث حرب‬ ‫طاحنــة بيــن مصر البطلميــة وروما القيصرية انتهت‬ ‫باحتــال مصر‪.‬‬ ‫قررنــا أيض ـ ًا أننــا نتعايــش‬ ‫إذا‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫بعي‬ ‫ال نذهــب‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ثقافيـ ًا مــع ألــد أعدائنــا الحربييــن‪ ،‬ففي عـّـز االحتالل‬ ‫اإلنجليــزي لمصــر كان األدب اإلنجليــزي مــن الروافــد‬ ‫المهمــة لنهضــة األدب فيهــا هــي نفســها‪ .‬كمــا اعتمدت‬ ‫حركــة الترجمــة المزدهــرة فــي القــرن التاســع عشــر‬ ‫وأدبيــة ال تخــرج عــن لغتيــن‬ ‫معرفيــة‬ ‫علــى مصــادر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫همــا لغتــا المســتعمرين الكبيريــن اللذيــن تقاســما‬ ‫العالــم العربــي بمعاهــدة ســايكس بيكــو‪ ،‬وهمــا‬ ‫اللّغــة اإلنجليزيــة‪ ،‬لغــة اإلنجليــز المحتليــن‪ .‬أليــس‬ ‫هــؤالء هــم اإلنجليز الذيــن كان المصريون يهددونهم‬ ‫دائم ًا بالموت رفض ًا الحتاللهم؟ ال زلنا نذكر الشــعار‬ ‫الخالــد لثــورة ‪ 1919‬ومــا بعدهــا مــن فتــرات النضــال‬

‫المصــري ضــد المســتعمر «الجــاء التــام أو المــوت‬ ‫الــزؤام»‪ .‬ولــم يمنــع وعد بلفور الذي أعطاه اإلنجليز‬ ‫للصهاينــة لكــي يغتصبــوا فلســطين بموجبــه‪ ،‬لــم‬ ‫يمنــع هــذا المثقفيــن العــرب مــن قــراءة وترجمــة‬ ‫اإلنتــاج األدبــي والفلســفي لإلنجليــز‪.‬‬ ‫واللّغــة األخــرى هــي اللّغــة الفرنســية‪ ،‬لغــة‬ ‫الفرنســيين الذين احتلّوا قطع ًا واســعة في المشــرق‬ ‫والمغــرب‪ ،‬وأذاقوا أهلهــا صنوف العذاب واإلهانة‪،‬‬ ‫والقتــل والتطهيــر‪ ،‬واالســتيالء علــى مقــدرات‬ ‫الشــعوب المحتلــة‪.‬‬ ‫وال يــزال األمــر علــى حالــه فــي العصــر الحديــث‪،‬‬ ‫فالهجــوم اإلرهابــي علــى العاصمــة الفرنســية‬ ‫باريــس‪ ،‬ومــن قبلــه علــى نيويــورك‪ ،‬ودائم ـ ًا فــي‬ ‫أصقاع كثيرة من العالم اإلســامي‪ ،‬من أفغانســتان‬ ‫حتــى ســوريا وليبيــا وقطــاع مــن إفريقيــا‪ ،‬ال ينفــي‬ ‫أن هنــاك ُكّتابــ ًا ســوريين وعراقييــن ومصرييــن‬ ‫وليبييــن وســودانيين وغيرهــم مــن أبنــاء العالميــن‬ ‫العربــي واإلســامي‪ ،‬ممــن يعيشــون ويبدعــون‬ ‫ـن والثّقافــة داخــل‬ ‫ويتألقــون فــي ســماء األدب والفـ ّ‬ ‫المجتمعــات األوروبيــة التــي يضربهــا بنــو جلدتهــم‪،‬‬ ‫وأن هنــاك ُكّتابــ ًا غربييــن يختلفــون علــى بالدنــا‬ ‫ويكتبــون فيهــا وعنهــا مــا ُيشــبه الشــعر‪ ،‬فــي مــدح‬ ‫خصالهــا وطبيعتهــا وكرمها‪ .‬هؤالء هم المهاجرون‪،‬‬ ‫الذيــن يحملــون علــى ظهورهــم أفــكار أممهــم‪ ،‬جنبـ ًا‬ ‫إلــى جنــب مــع حقائــب الســفر‪ ،‬ويتعايشــون ثقافيـ ًا‬ ‫رغم االضطهاد السياســي واالقتصادي والمطاردات‬ ‫والبريــة‪ ،‬واالســتقبال فــي مراكز هي أقرب‬ ‫البحريــة‬ ‫ّ‬ ‫للســجون‪ .‬حتى هؤالء المهاجرين «غير الشــرعيين»‬ ‫يجــدون دائمـ ًا مــن بيــن أهــل المبدوزا‪ ،‬حيــث ترميهم‬ ‫األمــواج‪ ،‬مــن يؤويهــم مــن أهلهــا‪ ،‬ويأخــذ بأيديهــم‬ ‫حتــى تســتقر بهــم األحــوال‪.‬‬ ‫ربمــا كانــت المعادلــة فــي غاية البســاطة‪ ،‬وربما‬ ‫كانــت شــديدة التعقيــد‪ ،‬ولكــن الثابــت فــي تاريــخ‬ ‫ـن كثيــرًا بتاريــخ الحــرب‪ ،‬حتــى‬ ‫األدب أنــه لــم ُيعـ َ‬ ‫ُكّتــاب العصــور الوســطى الذيــن وصفــوا الصراعات‬ ‫بيــن الشــعوب األوروبيــة والشــعوب العربيــة كانــوا‬ ‫يضمنــون وصفهــم للمعــارك‪ ،‬ربمــا مــن بــاب الحلية‬ ‫ّ‬ ‫وخلبة بين‬ ‫والزينــة األدبيــة‪ ،‬قصــص حــب بســيطة ّ‬ ‫المتحاربين‪.‬‬ ‫الثابــت أيضــ ًا أن الشــعوب لــم تكــن تتحــارب‬ ‫أبــداً‪ ،‬ولــم يعــرف التاريــخ كثيــرًا من الحــوادث التي‬ ‫تصــادم فيهــا شــعبان‪ ،‬أو ثقافتــان‪ ،‬وإنمــا تتحــارب‬ ‫األنظمــة فيمــا بينهــا‪ ،‬أو يتحــارب الباحثــون عــن‬ ‫السلطة‪ ،‬أو يتباغض الطامعون في ثروات غيرهم‪.‬‬ ‫ولكــن الشــعوب علــى خــاف هــذا كانــت تعــرف كيف‬ ‫التعايــش أن‬ ‫تتعايــش معـاً‪ ،‬حتــى وإن احتمــل هــذا‬ ‫ُ‬ ‫تتشــاجر أحيانـاً‪ ،‬أن تــدرك أن بينها اختالفاً‪ ،‬ولكنه‬ ‫قضيــة‪.‬‬ ‫االختــاف الــذي ال ُيفســد للـ ّ‬ ‫ـود ّ‬

‫الشعوب لم‬ ‫تكن تتحارب‬ ‫أبد ًا‪ ،‬ولم يعرف‬ ‫التاريخ كثير ًا‬ ‫من الحوادث‬ ‫التي تصادم‬ ‫فيها شعبان‪،‬‬ ‫أو ثقافتان‪،‬‬ ‫وإنما تتحارب‬ ‫األنظمة فيما‬ ‫بينها‬

‫‪51‬‬


‫التعايُش في فضاء‬ ‫عالمي مضطرب‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمد غانم الرميحي‬

‫المفكـــر االســـتراتيجي‬ ‫فـــي محاضـــرة ألقاهـــا‬ ‫ِّ‬ ‫األميركـــي الســـيد زبينغيـــو برزجنســـكي‪ ،‬قـــال إن‬ ‫العالــم اليــوم بــه ثــاث قــوى عظمــى‪ ،‬هــي الواليات‬ ‫المتحـــدة وروســـيا والصيـــن‪ ،‬ولكـــن أي منهمـــا ال‬ ‫يقــّدم قي ــادة فعال ــة للعال ــم‪ ،‬أي أن العال ــم الي ــوم‬ ‫فاق ــد القي ــادة‪ ،‬وله ــذا الفق ــدان أس ــباب عدي ــدة عل ــى‬ ‫رأســـها صيـــرورة التاريـــخ‪ ،‬حيـــث تقـــوى األمـــم‬ ‫وتتق ـّدم للقيــادة‪ ،‬ثــم تضعــف تدريجي ـ ًا وتتراجــع‪،‬‬ ‫نحــن اآلن فــي عصــر تراجــع القــوة األميركيــة النــي‬ ‫صعــدت بســرعة لقيــادة العالــم بعد الحــرب العالمية‬ ‫الثاني ــة‪ ،‬وف ــي مرحل ــة تناف ــس بي ــن ق ــوى تقليدي ــة‬ ‫لــم تبــرز إحداهــا حتــى الســاعة للقيــادة‪ .‬البعــض قــد‬ ‫ال يلحــظ هــذا التراجــع‪ ،‬ألنــه تدريجــي ويأخــذ فتــرة‬ ‫مــن الزمــن‪ ،‬ولكــن هكــذا كان مــع قــوى فــي التاريــخ‬ ‫آخره ــا بالطب ــع اإلمبرواطوري ــة البريطاني ــة الت ــي‬ ‫كانــت ُتوصــف أن (ممتلكاتها ال تغيب عنها الشــمس)‬ ‫بعــد الحــرب العالميــة الثانيــة كانــت اإلمبراطوريــة‬ ‫األقـــل سياســـيوها‪،‬‬ ‫البريطانيـــة تعتقـــد‪ ،‬أو علـــى‬ ‫ّ‬ ‫تفوقه ــم‪ ،‬ف ــي الحقيق ــة أخ ــذ‬ ‫أنه ــم بص ــدد إنع ــاش ّ‬ ‫االنحـــدار حتـــى التالشـــي فـــي التأثيـــر العالمـــي‬ ‫حوالــي ثالثــة عقــود ال غيــر‪ ،‬ومــا أن جــاء منتصــف‬ ‫عقــد الســبعينيات مــن القرن الماضــي حتى أصبحت‬ ‫بريطانيــا دولــة مثلهــا مثــل الــدول األخــرى تعصــف‬ ‫ـوزع بيــن االجتهــادات‬ ‫بهــا األزمــات االقتصاديــة وتتـّ‬ ‫السياســية فــي الداخــل‪ .‬األمــر بالضبــط يحــدث فــي‬ ‫الواليــات المتحــدة اليــوم‪ ،‬وما نشــهد من (اســتجداء)‬ ‫ألصــوات الناخبيــن مــن ِقَبــل المتنافســين للوصــول‬ ‫إل ــى البي ــت األبي ــض‪ ،‬ع ــن طري ــق إرس ــال رس ــائل‬ ‫‪52‬‬

‫(عنصريــة) مليئــة بالكراهيــة ضــد اآلخــر المختلــف‪،‬‬ ‫يعنــي اإلفــاس الحضــاري والتراجــع القيمــي للقــوة‬ ‫الكب ــرى‪ ،‬كم ــا يفع ــل المرش ــح الجمه ــوري دونال ــد‬ ‫ترام ــب‪ ،‬مؤش ــر إل ــى االنح ــدار‪ ،‬يعن ــي ضم ــن م ــا‬ ‫يعني ــه إث ــارة االضط ــراب االجتماع ــي ف ــي الداخ ــل‬ ‫والخــارج‪ .‬مــن جانــب آخــر يبــدو أن الســيد فالديميــر‬ ‫ـن إل ــى اإلمبراطوري ــة الروس ــية الت ــي‬ ‫بوتي ــن يح ـ ُ‬ ‫تحولـــت إلـــى ســـوفياتية‪ ،‬ثـــم انتهـــت فـــي بدايـــة‬ ‫ّ‬ ‫تســـعينيات القـــرن الماضـــي إلـــى دولـــة‪ ،‬ترغـــب‬ ‫أن ُتعي ــد الماض ــي‪ ،‬والماض ــي للش ــعوب كم ــا ه ــو‬ ‫لإلنســـان الفـــرد ال يعـــود مـــن جديـــد لتدخـــل فـــي‬ ‫مغامـــرات ُتثيـــر مـــن جديـــد الكراهيـــة والمشـــاعر‬ ‫الســلبية‪ .‬فــي هــذا الجــو المضطــرب نشــهد الصيــن‪،‬‬ ‫متفرج ــة‪ ،‬وربم ــا‬ ‫الت ــي تق ــف عل ــى خ ــط التم ــاس ّ‬ ‫متشـــوقة‪ ،‬أن تعلـــب دورًا عالميـــاً‪ّ ،‬إل أن قدرتهـــا‬ ‫ّ‬ ‫التــي حصلــت عليهــا فــي االقتصــاد ال تماثلهــا قــدرات‬ ‫سياســية‪ ،‬ألن النمــوذج الــذي تقّدمــه ال يحمــل أيــة‬ ‫إغ ــراءات لآلخري ــن للس ــير ف ــي مس ــاره‪.‬‬ ‫التحـــول‬ ‫العالـــم إذًا فـــي مرحلـــة صعبـــة مـــن‬ ‫ّ‬ ‫الكبي ــر‪ ،‬ال ــذي ال بوصل ــة ل ــه حت ــى اآلن‪ ،‬وال فك ــر‬ ‫أو رج ــال يقودون ــه‪ .‬ي ــرى بع ــض معلّق ــي الثّقاف ــة‬ ‫أنن ــا أم ــام مش ــهد يش ــابه إل ــى َح ـ ٍّـد م ــا ف ــي عموم ــه‬ ‫مشــهد العالــم قبــل الحــرب العالميــة الثانيــة (وحتى‬ ‫األول ــى) م ــن انش ــطار كام ــل وتض ــارب عمي ــق ف ــي‬ ‫المصالـــح وغيـــاب التوافـــق‪ ،‬وتوقـــع أن القـــوة‬ ‫ـل المش ــكالت‪ ،‬وه ــي ل ــن‬ ‫ه ــي الت ــي يمك ــن أن تح ـ ّ‬ ‫التغيـــرات الهيكليـــة‬ ‫بســـبب‬ ‫المـــرة‪،‬‬ ‫تفعـــل هـــذه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫دائمـــة الحركـــة علـــى النطـــاق العالمـــي‪ ،‬خاصـــة‬


‫العـــّدة العســـكرية‪ .‬وحتـــى مجلـــس األمـــن‬ ‫فـــي ُ‬ ‫األداة التـــي اخترعهـــا المنتصـــرون بعـــد الحـــرب‬ ‫ـل النزاع ــات‪ ،‬ل ــم تع ــد ق ــادرة‬ ‫العالمي ــة الثاني ــة لح ـ ّ‬ ‫عل ــى وض ــع حل ــول للصراع ــات الت ــي تنتش ــر ف ــي‬ ‫العال ــم‪ ،‬وجلّه ــا صراع ــات يغذيه ــا التناف ــس بي ــن‬ ‫القــوى الكبــرى التــي تفقــد قدرتهــا علــى الحســم أو‬ ‫علــى االنتصــار‪ ،‬فتحــارب بعضهــا مــن خــال وكالء‬ ‫مختلفـــي المشـــارب أو مـــن خـــال أدوات ضغـــط‬ ‫مثــل الحصــار والمقاطعــة‪ ،‬بــل وحتــى العمــل مــع‬ ‫ـرية!!‬ ‫ش ــبكات الجماع ــات الس ـ ّ‬ ‫بالتعايــش بمعنــاه العــام علــى‬ ‫يجــري اإلخــال‬ ‫ُ‬ ‫المســـتوى العالمـــي وعلـــى مســـتوى المجتمعـــات‬ ‫متغي ــرات ه ــي األكث ــر‬ ‫المحلي ــة م ــن خ ــال أربع ــة ّ‬ ‫التعايــش الحضــاري‬ ‫بــروزًا فــي إحــداث خلــل فــي‬ ‫ُ‬ ‫فــي هــذا الزمــن وتفعــل فعلهــا فــي العالقــات الدولية‬ ‫وفـــي العالقـــات البينيـــة بيـــن شـــرائح المجتمـــع‬ ‫الواح ــد عل ــى َح ـ ٍّـد س ــواء‪ ،‬ويعتم ــد عم ــق تأثيره ــا‬ ‫عل ــى ظ ــروف محلي ــة وإقليمي ــة تغذّيه ــا س ــلب ًا أو‬ ‫إيجابــاً‪.‬‬

‫المتغ ّير األول‬ ‫الص ــراع الدول ــي المحت ــدم ال ــذي س ـّـببه فق ــدان‬ ‫القيــادة الدوليــة الفاعلــة‪ ،‬وانهيــار اإلمبروطريــات‬ ‫التـــي ســـادت إبـــان القـــرن العشـــرين‪ ،‬فقـــد بـــدا‬ ‫ذل ــك الق ــرن وكأن الص ــراع ق ــد انته ــى م ــن الس ــاحة‬ ‫العالميــة‪ ،‬ومــا هــي ّإل عشــرون عامـ ًا حتى حصدت‬

‫علي الخالد‬

‫حربــ ًا ضروســ ًا ُس ــميت الح ــرب العالمي ــة األول ــى‬ ‫أرواح مالييـــن البشـــر‪ ،‬واختفـــت إمبراطوريـــات‬ ‫عاشـــت مئـــات الســـنين‪ ،‬مثـــل اإلمبراطوريـــة‬ ‫العثمانية أو النمســاوية‪ /‬الهنجارية‪ ،‬أو القيصرية‬ ‫الروســية‪ ،‬وبــرزت دول جديــدة قويــة علــى ســطح‬ ‫العال ــم س ــمت نفس ــها (إمبراطوري ــة) وبع ــد عقدي ــن‬ ‫م ــن الزم ــان بقلي ــل اضط ــرب العال ــم م ــن جدي ــد‪،‬‬ ‫واكتســحت النازيــة األلمانيــة التــي خرجــت مهزومــة‬ ‫قب ــل عش ــرين عامــ ًا العال ــم بق ــوة جحاف ــل الراي ــخ‬ ‫الثالــث (رايــخ األلــف عــام كمــا كانــت تقــول الدعايــة‬ ‫األلمانيـــة)!‪ّ ،‬إل أن تحالـــف الفاشيســـت اإليطالـــي‬ ‫مـــع النازيـــة األلمانيـــة ســـرعان مـــا انهـــار أمـــام‬ ‫تحالـــف ســـوفياتي‪ /‬أميركـــي غربـــي (بريطانيـــا‬ ‫المرة‬ ‫وفرنســا) وصعــدت دول وقــوى حديثــة‪ ،‬هــذه ّ‬ ‫اس ــتمر بعضه ــا إل ــى أكث ــر م ــن ثالث ــة عق ــود‪ ،‬ث ــم‬ ‫انته ــى الص ــراع بي ــن المنتصري ــن بخ ــروج االتح ــاد‬ ‫الســوفياتي وانتهــاء صيتــه المــدوي‪ .‬هــذه الفتــرة‪،‬‬ ‫أي بعــد الحــرب العالميــة الثانيــة والســنوات التــي‬ ‫تلــت تفتــق ذهــن المتصارعيــن على حــروب جديدة‪،‬‬ ‫ه ــي الح ــروب بالوكال ــة (حي ــث امتن ــع تقني ـ ًا ش ــن‬ ‫تطـــور أســـلحة الدمـــار‬ ‫الحـــروب الكبـــرى بســـبب‬ ‫ّ‬ ‫الشــامل التــي يمكــن أن تمحــي األرض ومــن عليهــا)‬ ‫ال زال ــت ه ــذه المرحل ــة تفع ــل فعله ــا حولن ــا وق ــد‬

‫لم تعد‬ ‫هناك (بوابة)‬ ‫حكومية‬ ‫محلية أو‬ ‫دولية تمنع‬ ‫وصول األفكار‬ ‫والمعلومات‬ ‫أو تقلّل من‬ ‫التشابك‬ ‫والتجنيد‬

‫‪53‬‬


‫مـّـرت بمرحلتيــن‪ :‬األولــى مرحلــة الحــرب البــاردة‪،‬‬ ‫وتقســيم العالــم إلــى معســكرين‪ ،‬والمرحلــة الثانية‬ ‫الت ــي نعي ــش وه ــي مرحل ــة الح ــروب بالوكال ــة‪،‬‬ ‫م ــع إضاف ــة جدي ــدة ه ــي ضع ــف الق ــوى الكب ــرى‪،‬‬ ‫ـل ولكنهــا تملك الخلطة الســحرية‬ ‫وصعــود قــوى أقـّ‬ ‫(الق ــوة النووي ــة المدم ــرة) وجلّه ــا م ــن دول العال ــم‬ ‫الثالـــث‪ ،‬ومـــن هنـــا فـــإن البشـــرية تغـــادر مكانـــ ًا‬ ‫ف ــي التاري ــخ لتدخ ــل آخ ــر‪ ،‬أصب ــح ل ــه العب ــون‬ ‫التعاي ــش‪،‬‬ ‫ج ــدد يس ــتطيعون أن يعطل ــوا هيكلي ــة‬ ‫ُ‬ ‫ســواء فــي داخــل األوطــان أم بين الشــعوب‪ ،‬هؤالء‬ ‫الالعبـــون الجـــدد هـــم قـــوى مـــا دون الدولـــة‪ ،‬أو‬ ‫دول تس ــمى مارق ــة‪.‬‬

‫المتغ ّير الثاني‬ ‫ف ــي ه ــذه األثن ــاء (أي مرحل ــة م ــا بع ــد الح ــرب‬ ‫العظم ــى الثاني ــة)(‪ )1‬ب ــدأ ظه ــور ال ــدول الصغي ــرة‬ ‫والمتوس ــطة ف ــي كل م ــن آس ــيا وإفريقي ــا وأمي ــركا‬ ‫واســـتقطبت هـــذه الـــدول أو معظمهـــا‬ ‫الالتينيـــة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫إل ــى المعس ــكرين اللذي ــن تقاب ــا ف ــي خصوم ــة بع ــد‬ ‫الحــرب الثانيــة‪ ،‬وهما (الدول الرأســمالية) واألخرى‬ ‫معســكر الدول (االشــتراكية)‪ ،‬على اختالف األشــكال‬ ‫الت ــي اتخذته ــا تل ــك ال ــدول الجدي ــدة ف ــي الممارس ــة‬ ‫ف ــي أي م ــن الرأس ــمالية أو االش ــتراكية!‪ ،‬وأصب ــح‬ ‫كثي ــر م ــن ه ــذه ال ــدول الجدي ــدة ف ــي م ــكان قري ــب أو‬ ‫بعيــد لطــرف خصيــم لآلخــر‪ّ ،‬إل أن مــا يجمــع معظــم‬ ‫تلــك الــدول (التــي ســميت ناميــة) خلــل فــي الحوكمــة‬ ‫عنــد معظمهــا‪ ،‬تقلبــت فيــه مجتمعاتهــا مــن حكومــات‬ ‫عس ــكرية ديكتاتوري ــة‪ ،‬أو حكوم ــات مدني ــة أيضــ ًا‬ ‫هشــة‪ ،‬شــابها‬ ‫ديكتاتوريــة‪ ،‬أو شــبه ديموقراطيــات ّ‬ ‫ضم ــور الحوكم ــة الرش ــيدة (المش ــاركة والش ــفافية‬ ‫والحكــم بالقانــون) وزيــادة جرعــة الفســاد‪ ،‬كل تلــك‬ ‫العوامــل جعلــت مــا يمكن تســميته بمــرض االنحباس‬ ‫الديموقراطــي يتفشــى فــي معظــم تلــك الــدول‪ ،‬األمــر‬ ‫الــذي نتــج عنــه إمــا حــروب أهليــة أو حــروب بينيــة‬ ‫أو حــركات إرهــاب‪ ،‬ممــا دفــع قطاعــات كبيــرة مــن‬ ‫هــذه الشــعوب إلــى نبــذ اآلخــر (المســتعمر) الداخلي‪،‬‬ ‫كمــا فــي جنــوب إفريقيــا وفلســطين‪ ،‬أو الخارجــي‪،‬‬ ‫التخل ــص م ــن االس ــتعمار‪ّ .‬إل أن‬ ‫كم ــا ف ــي ح ــروب‬ ‫ُّ‬ ‫انحب ــاس الديموقراطي ــة والتدخ ــل الخارج ــي‪ ،‬كان‬ ‫لهمــا أثــر كبيــر فــي فشــل الــدول الصغيــرة وانهيارهــا‬ ‫تح ــت الضغ ــوط‪ ،‬خاص ــة ضغ ــوط التناف ــس بي ــن‬ ‫الق ــوى الكب ــرى والح ــروب بالوكال ــة‪ .‬وظه ــر ش ــيء‬ ‫وتفشـــى‪ ،‬وكان ظهـــوره األكبـــر‬ ‫اســـمه (اإلرهـــاب)‬ ‫ّ‬ ‫فــي أفغانســتان‪ ،‬المــكان الــذي أصبــح أو ًال حاضنــة‬ ‫للحـــروب بالوكالـــة ثـــم حاضنـــ ًا لإلرهـــاب‪ .‬كان‬ ‫تشــجيع حــركات (المقاومــة) للمعســكر اآلخــر مكانـ ًا‬ ‫لتفري ــخ (اإلره ــاب) بع ــد ذل ــك‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫عبد الكريم فرج‬

‫المتغ ّير الثالث‬ ‫زاد مــن ســرعة االســتقطاب والصــراع وانحســار‬ ‫التعاي ــش ث ــورة وس ــائل االتص ــال االجتماع ــي ف ــي‬ ‫ُ‬ ‫العقدي ــن األخيري ــن‪ ،‬والت ــي ه ــي اآلن ف ــي كل م ــا‬ ‫نعـــرف (جنينيـــة) ويـــرى الخبـــراء أنهـــا ســـوف‬ ‫ت ــزداد س ــرعة وانتش ــاراً‪ ،‬فل ــم تع ــد هن ــاك (بواب ــة)‬ ‫حكومي ــة محلي ــة أو دولي ــة تمن ــع وص ــول األف ــكار‬ ‫والمعلومـــات أو تقلّـــل مـــن التشـــابك والتجنيـــد‪.‬‬ ‫يقـــول الكاتـــب األميركـــي تومـــاس فريدمـــان فـــي‬ ‫مقــال ُن ِشـَـر لــه األســبوع الثانــي مــن ديســمر‪/‬كانون‬ ‫األول ‪ 2015‬بعن ــوان (لس ــت أميركي ـاً) إن ــه كان ف ــي‬ ‫الكويــت فــي أواخــر نوفمبر‪/‬تشــرين الثانــي ‪2015‬‬ ‫وســأله أحدهــم عــن تصريحــات دونالــد ترامــب‪ ،‬بعد‬ ‫ســاعات مــن إطالقهــا فــي أميــركا عــن (وجــوب قفــل‬ ‫المس ــاجد)(‪ )2‬هك ــذا ه ــي وس ــائل اإلع ــام الجدي ــدة‬ ‫الت ــي تنق ــل األخب ــار بس ــرعة غي ــر مس ــبوقة‪ ،‬وه ــي‬ ‫تحم ــل الكثي ــر م ــن المخاط ــر م ــن جه ــة‪ ،‬والف ــرص‬ ‫م ــن جه ــة أخ ــرى‪ ،‬ولكنه ــا بالتأكي ــد تنح ــى نح ــو‬ ‫إش ــاعة س ــريعة للض ــرر بي ــن المكون ــات البش ــرية‪،‬‬ ‫التعايــش الحضــاري واالنســجام‬ ‫وتقلــل مــن فــرص‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫اإلنســاني‪ ،‬ألن البشــر ُجِب َل بطبعه على ما يمكن أن‬ ‫ُيســمى (حــب الــدم) أو (األخبــار الســلبية والمؤججــة‬ ‫للعاطفـــة) هـــذه الوســـائل فـــي أيـــدى العامـــة مـــن‬ ‫النــاس‪ ،‬تســاعد إلــى َحـ ٍّـد كبيــر فــي إشــاعة مســاحة‬ ‫م ــن ع ــدم التس ــامح بي ــن الثّقاف ــات المختلف ــة وبي ــن‬ ‫ال ــدول وبي ــن الجماع ــات ف ــي الدول ــة الواح ــدة‪ ،‬ب ــل‬ ‫المتطرفـــة‬ ‫وتســـتخدم لتلميـــع وتســـويق األفـــكار‬ ‫ّ‬ ‫الدينيـــة والمذهبيـــة والعرقيـــة واالقتصاديـــة‪،‬‬


‫وتش ــويه س ــمعة آخري ــن مختلفي ــن ف ــي االجته ــاد‬ ‫السياس ــي أو الدين ــي أو المذهب ــي‪ ،‬وت ــزداد س ــرعة‬ ‫انتشــار تلــك الوســائل حتــى غــدت (ميــدان) معركــة‬ ‫لألف ــكار وال ــرؤى وتروي ــج السياس ــات‪.‬‬

‫المتغ ّير الرابع‬ ‫اإلره ــاب بأش ــكاله المختلف ــة ه ــو المح ــك هن ــا‪،‬‬ ‫ملي ـ ًا للنظ ــر إل ــى المفه ــوم‬ ‫ولك ــن يج ــب أن نتوّق ــف ّ‬ ‫علميـــاً‪ ،‬فقـــد كان دائمـــ ًا هنـــاك خـــط رفيـــع بيـــن‬ ‫الح ــركات الت ــي تن ــادي بالتح ـ ّـرر الوطن ــي وبي ــن‬ ‫اإلرهــاب‪ ،‬هــذا الخــط الرفيــع يتالشــى عنــد تغييــر‬ ‫المنــاخ السياســي‪ ،‬ولــو أن الفروقــات بيــن حــركات‬ ‫التحـــرر وبيـــن اإلرهـــاب (اي اســـتخدام العنـــف)‬ ‫ّ‬ ‫التحـــرر لهـــا‬ ‫فروقـــات معياريـــة‪ ،‬فـــإن حـــركات‬ ‫ّ‬ ‫(أجن ــدة أو منافس ــتو فك ــري)‪ ،‬ف ــي الوق ــت ال ــذي ال‬ ‫تحم ــل ح ــركات اإلره ــاب العنفي ــة األخ ــرى أجن ــدة‬ ‫سياس ــية أو أن تل ــك األجن ــدة غي ــر مرغ ــوب فيه ــا‬ ‫أو معت ــرف به ــا أو خارج ــة ع ــن س ــياق التاري ــخ!‬ ‫مثــال‪ :‬فحتــى ســنوات قليلــة مضــت كانــت منظمــة‬ ‫التحريـــر الفلســـطينية ُتســـمى (إرهابيـــة) إلـــى‬ ‫درجـــة أن منـــدوب الواليـــات المتحـــدة فـــي األمـــم‬ ‫المتح ــدة اندروين ــج‪ ،‬عندم ــا جمع ــه الس ــيد عب ــد اهلل‬ ‫بشــارة‪ ،‬منــدوب الكويــت فــي أواخــر الســبعينيات‬ ‫المؤسســة‪،‬‬ ‫مــن القــرن الماضــي (‪ )1979‬فــي تلــك‬ ‫ّ‬ ‫عل ــى غ ــداء م ــع من ــدوب مراق ــب لفلس ــطين زهي ــر‬ ‫الط ــرزي‪ ،‬وعلم ــت الصحاف ــة بذل ــك‪ ،‬شــنّت حمل ــه‬ ‫ضــد المنــدوب األميركــي اضطرتــه لالســتقالة(‪،)3‬‬ ‫واآلن نـــرى منظمـــة مثـــل طالبـــان حتـــى األمـــس‬ ‫القريــب كانــت ُتصّنــف بأنهــا إرهابيــة‪ ،‬اليــوم ُتجري‬ ‫مباحث ــات بينه ــا وبي ــن الحكوم ــة األفغاني ــة‪ ،‬م ــن‬ ‫أج ــل المش ــاركة ف ــي الحك ــم‪ ،‬وك ــذا ينطب ــق عل ــى‬ ‫حــزب اهلل اللبنانــي الموكــول إليــه مــن إيــران‪ ،‬حمــل‬ ‫ـوية سياســياً‪ ،‬يشــارك‬ ‫الكثيــر مــن المهمات غير السـ ّ‬ ‫ف ــي الحك ــم اللبنان ــي‪ ،‬أم ــا ح ــزب الدع ــوة العراق ــي‬ ‫ال ــذي ق ــام بأعم ــال إره ــاب ف ــي الثمانيني ــات م ــن‬ ‫الق ــرن الماض ــي ف ــي ع ــدد م ــن البل ــدان م ــن بينه ــا‬ ‫الكويـــت‪ ،‬فيشـــارك اليـــوم‪ ،‬وحتـــى بأشـــخاص‬ ‫متهميــن بالقيــام بأفعــال إرهابيــة ارتكبــت بأيديهم‪،‬‬ ‫ف ــي الحك ــم القائ ــم ف ــي بغ ــداد(‪.)4‬‬ ‫ال مـــن اإلرهـــاب تقـــوم بـــه الـــدول‬ ‫ّإل أن شـــك ً‬ ‫أيض ـاً‪ ،‬وخاص ــة الفاش ــلة؛ فمفه ــوم إره ــاب الدول ــة‬ ‫أم ــر مت ــداول‪ ،‬أي اس ــتخدام العن ــف عش ــوائي ًا ض ــد‬ ‫المواطنيــن‪ ،‬وهــو أمــر ُيرتكــب اليــوم مــن قبــل النظام‬ ‫الســوري علــى نطــاق واســع‪ .‬ضــد شــعب أعــزل‪ّ ،‬إل‬ ‫أن الجماعــات مــا دون الدولــة هــي األكثر خطورة ألن‬ ‫إرهابهــا مباغــت ال يعــرف أحــدًا متــى يضــرب أو أيــن‬ ‫يضــرب‪ ،‬فأحــداث باريــس ‪ 13‬نوفمبــر ‪ 2015‬أحدثــت‬

‫صدمـــة اّتســـقت مـــع التهجيـــر الضخـــم للســـوريين‬ ‫باتج ــاه أوروب ــا‪ ،‬فغاص ــت أوروب ــا ف ــي مش ــكلة ل ــم‬ ‫تألفه ــا ق ــط‪ ،‬بي ــن ش ــعارات التس ــامح والمس ــاعدة‬ ‫والقبـــول‪ ،‬وبيـــن الخـــوف والريبـــة مـــن القادميـــن‬ ‫الج ــدد‪ ،‬إل ــى درج ــة أخ ــذ احتياط ــات متشــّددة عن ــد‬ ‫عبوره ــم إل ــى األراض ــي األوروبي ــة‪ ،‬ع ــاوة عل ــى‬ ‫مــا يكّلــف اقتصــادات تلــك الــدول مــن خســائر‪ .‬وألن‬ ‫اإلرهــاب كمفوهــم ال زال مختلف ـ ًا عليــه وغيــر ُمقّنــن‬ ‫فــي القانــون الدولــي‪ ،‬فــإن الموقــف منــه يعيدنــا إلــى‬ ‫المقولــة المعروفــة إن (حركــة تحريــر للبعــض‪ ،‬هــي‬ ‫إرهــاب للبعــض اآلخــر‪ ،‬والعكــس صحيــح)‪ ،‬ولكــن‬ ‫بالنتيجــة فــإن الضحيــة األولــى لــكل أشــكال اإلرهاب‬ ‫التعايــش وقبــول اآلخر‪.‬‬ ‫هــو التســامح والقــدرة علــى‬ ‫ُ‬

‫االستنتاج‬ ‫التعايـــش والتســـامح الحضـــاري فـــي هـــذه‬ ‫إن‬ ‫ُ‬ ‫الفســـحة مـــن الزمـــن (العقـــد الثانـــي مـــن القـــرن‬ ‫الحــادي والعشــرين) يمــران بأزمــة أخالقية طاحنة‬ ‫تختلـــط فيهـــا األلـــوان وتتضـــارب االجتهـــادات‪،‬‬ ‫والخاســر األكبــر فيهــا هــو قيــم حضاريــة أساســية‬ ‫ناضــل اإلنســان فــي أماكن مختلفة وبأشــكال شــتى‬ ‫للوصـــول إليهـــا‪ ،‬ومـــن هنـــا فـــإن االعتـــراف أو ًال‬ ‫بأهيمــة القضيــة وتأثيرهــا العميــق علــى حضــارة‬ ‫اإلنســـان‪ ،‬هـــو أول الطريـــق للبحـــث عـــن حلـــول‬ ‫عقالني ــة له ــا‪ ،‬تب ــدأ بع ــدم االنج ــرار وراء التعمي ــم‬ ‫أو تعظيـــم المخـــاوف مـــن اآلخـــر والنظـــر إلـــى‬ ‫الظاه ــرة نظ ــرة علمي ــة ومحاول ــة بي ــان أس ــبابها‬ ‫العميقــة ودوافعهــا وتاريــخ صيرورتهــا‪ ،‬واقتــاع‬ ‫جــذور تلــك األســباب‪ ،‬وتبقــى الحلــول علــى المــدى‬ ‫الوطنيـــة المدنيـــة‬ ‫المتوســـط فـــي إقامـــة الدولـــة‬ ‫ّ‬ ‫والمؤسســـية القابلـــة بالتعّدديـــة علـــى‬ ‫العادلـــة‬ ‫ّ‬ ‫قاع ــدة المواطن ــة المتس ــاوية‪.‬‬

‫الضحية‬ ‫األولى لكل‬ ‫أشكال‬ ‫اإلرهاب هو‬ ‫التسامح‬ ‫والقدرة على‬ ‫التعايش‬ ‫وقبول اآلخر‬

‫هوام ــش‪:‬‬ ‫‪ - 1‬بـــدأت األمـــم المتحـــدة بخمســـين دولـــة فقـــط هـــي التـــي‬ ‫وقّع ــت عل ــى وثيق ــة اإلنش ــاء‪ ..‬ه ــي خمس ــون دول ــة (بولن ــدا‬ ‫وقع ــت الحقــاً)‪ ،‬واآلن ع ــدد ال ــدول المنضم ــة لألم ــم المتح ــدة‬ ‫‪ 193‬دول ــة ع ــدا المنظم ــات المراقب ــة!‬ ‫‪ - 2‬نقــل المقــال بالعربيــة فــي جريــدة الشــرق األوســط بتاريــخ‬ ‫الخميــس ‪ 10‬ديســمبر ‪ ،2015‬فــي الوقــت الــذي صــرح ترامب من‬ ‫جديــد بوجــوب منــع المســلمين مــن دخــول الواليــات المتحدة‪.‬‬ ‫‪ - 3‬كان ذلـــك فـــي واليـــة الســـيد كارتـــر كرئيـــس للواليـــات‬ ‫المتحـــدة!‬ ‫‪ - 4‬أحده ــم جعف ــر محم ــد عل ــي اإلبراهيم ــي المحك ــوم بته ــم‬ ‫اإلرهــاب فــي الكويــت هــو المعــروف بـ«أبــو مهــدي المهنــدس»‪،‬‬ ‫اآلن نائ ــب رئي ــس الحش ــد الش ــعبي العراق ــي!!!‬ ‫‪55‬‬


‫السلم األهلي والتعايُش‬ ‫أ‪.‬د ‪ /‬فـؤاد الصالحي‬

‫المدنيـــة تعزيـــز قيـــم‬ ‫مـــن أهـــم مظاهـــر الدولـــة‬ ‫ّ‬ ‫التعاي ــش والس ــلم األهل ــي وإدماجه ــا ف ــي منظوم ــة‬ ‫ُ‬ ‫الثّقافـــة‪ ،‬بـــل وفـــي المنهـــج التعليمـــي والخطـــاب‬ ‫الدينــي‪ ،‬حتــى يتــم إكســاب المجتمعــات فكــرًا جديــدًا‬ ‫ـوع الجماعــات‬ ‫حــول أســلوب الحيــاة ضمــن تعـ ُّـدد وتنـ ُّ‬ ‫وهوياتهــا‪ ،‬وأعتبــار هــذا التعـ ُّـدد‬ ‫واختــاف مشــاربها‬ ‫ّ‬ ‫والتنـُّـوع مصــدر ثــراء للمجتمــع وللحضــارات‪ .‬وهنــا‬ ‫والتعاي ــش م ــن أه ــم‬ ‫يك ــون مفه ــوم الس ــلم األهل ــي‬ ‫ُ‬ ‫قـــر بهـــا جميـــع‬ ‫مفاهيـــم العمـــران البشـــري التـــي ُت ّ‬ ‫يتضم ــن إق ــرار الجمي ــع‬ ‫الحض ــارات‪ ..‬وه ــذا المفه ــوم‬ ‫ّ‬ ‫بالحفـــاظ علـــى ســـام دائـــم يرفـــض كل أشـــكال‬ ‫االقتتــال أو الدعــوة إليــه‪ ،‬ويرفــض حتميــة التصــادم‬ ‫م ــع اآلخ ــر المختل ــف ف ــي الثّقاف ــة والدي ــن والمذه ــب‪،‬‬ ‫ـق باالخت ــاف إل ــى‬ ‫كم ــا يرف ــض تحوي ــل مفه ــوم الح ـ ّ‬ ‫أيديولوجي ــة صدامي ــة‪.‬‬ ‫ومعنــى ذلــك أن أي مجتمــع يرغــب فــي الوصــول‬ ‫إلــى حالــة مــن الســلم األهلــي واالســتقرار المجتمعي‪،‬‬ ‫ال بــد وأن يــدرك األفــراد ‪-‬المواطنــون‪ -‬أنهــم فــي حالة‬ ‫مــن المســاواة مــع أقرانهــم‪ ،‬وبإمكانهــم الحصول على‬ ‫احتياجاته ــم الضروري ــة م ــن مس ــتلزمات المعيش ــة‪،‬‬ ‫األمــر الــذي يعـّـزز مــن قناعــة الجميــع بأهميــة التوافق‬ ‫المجتمعــي واالســتقرار‪ ،‬طالمــا أنهــم متســاوون فــي‬ ‫الحقـــوق والواجبـــات‪ .‬واإلخـــال بهـــذه الحقـــوق أو‬ ‫أقليــة‪،‬‬ ‫إقصــاء البعــض منهــا وظهــور تمييــز لصالــح ّ‬ ‫ـا إلنتــاج الصــراع الــذي يــؤدي إلــى‬ ‫إنمــا يشــكل مدخـ ً‬ ‫اقتتــال أهلــي وعــدم االســتقرار‪ ،‬وهنا يكون التشــكيك‬ ‫ف ــي جوه ــر البن ــاء الدس ــتوري والقانون ــي وظه ــور‬ ‫ومؤسس ــاته‪ ،‬إلدراك‬ ‫ح ــاالت االغت ــراب ع ــن النظ ــام‬ ‫ّ‬ ‫‪56‬‬

‫عب ــر عنه ــم طالم ــا وه ــو‬ ‫البع ــض أن ه ــذا النظ ــام ال ُي ّ‬ ‫يق ـّـر بتماي ــز ف ــي أس ــاليب المعيش ــة أو يهم ــل إق ــرار‬ ‫المســاواة وفــق مبــدأ المواطنــة‪.‬‬ ‫والعيــش المشــترك هــو أمــر يتم اكتســابه في إطار‬ ‫المدنيــة‪ ،‬وهنــاك‬ ‫تعلــم مســتمر مــن مؤسســات الدولــة‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫مؤسســات أهليــة تحــرص علــى إكســاب األفــراد ثقافة‬ ‫التعاي ــش والس ــلم‬ ‫وقي ــم تبل ــور ف ــي وعيه ــم أهمي ــة‬ ‫ُ‬ ‫ـوع ثقافــي ودينــي‪ .‬ومــع‬ ‫األهلــي فــي إطــار تعـ ُّـدد وتنـ ُّ‬ ‫ذل ــك فه ــذا أم ــر يش ـ ّـكل ف ــي واقعن ــا المعاص ــر أه ــم‬ ‫خاصــة أن الحــروب‬ ‫التحّدّيــات للــدول والمجتمعــات‪ّ ،‬‬ ‫األهليــة ومختلــف بــؤر النــزاع على خلفيــات عصبوية‬ ‫متعـّددة فــي أكثــر مــن مــكان‪ ،‬وأن إدراك قــادة العالــم‬ ‫التعايش‬ ‫لهــذا األمــر يدفــع بهــم نحــو التأكيــد علــى قيــم‬ ‫ُ‬ ‫والس ــلم األهل ــي ف ــي أكث ــر م ــن قم ــة عالمي ــة‪ ،‬ناهي ــك‬ ‫عــن الدعــوة إلــى اإلقــرار بالمواثيــق األمميــة الداعيــة‬ ‫للتعايــش والســلم األهلــي واإلقــرار بالتنـّـوع والتعـ ُّـدد‬ ‫ُ‬ ‫فالتعايــش كمفهــوم يتــم إدراكــه‬ ‫الحضــاري والدينــي‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫هويت ــه‬ ‫ف ــي وج ــود اآلخ ــر المختل ــف والمغاي ــر ف ــي ّ‬ ‫وثقافتــه‪ .‬ووفقـ ًا للمقولــة الفلســفية بإنــه مــن التعـ ُّـدد‬ ‫والمختلــف يخــرج أجمــل مؤتلــف‪ ،‬وهكــذا يكــون حــال‬ ‫المجتمعــات المعاصــرة ذات البنــاء الدولــي بمظاهــره‬ ‫المدنيـــة‪ ،‬حيـــث االئتـــاف العـــام بيـــن مجموعـــات‬ ‫ّ‬ ‫ومتنوع ــة وف ــق إقراره ــا الواع ــي بالس ــلم‬ ‫دة‬ ‫د‬ ‫متعـ ـّ‬ ‫ّ‬ ‫والتعاي ــش ف ــي إط ــار مكان ــي ووف ــق نظ ــام‬ ‫ـي‬ ‫األهل ـ‬ ‫ُ‬ ‫ُيعـّـزز المواطنيــة المتســاوية‪.‬‬ ‫فــي هــذا الســياق يمكــن القــول‪ :‬إن الســلم األهلــي‬ ‫والتعايــش نحتــاج إلــى تأسيســهما فــي وعــى األفــراد‬ ‫ُ‬ ‫والجماعــات‪ ،‬وإلــى تأسيســهما فــي منظومــة الثّقافــة‬


‫عبد الكريم فرج‬

‫الســـائدة وأســـاليب وطـــرق التنشـــئة االجتماعيـــة‬ ‫ومؤسس ــات التعلي ــم واإلع ــام والتثقي ــف الحزب ــي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بمـــا يحولهمـــا إلـــى قناعـــة راســـخة‪ ،‬وهنـــا يتـــم‬ ‫تأصيلهمـــا فـــي الســـلوك اليومـــي لجميـــع األفـــراد‬ ‫ف ــي المجتم ــع‪.‬‬ ‫إن تنميـــة الوعـــي بمفهومـــي الســـلم األهلـــي‬ ‫والتعايـــش أصبحـــت مـــن أهـــم مجـــاالت البحـــث‬ ‫ُ‬ ‫والدراســة فــي علــم االجتمــاع السياســي‪ ،‬عــاوة على‬ ‫كونهمــا مــن أهــم مجــاالت التنميــة والتحديــث فــي أي‬ ‫خاصــة مجتمعاتنــا العربية‪،‬‬ ‫مجتمــع مــن المجتمعــات ّ‬ ‫والتطـــرف‬ ‫العنـــف‬ ‫معـــدالت‬ ‫التـــي تتصـــف بارتفـــاع‬ ‫ّ‬ ‫والفقــر وبــروز فاعليــة الجهويــات العصبويــة‪ ،‬مقابل‬ ‫ارتف ــاع مع ــدالت األمي ــة وتدن ــي مس ــتويات التعلي ــم‬ ‫والثّقافــة‪ ،‬ويعــد الســلم األهلــي والتعايــش مــن أهــم‬ ‫مؤسس ــات المجتم ــع المدن ــي‬ ‫مج ــاالت االهتم ــام ل ــدى ّ‬ ‫ومح ــل إدراك ووع ــي كون ــي‪ ،‬ش ـّـكل خطابــ ًا جدي ــدًا‬ ‫للنخب ــة السياس ــية وللمنظم ــات الدولي ــة‪.‬‬ ‫التعايـــش يكـــون الربـــط بيـــن‬ ‫ولتعزيـــز مفهـــوم‬ ‫ُ‬ ‫ارتفـــاع مســـتويات التعليـــم وتحســـين المعيشـــة‪،‬‬ ‫وبيـــن رســـوخ فكـــرة احتـــرام القانـــون ورســـوخ‬ ‫ثقاف ــة التس ــامح ونب ــذ العن ــف‪ ،‬فجميعه ــا متطلب ــات‬ ‫أساســـية لتحقيـــق االســـتقرار والســـلم األهلـــي‪،‬‬ ‫للتعايـــش المشـــترك‪ ..‬لكـــن‬ ‫وهـــو مدخـــل أساســـي‬ ‫ُ‬ ‫الواق ــع الراه ــن ف ــي أكث ــر م ــن مجتم ــع ومنه ــا بع ــض‬ ‫المجتمع ــات العربي ــة‪ ،‬يظه ــر لن ــا وج ــود جماع ــات‬ ‫تعمــل علــى التوظيف السياســي للعصبيــات التقليدية‬ ‫والنزع ــات المذهبي ــة‪ ،‬م ــن أج ــل تحويله ــا إل ــى آلي ــة‬ ‫الخاص ــة‪ ،‬ولنجاحه ــا ف ــي ذل ــك‬ ‫لتنظي ــم مصالحه ــا‬ ‫ّ‬

‫تعتم ــد أس ــلوب اإلقص ــاء والعن ــف وتكفي ــر اآلخ ــر أو‬ ‫تخوين ــه‪ ،‬هن ــا يغي ــب أس ــلوب الح ــوار والتس ــامح‬ ‫وتظهــر عوامــل التفرقــة والنــزاع‪ ،‬وهــو أمــر يعكــس‬ ‫توجه ــات ممنهج ــة لتغيي ــب الركائ ــز األساس ــية الت ــي‬ ‫التعاي ــش‬ ‫تنه ــض عليه ــا الدول ــة الحديث ــة‪ ،‬وأهمه ــا‬ ‫ُ‬ ‫وف ــق مح ــددات الس ــلم األهل ــي‪.‬‬ ‫والفك ــر ال ــذي يش ــعل الفرق ــة واالنقس ــام وص ــو ًال‬ ‫إلـــى االقتتـــال األهلـــي هـــو الـــذي يعتمـــد مرجعيـــة‬ ‫عصبويــة تغيــب معــه العقالنيــة والمنهجيــة العلميــة‪،‬‬ ‫لذلــك هــو ممارســة ارتجاليــة تخاطــب غرائــز النــاس‬ ‫ومشـــاعرهم (التـــي يتـــم التالعـــب بهـــا) هـــذا الفكـــر‬ ‫أيديولوجيـــ ًا هـــو فكـــر دوغمائـــي‪ ،‬وسياســـي ًا هـــو‬ ‫نظـــام عصبـــوي ال ديموقراطـــي يعتمـــد كل الســـبل‬ ‫الممكنـــة لفـــرض اســـتمراره ضمـــن مفهـــوم التغلّـــب‬ ‫واألم ــر الواق ــع‪.‬‬ ‫وهنـــا يمكـــن القـــول إن تحقيـــق الســـلم األهلـــي‬ ‫والتعايـــش يكـــون فـــي إطـــار دولـــة بمظاهرهـــا‬ ‫ُ‬ ‫الحرّيــة واحتــرام‬ ‫ّ‬ ‫المدنيــة التــي تتســع فيهــا فضــاءات ّ‬ ‫حق ــوق اإلنس ــان وب ــروز فاعلي ــة المجتم ــع المدن ــي‬ ‫كمؤسســات تنتــج حيــاة األفــراد ضمــن نســق ثقافــي‬ ‫المدنيــة ومنظومتهــا الحقوقيــة‬ ‫وسياســي يعــزز مــن‬ ‫ّ‬ ‫التعايــش والســلم األهلــي من‬ ‫والمؤسســية‪ .‬ومفهومــا‬ ‫ُ‬ ‫المدنيــة‪ ،‬وأهــم مظاهــر الحيــاة‬ ‫أهــم مظاهــر الثّقافــة‬ ‫ّ‬ ‫الحضري ــة‪.‬‬ ‫إن تزايـــد حجـــم وعمـــق التفاوتـــات والفروقـــات‬ ‫االجتماعي ــة داخ ــل المجتم ــع يرتب ــط ب ــه تف ــاوت ف ــي‬ ‫طبيعــة المشــاركة المجتمعيــة‪ ،‬فتولــد توجهــات نحــو‬ ‫مقوم ــات الس ــلم األهل ــي‪ ،‬والكثي ــر‬ ‫مزي ــد م ــن تكس ــير ّ‬

‫تحقيق السلم‬ ‫األهلي‬ ‫والتعايُش‬ ‫يكون في‬ ‫إطار دولة‬ ‫بمظاهرها‬ ‫المدنيّة التي‬ ‫تتسع فيها‬ ‫فضاءات‬ ‫الحرّيّة واحترام‬ ‫حقوق اإلنسان‬

‫‪57‬‬


‫مــن الــدول ال تهتــم مباشــرة بتأميــن الحـّد األدنــى مــن‬ ‫مســتلزمات المعيشــة للمواطــن‪ ،‬ومــا يعنيــه ذلــك مــن‬ ‫تحقيــق بعــض التــوازن االجتماعــي االقتصــادي‪ ،‬هنــا‬ ‫يمكــن القــول إن تحقيــق العدالــة االجتماعيــة وتأميــن‬ ‫حـــد أدنـــى لمعيشـــة غالبيـــة المواطنيـــن جميعهـــا‬ ‫عناص ــر ومح ـّـكات عل ــى أساس ــها فق ــط يتح ـّدد م ــدى‬ ‫والتعاي ــش‪.‬‬ ‫اقت ــراب أي مجتم ــع م ــن الس ــلم األهل ــي‬ ‫ُ‬ ‫أو اقترابــه مــن عمليــات اإلقصــاء والعنــف‪ .‬فمــا قيمــة‬ ‫الس ــلم األهل ــي إذا كان الوج ــود االجتماع ــي اليوم ــي‬ ‫لإلنســان باعتبــاره ســجين الضــرورة القاســية التــي‬ ‫تربطــه بالدولــة والنظــام الحاكــم)‪ ،‬إذا لــم يجــد أدنــى‬ ‫متطلباتـــه وحقوقـــه فـــي إطـــار مـــن المســـاواة مـــع‬ ‫اآلخري ــن داخ ــل المجتم ــع‪.‬‬ ‫ف ــي ه ــذا الس ــياق يمك ــن الق ــول إن الس ــلم األهل ــي‬ ‫تحـــول تدريجـــي‬ ‫والتعايـــش يعبـــران عـــن مســـيرة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫متواصــل‪ ،‬وليســت مفهومــات جاهــزة ومكتملــة يتــم‬ ‫فالتعاي ــش المش ــترك‬ ‫نقله ــا م ــن م ــكان إل ــى آخ ــر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫تتطـــور باســـتمرار فـــي إطـــار‬ ‫تجربـــة إنســـانية‬ ‫ّ‬ ‫المحافظـــة علـــى كرامـــة اإلنســـان وحقوقـــه‪ ،‬وهـــى‬ ‫وليــدة تحـّـول اجتماعــي اقتصــادي سياســي يتبلــور‬ ‫عامــة المجتمــع‪.‬‬ ‫فــي نظــام سياســي مدنــي ّ‬ ‫يعبــر عــن ّ‬ ‫والتعاي ــش هم ــا ثنائي ــة تعك ــس‬ ‫والس ــلم األهل ــي‬ ‫ُ‬ ‫عمليـــة التداخـــل والترابـــط بيـــن مكونـــات المجتمـــع‬ ‫هوياتـــه الفرعيـــة‪ ،‬وهمـــا يقابـــان‬ ‫المختلـــف فـــي ّ‬ ‫ثنائيــة العالميــة والخصوصيــة التــي تبــرز مــن خــال‬ ‫تمفصــل العالقــات والتفاعالت بيــن مختلف الحضارات‬ ‫والثقافـــات‪ .‬فالتداخـــل والترابـــط والتشـــابك الســـائد‬ ‫بيـــن مختلـــف الحضـــارات والثقافـــات معنـــاه عـــدم‬ ‫الق ــدرة عل ــى أن ينع ــزل أي مجتم ــع ع ــن المتغي ــرات‬ ‫التعاي ــش والس ــلم األهل ــي‬ ‫العالمي ــة‪ ،‬وس ــتظل قي ــم‬ ‫ُ‬ ‫وحتــى االختراعــات الماديــة قابلــة لالقتبــاس الفــردي‬ ‫والجماعــي التطوعــي‪ ،‬وفــق محددات الوعــى والحاجة‬ ‫تغيــر الزمــان والمكان وتحظى بوعي إنســاني‬ ‫ووفــق ُم ّ‬ ‫والتعاي ــش المش ــترك‪.‬‬ ‫يّتج ــه لتعزي ــز االس ــتقرار‬ ‫ُ‬ ‫تتضم ــن الع ــام المش ــترك بي ــن البش ــر‬ ‫فالعالمي ــة‬ ‫ّ‬ ‫وتعبـــر عـــن خالصـــة‬ ‫والحضـــارات‪،‬‬ ‫والمجتمعـــات‬ ‫ّ‬ ‫وتوج ــه‬ ‫تجرب ــة اإلنس ــانية‪ ،‬وه ــي نزع ــة إنس ــانية‬ ‫ّ‬ ‫نحــو التفاعــل بيــن الحضــارات والتالقــح بينها وتقوم‬ ‫فــي مرتكزاتهــا علــى مفاهيــم وقيــم‪ :‬التعّددية‪/‬التباين‬ ‫ّقافية‪/‬الحق‬ ‫والمغايرة‪/‬التنـّـوع الثقافي‪ ،‬النســبية الث ّ‬ ‫التعاي ــش‪ .‬وه ــذا يعن ــى‬ ‫ف ــي التماث ــل واالخت ــاف‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أن ُمحـــّددات اإلنســـانية البشـــرية واحـــدة‪ ،‬فالعـــدل‬ ‫والتعايــش قيــم إنســانيه عالمية‬ ‫والحرّيــة‬ ‫والمســاواة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫مشــتركة بيــن جميــع البشــر أينمــا كانــوا‪ .‬والعالميــة‬ ‫تعن ــي االنفت ــاح عل ــى اآلخ ــر‪ ،‬هن ــا يمك ــن الق ــول إن‬ ‫خصوصي ــة كل مجتم ــع تقت ــات عل ــى عمومي ــة ال ــكل‬ ‫وتس ــهم فيه ــا‪ ،‬فعالمي ــة أي فك ــرة تنب ــع م ــن كونه ــا‬ ‫تلبــى حاجــات النــاس وتحـّـل مشــكالتهم أينمــا كانــوا‪،‬‬ ‫‪58‬‬

‫والخصوصيـــة وإن ترتبـــط بالبيئـــة الجغرافيـــة‬ ‫ّقافيــة ّإل أنهــا تتقبــل‬ ‫واالجتماعيــة واالقتصاديــة والث ّ‬ ‫العالمي ــة وتندم ــج معه ــا ف ــي إط ــار تحقي ــق مصلح ــة‬ ‫التعاي ــش واالس ــتقرار‪.‬‬ ‫اإلنس ــان ف ــي‬ ‫ُ‬ ‫إن جوهـــر النضـــال لحـــركات حقـــوق اإلنســـان‬ ‫والمجتمـــع المدنـــي هـــو تحقيـــق وعـــي كونـــي‬ ‫التعايــش الســلمي‪ ،‬هنــا تتــم أنســنة النظــم‬ ‫بمفاهيــم‬ ‫ُ‬ ‫السياس ــية‪ ،‬ب ــل وأنس ــنة الرأس ــمالية الباحث ــة ع ــن‬ ‫الرب ــح فق ــط لتك ــون داعم ــة ف ــي نش ــاطها لمفاهي ــم‬ ‫التعايـــش والســـلم األهلـــي‪ .‬بـــل وأنســـنة العولمـــة‬ ‫ُ‬ ‫ذاته ــا وترويضه ــا لتك ــون إط ــارًا عام ـ ًا يع ــزز م ــن م ــا‬ ‫هــو مشــترك بيــن الحضــارات والثقافــات والديانــات‪،‬‬ ‫وتوســـيع نطاقـــه باســـتمرار مـــن خـــال مزيـــد مـــن‬ ‫التعايــش‬ ‫الحــوار والنهــج العقالنــي فــي إقــرار فنــون‬ ‫ُ‬ ‫وتحقي ــق الس ــلم األهل ــي‪.‬‬ ‫التعاي ــش‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫بقضي‬ ‫ـام‬ ‫ـ‬ ‫االهتم‬ ‫صف ــوة الق ــول‪ ..‬إن‬ ‫ُ‬ ‫والس ــلم األهل ــي لي ــس م ــن قبي ــل الت ــرف الفك ــري‪،‬‬ ‫بـــل نحـــن أمـــام قضيـــة ذات أهميـــة كبـــرى فـــي‬ ‫حاضـــر ومســـتقبل مجتمعاتنـــا‪ ،‬بـــل وحضارتنـــا‬ ‫اإلنس ــانية بوج ــه ع ــام‪ ،‬واالهتم ــام به ــا ينب ــع م ــن‬ ‫ّقافي ــة وسياس ــية‪،‬‬ ‫اعتباره ــا ض ــرورة إنس ــانية وث ّ‬ ‫آن واحـــد‪ ..‬ولـــم يعـــد باإلمـــكان‬ ‫بـــل إنمائيـــة فـــي ٍ‬ ‫تجاهلهــا أو تأجيلهــا فهــي قضيــة ملحــة فــي حاضرنــا‬ ‫الراه ــن وواح ــدة م ــن أه ــم المعالج ــات للخ ــروج م ــن‬ ‫نف ــق األزم ــات واالحت ــراب الجه ــوي والمذهب ــي‪ ،‬ب ــل‬ ‫والخ ــروج م ــن نف ــق العب ــث السياس ــي ال ــذي تعيش ــه‬ ‫كثيــر مــن المجتمعــات علــى ســطح الكوكــب‪ .‬فــي هــذا‬ ‫ـوع‬ ‫الس ــياق الب ــد م ــن اإلق ــرار م ــن الجمي ــع ب ــأن التن ـ ُّ‬ ‫واالختـــاف فـــي ذاتيهمـــا شـــرطان أساســـيين مـــن‬ ‫شــروط وجــود الحيــاة االجتماعيــة وضمــان اطرادهــا‬ ‫ـوع والتع ـ ُّـدد واالخت ــاف حي ــاة‬ ‫الدينام ــي فف ــي التن ـ ُّ‬ ‫اإلنس ــانية وارتقاؤه ــا‪.‬‬ ‫ومـــن هنـــا فـــإن الثّقافـــات الحيـــة والمجتمعـــات‬ ‫الناشـــطة والديناميـــة هـــي التـــي تعـــرف مفهـــوم‬ ‫التعاي ــش وف ــق تع ـّدد الثقاف ــات والمذاه ــب‪ ..‬والفك ــر‬ ‫ُ‬ ‫والتنـــوع‪ ،‬هـــو مـــأزوم‬ ‫للتعـــدد‬ ‫المتطـــرف الرافـــض‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫باس ــتمرار ألن ــه نت ــاج لبن ــى ماضوي ــة‪ ،‬يعج ــز ع ــن‬ ‫إدراك العالقـــة الجدليـــة بيـــن التاريخـــي والبنائـــي‬ ‫المتح ـ ّـول والثاب ــت ف ــي خصوصي ــة تقب ــل العالم ــي‬ ‫وتضي ــف إليــه‪ ..‬فاألصــل أن كل حضــارة ك ــي تبق ــى‬ ‫قائمــة البــد وأن تكــون قــادرة علــى تقديــم اإلجابــة عن‬ ‫التســاؤالت المتجـّددة وتلبيــة االحتياجــات المتطـّـورة‬ ‫والتعايــش المشــترك والســلم األهلــي مــن‬ ‫لإلنســان‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أهـــم أســـئلة الوجـــود االجتماعـــي والسياســـي فـــي‬ ‫عالمن ــا المعاص ــر‪ ،‬وف ــي مجتمعاتن ــا العربي ــة بوج ــه‬ ‫بالتعاي ــش‬ ‫خ ــاص‪ ،‬هن ــا يك ــون م ــن ال ــازم اإلق ــرار‬ ‫ُ‬ ‫والســلم األهلــي باعتبارهمــا مــن أهــم ممكنــات تحقيق‬ ‫المدني ــة‪.‬‬ ‫االس ــتقرار وبن ــاء الحي ــاة‬ ‫ّ‬


‫إيزابيلال كاميرا‬

‫األسوار أم التعايُش ؟‬ ‫التعايــش وروح التضامــن فــي‬ ‫مــن الصعــب أن نتحـّدث عــن‬ ‫ُ‬ ‫عصـٍـر كالــذي نعيــش فيــه‪ .‬فــا تكـ ّ‬ ‫ـف قنــوات التليفزيــون لدينــا‬ ‫والتعصــب‪ ،‬مــن جميــع أنحــاء‬ ‫عــن أن ترســل صــورًا للكراهيــة‬ ‫ُّ‬ ‫العالــم‪ .‬ولكــن فــي اآلونــة األخيــرة لــم يعد هنــاك بالنســبة لكثير‬ ‫م ــن الن ــاس ف ــي بع ــض المناط ــق الجغرافي ــة‪ ،‬س ــام وال أم ــل‬ ‫فــي حيــاة أفضــل أبــداً‪ .‬والبابــا فرانشيســكو‪ ،‬الــذي هــو بالتأكيــد‬ ‫ش ــخصية جدي ــدة غي ــر معت ــادة عل ــى الكنيس ــة الكاثوليكي ــة‪،‬‬ ‫وربمــا علــى العالــم كلــه‪ ،‬يقــول لنــا باســتمرار‪ :‬إن اهلل ال يحــب‬ ‫األس ــوار‪ ،‬وأنن ــا يج ــب أال نبن ــي أس ــوارًا عل ــى اإلط ــاق‪ .‬وم ــع‬ ‫ذلــك‪ ،‬فــإن األســوار‪ :‬ال تفتــأ تزيــد فــي كل مــكان‪ .‬فــي عصرنــا‪،‬‬ ‫ومن ــذ س ــقوط س ــور برلي ــن حت ــى الي ــوم‪ ،‬ل ــم نفع ــل س ــوى‬ ‫المش ــاركة ف ــي تش ــييد مجموع ــة م ــن األس ــوار األخ ــرى‪ ،‬وكله ــا‬ ‫أعلــى مــن ســور برليــن وأكثــر حصانــة منــه‪ .‬هــي أســوار مــن‬ ‫الخرس ــانة والحج ــارة واألس ــاك الش ــائكة‪ ،‬يواكبه ــا لألس ــف‬ ‫ـق‬ ‫ّقافي ــة الت ــي ه ــي أكث ــر منع ــة وأش ـ ّ‬ ‫العدي ــد م ــن األس ــوار الث ّ‬ ‫عل ــى التحطي ــم‪ .‬المث ــال الص ــارخ عل ــى ه ــذه األس ــوار الش ــائهة‬ ‫هـــو ذلـــك الـــذي يفصـــل إســـرائيل عـــن فلســـطين التـــي يزيـــد‬ ‫ـل عن ــه ع ــارًا ذل ــك الس ــور ال ــذي‬ ‫امتهانه ــا أكث ــر وأكث ــر‪ .‬ال يق ـ ّ‬ ‫بنتــه فــي أوروبــا الحكومــة المجريــة‪ ،‬لمنــع الالجئيــن الفاريــن‬ ‫مــن النزاعــات فــي الشــرق األوســط جديدهــا وقديمهــا‪ ،‬للعبــور‬ ‫م ــن ذل ــك البل ــد‪ .‬مج ــرد عب ــور فق ــط‪ .‬ل ــم يت ــم الس ــماح لعائ ــات‬ ‫بأكمله ــا عب ــور أراض ــي المج ــر للذه ــاب نح ــو األم ــل ف ــي حي ــاة‬ ‫أفض ــل‪ ،‬بع ــد الكثي ــر م ــن المعان ــاة والعذاب ــات الت ــي تحملوه ــا‬ ‫ف ــي أوطانه ــم وف ــي رحل ــة هروبه ــم‪ .‬والمعن ــى أن ــه حت ــى ف ــي‬ ‫أوروبــا الحـّـرة‪ ،‬تتزايــد األســوار‪ ،‬وليــس فقــط أســوار األســاك‬ ‫الشــائكة‪ ،‬فيكفــي أن نــرى العديــد مــن المناطــق األوروبيــة التــي‬ ‫تنمــو فيهــا األحــزاب اليمينيــة والحــركات العنصريــة وجماعــات‬ ‫ب ــث الذع ــر م ــن اإلس ــام‪ ..‬يب ــدو العال ــم ماضيــ ًا كل ي ــوم ف ــي‬ ‫تظل فــي عصرنا‬ ‫اتجــاه‬ ‫التعصــب والخــوف والشــكّ‪ .‬ورغــم هــذا ّ‬ ‫ُّ‬ ‫التحضــر‪ .‬وفــي هــذا‬ ‫أيض ـ ًا أمثلــة علــى التســامح الكبيــر وعلــى‬ ‫ُّ‬ ‫الصــدد أريــد أن أتذكــر «المعجــزة» التــي قــام بهــا صديقنــا العزيــز‬ ‫بكــرة إلــى ســوريا‪،‬‬ ‫ـن ُم ّ‬ ‫األب باولــو دالوليــو الــذي غــادر فــي ِسـ ٍّ‬ ‫الت ــي أصبح ــت وطن ــه الجدي ــد‪ ،‬حي ــث أع ــاد هيكل ــة دي ــر م ــار‬

‫موس ــى الحبش ــي التاريخ ــي‪ ،‬بالق ــرب م ــن بل ــدة النب ــك ش ــمال‬ ‫دمشــق‪ ،‬بمســاعدة العديــد مــن المتطوعيــن‪ ،‬ذلــك الديــر القديــم‬ ‫وأســس‬ ‫الــذي يعــود بنــاؤه إلــى القــرن الحــادي عشــر( ‪ّ ،)1058‬‬ ‫فيــه جماعــة مــن المســيحيين وغيــر المســيحيين‪ ،‬وفتحــه أمــام‬ ‫والتعايــش الســلمي اإلنســاني والتعــاون الثقافــي‬ ‫حــوار األديــان‬ ‫ُ‬ ‫بي ــن الن ــاس‪ .‬أبون ــا باول ــو‪ ،‬كم ــا يدعون ــه ببس ــاطة كل الن ــاس‬ ‫ـكل أبــدًا عــن الترحيــب بــأي شــخص يســتقبله‬ ‫الذيــن عرفــوه‪ ،‬ال يـ ّ‬ ‫فيرحــب‬ ‫ـكينة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫والس‬ ‫ـام‬ ‫ـ‬ ‫الس‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـون‬ ‫ـ‬ ‫يحتاج‬ ‫فــي ذلــك الديــر ممــن‬ ‫ّ‬ ‫بمــن يخــرج مــن الســجن‪ ،‬والرحالــة الذيــن يســافرون بحثـ ًا عــن‬ ‫للتجمع‬ ‫أنفسهم‪ ،‬وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز‬ ‫ُّ‬ ‫فــي هــذه الواحــة وأداء الصلــوات مع ـاً‪ .‬وعندمــا َتـّـم طــرده مــن‬ ‫ســوريا عــام ‪ 2012‬عــاد إلــى إيطاليــا‪ ،‬وطنــه األم‪ ،‬حيــث عانــى‬ ‫ـس فيهــا بالغربــة التــي تعـذّب‬ ‫فيهــا معانــاة المهاجريــن‪ ،‬فقــد أحـ ّ‬ ‫كل م ــن يقي ــم ف ــي المنف ــى‪ ،‬ألن ــه كان إيطاليــ ًا بج ــواز س ــفره‬ ‫ســوري الــروح والهــوى‪ .‬وعلــى الرغــم مــن كثــرة الحديــث عنــه‬ ‫من ــذ اختفائ ــه واختطاف ــه ف ــي س ــورية‪ ،‬حي ــث ع ــاد إليه ــا م ــرة‬ ‫أخــرى فــي عــام ‪ ،2013‬لــم يعــد أحــد يتحـّدث عنــه اليــوم‪ ،‬ممــا‬ ‫حــدا بمجموعــة مــن أصدقائــه ومؤيديــه‪ ،‬إلــى تأســيس جمعيــة‬ ‫ســـموها «أصدقـــاء األب دالوليـــو»‪ .‬وتســـعى الجمعيـــة لنشـــر‬ ‫نظــم لقــاءات بيــن‬ ‫أفــكاره اإلنســانية العظيمــة عــن‬ ‫وت ّ‬ ‫التعايــش‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫شــخصيات مســلمة ومســيحية تســعى للحوار‪ .‬وعقد مؤخرًا في‬ ‫رومــا لقــاء بعنــوان «مســيحيون ومســلمون مــن أجــل الرحمــة»‪،‬‬ ‫بمشــاركة بعــض كبــار الشــخصيات اإليطاليــة والعربيــة‪ .‬حــاول‬ ‫والتعاي ــش‪ ،‬عل ــى‬ ‫الجمي ــع ش ــرح المعن ــى الحقيق ــي للتضام ــن‬ ‫ُ‬ ‫أمــل أن تقــع هــذه الكلمــات علــى آذان ليــس بهــا صمــم‪ .‬فهــل مــن‬ ‫الممك ــن العي ــش معــ ًا باس ــم الح ــب والتس ــامح كم ــا كان يعتق ــد‬ ‫ويحلــم أبونــا باولــو؟ أم أنهــا مدينــة فاضلــة يحلــم بهــا بعــض‬ ‫النــاس الطيبيــن ؟ أحــب أن أعتقــد أن كل هــذا ليــس حلمـاً‪ ،‬وأن‬ ‫واقعــ ًا مختلفــ ًا ق ــد يك ــون ممكنــاً‪ ،‬انطالقــ ًا م ــن ه ــؤالء الن ــاس‬ ‫الطيبيــن الذيــن ال يتوانــون فــي عالمهــم الصغيــر عــن االعتقــاد‬ ‫التعايــش االجتماعــي والسياســي والثقافــي‪ ،‬وأنــه ال يصــح‬ ‫فــي‬ ‫ُ‬ ‫ـق‬ ‫أن يك ــون ه ــذا هدفــ ًا نس ــعى إل ــى تحقيق ــه ق ــدر م ــا ه ــو ح ـ ّ‬ ‫للبشــرية جمعــاء‪.‬‬ ‫‪59‬‬


‫أبعاد العيش المشترك‬ ‫يوسف أحمد ميك*‬

‫التعدديــة مــن المســائل البــارزة‬ ‫أصبحــت مســألة‬ ‫ُّ‬ ‫فـــي الخطـــاب السياســـي خصوصـــ ًا والخطـــاب‬ ‫الثّقافـــي بوجـــه عـــام‪ .‬كمـــا ارتبـــط بـــروز الحديـــث‬ ‫عنهــا ببــروز ظاهــرة العولمــة مــن جهــة‪ ،‬والســقوط‬ ‫المــدوي لالشــتراكية بنســختها الســوفياتية واألنظمة‬ ‫الش ــمولية م ــن جه ــة ثاني ــة وتف ـ ُّـكك بع ــض ال ــدول‬ ‫االش ــتراكية م ــن جه ــة ثالث ــة إل ــى إثني ــات وأع ــراق‬ ‫كيوغس ــافيا س ــابقاً‪ ،‬حي ــث ش ــهدت صراعــ ًا إثنيــ ًا‬ ‫وعرقيــ ًا إل ــى َحــّد الوص ــول إل ــى التطهي ــر العرق ــي‬ ‫المتمث ــل ف ــي قي ــام الص ــرب بقت ــل وتش ــريد عش ــرات‬ ‫اآلالف م ــن المس ــلمين م ــن كرواتي ــا‪.‬‬ ‫وال نع ــرف م ــدى منطقي ــة ه ــذا االرتب ــاط‪ ،‬لكنن ــا‬ ‫نعـــرف مـــدى موضوعيـــة هـــذا االرتبـــاط‪ .‬بمعنـــى‬ ‫االرتبـــاط الزمنـــي بيـــن هـــذه الظواهـــر الثـــاث‪.‬‬ ‫ســقوط االشــتراكية وتفـ ُّـكك بعــض دولهــا‪ ،‬وظهــور‬ ‫ّقافي ــة عل ــى‬ ‫العولم ــة‪ ،‬وب ــروز قضي ــة‬ ‫ُّ‬ ‫التعددي ــة الث ّ‬ ‫الســـاحة الدوليـــة‪.‬‬ ‫ومــع ذلــك البــد مــن التمييــز فــي هــذا الشــأن بيــن‬ ‫بالتعددي ــة‪ ،‬والمقص ــود‬ ‫أمري ــن مهمي ــن فيم ــا يتعّل ــق‬ ‫ُّ‬ ‫ّقافي ــة ب ــكل أش ــكالها‪ .‬أم ــا األم ــران‬ ‫هن ــا‬ ‫ُّ‬ ‫التعددي ــة الث ّ‬ ‫والتعددي ــة‬ ‫ـيء‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫دي‬ ‫التعد‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ـث‬ ‫ـ‬ ‫الحدي‬ ‫أن‬ ‫ـا‪:‬‬ ‫فهم ـ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫كظاه ــرة أو ظواه ــر ذات أبع ــاد اجتماعي ــة تاريخي ــة‬ ‫وثقافي ــة ش ــيء آخ ــر‪.‬‬ ‫فبالنس ــبة لألم ــر األول ال يتج ــاوز الحدي ــث ع ــن‬ ‫ّياتهــا‬ ‫ظواهــر‬ ‫ُّ‬ ‫التعدديــة علــى مختلــف أشــكالها وتجلّ‬ ‫أبعـــد مـــن نهايـــة عقـــد الثمانينيـــات مـــن القـــرن‬ ‫‪60‬‬

‫الماض ــي‪ ،‬بحي ــث أصبح ــت بع ــد ط ــول نس ــيان م ــن‬ ‫القضايـــا المثـــارة محليـــ ًا وإقليميـــ ًا ودوليـــ ًا وجـــاء‬ ‫الحدي ــث عنه ــا مباش ــرة ف ــي أعق ــاب س ــقوط حائ ــط‬ ‫برلي ــن وم ــا يمثل ــه م ــن أف ــول مرحل ــة تاريخي ــة م ــن‬ ‫تاري ــخ العال ــم ولي ــس أوروب ــا فق ــط‪ ،‬وب ــدء مرحل ــة‬ ‫ّقافيــة‪.‬‬ ‫تاريخيــة أخــرى يكــون شــعارها‬ ‫ُّ‬ ‫التعدديــة الث ّ‬ ‫أي التنـّـوع بــد ًال مــن الشــمولية واإلقصــاء والتطهيــر‪.‬‬ ‫التعدديــة‬ ‫أمــا بالنســبة لألمــر الثانــي فــإن قضيــة‬ ‫ُّ‬ ‫ّقافيــة هــي قضيــة قديمــة ِقـَـدم المجتمعــات‪ ،‬بمعنــى‬ ‫الث ّ‬ ‫أنه ــا تاريخي ــة وكان ــت دائم ـ ًا موج ــودة به ــذا الش ــكل‬ ‫أو ذاك وفــي كل مــكان علــى وجــه األرض‪ .‬فهــي بهــذا‬ ‫المعنــى ذات بعــد تاريخــي‪ ،‬وهــي أيضـ ًا فــي الوقــت‬ ‫نفســه تعيــش فــي الحاضــر وســتظل فــي المســتقبل‬ ‫قضيــة قائمــة‪ .‬كمــا أن لهــا تلوينــات ومظاهــر عديــدة‬ ‫حســب الظــروف والحيثيــات وأســاليب المعالجــة‪.‬‬ ‫التعدديـــة التـــي ُتلحـــق بهـــا صفـــة‬ ‫ولكـــن‬ ‫ُّ‬ ‫ّقافيـــة‪ ،‬ليســـت مســـألة ثقافيـــة دائمـــاً‪ ،‬وليســـت‬ ‫الث ّ‬ ‫دائم ـ ًا سياس ــية‪ .‬فهن ــاك ف ــي التع ـ ُّـدد م ــا ه ــو ثقاف ــي‬ ‫كاإلثني ــة وم ــا ه ــو غي ــر ثقاف ــي م ــن قبي ــل العنص ــر‬ ‫أو العـــرق وهـــي مســـألة ذات طابـــع بيولوجـــي‪،‬‬ ‫واقتصادي ــة م ــن قبي ــل الطبق ــة‪ ،‬أو جغرافي ــة‪ ،‬م ــن‬ ‫اإلقليــم أو الجهــة علــى ســبيل المثــال‪ ،‬ولغويــة مــن‬ ‫قبي ــل تصني ــف المجموع ــات عل ــى أس ــاس اللّغ ــة أو‬ ‫الدينيـــة والطائفيـــة أو حتـــى مســـألة المهاجريـــن‪.‬‬ ‫ّيات مســألة اجتماعية‬ ‫ولكنهــا فــي كل األحــوال والتجلّ‬ ‫ّيــات شــتى‪،‬‬ ‫أو سوســيولوجية تتخــذ تعابيــر أو تجلّ‬


‫أحمد معال‬

‫وذل ــك حس ــب الظ ــروف الملموس ــة‪.‬‬ ‫تعدديــة‬ ‫وبهــذا المعنــى فــإن مــا نطلــق عليــه اآلن ُّ‬ ‫ثقافيــة هــو باألصــل تعـ ُّـدد اجتماعــي يمثــل تباينــات‬ ‫ّ‬ ‫مكـــون اجتماعـــي وآخـــر يتـــم التعبيـــر‬ ‫فيمـــا بيـــن ّ‬ ‫عنـــه فـــي كثيـــر مـــن األحيـــان بتعابيـــر ورمـــوز‬ ‫تميــز مجموعــة‬ ‫وممارســات ثقافيــة وعــادات وتقاليــد ّ‬ ‫سوســـيولوجية عـــن أخـــرى كمـــا أن المجموعـــات‬ ‫التمي ــز أو الس ــلوك الثّقاف ــي‪.‬‬ ‫األخ ــرى تعرفه ــا به ــذا ّ‬ ‫تكرس ــت عب ــر الزم ــان والم ــكان‪ ،‬وبات ــت تش ـّـكل‬ ‫وق ــد ّ‬ ‫الهويــات الجمعيــة‬ ‫الهويــة الجمعيــة قبالــة ّ‬ ‫نوعـ ًا مــن ّ‬ ‫األخ ــرى‪.‬‬ ‫تعددية‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ن‬ ‫يتكو‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫المجتم‬ ‫ـذا‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫إن‬ ‫ـول‬ ‫ـ‬ ‫نق‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫فعندم‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ثقافي ــة ف ــإن معن ــى ذل ــك أن ه ــذا المجتم ــع قوام ــه‬ ‫ّ‬ ‫مجموعـــات اجتماعيـــة ثقافيـــة مختلفـــة‪ ،‬وأن هـــذا‬ ‫المجتم ــع عل ــى أق ـ ّـل تقدي ــر يتك ـ ّـون م ــن مجموعتي ــن‬ ‫ـا م ــن مجموعتي ــن اثنيتي ــن كالتامي ــل‬ ‫ثقافيتي ــن‪ :‬مث ـ ً‬ ‫والســينهال فــي ســريالنكا‪ ،‬أو مجموعتيــن تنتســبان‬ ‫إلــى دينيــن مختلفيــن كالمســيحيين والمســلمين فــي‬ ‫ديني ــة أو‬ ‫أقلي ــة‬ ‫عرقي ــة أو ّ‬ ‫وأكثري ــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫لبن ــان‪ ،‬أو م ــن ّ‬ ‫لغوي ــة فم ــا ف ــوق وهك ــذا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّقافي ــة ه ــي ف ــي َحــّد‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫دي‬ ‫التعد‬ ‫ـإن‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫ث‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫وم‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ذاته ــا إنم ــا تعب ــر ع ــن مي ــول مجتمعي ــة تدل ــل عل ــى‬ ‫أن ه ــذا المجتم ــع باإلضاف ــة إل ــى المك ـ ّـون الرئيس ــي‬ ‫في ــه‪ ،‬وكذل ــك م ــا يب ــدو علي ــه م ــن انس ــجام ووح ــدة‬ ‫فـــإن فيـــه أيضـــ ًا تباينـــات واختالفـــات ذات طابـــع‬ ‫عرقيــة‬ ‫دينيــة أو ّ‬ ‫لغويــة أو ّ‬ ‫أقليــات ّ‬ ‫سوســيولوجي ( ّ‬

‫ّي ــات عدي ــدة ومختلف ــة ع ــن‬ ‫مث ـ ً‬ ‫ـا) تتمظه ــر ف ــي تجلّ‬ ‫المي ــل الع ــام ف ــي المجتم ــع المعن ــي‪ ،‬المي ــل الظاه ــر‬ ‫الــذي تشـّـكله األغلبيــة‪ ،‬أو الثّقافــة العامــة للمجتمــع‬ ‫بحي ــث نج ــد إل ــى جان ــب ذل ــك ثقاف ــات خاص ــة أو‬ ‫فرعي ــة تمث ــل مجموع ــات م ــن بي ــن الس ــكان‪.‬‬ ‫ّقافيــة اآلن علــى أكثــر مــن‬ ‫أمــا بــروز‬ ‫ُّ‬ ‫التعدديــة الث ّ‬ ‫صعي ــد‪ ،‬وخاص ــة فيم ــا يتعّل ــق بالبع ــد السياس ــي‬ ‫واكتس ــابها بع ــدًا حقوقي ـ ًا وكذل ــك ارتباطه ــا بمب ــادئ‬ ‫العدالــة والمســاواة إنمــا يعــود إلــى التاريــخ المثقــل‬ ‫بنكـــران واســـتبعاد وإقصـــاء كل مـــا ال يتناســـب‬ ‫والتفكيـــر الشـــمولي أو ثقافـــة األغلبيـــة‪ .‬أي عـــدم‬ ‫االعتــراف بالتنـّـوع االجتماعــي والحضــاري والثّقافي‬ ‫التنوع ــات بحج ــة الحف ــاظ عل ــى وح ــدة‬ ‫وكل أن ــواع ّ‬ ‫واقعي ــة أو مفترض ــة وإلغ ــاء م ــا عداه ــا حت ــى ل ــو‬ ‫تطّلــب األمــر قمعهــا‪ ،‬وهــذا مــا يحــدث بالضبــط فــي‬ ‫أكث ــر م ــن م ــكان‪ ،‬وخاص ــة ف ــي الوط ــن العرب ــي ذي‬ ‫التنـّـوع الفسيفســائي‪ .‬هــذا التنـّـوع الــذي خضــع لكثير‬ ‫مــن أشــكال القمــع فــي ِظـّـل أنظمــة شــمولية بحجــة‬ ‫الحفــاظ علــى الوحــدة العربيــة أو بنــاء الدولــة األمة‪.‬‬ ‫التعددي ــة أيــ ًا كان نوعه ــا إذا م ــا َت ـّـم التعام ــل‬ ‫إن‬ ‫ُّ‬ ‫معهـــا مـــن منظـــور اجتماعـــي وسياســـي واقعـــي‬ ‫ورش ــيد فه ــي ُتع ـّد مص ــدر ث ــراء بحك ــم طبيع ــة مب ــدأ‬ ‫التنـّـوع وفائدتــه كمــا فــي الطبيعة كذلك فــي االجتماع‬ ‫المتنوع أو المتعـّدد في مكوناته‬ ‫البشــري‪ .‬فالمجتمــع‬ ‫ّ‬ ‫ّقافيـــة يمثـــل ســـبب ًا‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫ـــم‬ ‫ث‬ ‫ومـــن‬ ‫السوســـيولوجية‬ ‫ّ‬ ‫َ ّ‬ ‫وجيهـ ًا ومفيــدًا لمزيــد مــن التقـّدم ومزيــد مــن التكامــل‬

‫ما هو غير‬ ‫موجود هو‬ ‫التعايُش في‬ ‫الغالب‪ ،‬هو‬ ‫غياب التعايُش‬ ‫فيما بين‬ ‫المكونات‪،‬‬ ‫وهذا في‬ ‫الحقيقة من‬ ‫صنعنا‬

‫‪61‬‬


‫الخـــاق وليـــس التشـــرذم كمـــا يعتقـــد‬ ‫والتفاعـــل‬ ‫ّ‬ ‫أصحــاب الفكــر الشــمولي اإللغائــي واإلقصائــي‪ .‬ألن‬ ‫والتعايــش واالختــاف فيما بين‬ ‫األصــل هــو التفاعــل‬ ‫ُ‬ ‫القاطني ــن ف ــي م ــكان وزم ــان معيني ــن بالرغ ــم م ــن‬ ‫اختالفه ــم كتجمع ــات عرقي ــة أو ديني ــة أو طائفي ــة‪،‬‬ ‫وليــس اإللغــاء‪ ،‬أي التعـ ُّـدد والتســامح مــع المختلــف‬ ‫فــي إطــار مــن الوحــدة البنــاءة التــي تســهم فــي نمــو‬ ‫ال ــكل والج ــزء عل ــى َح ـ ٍّـد س ــواء‪..‬‬ ‫وإذا كان منط ــق اإلقص ــاء االجتماع ــي والثّقاف ــي‬ ‫والسياســي قــد مثــل الخــط العــام فــي كيفيــة التعامــل‬ ‫التنـــوع الثّقافـــي علـــى امتـــداد ســـحابة القـــرن‬ ‫مـــع‬ ‫ّ‬ ‫العشـــرين وتحـــت ذرائـــع شـــتى بطبيعـــة الحـــال‪،‬‬ ‫ممـــا تســـبب فـــي الكثيـــر مـــن الخســـائر والنزاعـــات‬ ‫والضحاي ــا البش ــرية‪ ،‬يصب ــح م ــن األهمي ــة بم ــكان‬ ‫س ــواء عل ــى صعي ــد منطقتن ــا العربي ــة‪ ،‬وفيه ــا م ــن‬ ‫ّقافيــة المقموعــة الكثيــر‪ ،‬أم فــي مختلــف‬ ‫ُّ‬ ‫التعدديــة الث ّ‬ ‫مناط ــق العال ــم‪ ،‬أن تت ــم االس ــتفادة م ــن المح ــاوالت‬ ‫وغيرت‬ ‫الدؤوبــة التــي قطعــت شــوط ًا في هذا المجــال ّ‬ ‫مـــن تكتيكاتهـــا واســـتراتيجياتها لصالـــح منطـــق‬ ‫ّقافيــة بغ ــض النظ ــر ع ــن‬ ‫التعايــش م ــع‬ ‫ُّ‬ ‫التعددي ــة الث ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّياته ــا واالعت ــراف به ــا ضم ــن ضواب ــط ُمحــّددة‬ ‫تجلّ‬ ‫حســب األوضاع االجتماعية والسياســية والتاريخية‬ ‫الملموس ــة‪ ،‬الت ــي يت ــم االتف ــاق بش ــأنها‪.‬‬ ‫التعدديـــة‬ ‫بمعنـــى آخـــر توجـــد حلـــول لمســـألة‬ ‫ُّ‬ ‫ّقافيـــة‪ ،‬لكـــن ال توجـــد وصفـــة واحـــدة ســـحرية‬ ‫الث ّ‬ ‫التعددي ــة‪ ،‬فل ــكل مجتم ــع ول ــكل دول ــة‬ ‫ـكلة‬ ‫ـ‬ ‫مش‬ ‫لح ـ ّـل‬ ‫ُّ‬ ‫ظروفهــا وكيفياتهــا التــي تناســبها فــي حـّـل إشــكالية‬ ‫التن ـ ّـوع الثّقاف ــي واالجتماع ــي‪.‬‬ ‫فعل ــى س ــبيل المث ــال ق ــد تحت ــاج قضي ــة التن ـ ّـوع‬ ‫ـا فــي أيرلنــدا‪،‬‬ ‫إلــى حلــول سياســية‪ ،‬كمــا حــدث مثـ ً‬ ‫أي تقاســم الســلطة بيــن الكاثوليــك والبروتســتانت‬ ‫وضم ــن ضواب ــط يتف ــق عليه ــا الفرق ــاء‪ .‬وق ــد تك ــون‬ ‫المس ــألة أق ـ ّـل م ــن ذل ــك م ــن قبي ــل حق ــوق ثقافي ــة‬ ‫لألقلي ــات الصغي ــرة الت ــي تعي ــش ف ــي بل ــدان فيه ــا‬ ‫ّ‬ ‫أكثري ــة كبي ــرة كاس ــحة م ــن ب ــاب التميي ــز اإليجاب ــي‬ ‫األقلي ــات لك ــي ال ت ــذوب ف ــي بح ــر األكثري ــة‪،‬‬ ‫له ــذه ّ‬ ‫كمــا بالنســبة للمســلمين فــي الهنــد مثــا‪ .‬أو االعتــراف‬ ‫لألقلي ــات ضم ــن ثقاف ــة المجتم ــع بح ــق الممارس ــات‬ ‫ّ‬ ‫ّقافيــة ووفقـ ًا للقانــون العــام‪ ،‬وكنــوع مــن الحفــاظ‬ ‫الث ّ‬ ‫هوي ــة م ــا مه ـّددة بال ــزوال‪ ،‬وال تتع ــارض م ــع‬ ‫عل ــى ّ‬ ‫أس ــس الوح ــدة الوطني ــة‪..‬‬ ‫التعـــدد الثّقافـــي هائـــل‬ ‫التنـــوع أو‬ ‫بتقديـــري‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ج ــداً‪ ،‬وم ــن َث ـ ّـم ف ــإن حلول ــه ليس ــت واح ــدة وإنم ــا‬ ‫متعـــّددة ومتباينـــة‪ ،‬فمـــا يصلـــح لهـــذا البلـــد قـــد ال‬ ‫يصل ــح لبل ــد آخ ــر‪ ،‬وذل ــك وفق ـ ًا للوض ــع الملم ــوس‬ ‫ّقافي ــة‬ ‫وتنوعات ــه الث ّ‬ ‫والتاري ــخ الخ ــاص لذل ــك البل ــد ّ‬ ‫‪ /‬االجتماعيـــة‪.‬‬ ‫التنـــوع الثّقافـــي ظاهـــرة قائمـــة فـــي‬ ‫وإذا كان‬ ‫ّ‬ ‫‪62‬‬

‫كل المجتمع ــات ودون اس ــتثناء‪ ،‬وم ــن ضمنه ــا كم ــا‬ ‫أس ــلفت الق ــول البل ــدان العربي ــة وتمث ــل ف ــي الوق ــت‬ ‫نفســـه إحـــدى المشـــكالت المزمنـــة والمعلّقـــة دون‬ ‫حلــول تذكــر‪ ،‬فــإن الخطــوة األولــى فــي ســبيل إيجــاد‬


‫نذير اسماعيل‬

‫الحل ــول العقالني ــة‪ ،‬ه ــي االعت ــراف به ــا أو ًال والك ـ ّ‬ ‫ـف‬ ‫ثانيــ ًا ع ــن التعام ــل بمنط ــق األكثري ــة المهيمن ــة أو‬ ‫األقليــات مــن أي‬ ‫األقليــة أو ّ‬ ‫المركزيــة اإلثنيــة بــإزاء ّ‬ ‫التعايــش الســلمي بيــن مختلــف‬ ‫نــوع واعتمــاد مبــدأ‬ ‫ُ‬

‫المكون ــات االجتماعي ــة الت ــي يتك ـ ّـون منه ــا المجتم ــع‬ ‫ككل وبغ ــض النظ ــر ع ــن حجمه ــا‪.‬‬ ‫التعايـــش أو العيـــش المشـــترك أو‬ ‫ألن مبـــدأ‬ ‫ُ‬ ‫االعت ــراف المتب ــادل مهم ــا ب ــدا أن ــه ش ــاق وطوي ــل‬ ‫فهــو أقـّـل كلفــة مــن مبــدأ الصــراع المميــت‪ ،‬وفــي نفس‬ ‫الوقــت أكثــر فائدة وجدوي مــن النواحي االجتماعية‪،‬‬ ‫حيــث الوئــام والســام هو الذي يســود‪ ،‬ومن الناحية‬ ‫السياســية حيــث الشــعور باإلقصاء لــدى المجموعات‬ ‫ّقافي ــة يك ــون ف ــي أدن ــى درجات ــه ويك ــون األم ــان‬ ‫الث ّ‬ ‫ّقافيــة‪ ،‬حيــث‬ ‫فــي أعلــى درجاتــه‪ ،‬ومــن الناحيــة الث ّ‬ ‫يكــون شــعور المجموعــات بأنهــا تمــارس ثقافتهــا في‬ ‫جــو مــن الوئــام والمحبــة وعــدم الرفــض‪ ،‬بــل القبــول‬ ‫مــن اآلخــر‪ ،‬وبــأن اآلخــر الشــريك معهــا فــي الوطــن‬ ‫ّقافي ــة‬ ‫يعت ــرف له ــا بحقوقه ــا وكاف ــة ممارس ــاتها الث ّ‬ ‫بهويتــه‪.‬‬ ‫واالجتماعيــة‪ .‬وهــي بالمقابــل تعتــرف لــه ّ‬ ‫ّقافية‬ ‫بالنتيجــة نخلــص إلى القــول إن‬ ‫ُّ‬ ‫التعددية الث ّ‬ ‫ه ــي ظاه ــرة قائم ــة دائمــ ًا وال يخل ــو منه ــا مجتم ــع‬ ‫م ــن المجتمع ــات‪ .‬لك ــن م ــا ه ــو غي ــر موج ــود ه ــو‬ ‫التعايــش فيما بين‬ ‫التعايــش فــي الغالــب‪ ،‬هــو غيــاب‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫المكون ــات‪ ،‬وه ــذا ف ــي الحقيق ــة م ــن صنعن ــا‪ .‬فنح ــن‬ ‫التعددي ــة‬ ‫التعاي ــش ضم ــن‬ ‫نس ــتطيع أن نغّل ــب مب ــدأ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ّقافي ــة أو نغل ــب مب ــدأ الص ــراع واإلقص ــاء وحت ــى‬ ‫الث ّ‬ ‫وعالمي ـاً‪.‬‬ ‫محلي ـ ًا‬ ‫ّ‬ ‫االقتت ــال كم ــا ه ــو واق ــع الح ــال ّ‬ ‫أمـــا علـــى الصعيـــد العربـــي فقـــد حـــان الوقـــت‬ ‫ّقافي ــة‬ ‫النته ــاج سياس ــات رش ــيدة إزاء‬ ‫ُّ‬ ‫التعددي ــة الث ّ‬ ‫التعددي ــة‪ ،‬ذل ــك‬ ‫مهم ــا يك ــن ن ــوع ومكون ــات ه ــذه‬ ‫ُّ‬ ‫والتعـــدد‬ ‫ع‬ ‫التنـــو‬ ‫أن األصـــل فـــي المجتمعـــات هـــو‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫والتعاي ــش والح ــوار ف ــي إط ــار م ــن الوح ــدة ولك ــن‬ ‫ُ‬ ‫فالتعايــش يحافــظ علــى‬ ‫ـرية‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫القس‬ ‫ـس‬ ‫ـ‬ ‫ولي‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الطوعي‬ ‫ُ‬ ‫كينونـــة ووحـــدة المجتمـــع ويســـاهم فـــي التفاعـــل‬ ‫المكون ــات االجتماعي ــة‪ ،‬ويجّن ــب‬ ‫البّن ــاء فيم ــا بي ــن ّ‬ ‫الخفية أو المعلنة‪،‬‬ ‫الصراعات‬ ‫المجتمعات الكثير من‬ ‫ّ‬ ‫والتعاي ــش به ــذا المعن ــى يمث ــل االعت ــراف المتب ــادل‬ ‫ُ‬ ‫واالحت ــرام المتب ــادل والجه ــد المتب ــادل والمس ــؤولية‬ ‫والتعددي ــات ف ــي‬ ‫المكون ــات‬ ‫ُّ‬ ‫المتبادل ــة بي ــن مختل ــف ّ‬ ‫االنتقــال بالمجتمعــات مــن حــال المواجهــة إلــى حــال‬ ‫أرقــى مــن حيــث النــوع والحضــارة والســام‪ ،‬ومــن‬ ‫ش ــأن ذل ــك أن يحاف ــظ عل ــى اس ــتقرار المجتمع ــات‬ ‫م ــن اله ــزات االجتماعي ــة والسياس ــية‪ .‬فالمجتمع ــات‬ ‫ّقافيــة بسياســات رشــيدة‬ ‫التــي تســوس ُّ‬ ‫تعددياتهــا الث ّ‬ ‫واعتــراف متبــادل‪ ،‬هــي أكثــر اســتقرارًا ووحــدة‪ .‬فهل‬ ‫يع ــي الع ــرب ه ــذه الوصف ــة الذهبي ــة؟‪.‬‬

‫مبدأ التعايُش‬ ‫أو العيش‬ ‫المشترك‬ ‫أو االعتراف‬ ‫المتبادل مهما‬ ‫بدا أنه شاق‬ ‫وطويل فهو‬ ‫ّ‬ ‫أقل كلفة من‬ ‫مبدأ الصراع‬ ‫المميت‬

‫* سوس ــيولوجي وناق ــد أدب ــي بحرين ــي‬

‫‪63‬‬


‫«لنــْد ُع هذا االنفصال الزائف الــذي يرمي باآلخر في‬

‫خارج مطلق «اختالف ًا متوحشــاً»‪ .‬إن هذا االختالف‬

‫الهويات الحمقاء»‪.‬‬ ‫ال بد وأن يضيع في متاهات ّ‬

‫ع‪ .‬الخطيبي‬

‫من مفهوم الكثرة‬ ‫التعدد‬ ‫إلى مفهوم‬ ‫ُّ‬ ‫عبد السالم بنعبد العايل‬

‫هــل مــا يهـّـم النظــام الديموقراطــي هــو أن تتكاثــر‬ ‫األح ــزاب وتتوال ــد‪ ،‬أم أن يك ــون في ــه الح ــزب م ــن‬ ‫تعـــدد‬ ‫الحيويـــة بحيـــث يســـتطيع أن يســـتوعب‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫األصـــوات واختـــاف اآلراء؟ هـــل تعّدديـــة الحـــزب‬ ‫ه ــو أن يدفع ــك إل ــى أن تق ــف خارج ــه منافســاً‪ ،‬أم‬ ‫يمكنــك مــن أن ُتقيــم «فيــه» مخالف ـاً؟ هــل مفهــوم‬ ‫أن ّ‬ ‫الموح ــد لـ ــكثرة م ــن العناص ــر‪،‬‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫االس‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ـة‬ ‫الهوي ـ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫مكونـــات‬ ‫بيـــن‬ ‫فيمـــا‬ ‫تربـــط‬ ‫التـــي‬ ‫الحركـــة‬ ‫أنـــه‬ ‫أم‬ ‫ّ‬ ‫الهويات‬ ‫متعـّددة؟ هــل يتـّـم االختــاف بيــن كثــرة مــن ّ‬ ‫«المتخارج ــة»‪ ،‬الت ــي ال يبال ــي أحده ــا باآلخ ــر ‪in-‬‬ ‫الهوية ويعّدد‬ ‫‪ ، différentes‬أم أنه ذاك الذي ينخر ّ‬ ‫أطرافه ــا ويفتحه ــا عل ــى اآلخ ــر؟ ه ــل م ــا يجمعن ــا‪،‬‬ ‫يمكننــا مــن العيش‪-‬معـاً‪ ،‬هــو االختــاف حيــث‬ ‫ومــا ّ‬ ‫تمت ــد التف ـّـردات ف ــي خ ــط أفق ــي متباين ــة مترابط ــة‪،‬‬ ‫التميــز الــذي ينتظــم فيــه األفــراد وفــق س ـلّم‬ ‫أم هــو ّ‬ ‫عم ــودي منفصلي ــن متفاضلي ــن؟‬ ‫القاس ــم المش ــترك بي ــن ه ــذه األس ــئلة جميعه ــا‬ ‫كثرة‪/‬تعـــدد‪ ،‬وال شـــك أن اإلجابـــة‬ ‫هـــو الثنائـــي‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫عنه ــا تتوّق ــف عل ــى م ــا نعني ــه بهذي ــن المفهومي ــن‪،‬‬ ‫وم ــا نفترض ــه م ــن اخت ــاف بينهم ــا‪.‬‬ ‫نعلــم أن المـّد الفلســفي الــذي طـّـور مفهــوم التعـ ُّـدد‬ ‫‪64‬‬

‫ه ــو المــّد التجريب ــي‪ ،‬وخصوصــ ًا عن ــد الفيلس ــوف‬ ‫دافي ــد هي ــوم‪ ،‬كم ــا أوض ــح ذل ــك جي ــل دول ــوز ف ــي‬ ‫كتابــه األســاس «التجريبيــة والذاتيــة»‪ .‬فــي المنظور‬ ‫و«بيِنيــات»‪ ،‬والوجــود‬ ‫التجريبــي الكائنــات عالئــق ْ‬ ‫عبــر عنــه‬ ‫ي‬ ‫ـال‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـان‬ ‫ـ‬ ‫الفعلــي هــو للروابــط‪ ،‬مــا كان ج‬ ‫ُ ّ‬ ‫بقولـــه‪« :‬الوجـــود للمعيـــات ‪ et‬وليـــس للماهيـــات‬ ‫‪ .»est‬العالقـــة هـــي األصـــل فـــي الـــذات‪ ،‬وليـــس‬ ‫العكــس‪ .‬العالئــق هــي مــا ُي َوّلــد العناصــر‪ ،‬وليســت‬ ‫بي ــن العناص ــر‪ .‬ف ــا ش ــيء يتحق ــق‬ ‫ه ــي م ــا يتوّل ــد ْ‬ ‫بذاتــه‪ ،‬كل عنصــر يتوّلــد عمــا يتجــاوزه‪ .‬وال وجــود‬ ‫موح ــد‪ .‬كل م ــا يوج ــد ه ــو االنفت ــاح الالنهائ ــي‬ ‫ل ــكل ِّ‬ ‫وحركــة التداخــل والتعـ ُّـدد التــي ال تنقطــع‪ .‬هنا يغدو‬ ‫ألي مب ــدأ‬ ‫الكائ ــن ترابطــ ًا ظرفيــ ًا حركيــ ًا ال يخض ــع ّ‬ ‫الهويــة مفهومـ ًا ثانويـاً‪ ،‬أعنــي يأتــي‬ ‫قــار‪ ،‬وتصبــح ّ‬ ‫ثاني ــة‪ ،‬م ــا دام ــت توليفــ ًا بي ــن أط ــراف‪ .‬ل ــن يع ــود‬ ‫الهويــة ونفيهــا‪ ،‬وإنمــا بيــن‬ ‫االختيــار مطروحـ ًا بيــن ّ‬ ‫هوي ــة مفتوح ــة عل ــى إمكان ــات متعــّددة‪ ،‬وأخ ــرى‬ ‫ّ‬ ‫الهوي ــة هن ــا جمعــ ًا‬ ‫محــّددة تحدي ــدًا أزليــاً‪ .‬س ــتغدو ّ‬ ‫ُيق ــال عل ــى المف ــرد‪ .‬إنه ــا‪ ،‬عل ــى َح ـّد ق ــول دول ــوز‪،‬‬ ‫تركيــب جغرافــي‪ ،‬وليســت نشــأة تاريخيــة‪ .‬لن تعود‬ ‫المســألة األساســية إذًا تحرير المتعّدد‪ ،‬وإنما توجيه‬


‫نذير اسماعيل‬

‫الفك ــر نح ــو مفه ــوم متج ـّدد للواح ــد‪ .‬كم ــا ل ــن يع ــود‬ ‫التع ـ ُّـدد ه ــو م ــا يقاب ــل الوح ــدة‪ ،‬وإنم ــا م ــا يقاب ــل‬ ‫الكث ــرة‪.‬‬ ‫الكثـــرة ‪ multiplicité‬هـــي تعّدديـــة «الكـــم‬ ‫المنفص ــل»‪ ،‬وه ــي تعّددي ــة حس ــابية لكونه ــا تق ــوم‬ ‫أساسـ ًا علــى آليــة توليــد مجموعــة األعــداد الطبيعية‬ ‫وح ــدة إل ــى‬ ‫نفس ــها‪ ،‬وأعن ــي ع ــن طري ــق إضاف ــة َ‬ ‫الوحـــدات‪ ،‬إضافـــة صـــوت إلـــى األصـــوات‪ ،‬لغـــة‬ ‫َ‬ ‫إلــى اللّغــات‪ ،‬رأي إلــى اآلراء‪ ،‬حــزب إلــى األحــزاب‪،‬‬ ‫عنص ــر إل ــى العناص ــر‪ ،‬ف ــرد إل ــى األف ــراد‪.‬‬ ‫عل ــى عك ــس الكث ــرة الت ــي تنح ــل إل ــى «تع ــداد»‪،‬‬ ‫فــإن التعّدديــة ‪ pluralisme‬تــروم خلخلــة مفهــوم‬ ‫الوحـــدة ذاتـــه‪ ،‬وتفكيـــك الثنائـــي وحدة‪/‬تعـــّدد‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫الكثـــرة كثـــرة «خارجيـــة»‪ ،‬أمـــا التعّدديـــة فتقيـــم‬ ‫الوح ــدة‪ ،‬فتجع ــل االتص ــال ينط ــوي عل ــى‬ ‫«داخ ــل» ْ‬ ‫انفص ــال‪ ،‬والوح ــدة تش ــمل حرك ــة وتض ــم أطرافــاً‪.‬‬ ‫الوحـــدة بالتعـــّدد كعالقـــة الـــكل‬ ‫فليســـت عالقـــة ْ‬ ‫بمكونات ــه‪ ،‬وإنم ــا كعالق ــة‬ ‫باألج ــزاء‪ ،‬أو المجم ــوع ّ‬ ‫الهويـــة باالختـــاف‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫التوحي ــد ف ــي الكث ــرة توحي ــد اختزال ــي‪ُ ،‬يرج ــع‬ ‫ويرده ــا‬ ‫العناص ــر جميعه ــا إل ــى عنص ــر أس ــاس‪ّ ،‬‬

‫إلي ــه و«يختزله ــا» في ــه (كم ــا تخت ــزل الكس ــور ف ــي‬ ‫تفردات‬ ‫الحســاب)‪ ،‬بحيــث ال تغدو العناصــر األخرى ّ‬ ‫تق ــوم جنب ـ ًا إل ــى جن ــب‪ ،‬وإنم ــا مش ــتقات تنب ــع م ــن‬ ‫مص ــدر‪ ،‬وف ــروع تتف ـّـرع ع ــن منب ــع‪ ،‬ونس ــخ ُتق ــاس‬ ‫يمي ــز ف ــي‬ ‫عل ــى أص ــل‪ .‬ه ــذا التوحي ــد اخت ــزال ألن ــه ّ‬ ‫الكثي ــر بي ــن أص ــل وف ــروع‪ ،‬بي ــن مرتب ــة أس ــاس‬ ‫و«هويــات‬ ‫«هويــة حقيقيــة»‬ ‫ومراتــب ثانويــة‪ ،‬بيــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـرد ه ــذه إل ــى تل ــك ويقيس ــها عليه ــا‪.‬‬ ‫مستنس ــخة» في ـ ّ‬ ‫أم ــا التعّددي ــة فإنه ــا «تمت ــد» ف ــي فض ــاء يت ــرك‬ ‫التميــز‪ ،‬ويســمح للتفـّـردات‬ ‫لــكل عنصــر نصيبــه مــن ّ‬ ‫بنصيبهــا فــي الوجــود‪ .‬هــا هنــا تكــون الوحــدة مــن‬ ‫الحيوي ــة‪ ،‬بحي ــث تس ــتطيع أن تس ــتوعب التعــّدد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويصب ــح التعــّدد مفهومــ ًا باطنيــ ًا «يصــّدع الوح ــدة‬ ‫ويضـّـم أطرافهــا»‪ ،‬فيغــدو إنســان التعّددية ليس ذاك‬ ‫ال ــذي يحم ــل ِعــّدة ج ــوازات‪ ،‬ويتكّل ــم ِعــّدة لغ ــات‪،‬‬ ‫وإنم ــا ذل ــك الكائ ــن الس ــندبادي ال ــذي «يوج ــد» بي ــن‬ ‫لغــات‪ ،‬وبيــن ثقافــات‪ ،‬والــذي ال ينفــك ينفصــل عــن‬ ‫ذاتــه فينظــر إلــى اآلخــر علــى أنــه المجــال المفتــوح‬ ‫لالنفصـــال وااللتقـــاء الالمتناهييـــن‪ ،‬ويـــرى إلـــى‬ ‫العي ــش‪ -‬مع ـ ًا ش ــرط ًا لوج ــوده‪.‬‬

‫التع ّددية فإنها‬ ‫«تمتد» في‬ ‫فضاء يترك‬ ‫لكل عنصر‬ ‫نصيبه من‬ ‫التميّز‪ ،‬ويسمح‬ ‫للتفرّدات‬ ‫بنصيبها في‬ ‫الوجود‬

‫‪65‬‬


‫ــر ِم ْن البشــر َم ْن يبنون حوائط صد منيعــة‪َ ،‬وَقّل َم ْن يبنون‬ ‫ َكُث َ‬‫جسور التواصل‪.‬‬ ‫(إسحاق نيوتن)‬

‫فم ْن لم يتواصل مع اآلخريــن‪ ،‬فيكون قد قرأ صفحته‬ ‫ الكــون كتــاب مفتوح‪َ ،‬‬‫الحزينة فقط‪.‬‬ ‫(بارلي هوب)‬

‫بانوراما في التعايُش‬ ‫أمري العزب‬

‫لغـــة لفـــظ مشـــتق مـــن العيـــش‪،‬‬ ‫التعايـــش‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫والعيـــش هـــو الحيـــاة بمـــا يتنافـــى مـــع الهـــدم‬ ‫والتدمير‪.‬والتعايـــش اصطالحـــ ًا هـــو العيـــش‬ ‫ُ‬ ‫المتب ــادل م ــع المخالفي ــن واألض ــداد‪ ،‬وه ــو قائ ــم‬ ‫ـج الج ــذر‬ ‫اس ــتنادًا إل ــى المس ــالمة والمهادن ــة‪ .‬ويع ـ ّ‬ ‫التعايــش وظــال معانيــه الرحبــة‬ ‫اللّغــوي لمفهــوم‬ ‫ُ‬ ‫بالكثيــر مــن اإليحــاءات الدفيئــة التــي تبعــث األمــل‬ ‫والتفــاؤل فــي قلــوب متذوقــي اللّغات جميع ًا بشــتى‬ ‫طوائفه ــم المختلف ــة‪ .‬وم ــن ه ــذه المعان ــي الخصب ــة‬ ‫والتوافـــق‬ ‫والتســـاكن واأللفـــة والمـــودة‬ ‫الســـكينة‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫والتشـــارك‬ ‫والوئـــام‬ ‫والمصالحـــة‬ ‫واالتفـــاق‬ ‫ُ‬ ‫والمعاينـــة والمعايشـــة‪ ..‬إلـــخ‪ .‬وهـــو مصطلـــح‬ ‫بينــي ذات قاســم مشــترك يربــط كثيــرًا مــن العلــوم‬ ‫البشـــرية ببعضهـــا البعـــض‪.‬‬ ‫التعاي ــش مفه ــوم ضارب ــة ج ــذوره ف ــي الِق ــدم‬ ‫ُ‬ ‫والعتاق ــة‪ ،‬حيـــث تف ــوح نس ــائم عبق ــه عل ــى َم ـ ّـر‬ ‫العصـــور والحقـــب‪ .‬دعـــا اإلســـام الحنيـــف إلـــى‬ ‫التعاي ــش واحت ــرام حق ــوق اآلخ ــر‪ ،‬عل ــى الرغ ــم‬ ‫ُ‬ ‫الفكريــة المتصارعــة‪.‬‬ ‫مــن اختــاف األيديولوجيــات‬ ‫ّ‬ ‫‪66‬‬

‫فمفه ــوم األخ ــوة يتس ــع حت ــى تس ــتحكم حلقات ــه‬ ‫متجلّيــة فــي أقــوى صورهــا لتكــون رابطــة األخــوة‬ ‫فــي اإلنســانية أحيانـ ًا أقــوى مــن رابطــة الــدم بيــن‬ ‫األشــقاء‪ .‬فهنــاك مســاحة تكفــل العيــش فــي ســام‬ ‫وأمـــان تاميـــن دائميـــن‪ .‬وفقـــراء الثّقافـــة واألدب‬ ‫ه ــم م ــن يحاول ــون دوم ـ ًا تدمي ــر جس ــور التواص ــل‬ ‫والتعايــش بــإذكاء فتيــل األزمات‪ ،‬وعلينــا التصّدي‬ ‫ُ‬ ‫جميعــ ًا ألع ــداء النج ــاح م ــن ه ــذا الصن ــف‪.‬‬ ‫مـــن متطلبـــات االنفتـــاح علـــى الحضـــارات‬ ‫التعايـــش‪،‬‬ ‫متطـــى صهـــوة جـــواد‬ ‫األخـــرى أن ُت َ‬ ‫ُ‬ ‫حي ــث اتس ــاع مؤث ــرات العولم ــة‪ ،‬وتواف ــر إمكاني ــة‬ ‫ح ــوار الحض ــارات وتالق ــح الثقاف ــات بش ــكل أكث ــر‬ ‫وضوحـــ ًا وإشـــراق ًا ودون ضبابيـــات رماديـــة‪.‬‬ ‫التعايــش إلــى إصــاح النفــوس وإفراغهــا‬ ‫ويهــدف‬ ‫ُ‬ ‫ـا ع ــن‬ ‫ـ‬ ‫فض‬ ‫ـب‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫والتعص‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫والعنصري‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الكراهي‬ ‫م ــن‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المبني ــة‬ ‫ب ــث ب ــذور التس ــامح واإليث ــار والطمأنين ــة‬ ‫ّ‬ ‫علـــى إنســـانية الرحمـــة واالحتـــرام المتبـــادل‪.‬‬ ‫وليــس مــن الشـّـر فــي شــيء أن يختلــف النــاس‪.‬‬ ‫فاالختــاف بين البشــر كاختالف األلــوان واللُّغات‪،‬‬


‫باسم دحدوح‬

‫والقوميــات المتعـّددة‬ ‫ـا عــن اختــاف األعــراق‬ ‫فضـ ً‬ ‫َّ‬ ‫زمـــن آلخـــر‪ِ ،‬‬ ‫ـــن‬ ‫والصراعـــات المختلفـــة مـــن‬ ‫ٍ‬ ‫ولك ّ‬ ‫التعاي ــش بينه ــم‪،‬‬ ‫يمزق ــوا جس ــور‬ ‫مكم ــن الش ــر أن ّ‬ ‫ُ‬ ‫وي ِ‬ ‫ص ـ ُّـروا عل ــى ذل ــك‪،‬‬ ‫ـح‬ ‫ـ‬ ‫الصحي‬ ‫فيضل ــوا الطري ــق‬ ‫ُ‬ ‫ألن ُكّل مــا‬ ‫إن اختالفهــم ليــس مــن الشــر‪ ،‬فذلــك ّ‬ ‫أمــا ّ‬ ‫فــي داخــل نفــوس الّنــاس وكل مــا يحيــط بهــم مــن‬ ‫ظ ــروف الحي ــاة يدع ــو إل ــى اختالفه ــم‪ ،‬فاختالفه ــم‬ ‫إذًا ليــس غريبـاً؛ ولكنــه ينبــع مــن طبيعــة تكوينهــم‬ ‫ـوع مواهبهــم وقدراتهــم‬ ‫ومــن أحــوال معيشــتهم وتنـ ُّ‬ ‫واختــاف ذائقتهــم‪.‬‬ ‫التعايـــش علـــى اإلنســـان وحـــده‪،‬‬ ‫وال يقتصـــر‬ ‫ُ‬ ‫ب ــل يش ــمل الحيوان ــات والنبات ــات المختلف ــة وه ــذا‬ ‫يصبغــه بالعالميــة ويضفــي عليــه مســحة ســاحرة‬ ‫خلبــة‪ .‬وفيــه تبــادل مصلحــة وتكافل فــي العالقات‬ ‫ّ‬ ‫الثنائي ــة بي ــن الزوجي ــن‪ .‬وكثي ــرة حقــ ًا الش ــواهد‬ ‫الدامغـــة الّدالـــة علـــى تبـــادل المنفعـــة والتكافـــل‬ ‫الحيــة‪ .‬ومنهــا‬ ‫بيــن أجنــاس مختلفــة مــن الكائنــات ّ‬ ‫التعايش التنظيفي والغذائي والحمائي والوقائي؛‬ ‫ُ‬ ‫حيــث توجــد نباتــات وحيوانــات وطيــور وأســماك‬ ‫تعمــل علــى تنظيــف بقايــا غذاء شــريكها بمــا يخالف‬ ‫فكــرة الصــراع مــن أجــل البقــاء‪ ،‬ويفنــد الكثيــر مــن‬ ‫النظري ــات الس ــائدة‪ ،‬فالك ــون يع ــزف س ــيمفونية‬ ‫ّ‬ ‫أنغ ــام رائع ــة متجانس ــة وعذب ــة األلح ــان‪.‬‬ ‫التعايش شــعار «ال ضرر وال ِ‬ ‫ضرار» على‬ ‫جســد‬ ‫ُي ّ‬ ‫ُ‬ ‫أرض الواقــع‪ .‬فالجديــر بالذكــر أنــه أثبتــت األبحــاث‬ ‫والدراســات أنــه ينمــو بجانــب أشــجار الصنوبــر فــي‬ ‫الغابــات نبــات متس ـلّق‪ ،‬يتس ـلّق علــى ســاق نبــات‬ ‫الصنوبــر كــي يصــل إلــى الضــوء ويســتفيد النبــات‬ ‫المتس ـلّق م ــن ش ــجرة الصنوب ــر ف ــي الوص ــول إل ــى‬ ‫ضــوء الشــمس بينمــا ال يتضـّـرر نبــات الصنوبــر مــن‬ ‫تعايــش ومعايشــة‪ ،‬فــا تكــن‬ ‫جـّـراء ذلــك‪ .‬فالحيــاة ُ‬ ‫نغمــة نشــاز فــي هــذا الكــون البديــع!‬ ‫الخلبـــة صـــورة‬ ‫التعايـــش‬ ‫ومـــن صـــور‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫التعايـــش الداخلـــي لإلنســـان بشـــقيها المعنـــوي‬ ‫ُ‬

‫والملمـــوس المـــادي‪ :‬فاإلنســـان يتعايـــش مـــع‬ ‫ويطـــوع كافـــة الســـبل إلســـعادها‬ ‫ذاتـــه الداخليـــة‬ ‫ّ‬ ‫وتذلي ــل صعابه ــا‪ .‬وم ــن الناحي ــة األخ ــرى‪ ،‬فإن ــه‬ ‫توج ــد بالفعـــل متعايش ــات داخلي ــة داخ ــل جس ــم‬ ‫ـا‬ ‫اإلنس ــان ال تس ـّـبب أمراضــ ًا ف ــي َحــّد ذاته ــا‪ ،‬فمث ـ ً‬ ‫تحتــوي القنــاة الهضميــة لإلنســان علــى أنــواع مــن‬ ‫األوليــة بأع ــداد هائل ــة بم ــا‬ ‫البكتيري ــا والحيوان ــات‬ ‫ّ‬ ‫يعــود بالنفــع علــى صحــة اإلنســان ويكفــل بقــاءه‬ ‫كس ــبب م ــن األس ــباب‪.‬‬ ‫التعاي ــش العم ــل عل ــى س ــبر أغ ــوار‬ ‫وم ــن آداب‬ ‫ُ‬ ‫واستكش ــاف م ــا ل ــدى الط ــرف اآلخ ــر م ــن حقائ ــق‬ ‫وإيجابي ــات واالعت ــراف به ــا وقبوله ــا واالس ــتفادة‬ ‫منه ــا؛ فالحكم ــة ضال ــة المثق ــف أّن ــى وجده ــا فه ــو‬ ‫التعاي ــش أو رفض ــه يعن ــي‬ ‫ألن غي ــاب‬ ‫َأ ْوَل ــى به ــا؛ َّ‬ ‫ُ‬ ‫ور‬ ‫التخبــط‬ ‫زيــادة فــي‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫والتخلــف عــن مواكبــة مــا يـُـد ُ‬ ‫ف ــي العاَل ــم بأس ــره‪.‬‬ ‫التعاي ــش البّن ــاء‬ ‫ويع ـّد الح ــوار ثم ــرة م ــن ثم ــار‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫فهــو القاســم المشــترك الــذي يجمــع شــعوب األرض‬ ‫قاطب ــة‪ ،‬وه ــو اللّغ ــة الوحي ــدة والوس ــيلة الفري ــدة‬ ‫ـل ل ــكل‬ ‫الت ــي تجم ــع وال تف ـّـرق‪ ،‬حي ــث يبق ــى ويظ ـ ّ‬ ‫المميــزة التــي ُتشـّـكل‬ ‫شــعب خصوصيتــه وماهيتــه ّ‬ ‫هويتـــه ومنظـــوره العالمـــي الخـــاص‪ .‬فمنطلـــق‬ ‫ّ‬ ‫منظومـــة الحـــوار وجوهـــره الحقيقـــي هـــو فهـــم‬ ‫ـا‬ ‫اآلخــر وإيجــاد مســاحة مــن الحــوار البّنــاء‪ ،‬فضـ ً‬ ‫عــن تشــريح القضيــة المختلــف عليهــا بموضوعيــة‬ ‫ـا ف ــي‬ ‫وحيادي ــة‪ ،‬حي ــث يلع ــب «العق ــل» دورًا فاع ـ ً‬ ‫كشــف حقائــق األمــور وتجليتها علــى أرض الواقع‪.‬‬ ‫فهــذه الروائــع المنتقــاة مــن األقــوال هــي مصابيــح‬ ‫فكريـــة ُتنيـــر الطريـــق لمـــن يريـــد الهدايـــة‪ ،‬دون‬ ‫ّ‬ ‫تحج ــر أو مغ ــاالة‪ .‬ف ــا تح ــرم نفس ــك‬ ‫ُّ‬ ‫تعص ــب أو ُّ‬ ‫ـول فــي بســتان الحكمــة الماتــع للبشــرية‬ ‫متعــة التجـ ُّ‬ ‫جمعــاء‪ ،‬فهــذه رحلة ســياحية داخل عقول اآلخرين‬ ‫التعايــش‪ :‬األخــوة فــي اإلنســانية»‬ ‫ـا لـ«حــق‬ ‫تأصيـ ً‬ ‫ُ‬ ‫ال ــذي ال يختل ــف علي ــه اثن ــان م ــن العق ــاء‪.‬‬

‫توجد نباتات‬ ‫وحيوانات‬ ‫وطيور‬ ‫وأسماك‬ ‫تعمل على‬ ‫تنظيف بقايا‬ ‫غذاء شريكها‬ ‫بما يخالف‬ ‫فكرة الصراع‬ ‫من أجل البقاء‬

‫‪67‬‬


‫ما هو «التعايُش» ؟‬

‫إجابة الفالسفة‬ ‫د‪ .‬فتحي املسكيني‬ ‫يق ــول ش ــوبنهاور‪« :‬ال يمك ــن أن يك ــون الم ــرء‬ ‫نفســه حّقـ ًا إ ّال متــى كان وحيــداً؛ ومــن ثـّـم فمــن ال‬ ‫ألن المــرء ال يكــون‬ ‫الحريــة‪ّ ،‬‬ ‫ـب الوحــدة ال يحـ ّ‬ ‫يحـ ّ‬ ‫ـب ّ‬ ‫حـّـرًا إ ّال حيــن يكــون وحيــداً»‪ .‬هــذا الربــط المزعــج‬ ‫الحرّي ــة والوح ــدة ه ــو االفت ــراض األخالق ــي‬ ‫بي ــن ّ‬ ‫العني ــد ال ــذي ح ــاول الفالس ــفة من ــذ نيتش ــه وإل ــى‬ ‫اليـــوم أن يتغلّبـــوا عليـــه بشـــّتى الطـــرق مـــن‬

‫نذير اسماعيل‬

‫‪68‬‬

‫الحرّيــة مــع الغيــر‬ ‫التفكيــر‪ّ .‬‬ ‫إن القصــد هــو تبريــر ّ‬ ‫هويتنــا األصيلــة‪.‬‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫أ‬ ‫ـز‬ ‫ـ‬ ‫يتج‬ ‫ال‬ ‫ا‬ ‫ـزء‬ ‫ـ‬ ‫ج‬ ‫باعتبارهــا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـق لهــا أن تّدعي فضيلة‬ ‫وحدهــا حريــة مشــتركة يحـ ّ‬ ‫التعاي ــش‪ .‬ولك ــن كي ــف ذل ــك؟‬ ‫ُ‬ ‫بـــدأت هـــذه المغامـــرة بشـــكل خجـــول مـــع‬ ‫نيتشــه‪ .‬وذلــك فــي الفقــرة ‪ 9‬مــن اســتهالل كتــاب‬ ‫هكـــذا تكلّـــم زرادشـــت(‪ .)1‬هنـــاك‪ ،‬هـــو قـــد علّـــم‬ ‫أن العق ــل الح ـّـر ال ينبغ ــي أن يخف ــي‬ ‫المعاصري ــن ّ‬ ‫حاجتــه إلــى «رفــاق»‪ .‬والرفــاق ليســوا «أتباع ـاً»‪.‬‬ ‫ألن جملــة‬ ‫«راع»؛ ّ‬ ‫وحدهــم األتبــاع يحتاجــون إلــى ٍ‬ ‫األتبـــاع ليســـت شـــيئ ًا آخـــر ســـوى «القطيـــع»‪.‬‬ ‫يوض ــح زرادش ــت بش ـّدة‪« :‬إنّن ــي بحاج ــة‬ ‫ولذل ــك ّ‬ ‫إل ــى رف ــاق‪ ،‬وإل ــى أحي ــاء‪ ...-‬رف ــاق يتبعونن ــي‬ ‫ألنّه ــم يري ــدون أن يتبع ــوا أنفس ــهم‪ -‬وإل ــى هن ــاك‬ ‫أي رفقــة هــي هــذه‪:‬‬ ‫حيــث أريــد»‪ّ .‬‬ ‫إن المفارقــة فــي ّ‬ ‫تدميــر القطيــع باختــراع رفقــة حـّـرة‪ .‬قــال‪« :‬رفــاق‬ ‫يخط ــون قيمــ ًا جدي ــدة عل ــى‬ ‫إب ــداع يري ــد المب ــدع‪ّ ،‬‬ ‫أل ــواح جدي ــدة»‪.‬‬ ‫يمكــن إضــاءة هــذا النــوع الصعــب مــن تعايــش‬ ‫المبدعيـــن بواســـطة االستشـــكال الرشـــيق الـــذي‬ ‫ـوره هيدغــر فــي الفقرتيــن ‪ 27 - 26‬مــن كتــاب‬ ‫طـّ‬ ‫الكينون ــة والزم ــان(‪ :)2‬وه ــو استش ــكال يري ــد أن‬ ‫يكــون وريثـ ًا عميقـ ًا للصعوبــة التــي ورثها نيتشــه‬ ‫ع ــن ش ــوبنهاور وح ــاول أن يحلّه ــا عل ــى طريق ــة‬ ‫الحرّيــة مــن دون وحــدة‪،‬‬ ‫الشــعراء‪ :‬إنّهــا صعوبــة ّ‬ ‫التعايــش مــع آخــر بــا وحــدة‬ ‫ومــن ثـّـم صعوبــة‬ ‫ُ‬ ‫ومــن ثـّـم بــا حريــة‪ .‬ينطلــق هيدغــر مــن تعريــف‬ ‫«إن الّدازي ــن ه ــو الكائ ــن‬ ‫قري ــب م ــن ش ــوبنهاور‪ّ :‬‬ ‫ال ــذي ه ــو نفس ــي ف ــي كل م ـ ّـرة‪ ،‬ال ــذي كينونت ــه‬ ‫ه ــي ل ــي ف ــي كل م ـّـرة»‪ .‬ولك ــن ب ــد ًال م ــن االحتف ــاء‬ ‫الكلبـــي بأنانـــة مســـتغلقة علـــى نفســـها‪ ،‬مثـــل‬ ‫ش ــوبنهاور‪ ،‬أو يكتف ــي باصطف ــاء رفق ــة مبدع ــة‬ ‫أي «قطيــع» آخــر‪ ،‬مثل نيتشــه‪ ،‬يطمح‬ ‫تنــوب عــن ّ‬ ‫هيدغ ــر إل ــى أم ــر أكث ــر خط ــورة‪ :‬لم ــاذا ال يك ــون‬ ‫الّدازي ــن ال ــذي ل ــي ف ــي كل م ــرة ه ــو «العّل ــة ف ــي‬ ‫أن الّدازي ــن لي ــس ه ــو ذات ــه ب ــادئ األم ــر وغال ــب‬ ‫ّ‬ ‫األمـــر» ؟ لمـــاذا ال تكـــون «أنانتنـــا» هـــي العائـــق‬ ‫أمـــام اكتشـــاف «أنفســـنا» علـــى حقيقتهـــا؟ ذلـــك‬


‫ثمــة‬ ‫بـ ّ‬ ‫ثمــة معطــى ال يمكننــا أن ننكــره‪« :‬ليــس ّ‬ ‫ـأن ّ‬ ‫إن‬ ‫ألول وهلــة أنــا معــزول معطــى بــا آخريــن»‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫اآلخري ــن ه ــم «يكون ــون هن ــاك بع ـُـد معن ــا ف ــي كل‬ ‫مهمــة الفلســفة األكيــدة هــي‬ ‫مـّـرة»‪ .‬ومــن ثـّـم فـ ّ‬ ‫ـإن ّ‬ ‫أن نجع ــل ه ــذا «الّدازين‪-‬مع ـاً» مكش ــوف ًا لن ــا حت ــى‬ ‫ـو‬ ‫أي ض ــرب م ــن‬ ‫نتبي ــن إل ــى ّ‬ ‫التعاي ــش ه ــو مدع ـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫التعاي ــش هن ــا ه ــو أف ــق‬ ‫إن‬ ‫ـة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫الكينون‬ ‫ف ــي أف ــق‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الســؤال عــن «مــن نكــون؟» بعامــة مــن حيــث نحــن‬ ‫تتميــز بالســؤال عــن معنــى كينونتهــا فــي‬ ‫كائنــات ّ‬ ‫التعايــش علينــا أن‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫باح‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫ندخ‬ ‫العالــم‪ .‬كــي‬ ‫ُ‬ ‫ننتق ــل م ــن الس ــؤال «م ــاذا» (الخ ــاص باألش ــياء)‬ ‫إل ــى الس ــؤال «م ــن» (الخ ــاص بالكائ ــن ال ــذي م ــن‬ ‫جنس ــنا)‪ .‬ه ــذا الخ ــروج ه ــو ش ــروط ظه ــور نم ــط‬ ‫يميــز البشــر‪،‬‬ ‫مخصــوص مــن الكينونــة هــو الــذي ّ‬ ‫وهــو مــا يسـّـميه هيدغــر باســم «الوجود»‪ .‬األشــياء‬ ‫م ــن حولن ــا «تك ــون»‪ ،‬لكنّه ــا ال «توج ــد»‪ .‬ولذل ــك‬ ‫ثمـــة مشـــكلة «تعايـــش» بيـــن األشـــياء‪.‬‬ ‫ليـــس ّ‬ ‫«التعايـــش» أي‬ ‫وحدهـــم البشـــر قـــادرون علـــى‬ ‫ُ‬ ‫عل ــى «الوج ــود»‪.‬‬ ‫نح ــن نلتق ــي باآلخري ــن ف ــي الكي ــان اليوم ــي‬ ‫كل «دازيـــن» هـــو بالضـــرورة‬ ‫ألنفســـنا‪ .‬ولذلـــك ّ‬ ‫وس ــلف ًا «دازين‪-‬مع ـاً» صحب ــة اآلخري ــن‪ .‬ال يمك ــن‬ ‫ألحــد أن يعيــش مــن دون حيــاة يوميــة‪ .‬والحيــاة‬ ‫ـور م ــن دون آخري ــن‪.‬‬ ‫اليومي ــة غي ــر ممكن ــة التص ـ ّ‬ ‫ـة س ــابقة عل ــى اكتش ــافنا ألنفس ــنا‬ ‫ثم ــة إذا صحب ـ ٌ‬ ‫ّ‬ ‫الخاصـــة‪ ،‬أال وهـــي صحبـــة «اآلخريـــن»؛ وهـــم‬ ‫آخـــرون ألنّهـــم جـــزء مـــن إجابتنـــا عـــن الســـؤال‬ ‫«م ــن نح ــن» أنفس ــنا‪ :‬ه ــم ش ــركاء ف ــي تحدي ــد م ــن‬ ‫نكــون‪ ،‬وليســوا ضيوفـ ًا ثقــاء علــى حــدود عالمنا‬ ‫أم ــا نم ــط وج ــود اآلخري ــن فه ــو م ــا‬ ‫أو ّ‬ ‫هويتن ــا‪ّ .‬‬ ‫يسـّـميه هيدغــر «اللقــاء» داخــل العالم‪ :‬هــم هنا أو ًال‬ ‫فــي «عالــم العمــل»‪ ،‬حيث هم «يالقوننــا مع األداة»‬ ‫الت ــي نس ــتعملها‪ .‬كل أداة تش ــير س ــلف ًا إل ــى آخ ــر‬ ‫كان هن ــا م ــن أجلن ــا‪ .‬لذل ــك ه ــم ليس ــوا «أش ــياء»‬ ‫(قائمـــة فـــي الطبيعـــة) وال هـــم «أدوات» (تحـــت‬ ‫يميزهـــم‪.‬‬ ‫اليـــد)‪ ،‬بـــل هـــم «آخـــرون»‪ .‬وهـــذا مـــا ّ‬ ‫إنّهـــم «مثلنـــا»‪ ،‬أي «هناك»(فـــي العالـــم) ومعنـــا‬ ‫ينبهن ــا‬ ‫(يش ــاركوننا اللق ــاء بأنفس ــنا)‪ .‬وم ــن ث ـ ّـم ّ‬ ‫«كل البقية‬ ‫أن «اآلخريــن» ال نعنــي بهم ّ‬ ‫هيدغــر إلــى ّ‬ ‫التعاي ــش ال يت ـّـم خ ــارج‬ ‫ـي»‪:‬‬ ‫ـ‬ ‫نفس‬ ‫ـارج‬ ‫الباقي ــة خ ـ‬ ‫ُ‬ ‫ح ــدود أنفس ــنا‪ ،‬ب ــل داخله ــا‪ .‬ب ــل اآلخ ــرون ه ــم‬ ‫يمي ــز الم ــرء نفس ــه عنه ــم»‪.‬‬ ‫بالحقيق ــة «الذي ــن ال ّ‬ ‫فصـــا مطلقـــ ًا‬ ‫كل مـــن يطمـــع فـــي فصـــل نفســـه‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عــن الغيــر‪ ،‬كل مــن يطمــع فــي التحّلــي بماهيــة أو‬ ‫هويــة تفصلــه عــن بقيــة اإلنســانية‪ ،‬هــو غيــر قادر‬ ‫ّ‬ ‫أي‬ ‫ـس‬ ‫ـ‬ ‫لي‬ ‫ـمه‬ ‫ـ‬ ‫نتقاس‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫أن‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫وذل‬ ‫ـش‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫تعاي‬ ‫أي‬ ‫ـى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫علـ ّ‬ ‫ش ــيء اتف ــق‪ :‬ب ــل ه ــو العال ــم‪ .‬وبتعبي ــر هيدغ ــر‪:‬‬ ‫اآلخــرون ليســوا فقــط يكونــون «أيض ـاً»‪ ،‬بــل هــم‬

‫ثمــة فاصــل‬ ‫يوجــدون «معنــا»‪ .‬وهكــذا فإّنــه ليــس ّ‬ ‫أنطلوجــي بيــن «العنايــة بأنفســنا»‪ ،‬وهــو معنــى‬ ‫الكينون ــة ف ــي العال ــم‪ ،‬وبي ــن «رعاي ــة» الدازي ــن‬ ‫اآلخ ــر بوصف ــه ج ــزءًا م ــن ماهي ــة عالم ــي‪.‬‬ ‫ولك ــن عل ــى الرغ ــم م ــن الطراف ــة الش ـّـيقة الت ــي‬ ‫بلــور فيهــا هيدغــر نمــط «الكينونة‪ -‬معـاً» باعتباره‬ ‫التعايــش ممكناً‪،‬‬ ‫هــو معنــى «العالــم» الــذي يجعــل‬ ‫ُ‬ ‫فإنّـــه لـــم يجـــد طريقـــ ًا مناســـب ًا لبلـــورة معنـــى‬ ‫«أخالق ــي» للتعاي ــش بي ــن أن ــواع الدازي ــن‪ .‬وم ــن‬ ‫ث ـ ّـم ه ــو اضط ـ ّـر إل ــى رس ــم فاص ــل مزع ــج بي ــن‬ ‫«الكينون ــة اليومي ــة ألنفس ــنا» وبي ــن «اآلخري ــن»‬ ‫«اله ـ ْـم» العموم ــي ال ــذي ال‬ ‫باعتباره ــم ضربــ ًا م ــن ُ‬ ‫يقب ــل بحريتن ــا‪ ،‬ب ــل يعم ــل عل ــى التكّل ــم باس ــمنا‬ ‫وعل ــى إلغائن ــا ف ــي كل م ـّـرة‪ .‬ل ــم َي ـ َـر هيدغ ــر ف ــي‬ ‫اله ـ ْـم» عل ــى‬ ‫م ــا ه ــو «عموم ــي» غي ــر «دكتاتوري ــة ُ‬ ‫كيانن ــا الخ ــاص وال ــذي يفش ــل غالب ـ ًا ف ــي البل ــوغ‬ ‫«الهْم»‪.‬‬ ‫إلــى أصالتــه العميقــة مــن دون معركــة مــع ُ‬ ‫أن هـــذا التخريـــج لمعنـــى «اآلخريـــن»‬ ‫إ ّال ّ‬ ‫«ه ـ ْـم»‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ل‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫بالتح‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫دوم‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫دونن‬ ‫د‬ ‫يه‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫باعتباره‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫قاهـــر هـــو قـــد فتـــح الطريـــق أمـــام استشـــكاالت‬ ‫التعاي ــش تمتــّد م ــن‬ ‫فلس ــفية جــّد طريف ــة لمعن ــى‬ ‫ُ‬ ‫حّنــا أرنــدت وليفنــاس إلــى ريكــور ودريــدا ونغري‬ ‫وأغمب ــن وجودي ــث بتل ــر وغيره ــم‪.‬‬ ‫أول نصـــر فلســـفي خطيـــر حقّقتـــه حنّـــا‬ ‫ّ‬ ‫وإن ّ‬ ‫أرنــدت (تلميــذة هيدغــر) فــي هــذا الصــدد هــو إعادة‬ ‫تعريــف مفهــوم «العمومــي»‪ ،‬وذلــك مــا قامــت بــه‬ ‫ف ــي الفص ــل الثان ــي م ــن كتابه ــا الش ـّـيق الوض ــع‬ ‫وتميــز أرنــدت بيــن معنييــن لمــا هــو‬ ‫البشــري(‪ّ .)3‬‬ ‫عمومــي‪ :‬أ‪ -‬مــا يمكــن أن ُيــرى وأن ُيســمع مــن ِقبــل‬ ‫أي كان؛ وحيــث يكــون «حضــور اآلخرين» ضمانة‬ ‫ّ‬ ‫«واقعي ــة العال ــم» وعل ــى «أنفس ــنا»‪.‬ب‪ -‬ه ــو‬ ‫عل ــى‬ ‫ّ‬ ‫يعن ــي «العال ــم نفس ــه‪ ،‬م ــن حي ــث ه ــو مش ــترك‬ ‫ومميــز عــن مكاننــا الــذي نحــوزه بشــكل‬ ‫لجميعنــا‬ ‫َّ‬ ‫خصوصــي داخلــه»‪ .‬فــي الحالــة األولــى‪ ،‬يعانــي‬ ‫العمومــي مــن كونــه ال يمكنــه أن يبلــغ إلــى حياتنــا‬ ‫إن آالمنــا‬ ‫الخاصــة‪ .‬وتأخــذ أرنــدت مثــال «األلــم»‪ّ :‬‬ ‫ثمـــة «ذاتيـــة جذريـــة» ال‬ ‫شـــخصية بـــا رجعـــة‪ّ .‬‬ ‫يمك ــن لم ــا ه ــو عموم ــي أن يبل ــغ إليه ــا‪ .‬وحيثم ــا‬ ‫يق ــف العموم ــي يق ــف «اآلخ ــرون»‪ :‬إنّه ــم كائن ــات‬ ‫ـم عمومــي‬ ‫عموميــة بإطــاق‪ .‬ومــن ثـّـم ال يوجــد ألـ ٌ‬ ‫ألـــم مـــع اآلخريـــن ّإل علـــى مســـتوى الحيـــاة‬ ‫أي ٌ‬ ‫أمــا فــي الحالة‬ ‫الخاصــة‪ ،‬أي بشــكل غيــر عمومــي‪ّ .‬‬ ‫ـإن أرنــدت تبلــغ إلــى التعريــف الفلســفي‬ ‫الثانيــة فـ ّ‬ ‫يهمن ــا ف ــي ه ــذا البح ــث‪ ،‬أال وه ــو‬ ‫ـذي‬ ‫الخطي ــر ال ـ‬ ‫ّ‬ ‫«التعايــش» (‪ .)to live together‬تقــول‪:‬‬ ‫تعريــف‬ ‫ُ‬ ‫«أن نعي ــش معــ ًا ف ــي العال ــم إنّم ــا يعن ــي بش ــكل‬ ‫أن عالمـ ًا مــن األشــياء يوجــد بيــن أولئــك‬ ‫ـري ّ‬ ‫جوهـ ّ‬ ‫الذي ــن يّتخذون ــه عالمه ــم بش ــكل مش ــترك‪ ،‬مثلم ــا‬

‫ال يمكن ألحد‬ ‫أن يعيش‬ ‫من دون حياة‬ ‫يومية‪ .‬والحياة‬ ‫اليومية غير‬ ‫ممكنة التص ّور‬ ‫من دون آخرين‬

‫‪69‬‬


‫تقــع مائــدة بيــن أولئــك الذيــن يوجــدون حولهــا؛‬ ‫بينيــة (‪ ،)in-between‬هــو‬ ‫ّ‬ ‫إن العالــم‪ ،‬مثــل ّ‬ ‫أي ّ‬ ‫يرب ــط ويفص ــل بي ــن الن ــاس ف ــي نف ــس الوق ــت»‪.‬‬ ‫هـــذا القـــول‪ ،‬علـــى وضوحـــه األدبـــي‪ ،‬هـــو‬ ‫تميـــز بيـــن‬ ‫جمـــة‪ّ :‬‬ ‫إن أرنـــدت ال ّ‬ ‫يثيـــر مصاعـــب ّ‬ ‫فـــإن‬ ‫ومـــن‬ ‫و«المشـــترك»(‪،)4‬‬ ‫«العمومـــي»‬ ‫ثـــم ّ‬ ‫ّ‬ ‫«الميـــدان العمومـــي» عندهـــا هـــو «العالـــم‬ ‫المشـــترك»؛ وذلـــك أنّهـــا تفهـــم العمومـــي فـــي‬ ‫أن‬ ‫معنـــى «المدنـــي» عنـــد القدمـــاء؛ والحـــال ّ‬ ‫الوضـــع «الحديـــث» هـــو «اجتماعـــي» صـــرف‪،‬‬ ‫أي‬ ‫ـم ه ــو ق ــد أف ــرغ الحي ــاة العملي ــة م ــن ّ‬ ‫وم ــن ث ـّ‬ ‫فعـــل «سياســـي»‪ .‬المحدثـــون ال يفعلـــون؛ بـــل‬ ‫عليهــم أن ينصرفــوا إلــى حياتهــم «الخاصــة» أي‬

‫حمود شنتوت‬

‫‪70‬‬

‫الحي ــاة الممنوع ــة م ــن «الش ــأن العموم ــي»(‪res‬‬ ‫‪ .)publica‬والس ــؤال ه ــو‪ :‬كي ــف نعي ــد للن ــاس‬ ‫قدرته ــم القديم ــة (اليونانية‪-‬الروماني ــة‪ ،‬حس ــب‬ ‫إن‬ ‫توصي ــف أرن ــدت) عل ــى «الفع ــل السياس ــي»‪ّ .‬‬ ‫«التعايــش» أي القــدرة علــى «العيــش‬ ‫الشــرط هــو‬ ‫ُ‬ ‫ـوية» فــي «عالــم عمومــي» مأخــوذًا فــي معنــى‬ ‫سـ ّ‬ ‫أنّـــه «عالـــم مشـــترك»‪.‬‬ ‫مـــن هنـــا انطلقـــت مجموعـــة واســـعة مـــن‬ ‫التعاي ــش م ــع الغي ــر‪.‬‬ ‫التس ــاؤالت ع ــن معضل ــة‬ ‫ُ‬ ‫ويمكــن اعتبــار ليفنــاس هــو مــن وضع فــي كتابه‬ ‫الكلّي ــة والالمتناه ــي(‪ )5‬حج ــر البداي ــة إلش ــكال‬ ‫حيـــاً‪ :‬إنّـــه علينـــا البحـــث عـــن‬ ‫فلســـفي ال يـــزال ّ‬ ‫ذاتيــة تخلّصــت مــن وهــم معرفــة اآلخــر انطالق ـ ًا‬ ‫ّ‬ ‫مؤس ــس ف ــي‬ ‫م ــن ال ــذات‪ .‬وبم ــا ّ‬ ‫أن مفه ــوم ال ــذات ّ‬ ‫فلســـفة الغربييـــن علـــى العالقـــة بيـــن الهوهـــو‬ ‫الهويـــة‬ ‫والغيـــر والتـــي ال منفـــذ منهـــا ّإل إرادة‬ ‫ّ‬ ‫أو التطاب ــق‪ ،‬وه ــذا من ــذ أفالط ــون إل ــى هيغ ــل‪،‬‬ ‫مهمــة الفلســفة حســب ليفنــاس هــي‬ ‫وأبعــد‪ ،‬فـ ّ‬ ‫ـإن ّ‬ ‫ـؤولية م ــن ن ــوع جدي ــد تمامــ ًا إزاء‬ ‫ـ‬ ‫مس‬ ‫أن تبن ــي‬ ‫ّ‬ ‫ـأن اآلخــر يوجــد‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫بدي‬ ‫ـرف‬ ‫ـ‬ ‫تعت‬ ‫ـؤولية‬ ‫ـ‬ ‫مس‬ ‫الغيــر‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مفك ــر‬ ‫«خ ــارج» أفقن ــا‪ ،‬وأّن ــه يتمّت ــع بن ــوع غي ــر ّ‬ ‫«الماورائيـــة» بالنســـبة‬ ‫فيـــه مـــن «التعالـــي» أو‬ ‫ّ‬ ‫إل ــى عقولن ــا القائم ــة عل ــى فك ــرة «األن ــا»‪ .‬وب ــد ًال‬ ‫التعاي ــش عل ــى الطم ــع المنهج ــي ف ــي‬ ‫م ــن إقام ــة‬ ‫ُ‬ ‫هووي ــة تس ــتوعب‬ ‫تأس ــيس «كلّي ــة» (‪)totalité‬‬ ‫ّ‬ ‫«آخريت ــه»‬ ‫اآلخ ــر ف ــي اللحظ ــة الت ــي تلغ ــي فيه ــا‬ ‫ّ‬ ‫عّن ــا‪ ،‬وه ــو م ــا فعلت ــه التقالي ــد الغربي ــة بش ــكل‬ ‫ـأن «وج ــه اآلخ ــر»‬ ‫ص ــارم‪ ،‬يج ــدر بن ــا اإلق ــرار ب ـ ّ‬ ‫ألي‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫يمك‬ ‫ال‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الكينون‬ ‫ينتم ــي إل ــى مس ــتوى م ــن‬ ‫ّ‬ ‫فكــر أن يســتوعبه أو أن يختزلــه فــي مقوالته(‪.)6‬‬ ‫إن اللقـــاء باآلخـــر هـــو ضـــرب مـــن اللقـــاء مـــع‬ ‫ّ‬ ‫«الالمتناه ــي» ال ــذي يوج ــد ف ــي نفس ــي دون أن‬ ‫«أتشوق»‬ ‫أمتلكه أو أن أعرفه‪ ،‬وال يسعني ّإل أن‬ ‫ّ‬ ‫ثم ــة أم ــر أخالق ــي يس ــبق وجودن ــا‪ ،‬وه ــو‬ ‫إلي ــه‪ّ .‬‬ ‫ينبـــه ليفنـــاس‬ ‫حضـــور اآلخـــر‪ .‬وبهـــذا الصـــدد ّ‬ ‫«التعاي ــش»‬ ‫أن هيدغ ــر رغ ــم كون ــه يط ــرح‬ ‫إل ــى ّ‬ ‫ُ‬ ‫(‪ )coexistence‬بوصفــه «عالقــة مــع الغيــر‪ ،‬ال‬ ‫الموضوعي ــة» لآلخ ــر‬ ‫رده ــا إل ــى المعرف ــة‬ ‫يمك ــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـل ســجين «العالقة مع‬ ‫بوصفــه «شــيئاً»‪ ،‬فهــو يظـّ‬ ‫الكينونــة بعامــة» أي أســير «األنطولوجيــا»(‪،)7‬‬ ‫هوويــة‬ ‫وهــو ال يــزال يطمــع فــي بنــاء «معرفــة»‬ ‫ّ‬ ‫أن «ذات المعرفــة» ليســت‬ ‫عــن «اآلخــر»‪ .‬والحــال ّ‬ ‫ثمــة نــوع آخــر‬ ‫ـا؛‬ ‫ـ‬ ‫ذاتيتن‬ ‫هــي النمــط الوحيــد مــن‬ ‫ّ‬ ‫الذاتيــة يجــدر بنــا أن نبحــث فيــه‪ .‬هاهنا يمكن‬ ‫مــن‬ ‫ّ‬ ‫ـفياً‪:‬‬ ‫للتعايــش أن يأخــذ أشــكا ًال غير مســبوقة فلسـ ّ‬ ‫«وجهيــة» الوجــه البشــري‪ ،‬التي تســبق‬ ‫مــن قبيــل‬ ‫ّ‬ ‫أن «حضــور‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫نفه‬ ‫ـث‬ ‫ـ‬ ‫حي‬ ‫ـوع‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫كموض‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫معرفتنــا‬ ‫ّ‬ ‫اآلخ ــر ه ــو تعبي ــر» مح ــض؛ الوج ــه البش ــري ال‬


‫«التعاي ــش»‬ ‫«يعب ــر»‪ ،‬وهك ــذا يج ــد‬ ‫«يظه ــر» ب ــل ّ‬ ‫ُ‬ ‫مقامــه المناســب‪ :‬هــو «أن نتلّقــى الغيــر فيمــا أبعد‬ ‫أن حضــور اآلخــر‬ ‫مــن قــدرة األنــا»(‪ )8‬مــن منطلــق ّ‬ ‫التعايش‬ ‫إن‬ ‫حريتــي بل «يســتثمرها»(‪ّ .)9‬‬ ‫ال ّ‬ ‫يدمــر ّ‬ ‫ُ‬ ‫ـوة» بيــن‬ ‫فــي جوهــره هــو نــوع عميــق مــن «األخـّ‬ ‫البشــر‪ :‬أي هــو محــض عالقــة مــع «وجــه الغيــر»‬ ‫ليــس بوصفــه شــيئ ًا ينضــاف إلينــا مــن خــارج‪،‬‬ ‫بــل باعتبــاره عالقــة «تشـّـكلنا» مــن الداخــل(‪.)10‬‬ ‫التعايــش غيــر ممكــن مــن دون اإلقــرار‬ ‫إن معنــى‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫«أولي ــة اآلخ ــر» علين ــا‪.‬‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـوع‬ ‫ـ‬ ‫بن‬ ‫ّ‬ ‫ـن وج ــه الصعوب ــة الفلس ــفية هن ــا‪ -‬وه ــو‬ ‫لك ـ ّ‬ ‫م ــا تع ـّـرض ل ــه بالمناقش ــة تفكيكي ــون كب ــار م ــن‬ ‫أن «اللقاء»‬ ‫حجــم دريــدا(‪ )11‬وجوديث بتلــر(‪ّ - )12‬‬ ‫م ــع الغي ــر‪ ،‬كم ــا قّدم ــه ليفن ــاس»‪ ،‬ه ــو نم ــط م ــن‬ ‫الحضـــور الـــذي يســـتعصي علـــى الفلســـفة‪ :‬ال‬ ‫يمك ــن بن ــاء «مفه ــوم» نظ ــري ع ــن ه ــذا اللق ــاء‪:‬‬ ‫إّن ــه لق ــاء «ب ــا رجع ــة»‪ ،‬ب ــا مفه ــوم‪ ،‬ب ــا أف ــق‪،‬‬ ‫هويـــة‪ ،‬غيـــر متوقّـــع(‪ .)13‬ولكـــن مـــا هـــو‬ ‫بـــا ّ‬ ‫ه ــذا الن ــوع م ــن اللق ــاء ال ــذي يعّل ــق العالق ــة م ــع‬ ‫المجتمــع والتاريــخ ويضعنــا «وجهــا لوجــه مــع‬ ‫الغي ــر»؟ يق ــول دري ــدا‪« :‬ه ــذا التواج ــد أو الكي ــان‪-‬‬ ‫معـ ًا (‪ )être-ensemble‬مــن حيــث هو انفصال‪،‬‬ ‫يتخطـــى المجتمـــع والمجموعـــة‬ ‫هـــو يســـبق أو‬ ‫ّ‬ ‫والجماع ــة‪ .‬إّن ــه ه ــو م ــا يس ـّـميه ليفن ــاس باس ــم‬ ‫الدي ــن‪ .‬الدي ــن ه ــو ال ــذي يفت ــح اإلتيق ــا‪ ...‬لي ــس‬ ‫دينيــة الديــن»(‪ .)14‬ولكــن‬ ‫دينـ ًا مــا‪ ،‬بــل الـــدين‪ّ ،‬‬ ‫كي ــف نتعاي ــش م ــع آخ ــر ال يمكنن ــا أن نعرف ــه؟‬ ‫آخ ــر يمتن ــع علين ــا س ــلفاً؟ م ــاذا تفع ــل الفلس ــفة‬ ‫ـأن المفه ــوم ال يمك ــن أن ينف ــذ إل ــى‬ ‫حي ــن تق ـّـر ب ـ ّ‬ ‫ـم ماذا يمكــن لمصطلح‬ ‫ـ‬ ‫ث‬ ‫ـاق؟‬ ‫ـ‬ ‫بإط‬ ‫«وجــود الغيــر»‬ ‫ّ‬ ‫الغي ــر أن يعن ــي م ــن دون االس ــتعانة بالتحدي ــد‬ ‫اليونانــي للغيــر أو بالتحديــد اليهودي‪-‬المســيحي‬ ‫لآلخ ــر؟(‪)15‬‬ ‫تغيــر مــن نفســها كثيــرًا حتــى‬ ‫البـّد للفلســفة أن ّ‬ ‫أوليــة الغيــر علــى األنــا‪ ،‬كمــا‬ ‫يمكنهــا أن تحتمــل ّ‬ ‫طال ــب به ــا ليفن ــاس‪ .‬ذل ــك م ــا حاول ــت جودي ــث‬ ‫إن‬ ‫بتلــر أن تتصـّدى لــه مــن طريــق «آخــر»‪ :‬أجــل‪ّ ،‬‬ ‫يهمهــا الشــرط الــذي وضعــه ليفنــاس في‬ ‫«الــذات» ّ‬ ‫بأن‬ ‫كتابــه علــى نحــو مغايــر للكينونــة والقاضــي ّ‬ ‫تؤرخ لنفســها‬ ‫الــكالم علــى الــذات يقتضــي ّ‬ ‫أو ًال أن ّ‬ ‫ـن تاري ــخ ال ــذات ربم ــا يختل ــف‬ ‫كي ــف تش ـّـكلت‪ .‬لك ـ ّ‬ ‫التعايـــش‬ ‫فـــإن‬ ‫هنـــا‬ ‫ومـــن‬ ‫الغيـــر‪.‬‬ ‫عـــن تاريـــخ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ـم عل ــى صعي ــد آخ ــر غي ــر‬ ‫ـ‬ ‫يت‬ ‫أن‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫بينهم ــا ينبغ‬ ‫ّ‬ ‫«االضطهـــاد» أو «التهمـــة»(‪ .)16‬تعتـــرض بتلـــر‬ ‫ـأن اللقــاء مــع الغيــر هــو‬ ‫علــى افتــراض ليفنــاس بـ ّ‬ ‫ـم دومـ ًا فــي شــكل «صدمــة» و«اضطهــاد» ألّنــه‬ ‫يتـّ‬ ‫ـم فــي مجــال قبل‪-‬أنطولوجــي ال يمكنه أن يعثر‬ ‫يتـّ‬ ‫ـردي» مناســب لوصفــه‪ .‬بالطبــع‪،‬‬ ‫علــى «شــكل سـ ّ‬

‫غيــر طريقتنــا‬ ‫إن بتلــر تعتــرف بـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـأن ليفنــاس قــد ّ‬ ‫إن‬ ‫ـر‪:‬‬ ‫ـ‬ ‫اآلخ‬ ‫ـاه‬ ‫ـ‬ ‫تج‬ ‫ـؤولية‬ ‫ـ‬ ‫المس‬ ‫ـألة‬ ‫ـ‬ ‫مس‬ ‫ـرح‬ ‫ـ‬ ‫ط‬ ‫ـي‬ ‫فـ‬ ‫ّ‬ ‫المســؤولية قــد صــارت «مطلبـ ًا يقــع علــى عاتــق‬ ‫م ــن يتع ـّـرض لالضطه ــاد»(‪ .)17‬وهن ــا بالتحدي ــد‬ ‫ـور ليفن ــاس ع ــن‬ ‫تعط ــي بتل ــر لجداله ــا‪ ،‬م ــع تص ـ ّ‬ ‫إن لفينــاس قــد زعــم‬ ‫المســؤولية‪ ،‬هالتــه العليــا‪ّ :‬‬ ‫أن‬ ‫أن االضطهـــاد هـــو جوهـــر اليهوديـــة ومنـــه ّ‬ ‫ّ‬ ‫إس ــرائيل ه ــي ش ــعب المضطهدي ــن الوحي ــد وم ــن‬ ‫ـم بالض ــرورة ه ــي ال يمك ــن أن تضطه ــد أح ــداً‪.‬‬ ‫ث ـّ‬ ‫للتعايــش‬ ‫أي معنــى فلســفي‬ ‫(‪ )18‬والســؤال هــو‪ّ :‬‬ ‫ُ‬ ‫ـم تأســيس ماهيتــه علــى االضطهــاد؟‬ ‫متــى تـّ‬ ‫هوامش‪:‬‬

‫‪ - 1‬فريدريــش نيتشــه‪ ،‬هكــذا تكّلــم زرادشــت‪ .‬كتاب للجميع‬ ‫ولغي ــر واح ــد‪ .‬ترجم ــة عل ــي مصب ــاح (بي ــروت‪ :‬دار الجم ــل‪،‬‬ ‫‪ ،)2007‬ص ‪.58 - 56‬‬ ‫‪ - 2‬مارت ــن هيدغ ــر‪ ،‬الكينون ــة والزم ــان‪ .‬ترجم ــة فتح ــي‬ ‫المســـكيني (بيـــروت‪ :‬الـــدار العربيـــة للكتـــاب‪ ،)2012 ،‬ص‬ ‫‪ 238‬ومـــا بعدهـــا‪.‬‬ ‫‪3 - Hannah Arendt, The Human Condition.‬‬ ‫‪Second Edition (Chcago & London: The University‬‬ ‫‪of Chicago Press, 1958), pp. 50 sqq.‬‬ ‫‪ - 4‬ق ــارن‪ :‬فتح ــي المس ــكيني‪« ،‬الكون ــي والكّل ــي‪ .‬أو ف ــي‬ ‫والحرّيــة‪ .‬نحو أنــوار جديدة‬ ‫الهويــة‬ ‫هشاشــة المشــترك»‪ ،‬فــي‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫(بيروت‪ :‬دار جداول‪ ،)2011 ،‬الفصل ‪ ،6‬ص ‪ 159‬وما بعدها‪.‬‬ ‫‪5 - Emmanuel Levinas, Totalité et infini. Es‬‬‫‪sai sur l’extériorité (La Haye : M. Nijhoff, 1961).‬‬ ‫‪6 - Ibid. p. 78 sq.‬‬ ‫‪7 - Ibid. p. 63.‬‬ ‫‪8 - Ibid. p. 43.‬‬ ‫‪9 - Ibid. p. 88.‬‬ ‫‪10 - Ibid. p. 312.‬‬ ‫‪11 - Cf. J. Derrida, «Violence et métaphysique.‬‬ ‫‪Essai sur la pensée d’Emmanuel Lévinas», in :‬‬ ‫‪L’écriture et la différence (Paris : Editions du‬‬ ‫‪Seuil, 1967), pp. 117 sqq.‬‬ ‫‪12 - Judith Butler, Giving an Account of One‬‬‫‪self (Fordham University Press, 2005). Chap. 3,‬‬ ‫‪(responsibility), pp. 83 sqq.‬‬ ‫‪13 - J. Derrida, op. cit. p. 141.‬‬ ‫‪14 - Ibid. p. 142.‬‬ ‫‪15 - Ibid. p. 154, 155.‬‬ ‫‪ - 16‬جودي ــث بتل ــر‪ ،‬ال ــذات تص ــف نفس ــها‪ .‬ترجم ــة ف ــاح‬ ‫رحيــم (بيــروت‪ :‬دار التنويــر‪ ،)2015 ،‬ص ‪ 163‬ومــا بعدهــا‪.‬‬ ‫‪ - 17‬نفسه‪ ،‬ص ‪ 169‬وما بعدها‪.‬‬ ‫‪ - 18‬نفسه‪ ،‬ص ‪ 171‬وما بعدها‪.‬‬

‫إن معنى‬ ‫ّ‬ ‫التعايُّش غير‬ ‫ممكن من‬ ‫دون اإلقرار‬ ‫بنوع ما من‬ ‫«أ ّولية اآلخر»‬ ‫علينا‬

‫‪71‬‬


‫لنا ما لهم‬ ‫عبدالوهاب األنصاري‬

‫بعـــد حادثـــة هجـــوم ســـان برنادينـــو فـــي‬ ‫كاليفورني ــا ف ــي مطل ــع ديس ــمبر ‪ ،2015‬تصاع ــدت‬ ‫النـــذر فـــي أجـــواء السياســـة األميركيـــة بالدعـــوة‬ ‫إلــى التضييــق علــى المســلمين وحصرهــم ومراقبــة‬ ‫مس ــاجدهم ومن ــع دخوله ــم إل ــى الب ــاد‪ .‬وه ــذا وإن‬ ‫كان مســـتبعدًا أن يتجـــاوز مرحلـــة الـــكالم‪ّ ،‬إل أن‬ ‫إمكاني ــة الحدي ــث عن ــه والتصري ــح ب ــه فحس ــب ل ــم‬ ‫ـور أح ــد‪ .‬لك ــن‪ ،‬كم ــا يقـــول محم ــد‬ ‫تك ـ ْ‬ ‫ـن ف ــي تص ـ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ومحتمـــل ومتوقّـــع‪.‬‬ ‫ممكـــن‬ ‫شـــيء‬ ‫كل‬ ‫الماغـــوط‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ومثـــل ذلـــك قـــد حصـــل‪ ،‬تحديـــدًا بعـــد القصـــف‬ ‫اليابانــي لبيــرل هاربــر إبــان مطلع الحــرب العالمية‬ ‫ـــم حجـــز المواطنيـــن األميركييـــن‬ ‫الثانيـــة حيـــن َت ّ‬ ‫م ــن أص ـ ٍ‬ ‫ـل يابان ــي ف ــي مس ــتعمرات عب ــر الس ــاحل‬ ‫ألذكــر القارئ‬ ‫الغربــي للواليــات المتحــدة‪ .‬أذكــر هذا ّ‬ ‫ـع نفترض‬ ‫بطبيعــة‬ ‫التعايــش بيــن الفئــات في مجتمـ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫أنــه فــي التق ـّدم والرقــي آيــة‪ .‬فاألمــر حيــن يتعّلــق‬ ‫بالتعايــش يبقــى متأرجحـ ًا علــى كــف عفريــت‪ ،‬كمــا‬ ‫ُ‬ ‫يق ــول المث ــل العرب ــي‪.‬‬ ‫وحينمــا نســتعرض التاريــخ العربــي اإلســامي‬ ‫ضم ــه م ــن أجن ــاس مختلف ــة وس ــجله الممت ــد‬ ‫وم ــا ّ‬ ‫التعاي ــش بي ــن ه ــذه‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـام‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ـمئة‬ ‫ـ‬ ‫وخمس‬ ‫لألل ــف‬ ‫ُ‬ ‫األجنــاس فاألمــر ليــس مختلفـاً‪ .‬ومجمــل األمــر‪ ،‬أنــه‬ ‫ال يمك ــن التعمي ــم عل ــى أن وض ــع أقلي ـ ٍـة م ــا كان ــت‬ ‫ـن بالزم ــان والم ــكان‬ ‫أو م ــا تـــزال ك ــذا‪ .‬فذل ــك ره ـ ٌ‬ ‫ِ‬ ‫وتطوراته ــا‪ .‬وق ــد قي ــل الكثي ــر مم ــا ال‬ ‫وباألوض ــاع‬ ‫ّ‬ ‫طائ ــل ف ــي تك ــراره ع ــن التس ــامح وقب ــول اآلخ ــر‬ ‫ف ــي مقاب ــل التضيي ــق وحك ــر اآلخ ــر‪ .‬وال ينبغ ــي‬ ‫النظـــر إلـــى الماضـــي بمنظـــار الحاضـــر إذ إن‬ ‫‪72‬‬

‫معنـــي بالنظـــر‬ ‫المقاييـــس مختلفـــة‪ .‬وإننـــي هنـــا‬ ‫ٌ‬ ‫ف ــي الفت ــرة األندلس ــية الت ــي ب ــدأت مطل ــع العه ــد‬ ‫األمــوي فــي األندلــس المعروفــة باإلســبانية باســم‬ ‫التعاي ــش بي ــن المس ــلمين‬ ‫‪ ،La Convivencia‬أو‬ ‫ُ‬ ‫والمســيحيين واليهــود‪ ،‬أو مــا ُيســمى أيضـ ًا بالعهــد‬ ‫للتعاي ــش‪.‬‬ ‫ـوذج مثال ــي‬ ‫الذهب ــي كنم ـ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫القصــة مــن توّلــي قبائــل القــوط الغربييــن‬ ‫تبــدأ ّ‬ ‫الســيطرة على شــبه الجزيرة اآليبيرية (األندلس)‪،‬‬ ‫حي ــث ل ــم يعنه ــم ب ــدءًا أم ــر اليه ــود هن ــاك‪ ،‬حي ــث‬ ‫كانــوا يعيشــون بســام إلــى عــام ‪ 581‬ميالديــة‪ .‬في‬ ‫تل ــك األع ــوام األخي ــرة للق ــرن الس ــادس المي ــادي‬ ‫انضـّـم القــوط الغربيــون إلى الكنيســة الكاثوليكية‪،‬‬ ‫وبـــدأ حينئـــٍذ التضييـــق علـــى اليهـــود بـــدءًا فـــي‬ ‫ـــم اضطهادهـــم بعنـــف‪ ،‬األمـــر‬ ‫معايشـــهم ومـــن َث ّ‬ ‫الـــذي يفســـر ترحيـــب اليهـــود بالفتـــح اإلســـامي‬ ‫ف ــي الق ــرن الثام ــن المي ــادي (ع ــام ‪ 711‬م‪ ،‬ط ــارق‬ ‫ب ــن زي ــاد) وتقديمه ــم الع ــون للمس ــلمين لنصرته ــم‬ ‫ض ــد أعدائه ــم الكاثولي ــك‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ع ــاش اليه ــود ف ــي كن ــف المس ــلمين كأه ــل ذّم ــة‬ ‫ف ــي وئ ــام وتدفّق ــت هج ــرات اليه ــود م ــن أوروب ــا‬ ‫بالدرج ــة األول ــى‪ ،‬وم ــن األقط ــار اإلس ــامية إل ــى‬ ‫األندلـــس وتعاظمـــت أواصـــر الصلـــة بيـــن يهـــود‬ ‫األندل ــس‪ ،‬وأولئ ــك الذي ــن بق ــوا حي ــث ه ــم‪ .‬تل ــك‬ ‫كانــت بدايــات العهــد الذهبــي الخصــب دينيـ ًا وثقافي ًا‬ ‫وفكريــاً‪ .‬تالقح ــت األف ــكار ‪ :‬العربي ــة اإلس ــامية‪،‬‬ ‫والعبريــة اليهوديــة والمســيحية ومــا َتـّـم نقلــه مــن‬ ‫رأي‬ ‫آث ــار الحض ــارة اإلغريقي ــة‪ ،‬رأيــ ًا ف ــي مقاب ــل ٍ‬ ‫آخ ــر‪ ،‬وفك ــرة ف ــي مقاب ــل فك ــرة مض ــادة‪ ،‬بس ــام‪.‬‬


‫علي الخالد‬

‫أتاحـــت االكتشـــافات العلميـــة لعلمـــاء المســـلمين‬ ‫وبحوثه ــم الفلس ــفية الفرص ــة للمثقفي ــن المس ــلمين‬ ‫واليهــود علــى وجـٍـه ســواء مــن المضــي فــي مضمــار‬ ‫التق ـّدم الحضــاري كمــا اســتفاد اليهــود مــن اعتنــاء‬ ‫علمــاء العربيــة بالنحــو وعلــوم فقــه اللّغــة بتطبيــق‬ ‫البح ــوث اللّغوي ــة عل ــى العبري ــة‪ ،‬مثلم ــا اس ــتفاد‬ ‫المثقفـــون عمومـــ ًا مـــن المناظـــرات والمواضيـــع‬ ‫المثـــارة فـــي األوســـاط الثقافيـــة‪ .‬وإذ‬ ‫الجدليـــة ُ‬ ‫كان ــت العربي ــة ه ــي لغ ــة الثّقاف ــة الس ــائدة‪ ،‬فلق ــد‬

‫أت ــاح تبّن ــي اليه ــود له ــا ف ــي تجارته ــم وعلومه ــم‬ ‫وفلســفاتهم اندماجهــم فــي المجتمــع بشـ ٍ‬ ‫ـكل متكامل‪.‬‬ ‫تل ــك ه ــي الص ــورة الس ــائدة للعص ــر الذهب ــي‪.‬‬ ‫اتخـــذ عبدالرحمـــن الثالـــث (الناصـــر لديـــن اهلل‪ ،‬ت‬ ‫‪ 961‬م)‪ ،‬ثام ــن الخلف ــاء األمويي ــن ف ــي األندل ــس‪،‬‬ ‫م ــن الطبي ــب اليه ــودي حس ــداي ب ــن ش ــبروط (أب ــو‬ ‫يوس ــف ب ــن اس ــحق ب ــن ع ــزرا) س ــفيرًا ومبعوثــ ًا‬ ‫خاصــ ًا ومفاوضــ ًا ل ــدى ال ــدول األجنبي ــة بأعل ــى‬ ‫مقـــام‪ .‬ولكـــن بوفـــاة ابنـــه الحكـــم الثانـــي بـــن‬ ‫‪73‬‬


‫عبدالرحمـــن (المســـتنصر بـــاهلل‪ ،‬ت ‪ 976‬م) الـــذي‬ ‫توّل ــى الخالف ــة م ــن بع ــده وس ــار عل ــى منوال ــه‪،‬‬ ‫بــدأت النكســة لليهــود‪ .‬ففــي عــام ‪ 1066‬م‪ .‬وقعــت‬ ‫مذبح ــة غرناط ــة حينم ــا اجتاح ــت الجم ــوع قص ــر‬ ‫باديــس بــن حبــوس (المظفــر بــاهلل‪ ،‬ت ‪ 1073‬م)‪،‬‬ ‫وقتل ــت ث ــم صلب ــت وزي ــره اليه ــودي يوس ــف ب ــن‬ ‫نغريلـــة‪ .‬وكان لقصيـــدة أبـــي إســـحق التجيبـــي‬ ‫دور كبيـ ٌـر فــي تحريض مشــاعر الســخط‬ ‫(األلبيــري) ٌ‬ ‫العــام‪ .‬يقــول أبــو إســحق مشــيرًا إلــى باديــس بــن‬ ‫حب ــوس‪:‬‬ ‫أال ق ــل لصنهاج ــة أجمعي ــن‬ ‫بــدور النــدي وأســد العريــن‬ ‫لقـــد زل ســـيدكم زلـــة‬ ‫تقـــر بهـــا أعيـــن الشـــامتين‬ ‫تخيـــر كاتبـــه كافـــرا‬ ‫ولو شــاء كان من المسلمين‬ ‫فعـــز اليهـــود بـــه وانتخـــوا‬ ‫وتاهــوا وكانوا من األرذلين‬ ‫ونالوا مناهم وجازوا المدى‬ ‫فحــان الهالك وما يشــعرون‬ ‫فكـــم مســـلم فاضـــل قانـــت‬ ‫ألرذل قـــرد مـــن المشـــركين‬ ‫هــذه لمحــات للحظــات تاريخيــة‪ .‬الذيــن ينظرون‬ ‫إلـــى تلـــك الفتـــرة بوصفهـــا نموذجـــ ًا للتعّدديـــة‬ ‫والتعايـــش إنمـــا يقيســـون بمنظـــار الحاضـــر‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ســـمة للتعّدديـــة وفـــي األندلـــس‪،‬‬ ‫التمييـــز ليـــس‬ ‫ً‬ ‫تميـــز‬ ‫بالرغـــم مـــن الجانـــب المشـــرق‬ ‫للتعايـــش‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫المس ــلمون عل ــى اآلخري ــن كم ــا نعل ــم‪ .‬لك ــن الذي ــن‬ ‫يقيســون مــا آلــت إليه األحــوال‪ ،‬لليهود والمســلمين‬ ‫علــى وجـٍـه ســواء‪ ،‬بعــد توّلــي المســيحيين الحكــم‬ ‫مجـــددًا (‪ ،)1492‬ومحاكـــم التفتيـــش والمطالبـــة‬ ‫قس ــرًا باعتن ــاق المس ــيحية أو الم ــوت‪ ،‬يح ــق له ــم‬ ‫دعــوة الفتــرة اإلســامية التي ســبقت تلــك األحداث‬ ‫ال فترة حكــم ملوك الطوائف‪.‬‬ ‫بالعهــد الذهبــي‪ ،‬شــام ً‬ ‫ـامح يجدون‬ ‫ـ‬ ‫التس‬ ‫بعين‬ ‫التراث‬ ‫الذيــن ينظــرون إلــى‬ ‫ُ‬ ‫متســع ًا مــن األمــر باإلحســان إلــى اآلخريــن مــن كل‬ ‫ِمّل ــة‪ .‬والذي ــن ال يطيق ــون س ــوى النق ــاء الث ــوري‬ ‫خشــية نجاســة اآلخريــن ودنــس معتقدهــم يجــدون‬ ‫التعاي ــش‬ ‫ف ــي الت ــراث م ــا يب ــرر موقفه ــم‪ .‬ذل ــك أن‬ ‫ُ‬ ‫ال ــذي ُيق ـّـره اإلس ــام ه ــو فيم ــا بي ــن ال ــدول (ق ــول‬ ‫الرســول فيمــا يتعّلــق بحلــف الفضــول «لــو دعيــت‬ ‫لمثل ــه ألجب ــت»)‪ .‬وعل ــى ذل ــك المن ــوال كان موق ــف‬ ‫ـا‪.‬‬ ‫االتحــاد الســوفياتي ســابق ًا والصيــن أيضـاً‪ ،‬مثـ ً‬ ‫لك ــن تح ــت س ـ ٍ‬ ‫التعاي ــش ضم ــن‬ ‫ـل‬ ‫ـماء واح ــدة يظ ـ ّ‬ ‫ُ‬ ‫مثـــا‬ ‫درجـــات مـــن المســـاواة‪ .‬فـــا يحـــق للذمـــي‬ ‫ً‬ ‫بالتميــز فــي لبســه‬ ‫الدعــوة إلــى دينــه أو قــد يطالــب‬ ‫ّ‬ ‫وتبق ــى األولوي ــة للمس ــلم‪.‬‬ ‫‪74‬‬

‫ـل‬ ‫وحتــى ضمــن إطــار الديــن الواحــد نفســه يظـّ‬ ‫التبايــن ســيد الموقــف‪ ،‬األمــر الــذي أدى إلــى جهــود‬ ‫ُ‬ ‫التقري ــب بي ــن المذاه ــب‪ ،‬وه ــي جه ــود قديم ــة (دار‬ ‫التقريـــب بيـــن المذاهـــب اإلســـامية تأسســـت فـــي‬ ‫القاه ــرة ع ــام ‪ّ )1947‬إل أنه ــا‪ ،‬م ــن حي ــث قيمته ــا‬ ‫التعايشـــية‪ ،‬تأخـــذ دورًا هامشـــي ًا تطغـــى عليهـــا‬ ‫ُ‬ ‫األمــور السياســية (الحــذر مــن إيــران يســاوي الحــذر‬


‫نذير اسماعيل‬

‫ـا) وف ــي إي ــران مجم ــع‬ ‫م ــن المذه ــب الش ــيعي مث ـ ً‬ ‫آخ ــر للتقري ــب بي ــن المذاه ــب ُأ ّس ــس ع ــام ‪.1990‬‬ ‫التعايش‬ ‫ال يمكننــا أن نقــف علــى حقيقــة مفهــوم‬ ‫ُ‬ ‫ّإل بمعرف ــة الح ــدود القص ــوى لتقب ــل اآلخ ــر‪ .‬ف ــي‬ ‫الواليــات المتحــدة َتـّـم انتخاب أول رئيس «أســود»‪.‬‬ ‫كان العــرق حـّدًا أقصــى َتـّـم اآلن تجــاوزه‪ ..‬ولنتذكر‬ ‫الممارس ــات العنصري ــة الت ــي كان «البي ــض» ف ــي‬

‫أميــركا يمارســونها ضــد «الســود» إلــى عهــد قريــب‪.‬‬ ‫ـــم انتخـــاب‬ ‫وقبـــل ذلـــك‪ ،‬عـــام ‪ 1960‬تحديـــداً‪َ ،‬ت ّ‬ ‫الرئي ــس الكاثوليك ــي األوح ــد للوالي ــات المتح ــدة‪،‬‬ ‫ج ــون كين ــدي‪ ،‬تجرب ــة ل ــم تتك ــرر منذئ ـٍذ‪ .‬ويومه ــا‬ ‫شـّـكل ذلــك حـّدًا أقصــى وموضوعـ ًا جدليـ ًا يتداولــه‬ ‫الن ــاس‪ .‬ف ــي العق ــد األخي ــر ف ــي الوالي ــات المتح ــدة‬ ‫شـــكل زواج المثلييـــن (االعتـــراف بـــه قانونـــاً)‬ ‫ّ‬ ‫حـــّدًا تـــم اآلن تجـــاوزه‪ .‬والموقـــف المســـيحي‬ ‫ـــه‬ ‫«د ُم ُ‬ ‫تجـــاه مســـؤولية اليهـــود عـــن دم المســـيح َ‬ ‫َعَلْيَن ــا َو َعَل ــى َأ ْوَلِدَن ــا»‪ ،‬وه ــو موق ــف قدي ــم ِق ــدم‬ ‫المس ــيحية‪َ ،‬ت ـ ّـم تج ــاوزه بإع ــان باب ــا الفاتي ــكان‬ ‫(‪ 10‬ديس ــمبر ‪ )2015‬ب ــأن ال داع ــي لدع ــوة اليه ــود‬ ‫العتناق المســيحية للخالص إذ إن اليهودية تشـّـكل‬ ‫ـا‪.‬‬ ‫ج ــذور المس ــيحية أص ـ ً‬ ‫التعايش‬ ‫أذكــر هــذه األمثلــة لســببين‪ ،‬أولهمــا أن‬ ‫ُ‬ ‫ـور قــد ال يستســيغها أولئــك الذين‬ ‫تقبــل أمـ ٍ‬ ‫يســتدعي ُّ‬ ‫ال يتقبلــون االختــاف‪ ،‬فكــرًا أو معتقــدًا أو دينـ ًا أو‬ ‫التعايش يســتدعي المســاواة‪.‬‬ ‫ال عن أن‬ ‫جنسـاً؛ فض ً‬ ‫ُ‬ ‫توج ــه عجل ــة التاري ــخ ه ــو‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫مجم‬ ‫أن‬ ‫وثانيهم ــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫نحــو تجــاوز الحــدود القصــوى للقبــول بالرغــم مــن‬ ‫ال‬ ‫حــاالت النكــوص والتراجــع الوقتيــة‪ .‬مــن ذلــك مث ً‬ ‫قانــون إقصــاء الصينييــن ‪Chinese Exclusion‬‬ ‫‪ Act‬عــام ‪ 1882‬فــي الواليــات المتحــدة التــي منعت‬ ‫دخــول المهاجريــن الصينييــن إليهــا‪ ،‬وهــي لطالمــا‬ ‫الحرّي ــة‪ ،‬وظّل ــت قانون ـ ًا إل ــى‬ ‫تش ـّدقت بأنه ــا أرض ّ‬ ‫عــام ‪.1943‬‬ ‫والحرّيــات القانونيــة وجهــان‬ ‫ـلمي‬ ‫ـ‬ ‫الس‬ ‫ـش‬ ‫التعايـ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫حرّي ــة الدي ــن والمعتق ــد‪ ،‬المس ــاواة‬ ‫ـدة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫واح‬ ‫لعمل ــة‬ ‫ّ‬ ‫فــي الحقــوق‪ ،‬الحــق فــي العيــش فــي أمــن‪ ..‬إلــخ‪.‬‬ ‫ـن رس ــمي ألتباع ــه‬ ‫أم ــا ف ــي مجتمع ــات تدي ــن بدي ـ ٍ‬ ‫فالتعاي ــش الس ــلمي ره ــن بقب ــول اآلخ ــر‬ ‫األولوي ــة‬ ‫ُ‬ ‫(الدوني ــة)‪ .‬أم ــا م ــا ورد ف ــي األث ــر مث ــل «له ــم م ــا‬ ‫ـق‬ ‫لنــا وعليهــم مــا علينــا» فهــو علــى األرجــح متعّلـ ٌ‬ ‫بالذيــن أســلموا مــن أهــل الكتاب والمشــركين وليس‬ ‫بأهــل الذمــة أو هــو متعّلــق بالبيــوع عمومـاً‪ ..‬واهلل‬ ‫أعلــم‪ .‬ومــا بدايــات الحركــة الشــعوبية التــي نشــأت‬ ‫فــي العهــد األمــوي ّإل ردة فعــل العناصــر المغلوبــة‬ ‫ضـــد قبـــول الدونيـــة‪ ،‬أو المواطنـــة مـــن الدرجـــة‬ ‫الثانيــة بالتعبيــر العصــري‪.‬‬ ‫ـامح‬ ‫ـ‬ ‫تس‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫كان‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إذن فالنظــرة الواقعيــة إل‬ ‫ٍ‬ ‫ـام أو العهــد‬ ‫وتقبلــه‬ ‫تجــاه اآلخــر‬ ‫والتعايــش فــي وئـ ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫الذهبــي وهــو مــا هــو كائــن اآلن فــي الشــرق أو فــي‬ ‫ـورة واحــدة فــي كل االتجاهــات‪:‬‬ ‫الغــرب تعكــس صـ ً‬ ‫األقليـــات لألعـــراف والتقاليـــد الســـائدة‪.‬‬ ‫رضـــوخ‬ ‫ّ‬ ‫ـا‪ ،‬يمكننــا أن نطيــل الحديــث عــن‬ ‫ففــي فرنســا‪ ،‬مثـ ً‬ ‫ّياته ــا الناصع ــة لس ــاعات طويل ــة‬ ‫الحرّي ــات وتجلّ‬ ‫ّ‬ ‫إلــى نصــل إلــى تجريــم لبــس النقــاب‪ ،‬ثــم يمكننــا‬ ‫بعــد ذلــك أن نعيــش فــي ســام‪.‬‬

‫ال يمكننا أن‬ ‫نقف على‬ ‫حقيقة‬ ‫مفهوم‬ ‫التعايُش‬ ‫إلّا بمعرفة‬ ‫الحدود‬ ‫القصوى‬ ‫لتقبل اآلخر‬

‫‪75‬‬


‫الطعام والتعايُش‬ ‫ستفانو بيني‬

‫أعتقــد جازم ـاً‪ ،‬كمــا هــو الحــال فــي هــذه األيــام‬ ‫التعايــش صعبـ ًا أو مســتحيالً‪ ،‬أنه‬ ‫التــي يبــدو فيهــا‬ ‫ُ‬ ‫مهمــا جــرى مــن تنظيــر وحديــث ومحاولــة الوصول‬ ‫ـادم‬ ‫إل ــى حل ــول‪ ،‬فاالختي ــار يق ــع دائمــ ًا عل ــى تص ـ ُ‬ ‫ـدي ف ــي ه ــذه اللحظ ــة كثي ــر م ــن‬ ‫األف ــكار‪ .‬ولي ــس ل ـ ّ‬ ‫اليقيــن يمكننــي أن أعرضــه‪ ،‬وإنمــا أعــود أدراجــي‬ ‫التعايــش‪ ،‬فــي‬ ‫إلــى الماضــي‪ ،‬إلــى مثــال ُوِلـَـد فيــه‬ ‫ُ‬ ‫إحــدى بلــدات الجبــل الصغيــرة‪ .‬ومــن هــذه القصــة‬ ‫البســيطة يمكــن أن تتوّلــد أفــكار‪.‬‬ ‫كنــا نعيــش فــي بيــت علــى حافــة الغابــة‪ .‬كانــت‬ ‫بلدتنـــا صغيـــرة معزولـــة‪ ،‬وأقـــرب مدينـــة إلينـــا‬ ‫كانـــت تقـــع علـــى بعـــد خمســـة عشـــر كيلومتـــراً‪.‬‬ ‫وحولن ــا بضع ــة بي ــوت صغي ــرة تس ــكنها عائ ــات‬ ‫ـن نتــزاور كثيراً‪،‬‬ ‫أخــرى‪ ،‬مثلنــا‪ ،‬وحتــى وإن لــم نكـ ْ‬ ‫توط ــدت بينن ــا أواص ــر الصداق ــة‪ ،‬فق ــد كن ــا نلتق ــي‬ ‫ّ‬ ‫فــي األســواق‪ ،‬وفــي المخبــز العمومــي‪ ،‬وفــي جمــع‬ ‫الك ــروم‪.‬‬ ‫وذات يـــوم جـــاء إلـــى داخـــل الغابـــة بعـــض‬ ‫قاطعـــي األخشـــاب‪ ،‬وعاشـــوا فيهـــا‪ .‬جـــاءوا مـــن‬ ‫الش ــمال‪ ،‬وكان ــوا يتحّدث ــون لهج ــة غريب ــة علين ــا‪،‬‬ ‫لرجالهــم لحــى طويلــة‪ ،‬ولنســائهم مالبــس داكنــة‪،‬‬ ‫وأطفاله ــم ش ــاحبون واجم ــون‪ .‬كان ــوا منطوي ــن‪،‬‬ ‫ـل ف ــي مظهره ــم‪ ،‬ال يلق ــون التحي ــة وال‬ ‫عل ــى األق ـ ّ‬ ‫يستأنســـون بغيرهـــم‪.‬‬ ‫كنـــا نعـــرف أنهـــم جـــاءوا ألن الغابـــات التـــي‬ ‫ـق‬ ‫ُول ــدوا فيه ــا ق ــد َت ـّـم تدميره ــا لبن ــاء مس ــاكن وش ـ ّ‬ ‫طــرق‪ ،‬وأن مهنتهــم كانــت شــاقة‪ ،‬وأنهــم حاولــوا‬ ‫دون جــدوى االســتقرار فــي أماكــن أخــرى‪ .‬وبآخــر‬ ‫مــا معهــم مــن مـ ٍ‬ ‫ـال حصلــوا علــى ترخيــص بقطــع‬ ‫األش ــجار وبي ــع األخش ــاب ف ــي ج ــزء م ــن الغاب ــة‪.‬‬ ‫‪76‬‬

‫وف ــي وق ــت قصي ــر كان ــوا ق ــد بن ــوا ثالث ــة عناب ــر‬ ‫كبي ــرة‪ ،‬ونح ــن م ــن ناحيتن ــا أس ــميناهم جماع ــة‬ ‫اللح ــى الس ــوداء‪.‬‬ ‫عندمــا ُكّنــا نمـّـر من ِ‬ ‫الشــعاب الجبلية بين أشــجار‬ ‫الصنوبــر ُكّنــا نســمع ضربــات فؤوســهم‪ ،‬ولكــن لــم‬ ‫ـن نراه ــم أب ــداً‪ .‬ف ــي الفج ــر فق ــط كان ين ــزل إل ــى‬ ‫نك ـ ْ‬ ‫المدينــة رجــان وامرأتــان وعلــى رؤوســهم مقاطــف‬ ‫ـش‪ ،‬يبيع ــون فيه ــا الحط ــب للتج ــار‪.‬‬ ‫ثقيل ــة م ــن الق ـ ّ‬ ‫ُكّن ــا نح ــن نجل ــس ف ــي المقه ــى نحتس ــي ش ــيئ ًا م ــن‬ ‫ـوق بهــا‬ ‫الشــراب‪ ،‬ومعنــا األمــوال القليلــة التــي نتسـّ‬ ‫علــى عجــل لنعــود إلــى قريتنــا المخبــأة‪.‬‬ ‫يكـــن لديهـــم ال كهربـــاء وال غـــاز‪ ،‬وكانـــوا‬ ‫لـــم‬ ‫ْ‬ ‫يحصلــون علــى المــاء مــن جــدول مــاء صغيــر‪ .‬لــم‬ ‫يكونــوا يظهــرون تقريبـاً‪ ،‬فحامــت حولهــم األقاويــل‬ ‫والش ــبهات‪.‬‬ ‫فـــروا بعـــد أن‬ ‫أنهـــم‬ ‫عنهـــم‬ ‫حكـــى‬ ‫ي‬ ‫ممـــا‬ ‫فـــكان‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫قتلـــوا حاكمهـــم‪ ،‬وأنهـــم يمارســـون العنـــف مـــع‬ ‫المـــرأة‪ ،‬ويرغمـــون أطفالهـــم علـــى العمـــل متـــى‬ ‫بلغ ــوا السادس ــة م ــن العم ــر‪ .‬ل ــم يكون ــوا يعرف ــون‬ ‫لغتنــا‪ ،‬ولــم يكونــوا يعرفــون الصيــد‪ ،‬وإنمــا فقــط‬ ‫ينصب ــون ِ‬ ‫الش ــراك‪ ،‬ول ــم يكون ــوا يعرف ــون كي ــف‬ ‫ُي ــزرع البس ــتان‪ ،‬فكان ــوا يأكل ــون مم ــا ف ــي األرض‬ ‫ـن نعــرف إن كانــوا فيمــا بينهــم‬ ‫مــن جــذور‪ ،‬ولــم نكـ ْ‬ ‫يش ـ ّـكلون عائ ــات فيه ــا زوج وزوج ــة وأطف ــال‪.‬‬ ‫وفـــي نهايـــة األمـــر انطلقـــت آليـــة االســـتبعاد‬ ‫تلقائيـــاً‪ ،‬فكنـــا نحـــن الصغـــار نخـــاف منهـــم‪،‬‬ ‫ونتحاشــى صغارهــم‪ ،‬ومــا بيــن الفينــة واألخــرى‬ ‫كنـــا نرميهـــم بحجـــر‪.‬‬ ‫جــدي هــو فقــط الــذي حــاول أن يفهــم شــيئ ًا عــن‬ ‫قبيلــة اللحــى الســوداء الغامضــة هــذه‪.‬‬


‫إدوار شهدا‬

‫ذهــب ذات مــرة للصيــد فــي الغابــة‪ ،‬وفــي طريــق‬ ‫عودت ــه َش ـّـم رائح ــة ش ــهية‪ .‬خ ــارج العنب ــر كان ــت‬ ‫حســـاء‬ ‫هنـــاك امـــرأة تطهـــو علـــى موقـــد حجـــري‬ ‫ً‬ ‫ـن ج ــذور األرض‪ ،‬ب ــل حس ــاء لذي ــذ‬ ‫س ــاخناً‪ .‬ل ــم تك ـ ْ‬ ‫يفتـــح الشـــهية‪ .‬توقّـــف جـــدي وألقـــى التحيـــة‪:‬‬ ‫كان ق ــد اصط ــاد لت ــوه طاووس ــين‪ .‬نظ ــرت إلي ــه‬ ‫الم ــرأة بدهش ــة‪ ،‬وس ــألت بلغ ــة إيطالي ــة صعب ــة‬ ‫عـــن هـــذه الطيـــور‪ ،‬ثـــم أضافـــت‪ :‬نحـــن ال نـــأكل‬ ‫ـذوق ج ــدي الحس ــاء وت ــرك‬ ‫اللح ــم أب ــدًا تقريبــاً‪ .‬ت ـ ّ‬ ‫لهــا الطاووســين‪ ،‬وهــو يحيــي المــرأة المندهشــة‪.‬‬ ‫وفــي المســاء التالــي هبــط رجــل بلحيــة ومعــه‬ ‫سـلّة تحــت أبطــه ووصــل حتــى بيتنــا‪ .‬شــممنا مــن‬ ‫نوافذنــا رائحــة أرانــب وعصيــدة‪ .‬كان الرجــل واقفـ ًا‬ ‫فــي الفنــاء أمــام البيــت ولــم يجــرؤ علــى الدخــول‪.‬‬ ‫خــرج لــه جــدي وبــدأ معــه النقــاش‪ .‬فيمــا تحّدثــا؟‬ ‫لي ــس ع ــن األنظم ــة السياس ــية العلي ــا‪ ،‬ولك ــن ع ــن‬ ‫ـا مــن‬ ‫الطعــام‪ .‬كان الرجــل ذو اللحيــة يســتخدم قليـ ً‬ ‫ال ــكالم وكثي ــرًا م ــن اإلش ــارات واإليم ــاءات‪ .‬ش ــرح‬ ‫البريــة‪،‬‬ ‫أنهــم ال يجيــدون مهــارة صيــد الحيوانــات ّ‬ ‫وليس ــت لديه ــم بن ــادق‪ .‬ول ــم يك ــن م ــن الس ــهل أن‬ ‫ـل نظامهم‬ ‫تنمــو الخضــراوات فــي أرضهــم‪ .‬ولهــذا َظـّ‬

‫الغذائــي بســيطاً‪ .‬ولكنهــم كانــوا يعرفــون جيدًا كيف‬ ‫يعث ــرون عل ــى الطع ــام ف ــي الغاب ــة‪ .‬وله ــذا أه ــدى‬ ‫والــدي ســلة مــن فطــر عــش الغــراب‪.‬‬ ‫ومنــذ ذلــك اليــوم أصبحــت مجموعــة منــا تصعــد‬ ‫كل ي ــوم أح ــد إل ــى عنابره ــم‪ ،‬لن ــأكل ف ــي مطب ــخ‬ ‫أصح ــاب اللح ــى الس ــوداء‪ ،‬حس ــاءهم وفراوالته ــم‬ ‫وكســـتناءهم‪ .‬وفـــي األحـــد التالـــي كانـــوا يأتـــون‬ ‫هــم إلينــا‪ .‬كنــا نتبــادل وصفــات الطعــام‪ ،‬وكانــت‬ ‫النس ــاء يتضاحك ــن فيم ــا بينه ــن ف ــي المطب ــخ‪.‬‬ ‫عندم ــا نجل ــس ح ــول مائ ــدة الطع ــام ال تك ــون‬ ‫هن ــاك حاج ــة لكثي ــر م ــن الش ــرح‪ .‬ه ــذا ه ــو م ــا كان‬ ‫ج ــدي يقول ــه‪.‬‬ ‫بعده ــا بوق ــت قصي ــر ص ــار صغاره ــم يلعب ــون‬ ‫الكــرة معنــا‪ ،‬وصرنــا نحــن نذهــب لنجمــع التــوت‬ ‫ال‬ ‫الب ــري م ــن قل ــب الغاب ــة معه ــم‪ .‬هك ــذا ص ــار س ــه ً‬ ‫تج ــاوز الش ــكوك والش ــبهات‪ .‬بطائ ــر ب ــري وس ــلة‬ ‫م ــن فط ــر ع ــش الغ ــراب‪.‬‬ ‫نشـــم رائحـــة مطبـــخ‬ ‫إننـــا إذا نجحنـــا فـــي أن‬ ‫ّ‬ ‫اآلخريـــن‪ ،‬وأن نعـــرف شـــيئ ًا عـــن جوعهـــم‪،‬‬ ‫وبؤســـهم‪ ،‬وتراثهـــم‪ ،‬فقـــد تمضـــي األمـــور علـــى‬ ‫نحـــو أفضـــل‪.‬‬

‫إذا نجحنا في‬ ‫نشم رائحة‬ ‫أن‬ ‫ّ‬ ‫مطبخ اآلخرين‪،‬‬ ‫وأن نعرف شيئ ًا‬ ‫عن جوعهم‪،‬‬ ‫وبؤسهم‪،‬‬ ‫وتراثهم‪ ،‬فقد‬ ‫تمضي األمور‬ ‫على نحو‬ ‫أفضل‬

‫‪77‬‬


‫هجمــات باريس اإلرهابية فــي ‪ 20‬نوفمبر األخيرة‬ ‫أعــادت تنظيرات كبــار الفالســفة الفرنســيين إلى‬ ‫نقطة الصفر في مسألتي االندماج والتعّددية‬

‫أن تعيش في‬ ‫المجتمعات المستنيرة‬ ‫د‪ .‬شاكر نوري‬

‫منـــذ آالف الســـنين كان الرجـــل يجمـــع الحطـــب‬ ‫ـا‬ ‫ويوق ــد الن ــار‪ ،‬وه ــذا يت ــرك أث ــرًا رومانس ــي ًا جمي ـ ً‬ ‫ُ‬ ‫عنــد المــرأة حتــى يومنــا هــذا‪ .‬وحتــى لــو كان الموقــد‬ ‫الحالــي ال يحتــاج إلــى قــدرات ذكوريــة مهمــة‪ ،‬المهـّـم‬ ‫أن يفع ــل الرج ــل ذل ــك بنفس ــه موف ــرًا للم ــرأة ج ــوًا‬ ‫رومانســـي ًا يعطيهـــا شـــعورًا بأنـــه يهتـــم بتحقيـــق‬ ‫حاجياتهــا‪ .‬هكــذا يــرى الباحثــان آالن وباربــارا بيــز‬ ‫فـــي كتابهمـــا «لمـــاذا ال يصغـــي الرجـــال وال تجيـــد‬ ‫النس ــاء ق ــراءة الخرائ ــط؟»‪.‬‬ ‫التعايـــش بيـــن‬ ‫موضوعـــة‬ ‫تفســـر‬ ‫هـــذه الفكـــرة ّ‬ ‫ُ‬ ‫الرج ــل والم ــرأة من ــذ الِق ــدم‪ ،‬وهن ــاك عالق ــة جدلي ــة‬ ‫نتوغــل‬ ‫بيــن االســتماع والخرائــط‪ ..‬لكننــا يجــب أن ّ‬ ‫ف ــي األف ــكار لك ــي نكتش ــف النتائ ــج‪ ،‬وخاص ــة ف ــي‬ ‫التعاي ــش‪.‬‬ ‫المجتم ــع المعاص ــر القائ ــم عل ــى فك ــرة‬ ‫ُ‬ ‫والس ــؤال الجوه ــري ال ــذي يط ــرح نفس ــه ه ــو‪:‬‬ ‫ه ــل بن ــاء الم ــدن الحالي ــة يتع ــارض م ــع الج ــو‬ ‫الرومانســـي الـــذي تحتاجـــه األنثـــى لكـــي ُتســـعد‬ ‫الرجـــل؟‬

‫المدن تقضي عىل الطبيعة‬ ‫إن عمليــة المــرور إلــى التمـّدن جلبت علينــا الكثير‬ ‫مــن الكــوارث‪ ،‬وأصبحنــا يومـ ًا بعــد آخــر ال نعانــق‬ ‫‪78‬‬

‫نص ــد عنه ــا وندي ــر له ــا ظهورن ــا لك ــي‬ ‫مدنن ــا‪ ،‬ب ــل ّ‬ ‫نهــرب نحــو الصحــارى والجبــال والبحــار‪ ،‬أي أننــا‬ ‫كلمــا تمّدنــا‪ ،‬اّتجهــت أرواحنــا نحــو الطبيعــة التــي ال‬ ‫تدمــر مــا‬ ‫نجدهــا فــي مدننــا‪ .‬وجــاءت الخرافــات لكــي ّ‬ ‫تبّقــى مــن هــذا الحضــن الدافئ لإلنســان‪ .‬المهندســون‬ ‫يتحّدثـــون عـــن الضـــرورة المعماريـــة‪ ،‬والشـــعراء‬ ‫يتحدّثــون عــن الضــرورة الجماليــة‪ ،‬والمســتثمرون‬ ‫يبحثــون عــن األربــاح‪.‬‬ ‫يتصـــور المهندســـون أن خـــاص البشـــر يكمـــن‬ ‫ّ‬ ‫فــي الكتــل األســمنتية الضخمــة‪ ،‬وفــي تلــك األبــراج‬ ‫قزم ــت اإلنس ــان وجعلت ــه يتض ــاءل يوم ـ ًا بع ــد‬ ‫الت ــي ّ‬ ‫آخـــر فـــي مـــدن يرغـــب أن يـــرى فيهـــا المصابيـــح‬ ‫الزيتيــة لكنــه ال يعثــر عليهــا‪ ،‬بــل يعثــر علــى أشــكال‬ ‫مصابيــح غريبــة ال تبعــث الســرور فــي نفســه ألنهــا‬ ‫توصــل البشــر أن يعمــل مــن لهيــب‬ ‫اصطناعيــة‪ .‬لقــد ّ‬ ‫الشــمعة شــيئ ًا اصطناعي ـ ًا كمــا المواقــد التــي تبعــث‬ ‫ال ــدفء الم ــزرف‪.‬‬ ‫حـــاول اإلنســـان المعاصـــر أن يحاكـــي رشـــاقة‬ ‫يتمكــن‬ ‫الطبيعــة ولكنــه فشــل فشـ ً‬ ‫ـا ذريعـاً‪ ،‬ألنــه لــم ّ‬ ‫مـــن خلـــق ذلـــك الجمـــال المفقـــود‪ .‬بعـــض علمـــاء‬ ‫البيئ ــة يصرخ ــون أن البش ــر يغتصب ــون الطبيع ــة‬ ‫كل يــوم‪ ،‬وتتنــادى األمــم فــي عقــد المؤتمــرات تلــو‬ ‫األخـــرى حـــول المنـــاخ‪ ،‬ألن كل إنجـــاز معمـــاري‬


‫نذير اسماعيل‬

‫يتطّل ــب ه ــدم ج ــزء م ــن روح الطبيع ــة‪.‬‬ ‫تعاي ــش البش ــر م ــع األمكن ــة الت ــي‬ ‫إن صعوب ــة ُ‬ ‫ُيفت ــرض فيه ــا أن تك ــون ألي ًف ــة‪ ،‬ت ــؤدي بالض ــرورة‬ ‫التعايـــش مـــع اآلخـــر‪ ،‬ألنـــه ّ‬ ‫كـــف‬ ‫إلـــى اســـتحالة‬ ‫ُ‬ ‫عـــل‬ ‫عـــن اســـتيحاء االبتـــكارات مـــن الطبيعـــة‪ .‬وَل ّ‬ ‫أجمــل مــا فــي قصــر فيرســاي ليــس الخنــادق التــي‬ ‫شـّـيدها لويــس الســادس عشــر مــن أجــل ّرد األعــداء‪،‬‬ ‫رغ ــم أنه ــم تخطوه ــا ف ــي الث ــورة علي ــه‪ ،‬ب ــل تل ــك‬ ‫النافــورات التــي كان يقـّدم بهــا منظــرًا بصريـ ًا متألقـ ًا‬ ‫للملك ــة وزائريه ــا‪.‬‬ ‫مــن المعــروف‪ ،‬أن انســجام اإلنســان مــع العمــران‬ ‫التعاي ــش‬ ‫يعم ــل عل ــى إنت ــاج الثّقاف ــة الت ــي تجع ــل‬ ‫ُ‬ ‫م ــع اآلخ ــر ممكن ـاً‪ ،‬وكلم ــا افتقدن ــا إل ــى ذل ــك أصب ــح‬ ‫فالتعم ــق ف ــي النظ ــر‬ ‫التعاي ــش صعبــ ًا ومس ــتحيالً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫إلــى العمــران الــذي نعيــش فيــه‪ ،‬يجعلنــا نتنــزه فــي‬ ‫متاهــة صخريــة‪ .‬وتجعلنــا طرقــات المدينــة نضيع في‬ ‫دروبه ــا‪ ،‬ب ــل ت ــؤدي إل ــى الالم ــكان‪ ،‬ربم ــا فق ــط إل ــى‬

‫فرغ ــة‪.‬‬ ‫ال ــدوران ح ــول أنفس ــنا ف ــي حلق ــة معماري ــة ُم َ‬

‫كيف حصل ذلك؟‪ ..‬ال أحد يدري‪.‬‬ ‫لكــن الجميــع أراد أن يقّلــد الجميــع‪ ،‬فوجــد نفســه‬ ‫غارقـ ًا فــي متاهــة صخريــة تتوســع يومـ ًا بعــد آخــر‪.‬‬ ‫وأصبحــت مهمــة هــذه المــدن هــي البحــث عــن الهــواء‬ ‫النقــي والشــمس الباهــرة والمطــر الخصــب‪ .‬ويعــود‬ ‫الس ــبب ف ــي ذل ــك إل ــى م ــا يمك ــن أن نطل ــق علي ــه‬ ‫ديكتاتوريــة المهندســين والمصمميــن والمعمارييــن‪،‬‬ ‫فه ــم ليس ــوا بعلم ــاء اجتم ــاع وال بمحللي ــن نفس ــيين‬ ‫وال بش ــعراء‪ .‬وم ــن هن ــا تب ــدأ المش ــكلة الجوهري ــة‪.‬‬ ‫شراســة المــدن‪ ،‬كمــا يبــدو‪ ،‬خرجــت مــن يــد البشــر‬ ‫كالعفريــت الــذي خــرج مــن القمقــم‪ ،‬ولــم نعد نســيطر‬ ‫عليــه أو فقدنــا ســيطرتنا عليــه‪ .‬تشــتاق المــدن إلــى‬ ‫البشــر‪ ،‬وتســعى إلــى اســتعادة ذاتهــا فــي الغابــات‬

‫هجمات باريس‬ ‫اإلرهابية في‬ ‫‪ 20‬نوفمبر‬ ‫األخيرة أعادت‬ ‫تنظيرات كبار‬ ‫الفالسفة‬ ‫الفرنسيين‬ ‫إلى نقطة‬ ‫الصفر في‬ ‫مسألتي‬ ‫االندماج‬ ‫والتع ّددية‬

‫‪79‬‬


‫واألحجــار والرمــال والقرميــد وجــداول المــاء‪ ،‬التــي‬ ‫راحــت تنــأى عنــه بالتدريــج‪.‬‬ ‫إن عــدم قــدرة المــدن الحديثــة علــى إيجــاد التوازن‬ ‫النفس ــي واله ــدوء الداخل ــي ي ــؤدي بالض ــرورة إل ــى‬ ‫وتهشـــم النســـيج‬ ‫زيـــادة التوتـــر بيـــن النـــاس‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫االجتماع ــي الض ــروري لحي ــاة إنس ــانية‪ .‬فالغ ــرض‬ ‫هـــو تطميـــن البشـــر علـــى حاضرهـــم ومســـتقبلهم‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫تحـــاك‬ ‫ممـــا ال شـــك فيـــه أن فلســـفة العمـــارة لـــم‬ ‫آم ــال اإلنس ــان‪ ،‬ب ــل زادت م ــن إحباط ــه وخيبت ــه‪،‬‬ ‫وتقلّص ــت أماك ــن التأم ــل والراح ــة النفس ــية بع ــد أن‬ ‫أغل ــق المهندس ــون اآلف ــاق أمام ــه ألنه ــا فش ــلت ف ــي‬ ‫إيج ــاد الت ــوازن بي ــن النس ــيج العمران ــي والنس ــيج‬ ‫التعاي ــش م ــع‬ ‫االجتماع ــي‪ ،‬م ــن هن ــا ب ــدأت معضل ــة‬ ‫ُ‬ ‫اآلخ ــر‪.‬‬ ‫الســؤال المطــروح هنــا‪ :‬هــل نحتــاج إلــى منظومة‬ ‫التعاي ــش؟‬ ‫فكري ــة جدي ــدة ف ــي أذهانن ــا لك ــي نحي ــا‬ ‫ُ‬ ‫هــل يمكــن أن نتفاعــل مــع مدننــا الحاليــة؟‬ ‫ذلـــك يعنـــي‪ ،‬بـــا شـــك‪ ،‬قبـــول رأي وســـلوك‬ ‫حرّيته‪،‬‬ ‫اآلخــر القائــم علــى مبــدأ االختــاف واحتــرام ّ‬ ‫وطــرق ســلوكه وآرائــه السياســية والدينيــة‪ ،‬وهــو‬ ‫يق ــف عل ــى الض ــد م ــن التس ــلط واألحادي ــة والقه ــر‬ ‫والعنــف‪ .‬نحــن نفتقــد إلــى العالقــة التفاعليــة حتــى‬ ‫لــو كنــا نعيــش فــي بيئــة واحــدة‪ ،‬ألن معمــار مدننــا‬ ‫ال يس ــمح بذل ــك‪ .‬ومت ــى م ــا ش ــعرنا أن ه ــذه البيئ ــة‬ ‫مشـــتركة فيمـــا بيننـــا‪ ،‬حتـــى لـــو اختلفنـــا‪ ،‬فإننـــا‬ ‫نستســـلم إلـــى القيـــم المشـــتركة‪ .‬نحـــن نتعايـــش‬ ‫إذًا فـــي ثـــاث حلقـــات‪ :‬اللّغـــة والطبيعـــة وعلـــم‬ ‫التعاي ــش ف ــي ه ــذه‬ ‫االجتم ــاع‪ ،‬حي ــث يكم ــن معن ــى‬ ‫ُ‬ ‫العناص ــر الثالث ــة‪.‬‬

‫لماذا فشلت أوروبا يف هضم اآلخر؟‬ ‫وخاصـــة األجيـــال‬ ‫يتذكـــر‪،‬‬ ‫ال يـــزال األوروبـــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫التعايش الســلمي‬ ‫في‬ ‫ـلت‬ ‫المخضرمة‪ ،‬أن أوروبا فشـ‬ ‫ُ‬ ‫من ــذ الق ــرن الس ــابع عش ــر‪ .‬فبع ــد حربي ــن عالميتي ــن‬ ‫مدمرتيـــن‪ ،‬أيقنـــت هـــذه األجيـــال أن مصلحتهـــم‬ ‫جرب ــوا صيغــ ًا‬ ‫المش ــتركة تقتض ــي تجّن ــب الدم ــار‪ّ ،‬‬ ‫متعـــّددة للعالقـــات التـــي تجمـــع بيـــن قومياتهـــم‬ ‫المختلف ــة‪ ،‬وه ــي صيغ ــة االتح ــاد‪ ،‬لك ــن م ــا أع ــاق‬ ‫ذلــك هــو ظهــور أشــكال عديــدة مــن الخــوف عرفتهــا‬ ‫لتجربه ــا‬ ‫البش ــرية ف ــي الق ــرون الوس ــطى‪ ،‬وع ــادت ّ‬ ‫ف ــي مطل ــع الق ــرن الح ــادي والعش ــرين‪.‬‬ ‫إن االعتــراف بالتنـّـوع الثقافــي ظاهــرة بــرزت مع‬ ‫آن واحــد‪ ،‬أي أن‬ ‫األنثروبولوجيــا واألثنولوجيــا فــي ٍ‬ ‫القرن العشــرين شــهد الطبيعة اإلنســانية الشمولية‪،‬‬ ‫والكائـــن البشـــري هـــو ثقافـــي فـــي جوهـــره‪ ،‬فـــا‬ ‫توج ــد ثقاف ــة غربي ــة ش ــاملة تق ــف بوج ــه البربري ــة‬ ‫والتوحــش‪ ،‬بــل هنــاك مئــات الثقافات التــي تحتوي‬ ‫ّ‬ ‫‪80‬‬

‫الخاص ــة‪ .‬ه ــذا الق ــرن ه ــو أيضــ ًا ق ــرن‬ ‫عل ــى قيمه ــا‬ ‫ّ‬ ‫المتنوعة‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫الثقاف‬ ‫ـاء‬ ‫ـ‬ ‫لق‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫ف‬ ‫ـمح‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ـاز‬ ‫ـ‬ ‫بامتي‬ ‫العولمــة‬ ‫ّ‬ ‫حرّيــة‪ ،‬ومــن هنــا تفتــت فكــرة‬ ‫ـكل‬ ‫ـ‬ ‫ب‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫البش‬ ‫وهجــرة‬ ‫ّ‬ ‫هانتغتــون فــي تصــادم الثقافــات‪.‬‬ ‫م ــن المع ــروف جي ــدًا أن ل ــكل مجتم ــع إنس ــاني‬ ‫ثقافت ــه‪ ،‬نح ــن نتحــّدث ع ــن الثّقاف ــة األوروبي ــة أو‬ ‫الغربي ــة بمعن ــى أوس ــع‪ ،‬ألنه ــا ببس ــاطة أصبح ــت‬ ‫مجتمعـــات االســـتهالك‪ ،‬والعلـــوم والتقنيـــات‪،‬‬ ‫والتأثيـــرات اليهوديـــة المســـيحية واإلغريقيـــة‬ ‫والالتيني ــة والثّقاف ــة الكردي ــة وثقاف ــة األبورجي ــن‬ ‫وغيرهـــا‪ .‬وهـــذا مـــا أثقـــل كاهلهـــا‪.‬‬ ‫تعايــش الثقافــات‪.‬‬ ‫وهنــا ننتقــل إلــى إشــكاليات ُ‬ ‫وهـــو موضوعنـــا الجوهـــري‪ ،‬وهـــذه المجتمعـــات‬ ‫المس ــتنيرة واجه ــت ش ــبح العنصري ــة‪ ،‬كم ــا كت ــب‬ ‫كل ــود لي ــف ش ــتراوس‪ ،‬إن القان ــون الطاغ ــي ه ــو‬ ‫معين ــة‪،‬‬ ‫امت ــاك األف ــراد لس ــمات فكري ــة وأخالقي ــة ّ‬ ‫وهـــو متأتـــي مـــن تـــراث جينيولوجـــي عـــام‪.‬‬ ‫فالعنصريــة بهــذا المعنــى هي األثنوغرافيــا المريضة‬ ‫التــي تركــز علــى ذاتهــا‪ ،‬وتتمحــور حولهــا‪ ،‬وتبتعــد‬ ‫تحم ــل‬ ‫نح ـ ْ‬ ‫ـت نح ــو ّ‬ ‫ع ــن اإلنس ــانية‪ .‬لك ــن البش ــرية َ‬ ‫ـن له ــذا الفيلس ــوف عالق ــة وطي ــدة‬ ‫اآلخ ــر‪ ،‬ول ــم تك ـ ْ‬ ‫مــع اإلســام‪ ،‬وقــد اعتــرف أنــه التقــى باإلســام مــن‬ ‫أجــل أن يح ـّدد الخطــر الــذي يه ـّدد الفكــر الفرنســي‪،‬‬ ‫فـــي كتابـــه الشـــهير «مـــدارات حزينـــة» ‪Tristes‬‬ ‫‪ Tropiques‬لكن ــه ف ــي الوق ــت نفس ــه‪ ،‬يداف ــع ع ــن‬ ‫ّقافي ــة ف ــي وج ــه أي ــة دع ــوة توحيدي ــة‪.‬‬ ‫الهوي ــات الث ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن الخطــر األكبــر الــذي يتهـّدد ثقافتنــا اإلنســانية‬ ‫ف ــي الوق ــت الحاض ــر ه ــو «ش ــيطنة» اآلخ ــر‪ ،‬كم ــا‬ ‫حصــل فــي الحــرب العراقيــة‪ -‬األميركيــة‪ ،‬ودعــوات‬ ‫ب ــوش إل ــى «ش ــيطنة» الثّقاف ــة اإلس ــامية برمته ــا‪.‬‬ ‫وكذل ــك الح ــال فيم ــا يق ــوم ب ــه اليمي ــن المتط ـ ّـرف‬ ‫فــي أميــركا وفرنســا فــي الوقــت الحاضــر مــن خــال‬ ‫رمـــوزه الســـيئة‪ .‬إنهـــا الدعـــوات التـــي تطالـــب بـــ‬ ‫عبد القادر عزوز‬


‫«شــيطنة» اإلســام ورمــوزه وخلطــه باإلرهــاب مــن‬ ‫أجــل تحقيــق مــآرب سياســية معروفــة‪ .‬ومــن جهــة‬ ‫ثانيــة‪ ،‬اســتخدام أطروحــة المؤامــرة‪ ،‬وهــي الفكــرة‬ ‫المفضلــة لــدى العنصرييــن التقليدييــن‪ .‬ومــن خــال‬ ‫الس ــببين اآلنفي ــن‪ ،‬تب ــرز الفك ــرة الجهنمي ــة القائل ــة‬ ‫«دعون ــا نعي ــش بص ــورة منفصل ــة م ــع اختالفاتن ــا»‬ ‫فيم ــا يقابله ــا م ــن ط ــرف دع ــاة محارب ــة العنصري ــة‬ ‫معادل ــة «أن نعي ــش م ــع بعضن ــا م ــع اختالفاتن ــا»‪.‬‬ ‫يبقـــى الخيـــار األفضـــل هـــو‪ :‬نمـــوذج المجتمـــع‬ ‫المتعـــّدد الثقافـــات‪ .‬وهنـــا بـــرزت فكـــرة دمـــج‬ ‫المهاجريــن فــي بلــدان أوروبــا الغربيــة لكــن البعــض‬ ‫نظ ــر إل ــى ه ــذا االندم ــاج عل ــى أن ــه إهان ــة كبي ــرة‪،‬‬ ‫ألن المهاجريـــن يفقـــدون الكرامـــة والشـــرف ألنهـــم‬ ‫فقــدوا جــزءًا مــن خصوصيــات ثقافاتهــم رغــم إيمــان‬ ‫المجتمع ــات المس ــتنيرة بمس ــألة التعّددي ــة الثقافي ــة‬ ‫‪ Multiculture‬هــذا المصطلــح العزيــز علــى نفوس‬ ‫خاص ــة‪.‬‬ ‫الغربيي ــن والفرنس ــيين ّ‬

‫العمارة‪ ..‬ته ّدد التعا ُيش‬ ‫ال بــد مــن العــودة إلــى موضــوع العمــارة‪ ،‬وهنــا‬ ‫ـا ونموذج ـاً‪ :‬فق ــد أجه ــض اليس ــار‬ ‫نأخ ــذ فرنس ــا مث ـ ً‬ ‫الفرنســـي الحاكـــم حاليـــ ًا مشـــروع ًا كبيـــرًا كانـــت‬ ‫حكومـــة ســـاركوزي تريـــد تنفيـــذه‪ ،‬وهـــو إنشـــاء‬ ‫باري ــس الكب ــرى‪ .‬م ــاذا يعن ــي ذل ــك؟‬ ‫إن ــه ببس ــاطة إزال ــة الح ــدود بي ــن قل ــب باري ــس‬ ‫والضواح ـ�ي‪ ،‬المعزول ـ�ة بحزامي ـ�ن �‪La petie cen‬‬ ‫‪ ture‬والـ ‪ Perifirique‬أي األسوار الدائرية (شوارع‬ ‫عريض ــة) تفص ــل بي ــن القل ــب واألط ــراف األخ ــرى‪.‬‬ ‫ولي ــس ع ــن طري ــق المصادف ــة أن يخ ــرج اإلره ــاب‬ ‫الثريــة عملــت علــى‬ ‫مــن هــذه الضواحــي ألن الطبقــة ّ‬ ‫تش ــييد المعم ــار البش ــري ف ــي قل ــب باري ــس‪ ،‬ط ــاردًا‬ ‫منـــه الطبقـــات الفقيـــرة إلـــى الضواحـــي‪ ،‬بحيـــث‬ ‫تحولـــت تلـــك األســـوار إلـــى أذهانهـــم‪ ،‬وال يمكـــن‬ ‫ّ‬ ‫مخيلته ــم‪.‬‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫نزعه‬ ‫ّ‬ ‫التعايش؟ وماذا كانت النتيجة؟‬ ‫فكيف يتم‬ ‫ُ‬ ‫تحـــول شـــعار‬ ‫ظهـــرت الفكـــرة المتناقضـــة أن‬ ‫ّ‬ ‫«المســـاواة فـــي االختـــاف» إلـــى «المســـاواة‬ ‫واالختــاف»‪ .‬إن فكــرة االمتــزاج تعــادي العنصرية‪،‬‬ ‫وتنحـــو نحـــو اإلنســـانية‪ ،‬وهـــي تســـمح بذوبـــان‬ ‫الثقاف ــات وانصهاره ــا ف ــي بوتق ــة واح ــدة وظه ــور‬ ‫اإلنس ــان الجدي ــد ‪ Un homme nouveau‬يعي ــش‬ ‫فــي عالــم واحــد يؤمــن بقيــم االختــاف واالمتــزاج‪.‬‬ ‫الهويـــة‪.‬‬ ‫وهـــذا مـــا يناقـــض مبـــدأ الحفـــاظ علـــى ّ‬ ‫وهجمــات باريــس اإلرهابية فــي ‪ 20‬نوفمبر األخيرة‬ ‫أع ــادت تنظي ــرات كب ــار الفالس ــفة الفرنس ــيين إل ــى‬

‫نقط ــة الصف ــر ف ــي مس ــألتي االندم ــاج والتعّددي ــة‪.‬‬ ‫المتطرفة‪ ،‬وكشــفت‬ ‫وهنــا ظهــرت القــوى اليمينية‬ ‫ّ‬ ‫عــن أنيابهــا الذئبيــة‪ ،‬وعــاد السياســيون إلــى مقولــة‬ ‫ديني ــس دي ــدرو القائل ــة‪ :‬إن ع ــودة ش ــعب مس ــتنير‬ ‫إل ــى البربري ــة أس ــهل بكثي ــر م ــن أن يتقــّدم ش ــعب‬ ‫بربــري خطــوة واحــدة نحــو الحضــارة‪.‬‬ ‫ويحذّرنــا‬ ‫العصــر الــذي نعيــش فيــه‪ُ ،‬ي ّ‬ ‫نبهنــا‪ ،‬بــل ُ‬ ‫يمـــر‬ ‫البشـــرية‬ ‫بـــه‬ ‫التعايـــش الـــذي تحلـــم‬ ‫مـــن أن‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫بانتكاس ــات كبي ــرة‪ .‬إنن ــا نش ــهد حاليــ ًا نوعــ ًا م ــن‬ ‫الح ــرب الب ــاردة والتج ــارب النووي ــة عل ــى الصعي ــد‬ ‫اإلنســاني‪ .‬هــل هــو قــرن الخــوف الــذي نعيــش فيــه؟‬ ‫ه ــل معمارن ــا اإلنس ــاني ه ــو اآلخ ــر مهــّدد؟ ه ــل‬ ‫نعــود‪ ،‬نحــن أبنــاء القــرن الحــادي والعشــرين‪ ،‬إلــى‬ ‫الق ــرون الوس ــطى؟‬ ‫علـــى المهندســـين والمعمارييـــن إعـــادة النظـــر‬ ‫فــي بنــاء المــدن الجديــدة ألن األبــراج الحاليــة تلقــي‬ ‫الس ــكان‪ ،‬وتجعله ــم‬ ‫بظالله ــا القائم ــة عل ــى نف ــوس ّ‬ ‫عرضــة لالنهيــارات النفســية‪ .‬والتعافــي من اإلرهاب‬ ‫ليــس ســهالً‪ ،‬فقــد احتــاج المجتمــع الفرنســي للقــرن‬ ‫التاســع عشــر بأكلمــه كــي يتعافــى مــن آثــار أعمــال‬ ‫العنــف التــي طبعــت الثــورة الفرنســية‪ .‬فالخشــية أن‬ ‫يتحـّـول الشــعب المســتنير إلــى البربريــة ألن هنــاك‬ ‫تهديـــدات قـــد ترمـــي بأوزارهـــا علـــى أمـــن النـــاس‬ ‫تتعّلــق مــن خــال الفقــر والتلـّـوث واإلرهــاب والمــدن‬ ‫التعايــش المنشــود‬ ‫ـجع علــى‬ ‫الصخريــة وهــي ال تشـ ّ‬ ‫ُ‬ ‫بيــن الثقافــات المختلفــة‪.‬‬ ‫ـــردد مـــع‬ ‫ال نريـــد‪ ،‬فـــي نهايـــة المطـــاف‪ ،‬أن ُن ّ‬ ‫الشـــاعر ألكســـندر بلـــوك‪ٍ :‬‬ ‫«آه لـــو تعلمـــون أيهـــا‬ ‫األوالد أي بــرد أو أيــة ظلمــات بانتظارنــا فــي األيــام‬ ‫المقبلـــة!»‪.‬‬

‫العصر الذي‬ ‫نعيش فيه‪،‬‬ ‫يُنبّهنا‪ ،‬بل‬ ‫ويُح ّذرنا من‬ ‫أن التعايُش‬ ‫الذي تحلم به‬ ‫البشرية يمر ّ‬ ‫بانتكاسات‬ ‫كبيرة‬

‫مصادر‬ ‫‪Levi - strauss, claude: Tristes‬‬ ‫‪Tropiques, seuil Paris 1955, Pease, al‬‬‫‪lam and Barbara: why men don ‘t lis‬‬‫‪ten and womwn can ‘t read maps, econ‬‬ ‫‪ullstien list verlag gmbh and com. KG,‬‬ ‫‪Munchen, 2000.‬‬ ‫‪Delpech, Therese: L ‘ enssauvagement‬‬ ‫‪Le retour de la barbarie au XX1 e siècle,‬‬ ‫‪Grasset and Fasquelle, 2008.‬‬ ‫‪81‬‬


‫عمارة‬

‫«تاداو أندو»‬

‫«تاداو آندو»‬

‫المعمارية‬

‫حــل‬ ‫بمــاذا يمكــن أن‬ ‫تــؤول االســتعدادات العســكرية «الحربيــة» فيمــا إذا ّ‬ ‫َّ‬

‫الســام‪ ،‬وانتشــرت مبادئــه وقيمــه بيــن النــاس والــدول‪ :‬حلــم البشــرية‬

‫د‪ .‬خالد السلطاين*‬

‫ماديــاً‪ ،‬بعــد أن تكــون‬ ‫ــول تلــك اآلالت الضخمــة والمكلفــة ّ‬ ‫إالم ُت َح َّ‬ ‫الدائــم؟ َ‬

‫«خــارج الخدمــة»؟ مــاذا‪ ،‬يــا تــرى‪ُ ،‬يعمــل بتلــك األمكنــة والمســاحات‬ ‫ـورة‪ ،‬التــي لطالمــا أعُتِبــرت محتوياتهــا جــزءًا مــن أســرار الدولــة‪ ،‬غيــر‬ ‫المسـ َّ‬

‫القابلــة لإلفشــاء والبــوح واالطــاع؟‬

‫‪82‬‬

‫غاليري النجين‪ ،‬المعماري «تاداو آندو»‪ ،‬السلم الخارجي‬

‫في مديح مقاربة‬


‫مناسبة طرح هذه األسئلة هنا‪ ،‬تأتي‬ ‫بباعث مشاهدتي «لقاعدة الصواريخ»‬ ‫المهملة‪ ،‬العائدة إلى حلف الناتو‪،‬‬ ‫في زيارتي األخيرة لمدينة نويس‬ ‫«‪ »Neuss‬األلمانية؛ هذه القاعدة‪ ،‬التي‬ ‫موجهة نحو «االّتحاد‬ ‫كانت صواريخها‬ ‫َّ‬ ‫السوفياتي» السابق‪ ،‬وباتت «خارج‬ ‫المتغيرات السياسية‬ ‫الخدمة» بسبب‬ ‫ِّ‬ ‫الكبرى التي طرأت على أوروبا والعالم‬ ‫في الفترة األخيرة‪ ،‬وبقيت «قواعدها»‬ ‫الفوالذية المنصوبة‪« ،‬كومة» حديد عرضة‬ ‫للصدأ‪ .‬لكن فكرة استخدام هذه القاعدة‬ ‫وفضاءاتها الواسعة بـ «ضّدها النوعي»‪،‬‬ ‫كانت‪ ،‬فيما يبدو‪ ،‬من أنجع العروض التي‬ ‫اقترحتها مدينة «نويس» ألهلها ولزوارها‬ ‫العديدين‪ ،‬بمنحها‪ ،‬لتكون موقع ًا لمعرض‬ ‫فنّي فريد‪.‬‬ ‫إنه متحف جزيرة هامبرو« «�‪Muse‬‬ ‫‪ ،»umsinsel Hombroich‬الواقع في‬ ‫الجهة اليسرى من ُنَهير «ايرفت» أحد روافد‬ ‫نهر «الراين» الذي تقع مدينة «نويس»‬ ‫على جهته اليمنى (الغربية)‪ ،‬في مقابل‬ ‫مدينة «دوسلدورف» الواقعة في الجهة‬ ‫األخرى (الشرقية) من النهر الشهير‪.‬‬ ‫ووفق ًا لبعض المعلومات‪ ،‬فإن «نويس»‬ ‫تأسست عام ‪ 16‬قبل الميالد‪ ،‬حصن ًا‬ ‫قد َّ‬ ‫تطورت‬ ‫المدينة‬ ‫أن‬ ‫إال‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫روماني‬ ‫ا‬ ‫عسكري‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫في العصور الوسطى‪ ،‬بفضل موقعها‬ ‫الجغرافي على نهر الراين‪ .‬واحُتلَّت من ِقَبل‬ ‫الفرنسيين ّإبان حقبة الملك لويس الرابع‬ ‫استردتها مملكة «بروسيا»‬ ‫عشر‪ ،‬وبعد أن‬ ‫ّ‬ ‫انضمت‪ ،‬في الوقت‬ ‫من النفوذ النابليوني‪ّ ،‬‬ ‫تفكك المملكة‪ ،‬إلى ألمانيا‬ ‫األخير‪ ،‬بعد ُّ‬ ‫لتصبح جزءًا من مقاطعة «شمال الراين‪-‬‬ ‫وستفاليا»‪ .‬أما المتحف‪ ،‬فهو عبارة عن‬ ‫تغطي حوالي ‪62‬‬ ‫(بارك) حديقة واسعة‪ّ ،‬‬ ‫هكتارًا من األراضي المرجية التي كانت‬ ‫تشغلها‪ ،‬سابقاً‪ ،‬قاعدة صواريخ تابعة‬ ‫إلى حلف الناتو‪.‬‬ ‫يهدف المتحف إلى تحقيق انسجام‬ ‫والفن والبيئة المحيطة‪،‬‬ ‫بين العمارة‬ ‫ّ‬ ‫وتعود فكرة تأسيسه إلى «كارل مولر»‬ ‫وكيل بيع عقارات وجامع تحف فنّية‪.‬‬ ‫تطورت سريعاً‪،‬‬ ‫على أن فكرة المتحف ّ‬ ‫وأخذت على عاتقها إعادة إعمار القاعدة‬

‫غاليري النجين‪ ،‬المعماري «تاداو آندو»‪ ،‬منظر عام‬

‫وتطويرها ضمن الرؤى الفنّية الجديدة‬ ‫التي سعى المتحف إلى تحقيقها‪ .‬وقد َت َّم‬ ‫تصميم وإنشاء ‪ 11‬جناح ًا من المعارض‬ ‫الفنّية‪ ،‬دعاها‪« ،‬مولر» بـ (جوقات التراتيل‬ ‫في الهواء الطلق)‪ .‬وباإلضافة إلى مواقع‬ ‫ثمة قطع نحتية مبثوثة في‬ ‫األجنحة‪ّ ،‬‬ ‫ال على توقيع أبنية‬ ‫أرض المعرض‪ ،‬فض ً‬ ‫صمم المعماري‬ ‫ذات وظائف مختلفة‪ .‬وقد ّ‬ ‫البرتغالي المعروف «ألفار سيزا»‪ ،‬جناح ًا‬ ‫خاص ًا لمتحف العمارة‪ ،‬ذا لغة تصميمية‬ ‫ّ‬ ‫مميزة‪ ،‬تشي بخصائص أسلوب المعمار‬ ‫َّ‬ ‫العالمي المعروف به‪.‬‬ ‫«مؤسسة النجين‪،‬‬ ‫جناح (غاليري)‬ ‫َّ‬ ‫‪ ،»Langen Foundation‬أحد األجنحة‬ ‫صممه المعماري‬ ‫الفريدة في الموقع‪ ،‬وقد ّ‬ ‫الياباني «تاداو آندو‪»Tadao Ando ،‬‬ ‫الخاصة‪،‬‬ ‫عام (‪ ،)1941‬ضمن مقاربته‬ ‫ّ‬ ‫المعروفة بـ«االختزالية‪.»Minimalism ،‬‬ ‫وفيما يلي‪ ،‬تعرض هذه المقالة تجربة‬ ‫آندو الهندسية‪.‬‬ ‫ألول‬ ‫آندو»‪،‬‬ ‫«تاداو‬ ‫شاهدت‬ ‫عندما‬ ‫ّ‬ ‫مرة‪ ،‬في أثناء محاضرة له في «مدرستنا»‬ ‫ّ‬ ‫خاصة‬ ‫المعمارية في كوبنهاغن‪ ،‬وبدعوة ّ‬ ‫أصدق‬ ‫له منها‪ ،‬خريف عام ‪ ،2011‬لم أكن ِّ‬ ‫متوجه ًا‬ ‫مر أمامي‬ ‫ِّ‬ ‫أن هذا الشخص الذي ّ‬ ‫المنصة‪ ،‬ذا القامة غير الطويلة‪،‬‬ ‫نحو‬ ‫ّ‬ ‫والنحيلة و»الضعيفة» نوع ًا ما‪ ،‬هو‬ ‫و»الحمال»‬ ‫ذاته الشخص «المالكم»‬ ‫ّ‬ ‫وسائق التاكسي السابق؛ وكل هذه‬ ‫المهن مارسها «تاداو» في مطلع حياته‪،‬‬ ‫يقرر‪ -‬فجأة‪ -‬أن يكون «معمارياً»‪.‬‬ ‫قبل أن ِّ‬ ‫الخاصة بـه اهتمام ًا‬ ‫وتثير السيرة الذاتية‬ ‫ّ‬

‫عالي ًا من ِقَبل كثر‪ ،‬وقد ترتقي بإثارتها‬ ‫وأحداثها التي تبدو‪ ،‬أحياناً‪ ،‬غير واقعية‬ ‫وقريبة من الخيال‪ ،‬إلى أن تكون مكافئة‬ ‫ألهمّية الحدث التصميمي المجترح‪ ،‬أو‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫باألحرى‪ ،‬لخصوصية المقاربة المعمارية‬ ‫التي اختارها‪ ،‬وعمل على أن تكون جزءًا‬ ‫شخصيته وعنوان ًا لمنتجه التصميمي‪.‬‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُولد «تاداو» قبل والدة أخيه التوأم‬ ‫بدقائق‪ ،‬سنة (‪ )1941‬في مدينة أوسكا‪،‬‬ ‫(جنوب وسط اليابان)‪ ،‬وفي عمر‬ ‫السنتين‪ ،‬سعت عائلته إلى التفريق‬ ‫ألمه‪،‬‬ ‫بينهما‪ ،‬وعاش «تاداو» عند جّدته ّ‬ ‫وعندما أصبح في العشرينات مارس‬ ‫المتنوعة والمتناقضة التي‬ ‫تلك المهن‬ ‫ِّ‬ ‫قرر‬ ‫ذكرناها سابقاً‪ .‬وفي تلك السنين‪ّ ،‬‬ ‫أن يكون مهندس ًا معمارياً‪ ،‬رغم أنه لم‬ ‫مؤسسة تعليمية‪،‬‬ ‫يدرس العمارة في ّ‬ ‫أية َّ‬ ‫سابقاً‪ ،‬وقد سحرته‪ ،‬وأثارت دهشته‬ ‫عمارة «الفندق اإلمبرطوري» في طوكيو‪،‬‬ ‫المصمم من ِقَبل «فرنك لويد رايت»‪ ،‬في‬ ‫َّ‬ ‫العشرينات من القرن الماضي‪ ،‬وذلك‬ ‫في إحدى سفراته إلى العاصمة‪ ،‬عندما‬ ‫كان طالب ًا في السنة الثانية في مدرسته‬ ‫الثانوية‪.‬‬ ‫قرر «تاداو»‪ ،‬بصورة مفاجئة‪ ،‬أن ينهي‬ ‫َّ‬ ‫مسار حياته في المالكمة‪ ،‬بعد سنتين‬ ‫تخرجه في المدرسة الثانوية‪ ،‬وأن‬ ‫من ُّ‬ ‫يكرس حياته للعمارة؛ ومن أجل ذلك‬ ‫ِّ‬ ‫سج َل في دوام مدارس مسائية لتعلُّم‬ ‫َّ‬ ‫الرسم الهندسي‪ ،‬وواصل‪ -‬في الوقت‬ ‫عينه‪ -‬أخذ دروس في التصميم الداخلي‪،‬‬ ‫قرر أن يقوم بزيارات ميدانية ألبنية‬ ‫ثم َّ‬ ‫‪83‬‬


‫غاليري النجين‪ ،‬المعماري «تاداو آندو»‪ ،‬منظر داخلي‬

‫عالميين‪،‬‬ ‫مصممة من ِقَبل معماريين‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أمثال «لو كوربوزيه»‪ ،‬و«ميس فان‬ ‫رو»‪ ،‬وطبعاً‪ ،‬مباني «فرنك لويد‬ ‫دير ّ‬ ‫رايت»‪ ،‬باإلضافة إلى زيارة مواقع‬ ‫تصاميم «لويس كان»‪ ،‬وغيرهم من‬ ‫المعماريين المشهورين‪ ،‬هذا عدا زياراته‬ ‫ّ‬ ‫الميدانية إلى دول أوروبية وإفريقية‬ ‫وأميركية‪ ،‬لفهم خصوصية النماذج‬ ‫المختلفة لعمارة تلك المباني‪ ،‬وإدراك‬ ‫فلسفتها التصميمية‪ ،‬معتبرًا أن الزيارات‬ ‫الميدانية للمباني المختلفة التي قام بها‪،‬‬ ‫هي بمثابة «جامعاته» الحقيقية‪ ،‬التي نهل‬ ‫منها معلوماته المعمارية‪ .‬ويذكر «تاداو»‬ ‫أنه‪ ،‬لكثرة إعادة تخطيطات مباني لو‬ ‫كوربوزيه‪ ،‬فإن صفحات كتابه عن مباني‬ ‫المعمار الشهير باتت سوداء لفرط إعادة‬ ‫الرسوم ذاتها من ِقَبله!‬ ‫عند رجوعه إلى بلده‪ ،‬سنة ‪،1969‬‬ ‫أسس مكتب «تاداو آندو ومشاركوه‬ ‫َّ‬ ‫المعماريون»‪ ،‬وبدأ في عمل تصاميم‬ ‫ّ‬ ‫ومعبرة‪َ ،‬ت ِشي بنوعية‬ ‫ذات لغة ساحرة‬ ‫ّ‬ ‫الثقافة اليابانية البنائية التقليدية‬ ‫الفريدة‪ ،‬وقد تكرس اسمه وعمارته‪،‬‬ ‫كأحد ممثِّلي ما يعرف بـ «االختزالية‪،‬‬ ‫‪ ،»Minimalism‬التي ظهرت‪ ،‬كما ظهرت‬ ‫‪84‬‬

‫غيرها من المقاربات‪ ،‬غداة «االنقالب»‬ ‫المعماري واالنقالب الثقافي اللذين بدأت‬ ‫تظهر إرهاصاتهما اعتبارًا من منتصف‬ ‫تيارات‬ ‫الستينيات‪ ،‬واللذين أفضيا إلى ّ‬ ‫ما يعرف بـ«عمارة ما بعد الحداثة‪Post- ،‬‬ ‫‪.»Modern Architecture‬‬ ‫مبنية على مزج‬ ‫اختزالية «آندو»‬ ‫ّ‬ ‫التقاليد البنائية اليابانية‪ ،‬مع مفهوم‬

‫الموجهة‬ ‫بقايا قواعد الصواريخ‬ ‫َّ‬

‫عمارة الحداثة وِقَيمها ومسارها‪ .‬إنها‪-‬‬ ‫معنية بنقل «روحية» تلك‬ ‫باألساس‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫التقاليد إلى جوهر أعماله‪ ،‬فتصاميمه‬ ‫المواد‪ ،‬ومع الهندسية‬ ‫تتعاطى مع خواص‬ ‫ّ‬ ‫عادة‪-‬‬ ‫الصافية ومع الطبيعة‪ .‬وهو‪-‬‬ ‫ً‬ ‫يستعمل الخرسانة‪ ،‬أو الخشب الطبيعي‪،‬‬ ‫واألشكال اإلنشائية األساسية‪ ،‬مبتدع ًا‬ ‫«المتقشفة»‪ ،‬المترعة ببهاء‬ ‫تلك االختزالية‬ ‫ِّ‬ ‫المصمم! إنه‬ ‫الضوء ووميضه في الفضاء‬ ‫َّ‬ ‫معني‪ -‬أيضاً‪ -‬بإرساء حوار ما‬ ‫أيضاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بين الموقع والطبيعة‪ ،‬الجتراح منظومة‬ ‫خاصة مع األبنية‪ .‬لقد أثرت‬ ‫بعالقات‬ ‫ّ‬ ‫مقاربة «آندو» االختزالية‪ ،‬ومسعاه في‬ ‫«ماهية» التقاليد اليابانية التقليدية‪،‬‬ ‫نقل‬ ‫ّ‬ ‫قوي ًا على العمارة اليابانية‬ ‫وإدراكها تأثيرًا ّ‬ ‫الحداثية‪ ،‬وعلى محمل مسار العمارة‬ ‫العالمية‪.‬‬ ‫«مؤسسة النجين‪،‬‬ ‫جناح‬ ‫عمارة‬ ‫في‬ ‫َّ‬ ‫‪ ،»Langen Foundation‬في الموقع‬ ‫ذاته‪ ،‬تبدو القيم والمبادئ التصميمية‬ ‫بقوة‪.‬‬ ‫الخاصة لدى «تاداو آندو»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫حاضرة ّ‬ ‫المتكون من ثالثة أقسام‪ ،‬بمساحة‬ ‫فالمبنى‬ ‫ِّ‬ ‫مربع‪ ،‬يقع القسم األول‬ ‫ُتَق َّدر بـ ‪ 1300‬متر ّ‬ ‫منه بمستوى الطابق األرضي وبسقف‬ ‫خرساني‪ُ ،‬يدعى «الحجرة اليابانية»‪،‬‬ ‫وضيق‪،‬‬ ‫وهي عبارة عن فضاء طويل‬ ‫ّ‬ ‫لتصورات المعمار‪ -‬خـاصة‬ ‫وهو‪ -‬وفق ًا‬ ‫ّ‬ ‫بالسكـون «‪ ،»Tranquility‬ويمثِّل هذا‬


‫غاليري النجين‪ ،‬المعماري‬ ‫«تاداو آندو»‪ ،‬منظر عام‬

‫القسم (الجزء الياباني) من مجموعة‬ ‫«غاليري النجين»‪ .‬أما القسمان اآلخران‬ ‫فهما موقعان تحت مستوى األرضية‪،‬‬ ‫وفضاءاتهما ذات سقف ٍ‬ ‫علوًا غير‬ ‫عال ّ‬ ‫عادي (يصل ارتفاعه إلى حوالي ثمانية‬ ‫ّ‬ ‫مصممان إليواء مقتنيات‬ ‫فهما‬ ‫أمتار!)‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الجزء الحديث من مجموعة الغاليري‪.‬‬ ‫تم افتتاح الغاليري في اليوم‬ ‫وقد ّ‬ ‫الثاني من شهر نوفمبر‪/‬تشرين الثاني‬ ‫‪ .2003‬يعالج المعمار هيئة «الغاليري»‪،‬‬ ‫بكتلة واضحة المعالم‪ ،‬ذات «قشرة»‬ ‫مزدوجة‪ :‬الداخلية منها مشغولة‬ ‫بالخرسانة المسلَّحة‪ ،‬والخارجية‬ ‫معمولة من الزجاج وقواطع األلمنيوم‪،‬‬ ‫ويثير هذا «التراتب» القشري المختار‪،‬‬ ‫انتباه ُمَتِلقّي العمارة‪ ،‬ودهشتهم؛ ذلك‬ ‫المعرضة لألنواء‬ ‫ألن القشرة الخارجية‬ ‫َّ‬ ‫المتنوعة ولظروف «الخارج» المتباينة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كانت (أولى) أن تكون قشرتها صلدة‬ ‫وثابتة وراسخة‪ ،‬ال أن تكون‪ ،‬بمثل‬ ‫هشة وخفيفة وقابلة‬ ‫مقترح المعماري‪ّ ،‬‬ ‫‪...‬للكسر! بيد أن فكرة المعمار‪ ،‬التي‬ ‫يسعى إلى تكريسها آندو في التصميم‬ ‫المقترح‪ ،‬تنبئنا بأننا أمام «لحظة» من‬ ‫التأمل والتفكير‪ ،‬تدعونا الستدعاء مفهوم‬ ‫ُّ‬

‫«الطبيعة الثانية» لألشياء‪ ،‬كما يدعوها‬ ‫الفالسفة‪ ،‬والتي تفترض الشيء ونقيضه!‬ ‫فالتأمل والسكون والهدوء واالسترخاء‬ ‫ُّ‬ ‫والهجوع‪ ،‬التي يسعى وراءها المعمار‪،‬‬ ‫تتطلَّب كلّها نوع ًا من «الحصر» و»القصر»‬ ‫المصمم‪ .‬في‬ ‫والتحديد الصارم للفضاء‬ ‫َّ‬ ‫الحّل التكويني الناجز‪ ،‬يستعير «آندو»‬ ‫َ‬ ‫المفضل «لويس كان‪L. ،‬‬ ‫معمارية‬ ‫من‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ »Kahn‬ثيمة (مبنى‪ ..‬داخل مبنى)‪.‬‬ ‫لكنها‪ ،‬هنا‪ ،‬في غاليري النجين‪ ،‬تبدو‬ ‫فريدة‪ ،‬بامتياز‪.‬‬ ‫ما يثير في جناح «غاليري النجين»‬ ‫ليست العمارة ولغتها «االختزالية»‬ ‫المعبرة فحسب‪ ،‬بل تلك «التشاركية»‬ ‫ّ‬ ‫ما بين «البنّاء» و«المعماري»‪ ،‬وعملهما‬ ‫مميزة؛ فمجموع‬ ‫مع ًا الجتراح عمارة َّ‬ ‫معارفهما‪ ،‬هما االثنان‪ ،‬تدعم تحقيق‬ ‫العمارة الناجزة‪ ،‬وتكشف مالمحها‬ ‫الخاصة‪ .‬في غاليري النجين‪ ،‬تغدو مثل‬ ‫ّ‬ ‫فعال‪ ،‬عندما‬ ‫أثر‬ ‫ذات‬ ‫«التشاركية»‬ ‫تلك‬ ‫ّ‬ ‫يرى المرء إتقان التفاصيل‪ ،‬ورهافتها‬ ‫تصور بلوغ كمالها إال من‬ ‫والتي ال يمكن‬ ‫ُّ‬ ‫خالل «الدقّة» األلمانية المشهورة!‬ ‫يذكر «تاداو آندو» أن مسعاه في‬ ‫عمارة جناح «غاليري النجين» كان‬

‫بلوغ هدف‪ ،‬يمكن‪ ،‬بواسطته‪ ،‬تغطية‬ ‫الموقع الفسيح بكتل تصميمية‪ ،‬على‬ ‫ّأل تكون متعارضة و«متصادمة» مع‬ ‫خصوصية الفضاء الخارجي‪ .‬فاختيار‬ ‫شكل هندسي بسيط كان أمرًا ضروري ًا‬ ‫هنا‪ ،‬كي يمكن أن يتألّف مع مجاوراته‪،‬‬ ‫ويتوافق معها‪ .‬تشعر‪ ،‬وأنت تشاهد عمارة‬ ‫«غاليري النجين»‪ ،‬في موقع «موزيمزينزه‬ ‫المميزة‪ ،‬وما يحيط‬ ‫هامبرو»‪ ،‬بمفرداتها‬ ‫َّ‬ ‫بها من منظومة ساللم تربط الخارج مع‬ ‫الداخل‪ ،‬كما تربط مستوياتها المتباينة‪،‬‬ ‫ال على نظام الترتيب الحدائقي‪ ،‬وبركة‬ ‫فض ً‬ ‫الماء االصطناعية الواسعة والمجاورة‬ ‫تذكر كلّها بأنك أمام منجز‬ ‫لها‪ ،‬والتي ِّ‬ ‫معماري غير عادي‪ ،‬وأمام حدث تصميمي‬ ‫األهم في ذلك هو أن أسلوب‬ ‫نادر‪ ،‬لكن ّ‬ ‫العمارة المصطفاة ومقاربتها التصميمية‪،‬‬ ‫وكما أرادها المعمار‪ ،‬قادرة أن توحي لك‬ ‫بالتأمل‪ ،‬وتثير لديك التفكير‪ ،‬بجدارة‬ ‫ُّ‬ ‫المنجز التصميمي المرئي‪ ،‬وما يمكن له أن‬ ‫المشيدة‪،‬‬ ‫يضفي قيم ًا جمالية على العمارة‬ ‫َّ‬ ‫وعلى بيئة الفضاء المحيط‪.‬‬ ‫*معماري وأكاديمي‬ ‫‪85‬‬


‫أدب‬

‫حوار‬

‫‪98‬‬

‫يوناس لوشر‪:‬‬

‫يخص العرب‬ ‫الغرب أسير أفكاره يف ما ّ‬

‫نشر روايته األولى‬ ‫ض ِ‬ ‫«يوناس لوشر» كاتب سويسري‪َ ،‬رْف ُ‬ ‫لم يحبطه‪ ،‬فكتب «ربيع البربر» التي نال عنها عّدة جوائز‪،‬‬ ‫منها جائزة الكتاب األلماني‪ ،‬وجائزة «بيرنر»‪.‬‬ ‫نقرأ‪ ،‬في مقطع من رسالة كتبها يوناس لوشر‪ ،‬في النسخة‬ ‫مؤخــراً‪ ،‬في القاهرة‪،‬‬ ‫العربيــة من روايتــه‪ ،‬التي صدرت‪َّ ،‬‬ ‫أود أن‬ ‫أمر‬ ‫«هناك‬ ‫عن دار العربي للنشــر‪ ،‬العبــارة التالية‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫أصــرح به‪ :‬هــذا الكتاب ليس كتاب ًا عن العالم العربي‪ ،‬كيف‬ ‫ّ‬ ‫ومتنوع‪ ،‬بدرجة ال‬ ‫يتأّتى ذلك‪ ،‬والعالم العربي كبير للغاية‬ ‫ِّ‬ ‫تســمح لكتاب واحد بتناوله؟‪ ،‬كما أنه ليس كتاب ًا عن شمال‬ ‫أفريقيــا‪ ،‬وليــس عــن تونس‪ ،‬بل هــو كتاب يتنــاول نظرة‬ ‫وخاصة عن تونس‪ ..‬نظرة السائح»‪.‬‬ ‫غريبة‬ ‫ّ‬

‫بروفايل‬

‫سماح سليم‪..‬‬ ‫أطروحاتها عن أصل‬ ‫الرواية‬ ‫ستيفن كينغ‪..‬‬ ‫للروائي أن‬ ‫أيمكن‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يكون غزير اإلنتاج؟‬ ‫ماتياس إينار‪..‬‬ ‫شرق مختلف‬ ‫‪86‬‬

‫ترجمات‬

‫«ثالثُ َش ْوكاتٍ فقط»‬ ‫ونَزاُلــو‬ ‫«غ ْ‬ ‫مختــارات شــعرية لـــ ُ‬ ‫اس» (الشيلي)‬ ‫ُر َ‬ ‫وخ ْ‬

‫«رضا لن تطبخ اليوم»‬ ‫بورابي داسو (بنجالديش)‬

‫«دجـــاجة»‬ ‫كالريس ليسبيكتور (البرزيل)‬


‫ملف‬

‫‪86‬‬

‫إدوار الخ ّراط‪:‬‬

‫ يتح ّدث عن أزمة المث َّقف العربي‬‫ غصن ذهبي‬‫ ّ‬‫محطاته التي ال تنتهي‬ ‫ تمرد بالكتابة عىل الكتابة!‬‫كتب‬

‫التاريخ والذاكرة الثقافية‬ ‫في الرواية الفكتورية الجديدة‬

‫تحوالت ّ‬ ‫مكة المك َّرمة‬ ‫ُّ‬ ‫عبر التاريخ والمجتمع والعمران‬

‫« َمرّة أخرى»‬ ‫هاكان جونداي في مهنة الحروب‬

‫غياب‬

‫التفكير يف ال ّثقافة عند روني جيرار‬

‫‪132‬‬

‫الرغبة القائمة على المحاكاة والعنف القائم على التضحية‪ ،‬يمثِّالن‬ ‫حجر الزاوية في اإلسهامات األنثروبولوجية التي قدّمها روني‬ ‫يودعنا في الرابع من نوفمبر من‬ ‫جيرار‪ ،René Girard ،‬قبل أن ّ‬ ‫العام المنصرم‪ ،‬وهو في الحادية والتسعين من العمر‪ ،‬في مدينة‬ ‫ستامفورد بالواليات المتحدة األميركية‪ .‬أعماله التي انتشرت على‬ ‫نطاق واسع في مختلف أرجاء العالم‪ ،‬تمثّل مراحل مترابطة في‬ ‫عملية بحث طويلة وشاملة عن حقيقة الرغبة اإلنسانية والعنف وما‬ ‫يترتب عنهما من قضايا‪ ،‬عالجتها المجتمعات‪ ،‬حسب خصوصياتها‬ ‫الثّقافيّة في عملية التنظيم االجتماعي‪.‬‬

‫‪87‬‬


‫ملف‬

‫‪88‬‬


‫يتحدث‬ ‫الخراط‬ ‫إدوار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عن أزمة املث َّقف العريب‬ ‫في أوَّل حوار له لـ (مجلّة الدوحة ‪ -‬سبتمبر ‪)1983‬‬

‫تتمثّل‪ ،‬في الحوار مع الفنّان الرائد والمثقَّف العربي المعروف‬ ‫الخراط (ولو كان حوارًا جاّف ًا حول «أزمة العقل العربي»)‪،‬‬ ‫إدوار ّ‬ ‫تلــك الخصائــص والســمات التي يستشــفّها المرء مــن حواره‬ ‫والخاص مــع أعماله اإلبداعية‪ ،‬فــي القصة والرواية‪.‬‬ ‫الحميــم‬ ‫ّ‬ ‫والمفكرين‬ ‫ّانيــن‬ ‫ن‬ ‫والف‬ ‫َّفين‬ ‫المثق‬ ‫مــن‬ ‫النادر‬ ‫النوع‬ ‫هــذا‬ ‫من‬ ‫فهــو‬ ‫ّ‬ ‫الذين تتبلور‪ ،‬في كافّة ما يصدر عنهم من إبداعات وتصريحات‬ ‫وحــوارات وكتابات نقدية‪ ..‬وحدة موقفية شــديدة االّتســاق‪،‬‬ ‫ومحــددة‪ ،‬وال لبس فيها‬ ‫تنجــم‪ ،‬بدورهــا‪ ،‬عن رؤيــة واضحة‬ ‫َّ‬ ‫المحددة ال تعكس جمودًا ما ‪ -‬كما قد‬ ‫أي نوع‪ .‬وهذه الرؤية‬ ‫َّ‬ ‫من ّ‬ ‫يبدو لوهلة ‪ -‬بقدر ما تشي بقدرة هائلة على اإلحاطة الواسعة‬ ‫بآفــاق هــذه الرؤية حتى آخــر نقاطها البعيــدة‪ .‬ولذلك‪ ،‬فأنت‬ ‫قصة أو رواية تحاوره حوارًا اكتشــافياً‪ ،‬يمتلئ‬ ‫حيــن تقرأ له ّ‬ ‫أي‬ ‫حول‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ال‬ ‫فع‬ ‫تحاوره‪،‬‬ ‫وحينما‬ ‫واإلمتاع‪،‬‬ ‫والخصوبة‬ ‫بالجّدة‬ ‫ّ‬ ‫حي ًا مباشــراً‪ ،‬فأنت تدخل ‪ -‬وبدون‬ ‫موضوع ّ‬ ‫يعن لك‪ ،‬حوارًا ّ‬ ‫أن تدرك ذلك تماماً‪ -‬في مناخ إبداعي ال ّ‬ ‫شك فيه‪.‬‬ ‫ثمة عالقة بين «إبداع الحوار» في‬ ‫وهنا‪ ،‬البّد أن تتســاءل‪ :‬هل ّ‬ ‫لقائك الشــخصي به‪ ،‬و«حوار اإلبداع» في لقائك بعمله الفني؟‬ ‫الخراط ذو قوام فكري‬ ‫وأظــن أن اإلجابــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫تتلخص في أن إدوار ّ‬ ‫أوالً‪ ،‬ومع اآلخرين‪ ،‬بالضرورة‪.‬‬ ‫نفســه‬ ‫مع‬ ‫االنضباط‪،‬‬ ‫شــديد‬ ‫ّ‬ ‫هذا القوام يعتمد الدقّة في العبارة‪ ،‬واألناة في اختيار اللفظة‪،‬‬ ‫التزيد‪ ،‬والتحديد الصارم المبتعد‬ ‫والتكثيف الذي ينأى عن خبث‬ ‫ُّ‬ ‫ترهــل العبارة‪ ،‬والخلــق الدؤوب للغــة جديدة‪ ،‬ال‬ ‫عــن ميوعة ُّ‬ ‫الخــراط يبدع‬ ‫فــإدوار‬ ‫ولذلك‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أيضــ‬ ‫للفكر‬ ‫وإنمــا‬ ‫للفــن فقــط‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫محــاورًا (حينمــا يتكلّــم)‪ ،‬ويحــاور مبدع ًا (حينمــا يكتب)‪ .‬هي‬ ‫وربما يكون الســبب الثاني لهذا‬ ‫متنوعة لحضور واحد‪ّ ،‬‬ ‫حاالت ِّ‬

‫الخراط ‪ -‬محاورًا‬ ‫الحضور َّ‬ ‫المتســق والشديد التناغم عند إدوار ّ‬ ‫مقدمة وعيه‪،‬‬ ‫ومبدعــ ًا وناقداً‪ ..‬إلخ‪ -‬حضور «اآلخــر» دائم ًا في ِّ‬ ‫وهو يعطي هذا «اآلخر» (كموضوع أساسي لتجلِّيات «الذات»)‪،‬‬ ‫فنّــ ًا وفكراً‪ ،‬مكان الصــدارة في إبداعاته جميعهــا‪ .‬ومع أنه من‬ ‫المستحيل‪ ،‬في هذه العجالة‪ ،‬اإلحاطة بعالم فنّان كبير ومثقَّف‬ ‫ومهمــة صعبة‪،‬‬ ‫ضخــم كإدوار‬ ‫الخــراط‪ ،‬فهــذا كتــاب وحــده‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ليــس من الســهل أن ينبري لهــا ناقد واحد‪ ،‬باإلضافــة إلى أنه‬ ‫األهمية بمكان‪،‬‬ ‫ليس موضــوع حوارنا معه‪ ،‬إال أنه يبقى‪ ،‬من ّ‬ ‫مجرد االشارة‪ -‬إلى بعض الخصائص والسمات التي‬ ‫اإلشارة‪ّ -‬‬ ‫كمقومات محاور‬ ‫ألمحنــا إلى وجودهــا‪ ،‬في بدء هذه المقّدمــة‪ّ ،‬‬ ‫الفكريــة والفنّية في أعمالــه اإلبداعية‪ ،‬وكتاباته‬ ‫تحكــم رؤيته ّ‬ ‫النقدية‪ ،‬وحواراته الفكرية جميعاً‪.‬‬ ‫تؤكد‬ ‫أنها‬ ‫أوالهمــا‬ ‫مســألتين‪:‬‬ ‫وأهمّيــة هذه اإلشــارة تنبع من‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫كل ما يصدر عنه من‬ ‫على عامل الوحدة في الرؤية والنظر في ّ‬ ‫وفكر‪ ،‬وثانيتهما أنها تحّدد لنا آفاق ًا مبدئية لحوارنا معه‪.‬‬ ‫فن ّ‬ ‫ّ‬ ‫مســتمرة من التوق المحموم‬ ‫حالة‬ ‫ً‪-‬‬ ‫ا‬ ‫وفكر‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ف‬ ‫اط‪-‬‬ ‫الخر‬ ‫فإدوار‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إلــى «االقتــراب مــن روح العصــر»‪« ..‬االقتراب مــن خصائص‬ ‫للحرية‪،‬‬ ‫الينــي ّ‬ ‫المــكان والزمــان الذي نعيش فيه»‪ ،‬ونشــدان َ‬ ‫الحريــة المتحقّقــة والمحبطــة معــاً‪ ،‬وســعي العــج دائــب ال‬ ‫ّ‬ ‫يتوقّــف أبداً‪ ،‬نحــو «الحقيقة»‪ .‬وهذا الســعي هو مناط الصدق‬ ‫مقوم‬ ‫الفنّــي عنده‪ .‬كما يرتبط‬ ‫الخــراط ارتباط ًا حميم ًا «بما هو ّ‬ ‫ّ‬ ‫حريتــه التي ال يمكــن أن تهدر‪ ،‬وتوقه إلــى العدالة‬ ‫لإلنســان‪ّ :‬‬ ‫وإلى الجمال‪ ،‬ومأســاته الكونية المحتومة‪ ،‬بوصفه إنساناً‪..‬‬ ‫وقدره المجيد في مجابهتها»‪.‬‬

‫حوار وتقديم ماجد يوسف‬ ‫‪89‬‬


‫عزلة المفكِّ ر العربي‪..‬و الدور‬ ‫المنوط به إزاء الواقع‬ ‫علي‪ ،‬في‬ ‫هنــاك تســاؤل مبدئي ّ‬ ‫يلــح ّ‬ ‫ترســبت‬ ‫مــا‬ ‫ورب‬ ‫بدايــة حــواري معــك‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫طبقات هذا السؤال من مجموعة الحوارات‬ ‫مفكرين آخرين‬ ‫السابقة التي خضتها مع ِّ‬ ‫حول هــذا الموضوع‪ ،‬وهو ســؤال حول‬ ‫«الجــدوى» من أمثال هــذه الحوارات‪ .‬هل‬ ‫للمفكر في‬ ‫تعتقــد‪ -‬مع الوضع المعــزول‬ ‫ِّ‬ ‫عالمنــا العربــي‪ ،‬نتيجــة لعــّدة عوامل‪،‬‬ ‫المفكــر‬ ‫جيــداً‪ -‬أن إفــرازات هــذا‬ ‫ِّ‬ ‫نعرفهــا ّ‬ ‫أو ذاك‪ ،‬وتشــخيصه ألزمــات الواقــع‪،‬‬ ‫وتحليلــه ألمــراض مجتمعنــا‪ ،‬ســيكون‬ ‫لــه صــدى مــا‪ -‬ناهيك عــن التأثيــر‪ -‬في‬ ‫المتردي‪ ،‬نحو األفضل‬ ‫تغيير هــذا الواقع‬ ‫ّ‬ ‫واألحسن!‬ ‫تمــس القضية أو‬ ‫أنــت في هــذا الســؤال‬ ‫ّ‬ ‫وتلح‬ ‫تراودني‪،‬‬ ‫فتئــت‬ ‫المشــكلة التي ما‬ ‫ّ‬ ‫المفكريــن‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫علــى أذهــان‪ -‬ال أقول‬ ‫ِّ‬ ‫عامــة‪ ،‬منذ‬ ‫بــل أقــول المثقَّفيــن‪ ،‬بصفة ّ‬ ‫وربما عبــر التاريخ؛ أي‬ ‫فتــرة طويلــة‪ّ ،‬‬ ‫تاريــخ الوعي اإلنســاني كلّــه‪ ،‬وماتزال‬ ‫ملحة‪ ،‬بل شــديدة اإللحــاح‪ ،‬في‬ ‫قضيــة ّ‬ ‫العصــر الذي نعيشــه‪ ،‬ســواء أكان ذلك‬ ‫خاصة‪ -‬في‬ ‫فــي الغــرب أم كان‪ -‬بصفــة ّ‬ ‫المفكر‪،‬‬ ‫الشــرق‪ ،‬والقضية‪ :‬ما هــو دور‬ ‫ِّ‬ ‫أو‪ -‬بعبارة أوســع‪ :‬مــا دور المثقَّف في‬ ‫فاعليته؟‬ ‫مهمته؟ ما‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع؟ ما ّ‬ ‫قضيــة‪ -‬بــا ّ‬ ‫تــؤرق ضمائر‬ ‫شــك‪-‬‬ ‫هــي ّ‬ ‫ِّ‬ ‫قطاعــات كبيــرة جــّدًا مــن المثقَّفيــن‬ ‫والمفكريــن‪ ،‬فــي مصــر‪ ،‬وفــي العالــم‬ ‫ِّ‬ ‫العربــي والعالــم الغربــي على الســواء‪.‬‬ ‫لســت أزعــم أن عنــدي إجابــة جاهــزة‪،‬‬ ‫حتــى لمــا تحّدثنا فيه‪ ،‬من قبــل‪ ،‬في هذا‬ ‫الموضــوع‪ .‬كنت أميل إلى التكلُّم بلســان‬ ‫القصــاص والروائــي‪ ،‬وبلســان المهموم‬ ‫ّ‬ ‫بالوســائل الفنّيــة‪ ،‬عندمــا قلت لــك إنه‬ ‫يخامرني ّ‬ ‫الحق‪،‬‬ ‫شــك كبير في أن الفنّان ّ‬ ‫الفنّــان األصيل‪ ،‬يســتطيع أن يصل إلى‬ ‫جمهور عريض‪ ،‬دعك من اســتطاعته أن‬ ‫األقل‪ ،‬في المرحلة الراهنة‬ ‫يؤثِّر فيه‪ ،‬على ّ‬ ‫التــي تعيش فيها جماهيرنا العريضة في‬ ‫‪90‬‬

‫ّ‬ ‫الشك في أن خبرتنا‬ ‫في التاريخ تشير‬ ‫إلى نوع من الدور‬ ‫الفعال يقوم به ذلك‬ ‫ّ‬ ‫الذي اصطلحنا على‬ ‫َّ‬ ‫(المثقف)‬ ‫تسميته‬ ‫مصر‪ ،‬أو في ســائر البالد العربية‪ ،‬وأن‬ ‫دور اإلعــام‪ ،‬والصحافة‪ ،‬والسياســة‪،‬‬ ‫وفنــون «بيــع» المنتجــات «الفنّية» التي‬ ‫الفن‪ ،‬هذه‬ ‫تتخــذ‪ -‬زورًا وبهتانــاً‪-‬‬ ‫َّ‬ ‫شــكل ّ‬ ‫َ‬ ‫كلّهــا تلعب الدور األساســي‪ ،‬أما الخبرة‬ ‫الفنّيــة األصيلــة فمــا زالت علــى هامش‬ ‫حياتنــا االجتماعيــة‪ ،‬لكــن هــذا ال يعني‬ ‫أنــه من المقبــول‪ ،‬أو حتى من الممكن أن‬ ‫ّ‬ ‫الشــك‬ ‫تنفي‪ ،‬مــن البداية‪ ،‬دور المثّقف‪.‬‬ ‫أن خبرتنا في التاريخ تشير إلى نوع من‬ ‫الفعال يقوم به ذلك الذي اصطلحنا‬ ‫الدور ّ‬ ‫عامة كانت‬ ‫بصفة‬ ‫َّف)‪.‬‬ ‫(المثق‬ ‫تسميته‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫هناك حقب تاريخية أو مراحل اجتماعية‬ ‫كاملة‪ ،‬وجد فيها هذا التكامل بين المثقَّف‬ ‫والمجتمع‪ ،‬وكان المثقَّف أو الفنّان يقوم‬ ‫بدور عضوي في المجتمع‪ ،‬إنني أشــير‪،‬‬ ‫بالطبــع‪ ،‬إلى الفترات التي ازدهرت فيها‬ ‫أنواع مــن «الميثولوجيا» الكاملة‪ ،‬تكامل‬ ‫فيهــا دور الفنّــان والمجتمع‪ ،‬أشــير إلى‬ ‫مرت بها المجتمعات البدائية‪ ،‬كان‪،‬‬ ‫فترة ّ‬ ‫للفنّــان أو «للكاهن» أو «للســاحر» فيها‪،‬‬ ‫دور عضوي؛ أشــير إلى الفترة التي كان‬ ‫النحات أو الفنّان‪ ..‬مجهول‬ ‫فيها المثّال أو ّ‬ ‫االســم‪ :‬نحــن ال نعرف من هــم أصحاب‬ ‫التماثيــل الرائعة في مصر القديمة‪ ،‬ومن‬ ‫هم بناة الكاتدرائيات الشامخة‪ ،‬ومن هم‬ ‫أصحاب الموسيقات والتمثيليات الدينية‬ ‫الوسطية‪.‬‬ ‫لم يكن للفرد‪ ،‬في تلك المراحل‪ ،‬الدور الذي‬ ‫أصبح له فيما بعد‪ .‬وهو موضوع طويل‪،‬‬ ‫ال أريــد أن اســتطرد فيه‪ ،‬بحيــث أبعد عن‬ ‫نمو النهضة‬ ‫المهم أنه‪ ،‬عقب ّ‬ ‫القضيــة اآلن‪ّ .‬‬ ‫الصناعيــة‪ ،‬عقــب عصــر االستكشــافات‬ ‫يســمى «العصر‬ ‫الجغرافية‪ ،‬عقب ظهور ما ّ‬ ‫تأكــد الفــرد‪ ،‬بشــكل‬ ‫البرجــوازي» عقــب ُّ‬

‫حاســم‪ ،‬بعد النهضة األوروبية‪ ،‬ظهر نوع‬ ‫وتأدى بين الفرد والمجتمع‪،‬‬ ‫من االنشقاق‪ّ ،‬‬ ‫ثم تضاعفت األزمــة وتفاقمت إلى أن‬ ‫ومــن ّ‬ ‫يحس‬ ‫التي‬ ‫الحاليــة‬ ‫مرحلتها‬ ‫إلــى‬ ‫وصفت‬ ‫ّ‬ ‫المفكــر الفرد بأنه‬ ‫فيهــا المثقَّف الفــرد‪ ،‬أو‬ ‫ِّ‬ ‫كــم مهمل‪،‬‬ ‫وبأنه‬ ‫المجتمــع‪،‬‬ ‫معــزول عــن‬ ‫ّ‬ ‫وأنه ليســت له فاعلية‪ ،‬وليست له سلطة‪،‬‬ ‫أو ليســت لــه فرصة المشــاركة فــي اّتخاذ‬ ‫يهم مجتمعه‪ .‬صورة‬ ‫القــرار الذي ّ‬ ‫يهمه كما ّ‬ ‫نفكر‬ ‫أن‬ ‫يجــب‬ ‫ولكــن‪،‬‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ّــ‬ ‫ق‬ ‫تبــدو قائمــة ح‬ ‫ِّ‬ ‫حقيقــة‪ -‬اختفــى دور المثقَّف‬ ‫قليالً‪ :‬هــل‪-‬‬ ‫ً‬ ‫للمفكــر أو المثقَّف‬ ‫يمكن‬ ‫أال‬ ‫المجتمــع؟‬ ‫فــي‬ ‫ِّ‬ ‫أن يجد لنفســه دورًا وســط أجهزة الثّقافة‬ ‫أو أجهزة اإلعالم‪ ..‬مع ما يبدو من تناقض‬ ‫أساسي بين كلمة «أجهزة» وكلمة «ثقافة»؟‬ ‫المؤسسات واألجهزة‪ ،‬من‬ ‫هل أصبحت‬ ‫ّ‬ ‫القوة‪ ،‬بحيث ال يملك الفرد إال أن يكون‬ ‫ّ‬ ‫أظن‬ ‫دوار فيها؟‬ ‫أظــن ال‪ّ ..‬‬ ‫ّ‬ ‫مجــرد ترس ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن اســتقراء الواقع يشير إلى اإلجابة‪،‬‬ ‫فــي ناحية األمل ال فــي ناحية اليأس‪،‬‬ ‫ولكــن هذا يتوقَّــف على عوامــل كثيرة‬ ‫جــّداً‪ .‬مــن البداية لســت أقطــع بأنه لن‬ ‫للمفكر دور حاســم واجتماعي‪،‬‬ ‫يكــون‬ ‫ِّ‬ ‫علــى األقل‪ ،‬كما أنني لســت أقطع بأنه‬ ‫سيكون له دور‪.‬‬ ‫االحتماالن مطروحان‪ ،‬واإلجابة تتوقَّف‬ ‫علــى عديد من العوامل‪ ،‬هناك إيمان ما‪،‬‬ ‫عامة‪،‬‬ ‫عنــد المثقَّفين والفنّانيــن‪ ،‬بصفة ّ‬ ‫يتجــاوز معطيــات الواقــع‪ ،‬يســتمّد من‬ ‫بكل‬ ‫الواقــع عناصر‪ ،‬ولكنه ال يســلِّم لها ّ‬ ‫الحتميــة التــي تبدو أنهــا تومــئ إليها‪،‬‬ ‫مجــرد إثارة‬ ‫بمعنــى مــا‪ .‬يبدو لــي‪ ،‬من‬ ‫ّ‬ ‫المشكلة واإللحاح عليها وتقليب أوجهها‬ ‫ومضــن‪ ،‬أنها‬ ‫ــم مقيــم‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫وتحولهــا إلــى َه ّ‬ ‫نســميه‬ ‫أننا‬ ‫لــو‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫واقعي‬ ‫ا‬ ‫تعكــس عامــ ً‬ ‫ّ‬ ‫التردد‪،‬‬ ‫«ذاتيــة بحتة» لمــا كان لها هــذا ّ‬ ‫وهــذا الصوت‪ ،‬وهذا اإللحــاح؛ إذاً‪ ،‬فهذا‬ ‫يعبر عن‬ ‫كلّــه يشــير إلى وجود احتيــاج ِّ‬ ‫ذاته‪ ،‬احتياج يبحث عن المنطلق‪ .‬هناك‬ ‫تمرد أساسي ما في اإلنسان يستمّده من‬ ‫ُّ‬ ‫التمرد على‬ ‫للتاريخ‪،‬‬ ‫الواقعي‬ ‫االستقراء‬ ‫ُّ‬ ‫المؤسســات‪،‬‬ ‫قمــع األجهزة‪ ،‬وعلى قمع‬ ‫َّ‬ ‫التمرد على قمع‬ ‫بــل أضيف إلى هذا أنــه‬ ‫ُّ‬ ‫الواقع نفسه‪ ،‬سواء أكان هذا اجتماعي ًا أم‬ ‫كان كوني ًا حتى‪ .‬هذه الحاجة اإلنســانية‬


‫األساســية تكاد تبــدو ثابتة كأنها خالدة‬ ‫وســط الظاهــرة العرضيــة أساســاً‪،‬‬ ‫ظاهــره اإلنســان‪ .‬هــذا كلّــه يشــير إلــى‬ ‫منطق هذه الحاجة اإلنسانية‪ ،‬منطق هذا‬ ‫المتطلَّب اإلنســاني الذي يبدو مستعصي ًا‬ ‫والتطورات‬ ‫على الزمن‪ ،‬وعلى التقلُّبات‬ ‫ُّ‬ ‫االجتماعيــة‪ ،‬وخالداً‪ :‬إنه يجب أن يكون‬ ‫وللمفكر دور‪.‬‬ ‫للمثقّف دور‪،‬‬ ‫ِّ‬

‫حرّيّة المفكِّ ر العربي‪ ..‬بين المنح‬ ‫والمنع ‪ ..‬عقل عربي‪ ..‬أم إنساني؟!‬ ‫قد أسلِّم مع سيادتكم بأن هذه المشكلة‬ ‫قــد توجد في الغرب‪ ،‬كما هي موجودة في‬ ‫الشــرق؛ أقصد مشــكلة «إبعــاد المثقَّف أو‬ ‫تؤهله‬ ‫ِّ‬ ‫المفكر عن لعب دوره المفترض الذي ِّ‬ ‫لــه قدراتــه الطبيعية ووعيه المكتســب»‪.‬‬ ‫المفكر في أوروبا‬ ‫مهم بين ِّ‬ ‫ولكن‪ّ ،‬‬ ‫ثمة فارق ّ‬ ‫والمفكر فــي عالمنا العربي‪ ،‬أو في العالم‬ ‫ِّ‬ ‫برمته؛ وهو ما يعنيني رصده هنا‪،‬‬ ‫الثالث ّ‬ ‫األقل‪ -‬في‬ ‫وهو ما عنيته بسؤالي أو‪ -‬على ّ‬ ‫فالمفكر في‬ ‫بعــد من أبعــاد هــذا الســؤال‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫أوروبا‪ ،‬أو المثقَّف‪ ،‬قد «يغترب»‪ ،‬أحياناً‪،‬‬ ‫المفكر أو‬ ‫معينة‪ ،‬ولكــن َّ‬ ‫نتيجــة لظــروف َّ‬ ‫المثقَّف عندنا «معزول»‪ ،‬من البداية‪ ،‬وفي‬ ‫كل األحوال‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫نرتب أفكارنا‪ ،‬ونتحّدث‬ ‫ال‪ ..‬تعال‪ ،‬تعال ِّ‬ ‫التلمــس لإلحاطة بموضوع‬ ‫في محاولة ُّ‬ ‫كل التعقيد وشــامل وواســع جّداً‪،‬‬ ‫معقَّــد ّ‬ ‫وال يكفــي حــوار واحــد‪ ،‬وال عشــرة‪،‬‬ ‫لإلحاطــة بــه‪ .‬لكــن‪ ،‬نحــاول أن نضــع‬ ‫أيدينــا علــى المحــاور الرئيســة‪ .‬دعــك‬ ‫مــن مســألة الرصــد والتوصيــف‪ ،‬فقــد‬ ‫شــبعنا وُأ ِ‬ ‫تخمنا من الرصد والتوصيف‪،‬‬ ‫ونــكاد نتفَّــق‪ ،‬جميعــاً‪ ،‬علــى المظاهــر‬ ‫تمــزق المثقَّف وغربته‬ ‫الملموســة اآلن‪ُّ ..‬‬ ‫الحرية‪ ،‬وسيادة القيم‬ ‫وعزلته‪ ،‬وانعدام ّ‬ ‫األمية‪ ،‬وقصور‬ ‫ومشــكلة‬ ‫االســتهالكية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫التعليــم‪ ،‬وهجــرة العقــول‪ ،‬ونزيف دم‬ ‫الحيــاة للمثقّفيــن والفنّانيــن في مجاري‬ ‫العمــل اإلداري والمكتبــي‪ ،‬وطغيــان‬ ‫خفي ًا‬ ‫التســلية الســهلة التي تحمل تدميرًا ّ‬ ‫للقيم الثقافية‪ ،‬وســيطرة أجهزة الدولة‪،‬‬ ‫مؤسســات الثقافــة لخدمــة‬ ‫وتســخير‬ ‫ّ‬

‫المؤسسات غير الثقافية‪ ،‬وأكثر وأكثر‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫أفــاض الكثير من مثّقفينــا في رصد هذه‬ ‫الظاهرة بما يكفي وزيادة‪.‬‬ ‫هــل جرؤنا على أن نرجع هــذه الظاهرة‬ ‫إلى أسبابها؟‬ ‫يمكــن أن تكــون األســباب اجتماعيــة إذا‬ ‫أخذنا بالتفســير االجتماعــي‪ ،‬ويمكن أن‬ ‫تكــون تاريخية‪ ،‬بل هــي‪ -‬قطعاً‪ -‬كذلك‪،‬‬ ‫معينــة‪،‬‬ ‫معيــن‪ ،‬وبمعاييــر َّ‬ ‫إلــى َحــّد َّ‬ ‫وحتــى لــو أخذنــا باألســباب «الثقافية‪-‬‬ ‫الحضاريــة» فيمكــن أن يندرج هــذا الفهم‬ ‫فــي ســياق التفســير «االجتماعــي ‪-‬‬ ‫التاريخــي»‪ ،‬ويمكــن أن تكون األســباب‬ ‫خلقية أو ميتافيزيقية‪ ،‬إذا شــئت‪ .‬علينا‬ ‫أن نطــرح‪ ،‬مــن البداية‪ ،‬ســؤاالً‪ :‬هل في‬ ‫عامة‪،‬‬ ‫«العالــم الثالث» كما قلــت‪ ،‬بصفة ّ‬ ‫أو فــي «العالــم العربــي»؛ أي في مصر‪،‬‬ ‫أو في العراق‪ ،‬أو سوريا‪ ،‬أو الخليج أو‬ ‫المغــرب‪ ،‬أو الجزائــر‪ ..‬إلــخ‪ ،‬خصائص‬ ‫متميــزة «للعقــل» فــي هــذه المنطقة من‬ ‫ِّ‬ ‫العالــم‪ ،‬ال توجد في غيرها من المناطق؟‬ ‫ْقية؟‪.‬‬ ‫هل هناك عناصر َخل ّ‬ ‫هــل هنــاك أســباب ُجِبلــت عليهــا هــذه‬ ‫يسمى «العقل العربي» أو‬ ‫الشــعوب؟ وما ّ‬ ‫«العقــل اإلفريقي» أو «العقــل الصيني»‪،‬‬ ‫هــل لــه خصائــص تختلــف جذريــاً‪،‬‬

‫يسمى «العقل‬ ‫ما‬ ‫ّ‬ ‫العربي» أو «العقل‬ ‫اإلفريقي» أو «العقل‬ ‫الصيني»‪ ،‬هل له‬ ‫خصائص تختلف جذري ًا‪،‬‬ ‫وخلقي ًا‪ ،‬وتكويني ًا‪،‬‬ ‫وعرقي ًا‪ ..‬عن غيره من‬ ‫أظن أننا‪،‬‬ ‫العقول؟‬ ‫ّ‬ ‫من البداية‪ ،‬نستطيع‬ ‫أن نتَّفق على «العقل‬ ‫اإلنساني»‪ ،‬في ّ‬ ‫كل‬ ‫مكان‪ ،‬وفي كل زمان‬

‫وخلقياً‪ ،‬وتكوينيــاً‪ ،‬وعرقياً‪ ..‬عن غيره‬ ‫أظــن أننــا‪ ،‬مــن البدايــة‪،‬‬ ‫مــن العقــول؟ ّ‬ ‫نتفق على أنــه ليس هناك‬ ‫نســتطيع أن َّ‬ ‫نســميه «العقــل العربــي»‪،‬‬ ‫مــا يمكــن أن ّ‬ ‫خاص‪.‬‬ ‫كمــا لو كان هناك شــيء عرقــي ّ‬ ‫كل مكان‪،‬‬ ‫هــو «العقــل اإلنســاني»‪ ،‬فــي ّ‬ ‫وفــي كل زمــان‪ .‬وال ينفــي هــذا وجــود‬ ‫لكل ثقافة‬ ‫خصائص‬ ‫ومقومــات للثقافة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫على حــدة‪ ،‬ترجع‪ -‬بوضوح‪ -‬إلى تراثها‬ ‫وعناصرها التاريخية والحضارية‪ .‬أريد‬ ‫يســمى‬ ‫أن أهــدف بهــذا إلــى مــا يمكن أن ّ‬ ‫«التعــدد داخــل الوحــدة»‪ .‬هــل يمكن أن‬ ‫ُّ‬ ‫لنتلمــس العلل واألســباب‬ ‫نضــع أيدينــا ّ‬ ‫مقوم ًا‬ ‫فــي هذه الموروثات التي أصبحت ِّ‬ ‫أوالً‪-‬‬ ‫للثقافــة العربيــة؟ أريــد أن ننفــي‪ّ -‬‬ ‫يســمى «العقــل‬ ‫حتــى االصطــاح الــذي‬ ‫ّ‬ ‫العربــي»‪ ،‬الذي ال أســتريح إليــه كثيراً؛‬ ‫ألنــه يــكاد يوحي‪ ،‬مــن بعيد‪ ،‬بــأن فيه‬ ‫تفرقة عنصرية ما‪.‬‬

‫ثّقافة عربية‪ ..‬أم ثقافات عربية؟‬ ‫أقصــد باســتخدامي لمصطلح «العقل‬ ‫معينة‪،‬‬ ‫العربــي» اإلشــارة إلــى «ثّقافــة» َّ‬ ‫وطريقة تفكير‪ ،‬وطبيعة رؤية‪ ،‬وتراث له‬ ‫مالمح وسمات بعينها‪ ،‬وأنماط سلوكية‪،‬‬ ‫خاصــة‬ ‫وعــادات اجتماعيــة‪ ،‬وخبــرة‬ ‫ّ‬ ‫متميز‪ ،‬ومجموعة‬ ‫بالحياة‪ ،‬وُأقنوم ِقَيمي ِّ‬ ‫مــن العقائــد واألديان والقناعــات‪ ..‬إلخ‪،‬‬ ‫أي امتياز َخلْقي أو عضوي أو‬ ‫ولــم أقصد ّ‬ ‫بيولوجي‪ ..‬إلخ!‪.‬‬ ‫تحدثنــا‪ -‬إذاً‪ -‬عــن الثقافــة العربيــة‬ ‫إذا َّ‬ ‫فســوف ندخل‪ ،‬على الفــور‪ ،‬إلى ظاهرة‬ ‫مقومــات غنيــة وطويلة‬ ‫عريقــة‪ ،‬ولهــا ِّ‬ ‫المــدى‪ ،‬ولها أثرهــا أو عواملهــا الفاعلة‬ ‫اآلن‪ ..‬أقصــد عوامــل فاعلــة ناتجــة عن‬ ‫التراث‪.‬‬ ‫إن سلب ًا أو إيجاباً!‬ ‫أوالً‪ :‬أريد‬ ‫نعــم‪ ..‬فاعلة في ِّ‬ ‫االتجاهيــن‪ّ .‬‬ ‫أن أخلــص من وهــم الوحــدة المصمتة‬ ‫كل روافــد الثّقافة‬ ‫التــي تريــد أن‬ ‫تصــب ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪91‬‬


‫ومكوناتهــا فــي هــذا «العالــم» العربــي‬ ‫ّ‬ ‫العريض‪ ،‬في قالب واحد‪ :‬لست أظن أن‬ ‫يســمى الوحدة المغلقة للثقافة‬ ‫هناك ما‬ ‫ّ‬ ‫العربيــة‪ ،‬بمعناهــا المصمــت القالبــي‬ ‫الحجري‪ ،‬الذي يكــون قالب ًا واحدًا ليس‬ ‫أؤكــد على فكرة‬ ‫فيــه اختــاف‪ .‬أريد أن ِّ‬ ‫االختــاف في داخــل الثقافــة العربية‪،‬‬ ‫أوكــد أن هذا االختالف عنصر‬ ‫وأريــد أن ِّ‬ ‫إثــراء وغنــى‪ ،‬وليــس عنصــر تفرقــة‬ ‫وتشــتيت‪ ،‬وبالعكــس‪ ،‬هنــاك أشــياء‬ ‫توحد بين الثقافات العربية‪ .‬وها‬ ‫عامــة ِّ‬ ‫ّ‬ ‫أنت تالحظ أنني استخدمت‪ ،‬كما ينبغي‬ ‫صــح لــي منطقــي ‪ -‬عبــارة‬ ‫لــي ‪ -‬إذا‬ ‫ّ‬ ‫«الثقافــات» العربيــة بد ًال مــن «الثقافة»‬ ‫أتخل عن وصفها‪،‬‬ ‫العربية‪ ،‬ولكني لــم‬ ‫َّ‬ ‫جميعــاً‪ ،‬بأنها عربية‪ ،‬في النهاية‪ ،‬وإن‬ ‫كانــت تصــدر عــن منابــع لهــا قوامها‪،‬‬ ‫بكل منها‪.‬‬ ‫وتكوينهــا‪ ،‬وتراثها‬ ‫الخــاص ّ‬ ‫ّ‬ ‫توحد بين الثقافات‪،‬‬ ‫عامة ّ‬ ‫هناك عوامل ّ‬ ‫وتوحــد بينها وبيــن الثّقافة اإلنســانية‬ ‫ِّ‬ ‫العامــة كلّهــا‪ ،‬ال خــاف في هذا‪ .‬لســت‬ ‫ّ‬ ‫أدعو إلى انفصاليــة مصطنعة‪ ،‬ولكن‪،‬‬ ‫نتنبه إلى‬ ‫أدعــو إلى تأكيد‪ ،‬أو أريــد أن ّ‬ ‫تأكيــد االختالفــات‪ ،‬بين هــذه الثقافات‬ ‫توحــد بينهــا قنــوات‬ ‫ِّ‬ ‫المتعــددة التــي ّ‬ ‫اّتصــال عريضة ومشــتركة وتاريخية‪،‬‬ ‫لكي َتثرى‪ ،‬وتســتفيد من تالقح بعضها‬ ‫بالبعــض اآلخــر‪ ،‬ومــن ترافــد بعضهــا‬ ‫لبعــض‪ .‬نتجــاوز‪ -‬إذاً‪ -‬مســألة الرصد‬ ‫والتوصيف األولى إلى األسباب‪.‬‬ ‫أظــن أن هنــاك ثالث أو أربــع نقاط‪،‬‬ ‫أركز عليهــا‪ :‬النقطة األولى‪،‬‬ ‫أحــب أن ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ليســت مســألة اختالف الثقافــات بين‬ ‫شــعوب المنطقة العربية مع اشتراكها‬ ‫العريــض الــذي أشــرت إليــه‪ ،‬بــل‬ ‫تعدد الثّقافة داخل الشعب‬ ‫ازدواجية أو ُّ‬ ‫الواحــد‪ .‬عندمــا نتحــّدث عــن همــوم‬ ‫المثقَّفين ودورهم‪ ،‬وأزمة الثقافة التي‬ ‫نتلمس‪ -‬حّقاً‪ -‬صلة‬ ‫يعانونها‪ ،‬نريد أن َّ‬ ‫المفكر المصري أو العراقي‬ ‫المثقَّــف أو‬ ‫ِّ‬ ‫أو المغربي بالطبقة العريضة التحتية‬ ‫التي تمنحه ماء الحياة نفسه‪ .‬ما الصلة‬ ‫التي تربط‪ ،‬اآلن‪ ،‬بين المثقَّف في مصر‬ ‫أو المغــرب وبيــن شــعبه؟ ســنالحظ‬ ‫مجرد إثارة الســؤال‪،‬‬ ‫علــى الفور‪ ،‬من َّ‬ ‫‪92‬‬

‫أن هناك أكثر من حضارة‪ ،‬أو أكثر من‬ ‫كل شــعب‪،‬‬ ‫األقل‪ ،‬داخل ّ‬ ‫ثّقافــة‪ ،‬علــى ّ‬ ‫وأن القنــوات بينهــا ليســت موصولة‬ ‫كمــا ينبغــي أن تكــون‪ ،‬وال وســائل‬ ‫التفاعــل متوافرة كما يجــب أن تكون‪،‬‬ ‫بيــن القاعــدة العريضــة مــن الثقافــة‬ ‫الشعبية التي نعيشها في مصر‪ ،‬مثالً‪،‬‬ ‫أسميها متخلّفة‪.‬‬ ‫وهي ثقافة أرفض أن ّ‬ ‫إنني أرفــض فكرة «التخلُّــف» الثقافي‬ ‫في هذا الســياق‪ ،‬وأزعم أن الشعب أو‬ ‫الفلحين أو الجماهير العريضة ليست‬ ‫ّ‬ ‫متخلِّفة ثقافياً‪ ،‬قد تكون متخلِّفة‪ ،‬هنا‪،‬‬ ‫بمعنــى مــن المعاني‪ ،‬بمقيــاس أنها ال‬ ‫تملك ثقافة كاملــة متفاعلة مع العصر‬ ‫الــذي نعيــش فيــه‪ ،‬هــل هــذه الثقافة‬ ‫أو (الثقافــات التــي يعيشــها الشــعب)‬ ‫هــي الثقافة الصحيحة أو الســليمة أو‬ ‫اإليجابية‪ ،‬أو ما شــئت من األوصاف؟‬ ‫طرق إليها‬ ‫يبــدو أن هذه المنطقــة لم ُيَت َّ‬ ‫كثيــراً! مــا هــي الثقافــة التــي يعيش‬ ‫الناس بها‪ ،‬ولها‪ ،‬في بالدنا؟‬ ‫التمزق‬ ‫أليــس هذا من أســرار أو أســباب‬ ‫ُّ‬ ‫الذي يعيشــه المثقَّف في العالــم الثالث‪،‬‬ ‫عامــة؟ إحساســه باالغتــراب عن‬ ‫بصفــة ّ‬ ‫ثقافــة شــعبه؟ إحساســه بانتمائــه إلى‬ ‫ثقافــة ال يعرفهــا هذا الشــعب؟‪ .‬في ثقافة‬ ‫ّ‬ ‫بالشــك‪ -‬هناك الثقافة التحتية‬ ‫الشعب‪-‬‬ ‫العريضــة والســليمة‪ ،‬رواســب تاريخية‬

‫أظن أن هناك‬ ‫لست‬ ‫ّ‬ ‫يسمى الوحدة‬ ‫ما‬ ‫ّ‬ ‫المغلقة للثقافة‬ ‫ِّ‬ ‫أؤكد‬ ‫العربية‪ .‬أريد أن‬ ‫على فكرة االختالف‬ ‫في الثقافة العربية‪،‬‬ ‫وهذا االختالف‬ ‫عنصر إثراء وغنى‪،‬‬ ‫وليس عنصر تفرقة‬ ‫وتشتيت‬

‫ماتــزال تعيش في وجــدان الناس‪ ،‬وهي‬ ‫مؤثِّــرة‪ ،‬ســلب ًا أو إيجابــاً‪ .‬وصحيــح‪-‬‬ ‫َ‬ ‫أيضــاً‪ -‬أن التــراث القديــم‪ ،‬وبالتحديــد‪،‬‬ ‫التــراث المحكــي‪ ،‬والتراث الموســيقي‪،‬‬ ‫ومــا اصطلحنــا علــى تســميته (الفنــون‬ ‫الشــعبية)‪ ،‬قد أضــاف إليه الشــعب‪ ،‬أو‬ ‫الفنّــان الذي ال اســم له مــن بين صفوف‬ ‫النــاس‪ ،‬كما كان دأبه فــي المراحل التي‬ ‫تكامل فيها الفنّان مع المجتمع‪ ،‬مما جعل‬ ‫ومِرناً‪ ،‬إلــى فترة قليلة‬ ‫هذا التــراث ّ‬ ‫حي ًا َ‬ ‫خلت‪ ،‬ولكن من الصحيح‪ ،‬كذلك‪ ،‬أن هذا‬ ‫كلّه يندثر بســرعة‪ ،‬ويســير‪ -‬بشكل يكاد‬ ‫يكون حتمياً‪ -‬إلى االنقراض إزاء التقنية‬ ‫الكاســحة‪ ،‬ونحــن نشــرف علــى نهايــة‬ ‫القرن العشــرين‪ ،‬وندخل‪ -‬بال ّ‬ ‫شك‪ -‬إلى‬ ‫عالــم التقنيــة الجارفــة التــي ال يقف في‬ ‫ســبيلها شــيء والتي تتســلّل إلــى أبعد‬ ‫الكفور‪ ،‬وأصغر القرى‪ ،‬وأظلم الغابات‪،‬‬ ‫وأفســح السهوب‪ ..‬تتســلَّل بدون عائق‪،‬‬ ‫وتؤدي إلى نوع‬ ‫التســطح‪،‬‬ ‫وتؤدي إلى‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫من التوحيد في حدود القاســم المشــترك‬ ‫تؤدي إلى تغريب اإلنســان‬ ‫األصغر‪ ،‬كما ّ‬ ‫عن نفســه وعــن ثقافته‪ .‬كل هــذا يحدث‬ ‫بســرعة! أظــن‪ ،‬أن هنا‪ ،‬أزمــة حقيقية‪،‬‬ ‫المفكر‬ ‫وأن هــذه الغربــة بين المثقَّــف أو‬ ‫ِّ‬ ‫و«ذاتــه األخــرى»‪ ،‬التــي هــي شــعبه‪،‬‬ ‫مما يعود بنا إلى فكرة‬ ‫يجــب أن تنمحي‪ّ ،‬‬ ‫مكونــ ًا عضويــ ًا فــي‬ ‫المثقّــف‪ ،‬بوصفــه ّ‬ ‫المجتمع‪ ،‬التي بدأت بها الحديث‪.‬‬ ‫ال مع المجتمع‬ ‫المثقَّف عندما يكــون متكام ً‬ ‫يؤدي وظيفة‪ ،‬ليست‬ ‫وعنصرًا عضوي ًا فيه ّ‬ ‫اجتماعية فقط‪ ،‬بل اجتماعية وحضارية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتؤدي إلى تحقيق ذاتي‪ -‬أيضاً‪ -‬للمثقَّف‪.‬‬ ‫وهنا‪ ،‬تنتهي األزمة‪.‬‬ ‫كيــف يمكــن أن ننفــي هــذه االزدواجية‬ ‫المفكــر والنــاس‪ ،‬أو بيــن ثقافــة‬ ‫بيــن‬ ‫ِّ‬ ‫النخبة‪ -‬إذا شــئت‪ -‬وثقافة الشعب‪ ،‬هذه‬ ‫قضي ٌة إثارتها‬ ‫هــي القضية االجتماعيــة‪ّ :‬‬ ‫مهم جداً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مهمة‪ ،‬والوعي بها ّ‬ ‫المفكــر هــو أن يحــاول أن يــرى‬ ‫دور‬ ‫ِّ‬ ‫صــورة واضحــة‪ ،‬وأن يريهــا النــاس‪.‬‬ ‫بالتحرك‪،‬‬ ‫مجــرد إثارة الوعي هــو البدء‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫البــدء بالحركة‪ ،‬وهنا دور المثقَّف‪ ،‬على‬ ‫األقل فــي المرحلة الحاليــة‪ ،‬ودوره هو‬ ‫ّ‬ ‫إثارة الوعي‪ ،‬ألنه البدء بالحركة‪.‬‬


‫الغصن الذهبي‬ ‫عبد املنعم رمضان‬

‫ويرب ــت عل ــى كت ــف الزم ــان‪،‬‬ ‫فيم ــا إدوار ينظ ــر إل ــى أعل ــى‪ّ ،‬‬ ‫إلـــي أنـــه الطريقـــة والحلـــم‪ ،‬أكثـــر منـــه الرســـالة‬ ‫ُخ ِّيـــل ّ‬ ‫ولمـــا‪ ،‬فـــي أواخـــر أيامـــه‪ ،‬أصابـــه النســـيان‪،‬‬ ‫والواقـــع‪ّ ،‬‬ ‫ث ــم أصاب ــه الرحي ــل‪ ،‬فهم ــت لم ــاذا حرم ــوه أوس ــمة وداع ــه‬ ‫المســـتحقّة‪ ،‬لكنـــه فاجأهـــم‪ ،‬بالتحديـــد‪ ،‬يـــوم جنازتـــه‪،‬‬ ‫ـاص‪ ،‬وس ــام الش ــرف الرفي ــع‪ ،‬فاألنظم ــة‬ ‫ون ــال وس ــامه الخ ـ ّ‬ ‫تكـــرم إال منشـــديها الخصوصييـــن أو مراســـليها‬ ‫التـــى ال‬ ‫ّ‬ ‫الحربييـــن‪ ،‬منعـــت جنراالتهـــا وجنودهـــا وأدوات زينتهـــا‬ ‫ّ‬ ‫ومراثيه ــا م ــن التهلي ــل ل ــه‪ ،‬ك ــي تترك ــه لم ــا تظّن ــه الع ــدم‪.‬‬ ‫مـــرة رأيـــت فيهـــا إدوار‪ ،‬كنـــا نحتفـــي بإعـــادة‬ ‫فـــي آخـــر ّ‬ ‫إصـــدار بعـــض أعمالـــه‪ ،‬أحاطتـــه جورجيـــت وإيهـــاب‪:‬‬

‫المحب ــون‪،‬‬ ‫زوجت ــه‪ ،‬وابن ــه‪ ،‬كأنهم ــا يحرس ــانه‪ ،‬وأحاط ــه‬ ‫ّ‬ ‫كأنهـــم يغبطونـــه‪ ،‬وبعـــد أن انحلّـــت الحراســـة والغبطـــة‪،‬‬ ‫أصبحن ــا نواجه ــه كم ــا اعتدن ــا‪ ،‬من ــذ عرفن ــاه‪ ،‬لك ــن عيني ــه‪،‬‬ ‫وتحدق ــان فين ــا‪ ،‬وتس ــتفهمان‪،‬‬ ‫ه ــذه الم ــرة‪ ،‬ظلّت ــا تلمع ــان‬ ‫ِّ‬ ‫كأنهم ــا تجهالنن ــا‪ .‬وعل ــى الرغ ــم م ــن ذل ــك كانت ــا تبتهج ــان‬ ‫بمجه ــول يحيط ــه ويش ــمله‪ ،‬الن ــراه مع ــه‪ .‬أحس ــب أن وجه ــه‬ ‫نبـــي‪ ،‬فيمـــا كنـــت أتمنّـــى أن‬ ‫فـــي تلـــك الليلـــة كان وجـــه‬ ‫ّ‬ ‫أرى الوجهيـــن اللذيـــن كنـــت أراهمـــا معـــ ًا عندمـــا أقابلـــه‪:‬‬ ‫النبـــي‪ ،‬ووجـــه الجنّـــي‪ .‬أعتـــرف أننـــي أســـفت‬ ‫وجـــه‬ ‫ّ‬ ‫لغيـــاب الوجـــه الثانـــي‪ ،‬الـــذي لـــم أتوقّـــف‪ ،‬فيمـــا مضـــى‪،‬‬ ‫تذكـــرت بدايتنـــا معـــه أواخـــر‬ ‫عـــن اســـتثارته ومشـــاغبته‪َّ ،‬‬ ‫‪93‬‬


‫الس ــبعينات وأوائ ــل الثمانين ــات‪ ،‬كّن ــا نله ــث وراء رغباتن ــا‬ ‫فـــي تحطيـــم الهـــواء الثابـــت فينـــا‪ ،‬والثابـــت حولنـــا‪ ،‬كنّـــا‬ ‫نله ــث‪ ،‬وبش ــغف‪ ،‬وراء البني ــة الثقافي ــة الس ــائدة‪ ،‬نطارده ــا‬ ‫التعـــدد‪،‬‬ ‫وتحـــل محلّهـــا آداب االختـــاف وفنـــون‬ ‫لتختفـــي‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫لـــم نكـــن نكـــره نجيـــب محفـــوظ ويوســـف إدريـــس‪ ،‬كنـــا‬ ‫ونحـــب معهمـــا صـــاح عبـــد الصبـــور وأحمـــد‬ ‫نحبهمـــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حجـــازي‪ ،‬وإبراهيـــم المازنـــي وطـــه حســـين‪ ،‬والجاحـــظ‪،‬‬ ‫وأبـــا نـــواس‪ ،‬وأحمـــد شـــوقي والجواهـــري‪ ،‬وجبـــران‬ ‫نحبه ــم‪،‬‬ ‫وب ــدوي الجب ــل‪ ،‬ون ــزار قبان ــي وس ــعيد عق ــل‪ .‬كّن ــا ّ‬ ‫أهمّي ــة أن نعاصره ــم‪ ،‬أن‬ ‫لكنن ــا‪ ،‬هك ــذا كّن ــا‪ ،‬نس ــتريب ف ــي ّ‬ ‫نجع ــل زمنن ــا تح ــت أق ــدام زمنه ــم‪ ،‬نس ــتريب ف ــي وجودن ــا‪،‬‬ ‫إمـــا فـــي‬ ‫إذا فعلنـــا ذلـــك‪ ،‬كنّـــا‪ -‬علـــى األرجـــح‪ -‬نرغـــب‪ّ :‬‬ ‫تعريتهـــم‪ ،‬والكشـــف عـــن تـــآكل أعضائهـــم‪( ،‬بعضهـــا‬ ‫أو كلّهـــا)‪ ،‬أو فـــي تغطيتهـــم وإلباســـهم تلـــك الجالبيـــب‬ ‫نبخرهـــم‪ ،‬وندعـــو‬ ‫الواســـعة‪ ،‬جالبيـــب التـــراث‪ ،‬بعـــد أن ّ‬ ‫له ــم‪ :‬كون ــوا تراثــاً‪ ،‬كون ــوا تراثــاً‪ .‬وألنن ــا‪ ،‬من ــذ يفاعتن ــا‪،‬‬ ‫كنّـــا نـــدرك أننـــا النعـــرف الحقيقـــة كلّهـــا‪ ،‬ولـــن نعرفهـــا‪،‬‬ ‫ألنن ــا كّن ــا كذل ــك‪ ،‬بحثن ــا ع ــن مرش ــدين محمومي ــن قلقي ــن‪،‬‬ ‫وتفرقنـــا‪ :‬بعضنـــا لجـــأ إلـــى الشـــاطئ اآلخـــر‪ ،‬الشـــاطئ‬ ‫ّ‬ ‫األزرق العينيـــن‪ ،‬وبعضنـــا آوى إلـــى بهـــو الشـــياطين‪،‬‬ ‫وبعضنـــا انتبـــه إلـــى أدونيـــس وأنســـي الحـــاج وشـــوقي‬ ‫أبـــي شـــقرا وتروتســـكي‪ ،‬وبعضنـــا هـــرب إلـــى المتاهـــة‪،‬‬ ‫غيـــر أننـــا التقينـــا جميعـــاً‪ ،‬وكنّـــا عصبـــة واحـــدة‪.‬‬ ‫الخـــراط‪ ،‬فـــي الزمالـــك‪ ،‬دخلنـــا غرفتـــه‬ ‫فـــي منـــزل إدوار‬ ‫ّ‬ ‫بعيـــون عنيفـــة وحائـــرة‪ ،‬وخرجنـــا منهـــا بقلـــوب أكثـــر‬ ‫مـــرة‪ ،‬كنّـــا نجـــد إدوار علـــى‬ ‫عنفـــ ًا وأشـــّد‬ ‫حيـــرة‪ .‬فـــي ّ‬ ‫ً‬ ‫كل ّ‬ ‫الصـــورة ذاتهـــا‪ :‬راديـــو الســـبعينات بصوتـــه الخفيـــض‪،‬‬ ‫ـدل مؤشـّـره علــى البرنامــج الموســيقي أو علــى البرنامــج‬ ‫يـ ّ‬ ‫الثقافـــي‪ ،‬وكتـــب األزمنـــة كلّهـــا تحجـــب حيطـــان الغرفـــة‪،‬‬ ‫والتت ــرك ل ــه‪ ،‬ولن ــا‪ ،‬إال كرس ـّـيه أم ــام مكتب ــه‪ ،‬ال ــذي‪ -‬ف ــي‬ ‫حي ــز‪،‬‬ ‫جهت ــه األخ ــرى‪ -‬تتالص ــق ِّ‬ ‫مؤخراتن ــا المحش ــورة ف ــي ِّ‬ ‫ـرد‪ ،‬وكنــا ال نخشــع أكثــر مــن‬ ‫يجبرنــا علــى الخشــوع أو التمـ ُّ‬ ‫أولن ــا‪ -‬لنم ــارس‬ ‫دقائ ــق مع ــدودة‪ ،‬بعده ــا نتس ــابق‪ -‬وه ــو ّ‬ ‫ش ــهوة العصي ــان‪ .‬ذات م ـّـرة‪ ،‬صادفن ــا‪ ،‬ف ــي غرفت ــه‪ ،‬أح ــد‬ ‫القساوســـة‪ ،‬أو الرهبـــان‪ ،‬بلباســـه األســـود الفضفـــاض‪،‬‬ ‫شـــاب نقـــي‪ ،‬ووجهـــه يوحـــي بالذنـــب‬ ‫كانـــت قامتـــه قامـــة‬ ‫ّ‬ ‫والغفـــران‪ ،‬ورغبتـــه فـــي الـــكالم أمـــام الضيـــوف الشـــعراء‬ ‫تعـــادل رغبتنـــا فـــي الصمـــت أمـــام راهـــب‪ ،‬فاجأنـــاه‬ ‫بإنصاتنـــا‪ ،‬وفاجَأنـــا باعترافاتـــه عـــن غرامـــه المحمـــوم‬ ‫بش ــعر ن ــزار قبان ــي‪ .‬لحظ ــة اعتراف ــه‪ ،‬رأين ــا احم ــرار وجه ــه‬ ‫ولس ــانه‪ ،‬أش ـ ّ‬ ‫أوالً‪ -‬حم ــرة الخج ــل‪ ،‬ث ــم‬ ‫ـك أنن ــي ظننته ــا‪َّ -‬‬ ‫وتصورته ــا حم ــرة الش ــهوات المكبوت ــة‪،‬‬ ‫عدل ــت ع ــن ظّن ــي‬ ‫ّ‬ ‫وتذك ــرت راه ــب هرم ــان هس ــه‪ .‬آن ــذاك‪ ،‬كان إدوار يراقبن ــا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ويفحـــص ردود أفعالنـــا‪ ،‬كأننـــا شـــعبه الـــذي‪ ،‬ذات يـــوم‪،‬‬ ‫قـــد يطيـــح بـــه‪ ،‬ومـــن الحائـــط كانـــت صـــورة البابـــا هـــي‬ ‫األخــرى تراقبنــا‪ ،‬قبــل زيارتنــا األولــى إلدوار‪ ،‬كّنــا قــد قرأنــا‬ ‫‪94‬‬

‫مجموعتـــه «حيطـــان عاليـــة»‪ ،‬بغالفهـــا الـــذي يشـــبه نحتـــ ًا‬ ‫عل ــى ج ــدار‪ ،‬كلّن ــا اش ــتريناها م ــن س ــور الكت ــب القديم ــة‪،‬‬ ‫س ــور األزبكي ــة‪ .‬كان تاري ــخ صدوره ــا ع ــام ‪ ،1959‬يس ــبق‬ ‫أي واحـــد منّـــا‪ ،‬فـــي ســـنة ‪ 1972‬اشـــترينا‬ ‫تاريـــخ بلـــوغ ّ‬ ‫«س ــاعات الكبري ــاء»‪ ،‬م ــن مكتب ــة الكت ــب الجدي ــدة‪ ،‬مكتب ــة‬ ‫مدبول ــي‪ ،‬الوحي ــدة الت ــي فتح ــت عيونن ــا عل ــى مطبوع ــات‬ ‫بي ــروت‪ ،‬بهرتن ــا المجموعت ــان‪ ،‬بهرتن ــا اللغ ــة الت ــي جن ــح‬ ‫إليه ــا‪ ،‬وجن ــح به ــا‪ ،‬والنظ ــرة المائل ــة الت ــي اندهش ــت وه ــي‬ ‫ت ــرى األش ــياء والموج ــودات والبش ــر‪ ،‬مازل ــت أذك ــر كي ــف‬ ‫احتفـــى يحيـــى حقـــي بالحيطـــان العاليـــة‪ ،‬مازلـــت أذكـــر‬ ‫كي ــف وثق ــت بحفاوت ــه‪ ،‬واعتبرته ــا ش ــاهدًا عل ــى مزاج ــي‪.‬‬ ‫محمـــد خـــاف شـــاركني هـــذه المشـــاعر‪..‬‬ ‫كانـــت الكتابـــة القصصيـــة‪ ،‬قبـــل إدوار‪ ،‬كلّهـــا فـــي جانـــب‪،‬‬ ‫وحيطانـــه وســـاعات كبريائـــه فـــي الجانـــب اآلخـــر‪ ،‬حيـــث‬ ‫القصاصـــون غيـــره‪ ،‬يحكـــون بشـــفاههم‪ ،‬فـــي األغلـــب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وه ــو‪ ،‬ف ــي األغل ــب‪ -‬أيضــاً‪ -‬يحف ــر بلس ــانه‪ ،‬ه ــم ينزل ــون‬ ‫ـق نه ــره‪،‬‬ ‫إل ــى النه ــر أكث ــر م ــن م ـّـرة واليس ــأمون‪ ،‬وه ــو يش ـ ّ‬ ‫ـؤدي واجباتهــا‬ ‫وال ينزلــه إال مـّـرة واحــدة‪ ،‬لغاتهــم عابــرة تـ ّ‬ ‫وتنص ــرف وتأف ــل‪ ،‬ولغت ــه حاض ــرة بغي ــر واجب ــات إال أن‬ ‫تحافـــظ علـــى اســـتمرار إقامتهـــا‪ .‬منـــذ ‪ 1959‬حتـــى ‪،1972‬‬ ‫كانـــت الحيطـــان والســـاعات همـــا إنجـــاز إدوار اإلبداعـــي‪،‬‬ ‫صحـــة ليـــون تروتســـكي‪،‬‬ ‫كأن إدوار الـــذي احتفـــل فـــي ّ‬


‫نظرياتــه ورؤاه‪ ،‬كان يشــعر بأنــه‬ ‫صحــة‬ ‫والــذي ُسـ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ـجن فــي ّ‬ ‫مقم ــوع تح ــت س ــماء عص ــر عب ــد الناص ــر العظي ــم‪ ،‬الس ــماء‬ ‫الت ــي ل ــم تس ــمح ألح ــد بالطي ــران بعي ــداً‪ ،‬ل ــذا ه ــرب إدوار‪،‬‬ ‫ف ــي فت ــرة القم ــع‪ ،‬م ــن الكتاب ــة إل ــى الترجم ــة‪ :‬أح ــد عش ــر‬ ‫كتابـــاً‪ ،‬بينهـــا «الحـــرب والســـام» لتولســـتوي‪ ،‬وبينهـــا‪-‬‬ ‫أيضـــاً‪ -‬روايـــة «الشـــوارع العاريـــة» لفاســـكو براتولينـــي‪،‬‬ ‫اإليطال ــي ال ــذي مازل ــت أط ــارده‪ ،‬وبينه ــا‪ ،‬كذل ــك‪« ،‬مش ــروع‬ ‫الحيـــاة» لفرانســـيس جانســـون‪...‬‬ ‫أتذك ــر‪ ،‬اآلن‪ ،‬جي ــداً‪ ،‬أن زيارتن ــا األول ــى إلدوار كان ــت س ــنة‬ ‫َّ‬ ‫‪ ،1978‬قرأنـــا عليـــه شـــعرنا‪ ،‬واغتبطنـــا عندمـــا احتفـــظ‬ ‫كل‬ ‫ممـــا قرأنـــاه‪ ،‬واغتبطنـــا أكثـــر عندمـــا أهـــدى ّ‬ ‫بصـــورة ّ‬ ‫واح ــد من ــا نس ــخة تجريبي ــة م ــن روايت ــه «رام ــة والتنّي ــن»‬ ‫التـــي ســـتصدر بعـــد ذلـــك‪ ،‬بعـــام واحـــد‪ ،‬وكمـــا انشـــغلنا‬ ‫ـص أدب ــي‪ ،‬انش ــغلنا به ــا‪ ،‬وبس ــبب حماقتن ــا‪،‬‬ ‫بـ«رام ــة» كن ـ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كســـيرة أكيـــدة جعلتنـــا نغتـــاظ مـــن محمـــود درويـــش‪،‬‬ ‫ال ــذي ظنن ــاه الش ــاعر ال ــذي س ــيخطف «رام ــة» م ــن إدوار‪،‬‬ ‫المه ـّـم أن ــه من ــذ «رام ــة والتنّي ــن»‪ ،‬انتق ــل إدوار م ــن الترجم ــة‬ ‫إل ــى التألي ــف‪ ،‬س ــواء التألي ــف بنفس ــه أو التبش ــير بتآلي ــف‬ ‫بعـــض اآلخريـــن‪ ،‬والجامـــع بينهمـــا هـــو ذلـــك اإللحـــاح‬ ‫ـل‬ ‫عل ــى مفارق ــة المت ــن‪ ،‬وتعمي ــر الهام ــش‪ ،‬هامش ــه ال ــذي ظ ـ ّ‬ ‫أولهـــا «الحساســـية الجديـــدة»‬ ‫يحمـــل تســـميات تتوالـــى‪ّ ،‬‬ ‫التـــى انطلقـــت‪ ،‬وحلّقـــت‪ ،‬وشـــاعت‪ ،‬واســـتخفّها النقّـــاد‬ ‫تهيبوهـــا‪ ،‬وبعـــد‬ ‫اإليديولوجيـــون‪ ،‬وبعـــد اســـتخفافهم َّ‬ ‫التهي ــب حاول ــوا أن يحاصروه ــا‪ ،‬وفيم ــا التس ــمية تتع ـ َّـدل‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫تصبــح الكتابــة عبــر النوعيــة‪ ،‬ثــم تصبــح مــا وراء الواقــع‪،‬‬ ‫وش ــاهداها الدائم ــان هم ــا رواي ــات إدوار وقصص ــه‪ ،‬وش ــعر‬ ‫الســـبعينات وقصصـــه‪ ،‬يضـــاف إليهمـــا شـــواهد متناثـــرة‬ ‫أخــرى‪ ،‬فعلــى الرغــم مــن أن إدوار كان شــريك ًا فــي صناعــة‬ ‫«غالي ــري ‪ :»68‬الجماع ــة‪ ،‬والمجّل ــة‪ ،‬والت ــي َع َّده ــا البع ــض‬ ‫مــرآة جيــل الســتينات‪ ،‬إال أن إنجــاز إدوار الراســخ كان فــي‬ ‫تقديمـــه لجيـــل الســـبعينات‪ ،‬وأكثـــر الذيـــن خانـــوه كانـــوا‪-‬‬ ‫أيضـــاً‪ -‬مـــن أبنـــاء ذلـــك الجيـــل‪ ،‬فلحظـــة إدوار الذهبيـــة‬ ‫وافقـــت‪ -‬بالضبـــط‪ -‬لحظـــة جيـــل الســـبعينيات‪ ،‬كأنهمـــا‪،‬‬ ‫مع ـاً‪ ،‬أصــل ومــرآة‪ ،‬وإدوار صاحــب مرايــا‪ ،‬والســبعينيون‬ ‫أصحـــاب مرايـــا‪.‬‬ ‫اصط ِحبــت الســيدة مهــا بيرقــدار الخــال‪ ،‬زوجــة‬ ‫ذات مســاء‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أحســت‬ ‫الشــاعر يوســف الخــال‪ ،‬إلــى منــزل إدوار‪ ،‬غيــر أنهــا ّ‬ ‫بانقبـــاض وضيـــق‪ ،‬فانصرفنـــا‪ ،‬واســـتأجرنا قاربـــ ًا فـــي‬ ‫ولم ــا س ــألتها‪ :‬لم ــاذا‬ ‫الني ــل‪ ،‬أع ــاد إل ــى وجهه ــا بشاش ــته‪ّ ،‬‬ ‫ـت أنه ــا‬ ‫ـ‬ ‫فأدرك‬ ‫ـت‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ض ــاق ص ــدرك؟ غمغم ــت وهمهم ــت وصمت‬ ‫ُ‬ ‫ـح‪ :‬فــي‬ ‫لــم تســتطع أن تــرى وجههــا فــي مــرآة إدوار‪ ،‬األصـ ّ‬ ‫إح ــدى مراي ــاه‪..‬‬ ‫فـــي منـــزل إدوار‪ ،‬صادفـــت كثيريـــن‪ ،‬وأحببـــت‪ ،‬وكرهـــت‬ ‫كثيريـــن‪ :‬أحببـــت توفيـــق حنـــا‪ ،‬والقـــس العاشـــق‪ ،‬ولـــم‬ ‫أحتم ــل ب ــدر الدي ــب‪ .‬وعل ــى لس ــان إدوار صادف ــت كثيري ــن‪،‬‬ ‫وأحببــت‪ ،‬وكرهــت كثيريــن‪ :‬أحببــت عدلــي رزق اللـــه وأحمــد‬

‫مرســـي‪ ،‬واعتـــدال عثمـــان‪ ،‬وســـعيد الكفـــراوي‪ ،‬ونبيـــل‬ ‫نعـــوم‪ ،‬ورؤوف مســـعد‪ ،‬وابراهيـــم أصـــان‪ ،‬وكرهـــت‬ ‫يوس ــف الس ــباعي‪ ،‬ول ــم أس ــتطع أن أتعاط ــف مع ــه‪ ،‬أقص ــد‬ ‫بشـــجن‪ -‬كيـــف‬ ‫مـــع إدوار‪ ،‬عندمـــا‪ ،‬ذات ليلـــة‪ ،‬حكـــى‪-‬‬ ‫َ‬ ‫نجـــا مـــن المـــوت ســـاعة اغتيـــال يوســـف‪ ،‬ولـــم أســـتطع‬ ‫ـــرنا‬ ‫أن أخفـــي فرحتـــي‪ ،‬عندمـــا‪ ،‬ذات ليلـــة أخـــرى‪َّ ،‬‬ ‫بش َ‬ ‫بـــأن روايـــة جديـــدة وأولـــى إلبراهيـــم أصـــان‪ ،‬اســـمها‬ ‫«إمبابـــة مدينـــة مفتوحـــة»‪ ،‬ســـوف تزيـــح ثالثيـــة نجيـــب‬ ‫ولمـــا نشـــر إبراهيـــم روايتـــه بعنـــوان آخـــر‪:‬‬ ‫محفـــوظ‪ّ ،‬‬ ‫«مال ــك الحزي ــن»‪ ،‬قرأناه ــا‪ ،‬وأحببناه ــا‪ ،‬لكنن ــا ل ــم نس ــتطع‬ ‫أن نّدع ــي أن «مال ــك الحزي ــن» أزاح الثالثي ــة‪ ،‬عرفن ــا أن ــه‪-‬‬ ‫فقــط‪ -‬اســتطاع أن يقــف علــى أحــد أســوارها القريبــة‪ ،‬بعــد‬ ‫عين ــي الح ــارس‪ ،‬وطب ــع أغنيت ــه عل ــى لس ــان إدوار‪.‬‬ ‫أن فق ــأ َ‬ ‫ش ــغل إدوار الخ ـّـراط العال ــم األدب ــي ط ــوال زمن ــه الذهب ــي‪،‬‬ ‫كل أفعـــال‬ ‫لكنـــه‪ ،‬قـــرب نهايـــة زمنـــه‪ ،‬حـــاول أن يفعـــل ّ‬ ‫وبش ـ َـر‬ ‫اإلنس ــان الكام ــل‪ :‬كت ــب الش ــعر‪ ،‬ورس ــم اللوح ــات‪ّ ،‬‬ ‫بالقص ــة القصي ــدة‪ ،‬فج ــاء ش ــعره‪ ،‬مث ــل ش ــعر ب ــدر الدي ــب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫خاليـــ ًا مـــن التـــراب والمـــاء والهـــواء‪ ،‬وجـــاء رســـمه مثـــل‬ ‫قصت ــه مجهولي ــن‬ ‫رس ــم ش ــخص ال أعرف ــه‪ ،‬وأصب ــح أبط ــال ّ‬ ‫أهمّيـــة ســـوى أنهـــا‬ ‫ّ‬ ‫منســـيين‪ ،‬ولـــم تعـــد لهـــذه األفعـــال ّ‬ ‫تعيننـــا علـــى النظـــر والســـفر داخـــل قصصـــه ورواياتـــه‪،‬‬ ‫أيـــام عصـــره الذهبـــي‪.‬‬ ‫التـــي أنشـــأها ّ‬ ‫أذك ــر أن ــه‪ ،‬بع ــد أن أص ــاب إدوار م ــرض النس ــيان‪ ،‬اّتصل ــت‬ ‫ب ــه تليفونيــاً‪ ،‬وف ــور أن س ــمعت صوت ــه‪ ،‬س ــمعت ص ــوت‬ ‫جورجيـــت‪ ،‬كانـــت علـــى الســـماعة األخـــرى‪ ،‬تحـــاول أن‬ ‫التذكـــر‪ ،‬وأن تعيننـــي علـــى الفهـــم‪ .‬بعدهـــا‪،‬‬ ‫تعينـــه علـــى‬ ‫ُّ‬ ‫ولم ــا ق ــرأت خب ــر نعي ــه‪،‬‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫التجرب‬ ‫ـرار‬ ‫ـ‬ ‫تك‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫ل ــم أج ــرؤ عل‬ ‫ّ‬ ‫رأيتـــه أمامـــي‪ :‬فـــي يـــده ســـيجارة‪ ،‬وضحكتـــه تجلجـــل‪،‬‬ ‫فتخيلت ــه‬ ‫وذكريات ــه ع ــن الس ــرياليين المصريي ــن تم ــأ فم ــه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫يراوغنــي بالمــوت‪ ،‬وآثــرت أن أصـ ِّـدق اللعبــة‪ ،‬وطلبــت منــه‬ ‫أن يمنحنــي بعــض الوقــت كــي أقــرأ ترجمتــه لبــول إيلــوار‪،‬‬ ‫الت ــي كن ــا نن ــوي أن ننش ــرها ف ــي مطبوعاتن ــا‪ ،‬لكن ــه ابتس ــم‬ ‫ابتســـامته الماكـــرة‪ ،‬وهمـــس فـــي أذنـــي‪ :‬اعذرنـــي‪ ،‬إنهـــم‬ ‫ينتظرونـــي‪ ،‬ســـألته‪ :‬مـــن؟‪ ،‬أجابنـــي‪ :‬الســـيد المســـيح‪،‬‬ ‫وأمـــي‪ ،‬ثـــم أضـــاف‪ :‬وســـوف أنتظـــرك‪.‬‬ ‫وألبيركامـــي‪ّ ،‬‬ ‫وبعـــد أن خطـــا خطـــوة‪ ،‬بعيـــدًا عـــن الزمـــن‪ ،‬عـــاد وقـــال‬ ‫أيهـــا المغفَّـــل‪،‬‬ ‫تتأخـــر‪،‬‬ ‫لـــي‪ :‬أنصحـــك أن ّ‬ ‫تشـــبث بوقتـــك‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ثـــم قفـــز إلـــى أعلـــى‪ ،‬فجلســـت أســـأل نفســـي‪ :‬مـــا هـــذا‬ ‫الش ــيء ال ــذي يجمعه ــم ف ــي قلب ــي‪ :‬ج ــورج حني ــن‪ ،‬ومحم ــد‬ ‫عب ــد الوه ــاب‪ ،‬وفي ــروز‪ ،‬وأنس ــي الح ــاج‪ ،‬وإدوار الخ ـّـراط؟‬ ‫ولم ــا ل ــم أع ــرف اإلجاب ــة‪ ،‬انكف ــأت عل ــى وجه ــي‪ ،‬وحلم ــت‬ ‫ّ‬ ‫ببحي ــرة م ــن الع ــرق‪ ،‬س ــبحت فيه ــا‪ ،‬وس ــمعتهم يقول ــون‪،‬‬ ‫وه ــم يش ــيرون إليه ــا‪ :‬بحي ــرة الوق ــت‪ ،‬بحي ــرة الوق ــت‪ ،‬ث ــم‬ ‫انصرفـــوا إلـــى الجنـــازة‪ ،‬كأنهـــم يحتفلـــون‪.‬‬ ‫‪95‬‬


‫ّ‬ ‫محطات إدوار التي ال تنتهي‬ ‫أحمد طه‬

‫الخراط لم تثــر اهتمام‬ ‫هنــاك ّ‬ ‫محطــات في رحلــة إبــداع إدوار ّ‬ ‫وتميزها‪،‬‬ ‫تهــا‬ ‫ي‬ ‫بأهم‬ ‫اعتقادنــا‬ ‫رغــم‬ ‫كثر‪،‬‬ ‫وهم‬ ‫ّــاده‪،‬‬ ‫معظــم نق‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫لتفردهــا من حيث زمــن الكتابة الطويــل‪ ،‬وإنما‬ ‫ليــس‪ ،‬فقــط‪ُّ ،‬‬ ‫جوانية من حياة إدوار‬ ‫ألنها تلقي الضوء الكاشف على جوانب ّ‬ ‫الخــراط‪ ،‬لم يكشــف عنها‪ ،‬ســواء في أحاديثــه الصحافية‪ ،‬أم‬ ‫ّ‬ ‫المحطات هي المتتالية‬ ‫وأهم هذه‬ ‫الذاتية‪.‬‬ ‫سيرته‬ ‫عن‬ ‫كتبه‬ ‫فيما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القصصية‪ ،‬التي نشرها عام (‪1985‬م)‪ ،‬بوصفها روايته الرابعة‬ ‫بعد «أضالع الصحراء»‪ ،‬و«رامة والتنّين»‪ ،‬و«الزمن اآلخر»‪.‬‬ ‫كقصة قصيرة‬ ‫الخراط ّ‬ ‫والواقع أن هذه المتتالية‪/‬الرواية بدأها ّ‬ ‫‪96‬‬

‫فــي مجموعتــه القصصيــة األولــى «حيطــان عاليــة»‪ ،‬والتــي‬ ‫الخاصــة‪ ،‬وكان عنوان‬ ‫اصدرهــا عــام (‪1959‬م)‪ ،‬على نفقتــه‬ ‫ّ‬ ‫الســكة الحديــد» وترتيبها‪ ،‬فــي المجموعة‪،‬‬ ‫«محطــات‬ ‫القصــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القصة األولى «حيطــان عالية»‪ ،‬ثم الثانية «الشــيخ‬ ‫جــاء بعــد ّ‬ ‫عيســى»‪ ،‬وكانت هي الثالثة في الترتيب‪ ،‬فإذا اعتمدنا تصريح‬ ‫قصة كتبها‪ ،‬وإذا افترضنا‬ ‫أول ّ‬ ‫إدوار بــأن «حيطان عالية» هي ّ‬ ‫ــب أقاصيصــه‪ ،‬فــي المجموعة األولــى‪ ،‬طبقــ ًا لترتيب‬ ‫أنــه َّ‬ ‫رت َ‬ ‫كتابتهــا‪ ،‬فذلــك يعود‪ -‬في الغالب‪ -‬إلى أواســط الخمســينيات‬ ‫مــن القرن الماضي‪ ،‬أي بعد تجربة اعتقاله وســجنه بســنوات‬


‫تــم اعتقاله فــي عــام (‪ 1948‬م)‪ ،‬وأمضى في‬ ‫معــدودة‪ ،‬حيــث ّ‬ ‫ال بين معتقالت‪( :‬أبو قير ‪ -‬هايكســتيب‬ ‫المعتقل ســنتين‪ ،‬متنق ً‬ ‫ الطور)‪.‬‬‫الســكة الحديد»‪ ،‬هو‬ ‫ات‬ ‫«محط‬ ‫كتابة‬ ‫بتاريخ‬ ‫نهتم‬ ‫يجعلنــا‬ ‫وما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ظل مهيمن ًا‬ ‫القصــة‪ ،‬والذي ّ‬ ‫الجو الكابوســي المهمين على ّ‬ ‫ذلــك ّ‬ ‫علــى ما كتبــه بعدها‪ ،‬تحت العنوان نفســه‪ ،‬والــذي صدر بعد‬ ‫تضم‬ ‫أكثــر مــن ثالثين عام ًا من كتابته ّ‬ ‫للقصــة األولى‪ ،‬كرواية ّ‬ ‫خمــس قصص‪َ ،‬ت َّم ترقيمها باألرقام من (واحد) إلى (خمســة)‪،‬‬ ‫وكأنها فصول من عمل واحد‪ ،‬اســتغرقت كتابته زمن ًا قياســياً‪،‬‬ ‫يتكرر‪ ،‬في تاريخ الكتابة السردية العربية‪،‬‬ ‫في طوله‪ّ ،‬‬ ‫ربما لم ّ‬ ‫في العصر الحديث‪.‬‬ ‫قصــة ما على أجواء كابوســية أن‬ ‫احتواء‬ ‫يعنــي‬ ‫وبالطبــع‪ ،‬ال‬ ‫ّ‬ ‫يكون كاتبها قد عانى مرارة االعتقال‪ ،‬بسبب انتماءاته السياسية‬ ‫والفكريــة‪ ،‬ولكــن هنــاك إشــارات عديــدة فــي هــذه المتتاليــة‬ ‫القصة األولى‬ ‫القصصيــة‪ ،‬تكاد ِّ‬ ‫تؤكد ما نذهب إليه‪ ،‬فالبطل في ّ‬ ‫الــركاب الذين تنبعث‬ ‫يســافر فــي عربة قطار مغلقــة‪ ،‬يحيط به ّ‬ ‫والمقززة‪ ،‬وهناك العســكري الضخم‬ ‫منهــم الروائح المتباينــة‬ ‫ّ‬ ‫ويتنخم في منديله األحمر‬ ‫تكو َم أمامه في سترته السوداء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الذي َّ‬ ‫الــرث الذي يجلس إلــى جانبه مع حقيبته‬ ‫الباهــت‪ ،‬ثم األفندي‬ ‫ّ‬ ‫القصة الثانية يظهر العســكري جالس ًا‬ ‫المربوطة بدوبارة‪ ،‬وفي ّ‬ ‫المحطــة‪ ،‬منتفخ ًا فــي بدلته الصفراء‪ ،‬وأشــرطته‬ ‫عنــد مكاتــب‬ ‫ّ‬ ‫كمــه‪ ،‬وهي صور‪ ،‬توحي كلّها‬ ‫على‬ ‫الحمرة‪،‬‬ ‫الداكنة‬ ‫العريضــة‬ ‫ّ‬ ‫بعربات ترحيل المعتقلين‪ ،‬من المعتقل‪ ،‬وإليه‪.‬‬ ‫محطتــه‪ ،‬ودخوله إلــى النفق‬ ‫حتــى بعد وصــول القطــار إلى ّ‬ ‫األرضي للخروج إلى المدينة‪ ،‬يشــعر أن شــيئ ًا ورءاه؛ خطوة‬ ‫مســترقة‪ ،‬شــيئ ًا يرقبه وينتظر أن يوقــع به كي يطبق‬ ‫خفيفة‬ ‫ّ‬ ‫عليــه؛ لذا فهو في حالة هلع دائم من أن تثبت إدانته‪ ،‬وتقترب‬ ‫لحظة الحكم عليه‪.‬‬ ‫«الخــراط» بلغته الشــعرية‪ ،‬فهو‪ ،‬في قصصه‪ ،‬شــاعر‬ ‫ويتميــز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقــاص فــي آن واحد؛ لــذا فقد عقــد صداقة وطيدة مع شــعراء‬ ‫ّ‬ ‫وقصاصيه‪ ،‬أســتاذًا لهم‪ ،‬بل كان يرى نفسه‬ ‫جيل الســبعينيات ّ‬ ‫واحــدًا منهم‪ ،‬وأذكر أنه أعطاني وأصدقائي من جماعة أصوات‬ ‫تكونت فــي الســبعينيات‪ ،‬روايته الفــذّة «رامة‬ ‫الشــعرية التــي ّ‬ ‫والتنّيــن» قبــل أن ينشــرها‪ ،‬وكانــت مخطوطة ضخمــة‪ ،‬فقمنا‬ ‫بتصويرهــا عــّدة نســخ‪ ،‬وأقمــت ثالث نــدوات لقــراءة الرواية‬ ‫ومناقشــتها في بيتي‪ ،‬حيث كنا نقيم ندوة خميسية أسبوعية‪،‬‬ ‫وكان البيــت يزدحــم ذلــك اليــوم بشــباب الشــعراء والكّتــاب‬ ‫والمثقّفيــن‪ ،‬الذيــن أدهشــتهم الروايــة بلغتها ذات الحساســية‬ ‫المتحررة من‬ ‫المرهفــة للكلمة‪ ،‬وبنبرتها وإيقاعهــا‪ ،‬وصياغتها‬ ‫ِّ‬ ‫«الخراط» في‬ ‫التركيب التقليــدي للجملة‪ ،‬وهذه الرواية وضعت‬ ‫ّ‬ ‫موقعه الذي يستحقّه‪ ،‬عند هذا الجيل‪ ،‬وعند األجيال الالحقة له‪.‬‬ ‫مثَّلــت هــذه الروايــة طعنة قاتلة ألنمــاط كتابية ســردية كانت‬ ‫المؤسســة الثقافية‬ ‫تعتمــد الواقعيــة الســتينية التــي حاولــت‬ ‫َّ‬ ‫الناصرية ترســيخها في التربة المصرية‪ ،‬وفتحت آفاق ًا واسعة‬ ‫للكّتــاب الذين تحــّدوا هذا النمــط الواقعي‪ ،‬وذلك قبــل أن يقرأ‬ ‫لرواد الواقعية الســحرية الالتينية‪،‬‬ ‫المثقَّفــون األعمال الحديثة ّ‬ ‫التــي أجهزت على تلك الواقعية المثخنة بالجراح القاتلة‪ ،‬التي‬ ‫الخراط» ومدرسته‪ ،‬والتي كانت تكسب‬ ‫أحدثتها كتابات «إدوار ّ‬

‫الشــعر أو في‬ ‫أرضــ ًا جديــدة‪ ،‬كلّما بزغ كاتب جديد‪ -‬ســواء في ّ‬ ‫الســرد‪ -‬يمثِّــل امتــدادًا أو إضافة للجســر الذي وضعــه «إدوار‬ ‫الخراط» باّتجاه الحداثة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لــم ِ‬ ‫قصاص ًا وروائياً‪،‬‬ ‫الطليعــي‪،‬‬ ‫بدوره‬ ‫اط»‬ ‫الخر‬ ‫ّ‬ ‫يكتف «إدوار ّ‬ ‫بمجرد تخلُّصه من أعباء وظيفته نائب ًا لـ «يوســف‬ ‫بل شــارك‪-‬‬ ‫َّ‬ ‫مشــاركة‬ ‫منظمة (التضامن األفرو آســيوي)‪-‬‬ ‫الســباعي»‪ ،‬فــي َّ‬ ‫ً‬ ‫فعالة في الحراك الثقافي الطليعي‪ ،‬فشارك في تأسيس مجلّة‬ ‫ّ‬ ‫«جاليري ‪ »68‬عقب هزيمة النظام الناصري في عام (‪1967‬م)‪،‬‬ ‫وهــي المجلّــة المســتقلّة األولى الفاعلــة في العصر الشــمولي‬ ‫الناصــري‪ ،‬والتــي كانــت رأس حربــة لميــاد حــركات ثقافية‬ ‫مستقلّة في السبعينيات‪ ،‬تلك الحركات التي أجهزت على ثقافة‬ ‫الدولة الشمولية المهترئة‪.‬‬ ‫الخراط» برائد آخر من جيله‪ ،‬تقريباً‪ ،‬هو المثقَّف‬ ‫ّ‬ ‫يذكرني «إدوار ّ‬ ‫الرائــد «أنور كامــل»‪ ،‬الذي التحم بشــباب المثقَّفيــن والكّتاب‪،‬‬ ‫وهمــا‪ ،‬معــاً‪ ،‬قاما بوصل ما انقطع بيــن الثّقافة المصرية فيما‬ ‫قبــل عــام (‪1952‬م) والثّقافــة المصرية الناهضة‪ ،‬بعد ســقوط‬ ‫النظام الشمولي الناصري في عام (‪1967‬م) ثقافياً‪ ،‬رغم بقائه‬ ‫كمؤسسة مهترئة‪ ،‬تمثِّل نظام ًا سياسي ًا مهترئاً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ممن‬ ‫ّة‪،‬‬ ‫ق‬ ‫والشــا‬ ‫محطــات في رحلتنــا الطويلــة‬ ‫كلُّهــم يمثِّلــون ّ‬ ‫ّ‬ ‫عاصرناهم ورأيناهم وعايشناهم‪ ،‬ومن لم نرهم‪ ،‬مثل «جورج‬ ‫حنين»‪ ،‬و«كامل التلمساني»‪ ،‬و«رمسيس يونا»‪ .‬وحتى لو كان‬ ‫الخــراط» آخر هذه الحلقة الرائدة والطليعة‪ ،‬فإن غيابه‬ ‫«إدوار‬ ‫ّ‬ ‫المحطــة األخيرة‪،‬‬ ‫ال يعــّد نهايــة لهذه الرحلــة‪ ،‬وغيابــه ليس‬ ‫ّ‬ ‫ومحطات عديدة‪ ،‬لن تنتهي أبداً‪.‬‬ ‫فمازال هناك طريق طويل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪97‬‬


‫املتمرد بالكتابة عىل الكتابة!‬ ‫ِّ‬ ‫محمد عيد إبراهيم‬

‫المركبة ما‬ ‫الخراط مثــا ًال‬ ‫نموذجي ًا على تلك العالقة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُيعــّد إدوار ّ‬ ‫بين العشــق والكتابة‪ ،‬فهو صريــع الكتابة‪ ،‬والكتابة صريعة‬ ‫الكاتــب‪ ،‬وكالهما صريع العشــق الكامن بينهمــا‪ ،‬بين موجب‬ ‫وموجب‪ ،‬ال بين موجب وسالب‪ ،‬كما في معظم عالقات العشق‬ ‫از َّيَنت لــه‪ ،‬فمنحته من‬ ‫العاديــة‪ ،‬فكلّمــا ازدان الكاتــب للكتابة ّ‬ ‫تارة‪ ،‬في دائرة ال‬ ‫تارة‪ ،‬فتراوده ً‬ ‫نفســها الكثير‪ ،‬فهو يراودها ً‬ ‫تكتمل أبداً‪ :‬الكاتب يشــتّد ويتكثّــف‪ ،‬والكتابة ُتقبل وتروغ من‬ ‫يهمه‬ ‫دون إدبار‪ ،‬بل تدعو ُ‬ ‫وتبحر‪ ،‬وهو يغوص في البحر‪ ،‬ال ّ‬ ‫ظل اسفكســيا الغرق‪ ،‬تنتشــله‬ ‫ينشــد الغرق‪ ،‬ففي ّ‬ ‫الغرق‪ ،‬بل ُ‬ ‫الكتابة ليســتروح أنفاســه مــن جديد‪ ،‬حتى تســتمتع بما لدى‬ ‫المريد من طاقة‪ ،‬عليها وإليها‪.‬‬ ‫الخراط ناصية اللغة فحسب‪ ،‬بل ناصية السرد أيضاً‪،‬‬ ‫ال يملك ّ‬ ‫محــل الموضوع‪ ،‬بصــورة لــم يملكها إال‬ ‫فهــو يلعــب بالرؤية‬ ‫ّ‬ ‫ظل شطرًا‬ ‫قليل‪ ،‬وهو كان‪ ،‬دائماً‪ ،‬على يسار الكتابة‪ ،‬مع أنه ّ‬ ‫كبيــرًا من حياته على يمين الســلطة‪ ،‬لم يكــن يوائم‪ ،‬لكنه لم‬ ‫ويخزن‬ ‫ّية رائقة‪ ،‬حيث يكتب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يكن يناهض‪ ،‬بل يلعب لعبة فنّ‬ ‫مــا يكتــب‪ ،‬إلى حيــن‪ ،‬فقد أصــدر مجموعته األولــى «حيطان‬ ‫عاليــة» أواخــر الخمســينيات‪ ،‬وبعدهــا‪ ،‬بســنين‪ ،‬مجموعته‬ ‫الثانية «ســاعات الكبرياء»‪ ،‬حيث لم يكن يرى أن الوقت ٍ‬ ‫موات‬ ‫لطرح ما يطرح‪ ،‬فقد كان السرد الواضح‪ ،‬ومثاله المعلّم األكبر‬ ‫«نجيب محفوظ»‪ ،‬مســيطراً‪ ،‬علــى الرغم من اضطهاد صاحبه‬ ‫أيضاً؛ فقد كان الزمن‪ -‬ظاهرياً‪ -‬لليســار‪ ،‬مع صمته وســكوته‬ ‫لــكل من يملك‬ ‫البليــغ عــن يمينية الســلطة غالبــاً‪ ،‬بل وقهرها ّ‬ ‫الرأي المناهض‪.‬‬ ‫الخــراط أولى أعمالــه الفارقــة «رامــة والتنّين» إال‬ ‫لــم يصــدر‬ ‫ّ‬ ‫متمردة‬ ‫فــي أواخر الســبعينيات‪ ،‬حيث ظهرت جماعــات أدبية ِّ‬ ‫نسبياً‪( :‬إضاءة)‪ ،‬و(أصوات)‪ ،‬فوجد الوقت مواتي ًا لطرح ما قد‬ ‫قمة سعادته‪،‬‬ ‫يبلع كثيرًا من الســرد‬ ‫الروائي حينها‪ ،‬وكان في ّ‬ ‫ّ‬ ‫فعليــاً‪ ،‬حيــن نجحت الرواية فــي تلقّي الثنــاء‪ ،‬عليه وعليها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪98‬‬

‫عرابــ ًا لجيــل الســبعينات‪ ،‬يــراه‪،‬‬ ‫وأنــا رأيتــه وقتهــا‪ ،‬وكان ّ‬ ‫يوجهــه‪ ،‬أحياناً‪ ،‬في‬ ‫ويكلّمــه‪ ،‬وينتقــده‪ ،‬ويجلس معــه‪ ،‬بل ّ‬ ‫ويشــجع بعضــ ًا منا على الخوض فيه‬ ‫درب قد َخِبره من قبل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إلى ما ال نهاية‪.‬‬ ‫الســيَد في الروايــة‪ ،‬والقصص‪،‬‬ ‫فيه‬ ‫اط‬ ‫الخر‬ ‫كان‬ ‫حــل زمــان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تشــعبت فيما بعد‪ ،‬ولم‬ ‫الدروب‬ ‫لكن‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫والنقد‬ ‫والترجمــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ثمة‬ ‫يعــد وحده َم ْن ينتهك اللغة والســرد والرؤية‪ ،‬بل صارت ّ‬ ‫أجنحة كثيرة‪ ،‬ضّده‪ ،‬وهي دورة الزمن البليغة التي ال ينبغي‬ ‫لكل فترة ســيٌد يصول ويجــول في األدب‪ ،‬ثم‬ ‫أن نغفــل عنها‪ّ ،‬‬ ‫يتجرأ أكثــر‪ ،‬ويغامر أبعد‪،‬‬ ‫لمــن‬ ‫األمر‬ ‫ويعود‬ ‫تــدور الدوائــر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مبتدعة‬ ‫ويطــرح صروف ًا من اإلبداع مختلفة‪ ،‬ووســائل للخلق َ‬ ‫تســتمر إلى حين‪ ،‬حتى تغلبهــا إبداعات أخرى‪،‬‬ ‫وخليقــة بأن‬ ‫ّ‬ ‫أقــره المجتمع‬ ‫وطرائــق جــّد مختلفة‪ ،‬مختلقــة ّ‬ ‫عما ســبق أن ّ‬ ‫األدبي السائد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المهم «الحساســية الجديــدة»‪« :‬الكتابة‬ ‫الخراط في كتابه ّ‬ ‫يقــول ّ‬ ‫اإلبداعية اختراق ال تقليد‪ ،‬استشكال ال مطابقة‪ ،‬إثارة للسؤال ال‬ ‫تقديــم أجوبة‪ ،‬مهاجمة للمجهول ال رضى عن الذات بالعرفان»‪،‬‬ ‫لكنها‪ ،‬في طرح تقنيات «الحساســية الجديدة»‪ ،‬نراه يســتوعب‬ ‫عّدة تقنيات شــاعت في أوروبا وأميركا‪ ،‬من أواخر الخمسينات‬ ‫حتــى الثمانينــات‪ ،‬ســواء مــن جماعــة «الرواية الجديــدة» في‬ ‫فرنســا‪ ،‬أو «البيت جينيريشن» في أميركا‪ ،‬أو السيرة الفاضحة‬ ‫أو اإليروســية‪ ،‬كمــا عنــد هنــري ميللــر وغيــره‪ ،‬أو الكتابــات‬ ‫المتشــاعرة لــدى بــارت‪ ،‬وباتــاي (وكان رائدًا فــي الكتابة عنه‬ ‫والترجمــة لــه عربيــاً‪ ،‬أواخــر الخمســينيات‪ ،‬قبــل أن يتوفّــى‬ ‫ومــن بعدهما ِمن نقّاد فرنســا وألمانيــا‪ ،‬أو طروحات‬ ‫باتــاي)‪َ ،‬‬ ‫مصري إيهاب حســن‪ ،‬في كتبه التي‬ ‫األميركي مــن أصل‬ ‫الناقــد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫أنشــأت ما أطلــق عليه «ما بعد الحداثة»‪ ..‬إلخ‪ .‬لقد كان واســع‬ ‫مجرد «ناقل»‪ ،‬بل هو مســتوعب‬ ‫الثّقافة ّ‬ ‫فعلياً‪ ،‬ال أقول إنه كان ّ‬ ‫(عندياته)‬ ‫هاضم ومتمثّل‪ ،‬بدرجة عالية‪ ،‬بل مضيف‪ -‬أيضاً‪ -‬من‬ ‫ّ‬


‫الكثيــر‪ ،‬وقد أحدث هــذا الكتاب دورات ورقرقــات وتجلّيات في‬ ‫فترة‪ ،‬كعادة الزمن‬ ‫المصري‪،‬‬ ‫ّقافيين‪:‬‬ ‫والعربــي‪ً ،‬‬ ‫ّ‬ ‫الوســطين الث ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل شيء‪ ،‬ثم قلبه على وجهه‪ ،‬بعد حين‪.‬‬ ‫في تقليب ّ‬ ‫الخراط‪،‬‬ ‫أعمال‬ ‫في‬ ‫ّة‬ ‫ف‬ ‫كا‬ ‫الجميلة‬ ‫الفنون‬ ‫دور‬ ‫نغفل‬ ‫ال ينبغي أن‬ ‫ّ‬ ‫كل شــيء‪ ،‬من واقع‬ ‫ســواء اإلبداعية أو النقدية‪ ،‬فقد كتب في ّ‬ ‫اســتيعابه لــدور هذه الفنــون في صناعة جملتــه أو (جميلته)‬ ‫الحســية‪ ،‬العالية‪ ،‬المشــحونة بالخطاب‬ ‫الرشــيقة‪ ،‬المنيرة‪ّ ،‬‬ ‫المعرفــي العليم‪ ،‬أو تقنيات اإليروســية غالبــاً‪ ،‬حتى لتجدك‬ ‫ّ‬ ‫تستطعمها في فمك‪ ،‬أحياناً‪ ،‬بمذاق ال يروح سهالً‪ ،‬أو الكتابة‬ ‫مــن روح مصريــة خالصــة‪ ،‬قبطيــة أحيانــاً‪ ،‬لكن‪ ،‬مــن دون‬ ‫طائفية‪.‬‬ ‫الخــراط فــي الموســيقى وفي المســرح وفــي الباليه و‪-‬‬ ‫كتــب‬ ‫ّ‬ ‫يــرد الروح التــي يكتب بها‬ ‫الفن‬ ‫طبعــاً‪ -‬فــي ّ‬ ‫التشــكيلي‪ ،‬كأنه ّ‬ ‫ّ‬ ‫إلى أصولها‪ ،‬اســتمع إليه يقول‪« :‬تعصف الوحشة‪ ،‬ثقيلة مع‬ ‫تضمحل أبداً؟»‪ ،‬ويقــول «هذا الصمت‬ ‫ذلــك‪ ،‬ولها وطأة‪ ،‬فهــل‬ ‫ّ‬ ‫حب لك‪ ،‬وفي بؤرة هذا‬ ‫ال‬ ‫لــك‪،‬‬ ‫صوت‬ ‫خيانــة‪ ،‬أنت وحدك ال‬ ‫ّ‬ ‫الحــب نواة الخيانــة المحتومة»‪ ،‬ثم يقول‪« :‬كنــا نخدع قلوبنا‬ ‫ّ‬ ‫الطالــع من أجــواء األنواء‬ ‫الصخر‬ ‫حــول‬ ‫بالــرؤى‬ ‫الوحشــي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫وزَبد الروح المتقلِّب»!‬ ‫البحرية‪َ ،‬‬ ‫الخــراط‪ ،‬قام‪،‬‬ ‫مــن غمــرة الشــعرية المموســقة فــي كتابــات‬ ‫ّ‬

‫بقص المقاطع الشــعرية مــن رواياته‪،‬‬ ‫أواخــر‬ ‫ســني إبداعه‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫نشــرها في دواوين‪ ،‬بعــد غلبة قصيدة النثر‬ ‫وأفر َدها قصائد‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تســيدها غالباً‪ ،‬مهما رأينا من‬ ‫على األوســاط الثّقافية‪ ،‬ال‪ ،‬بل‬ ‫ّ‬ ‫ثمة مجيدين يرونها صنم ًا‬ ‫تهافــت ٍ‬ ‫بعض ممن يكتبونها‪ ،‬إال أن ّ‬ ‫الخراط كتابين عن ســيرته‬ ‫جميــاً‪ ،‬يزدانــون به‪ .‬كذلك‪ ،‬كتب ّ‬ ‫الشــخصية‪ ،‬واإلبداعيــة‪ ،‬فــي آن واحد‪ ،‬فلم يكــن «غوركي»‪-‬‬ ‫مثالً‪ -‬ذا حياة شــخصية خارقة‪ ،‬بل هو مبدع كبير‪ ،‬حياته من‬ ‫مر ًة‪،‬‬ ‫أدبــه‪ ،‬وأدبه من حياته‪ ،‬والعشــق للكتابة يتراوح‪ ،‬هنا ّ‬ ‫مر ًة‪ ،‬بينه وبين المستحيل‪ :‬كتب «مراودة المستحيل»‪،‬‬ ‫وهناك ّ‬ ‫ثــم نشــر «مهاجمــة المســتحيل»‪ ،‬وكالهما نمطان من الســيرة‬ ‫ســنيه اإلبداعية‪ ،‬أو‬ ‫الفكرية لصاحبها‪ ،‬كما رســم‪ ،‬في أواخر‬ ‫ّ‬ ‫فن الكوالج الذي لم يكن بعيدًا عن طرائقه اإلبداعية‪.‬‬ ‫أبدع في ّ‬ ‫الخراط‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ثمة أشــكال وإشــكاليات عّدة‪ ،‬في الكتابة عــن إدوار ّ‬ ‫رواية وشــعرًا وقصص ًا‬ ‫كل شــيء‪:‬‬ ‫فقــد ضــرب بجناحيه فــي ّ‬ ‫ً‬ ‫وســيرة‪ ..‬إلــخ‪ .‬كان عماده تلك‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫وترجمة ومســرح ًا وتشــكي ً‬ ‫ً‬ ‫كل عمل‪ ،‬بل في‬ ‫ّقافــة‬ ‫الث‬ ‫المنوعــة الكثيفــة‪ ،‬والتي تتبّدى فــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل كلمــة راح يكتبهــا‪ .‬يقول في ســيرته‪« :‬كيف انطلقت‪ ،‬دون‬ ‫ّ‬ ‫فالتمرد‪ ،‬وهو أحد ســمات األدب‬ ‫د؟‬ ‫التمر‬ ‫هذا‬ ‫ماح‬ ‫ج‬ ‫مع‬ ‫ع‪،‬‬ ‫تــور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الحداثــي‪ ،‬أفضــى بي إلى البحث عن حقيقة ملتبســة‪ ،‬ما زالت‬ ‫ّ‬ ‫التمرد»‪.‬‬ ‫مطروحة للسعي‪ ،‬ولالكتشاف‪ ،‬ولمزيد من ّ‬ ‫‪99‬‬


‫حوار‬

‫حوار‪ :‬نرسين البخشونجي‬

‫«يوناس لوشر» كاتب سويسري‪ُ ،‬وِلد عام ‪ 1976‬في مدينة «برن»‪،‬‬ ‫يعّد عمله في مكتبة‪ ،‬وهو في الثالثة عشرة‪ ،‬سبب ًا رئيس ًا في تكون‬ ‫ويدرس علم األخالق لطلبة الجامعة‪.‬‬ ‫موهبته األدبية‪ .‬يكتب المقال الصحافي‪ّ ،‬‬ ‫نشــر روايته األولى لم يحبطه‪ ،‬فكتب «ربيع البربر» التي نال عنها عّدة‬ ‫ض ِ‬ ‫َرْف ُ‬ ‫جوائز‪ ،‬منها جائزة الكتاب األلماني‪ ،‬وجائزة «بيرنر»‪.‬‬ ‫نقــرأ‪ ،‬فــي مقطع من رســالة كتبها يوناس لوشــر‪ ،‬فــي النســخة العربية من‬ ‫مؤخراً‪ ،‬في القاهرة‪ ،‬عن دار العربي للنشــر‪ ،‬العبارة‬ ‫روايتــه‪ ،‬التي صــدرت‪َّ ،‬‬ ‫أصرح به‪ :‬هذا الكتاب ليس كتاب ًا عن العالم العربي‪،‬‬ ‫التالية‪« :‬هناك أمر ّ‬ ‫أود أن ّ‬ ‫ومتنوع‪ ،‬بدرجة ال تسمح لكتاب‬ ‫كيف يتأّتى ذلك‪ ،‬والعالم العربي كبير للغاية‬ ‫ِّ‬ ‫واحــد بتناوله؟‪ ،‬كما أنه ليس كتاب ًا عن شــمال أفريقيا‪ ،‬وليس عن تونس‪ ،‬بل‬ ‫وخاصة عن تونس‪ ..‬نظرة السائح»‪.‬‬ ‫هو كتاب يتناول نظرة غريبة‬ ‫ّ‬ ‫للتعمق أكثر في تفاصيل هذه النظرة كان لـ«الدوحة» هذا الحوار‪:‬‬ ‫ُّ‬

‫يوناس لوشر‪:‬‬

‫يخص العرب‬ ‫الغرب أسري أفكاره يف ما‬ ‫ّ‬ ‫ فــي الحقيقــة‪ ،‬نعم؛ فمهنتــي منحتني‬‫القــدرة علــى تحليــل الموقف السياســي‬ ‫وقراءة األحــداث قبل وقوعها‪ .‬في العالم‬ ‫حدث‪،‬‬ ‫العربي‪ ،‬ثمة حركــة ّ‬ ‫خفية كانت َت ُ‬ ‫تنذر بالثورة‪ ،‬الشعوب كانت تغلي‪ ،‬فبدا‬ ‫إلي‪.‬‬ ‫األمر واضح ًا بالنسبة ّ‬

‫§ اعتمــدت‪ ،‬فــي ســرد روايتــك «ربيع‬ ‫البربر»‪ ،‬على ثالثــة أصوات‪« :‬برايزنج»‬ ‫بطــل الروايــة‪ ،‬والرجــل الــذي يتحــّدث‪،‬‬ ‫تخــش أن يتــوه‬ ‫والــراوي العليــم‪ ،‬ألــم‬ ‫َ‬ ‫القارئ في أثناء القراءة؟‬ ‫ فــي الحقيقــة بطــل الروايــة «برايزنج»‬‫ممــل ومزعــج‪ ،‬ألنه ال يســتطيع‬ ‫شــخص ّ‬ ‫أي قــرار‪ ،‬كما أنه‪ ،‬طــوال الوقت‪،‬‬ ‫اّتخــاذ ّ‬ ‫العامــة؛‬ ‫يحــاول أن يتباهــى بمعلوماتــه ّ‬ ‫لذلــك شــعرت‪ -‬وأنــا أكتــب الروايــة‪ -‬أن‬ ‫وجوده‪ ،‬راوي ًا وحيدًا لألحداث‪ ،‬ســيجعل‬ ‫القــارئ يشــعر بالملــل‪ ،‬وربمــا ال يكمــل‬ ‫فكرت أن يكون السرد‬ ‫القراءة أساساً؛ لهذا ّ‬ ‫علــى ثالثــة مســتويات‪« :‬برايزنج يحكي‬ ‫يتحدث‬ ‫بصيغة الحاضر»‪ ،‬والصوت الذي‬ ‫َّ‬ ‫معه هو يحكي الحدث بصيغة «الماضي»‪،‬‬ ‫ويعلِّق على ما يجري من أحداث‪ ،‬بل‪ ،‬في‬ ‫بعض المقاطع‪ ،‬يسخر من «برايزنج»‪ .‬أما‬ ‫كل ما يدور‪،‬‬ ‫الــراوي العليم فهو يحكي لنا ّ‬ ‫شــخصيات‬ ‫وبالطبــع‪ ،‬يحّدثنــا عن باقي‬ ‫ّ‬ ‫تعدد األصوات في‬ ‫الرواية‪ .‬عموماً‪ :‬أفضل ُّ‬ ‫‪100‬‬

‫§ ســعيدة‪ ،‬الســيدة التونســية‪ ،‬ظلّــت‬ ‫تتباهــى بالكــرم العربي األصيــل‪ ،‬لكنها‬ ‫ســكان فندقها‬ ‫حيــن علمت بشــأن إفالس ّ‬ ‫األثريــاء‪ ،‬طردتهم على الفور دون لحظة‬ ‫رد فعــل‬ ‫تفكيــر‪ .‬إلــى أي مــدى يتطابــق ّ‬ ‫الشخصية مع الواقع؟‬ ‫الكتابة‪ ،‬ألنها تساعدني على السرد وطرح‬ ‫أكثر من وجهة نظر لألحداث‪.‬‬

‫§ روايتــك استشــرفت ثــورات الربيــع‬ ‫مكَنك‬ ‫العربي‪ ،‬هل كونك كاتب ًا سياســي ًا َّ‬ ‫من تحليل األوضاع في المنطقة؟‬

‫وتتص َّرف‬ ‫ســيدة أعمال‪،‬‬ ‫أوالً‪ ،‬ســعيدة ّ‬ ‫ ّ‬‫َ‬ ‫وتفكر على هذا األساس‪ ،‬كما أنها شخصية‬ ‫ِّ‬ ‫صعبة‪ .‬ثانياً‪ :‬في عالم الســياحة‪ ،‬تكون‬ ‫العالقــة بيــن الضيــف والمضيــف عالقة‬ ‫تبــادل مصالــح‪ :‬أنــت تدفــع‪ ،‬أنــا لطيف‬ ‫نظرية‬ ‫معــك‪ ،‬والعكــس صحيــح‪ ،‬هــذه ّ‬ ‫حرفياً‪ -‬إنها‬ ‫العمــل‪ .‬مــا أردت أن أقولــه‪ّ -‬‬ ‫ســيدة عربية‪ ،‬تملــك هذا الكرم‬ ‫بوصفها ِّ‬


‫بشكل فطري‪ ،‬لكنها‪ ،‬على الجانب األخر‪،‬‬ ‫تفكر كسيدة أعمال غربية‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫§ رفض البطل برايزنج إعطاء التوكيل‬ ‫كعمال‪،‬‬ ‫لشــركة ألنهــا تســتخدم األطفــال ّ‬ ‫ولكنه حين رآهــم أمام عينه‪ ،‬في مصنع‬ ‫والد «سعيدة»‪ ،‬لم يفعل شيئاً!‪.‬‬

‫ نعم‪ ،‬العالم الغربي أسير بعض األفكار‬‫يخــص حياة العرب‪ .‬مازال عدد ال‬ ‫في ما‬ ‫ّ‬ ‫ال عبارة عن‬ ‫به‪،‬‬ ‫بأس‬ ‫يظن أن تونس مث ً‬ ‫ّ‬ ‫صحــراء وخيول وخيام‪ ،‬لذلــك‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫استخدمت اسم «ألف ليلة وليلة» للمنتجع‬ ‫الــذي تقع فيه األحــداث‪ .‬أردت أن أجذب‬ ‫القــارئ إلــى عالــم الروايــة‪ ،‬مســتخدم ًا‬ ‫تلــك الفكــرة‪ ،‬ثم أعمــل علــى تغييرها‪،‬‬ ‫ببــطء‪ ،‬من خــال الســرد؛ ولهــذا قمت‪،‬‬ ‫خــال زيارتي للقاهرة‪ ،‬بكتابة موضوع‬ ‫صحافــي عن الحيــاة في القاهــرة‪ ،‬لكي‬ ‫أساهم في تغيير تلك النظرة المحدودة‪.‬‬

‫ عمالــة األطفــال مــن الموضوعــات‬‫الشــائكة جّدًا في التناول‪ ،‬فبين معارض‬ ‫مؤيد‪ ،‬يقــع الناس في حيرة‬ ‫لهــا‪ ،‬وآخر ّ‬ ‫مــن أمرهــم‪ .‬معظــم مــاركات المالبــس‬ ‫حاليــاً‪ ،‬لديهــا مصانــع فــي‬ ‫العالميــة‪ّ ،‬‬ ‫الصين وفيتنام وغيرها من دول آســيا‪،‬‬ ‫نحــن نرتــدي المالبس‪ ،‬ونحــن نعلم أن‬ ‫صَنعهــا أطفال‪ ،‬لكننا ســعداء لكون‬ ‫مــن َ‬ ‫مالبســنا «ماركــة»‪ ،‬ورخيصــة الثمــن‪.‬‬ ‫بالنســبة إلى برايزنج‪ ،‬هو شــخص غير‬ ‫قــادر علــى اّتخــاذ القــرارات‪ ،‬وبــد ًال من‬ ‫(خاص ًة‬ ‫مواجهة نفســه بهــذه الحقيقــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بعدمــا رأى األطفــال يعملــون كالعبيــد‬ ‫وحالتهــم مزرية)‪ ،‬وبد ًال مــن أن يعترف‬ ‫بمســؤوليته‪ ،‬كونه صاحب الشركة‪ -‬عن‬ ‫ّ‬ ‫مبررات‪،‬‬ ‫هــؤالء األطفال‪ ،‬أعطى لنفســه ّ‬ ‫المــرة‪ ،‬أن هــؤالء األطفال‬ ‫أحدهــا‪ ،‬هذه ّ‬ ‫ليــس لديهــم عائل‪ ،‬وبد ًال مــن أن يموتوا‬ ‫جوعــ ًا فليعملــوا كــي يعيشــوا حيــاة‬ ‫األقل‪ -‬حياة‪.‬‬ ‫بسيطة‪ ،‬لكنها‪ -‬على ّ‬

‫أوضحــه‪:‬‬ ‫ هــذا‪ ،‬تمامــاً‪ ،‬مــا أردت أن ّ‬‫إن اإلنســان قــد يفعل أي شــيء من أجل‬ ‫أن يبقــى على قيــد الحياة‪ .‬أذكــر أن هذا‬ ‫المقطــع‪ -‬تحديــداً‪ -‬كان مثار جــدل بيني‬ ‫وبيــن زوجتــي التــي تقــرأ أعمالــي قبل‬ ‫نشــرها‪ ،‬حيث قالت لــي‪ :‬أنا موافقة على‬ ‫النص إال الطريقة التي ُقِتل‬ ‫ّ‬ ‫كل ما جاء في ّ‬ ‫بها «رشيد»‪ .‬وأنا أعرف أن ما كتبته كان‬ ‫قاسياً‪ ،‬ولكن هذه القسوة تمثِّل الحياة‪.‬‬

‫§ ولمــاذا َق َّدم «عبد المنصف» بناته إلى‬ ‫برايزنج‪ ،‬وكأنه يعرض عليه جواري؟‬

‫§ حقَّقــت روايتك األولى «ربيع البربر»‬ ‫نجاح ًا كبيراً‪ ،‬ونلت عنها عّدة جوائز‪ ،‬هل‬

‫§ حيــن يتعلّــق األمــر بحيــاة اإلنســان‬ ‫لب‬ ‫يتحول إلى حيــوان همجي‪ ،‬هذا ّ‬ ‫فإنــه ّ‬ ‫موضــوع روايتك‪ ،‬والذي ظهــر جلي ًا في‬ ‫تحــول أبناء الطبقة الراقيــة‪ ،‬في منتجع‬ ‫ُّ‬ ‫«ألــف ليلــة وليلــة» إلــى «بربــر»‪ ،‬حيــن‬ ‫شعروا بالجوع‪...‬‬

‫تفكر في‬ ‫يضعــك هذا تحت ضغط‪ ،‬حيــن ِّ‬ ‫كتابة رواية جديدة؟‬ ‫ أكتب‪ ،‬حالياً‪ ،‬روايتي الجديدة‪ ،‬وأعتقد‬‫جيــد‪ ،‬أو هكــذا‬ ‫أن األمــور تســير بشــكل َّ‬ ‫أظن‪ ،‬فــي بعض األيام‪ ،‬وأحيان ًا أشــعر‬ ‫ّ‬ ‫أني غير قادر علــى كتابة العمل الثاني‪،‬‬ ‫ولكني أظن أني وجدت موضوع ًا شــائق ًا‬ ‫ومختلفــ ًا للكتابة عنــه؛ وهذا ما يجعلني‬ ‫نشــر حين أنتهي‬ ‫ست َ‬ ‫أشــعر بــأن الرواية ُ‬ ‫من كتابتهــا‪ ،‬أتمنّى ذلــك‪ ،‬لكني أعترف‬ ‫يشــكل ضغط ًا‬ ‫األول‬ ‫ِّ‬ ‫بــأن نجاح الكتــاب ّ‬ ‫كبيراً‪ ،‬لكن أصل الضغوط تلك تأتي من‬ ‫إلي‪ ،‬حيث‬ ‫داخل الكاتب‪ّ ،‬‬ ‫خاصة بالنسبة ّ‬ ‫أتمكن مــن التخلُّص مــن الضغوط‬ ‫إننــي ّ‬ ‫أتعرض لهــا‪ .‬لكن األمر‬ ‫التــي‬ ‫الخارجيــة‬ ‫ّ‬ ‫إلــي‪ -‬أن أشــعر أن‬ ‫ِّ‬ ‫المشــجع‪ -‬بالنســبة ّ‬ ‫قر ًاء ينتظرون كتابي الثاني‪.‬‬ ‫هناك ّ‬ ‫§ هل كان لديك مشــاكل في نشر «ربيع‬ ‫البربر»‪ ،‬بوصفها رواية أولى لك؟‬ ‫ حســناً‪« ،‬ربيــع البربــر» هــي روايتــي‬‫نصا منشــوراً‪ ،‬حيث‬ ‫األولــى‪ ،‬بوصفهــا ّ‬ ‫أفكر‪،‬‬ ‫وال‬ ‫ــر‪،‬‬ ‫نش‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫كتبــت رواية أخرى لم ُ َ‬ ‫حالياً‪ ،‬في نشــرها‪ .‬كانــت رواية طويلة‬ ‫جــّداً‪ ،‬كتبتهــا على مدار ســبع ســنوات‪،‬‬ ‫يتحمس لها‪ .‬النشــر‬ ‫لكني لم أجد ناشــرًا ّ‬ ‫ال أبــداً‪ ،‬لكــن هذا‬ ‫فــي ألمانيــا ليس ســه ً‬ ‫لــم يحبطنــي أبــداً‪ ،‬فأنــا أكتــب لمتعتي‬ ‫الشــخصية؛ لذلك كتبت «ربيــع البربر»‪،‬‬ ‫نشر‪ ،‬هي األخرى‪.‬‬ ‫حتى وإن كانت لن ُت َ‬ ‫‪101‬‬


‫بروفايل‬

‫سماح سليم‪..‬‬ ‫أطروحاتها عن أصل الرواية‬ ‫ممدوح فرّاج النايب‬

‫ســماح ســليم(‪ )1‬ناقدة ومترجمة وأكاديمية مصرية‪ ،‬تعيش‬ ‫فــي الغــرب منــذ زمن طويــل‪ ،‬منــذ أن هاجرت مــن مصر مع‬ ‫أســرتها‪ ،‬وهــي ابنــة العاشــرة‪ ،‬حيــث عاشــت فــي المملكة‬ ‫المّتحدة‪ ،‬وليبيا‪ ،‬وفرنســا‪ ،‬وألمانيا‪ .‬وهي مقيمة‪ ،‬اآلن‪ ،‬في‬ ‫الواليــات المّتحدة األميركيــة‪ ،‬حصلت على درجتها الجامعية‬ ‫ّية برنار‪ ،‬في عام ‪ ،1986‬وعلى درجة الدكتوراه‬ ‫األولى من كلّ‬ ‫من قســم اللغات والثقافات الشــرقية واآلســيوية من جامعة‬ ‫درست في جامعة‬ ‫كولمبيا‪ ،‬في عام ‪ .1997‬وقد ســبق لها أن َّ‬ ‫كولمبيا‪ ،‬وجامعة برنســيتون‪ ،‬وجامعــة بروفينس (الواقعة‬ ‫س األدب‬ ‫جنوب فرنسا على حدود إيطاليا)‪ .‬وهي‪ ،‬اآلن‪ُ ،‬تَد ِّر ُ‬ ‫العربــي في جامعة روتجرز في الواليات المتحدة األميركية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫العربي الحديث‪،‬‬ ‫بشــكل أساسي‪ -‬على األدب‬ ‫تتركز أبحاثها‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القرنْين‪ :‬التاســع عشــر‪ ،‬والعشــرين‪ ،‬في‬ ‫خاصــة منــه أدب َ‬ ‫ّ‬ ‫مصــر وبالد الشــام‪ ،‬كما ُتشــرف على وحــدة األدب لبرنامج‬ ‫الدراســات التمهيديــة ألبحاث الدكتوراه‪ ،‬الــذي يحمل عنوان‬ ‫(أوروبا في الشرق األوسط) و(الشرق األوسط في أوروبا)‪،‬‬ ‫والقصة‬ ‫الســردية‪ ،‬مثــل الروايــة‬ ‫ّ‬ ‫مــع اهتمام أكثــر باألنواع ّ‬ ‫القصيــرة ونظريات المقارنة في الرواية والخطابات الثقافية‬ ‫عــن الحداثة‪ ،‬وسياســة الترجمة في الســياقات الكولونيالية‬ ‫(االســتعمارية) وما بعد الكولونيالية (ما بعد االستعمارية)‪،‬‬ ‫كمــا تمــارس الترجمــة؛ حيــث نقلــت العديــد مــن النصوص‬ ‫أهمها ترجمتهــا رواية يحيى‬ ‫العربيــة إلى اإلنجليزيــة‪ ،‬ومن ّ‬ ‫الطاهــر عبــد اهلل «الطوق واإلســورة»‪ ،‬وقد حصلــت بها على‬ ‫جائــزة ســيف غباش‪ ،‬فــي نيبال‪ ،‬عــام ‪ ،)2( 2009‬وجاءت‬ ‫الترجمة بعنوان‪ .»The Collar and the Bracelet« :‬كما‬ ‫قامــت بترجمة رواية ميــرال الطحــاوي «بروكلين هايتس»‪،‬‬ ‫بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ (‪ ،)2010‬التي يمنحها قسم‬ ‫النشر في الجامعة األميركية‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫نشأة الرواية‬ ‫أطروحاتهــا عن نشــأة الروايــة وأصولها‪ ،‬تبدأ من رســالتها‬ ‫والمتخيل‬ ‫للدكتــواره‪ ،‬وقد صدرت في كتاب بعنوان «الرواية‬ ‫َّ‬ ‫الريفــي فــي مصــر ‪ ،»1952 - 1880‬وهــو صــادر باللغــة‬ ‫ّ‬ ‫اإلنجليزيــة عــام ‪ ،2004‬عــن دار النشــر «‪Routledge‬‬ ‫أصَل ْت‬ ‫‪ ،»Curzon‬وهــذا الكتــاب ُي ُّ‬ ‫أهــم كتبها التــي َّ‬ ‫عــد ِمــن ّ‬ ‫العربية المـُــنبثقة مــن الرواية‬ ‫فيهــا لفكــرة أصــول الروايــة‬ ‫ّ‬ ‫مقدمة الكتاب فــي مجلّــة «الكرمل»‪،‬‬ ‫الشــعبية‪ ،‬وقــد نشــرت ِّ‬ ‫ّ‬ ‫«الفلح والرواية الحديثة‬ ‫فــي عدد ‪ 87‬ربيع ‪ ،2006‬بعنــوان ّ‬ ‫فــي مصر»(‪ .)3‬والكتاب محاولة لتجــاوز المعيار األنموذجي‬ ‫أدبيين للرواية‬ ‫الســائد‪ ،‬المـُــصاغ من جانب ُنقّاد‬ ‫ومؤرخيــن ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫غائي؛ لذا ســعت إلى‬ ‫تــراه)‬ ‫العربيــة‪ ،‬وهــذا األنمــوذج (كما‬ ‫ّ‬ ‫«استكشــاف تشكيل الجنس الروائي كعملية تكمن في صميم‬ ‫ومتصارع عليها»‬ ‫تجــارب وإيديولوجيات اجتماعية معقّــدة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫مرتكــزة علــى جهــود باختين‪ ،‬وريمونــد ويليامــز‪ ،‬ولينارد‬ ‫أهمّية في العالقات العضوية بين الثقافات‬ ‫ديفيــز‪ ،‬التي رأت ّ‬ ‫واإليديولوجيــا‪ ،‬بوصفها الفضاء األساســي الــذي ُتْنتج فيه‬ ‫وتوزع كســرديات اجتماعيــة مهيمنة (أو‬ ‫األجنــاس األدبية‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫المهم‪ ،‬في العناصر األساســية‬ ‫ضــّد الهيمنة)‪ ،‬وترى أنه من ّ‬ ‫للرواية‪ ،‬كاللغة والشــخصيات ووجهــة النظر‪ ،‬أن تصاغ من‬ ‫خاللهــا الهيمنــات االجتماعيــة الحديثة‪ ،‬والجنــس الروائي‪،‬‬ ‫عام‪ ،‬قــراءة تاريخ‬ ‫وهــو األمــر الذي يتيــح للرواية‪ ،‬بشــكل ّ‬ ‫الروايــة كتاريــخ لحوار وصــراع بين الطبقــات والخطابات‬ ‫واإليديولوجيات‪.‬‬ ‫فــي دراســتها األخيــرة «وســائل تســلية الشــعب‪ :‬الترجمــة‬ ‫والروايــة الشــعبية والنهضــة فــي مصر»(‪ ،)4‬عادت ســماح‬ ‫سليم‪ ،‬بشيء من التفصيل‪ ،‬مع ذكر األمثلة والنماذج‪ ،‬إلى ما‬ ‫والمتخيل الريفي في‬ ‫طرحتــه‪ ،‬من قبل‪ ،‬في كتاباها «الرواية‬ ‫ّ‬


‫ثمة‬ ‫مصــر»‪ ،‬عن األصول األولى للرواية‪ ،‬حيث تذهب إلى أن ّ‬ ‫نصوصــ ًا أخرى تتقاطع في دائرة النتاجات األولى للرواية‪،‬‬ ‫لفن الرواية تعود إلى ما قبل ذلك‪،‬‬ ‫فترى «أن الجذور األصيلة ّ‬ ‫وكّتاب‪ ،‬كانت أعمالهم األكثر مبيعاً‪ ،‬وناشرين‪،‬‬ ‫مع مترجمين ُ‬ ‫سموه‬ ‫ما‬ ‫تأسيس‬ ‫ســبيل‬ ‫في‬ ‫لســنوات‬ ‫عملوا‬ ‫كخليل صادق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لفــن الروايــة‪ ،‬وحــروب شرســة‪ ،‬خاضهــا‬ ‫(ســوق ُعــكاظ) ّ‬ ‫والتيارات السياســية‬ ‫النشــر‬ ‫ســات‬ ‫مؤس‬ ‫هــذا ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفن الجديد مع َّ‬ ‫الســائدة في مصر‪ ،‬في بداية القرن العشرين‪ ،‬حيث‬ ‫والفكرية ّ‬ ‫الرواية القومية التي‬ ‫أمام‬ ‫معاركها‬ ‫عبية‬ ‫الش‬ ‫الروايات‬ ‫خسرت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أعّد ُنقّادها كتابة التاريخ األدبي بما يتناسب مع طرحهم»‪.‬‬ ‫للرواية تذهب بعيدًا‬ ‫وهــي‪ ،‬بذلك‪ ،‬ترى أن النتاجات األولــى ّ‬ ‫أقر بها‬ ‫عــن فكرة التأثّر الغربي‪ ،‬أو الترجمة والتعريب‪ ،‬التي َّ‬ ‫الكثيــر من الباحثين‪ ،‬كمــا أنها تعود بالالئمــة على التعريب‬ ‫الشــرعية عن هذا النتاج األدبي (أي األعمال‬ ‫ذاته في أنّه نزع‬ ‫ّ‬ ‫أية دراسة‬ ‫إعاقة‬ ‫في‬ ‫نجح‬ ‫بل‬ ‫تهمشــيه‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫ى‬ ‫وأد‬ ‫الشــعبية) ّ‬ ‫ّ‬ ‫جــادة لجنس الرواية األدبــي‪ ،‬باللغة العربية‪ ،‬بخالف قالبه‬ ‫ّ‬ ‫بحــق»(‪ .)5‬وتــرى الكاتبة أن‬ ‫البرجــوازي الســائد والقومــي‬ ‫ّ‬ ‫اتجهت إلى دراســة الروايات‬ ‫النظريــة األدبيــة‪ ،‬في العالــم‪َّ ،‬‬ ‫الشــعبية‪ ،‬كروايــات البنــت المرعبــة (‪)Penny Dreadful‬‬ ‫وروايات السالســل (‪ -)Roman de feuilleton‬على سبيل‬ ‫مهمة في البحث األدبي‪ ،‬في مختلف‬ ‫المثال‪ -‬بوصفها مجاالت ّ‬ ‫التقاليــد القوميــة األوروبية‪ .‬وعلى غرار هــذه المنهج تقول‪:‬‬

‫الشــعبية‪ ،‬في مصر‪ ،‬القدر نفســه‪ ،‬من‬ ‫ــم ال ُنولي الرواية ّ‬ ‫«فِل َ‬ ‫األهمّيــة األدبيــة التاريخيــة واالهتمــام النظــري المتواصــل‬ ‫ّ‬ ‫نفســه‪ ،‬كما ُأوِلــي لمثيلتهــا في إنجلتــرا وإيطاليا وفرنســا؟‬ ‫ال تكتفــي بهــذه الدعوة‪ ،‬وإنما تذكر األســباب التــي آلت إلى‬ ‫وتجملها‬ ‫نزع الشــرعية عن الرواية ّ‬ ‫الشعبية باللغة العربية‪ُ ،‬‬ ‫لكل‬ ‫االجتماعي‪ ،‬والوضع الثقافــي‬ ‫في‪ :‬الوضــع‬ ‫التخصصي ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ثــم هيمنة مفهــوم الــذّات‪ ،‬الليبرالي‬ ‫مــن الحداثــة والقومية‪ّ ،‬‬ ‫مؤسســات التأليف‬ ‫من‬ ‫بها‬ ‫صل‬ ‫ت‬ ‫ي‬ ‫القانونــي األوروبي‪ ،‬ومــا‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫وحقوق النشر في الميدان األدبي‪ ،‬وأخيراً‪ ،‬في القالب الجدلي‬ ‫الهوية إلى‬ ‫للحداثة العربية نفسها‪ ،‬بتحويلها «المضمون» أو‬ ‫ّ‬ ‫عبد‪.‬‬ ‫صنم ُي َ‬

‫الشعبية واالنحدار األخالقي‬ ‫الرّواية ّ‬ ‫أهمّية محاولة ســماح سليم ليست في أنّها ُتعيد االعتبار لهذه‬ ‫ّ‬ ‫الروايــات الشــعبية فحســب‪ ،‬بــل ألنها تضعها علــى خريطة‬ ‫ّ‬ ‫األصــول الروائيــة األولــى‪ ،‬بتعزيــز دورهــا فــي النتاجــات‬ ‫األولى‪ .‬العجيب أن هذه النتاجات األولى‪ ،‬إلى جانب ما القته‬ ‫تعرضــت إلى الســخرية والتقليل مــن قيمتها‪،‬‬ ‫مــن تهميــش‪َّ ،‬‬ ‫كمــا فعــل عبــد المحســن طه بــدر‪ ،‬وقد أرجــع ســبب الرواج‬ ‫الذي حقّقته‪ ،‬في الثلث األخير من القرن التاســع عشــر‪ ،‬إلى‬ ‫القراء شــبه‬ ‫«نمــو التعليــم الجماهيري وصعــود جمهور من ّ‬ ‫‪103‬‬


‫لم ال نُولي الرواية ّ‬ ‫الشعبية‬ ‫َ‬ ‫في مصر القدر نفسه من‬ ‫األهميّة األدبية التاريخية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫واالهتمام النظري المتواصل‬ ‫ي لمثيلتها‪،‬‬ ‫نفسه‪ ،‬كما أُو ِل َ‬ ‫في إنجلترا وإيطاليا وفرنسا؟‬

‫اضطــروا إلى الهروب من واقع االســتعمار‬ ‫المتعلّميــن الذين‬ ‫ّ‬ ‫السياســي واالســتعمار االجتماعي المرير»‪ .‬ومع األسف‪ ،‬إن‬ ‫تجارياً‪،‬‬ ‫تشــكل على الروايــات المربحــة‬ ‫هــذا الجمهــور الذي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقصــص المغامــرات‪ ،‬وروايــات الجريمــة‪ ،‬والــذي ُعــرف‬ ‫الشــعبي»‪ -‬كما وصفه صبري حافــظ‪ -‬كان عند‬ ‫بـ«الجمهــور ّ‬ ‫عبد المحســن طه بدر «أنصاف مثقَّفيــن»‪ .‬مرجع هذا االزدراء‬ ‫للروايــة الشــعبية إلــى تــراث عريض مــن الخطــاب النقدي‬ ‫الحداثــي والقومــي‪ ،‬باعتبار أن هــؤالء المثقَّفين الذين حظوا‬ ‫أهلهم لتحســين وضعهم االجتماعي‬ ‫بفرصــة تعليم‪ ،‬وهو ما ّ‬ ‫داخل الدولة‪ ،‬قد عّدوا الســردية الشــعبية هي النقيض للسرد‬ ‫الحديث‪ ،‬وفي هجومهم عليها نسبوا إليها سبب حالة الفساد‪،‬‬ ‫وعّدوها َعَرض ًا لها‪ .‬لكن اإلدانة‬ ‫المصابــة بها تلك الجماهيــر‪َ ،‬‬ ‫الحقيقية لهذه الروايات هي أنهم نســبوا إليها تكريس الكسل‬ ‫ــزز ذلــك الحكواتــي فــي المقاهي‬ ‫وانتشــار الرذيلــة‪ ،‬كمــا َع َّ‬ ‫الشعبية‪ ،‬بينما أسهمت‪ -‬على َحّد قول سماح سليم‪« :-‬تيمات‬ ‫العجائبية فــي إيمانهم‬ ‫الشــعبية‬ ‫الســير الشــعبية والحدوتة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالخرافة واّتصافهم بالسذاجة والعفوية»(‪ .)6‬وهو األمر الذي‬ ‫ُعــّد موقف ًا مجحف ًا ضّد هذه األجناس األدبية المتعلِّقة بالثقافة‬ ‫ّلــت جــزءًا كبيــرًا مــن الخطــاب‬ ‫ّ‬ ‫الشــعبية‪ ،‬واألغــرب أنّهــا مث ْ‬ ‫النقــدي فــي أوائل القرن العشــرين‪ ،‬وقد تبلور هــذا الخطاب‬ ‫فــي كتابــات أحمــد فتحــي زغلول‪ ،‬حيــن ربط بين مشــروع‬ ‫النهضــة االجتماعــي ومشــروعها السياســي وتدشــين ثقافة‬ ‫أدبية منضبة أو سليمة‪ .‬وحين عزا تخلُّف مصر إلى االنتشار‬ ‫الواســع لـ«القصــص والخرافات» و«التافه مــن المطبوعات»‬ ‫و«كتب التهريج والروايات»‪.‬‬ ‫حق‬ ‫في‬ ‫المجحف‬ ‫التاريخ‬ ‫هذا‬ ‫ســرد‬ ‫تواصل الدكتورة ســماح‬ ‫ّ‬ ‫الروايــات الشــعبية‪ ،‬الذي وصــل‪ -‬كما تقول‪ -‬إلــى أن مجلّة‬ ‫تبرر عدم نشر هذه الرواية‪ ،‬في‬ ‫«المقتطف»‪ ،‬في عام ‪ِّ ،1882‬‬ ‫للمحــرر‪ ،‬بالخوف من «اآلثار األخالقيــة الخطيرة على‬ ‫كلمــة‬ ‫ِّ‬ ‫عقول الشباب سريع التأثر‪ ،‬من الجنسين»‪ .‬وقد أخذ التحقير‬ ‫تطرفاً‪ ،‬حيــث ألقى بعض النقّاد‪-‬‬ ‫جانبــ ًا آخر‪ ،‬وإن كان أكثر ُّ‬ ‫كمــا تقول المؤلّفة‪ -‬باللوم على الرواية الشــعبية‪ ،‬فبســببها‬ ‫‪104‬‬

‫«وقعت مصر تحت السيطرة االستعمارية لفرنسا وبريطانيا»‪.‬‬ ‫عــاوة على األوصاف التي ألصقها بها كبار المثقَّفين‪ ،‬الذين‬ ‫ً‬ ‫ارتبطوا بمشروع النهضة والحداثة‪ ،‬بدايات القرن العشرين‪،‬‬ ‫كمحمــود تيمــور الذي ربط بين الرواية الشــعبية و«الطبقات‬ ‫الدنيا»‪ ،‬أما زكي مبارك فقد وصف مؤلِّفيها بأنهم ينتمون إلى‬ ‫«الطبقــة األدنى من ُكّتــاب األدب»؛ وهو ما قاد هؤالء الكّتاب‬ ‫الذيــن كانوا يمّهــدون لمفهوم نقدي جديد عــن األدب القومي‪،‬‬ ‫إلى تحديد ســمات الروايــة القومية في ثالث خصائص‪ ،‬هي‬ ‫البيئــة‪ ،‬والشــخصية‪ ،‬والزمــن‪ ،‬وحــددت البيئــة المصرية‪،‬‬ ‫والشــخصية المصرية‪ ،‬ســواء مــن الحضر ومــن الريف‪ ،‬مع‬ ‫إدراك للتاريخ القومي‪ .‬وبما أن الرواية الشــعبية قد تملّصت‬ ‫الخاصــة بالذاتية والزمــن والموقع‪،‬‬ ‫مــن المفاهيــم القوميــة‬ ‫ّ‬ ‫فقــد أدرج الكّتــاب والنقّاد الرواية الشــعبية نقيضــ ًا للرواية‬ ‫الحديثة‪ ،‬فإن أحداثها تقع‪ ،‬في أغلب األحيان‪ ،‬في صالونات‬ ‫البرجوازية األوروبية وشــوارع اإلجرام‪ ،‬فــي المدن الكبيرة‬ ‫الحديثة (باريس ولندن ونيويورك وبومباي والقاهرة)‪ .‬لكن‬ ‫الخطيئــة الكبرى التي ارتكبتها الرواية الشــعبية‪ ،‬هي تجنُّب‬ ‫الجدليــة االســتعمارية تمامــاً‪ ،‬وســرد حكايات الهــروب من‬


‫محمد يوسف نجم‬

‫طه حسين‬

‫العقاد‬

‫محمد تيمور‬

‫زكي مبارك‬

‫الواقــع المصري‪ ،‬وهو‪ -‬وفــق التصنيف األدبي «النهضوي»‪-‬‬ ‫مصدر االنحدار األصيل(‪.)7‬‬

‫الترجمة الكاذبة‬ ‫األهمّية الكبرى التي َع َّولت فيهــا الناقدة على الروايات‬ ‫ومــع ّ‬ ‫الشــعبية‪ ،‬بوصفها مصدرًا لنشأة الرواية‪ ،‬إال أن هذا ال يمنع‬ ‫حد كبير‪ ،‬في‬ ‫األهمّية‪ ،‬أنها أسهمت‪ ،‬إلى ٍّ‬ ‫من أن ترى‪ ،‬مع هذه ّ‬ ‫سمى‬ ‫الســرقة‬ ‫ّ‬ ‫األدبية والتزوير‪ ،‬و‪ -‬أيضاً‪ -‬ظهور ما ُي ّ‬ ‫شــيوع ّ‬ ‫الترجمة الكاذبة؛ فمثالً‪ :‬مصطفى لطفي المنفلوطي‪ ،‬الذي لم‬ ‫العامة‬ ‫يكن يعرف ّ‬ ‫أية لغات أوروبية‪ ،‬قّدم ترجمات أصدقائه ّ‬ ‫حد‬ ‫عربي‬ ‫الفرنســية‪ ،‬فــي نثر‬ ‫للروايات‬ ‫طلــي متناغم‪ ،‬على ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قولهــا‪ ،‬إلــى جانب أحمد حســن الزيات وخليل مطــران‪ ،‬وقد‬ ‫وصل األمر بطانوس عبده إلى أن يترجم من الذاكرة‪ ،‬ووفق ًا‬ ‫لما أورده معاصره سليم سركيس «يحمل معه أوراق ًا في أحد‬ ‫جيوبــه‪ ،‬ورواية فرنســية في الجيب اآلخر‪ ،‬ثم يشــرع‪ ،‬بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬في قراءة بضعة سطور‪ ،‬ويعيد الرواية َمّر ًة أخرى إلى‬ ‫يتذكره‬ ‫جيبه‪ ،‬ويبدأ في الكتابة‪ّ ،‬‬ ‫بخط أنيق‪ ،‬لما استطاع أن ّ‬ ‫من بضعة األســطر التي قرأها‪ ،‬ويظل يكتب طول اليوم‪ ،‬من‬ ‫دون أن يشطب كلمة واحدة‪ ،‬أو يعيد قراءة سطر»(‪.)8‬‬ ‫الشــيء الثانــي الــذي تأخــذه ســماح ســليم علــى الروايات‬ ‫الشــعبية‪ ،‬إلــى جانــب ظهــور الترجمــة الكاذبــة‪ ،‬هو كســر‬ ‫هؤالء المترجمين للقواعــد المعجمية والنحوية للغة العربية‬ ‫الكالســيكية؛ وهــو األمر الذي جعل كباراً‪ ،‬أمثال طه حســين‬ ‫والعقّــاد‪ ،‬وصو ًال إلى محمد يوســف نجم وعبد المحســن طه‬ ‫حرّيات‬ ‫بــدر‪ ،‬يشــعرون باألســى والرثــاء إزاء مــا رأوا أنــه ّ‬

‫ربط محمود تيمور بين الرواية‬ ‫الشعبية و«الطبقات الدنيا»‪،‬‬ ‫أ ّما زكي مبارك فوصف‬ ‫مؤلّفيها بأنهم ينتمون إلى‬ ‫«الطبقة األدنى من ُ‬ ‫كتّاب‬ ‫األدب»‬

‫متجــاوزة للحّد الذي تعامل به هؤالء المترجمون والروائيون‬ ‫الشعبيون مع اللغة العربية‪.‬‬ ‫تنتهي الكاتبة في مناقشتها للترجمة إلى أن الغالبية العظمى‬ ‫من األعمال التي تّدعــي أنها ترجمات ضمن مجموع الروايات‬ ‫الشــعبية المصرية‪ ،‬في مطلع القرن (الماضي)‪ ،‬هي روايات‬ ‫تم األخذ بـ«أدب‬ ‫َّ‬ ‫مزيفــة بهذا المعنى المحّدد‪ ،‬كمــا ترى أنه لو ّ‬ ‫الجماهيــر» في َحــّد ذاته‪ ،‬بوصفه مصــدرًا خصب ًا من مصادر‬ ‫الخيــال الروائــي‪ ،‬فإن هذا يشــير إلى أن تاريخــ ًا أدبي ًا دقيق ًا‬ ‫ومعقّــدًا مــن النظــرة للروايــة الشــعبية العربيــة يغــدو أمرًا‬ ‫أساســي ًا بالنســبة إلى إعادة قراءة بنّاءة لـــ «النهضة» كلّها؛‬ ‫ّ‬ ‫وهــو مــا يفضــي‪ ،‬حتماً‪ ،‬إلــى نــزع المركزية عن تفســيرات‬ ‫أدت إلى طريق تاريخي مســدود‬ ‫النهضــة‬ ‫التخصصية‪ ،‬التي ّ‬ ‫ُّ‬ ‫باإلضافــة إلى إثارة تســاؤالت حتمية حــول مفاهيم الثقافة‬ ‫التشكل المعقَّدة‪ ،‬واالنتشار‬ ‫القومية التقليدية‪ ،‬أو حول أنواع‬ ‫ُّ‬ ‫االجتماعي لألجناس األدبية‪.‬‬ ‫هامش‪:‬‬ ‫عما ُن ِشــر عنهــا في موقع‬ ‫مترجمة‬ ‫الدكتــورة‬ ‫عــن‬ ‫الــواردة‬ ‫المعلومــات‬ ‫‪-1‬‬ ‫ّ‬ ‫الجامعة‪.‬‬ ‫‪http://www.amesall.rutgers.edu‬‬ ‫‪ - 2‬جريدة «الحياة»‪ ،‬العدد ‪ ،17089‬بتاريخ ‪.2010 /17/01‬‬ ‫‪ - 3‬مجلّــة «الكرمــل» التــي كان يصدرها إدوارد ســعيد‪ ،‬العــدد ‪ ،87‬ربيع‬ ‫«الفلح والرواية الحديثة في مصر»‪.‬‬ ‫‪ ،2006‬بعنوان ّ‬ ‫‪ - 4‬جاءت الدراســة وفــق كتاب جماعي بعنوان «عصــور نهضة جديد إلى‬ ‫كل من‪ :‬بريندا دين شيلدجن‪ ،‬غانغ تشو وساندر‬ ‫األدب العالمي»‪ ،‬بتحرير ّ‬ ‫غيلمــان‪ ،‬وبترجمــة مــن ِقَبــل الدكتور عالء الديــن محمود‪ ،‬سلســلة «عالم‬ ‫المعرفــة»‪ ،‬الكويــت‪ ،‬رقــم ‪ ،417‬أكتوبر ‪ ،2014‬المجلــس الوطني للثقافة‬ ‫والعلــوم واآلداب‪ ،‬واحتلــت دراســة الدكتــورة ســماح الفصــل الثاني من‬ ‫الكتاب‪ :‬من الصفحة ‪ 51‬إلى الصفحة ‪.76‬‬ ‫‪ - 5‬المرجع السابق‪ :‬ص (‪.)63‬‬ ‫‪ - 6‬المرجع السابق‪ :‬ص (‪.)66‬‬ ‫‪ - 7‬المرجع السابق‪ :‬ص (‪.)69‬‬ ‫ال عن‪ :‬لطيف زيتوني‪ ،‬حركة الترجمة في عصر النهضة‪،‬‬ ‫‪ - 8‬في األصل نق ً‬ ‫ص (‪ ،)125‬وسماح سليم‪ ،‬ص ‪.70‬‬ ‫‪105‬‬


‫ترجمات‬

‫ثالث َش ْو ٍ‬ ‫ُ‬ ‫كات فقط‬

‫اس»‬ ‫مختارات شعرية لـ «غُ ونْزَالُو ر ُوخَ ْ‬

‫ترجمة‪ :‬املهدي أخريف‬ ‫غونزالــو روخــاس (‪ ،)2011 - 1917‬أحــد كبــار‬ ‫صنِّف ضمن جيل‬ ‫ُشــعراء الشيلي واللغة اإلســبانية‪ُ ،‬‬ ‫ــارا‪ ،‬وآخريــن‪ ،‬تأثّــر‪ -‬في‬ ‫الـــ‪ ،38‬بجانــب َ‬ ‫ــور َب ّ‬ ‫نيكُن ْ‬ ‫البداية‪ -‬بالســوريالية‪َ ،‬حْيث كان واحــدًا ِم ْن مجموعة‬ ‫وتيوفيليو سيد‪.،‬‬ ‫«ماندراغورا» مع براويليو أريناس‪ُ ،‬‬ ‫خورخي كاســيريس‪ ،‬وكذلك بيسنتي ويدبرو‪ ،‬لفترة‬ ‫محدودة‪.‬‬ ‫عمــال المناجــم‪ ،‬واجه حياة‬ ‫بصفتــه ابنــ ًا لعائلــة من ّ‬ ‫تخطيهــا‪ ،‬حيــن‬ ‫صعبــة فــي البدايــة ثــم نجــح فــي ّ‬ ‫ً‬ ‫أصبح أســتاذًا جامعياً‪ ،‬باإلضافــة إلى تقلُّده مناصب‬ ‫يفــرط فــي‬ ‫دبلوماســية فــي بلــدان مختلفــة‪ُ ،‬دون َأ ْن ِّ‬ ‫مهمته الرئيسة‪ ،‬شاعرًا مبدعاً‪ ،‬على الدوام‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عاش في جمهورية ألمانيا الديموقراطية‪ ،‬ولم َيُرق له‬ ‫فاستقر‪ ،‬لفترة‪ِ ،‬من َب ْعُد‪ ،‬في كاراكاس‪،‬‬ ‫الوضع فيها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حيث عمل أستاذًا جامعي ًا في جامعة سيمون بوليفار‪.‬‬ ‫واستقر في‬ ‫أخيراً‪َ ،‬عاد إلى وطنه الشيلي عام ‪،1979‬‬ ‫ّ‬ ‫مدينه شيجان‪ ،‬بعدما أصبح شاعرًا مشهوراً‪.‬‬ ‫‪106‬‬

‫حتى ‪ ،1973‬لم َيُكن قد َن َشــر ســوى عملين شعريين‪،‬‬ ‫و«ضــد المــوت»‬ ‫همــا‪« :‬بــؤس اإلنســان» (‪،)1948‬‬ ‫َّ‬ ‫أن غــزارة إنتاجه الشــعري لــم تتوقّف‬ ‫(‪ ،)1964‬غيــر َّ‬ ‫بعدهما‪ ،‬طوال العقود الالحقة‪ ،‬علم ًا بأن أغلب أعماله‬ ‫ُكتبت خارج الشيلي‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫نور»‪،‬‬ ‫ومــن أبرز أعماله‪« :‬ماذا ُنح ّب عندما ّ‬ ‫«الم َّ‬ ‫نحب»‪ُ ،‬‬ ‫«الكلمــة»‪ِ ،‬‬ ‫ْعــب اللعــب األكبــر»‪،‬‬ ‫«ض َّدكــم ُنوَلــد»‪ِ« ،‬لنل َ‬ ‫«فحم» «كلمات‪ ،‬غير منتهية»‪..‬‬ ‫َح َصــل علــى جائــزة الملكــة صوفيا للشــعر األميركي‬ ‫الالتينــي (‪ ،)1992‬والجائــزة الوطنيــة لــآداب فــي‬ ‫الشــيلي‪ ،)1992( ،‬وجائــزة أوكتافيــو بــاث للشــعر‬ ‫والمقالــة (مكســيكو)‪ ،1998 ،‬وجائــزة ســربانتيس‬ ‫لآلداب‪.)2003( ،‬‬ ‫غونزالــو روخــاس‪َ ،‬عــّد نفســه مدينــ ًا للكالســيكيين‬ ‫الشعريْين‪.‬‬ ‫اإلسبان الكبار‪ ،‬في تكوينه وانتسابه‬ ‫َّ‬ ‫لنســتحضر بعض مــا قاله فــي خطاب تســلّمه جائزة‬ ‫سربانتيس‪ ،‬في مدريد‪:‬‬


‫«‪ ...‬مازلت أراني أقرأ‪ -‬بال توقُّف‪« -‬المختارات الكاملة‬ ‫لـــ«‪ ،»Revadeneira‬التــي تعلّــم منهــا ُروِبْنَد ِارُيــوا‪-‬‬ ‫أن‬ ‫أيضاً‪ -‬أن َيْقَرأ إسبانيا ِب ُعْمق‪ .‬هناك‪ ،‬ال يزال علينا ْ‬ ‫نمشي وسط الرفوف العالية‪ِ ،‬ليولد َب ْع ُضنا ِمن البعض‬ ‫اآلخــر‪ :‬ســرفانتينيون‪ ،‬كيبيديــون‪ ،‬غونغوريــون‪،‬‬ ‫ــم ال؟) على ُخ َطى َخــوان يبيس «‪Juan‬‬ ‫ِتيريزيــون‪ِ( .‬ل َ‬ ‫‪ُ ،»Yepes‬ســلْطان اللغة‪ .‬لكن ليــس‪ ،‬فقط‪ ،‬على نهج‬ ‫متابعــة ُِلولئك‬ ‫الكالســيكية الذهبيــة‪ ،‬وإنمــا‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫ً‬ ‫األخبارييــن الذيــن كتبوا عــن العالم الجديــد‪ ،‬في تلك‬ ‫األيــام ذاتها‪ ،‬فيما َو َراء البحار والصحاري والمهاوي‪،‬‬ ‫فــي زمن االكتشــاف وزمن مــا قبل االكتشــاف‪ ،‬حينما‬ ‫ــة بل‬ ‫بودي ً‬ ‫لــم َيُكــن الغــزو واللحظــة الكولونياليــة ُع ّ‬ ‫للمــرة ا ُألولى‪-‬‬ ‫ــروع ُو ُجــود‪ .‬هنالك‪ ،‬أرانــي أقرأ‪-‬‬ ‫َم ْش َ‬ ‫َّ‬

‫الص ْمت‬ ‫إىل َّ‬

‫مجلــة «الشــرق»‪ ،‬ويوميــة الشــمس المدريديــة‪ ،‬أقرأ‬ ‫لوركا صاحب «األغاني الغجرية»‪ ،‬ومعه شعراء جيل‬ ‫الـ‪»...27‬‬ ‫قــال عنــه خوليــو كورتازار‪«:‬إننــي أقــرأ غونزالــو‬ ‫روخاس الذي أعاد إلى الشــعر أشــياء كثيرة‪ ،‬انتزعها‬ ‫منه آخرون»‬ ‫ومن أبــرز هذه «األشــياء» اإليقاع والموســيقية معاً‪،‬‬ ‫إبداع متجّدد‪ ،‬من عمل إلى آخر‪َ ،‬و َم َعهما التعميق‬ ‫عبــر ٍ‬ ‫وتأمــات‪ :‬جديــدة‪ ،‬قديمــة‪ ،‬تّتصل‬ ‫الدائــم لوســاوس ُّ‬ ‫بقضايــا وموضوعــات‪ :‬ثابتــة متبّدلــة‪ ،‬كمــا تتصــل‬ ‫وبالحب‪ ،‬وبالمعرفة‪ ،‬وبالموت‪ .‬لكن‪ ،‬دائماً‪،‬‬ ‫بالزمن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المعلية من شــأن‬ ‫بتوطيــد‬ ‫ّ‬ ‫مســتمر‪ ،‬للنبرة الغونزالية ُ‬ ‫والحرية‪ ،‬والتواضع‪.‬‬ ‫السخرية‪،‬‬ ‫ِّ‬

‫ً‬ ‫مر األيام‬ ‫رسيعة‪َ ،‬ت ُّ‬

‫أيُّها الصوت‪ ،‬الصوت األوحد‪،‬‬ ‫الب ْحر‬ ‫ُك ّل تجويف َ‬

‫في ال ّت َّيار الغامض الذي‪ ،‬بالكاد‪،‬‬

‫ُك ُّل ما في الجمال مِ ن تجاويف‬

‫في التنفُّ س بِ ُع ٍ‬ ‫مق‬ ‫حتى ُ‬ ‫إضافي ًا‪.‬‬ ‫َتي أسبوع ًا‬ ‫يمكث الهواء في رئ َّ‬ ‫ّ‬

‫ال يكفي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫السماوي‪،‬‬ ‫ُك ّل التجويف‬ ‫الحتِوائك‬ ‫ال يَكفي ْ‬

‫سريعةً‪َ ،‬تم ُّر األيام‬

‫يختزل َخالصي‪،‬‬

‫الالمرئي‬ ‫سريعةً‪ ،‬تم ُّر األيَّام َأمَام أنظار المحيط‬ ‫ّ‬ ‫عد ُ‬ ‫ألس َبح فِي ِه بأمان‪.‬‬ ‫الذي مَا ْ‬ ‫ت أملك َدم ًا ْ‬

‫اإلنسان‬ ‫وح َّتى لو َص َمت‬ ‫ُ‬ ‫وغَ رق ُك ّل هذا العالم‬ ‫الج ِ‬ ‫الل‪،‬‬ ‫آ ِه يا ذا َ‬

‫هكذا أمضي‪ ،‬متح ِ ّو ً‬ ‫ال إلى سمكة إضافي ٍة بأشواكي‬

‫ِ‬ ‫الجهات ُك ِ ّلها‪،‬‬ ‫عن الحضور في‬

‫الح ْض ِن األمومي‬ ‫راكض ًا أمضي إلى ِ‬

‫فأنت لن تتوقّف َأبد ًا‬

‫َأ ُعود إلى مسقط رأسي‪ .‬ال َأ َحد ينتظرني هناك‪،‬‬

‫ألن ال َّزمن والكينونة يفضالن لديك‪،‬‬ ‫َّ‬

‫العظْ م‪ ،‬أمضي إلى ْ‬ ‫بذرتي‪،‬‬ ‫َح ْيث َي ْنتهي َ‬ ‫ينتهي هذا ُك ُّله في النجوم‪،‬‬ ‫مكتوب أن‬ ‫ألنَّه‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬

‫إلهي‪،‬‬ ‫لكأنَّك‬ ‫ّ‬

‫وشهوري الممتعة التي م َِازلت أنتظرها‬ ‫بأسابيعي ُ‬

‫الص ْو ُ‬ ‫ْح ُد‪،‬‬ ‫أ ّيها َّ‬ ‫ت األو َ‬

‫موجود وغَ ْي ُر موجود‬ ‫ألنَّك‬ ‫ٌ‬

‫ودة الفقيرة التي أنا إيَّاها‪.‬‬ ‫الد َ‬ ‫وفي ُّ‬

‫لكأنَّك وَال َِدي حين يغمرني الظالم‪.‬‬

‫اح ُد م َّنا‬ ‫هنا يُوجد ال َو ِ‬

‫‪107‬‬


‫وال يعرف أنَّه لم ي َُع ْد موجود ًا‬ ‫تنتابني الرغبة في َّ‬ ‫الضحك‬

‫بالع ْي َن ْين ُ‬ ‫األ ْخ َري َْين للموسيقى‪،‬‬ ‫َل َع ُّله َر َأى مَا َل ْم ُي َر َ‬ ‫وهكذا‪ ،‬وبوداع ٍة‪ْ ،‬‬ ‫اض َط َجع في َه َشاش ِة ما ال َش ْك َل‬

‫الهذيانيةِ‪،‬‬ ‫مِ ْن تو ُّرطي في هذه اللعبة‬ ‫ّ‬ ‫َلكِ َّن المرآة المرعب َة َســ ْو َ‬ ‫ات‬ ‫ف َت ُح ُّل َل َك رُمُ وزها َذ َ‬

‫الد ْك َنة الجافّ ة َل ْي ً‬ ‫ال وبِ ال َص ْو ٍت‬ ‫مع ُّ‬

‫أنت مُ م َتقِع‪ ،‬وتتظاهر بِ َع َد ِم إيمانك بذلك‬ ‫بينما َ‬

‫َو َلع َّله لم يترن َّْح ل ُنقصان هيئته التي‪،‬‬

‫يوم‪.‬‬

‫كما لو أنَّك ال َت ْس َم ُعه‪ ،‬يا أخي‬ ‫فيما ب َُكاؤك هنالك‪ ،‬من األعماق يأتي‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ستضع القناع‬ ‫كنت امرأ ًة‬ ‫َ‬ ‫إذا‬ ‫ا َ‬ ‫أل ْج َمل ل َِك ْي تخدع َنفْ َسك‪،‬‬

‫له‬

‫َجه ُّ‬ ‫الظ ْلمة‪...‬‬ ‫للبطريق فِي و ْ‬

‫بسبب َع َتمتها‪َ ،‬ل ْم َت َر َأ َحد ًا ق ّ‬ ‫َط‪.‬‬

‫ْ‬ ‫إذ ال َأ َحد يَرى ِت ْلك األحجار التي َل ْي َس ْت ل َِأ َح ٍد‬ ‫في ُد ْكن ٍة َت ْج َع ُلها باردةً‪ ،‬با َ‬ ‫أل ْحرى‬

‫ُه َناك عِ ْند ال َّل ْمس مِ ْثل غيوم مُ حايِ د ٍة‬

‫إذا ُك ْن َت َر ُج ً‬ ‫العظمي‬ ‫اله ْي َكل‬ ‫ال ستجعل َ‬ ‫َّ‬ ‫الداخ ِل‪ ،‬األ ْم ُر مختلف‪،‬‬ ‫لكن‪ ،‬من‬ ‫أ كثر صالبةً‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬

‫الم ْرمَر‬ ‫َلا بِ َّل ْور ّي ٍة‪ ،‬بِ ُدون َح َّتى أنا َق ِة َ‬ ‫وال ُأ ّبه ِة الفَ ْيروز‪َ ،‬ل َك ْم هي غامض ًة إن ِش ْئ َت!‬ ‫وكم هي قريب ٌة بسبب ذلك!‬

‫الخ َطر بوضوح‪.‬‬ ‫هكذا ي َْح ُسن بك َأ ْن ترى َ‬ ‫مستعدين‪ِ ،‬ل َن ْبقَ عرا ًة بما لدينا‪.‬‬ ‫ِل َن ُك ْن‬ ‫ّ‬ ‫َلكِ ن‪ ،‬ل ُن ْ‬ ‫حرق ب ََد ً‬ ‫أن ُن ْنت َِن مَا َن ْح ُن إ ّياه‪.‬‬ ‫ال مِ ن ْ‬ ‫لِن َّتق ِْد‪ .‬ولن َتنفَّ س بال خوف‪.‬‬

‫ال‪ ،‬غير مُ تر ِ ّنح‪ ،‬أبد ًا‪...‬‬

‫أح َد هناك‪،‬‬ ‫وليس ث َّمة شي ٌء‪ ،‬ال َ‬ ‫َح َدك أنت مع َو ْر َطتِك‬ ‫ب َْل و ْ‬

‫َو ْل َن ْص ُح‪ ،‬تمام ًا‪ ،‬إزاء الواقع األكبر‬

‫ممسوس‬ ‫لَقَ د بَرز عِ الوة‪ ،‬غَ ْي َر‬ ‫ٍ‬

‫بِ سِ َمت ِه الحديدية‪ ،‬وسماو ّي ًا‪ ،‬ب ََدا‪،‬‬

‫و َل ُربَّما‪َ ،‬ع َلى َأ ْبعد َتقْ ديرٍ ‪ ،‬قال للشجرة‪:‬‬ ‫وداع ًا أ ّيتها الشجرة التي َم َن َح ْتنِي الظّ َّل‪،‬‬

‫لِكوننا نو َل ُد اآلن‪ ،‬وفي الساعة األخيرة‪.‬‬

‫ولل َّن ْهرِ ‪ :‬وداع ًا‪ ،‬ألنَّك َب َّل ْل َتنِي‪،‬‬

‫الحجر‬

‫بسبب ال َأ َحد‪،‬‬

‫بِ َسبب ال َأ َح َد‪ ،‬ب ََكى هذا الحجر‪.‬‬ ‫ام في ُش ْؤم ُأ ِ ّمه‬ ‫َل َع َّله َن َ‬ ‫الح َجر الهاوي ُة‬ ‫هذا َ‬

‫الدماغي‬ ‫بفعل االلتئام‬ ‫ِّ‬ ‫توهج ًا ومنطفئ ًا‪،‬‬ ‫على اإليقاع الذي منه أتى مُ ّ‬ ‫‪108‬‬

‫الب ْيضاء‪.‬‬ ‫وداع ًا‪ ،‬أ ّيتها الفراشة َ‬

‫َحقّ ًا‪،‬‬ ‫ب ََكى هذا الحجر‪.‬‬

‫ِا ْخ َرس‬ ‫الجسد‬ ‫َتقَ ْوق َْع أيُّها‬ ‫ُ‬


‫داخل َق ْوقَعتك‪ ،‬مُ َت َن ِ ّبه ًا إلى َش ْأن َ‬ ‫َحده‪:‬‬ ‫ِك و ْ‬

‫س ُتو‬ ‫ُكو ْن ِ ْ‬

‫سيكون نادر ًا‬ ‫َح َد ُه ُه َو ما‬ ‫ُ‬ ‫الما ُء و ْ‬ ‫الس ِ ّر ّية‪:‬‬ ‫في تلك ُ‬ ‫الجمعة ِ ّ‬

‫مِ ن ب َْين جميع الذين كتبوا الكِ َتاب‪،‬‬

‫الماءُ‪ ،‬الما ُء‬ ‫الماءُ‪َ ،‬‬

‫ال َأ َحد َع َر َ‬ ‫يسوع هذه الم ّر َة‬ ‫ف ما َخطّ ُه ُ‬

‫الماءُ‪ ،‬وليس الهوا َء‪ ،‬الما ُء‬

‫الذي َل ْن َي ْنطِ قَ بِ َه ْد َه َد ِة ا َ‬ ‫أل ْصل‪،‬‬ ‫َو َل ْن يَغسلك‪َ ،‬ل ْن ُيقَ ِ ّب َ‬ ‫داخل‬ ‫لك‪ ،‬ال من‬ ‫ٍ‬

‫َو َلا مِ ْن خارج‪ ،‬واألرض يابس ًة َستصي ُر‪،‬‬

‫مُ فرغ ًة مِ ْن كينونتها‪ ،‬هي التي‬ ‫أمومية َ‬ ‫لك مِ ْن ُأ ِ ّمك مُ ْذ كنت جنين ًا‪،‬‬ ‫َكا َن ْت أ ْك َث َر‬ ‫ّ‬ ‫وَمِ ْن ق َْب ُل‪ ،‬ومِ ْن ق َْب ِل القَ ْبل‪.‬‬ ‫ِين م َّرةً‪ ،‬لم َت ُك ْنها‬ ‫السمكة التي‪ِ ،‬ل َثمان َ‬ ‫مِ ْن َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫شوكات فقط‪:‬‬ ‫ثالث‬ ‫َس َت ْبقى‬ ‫الحب الدمو ّية‪،‬‬ ‫شوك ُة التفكير‪ ،‬وشوكة‬ ‫ِّ‬ ‫ثم الشوكة السامّة‪َ :‬ش ْو َك ُة َك ْونِك َم ْو ُلود ًا‪.‬‬

‫ِ‬ ‫األصوات‪،‬‬ ‫رامبو طنين‬ ‫َر َسم‬ ‫ُ‬

‫على الرمل! ُلوتِريامون َص َر َخ طوي ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫توه َج مِ ثل محطبة م ََع أوراقهِ‪:‬‬ ‫َكاف َْكا َّ‬ ‫ود‪.‬‬ ‫ما هو مِ ن ال َّنار إلى النار ي َُع ُ‬

‫بَا ِ ّييخو َل ْم ي َُم ْت‪ ،‬فالهاوية كا َن ْت مُ ْمتلِئ ًة‬ ‫ِ‬ ‫الطاو بالقَ َط ِارب؛‬ ‫به امْتال ِء‬

‫آخ ُرون كانوا ال مرئيين؛ شكسبير‬ ‫َ‬

‫َص َنع ُ‬ ‫الفرجة بعشرة آالف فراشة‪،‬‬ ‫أمَّا م َْن َم َّر عبر الحديقة‪ ،‬اآلن‪،‬‬

‫مُ ك ِ ّلم ًا َنفْ سه فهو باوند ي ُ‬ ‫ُناقش رُمو َز‬

‫لغ ٍة مع المالئكة‪ ،‬شابلين يُص ِ ّور فيلم ًا‬ ‫عن نيتشه‪ ،‬مِ ن إسبانيا أتى في ليلة‬

‫القديس خوان َع ْبر األثير‪،‬‬ ‫مُ ظْ لمة ِ ّ‬

‫غويا‪ ،‬بِ‬ ‫يكاسو مُ ْرتدي ًا َث ْوب مُ ه ِ ّرج‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كافافيس من اإلسكندرية‪..‬‬

‫آخرون‪ ،‬مثل هيروقليطس‪َ ،‬ت ْح َت الشمس نَامُ وا‪،‬‬

‫ومن الجذور غَ ُّطوا في الشخير‪،‬‬

‫العمل الفن‪ - Joan Miro:‬إسبانيا‬

‫اد‪ ،‬ب َ‬ ‫َاطاي‪ ،‬بريتون نفسه؛‬ ‫َص ْ‬ ‫سويدنبرغ‪ ،‬آرتو‪ ،‬هولدرلين‬

‫تحي ًة حزينة إلى الجمهور‬ ‫و َّ‬ ‫َج ُهوا ّ‬ ‫قَب َل ُ‬ ‫رت‪:‬‬ ‫الكونْسِ ْ‬ ‫ْ‬ ‫ماذا َيفْ عل سيلين هناك‬ ‫َنازف ًا دم ًا في هذه الساعة؟‬

‫‪109‬‬


‫فــي عالم المرأة تفاصيــل ومنمنمات ودواخل وهموم‬ ‫وخاصة لــو كانت هذه‬ ‫وتقلّبــات‪ ،‬ال يعرفهــا الرجل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المــرأة من بلد ضعيــف مثل بنجالديــش‪ .‬وقد تصحو‬ ‫فجأة‪ -‬أن ال تطبخ‪ ،‬وهو إحســاس‬ ‫فيعن لها‪-‬‬ ‫ً‬ ‫المــرأة ّ‬ ‫يحس بهذا‪ ،‬وهو‬ ‫ال يعرفــه الرجل الكاتب‪ ،‬فأنّى له أن ّ‬ ‫والعــزة والمَنعة‬ ‫والتفوق‬ ‫القــوة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرجــل الذي يّدعــي ّ‬ ‫والكبرياء‪ ..‬إلخ؟‬ ‫وحســناً‪ ،‬عرفنــا بعض ًا مــن عالم المرأة‪ ،‬فــي العصر‬ ‫منهن في الكتابة بجرأة‬ ‫الحديــث‪ ،‬حينما بادرت بعض ّ‬ ‫كالحية‪ ،‬وُألفة‬ ‫كالســكين‪ ،‬ورهافة كالحرير‪ ،‬وغواية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كخطــوط اليــد‪ ،‬وغرابة كوجود شــيطان فــي حديقة‬ ‫صغار‪.‬‬

‫ومصداق ًا لهذا‪ ،‬تأتي ترجمة هذه القصة من بنجالديش‪،‬‬ ‫والتي تشــيع بيــن ثناياها شــاعرية الموقــف واللغة‬ ‫والرؤية وتفاصيل ما يدور حولها‪ ،‬كون المرأة (بمثل‬ ‫قري الذي تقوم‬ ‫هذه العوالــم البدائية) ُتعّد العمــود الِف ّ‬ ‫أح ّط ما في‬ ‫عليه األســرة‪ ،‬كما ُتعّد‪ -‬في الوقت نفسه‪َ -‬‬ ‫العالــم‪ ،‬هنــاك‪ :‬نذكرها طالمــا ننتفع بها‪ ،‬وننســاها‬ ‫قضينــا حاجتنــا منهــا‪ .‬لكــن الكاتبــة األديبة‪،‬‬ ‫طالمــا ّ‬ ‫بورابي باسو‪ ،‬هنا‪ ،‬تحتال على هذا الوجود‪ ،‬كعدمه‪،‬‬ ‫فيختل العالم الذي‬ ‫فتقرر‪ ،‬ذات يــوم‪ ،‬أنها لن تطبخ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كان ال يدور إال بأمر منها‪ ،‬مع أنهم ينكرون هذا عليها‪،‬‬ ‫عينة منــه‪ ،‬فيما لو تخلّت عنهم‪ ،‬فهل‬ ‫فتقــرر أن ُتريهم ّ‬ ‫ّ‬ ‫يضيعون؟‬

‫رضا ‪ ..‬لن تطبخ اليوم‬ ‫بورايب داسو (بنجالديش)‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد عيد إبراهيم‬ ‫ّ‬ ‫حواف الليل‪ .‬نســيم بارد يســري ناعم ًا في‬ ‫يحــوم الصبح على‬ ‫ّ‬ ‫الفجر‪ .‬تضطجع رضا على الســرير‪ ،‬تتنفّس شــذا براعم أزهار‬ ‫شيفالي البرتقالية والبيضاء‪.‬‬ ‫كانت الليلة الماضية هادئة‪ ،‬خالية من المشاجرات المألوفة مع‬ ‫الزوج والحماة وأخت الزوج‪.‬‬ ‫درجة حرارة جسمها عادية‪ ،‬لم ُتصبها ُحّمى‪ .‬ال يوجد بها مرض‬ ‫أي نوع‪ ،‬وال هي َت ِعبة‪.‬‬ ‫من ّ‬ ‫السماء صافية‪ ،‬زرقاء‪ ،‬بديعة‪.‬‬ ‫ال تمطر في الخارج‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫حاراً‪ .‬سازان‪ ،‬طفل رضا الوحيد‪ ،‬في تمام‬ ‫ليس ّ‬ ‫الجو باردًا وال ّ‬ ‫الصحة والعافية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بعمق‪ ،‬جنبها‪.‬‬ ‫ال يزال زوجها وابنها نائمين‬ ‫ٍ‬ ‫فجأة‪ -‬أنها لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫تقرر رضا‪-‬‬ ‫ً‬ ‫عموماً‪ّ ،‬‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫ســأظل في‬ ‫تنــادي رضا الشــمس‪ ،‬وتقول‪« :‬ال تشــرقي اليوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الِفراش مّدة طويلة»‪.‬‬ ‫انســل بعيدًا قبل‬ ‫لم تســنح لها الفرصة بــأن تخاطب الليل‪ ،‬فقد‬ ‫ّ‬ ‫أن تّتخذ قرارها‪.‬‬ ‫‪110‬‬

‫ِ‬ ‫صبحك‬ ‫تنــادي رضا الطيور‪ ،‬وتقول‪« :‬واصلــي ترديد أغنيات‬ ‫تغردون»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المبكر‪ّ .‬‬ ‫أود اليوم البقاء في ِفراشي‪ ،‬وسماعكم ّ‬ ‫تنادي رضا الغيوم‪ ،‬وتقول‪« :‬أعينوا الشمس‪ .‬أخفوها بأطراف‬ ‫ساريكم»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫تنادي أزهار شــيفالي‪ ،‬وتقول‪« :‬ال تظلّلــي براعمك‪ .‬فاليوم لم‬ ‫يشرق بعد»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بقطــرات صغــار على‬ ‫تســاقطك‬ ‫وإلــى النــدى تقــول‪« :‬واصل‬ ‫َ‬ ‫تحتك»‪.‬‬ ‫العشب‪ ،‬من‬ ‫َ‬ ‫تنصت الشمس إلى رضا‪ ،‬فال تظهر في السماء طويالً‪.‬‬ ‫لتغطي السماء الزرقاء‪.‬‬ ‫تفرش الغيوم نفسها ّ‬ ‫ُ‬ ‫تواصل الطيور تغريدها دون انقطاع‪.‬‬ ‫بقوة أكثر‪ ،‬بالســيقان‪ ،‬لتزيين‬ ‫تتشــبث براعم أزهار شــيفالي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫الفروع‪.‬‬ ‫العشب ببللها الحنون‪.‬‬ ‫تواصل قطرات الندى تساقطها‪ ،‬فتعانق ُ‬ ‫تتمطى في السرير‪.‬‬ ‫تتثاءب رضا‪ ،‬وهي ّ‬ ‫تحدث في المنزل‪ ،‬في هذه األثناء‪ ،‬جلبة‪ ،‬فقد اســتيقظ الجميع‬ ‫متأخرين‪ ،‬اليوم‪.‬‬ ‫ّ‬


‫العمل الفني‪ -Quamrul Hassan :‬بنجالدش‬

‫نســي سازان جداوله الحسابية‪ ،‬وحفظه للكلمات‪ ،‬وراح يحّدق‬ ‫في الخارج‪.‬‬ ‫أوشك آيان‪ ،‬زوج رضا‪ ،‬أن يذهب إلي السوق‪.‬‬ ‫أوشكت أخت زوج رضا أن تذهب إلى المدرسة‪.‬‬ ‫وأكملت حماة رضا طقوســها الصباحية وتنتظر أولى وجباتها‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫لكن رضا ال تزال في الِفراش‪.‬‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫لن تطبخ‪ ،‬ال‪ ،‬لن تطبخ‪.‬‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫«ماذا حصل؟ ماذا جرى؟»‬ ‫«هل سيجوع الجميع اليوم؟»‬ ‫«ال أفهم ما الحكاية»‪.‬‬ ‫ُدهش الجميع‪ :‬الحماة‪ ،‬أخت الزوج‪ ،‬والزوج‪.‬‬ ‫ورضا ال تبالي‪.‬‬ ‫تغادر سريرها ببطء‪.‬‬ ‫خلي َة البال‪ ،‬نحو الِبركة‪.‬‬ ‫جرة الماء من ركنها‪،‬‬ ‫وتتحرك ّ‬ ‫ّ‬ ‫تلتقط ّ‬

‫«هل سيذهب ابني إلى ُشغله اليوم جوعان؟»‬ ‫ترد رضا‪.‬‬ ‫وال ّ‬ ‫«أسألك‪ :‬من أين تعل ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّمت هذا التعالي والجبروت؟‬ ‫تتبرم حماتها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ما الحكاية؟»‬ ‫ترد رضا‪ .‬زوجها محتار‪.‬‬ ‫وال ّ‬ ‫«أوشكت أن أذهب إلى المدرسة»‪.‬‬ ‫الزوج‪:‬‬ ‫أخت‬ ‫ُ‬ ‫ترد رضا‪ .‬أخت زوجها حزينة ومندهشة‪.‬‬ ‫وال ّ‬ ‫تجلــس رضا‪ ،‬بهــدوء‪ ،‬جنب الِبركــة‪ ،‬وتغمر قدميهــا في الماء‪.‬‬ ‫الخلــق حولها‪،‬‬ ‫خلفهــا جَلبــة‪ .‬بعويلهــا العالي‪ ،‬تجمــع الحماة‬ ‫َ‬ ‫ورضا ال تبالي‪ .‬تجلس وهي تحّدق في الماء‪.‬‬ ‫يأتــي الســمك الصغيــر (بوتي‪ ،‬بوجــوري‪ ،‬خولســا‪ ،‬كاجالي)‬ ‫قدمي رضا‪.‬‬ ‫قطعاناً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فيتجمع عند َ‬ ‫اليوم طعاماً»‪.‬‬ ‫لك‬ ‫«رح بعيداً‪ ،‬اتركني‪ .‬لم أجلب َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫لكــن الســمك يواصــل الدوران فــي تقلُّــب َمِرح‪ .‬فحضــور رضا‬ ‫يكفيه‪ ،‬وال يريد سواه‪.‬‬ ‫ترفع رضا ناظريها نحو السماء‪ ،‬فتضحك لها الشمس‪.‬‬ ‫تسألها الشمس‪« :‬أنت مغتاظة؟»‬

‫‪111‬‬


‫لم تنتظــري أطول قليالً؟»‪ ،‬ســألت رضا‪ ،‬وهــي مجروحة‬ ‫«لــم ْ‬ ‫َ‬ ‫وغاضبة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫رت‬ ‫نظرت إلــى الحقــول‪،‬‬ ‫«لــو‬ ‫ألدركت مــاذا قد يحصل لــو ّ‬ ‫تأخ ُ‬ ‫أطول قليالً؟»‬ ‫تحــّدق رضا‪ ،‬حيــث تجلس جنــب الِبركة‪ ،‬في الحقــول الذابلة‪.‬‬ ‫رضا قلقة‪« :‬هل ستعيش؟»‬ ‫ِ‬ ‫رد جميع ًا للحياة»‪.‬‬ ‫«لو‬ ‫ست ّ‬ ‫ابتسمت‪ُ ،‬‬ ‫تقف رضا‪ ،‬تدور حولها‪ ،‬تتابع الضحك‪ .‬وتمّد ذراعيها‪.‬‬ ‫تضحك رضا‪ ،‬تضحك‪ ،‬وتضحك‪.‬‬ ‫تهز‬ ‫ــباته‪،‬‬ ‫س‬ ‫من‬ ‫يســتيقظ‬ ‫كمن‬ ‫فجــأة‪-‬‬ ‫تبــدو عيــدان الحبوب‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫نفسها‪ ،‬قليالً‪ ،‬ثم تقف متطاولة‪.‬‬ ‫يهزها من كتفيها‪.‬‬ ‫تجد رضا زوجها‪-‬‬ ‫ً‬ ‫فجأة‪ّ -‬‬ ‫وتسبها بمرارة‪.‬‬ ‫تحدجها حماتها في ُسخط‪ ،‬وهي مهتاجة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫باكية في قنوط‪.‬‬ ‫تقف أخت زوجها‬ ‫ً‬ ‫تزال رضا تضحك‪.‬‬ ‫لكن رضا تضحك‪ ،‬تضحك‪ .‬ال ُ‬ ‫تخشخش الريح ورق الشجر‪ ،‬في تناغم مع رضا‪.‬‬ ‫تترقرق مياه الِبركة مستمتعة بالضحك‪.‬‬ ‫ترنّم الطيور بصوت رخيم في انسجام‪.‬‬ ‫تتراقص األسماك‪ ،‬وهي تطفو وتغطس‪.‬‬ ‫تومــئ األزهــار‪ ،‬فــي نعومة‪ ،‬بأرؤســها‪ ،‬فــي تآلف مــع ورق‬ ‫الشجر‪.‬‬ ‫تضحك رضا‪ .‬تضحك‪ ،‬وتضحك‪.‬‬ ‫الرز الفارغة‪ ،‬ويغادر إلى الســوق‬ ‫ّ‬ ‫يحطم زوجها الغاضب آنية ّ‬ ‫جوعان‪.‬‬ ‫تواصل حماتها العويل والسباب بأعلى صوتها‪.‬‬ ‫تخطف أخت زوجها خطوات رقيقة إلى منزل الجارة‪.‬‬ ‫يأتي سازان ابن رضا‪ ،‬في بطء‪ ،‬إلى الِبركة‪ ،‬ويقف جنبها‪.‬‬ ‫لكن رضا لن تطبخ‪.‬‬ ‫لن تطبخ‪ ،‬لن‪ ،‬لن تطبخ‪.‬‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫رضا تدير رأسها طفيفاً‪.‬‬ ‫تلوح لوهلة‪ ،‬ثم ُتصلّب نفسها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تجلــس رضــا علــى األرض‪ ،‬ثم تنهض فــوراً‪ .‬تعي أنها ليســت‬ ‫اعتيادية في الحياة قد‬ ‫مريضة‪ ،‬تدرك‪ ،‬لوهلة‪ ،‬أن أكثر األشياء‬ ‫ً‬ ‫ُتمرض المرء‪ ،‬وهي‪ ،‬لذلك‪ ،‬ال تخاف‪.‬‬ ‫«ماما‪ ،‬جوعان»‪.‬‬ ‫تتكرر الصرخة‪ ،‬كأنها من بعيد‪« .‬ماما‪ ،‬جوعان»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فتضم‬ ‫عاصفة‪،‬‬ ‫‬‫فجأة‬ ‫ّبــه‪-‬‬ ‫ذ‬ ‫تع‬ ‫رخي‬ ‫بحر‬ ‫رضا‪.‬‬ ‫قلب‬ ‫يضطــرب‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫إليها ابنها‪ ،‬وتواصل التحديق في الماء‪.‬‬ ‫ثم ترفع بصرها إلى السماء‪ ،‬وأعلى إلى الشمس‪.‬‬ ‫ترفع بصرها إلى األشجار‪ ،‬إلى الطيور‪ ،‬إلى األزهار‪ ،‬إلى ورق‬ ‫الشجر‪.‬‬ ‫كل ما حولها‪.‬‬ ‫تنظر رضا‪ ،‬بشغف‪ ،‬إلى ّ‬ ‫يهــل غــراب صغير مــن غير مــكان محــّدد‪ ،‬وينقر ثمــرة باباي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫تقشرها‬ ‫ناضجة‪ ،‬يطرحها في حجر رضا‪ .‬ترفعها رضا بيديها‪ّ ،‬‬ ‫‪112‬‬

‫وتطعم ابنها‪ .‬لكن‪ ،‬لم ّ‬ ‫يخف جوع سازان‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫تنــادي رضا طير الرفراف‪ ،‬وتقول‪ِ :‬‬ ‫«هات لي قرنة اللوتس من‬ ‫عنقود اللوتس‪ ،‬وسط الِبركة»‪.‬‬ ‫أي جوع‪ .‬لكــن ابن رضا ال يأكل‬ ‫الثمــرة ضخمة‪ ،‬تكفي إلشــباع ّ‬ ‫منها إال نتفاً‪.‬‬ ‫«ماما‪ ،‬جوعان‪ .‬ألن تطبخي؟»‬ ‫يحس بالجوع الشديد‪ .‬فأنّى لثمرة‬ ‫ســازان‪ ،‬ذو األربع سنوات‪ّ ،‬‬ ‫صغيرة أن تشبع جوعه؟»‬ ‫«ماما‪ ،‬ألن تطبخي؟»‬ ‫يود قلبها أن ينفجر‪ .‬توشك أن تخضع‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن رضا ال تزال تحاول أن تقول‪« :‬ال»‪.‬‬ ‫رضا لن تطبخ‪.‬‬ ‫لن تطبخ‪ ،‬ال‪ ،‬لن تطبخ‪.‬‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫تحضــن رضا ســازان إلــى صدرها‪ ،‬وتســير صوب البســتان‪.‬‬ ‫العشب‪ ،‬وتضع سازان في ِحجرها‪.‬‬ ‫تجلس ّ‬ ‫مربعة الساقين على ُ‬ ‫يتحرك‬ ‫تتطلّــع حولهــا في ٍ‬ ‫حــذر‪ .‬ال أحــد قريب فــي ّ‬ ‫أي مــكان‪ّ .‬‬ ‫بالنســيم تفّاح الصنوبر وشــجر الكاكاي في نعومة‪ ،‬مما يخلق‬ ‫المدوران‬ ‫مظلّة ناعمة على رضا‪ .‬تكشــف ثدييها رويــداً‪ .‬ثدياها ّ‬ ‫يتوهجان في نور الشــمس‪ ،‬تحت السماء المفتوحة‪.‬‬ ‫الراســخان ّ‬ ‫ترفــع رضــا ثديها األيســر وتدفــع الحلمة في فم ابنهــا‪ ،‬وبيدها‬ ‫اليمنى تالطف رأس سازان‪َ ،‬شعره‪ ،‬جبهته‪ ،‬عينيه‪ .‬للحظات‪،‬‬ ‫يرتبك ســازان من هذا الحدث الطارئ الغريب‪ .‬ثم يروح ببطء‪،‬‬ ‫يمتــص برعم حلمــة ثدي أمــه‪ :‬راح فــي البداية‬ ‫ببــطء شــديد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المص عنيفاً‪ ،‬حتى حاول‪ -‬في النهاية‪-‬‬ ‫بدأ‬ ‫ثم‬ ‫بنعومة‪،‬‬ ‫يمتــص‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫الرحيق‪ ،‬من جسم أمه‪.‬‬ ‫قوة‪ ،‬هذا‬ ‫أن‬ ‫يمتص‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بكل ما أوت َي من ّ‬ ‫متشــوقة‪ .‬لكن‪ ،‬لم يحدث شــيء‪ ،‬فماذا‬ ‫رضا‬ ‫مســتغرقة‪.‬‬ ‫رضا‬ ‫ّ‬ ‫ساقيها أمامها‪ ،‬جلست‪،‬‬ ‫قري‪ ،‬مّدت َ‬ ‫فردت رضا عمودها الِف ّ‬ ‫تفعل؟ َ‬ ‫تعض‬ ‫براحة أكبر‪ ،‬تحّدق في ّ‬ ‫تكز على أســنانها‪ّ ،‬‬ ‫كل ما حولها‪ّ .‬‬ ‫ٍ‬ ‫شــفتيها‪ ،‬تطلب شــيئاً‪ ،‬تضرع ِ‬ ‫شــيء‪ .‬وقد حدث ساعَتها‪:‬‬ ‫لنيل‬ ‫زاد عن ضفَتيه‪،‬‬ ‫نهر‬ ‫كأنه‬ ‫الجانبين‪،‬‬ ‫توالى كشــاّل‪ ،‬فائض ًا من‬ ‫ٌ َ‬ ‫مســبب ًا ِرعــدة عنيفة‪ ،‬شــمَلت جســمها‪ ،‬ثــم انفجر شــيء‪ ،‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫ثدي ْي رضا‪.‬‬ ‫من‬ ‫األمام‪،‬‬ ‫َ‬ ‫تتطلّع رضا إلى وجه ابنها‪.‬‬ ‫يطفح سازان بالضحك‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بقطرات صغار‬ ‫الحليــب األبيض‬ ‫جانبي فمه الَن ِشــط‪ُ ،‬يرغي‬ ‫من َ‬ ‫ُ‬ ‫على األرض‪ ،‬فتضحك رضا‪.‬‬ ‫يضحك سازان‪.‬‬ ‫فتغطي وجه الشمس‪.‬‬ ‫تهل الغيمة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫يدوم نسيم بارد بنعومة‪،‬‬ ‫واحدة‪.‬‬ ‫ساق‬ ‫على‬ ‫الشليك‬ ‫طير‬ ‫يرتاح‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫فتضحك رضا‪.‬‬ ‫يضحك سازان‪.‬‬ ‫قررت رضا أنها لن تطبخ اليوم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لن تطبخ‪ ،‬ال‪ ،‬لن تطبخ‪.‬‬ ‫رضا لن تطبخ اليوم‪.‬‬


‫تأمالت‬

‫أمير تاج السر‬

‫الطب واألدب‬ ‫كلم ــا واجه ــت جمه ــورًا ف ــي ن ــدوة‪ ،‬أو ف ــي معظ ــم الح ــوارات‬ ‫التـــي تصلنـــي مـــن صحافييـــن عـــن تجربتـــي المتواضعـــة‬ ‫ـب‬ ‫ثم ــة س ــؤال يتك ـّـرر‪ :‬م ــا عالق ــة الط ـ ّ‬ ‫ف ــي الكتاب ــة الس ــردية‪ّ ،‬‬ ‫ب ــاألدب؟‬ ‫الحقيقـــة أننـــي أجبـــت عـــن هـــذا الســـؤال كثيـــرًا‪ ،‬وفـــي‬ ‫مناســـبات ُمتعـــّددة‪ ،‬وأوضحـــت أن ال عالقـــة توجـــد بيـــن‬ ‫النش ــاطين‪ ،‬فأحدهم ــا يمك ــن تعلُّم ــه ف ــي الجامع ــات‪ ،‬بينم ــا‬ ‫ِـــق بـــه اإلنســـان‪،‬‬ ‫اآلخـــر شـــيء مبثـــوث فـــي الجينـــات‪ُ ،‬خل َ‬ ‫لك ــن اإلجاب ــة ه ــذه‪ -‬ف ــي نظ ــر الكثيري ــن‪ -‬غي ــر ُمقنع ــة‪ ،‬وال‬ ‫بـــد مـــن عالقـــة مـــا‪ ،‬تجعـــل شـــخص ًا ُيمـــارس مهنـــة علميـــة‬ ‫َّ‬ ‫بحت ــة‪ ،‬وتخل ــو م ــن الرومانس ــية‪ ،‬يلج ــأ ف ــي الوق ــت نفس ــه‬ ‫إلـــى ممارســـة هوايـــة أو مهنـــة فـــي بـــاد الغـــرب‪ ،‬مليئـــة‬ ‫باللّغ ــة السلس ــة المنس ــابة‪ ،‬والتعابي ــر اإلنس ــانية‪ ..‬وهك ــذا‪.‬‬ ‫ســـأجيب‪ -‬وبإصـــرار‪ -‬بـــأن العالقـــة ليســـت موجـــودة‬ ‫الطـــب‬ ‫علـــى اإلطـــاق‪ ،‬وفقـــط‪ ،‬قـــد نجـــد تأثيـــرًا مـــن مهنـــة‬ ‫ّ‬ ‫عل ــى الكات ــب‪ ،‬وتأثي ــرًا م ــن حرف ــة الكتاب ــة عل ــى الطبي ــب‪،‬‬ ‫فالمري ــض ال ــذي يأت ــي مستش ــفياً‪ ،‬ل ــه حكاي ــة أو حكاي ــات‪،‬‬ ‫ثمـــة‬ ‫قـــد تلهـــم الطبيـــب الكاتـــب باالســـتفادة منهـــا‪ .‬نعـــم‪ّ ،‬‬ ‫اســـتفادة قصـــوى فـــي االحتـــكاك باإلنســـان فـــي ّ‬ ‫كل‬ ‫صـــور حياتـــه اليوميـــة‪ ،‬فـــي الجـــد والهـــزل‪ ،‬فـــي الصحـــة‬ ‫والم ــرض‪ ،‬وف ــي الس ــفر واالس ــتقرار‪ ،‬ف ــكل حال ــة م ــن تل ــك‬ ‫الخاصـــة‪ ،‬وال يكـــون الســـلوك‬ ‫مقوماتهـــا‬ ‫ّ‬ ‫الحـــاالت‪ ،‬تملـــك ّ‬ ‫ـــم مـــا توحيـــه للكاتـــب‬ ‫اإلنســـاني داخلهـــا واحـــدًا‪ ،‬ومـــن َث ّ‬ ‫ّ‬ ‫يحتـــك بهـــا‪ ،‬يكـــون دائمـــ ًا مختلفـــاً‪.‬‬ ‫الـــذي‬ ‫النجـــار أو‬ ‫ً‬ ‫بنـــاء علـــى ذلـــك‪ ،‬فالكاتـــب الحـــّداد أو الكاتـــب ّ‬ ‫خـــاص‬ ‫جـــو‬ ‫ّ‬ ‫الـــذي يعمـــل فـــي مصنـــع إلنتـــاج األلبســـة‪ ،‬لـــه ّ‬ ‫وإن‬ ‫خاصـــون‪ ،‬بحكايـــات خاصـــة يحملونهـــا‪ْ ،‬‬ ‫ومحيطـــون ّ‬ ‫كتـــب فلـــن يكتـــب عـــن الـــوردة والعبيـــر‪ ،‬ونظـــرات العيـــون‬ ‫الجارحـــة‪ ،‬وإنمـــا عـــن حكايـــات ثرّيـــة‪ ،‬أو حتـــى غبيـــة‪،‬‬ ‫والمتـــرددون لالســـتفادة مـــن‬ ‫يحملهـــا زمـــاء المهنـــة‪،‬‬ ‫ّ‬

‫تلـــك المهنـــة‪ ،‬ويحكونهـــا دائمـــ ًا فـــي أّيـــة فرصـــة ســـانحة‪،‬‬ ‫عمــا ًال فــي مصانــع‪ ،‬وموظفيــن فــي دوائــر حكوميــة‬ ‫وأعــرف ّ‬ ‫وبن ــوك‪ ،‬كتب ــوا قصصــ ًا ورواي ــات م ــن وح ــي ِمَهنه ــم تل ــك‪،‬‬ ‫ولـــم يســـألهم أحـــد عـــن عالقـــة المهنـــة بالكتابـــة‪ ،‬ولـــم‬ ‫يســـتغرب أحدهـــم مـــن كونهـــم كتّابـــ ًا يعملـــون‪ .‬واآلن‪،‬‬ ‫لـــو نظرنـــا إلـــى مـــن يكتـــب فـــي الوطـــن العربـــي‪ ،‬مـــن ّ‬ ‫كل‬ ‫األجيـــال‪ ،‬لوجدنـــا مهندســـين ومحاميـــن‪ ،‬وصحافييـــن‪،‬‬ ‫كلّهـــم يكتبـــون روايـــات‪ ،‬وفـــي وســـط هـــؤالء‪ ،‬يوجـــد‬ ‫أطّبـــاء لكنهـــم محـــدودو العـــدد بشـــكل كبيـــر‪ ،‬ولذلـــك ال‬ ‫تشـــجع علـــى الكتابـــة‪،‬‬ ‫الطـــب‬ ‫نســـتطيع أن نقـــول إن مهنـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتســـاعد عليهـــا‪ ،‬فمـــا زال مالييـــن األطبـــاء‪ ،‬يذهبـــون إلـــى‬ ‫الخاصـــة بهـــم‪ ،‬ورّبمـــا شـــاهدوا‬ ‫المستشـــفيات‪ ،‬والعيـــادات‬ ‫ّ‬ ‫المسلســـات التليفزيونيـــة‪ ،‬أو انغمســـوا فـــي تشـــجيع كـــرة‬ ‫الق ــدم‪ ،‬أو س ــافروا ف ــي عط ــات‪ ،‬ث ــم ع ــادوا‪ ،‬ودخل ــوا دورًا‬ ‫للس ــينما‪ ،‬ول ــو س ــألتهم ع ــن األدب لم ــا وج ــدت لديه ــم مي ـ ً‬ ‫ـا‬ ‫إليـــه‪ ،‬أو معرفـــة بمـــا تعنـــي كلمـــة (أدب) حتـــى‪.‬‬ ‫لق ــد س ــألني أح ــد الزم ــاء م ـّـرة‪ ،‬بع ــد أن س ــمع بأنن ــي أكت ــب‬ ‫الروايـــة‪ ،‬عـــن معنـــى كلمـــة روايـــة‪ ،‬ولـــم أســـتغرب ذلـــك‬ ‫ـاء عل ــى إلح ــاح‬ ‫بالتأكي ــد‪ ،‬وم ـّـرة أهدي ــت أحده ــم كتاب ـ ًا ل ــي بن ـ ً‬ ‫منـــه‪ ،‬فقـــرأ صفحـــات بســـيطة‪ ،‬وعـــاد ليســـألني عـــن بطـــل‬ ‫القصـــة‪ ،‬وهـــل هـــذا اســـمه الحقيقـــي أم ال؟‬ ‫ّ‬ ‫القصـــة شـــخص‬ ‫بطـــل‬ ‫أن‬ ‫هنـــا‪،‬‬ ‫الطبيـــب‬ ‫افتـــرض‬ ‫لقـــد‬ ‫ّ‬ ‫حقيق ــي‪ ،‬ينبغ ــي أن يك ــون موج ــودًا‪ ،‬ول ــم تك ــن ل ــه دراي ــة‬ ‫بعلـــم الخيـــال الـــذي يســـتوعب ّ‬ ‫كل شـــيء ويمكـــن مزجـــه‬ ‫بالواقـــع فـــي كتابـــة األعمـــال القصصيـــة‪.‬‬ ‫وللمـــرة الثالثـــة‪ ،‬ال عالقـــة أليـــة مهنـــة بمـــا فـــي ذلـــك‬ ‫إذن‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مهنـــة الطـــب‪ ،‬بالكتابـــة اإلبداعيـــة‪ .‬يوجـــد مبدعـــون فـــي ّ‬ ‫كل‬ ‫الخاصـــة التـــي توفّرهـــا لهـــم تلـــك‬ ‫مهنـــة‪ ،‬ولهـــم أجواؤهـــم‬ ‫ّ‬ ‫سنســـميهم كتّابـــاً‪ ،‬فقـــط‪ ،‬بـــا‬ ‫يكتبـــون‪،‬‬ ‫المهنـــة‪ ،‬وحيـــن‬ ‫ّ‬ ‫ألقـــاب‪ ،‬تســـبق أســـماءهم‪.‬‬ ‫‪113‬‬


‫كالريــس ليســبيكتور (‪ )1977 - 1920‬كاتبــة برازيلية‪ ،‬من أصل‬ ‫أوكراني‪ ،‬هاجرت مع أبويها إلى البرازيل‪ ،‬بعد سنة من ميالدها‪.‬‬ ‫ُت َعــّد مــن أبرز كّتــاب جيل الـــ (‪ )45‬البرازيليين‪ .‬وعلــى الرغم من‬

‫المبكرة‪ ،‬إال أنها ُت َصنَّف واحدة‬ ‫معاناتها من داء السرطان ووفاتها‬ ‫ِّ‬ ‫أهم كاتبات أميركا الالتينية‪ ،‬في القرن العشــرين‪ .‬من الصعب‬ ‫من ّ‬ ‫الســيما أنها‪ ،‬هي نفســها‪ ،‬تقول إن أسلوبها هو‬ ‫تحديد أســلوبها‪،‬‬ ‫ّ‬

‫«الال أسلوب»‪.‬‬

‫تميــزت كالريــس بقصصهــا القصيــرة ذات األجــواء الكافكويــة‪،‬‬ ‫ّ‬

‫ال عن عدد من‬ ‫األهمّية في الرواية‪ ،‬أيضــاً‪ ،‬فض ً‬ ‫وخلفــت إرث ًا بالــغ ّ‬ ‫كتب األطفال‪ ،‬واألشعار‪ ،‬والرسوم‪.‬‬

‫دجـــاجة‬ ‫كالريس ليسبيكتور‬ ‫ترجمة‪ :‬ناديا الخليل‬

‫حية‪ ،‬ألن‬ ‫إنهــا دجاجة‬ ‫َّ‬ ‫مخصصــة ليوم األحد‪ ،‬وكانت ال تــزال ّ‬ ‫لما تتجاوز التاســعة صباح ًا بعد‪ .‬كانت تبدو هادئة‪،‬‬ ‫الســاعة ّ‬ ‫فقد انزوت‪ ،‬منذ يوم السبت‪ ،‬في ركن من المطبخ‪ .‬لم تكن تنظر‬ ‫إلــى أحــد‪ ،‬ولم يكن أحــٌد ينظر إليها‪ ،‬وحتــى عندما اختاروها‬ ‫متلمســين أجزاءهــا الحميمــة‪ ،‬بال مبــاالة‪ ،‬لم يســتطيعوا إن‬ ‫ِّ‬ ‫قط‪،‬‬ ‫ت‬ ‫ولم‬ ‫نحيلة‪.‬‬ ‫أم‬ ‫ســمينة‬ ‫كانت‬ ‫مــا‬ ‫إذا‬ ‫دوا‬ ‫د‬ ‫يحــ‬ ‫لمــح فيها‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أية لهفة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لهــذا‪ ،‬كانــت المفاجــأة كبيرة حيــن رأوها تفتــح جناحيها في‬ ‫تحليــق قصيــر‪ ،‬ثم تنفخ صدرهــا‪ .‬وبعد محاولتيــن أو ثالث‬ ‫وصلت إلى جدار الشــرفة الحاجــز‪ ،‬لكنها‬ ‫محــاوالت تحليــق‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫تــرددت هناك لحظة (مــا يكفي من الوقــت ألن تطلق الطاهية‬ ‫ّ‬ ‫حطت على شــرفة‬ ‫صرخــة)‪ ،‬وخــال برهــة قصيرة كانــت قد ّ‬ ‫البيــت المجاور‪ ،‬ومن هناك‪ ،‬في تحليق مضطرب آخر‪ ،‬بلغت‬ ‫الســطح‪ ،‬حيــث وقفت مثل دمية زينــة موضوعة بصورة غير‬ ‫بتردد‪.‬‬ ‫مناسبة‪ ،‬ترفع في ّ‬ ‫كل لحظة إحدى قائمتيها‪ُّ ،‬‬ ‫وجبة الغداءِ‬ ‫ورأت‪ ،‬بذهول‪ ،‬أن‬ ‫اســتدعيت األسرة على عجل‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫‪114‬‬

‫رب البيت‬ ‫صــارت إلى جانــب إحدى المداخــن‪ .‬وفي ُّ‬ ‫تذكٍر مــن ّ‬ ‫للحاجــة المزدوجــة إلــى الغداء وإلــى ممارســة رياضة‪ ،‬بين‬ ‫مصمم ًا‬ ‫حيــن وآخــر‪ ،‬ارتدى‪ -‬وهو مشــرق‪-‬‬ ‫مالبس الســباحة ّ‬ ‫َ‬ ‫علــى اقتفاء أثر الدجاجة‪ .‬وبقفزات حذرة‪ ،‬وصل إلى الســطح‬ ‫مترددة ومرتعشــة‪ ،‬حينئــذ‪ ،‬اّتخذت وجهة‬ ‫الــذي كانت عليه‪ّ ،‬‬ ‫أخــرى على عجل‪ ،‬فصارت المطاردة أكثر زخماً‪ .‬ومن ســطح‬ ‫جابت الدجاجة ســطوح أكثر من كتلــة أبنية في‬ ‫إلــى ســطح‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫الشــارع‪ .‬وألنها قليلة الميل إلى الصراعات الوحشــية من أجل‬ ‫تقرر بنفســها الدروب التي‬ ‫الحيــاة‪ ،‬فقــد كان على الدجاجة أن ِّ‬ ‫الشاب‪،‬‬ ‫أية مساعدة من بنات جنسها‪ .‬أما‬ ‫عليها اّتخاذها‪ ،‬دون ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالمقابل‪ ،‬فكان صيادًا هادئاً‪ ،‬وعلى الرغم من تفاهة الطريدة‪،‬‬ ‫إال أن صرخة الغزو كانت قد استحوذت عليه‪.‬‬ ‫وحيــدة فــي الدنيــا‪ ،‬بــا أب وال أم‪ ،‬كانــت تركــض‪ ،‬تلهــث‪،‬‬ ‫مركزة‪ .‬وفي هروبها‪ ،‬كانت تطير‪ ،‬أحياناً‪،‬‬ ‫مضطربة‪ ،‬صامتة‪ِّ ،‬‬ ‫الشاب يتسلَّق‪ ،‬صاعدًا‬ ‫وبينما‬ ‫السطوح‪،‬‬ ‫بجَزع‪ ،‬فوق عالم من‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫لتسترد أنفاسها‬ ‫إلى ســطوح أخرى‪ .‬بمشقّة‪ ،‬كانت تجد الوقت‬ ‫ّ‬


‫حرّية!‬ ‫للحظات‪ ،‬وعندئذ‪ ،‬تبدو أكثر ّ‬ ‫حرة‪ ،‬وليســت ظافرة مثلما ســيكون‬ ‫لقد كانت بلهاء‪ ،‬خائفة‪ّ ،‬‬ ‫عليه الحال لو أن الهارب كان ديكاً‪ .‬ما الذي في أحشائها ليجعل‬ ‫منها كائناً؟ الدجاجة كائن‪ ،‬وصحيح أنه ال يمكن االعتماد عليها‬ ‫أي شــيء‪ ،‬بل إنها هي نفســها ال تؤمن بنفسها‪ ،‬بالطريقة‬ ‫في ّ‬ ‫التــي يؤمن بهــا الديك في ُعرفه‪ .‬مزيتها الوحيدة هي أن هناك‬ ‫دجاجــات كثيرة‪ ،‬وحتى لو ماتت فســوف تظهــر‪ ،‬في اللحظة‬ ‫واحدة أخرى شــبيهة بها‪ ،‬حتى لتبدو كما لو أنها هي‬ ‫نفســها‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫نفسها‪.‬‬ ‫أخيــراً‪ ،‬في واحدة مــن توقُّفاتها لالســتمتاع بهروبها‪ ،‬أدركها‬ ‫ونِقلت‪،‬‬ ‫الشــاب‪ ،‬ووســط صراخ وتطاير ريش‪ُ ،‬قِبض عليها‪ُ .‬‬ ‫ّ‬ ‫بظَفٍر‪ ،‬من أحد جناحيها‪ ،‬عبر الســطوح‪،‬‬ ‫‪،‬‬ ‫محمولة‬ ‫الحال‪،‬‬ ‫في‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫وو ِ‬ ‫ضعت على أرض المطبخ‪ ،‬بشــيء مــن العنف‪ .‬وبينما هي‬ ‫ُ‬ ‫مشوشــة‪ ،‬نفضت نفســها قليالً‪ ،‬وسط قوقأة مبحوحة‬ ‫تزال‬ ‫ال‬ ‫َّ‬ ‫ومترددة‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫وكان أن حدثــت‪ ،‬عندئذ‪ ،‬الواقعة؛ قد وضعت الدجاجة بيضة!‬ ‫ربما هي بيضتها البكر‪ .‬ولكنها‪ ،‬بعد‬ ‫بــدت متفاجئة ومنهوكة‪ّ ،‬‬ ‫أم قديمة معتادة على األمر‪.‬‬ ‫دخولها تجربة األمومة‪ ،‬بدت مثل ّ‬ ‫وبينمــا هي راقدة على البيضة‪ ،‬راحت تتنفّس‪ ،‬وتفتح عينيها‬ ‫وينزله‪.‬‬ ‫وتغمضهمــا‪ ،‬وكان قلبهــا الصغير جــّدًا يرفع الريــش ُ‬ ‫كل شيء بذعر‪ ،‬وما إن‬ ‫الطفلة‪ ،‬وحدها‪ ،‬كانت قريبة‪ ،‬وتراقب ّ‬ ‫تمكنت من التخلُّص من استحواذ الحدث عليها حتى نهضت عن‬ ‫َّ‬ ‫األرض‪ ،‬وأفلتت العنان لصرخاتها‪:‬‬ ‫وضعت بيضة! إنها تريد‬ ‫مامــا‪ ،‬ماما‪ ،‬ال تذبحــي الدجاجة‪ ،‬لقد‬ ‫ْ‬ ‫لنا الخير!‬ ‫ّ‬ ‫الفتية‪،‬‬ ‫مجــددًا إلى المطبخ‪ ،‬وأحاطوا‬ ‫ــرع الجميع‬ ‫ُه ِ‬ ‫َّ‬ ‫بالــولدة ّ‬ ‫بصمت‪ .‬وحينما كانت تدفِّئ وليدها‪ ،‬لم تكن رقيقة وال شرسة‪،‬‬ ‫مجرد دجاجة فحسب‪،‬‬ ‫ال فرحة وال حزينة‪ ،‬لم تكن ّ‬ ‫أي شــيء‪ّ ،‬‬ ‫ظــل األب واألم واالبنة‬ ‫خاصــة‪َّ .‬‬ ‫بأيــة مشــاعر ّ‬ ‫ممــا ال يوحــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫أي شــعو‬ ‫ينظــرون إليها وقت ًا ال بأس به‪ ،‬دون أن يســاورهم ّ‬ ‫قرر‬ ‫َّ‬ ‫محــدد‪ .‬فلــم يحدث أن داعب أحــٌد رأس دجاجــة‪ .‬وأخيراً‪َّ ،‬‬ ‫األب‪ ،‬بشيء من الصرامة‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫أمــرت بذبح هذه الدجاجة‪ ،‬فلن أعــود إلى أكل الدجاج‪،‬‬ ‫إذا مــا‬ ‫أبداً‪ ،‬في حياتي!‬ ‫ــ وأنا أيضاً‪ .‬أقسمت الطفلة‪ ،‬بحرقة‪.‬‬ ‫األم المتعبة كتفيها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فهزت ّ‬ ‫بــدأت الدجاجــة تعيش مع األســرة‪ ،‬دون أن تعي الحياة التي‬ ‫ُمِنحــت لها‪ .‬وكانــت الطفلة‪ ،‬كلَّمــا عادت من المدرســة‪ ،‬ترمي‬ ‫محفظتهــا جانباً‪ ،‬دون أن تكبــح جريها باّتجاه المطبخ‪ .‬وكان‬ ‫أجبرتهــا على الركض‪،‬‬ ‫يتذكــر‪ ،‬بيــن حين وآخــر‪« :‬كيف‬ ‫األب َّ‬ ‫ُ‬ ‫ســيدة البيت‪.‬‬ ‫تحولــت الدجاجة إلى ّ‬ ‫وهــي في تلك الحالــة!»‪َّ .‬‬ ‫الجميــع يعرفون ذلــك‪ ،‬باســتثنائها هي‪ .‬واصلــت حياتها ما‬ ‫مســتخدمة قدرتها على شــيئين‪:‬‬ ‫بيــن المطبخ وســور البيت‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الالمباالة‪ ،‬والجفول‪.‬‬ ‫ولكــن‪ ،‬حين يكــون الجميع هادئين في البيت‪ ،‬ويبدون كما لو‬

‫بقية‬ ‫أنهم قد نســوها‪ ،‬كانت تمتلئ بقدر ضئيل من الشــجاعة‪ّ ،‬‬ ‫رافعة‬ ‫وتتجول على قطع اآلجر‪،‬‬ ‫من آثار ذلك الهروب الكبير‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫متقطعة‪ ،‬كما لو أنها في الريف‪،‬‬ ‫جســمها وراء الرأس بصورة ّ‬ ‫مســرعة‬ ‫تتحرك‪،‬‬ ‫بالرغــم مــن أن الــرأس الصغيــر يخونهــا‪:‬‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫اآللي القديم لبنات جنسها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ومهتز ًة بذلك الخوف ّ‬ ‫بيــن حيــن وآخر‪ ،‬وهــو ما صار نــادراً‪ ،‬فــي النهايــة‪ ،‬كانت‬ ‫ــرة‪ ،‬في مواجهة الفضاء‬ ‫الدجاجــة َّ‬ ‫تتذكــر أنها قد وقفت‪ ،‬ذات َم ّ‬ ‫على حافّة ســطح‪ ،‬قبيل استســامها‪ .‬وفي هذه اللحظات تمأل‬ ‫الملوث‪ ،‬وإذا كان مــن عادة اإلناث أن‬ ‫رئتيهــا بهواء المطبــخ‬ ‫َّ‬ ‫يغنّين؛ فإنها ــ هي التي ال تحســن الغناء ــ تكون‪ ،‬حينئذ‪ ،‬في‬ ‫أكثر حاالتها سعادة‪ ،‬مع أنه لم يكن يطرأ‪ ،‬في تلك اللحظات‪،‬‬ ‫تبدل على رأســها الفارغ؛ ألن رأســها‪ -‬ســواء في الهرب أو‬ ‫أي ُّ‬ ‫ّ‬ ‫يظل رأس‬ ‫في الراحة أو حين أنجبت أو في أثناء نقرها الذرة‪ّ -‬‬ ‫ص ِّمم منذ بداية العصور‪.‬‬ ‫دجاجة‪ ،‬الرأس نفسه الذي ُ‬ ‫إلى أن ذبحوها ذات يوم‪ ،‬وأكلوها‪ ...‬وتوالت السنوات‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫نصوص‬

‫من ذاكرة رجل ظهر يف الليل‬ ‫عيل لطيف ‪ -‬ليبيا‬

‫يديــه‬ ‫ذلــك الذبــاب األســود علــى ّ‬ ‫المجعدتيــن‪ ،‬مــا تبقّــى مــن أســنانه‬ ‫ّ‬ ‫وقبعتــه‬ ‫الــرث‪ّ ،‬‬ ‫البنيــة‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫زيــه التقليــدي ّ‬ ‫التقليديــة الباهتــة مثــل لــون رمــال‬ ‫الصحــراء‪ ،‬كيــس الخبــز القماشــي‬ ‫المرقّــع الــذي كان يحملــه‪ .‬كان ينظــر‬ ‫إلــى الفــراغ أمامــه كأنــه تمثــال بشــع‬ ‫ـت علــى عجــل‪ ،‬ومّتكــئ علــى َجهنَّميــة‬ ‫ُن ِحـ َ‬ ‫ميتــة بحديقــة مهجــورة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كان الرجــل العجــوز جالســ ًا أمــام‬ ‫المخبــز‪ ،‬علــى عكســنا نحــن‪ ،‬الرجــال‬ ‫القلقــون الواقفــون فــي طابــور غيــر‬ ‫منتظــم‪« .‬بعــد نصــف ســاعة يخــرج‬ ‫الخبــز»‪ ،‬ســمعت أحــد الرجــال يقــول‪.‬‬ ‫ذكرني‬ ‫ال أعــرف ِلـ َـم!‪ ،‬لكــن ذلــك العجــوز ّ‬ ‫بالســالم الحمــراء الصدئــة خــارج بيــت‬ ‫عائلــة صغيــرة فــي طرابلــس‪ .‬الســالم‬ ‫كانــت تقــود مباشــرة لســطح البيــت‪.‬‬ ‫نتســكع هنــاك كل‬ ‫وكنــا فــي يــوم مــا‬ ‫ّ‬ ‫ليلــة‪ .‬أربعــة رجــال يظهــرون فــي الليــل‬ ‫عندمــا تنقطــع الكهربــاء‪ .‬كنــا نســكن فــي‬ ‫‪116‬‬

‫منطقــة واحــدة‪ ،‬أحدنــا ليــس بعيــدًا عــن‬ ‫اآلخــر‪.‬‬ ‫التقينــا خــال الحــرب‪ ،‬أغســطس‪/‬‬ ‫محــل‬ ‫آب عــام ‪ .2011‬كنــت أبحــث عــن‬ ‫ّ‬ ‫ســجائر‪ ،‬فــي شــارعنا الصغيــر‪ ،‬لــم أجد‪.‬‬ ‫وكونــي مــن ذلــك النــوع مــن األشــخاص‬ ‫أي أحــد مــن‬ ‫المنطويــن‪ ،‬فلــم أكــن أعــرف ّ‬ ‫المدخنيــن‪.‬‬ ‫رجــال شــارعنا‬ ‫ِّ‬ ‫كنــت أقــف أمــام بــاب بيتنــا‪ ،‬فرأيتــه‪.‬‬ ‫الكهربــاء كانــت منقطعــة لثالثــة أيــام‪،‬‬ ‫وال أحــد يعلــم مــا الــذي يحصــل فــي‬ ‫طرابلــس‪ ،‬لكــن صــوت الرصــاص‬ ‫مســتمرة‪ّ ،‬إل أنهــم‬ ‫واالنفجــارات كانــت‬ ‫ّ‬ ‫كانــوا يقولــون إننــا انتصرنــا‪ .‬وقــف‬ ‫أمامــي وابتســم‪ .‬وأجــل‪ ،‬الميــاه كانــت‬ ‫مقطوعــة أيض ـاً‪ .‬ســألني إن كنــت أحمــل‬ ‫قّداحــة‪ .‬كنــت أحمــل واحــدة وال أعلــم‬ ‫الســبب‪ .‬أشــعل الســيجارة وأعطانــي‬ ‫فكــرت فــي‬ ‫أخــرى‪« .‬لقــد انتصرنــا»‪ّ ،‬‬ ‫نفســي‪.‬‬ ‫تحّدثنــا قليـاً‪ .‬كان انطوائيـ ًا أكثــر منــي‪.‬‬

‫نحــن‪ -‬االنطوائييــن‪ -‬يشــعر البعــض‬ ‫يحســه البعــض اآلخــر‪ .‬بعــد‬ ‫منــا بمــا ّ‬ ‫مــّدة التقيــت بــه مجــّدداً‪ ،‬تحّدثنــا أكثــر‪،‬‬ ‫جيــداً‪ ،‬وهــذا يعنــي الكثيــر‬ ‫كان حديثــ ًا ّ‬ ‫النطوائييــن‪ :‬أخبرنــي أنــه يقضــي معظم‬ ‫ّ‬ ‫وقتــه فــوق ســطح بيتهــم فــي غرفــة‬ ‫صغيــرة بناهــا بيديــه‪ .‬أخبرنــي أنــه‬ ‫يرســم ودعانــي لرؤيــة لوحاتــه متــى‬ ‫أردت‪ .‬اّتفقنــا علــى ليلــة الغــد‪ ،‬وســألته‬ ‫إن كان بإمكانــي إحضــار صديــق معــي‪.‬‬ ‫لــم يمانــع‪.‬‬ ‫بعــد أســابيع‪ ،‬أصبــح ســطح بيتهــم‬ ‫مســتوطنتنا نحــن األربعــة‪ .‬الشــخص‬ ‫الرابــع كان صديــق طفولتــه الــذي عــاد‬ ‫إلــى البلــد من إحــدى دول أوروبا الغربية‬ ‫نهايــة عــام ‪ .2011‬كنــا‪ -‬األربعــة‪ -‬ننحــدر‬ ‫مــن مناطــق مختلفــة‪ ،‬قبائــل معاديــة‪،‬‬ ‫وإرثنــا العائلــي السياســي والثّقافــي‬ ‫متضــادًا حــّد العــداء‪ ،‬أيضــاً‪.‬‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫كان يجــدر بنــا أن يقتــل أحدنــا اآلخــر إن‬ ‫احتكمنــا إلــى المنطــق الســائد اليــوم‪ّ .‬إل‬


‫على سعيد محمد حجازى ‪ -‬مصر‬

‫قررنــا‪ ،‬ذات ليلــة‪ ،‬أننــا‪ -‬وأبــداً‪-‬‬ ‫أننــا ّ‬ ‫لــن نحمــل الســاح‪ ،‬فــي حياتنــا كلّهــا‪،‬‬ ‫ولــو دفاعـ ًا عــن أنفســنا حتــى‪« .‬إن ذلــك‬ ‫فكرنــا‪ ،‬وأن مقابلــة المــوت‬ ‫عبــث»‪ّ ،‬‬ ‫بابتســامة هــي أمثــل مــا يمكــن فعلــه‪.‬‬ ‫كنّــا مختلفيــن وافتخرنــا بذلــك‪ ،‬فهمنــا‬ ‫الكثيــر مــن األشــياء وحدنــا‪ ،‬شــعرنا‬ ‫باألســف لحــال البلــد فــي البدايــة‪ ،‬ثــم‬ ‫بالالجــدوى‪ ،‬ثــم بالالمبــاالة‪ .‬الحــرب‬ ‫الثانيــة كانــت قاســية علــى الجميــع‪،‬‬ ‫وخاصــة علينــا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تــورط»‪ ،‬قــال أحدنــا‪ ،‬بينمــا‬ ‫«الجميــع ّ‬ ‫كنــا جالســين فــوق الســطح فــي ظــام‬ ‫ليلــة‪ ،‬دون كهربــاء‪ ،‬وال ضــوء ُينيرنــا‬ ‫ّإل نــور جمــرات ســجائرنا األحمــر‪.‬‬ ‫ـورط‪ ،‬أثبتــت الحــرب األخيــرة‬ ‫«الجميــع تـ ّ‬ ‫ـورط أيضـاً‪ ،‬أنــا ال‬ ‫ـ‬ ‫مت‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫العظي‬ ‫أن الشــعب‬ ‫ّ‬ ‫أفهــم األمــر‪ ،‬أعنــي‪ :‬كيــف يمكــن لنــا أن‬ ‫نعــود إلــى عصــر الصحــراء فــي األلفيــة‬ ‫الثانيــة»؟‬ ‫عدميــون»‪ ،‬قــال صاحــب‬ ‫«لهــذا‪ ،‬نحــن ّ‬

‫الســطح‪.‬‬ ‫ســيئ جــّدًا مــن‬ ‫وقــت‬ ‫فــي‬ ‫لدنــا‬ ‫«نحــن ُو‬ ‫ِّ‬ ‫تاريــخ البشــرية»!‪ .‬أجابــه‪.‬‬ ‫ضحكنــا‪ ،‬ولــم نتحـّدث عــن األمر مجـّدداً‪.‬‬ ‫كل‬ ‫لكــن‪ ،‬الحيــاة تفاجئــك دائمـاً‪ ،‬تتوّقــع ّ‬ ‫شــيء‪ ،‬لكــن‪ ،‬ليــس كل شــيء‪ ،‬هنالــك‪،‬‬ ‫دائمـ ًا قطعــة مفقــودة يتسـلّل منهــا القــدر‬ ‫إليــك‪ ،‬ليغــدر بــك‪.‬‬ ‫حاولنــا التأقلــم علــى قــدر اإلمــكان‪ .‬كل‬ ‫إمــا عمل‬ ‫واحــد منــا شــغل نفســه بشــيء‪ّ ،‬‬ ‫أو دراســة‪ .‬لكــن الحــرب األهليــة لديهــا‬ ‫طريقــة معّقــدة فــي تفريــق النــاس‪ ،‬ولــو‬ ‫كانــوا بعيديــن عنهــا وال يمّثــل أي طــرف‬ ‫مــن أطــراف الحــرب أحــدًا منهــم‪ .‬أعتقــد‬ ‫ســيئاً‪،‬‬ ‫أن الحــروب ال تجعــل اإلنســان ّ‬ ‫إنهــا فقــط‪ُ ،‬تظهــر مســاوئه إلــى العلــن‪.‬‬ ‫فــي النهايــة‪ ،‬هزمتنــا الحــرب مثلمــا‬ ‫متورطيــن‪،‬‬ ‫هزمــت الجميــع وجعلتهــم‬ ‫ّ‬ ‫أول رجــل فينــا‪،‬‬ ‫ـورط ّ‬ ‫بشــكل أو بآخــر‪ .‬تـ ّ‬ ‫الماديــة السـّـيئة ومــرض والدتــه‬ ‫الحالــة ّ‬ ‫وغــاء ســعر األدويــة‪ ،‬جعلتــه يلتحــق‬

‫بأســرع طريــق للكســب‪ :‬وجــد نفســه‬ ‫ُيمســك ســاحاً‪.‬‬ ‫ثانــي رجــل بــدأ يعمــل مــع إحــدى‬ ‫الجماعــات السياســية‪ ،‬عائلتــه كلّهــا‪،‬‬ ‫تقريبـاً‪ ،‬فــي الجماعــة‪ ،‬كان األمــر حتمياً‪.‬‬ ‫ثالــت رجــل انطــوى علــى نفســه‪ ،‬انعــزل‬ ‫تمامــ ًا عــن الجميــع بعــد مقتــل أخيــه‬ ‫فــي أحــد االشــتباكات القبليــة‪ ،‬خــارج‬ ‫العاصمــة‪ .‬ال أحــد تجـّـرأ مّنــا أن يتواصــل‬ ‫معــه بعــد العــزاء‪ .‬كان ذلــك آخــر يــوم‬ ‫يــرى فيــه أحدنــا اآلخــر‪ .‬وقفنــا أمــام‬ ‫«البقيــة‬ ‫عزيــن‪.‬‬ ‫الم ّ‬ ‫ّ‬ ‫المقبــرة فــي طابــور ُ‬ ‫فــي حياتــك»‪ ،‬لــم يســمع منــا أكثــر مــن‬ ‫تلــك الجملــة‪.‬‬ ‫البقيــة فــي حياتــك‪ ،‬مــا معنــى ذلــك علــى‬ ‫ّ‬ ‫مجــرد كلمــة تعلّمنــا أن‬ ‫إنهــا‬ ‫حــال؟‬ ‫أيــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أي‬ ‫نقولهــا فــي ّ‬ ‫كل عــزاء‪ ،‬وال تعنــي ّ‬ ‫أيــة قيمــة‪.‬‬ ‫شــيء‪ ،‬وليــس لهــا ّ‬ ‫الحــرب‪ِ ،‬‬ ‫أول َشـْـيبة فــي الــرأس‪،‬‬ ‫الكبــر‪ّ ،‬‬ ‫المــال‪ ،‬العائلــة‪ ،‬القبيلــة‪ ،‬األعــراف‬ ‫والتقاليــد‪ ،‬النجــاح‪ ،‬الفشــل‪ ،..‬وهكــذا‬ ‫تنســى ذاتــك تحــت ضغــط كل تلــك‬ ‫القــوى‪ ،‬والوحــدة التــي تضعــك علــى‬ ‫المســار العــام‪ :‬القبيــح والتعيــس‬ ‫مجعديــن‪،‬‬ ‫والمكتــظ برجــال عجائــز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يعلــو أياديهــم ذبــاب أســود‪ ،‬جالســين‬ ‫أمــام المخابــز منتظريــن خــروج الخبــز‬ ‫بعــد نصــف ســاعة‪.‬‬ ‫وكل وعودنــا تلــك‪ :‬أن نكــون نحــن‪ ،‬أن‬ ‫ّ‬ ‫نتــورط‬ ‫ال‬ ‫أن‬ ‫إنســانيتنا‪،‬‬ ‫علــى‬ ‫نحافــظ‬ ‫ّ‬ ‫مجــرد‬ ‫أبــدًا مهمــا حــدث‪ ..‬إلــخ‪ ..‬كانــت‬ ‫ّ‬ ‫بيانــات حالمــة‪ ،‬بيــن رجــال ظهــروا‬ ‫فــي الليــل وتكلّمــوا فــي الظــام‪ ،‬ولــم‬ ‫يتمكنــوا مــن مواجهــة الشــمس والنظــر‬ ‫ّ‬ ‫شــيء‬ ‫نحــن‬ ‫والقــول‪:‬‬ ‫مباشــرة‬ ‫إليهــا‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫آخــر!‬ ‫رجــال أعطــوا ظهورهــم للشــمس‪،‬‬ ‫ورددوا بائســين‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫أليس من ذلك ُبّد؟‬ ‫ليس من ذلك ُبّد‪* .‬‬ ‫* ثيمــة الرباعيــة الوتريــة السادســة‬ ‫عشــرة‪ ،‬الحركــة الرابعــة‪ ،‬للودفيــج فــان‬ ‫الروائــي ميــان‬ ‫بيتهوفــن‪..‬‬ ‫َ‬ ‫اســتعمل ّ‬ ‫كونديــرا هــذه الثيمــة فــي روايتــه «كائــن‬ ‫ال تحتمــل خفّتــه»‪ .‬ترجمــة مــاري طــوق‪،‬‬ ‫دار نشــر المركــز الثّقافــي العربــي‪.‬‬ ‫‪117‬‬


‫أيمكن للروايئ أن يكون غزير اإلنتاج؟‬ ‫ُ‬ ‫ستيفن كينغ‬

‫التحد ُث بشأنها‪:‬‬ ‫يتم‬ ‫ثمة عديد من اُلمسلّمات في النّقد‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫األدبي‪ ،‬ال ُّ‬ ‫ّ‬ ‫رضة‬ ‫كان‬ ‫ّما‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ّه‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫إحداهــا‬ ‫المرء كثير الكتابــة كان عمُله ّ‬ ‫أقل ُع ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫للفت االنتباه‪.‬‬ ‫روايــة‬ ‫ّفــة ألكثــر مــن خمســين‬ ‫ل‬ ‫المؤ‬ ‫أوتــس‪،‬‬ ‫كارول‬ ‫جويــس‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫رواية التي قد ُكتبت تحت أســماء‬ ‫(لــن ُنحصــي اإلحدى عشــرة‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل كامل‪-‬‬ ‫ُمستعارة‪ :‬روزاموند سمث‪ ،‬لورين كيلي) تتفّه ُم‪-‬‬ ‫الكّتــاب غزيري اإلنتاج‪ .‬في‬ ‫كــم هــو ٌ‬ ‫ُّقاد ألجل ُ‬ ‫قليل ما ُ‬ ‫يملكه الن ُ‬ ‫ــق إبداع ًا‬ ‫إحــدى تدويناتهــا كتبت تقــول‪ ،‬يبدو أنّهــا كانت تخُل ُ‬ ‫جاد»»‪.‬‬ ‫العالم األدبي لـ‬ ‫يسمح به‬ ‫حقيقة مما‬ ‫«أكثر‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫«كاتب ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫موضوعي‬ ‫بــإدراك‬ ‫‪،‬‬ ‫تتعامل‬ ‫التــي‬ ‫االفتراضات‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫فــي‬ ‫حيــث‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫غزير‪ُ ،‬تســاوي‪ ،‬في‬ ‫أن الكتابة‪،‬‬ ‫بشــكل ٍ‬ ‫ثمة فكــرة ّ‬ ‫للحقيقــة‪ّ ،‬‬ ‫التعامل معها‬ ‫يتــم‬ ‫ُ‬ ‫الس ّ‬ ‫البّد أن ّ‬ ‫قيمتهــا‪ ،‬الكتابة ّ‬ ‫ــيئة‪ ،‬هــي فكرة ُ‬ ‫أن هــذا صحيح‪ .‬ال أحــد ‪-‬بالّتأكيد‪-‬‬ ‫بحــذر‪ .‬فــي الغالب‪ ،‬يبــدو ّ‬ ‫كاتب روايات الغموض جون كريسي‪ -‬مؤلّف (‪)564‬‬ ‫ســي ّ‬ ‫نص ُب َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫رواية‪ ،‬تحت أحد عشــر اســم ًا ُمســتعارًا مختلفيــن‪ -‬ملك ًا داخل‬ ‫وإبداعاته‬ ‫شخصه‬ ‫فكالهما‪:‬‬ ‫ســطوريين‪،‬‬ ‫قصر أبطال األدب ا ُأل‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حقيقة‬ ‫هــو‬ ‫ــه‬ ‫نفس‬ ‫األمر‬ ‫كبير‪.‬‬ ‫د‬ ‫ح‬ ‫إلــى‬ ‫‪،‬‬ ‫ّســيان‬ ‫طواهمــا الن‬ ‫قــد‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ ُ‬ ‫الروائية البريطانية ُأورســوال بلوم (نحو ‪ٍ 500‬‬ ‫عمل‪ ،‬منشــور‬ ‫تحــت عّدة أســماء ُمســتعارة)‪ ،‬وباربارا كارتالنــد (نحو ‪700‬‬ ‫عمل)‪ ،‬وحشد من آخرين‪.‬‬ ‫كابــت» الشــهيرة عن جاك‬ ‫ذلــك ُي ّ‬ ‫ذكــر المــرء بُنكتــة «ترومان ُّ‬ ‫كيرواك‪:‬‬ ‫نقر على آلة كتابة»‪.‬‬ ‫هذا‬ ‫كتابة‪،‬‬ ‫ليست‬ ‫«هذه‬ ‫ٌ‬ ‫الكّتاب غزيري اإلنتــاج قد تركوا انطباع ًا‬ ‫إلــى اآلن‪ٌ ،‬‬ ‫بعض من ُ‬ ‫ملياً‪ ،‬في آجاثا كرستي‪ ،‬التي‬ ‫ر‪،‬‬ ‫فك‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫‪.‬‬ ‫الجماهيري‬ ‫على الوعي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫شــعبية‪ ،‬والتي مازالت‬ ‫العشــرين‬ ‫القرن‬ ‫اب‬ ‫ت‬ ‫ك‬ ‫أكثر‬ ‫ّ‬ ‫زعــم أنّها ُ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُي ُ‬ ‫طبع‪.‬‬ ‫أعماُلها‬ ‫ُ‬ ‫الكاملة ُت َ‬ ‫اســم‬ ‫هــي كتبــت (‪ )91‬كتابــاً‪ )82( :‬منها باســمها‪ ،‬و(‪ )9‬تحت ٍ‬ ‫الــزواج‪ :‬آجاثــا‬ ‫ُمســتعار‪ :‬مــاري‬ ‫وســتماكت‪ ،‬أو اســمها بعــد ّ‬ ‫ُ‬ ‫طابع أدبي‪،‬‬ ‫كرســتي مالوان‪ .‬هذه‬ ‫لربما ليست ذات ٍ‬ ‫الروايات‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫صنعت بواســطة جون‬ ‫قــد‬ ‫التي‬ ‫العصيــدة‬ ‫هــة عــن‬ ‫نز ٌ‬ ‫لكنهــا ُم ّ‬ ‫ُ‬ ‫الفت للنّظر‪ .‬كرســتي قــد وهبتنا‬ ‫د‬ ‫جي‬ ‫منهــا‬ ‫وبعــض‬ ‫كريســي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ ٌ‬ ‫شــخصيتين‪ :‬مســز ماربل‪ ،‬وهيركل بويرت‪ ،‬وقد حقّقت ضرب ًا‬ ‫الخلــود‪ .‬أضف‪ ،‬إلى هذا‪ ،‬الوحدة في األســلوب واألفكار‪،‬‬ ‫مــن ُ‬ ‫الراحة في بنائية‬ ‫على‬ ‫الباعثة‬ ‫ة‬ ‫(الحميمي‬ ‫كرستي‪،‬‬ ‫روايات‬ ‫في‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الـمدرجة في سياق تقديرها الفاتر‬ ‫ة‬ ‫البريطاني‬ ‫والقوالب‬ ‫العمل‪،‬‬ ‫ّ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل ُمدهش) البّد للمرء من أن ُيعاين تلك‬ ‫للطبيعة البشرية‪،‬‬ ‫‪118‬‬

‫نظر ُمختلفة‪.‬‬ ‫الكُتب العديدة‪ ،‬من وجهات ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الشــيء نفســه‪ ،‬باســتطاعتنا أن نقولــه عــن الكاتــب الخصيب‬ ‫كاتب من أواســط القرن العشــرين‪،‬‬ ‫«جــون د‪.‬ماكدونلــد»‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫الـــمخترعة «‪ »Travis McGee‬تبدو‪ ،‬اآلن‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫شخصيته الكتابية ُ‬ ‫ٍ‬ ‫وكثير من رواياته الفريدة‪ ،‬التي‬ ‫حــرج‪،‬‬ ‫م‬ ‫بشــكل‬ ‫راز‪،‬‬ ‫الط‬ ‫قديمة‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫مزيج بين إرنســت همنغواي‪ ،‬وجون‬ ‫هي‬ ‫األربعين‪،‬‬ ‫على‬ ‫تربو‬ ‫ٌ‬ ‫األدبيين‪ ،‬وكتب‬ ‫أبطالــه‬ ‫ماكدونلد‬ ‫تناســى‬ ‫حين‬ ‫لكن‪،‬‬ ‫أوهــارا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل قاطع‪ -‬أنجز أعما ًال مدهشة‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫ألجل ذاته‪-‬‬ ‫«‪ ،»The End of the Night»،«The Last One Left‬وهــي‬ ‫التصنيفي األعجم‪ ،‬من تغيير الشــكل الذي‬ ‫ترتقي إلى المســتوى‬ ‫ّ‬ ‫جادل‬ ‫ســي ُ‬ ‫ُن ُ‬ ‫طلق عليه األدب األميركي‪ .‬ليس ثمة عاقل أو عاقلة‪ُ ،‬‬ ‫ســفر أبدًا‬ ‫ي‬ ‫ال‬ ‫الكم‬ ‫أن‬ ‫افترضت‬ ‫إن‬ ‫لكن‪،‬‬ ‫الجودة‪،‬‬ ‫يضمن‬ ‫الكم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫بأن ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ ُ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بكّل‬ ‫كاذب‬ ‫ّــي‬ ‫ن‬ ‫وأ‬ ‫‪،‬‬ ‫وفارغ‬ ‫مغرور‬ ‫ّــي‬ ‫ن‬ ‫بأ‬ ‫هاجمني‬ ‫ت‬ ‫فســ‬ ‫جودة‬ ‫عــن‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ ُ‬ ‫ٌ‬ ‫الدالئل‪.‬‬ ‫«دونّا‬ ‫ــم‪ُ ،‬‬ ‫ُث ّ‬ ‫لنأخــذ في الحســبان الطــرف اآلخر مــن ّ‬ ‫السلســلة‪ُ :‬‬ ‫األميركيين الّذين قد ظهروا‬ ‫ين‬ ‫وائي‬ ‫الر‬ ‫أفضل‬ ‫من‬ ‫واحدة‬ ‫تــارت»‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫روايات فحسب‪،‬‬ ‫خالل الخمســين عام ًا األخيرة‪ ،‬قد نشرت ثالث‬ ‫الوحيد‬ ‫األميركــي‬ ‫الروائي‬ ‫ُمنــُذ ‪ ،1992‬و«جوناثــان فرانــزن»‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫الذي ُيضاهيها في القيمة‪ ،‬قد نشر خمس روايات‪.‬‬ ‫الكتــب القليلــة‪ ،‬جميعها‬ ‫الســهل أن ُتلقــي‬ ‫ً‬ ‫نظرة علــى تلك ُ‬ ‫مــن ّ‬ ‫أقل كان‬ ‫تــب‬ ‫ّه‪ُ ،‬كلّمــا كان العــدد ّ‬ ‫ُك ٌ‬ ‫ّ‬ ‫اســتثنائية‪ ،‬وستســتنتج أن ُ‬ ‫ؤخــراً‪« -‬فيليــب روث»‪،‬‬ ‫الـــم‬ ‫‪..‬‬ ‫مــا‬ ‫ب‬ ‫لر‬ ‫أفضــل‪.‬‬ ‫ذلــك‬ ‫تقاعد‪ُ -‬م َّ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫روايته «‪Our‬‬ ‫جتمعْيــن‪،‬‬ ‫الــذي كتــب أضعاف ما‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كتبــه ُ‬ ‫كالهما ُم َ‬ ‫ٍ‬ ‫بشــكل واضح‪ .‬علــى الجانب اآلخر إن‬ ‫شــنيعة‪،‬‬ ‫‪ »Gang‬كانت‬ ‫ً‬ ‫روايــة «‪ »American Pastoral‬تبــدو لــي أفضــل مــن رواية‬ ‫الســيد فرانــزن‬ ‫اآلنســة تــارت «‪ ،»The Goldfinch‬أو روايــة ّ‬ ‫«‪.»Freedom‬‬ ‫ٍ‬ ‫سبعة‬ ‫تعافيت من الكحول‪ ،‬لم أتناول شراب ًا تقريب ًا طوال‬ ‫أنا قد‬ ‫ُ‬ ‫األيام‪ ،‬من النّادر أن ُيداخل عقلي أن‬ ‫هذه‬ ‫وفي‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫عام‬ ‫وعشــرين‬ ‫ّ‬ ‫بالروايات الثّماني تلك لآلنســة‬ ‫أشــرب‪ .‬حتــى اآلن‪ ،‬حين ُأ ّ‬ ‫فكُر ّ‬ ‫تارت‪ ،‬والسيد فرانزن‪ ،‬والتي ال تكفي حتى أن تمأل ُربع ّ‬ ‫رف في‬ ‫ّفت عن‬ ‫غــذاء‬ ‫أتذكُر‬ ‫مكتبــة‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫بصحبة زوجتي بعد أن توق ُ‬ ‫تناولته ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بقربنا‪.‬‬ ‫طاولة‬ ‫إلى‬ ‫دتان‬ ‫سي‬ ‫ناك‬ ‫ه‬ ‫كان‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫زن‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫وصرت‬ ‫الشــراب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫بحيويٍة عظيمة‪ ،‬وهما ُتنهيان وجبتيهما‪ ،‬بينما‬ ‫كانتا تتحاوران‬ ‫ّ‬ ‫منســي ًة‬ ‫تقبع‬ ‫كاســات النّبيذ األبيــض‪ ،‬التي قد فرغت‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫أنصافها‪ُ ،‬‬ ‫بدافع شــديٍد ألن أنهض مــن مكاني‬ ‫الطاولــة‪.‬‬ ‫وســط ّ‬ ‫أحسســت ٍ‬ ‫ُ‬ ‫بدافع ألن‬ ‫وأتحــّدث إليهمــا‪ .‬هذا ليس صحيحاً! فقط‪،‬‬ ‫أحسســت ٍ‬ ‫ُ‬


‫جون كريسي‬

‫جون د‪.‬ماكدونلد‬

‫جوناثان فرانزن‬

‫باربارا كارتالند‬

‫آجاثا كرستي‬

‫ُأورسوال بلوم‬

‫فيليب روث‬

‫ُدونّا تارت‬

‫فزعهما؛ أن أقول‪:‬‬ ‫ُأ ُ‬ ‫هاهنا‪ ،‬اللعنــة! بعضنا‬ ‫يقبــع‬ ‫إنه‬ ‫مــا؟‬ ‫نبيذك‬ ‫تشــربان‬ ‫ال‬ ‫«لمــاذا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ ُ‬ ‫يســتطيع ُشــرب النّبيذ‪ ،‬ليــس لدينا هذا االمتيــاز‪ ،‬لكن أنتما‬ ‫ال‬ ‫ُ‬ ‫بحق الجحيم‪ ،‬ال تفعالن هذا؟»‪.‬‬ ‫تستطيعان‪ ،‬فلماذا‪ّ ،‬‬ ‫الكّتاب الموهوبين‪،‬‬ ‫الكتب‪ ،‬لمثل هــؤالء ُ‬ ‫الفجــوات المديــدة بين ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كل واحد ّمنّا‬ ‫درك‬ ‫أ‬ ‫ماثــل‪،‬‬ ‫م‬ ‫نحــو‬ ‫على‬ ‫صيبنــي بالجنــون‪.‬‬ ‫أن ّ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ُت ُ‬ ‫ٍ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫أن‬ ‫عملية ُم‬ ‫يعمل بســرعة متفاوتة‪ ،‬ولديــه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ختلفة قليــاً‪ .‬أتفّه ُم ّ‬ ‫ُ‬ ‫الكّتاب ُيجاهدون في أثناء كتابة ُكّل ُجملة‪ُ -‬كّل كلمة‪ ،‬كي‬ ‫هؤالء ُ‬ ‫ال (أو أن يستعير أحدهم ُعنوان إحدى أفضل روايات‬ ‫تتضمن ثق ً‬ ‫ّ‬ ‫أن هذا ليس‬ ‫أعلم‬ ‫عظيم)‪.‬‬ ‫وقع‬ ‫لديه‬ ‫يكون‬ ‫كي‬ ‫فرانزن‪،‬‬ ‫جوناثان‬ ‫ُ ّ‬ ‫ٌ‬ ‫الخاص‪،‬‬ ‫وأفهــم‪ ،‬من ُمنطلق عملي‬ ‫احترام للعمل‪،‬‬ ‫كســاً‪ ،‬لكنّه‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫تتسب ُب في الخراب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أن العجلة ّ‬ ‫أن الحياة قصيرة‪ ،‬وأنّه‪ ،‬في النّهاية‪ ،‬ال أحد منّا‬ ‫ه‬ ‫أتف‬ ‫أنا‬ ‫لكــن‪،‬‬ ‫ــم ّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫خمــده الموت‪.‬‬ ‫األلــق‬ ‫غزيــر اإلنتاج‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫اإلبداعي يخبــو‪ ،‬ومن ّ‬ ‫ثم‪ُ ،‬ي ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫مسرحية جديدة‬ ‫وليام شيكسبير‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬لم ُينتج ّأية‬ ‫ّ‬ ‫ناضبة‪،‬‬ ‫تعويــذة‬ ‫طــوال أربعمئــة عام‪ .‬وبهذا فــإن أصدقائي هم‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫برر بــه خصوبة ما كتبت‪.‬‬ ‫ُمنــُذ عهــٍد بعيد‪ .‬ليس هــذا احتيا ًال كي ُأ ّ‬ ‫رواية‪ .‬نعــم‪ ،‬أنا قد‬ ‫وخمســين‬ ‫خمس‬ ‫نعــم؛ أنــا‬ ‫ً‬ ‫نشــرت أكثر من ٍ‬ ‫ُ‬ ‫نشرت‪ ،‬ذات‬ ‫استخدمت اسم ًا ُمستعارًا ( ريتشارد باتشمان)‪ .‬نعم‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫كظالل من سلســلة‪James(:‬‬ ‫عــام واحد‪،‬‬ ‫مــرٍة‪ ،‬أربعــة ُكُت ٍب في ٍ‬ ‫ّ‬ ‫وكتبــت‬ ‫‪( ،)Patterson‬باسـتثنـــاء أن رواياتــي كانــت أطــول‪ُ ،‬‬ ‫أسبوع‬ ‫رواية في‬ ‫مرٍة‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫دون مساعدة ُمعاون)‪ .‬ونعم‪ُ ،‬‬ ‫كتبت‪ ،‬ذات ّ‬ ‫ٍ‬ ‫واحد «‪ .»The Running Man‬لكن بإمكاني أن أقول‪ ،‬بأمانة‪،‬‬ ‫شــاباً‪ ،‬كانت رأسي‬ ‫لدي ُّ‬ ‫يكن ّ‬ ‫تماماً‪ :‬أبداً‪ ،‬لم ُ‬ ‫أي خيار‪ .‬وبوصفي ّ‬ ‫كتظة‪ ،‬حيث أحدهــم قد صرخ‪« :‬أطلق‬ ‫عرض‬ ‫مثــل صالة‬ ‫أفــام ُم ّ‬ ‫ٍ‬ ‫والجميع يتدافعون نحو المخارج‪ ،‬في الوقت نفسه‪.‬‬ ‫النّار»‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وآلة كتابةٍ‬ ‫لدي‬ ‫لدي ُ‬ ‫ُ‬ ‫عشرة أصابع فقط‪ُ ،‬‬ ‫ألف فكرة‪ ،‬لكن‪ّ ،‬‬ ‫كانت ّ‬ ‫أمزح بخصوص هذا‪ ،‬أو ُأبالغ)‪،‬‬ ‫ال‬ ‫(أنا‬ ‫أيام‬ ‫هناك‬ ‫كانت‬ ‫واحدة‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الصاخبة داخل رأســي ســتقودني‬ ‫األصوات‬ ‫كل‬ ‫أن‬ ‫أظــن‬ ‫كنــت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫نحو الجنون‪.‬‬

‫عــودة‪ -‬إذاً‪ -‬إلى فترتي العشــرينات‪ ،‬وأوائل الثالثينات‪ ،‬غالب ًا‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فكُر بقصيدة جون كيتس التي تبدأ بقولها‪:‬‬ ‫أ‬ ‫كنت‬ ‫ما ُ ّ‬ ‫ٌ‬ ‫مما قد أكونه‬ ‫لدي‬ ‫«حين كانت ّ‬ ‫مخاوف‪ّ ،‬‬ ‫قبل أن جلّى قلمي ‪ ..‬ما في عقلي من ازدحام ‪»..‬‬ ‫أن األمــور قد جرت هكذا مع فريدرك شــيللر فاوســت‪،‬‬ ‫أتصــو ُر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ختــرع‬ ‫م‬ ‫ّــه‬ ‫ن‬ ‫بأ‬ ‫المشــهور‬ ‫(و‬ ‫برانــد»‬ ‫بـ«ماكــس‬ ‫أكثــر‬ ‫المعــروف‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫األقــل‪ 450 -‬رواية‪،‬‬ ‫شــخصية «‪ .)»Dr. Kildare‬كتــب‪ -‬علــى‬ ‫ّ‬ ‫الفــذ ملحوظــ ًا أكثــر‪ ،‬باعتالل صحتــه وموته‬ ‫وصــار‬ ‫إنجــازه ُّ‬ ‫ُ‬ ‫المبكر‪ ،‬في الواحد والخمسين من ُعمره‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ألكسندر دوماس كتب «‪ The Count of Monte Cristo‬و‪The‬‬ ‫وهناك إســحاق‬ ‫‪ ،»Three Musketeer‬و‪ 250‬رواية ُأخرى‪ُ ،‬‬ ‫ســن التاســعة‬ ‫ته القصيرة األولى في ّ‬ ‫عظيمــوف‪ ،‬الذي باع ّ‬ ‫قص ُ‬ ‫ثورة‬ ‫كتاب‪ ،‬وأحدث‬ ‫ً‬ ‫عشرة‪ ،‬قد أنجز‪ ،‬بالمثابرة‪ ،‬أكثر من ‪ٍ 500‬‬ ‫طرح ُمتواضع‪:‬‬ ‫فــي أدب الخيال العلمــي‪ُ .‬أطروحتي‪ُ ،‬هنا‪ ،‬هي ٌ‬ ‫التعريف‬ ‫حتمي‪ ،‬ولديهــا مكانتها‪.‬‬ ‫أمر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫غــزارة اإلنتاج‪ ،‬أحيانــاً‪ٌ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ري ًة‪ ،‬عددًا‬ ‫ذ‬ ‫أو‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أوراق‬ ‫أو‬ ‫أكثر‬ ‫ا‬ ‫ثمار‬ ‫نتــج‬ ‫ت‬ ‫“أن‬ ‫‪:‬‬ ‫القائل‬ ‫المقبــول‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫تفاؤلية‪ ،‬على األقل‪ ،‬بالنسبة ُأل ُذني»‪.‬‬ ‫ّة‬ ‫له رن ُ‬ ‫ّ‬ ‫المرات‪ُ ،‬‬ ‫من ّ‬ ‫أتذكُر حفالً‪ ،‬كان‬ ‫الطريقة‪.‬‬ ‫بهذه‬ ‫األمر‬ ‫س‬ ‫يتحس‬ ‫شخص‬ ‫كل‬ ‫ليس‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫أدبييــن‪ ،‬كانوا ُيلقون‬ ‫فيه‬ ‫ٌ‬ ‫أشــخاص قــد ّ‬ ‫نصبوا أنفســهم ُحّكام ًا ّ‬ ‫الســيدة‬ ‫كما‬ ‫كانت‪،‬‬ ‫أوتس»‬ ‫كارول‬ ‫«جويــس‬ ‫أن‬ ‫ــى‬ ‫ت‬ ‫ح‬ ‫ّــكات‪،‬‬ ‫الن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تعيش في ٍ‬ ‫الكثير من األطفال‪ ،‬ولم تكن‬ ‫وحولها‬ ‫‪،‬‬ ‫بيت‬ ‫العجوز‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تــدري ما يجــب أن تفعل‪ .‬فــي الحقيقة‪ ،‬هي تدري مــاذا تفعل‪،‬‬ ‫تفعل ما تفعل‪.‬‬ ‫ولماذا‬ ‫ُ‬ ‫الكثير‬ ‫القصص‪،‬‬ ‫مــن‬ ‫الكثير‬ ‫«لدي‬ ‫تدويناتهــا‪:‬‬ ‫إحدى‬ ‫في‬ ‫كتبــت‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫من الروايات»‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ريد أن أقرأها‪.‬‬ ‫أ‬ ‫ألني‬ ‫بهذا‪،‬‬ ‫وأنا سعيٌد‬ ‫ُ‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫‪http://www.nytimes.com 2015/08/31‬‬ ‫ترجمة‪ :‬باسم محمود‬ ‫‪119‬‬


‫ماتياس إينار‪ ..‬رشق مختلف‬ ‫عبداللطيف القريش‬

‫وهام به‪ ،‬فتعلَّم لغاته‪ ،‬وعاش بين أهله وفي‬ ‫َع ِش َق الشرق‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫عما تعلَّمه في الكتب‪ُ .‬ولد‬ ‫جغرافيته‪ ،‬ليكتشــف شــرق ًا مختلف ًا ّ‬ ‫سنة ‪ 1972‬في مدينة نيور‪ ،‬وسط غرب فرنسا‪ ،‬التي ال غرو‬ ‫حط رحاله غير بعيد عنها‪ ،‬وهو في‬ ‫أن الغافقــي عبدالرحمــن ّ‬ ‫طريقــه لمواجهة مارتيل شــارل‪ ،‬على أبــواب حصن بواتييه‬ ‫ذات أكتوبــر مــن ســنة ‪ ،732‬علــى رأس جيــش مــن عــرب‬ ‫األندلس وأمازيغها‪ .‬ولعل هذا الماضي البعيد هو الذي تفاعل‬ ‫الموريين تلمع‬ ‫يتصور «رماح‬ ‫في خيال الفتى ماتيــاس وهو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فــي حديقة بيت والديه»‪ ،‬ويقوده‪ ،‬بضع ســنوات بعد ذلك‪،‬‬ ‫الفن اإلســامي في مدرســة اللوفر‪ ،‬ثــم العربية‬ ‫إلى دراســة ّ‬ ‫والفارســية في معهد اللغات الشــرقية في باريس‪ ،‬ليكتشــف‬ ‫شــرق ًا آخر غير ما كان يعرفه عنه إلى ذلك الحين‪ ،‬من خالل‬ ‫‪120‬‬

‫اطالعه المحدود على «ألف ليلة وليلة»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫حبه للشــرق وثقافاتــه‪ ،‬إلى جوالت طويلــة في مدنه‬ ‫قــاده ّ‬ ‫وقراه‪ ،‬حيث انتهز فرصة إقامة طويلة في بالد فارس ليدخل‬ ‫وتعم َق في‬ ‫جامعــة طهــران‪ ،‬حيــث أتقــن لغــة الفردوســي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الخيــام ومنظومات الســعدي‪ .‬ومن طهران‬ ‫دراســة رباعيات ّ‬ ‫إلــى قاهرة نجيب محفــوظ‪ ،‬وبيروت‪ ،‬فدمشــق‪ ،‬ثم تونس‪.‬‬ ‫تجمعت للشــاب إينار‪ ،‬من خالل أســفاره في عوالم الشــرق‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ومتنوعة من الحكايات والقصائد والرحالت‬ ‫ة‬ ‫ثري‬ ‫أدبية‬ ‫ة‬ ‫ماد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأخبــار الحــروب والمعارك‪ ،‬مــن زمن الســيف والرمح إلى‬ ‫وظفها‪ ،‬وهو‬ ‫المادة التــي َّ‬ ‫عصــر الدبابــات والكيمياوي‪ .‬هذه ّ‬ ‫مستقره‬ ‫في‬ ‫شرفته‬ ‫من‬ ‫المتوسط‪ ،‬بشرقه وغربه‪،‬‬ ‫يطل على‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫الراهــن‪ ،‬منــذ األلفين‪ ،‬فــي برشــلونة‪ ،‬لينظمها فــي عقد من‬


‫األســفار األدبية التي حــازت غير ما تقدير واحتفــاء من ِقَبل‬ ‫القراء والنقّاد من مختلف األجيال والجغرافيات‪ ،‬بدءًا بجائزة‬ ‫ّ‬ ‫القــارات الخمس ســنة ‪ ،2004‬وصو ًال إلى جائــزة غونكور‬ ‫ســنة ‪ ،2015‬مــرورًا بجائزة كانديد ســنة ‪ ،2008‬وغونكور‬ ‫طلبة المرحلة الثانوية سنة ‪.2010‬‬ ‫جــل أعمال مــا تياس إينــار حضــورًا لفصول من‬ ‫نلمــس في ّ‬ ‫حياتــه وتجاربه الشــخصية وأســفاره الطويلــة التي حاول‬ ‫توظيفهــا من خاللها إعــادة تركيب التاريخ الطويــل والممتّد‬ ‫حب الشــرق والشــغف به‪ .‬من بين‬ ‫للمنطقة‪ ،‬حافزه في ذلك ّ‬ ‫هــذه األعمــال‪« :‬إتقان الرماية» عن دار أكت ســود في باريس‬ ‫ســنة ‪« ،2003‬منطقة ( زون)»‪ ،‬عن أكت ســود سنة ‪،2008‬‬ ‫«حدثهم عن المعارك والملوك والفيلة» ســنة ‪« ،2010‬شارع‬ ‫ِّ‬ ‫اللصــوص»‪ ،‬أكــت ســود ‪ ،2012‬وأخيــرًا «بوصلة»‪ ،‬ســنة‬ ‫توجتها أكاديمية غونكور بأعلى‬ ‫‪ 2015‬عن أكت سود‪ ،‬والتي ّ‬ ‫جائزة أدبية في فرنسا‪.‬‬ ‫مــن أعماله األخرى نذكر‪« :‬صعود األورينوك» ســنة ‪،2005‬‬ ‫«أدعيــة األلعاب الناريــة»‪« ،2007 ،‬كحول ونوســتالجيا»‪،‬‬ ‫«الكل سينسى»‪ ،‬سنة ‪.2013‬‬ ‫سنة ‪،2011‬‬ ‫ّ‬

‫بين الشرق الملهم والشرق‬ ‫المؤلم‬ ‫مؤسســي االستشــراق‬ ‫َّ‬ ‫شــك َل الشــرق‪ ،‬دائمــاً‪ ،‬بالنســبة إلى ّ‬ ‫تخيلوه‪ -‬شرق ًا‬ ‫كما‬ ‫موه‪-‬‬ ‫فقد‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫وفاتن‬ ‫ا‬ ‫ساحر‬ ‫ا‬ ‫عالم‬ ‫األوروبي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫لكن في كتابات إينار المستعرب‪ ،‬حضورًا‬ ‫عجائبي ًا وغرائبياً‪ّ ،‬‬ ‫واحتفاء عميق ًا بالشــرق‪ ،‬كمــا يعيش‪ ،‬وكما‬ ‫قويــ ًا ومختلفــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫يحيا‪ ،‬اليوم‪ :‬بأوجاعه ومآســيه‪ ،‬بأشــخاص من دم ولحم‪،‬‬ ‫يأكلون الطعام‪ ،‬ويمشــون في األســواق‪ ،‬ويصارعون الزمن‬ ‫أية بقعة مــن العالم‪ ،‬فتحضر التناقضات االجتماعية‬ ‫كمــا في ّ‬ ‫والتطرف‬ ‫والهجرة‬ ‫ة‪،‬‬ ‫ي‬ ‫الحر‬ ‫وقضايا‪ ‬‬ ‫السياسية‬ ‫والتناقضات‬ ‫ّّ‬ ‫ُّ‬ ‫الديني‪ ،‬وغيرها من القضايا والوقائع‪.‬‬ ‫تجري أحداث روايته األولى «إتقان الرماية»‪ ،‬الصادرة ســنة‬ ‫القارات الخمــس‪ ،‬في مكان ما‪،‬‬ ‫‪ ،2003‬والتــي نالت جائــزة ّ‬ ‫بدون اســم وبدون عنوان‪ ،‬حيث يســتيقظ النهــار على إيقاع‬ ‫الحــب‪ .‬عناصر كثيــرة‪ ،‬في هذا‬ ‫الحــرب‪ ،‬وينــام على إيقــاع‬ ‫ّ‬ ‫النــص‪ ،‬توحي بــأن أحداثه تجــري في بيــروت زمن الحرب‬ ‫ّ‬ ‫األهليــة‪ ،‬وهــي مدينــة عــاش فيهــا الكاتب مــّدة مــن الزمن‪،‬‬ ‫ــر تفاصيل الحياة فيهــا‪ ،‬وجمع عنها‪ -‬كما عن باقي مدن‬ ‫َ‬ ‫وخِب َ‬ ‫المتوسط‪ -‬وثائق وشهادات كثيرة‪ ،‬بما في ذلك شهادات عن‬ ‫ّ‬ ‫تفاصيل الوقائع واألحداث والمعارك التي عاشــها المقاتلون‬ ‫في فترة الصراعات الطائفية‪.‬‬ ‫يقــّدم لنا إينار شــخصية فريدة‪ ،‬شــخصية قنّــاص‪ ،‬تتمحور‬ ‫حياتــه حــول إتقــان الرمايــة‪ ،‬ويصبــح ســاحه جــزءًا من‬

‫حياته‪ ،‬بل عضوًا من أعضائه أو‪ -‬باألحرى‪ -‬امتدادًا لجسده‪،‬‬ ‫حتــى ال يــكاد ينفصل عنه فــي أية لحظة من لحظــات النهار‬ ‫جوانيــة‪ ،‬كما يدخل هو في‬ ‫أوالليــل‪ ،‬ويدخــل معه في عالقة ّ‬ ‫عالقــة روحية وجدانية مع ضحاياه المفترضين‪ .‬وكان يجب‬ ‫انتظــار دخــول ميرنــا‪ ،‬الفتــاة المراهقة ذات الخمســة عشــر‬ ‫حياة القنّاص‪ ،‬ليكتشــف فــي ذاته افتتانــ ًا أخر غير‬ ‫ربيعــاً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫االفتتان بالرماية‪ ،‬ويقوده هذا االكتشــاف الكامن في دواخله‬ ‫تقمص اآلخر المختلف‪.‬‬ ‫إلى ُّ‬ ‫يوظف إينار‬ ‫وفــي عمله األدبي الرابع الموســوم بـ«منطقــة» ِّ‬ ‫الكــم الكبير من الشــهادات والذكريات التي جمعها من تجواله‬ ‫َّ‬ ‫ليقدم ســردًا‬ ‫والبحر‬ ‫األوســط‬ ‫الشــرق‬ ‫عوالم‬ ‫في‬ ‫المتوســط‪ِّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ومسترســا من جملة واحدة‪ ،‬تســتغرق حوالي ‪500‬‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫طوي ً‬ ‫ومتوتر‪ ،‬تقوم به الشخصية‬ ‫صفحة‪ ،‬هي مونولوج مضطرب‬ ‫ِّ‬ ‫المحوريــة في الرواية في أثناء رحلتها من مدينة ميالنو إلى‬ ‫روما‪ ،‬وتحديدًا صوب إمارة الفاتيكان‪ ،‬حيث تعتزم تفويت ما‬ ‫ســرّية حول عدد من صراعات «المنطقة»‪،‬‬ ‫جمعته من وثائق ّ‬ ‫ال للمخابرات الفرنسية في عدد من المدن‪،‬‬ ‫خالل اشتغالها عمي ً‬ ‫منــذ الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وذلك مقابــل مبلغ مالي كبير‪،‬‬ ‫فيكون المونولوج هو الصيغــة الفنّية التي اختارها ماتياس‬ ‫شــخصيته المحورية‪،‬‬ ‫إينار ليحكي‪ ،‬من خاللها‪ ،‬على لســان‬ ‫ّ‬ ‫المتوســط‪ ،‬منــذ الحرب‬ ‫أزمــات وحــروب وصراعــات عالــم‬ ‫ِّ‬ ‫تعرف إليها‪ ،‬سواء بالمعايشة الواقعية‬ ‫العالمية الثانية التي ّ‬ ‫أو من خالل الوثائق واألرشيفات‪.‬‬ ‫المتحصلة على‬ ‫«حدثهم عن المعارك والملوك والفيلة»‬ ‫وفــي ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫جائــزة غونكور طلبة المرحلة الثانوية ســنة ‪ ،2010‬وهي‬ ‫رواية قصيرة ( ‪ 153‬ص)‪ ،‬بالنظر إلى حجم األعمال السابقة‬ ‫واألعمــال الالحقة للكاتب‪ ،‬يحكي ما تياس إينار‪ -‬بأســلوبه‬ ‫الجميل والشــائق‪ -‬ســفر ميكائيل أنجلو‪ ،‬أحد أشــهر رجاالت‬ ‫النهضة اإليطالية‪ ،‬إلى اســطنبول العثمانية‪ ،‬في بداية القرن‬ ‫الســادس عشر‪ ،‬بدعوة من الســلطان بايزيد‪ ،‬الذي استضافه‬ ‫ليناقش معه مشــروع بناء جســر على القرن الذهبي‪ ،‬وهو ما‬ ‫غضب البابا يوليوس الثاني‪ .‬وبين‬ ‫جــر على الفنان المهندس‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫اكتشاف ميكائيل أنجلو لخبايا العاصمة العثمانية‪ ،‬والوقوع‬ ‫في غرام راقصة أندلســية متغنِّجــة ومتمنِّعة‪ ،‬في اآلن ذاته‪،‬‬ ‫تتكرر فيها العبارة‬ ‫تحضر في ّ‬ ‫النص‪ ،‬من خالل مونولوجات‪َّ ،‬‬ ‫مرة‪ ،‬تــارة في صيغة‬ ‫التي‬ ‫ِّ‬ ‫تشــكل عنــوان الرواية أكثــر من ّ‬ ‫وتارة في شــكل مونولوج‪ ،‬كما هــو الحال في إحدى‬ ‫حــوار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫اللحظــات الحميميــة‪« :‬أدرك أن الرجــال هم أطفــال يطردون‬ ‫بالحب‪ .‬وفي مواجهة الفراغ‬ ‫خيبة أملهم بالغضــب‪ ،‬والخوف‬ ‫ّ‬ ‫يتشــبثون بالحكايــات‪ ،‬ويقّدمونها‬ ‫يبنــون قصــورًا ومعابد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫قصة تربطه‬ ‫أمامهــم كبيارق حربية‪ّ .‬‬ ‫كل واحد يصنع لنفســه ّ‬ ‫بالجماعة التي تتقاســمها معه‪ .‬نكتســحهم عندما نحّدثهم عن‬ ‫المعارك والملوك والفيلة والكائنات العجيبة»‪.‬‬ ‫نتســاءل عــن دالالت الرمــوز المســتعملة فــي هــذا العمــل‪:‬‬ ‫تتحدث‬ ‫اسطنبول‪ ،‬جسر على القرن الذهبي‪ ،‬راقصة أندلسية‬ ‫َّ‬ ‫‪121‬‬


‫اإلســبانية‪ ،‬وهــل هي صيغة أخــرى للدعوة إلــى حوار بين‬ ‫الشرق والغرب‪ ،‬عن طريق الرواية والتخييل؟‬ ‫فضاء لروايته الفائزة‬ ‫اتخذ ما تياس إينار من برزخ جبل طارق‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫الم َعْن َونة بـ«شــارع اللصوص»‪،‬‬ ‫الشــرق»‬ ‫«غونكور‬ ‫بجائــزة‬ ‫ُ‬ ‫والتــي ترجمتهــا إلــى العربيــة مــاري طــوق‪ ،‬ونشــرتها دار‬ ‫يتطرق إلى آالم الشرق‪ ،‬كالعطالة‬ ‫الجمل سنة ‪ .2013‬وفيها‬ ‫َّ‬ ‫والتطرف والثورات والكبت االجتماعي‪ .‬تجري معظم أحداث‬ ‫ُّ‬ ‫شــارع اللصوص في أدنى شرق من أوروبا؛ في طنجة‪ ،‬في‬ ‫أثناء عنفوان ربيع الشــعوب‪ ،‬حيث نصــادف لخضر‪ ،‬الفتى‬ ‫الطنجاوي الذي تعلَّم اللغة الفرنســية‪ ،‬فانفتحت أمامه عوالم‬ ‫الروايــة البوليســية التــي أصبح مهووســ ًا بقراءتهــا‪ ،‬ألنها‬ ‫حرره من ضيق‬ ‫تفتح أمامه مغالق وألغاز لعوالم يجهلها‪ُ ،‬‬ ‫وت ِّ‬ ‫المــكان؛ فالقراءة وســيلته لمواجهة الظالم‪ :‬أليســت القراءة‬ ‫عملية تحرير‪ ،‬كما يقول إدوارد غليســان؟‪ ،‬كما يرطن لخضر‬ ‫ّ‬ ‫بلغة إسبانية‪ ،‬يستطيع‪ ،‬من خاللها‪ ،‬تجاذب أطراف الحديث‬ ‫مع الســائحين اإلسبان‪ ،‬حيث يقضي مساءاته‪ ،‬رفقة صديقه‬ ‫بســام‪ ،‬فــي مغازلة اإلســبانيات اللواتي تزخر بهن شــوارع‬ ‫للتحرر من‬ ‫المدينة القديمة ودرباتها‪ .‬وتلك هي طريقة أخرى‬ ‫ُّ‬ ‫الضغط االجتماعي‪ ،‬لكن وقوعه في الخطيئة والمحظور‪ ،‬مع‬ ‫قريبته مريم‪ ،‬ســيدفع أباه إلى طرده‪ ‬وإبعاده عن دفء بيت‬ ‫األسرة‪ ،‬ليتيه «من سجن إلى سجن»‪ :‬مابين دهاليزالجماعات‬ ‫المتطرفة‪ ،‬وذكريات مريم‪ ،‬والحنين إلى حضن األم‪ ،‬والحلم‬ ‫ِّ‬ ‫المتوسط للَّحاق بـ«جوديث» طالبة األدب‬ ‫شمال‬ ‫إلى‬ ‫بالهجرة‬ ‫ِّ‬ ‫تعــرف إليها فــي أزقّة‬ ‫العربــي فــي جامعة برشــلونة‪ ،‬التي ّ‬ ‫طنجة‪.‬‬ ‫يشــكل الربيع العربي ســوى خلفية محدودة‬ ‫فــي الواقع‪ ،‬ال‬ ‫ِّ‬ ‫لشارع اللصوص؛ فحين ُطِرح سؤال على ماتياس إينار حول‬ ‫«راو بعيد عن األحداث‪،‬‬ ‫رد بأنه كان يرغب في ٍ‬ ‫هذه المسألة‪ّ ،‬‬ ‫يعبــر ســاحة المعركــة‪ ،‬دون أن يشــارك فيهــا»‪ ،‬وأنه‪ -‬في‬ ‫األصل‪ -‬كان يريد أن يكتب رواية عن ســوريا التي عاش فيها‬ ‫خمس ســنوات دون الكتابة عنها‪ ! ‬قبل أن يضيف بأن شارع‬ ‫كل‬ ‫اللصوص كتاب سياســي وفلســفي وروحي‪ ،‬وهو‪ ،‬قبل ّ‬ ‫شيء‪ ،‬طريقة لعدم الكتابة عن سوريا‪.‬‬

‫«بوصلة» أو االتّجاه نحو العشق‬ ‫بشــكل مختلف‬ ‫يحضر الشــرق‪ ،‬في «بوصلة» ماتياس إينار‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عــن أعمالــه الســابقة‪ ،‬حيــث أراد أن تكون روايتــه األخيرة‬ ‫احتفاء بجيل المستشــرقين األوائل‪ :‬دوالكروا‪ ،‬وبيير لوتي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يعتــز بهم‪ ،‬ويســخر منهم‪ ،‬في‬ ‫غوتييــه ال مارتيــن‪ ...‬الذيــن‬ ‫ّ‬ ‫اآلن ذاته‪ .‬هؤالء المستشــرقون الذين اخترعوا شرق ًا يالئم ما‬ ‫مضمخ ًا بالعطر ورائحة‬ ‫كانوا يتوقون إلى رؤيته فيه‪ ،‬شرق ًا ّ‬ ‫الصنــدل‪ ،‬شــرق الفتنة والســحر والجمــال‪ ،‬شــرق ًا روحاني ًا‬ ‫‪122‬‬

‫ا علــى الملــذّات‪ ،‬في آن معــاً‪ .‬لكن هذا الشــرق لم يكن‬ ‫ومقبــ ً‬ ‫مطابق ًا لواقعه‪« :‬فالشــرق ليس ســوى بناء ذهني ومجموعة‬ ‫يشــكلها بحسب موقعه‪ ،‬ويغرف منها‬ ‫من التمثُّالت‪ّ ،‬‬ ‫كل واحد ِّ‬ ‫على هواه» ص ‪.276‬‬ ‫طرز ماتياس إينار هذا العمل‪ ،‬الصادر بمناســبة الدخول‬ ‫لقــد َّ‬ ‫الثقافي الفرنسي لسنة ‪ ،2015‬عن دار الديكوفيرت‪ ،‬كحكاية‬ ‫مــن حكايات «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬لكنهــا تجري في ليلة واحدة‬ ‫يذكرنا‬ ‫ومختلفة‪ ،‬ليلة بيضاء تســتغرق ‪ 400‬صفحــة‪ .‬وهذا ِّ‬ ‫بالتمريــن الذي قام به الكاتب في رواية «زون»‪ ،‬حيث يطابق‬ ‫عدد صفحــات الكتاب عدد الكيلومترات التي يقطعها القطار‪،‬‬ ‫من ميالنو إلى روما‪.‬‬ ‫يســافر بنا إينار على خطى فرانتز ريتر‪ :‬موســيقي نمساوي‬ ‫ذي ثّقافة واسعة‪ ،‬يعاني من الوحدة والمالنخوليا‪ ،‬ومصاب‬ ‫بــاألرق‪ ،‬يعــّد الســاعات‪ ...0:53 - 23:58 - 23:10 :‬إلــى‬ ‫انقشــاع الليــل‪ ،‬فــي بيــاض اليــوم التالــي‪ ،‬منبهر بالشــرق‬ ‫وفنونــه‪ ،‬مهــووس بالبحــث عــن التأثيــرات الشــرقية فــي‬ ‫الموسيقى الغربية التي «قبل أن تكتشف الشرق كانت تقتصر‬ ‫ســية»‪ .‬وإذا‬ ‫علــى التراتيــل واأللحان الحزينة للقّداســات َ‬ ‫الكن ّ‬ ‫حررت لخضر من ضيق المكان واألفق‬ ‫كانت الرواية هي التي َّ‬ ‫في رواية شــارع اللصوص‪ ،‬فإن الموســيقى فــي «بوصلة»‬ ‫هي أداة تحرير فرانتز ريترز من فساد العالم‪.‬‬ ‫رحالة منعزل‬ ‫من خالل «بوصلة»‪ ،‬نقطع آالف الكيلومترات مع ّ‬ ‫ومنزو في بيته في فيينا؛ «باب الشرق‪،»Porta orientis ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بتعبير سارة‪ ،‬الشخصية الثانية في الرواية‪ ،‬والذي تستعيره‬ ‫من الكاتب النمساوي هوفمانشتال«‪ .»Hofmannsthal‬ومن‬ ‫غرفــة ريتــر المقفلة نخرج‪-‬إذاً‪ -‬من باب الشــرق لنســافر في‬ ‫رحلة ذهنية إلى اســطنبول ودمشق وحلب وتدمر وطهران‪،‬‬ ‫عبــر منعرجات الروح الحزينة والمتعبــة للراوي‪ ،‬في عملية‬ ‫بوح بأفكاره وأحالمه ومخزون أرشيفاته‪ ،‬حيث ُيظهِر دراية‬ ‫وقدرة مبهــرة على الفكاهــة واإلضحاك‪.‬‬ ‫واســعة بالشــرق‪،‬‬ ‫ً‬ ‫خزان ذكرياته الذي ال ينضب‪ ،‬وبوصلته‬ ‫فر‬ ‫الس‬ ‫ّ‬ ‫دليله في هذه َّ‬ ‫التي هي نســخة‪ ،‬طبق األصــل‪ ،‬من بوصلة بيتهوفن التي ال‬ ‫تحّدد سوى الشرق‪.‬‬ ‫خالل هذا الرحلة الطويلة يصبح الشــرق هو االّتجاه الوحيد‬ ‫«المهم هــو أن ال يضيع منك الشــرق»‪.‬‬ ‫الممكــن واألساســي‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫متعدد‪ ،‬يســتعيد‬ ‫الســفر إلــى الشــرق‪ ،‬مــع ريتر‪ ،‬هــو ســفر‬ ‫ِّ‬ ‫الماضــي بصيــغ مركبــة‪ ،‬ومــن خاللــه ينظــر‪ -‬أيضــاً‪ -‬إلى‬ ‫تمكنا‬ ‫الحاضــر‪ .‬وفــي هذه الرحلــة ‪ /‬الروايــة ُيظهِر الكاتــب ُّ‬ ‫كبيــرًا مــن صنعتــه‪ ،‬فرغــم أن العمــل مشــحون بالمعــارف‬ ‫التاريخية والفنّية الدقيقة‪ ،‬إذ يبرز إينار‪ ،‬من خالله‪ ،‬معرفة‬ ‫وغربيها‪ ،‬فإنه يســتعرضها‬ ‫شــرقيها‬ ‫واســعة بالموســيقى‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ذكية َحّد اإلبهار‪ ،‬تشّد القارئ‪ ،‬وتقيه‬ ‫وبطريقة‬ ‫بلغة جميلة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫من الملل ومن الشعور بالنقص المتولِّد عن الجهل‪.‬‬ ‫لكــن «بوصلة» ليســت رحلــة ذهنية فقــط‪ ،‬بل هــي‪ -‬أيضاً‪-‬‬ ‫روايــة غــرام‪ ،‬بامتياز‪ ،‬ومن جهتيــن‪ :‬غرام إينار بالشــرق‪،‬‬


‫وهــو ما عكســه في هــذه الرواية وفي غيرهــا (زون ‪ -‬تحّدث‬ ‫لهم عن الملولك والفيلة‪ ،)...‬لكنه أبدع في هذه‪ ،‬وأبهر حتى‬ ‫اســتحق أعلــى تتويج أدبي فرنســي‪ ،‬وغرام ريتر بســارة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الباحثــة الجامعية الفرنســية الفاتنة والمثقَّفــة‪ ،‬التي تعرف‬ ‫والمتخصصة في الدراسات الشرقية‪ ،‬حيث تدرس‬ ‫عّدة لغات‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫والرحالة‬ ‫الســحر الذي مارسه الشــرق على الفنّانين واألدباء‬ ‫ّ‬ ‫كل يبحث عن شرقه‪،‬‬ ‫والمغامرين‪ :‬العمالء منهم كما العلماء؛ ّ‬ ‫ومنهم من «يبحث عن شرق شرق الشرق»‪ ،‬كما يقول فرناندو‬ ‫بيسوا على لسان ألفارو دي كامبو‪.‬‬ ‫تقــع «بوصلــة» إينــار فــي منتصــف المســافة بيــن الرواية‬ ‫والتخييــل‪ ،‬اللذيــن يســمحان للكاتــب باختــراع شــخصياته‬ ‫تتغيا‬ ‫والنفــخ فيهــا من إبداعــه‪ ،‬والموســوعة العلمية التــي ّ‬ ‫مكَنته مــن المزاوجة بين‬ ‫المعــارف الدقيقــة‪ .‬ولكن عبقريتــه َّ‬ ‫التحدييــن‪ ،‬ببراعة‪َ ،‬ق َّل نظيرها‪ ،‬كما أظهر عبر (بوصلته) أن‬ ‫ِّ‬ ‫الشــرق‪ -‬رغم نكباته ومآســيه وأوجاعه‪ -‬مــازال قادرًا على‬ ‫ــن يدنو منــه‪ .‬فحتى هو‬ ‫ممارســة فتنتــه وســحره على ّ‬ ‫كل َم ْ‬ ‫الذي حاول الهروب من الكتابة عن ســوريا األوجاع والخراب‬ ‫متورط ًا فيها‬ ‫الحاليْين‪ ،‬في «شــارع اللصوص»‪ ،‬وجد نفســه‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫نظمته‪،‬‬ ‫فــي هذه الروايــة؛ وهذا ما يشــرحه في اللقاء الــذي َّ‬

‫على شرفه‪ ،‬مكتبة الشرق في باريس‪ ،‬حين رأى أنه إذا كان‬ ‫يهتــم باأللم والوجع والمــوت‪ ،‬فالكاتب أو األديب‬ ‫الصحافــي‬ ‫ّ‬ ‫يهتم بشــيء مختلف‪ .‬وفعالً‪ ،‬جاءت (بوصلته) مختلفة‪ ،‬فهي‬ ‫ّ‬ ‫الخفية‬ ‫سجاد سحري‪ ،‬يرحل بالقارئ عبر عوالم الشرق‬ ‫ّ‬ ‫مثل ّ‬ ‫التي مارســت تأثيرًا على الغرب وثقافته‪ ،‬ومازالت تمارسه؛‬ ‫الشيء الذي نجح إينار في إبرازه في روايته «بوصلة»‪.‬‬

‫‪123‬‬


‫كتب‬

‫التاريخ والذاكرة الثقافية‬ ‫في الرواية الفكتورية الجديدة‬ ‫سعيد بوكرامي‬ ‫يأتــي كتــاب كيــت ميتشــل‪Kate« ،‬‬ ‫‪« »Michelle‬التاريــخ والذاكــرة الثقافية‬ ‫فـ�ي الروايـ�ة الفكتوريـ�ة الجديـ�دة ‪His� ،‬‬ ‫‪tory and Cultural Memory in‬‬ ‫‪ ،»Neo-Victorian Fiction‬الصــادر‬ ‫عــن دار نينــوى للدراســات والتوزيــع‬ ‫والنشــر‪ ،2015 ،‬ليكــون حلقــة جديــدة‬ ‫ضمــن المحــاوالت األكاديميــة الرصينــة‬ ‫التي تعمل الكاتبة والمترجمة الفلسطينية‬ ‫الدكتــورة أمانــي أبــو رحمــة‪ ،‬مــن خاللها‬ ‫والتحــول فــي‬ ‫علــى رصــد االنحــراف‬ ‫ُّ‬ ‫األنمــوذج الفكــري اإلنســاني في الســياق‬ ‫الغربي‪ ،‬والذي بدأته في كتابها «نهايات‬ ‫ما بعــد الحداثــة‪ :‬ارهاصــات عهــد جديد»‪،‬‬ ‫أدرجــت فيــه الكاتبــة مــا يقــرب مــن ثالثة‬ ‫كل منها االنعطاف‬ ‫عشر مصطلحاً‪ ،‬يرصد ّ‬ ‫بعيدًا عن ســياقات ما بعد الحداثة كل في‬ ‫ويؤسس أللفية جديدة فكري ًا‬ ‫مجال معين‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وحضاريـاً‪ .‬ثــم تاله كتــاب «أفــق يتباعد‪:‬‬ ‫مــن الحداثــة إلــى بعــد مــا بعــد الحداثــة»‪،‬‬ ‫ضمَنتــه جملــة مفاهيــم‪ ،‬ورصــدت‬ ‫الــذي َّ‬ ‫تغيــرت دالالتهــا فــي الحداثــة‪،‬‬ ‫بــه كيــف َّ‬ ‫ثــم مــا بعــد الحداثــة‪ ،‬ثــم مــا بعدهــا‪.‬‬ ‫تقلب كيت ميتشــل‪ ،‬فــي هذه الدراســة‬ ‫الهرميــة التقليديــة للتاريــخ والذاكــرة‪،‬‬ ‫التــي كانــت فيهــا األخيــرة مشــاركة فــي‪/‬‬ ‫وخاضعــة للتأريــخ‪ ،‬بوصفــه الضابــط‬ ‫المصحــح للذاكــرة غيــر المعصومــة مــن‬ ‫ِّ‬ ‫الخطــأ‪ .‬بــد ًال مــن ذلــك‪ ،‬تعيــد ميتشــل في‬ ‫هذه الدراســة موضعة الذاكــرة‪ ،‬بوصفها‬ ‫تأسيســية‪ ،‬ال علــى أنهــا تظهــر مــن خالل‬ ‫تشكل‬ ‫الوســيط التاريخي فقط‪ ،‬بل ألنها ِّ‬ ‫مهم ًا‬ ‫الخطاب التاريخي ذاته؛ كونها ِّ‬ ‫مكون ًا ّ‬ ‫‪124‬‬

‫إضافة إلى أشكال تذكارية‬ ‫وأساسي ًا فيه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫خاصة‬ ‫أخرى وكتابات وتسجيالت كانت ّ‬ ‫عامة‪،‬‬ ‫حين كتبها أصحابها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فتحولت إلى ّ‬ ‫مثل اليوميات‪ ،‬والصور‪ ،‬واألدب‪ ،‬بحيث‬ ‫أصبحــت الذاكــرة هي مــا يحدد مــا يمكن‪،‬‬ ‫من الماضــي‪ ،‬أن يصبــح «التاريخ»‪ ،‬كما‬ ‫نعرفه‪ .‬وبصــورة ضمنية‪ ،‬فإن وســائط‬ ‫التذكر و(وسائط النسيان االنتقائي‪ ،‬أيضاً)‬ ‫ُّ‬ ‫هي التي تنتــج الخياليــة التاريخية التي‬ ‫يستقي منها «التاريخ»‪ ،‬ال العكس‪ .‬وتبع ًا‬ ‫لذلــك كمــا تقــول ميتشــل‪ -‬فــإن «الرغبــة‬ ‫الملحــة فــي المعرفــة التاريخيــة‪ ،‬وفعــل‬ ‫ّ‬ ‫يتفوقان علــى المعرفــة التاريخية‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫التذك‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫ذاتهــا؛ بحيــث يكــون الماضــي مفتوحــ ًا‬ ‫دائمـاً‪ ،‬من أجــل إعادة تشــكيل المســتقبل‬ ‫التذكــر‪ .‬وبحســب ميتشــل‪ :‬يوفِّر‬ ‫من فعــل ُّ‬ ‫خاص‬ ‫التخييــل فضــاء خصب ـ ًا على نحــو ّ‬ ‫التحوالت المعقَّــدة التي جرت من‬ ‫إلظهار‬ ‫ُّ‬ ‫أجل تحويل الذاكرة الشخصية والجماعية‬ ‫المؤقَّتــة إلــى الذاكــرة الثقافيــة الدائمــة‪.‬‬

‫ركزت ميتشــل في هذا الكتاب على أعمال‬ ‫َّ‬ ‫معاصــرة أصبحــت‪ -‬بالفعــل‪ -‬جــزءًا مــن‬ ‫كالســيكيات (الفكتوريــة الجديــدة) التــي‬ ‫طفــت‪ ،‬على نحــو تصاعــدي‪ ،‬فــي الدوائر‬ ‫األكاديميــة والخطب السياســية واإلعالم‬ ‫والمناهج الدراســية الجامعية والبحوث‬ ‫المتقّدمــة منذ ثمانينــات القــرن الماضي‪.‬‬ ‫اختــارت ميتشــل روايــات‪« :‬أرض‬ ‫الميــاة» لغراهــام ســويفت (‪،)1983‬‬ ‫و«امتالك» ألنطونيا سوزان بيات (‪)1990‬‬ ‫وروايَت ْي سارة ووترز‪« :‬النشال»(‪،)2003‬‬ ‫أقــل‬ ‫و«انجــذاب» (‪ ،)1999‬ثــم روايتيــن ّ‬ ‫شــهرة‪« :‬أضــواء ســتون» لغيــل جونــز‬ ‫(‪« ،)2004‬وصــورة تلويــة» لهيليــن‬ ‫همفريــز (‪.)2001‬‬ ‫فــي مقّدمــة الكتــاب تتحـ َّـدث المترجمة‬ ‫للتغير‪،‬‬ ‫عمــا يعرضــه الكتاب مــن تحليــل‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫يتعلــق بمفهــوم التاريــخ والروايــة‬ ‫الــذي َّ‬ ‫كل منهما باآلخر‪ ،‬ثم دور الذاكرة‬ ‫وعالقة ّ‬ ‫ــر العصــور‪،‬‬ ‫الــذي كان مغبونــ ًا علــى َم ّ‬ ‫ومنظــورًا إليــه بــاالزدراء‪ ،‬بوصفــه‬ ‫غيــر موضوعــي وغيــر قابــل للقيــاس أو‬ ‫تطورت هــذه الثالثية‪،‬‬ ‫التحقيق‪ ،‬وكيــف ّ‬ ‫منــذ القــرن الســادس عشــر حتــى مــا بعــد‬ ‫نظريتــه‬ ‫يطبــق الكتــاب ّ‬ ‫األلفيــة الثانيــة‪ّ .‬‬ ‫على عــدد مــن الروايــات المعاصــرة التي‬ ‫خاص ًا في الدوائر األكاديمية‬ ‫نالت‬ ‫احتفاء ّ‬ ‫ً‬ ‫والثقافية الغربية؛ ألنها كانت األولى في‬ ‫ـول إلى مفهــوم جديــد للتاريخ‬ ‫رصد التحـ ُّ‬ ‫والروايــة التاريخية‪ ،‬تظهر فيــه الذاكرة‪،‬‬ ‫مهمة‪.‬‬ ‫بوصفها عنصــرًا فاعـاً‪ ،‬وذا صلة ّ‬ ‫تزعم ميتشــل‪ ،‬في كتابها‪ ،‬أن العودة‬ ‫إلــى الماضــي الفكتــوري‪ ،‬نهايــة القــرن‬


‫العشــرين‪ ،‬ومطلــع األلفيــة الثالثــة‪ ،‬أبعد‬ ‫مجــرد (لعبــة تلبيــس القــرن‬ ‫بكثيــر مــن‬ ‫َّ‬ ‫التاســع عشــر لغــرض اســتهالكي بحت)؛‬ ‫ذلك أن روايات الخيال الفكتوري الجديدة‬ ‫تنخــرط‪ ،‬نقديـاً‪ ،‬مــع الماضي‪ ،‬مــن خالل‬ ‫تحويل التركيز من َم ْشكلة ما بعد الحداثة‬ ‫أهمّيــة‬ ‫لـ ّ‬ ‫ـكل‪ّ ،‬‬ ‫ألي معرفــة تاريخيــة‪ ،‬إلــى ّ‬ ‫االســتمرار فــي الســعي إلــى مثــل هــذه‬ ‫المتنازع عليها)‪ ،‬بوســائل‬ ‫المعرفة (حتى‬ ‫َ‬ ‫جديــدة لتســهيل العثــور علــى المعرفــة‪.‬‬ ‫وبينمــا تطــرح تلــك الروايــات وعيــ ًا‬ ‫المتضمنــة فــي‬ ‫ســاطع ًا باالشــكاليات‬ ‫ّ‬ ‫تقصــي المعرفــة التاريخيــة وتحقيقهــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ملتزمــة بإمكانيــة وقيمــة‬ ‫إال أنهــا تبقــى‬ ‫ً‬ ‫الســعي وراء تلــك المعرفــة‪ ،‬وقيمتــه‪.‬‬ ‫وأشّد ما يشــغل تلك الروايات هي الطرق‬ ‫التــي يمكــن بهــا للروايــة أن تزعــم معرفة‬ ‫الماضي‪ ،‬جزئي ًا ومؤقّت ـاً‪ ،‬بد ًال من الطرق‬ ‫التي تزعم عــدم إمكانية ذلك‪ .‬تشـّـكل هذه‬ ‫النقطة خروجـ ًا عن الكثير مــن أطروحات‬ ‫تركز‪،‬‬ ‫الرواية التاريخية المعاصرة والتي ِّ‬ ‫ـص التاريخــي‬ ‫تبعـ ًا ألنمــوذج مــا وراء القـ ّ‬ ‫المؤثِّر لليندا هتشيون‪ ،‬على قضايا‪ ،‬مثل‬ ‫مشـ ِـكل بهــا تلــك الروايــات‬ ‫الطــرق التــي ُت ْ‬ ‫تمثيــل الماضــي‪ ،‬وتبــرز إلــى الواجهــة‬ ‫صعوبــات تحقيــق المعرفــة التاريخيــة‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬فإن هذه الدراسة تسعى إلى رسم‬ ‫ـص التاريخي‬ ‫إطار أوســع من ما وراء القـ ّ‬ ‫ذاتــه‪ ،‬وتتنــاول‪ -‬أيض ـاً‪ -‬بعــض جوانــب‬ ‫الفيكتوريــة الجديــدة التــي ســاهمت فــي‬ ‫تعزيز‪ ،‬ثم توســيع وتحويل هــذا الجنس‬ ‫األدبــي الفرعــي‪ ،‬وتعيــد مقاربــة الروايــة‬ ‫الفكتورية الجديدة‪ ،‬بوصفها جنس ًا فرعي ًا‬

‫مــن الروايــة التاريخيــة‪ ،‬يربــط الروايــة‬ ‫المعاصرة بالرواية التاريخية التقليدية‪،‬‬ ‫النــوع الــذي عارضتــه لينــدا هتشــيون في‬ ‫ـص التاريخــي‪.‬‬ ‫مــا وراء القـ ّ‬ ‫تصورهــا‬ ‫تلخــص‬ ‫لذلــك‪ ،‬فــإن ميتشــل ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫النقدي لروايات الفكتورية الجديدة بقولها‪،‬‬ ‫فــي الفصــل األول‪ :‬إن روايــات الفكتورية‬ ‫الجديدة يجب أن ُتقـ َـرأ بوصفها «نصوص‬ ‫بفاعليــة‪،‬‬ ‫تشــكل‪،‬‬ ‫ذاكــرة»؛ بمعنــى أنهــا ِّ‬ ‫ّ‬ ‫مجرد‬ ‫أفعال الذاكرة الثقافية بد ًال من كونها َّ‬ ‫ا منافس ـ ًا لصيغــة الســرد‬ ‫روايــات أو بدي ـ ً‬ ‫التاريخي في مــا بعد الحداثــة‪ .‬وهكذا فإن‬ ‫مــا هــو علــى المحـ ّ‬ ‫صحــة تمثيــل‬ ‫ـك ليــس ّ‬ ‫صحة ذلك‪،‬‬ ‫عدم‬ ‫أو‬ ‫ـر‪،‬‬ ‫القرن التاسع عشـ‬ ‫ّ‬ ‫ولكــن الطــرق‪ ،‬واألغــراض‪ ،‬التــي يجــري‬ ‫والقراء‪،‬‬ ‫بها ُّ‬ ‫تذكــر الفترة من قبــل الكّتــاب ّ‬ ‫بل شــخصيات الروايــات ذاتها‪.‬‬ ‫تؤســس‬ ‫وبنـ ً‬ ‫ـاء عليــه‪ ،‬فــإن الدراســة ِّ‬ ‫اإلطــار النظــري لفهــم طبيعــة المطــاردة‬ ‫بيــن الماضــي والحاضــر‪ ،‬وتتنــاول‪ ،‬في‬ ‫هــذا االطــار‪ ،‬عمــل دريــدا فــي «أشــباح‬ ‫التحــدث‬ ‫ماركــس»‪ ،‬حيــث يطلــب دريــدا‬ ‫ُّ‬ ‫إلــى األشــباح‪ ،‬تمامــ ًا كمــا يفعــل أبطــال‬ ‫الروايــات قيــد المناقشــة‪ ،‬وكمــا يجــب أن‬ ‫نفعل نحن مع الماضي‪ .‬وتعتبر المترجمة‬ ‫أنــه‪« :‬علــى الرغم مــن الجهــد المبــذول في‬ ‫الدراسة فإنها تنتهي بنا إلى قضية شائكة‬ ‫أخرى‪ ،‬حيــن تفتح الباب علــى مصراعيه‬ ‫أمــام ســؤال‪ :‬هــل رمزيــة الشــبح والطيف‬ ‫والمطــاردة هــي األمثــل لوصــف حضــور‬ ‫الماضي في الحاضر؟ وهل هي اســتعارة‬ ‫ـض النظر عــن تكلفتها؟ ســؤال‬ ‫مفيــدة‪ ،‬بغـ ّ‬ ‫تحتــاج اإلجابــة عليه إلــى دراســات تالية‬

‫تســتند إلى دراســة كيــت ميتشــل ألنها من‬ ‫تطرقــت لعالقــات‬ ‫أوائــل الدراســات التــي َّ‬ ‫التاريــخ والذاكــرة والروايــة اإلشــكالية‬ ‫والمعقــدة‪ ،‬علــى الــدوام)‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫يشــار إلى أن أمانــي أبو رحمــة باحثة‬ ‫ومترجمة فلسطينية‪ ،‬صدر لها «نهايات ما‬ ‫بعد الحداثة‪ :‬إرهاصات عهد جديد»‪ ،‬وزارة‬ ‫الثّقافــة العراقيــة‪ ،2013 ،‬و«الفضــاءات‬ ‫القادمة‪ :‬الطريق إلى بعد ما بعد الحداثة»‪،‬‬ ‫تقديم معن الطائــي‪ ،2012 ،‬كمــا ترجمت‬ ‫«علم الســرد‪ :‬مدخل إلــى نظرية الســرد»‪،‬‬ ‫تأليف يــان مانفريــد‪ ،2010 ،‬و«جماليات‬ ‫مــا وراء القــص‪ :‬دراســات فــي روايــة‬ ‫مــا بعــد الحداثــة»‪ ،‬لمجموعــة مؤلفيــن‬ ‫‪ .2010‬و«نهاية مــا بعد الحداثــة‪ :‬األدائية‬ ‫ـن»‬ ‫وتطبيقــات فــي الســرد والســينما والفـ ّ‬ ‫لراؤول إيشــلمان‪.2013 ،‬‬ ‫كمــا شــاركت الدكتــورة أبــو رحمــة‬ ‫فــي العديــد مــن الدراســات فــي عــدد مــن‬ ‫الموســوعات العلميــة‪ ،‬منهــا‪ :‬موســوعة‬ ‫الفلسفة الغربية المعاصرة‪ :‬صناعة العقل‬ ‫الغربــي مــن مركزيــة الحداثة إلى التشــفير‬ ‫المزدوج‪ ،‬وموسوعة الفلسفة والنسوية‪،‬‬ ‫وموســوعة خطابات الما بعد في استنفاذ‬ ‫أو تعديل المشروعات الفلسفية‪ ،‬وموسوعة‬ ‫«الفعل السياسي بوصفه ثورة‪ :‬دراسات‬ ‫في جدل السلطة والعنف عند حنه أرندنت‪.‬‬ ‫وصدرت هذه الموسوعات باالشتراك مع‬ ‫عدد من األكاديميين العرب‪ ،‬عن منشورات‬ ‫االختالف‪ ،‬ومنشــورات ضفــاف‪،2013 ،‬‬ ‫باإلضافــة إلــى كتــاب «أفــق يتباعــد‪ ..‬مــن‬ ‫الحداثة إلى بعد مــا بعد الحداثة»‪،2014 ،‬‬ ‫عــن دار نينوى‪.‬‬ ‫‪125‬‬


‫تحوالت ّ‬ ‫املكرمة‬ ‫مكة‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬

‫عبر التاريخ والمجتمع والعمران‬ ‫د‪ .‬محمد رضوان‬ ‫حرصت إحدى دور النشر في باريس‪،‬‬ ‫وهــي «بايــو‪ ،Payot ،‬علــى أن يتزامــن‬ ‫إصدار الترجمة الفرنســية لكتــاب «تاريخ‬ ‫مكــة‪ ،‬مــن النشــأة اإلبراهيميــة إلــى القرن‬ ‫ّ‬ ‫الواحد والعشرين»(‪ ،)1‬للكاتب البريطاني‪،‬‬ ‫من أصل باكســتاني‪ ،‬ضياء الدين ســردار‬ ‫حج‬ ‫«‪ ،»Ziauddin Sardar‬مع موســم ّ‬ ‫مأساويْين‪،‬‬ ‫حدثْين‬ ‫هذه السنة‪ ،‬الذي شهد َ‬ ‫َّ‬ ‫الحجــاج فــي منــى‪ ،‬وقبلــه‬ ‫بســبب تدافــع ّ‬ ‫ســقوط الرافعــة الحديديــة المســتعملة في‬ ‫المكي‪ ،‬التي‬ ‫أشغال عملية توسعة الحرم ّ‬ ‫شـّـكلت جانبـ ًا من موضــوع هــذا الكتاب‪.‬‬ ‫وي َعــّد ســردار (‪1951‬م)‪ ،‬مــن الكّتــاب‬ ‫ُ‬ ‫األنجلوساكســونيين غزيــري اإلنتــاج فــي‬ ‫القضايــا التــي تهـّـم العالــم اإلســامي‪ ،‬في‬ ‫مجــاالت‪ :‬الفكــر‪ ،‬والسياســة‪ ،‬واالجتماع‪.‬‬ ‫وإلى جانب كتب عــّدة وضعها في هذه‬ ‫القضايا‪ ،‬يطرح سردار رؤية نقدية لواقع‬ ‫الحيــاة اإلســامية‪ :‬الفكريــة‪ ،‬والثقافيــة‪،‬‬ ‫وينشــر مقاالته بهذا الخصــوص في منابر‬ ‫إعالميــة أوروبيــة بــارزة‪ ،‬كاألوبزرفــر‪،‬‬ ‫واألندبندنــت البريطانيتيــن‪ ،‬ولومونــد‬ ‫الفرنســية‪ ،‬التــي تتيح مســاحات عريضة‬ ‫للمهتميــن بقضايــا المســلمين وواقعهــم‬ ‫ّ‬ ‫وخاصــة مــن المستشــرقين‬ ‫وتاريخهــم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الغربيين المعاصرين‪ ،‬الذين يبدو سردار‬ ‫قريب ـ ًا منهــم‪ ،‬فــي رؤيتهــم المختلفــة عــن‬ ‫العالــم اإلســامي؛ ولذلــك‪ ،‬يظهــر جــزء‬ ‫مكــة‪ ،‬من النشــأة‬ ‫كبير مــن كتــاب «تاريخ ّ‬ ‫اإلبراهيمية إلى القرن الواحد والعشرين»‪،‬‬ ‫صنــو المؤلَّفــات والكتابات االستشــراقية‬ ‫أم القرى‪،‬‬ ‫التي تتناول جوانب من تاريخ ّ‬ ‫الحج حول‬ ‫وحياة الناس فيها‪ ،‬وشــعائر ّ‬ ‫ا عــن أن الكتــاب‬ ‫الكعبــة‬ ‫المشــرفة‪ ،‬فضــ ً‬ ‫َّ‬ ‫يعرض لقضية جديدة‪ ،‬إلى َحّد ما‪ ،‬تتعلَّق‬ ‫المكيــة‬ ‫ـوالت التــي تعرفهــا العمــارة ّ‬ ‫بالتحـ َّ‬ ‫مخططــات التوســعة الحديثة‪.‬‬ ‫فــي َّ‬ ‫الرحالــة‬ ‫كان مــن فــرط فضــول‬ ‫ّ‬ ‫‪126‬‬

‫والمستكشــفين والمغامرين األجانب تجاه‬ ‫ما كانــوا يعّدونــه «قلــب العالم اإلســامي»‬ ‫أن ســلكوا مختلــف الحيــل للوصــول إلــى‬ ‫مكــة ومالمســة بيتهــا العتيق‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويضــم التــراث األروبــي‪ ،‬الفرنســي‬ ‫ّ‬ ‫خاصــة‪ ،‬صنوف ـ ًا مــن‬ ‫واإلنجليــزي منــه‪ّ ،‬‬ ‫رحالة ومستكشفون‬ ‫المؤلَّفات التي َد َّونها ّ‬ ‫ســيما فــي القرنيــن‬ ‫ومستشــرقون‪ ،‬ال ّ‬ ‫مذكــرات الفرنســي ليون‬ ‫الماضييــن‪ ،‬منهــا ِّ‬ ‫روش (‪ ،»Leon Roches«)2‬الذي تخفّى‬ ‫المنورة‬ ‫زي المســلمين لزيارة المدينــة‬ ‫في ّ‬ ‫َّ‬ ‫تدخل‬ ‫ومكــة ّ‬ ‫ّ‬ ‫المكرمــة عــام ‪1841‬م‪ ،‬ولــوال ُّ‬ ‫مكــة‪ ،‬آنــذاك‪َ ،‬لَفَتك به المســلمون‬ ‫شــريف ّ‬ ‫بعد افتضاح أمرتسلُّله وسط الحجيج‪ ،‬إال‬ ‫ودوَنه عن هذه‬ ‫أنه نال مــراده بما شــاهده َّ‬ ‫األماكــن المحظــورة علــى غيــر المســلمين‪.‬‬ ‫وال ب ـّد‪ ،‬فــي هــذا الســياق‪ ،‬مــن اإلشــارة‬ ‫إلــى المستكشــف البريطانــي المثيــر للجــدل‬ ‫ريتشــارد فرانســيس بورتــون «‪Richard‬‬ ‫‪ ،»Francis Burton‬الذي زار الحجاز عام‬ ‫متلبس ـ ًا‬ ‫الحجاج‪ِّ ،‬‬ ‫‪1853‬م‪ ،‬وانخــرط وســط ّ‬ ‫بمظهــر المســلمين الذيــن خالطهم فــي الهند‪،‬‬ ‫وحركاتهــم‪ .‬وبلــغ مــن تصميمــه علــى هــذه‬

‫المغامرة أن أخضع نفسه لعملية ختان على‬ ‫عادة المســلمين‪ ،‬بل يقال إنــه ارتكب جريمة‬ ‫مكة‪،‬‬ ‫قتل ألحــد األشــخاص فــي طريقــه إلــى ّ‬ ‫حتــى ال يفضــح ســريرته‪ ،‬بعــد أن اكتشــف‬ ‫فتم‬ ‫القتيل‪ ،‬بالصدفــة‪ ،‬خديعته للمســلمين‪ّ ،‬‬ ‫الحجــاج‬ ‫لهــذا المغامــر مــا أراد مــن زيــارة ّ‬ ‫ونـ ِـوِدي بعــد ذلــك‬ ‫ومشــاركتهم مناســكهم‪ُ ،‬‬ ‫وأعد كتاب ًا لبني قومه في موضوع‬ ‫بـ(الحاج)‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ومكــة»‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫المدين‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـج‬ ‫ـ‬ ‫«الح‬ ‫ـج بعنــوان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحـ ّ‬ ‫ِ‬ ‫فمنــح‪ ،‬مــن أجــل مغامراتــه‬ ‫(‪1855‬م)(‪ُ ،)3‬‬ ‫وخدماته للتــاج البريطاني‪ ،‬لقــب «فارس»‪،‬‬ ‫من الملكــة فكتوريــا‪ ،‬عــام ‪1886‬م‪.‬‬ ‫وســواء أتعلَّــق األمــر بـــ«روش» أو‬ ‫«بورتــون» أم تعلَّــق بغيرهمــا مــن دون‬ ‫مكة‪ ،‬بدافع الفضول‬ ‫المسلمين‪ ،‬الذين زاروا ّ‬ ‫الشــخصي أو العلمــي‪ ،‬أو بدافــع الواجــب‬ ‫المهنــي أو الوطنــي تجــاه بلدانهــم‪ ،‬فــإن‬ ‫مــا تركــوه مــن أعمــال‪ ،‬ال يخلــو مــن قيمــة‬ ‫والمؤرخين‬ ‫حقيقية‪ ،‬بالنسبة إلى الدارسين‬ ‫ِّ‬ ‫والمعماريين وعلماء اإلنسية أو االجتماع‪.‬‬ ‫ولذلــك‪ ،‬فــإن هــذه األعمــال كثيــرًا مــا‬ ‫تضمنت صورًا مخطوطة وخرائط وبيانات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إلى جانــب الحكايــات الســردية‪ ،‬عــن أجواء‬ ‫الرحلة‪ ،‬كما هو الحال عند الفرنسي جيرفي‬ ‫كورتيلمــون‪Gervais-( )1863 - 1931( ،‬‬ ‫‪ ،)Courtellemont Jules‬الذي وضع كتاب ًا‬ ‫تضمن ‪34‬‬ ‫بعنوان «رحلتي إلى ّ‬ ‫مكــة» (‪َّ ،)4‬‬ ‫مهم منها مشــاهد من‬ ‫تصويراً‪ ،‬يعكس جــزء ّ‬ ‫مكــة وتضاريســها وأحــوال الوافديــن إليها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ـزوار‪ ،‬فــي تلــك الفترة‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫ال‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫مكة وصورها ال تجذب‬ ‫ويبدو أن مشاهد ّ‬ ‫الغرباء عنها من المسلمين وغيرهم‪ ،‬وإنما‬ ‫ممن يجيدون استعمال‬ ‫تغري حتى أبناءها‪ّ ،‬‬ ‫عدســات التصوير‪ ،‬كما هو الحال بالنسبة‬ ‫المصــورة الســعودية الفوتوغرافيــة‬ ‫إلــى‬ ‫ِّ‬ ‫«ســوازان إســكندر»‪ ،‬التــي أخرجــت كتابـ ًا‬ ‫ض َّمَنته صــورًا جميلة للحرمين الشــريفين‬ ‫َ‬ ‫الجو‪،‬‬ ‫الحج‪ ،‬الُتِقط بعضهــا من ّ‬ ‫ومناســك ّ‬


‫وبأبعــاد تعكــس عنــوان الكتــاب «أطيــاف‬ ‫الحرمين»‪.‬‬

‫التحديث العمراني‬ ‫والصورة التاريخية‬ ‫ضياء الديــن ســردار‪ ،‬فال هو من ســاكنة‬ ‫مكة‪ ،‬وال هو من الذين وفدوا إليها متسلِّلين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إذ ســبق لــه أن أقــام‪ ،‬فــي المملكــة العربيــة‬ ‫السعودية‪ ،‬خمس سنوات (‪1980 - 1975‬م)‪،‬‬ ‫التعرف‬ ‫مهمة ُكلِّف بها‪ ،‬وأتاحت له‬ ‫في إطار ّ‬ ‫ُّ‬ ‫مهمــة‪،‬‬ ‫ـامية‬ ‫ـ‬ ‫إس‬ ‫ـار‬ ‫ـ‬ ‫وآث‬ ‫ـدة‬ ‫ـ‬ ‫عدي‬ ‫إلــى مواقــع‬ ‫ّ‬ ‫ـردد فــي توثيقهــا بالصــور قبــل إزاحة‬ ‫لــم يتـ َّ‬ ‫ِ‬ ‫شــخصية‬ ‫تجربة‬ ‫وتلك‬ ‫ها‪،‬‬ ‫م‬ ‫د‬ ‫وه‬ ‫منها‪،‬‬ ‫كثير‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫تؤهلــه للخــوض فــي جوانــب مــن‬ ‫ِّــف‬ ‫للمؤل‬ ‫ِّ‬ ‫هــذا الموضوع‪.‬‬ ‫ويضـ ّـم الكتــاب‪ ،‬الــذي يقــع فــي حوالــي‬ ‫‪ 480‬صفحــة مــن الحجــم الكبيــر‪ ،‬معلومات‬ ‫مختلفة عن مّكة وواقعها وعمارتها وتاريخها‪،‬‬ ‫منــذ إرســاء قواعــد البيــت العتيــق فــي العهــد‬ ‫اإلبراهيمــي‪ ،‬ومــا تــا ذلــك مــن أحــداث‬ ‫وتطورات امتـّدت إلى القــرن الحالي‪ ،‬وهو‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫بذلك‪ ،‬تأليــف يتنــاول الجوانــب التاريخية‪،‬‬ ‫والدينيــة‪ ،‬واالجتماعيــة‪ ،‬والثقافيــة‪،‬‬ ‫مهمة لــدى حوالي مليار‬ ‫والعمرانيــة لمنطقة ّ‬ ‫و‪ 57‬مليــون مســلم عبــر العالــم‪.‬‬ ‫يميــز بيــن‬ ‫ويبــدو أن مؤلّــف الكتــاب ِّ‬ ‫مكــة وفي‬ ‫عنصريــن أساســيين‪ ،‬فــي ماضي ّ‬ ‫األول بالمــكان الــذي تـ ّـم‬ ‫حاضرهــا‪َّ :‬‬ ‫يتعلــق ّ‬ ‫ـي اهلل إبراهيــم‪ ،‬من‬ ‫تشــريفه بمقــام ّ‬ ‫ذرّيــة نبـ ّ‬ ‫جهة ولــده إســماعيل (عليهمــا الســام)‪ ،‬وما‬ ‫المحرم‬ ‫تخلَّل ذلك من تأســيس قواعــد البيت‬ ‫َّ‬ ‫وظهــور كرامــة مــاء زمــزم‪ ،‬وانطــاق دعوة‬ ‫اإلســام الحنفيــة وامتدادهــا خــارج محيــط‬ ‫مكة‪ ،‬نحو اآلفاق البعيدة‪ ،‬فــي فترة وجيزة‬ ‫ّ‬ ‫مــن عمــر الديانــات والثقافــات والحضارات‪،‬‬ ‫مكة‪ ،‬بذلك‪ ،‬تشريف ًا عظيم ًا‬ ‫وتاريخها‪ ،‬فنالت ّ‬ ‫عنــد المســلمين‪.‬‬ ‫أما العنصــر الثاني‪ ،‬الذي يحــاول الكاتب‬ ‫تسليط الضوء عليه‪ ،‬فيرتبط ببعض األحداث‬ ‫مكة‪ ،‬والتــي تتعارض‪-‬‬ ‫التي عرفتهــا منطقة ّ‬ ‫في رأيه‪ -‬مع قداســة المكان‪ ،‬بســبب طابعها‬ ‫وخاصة عندما كانت مسرح ًا‬ ‫الدموي العنيف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهدفـ ًا لصــراع حـّـكام وأمــراء وجماعــات من‬ ‫المسلمين‪ ،‬من أجل السيطرة عليها والحصول‬ ‫علــى مزايــا إمارتهــا‪ ،‬فض ًال عــن الممارســات‬ ‫البعيــدة عــن ســماحة اإلســام‪ ،‬التــي ُعِرفــت‬ ‫عــن بعــض قبائلهــا أو المنتميــن إليهــا تجــاه‬

‫الحجــاج أو مــن‬ ‫أقــوام وأجنــاس أخــرى مــن ّ‬ ‫عامة‪.‬‬ ‫المســلمين‪ ،‬بصفة ّ‬ ‫وفي هــذا الجانب يمكــن القــول إن الكاتب‬ ‫لــم يســلم مــن التأثيــر االستشــراقي الغربــي‬ ‫ونظرتــه الســلبية إلــى العــرب والمســلمين‪،‬‬ ‫مــن خــال التركيــز علــى فصــول الصــراع‬ ‫السياســي والصــراع المذهبــي‪ ،‬بيــن بعــض‬ ‫جماعــات المســلمين ودولهــم وطوائفهــم‪ ،‬إذ‬ ‫مكــة ظلت رهاناً‪ ،‬تتســابق من‬ ‫يذهب إلى أن ّ‬ ‫أجله الكيانات السياســية‪ ،‬وتتعارك عليه‪،‬‬ ‫كذلــك‪ ،‬الكيانــات الدينيــة‪ ،‬ألن مــن يســيطر‬ ‫عليهــا يتحّقــق لــه النفــوذ الدينــي والهيمنــة‬ ‫السياســية علــى العالــم اإلســامي‪.‬‬ ‫وفــي الجانــب الفكــري‪ ،‬يعتقد ســردار أن‬ ‫مكة كان له‬ ‫المجال الثقافي والفكر الديني في ّ‬ ‫موضح ًا‬ ‫تأثير كبير علــى العالم اإلســامي‪ّ ،‬‬ ‫يخل مــن أفكار‬ ‫أن هذا المجــال‪ ،‬برغم أنــه لم ُ‬ ‫مجددين‪،‬‬ ‫تنويرية لعلماء وفقهــاء ِّ‬ ‫ومفكرين ِّ‬ ‫إال أن الغلبــة‪ ،‬فــي النهايــة‪ ،‬كانــت دائمــاً‪،‬‬ ‫لالّتجاهات األصولية المحافظة‪ ،‬التي كانت‬ ‫تحتكــر تفســير النصــوص وتأطيــر فهمهــا‪،‬‬ ‫بحســب رأيه‪.‬‬ ‫غيــر أن الكتــاب ال يتعـ َّـرض‪ ،‬فقــط‪ ،‬إلــى‬ ‫التاريخ الديني‪ ،‬والسياسي‪ ،‬واالجتماعي‪،‬‬ ‫لمكة‪ ،‬ضمن مقاربــة نقدية و«غير‬ ‫والثقافــي ّ‬ ‫انتقائيــة» كمــا يزعــم مؤلِّفــه‪ ،‬وإنمــا يعنــى‪،‬‬ ‫بالتحــوالت‪:‬‬ ‫وبالمقاربــة نفســها أيضــاً‪،‬‬ ‫ُُّ‬ ‫المطردة التي شــهدتها‬ ‫العمرانيــة‪،‬‬ ‫والمدنيــة َّ‬ ‫ّ‬ ‫مكة فــي العقود والســنوات األخيرة‪.‬‬ ‫منطقة ّ‬ ‫فبالنســبة إليــه‪ ،‬فــإن التحديــث العمراني‬ ‫مكة‪ ،‬تسـ َّـببت‬ ‫وأعمــال التوســعة في منطقــة ّ‬ ‫في ضياع معالم تاريخية وثقافية ذات قيمة‬ ‫أثريــة عاليــة‪ ،‬ال يمكــن تعويضهــا‪ ،‬كمســجد‬ ‫بــال‪ ،‬الــذي قــد يعــود بنــاؤه إلــى صــدر‬ ‫قمــة جبــل‬ ‫اإلســام‪ ،‬وهــو مســجد كان علــى ّ‬ ‫أبــي قبيــس المطـ ّـل علــى الكعبــة المشـ َّـرفة‪،‬‬ ‫مــن الناحيــة الجنوبيــة الشــرقية‪.‬‬ ‫جرافات التوسعة والتحديث‬ ‫وأضاف أن ّ‬ ‫لم تســلم منهــا أحيــاء قديمة جـّدًا فــي المدينة‬ ‫المنورة‪ ،‬مرتبطة بجوانب عديدة من السيرة‬ ‫ّ‬ ‫النبوية العطرة‪ ،‬وحيــاة الصحابة األطهار‪،‬‬ ‫وتاريخ المسلمين الناصع في تلك المرحلة‬ ‫المتقدمة من دولة اإلســام وحضارته‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫والحقيقة أن قضية هدم اآلثار اإلسالمية‪،‬‬ ‫مكة‪ ،‬من أجل التوســعة‪ ،‬ليست جديدة‪،‬‬ ‫في ّ‬ ‫مؤرخين‬ ‫اهتمام‬ ‫صلب‬ ‫في‬ ‫كانت‬ ‫أن‬ ‫سبق‬ ‫بل‬ ‫ِّ‬ ‫ومفكرين وعلماء آثار في العالم اإلسالمي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫حتى داخل العربية السعودية‪.‬‬

‫فقــد كان موقــف هــؤالء مــن هــدم اآلثــار‬ ‫اإلســامية‪ ،‬فــي ســياق مشــاريع توســعة‬ ‫متنوعـ ًا ما بين‬ ‫الحرميــن‪ّ :‬‬ ‫المكــي والنبــوي‪ّ ،‬‬ ‫التحفُّــظ‪ ،‬والرفــض أو القبــول‪.‬‬ ‫فبينما يرى البعض أن مشاريع التوسعة‬ ‫مكــة‬ ‫والتحديــث العمرانــي‪،‬‬ ‫وخاصــة فــي ّ‬ ‫ّ‬ ‫المكرمــة‪ ،‬ال ضيــر فيهــا مادامــت تهــدف إلــى‬ ‫َّ‬ ‫توفيــر فضــاءات تتناســب مــع زيــادة أعــداد‬ ‫الحجــاج والمصلّيــن‪ ،‬حتــى وإن كانــت هــذه‬ ‫ّ‬ ‫المشاريع تأتي على آثار أو أماكن لها رمزية‬ ‫تاريخية أو دينية‪ ،‬بحكم أن ال قداسة لألمكنة‬ ‫أو األشــخاص في اإلســام‪ ،‬يتحفّظ البعض‬ ‫اآلخــر علــى إزالــة تلــك اآلثــار التــي أخــذت‬ ‫تتناقــص بوتيــرة ســريعة‪ ،‬جعلــت مــا تبقّى‬ ‫منهــا فــي المدينــة المنـّـورة‪ ،‬ال يعــدو ‪ 10‬فــي‬ ‫عملية التوسعة‪.‬‬ ‫المئة مما كان موجودًا قبل ّ‬ ‫ويقترح المتحفِّظون والرافضون لهدم تلك‬ ‫اآلثار االجتهاد في إيجاد حلول بديلة للتغلُّب‬ ‫علــى المشــاكل المطروحــة‪ ،‬كمــا يرفضــون‬ ‫دعوى إزالتها لقطــع الطريق علــى المبتدعة‬ ‫والمتبركيــن بهــذه المواقــع واآلثــار الدينية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مثلما حدث في عام ‪ 1925‬عند تجريف جميع‬ ‫تضم‬ ‫األضرحة في مقبرة البقيع‪ ،‬التي كانت ّ‬ ‫مدافن زوجات النبي (عليه الســام) وبعض‬ ‫صحابتــه وقرابتــه‪ ،‬وكذلــك هدم بيــت يعود‬ ‫أم المؤمنيــن خديجة‪ ،‬رضي اهلل عنها‪.‬‬ ‫إلى ّ‬ ‫مؤلــف الكتــاب يطــرح ُبعــدًا آخــر‬ ‫غيــر أن ِّ‬ ‫مكــة‪،‬‬ ‫للمشــكلة‪ ،‬يتعلَّــق بتغييــر صــورة ّ‬ ‫بجســورها العاليــة‪ ،‬وأبراجهــا العمالقــة‪،‬‬ ‫وعماراتهــا الســامقة الشــبيهة بناطحــات‬ ‫الســحاب فــي المــدن األروبيــة واألميركيــة‪،‬‬ ‫كلنــدن أو هوســتن‪ ،‬وهــو مــا ُيخشــى معــه‬ ‫أن تهيمــن تلــك التشــييدات العصريــة علــى‬ ‫المكرمــة‪ ،‬وهو‬ ‫مكــة ّ‬ ‫أهـّـم َم ْعَلم إســامي فــي ّ‬ ‫المشــرفة‪.‬‬ ‫الكعبــة‬ ‫َّ‬ ‫‪1- Ziauddin Sardar: Histoire de la‬‬ ‫‪Mecque ; De la naissance d’Abraham au‬‬ ‫‪XXIe siècle. Traduit de l’anglais par Tilman‬‬ ‫‪Chazal et Prune le Bourdon- Brécourt,‬‬ ‫‪Editions Payot, Paris, Septembre 2015.‬‬ ‫‪2- Leon Roches : Trente- deux ans à‬‬ ‫‪travers l’islam (1832- 1864). Librairie de‬‬ ‫‪Firmin- Didot et Cie. Paris, 1884.‬‬ ‫‪3- Sir Richard F. Burton : Personal nar‬‬‫‪rative of a pilgimage to Al- Madinah and‬‬ ‫‪Meccah. Dover Publications, New edition‬‬ ‫‪(June 1, 1964).‬‬ ‫‪4-Jules Gervais- Courtellemont : Mon‬‬ ‫‪voyage à la Mecque. Librairie Hachette et‬‬ ‫‪Cie. Paris, 1897.‬‬ ‫‪127‬‬


‫«بياض ساخن»‪..‬‬

‫عبلة والفصام والثورة‬ ‫«ال تحزن يا أخي المختلف‪ ،‬فالرسوم‬ ‫تتكرر‬ ‫الموجــودة على أجنحــة فراشــة ال َّ‬ ‫عند غيرها من الفراشــات»‪ .‬بهــذا المقطع‬ ‫تبــدأ الكاتبــة المصريــة ســهير المصادفــة‬ ‫أولى صفحات روايتها «بياض ساخن»‪،‬‬ ‫بإهــداء تناشــد فيــه المختلفيــن‪ ،‬وتطلــب‬ ‫منهــم الصبــر ومقاومــة األحــزان التــي‬ ‫ردًا على‬ ‫تخلِّفهــا نظــرة المجتمــع إليهــم‪ّ ،‬‬ ‫هذا االختالف‪ .‬الرواية صــادرة عن الدار‬ ‫المصريــة اللبنانيــة (‪ ،)2015‬وأحداثهــا‬ ‫تدور في أجواء جحيمية على المستويين‪:‬‬ ‫العائلي‪ ،‬والنفسي‪ ،‬إبان ثورة ‪ 25‬يناير‬ ‫‪ ،2011‬ومــا تالهــا من أحــداث سياســية‬ ‫مريرة‪.‬‬ ‫عبلــة‪ -‬بطلــة الرواية‪ -‬شــخصية غير‬ ‫مستقرة نفسي ًا بسبب حالة الفصام‪ :‬تظهر‬ ‫ّ‬ ‫عارية في ميدان التحرير‪ ،‬دون أن يتطوع‬ ‫أحــد لمســاعدتها وســتر جســدها‪ ،‬ترشــق‬ ‫ـارة بألفاظهــا البذيئــة وحــركات يدهــا‬ ‫المـ ّ‬ ‫وأصابعها األكثر بذاءة من ألفاظها‪ ،‬بينما‬ ‫تجمعــوا‬ ‫ـارة الذيــن َّ‬ ‫تتعالــى ضحــكات المـ ّ‬ ‫من حولهــا‪ ،‬للقيام بتصويرهــا‪ ،‬بوصفها‬ ‫مجنونة‪ ،‬ال ثمــن لها‪.‬‬ ‫اختــارت عبلــة الجنــون حيلـ ًـة نفسـّـية‬ ‫دفاعية لالنفصال عن العيش في واقع ال‬ ‫ال عن وراثتها لهذا المرض عن‬ ‫تريده‪ ،‬فض ً‬ ‫ألمها‪ ،‬الــذي انتحــر‪ ،‬لتنتهي حياته‬ ‫جّدها ّ‬ ‫بفضيحــة‪ُ ،‬تضــاف إلــى رصيــد العائلــة‬ ‫مــن الفضائــح‪ ،‬وتطــال األبنــاء واألحفــاد‬ ‫بعــده؛ وهــو مــا يّتضح مــن خــال جنون‬ ‫عبلة‪ ،‬التــي قــام والدها بتســميتها باســم‬ ‫قدمتهــا الكاتبــة‬ ‫والدتهــا الجميلــة‪ ،‬التــي َّ‬ ‫األم القاســية المتغطرسة‪،‬‬ ‫في شــخصية ّ‬ ‫ِ‬ ‫ـدل على مــدى براعتها‬ ‫فيــة شــديدة‪ ،‬تـ ّ‬ ‫بحَر ّ‬ ‫في كشــف أغــوار الــذات البشــرية‪.‬‬ ‫‪128‬‬

‫العمــة فاطمــة رعايــة عبلــة منذ‬ ‫َّ‬ ‫تولــت ّ‬ ‫أمها عنها‪ ،‬بســبب‬ ‫والدتها‪ ،‬بعد أن تخلّت ّ‬ ‫الشــبه المتطابق بينها وبين والدها‪ ،‬ذي‬ ‫العمة أساطير ُم َسلّية‬ ‫األنف الكبير‪ .‬تحكي ّ‬ ‫أدق تفاصيــل حياتها‪.‬‬ ‫لعبلة‪ ،‬وتشــاركها ّ‬ ‫العمة فاطمة‪،‬‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫حكاي‬ ‫تســتند عبلة على‬ ‫ّ‬ ‫بشخصيتها الكثير من عالمات‬ ‫التي تحيط‬ ‫ّ‬ ‫كل‬ ‫التعجــب‪ ،‬فكيــف تعــرف تلــك المــرأة ّ‬ ‫ُّ‬ ‫أي شيء؟‪ ،‬فالتعليم المتواضع‬ ‫عن‬ ‫شيء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يؤهلهــا‬ ‫الــذي نالــت قســط ًا قليــ ً‬ ‫ا منــه ال ِّ‬ ‫قيمــة تفــوق قدراتهــا‪،‬‬ ‫لمعرفــة معلومــات ِّ‬ ‫بوصفهــا سـ ِّـيدة مــن محافظــة المنيــا‪ ،‬لــم‬ ‫تغادرهــا إال بعــد حــادث فــقء عينهــا مــن‬ ‫ِقَبــل زوجها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫«لــول» الشــخصية المقابلــة لعبلــة‪،‬‬ ‫وكالهمــا وجهــان لعملــة واحــدة‪« :‬لـ ّ‬ ‫ـول»‬ ‫ذات المنصــب المهنــي المرمــوق التــي‬ ‫تتقن عـّدة لغــات وتتشـّـبث ببيــت عائلتها‬ ‫القديم‪ ،‬تكــره «عبلة»‪ ،‬وتتمّنــى قتلها كي‬ ‫تتخلّص من عارها‪ ،‬و«عبلة» الهائمة على‬ ‫وجهها في شــوارع القاهرة واإلسكندرية‬

‫بعمال مقهى‪،‬‬ ‫والتي تصطدم في رحلتهــا ّ‬ ‫سيارات األجرة‪.‬‬ ‫وبسائقي ّ‬ ‫يشــتّد الصراع بيــن عبلة ولـ ّ‬ ‫ـول لتبدوا‬ ‫شخصيتان منفصلتان‪،‬‬ ‫وكأنهما‪ -‬بالفعل‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫حيــث َتـ ّـم تقســيم الروايــة إلــى فصــول‪،‬‬ ‫تحمــل اســمين فقــط‪« :‬لـ ّ‬ ‫ـول» التــي تــروي‬ ‫قصتها‬ ‫قصة عبلــة‪ ،‬و«عبلة» التي تــروي ّ‬ ‫ّ‬ ‫مــع اللــون األبيض‪ ،‬الــذي يجتــاح عقلها‪،‬‬ ‫ويمنعهــا مــن التفكيــر فــي التراجــع عــن‬ ‫جنونهــا‪.‬‬ ‫ســهير المصادفــة كاتبــة وشــاعرة‬ ‫وروائية مصرية‪ ،‬صدرت لها روايات‪ :‬لهو‬ ‫األبالسة»‪ ،‬التي نالت جائزة أفضل رواية‬ ‫اتحاد كّتاب مصــر‪ ،‬و«مس ايجيبت»‪،‬‬ ‫من ِّ‬ ‫و«رحلة الضباع»‪ ،‬وقد حصلت على جائزة‬ ‫أندية فتيات الشارقة للشعر‪ ،‬عن مجموعة‬ ‫«فتــاة تجـ ِّـرب حتفهــا»‪ .‬وبعملهــا الروائي‬ ‫ـص بطعــم‬ ‫الجديــد‪ ،‬نجحــت فــي تقديــم نـ ّ‬ ‫الروائــح الشــعبية العتيقــة المنبعثــة مــن‬ ‫بين ثنايا أحجار منطقة األزهر‪ ،‬ومنطقة‬ ‫مصــر القديمة‪.‬‬


‫مهنة الحروب القذرة‬ ‫«مـّـرة أخــرى» للروائــي‬ ‫ترصــد روايــة َ‬ ‫التركي الشاب هاكان جونداي‪ ،‬الصادرة‪-‬‬ ‫مؤخراً‪ -‬عن دار جلعاد‪ ،‬في فرنسا‪ ،‬حياة‬ ‫َّ‬ ‫مهربــي البشــر‪ .‬راويهــا يســرد‪ ،‬بشــكل‬ ‫ِّ‬ ‫المهربيــن‬ ‫الفــت واســثتنائي‪ ،‬حيــاة أحــد‬ ‫ِّ‬ ‫المتخصصين في االّتجار بمآسي الشعوب‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫مهرب‪ ،‬من الذين‬ ‫اختار الكاتب وجهة نظر ِّ‬ ‫يسـ ِّـهلون حركة الالجئين والمهاجرين إلى‬ ‫أهمّية الرواية‬ ‫الفردوس األوروبــي‪ .‬تكمن ّ‬ ‫فــي أنهــا اختــارت تســليط الضــوء علــى‬ ‫حلقــة مفقــودة فــي مأســاة الهجــرة‪ ،‬فــي‬ ‫المتوســط‪.‬‬ ‫البحــر األبيض‬ ‫ِّ‬ ‫المتوجة بجائزة «ميديســيس»‬ ‫الرواية‬ ‫َّ‬ ‫‪ 2015‬للروايــة األجنبيــة‪ ،‬حكاية مدهشــة‬ ‫ومثيــرة‪ ،‬تدمج األجنــاس األدبيــة‪ ،‬بحيث‬ ‫ـول‪ ،‬فــي أغلــب فصولهــا‪ ،‬إلــى ســرد‬ ‫تتحـ َّ‬ ‫رحلي أو سرد شطاري‪ ،‬نرافق من خالله‬ ‫مغامرة بطلها «غزع»‪ ،‬وهي رواية ساخرة‬ ‫تعالــج موضوعــات مثيــرة للقلــق فــي‬ ‫عصرنــا‪ ،‬روايــة لــن تتــرك القــارئ بمعزل‬ ‫قضيتهــا‪ ،‬علــى الرغم مــن أنــه يمكن‪،‬‬ ‫عــن ّ‬ ‫بسهولة‪ ،‬االنزياح عن موضوعها‪ ،‬نتيجة‬ ‫تتخذتهــا الحكاية‪.‬‬ ‫المنعطفــات التــي َّ‬ ‫«غــزع»‪ ،‬بطــل الرواية‪ ،‬نشــأ فــي قرية‬ ‫تركيــة‪ ،‬علــى شــاطئ بحــر إيجــه‪ُ ،‬توفِّيت‬ ‫ّ‬ ‫والدتــه عنــد الــوالدة‪ ،‬ورغــم ذلــك‪ ،‬عــاش‬ ‫حيــاة عاديــة‪ ،‬لكنــه‪ ،‬في يــوم مــن األيام‪،‬‬ ‫سيكتشــف الطريقة التي يكســب بها والده‬ ‫رزقــه‪ .‬كان غــزع‪ ،‬حينهــا‪ ،‬فــي التاســعة‪،‬‬ ‫تتغير‬ ‫وابتــداء مــن هــذه المرحلــة‪ ،‬ســوف َّ‬ ‫ّيـاً‪ ،‬ولــن تعود كمــا كانــت عليه‪.‬‬ ‫حياتــه كلّ‬ ‫ـيهيئ غــزع مصيره‪،‬‬ ‫انطالقـ ًا مــن هنــا‪ ،‬سـ ِّ‬ ‫دون حتى أن يســتوعبه‪.‬‬ ‫مهرب ـاً‪،‬‬ ‫«أحــد»‪ ،‬والــد الطفــل‪ ،‬يشــتغل ِّ‬ ‫مهرب للبشر‪ :‬يتكفَّل‬ ‫مهرب! إنه ِّ‬ ‫وليس أي ِّ‬ ‫بالنســاء والرجــال والشــيوخ واألطفــال‪،‬‬ ‫ا فــي حياة‬ ‫الذيــن فــروا مــن أوطانهــم‪ ،‬أمـ ً‬ ‫أفضل‪ ،‬قــد تنتظرهــم في أماكــن أخرى من‬ ‫تمــر رحلــة‬ ‫أوروبــا‪ .‬ومــن الضــروري أن ّ‬ ‫هؤالء عبر تركيا‪ ،‬حيث يستضيفهم «أحد»‬ ‫فتــرة مــن الوقــت‪ ،‬قبــل أن يقودهــم إلــى‬ ‫أحــد الموانــئ النائيــة عــن المراقبــة‪ ،‬حيث‬

‫وي َك َّدســون كمــا‬ ‫ـحنون داخــل مراكــب‪ُ ،‬‬ ‫ُيشـ َ‬ ‫المهربــة‪.‬‬ ‫ُت َكـ َّـدس البضائــع‬ ‫َّ‬ ‫ومــا إن علــم غــزع بمهنــة والــده حتــى‬ ‫أصبح مســاعده‪ .‬الوالد‪ -‬أيضـاً‪ -‬تعلَّم هذه‬ ‫المهنــة القــذرة‪ ،‬وهو‪ ،‬بعــد‪ ،‬في العاشــرة‬ ‫من عمره‪ .‬يعترف الوالد أنه تعلَّمها بصبر‪،‬‬ ‫وأدرك أسرارها كلّها‪ ،‬واستطاع أن يجيد‬ ‫السرّية فحسب‪،‬‬ ‫معرفة‪ ،‬ليس طرق الهجرة ّ‬ ‫بل أن يحصــل منها‪-‬أيض ـاً‪ -‬علــى أكبر قدر‬ ‫من االســتفادة المالية‪.‬‬ ‫ظهــر‪ ،‬مــع مــرور الوقــت‪ ،‬أن غــزع‬ ‫موهــوب جــّداً‪ ،‬وســيعمل علــى تطويــر‬ ‫مؤسســة الهجــرة العائليــة‪ ،‬ويقفــز بهــا‬ ‫َّ‬ ‫إلــى القــرن الواحــد والعشــرين‪ ،‬وذلك من‬ ‫خالل إدخال تكنولوجيــا المعلومات‪ ،‬كما‬ ‫مخططاتــه الجهنّمية‪،‬‬ ‫سيســهر على تنفيذ ّ‬ ‫ـتغل النســاء وتقســيم المهاجريــن إلــى‬ ‫مسـ ّ ً‬ ‫ألي تمـ ُّـرد أو‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫تفادي‬ ‫ـرة‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫صغي‬ ‫مجموعات‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عصيــان‪.‬‬ ‫موظف ـ ًا‬ ‫أصبــح غــزع وحش ـ ًا صغيــراً‪ِّ ،‬‬ ‫ـاد في ســبيل تحقيق مشــاريعه‬ ‫ذكاءه الحـ ّ‬ ‫ومشــاريع والــده اإلجراميــة والمربحــة‪،‬‬ ‫واعي ًا أن هــذه األعمال غيــر قانونية وغير‬ ‫أخالقيــة‪ ،‬لكــن هــذا لــن يســتمر طويــاً‪،‬‬ ‫فقد تسـ َّـب َب غــزع فــي مقتل أحد األشــخاص‬ ‫المرشــحين للهجرة‪ ،‬يدعــى «كوما»‪ ،‬وهو‬ ‫َّ‬ ‫أفغانــي‪ .‬المــوت كان َعَرضياً‪ ،‬لكــن إهمال‬ ‫غزع هو ما َتسـ َّـبب فيه‪َ .‬دَفن غــزع المهاجر‬

‫ـري‪ ،‬لكن شــبحه أخــذ يالحقه‬ ‫في مكان سـ ّ‬ ‫يقض مضجعه‬ ‫في ّ‬ ‫كل مكان‪ ،‬وصوت داهم ّ‬ ‫َحّد الجنون‪ ،‬لكن صحــوة الضمير هذه لن‬ ‫تستمر طويالً؛ ففوائد العمل المالية الكثيرة‬ ‫ّ‬ ‫ال تزال كافية إلخماد تأنيب الضمير‪ .‬يبدو‪،‬‬ ‫فــي بعــض األحيــان‪ ،‬أنه يصــارع نفســه‪،‬‬ ‫ولكــن‪ ،‬ليــس بمــا يكفــي لوضــع وجــوده‬ ‫ونشــاطه في وضع المســاءلة واالنتقاد‪.‬‬ ‫غزع هو نتيجة التربية التي تلقّاها من‬ ‫والــده‪ :‬أب قاس أو خارج عــن القانون‪ ،‬ال‬ ‫يهمه إال المال الــذي يجنيه‪ .‬ومن الصعب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ال مالكاً‪،‬‬ ‫أن‬ ‫ـروف‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫الظ‬ ‫هذه‬ ‫في‬ ‫نتخيل طف ً‬ ‫َّ‬ ‫وحتــى وإن كان‪ ،‬فــي األصــل‪ ،‬مــاكاً‪ ،‬إال‬ ‫ـيتحول‬ ‫أنه‪ ،‬في جحيم هــذه المغامرة‪ ،‬سـ َّ‬ ‫وترصد‪.‬‬ ‫إلى شــيطان‪ ،‬عن ســبق إصرار‬ ‫ُّ‬ ‫بطــل الروايــة يشــبه‪ ،‬كثيــراً‪،‬‬ ‫ماكســيميليان أوي بطــل روايــة جوناثــان‬ ‫ليتــل «المتســامحات» الفائــزة بجائــزة‬ ‫الغونكــور‪ ،‬فهمــا يتقاســمان‪ ،‬معـاً‪ ،‬طباع‬ ‫المكتســب وأعراضــ ًا عصابيــة‬ ‫التوحــش‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫وعيشــ ًا علــى حافّــة الجنــون‪ ،‬وهمــا ال‬ ‫التوحــش البشــري فحســب‪ ،‬بــل‬ ‫يجســدان‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫يجســدان‪ ،‬معــاً‪ ،‬عصــرًا مريبــ ًا ومرعبــاً‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫اختار الراوي سردًا قريب ًا من الحكايات‬ ‫الفلســفية لعصر األنــوار‪ ،‬وكأن غزع نشــأ‬ ‫ــرض عليــه‬ ‫فــي عصــر الكــوارث! بطــل ُف ِ‬ ‫أن يعيــش فــي رعــب‪ ،‬يصنعــه بنفســه أو‬ ‫يبحــث عنه‪ ،‬رغــم أنــه يعلــم أن طريقه لن‬ ‫تقــوده إال إلــى خســارة محقَّقــة‪ .‬لكــن‪ ،‬من‬ ‫والمكتظة‬ ‫خالل هــذه الرحلة الفوضويــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫باألصوات والغضب والجنون والالمعقول‪،‬‬ ‫قــام هــاكان جونــداي بــدوره المنــوط بــه‪،‬‬ ‫وهو أن يقود القارئ في متاهة هذا العالم‬ ‫المريــب الــذي نعيــش فيــه؛ عالــم وجــدت‬ ‫فيه تركيا نفســها منطقة وسيطة‪ ،‬ال غنى‬ ‫عنها‪ ،‬بيــن الشــرق والغرب‪.‬‬ ‫ُوِلــد هــاكان جونــداي فــي ‪ 29‬مايــو‬ ‫(‪ ،)1976‬فــي «روديــس»‪ .‬كاتــب تركــي‬ ‫متألِّــق‪ ،‬نــال عــام ‪ 2011‬جائــزة أفضــل‬ ‫تركيــة عــن روايتــه «مــن جهــة إلــى‬ ‫روايــة ّ‬ ‫جهــة أخــرى»‪.‬‬ ‫‪129‬‬


‫«التصور اإلسالمي للطبيعة»‬ ‫ُّ‬ ‫محمود الحلواين‬

‫ـور اإلســامي للطبيعــة‪ -‬دور‬ ‫«التصـ ُّ‬ ‫التأسيس» كتاب جديد‪ ،‬في فرع الفلسفة‬ ‫مؤخراً‪ ،‬ضمن سلسلة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬صدر‪َّ ،‬‬ ‫العامة‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الهيئ‬ ‫تصدرها‬ ‫«الفلســفة» التي‬ ‫ّ‬ ‫لقصــور الثقافــة‪ ،‬فــي القاهــرة‪ ،‬لمؤلِّفه‬ ‫د‪ .‬مصطفــى لبيب‪ ،‬أســتاذ الفلســفة في‬ ‫جامعــة القاهرة‪.‬‬ ‫يسعى مؤلِّف الكتاب إلى الكشف عن‬ ‫معالم النظرة اإلســامية إلى الطبيعة‪،‬‬ ‫رواد‬ ‫كمــا تجّلــت فــي كتابــات عــدد مــن ّ‬ ‫الفكــر اإلســامي األوائــل‪ ،‬مثــل علي بن‬ ‫أبــي طالــب‪ ،‬وجابــر بــن حيــان‪ ،‬وأبــي‬ ‫بكــر الــرازي‪ ،‬وقــد ُعنــي الكاتــب بتتبــع‬ ‫تلك النظرة‪ ،‬في مراحلها المبكرة‪ ،‬قبل‬ ‫أن َّ‬ ‫تتأثــر هــذه النظــرة بروافــد أجنبيــة‬ ‫وافــدة‪ ،‬فــي عصــر الترجمة‪.‬‬ ‫تفرد‬ ‫بيان‬ ‫كذلك‪،‬‬ ‫ويستهدف الكاتب‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫الرؤيــة اإلســامية للوجــود وتمايزهــا‬ ‫األصيــل عــن تلــك الــرؤى األخــرى التي‬ ‫ـكلت عبــر مراحــل الفكــر اإلنســاني‪،‬‬ ‫تشـ َّ‬ ‫ســواء مــا ارتبــط منهــا بديــن مــا‪ ،‬ومــا‬ ‫أي ديــن‪.‬‬ ‫ظهــر مسـ ّ ً‬ ‫ـتقل عــن ّ‬ ‫قســم د‪ .‬مصطفــى لبيــب كتابــه إلــى‬ ‫كل منهمــا ثالثــة‬ ‫ـم ّ‬ ‫بابيــن كبيريــن‪ ،‬يضـّ‬ ‫إضافة إلــى توطئــة‪ ،‬وتقديم‪،‬‬ ‫فصــول‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ومقّدمــة منهجيــة‪ ،‬وخاتمــة‪.‬‬ ‫يؤكــد الكاتــب‬ ‫فــي مقّدمتــه للكتــاب ّ‬ ‫أن تناولــه للفكــر اإلســامي‪ ،‬ال يفصــل‬ ‫ا بالديــن‪ ،‬وكونــه‬ ‫بيــن كونــه مّتصــ ً‬ ‫ا بالعقــل أيضــاً‪ ،‬حيــث يــرى أن‬ ‫مّتصــ ً‬ ‫من الضــروري‪ ،‬فــي دراســة هــذا الفكر‪،‬‬ ‫«أن نولي المعطيات الدينية األساسية‪:‬‬ ‫القــرآن‪ ،‬وصحيــح الحديــث النبــوي‪،‬‬ ‫األئمــة األعــام مــن تفســير‬ ‫ومــا قّدمــه ّ‬ ‫خاصــة‪ ،‬بمــا هــي مصادر‬ ‫أهميــة ّ‬ ‫لهمــا» ّ‬ ‫لإللهــام العقلــي‪ ،‬كمــا يــرى الكاتــب أن‬ ‫‪130‬‬

‫افتــراض قــدرة العقــل الخالــص علــى‬ ‫ـرر مــن مالبســات الواقــع العميقــة‬ ‫التحـ ُّ‬ ‫ُي َع ـّد خط ـ ًأ منهجي ـاً‪ ،‬مــع تســليمه‪ -‬فــي‬ ‫الوقــت ذاتــه‪ -‬بــأن أســاس الحكــم علــى‬ ‫أي فكر هــو في قدرته علــى الوفاء‬ ‫قيمة ّ‬ ‫بحقــوق العقــل الخالــص؛ األمــر الذي ال‬ ‫ـرد انتســابه‬ ‫يتحّقــق لــه‪ ،‬بالفعــل‪ ،‬لمجـ َّ‬ ‫المفكر روح الدقّة‬ ‫إلى الدين‪ ،‬مع افتقــاد ّ‬ ‫وشــمول الرؤيــة‪.‬‬ ‫فــي مقّدمتــه المنهجيــة التــي تســبق‬ ‫يحدد الكاتــب جملة من المبادئ‬ ‫البحث‪ِّ ،‬‬ ‫العامة التي يعّدها القاعدة الموضوعية‬ ‫ّ‬ ‫لفهــم مشــكالت الفلســفة اإلســامية‪،‬‬ ‫ـم هــذه المبادئ‬ ‫وتقديرهــا‪ ،‬لعــل مــن أهـّ‬ ‫تأكيــده علــى أن «الفالســفة المســلمين‬ ‫كانــوا علــى وعــي بــأن الفلســفة‪ ،‬فــي‬ ‫جوهرهــا‪ ،‬فاعليــة عقليــة ومنهــج فــي‬ ‫فض حجــب الوجود‬ ‫التســاؤل يســتهدف ّ‬ ‫وكشف أستاره‪ ،‬وأن هذه الفلسفة‪ ،‬بما‬ ‫هــي كذلــك‪ ،‬ال تســتنفدها رؤيــة عقليــة‬ ‫أي‬ ‫بعينها أو مجموعة من الرؤى‪ ،‬وأن ّ‬ ‫تفنيــد لصــورة مــا مــن صــور التفلســف‬

‫يتــم إال بمنهــج الفلســفة‬ ‫ال ينبغــي أن ّ‬ ‫ولحســابها»‪ .‬كذلك‪ ،‬يرفض د‪.‬مصطفى‬ ‫تصورات من يتعاملون مع تراثنا‬ ‫لبيب‬ ‫ُّ‬ ‫العقلــي بأســره‪ ،‬فــي ضــوء التســليم‬ ‫النــص المأثــور «خيــر‬ ‫بمــا جــاء فــي‬ ‫ّ‬ ‫يوســعون‬ ‫يجعلهــم‬ ‫والــذي‬ ‫القــرون»‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫موضح ًا‬ ‫مجالــه ليشــمل الديــن والدنيــا‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫أن ذلــك يتناقــض مــع منطــق العقيــدة‬ ‫التي تعلي من شــأن المنهج التاريخي‪،‬‬ ‫ـور؛ بمعنــى التقـ ُّـدم الــذي‬ ‫وتســلِّم بالتطـ ُّ‬ ‫يتأســس علــى الرصيــد المختــزن عبــر‬ ‫َّ‬ ‫منوه ًا إلى أنه‪ ،‬برغم الدعوات‬ ‫الزمان‪ِّ ،‬‬ ‫الجامدة المحافظة‪ ،‬كان هنــاك‪ ،‬دائماً‪،‬‬ ‫التقدم في الزمان‪ ،‬حتى‬ ‫الوعي بمفهوم‬ ‫ُّ‬ ‫في عصر التراجــع‪ ،‬ويستشــهد في ذلك‬ ‫بمــا يثبتــه جــال الديــن الســيوطي فــي‬ ‫مقدمة‬ ‫العصــر المملوكــي‪ ،‬إذ يقــول فــي ِّ‬ ‫كتابه «اإلتقــان في علــوم القــرآن»‪« :‬إن‬ ‫العلــوم‪ ،‬وإن كثــر عددهــا‪ ،‬وانتشــر في‬ ‫الخافقين عددها‪ ،‬فغايتها بحر ال ُيدرك‪،‬‬ ‫ونهايتهــا طــود شــامخ ال ُيســتطاع إلــى‬ ‫ذروتــه أن ُيســلك‪ ،‬وهــذا يفتــح‪ ،‬لعالــم‬ ‫يتطرق إليه‬ ‫بعد آخر‪ ،‬من األبواب ما لم‬ ‫َّ‬ ‫المتقدمون»‪ ،‬كذلك ينقل عن السيوطي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫عــن أبــي الســعادات ابــن األثيــر‪ ،‬قولــه‬ ‫«كل مبتدئ‬ ‫في مقّدمــة كتابه «النهايــة»‪ّ :‬‬ ‫لشــيء لــم ُيســبق إليــه ومبتــدع أمــرًا لم‬ ‫ا ثم‬ ‫ُيتقـ َّـدم فيــه عليــه‪ ،‬فإنــه يكــون قليـ ً‬ ‫يكثــر‪ ،‬وصغيــرًا ثــم يكبــر»‪.‬‬ ‫األول من‬ ‫ـاب‬ ‫يناقش الكاتــب‪ ،‬في البـ‬ ‫ّ‬ ‫كتابــه‪ ،‬وعبــر فصولــه الثالثــة‪ ،‬مصــدر‬ ‫التصور اإلسالمي للطبيعة‪ ،‬مشيرًا إلى‬ ‫ُّ‬ ‫أن القــرآن هــو مصــدر اإللهــام المتجـ ِّـدد‬ ‫للنظر العقلــي عنــد المســلمين‪ ،‬ومصدر‬ ‫تصورهــم الفكــري للطبيعــة‪،‬‬ ‫بنــاء‬ ‫ُّ‬ ‫مؤكــدًا علــى أن موقــف المســلمين مــن‬ ‫ِّ‬


‫التصــورات األجنبيــة حكمتــه‪ ،‬أيضــاً‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫بصيرة اســتنارت بنور القــرآن الكريم‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫وهــو ال يــرى فــي ذلــك قيــدًا علــى العقل‬ ‫اإلســامي‪ ،‬بــل إنــه يذهــب إلــى أن روح‬ ‫تســتحق هــذا‬ ‫الثقافــة اإلســامية التــي‬ ‫ّ‬ ‫كل نزعــة جامــدة‪،‬‬ ‫االســم تبتعــد عــن ّ‬ ‫مغلقــة‪ ،‬تزعــم امتــاك الحقيقــة؛ حيــث‬ ‫يبقى صحيحاً‪ ،‬دوماً‪ ،‬أن الكلمة األخيرة‬ ‫ال يستطيع أن ينطق بها أحد‪ ،‬وأن رحلة‬ ‫العقــل إلــى هــذا المنتهــى األخيــر رحلــة‬ ‫طويلــة وشــاقّة وال نهايــة لهــا‪.‬‬ ‫هكــذا‪ ،‬يكشــف الكاتــب عــن رؤيــة‬ ‫اإلسالم التي تناقض الجمود‪ ،‬والدعوة‬ ‫إلــى االكتفــاء بالماضــي‪ ،‬معتبــرًا ذلــك‬ ‫«مصــادم لمــا تقضــي بــه طبيعــة الكون‬ ‫النمو والتوليد‪....‬‬ ‫وطبيعة ّ‬ ‫كل َح ّي من ّ‬ ‫ولــو وقــف التناســل الفكــري الرتطــم‬ ‫اإلنســان فــي حياتــه بكثــرة مــا تلــد‬ ‫الطبيعيــات التــي هــو منهــا‪ ،‬وعندئــذ‪،‬‬ ‫يعجز عن تدبير الحياة النامية‪ ،‬ويتحقّق‬ ‫بمهمــة الخالفــة التــي‬ ‫فشــله فــي القيــام ّ‬ ‫اختيــر لهــا»‪ .‬كذلك يناقــش الكاتــب‪ ،‬في‬ ‫ـور اإلســامي‬ ‫هــذا البــاب‪ ،‬جــذور التصـ ُّ‬ ‫المادية‬ ‫الطبيعة‬ ‫للطبيعة‪ ،‬سواء أكانت‬ ‫ّ‬ ‫المسخرة والتي ال تملك عصيان ًا لقوانين‬ ‫ّ‬ ‫مبدعهــا‪ ،‬أم كانــت الطبيعــة اإلنســانية‬ ‫المتجــاوزة لذاتهــا والتــي ال تلتــزم‪ -‬من‬ ‫حيث المبدأ‪ -‬بالطاعة‪ ،‬التزام ًا ضرورياً‪،‬‬ ‫ماهيتهــا فــي الســعي الدائــم‬ ‫ّ‬ ‫وتتشــكل ّ‬ ‫إلــى إدراك كمــال وجــود ال يكتمــل أبداً‪،‬‬ ‫أخص خصائصه في اكتشــاف‬ ‫وتتجلّى ّ‬ ‫الحرّيــة الممكنة له‪ ،‬حتــى في العصيان‬ ‫ّ‬ ‫لفاعليتهــا‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫تتنك‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫حي‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الجهال‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫أو ف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العاقلــة‪ ،‬كمــا يناقــش الكاتب‪ ،‬فــي آخر‬ ‫قضيــة «المعجــزة»‬ ‫فصــول هــذا البــاب‪ّ ،‬‬ ‫وعالقتهــا بقــدرة اهلل المطلقــة‪ ،‬مــن‬

‫ناحيــة‪ ،‬وثبــات الســنن الكونيــة‪ ،‬مــن‬ ‫ناحية أخرى‪ ،‬ومدى مشروعية التسليم‬ ‫بالمعجــزة فــي النســق الدينــي والنســق‬ ‫الفلســفي‪.‬‬ ‫المؤلــف البــاب الثانــي مــن‬ ‫خصــص‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ســماه «معالــم فــي‬ ‫مــا‬ ‫لعــرض‬ ‫كتابــه‬ ‫ّ‬ ‫الطريــق»‪ ،‬مســتعرضاً‪ ،‬فــي الفصــول‬ ‫تصو َر‬ ‫الثالثة التي يحتويها هذا الباب‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫الطبيعة عند اإلمــام علي بــن أبي طالب‬ ‫(ت‪ 20 :‬هـــ) فــي مرحلــة بــزوغ العقــل‬ ‫الفلســفي في اإلســام؛ حيث قـ َّـدم قراءة‬ ‫أولية في كتــاب اإلمام «نهــج البالغة»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لتصور الطبيعة عند جابر بن‬ ‫عرض‬ ‫كما‬ ‫ُّ‬ ‫حيان (ت‪ 200 :‬هـ)‪ ،‬وهــو الفصل الذي‬ ‫ّ‬ ‫أطلق عليه المؤلِّف «جهاد العقل»‪ ،‬وختم‬ ‫تصور الطبيعة عند‬ ‫المؤلِّف باستعراض‬ ‫ُّ‬ ‫أبي بكــر الــرازي (ت‪ 313 :‬هـــ‪ 925 ،‬م)‬ ‫(فتوة‬ ‫ـور الــذي أطلــق عليــه ّ‬ ‫وهــو التصـ ُّ‬ ‫العقل)‪ .‬‬ ‫ويصل د‪ .‬مصطفى لبيب‪ ،‬عبر بحثه‬ ‫تصــور الفكــر اإلســامي‬ ‫الشــائق فــي‬ ‫ُّ‬ ‫توصلت إليه‬ ‫ما‬ ‫أبرز‬ ‫يه‬ ‫وتقص‬ ‫للطبيعة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫البشــرية‪ ،‬خــال تاريخها الطويــل‪ ،‬من‬ ‫رؤى غير إسالمية للطبيعة والوجود‪،‬‬ ‫مهمــة‪ ،‬وقــد أجملهــا‬ ‫إلــى عــّدة نتائــج ّ‬ ‫ـكل مــا‬ ‫فــي تبايــن النظــرة اإلســامية لـ ّ‬ ‫مؤكــدًا أن هــذه النظرة‬ ‫عداها مــن رؤى‪ِّ ،‬‬ ‫تأسست على استلهام‬ ‫اإلسالمية الرشيدة َّ‬ ‫العقل اإلنساني لدالالت الوحي السامية‪،‬‬ ‫ومــواالة الفطــرة الســليمة التــي تنشــد‬ ‫البداهــة والوضــوح؛ حيــث تخلّصــت‬ ‫كل داللة‬ ‫النظرة اإلسالمية للطبيعة من ّ‬ ‫«المقدس» والمفارق‬ ‫سحرية‪ ،‬يختلط فيها‬ ‫َّ‬ ‫بالطبيعي والمشــهود‪ ،‬كما تخلّصت من‬ ‫كل نزعة تشبيهية تختلط فيها العاطفة‬ ‫ّ‬ ‫ا بين اإلنســان‬ ‫بالعقــل‪ ،‬فال تــرى فاص ـ ً‬

‫كل أثــر‬ ‫والطبيعــة‪ ،‬كمــا تخلّصــت مــن ّ‬ ‫لالّتجاهــات العدميــة التــي تــرى الواقــع‬ ‫وهم ـاً‪ ،‬ال حقيقــة له‪.‬‬ ‫وقد رأى الكاتب أن محور هذه النظرة‬ ‫اإلســامية عقيــدة التنزيــه الخالــص‪،‬‬ ‫ووعــي المســلم بــأن اهلل‪ -‬ســبحانه‪،‬‬ ‫وتعالى‪ -‬واحٌد أحد «ليس كمثله شيء»‪،‬‬ ‫وإدراكــه‪ ،‬كذلــك‪ ،‬بــأن الطبيعــة‪ ،‬فــي‬ ‫ثباتهــا وعظمتهــا‪ ،‬ليســت ســوى لحظــة‬ ‫من لحظات الخلق اإللهــي‪ ،‬وأنها معلّقة‬ ‫المستمر‪ ،‬وعنايته‬ ‫على كلمة اهلل وإبداعه‬ ‫ّ‬ ‫التي التفارق الوجود طرفــة عين‪ ،‬وأن‬ ‫الكــون الطبيعــي كّلــه‪ ،‬بمــا فيــه‪ ،‬وبمــن‬ ‫فيه‪ ،‬أثر من آثار اإلرادة اإللهية‪ ،‬ومراتب‬ ‫الوجود ودرجاته رهن بما أودعته فيها‬ ‫المشــيئة الســامية مــن أقــدار الفاعليــة‬ ‫والعقــل «هلل األمــر من قبــل ومــن بعد»‪.‬‬ ‫«التصور اإلســامي للطبيعة» كتاب‬ ‫ُّ‬ ‫مهــم‪ ،‬ليــس‪ ،‬فقــط‪ ،‬الســتجالئه تلــك‬ ‫ّ‬ ‫الرؤيــة الفكريــة اإلســامية للطبيعــة‪،‬‬ ‫وتأكيــده علــى تمايزهــا‪ ،‬وقدرتــه علــى‬ ‫تفوقهــا‪ -‬عقلي ـاً‪ ،‬ومنطقي ـاً‪ -‬على‬ ‫إثبات ّ‬ ‫وتصــورات‪ ،‬إنمــا‪-‬‬ ‫ماعداهــا مــن رؤى‬ ‫ُّ‬ ‫أيضاً‪ -‬لتأكيده على أن دعــوات الجمود‬ ‫واالنغــاق علــى الماضــي‪ ،‬واالكتفــاء‬ ‫بمــا قالــه الســلف‪ ،‬تصــادم نصــوص‬ ‫اإلســام‪ ،‬وتتناقض مع منطــق العقيدة‬ ‫التي تعلي من شــأن المنهج التاريخي‪،‬‬ ‫ـور؛ بمعنــى التقـ ُّـدم الــذي‬ ‫وتســلِّم بالتطـ ُّ‬ ‫يتأســس علــى الرصيــد المختــزن عبــر‬ ‫َّ‬ ‫الزمــان‪ ،‬وهــي المعركة التــي ينبغي أن‬ ‫يلتفــت إليهــا العقــل المســلم اآلن‪ ،‬ذلــك‬ ‫المحتجز فــي الماضي‪ ،‬والرافض‬ ‫العقل‬ ‫َ‬ ‫لالجتهــاد‪ ،‬والمّتهــم‪ ،‬اآلن‪ ،‬بالظالميــة‬ ‫والجمــود‪ ،‬دون قــدرة منــه علــى إثبــات‬ ‫العكــس‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫متخيل البادية وفخاخ األمكنة‬ ‫ّ‬ ‫يف «مرعى ال ّنجوم»‬ ‫إبراهيم الحجري‬

‫ـي‪ ،‬فــي مجموعة‬ ‫يبئّر ّ‬ ‫الســرد القصصـ ّ‬ ‫«مرعى النّجوم» (مجلّة نــزوى‪،)2015 ،‬‬ ‫الرحبــي‪ ،‬حياة‬ ‫للكاتــب ّ‬ ‫العمانــي محمــود ّ‬ ‫معمقــا‬ ‫البــداوة وقســاوتها علــى الفــرد‪ّ ،‬‬ ‫ســؤال الفضــاء الملغــوم‪ ،‬الــذي تعتمــره‬ ‫ومرهن ًا فداحة اللّعبة‪،‬‬ ‫الفخاخ‬ ‫والمطبات‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫اليومي بين الحياة والموت‪،‬‬ ‫الصراع‬ ‫لعبة ّ‬ ‫ّ‬ ‫التــي تشـّـكل مســار العامــل‪ -‬الــذات‪ ،‬فــي‬ ‫وتحوالته‪ ،‬مخترق ًا األمكنة‬ ‫أغلب انتقاالته‬ ‫ّ‬ ‫واألزمنة وسط فسحة تضيق برغم اتساع‬ ‫أطراف الصحراء‪ ،‬وتزداد فيها غربة الفرد‬ ‫الــذي تحاصــره المنزلقــات المميتــة‪ ،‬مــن‬ ‫كل حياته أســيرة‬ ‫وتصبح ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل المناحي‪ُ ،‬‬ ‫تخطي هاتــه الّتحّديــات المضروبة حوله‬ ‫لكل حركة‬ ‫الحادة‬ ‫المترصدة ّ‬ ‫مثل المنادف ّ‬ ‫ّ‬ ‫يقوم بها‪ ،‬أو خطــوة يخطوها‪.‬‬ ‫تغــدو الكتابــة‪ ،‬فــي هــذا المنجــز‬ ‫نكاية‬ ‫القصصي‪ ،‬مرف ًأ لممارسة الحياة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫بــر أمــان‪ ،‬ال‬ ‫إلــى‬ ‫ا‬ ‫معبــر‬ ‫ّســيان‪،‬‬ ‫فــي الن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يوجد في مســاحة الحكــي إال على ســبيل‬ ‫خيــل‪ .‬تصيــر الكتابــة معــاد ًال للعيش‪،‬‬ ‫الّت ُّ‬ ‫ونقيض ـ ًا للّتالشــي فــي زحمــة المخاطــر‬ ‫الشخوص يمارسون‬ ‫كل الرواة‪ّ -‬‬ ‫المتربصة‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫الســرد‪ ،‬عن‬ ‫ـاة‬ ‫ـ‬ ‫قن‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫عب‬ ‫ـان‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫لإلع‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫حكيه‬ ‫ّ‬ ‫أنهم مــا يزالــون على قيــد الحيــاة‪ ،‬وأنهم‬ ‫ينفكــون يقاومــون شراســة األفضيــة‬ ‫مــا ّ‬ ‫الصعبــة التــي يكتبهــا عليهــم‬ ‫والمصائــر ّ‬ ‫ـل‪ ،‬علــى مســتوى‬ ‫الســرد‪ ،‬علــى األقـّ‬ ‫فعــل ّ‬ ‫حكايــة الّنــص‪.‬‬

‫الصراع غير‬ ‫الذات والمجال‪ّ :‬‬ ‫المتكافئ‬ ‫القصصيــة‬ ‫تعكــس مــرآة المجموعــة‬ ‫ّ‬ ‫قوي ـ ًا غيــر ُمتكافــئ‪ ،‬بيــن قــوى‬ ‫صراع ـ ًا ّ‬ ‫‪132‬‬

‫الطبيعة وساكنة القرية الذين يعيشون‪،‬‬ ‫بالــكاد‪ ،‬علــى معطيــات المجــال الصعــب‬ ‫يتحركــون فيــه‪ .‬إذ يبــدو الـّـراوي‪-‬‬ ‫الــذي ّ‬ ‫مهووســ ًا بمضايــق المجــال‬ ‫الش‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ــخصية ُ‬ ‫غرافي الوعر‪ ،‬واشتراطاته‪ ،‬بوصفه‬ ‫الج‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ومقيدًا بعتمة الّتفاصيل‪ ،‬وبما‬ ‫فضاء ممتّدًا ّ‬ ‫ً‬ ‫يعتمــره مــن وحــوش ومتاعــب ومخاطر‬ ‫تتهـّدد حيــاة الكائــن‪ .‬وبقدر مــا يمتـّد هذا‬ ‫الشخوص في وحل‬ ‫المجال‪ ،‬تغرق ذوات ّ‬ ‫المعانــاة‪ ،‬وتتعّفــن فــي وحشــة اغترابها‬ ‫المتعّدد‪ .‬يقول الراوي واصف ًا هذا المجال‬ ‫الممتــّد‪« :‬كان الســرح ممتــداً‪ ،‬وتلتقــي‬ ‫نهاياتــه الواضحــة باألفــق‪ ،‬وباســتثناء‬ ‫األشجار الشــوكية التي تنتصب معزولة‬ ‫عن بعضها‪ ،‬تنبطح تحتها ظالل قصيرة‬ ‫ونثار بعر يابس‪ ،‬فــا يوجد أثاث ُيَذكر؛‬ ‫حيث تنبو الصخور ذات األغلفة الصفراء‬ ‫القاســية‪ ،‬وينــام الغبــار الــذي ال يلبــث‬ ‫أن يصاعــد ثائــراً‪ ،‬إثــر أدنــى لمســة مــن‬ ‫قدم أو حافر‪ ،‬وتســمق الجبال برؤوسها‬ ‫المســنَّنة التي أضاءتها شــمس الصباح‪،‬‬ ‫أزليــة‪،‬‬ ‫وفــي صدورهــا تنفتــح جــروف ّ‬

‫كأنمــا هــي مخابــئ للظــال‪ ،‬حيــث تــرى‬ ‫أعماقهــا مظلمة حتى فــي قيــظ الظهيرة»‬ ‫(ص‪.)24 .‬‬ ‫ـري‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫البش‬ ‫الكائن‬ ‫ضياع‬ ‫المتن‬ ‫ـور‬ ‫ّ‬ ‫يصـّ‬ ‫برغــم مــا حقّقتــه لــه الّتكنولوجيــا مــن‬ ‫إمكانات تساعده على ارتياد الجغرافيات‬ ‫وقهر المسافات وترويض قوى الطبيعة‪،‬‬ ‫بنوع مــن الســخرية القاتمة التــي تعود‪،‬‬ ‫باألذهان‪ ،‬إلى أزمنة غابرة‪ ،‬وتحيل هذه‬ ‫األول؛‬ ‫العملية االرتدادية الذاكرة إلى الزمن ّ‬ ‫زمــن ســيادة المجــال بشــّتى طقوســه‪،‬‬ ‫علــى نكســة اإلنســان الحاليــة التــي تبدو‬ ‫كل النكســات التــي عرفها‬ ‫أشـّد قتامة مــن ّ‬ ‫تاريخــه‪ :‬فقــد تالشــت قيــم اإلنســان‪،‬‬ ‫المتطــورة‬ ‫ومــا عــادت التكنولوجيــات‬ ‫ِّ‬ ‫ووســائل المواصــات والتــرف والرفــاه‬ ‫ســوى أدوات بشــعة لتعميــق غربــة هــذا‬ ‫الكائن االجتماعي‪ ،‬بامتياز؛ فكلّما تقّدمت‬ ‫االقتصاديــات واآلليــات وســبل العيش‪،‬‬ ‫التحكــم فــي الطبيعة‬ ‫وتيســرت إمكانــات‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫خطوات‬ ‫وقواها‪ ،‬ارتّدت الرساميل الرمزية‬ ‫إلــى الخلــف‪ ،‬وتقهقــرت آفــاق التواصــل‬ ‫واالحتــكاك اإليجابييــن‪ ،‬ونكصــت ســبل‬ ‫التعــاون والتكّتل والتحالــف ضّد مخاطر‬ ‫التوتــر والتباعــد واألنانيــة والبرغماتيــة‬ ‫ُّ‬ ‫وغيرهــا من القيــم البديلــة‪ ،‬التــي تولّدت‬ ‫تتســع بشــكل رهيب‪.‬‬ ‫مع عولمة حارقة‪َّ ،‬‬ ‫القصصــي‪ ،‬فــي‬ ‫لقــد ذهــب التصويــر‬ ‫ّ‬ ‫الصــادرة عن‬ ‫النجوم»‬ ‫مجموعة «مرعــى‬ ‫ّ‬ ‫منشــورات مجّلــة «نــزوى»‪ ،‬فــي عددهــا‬ ‫الجديــد (‪ ،)83‬إلــى الّتصويــر اإليحائــي‬ ‫المؤشــرات في‬ ‫يروم قــراءة‬ ‫ّ‬ ‫البليــغ اّلــذي ُ‬ ‫ســيادة معكوســها‪ ،‬فبينمــا هنــاك‬ ‫ّ‬ ‫ظــل ّ‬ ‫ترفــل فــي تــرف النّعــم‪ ،‬نلفي‬ ‫ـات‬ ‫ـ‬ ‫مجتمع‬ ‫ُ‬ ‫مجتمعات‪ ،‬ما تزال تعيش عزلتها وسط‬


‫مجــاالت ممتـّدة‪ ،‬تغالــب القهــر‪ ،‬وتصارع‬ ‫ـتمر فــي الحياة‪،‬‬ ‫ـي مــن أجــل أن تسـ ّ‬ ‫اليومـ ّ‬ ‫الحياتية‬ ‫ـها‬ ‫ـ‬ ‫طقوس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫ممارس‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ة‬ ‫ـاعي‬ ‫ّ‬ ‫سـ ّ‬ ‫وثقافي معقّد‬ ‫بيئــي‬ ‫المتوارثة َوفق نظام‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جــّداً‪ ،‬وبإمكانيــات ووســائل تقليديــة‬ ‫محاصريــن بتكالــب المــوت‬ ‫متواضعــة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫والمرض والشدائد المضروبة حولهم من‬ ‫الســارد‪ -‬الشــخصية‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫كل المناحي‪ ،‬يقول ّ‬ ‫«فــي قريتنــا‪ ،‬لــم تصــل خطــوط الكهرباء‬ ‫أول مــا نفعله مــع قناني‬ ‫بعــد؛ لذلك فــإن ّ‬ ‫نتحســس درجة‬ ‫أن‬ ‫هو‬ ‫العصير البــاردة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫أول‬ ‫حاراً‪ ،‬فإن ّ‬ ‫برودتها‪ .‬وإذا كان الطقس ّ‬ ‫ما نفعله هو االستفادة‪ ،‬قدر اإلمكان‪ ،‬من‬ ‫تلــك البــرودة أو مــا تبّقــى منهــا‪ ،‬فأخفت‬ ‫زوجــة أخــي العلبــة‪ -‬بعــد أن أفرغتهــا‪-‬‬ ‫تحــت لفاعهــا‪ ،‬حيــث صدرهــا المعــروق‪،‬‬ ‫وألصقــت مــا تبّقــى مــن برودتهــا بقلبهــا‬ ‫الخافــق‪ .‬وأنــا ملَّســت‪ ،‬بالعلبة البــاردة‪،‬‬ ‫جبهتــي ورقبتــي المعروقة قبــل أن أقذف‬ ‫بها» (ص‪.)32 .‬‬

‫والسيَري‪ ،‬والرّوائي‬ ‫ِّ‬ ‫القصصي‪،‬‬ ‫يتداخــل فــي «مرعــى النّجــوم» مــواد‬ ‫ــيري‪،‬‬ ‫ســردية تجمــع البعديــن‪ِّ :‬‬ ‫الس َ‬ ‫والقصصــي‪ ،‬بالروائــي‪ ،‬بمــا أن الكاتــب‬ ‫كل هذه األنواع األدبية بالتوازي‪،‬‬ ‫يمارس ّ‬ ‫قاص وروائي‪ ،‬ويفتح‪ ،‬داخل متونه‪،‬‬ ‫فهو ّ‬ ‫كو ٍ‬ ‫وكل‬ ‫ري‬ ‫ي‬ ‫الس‬ ‫لعبور‬ ‫ات‬ ‫واإلثنوغرافي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ َ‬ ‫بمتخيــل اإلنســان العماني‪ ،‬في‬ ‫مــا يتعلَّق‬ ‫َّ‬ ‫(الصحــراء والجبــال)‪،‬‬ ‫عالقاتــه بالمــكان ّ‬ ‫وبتحوالت أنماط الحياة في زمن ال ُيساير‬ ‫ُّ‬ ‫ـوره‪.‬‬ ‫ـ‬ ‫تط‬ ‫ـرة‬ ‫وتيـ‬ ‫ّ‬ ‫تنطلــق الكتابــة الســردية‪ ،‬فــي هاتــه‬ ‫ُّط‬ ‫اني‪ ،‬حيث َت َســل ُ‬ ‫مما هو ّ‬ ‫المجموعة‪ّ ،‬‬ ‫جو ّ‬ ‫وجبروتهــا‪ ،‬وتج ـذّر حالــة اليتــم‬ ‫األمكنــة‬ ‫ُ‬

‫مجالي‬ ‫القاســية علــى الــذات‪ ،‬إلى مــا هــو‬ ‫ّ‬ ‫الجغرافيــة الممتــّدة‪،‬‬ ‫متعلّــق بالطبيعــة‬ ‫ّ‬ ‫طارحة‬ ‫ـي‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫العمان‬ ‫ـان‬ ‫ـ‬ ‫اإلنس‬ ‫والملتفّة على‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الحاد الذي ســوف‬ ‫إشــكال الصراع‬ ‫األبدي ّ‬ ‫ّ‬ ‫يظل قائم ًا بين اإلنسان والقوى المجالية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الرد‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬إلى معالجة قضايا‬ ‫لينتقل ّ‬ ‫تهم األسئلة الملحاحة الّتي‬ ‫ة‬ ‫إنساني‬ ‫كونية‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫وهويتها‪.‬‬ ‫اإلنســانية‬ ‫الخصوصية‬ ‫تواجه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واســتنادًا إلى تضافــر هــذه المعطيات‬ ‫كلّهــا‪ ،‬داخــل الــذات‪ ،‬يجــد الســارد نفســه‬ ‫الهويــة األجناســية‪،‬‬ ‫متحـ ِّـررًا مــن إشــكال ّ‬ ‫ــيري ذاتــه‬ ‫ً‬ ‫فتــارة يفــرض عليــه ِّ‬ ‫الس َ‬ ‫مقومــات الكتابــة‬ ‫إلــى‬ ‫فيجنــح‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫فرضــ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫وتــارة تتماشــى‬ ‫األوتوبيوغرافيــة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الســرد‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫طبيع‬ ‫ـع‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫المعالج‬ ‫خصوصيــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـعريُته‬ ‫ـ‬ ‫وش‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫كثافت‬ ‫ـث‬ ‫ـ‬ ‫حي‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫‪،‬‬ ‫ـي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫القصصـ ّ‬ ‫ينســاق الحكــي‬ ‫ثالثــة‪،‬‬ ‫وتــارة‬ ‫وعمقــه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يتيحه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫وم‬ ‫ـي‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫وائ‬ ‫الر‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫العال‬ ‫ـال‬ ‫ـ‬ ‫ظ‬ ‫خلف‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫من آفــاق شاســعة الســتدماج التفاصيل‪،‬‬ ‫واســتدراج الشــخوص نحــو بــوح أعمــق‪،‬‬ ‫واستنفار لكل اإلمكانات الذاتية‪ ،‬من أجل‬ ‫ـص وإرواء عطشــه‪ .‬لقــد كانــت‬ ‫تغذيــة النـ ّ‬ ‫تتحالف لخدمة‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫ن‬ ‫ه‬ ‫ة‪،‬‬ ‫ـردي‬ ‫ـ‬ ‫الس‬ ‫ُ‬ ‫األجناس ّ ّ ُ‬ ‫ُ‬ ‫طبيعة النصوص‪ ،‬بحســب حاجاتها التي‬ ‫تمليهــا الخصوصيــة وأســس المعالجــة‪.‬‬

‫السرد واحتمالية الرّؤيا‬ ‫ّ‬ ‫الســردية في «مرعى‬ ‫تستضمر الكتابة ّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫تخبئ وراءها‬ ‫النّجوم»‬ ‫استعارات كبرى‪ّ ،‬‬ ‫ـودي‪،‬‬ ‫ـ‬ ‫وج‬ ‫ـغال‬ ‫ـ‬ ‫انش‬ ‫ـو‬ ‫ـ‬ ‫ه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫بم‬ ‫ـذات‪،‬‬ ‫قلــق الـ‬ ‫ّ‬ ‫جماليــة‪ّ ،‬‬ ‫تلــف فــي‬ ‫مطويــات‬ ‫وبمــا هــو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بواطنها الخبيئة أسئلة اإلنسان في عالقته‬ ‫الرؤيــا المســتبطنة‬ ‫بالكــون‪ ،‬وتلــك هــي ّ‬ ‫الســارد‪ -‬انبثاق ًا‬ ‫يعمد‬ ‫لفعل الكتابة‪ ،‬حيث‬ ‫ّ‬ ‫بمتغيــرات الحيــاة‪،‬‬ ‫تبصــره الّدقيــق‬ ‫عــن ّ‬ ‫ّ‬

‫والظاهرة‪-‬‬ ‫الخفية ّ‬ ‫وتحوالتها‪ ،‬وصراعاتها ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقبل‪ ،‬وتجســير‬ ‫الم‬ ‫إلى‬ ‫خطاب‬ ‫تمرير‬ ‫إلى‬ ‫ُ ّ‬ ‫سبل تصريف أســئلة الكينونة الّتي تثقل‬ ‫ُ‬ ‫وتقــض مضجعها‪ ،‬في بحث‬ ‫كاهل الذات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫اليومي‪.‬‬ ‫وهمهــا‬ ‫عما يقاســمها لوعتهــا‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرســالة‬ ‫هاتــه‬ ‫جوهــر‬ ‫فــي‬ ‫‪،‬‬ ‫ونلمــس‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫المســتضمرة‪ ،‬نقدًا ناعم ًا ممزوج ـ ًا بمرارة‬ ‫لــكل المظاهــر الســلبية التــي‬ ‫وخيبــة‪ّ ،‬‬ ‫خاصــة تلك المفارقات‬ ‫الكون‪،‬‬ ‫يطفح بها‬ ‫ّ‬ ‫الطبقية‪ ،‬والّتهافت‬ ‫الصارخة‪ ،‬والفــوارق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المادّيــات‪ ،‬واإلقبــال‬ ‫تجــاه‬ ‫ر‬ ‫المبــر‬ ‫غيــر‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫علــى اســِتعمال ُمبتكــرات الّتكنولوجيــا‬ ‫يعمــق‬ ‫ممــا ّ‬ ‫المغريــة‪ ،‬فــي غيــر محلّهــا‪ّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫قليدية‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫تراجع القيــم األصيلة والعوائــد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرمــزي لإلنســان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫للرأســمال ّ‬ ‫المشــكلة ّ‬ ‫القيميــة التــي تراكمــت عبــر‬ ‫كتســباته‬ ‫وم‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الّتاريــخ الحضــاري الممتــّد‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بشــكل‬ ‫الســارد عــن ُرؤاه‪،‬‬ ‫وقــد ّ‬ ‫عبــر ّ‬ ‫غير ُمباشــر‪ ،‬من خــال العــودة إلى عمق‬ ‫الصحراء‪ ،‬لتوصيف طقوســها الراسخة‪،‬‬ ‫تظل قائمــة رغم أنــف التكنولوجيا‪،‬‬ ‫التــي ّ‬ ‫وشراســة الزحف العمراني واإلســمنتي‪،‬‬ ‫المستخلصين من‬ ‫وبدائيته‬ ‫وعنف اإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ميوالتــه الجانحــة إلــى األنانيــة وإرضــاء‬ ‫األولية‪ .‬يقول الراوي‬ ‫الرغبات الحيوانية ّ‬ ‫في هــذا الصــدد‪« :‬ألنــه اعتــاد‪ ،‬فــي حياته‬ ‫الســابقة‪ ،‬علــى مســافات شاســعة‪ ،‬فإنــه‬ ‫كان يشعر بالجدران اإلسمنتية ووجومها‬ ‫القاســي أمــام عينيــه‪ ،‬وكأنهــا أقــرب‪،‬‬ ‫بكثيــر‪ ،‬مــن مســافاتها الواضحــة تلــك‪،‬‬ ‫بــكل مــا تحضنــه مــن‬ ‫بــل كان يهجســها‪ّ ،‬‬ ‫حديــد وصالبــة‪ ،‬تلتصــق جميعهــا حدبـ ًـة‬ ‫بيــن كاهَلْيــه‪ ،‬وعليــه أن يحملهــا وحيــدًا‬ ‫شــارد الذهن‪ ،‬طــوال ما تبقّى مــن حياته»‬ ‫(ص‪.)49 .‬‬ ‫‪133‬‬


‫غياب‬

‫التفكري يف الثّقافة عند روين جريار‬ ‫محمد مروان‬

‫الرغبة القائمة على المحاكاة‪ ،‬والعنف‬ ‫يمثلان حجـر‬ ‫القائـم علـى التضحيـة‪ّ ،‬‬ ‫الزاويـة فـي اإلسـهامات األنثروبولوجيـة‬ ‫الت�ي قّدمه�ا رون�ي جي�رار ‪René Gi� ،‬‬ ‫يودعنـا فـي الرابـع مـن‬ ‫‪ ،rard‬قبـل أن ّ‬ ‫نوفمبـر مـن العـام المنصـرم‪ ،‬وهـو فـي‬ ‫الحاديـة والتسـعين مـن العمـر‪ ،‬في مدينة‬ ‫سـتامفورد بالواليـات المتحدة األميركية‪.‬‬ ‫أعماله التي انتشـرت على نطاق واسـع‪،‬‬ ‫فـي مختلـف أرجـاء العالـم‪ ،‬تمثِّـل مراحـل‬ ‫مترابطـة في عملية بحث طويلة وشـاملة‬ ‫عـن حقيقـة الرغبـة اإلنسـانية والعنـف‪،‬‬ ‫ومـا يترّتـب عنهمـا مـن قضايـا‪ ،‬عالجتهـا‬ ‫ّقافية‬ ‫المجتمعـات حسـب‬ ‫خصوصياتها الث ّ‬ ‫ّ‬ ‫فـي عمليـة التنظيـم االجتماعـي‪.‬‬ ‫رونـي جيـرار‪ ،‬عضـو األكاديميـة‬ ‫الفرنسـية منـذ ‪ ،2005‬رأى النـور فـي‬ ‫الخامـس والعشـرين من ديسـمبر‪/‬كانون‬ ‫األول لس�ن ة ‪ 1923‬بمدينـة أفينيـون �‪Avi‬‬ ‫‪ gnon‬الفرنسية‪ .‬لم يكن مساره الدراسي‬ ‫متميـزاً‪ ،‬فقـد ُط ِـر َد مـن الثانويـة التـي كان‬ ‫ّ‬ ‫يتابـع فيهـا دراسـته‪ ،‬بسـبب «السـلوك‬ ‫السـيئ»‪ ،‬لكنـه اسـتطاع‪ ،‬مـع ذلـك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحصـول على شـهادة البكالوريا‪ ،‬وقصد‬ ‫مدينـة ليـون بهـدف االلتحـاق بالمدرسـة‬ ‫يتمكـن مـن ذلـك‬ ‫العليـا لألسـاتذة دون أن ّ‬ ‫بسـبب التكاليـف الماديـة الباهظـة‪ .‬لذلـك‬ ‫توجـه إلـى مدرسـة شـارت بباريس حيث‬ ‫ّ‬ ‫مـر بظـروف عصيبة‬ ‫أنـه‬ ‫غيـر‬ ‫قبولـه‪،‬‬ ‫َت ّـم‬ ‫ّ‬ ‫ليقـرر‬ ‫و‪،1947‬‬ ‫‪1943‬‬ ‫سـنتي‬ ‫بيـن‬ ‫هنـاك‬ ‫ّ‬ ‫فـي نفـس السـنة‪ ،‬الهجـرة إلـى الواليـات‬ ‫المتحدة األميركية‪ ،‬وهناك ستبدأ مغامرته‬ ‫الفكريـة التـي لـن تنتهـي ّإل بوفاتـه‪ .‬فـي‬ ‫بدايـة تكليفـه بتدريـس األدب الفرنسـي‬ ‫هنـاك‪ ،‬كان يشـرح ويناقـش مـع طلبتـه‬ ‫المؤلفـات الروائيـة التـي قرأهـا وتأثر بها‬ ‫خاصة‬ ‫وهـو ال يـزال في مرحلة الشـباب‪ّ ،‬‬ ‫روايـات ميغيـل دو سـرفانتيس‪ ،‬فيودور‬ ‫دوستويفسـكي‪ ،‬وفلوبيـر‪ ،‬ومارسـيل‬ ‫وموضحـ ًا كيـف‬ ‫بروسـت‪ ،‬مقارنـ ًا بينهـا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أنهـا تعالـج القضايا نفسـها من منظورات‬ ‫مختلفـة‪ ،‬وهـي قضايـا ذات ارتباط وثيق‬ ‫‪134‬‬

‫بالمشاعر اإلنسانية ومصيرها‪ .‬ومن هنا‪-‬‬ ‫بالضبط‪ -‬سينبثق المشروع الفكري األكبر‬ ‫في حياته‪ :‬تعقُّب مصير الرغبة اإلنسانية‪،‬‬ ‫مـن خلال هـذه المؤلّفـات األدبيـة‪ .‬أمـا‬

‫التحول الذي سيدفع‪ُ ،‬قُدماً‪ ،‬هذا المشروع‬ ‫ُّ‬ ‫الفكـري‪ ،‬فقـد تمثّـل فـي التحاقـه بجامعـة‬ ‫جـون هوبكينـز‪ ،‬خلال العـام ‪،1957‬‬ ‫والتحـول مـن التاريخ إلـى األدب‪ ،‬ثم إلى‬ ‫ُّ‬


‫وابتداء من‬ ‫األنثروبولوجيا الدينية‪ .‬لذلك‪،‬‬ ‫ً‬ ‫سنة ‪ ،1959‬كما يقول هو نفسه‪ ،‬أصبح‬ ‫مجـال االشـتغال المناسـب واألساسـي‬ ‫بالنسـبة إليـه‪ ،‬هـو هـذه العالقـة بيـن‬ ‫التجربـة الدينيـة والكتابة الروائية‪ .‬وبعد‬ ‫سنتين من تجميع المعلومات والمعطيات‬ ‫الالزمة سيصدر سنة ‪ 1961‬مؤلفه «الكذبة‬ ‫الرومانسـية والحقيقـة الروائيـة‪Le« ،‬‬ ‫‪mensonge romantique et la vé‬‬‫‪ ،»rité romanesque‬وفيه سـيعرض‪-‬‬ ‫مـرة‪ -‬نظريتـه فـي المحـاكاة‪ ،‬والتي‬ ‫ّ‬ ‫ألول ّ‬ ‫هي‪ ،‬في الواقع‪ ،‬وصف لحاالت إنسـانية‬ ‫خالصـة‪ .‬قيمـة هـذه النظريـة تكمـن فـي‬ ‫ضرورتهـا مـن أجـل فهـم مـا يحـدث فـي‬ ‫مجتمعاتنـا‪ ،‬وكيـف تشـتغل‪ ،‬وهـو مـا‬ ‫يفـرض االنطلاق مـن الرغبـة اإلنسـانية‬ ‫ومـن طبيعتهـا المرضية العميقة جّداً‪ ،‬في‬ ‫الوعـي والتاريـخ‪ .‬ويعنـي هذا أن محاكاة‬ ‫الرغبـة‪ ،‬تجعلنـا نرغـب فـي مـا يرغب فيه‬ ‫الغيـر‪ ،‬نفسـه‪ ،‬وهـذا األمـر وحـده يكفـي‪-‬‬ ‫بحسـب جيـرار‪ -‬لنشـأة الصـراع والتنـازع‬ ‫والعنـف بيـن البشـر‪ .‬وعندمـا ُيصـاب‬ ‫الحـل‬ ‫المجتمـع كلّـه بهـذا المـرض‪ ،‬فـإن‬ ‫ّ‬ ‫الوحيـد‪ ،‬كمـا يشـهد التاريـخ علـى ذلـك‪،‬‬ ‫هـو البحـث عـن «كبـش فـداء» «‪Le bouc‬‬ ‫‪ ،»émissaire‬وهـو عنـوان الكتـاب الذي‬ ‫أصدره سنة ‪ ،1982‬ويعني تحميل الوزر‬ ‫لشـخص تحـّدده الجماعـة‪ ،‬حتى ولو كان‬ ‫بريئـاً‪ ،‬وهـو‪ -‬فـي الغالب‪ -‬كذلـك‪ .‬لنذكر‪،‬‬ ‫وقضيـة‬ ‫مثلا حالـة أوديـب أو لوكريـس‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫دريفوس أو غير ذلك من الحاالت العديدة‬ ‫التـي وقـف عليهـا جيـرار‪ .‬عـن طريق هذه‬ ‫التضحيـة‪ ،‬تتصالـح الجماعـة مـع نفسـها‬ ‫وتستعيد ُلحمتها‪ ،‬وتبدأ حياة جديدة‪ .‬في‬ ‫هـذا السـياق‪ ،‬بالضبـط‪ ،‬الحـظ جيـرار أن‬ ‫هنـاك فرق ًا جوهريـ ًا بين الديانات القديمة‬ ‫والتقليـد المسـيحي‪ .‬فـإذا كانـت الديانـات‬ ‫القديمـة‪ ،‬ومعهـا المجتمعـات الحديثـة‪،‬‬ ‫وتضحي‬ ‫االتهـام على كبش الفداء‪،‬‬ ‫توقـع ِّ‬ ‫ّ‬ ‫بـه‪ ،‬قصـد اسـتعادة التماسـك والوحـدة‬ ‫والتـوازن‪ ،‬فـإن المسـيحية‪ ،‬فـي نظـره‪،‬‬ ‫تعلـن عكـس ذلـك‪ ،‬بصراحـة ووضـوح‪،‬‬ ‫بـراءة الضحيـة‪ .‬فعـن طريـق التضحيـة‬ ‫تركـز العنـف كلـه فـي شـخص‬ ‫بالمسـيح ّ‬ ‫واحـد ككبـش فداء‪ ،‬من أجل فسـح المجال‬ ‫أمـام التراحـم والالعنـف‪ .‬هكـذا ُيعـّد تدبير‬ ‫العنـف من طرف البشـر‪ ،‬وطـرق احتوائه‬ ‫والحـّد مـن طاقتـه التدميريـة‪ ،‬المفهـوم‬

‫األساسي والمركزي في فكر روني جيرار‪،‬‬ ‫الذي ال يسعى إلى البحث في العلل األولى‬ ‫فكـر في كيفيـة مواجهة‬ ‫للعنـف‪ ،‬بقـدر مـا ُي ّ‬ ‫كل شـيء‪.‬‬ ‫قوتـه التـي يمكـن أن تهـدم ّ‬ ‫التعسـفي ‪،Lynchage‬‬ ‫إن اإلعـدام‬ ‫ُّ‬ ‫الـذي ُيعيـد للجماعـة تماسـكها وهدوءها‪،‬‬ ‫كل ثقافـة إنسـانية‪ .‬وفكـر‬ ‫هـو جوهـر ّ‬ ‫آليـة العنـف‬ ‫تحليـل‬ ‫فـي‬ ‫يتأصـل‬ ‫جيـرار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يؤسـس الثّقافة‪ ،‬ويرافق باسـتمرار‬ ‫الذي ِّ‬ ‫تاريـخ البشـر‪ .‬وتعنـي الثّقافـة‪ ،‬فـي هـذا‬ ‫السـياق‪ ،‬وعلـى وجـه التحديـد‪ ،‬ذلـك‬ ‫التنظيـم الرمـزي لجماعـة مـا‪ ،‬وكيـف‬ ‫وتتحول معه القيم التي تتبناها‬ ‫يتحول‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتنظـم علـى ضوئهـا عالقاتهـا‬ ‫الجماعـة‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫بالمجموعـات أو المجتمعـات األخـرى‪،‬‬ ‫وكذلـك عالقاتهـا بالطبيعـة‪ .‬والتفكير في‬ ‫الثّقافة مع جيرار‪ ،‬هو تفكير في المنافسة‬ ‫المحاكاتيـة‪ ،‬بوصفهـا بعـدًا أساسـي ًا مـن‬ ‫أبعـاد الوجـود فـي العالم‪ ،‬تلك المنافسـة‬ ‫التـي تنشـأ عـن محـاكاة الرغبـة؛ أي أن‬ ‫نرغـب فيمـا يرغـب فيـه اآلخـر‪ ،‬أن نراقـب‬ ‫حـركات هـذا اآلخـر‪ ،‬وأيـن يتجـه‪ ،‬حتـى‬ ‫نحقِّـق سـبق ًا إلـى الموضـوع الـذي يرغـب‬ ‫فيـه‪ .‬محـاكاة الرغبـة هـذه‪ ،‬هـي التـي‬ ‫تؤسـس العالقات اإلنسـانية‪ ،‬منذ نشأتها‬ ‫ِّ‬ ‫يفسـر اسـتمرار‬ ‫مـا‬ ‫هـذا‬ ‫عـل‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫اليـوم‪.‬‬ ‫إلـى‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ظـل المرحلـة التـي توصـف‬ ‫العنـف فـي ّ‬ ‫بالحداثـة ومـا بعـد الحداثـة‪ ،‬حيـث يأخـذ‬ ‫العنـف أشـكا ًال بشـعة وفظيعة جـّداً‪ .‬لذلك‬ ‫تمثّـل الحداثـة‪ ،‬فـي نظـره‪ ،‬مرادفـ ًا ألزمـة‬ ‫ثقافيـة‪ .‬يتحـّدث جيـرار فـي هذا السـياق‪،‬‬ ‫عـن «لغـز وضعية تاريخية ال سـابق لها‪،‬‬ ‫يتمثَّل في موت جميع الثقافات»‪ .‬فالرغبة‬ ‫المحاكاتية تسمح‪ ،‬ليس‪ ،‬فقط‪ ،‬بالكشف‬

‫تشكل الرغبة اإلنسانية وجينيالوجيا‬ ‫عن ّ‬ ‫األسـاطير‪ ،‬وإنمـا‪ -‬أيضـ ًا ‪-‬عـن العنـف‬ ‫ودوامة الغضب والحقد الالنهائية‪،‬‬ ‫القائم‪ّ ،‬‬ ‫وباختصـار‪ ،‬عـن بشـاعة في حجـم نهاية‬ ‫العالـم المنتظـرة‪ّ .‬إل أنـه‪ ،‬مـع ذلـك‪ ،‬لـم‬ ‫يفقـد أملـه وتفاؤله‪ ،‬حيث يقول في كتاب‬ ‫والمقـدس»‪« :‬إن إنسـانية جديـدة‬ ‫«العنـف‬ ‫َّ‬ ‫والتشـكل‪ ،‬وهـي‪ ،‬فـي‬ ‫هـي قيـد التكويـن‬ ‫ُّ‬ ‫الوقت نفسه‪ ،‬مشابهة ومباينة لتلك التي‬ ‫حلمت بها يوتوبياتنا المحتضرة»‪ .‬كما أنه‬ ‫يميل إلى إقرار البراءة المطلقة لإلنسان‪،‬‬ ‫التامة لألفراد‪ ،‬واإليمان بأن‬ ‫واالستقاللية ّ‬ ‫الشـر والعنف هي في طريقها إلى‬ ‫مسـألة ّ‬ ‫الحـل مـن خلال الحكامـة الجيـدة‪ .‬وإذا‬ ‫ّ‬ ‫لـح علـى إبـراز دور العنـف‬ ‫كان جيـرار ُي ّ‬ ‫فـي تاريـخ المجتمعـات البشـرية‪ ،‬فذلـك‬ ‫ألنـه يعـّد ذلـك شـرط ًا أساسـي ًا لتجـاوز‬ ‫والشـر وتأسـيس محاكاة‬ ‫محـاكاة العنـف‬ ‫ّ‬ ‫إيجابيـة‪ ،‬أساسـها الخيـر والتسـامح‬ ‫عـل هـذا مـا جعلـه يدخـل فـي‬ ‫المتبـادل‪ .‬وَل ّ‬ ‫حـوارات نقديـة حـادة مـع مجموعـة مـن‬ ‫المفكريـن‪ ،‬مـن أبرزهـم األنثروبولوجـي‬ ‫ّ‬ ‫كلـود ليفـي سـتراوس‪Claude Lévy ،‬‬ ‫‪ ،Strauss‬ومؤسـس التحليـل النفسـي‬ ‫سـيغموند فرويـد‪،Sigmund Freud ،‬‬ ‫األول لنظـام‬ ‫حيـث اعتـرض علـى‬ ‫تصـور ّ‬ ‫ّ‬ ‫القرابـة‪ ،‬وعلـى فكـرة الثانـي عـن عقـدة‬ ‫أوديب‪.‬‬ ‫صحيـح أن جيـرار الـذي يجمـع فـي‬ ‫تحليالتـه بيـن األدب والتحليـل النفسـي‬ ‫تحـررًا مـن التقاليـد‬ ‫والالهـوت‪ ،‬كان ُم ّ‬ ‫التخصـص‬ ‫األكاديميـة التـي يفرضهـا‬ ‫ّ‬ ‫تعرض‬ ‫الجامعي‪ ،‬وهو ما ِّ‬ ‫يفسر النقد الذي ّ‬ ‫لـه مـن طـرف األكاديمييـن الذيـن رأوا أن‬ ‫وتصوراتـه أقرب إلى‬ ‫تفسـيراته النظريـة‬ ‫ّ‬ ‫الحس المشترك منها إلى الوسط العلمي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫خاصـة أن العمـل األنثروبولوجـي يقوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فـي نظرهـم‪ ،‬علـى البحـث الميدانـي‪.‬‬ ‫عناصر بيبليوغرافية ‪:‬‬

‫‪-La violence et le sacré, Grasset, 1972.‬‬ ‫‪-Des choses cachées depuis la fondation‬‬ ‫‪du monde, Grasset, 1978.‬‬ ‫‪-Le bouc émissaire, Grasset, 1982.‬‬ ‫‪-Shakespeare, les feux de l’envie, Gras‬‬‫‪set, 1990.‬‬ ‫‪-Je vois Satan tomber comme l’éclair,‬‬ ‫‪Grasset, 1999.‬‬ ‫‪135‬‬


‫ذكرى‬

‫في الثاني عشــر من نوفمبر‪/‬تشرين الثاني الماضي حلّت الذكرى المئوية‬ ‫والنقدية‬ ‫األدبية‬ ‫لميــاد روالن بــارث «‪ »1980 - 1915‬أحد أكبر القامــات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفرنســية والعالميــة فــي القــرن العشــرين‪« ..‬الدوحة تابعــت الحدث في‬ ‫حينه»‪ ،‬وفي ما يلي عودة مفصلة نقّدم من خاللها مجموعة من المالحظات‬ ‫والنقدية علــى أن نتبع ذلــك بكرونولوجيا‬ ‫األدبيــة‬ ‫بصــدد تجربــة بارث‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومفكرًا وأســتاذًا عاش‬ ‫موجزة بأهم المحطات التي تخلّلت حياته إنســان ًا ّ‬ ‫عصره بكامل االمتالء والصميمية‪.‬‬

‫روالن بارث‬

‫من الدرجة الصفر‪ ..‬إىل لذة النص‬ ‫حسن بحراوي‬ ‫تسـتوقفنا فـي تجربـة روالن بـارث‬ ‫يتغير سوى مظهرها‬ ‫جملة من الثوابت ال ّ‬ ‫الخارجي بينما تحافظ على نسـقها العام‬ ‫وعمقها المحوري‪ ..‬وأولها ما كان قد دعا‬ ‫‪136‬‬

‫إليـه فـي وقـت مبكـر مـن مـوت للمؤلّـف‬ ‫بالنص‪ ..‬وقد قصد‬ ‫مقابل إحياء االهتمام‬ ‫ّ‬ ‫بهـذه الدعوة إلـى االنتفاض على التقاليد‬ ‫النقديـة الرائجـة في األوسـاط األكاديمية‬ ‫ّ‬ ‫مـن اتخـاذ المؤلّف المفتاح األول واألخير‬ ‫للعمل األدبي‪ ..‬وبالنسبة لبارث فالعكس‬

‫هـو الصحيـح‪ ،‬ذلـك أن العمـل هـو الـذي‬ ‫ينبغـي أن يقودنـا إلـى المؤلّـف ويضـيء‬ ‫لنـا جوانـب فكـره وسـيرته‪ ..‬على أن هذا‬ ‫الموقـف آتيـ ًا مـن بـارث ال يمثـل عقيـدة‬ ‫تتغيـر وإنهـا هـو علـى األرجـح‬ ‫ثابتـة ال ّ‬ ‫وسـيلة إلـى زعزعـة اليقينيات على نحو‬


‫متواصـل حتـى ال نسـقط فـي ميتافيزيقـا‬ ‫جديـدة ال تفيـد النظـر األدبـي في شـيء‪..‬‬ ‫هنـاك أيضـ ًا مـا نالحظـه علـى بـارث‬ ‫تعدد مفرط في االهتمامات واختالف‬ ‫من ُّ‬ ‫الفكريـة واألكاديميـة‪..‬‬ ‫فـي االنشـغاالت‬ ‫ّ‬ ‫وانعـكاس ذلـك بالتالـي علـى إنتاجاتـه‬ ‫تنوعهـا وتبايـن مجاالتهـا‪ .‬فهـو فـي‬ ‫فـي ّ‬ ‫نفـس الوقـت أسـتاذ جامعـي وناقـد أدبي‬ ‫وعالـم سـيميولوجي وفيلسـوف ومثقف‬ ‫ملتزم وهلم جرا‪ ..‬وبالفعل فروالن بارث‬ ‫كان مسـكون ًا علـى الـدوام بهاجـس عـدم‬ ‫االنحصـار فـي نطـاق محدود مـن التفكير‬ ‫والتعبيـر‪ ..‬وهـو الهاجـس الـذي كان‬ ‫يشـترك معـه فيـه مجايلـوه مثـل سـارتر‬ ‫وسـعوا باسـتمرار‬ ‫وفوكو ودولوز الذين ّ‬ ‫من دوائر انشغالهم حتى بات من الصعب‬ ‫تصنيفهم في خانة ُمحّددة دون السـقوط‬ ‫فـي التعميـم المخـل‪ ..‬وقـد كان بـارث‬ ‫واعيـ ًا بأهميـة قهـر الحـدود والحواجـز‬ ‫التخصصـات واالهتمامـات ويـرى‬ ‫بيـن‬ ‫ّ‬ ‫بأن بوسع الكاتب في النصف الثاني من‬ ‫القرن العشرين أن يكون في نفس الوقت‬ ‫ال ضد‬ ‫أسـتاذًا ومثقفـ ًا وفيلسـوف ًا ومناض ً‬ ‫التقاليـد الباليـة فـي الجامعـة والصحافـة‬ ‫واألوسـاط المثقفة‪ ..‬إلخ‪ .‬وقد زاد بارث‬ ‫علـى ذلـك بأنـه كان أيضـ ًا موسـيقي ًا‬ ‫ورسـام ًا وناقـدًا مسـرحياً‪..‬‬ ‫من األسئلة األخرى التي تصادفنا في‬ ‫أثنـاء الحديـث عـن بـارث سـؤال االلتـزام‬ ‫السياسـي‪ ..‬فهـل كان الرجـل منتميـ ًا‬ ‫إلـى تيـار أيديولوجـي معلـوم؟ أم أنـه‬ ‫كان يقتصـر علـى التعاطـف والمـؤازرة‬ ‫تشـبع بـارث فـي شـبابه‬ ‫البعيـدة‪..‬؟ لقـد ّ‬ ‫بالماركسـية ذات المنـزع التروتسـكي‬ ‫عبـر صديقـه الكاتـب اليسـاري المعروف‬ ‫موريـس نـادو‪ ..‬غيـر أنها ماركسـية ذات‬ ‫أبعـاد ثقافيـة وأدبيـة فـي المقـام األول‬ ‫أي نـوع مـن األرسـتقراطية الماركسـية‬ ‫الطليعيـة‪ ..‬النخبويـة بالضرورة‪ ..‬ومن‬ ‫َثّم البعيدة عن المجال السياسي المباشر‬ ‫ال من خالل انتمائه‬ ‫كما مارسها سارتر مث ً‬ ‫للحـزب الشـيوعي‪.‬‬ ‫أما السـؤال األساسـي لبارث فيتمركز‬ ‫حول الكتابة‪ ..‬ليس من حيث جدواها أو‬ ‫الفائـدة المتوخـاة منهـا‪ ،‬كمـا طـرح ذلـك‬ ‫سـارتر فـي كتابـه «مـا األدب»؟‪ ..‬بـل مـن‬ ‫جهة إمكانية الكتابة ذاتها‪ ..‬ذلك أنه َظّل‬ ‫األقـل منذ «درجة الصفر في‬ ‫يعتقـد‪ ،‬علـى ّ‬

‫الكتابة ‪ ،»1953‬بأن األدب قد مات وأننا‬ ‫بحاجـة إلـى مرحلـة جذرية مـن الحداد أو‬ ‫األقل من تفكيك ميكانيزماته القائمة‬ ‫على ّ‬ ‫مـن أجـل التمكن من ولوج مرحلة الكتابة‬ ‫عـل هذا التوتر بين‬ ‫بمعناهـا الخـاص‪ ..‬وَل ّ‬ ‫الحاجة إلى الكتابة وثقل االعتقاد بموت‬ ‫األدب هـو مـا يحـّدد مشـروع بـارث علـى‬ ‫كـرس‬ ‫نحـو أفضـل‪ .‬وربمـا لهـذه الغايـة ّ‬ ‫السـنتين األخيرتيـن مـن حياتـه إلعطـاء‬ ‫درس في الكوليج دو فرانس في موضوع‬ ‫«كيفية إعداد رواية»‪ ..‬حيث أمضى بارث‬ ‫األسـبوع تلـو اآلخـر فـي تقريـب الطلاب‬ ‫من خلق الوسائل غير المباشرة القادرة‬ ‫علـى إنتـاج الروايـة‪ ..‬أي وضعهـم عملي ًا‬ ‫علـى الطريـق الصحيـح الجتـراح مسـافة‬ ‫الكتابة‪.‬‬

‫كرونولوجيا‬ ‫كان بـارث قـد رأى النـور قبل مئة عام‬ ‫فـي إحـدى اإلقامـات العسـكرية بمنطقـة‬ ‫شـيربورغ مـن أب اسـمه لويـس يعمـل‬ ‫ضابطـ ًا فـي البحريـة التجاريـة سـيموت‬ ‫فـي السـنة المواليـة فـي إحـدى معـارك‬ ‫الحـرب العالميـة األولـى ببحـر الشـمال‪،‬‬ ‫ووالـدة ربـة بيـت اسـمها هنرييت سـوف‬ ‫تتولّـى تربيتـه بمسـاعدة أختهـا التـي‬ ‫سـتعلّمه العـزف علـى البيانـو‪ ..‬بانتقاله‬ ‫سـنة ‪ 1924‬إلـى اإلقامـة فـي باريـس‬ ‫سيلتحق روالن الصغير بثانوية مونتان‬ ‫ليتلقـى تعليمـه اإلعـدادي ثـم الثانـوي‪،‬‬ ‫سيشـكل مـع رفـاق دراسـته فـي‬ ‫حيـث‬ ‫ّ‬

‫قسـم الباكالوريـا «المجموعـة الجمهورية‬ ‫لمقاومـة الفاشـية»‪ ..‬وقبـل أن يبلـغ‬ ‫العشـرين مـن عمـره سـتبدأ رحلتـه مـع‬ ‫مـرض التهـاب الرئـة التعفنـي الـذي‬ ‫سـيالزمه طوال حياته‪ ..‬في سـنة ‪1935‬‬ ‫سـيلتحق بجامعـة السـوربون لدراسـة‬ ‫اآلداب الكالسـيكية القديمـة وهنـاك‬ ‫سينشـئ مـع بعـض أصدقائـه فرقـة‬ ‫السـوربون للمسـرح القديم التي سـيقوم‬ ‫معها برحلة إلى اليونان في صيف ‪1938‬‬ ‫للوقـوف علـى آثـار اإلغريق الذيـن كانوا‬ ‫يمثلـون مسـرحياتهم‪..‬‬ ‫مـع بدايـة الحـرب العالميـة الثانيـة‬ ‫سيعين روالن بارث أستاذًا للثانوي في‬ ‫ّ‬ ‫مدينة بياريتز ثم في باريس وسيواصل‬ ‫عشـقه القديـم للموسـيقى باالنتظـام‬ ‫فـي معهـد لتعلّـم الغنـاء األوبرالـي‪..‬‬ ‫وخلال سـنة ‪ 1941‬سـيدافع فـي جامعـة‬ ‫السـوربون عـن أطروحتـه لنيـل دبلـوم‬ ‫الدراسـات العليا في موضوع التراجيديا‬ ‫اليونانيـة‪ ..‬لكـن ‪ ‬فرحتـه لـن تطـول ألن‬ ‫المـرض سـيعاوده مـن جديد وسـيخضع‬ ‫لعلاج طويـل المـدى في مصحـات خارج‬ ‫باريـس‪ ،‬حيـث كان السـل ينـال فـي كل‬ ‫مرة من إحدى رئتيه الضعيفتين‪ ..‬وخالل‬ ‫ّ‬ ‫فترة النقاهة الطويلة تلك سيتفرغ بارث‬ ‫لقـراءة أعمـال المؤرخ والكاتب الفرنسـي‬ ‫جول ميشـلي مما سـيحفّزه على تسـجيل‬ ‫أطروحتـه للدكتـوراه فـي السـوربون في‬ ‫يخـص هـذا الكاتـب العملاق‪..‬‬ ‫موضـوع‬ ‫ّ‬ ‫النصف الثاني من األربعينيات سوف‬ ‫يشـهد مجموعـة مـن الوقائـع المهمـة فـي‬ ‫‪137‬‬


‫حياة بارث أهمها لقاؤه بالكاتب موريس‬ ‫نـادو‪ ،‬الـذي سـيفتح له صفحـات مجلته‬ ‫«كومبـا» ويدعـوه إلـى مواظبـة الكتابـة‬ ‫قيم ًا على مكتبة‬ ‫فيها‪ ..‬كما‬ ‫سيتم تعيينه ّ‬ ‫ّ‬ ‫المعهد الفرنسـي ببوخارسـت ثم أسـتاذًا‬ ‫فيـه‪ ..‬بعـد ذلـك سـيصير ملحقـ ًا ثقافيـ ًا‬ ‫فـي العاصمـة الرومانية‪..‬وابتـداء مـن‬ ‫سـيعين فـي منصـب معيد بجامعة‬ ‫‪1949‬‬ ‫ّ‬ ‫اإلسـكندرية‪ ،‬حيث سـيرتبط بصداقة مع‬ ‫عالـم اللغـة األشـهر ألجـرداس جوليـان‬ ‫غريمـاس‪ ،‬الـذي كان يقضـي فتـرة زمالة‬ ‫فـي مصـر‪ ..‬وهنـاك علـى ضفـاف البحـر‬ ‫األبيض المتوسـط سـيواصل العمل على‬ ‫كتابـه األول وباكـورة إنتاجـه «درجـة‬ ‫الصفـر فـي الكتابـة» الـذي سـيظهر فـي‬ ‫منشورات لوسوي سنة ‪ ..1953‬وفي هذا‬ ‫الكتـاب ينظـر بارث للأدب ككائن ُمحايد‬ ‫ُمهـّدد علـى الـدوام بعودة المعنى كشـيء‬ ‫مـرة مسـألة‬ ‫قدري‪..‬وفيـه يطـرح ألول ّ‬ ‫الكتابـة التـي سـتالزم تفكيـره مـن اآلن‬ ‫فصاعـدًا ويقـوم بتحليـل ُنظمهـا وتفكيـك‬ ‫مكو ناتها‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫بدايـة الخمسـينيات ستشـهد إلحاقـه‬ ‫بـإدارة العالقـات الثقافيـة فـي وزارة‬ ‫الشؤون الخارجية الفرنسية ويقوم بنشر‬ ‫دراسته المهمة «ميشلي‪ :‬تاريخه ومماته»‬ ‫فـي عـدد إبريل‪/‬نيسـان ‪ 1951‬مـن مجلـة‬ ‫«إسـبري»‪ ،‬كمـا سـيواصل نشـر بحوثـه‬

‫‪138‬‬

‫فـي مجلـة كومبـا‪ ..‬بعـد ذلـك سـيلتحق‬ ‫كمتـدرب فـي قسـم المعجميـات‬ ‫بالعمـل‬ ‫ّ‬ ‫بالمركـز الوطنـي للبحث العلمي بباريس‬ ‫وهـو أعلـى هيئـة أكاديميـة فـي فرنسـا‪..‬‬ ‫وتنشـر له مجلة إسـبري الفصول األولى‬ ‫مـن كتابـه «أسـطوريات» ومجلة «اآلداب‬ ‫الجديدة» دراسـاته النقدية حول المسـرح‬ ‫قبـل أن يقـوم فـي ربيـع ‪ 1953‬بإنشـاء‬ ‫مجلـة «المسـرح الشـعبي» برفقـة زميلـه‬ ‫روبير فـوزان‪..‬‬ ‫فـي سـنة ‪ 1955‬سينشـر مقالـة حـول‬ ‫روايـة «الطاعـون» أللبيـر كامـو تحـت‬ ‫عنـوان «حوليـات وباء‪ :‬روايـة للعزلة»‪،‬‬ ‫لكنهـا لـم تعجـب الروائـي فدخـل معه في‬ ‫نقـاش أدبـي طويل‪ ..‬وفي السـنة نفسـها‬

‫سيتعرف على الفيلسوف ميشيل فوكو‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫ويعيـن كباحـث ملحـق بالمركـز الوطنـي‬ ‫ّ‬ ‫للبحث العلمي في مادة السوسيولوجيا‪..‬‬ ‫ويؤسس مجلة فكرية بصحبة الفيلسوف‬ ‫إدغـار مـوران‪ ..‬سـنة ‪ 1957‬سـتظهر‬ ‫الطبعـة األولـى لكتابـه «أسـطوريات»‪،‬‬ ‫الـذي سـيضع مؤلفـه بغيـر رجعـة فـي‬ ‫مصـاف المثقفيـن االنقالبييـن الذيـن‬ ‫يكشـفون المخبـوء ويفضحـون المسـتور‬ ‫فـي الذاكـرة البشـرية الماكرة‪ ..‬‬ ‫سـنة ‪ 1960‬ستشـهد تعيينـه مديـرًا‬ ‫لألبحـاث ثـم رئيسـ ًا للدراسـات فـي‬ ‫سوسـيولوجيا العالمـات بالمدرسـة‬ ‫التطبيقيـة للدراسـات العليـا‪ ..‬وسينشـر‬ ‫فـي ‪ 1963‬عملـه المثيـر للجـدل «حـول‬ ‫راسين»‪ ‬الذي ستقوم في أعقاب صدوره‬ ‫قائمـة طائفـة الجامعييـن الكالسـيكيين‬ ‫الذيـن سـيتصّدون لنقـده‪ ،‬بـل لتجريحـه‬ ‫الـرد عليـه كتـاب لرايمـون‬ ‫ويظهر‪ ‬فـي ّ‬ ‫بيـكار ‪ ‬تحـت عنـوان «نقـد جديـد أم خـداع‬ ‫جديـد ‪ ..»1965‬وكان موضـع الخلاف‬ ‫بيـن الطرفيـن أن بـارث فـي رأيهـم قـد‬ ‫ألّـف كتابـ ًا لـه مظهـر النقـد الجامعـي مـن‬ ‫أقـل معرفـة للقـارئ حـول‬ ‫دون أن يقـّدم ّ‬ ‫تراجيديـات راسـين‪..‬‬ ‫وخلال هـذه الحقبـة سـتربطه صداقة‬ ‫مع الروائيين الفرنسيين الطليعيين كلود‬ ‫سيمون وفيليب سوليرس‪ ..‬وهذا األخير‬ ‫سـيحتضنه فـي مجلتـه ذائعـة الصيـت‬ ‫المسـماة «تيـل كيـل» ويقـوم بتكريمـه‬ ‫وإصـدار عـدد خـاص حـول تجربتـه‬ ‫االسـتثنائية‪ ..‬ثـم فـي السـنة المواليـة‬ ‫سينشـر بـارث كتابـه «مقـاالت نقديـة‬ ‫‪ »1964‬الذي سيكون بدوره عالمة فارقة‬ ‫فـي النقـد الفرنسـي خالل السـتينيات وما‬ ‫يضـم‬ ‫تالهـا‪ ..‬وبنشـره هـذا الكتـاب الـذي‬ ‫ّ‬ ‫نصوصـ ًا نشـرها بـارث فـي ِعـّدة مجالت‬ ‫سيزيد من تأليب الجامعيين ضد مشروعه‬ ‫النقديـة للعمـل األدبـي‪،‬‬ ‫لتجديـد المقاربـة‬ ‫ّ‬ ‫خاصـة عـن طريـق تمييـزه بيـن مفهومي‬ ‫وتحمسـه لبعـض‬ ‫و«الكتبـة»‬ ‫«الكتـاب»‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫تصورات األلماني بريشت حول المسرح‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫فـي سـنة ‪ 1966‬سـيصدر كتابه «النقد‬ ‫والحقيقـة» كمسـاهمة منـه فـي النقـد‬ ‫عتبر‬ ‫الجديـد‪ ..‬وهـو الكتـاب الـذي طالمـا ُا ُ‬ ‫بمثابة بيان لهذا التيار النقدي الذي تولّى‬ ‫الـرد فيـه على الهجومـات التي َظّل‬ ‫بـارث ّ‬ ‫يتعـرض لهـا منـذ صـدور كتابـه «حـول‬ ‫ّ‬


‫راسـين» سـنة ‪..1963‬وفيـه يدافـع كذلك‬ ‫عـن فكرتـه حـول األدب بوصفـه «علمـاً»‬ ‫ممـا زاد فـي ابتعـاده عـن روح الجامعـة‬ ‫التقليديـة‪.‬‬ ‫وفـي السـنة المواليـة سيسـافر بـارث‬ ‫ويتعـرف إلـى الروائييـن‬ ‫إلـى إيطاليـا‬ ‫ّ‬ ‫والسـينمائي‬ ‫ومورافيـا‬ ‫كالفينـو‬ ‫بازوليني‪ ..‬ومنها يسافر إلى اليابان في‬ ‫رحلـة تاريخيـة أولـى سـتتلوها أخريات‬ ‫سـتؤثر علـى مسـاره األدبـي وتثمر كتاب ًا‬ ‫في السيميائيات بعنوان «نظام الموضة‬ ‫‪ ..»1967‬ثـم ُينشـئ مجلـة «الكانزيـن‬ ‫المكرس أدبي ًا‬ ‫ليتيرير» إلى جانب الكاتب ّ‬ ‫وأيديولوجيـاً‪ :‬موريـس نـادو‪ ..‬غيـر أنـه‬ ‫في سـنة ‪ 1968‬سـيتابع من بعيد‪ ،‬ولكن‬ ‫بتعاطـف ملحـوظ المظاهـرات الطالبيـة‬ ‫لمـاي ‪..68‬‬ ‫سـيقضي الموسـم الدراسـي لسـنة‬ ‫‪ 1969‬أسـتاذًا زائـرًا فـي جامعـة محمـد‬ ‫الخامـس بالربـاط بالمغـرب‪ ..‬وستشـهد‬ ‫سـنة ‪ 1970‬نشـره لكتابيـن أساسـيين‬ ‫همـا «‪ »Z/S‬فـي نقـد السـرد األدبـي‬ ‫و«إمبراطوريـة العالمـات» فـي البحـث‬ ‫السـيميائي‪ ..‬وقـد ألّف هذا الكتاب األخير‬ ‫فـي أعقـاب رحلـة ثانيـة قـام بهـا لليابان‬ ‫الذي ُافتتن بحضارته واعتبره بلد الكتابة‬ ‫بامتياز وهو يتوقّف فيه بإعجاب متزايد‬ ‫أمـام فـن الهايكـو الشـعري الـذي أذهلـه‬ ‫ببسـاطته وغموضـه فـي نفـس الوقـت‪.‬‬ ‫وسـتكون سـنة ‪ 1973‬موعـد صـدور‬ ‫كتابـه االسـتثنائي «لـذة النـص»‪ ،‬حيـث‬ ‫سـيأخذ بـارث علـى عاتقـه بيـان الطاقـة‬ ‫يحـرر‬ ‫الرمزيـة الالنهائيـة للنـص وهـو ّ‬ ‫نفسـه مـن القيـود واإلكراهـات‪ ،‬وحيـث‬ ‫تصيـر قـراءة النـص عنـده بمثابة نشـاط‬ ‫لغـوي فـي المقـام األول وتكـون غايتهـا‬ ‫هي العثور على المعاني‪ ..‬كما سينخرط‬ ‫خلال هـذه الحقبـة فـي فنّـي الرسـم‬ ‫والتصوير اللذين َظّل حتى اآلن يمارسهما‬ ‫بطريقـة محتشـمة‪..‬‬ ‫كما سيقوم بزيارة استكشافية للصين‬ ‫الخارجـة لتوهـا مـن الثـورة الثقافيـة‬ ‫سـتثمر مقـا ًال مثيـرًا ستنشـره لـه جريـدة‬ ‫لوموند الفرنسية‪ ..‬وسنة ‪ 1975‬سيصدر‬ ‫كتاب «روالن بارث بقلمه» ضمن سلسلة‬ ‫«كّتـاب خالـدون» يقـّدم فيه الكاتب نفسـه‬ ‫ُ‬ ‫للقـراء عبـر اسـتعراض‬ ‫بطريقـة فريـدة ّ‬ ‫عناصـر فكـره األدبـي ومنجزاتـه النقدية‬

‫التـي تلتقـي عنـد الحلـم بعالـم معفـى من‬ ‫يـروج لها‬ ‫المعنـى وغيـاب الـدالالت التـي ّ‬ ‫المثقفـون مـع أنها فـي رأيه تتعارض مع‬ ‫الواقـع‪ ،‬بـل وتناهضه‪.‬‬ ‫وفـي بحـر سـنة ‪ 1976‬سـيقوم‬ ‫الفيلسـوف ميشـيل فوكـو باقتراحـه‬ ‫لكرسي األستاذية في الكوليج دو فرانس‬ ‫فـي مـادة «السـيميولوجيا األدبيـة» وهي‬ ‫المـادة الحداثيـة‪ ،‬بل‪ ‬االنقالبيـة التـي‬ ‫ستقتحم هذه القلعة األكاديمية الشامخة‬ ‫ضدًا على األصوات المحافظة والرجعية‬ ‫الحـل‬ ‫التـي ظلّـت تناصبـه العـداء فـي‬ ‫ّ‬ ‫سـيلقي في مسـتهل‬ ‫والترحـال‪ ..‬وهنـاك ُ‬ ‫السـنة الجامعيـة ‪ 1977‬درسـ ًا افتتاحيـ ًا‬ ‫غيـر مسـبوق تحـت عنـوان «كيـف نعيش‬

‫سـوية‪ :‬الروايـة فـي الفضـاء اليومـي»‪..‬‬ ‫كمـا ستنشـر دار لوسـوي عملـه المتحفي‬ ‫«شـذرات مـن خطـاب عاشـق» الـذي مثّـل‬ ‫ال لبارث إلى الحصول على االعتراف‬ ‫مدخ ً‬ ‫اإلعالمـي الواسـع والنجـاح األدبـي‬ ‫الساحق‪ ،‬حيث جاوزت مبيعاته في وقت‬ ‫عل السـر في‬ ‫وجيز المئة ألف نسـخة‪ ..‬وَل ّ‬ ‫ذلـك هو نوعيـة الموضوع الطريف الذي‬ ‫عالجـه وهـو مـا يشـبه المعجـم األلفبائي‬ ‫ومنغصاتـه حتـى اعتبـره البعض‬ ‫للحـب ّ‬ ‫بمثابـة مسـاهمة روائيـة منـه‪.‬‬ ‫وخلال هـذه الفتـرة سـترحل والدتـه‬ ‫عـن عالمنـا فيتأثـر لذلـك كثيـرًا ويشـرع‬ ‫في تدوين يومياته الحزينة التي ستنشر‬ ‫بعـد وفاتـه‪ ..‬وسـتكون آخـر األعمـال‬ ‫التـي سـيتولى نشـرها قيـد حياتـه كتابه‬ ‫الصغيـر‪ ،‬ولكـن المركـزي حـول فـن‬ ‫التصويـر الفوتغرافـي الـذي أطلـق عليـه‬ ‫عنوان «الغرفة المنيرة»‪ ..‬وكانت مناسبة‬ ‫تأليفه هو أنه عاد بعد وفاة والدته التي‬ ‫ارتبـط بهـا أشـّد االرتبـاط لتأمـل صـور‬ ‫ألبـوم عائلتـه فأثـار لديـه ذلـك مشـاعر‬ ‫متناقضـة حـول المـوت والحيـاة ودور‬ ‫التصوير الفوتوغرافي في تنسيب نظرتنا‬ ‫للـذات ولآلخـر‪..‬‬ ‫فـي يـوم ‪ 25‬فبراير‪/‬تشـرين الثانـي‬ ‫مقر الكوليج‬ ‫‪ 1980‬ستدهسـه عربة أمام ّ‬ ‫دو فرانـس وسـيرحل عـن عالمنـا يـوم‬ ‫‪ 26‬مـارس‪/‬آذار بعـد إقامـة قصيـرة فـي‬ ‫المستشـفى‪..‬‬ ‫‪139‬‬


‫سينما‬

‫«عىل حلة عيني»‬

‫للتحرر‬ ‫الغناء ‪ ..‬رمز ًا‬ ‫ُّ‬ ‫محمد اشويكة‬ ‫اختارت المخرجة التونسية الشابة‬ ‫ليلى بوزيد في فيلمها الروائي الطويل‬ ‫األول أسلوب ًا سينمائي ًا يستلهم الطابع‬ ‫الكالسيكي ويحاول االبتعاد عنه في‬ ‫آن واحد‪ ،‬والظاهر أن ذلك االختيار قد‬ ‫ٍ‬ ‫‪140‬‬

‫أملته ظروف االشتغال على موضوعة‬ ‫الصراع بين جيلين متباينين‪ ،‬وعقليتين‬ ‫مختلفتين‪ ،‬فالشابة «فرح» (بية مظفر)‪،‬‬ ‫الطالبة الحيوية التي اختارت الغناء ضمن‬ ‫فرقة «روك» ملتزمة‪ ،‬والدخول في عالقة‬ ‫مؤطر المجموعة‬ ‫عاطفية مفتوحة مع ّ‬

‫«برهان» (منتصر العياري) وملحنها‬ ‫يكن طريقها‬ ‫وكاتب كلمات أغانيها‪ ،‬لم ْ‬ ‫ال بالنظر إلى رفض أمها التي تعرف‬ ‫سه ً‬ ‫جيدًا مكائد النظام القديم‪ّ ،‬إل أن ذلك لم‬ ‫يؤت بأية نتيجة ملموسة؛ إذ تتحّدى الفتاة‬ ‫أمها الراغبة في أن تتابع ابنتها الوحيدة‬


‫لدراستها بكلية الطب رغم أن األب يحاول‬ ‫مسايرة رغبة البنت في تعلُّم الموسيقى‬ ‫دون إجبارها على ما ال تريد‪.‬‬ ‫تنتمي الشابة إلى الجيل الجديد من‬ ‫وظّل يترصده‬ ‫أبناء تونس الذي َخِبَر القمع َ‬ ‫إلى أن ثار على مدبريه‪ ،‬بينما تقاسي األم‬ ‫«حياة» (غالية بن علي) مرارة الخوف‬ ‫مصير معروف‬ ‫على ابنتها‪ ،‬المندفعة‪ ،‬من‬ ‫ٍ‬ ‫سولت له نفسه الوقوف في‬ ‫طال كل من َّ‬ ‫طريقه‪ .‬ستغضب الوالدة التي تحاول‬ ‫البنت إرضاءها ّإل أن محاولة األم منعها‬ ‫من المشاركة في حفل مفصلي في مسيرتها‬ ‫الفنية سيجعلها تثور ضد المؤسسة‬ ‫ّ‬ ‫ضَل ًة االلتحاق بزمالئها بالفرقة‪،‬‬ ‫األسرية ُمَف ِّ‬ ‫شكل ذلك‬ ‫خاصة أنها مطربتهم الرئيسية‪ُ .‬ي ّ‬ ‫التحدي كسرًا رمزي ًا لذلك الخوف الذي‬ ‫يبدأ بتطويق الفرد داخل األسرة التي ما‬ ‫تربي في األبناء قيم الخوف بدعوى‬ ‫تفتأ ّ‬ ‫المصلحة الشخصية والخوف من ضياع‬ ‫المستقبل‪ ،‬ولكن طيبوبة اآلباء سرعان ما‬ ‫تتحول إلى نوع من التنشئة االجتماعية‬ ‫ّ‬ ‫التي ترعى ذلك الخوف األبدي الذي سرعان‬ ‫تحرر الكائن‪ ،‬وتحفيزه على‬ ‫ما يعوق ُّ‬ ‫االرتكان إلى القناعة والكسل والتواكل‬ ‫وتشجيع الفساد‪.‬‬ ‫شكل المادة الغنائية في الفيلم‬ ‫ُت ّ‬ ‫التحكم في آلياتها لم‬ ‫عصب الدراما لكن‬ ‫ُّ‬ ‫يتم بالشكل الذي يرقى بها إلى مستوى‬ ‫الفنية الراسخة في الذهن كما‬ ‫المقطوعات ّ‬ ‫هو الحال في بعض األفالم العربية‪ ،‬ونذكر‬ ‫منها على سبيل المثال ال الحصر أغنية‬ ‫«علِّي صوتك» للفنان محمد منير ضمن فيلم‬ ‫َ‬ ‫«المصير» للمخرج الراحل يوسف شاهين‬ ‫وغيرها‪ .‬لقد كانت أغاني فيلم «على حلة‬ ‫عيني» متواضعة مقارنة مع ثيمة الفيلم‬ ‫رغم المجهود الفنّي المبذول فيها‪ ،‬وكان‬ ‫يعبر‬ ‫صوت المغنية ضعيف ًا وإن كان ّ‬ ‫عن األزمة الفظيعة التي تعيشها األغنية‬ ‫العربية اليوم‪ ،‬والتي باتت تقّدم األجساد‬ ‫عوض األصوات‪ .‬فطموح المجموعة‬ ‫يبرر‬ ‫مقبول‪ ،‬والهدف واضح‪ ،‬لكن ذلك ال ّ‬ ‫جلي ًا على مستوى طريقة‬ ‫الضعف الذي بدا ّ‬

‫إخراج تلك المقطوعات ذاتها‪ ،‬والذي نلمس‬ ‫غياب رؤية بصرية ناظمة له‪ ،‬ولتوضيح‬ ‫ذلك أكثر نحيل على فيلم «ضد الجدار»‬ ‫(‪ )Head on‬للمخرج التركي «فاتح أكين»‬ ‫ال‬ ‫الذي تنسجم فيه المادة الغنائية شك ً‬ ‫ومضمون ًا مع األحداث والوقائع الفيلمية‪.‬‬ ‫حاول الفيلم الذي حصل على مصادر‬ ‫تمويل مختلفة (شرقية عربية وغربية‬ ‫فرنكفونية) معالجة شمولية القمع في‬ ‫تونس ما قبل الثورة‪ ،‬والذي طال شتى‬ ‫مناحي الحياة بما فيها الفن ّإل أن ُعمق‬ ‫القضية يستند إلى الصراع بين األم كرمز‬ ‫أيقوني في المجتمع الشرقي‪ ،‬والبنت‬ ‫المتحررة أو الطامحة إلى تكسير هيمنتها‬ ‫ّ‬ ‫وسطوتها‪ .‬لقد صارت تلك الموضوعة‬ ‫أثيرة لدى صنّاع بعض األفالم الجديدة‪،‬‬ ‫وهي ال تخلو في عمقها من نظرة‬ ‫استشراقية؛ إذ باتت بعض المخرجات‬ ‫العربيات والشرقيات يتناولنها في اآلونة‬ ‫األخيرة بشكل متواتر‪ ،‬ونشير هنا إلى‬ ‫فيلم «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء‬ ‫المنصور‪ ،‬وفيلم ِ‬ ‫«الحصن» (‪)Mustang‬‬ ‫للمخرجة التركية «جيمز إيركيفن»‪ ،‬حيث‬ ‫تعيش المرأة المقموعة تناقض ًا بين ما‬ ‫تتلقاه في المدرسة من قيم المساواة‬ ‫تتعرض إليه‬ ‫واالختالف والتعّدد‪ ،‬وما‬ ‫ّ‬ ‫في المجتمع من ضغوطات‪ ،‬وهو األمر‬ ‫الذي يجعل الشابة «فرح» تجد في الغناء‬ ‫والموسيقى وما يرتبط بهما من ُمَت ٍع‪ ،‬نوع ًا‬ ‫من التطهير‪ ،‬وهروب ًا من كل ما تدعو إليه‬ ‫قيم اإلخضاع االجتماعية والسياسية‪.‬‬ ‫سعت المخرجة ليلى بوزيد إلى معالجة‬

‫هذه البنية المتناقضة عبر تسخير أسلوب‬ ‫سينمائي يلتزم بقواعد التأطير الكالسيكي‬ ‫الذي يجعل التقنيات السينمائية خاضعة‬ ‫للموضوع‪ ،‬ورؤية سينمائية أخرى تسعى‬ ‫للتحرر من األسلوب‪،‬‬ ‫إلى تكسير التأطير‬ ‫ّ‬ ‫وذلك بغرض المزج بين موضوعية الكاميرا‬ ‫ِها‬ ‫وبعدها الذاتي‪ ،‬بل وفسح المجال ِلَتْيهَ‬ ‫أيضاً‪ ،‬وتتجلّى تلك الرؤية أثناء بحث األم‬ ‫عن ابنتها بعد «اختفائها ‪ -‬اختطافها» في‬ ‫محطة الحافالت حين كانت ترافقها للسفر‬ ‫واالبتعاد مؤقت ًا عن األعين بعد مالحقة‬ ‫األجهزة لها‪ .‬فقد كانت الكاميرا تمسح المكان‬ ‫وكأنها عين األم الحائرة‪ ،‬وتدرع مختلف‬ ‫يتخبط‬ ‫مرافقه للداللة على الشرود الذي‬ ‫ّ‬ ‫فيه الفرد في مجتمع ما قبل ِ‬ ‫الحراك‪ ،‬والذي‬ ‫يتربص به خطر خفي يحوله إلى كائن‬ ‫أية لحظة‪ .‬إنها‬ ‫خائف يمكن أن يختفي في ّ‬ ‫تعبر عن الحالة النفسية‬ ‫كاميرا مفزوعة ّ‬ ‫لذلك اإلنسان المضطهد الذي استضمر‬ ‫الخوف وينتظر الفرصة التي سيفجر‬ ‫فيها ذلك الكبت الثقيل الذي يمأل دواخله‪.‬‬ ‫يظهر أن اختيار الممثلين في الفيلم قد‬ ‫كان منسجم ًا بالنظر إلى تفاوت المستويات‬ ‫النفسية واالجتماعية للشخصيات‪ ،‬فاألم‬ ‫منشطرة بين ضغط المجتمع‪ ،‬وكذا خوفها‬ ‫األمومي على مستقبل ابنتها؛ وبين الفراغ‬ ‫الذي تركه غياب األب المتسامح مما جعل‬ ‫مزاجها يتأرجح بين الليونة والشدة‪ ،‬الحزم‬ ‫واالستسالم‪ ،‬التقرب والمقاطعة‪ ،‬أما‬ ‫البنت فوضعيتها مختلفة ألنها تسير وفق ًا‬ ‫لما تمليه عليها قناعاتها الشبابية الحالمة‬ ‫بمعية رفاقها بغٍد أفضل‪ .‬لقد حاول «على‬ ‫ّ‬ ‫حلة عيني» أن يوظف ُجّل المفارقات التي‬ ‫وسمت المجتمع التونسي قبل الثورة‪ ،‬وِإ ْن‬ ‫كانت المقاربة السيناريستية والسينمائية‬ ‫قد ظلّت بعيدة عن جوهر األشياء واكتفت‬ ‫ص َّيَر َها الفيلم مهمة‬ ‫ببعض العوارض التي َ‬ ‫(أمكنة وأحداث) على حساب أخرى قد َظّل‬ ‫فالم َش ِ‬ ‫اهد الخاصة‬ ‫حضورها شبحياً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫باألجهزة القمعية لم ِ‬ ‫ال‬ ‫تأت بأي جديد شك ً‬ ‫ومضمون ًا بالرغم من إدانتها واستفظاعها‪.‬‬ ‫‪141‬‬


‫«فيلم كتير كبير»‬

‫مصاحلة بني «السينيفيليني»‬ ‫بريوت‪ :‬نرسين حمود‬

‫محملين بنتفة من المعلومات‪ ،‬مفادها‬ ‫ّ‬ ‫أن «فيلم كتير كبير» باكورة المخرج مير‪-‬‬ ‫جان بو شعيا (مواليد ‪ ،)1989‬كان قد‬ ‫شارك في مهرجانات سينمائية دولية‪،‬‬ ‫هي‪« :‬تورونتو» و«لندن» و«تسالونيكي»‬ ‫و«تالين بالك نايتس لألفالم» االستوني‪.‬‬ ‫دخلنا العرض الجماهيري األول له‬ ‫ببيروت‪ ،‬ممنين النفس ّ‬ ‫بأل تلحقنا في إثره‬ ‫خيبة «إضافية»‪ ،‬نظرًا إلى أن َكّم اإلنتاج‬ ‫المحلّي التجاري الذي يغزو الصاالت‪،‬‬ ‫«الفن‬ ‫أخيراً‪ ،‬يدير ظهره ألدنى مقومات‬ ‫ّ‬ ‫السابع»‪ .‬ولكنّا غادرنا «الصالة المظلمة»‬ ‫مقتنعين بأن اسم مير‪ -‬جان بو شعيا‪،‬‬ ‫يستحق الحفظ والتتبع!‬ ‫الفيلم (‪ 115‬دقيقة) من إنتاج لبناني‪-‬‬ ‫قطري مشترك‪ ،‬وكتابة بو شعيا وأالن‬ ‫سعادة‪ ،‬فيما كان شارك المخرج سيمون‬ ‫الهبر بو شعيا تحرير «السيناريو»‪،‬‬ ‫واألخير استعان بخبرات اللبناني القدير‬ ‫جورج نصر والسينمائي الفرنسي إيف‬ ‫أنجلو لتقديم عمله على هذا النحو‪.‬‬ ‫عشية خروج جاد الحداد (وسام فارس)‬ ‫من السجن‪ ،‬نتيجة جريمة قتل كان أخوه‬ ‫البكر زياد (أالن سعادة) ارتكبها‪ ،‬ورضي‬ ‫يتحمل تبعاتها ألنّها تنقضي‬ ‫األول أن‬ ‫ّ‬ ‫بسنوات خمس لقصر سنّه‪ ،‬فيما تمتد إلى‬ ‫قرر «زياد»‬ ‫سجن مؤبد في حال الثاني‪ُ ،‬ي ّ‬ ‫أن يهجر حياة الجريمة وتجارة المخدرات‪،‬‬ ‫وأن يفتتح برفقة أخويه (الثالث هو «جو»‬ ‫الذي يؤدي طارق يعقوب دوره) مطعماً‪.‬‬ ‫نية التطهر من أدران العصابات‪ ،‬لم تتفق‬ ‫‪142‬‬

‫المسمى بــ«أبو‬ ‫مع إرادة «ملك الكبتاغون»‬ ‫ّ‬ ‫علي»‪ ،‬الذي يعمل األخوة لحسابه‪ .‬إذ ُيلزم‬ ‫«زياد» بأن يقوم بعملية «أخيرة» تقضي‬ ‫بإيصال شحنة من حبوب «الكبتاغون»‬ ‫إلى الشام براً‪ ،‬مقابل مساهمة «أبو علي»‬ ‫في جزء من ثمن المطعم‪ ،‬فيقبل بكر آل‬ ‫يشتم‬ ‫الحداد تنفيذ المهمة ظاهرياً‪ ،‬ولو أنّه ّ‬ ‫رائحة تصفيته الجسدية تفوح في األجواء!‬ ‫يقطع «زياد» الحدود اللبنانية‪ -‬السورية‬ ‫ويتخلّص من مرافقيه عبر قتلهما‪ ،‬ويعود‬ ‫ال بــ«بضاعة» تساوي ماليين‬ ‫أدراجه محم ً‬ ‫الدوالرات! أمام إلحاح «جاد»‪ ،‬على الرغم‬ ‫بالتصرف‬ ‫من خروجه من السجن حديثاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في «البضاعة وقلب عيشة األخوة الثالثة‪،‬‬ ‫الذين كانوا ورثوا فرن «بيتزا» عن والدهم‪،‬‬ ‫إلى ثانية أكثر ترفاً‪ ،‬وإصرار «جو» األخ‬ ‫األوسط على إعادة خاصية «أبو علي»‬ ‫يصر «زياد»‬ ‫له خشية من انتقامه منهم‪ّ ،‬‬

‫على أن «الماليين الموعودة» من حقه‪،‬‬ ‫ويفكر بطريقة لتمريرها جوًا إلى إربيل‬ ‫ّ‬ ‫عن طريق «مطار بيروت الدولي»‪.‬‬ ‫في أثناء إيصال زياد «طلبية» بيتزا‬ ‫يمين)‪ ،‬وهو مخرج‬ ‫لمنزل شربل (فؤاد ّ‬ ‫تخل من تعنيف‬ ‫مبتدئ‪ ،‬وفي مواجهة لم ُ‬ ‫األول للثاني لفظي ًا وبدني ًا من جراء عدم‬ ‫دفع «شربل» الدين المتراكم عليه‪ ،‬والعائد‬ ‫إلى استهالك حبات «الكبتاغون»‪ ،‬يطلع‬ ‫صدفة على مشهد من وثائقي‬ ‫«زياد»‬ ‫ً‬ ‫يتحّدث فيه المخرج القدير جورج نصر‬ ‫هربت عصابة إيطالية المخدرات في‬ ‫كيف ّ‬ ‫عبوات «نيغاتيف» األفالم (البوبينات) التي‬ ‫ال تخضع لمسح آلة الكشف في المطار‪،‬‬ ‫نظرًا إلى أن أشعتها تحرق محتوى‬ ‫األفالم‪ .‬عندئذ‪« ،‬يتفتق» ذهن «زياد» عن‬ ‫إنتاج فيلم سينمائي يعهد إلى «شربل»‬ ‫إخراجه‪ ،‬في إطار تمويه مروره في مطار‬ ‫ال بــ«الكبتاغون»‪ .‬ينجم عن‬ ‫بيروت محم ً‬ ‫هذه الفكرة ابتداع المخرج «األضحوكة»‬ ‫قصة غرام تجمع بين فتاة مسيحية‬ ‫شربل ّ‬ ‫وشاب مسلم يواجهان رفض المجتمع‬ ‫المحيط وخصوص ًا أهلهما‪ ،‬بالتماهي مع‬ ‫«الكليشيهات» الواردة في األفالم اللبنانية‬ ‫التجارية‪ .‬وهنا‪ ،‬تبرز فطنة بو شعيا‬ ‫الذي ُيعّد فيلم ًا في داخل فيلم‪ ،‬ويمحو‬ ‫الفوارق بين األول «الحقيقي» والثاني‬ ‫«المبتدع» لغرض تمويه المخدرات‪ .‬ففي‬ ‫الفيلم «الحقيقي» مثالً‪ ،‬يرفض «جاد» الذي‬ ‫يضطلع بدور البطولة في الفيلم «المموه»‬ ‫لعب دور شاب مسلم حتى لو تمثيالً‪،‬‬


‫الممثل أالن سعادة‪ ،‬في لقطة من الفيلم‬

‫ألكسندرا قهوجي ووسام فارس في مشهد من الفيلم «المبتدع» لتهريب «الكبتاغون»‬

‫فيقلب المخرج «شربل» الخانع للمنتج‬ ‫أجزاء كبيرة من «السيناريو»‬ ‫«زياد»‬ ‫ً‬ ‫بناء على طلب األخير‪ ،‬ليمسي «جاد»‬ ‫على اإلثر شخصية مسيحية باالتساق‬ ‫هويته! كما يجعل المخرج من البطلة‬ ‫مع ّ‬ ‫األنثى (ألكسندرا قهوجي)‪ ،‬وهي صديقته‬ ‫مسلمة‪.‬‬ ‫الحميمة في الفيلم األول‪ ،‬شابة‬ ‫ً‬ ‫وتتوالى التداخالت لحّد صعق فريق‬ ‫عمل «الفيلم الغرامي الرديء» بدوي‬ ‫انفجار «فعلي» في مكان التصوير‪ ،‬ما‬ ‫يجعل المنتج‪/‬تاجر المخدرات ضيف ًا على‬ ‫«كالم الناس»‪ ،‬البرنامج الحواري األبرز‬ ‫ليرد على أسئلة اإلعالمي‬ ‫في لبنان‪ّ ،‬‬ ‫مارسيل غانم (ضيف الشرف في فيلم كتير‬ ‫كبير) حول الواقعة‪ ،‬فال يقنع المشاهدين‬ ‫بعد المقابلة بحقيقة ما حصل‪ ،‬في غمز‬ ‫على دور اإلعالم الجماهيري في تجهيل‬ ‫العامة! ينتهي الفيلم «األساسي» بمقابلة‬ ‫ّ‬ ‫«أبو علي» و«زياد» وجه ًا لوجه في مطار‬ ‫بيروت‪ ،‬وعودة الطرفين إلى التعاون‬ ‫ُمجّددًا في «التجارة المشبوهة»‪ ،‬كما يدخل‬

‫«زياد» نتيجة نجاح «الفيلم الغرامي» عالم‬ ‫السياسة‪ ،‬ويعلن ترشيحه انطالق ًا من‬ ‫«كالم الناس»!‬ ‫بخالف النبرة المباشرة المسيطرة‬ ‫على غالبية مشاهد «فيلم كتير كبير»‪ ،‬كان‬ ‫المخرج بو شعيا‪ ،‬الحائز على «ماستر»‬ ‫في السينما من جامعة الـ«ألبا» اللبنانية‬ ‫في سنة ‪ ،2012‬بليغاً‪ ،‬حين استعار‬ ‫في «باكورته» فرن البيتزا‪ ،‬استعارة‬ ‫مكنية للداللة على لبنان‪ .‬هو جعل من‬ ‫مكان خلط الدقيق والماء والزيت بهدف‬ ‫إعداد العجينة «اللذيذة»‪ ،‬مخب ًأ لحبات‬ ‫«الكبتاغون»‪ ،‬ومركزًا لتوزيع بعضها‬ ‫بالمفرق ضمن أكياس الملح من خالل‬ ‫خدمة «الدليفري» للبيتزا‪ ،‬وموقع تصوير‬ ‫الفيلم «المموه» لغرض تسهيل أمر تهريب‬ ‫كيلوغرامات المخدرات الوازنة من مطار‬ ‫بيروت‪ ،‬بعد أن استحال النقل البري‬ ‫نتيجة الحرب في سورية‪ ،‬ومنطلق ًا‬ ‫للهنات (الطائفية‪ ،‬واإلرهاب)‪« .‬عجن» أبي‬ ‫شعيا بعض ًا من مقومات الفساد اللبناني‪،‬‬

‫ليصنع منها فيلم ًا يصالح «السينيفيليين»‬ ‫اللبنانيين مع اإلنتاج المحلّي التجاري‪،‬‬ ‫ال «لغة الشارع» الحقيقية والمثقلة‬ ‫مستعم ً‬ ‫بالشتائم‪...‬‬ ‫لناحية «الكاستينغ»‪ ،‬فغالبية الممثلين‬ ‫يمين وماهر أبي سمرا الذي‬ ‫(باستثناء ّ‬ ‫يظهر في دور ثانوي كمساعد لملك‬ ‫الكبتاغون) هم من الوجوه الجديدة‪ ،‬مع‬ ‫التشديد على أن أداء سعادة مبهر!‬ ‫من جهة ثانية‪ ،‬كان من الواضح أن دور‬ ‫مهمش إلى َحّد‬ ‫اإلناث في الفيلم «الرئيس» ّ‬ ‫االقتصار على تفريغ شهوات الذكور‪ ،‬وأن‬ ‫«كادرات» الفيلم غائمة اللون‪ ،‬والواشية‬ ‫بمناخ غير مريح‪ ،‬توحي بالجو اللبناني‬ ‫السياسي واالجتماعي الحالي‪ ،‬وال توفّر‬ ‫التشويق و«الكوميديا» و«األكشن»‪ ،‬وذلك‬ ‫على إيقاع موسيقى ميشال ألفتريادس‬ ‫حببة‪ .‬ولم يفوت تواتر‬ ‫والم ّ‬ ‫غير التقليدية ُ‬ ‫األحداث‪ ،‬حيث الحبكة محكمة والذروة‬ ‫«صادمة» الحديث العرضي عن أزمة‬ ‫األفالم اللبنانية‪ ،‬في مشهد الحفل الذي‬ ‫ينظمه «زياد» احتفاء بخروج أخيه من‬ ‫ّ‬ ‫السجن‪ ،‬وكيف أن مواهب ِعّدة تقبع في‬ ‫الظل‪ ،‬وأن أزمة اإلنتاج تثقل كاهل هؤالء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأن أهواء الجمهور محبطة للسينمائيين‪،‬‬ ‫إذ يسأل أحد الجالسين المخرج «شربل»‪:‬‬ ‫هل من ممثل لبناني من «قماشة» سيلفستر‬ ‫ستالون؟!‬ ‫‪143‬‬


‫حتت مظلة أفالم الربيع‬ ‫محمد هاشم عبد السالم‬ ‫ثمة فكرة قديمة شائعة في مجال‬ ‫ّ‬ ‫الفن مفادها‪ ،‬أن األحداث الكبرى تصعب‬ ‫ّ‬ ‫مواكبتها فنّي ًا على نحو عميق في حينها‪،‬‬ ‫وأنه من المفترض االنتظار فترات طويلة‬ ‫تمر األحداث وتهدأ وتتضح كل‬ ‫حتى ّ‬ ‫الحقائق‪ ،‬ومن َثّم يتم التعامل معها فنّي ًا‬ ‫على نحو يمكنه رصدها من بعيد‪ ،‬بشكل‬ ‫الئق‪ ،‬يتسم بالدقة والفنّية واإلنصاف‪ .‬تلك‬ ‫الفكرة المرتبطة شرطي ًا بمرور الزمن‪ ،‬ال‬ ‫تصمد في الواقع‪ ،‬سواء بعد فترة زمنية‬ ‫قصيرة أم طويلة‪ ،‬إن لم يوجد حق ًا الفنان‬ ‫الذي يتمتع بعمق التفكير والرؤية الثقابة‬ ‫‪144‬‬

‫المتأملة‪ ،‬وقبل كل شيء‪ ،‬معرفته تحديدًا‬ ‫يود طرحه ومعالجته من زاوية بعينها‪،‬‬ ‫لما ّ‬ ‫ولحدث بعينه‪ ،‬دون أن يطمح في تناول‬ ‫بانورامي كامل وشامل ال يترك كبيرة أو‬ ‫صغيرة‪.‬‬ ‫كان من الطبيعي ومع اندالع ثورات‬ ‫ويتحمس جميع‬ ‫الربيع العربي أن ينفعل‬ ‫ّ‬ ‫المؤيدين للمشاركة فيها بأي طريقة‪،‬‬ ‫وأن يكون المبدعون هم األكثر تورط ًا في‬ ‫المشاركة‪ .‬وكان من المفترض أن يكونوا‬ ‫هم األكثر ثورية بين الجميع‪ ،‬والمقصود‬ ‫تمرد الفنان على ذاته وطريقة‬ ‫بالثورة هنا‪ُّ ،‬‬

‫تفكيره‪ ،‬وإيجاد طرق تعبير مغايرة تواكب‬ ‫سخونة األحداث وتتفاعل وتتشابك مع‬ ‫الحالة السائدة‪ ،‬وتخلق أشكا ًال تعبيرية‬ ‫جديدة‪ .‬لكن‪ ،‬الغالبية العظمى من المبدعين‬ ‫السينمائيين‪ ،‬وقعوا في فخ السرعة‬ ‫والتشوش بين فكرة وأخرى‪ ،‬وانتفاء‬ ‫التماسك البنائي أو التناغم أو الوحدة‬ ‫الموضوعية‪ ،‬إلى جانب االفتقار إلى وجود‬ ‫بؤرة أو خيط واضح تتركز حوله أحداث‬ ‫ومشاهد األفالم‪ ،‬ناهيك عن المستوى الفنّي‬ ‫الخالي من اإلبداع والتجديد واالبتكار‪،‬‬ ‫والثورية باألساس‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فقد جاءت‬


‫أغلب األعمال مواكبة لهذه األحداث المفاجئة‬ ‫وغير التقليدية‪ ،‬لكن بأساليب ومفردات‬ ‫جامدة وشديدة التقليدية‪.‬‬ ‫ولذلك وجدنا أن الغالبية العظمى‬ ‫مما ُأطلق عليه أو ُأدرج تحت مظلة أفالم‬ ‫الربيع العربي هي في النهاية ليست‬ ‫المتكررة‪،‬‬ ‫سوى مجموعة من اللقطات‬ ‫ّ‬ ‫جمعة‬ ‫بل والمستهلكة‪ ،‬وتقارير إخبارية ُم ّ‬ ‫لتشكل في‬ ‫موضوعة مع ًا جنب ًا إلى جنب ّ‬ ‫النهاية ما يطلق عليه «فيلم» أو هي في‬ ‫أحسن تقدير ال تكاد ترتقي إلى مستوى‬ ‫الريبورتاجات الصحافية التي تعّدها‬ ‫القنوان الفضائية والتليفزيونية لمواكبة‬ ‫األحداث الساخنة في العالم‪ .‬ربما‪ ،‬جزء من‬ ‫هذا مرده لعامل السرعة والرغبة الحارقة‬ ‫في المواكبة واإلنجاز‪ ،‬بصرف النظر عن‬ ‫الجودة‪ .‬وربما أيض ًا لالعتقاد الخاطئ بأن‬ ‫مجرد توافر مادة نادرة الحجم والقيمة أو‬ ‫غير مستهلكة يمكن أن يصنع منها فيلم ًا‬ ‫متميزًا بصرف النظر عن أي شيء آخر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬ربما يكون األمر نتاج‬ ‫تشبع المخرجين بما َتّم بثه على مدى‬ ‫ُّ‬ ‫شهور طويلة أثناء تلك األحداث‪ ،‬ومن‬ ‫واع أو غير‬ ‫ّم انطبعت في أذهانم بشكل ٍ‬ ‫ثَ‬ ‫واع نفس تقنيات السرد اإلخباري التقريري‬ ‫ٍ‬ ‫التي بثت بها المحطات األخبارية مادتها‪.‬‬ ‫كذلك‪ ،‬يجب أال ننسى أن الكثير من‬ ‫هذه األفالم ُأنتجت باألساس لصالح قنوات‬ ‫بعينها ترغب في بثها‪ ،‬ومعظم هذه القنوات‬ ‫يغلب عليها الطابع اإلخباري‪ ،‬ومن ثم‬ ‫علينا أن نضع في االعتبار أن المخرجين‬ ‫ربما راعوا تلك النقطة عند صناعتهم‬ ‫ألعمالهم‪ .‬وأخيراً‪ ،‬وليس آخراً‪ِ ،‬قلّة الخبرة‬ ‫للتطور‬ ‫التي جعلت الجميع يعتقد أنه نظرًا‬ ‫ّ‬ ‫التكنولوجي الرهيب في اآلونة األخيرة‪،‬‬ ‫فإن اإلمساك ولو بكاميرا تليفون محمول‬ ‫بسيط تسمح لصاحبها‪ ،‬بعد أو بدون القليل‬ ‫من المونتاج أو التعليقات أو الموسيقى‬ ‫هنا وهناك‪ ،‬أن يمنح نفسه لقب مخرج‬ ‫وينعت ما صنعه بـ «الفيلم»‪ .‬قد ُيعزى األمر‬ ‫لكل هذه األسباب وربما أخرى غيرها‪،‬‬ ‫لكن المحصلة النهائية‪ ،‬تفيدنا بأن الغالبية‬ ‫العظمى من األفالم التسجيلية أو الروائية‬ ‫تشترك في نفس العيب القاتل‪.‬‬ ‫هذا العيب ُيعيدنا لما ذكرناه بأعلى‪،‬‬ ‫حيث غياب الرؤية والتخطيط والتركيز‬

‫والسرعة‪ ،‬وقبل كل شيء ُمساءلة المخرج‬ ‫لنفسه‪ ،‬قبل اإلقدام على خطوة اإلمساك‬ ‫عما‬ ‫بالكاميرا والشروع في التصوير‪ّ ،‬‬ ‫يريد صناعته بالضبط وما الذي يرغب في‬ ‫إيصاله أو قوله‪ .‬وهذا ما ال نراه‪ ،‬على‬ ‫سبيل المثال‪ ،‬في فيلم «ماء الفضة» للمخرج‬ ‫المتميز أسامة محمد‪ ،‬حيث جودة‬ ‫السوري‬ ‫ّ‬ ‫البناء وصالبته‪ ،‬ووجود الرؤية والهدف‬ ‫المسبق وراء صناعته للفيلم‪ ،‬وطموحه في‬ ‫ُ‬ ‫الخروج من وراء كل تلك الصور المفزعة‬ ‫برؤية شاعرية نجح بالفعل في تقديمها‪،‬‬ ‫ناهيك عن معرفته التامة بما يرغب في‬ ‫قوله وإيصاله‪ ،‬وكيفية القيام بهذا على‬ ‫والتميز والتكثيف‪.‬‬ ‫نحو فنّي شديد الجودة‬ ‫ّ‬ ‫ومن األفالم الروائية الحديثة التي‬ ‫تناولت ثورات الربيع العربي‪ ،‬يأتي‬ ‫الفيلم الروائي التونسي «على حلة عيني»‬ ‫(‪.)2015‬‬ ‫وبرغم فرادة تجربة ليلى بو زيد‬ ‫األولى واختيارها القالب الغنائي‪ّ ،‬إل أن‬ ‫الفيلم يعاني من مشاكل عديدة‪ ،‬ربما هي‬

‫مشاكل التجربة األولى‪ ،‬سواء على مستوى‬ ‫السيناريو أم حبكة الفيلم وكذلك رسم‬ ‫الشخصيات‪ ،‬األمر الذي أدى لهبوط اإليقاع‬ ‫والدراما في فترات كثيرة بالفيلم‪ ،‬وكما‬ ‫توجد كذلك عيوب واضحة في المونتاج‪،‬‬ ‫إضافة لإلكثار من األغنيات وطولها‪ ،‬ومثل‬ ‫هذه العيوب ال يشفع لها أن الفيلم‪ ،‬في‬ ‫النهاية‪ ،‬يتناول أحد أسباب اندالع الثورة‪.‬‬ ‫ومن أهم وأحدث األفالم التسجيلية عن‬ ‫الثورة المصرية‪ ،‬الفيلم األميركي «عواصف‬ ‫الربيع» للمخرجة جيني ريتيكير‪ .‬وهو آخر‬ ‫أفالمها التسجيلية‪ ،‬التي يتمحور معظمها‬ ‫بشكل أساسي حول المرأة ومعاناتها‪.‬‬ ‫يتالفى الفيلم معظم ما عاناته أفالم‬ ‫الربيع العربي‪ ،‬إذ يتسم بالعمق والحيادية‬ ‫والتركيز في طرح قضية اضطهاد المرأة‬ ‫عامة‪ ،‬وذلك منذ اندالع‬ ‫المصرية بصفة ّ‬ ‫الثورة وسخونة األحداث وتفجرها عام‬ ‫‪ ،2011‬وحتى الشهور القليلة المنصرمة‬ ‫مع مطلع هذا العام‪ .‬إن بناء فيلم «عواصف‬ ‫الربيع» ُيعّد من أهم نقاط قوته‪ ،‬حيث‬ ‫اتساق الشكل مع المضمون‪ ،‬والخط‬ ‫الرئيسي مع الخطوط الثانوية‪ ،‬وكلها‬ ‫بالنهاية تخدم الفكرة الرئيسية وتعمل‬ ‫على إيصالها على نحو شديد القوة‪.‬‬ ‫يتركز خيط الفيلم الرئيسي حول قصة‬ ‫ّ‬ ‫الشابة هند نافع التي تسافر من قريتها‬ ‫لإلسهام في إسقاط نظام مبارك‪ ،‬فيتم‬ ‫القبض عليها وضربها وتعذيبها على يد‬ ‫األمن‪ ،‬ثم معاقبتها وحبسها الحق ًا على يد‬ ‫أسرتها‪ ،‬التي تتركها في النهاية للعيش‬ ‫بالقاهرة والدفاع عن قضيتها وحقها‬ ‫الطبيعي في إبداء رأيها‪ .‬أما الخيوط‬ ‫الفرعية فتتناول على نحو مكثف ظواهر‬ ‫عامة‬ ‫قهر وتعذيب وحرمان المرأة بصفة ّ‬ ‫التحرش بها‬ ‫في المجتمع المصري وحتى‬ ‫ُّ‬ ‫في مختلف المجاالت‪ ،‬وذلك على امتداد‬ ‫الفترة منذ بداية الحلم في يناير عام ‪2011‬‬ ‫وحتى انهياره التام في مطلع عام ‪.2015‬‬ ‫وبالرغم من استضافة المخرجة لمجموعة‬ ‫من الناشطات والمساهمات في الثورة‬ ‫المصرية لإلدالء بآرائهن والتعليق على‬ ‫األحداث‪ّ ،‬إل أنها لم تحْد عن الخط الرئيسي‬ ‫وعن الرسالة التي أرادت توصيلها عبر‬ ‫فيلمها‪.‬‬ ‫‪145‬‬


‫مشهد من فيلم «فرش وغطا»‬

‫أفالم الربيع العربي‪..‬‬

‫الصورة حتمي الذا كرة من النسيان‬ ‫نـاهـد صـالح‬ ‫عل عام ‪ 2015‬هو عام الحسم في‬ ‫َل ّ‬ ‫السينما لما ُاصطلح عليه في السنوات‬ ‫األخيرة بـ«أفالم الربيع العربي» كأيقونة‬ ‫ُأعدت بسرعة أو ببطء لتؤثّث لصور ال‬ ‫تخص سواها وتكون صرخة البشر في‬ ‫ّ‬ ‫براري السينما‪ ،‬حيث انسلت الصور من‬ ‫الواقع إلى الشاشات تنقل أثر الثوار‬ ‫والعابرين على جسور الجمر والنار‪ ،‬لكن‬ ‫هل َح ّث الزمان خطاهم‪ ،‬أم انكسر األمس‬ ‫فوق «بالط» الحاضر وتشظت الصور؛‬ ‫يطوق‬ ‫وأصبح من ُيعيد تركيبها كمن ّ‬ ‫نفسه بسياج الشوك؟ اإلجابة ربما تحملها‬ ‫أفالم ظهرت في هذا العام الفاصل لتعلن‬ ‫موقفها من الربيع العربي بأشكال متباينة‬ ‫‪146‬‬

‫تحسم جدوى الثورات وما تبقّى منها‪،‬‬ ‫فقد عشنا منذ العام ‪2011‬؛ عام البداية‬ ‫مع أفالم انحسرت عن زمان مختلف في‬ ‫فضاء راح يؤكد لنا أن كل شيء يبدأ من‬ ‫جديد‪ ،‬ما أطلق عليه بعض السينمائيين‬ ‫تطور‬ ‫«أفالم اللحظات القصوى» تعبيرًا عن ّ‬ ‫الصورة والشغف بها لدرجة استخدام كل‬ ‫أدوات التكنولوجيا لنقلها‪ ،‬بما فيها أجهزة‬ ‫التليفون المحمولة التي استخدمها دون حذر‬ ‫ال يالئم فعل الثورة ذاته وإنما لكي تنقل‬ ‫أحاسيس اللحظة الحادة‪ ،‬حسب تعبير‬ ‫علماء االجتماع‪ ،‬وتؤكد أن السينما شأنها‬ ‫تيار متدفق‪ ،‬متصل الظواهر‪ ،‬ال يمكن فصل‬ ‫لحظته الراهنة عن ماضيه أو مستقبله‪،‬‬

‫ولذلك فإن أي ظاهرة جديدة تتفاعل‬ ‫مع مجمل العوامل االجتماعية والثقافية‬ ‫واالقتصادية والسياسية المحيطة‪ ،‬لتصوغ‬ ‫نفسها ببطء يصعب االنتباه إليه أو إدراكه‬ ‫والتغير‪ ،‬وعلى هذه‬ ‫التشكل‬ ‫في لحظة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخلفية فإن أفالم اللحظات القصوى هذه‪،‬‬ ‫هي عادة أفالم ُتصنع تحت ضغط الثورات‬ ‫والمراحل االنتقالية واللحظة الفارقة في‬ ‫شكلت إطارًا واضح ًا‬ ‫التاريخ‪ ،‬وهي عوامل ّ‬ ‫لسينما خرجت من عباءة الثورات العربية‬ ‫وربيعها‪.‬‬ ‫ال للتاريخ‪،‬‬ ‫ولما تصبح الجغرافيا مدخ ً‬ ‫ّ‬ ‫وهو ما علّموه لنا على مدار عمرنا في‬ ‫المدارس وفي بقع الدماء على الخرائط‪،‬‬


‫نبدأ بالسينما التونسية‪ ،‬فاإلجابة‪« :‬تونس»‬ ‫كما عرفنا‪ ،‬وتونس كانت أم ثورات الربيع‬ ‫العربية وبداية الخيط الذي تعلّق بين‬ ‫صخرتين‪ ،‬ليأتي فيلم جديد يحاول أن‬ ‫ُيعيد تكوين المسافات‪ ،‬وهو فيلم «على‬ ‫حلة عيني» (تعبير تونسي يعني أول ما‬ ‫استيقظت من النوم‪ ،‬أو بالدارجة المصرية‬ ‫أول ما فتحت عيني)‪ ،‬الفيلم الحائز على‬ ‫جوائز ِعّدة أحدثها الجوائز األربع في‬ ‫الدورات الفائتة لمهرجان أيام قرطاج‬ ‫السينمائية‪ ،‬والذي تدور أحداثه خالل أشهر‬ ‫قليلة تسبق الثورة التونسية‪ ،‬وهو أيض ًا‬ ‫الفيلم الروائي األول لمخرجته ليلى بوزيد‪،‬‬ ‫فيلم يقّدم على طريقته شهادته عن الثورة‬ ‫وشخوصها وأحوال البالد التي فاضت عن‬ ‫المعنى حتى سارت في معراج الثورة‪،‬‬ ‫(انظر تفاصيل عن الفيلم هي‪:)....‬‬ ‫وهو الَنَفس ذاته‪ ،‬الَنَفس الثوري‪،‬‬ ‫الذي اتخذه والدها المخرج الكبير نوري‬ ‫بوزيد في فيلمه «ما نموتش» أو «ميلفاي»‪،‬‬ ‫العنوان الفرنسي الذي يعني نوع ًا من‬ ‫ويعّد أول فيلم روائي‬ ‫المخبوزات الشهيرة‪ُ ،‬‬ ‫طويل ينجز بعد الثورة التونسية‪ ،‬صحيح‬ ‫أن الثورة كموضوع مباشر وحدثي ليست‬ ‫هي محور أحداثه‪ ،‬لكنه وضع نقاط ًا على‬ ‫حروف مجتمع يعيش على تناقضاته في‬ ‫صراعات أخلّت بتوازنه وثقلت على أفراد‬ ‫َتّم قهرهم في سجون نظام «بن علي»‪ ،‬وبعد‬ ‫سجان‬ ‫ثورة ‪ 14‬يناير ّ‬ ‫تحول السجين إلى ّ‬ ‫والتطرف‪،‬‬ ‫اإلقصاء‬ ‫حمى‬ ‫مصاب برعشة‬ ‫ّ‬ ‫ليدجنها في حظيرة‬ ‫بوحشية‬ ‫يطارد المرأة‬ ‫ّ‬ ‫أفكاره‪ ،‬جعل بوزيد المرأة محور فيلمه‬ ‫واستخدم كاميرته لترصد خيبات مجتمعه‬ ‫ومنعطفاته‪ ،‬وهو ما برع فيه خالل مشواره‬ ‫السينمائي الموشوم بأفالم «ريح السد»‪،‬‬ ‫«صفائح من ذهب»‪« ،‬بزناس»‪« ،‬بنت‬

‫فاميليا» وغيرها‪.‬‬ ‫ربما تكون مساحة الجرأة في‬ ‫«ما نموتش» أوسع ما تجعله فيلم ًا‬ ‫استفزازي ًا ومثيرًا للجدل‪ ،‬خصوص ًا حين‬ ‫يطرح قضية الحجاب وازدواجية الوجه‬ ‫المجتمعي والتالعب بالنصوص الدينية‬ ‫بين اإلسالميين المتعصبين المستندين إلى‬ ‫العنف والبلطجة‪ ،‬ما يقّدم لنا إجابة عن‬ ‫السؤال الملح عن تزايد الشباب التونسي‬ ‫في انضمامهم إلى «داعش»‪ ،‬والليبراليين‬ ‫أو الذين يدعون انفتاحهم على الحياة‬ ‫وانشغالهم بتناول الخمور أكثر من االهتمام‬ ‫يتفكك أمامهم‪ ،‬والمرأة‬ ‫بخراب مجتمع ّ‬ ‫التونسية بينهما تعاني من النظرة الذكورية‬ ‫التي تستخدم الدين حجة لتمرير رغبات‬ ‫التطرف‪ .‬فتاة تقف‬ ‫ّ‬ ‫حسية تنمو في أحضان ّ‬ ‫في المسافة الوسط بين شقيقها السلفي‬ ‫العاطل عن العمل بعد خروجه من السجن‬ ‫رافض ًا عدم حجابها وعملها كـ«جارسون»‬ ‫في أحد المقاهي وهي التي تعول أسرتها‬ ‫بعد تقاعد األب المتعاطف مع ابنته لكن‬ ‫ال حول له وال قوة‪ ،‬وبين خطيبها الخادع‬ ‫بوجهه المتفتح فيما يلح على خطيبتها‬ ‫ويمارس معها كافة الضغوط والحيل كي‬ ‫تتحجب‪ ،‬وفتاة أخرى هي خطيبة الشقيق‬ ‫ّ‬ ‫الذي يطاردها بهواجسه بالرغم من أنها‬ ‫محجبة في بالد الحقها العنف والقتل‬ ‫الذي طال عازف أوكورديون أعمى يعزف‬ ‫على الطرقات (لعب دوره نوري بوزيد)‪،‬‬ ‫ليتوالى المشهد البصري انعكاس ًا للفترة‬ ‫مرت بها تونس عقب ثورتها‬ ‫الحرجة التي ّ‬ ‫وتأكيدًا على أنه مهما حدث من محاوالت‬ ‫الحرّيات فإنها تستعصى على ذلك‬ ‫لمحو ّ‬ ‫كما يستعصى أن تموت البالد‪.‬‬ ‫بلدان متجاوران‪ ،‬تونس والجزائر؛‬ ‫األولى هي أم ثورات الربيع العربي وأخذت‬

‫حصتها السينمائية المعقولة‪ ،‬والجزائر لم‬ ‫تمر بها ريح الثورات وال ربيعها‪ ،‬تونس‬ ‫ّ‬ ‫روائي ًا ووثائقي ًا روت أفالمها عن الثورة‪،‬‬ ‫وهناك فيلم وثائقي مهم هذا العام قّدمه‬ ‫المخرج التونسي الشاب أمين بوخريص‬ ‫في فيلمه الوثائقي القصير واألول «الحي‬ ‫يروح»‪ ،‬عبارة شعبية ُتقال عادة لتهنئة‬ ‫ّ‬ ‫الخارجين من السجن أو «مراسل حرب»‬ ‫حسب ترجمته الحرفية عن الفرنسية‪،‬‬ ‫ُيقّدم ستة من مراسلي النزاعات والحروب‬ ‫يتعرضون بها‬ ‫يحكون عن المخاطر التي ّ‬ ‫منذ بداية الربيع العربي وحتى العام ‪2013‬‬ ‫في تونس ومصر وليبيا وسورية‪ ،‬ومن‬ ‫سورية أيض ًا قّدم أسامة محمد قّدم فيلمه‬ ‫الوثائقي «ماء الفضة»‪ ،‬وألنه يعيش في‬ ‫منفاه اإلجباري بباريس اندالع الثورة في‬ ‫سورية‪ ،‬فقد تعاون مع المخرجة سيماف‬ ‫صورت نسبة كبيرة‬ ‫وئام بدرخان التي ّ‬ ‫من مشاهد الفيلم داخل مدينة حمص الذي‬ ‫يستعرض الفيلم حصارها‪ ،‬أما الجزائر‬ ‫فما زالت أفالمها تستدعي قضايا مثل الفقر‬ ‫والفساد وغياب العدالة االجتماعية‪ ،‬وهي‬ ‫تصوبها السينما‬ ‫العناوين التي كانت‬ ‫ّ‬ ‫ال نحو الثورة قبل اندالعها‪،‬‬ ‫المصرية مث ً‬ ‫ففي فيلمها األول «سينما شكوبي» تجرنا‬ ‫المخرجة بهية علواش‪ ،‬ابنة المخرج‬ ‫المعروف مرزاق علواش‪ ،‬نحو عالم‬ ‫يزخر باالستعارات والمجازات تتقاطع فيه‬ ‫اإلشارات السياسية الواضحة والمباشرة‬ ‫إلى أوضاع البالد السياسية‪ ،‬مقتطعات‬ ‫من نشرات األخبار حول الحالة الصحية‬ ‫للرئيس على خلفية من العالقة بين جمال‬ ‫السينمائي الشاب المستقل الذي يطلب من‬ ‫تخيل سيناريو‬ ‫ياسمين‪ ،‬زوجته السابقة‪ّ ،‬‬ ‫على خلفية األحداث السياسية بالجزائر‪،‬‬ ‫وبد ًال من ذلك تكتب ياسمين قصة غريبة‬ ‫‪147‬‬


‫تصفي‪ ،‬بلؤم‪ ،‬حساباتها مع زوجها‬ ‫لكي‬ ‫ّ‬ ‫في إيقاع بطيء يجلب الملل كأنه إشارة‬ ‫أخرى على سوء األحوال عموماً‪ ،‬وهي‬ ‫ربما طريقة تدربت عليها المخرجة من‬ ‫والدها المخرج المعروف مرزاق علواش‬ ‫الذي تصادف أيض ًا أن قّدم في هذا العام‬ ‫فيلمه المثير للجدل «مدام كوراج»‪ ،‬الذي‬ ‫استعرض فيه قاع المجتمع الجزائري‬ ‫من خالل «عمر» المراهق المنطوي على‬ ‫نفسه‪ ،‬والذي يعاني من عدم االستقرار‬ ‫النفسي ويتناول حبوب الهلوسة المسماة‬ ‫«مدام كوراج» ويعيش في بيت من الصفيح‬ ‫في أحد األحياء القصديرية بضواحي‬ ‫مستغانم مع شقيقته التي تعمل بائعة‬ ‫للهوى ووالدته المنسحقة بالخطاب الديني‬ ‫لمشايخ السلفيين المصريين الذين يظهرون‬ ‫ويتوغل‬ ‫تكرارًا على شاشات التليفزيون‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫علواش في عالم المهمشين وأوجاعه‬ ‫ال ومضمون ًا تبدو‬ ‫ويرسم صورة شك ً‬ ‫سوداوية‪ ،‬لكنها كاشفة لوحشية واقع‬ ‫من الصعب النجاة من فخاخه وهو ما‬ ‫عبرت عنه نهاية الفيلم المفتوحة على‬ ‫ّ‬ ‫الكل العناوين القديمة‪ :‬الموت‪ ،‬والعنف‬ ‫والفساد‪.‬‬ ‫فيما انقلب حال السينما المصرية التي‬ ‫استشرفت الثورة قبل حدوثها وتزامنت‬ ‫ليمر العام ‪ 2015‬دون‬ ‫معها رواية وتوثيقاً‪ّ ،‬‬ ‫اقتراب من الثورة كأنها جرح وليعود الحال‬ ‫كما هو عليه قبل الثورة وينشغل الجميع‬ ‫بمناقشة موضوعات من نوعية‪ :‬ندرة‬ ‫اإلنتاج السينمائي‪ ،‬ضيق الخناق على‬

‫السينما المستقلة‪ ،‬السبكي من المنافسة‬ ‫في ِظّل نظام سينمائي احتكاري تديره‬ ‫وتحوله إلى‬ ‫تكتالت رأسمالية ضخمة‬ ‫ّ‬ ‫قوى احتكارية في َحّد ذاتها‪ ،‬تسيد تيار‬ ‫المطول‬ ‫أفالم الكوميديا والعنف والتنظير‬ ‫ّ‬ ‫حول األسباب والدوافع‪ ،‬مع ظهور بعض‬ ‫التجارب الشاردة عن السرب مثل عودة‬ ‫المخرج هاني خليفة صاحب «سهر الليالي»‬ ‫بفيلمه الجديد «سكر مر»‪ ،‬أو استئناف‬ ‫المخرجة كاملة أبو ذكري لتصوير فيلمها‬ ‫«يوم الستات»‪ ،‬أو انتهاء المخرجة هالة‬ ‫خليل من فيلمها «نوارة»‪ ،‬وظهور فيلم جديد‬ ‫للمخرج محمد خان «قبل زحمة الصيف»‪،‬‬ ‫وعودة المخرج داود عبدالسيد بفيلم‬ ‫«قدرات غير عادية»‪ ،‬وهذا يبدو مناقض ًا‬ ‫والتغيرات‬ ‫لفترة من قبل‪/‬عقب الثورة‬ ‫ّ‬ ‫السياسية التي الحقتها وأفالم تزامنت‬ ‫وواكبت وتوالت بعدها‪ ،‬حيث وجدت‬ ‫ال للتواجد‪ ،‬فكانت‬ ‫السينما المستقلة سبي ً‬ ‫األكثر تناو ًال للثورة المصرية وتعرض ًا‬ ‫لها كموضوع حاسم سواء على مستوى‬ ‫الواقع أم السينما‪ ،‬وعلى هذا األساس‬ ‫ظهرت أفالم ِعّدة سواء كانت وثائقية‬ ‫أم روائية تنقل أو تحكي ما كان يحدث‬ ‫في الميدان‪ ،‬وكاميرات الديجيتال سهلت‬ ‫المهمة ورصدت يوميات الثورة في أفالم‬ ‫صنعت حالة استثنائية تشبه اللحظة‬ ‫يمر بها الوطن‪ ،‬جميلة‬ ‫الخاصة التي ّ‬ ‫ومربكة وحماسية وعاطفية وعاقلة‪ ،‬كما‬ ‫في األفالم الوثائقية مثل «الطيب والشرس‬ ‫والسياسي»‪ ،‬الذي تضمن ثالث قصص‬

‫مشهد من فيلم «الخروج للنهار»‬

‫‪148‬‬

‫من إخراج تامر عزت‪ ،‬أيتن أمين وعمرو‬ ‫سالمة‪ ،‬و«مولود في‪ 25‬يناير» إخراج‬ ‫أحمد رشوان‪ ،‬و«نصف ثورة» إخراج‬ ‫عمر الشرقاوي وكريم الحكيم اللذان قّدما‬ ‫يوميات عن الثورة‪.‬‬ ‫تباينت األفالم الروائية لسينمائيين‬ ‫مستقلين في تناولها للثورة كحدث ثم‬ ‫كضرورة‪ ،‬ففيلم مثل «الشتا اللي فات»‬ ‫للمخرج إبراهيم البطوط الذي يحكي ثالث‬ ‫قصص إنسانية وعالقتها بالثورة‪ ،‬حيث‬ ‫يختار لحظات من تفاصيل الحياة اليومية‬ ‫لثالث شخصيات (شاب له نشاط سياسي‪-‬‬ ‫إعالمية‪ -‬ضابط بمباحث أمن الدولة)‪ ،‬يبرز‬ ‫القهر الذي كانت تمارسه السلطة من أجل‬ ‫لمح إلى‬ ‫وي ِّ‬ ‫قمع الناشطين السياسيين‪ُ ،‬‬ ‫زيادة الوعي لدى المواطن المصري عقب‬ ‫الثورة‪ ،‬في فيلمها (الخروج للنهار) صاغت‬ ‫المخرجة هالة لطفي حكايتها اإلنسانية‬ ‫بما تحمله من قلق وبؤس يعيشه البشر‬ ‫في مجتمع ال ُيعيرهم اهتمام فيصابون‬ ‫بالخيبة‪ ،‬والتي تسحقهم وتحاصرهم‬ ‫وتصنع األسئلة المعلّقة والخراب الكبير‪،‬‬ ‫ال في الخروج‬ ‫يبق سوى الثورة أم ً‬ ‫فلم َ‬ ‫للنهار‪ .‬وفي فيلم «فرش وغطا» للمخرج‬ ‫أحمد عبداهلل تطالعنا المساحة األكبر للجرح‬ ‫العميق في النفس والروح والجسد‪ ،‬في‬ ‫واقع صادم‪ ،‬هذا غير أفالم حاولت استثمار‬ ‫الثورة وألحقت بها بعض المشاهد المقتحمة‬ ‫للثورة كما حدث على سبيل المثال في‬ ‫فيلمي «الفاجومي» و«صرخة نملة»‪،‬‬ ‫وأفالم أخرى كثيرة بدءًا من «‪ 18‬يوم»‬ ‫الذي شارك فيه سينمائيون ينتمون إلى‬ ‫الثورة‪ ،‬وحتى األفالم التجارية «تك تك‬ ‫بوم» لمحمد سعد وإخراج أشرف فائق‪،‬‬ ‫و«حظ سعيد» ألحمد عيد من إخراج طارق‬ ‫عبد المعطي‪،‬إلى فيلم «بعد الموقعة»‬ ‫للمخرج يسري نصر اهلل و«قبل الربيع»‬ ‫يتطرق إلى أحداث ثالثة‬ ‫ألحمد عاطف الذي ّ‬ ‫شهور قبل اندالع الثورة‪ ،‬وكان عاطف قّدم‬ ‫قبله فيلم «باب شرقي» وقّدم فيه الالجئين‬ ‫السوريين الذين لجأوا إلى القاهرة‪ ،‬وكذلك‬ ‫فيلم «الجزيرة ‪ »2‬إخراج شريف عرفة‪،‬‬ ‫الذي هو محاكاة لمجتمع ما بعد الثورة‪،‬‬ ‫وأفالم أخرى تباينت في تناولها للثورة‬ ‫ال وموضوعاً؛ وبالرغم من االنعطافات‬ ‫شك ً‬ ‫المتموجة والصريحة لم تكتب السينما حتى‬ ‫ّ‬ ‫اآلن كلمة النهاية‪.‬‬


‫مشهد من الفيلم‬

‫جيمس بوند‬ ‫الشر من جديد‬ ‫أسطورة ّ‬ ‫د‪ .‬رياض عصمت‬ ‫َم ْن منّا ال يذكر الموسيقى الشهيرة‬ ‫المرافقة لمغامرات بطل الجاسوسية‬ ‫البريطاني العميل ‪ 007‬جيمس بوند منذ‬ ‫فيلمه األول «الدكتور نو» (‪ )1962‬وحتـى‬ ‫فيلمـــــه «‪ Spectre‬سبكتر» (‪)2015‬؟ لم‬ ‫يتردد المخرج سام منديس من استخدام‬ ‫ّ‬ ‫ذلك اللحن بسخاء في فيلم جيمس بوند‬ ‫ذي الرقم ‪ ،24‬على النقيض من أول‬ ‫أفالم النجم دانيال كريغ في دور بوند‪،‬‬ ‫مرة‬ ‫«كازينو رويال»‪ ،‬حيث استخدم اللحن ّ‬ ‫واحدة في آخر الفيلم فقط‪« .‬سبكتر» اسم‬ ‫يتردد في أكثر من فيلم لجيمس بوند‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫السرية الرهيبة التي تسعى‬ ‫المنظمة‬ ‫إنها‬ ‫ّ‬ ‫للهيمنة على العالم‪ ،‬وتختزل كل الشرور‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬يمكننا قياس نجاح أفالم‬ ‫جيمس بوند بنجاح مؤدي دور الشرير‬ ‫فيها‪ ،‬وهو معيار خفي غاب عن أذهان‬ ‫كثيرين ممن شغفوًا بفتيات بوند أكثر من‬

‫تميز فيلم «سكاي فول» (‪)2012‬‬ ‫أشراره‪ّ .‬‬ ‫لمخرج «سبكتر» نفسه سام منديس‬ ‫بسبب أداء اإلسباني خافيير باردوم دور‬ ‫شرير غريب األطوار‪ .‬هنا‪ ،‬تصّدى الممثل‬ ‫النمساوي القدير كريستوف وولتز لدور‬ ‫رئيس منظمة سبكتر‪ ،‬وأضفى حضوره‬ ‫رهبة وإثارة مشابهين‪.‬‬ ‫ال شك في أن جيمس بوند أضحى في‬ ‫أذهان كثيرين شخصية حقيقية عاشت‬ ‫في الواقع فعالً‪ ،‬مثله في ذلك مثل‬ ‫والفن‬ ‫أساطير عديدة في تاريخ األدب‬ ‫ّ‬ ‫السينمائي‪ ،‬مثل‪ :‬دون كيشوت‪ ،‬شرلوك‬ ‫هولمز‪ ،‬طرزان‪ ،‬زورو‪ ،‬رامبو‪ ،‬هركول‬ ‫بوارو‪ ،‬إنديانا جونز‪ ،‬ومؤخرًا روبرت‬ ‫النغدون بطل «شيفرة دافنشي»‪ .‬أول من‬ ‫جسد شخصية بوند على الشاشة الفضية‬ ‫ّ‬ ‫وأفضلهم في نظر كثيرين هو النجم‬ ‫جسد بوند‬ ‫االسكتلندي شون كونري‪ ،‬الذي ّ‬

‫في ‪ 1 + 6‬من األفالم‪( ،‬إذ إن فيلمه األخير‬ ‫مرة أخرى» (‪)1983‬‬ ‫والمتأخر «ال تقل أبدًا ّ‬ ‫ُأنتج بصورة غير رسمية)‪ .‬تعتبر أفالم‬ ‫كونري «من روسيا مع حبي» (‪،)1963‬‬ ‫«اإلصبع الذهبية» (‪« ،)1964‬أنت تعيش‬ ‫مرتين فقط» (‪ )1967‬أفضل أفالمه في دور‬ ‫ّ‬ ‫غطى حضوره الذكوري‬ ‫العميل ‪ ،007‬وقد ّ‬ ‫اآلسر على بطالت أفالمه العديدات من‬ ‫مختلف األجناس واألعراق‪ ،‬فنسيهم‬ ‫الجمهور وتذكره وحده‪ .‬أسند دور جيمس‬ ‫بوند بعده إلى ممثل ُيدعى جورج ليزنبي‬ ‫السرية‬ ‫في فيلم وحيد عنوانه «في الخدمة‬ ‫ّ‬ ‫لصاحبة الجاللة» (‪ ،)1969‬لكن النجاح‬ ‫لم يحالفه‪ .‬ثم جاء النجم روجر مور‬ ‫ليمثل دور العميل ‪ 007‬في سبعة أفالم‪،‬‬ ‫ويصبح أكثر النجوم تجسيدًا لشخصية‬ ‫جيمس بوند من ناحية الكم‪ .‬ال شك في‬ ‫طور سمات بوند باتجاه‬ ‫أن روجر مور َّ‬ ‫‪149‬‬


‫أكثر مرح ًا وخفة من كونري وصل إلى‬ ‫َحّد اإلضحاك‪ ،‬بحيث إن دعاباته طالت‬ ‫عل أفضل أفالمه‬ ‫مارغريت تاتشر نفسها‪َ .‬ل ّ‬ ‫هي «عش ودع غيرك يموت» (‪)1973‬‬ ‫مع جين سيمور‪« ،‬الجاسوسة التي‬ ‫أحبتني» (‪ )1977‬مع باربارا باخ‪« ،‬من‬ ‫أجل عينيك فقط» (‪ )1981‬مع الفرنسية‬ ‫كارول بوكيت‪ ،‬و«أكتوبوسي» (‪)1983‬‬ ‫مع مود آدمز‪ ،‬التي ضربت رقم ًا قياسي ًا‬ ‫بأدائها دورين مختلفين في فيلمين من‬ ‫تقدم العمر على‬ ‫أفالم بوند‪ .‬بدت عالئم ُّ‬ ‫كل من مور وكونري معاً‪ ،‬فجيء بالممثل‬ ‫البريطاني الجاد تيموثي دالتون ليلعب‬ ‫دور بوند في فيلمين أولهما «نجوم النهار»‬ ‫(‪ )1987‬مع الممثلة ميريام دابو‪ ،‬وأتبعه‬ ‫بفيلم «رخصة للقتل» قبل أن ُيزاح عن‬ ‫الدور لصالح بيرس بروسنان‪ ،‬الذي‬ ‫رشحه روجر مور نفسه بعد أن وجده‬ ‫األشبه بمقاربته المرحة لبوند عبر‬ ‫مسلسله «رمنغتون ستيل»‪ .‬مثل اآليرلندي‬ ‫بيرس بروسنان شخصية بوند في أربعة‬ ‫أفالم‪ ،‬أقواها فيلمه األول «العين الذهبية»‬ ‫(‪ )1995‬مع إيزابيلال سكوربوكو وشون‬ ‫بين‪ ،‬وإن كانت الثالثة الباقية ممتعة‬ ‫أيضاً‪ .‬ثم أعفي فجأة بعد فيلم «مت في‬ ‫يوم آخر»‪ ،‬وجيء بممثل جاد هو دانيال‬ ‫كريغ ليلعب دور بوند الجديد في «كازينو‬ ‫رويال» (‪ )2006‬من إخراج مارتن كامبل‪،‬‬ ‫ويغير جذري ًا من معالم الشخصية عن‬ ‫جميع من سبقه‪ ،‬فيجعلها أكثر عنف ًا‬ ‫نزهة عن األخطاء‪ ،‬بحيث صدم‬ ‫وغير ُم ّ‬ ‫الجمهور حين َتّم خداعه‪ ،‬وحين ألقى بجثة‬ ‫صديق قتيل في حاوية قمامة‪ ،‬وحين‬ ‫لم يأبه لخلطة شراب بوند المفضلة‪،‬‬ ‫يتردد لحظة في إطالق النار‬ ‫وحين لم ّ‬ ‫على غريمته التي لعبت دورها الحسناء‬ ‫الفرنسية صوفي مارسو‪ .‬في الواقع‪،‬‬ ‫لم تكن صورة بوند الجديدة تلك مفضلة‬ ‫عند عشاقه‪ ،‬فدانيال كريغ أشقر يشبه‬ ‫الرئيس الروسي بوتين‪ ،‬يوحي بالقسوة‬ ‫وال ُيجيد كثيرًا المزاح والحب‪ .‬كما أن مبدع‬ ‫الخدع العجوز «كيو» َتّم استبداله بعبقري‬ ‫كمبيوتر شاب‪ ،‬وُاستبدلت السكرتيرة‬ ‫المخضرمة «مونيبيني» بشابة سمراء‬ ‫فتية‪ ،‬أما رئيس بوند في االستخبارات‬ ‫البريطانية «م» فسبق أن أسند منذ عهد‬ ‫‪150‬‬

‫بيرس بروسنان إلى امرأة لعبت دورها‬ ‫الممثلة الكبيرة جودي دنش‪ ،‬إلى أن‬ ‫توفاها اإلنتاج في حبكة «سكاي فول»‬ ‫ليحل محلها في دور «م» الممثل القدير‬ ‫رالف فاينس في «سبكتر» (‪.)2015‬‬ ‫أما المخرجون الذين تعاقبوا على إخراج‬ ‫أفالم جيمس بوند‪ ،‬فكان أولهم تيرانس‬ ‫يونغ‪ ،‬الذي أخرج ثالثة أفالم لشون‬ ‫كونري‪ ،‬أولها «الدكتور نو» وأفضلها «من‬ ‫روسيا مع حبي»‪ .‬ثم غاي هاميلتون‪ ،‬الذي‬ ‫أخرج فيلمين لشون كونري‪ ،‬أفضلهما‬ ‫«اإلصبع الذهبية»‪ ،‬وفيلمين آخرين لروجر‬ ‫مور‪ ،‬هما «الرجل ذو المسدس الذهبي»‬ ‫و«عش ودع غيرك يموت»‪ .‬ثم لويس‬ ‫جيلبرت‪ ،‬الذي أخرج فيلم ًا واحدًا لشون‬ ‫مرتين»‪،‬‬ ‫كونري هو «أنت تعيش فقط ّ‬

‫وفيلمين لروجر مور‪ ،‬أفضلهما «الجاسوسة‬ ‫التي أحبتني»‪ .‬ثم نذكر أغزر مخرجي‬ ‫سلسلة أفالم جيمس بوند‪ ،‬جون غلين‪،‬‬ ‫الذي أخرج ثالثة أفالم لروجر مور‪ ،‬أفضلها‬ ‫«أوكتيبوسي»‪ ،‬وفيلمي تيموثي دالتون‬ ‫الوحيدين‪ .‬ثم مارتن كامبل‪ ،‬الذي أخرج‬ ‫«العين الذهبية» لبروسنان‪ ،‬و«كازينو‬ ‫رويال» لكريغ‪ .‬هناك قائمة بمخرجين‬ ‫أخرج كل منهم فيلم ًا يتيم ًا فقط من سلسلة‬ ‫أفالم بوند‪ :‬آرفين كيرشنر‪ ،‬روبرت ر‪.‬‬ ‫هانت‪ ،‬روجر سبوتيسوود‪ ،‬مايكل آبتيد‪،‬‬ ‫لي تاماهوري‪ ،‬ومارك فورستر مخرج فيلم‬ ‫«قدر من العزاء»‪ .‬أخيرًا وليس آخراً‪ ،‬ها‬ ‫هو ذا سام مينديس يخرج فيلمين ناجحين‬ ‫جدًا من أفالم جيمس بوند هما‪« :‬سكاي‬ ‫فول» و«سبكتر»‪.‬‬


‫ُيؤخذ على سلسلة أفالم جيمس بوند‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل عام أنها ‪ -‬رغم زعم براءتها من‬ ‫الغرض السياسي وتبريرها لإلثارة‬ ‫الخالصة ‪ -‬فإنها تضمر نظرة ال تخلو‬ ‫تصور أغلب األشرار‬ ‫من عنصرية‬ ‫ّ‬ ‫والشريرات على أنهم من أغراب من‬ ‫أجناس غير العرق األنغلوساكسوني‬ ‫النقي‪ ،‬فمنهم الروسي‪ ،‬واأللماني‪،‬‬ ‫واإلسباني‪ ،‬والياباني‪ ،‬والجنوب‪-‬‬ ‫أميركي‪ ،‬واإلفريقي‪ ،‬والصيني‪ ،‬والتركي‪،‬‬ ‫والمغربي‪ ،‬والمصري‪ ،‬والكوري‪ .‬بينما‬ ‫بالكاد نجد عبر ‪ 42‬فيلم ًا مجرم ًا أميركي ًا‬ ‫أو بريطاني ًا ّإل في حاالت نادرة‪ ،‬وفي‬ ‫دور مساعد‪ ،‬كما في «العين الذهبية»‬ ‫ميز فيلم «سبكتر»‬ ‫و«سبكتر»‪ .‬ما الذي ّ‬ ‫(‪ )2015‬عن سواه‪ ،‬سلب ًا أم إيجاباً؟‬

‫يتضمن فيلم «سبكتر» (‪ )2015‬معركة‬ ‫جسدية ربما كانت واحدة من األعنف في‬ ‫جميع أفالم بوند‪ ،‬إذ إن الخصم فيها ليس‬ ‫سوى المصارع العمالق باتيستا‪ .‬والفيلم‬ ‫استضاف أكبر ا