Page 1

‫حرية التعبير‬ ‫مؤشرات النزول‬

‫غابرييل غارسيا ماركيز‬ ‫حكايتي مع العرب‬

‫فلسطين‬ ‫انتصارات لم تُر َو‬

‫ميالن كونديرا‬ ‫العداوة والصداقة‬

‫‪w w w. a l d o h a m a g a z i n e . c o m‬‬

‫مجان ًا مع العدد كتاب‪:‬‬ ‫ّ‬

‫حي بن يقظان البن طفيل‬ ‫العـدد ‪ - 79‬مايو ‪2014‬‬

‫ملتقى اإلبداع العربي والثقافة اإلنسانية‬

‫لسان الخشب‬


‫رئيس الهيئة االستشارية‬

‫د‪ .‬حمد بن عبد العزيز الكواري‬ ‫وزير الثقافة والفنون والتراث‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪.‬علي أحمد الكبيسي‬ ‫سكرتير التحرير‬ ‫سـعــيد خـطـيـبـي‬ ‫هيئة التحرير‬ ‫ديـمـــــة الـشـكــــر‬ ‫محســـن العتيقـــي‬ ‫رئيس القسم الفني‬

‫ســلـمـان المـالك‬ ‫اإلخراج والتنفيذ‬

‫عـــــــاء األلــفـــــي‬ ‫رش ــا أبوشوش ــة‬ ‫هـــنــــد خـمـيــــس‬

‫الهيئة االستشارية‬

‫أ‪ .‬مبارك بن ناصر آل خليفة‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمد عبد الرحيم كافود‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمد غانم الرميحي‬ ‫د‪ .‬عـــلـي فــخــــرو‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬رضوان السيد‬ ‫أ‪ .‬خـالد الخـمـيـسي‬ ‫جميع المشاركات ترسل باسم رئيس‬ ‫التحرير ويفضل أن ترسل عبر البريد‬ ‫االلكتروني للمجلة أو على قرص مدمج في‬ ‫حدود ‪ 1000‬كلمة على العنوان اآلتي‪:‬‬ ‫تليفون ‪)+974( 44022295 :‬‬ ‫تليفون ‪ -‬فاكس ‪)+974( 44022690 :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 22404 :.‬الدوحة ‪ -‬قطر‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪aldoha_magazine@yahoo.com‬‬

‫مكتب القاهرة‪:‬‬ ‫مدير المكتب‪ :‬وحيد الطويلة‬

‫‪  34‬ش طلعت حرب‪ ،‬الدور الخامس‪،‬‬ ‫شقة ‪  25‬ميدان التحرير‬ ‫تليفاكس‪5783770 :‬‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪aldoha.cairo@gmail.com‬‬ ‫عبر عن‬ ‫المواد المنشورة في المجلة ُت ِّ‬ ‫عبر بالضرورة عن رأي‬ ‫آراء كّتابها وال ُت ِّ‬ ‫برد‬ ‫الوزارة أو المجلة‪ .‬وال تلتزم المجلة ّ‬ ‫أصول ما ال تنشره‪.‬‬

‫أزمة التعليم في الوطن العربي‬ ‫مـــا زال التعليـــم فـــي البـــاد العربيـــة يـــراوح مكانـــه بشـــهادة مخرجاتـــه المتدنيـــة‬ ‫المســـتوى علـــى الرغـــم مـــن محـــاوالت التطويـــر المحـــدودة التـــي جـــرت فـــي بعـــض‬ ‫حـــل‬ ‫يـــدل علـــى أن التطويـــر لـــن يجـــدي نفعـــ ًا إذا لـــم ينجـــح فـــي ّ‬ ‫تلـــك البلـــدان؛ ممـــا ّ‬ ‫المش ــكالت الرئيس ــية المتعِلّق ــة بإع ــداد المعِّل ــم‪ ،‬ومحت ــوى التعلي ــم‪ ،‬وتحفي ــز الطال ــب ‪.‬‬ ‫وتتجلّـــى هـــذه األزمـــة فـــي أن النظـــام التعليمـــي العربـــي قـــد وصـــل إلـــى حالـــة‬ ‫م ــن العج ــز واإلخف ــاق ف ــي تحقي ــق كثي ــر م ــن أهداف ــه‪ ،‬ول ــم يس ــتطع تلبي ــة حاج ــات‬ ‫ومتطلَّبـــات التنميـــة فيهـــا ‪.‬‬ ‫مجتمعاتـــه َ‬ ‫ذل ــك أن تطوي ــر التعلي ــم‪ -‬ف ــي نظ ــري‪ -‬ال يخل ــو م ــن احتمالي ــن ‪ :‬اتب ــاع نظ ــام جدي ــد‬ ‫بدي ــا ع ــن نظ ــام قدي ــم‪ ،‬أو تحس ــين نظ ــام موج ــود وتحديث ــه ‪ ،‬ول ــكل منهم ــا طريقت ــه‬ ‫ويترت ــب عل ــى اإلخ ــال به ــا‬ ‫الخاص ــة ف ــي التعام ــل م ــع عناص ــر العملي ــة التعليمي ــة ‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ـدرج المرتب ــط باأله ــداف‬ ‫إلح ــاق أض ــرار كبي ــرة بمنظوم ــة التعلي ــم كلّه ــا إن ل ــم ُي ـ َ‬ ‫ـراع الت ـ ُّ‬ ‫فعـــا‪ ،‬وهـــو ســـبب األزمـــة‬ ‫عنـــد بدايـــة تطبيـــق النظـــام ‪ ،‬ولعـــل هـــذا مـــا يحـــدث‬ ‫ً‬ ‫الرئيســـي ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫المعل ــم أكاديميــ ًا ومهنيــ ًا وبمس ــتوى كف ــاءة متمِّي ــز مطلبــ ًا أساس ــيا‬ ‫وإذا كان إع ــداد ّ‬ ‫م ــن مطال ــب تطوي ــر التعلي ــم وتحس ــينه ف ــإن واق ــع الح ــال ال ينب ــئ بذل ــك حي ــث نج ــد‬ ‫حس ــدون عليه ــا م ــن ضع ــف ف ــي التحصي ــل العلم ــي‬ ‫أكث ــر معِلّم ــي الي ــوم ف ــي حال ــة ال ُي َ‬ ‫يتمكن ــون معهم ــا م ــن أداء رس ــالتهم عل ــى الوج ــه األكم ــل‬ ‫وعج ــز ف ــي المج ــال المهن ــي ال َّ‬ ‫ـدل عل ــى خل ــل كبي ــر ف ــي نظ ــام إع ــداد المعل ــم وتدريب ــه وقص ــور ش ــديد ف ــي‬ ‫‪ ،‬مم ــا ي ـ ّ‬ ‫المؤسســـات التـــي أســـندت إليهـــا هـــذه المهمـــة حتـــى وصـــل‬ ‫الـــدور الـــذي تقـــوم بـــه‬ ‫َّ‬ ‫الح ــال إل ــى فق ــدان معايي ــر ومواصف ــات المعِّلــم الناج ــح ف ــي كل مرحل ــة تعليمي ــة‪ ،‬وك ــذا‬ ‫معايي ــر اختي ــار المعِلّمي ــن ‪.‬‬ ‫وال يمك ــن تحقي ــق أه ــداف التعلي ــم ب ــدون منه ــج تعليم ــي متكام ــل ‪ ،‬يراع ــي اخت ــاف‬ ‫يتضم ــن األه ــداف العام ــة و الخاص ــة‬ ‫ـور أعم ــار الدارس ــين ‪ ،‬و‬ ‫المراح ــل التعليمي ــة وتط ـ ُّ‬ ‫َّ‬ ‫والمعـــارف المرتبطـــة بحاجاتهـــم واألنشـــطة المناســـبة لتلـــك المعـــارف والتقييـــم‬ ‫الم َّتب ــع ‪ ،‬والكت ــاب المدرس ــي المتواف ــق‬ ‫المرتب ــط بالتحصي ــل العلم ــي أو قيم ــة المنه ــج ُ‬ ‫تمامــ ًا م ــع مضم ــون المنه ــج ‪.‬‬ ‫أي محاول ــة إلص ــاح التعلي ــم وتطوي ــره ال تس ــتند إل ــى منه ــج تعليم ــي متكام ــل‬ ‫إن ّ‬ ‫ابتـــداء لفقدانهـــا خارطـــة الطريـــق إلـــى التعليـــم‬ ‫العناصـــر لمحكـــوم عليهـــا بالفشـــل‬ ‫ً‬ ‫الناجــح ‪ ،‬ومــع غيــاب الكتــاب المدرســي الممِّثــل للمنهــج‪ ،‬وانتفــاء المراقبــة والمتابعــة‬ ‫والتقيي ــم يصب ــح التعلي ــم ضربــ ًا م ــن االجته ــادات الفردي ــة أو الجماعي ــة الت ــي تك ــون‬ ‫له ــا آث ــار س ــيئة عل ــى ش ــخصيات الدارس ــين ومس ــتوى تحصيله ــم العلم ــي ‪.‬‬ ‫للتعل ــم‬ ‫دافعيت ــه‬ ‫أم ــا الطال ــب فه ــو مح ــور العملي ــة التعليمي ــة‪ ،‬وتحفي ــزه يزي ــد م ــن‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫الت ــي ُت َع ـّد ش ــرط ًا أساس ــي ًا لتوجي ــه ميول ــه واهتمامات ــه نح ــو تحقي ــق أه ــداف تعلُّم ــه ‪،‬‬ ‫وكل موق ــف تعليم ــي ال يراع ــي حاج ــات الط ــاب وال يس ــتثير دافعيته ــم ال ي ـ ّـؤدي إل ــى‬ ‫فع ــال‪ ،‬وال يس ــهم ف ــي زي ــادة قدرته ــم عل ــى التحصي ــل واإلنج ــاز ‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫تعل ــم ّ‬ ‫الفع ــال ‪ :‬معل ــم ك ــفء ِّ‬ ‫متمك ــن‪،‬‬ ‫تلك ــم الضمان ــات الثالث ــة للتعلي ــم الناج ــح‬ ‫ُّ‬ ‫والتعل ــم ّ‬ ‫ومنهـــج عصـــري متكامـــل‪ ،‬وطالـــب راغـــب فـــي التعلُّـــم مقِبـــل عليـــه ‪ ،‬فمتـــى نجدهـــا‬ ‫مجتمع ــة ف ــي أنظم ــة تعليمن ــا العرب ــي ؟‬ ‫رئيس التحرير‬


‫مجان ًا مع العدد‪:‬‬

‫الغالف‪:‬‬

‫ثــقــافـيـة شــــهــريــة‬

‫العدد‬

‫‪79‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد التاسع والسبعون‬ ‫رجب ‪ - 1435‬مايو ‪2014‬‬

‫تصدر عن‬

‫وزارة الثقافة والفنون والتراث‬ ‫الـــدوحــــة ‪ -‬قـــــطــــر‬

‫العمل الفني للغالف‪:‬‬

‫‪James Gulliver Hancock‬‬

‫االشتراكات السنوية‬ ‫داخل دولة قطر‬

‫عبد اهلل محمد عبداهلل المرزوقي‬

‫األفراد ‬

‫‪ 120‬ريــا ًال‬

‫الدوائر الرســمية‬

‫‪ 240‬ريا ًال‬

‫دول الخليــج العربــي‬

‫‪ 300‬ريال‬

‫باقــي الــدول العربيــة‬

‫‪ 300‬ريال‬ ‫‪75‬يورو‬

‫أمـــــــــيــــركـــــــــا‬

‫‪ 100‬دوالر‬

‫كــــنــــدا وأســتـــرالـــيــــا‬

‫‪150‬دوالرًا‬

‫الموزعون‬

‫فـاكـس ‪)+974( 44022343 :‬‬

‫‪al-marzouqi501@hotmail.com‬‬ ‫‪doha.distribution@yahoo.com‬‬ ‫الموقع اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪www.aldohamagazine.com‬‬

‫ترســل قيمة االشتراك بموجب حوالة‬ ‫مصرفيــة أو شــيك بالريــال القطري‬ ‫باسم وزارة الثقافة والفنون والتراث‬ ‫على عنوان المجلة‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫متابعات‬

‫اليوم العالمي لحرية التعبير ‪ ..‬مؤشرات النزول (مراسلون)‬

‫مجمع اللغة العربية ‪ ..‬سياسة التعريب (القاهرة‪ :‬محمد عويس)‬ ‫بوابة الفردوس! ‪(...............‬بنغازي‪ :‬محمد األصفر )‬ ‫قاموس «التشرميل»‪(..........‬الرباط‪ :‬عبدالحق ميفراني)‬

‫ميديا‬

‫‪14‬‬

‫وكيل التوزيع في دولة قطر‪:‬‬

‫معركة الهاشتاج‬

‫دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة ‪ -‬ت‪ 44557810 :‬فاكس‪44557819 :‬‬

‫فيسبوك وتويتر يغيران شكلهما‬

‫وكالء التوزيع في الخارج‪:‬‬ ‫المملكة العربية السعودية ‪ -‬الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع ‪ -‬الرياض‪ -‬ت‪0096614871262 :‬‬ ‫ فاكــس‪ /0096614870809 :‬مملكــة البحريــن ‪ -‬مؤسســة الهــال لتوزيع الصحــف ‪ -‬المنامة ‪-‬‬‫ت‪ - 007317480800 :‬فاكــس‪/007317480819 :‬دولــة اإلمارات العربية المتحدة ‪ -‬المؤسســة‬ ‫العربيــة للصحافــة واإلعــام ‪ -‬أبــو ظبــي ‪ -‬ت‪ - 4477999 :‬فاكس‪ /4475668 :‬ســلطنة ُعمان‬ ‫ مؤسســة ُعمان للصحافة واألنباء والنشــر واإلعالن ‪ -‬مســقط ‪ -‬ت‪ - 009682493356 :‬فاكس‪:‬‬‫‪ /0096824649379‬دولــة الكويــت ‪ -‬شــركةالمجموعة التســويقية للدعايــة واإلعــان ‪ -‬الكويت‬ ‫ ت‪ - 009651838281 :‬فاكــس‪ /0096524839487 :‬الجمهوريــة اللبنانيــة ‪ -‬مؤسســة‬‫نعنــوع الصحفيــة للتوزيــع ‪ -‬بيــروت ‪ -‬ت‪ - 009611666668 :‬فاكــس‪/009611653260 :‬‬ ‫الجمهوريــة اليمنيــة ‪ -‬محــات القائــد التجاريــة ‪ -‬صنعــاء ‪ -‬ت‪- 00967777745744 :‬‬ ‫فاكــس‪ / 009671240883 :‬جمهوريــة مصــر العربيــة ‪ -‬مؤسســة األهــرام ‪ -‬القاهــرة ‪ -‬ت‪:‬‬ ‫‪ - 002027704365‬فاكــس ‪/002027703196‬الجماهيريــة الليبية ‪ -‬دار الفكر الجديد الســتيراد‬ ‫ونشــر وتوزيــع المطبوعات ‪ -‬طرابلــس ‪ -‬ت‪ - 0021821333260 :‬فاكس‪00218213332610 :‬‬ ‫‪ /‬جمهورية السودان ‪ -‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع ‪ -‬الخرطوم ‪ -‬ت‪0024915494770 :‬‬ ‫ فاكس‪ / 00249183242703 :‬المملكة المغربية ‪ -‬الشــركة العربية اإلفريقية للتوزيع والنشــر‬‫والصحافة‪ ،‬سبريس ‪ -‬الدار البيضاء ‪ -‬ت‪ - 00212522249200 :‬فاكس‪/00212522249214:‬‬ ‫الجمهورية العربية الســورية ‪ -‬مؤسســة الوحدة للصحافة والطباعة والنشــر والتوزيع ‪ -‬دمشق ‪-‬‬ ‫ت‪- 00963112127797 :‬فاكس‪00963112128664:‬‬

‫األسعار‬ ‫دولة قطر‬ ‫مملكة البحرين‬

‫‪ 10‬رياالت‬

‫الجمهورية اللبنانية‬

‫دينار واحد‬

‫الجمهورية العراقية‬

‫اإلمارات العربية المتحدة‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫سلطنة عمان‬

‫‪ 800‬بيسة‬

‫دولة الكويت‬ ‫المملكة العربية السعودية‬ ‫جمهورية مصر العربية‬ ‫الجماهيرية العربية الليبية‬ ‫الجمهورية التونسية‬ ‫الجمهورية الجزائرية‬ ‫المملكة المغربية‬ ‫الجمهورية العربية السورية‬

‫دينار واحد‬ ‫‪ 10‬رياالت‬ ‫‪ 3‬جنيهات‬ ‫‪ 3‬دنانير‬ ‫‪ 2‬دينار‬ ‫‪ 80‬دينارًا‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 80‬ليرة‬

‫المملكة األردنية الهاشمية‬ ‫الجمهورية اليمنية‬

‫‪ 3000‬ليرة‬ ‫‪ 3000‬دينار‬ ‫‪ 1.5‬دينار‬ ‫‪ 150‬ريا ًال‬

‫جمهورية السودان‬

‫‪ 1.5‬جنيه‬

‫موريتانيا‬

‫‪ 100‬أوقية‬

‫فلسطين‬ ‫الصومال‬

‫‪52‬‬

‫في ضيافة الرئيس ‪(........‬نواكشوط‪ :‬عبد اهلل ولد محمدو)‬

‫البريد اإللكتروني‪:‬‬

‫خارج دولة قطر‬

‫دول االتحاد األوروب ‬ ‫ي‬

‫تليفون ‪)+974( 44022338 :‬‬

‫تقديم‪:‬د‪.‬حسن حنفي‬

‫أميركا‬

‫صدر العدد األول في نوفمبر ‪ ،1969‬وفي يناير ‪ 1976‬أخــذت توجهها العربي واستمرت‬ ‫فــي الــصــدور حــتــي يــنــايــر ع ــام ‪ 1986‬لتستأنف الــصــدور مــجــددًا فــي نوفمبر ‪.2007‬‬ ‫توالى على رئاسة تحريرالدوحة إبراهيم أبو ناب‪ ،‬د‪ .‬محمد إبراهيم الشوش و رجاء النقاش‪.‬‬

‫رئيس قسم التوزيع واالشتراكات‬

‫حي بن يقظان البن طفيل‬

‫‪ 1‬دينار أردني‬ ‫‪ 1500‬شلن‬

‫بريطانيا‬

‫‪ 4‬جنيهات‬

‫دول االتحاد األوروبي‬

‫‪ 4‬يورو‬

‫الواليات المتحدة األميركية‬

‫‪ 4‬دوالرات‬

‫كندا واستراليا‬

‫‪ 5‬دوالرات‬

‫تويتر عاد للتغريد في تركيا‬ ‫أوباما وعمته «زيتونة»‬

‫تولوز‪..‬‬ ‫مدينة‬ ‫البنفسج‬ ‫واأللوان‬ ‫قضية‬

‫فلسطين‬

‫انتصارات لم تُر َو‬

‫‪60‬‬


‫ملف‬

‫لسان الخشب‬ ‫‪20‬‬

‫د‪ .‬عبد الرحيم العطري‬ ‫عبدالوهاب األنصاري‬ ‫الخير شوار‬ ‫عالء صادق‬ ‫جيل آوري‬

‫أدب‬

‫محمد غندور‬ ‫منير أوالد الجياللي‬ ‫سمير الحجاوي‬ ‫وحيد الطويلة‬ ‫جمال الجمل‬

‫‪76‬‬

‫يوسف القعيد ‪ ..‬شكرًا لمن ساهم باإلبداع ‪(. .. .‬حوار ‪ -‬حسين عبد الرحيم(‬ ‫«رواية الوردة» تأصيل المجاز ‪( .. ....... .. .‬سعيد خطيبي)‬ ‫كاترين كروازي ناكي‪ ..‬النص المفتوح‬

‫غابرييل غارسيا‬ ‫ماركيز ‪..‬‬ ‫حكايتي مع العرب‬

‫في حضرة‬ ‫المحب ‪(. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬د‪ .‬نزار شقرون)‬ ‫ّ‬

‫الرؤى المستقبلية للمسرح القطري ‪( ...‬مرزوق بشير بن مرزوق)‬

‫‪19‬‬

‫الصمت الجميل‪( ... ........................‬إيزابيال كاميرا)‬

‫‪25‬‬

‫اللغة العربية والهوية ‪( ........‬دكتور محمد عبدالمطلب) ‪75‬‬

‫العقّاد وطه حسين في إيطاليا ‪( .. .. .. .. ..‬د‪.‬حسين محمود)‬

‫أفضل مئة رواية عربية ‪( ..............‬أمير تاج السر )‬

‫القصة القصيرة ‪ :‬استرجاع األراضي الضائعة* ( ماريو بارغاس يوسا ‪ -‬ت ‪ -‬أنيس الرافعي )‬ ‫ّ‬ ‫ذكريات ُمَد ِّخن سابق ‪( . .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬أمجد ناصر)‬

‫ترجمات‬

‫مقاالت‬

‫‪143‬‬

‫الرواية التاريخية التركية ‪( ........‬عبد القادر عبد اللي ) ‪160‬‬

‫سينما‬

‫‪94‬‬

‫‪126‬‬

‫مختارات شعرية لجوليا هرتفيغ ‪(.. .. ..‬ترجمة مازن معروف)‬

‫الطيب الوحيشي ‪ :‬الركوب على الثورة فني ًا مسألة فيها تسرع (حوار‪:‬عبد المجيد دقنيش)‬

‫المـر َّوضة ‪( .. .. .. ..‬ترجمة‪ :‬كاميران حاج محمود)‬ ‫المـرايا َ‬ ‫العداوة والصداقة لميالن كونديرا ‪( .. .. .. .. ....‬ترجمة‪:‬محمد بنعبود)‬

‫«فتاة المصنع» ‪ ..‬كبوات وزغاريد ‪(...............‬القاهرة‪ :‬محمد عاطف)‬

‫الحلوة لدون داميان (خوان بوش ‪ -‬ترجمة‪:‬محمد إبراهيم مبروك)‬ ‫ُّ‬ ‫الر ُ‬ ‫وح ُ‬

‫نصوص‬

‫‪16‬‬

‫لحوم البشر ‪ ..‬الراهن في وجبات استعارية ‪( ...............‬مروة رزق)‬

‫‪106‬‬

‫الناجي الوحيد‪..‬أميركا ال تعترف بالهزيمة ‪(.............‬لنا عبد الرحمن )‬ ‫من «ذروة المخاوف» إلى «عميل الظل» توجه جديد في أفالم الجاسوسية (د‪.‬رياض عصمت)‬ ‫أبواب «يوتوبيا» ‪ ..‬سينما الثورات العربية‬

‫تشكيل‬

‫‪114‬‬

‫بمَثقَّفيه ‪(. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬صدوق نور الدين)‬ ‫المغرب ُ‬ ‫تحية إلى عبد الكبير الخطيبي ‪(. .. .. .. .. .. ..‬مراد الخطيبي)‬

‫إرث القتلى والقاتلين ‪(.. .. .. .. .. .. .. .. ..‬سعيد بوكرامي)‬ ‫جراح ‪(.. .. .. .. .. ..‬أنيس الرافعي)‬ ‫تشريح النسيان بمبضع ّ‬ ‫ِ‬ ‫صدام الشرق والغرب ‪( .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬هيثم حسين)‬ ‫المحَت َضرة ‪( .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬عبد اهلل غنيم)‬ ‫ّ‬ ‫شاعرية المدن ْ‬ ‫في‬ ‫شعرية العبور ومآالتها ‪( .. .. .. .. .. .‬عبد اللطيف الوراري)‬ ‫ّ‬ ‫مختاراتنا‬

‫‪144‬‬

‫محمد سعيد الصـﮕـار ‪ ..‬استراحة الحرف والقصبة‪(..‬صفاء ذياب)‬

‫أخالقهم وأخالقنا ‪(. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬بدر الدين عردوكي)‬

‫اللغة التي ُتْنجينا من المأساة وتوِق ُعنا بها ‪(.. .. ..‬إيلي عبدو)‬

‫«فندق بودابست الكبير» ‪ ..‬فانتازيا المجد والخسارات ‪( .......‬غيدا اليمن)‬ ‫«كل شيء ضاع» ‪ ..‬شخصية واحدة في مكان واحد ‪( ...‬سليمان الحقيوي)‬

‫قصائد الخريف ‪( .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬سالم أبو شبانة)‬ ‫قصص انفصال الشبكية ‪(.. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬منير عتيبة)‬ ‫سلسبيل ‪(. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬علي الدكروري)‬ ‫نمر واثب ‪(.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..‬أحمد ثامر جهاد)‬

‫كتب‬

‫«مسقط السينمائي الدولي» ‪ ..‬هل َّتتحد المهرجانات العربية؟ (مسقط‪:‬محمد أشويكة)‬

‫جورج فكري ‪ ..‬تلوين بالمزاج الشعبي ‪(........ ..‬ياسر سلطان)‬

‫محمد سعيد‬ ‫الصـﮕـار‬ ‫استراحة الحرف‬ ‫والقصبة‬

‫‪144‬‬

‫وجوه بال جدوى‪( ..........‬إبراهيم الحيسن)‬ ‫بوشعيب هبولي‪..‬‬ ‫ٌ‬

‫وجيه يسي‪ ..‬في كل دورة نغمة‪(.............‬رشيد غمري)‬

‫مسرح‬

‫‪152‬‬

‫مـهـرجــان الـدوحة المـســـرحي ‪ ..‬جيل جـديد من المـخـرجـين‬

‫صفحات مطوية‬

‫‪158‬‬

‫الثقة بالنفس ‪(.....‬الشيخ إبراهيم أبو اليقظان – بتصرف )‬


‫اليوم العالمي لحرية التعبير‬ ‫مؤشرات النزول‬

‫ككل س ــنة‪ ،‬نحتف ــل ف ــي الثال ــث م ــن‬ ‫مايو‪/‬أيـــار‪ ،‬باليـــوم العالمـــي لحريـــة‬ ‫التعبي ــر‪ ،‬ونعي ــد التس ــاؤل ع ــن وض ــع‬ ‫اإلعـــام وواقـــع حريـــات التعبيـــر فـــي‬ ‫الوط ــن العرب ــي‪ ..‬الح ــال لي ــس مطمئنــ ًا‬ ‫كمـــا أعتقـــد البعـــض بعـــد نجـــاح أولـــى‬ ‫ثـــورات الربيـــع العربـــي‪ ..‬اغتيـــاالت‬ ‫الصحافييـــن فـــي ســـورية واعتقاالتهـــم‬ ‫فـــي مصـــر‪ ،‬والترهيـــب والتضييـــق‬ ‫عليه ــم ف ــي المغ ــرب والجزائ ــر وتون ــس‬ ‫هـــي ممارســـات ماتـــزال قائمـــة‪.‬‬ ‫«الدوح ــة» حاول ــت اس ــتقراء جان ــب م ــن‬ ‫وضـــع الحريـــات مـــن خـــال التركيـــز‬ ‫علـــى ثـــاث دول‪ :‬مصـــر واليمـــن‬ ‫وســـورية‪ ،‬حيـــث يعانـــي اإلعالميـــون‬ ‫م ــن قم ــع رس ــمي وصعوب ــات متزاي ــدة‬ ‫فـــي ممارســـة مهنتهـــم ونقـــل المعلومـــة‬ ‫الصحيحـــة‪.‬‬

‫مصر‪ :‬باتجاه المدفع‬ ‫بالل رمضان‬ ‫ل ــم يت ــرك الربي ــع العرب ــي ش ــيئ ًا إال‬ ‫وقلبـــه رأســـ ًا علـــى عقـــب‪ ،‬حتـــى تلـــك‬ ‫المفاهيـــم الراســـخة عـــن القيـــم العليـــا‬ ‫تغي ــرت‪ ،‬وأصب ــح عل ــى كل كات ــب يري ــد‬ ‫‪6‬‬

‫أن يتبنـــى مفهومـــ ًا مـــا أن يضـــع هـــذا‬ ‫المفه ــوم موض ــع المس ــاءلة والتحقي ــق‪،‬‬ ‫فلـــم يعـــد االســـتبداد هـــو االســـتبداد‪،‬‬ ‫وأصبـــح واجبـــ ًا علـــى البعـــض أن‬ ‫يتأمـــل أقوالـــه وآراءه ورؤاه‪ ،‬فربمـــا‬ ‫يقـــول قـــو ًال اليـــوم فينقلـــب عليـــه فـــي‬ ‫الغـــد‪ .‬قديمـــ ًا كانـــت المعادلـــة أســـهل‪،‬‬ ‫ففـــي مصـــر كان الكتـــاب والصحافيـــون‬ ‫يناضلـــون فـــي وجـــه حاكـــم مســـتبد‪،‬‬ ‫وكان الجميـــع علـــى علـــم باســـتبداد‬ ‫ه ــذا الحاك ــم وه ــو م ــا خل ــق رأيــ ًا عامــ ًا‬ ‫شـــعبي ًا مســـاندًا لمســـاعي الحريـــة‪،‬‬ ‫ومؤيـــدًا للكتابـــات المناهضـــة للنظـــام‪،‬‬ ‫لكـــن لألســـف اضطـــرب هـــذا الظهيـــر‬ ‫الشـــعبي بعـــد انـــدالع الثـــورات وباتـــت‬ ‫المعادلــة غايــة فــي الصعوبــة‪ ،‬فقــد أدى‬ ‫ســقوط الحــزب الحاكــم إلــى خلــق بيئــة‬ ‫متناحـــرة‪ ،‬فمـــن ناحيـــة وقـــف الثـــوار‬ ‫فـــي جانـــب وأنصـــار الحـــزب الوطنـــي‬ ‫ف ــي جان ــب آخ ــر‪ ،‬وم ــن ناحي ــة أخ ــرى‬ ‫وق ــف أنص ــار التي ــار المدن ــي ف ــي جان ــب‬ ‫وأنصـــار التيـــار الدينـــي فـــي جانـــب‬ ‫آخ ــر‪ ،‬وف ــي كل جان ــب مع ــارك مختلف ــة‬ ‫وصـــراع بيـــن األنصـــار‪ ،‬ففـــي الجانـــب‬ ‫المدنـــي كانـــت المعـــارك خفيضـــة‬ ‫الصـــوت عميقـــة األثـــر بيـــن الكتلـــة‬ ‫الليبراليـــة والكتلـــة اليســـارية‪ ،‬وفـــي‬

‫الجانـــب الدينـــي كانـــت المعركـــة دائـــرة‬ ‫بي ــن الكتل ــة الس ــلفية بتنوعه ــا والكتل ــة‬ ‫اإلخواني ــة بتنظيماته ــا‪ ،‬ول ــم يك ــن له ــذا‬ ‫الصـــراع األيديولوجـــي أن يمـــر مـــرور‬ ‫الكـــرام دون المســـاس بحريـــة الـــرأي‬ ‫والتعبيـــر‪ ،‬فقـــد انعكســـت آثـــاره علـــى‬ ‫الحري ــة الش ــخصية بش ــكل ع ــام وحري ــة‬ ‫الصحافـــة بشـــكل خـــاص‪ ،‬فقـــد شـــكل‬ ‫أنصـــار كل فصيـــل سياســـي أو تيـــار‬ ‫أيديولوجـــي أداة ضغـــط علـــى حريـــة‬ ‫الصحافـــة وأمـــن الصحافييـــن‪ ،‬فشـــهدنا‬ ‫االعتـــداء عقـــب االعتـــداء دون أن يكـــون‬ ‫للصحافيي ــن ظهي ــر ش ــعبي يحميه ــم أو‬ ‫دول ــة قوي ــة تداف ــع عم ــا اصطل ــح عل ــى‬ ‫تســـميته بـــ «الســـلطة الرابعـــة»‪.‬‬ ‫كانـــت الدولـــة بمؤسســـاتها تحـــارب‬ ‫الصحافييـــن بأشـــكال عديـــدة قبـــل‬ ‫الث ــورة‪ ،‬وق ــد ظه ــر ه ــذا الوج ــه الخش ــن‬ ‫حينم ــا اختط ــف رج ــال تابع ــون للح ــزب‬ ‫الحاك ــم الكات ــب الصحاف ــي عب ــد الحلي ــم‬ ‫قنديـــل وأوســـعوه ضربـــ ًا ثـــم تركـــوه‬ ‫علـــى جانـــب إحـــدى الطـــرق الســـريعة‪،‬‬ ‫وبعـــد الثـــورة صـــار اعتـــداء الجمهـــور‬ ‫علـــى الصحافييـــن واإلعالمييـــن أمـــرًا‬ ‫معتـــاداً‪ ،‬فقـــد تعـــرض الكثيـــرون مـــن‬ ‫رجـــال اإلعـــام للضـــرب والطـــرد مـــن‬ ‫ميـــدان التحريـــر بعـــد اتهامهـــم بمعـــاداة‬


‫الث ــورة والث ــوار كم ــا ف ــي حال ــة عم ــرو‬ ‫أديـــب‪ ،‬وأثنـــاء حكـــم محمـــد مرســـي‬ ‫تعـــرض بعـــض الصحافييـــن لالعتـــداء‬ ‫علـــى يـــد أنصـــاره مثلمـــا حـــدث مـــع‬ ‫اإلعالمـــي خالـــد صـــاح وبعـــد ‪30‬‬ ‫يونيو‪/‬حزيـــران ‪ 2013‬تعـــرض الكثيـــر‬ ‫مـــن الصحافييـــن واإلعالمييـــن إلـــى‬ ‫اعتـــداءات عديـــدة‪ ،‬وصلـــت إلـــى حـــد‬ ‫تجمهـــر البعـــض أمـــام مســـرح ســـينما‬ ‫راديـــو بوســـط البلـــد لمنـــع اإلعالمـــي‬ ‫باســـم يوســـف مـــن تســـجيل حلقـــة‬ ‫برنامجـــه الســـاخر‪.‬‬ ‫لـــم تغـــب الدمـــاء أيضـــ ًا عـــن ذلـــك‬ ‫المشــهد المضطــرب‪ ،‬فكمــا شــهدنا غيــاب‬ ‫فقيـــد الصحافـــة «رضـــا هـــال» قبيـــل‬ ‫الثــورة‪ ،‬دفعــت المهنــة الكثيــر مــن دمــاء‬ ‫أبنائهـــا أثنـــاء الثـــورة كمـــا فـــي حالـــة‬ ‫«أحمـــد محمـــود» الصحافـــي بجريـــدة‬ ‫األهـــرام‪ ،‬ثـــم «الحســـيني أبـــو ضيـــف»‬ ‫الصحافـــي بجريـــدة الفجـــر‪ ،‬وتلتـــه‬ ‫«ميـــادة أشـــرف» الصحافيـــة بجريـــدة‬ ‫الدســـتور‪ ،‬ناهيـــك عـــن العشـــرات مـــن‬ ‫حـــاالت االعتـــداءات الفرديـــة والتـــي‬ ‫وصلـــت إلـــى حـــد االختطـــاف والتهديـــد‬ ‫والتعذيـــب‪ ،‬وهـــو األمـــر الـــذي اســـتمر‬ ‫قبـــل الثـــورة وبعدهـــا‪.‬‬ ‫ال يمكــن أيضـ ًا أن يغيــب عــن أذهاننــا‬

‫حالـــة اإلرهـــاب التـــي مـــورس بعـــض‬ ‫أش ــكالها م ــن جان ــب بع ــض التنظيم ــات‪،‬‬ ‫فقـــد حاصـــر شـــباب األلتـــراس جريـــدة‬ ‫الوطــن وأشــعلوا النــار فــي أجــزاء منهــا‬ ‫قبي ــل ‪ 30‬يونيو‪/‬حزي ــران‪ ،‬كم ــا حاص ــر‬ ‫بع ــض أنص ــار الرئي ــس المع ــزول محم ــد‬ ‫مرس ــي مدين ــة اإلنت ــاج اإلعالم ــي الت ــي‬ ‫تب ــث منه ــا غالبي ــة القن ــوات الفضائي ــة‪،‬‬ ‫وشـــاهدنا بعـــد الثالثيـــن مـــن يونيـــو‬ ‫إغـــاق العديـــد مـــن القنـــوات الدينيـــة‬ ‫ألســباب سياســية وقانونيــة‪ ،‬بمــا يؤكــد‬ ‫أن االضطرابـــات السياســـية الحاليـــة‬ ‫فـــي مصـــر تنـــال مـــن حريـــة الصحافـــة‬ ‫وأمـــن الصحافييـــن بشـــكل كبيـــر‪ ،‬وأن‬ ‫المعركـــة التـــي كانـــت تتلخـــص قديمـــ ًا‬ ‫ف ــي نض ــال الكت ــاب والصحافيي ــن ض ــد‬ ‫أنظم ــة قمعي ــة ص ــارت تكس ــب كل ي ــوم‬ ‫أرض ـ ًا جديــدة يخســر فيهــا أبنــاء المهنــة‬ ‫أمنه ــم وراحته ــم وس ــمعتهم ودماءه ــم‪.‬‬

‫اليمن‪ :‬تهم بالجملة‬ ‫جمال جبران‬ ‫يجـــد الصحافـــي اليمنـــي نفســـه‬ ‫الضحي ــة‬ ‫واقع ـ ًا بش ــكل دائ ــم ف ــي موق ــع‬ ‫ّ‬ ‫والمتهـــم رقـــم واحـــد؛ مهمـــا اختلـــف‬ ‫ُ‬

‫ش ــكل النظ ــام السياس ــي‪ ،‬قب ــل «ث ــورة‬ ‫الربيـــع» أو بعدهـــا‪ .‬لـــم يتبـــدل الحـــال‬ ‫وم ــا ي ــزال األذى يالح ــق العاملي ــن ف ــي‬ ‫المج ــال اإلعالم ــي م ــع اخت ــاف الش ــكل‬ ‫فقـــط بيـــن الفترتيـــن‪ .‬الصحافـــي ُمتهـــم‬ ‫بأنـــه وراء كل أزمـــة تمـــر بهـــا اليمـــن‪،‬‬ ‫الصحافي ــون متهم ــون بأنه ــم يخترع ــون‬ ‫األزمــات ويضعــون البلــد فــي حالــة مــن‬ ‫الضيـــق ويقومـــون بتأليـــب المواطنيـــن‬ ‫«مـــن أجـــل إنجـــاح انقالبهـــم علـــى‬ ‫الدولـــة»‪ ،‬علـــى افتـــراض وجـــود هـــذه‬ ‫فعـــا‪.‬‬ ‫الدولـــة‬ ‫ً‬ ‫ف ــي النظ ــام الس ــابق كان الصحاف ــي‬ ‫ف ــي ب ــال الرئي ــس عل ــي عب ــد اهلل صال ــح‬ ‫ال يأتـــي فـــي غيـــر صـــورة شـــخص ال‬ ‫يهـــدف مـــن وراء مهنـــة الصحافـــة إال‬ ‫للم ــال أو لغ ــرض يس ــعى إل ــى الحص ــول‬ ‫عليـــه‪ ،‬وأنـــه ال يكتـــب إال بدافـــع مـــن‬ ‫هذيـــن العنصريـــن‪ .‬كمـــا أن علـــي عبـــد‬ ‫اهلل صالـــح طـــوال فتـــرة حكمـــه بقـــي‬ ‫معتق ــدًا بفك ــرة أن أي مش ــتغل ف ــي مهن ــة‬ ‫الصحاف ــة ه ــو ش ــخص «س ــهل» ويمك ــن‬ ‫ـا‪ ،‬بمنصــب‬ ‫شــراؤه بمــال أو بإغــراء مثـ ً‬ ‫خارجـــي أو بوظيفـــة عليـــا فـــي جهـــاز‬ ‫البلـــد اإلعالمـــي‪.‬‬ ‫وتكـــررت الفكـــرة ذاتهـــا فـــي عهـــد‬ ‫الرئيـــس االنتقالـــي الجديـــد‪ .‬حيـــث لـــم‬ ‫‪7‬‬


‫يتأخ ــر كثي ــرًا ف ــي الكش ــف ع ــن نواي ــاه‬ ‫تج ــاه اإلع ــام‪ .‬فف ــي خط ــاب اس ــتباقي‬ ‫متلف ــز أعل ــن في ــه ق ــرارًا يقض ــي بإيق ــاف‬ ‫المرتبـــات الشـــهرية الكبيـــرة التـــي كان‬ ‫صحافيــون يتقاضونهــا فــي عهــد النظــام‬ ‫الســابق‪ .‬لــم ُيعِلــن صراحــة هويــة تلــك‬ ‫األس ــماء اإلعالمي ــة الت ــي كان ــت تقب ــض‬ ‫مرتبــات ضخمــة مــن نظــام صالــح‪ ،‬لقــد‬ ‫ت ــرك األم ــر مفتوح ـاً‪ ،‬كأن ــه يس ــير عل ــى‬ ‫فكـــرة ســـابقه‪ .‬يمكننـــا اعتبـــار خطابـــه‬ ‫خطابـــ ًا تحريضيـــ ًا شـــديد الخطـــورة‬ ‫عل ــى حي ــاة أي صحاف ــي‪ .‬كأن الرئي ــس‬ ‫االنتقالـــي يقـــول للبســـطاء مـــن جمـــوع‬ ‫المواطنيـــن‪ :‬هـــؤالء (الصحافيـــون) هـــم‬ ‫ســـبب مشـــاكلكم‪ .‬هكـــذا تصيـــر حيـــاة‬ ‫الصحافـــي عرضـــة لألذيـــة مـــن أي‬ ‫مواطـــن غيـــور علـــى وطنـــه‪ ،‬ســـوف‬ ‫يكـــون جاهـــزًا لفعـــل أي شـــيء مـــن‬ ‫أج ــل حماي ــة بل ــده‪ .‬وف ــق الح ــال ه ــذه‪،‬‬ ‫ش ــهدت اليم ــن ح ــاالت اعت ــداءات كثي ــرة‬ ‫ومتسلســـلة ُقيـــّدت ضـــد مجهوليـــن‪.‬‬ ‫يتعاظ ــم األم ــر وي ــزداد خط ــورة م ــع‬ ‫الصحافيي ــن الذي ــن يعمل ــون كمراس ــلين‬ ‫لقن ــوات عربي ــة وخارجي ــة وذل ــك عب ــر‬ ‫المحليـــة‬ ‫تبنـــي القنـــوات اإلعالميـــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرســـمية لخطابـــات تحريـــض ضـــد‬ ‫قنــوات وصحــف عربيــة تعاكــس وجهــة‬ ‫نظرهـــا للوضـــع السياســـي الحكومـــي‪.‬‬ ‫حقيقـــة تجعـــل مـــن المراســـلين‬ ‫الصحافييـــن مجموعـــة مـــن «أعـــداء‬ ‫الوطـــن»‪ ،‬هـــذا التوصيـــف الشـــهير‬ ‫ال ــذي أدمن ــت الس ــلطات ف ــي البل ــد عل ــى‬ ‫اس ــتخدامه إذا م ــا أرادت الحص ــول عل ــى‬ ‫منفـــذ خـــروج مـــن أزمـــة تواجههـــا‪.‬‬ ‫كيـــف يمكـــن الحديـــث عـــن حريـــة‬ ‫صحافـــة وإعـــام فـــي هـــذا المنـــاخ‬ ‫المح ــاط بالخط ــر م ــن كل جان ــب! يظه ــر‬ ‫ُ‬ ‫األمـــر كنـــوع مـــن التـــرف‪.‬‬ ‫لق ــد ع ــادت أب ــواب محاك ــم الصحاف ــة‬ ‫اليمنيـــة لتســـتقبل متهميـــن جـــدداً‪.‬‬ ‫كأن هـــذه المحاكـــم لـــم تشـــبع مـــن أكل‬ ‫ّ‬ ‫تاريخهـــا‪ ،‬أو كأن تاريخـــ ًا جديـــدًا قـــد‬ ‫انطل ــق م ــع طريق ــة جدي ــدة ف ــي التعام ــل‬ ‫مـــع أصحـــاب الســـلطة الرابعـــة‪ .‬فـــي‬ ‫اإلع ــام المكت ــوب مث ــل المرئ ــي‪ ،‬يواج ــه‬ ‫أصحـــاب الكلمـــة فـــي اليمـــن وضعـــ ًا‬ ‫‪8‬‬

‫صعبــ ًا للغاي ــة وص ــار م ــن الض ــروري‬ ‫التّدخ ــل إلنقاذه ــم‪ ،‬ول ــو حت ــى بتقدي ــم‬ ‫الحـــّد األدنـــى مـــن المســـاعدة‪ .‬فهـــم‬ ‫يحب ــون‬ ‫يتعب ــون ويكتب ــون ألنه ــم فق ــط ّ‬ ‫بلدهـــم‪.‬‬

‫سورية‪ :‬النعام والبوم‬ ‫أحمد عمر‬ ‫يقـــول ممـــدوح عـــدوان فـــي كتابـــه‬ ‫«حيونـــة اإلنســـان»‪ ،‬اإلعـــام الســـوري‬ ‫الرســـمي يكـــذب حتـــى فـــي أخبـــار‬ ‫ـتاء‪،‬‬ ‫الطقــس‪ ،‬الحــرارة معتدلــة صيف ًا شـ ً‬ ‫تش ــجيع ًا للس ــياحة أو أن الب ــرد والح ــر‬ ‫ال يج ــرؤان عل ــى دخ ــول س ــورية! ربم ــا‬ ‫يص ــدق عل ــى اإلع ــام الس ــوري‪ ،‬س ــابق ًا‬ ‫والحقـــ ًا اســـم «اإلجهـــال»؟ اإلعـــام‬ ‫النظام ــي كان بموظفي ــه المنحدري ــن م ــن‬ ‫مـــدارس القرابـــة‪ ،‬يواظـــب علـــى أمـــر‬ ‫واحـــد‪ :‬التنويـــم اإلعالمـــي‪ .‬لـــو توقـــف‬ ‫ع ــن ع ــزف أغني ــة الصم ــود والمقاوم ــة‬ ‫ظـــل يكـــرر وصـــف‬ ‫الســـتيقظ الشـــعب! ّ‬ ‫المظاهـــرات «بالمجســـمات» ســـنتين‬ ‫حتـــى تحولـــت ســـورية إلـــى أنقـــاض؟‬

‫كان يمكـــن للنظـــام بيـــع المقاومـــة‬ ‫والممانعـــة لـــوال أنـــه ارتبـــط بإيـــران‪.‬‬ ‫(نقـــا عـــن أحـــد‬ ‫فـــي أحـــد االجتماعـــات‬ ‫ً‬ ‫المترجميـــن المنشـــقين) أهـــان مديـــر‬ ‫التليفزيـــون اإليرانـــي بثينـــة شـــعبان‬ ‫إهانـــة كبيـــرة‪ ،‬تـــرك كرســـيه ووقـــف‬ ‫فـــوق رأســـها وصـــاح فيهـــا‪ ،‬ال أريـــد‬ ‫أن أســـمع منـــك كلمـــة علمانيـــة مـــرة‬ ‫ثانيـــة‪ ،‬أال تعلميـــن أن العلمانيـــة‬ ‫كفـــر «عندنـــا»‪ .‬هكـــذا حصـــل‪ .‬اإلعـــام‬ ‫الســـوري الرســـمي كان دومـــ ًا إعـــام‬ ‫نعامـــة‪ ،‬إنـــه إعـــام «باطنـــي» يجعـــل‬ ‫الحبـــة قبـــة‪ ،‬والقبـــة حبـــة‪ ،‬إعـــام‬ ‫توثينـــي للزعيـــم‪ ،‬يـــرى القشـــة فـــي‬ ‫عي ــون المعارضي ــن‪ ،‬وال ي ــرى الخش ــبة‬ ‫ف ــي عيني ــه‪ ،‬ثم ــت معارض ــون مهمته ــم‬ ‫معارضـــة المعارضـــة‪ ،‬يظهـــرون علـــى‬ ‫التليفزيـــون الرســـمي‪ .‬فـــي الجانـــب‬ ‫اآلخ ــر الش ــعبي‪ :‬حري ــة التعبي ــر تتغي ــر‬ ‫مــن قريــة إلــى قريــة‪ ..‬صحــف ومجــات‬ ‫المنفـــى «محليـــة» مناطقيـــة‪ ،‬وكثيـــرة‪،‬‬ ‫كان يمكـــن أن نعطـــش إلـــى قراءتهـــا‬ ‫لـــوال الحـــرب‪ .‬اإلذاعـــات الســـورية فـــي‬ ‫تركيـــا تزيـــد علـــى عشـــر‪ .‬ناشـــطون‬ ‫ملثم ــون عل ــى األخب ــار‪ ،‬أس ــماء ال ت ــزال‬ ‫مس ــتعارة عل ــى الفيس ــبوك‪ ،.‬حت ــى ف ــي‬ ‫تركي ــا‪ ..‬خوف ـ ًا عل ــى األه ــل ف ــي الوط ــن‪.‬‬


‫في ضيافة الرئيس‬

‫نواكشوط‪ :‬عبد اهلل ولد محمدو‬ ‫التــأم‪ ،‬بالعـــاصمة نواكشــوط‪ ،‬مؤخراً‪،‬‬ ‫شـــمل أربعمئـــة شـــاب فـــي ِلقـــاء مـــع‬ ‫الرئيـــس محمـــد ولـــد عبـــد العزيـــز‪ ،‬حمـــل‬ ‫ش ــعار‪« :‬لق ــاء الش ــباب والرئي ــس‪ ..‬أنت ــم‬ ‫األم ــل»‪ ،‬لتواج ــه األجي ــال الش ــابة رئيس ــها‬ ‫ف ــي ح ــوار امتــّد لع ــدة س ــاعات ف ــي يوم ــه‬ ‫األول بمقــر كليــة العلــوم والتقنيــات‪ ،‬قبــل‬ ‫أن يتواصـــل فـــي اليـــوم الثانـــي بالقصـــر‬ ‫الرئاســـي علـــى مائـــدة عشـــاء‪ ،‬أقامـــه‬ ‫الرئي ــس احتف ــاء بش ــباب حال ــم بمس ــتقبل‬ ‫أفضــل‪ .‬لقــاء أشــاد بــه بعــض المســؤولين‬ ‫وانتقدتـــه المعارضـــة باعتبـــاره ينـــدرج‬ ‫ضم ــن حمل ــة انتخابي ــة مس ــبقة للرئي ــس‬ ‫الحالـــي‪.‬‬ ‫بـــدأت فكـــرة اللقـــاء عندمـــا أطلقـــت‬ ‫الـــرئـاســــة الـــمــوقــــع اإللــكــــتــــروني‬ ‫‪ rencontrejeunes.org‬الـــذي يســـمح‬ ‫للشــباب بإرســال ســيرهم الذاتيــة وتقديــم‬ ‫اقتراحاتهـــم وتصوراتهـــم للتغييـــر نحـــو‬ ‫حيــاة فضلــى‪ .‬وقــد قامــت اللجنــة المشــرفة‬ ‫عل ــى ه ــذا الموق ــع بف ــرز آالف المش ــاريع‬ ‫المتقدمـــة‪ ،‬لتنتقـــي أربعمئـــة شـــاب‪ ،‬تـــم‬ ‫اختياره ــم ‪ -‬حس ــب القائمي ــن ‪ -‬بن ــاء عل ــى‬ ‫أهميـــة ومســـتوى المشـــاريع المقدمـــة‪،‬‬ ‫تمكنــوا فــي النهايــة مــن محــاورة الرئيــس‬ ‫ح ــول القضاي ــا التنموي ــة الكب ــرى لبلده ــم‬

‫وفـــق منظـــور كل واحـــد منهـــم‪ ،‬علـــى‬ ‫أس ــاس رؤاه الفكري ــة وكفاءات ــه العلمي ــة‪،‬‬ ‫بغ ــض النظ ــر ع ــن م ــكان إقامت ــه‪ ،‬س ــواء‬ ‫أكان فـــي الوطـــن أم خارجـــه ؟ أو طبيعـــة‬ ‫عالقت ــه بالدول ــة متقل ــدًا وظيف ــة حكومي ــة‬ ‫عاطـــا منهـــا‪ ،‬أو انتمائـــه السياســـي‬ ‫أو‬ ‫ً‬ ‫مناصـــرًا للســـلطة أو معارضـــ ًا لهـــا‪،‬‬ ‫وقـــد منـــح هـــذا التجـــرد مـــن االعتبـــارات‬ ‫السياســـية واالنفتـــاح علـــى مختلـــف‬ ‫الطبقــات الشــبابية طابعـ ًا شــمولي ًا أضفــى‬ ‫علـــى اللقـــاء صبغـــة موضوعيـــة رغـــم‬ ‫الريبـــة التـــي نظـــر إليـــه بهـــا مراقبـــون‪،‬‬ ‫رأوا فيـــه توظيفـــ ًا سياســـي ًا للشـــباب‪.‬‬ ‫وقـــد تراوحـــت التدخـــات الشـــبابية‬ ‫والـــردود عليهـــا مـــن قبـــل الرئيـــس بيـــن‬ ‫الحـــوار الهـــادئ الرتيـــب والمواجهـــة‬ ‫العاصفـــة‪ ،‬إذ شـــكلت بعـــض التدخـــات‬ ‫الحـــادة‪،‬‬ ‫المحاجـــة‬ ‫الشـــبابية نوعـــ ًا مـــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فـــإذا كان بعـــض مـــن ينتقيهـــم الرئيـــس‬ ‫للحديـــث بطريقـــة عشـــوائية قـــد آثـــروا‬ ‫طــرح تصوراتهــم ورؤاهــم بحضــرة الســيد‬ ‫الرئيــس بأســلوب رزيــن وادع فــإن انتــزاع‬ ‫األســـتاذ الشـــاب‪ :‬المعلـــوم ولـــد أوبـــك‬ ‫للحديـــث عنـــوة ومقارعـــة الرئيـــس ّإيـــاه‬ ‫الح ّجــة بالحجــة كان أقــرب إلــى المناظــرة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فقــد اســتدعاه الرئيــس لمحاورتــه والحديث‬ ‫معــه عــن قــرب‪ ،‬ليندفــع فــي انتقــاد تــردي‬ ‫أوض ــاع األس ــتاذ المادي ــة‪ ،‬مم ــا اس ــتدعى‬ ‫مـــن الرئيـــس االســـتعانة بأســـتاذ فـــي‬

‫القاعــة يمــرر مــن خاللــه التطــور الحاصــل‬ ‫ف ــي تنام ــي دخ ــل األس ــتاذ عب ــر الس ــنوات‬ ‫ليدف ــع األس ــتاذ الخصي ـ ُـم ه ــذا‬ ‫الماضي ــة‪َ ،‬‬ ‫النمـــو بمضاعفـــة األســـعار‪ ،‬فيـــرد عليـــه‬ ‫الرئيـــس بـــأن قضيـــة األســـعار عالميـــة‬ ‫أمـــا بكلمتـــه‬ ‫تـــارك ًا لـــه فـــي النهايـــة‬ ‫ً‬ ‫الختاميـــة‪« :‬رســـالتك وصلـــت»‪.‬‬ ‫وفعـــا وصلـــت رســـائل عديـــدة إلـــى‬ ‫ً‬ ‫الرئي ــس ل ــم يك ــن بعضه ــا ف ــي الحس ــبان‪،‬‬ ‫ولع ــل الرس ــالة األكث ــر طراف ــة تل ــك الت ــي‬ ‫حملهـــا طفـــل لـــم تتجـــاوز ســـنه أربعـــة‬ ‫عشـــر ربيعـــ ًا عـــّد اســـتثناء للمجـــال‬ ‫العمـــري المحـــدد لهـــذا اللقـــاء (‪)40 - 18‬‬ ‫قائـــا‪:‬‬ ‫فقـــد خاطـــب هـــذا الطفـــل الرئيـــس‬ ‫ً‬ ‫«اآليف ــون»‬ ‫«الس ــيد الرئي ــس نح ــن ش ــباب ْ‬ ‫و«اآليبـــاد» نطالـــب أساســـ ًا بدمـــج‬ ‫ْ‬ ‫المعلوماتيـــة فـــي التعليـــم األساســـي»‪.‬‬ ‫لقـــد تـــوزع الشـــباب فـــي القصـــر‬ ‫الرئاس ــي حس ــب االختص ــاص عل ــى ع ــدة‬ ‫ورشـــات لمناقشـــة المشـــاريع الثقافيـــة‬ ‫الشـــبابية‪ ،‬حيـــث شـــملت مختلـــف‬ ‫القطاع ــات الحيوي ــة كالتعلي ــم والتكوي ــن‬ ‫المهنـــي والتشـــغيل واإلعـــام والحريـــات‬ ‫والسياســـة والمجتمـــع المدنـــي والقضـــاء‬ ‫والدي ــن والمجتم ــع والثقاف ــة والرياض ــة‪،‬‬ ‫وفـــي النهايـــة تـــا كل فريـــق شـــبابي مـــا‬ ‫ي ــراه م ــن توصي ــات واقتراح ــات للنه ــوض‬ ‫بالقطـــاع المـــوكل إليـــه أمـــام الرئيـــس‬ ‫الـــذي آثـــر أن يخلّـــد هـــذا اللقـــاء بالتقـــاط‬ ‫صـــور تذكاريـــة مـــع فتيـــان وفتيـــات‬ ‫كل ورشـــة علـــى حـــدة‪ ،‬طالعـــ ًا علـــى‬ ‫جمه ــوره الش ــبابي بق ــرار رئاس ــي ينش ــئ‬ ‫مجلس ـ ًا أعلــى للشــباب عهــد إليــه بمتابعــة‬ ‫تصـــورات واقتراحـــات هـــذا اللقـــاء‪.‬‬ ‫إن فكـــرة لقـــاء الرئيـــس مـــع مئـــات‬ ‫الش ــباب عل ــى انف ــراد ف ــي ح ــوار مفت ــوح‬ ‫حــول مختلــف القضايــا الثقافيــة والتنمويــة‬ ‫لبلدهــم بــدت فــي الواقــع ســانحة اســتقبلها‬ ‫والمدونيـــن علـــى‬ ‫كثيـــر مـــن الكتـــاب‬ ‫ّ‬ ‫بس ــاط الصفح ــات الورقي ــة واإللكتروني ــة‬ ‫الموريتانيـــة بالترحـــاب إال أن الشـــباب‬ ‫الخارجيـــن مـــن هـــذا اللقـــاء بالرغـــم مـــن‬ ‫عرفانه ــم بجمي ــل ك ــرم الضياف ــة الرئاس ــية‬ ‫ورحاب ــة ص ــدر الس ــيد المضي ــف ال يزال ــون‬ ‫يتطلعـــون لمســـتقبل بلدهـــم بكثيـــر مـــن‬ ‫الحيـــرة والترقـــب‪.‬‬ ‫‪9‬‬


‫مجمع اللغة العربية في دورته الثمانين‬ ‫سياسة التعريب‬

‫القاهرة‪ :‬محمد عويس‬ ‫بـــدأ مجمـــع اللغـــة العربيـــة مؤتمـــره‬ ‫الســـنوي فـــي دورتـــه الثمانيـــن بمصـــر‪،‬‬ ‫ُمتخ ــذًا م ــن موض ــوع «التعري ــب» عنوانــ ًا‬ ‫لــه‪ ،‬وقــد ســبق للمجمــع طــرح الموضــوع‬ ‫نفســـه فـــي مؤتمـــر ســـابق؛ باعتبـــار‬ ‫التعري ــب قضي ــة قومي ــة‪ ،‬وتب ــدو الحاج ــة‬ ‫إلي ــه أل ــزم عندم ــا يتص ــل األم ــر بتعري ــب‬ ‫العل ــوم‪ ،‬بالرغ ــم م ــن الموق ــف المؤس ــف‬ ‫الـــذي اتخذتـــه لجنـــة قطـــاع الدراســـات‬ ‫الطبيـــة بالمجلـــس األعلـــى للجامعـــات‬ ‫المصريـــة فـــي يناير‪/‬كانـــون الثانـــي‬ ‫الماضـــي حيـــن أوصـــت برفـــض مبـــدأ‬ ‫تعريـــب العلـــوم‪ ،‬ويظـــل هـــذا الموقـــف‬ ‫خروجــ ًا عل ــى كل م ــا انته ــت إلي ــه مواق ــف‬ ‫المجمـــع وســـائر المجامـــع العربيـــة‪،‬‬ ‫ـوري ال ــذي ق ــام‬ ‫وم ــن بينه ــا المجم ــع الس ـ ّ‬ ‫بتعريـــب العلـــوم الطبيـــة؛ لذلـــك كانـــت‬ ‫ش ــكوى رئي ــس المجم ــع الدكت ــور حس ــن‬ ‫الشـــافعي فـــي بـــدء كلمتـــه االفتتاحيـــة‬ ‫ُمخاطبـــ ًا الحضـــور بقولـــه‪« :‬إن الـــذي‬ ‫نشـــكوه فـــي الحقيقـــة أيهـــا الســـادة هـــو‬ ‫تراجـــع الشـــعور العـــام باالعتـــزاز بهـــذه‬ ‫اللغـــة الشـــريفة – لغـــة القـــرآن الكريـــم‪،‬‬ ‫والتـــراث الحضـــاري العربـــي‪ ،‬وعنـــوان‬ ‫الواقـــع الوجـــودي لألمـــة العربيـــة‪ .‬ال‬ ‫الق ــادة المس ــؤولون يرع ــون حرم ــة اللغ ــة‬ ‫القومي ــة وكرامته ــا كم ــا كان أس ــافهم ف ــي‬ ‫‪10‬‬

‫الكت ــاب واإلعالمي ــون‬ ‫أجي ــال س ــابقة‪ ،‬وال ُ‬ ‫الذيـــن ُينـــاط بهـــم‪ ،‬فـــي مجتمعـــات‬ ‫أخـــرى – قيـــادة الفكـــر‪ ،‬وصفـــاء لغتـــه‪،‬‬ ‫وال الشـــباب المفتونـــون بثـــورة العصـــر‬ ‫التقنيـــة والمعرفيـــة يعرفـــون لغتهـــم‬ ‫بالقـــدر الـــذي يتيـــح لحياتنـــا القوميـــة‬ ‫والوطنيـــة أن تطـــرد وتشـــارك فـــي‬ ‫مســـيرة الحضـــارة اإلنســـانية العالميـــة‪.‬‬ ‫عـــدم االعتـــزاز بالعربيـــة‪ ،‬بـــل هوانهـــا‬ ‫ف ــي عق ــر داره ــا‪ ،‬عل ــى مختل ــف األصع ــدة‬ ‫الرســـمية واالجتماعيـــة والثقافيـــة‪ ،‬هـــو‬ ‫الـــداء العيـــاء الـــذي ينخـــر فـــي وجودنـــا‬ ‫القومـــي‪ ،‬ويهـــدد وجودنـــا اإلنســـاني‬ ‫نفســـه»‪.‬‬ ‫وبحســب فــاروق شوشــة األميــن العــام‬ ‫للمجمـــع فـــإن هـــذه الـــدورة المجمعيـــة‬ ‫يحـــق أن يطلـــق عليهـــا دورة اإلنجـــاز‪،‬‬ ‫كل مياديـــن العمـــل‬ ‫وهـــو إنجـــاز شـــمل َّ‬ ‫المجمعـــي‪ ،‬وإذا كان العمـــل المعجمـــي ‪-‬‬ ‫ف ــي مجال ــي اللغ ــة والعل ــوم المختلف ــة ‪-‬‬ ‫يمثــل ذروة األداء المجمعــي‪ ،‬الــذي تصــب‬ ‫فيــه جهــود لجــان المجمــع كافـ ًـة‪ ،‬وتتمثــل‬ ‫فيـــه تلبيـــة مطالـــب المجمـــع والنـــاس‪،‬‬ ‫فـــي جعـــل اللغـــة وافيـــة باحتياجـــات‬ ‫العص ــر‪ ،‬وأول ه ــذه اإلنج ــازات‪ :‬تحدي ــث‬ ‫(المعجـــم الوســـيط) الـــذي يمثـــل تـــاج‬ ‫المعاجـــم العربيـــة الحديثـــة‪ ،‬تمهيـــدًا‬ ‫لطبعـــه ونشـــره وهـــو تحديـــث يســـتمد‬ ‫أهميتـــه البالغـــة مـــن حيـــث كونـــه‬

‫التحدي ــث األول ف ــي تاري ــخ ه ــذا المعج ــم‬ ‫ال ــذي يس ــتعمله الجمه ــور من ــذ أكث ــر م ــن‬ ‫نص ــف ق ــرن دون أي تغيي ــر ف ــي مادت ــه‪.‬‬ ‫أم ــا المعج ــم الكبي ــر ال ــذي ب ــدأ العم ــل في ــه‬ ‫من ــذ أكث ــر م ــن س ــبعين عاماً‪-‬فق ــد ص ــدرت‬ ‫منـــه حتـــى اآلن تســـعة أجـــزاء تضـــم‬ ‫الحـــروف مـــن الهمـــزة إلـــى القســـم األول‬ ‫م ــن ح ــرف ال ــراء‪ ،‬ج ــاء ق ــرار المجم ــع ف ــي‬ ‫الع ــام الماض ــي‪ ،‬وإعالن ــه ع ــن ض ــرورة‬ ‫اإلســراع فــي اإلنجــاز مــع المحافظــة علــى‬ ‫منهجيت ــه ومتطلبات ــه‪ ،‬بحي ــث ال يس ــتغرق‬ ‫باق ــي العم ــل أكث ــر م ــن خم ــس س ــنوات‪،‬‬ ‫كم ــا ت ــم العم ــل ف ــي المعج ــم الموضوع ــي‬ ‫المصـــور للطفـــل العربـــي‪ ،‬وهـــو معجـــم‬ ‫ناطـــق‪ ،‬يســـاعد الطفـــل علـــى الضبـــط‬ ‫الســـليم والنطـــق الصحيـــح‪ .‬وكذلـــك‬ ‫معجــم لغــة الشــعر العربــي‪ ،‬بوصفــه أول‬ ‫معج ــم ف ــي العربي ــة ُيخض ــع لغ ــة الش ــعر‬ ‫للدراس ــة والتحلي ــل‪ .‬وق ــد أوش ــك الج ــزء‬ ‫األول مـــن هـــذا المعجـــم علـــى االكتمـــال‪.‬‬ ‫إنج ــازات المجم ــع األخي ــرة ‪ -‬ف ــي مج ــال‬ ‫المعاجـــم العلميـــة ‪ -‬صـــدور أول «معجـــم‬ ‫للحش ــرات» وه ــو أول معج ــم يص ــدر ف ــي‬ ‫هـــذا المجـــال باللغـــة العربيـــة‪ ،‬وســـبقه‬ ‫إلـــى الظهـــور معجـــم التاريـــخ واآلثـــار‪،‬‬ ‫ومعجـــم الجغرافيـــا‪.‬‬ ‫وتوزعـــت فعاليـــات الـــدورة الثمانيـــن‬ ‫علـــى المحـــاور التاليـــة‪ :‬حاجتنـــا إلـــى‬ ‫التعريـــب‪ ،‬التعريـــب قضيـــة قوميـــة‪،‬‬


‫تعريـــب العلـــوم‪ ،‬التعريـــب فـــي التعليـــم‬ ‫الجامع ــي‪ ،‬التعري ــب والتنمي ــة اللغوي ــة‪،‬‬ ‫اللغـــة العربيـــة فـــي عصـــر العولمـــة‪،‬‬ ‫مشـــكالت التعريـــب‪ ،‬التعريـــب وتحديـــث‬ ‫اللغـــة العربيـــة‪ ،‬التعريـــب والتفاعـــل‬ ‫الحض ــاري‪ ،‬توحي ــد المصطل ــح العلم ــي‪،‬‬ ‫تنســـيق جهـــود المجامـــع والهيئـــات‬ ‫المعنيـــة باللغـــة العربيـــة‪ ،‬والتـــراث‬ ‫العرب ــي والتعري ــب ف ــي عص ــور العربي ــة‬ ‫األولـــى‪ .‬وقـــد شـــارك فـــي المؤتمـــر‬ ‫مـــع أعضـــاء المجمـــع مـــن داخـــل مصـــر‬ ‫وخارجهـــا‪ ،‬واألعضـــاء المراســـلين‬ ‫العـــرب واألجانـــب‪ ،‬وخبـــراء المجمـــع‬ ‫المصرييـــن صفـــوة العلمـــاء فـــي اللغـــة‬ ‫واألدب ومختلـــف العلـــوم والفنـــون مـــن‬ ‫مصـــر ومـــن دول‪ :‬الســـعودية‪ ،‬الكويـــت‪،‬‬ ‫ســـلطنة عمـــان‪ ،‬قطـــر‪ ،‬اليمـــن‪ ،‬األردن‪،‬‬ ‫فلس ــطين‪ ،‬س ــورية‪ ،‬الع ــراق‪ ،‬الس ــودان‪،‬‬ ‫ليبيـــا‪ ،‬الجزائـــر‪ ،‬تونـــس‪ ،‬المغـــرب‪،‬‬ ‫موريتانيـــا‪ ،‬أميـــركا‪ ،‬روســـيا‪ ،‬المجـــر‪،‬‬ ‫إنجلتـــرا‪ ،‬تركيـــا‪ ،‬هولنـــدا‪ ،‬رومانيـــا‪،‬‬ ‫الس ــنغال‪ ،‬نيجري ــا‪ ،‬إندونيس ــيا‪ ،‬الصي ــن‪،‬‬ ‫باكس ــتان‪ ،‬أوزبكس ــتان‪ ،‬الياب ــان‪ ،‬الهن ــد‪،‬‬ ‫أذربيجـــان وكازاخســـتان‪.‬‬ ‫وق ــدم الدكت ــور حس ــن بش ــير صدي ــق‪-‬‬ ‫عضـــو المجمـــع المراســـل عـــن الســـودان‬ ‫القومـــي‬ ‫دراســـة شـــاملة عـــن (المشـــروع‬ ‫ّ‬ ‫ولي ــة)‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫إلنش ــاء ش ــهادة اللّغ ــة‬ ‫العربي ــة ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفتـــ ًا إلـــى أننـــا فـــي هـــذا األمـــر لســـنا‬

‫الحيـــة المعاصـــرة‬ ‫ِبْدعـــاً؛‬ ‫ّ‬ ‫فـــكل األمـــم ّ‬ ‫ُتعن ــى بش ـ ٍ‬ ‫عالمي ـ ٍـة للغته ــا؛ وق ــد ت ــم‬ ‫ـهادة‬ ‫ّ‬ ‫مناقشــة صيغــة وآليــات المشــروع للعمــل‬ ‫تمهيـــدًا إلطالقـــه وتنفيـــذه بالمشـــاركة‬ ‫مـــع ســـائر الهيئـــات المعنيـــة‪ :‬عربيـــة‬ ‫ودولي ــة‪ ،‬وأش ــارت د‪ .‬وف ــاء كام ــل فاي ــد‬ ‫الخبيـــرة بلجنـــة اللهجـــات والبحـــوث‬ ‫اللغويـــة فـــي دراســـتها (الفتـــات الشـــارع‬ ‫التجـــاري فـــي المشـــرق العربـــي بيـــن‬ ‫العربيـــة والتغريـــب) إلـــى أن التغريـــب‬ ‫يشـــكل ظاهـــرة واضحـــة فـــي الشـــارع‬ ‫العرب ــي حي ــث تمث ــل أق ــل نس ــب للتغري ــب‬ ‫فـــي األردن‪ ،% 4.18 :‬ثـــم سـوريــــة‪:‬‬ ‫‪ % 7.82‬فمــ ــصر‪ .% 9.66 :‬تب ــدو أعل ــى‬ ‫نس ــب المئوي ــة للتغري ــب ف ــي لبن ــان ‪56.2‬‬ ‫‪ %‬فالبحريـــن ‪ ،% 23.89‬ثــــم الكــــويت‬ ‫‪ .% 20.29‬بينمـــا تمـــس أعلـــى نســـب‬ ‫التغريـــب فـــي األنشـــطة المعلوماتيـــة‬ ‫والســـياحية والترفيهيـــة‪ ،‬وتبـــدو أقـــل‬ ‫نســـب التغريـــب فـــي األنشـــطة الخاصـــة‬ ‫بالخدمـــات‪ ،‬وتجـــارة المـــواد الغذائيـــة‬ ‫واالســـتهالكية‪ ،‬واألنشـــطة الحرفيـــة‪.‬‬ ‫كم ــا يتجس ــد التغري ــب ف ــي خم ــس ص ــور‪:‬‬ ‫اس ــتعمال الح ــروف أو األرق ــام األجنبي ــة‪،‬‬ ‫نقــل الكلمــة بحــروف عربيــة‪ ،‬نحــت كلمــة‬ ‫م ــن كلمتي ــن أجنبيتي ــن أو أكث ــر‪ ،‬تركي ــب‬ ‫أجنبـــي مـــن كلمتيـــن أو أكثـــر وتركيـــب‬ ‫عربـــي مشـــوه‪.‬‬ ‫وق ــد أوص ــى المش ــاركون ف ــي المؤتم ــر‬

‫بضـــرورة العمـــل علـــى زيـــادة نســـبة‬ ‫الرْقمـــي بالعربيـــة علـــى‬ ‫المحتـــوى َّ‬ ‫اإلنترنــت وهــو أمــر يتطلــب جهــودًا كبيــرة‬ ‫علــى المســتوى اللغــوي‪ ،‬وعلــى مســتوى‬ ‫تقنيـــة المعلومـــات وعلـــى مســـتوى‬ ‫دراســـات المســـتفيدين‪ ،‬حتـــى يصبـــح‬ ‫تعام ــل الجامع ــات وال ــوزارات والمجام ــع‬ ‫والهيئـــات فـــي الـــدول العربيـــة باللغـــة‬ ‫العربيـــة‪ ،‬ويتحقـــق تكامـــل المعلومـــات‬ ‫فـــي كل المواقـــع لتكـــون متاحـــة باللغـــة‬ ‫العربي ــة أم ــام الباح ــث العرب ــي‪ ،‬ويصب ــح‬ ‫للعربي ــة مكانته ــا عل ــى الش ــبكة الدولي ــة‪،‬‬ ‫وه ــو أح ــد تحدي ــات المس ــتقبل م ــن أج ــل‬ ‫أن تكـــون العربيـــة مـــن بيـــن اللغـــات‬ ‫العالميـــة الكبـــرى فـــي نقـــل المعلومـــات‬ ‫عبـــر التقنيـــات المتقدمـــة‪ ،‬والتصـــّدي‬ ‫لظاه ــرة الثنائي ــة اللغوي ــة‪ ،‬بالعم ــل عل ــى‬ ‫التقريـــب بيـــن المســـتويات الفصيحـــة‬ ‫للغـــة ومســـتويات اللهجـــات‪ ،‬وهـــو أمـــر‬ ‫يحق ــق القض ــاء عل ــى ظاه ــرة األمي ــة ف ــي‬ ‫المجتمعــات العربيــة‪ ،‬واالهتمــام بتطويــر‬ ‫التعلي ــم وجعل ــه ف ــي مس ــتوى احتياج ــات‬ ‫العصـــر ومطالبـــه‪ ،‬وتحقيـــق التنســـيق‬ ‫ف ــي المنظوم ــة التربوي ــة بحي ــث تصب ــح‬ ‫العربيـــة الفصيحـــة هـــي المســـتعملة‬ ‫فـــي الكتـــب والمراجـــع وفـــي العمليـــة‬ ‫التعليميـــة شـــرح ًا ومناقشـــة ومناشـــط‬ ‫وفعاليـــات‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫بوابة الفردوس!‬

‫بنغازي‪ :‬محمد األصفر‬ ‫الســـاحل المتوســـطي الطويـــل‬ ‫واالنفـــات األمنـــي فـــي الداخـــل وفـــي‬ ‫دول الج ــوار عام ــان س ــاهما ف ــي جع ــل‬ ‫ليبيـــا معبـــرًا آمنـــ ًا للمهاجريـــن غيـــر‬ ‫الش ــرعيين‪ ،‬الراغبي ــن ف ــي بل ــوغ ضف ــة‬ ‫الفـــردوس األوروبـــي‪.‬‬ ‫تحولـــت ليبيـــا إلـــى مرتـــع‬ ‫فقـــد ّ‬ ‫خصـــب لتنشـــيط عمليـــات الهجـــرة‬ ‫غيـــر الشـــرعية‪ ،‬حيـــث يتـــم تجميـــع‬ ‫الراغبي ــن ف ــي بل ــوغ الس ــاحل اإليطال ــي‬ ‫خصوص ـاً‪ ،‬م ــن مختل ــف الجنس ــيات ف ــي‬ ‫مـــزارع مـــدن باتـــت معروفـــة وشـــهيرة‬ ‫كمدينـــة إجدابيـــا وضواحيهـــا‪ ،‬ومدينـــة‬ ‫زوارة كنقط ــة انط ــاق لمعظ ــم المراك ــب‬ ‫المتهالكـــة القاصـــدة شـــواطئ جزيـــرة‬ ‫انبيـــدوزا‪.‬‬ ‫ســـألنا الروائـــي اإلريتـــري أبوبكـــر‬ ‫حامــد كهــال صاحــب روايــة «تيتانيــكات‬ ‫إفريقيـــة»(‪ ،)2008‬الـــذي عايـــش‬ ‫المأســـاة عـــن قـــرب فقـــال‪:‬‬ ‫«ال زلـــت عاجـــزًا عـــن صياغـــة ذلـــك‬ ‫الســـؤال الـــذي أريـــد طرحـــه حـــول‬ ‫الهجـــرة‪ ،‬وخاصـــة ذلـــك المرتبـــط‬ ‫بجانـــب المغامـــرة منهـــا‪ .‬وعـــن ماهيـــة‬ ‫ذلـــك المهاجـــر المغامـــر الـــذي تعلمـــه‬ ‫‪12‬‬

‫الخطـــوة األولـــى التمـــرن علـــى تهيئـــة‬ ‫النفــس علــى دفــع الضريبــة‪ ،‬والوصــول‬ ‫لمرحلـــة تقبـــل كل النتائـــج‪ ،‬بمـــا فيهـــا‬ ‫فقـــد الحيـــاة‪ ،‬التـــي قـــد تحـــدث فـــي أي‬ ‫وقـــت مـــن الرحلـــة‪ .‬إن ركـــوب البحـــر‬ ‫ف ــي تل ــك المراك ــب المتهالك ــة أو الس ــير‬ ‫فـــي متاهـــات الصحـــارى يشـــبه لعبـــة‬ ‫الـ(روليـــت الروســـية)‪ .‬والمغامـــر ال‬ ‫يكتــرث كثيــرًا بالضريبــة مــادام المســعى‬ ‫هــو التحــرر مــن قيــود المــكان والزمــان!‬ ‫ول ــو ص ــادف وأن نج ــوت م ــن الرولي ــت‬ ‫ووصلـــت لذلـــك المـــكان الـــذي كان فـــي‬ ‫الخيـــال لـــن تجـــد نفســـك األولـــى‪ ،‬وال‬ ‫روح ــك األول ــى أن ــت المغام ــر ال ــذي هن ــا‬ ‫غي ــر ذاك ال ــذي كنتـــه‪ .‬وال تع ــرف أب ــدًا‬ ‫ـن الش ــخصيتين تح ــب ؟ ه ــل تح ــب‬ ‫ـن ِم ـ ْ‬ ‫َم ـ ْ‬ ‫أنـــت األولـــى أم أنـــت الجديـــدة ؟»‪.‬‬ ‫وفـــي الســـياق ذاتـــه التقينـــا فـــي‬ ‫بنغ ــازي برج ــل أم ــن تعاط ــى كثي ــرًا م ــع‬ ‫ملـــف الهجـــرة غيـــر الشـــرعية ورفـــض‬ ‫اإلفصـــاح عـــن اســـمه لـــدواع أمنيـــة‬ ‫مصرحـــاً‪:‬‬ ‫«مافيـــا الهجـــرة غيـــر الشـــرعية‬ ‫المحليـــة هـــي أحـــدى أذرع األخطبـــوط‬ ‫الدول ــي للنخاس ــة المعاص ــرة‪ ،‬وتترب ــع‬ ‫داخليـ ًا فــي ليبيــا علــى قمــة ســوق ماليــة‬ ‫بمئ ــات الماليي ــن وتترك ــز عملي ــات ه ــذه‬

‫العصاب ــات ف ــي مدين ــة زوارة المتواف ــرة‬ ‫عل ــى مين ــاء صي ــد غ ــرب البل ــد‪ ،‬وتعتب ــر‬ ‫ه ــي العص ــب الرئيس ــي له ــذه التج ــارة‪،‬‬ ‫حيـــث تتـــراوح أربـــاح العصابـــات فـــي‬ ‫كل مرك ــب م ــا بي ــن رب ــع ملي ــون دين ــار‬ ‫ليب ــي إل ــى نص ــف الملي ــون دين ــار ليب ــي‬ ‫ف ــي الرحل ــة الواح ــدة‪ ،‬تدف ــع منه ــا ربم ــا‬ ‫عشـــرون ألفـــ ًا ثمـــن المركـــب وحوالـــي‬ ‫عشـــرين إلـــى ثالثيـــن ألفـــ ًا للقبطـــان‬ ‫(الريـــس)‪ .‬ثـــم هنـــاك بوابـــة الصحـــراء‬ ‫مدينـــة إجدابيـــا وهـــي نقطـــة تجميـــع‬ ‫وتخزي ــن للم ــادة البش ــرية أي أن ــه يت ــم‬ ‫جل ــب الراغبي ــن ف ــي الهج ــرة وإيواؤه ــم‬ ‫بالمئـــات فـــي مـــزارع خاصـــة ويتـــم‬ ‫أحيانـــ ًا إيواؤهـــم لعـــدة أشـــهر حتـــى‬ ‫تتهيـــأ الظـــروف المناســـبة لتهريبهـــم‬ ‫بـــرًا ثـــم بحـــراً‪ .»..‬ويضيـــف المتحـــدث‬ ‫نفســـه‪« :‬نظـــام الديكتاتـــور األســـبق‬ ‫القذافـــي اســـتغل ملـــف المهاجريـــن‬ ‫غيـــر الشـــرعيين ألغـــراض سياســـية‪،‬‬ ‫للضغـــط علـــى دول أوروبيـــة كـــي‬ ‫تدعم ــه سياس ــي ًا أو تغ ــض الط ــرف ع ــن‬ ‫قضيـــة مـــا»‪.‬‬ ‫م ــن جهت ــه‪ ،‬ي ــرى جمع ــة الوازن ــي‪،‬‬ ‫رئيـــس تحريـــر جريـــدة «الحقيقـــة»‪،‬‬ ‫المهتـــم بالقضيـــة ذاتهـــا‪ ،‬أن الهجـــرة‬ ‫غيـــر الشـــرعية‪« :‬لهـــا أســـباب مزاجيـــة‬


‫غريزيـــة ضمـــن حســـاباتها الجنـــس‬ ‫والت ــرف والترفي ــه والمل ــذات ومغيب ــات‬ ‫الوعـــي‪ ..‬كثيـــر ممـــن يعبـــر البحـــر‬ ‫مثـــا‬ ‫مـــن مناطـــق شـــمال المتوســـط‬ ‫ً‬ ‫يعبـــر لهـــذا الســـبب‪ ..‬حيـــث نجحـــوا‬ ‫فـــي الهجـــرة مـــن بقاعهـــم فـــي دواخـــل‬ ‫إفريقي ــا واس ــتقروا عل ــى ش ــاطئ البح ــر‬ ‫وتواف ــرت له ــم مص ــادر العم ــل والعي ــش‬ ‫الكريـــم‪ ..‬لكنهـــم فـــي نهمهـــم لطلـــب‬ ‫المزيـــد مـــن (الملـــذات) ركبـــوا البحـــر‪..‬‬ ‫وركـــوب البحـــر باتجـــاه أوروبـــا ال‬ ‫عالقـــة لـــه (حصريـــاً) بطلـــب العيـــش‪..‬‬ ‫ومـــن أصـــل كل (‪ )10‬مهاجريـــن مـــن‬ ‫دواخـــل إفريقيـــا‪ )7( ..‬منهـــم يغـــادرون‬ ‫الشـــمال أو يقضـــون نحبهـــم وهـــم‬ ‫يحاولـــون»‪.‬‬ ‫وبزيـــارة ألحـــد مراكـــز احتجـــاز‬ ‫مهاجريـــن غيـــر شـــرعيين بوســـط‬ ‫بنغـــازي وقفنـــا علـــى الحالـــة الصعبـــة‬ ‫الت ــي يعيش ــها ه ــؤالء‪ .‬وح ــول األم ــراض‬ ‫والظـــروف الصحيـــة التـــي يعيشـــها‬ ‫المهاج ــرون غي ــر الش ــرعيين ف ــي مراك ــز‬ ‫اإليـــواء واالحتجـــاز يقـــول الكاتـــب‬ ‫والطبيـــب جبريـــل العبيـــدي المتعـــاون‬ ‫مـــع منظمـــة شـــؤون الالجئيـــن‬ ‫‪« :UNCHR‬الهجـــرة غيـــر الشـــرعية‬ ‫وإن كانـــت التســـمية فـــي ذاتهـــا تفـــوح‬

‫منهـــا العنصريـــة تجـــاه فئـــة أجبرتهـــا‬ ‫الظـــروف للهجـــرة وعبـــور الحـــدود‪،‬‬ ‫ســواء كان الجــوع مــا دفعهــا أم الحــروب‬ ‫والنزاعــات ولكــن هــذا ال يحصنهــا تجــاه‬ ‫تس ــببها ف ــي مش ــاكل صحي ــة وانتش ــار‬ ‫أوبئـــة وأمـــراض مـــن بيئـــة إلـــى بيئـــة‬ ‫أخ ــرى ج ــراء التغيي ــر الديمغراف ــي ال ــذي‬ ‫تس ــببت في ــه مم ــا س ــاعد عل ــى انتش ــار‬ ‫بع ــض األم ــراض كاإلي ــدز‪ ،‬والس ــارس‪،‬‬ ‫والتهـــاب الكبـــد الوبائـــي (ب‪ ،‬ج)‬ ‫والتهابـــات الجهـــاز التنفســـي ومنهـــا‬ ‫الس ــل الرئ ــوي وإس ــهاالت واضطراب ــات‬ ‫معوي ــة وأم ــراض جلدي ــة‪ .‬وك ــون ليبي ــا‬ ‫وموقعهـــا الجغرافـــي جعـــل منهـــا ممـــرًا‬ ‫كبيـــرًا للهجـــرة غيـــر الشـــرعية فقـــد‬ ‫تس ــبب ذل ــك ف ــي عب ــور أم ــراض بعضه ــا‬ ‫غيـــر مســـتوطنة فـــي البيئـــة الليبيـــة‬ ‫فـــي ظـــل ضعـــف المنظومـــة الصحيـــة‬ ‫وهشاشـــة بنيتهـــا التحتيـــة‪ ..‬كمـــا أن‬ ‫المنظم ــات ذات العالق ــة بالهج ــرة ومنه ــا‬ ‫المفوضيـــة الســـامية لألمـــم المتحـــدة‬ ‫لشـــؤون الالجئيـــن التـــي تهـــدف إلـــى‬ ‫توفيـــر الحمايـــة الدوليـــة لالجئيـــن‬ ‫وإيجـــاد الحلـــول الدائمـــة لقضاياهـــم‬ ‫ ومـــن خـــال تعاملـــي الســـابق مـــع‬‫المنظمـــة ‪ -‬اتضـــح أنهـــا تعانـــي مـــن‬ ‫العديــد مــن المشــاكل ومنهــا عــدم قدرتهــا‬

‫بش ــكل فع ــال عل ــى مس ــاعدة الس ــلطات‬ ‫الصحي ــة الليبي ــة ف ــي من ــع أو الس ــيطرة‬ ‫علــى الحالــة الصحيــة لالجئيــن وتوفيــر‬ ‫حجـــر صحـــي للحـــاالت التـــي يتـــم‬ ‫الكشــف المبكــر عليهــا ضمــن الالجئيــن»‪.‬‬ ‫ورغـــم تعـــدد أســـباب الهجـــرة‬ ‫ومشــاكلها إال أنهــا تظــل قضيــة إنســانية‬ ‫تـــؤرق عـــددًا مـــن الهيئـــات الدوليـــة‬ ‫اإلنس ــانية وتف ــرض عليه ــا البح ــث ع ــن‬ ‫حلـــول لهـــا‪ ،‬فالمهاجـــر إنســـان يحمـــل‬ ‫معـــه ماضيـــه المتســـربل فـــي العـــذاب‬ ‫واأللـــم وشـــتى أنـــواع القلـــق‪ ..‬ويرنـــو‬ ‫فـــي ذات الوقـــت إلـــى مســـتقبل يزهـــو‬ ‫بأح ــام ق ــد تج ــيء وق ــد ال تج ــيء‪ .‬بي ــن‬ ‫الماضـــي المؤلـــم والمســـتقبل الغامـــض‬ ‫ينطلـــق المهاجـــر فـــي رحلـــة تبـــدأ مـــن‬ ‫لحظ ــة غائ ــرة ف ــي ذات ــه‪ ،‬لحط ــة تن ــزف‬ ‫مــن رغبــة الحيــاة نفســها‪ ،‬الحيــاة التــي‬ ‫صـــارت تدفعـــه عنـــوة إلـــى الرحيـــل‪.‬‬ ‫حيـــن يهاجـــر المهاجـــر تتبعـــه سلســـلة‬ ‫طويلـــة مـــن الذكريـــات‪ .‬تقفـــز فـــوق‬ ‫بعضهـــا البعـــض وتفعـــل فـــي حماســـة‬ ‫قلب ــه أل ــق الع ــودة قب ــل أن يص ــل إل ــى‬ ‫غايت ــه‪ ..‬الفك ــرة تدفع ــه إل ــى المغ ــادرة‬ ‫والفكـــرة ذاتهـــا تدعـــوه إلـــى العـــودة‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫متابعات‬

‫قاموس «التشرميل»‬

‫الرباط‪ :‬عبدالحق ميفراني‬ ‫يظـــل المجتمـــع المغربـــي الســـنوات‬ ‫األخيـــرة يؤشـــر علـــى العديـــد مـــن‬ ‫التح ــوالت المتس ــارعة‪ ،‬فبني ــة المجتم ــع‬ ‫أضحـــت تفـــرز العديـــد مـــن الســـمات‬ ‫والظواه ــر الجدي ــدة ل ــم يس ــبق للمغارب ــة‬ ‫أن تعـــودوا ســـماعها‪ ،‬فباألحـــرى أن‬ ‫تتحـــول إلـــى حضـــور الفـــت يغـــزو‬ ‫الش ــوارع والحي ــاة االجتماعي ــة للس ــاكنة‪.‬‬ ‫الكثيــر مــن المحلليــن والسوســيولوجيين‬ ‫ال مــن‬ ‫يــرون فــي بــروز هــذه الظواهــر شــك ً‬ ‫االحتجــاج الخــارج عــن القاعــدة المعتــادة‬ ‫ومحاول ــة إلب ــراز أص ــوات بش ــكل نش ــاز‪.‬‬ ‫وتمثـــل ظاهـــرة «التشـــرميل» آخـــر هـــذه‬ ‫الظواهـــر التـــي بـــدأت تغـــزو األحيـــاء‬ ‫وش ــوارع الم ــدن الكب ــرى كال ــدار البيض ــاء‬ ‫وطنج ــة وف ــاس‪ ،..‬ش ــباب بـ«تقليع ــات»‬ ‫لبــاس ومظاهــر غريبــة لتســريحة الشــعر‬ ‫محملي ــن بأس ــلحة بيض ــاء «كالس ــيوف»‪،‬‬ ‫وانضـــاف مجـــددًا الفيســـبوك‪ ،‬موقـــع‬ ‫التواص ــل االجتماع ــي‪ ،‬إل ــى ت ــداول ه ــذه‬ ‫الظاهـــرة بيـــن المجتمـــع المغربـــي‪ .‬إذ‬ ‫يعتم ــد ه ــؤالء الش ــباب عل ــى الفيس ــبوك‬ ‫لنشـــر صورهـــم والتباهـــي بأفعالهـــم‪،‬‬ ‫وه ــو التباه ــي ال ــذي يص ــل إل ــى التعبي ــر‬ ‫ع ــن «الق ــوة» م ــع التق ــاط ص ــور تحي ــل‬ ‫علـــى أفعالهـــم كـــ «الســـرقة»‪ ،‬ويظهـــر‬ ‫‪14‬‬

‫ذلـــك مـــن خـــال نـــوع المالبـــس والتـــي‬ ‫غالب ـ ًا م ــا تؤش ــر إل ــى «م ــاركات» عالمي ــة‬ ‫ســـواء األحذيـــة الرياضيـــة أم الســـاعات‬ ‫اليدوي ــة أم األلبس ــة‪ ،‬إل ــى جان ــب طبيع ــة‬ ‫الوشـــم ومكانـــه ورمزيتـــه‪ .‬الغريـــب أن‬ ‫«المشـــرمل» هـــو لفـــظ رديـــف لـ«لـــص»‪،‬‬ ‫ب ــل ال يمك ــن أن يص ــل الش ــاب إل ــى ه ــذه‬ ‫المرحلـــة دون أن يحصـــل علـــى الكثيـــر‬ ‫مـــن المـــال كـــي يظهـــر بالشـــكل الـــذي‬ ‫عليـــه‪.‬‬ ‫ـا غريب ــة عل ــى المجتم ــع‬ ‫الظاه ــرة فع ـ ً‬ ‫المغربـــي‪ ،‬والـــذي يظـــل مجتمعـــ ًا‬ ‫محافظـــ ًا رغـــم ســـمات التمـــدن وأوجـــه‬ ‫الحداث ــة‪ ،‬والتع ــدد الجغراف ــي والبش ــري‪.‬‬ ‫غريب ــة ألنه ــا غي ــر مألوف ــة عل ــى األس ــر‬ ‫المغربيـــة‪ ،‬رغـــم اإلحصائيـــات الالفتـــة‬ ‫التـــي تشـــير إلـــى ارتفـــاع مؤشـــرات‬ ‫الجريمـــة والســـرقة الســـنوات األخيـــرة‬ ‫ف ــي المغ ــرب‪ .‬طبيع ــة الكلم ــة أن البع ــض‬ ‫اســـتقاها مـــن الســـجون‪ ،‬إذ إن الكثيـــر‬ ‫مـــن هـــؤالء الشـــباب الذيـــن يتعاطـــون‬ ‫لهـــذه الظاهـــرة ســـبق أن كانـــوا نـــزالء‬ ‫فـــي الســـجن‪.‬‬ ‫الدولـــة كعادتهـــا التجـــأت إلـــى الحـــل‬ ‫األمنـــي لتطويـــق الظاهـــرة‪ ،‬بـــل ســـعت‬ ‫ومـــن خـــال اإلنتربـــول‪ ،‬إلـــى محاولـــة‬ ‫الســـيطرة علـــى الظاهـــرة التـــي بـــدأت‬ ‫تتســـع أكثـــر‪ ،‬مـــع محاولـــة رصـــد‬

‫تح ــركات أف ــراد ه ــذه المجموع ــة‪ .‬الالف ــت‬ ‫ف ــي األم ــر ه ــو تعقي ــد المصطل ــح نفس ــه‬ ‫«التشـــرميل» علـــى مســـتوى التـــداول‬ ‫اإلعالمـــي‪ ،‬إذ أصبـــح الحديـــث عـــن‬ ‫«التشـــرميل السياســـي» و«التشـــرميل‬ ‫الرياضـــي» و«التشـــرميل الثقافـــي»‪،‬‬ ‫وهكـــذا دواليـــك‪ ،‬بمـــا يعنـــي قـــدرة‬ ‫المصطلـــح علـــى توصيـــف اختـــاالت‬ ‫واقـــع مســـكون بالعديـــد مـــن الظواهـــر‬ ‫التـــي دفعـــت بالبعـــض أو الكثيـــر‬ ‫مـــن هـــؤالء الشـــباب إلـــى صـــد تلـــك‬ ‫«الالمبـــاالة» التـــي يشـــعرون بهـــا‬ ‫ويعبــرون عنهــا فــي أحاديثهــم قصــد لفــت‬ ‫االنتبــاه بطريقــة أعنــف‪ .‬وهــو مــا فســره‬ ‫بعـــض المحلليـــن برغبـــة االنتقـــام مـــن‬ ‫وضعيـــة اجتماعيـــة وتجاوزهـــا بخلـــق‬ ‫نـــوع مـــن «القيـــم الجديـــدة» والعالقـــات‬ ‫والســـلوكيات والتـــي تمكـــن مـــن فـــرض‬ ‫قـــوة علـــى الشـــارع وعلـــى المجتمـــع‪.‬‬ ‫خصوصـــ ًا عندمـــا نتأمـــل فـــي الظاهـــرة‬ ‫ون ــرى التح ــاق فتي ــات أيضــ ًا وتماهيه ــن‬ ‫أيضــ ًا م ــع الش ــباب ف ــي طريق ــة اللب ــاس‬ ‫والوشـــم وتســـريحة الشـــعر الغريبـــة‬ ‫والس ــاح األبي ــض‪ ،‬وهن ــا يب ــدأ الحدي ــث‬ ‫عـــن تهديـــد الســـلم االجتماعـــي‪.‬‬ ‫الفاع ــل السياس ــي عبدالجب ــار التاب ــي‬ ‫يعتبـــر أن «مؤسســـات الدولـــة تتحمـــل‬ ‫الجـــزء األكبـــر فـــي مســـؤولية توليـــد‬


‫هـــذه الظواهـــر الشـــاذة علـــى غـــرار‬ ‫«التشـــرميل»‪ ،‬إذ تركـــزت خطـــط الدولـــة‬ ‫طيلـــة عقـــود عبـــر اإلعـــام والمدرســـة‬ ‫والموروث ــات االجتماعي ــة عل ــى محارب ــة‬ ‫الفعـــل الثقافـــي الرامـــي إلـــى إنجـــاح‬ ‫منظومـــة قيـــم تســـاعد التنشـــئة علـــى‬ ‫تنميـــة العقـــل والفكـــر واإلبـــداع كمـــا‬ ‫أصـــرت علـــى فـــرض منهـــج تعليمـــي‬ ‫قائـــم علـــى الجفـــاف الذهنـــي‪ ..‬وكانـــت‬ ‫النتيجـــة حســـب الفاعـــل اليســـاري‬ ‫التابـــي‪ ،‬أننـــا أصبحنـــا «أمـــام جيـــل‬ ‫نمطـــت حياتـــه وســـلوكياته ووجهـــت‬ ‫طموحات ــه وق ــرر ف ــي مصي ــره بواس ــطة‬ ‫اآللـــة اإلعالميـــة المتحكـــم فيهـــا بإعـــادة‬ ‫نتـــاج الفردانيـــة والنفعيـــة وتجييشـــه‬ ‫ضـــد الفكـــر واســـتعماله وتوظيفـــه‬ ‫ضمـــن الخيـــار السياســـي للمتنفذيـــن‬ ‫االقتصادييـــن وأذرعهـــم االنتخابيـــة»‪.‬‬ ‫لقـــد ســـبق للباحـــث االجتماعـــي‬ ‫إبراهيــم الحمــداوي أن أشــار إلــى أن «مــا‬ ‫عرفـــه المجتمـــع المغربـــي مـــن تغيـــرات‬ ‫خلخلـــت بنياتـــه الثقافيـــة واالجتماعيـــة‬ ‫واالقتصاديـــة» ويرجـــع الباحـــث األمـــر‬ ‫إلــى تغيــر النمــط األســروي مــن عالقــات‬ ‫التضام ــن والتع ــاون إل ــى ب ــروز أش ــكال‬ ‫الفردانيـــة‪ .‬وظهـــور هـــذا المعطـــى‬ ‫نابـــع باألســـاس مـــن حـــدة المفارقـــات‬ ‫المجتمعيـــة التـــي يعيشـــها المغـــرب‬

‫اقتصاديـــ ًا ومجتمعيـــاً‪ ،‬خصوصـــ ًا مـــع‬ ‫تزاي ــد الخريجي ــن م ــن المعاه ــد وإف ــاس‬ ‫المنظوم ــة التربوي ــة التعليمي ــة وانس ــداد‬ ‫اآلفـــاق ونهايـــة الحلـــم األوروبـــي‪.‬‬ ‫وأصبـــح البحـــث عـــن البدائـــل ســـريع ًا‬ ‫ويتخطــى خطــوط المنظومــة المجتمعيــة‬ ‫وحتـــى األخالقيـــة‪ ،‬وهـــو مـــا يفـــرز‬ ‫بعضـــ ًا مـــن الظواهـــر التـــي تستنســـخ‬ ‫بســـرعة وتتكاثـــر فـــي المجتمـــع‪.‬‬ ‫وال يتوقـــف األمـــر عنـــد اســـتغالل‬ ‫الظاهـــرة إمـــا بجعلهـــا دعايـــة‬ ‫«سياســـوية» لتصفيـــة حســـابات‪ ،‬أو‬ ‫«وجبـــة» إعالميـــة‪ ،‬بـــل حـــدود انتشـــار‬ ‫الظاهـــرة يظـــل يفســـر حتـــى تعاطـــي‬ ‫الدولـــة معهـــا‪ .‬رغـــم أن الشـــكايات مـــن‬ ‫انعـــدام األمـــن ظلـــت تحضـــر دائمـــ ًا فـــي‬ ‫التعاطـــي مـــع هـــذه الظواهـــر الجديـــدة‪،‬‬ ‫أمـــا وأن تجتـــاح بعـــض المـــدن ظاهـــرة‬ ‫«التش ــرميل» الجدي ــدة وتنتق ــل كالع ــدوى‬ ‫فه ــذا دف ــع بالس ــكان إل ــى تنظي ــم وقف ــات‬ ‫احتجاجيــة للتصــدي إلــى هــذه الظاهــرة‪،‬‬ ‫والتـــي وإن بـــدت تحضـــر بســـماتها‬ ‫المرتبطــة بالعنــف إال أنهــا تخفــي صــورة‬ ‫شــباب يائــس‪ .‬لــم تســعفه الحيــاة وعلــى‬ ‫المجتمـــع الوصـــول إلـــى مطامحـــه‪،‬‬ ‫فاختــار أســهل الطــرق كــي يلفــت االنتبــاه‬ ‫إليـــه‪ .‬السوســـيولوجي عبدالرحيـــم‬ ‫العطـــري‪ ،‬هـــو أيضـــاً‪ ،‬لـــم يهـــول مـــن‬

‫أمـــر الظاهـــرة واعتبرهـــا «محاولـــة‬ ‫لتأكيـــد الحضـــور باســـتعمال الوســـائل‬ ‫التكنولوجي ــة المتوف ــرة» ف ــي «تعوي ــض‬ ‫لحيطـــان المؤسســـات التعليميـــة»‪،‬‬ ‫رغـــم أنـــه ال يخفـــي وضعيـــة التهميـــش‬ ‫التـــي يعانيهـــا هـــؤالء الشـــباب والذيـــن‬ ‫يجتـــازون مرحلـــة جـــد حساســـة مـــن‬ ‫أعمارهـــم‪.‬‬ ‫مشـــكلة الدولـــة أحيانـــا‪ ،‬هـــي‬ ‫تفضيلهـــا للمقاربـــة األمنيـــة الجاهـــزة‬ ‫رغـــم أن الكثيريـــن تســـاءلوا عـــن‬ ‫اســـتراتيجية الدولـــة فـــي تصديهـــا‬ ‫لظاهـــرة «التشـــرميل» هـــل هـــي‬ ‫نابعـــة مـــن اســـتراتيجية أمنيـــة أم أن‬ ‫األمـــر مرتبـــط باالســـتجابة لتخوفـــات‬ ‫المواطنيـــن مـــن انعـــدام األمـــن؟ لكـــن‪،‬‬ ‫هـــل اســـتطاعت الدولـــة فهـــم الظاهـــرة‬ ‫ودواعيهـــا؟ هـــذا الشـــعور بالالطمأنينـــة‬ ‫عنـــد النـــاس يقابلـــه الشـــعور بعـــدم‬ ‫الرضـــا والتمـــرد عنـــد هـــؤالء الشـــباب‪.‬‬ ‫لقـــد ســـبق لألكاديمـــي عزيـــز شـــاهر‪،‬‬ ‫أســتاذ باحــث فــي العلــوم السياســية‪ ،‬أن‬ ‫أش ــار إل ــى غي ــاب اس ــتراتيجية واضح ــة‬ ‫عنـــد الدولـــة بمـــوازاة غيـــاب مكاتـــب‬ ‫للدراس ــات واألبح ــاث السيوس ــولوجية‪.‬‬ ‫فارتفـــاع الجريمـــة يتطلـــب سياســـة‬ ‫أمني ــة تك ــون مس ــبوقة بتحلي ــل لدواعيه ــا‬ ‫وأســـبابها؟‬ ‫ويبـــدو أن المقاربـــة األمنيـــة‬ ‫وتدابيره ــا ل ــن تك ــون ه ــي الم ــاذ األخي ــر‬ ‫الجتثـــاث الظاهـــرة‪ ،‬فمـــادام المشـــكل‬ ‫االجتماعـــي يطـــرح نفســـه بحـــدة‪ ،‬فـــإن‬ ‫الدولـــة مطالبـــة بالتســـريع مـــن وتيـــرة‬ ‫النمـــو االقتصـــادي وإصـــاح المنظومـــة‬ ‫التعليميــة والمعالجــة االجتماعيــة بــإرادة‬ ‫سياس ــية ق ــادرة عل ــى إع ــادة الثق ــة إل ــى‬ ‫هـــذا الجيـــل الشـــاب‪ ،‬وجعلـــه ال يفقـــد‬ ‫الثقـــة فـــي مجتمعـــه وال فـــي مســـتقبله‪.‬‬ ‫وإال س ــتتحول الظاه ــرة م ــن «الموض ــة»‬ ‫الت ــي يتح ــدث عنه ــا البع ــض إل ــى خط ــر‬ ‫داهـــم يهـــدد المجتمـــع بأســـره وكيانـــه‪،‬‬ ‫خصوصــ ًا أن الكثي ــر م ــن الش ــباب الذي ــن‬ ‫يتعاط ــون ه ــذا «التش ــرميل» ه ــم ليس ــوا‬ ‫«لصوصــ ًا أو قتل ــة» بالفط ــرة‪ ،‬ب ــل ه ــم‬ ‫ضحاي ــا لمجتم ــع وتناقضات ــه وأزمات ــه‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫ميديا‬

‫معركة الهاشتاج‬ ‫محمود حسن‬ ‫ع ــام ‪ ،2012‬ظه ــر المستش ــار «أحم ــد‬ ‫الزنــد» رئيــس نــادي القضــاة المصــري‪،‬‬ ‫المحس ــوب عل ــى الس ــلطة ف ــي مداخل ــة‬ ‫م ــع مذي ــع قن ــاة الفراعي ــن‪ ،‬المحس ــوب‬ ‫قائـــا لـــه ‪« :‬يـــا‬ ‫علـــى ذات الســـلطة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫دكتـــور مـــا يكتـــب فـــي (الفوصبـــوك)‬ ‫و(الطنيطـــر) وهـــذه الوســـائل التـــي‬ ‫مـــأت حيـــاة المصرييـــن باألكاذيـــب ال‬ ‫يجـــب أن يفـــت فـــي عضـــدك أو يؤثـــر‬ ‫فيـــك»‪.‬‬ ‫ه ــذه المداخل ــة ق ــد تثي ــر الس ــخرية‪،‬‬ ‫لكنهــا فــي نفــس الوقــت تلخــص المشــهد‬ ‫الحالــي فــي مصــر بشــكل كبيــر‪ ،‬فالجيــل‬ ‫القديـــم الـــذي يقـــود المشـــهد السياســـي‬ ‫ف ــي البل ــد‪ ،‬ل ــم يك ــن ي ــدرك الكثي ــر ع ــن‬ ‫تلـــك الوســـائل‪ ،‬حتـــى فوجـــئ بثـــورة‬ ‫شـــعبية كانـــت وســـائل التواصـــل‬ ‫االجتماعــي محركهــا األساســي والداعــي‬ ‫لهــا‪ .‬إنــه الكابــوس الجديــد الخــارج عــن‬ ‫ســـيطرة رجـــال دولـــة اعتـــادوا علـــى‬ ‫م ــا يس ــمعه الن ــاس وم ــا يقرؤون ــه وم ــا‬ ‫يشـــاهدونه‪.‬‬ ‫وعلـــى مـــدار األيـــام الماضيـــة‬ ‫كان الجـــدل فـــي مصـــر محتدمـــ ًا‬ ‫حـــول «الهاشـــتاج» المــــسيء لمرشـــح‬ ‫الرئاســـيات عبـــد الفتـــاح السيســـي‪،‬‬ ‫فارضــ ًا نفس ــه عل ــى شاش ــات التلف ــاز‪،‬‬ ‫وصفح ــات الجرائ ــد‪ ،‬ب ــل وعلق ــت علي ــه‬ ‫أيضــا قنــوات إعالميــة أجنبيــة‪ ،‬وأشــار‬ ‫موقـــع ‪ KEYHOLE‬المتخصـــص‬ ‫فـــي إحصائيـــات المتفاعليـــن مـــع‬ ‫«الهاش ــتاجات» إل ــى أن نح ــو ‪ 325‬أل ــف‬ ‫مش ــاركة ق ــد كتب ــت عل ــى موق ــع تويت ــر‬ ‫مســـتخدمة «الهاشـــتاج» نفســـه ورآه‪،‬‬ ‫فـــي عشـــرة أيـــام نحـــو ‪ 62‬مليـــون‬ ‫مشـــترك‪ ،‬واحتـــل الموقـــع الثالـــث مـــن‬ ‫حيـــث التفاعـــل علـــى مســـتوى العالـــم‪.‬‬ ‫فـــي الناحيـــة المقابلـــة قـــام مؤيـــدو‬ ‫«السيســـي» بإطـــاق مجموعـــة مـــن‬ ‫«الهاشـــتاجات» لمحاولـــة محاربـــة‬ ‫‪16‬‬

‫المســـيء‪،‬‬ ‫الهاشـــتاج‬ ‫انتشـــار‬ ‫مثـــل «‪#‬سانتخب_السيســـي»‪ ،‬أو‬ ‫(‪#‬سأنتخب_السيســـي_ومش_حنزل_‬ ‫لمس ــتواك) وغيره ــا م ــن «الهاش ــتاجات»‬ ‫المؤيـــدة‪ ،‬لكنهـــا فـــي ذات الوقـــت‬ ‫لـــم تلـــق نفـــس اإلجمـــاع الـــذي نالـــه‬ ‫الهاش ــتاج المس ــيء نظ ــرًا ألن أصحاب ــه‬ ‫تجمعـــوا خلـــف «هاشـــتاج» موحـــد‪،‬‬ ‫وألنهـــم أخـــذوا زمـــام المبـــادرة قبـــل‬ ‫اآلخريـــن‪.‬‬ ‫المعركـــة لـــم تفـــت القائميـــن علـــى‬ ‫حملـــة عبـــد الفتـــاح السيســـي الذيـــن‬ ‫وجـــدوا أنفســـهم فـــي أولـــى لحظـــات‬ ‫تدش ــين الحمل ــة ف ــي قل ــب ذل ــك الج ــدل‪،‬‬ ‫لــذا كان أول مــا أطلقتــه صفحــة الحملــة‬ ‫الرســـمية لترشـــيح السيســـي علـــى‬ ‫الفيســـبوك هـــو هاشـــتاج آخـــر يحمـــل‬ ‫اســـم (‪#‬تحيا_مصـــر) داعيـــة مؤيديـــه‬ ‫للتفاعـــل معـــه‪.‬‬ ‫الصـــراع خـــرج أيضـــ ًا مـــن دائـــرة‬ ‫مواقـــع التواصـــل إلـــى صفحـــات‬ ‫«ويكيبيديــا»‪ ،‬حيــث شــهدت الموســوعة‬ ‫محـــاوالت مـــن معارضـــي السيســـي‬ ‫لذك ــر معرك ــة «الهاش ــتاج» ف ــي صفحت ــه‬ ‫باللغـــة اإلنجليزيـــة‪ ،‬بينمـــا كان‬ ‫المؤيـــدون يقومـــون بحذفهـــا بعدهـــا‬ ‫مباش ــرة‪ ،‬مم ــا دف ــع موق ــع الموس ــوعة‬ ‫إلغـــاق الصفحـــة وعـــدم الســـماح‬ ‫بتعديلهـــا‪ ،‬لكـــن بعـــد أن وافـــق علـــى‬ ‫ذكـــر المعركـــة‪.‬‬

‫أمـــا موقـــع ‪ KEYHOLE‬الـــذي كان‬ ‫رغمــ ًا عن ــه طرفــ ًا ف ــي معرك ــة التح ــدي‬ ‫تلـــك‪ ،‬فلـــم يجـــد أمامـــه ســـوى حظـــر‬ ‫الدخ ــول إلي ــه م ــن مص ــر بس ــبب األع ــداد‬ ‫الضخمـــة التـــي دخلـــت علـــى الموقـــع‬ ‫مـــن مصـــر والتـــي تســـببت فـــي تعطـــل‬ ‫الموقـــع لبعـــض الوقـــت‪ ،‬ثـــم رفـــع‬ ‫الحظ ــر بع ــد أي ــام‪ ،‬إال إن إدارة الموق ــع‬ ‫عطل ــت البح ــث بلغ ــات غي ــر اإلنجليزي ــة‬ ‫لتحـــد مـــن حجـــم دخـــول المصرييـــن‬ ‫إليـــه‪.‬‬ ‫ول ــم تتوق ــف المعرك ــة عل ــى أجه ــزة‬ ‫الـحــــاسوب‪ ،‬حـيــــث لــــوح بـعــــــض‬ ‫اإلعالمييـــن المحســـوبين علـــى النظـــام‬ ‫بـــأن الســـلطات مـــن الممكـــن أن تلجـــأ‬ ‫لحظـــر مواقـــع التواصـــل االجتماعـــي‬ ‫علـــى غـــرار مـــا حـــدث فـــي تركيـــا فـــي‬ ‫األســـابيع الماضيـــة‪.‬‬ ‫معركـــة الهاشـــتاج ومـــا قبلهـــا ومـــا‬ ‫بعدهـــا تفـــرض علـــى كل واحـــد مـــن‬ ‫الطرفي ــن أن يعي ــد حس ــاباته‪ ،‬ف ــأي كان‬ ‫موقفـــه مـــن ذاك «الهاشـــتاج»‪ ،‬فعليـــه‬ ‫أن يــدرك أن قواعــد اللعبــة قــد تغيــرت‪،‬‬ ‫إنهـــا مصـــر الجديـــدة‪ ،‬مصـــر مـــا بعـــد‬ ‫الثـــورة التـــي خرجـــت بدعـــوة علـــى‬ ‫«الفيس ــبوك» وأن ــه ل ــم يع ــد م ــن ج ــدوى‬ ‫ألي نظـــام ســـيقوم مـــا بعـــد الثـــورة‪،‬‬ ‫أن يتمتـــرس خلـــف مـــن يعـــادون‬ ‫«الطنيطـــر» والـــ «فوصبـــوك»‪.‬‬


‫رحيل‬

‫تويتر عاد للتغريد في تركيا‬

‫فيسبوك وتويتر‬ ‫يغيران شكلهما‬ ‫غــيــ ــر موقــ ــعا الــتــواصـــــ ــل‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعـــي فيســـبوك وتويتـــر‪،‬‬ ‫الشـــهر الماضـــي‪ ،‬واجهتهمـــا‬ ‫وشـــكلهما‪ .‬وصـــار الفيســـبوك‪،‬‬ ‫بملمحـــه المحـــدث‪ ،‬يمنـــح‬ ‫المتصف ــح فرص ــة االط ــاع عل ــى‬ ‫عـــدد أكبـــر مـــن األخبـــار‪ .‬فـــي‬ ‫الوق ــت نفس ــه ق ــام تويت ــر بتغيي ــر‬ ‫شـــكل البروفيـــات بشـــكل تـــام‪.‬‬ ‫ويعتقـــد مختصـــون أن فيســـبوك‬ ‫يتجـــه شـــيئ ًا فشـــيئ ًا ليكـــون‬ ‫فض ــاء تبادليــ ًا وتش ــاركي ًا بينم ــا‬ ‫يتجـــه تويتـــر ليصيـــر موقعـــ ًا‬ ‫أكثـــر شـــخصانية‪ .‬علـــى صعيـــد‬ ‫آخــر‪ ،‬قــررت إدارة الفيســبوك أن‬ ‫تف ــرض عل ــى المس ــتخدمين‪ ،‬ف ــي‬ ‫األســابيع المقبلــة‪ ،‬تحميــل خدمــة‬ ‫ميســـنجر‪ ،‬مـــن أجـــل التحـــادث‬ ‫اللحظـــي بيـــن األصدقـــاء‪.‬‬

‫أقـــرت المحكمـــة الدســـتورية‬ ‫بتركي ــا‪ ،‬بداي ــة الش ــهر الماض ــي‪،‬‬ ‫قـــرارًا بضـــرورة رفـــع الحظـــر‬ ‫الـــذي فـــرض لمـــدة أســـبوعين‬ ‫علـــى تويتـــر‪ ،‬حيـــث اعتبرتـــه‬ ‫ـا وانته ــاك ًا لحري ــة‬ ‫المحكم ــة باط ـ ً‬ ‫التعبيـــر‪ ،‬حيـــث حظـــرت تركيـــا‬ ‫موقـــع «تويتـــر» بعدمـــا تـــداول‬ ‫الناشـــطون عليـــه وقائـــع فســـاد‬ ‫تخـــص حكومـــة أردوغـــان‪.‬‬ ‫حظ ــر (تويت ــر) كان ق ــد تبع ــه‬ ‫قـــرار حجـــب موقـــع اليوتيـــوب‪،‬‬

‫فـــي ســـابقة أثـــارت كثيـــرًا ردود‬ ‫الفع ــل الس ــلبية الدولي ــة‪ ،‬الت ــي اتهم ــت‬ ‫حكوم ــة أردوغ ــان بممارس ــة التضيي ــق‬ ‫علـــى الحريـــات‪.‬‬

‫أوباما وعمته «زيتونة»‬ ‫توفيــت عمــة الرئيــس األميركــي‪،‬‬ ‫بـــاراك أوبامـــا‪ ،‬وهـــي كينيـــة‬ ‫حصلـــت علـــى حـــق اللجـــوء فـــي‬ ‫الواليـــات المتحـــدة بعدمـــا عاشـــت‬ ‫فـــي البـــاد بصفـــة غيـــر شـــرعية‬ ‫لعـــدة ســـنوات فـــي دار للرعايـــة‪،‬‬ ‫وانتش ــرت ص ــورة قديم ــة للرئي ــس‬ ‫األميركـــي وعمتـــه التـــي ذكرهـــا‬ ‫فـــي كتابـــه مذكراتـــه «أحـــام مـــن‬ ‫أب ــي» باس ــم العم ــة زيتون ــة‪ ،‬وه ــي‬ ‫أخـــت غيـــر شـــقيقة لوالـــد أوبامـــا‪.‬‬ ‫وعلـــق نشـــطاء الفيســـبوك علـــى‬ ‫الصـــورة متســـائلين عـــن ديانـــة‬ ‫العم ــة زيتون ــة وم ــا إذا بق ــت عل ــى‬ ‫إســـامها أم ارتـــدت مثـــل أوبامـــا‪.‬‬ ‫وعلـــق آخـــر علـــى خبـــر حـــزن‬ ‫الرئيـــس األميركـــي علـــى وفاتهـــا‬ ‫ـا «لم ــاذا ل ــم يؤوه ــا ف ــي بيت ــه‬ ‫قائ ـ ً‬ ‫ب ــد ًال م ــن مكوثه ــا ف ــي دار مس ــنين»‪.‬‬

‫‪17‬‬


‫غياب‬

‫غابرييل غارسيا ماركيز‬

‫حكايتي مع العرب‬

‫ماجدة حمود‬

‫‪18‬‬

‫غابرييل غارسيا ماركيز عربي‪ ،‬على األقل في نظر الشرطة الفرنسية‪.‬‬ ‫فنهايــة ‪ ،1960‬وبينمــا كان يقــوم بواجبــه الصحافــي فــي تغطيــة‬ ‫مظاهــرات جزائرييــن بباريس ضد االحتالل الفرنســي‪ ،‬ألقي القبض‬ ‫عليه‪ ،‬وقضى ليلة في السجن خطأ‪ .‬وصرح الروائي الكولومبي الحق ًا‬ ‫ســاخراً‪« :‬اعتقدوا أنــي عربي‪ .‬كانت القضيــة الجزائرية التي دافعت‬ ‫عنهــا هــي القضية الوحيدة التــي زرت من أجلها ســجناً»‪ .‬بالمقابل‪،‬‬ ‫عالقة العرب مع غابرييل غارسيا ماركيز (‪ )2014 - 1927‬تمتد على‬ ‫طول عقود من ترجمة ألعماله وقراءتها‪ ،‬وسؤال كبير يطرح‪ :‬ما الذي‬ ‫منح إبداعه الروائي هذا التميز؟‬


‫لعـــل أول إجابـــة تطـــرأ علـــى الذهـــن‬ ‫هـــي لقـــاء الواقعيـــة بالغرائبيـــة فـــي‬ ‫رواياتـــه‪ ،‬الـــذي هـــو امتـــداد لمـــا عاشـــه‬ ‫فـــي طفولتـــه مـــع جديـــه‪ ،‬حتـــى بـــدت‬ ‫القصـــص الخرافيـــة جـــزءًا مـــن حياتـــه‬ ‫اليوميــة! حتــى إن أســرته اضطــرت لتــرك‬ ‫مس ــكنها‪ ،‬ال ــذي قتل ــت في ــه ام ــرأة‪ ،‬بس ــبب‬ ‫خوفهـــا مـــن زياراتهـــا الليليـــة للبيـــت!‬ ‫ومم ــا أغن ــى مخيلت ــه أيض ـ ًا أن ــه ع ــرف‬ ‫نمطيـــن متناقضيـــن للحيـــاة (الوفـــرة‬ ‫والفقـــر) إذ اضطـــر والـــده إلـــى تـــرك‬ ‫أســـرته بحثـــ ًا عـــن لقمـــة العيـــش عـــدة‬ ‫م ــرات‪ ،‬فعاش ــت األس ــرة ف ــي بي ــت الج ــد‪،‬‬ ‫ال ــذي افتق ــر‪ ،‬واضط ــر إل ــى إلغ ــاء طق ــس‬ ‫إعـــداد الغـــداء للضيـــوف المجهوليـــن!‬ ‫وق ــد كان لش ــغفه بالق ــراءة من ــذ تفت ــح‬ ‫وعي ــه ف ــي مكتب ــة ج ــده‪ ،‬أكب ــر األث ــر عل ــى‬ ‫تكوينــه اإلبداعــي‪ ،‬وقــد لفــت نظــره كافــكا‬ ‫فـــي «المســـخ» إذ الزمتـــه لهفـــة ال تقـــاوم‬ ‫مـــن أجـــل العيـــش فـــي ذلـــك الفـــردوس‬ ‫الغريـــب‪ ،‬حتـــى إنـــه حـــاول أن يشـــبه‬ ‫تحـــول إلـــى‬ ‫موظفـــه المســـكين الـــذي‬ ‫ّ‬ ‫توحـــد ماركيـــز‬ ‫صرصـــار ضخـــم‪ ،‬كمـــا ّ‬ ‫تلمس ــه‬ ‫م ــع رواي ــات فوكنـ ــر‪ ،‬بس ــبب م ــا ّ‬ ‫لدي ــه م ــن تش ــابهات متنوع ــة م ــع ثقاف ــة‬ ‫الكاريبـــي‪.‬‬ ‫وممـــا أثّـــر فـــي تكوينـــه أيضـــ ًا لقـــاؤه‬ ‫بمجموعـــة مـــن الصحافييـــن واألدبـــاء‬ ‫والرســـامين‪ ،‬ســـاعدته علـــى التطـــور‪،‬‬ ‫وبثّـــت فـــي نفســـه الحماســـة‪ ،‬التـــي‬ ‫ســـتكفيه إلـــى األبـــد‪ ،‬علـــى حـــد قولـــه‪.‬‬ ‫تنوعــت مكتبتــه‪ ،‬حيــث يمكننــا أن‬ ‫وقــد ّ‬ ‫ـا لدوستويفســكي‪ ،‬وفــي الوقــت‬ ‫نجــد فصـ ً‬ ‫نفســـه كتابـــ ًا حـــول مصـــرع يوليـــوس‬ ‫مفح ــم الس ــيارة‪،‬‬ ‫قيص ــر‪ ،‬أو ح ــول آلي ــة ّ‬ ‫أو مرجعــ ًا ع ــن االغتي ــاالت الناجح ــة!!‬ ‫أمــا المؤثــر األهــم فــي أدبــه فهــو عملــه‬ ‫ف ــي الصحاف ــة‪ ،‬الت ــي مارس ــها من ــذ وق ــت‬ ‫مبك ــر‪ ،‬بع ــد أن ح ــاز الش ــهادة الثانوي ــة‪،‬‬ ‫ومـــع أنـــه بـــدأ حياتـــه األدبيـــة بالقصـــة‬ ‫القصيــرة‪ ،‬لكــن الــذي ســاعده ماديـاً‪ ،‬علــى‬ ‫حــد قولــه‪ ،‬هــو تلــك المكافــأة التــي كانــت‬ ‫تدفـــع لـــه مقابـــل مالحظاتـــه الصحافيـــة‬ ‫اليومي ــة ف ــي جري ــدة «الهيرال ــدو»‪.‬‬ ‫وقـــد مـــارس جميـــع األعمـــال‬ ‫الصحافيـــة‪ ،‬فكتـــب الزاويـــة اليوميـــة‪،‬‬

‫االفتتاحيــة‪ ،‬المقالــة فــي األدب أو النقــد أو‬ ‫الس ــينما‪ ،‬باإلضاف ــة إل ــى كتاب ــة التحقي ــق‬ ‫الصحاف ــي‪ ،‬ال ــذي كان م ــن أق ــرب الفن ــون‬ ‫الصحافي ــة إل ــى نفس ــه‪ ،‬حت ــى إن ــه ي ــراه‬ ‫والروايـــة ابنيـــن لـــأم نفســـها‪ ،‬لهـــذا‬ ‫حـــول بعـــض التحقيقـــات إلـــى روايـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مثـــل «قصـــة غريـــق» و«نبـــأ اختطـــاف»‬ ‫و«حكايــة مــوت معلــن» التــي نشــرها بعــد‬ ‫ثالثي ــن س ــنة م ــن حدوثه ــا‪ ،‬فه ــي تحقي ــق‬ ‫أجـــراه فـــي مقتـــل أحـــد جيرانـــه‪.‬‬ ‫باإلضافـــة إلـــى ذلـــك قـــام باقتبـــاس‬ ‫رواي ــة وتحويله ــا إل ــى تمثيلي ــة إذاعي ــة‪،‬‬ ‫وقـــد كانـــت تجربـــة مفيـــدة بســـبب عـــدم‬ ‫خبرت ــه ف ــي ش ــؤون الح ــوار‪ ،‬وه ــو برأي ــه‬ ‫مــازال نقطــة ضعفــه‪ ،‬لهــذا وجــد فــي هــذه‬ ‫التجرب ــة فرص ــة مفي ــدة م ــن أج ــل التعّل ــم‬ ‫أكث ــر مم ــا ه ــي ف ــي الكس ــب الم ــادي‪.‬‬ ‫وقـــد أضحـــت الســـينما تشـــكل جـــزءًا‬ ‫هامـــ ًا مـــن مكونـــات ماركيـــز وجـــزءًا مـــن‬ ‫هاجســـه الفنـــي‪ ،‬وأســـس (ورش) عمـــل‬ ‫ســـينمائية‪ ،‬ومـــارس كتابـــة الســـيناريو‬ ‫واإلخ ــراج‪ ،‬ووجدن ــاه ينته ــي ع ــام ‪1995‬‬ ‫مـــن إعـــداد صياغـــة جديـــدة لرائعـــة‬ ‫ســـوفوكليس «أوديـــب ملـــكاً» للســـينما‪،‬‬ ‫وقـــد ألّـــف فـــي هـــذا الفـــن عـــدة كتـــب‪.‬‬ ‫ولش ــدة إعجاب ــه بالف ــن الس ــابع أنش ــأ‬ ‫معهــدًا للســينما فــي هافانــا‪ ،‬تبــرع لــه مــن‬ ‫مبلــغ جائــزة نوبــل (حصــل عليهــا ‪)1982‬‬ ‫وب ــات محاض ــرًا في ــه‪.‬‬ ‫وممـــا أســـهم فـــي تكوينـــه اإلبداعـــي‬ ‫تطـــور الحـــس النقـــدي‪ ،‬فقـــد شـــغله‬ ‫ســـؤال‪ :‬كيـــف ُكتبـــت األعمـــال العظيمـــة‬ ‫الت ــي أس ــرته؟ له ــذا ق ــام بإع ــادة قراءته ــا‪،‬‬ ‫مســـلح ًا برؤيـــة نقديـــة ثاقبـــة‪.‬‬ ‫ماركيـــز لـــم ينشـــر روايتـــه الخالـــدة‬ ‫«مئ ــة ع ــام م ــن العزل ــة» إال بع ــد أن عان ــى‬ ‫هم ــوم الكتاب ــة م ــدة عش ــرين س ــنة‪ ،‬مم ــا‬ ‫صقــل موهبتــه‪ ،‬فــازدادت خبرتــه األدبيــة‬ ‫وإحساســـه النقـــدي!‬ ‫وهكـــذا تعلّـــم النقـــد بفضـــل صداقـــة‬ ‫المثقفي ــن‪ ،‬واألغ ــرب م ــن ذل ــك تعلم ــه م ــن‬ ‫الفشـــل‪ ،‬حيـــن ُرفضـــت أولـــى رواياتـــه‪،‬‬ ‫فب ــات يقي ــس نج ــاح أي عم ــل أدب ــي بع ــدد‬ ‫مســـوداته‪ ،‬أي بمـــدى التنقيحـــات التـــي‬ ‫يجريهـــا المبـــدع! ممـــا يعكـــس نضجـــه‬ ‫النقـــدي! لهـــذا كان يالزمـــه إحســـاس‬

‫بالخـــوف كلمـــا أنجـــز كتابـــاً‪ ،‬إذ يؤرقـــه‬ ‫أن يك ــون عاج ــزًا ع ــن إب ــداع آخ ــر أفض ــل‬ ‫منـــه‪ ،‬فاالســـتمرار فـــي الكتابـــة ال يعنـــي‬ ‫شــيئاً‪ ،‬إذا لــم يشــكل تطــورًا فــي المســيرة‬ ‫الفنيـــة‪.‬‬ ‫وهك ــذا ف ــإن التصويب ــات الكثي ــرة الت ــي‬ ‫كان يجريهـــا ماركيـــز علـــى إبداعـــه تعـــّد‬ ‫نوعــ ًا م ــن النق ــد الذات ــي‪ ،‬ال ــذي يمارس ــه‬ ‫الكاتــب نتيجــة وعــي نقــدي‪ ،‬هــو خالصــة‬ ‫الثقاف ــة والخب ــرة اإلبداعي ــة‪.‬‬ ‫بفضـــل ذائقتـــه النقديـــة اســـتطاع أن‬ ‫يســـتغني عـــن روايـــة كتبهـــا (بعنـــوان‬ ‫«البي ــت») إذ ب ــدت ل ــه بع ــد أن عم ــل فيه ــا‬ ‫ســتة أشــهر أنهــا غيــر موفقــة!! وقــد أعــاد‬ ‫فغيـــر‬ ‫كتابتهـــا مـــن جديـــد بعـــد فتـــرة‪ّ ،‬‬ ‫عنوانهـــا وتجـــاوز نقـــاط الضعـــف التـــي‬ ‫وجدهـــا فيهـــا‪.‬‬ ‫إن ع ــادة التنقي ــح ل ــن نجده ــا إال ل ــدى‬ ‫كاتـــب يحـــس بمســـؤولية الكلمـــة التـــي‬ ‫يوجههـــا إلـــى المتلقـــي‪ ،‬ولـــدى كاتـــب‬ ‫يســـعى إلـــى تنميـــة ذائقتـــه النقديـــة‪،‬‬ ‫وه ــي دلي ــل عل ــى فهم ــه العمي ــق للجن ــس‬ ‫األدبـــي الـــذي يكتـــب فيـــه (الروايـــة)‪.‬‬ ‫ومـــن األفـــكار النقديـــة الالفتـــة لديـــه‬ ‫أن ــه عل ــى نقي ــض م ــا ي ــرى بع ــض الكت ــاب‬ ‫فـــي مقـــص الرقيـــب‪ ،‬فقـــد شـــكل «تحديـــ ًا‬ ‫خلق ـاً» إذ إن التحاي ــل علي ــه يدف ــع المب ــدع‬ ‫ّ‬ ‫إل ــى االبت ــكار‪.‬‬ ‫بحـــث ماركيـــز عـــن األصالـــة‪ ،‬التـــي‬ ‫هـــي خصوصيـــة تبعـــد األديـــب عـــن‬ ‫بيـــن أن أديـــب‬ ‫تقليـــد اآلخـــر‪ ،‬وقـــد ّ‬ ‫أمي ــركا الالتيني ــة يح ــاول تج ــاوز العزل ــة‬ ‫عـــن طريـــق اإلبـــداع‪ ،‬ليتجـــاوز العنـــف‬ ‫الالمحــدود والظلــم المســكوت عنــه بســبب‬ ‫جش ــع الغرب ــي للث ــروات الطبيعي ــة الت ــي‬ ‫تزخـــر بهـــا هـــذه البـــاد‪ ،‬ممـــا أدى إلـــى‬ ‫ميتـــات يوميـــة عصيـــة علـــى اإلحصـــاء‪،‬‬ ‫تعـــرض لهـــا شـــعبه‪ ،‬وقـــد أســـهم هـــذا‬ ‫الب ــؤس ف ــي تعزي ــز مص ــدر اإلب ــداع النه ــم‬ ‫الملـــيء باألســـى والجمـــال‪.‬‬ ‫التميـــز فـــي كل‬ ‫إن بحـــث ماركيـــز عـــن ّ‬ ‫مـــا كتـــب‪ ،‬دفعـــه إلـــى تطويـــر ممارســـته‬ ‫اإلبداعيـــة‪ ،‬فاســـتطاع أن يقـــّدم عبـــر‬ ‫الرواي ــة عالم ـ ًا مدهش ـ ًا ف ــي جمال ــه وعمق ــه‬ ‫اإلنســـاني‪.‬‬ ‫‪19‬‬


‫الشاعر السوداني محجوب شريف‬

‫نموت ال نساوم‬ ‫الخرطوم – أحمد يونس‬

‫رحــــــــل الـشــاعـــــــــر مــحــجـــــوب‬ ‫شريــــف (‪ ،)2014 - 1948‬الــشــهــــــر‬ ‫الماضـــي‪ ،‬بعـــد أن أســـهم فـــي تشـــكيل‬ ‫الوجـــدان الســـوداني‪ ،‬وفـــي التبشـــير‬ ‫بالثـــورة وترســـيخ قيمـــة الحريـــة‪،‬‬ ‫وبعـــث معانـــي اإلنســـانية‪ .‬صاحـــب‬ ‫عبـــارة‪« :‬نمـــوت ال نســـاوم» رحـــل بعـــد‬ ‫معانـــاة طويلـــة مـــع المـــرض‪ ،‬لكـــن‬ ‫قصائ ــده ل ــم تس ــكت‪ ،‬وتواص ــل التأكي ــد‬ ‫علـــى حضورهـــا وحضـــور مؤلفهـــا‬ ‫الدائـــم‪.‬‬ ‫نـــال محجـــوب لقـــب «شـــاعر‬ ‫الشـــعب»‪ ،‬ألنـــه عـــاش متصالحـــ ًا مـــع‬ ‫نفس ــه ومبادئ ــه‪ ،‬ول ــم تصط ــدم مواقف ــه‬ ‫السياســـية بمواقفـــه الحياتيـــة‪ ،‬وألنـــه‬ ‫دفــع ثمــن «الشــاعرية الشــعبية» باهظـاً‪،‬‬ ‫س ــجون ًا ومعتق ــات‪ ،‬وقض ــى أكث ــر م ــن‬ ‫‪ 13‬ســـنة مـــن عمـــره ســـجيناً‪.‬‬ ‫منـــذ أتـــاه «إنســـان الشـــعر» كانـــت‬ ‫الجماهيـــر هـــي معلمـــه وملهمـــه‪ ،‬غنـــى‬ ‫لهـــا مثلمـــا غنـــى للســـودان فـــي أقصـــى‬ ‫حـــاالت تداعياتـــه‪ ،‬مبشـــرًا بانتصـــار‬ ‫النهــار وأفــول الظلــم‪ .‬لــم يكــن لمحجــوب‬ ‫شــريف «شــيطان شــعر» يلقنــه القوافــي‪،‬‬ ‫بـــل «إنســـان شـــعر» يلهمـــه القصائـــد‬ ‫والمعان ــي والكلم ــات‪ ،‬فتأت ــي القصي ــدة‬ ‫أغني ــة ش ــعبية تح ــرك الوج ــدان‪ ،‬وتثي ــر‬ ‫الحمـــاس وتدعـــو للثـــورة‪ .‬كان ينتـــزع‬ ‫مفرداتـــه مـــن «حديـــث النـــاس» الحـــار‪،‬‬ ‫ولي ــس م ــن القوامي ــس الب ــاردة‪ ،‬فتأت ــي‬ ‫أعـــذب القصائـــد وأصدقهـــا كلمـــات‪،‬‬ ‫فتتلقفهـــا القلـــوب‪ ،‬وتأتيهـــا الموســـيقى‬ ‫واأللح ــان‪ ،‬لتتح ــول إل ــى «ملحم ــة» ف ــي‬ ‫ضميـــر الشـــعب‪.‬‬ ‫لـــم تكمـــن شـــعبيته فـــي شـــاعريته‬ ‫‪20‬‬

‫محجوب شريف‬

‫وحدهـــا‪ ،‬بـــل فـــي إنســـانيته الفياضـــة‬ ‫وعفـــة يـــده ولســـانه وحبـــه للنـــاس‪،‬‬ ‫فحيـــن مـــرض مرضتـــه األولـــى هـــب‬ ‫الشـــعب بأكملـــه لتوفيـــر كلفـــة دوائـــه‪،‬‬ ‫وحيـــن تعافـــى ابتـــدر «رد الجميـــل»‪،‬‬ ‫عرفانـــ ًا بجميـــل النـــاس عليـــه فـــي‬ ‫وعكتـــه‪ ،‬صنـــع مـــن مبـــادرة «رد‬ ‫الجمي ــل»‪ ،‬دواء وكتاب ـ ًا وخب ــزًا وحل ــوى‬ ‫يذهـــب للفقـــراء فـــي أمكنتهـــم ليهديهـــم‬ ‫بعـــض لحظـــات عافيـــة وســـعادة‬ ‫ووعـــي‪.‬‬ ‫وهـــو مريـــض‪ ،‬رفـــض بإبـــاء‬ ‫مس ــاعدة النظ ــام‪ ،‬حي ــن أعلن ــت الدول ــة‬ ‫ع ــن تكفله ــا بعالج ــه‪ ،‬وظ ــل هك ــذا حت ــى‬ ‫الرمـــق األخيـــر‪.‬‬ ‫فـــي رقدتـــه األخيـــرة‪ ،‬نقـــل عـــن‬ ‫أســـرته أنـــه رفـــض زيـــارة وزيـــر‬ ‫الصحـــة‪ ،‬ورفـــض أن يســـتغل وهنـــه‬ ‫فـــي دعايـــة «أيديولوجيـــة»‪ ،‬وأوصـــى‬

‫أن تك ــون جنازت ــه ش ــعبية‪ ،‬ال تخالطه ــا‬ ‫رائحـــة النظـــام الرســـمي‪.‬‬ ‫اهتمـــت قصائـــده بقضايـــا المجتمـــع‪،‬‬ ‫وعل ــى رأس ــها «قضي ــة حق ــوق الم ــرأة»‪،‬‬ ‫وناقشـــها بحـــس إنســـاني رفيـــع‪،‬‬ ‫وتجلـــى فـــي قصيدتيـــه «ياوالـــدة‬ ‫يامريـــم‪ ،‬مريـــم ومـــي بنياتـــي» موقفـــه‬ ‫الحياتـــي ونظرتـــه للمـــرأة‪.‬‬ ‫يقـــول الناقـــد محمـــد األســـباط‪« :‬مـــا‬ ‫يمي ــز ش ــعر محج ــوب ش ــريف ه ــو ح ــب‬ ‫النـــاس‪ ،‬واالنشـــغال بهـــم‪ ،‬وهـــو ثيمـــة‬ ‫رئيس ــية ف ــي كتاب ــات محج ــوب‪ ،‬إضاف ــة‬ ‫لحبـــه للحريـــة وبغضـــه للديكتاتوريـــة‬ ‫والظلـــم‪ ،‬وحكـــم العســـكر»‪.‬‬ ‫تعلـــق النـــاس بأشـــعار شـــريف‬ ‫الغنائي ــة الت ــي أعلن ــت بداي ــة ش ــاعريته‬ ‫م ــن خ ــال أغني ــة «جميل ــة ومس ــتحيلة»‪،‬‬ ‫التـــي غناهـــا الفنـــان الراحـــل محمـــد‬ ‫وردي وكانـــت «أيقونـــة» فنيـــة فـــي‬ ‫الشـــعر والغنـــاء واللحـــن‪ ،‬ومنـــذ تلـــك‬ ‫األغني ــة ارتب ــط الش ــاعر بالفن ــان نفس ــه‪،‬‬ ‫وش ــكال ثنائيــ ًا ق ــدم روائ ــع م ــن الش ــعر‬ ‫والموســـيقى‪.‬‬ ‫وج ــاء ي ــوم ش ــريف األخي ــر اس ــتفتاء‬ ‫علـــى الحـــب لـــم تشـــهده العاصمـــة‬ ‫الســـودانية مـــن قبـــل‪ .‬عشـــرات اآلالف‬ ‫مـــن المشـــيعين حملـــوا النعـــش علـــى‬ ‫األكت ــاف لمس ــافات بعي ــدة‪ ،‬وف ــي مرق ــده‬ ‫األخيـــر كان آالف آخـــرون ينتظـــرون‪،‬‬ ‫توحـــد الســـودان‪،‬‬ ‫وفـــي يـــوم تأبينـــه ّ‬ ‫ج ــاء الساس ــة م ــن أقص ــى اليمي ــن وم ــن‬ ‫أقص ــى اليس ــار وق ــد تناس ــوا خالفاته ــم‪،‬‬ ‫وج ــاء عش ــاق الش ــعر‪ ،‬يس ــبقهم دمعه ــم‬ ‫وحزنه ــم‪ ،‬وتواثق ــوا عل ــى الس ــير عل ــى‬ ‫خطـــى الشـــاعر واألشـــعار‪.‬‬


‫تأمالت‬

‫مرزوق بشير بن مرزوق‬

‫الرؤى المستقبلية للمسرح القطري‬ ‫البـــد أن نقـــر عنـــد الحديـــث عـــن مســـتقبل المســـرح القطـــري‬ ‫أن يك ــون حديثــ ًا مبنيــ ًا عل ــى رؤي ــة واس ــعة تنطل ــق م ــن واق ــع‬ ‫المس ــرح بإيجابيات ــه‪ ،‬وس ــلبياته‪ ،‬ومعوقات ــه‪ ،‬إل ــى م ــا ينبغ ــي‬ ‫علي ــه ف ــي المس ــتقبل القري ــب والبعي ــد‪ ،‬وس ــوف تك ــون جهودن ــا‪،‬‬ ‫وخطواتنــا‪ ،‬وتخطيطنــا لمشــاريعنا الثقافيــة متعثــرة فــي غيــاب‬ ‫رؤي ــة تح ــدد خطوتن ــا القادم ــة‪ ،‬فالرؤي ــة تدخلن ــا ف ــي المغام ــرة‬ ‫المحســوبة‪ ،‬بمعنــى أننــا ننطلــق إلــى المســتقبل ولكــن بمنهجيــة‬ ‫وبخارط ــة طري ــق‪.‬‬ ‫إن وج ــود رؤي ــة مس ــتقبلية واضح ــة س ــوف تجعلن ــا نتح ــرك‬ ‫ضمـــن مـــا يتوافـــر مـــن إمكانيـــات ماديـــة وبشـــرية‪ ،‬مـــن بينهـــا‬ ‫إمكانيـــات متوافـــرة اآلن‪ ،‬وإمكانيـــات علينـــا أن نســـتحدثها فـــي‬ ‫المس ــتقبل‪.‬‬ ‫وعل ــى الرغ ــم م ــن الجه ــود الت ــي بذلته ــا دول ــة قط ــر ف ــي دع ــم‬ ‫الفــرق المســرحية ماديـ ًا ومعنويـ ًا وتدريبـ ًا وابتعاثـاً‪ ،‬إال أن هــذه‬ ‫الجه ــود ل ــم تك ــن كافي ــة ويع ــود ذل ــك لع ــدة أس ــباب م ــن بينه ــا‪-:‬‬ ‫‪ - 1‬ع ــدم وج ــود رؤي ــة واضح ــة وغاي ــات وأه ــداف لمس ــيرة‬ ‫الحركــة المســرحية فــي قطــر‪ ،‬وبالتالــي لــم تتوافــر اســتراتيجية‬ ‫قائمـــة تســـتقرئ الواقـــع وتخطـــط للمســـتقبل‪ ،‬وخضـــع تقييـــم‬ ‫ه ــذه الحرك ــة لألفع ــال وردود األفع ــال اآلني ــة دون تواف ــر خط ــة‬ ‫طري ــق ممنهج ــة لتطوي ــر الحرك ــة المس ــرحية‪.‬‬ ‫‪ - 2‬عـــدم توافـــر منظومـــة ثقافيـــة شـــاملة ومتكاملـــة تضـــم‬ ‫المخرجـــات الثقافيـــة فـــي قطـــر مـــن فنـــون وآداب‪ ،‬وبالتالـــي‬ ‫عامـــة والمســـرح خاصـــة التنســـيق بيـــن‬ ‫افتقـــد الشـــأن الثقافـــي‬ ‫ً‬ ‫وس ــائل أخ ــرى مؤث ــرة عل ــى الحرك ــة المس ــرحية مث ــل التعلي ــم‬ ‫واإلعـــام واالقتصـــاد وغيرهـــا مـــن المؤسســـات المرتبطـــة فـــي‬ ‫دعـــم المســـرح‪.‬‬ ‫إن المنطلـــق األساســـي نحـــو رؤيـــة مســـتقبلية للمســـرح‬ ‫القط ــري ه ــو وض ــع اس ــتراتيجية واضح ــة األه ــداف ومدعوم ــة‬ ‫بآلي ــات قابل ــة للتنفي ــذ‪ ،‬وتتطل ــب ه ــذه االس ــتراتيجية اس ــتقراء‬ ‫الواقــع الراهــن للمســرح القطــري الــذي يمكــن حصــره فيمــا يلــي‪:‬‬ ‫‪- 1‬غي ــاب الخط ــط وال ــرؤى ل ــدى الف ــرق المس ــرحية‪ ،‬وع ــدم‬ ‫وجــود إدارات مهنيــة احترافيــة متمكنــة مــن إدارة الشــأن الثقافــي‬ ‫لهـــذه اإلدارات‪ ،‬ووضـــع برامـــج منتظمـــة لنشـــاطها وقـــادرة‬ ‫علـــى تقييـــم مســـيرتها‪ ،‬واالســـتجابة للمتغيـــرات االجتماعيـــة‬

‫واالقتصاديـــة والسياســـية فـــي مجتمعهـــا‪.‬‬ ‫‪- 2‬ع ــدم وج ــود مش ــاريع وقواع ــد صريح ــة وواضح ــة تح ــدد‬ ‫العالق ــة بي ــن المؤسس ــات المؤث ــرة بش ــكل مباش ــر عل ــى الف ــرق‬ ‫المســـرحية مثـــل وزارة الثقافـــة والمؤسســـات األخـــرى مثـــل‬ ‫التعليـــم واإلعـــام‪.‬‬ ‫‪- 3‬عــدم وجــود معاييــر واضحــة للجــان الرقابــة علــى النشــاط‬ ‫المســـرحي‪ ،‬وإن كان إلغاؤهـــا هـــو الحـــل األمثـــل مثـــل إلغـــاء‬ ‫الرقابــة عــن الصحافــة المحليــة‪ ،‬أو أن تتــرك إجازتهــا إلــى جهــة‬ ‫مهني ــة مختص ــة مث ــل قس ــم المس ــرح ف ــي وزارة الثقاف ــة‪.‬‬ ‫‪- 4‬غيـــاب الروافـــد األساســـية التـــي تصـــب فـــي مجـــرى‬ ‫مســـيرة المســـرح وتمنحـــه الحيويـــة الدائمـــة مثـــل ضعـــف أو‬ ‫غي ــاب المس ــرح المدرس ــي‪ ،‬وغي ــاب مناه ــج الف ــن المس ــرحي ف ــي‬ ‫التعلي ــم الع ــام أو العال ــي‪ ،‬وغي ــاب المس ــرح الجامع ــي‪ ،‬وتدن ــي‬ ‫إضافـــة إلـــى عـــدم‬ ‫االبتعـــاث فـــي مجـــاالت المســـرح المختلفـــة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وجـــود اهتمـــام بمســـرح الطفـــل‪.‬‬ ‫‪- 5‬غيـــاب البنيـــة التحتيـــة مـــن مقـــرات مصممـــة لألنشـــطة‬ ‫المس ــرحية المختلف ــة‪ ،‬ون ــدرة خش ــبات المس ــرح حت ــى المتواف ــر‬ ‫منه ــا الكثي ــر من ــه غي ــر مناس ــب ألعم ــال المس ــرحية الدرامي ــة‪.‬‬ ‫‪- 6‬عـــدم وجـــود مركـــز منتظـــم للتدريـــب المســـرحي يقـــدم‬ ‫دورات منتظمـــة ومتخصصـــة طـــوال العـــام‪.‬‬ ‫‪ - 7‬ضع ــف الدع ــم الم ــادي ال ــذي يأت ــي معظم ــه م ــن الدول ــة‪،‬‬ ‫وذلــك لغيــاب تشــجيع القطــاع التجــاري للحركــة المســرحية فــي‬ ‫الب ــاد‪.‬‬ ‫‪- 8‬عـــدم وجـــود كيـــان يجمـــع المســـرحيين مثـــل جمعيـــة أو‬ ‫اتحـــاد يســـتطيعون مـــن خاللـــه تبـــادل الخبـــرات‪ ،‬واكتشـــاف‬ ‫المواهـــب الجديـــدة‪ ،‬والتنســـيق فـــي األنشـــطة والمشـــاركات‬ ‫المحليـــة والخارجيـــة‪ ،‬والدفـــاع عـــن حقـــوق المســـرحيين‪.‬‬ ‫‪- 9‬غيـــاب الحركـــة النقديـــة المســـرحية الموضوعيـــة عـــن‬ ‫مس ــايرة الحرك ــة المس ــرحية‪ ،‬حي ــث يق ــوم النق ــد دائمــ ًا بتقيي ــم‬ ‫منهجـــي لألعمـــال‪ ،‬وتلمـــس مواقـــع الضعـــف والقـــوة فـــي‬ ‫العـــروض الفنيـــة‪ ،‬ومراقبـــة مســـارات الحركـــة المســـرحية‪.‬‬ ‫إن تطوي ــر المس ــرح ف ــي قط ــر يحت ــاج لجه ــود مش ــتركة م ــن‬ ‫ع ــدة مؤسس ــات معني ــة بالحرك ــة المس ــرحية تتوج ــه إل ــى تدعي ــم‬ ‫وتعزي ــز أح ــد أه ــم جوان ــب الثقاف ــة المجتمعي ــة وه ــي المس ــرح‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫ملف‬

‫األعمال الفنية للملف ‪ - Arshile Gorky :‬أميركا‬

‫‪22‬‬


‫لسان الخشب‬ ‫دول عربي ــة تعي ــش‪ ،‬ف ــي الفت ــرة الحالي ــة‪ ،‬عل ــى وق ــع‬ ‫االنتخابــات ومــا بعــد االنتخابــات والحمــات االنتخابيــة‪،‬‬ ‫الت ــي غالب ـ ًا م ــا يرافقه ــا ب ــروز خط ــاب سياس ــي يتقاط ــع‬ ‫قليـــا مـــع همـــوم المتلِقّـــي‪ ،‬ويبتعـــد كثيـــرًا عـــن لغتـــه‬ ‫ً‬ ‫اليومي ــة‪.‬‬ ‫خاصّيت ــا لس ــان‬ ‫الوع ــود اللحظي ــة والديماغوجي ــا هم ــا‬ ‫ِّ‬ ‫السياســـي وشـــعاراته ولغتـــه القائمـــة علـــى تزييـــف‬ ‫تجوفـــ ًا‬ ‫الواقـــع التـــي ازدادت‪ ،‬مـــع مـــرور الســـنوات‪ُّ ،‬‬ ‫وانفصـــا ًال عـــن الحقيقـــة‪ ،‬وانتقلـــت إلـــى فضـــاءات‬ ‫ـج‬ ‫أخ ــرى‪ ،‬خصوص ـ ًا الفض ــاء اإلعالم ــي‪ ،‬ال ــذي ص ــار يع ـ ّ‬ ‫باللغــة الخشــبية‪ ،‬مــع اعتمــاد فاعليــن فيــه علــى مناهــج‬ ‫التضليـــل والتالعـــب بالـــرأي العـــام‪.‬‬ ‫مجل ــة «الدوح ــة» تناق ــش موض ــوع اللغ ــة الخش ــبية‪،‬‬ ‫الحاض ــرة بق ــوة ف ــي حي ــاة المواط ــن العرب ــي البس ــيط‪،‬‬ ‫تحلِّلهــا‪ ،‬وتعالجهــا مــن وجهــات نظــر مختلفــة‪ :‬لســانية‪،‬‬ ‫اجتماعي ــة‪ ،‬ونفس ــانية‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫وعاء للفكر وسالح للسلطة‬ ‫د‪ .‬عبد الرحيم العطري‬

‫مـــا الـــذي ُيفقـــد اللغـــة بســـاطتها‬ ‫وانســـيابيتها؟ مـــا الـــذي يجعـــل الـــكالم‬ ‫ثقيـــا علـــى الخافـــق؟ مـــا الـــذي ُيوجـــب‬ ‫ً‬ ‫االرتيـــاب‪ ،‬عندمـــا تتخـــذ اللغـــة مســـارات‬ ‫ـا‪ ،‬ه ــل ينط ــق الخش ــب‪،‬‬ ‫م ــن خش ــب؟ وقب ـ ً‬ ‫ويصي ــر صادحــ ًا بالمعن ــى أو الالمعن ــى؟‬ ‫إن اللغـــة بمـــا هـــي وعـــاء للفكـــر‬ ‫و«تأويـــل» ممكـــن لحيـــوات اإلنســـان‪،‬‬ ‫ال تحتمـــل بعـــدًا تواصليـــ ًا فقـــط‪ ،‬بـــل‬ ‫تفســـر وضعيـــات وانتمـــاءات‪ ،‬إنهـــا‬ ‫تكشـــف الهويـــة والحـــال والمـــآل‪ ،‬إنهـــا‬ ‫تفض ــح المضم ــر وتؤك ــد المعل ــن‪ ،‬فاللغ ــة‬ ‫كاش ــفة للمعن ــى والمبن ــى ف ــي آن‪ .‬فمت ــى‬ ‫انزاح ــت العب ــارة ع ــن مطلبه ــا الرئي ــس‪،‬‬ ‫ومت ــى كان ــت «خائن ــة» لنصه ــا األصل ــي‪،‬‬ ‫انكشـــف زيفهـــا واســـتحقت توصيـــف‬ ‫«لغـــة الخشـــب»‪.‬‬ ‫فـــي كل التواصـــات اإلنســـانية نجـــد‬ ‫التنصيـــص علـــى معطـــى القـــول‪ ،‬ليـــس‬ ‫‪24‬‬

‫فقـــط مـــن أجـــل فـــك شـــفراته‪ ،‬وتحديـــد‬ ‫مضمونـــه وغايتـــه‪ ،‬ولكـــن‪ ،‬وهـــذا هـــو‬ ‫المه ــم‪ ،‬م ــن أج ــل تحدي ــد درج ــة صدقيت ــه‪.‬‬ ‫فـــكل قـــول ينبغـــي أن ُيقـــرأ كلغـــة‬ ‫وكخطـــاب حابـــل باإلشـــارات والرمـــوز‪،‬‬ ‫إنـــه تعبيـــر لغـــوي وجســـدي يرســـله‬ ‫أفـــراد نحـــو جهـــة مـــا‪ُ ،‬يفتـــرض فيـــه أن‬ ‫يهف ــو إل ــى اإلقن ــاع أو اإلمت ــاع‪ ،‬أو حت ــى‬ ‫التواصـــل العـــادي والخـــام‪.‬‬ ‫المســـتقبل‪ ،‬وفقـــ ًا‬ ‫ومنـــه يصيـــر ُ‬ ‫لخطاطـــة التواصـــل األوليـــة‪ ،‬أكثـــر‬ ‫انتباهـــ ًا للرســـائل الموجهـــة إليـــه‪،‬‬ ‫يلتقطهـــا‪ ،‬يفككهـــا‪ ،‬ويحكـــم عليهـــا‪،‬‬ ‫ويؤس ــس تيبولوجي ــا اللغ ــة ض ــدًا عل ــى‬ ‫المرســـل ورســـاميله الرمزيـــة‬ ‫رهانـــات ُ‬ ‫والماديـــة‪ .‬وبذلـــك ينتفـــض الفـــاح‬ ‫البائـــس والمعطـــل اليائـــس والعامـــل‬ ‫الـــكادح‪ ،‬وهـــو يســـتمع مكرهـــ ًا لخطـــب‬ ‫«داعيـــة السياســـة»‪ ،‬ينتفضـــون جميعـــ ًا‬

‫قائلي ــن بأنه ــا «لغ ــة خش ــب ال تغن ــي وال‬ ‫تســـمن مـــن جـــوع»‪.‬‬ ‫فمتـــى كان للخشـــب لغـــة؟ الخشـــب‬ ‫ال ــذي نتعل ــم من ــه دومــ ًا درس الصم ــود‪،‬‬ ‫انطالقـــ ًا مـــن كـــون األشـــجار تمـــوت‬ ‫واقفـــة‪ ،‬هـــو ذاتـــه الـــذي نتعلـــم منـــه‬ ‫درس التمويـــه والضحـــك علـــى الذقـــون‪،‬‬ ‫ـير عل ــى لغ ــة جاف ــة‪ ،‬ب ــا روح‪،‬‬ ‫ف ــي تأش ـ ٍ‬ ‫ترمـــي فقـــط إلـــى التســـويف والتزييـــف‪،‬‬ ‫فالخش ــب مف ــارق بطبيعت ــه‪ ،‬إن ــه يحتم ــل‬ ‫أكث ــر م ــن معن ــى ويأخذن ــا إل ــى متاه ــات‬ ‫عديـــدة‪ ،‬مـــا يجعلنـــا نفقـــد بوصلـــة‬ ‫التوصيـــف الدقيـــق‪.‬‬ ‫لربمـــا تفيدنـــا فرضيـــة الفيلســـوف‬ ‫الفرنســـي جـــان بوريـــدان الـــذي يضعنـــا‬ ‫أمـــام اختبـــار حقيقـــي‪ ،‬واضعـــ ًا أمامنـــا‬ ‫حم ــارًا يعان ــي م ــن ج ــوع وعط ــش‪ ،‬وف ــي‬ ‫اآلن ذاتـــه يوجـــد أمامـــه برســـيم ومـــاء‪،‬‬ ‫ُيطالبنـــا بوريـــدان باالختيـــار‪ :‬المـــاء أو ًال‬


‫أم البرســيم أوالً؟ نتفــرق شــيع ًا فــي طــرح‬ ‫اإلجابـــات‪ ،‬لكـــن الفيلســـوف‪ ،‬يخرجنـــا‬ ‫مـــن التيـــه‪ ،‬ويعلمنـــا درس «تنســـيب‬ ‫قائـــا بمـــلء الصـــوت‪« :‬كل‬ ‫الحقيقـــة»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫اإلجابـــات صحيحـــة‪ ،‬لكـــن اإلجابـــة‬ ‫األصـــح هـــي التـــي تـــدور فـــي ذهـــن‬ ‫الحمـــار»‪.‬‬ ‫إن الحقيقـــة المكتملـــة والناجـــزة هـــي‬ ‫الــا يقيــن‪ ،‬فنحــن ال نصــل إلــى الحقيقــة‪،‬‬ ‫ولكــن فقــط إلــى أحــواز الحقيقــة‪ ،‬ذلكــم مــا‬ ‫نتعلمــه باســتمرار مــن التأويــل وحــدوده‪،‬‬ ‫فالتأويـــل يكـــون قاصـــرًا ومتجـــاوزًا‬ ‫عندم ــا ُيعتق ــد أن ــه التأوي ــل الوحي ــد‪ .‬م ــن‬ ‫هنـــا يتوجـــب رفـــع مســـتويات االحتـــراز‬ ‫المعرفـــي كلمـــا تعلـــق األمـــر بالتصنيـــف‬ ‫والنمذج ــة‪ ،‬ذل ــك أن «تخش ــيب» لغ ــة م ــا‪،‬‬ ‫و«ال تخش ــيب» أخ ــرى تح ــدده االنتم ــاءات‬ ‫المراتبيـــة واالســـتراتيجيات االجتماعيـــة‬ ‫والسياســـية للفاعليـــن‪.‬‬

‫ِلَن ُعـــد مـــرة أخـــرى إلـــى الخشـــب‬ ‫المف ــارق‪ ،‬إل ــى الخش ــب المتع ــدد‪ ،‬لنقت ــرب‬ ‫مــن المعنــى‪ ،‬فنحــن نتحــدث عــن الخشــب‬ ‫عندمـــا يغـــادر موطنـــه األصلـــي‪ ،‬عندمـــا‬ ‫ينتفــي وجــوده فــي الغابــة‪ ،‬عندمــا يفتقــد‬ ‫صفـــة الشـــجر‪ ،‬ويصيـــر مجـــرد خشـــب‬ ‫ـــد للنشـــر والتوضيـــب واالســـتعمال‪،‬‬ ‫ُم َع ٍّ‬ ‫حينهـــا يمـــوت فيـــه الشـــجر‪ ،‬وتنغلـــق‬ ‫فيـــه أســـرار الحيـــاة‪ ،‬تغـــادره الـــروح‪،‬‬ ‫وينط ــق‪ ،‬ف ــا ي ــكاد يبي ــن‪ ،‬ينت ــج أص ــداء‬ ‫موغلـــة فـــي الزيـــف‪ ،‬عصيـــة علـــى‬ ‫القبـــول وااللتـــذاذ‪ .‬فاللغـــة الخشـــبية‬ ‫والمتخشـــبة أيضـــاً‪ ،‬والتـــي يجيدهـــا‬ ‫داعي ــة السياس ــة‪ ،‬تحل ــق ف ــي األعال ــي‪ ،‬ال‬ ‫تعك ــس هم ــوم وآم ــال الق ــاع االجتماع ــي‪،‬‬ ‫تدمـــن التســـويف والتزييـــف‪ ،‬وحتـــى إن‬ ‫ارتكن ــت إل ــى النق ــد‪ ،‬فإنه ــا ال تخ ــرج ع ــن‬ ‫الزم ــة النق ــد التعميم ــي الب ــارد والخط ــاب‬ ‫التمجيـــدي الســـاخن‪.‬‬

‫إن البحـــث فـــي جينيالوجيـــا لغـــة‬ ‫الخشــب يقــود إلــى اإلقــرار بــأن الفرنســيين‬ ‫ه ــم الذي ــن أنتج ــوا ه ــذا التوصي ــف‪ ،‬ف ــي‬ ‫إط ــار «ح ــرب أيديولوجي ــة» م ــع ال ــروس‪،‬‬ ‫واصفيـــن لغتهـــم بأنهـــا شـــعبوية‬ ‫ومهادنــة ال تحــل المشــاكل‪ ،‬بــل «تدبرهــا»‬ ‫وتؤجله ــا‪ ،‬وله ــذا فه ــي لغ ــة تع ــزف عل ــى‬ ‫األوت ــار الحساس ــة‪ ،‬ف ــي محاول ــة لغس ــل‬ ‫األدمغــة‪ ،‬وتزويــر الوقائــع‪ .‬فمــا يهــم هــو‬ ‫إعـــادة إنتـــاج نفـــس األوضـــاع وتأجيـــل‬ ‫التغيي ــر وتحيي ــد ممكنات ــه‪ ،‬حت ــى يس ــتمر‬ ‫مالكـــو وســـائل اإلنتـــاج واإلكـــراه فـــي‬ ‫اإلف ــادة م ــن الخي ــرات الرمزي ــة والمادي ــة‬ ‫للمجتمـــع‪.‬‬ ‫اللغـــة حيـــاة‪ ،‬واألصـــل فـــي األشـــياء‬ ‫ه ــو الحي ــاة‪ ،‬وف ــي اللحظ ــة الت ــي تم ــوت‬ ‫فيهـــا اللغـــة‪ ،‬نكـــون علـــى موعـــد مـــع‬ ‫«مس ــكوكات لغوي ــة» و«قوال ــب تعبيري ــة»‬ ‫جاف ــة‪ُ ،‬ترب ــك المعن ــى وتنت ــج االلتب ــاس‪،‬‬ ‫‪25‬‬


‫تعلمن ــا االرتي ــاح المبال ــغ في ــه‪ ،‬وتس ــرق‬ ‫منـــا الحـــق فـــي التســـاؤل و«التشـــاؤل»‪.‬‬ ‫دليلنـــا فـــي ذلـــك أن داعيـــة السياســـة‬ ‫م ــا بي ــن الم ــاء والم ــاء يص ــر ف ــي خطب ــه‬ ‫العصم ــاء‪ ،‬عل ــى أن يك ــون المفتت ــح ه ــو‬ ‫اليقيـــن ال الشـــك‪ ،‬فدائمـــ ًا نجـــد عبـــارات‬ ‫م ــن قبي ــل‪« :‬مم ــا ال ش ــك في ــه‪ ،‬ال غ ــرو‪،‬‬ ‫فـــي الحقيقـــة‪ ،‬أعتقـــد جازمـــاً‪ ،‬مـــا ال‬ ‫يتناطــح عليــه كبشــان‪ ،‬فــي هــذه اللحظــة‬ ‫التاريخيــة‪ ،‬المصيــر المشــترك‪ ،‬الجماهيــر‬ ‫الشـــعبية‪ ،‬ســـوف نبنـــي‪ ،»....‬وهـــي‬ ‫عبــارات تلغــي الحــق فــي الســؤال والنقــد‪،‬‬ ‫وتدعـــو إلـــى تعطيـــل العقـــل وتقديـــس‬ ‫النقـــل واالتبـــاع‪.‬‬ ‫ثم ــة قام ــوس لغ ــوي يتك ــرر باس ــتمرار‬ ‫فـــي كل خطـــاب خشـــبي‪ ،‬ثمـــة كلمـــات‬ ‫بعينهـــا تحافـــظ علـــى حضورهـــا فـــي‬ ‫المتـــون المتخشـــبة‪ ،‬إلـــى الدرجـــة التـــي‬ ‫‪26‬‬

‫بـــات فيهـــا المواطـــن المغلـــوب علـــى‬ ‫أم ــره‪ ،‬يحفظه ــا ع ــن ظه ــر قل ــب‪ ،‬فم ــا أن‬ ‫يعتل ــي الزعي ــم الحزب ــي منص ــة المؤتم ــر‬ ‫حت ــى نع ــي جي ــدًا مس ــكوكاته وعبارات ــه‪،‬‬ ‫ومـــا أن يظهـــر الوزيـــر فـــي البرنامـــج‬ ‫التليفزيون ــي حت ــى نع ــرف كل احتم ــاالت‬ ‫تصريح ــه وتبش ــيره لن ــا بمس ــتقبل الخي ــر‬ ‫والنمـــاء‪ ،‬ومـــا أن نديـــر مؤشـــر اإلذاعـــة‬ ‫حت ــى نع ــرف مس ــبق ًا م ــا َسُي ْس ــمعنا إي ــاه‬ ‫المذيـــع الرســـمي‪.‬‬ ‫يمكـــن القـــول بـــأن لغـــة الخشـــب‬ ‫باتـــت عابـــرة للســـجالت والحقـــول‬ ‫االجتماعيـــة‪ ،‬فهـــي ليســـت حكـــرًا علـــى‬ ‫آل اليميـــن‪ ،‬بـــل إنهـــا تلـــوح أيضـــ ًا فـــي‬ ‫البيانـــات الثوريـــة آلل اليســـار‪ ،‬كمـــا‬ ‫أنه ــا تخت ــرق حميمي ــة الح ــب والعالق ــات‬ ‫الرومانس ــية‪ ،‬ونص ــوص األدب واإلب ــداع‪،‬‬ ‫إل ــى الدرج ــة الت ــي تداخ ــل فيه ــا التن ــاص‬

‫مـــع التـــاص»‪ ،‬وكمـــا تلـــوح أيضـــ ًا فـــي‬ ‫العوالـــم االفتراضيـــة (الفيســـبوك مثـــا)‬ ‫عبـــر تنميـــط اإلعجـــاب ‪ Like‬وقولبـــة‬ ‫التواصـــات واالختـــزاالت واالســـتعارات‬ ‫الميتـــة (‪ :b8‬ليلـــة ســـعيدة)‪ .‬بـــل يصـــل‬ ‫مس ــتوى التخش ــيب إل ــى تقعي ــد الس ــلوك‬ ‫اإلنســـاني وإفراغـــه مـــن معنـــاه النبيـــل‪.‬‬ ‫إن األفعـــال واألدوار التـــي يمارســـها‬ ‫األف ــراد ف ــي يومه ــم تنضب ــط بالض ــرورة‬ ‫لتقس ــيمات اجتماعي ــة ومجالي ــة‪ ،‬وتتأط ــر‬ ‫قبـــا وبعـــدًا بالمكانـــة االجتماعيـــة التـــي‬ ‫ً‬ ‫يحتلونهـــا داخـــل المجموعـــة‪ ،‬إنهـــا‬ ‫ممارس ــات ناتج ــة ع ــن «قان ــون» االنتم ــاء‬ ‫إل ــى حق ــل الهوي ــة واالنتماء‪.‬فـ«صناع ــة»‬ ‫إنســـان ذي بعـــد واحـــد يتمحـــور حـــول‬ ‫االســـتهالك‪ ،‬حســـب هربـــرت ماركيـــوز‪،‬‬ ‫تســير فــي هــذا االتجــاه‪ ،‬كمــا أن «الضبــط»‬ ‫فـــي إطـــار اليومـــي‪ ،‬والـــذي يمتـــد إلـــى‬ ‫الوق ــت الح ــر والحي ــاة الجنس ــية واللغ ــة‬ ‫واالســـتهالك‪ ،‬يـــؤدي حســـب ميشـــيل‬ ‫مافيزول ــي إل ــى االنخ ــراط ف ــي «امتثالي ــة‬ ‫اجتماعيـــة» أو فـــي «انقيـــاد جماعـــي»‬ ‫يلغـــي فاعليـــة الفـــرد واســـتقالليته‪.‬‬ ‫ومـــع ذلـــك يبقـــى «السياســـي»‬ ‫المجـــال األثيـــر الشـــتغال لغـــة الخشـــب‪،‬‬ ‫خصوصــ ًا ف ــي ظ ــل األنس ــاق السياس ــية‬ ‫المغلق ــة أو تل ــك الت ــي تعان ــي م ــن ن ــوع‬ ‫األزمويـــة واالختنـــاق‪ ،‬وتتعطـــل فيهـــا‬ ‫قنـــوات التواصـــل بيـــن صنـــاع القـــرار‬ ‫وباقـــي مكونـــات المجتمـــع‪ .‬فـــي المجـــال‬ ‫السياســـي الـــذي يلـــوح كحقـــل للصـــراع‬ ‫والتنافـــس‪ ،‬تصيـــر هـــذه اللغـــة الميتـــة‬ ‫آليـــة دفاعيـــة وهجوميـــة لتحصيـــن‬ ‫المواقـــع وإثـــراء الرســـاميل والمنافـــع‪،‬‬ ‫فهـــي ســـاح للتأثيـــر علـــى اآلخـــر‬ ‫وتنويمـــه‪ ،‬أو بـــكل بســـاطة المتصـــاص‬ ‫الغضـــب وإلهـــاء المهيمـــن عليهـــم‪.‬‬ ‫وضـــع مفتـــوح علـــى‬ ‫ففـــي هكـــذا‬ ‫ٍ‬ ‫العط ــب واالخت ــال‪ ،‬ويعم ــل دومــ ًا بمب ــدأ‬ ‫تدبي ــر األزم ــات ب ــدل حله ــا‪ ،‬ويرتك ــن إل ــى‬ ‫منطـــق التغيـــر داخـــل االســـتمرارية‪ ،‬ال‬ ‫ب ــد وأن يك ــون الخش ــب أفقن ــا و«خبزن ــا»‬ ‫اليومـــي فـــي السياســـة واالقتصـــاد‬ ‫والثقافـــة وكل مناحـــي الحيـــاة‪ .‬فاللغـــة‬ ‫وعـــاء للفكـــر وســـاح للســـلطة‪ ،‬فمتـــى‬ ‫نتحـــرر مـــن لعنـــة الخشـــب؟‬


‫بين الضفتين‬

‫إيزابيلال كاميرا‬

‫الصمت الجميل‬ ‫ك ــم م ــن م ــرة س ــمعنا خطابــ ًا ألح ــد الساس ــة ول ــم نفه ــم من ــه‬ ‫ش ــيئاً؟ م ــن المؤك ــد أن ذل ــك ح ــدث لن ــا جميع ـ ًا وألكث ــر م ــن م ــرة‪،‬‬ ‫بــل صعــب علينــا أن نعتــرف بأننــا لــم نفهــم ممــا ســمعناه شــيئاً‪.‬‬ ‫ولك ــن لم ــاذا ال نفه ــم؟ ه ــل ه ــو ضع ــف خطي ــر ف ــي الس ــمع وف ــي‬ ‫الفه ــم؟ ال بالطب ــع‪ ،‬ال داع ــي لإلحب ــاط‪ .‬دعون ــا ال نفك ــر ب ــأن كل‬ ‫م ــرة نس ــمع فيه ــا ش ــيئ ًا غي ــر مفه ــوم يك ــون العي ــب فين ــا‪ ،‬فلس ــنا‬ ‫بهــذه البالهــة التامــة‪ ،‬وإنمــا العيــب فيمــن قــال‪ ،‬ال فيمــن أنصــت‪.‬‬ ‫اكتشـــفت فـــي إيطاليـــا مؤخـــرًا وجـــود موقـــع بعنـــوان‬ ‫«الصياغـــة اآلليـــة لخطابـــات السياســـيين»! موقـــع طريـــف لـــم‬ ‫أك ــن أع ــرف عن ــه ش ــيئ ًا م ــن قب ــل‪ .‬وه ــذا الموق ــع عل ــى م ــا يب ــدو‬ ‫بوســـعه أن يولـــد مالييـــن مـــن عبـــارات الرطانـــة السياســـية‪،‬‬ ‫يجم ــع بينه ــا عام ــل مش ــترك واح ــد‪« :‬أن تق ــول ش ــيئ ًا م ــا‪ ،‬ح ــول‬ ‫شـــيء مـــا‪ ،‬دون أن تقـــول شـــيئ ًا علـــى اإلطـــاق»‪.‬‬ ‫ويس ــمى ه ــذا الن ــوع م ــن اللغ ــة الصعب ــة‪ ،‬المنمق ــة والمعق ــدة‬ ‫دون داع‪ ،‬بالرطانـــة السياســـية التـــي أصبحـــت مرادفـــ ًا لمعنـــى‬ ‫«التضلي ــل»‪ ،‬أي اللغ ــة الت ــي أنش ــأها رج ــال السياس ــة للتضلي ــل‬ ‫اإلعالمــي‪ ،‬هربـ ًا مــن تقديــم معلومــات وتفســيرات‪ ،‬وإنمــا للدفــاع‬ ‫عــن أنفســهم فــي مواجهــة انتقــادات المواطنيــن وتشــتيت انتباههــم‬ ‫عم ــا يفعلون ــه ف ــي الحقيق ــة‪ ،‬هربــ ًا م ــن الرقاب ــة الش ــعبية ودرءًا‬ ‫لالنتق ــادات الت ــي ق ــد تنش ــأ م ــن أط ــراف متع ــددة‪ .‬أي أن ه ــؤالء‬ ‫النـــاس يســـتطيعون التعامـــل مـــع أي موضـــوع فـــي أي موقـــع‬ ‫م ــن دون أن يقول ــوا ف ــي الواق ــع أي ش ــيء مفه ــوم‪ .‬مج ــرد إلق ــاء‬ ‫نظـــرة علـــى واحـــد مـــن العديـــد مـــن البرامـــج الحواريـــة التـــي‬ ‫تراهـــا علـــى القنـــوات التليفزيونيـــة‪ ،‬يكشـــف لـــك عـــن نواتـــج‬ ‫ه ــذه الظاه ــرة‪ .‬والحقيق ــة الت ــي يج ــب االعت ــراف به ــا ه ــي أن ــه‬ ‫الب ــد م ــن تواف ــر مه ــارة كبي ــرة للتح ــدث به ــذه الطريق ــة‪ ،‬وتدري ــب‬ ‫نظـــري وعملـــي علـــى هـــذه الممارســـة‪ ،‬حتـــى تتحـــول عقولنـــا‬ ‫إل ــى «كمبيوت ــر بش ــري» مل ــيء بالخط ــب الفارغ ــة‪ .‬يكف ــي وض ــع‬ ‫بض ــع كلم ــات إل ــى ج ــوار بعضه ــا البع ــض و«تلحينه ــا» بطريق ــة‬ ‫معين ــة عن ــد نطقه ــا‪ .‬وهك ــذا نس ــمع ص ــورًا بالغي ــة مجازي ــة ال‬ ‫معن ــى له ــا‪ ،‬تتس ــم بالغم ــوض‪ ،‬والس ــطحية‪ ،‬وأق ــوا ًال مأث ــورة‬ ‫ف ــي غي ــر موضعه ــا‪ ،‬وتلميح ــات وإش ــارات وم ــا ش ــابه‪.‬‬ ‫عندمـــا كنـــت طالبـــة أدرس اللغـــة العربيـــة فـــي الســـنوات‬ ‫األولــى‪ ،‬درســنا مــع أســتاذ األدب العربــي ذات يــوم نص ـ ًا مثيــرًا‬ ‫جـــداً‪ ،‬مأخـــوذًا مـــن قصـــة الكاتـــب والمفكـــر المصـــري الشـــهير‬ ‫أحمـــد أميـــن‪ .‬لقـــد مـــرت ســـنوات كثيـــرة جـــدًا وال أســـتطيع‬ ‫تذك ــر عن ــوان القص ــة‪ ،‬ولك ــن ال بــّد أن يك ــون ش ــيئ ًا م ــن قبي ــل‬ ‫«يـــوم الكونغـــرس‪ »،‬أو «الجلســـة األولـــى فـــي الكونغـــرس»‪ ،‬ال‬

‫أذكـــر‪ .‬ورغـــم أننـــي ال أتذكـــر العنـــوان‪ ،‬إال أننـــي لـــم أنـــس أن‬ ‫الموض ــوع كان يجم ــع بي ــن الجدي ــة والطراف ــة‪ ،‬محقون ـ ًا بجرع ــة‬ ‫كبيــرة مــن الســخرية والفكاهــة‪ ،‬بأســلوب العالــم الراقــي واللغــة‬ ‫الفصح ــى البليغ ــة‪ .‬يص ــف المؤل ــف جلس ــة للكونغ ــرس تناول ــت‬ ‫موضوعــ ًا بعين ــه‪ ،‬ق ــدم ل ــه رئي ــس الجلس ــة مس ــتعين ًا بالعدي ــد‬ ‫م ــن الكلم ــات الطنان ــة ودع ــا زم ــاءه لصياغ ــة مقترح ــات لح ــل‬ ‫مش ــكلة بعينه ــا‪ ،‬تح ــدث عنه ــا كثي ــرًا وط ــال خطاب ــه مس ــتعين ًا‬ ‫بكلماتـــه الطنانـــة نفســـها‪ ،‬حتـــى لـــم يعـــد أحـــد يفهـــم مـــا هـــو‬ ‫أص ــل المش ــكلة‪ ،‬فأصب ــح الح ــل الوحي ــد تش ــكيل لجن ــة لدراس ــة‬ ‫الموضوع‪/‬المش ــكلة‪ .‬بالضب ــط كم ــا يح ــدث غالب ـ ًا عندن ــا‪ ،‬عندم ــا‬ ‫ال تريــد أو ال تعــرف كيــف تواجــه مشــكلة وتعثــر علــى حــل لهــا‪،‬‬ ‫فتلج ــأ إل ــى تش ــكيل لجن ــة تتول ــى تحدي ــد م ــا يج ــب القي ــام ب ــه‪،‬‬ ‫وف ــي انتظ ــار ق ــرار اللجن ــة يك ــون الوق ــت ق ــد م ــر‪ ،‬والمش ــكلة ال‬ ‫تــزال مــن دون حــل‪ ،‬ولكــن الكلمــات حــول هــذه المشــكلة نفســها‬ ‫تك ــون ق ــد تضاعف ــت وتكدس ــت ب ــا ح ــدود‪ .‬أدع ــو الق ــارئ الكري ــم‬ ‫إل ــى أن يعث ــر عل ــى ه ــذه القص ــة الممتع ــة الت ــي كتب ــت ربم ــا ف ــي‬ ‫األربعينيـــات مـــن القـــرن الماضـــي‪ ،‬وأن يعيـــد قراءتهـــا‪ ،‬ليجـــد‬ ‫تش ــابه ًا كبي ــرًا بينه ــا وبي ــن عال ــم الي ــوم‪.‬‬ ‫وأخي ــراً‪ ،‬أود أن أخت ــم مقال ــي القصي ــر ه ــذا بتأكي ــد أن ــه مم ــا‬ ‫أس ــعدني ف ــي الحقيق ــة أن أتع ــاون م ــع مجل ــة مث ــل «الدوح ــة»‬ ‫الت ــي ش ــرفتني بنش ــر مقاالت ــي‪ ،‬بمع ــدل ش ــهري منتظ ــم تقريب ـاً‪،‬‬ ‫والت ــي س ــاهمت بطريق ــة م ــا ف ــي الح ــوار الجدل ــي المفت ــوح ال ــذي‬ ‫يمثـــل انقالبـــ ًا علـــى المنطـــق الســـائد فـــي المجـــات الثقافيـــة‬ ‫األخ ــرى‪ ،‬انطالق ـ ًا م ــن سياس ــة تحريري ــة حديث ــة رس ــخت بق ــوة‬ ‫وحيوي ــة‪ ،‬وباحت ــرام ح ــازم للقواع ــد والقواني ــن الس ــارية‪ ،‬له ــدم‬ ‫كل جـــدران االنعـــزال الثقافـــي واالجتماعـــي‪( .‬مـــع األخـــذ فـــي‬ ‫االعتب ــار أن المش ــاركة ف ــي نواي ــا العث ــور عل ــى مص ــادر مبرمج ــة‬ ‫لمعظـــم الحجـــج الحاليـــة‪ ،‬الثقافيـــة وغيـــر الثقافيـــة‪ ،‬يمكـــن‬ ‫أن تجـــد ردودًا إيجابيـــة مـــن دون أي نـــوع مـــن االســـتثناءات‪،‬‬ ‫أو الشـــروط‪ ،‬وهـــي ردود يمكـــن تقاســـمها أو االختـــاف فيهـــا‪،‬‬ ‫ويمكـــن العثـــور عليهـــا فـــي ديناميـــات أخـــرى‪ ،‬تســـيطر عليهـــا‬ ‫ثنائي ــة االتف ــاق واالخت ــاف ه ــذه‪.‬‬ ‫ربما قلت شيئ ًا غير واضح بما فيه الكفاية؟!)‬ ‫أعتق ــد ه ــذا‪ ،‬ربم ــا نس ــيت أن ــا نفس ــي م ــا قال ــه ش ــاعر إيطالي ــا‬ ‫الكبيــر دانتــي اليجييــري‪« :‬صمتهــا‪ ،‬واختــاف مالمحهــا‪ ،‬فرضــا‬ ‫الصم ــت عل ــى عقل ــي النه ــم»‪ ،‬وه ــي األبي ــات الت ــي تحول ــت إل ــى‬ ‫مث ــل ش ــعبي إيطال ــي ش ــهير‪« :‬الصم ــت الجمي ــل المس ــتعصي أب ــدًا‬ ‫عل ــى القل ــم»‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫يزخــر األدب السياســي بأمثلــة من اللغة الخشــبية‪ ،‬خاصــة فيما يتعلق‬ ‫ا ما يــورده هنري كيري فــي كتابه‬ ‫باألنظمــة االشــتراكية‪ .‬مــن ذلك مثــ ً‬

‫عبدالوهاب األنصاري‬

‫قاض أثناء محاكمة تشاوتشيسكو‪ ،‬مستخدم ًا‬ ‫«رومانيا منذ ‪ »1989‬مقولة ٍ‬ ‫اللغة الخشــبية إياها التي كان نظام تشاوتشيســكو يستخدمها‪« :‬المؤتمر‬ ‫الوطني (البرلمان) تم حله بإرادة الشعب التي ال تقهر»‪.‬‬

‫طالسم‬ ‫إال أن اللغـــة الخشـــبية ليســـت حكـــرًا‬ ‫علـــى األنظمـــة االشـــتراكية وال علـــى‬ ‫السياســـة فحســـب‪ ،‬بـــل تغـــص بهـــا‬ ‫فضاءاتن ــا العربي ــة ف ــي المج ــاالت كاف ــة‪:‬‬ ‫االجتماعي ــة والديني ــة والثقافي ــة‪ ،‬إل ــخ‪.‬‬ ‫وهـــي وإن كانـــت خشـــبية إال أنهـــا‬ ‫تتط ــور لتواك ــب المقتضي ــات‪ :‬م ــا يح ــدث‬ ‫ه ــو إب ــدال لغ ــة خش ــبية بلغ ــة خش ــبية‬ ‫جديـــدة‪ .‬واللغـــة الخشـــبية‪ ،‬فـــي آخـــر‬ ‫المط ــاف‪ ،‬ق ــول دون مضم ــون حقيق ــي‪،‬‬ ‫أو أن مضمونـــه غيـــر قابـــل للقيـــاس‬ ‫العملـــي‪ ،‬وإن كان المضمـــون ذا تأثيـــر‬ ‫مـــن الناحيـــة العاطفيـــة والوجدانيـــة‪.‬‬ ‫ـا «اإلرادة التــي ال تقهــر» فــي‬ ‫فمــا هــي مثـ ً‬ ‫مجــال األحــكام القضائيــة التــي يفتــرض‬ ‫بهـــا وضـــوح عناصرهـــا؟ ومـــا هـــو‬ ‫«توطيـــد أواصـــر األخـــوة» التـــي تأتـــي‬ ‫رئيـــس إلـــى آخـــر؟‬ ‫فـــي أعقـــاب زيـــارة‬ ‫ٍ‬ ‫فكأننـــا بذلـــك شـــرحنا أهـــداف الزيـــارة‬ ‫وم ــا حققته ــا‪ .‬ومث ــل ذل ــك اته ــام بع ــض‬ ‫األطـــراف بتنفيـــذ أجنـــدة خارجيـــة‪.‬‬ ‫أو أن «أعـــداء األمـــة يتربصـــون بهـــا»‪،‬‬ ‫«الحاقــدون تكالبــوا علــى أمــة اإلســام»‪.‬‬ ‫يقـــال إن جـــذور التســـمية‪« ،‬اللغـــة‬ ‫‪28‬‬

‫الخشـــبية»‪ ،‬بـــدأت قبـــل الثـــورة‬ ‫الروســـية عندمـــا كانـــت لغـــة اإلدارة‬ ‫القيصريــة البيروقراطيــة موضــوع تنــدر‬ ‫بيـــن المواطنيـــن (والتـــي كانـــت تدعـــى‬ ‫اللغـــة البلوطيـــة‪ ،‬نســـبة إلـــى شـــجرة‬ ‫البل ــوط ومدل ــوالت الب ــطء والتق ــدم ف ــي‬ ‫العمـــر)‪ .‬ومـــن ثـــم‪ ،‬فـــي ســـبعينيات‬ ‫القـــرن الماضـــي‪ ،‬مـــن البولنديـــة إلـــى‬ ‫الفرنســـية حيـــث اكتســـبت اســـمها‪ ،‬ثـــم‬ ‫عبـــر صحافـــة هـــذه األخيـــرة ‪ ،‬إلـــى‬ ‫اللغ ــات العالمي ــة‪ .‬وعب ــر األخي ــرة أيض ـ ًا‬ ‫إل ــى ال ــدول المغاربي ــة ومنه ــا إل ــى بقي ــة‬ ‫العالـــم العربـــي‪ .‬المقـــاالت العربيـــة‬ ‫المنشـــورة علـــى الشـــبكة المتعلقـــة‬ ‫باللغـــة الخشـــبية أغلبهـــا مغاربيـــة‪.‬‬ ‫يتبـــارى المعلقـــون والمدونـــون‪،‬‬ ‫خاصـــة فـــي المنتديـــات الفرنســـية‪،‬‬ ‫بتعريـــف اللغـــة الخشـــبية ووضـــع‬ ‫ـا‪ :‬أنه ــا إس ــهاب‬ ‫أسس ــها‪ .‬م ــن ذل ــك مث ـ ً‬ ‫فـــي كلمـــات غيـــر مجديـــة (تتجنـــب‬ ‫التفاصيـــل)‪ .‬أنهـــا تعامـــل الواقـــع‬ ‫بمنهــاج ثنائــي (الخيــر والشــر) وتفــرض‬ ‫أيديولوجيتهـــا علـــى المتلقـــي‪ .‬وهـــي‬ ‫تتجنـــب األجوبـــة الصريحـــة لألســـئلة‬

‫المربكـــة‪ ،‬حيـــث تشـــكل كلماتهـــا ســـترًا‬ ‫للحقيقـــة وتخفـــي أهدافهـــا العمليـــة‬ ‫(وت ِع ــد‪ ،‬بالتلمي ــح‬ ‫بع ــدم التصري ــح به ــا َ‬ ‫فحســـب‪ ،‬بمـــا ال يمكـــن تحقيقـــه)‪.‬‬ ‫وتس ــتخدم تعابي ــر نمطي ــة همه ــا التأثي ــر‬ ‫ال المعلومـــة‪ .‬فاللغـــة الخشـــبية ليســـت‬ ‫صنفـــ ًا أدبيـــ ًا وإن كانـــت أســـلوب ًا فـــي‬ ‫الــكالم والخطابــة‪ .‬والفئــة الكبــرى التــي‬ ‫تتقنهـــا هـــم أهـــل السياســـة‪.‬‬ ‫والواقــع أن الترجمــة العربيــة للكلمــة‬ ‫الفرنســـية (‪ )langue de bois‬غيـــر‬ ‫موفق ــة‪ ،‬إذ إنه ــا ترجم ــة حرفي ــة‪ .‬ذل ــك‬ ‫أن المقصـــود باللغـــة الخشـــبية أصبـــح‬ ‫أعـــم وأشـــمل مـــن جـــذوره المقتصـــرة‬ ‫عل ــى الب ــطء البيروقراط ــي‪ .‬فالمقص ــود‬ ‫به ــا اآلن أي ن ــوع م ــن ال ــكالم المخ ــادع‬ ‫خاصـــة فيمـــا لـــو صـــدر‬ ‫أو المـــراوغ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫كالم‬ ‫مـــن سياســـي أو بيروقراطـــي‪ .‬أي ٍ‬ ‫ال يس ــمي األش ــياء بمس ــمياتها الحقيقي ــة‬ ‫هــو نــوع مــن اللغــة الخشــبية‪ .‬فالنكســة‬ ‫(حـــرب ‪ )67‬هـــي فـــي الواقـــع هزيمـــة‪.‬‬ ‫وف ــي التج ــارة واالقتص ــاد ف ــإن تقلي ــص‬ ‫النفق ــات ف ــي اللغ ــة الخش ــبية ق ــد يعن ــي‬ ‫إقالـــة موظفيـــن فـــي اللغـــة الواقعيـــة‪.‬‬


‫وفيمـــا يتعلـــق بمعتقلـــي غوانتانامـــو‬ ‫فه ــم ف ــي الع ــرف األميرك ــي محتج ــزون‬ ‫(فحس ــب)‪ ،‬والتعذي ــب ال ــذي وق ــع عليه ــم‬ ‫إنمـــا كان اســـتجواب ًا معمقـــاً‪ .‬ومحاربـــة‬ ‫اإلرهـــاب قـــد تكـــون االســـم الخشـــبي‬ ‫لقمـــع الحريـــات‪ ،‬والتجســـس علـــى‬ ‫الماليي ــن م ــن الن ــاس ه ــو حف ــظ األم ــن‬ ‫القومـــي‪.‬‬ ‫ولكـــن ال يقـــع اللـــوم علـــى أوائـــل‬ ‫الناقليـــن إلـــى العربيـــة الذيـــن أتـــوا‬ ‫بمصطل ــح اللغ ــة الخش ــبية إلين ــا‪ .‬ذل ــك‬ ‫أن اللغـــة العربيـــة ال تعـــرف مثـــل هـــذا‬ ‫تقـــر بـــه‪.‬‬ ‫التمييـــز أو كأنهـــا ال تريـــد أن ّ‬ ‫الـــكالم هـــو الـــكالم والخطابـــة تلجـــأ‬ ‫إل ــى م ــا تلج ــأ إلي ــه‪ .‬الكناي ــة ال يعيبه ــا‬ ‫كنايـــة‪ ،‬وإن كانـــت خشـــبية‬ ‫أن تكـــون‬ ‫ً‬ ‫فـــا بـــأس‪ .‬الـــكالم ال يأتـــي مزدوجـــاً‪.‬‬ ‫لكــن الفطنيــن ال تنطلــي عليهــم مقــوالت‬ ‫مثــل ذلــك‪ .‬حينمــا رفــع الخــوارج شــعار‬ ‫خشـــبي‬ ‫شـــعار‬ ‫«إن الحكـــم إال هلل»‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫علـــي‬ ‫عليهـــم‬ ‫رد‬ ‫تقديـــر‪،‬‬ ‫علـــى أحســـن‬ ‫ٌ‬ ‫الحصيـــف العالـــم بشـــؤون اللغـــة بـــأن‬ ‫تلـــك «كلمـــة حـــق يـــراد بهـــا باطـــل»‪.‬‬ ‫والواق ــع أن مث ــل ه ــذه البصي ــرة الثاقب ــة‬

‫هـــي الـــدواء األنجـــع للتنبـــه للغـــة‬ ‫الخشـــبية‪ .‬ألن آخريـــن ربمـــا أخرســـوا‬ ‫فـــي مواجهـــة اآليـــة القرآنيـــة‪ ،‬تهيبـــ ًا‬ ‫وخشـــوعاً‪.‬‬ ‫وف ــي عال ــم اللغ ــة اإلنجليزي ــة يش ــار‬ ‫أورويـــل (‪1903‬‬ ‫إلـــى الروائـــي جـــورج ْ‬ ‫ ‪ )1950‬كأول مـــن تنبـــه إلـــى اللغـــة‬‫الخشـــبية فـــي األنظمـــة الشـــمولية‪،‬‬ ‫(أورويـــل‬ ‫وذلـــك فـــي روايـــة «‪ْ »1984‬‬ ‫أيضـــ ًا صاحـــب «مزرعـــة الحيـــوان»)‪.‬‬ ‫أورويـــل هـــذه اللغـــة باللغـــة‬ ‫ســـمى ْ‬ ‫الجديـــدة (‪ ،)Newspeak‬والتـــي هـــي‬ ‫اإلنجليزيـــة علـــى أي حـــال‪ ،‬إال أنهـــا‬ ‫مجـــردة مـــن المرادفـــات والتضـــادات‬ ‫والمفاهيـــم غيـــر المرغـــوب بهـــا‬ ‫(كالحري ــة والفردي ــة والس ــلم) ليبق ــى‪،‬‬ ‫آخـــر األمـــر‪ ،‬المفاهيـــم البســـيطة‬ ‫(السعـــادة‪ ،‬المـــسرة‪ ،‬الحــزن) ألن اللغــة‬ ‫المحـــدودة تحـــد مـــن التفكيـــر‪ ،‬ويمكـــن‬ ‫عبـــر هـــذه اللغـــة التحكـــم بحريـــة‬ ‫التفكيـــر (وتكـــون هـــي اللغـــة الســـائدة‬ ‫بحلـــول عـــام ‪ .)2050‬وكل مـــا يخالـــف‬ ‫التفكيـــر الحزبـــي يعتبـــر جريمـــة فكـــر‪.‬‬ ‫أوروي ــل ف ــي ش ــرح قواع ــد‬ ‫وق ــد توس ــع ْ‬

‫هـــذه اللغـــة (تشـــكيل النعـــت والظرفيـــة‬ ‫بـــل والكلمـــات الجديـــدة المشـــكلة مـــن‬ ‫اللواحـــق واللواصـــق‪ ،‬إلـــخ)‪.‬‬ ‫أورويـــل تتجلـــى‬ ‫لكـــن عبقريـــة ْ‬ ‫ف ــي م ــكان آخ ــر‪ ،‬حي ــث يح ــارب اللغ ــة‬ ‫الخشـــبية بعيـــدًا عـــن توهمـــات اللغـــة‬ ‫الجديـــدة‪ .‬فـــي مقالـــة لـــه بعنـــوان‬ ‫«السياس ــة واللغ ــة اإلنجليزي ــة» (‪)1946‬‬ ‫خلــص إلــى أن عــادات الكتابــة الخشــبية‬ ‫مســـتفحلة بيـــن الكتـــاب والسياســـيين‬ ‫وأن الوضـــوح ينبغـــي أن يكـــون ســـيد‬ ‫الموقـــف‪ .‬ووضـــع النقـــاط اإلرشـــادية‬ ‫للتخلـــص مـــن هـــذه العـــادة‪ ،‬والتـــي‬ ‫تنطبـــق علـــى الكتابـــة بالعربيـــة مثلهـــا‬ ‫مثـــل أي لغـــة أخـــرى‪:‬‬ ‫‪ -1‬تجن ــب االس ــتعارات والتش ــبيهات‬ ‫الت ــي تراه ــا ف ــي المطبوع ــات‪.‬‬ ‫‪ -2‬ال تســـتخدم الكلمـــات الطويلـــة‬ ‫(المنمقـــة) عنـــد وجـــود كلمـــة بديلـــة‬ ‫بســـيطة ‪.‬‬ ‫‪ -3‬حيثمـــا يمكـــن االســـتغناء عـــن‬ ‫كلمـــة مـــا اســـتغن عنهـــا (اإليجـــاز)‪.‬‬ ‫‪ -4‬ال تســـتخدم البنـــاء للمجهـــول‬ ‫عندمـــا يمكنـــك التعبيـــر بالمعلـــوم‪.‬‬ ‫‪ -5‬ال تســـتخدم المصطلحـــات‬ ‫األجنبيـــة أو العلميـــة فـــي حـــال وجـــود‬ ‫كلمـــة مرادفـــة مـــن اللغـــة اليوميـــة‪.‬‬ ‫ال يعن ــي كل ه ــذا أن اللغ ــة الخش ــبية‬ ‫شـــر مطلـــق ال بـــد مـــن تجنبهـــا‪ .‬اللغـــة‬ ‫الخشـــبية قـــد تفرضهـــا الضـــرورات‪.‬‬ ‫الدعايـــات السياســـية ال تجـــد مناصـــ ًا‬ ‫مـــن االختـــزال (مثلهـــا مثـــل اإلعالنـــات‬ ‫التســـويقية) الـــذي يحيلهـــا إلـــى لغـــة‬ ‫خشـــبية‪ ،‬إال أنهـــا فاعلـــة‪ .‬الحـــض‬ ‫والترغيـــب فعـــان يســـتلزمان اللغـــة‬ ‫الخشـــبية‪ .‬عندمـــا ال يمكـــن التصريـــح‬ ‫بأمـــر مـــا يتـــم اللجـــوء إلـــى اللغـــة‬ ‫ٍ‬ ‫الخش ــبية‪ .‬المه ــم ف ــي األم ــر ه ــو التنب ــه‬ ‫إليهـــا والتعـــرف عليهـــا ليمكـــن التمييـــز‬ ‫بينه ــا وبي ــن ال ــكالم الصري ــح الواض ــح‪.‬‬ ‫مـــا قـــد يبـــدو واضحـــ ًا ألول وهلـــة قـــد‬ ‫ال يكـــون كذلـــك لـــدى محاولـــة التعـــرف‬ ‫عليـــه‪ .‬بذلـــك يبـــدأ التفكيـــر الســـليم‬ ‫وأورويـــل نفســـه‪،‬‬ ‫ووضـــوح الرؤيـــة‪ْ .‬‬ ‫الـــذي حـــدد أركان الكتابـــة الواضحـــة‪،‬‬ ‫لـــم يتبـــع نصائحـــه نفســـه فـــي كل‬ ‫األحـــوال كمـــا أثبـــت النقـــاد الحقـــاً‪.‬‬ ‫‪29‬‬


‫اللغة في أبســط تعريفاتها هي أداة ناقلة لحرارة األحاســيس‪ ،‬والخشــب‬ ‫مــادة عضويــة تمتــص الرطوبــة وتحتفــظ بها‪ ،‬وهــي قــادرة حتى على‬ ‫يحولها تمام ًا عن‬ ‫عــزل التيار الكهربائي‪ .‬وإذا ارتبط الخشــب باللغة‪ ،‬فهو ّ‬ ‫وظيفتها األصلية‪ ،‬ويؤدي ذلك إلى الالتواصل‪ ،‬في مرحلة أولى‪ ،‬ثم إلى‬ ‫اليأس والرغبة الملحة في ممارسة لغة الصمت أو االنفجار‪.‬‬

‫الخري شوار‬

‫اللعب بالكلمات‬

‫مشـــبعة بالعبـــارات‬ ‫إنهـــا لغـــة‬ ‫ّ‬ ‫الجاهـــزة والمكـــررة حـــد القـــرف‪ ،‬مـــن‬ ‫قبيـــل «إن دل هـــذا علـــى شـــيء فإنمـــا‬ ‫«ضحيـــت بالنفـــس والنفيـــس‬ ‫يـــدل»‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫والغالـــي والرخيـــص»‪« .‬هـــذا مـــن‬ ‫جهـــة‪ ،‬ومـــن جهـــة أخـــرى»‪ ،‬إضافـــة‬ ‫إلـــى اســـتعمال المترادفـــات والعبـــارات‬ ‫الفخم ــة‪ ،‬الت ــي ُتش ــعر المتلق ــي البس ــيط‬ ‫باالرتب ــاك وتجعل ــه يش ــك ف ــي ذخيرت ــه‬ ‫اللغويـــة وحتـــى العقليـــة‪ ،‬لينســـحب‬ ‫شـــيئ ًا فشـــيئ ًا مـــن النقاشـــات العامـــة‪،‬‬ ‫ويتركهــا حكــرًا علــى فئــات مــن محترفــي‬ ‫الدج ــل السياس ــي والمنتفعي ــن البارعي ــن‬ ‫فــي إجــادة هــذه اللغــة‪ ،‬كأنهــم تعلّموهــا‬ ‫فـــي أرقـــى المعاهـــد‪.‬‬ ‫وال نــدري إن كانــت لغــة الخشــب هــذه‬ ‫ق ــد نش ــأت أو ًال ف ــي ب ــرج باب ــل‪ ،‬قب ــل أن‬ ‫تح ــدث «البلبل ــة» ليتف ــرق كل ذي لس ــان‬ ‫فـــي أرجـــاء األرض المختلفـــة‪ ،‬وإن كان‬ ‫األمـــر كذلـــك فمـــن هـــو «رفيـــق» يعـــرب‬ ‫ب ــن قحط ــان ال ــذي نق ــل لن ــا ه ــذه اللغ ــة‬ ‫الت ــي ال تش ــبه أي لغ ــة أخ ــرى بم ــا ف ــي‬ ‫‪30‬‬

‫ذل ــك لغ ــة اإلش ــارة ولغ ــة «بري ــل» الت ــي‬ ‫تب ــدو عملي ــة نافع ــة أحس ــن م ــن «ابن ــة‬ ‫الخشــب» هــذه التــي يبــدو أنهــا اكتســحت‬ ‫منابرنـــا اإلعالميـــة والسياســـية إلـــى‬ ‫دم ــرت معه ــا كل ش ــيء‪ ،‬وفعل ــت‬ ‫درج ــة ّ‬ ‫بعق ــول الن ــاس م ــا ل ــم تفعل ــه سياس ــات‬ ‫التجهي ــل الت ــي مارس ــتها أخط ــر أنظم ــة‬ ‫االحتـــال االســـتيطاني فـــي التاريـــخ‬ ‫العالم ــي‪.‬‬ ‫وتبـــدأ لغـــة الخشـــب عندنـــا فـــي‬ ‫الســـنوات األولـــى مـــن التعليـــم‬ ‫االبتدائ ــي‪ ،‬عندم ــا يلق ــن الطف ــل دروســ ًا‬ ‫بلغـــة مقعـــرة ال تمـــت إلـــى عصرنـــا‬ ‫بصل ــة‪ ،‬ث ــم يجب ــر التلمي ــذ عل ــى حف ــظ‬ ‫أشـــعار ومنظومـــات كّتـــاب موتـــى‬ ‫حقيق ــة ومج ــازاً‪ ،‬وف ــي مراح ــل أخ ــرى‬ ‫م ــن التعلي ــم يجته ــد التلمي ــذ ف ــي حف ــظ‬ ‫«تاريـــخ ميـــاد الشـــاعر وتاريـــخ‬ ‫وفات ــه»‪ ،‬وال يمك ــن أن يتص ــور أحده ــم‬ ‫وج ــود ش ــاعر بي ــن األحي ــاء‪ ،‬وه ــذا م ــا‬ ‫يرس ــخ ف ــي األجي ــال قناع ــة مفاده ــا أن‬ ‫ّ‬ ‫مـــا يتعلمـــه مـــن لغـــة وأفـــكار ال عالقـــة‬

‫لهـــا بالحيـــاة العصريـــة فهـــي منفصلـــة‬ ‫عنهـــا تمامـــاً‪ ،‬بـــل هـــي مجـــرد دفتـــر‬ ‫أعبـــاء كبيـــر قـــد يصـــل إلـــى العقوبـــة‬ ‫الســـادية مـــن أجـــل الحصـــول علـــى‬ ‫الشـــهادة التـــي تمكنـــه بعـــد ذلـــك مـــن‬ ‫الم ــرور إل ــى الحي ــاة العملي ــة وق ــد تك ــون‬ ‫هــذه األخيــرة التعليــم الــذي يعيــد إنتــاج‬ ‫لغــة الخشــب هــذه بطريقــة مقــززة تأتــي‬ ‫م ــع م ــرور الوق ــت عل ــى البقي ــة الباقي ــة‬ ‫مـــن إنســـانية ذلـــك الكائـــن‪.‬‬ ‫وتتناغـــم لغـــة التعليـــم األولـــى مـــع‬ ‫لغـــة مســـجدية تلقينيـــة ينقـــل فيهـــا‬ ‫محســـوبون علـــى الخطابـــة نصوصـــ ًا‬ ‫مـــن كتـــب صفـــراء مليئـــة بالســـجع‬ ‫الـــذي يحيـــل إلـــى مـــا تســـمى «عصـــور‬ ‫االنحطـــاط» إلـــى درجـــة أن بعضهـــم‬ ‫وقـــف يومـــ ًا يخطـــب لصـــاة الجمعـــة‬ ‫ف ــي الق ــرن الواح ــد والعش ــرين ويق ــول‪:‬‬ ‫«اللهـــم انصـــر الســـلطان برقـــوق» وال‬ ‫يعلـــم أن الســـلطان الـــذي يدعـــو لـــه‬ ‫بالنصـــر هـــو مـــن ســـالة المماليـــك‬ ‫البرجيـــة التـــي حكمـــت قبـــل قـــرون‬


‫مـــن اآلن‪ .‬وألن التطـــرف يـــؤدي إلـــى‬ ‫تط ــرف ف ــي االتج ــاه اآلخ ــر‪ ،‬فكثي ــر م ــن‬ ‫ضحاي ــا لغ ــة الخش ــب الرس ــمية يج ــدون‬ ‫أنفس ــهم ضحاي ــا لغ ــة أخ ــرى ه ــي لغ ــة‬ ‫التط ــرف الت ــي تتج ــه رأســ ًا إل ــى عص ــر‬ ‫آخ ــر غي ــر العص ــر ال ــذي نعيش ــه وتنت ــج‬ ‫ف ــي النهاي ــة «عق ــو ًال متفج ــرة» ال عق ــو ًال‬ ‫مفك ــرة متصالح ــة م ــع ذاته ــا وعصره ــا‪.‬‬ ‫وتســـتمر المأســـاة مـــع اإلعـــام‬ ‫الرســـمي وشـــبه الرســـمي الـــذي يبـــدع‬ ‫فـــي لغـــة الخشـــب كأن القائميـــن عليـــه‬ ‫تعلموه ــا بطريق ــة «علمي ــة» متخصص ــة‬ ‫ف ــي ه ــذا المج ــال‪ ،‬فاألطن ــان م ــن أوراق‬ ‫الصحــف والســاعات التــي ال تــكاد تنتهــي‬ ‫مـــن البـــث اإلذاعـــي والتلفـــزي ممتلئـــة‬ ‫حــد التخمــة بــكالم ظاهــره فصيــح لكنــه‬ ‫لي ــس كذل ــك‪ ،‬فأبس ــط تعريف ــات ال ــكالم‬ ‫هـــو مـــا جـــاء فـــي ألفيـــة ابـــن مالـــك‬ ‫التـــي مفادهـــا أن «كالمنـــا لفـــظ مفيـــد‬ ‫كاس ــتقم»‪ ،‬لك ــن ذل ــك «ال ــكالم» ال يفي ــد‬ ‫ش ــيئ ًا إل ــى درج ــة أن البع ــض يس ــتطيع‬ ‫التح ــدث بالس ــاعات الط ــوال ف ــي برام ــج‬ ‫مك ــررة ومتش ــابهة دون أن يق ــول جمل ــة‬ ‫مفي ــدة واح ــدة‪ .‬وألن العال ــم إل ــى غاي ــة‬ ‫نهايـــة ثمانينيـــات القـــرن الماضـــي‬ ‫كان «مغلقــاً» فق ــد حكم ــت لغ ــة الخش ــب‬ ‫قبضته ــا عل ــى أجي ــال م ــن الن ــاس حت ــى‬ ‫مـــن يعتقـــدون أنهـــم مـــن نخبـــة القـــوم‬ ‫الذيـــن يتلقـــون أفـــكارًا جاهـــزة مـــن‬ ‫ذل ــك اإلع ــام المتكل ــس ال ــذي يب ــدع ف ــي‬ ‫تمجي ــد المؤسس ــة الرس ــمية و«حكمته ــا»‬ ‫و«إنجازتهـــا»‪ ،‬حتـــى إذا مـــات الحاكـــم‬ ‫وانقلـــب عليـــه خلفـــه آخـــر تحولـــت‬ ‫الحكمــة إلــى األخيــر تحــت شــعار مقــدس‬ ‫وغيــر معلــن وهــو «مــات الملــك‪ ..‬عــاش‬ ‫الملـــك»‪.‬‬ ‫وعندمـــا يفكـــر المـــرء فـــي الهـــروب‬ ‫مـــن مســـتنقع السياســـة الجئـــ ًا إلـــى‬ ‫ـا ف ــإن لغ ــة‬ ‫متابع ــة أخب ــار الرياض ــة مث ـ ً‬ ‫الخشـــب تحاصـــره فـــي هـــذا المجـــال‪،‬‬ ‫حيـــث اللغـــة اإلنشـــائية المعلّبـــة التـــي‬ ‫ـل أصحابه ــا م ــن ترديده ــا عش ــرات‬ ‫ال يم ـ ّ‬ ‫الســـنين‪ ،‬واألحـــكام الجاهـــزة والـــ‬ ‫«شـــوفينية» المبالـــغ فيهـــا إلـــى درجـــة‬ ‫العنصريـــة‪ ،‬مـــن تغـــاض علـــى أخطـــاء‬ ‫الحـــكام إذا كان األمـــر فـــي‬ ‫و«خطايـــا»‬ ‫ّ‬

‫صالـــح المعلّـــق‪ -‬المناصـــر‪ ،‬وتحميـــل‬ ‫الحكـــم كل الكـــوارث إذا ســـارت األمـــور‬ ‫عكــس مــا تشــتهيه الســفن‪ ،‬وهــذه اللغــة‬ ‫مـــن شـــأنها خلـــق جماهيـــر متعصبـــة‬ ‫معلبـــة تنغلـــق عقولهـــا شـــيئ ًا فشـــيئ ًا‬ ‫ّ‬ ‫مـــع االســـتمرار فـــي قـــراءة الصفحـــات‬ ‫الرياضيـــة علـــى الجرائـــد اليوميـــة‪.‬‬ ‫وتتحـــول لغـــة الخشـــب هـــذه إلـــى‬ ‫ســـرطان يلتهـــم اللغـــة العربيـــة مـــن‬ ‫الداخ ــل إل ــى درج ــة أن البع ــض أصب ــح‬

‫مقتنعـــ ًا أن لغـــة الخشـــب هـــي اللغـــة‬ ‫العربيـــة نفســـها وتلكـــم هـــي المأســـاة‬ ‫التـــي تكتمـــل عندمـــا «يبـــدع» كثيـــر مـــن‬ ‫اإلعالمييــن والسياســيين والخطبــاء فــي‬ ‫تطوي ــر عل ــى «اللس ــان» إل ــى درج ــة أن‬ ‫بعضه ــم أصب ــح يطل ــق مصطل ــح «لغ ــة‬ ‫الفلّي ــن» (أح ــد مش ــتقات الخش ــب) عل ــى‬ ‫صنــف جديــد مــن تلــك اللغــة التــي فعلــت‬ ‫ف ــي عق ــول الماليي ــن م ــن الن ــاس م ــا ل ــم‬ ‫تفعل ــه القنبل ــة الذري ــة ف ــي هيروش ــيما‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫وربما يغضب الخشب!‬ ‫عالء صادق‬

‫أين كنا‪..‬‬ ‫وكيف أصبحنا؟‬ ‫كان النق ــد الرياض ــي عب ــر الصفح ــات‬ ‫نموذجــ ًا م ــن األدب والعب ــارات البليغ ــة‬ ‫فـــي مطلـــع القـــرن الماضـــي‪ ..‬واليـــوم‬ ‫يمكنـــك أن تقـــرأ صحيفـــة رياضيـــة‬ ‫مـــن عشـــرين صفحـــة أو أكثـــر دون أن‬ ‫تخــرج بعبــارة الفتــة أو تعبيــر مميــز أو‬ ‫لغ ــة رفيع ــة‪.‬‬ ‫كـــــان نـجــــوم الـتـعـلـيــــق اإلذاعــــي‬ ‫والتليفزيونـــي عربيـــ ًا فـــي منتصـــف‬ ‫الق ــرن الماض ــي أمث ــال المص ــري محم ــد‬ ‫لطيـــف والفلســـطيني أكـــرم صالـــح‬ ‫حريصيـــن علـــى زيـــادة حصيلـــة‬ ‫المســـتمعين مـــن المعلومـــات والثقافـــة‬ ‫الرياضيـــة مـــع إمدادهـــم بتعبيـــرات‬ ‫‪32‬‬

‫خاصــة تــكاد تلتصــق بهــم حتــى اليــوم‬ ‫مـــن فـــرط رقيهـــا وتأثيرهـــا‪.‬‬ ‫الي ــوم تس ــتمع للمب ــاراة وتحليالته ــا‬ ‫المتنوع ــة عب ــر الشاش ــات وألكث ــر م ــن‬ ‫ســـاعتين أو ثـــاث دون أن تخـــرج‬ ‫الكلم ــات ع ــن ح ــدود الوص ــف الك ــروي‬ ‫الخالـــي مـــن أي ألفـــاظ أو كلمـــات‬ ‫شـــيقة‪ ..‬ويمكـــن للخبيـــر أن يكتشـــف‬ ‫وبس ــهولة بالغ ــة حج ــم الفق ــر اللغ ــوي‬ ‫لـــدى المعلـــق أو ضحالـــة مفرداتـــه‬ ‫وجفـــاف معينـــه البالغـــي‪ ..‬ونقـــص‬ ‫الوع ــي بلغ ــة اإلع ــام مم ــا يح ــول دون‬ ‫تحديـــد أهدافـــه وغاياتـــه مـــن أعمالـــه‬ ‫ســـواء كانـــت كلمـــات علـــى الصفحـــات‬ ‫أو عب ــارات عل ــى الشاش ــات‪ ..‬ولألس ــف‬ ‫يمكــن أن يكــرر المذيــع أو المعلــق نفــس‬ ‫الكلمـــة عشـــر أو عشـــرين مـــرة دون أن‬ ‫يجهـــد عقلـــه فـــي البحـــث عـــن مـــرادف‬

‫أو كلم ــة بديل ــة ت ــؤدي نف ــس المعن ــى‪..‬‬ ‫أو تتي ــح للمش ــاهد والمس ــتمع الخ ــروج‬ ‫بخيالـــه بعيـــدًا عـــن حتميـــة المعنـــى‬ ‫البس ــيط للكلم ــة‪ .‬كم ــا فع ــل مذي ــع ف ــي‬ ‫قن ــاة عربي ــة خليجي ــة ق ــادم م ــن ش ــمال‬ ‫إفريقي ــا ك ــرر عب ــارة تمري ــرة بالمق ــاس‬ ‫أكثــر مــن خمــس مــرات‪ ..‬ولــم يســتبدلها‬ ‫ول ــو لم ــرة واح ــدة بوص ــف آخ ــر مث ــل‬ ‫تمريــرة دقيقــة أو ممتــازة أو ســليمة أو‬ ‫حريري ــة أو رائع ــة‪ ..‬وكله ــا تص ــب ف ــي‬ ‫المعنـــى الـــذي ذهـــب إليـــه المذيـــع‪.‬‬ ‫عندئـــذ قفـــزت إلـــى ذهنـــي عبـــارة‬ ‫ف ــي وص ــف مب ــاراة لك ــرة الق ــدم يع ــود‬ ‫تاريخهـــا إلـــى مـــا يقـــرب مـــن أربعيـــن‬ ‫عامـــ ًا وأســـردها كتعبيـــر راق فـــي‬ ‫الصحيفـــة ال أنســـاه أبـــداً‪.‬‬ ‫(ســـجل محســـن صالـــح هـــدف‬ ‫االفتتـــاح فـــي المنصـــورة مـــن تمريـــرة‬


‫لمحمـــود الخطيـــب ال يمكـــن لمـــن‬ ‫يتابعهـــا أن يخطـــئ المرمـــى)‪ ..‬هكـــذا‬ ‫أشـــار نجيـــب المســـتكاوي أحـــد كبـــار‬ ‫الصحافييـــن الرياضييـــن المصرييـــن‬ ‫فــي صحيفــة األهــرام عــام ‪ 1976‬لقصــة‬ ‫هــدف ســجله محســن العــب األهلــي فــي‬ ‫مرم ــى فري ــق المنص ــورة م ــن صناع ــة‬ ‫الخطيـــب‪ ..‬وحـــرص الكاتـــب علـــى‬ ‫إظهـــار روعـــة ودقـــة التمريـــرة التـــي‬ ‫نفذه ــا الخطي ــب وج ــاء منه ــا اله ــدف م ــع‬ ‫اإلش ــارة إل ــى س ــهولة ال ــدور ال ــذي ق ــام‬ ‫بـــه الالعـــب الـــذي أحـــرز الهـــدف‪.‬‬ ‫تعبي ــر أدب ــي بلي ــغ‪ ..‬وكلم ــات تمن ــح‬ ‫المعن ــى وتغني ــك ع ــن المش ــاهدة‪.‬‬ ‫وأعـــود إلـــى مطلـــع الســـبعينيات‬ ‫أيض ـاً‪ ،‬حيــث كان النقــد هــو األكثــر أدب ـ ًا‬ ‫واألعمـــق تأثيـــرًا بقلـــم ناصـــف ســـليم‬ ‫رئيـــس القســـم الرياضـــي بصحيفـــة‬

‫الجمهوريـــة المصريـــة وقتئـــذ‪.‬‬ ‫وكان األهلـــي خارجـــ ًا قبـــل‬ ‫شـــهور مـــن هزيمـــة ثقيلـــة مـــن فريـــق‬ ‫البالس ــتيك المغم ــور‪ ..‬وإذا ب ــه يتع ــادل‬ ‫فـــي المبـــاراة التاليـــة ليكتـــب ناصـــف‬ ‫عنوانـــه مـــن كلمتيـــن وحـــرف جـــر‪..‬‬ ‫ومـــا أقصرهـــا وأبلغهـــا مـــن عبـــارة‪..‬‬ ‫(األهلـــي فـــي تقـــدم)‪ ..‬عبـــارة ظاهرهـــا‬ ‫مديـــح وباطنهـــا ســـخرية الذعـــة‪.‬‬ ‫أيـــن الصحافـــة واإلعـــام الرياضـــي‬ ‫عربيـــ ًا اآلن مـــن تلـــك اللغـــة الرشـــيقة‬ ‫والثقافـــة الرفيعـــة التـــي اســـتخدمها‬ ‫الكبـــار قبـــل أربعيـــن عامـــ ًا أو أكثـــر‪.‬‬ ‫اللغـــة الدارجـــة اآلن فـــي اإلعـــام‬ ‫الرياضـــي صـــارت خشـــبية جـــداً‪..‬‬ ‫وربمـــا يســـتاء الخشـــب مـــن اتهامنـــا‬ ‫للغــة اإلعــام الرياضــي بأنهــا خشــبية!‬ ‫التعبيـــرات البديعـــة فـــي اللغـــة‬

‫العربي ــة غاب ــت ع ــن اإلع ــام الرياض ــي‬ ‫بعـــد أن اتســـعت مســـاحته لتشـــمل‬ ‫عشـــرات الصحـــف الرياضيـــة ومئـــات‬ ‫الصفحـــات فـــي الصحـــف اليوميـــة‪..‬‬ ‫وهـــو األمـــر الـــذي قلـــل الكفـــاءة عنـــد‬ ‫أغلـــب العامليـــن وصـــار البحـــث عـــن‬ ‫أكبـــر الموضوعـــات فـــي عـــدد الكلمـــات‬ ‫أه ــم م ــن أدق الموضوع ــات ف ــي اللغ ــة‬ ‫والتعبيـــر وأقلهـــا فـــي األخطـــاء‪ ..‬ولـــم‬ ‫يعـــد لـــدى مســـؤولي الصحـــف وقتـــ ًا‬ ‫كافيــ ًا لمراجع ــة الموضوع ــات أو حت ــى‬ ‫إحالتهـــا إلـــى أقســـام التصحيـــح‪.‬‬ ‫يومـــ ًا بعـــد يـــوم‪ ..‬انتشـــرت لغـــة‬ ‫الخشـــب فـــي الصحافـــة الرياضيـــة ثـــم‬ ‫فـــي اإلعـــام المســـموع والمرئـــي بـــل‬ ‫واإللكترونـــي أيضـــاً‪.‬‬ ‫ليـــس غريبـــ ًا أن تقـــرأ موضوعـــ ًا‬ ‫كبيـــرًا دون أن تعـــرف مـــا هـــو الهـــدف‬ ‫الـــذي يريـــد الكاتـــب الوصـــول أو‬ ‫اإلش ــارة إلي ــه‪ ..‬ب ــل وال يمكن ــك أحيانــ ًا‬ ‫معرفــة المعنــى مــن األســاس‪ ..‬أمــا عــن‬ ‫العـــدل والحـــق واالحتـــرام للمنافســـين‬ ‫فـــا تجهـــد نفســـك كثيـــرًا فـــي البحـــث‬ ‫ألنه ــا تحول ــت اآلن إل ــى عمل ــة ن ــادرة ال‬ ‫يتداوله ــا إال ع ــدد مح ــدود م ــن الصح ــف‬ ‫والقنـــوات‪.‬‬ ‫ومؤخـــرًا قفـــزت إلـــى الواجهـــة‬ ‫لغ ــات قبيح ــة تأخذن ــا إل ــى هاوي ــة م ــن‬ ‫اإلســـفاف اللفظـــي والخلقـــي‪ ..‬وهـــو‬ ‫مـــا تكـــرر مـــرارًا مـــن معلـــق مصـــري‬ ‫تج ــاوز الس ــتين م ــن عم ــره ف ــي وصف ــه‬ ‫للمباريـــات المحليـــة عبـــر القنـــوات‬ ‫الحكوميــة والخاصــة‪ ..‬وعندمــا يحــاول‬ ‫ذلـــك المعلـــق اإلفـــراط فـــي مـــدح أي‬ ‫الع ــب ممت ــاز س ــواء إلح ــراز ه ــدف غي ــر‬ ‫متوق ــع أو لتنفي ــذ مه ــارة أو اس ــتعراض‬ ‫نادري ــن يق ــول عل ــى الالع ــب (ي ــا س ــام‬ ‫يـــا مجـــرم)‪ ..‬ليتحـــول المجـــرم وهـــو‬ ‫وص ــف مس ــتهجن ف ــي كل لغ ــات العال ــم‬ ‫وتنـــدرج عليـــه الئحـــة العقوبـــات فـــي‬ ‫معظـــم األفعـــال إلـــى نجـــم تتعلـــق بـــه‬ ‫األلبـــاب‪.‬‬ ‫ياللهـــول مـــن فـــرط االنحـــراف فـــي‬ ‫اســـتخدام اللغـــة!‬ ‫ومعلـــق عراقـــي اســـتاء كثيـــرًا مـــن‬ ‫األداء الفنـــي لحكـــم ســـعودي أدار‬ ‫‪33‬‬


‫لقـــاء العـــراق واإلمـــارات فـــي المبـــاراة‬ ‫النهائي ــة ل ــكأس دول الخلي ــج األخي ــرة‬ ‫ف ــي البحري ــن‪ ..‬وف ــور انط ــاق صف ــارة‬ ‫النهاي ــة بف ــوز اإلم ــارات بهدفي ــن له ــدف‬ ‫وتتويجه ــا باللق ــب فق ــد المعل ــق ه ــدوءه‬ ‫وانضباطــه وســب الحكــم ووالديــه علــى‬ ‫اله ــواء معتب ــرًا أن ــه كان نقط ــة التح ــول‬ ‫فـــي الخســـارة وضيـــاع اللقـــب‪.‬‬ ‫م ــرارة اس ــتخدام كلم ــات وتش ــبيهات‬ ‫س ــيئة لإلش ــادة بالمتألقي ــن أو مأس ــاة‬ ‫ســـباب حكـــم أو العـــب علـــى الهـــواء‬ ‫تثيـــران الغضـــب واأللـــم معـــ ًا خشـــية‬ ‫أن تمتـــد آثارهمـــا الســـلبية والمدمـــرة‬ ‫عل ــى جي ــل م ــن الصغ ــار الذي ــن يقل ــدون‬ ‫معلق ــي الك ــرة ب ــل ويعتبرونه ــم نم ــاذج‬ ‫يســـيرون علـــى آثارهـــا‪.‬‬ ‫وأســـف آخـــر مـــن اللغـــة الجديـــدة‬ ‫فـــي الصحافـــة الرياضيـــة‪ ،‬حيـــث‬ ‫الح ــرص عل ــى قت ــل اللغ ــة العربي ــة م ــع‬ ‫ســـبق اإلصـــرار والترصـــد واســـتخدام‬ ‫اللغـــة العاميـــة الدارجـــة التـــي يمكـــن‬ ‫أن تســـتخدم فـــي حـــوارات المقاهـــي‬ ‫دون الميكرفونـــات فمـــا بالـــك عندمـــا‬ ‫تكتـــب علـــى الصفحـــات‪ ..‬كمـــا أن‬ ‫نق ــص التركي ــز وع ــدم وض ــوح اله ــدف‬ ‫وتشـــعب االتجاهـــات تمثـــل جموحـــ ًا‬ ‫للكاتـــب يهـــوي بالقـــارئ إلـــى محيـــط‬ ‫متالط ــم م ــن األف ــكار حت ــى ينته ــي ب ــه‬ ‫األم ــر غارق ـ ًا عاج ــزًا ع ــن الوص ــول إل ــى‬ ‫ش ــاطئ المعرف ــة أو الحقيق ــة‪ ..‬وأخت ــار‬ ‫نموذجـــ ًا لزاويـــة رأي كتبهـــا صحافـــي‬ ‫ش ــهير ف ــي صحيف ــة ذائع ــة الصي ــت ف ــي‬ ‫الخلي ــج وجمع ــت بي ــن بداي ــة بالعامي ــة‬ ‫ثـــم عـــدم وضـــوح للهـــدف أو الغـــرض‬ ‫مـــع تداخـــل الموضوعـــات ووفـــرة‬ ‫الرمزيـــة المحيـــرة‪.‬‬ ‫وإليك ــم ج ــزء م ــن بداي ــة المق ــال دون‬ ‫أي تعدي ــل‪.‬‬ ‫«ص ــار يل ــي ص ــار وح ــدث ماح ــدث‬ ‫حـــول حالـــة إثـــارة الشـــارع الرياضـــي‬ ‫وال ــرأي الع ــام مع ــا‪ ..‬وطرح ــت العدي ــد‬ ‫مـــن التســـاؤالت وعالمـــات التعجـــب‪..‬‬ ‫واختلف ــت اآلراء وال ــكل عب ــر ع ــن رأي ــه‬ ‫الشـــخصي بمنتهى(الشـــفافية)‪ ،‬وتـــم‬ ‫توجيـــه انتقـــادات حـــادة ألكثـــر مـــن‬ ‫جهـــة ومســـؤول بهـــدف االعتـــراض‬ ‫‪34‬‬

‫علـــى قـــرار كان فيـــه (اســـتثناء)‬ ‫مخالـــف للوائـــح واألنظمـــة‪ ،‬ومـــن‬ ‫أجـــل (تصحيـــح) ومعالجـــة وضـــع قـــد‬ ‫يتكـــرر فـــي المســـتقبل القريـــب‪ ،‬وإن‬ ‫كانـــت الجهـــات المعنيـــة علـــى مختلـــف‬ ‫تخصصاته ــا تثب ــت بم ــا ال يدع ــو للش ــك‬ ‫إنهـــا لـــم تســـتفد مـــن أخطـــاء الماضـــي‬ ‫وال مـــن دروس مراحـــل مختلفـــة علـــى‬ ‫الرغ ــم م ــن تجدي ــد الدم ــاء فه ــي لألس ــف‬ ‫الشـــديد تقـــدم فـــي كل موس ــم رياض ــي‬ ‫أدلــة بأنهــا (نائمــة فــي العســل)‪ ،‬وأنهــا‬ ‫بســـبب تخبطاتهـــا بـــات لهـــا دور كبيـــر‬ ‫فـــي زيـــادة (التعصـــب) واالحتقـــان‬ ‫الرياضـــي»‪.‬‬ ‫إلـــى هنـــا انتهـــى الجـــزء الـــذي‬ ‫اخترنـــاه مـــن المقـــال‪.‬‬ ‫لألس ــف ل ــم يذك ــر الكات ــب ش ــيئ ًا ع ــن‬ ‫القضيـــة أو الحـــدث أو الخطـــأ وال عـــن‬ ‫الجه ــة الس ــاقطة وال ع ــن االس ــتثناء أو‬ ‫المخالف ــة الت ــي نفذته ــا‪.‬‬ ‫كان اهلل ف ــي ع ــون الق ــارئ والمش ــاهد‬ ‫العربـــي العاشـــق للرياضـــة وكـــرة‬ ‫الق ــدم‪ ..‬وكأن المس ــتوى الفن ــي الهاب ــط‬ ‫لالعبيـــن واألنديـــة والمنتخبـــات‬ ‫ونتائجهـــا الســـيئة ال يكفيـــه لتتفاقـــم‬ ‫متاعبـــه بصحافـــة وإعـــام متراجعيـــن‬ ‫ولغ ــة خش ــبية ال تس ــمن وال تغن ــي م ــن‬ ‫جـــوع‪.‬‬

‫للمقارنة‬ ‫اخترنــا اثنيــن مــن عناويــن الصحــف‬ ‫الرياضيـــة العالميـــة لنكشـــف مـــن‬

‫خاللهمـــا االهتمـــام باللغـــة والمعانـــي‬ ‫والكلمـــات المؤثـــرة‪.‬‬ ‫صحيفـــة «أيـــه أس» اإلســـبانية‬ ‫الرياضيـــة اليوميـــة التـــي تصـــدر مـــن‬ ‫مدريـــد اختـــارت ثـــاث كلمـــات فقـــط‬ ‫عنوانـــ ًا لمبـــاراة القمـــة بيـــن ريـــال‬ ‫مدريـــد وبرشـــلونة عـــام ‪ 2011‬وكان‬ ‫فاصـــا فـــي تحديـــد بطـــل الـــدوري‪:‬‬ ‫ً‬ ‫‪UN‬‬ ‫‪CLASICO‬‬ ‫«‪PARA‬‬ ‫‪»S O N A R‬‬ ‫ومعنـــاه‪« :‬كالســـيكو للحلـــم»‪..‬‬ ‫أي أن المبـــاراة بهـــا أمـــور ال تحـــدث‬ ‫فـــي الواقـــع ولكنهـــا لألحـــام فقـــط‪..‬‬ ‫وهـــو تشـــبيه بالـــغ اإلبـــداع إلعـــاء‬ ‫شـــأن المبـــاراة والنادييـــن والالعبيـــن‬ ‫والمســـابقة‪.‬‬ ‫وصحيفـــة اإليكيـــب الرياضيـــة‬ ‫الفرنســـية اليوميـــة اختـــارت نجـــم‬ ‫التنــس اإلســباني رافاييــل نــادال للفــوز‬ ‫بجائزتهـــا الســـنوية ألحســـن رياضـــي‬ ‫فـــي العالـــم لعـــام ‪ ..2010‬ونشـــرت‬ ‫حامـــا الجائـــزة‬ ‫صـــورة عمالقـــة لـــه‬ ‫ً‬ ‫وتمـــأ أغلـــب مســـاحة صفحتهـــا‬ ‫األول ــى م ــع عن ــوان م ــن كلمتي ــن فق ــط‬ ‫يحمـــل كل معانـــي التفـــوق والتألـــق‬ ‫والســـيطرة واالســـتحقاق واتســـاع‬ ‫البطـــوالت‪PLANETE«.‬‬ ‫دائـــرة‬ ‫‪»N A D A L‬‬ ‫وترجمتهـــا‪« ..‬الكوكـــب نـــادال»‪.‬‬ ‫والهـــدف مـــن العنـــوان إطـــاق خيـــال‬ ‫الق ــارئ ليعتق ــد أن ن ــادال ه ــو صاح ــب‬ ‫الك ــرة األرضي ــة كامل ــة حت ــى أصبح ــت‬ ‫كوكبـــه وحـــده‪.‬‬


‫فــي الماضي‪ ،‬كانــت أصوات‪ ..‬دانتــون‪ ،‬غامبيطا‪ ،‬جوريس‪ ،‬تشرشــل‪،‬‬ ‫ديغول‪ ،‬تلهب الحشــود‪ ،‬ال تغفل الشــكل‪ ..‬وال تنســى المحتــوى‪ .‬اليوم‪،‬‬

‫جيل آوري‬

‫أصبــح رجــل السياســة يميل إلى مخاطبــة اآلخرين على طريقــة الفيديو‬ ‫كليب‪ ،‬مع استثناءات قليلة‪.‬‬

‫فصاحة لغة الخشب‬

‫ســـنجد علـــى رأس قائمـــة أبطـــال‬ ‫الفصاحـــة فـــي الخطابـــة السياســـية‪:‬‬ ‫شيش ــرون‪ ،‬دانت ــون‪ ،‬غامبيط ــا‪ ،‬ج ــورج‬ ‫كليمونص ــو‪ ،‬ج ــان جوري ــس‪ ،‬ديغ ــول‪،‬‬ ‫ونســـتون تشرشـــل‪ ،‬فرانســـوا ميتـــران‬ ‫وبـــاراك أوبامـــا‪ ..‬بالنســـبة لخطبـــاء‬ ‫السياســـة الفرنســـيين اليـــوم‪ ،‬فيجـــب‬ ‫دائمـــ ًا التفكيـــر مليـــ ًا فـــي كالمهـــم‪،‬‬ ‫وتتميـــع‪،‬‬ ‫أن كلماتهـــم تتجـــزأ‬ ‫باعتبـــار ّ‬ ‫ّ‬ ‫بحســـب ميـــول تدخالتهـــم عبـــر اإلذاعـــة‬ ‫والتليفزيـــون‪ .‬فقـــد تـــرك الخطبـــاء‬ ‫الشـــعبيون مـــن أصحـــاب الفصاحـــة‪،‬‬ ‫مكانهـــم لمهرجيـــن‪ ،‬أصحـــاب مهـــارة‬ ‫المؤكــد أن‬ ‫أقــل‪ ،‬ومخيلــة أقــل كذلــك‪ .‬مــن‬ ‫ّ‬ ‫ممارســـة الخطـــاب السياســـي ممارســـة‬ ‫نفكـــر‬ ‫عســـيرة جـــداً‪ ،‬إذ مـــن الصعـــب أن ّ‬ ‫جيـــداً‪ ،‬فـــي وقـــت‬ ‫جيـــداً‪ ،‬وأن نتحـــدث ّ‬ ‫ّ‬ ‫واح ــد‪ ،‬واللج ــوء إل ــى التقني ــة لي ــس ه ــو‬

‫الحـــل‪ .‬إذ يجـــب علـــى المـــرء أن يعثـــر‬ ‫علــى شــيء يقولــه‪ ،‬أن يدفعــه إلــى ذلــك‬ ‫اعتق ــاد راس ــخ‪ ،‬وم ــن األفض ــل أيضــ ًا أن‬ ‫يجـــد عبـــاءة تاريخيـــة‪.‬‬ ‫غيـــرت الثـــورة الفرنســـية‬ ‫هـــل ّ‬ ‫المعطـــى‪ ،‬مـــع خطبـــاء مثـــل دانتـــون‬ ‫وســـان جوســـت؟ بعـــض المؤرخيـــن‬ ‫يعتقـــدون ذلـــك‪ ،‬معتبريـــن أن الثـــورة‬ ‫الفرنســـية اســـتحدثت عصـــر الخطابـــة‬ ‫حـــول‬ ‫الجماهيريـــة‪ ،‬والمجادلة‪« .‬لقـــد‬ ‫ّ‬ ‫المنص ــة‪ ،‬إل ــى م ــكان‬ ‫الص ــراع السياس ــي‬ ‫ّ‬ ‫للتعبيــر بامتيــاز‪ ،‬والمبــارزة البرلمانيــة‬ ‫إلــى دور حقيقــي في تقييم السياســات»‪،‬‬ ‫كمـــا يعتقـــد المـــؤرخ فابريـــس دالميـــدا‪.‬‬ ‫مـــع الجمهوريـــة الثالثـــة‪ ،‬تحولـــت‬ ‫المنصـــة فـــي واقـــع األمـــر‪ ،‬إلـــى مـــكان‬ ‫ّ‬ ‫يفص ــح في ــه الخطب ــاء السياس ــيون ع ــن‬ ‫مواهبهـــم‪ ،‬إلـــى مـــكان لكهربـــة مقاعـــد‬

‫مجلـــس النـــواب‪ ،‬إلـــى اإلجهـــاز علـــى‬ ‫ـواب النائمي ــن‪ ،‬كم ــا رس ــمهم دومي ــي‬ ‫الن ـ ّ‬ ‫فـــي ســـنة ‪ .1834‬ويتحـــدث فيكتـــور‬ ‫هوغـــو‪ ،‬عـــن الدبلوماســـي والسياســـي‬ ‫قائـــا‪:‬‬ ‫ميرابـــو‪ ،‬بشـــأن هـــذه المســـألة‬ ‫ً‬ ‫«كان خطيبـــ ًا (‪ )...‬ألنـــه كان مباغتـــاً‪،‬‬ ‫ـا‪،‬‬ ‫مختلفـاً‪ ،‬داهيـ ًـة‪ ،‬عنيفـاً‪ ،‬وقحـاً‪ ،‬جليـ ً‬ ‫معب ــأ بالس ــليقة‬ ‫مس ــهباً‪ ،‬غي ــر منس ــجم‪ّ ،‬‬ ‫أكث ــر م ــن األف ــكار‪ ،‬هامت ــه مش ــعة‪ ،‬كان‬ ‫يشــبه فــي كّلــه الســنوات الملتهبــة‪ ،‬التــي‬ ‫ســطع نجمــه فيهــا»‪ .‬فيكتــور هوغــو مــن‬ ‫جهتـــه‪ ،‬الـــذي اســـتخلص الـــدرس مـــن‬ ‫حريص ـ ًا‬ ‫نظ ــام ملكي ــة ش ــهر يولي ــو‪ ،‬كان‬ ‫ّ‬ ‫علـــى التحـــدث بلباقـــة عـــن األكاديميـــة‬ ‫الفرنســـية‪ ،‬وغرفـــة النـــواب والهيئـــات‬ ‫التابعـــة‪ .‬وهـــو نفســـه الـــذي كانـــت لـــه‬ ‫تصريحـــات جريئـــة أحيانـــاً‪.‬‬ ‫أقـــوال التينيـــة مأثـــورة‪ ،‬صـــور‬ ‫‪35‬‬


‫عســـكرية‪ ،‬طـــرق خاصـــة فـــي الـــكالم‪،‬‬ ‫مثبتـــة‬ ‫صيـــغ نحويـــة ّ‬ ‫منمقـــة‪ّ ،‬‬ ‫خطـــب ّ‬ ‫مفخـــم‪ ،‬هـــذه هـــي مكونـــات‬ ‫وكالم ّ‬ ‫الوصفـــات معروفـــة‪ .‬ألـــم تكـــن‬ ‫هنـــاك ‪« ‬ثرثـــرة كبـــرى فـــي مجلـــس‬ ‫عبـــر عنهـــا فلوبيـــر فـــي‬ ‫النـــواب»؟ كمـــا ّ‬ ‫قاموس ــه األف ــكار المس ــتجدة‪ .‬عل ــى أي ــة‬ ‫حـــال‪ ،‬فـــإن البعـــض كان أفضـــل مـــن‬ ‫تثمــن جهــوده‪.‬‬ ‫البعــض اآلخــر‪ ،‬ولكــن لــم ّ‬ ‫يذكـــر المـــؤرخ جيـــل كانـــدار‪ ،‬المختـــص‬ ‫ّ‬ ‫فـــي اليســـار الفرنســـي‪« :‬قديمـــاً‪ ،‬كانـــت‬ ‫تتـــوج النقـــاش‬ ‫الفصاحـــة السياســـية‬ ‫ّ‬ ‫البرلمان ــي‪ ،‬وتعم ــل عل ــى إب ــراز النخب ــة‬ ‫الكفيلـــة بتدريـــب أو تســـيير البرلمـــان‪،‬‬ ‫وبالتالــي تدبيــر الحكــم والتصويــت علــى‬ ‫‪36‬‬

‫القوانيـــن‪ .‬كمـــا كانـــت أيضـــ ًا ضروريـــة‬ ‫جـــدًا فـــي إطـــار الحمـــات االنتخابيـــة‪،‬‬ ‫حيــث يتوجــب اإلقنــاع‪ ،‬تحريــك المشــاعر‬ ‫تمكن ــت ف ــي ه ــذا الس ــياق‬ ‫واإلغ ــراء‪ ،‬وق ــد ّ‬ ‫الخطــب مــن اإلطاحــة بحكومــات‪:‬‬ ‫بعــض ُ‬ ‫«ففـــي يوليو‪/‬تمـــوز ‪ ،1885‬أطاحـــت‬ ‫مرافعـــة كليمونصـــو بحكومـــة جـــول‬ ‫فيـــري‪ ،‬بشـــأن مســـألة الكولونياليـــة‪.‬‬ ‫ومنـــذ ســـنة ‪ ،1906‬عرفـــت المواجهـــات‬ ‫شـــهرة‬ ‫بيـــن جوريـــس وكليمونصـــو‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وحركـــت المشـــهد العـــام»‪.‬‬ ‫واســـعة‪ّ ،‬‬ ‫جــاب القــادة السياســيون الكبــار‪ ،‬فــي‬ ‫أوائ ــل الق ــرن العش ــرين‪ ،‬مجم ــوع أرج ــاء‬ ‫فرنس ــا‪ ،‬بتنظيمه ــم لتجمع ــات ش ــعبية‪،‬‬ ‫محاض ــرات وم ــآدب‪ .‬وق ــد كان االنخ ــراط‬

‫يمـــر عبـــر‬ ‫السياســـي فـــي الغالـــب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تمي ــز معظمه ــم‬ ‫كلم ــات الخطب ــاء‪ ،‬حي ــث ّ‬ ‫بحنك ــة ف ــي ممارس ــة الدعاي ــة الش ــفهية‪،‬‬ ‫عبـــر المنصـــات والمنابـــر‪ .‬فقـــد قيـــل‬ ‫عـــن الزعيـــم االشـــتراكي إدوارد فايـــان‪،‬‬ ‫إنـــه كان يتحدث‪« ‬بصـــوت منخفـــض‬ ‫وبرتاب ــة» وكان مقتص ــدًا ف ــي حركات ــه‪،‬‬ ‫يحـــرك يـــده‪ ،‬فـــي حيـــن كان‬ ‫ال يـــكاد‬ ‫ّ‬ ‫أريســـتيد بريـــان‪ ،‬وهـــو محـــام ســـابق‪،‬‬ ‫علــى درجــة عاليــة مــن المهــارة فــي إتقان‬ ‫المؤك ــد‬ ‫ف ــن الخطاب ــة‪ ،‬وه ــي صف ــة‪ ،‬م ــن‬ ‫ّ‬ ‫تبوئ ــه لمنص ــب رئي ــس‬ ‫أنه ــا كان ــت وراء ّ‬ ‫مـــر ًة‪،‬‬ ‫عشـــرة‬ ‫إحـــدى‬ ‫مجلـــس الـــوزراء‬ ‫ّ‬ ‫ووزيــرًا خمسـ ًا وعشــرين مـّـر ًة‪ .‬دونمــا أن‬ ‫ننســى جــان جوريــس‪ ،‬وقــد كان خطيب ـ ًا‬


‫ال يضاهـــى‪ ،‬يثيـــر حمـــاس القاعـــات‬ ‫العاصفـــة‪ ،‬وهـــو يشـــير أمـــام حشـــد‬ ‫كبيــر مــن العمــال‪ ،‬إلــى هيجــل‪ ،‬فيشــت‪،‬‬ ‫كان ــط أو بوس ــيي‪ ،‬والمفاج ــأة تغمره ــم‬ ‫مـــن مشـــاهدة خطيـــب‪ ،‬يعتبـــر أســـتاذًا‬ ‫ف ــي الفلس ــفة‪ ،‬يحت ــرم جي ــدًا مس ــتمعيه‪،‬‬ ‫ويســـعى إلشـــراكهم فـــي ثقافتـــه‪ ،‬مـــن‬ ‫دون أن يتفاخــر بهــا فــي عجرفــة‪ .‬يصفــه‬ ‫فيكتـــور ميريـــك‪ ،‬وهـــو أحـــد المقربيـــن‬ ‫سيتأس ــف‬ ‫من ــه‪« :‬كان رج ــل الجماهي ــر!‬ ‫ّ‬ ‫أولئــك الذيــن لــم يســتمعوا إليــه‪ ،‬ســوف‬ ‫لــن يعثــروا إطالقـ ًا علــى شــبيه لــه‪ ،‬أبــدًا‬ ‫ل ــن يش ــعروا بفصاح ــة أفض ــل‪ :‬فالكلم ــة‬ ‫تصنـــع اإلنســـان‪ .‬لمـــا كان جوريـــس‬ ‫تشـــرئب آالف‬ ‫يقـــف فـــوق المنصـــة‪،‬‬ ‫ّ‬

‫األعنـــاق‪ ،‬مـــن حولـــه‪ ،‬علـــى اليميـــن‪،‬‬ ‫عل ــى اليس ــار‪ ،‬م ــن األم ــام وم ــن الخل ــف‪،‬‬ ‫الوجـــوه منقبضـــة مـــن فـــرط االنتبـــاه‪،‬‬ ‫مشـــعة‪ ،‬والشـــفاه ممـــدودة‪...‬‬ ‫العيـــون‬ ‫ّ‬ ‫لعلهـــا الوجبـــة الفكريـــة للنـــاس‪ ...‬كان‬ ‫ـخياً‪ ،‬يحــّدق بنظ ــرة تائه ــة ال ن ــدري‬ ‫سـ ّ‬ ‫أيـــن‪ ،‬صـــوب نجمـــة غيـــر مرئيـــة‪.‬‬ ‫اس ــتطاع جوري ــس أن يمتل ــك الجماهي ــر‬ ‫المنبهـــرة‪ .‬كان رائعـــ ًا وخارقـــاً»‪.‬‬ ‫نحـــن فـــي الواقـــع‪ ،‬نتأســـف جـــدًا‬ ‫لعـــدم وجـــود أي تســـجيل صوتـــي‬ ‫لجوريـــس‪ .‬فـــي ســـنة ‪ ،1927‬وكمـــا‬ ‫يذكـــر المـــؤرخ كريســـتيان ديلبـــورت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مؤلّـــف كتـــاب تاريـــخ لغـــة التواصـــل‬ ‫السياســـي‪ ،‬وصاحـــب كتـــاب حـــول‬ ‫تاريـــخ لغـــة الخشـــب‪« :‬صرخ رئيـــس‬ ‫الحكومـــة ريمـــون بوانـــكاري فـــي‬ ‫وجـــه المشـــرف علـــى البروتوكـــول‬ ‫وهـــو يشـــاهد ميكروفـــون ‪ TSF‬فـــوق‬ ‫الطاولـــة‪« ،‬انزعـــوا عنـــي هـــذا!»‪ ،‬لـــم‬ ‫يحبـــذ التحـــدث إ ّال مـــع أتباعـــه‪،‬‬ ‫يكـــن ّ‬ ‫تحول ــه إل ــى م ــا ل ــم يك ــن يش ــكل‬ ‫ولك ــن ّ‬ ‫بعـــد اتصـــا ًال سياســـياً‪ ،‬ســـوف يكـــون‬ ‫ســـريعاً‪ ،‬بعـــد خمـــس ســـنوات‪ ،‬وفـــي‬ ‫االنتخابـــات التشـــريعية لســـنة ‪،1932‬‬ ‫كان ــوا يتحدث ــون عن ــه باعتب ــاره «الرج ــل‬ ‫صاحـــب ميكروفـــون بيـــن األســـنان»‪.‬‬ ‫وســـرعان مـــا أصبحـــت موجـــات‬ ‫اإلذاعـــة منبـــرًا للفصاحـــة‪ ،‬باتـــت‬ ‫األصـــوات‪ ،‬كمـــا يقولـــون فـــي تقاريـــر‬ ‫المجلـــس «ســـاخنة»‪« ،‬متذبذبـــة»‪،‬‬ ‫«مغـــردة»‪ ،‬بـــل وأحيانـــ ًا متكلًفـــة‬ ‫ّ‬ ‫ومضجـــرة أكثـــر‪ ،‬كان اإللقـــاء ال يـــزال‬ ‫يخضـــع إلـــى قـــراءة مدقـّـــقة للنـــص‬ ‫المكتـــوب‪ .‬غيـــر أن المخاطـــب كان‬ ‫يصي ــب هدف ــه‪ ،‬ف ــي المناس ــبات الكب ــرى‪.‬‬ ‫فبتاريـــخ ‪ 13‬مايو‪/‬أيـــار ‪ ،1940‬وأمـــام‬ ‫حـــرك ونســـتون‬ ‫مجلـــس العمـــوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ـا‪« :‬لي ــس ل ــدي م ــا‬ ‫تشرش ــل الوع ــي قائ ـ ً‬ ‫أقّدمـــه‪ ،‬ســـوى الـــدم‪ ،‬الكـــدح‪ ،‬الدمـــوع‬ ‫والعـــرق»‪ .‬وبعـــد بضعـــة أيـــام‪ ،‬ألقـــى‬ ‫الجنـــرال «ديغـــول» بـــدوره خطابـــاً‪...‬‬ ‫أصبـــح مشـــهورًا جـــداً‪ .‬كان مولعـــ ًا‬ ‫بـــاألدب‪ ،‬يذكـــر غوتـــه وغيـــره مـــن‬ ‫وتمكـــن بعـــد‬ ‫الكتـــاب الكالســـيكيين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫التكيـــف مـــع أدوات جديـــدة‬ ‫ذلـــك مـــن ّ‬

‫ف ــي اإلع ــام السياس ــي‪ ،‬كم ــا كان يق ــوم‬ ‫بتحويـــل مؤتمراتـــه الصحافيـــة إلـــى‬ ‫حف ــل اس ــتعراض حقيق ــي‪ ،‬يثي ــر ضح ــك‬ ‫الصحافيي ــن‪ ،‬الذي ــن أصبح ــوا متفرجي ــن‬ ‫بدوره ــم‪ .‬وم ــع ذل ــك يمك ــن أن يتس ـّـبب‬ ‫التأثـــر والصراحـــة فـــي ســـوء الفهـــم‪.‬‬ ‫فف ــي س ــبتمبر‪/‬أيلول ع ــام ‪ ،1954‬تلّق ــى‬ ‫بيـــار منديـــس فرانـــس‪ ،‬فـــي أعقـــاب‬ ‫خطـــاب ألقـــاه علـــى األطفـــال بمناســـبة‬ ‫ســـيدة‬ ‫العـــام الدراســـي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫رســـالة مـــن ّ‬ ‫منبهـــرة تقـــول فيهـــا‪« :‬لـــم أســـمع أبـــدًا‬ ‫ـا مثـــل هـــذا‪ ،‬منـــذ خطـــاب‬ ‫خطابـــ ًا جميــ ً‬ ‫الماريشـــال بيتـــان»‪ ..‬‬ ‫هـــل هـــو زمـــن قـــد ولّـــى؟ نعـــم وال‪.‬‬ ‫خطـــاب دومينيـــك دو فيلبـــان‪ ،‬وهـــو‬ ‫يداف ــع ف ــي األم ــم المتح ــدة‪ ،‬ع ــن موق ــف‬ ‫فرنســـا ضـــد الحـــرب فـــي العـــراق‬ ‫بتاري ــخ ‪ 14‬فبراي ــر ‪ ،2003‬فت ــح الب ــاب‬ ‫أم ــام ع ــودة ال ــوزراء إل ــى الكلم ــة‪ ،‬م ــع‬ ‫تراجــع محترفــي الهــذر‪ .‬خطــاب الرئيــس‬ ‫األميرك ــي‪ ،‬غ ــداة ف ــوزه ف ــي االنتخاب ــات‬ ‫الرئاســـية بواشـــنطن‪ ،‬فـــي ‪ 20‬ينايـــر‬ ‫‪ ،2009‬ينـــدرج فـــي نفـــس الخـــط مـــع‬ ‫خطابـــات لنكولـــن وكينيـــدي‪ .‬كان‬ ‫خطــاب رجــل فصيــح‪ ،‬مولــع بالحقيقــة‪،‬‬ ‫ألقـــاه بصـــوت جهـــوري‪ .‬هـــل يكـــون‬ ‫ذلـــك بمثابـــة إشـــارة لعـــودة الخطبـــاء‬ ‫الكبـــار؟ كريســـتيان ديلبـــورت يبـــدو‬ ‫ح ــذرًا م ــن آث ــار الذاك ــرة‪ :‬إذا كّن ــا نتذك ــر‬ ‫الخطبـــاء الكبـــار للجمهوريـــة الثالثـــة‪،‬‬ ‫أغلبي ــة ل ــم يك ــن لديه ــا‬ ‫فألنه ــم واجه ــوا‬ ‫ّ‬ ‫نفـــس الموهبـــة‪ .‬ووازنـــوا حماســـنا‪:‬‬ ‫«اليـــوم‪ ،‬تراعـــى الصـــورة‪ ،‬علـــى األقـــل‬ ‫مثـــل الخطـــاب والكلمـــات‪ .‬فقـــد فـــرض‬ ‫التليفزيـــون نســـقه وقالبـــه‪« .‬العبـــارة‬ ‫الصغيـــرة» التـــي كانـــت متداولـــة فـــي‬ ‫زمـــن دانتـــون‪ ،‬وكانـــت تشـــكل جـــزءًا‬ ‫أساســـي ًا مـــن الفصاحـــة القديمـــة‪،‬‬ ‫لـــم تعـــد كمـــا كانـــت نقطـــة توقـــف‬ ‫الخط ــاب‪ :‬لق ــد أصبح ــت خطابــ ًا بذاته ــا‪،‬‬ ‫مختلق ــة خصيصــ ًا للتليفزي ــون موجه ــة‬ ‫للمتواصليـــن»‪.‬‬ ‫عن صحيفة «تيليراما» بتصرف‪.‬‬ ‫عميــر‬ ‫ترجمة‪ :‬بوداود ّ‬ ‫‪37‬‬


‫يفتــرض أن يحكم لبنان رئيس جديد في ‪ 25‬مايو الجاري‪ ،‬خلف ًا لميشــال‬ ‫ســليمان الذي تنتهي واليته في هذا التاريخ‪ .‬لكن ذلك لن يتحقق على ما‬

‫محمد غندور‬

‫يبدو‪ ،‬خصوص ًا أن ال توافق داخلي ًا على اسم مرشح‪.‬‬

‫استعارات محتضرة‬

‫الحمـــات االنتخابيـــة فـــي لبنـــان‬ ‫حالي ـ ًا مناســبة لترويــج اللغــة الخشــبية‬ ‫واالعتمــاد عليهــا لكســب تعاطف شــعبي‪.‬‬ ‫الكاتـــب والباحـــث ســـركيس أبوزيـــد‬ ‫ص ــرح لمجل ــة «الدوح ــة» ب ــأن الحم ــات‬ ‫االنتخابي ــة ف ــي العال ــم العرب ــي عمومــ ًا‬ ‫ولبنـــان خصوصـــ ًا مناســـبات للتعبئـــة‬ ‫الشــعبوية واســتنفار الغرائــز ومخاطبــة‬ ‫المش ــاعر‪ ،‬الس ــتعطاف الجمه ــور وج ــره‬ ‫إلـــى صناديـــق االقتـــراع‪ .‬باســـتثناء‬ ‫بعـــض الحمـــات الجديـــدة التـــي تبـــدع‬ ‫وســـائل حديثـــة وشـــعارات مبتكـــرة‬ ‫مدروس ــة وغي ــر مباش ــرة‪ ،‬ف ــإن معظ ــم‬ ‫الحمـــات الترويجيـــة تعتمـــد األســـلوب‬ ‫التقليـــدي المباشـــر وتتوســـل لغـــة‬ ‫خشـــبية مســـتهلكة يتقبلهـــا الجمهـــور‬ ‫ألنـــه تعـــود عليهـــا وأصبحـــت مألوفـــة‬ ‫لديـــه‪.‬‬ ‫ويـــرى أبـــو زيـــد أن الـــرأي العـــام‬ ‫‪38‬‬

‫الواعـــي والمســـتقل شـــبه مفقـــود‪،‬‬ ‫ورجـــال السياســـة يتوجهـــون إلـــى‬ ‫ناخـــب حســـم أمـــره واختـــار مرشـــحه‬ ‫ســـلفاً‪ .‬فالعالقـــة علـــى حـــد قولـــه بيـــن‬ ‫المســـؤول والمواطـــن ليســـت مباشـــرة‬ ‫ومقيـــاس التواصـــل بينهمـــا لـــم يصـــل‬ ‫بع ــد إل ــى مرتب ــة االحت ــكام إل ــى برنام ــج‬ ‫سياســي وســلوك عملــي‪ ،‬الجمهــور فــي‬ ‫لبنـــان هـــو أســـير الروابـــط الطائفيـــة‬ ‫والعائليـــة واإلقطاعيـــة والخدماتيـــة‪.‬‬ ‫وهـــذا مـــا يجعـــل الحمـــات االنتخابيـــة‬ ‫فـــي لبنـــان‪ ،‬حســـب أبـــو زيـــد‪ ،‬غيـــر‬ ‫قـــادرة علـــى لعـــب دور حاســـم فـــي‬ ‫تغييــر قناعــة المواطــن وخيــار الناخــب‪.‬‬ ‫فئـــة محـــدودة تبقـــى متـــرددة‪ ،‬ويمكـــن‬ ‫أن تتأثـــر بالحمـــات‪ .‬مـــن هنـــا العامـــل‬ ‫الحاســـم هـــو العصبيـــة الموروثـــة‬ ‫والمـــال السياســـي‪ .‬وهـــذا مـــا يدفـــع‬ ‫المرشـــح إلـــى اســـتعمال لغـــة خشـــبية‬

‫تط ــرب جمه ــوره‪ ،‬ألنه ــا تحاك ــي ذاكرت ــه‬ ‫التقليديــة ومقدســاته المذهبيــة وعاداتــه‬ ‫وتقالي ــده الس ــائدة‪ .‬وكمث ــال عل ــى ذل ــك‬ ‫مـــا حصـــل فـــي االنتخابـــات النيابيـــة‬ ‫اللبنانيـــة األخيـــرة‪ ،‬حيـــث اســـتحضر‬ ‫المرشـــحون أمواتهـــم وجعلوهـــم جـــزءًا‬ ‫مـــن الحملـــة الترويجيـــة والصـــورة‬ ‫اإلعالمي ــة‪ .‬فه ــم ينش ــرون صوره ــم م ــع‬ ‫آبائهــم وأحيانـ ًا مــع شــهدائهم ورموزهــم‬ ‫الدينيـــة والتقليديـــة والمحليـــة‪ .‬ممـــا‬ ‫يجعـــل الذاكـــرة الوطنيـــة المشـــتركة‬ ‫منقســـمة بســـبب غيـــاب النقـــد الذاتـــي‬ ‫والمصالحـــة الوطنيـــة‪ .‬فالماضـــي‪،‬‬ ‫يخت ــم أب ــو زي ــد‪ ،‬م ــا زال حاض ــرًا رمزي ـ ًا‬ ‫ويؤكـــد عجـــز الحاضـــر وفراغـــه‪ .‬وفـــي‬ ‫الحيـــة تعـــرف‬ ‫المقابـــل فـــإن الشـــعوب ّ‬ ‫كيـــف تســـتفيد مـــن الذاكـــرة التاريخيـــة‬ ‫ومـــن ِعَبـــر الماضـــي وال تبقـــى أســـيرة‬ ‫األيــام الغابــرة وال تستســلم إلــى ســلطة‬


‫األمـــوات الذيـــن يتحكمـــون بالحاضـــر‬ ‫الحيـــة تســـلم‬ ‫وبالمســـتقبل‪ .‬الشـــعوب ّ‬ ‫الراي ــة لقي ــادة واعي ــة تعب ــر ع ــن ت ــوق‬ ‫الشـــعب إلـــى بنـــاء غـــد مشـــرق يحقـــق‬ ‫المصال ــح ويص ــون الحق ــوق وال يف ــرط‬ ‫فـــي الهويـــة‪ .‬والقيـــادة الرائـــدة تجمـــع‬ ‫الحيـــة والخيـــال المبـــدع‪.‬‬ ‫بيـــن الذاكـــرة ّ‬ ‫ولعبـــة االنتخابـــات وخطابهـــا هـــي‬ ‫م ــدار منافس ــة بي ــن نوعي ــن م ــن القي ــادة‬ ‫ومبـــارزة بيـــن أســـلوبين ولغتيـــن‪.‬‬ ‫فـــي المقابـــل يـــرى عضـــو كتلـــة‬ ‫«المس ــتقبل» النائ ــب نض ــال طعم ــة ب ــأن‬ ‫«اللغــة الخشــبية فــي المنطــق السياســي‬ ‫هـــي إصـــرار علـــى مقـــوالت باتـــت مـــن‬ ‫الماضـــي ولـــم يعـــد لهـــا مدلـــول فـــي‬ ‫الحاضـــر‪ ،‬وهـــذا هـــو حـــال شـــعار‬ ‫(الشــعب والجيــش والمقاومــة) كان يــراد‬ ‫ب ــه انس ــجام نش ــاط المقاوم ــة م ــع عم ــل‬ ‫الجيـــش مـــن أجـــل خدمـــة المواطـــن‪،‬‬

‫وبهـــذا المفهـــوم أو مـــن أجـــل الوصـــول‬ ‫إلــى هــذا المفهــوم‪ ،‬اعتبرنــا هــذا الشــعار‬ ‫فــي مــا مضــى ذهبي ـ ًا ودافــع قســم كبيــر‬ ‫منــا عنــه كمدخــل أساســي لبنــاء الدولــة‬ ‫القوي ــة الت ــي تتمت ــع بمرجعي ــة واح ــدة‬ ‫وســـلطة واحـــدة وبندقيـــة شـــرعية‬ ‫واح ــدة‪ ،‬ولك ــن رهانن ــا س ــقط ولألس ــف‬ ‫الشـــديد»‪.‬‬ ‫لطالمـــا كانـــت معادلـــة «الشـــعب‬ ‫والجيـــش والمقاومـــة» فـــي لبنـــان مـــن‬ ‫المع ــادالت الثابت ــة‪ ،‬لك ــن تفاق ــم األزم ــة‬ ‫وتدخـــل حـــزب اهلل فـــي ســـورية‪ ،‬دفـــع‬ ‫الرئي ــس اللبنان ــي ف ــي م ــارس الماض ــي‬ ‫إل ــى وص ــف ه ــذه المعادل ــة بالخش ــبية‪،‬‬ ‫فــي خطــاب اتســم بالجــرأة والتحــدي مــن‬ ‫قب ــل الرئي ــس وبعل ــو الس ــقف السياس ــي‬ ‫وهـــذا مـــا لـــم يقـــم بـــه خـــال فتـــرة‬ ‫حكمـــه‪ .‬وصـــف المعادلـــة بالخشـــبية‪،‬‬ ‫أث ــار حفيظ ــة ح ــزب اهلل‪ ،‬وخل ــق نقاشــ ًا‬

‫حـــادًا علـــى شاشـــات التلفـــزة‪ ،‬وردًا‬ ‫شـــخصي ًا مـــن الســـيد حســـن نصـــراهلل‬ ‫وصـــف فيـــه هـــذه المعادلـــة بكونهـــا‬ ‫ذهبيـــة وليســـت خشـــبية‪.‬‬ ‫وم ــع اش ــتداد األزم ــة السياس ــية ف ــي‬ ‫لبن ــان‪ ،‬بات ــت مف ــردات اللغ ــة الخش ــبية‬ ‫تتكـــرس بشـــكل أكبـــر فـــي اإلعـــام‬ ‫المرئــي والمســموع والمكتــوب‪ ،‬فــا تمــر‬ ‫نش ــرة أخب ــار م ــن دون س ــماع وع ــود ال‬ ‫صل ــة له ــا بالواق ــع‪ ،‬ونق ــرأ ف ــي بع ــض‬ ‫التحليــات صياغــات جاهــزة‪ ،‬وعبــارات‬ ‫وتراكي ــب ثابت ــة‪ ،‬والمبالغ ــة ف ــي س ــرد‬ ‫الوقائـــع واألحـــداث‪ .‬وتســـتعمل اللغـــة‬ ‫الخش ــبية أيض ـ ًا كلم ــات معق ــدة ودخيل ــة‬ ‫واســـتعارات رديئـــة غيـــر قائمـــة علـــى‬ ‫التشـــابهات الحقيقيـــة بيـــن األشـــياء‪،‬‬ ‫والتــي يســميها الكاتــب اإلنجليــزي جورج‬ ‫أورول بـ«االســـتعارات المحتضـــرة»‪.‬‬ ‫‪39‬‬


‫إن االتساع الهائل للحريات الفردية والجماعية والتمثيليات الديموقراطية‪،‬‬ ‫في عالم اليوم‪ ،‬هو ما يجعل االهتمام بموضوع االنتخابات يتزايد بشــكل‬ ‫ملحــوظ‪ .‬وذلــك ليــس فقــط ألنها أصبحــت إحدى أهــم صــور التعاقدات‬ ‫السياســية الحديثــة التــي ترمي إلــى دمقرطــة المجتمعــات وتطويرها‪،‬‬ ‫واالرتقــاء بهــا إلــى ســالم متقدمة فــي مختلف مجــاالت التنميــة‪ .‬ولكن‬ ‫باعتبارهــا كذلك‪ ،‬اآللية األكثر نجاعة الختيار األشــخاص الذين ســتوكل‬ ‫إليهم مهام إدارة مجتمعاتهم وتحديثها‪.‬‬

‫منري أوالد الجياليل‬

‫مكر الحملة االنتخابية‬

‫لـــم تعـــد االنتخابـــات مســـألة ســـهلة‬ ‫كمـــا فـــي الســـابق‪ ،‬بـــل أصبحـــت‬ ‫فـــي غايـــة التعقيـــد والخصوصيـــة‪،‬‬ ‫مـــن خـــال اعتمادهـــا علـــى تكتيـــكات‬ ‫واســـتراتيجيات ومقاربـــات علميـــة‬ ‫دقيقـــة تهـــدف إلـــى دراســـة الفيزيـــاء‬ ‫االجتماعيـــة دراســـة معمقـــة مـــن‬ ‫أجـــل تمكيـــن المرشـــحين مـــن الفـــوز‬ ‫فـــي االنتخابـــات‪ .‬لذلـــك لـــم يكـــن مـــن‬ ‫الغريـــب أن تخصـــص لهـــا كبريـــات‬ ‫الجامع ــات موقعــ ًا للدراس ــة كتخص ــص‬ ‫مس ــتقل داخ ــل فص ــول السوس ــيولوجيا‬ ‫السياســـية والميديولوجيـــا‪ ،‬والعلـــوم‬ ‫السياســـية‪ ..‬وغيرهـــا‪.‬‬ ‫والـــذي يجعـــل مـــن الحملـــة‬ ‫االنتخابي ــة مس ــألة ف ــي غاي ــة األهمي ــة‪،‬‬ ‫ليـــس فقـــط لكونهـــا تمنـــح المرشـــح‬ ‫ذلـــك الحـــق المنظـــم تبعـــ ًا لقانـــون‬ ‫‪40‬‬

‫االنتخابــات المعمــول بــه‪ ،‬فــي التعريــف‬ ‫بنفســـه وطـــرح أفـــكاره وتوجهاتـــه‬ ‫وبرنامج ــه االنتخاب ــي لمجتم ــع الدائ ــرة‬ ‫االنتخابيـــة لكســـب تأييـــد الناخبيـــن‬ ‫مـــن أجـــل الفـــوز‪ ،‬أو لكونهـــا تتيـــح‬ ‫للناخـــب الفرصـــة الختيـــار األنســـب‬ ‫واألصل ــح م ــن بي ــن القوائ ــم االنتخابي ــة‬ ‫المتنافســـة‪ .‬بـــل كذلـــك‪ ،‬بالنظـــر‬ ‫إلـــى الصرامـــة المنهجيـــة والقواعـــد‬ ‫العلمي ــة التـــي تتطلبه ــا ف ــي التخطي ــط‬ ‫والبرمجـــة المرتكـــزة باألســـاس علـــى‬ ‫فعاليــة العمــل المنظــم‪ ،‬وعلــى التغطيــة‬ ‫الش ــاملة لجمل ــة م ــن القضاي ــا المرتبط ــة‬ ‫بهـــا ارتباطـــ ًا عضويـــ ًا وإجرائيـــا؛‬ ‫مثـــل االتصـــاالت السياســـية ومهـــام‬ ‫المكتـــب المديـــري للحملـــة‪ ،‬وكذلـــك‬ ‫عبـــر تعبئـــة كافـــة الوســـائل واآلليـــات‬ ‫اللوجيســـتيكية والبشـــرية والماديـــة‪،‬‬

‫وتجميـــع البيانـــات والمعلومـــات‪،‬‬ ‫وتقســـيم األدوار‪ ،‬ومراقبـــة تكتيـــكات‬ ‫المنافســـين‪ ،‬وقيـــادة فريـــق الحملـــة‪،‬‬ ‫عـــاوة علـــى تخصيـــص المخـــزون‬ ‫الدينامـــي الـــازم للعالقـــات العامـــة‬ ‫واالهتمـــام أكثـــر باإلعـــام المرئـــي‬ ‫والمســموع والمقــروء وقنــوات االتصــال‬ ‫الجماهيري ــة والرقمي ــة م ــن أج ــل تتب ــع‬ ‫متغيـــرات التأثيـــر والمعارضـــة فـــي‬ ‫الموقـــف االنتخابـــي أو مـــا يســـمى‬ ‫فـــي أبحـــاث االنتخابـــات والتصويـــت‬ ‫بـــ‪ .research voting :‬باإلضافـــة‬ ‫إلـــى ضـــرورة البحـــث فـــي االتجاهـــات‬ ‫والتنبــؤ بالمواقــف االنتخابيــة المضــادة‬ ‫المباغتــة والمحتملــة‪ .‬كل ذلــك مــن أجــل‬ ‫جع ــل الخط ــاب االنتخاب ــي داخ ــل عم ــر‬ ‫الحملـــة االنتخابيـــة المحـــدد‪ ،‬يمتلـــك‬ ‫أكثـــر‪ ،‬تلـــك القـــدرة الســـحرية علـــى‬


‫التســـويق األمثـــل للموقـــف السياســـي‬ ‫المس ــتند إل ــى الق ــراءة الذكي ــة لألح ــام‬ ‫الجمعيـــة والخيبـــات‪ ،‬التـــي قـــد تشـــكل‬ ‫رأســـما ًال إضافيـــ ًا ومؤثـــرًا فـــي ســـاحة‬ ‫المضاربـــات االنتخابيـــة‪.‬‬ ‫وف ــي س ــيرورة العملي ــة االنتخابي ــة‪،‬‬ ‫يمكـــن القـــول‪ ،‬بـــأن المكانـــة التـــي‬ ‫يكتســـيها المرشـــح داخـــل الحملـــة‬ ‫االنتخابي ــة تبق ــى ب ــدون من ــازع بالغ ــة‬ ‫األهميـــة‪ .‬ذلـــك ألن المرشـــح فـــي‬ ‫النهايـــة يبقـــى هـــو الحـــدس المركـــزي‬ ‫ف ــي كل حمل ــة انتخابي ــة‪ ،‬لذل ــك يح ــاول‬ ‫منطقهـــا الدعائـــي والتنافســـي التركيـــز‬ ‫بشـــكل كبيـــر علـــى عناصـــر القـــوة‬ ‫العلمي ــة واألخالقي ــة الممي ــزة لش ــخص‬ ‫المرشـــح كسياســـي صاحـــب برنامـــج‬ ‫ورؤيـــة سياســـية‪ ،‬وذلـــك مـــن خـــال‬ ‫تســـويق ســـيرته الذاتيـــة والسياســـية‬

‫والخبـــرات والمهـــارات التـــي اكتســـبها‬ ‫وراكمهـــا فـــي حياتـــه العمليـــة‬ ‫والمهنيـــة‪ ،‬وكـــذا المناصـــب التـــي‬ ‫تقلده ــا‪ ،‬وإبرازه ــا ككاريزم ــا س ــحرية‪.‬‬ ‫إنـــه مطالـــب إذن‪ ،‬بـــأن يعـــرف كيـــف‬ ‫يؤلــف بيــن كل األشــياء‪ .‬أن يؤلــف بيــن‬ ‫الرؤيـــة والحســـاب‪ ،‬وبيـــن المثاليـــة‬ ‫والتجريبي ــة‪ ،‬أن يك ــون ماه ــرًا وماك ــرًا‬ ‫ككل سياس ــي عظي ــم‪ ،‬كم ــا يق ــول ج ــاك‬ ‫دري ــدا ف ــي أح ــد حوارات ــه متحدثــ ًا ع ــن‬ ‫شـــارل ديغـــول‪ .‬أي علـــى المرشـــح‬ ‫أن يعمـــل بـــذكاء وحكمـــة نادريـــن‪،‬‬ ‫داخـــل حقـــل شـــديد الخصوصيـــة‬ ‫والشراســـة‪ ،‬علـــى كســـب أكبـــر عـــدد‬ ‫مـــن المتعاطفيـــن والمتحالفيـــن‬ ‫والمؤيدي ــن‪ ،‬وأن يع ــرف كي ــف يتصي ــد‬ ‫هف ــوات وأخط ــاء وإخفاق ــات الخص ــوم‬ ‫السياســـيين لمحاصـــرة مواقعهـــم‪،‬‬

‫وإضعـــاف حظوظهـــم فـــي الفـــوز‪ .‬وأن‬ ‫يعمـــل كذلـــك بالمقابـــل علـــى تســـويق‬ ‫أفـــكاره بالشـــكل الـــذي تصبـــح معـــه‬ ‫هـــذه األفـــكار قـــوة تأثيريـــة كبيـــرة‪،‬‬ ‫قـــادرة علـــى اســـتمالة الكتلـــة الناخبـــة‬ ‫بع ــد أن تك ــون ق ــد أصبح ــت أكث ــر إيمان ـ ًا‬ ‫بالوعـــود والخطـــط واالســـتراتيجيات‬ ‫التـــي تضمنهـــا برنامـــج الحملـــة‪.‬‬ ‫إن منط ــق الحمل ــة االنتخابي ــة ال ــذي‬ ‫يش ــكل إل ــى جان ــب المرش ــح والناخ ــب‬ ‫جوهــر العمليــة االنتخابيــة برمتهــا‪ ،‬هــو‬ ‫كذلــك بشــكل مــا‪ ،‬منطــق «البروباغنــدا»‬ ‫الشـــعائري والتواصلـــي أيضـــاً‪ ،‬الـــذي‬ ‫يتيـــح لعـــدد مـــن المتنافســـين علـــى‬ ‫الســلطة اقتســام تلــك الطاقــة التناوبيــة‬ ‫للهيمنـــة والوصـــول إلـــى الحكـــم‪ ،‬فـــي‬ ‫وق ــت معي ــن‪ ،‬وداخ ــل جغرافي ــا معين ــة‬ ‫تتطل ــب معرف ــة عميق ــة ب ــاألرض الت ــي‬ ‫‪41‬‬


‫تــدور داخلهــا حلقــات المنافســة‪ .‬وكذلــك‬ ‫التشــريح الدقيــق والشــامل لخصائصهــا‬ ‫الديمغرافي ــة والمجالي ــة‪ ،‬والسوس ــيو–‬ ‫ثقافي ــة المترس ــبة ف ــي بني ــة الش ــعورها‬ ‫التاريخ ــي والسياس ــي‪.‬‬ ‫لذلـــك فالمعـــارك التـــي ترافـــق كل‬ ‫حملـــة انتخابيـــة‪ ،‬تضمـــن‪ ،‬مـــن جهـــة‪،‬‬ ‫تل ــك الفرص ــة للتع ــرف ع ــن ق ــرب عل ــى‬ ‫المرجعيــات واأليديولوجيــات والبرامــج‬ ‫المتنافســـة والتصويـــت لصالحهـــا أو‬ ‫مقاطعتهـــا بـــكل حريـــة‪ ،‬ومـــن جهـــة‬ ‫أخـــرى‪ ،‬تضمـــن الحـــدود الالنهائيـــة‬ ‫للوظيف ــة التداولي ــة للبح ــث ع ــن الق ــوة‬ ‫الحيوي ــة ف ــي االنتص ــار لخط ــاب معي ــن‬ ‫علـــى حســـاب هزيمـــة اآلخريـــن‪ .‬إنهـــا‬ ‫تش ــكل عل ــى كل ح ــال‪ ،‬لحظ ــة تتوي ــج‬ ‫مرحليــة للــذات السياســية علــى حســاب‬ ‫ذوات أخـــرى‪.‬‬ ‫معنـــى هـــذا أن الحملـــة االنتخابيـــة‬ ‫كيفمـــا كان نوعهـــا أو أســـلوبها‪،‬‬ ‫وباعتبارهـــا المحاولـــة األخيـــرة‬ ‫والوحي ــدة لتحوي ــل هوام ــات الناخبي ــن‬ ‫المتردديـــن أو المهتميـــن إلـــى ســـند‬ ‫أساس ــي لدعاي ــة م ــا‪ ،‬عل ــى ح ــد تعبي ــر‬ ‫«ر‪ .‬ميشـــلي» ‪ ،‬فهـــي ال بـــد أن تكـــون‬ ‫جـــزءًا مـــن حيويـــة الـــكل االجتماعـــي‬ ‫الـــذي تتصـــارع داخلـــه مجموعـــة مـــن‬ ‫الرمـــوز‪ ،‬مـــن أجـــل إنتـــاج خطابـــات‬ ‫ح ــول الحقيق ــة ف ــي تل ــك الحق ــول الت ــي‬ ‫يشـــتغل فيهـــا الفاعـــل السياســـي ومـــن‬ ‫خالله ــا‪ .‬لذل ــك ف ــإن األس ــاليب الت ــي ق ــد‬ ‫تبـــدو حديثـــة داخـــل خطـــاب الحمـــات‬ ‫االنتخابيـــة‪ ،‬مـــن حيـــث قدرتهـــا علـــى‬ ‫اســـتثمار التطـــورات الهائلـــة لتقنيـــات‬ ‫علــم الوســائط واالتصــاالت‪ ،‬فإنهــا فــي‬ ‫جوهرهـــا تبقـــى خاضعـــة لصيـــرورات‬ ‫الحقيق ــة التاريخي ــة للمجتم ــع‪ ،‬الس ــيما‬ ‫تلــك المتخفيــة وراء الخطــاب االنتخابــي‬ ‫المقـــدم علـــى أنـــه نمـــوذج‪ ،‬والبينـــة‬ ‫الـــا محسوســـة لجدليـــة األخالقـــي‬ ‫والسياس ــي‪ .‬ب ــل أكث ــر م ــن ذل ــك فه ــي‬ ‫ملزمــة بــأن تجــد هــذه الحقيقــة وتعــاود‬ ‫إنتاجهـــا وتوظيفهـــا‪ ،‬مـــن أجـــل تكـــرار‬ ‫وتجديـــد عالقـــات الهيمنـــة وتقويـــض‬ ‫الخطابـــات المضـــادة‪.‬‬ ‫الحملـــة االنتخابيـــة هـــي فلســـفة‬ ‫‪42‬‬

‫وقانـــون‪ ،‬اســـتراتيجية جهـــود منظمـــة‬ ‫لعمليـــات مترابطـــة‪ ،‬حيـــث يتـــم‬ ‫توظيـــف اإلمكانـــات والمـــوارد الهائلـــة‬ ‫َ‬ ‫المخصصـــة لتحقيـــق أهـــداف معينـــة‪.‬‬ ‫وتبقـــى مســـألة نجـــاح المرشـــح‪،‬‬ ‫وبغ ــض النظ ــر ع ــن منط ــق التوازن ــات‬ ‫الــذي يمكــن أن يتحكــم فــي هــذا النجــاح‬ ‫أو العكـــس‪ ،‬مرتبطـــة إلـــى حـــدود‬ ‫كبيـــرة بمـــدى القـــدرة علـــى اإلعـــداد‬ ‫الجي ــد للمعرك ــة االنتخابي ــة والتخطي ــط‬ ‫المنهجـــي واللوجيســـتيكي لمختلـــف‬ ‫مراحلهـــا‪.‬‬ ‫غيـــر أننـــا‪ ،‬وفـــي ظـــل المتغيـــرات‬ ‫الدائم ــة الت ــي تعتم ــل داخ ــل البراديغ ــم‬ ‫السياســـي الكونـــي‪ ،‬ومجـــاالت‬ ‫التنافس ــية األيديولوجي ــة‪ ،‬ن ــدرك لم ــاذا‬ ‫تظـــل الحملـــة االنتخابيـــة‪ ،‬عمليـــة‬ ‫أساســـية محـــددة لقـــوة الخطـــاب‬ ‫االنتخاب ــي داخ ــل المعرك ــة االنتخابي ــة‪.‬‬ ‫فه ــي تمتل ــك‪ ،‬ف ــي الحال ــة الت ــي تك ــون‬ ‫فيهـــا مبنيـــة بنـــاء اســـتراتيجي ًا قويـــاً‪،‬‬ ‫تلـــك الطاقـــة التأثيريـــة الحاســـمة‬ ‫الت ــي تمك ــن م ــن إخض ــاع ه ــذا الخط ــاب‬ ‫وتحويل ــه إل ــى ش ــرعية سياس ــية ذات‬ ‫منحـــى مبشـــر باآلمـــال والخـــاص‪.‬‬ ‫وإذا كان مـــن الضـــروري هنـــا‪ ،‬إعـــادة‬

‫التفكيـــر فـــي مـــدى ديموقراطيـــة‬ ‫الحمـــات االنتخابيـــة وعدالتهـــا‪ ،‬مـــن‬ ‫حي ــث معقولي ــة الحظ ــوظ الت ــي تت ــرك‬ ‫لجمي ــع المرش ــحين المتنافس ــين‪ .‬ذل ــك‪،‬‬ ‫ألنـــه مـــن الصعـــب علـــى كل مرشـــح‪،‬‬ ‫نظـــرًا لتشـــابك المصالـــح وتضاربهـــا‪،‬‬ ‫أن يتمتـــع بديموقراطيـــة حقيقيـــة‬ ‫داخـــل مجتمعـــات محكومـــة بمراتبيـــة‬ ‫«ســـبيرنيطيقية» ســـلطوية‪ ،‬تلعـــب‬ ‫فيهـــا قـــوة الرأســـمال الحاســـم األكبـــر‬ ‫والنهائـــي‪.‬‬ ‫يمك ــن الق ــول ب ــأن المي ــزة األساس ــية‬ ‫لعصرنـــا الحالـــي‪ ،‬هـــي مـــا يمكـــن‬ ‫تســـميته باالهتمـــام الولهانـــي للســـلطة‬ ‫باإلنســـان باعتبـــاره كائنـــ ًا خاضعـــاً‪،‬‬ ‫ســـواء كان مســـتعبدًا أو ممارســـ ًا‬ ‫أو حتـــى مهيمنـــاً‪ .‬وال تبتعـــد مطلقـــ ًا‬ ‫أســاليب اإلقنــاع والتأثيــر فــي خطابــات‬ ‫كل حملـــة انتخابيـــة عـــن هـــذا النـــزوع‬ ‫التحكمـــي‪ ،‬الـــذي ينحـــو نحـــو تشـــديد‬ ‫المنط ــق التدخل ــي للق ــوة ف ــي اتجاه ــات‬ ‫موازيــة القتصــاد االنتصــار‪ .‬إن المنطــق‬ ‫هن ــا‪ ،‬وبمعن ــى م ــا‪ ،‬يؤش ــر إل ــى ش ــكل‬ ‫م ــن أش ــكال ح ــرب جدي ــدة‪ ،‬ضروري ــة‪،‬‬ ‫معلنـــة ومعقـــدة‪.‬‬


‫سمري الحجاوي‬

‫إذا كان الســحر يفتن العيون وينقل اإلنســان من الحقيقة إلى الخيال ومن‬ ‫الواقــع إلى الوهم‪ ،‬فإن ســحر الكلمات اليقل خطورة عن ســحر العيون‪،‬‬ ‫ألن الكلمات تســحر اآلذان واألسماع وتغزو العقول بجحافل المصطلحات‬ ‫والمفــردات التي يمكن اســتنباتها على شــكل أفكار ومفاهيــم ومعتقدات‪،‬‬ ‫وتســويقها عن طريــق اإلغراء والغواية والتضليــل والزخرفة الخالية من‬ ‫المضمون‪.‬‬

‫مصرع الثورة‬

‫وق ــد أش ــار الق ــرآن الكري ــم إل ــى ذل ــك‬ ‫ـم ِإ َلــى‬ ‫فــي قولــه تعالــى «ي ِ‬ ‫ُوحــي ب َْع ُض ُهـ ْ‬ ‫زُخـــ ُر َ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ف الْقَ ـــ ْول غـــ ُرورا»‪ ،‬أي‬ ‫ب َْع ٍ‬ ‫ـــض ْ‬ ‫يمـــد بعضهـــم بعضـــ ًا بوســـائل الخـــداع‬ ‫والغوايـــة‪ ،‬ويزيـــن بعضهـــم لبعـــض‬ ‫عـــداء الحـــق وحربـــه والمضـــي فـــي‬ ‫طويـــا‪ ،‬فاإليحـــاء هنـــا‬ ‫المعركـــة معـــه‬ ‫ً‬ ‫يعنـــي إلقـــاء الـــكالم الممـــوه والمزيـــن‬ ‫وال ــذي ال يحم ــل ف ــي طيات ــه أي معن ــى‬ ‫حقيق ــي ليض ــل ع ــن س ــبيل اهلل‪ ،‬وذه ــب‬ ‫القــرآن الكريــم أبعــد مــن ذلــك فــي قولــه‬ ‫ـــم‬ ‫تعالـــى عـــن المنافقيـــن‪َ « :‬وإ َِذا َر َأ ْي َت ُه ْ‬ ‫ُت ْع ِج ُب َ‬ ‫ـــم ْع‬ ‫ـــك َأ ْج َســـامُ ُه ْم َوإِن َيقُ و ُلـــوا َت ْس َ‬ ‫ون‬ ‫ـب مُّ َس ـ َّن َد ٌة ي َْح َسـ ُـب َ‬ ‫ـم ُخ ُشـ ٌ‬ ‫ـم َك َأن َُّهـ ْ‬ ‫ِلقَ ْول ِِهـ ْ‬ ‫ـم‬ ‫ـم ال َْعـ ُ‬ ‫ـد ُّو ف ْ‬ ‫ـم ُهـ ُ‬ ‫َاح َذر ُْهـ ْ‬ ‫ُك َّل َص ْي َحـ ٍة َع َل ْي ِهـ ْ‬ ‫ـــون»‪ ،‬والم ــراد‬ ‫ـــم اللَّـــ ُه َأنَّـــى ُي ْؤف َُك َ‬ ‫قَا َت َل ُه ُ‬ ‫بذلـــك هـــو امتـــاك هـــؤالء الخشـــب‬ ‫المســندة لألجســام والفصاحــة‪ ،‬والقــدرة‬ ‫عل ــى ال ــكالم‪ ،‬ولكنه ــم ب ــا روح‪ ،‬وم ــن‬

‫بالخشـــب المتآكلـــة‬ ‫هنـــا جـــاء وصفهـــم ُ‬ ‫المســـندة إلـــى حائـــط‪ ،‬فأجســـامهم‬ ‫ضخم ــة وصوره ــم حس ــنة وذوو ق ــدرة‬ ‫علـــى الـــكالم الخـــاوي‪.‬‬ ‫اســـتهل بهـــذا المدخـــل القرآنـــي‬ ‫لمناقشـــة مفاهيـــم الديماغوجيـــا‬ ‫والشـــعبوية ولغـــة الخشـــب‪ ،‬وهـــي‬ ‫مفاهي ــم مرتبط ــة م ــع بعضه ــا البع ــض‬ ‫بشـــكل وثيـــق‪ ،‬وتـــكاد تشـــكل معـــا‬ ‫«ثالوثـــاً» للســـيطرة اللغويـــة علـــى‬ ‫الشــعوب فــي عصــر اإلعــام والعولمــة‪،‬‬ ‫وعص ــر الث ــورات العربي ــة الت ــي تجت ــاح‬ ‫أجـــزاء واســـعة مـــن عالمنـــا العربـــي‪،‬‬ ‫وال شـــك أن هـــذه المفاهيـــم ارتبطـــت‬ ‫أساســـ ًا بالعمـــل السياســـي والخطابـــة‬ ‫ومخاطب ــة الن ــاس س ــعي ًا إل ــى الس ــلطة‬ ‫والحكـــم بشـــكل رئيســـي‪ ،‬وربمـــا‬ ‫تس ــويق سياس ــات اجتماعي ــة وثقافي ــة‬ ‫واقتصاديـــة وحتـــى قيميـــة‪ ،‬فـــي عالـــم‬

‫عرب ــي تصط ــرع في ــه الفك ــرة اإلس ــامية‬ ‫م ــع العلماني ــة الالديني ــة وجهــ ًا لوج ــه‪،‬‬ ‫ويحـــاول كل طـــرف كســـب الجماهيـــر‬ ‫لصالحـــه‪ ،‬وأخـــذت هـــذه الظاهـــرة‬ ‫تتســـع إعالميـــ ًا وسياســـي ًا بســـبب‬ ‫الثـــورة والثـــورة المضـــادة‪ ،‬وســـعي‬ ‫كل طـــرف الســـتمالة النـــاس ضـــد‬ ‫الط ــرف اآلخ ــر‪ ،‬وه ــذا م ــا زاد م ــن ح ــدة‬ ‫االســـتخدام الديماغوجـــي فـــي الخطابـــة‬ ‫إلح ــداث التأثي ــر المطل ــوب عل ــى األف ــراد‬ ‫والمجتمعـــات‪.‬‬ ‫الحقيقــة أننــي احتــرت بإيجــاد مقابــل‬ ‫لهـــذا المصطلـــح اليونانـــي‪ ،‬المركـــب‬ ‫مـــن كلمتيـــن همـــا‪« :‬ديمـــوس» وتعنـــي‬ ‫شـــعب‪« ،‬غوجيـــا» وتعنـــي قيـــادة‪،‬‬ ‫وإذا ركبنـــا الكلمتيـــن باســـتخدام اللغـــة‬ ‫العربي ــة تصب ــح «قي ــادة الش ــعب»‪ ،‬لك ــن‬ ‫ه ــذا التركي ــب ال يش ــير إل ــى المعن ــى وال‬ ‫إلـــى المضمـــون إطالقـــا‪ ،‬فالديماغوجيـــا‬ ‫‪43‬‬


‫عبـــارة عـــن كالم‪ ،‬لكنـــه كالم فـــارغ ال‬ ‫يقـــول شـــيئاً‪ ،‬وبالتالـــي فـــإن أفضـــل‬ ‫تعريـــف لهـــذا المصطلـــح هـــو «اإليهـــام‬ ‫بالـــكالم»‪ ،‬وفـــي التعريـــف المفاهيمـــي‬ ‫يمكــن أن نقــول إنها‪« :‬مجموعة األســاليب‬ ‫والمنـــاورات والحيـــل السياســـية التـــي‬ ‫يلجـــأ إليهـــا السياســـي إلغـــراء الشـــعب‬ ‫والجماهيـــر بوعـــود كاذبـــة وخادعـــة‪،‬‬ ‫ظاهريـــ ًا مـــن أجـــل الشـــعب‪ ،‬وعمليـــ ًا‬ ‫مـــن أجـــل الوصـــول إلـــى الحكـــم»‪ .‬أو‬ ‫«اس ــتراتيجية سياس ــية للحص ــول عل ــى‬ ‫الس ــلطة وكس ــب الق ــوة السياس ــية م ــن‬ ‫خـــال مخاطبـــة الغرائـــز والمخـــاوف‬ ‫الشـــعبية اعتمـــادًا علـــى التوقعـــات‬ ‫المســبقة عــن طريــق الخطابــة والدعايــة‬ ‫الحماســـية‪ ،‬مســـتخدمين المواضيـــع‬ ‫القومي ــة والش ــعبية محاولي ــن اس ــتثارة‬ ‫عواطـــف الجماهيـــر»‪ ،‬باختصـــار‬ ‫أنهـــا «اســـتراتيجية إلقنـــاع اآلخريـــن‬ ‫باالســـتناد إلـــى مخاوفهـــم وأفكارهـــم‬ ‫المســـبقة»‪.‬‬ ‫وتعتبـــر الديماغوجيـــا «اإليهـــام‬ ‫بالـــكالم» خبـــزًا يوميـــ ًا لكثيـــر مـــن‬ ‫السياس ــيين ف ــي العال ــم‪ ،‬فه ــم يلج ــأون‬ ‫إلـــى اســـتدرار العواطـــف واللعـــب علـــى‬ ‫المخـــاوف وتقديـــم الوعـــود الكاذبـــة‬ ‫الخادعـــة المضللـــة باســـتخدام تعابيـــر‬ ‫هالميـــة مطاطـــة إنشـــائية يمكـــن‬ ‫تفس ــيرها عل ــى أكث ــر م ــن وج ــه حس ــب‬ ‫مقتضيـــات الحـــال‪.‬‬ ‫تتطلـــب الديماغوجيـــا «اإليهـــام‬ ‫بالـــكالم» خلـــق حالـــة مـــن الشـــعبوية‬ ‫التـــي يمكـــن تعريفهـــا بأنهـــا «نـــوع‬ ‫مـــن الخطـــاب السياســـي الـــذي يدغـــدغ‬ ‫عواطـــف الجماهيـــر غيـــر المثقفـــة‬ ‫بالحج ــاج لكس ــب تأييده ــم لسياس ــاتهم‬ ‫والحفــاظ علــى شــعبيتهم لــدى النــاس»‪،‬‬ ‫ويفت ــرض الخط ــاب الش ــعبوي التوج ــه‬ ‫المباش ــر إل ــى «الجماهي ــر» وف ــق الئح ــة‬ ‫مـــن النوايـــا والنتائـــج المرتقبـــة التـــي‬ ‫يتـــم الترويـــج لهـــا‪.‬‬ ‫تعـــود أصـــول الشـــعبوية إلـــى‬ ‫اليونـــان القديمـــة مـــع صعـــود «بياعـــي‬ ‫الـــكالم» الديماغوجييـــن فـــي المجتمـــع‪،‬‬ ‫واســـتمر ذلـــك فـــي اإلمبراطوريـــة‬ ‫الرومانيــة التــي شــهدت صعــود أباطــرة‬ ‫‪44‬‬

‫وضبــاط شــعبويين اســتخدموا قدراتهــم‬ ‫الخطابيـــة لتحريـــك الجمـــوع عاطفيـــ ًا‬ ‫للوصـــول إلـــى مآربهـــم فـــي التســـلط‬ ‫واالســـتبداد والحكـــم‪.‬‬ ‫وفـــي العالـــم العربـــي كان للخطـــاب‬ ‫الش ــعبوي الديماغوج ــي دور كبي ــر ف ــي‬ ‫تعزيـــز ســـلطة األنظمـــة الحاكمـــة عبـــر‬ ‫البنـــى التقليديـــة كالعشـــيرة‬ ‫اســـتغالل ُ‬ ‫والقبيل ــة أو الطائف ــة الديني ــة‪ ،‬واإلبق ــاء‬ ‫علـــى الجهـــل فـــي صفـــوف «الشـــعب»‪،‬‬ ‫مـــزاج ســـائٍد يخضـــع‬ ‫والحفـــاظ علـــى‬ ‫ٍ‬ ‫للع ــادات واألع ــراف‪ ،‬إلح ــكام الس ــيطرة‬ ‫علـــى «العـــوام»‪ .‬وبالطبـــع واصـــل‬ ‫السياســـيون والطامحـــون بالســـلطة‬ ‫والســـيطرة والحكـــم اللجـــوء إلـــى‬ ‫الش ــعبوية عل ــى م ــدى الق ــرون وص ــو ًال‬ ‫إلـــى العصـــر الحديـــث فـــي كل أنحـــاء‬ ‫العالـــم تقريبـــاً‪ ،‬مـــن أميـــركا الالتينيـــة‬ ‫إل ــى آس ــيا م ــرورًا بأوروب ــا وإفريقي ــا‪،‬‬ ‫مـــن فيديـــل كاســـترو فـــي كوبـــا إلـــى‬ ‫الرئي ــس المص ــري جم ــال عب ــد الناص ــر‪،‬‬ ‫والعقيــد الليبــي معمــر القذافــي‪ ،‬والزعيــم‬ ‫الصينــي ماوتســي تونــغ‪ ،‬وغيرهــم مــن‬ ‫القـــادة فـــي العالـــم الذيـــن اســـتخدموا‬ ‫األدوات الديماغوجيــة التــي تتــراوح بيــن‬ ‫الرومانســـية الثوريـــة وبيـــع األحـــام‬ ‫أو اإلقنـــاع بالقـــوة لتثبيـــت إدعـــاء‬ ‫أنهـــم صـــوت الجماهيـــر وضميرهـــا‪،‬‬ ‫وأنهـــم األحـــق بتمثيـــل الشـــعب‪ ،‬دون‬ ‫مراعـــاة مفاهيـــم التفويـــض والتعاقـــد‬ ‫االجتماعـــي‪ ،‬ووصـــم المعارضيـــن أو‬ ‫الناقديـــن بأنهـــم «خونـــة» أو خارجـــون‬ ‫عل ــى الص ــف الوطن ــي‪ ،‬والع ــداء لألم ــة‪،‬‬ ‫وبالتالـــي تحريـــض الجماهيـــر علـــى‬ ‫«اســـتئصالهم» بوصفهـــم خونـــة ضـــد‬ ‫الش ــعب واألم ــة‪ ،‬وتغيي ــب حقيق ــة أنه ــم‬ ‫مدافعـــون عـــن الحريـــة والديموقراطيـــة‬ ‫وتـــداول الســـلطة‪.‬‬ ‫ـــم‬ ‫الشـــعبوي‬ ‫الخطـــاب‬ ‫«مْبَه ٌ‬ ‫ُ‬ ‫وعاطفـــي‪ ،‬ال يعتمـــد األفـــكار والـــرؤى‪،‬‬ ‫ب ــل يمي ــل إل ــى إث ــارة الحم ــاس وإله ــاب‬ ‫المش ــاعر‪ ،‬ليتماش ــى تمامــ ًا أو يتطاب ــق‬ ‫صنّـــاع‬ ‫مـــع المـــزاج الســـائد أو يختـــاره ُ‬ ‫الخط ــاب ليب ــدو عل ــى أن ــه س ــائد‪ ،‬م ــن‬ ‫ٍ‬ ‫ناحيـــة أخـــرى‪،‬‬ ‫دون أن يفيـــد‪ ،‬مـــن‬ ‫فـــي التعامـــل الجـــّدي والمســـؤول مـــع‬

‫المشـــاكل الواقعيـــة‪ِ ُ .‬‬ ‫ـــر الخطـــاب‬ ‫ويْكث ُ‬ ‫الشـــعبوي مـــن التركيـــز علـــى ورديـــة‬ ‫ٍ‬ ‫شـــكل‬ ‫الحلـــم وتبســـيط األمـــور فـــي‬ ‫كرنفالـــي‪ ،‬مـــع اإلحالـــة‬ ‫مســـرحي‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫إلـــى التاريـــخ الـــذي يتـــم اســـتحضاره‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫أيديولوجيـــة‬ ‫كوســـيلة‬ ‫واســـتخدامه‬ ‫عمـــق انفعالـــي‪ .‬وعـــادة مـــا يلجـــأ‬ ‫ذات‬ ‫ٍ‬ ‫الديماغوجيــون الشــعبيون إلــى مــا يمكــن‬ ‫أن يطلــق عليــه «الحجــاج الجماهيــري»‪،‬‬ ‫وهـــي عبـــارة عـــن سفســـطة منطقيـــة‪،‬‬ ‫دون أن يبنـــي المخاطـــب كالمـــه علـــى‬ ‫مقدمـــات تقـــوده إلـــى نتائـــج تتناســـب‬ ‫م ــع تل ــك المقدم ــات‪ ،‬ف ــكل هم ــه اعتن ــاق‬ ‫الجمه ــور لفكرت ــه‪ ،‬ودف ــع الجمه ــور إل ــى‬ ‫االعتقــاد اليقينــي بصحــة مــا يقــال بــدون‬ ‫التفكيــر فــي االرتبــاط النصــي والنســقي‬ ‫لم ــا يق ــال ودون محاكم ــة لل ــكالم‪ ،‬األم ــر‬ ‫الـــذي يقـــود إلـــى حالـــة مـــن الخلـــط‬ ‫والمغالط ــة المقص ــودة لتروي ــج األف ــكار‬ ‫المرغـــوب بإقنـــاع النـــاس بهـــا‪.‬‬ ‫هـــذه الديماغوجيـــة الشـــعبوية التـــي‬ ‫تقـــوم علـــى «بيـــع األحـــام» تقـــود‬ ‫إلـــى مصطلـــح جديـــد أال وهـــو لغـــة‬ ‫الخش ــب «اللغ ــة الخش ــبية»‪ ،‬وه ــي لغ ــة‬ ‫يس ــتعملها بع ــض األش ــخاص ف ــي ط ــرح‬ ‫أفكارهـــم وآرائهـــم لجـــذب الســـامع لهـــم‬ ‫ف ــي الوق ــت ال ــذي يك ــون كالمه ــم فارغــ ًا‬ ‫مـــن المدلـــوالت والمحتـــوى والفائـــدة‬ ‫للمســـتمع»‪.‬‬ ‫ويرجـــع بعـــض الباحثيـــن اســـتخدام‬ ‫ه ــذا المصطل ــح إل ــى الفرنس ــيين الذي ــن‬ ‫أطلقـــوه علـــى الخطـــاب السياســـي‬ ‫اإلعالمـــي إبـــان الحقبـــة البلشـــفية فـــي‬ ‫االتحـــاد الســـوفياتي الســـابق للتعبيـــر‬ ‫عـــن افتقـــاره للمرونـــة‪ ،‬ثـــم عمـــم‬ ‫اســـتخدامه للداللـــة علـــى أي خطـــاب‬ ‫جامـــد غيـــر ممتـــع وال مقنـــع فهـــي‬ ‫«لغ ــة ُم ِ‬ ‫تعب ــة‪ُ ،‬م ِ‬ ‫رهق ــة‪ ،‬جاف ــة‪ ،‬تجده ــا‬ ‫مطويـــة داخـــل جيـــوب‬ ‫فـــي أوراق‬ ‫ّ‬ ‫بـــدالت أغلـــب الساســـة والخالّطيـــن‪ ،‬أو‬ ‫مفروشــة علــى ألســن أغلــب المســؤولين‬ ‫المغرميـــن بالمنابـــر‪ُ ،‬يبدعـــون فـــي‬ ‫استنســـاخها وتســـديدها نحـــو أي أذن‬ ‫تدخ ــل نط ــاق تغطيته ــم‪ ،‬وه ــم يدرك ــون‬ ‫أنهــا «لغــة مــن خشــب» ال تصلــح ســوى‬ ‫للحــرق‪ ،‬ومــع ذلــك فهــي ليســت متاحــة‬


‫للجمي ــع‪ ،‬وق ــد يمنحه ــا اهلل هب ــة لبع ــض‬ ‫عبـــاده دون ســـواهم»‪.‬‬ ‫يـــدرك المســـتخدم للغـــة الخشـــب‬ ‫ضعـــف كالمـــه وحجتـــه‪ ،‬ولذلـــك‬ ‫يح ــاول أن ي ــداري ضعف ــه ف ــي محت ــوى‬ ‫كالمـــه بالتوريـــة وراء العموميـــات‬ ‫والتاريـــخ والماضـــي والمســـتقبل‪،‬‬ ‫واســـتبعاد الحديـــث عـــن الحاضـــر‬ ‫والواقـــع المعـــاش‪ ،‬وهـــي لغـــة تغلـــب‬ ‫عل ــى النقاش ــات البرلماني ــة ف ــي ال ــدول‬ ‫الش ــمولية الت ــي تك ــون فيه ــا المجال ــس‬ ‫مج ــرد «ديك ــور»‪ ،‬وبذل ــك تتح ــول ه ــذه‬ ‫البرلمان ــات إل ــى «بي ــوت م ــن خش ــب» ال‬ ‫يســـتخدم داخلهـــا إال «لغـــة الخشـــب»‪،‬‬ ‫وهــي نــوع مــن الخطــاب التمويهــي الــذي‬ ‫ال يكتــرث بمصلحــة الشــعب إال «لفظيـاً»‪،‬‬

‫فالمصلحـــة هـــي للحاكـــم والدكتاتـــور‬ ‫واألتبـــاع وذوي القربـــى‪ ،‬وال تعبـــأ‬ ‫بالشـــعب ومصالحـــه‪ ،‬وهـــي لغـــة غيـــر‬ ‫محـــددة الداللـــة‪ ،‬تهـــدف إلـــى فـــرض‬ ‫الـــرأي بقـــوة التأثيـــر فـــي الســـامع‪،‬‬ ‫وعـــدم إتاحـــة الفرصـــة ألي نقـــاش‬ ‫منطقـــي ســـليم‪ ،‬وهـــي لغـــة عقيمـــة ال‬ ‫تنتـــج أي إبـــداع‪ ،‬بـــل تؤســـس للفســـاد‬ ‫القيم ــي والنف ــاق ف ــي المجتم ــع‪ ،‬ولذل ــك‬ ‫فـــإن األشـــخاص الذيـــن يســـتخدمون‬ ‫هـــذه اللغـــة هـــم‪ ،‬كالخشـــب‪ ،‬الذيـــن‬ ‫يملكـــون إجابـــة واحـــدة لـــكل األســـئلة‬ ‫التـــي تطرحهـــا المجتمعـــات وتمـــر بهـــا‬ ‫الدولـــة فـــي كل العصـــور واألزمنـــة‪،‬‬ ‫ألنهـــا تتحـــول إلـــى «المـــادة الســـحرية»‬ ‫الت ــي تأخ ــذ بعق ــول عام ــة الن ــاس إل ــى‬

‫عالـــم مزيـــف‪ ،‬خاصـــة أن هـــذه اللغـــة‬ ‫تحمـــل وعلـــى طـــول الخـــط نغمـــة‬ ‫ولحنــ ًا يس ــتأنس بهم ــا المس ــتمع‪ ،‬فه ــي‬ ‫تختـــزن داخلهـــا التزييـــف والمجاملـــة‬ ‫والتلفيــق والنفــاق والنصــب التــي تمكــن‬ ‫السياس ــي م ــن «االحتي ــال عل ــى الن ــاس‬ ‫بطريقـــة ال جبريـــة» وســـوق الجماهيـــر‬ ‫إلـــى «مصيـــدة الرضـــوخ الطوعـــي»‪.‬‬ ‫ومـــن هنـــا يمكـــن القـــول إن لغـــة‬ ‫الخشـــب‪ ،‬ال تحتـــوي علـــى أي رصيـــد‬ ‫واقعــي أو قيمــة مضافــة‪ ،‬فهــي تســتخدم‬ ‫لتســـويق األخطـــاء وتبريـــر الخطايـــا‪،‬‬ ‫وتفتق ــد إل ــى اله ــم الجمع ــي بعي ــدة ع ــن‬ ‫نبـــض المتلقـــي‪ ،‬فـــكل شـــيء علـــى‬ ‫مـــا يـــرام‪ ،‬وقـــد أدت هـــذه اللغـــة إلـــى‬ ‫انتشـــار النفـــاق والفســـاد وتوســـع‬ ‫االســـتبداد واستشـــراء البيروقراطيـــة‬ ‫وخنـــق الديموقراطيـــة وغيـــاب العـــدل‬ ‫وانتشـــار الظلـــم وانعـــدام األمـــن ونهـــب‬ ‫المـــال العـــام جهـــارًا نهـــاراً‪ .‬وتضييـــق‬ ‫الخنـــاق علـــى الحريـــات والتالعـــب‬ ‫بمصي ــر األجي ــال بإصالح ــات مزعوم ــة‬ ‫واالســـتخفاف بالشـــعب مـــن خـــال‬ ‫«ترزيـــة» القوانيـــن وتعديـــل الدســـاتير‬ ‫عل ــى المق ــاس‪ ،‬وتحوي ــل الوطني ــة إل ــى‬ ‫أهازيــج عنــد السياســيين الديماغوجييــن‬ ‫م ــن محترف ــي لغ ــة الخش ــب الش ــعبوية‪،‬‬ ‫وتســـليمها إلـــى «سماســـرة الوطنيـــة»‬ ‫للتغنـــي بهـــا لتمجيـــد وطنيـــة زائفـــة‬ ‫والتفاخـــر بتاريـــخ مختلـــق‪ ،‬ونكـــران‬ ‫أي مطال ــب بت ــداول الس ــلطة والمش ــاركة‬ ‫الشـــعبية فـــي الحكـــم‪ ،‬ونســـيان قصـــة‬ ‫«الحريـــة والديموقراطيـــة والعدالـــة»‪،‬‬ ‫بمس ــاندة س ــدنة الب ــاط م ــن اإلعالميي ــن‬ ‫الذيـــن يديـــرون إعالمـــ ًا شـــيطاني ًا‬ ‫والمثقفيـــن المزيفيـــن ورجـــال الديـــن‬ ‫«الخشـــبيين» الذيـــن يحثـــون النـــاس‬ ‫علـــى «إطاعـــة والة األمـــر وعـــدم شـــق‬ ‫عص ــا الطاع ــة» ب ــدون ط ــرح أي أس ــئلة‪،‬‬ ‫واالنتظ ــار حت ــى اآلخ ــرة لطل ــب الج ــزاء‬ ‫أو القص ــاص م ــن ظل ــم الحاك ــم والنظ ــام‬ ‫السياســـي‪ ،‬وتـــرك الدنيـــا وقيادتهـــا‬ ‫لهـــؤالء المتكالبيـــن عليهـــا‪ ،‬والذيـــن‬ ‫اســـتحقوا الســـلطة بقـــوة الســـاح‬ ‫وشـــرعية «الغلبـــة‬ ‫‪45‬‬


‫في مسرحية «المتزوجون»‪ ،‬وهي المسرحية التي استمر عرضها لسنوات‬

‫وحيد الطويلة‬

‫ســأل أحــد األبطال «صبي الجزار عمــا تعني كلمة السياســة فأجابه على‬ ‫الفــور بيقين العاِلم‪ :‬السياســة هي أن تضحك علــى الزبون وتعطيه لحم‬ ‫الجمل على أنه لحم البقر أو الجاموس المعتبر»‪.‬‬

‫انخرام التوازن‬

‫مصــر بلــد النكتــة يــرد أهلهــا بالســخرية‬ ‫ـــن ال يقـــدر‬ ‫علـــى مـــا فاجأهـــم أو علـــى َم ْ‬ ‫فهمه ــم‪ ،‬وال يخل ــو األم ــر م ــن قس ــوة مري ــرة‬ ‫حتــى علــى أنفســهم وعلــى أبطالهــم‪ ،‬حيــن‬ ‫خســـرت مصـــر ســـيناء وغـــزة فـــي حـــرب‬ ‫س ــبعة وس ــتين رد المصري ــون بقس ــوة إذ‬ ‫تناقلـــوا أن الزعيـــم جمـــال عبـــد الناصـــر‬ ‫أطل ــق آه ــة ف ــي أح ــد االجتماع ــات وعندم ــا‬ ‫ســـأله أحدهـــم‪ :‬مالـــك يـــا ريـــس؟ أجـــاب‪:‬‬ ‫كان ــت غ ــزة وراح ــت‪.‬‬ ‫فـــي مصـــر اللغـــة الفصحـــى أنصارهـــا‬ ‫قل ــة قليل ــة إل ــى الح ــد ال ــذي ين ــدر في ــه أن‬ ‫تج ــد مذيع ـ ًا يتأل ــق به ــا‪ ،‬خل ــق المصري ــون‬ ‫عل ــى م ــدى طوي ــل تصالحــ ًا بي ــن العامي ــة‬ ‫والفصحــى‪ ،‬األمــر الــذي حــدا بأحــد الكّتــاب‬ ‫أن يقـــول‪ :‬هنـــاك لغـــة عربيـــة مصريـــة‪،‬‬ ‫بع ــد الث ــورة ع ــادت الطي ــور المهاج ــرة م ــن‬ ‫كل م ــكان وامت ــأت الشاش ــات بالمنظري ــن‬ ‫وانطلق ــت قذائ ــف لغوي ــة وتعابي ــر خش ــنة‬ ‫غي ــر مفهموم ــة وم ــن العي ــار الثقي ــل‪ ،‬وف ــي‬ ‫بلـــد يئـــن تحـــت وطـــأة اقتصـــاد مهتـــرئ‬ ‫ويتنف ــس في ــه الن ــاس السياس ــة كل لحظ ــة‬ ‫انطلقـــت الدانـــات اللغويـــة فـــي المجاليـــن‬ ‫بقـــوة أصابـــت النـــاس بوجـــوم‪ ،‬وبـــدا‬ ‫أن المســـافة بيـــن مـــا يـــراه النـــاس علـــى‬ ‫‪46‬‬

‫الشاش ــات وم ــا يس ــمعونه م ــن تصريح ــات‬ ‫للساس ــة والمستش ــارين بكاف ــة أش ــكالهم‪،‬‬ ‫ب ــدا أنه ــا تتس ــع‪ ،‬واحت ــاج المصري ــون إل ــى‬ ‫طاقتهــم المختزنــة مــن التفســيرات الالذعــة‬ ‫لتضييـــق المســـافة بيـــن مـــا يســـمعونه‬ ‫وبي ــن م ــا يعون ــه‪.‬‬ ‫وألن لقمـــة العيـــش هـــي الشـــاغل‬ ‫األساســـي ســـوف تصطـــدم األذن بـــأن‬ ‫الحكومـــة ســـوف تقـــوم بتعويـــم الجنيـــه‬ ‫ويج ــيء ال ــرد البس ــيط «الفل ــوس ماله ــاش‬ ‫قيم ــة» أو «ه ــات الجني ــه م ــن األرض»‪ ،‬أم ــا‬ ‫ال ــرد الح ــار فيأت ــي عل ــى هيئ ــة‪« :‬م ــن حق ــه‬ ‫يع ــوم بع ــد م ــا تبه ــدل» ويصب ــح مصطل ــح‬ ‫رأســـمالية المحاســـيب والمناصـــب «مننـــا‬ ‫وعلينــا»‪ ،‬و«زيتنــا فــي دقيقنــا» ويســتعلي‬ ‫أحدهـــم علـــى الشاشـــة فيقـــول‪money«:‬‬ ‫‪ »talks‬فيجـــيء الـــرد قاطعـــاً‪ :‬الفلـــوس‬ ‫بتتكل ــم أو «مع ــاك ق ــرش تس ــاوي ق ــرش»‪،‬‬ ‫ويصبـــح اســـتغالل الســـلطة‪« :‬حاميهـــا‬ ‫حراميهـــا»‪ّ ،‬أمـــا حيـــن يقـــول أحدهـــم‬ ‫بتقعـــر‪ :‬االقتصـــاد الحـــر أو اقتصـــاد‬ ‫الس ــوق‪ ،‬فيأتي ــه ال ــرد عل ــى هيئ ــة لكم ــة‪:‬‬ ‫«ســداح مــداح وســلم لــي علــى التســعيرة»‪.‬‬ ‫فـــي المقهـــى أجهـــزة التلفـــاز تمطـــر‬ ‫الجالســـين بيـــن أكـــواب الشـــاي وأحجـــار‬

‫المعســـل‪ ،‬يقـــول ناشـــط اقتصـــادي‪ :‬زواج‬ ‫المـــال بالســـلطة فيقـــول أحدهـــم لجـــاره‪:‬‬ ‫«والد الكلــب األغنيــاء مــع والد الكلــب اللــي‬ ‫بيحكمــوا»‪ ،‬ورأس المــال االجتماعــي يصبح‬ ‫بقـــدرة قـــادر‪ :‬القيـــم والمبـــادئ وأخالقنـــا‬ ‫كمصرييـــن‪ ،‬ســـأل أحدهـــم جـــاره‪ :‬مـــا‬ ‫معن ــى عص ــف األزمن ــة؟ في ــرد الثان ــي بع ــد‬ ‫أن أزاح طاقيتـــه وهـــرش رأســـه‪« :‬يعنـــي‬ ‫يقعـــدوا مـــع بعـــض ويفكـــروا يعملـــوا‬ ‫إي ــه»‪ ،‬أم ــا حي ــن يس ــمعون كلم ــة النخب ــة‬ ‫فإنه ــم يستش ــيطون غضب ـ ًا ويتط ــوع واح ــد‬ ‫بالقـــول «والد اإليـــه الكالمنجيـــة بتـــوع‬ ‫التـــوك شـــو»‪.‬‬ ‫لســـنوات انتشـــر فـــي مصـــر تعبيـــر‬ ‫القطـــط الســـمان أو مـــا يطلـــق عليهـــم‬ ‫ثـــراء وســـلطة‪،‬‬ ‫الهواميـــر‪ ،‬أي المتنفذيـــن‬ ‫ً‬ ‫ويشـــرح أحدهـــم لآلخـــر فيقـــول لـــه‪:‬‬ ‫«الموضـــوع مـــن اآلخـــر الحيتـــان التـــي‬ ‫نهبـــت البلـــد»‪.‬‬ ‫اإلنســـان حيـــوان سياســـي‪ ،‬ومصـــر‬ ‫تتنفـــس علـــى مـــدى ثـــاث ســـنوات‬ ‫متواصلـــة مفـــردات السياســـة لكـــن‬ ‫بتعابيـــر جديـــدة‪ ،‬لـــم يعـــدم األمـــر أنهـــم‬ ‫فهمـــوا أن تعبيـــر الشـــيطان األكبـــر الـــذي‬ ‫صـــك فـــي إيـــران إنمـــا يعنـــي أميـــركا‪،‬‬


‫وأن لف ــظ العم ــاء يطل ــق عل ــى «أي واح ــد‬ ‫مــش معانــا»‪ ،‬وأن األمــن القومــي هــو أمــن‬ ‫قومنـــا‪ ،‬وأن الـــدول المارقـــة ليســـت نحـــن‬ ‫وإنم ــا ه ــي إس ــرائيل وأمي ــركا الت ــي يطل ــق‬ ‫إعالمهـــا هـــذه الصكـــوك اللغويـــة‪ ،‬لكنهـــم‬ ‫وقف ــوا حائري ــن أم ــام ألف ــاظ ومصطلح ــات‬ ‫جديـــدة منهـــا حكومـــة تكنوقـــراط أو‬ ‫والقطريــة‬ ‫الفوضــى الخالقــة‪ ،‬لكــن القبليــة ُ‬ ‫وجـــدت معـــاد ًال لتعبيـــر محـــور الشـــر‪:‬‬ ‫«كل الـــدول بنـــت الكلـــب التـــي تحاربنـــا»‪،‬‬ ‫وتصبــح القــوى الناعمــة هــي القــدرة علــى‬ ‫اصطيـــاد النســـاء بـــذكاء وخفـــة‪.‬‬ ‫عنـــد صـــدور قانـــون التظاهـــر الجديـــد‬ ‫اندلع ــت مظاه ــرات وس ــجن نش ــطاء وقف ــوا‬ ‫ضـــده‪ ،‬وطغـــى علـــى الشاشـــات كلهـــا‬ ‫تعبي ــر واح ــد‪ :‬كل ــه بالقان ــون ورد الن ــاس‪:‬‬ ‫قوانيـــن تفصيـــل‪« ،‬ترزيـــة القوانيـــن‬ ‫رجعـــوا تانـــي بعـــد مـــا الدكانـــة قفلـــت»‪،‬‬ ‫تع ــددت الدس ــاتير واالس ــتفتاء عل ــى م ــواد‬ ‫معدلــة لهــا‪ ،‬وضــج النــاس علــى طريقتهــم‬ ‫وظهـــرت لغـــة الشـــارع واضحـــة تـــرد‪:‬‬ ‫«دســـتور يـــا أســـيادنا»‪ ،‬وتقـــول واحـــدة‪:‬‬ ‫«زي الل ــي رقص ــت ع الس ــلم‪ ،‬ال الل ــي ف ــوق‬ ‫شـــافوها وال اللـــي تحـــت شـــافوها»‪ ،‬أمـــا‬ ‫البط ــش بالجمي ــع فيلحق ــه المث ــل الش ــهير‬

‫«اضـــرب المربـــوط يخـــاف الســـايب»‪.‬‬ ‫تباع ــدت المس ــافة بي ــن اللغ ــة الخش ــبية‬ ‫أو اللغـــة الخشـــب الناشـــفة الصادمـــة‬ ‫المســـتغلقة التـــي تصـــدر مـــن الساســـة‬ ‫والمنظري ــن والمستش ــارين الذي ــن هبط ــوا‬ ‫علين ــا م ــن س ــطح المري ــخ أو اآلتي ــن م ــن‬ ‫كوكـــب آخـــر وبيـــن لغـــة الشـــارع التـــي‬ ‫تن ــزع للبس ــاطة والفه ــم‪ ،‬لك ــن األم ــر كم ــا‬ ‫ســبق لــم يعــدم الترجمــة وإعــادة الصياغــة‬ ‫بفهـــم بســـيط أو بســـخرية‪ ،‬لكـــن النـــاس‬ ‫وقفــت حائــرة أمــام تعبيــر الدولــة العميقــة‬ ‫ليقـــول واحـــد «قلبهـــا غويـــط‪ ،‬وال تعـــرف‬ ‫ل ــه آخ ــر مث ــل الس ــيدة الغويط ــة أيضــ ًا ال‬ ‫قـــراراً»‪ ،‬وتعبيـــر الدولـــة‬ ‫تعـــرف لقلبهـــا‬ ‫َ‬ ‫الرخ ــوة كان س ــه ًال ترجمت ــه بأنه ــا الدول ــة‬ ‫التـــي ال تحســـم أي شـــيء عنـــد البعـــض‪،‬‬ ‫وه ــي «الدول ــة الرخم ــة» أي غليظ ــة ال ــروح‬ ‫عنـــد البعـــض اآلخـــر‪.‬‬ ‫يس ــمع الن ــاس عندن ــا طيل ــة حيواته ــم‬ ‫أنن ــا دول ــة نامي ــة‪ ،‬وحي ــن يس ــمعونه اآلن‬ ‫يقولــون ببســاطة‪ :‬نعــم نحــن دول نائمــة‪،‬‬ ‫لكـــن تعبيـــرًا يتيمـــ ًا صنـــع نوعـــ ًا مـــن‬ ‫التصال ــح بي ــن اللغ ــة الخش ــبية وبي ــن لغ ــة‬ ‫الش ــارع ه ــو تعبي ــر دول ــة العواجي ــز ال ــذي‬ ‫أطلقــه الشــاعر عبــد الرحمــن األبنــودي فــي‬

‫مطلـــع ‪ 25‬ينايـــر حيـــن كتـــب‪« :‬آن األوان‬ ‫ترحل ــي ي ــا دول ــة العواجي ــز» الت ــي تعن ــي‬ ‫االســـتمرار فـــي الســـلطة والتأبيـــد لعقـــود‬ ‫طويلـــة أو ألطـــول فتـــرة ممكنـــة‪ ،‬لتظهـــر‬ ‫الســـخرية لحظتهـــا فيتحـــول أمـــن الدولـــة‬ ‫إلــى أمــن دولــت فــي إشــارة عميقــة وداللــة‬ ‫ال تخطــئ علــى أن األمــن فــي خدمــة الحاكــم‬ ‫وحاشـــيته‪.‬‬ ‫الحـــروب تـــدار علـــى الشاشـــات‪،‬‬ ‫والثـــورات أيضـــاً‪ ،‬والنـــاس منـــذ ســـنوات‬ ‫مـــا بيـــن مـــا يحـــدث فـــي ســـورية ومـــا‬ ‫يح ــدث ف ــي الش ــارع‪ ،‬ظه ــرت نكت ــة تح ــاول‬ ‫الترويـــح عـــن أرواحهـــم المجهـــدة ممـــا‬ ‫يح ــدث‪ ،‬أح ــد الق ــادة الميدانيي ــن كان يق ــدم‬ ‫مســـؤول ميليشـــياته للقائـــد العـــام حيـــن‬ ‫وصــل إلــى واحــد حمــل ســاح ًا يــرى بعيــن‬ ‫واحــدة ويضــع عصابــة علــى عينــه األخــرى‬ ‫كعصابـــة موشـــيه ديـــان الشـــهيرة‪ ،‬ســـأل‬ ‫بحس ــم م ــن ه ــذا ؟‪ ،‬ف ــرد القائ ــد الميدان ــي‪:‬‬ ‫إنـــه مســـؤول القصـــف العشـــوائي‪.‬‬ ‫لســنوات طويلــة عــاش النــاس تعبيــرات‬ ‫القائـــد الملهـــم والقائـــد االســـتراتيجي‪،‬‬ ‫وعشـــنا أيـــام القائـــد األب والزعيـــم كيـــم‬ ‫إي ــل س ــونج‪ ،‬ويتدف ــق اآلن م ــن الصنابي ــر‬ ‫اإلعالميـــة تعبيـــر العـــرس الديموقراطـــي‬ ‫تلوكـــه ألســـنة تتحـــدث وحدهـــا يقابلـــه‬ ‫تعبيـــر األيـــدي المرتعشـــة الـــذي يطلـــب‬ ‫البطـــش‪ ،‬لكـــن منـــذ أيـــام صـــدام حســـين‬ ‫تـــم صـــك تعبيـــر القائـــد الضـــرورة الـــذي‬ ‫ال بدي ــل ل ــه وتف ــرض الظ ــروف والمرحل ــة‬ ‫الحاليـــة حتميـــة اختيـــاره‪ ،‬وراح يتســـلل‬ ‫فــي كل دولنــا ليقــول واحــد‪ :‬هــو ضــروري‬ ‫لنـــا ونحـــن ضـــرورة وضـــرة لـــه‪.‬‬ ‫ينتق ــل الن ــاس بي ــن القن ــوات الفضائي ــة‬ ‫والصح ــف‪ ،‬يتوق ــف أحده ــم عل ــى شاش ــة‬ ‫تليفزيـــون الوطنيـــة بتونـــس‪ ،‬تقـــول‬ ‫مذيع ــة النش ــرة إن رئي ــس الحكوم ــة يدي ــن‬ ‫انخ ــرام الت ــوازن (أي الكي ــل بمكيالي ــن) م ــن‬ ‫قبــل أميــركا فــي المفاوضــات اإلســرائيلية‪-‬‬ ‫الفلسطينية‪.‬‬ ‫ضربـــت الفوضـــى الخالقـــة كل شـــيء‬ ‫حتـــى اللغـــة‪ ،‬والنـــاس فـــي آخـــر ثـــاث‬ ‫ســـنوات غارقـــون فـــي برامـــج وتعابيـــر‬ ‫ولغـــة ال تربـــت عليهـــم‪ ،‬بـــل تزيدهـــم‬ ‫أوجاعـــاً‪.‬‬ ‫‪47‬‬


‫فــي ثمانينيــات القــرن الماضــي كنت أكتب رســالة شــهرية عــن األحداث‬ ‫الثقافية في مصر لمجلة «الوحدة»‪ ،‬التي يصدرها المجلس القومي للثقافة‬ ‫العربية‪ ،‬وحدث أن إدارة تحرير المجلة رأت أن لغة التقرير مبســطة وال‬ ‫تليــق برصانة المطبوعة‪ ،‬وكان المديــر كامل زهيري حينذاك في باريس‬ ‫لحضور اجتماع هيئة أمناء المجلس‪ ،‬ولما عاد سألته عن المالحظة فقال‪:‬‬ ‫«نصيحتــي لــك أن تكتب التقرير‪ ،‬ثم تعيد قراءته‪ ،‬فإذا فهمته ال ترســله‪،‬‬

‫جامل الجمل‬

‫وأعد كتابته مرة أخرى بعد أن تستبدل معظم الكلمات العربية بمصطلحات‬ ‫أجنبية من نوع ابســتمولوجي وســيموطيقا وهيراركي وفينومينولوجي‬ ‫وديالكتيــك‪ ،‬وال بأس أن تصبــغ بعض الكلمات العربية بالتغريب فتقول‬ ‫تعبوي وشعبوي»‪.‬‬

‫عبودية اللغة المحنطة‬ ‫أعتقـــد أن هـــذه الواقعـــة نبهتنـــي‬ ‫كثيـــرًا إلـــى قضايـــا اللغـــة بيـــن المبنـــى‬ ‫والمعنـــى‪ ،‬ومشـــكلة ترجمـــة المصطلـــح‬ ‫وزرعــه عضوي ـ ًا فــي ثقافتنــا‪ ،‬وعرفــت أن‬ ‫هن ــاك تباينــ ًا ف ــي النظ ــر له ــذه القضاي ــا‪،‬‬ ‫وأدركـــت أن التمـــزق العربـــي ينعكـــس‬ ‫بأوض ــح م ــا يك ــون ف ــي اللغ ــة‪ ،‬وخاص ــة‬ ‫لغــة الخطــاب السياســي‪ ،‬التــي يبــدو أنهــا‬ ‫التزم ــت قبل ــي بنصيح ــة كام ــل زهي ــري‪،‬‬ ‫وتـــم تصميمهـــا لتبـــدو فخمـــة األلفـــاظ‬ ‫واإلنشـــاء خاويـــة المعنـــى والـــروح‪،‬‬ ‫وحتـــى يمكـــن اســـتخدامها أيضـــ ًا فـــي‬ ‫التضلي ــل ب ــد ًال م ــن التوصي ــل‪ ،‬والتعمي ــم‬ ‫ب ــد ًال م ــن التحدي ــد‪ ،‬وربم ــا لك ــي تبت ــذل كل‬ ‫م ــا ه ــو عقل ــي وجدي ــر باالحت ــرام حس ــب‬ ‫تعبيــر جــورج أورويــل فــي مقالــه الشــهير‬ ‫عـــن «السياســـة واللغـــة اإلنجليزيـــة»‪.‬‬ ‫فـــي تلـــك الســـنوات توصلـــت‬ ‫‪48‬‬

‫بمالحظاتـــي الخاصـــة لمصطلـــح «اللغـــة‬ ‫الخشـــبية»‪ ،‬والحقيقـــة أننـــي اســـتلهمته‬ ‫مـــن تمييـــز عبـــاس العقـــاد بيـــن «لغـــة‬ ‫الشـــعر» و«لغـــة الروايـــة»‪ ،‬حيـــث كان‬ ‫يص ــف األول ــى بأنه ــا قنط ــار م ــن الح ــاوة‬ ‫في ــه دره ــم م ــن الخش ــب‪ ،‬ويص ــف الثاني ــة‬ ‫بأنه ــا قنط ــار م ــن الخش ــب في ــه دره ــم م ــن‬ ‫الحــاوة‪ .‬هــذا يعنــي أن المتلقــي عليــه أن‬ ‫ـا م ــن الخش ــب ليف ــوز‬ ‫ي ــأكل قنط ــارا كام ـ ً‬ ‫بدره ــم فق ــط م ــن الح ــاوة‪ ،‬ه ــذا ع ــن لغ ــة‬ ‫الروايـــة‪ ،‬فمـــا بالنـــا بلغـــة المحفوظـــات‬ ‫العتيقـــة والمضاميـــن المحنطـــة فـــي‬ ‫دواويـــن السياســـة‪ ،‬باإلضافـــة إلـــى‬ ‫إكلشـــيهات «ضبـــط النفـــس» ومفـــردات‬ ‫اإلدان ــة والش ــجب‪ ،‬والتعه ــدات والوع ــود‬ ‫الت ــي ال تتحق ــق بمس ــتقبل مش ــرق ورخ ــاء‬ ‫قـــادم‪ ،‬وعالقـــات وثيقـــة‪ ،‬ودول شـــقيقة‬ ‫وصديق ــة‪ ،‬وح ــث عل ــى الس ــام واإلخ ــاء‬

‫والحكمـــة‪ ،‬وطهـــارة اليـــد‪ ،‬ونزاهـــة‬ ‫االنتخابـــات‪ ،‬والشـــفافية‪ ..‬إلـــخ‪.‬‬ ‫هكــذا أنبأنــا أورويــل منــذ األربعينيــات‬ ‫بالعالق ــة العضوي ــة الطردي ــة بي ــن اللغ ــة‬ ‫والواقـــع‪ ،‬فاللغـــة الفاســـدة تنتـــج فكـــرًا‬ ‫فاســداً‪ ،‬وتــؤدي إلــى إفســاد الواقــع كلــه‪،‬‬ ‫كمـــا أن الواقـــع الفاســـد يســـفر عـــن لغـــة‬ ‫فاس ــدة‪ ،‬مهم ــا تناقض ــت ف ــي ش ــكلها‪ ،‬فق ــد‬ ‫تحافـــظ اللغـــة الرســـمية علـــى معمارهـــا‬ ‫الفخـــم‪ ،‬لكنهـــا تتعفـــن مـــن داخلهـــا‪،‬‬ ‫وتتحـــول إلـــى شـــكل خارجـــي بـــراق‬ ‫يخفـــي غيـــر مـــا يظهـــر‪ ،‬وهكـــذا تنقلـــب‬ ‫الدالل ــة‪ ،‬ويفق ــد الن ــاس الثق ــة ف ــي اللغ ــة‪،‬‬ ‫فيلجـــأون إلـــى تحطيمهـــا والســـخرية‬ ‫منه ــا‪ ،‬فتنفص ــل لغ ــة الش ــارع ع ــن اللغ ــة‬ ‫الرســـمية‪ ،‬ويســـارع النـــاس فـــي نحـــت‬ ‫ألفـــاظ جديـــدة خارجـــة عـــن القامـــوس‪،‬‬ ‫وتنشـــط ظاهـــرة اللغـــات الفئويـــة‪،‬‬


‫وهـــو مـــا يمكـــن فهمـــه ثقافيـــ ًا ضمـــن‬ ‫علـــم الســـيمياء‪ ،‬حيـــث يحتفـــي النـــاس‬ ‫بالـــدالالت والعالمـــات االتفاقيـــة بينهـــم‪،‬‬ ‫ربم ــا نكاي ــة ف ــي اللغ ــة الس ــليمة وانتقام ـ ًا‬ ‫مـــن األلفـــاظ التـــي خانـــت معناهـــا علـــى‬ ‫ألســـنة السياســـيين‪ ،‬وتحـــول معظمهـــا‬ ‫إلـــى الضـــد‪ ،‬حتـــى صـــار الحديـــث عـــن‬ ‫مدخـــا للقمـــع‪ ،‬وعـــن الثـــورة‬ ‫الحريـــة‬ ‫ً‬ ‫ـا للديكتاتوري ــة أو الفوض ــى‪ ،‬وع ــن‬ ‫مدخ ـ ً‬ ‫ـا لالحت ــكار أو التقش ــف‪،‬‬ ‫االقتص ــاد مدخ ـ ً‬ ‫مدخـــا للحـــرب‪ ،‬وعـــن‬ ‫وعـــن الســـام‬ ‫ً‬ ‫مدخـــا للقهـــر‪.‬‬ ‫الحـــرب‬ ‫ً‬ ‫هـــذه الفجـــوة بيـــن الواقـــع واللغـــة‬ ‫اتس ــعت ف ــي العق ــود األخي ــرة م ــع تنام ــي‬ ‫وســـائل االتصـــال‪ ،‬ودفـــع العالـــم بقـــوة‬ ‫نحــو الــكالم ولكــن فــي الالشــيء‪( ،‬الحــظ‬ ‫تحريـــض إعالنـــات الهواتـــف‪ ،‬وطوفـــان‬ ‫برامـــج التـــوك شـــو)‪ ،‬وهـــذا مـــا ذهـــب‬ ‫إلي ــه إيكم ــان ف ــي دراس ــته ع ــن اس ــتخدام‬ ‫الخطـــاب السياســـي لألســـلوب المـــزدوج‬ ‫فــي «الكتمــان والتزييــف»‪ ،‬باإلضافــة إلــى‬ ‫تطويـــره لتقنيـــات قديمـــة لقـــول الصـــدق‬ ‫بهــدف التضليــل وتحقيــق أغــراض أخــرى‬ ‫(ح ــق ي ــراد ب ــه باط ــل)‪ ،‬أو التوس ــع ف ــي‬ ‫االجتـــزاء‪ ،‬واالكتفـــاء بنصـــف الحقائـــق‬ ‫الت ــي تحق ــق أغ ــراض السياس ــي‪ ،‬وكذل ــك‬ ‫المراوغــة باالســتدالل‪ ،‬حيــث يتــم تســريب‬

‫معلومـــات عاديـــة مســـبوقة بتمهيـــدات‬ ‫مصطنعـــة ومبالـــغ فيهـــا مـــن نـــوع‬ ‫«انف ــراد» أو «س ــري ج ــداً» أو «فضيح ــة»‪،‬‬ ‫أو «لق ــاء القم ــة» أو «الزي ــارة التاريخي ــة»‬ ‫أو «محاكمـــة القـــرن» أو «مشـــروع‬ ‫النهضـــة»‪ ،‬وهكـــذا يتحـــول الكـــذب فـــي‬ ‫الخطـــاب السياســـي مـــن كلمـــات غيـــر‬ ‫صادقـــة‪ ،‬إلـــى نظـــام تعبيـــري كامـــل‬ ‫يتحال ــف في ــه السياس ــي م ــع اإلعالم ــي‪،‬‬ ‫وتتحالـــف فيـــه الكلمـــات مـــع اإلشـــارات‬ ‫ولغـــة الجســـد‪ ،‬والفتـــات المظاهـــرات‬ ‫والنقاشـــات المصطنعـــة فـــي وســـائل‬ ‫اإلع ــام والمقاه ــي‪ ،‬والبرلمان ــات‪ ،‬وه ــذا‬ ‫يذكرن ــا بدراس ــة ف ــان دي ــك الت ــي س ــعى‬ ‫فيهـــا لتحليـــل مضمـــون جلســـة البرلمـــان‬ ‫اإلس ــباني ي ــوم ‪ 18‬م ــارس ‪ 2003‬بش ــأن‬ ‫المشـــاركة فـــي التدخـــل العســـكري ضـــد‬ ‫العـــراق‪ ،‬واهتـــم ديـــك بتحليـــل أكاذيـــب‬ ‫أثنـــار واتهامـــات ثاباتيـــرو‪ ،‬وارتفـــاع‬ ‫أصـــوات النقـــاش بيـــن الطرفيـــن لينتـــج‬ ‫صـــراع كالم فـــي الجلســـة دون عائـــد‬ ‫سياســي‪ ،‬وتتحــول القضيــة إلــى «متاهــة‬ ‫كالميـــة»‪ ،‬بنفـــس الطريقـــة التـــي أدى‬ ‫إليه ــا خط ــاب رئي ــس ال ــوزراء البريطان ــي‬ ‫تونـــي بليـــر فـــي نفـــس اليـــوم بمجلـــس‬ ‫العمـــوم‪ ،‬وكذلـــك التصريحـــات التـــي‬ ‫روج ــت له ــا إدارة ب ــوش بمعرف ــة وح ــدة‬

‫أسســها البنتاجــون باســم «إدارة التضليــل‬ ‫اإلعالم ــي» مهمته ــا الك ــذب عل ــى العال ــم‪،‬‬ ‫ولم ــا كش ــفت صحيف ــة «نيوي ــورك تايم ــز»‬ ‫عمـــا أســـمته بـ«الفضيحـــة» لـــم تتراجـــع‬ ‫إدارة بـــوش كثيـــراً‪ ..‬فقـــط احتفظـــت‬ ‫بمهمـــة التضليـــل وغيـــرت اســـم اإلدارة‬ ‫إلـــى «إدارة التأثيـــر االســـتراتيجي»‪،‬‬ ‫ونش ــر اجناس ــيو راموني ــه مقال ــه الش ــهير‬ ‫فـــي «لومونـــد ديبلوماتيـــك» تحـــت‬ ‫عن ــوان «أكاذي ــب الدول ــة»‪ ،‬لك ــن فضيح ــة‬ ‫نيويـــورك تايمـــز‪ ،‬وصرخـــة رامونيـــه‬ ‫ل ــم تغي ــر الكثي ــر ف ــي مصي ــر ب ــوش‪ ،‬ألن‬ ‫السياس ــة ف ــي مجمله ــا‪ ،‬كم ــا يق ــول ب ــول‬ ‫تش ــيلتون (الباح ــث ف ــي تحلي ــل الخط ــاب‬ ‫السياســـي) هـــي مقـــدرة السياســـي علـــى‬ ‫تطويـــع اللغـــة واســـتخدامها!‬ ‫هك ــذا يب ــدو أن اللغ ــة ص ــارت مس ــتلبة‬ ‫ومســـتعبدة فـــي قصـــور السياســـة‪،‬‬ ‫يتـــم اســـتخدامها بطريقـــة «الماتريكـــس»‬ ‫مســـلوب اإلرادة لتحقيـــق أغـــراض‬ ‫السياســـيين‪ ،‬حتـــى صـــارت هـــذه اللغـــة‬ ‫الخش ــبية المتكلس ــة تم ــارس الك ــذب ب ــد ًال‬ ‫مـــن الحقيقـــة‪ ،‬وتـــؤدي إلـــى التعتيـــم‬ ‫والتعمي ــم والتضلي ــل ب ــد ًال م ــن التوصي ــل‬ ‫والتحديـــد والتوضيـــح‪.‬‬ ‫‪49‬‬


‫مراسلون‬

‫بيــن لغــة الخطــاب السياســي‪ ،‬ولغة الشــارع والمتــداول اليومــي تكمن‬ ‫الفجــوة‪ ،‬لغة واحدة ومفردات بمعان مختلفة‪ .‬مجلة «الدوحة» اقتربت من‬ ‫مثقفيــن ومواطنين عرب عاديين‪ ،‬والتمســت رأيهم فــي الفوارق الفاصلة‬ ‫بين الجانبين‪..‬‬

‫حوار الطرشان‬

‫يعتقـــد الدكتـــور حمـــاه اهلل الســـالم‪،‬‬ ‫أســـتاذ تاريـــخ الفكـــر العربـــي الحديـــث‬ ‫بجامع ــة نواكش ــوط‪ ،‬أن الدول ــة العربي ــة‬ ‫العميق ــة قام ــت بتأمي ــم المعج ــم السياس ــي‬ ‫الحدي ــث وأفرغت ــه م ــن مضمون ــه‪ ،‬فبقي ــت‬ ‫لغ ــة السياس ــة محنط ــة جوف ــاء‪ ،‬حت ــى إذا‬ ‫جــاء الربيــع العربــي‪ .‬فمــن لغــة المياديــن‬ ‫ولـــدت مصطلحـــات أعـــادت للكلمـــات‬ ‫مفهومهـــا األصيـــل األقـــرب إلـــى الواقـــع‪.‬‬ ‫ويــرى الدكتــور أحمــد ســعيد ولــد أحمــدو‪،‬‬ ‫رئيـــس مختبـــر التاريـــخ بالجامعـــة‬ ‫نفســـها‪ ،‬أن بيـــن لغتـــي السياســـة‬ ‫والواق ــع انفصامــاً‪ .‬فالخط ــاب السياس ــي‬ ‫يســـعى فقـــط إلـــى حجـــب الحقيقـــة‬ ‫وتحويله ــا إل ــى واق ــع منم ــق‪ .‬إن خطاب ــي‬ ‫السياس ــة والش ــارع ‪-‬حس ــب أحم ــد س ــعيد‬ ‫ متض ــادان‪ ،‬واله ــوة بينهم ــا ف ــي ازدي ــاد‬‫بســـبب إهمـــال الساســـة مطالـــب الواقـــع‬ ‫الملحــة‪ ،‬وانعــدام قــدرة الخطــاب الرســمي‬ ‫عل ــى االس ــتجابة له ــا‪ .‬م ــن جهت ــه‪ ،‬يش ــير‬ ‫الدكت ــور عب ــد اهلل الس ــيد‪ ،‬العمي ــد المس ــاعد‬ ‫لكليـــة اآلداب بجامعـــة نواكشـــوط‪ ،‬إلـــى‬ ‫أن لغـــة السياســـي هـــي باألســـاس لغـــة‬ ‫ّ‬ ‫خطـــاب أيديولوجـــي ترويجـــي لســـلعة‬ ‫‪50‬‬

‫تداولي ــة‪ ،‬تحدده ــا المصال ــح الت ــي تعم ــل‬ ‫علـــى تزييـــن الواقـــع وتنميقـــه وفـــق‬ ‫اســـة فـــي نظـــر‬ ‫درجـــات متفاوتـــة‪ّ .‬‬ ‫والس َ‬ ‫الدكتـــور أحمـــدو ولـــد امبيريـــك ‪-‬أســـتاذ‬ ‫(يحرفـــون الكلـــم عـــن‬ ‫اللســـانيات‪-‬‬ ‫ٌ‬ ‫قـــوم ّ‬ ‫مواضعـــه)؛ يحرفـــون المصطلحـــات عـــن‬ ‫مكرســـين اللغـــة‬ ‫داللتهـــا الوضعيـــة‪ّ ،‬‬ ‫لتمجيـــد رؤاهـــم‪ .‬أمـــا الكاتـــب والشـــاعر‬ ‫التقـــي ولـــد الشـــيخ فيذهـــب إلـــى القـــول‬ ‫إن الصل ــة تب ــدو جلي ــة بي ــن لغت ــي الواق ــع‬ ‫والسياســـي «المتوقـــع»‪ ،‬باعتبـــار أن‬ ‫السياس ــة ف ــن الممك ــن‪ ،‬وبم ــا أن المتوق ــع‬ ‫ال يش ــبع غري ــزة اإلنس ــان غي ــر السياس ــي‬ ‫يلج ــأ السياس ــي دائمــ ًا إل ــى لغ ــة المج ــاز‬ ‫للتهــرب مــن الوصــف الدقيــق إلخفاقــه فــي‬ ‫الواق ــع؛ وله ــذا تأثي ــر كبي ــر ف ــي التص ــور‬ ‫القائـــم لـــدى كثيـــر مـــن النـــاس والـــذي‬ ‫مفـــاده أن السياســـي والـــغ فـــي الكـــذب‬ ‫ممــا يجعــل العبــارات الخشــبية نوع ـ ًا مــن‬ ‫أق ــراص التهدئ ــة للتخفي ــف عل ــى مواطن ــه‬ ‫بلغـــة ناعمـــة تجافـــي اللفـــظ الواصـــف‬ ‫لم ــا ه ــو ح ــادث ف ــي الواق ــع‪ .‬وبحس ــبه‪،‬‬ ‫فـــإن العالقـــة بيـــن لغتـــي السياســـة‬ ‫والواق ــع مبني ــة عل ــى التناق ــض‪ ،‬بحي ــث‬

‫يتع ــذر تقلي ــص المس ــافة بينه ــا ألن لغ ــة‬ ‫السياس ــة تحكمه ــا األع ــراف الدبلوماس ــية‬ ‫الت ــي تتطل ــب الترف ــع ع ــن رتاب ــة الحي ــاة‬ ‫اليوميـــة‪.‬‬ ‫وفـــي اســـتطالع «الدوحـــة» آلراء‬ ‫مجموعـــة مـــن األفـــراد العادييـــن فـــي‬ ‫الش ــارع الموريتان ــي تبي ــن ع ــدم اهتم ــام‬ ‫أغلبهـــم بلغـــة سياســـية يصفونهـــا‬ ‫بالنخبوي ــة والتعال ــي‪ ،‬ف ــا يتكل ــف كثي ــر‬ ‫منهـــم بـــذل عنـــاء لمحاولـــة فهمهـــا‪ ،‬بـــل‬ ‫إن منهـــم مـــن يذهـــب إلـــى أن الثقـــة إنمـــا‬ ‫ِ‬ ‫المخاطـــب‬ ‫هـــي فـــي اإلنســـان السياســـي‬ ‫وليس ــت ف ــي الخط ــاب السياس ــي‪ .‬والح ــق‬ ‫أن لهـــذه الرؤيـــة مـــا يعززهـــا؛ ذلـــك أن‬ ‫كلمـــة «بولتيـــك» ذات المصـــدر الفرنســـي‬ ‫تـــدل فـــي المـــوروث اللغـــوي الشـــعبي‬ ‫الموريتانـــي علـــى االحتيـــال والتمويـــه‪.‬‬

‫أوهام بالمجان‬ ‫لغـــة اعتـــاد عليهـــا النـــاس‪ ،‬لغـــة‬ ‫يعرفونهـــا جيـــدًا ويعرفـــون أنهـــا ســـليلة‬ ‫الخش ــب ف ــي الخطاب ــات السياس ــية‪ ،‬وأن‬


‫الف ــرد الجزائ ــري كم ــا العرب ــي يعل ــم أنه ــا‬ ‫اللغـــة األكثـــر اســـتعما ًال فـــي كل قاعـــدة‬ ‫س ــلطوية‪ ،‬وأنه ــا لغ ــة ال ُتجان ــب الواق ــع‬ ‫اليومـــي المعيـــش‪ .‬خليـــل‪ ،‬صاحـــب‬ ‫محـــل لبيـــع الهواتـــف النقالـــة‪ ،‬يقـــول‪:‬‬ ‫«ف ــي الحقيق ــة‪ ،‬نح ــن اعتدن ــا عل ــى لغ ــة‬ ‫الخشــب التــي يتحــدث بهــا أهــل السياســة‬ ‫عندنـــا‪ ،‬وفـــي نفـــس الوقـــت نـــدرك أنهـــا‬ ‫لغـــة كاذبـــة ومزيفـــة ومنافقـــة‪ ،‬وأنهـــا‬ ‫تخاطبن ــا بخب ــث منم ــق‪ .‬أعتق ــد أن الن ــاس‬ ‫واعيـــة وأنهـــا لـــم تعـــد تنخـــدع باللغـــة‬ ‫التـــي ينتهجهـــا أغلـــب المســـؤولين فـــي‬ ‫خطاباتهـــم السياســـية أو فـــي خرجاتهـــم‬

‫الميداني ــة»‪ .‬أم ــا عم ــاد‪ ،‬زمي ــل خلي ــل ف ــي‬ ‫المح ــل نفس ــه‪ ،‬فيضي ــف‪« :‬لغ ــة السياس ــة‬ ‫تختلـــف تمامـــ ًا عـــن لغـــة الشـــارع‪،‬‬ ‫وأكثـــر السياســـيين ال ُيجيـــدون مخاطبـــة‬ ‫الش ــعب‪ ،‬ب ــل إن لغ ــة السياس ــي تختل ــف‬ ‫أيض ـ ًا ع ــن لغ ــة اإلنس ــان الع ــادي البس ــيط‬ ‫الـــذي يلهـــث خلـــف أحالمـــه فـــي العيـــش‬ ‫بكرام ــة وأم ــان وطمأنين ــة‪ ،‬ويس ــعى إل ــى‬ ‫تحقيـــق ضروريـــات حياتـــه ويومياتـــه‬ ‫مـــن مـــأكل وملبـــس ومـــأوى‪ .‬لكـــن مـــا‬ ‫نســـمعه مـــن خطابـــات المســـؤولين‬ ‫َيســـقط علـــى رؤوســـنا خشـــب ًا وحجـــرًا‬ ‫ورمـــا‪ .‬كالمهـــم يبتعـــد عـــن واقعنـــا‬ ‫ً‬

‫وحياتن ــا‪ ،‬وكأن ه ــؤالء أت ــوا م ــن كوك ــب‬ ‫آخ ــر»‪ .‬ويختت ــم عم ــاد مازح ـاً‪« :‬ل ــو كان ــت‬ ‫تنخـــر الخطابـــات‬ ‫لغـــة الخشـــب التـــي‬ ‫ُ‬ ‫السياس ــية عندن ــا‪ُ ،‬تب ــاع أو ُتص ــدر لكن ــا‬ ‫مـــن أغنيـــاء العالـــم»‪ .‬وتقـــول‪ ،‬نعيمـــة‪،‬‬ ‫خريجــة الجامعــة وبطالــة‪« :‬لغــة الخشــب‬ ‫نجدهـــا فـــي كل مـــكان وليـــس فقـــط فـــي‬ ‫الخط ــاب السياس ــي‪ ،‬إنه ــا لغ ــة المس ــؤول‬ ‫والمدي ــر واإلدارة‪ ،‬وحت ــى لغ ــة الموظ ــف‬ ‫الـــذي نجـــده فـــي مصالـــح اإلدارات‬ ‫والبريـــد والمؤسســـات‪ ،‬فأينمـــا ذهبنـــا‬ ‫تقابلنـــا هـــذه اللغـــة‪ ،‬التـــي تخـــرج مـــن‬ ‫ش ــفاه ته ــذي عك ــس لغ ــة عام ــة الن ــاس»‪.‬‬ ‫‪51‬‬


‫وتضيـــف‪« :‬منـــذ تخرجـــت مـــن الجامعـــة‬ ‫وأنـــا ال أســـمع ســـوى اللغـــة نفســـها‪،‬‬ ‫فكلم ــا قابل ــت مدي ــرًا أو مس ــؤو ًال م ــن أج ــل‬ ‫التوظي ــف إال وأس ــمع وع ــودًا وخطاب ــات‬ ‫ال ُتف ــرج ع ــن أي أم ــل أو حقيق ــة‪ .‬الواق ــع‬ ‫غيـــر الـــذي يتحدثـــون عنـــه أو يصورنـــه‬ ‫ف ــي كالمه ــم‪ ،‬ولغ ــة الواق ــع أكث ــر واقعي ــة‬ ‫حتــى وإن كانــت مؤلمــة أو صادمــة»‪ .‬أمــا‬ ‫مه ــدي‪ ،‬ح ــارس ف ــي مؤسس ــة عمومي ــة‪،‬‬ ‫(وهـــو كمـــا أخبرنـــا إطـــار جامعـــي‬ ‫تخصـــص هندســـة معماريـــة)‪ ،‬فيـــرى أن‬ ‫هنـــاك تناقضـــات كثيـــرة علـــى مســـتوى‬ ‫الخطـــاب السياســـي‪ ،‬الـــذي يـــرزح تحـــت‬ ‫لغـــة ال تمـــت بصلـــة إلـــى لغـــة الواقـــع‬ ‫ـا‪« :‬ال تقاطعــات‬ ‫والشــارع‪ ،‬ويواصــل قائـ ً‬ ‫بيـــن لغتـــي السياســـة والشـــارع‪ ،‬فلغـــة‬ ‫السياســـي تعـــج بالجفـــاف والزيـــف‬ ‫والمراوغـــة‪ ،‬وهـــي منفصلـــة عـــن لغـــة‬ ‫اليومـــي‪ ،‬وهـــذا مـــا ُيحـــدث دائمـــ ًا هـــوة‬ ‫بيننـــا»‪.‬‬

‫عدم ثقة‬ ‫تســـعى الدولـــة المغربيـــة باســـتمرار‬ ‫إلـــى تحييـــن تعاطـــي المغاربـــة مـــع‬ ‫ش ــؤونهم السياس ــية وإع ــادة رب ــط الثق ــة‬ ‫بالعمليــة السياســية برمتهــا‪ .‬لكــن شــعور‬ ‫التيئيـــس يفـــرض نفســـه‪ ،‬وهـــو نتيجـــة‬ ‫للعديـــد مـــن اإلحباطـــات التـــي تراكمـــت‬ ‫ســـنوات‪ .‬يؤكـــد الفاعـــل السياســـي‬ ‫والجمعـــوي عبداللطيـــف الصافـــي أن‬ ‫قـــراءة المشـــهد السياســـي بالمغـــرب‬ ‫تط ــرح إش ــكالية الخط ــاب المعتم ــد الي ــوم‬ ‫مـــن الطبقـــة السياســـية ومـــدى مالءمتـــه‬ ‫لمتطلبـــات بنـــاء الدولـــة الديموقراطيـــة‬ ‫الحديثــة‪ .‬مــن بيــن أهــم مــا يميــز الخطــاب‬ ‫الس ــائد بش ــكل ع ــام كون ــه خطابــ ًا مفعمــ ًا‬ ‫ـا عــن الواقــع وبعيــدًا‬ ‫باالنتهازيــة‪ ،‬منفصـ ً‬ ‫ع ــن الهم ــوم الحقيقي ــة للمجتم ــع‪ .‬خطابــ ًا‬ ‫تقليديـــ ًا تطغـــى عليـــه لغـــة الخشـــب ال‬ ‫يســـاير التطـــورات المتســـارعة التـــي‬ ‫يعرفهـــا الشـــارع العربـــي والوطنـــي‪،‬‬ ‫يقابل ــه ب ــروز سياس ــيين ج ــدد عل ــى رأس‬ ‫أح ــزاب وطني ــة يس ــتعملون لغ ــة متكلس ــة‬ ‫تتغـــذى مـــن لغـــة الشـــارع ويســـتخدمون‬ ‫عب ــارات تنه ــل ‪ ‬م ــن قام ــوس االبت ــذال وال‬ ‫‪52‬‬

‫يتورعـــون عـــن الســـب والشـــتم‪ ،‬االمـــر‬ ‫الـــذي يزيـــد مـــن تعميـــق الهـــوة بيـــن‬ ‫النـــاس والعمـــل السياســـي‪.‬‬ ‫بالنس ــبة للكات ــب عب ــداهلل إكرام ــن ف ــإن‬ ‫لغـــة الخشـــب باتـــت الســـمة المالزمـــة‬ ‫لسياس ــيينا‪ ،‬ه ــي عب ــارة ع ــن لغ ــة يت ــذرع‬ ‫بهــا السياســي لحجــب قصــوره الفكــري ‪/‬‬ ‫المعرفي‪/‬السياس ــي‪...،‬خطاب يتحاش ــى‬ ‫مخاطبـــة العقـــل‪ ،‬ويركـــز ســـهامه علـــى‬ ‫ال أس ــاليب‬ ‫مش ــاعر عام ــة الن ــاس مس ــتعم ً‬ ‫اإلثارة‪...‬لذل ــك ي ــرى إكرام ــن أن «خط ــاب‬ ‫سياســيينا الحالييــن خطــاب انتهازييــن»‪،‬‬ ‫م ــن نتائج ــه المباش ــرة‪ ،‬انس ــحاب نخ ــب‬ ‫المجتمعـــات العربيـــة وشـــبابها مـــن‬ ‫الممارســـة السياســـية‪.‬‬ ‫ويســـتقصي القـــاص أيمـــن قشوشـــي‬ ‫هـــذا الوضـــع الملـــيء بالمفارقـــات‬ ‫باإلشـــارة إلـــى أن لغـــة الشـــارع ولغـــة‬ ‫السياس ــي «يش ــتركان ف ــي االنفع ــال وف ــي‬ ‫الرغبــة فــي التأثيــر‪ ،‬فــي الســطحية وفــي‬ ‫مخاطبـــة األهـــواء» ويعتبـــر عبدالجبـــار‬ ‫التابـــي‪ ،‬فاعـــل فـــي حـــزب يســـاري‬ ‫معـــارض‪ ،‬أن الدولـــة وعبـــر منظومـــة‬ ‫التعلي ــم واإلع ــام والتنش ــئة االجتماعي ــة‬ ‫اســـتطاعت أن تفـــرض منهجـــ ًا تعليميـــ ًا‬ ‫قائمــ ًا عل ــى الحش ــو ف ــي أف ــق اس ــتخراج‬ ‫أنمـــاط بشـــرية تناهـــض التنويـــر‬ ‫والتضامـــن وتســـابق الزمـــن مـــن أجـــل‬ ‫التســـلق عبـــر أســـهل الطـــرق‪ ،‬تعـــادي‬ ‫السياس ــة بمفهومه ــا النبي ــل القائ ــم عل ــى‬ ‫المصلحـــة العامـــة فـــي إطـــار الخيـــار‬ ‫الديموقراطـــي مـــن أجـــل مجتمـــع منتـــج‬ ‫ومتضامـــن علـــى مســـتويات ومجـــاالت‬ ‫الفعـــل والممارســـة اليوميـــة‪ .‬أمـــا عمـــاد‬ ‫الوردان ــي فيق ــول إن لغ ــة السياس ــي ه ــي‬ ‫لغـــة تهـــدف إلـــى اإلقنـــاع والتأثيـــر فـــي‬ ‫المســـتمع قصـــد تغييـــر موقفـــه وربـــح‬ ‫صوتـــه‪ ،‬بغـــض النظـــر عـــن المنطلقـــات‬ ‫واألهـــداف‪ ،‬وإذا كان السياســـي الغربـــي‬ ‫يـــدرس فـــي معاهـــد خاصـــة ومـــدارس‬ ‫علي ــا‪ ،‬ف ــإن واقعن ــا العرب ــي ال يهت ــم به ــذه‬ ‫القضيــة‪ ،‬وإنمــا يمــارس لغــة غيــر مقنعــة‬ ‫ومقع ــرة‪ ،‬غالبــ ًا م ــا تخاط ــب العواط ــف‪،‬‬ ‫وتســـعى إلـــى النيـــل مـــن المســـتمع‪،‬‬ ‫واالســتحواذ علــى مــدار تفكيــر بنــاء علــى‬ ‫معطي ــات واهي ــة‪ ،‬بالمقاب ــل‪ ،‬تب ــرز لغ ــة‬

‫الش ــارع كلغ ــة مس ــكونة بأس ــئلة عريض ــة‬ ‫منه ــا التم ــرد‪ ،‬الحاج ــة‪ ،‬البح ــث ع ــن أف ــق‬ ‫أوســـع‪ .‬ويعتقـــد المبـــدع الوردانـــي‪ ،‬أن‬ ‫السياســـي بدهائـــه ظـــل ينـــاور ويهـــادن‬ ‫الش ــارع‪ ،‬غي ــر أن ــه س ــيظل مكش ــوف ًا عل ــى‬ ‫األقـــل للنخبـــة المثقفـــة‪.‬‬

‫سطو على العامة‬ ‫فـــي ليبيـــا‪ ،‬وبصـــدور الكتـــاب‬ ‫األخضـــر‪ ،‬والبـــدء فـــي تطبيـــق شـــقه‬ ‫السياســـي المرتكـــز علـــى المؤتمـــرات‬ ‫الشـــعبية واللجـــان الشـــعبية‪ ،‬بـــدأ‬ ‫التحـــول‪ ،‬وبـــدأ‬ ‫الخطـــاب السياســـي فـــي‬ ‫ّ‬ ‫النــاس فــي اســتخدام الميكروفــون والدلــو‬ ‫برأيهــم‪ ،‬وفــق ديموغوجيــا غالب ـ ًا تخضــع‬ ‫ألحــكام البروبوغانــدا التــي فرضهــا نظــام‬ ‫القذافـــي ســـابق ًا علـــى وســـائل اإلعـــام‪،‬‬ ‫والتـــي كانـــت كلهـــا رســـمية فقـــط‪.‬‬ ‫مـــن خـــال تلـــك التجربـــة التـــي‬ ‫واكبتهـــا دورات تعبويـــة لشـــرح الكتـــاب‬ ‫األخضـــر‪ ،‬اكتســـب الكثيـــر مـــن الليبييـــن‬ ‫ثقافـــة سياســـية بســـيطة‪ .‬مـــع مـــرور‬ ‫الزمـــن ووصـــول البلـــد إلـــى ربيـــع‬ ‫الث ــورات العربي ــة وتع ــدد قن ــوات اإلع ــام‬ ‫ل ــم يج ــد المواط ــن الع ــادي صعوب ــة ف ــي‬ ‫أن يتحــدث فــي الشــأن السياســي بطالقــة‬ ‫ودون ارتبـــاك‪ ،‬بـــل إن الحديـــث اليومـــي‬ ‫فـــي المقاهـــي والشـــوارع بيـــن العامـــة‬ ‫نهـــاراً‪ ،‬كان نفســـه يطلـــع بشـــكل منمـــق‬ ‫مــن قبــل أكاديمييــن ومثقفيــن مــن النخبــة‬ ‫تســـتضيفهم قنـــوات إعالميـــة بـــارزة‪..‬‬ ‫لكـــن لألســـف كالم هـــؤالء النخبـــة يأتـــي‬ ‫مهلهـــا ومتكلفـــ ًا وخاليـــ ًا مـــن التلقائيـــة‬ ‫ً‬ ‫والبســـاطة والمباشـــرة والصـــدق التـــي‬ ‫تميـــز كالم عامـــة النـــاس‪.‬‬ ‫كثيـــر مـــن األســـماء المعروفـــة فـــي‬ ‫مجــال السياســة واإلعــام ‪-‬ونقصــد ليبيــا‪-‬‬ ‫ال يقـــرؤون وال يبحثـــون وال يشـــغلون‬ ‫فكرهـــم وال يتحـــرون الدقـــة فـــي نقـــل‬ ‫معلوماته ــم وجله ــم يعتم ــد عل ــى تحطي ــب‬ ‫معولـــه مـــن حقـــول صفحـــات التواصـــل‬ ‫االجتماعـــي‪ ..‬فينتقـــي القضيـــة المهمـــة‬ ‫وينتق ــي الكلم ــات واألف ــكار المعب ــرة عنه ــا‬ ‫م ــن خ ــال اإلدراج ــات والتعليق ــات وف ــي‬ ‫المســـاء يطـــل علـــى الشاشـــة متفلســـف ًا‬


‫بمفـــردات وعبـــارات ال تســـتخدم كثيـــراً‪،‬‬ ‫حافـــرًا بيـــن كالمـــه وكالم العامـــة هـــوة‪.‬‬ ‫كثي ــر م ــا نس ــمع صوت ـ ًا مرتفع ـ ًا يق ــول‬ ‫لمحدث ــه‪« :‬فهمن ــي بالفالق ــي»‪ ...‬والفالق ــي‬ ‫هنـــا دارجـــة ليبيـــة تعنـــي فهمنـــي بلغـــة‬ ‫وفعـــا هـــذا‬ ‫بســـيطة‪ ،‬أي بالعاميـــة‪..‬‬ ‫ً‬ ‫مـــا يحـــدث‪ .‬فمثلمـــا التقـــط لـــص الـــرأي‬ ‫العـــام هـــذا مادتـــه مـــن الشـــارع والبيـــت‬ ‫والمدرســـة هـــا هـــو يعيـــد البضاعـــة‬ ‫ألصلهـــا الـــذي ولـــدت بـــه كـــي يزيـــل مـــا‬ ‫أحدثت ــه مصطلحات ــه م ــن انغ ــاق ولب ــس‬ ‫بتقديمه ــا للمتلق ــي بالش ــكل ال ــذي ظه ــرت‬ ‫بـــه أول مـــرة‪.‬‬ ‫ونتيجـــة هـــذا النهـــب للغـــة ومـــن ثـــم‬ ‫تش ــويه المنه ــوب نت ــج خط ــاب سياس ــي‬ ‫مشـــوه تعانـــي لغتـــه االنفصـــال شـــبه‬ ‫الت ــام ع ــن لغ ــة المواط ــن البس ــيط‪ ،‬حي ــث‬ ‫تبـــدو لغـــة السياســـي الليبـــي الحاليـــة‬ ‫لغـــة موجهـــة باألســـاس لفئـــة صغيـــرة‬ ‫ج ــدًا وللخ ــارج أكث ــر م ــن كونه ــا تخاط ــب‬ ‫الداخـــل‪ ..‬فسياســـيو ليبيـــا الحاليـــون‬ ‫يســـتعملون لغـــة ال يتفاعـــل معهـــا‬ ‫المواطـــن البســـيط‪ ،‬تمتلـــئ بمصطلحـــات‬ ‫أجنبي ــة مم ــا جعله ــم أش ــبه بـ«خواج ــات»‬ ‫هبطـــوا للتـــو مـــن الخـــارج وال يعرفـــون‬ ‫كنـــه البـــاد والعبـــاد‪.‬‬

‫تناقضات الخطاب‬ ‫اذا أدركن ــا أهمي ــة السياس ــة ف ــي حي ــاة‬ ‫المواطــن التونســي اليــوم فإننــا نســتطيع‬ ‫أن نتبيـــن األهميـــة القصـــوى أيضـــ ًا‬ ‫لخطـــاب أهـــل السياســـة ولغتهـــم التـــي‬ ‫ـا وأيديولوجي ــا ومطب ــات‬ ‫ق ــد تخف ــي حي ـ ً‬ ‫وتق ــع ف ــي تناقض ــات وتقاطع ــات بينه ــا‬ ‫وبي ــن لغ ــة الش ــارع‪ .‬عدن ــان الش ــعالني‪،‬‬ ‫ســـائق ســـيارة أجـــرة‪ ،‬يعتقـــد أن اللغـــة‬ ‫السياســـية هـــي لغـــة مصالـــح ولهـــث‬ ‫وراء الكراســـي‪ .‬غايـــة أصحابهـــا نفعيـــة‬ ‫بحت ــة‪ ،‬وغالب ـ ًا م ــا يقع ــون ف ــي التناق ــض‬ ‫فم ــا يقولون ــه‪ ،‬مغيري ــن مواقفه ــم حس ــب‬ ‫مصالحهـــم وتطـــورات األحـــداث‪ ،‬ولذلـــك‬ ‫فه ــم ال يح ــوزون ثق ــة المواط ــن البس ــيط‪.‬‬ ‫أمـــا محـــرز اليحمـــدي‪ ،‬وهـــو تاجـــر‬ ‫مالبـــس جاهـــزة‪ ،‬فيقـــول‪« :‬مـــا يميـــز‬ ‫لغـــة السياســـة ســـواء فـــي تونـــس أم‬ ‫فـــي بلـــدان العالـــم هـــو تناقضهـــا وعـــدم‬ ‫توازنهـــا‪ ،‬ومـــن يقنعـــك اليـــوم قـــد ال‬ ‫يقنعـــك غـــدًا وهكـــذا دواليـــك‪ ..‬تتغيـــر‬ ‫المواقـــف والخطابـــات بتغيـــر األحـــداث‬ ‫والمس ــتجدات‪ ،‬وال يراع ــى فيه ــا مصلح ــة‬ ‫المواطـــن البســـيط أو مصلحـــة الوطـــن‪،‬‬ ‫وإنم ــا فق ــط المصلح ــة الحزبي ــة الضيق ــة‬ ‫والتحالفـــات المصلحيـــة اآلنيـــة»‪ .‬ومـــن‬

‫وجهـــة نظـــر مقاربـــة‪ ،‬تحـــدث الفنـــان‬ ‫التشـــكيلي ســـمير شوشـــان‪« :‬بعـــد‬ ‫كل فن ــان ح ـّـر زاد حي ــاة وح ــراك ًا‬ ‫الّث ــورة ّ‬ ‫والرغبـــة فـــي‬ ‫األمـــل‬ ‫جرعـــات‬ ‫بتصاعـــد‬ ‫ّ‬ ‫سياســـية كانـــت‬ ‫العمـــل بعـــد زوال بيئـــة‬ ‫ّ‬ ‫خاصـــة‪ ..‬لكـــن‪،‬‬ ‫ســـجن ًا كبيـــرًا للمبـــدع ّ‬ ‫أن‬ ‫ـاث‪،‬‬ ‫الس ــنوات الّث ـ‬ ‫تبي ــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫بم ــرور ه ــذه ّ‬ ‫السياســـة ســـلكت إلـــى ضاللـــة‬ ‫كراســـي ّ‬ ‫أخـــرى ال تعـــرف آخرتهـــا والـــّداء دائمـــ ًا‬ ‫ســوس الكرســي وال شــيء غيــر الكرســي‬ ‫واللغ ــة الخش ــبية الت ــي يس ــتعملها ه ــؤالء‬ ‫السياســـيون فـــي ســـبيل الوصـــول إلـــى‬ ‫غايتهـــم اآلنيـــة المنفعيـــة‪ .‬وهـــذا النّـــوع‬ ‫السياســيين الّذيــن لــم يخلصــوا لدمــاء‬ ‫مــن ّ‬ ‫الشــهداء ال يطمئــن إليهــم حّتــى االطمئنــان‬ ‫ّ‬ ‫نفس ــه‪ ،‬فم ــا بال ــك بالفّن ــان الحال ــم اّل ــذي‬ ‫نقيـــ ًا أو‬ ‫عليـــه أن يتنفّـــس هـــواء‬ ‫وطنيـــ ًا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال يتنّف ــس‪ .‬فه ــل يظ ـ ّـل حّق ــه ف ــي الحي ــاة‬ ‫دائمـ ـ ًا مهـ ـّددًا ب ــزالّت السياس ــي الكالمي ــة‬ ‫كل‬ ‫السفســـطائية؟‪ ..‬إلـــى متـــى‬ ‫يظـــل ّ‬ ‫ّ‬ ‫مبـــدع وفنّـــان وحالـــم رهيـــن الخـــوف‬ ‫مـــن هـــذا المصيـــر المثيـــر ؟ أال ينضـــج‬ ‫ليغي ــر‬ ‫رج ــل السياس ــة؟ أل ــم يح ــن الوق ــت ّ‬ ‫بوصلتـــه صـــوب دمـــاء شـــهداء الوطـــن‬ ‫ودمـــاء الوطـــن؟ والكـــف عـــن خطـــاب‬ ‫متناقـــض مـــع الواقـــع والحقيقـــة‪.»..‬‬ ‫‪53‬‬


‫رحلة‬

‫يميزها هــو زهرة‬ ‫عــرف أساســ ًا بالمدينــة الزهريــة‪ ،‬ألن أكثــر مــا ّ‬ ‫ُت َ‬

‫تتميز بثالثة ألوان هــي ‪-‬إضافة للزهري الممتلئة‬ ‫البنفســج‪ ،‬إال أنهــا َّ‬

‫سليم البيك‬

‫بــه‪ -‬األزرق كونها ممتلئة كذلك بنبتة ُيســتخرج منها لون الباســتيل‬ ‫األزرق‪ ،‬واألحمر األجوري لمبانيها المبنية بحجارة البريك‪.‬‬

‫تولوز‪ ..‬مدينة البنفسج واأللوان‬ ‫ُتعــّد تولــوز رابــع أكبــر مدينــة‬ ‫فرنســية بعــد باريــس وليــون‬ ‫ومارســيليا‪ ،‬وتجمــع فــي ثقافتهــا‬ ‫وعمارتهــا ومجتمعهــا بيــن فرنســا‬ ‫تحديــدًا نصفهــا الجنوبــي أوكســيتانيا‬‫وهــو إقليــم شاســع لــه لغتــه القديمــة‬ ‫وعلمــه وعاداتــه الشــعبية‪ -‬وإســبانيا‪،‬‬ ‫حيــث تبعــد تولــوز عــن مدينــة برشــلونة‬ ‫ا ‪ 254‬كيلومتــرًا فحســب‪ ،‬وإيطاليــا‬ ‫مثــ ً‬ ‫‪54‬‬

‫اللصيقــة بأوكســيتانيا مــن الطــرف‬ ‫اآلخــر لــه‪.‬‬ ‫تقــع تولــوز جنوبــي غــرب فرنســا‪،‬‬ ‫ضمــن إقليــم «ميــدي بيرينــي»‪ ،‬فــي‬ ‫منطقــة أوت غــارون‪ ،‬وهــي عاصمــة‬ ‫اإلقليــم‪ .‬يقســمها نهــر الغــارون القــادم‬ ‫مــن المحيــط األطلســي شــمال غــرب‬ ‫فرنســا إلــى ضفتيــن‪ ،‬ويســتمر النهــر‬ ‫تصــب فــي البحــر‬ ‫نــزو ًال عبــر قنــاة‬ ‫ّ‬

‫األبيــض المتوســط‪.‬‬ ‫عــرف المدينــة بمبانيهــا وبيوتهــا‬ ‫ُت َ‬ ‫والمشـّـيدة مــن حجــارة البريــك‪،‬‬ ‫القديمــة ُ‬ ‫كمــا تكثــر القصــور العتيقــة فــي القــرى‬ ‫المحيطــة بهــا‪ ،‬قصــور يمتــّد تاريخهــا‬ ‫إلــى مــا قبــل القــرون الوســطى‪ ،‬تحــوي‬ ‫العديــد مــن المتاحــف والحدائــق والمعالــم‬ ‫الم ْعَلــم األشــهر فيهــا‬ ‫الممِّيــزة لهــا‪ ،‬إال أن َ‬ ‫هــي ســاحة الكابيتــول‪.‬‬


‫ُيعـّد مبنــى الكابيتول المقابل لســاحته‬ ‫الشاســعة مركــز المدينــة‪ ،‬وهــو مقــر‬ ‫البلديــة حاليــاً‪ .‬علــى أرضيــة الســاحة‬ ‫ُد َّق بالنحــاس شــعار أوكســيتانيا‪ ،‬وهــي‬ ‫تتوســط علــم أوكســيتانيا‬ ‫نجمــة رباعيــة‬ ‫ّ‬ ‫باألصفــر علــى خلفيــة حمــراء‪ .‬ولهــذا‬ ‫اإلقليــم لغتــه الخاصــة‪ ،‬هــي أقــرب‬ ‫خليــط مــا بيــن الفرنســية واإلســبانية‪،‬‬ ‫عمــت‬ ‫إال أن اللغــة الفرنســية هــي التــي ّ‬ ‫اإلقليــم بعــد توحيــد الجمهوريــة‪،‬‬ ‫وصــارت لغــة اإلقليــم الرســمية كمــا‬ ‫هــي لغــة عمــوم فرنســا‪ ،‬واآلن ينــدر‬ ‫أن نجــد متحّدثيــن باألوكســيتانية رغــم‬ ‫أن البلديــة هنــا ال تــزال تســتخدمها إلــى‬ ‫جانــب الفرنســية فــي تســميات الشــوارع‬ ‫والتنبيهــات الصوتيــة فــي المتــرو‬ ‫وغيرهــا مــن المرافــق العامــة‪ .‬وعلــم‬ ‫أوكســيتانيا األحمــر بنجمتــه الصفــراء‪،‬‬ ‫علمــي الجمهوريــة الفرنســية‬ ‫إضافــة إلــى َ‬ ‫واالتحــاد األوروبــي‪ ،‬يعتلــي مبنــى‬ ‫الكابيتــول‪ ،‬مركــز المدينــة‪.‬‬ ‫أمــا ســاحة الكابيتــول فتــكاد تكــون‬ ‫مشــغولة طــوال أيــام الســنة‪ ،‬بيــن‬ ‫تظاهــرات سياســية وحقوقيــة وأســواق‬ ‫وفعاليــات وحفــات وعروض فــي الهواء‬ ‫الطلــق‪ ،‬وبيــن أســواق تفتــرش الســاحة‬ ‫شــهر ْي‬ ‫فــي األعيــاد والمناســبات‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ديســمبر وينايــر تمتلئ الســاحة بأكشــاك‬ ‫علــى شــكل أكــواخ تحتفــل بموســم‬ ‫األعيــاد مــن نويــل إلــى رأس الســنة‪،‬‬ ‫يخــص هــذه المناســبات‪ ،‬إال‬ ‫وتبيــع مــا‬ ‫ّ‬ ‫أن أهــم مــا تبيعــه فــي الصقيــع ‪-‬حتم ـاً‪-‬‬

‫هــي المأكــوالت والمشــروبات الســاخنة‪،‬‬ ‫وتحديــدًا أليغــو‪ ،‬وهــي خليــط كالعجيــن‬ ‫مــن البطاطــا والجبنــة المذابــة‪ ،‬وتــؤكل‬ ‫مــع الســجق‪.‬‬ ‫تكثــر المطاعــم والمقاهــي فــي مركــز‬ ‫المدينــة‪ ،‬إضافــة إلــى المخابــز ومحـّـات‬ ‫وتقــل‬ ‫البوظــة والحلويــات وغيرهــا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كلّمــا اتجهنــا بعيــدًا إلــى أطــراف المدينــة‪.‬‬ ‫تنوعهــا‬ ‫يميــز المطاعــم هنــا هــو ّ‬ ‫مــا ِّ‬ ‫ّيتهــا وصغــر مســاحات معظمهــا‪.‬‬ ‫ومحلّ‬ ‫ّيــة الفرنســية‬ ‫ل‬ ‫المح‬ ‫ـم‬ ‫ـ‬ ‫المطاع‬ ‫ـى‬ ‫ـ‬ ‫إل‬ ‫ـة‬ ‫إضافـ‬ ‫ّ‬ ‫يمكــن بســهولة االهتــداء إلــى مطاعــم‬ ‫إيطاليــة والتينيــة وهنديــة ويابانيــة‪،‬‬ ‫عــدا المطاعــم العربيــة المشــرقية منهــا‬ ‫والمغاربيــة‪ .‬وألهالــي المدينــة عــادات‬ ‫حاســمة فــي عــدة مســائل كوجبــة‬ ‫الغــداء مثــاً‪ ،‬هــي أو ًال محصــورة بيــن‬ ‫الثانيــة عشــرة ظهــرًا والثانيــة بعــد‬ ‫الظهــر‪ ،‬ومعــــظم المطـــــاعم ‪-‬مهمــا‬ ‫هويتهــا‪ -‬ال تقــّدم هــذه الوجبــة‬ ‫كانــت ّ‬ ‫خــارج نطــاق الســاعتين المحّددتيــن‬ ‫للغــداء‪ .‬اســتثناءات صغيــرة تنفــذ هــي‬ ‫مطاعــم الكريــب‪ ،‬وهــي منتشــرة كذلــك‬ ‫ويــؤكل الكريــب مالح ـ ًا كوجبــة رئيســية‬ ‫ُت َعــّد بالدجــاج والجبنــة مثــاً‪ ،‬أو حلــوًا‬ ‫كتحاليــة‪ .‬عــادة أخــرى هــي ضــرورة‬ ‫مقبــات تكــون‬ ‫اشــتمال الوجبــة علــى ّ‬ ‫عــادة ســلطة‪ ،‬ووجبــة رئيســية‪،‬‬ ‫وتحاليــة‪ ،‬وفنجــان قهــوة يختتمهــا‬ ‫جميعهــا‪ ،‬وللجبــن هنــا مكانــة ال ينافســه‬ ‫عليهــا غيــره مــن المأكــوالت‪ ،‬هــو حاضــر‬ ‫أيــة وجبــة‪ ،‬إمــا‬ ‫علــى األغلــب فــي ّ‬

‫ضمــن الســلطات أو الوجبــة الرئيســية‬ ‫أو التحاليــة التــي قــد تكــون قطعــة مــن‬ ‫الجبــن وحســب‪ ،‬وفــي فرنســا إجمــا ًال‬ ‫‪ 400‬نــوع مختلــف مــن الجبنــة‪ .‬أمــا‬ ‫الوجبــات المعروفــة هنــا فهــي كبــد البــط‬ ‫واســمها الفواغــرا والســتيك مــع البطاطــا‬ ‫يميــز تولــوز فرنســي ًا هــي‬ ‫المقليــة‪ ،‬ومــا ّ‬ ‫ّ‬ ‫حصــراً‪ -‬الكاســوليه‪ ،‬وبطبيعــة الحــال‬‫هنالــك الكســكس القــادم مــن المغــرب‬ ‫العربــي والــذي صــار مــن األكالت‬ ‫الشــائعة فــي تولــوز كمــا فــي باقــي‬ ‫ـظ أهالــي المدينــة‬ ‫فرنســا‪ .‬ومــن حســن حـ ّ‬ ‫ـل لديهــم تلــك المطاعــم األميركيــة‬ ‫أن تقـ ّ‬ ‫المنتشــرة فــي كافــة أصقــاع األرض‪،‬‬ ‫ومــا ُو ِجــد منهــا ال َيِفــد إليهــا غيــر طــاب‬ ‫المــدارس‪.‬‬ ‫تولــوز هــي ثالــث أكبــر المــدن‬ ‫الطالبيــة فــي فرنســا بعــد باريــس‬ ‫ّ‬ ‫بتفرعاتهــا ُت َع ـّد مــن‬ ‫وليــون‪ ،‬وجامعتهــا ّ‬ ‫أهــم الجامعــات فــي فرنســا‪ ،‬ومجتمعهــا‬ ‫متنــوع حيــث يفدهــا الطــاب‬ ‫الطّلبــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مــن باقــي أنحــاء أوروبــا والعالــم‪.‬‬ ‫المتفرعــة‬ ‫تأسســت جامعــة تولــوز‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫حاليــ ًا لثــاث جامعــات‪ ،‬فــي القــرن‬ ‫الحــادي عشــر عــام ‪ ،1229‬وكحــال‬ ‫باقــي الجامعــات األوروبيــة فــي باريــس‬ ‫تأسســت فــي الوقــت الــذي‬ ‫وغيرهــا فقــد َّ‬ ‫بــدأ فيــه األوروبيــون بعمليــات طويلــة‬ ‫لترجمــة المؤلّفــات العربيــة القادمــة عبــر‬ ‫األندلــس القريبــة جغرافي ـ ًا مــن تولــوز‪،‬‬ ‫إضافــة إلــى الترجمــة عــن الفلســفة‬ ‫اإلغريقيــة‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫هنالــك حالي ـ ًا جامعــة تولــوز األولــى‬ ‫المتخصصــة بالحقــوق واالقتصــاد‬ ‫ِّ‬ ‫واإلدارة‪ ،‬وجامعــة تولــوز الثانيــة (لــو‬ ‫المتخصصــة بالعلــوم اإلنســانية‬ ‫ميــراي)‬ ‫ِّ‬ ‫واآلداب والفنــون واللغــات‪ ،‬وجامعــة‬ ‫تولــوز الثالثــة (بــول ســاباتييه)‬ ‫المتخصصــة بالعلــوم والتكنولوجيــا‬ ‫ِّ‬ ‫والطــب‪ ،‬إضافــة إلــى معاهــد هندســية‬ ‫وتقنيــة تشـ ِّـكل بمجملهــا جامعــة تولــوز‬ ‫المعروفــة‪.‬‬ ‫صناعيــاً‪ ،‬قــد ال َيعــرف الكثيــر أن‬ ‫طائــرات (ايــر بــاص) هــي فرنســية‬ ‫وتولوزيانيــة بالتحديــد‪ ،‬وتولــوز هــي‬ ‫الجويــة األوروبيــة‬ ‫مركــز الصناعــات‬ ‫ّ‬ ‫الحتوائهــا علــى ع ـّدة صناعــات فــي هــذا‬ ‫المجــال‪ ،‬إال أن مصانــع «ايــر بــاص» فــي‬ ‫المدينــة ُتعـّد مــن المعالــم الســياحية التي‬ ‫الــزوار علــى مــدار الســنة‪.‬‬ ‫يفدهــا ّ‬ ‫اليــد العاملــة العربيــة‪ ،‬المغاربيــة‬ ‫تحديــداً‪ ،‬حاضــرة فــي جميــع المجــاالت‬ ‫الصناعيــة فــي المدينــة‪ .‬أمــا المنطقــة‬ ‫التــي يكثــر بهــا العــرب فهــي أرنــو بيرنــار‬ ‫القريبــة مــن مركــز المدينــة‪ ،‬الكابيتــول‪.‬‬ ‫محــات‬ ‫تطــل عليهــا‬ ‫وهــي ســاحة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومطاعــم عربيــة حيــث تكثــر أســياخ‬ ‫(يســمونها كبــاب) وخبــز‬ ‫الشــاورما‬ ‫ّ‬ ‫التنّــور‪ ،‬وكذلــك المقاهــي التــي يمكــن‬ ‫فيهــا تنــاول الشــاي المغربــي والحلويات‬ ‫‪56‬‬

‫العربيــة‪ .‬توجــد فــي الســاحة كذلــك‬ ‫محــات تبيــع مــا يصعــب علــى العــرب‬ ‫ّ‬ ‫إيجــاده فــي باقــي أســواق المدينــة‪ ،‬مــن‬ ‫مســتلزمات المطبــخ العربــي مــن بهــارات‬ ‫ومــواد إعــداد األكالت العربيــة‪ ،‬إلــى‬ ‫أدوات المطبــخ‪ ،‬والمالبــس‪ ،‬ومقتنيــات‬ ‫البيــت العربــي التقليــدي‪ ،‬مشــرق ًا‬ ‫ومغربــاً‪.‬‬ ‫أمــا الرياضــة األكثــر شــيوع ًا هنــا فهي‬ ‫الرغبــي‪ ،‬بخــاف بقيــة المدن الفرنســية‪،‬‬ ‫نظــرًا إلــى البطــوالت التــي حقّقهــا فريــق‬ ‫المدينــة علــى المســتويين األوروبــي‬ ‫والدولــي‪ ،‬فشــعارات الفريــق ومالبســهم‪.‬‬ ‫وكــرات الرغبــي تســهل رؤيتهــا فــي‬ ‫ومحلتهــا وحتــى إعالناتهــا‪،‬‬ ‫المدينــة‬ ‫ّ‬ ‫(اســتاد) النــادي يقــع فــي المنتصــف‬ ‫علــى جزيــرة صغيــرة فــي نهــر الغــارون‬ ‫بيــن ضّفَتــي المدينــة‪ .‬ولرياضــة الرغبــي‬ ‫ّيــة‬ ‫صفحــات خاصــة فــي الصحــف المحلّ‬ ‫المخصصــة‬ ‫فــي تولــوز‪ ،‬غيــر الصفحــات‬ ‫َّ‬ ‫للرياضــة بالمجمــل‪.‬‬ ‫أمــا الصحافــة هنــا‪ ،‬فكباقــي المــدن‬ ‫الفرنسيـــــة توجــد الصحـــــف الوطنيــة‬ ‫مثــل «لومونـــــــد» و«ليبـــــراسيون»‬ ‫وغيرهمــا‪ ،‬وتوجــد كذلــك صحــف‬ ‫ّيــة كصحيفــة «ال ديبيــش» المعنيــة‬ ‫محلّ‬ ‫أساســ ًا بتولــوز‪ ،‬وتوجــد ‪-‬بطبيعــة‬ ‫المجانيــة واإلعالنيــة‬ ‫الحــال‪ -‬الصحــف ّ‬

‫محطــات المتـــرو‬ ‫والموزعــة علــى مداخــل ّ‬ ‫َّ‬ ‫فــي المدينــة كـــ «متــرو نيــوز» و«ديريكــت‬ ‫ماتــان»‪ ،‬وهــذه هــي األكثــر قــراءة إال أن‬ ‫قراءتهــا قــد ال تزيــد علــى خمــس أو عشــر‬ ‫دقائــق‪ ،‬مــّدة الركــوب فــي المتــرو‪.‬‬ ‫المدينــة قديمــة‪ ،‬وتحــوي العديــد مــن‬ ‫المبانــي األثريــة‪ ،‬مــن كنائــس ومتاحــف‬ ‫وبيــوت وكذلــك الممــرات‪ ،‬يفصــل نهــر‬ ‫الغــارون ضّفَتيهــا المنفصلتيــن أساســ ًا‬ ‫مــن ناحيــة العمــارة والمجتمــع تاريخيـاً‪،‬‬ ‫فالضفــة الجنوبيــة كانــت قديم ـ ًا مناطــق‬ ‫ـل‬ ‫الطبقــات الســفلى مــن المجتمــع‪ ،‬وتطـ ّ‬ ‫الضفــة مباشــرة علــى ميــاه النهــر‪،‬‬ ‫والمبانــي فيهــا أصغــر‪ ،‬وال كنائــس‬ ‫كبيــرة‪ ،‬وال شــوارع عريضــة‪ .‬الضفــة‬ ‫الشــمالية كانــت قديم ـ ًا مناطــق الطبقــات‬ ‫العليــا مــن المجتمــع فــي تولــوز‪ ،‬حتــى‬ ‫إن جــدارًا عاليــ ًا يفصــل الضفــة عــن‬ ‫النهــر‪ ،‬وهــي منطقــة أعلــى مــن نظيرتهــا‬ ‫فــي الجنــوب‪ ،‬تحــوي مركــز المدينــة‬ ‫قديمـ ًا وحديثـاً‪ ،‬كمــا تحــوي أهم أســواقها‬ ‫وشــوارعها ومرافقهــا الســياحية‪.‬‬ ‫فــي الضفــة الشــمالية وقريبــ ًا مــن‬ ‫الكابيتــول‪ ،‬توجد كنيســة ســان ســيرنان‬ ‫التــي أضافتهــا منظمــة اليونســكو عــام‬ ‫‪ 1998‬إلــى قائمــة التــراث العالمــي‪،‬‬ ‫وهــي كنيســة قديمــة بمبنــى دائــري‬ ‫تغطيــه الزخــارف خارجيـ ًا وداخليـاً‪ ،‬وال‬ ‫تــزال مفتوحــة للمصلّيــن كما للســائحين‪.‬‬ ‫ــم ُأضافتــه إلــى‬ ‫هنالــك معلــم آخــر َت َّ‬ ‫قائمــة التــراث العالمي‪،‬هــي قنــاة كانــال‬ ‫دو ميــدي التــي حفرهــا الفرنســيون فــي‬ ‫القــرن الســابع عشــر والتــي أوصلــوا‬ ‫بهــا نهــر الغــارون القــادم مــن المحيــط‬ ‫األطلســي إلــى البحــر األبيــض المتوســط‬ ‫جنوبــاً‪.‬‬ ‫تعــج المدينــة بالمراكــز‬ ‫ثقافيــاً‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والفعاليــات‪ ،‬علــى غــرار متحفهــا األكبــر‬ ‫وهــو متحــف أوغســتان الواقــع فــي مركــز‬ ‫المدينــة والمجانــب ألحــد أكثــر مناطقهــا‬ ‫ازدحامـ ًا وهــي اإلســكيرول‪ ،‬هــو متحــف‬ ‫دائــم للفنــون الجميلــة يحــوي قطعــ ًا‬ ‫أثيــرة مــن اللوحــات والمنحوتــات‪،‬‬ ‫كمــا يقــوم ســنوي ًا باســتضافة معــارض‬ ‫مؤقَّتــة تمتــّد ألشــهر‪ ،‬كحــال باقــي‬ ‫المتاحــف الكبيــرة فــي فرنســا والعالــم‪.‬‬


‫ومتخصصــة فــي‬ ‫هنالــك متاحــف عــّدة‬ ‫ّ‬ ‫المدينــة إال أن الملفــت فــي أحدهــا‪،‬‬ ‫وهــو متحــف صغيــر نســبي ًا ُبنــي‬ ‫َ‬ ‫أساســ ًا كمنــارة علــي ضفّــة الغــارون‪،‬‬ ‫واســمه شــاتو دو‪ ،‬الملفــت فيــه أنــه‬ ‫المكرســة للصــور‬ ‫أحــد أقــدم المعــارض ّ‬ ‫تأســس‬ ‫الفوتوغرافيــة فــي العالــم‪ ،‬وقــد َّ‬ ‫كحاضــن دائــم لمعــارض تتنــاوب عليــه‬ ‫منــذ ســبعينيات القــرن الفائــت‪ ،‬ومــا‬ ‫يــزال حتــى اآلن يســتضيف معــارض‬ ‫فوتوغرافيــة ع ـّدة فــي المدينــة‪ ،‬علم ـ ًا أن‬ ‫جــدران الضفــة الشــمالية علــى ضفــاف‬ ‫الغــارون تشـ ِّـكل أحيانـ ًا معــارض لصــور‬ ‫ـاهد مــن بعــض‬ ‫فوتوغرافيــة ضخمــة ُتشـ َ‬ ‫شــوارع المدينــة‪.‬‬ ‫فــي تولــوز فــرق مســرحية ومســارح‬ ‫تابعــة للبلديــة وهــي الكبيــرة منهــا‪،‬‬ ‫ّيــة‪ ،‬ويصعــب‬ ‫وأخــرى صغيــرة أكثــر محلّ‬ ‫إيجــاد شــارع رئيســي خـ ٍ‬ ‫ـال ‪-‬هــو أو أحــد‬ ‫أزقتــه‪ -‬مــن هــذه المســارح‪.‬‬ ‫لــدور الســينما هنــا حضــور كذلــك‬ ‫ُ‬ ‫يعكســه االزدحــام شــبه الدائــم فــي‬ ‫صاالتهــا‪ ،‬منهــا التجاريــة كســينما‬ ‫عرف‬ ‫غومــون وأو جــي ســي‪ ،‬ومنها مــا ُي َ‬ ‫بـ(ســينما الفنــون والتجريــب) كســينما‬ ‫يوتوبيــا التــي ســتفتتح قريبــ ًا الــدورة‬ ‫األولــى لمهرجــان األفــام العربيــة‪ ،‬وآبي‬ ‫ســي‪ ،‬ولــكل مــن النوعيــن طبيعتــه مــن‬ ‫الــزوار‪،‬دور الســينما التجاريــة عــادة‬ ‫ّ‬ ‫مــا تمتلــئ بطــاب المــدارس‪ ،‬األخــرى‬ ‫تمتلــئ باألنضــج وباألكبــر عمــراً‪.‬‬ ‫محطــة القطــار الرئيســية‬ ‫إلــى جانــب ّ‬ ‫فــي المدينــة‪ ،‬محطــة ماتابــو‪ ،‬توجــد‬ ‫المكتبــة الرئيســية‪ ،‬وهــي مبنــى ضخــم‬ ‫ّيــ ًا‬ ‫ســمى محلّ‬ ‫مــن أربــع طوابــق‪ُ ،‬ي ّ‬ ‫«الميدياتيــك» كونــه ال يقتصــر علــى‬ ‫الكتــب والصحــف ومنهــا العربيــة‪ ،‬بــل‬ ‫يقـّدم مــادة وخدمــة تلفزيونيــة وصوتيــة‬ ‫وكمبيوتريــة وســينمائية واســعة‬ ‫لزائريــه‪ ،‬إضافــة إلــى الفعاليــات‬ ‫الثقافيــة التــي يقيمهــا‪ .‬كمــا يوجــد العديــد‬ ‫مــن المكتبــات الصغيــرة التابعــة للمكتبــة‬ ‫تتــوزع فــي شــوارع‬ ‫المركزيــة هــذه‬ ‫ّ‬ ‫المدينــة وأزقّتهــا‪ ،‬يمكــن اســتعارة‬ ‫الكتــاب أو الفيلــم مــن أي منهــا وإرجاعــه‬ ‫إلــى أي منهــا كذلــك‪.‬‬ ‫فــي المدينــة خدمــة مواصــات‬

‫متنوعــة‪ ،‬الوســيلة األساســية واألســرع‬ ‫ِّ‬ ‫بخطيــن يوصــان‬ ‫هــي متــرو األنفــاق‪ّ ،‬‬ ‫إلــى المناطــق األساســية فــي المدينــة‬ ‫وعنــد أطرافهــا‪ ،‬يليــه الباصــات بأعدادها‬ ‫الكبيــرة والتــي تــؤدي بالمتنقّــل إلــى‬ ‫شــوارع وطرقــات قــد ال يوصــل إليهــا‬ ‫ل‬ ‫المتــرو‪ ،‬فكثيــرًا مــا يســتقل أحدهــم ُكّ ً‬ ‫مــن المتــرو والبــاص للوصــول إلــى‬ ‫مؤخــراً‪ ،‬فــي شــهر ديســمبر‪/‬‬ ‫غايتــه‪َّ .‬‬ ‫ـم افتتــاح التــرام ليوصــل‬ ‫كانــون األول‪َ ،‬تـ َّ‬ ‫إلــى مــا قــد ال ِ‬ ‫يوصــل إليــه المتــرو‪،‬‬ ‫أمــا الوســيلة األكثــر اســتخدام ًا للتنقــل‬ ‫هنــا فهــي الدراجــة الهوائيــة التــي لهــا‬ ‫طرقــات ومواقــف خاصــة بهــا‪ ،‬وتحديــدًا‬ ‫فــي مركــز المدينــة ومــا حولــه‪ ،‬فعشــر‬ ‫دقائــق كافيــة للوصــول للمــكان المــراد‬ ‫ضمــن المركــز‪ ،‬وهــو عنــد سـّـكان المدينــة‬ ‫شــتاء رغــم‬ ‫أســلوب حيــاة ال يتوقّــف‬ ‫ً‬ ‫البــرد والصقيــع‪.‬‬ ‫المدينــة بموقعهــا الجغرافــي جنــوب‬ ‫فرنســا وبالقــرب مــن الحــدود اإلســبانية‬ ‫باتــت متأثِّــرة بالثقافــة اإلســبانية‬ ‫بالمجمــل‪ ،‬كمــا َتْأ َهــل بالعديــد مــن‬ ‫الفرنســيين مــن أصــول إســبانية وهــم‬ ‫أبنــاء الالجئيــن إليهــا هربــ ًا مــن حكــم‬ ‫الدكتاتــور فرانكــو فــي النصــف الثانــي‬ ‫مــن القــرن الفائــت‪ ،‬ويظهــر ذلــك‬ ‫واضحــ ًا مــن خــال الفعاليــات الثقافيــة‬

‫فــي المدينــة إضافــة إلــى المطاعــم‬ ‫والمقاهــي‪ ،‬وانتشــار اللغــة اإلســبانية‬ ‫بشــكل ملحــوظ‪ ،‬فقســم اللغــة اإلســبانية‬ ‫فــي جامعــة تولــوز هــو األقــوى فرنســياً‪.‬‬ ‫صــارت المدينــة خليطــ ًا بيــن الفرنســي‬ ‫واإلســباني وقليــل مــن اإليطالــي إضافــة‬ ‫إلــى العربــي الحاضــر فــي نســيجها‬ ‫العــام لقربهــا كذلــك مــن ســواحل البحــر‬ ‫األبيــض المتوســط‪.‬‬ ‫أخيــراً‪ ،‬ال مهــرب مــن الحدائــق‬ ‫توجهنــا‪ ،‬وفــي جميعهــا نوافيــر‬ ‫أينمــا ّ‬ ‫ال منهــا‪ ،‬فالمدينــة‪،‬‬ ‫بمنحوتــات‬ ‫تميــز ك ً‬ ‫ّ‬ ‫إضافــة إلــى ألوانهــا الزهريــة والزرقــاء‬ ‫والحمــراء‪ ،‬هــي خضــراء بامتيــاز‪،‬‬ ‫فاألشــجار علــى الطرقــات والحدائــق فــي‬ ‫كل ســاحة‪ ،‬إضافــة إلــى الحدائــق العامــة‬ ‫الشاســعة‪ ،‬وأكثرهــا شــهرة الحديقــة‬ ‫اليابانيــة‪ ،‬وجــاردان دي بــان الممتلئــة‬ ‫ـم‬ ‫بأشــجار ونباتــات عديــدة‬ ‫ّ‬ ‫ومتنوعــة َتـ َّ‬ ‫جلبهــا مــن أنحــاء مختلفــة مــن العالــم‪.‬‬ ‫تولــوز منســجمة ومتنوعــة بشــكل‬ ‫واســع‪ .‬خليــط الثقافــة المنعكــس علــى‬ ‫مجتمعهــا وفعالياتــه الثقافيــة والفنيــة‬ ‫التنــوع واالنســجام‪.‬‬ ‫يحكــي عــن هــذا‬ ‫ُّ‬ ‫وهــي‪ ،‬بخــاف العواصــم الكبيــرة‪ ،‬مــا‬ ‫ّيــة‬ ‫تــزال تحافــظ علــى شــيء مــن المحلّ‬ ‫لــه رائحتــه ومذاقــه ومشــهده الخــاص‪.‬‬ ‫‪57‬‬


‫ذكرى‬

‫الغــراء الكتابة عن الفيلســوف‬ ‫عندمــا طلبــت مني مجلــة «الدوحــة» ّ‬ ‫الراحــل روجيه غــارودي(‪ )2012 - 1913‬في ذكــرى وفاته الثانية‪،‬‬

‫تــرددت كثيــرًا ألننــي في الواقع احتــرت من أية زاويــة أتناوله بعد‬

‫د‪ .‬شاكر نوري‬

‫أن أصــدرت عنــه كتابين ومجموعــة من المقاالت‪ ،‬وتابعت بنفســي‬ ‫محاكمته وسجلت تفاصيلها‪ .‬وكانت لي به صداقة خاصة دامت أكثر‬

‫من عشرين عام ًا في باريس‪ .‬وسافرنا سوية إلى بغداد‪.‬‬

‫روجيه غارودي‬

‫روح وغبار‬ ‫لكنن ــي وج ــدت م ــن المناس ــب أن أع ــود‬ ‫إلـــى ســـيرته الذاتيـــة أو باألحـــرى إلـــى‬ ‫مذكرات ــه المعنون ــة (طواف ــي وحي ــدًا ح ــول‬ ‫الق ــرن)‪ ،‬ال ــذي ل ــم يترج ــم بع ــد إل ــى اللغ ــة‬ ‫العربيــة حســب علمــي‪ .‬ومــن الطريــف أنــه‬ ‫ُنش ــر ف ــي بي ــروت م ــن قب ــل دار الفهرس ــت‬ ‫(‪ .)1999‬ال زل ــت أتذك ــر م ــا قال ــه ل ــي ف ــي‬ ‫مكتبتـــه الكائنـــة فـــي الســـرداب الســـفلي‬ ‫م ــن منزل ــه عندم ــا أهدان ــي إي ــاه‪« .‬ينق ــص‬ ‫المذكـــرات مـــا عانيتـــه مـــن محاكمتـــي‪،‬‬ ‫ولكنـــك تعـــرف التفاصيـــل يمكنـــك أن‬ ‫تكم ــل الفص ــل األخي ــر م ــن حيات ــي ألن ــك‬ ‫ش ــهدت بنفس ــك م ــا ح ـ ّـل ب ــي»‪.‬‬ ‫مـــن العجيـــب‪ ،‬إنـــه يتحـــدث عـــن‬ ‫الحي ــاة والم ــوت ف ــي تش ــابكهما العظي ــم‪،‬‬ ‫ال يتـــردد مـــن الحديـــث عـــن رحيلـــه عـــن‬ ‫ـا‪« :‬كثي ــرًا م ــا كن ــت أحل ــم‬ ‫ه ــذه األرض قائ ـ ً‬ ‫بم ــوت ب ــدون نع ــش أو قب ــو‪ ،‬ب ــل أغ ــور‬ ‫فـــي األرض‪ ،‬وأرتـــدي معطفـــ ًا كونيـــاً‪،‬‬ ‫ينس ــج الحي ــاة م ــن حول ــي»‪ .‬ث ــم يستش ــهد‬ ‫بقـــول شـــاعر المقاومـــة الفرنســـي بـــول‬ ‫ايلـــوار «ألننـــي روح وغبـــار‪ ،‬ســـأحيا‬ ‫فـــي جـــذور حبيبـــات القمـــح الخضـــراء»‪.‬‬ ‫تحـــدث غـــارودي فـــي هـــذا الكتـــاب‬ ‫الحميمـــي الهـــام عـــن تداخـــل الخـــاص‬ ‫‪58‬‬

‫بالعـــام‪ .‬ينتقـــل مـــن الســـنوات األولـــى‬ ‫لتلقيــه التربيــة والتعليــم‪ ،‬مــن عــام ‪1918‬‬ ‫إلـــى عـــام ‪ ،1945‬وكذلـــك عـــن الحـــب‪،‬‬ ‫الفروقـــات بيـــن ماركـــس وكيركيجـــارد‪،‬‬ ‫الح ــب ف ــي زم ــن التعذي ــب أثن ــاء الح ــرب‬ ‫العالميـــة الثانيـــة‪ ،‬المنفـــى والمـــوت‪،‬‬ ‫ح ــرب الجزائ ــر‪ ،‬تحري ــر باري ــس‪ ،‬عالقت ــه‬ ‫بالحـــزب الشـــيوعي‪ ،‬ســـنواته األربـــع‬ ‫عشـــرة فـــي البرلمـــان‪ ،‬ولقائـــه بكبـــار‬ ‫الكّت ــاب والش ــعراء أمث ــال ني ــرودا وايل ــوار‬ ‫وباش ــار‪ ،‬أس ــتاذه‪ ،‬وس ــارتر‪ ،‬والح ــوار‬ ‫المس ــيحي الماركس ــي‪ ،‬والتغيي ــرات الت ــي‬ ‫طـــرأت علـــى فكـــره وحياتـــه‪ ،‬وكذلـــك‬ ‫الفصـــل األخيـــر مـــن حياتـــه واعتناقـــه‬ ‫اإلســـام‪.‬‬ ‫كانـــت التحـــوالت لحظـــات عصيبـــة‬ ‫ف ــي حيات ــه‪ ،‬لكنه ــا ل ــم تخ ــل م ــن الجان ــب‬ ‫األدبــي الحالــم‪ ،‬وغــارودي قبــل أن يكــون‬ ‫مفك ــرًا وفيلس ــوفاً‪ ،‬فه ــو أدي ــب كت ــب ع ــن‬ ‫معظـــم الكّتـــاب والشـــعراء الفرنســـيين‬ ‫والعالميي ــن ب ــروح أدبي ــة صافي ــة‪ .‬ونج ــد‬ ‫شـــذرات مـــن هـــذا األدب فـــي ســـيرته‬ ‫الذاتيـــة‪ ،‬فهـــو يفـــرد صفحـــات كاملـــة‬ ‫لقصـــة حبـــه ولقاءاتـــه مـــع النســـاء‪،‬‬ ‫ويمكـــن أن أقتطـــف مـــا يقولـــه بإيجـــاز‪:‬‬

‫«الحـــب هـــو أول خـــروج مـــن الـــذات‪.‬‬ ‫الح ــب يعلمن ــا التضحي ــة‪ ،‬وه ــي القان ــون‬ ‫الشـــامل للحيـــاة‪ .‬ليـــس الحـــب لحظـــة‬ ‫فـــي الحيـــاة‪ ،‬بـــل اكتشـــاف الحـــواس‬ ‫واألحاســـيس‪ .‬الحـــب فـــي كل كائـــن هـــو‬ ‫الفع ــل ال ــذي يب ــدع‪ .‬وه ــذا الح ــب بالنس ــبة‬ ‫ل ــي كالبح ــر»‪ .‬ه ــذا م ــا كتب ــه ف ــي خاتم ــة‬ ‫الكتـــاب‪.‬‬ ‫ـا ع ــن‬ ‫ـا كام ـ ً‬ ‫ث ــم يف ــرد غ ــارودي فص ـ ً‬ ‫قائـــا‪« :‬كثيـــرًا‬ ‫اإلســـام وكيـــف اعتنقـــه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ـردد عل ــى أس ــماعي‪ :‬لم ــاذا اخت ــرت‬ ‫م ــا يت ـ ّ‬ ‫اعتن ــاق اإلس ــام؟ مثلم ــا حص ــل ل ــي م ــع‬ ‫الماركســـية تعرفـــت علـــى اإلســـام مـــن‬ ‫خـــال الكتـــب قبـــل أن أصبـــح مؤمنـــاً‪.‬‬ ‫فـــي الحقيقـــة‪ ،‬لـــم يكـــن لقائـــي األول‬ ‫مـــع اإلســـام فـــي إطـــار المعرفـــة بقـــدر‬ ‫م ــا كان ف ــي إط ــار الوج ــود‪ :‬أثن ــاء نفي ــي‬ ‫إل ــى الصح ــراء (ُألق ــي القب ــض عل ــي ف ــي‬ ‫ســـبتمبر عـــام ‪ 1940‬فـــي الوقـــت الـــذي‬ ‫لـــم يكـــن النفـــي واإلبعـــاد معروفـــ ًا فـــي‬ ‫ألمانيـــا)‪ ،‬وفـــي معســـكر التعذيـــب فـــي‬ ‫نظمـــت مـــع بعـــض الرفـــاق‬ ‫«الجلفـــة» ّ‬ ‫عصيانـــ ًا مـــن أجـــل الترحيـــب بمجموعـــة‬ ‫قديمـــة مـــن األلويـــة الدوليـــة (تـــم نقلهـــم‬ ‫مــن معســكر «القــل» لينضمــوا إلــى معســكر‬


‫«الجلفـــة»)‪ .‬وقـــد قـــام القائـــد الفرنســـي‬ ‫للمعســـكر بإعطـــاء أوامـــره بإطـــاق‬ ‫الن ــار علين ــا‪ ،‬كان ــت فرق ــة اإلع ــدام تتأل ــف‬ ‫مـــن المناوشـــين الجزائرييـــن‪ ،‬وكانـــوا‬ ‫ينتمـــون إلـــى طائفـــة مســـلمة تنحـــدر‬ ‫مـــن الجنـــوب‪ ،‬يعرفـــون بـــ «العبـــاد» أي‬ ‫«متطهـــري اإلســـام»‪ ،‬قامـــوا بتنفيـــذ‬ ‫جميـــع األوامـــر باســـتثناء أوامـــر إطـــاق‬ ‫الن ــار علين ــا أو حت ــى ضربن ــا بإيع ــاز م ــن‬ ‫القائـــد الغاضـــب‪ ،‬وعرفـــت الســـبب فيمـــا‬ ‫بعــد‪ ،‬إذ إن تنفيــذ إطــاق النــار علينــا كان‬ ‫يتناق ــض م ــع ش ــرف أولئ ــك المحاربي ــن‬ ‫المؤمنيـــن‪ ،‬حيـــث إن الرجـــل المســـلّح ال‬ ‫يس ــمح لنفس ــه بإط ــاق الن ــار عل ــى رج ــل‬ ‫غي ــر مســلّح‪ .‬ومن ــذ إط ــاق س ــراحي ف ــي‬ ‫الجزائـــر‪ ،‬عكفـــت علـــى دراســـة الثقافـــة‬ ‫تجس ــد ه ــذا المب ــدأ وه ــذا الس ــلوك‪.‬‬ ‫الت ــي ّ‬ ‫لـــم يكـــن اعتنائـــي باإلســـام كثقافـــة‬ ‫فقـــط‪ ،‬بـــل كإيمـــان»‪.‬‬ ‫لـــم يتعـــرض مفكـــر وفيلســـوف‬ ‫وكات ــب فرنس ــي كم ــا تع ــرض ل ــه روجي ــه‬ ‫غ ــارودي م ــن اضطه ــاد فك ــري س ــواء م ــن‬ ‫اليســاريين أو اليمينييــن‪ ،‬ألنــه فــي واقــع‬ ‫األمـــر زعـــزع المفاهيـــم الســـائدة التـــي‬ ‫تراكمــت منــذ عهــود الهيمنــة الكولونياليــة‪.‬‬ ‫فقبـــل أن ينتقـــد إســـرائيل‪ ،‬كانـــت دور‬ ‫النشـــر الفرنســـية قـــد نشـــرت لـــه مـــا‬ ‫يزيـــد علـــى أربعيـــن كتابـــاً‪ ،‬ولكنـــه بعـــد‬ ‫ذل ــك أصب ــح ينش ــر كتب ــه عل ــى حس ــابه‬ ‫الخ ــاص‪ .‬وكتاب ــه «األس ــاطير المؤسس ــة‬ ‫للصهيوني ــة» كلف ــه محاكم ــة مدوي ــة ع ــام‬ ‫‪ ،1998‬حكم ــت علي ــه بدف ــع غرام ــة مالي ــة‬ ‫مـــع ســـجن بـــدون توقيـــف‪ ،‬ألنـــه انتقـــد‬ ‫إســرائيل وشــكك فــي المحرقــة اليهوديــة‪،‬‬ ‫وه ــذا م ــا ال ُيس ــمح ب ــه ف ــي فرنس ــا‪ .‬م ــن‬ ‫ناحي ــة أخ ــرى‪ ،‬إن اعتناق ــه لألس ــام ه ــو‬ ‫اآلخ ــر أرب ــك جمي ــع األط ــراف ول ــم يج ــد‬ ‫أي فه ــم ل ــه م ــن أي ط ــرف م ــن األط ــراف‬ ‫ألن الجميـــع خاضـــع للمفاهيـــم الســـائدة‬ ‫وال يريـــد التغييـــر‪ ،‬الـــذي ظـــل هاجـــس‬ ‫مـــر ســـنوات حياتـــه‪.‬‬ ‫غـــارودي علـــى ّ‬ ‫وليـــس أبلـــغ ممـــا قالـــه لـــي فـــي إحـــدى‬ ‫حواراتنا‪«:‬وجـــدت أن الحضـــارة الغربيـــة‬ ‫قـــد ُبنيـــت علـــى فهـــم خاطـــئ لإلنســـان‪،‬‬ ‫وأنـــه عبـــر حياتـــي‪ ،‬كنـــت أبحـــث عـــن‬ ‫معن ــى معي ــن ل ــم أج ــده إال ف ــي اإلس ــام»‪.‬‬

‫وفـــي الحقيقـــة‪ ،‬لـــم يلـــق ســـوى‬ ‫الفه ــم المح ــدود م ــن قب ــل أصدقائ ــه‪،‬‬ ‫علـــى ســـبيل المثـــال‪ ،‬المحامـــي‬ ‫والمفكـــر الراحـــل جـــاك فيرجيـــس‬ ‫قـــال فيـــه‪« :‬فـــي النـــدوة التـــي‬ ‫جمعتن ــي م ــع البروفيس ــور روجي ــه‬ ‫غـــارودي فـــي دمشـــق ســـمعته‬ ‫يتحـــدث ويهاجـــم الرأســـمالية‬ ‫منـــذ كان شـــيوعياً‪ ،‬وكالنـــا كان‬ ‫لديـــه نفـــس الهـــدف‪ ،‬وهـــو أن‬ ‫يدع ــم العدال ــة‪ .‬وكالن ــا كان ضــّد‬ ‫ألن االهتمــام‬ ‫التركيــز علــى الثــروة‪ّ ،‬‬ ‫بجمـــع الثـــروة ليـــس بعـــدل‪ .‬لقـــد‬ ‫اّتبـــع غـــارودي المبـــدأ الماركســـي‬ ‫الملكيـــة‪،‬‬ ‫الـــذي يســـعى لتحطيـــم‬ ‫ّ‬ ‫الملكي ــة‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫أعتب‬ ‫ـت‬ ‫ّ‬ ‫ف ــي حي ــن أنّن ــي كن ـ ُ‬ ‫للحريـــة‪ .‬لكـــن كالنـــا كان‬ ‫مفتاحـــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫ـؤدي ف ــي‬ ‫ـ‬ ‫ت‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫الملكي‬ ‫أن‬ ‫ي ــرى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النهايـــة إلـــى الظلـــم‬ ‫انتشـــار‬ ‫وعـــدم‬ ‫الع ــدل‪ ،‬وكالن ــا كان‬ ‫يدعـــو إلـــى نظـــام‬ ‫يدعـــو إلـــى إنتـــاج‬ ‫وإعطـــاء العدالـــة‬ ‫للجميـــع ‪. .‬‬ ‫لذلـــك وجدنـــا‬ ‫أن اإلســـام هـــو‬ ‫ّ‬ ‫الح ـ ّـل الوحي ــد(‪)...‬‬ ‫كنـــت‬ ‫وأنـــا كمحـــام‬ ‫ُ‬ ‫أســـعى إلـــى مبـــادئ‬ ‫ليســـت مـــن وضـــع‬ ‫البشـــر‪.»..‬‬ ‫ســـيرة ذاتيـــة مدهشـــة حقـــاً‪،‬‬ ‫فهـــو شـــاهد علـــى قـــرن بكاملـــه ال‬ ‫تفوتـــه التفاصيـــل‪ ،‬كتـــب ذلـــك بعشـــق‬ ‫خـــاص لألحـــداث‪ .‬وهـــو لـــم يكتـــب‬ ‫إال عـــن التجـــارب التـــي عاشـــها‪ .‬عبـــر‬ ‫هـــذه الصفحـــات يتحـــدث غـــارودي عـــن‬ ‫لقاءاتــه‪ ،‬مــن ســتالين إلــى عبــد الناصــر‪،‬‬ ‫ومــن شــارل ديغــول إلــى فيــدل كاســترو‪،‬‬ ‫ومـــن باشـــار إلـــى جـــان بـــول ســـارتر‪،‬‬ ‫ومـــن بابلـــو نيـــرودا إلـــى بيكاســـو‪.‬‬ ‫وهـــو يؤكـــد فـــي مقدمتـــه بـــأن «هـــذا‬ ‫الكتـــاب ليـــس كتـــاب اعترافـــات وال‬ ‫وصيـــة وال توديـــع للحيـــاة»‪.‬‬ ‫كتـــاب‬ ‫ّ‬ ‫دليـــا إلـــى‬ ‫وفـــي الحقيقـــة‪ ،‬فهـــو يشـــبه‬ ‫ً‬

‫العصـــر الـــذي عاشـــته البشـــرية‪ ،‬ينهـــل‬ ‫منـــه الروائيـــون والكّتـــاب والشـــعراء‬ ‫والسياســـيون والباحثـــون‪ ،‬ألنـــه‬ ‫يقـــدم عصـــارة مـــا عاشـــه بـــكل حلـــوه‬ ‫ومـــره‪ ،‬وخاصـــة عبـــر تياراتـــه الفكريـــة‬ ‫األساســـية‪ :‬الرأســـمالية والشـــيوعية‬ ‫والمســـيحية واإلســـامية التـــي طبعـــت‬ ‫العص ــر وكل العص ــور بطابعه ــا‪ ،‬والمه ــم‬ ‫فـــي ســـيرة غـــارودي أنـــه كان أحـــد‬ ‫أبطاله ــا‪ ،‬لي ــس بالض ــرورة المنتص ــرون‬ ‫اآلنيـــون‪ ،‬بـــل الخالـــدون‪.‬‬ ‫‪59‬‬


‫حميد عبد القادر‬

‫تحول روجيه غارودي‪ ،‬من مثقف يساري ستاليني إلى معتنق‬ ‫تسبب ّ‬ ‫لإلسالم‪ ،‬في عزله‪ ،‬وفي عداء المثقفين الفرنسيين ألفكاره‪ .‬وأصبح‬ ‫الجميــع يرتاب منه بشــكل ال رجعة فيه‪ ،‬بســبب مواقفــه المناصرة‬ ‫للقضية الفلســطينية‪ ،‬وكتاباته في مســألة المحرقة‪ ،‬وتشــكيكه في‬ ‫األرقام الشــائعة حول إبادة يهــود أوروبا في غرف الغاز على أيدي‬ ‫النازيين‪ ،‬إبان الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وهي المسألة التي أوصلته‬ ‫إلــى المحاكم ســنة ‪ ،1998‬فصــدر حكم قضائي ضــده بتهمة «الحقد‬ ‫العرقــي»‪ ،‬فلــم يجد يومها من ســند في محنته ســوى المحامي جاك‬ ‫فيرجيس(‪ )2013 - 1952‬والقس بيار(‪.)2007 - 1912‬‬

‫محنة التهميش‬ ‫تحـــول روجيـــه غـــارودي‪،‬‬ ‫تســـبب‬ ‫ّ‬ ‫مـــن مثقـــف يســـاري ســـتاليني إلـــى‬ ‫معتنـــق لإلســـام‪ ،‬فـــي عزلـــه‪ ،‬وفـــي‬ ‫عـــداء المثقفيـــن الفرنســـيين ألفـــكاره‪.‬‬ ‫وأصب ــح الجمي ــع يرت ــاب من ــه بش ــكل ال‬ ‫رجع ــة في ــه‪ ،‬بس ــبب مواقف ــه المناص ــرة‬ ‫للقضيـــة الفلســـطينية‪ ،‬وكتاباتـــه فـــي‬ ‫مســـألة المحرقـــة‪ ،‬وتشـــكيكه فـــي‬ ‫األرقـــام الشـــائعة حـــول إبـــادة يهـــود‬ ‫أوروبـــا فـــي غـــرف الغـــاز علـــى أيـــدي‬ ‫النازييـــن‪ ،‬إبـــان الحـــرب العالميـــة‬ ‫الثاني ــة‪ ،‬وه ــي المس ــألة الت ــي أوصلت ــه‬ ‫إلــى المحاكــم ســنة ‪ ،1998‬فصــدر حكــم‬ ‫قضائــي ضــده بتهمــة «الحقــد العرقــي»‪،‬‬ ‫فل ــم يج ــد يومه ــا م ــن س ــند ف ــي محنت ــه‬ ‫س ــوى المحام ــي ج ــاك فيرجي ــس(‪1952‬‬ ‫ ‪ )2013‬والقــس بيــار(‪.)2007 - 1912‬‬‫فقـــد تلقـــى نقـــدًا مـــن كل جانـــب‪ ،‬بـــل‬ ‫حت ــى م ــن المفك ــر إدوارد س ــعيد‪ ،‬ال ــذي‬ ‫قـــال عنـــه كالمـــ ًا قاســـي ًا بســـبب آرائـــه‬ ‫بخصـــوص المحرقـــة‪ ،‬فحـــذر المثقفيـــن‬ ‫العـــرب مـــن األفـــكار التـــي يـــروج لهـــا‬ ‫غ ــارودي‪ ،‬ليتح ــول الش ــيوعي الس ــابق‬ ‫إلـــى مثقّـــف ومفكـــر إشـــكالي مثيـــر‬ ‫للجـــدل‪ ،‬تـــرك بصمـــة واضحـــة علـــى‬ ‫‪60‬‬

‫عصـــره‪ ،‬فـــي انتظـــار أن يلقـــى مـــن‬ ‫ينصفـــه ويعيـــد لـــه االعتبـــار‪.‬‬

‫الدين محفز ًا‬ ‫شـــكلت صلـــة غـــارودي بالديـــن‪،‬‬ ‫وعالقتـــه بالتنميـــة االقتصاديـــة‪،‬‬ ‫نقطتـــي تحـــول فـــي نظـــرة المثقفيـــن‬ ‫الغربييـــن لمســـاره وألفـــكاره‪ ،‬حيـــث‬ ‫طـــرح قضيـــة قـــدرة الديـــن علـــى لعـــب‬ ‫دور إيجابـــي فـــي بنـــاء االشـــتراكية‬ ‫فـــي كل مـــن مصـــر والجزائـــر‪ .‬وهـــي‬ ‫الفكـــرة التـــي تتناقـــض مـــع مـــا ذهـــب‬ ‫إلي ــه الزعي ــم الث ــوري آرنس ــتو غيف ــارا‪،‬‬ ‫الـــذي أســـر للمســـؤولين الجزائرييـــن‪،‬‬ ‫وعلــى رأســهم الرئيــس أحمــد بــن بلــة‪،‬‬ ‫خـــال زيارتـــه للجزائـــر عـــام ‪1963‬‬ ‫بـــأن اإلســـام يتعـــارض مـــع بنـــاء‬ ‫االش ــتراكية‪ .‬وذه ــب غ ــارودي إل ــى ح ــد‬ ‫اعتب ــار الدي ــن «حاف ــزاً» ولي ــس «أفيون ــا‬ ‫للش ــعوب» كم ــا روج ــت ل ــه الماركس ــية‪.‬‬ ‫وأصبـــح الحـــزب الشـــيوعي الفرنســـي‬ ‫الـــذي انضـــم إليـــه غـــارودي بـــدءًا مـــن‬ ‫‪ ،1933‬ينظ ــر إل ــى الراح ــل نظ ــرة ش ــك‬ ‫وارتي ــاب‪ ،‬باألخ ــص عق ــب الج ــدل ال ــذي‬

‫دار بين ــه وبي ــن لوي ــس ألتوس ــير(‪1918‬‬ ‫ ‪ ،)1990‬حـــول «إنســـانية النظريـــة‬‫الماركســية»‪ ،‬ممــا أدى فــي النهايــة إلــى‬ ‫طـــرده مـــن الحـــزب ســـنة ‪.1970‬‬ ‫وتعـــد مواقـــف غـــارودي مـــن‬ ‫«إنســـانية الماركســـية»‪ ،‬كجـــزء مـــن‬ ‫رســـالة الدكتـــوراه التـــي ناقشـــها‬ ‫بعنـــوان «النظريـــة الماديـــة فـــي‬ ‫المعرف ــة»‪ .‬وق ــد أوصلت ــه ه ــذه النظ ــرة‬ ‫النقديـــة لتأليـــف كتـــاب حـــول النقـــد‬ ‫األدب ــي والفن ــي بعن ــوان‪« :‬واقعي ــة ب ــا‬ ‫ضفـــاف»‪ ،‬انتقـــد مـــن خاللـــه نظريـــة‬ ‫الواقعيـــة االشـــتراكية الكالســـيكية‪،‬‬ ‫واعت ــرض عل ــى فلس ــفتها «الت ــي تجم ــد‬ ‫الفن ــون واآلداب‪ ،‬وتجع ــل م ــن االلت ــزام‬ ‫بالنظريـــة أو المجتمـــع إلزامـــ ًا حديديـــ ًا‬ ‫صارمـــ ًا يخنـــق اإلبـــداع الفنـــي ويخمـــد‬ ‫أنفاســـه»‪.‬‬ ‫تهمي ــش غ ــارودي م ــن قب ــل الح ــزب‬ ‫الش ــيوعي‪ ،‬أدى ب ــه إل ــى إع ــادة النظ ــر‬ ‫فـــي أفـــكاره‪ ،‬فطـــرح فكـــرة التقـــارب‬ ‫بيـــن الماركســـية والمســـيحية فـــي‬ ‫كتابـــه الشـــهير «نـــداء إلـــى األحيـــاء»‪.‬‬ ‫وكان ذل ــك بداي ــة تبل ــور فك ــرة «ح ــوار‬ ‫الحض ــارات» الت ــي ش ــكلت الحقــ ًا نقط ــة‬


‫أساســـية فـــي مســـاره الفكـــري خـــال‬ ‫الثمانينيـــات والتســـعينيات‪ ،‬وردد‬ ‫غ ــارودي خ ــال ه ــذه المرحل ــة مقولت ــه‬ ‫الش ــهيرة‪«:‬إن الحض ــارة الغربي ــة تكم ــن‬ ‫فيهـــا عقيـــدة ملعونـــة ظلـــت تالحقهـــا‬ ‫منـــذ اإلغريـــق واليهوديـــة إلـــى اليـــوم‬ ‫هـــي عقـــدة االســـتعالء والتفـــرد التـــي‬ ‫س ــتكون س ــبب ًا ف ــي انهياره ــا»‪ .‬ليكت ــب‬ ‫فـــي كتابـــه األكثـــر شـــهرة «مـــن أجـــل‬ ‫حـــوار للحضـــارات»‪ ،‬أن الظـــام‬ ‫خيـــم علـــى أوروبـــا‪ ،‬لمـــا انهزمـــت‬ ‫ّ‬ ‫الجيـــوش العربيـــة فـــي بواتييـــه(أو‬ ‫مـــا ســـمي معركـــة بـــاط الشـــهداء)‪.‬‬ ‫وهـــي فكـــرة ســـبقه إليهـــا الروائـــي‬ ‫الفرنســـي أناتـــول فرانـــس‪ .‬بعدهـــا‬ ‫انتقـــل غـــارودي لمواجهـــة «األســـاطير‬ ‫المؤسســـة للسياســـة اإلســـرائيلية»‪،‬‬ ‫فتأكـــدت القطيعـــة بينـــه وبيـــن‬ ‫المثقفيـــن الفرنســـيين بشـــكل نهائـــي‪.‬‬ ‫وأصب ــح مثقفــ ًا يغ ــرد خ ــارج الس ــرب‪،‬‬ ‫باألخ ــص بع ــد نش ــره لكت ــاب «طواف ــي‬ ‫وحيـــدًا حـــول القـــرن»‪ ،‬وكتابـــه «كيـــف‬ ‫نصن ــع المس ــتقبل؟» أي ــن يعث ــر الق ــارئ‬ ‫عل ــى نظرت ــه الس ــلبية تج ــاه الحض ــارة‬ ‫الغربي ــة الحديث ــة‪ ،‬مرك ــزًا عل ــى ظاه ــرة‬ ‫العنصريـــة واســـتبعاد اآلخـــر‪ .‬وفـــي‬ ‫كتابـــه «حفـــارو القبـــور‪ :‬الحضـــارة‬ ‫الت ــي تحف ــر لإلنس ــانية قبره ــا» تن ــاول‬ ‫غ ــارودي القضاي ــا السياس ــية والديني ــة‬ ‫العالمي ــة والتده ــور األخالق ــي ومس ــألة‬ ‫التطــرف كاســتمرار للحــروب الصليبيــة‬ ‫فـــي الغـــرب‪ ،‬واختـــال نظـــام العالـــم‪.‬‬ ‫وفـــي روايتـــه الوحيـــدة الصـــادرة‬ ‫بعنـــوان «مـــن أكـــون فـــي اعتقادكـــم؟»‬ ‫تحـــدث غـــارودي عـــن الجيـــل التائـــه‬ ‫الـــذي ينتمـــي إليـــه‪ ،‬وكتـــب مـــا يلـــي‪:‬‬ ‫«إن بطل ــي الرئيس ــي ينتم ــي إل ــى جي ــل‬ ‫يبهرنـــي‪ .‬الجيـــل الـــذي ولـــد منتصـــف‬ ‫الق ــرن تمام ـاً‪ ،‬وق ــد بل ــغ الثامن ــة عش ــرة‬ ‫ســـنة ‪ ،1968‬وســـيبلغ الخمســـين‬ ‫ســـنة ‪ ،2000‬ولقـــد عـــرف المخـــدرات‬ ‫واشـــترك فـــي العصابـــات وســـلك‬ ‫طريـــق (كاتمانـــدو) وعانـــى أحـــام‬ ‫تشـــي غيفـــارا‪ ،‬وكذلـــك قلـــق العصـــر‬ ‫النـــووي»‪.‬‬

‫انفتاح‬ ‫كتـــب غـــارودي فـــي «اإلســـام ديـــن‬ ‫المســتقبل»‪ ،‬عــن شــمولية اإلســام‪ ،‬مــا‬ ‫يل ــي‪« :‬أظه ــر اإلس ــام ش ــمولية كب ــرى‬ ‫فـــي اســـتيعابه لســـائر الشـــعوب ذات‬ ‫الديانـــات المختلفـــة‪ ،‬فقـــد كان أكثـــر‬ ‫األدي ــان ش ــمولية ف ــي اس ــتقباله للن ــاس‬ ‫الذيـــن يؤمنـــون بالتوحيـــد وكان فـــي‬ ‫قبول ــه التب ــاع ه ــذه الديان ــات ف ــي داره‬ ‫منفتحـــ ًا علـــى ثقافاتهـــم وحضاراتهـــم‪.‬‬ ‫والمثيـــر للدهشـــة أنـــه فـــي إطـــار‬ ‫توجهـــات اإلســـام اســـتطاع العـــرب‬ ‫آنـــذاك ليـــس فقـــط إعطـــاء إمكانيـــة‬ ‫تعايـــش وتمـــازج لهـــذه الحضـــارات‪،‬‬ ‫ب ــل أيضــ ًا إعط ــاء زخ ــم ق ــوي لإليم ــان‬ ‫الجديـــد‪( :‬اإلســـام)‪ .‬فقـــد تمكـــن‬ ‫المس ــلمون ف ــي ذل ــك الوق ــت م ــن تقب ــل‬ ‫معظـــم الحضـــارات والثقافـــات الكبـــرى‬ ‫فــي الشــرق وإفريقيــا والغــرب‪ ،‬وكانــت‬ ‫هــذه قــوة كبيــرة وعظيمــة لــه‪ ،‬وأعتقــد‬ ‫أن هـــذا االنفتـــاح هـــو الـــذي جعـــل‬ ‫اإلســـام قويـــ ًا ومنيعـــاً»‪.‬‬ ‫أدى اعتنـــاق غـــارودي للديانـــة‬ ‫اإلســـامية ســـنة ‪ ،1981‬فـــي وقـــت‬ ‫بـــدأت فيـــه مظاهـــر األصوليـــة الدينيـــة‬

‫فـــي البـــروز فـــي العالـــم العربـــي‬ ‫اإلســـامي‪ ،‬إلـــى وضعـــه فـــي خانـــة‬ ‫«المثقفيـــن المغضـــوب عليهـــم»‪ .‬فحـــرم‬ ‫مـــن الظهـــور فـــي وســـائل اإلعـــام‪،‬‬ ‫ولقيـــت مخطوطاتـــه رفضـــ ًا ونفـــورًا‬ ‫م ــن قب ــل دور النش ــر الباريس ــية‪ ،‬الت ــي‬ ‫نش ــرت ف ــي الس ــابق أه ــم أعمال ــه ح ــول‬ ‫الماركســية‪ .‬وبينمــا كان الغــرب يســتعد‬ ‫للشـــروع فـــي حـــرب ضـــد مـــا ســـمي‬ ‫«العــدو األخضــر»‪ ،‬كان غــارودي بصــدد‬ ‫تأليـــف سلســـلة كتـــب حـــول الديانـــة‬ ‫اإلســـامية‪ .‬وفـــي تلـــك الفتـــرة بـــدأت‬ ‫الســـاحة الثقافيـــة الفرنســـية تخضـــع‬ ‫لس ــيطرة مثقفي ــن فرنس ــيين مناصري ــن‬ ‫إلســـرائيل‪ ،‬كنتيجـــة العتنـــاق جـــان‬ ‫بـــول ســـارتر أفـــكار مناصـــرة الدولـــة‬ ‫العبريـــة‪ .‬وســـرعان مـــا انتقلـــت تلـــك‬ ‫األفـــكار إلـــى جيـــل جديـــد مـــن فالســـفة‬ ‫يمثلهـــم برنـــارد هنـــري ليفـــي‪ ،‬آالن‬ ‫فينكلكـــروت وباســـكال بروكنـــر‬ ‫وغيرهـــم مـــن «الفالســـفة» المنظريـــن‬ ‫لنظريـــة «صـــدام الحضـــارات»‪ ،‬وعـــدم‬ ‫تالقــي الشــرق مــع الغــرب‪ .‬لقــد أصبــح‬ ‫غ ــارودي‪ ،‬بفع ــل ه ــذا الج ــدل والتأثي ــر‬ ‫المتنامـــي‪ ،‬رمـــزًا للمثقـــف المتمـــرد‬ ‫فـــي منظومـــة ثقافيـــة غربيـــة تهـــاب‬ ‫االختـــاف‪.‬‬ ‫‪61‬‬


‫قضية‬

‫األعمال الفنية للملف ‪ :‬ضياء العزاوي‬

‫‪ -‬العراق‬


‫فلسطين‬ ‫انتصارات لم تُر َو‬

‫فلســطين ‪ - 1948‬فلســطين ‪ .2014‬التاريــخ ليــس‪-‬‬ ‫فقــط‪ -‬الســتحضار مأســاة بــل‪ -‬أيضــاً‪ -‬للعــودة إلــى‬ ‫ـق الثقافي‬ ‫ومهمــة‪ ،‬خصوصـ ًا فــي الشـ ّ‬ ‫انتصــارات صغيــرة ّ‬ ‫مــن القضيــة‪ ،‬تحقَّقــت فــي الســنوات القليلــة الماضيــة‪:‬‬ ‫االنضمــام إلــى منظمــة (يونســكو)‪ ،‬المصادقــة علــى القــرار‬ ‫‪ 67/19‬وإقرارهــا كبلــد مالحــظ غيــر عضــو فــي األمــم‬ ‫المتحــدة‪ ،‬وتواصــل الحضــور الفلســطيني الثقافــي‬ ‫تؤكــد‬ ‫فــي محافــل دوليــة‪ ،‬هــي كلهــا عوامــل ِّ‬ ‫علــى اســتمرارية التفاعــل مــع القضيــة‪ ،‬التــي‬ ‫ا (إعالميــاً) فــي الســنوات‬ ‫تــوارت قليــ ً‬ ‫الثــاث الماضيــة‪ ،‬بســبب تداعيــات‬ ‫الربيــع العربــي‪.‬‬


‫عبد القادر رابحي‬

‫ال بمداواة ما تخلّفه‬ ‫ربمــا كان الزمن وحده كفي ً‬ ‫كل واحد‬ ‫الــذات في نفســها من جــراح يصبــح ّ‬ ‫منها أشــبه بالبئر الســحيقة التــي ال قرار لها‪،‬‬ ‫غيــر أنه بإمكان الزمــن أ ّال يحترم هذه القاعدة‬ ‫ويتجاوزها إلى حالة االســتثناء الخالدة التي‬ ‫قوة ما تحمله من رمزية‬ ‫تكتســب ديمومتها من ّ‬ ‫أمة من األمم‪.‬‬ ‫في حياة ّ‬

‫محاكاة الذات‬

‫حالــة االســتثناء هــذه هــي التــي بإمكانهــا أن تنطبــق علــى‬ ‫تتذكــر بيــن الفينــة واألخــرى ســفر الخيبــة‬ ‫الــذات العربيــة وهــي ّ‬ ‫ممــا اصطلــح علــى تســميته بنكســة ‪ ،67‬وقبلهــا نكبــة‬ ‫المــوروث ّ‬ ‫‪ ،48‬فــي مــا توّفــره مــن قرائــن داّلــة علــى ثــواء الرؤيــة الهزائميــة‬ ‫فــي بنيــة الفكــر العربــي بمــا هــو صــورة عاكســة لمــا يعتمــل فــي‬ ‫الــذات الجمعيــة مــن خيبــة وجوديــة رافقــت مســيرته السياســية‬ ‫ـاس‬ ‫واالجتماعيــة طيلــة مــا يتجــاوز القــرن مــن الزمــن‪ ،‬هــو مقيـ ُ‬ ‫تطــور‪ ،‬ومــا آلــت إليــه حالــة‬ ‫مــّدِة مــا صــارت عليــه األمــم مــن ّ‬ ‫اإلنســان العربــي مــن تقهقــر ونكــوص‪.‬‬ ‫ليســت كل الهزائــم تشــبه بعضهــا بعضـاً‪ .‬فثمــة هزائــم أحســن‬ ‫أمــة مــا مــن عديــد االنتصــارات الباهتــة التــي تحقّقهــا‬ ‫فــي حيــاة ّ‬ ‫أمــم أخــرى نظــرًا لمــا تحملــه للمنهــزم مــن حقيقــة ال تزيــده‬ ‫إال معرفــة بذاتــه وبإمكاناتهــا فــي تجــاوز مــا حــدث لهــا مــن‬ ‫انكســارات خــال فتــرة محــددة مــن تاريخهــا بســبب اختــال فــي‬ ‫الرؤيــة‪ ،‬ووهــن فــي الجســد‪ ،‬وغمــوض فــي المفاهيــم‪.‬‬ ‫ـج‬ ‫ـ‬ ‫ارت‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫هــذا النــوع مــن الهزائــم ال يمكنــه إال أن يعيــد تشــكيل‬ ‫ّ‬ ‫كليــ ًا وإعــادة‬ ‫مــن الــذات مــن بنــاء وجــب التفكيــر فــي تفكيكــه ّ‬ ‫‪64‬‬


‫بنائــه وفــق أســس أكثــر عمقـ ًا وصالبة‪،‬‬ ‫ـرورة إلــى تجــاوز إخفاقاتهــا‬ ‫فيدفعهــا ضـ ً‬ ‫الروحيــة والمنهجيــة مــن أجــل إثبــات‬ ‫قدرتهــا علــى البقــاء‪.‬‬ ‫لــم تكــن الءات الخرطــوم المرفوعــة‬ ‫فــوق األبنيــة المتهالكــة عقــب هزيمــة‬ ‫‪ 67‬أعالمــ ًا مرفرفــة تــدرأ مــا يمكــن أن‬ ‫ـور‬ ‫يترســب مــن خيبــة فــي صلــب التصـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫لألمــة‪ ،‬غيــر صــورة الــذات‬ ‫المتفائــل ّ‬ ‫ســتكرس بعــ ًدا جديــدًا‬ ‫البائســة التــي‬ ‫ّ‬ ‫تتلّهــى بــه الجمــوع المحيطــة بقصــر‬ ‫الســلطان‪ .‬ولعــل هــذا البعــد لــم يكــن‬ ‫الصــدى‪ ،‬صــدى الهزيمــة‪،‬‬ ‫غيــر هــذا ّ‬ ‫الــذي اكتشــفته هــذه الجمــوع‪ ،‬خاصــة‬ ‫المثقفــة منهــا‪ ،‬بوصفــه إنجــازًا وحيــدًا‬ ‫بحــة‬ ‫قــادرًا علــى تخديــر مــا تبقــى مــن ّ‬ ‫فــي القصبــة الهوائيــة لإلنســان العربــي‬ ‫المختنقــة أصــاً‪ ،‬جــراء رفــع صوتهــا‬ ‫فــي الفــراغ‪ ،‬مــن وقــع صــراخ ساســتها‬ ‫ومثقفيهــا فــي وجــه مــا يعتقــدون أنــه‬ ‫الهزيمــة التــي أدت إلــى النتيجــة التــي‬ ‫آل إليهــا المجتمــع العربــي وهــو يحــاول‬ ‫أن يجــد لــه مكانــة بيــن شــعوب العالــم‬ ‫والرقــي بعــد‬ ‫الطامحــة إلــى التقــدم‬ ‫ّ‬ ‫مرحلــة مــن االنحطــاط دامــت مــا دامــت‬ ‫مــن الزمــن الثقيــل الــذي كان بمثابــة‬ ‫الســم المخــّدر لحركــة مــا كانــت عليــه‬ ‫ّ‬ ‫هــذه األمــة مــن فاعليــة حضاريــة‪ ،‬ومــا‬ ‫أضافتــه لإلنســانية مــن حركيــة فكريــة‬ ‫ومعرفيــة إبــان أوجهــا الحضــاري‪.‬‬ ‫فهــل كانــت الهزيمــة‪ ،‬فــي نظــر المثقف‬ ‫ـوه مــن أســر التصــور‬ ‫العربــي الخــارج لتـّ‬ ‫بــكل مــا أوتــي‬ ‫الكولونيالــي‪ ،‬والّداخــل ّ‬ ‫نيــة‪ ،‬فــي مرحلــة‬ ‫مــن صــدق وحســن ّ‬ ‫الرقــي هــذه‪ ،‬ســبب ًا مباشــرًا فــي مــا‬ ‫ّ‬ ‫تعبــر‬ ‫وصــل إليــه مــن تفـّـكك وضيــاع ال ّ‬ ‫عنهمــا إال هــذه الخيبــة الضاربــة أطنابهــا‬ ‫الجمعيــة؟ أم أن الخيبــة‬ ‫فــي عمــق الــذات‬ ‫ّ‬ ‫التــي وصلــت إليهــا الــذات الجمعيــة‪،‬‬ ‫مردهــا إلــى هزائــم أخــرى ســابقة‬ ‫إنمــا ّ‬ ‫تتغــذى مــن عمــق مــا خلفــه ســقوط‬ ‫بغــداد‪ ،‬وضيــاع األندلــس‪ ،‬وانتهــاء‬ ‫الخالفــة‪ ،‬واســتقدام الحاكــم‪ ،‬والقبــول‬ ‫باالســتعمار‪ ،‬والتغاضــي عــن الوحــدة‪،‬‬ ‫والتخلّــي عــن األرض؟‬

‫لقــد كانــت فلســطين‪ ،‬فــي نظــر‬ ‫العــرب‪ ،‬المركــز األســاس الــذي كان‬ ‫يحمــي الهامــش‪ -‬هامــش الوجــود‬ ‫بوصفــه امتــدادًا للــذات الجمعيــة‬ ‫التــي تتراكــم داخلــه المثقفــون بمــا‬ ‫يحملونــه مــن ســبق فــي تأزيــم الــذات‬ ‫مــن خــال إحراجهــا الواعــي أو غيــر‬ ‫الواعــي بخيبتهــا‪ -‬مــن أي محاولــة‬ ‫اقتطــاع‪ ،‬أو تفتيــت‪ ،‬أو ضعــف‪ .‬غيــر أن‬ ‫ابتعــاد العــرب عــن فلســطين بوصفهــا‬ ‫قضيــة مركزيــة مــن خــال الدخــول فــي‬ ‫ّ‬ ‫ا‬ ‫التماهيــات السياســية الناتجــة أصــ ً‬ ‫عــن اإلمــاءات التــي فرضت عليهــم طيلة‬ ‫هــذا القــرن مقابــل التحديــث القســري‬ ‫أدى‬ ‫لبنيــة الدولــة الوطنيــة‪ ،‬هــو الــذي ّ‬ ‫قــوة المركــز الــذي تتمتــع‬ ‫إلــى فقــدان ّ‬ ‫القضيــة الفلســطينية فــي الســيطرة‬ ‫بــه ّ‬ ‫علــى الهامــش الممت ـّد مــن المحيــط إلــى‬ ‫الخليــج امتــدادًا جغرافي ـ ًا فــي مــا يشــبه‬ ‫الوحــدة المائعــة التــي لــم يكــن لهــا غيــر‬ ‫اللعــب علــى وتــر الهويــة مــن خــال‬ ‫المشـّـكلة للهامــش فــي‬ ‫نســيان الهويــات ُ‬ ‫ســعة مــا يزخــر بــه مــن تعــّدد ثقافــي‬ ‫واجتماعــي‪.‬‬ ‫وتاريخــي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ربمــا كان التخلّــي عــن اعتبــار‬ ‫فلســطين مركــزًا للوجــود بالنســبة‬ ‫عربــي راهــن‬ ‫ألي مشــروع نهضــة‬ ‫ّ‬ ‫ومســتقبلي يضــع األرض المســلوبة‬ ‫ّ‬ ‫فــي بنيــة مخططــه الفكــري والسياســي‬ ‫واالجتماعــي‪ ،‬ســبب ًا مباشــرًا مــن ضمــن‬ ‫أدت إلــى افتقــاد العــرب‬ ‫األســباب التــي ّ‬ ‫لرؤيــة واعيــة بالــذات فــي بحثهــا عــن‬ ‫مخــرج مــن ظلمــات مــا خلفتــه هزائــم‬ ‫وقــع‬ ‫ســابقة علــى أرض الواقــع مــن‬ ‫ٍ‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫عقالن‬ ‫ـروع‬ ‫ـول إلــى مشـ ٍ‬ ‫ســرعان مــا تحـّ‬ ‫ّ‬ ‫تنظــر لــه األنظمــة‬ ‫للخيبــة كمــا أصبحــت ّ‬ ‫التجزيئيــة بوصفــه حلمــ ًا تنمويــ ًا‬ ‫تكفــل المثقفــون الســلطويون بتســويق‬ ‫ّ‬ ‫إحداثيتــه الزمنيــة والترويــج لمنظومتــه‬ ‫الثقافيــة واإلبداعيــة لــدى األجيــال‬ ‫الجديــدة مــن المواطنيــن الذيــن لــم تعــد‬ ‫تربطهــم بالقضيــة الفلســطينية غيــر مــا‬ ‫يســمعونه فــي الخطابــات السياســية‬ ‫التــي بــدت وكأنهــا أبعــد مــا تكــون عــن‬ ‫اهتماماتهــم الوجوديــة المأزومــة هــي‬

‫األخــرى بثقــل الهامــش الــذي يعيشــون‬ ‫فيــه مشــرق ًا ومغربــ ًا بعيــدًا جــدًا عــن‬ ‫مــا كان يربــط األجيــال األولــى مــن‬ ‫أواصــر دينيــة وسياســية واجتماعيــة‬ ‫بفلســطين ‪.‬‬ ‫ولعــل هــذا مــا جعــل الهامــش‪،‬‬ ‫بــكل مــا يحملــه مــن تناقضــات فكريــة‬ ‫ّ‬ ‫وعرقيــة ودينيــة‪ ،‬ينــزع إلــى البحــث‬ ‫ـي‪ ،‬وفــق مــا تحملــه هــذه‬ ‫عــن مركــز فرعـ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫دافعة للتشــتيت‪،‬‬ ‫التناقضــات مــن آليــات‬ ‫خــارج حــدود مــا رســمته الرؤيــة المابعد‬ ‫كولونياليــة الحاملــة للبعــد الثــوري‪،‬‬ ‫والممزوجــة بمــا توارثتــه الــذات‬ ‫تاريخــي انعكــس‬ ‫العربيــة مــن زخــم‬ ‫ّ‬ ‫علــى الممارســة السياســية‪ ،‬ومــن زخــم‬ ‫ـي انعكــس علــى الممارســة الفكريــة‬ ‫بالغـ ّ‬ ‫واألدبيــة والثقافيــة‪ ،‬فصــارا مرتبطيــن‬ ‫طيلــة قــرن مــن الزمــن‪ ،‬وبمســتويات‬ ‫موقفيــة متناقضــة‪ ،‬بالتعالــي الزائــف‬ ‫ّ‬ ‫هشــة طالمــا‬ ‫للهويــة بوصفهــا شــرنقة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ممــا‬ ‫تقي ً‬ ‫ُ‬ ‫اســتعملت ّ‬ ‫ــة بالغيــة للهــروب ّ‬ ‫يحملــه الواقــع مــن إنــذارات عاجلــة فــي‬ ‫الملحــة‪ ،‬ولكنهــا ناتجــة‪ ،‬فــي‬ ‫نداءاتهــا ّ‬ ‫عمــق مــا تطرحــه مــن مخــاوف غامــرة‪،‬‬ ‫عمــا خلّفتــه الهزيمــة مــن أثــر عميــق فــي‬ ‫ّ‬ ‫الهويــة‬ ‫المشـّـكل لفسيفســاء‬ ‫ـي‬ ‫ـ‬ ‫الوع‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫بني‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الجامعــة‪.‬‬ ‫ـل مــا يمكــن مالحظتــه فــي مجمــل‬ ‫ولعـّ‬ ‫مــا تحملــه الخطابــات الفكريــة والثقافيــة‬ ‫موضوعاتية‪،‬‬ ‫واإلبداعيــة مــن تصــورات‬ ‫ّ‬ ‫المؤســس علــى مــا تقدمــه‬ ‫هــو ابتعادهــا‬ ‫ّ‬ ‫حقيقــة المســافة الزمنيــة مــن قرائــن دالّة‬ ‫أصبحــت تفصــل بيــن المركــز الــذي يــكاد‬ ‫يختفــي مــن شــدة تحولــه إلــى هامــش‪،‬‬ ‫ـول إلــى مركــز‬ ‫وبيــن الهامــش الــذي تحـ ّ‬ ‫مهمــش هــو اآلخــر‪ ،‬عــن الوجهــة‬ ‫ّ‬ ‫التــي مــن المفــروض أن تجتمــع هــذه‬ ‫كل هــذه الخطابــات‪ ،‬مــن‬ ‫الخطابــات‪ّ ،‬‬ ‫أجــل إعــادة تشــكيلها بصــورة ال يمكــن‬ ‫أن تكــون غيــر إعــادة الــذات الجمعيــة‪،‬‬ ‫فــي كل أوجههــا السياســية والثقافيــة‬ ‫واالجتماعيــة‪ ،‬إلــى العــودة إلــى المركــز‬ ‫الوحيــد الــذي بإمكانــه أن يجمــع شــتات‬ ‫الــذات‪ ،‬وهــو فلســطين‪.‬‬ ‫‪65‬‬


‫حبيب رسوري‬

‫المجردة‪ُ :‬تمثِّل معاناة الشــعب الفلســطيني‬ ‫مفارقة فاقعة للعين‬ ‫ثمة‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تحريكها للرأي‬ ‫اإلنســانية المعاصــرة‪ ،‬فيما‬ ‫التراجيديات‬ ‫إحدى أكبر‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وجذبهــا ِلتضامن المثقفيــن والمنظمــات االجتماعية‬ ‫العــام العالمــي‬ ‫ُ‬ ‫األيام أكثر فأكثر‪.‬‬ ‫والحركات الشعبية‬ ‫ٌ‬ ‫ضئيل جّداً‪ ،‬إن لم يتضاءل هذه ّ‬

‫لحظات نادر ٌة‬ ‫ٌ‬ ‫فــإذا كان مــا يحيــاه الشــعب الفلســطيني‬ ‫تمييــز عنصــري‪ ،‬ومــن ٍ‬ ‫ونهــب‬ ‫قتــل‬ ‫مــن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ألراضيــه ومياهــه مــن قبــل إســرائيل‪،‬‬ ‫يجعُلــه فــي رأس قائمــة مــن يعانــون‬ ‫مزيــج مــن األبارتايــد‬ ‫اليــوم مــن وطــأة‬ ‫ٍ‬ ‫الــدولــــي‬ ‫واالستعـــمــــار‪ ،‬فالتـضــــامن‬ ‫ّ‬ ‫واإلنســاني معــه أبعــد مــا يكــون عــن‬ ‫التضامــن الــذي عرفتــه قضايــا إنســانية‬ ‫متنوعــة‬ ‫عادلــة لشـ ٍ‬ ‫ـعوب عانــت مــن أشــكال ِّ‬ ‫مــن األبارتايــد واالســتعمار‪.‬‬ ‫لدعــم هــذه القضايــا خرجــت شــعوب‬ ‫ِ‬ ‫تضامنيــة ضخمــة‪،‬‬ ‫العاَلــم فــي مســيرات‬ ‫ّ‬ ‫وثقافيــة واســعة‬ ‫فنيــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ونظمــت فعاليــات ّ‬ ‫داعمــة لقضايــا تلــك الشــعوب المضطهــدة‪،‬‬ ‫انتهــت بانتصارهــا‪ .‬مــن يســتطيع أن‬ ‫ينســى التضامــن الشــعبي العــارم فــي‬ ‫ِ‬ ‫ســود‬ ‫وفعالياتــه الضخمــة لدعــم‬ ‫الغــرب‬ ‫ّ‬ ‫جنــوب إفريقيــا أو الشــعب الفيتنامــي أو‬ ‫ِ‬ ‫شــعب البوســنة؟‬ ‫القضيــة الفلســطينية مــن ذلــك‬ ‫نصيــب‬ ‫ّ‬ ‫لعــل لذلــك أســباب ًا‬ ‫الدعــم‬ ‫ٌ‬ ‫ضئيــل جــّداً‪ّ .‬‬ ‫وإمكانيــات‬ ‫ـوع‬ ‫ـ‬ ‫وموض‬ ‫ـز‬ ‫ـ‬ ‫حي‬ ‫ـاوز‬ ‫ـ‬ ‫تتج‬ ‫ع ـّدة‬ ‫ّ‬ ‫تســتحق جميعهــا الجــدل‬ ‫هــذا المقــال‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫العميــق والصريــح جـّداً‪ ،‬السـّـيما األســباب‬ ‫المرتبطــة ببعــض أشــكال النضــال‬ ‫الفلســطيني التــي تضعــف أو تمنــع مــن‬ ‫قضيتــه العادلــة‪.‬‬ ‫التعاطــف‬ ‫الدولــي مــع ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحــد األســباب تتعّلــق ِبضعــف الحضــور‬ ‫كمــ ًا ونوعــاً‪.‬‬ ‫اإلعالمــي الفلســطيني ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ـخصية‬ ‫ـ‬ ‫ش‬ ‫ـهادة‬ ‫ـأركز هنــا فقــط علــى شـ‬ ‫سـ ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ومالحظــات تقييميــة عــن الحضــور‬ ‫‪66‬‬

‫اإلعالمــي الفلســطيني‪ ،‬كمــا أراه فــي‬ ‫ّ‬ ‫اليوميــة فــي فرنســا‪.‬‬ ‫حياتــي‬ ‫ّ‬ ‫ـت (فــي‬ ‫ـألت نفســي متــى لمسـ ُ‬ ‫إذا مــا سـ ُ‬ ‫إعالميــ ًا‬ ‫الســنوات األخيــرة) حضــورًا‬ ‫ّ‬ ‫الفلســطينية فــي‬ ‫للقضيــة‬ ‫هامــ ًا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫شــعبي ًا ّ‬ ‫أجــد غيــر‬ ‫فرنســا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يســتحق الذكــر‪ ،‬فلــن َ‬ ‫هامــة‪.‬‬ ‫ثــاث لحظــات ّ‬ ‫يتــم‬ ‫اللحظــة األولــى موعــٌد‬ ‫ٌّ‬ ‫ســنوي ّ‬ ‫الحديــث عــن هــذه القضيــة فيــه خــال‬ ‫حوالــي نصــف ســاعة‪ ،‬فــي ظهيــرة ثانــي‬ ‫كل عــام‪،‬‬ ‫ـوم أحــد مــن شــهر ســبتمبر مــن ِّ‬ ‫يـ ِ‬ ‫ـانية)‪:‬‬ ‫خــال «عيــد اللومانيتيــه» (عيد اإلنسـ ّ‬ ‫العيــد الســنوي لصحيفــة الحزب الشــيوعي‬ ‫الفرنســي‪.‬‬ ‫ـي الفلســطيني فــي هذا‬ ‫ـ‬ ‫اإلعالم‬ ‫ـور‬ ‫الحضـ‬ ‫ّ‬ ‫العيــد كان دوم ـ ًا ملحوظ ـاً‪ ،‬السـّـيما عندمــا‬ ‫تفاعلي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ــة‬ ‫بخطابــات‬ ‫تســاهم فيــه‬ ‫كانــت‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫حيــة فــي االحتفــال الكبيــر فــي ظهــر األحــد‬ ‫ّ‬ ‫ـطينية ليلــى شــهيد‪ ،‬ذات‬ ‫ـ‬ ‫الفلس‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫المناضل‬ ‫ّ‬ ‫الخطــاب الكاريزمــي والتأثيــر الشــعبي‬ ‫الملحــوظ‪.‬‬ ‫الموعــد الثانــي الــذي كان الحضــور‬ ‫الفلســطينية‬ ‫اإلعالمــي فيــه للقضيــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مرموقـ ًا جـّداً‪ :‬مهرجــان أفينيــون المســرحي‬ ‫فــي يوليو‪/‬تمــوز ‪ ،2013‬عنــد عــرض فيلم‬ ‫«هاملــت فــي فلســطين»‪ ،‬للمخــرج نيكــوال‬ ‫كلوتــز‪ ،‬الــذي يســرد تفاصيــل عــرض‬ ‫المديــر الفنــي لمســرح برليــن‪ :‬تومــاس‬ ‫أوســترمايير (أحــد أكبــر المخرجيــن‬ ‫الدولييــن المعاصريــن)‬ ‫المســرحيين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِلمســرحيته «هاملــت» فــي رام اهلل العــام‬

‫مخيــم‬ ‫الماضــي‪ ،‬فــي «مســرح‬ ‫الحريــة» ِب ّ‬ ‫ّ‬ ‫الالجئيــن فــي جنيــن‪.‬‬ ‫«عندمــا ذهــب أوســترمايير لفلســطين‬ ‫جيــدًا أنــه‬ ‫ِلعــرض شكســبير كان يعــرف ّ‬ ‫ـعب‬ ‫ـيجد لــه أصــداء كبيــرة فــي بــاد شـ ٍ‬ ‫سـ ُ‬ ‫الشكســبيري‬ ‫الســؤال‬ ‫يوميــ ًا هــذا‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يواجهــه ّ‬ ‫ُ‬ ‫المصيــري‪ :‬أن تخضــع أو تناضــل؟‪ ،‬أن‬ ‫تكــون أو ال تكــون؟»‪ ،‬كمــا تقــول نبــذة‬ ‫تقديــم الفيلــم‪...‬‬ ‫ـرض‬ ‫ـدون مدلــول أن موعـ َـد العـ ِ‬ ‫ليــس بـ ِ‬ ‫األوحــِد للفيلــم والحــوار مــع الجمهــور‬ ‫حولــه‪ ،‬كان الســابعة مــن مســاء ‪14‬‬ ‫يوليــو‪ ،‬يــوم الثــورة الفرنســية‪.‬‬ ‫يوثِّــق فيلــم «هاملــت فــي فلســطين»‬ ‫يعــرض‬ ‫رحلــة قــام بهــا أوســترمايير ِل‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫الحريــة»‬ ‫ـرحية «هاملــت» فــي «مســرح‬ ‫مسـ َ‬ ‫ّ‬ ‫ـوة لذلــك مــن صديقــه‬ ‫بجنيــن‪ .‬إذ تلّقــى دعـ ً‬ ‫مديــر هــذا المســرح‪ ،‬جوليانــو خميــس‪،‬‬ ‫لكنــه تأخــر عــن تلبيتهــا قليــاً‪.‬‬ ‫أغتيـ َـل خميــس ببشــاعة قبيــل تلبيِتهــا‪،‬‬ ‫علــى بعـِد خطوتيــن مــن مســرحه!‬ ‫إذا كان الهــدف الرئيــس للفيلــم معرفــة‬ ‫«مــن قتــل جوليانــو‪ ،‬ولمــاذا؟»‪ ،‬فالفيلــم‬ ‫لتقصــي الحقائــق‪ ،‬وأثنــاء‬ ‫أثنــاء محاولتــه ّ‬ ‫اليومية للفلســطينيين‪،‬‬ ‫تصويــره للمعانــاة‬ ‫ّ‬ ‫يثيــر ســؤا ًال أوســع مــن ذلــك‪ :‬مــن يقتــل‬ ‫الفلســطينيين؟‪...‬‬ ‫يحبــك أوســترمايير فــي فيلمــه بــذكاء‬ ‫فنيــ ًا بيــن تراجيديــا هاملــت‬ ‫تزاوجــ ًا ّ‬ ‫وتراجيديــا الشــعب الفلســطيني‪ .‬يســتخدم‬ ‫الفــن كســاح ِل ِ‬ ‫كشــف حقيقــة مقتــل‬


‫صديقــه‪ ،‬عبــر توثيــق حــوارات طويلــة‬ ‫مــع كل زمالئــه وأصدقائــه والمعنييــن‬ ‫يفجــر خــال ذلــك تســاؤالت‬ ‫باغتيالــه‪ّ .‬‬ ‫صارخــة‪:‬‬ ‫ـرد‬ ‫ـ‬ ‫ال‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـدو‬ ‫ـ‬ ‫يب‬ ‫ـس؟»‪:‬‬ ‫ـ‬ ‫خمي‬ ‫ـل‬ ‫ـ‬ ‫ت‬ ‫ق‬ ‫«لمــاذا ُ َ‬ ‫ّ‬ ‫الضمنــي للفيلــم أن نجاحــات مســرح‬ ‫ـطيني‬ ‫خميــس واســتقطابها للجمهور الفلسـ ّ‬ ‫ضايقــت فــي الوقــت نفســه الطغيــان‬ ‫اإلســرائيلي والتطــرف الفلســطيني معــاً‪،‬‬ ‫أخالقي ـ ًا‬ ‫ألن خميــس أراد انتصــار قضيتــه‬ ‫ّ‬ ‫وإنســاني ًا بالثقافــة والفــن‪ ،‬ال غيــر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫رد أحــد‬ ‫«مــن قتــل خميــس؟»‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫لعــل ّ‬ ‫أبطــال الفيلــم‪ ،‬زكريــا‪ِّ ،‬‬ ‫يكثــف اإلجابــة عــن‬ ‫«قتلتــه إســرائيل‬ ‫هــذا الســؤال المحــوري‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫فلســطينية!»‪.‬‬ ‫بأيــاد‬ ‫ّ‬ ‫يلــزم الذكــر هنــا أن مهرجــان أفينيــون‬ ‫يحتــل معظــم شــهر يوليــو‪،‬‬ ‫الشــهير‬ ‫ُّ‬ ‫دولــي‬ ‫ثقافــي‬ ‫مهرجــان‬ ‫أهــم‬ ‫ــر‬ ‫عتب‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫وي َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫عــدد كبيــر مــن المســرحيات‬ ‫ُي‬ ‫ُ‬ ‫عــرض فيــه ٌ‬ ‫غطــي‬ ‫ــة‬ ‫الفني‬ ‫والعــروض‬ ‫الشــيقة التــي ُت ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـن المســرحي‪ :‬أكثــر‬ ‫ّ‬ ‫كل أنــواع وأجنــاس الفـ ّ‬ ‫مــن ‪ 1300‬مســرحية فــي عــام ‪ .2013‬مــن‬ ‫مســرحيٍة‬ ‫دون الحديــث عــن أكثــر مــن ‪70‬‬ ‫ّ‬ ‫دوليـٍـة كبيــرة تســتحوذ اهتمامـ ًا اســتثنائي ًا‬ ‫ّ‬ ‫تاريخيـٍـة‬ ‫كل ذلــك فــي مدينـٍـة‬ ‫فــي الغالــب‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كل تلــك‬ ‫دافئــة فاتنــة‪ ،‬مهيــأة الســتقبال ِّ‬ ‫الفعاليــات خــال شــهر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كثيــر‬ ‫المهرجــان‬ ‫ثنايــا‬ ‫فــي‬ ‫تتناثــر‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الفنيــة والمحاضــرات‬ ‫مــن النشــاطات‬ ‫ّ‬ ‫والنــدوات الثقافيــة ذات التأثيــر الملحــوظ‪.‬‬ ‫الســـياسية‬ ‫اإلعــالمـيــــة‬ ‫والتــظـاهـــــرات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتذكــر الصــورة التــي ُأ ِخ ـَذت‬ ‫أيض ـاً‪ :‬مــن ال ّ‬ ‫بالهيلوكبتــر ِلحشــود الحاضريــن فــي‬ ‫المهرجــان‪ ،‬وهــي تنبطــح كموتــى علــى‬ ‫األرض‪ ،‬فــي اللحظــة نفســها‪ ،‬فــي ســاحة‬ ‫قصــر البابــوات والشــوارع المجــاورة‪ ،‬فــي‬ ‫عــام ‪ ،1995‬اســتنكارًا لمــا كان يعيشــه‬ ‫ـح وإبـ ٍ‬ ‫ـادة جماعية؟‬ ‫ـعب البوســنة مــن ذبـ ٍ‬ ‫شـ ُ‬ ‫كان الحــوار المباشــر بيــن أوســترمايير‬ ‫والمشــاهدين حــول زيارتــه لفلســطين‬ ‫وغنيــ ًا جــّداً‪ .‬تجــاوز الســاعات‬ ‫مثيــرًا‬ ‫ّ‬ ‫الثــاث‪ .‬امتــأت خاللــه صالــة «مســرح‬ ‫األوبــرا» الواســعة‪ ،‬التــي دار بهــا ذلــك‬ ‫الحــوار‪ ،‬بالبشــر وبالتســاؤالت حــول‬ ‫يوميــات تجربــة أوســترمايير وفريقــه‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ذاتيــة‬ ‫الــذي ســافر لفلســطين‬ ‫بجهــود ّ‬

‫جمة‪.‬‬ ‫واجهتها صعوبات ّ‬ ‫برهــن أوســترمايير فــي فيلمــه أن الفــن‬ ‫والحــوار العميــق مــع الــرأي العــام‪ ،‬فــي‬ ‫عصرنــا اليــوم‪ ،‬أقــوى ســاح للنضــال‬ ‫الخفيــة‬ ‫الفعــال وِلكشــف الحقائــق‬ ‫الســلمي ّ‬ ‫ّ‬ ‫للمــأ‪.‬‬ ‫تاريخيــة لــن‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫لحظ‬ ‫كان‬ ‫ـث‬ ‫ـ‬ ‫الثال‬ ‫ـد‬ ‫ـ‬ ‫الموع‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تتكـ ّـرر‪ ،‬فــي ليلــة ‪ 14‬يوليــو ‪ ،2008‬عيــد‬ ‫الثــورة الفرنسـّـية‪.‬‬ ‫قبيــل وفاتــه بثالثــة أســابيع (وبعــد‬ ‫فلســطيني‬ ‫خمــس ســنوات مــن رحيــل‬ ‫ٍّ‬ ‫عظيــم آخــر‪ :‬إدوارد ســعيد) ألقــى محمــود‬ ‫درويــش فــي تلــك الليلــة‪ ،‬فــي المســرح‬ ‫القديــم بمدينــة آرل بجنــوب فرنســا‪ ،‬آخــر‬ ‫أمســياته الشــعرية‪.‬‬ ‫إلقــاء درويــش الــذي صاحبــه‬ ‫بالفرنســية الصــوت المتأجــج البديــع‬ ‫للممثــل والمخــرج ديدييــه ســاندر‪،‬‬ ‫مســرح‬ ‫متميــز فــي‬ ‫ضمــن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫فنــي ّ‬ ‫إخــراج ّ‬ ‫وفنيــة‬ ‫لحظــة‬ ‫ميثولوجــي‪ ،‬كان‬ ‫ً‬ ‫شــعرية ّ‬ ‫ّ‬ ‫وفلســطينية ال ُتنســى‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫ـتثنيت هــذه اللحظــات المرموقــة‬ ‫إذا اسـ‬ ‫ُ‬ ‫المتميــز فــا‬ ‫للحضــور الفلســطيني‬ ‫ّ‬ ‫مذكرتــي لحظــات‬ ‫أجــد فــي ّ‬ ‫هامــة ُق ِّدمــت قضيـ ُـة الشــعب‬ ‫ّ‬ ‫الفلســطيني فيهــا بهــذه‬ ‫المســتويات الراقيــة‪.‬‬ ‫ـات قليلة‬ ‫هــي قطعـ ًا لحظـ ٌ‬ ‫جــّدًا ومحــدودة التأثيــر‪،‬‬ ‫بالمقارنــة بمــا تحتاجــه‬ ‫قضيــة فلســطين‪.‬‬ ‫كل‬ ‫مــا أشــّد بعدهــا‪ ،‬فــي ِّ‬ ‫األحــوال‪ ،‬عــن تلــك التــي‬ ‫قضيــة نضــال شــعب‬ ‫عرفتهــا ّ‬ ‫توجــه‬ ‫عندمــا‬ ‫إفريقيــا‬ ‫جنــوب‬ ‫ّ‬ ‫كبــار فنانــي العالــم إلــى ميــدان‬ ‫ملعــب ويملبــي بلنــدن‪ ،‬ومعهــم‬ ‫مئــات اآلالف مــن الشــباب الذيــن‬ ‫عميــق فــي‬ ‫فــج‬ ‫ٍ‬ ‫أتــوا مــن كل ٍّ‬ ‫ـاء خــال ‪12‬‬ ‫ـ‬ ‫غن‬ ‫أوروبــا لالحتفــال‬ ‫ً‬

‫ســاعة متواصلــة‪ِ ،‬بعيــد الميــاد الســبعين‬ ‫لنيلســون مانديــا وهــو فــي الســجن‪،‬‬ ‫ُيرافقهــم أمــام الشاشــات مئــات المالييــن‬ ‫مــن البشــر‪ ،‬فــي اللحظــة نفســها‪ ،‬مــن‬ ‫أقصــى األرض إلــى أقصاهــا!‬ ‫ثــم مــا أشــّد تضــاؤل الحضــور‬ ‫ّ‬ ‫الفلســطيني بشـ ٍ‬ ‫ـكل عــام فــي هــذه الســنوات‬ ‫المظلمــة التــي رحــل فيهــا كبــار رمــوز‬ ‫فلســطين كدرويــش وإدوارد ســعيد‪،‬‬ ‫ـي لقضيــة فلســطين‬ ‫وارتكــن الدعــم اإلعالمـ ّ‬ ‫علــى النوايــا الحســنة لمناصريهــا األجانــب‬ ‫تقدمييــن فــي «عيــد‬ ‫مــن مناضليــن‬ ‫ّ‬ ‫اللومانيتيــه» أو مثقفيــن كبــار‪ ،‬فــي هــذا‬ ‫الحــدث االســتثنائي أو ذاك!‪...‬‬ ‫ــة‬ ‫حاجــات‬ ‫ثمــة‬ ‫ملح ً‬ ‫ّ‬ ‫خالصــة القــول‪ّ :‬‬ ‫فلســطيني‬ ‫إعالمــي‬ ‫لحضــور‬ ‫قصــوى‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫كثيــف‪ ،‬يســتند إلــى الثقافــة والفــن‪ ،‬يرفض‬ ‫العنــف‪ ،‬يديــن الطغيــان والتطــرف‪.‬‬ ‫ونوعــي‪،‬‬ ‫كمــي‬ ‫حضــور‬ ‫يحــول كل‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫فردي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫لروايــة‬ ‫ــة فــي فلســطين‬ ‫مأســاة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كل‬ ‫ضميــر‬ ‫تســتجوب‬ ‫وفيلــم‪،‬‬ ‫ومســرحية‬ ‫ِّ‬ ‫تصلــه حيثمــا كان‪،‬‬ ‫إنســان فــي العالــم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بمختلــف الوســائل اإلعالميــة الحديثــة‪.‬‬

‫‪67‬‬


‫سليم البيك‬

‫في معاندة ال بّد منها لواقع الفلسطيني‪ ،‬واقع كانت نكبته عام ‪1948‬‬ ‫البداية الرسمية لها‪ ،‬فكانت أساس ًا لكل مآسي الفلسطيني المستمرة‬ ‫وجمعت عصاباتها وأعلنت دولتها عليها‪.‬‬ ‫منذ احتلت إســرائيل بالدنا ّ‬ ‫إال أن معاندة شعب أراد الحياة تأبى إال أن تستخرج من هذه المآسي‬ ‫مــا يمكن اعتبارها «انتصــارات صغيرة» في ســياق الهزيمة الكبرى‬ ‫المستمرة حتى تحرير البالد من محتلّها وعودة الالجئين إلى بيوتهم‬ ‫وحقولهم في مدنهم وقراهم‪.‬‬

‫مكاسب الثقافة وخسائر السياسة‬ ‫وأي مقاربـة ألي انتصـارات صغيـرة‬ ‫سـتبعد حتمـ ًا عـن المجـال والعمـل‬ ‫السياسـي المباشـر‪ ،‬فسياسـي ًا لـم يصـل‬ ‫الفلسـطينيون فـي مسـيرتهم النضاليـة‬ ‫حتـى يومنـا هـذا إال إلـى هزائـم صغيـرة‬ ‫قـد ال تكـون وظيفتهـا غيـر التذكيـر‬ ‫الدائـم بهزيمتنـا األكبـر ونكبتنـا‪ ،‬فقـدان‬ ‫الوطـن‪ .‬ومنـذ خمـدت الثـورة الفلسـطينية‬ ‫المعاصرة فـي ثمانينيات القرن الماضي‪،‬‬ ‫ومنـذ خمـدت بعدهـا انتفاضـة الحجـارة‬ ‫بتوقيع اتفاقية أوسـلو عـام ‪ ،1993‬يمكن‬ ‫القـول إن الفلسـطيني لـم يصـل لتحقيـق‬ ‫أي انتصـار سياسـي صغيـر يمكـن بـه‬ ‫اسـتحضار بعـض األمـل فـي مكاسـب‬ ‫سياسـية محتملـة‪ .‬لكـن فـي السياسـة‪،‬‬ ‫األقـوى هـو الـذي سيكسـب فـي النهايـة‪،‬‬ ‫األقـوى عسـكري ًا وسياسـي ًا ودبلوماسـي ًا‬ ‫واقتصاديـاً‪ ..‬فكانـت مسـيرتنا السياسـية‬ ‫بالمجمـل تراكمـات لخسـائر‪.‬‬ ‫فـي حـال كهـذه‪ ،‬وسـعي ًا إليجـاد بعض‬ ‫المكاسـب‪ ،‬ال بـّد مـن االنتقـال إلـى المجـال‬ ‫الثقافـي‪ ،‬وهنـا نحكي عن مجاالت إبداعية‬ ‫فرديـة بالمجمـل‪ ،‬فهنا ال اقتصاد إسـرائيل‬ ‫وال جيشـها يمكـن أن يضمـن انتصاراتهـا‬ ‫الصغيـرة مضافـة علـى انتصارهـا الكبيـر‬ ‫المستمر‪.‬‬ ‫لكـن هـل معنـى الـكالم أننـا منتصـرون‬ ‫فـي هذه المعركة‪ ،‬معركة اآلداب والفنون؟‬ ‫ليـس بالضـرورة‪ ،‬إال أننا لسـنا محكومين‬ ‫بشـروط السياسـة المنحازة دائم ًا للقوي‪،‬‬ ‫‪68‬‬

‫بـل لألخالقيـات اعتباراتهـا هنـا وعـادة ما‬ ‫تنحـاز للضعيـف‪ .‬وأخالقيـاً‪ ،‬أن نكـون‬ ‫المضطهديـن أفضـل من أن نكون‬ ‫الضعفـاء‬ ‫َ‬ ‫األقويـاء المضطهِدين‪.‬‬ ‫من هنا يمكن القول إن التطهير العرقي‬ ‫تعـرض لـه الفلسـطينيون قبـل سـتة‬ ‫الـذي ّ‬ ‫وسـتين عامـاً‪ ،‬والـذي نعيـش ذكـراه هـذه‬ ‫األيـام‪ ،‬وكل مـا نتـج عنـه علـى مـدى‬ ‫السـنين الطويلـة‪ ،‬كان السـبب األساسـي‬ ‫فـي اتخـاذ النتـاج اإلبداعـي الفلسـطيني‬ ‫معينـ ًا أتـى كـرد فعـل علـى حالـة‬ ‫منحـى ّ‬ ‫التهجيـر واالحتلال واالضطهـاد الـذي‬ ‫يعيشـه الشـعب الفلسـطيني فـي مختلـف‬ ‫تجمعـه‪ .‬هـو منحـى أكثـر التصاقـ ًا‬ ‫أماكـن ّ‬ ‫بقضايـا كالحريـة والتحريـر والعدالـة‬ ‫وضمـن موضوعـات مرتبطـة بـاألرض‬ ‫والوطـن والمخيـم والفقـراء‪.‬‬ ‫قـد يـرى البعض أنها خسـارة إضافية‪،‬‬ ‫هزيمـة إبداعيـة فـي أن ُيجبـر الفلسـطيني‬ ‫علـى موضوعـات مرتبطـة بوطنـه‪ ،‬يمكن‬ ‫النقـاش فـي ذلـك‪ ،‬لكن بالنظـر إلى جودة‬ ‫النتـاج اإلبداعـي الفلسـطيني والمرتبـط‬ ‫بموضوعـات وطنيـة‪ ،‬وريادتـه علـى‬ ‫سـماه‬ ‫المسـتوى العربـي‪ ،‬وتأسـيس مـا ّ‬ ‫غسـان كنفانـي «أدب المقاومـة»‪ ،‬الـذي‬ ‫لـم ينحصـر بأدبـاء الداخـل الفلسـطيني‪،‬‬ ‫رواد هـذا األدب‪،‬‬ ‫فغسـان نفسـه مـن أهـم ّ‬ ‫يمكـن إعـادة النظـر فـي اعتبـار أنهـا‬ ‫خسـارة‪ ،‬خاصـة وأن أعمـال كنفانـي‬ ‫ومحمـود درويـش وإميـل حبيبـي رياديـة‬

‫فـي األدب العربـي‪ ،‬كمـا أن رسـومات‬ ‫ناجـي العلـي رياديـة فـي الكاريكاتـور‪،‬‬ ‫وفـي ذلـك تنـدرج أعمـال إدوارد سـعيد‬ ‫النقديـة‪ ،‬عـدا عـن الفنون األخـرى بما فيها‬ ‫السـينما‪ .‬قـد يجـادل أحدهـم بـأن هـؤالء‬ ‫وربمـا آخريـن كانـوا سـيبدعون حتمـ ًا‬ ‫فـي مواضيـع أخـرى لـو لـم يكـن هنالـك‬ ‫احتلال‪ .‬سـأقول بأنـه افتـراض محتمـل‬ ‫أصلا‬ ‫ولـن نحتـاج لـه طالمـا أنهـم أبدعـوا‬ ‫ً‬ ‫نكبـة واحتلا ًال وقـع علـى شـعبهم‪،‬‬ ‫ألن ً‬ ‫وأنهـم اختـاروا سـياق ًا معينـ ًا إلبداعاتهـم‬ ‫راديـن بـه علـى هـذا االحتلال‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فـي المعركـة الثقافيـة يمكـن إدراك‬ ‫أهمهـا‬ ‫بعـض االنتصـارات الصغيـرة‪ّ ،‬‬ ‫أنهـا معركـة أخالقيـة ال تحتكـم للقـوي بل‬ ‫للحـق‪ ،‬لمـدى التماثـل مـع هـذه األرض‪،‬‬ ‫تماثـل لـن يدركـه أدبـاء وفنانـو االحتلال‬ ‫المحتمون بقوة جيشـهم وسطوة دولتهم‪.‬‬ ‫هـذا مجـال يمكـن فيـه تشـكيل الفكـرة‬ ‫الفلسـطينية وصونها وتطويرها كما يريد‬ ‫لهـا شـعبها أن تكـون‪ ،‬الفكـرة هـذه غيـر‬ ‫معنية بشـروط الدولة السياسـية‪ ،‬من هنا‬ ‫قـال درويـش‪ :‬ما أوسـع الثـورة ما أضيق‬ ‫الرحلـة مـا أكبـر الفكـرة مـا أصغـر الدولة‪.‬‬ ‫الفكـرة كبيـرة بقـدر ما الوطـن كبير في‬ ‫ثقافـة أبنائـه ومبدعيـه وضمائرهـم‪ ،‬أمـا‬ ‫الدولـة فصغيـرة بقـدر ما موقـع المفاوض‬ ‫السياسـي الفلسـطيني صغيـر علـى‬ ‫الطاولـة‪ ،‬والدولـة هـذه محكومة بشـروط‬ ‫سياسـية ليـس للثقافـي فيهـا أي اعتبـار‪.‬‬


‫مثـال علـى ذلـك هـو تصويـت الجمعيـة‬ ‫العامـة لمنظمـة التربيـة والثقافـة والعلوم‬ ‫الـ(يونسـكو) التابعـة لألمـم المتحـدة‬ ‫لصالـح قبـول «دولـة فلسـطين» فـي‬ ‫المنظمـة كدولـة كاملـة العضويـة‪ ،‬فـي‬ ‫أكتوبـر مـن العـام ‪ .2011‬وهـو قبـول‬ ‫محكـوم بالشـروط السياسـية‪ ،‬وإن كانـت‬ ‫المنظمـة ثقافيـة‪ ،‬كوننا نحكـي عن منظمة‬ ‫دوليـة خاضعـة للقـوى الكبـرى فـي هـذا‬ ‫العالـم وعلـى رأسـها الواليـات المتحـدة‪،‬‬ ‫وكل مـا يمكـن أن تضيفـه هـذه العضويـة‬ ‫للثقافـة الفلسـطينية فـي سـنوات ال يمكـن‬ ‫مقارنته بمجموعة قصصية صغيرة كتبها‬ ‫غسـان كنفانـي ومـا زالت ُتقرأ حتـى اليوم‬ ‫مـن قبـل الجيـل الرابـع مـا بعـد النكبـة‪ .‬عدا‬ ‫عـن أن هـذه اإلضافـة إن حصلـت فسـتكون‬ ‫حتمـ ًا ضمـن سـقف المعادالت السياسـية‪،‬‬ ‫والطـرف الفلسـطيني هنـا هـو األضعـف‪،‬‬ ‫وبقوة‬ ‫بضعف الفلسـطينيين والعـرب أو ًال ّ‬

‫الفريـق المقابـل‪ ،‬إسـرائيل والواليـات‬ ‫المتحـدة‪ ،‬ثانيـاً‪ .‬ثـم‪ ،‬مـا الـذي أضافتـه‬ ‫هـذه العضويـة في اليونسـكو إلـى الثقافة‬ ‫الفلسـطينية بعـد سـنتين ونصـف السـنة‬ ‫مـن قبولهـم لنـا؟‬ ‫بعـد هـذه العضويـة بسـنة تقريبـاً‪،‬‬ ‫فـي نوفمبـر ‪ 2013‬منحـت األمـم المتحـدة‬ ‫لفلسـطين صفـة دولـة مراقـب غيـر عضـو‬ ‫بعـد تصويـت أجرتـه الجمعيـة العامـة‪.‬‬ ‫انتقلنـا هنـا مـن الثقافـة إلـى السياسـة‪،‬‬ ‫مكـرس تمامـ ًا لألقـوى‪.‬‬ ‫والمجـال هنـا ّ‬ ‫المكسـب األهـم الـذي بنـت عليـه السـلطة‬ ‫الفلسـطينية «انتصارهـا» بهـذا االعتـراف‬ ‫جرهـا إسـرائيل إلـى المحاكم‬ ‫هـو إمكانيـة ّ‬ ‫الدوليـة واتهامهـا بارتـكاب جرائـم حـرب‬ ‫وإدانتهـا كدولـة احتلال‪ .‬هـذا ما تسـتطيع‬ ‫نظريـ ًا الدولـة المراقـب غيـر العضـو أن‬ ‫تفعلـه‪ ،‬وهـذا مـا لـم ولـن تجـرؤ علـى‬ ‫فعلـه ألنهـا فـي مجـال سياسـي بامتيـاز‪،‬‬

‫هـي األضعـف فيه‪ .‬هل اسـتفادت السـلطة‬ ‫الفلسـطينية مـن هـذه العضويـة باتخـاذ‬ ‫إجـراءات تديـن إسـرائيل أو تحقّـق فـي‬ ‫مثلا؟‬ ‫اغتيـال ياسـر عرفـات ً‬ ‫لكـن السـلطة الفلسـطينية لـم توقّـع‬ ‫فـي حينهـا علـى مـا يمكـن أن يسـمح لهـا‬ ‫بمحاكمة إسـرائيل‪ ،‬وفوق ذلك فقد تقّدمت‬ ‫قبل أسـابيع بطلبـات لالنضمام إلى ثالث‬ ‫تخـص العالقـات‬ ‫دوليـة‬ ‫ّ‬ ‫عشـرة اتفاقيـة ّ‬ ‫الدبلوماسية والقنصلية‪ ،‬واتفاقية حقوق‬ ‫الطفـل‪ ،‬واتفاقيـة مناهضـة التعذيـب‪،‬‬ ‫وأخـرى لمكافحـة الفسـاد وغيرهـا‪ ،‬وكل‬ ‫يمـس إسـرائيل بشـيء‪ .‬أمـا األهـم‬ ‫ذلـك ال ّ‬ ‫فهـو أنهـا لـم تتقـدم بطلـب لالنضمـام إلـى‬ ‫نظـام رومـا األساسـي الذي أنشـأ المحكمة‬ ‫الجنائيـة الدوليـة والـذي يسـمح للسـلطة‬ ‫برفـع شـكوى ضـد إسـرائيل‪.‬‬ ‫إن كانـت السـلطة الفلسـطينية عاجـزة‬ ‫عـن اسـتخدام «سلاح» االتفاقيـات الدولية‬ ‫فليـس إشـهارها لـه إال تكتيك تفاوضي لم‬ ‫يجـِد ولـن يجـدي نفعـ ًا مع دولـة تعرف أن‬ ‫القـوى العظمـى فـي هـذا العالـم فـي صفّها‬ ‫وحمايتهـا‪ ،‬فتعربـد كمـا تشـاء‪ .‬مـا فعلتـه‬ ‫السـلطة هـو تهديـد الضعيـف ال أكثـر‪.‬‬ ‫إذن ليسـت السياسـة هـي المجـال‬ ‫المناسـب لمقاومـة إسـرائيل‪ ،‬وال أعتقـد‬ ‫بـأن الصـدام المباشـر المسـلّح هو األنسـب‬ ‫كذلـك‪ ،‬وليـس ذلـك ألسـباب مبدئيـة‬ ‫بخصـوص المقاومـة المسـلحة‪ ،‬بـل‬ ‫ببسـاطة ألن السياسـة والسلاح سـاحة‬ ‫إسـرائيل‪ ،‬ألننـا كفلسـطينيين الطـرف‬ ‫األضعـف فيهمـا‪ ،‬وال أرى أي مكاسـب فـي‬ ‫هذيـن المجاليـن‪.‬‬ ‫عـدا عـن ذلـك‪ ،‬انتصاراتنـا الصغيـرة‬ ‫تتأسـس علـى أخالقياتنـا كشـعب يناضـل‬ ‫مـن أجـل حريتـه‪ ،‬علـى ثقافتنـا ونتاجنـا‬ ‫المتحـرر مـن أي التزامـات دولية‬ ‫اإلبداعـي‬ ‫ّ‬ ‫المعتـرف باألقوى علـى األرض‪ .‬أما‬ ‫وغيـر‬ ‫ِ‬ ‫مـا يمكـن تأسيسـه علـى هـذه االنتصـارات‬ ‫الصغيـرة‪ ،‬فهـو وطن ُيبنى علـى تراكمات‬ ‫مواز‬ ‫ثقافيـة ومعنويـة لهذا الشـعب‪ ،‬وطن ٍ‬ ‫يتجّهـز لوطـن فعلـي هـو كيـان سياسـي‬ ‫حـر علـى كامـل األرض‪ ،‬ليليـق بمـا تحقّق‬ ‫مـن انتصـارات ثقافيـة صغيـرة‪.‬‬ ‫‪69‬‬


‫فركوح مثل المردوشي مثل أبو سالم‪ ،‬كلهم من طالئع المستوطنين‬ ‫اإلسرائيليين‪ ..‬وكل واحد منهم قام بشراء أراض في المنطقة الواقعة‬ ‫علــى الحــدود بين مصر وفلســطين‪ ،‬وهــي المنطقة التــي كانت وما‬ ‫تــزال تعيش عليها قبيلتي‪ .‬فركوح اشــترى أرضــ ًا وحفر فيها بئراً‪..‬‬ ‫المردوشي اشترى أرض ًا وفتح فيها دكاناً‪ ..‬أبو سالم اشترى أرضاً‪،‬‬ ‫حفــر فيها بئراً‪ ،‬وزرع ما اعتبره الناس كرم (الكرم‪ :‬هو االســم الذي‬ ‫يطلق على مزرعة تكون في الغالب مزروعة بالعنب أو الموالح)‪.‬‬

‫مسعد أبو فجر‬

‫من العروش إلى الجيوش‬

‫ورغــم أن المســافة بيــن المناطــق‬ ‫الثــاث ال تزيــد علــى كيلومتــرات قليلــة‪،‬‬ ‫يســتطيع بدوي مثلي أن يقطعها مشــياً‪،‬‬ ‫إال أن كــرم أبــو ســالم اليــوم تحولــت إلى‬ ‫مســتوطنة مشــهورة‪ ،‬بينمــا تحولــت‬ ‫المردوشــي إلــى أطــال‪ .‬كــرم أبــو‬ ‫ســالم هــي مســتوطنة (كيــرم شــالوم)‬ ‫التــي يأتــي اســمها كثيــرًا فــي نشــرات‬ ‫األخبــار نظــرًا لموقعهــا علــى مثلــث‬ ‫الحــدود‪ ،‬غــزة‪ ..‬إســرائيل‪ ..‬ســيناء‪.‬‬ ‫وأطلــق اســمها علــى معبريــن شــهيرين‪،‬‬ ‫واحــد يربــط إســرائيل مــع غــزة‪،‬‬ ‫والثانــي يربــط إســرائيل مــع مصــر‪ .‬أمــا‬ ‫المردوشــي‪ ،‬ومثلهــا بيــر حجــاب فقــد‬ ‫دخلتــا فــي الحــدود المصريــة‪ ،‬وطالهمــا‬ ‫مــا طــال عمــوم األراضــي المصريــة مــن‬ ‫الفشــل واإلهمــال‪.‬‬ ‫‪70‬‬

‫ال أعــرف التاريــخ بالضبط الذي بدأت‬ ‫فيــه تلــك الحكايــات‪ ،‬التــي اقتبســتها مــن‬ ‫ألســن أهلــي البــدو فــي ســيناء‪ ،‬وهــم‬ ‫مثــل غيرهــم كانــوا فــي تلــك الحقبــة تمــر‬ ‫عليهــم األيــام‪ ،‬يومـ ًا تلــو اآلخــر‪ ،‬رتيبــة‬ ‫بــدون تغييــر يســتحق الذكــر‪ .‬واحتفــاظ‬ ‫ذاكــرة البعــض منهــم بتلــك الحكايــات‪،‬‬ ‫ثــم حكيهــا فــي الدواويــن وألوالدهــم‪،‬‬ ‫يوضــح أنهــا أحــداث كســرت رتابــة‬ ‫الوقــت‪ .‬لكننــي أســتطيع أن أزعــم أنهــا‬ ‫كانــت فــي أواخــر القــرن التاســع عشــر‬ ‫ومطلــع القــرن العشــرين‪ ،‬قبيــل الحــرب‬ ‫العالميــة األولــى بســنوات قليلــة‪ .‬وربمــا‬ ‫قبــل خــط الحــدود بيــن مصــر والشــام‪،‬‬ ‫الــذي تــم تحديــده بدقــة شــديدة ســنة‬ ‫‪ 1906‬مــن طــرف اإلنجليــز والعثمانيين‪.‬‬ ‫ا‬ ‫كان الشــرق األوســط حينهــا مقبــ ً‬

‫علــى لحظــة ســيولة شــديدة‪ .‬رجــل‬ ‫أوروبــا المريــض (الخالفــة العثمانيــة)‬ ‫كان يســير نحــو قــدره بخطى متســارعة‪.‬‬ ‫وموتــه كان ســيترك فراغ ـ ًا ضخم ـ ًا فــي‬ ‫الشــرق األوســط‪ ..‬والفــراغ علــى األرض‬ ‫كمــا الفــراغ فــي الفضــاء‪ ،‬يغــري القــوى‬ ‫باالنقضــاض عليــه‪ .‬كانــت الصهيونيــة‬ ‫واحــدة مــن تلــك القــوى‪ .‬أغرتهــم‬ ‫الســيولة لتحويــل حلمهــم التوراتــي‬ ‫إلــى حقيقــة‪ ،‬دولــة يهوديــة علــى أرض‬ ‫فلســطين‪..‬‬ ‫كيــف اشــتبك العــرب مــع هــذا‬ ‫الحلــم‪ /‬الســؤال اإلســرائيلي؟ هــذا مــا‬ ‫يهمنــا فــي الموضــوع‪ .‬مــن الواضــح‬ ‫أن بعــض النخــب العربيــة‪ ،‬لــم تكــن‬ ‫لديهــا مشــكلة حقيقيــة مــع الســؤال‬ ‫اإلســرائيلي‪ .‬أو لــم تكــن علــى وعــي‬


‫بخطــورة اســتغالل الفــراغ لتأســيس‬ ‫دولــة ذات خلفيــة دينيــة؛ فهــذا وحــده‬ ‫مشــروع كفيــل بإشــعال فتيــل الجنــون‬ ‫فــي الشــرق األوســط العائــم علــى‬ ‫بحــور مــن األديــان‪ .‬أســتاذ الجيــل‬ ‫أحمــد لطفــي الســيد (مث ـاً) اشــترك فــي‬ ‫افتتــاح الجامعــة العبريــة فــي فلســطين‪،‬‬ ‫أمــا عميــد األدب الدكتــور طــه حســين‬ ‫فقــد اكتفــى بإرســال برقيــة تهنئــة‪ .‬هــذا‬ ‫عــن النخــب الثقافيــة‪ ،‬فمــاذا بخصــوص‬ ‫النخــب السياســية؟ كان الملــك عبــد‬ ‫اهلل (ملــك األردن الهاشــمية) قــد قــرر‬ ‫الدخــول بجيشــه إلــى فلســطين‪ ،‬وكان‬ ‫هدفــه واضحــاً‪ :‬الســيطرة علــى القــدس‬ ‫والضفــة الغربيــة‪ .‬أمــا الملــك فــاروق‬ ‫(فــي القاهــرة) فقــد انعكــس الوضــع‬ ‫الداخلــي ورغباتــه الطفوليــة علــى قــرار‬

‫الحــرب الــذي اتخــذه‪.‬‬ ‫كانــت الســيولة تلــوح للملــك‬ ‫المصــري بالدفــع بجيوشــه الجتيــاز‬ ‫الحــدود إلــى فلســطين لتحريرهــا‪..‬‬ ‫العراقيــون والســعوديون يضغطــون‬ ‫مــن أجــل تحريــر فلســطين‪ .‬لكــن‬ ‫األوضــاع الداخليــة لــم تكــن تســمح‪:‬‬ ‫الجيــش غيــر مســتعد‪ ..‬ثــم إن دخــول‬ ‫الجيــش إلــى فلســطين معنــاه أن تكــون‬ ‫القــوات اإلنجليزيــة المنتشــرة بطــول‬ ‫قنــاة الســويس وراء ظهــره‪.‬‬ ‫لكــن ملــك القاهــرة الباحــث عــن‬ ‫تعظيــم دوره فــي العالــم العربــي‬ ‫دخــل فــي صــراع تنافســي ونفســي مــع‬ ‫الملــك عبــد اهلل‪ ،‬وربمــا حدثتــه نفســه‬ ‫بالصــاة فــي المســجد األقصــى قبــل‬ ‫الملــك الهاشــمي‪ .‬إن انتصــر فســيصيب‬

‫عصفوريــن بحجــر واحــد‪ ،‬تفــادي‬ ‫القالقــل الداخليــة التــي تهــز أركان‬ ‫عرشــه‪ ،‬وتكريــس نفســه زعيمـ ًا للعالــم‬ ‫العربــي‪ .‬إذ يبــدو أن حالــة البحــث‬ ‫الــدؤوب عــن زعيــم متوغــل فــي وجــدان‬ ‫العالــم العربــي وجــدت مــن وقتهــا وربمــا‬ ‫قبــل وإلــى أن يشــاء اهلل‪..‬‬ ‫لكــن الهزيمــة فــي فلســطين رجــت‬ ‫العــروش فــي الشــرق األوســط‪ ،‬ومنهــا‬ ‫عــرش الملــك المصــري‪ .‬اســتولى‬ ‫الجيــش المنتكــس مــن هزيمــة فلســطين‬ ‫علــى الســلطة فــي القاهــرة وأخــذ‬ ‫الصــراع العربــي ‪ -‬اإلســرائيلي فــي‬ ‫التصاعــد‪ .‬اســتبدل الصــراع عنوانــه‪ ،‬من‬ ‫صــراع العــروش إلــى صــراع الجيــوش‬ ‫(العــروش والجيــوش عنــوان كتــاب‬ ‫للمصــري محمــد حســنين هيــكل عــن‬ ‫نفــس الموضــوع)‪ .‬ســنة ‪ 1967‬اســتولت‬ ‫إســرائيل علــى الضفــة والقــدس‪ ،‬وهــو‬ ‫مــا يعنــي كامــل أرض فلســطين‪ .‬إضافــة‬ ‫إلــى ســيناء والجــوالن‪ .‬واألهــم دشــن‬ ‫الجنــراالت اإلســرائيليون تمكنهــم‬ ‫الكامــل مــن صناعــة القــرار واتخــاذه‬ ‫فــي تــل أبيــب‪ ،‬عاصمــة دولتهــم المطلــة‬ ‫علــى البحــر المتوســط‪ .‬وحيــن يســيطر‬ ‫الجنــراالت علــى حكــم بــاد‪ ،‬يضمــر‬ ‫العقــل فيهــا لمصلحــة القــوة‪ .‬ويتــوه‬ ‫صــوت الحكمــة وراء صــراخ جنازيــر‬ ‫الدبابــات‪.‬‬ ‫ســيصرخ مثقــف إســرائيلي‪ :‬يــا‬ ‫إلهــي‪ ..‬لمــاذا لــم نقــم بتســليم غــزة إلــى‬ ‫الســلطة الفلســطينية؟!‪ ..‬كان الرجــل‬ ‫يقصــد‪ ،‬لمــاذا ســلمناها إلــى حمــاس؟‪.‬‬ ‫كان شــارون قــد انســحب بشــكل أحــادي‬ ‫مــن غــزة‪ ،‬وهــو ما يعنــي منح الســيطرة‬ ‫عليهــا لحركــة حمــاس‪ .‬قبلهــا كان ايهــود‬ ‫بــاراك قــد انســحب مــن جنــوب لبنــان‪،‬‬ ‫وهــو مــا يعنــي منــح الســيطرة عليــه‬ ‫لحــزب اهلل‪ .‬مــن وجهــة نظــري أن القــوة‬ ‫تبحــث عــن قــوة مثلهــا لتتعامــل معهــا‪.‬‬ ‫مــن هنــا سيســخر آرييــل شــارون مــن‬ ‫فكــرة الشــرق األوســط الجديــد‪ ،‬ويصفهــا‬ ‫بأنهــا خزعبــات شــمعون بيريــز‪.‬‬ ‫‪71‬‬


‫رام الله ‪ -‬عبدالله عمر‬

‫الثقافة في فلسطين‪ ‬جزء ال يتجزأ من هوية‪ ‬الشعب‪ ،‬وعنصر مهم في‬ ‫مشروع مقاومة االحتالل‪ ،‬ورفض ممارساته‪.‬‬ ‫الفن الفلسطيني المعاصر يستمد جذوره من الفلكلور الشعبي‪ ،‬الذي‬ ‫يعــد لونــ ًا من ألوان الثقافة الفلســطينية‪ .‬ويتحــدث محمود المزين‪،‬‬ ‫قائــد فرقــة العنقــاء للدبكــة الشــعبية‪ ،‬قائــاً‪« :‬اهتمام الفلســطيني‬ ‫بالفلكلــور يعكــس وعي ًا بواقعــه‪ .‬ومحاولتنا ما هــي إال نموذج لهذا‬ ‫الوعــي للتعبير عن جذورنا الثقافية‪ ،‬التي تحكي هوية تشــكلت منذ‬ ‫الثقافات الكنعانية واليبوسية»‪.‬‬

‫هوية جامعة‬ ‫ويؤكـــد المزيـــن أن جهـــود فرقتـــه‬ ‫وغيره ــا م ــن الف ــرق المماثل ــة ق ــد آت ــت‬ ‫ثمارهـــا‪ ،‬ونشـــرت ثقافـــة ووعيـــ ًا لـــدى‬ ‫الفلســـطينيين وغيـــر الفلســـطينيين‪،‬‬ ‫وهـــذا عبـــر المشـــاركة فـــي احتفـــاالت‬ ‫ومهرجانـــات محليـــة ودوليـــة‪ ،‬نقلـــت‬ ‫فيه ــا فلس ــطين رس ــالة قوي ــة ومعب ــرة‪،‬‬ ‫فهمه ــا المتتب ــع‪ .‬فالدبك ــة ليس ــت مج ــرد‬ ‫رقص ــة فني ــة‪ ،‬ب ــل ه ــي أس ــلوب يص ــف‬ ‫تفاصيـــل حيـــاة الفلســـطينيين فـــي‬ ‫األفـــراح واألحـــزان‪.‬‬

‫بدون قواعد‬ ‫وم ــن أش ــكال التعبي ــر األخ ــرى ع ــن‬ ‫الهويــة األزيــاء الفلســطينية‪ ،‬التــي يلجــأ‬ ‫إليهـــا المواطـــن كنـــوع مـــن المقاومـــة‪،‬‬ ‫خاص ــة الث ــوب الفالح ــي النس ــائي ف ــي‬ ‫الريـــف الفلســـطيني‪ .‬حيـــث تمتـــاز كل‬ ‫مدينـــة فلســـطينية عـــن األخـــرى بنـــوع‬ ‫التطريـــز ونـــوع القمـــاش‪ ،‬واأللـــوان‪.‬‬ ‫ورغـــم خفـــوت حضـــور هـــذه األثـــواب‬ ‫بعــد ‪ 1948‬ونــزوح الفلســطينيين‪ ،‬إال أن‬ ‫‪72‬‬

‫التطري ــز م ــا ي ــزال حاض ــرًا والمالب ــس‬ ‫التقليدي ــة م ــا ت ــزال تنت ــج ف ــي أش ــكال‬ ‫جديـــدة‪ .‬ويمتـــد ميـــدان اإلبـــداع الفنـــي‬ ‫للفلســـطينيين إلـــى األغنيـــة‪ ،‬التـــي‬ ‫تحظـــى بحضـــور مميـــز‪ ،‬خاصـــة‬ ‫الوطنيـــة منهـــا‪ ،‬المشـــبعة بأحـــام‬ ‫العـــودة‪ ،‬وحلـــم الدولـــة المســـتقلة‪،‬‬ ‫وتلـــك التـــي تدعـــم مقاومـــة المحتـــل‬ ‫وتعززه ــا‪ ،‬وتأخ ــذ أش ــكا ًال مختلف ــة م ــن‬ ‫الزجـــل والمـــوال والعتـــاب‪.‬‬

‫محاوالت مستمرة‬ ‫يشــير الدكتــور ناجــي شــراب إلــى أن‬ ‫فلســـطين تنفـــرد بمفهـــوم الثقافـــة عـــن‬ ‫مثيالتهـــا فـــي مناطـــق أخـــرى‪ ،‬بســـبب‬ ‫خصائ ــص فرضته ــا وقائ ــع اس ــتثنائية‬ ‫تتمث ــل ف ــي وق ــوع البل ــد تح ــت احت ــال‬ ‫اســـتيطاني‪ .‬بالتالـــي‪ ،‬فـــإن الهويـــة‬ ‫الثقافيـــة الفلســـطينية تشـــمل عناصـــر‬ ‫مختلفـــة‪ ،‬وتجمـــع بيـــن أنمـــاط حيـــاة‬ ‫ممي ــزة وبي ــن الفن ــون الت ــي نتمي ــز به ــا‪،‬‬ ‫كمـــا أنهـــا تتعلـــق بالتـــراث والعمـــارة‬

‫والتاريـــخ واألدب والشـــعر والقصـــة‬ ‫والروايـــة والموســـيقى والرقـــص‬ ‫والمســـرح والفنـــون التشـــكيلية‬ ‫والفلكلـــور واللغـــة والســـلوك والقيـــم‬ ‫واألخـــاق‪.‬‬ ‫هنـــاك تحريـــف يتـــم عبـــر التاريـــخ‬ ‫فـــي عقـــول العالـــم‪ ،‬بحـــق القضيـــة‬ ‫الفلســـطينية‪ ،‬وخلـــط ومســـاواة بيـــن‬ ‫الضحيـــة والجـــاد‪ ،‬وبـــدر الحـــل بـــأن‬ ‫توج ــد س ــينما فلس ــطينية تنق ــل ص ــورة‬ ‫ثقافيـــة فلســـطينية مقاومـــة‪ .‬وأشـــار‬ ‫ناج ــي ش ــراب إل ــى أن الواج ــب اآلن ه ــو‬ ‫احتض ــان الحكوم ــة للس ــينما لم ــا تمثل ــه‬ ‫مـــن مســـاحة مهمـــة فـــي التعبيـــر لنقـــل‬ ‫الوجـــه الحقيقـــي للمقاومـــة‪ ،‬وكشـــف‬ ‫كــذب الكيــان الصهيونــي‪ .‬ولهــذا أوجــدت‬ ‫مهرجانـــات ســـينمائية اســـتطاعت‬ ‫الوص ــول إل ــى درج ــة م ــن االحترافي ــة‪،‬‬ ‫كمهرج ــان (القصب ــة) الس ــينمائي‪ ،‬ال ــذي‬ ‫لـــم يســـتطع بنـــاء ذاتـــه بذاتـــه‪ ،‬وكان‬ ‫يعتم ــد عل ــى التموي ــل األجنب ــي‪ ،‬وحي ــن‬ ‫توق ــف التموي ــل انه ــار المهرج ــان تمامــ ًا‬ ‫لألســـف‪ ،‬وهنـــاك مهرجـــان (شاشـــات‬


‫لســـينما المـــرأة) وهـــو المهرجـــان‬ ‫العربـــي الوحيـــد المتخصـــص بســـينما‬ ‫المـــرأة‪ ،‬والـــذي يقـــام ســـنوياً‪.‬‬

‫إهمال حكومي‬ ‫مـــن جهتـــه‪ ،‬يصـــرح الكاتـــب‬ ‫يوســـف الشـــايب‪« :‬حيـــاة الفلســـطيني‬ ‫متش ــابهة‪ ،‬إذا م ــا ش ــاهدناها م ــن خ ــال‬ ‫مح ــاوالت المحت ــل الدائم ــة ف ــي محارب ــة‬ ‫الفلســـطينيين ثقافيـــاً‪ .‬فالممارســـات‬ ‫القمعي ــة ل ــم تتوق ــف يوم ـ ًا من ــذ النكب ــة‪،‬‬ ‫وحتــى يومنــا هــذا‪ ،‬بــل تــزداد وتتطــور‬ ‫كلمـــا وجـــد المواطنـــون طرقـــ ًا حديثـــة‬ ‫فـــي اإلبـــداع والتعبيـــر عـــن هويتهـــم»‪.‬‬ ‫ويضيـــف‪« :‬فـــي الحديـــث عـــن الواقـــع‬ ‫الثقافـــي الفلســـطيني يختلـــط العـــام‬ ‫بالخ ــاص‪ ،‬وتتداخ ــل السياس ــة بالش ــأن‬ ‫الثقافـــي‪ ،‬فـــا زالـــت الصـــورة غيـــر‬ ‫واضحـــة وتغشـــاها بعـــض الشـــوائب‪،‬‬ ‫حائـــا أمـــام المضـــي‬ ‫وهـــذا مـــا وقـــف‬ ‫ً‬ ‫قدمـــ ًا فـــي الكثيـــر مـــن أوجـــه الحيـــاة‬ ‫الثقافيـــة الفلســـطينية‪ ،‬بـــدءًا بـــاألدب‬ ‫والشـــعر‪ ،‬وليـــس انتهـــاء بالمســـرح‪،‬‬ ‫ومـــرورًا بالســـينما الفلســـطينية‪ ،‬التـــي‬ ‫باتـــت تحـــاول اإلفـــات مـــن عقـــال‬ ‫القضي ــة الوطني ــة‪ ،‬فاتح ــة لنفس ــها أفق ـ ًا‬ ‫آخـــر‪ ،‬نحـــو العوالـــم الفرديـــة للمبـــدع‬ ‫الفلســـطيني»‪.‬‬ ‫ويشـــير الشـــايب إلـــى أنـــه منـــذ‬ ‫ظه ــور المس ــرح الفلس ــطيني ف ــي مطل ــع‬ ‫القـــرن العشـــرين‪ ،‬وحتـــى اآلن‪ ،‬لـــم‬ ‫تبـــد وزارة الثقافـــة الفلســـطينية‪ ،‬وال‬ ‫المؤسســـات الفلســـطينية العاملـــة فـــي‬ ‫حقـــل المســـرح‪ ،‬اهتمامـــ ًا بالعقـــول‬ ‫الفنيـــة عمومـــ ًا لتطويـــر حركـــة فنيـــة‬ ‫وثقافيـــة فلســـطينية متخصصـــة‪.‬‬

‫استخدام الجدار‬ ‫يقـــول الدكتـــور إبراهيـــم أبـــراش‪،‬‬ ‫وزيـــر الثقافـــة الســـابق‪« :‬تراجعـــت‬ ‫الثقافـــة إلـــى درجـــة متدنيـــة مـــن‬ ‫االهتم ــام‪ ،‬بس ــبب غي ــاب الرؤي ــة وع ــدم‬ ‫وض ــوح أهمي ــة الثقاف ــة ف ــي المش ــروع‬

‫الوطنـــي بشـــكل عـــام وفـــي مؤسســـة‬ ‫الس ــلطة بش ــكل خ ــاص‪ ،‬وب ــات النش ــاط‬ ‫الثقافــي عبــارة عــن شــعارات وخطابات‬ ‫ترفعه ــا وتتح ــدث عنه ــا أح ــزاب وق ــوى‬ ‫سياســـية أو مثقفـــون فـــي قاعـــات‬ ‫مغلقـــة‪ ،‬وبالتالـــي يتداخـــل مفهـــوم‬ ‫الثقافـــة الوطنيـــة مـــع األيديولوجيـــا‬ ‫والدعاي ــة الحزبي ــة والتنظي ــر الفك ــري‪،‬‬ ‫كم ــا ل ــو أن الثقاف ــة ليس ــت س ــوى ف ــرق‬ ‫فنيـــة مـــن رقـــص وغنـــاء وموســـيقى‪.‬‬ ‫وأصبـــح وجـــود وزارة ثقافـــة‬ ‫نوعـــ ًا مـــن أنـــواع التـــرف الوظيفـــي‬ ‫الـــذي يمكـــن االســـتغناء عنـــه‪ .‬هـــذا‬ ‫التص ــور للش ــأن الثقاف ــي عك ــس نفس ــه‬ ‫فـــي الموازنـــة المخصصـــة لـــوزارة‬ ‫الثقاف ــة الت ــي ال تتع ــدى ‪ 2‬باألل ــف م ــن‬ ‫الموازنـــة العامـــة‪ ،‬وأصبحـــت العالقـــة‬ ‫الثقافيـــة شـــخصية تأخـــذ طابـــع‬ ‫التبعيـــة لهـــذا المســـؤول أو ذاك‪ ،‬وقـــد‬ ‫بانـــت خطـــورة االرتبـــاط بالجهـــات‬ ‫المانح ــة عندم ــا ت ــم تس ــييس كثي ــر م ــن‬ ‫المؤسس ــات والمراك ــز الثقافي ــة لصال ــح‬ ‫أيديولوجيـــات وأجنـــدات خارجيـــة»‪.‬‬

‫مضيفـــاً‪« :‬أؤمـــن أن الفعـــل الثقافـــي ال‬ ‫يمك ــن وال يج ــوز أن ُيحص ــر ف ــي إط ــار‬ ‫العمـــل الرســـمي‪ .‬فالثقافـــة هـــي عالـــم‬ ‫الحريـــة الـــا متناهـــي‪ .‬الفـــن والثقافـــة‬ ‫همـــا رديفـــا الحريـــة‪ ،‬لذلـــك برعـــوا‬ ‫فـــي التعبيـــر عـــن شـــغفهم بالحريـــة‪،‬‬ ‫فاتخ ــذوا م ــن ج ــدار الفص ــل العنص ــري‬ ‫ورق ــة بيض ــاء رس ــموا عليه ــا معاناته ــم‬ ‫وأحالمهـــم‪ ،‬رســـخوا مقاومتهـــم عبـــر‬ ‫الرس ــم ال ــذي ط ــال أغل ــب أج ــزاء الج ــدار‬ ‫فـــي مـــدن الضفـــة الغربيـــة المختلفـــة‬ ‫وكافـــة مناطقهـــا»‪.‬‬ ‫إن اإلجابـــة عـــن الســـؤال مـــا هـــي‬ ‫الثقافـــة الوطنيـــة الفلســـطينية أو‬ ‫الهويـــة الوطنيـــة ‪ -‬أحيانـــ ًا يتداخـــل‬ ‫المفهومان‪-‬هـــي مجمـــل اإلجابـــة عـــن‬ ‫التســـاؤالت التاليـــة‪« :‬كيـــف تحافـــظ‬ ‫األمـــم والمجتمعـــات علـــى وجودهـــا‬ ‫عبـــر التاريـــخ بالرغـــم ممـــا تتعـــرض‬ ‫ل ــه م ــن مح ــن وهزائ ــم عس ــكرية ؟ وم ــا‬ ‫الـــذي يميـــز كل منهـــا عـــن البقيـــة ؟‬ ‫إنه ــا الثقاف ــة أو الهوي ــة الوطني ــة ذل ــك‬ ‫الثابت‪/‬المتغيـــر فـــي حيـــاة الشـــعوب‪.‬‬ ‫‪73‬‬


‫إسرائيل دولة إقليمية عظمى (سوبر بور)‪ ،‬تعتمد في كل شيء على‬ ‫القوة والتفوق العســكري‪ .‬ال تعترف بعناصر ميزان القوى األخرى‪،‬‬

‫مهند عبد الحميد‬

‫السياسية والثقافية والدبلوماسية واالقتصادية والقانونية وحقوق‬ ‫اإلنســان والشرعية واالســتقرار‪ ،‬إضافة لمبدأ الربح والخسارة وما‬ ‫يترتب عليه من عزلة وعقوبات‪.‬‬

‫المقاومة الثقافية‬

‫وباعتمادهـــا علـــى غطرســـة القـــوة‬ ‫وبتواطـــؤ دولـــي تجـــاوزت مـــا فعلتـــه‬ ‫الـــدول االســـتعمارية أواســـط القـــرن‬ ‫الماضـــي‪ ،‬ومـــا فعلتـــه أميـــركا فـــي‬ ‫فيتنــام‪ ،‬وفـــرنسا فــي الجزائــر‪ ،‬والنظام‬ ‫العنصـــري فـــي جنـــوب إفريقيـــا‪ ،‬تلـــك‬ ‫الـــدول التـــي تراجعـــت عـــن احتاللهـــا‬ ‫واســـتعمارها باالســـتناد إلـــى مصالـــح‬ ‫وأســـباب ليـــس لهـــا عالقـــة حاســـمة‬ ‫بميـــزان القـــوى العســـكري‪.‬‬ ‫الجبهـــة الثقافيـــة شـــكلت رافعـــة‬ ‫كبـــرى للنضـــال الوطنـــي الفلســـطيني‬ ‫وبــات مــا يعــرف بحــرب الثقافــة‪ ،‬التــي‬ ‫ق ــال عنه ــا إدوارد س ــعيد‪ :‬إنه ــا مواجه ــة‬ ‫بيـــن «ثقافـــة القـــوة وقـــوة الثقافـــة»‪.‬‬ ‫وفـــي هـــذا الصـــدد أحـــرزت الجبهـــة‬ ‫الثقافي ــة الفلس ــطينية ف ــي م ــرات كثي ــرة‬ ‫تفوقـ ًا أخالقيـ ًا وإنســاني ًا ومعنويـ ًا علــى‬ ‫‪74‬‬

‫المحتلي ــن‪ ،‬وانتزع ــت مكتس ــبات رمزي ــة‬ ‫ومعنوي ــة مهم ــة ج ــداً‪ .‬كان ــت فلس ــطين‬ ‫تنتص ــر ف ــي المع ــارك الثقافي ــة بقي ــادة‬ ‫غســـان كنفانـــي ومحمـــود درويـــش‬ ‫وإدوارد س ــعيد وف ــدوى طوق ــان وولي ــد‬ ‫الخالـــدي وســـميح القاســـم وجبـــرا‬ ‫إبراهي ــم وإس ــماعيل ش ــموط وغيره ــم‪.‬‬ ‫ف ــي كل المنتدي ــات واللق ــاءات الثقافي ــة‬ ‫واحتفاليـــات اآلداب والفنـــون التـــي‬ ‫يتواجـــه فيهـــا مثقفـــون ومبدعـــون‬ ‫فلســـطينيون وإســـرائيليون‪ ،‬تتغلـــب‬ ‫قـــوة الثقافـــة علـــى ثقافـــة القـــوة‪.‬‬ ‫يقــول الناقــد فيصــل دراج‪« :‬ال تعــرف‬ ‫البش ــرية اآلن ش ــعب ًا ط ــرد ش ــعب ًا آخ ــر‬ ‫مـــن وطنـــه وبقـــي مســـتعدًا إلنـــزال كل‬ ‫أنـــواع العقوبـــات بـــه‪ ،‬كمـــا لـــو كانـــت‬ ‫مطالبــة اإلنســان المضطهــد بحقوقــه أمرًا‬ ‫مخالفـ ًا للقانــون والشــرائع اإلنســانية»‪.‬‬

‫والمطلــوب مــن شــعب تحــت االحتالل أن‬ ‫يتبن ــى الرواي ــة التاريخي ــة اإلس ــرائيلية‬ ‫والح ــل العنص ــري اإلس ــرائيلي‪ .‬فدول ــة‬ ‫االحت ــال ال تعت ــرف بانطب ــاق القان ــون‬ ‫الدولـــي وقـــرارات الشـــرعية الدوليـــة‬ ‫عل ــى الص ــراع الفلسطيني‪-‬اإلس ــرائيلي‪.‬‬ ‫وتعتمـــد عوضـــ ًا عنـــه علـــى الروايـــة‬ ‫التوراتيــة وأســاطيرها‪ .‬وتبــرر مواقفهــا‬ ‫العدميـــة مـــن الشـــعب الفلســـطيني‬ ‫بكـــوارث ألمـــت باليهـــود فـــي الغـــرب‬ ‫وبخاصـــة المحرقـــة «الهولوكوســـت»‪.‬‬ ‫منطـــق القـــوة واألســـاطير والميثـــات‬ ‫التـــي تعتمدهـــا دولـــة االحتـــال فـــي‬ ‫حـــل الصـــراع مـــع الســـكان األصلييـــن‬ ‫(الشـــعب الفلســـطيني) تضفـــي تعقيـــدًا‬ ‫إضافيـــ ًا غيـــر مســـبوق علـــى تحـــرر‬ ‫الش ــعب الفلس ــطيني م ــن أط ــول احت ــال‬ ‫فــي عصرنــا‪ ،‬وتربــك كل مســعى دولــي‬


‫إليج ــاد تس ــوية سياس ــية‪ .‬ه ــذا الوض ــع‬ ‫الشـــائك دفـــع الشـــعب الفلســـطيني‬ ‫لخـــوض معـــارك صغيـــرة وكســـب‬ ‫نقــاط والعمــل علــى مراكمتهــا فــي مــدى‬ ‫زمنـــي طويـــل‪.‬‬ ‫وإن فلســـطيني اليـــوم هـــم ســـليلو‬ ‫الفلســـطينيين القدمـــاء‪ ،‬ينتمـــون‬ ‫لســـالة يبـــوس وأدوم الذيـــن كانـــوا‬ ‫األقـــدم فـــي فلســـطين بحســـب عالـــم‬ ‫االجتم ــاع اإلس ــرائيلي ب ــاروخ كمرلين ــغ‬ ‫ونظيـــره يوئيـــل مغـــدال فـــي كتابهمـــا‬ ‫«الفلسطـ ــينيون صي ــرورة ش ــعب» قب ــل‬ ‫أن يأتــي العبرانيــون‪ُ .‬تقــدم المؤسســات‬ ‫اإلســـرائيلية حكايـــة تاريخيـــة واحـــدة‬ ‫«لليهـــود» مســـنودة فقـــط باألســـاطير‪،‬‬ ‫وحضـــارة «يهوديـــة» منعزلـــة عـــن‬ ‫ســـائر الحضـــارات‪ ،‬تقدمهمـــا إســـرائيل‬ ‫لتحـــل مـــكان آالف الحكايـــات ومـــن‬

‫تعاق ــب الحض ــارات الت ــي حفره ــا الزم ــن‬ ‫ومـــا زالـــت معالمهـــا ظاهـــرة للعيـــان‪.‬‬ ‫قـــال الشـــاعر محمـــود درويـــش‪« :‬أنـــا‬ ‫نتـــاج جميـــع الثقافـــات التـــي عاشـــت‬ ‫ف ــي فلس ــطين كاليبوس ــية والفرعوني ــة‬ ‫واليهوديـــة واليونانيـــة والرومانيـــة‬ ‫والفارســـية واإلســـامية والعثمانيـــة‪،‬‬ ‫كل حضـــارة مـــرت مـــن هنـــا تركـــت‬ ‫ش ــيئ ًا مهمــاً‪ .‬أن ــا اب ــن ه ــذه الحض ــارات‬ ‫المتعاقبـــة علـــى أرض فلســـطين‬ ‫وشـــعبها المتجـــدد»‪ .‬اخفقـــت إســـرائيل‬ ‫فـــي اجتـــزاء حضـــارة لفئـــة ســـكانية‬ ‫وفصلهمـــا عـــن الســـياق التاريخـــي‪.‬‬ ‫فـــي اشـــتباك الحكايتيـــن رجحـــت‬ ‫كفـــة الحكايـــة الفلســـطينية وبقيـــت‬ ‫المفارقـــات ســـاطعة‪.‬‬ ‫فالحكايـــة اإلســـرائيلية تتدعـــم‬ ‫بثقافـــة القـــوة (الترســـانة العســـكرية)‬

‫وبالدعـــم األميركـــي الدائـــم‪ ،‬ورؤوس‬ ‫األمـــوال وتجـــار األراضـــي والمقاوليـــن‬ ‫ووكالء ثقافـــة القـــوة‪ .‬وتنتمـــي‬ ‫أليديولوجيـــة دينيـــة قوميـــة متعصبـــة‬ ‫هدفهـــا المضـــي فـــي االســـتيطان‬ ‫الكولونيالـــي وتهويـــد مدينـــة القـــدس‬ ‫وفــرض الفصــل العنصــري علــى الشــعب‬ ‫الفلســـطيني‪ ،‬والتحـــول إلـــى دولـــة‬ ‫ثيوقراطيـــة (دينيـــة) منعزلـــة‪.‬‬ ‫مقابـــل ذلـــك تتدعـــم الحكايـــة‬ ‫الفلســـطينية بالمكتشـــفات األثريـــة‬ ‫الجديـــدة‪ ،‬وبمواقـــف ونتاجـــات فكريـــة‬ ‫وأكاديميـــة لمفكريـــن وعلمـــاء دولييـــن‬ ‫ويهـــود وإســـرائيليين‪ ،‬وبمنظومـــة‬ ‫قواني ــن حق ــوق اإلنس ــان‪ .‬وبالتضام ــن‬ ‫العالمـــي الـــذي حـــول القضيـــة‬ ‫الفلســـطينية إلـــى قضيـــة العصـــر‪،‬‬ ‫وأدرجهـــا كبنـــد رئيـــس فـــي أجنـــدة‬ ‫‪75‬‬


‫النضـــال الكونـــي‪ .‬كان مـــن الالفـــت‬ ‫اســـتقطاب القضيـــة الفلســـطينية‬ ‫للمدافعيـــن عـــن قيـــم الحريـــة والعدالـــة‬ ‫وحقـــوق اإلنســـان وســـامة البيئـــة‪،‬‬ ‫والمناهضيـــن للحـــرب واالحتـــال‬ ‫والعولمـــة المتوحشـــة فـــي كل أنحـــاء‬ ‫العالـــم‪ .‬ولـــم يكـــن مـــن بـــاب الصدفـــة‬ ‫انحيـــاز المفكـــر األميركـــي اليهـــودي‬ ‫ناعـــوم تشومســـكي لحريـــة الشـــعب‬ ‫الفلســـطيني‪ ،‬وال دفـــاع البروفيســـور‬ ‫اليهـــودي األميركـــي المرمـــوق نورمـــان‬ ‫فنكلشـــتاين عـــن الشـــعب الفلســـطيني‬ ‫حي ــن ق ــال‪« :‬وال ــدي اعتق ــل ف ــي معس ــكر‬ ‫اوشـــفيتس‪ ،‬ووالدتـــي اعتقلـــت فـــي‬ ‫معســكر نــازي آخــر‪ ،‬وعائلتــي تعرضــت‬ ‫لإلب ــادة م ــن قب ــل النازيي ــن‪ ،‬رغ ــم ذل ــك‬ ‫اس ــمحوا ل ــي أن أق ــول‪ :‬ال ش ــيء أحق ــر‬ ‫مـــن اســـتغالل معانـــاة آبائـــي لتبريـــر‬ ‫جرائــم التعذيــب التــي ترتكبهــا إســرائيل‬ ‫ض ــد الفلس ــطينيين‪ ،‬ولتبري ــر الوحش ــية‬ ‫مـــارس عليهـــم‪ .‬مـــن لـــه قلـــب‬ ‫التـــي ُت‬ ‫ُ‬ ‫عليـــه أن يوفـــر دموعـــه للبـــكاء علـــى‬ ‫الفلس ــطينيين»‪ .‬نخ ــب أخ ــرى م ــن أرف ــع‬ ‫األكاديمييـــن والمثقفيـــن والفنانيـــن‬ ‫ـذو تشومس ــكي وفرنكلش ــتاين‪،‬‬ ‫ح ــذوا ح ـ َ‬ ‫أمثـــال‪ :‬المفكـــرة األميركيـــة جوديـــت‬ ‫باتلـــر‪ ،‬والكاتبـــة الكنديـــة نعومـــي‬ ‫كاليـــن والمغنـــي البريطانـــي إلفيـــس‬ ‫كوس ــتيلو‪ ،‬واألدي ــب البيروف ــي ماري ــو‬ ‫فارغـــاس لوســـا الحائـــز علـــى جائـــزة‬ ‫نوبـــل‪ ،‬والعالـــم البريطانـــي الشـــهير‬ ‫ســـتيفن هوكينـــغ‪ ،‬واحتفاليـــة اآلداب‬ ‫العالميــة التــي تضــم عشــرات المبدعيــن‬ ‫المتضامنيـــن‪ ،‬والرســـام الغرافيتـــي‬ ‫البريطانـــي الشـــهير بانكســـي الـــذي‬ ‫رســـم علـــى جـــدار الفصـــل العنصـــري‬ ‫لوحـــات فنيـــة مثيـــرة للدهشـــة‪ .‬وكان‬ ‫م ــن أه ــم نش ــاطات التضام ــن العالم ــي‬ ‫مـــع فلســـطين‪ :‬اختـــراق الحصـــار‬ ‫المفـــروض علـــى قطـــاع غـــزة بســـفن‬ ‫التضامــن‪ .‬إصــدار وثيقــة «نــداء العقــل»‬ ‫التــي وقــع عليهــا حوالــي ‪ 5‬آالف مثقــف‬ ‫عمـــا ال‬ ‫أوروبـــي تعتبـــر االســـتيطان‬ ‫ً‬ ‫أخالقيــاً‪ .‬وفعالي ــات ض ــد ج ــدار الفص ــل‬ ‫العنصـــري وهـــدم المنـــازل واقتـــاع‬ ‫‪76‬‬

‫األشـــجار‪ .‬والمقاطعـــة األكاديميـــة‬ ‫المتعاظمـــة إلســـرائيل‪.‬‬ ‫وثمـــة إنجـــازات صغيـــرة تحققـــت‬ ‫بتأثيـــر ودعـــم الجبهـــة الثقافيـــة‬ ‫أهمه ــا‪ :‬انضم ــام فلس ــطين إل ــى منظم ــة‬ ‫اليونســـكو‪ ،‬الـــذي يســـمح بالدفـــاع‬ ‫عـــن التـــراث التاريخـــي والثقافـــي‪،‬‬ ‫واالســـتفادة مـــن كل البرامـــج التـــي‬ ‫تقدمهــا المنظمــة الدوليــة‪ .‬ويفتــح جبهــة‬ ‫دولي ــة جدي ــدة ض ــد إس ــرائيل‪ ،‬فالكثي ــر‬ ‫مـــن المعالـــم الثقافيـــة التـــي تســـيطر‬ ‫عليهـــا دولـــة االحتـــال ســـتصبح مـــن‬ ‫حـــق فلســـطين‪ ،‬وبخاصـــة مدينـــة‬ ‫القـــدس الزاخـــرة باألماكـــن المقدســـة‬ ‫والمعالـــم التاريخيـــة‪ .‬وســـيتيح‬ ‫تقدي ــم طلب ــات انضم ــام لمرك ــز الت ــراث‬ ‫العالم ــي‪ .‬وم ــن الجدي ــر بالذك ــر أن ل ــدى‬ ‫فلس ــطين ‪ 20‬ملف ـ ًا لتقديمه ــا‪ ،‬وبخاص ــة‬ ‫ح ــول الحفري ــات تح ــت وح ــول المس ــجد‬ ‫األقصـــى وحـــول كنيســـة المهـــد فـــي‬ ‫مدينـــة بيـــت لحـــم‪ .‬وأكثريـــة الـــدول‬ ‫األعضـــاء (‪ )107‬انتصـــروا لفلســـطين‬ ‫فيمـــا عـــارض القـــرار ‪ 14‬عضـــواً‪ ،‬فـــي‬ ‫مقدمته ــا إس ــرائيل والوالي ــات المتح ــدة‬ ‫الت ــي مارس ــت ضغوطــ ًا إلفش ــال الق ــرار‬ ‫وتوقفـــت عـــن دعـــم المنظمـــة الدوليـــة‬ ‫ماليـــ ًا بعـــد الفـــوز‪.‬‬ ‫قبـــول فلســـطين عضـــوًا مراقبـــ ًا‬ ‫فـــي األمـــم المتحـــدة‪ ،‬فتـــح األبـــواب‬ ‫أمـــام انضمـــام فلســـطين إلـــى ‪62‬‬ ‫اتفاقيـــة ومعاهـــدة ومؤسســـة دوليـــة‪.‬‬ ‫وكانـــت البدايـــة طلـــب االنضمـــام‬ ‫إلـــى ‪ 15‬معاهـــدة واتفاقيـــة دوليـــة‬ ‫كاتفاقيـــة الهـــاي المتعلقـــة بقوانيـــن‬ ‫وأعـــراف الحـــرب‪ ،‬واتفاقيـــات جنيـــف‬ ‫األربـــع‪ ،‬التـــي تنـــص علـــى حمايـــة‬ ‫المدنييـــن وقـــت الحـــرب‪ ،‬وتعتـــرف‬ ‫بحـــركات التحـــرر الوطنـــي‪ ،‬وبأســـرى‬ ‫حـــركات المقاومـــة‪ .‬وشـــمل التوقيـــع‬ ‫علـــى العهديـــن الدولييـــن‪ ،‬واتفاقيتـــي‬ ‫مناهضـــة التعذيـــب‪ ،‬وحقـــوق الطفـــل‪،‬‬ ‫واتفاقيــة إزالــة كل أشــكال التمييــز ضــد‬ ‫النس ــاء‪ .‬إن قب ــول فلس ــطين عض ــوًا ف ــي‬ ‫هـــذه االتفاقـــات والمعاهـــدات إضافـــة‬ ‫لعضويـــة مراقـــب فـــي األمـــم المتحـــدة‬

‫ســـيضع أساســـ ًا قانونيـــ ًا لتغييـــر‬ ‫قواع ــد العملي ــة السياس ــية‪ ،‬فاألراض ــي‬ ‫الفلســـطينية ســـتصبح أراضـــي لدولـــة‬ ‫محتل ــة وش ــعب تح ــت االحت ــال عوض ـ ًا‬ ‫عـــن أراض متنـــازع عليهـــا وتصبـــح‬ ‫إســـرائيل ملزمـــة بتطبيـــق القانـــون‬ ‫الدولـــي‪.‬‬ ‫«أعل ــن نتنياه ــو ع ــن إلغ ــاء مخط ــط‬ ‫برافـــو»‪ ،‬المخطـــط الـــذي يتضمـــن‬ ‫اســـتيالء دولـــة االحتـــال علـــى ‪700‬‬ ‫أل ــف دون ــم م ــن األراض ــي الفلس ــطينية‬ ‫فـــي النقـــب‪ ،‬وتهجيـــر ‪ 70‬ألفـــ ًا مـــن‬ ‫الب ــدو الفلس ــطينيين منه ــا إل ــى مناط ــق‬ ‫ومســـاكن معزولـــة‪ ،‬وبنـــاء إحـــدى‬ ‫عش ــرة مس ــتوطنة وتوطي ــن ‪ 300‬أل ــف‬ ‫إســـرائيلي فـــي األراضـــي المصـــادرة‪.‬‬ ‫التراجــع اإلســرائيلي يعــد إنجــازًا رمزيـ ًا‬ ‫ال يق ــل أهمي ــة ع ــن إنج ــاز ي ــوم األرض‪.‬‬ ‫تحقـــق هـــذا اإلنجـــاز بفعـــل نضـــال‬ ‫ســـلمي مثابـــر ومتواصـــل علـــى مـــدى‬ ‫عاميـــن‪ ،‬وكان ملحمـــة صمـــود ظافـــرة‬ ‫صنعهـــا شـــبان وشـــابات ومواطنـــون‬ ‫ف ــي الجلي ــل والمثل ــث والنق ــب (مناط ــق‬ ‫‪ )48‬بم ــؤازرة ودع ــم الضف ــة والقط ــاع‪،‬‬ ‫وتضامـــن قـــوى ســـام إســـرائيلية‬ ‫ومتضامنيـــن عالمييـــن وإعالمييـــن‬ ‫وإعالميـــات‪.‬‬ ‫والشـــابات‬ ‫الشـــبان‬ ‫دخـــل‬ ‫والمواطنـــون والمتضامنـــون األراضـــي‬ ‫المصـــادرة وشـــرعوا فـــي بنـــاء قـــرى‬ ‫مـــن الخيـــام فوقهـــا‪ .‬عمـــل رمـــزي ذو‬ ‫مغــزى كبيــر هــو حمايــة األرض‪ ،‬أربــك‬ ‫ســـلطات االحتـــال التـــي ردت عليـــه‬ ‫بالتدميـــر وبالقـــوة المفرطـــة‪ .‬كانـــت‬ ‫البدايـــة بنـــاء قريـــة «بـــاب الشـــمس»‬ ‫اســـم روايـــة األديـــب اللبنانـــي إليـــاس‬ ‫خ ــوري ال ــذي تفاج ــأ ب ــأن دعوت ــه ف ــي‬ ‫الروايـــة لبنـــاء قريـــة لألحـــرار تترجـــم‬ ‫علـــى أرض فلســـطين‪ .‬هدمـــت ســـلطات‬ ‫االحت ــال ب ــاب الش ــمس وأعي ــد بناؤه ــا‬ ‫مـــرة ثانيـــة‪ ،‬وتكـــررت محاولـــة بنـــاء‬ ‫ق ــرى «أحف ــاد يون ــس» «ب ــاب الكرام ــة»‬ ‫«كنعـــان» «عيـــن حجلـــة» فـــي مناطـــق‬ ‫القـــدس واألغـــوار والخليـــل‪.‬‬


‫صيد اللؤلؤ‬

‫دكتور محمد عبد المطلب‬

‫اللغة العربية والهوية‬ ‫ف ــي واح ــد م ــن أه ــم كت ــب عب ــاس العق ــاد‪« :‬اللغ ــة الش ــاعرة»‬ ‫الحي ــة‬ ‫تن ــاول في ــه اللغ ــة العربي ــة ومكانته ــا بي ــن لغ ــات العال ــم ّ‬ ‫فـــي الشـــرق والغـــرب‪ ،‬وكيـــف أجمـــع علمـــاء اللغـــات علـــى أن‬ ‫هـــذه اللغـــة تتـــراءى فيهـــا طبيعـــة أهلهـــا بصفاتهـــم وصفـــات‬ ‫أوطانه ــم م ــن كلماته ــم وألفاظه ــم‪ ،‬كم ــا يت ــراءى لن ــا م ــن ه ــذه‬ ‫اللغـــة أطـــوار المجتمـــع العربـــي مـــن مـــادة األلفـــاظ ومفـــردات‬ ‫األســـلوب الواقعـــي واألســـلوب المجـــازي‪.‬‬ ‫وهـــذه الحقيقـــة التـــي أشـــار إليهـــا العقـــاد يمكـــن توثيقهـــا‬ ‫بمتابعـــة المعاجـــم العربيـــة‪ ،‬ذلـــك أن مفـــردات هـــذه المعاجـــم‬ ‫تعكـــس طبيعـــة المجتمـــع العربـــي بـــكل مســـتوياته وبـــكل‬ ‫ثقافاتـــه‪ ،‬بـــدءًا مـــن المفـــردات التـــي تتنـــاول بدايـــات التكويـــن‬ ‫لهـــذا المجتمـــع فـــي كتلـــه الكبـــرى وفـــي كتلـــه المتوســـطة ثـــم‬ ‫الصغــرى‪ ،‬وفــي تجمعاتــه الموحــدة والمتفرقــة‪ ،‬فعلــى مســتوى‬ ‫الكثـــرة الجماعيـــة نتابـــع مفـــردات‪( :‬األمـــة والشـــعب والقـــوم‬ ‫والجماعـــة)‪ ،‬وعلـــى مســـتوى التكوينـــات المحـــددة جماعيـــاً‪،‬‬ ‫هن ــاك مف ــردات‪( :‬القبيل ــة والعائل ــة والجي ــل والطائف ــة والفئ ــة)‪،‬‬ ‫وعلـــى مســـتوى البيئـــة الســـكنية‪ ،‬هنـــاك مفـــردات‪( :‬الـــدار‬ ‫والبي ــت والمن ــزل والخيم ــة)‪ ،‬وعل ــى مس ــتوى البيئ ــة الطبيعي ــة‬ ‫العلوي ــة‪ ،‬هن ــاك‪( :‬الس ــماء والنج ــوم والش ــمس والقم ــر والمط ــر‬ ‫والغيــث والســحاب والريــاح‪ ،‬والطبيعــة األرضيــة لهــا مفرداتهــا‬ ‫مـــن مثـــل‪( :‬الصحـــراء والجبـــال والرمـــال والصخـــور)‪ ،‬وعلـــى‬ ‫مســـتوى وســـائل التنقـــل‪ ،‬هنـــاك‪( :‬الخيـــل والبغـــال والحميـــر‬ ‫والجم ــال)‪ ،‬ث ــم تتاب ــع المف ــردات الحيواني ــة م ــن الغ ــزال والبق ــر‬ ‫والغنــم والــكالب وغيرهــا مــن المفــردات التــي صاحبــت المجتمــع‬ ‫العرب ــي ف ــي بدايات ــه وف ــي تحوالت ــه الحياتي ــة والثقافي ــة‪ ،‬وم ــن‬ ‫يق ــرأ كت ــاب (الثعالب ــي) «فق ــه اللغ ــة وس ـّـر العربي ــة» يق ــف عل ــى‬ ‫حقيقـــة اللغـــة العربيـــة ومـــدى تعبيرهـــا عـــن الهويـــة العربيـــة‬ ‫فـــي النشـــأة‪ ،‬ثـــم مـــرور المجتمـــع بمجموعـــة مـــن التحـــوالت‬ ‫الحضاريـــة والثقافيـــة التـــي اســـتدعت مفـــردات جديـــدة تعبـــر‬ ‫عنهـــا‪ ،‬وقـــد جمـــع الثعالبـــي مـــن مفـــردات اللغـــة العربيـــة مـــا‬ ‫يتصـــل منهـــا باللـــون والمـــرض والـــدواء والحيـــوان واإلنســـان‬ ‫والملبـــس والســـاح والطعـــام والشـــراب والـــزرع والنبـــات‬ ‫والزمـــن‪.‬‬ ‫إن متابعــة المعجــم اللغــوي فــي مفرداتــه الدالــة علــى الهويــة‬

‫هائـــا مـــن هـــذه المفـــردات‬ ‫العربيـــة‪ ،‬ســـوف تقـــدم لنـــا كمـــ ًا‬ ‫ً‬ ‫المعبــرة عــن الهويــة الفرديــة والجماعيــة‪ ،‬وهــي مفــردات مازالــت‬ ‫حاضـــرة فـــي الذاكـــرة‪ ،‬وحاضـــرة فـــي االســـتعمال الحياتـــي‬ ‫والفكـــري‪ ،‬لكـــن كثيـــرًا مـــن دالالت هـــذه المفـــردات قـــد هجـــرت‬ ‫معانيهـــا القديمـــة وامتـــأت بـــدالالت جديـــدة تناســـب التطـــور‬ ‫ـا‪( :‬الس ــيارة) الت ــي‬ ‫الحض ــاري للمجتم ــع العرب ــي‪ ،‬م ــن ذل ــك مث ـ ً‬ ‫كانــت تــدل قديم ـ ًا علــى (القافلــة التــي تســير)‪ ،‬ومفــردة (القطــار)‬ ‫التـــي كانـــت تـــدل علـــى‪( :‬قافلـــة الجمـــال التـــي يتبـــع بعضهـــا‬ ‫بعض ـاً)‪ ،‬وكذل ــك‪( :‬الطائ ــرة والمدف ــع والدباب ــة والدراج ــة)‪ ،‬وق ــد‬ ‫تغيـــرت داللتهـــا لتعبـــر عـــن مجموعـــة مـــن أدوات الحضـــارة‪،‬‬ ‫دون أن ينفــي ذلــك وجــود عالقــة بيــن المعنــى القديــم والمعنــى‬ ‫الجدي ــد‪.‬‬ ‫ويكفـــي هنـــا أن نتابـــع ‪ -‬فقـــط ‪ -‬معجـــم (الزمـــن) لنـــدرك‬ ‫مـــدى تعبيـــره عـــن الهويـــة العربيـــة الزمنيـــة‪ ،‬ولـــن نعـــرض‬ ‫هنـــا لمـــا أســـماه النحـــاة (ظـــرف الزمـــان) برغـــم أهميتـــه فـــي‬ ‫ه ــذا الس ــياق‪ ،‬كم ــا ل ــن نع ــرض لصيغ ــة (األفع ــال) ب ــكل بعده ــا‬ ‫الزمنـــي (الماضـــي والحاضـــر والمســـتقبل)‪ ،‬وإنمـــا نعـــرض‬ ‫للصيغ ــة االس ــمية الت ــي تابع ــت الزم ــن متابع ــة جزئي ــة وكلي ــة‬ ‫وجغرافي ــة‪ ،‬فس ــاكن البادي ــة ل ــه مفردات ــه الزمني ــة المالئم ــة ل ــه‬ ‫مث ــل‪( :‬البك ــرة والضح ــى والغ ــدوة والظهي ــرة والقائل ــة والعص ــر‬ ‫واألصيـــل والمغـــرب والعشـــاء‪ ،‬ثـــم الهزيـــع األول مـــن الليـــل‪،‬‬ ‫والســـحر والفجـــر والشـــروق)‪ ،‬ثـــم تأتـــي مفـــردات‬ ‫واألوســـط َّ‬ ‫الزمـــن المحـــددة بالســـاعات والدقائـــق‪ ،‬ثـــم يتســـع الزمـــن‬ ‫الســـتيعاب المواســـم والفصـــول والســـنة والحـــول والقـــرن‪،‬‬ ‫ث ــم يضي ــق بع ــض الش ــيء م ــع مف ــردات (اللي ــل والنه ــار)‪ ،‬ث ــم‬ ‫يضيـــق أكثـــر مـــع مفـــردات (الوقـــت والمـــدة والبرهـــة والفتـــرة‬ ‫والـــردح)‪.‬‬ ‫إن ه ــذا الوع ــي الزمن ــي ال ــذي احتفظ ــت ب ــه الذاك ــرة اللغوي ــة‬ ‫يكشـــف عـــن أن هـــذه اللغـــة امتلكـــت مجموعـــة مـــن الحقـــول‬ ‫الصياغيـــة المعبـــرة عـــن الهويـــة الثقافيـــة للمجتمـــع العربـــي‪،‬‬ ‫أي أنه ــا صي ــغ ثقافي ــة بالدرج ــة األول ــى له ــا طبيعته ــا التراكمي ــة‬ ‫القـــادرة علـــى مالحقـــة الحاضـــر بـــكل قفزاتـــه الحضاريـــة‬ ‫والثقافيـــة والعلميـــة‪.‬‬ ‫‪77‬‬


‫أدب‬

‫مقاالت‬

‫قالئــل الذيــن يعرفــون عبــاس محمــود‬ ‫العقــاد فــي إيطاليــا‪ ،‬خالف ـ ًا لعميــد األدب‬ ‫العربــي طــه حســين‪ .‬هــا هنــا مقــال‬ ‫يضــيء هــذا الجانــب المجهــول عــن أدبنــا‬ ‫فــي لغــة دانتــي‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫‪86‬‬

‫نصوص‬

‫قصائد الخريف ‪ ..................................‬سالم أبو شبانة‬

‫قصص انفصال الشبكية‬ ‫سلسبيل ‪...............................................‬عيل الدكروري‬ ‫نمر واثب ‪.............................................‬أحمد ثامر جهاد‬ ‫‪................‬منير عتيبة‬

‫‪78‬‬


‫ترجمات‬

‫مختارات شعرية لجوليا هرتفيغ‬ ‫ترجمها عن اإلنكليزية مازن معروف‪.‬‬

‫قصة المرايا المروضة‬ ‫ّ‬ ‫ترجمها عن اإلسبانية كاميران حاج محمود‬

‫نص لميالن كونديرا‬ ‫ترجمها عن الفرنسية محمد بنعبود‪.‬‬

‫حوار‬ ‫يوسف القعيد في عامه السبعين‪:‬‬

‫‪78‬‬

‫شكراً لمن ساهم باإلبداع في خدمة قضايا بلده‬ ‫في عامه السبعين‪ ،‬يطل األديــب المصري يوسف القعيد‪ ،‬على شــؤون الكتابة‬ ‫الخاصة‪ ،‬وتجربة جيله أيضاً‪ .‬وبالطبع فإن استلهام الربيع‬ ‫ّ‬ ‫وشجونها‪ ،‬عن تجربته‬ ‫العربي في الرواية‪ ،‬كان من المواضيع التي استفاض فيها القعيد ها هنا في هذا الحوار‪.‬‬

‫كتب‬ ‫اللغة التي تُنْجينا من‬ ‫المأساة وتوقِعُ نا بها‬ ‫تــؤدي اللغــة فــي روايــة بريــد‬ ‫الغــروب ألحمــد علــي الزيــن دورًا‬ ‫أساســي ًا عبــر إدخــال الســير‬ ‫واالحــداث إلــى عوالــم شــعرية‬ ‫وتراجيديــة‪ ،‬وتش ـّدها إلــى منطقــة‬

‫تتأرجــح بيــن الواقــع والقامــوس‬

‫‪116‬‬

‫تحية إلى عبد الكبير الخطيبي‬

‫‪118‬‬

‫ـدت غــدًا هــو عنــوان كتــاب‬ ‫ولـ ُ‬ ‫جديــد جميــل‪ ،‬يحتفــي بالمغربــي‬ ‫الراحــل عبــد الكبيــر الخطيبــي‪،‬‬ ‫ولعلهــا مــن المــرات النــادرة‬ ‫التــي تأخــذ فيهــا عائلــة المثقــف‬ ‫مبــادرة نبيلــة كهــذه‪ ،‬فــي إصــدار‬ ‫كتــاب يجمــع مــا بيــن الشــهادات‬ ‫الشــخصية والدراســات العلميــة‪.‬‬

‫‪79‬‬


‫يوسف القعيد يف عامه السبعين‪:‬‬ ‫شكر ًا ملن ساهم باإلبداع‬ ‫يف خدمة قضايا بلده‬ ‫حوار ‪ -‬حسني عبد الرحيم‬

‫يتذكــر الكاتــب يوســف القعيد مــا كتبه نجيب محفــوظ عن رواية الثورات‪ ،‬ومســتقبل اإلســام‬ ‫َّ‬ ‫محمد حسين هيكل ورواية‬ ‫السياسي‪ ،‬وكيف يصبغ رؤى األدباء‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ويتذكر هيكل السياسي‪ ،‬ود‪ّ .‬‬ ‫زينــب‪ ،‬ويتحــّدث عن الرواية العربية الجديدة والجوائز‪ ،‬وجائــزة قطر للرواية‪ ،‬وحصاد رحلة‬ ‫كتابــات وكّتاب الســتينيات‪ ،‬وعالقة الصحافة بالرواية واإلبــداع‪ .‬يحدثنا عن ذلك كلّه ابن قرية‬ ‫ال إبداعيــ ًا ما بين القص والرواية والمذكرات‪،‬‬ ‫(الضهريــة‪ ،‬بحيــرة)‪ ،‬الذي َق َّدم أكثر من ثالثين عم ً‬ ‫بر مصر»‬ ‫والحاصــل علــى جائزة الدولة التقديرية‪ ،‬وقد قّدمت له الســينما المصرية‪« :‬الحرب في ّ‬ ‫و«يحدث في مصر اآلن»‪ ،‬و«الحداد»‪.‬‬

‫§ مــا موقفــك أو شــعورك وأنــت‬ ‫تطــرق عتبــات الســبعين ومــا هــي أبــرز‬ ‫تتذكرهــا فــي‬ ‫المواقــف واألحــداث التــي َّ‬ ‫هــذا اليــوم؟‬ ‫ هنــاك رهبــة وخــوف ودهشــة‬‫كل إنســان يعــرف تاريــخ‬ ‫وتســاؤل‪ّ ،‬‬ ‫ميــاده‪ ،‬لكنــي ال أتصــور أبــدًا أننــي‬ ‫‪80‬‬

‫بلغــت الســبعين‪ ،‬إال عندمــا اتصلــوا بــي‬ ‫فــي دار الهــال ليقولــوا إنهــم ســيقيمون‬ ‫احتفا ًال بســيط ًا لســبعينيتي‪ .‬أنت تعرف‬ ‫أننــي فــاح ولــدت فــي قريــة الضهريــة‪،‬‬ ‫إيتــاي البــارود‪ ،‬البحيــرة وعشــت فيهــا‬ ‫الـــ ‪ 25‬ســنة األولــى مــن عمري‪.‬ولم نكن‬ ‫نحتفــل فيهــا بعيــد ميــاد‪ ،‬ال أبــي وال‬ ‫أمــي وال أنــا وال أخواتــي‪ .‬عيــد الميــاد‬

‫اختــراع مدينــي‪ ،‬وال أخفــي أننــي عندمــا‬ ‫اســتمعت إلــى عبــد الحليــم (عقبالــك‬ ‫يــوم ميــادك يــوم مــا تنــول إللــي شــغل‬ ‫بالــك) اســتغربت‪ ،‬ثــم رحلــت إلــى‬ ‫القاهــرة‪ .‬ووجــدت نفســي وجه ـ ًا لوجــه‬ ‫أمــام أعيــاد الميــاد‪ ،‬وأصبحــت جــزءًا‬ ‫مــن وجدانــي‪ .‬وال أنســى ســنة ‪،1961‬‬ ‫عندمــا أقــام هيــكل احتفــا ًال فــي جريــدة‬


‫األهــرام بعيــد ميــاد محفوظ الخمســين‪.‬‬ ‫كان صــاح جاهيــن ‪-‬حســب مــا رواه‬ ‫لــي نجيــب فيمــا بعــد‪ -‬قــد ذهــب إلــى‬ ‫هيــكل ليســتأذن فــي تخصيــص قاعــة‬ ‫األهــرام الكبــرى لالحتفــال بعيــد ميــاد‬ ‫نجيــب‪ .‬فــي ذلــك الوقــت لــم يكــن نجيــب‬ ‫كاتبــ ًا فــي األهــرام‪ ،‬ولــم يكــن ينشــر‬ ‫أعمالــه فــي األهــرام‪ ،‬باســتثناء الروايــة‬ ‫(األزمــة) «أوالد حارتنــا» التــي أقامــت‬ ‫الدنيــا ولــم تقعدهــا‪.‬‬ ‫لكــن (هيــكل) قــال لصــاح جاهيــن‪:‬‬ ‫نحــن الذيــن ســنقيم هــذا االحتفــال‬ ‫لنجيــب محفــوظ‪ .‬وكانــت المــرة األولى‪،‬‬ ‫فــي الواقــع الثقافــي المصــري‪ ،‬التــي‬ ‫يقــام فيهــا حفــل بهــذا المســتوى‪ ،‬ألن‬ ‫نجيــب محفــوظ حكــى لــي إنــه فــي هــذا‬ ‫الحفــل رأى ألول مــرة وآلخــر مــرة أيض ًا‬ ‫أم كلثــوم‪ ،‬التــي أعجــب بهــا لدرجــة أنــه‬ ‫أطلــق علــى ابنتــه الكبــرى اســمها‪ ،‬ولــم‬ ‫يبــق فــي مصــر‪ ،‬فــي الواقــع الثقافــي‬ ‫َ‬ ‫والفنــي والصحافــي‪ ،‬إنســان يمثّــل‬ ‫قيمــة إال دعــاه هيــكل لالحتفــال بنجيــب‬ ‫محفــوظ‪.‬‬ ‫حســب دراســات علــم النفــس فــإن‬ ‫الذاكــرة ال تولــد مــع اإلنســان‪ ،‬لكنهــا‬ ‫تتكــون بعــد ذلــك عبــر سلســلة مــن‬ ‫َّ‬ ‫أتذكــر صديقــة كانــت‬ ‫التجــارب‪ ،‬أنــا َّ‬ ‫بالقــرب مــن منزلنــا ليســت صديقــة‬ ‫لمنزلنــا ألننــي ولــدت ونشــأت وتربيــت‬ ‫فــي أســرة فقيــرة لكنهــا كانــت صديقــة‬ ‫ألغنيــاء يعيشــون بالقــرب منهــا‪.‬‬ ‫وأتذكــر حكايــات أمــي ‪-‬يرحمهــا اهلل‪-‬‬ ‫عــن الوبــاء الــذي ضــرب مصــر فــي‬ ‫أيامــي األولــى‪ ،‬وعــن البعثــة الطبيــة‬ ‫التــي جــاءت وســكنت فــي خيــام فــي‬ ‫الوســعاية‪ .‬ويومهــا وقــع ابــن العمــدة‬ ‫فــي غــرام الممرضــة‪ ،‬وحدثــت مشــكلة‪،‬‬ ‫وأتذكــر أيضـ ًا رحلــة قمــت بهــا مــع أبــي‬ ‫إلــى قريــة فــي الناحيــة األخــرى مــن نهر‬ ‫النيــل (فــرع رشــيد) لكــي نذهــب إلــى‬ ‫شــيخ ليكتــب لــي حجابـ ًا حتــى ال أمــوت‬ ‫مثــل األشــقاء الذيــن ســبقوني‪ .‬ومــا‬ ‫زالــت طقــوس هــذه الرحلــة ماثلــة فــي‬ ‫خيالــي كأنهــا جــرت باألمــس‪ :‬وضــع‬ ‫الشــيخ يــده علــى رأســي وكتــب لــي‬

‫فكه وال‬ ‫حجابـ ًا بقلــم أحمــر( لــم أســتطع ّ‬ ‫قراءتــه)‪ ،‬وكان تحذيــره األساســي لــي‬ ‫أال تمــس الحجــاب‪ ،‬ألنــه إن ابتــل بالمــاء‬ ‫ســأموت فــوراً‪.‬‬ ‫ـتحم‬ ‫وقــد حــدث بعــد هــذا أن نزلت أسـ ّ‬ ‫فابتــل الحجــاب بالمــاء‪،‬‬ ‫فــي النيــل‬ ‫ّ‬ ‫وعشــت أيامــ ًا وليالــي مخيفــة أنتظــر‬ ‫َ‬ ‫المــوت أكثــر مــن مســألة المــوت حاولــت‬ ‫ـل عــن‬ ‫أن أخفــي أمــر الحجــاب الــذي ابتـ َّ‬ ‫أبــي وأمــي خوفــ ًا مــن العقــاب‪ ،‬لكــن‬ ‫أكــدت لــي الدجــل‬ ‫المبكــرة َّ‬ ‫هــذه الحادثــة ّ‬ ‫والشــعوذة فــي أعمــال هــؤالء الشــيوخ‬ ‫المنتشــرين فــي قــرى ريــف مصــر‪.‬‬ ‫ألننــي رأيــت بقدســية أبــي لهــذا الشــيخ‪،‬‬ ‫ـن ينتظــرون المثول‬ ‫وشــاهدت بعينــي َمـ ْ‬ ‫ـوزع أموالــه‬ ‫بيــن يديــه‪ ،‬ورأيــت أبــي يـ ِّ‬ ‫علــى مــن يحيطــون بالشــيخ حتــى‬ ‫ندخــل فــي دورنــا‪ ،‬ومــع هــذا فقــد بــاع‬ ‫لنــا الشــيخ وهمــاً‪ ،‬وهــذا الوهــم لــم‬ ‫أتكلــم فيــه مــع أحــد علــى اإلطالق‪،‬لكــن‬ ‫َّ‬ ‫ا فــي وجدانــي‪.‬‬ ‫درســه لــم يــزل ماثــ ً‬ ‫§ بعــد االحتفاليــة التــي أقامتهــا لــك‬ ‫مؤسســة دار الهــال بمناســبة بلــوغ‬ ‫المؤسســين الذيــن‬ ‫الســبعين كونــك مــن‬ ‫ِّ‬ ‫ســاهموا فــي تأسيســها‪ ،‬كيــف تــرى‬ ‫عالقــة المبــدع بالصحافــة؟ وكيــف أثّــر‬ ‫كال المســارين فــي اآلخــر عبــر مشــوارك‬ ‫اإلبداعــي؟‬ ‫ كثيــرًا مــن األدبــاء الذيــن عملــوا‬‫فــي الصحافــة يتحدثــون عــن الصحافــة‬ ‫باعتبارهــا «مقبــرة» األدب‪ .‬وأنــا أرى‬ ‫غيــر ذلــك تمامــاً‪ ،‬فالعمــل الصحافــي‬ ‫يوِفّــر الوقــت للكاتــب‪ ،‬كمــا أنــه ِّ‬ ‫يمكــن‬ ‫مــن رؤيــة الشــوارع الخلفيــة فــي حيــاة‬ ‫والمعقــدة‪ ،‬لكــن بشــرط‬ ‫المــدن المركبــة‬ ‫َّ‬

‫ال ب ّد أن تفصل‬ ‫الروائي فترة زمنية‬ ‫كافية عن الحدث‬ ‫الذي يكتب عنه‬

‫أن يفصــل األديــب بيــن عملــه الصحافــي‬ ‫وكتابتــه األدبيــة وأن تمثــل مقولــة‬ ‫همنجــواي الشــهيرة جــدًا «تناســب‬ ‫الصحافــة الروائــي تمامــ ًا بشــرط أن‬ ‫يعــرف الوقــت الــذي يهجرهــا فيــه»‪.‬‬ ‫فأزمتــي مــع الصحافــة إننــي كلمــا‬ ‫فكــرت فــي الكتابــة عــن تجربتــي‬ ‫الصحافيــة‪ ،‬وقفــت أعمــال فتحــي‬ ‫ا أمامــي‪ ،‬أخشــى أننــي ال‬ ‫غانــم حائــ ً‬ ‫أســتطيع تجــاوز أعمــال فتحــي غانــم‬ ‫فــي روايتيــه‪« :‬الرجــل الــذي فقــد ظلــه»‬ ‫و«زينــب والعــرش»‪.‬‬ ‫§ ذكــر جمــال الغيطانــي‪ -‬وهــو مــن‬ ‫مجايليــك‪ -‬أن القعيــد أديــب كبيــر لــم‬ ‫يحصــل علــى مــا يســتحقه مــن االهتمــام‬ ‫حتــى اآلن‪ ،‬كيــف تفســر ذلــك؟‬ ‫ مــا قالــه جمال الغيطانــي في كلمته‬‫قالــه هيــكل مرتيــن‪ :‬األولــى فــي كلمتــه‬ ‫المنشــورة عنــي فــي العــدد األخيــر مــن‬ ‫مجلــة الهــال‪ ،‬حيــث قــال إننــي لــم آخــذ‬ ‫حقــي الــذي أســتحقّه‪ ،‬والثانيــة فــي‬ ‫تقديمــه لروايتــي فــي الطبعــة الثانيــة‬ ‫لقطــار الصعيــد‪ ،‬وإن كان هيــكل يقــول‬ ‫لــي‪« :‬أنــا أريــدك هكــذا أبــداً‪ ،‬بهواجســك‬ ‫وتســاؤالتك وهمومــك والظلــم الرهيــب‬ ‫الواقــع عليــك‪ ،‬ألن هــذا الظلــم ممكــن أن‬ ‫يكــون دافع ـ ًا للكتابــة»‪.‬‬ ‫هــذا الظلــم وقصتــه الطويلــة معــي‪،‬‬ ‫والــكالم عــن أســبابه يحتــاج إلــى‬ ‫تذكرتــه‪ ،‬تذكــرت‬ ‫مجلــدات‪ ،‬ولكنــي كلمــا ّ‬ ‫قــول أمــي‪« :‬يــا بخــت مــن بــات مظلــوم‬ ‫وال باتــش ظالــم»‪.‬‬ ‫§ ليتــك تحِّدثنــا عــن مســيرة كّتــاب‬ ‫وجيــل الســتينيات‪ ،‬وكيــف تــرى حصاد‬ ‫كتابــات هــذا الجيــل وكّتابــه؟‬ ‫ جيــل الســتينيات ُي َعـّد أنبــل وأجمــل‬‫ظاهــرة أدبيــة فــي القــرن العشــرين‪.‬‬ ‫وبالنســبة للروايــة والقصــة فــإن كان‬ ‫أســس الروايــة‬ ‫د‪.‬حســين هيــكل قــد َّ‬ ‫بروايتــه «زينــب» التــي صــدرت عــام‬ ‫‪ ،1914‬وإن كان نجيــب محفــوظ‬ ‫‪81‬‬


‫أصلــوا هــذا الفــن بكتاباتهــم‬ ‫وجيلــه قــد َّ‬ ‫األدبيــة الغزيــرة‪ ،‬فــإن جيــل الســتينيات‬ ‫هــو صاحــب المغامــرة الكبــرى فــي‬ ‫الكتابــة األدبيــة‪ ،‬حيــث خــرج مــن‬ ‫الكتابــة المســتقرة والســرد األحــادي‬ ‫الجانب‪،‬وتــرك الطــرق التــي اهتــرأت‬ ‫مــن كثــرة المشــي فيهــا‪ ،‬إلــى بــكارة‬ ‫الدهشــة والقــدرة علــى طــرح األســئلة‬ ‫ومحاولــة تجــاوز كل مــن ســبقونا‬ ‫فــي الكتابــة‪ .‬أعــرف أن محمــد حافــظ‬ ‫رجب‪،‬أطــال اهلل فــي عمــره‪ ،‬أطلــق‬ ‫مدويــة فــي النصــف األول مــن‬ ‫صرخــة ِّ‬ ‫القــرن الماضــي‪ ،‬حيــن قــال‪« :‬نحــن جيل‬ ‫بــا أســاتذة»‪ .‬فهــو يعتــرف بأنــه نشــأ‬ ‫وترعــرع وتربــى مــن دون أن يكــون لــه‬ ‫معلمــون‪ ،‬ومهمــا كانــت الموهبــة متدِفّقة‬ ‫مهــم جــدًا ألي مبــدع‪.‬‬ ‫فالمعلــم ّ‬ ‫المقربيــن لشــيخ الروايــة‬ ‫§ كنــت مــن‬ ‫َّ‬ ‫العربيــة نجيــب محفوظ‪ ،‬فليتــك تحدثنا‬ ‫يخــص مســتقبل‬ ‫عــن نبوءاتــه فــي مــا‬ ‫ّ‬ ‫المعرفــة وظاهــرة اإلســام السياســي‬ ‫ومســتقبل حريــة اإلبــداع‪.‬‬ ‫ كثيــرون مــن كّتــاب السياســة مــن‬‫يتحدثــون عــن‬ ‫أعــداء ثــورة يوليــو ‪،52‬‬ ‫َّ‬ ‫الســجون والمعتقــات التــي كانــت فــي‬ ‫ســتينيات القــرن الماضــي‪ ،‬وأنــا ضّدهــا‬ ‫علــى طــول الخــط‪ ،‬ألنــه ال يوجــد مبـِّـرر‬ ‫واحــد لتقييــد حريــة إنســان مهمــا كان‬ ‫المبـِّـرر‪ .‬لكــن‪ -‬علــى الجانــب اآلخــر‪ -‬فإن‬ ‫منــاخ يوليــو ازدهــر مــن خــال إبداعــات‬ ‫أدبيــة لــم تحــدث فــي تاريــخ مصــر‪ ،‬ال‬ ‫قبــل يوليــو وال بعــد عبــد الناصــر‪ ،‬فــا‬ ‫يوجــد حــرف واحــد ُكتــب في الســتينيات‬ ‫لم يجد طريقة للنشــر‪ .‬فـــ«أوالد حارتنا»‬ ‫التــي اعتــرض عليهــا األزهــر‪ ،‬طلــب عبــد‬ ‫الناصــر مــن هيــكل نشــرها فــي األهــرام‬ ‫بشــكل يومــي بــد ًال مــن األســبوعي حتــى‬ ‫يكتمــل نشــرها قبــل ثــورة األزهــر‪ ،‬وقال‬ ‫لهيــكل فــي التليفــون‪ :‬هــذه روايــة كتبهــا‬ ‫نجيــب محفــوظ وال بــّد مــن نشــرها‪.‬‬ ‫وعندمــا اعتــرض عامــر علــى مســرحية‬ ‫«الســلطان الحائــر» لـــ توفيــق الحكيــم‪،‬‬ ‫قــال لــه عبــد الناصــر‪ :‬إذا كان الحكيــم‬ ‫‪82‬‬

‫ماذا كان سيفعل نجيب محفوظ لو أنه عاصر‬ ‫حب‬ ‫‪ 25‬يناير؟ قلت لمن سألوني إنه كان سير ِّ‬ ‫بها‪ ،‬ويقف معها‪ ،‬لكن فكرة ذهابه إلى ميدان‬ ‫ّ‬ ‫أشك فيها كثير ًا‬ ‫التحرير‪،‬‬ ‫قــد نشــر «يوميــات نائــب فــي األريــاف»‬ ‫أيــام الملــك‪ ،‬فنحــن ال يمكــن أن نكــون‬ ‫أقــل مــن الملــك أبــدًا بــأن نســمح بنشــر‬ ‫النــص‪.‬‬ ‫مســرحية «الفتــى مهــران» لعبــد‬ ‫الرحمــن الشــرقاوي‪ ،‬التــي كانــت تهاجــم‬ ‫ذهــاب جيشــنا إلــى اليمــن صــدرت‬ ‫عــن الــدار المصريــة للطباعــة والنشــر‬ ‫وهــي دار الدولــة‪ -‬وقّدمــت علــى خشــبة‬‫المســرح وقــام ببطولتهــا كــرم مطــاوع‪.‬‬ ‫ونســب لنجيــب محفــوظ فــي األيــام‬ ‫ُ‬ ‫ـن إلــى‬ ‫األخيــرة‪ ،‬أنــه قــال «إن مصــر تحـّ‬ ‫أن تجــرب حكــم اإلخــوان»‪ ،‬والرجــل‬ ‫الحــق ونحــن فــي دنيــا‬ ‫اآلن فــي دنيــا‬ ‫ّ‬ ‫الباطل‪،‬وأشــهد أنــه لــم يقــل هــذا أبــداً‪،‬‬ ‫ولكنــه قــال إنــه مــع الديموقراطيــة‪ ،‬أيـ ًا‬ ‫كان مــن تأتــي بهــم‪ ،‬حتــى ولــو كان‬ ‫اإلســام السياســي‪ ،‬بشــرط أن تكــون‬ ‫انتخابــات حــرة وشــفافة ونزيهــة‪.‬‬ ‫§ فــي ظــل الحــراك الثــوري التــي‬ ‫تعيشــه بعــض األقطــار العربيــة‪،‬‬ ‫كيــف تــرى مســتقبل اإلبــداع المعرفــي‬ ‫والروائــي؟‬ ‫ لقــد ســئلت آالف المــرات بعــد‬‫‪ 25‬ينايــر‪ :‬مــاذا كان ســيفعل نجيــب‬ ‫محفــوظ لــو أنــه عاصــر ‪ 25‬ينايــر؟ قلــت‬ ‫ِّ‬ ‫ســيرحب بهــا‪،‬‬ ‫لمــن ســألوني إنــه كان‬ ‫ويقــف معهــا‪ ،‬لكــن فكــرة ذهابــه إلــى‬ ‫ميــدان التحريــر‪ ،‬أشـ ّ‬ ‫ـك فيهــا كثيــراً‪ .‬ألن‬ ‫الرجــل الــذي توِفّــي فــي ‪ ،2006‬كان‬ ‫فــي آخــر أيامــه ال يســتطيع المشــي‬ ‫وال الرؤيــة وال االســتماع‪ .‬كنــت أتعــب‬ ‫كثيــرًا حتــى أســمعه صوتــي‪ .‬نجيــب‬ ‫محفــوظ مــع الشــعب ومــع الثــورة‪ ،‬وله‬ ‫مهمتــان عــن الثــورات‪ :‬ثالثيــة‬ ‫روايتــان ّ‬

‫«بيــن القصريــن» التــي بــدأ كتابتها ســنة‬ ‫‪ ،1948‬عــن ثــورة ‪ .1919‬وقــد كتــب‬ ‫رســالةإلى صديقــه الــذي كان يــدرس‬ ‫فــي لنــدن‪ ،‬قائالً‪«:‬ســأكتب روايــة عــن‬ ‫استشــهاد أخــي فــي ثــورة ‪ .19‬وكانــت‬ ‫البــذرة األولــى للثالثيــة‪ ،‬التــي كتبهــا‬ ‫بعــد الثــورة بـــ‪ 30‬عامــاً‪ .‬وأقــول هــذا‬ ‫الــكالم لمن يســتعجلون كتابــة الروايات‬ ‫عــن ‪ 25‬ينايــر‪ ،‬لقــد كتــب الثالثيــة بعــد‬ ‫ثالثيــن عامـ ًا مــن الثــورة‪ ،‬ونشــرها بعد‬ ‫قيامها‪.‬أمــا الروايــة‬ ‫أربعيــن عامــ ًا مــن‬ ‫ّ‬ ‫الثانيــة عــن الثــورة فهــي «الســمان‬ ‫والخريــف»‪ ،‬وقــد كتبهــا عــن ثــورة‬ ‫ونشــرت عــام ‪،1962‬‬ ‫يوليــو ‪ُ ،1952‬‬ ‫أي بعــد الثــورة بعشــر ســنوات‪ .‬وأكــرر‪:‬‬ ‫إن مــن يســتعجلون الكتابــة عــن ‪25‬‬ ‫ينايــر أو ‪ 6/ 30‬أو ‪ 7/ 3‬ال يفهمــون أن‬ ‫جوهــر الكتابــة اإلبداعية‪،‬فــي أنــه ال ب ـّد‬ ‫أن تفصــل الروائــي فتــرة زمنيــة كافيــة‬ ‫عــن الحــدث الــذي يكتــب عنــه‪ ،‬وال بــد‬ ‫أن يكتمــل الحــدث علــى أرض الواقــع‬ ‫أيضــاً‪ ،‬حتــى يمكــن تناولــه روائيــاً‪،‬‬ ‫وفــي هــذه الحالــة فــإن جماليــات الفــن‬ ‫الروائــي يجــب أن تكــون متوافــرة‪.‬‬ ‫شــرعية الروايــة أن تكــون روايــة أو ًال‬ ‫وثاني ـ ًا وثالث ـ ًا وأخيــراً‪ ،‬أمــا الموضــوع‬ ‫الــذي تتناولــه فهــو قضيــة أخــرى‪ ،‬وال‬ ‫ـكل شــرعية النــص بــأي‬ ‫ينبغــي أن يشـ ِّ‬ ‫حــال مــن األحــوال‪.‬‬ ‫§ مــا موقفــك مــن الجوائــز العربيــة‬ ‫التــي مثّلــت طفــرة نوعيــة فــي الحقبــة‬ ‫األخيــرة؟‬ ‫ الجوائــز العربيــة مســألة شــديدة‬‫األهميــة فــي حيــاة المبدعيــن‪ ،‬وهــي‬ ‫تتوقــف‬ ‫تعنــي أن مجتمعاتهــم قــررت أن‬ ‫َّ‬


‫لحظــة لتقــول شــكرًا لمــن ســاهم‬ ‫باإلبــداع فــي خدمــة قضايــا بلــده‪.‬‬ ‫وكثــرة الجوائــز أمــر يســعدني‪ ،‬وارتفاع‬ ‫المبالــغ التــي ُتَقـَّـدم فيهــا يســعدني أيض ًا‬ ‫‪،‬ألنهــا تريــح الكاتــب مــن عنــاء الجــري‬ ‫وراء لقمــة العيــش‪ ،‬وتوِفّــر لــه أمانــ ًا‬ ‫ــس الحاجــة إليــه‬ ‫أم ّ‬ ‫ماديــاً‪ ،‬فهــو فــي َ‬ ‫ليوصــل رســالته‪ .‬الجوائــز العربيــة‬ ‫نوعــان‪ :‬نــوع يحمــل أســماء أشــخاص؛‬ ‫الملــك فيصــل‪ ،‬البابطيــن‪ ،‬الصبــاح‪،‬‬ ‫شــومان‪ ،‬الشــيخ زايــد‪ ،‬وهــي جوائــز‬ ‫تختلــف مالبســاتها وظروفهــا باختــاف‬ ‫أصحابهــا واإلمكانــات المتوافــرة لــدى‬ ‫مــن يقومــون بهــا‪ ،‬وأتمّنــى اســتمرارها‬ ‫والتوســع فيهــا‪ ،‬ورفــع قيمتهــا الماليــة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫وكذلــك أن تطبــع أعمــال الفائــز كاملــة‬ ‫بعــد إعــان فــوزه‪ ،‬وال يقتصــر األمــر‬ ‫علــى منحــه مبلغـ ًا مــن المــال‪ ،‬ألن نشــر‬ ‫أعمالــه‪ ،‬ووضعهــا علــى اإلنترنــت أهـّـم‬ ‫وأبقــى مــن أي أمــوال يمكــن الحصــول‬ ‫عليهــا‪ .‬وتوجــد جوائــز مســتوردة تحمل‬ ‫أســماء جوائــز عالميــة‪ ،‬وأنــا ال أدري‬ ‫الســبب فــي وجودهــا‪ ،‬فنحــن يمكــن أن‬ ‫ننشــئ جوائــز عربيــة تحمــل أســماء‬ ‫عربيــة‪ ،‬وال نســتورد الثقــة وال االســم‬

‫مــن الخــارج‪ .‬توجــد جوائــز دول عربيــة‬ ‫شــقيقة كثيــرة مثــل جائــزة الكويــت‪،‬‬ ‫وجائــزة دبــي‪ ،‬وجوائــز الســلطان‬ ‫تــم‬ ‫قابــوس‪ ،‬وجائــزة قطــر التــي ّ‬ ‫مؤخــراً‪.‬‬ ‫اإلعــان عنهــا َّ‬ ‫لكننــي أتمنــى مــن القائميــن علــى‬ ‫لجــان تحكيــم هــذه الجوائــز‪ ،‬النظــر فــي‬ ‫القيمــة األدبيــة واإلضافيــة‪ ،‬بمعنــى أن‬ ‫يشـِّـكل النــص أو الكاتــب الفائــز إضافــة‬ ‫حقيقيــة إلــى الفــن الذي يكتب فيــه‪ ،‬وأال‬ ‫يكــون االنتصــار لكتابــة تقّلــد الغــرب أو‬ ‫تعبــر عــن هموم‬ ‫تعــادي األصالــة‪ ،‬أو ال ِّ‬ ‫اإلنســان العربــي اآلن‪ .‬ال أتحــدث عــن‬ ‫الكتابــة التقليديــة وكتابــة التجريــب‪،‬‬ ‫وال عــن صــراع الشــباب والشــيوخ‪،‬‬ ‫ولكنــي ِّ‬ ‫أركــز علــى فعــل الكتابــة فــي‬ ‫األول واآلخــر‪ .‬أعــرف أن القائميــن على‬ ‫هــذه الجوائــز بشــر‪ ،‬والبشــر يصيبــون‬ ‫ويخطئــون‪ ،‬وثمــة أهــواء شــخصية‪،‬‬ ‫ومــن الممكــن أن ينحــاز هــذا الناقــد أو‬ ‫ِّ‬ ‫المحكــم لبلــده أو لكتابــة معينــة‬ ‫ذاك‬ ‫يحبهــا‪ .‬لكننــي أرى أن ثمة شــلة واحدة‬ ‫تــوزع نفســها علــى كل لجــان هــذه‬ ‫ّ‬ ‫الجوائــز‪ .‬يختلــف اســم الجائــزة واســم‬ ‫البلــد الــذي يمنحهــا لكــن المحكميــن‬

‫هــم هــم‪ ،‬يحملــون حقائــب الســفر مــن‬ ‫عاصمــة إلــى أخــرى‪ ،‬ألن القــراءة فــي‬ ‫الطائــرة ال تصلــح للتحكيــم‪ ،‬وقــراءة‬ ‫الترانزيــت فــي المطــارات ال توصــل‬ ‫إلــى نتائــج حقيقيــة وصحيحــة‪.‬‬ ‫أحــدث هــذه الجوائــز هــي جائــزة‬ ‫قطــر‪ ،‬وأنــا ال أعــرف شــروطها ألن‬ ‫مــا ُن ِشــرهو أخبــار صحافيــة ال تغنــي‬ ‫عــن التفاصيــل‪ ،‬وأتمنــى لهــا التوفيــق‬ ‫الكامــل‪ .‬أتمنــى أيضــ ًا أال تحــذو حــذو‬ ‫الجوائــز الموجــودة على الســاحة‪ ،‬وأن‬ ‫يســتفيد القائمــون علــى الجائــزة مــن‬ ‫مراعــاة أمــور أشــبه بالدســتور هــي‪:‬‬ ‫االبتعــاد التــام عــن السياســة حتــى‬ ‫يضمنــوا للجائــزة مردودًا حقيقيـاً‪ ،‬وأن‬ ‫يدركــوا كذلــك أن تقاليــد أيــة جائــزة‬ ‫ومحافظتهــا علــى تقاليدهــا وتعظيمهــا‪،‬‬ ‫فرقــت بيــن نوبــل والجوائــز‬ ‫هــي التــي ّ‬ ‫األخــرى‪ .‬يجــب أن ينظــر القائمــون‬ ‫علــى جائــزة قطــر إلــى النــص وكاتبــه‬ ‫بعيــدًا عــن أيــة اعتبــارات أخــرى‪ ،‬وإن‬ ‫كان البــّد مــن االســتفادة مــن نظــام‬ ‫جائــزة ســابقة‪ ،‬فلديهــم جائــزة نوبــل‪،‬‬ ‫وجائــزة الغونكــور الفرنســية‪ ،‬وجائزة‬ ‫بوليتيــزر األميركيــة‪.‬‬ ‫عمــا لفــت انتباهــك مــن‬ ‫§ َحِّدثنــا ّ‬ ‫عناويــن الروايــات العربيــة الجديــدة‪.‬‬ ‫ أحــاول أن أمنــع نفســي مــن ذكــر‬‫مهمــة‪،‬‬ ‫أســماء حتــى ال أنســى أعمــا ًال ّ‬ ‫ولكــن هــذه الســنوات يمكــن أن تسـّـمى‬ ‫ربيــع الروايــة العربيــة‪ .‬يوجــد انفجــار‬ ‫روائــي وقصصــي عربــي لــم يحــدث‬ ‫مــن قبــل‪ ،‬ويبــدو أن عبــارة «لوكاتــش»‬ ‫المجــري الــذي لــم يكتــب إال عــن‬ ‫الروايــة‪ ،‬وقــال إن الروايــة ال تزدهــر‬ ‫إال فــي فتــرات االســتقرار السياســي‬ ‫واالجتماعــي‪ ،‬يبــدو أنهــا مقولــة غيــر‬ ‫دقيقــة‪ ،‬ألن نصــف القــرن األخيــر كان‬ ‫ـوالت الكبــرى فــي المجتمــع‬ ‫فتــرة التحـ ُّ‬ ‫العربــي وكذلــك االنقالبــات الرهيبــة‪،‬‬ ‫وبرغــم ذلــك أنتــج لنــا أعمــا ًال شــديدة‬ ‫األهميــة يمكــن أن تضيــف جديــدًا‬ ‫للمغامــرة المصريــة فــي كتابــة الرواية‪.‬‬ ‫‪83‬‬


‫مقاالت‬

‫رجم أل َّول مرّة إلى العربية‬ ‫«رواية الوردة» تُ َت َ‬

‫تأصيل املجاز‬ ‫سعيد‪.‬خ‬

‫رجمت إلى كثير من اللّغات‬ ‫أخيــراً‪ ،‬بعدما ُت ِ‬ ‫العالمية‪ ،‬وصلت «رواية الوردة» لـ «غيوم‬ ‫ّ‬ ‫دو لوريس» إلى العربية‪ ،‬وصدرت ترجمة‬ ‫لها بمبادرة من إدارة البحوث والدراســات‬ ‫الثقافية‪ ،‬بوزارة الثقافة والفنون والتراث‬ ‫ّ‬ ‫القطريــة‪ ،‬وفــي طبعة مشــتركة مــع الدار‬ ‫العربيــة للعلــوم‪ /‬ناشــرون(لبنان) ودار‬ ‫محمد علي(تونــس)‪ .‬الترجمة التي قام بها‬ ‫كل مــن د‪.‬نزار شــقرون وأ‪.‬نعيم عاشــور‬ ‫للكتاب نفســه تمثّل واحدًا من أهم مشاريع‬ ‫الترجمــة األدبيــة الهادفــة إلــى إتاحــة‬ ‫النصوص المؤسســة لألدب الفرنسي أمام‬ ‫القارئ العربي‪.‬‬ ‫أقيمــت‪ ،‬بمناســبة صــدور الترجمة‪ ،‬ندوة‬ ‫أدبيــة‪ ،‬فــي فندق ماريــوت الدوحة‪ ،‬تحت‬ ‫ّ‬ ‫الفرنســية‬ ‫المجازيــة‬ ‫«الروايــة‬ ‫عنــوان‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫والغزل العربي في العصر الوســيط»‪ ،‬من‬ ‫تنظيم إدارة البحوث والدراسات الثقافية‪،‬‬ ‫‪84‬‬

‫وســفارة فرنســا لــدى قطــر‪ ،‬والمعهــد‬ ‫الفرنســي‪ ،‬شــارك فيها المترجم والباحث‬ ‫نــزار شــقرون‪ ،‬والباحثــة المختصــة‬ ‫الفرنســية الدكتــورة كاتريــن كــروزاي‬ ‫سفير ْي فرنسا وسويسرا‪،‬‬ ‫ناكي‪ ،‬بحضور‬ ‫َ‬ ‫ومستشارة الســفارة البلجيكية‪ ،‬وتنشيط‬ ‫خبيــر الترجمــة عبــد الــودود العمرانــي‪.‬‬ ‫شــكلت النــدوة نفســها فرصــة لالحتفــاء‬ ‫ّ‬ ‫بصــدور الترجمــة من جهــة‪ ،‬والعودة إلى‬ ‫أصول األدب الفرنسي من جهة أخرى‪ ،‬مع‬ ‫عقــد مقارنة بينه وبين الغــزل العربي في‬ ‫العصر الوســيط‪ .‬كاترين كــروازي ناكي‪،‬‬ ‫أســتاذة أدب العصــر الوســيط بجامعــة‬ ‫الســوربون(باريس ‪ ،)3‬وعضــو مركــز‬ ‫نفســها‪،‬عدت صــدور‬ ‫دراســات الجامعــة‬ ‫َ‬ ‫ترجمة الكتاب إلى العربية حدثاً‪ ،‬مضيفة‪:‬‬ ‫«هــو كتــاب تربيــة عاطفية‪ ،‬يســتحق أن‬ ‫نعود إليه باستمرار»‪ .‬واستعادت كروازي‬

‫فــي مداخلتهــا بيوغرافيــا مؤلِّفــي الكتاب‪:‬‬ ‫غيوم دو لورويــس(‪)1238 - 1200‬وجان‬ ‫دومانــغ(‪ ،)1305 - 1240‬محيطــة‪ ،‬فــي‬ ‫الســياق نفسه‪ ،‬بأهم الظروف والمعطيات‬ ‫التاريخيــة والســياقات االجتماعيــة التــي‬ ‫ّ‬ ‫رافقــت ظهــور الكتــاب علــى مرحلتيــن‬ ‫مختلفتيــن‪ ،‬تفصــل بينهما أربعون ســنة‪.‬‬ ‫النص نقدياً‪ ،‬معتبرة‬ ‫لتقوم بعدها بمقاربة ّ‬ ‫نصــ ًا متكامــاً‪ ،‬بنهايــة متناســقة‪.‬‬ ‫إيــاه ّ‬ ‫وعن الجانب المجــازي في الكتاب وتمثيل‬ ‫الــوردة قالت كروازي‪ :‬الــوردة في الكتاب‬ ‫تحيلنــا إلــى طابعها األنثــوي‪ .‬فهي تعبير‬ ‫عــن الجمــال‪ ،‬وهــو مجــاز أوجــد وقتهــا‬ ‫في الكنيســة‪ ،‬قبل بــروز تأثيرات الشــعر‬ ‫لتتحــول إلى رمز للقداســة‪ ،‬ثم‬ ‫الشــرقي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫إلىصــورة للصفــاء‪ ،‬وهــي تمثّــل أيضــ ًا‬ ‫المــرأة المحبوبــة‪ ،‬والحــب إجمــاالً‪ .‬مــن‬ ‫جهتــه‪ ،‬قــارب د‪.‬نــزار شــقرون‪ ،‬عميــد‬ ‫المعهــد العالي للفنون والحرف بصفاقس‪،‬‬ ‫يمس الشــعر العربي‪ ،‬ويتقاطع‬ ‫موضوع ًا ّ‬ ‫مــع محــور النــدوة‪ :‬الســردية الغزلية في‬ ‫متطرق ًا إلى أنواع الغــزل‪ ،‬قائالً‪:‬‬ ‫الشــعر‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫التجربة الغزلية كانــت مندرجة في الحياة‬ ‫اليوميــة‪ ،‬باعتبــار أن الشــاعر العربي في‬ ‫الشــعرية‬ ‫الغــزل‪ ،‬وعلــى خالف األشــكال‬ ‫ّ‬ ‫ا فــي الحــدث‪،‬‬ ‫األخــرى‪ ،‬كان طرفــ ًا فاعــ ً‬ ‫وليــس فقــط مالحظــاً‪ ،‬كما إنه شــعر قام‬ ‫علــى المجــاز ال علــى الحقيقــة‪ .‬وتســاءل‬ ‫نزار شــقرون في مداخلته‪ :‬هل الشــعر ابن‬ ‫الحيــاة أم هو ابــن الثقافة؟ وعاد المتحدث‬ ‫نفســه‪ ،‬فــي مداخلتــه‪ ،‬بشــكل موجــز إلى‬ ‫تجربة الشاعر عمر بن أبي ربيعة‪ ،‬مصنف ًا‬ ‫إياه فــي طبقة زعماء الغــزل العربي‪ ،‬كما‬ ‫عــرج أيضــ ًا علــى ذكــر شــاعرات تغزلــن‬ ‫ّ‬ ‫برجال‪ ،‬على غرار حفصة الغرناطية‪ ،‬بدر‬ ‫التمام ‪،‬ووالدة بنت المســتكفي‪ .‬ويذكر أن‬ ‫الترجمــة العربيــة لرواية الــوردة تضمنت‬ ‫تقديمــ ًا من توقيــع وزير الثقافــة والفنون‬ ‫والتــراث د‪.‬حمد بن عبــد العزيز الكواري‪،‬‬ ‫نطلع‬ ‫جــاء فيــه‪« :‬إنــه لمــن المشــروع أن َّ‬ ‫بدورنــا على ما أبدعتــه الثقافات األخرى‪،‬‬ ‫ومنها الثقافة الفرنسية‪ ،‬فهذا العمل يندرج‬ ‫في ذلك السياق ليسمح للدارسين بمقارنة‬ ‫األدب العربــي بــاألدب الفرنســي لعلهــم‬ ‫يعثــرون على تلك المســاحات التي يلتقي‬ ‫فيهــا اإلبــداع دون تمييز بين عــرق و لون‬ ‫ولغــة‪ ،‬ألنه‪ -‬ببســاطة‪ -‬اإلبداع اإلنســاني‬ ‫الذي نجتمع جميعنا تحت ظالله الوارفة»‪.‬‬


‫كاترين كروازي ناكي‪:‬‬

‫النص املفتوح‬ ‫أهم الباحثين في أدب العصر الوســيط‪.‬‬ ‫ُت َعــّد كاتريــن كروازي ناكي مــن ّ‬ ‫ســبق لهــا أن أصدرت‪ « :‬كتابــة التاريخ الروماني في بدايــة القرن الثالث‬ ‫عشــر»(‪ ،)1999‬و«فــارس العربــة» (‪ .)2006‬زارت‪ ،،‬مؤخــرًا مجلــة‬ ‫(الدوحة)‪،‬وتحدثت عن بعض جوانب «رواية الوردة»‪.‬‬

‫§ «روايــة الــوردة» ُكِتبــت قبــل‬ ‫قــرأ اليــوم‬ ‫حوالــي ثمانيــة قــرون‪ .‬هــل ُت َ‬ ‫بالمســتويات نفســها كمــا قــرأت فــي‬ ‫القــرون األولــى التــي تلــت ظهورهــا؟‬ ‫ النــص مــا يــزال نص ـ ًا مفتوح ـ ًا علــى‬‫القــراءة جاذبــ ًا للقــارئ ومحرضــ ًا علــى‬ ‫المطالعــة وعلــى التأمــل‪ .‬ربمــا يطــرح‬ ‫الدارســون مشــكل اللّغــة التــي كتــب بهــا‪،‬‬ ‫لغــة ســابقة للفرنســية‪ ،‬والتــي تختلــف‪،‬‬ ‫الفرنســية‬ ‫بطبيعــة الحــال‪ ،‬عــن اللّغــة‬ ‫ّ‬ ‫ا‬ ‫رجــم فعــ ً‬ ‫التــي نعرفهــا اليــوم‪ ،‬وقــد ُت ِ‬ ‫إلــى الفرنســية‪ .‬لكــن هــذا لــم يكــن ســبب ًا‬ ‫فــي تقــادم الروايــة‪ .‬فــي رأيــي هــو نــص‬ ‫عالمــي بامتيــاز‪ ،‬مــع أن تمثيــل الحــب فيــه‬ ‫يظهــر صعبــاً‪.‬‬ ‫تميــز النــص‪ ،‬والمجــاز‬ ‫§ الرمزيــة التــي ّ‬ ‫فــي الحديــث عــن الحــب وعــن المحبوبــة‪،‬‬ ‫ا أمــام القــراء‬ ‫همــا عامــان قــد يقفــان حائـ ً‬ ‫الشــباب؟‬ ‫ ربمــا‪ .‬ولكــن لســت أعتقــد أن‬‫الشــباب‪ ،‬أو الطلبــة أو الجيــل الجديــد‬ ‫القــراء كلّهــم‪.‬‬ ‫عمومــاً‪ ،‬يمِثّلــون حقيقــة ّ‬ ‫هــم ال يعكســون ميــول مجتمــع المطالعــة‬ ‫كلّــه‪« .‬روايــة الــوردة» هــي روايــة حــب‬ ‫معرفيــة‪ ،‬روايــة تتجــاوز المــكان والزمان‪.‬‬ ‫ـتمر ومتجـ ِّـدد‪،‬‬ ‫هــي نـ ّ‬ ‫ـص فــي الهــوى‪ ،‬مسـ ّ‬ ‫القــراء‪.‬‬ ‫ويســتميل شــريحة واســعة مــن ّ‬

‫ـح‬ ‫§ بالعــودة إلــى بنيــة النــص‪ ،‬هــل يصـ ّ‬ ‫تصنيفــه ضمــن الروايــة (الشــعرية) أم‬ ‫الشعر(الســردي)؟‬ ‫ فــي القــرن الثالــث عشــر‪ ،‬كان‬‫مصطلــح روايــة (‪ )Roman‬يطلــق علــى‬ ‫كل نــص ُكِتــب باللّغــة الرومانيــة‪ ،‬أو لغــة‬ ‫متفرعــة عنها‪ ،‬وال‬ ‫أخــرى مشــابهة لهــا‪ ،‬أو ِّ‬ ‫يقصــد بالمصطلــح وقتهــا نصــ ًا روائيــاً‪،‬‬ ‫متخي ـاً‪ ،‬كمــا هــو متعــارف عليــه‬ ‫ســردي ًا‬ ‫َّ‬ ‫اليــوم‪ .‬ومــن هنا تســتمّد تســميتها كرواية‪.‬‬ ‫§ النــص ُكِتــب مــن طــرف كاتبيــن‬ ‫مختلفيــن‪ :‬غيــوم دولوريــس‪ ،‬وجــان‬ ‫دومانــغ‪ .‬هــل توجــد فــوارق بيــن جــزأي‬ ‫كل كاتــب مــن الكاتبيــن؟‬ ‫ غيــوم دولوريــس كتــب حوالــي‬‫شطر(مقســم ًا كل شــطر بشــكل‬ ‫أربعة آالف‬ ‫ّ‬ ‫ثمانــي‪ ،)octosyllabe :‬وأضــاف عليهــا‬ ‫جــان دومانــغ‪ ،‬بعــد حوالي أربعيــن عاماً‪،‬‬ ‫ثمانيــة عشــر ألــف شــطر آخــر‪ .‬كمــا ذكــرت‬ ‫ســلف ًا هــو نــص فــي الحــب‪ ،‬يشــترك فــي‬ ‫هــذه التيمــة‪ ،‬مــع أن جــان دومانــغ حــاول‬ ‫فــي الجــزء الثانــي منــه تكريــس نظــرة‬ ‫معرفيــة موســوعاتية‪.‬‬ ‫§ النــص األصلــي قديــم جــداً‪َ .‬أَلـ ْـم ِ‬ ‫تضــع‬ ‫فصــول منــه مــع مـّـر الزمــن؟‬ ‫‪ -‬النــص األصلي ُحِفظ في مئات النســخ‪،‬‬

‫دون‬ ‫والتــي بقيــت في فرنســا‪ .‬من ثــم فقد ّ‬ ‫وانتشــر‪ ،‬قبل ظهور المطبعة‪ ،‬بشكل جيد‪.‬‬ ‫والشــيء الالفت أن«رواية الــوردة» َحقَّقت‬ ‫نجاحــ ًا غير مســبوق مــن حيــث المطالعة‬ ‫والتــداول‪ .‬وقــد ترجمت‪ ،‬فــي وقت الحق‪،‬‬ ‫إلى أغلــب اللغات األوروبية‪ ،‬لتصل اليوم‬ ‫إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫§ وكيــف كان تأثيرهــا علــى بدايــات‬ ‫األدب الفرنســي؟‬ ‫اســتمر تأثيرهــا طويــاً‪ ،‬حوالــي ثالثة‬ ‫‬‫َّ‬ ‫قرون‪ ،‬إلى غاية ظهور كوكبة (البلياد) في‬ ‫القرن الســادس عشــر‪ ،‬مع الشاعرين بيار‬ ‫دو رونســار‪ ،‬وجواكيــم دوبلــي‪ ،‬وكّتاب‬ ‫آخرين انخرطوا في الكوكبة نفسها‪.‬‬ ‫§ بالنظــر إلــى بعدهــا التاريخــي وطابعها‬ ‫الرومانســي‪ ،‬هــل يمكــن أن نجــد نقاطــ ًا‬ ‫مشــتركة بيــن «روايــة الــوردة» وكتــاب‬ ‫«ألــف ليلــة وليلــة»؟‬ ‫تخصصــي فــي األدب الفرنســي‬ ‫ بحكــم ُّ‬‫الوســيط‪ ،‬فلم ُتَتح لي فرصــة كافية لعقد‬ ‫المقارنة‪ .‬ولكن من خالل معالجتي لبعض‬ ‫أطروحــات الطلبــة األكاديميــة وجــدت‬ ‫مقاربــة بيــن الكتابين‪ ،‬ونقاط ًا مشــتركة‪،‬‬ ‫تمّهــد ‪-‬ربمــا‪ -‬الطريــق لدراســة أكاديميــة‬ ‫النصين‪.‬‬ ‫معمقة في المقاربة بين ّ‬ ‫َّ‬ ‫‪85‬‬


‫املحب‬ ‫يف حرضة‬ ‫ّ‬ ‫د‪ .‬نزار شقرون‬

‫فن‬ ‫تحفــل اآلداب‬ ‫العالمية بكتابــات عن ّ‬ ‫ّ‬ ‫فــن طالمــا شــغل األدباء‬ ‫الهــوى‪ ،‬وهو ّ‬ ‫الســواء لما فيــه من وهج‬ ‫والقــراء على ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحــب‬ ‫اإلنســانية فــي مجــال‬ ‫الّتجربــة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويتنزل كتاب‬ ‫وتلوناته‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بجميع صنوفه ّ‬ ‫«رواية الوردة» في هذا الســياق فهو من‬ ‫أهــم اآلثار التي انشــغلت بتناول تجربة‬ ‫ّ‬ ‫الصافي في العصر الوسيط‪ .‬وقد‬ ‫العشق‬ ‫ّ‬ ‫بالفرنســية العتيقة من قبل‬ ‫ُكِتب الكتاب‬ ‫ّ‬ ‫األديب غيوم دولوريس (‪)1238 - 1200‬‬ ‫األول ليشــمل حوالي‬ ‫الــذي أنجز الجــزء ّ‬ ‫أربعة آالف بيت شعري‪ ،‬في حين تولّى‬ ‫األديب جان دومنغ كتابة الجزء الثّاني‪،‬‬ ‫األول‪،‬‬ ‫وقد اكتفينا بترجمة الجزء ّ‬ ‫متوهج وأشــبه‬ ‫وهــو جــزء‬ ‫ّ‬ ‫الحب‬ ‫ألطوار‬ ‫ة‬ ‫مجازي‬ ‫بمتاهة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وبطوالته‪ .‬‬ ‫عملية ترجمة هذا األثر‬ ‫وتنهض ّ‬ ‫الهام في هذا الّتوقيت بالّتحديد‬ ‫ّ‬ ‫الموجهــات من‬ ‫علــى عــدد مــن‬ ‫ِّ‬ ‫أهمهــا الحــرص علــى االنفتــاح‬ ‫ّ‬ ‫الحضــاري علــى ثقافــات األمــم‬ ‫المودة‬ ‫األخــرى وإشــاعة ثقافــة‬ ‫ّ‬ ‫والّتــوادد‪ ،‬فالكتاب حافل بمعاني‬ ‫والســعي في ســبيل‬ ‫ّ‬ ‫الحب والغزل ّ‬ ‫يمجــد تجربة‬ ‫ّــه‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫كمــا‬ ‫المحبــوب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اإلنسان الذي يقتحم غمار المغامرة‬ ‫المحبة حّتى يصبح رباط‬ ‫ليبلغ قيم‬ ‫ّ‬ ‫العشــق أســمى مــن روابــط أخرى‪،‬‬ ‫هامة في زمن‬ ‫وكانت هذه القيمــة جّد ّ‬ ‫دولوريــس بالّتخصيــص‪ ،‬ففــي تلك‬ ‫الحقبة بدأت قيم اإلنســان في الّتســلّل‬ ‫‪86‬‬

‫إلــى حــراك المجتمــع الغربــي بعــد أن‬ ‫سيطرت الكنيسة بتشــّددها الّديني على‬ ‫ضمائــر النّــاس وقلوبهــم وعقولهم في‬ ‫بالظلمــات‪ ،‬وأنكــرت فيــه‬ ‫عصــر اّتســم ّ‬ ‫الحب‪.‬‬ ‫في‬ ‫اإلنسان‬ ‫حق‬ ‫الكنيسة ّ‬ ‫ّ‬ ‫تــدور جــدوى ترجمــة الكتــاب حــول‬ ‫لقصــة‬ ‫الرمــزي ّ‬ ‫الوقــوف علــى البعــد ّ‬ ‫خلفيتها إلى‬ ‫تتعرض في صميم ّ‬ ‫ّ‬ ‫شعرية ّ‬ ‫ولكن‬ ‫ة‪.‬‬ ‫الحري‬ ‫طلب‬ ‫في‬ ‫اإلنســان‬ ‫مغامرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بلــوغ هــذه المقاصــد يتطلّــب نوعــ ًا من‬ ‫الّدربة واإلحاطة باإلشــارات الّدالّة على‬ ‫مراوغــات دولوريس الذي لم تســعفنا‬ ‫ّاتية‬ ‫سيرته الذ ّ‬

‫فــي فهــم مقاصــده بقــدر غنــى الكتــاب‬ ‫وتلوناتــه‪ ،‬فالباحــث في ســيرة األديب‬ ‫ّ‬ ‫دولوريــس لن يظفر بما يشــفي رغبته‪،‬‬ ‫ولذلك بــدت «رواية الــوردة» خير دليل‬ ‫على فكر صاحبها‪.‬‬ ‫تنــدرج «روايــة الــوردة» مــن حيــث‬ ‫الّتجنيس األدبي جنس أدبي جديد يّتخذ‬ ‫المجازية مدارًا له‪،‬‬ ‫الشــعرية‬ ‫من الرواية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تميز بحضور‬ ‫وهو شعر ناشئ في عصر ّ‬ ‫الجوالين (التروبادور)‬ ‫ظاهرة ّ‬ ‫الشــعراء ّ‬ ‫الذيــن خلقوا نوعــ ًا جديدًا مــن الّتواصل‬ ‫والشــوارع‪،‬‬ ‫مــع النّــاس فــي األســواق ّ‬ ‫الشــعر ُيلقــى مقترنــ ًا‬ ‫حيــث أضحــى ّ‬ ‫بموســيقى العــرض أحيانــ ًا فــي قلــب‬ ‫اليومــي االجتماعــي بعد أن كان أســير‬ ‫الكتب المنسوخة‪ .‬وهكذا انبنت «رواية‬ ‫الــوردة» وهي تحمل في أنفاســها لغة‬ ‫المحكــي ورغبة االنغــراس في فضاء‬ ‫الحب‬ ‫تقبلي أرحب يجعل من رســالة ّ‬ ‫ّ‬ ‫رســالة غيــر مقموعة بين األســطر‪،‬‬ ‫بل مبثوثــة في األذهــان واألنفس‪،‬‬ ‫للحــب أن يبقــى‬ ‫يحــق‬ ‫فكيــف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مضطرمــ ًا بيــن جناحــي العاشــق‬ ‫وهــو مثــل الجمر ُيراد لــه أن يدثّر‬ ‫قلــوب النّــاس البــاردة؟ ولئن بدا‬ ‫مجرد حلم‬ ‫«الرواية» من ّ‬ ‫انطالق ّ‬ ‫شــاب في العشــرين من‬ ‫عاشــه‬ ‫ّ‬ ‫عمــره أي فــي ريعان الشــباب‬ ‫فــإن هــذا الحلــم‬ ‫والصبابــة‬ ‫ّ‬ ‫موصــول فــي دوافعــه برغبة‬ ‫الخــروج علــى ســلطة قامعة‬ ‫والبحــث عــن حيــاة بديلــة‪،‬‬


‫يورد دولوريس‪:‬‬ ‫المحب‪ ،‬وتباريح الغرام‬ ‫«إن أوجاع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال يمكن حصرها في ال ّروايات‬ ‫وال حبسها بين دفّ تي كتاب‬ ‫فالمحبون يعشقون الحياة»‬ ‫ّ‬

‫الرهيــف للحكايــة قائــم على‬ ‫ّ‬ ‫إن الخيــط ّ‬ ‫نســغ العشــق‪ ،‬وهــو عشــق يتجــاوز‬ ‫بكل‬ ‫المحبوبة اإلنســانة ليتملّــك الحياة ّ‬ ‫تفاصيلهــا‪ ،‬وهــو العشــق ذاتــه الــذي‬ ‫بحــث عنــه شــعراء الّتروبــادور الذيــن‬ ‫التصقــوا بالحياة‪ ،‬وجعلــوا منها فضاء‬ ‫الشــعري‪ ،‬لذلك فالحلم‪ ،‬وهو‬ ‫لملفوظهم ّ‬ ‫الفضاء العــام لملفوظ دولوريس‪ ،‬يرمز‬ ‫إلى هــذه الحياة المنتظــرة‪ ،‬وهو المدار‬ ‫يشــيد البطولة في واقع قروسطي‬ ‫الذي‬ ‫ّ‬ ‫والشــجاعة لقلــب‬ ‫يحتــاج إلــى الجــرأة ّ‬ ‫الشاعر عن‬ ‫األوضاع‪ ،‬ولذلك يخرج حلم ّ‬ ‫ويتجــرأ بنوع من الحياء‬ ‫رغبــات النّاس‬ ‫ّ‬ ‫ألن إعــاء الخروج على‬ ‫ــلطة‪،‬‬ ‫الس‬ ‫ّ‬ ‫علــى ّ‬ ‫نواميــس المجتمــع كان أمــرًا متعذّرًا في‬ ‫تلك الفترة‪.‬‬ ‫تنطلــق األحداث في شــهر مايو‪ ،‬أي في‬ ‫المحب‪،‬‬ ‫فصــل الخصوبــة‪ ،‬حيــث ينــام‬ ‫ّ‬ ‫فيرى في حلمه مشــاهد وأطــوارًا تقوده‬ ‫إلى الّدخول إلى بســتان أشــبه بمتاهة‪،‬‬ ‫«ســيد‬ ‫مقر إقامة‬ ‫ّ‬ ‫وما هذا البســتان غيــر ّ‬ ‫الشــاعر‬ ‫المتعــة»‪ ،‬ويحتــاج‬ ‫المحــب‪ّ /‬‬ ‫ّ‬ ‫إلــى دليــل يقــوده عبــر مســالك هــذا‬ ‫البســتان‪ ،‬فتقــوم فتــاة حســناء تدعــى‬ ‫الشــاب‬ ‫المهمة‪ ،‬ويلتقي ّ‬ ‫«مترفــة» بهــذه ّ‬ ‫بشــخصيات عديــدة اّتخــذت مــن لعبــة‬ ‫ّ‬

‫كســاءلها‪،‬أو هي أقرب إلى صور‬ ‫المجاز‬ ‫ً‬ ‫الرحلة‬ ‫اســتعارية لقيم البســتان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فــكأن ّ‬ ‫ســجل القيم‬ ‫تعــرف على‬ ‫هــي‬ ‫اخليــة‬ ‫ّ‬ ‫الّد ّ‬ ‫ُّ‬ ‫داخــل بســتان ُيفتــرض أن يحيلنا على‬ ‫الفــردوس‪ ،‬ولكنّــه أقــرب إلــى متاهــة‬ ‫تتــوزع‬ ‫ــخصيات‬ ‫الش‬ ‫ألن ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحيــاة الّدنيــا ّ‬ ‫ّ‬ ‫على وجوه الخير ومن َث َّم‪ ،‬وبالّتالي فقد‬ ‫مرجعية‬ ‫نبتعــد عن إحالة البســتان على‬ ‫ّ‬ ‫الموزعة بين‬ ‫خصيات‬ ‫الجنّة‪ .‬وبتعّدد ّ‬ ‫ّ‬ ‫الش ّ‬ ‫و«رب‬ ‫ذكور وإنــاث‪« ،‬بهجة»و«ثــروة»‬ ‫ّ‬ ‫الحــب» و«كياســة» و«صراحة» و«خادم‬ ‫ّ‬ ‫الساعي‬ ‫تتأسس مغامرة ّ‬ ‫الشاعر ّ‬ ‫النّظر»‪ّ ،‬‬ ‫ولكن‬ ‫إلى قطف الوردة في هذا البستان‪ّ ،‬‬ ‫تتلبس بدور مساعد‪،‬‬ ‫هذه ّ‬ ‫خصيات ال ّ‬ ‫الش ّ‬ ‫بل بعضها يلعــب دور المعرقل‪ ،‬فيواجه‬ ‫شــخصيات مثل «طمع» و«غيرة»‬ ‫المحب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫و«نميمــة»‪ ،‬وكلّمــا صــادف المعرقليــن‬ ‫شــخصيات مخلّصــة‬ ‫بزغــت أمامــه‬ ‫ّ‬ ‫«الصديــق» و«حيــاء» و«خشــية»‬ ‫مثــل ّ‬ ‫المحب في‬ ‫ويتمزق‬ ‫و«صاحب الحفاوة»‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أثنــاء رحلته بين تصميمه على مواصلة‬ ‫الســير فــي اّتجــاه الــوردة وبيــن رغبة‬ ‫تعرض‬ ‫الهروب من قسوة ما يالقي‪ ،‬فقد ّ‬ ‫لســهام ُحمــاة البســتان حّتى ُخّيــل إليه‬ ‫مرة‪ ،‬ولكنّه ســريع ًا‬ ‫أنّه ُقِتل في أكثر من ّ‬ ‫الســهام‬ ‫مــا ينهض ّ‬ ‫ليتم ســيره وبه آالم ّ‬ ‫ربه‪:‬‬ ‫ولوعة العشق‪ ،‬فنراه يناجي ّ‬

‫«يا إلهي‪،‬‬ ‫إن الموت ألرحم من عيش هذه الحياة‬ ‫ّ‬ ‫القاسية‬ ‫رب الهوى كما يبدو‬ ‫ّ‬ ‫ألن ّ‬

‫ال يبغي سوى تعذيبي وال ّتنكيل بي‬ ‫ُ‬ ‫رغبت في الهرب‬ ‫وكم م ّرة‬ ‫ثم لم أجرؤ على ذلك‬ ‫ّ‬ ‫رب الهوى في تلك األثناء‬ ‫وكان ُّ‬ ‫منهمك ًا في ال َّتصويب نحوي بسهم‬ ‫جديد‬ ‫السهام»‬ ‫أخطر‬ ‫من‬ ‫ّه‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫حسبت‬ ‫ّ‬

‫المحــب بخطى‬ ‫وفي هــذه اللّوعة يســير‬ ‫ّ‬ ‫تقبــل مصيــره‪ ،‬كأنّنــا إزاء‬ ‫وئيــدة إلــى ّ‬ ‫قدريــة ما يرســمها دولوريس في شــكل‬ ‫ّ‬ ‫النــص‬ ‫فيتحــول‬ ‫قبــول بواقــع الحــال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشــعري إلى ما يشــبه الّدرس األخالقي‬ ‫ّ‬ ‫رب الهوى‬ ‫لســلطة‬ ‫اإلذعان‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫صــ‬ ‫متلخ‬ ‫ّ ً‬ ‫ّ‬ ‫الشــاعر لــوالءه له‪،‬‬ ‫إلــى درجــة إعــان ّ‬ ‫المحب‬ ‫لســيده‪ .‬وال يبدي‬ ‫ّ‬ ‫وهو والء العبد ّ‬ ‫مقاومــة إزاء هــذا المصيــر‪ ،‬بــل يكتفــي‬ ‫كل اإلرث‬ ‫بتقبــل اآلالم مســتعيرًا بذلــك ّ‬ ‫ّ‬ ‫المسيحي في داخله‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫الرب‬ ‫«في حضرة‬ ‫ّ‬ ‫نية ال ّثورة والمعصية‬ ‫تتالشى ّ‬ ‫فلست أملك ال الحقّ وال المقدرة‬ ‫رب‪.».‬‬ ‫َولْتجر مشيئتك يا ّ‬

‫المتخيلة‬ ‫وتوفّــر لنا جملة هذه األحــداث‬ ‫ّ‬ ‫يتميــز بسالســة‬ ‫متعــة قــراءة كتــاب ّ‬ ‫جمالية‬ ‫مدار‬ ‫في‬ ‫األسلوب وبساطة اللّغة‬ ‫ّ‬ ‫المجاز‪ ،‬حيث ال يمكن الوقوف عند حدود‬ ‫وكل‬ ‫كل‬ ‫شخصية ّ‬ ‫إن ّ‬ ‫ظاهر األحداث‪ ،‬بل ّ‬ ‫ّ‬ ‫حدث يشير أن إلى حقل تأويلي واسع‪،‬‬ ‫ولعــل ترجمتنا لـ «روايــة الوردة» تفتح‬ ‫ّ‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫باب ًا رحب ًا للّدراسات النقدية‬ ‫ّ‬ ‫‪87‬‬


‫ّ‬ ‫العقاد وطه حسني يف إيطاليا‬ ‫د‪ .‬حسني محمود‬ ‫فــي إيطاليــا قليلون هم الذين يعرفون عبــاس محمود العقاد‪،‬‬ ‫وكثيــرون الذين يعرفون طه حســين‪ ،‬وهــذا العام مضى على‬ ‫وفــاة األول ؛ األول أربعون عام ًا وعلى وفاة الثاني خمســون‬ ‫ِّ‬ ‫المتخصصين في اآلداب الشــرقية والعربية‬ ‫عاماً‪ ،‬ولكن معظم‬ ‫يعرفون االثنين جيدًا كأبطال عصر التنوير‪.‬‬ ‫لنقــرأ ما قالته الموســوعة اإليطالية‪« ،‬تريكانــي» التي تعادل‬ ‫فــي أهميتهــا وشــهرتها وموثوقيتهــا الموســوعة البريطانية‬ ‫«بريتانيــكا»‪ ،‬ما قالته عن األدب العربي الذي أفردت له الكثير‬ ‫مــن الصفحات‪ ،‬ولم تهمل في اســتعراضها لألدب العربي ذكر‬ ‫الكبيرْيــن‪ ،‬فقالــت عن العقــاد‪« :‬صاحب‬ ‫ييــن‬ ‫ريــن‬ ‫َ‬ ‫العرب ْ‬ ‫َّ‬ ‫المفك ْ‬ ‫َ‬ ‫اإلنتــاج األدبي هذيــن العقدين (من ‪ 1930‬حتــى ‪ )1950‬حياة‬ ‫روحيــة قوية للشــعوب العربية‪ ،‬وخاصة تلــك التي تقع في‬ ‫المركز الجغرافي والثقافي للعالم العربي‪ ،‬أي مصر وســورية‬ ‫ولبنان‪ .‬كان األدب المصري دائم ًا في موقع الريادة في الحياة‬ ‫الثقافيــة العربيــة‪ .‬وقــد ظهرت في تلك الســنوات شــخصيات‬ ‫أدبيــة لها باع مثل حافظ‪ ،‬وشــوقي‪ ،‬ومــي‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬وتابع‬ ‫كثيــرون غيرهــم أعمالهــم ِّ‬ ‫موســعين من شــهرتهم فــي العالم‬ ‫العربي كلّه‪ ،‬وفي أوروبا أيضاً‪ ،‬مثل القصاص محمود تيمور‪،‬‬ ‫والعالم عباس محمود العقّاد‪ ،‬والناقد طه حسين‪ ،‬والمسرحي‬ ‫توفيــق الحكيــم‪ .‬وكلها شــخصيات عظيمة الشــأن فــي األدب‬ ‫العربي الجديد الحديث المعاصر»‪.‬‬ ‫مثل هذا النص الوارد في الموسوعة اإليطالية األشهر يمكنه أن‬ ‫يساهم في تشكيل وعي «المهتمين» بأهمية الشخصيات األدبية‬ ‫المذكورة‪ ،‬فهي مرجع واســع االنتشــار‪ ،‬وحقيــق بالتصديق‪.‬‬ ‫والصفات التي يخلعها النص نفســه على الشــخصيات األدبية‬ ‫يشكل الصورة‬ ‫التي ذكرها ربما تحّدد بشكل كبير المدخل الذي ّ‬ ‫تتشــكل فــي الوعي العام عن هذه الشــخصيات‪.‬‬ ‫الذهنية التي‬ ‫ّ‬ ‫ومما يلفت النظر أن الموســوعة اعتبرت عباس محمود العقّاد‬ ‫«عالماً»‪ ،‬فيما اعتبرت طه حسين ناقداً‪ .‬وربما كانت هذه الصفة‬ ‫جل ما يذكر عنه في‬ ‫التي ســوف تالزم الحديث عــن العقاد في ّ‬ ‫األدبيــات اإليطالية‪ .‬وربما كان الســبب فــي هذا هو أن األعمال‬ ‫المشــهورة له كانت دراســات‪ ،‬ســواء «العبقريات»‪ ،‬أو كتابه‬ ‫ّ‬ ‫بالشك التحليلي‬ ‫عن «اهلل»‪ ،‬وما اشتهر عن طه حسين في نقده‬ ‫لتراث الشــعر العربي القديم‪ .‬وعندما تتحدث الموســوعة عن‬ ‫سيد قطب مثالً‪ ،‬تذكر أنه تلقى التشجيع من كل من طه حسين‬ ‫والعقّــاد‪ ،‬رغم أنــه اتهمهما بعد ذلك‪ ،‬األول بأنه «مســتغرب»‬ ‫والثاني بأنه «ذهني»‪.‬‬ ‫أما ما قالته الموســوعة عن العقاد وحده‪ ،‬فقد يكتســب أهمية‬ ‫خاصة‪ ،‬ألنه مكتوب بواســطة مســتعرب شــهير‪ ،‬ظل ألعوام‬ ‫‪88‬‬

‫طويلــة مهيمنــ ًا علــى صــورة المســتعرب اإليطالــي‪ ,‬وعميدًا‬ ‫للمســتعربين كلهــم‪ ،‬وهــو فرانشيســكو جابرييلــي‪ ،‬وألهمية‬ ‫الكاتب والمكتوب عنه‪ ،‬رأيت أن أورد ترجمة للنص الكامل له‪:‬‬ ‫«العقّاد‪ ،‬عباس محمود شــاعر وناقد ودارس مصري‪ ،‬ولد في‬ ‫أســوان عام ‪ .1889‬منذ عام ‪ 1940‬أصبح عضوًا في أكاديمية‬ ‫فؤاد األول للغة العربية‪ .‬بدأ ِّ‬ ‫يؤكد مكانته بعد الحرب العالمية‬ ‫اتسمت‬ ‫التي‬ ‫الشــعرية‪،‬‬ ‫دواوينه‬ ‫الثانية مباشــرة عندما نشــر‬ ‫َّ‬ ‫باستلهام الحداثة وروحها‪ ،‬رغم الصيغ العروضية التقليدية‪،‬‬ ‫مع إحســاس قوي بالطبيعة ونزوع إلى التفلســف‪ .‬كما حصل‬ ‫على شــهرة أوســع في الوقت نفسه بدراســاته النقدية األدبية‬ ‫واالجتماعية (ســاعة بين الكتب‪ ،‬قراءات فــي الكتب والحياة‪،‬‬ ‫عودة أبي العالء‪ ...‬إلخ)‪ ،‬واشتهرت بأسلوبها المتين والتدفُّق‬ ‫كرس العقّاد نفســه أيض ًا‬ ‫الشــديد لألفكار النقدية الغربية‪ .‬كما ّ‬ ‫للفكــر السياســي‪ ،‬فقــد أثار زوبعــة كبيرة عــام ‪ 1935‬بكتابه‬ ‫«الحكم المطلق في القرن العشرين» الذي َش َّن فيه هجوم ًا الذع ًا‬ ‫على النظم الشمولية»‪.‬‬ ‫وربما كانت الدراســة األعمق التي اســتطعت الحصول عليها‪،‬‬ ‫هي التي كتبها المســتعرب فنشــنزو ستريكا‪ ،‬األستاذ بجامعة‬ ‫نابولي الشرقية‪ ،‬ونشرها عام ‪ 1972‬بعنوان «الفلسفة والدين‬ ‫عنــد عباس محمود العقّاد»‪ ،‬وهي دراســة في الشــخصية كما‬ ‫يتضــح من العنــوان‪ ،‬ولكنهــا أيض ًا كاشــفة عــن كيفية تلقي‬ ‫َّ‬ ‫العقّاد في إيطاليا‪.‬‬ ‫يبدأ فنشــنزو ستريكا دراســته ِّ‬ ‫مؤكدًا أن ما كتب عن العقّاد في‬ ‫الغــرب قليل‪ ،‬رغم أنه في العالم العربي حظي بمكانة عالية‪،‬‬ ‫وتم تكريمه‪ ،‬خاصة بعد وفاته عام ‪ ،1964‬تكريم ًا الئق ًا بواحد‬ ‫ّ‬ ‫من أكبــر الكتاب العرب المحدثين‪ .‬ويعزو الباحث هذا الفارق‪،‬‬ ‫ما بين كتابة العرب المستفيضة عنه‪ ،‬وكتابة الغرب النادرة‪،‬‬ ‫إلــى أن االستشــراق الرســمي الحديث اعتبــره «محافظاً»‪ ،‬وال‬ ‫يميل إلى أن يعتبر نفســه «متوسطياً»‪ ،‬على عكس طه حسين‬ ‫الذي دعمه االستشراق على نحو صريح باعتباره قائدًا للنخبة‬ ‫البورجوازيــة العربية‪ .‬وهذا هو الســبب الذي دفع الباحث إلى‬ ‫دراســة إنتاج العقاد الفلســفي والديني لكــي يقف على حقيقة‬ ‫مثل هذا الزعم الرائج‪ ،‬وكذلك موقفه من المســيحية والتيارات‬ ‫الفلســفية المعاصــرة لــه‪ ،‬وهــي الموضوعــات التــي عالجها‬ ‫العقاد في الكثير من األعمال‪.‬‬ ‫توقف الباحث اإليطالي عند إبداع العقّاد الشعري‪ ،‬فكون مدرسة‬ ‫الديــوان‪ ،‬وجمع أشــعاره في ‪ 10‬دواويــن‪ ،‬اعتبرت من عيون‬ ‫الشــعر العربي المعاصر حتى اعتبره بروكلمان رائد التحديث‬ ‫في الشــعر العربي‪ ،‬واضطر طه حسين‪ ،‬رغم الخالف الظاهر‬


‫بينهمــا‪ ،‬ألن يعتبره عام ‪« 1959‬أكبر شــاعر مصري»‪ِّ .‬‬ ‫ويلمح‬ ‫فنشــنزو إلى أن العقّاد كان يميل إلى المدرســة اإلنجليزية في‬ ‫فسر ما‬ ‫الشــعرية‪ ،‬وأنه ابتعد عن المدرســة الفرنســية‪ .‬وربما َّ‬ ‫انتبه إليه فنشــنزو ســتريكا من بعده عن الفرنسيين واقترابه‬ ‫مــن اإلنجليــز فــي التأثر الشــعري بعض ًا مــن «العــداوة» التي‬ ‫واجهها مــن جانب النخبة المثقفة المصريــة التي تميل تقليدي ًا‬ ‫إلى التأثر باألدب الفرنسي‪ ،‬ومن غير النخبة ممن كانوا يكنّون‬ ‫للمستعمر اإلنجليزي الكراهية‪ .‬وينقل فنشنزو آراء عبد الفتاح‬ ‫ومحمد الدياب في شــعر العقاد الــذي التزم بالعروض‬ ‫الديــدي‬ ‫ّ‬ ‫التقليدي‪ ،‬وكان شــعرًا فكري ًا وفلســفي ًا وإنســانياً‪ ،‬مشيرًا إلى‬ ‫هجومه على أصحاب مدرســة الشعر الحر مثل نازك المالئكة‬ ‫وصــاح عبــد الصبور‪ ،‬من دون أن يســتوعب جوهــر إبداعهم‬ ‫الشــعري‪ .‬ويرى فنشــنزو أن عمل العقاد الدؤوب والديناميكي‬ ‫والراسخ هو الذي وضعه ضمن كبار األدباء العرب‪.‬‬ ‫أما عن فلســفته‪ ،‬وموقفــه الفكري والديني‪ ،‬فقد نقل فنشــنزو‬ ‫ونشرت بعد‬ ‫عنه‪ ،‬في ســيرته الذاتية التي كتبها بعنوان «أنا» ُ‬ ‫رحيله‪،‬أنه كان مســلم ًا مؤمنــ ًا مقتنعاً‪ ،‬وأن هــذا االقتناع كان‬ ‫لــه تأثيــر حاكم على كافة أعماله‪ .‬ويــرى الدارس اإليطالي أن‬ ‫ومحمــد عبده‪ ،‬ولهذا‬ ‫العقّــاد كان محبــ ًا لجمال الديــن األفغاني‬ ‫ّ‬ ‫فــإن حركة التجديد التي قادها كانت حذرة ومعتدلة‪ ،‬بل وكان‬ ‫معادي ًا ألي فكر أو مذهب يمكن أن يهّدد جوهر اإلســام‪ .‬وهكذا‬ ‫يلــم بكافة جوانبها االجتماعية‪،‬‬ ‫هاجم الماركســية من دون أن ّ‬ ‫عبرت عما يقال عنه «أزمة القرن»‪،‬‬ ‫وهاجم ّ‬ ‫كل الفلسفات التي ّ‬ ‫مثل الوجودية اإللحادية والمادية وما في حكمهما‪.‬‬ ‫كان العقاد ِّ‬ ‫يفضل توينبي على برتراند راســل وســارتر‪ ،‬وكما‬ ‫يقــول فنشــنزو كان يعتقــد باســتحالة أن يصل اإلنســان إلى‬ ‫المعرفــة الكاملــة‪ ،‬مقترب ًا بذلــك من التيارات األكثر تشــاؤمية‬ ‫يؤكده ما نشــره العقّاد في مجلة‬ ‫في الفكر الغربي‪ .‬وهذا األمر ّ‬ ‫«الرســالة»‪ ،‬وجاء بعد ذلك في ثنايا كتبه‪ ،‬من تقديم للشــاعر‬ ‫اإليطالي األشهر ليوباردي‪ ،‬وترجمته إلحدى قصائده‪.‬‬ ‫وينقل فنشنزو عن العقاد حديثه عن الدين‪ ،‬باعتبار أن رؤيته‬ ‫الفلســفية هذه تقــود حتم ًا إلى االعتقــاد الديني‪ ،‬وهو مقتطف‬ ‫طويل امتّد على صفحة كاملة‪ ،‬من كتابه «يوميات»‪ ،‬ويشــرح‬ ‫العقــاد فــي هــذا المقتطف كيف يعجــز العقل عن فهــم فكرة أو‬ ‫مفهــوم‪ ،‬ولكنــه يســتطيع أن يفهم ‪-‬بال شــك‪ -‬أهميــة اإليمان‬ ‫بالديــن‪ ،‬وأن الخالق الذي يســتحق إيماننا به ليس له حدود‪،‬‬ ‫ومن ثم ال يمكن احتواؤه في فكرة‪ ،‬فمن له كل هذه السمات ال‬ ‫يســتطيع أن يحيــط به عقل‪ ،‬فما حكم العقــل في هذه الحقيقة‬ ‫التــي يســتطيع أن يؤكدها وال يســتطيع أن يؤكــد غيرها؟ فهل‬

‫يكون ســبب اإليمان امتناعــه؟ هل يكون الخلــود عديم الفائدة‬ ‫فــي وجــود الخالق‪ ،‬وعديــم الفائدة فــي اإليمــان‪ ،‬أو لإليمان‬ ‫بوجــوده‪ ،‬بينما الخلود هو شــرطه وســببه وعلّته؟ إن العقل‬ ‫يفهــم على األقــل أن اإليمان هــو ضرورة عقالنيــة‪ ،‬ألن علته‬ ‫ليست سدى‪ ،‬وليست سبب ًا في زواله أو رفضه‪ .‬ومن ثم فالعقل‬ ‫يحتــاج إلى دعم من الوحــي والهدي الديني في األشــياء التي‬ ‫تســتعصي على الفهم‪ ،‬ألنها بطبيعتها تســتعصي على العقل‪.‬‬ ‫وهــذا معنــاه أن العقل ليس لــه أية عالقة بالديــن‪ .‬وهذا ليس‬ ‫معناه أن العقل ضد الدين‪ ،‬ولكن يمكن القول إن العقل يحتاج‬ ‫إلى الدين‪ .‬إن الدين هو احتياج عقالني‪ ،‬وليس مضادًا للعقل‪.‬‬ ‫وتمتــد االحتياجــات العقليــة عند العقــاد إلى معرفــة الوجود‬ ‫األزلــي واإليمان بهــذا الوجود األزلي‪ .‬ويصــل العقاد في ذلك‬ ‫المقتطف المهم إلى خالصة تقول‪« :‬اهلل قريب إلى كل ما يخطر‬ ‫علــى العقل‪ ،‬والذي يخطــر على العقل موجود‪ ،‬حتى وإن كان‬ ‫ال يوجد شــيء مشــابه له في الوجود»‪ .‬وبهــذه الرؤية يقترب‬ ‫العقــاد‪ ،‬في رأي ســتريكا‪ ،‬من تيــار الوجودية الذي يؤمن من‬ ‫كيرجارد إلى جاسبرز بالبحث عن الكينونة المعتمدة على اهلل‪.‬‬ ‫ويخلص الباحث في نهاية بحثه إلى أن العقاد لم يخرج كثيرًا‬ ‫عــن االتجاه المحافظ‪ ،‬وأن الوســط الذي عــاش فيه الكاتب قد‬ ‫خفّف كثيرًا من ســلبية هذا االتجاه‪ ،‬وهو اتجاه يناســب مصر‬ ‫بطبيعتهــا المحافظــة وبوجــود األزهــر المحافــظ المعتدل في‬ ‫قلبها‪ ،‬وإن كان ال يسمح بالتحديث إال بقدر‪.‬‬ ‫هكذا كان تلقي العقاد في إيطاليا‪ ،‬مفكرًا عربي ًا كبيراً‪ ،‬محافظ ًا‬ ‫فلســفياً‪ ،‬لم يقــِّدم على المســتوى العالمي جديــداً‪ ،‬ولكنه قّدم‬ ‫ال في التحديث‬ ‫الكثيــر من الجديد على المســتوى العربي‪ ،‬متمث ً‬ ‫المحكــوم‪ ،‬أو كمــا يقول المثــل القديم‪« :‬في قــرن يركض بهذه‬ ‫الســرعة ينبغي التفكيــر ببطء»‪ .‬على عكس طه حســين الذي‬ ‫كان أسرع من إيقاع عصره في التجديد‪ ،‬فاصطدم به وتصادم‬ ‫معــه‪ .‬ليبقى الســؤال‪ :‬كيــف كان عصر التنوير الــذي لعب فيه‬ ‫الكبيرانالعقاد وطه حســين دور البطولة؟ أحدهما كان محافظ ًا‬ ‫صبا كل‬ ‫حذراً‪ ،‬والثاني كان مغامرًا أقرب إلى التهور‪ ،‬واالثنان ّ‬ ‫تجديــد لهما على النخب البورجوازية‪ .‬فإذا وضعنا في المقابل‬ ‫تجديد القرن التاســع عشــر الذي لعب فيه البطولة رفاعة رافع‬ ‫الطهطاوي لوجدنا أنه كان أقرب إلى تنوير الشــعب‪ ،‬بمدرسة‬ ‫األلسن التي كانت «تشبع االحتياجات العلمية لألمة عن طريق‬ ‫الترجمة»‪ ،‬وكانت الكتب المترجمة بواسطتها تصل إلى أصغر‬ ‫نجــع وكفر في أعمــاق مصر‪ ،‬ألنها كانت مرتبطة بالمدرســة‪،‬‬ ‫وبنظــام التعليــم‪ ،‬وبأبناء الشــعب‪ ،‬الباب الحقيقــي للنهضة‬ ‫والتنمية‪.‬‬ ‫‪89‬‬


‫القصة القصرية ‪ :‬اسرتجاع األرايض الضائعة*‬ ‫ّ‬ ‫ماريو بارغاس يوسا‬ ‫ت ‪ -‬أنيس الرافعي‬ ‫القصة القصيرة لــردح طويل من الزمن فــي العالم الغربي‬ ‫ظلّــت ّ‬ ‫بمثابــة القريب المعوز لألجناس األدبية‪ .‬الناشــرون يســتنكفون‬ ‫أما‬ ‫بحجــة ّ‬ ‫أن المجموعــات القصصيــة ال ُتبــاع‪ّ .‬‬ ‫عــن احتضانهــا ّ‬ ‫المجــات والجرائــد فكانــت بدورها ال تفتح صفحاتهــا للحكايات‬ ‫ّ‬ ‫الوجيزة‪.‬‬ ‫تتطور وتغــرق في التفاهة‪ -‬كانت‬ ‫ّ‬ ‫إن الصحافــة بدورها ‪-‬قبل أن ّ‬ ‫القصة القصيرة‪ .‬اليــوم‪ ،‬ومنذ فترة‬ ‫وجه‬ ‫فــي‬ ‫الباب‬ ‫تغلق‬ ‫ا‬ ‫أيضــ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫القصة القصيرة على سطح العالم األدبي‪،‬‬ ‫لحســن الحظ‪ -‬طفت ّ‬‫وطفقت في استرجاع أراضيها الضائعة‪.‬‬ ‫***‬ ‫بخالف ما كان يجري في أوروبا وفي الواليات المتحدة األميركية‬ ‫بغض‬ ‫حية باســتمرار في أميركا الالتينية‪ّ ،‬‬ ‫ظلَّت ّ‬ ‫القصة القصيرة ّ‬ ‫غفير مــن كّتــاب أميركا‬ ‫عــدد‬ ‫لة‪.‬‬ ‫المســج‬ ‫الصعوبــات‬ ‫عــن‬ ‫النظــر‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ومركبة‪ ،‬باســتخدامهم ‪-‬بشــكل‬ ‫أسســوا عوالم أصيلة‬ ‫َّ‬ ‫الالتينيــة َّ‬ ‫يتميز بإيجازه وكثافته‬ ‫مؤقَّت أو أساســي‪ّ -‬‬ ‫الفن القصصي الــذي ّ‬ ‫ودنوه من الشعر‪ ،‬على نقيض الرواية‪.‬‬ ‫ودقّته ّ‬ ‫***‬ ‫يكفــي أن نذكــر بعــض األســماء حتى نســتوعب إلى ّأيــة درجة‬ ‫فضــاء خصب ًا على نحو مدهش‬ ‫المحكي القصير‬ ‫يمكــن أن يصبح‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫للمتخيــل والموهبة األدبيــة ‪ :‬خورخي لويس بورخيس‪ ،‬خوليو‬ ‫ّ‬ ‫كورتــزار‪ ،‬خــوان رولفــو‪ ،‬وأدولفــو بيوي كاســاريس‪ .‬أســوق‬ ‫أســماء أولئــك الذين أعتقــد ‪-‬على الرغم من أن زمــرة منهم كانوا‬ ‫القصــة القصيرة أفضــل نجاحاتهم‪.‬‬ ‫روائييــن‪ -‬أنهــم حقَّقوا فــي ّ‬ ‫كل الروائيين الكبار في أميركا الالتينية كانوا في‬ ‫لكــن ‪ -‬تقريباً‪ّ -‬‬ ‫مكرســين ‪ :‬أليخو كاربنتييه‪ ،‬غيماريس روزا‪،‬‬ ‫األصل ّ‬ ‫قصاصين ّ‬ ‫خــوان كارلــوس أونيتــي‪ ،‬غابرييل غارســيا ماركيز‪ ،‬أغوســتو‬ ‫روا باســتوس‪ ،‬كارلوس فوينتيس‪ ،‬خوســي دونوسو‪ ،‬جورج‬ ‫إدواردز‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬ ‫***‬ ‫المخصصة للكّتاب اإلســبانو أميركيين‬ ‫تعلــن هــذه األنطولوجيا‬ ‫ّ‬ ‫مــن األجيــال الجديــدة‪ ،‬التي انُتقيت مــن لدن غوســتافو غريرو‪،‬‬ ‫وفرنانــدو إيواســاكي‪ ،‬أن هــذا الجنــس األدبــي يحتفــظ بكامــل‬ ‫المؤسســة‪ .‬كما‬ ‫وإبداعيتــه بين صفــوف َو َرثة األجيال‬ ‫عنفوانــه‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫تنوع ًا الفت ًا فــي الموضوعات والتقنيات واألســاليب التي‬ ‫ُتظهــر ُّ‬ ‫ــدد‪ .‬وعلى وجه التحديد إعــادة التوجيه‪،‬‬ ‫الج ُ‬ ‫تســود بيــن الكّتاب ُ‬ ‫‪90‬‬

‫العامة‪ ،‬لطبيعة الحكايات التي لم تعد تتشــابه‪ :‬فالواقعية‬ ‫شــبه ّ‬ ‫الســحرية ذائعــة الصيــت التي بدت‪ ،‬لســنوات طويلة‪ ،‬تســتأثر‬ ‫بــاألدب المنتــج في أميــركا الالتينية فقدت عافيتها بين عشــيرة‬ ‫المحدثــة من الكّتاب الذيــن عكف كل واحــد منهم ‪-‬اآلن‪-‬‬ ‫األجيــال‬ ‫َ‬ ‫الخاصــة‪ ،‬عائدين القهقرى‬ ‫وموضوعاته‬ ‫د‬ ‫المتفر‬ ‫أســلوبه‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫إلــى الواقعي‪ ،‬ورافضيــن الموضوعات ذات المنــاخ العجائبي‪.‬‬ ‫قصتان فحســب بيــن ثنايــا هــذه األنطولوجيا يمكن‬ ‫ولإلشــارة ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وطيدة إلى الواقعية الســحرية‪ ،‬حتى وإن كانتا‬ ‫بصلــة‬ ‫أن تمّتــا‬ ‫التصــور الفســيح‪ ،‬لدرجة خلق‬ ‫توســعان كثيــرًا من حــدود هذا‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫والتصور األدبي للواقعية‪.‬‬ ‫االلتباس بين الواقعية السحرية‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫أيضــاً‪ ،‬تبــرز هــذه األنطولوجيــا أن واقعيــة الكتاب اإلســبانو‬ ‫الضيقــة‬ ‫ــدد لهــا أواصــر قربــى قليلــة بالنظــرة‬ ‫ِّ‬ ‫الج ُ‬ ‫أميركييــن ُ‬ ‫كل‬ ‫التي‬ ‫والسياســية‬ ‫االجتماعية‬ ‫لإلشــكاالت‬ ‫والتخوميــة‬ ‫ميزت ّ‬ ‫ّ‬ ‫األدب الواقعــي فــي الماضــي‪ .‬عنــد الكتــاب الالتينــو أميركيين‬ ‫المتخيل األكثر جسارة‪ ،‬وال تتناقض‬ ‫الجُدد‪ ،‬ال تخاصم الواقعية‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الم َجَّرد‬ ‫المعنى‬ ‫إن‬ ‫للمألــوف‪.‬‬ ‫مخالف‬ ‫مع اكتشــاف ما هو بكر أو‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫يمس كافّة مجــاالت التجربة‬ ‫للواقــع عند هــذه الفئة من الكّتــاب ّ‬ ‫لكل‬ ‫كما‬ ‫وحميمية‪،‬‬ ‫سرّية‬ ‫يتطرق ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬بما فيها تلك األشّد ّ‬ ‫المتخيل‪ .‬يتعلّق األمر بأعمال واقعية لكونها‬ ‫تجلّيات وتحليقات‬ ‫ّ‬ ‫يتعرف القارئ من خاللها إلى‬ ‫ما‬ ‫وسرعان‬ ‫الجذور‪،‬‬ ‫غير مبتورة‬ ‫ّ‬ ‫عالم طبق األصل لتجاربه الذاتية‪.‬‬ ‫***‬ ‫الم َع َّبر عنه من خــال هذه القصص‬ ‫ّ‬ ‫إن واقــع أميــركا الالتينيــة ُ‬ ‫القصيــرة ليــس إغرابيــاً‪ ،‬وال ذا صلة بالمغامــرات المثيرة‪ ،‬وال‬ ‫ّية‪ .‬فما هو أميركو التيني خالص‬ ‫يتميز بألوانه الغارقة في المحلّ‬ ‫َّ‬ ‫يتماهى مع الظواهر األخرى لبقية المعمور‪ .‬المآسي‪ ،‬الحاالت‪،‬‬ ‫الرغبات أو التراجيديات المعيشة من قبل الشخصيات القصصية‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مشترك له ارتباط بما يشعر به الرجال والنساء‬ ‫مهيمن‬ ‫يضفرها‬ ‫ٌ‬ ‫معين‪ ،‬بل‬ ‫جغرافــي‬ ‫ز‬ ‫بحي‬ ‫فقــط‬ ‫ّق‬ ‫ل‬ ‫يتع‬ ‫وال‬ ‫أخــرى‪،‬‬ ‫أصقاع‬ ‫فــي‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بالوضعيــة اإلنســانية على وجه العموم‪ .‬ســيكون من العســير‬ ‫المدرجة‬ ‫رصــد المنابــع األدبية التي نهلــت منها هذه النصــوص َ‬ ‫لكــون المرجعيــات واســعة‪ ،‬وســوف تضلّلنــا داخــل غابة من‬ ‫المتفرقــة على امتداد اآلداب الكونية‪ ،‬فالنظرة‬ ‫المؤلِّفين والكتب‬ ‫ِّ‬ ‫اإلقليمية ظلّت مطمورة بشكل ال غبار عليه‪ .‬لقد استطاعت أميركا‬ ‫الالتينية االندماج في بقية الجغرافيات األخرى لكوكبنا األرضي‬


‫األعمال الفنية‪- Fernando Botero:‬كولومبيا‬

‫بفضــل كّتابهــا‪ .‬الهاجس التقنــي‪ ،‬والعناية بمعمــار الحكايات‪،‬‬ ‫وهــوس توظيف لغة ســردية ناجعــة‪ ،‬نلفيه عنــد الجميع‪ .‬مما‬ ‫هوة ذلك التقصير الذي طال‬ ‫بأن ّ‬ ‫يشي ّ‬ ‫الجُدد يردمون ّ‬ ‫كل الكّتاب ُ‬ ‫الشــكل في ما مضى‪ ،‬وأساء إلى اللّوحات األخالقية وإلى األدب‬ ‫األهلي في العقود األولى من القرن العشرين‪.‬‬ ‫***‬ ‫تتجســد من خــال هذه‬ ‫كما‬ ‫الالتينيــة‬ ‫مــا هــي صــورة أميــركا‬ ‫ّ‬ ‫ــكلة من‬ ‫ش‬ ‫م‬ ‫حضرية‪،‬‬ ‫التينية‬ ‫أميــركا‬ ‫ّها‬ ‫القصــص القصيــرة ؟ إن‬ ‫ُ َ َّ‬ ‫يتم اإللماع إلى العالم القروي إ ّال لماماً‪.‬‬ ‫مدن ومن مواطنين‪ ،‬وال ّ‬ ‫فإن األمر يتعلَّــق بواقع قصي‪ ،‬ومن‬ ‫يومأ إليه‪ّ ،‬‬ ‫وحتــى عندمــا َ‬ ‫طبيعة غير واضحة أو ضبابية‪ .‬في النصوص التي لها خلفية‬ ‫مكانية قروية‪ ،‬البادية ليســت فضاء مثالي ًا أو غنائياً‪ ،‬رائع ًا أو‬ ‫األهم داخله هو المغامرة‬ ‫ضيــق‪ّ ،‬‬ ‫موحشــاً‪ ،‬لكنها ديكور ّ‬ ‫الحيز ّ‬ ‫إن المدينة هي الركح الدائم لهذه‬ ‫الجغرافي‪.‬‬ ‫اإلنسانية ال اإلطار‬ ‫ّ‬ ‫الحكايــات‪ ،‬فالمــدن التي تنبثق من رحم هذه الحكايات ليســت‬ ‫بورتريهات أو حتى رســومات تحضيريــة لنماذج واقعية‪ ،‬بل‬ ‫يوظف المؤلِّف خياله أكثر من ذاكرته‪،‬‬ ‫هي إعادة إبداع لها‪ ،‬إذ ِّ‬ ‫المتخيل ال عن طريق الوفــاء للذكريات‪.‬‬ ‫ــيدت بواســطة‬ ‫َّ‬ ‫مدن ُش ِّ‬ ‫إنّه نجاح باهر‪ ،‬ألن الحكي الحقيقي معناه أن تختلق األشــياء‬ ‫وتبتكرها‪.‬‬ ‫***‬ ‫كل هــذه النصــوص هاجــس اللغــة الناجعــة‪ ،‬والوظيفة‬ ‫فــي ّ‬ ‫البنائيــة للمعمار يبــدو بدهياً‪ .‬على عكس مــا كان يجري عادة‬ ‫في غضون ســنوات الستينيات والســبعينيات حيث عندما كان‬ ‫الكّتاب الشــباب األميركوالتينيون آنذاك مفتونيين بالتجريب‪،‬‬ ‫حيث التباهي بالجانب الشكلي‪ ،‬في لعبة رؤيوية تزيح مفهوم‬

‫الحكاية‪ ،‬وتنشغل عوض ًا عنها بطريقة حكي الحكاية‪ .‬في هذه‬ ‫األعم غير مرئي‪ ،‬وفي انســجام‬ ‫النصوص‪ ،‬الشــكل في الغالب ّ‬ ‫وتبدالتهــا‪ ،‬وذلــك بهدف الوصــول إلى‬ ‫تــام مــع الشــخصيات ُّ‬ ‫ّ‬ ‫أن الكّتاب األميركو‬ ‫القــارئ‬ ‫ذكاء‬ ‫وحساســيته‪ .‬وهذا ما يعنــي ّ‬ ‫ِّ‬ ‫التينييــن الممثّليــن فــي هــذه األنطولوجيا عثروا على شــغف‬ ‫الحكي واالحتجاج في اآلن ذاته‪ ،‬بعضهم أكثر من اآلخر‪ ،‬وهذه‬ ‫التحكم في اإلمكانات‬ ‫تتجســد في القدرة علــى‬ ‫هي الدراية التي‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫التعبيريــة إلــى حــدود إخفائها خلــف العالم والحكايــات التي‬ ‫تمنح الحياة للقصص القصيرة‪ ،‬وتسبغ عليها الحقيقة‪.‬‬ ‫***‬ ‫ال من أشــكال المســاواة‪ .‬ومن هنا‪،‬‬ ‫يجوز أن يكون‬ ‫التنوع شــك ً‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫عالــم متعــّدد يتعايش فيــه الناس‪،‬‬ ‫تعبــر هــذه الحكايــات عن‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫فثمــة‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫اختالفــ‬ ‫األكثــر‬ ‫والمشــاهد‬ ‫والمعتقــدات‪،‬‬ ‫والعــادات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫أخوة‬ ‫شــيء ُي َو ِّحد‪ ،‬ويلحــم ّ‬ ‫كل هذه القصص القصيــرة ضمن ّ‬ ‫أن‬ ‫أن لكل كاتب طريقتــه‪ ،‬غير ّ‬ ‫ال ثغــرة فيهــا‪ ،‬على الرغم مــن ّ‬ ‫هــذه الطريقة صيغت على شــاكلة الصــورة اإلجمالية للقارة‪،‬‬ ‫كل واحد على حدة ‪ :‬عالم شاســع تلتقي في‬ ‫حيــث تمتــّد جذور ّ‬ ‫بوتقته المناظر الطبيعية والمناخات األرضية وشــّتى األعراق‬ ‫وموحدة بلغة واحدة‪ ،‬وتاريخ مشــترك‪،‬‬ ‫مجتمعــة‬ ‫والثقافــات‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫وإشــكاليات واحــدة‪ .‬والعالقة مــع العالم تنســج بين مختلف‬ ‫إن أميركا الالتينية‬ ‫هؤالء الكّتــاب‬ ‫قرابة عصب ال انفصام فيها‪ّ .‬‬ ‫َ‬ ‫ويحددها‬ ‫يعبر عنها‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫واحدة ومتعّددة في اآلن ذاته‪ ،‬والشــيء ِّ‬ ‫الجيد‪.‬‬ ‫سوى األدب ِّ‬ ‫* مقدمــة « أنطولوجيــا القصــة األميركــو التينيــة المعاصــرة »‬ ‫(غاليمار‪،‬باريــس‪ ،)2014،‬التي َأ َعّدها الباحثان غوســتافو غريرو‪ ،‬وفرناندو‬ ‫إيواساكي‪.‬‬ ‫‪91‬‬


‫ال أو آج ً‬ ‫عاج ً‬ ‫ال ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫المدخنين يتو َّقفون عن التدخين !‬ ‫كل‬

‫ذكريات ُم َد ِّخن سابق‬ ‫أمجد نارص‬ ‫عربي اختلط فيه الحابــل بالنابل‪ ،‬ويصعب تصنيفه‬ ‫زمن‬ ‫فــي ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫طيــرت وكاالت األنبــاء مــن نيويــورك خبر وفاة شــاعر‬ ‫اآلن َّ‬ ‫«المقاومة الفلســطينية» راشــد حســين محترق ًا بسيجارة كان‬ ‫غفوة لم يفق منها‪ ..‬بعد ذلك كان علينا أن‬ ‫يدخنهــا وهو يغفو‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫نقرأ في صحف الصباح خبر احتراق الفنان التشكيلي السوري‬ ‫المتمرد لؤي كيالي بســيجارة في منزله بمدينة حلب‪ .‬ال شيء‬ ‫يربــط‪ ،‬هنــا‪ ،‬بين وفــاة الشــاعر الفلســطيني فــي نيويورك‬ ‫والرســام الســوري في حلب سوى الموت بســيجارة ‪..‬ليست‬ ‫ّ‬ ‫بالضرورة من النوع نفسه!‬ ‫محتمل جدًا أن تكون هناك صالت ثقافية‪ ،‬تشــابهات مزاجية‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫تحررية ربطت‪ ،‬على نحو غير مباشــر‪ ،‬بين شــاعر‬ ‫تطلعــات‬ ‫ّ‬ ‫ورسام ســوري من حلب‪ ،‬ففي‬ ‫فلســطيني يقيم في نيويورك ّ‬ ‫«ســن اليــأس» الوطني‬ ‫تلــك األيــام لم يكــن العرب قــد بلغوا‬ ‫َّ‬ ‫الرســمي من الصراع‬ ‫المصري‬ ‫تمامــ ًا رغــم تالمع نذر الخــروج‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫مع إســرائيل في األفــق‪ ،‬فقد كانت هناك أحالم‪ ،‬بل مشــاريع‬ ‫مشــتركة‪ ،‬بوســعها أن تحمــل علــى أجنحتها المحلِّقة شــاعرًا‬ ‫ورسام ًا سوري ًا من حلب‪.‬‬ ‫فلسطيني ًا يقيم في نيويورك ّ‬ ‫هذه الكلمات ليســت عن الشــعر أو عن الفن التشكيلي‪ ،‬وال هي‬ ‫عن راشــد حسين الذي لم يقبل قسم من الفلسطينيين أن تكون‬ ‫سيجارة مشتعلة سبب موته المفاجئ‪ ،‬وال هي عن لؤي كيالي‬ ‫تمدد على فرشته وتناول‬ ‫الذي قيل إنه أراد الموت حرق ًا عندما َّ‬ ‫حبة فاليوم عيار عشــرة ملغ وأشعل تلك السيجارة األخيرة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كمــا أن هــذه الكلمات ليســت عما يســببه التدخيــن من كوارث‬ ‫«جانبيــة»‪ ،‬بل عن التدخين نفســه‪ ،‬أو بدقــة أكبر‪ :‬اإلقالع عن‬ ‫التدخين‪.‬‬ ‫وعلى النحو الذي اســتهل فيه غابرييل غارسيا ماركيز مقالته‬ ‫دخــن متقاعــد» أبــدأ مقالتــي‪ ،‬أو‪ -‬بحســب تعبيــر‬ ‫«ذكريــات ُم ّ‬ ‫ماركيز‪ -‬ذكرياتي‪.‬‬ ‫***‬ ‫ســبب معين‪ ،‬ولم أشــعر مطلق ًا بأني‬ ‫ألي‬ ‫ٍ‬ ‫«لــم أتــرك التدخين ِّ‬ ‫يتعكَر مزاجي‪ ،‬ولم‬ ‫أصبحت أحســن حا ًال أو أســوأ حاالً‪ ،‬ولم‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫أدخن في حياتي‬ ‫وزني‪،‬‬ ‫زد‬ ‫واستمر ُّ‬ ‫كل شيء كما لو أنني لم ِّ‬ ‫َي ْ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫زلت ُمستم َّرًا في التدخين»!‬ ‫أبداً‪ ،‬أو كما لو أنني ما ُ‬ ‫‪92‬‬

‫هــذا ما يقولــه ماركيز بعدمــا أقلع عن التدخيــن‪ ،‬ومثل معظم‬ ‫فإن مــا قاله يبدو لــي غير قابل‬ ‫مقارباتــه المحتدمــة لألشــياء َّ‬ ‫للتصديــق‪ .‬أعنــي بحســب المعنــى الحرفي لتلــك الكلمات‪ .‬أو‬ ‫بتعبيــر آخر‪ :‬بحقيقتها الواقعية‪ ،‬إذ غالب ًا ما «تضيع» الحقيقة‬ ‫عنــد ماركيــز تحــت قصفه البالغــي وتزاحم مجازاتــه وتالطم‬ ‫ألفاظــه‪ .‬المجازات‪ ،‬الصور‪ ،‬الكلمــات هي‪ ،‬تقريباً‪« ،‬حقيقته»‬ ‫الشــعري للواقع» الــذي يصرف النظر‬ ‫األدبيــة‪ ،‬إنها «التحويل‬ ‫ُّ‬ ‫ســيد الواقعية‬ ‫عن‬ ‫الــكالم‬ ‫يغريني‬ ‫الواقعيــة‪.‬‬ ‫عــن «الحقيقــة»‬ ‫ِّ‬ ‫السحرية فأسترسل‪ ،‬أو أصاب بعدواه‪ .‬ألبقى‪ ،‬إذن‪ ،‬عند ذلك‬ ‫المقتبس الذي استهللت به حديثي‪.‬‬ ‫أصــدق الجملــة األولــى مــن كالم ماركيز‪ ،‬ويصعــب علي‪ ،‬بل‬ ‫ِّ‬ ‫يســتحيل‪ ،‬من «واقع التجربة» كما يقولون‪ ،‬تصديق ما تبقّى‪.‬‬ ‫قــد ال يكــون هناك ســبب مباشــر وضاغــط دعــاه‪ ،‬أو غيره‪،‬‬ ‫للتوقّــف عن التدخين‪ .‬هذا ممكن‪ .‬لكن أن ال يشــعر مطلق ًا بأنه‬ ‫بأن وزنه‬ ‫بأن مزاجه لم‬ ‫َّ‬ ‫يتعكر‪َّ ،‬‬ ‫أصبح أحســن حا ًال أو أسوأ‪َّ ،‬‬ ‫يدخن في حياتــه قط‪ ،‬أو كأنه (يــا أللعابه‬ ‫لــم يــزد‪ ،‬كأنَّه لــم ِّ‬ ‫مستمر في التدخين!!‬ ‫اللفظية المدهشة)‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ســأتحدث عن نفســي اآلن‪ ،‬وأروي تجربتي مع اإلقالع‬ ‫طيب‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫عــن التدخيــن‪ ،‬وهي‪ ،‬على ما يبــدو‪ ،‬أكثر دراميــة من تجربة‬ ‫األستاذ ماركيز‪.‬‬ ‫تــوًا بأني‬ ‫فــي عــام ‪َّ 1998‬‬ ‫تحدانــي صديق أقلع عــن التدخين ّ‬ ‫لــن أســتطيع أن أحذو حذوه‪ .‬قلت له‪ :‬إني أســتطيع‪ ،‬أمهلني‬ ‫بضعــة أيام ريثمــا أفرغ مــن بقايا «كــروز» المارلبــورو الذي‬ ‫لــدي اآلن! قــال‪ :‬متى يعني؟ قلت له‪ :‬يــوم االثنين القادم! كان‬ ‫ّ‬ ‫ذلك يوم األربعاء أو الخميس‪ .‬أعطيت موعدًا حاســم ًا ال مجال‬ ‫للتراجع عنه مع بداية األســبوع (الغربي)‪ .‬مع آخر ســيجارة‬ ‫مــن آخر علبة من «كروز» المارلبورو انتهت عالقتي بالتدخين‬ ‫كل ما قال ماركيز إنَّه لــم يعرفه بعد إقالعه‬ ‫لتبــدأ عالقتي مــع ِّ‬ ‫التوتر‪ ،‬النرفزة‪َ ،‬ت َعّكر المــزاج‪ ،‬ازدياد الوزن‪،‬‬ ‫عن التدخيــن‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫التفكير بالســيجارة طوال الوقت‪ ،‬واألســوأ ُط َّراً‪ :‬التوقُّف التام‬ ‫عن القراءة والكتابة‪.‬‬ ‫***‬ ‫كل ٍ‬ ‫السري‬ ‫حيوي في حياتي ارتبط بالتدخين‪ .‬إنه الناظم‬ ‫فعل‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬


‫لحبات ســبحة الحياة اليومية‪ :‬الصحو‬ ‫(هل أقول‬ ‫ّ‬ ‫الســحري؟!) َّ‬ ‫صباحــ ًا ال يكون صحوًا من دون فنجــان قهوة‪ ،‬وهذا الفنجان‬ ‫لــن يكون لــه طعم مــن دون الســيجارة األولــى التــي ُت َع َّز ُز‪،‬‬ ‫ســريع ًا وتلقائياً‪ ،‬بالثانية فالثالثة إلى أن أكاد أشعر بانسداد‬ ‫فــي حلقــي‪ .‬أكــره التدخيــن للحظــات بعــد متوالية الســجائر‬ ‫التوجــه‪ ،‬بمزيج من الســعال‬ ‫علــي‬ ‫ُّ‬ ‫الصباحيــة‪ .‬ثــم ســيكون ّ‬ ‫المخصص لي‬ ‫(الركــن‬ ‫مكتبي‬ ‫إلــى‬ ‫والكــره المضمــر للتدخين‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫في البيت) حيث تنتظرني مشــاريع مقاالت‪ ،‬قصائد‪ ،‬نصوص‬ ‫تبحــث عــن تجنيــس لها‪ .‬هنــاك مواعيــد مقطوعــة ينبغي أن‬ ‫محدد من األسبوع‪.‬‬ ‫ُتوفى‪ .‬هناك زوايا تنتظر أن ُتمأل في يوم َّ‬ ‫بالمهم‪ .‬وهو ليس‬ ‫أعرف تراتب «مســؤولياتي» الكتابية‪ .‬أبــدأ‬ ‫ّ‬ ‫بالضــرورة قصيدة أو نصــ ًا ملتبس التجنيس بــل لعله يكون‬ ‫مقا ًال كتبت عنوانه فقط‪ ،‬أو بضعة أســطر منه‪ .‬أعرف من أين‬ ‫ولدي من‬ ‫لدي «خارطة طريق» كتابية واضحة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫أبــدأ‪ ،‬وكيف‪َّ .‬‬ ‫يقودني في متاهاتها الداخلية‪ :‬السيجارة‪ .‬من دون السيجارة‪،‬‬ ‫ذلك الضوء الســاطع فــي ليل الكلمات‪ ،‬ال كتابــة‪ .‬بل ال طرف‬

‫خيــط «أرديانــي»‪ ،‬ابنة مينوس ملك كريــت‪ ،‬الذي قاد حبيبها‬ ‫«ثيســيوس»‪ ،‬ابن ملك أثينا‪ ،‬داخل المتاهــة العظيمة‪« .‬خيط‬ ‫للتجول داخل المتاهــة والخروج منها‪.‬‬ ‫أرديانــي» ال غنــى عنه‬ ‫ُّ‬ ‫قد ُيَق َّيض لي قتل «الميناتور»‪ ،‬في جولتي داخل المتاهة‪ ،‬وقد‬ ‫المؤرق‪ ،‬إلى جولة قادمة‪ .‬لكن‬ ‫النحاسي‬ ‫يظل يخور‪ ،‬بصوته‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫السحري‪ ،‬مضمون‪.‬‬ ‫الخيط‬ ‫الخروج‪ ،‬بفضل‬ ‫ّ‬ ‫تتلق‪ ،‬حتى اآلن‪ ،‬ســوى جرعــات متواصلة‬ ‫المعــدة التي لــم َّ‬ ‫المزمنة‪،‬‬ ‫مــن القهوة العربيــة‬ ‫َّ‬ ‫المركزة تستســلم إلى العــادات ّ‬ ‫ذكــر‪ .‬ثالث إلــى أربع‬ ‫فــا تثــور‪ ،‬بل تســتكين بال احتجــاج ُي َ‬ ‫ســاعات تتواصل‪ ،‬كل صبــاح‪ ،‬أمام الكيبــورد بفضل الدخان‬ ‫يتلوى بيــن أصابعي «كاألفاعي الصغيرة» ســعيَا وراء‬ ‫الــذي ّ‬ ‫المتنوعة ضرورية لتحســين شــروط‬ ‫المنافض‬ ‫«الميناتــور»‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫علي أن أختــار منفضة معينة‬ ‫يكون‬ ‫التدخيــن وتزيينــه‪ ،‬لذلك‬ ‫َّ‬ ‫كل صبــاح‪ .‬يستحســن أن تكــون زجاجيــة‪ .‬ال رمــاد فيهــا وال‬ ‫تكتظ بهــا المنفضة‬ ‫أعقــاب‪ ،‬تلــك النفايات التي ســرعان مــا ّ‬ ‫فأقوم بإفراغها‪ ،‬بقرف ّم ْن لم يعرف التدخين يوماً‪ ،‬في سطل‬ ‫معطالً‪ ،‬في األثناء‪ ،‬حاســتين على‬ ‫النفايــات محكم اإلغــاق‪ِّ ،‬‬ ‫والشم في ٍ‬ ‫حال من التواطؤ المكشوف مع الذات‪.‬‬ ‫األقل‪ :‬النظر‬ ‫َّ‬ ‫المؤكــد بعد نحو ثالث ســاعات أمام الكيبــورد (الحظوا‬ ‫األمــر‬ ‫َّ‬ ‫أتحدث عن القلم فهو ينتســب إلى زمن آخر ذي غنائية‬ ‫أني لم َّ‬ ‫دخنت عشــر إلى اثنتي عشــرة ســيجارة! هذا‬ ‫مجنَّحــة!) أنني َّ‬ ‫المؤكد‪ ،‬و«المضمــون» الذي ال أفاجــأ فيه‪ ،‬ما‬ ‫هــو «إنجــازي»‬ ‫َّ‬ ‫يفاجئنــي‪ ،‬حقاً‪ ،‬أن أكون قد أكملت ما كنت أعمل عليه‪ :‬مقالة‪،‬‬ ‫قصيــدة‪ ،‬فقرة مــن كتاب‪ .‬أقمع‪ ،‬في ٍ‬ ‫حال مــن النكران الكامل‪،‬‬ ‫في‪ ،‬من نوع‪ :‬ال تربط‬ ‫ً‬ ‫علي الجانب «المسؤول» َّ‬ ‫أسئلة يطرحها َّ‬ ‫دخنت عشــر إلى‬ ‫الســيجارة بالكتابــة‪ ،‬بـــ «اإلبــداع»‪ ،‬فها أنت َّ‬ ‫اثنتي عشــرة ســيجارة حتى اآلن (أكثر من نصف علبة) ‪،‬ولم‬ ‫تكتــب ســوى خمســمئة – ســبعمئة كلمة في أفضــل األحوال‪،‬‬ ‫وأحياناً‪ ،‬أحيان ًا كثيرة‪ ،‬ال تكتب بضعة ســطور! أســئلة كهذه‬ ‫ُتْقَمــع في الحال‪ .‬التواطؤ بيني وبينــي يعمل بكفاءة منقطعة‬ ‫النظيــر كــي أصل إلى الظهيــرة‪ .‬أتناول غداء (ســريعاً) وأفكر‬ ‫متى ســينتهي الغداء ليأتي وقت الشــاي! وهــذا وقت للتدخين‬ ‫من غير أســئلة وشــكوك وريب‪ .‬ال مجال مع كاســة شاي بعد‬ ‫في‪ .‬الشاي‬ ‫الغداء ِّ‬ ‫ألي تســاؤالت يطرحها الجانب «المســؤول» َّ‬ ‫والسيجارة صنوان ال يفترقان‪ ،‬ولضمان «شرعية» هذا القران‬ ‫يحلــو لي أن أســتحضر أشــخاص ًا في أفالم أو مسلســات أو‬ ‫كتب يرتشــفون في اســترخاء ســعيد‪ ،‬أمام (برنــدات) بيوتهم‬ ‫أو وهــم جالســون إلى طاوالت المقاهي‪ ،‬كاســات الشــاي مع‬ ‫«سحبات» طويلة‪ ،‬ومحبوسة من الدخان‪ .‬وألمر ما فإن معظم‬ ‫هــؤالء الذين تســتدعيهم ذاكرتي مصريون‪ .‬قــد تكون األفالم‪،‬‬ ‫أو المسلســات التليفزيونيــة‪ ،‬أو قراءاتي للكتــاب المصريين‬ ‫المتحدرين من األرياف هي السبب‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫بحكم عملي الصحافي فإن دوامي بعد الظهر‪ .‬أصل إلى المكتب‬ ‫مرتبــة‪ .‬منفضــة الســجائر الزجاجية‬ ‫فأجــد طاولتــي نظيفــة‪َّ .‬‬ ‫تلمع‪ .‬أصنع كاسة شاي سريعة ولتبدأ معها متوالية التدخين‬ ‫‪93‬‬


‫لمــا تبقّى من النهار‪ ،‬ففي تلك األيام لــم يكن التدخين ممنوع ًا‬ ‫في المكاتب (األماكن العامة عموماً) في لندن‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫اليومــي المنضبــط‪ ،‬كعســكر‬ ‫تقريبــي لروتينــي‬ ‫وصــف‬ ‫هــذا‬ ‫ِّ‬ ‫ٌّ‬ ‫عزهم ‪ ،‬بالســيجارة‪ .‬هناك تفاصيــل عديدة ال‬ ‫اإلنجليــز أيــام ِّ‬ ‫حسية أو‬ ‫حصر لها يســتعان عليها بالتدخين‪ .‬مع كل استثارة‬ ‫ِّ‬ ‫تتم‬ ‫ال‬ ‫الســجائر‪.‬‬ ‫تمتد‪ ،‬أوتوماتيكياً‪ ،‬إلى علبة‬ ‫عقلية أجد يدي ُّ‬ ‫ّ‬ ‫بد لها من وسيط أو بيئة تتخلَّق فيها‪:‬‬ ‫االستثارة في الفراغ‪ .‬ال َّ‬ ‫التدخيــن‪ .‬هذا يعني أن الخبر الجيد يتطلب ســيجارة‪ ،‬وكذلك‬ ‫سيجارة لتمريره‬ ‫الخبر الســيئ‪ .‬الـ(مابين) يحتاج‪ ،‬أيضاً‪ ،‬إلى‬ ‫ً‬ ‫توسطها بين استثارتين! ما‬ ‫باعتباره حالة ال معنى لها سوى ّ‬ ‫يعني أن التدخين مســتمر طــوال الوقت‪ .‬الوقت الوحيد الذي ال‬ ‫تدخين فيه هو النوم‪ ،‬ولكن يحصل حتى في وقت يتم االمتناع‬ ‫فيه عن التدخين‪ ،‬قسراً‪ ،‬أن أرى نفسي في حالة تدخين!‬ ‫باختصــار يمكن القول إن الســيجارة تشــبه (ولكــن على نحو‬ ‫معاكس) أنبوب األوكســجين الذي يديم حياة بعض المرضى‪.‬‬ ‫إنهــا ضــرع الحياة الذي ال فطام منه‪ ..‬أو هكذا بدا لي األمر إلى‬ ‫أن جاء «يوم التحدي» ذاك‪ ..‬فتوقَّفت‪ ،‬تماماً‪ ،‬عن التدخين‪.‬‬ ‫***‬ ‫ادعــى ماركيــز أنه لم يعرفــه بعد توقُّفه عــن التدخين‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫كل مــا َّ‬ ‫لنتفق أنني أقلعت عن‬ ‫يمر به‪ ..‬عرفته ومررت به حرفياً‪َّ .‬‬ ‫ولــم ّ‬ ‫التدخين يوم االثنين‪ .‬أول اختبار كبير لـ «مركزية» التدخين في‬ ‫حياتي كان يوم الخميس الذي أكتب فيه زاويتي األســبوعية‪.‬‬ ‫غض النظر عن مشــاريعي‬ ‫يمكنني‪ ،‬في حالتي المتوِّترة هذه‪ُّ ،‬‬ ‫األدبية التي أعمل عليها‪ ،‬ولكن ال يمكنني‪ ،‬إطالقاً‪ ،‬تأجيل هذا‬ ‫االســتحقاق األســبوعي‪ .‬الزاوية ينبغي أن ُتكَتــب ولن يكتبها‬ ‫األصح‪ :‬ال يكتبها أحٌد غيري‪.‬‬ ‫أحٌد غيري‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫اســتغرقني االقتنــاع بفكــرة معقولــة لزاوية ذلك األســبوع‪،‬‬ ‫من بين عشــرات األفكار الطائشــة‪ ،‬يومان‪ .‬وفــي اليوم الثالث‬ ‫كان وقــت كتابتهــا‪ .‬بعدما كتبت عنوان المقالة ثم ســطرين أو‬ ‫ثالثة منها راحت مطارق من حديد تهوي على رأسي‪ .‬ضربات‬ ‫ســريعة ومتواصلــة اضطرتنــي إلــى التوقَّــف عــن الكتابــة‬ ‫ومغادرة المكتب إلى الشارع والمشي فيه كيفما َّاتفق‪ .‬المهم أن‬ ‫تتوقّــف تلك المطارق التي تتناوب على رأســي‪ .‬بعدما أخذت‬ ‫نفس ًا عميقَا أكثر من مرة‪ ،‬وتمشيت لنحو عشر دقائق تراجعت‬ ‫حــدة تلك الضربــات فعدت إلــى المكتب‪ .‬كتبت بضعة أســطر‬ ‫َّ‬ ‫إضافيــة‪ ،‬ثم عــادت المطارق تهــوي من جديــد‪ .‬تركت المكتب‬ ‫ونزلت إلى الشــارع مرة‪ ،‬أخرى‪ .‬مشيت على غير هدى‪ .‬أخذت‬ ‫شددت أزري ‪ ،‬عدلت‬ ‫نفس ًا‬ ‫عميقا‪ ،‬وأنَّبت نفسي على ضعفها‪ْ .‬‬ ‫ً‬ ‫قامتي المتطامنة‪ ،‬ســرت‪ ،‬كأني في (مارش) عســكري‪ ،‬عائدًا‬ ‫إلــى المكتب‪ .‬وهكذا دواليــك إلى أن انتهى المقــال الماراثوني‬ ‫الــذي ال أتذكــره اآلن‪ ،‬ولكني ِّ‬ ‫متأكد أنه أصعب (وربما أســوأ)‬ ‫مقال كتبته في حياتي‪.‬‬ ‫حــدة المطارق تراجعت‪ .‬خفَّــت تدريج ًا‬ ‫يمكنكــم االســتنتاج أن َّ‬ ‫بمــرور األيام إلى أن تالشــت تماماً‪ .‬هــذا دأب اإلقالع المفاجئ‬ ‫‪94‬‬

‫أشــق من العادة‪ :‬اإلدمــان‪ .‬األيام األولى هي الصعبة‪.‬‬ ‫عما هو‬ ‫ُّ‬ ‫أمر‪ ،‬النرفزة ألسخف سبب‪،‬‬ ‫ر‬ ‫ت‬ ‫التو‬ ‫المطارق‪،‬‬ ‫انهيال‬ ‫َت َح ُّم ُل‬ ‫ّ‬ ‫ألي ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫العالــم الــذي يتراءى لك من خرم إبرة‪ ،‬تلــك الذبابة الطنَّانة‪،‬‬ ‫غيــر المرئيــة‪ ،‬التي تقف على مقدمة أنفك إلخ‪ ..‬قد ال يحصل‪،‬‬ ‫شيء مما ذكرت‪ ،‬فاألمر له عالقة بمدى التواطؤ بينك‬ ‫آلخرين‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫وبينك‪ .‬بين دماغك ويدك‪ .‬بين نقص النيكوتين وقدرتك على‬ ‫تجاهل نداءاته الصاهلة في دورتك الدموية‪.‬‬ ‫وعلى عكس ِّ‬ ‫ادعاء ماركيز زاد وزني نحو سبعة كيلوغرامات‪.‬‬ ‫قفــز خصــر البنطلــون نمرتين إلــى األمام‪ .‬لــم يعــد ممكن ًا لي‬ ‫لبــس معظم ثيابي الســابقة‪ .‬مع وزني المعتبــر الجديد‪ ،‬وزن‬ ‫علــي أن ابتاع ثياب ًا جديدة‪ ،‬لكــن‪ ،‬بالمقابل‪،‬‬ ‫الوجاهــة!‪ ،‬كان‬ ‫َّ‬ ‫لــم أعد أشــعر بتســارع دورتــي الدمويــة كلما شــممت رائحة‬ ‫السجائر‪ ،‬أو رأيت شخص ًا ُي ِ‬ ‫دخل إلى رئتيه شيئ ًا غريب ًا عجيب ًا‬ ‫يسمى‪ :‬الدخان!‬ ‫َّ‬ ‫راحــت‪ ،‬تدريجــاً‪ ،‬تلك األيام التي لم يكــن الصحو فيها صحوًا‬ ‫حقيقي ًا من دون فنجان قهوة وهذا ال طعم له من دون سيجارة‪،‬‬ ‫وتبــدد وهــم التالزم التــام بيــن الكتابة والســيجارة‪ ،‬بل بين‬ ‫َّ‬ ‫تدوين رقم هاتف في مفكرتي وإشعال سيجارة كما كنت أفعل‬ ‫بتله ٍف‪ ،‬شاي ما بعد الغداء‪ ..‬في الواقع‬ ‫سابقاً‪ .‬لم أعد أنتظر‪ُّ ،‬‬ ‫تراجعــت «مركزية» الشــاي والقهوة في حياتــي على ما كانت‬ ‫أن هذين المشروبين المقترنين‪ ،‬طويالً‪،‬‬ ‫عليه من قبل‪،‬‬ ‫واألهم َّ‬ ‫ّ‬ ‫كل ما كان‬ ‫تحررا مــن ارتباطهما بها‪ .‬في الواقــع‪ُّ ،‬‬ ‫بالســيجارة َّ‬ ‫مرتبط ًا بالســيجارة َّ‬ ‫فك ارتباطــه بها بمرور الوقت‪ .‬ولكن ذلك‬ ‫تغيــرات دراماتيكية في إيقاعي اليومي‬ ‫لــم يحصل إال بإحداث ُّ‬ ‫حد تبنّي‬ ‫إلــى‬ ‫ترقى‬ ‫حولي‬ ‫األمور‬ ‫مــن‬ ‫وفــي نظرتــي إلى كثير‬ ‫ِّ‬ ‫منظــور فلســفي جديد! صار للحيــاة‪ ،‬ما بعــد التدخين‪ ،‬إيقاع‬ ‫مختلــف‪ ،‬وخلق هــذا اإليقاع معــه عادات ومشــاريب ونكهات‬ ‫وتذوقات جديدة‪ ،‬منها على سبيل المثال‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫تشم منه رائحة السجائر على بعد أمتار‪،‬‬ ‫ال‬ ‫بيت‬ ‫في‬ ‫العيش‬ ‫ُّ‬ ‫يدي‪ ،‬فمي من رائحة الســجائر التي‬ ‫تخلّص ثيابي‪،‬‬ ‫شــاربي‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫طويال‪ ،‬وصارت عالمتها المميزة‪،‬معرفتي برائحة‬ ‫عششت فيها‬ ‫ً‬ ‫الشم والطعم‪ ،‬خصوص ًا‬ ‫الهواء من دون دخان‪،‬شــحذ‬ ‫حاستي ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫عري‪،‬ترددي‬ ‫ش‬ ‫بنصف‬ ‫لها‬ ‫وأدين‬ ‫بها‬ ‫الشم التي أتباهى‬ ‫حاسة‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫إلــى المكتبــة العامة التي لم أعــرف الطريق إليهــا يوماً‪ ،‬ففي‬ ‫المكتبــة العامــة ممنــوع‪ ،‬طبعــاً‪ ،‬التدخين‪،‬معرفتــي بدواخل‬ ‫المطاعــم والمقاهي وبعض الزوايا التــي كانت محظورة على‬ ‫المدخنين‪،‬ســهولة ســفري‬ ‫المصابيــن بالجــذام أمثالي‪ ،‬أقصد‬ ‫ِّ‬ ‫بالطائرات ولمســافات طويلة‪،‬تذوقي للقهوة (من أجل القهوة‬ ‫ألي سبب آخر) بكامل رائحتها‪ ،‬طعمها‪ ،‬قوامها‪،‬عثوري على‬ ‫ال ِّ‬ ‫مقدسة وقديمة للشاي‪ ،‬أقدم من السجائر ومن اخترعها‪.‬‬ ‫جذور‬ ‫َّ‬ ‫كل ذلــك‪ :‬كتابتــي ألهم عمل فــي حياتي األدبيــة «حياة‬ ‫فــوق َّ‬ ‫متقطع» من دون سيجارة واحدة‪.‬‬ ‫كسرد‬ ‫ِّ‬ ‫هنــاك ســجائر فــي بعض قصائــد الكتــاب‪ ،‬ولكني لســت من‬ ‫يدخنها!‬ ‫ِّ‬ ‫***‬


‫انقطعت عن التدخين نحو خمس سنين متواصلة‪ ..‬نسيت فيها‬ ‫حل ذلك‬ ‫الســجائر ومــا ترتبط به من عادات وطقــوس إلى أن َّ‬ ‫أصر فيه بعض األصدقاء‪ ،‬وقد كنا في‬ ‫المســاء المشــؤوم الذي‬ ‫َّ‬ ‫أدخن سيجارة‪.‬‬ ‫جلسة سمر‪ ،‬على أن ِّ‬ ‫سيجارة يا رجل مش رايح تخرب الدنيا!‬ ‫سيجارة واحدة مش حترجعك ع التدخين!‬ ‫شو ضعيف اإلرادة‪ ،‬خايف تدخن سيجارة واحدة؟!‬ ‫لكن‬ ‫المســتهترة‪،‬‬ ‫قاومــت بقــدر مــا اســتطعت تلــك الدعــوات‬ ‫َّ‬ ‫إلــي بصوتهــا الخفيض‪،‬‬ ‫وسوســة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫شــيطانية كانــت تهمــس َّ‬ ‫المغــوي‪ ،‬الماكــر‪ :‬أن جامــل أصحابــك بســيجارة‪ .‬ســيجارة‬ ‫واحدة فقط‪ .‬لن تخرب الدنيا!‬ ‫كأنــي أقلعت عن التدخين قبل يــوم أو يومين وليس أكثر من‬ ‫تسارٍع في دورتي‬ ‫ُّص في أعماقي‪،‬‬ ‫خمس ســنين شــعرت بتقل ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫تجســدت في‬ ‫مة‬ ‫محر‬ ‫أو‬ ‫مقموعــة‬ ‫لرغبــات‬ ‫احتشــاد‬ ‫الدمويــة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫إلي‪ .‬تناولت السيجارة‬ ‫تلك الســيجارة الشــيطانية‪ ،‬الممدودة ّ‬ ‫لــوح بها أحــد األصدقاء (يــا له من صديــق؟!) أمام أنفي‬ ‫التــي َّ‬ ‫وأشــعلتها‪ .‬أخذت نفســ ًا خفيفاً‪ ،‬ثم آخر أكثر عمقاً‪ ،‬ثم عميق ًا‬ ‫ال إلى أن لفظت السيجارة أنفاسها‪ .‬لم أعرف في حياتي‬ ‫ومتمّه ً‬ ‫خدراً‪ ،‬لذيداً‪ ،‬مديدًا يتمنّى المرء أن يستمر العمر كله‪ ،‬مثل الخدر‬ ‫الذي أصابتني به تلك السيجارة اللعينة‪ .‬لم تنته تلك السهرة‬ ‫دخنــت أكثر من واحــدة‪ .‬لم يكــن لها خدر‬ ‫بســيجارة واحــدة‪َّ .‬‬ ‫الســيجارة األولى نفســها بعد انقطاع طويل‪ .‬شــعرت‪ ،‬طبعاً‪،‬‬ ‫بالنــدم‪ .‬بل بأكثر من ذلك‪ :‬بالتفاهــة‪ .‬وظننت أن ما فعلته في‬ ‫يتكرر‪ .‬بل أقســمت أني لن أعود إلى التدخين‬ ‫تلك الســهرة لن َّ‬ ‫التلوث إلى‬ ‫رجــع‬ ‫‪.‬‬ ‫إلي‬ ‫َّل‬ ‫تســل‬ ‫الســم‬ ‫لكن‬ ‫مهما كانت الظروف‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ال للتخلِّص‬ ‫دمــي ثانية‪ .‬عاد إليه النيكوتين الــذي كافحت طوي ً‬ ‫تشبثت‬ ‫حولي‪.‬‬ ‫الشيطانية تطوف‬ ‫الوسوسة‬ ‫من كالليبه‪ .‬ظلت‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫دوخــة‪ ،‬وطردت األنفاس‬ ‫الم ِّ‬ ‫ذاكرتــي المتآمرة بتلــك األنفاس ُ‬ ‫األخرى التي حاولت أن تســتعيد الخدر مــرة ثانية ولم تفلح‪،‬‬ ‫راحت صور مغوية تتوالى على ذهني مرتبطة بالسيجارة من‬ ‫بينها‪ ،‬بل أبرزها على اإلطالق‪ ،‬صور جنسية‪.‬‬ ‫منقطع عن التدخين ســيجارة مثلما فعلت وال يعود‬ ‫ــن‬ ‫قــد ُي ِّ‬ ‫ٌ‬ ‫دخ َ‬ ‫إلى التدخين‪ ،‬بل قد يكره السيجارة ويفعسها في المنفضة بعد‬ ‫نفس أو اثنين‪ ،‬فالبشــر ليســوا متساوين أمام اإلغراء وليسوا‬ ‫ٍ‬ ‫متســاوين في الميل إلى اإلدمان‪ .‬أنا‪ ،‬لســوء الحظ‪ ،‬شخصية‬ ‫إدمانية‪ .‬بســهولة يمكن انجراري إلــى اإلدمان الذي لم أعرفه‪،‬‬ ‫لحســن حظــي‪ ،‬إال فــي التدخين‪ .‬هذا هــو إدمانــي الوحيد‪ .‬لو‬ ‫أن ظــروف حياتي وضعتني في مناخ قمــار أو مخدرات لربما‬ ‫َّ‬ ‫صــرت أحد أســوأ المدمنين على هذين الداءين‪ .‬أشــكر ظروف‬ ‫حياتــي‪ ،‬محيطــي‪ ،‬صداقاتي األولــى التي لم تكــن لها عالقة‬ ‫بهاتين اللعنتين األبديتين‪.‬‬ ‫أمد يــدي إلى علب‬ ‫صرت‬ ‫الســيجارة‪.‬‬ ‫لــم ينتــه األمر عنــد تلك‬ ‫ُّ‬ ‫أصحابي المدخنين‪ ،‬ثم خجلت من هذه العادة التي كنت أمقتها‬ ‫«ينفِّخون» على حساب غيرهم‪ .‬ابتعت‬ ‫في أولئك النتنين الذين ُ‬ ‫استمر الوضع على‬ ‫نصف علبة سجائر‪ .‬ثم نصف علبة أخرى‪.‬‬ ‫َّ‬

‫هــذا النحو أيامــاً‪ .‬لم يعد نصف العلبة يكفي‪ .‬فعدت إلى العلبة‬ ‫الم َخ ِّدرة‪ ،‬األولى لي بعد انقطاع‬ ‫الكاملة‪ ..‬لكن تلك الســيجارة ُ‬ ‫تتكرر‪ .‬عاد التدخين ليصبح إدماناً‪ .‬بال‬ ‫نحو خمس سنين‪ ،‬لم َّ‬ ‫طعم خاص‪ .‬بلى هناك طعم التبن‪ .‬هناك اإلحســاس بانسداد‬ ‫الحلق‪ .‬هناك اللهاث عند صعود بضع درجات‪ .‬هناك الكراهية‬ ‫المضمرة للذات‪.‬‬ ‫ال جديد أقوله عن تلك العودة غير الميمونة سوى إنني عرفت‪،‬‬ ‫المدخن الذي‬ ‫مــرة أخرى‪ ،‬كل ما كرهته في التدخيــن‪ ،‬فقد عاد‬ ‫ِّ‬ ‫كل‬ ‫انقطــع لخمس ســنين مريحة‪،‬‬ ‫يكبل َّ‬ ‫صحيــة‪ ،‬مثمرة كــي ِّ‬ ‫ّ‬ ‫تفاصيل يومه ومعظم نشــاطه اإلنساني بالسيجارة‪ .‬عاد إلى‬ ‫التواطؤ مع أضعف جوانب ذاته وأقلها شعورًا بـ«المسؤولية»‪.‬‬ ‫***‬ ‫ال أدري كم كنت سأســتمر في التدخين‪ ،‬بعد عودتي البائســة‬ ‫إليه‪ ،‬لو لم يجبرني ٌ‬ ‫صحي على التوقُّف‪ .‬لقد قيل لي في‬ ‫ظرف‬ ‫ٌّ‬ ‫صريــح العبارة‪ :‬عليك اآلن التوقُّف عــن التدخين‪ ،‬وهذا ليس‬ ‫تذكر أنك لم تعد‬ ‫حر طبع ًا في أن ال تفعــل‪ ،‬ولكن َّ‬ ‫خيــاراً‪ .‬أنــت ٌّ‬ ‫تملك «ترف» التدخين!‬ ‫حدث ذلك قبل نحو ثالثة أشهر‪ ،‬وها أنذا منقطع عن التدخين‬ ‫مــذ ذاك‪ .‬هــا أنني أكتــب هذه الســطور في مقعــد مريح داخل‬ ‫سكر‪ ،‬فمن منافع اإلقالع‬ ‫مقهى وأمامي كوب قهوة ســوداء بال َّ‬ ‫عن التدخين توقُّفي‪ ،‬تقريباً‪ ،‬عن تناول الســكريات الصناعية‬ ‫ِّ‬ ‫مرة‪ ،‬غــذاء ضروري ًا‬ ‫بأنواعهــا‪ ،‬وهي التي‬ ‫تشــكل‪ ،‬كما قرأت ً‬ ‫لدماغ المبدعين!‬ ‫يتضــور دماغي جوعــ ًا على أن أعود إلى الســكريات‬ ‫أقبــل أن‬ ‫َّ‬ ‫المصحوبــة‪ ،‬حتماً‪ ،‬بالتدخين‪ .‬وعلى ذكر المبدعين والتدخين‬ ‫فقد خطر لي‪ ،‬بعد قراءتي لمقالة ماركيز بخصوص إقالعه عن‬ ‫التدخيــن‪ ،‬الوقوف علــى تجارب كّتاب آخرين فــي هذا الصدد‬ ‫فلــم أعثــر على شــيء ذي بال‪ ،‬لكني مــررت بأقــوال مأثورة‬ ‫لكّتاب وفنانين تتعلَّق بالتدخين أذكاها القول التالي المنسوب‬ ‫ال كل‬ ‫ال أو آج ً‬ ‫إلى الكاتب األميركي الســاخر مارك تويــن‪ :‬عاج ً‬ ‫المدخنين يتوقَّفون عن التدخين!‬ ‫ِّ‬ ‫صحيح يا مارك توين‪ ،‬يا َم ْن لم يوقفه عن التدخين إال الموت!‬ ‫ٌ‬ ‫يخطها قلمي‬ ‫أود اختتــام كلماتي األولى التــي ّ‬ ‫لكــن ليــس بهذا ّ‬ ‫(هــذا صحيــح فهــي األولــى التــي أكتبها بعــد توقُّفــي األخير‬ ‫أسطرها بالقلم منذ زمن‬ ‫والنهائي عن التدخين‪ ،‬واألولى التي ِّ‬ ‫طويل ألنني أكتب في مقهى بعيدًا عن مكتبي وكيبوردي)‪ ،‬بل‬ ‫التأمل‪.‬‬ ‫بحكاية لطيفة قرأتها عن ُّ‬ ‫يحكى أن ُمريدًا سأل معلِّمه‪:‬‬ ‫التأمل؟‬ ‫هل أستطيع‪ -‬يا‬ ‫معلم‪ -‬التدخين خالل فترة ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫فأجابه المعِلّم‪ :‬كال‪ ،‬ال تستطيع‪.‬‬ ‫التأمل وأنا‬ ‫فرفــع مريٌد آخر يده وســأل المعلِّم‪ :‬وهل يمكننــي ُّ‬ ‫أدخن؟‬ ‫ِّ‬ ‫أن هذا المريد في الطريق الصحيح إلى‬ ‫نعــم‪،‬‬ ‫رد المعلم مدرك ًا َّ‬ ‫َّ‬ ‫االستنارة‪.‬‬ ‫‪95‬‬


‫ترجمات‬

‫كما لو أنني أعرف الحرب العاملية األوىل‬ ‫جوليا هرتفيغ‬ ‫ترجمة ‪ -‬مازن معروف‬ ‫لم تنشــر جوليا هرتفيغ (‪ )1921‬ســوى عــدد قليل من الكتب‬ ‫الشــعرية‪ .‬إال أنها تحظى بمكانة رفيعة في المشــهد الشعري‬ ‫البولندي‪ .‬لها مؤلَّفات في كتب األطفال والمقالة‪ .‬وهي أيض ًا‬ ‫مترجمــة‪ .‬القى شــعرها اهتمامــ ًا وحصدت جوائــز أدبية في‬ ‫فرنســا‪ ،‬الواليــات المتحــدة‪ ،‬النمســا‪ ،‬وبولنــدا‪ .‬كما حازت‬ ‫جائــزة ثورنتــون وايلــدر للترجمــة مــن جامعــة كولومبيا‪.‬‬ ‫تقيم في وارســو‪ .‬ربطتها صداقة طويلة بالشــاعرة الراحلة‬ ‫فيسالفا شيمبورسكا‪.‬‬

‫األعمال الفنية‪ - Mišo popovic:‬صربيا‬

‫‪96‬‬


‫فيلمون وبوسيس‬ ‫واحد منهما ينهض في الليل‪ .‬بقميص النوم‬ ‫ٌ‬ ‫ُتجرجر قدميها بغير هدى إلحضار بعض الماء‬ ‫من المطبخ‪ .‬اآلخر يصغي‪.‬‬ ‫صوت قدميها يُش ِع ُره بضيق‪ ،‬هو مستيقظ‪ ،‬منزعج‪،‬‬ ‫يدمدم متبرِ ّ م ًا‪.‬‬ ‫تدب فجأة في رأسه‪.‬‬ ‫قشعريرة‬ ‫ّ‬

‫أيكون صوت قدميها حقيقي ًا‪ ،‬أم أنه محض‬

‫ذكرى‪ ،‬في الماضي‪ ،‬في الالوجود؟‬ ‫حقيقي! إنها حق ًا تجرجر قدميها‪ .‬هما ‪-‬إذ ًا‪ -‬ال‬

‫يزاالن مع ًا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الهش‪.‬‬ ‫ممت ّن ًا ومطمئ ّن ًا‪ ،‬يخلد من جديد إلى نومه‬

‫مُي َّتم‬ ‫ال يزيل الصحون من أمامه‪،‬‬

‫بل يأ كل مباشرة من ورقة على الطاولة‬

‫بالشوكة‪ ،‬باألصابع‬

‫األسرع‬ ‫أن يقوم بذلك بأي شيء متوافر‬ ‫ُنب ُذ بسبب فوضاه‬ ‫عادة ما ي َ‬ ‫لو لم يكن ال مُ بالي ًا‬

‫وسيط‬ ‫أن تكون تقريب ًا في ّ‬ ‫كل مكان في اللحظة عينها‬ ‫من دون أن تبارح مكانك‬ ‫أن تنظر‬ ‫وفي الوقت عينه‬ ‫تتراءى لك صور أخرى في األعماق‬

‫بيار بيزوخوف في قبعة بيضاء‬ ‫مؤاخي ًا الجنود قبل المعركة في بورودينو‬ ‫مشهد الجيش من فوق التلة يخلب س ّره‬ ‫لمعان أسلحة ودخان أسود متصاعد من ساحة‬ ‫المعركة‬ ‫وإلى جانبه تمام ًا أبولينير مفتون ًا بِ ن ِّية َط ِ ّيبة‬ ‫بمنظر الحرب‬ ‫ كم جميلة الراجمات وهي تنير الليل ‪-‬‬‫قبل أن يجد نفسه في الخنادق تصعقه رائح ُة‬ ‫الجثث المتحللة‬ ‫المسمى قدم الخنادق‬ ‫لعن ُة المرض‬ ‫ّ‬ ‫قبل أن تصيب رأسه إحدى الشظايا‬

‫وإلى جانبه تمام ًا أغنية لشوبرت عن شجرة‬ ‫زيزفون‬ ‫هانس كاستروب يسمع أزيز رصاصة تدنو‪ ،‬ثم‬ ‫يسقط أرض ًا‬

‫الحروب القديمة هذه رغم فظاعتها‬

‫لو أنها كانت ال تزال إلى جانبه‬

‫لديها شخصية‬

‫وحياة تتدفَّق عبر الغرفة كما نهر أليف‬

‫أبدو كما لو أنني أعرف الحرب العالمية األولى‬

‫رنين المالعق وهي تثرثر‬

‫أمامه شاشة تليفزيون تومض‬ ‫لكنه ال يالحظها‬ ‫بالقرب منه جريدة لكنه ال يقرؤها‬

‫ال بد أن هناك طريقة ما‬

‫الناس كان باستطاعتهم وصفها‬ ‫عن كثب‬

‫إلي من الذاكرة‬ ‫لكنها تعود ّ‬

‫التي حفظها اآلخرون من أجلي‬

‫من أجل حربي األخيرة لن تكون هناك كلمات‬ ‫متب ِّقية‪.‬‬

‫‪97‬‬


‫شعور ٌ بطريقة ما‬ ‫األجمل غير مكتمل بعد‬ ‫سما ٌء مألى بنجوم غير مُ َدوَّنة في خرائط العلماء‬ ‫اسكتش بقلم ليوناردو أغنية مكسورة بسبب‬ ‫عاطفة‬ ‫قلم رصاص‪ ،‬فرشاة مد ّ‬ ‫الة في الهواء‬

‫التوسط‬ ‫ُّ‬ ‫هبة‬ ‫ظِ ّل ي َُح ِ ّذر ًّ‬ ‫ظال بأنك تدنو‬ ‫ّ‬ ‫يحذر ضوء ًا‪.‬‬ ‫ضوء‬ ‫خائف ًا‪ ،‬يمامة شرسة تثب‪ .‬وأنت عائق‬ ‫غير مُ توق ٍَع هنا بين علياء أشجار الصنوبر‬ ‫و ِف َر ُق العقوبات من األعشاب الصغيرة‬ ‫أنت لقيط يبحث عن عائلة‪،‬‬ ‫ابن مُ ِ ّ‬ ‫بذر و ّلى األدبار‬ ‫ٌ‬

‫وعاد ليكون شاهد ًا على استقالل‬ ‫األشجار‪ ،‬نبات الشوك‪ ،‬الفراشة السريعة‬ ‫واليعسوب الميت‪.‬‬ ‫من خاللهم تفد إلينا لحظات السكينة هذه‪،‬‬ ‫هم يساعدون التماعة في النزول على جناح‬ ‫طائر مجهول‪،‬‬ ‫وتلك أصواتهم – بكاء قاقم‪ ،‬أنين يمامة‪،‬‬ ‫تذك ُرنا‬ ‫شكوى بومة – ِّ‬ ‫قاس بالتساوي‪.‬‬ ‫ضيق العزلة مُ ٌ‬

‫هذا ما سيكون عليه األمر‬ ‫سيعود كل شيء‬ ‫متفحم أو بقايا‬ ‫لن يكون هناك أي أثر لحطام‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل شيء سيكون محفوظ ًا كما قبل الدمار‬ ‫بنضار ٍة وفي ضوء النهار‬

‫صداقات بال شجار‬ ‫سم‬ ‫آبار بال ّ‬ ‫معارك آملة انتصار ًا ما‬

‫حص بعد‬ ‫نجوم لم ُت َ‬ ‫قم ٌر غير مك َت َشف‬ ‫نحن‪ ،‬غير مدركين ال نزال‬ ‫ثم‬ ‫ُ‬ ‫مما تحقَّ قَ إلى األبد‬ ‫ومما ان ُتزِ ْع‬

‫من دون أن نالحظ‬

‫الشمس تضيء ساطع ًة مجنون ًة صاخبة‬ ‫مفلت ًة من غيوم على وشك االنقضاض عليها‪.‬‬ ‫هي تحاول أن تقول لنا شيئ ًا بصرختها‬ ‫أحدهم بذل مجهود ًا ليصغي‪ ،‬مترِ ّ قب ًا‬ ‫آخر عبر من دون أن يالحظ‬ ‫تراجيديا بكاملها تحدث في األعالي فوق‬ ‫‪98‬‬


‫حيث ال يصل مجال السمع‬

‫زميلتا دراسة‬ ‫حدة‬ ‫صوت مع ّلمة الالتينية بدا أ كثر ّ‬ ‫عندما َذ َك َر ْت ُهما‬ ‫(لم تلفظ أبد ًا أسماءهما األولى)‪.‬‬ ‫مستعدة تمام ًا‬ ‫ميريام دائم ًا‬ ‫ّ‬ ‫رغينكا ّ‬ ‫أقل ثقة‪ ،‬لكن دقيقة‪.‬‬ ‫ظلّا مع ًا‬ ‫ومع ًا كانتا تغادران غرفة الصف قبل بدء‬ ‫درس الدين‪.‬‬

‫آخر مرة التقيت بهما كانت بغت ًة‬ ‫في نهاية شارع لوبرتوسكا‪،‬‬ ‫أطراف غيتو ُشيِ ّ َد حديث ًا آنذاك‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بخوف وقفتا هناك كما لو أن عار ًا ما‬ ‫َل ِحقَ بهما‪.‬‬

‫اللحظة هذه‬ ‫حين تغمر الطمأنينة الجميع‬ ‫أخاذ‬ ‫ويشعشع ضو ٌء ّ‬ ‫من وراء كل شيء‬ ‫من حيث أنتم اآلن‬ ‫أيها األعزاء‬ ‫غير المرئيين اآلن‬ ‫لم يكن يستحقّ أن تموتوا‪.‬‬

‫شجن‬ ‫قبل أن‪،‬‬ ‫اقرأ هذا المثل‬ ‫آه نعم‬

‫اقرأه‬

‫تنس أن تعود إلى هناك حيث ‪..‬‬ ‫وال َ‬ ‫آه نعم‬ ‫تنس أن تعود‬ ‫ال َ‬

‫حاول أن تفهم ماذا في ذلك الوقت‬ ‫آه نعم‬ ‫حاول أن تفهم‬ ‫وال تتهاون في إتالف ذلك‬ ‫أنت تعرف‬ ‫آه نعم‬ ‫ال تتهاون‬ ‫وأص ِغ إلى هذه الرباعية‬ ‫ْ‬ ‫كما حين‪..‬‬ ‫آه نعم‬ ‫أصغ‬ ‫ِ‬

‫ألن ما يحدث يحدث على حين غفلة‬ ‫يحدث‬ ‫آه نعم‬ ‫على حين غفلة‪.‬‬ ‫‪99‬‬


‫العداوة والصداقة*‬ ‫ميالن كونديرا‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد بنعبود‬

‫ذات يوم‪ ،‬في بداية السبعينيات‪ ،‬في أثناء االحتالل الروسي‬ ‫للبلد‪ ،‬ذهبنا‪ ،‬زوجتي وأنا‪ ،‬وقد ُطردنا مع ًا من عملنا وساءت‬ ‫صحتنــا‪ ،‬لعيــادة طبيــب كبير بمستشــفى بضاحيــة براغ‪،‬‬ ‫وهو عجــوز يهودي كنــا نناديه بالحكيم؛ إنه البروفيســور‬ ‫صديــق كل المعارضين‪ .‬التقينا عنــده ب(أ)‪ ،‬وهو‬ ‫ســماهيل‬ ‫ُ‬ ‫مطارد مثلنا‪ ،‬في كل مــكان‪ ،‬ومريض مثلنا أيضاً‪،‬‬ ‫صحافــي‬ ‫َ‬ ‫فاســتغرقنا‪ ،‬أربعتنــا‪ ،‬لحظات طويلة في الثرثرة‪ ،‬ســعداء‬ ‫بجو التعاطف المتبادل بيننا‪.‬‬ ‫أقَلّنا (أ) في سيارته عند العودة وجعل يتحدث عن بوهوميل‬ ‫هربــال(‪ ،)1‬الــذي كان آنئــذ أكبر كاتب تشــيكي حي‪ .‬نزوات‬ ‫هربال بال حــدود‪ ،‬وهو معجب بالتجــارب العامية (رواياته‬ ‫تعــج باألشــخاص العادييــن جداً)‪ .‬كانــت كتبه ُتقــرأ بكثرة‬ ‫ّ‬ ‫وكان محبوب ًا (ُأعجب به كل أفراد موجة الشباب السينمائيين‬ ‫أي اهتمام‬ ‫المهيب)‪ .‬لم يكن له ّ‬ ‫التشيكيين‪ ،‬واعتبروه قائدهم َ‬ ‫(كل‬ ‫بالسياســة‪ ،‬وهــو أمر يعتبر غير بريء بالنســبة لنظام ُّ‬ ‫عدم اهتمامه بالسياســة‬ ‫شــيء عنده ُم َس ّ‬ ‫ــيس)‪ :‬كان يشــكل ُ‬ ‫استهزاء بالعالم الذي تعيث فيه األيديولوجيات فساداً‪ .‬لذلك‬ ‫ً‬ ‫وجد نفســه‪ ،‬لزمن طويل‪ ،‬غيــر ذي حظوة (ما دام غير قابل‬ ‫وبسبب من عدم‬ ‫لالستعمال في االلتزامات الرسمية)‪ ،‬لكنهم‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫اهتمامه هذا بالسياســة‪ ،‬تحديدًا (لم يسبق له أبدًا أن عارض‬ ‫النظام أيضاً) تركوه في أثناء االحتالل الروســي في سالم‪،‬‬ ‫بعض من كتبه‪.‬‬ ‫فاستطاع‪ ،‬بهذه الطريقة أو تلك‪ ،‬نشر ٍ‬ ‫يســبه بحماس‪ :‬كيف قبل أن ُتنشــر كتبه‪ ،‬في الوقت‬ ‫كان (أ)‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫يدعــم النظام‬ ‫الــذي ُمنــع زمالؤه من النشــر؟ كيــف أمكنه أن ّ‬ ‫بفعله هذا؟ لقد قام بنشر كتبه دون حتى أن تصدر عنه كلمة‬ ‫احتجاج واحدة؟ سلوكه كريه‪ ،‬وهو متعاون مع النّظام‪.‬‬ ‫كان رد فعلــي بالحمــاس نفســه‪ :‬إنــه لعبــث أن نتحدث عن‬ ‫إن كانت روح كتب هربال‪ ،‬بخيالها وســخريتها‪ ،‬تقع‬ ‫تعاون ْ‬ ‫علــى طرف نقيــض مع الذهنية التي تحكمنــا وتريد أن تكتم‬ ‫أنفاسنا بحصارها‪ .‬إن العالم الذي يمكننا أن نقرأ فيه هربال‬ ‫ختلف اختالف ًا جذري ًا عن العالم الذي ال ُيســمع فيه صوته‪.‬‬ ‫َلَي َ‬ ‫كتاب واحد لهربال يقِّدم خدمة للناس ولحرية تفكيرهم‪ ،‬أكبر‬ ‫‪100‬‬

‫مــن الخدمة التــي نقِّدمها لهم نحن بحركاتنــا وباحتجاجاتنا!‬ ‫تحول النقاش داخل السيارة إلى خصام حاقد‪.‬‬ ‫وسرعان ما ّ‬ ‫عندمــا أعــدت التفكير الحق ًا فيما دار بينــي وبين (أ)‪ ،‬مذهو ًال‬ ‫أســررت لنفســي‪:‬‬ ‫ممــا ســاده مــن حقد (صــادق ومتبادل)‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كان تفاهمنــا عند الطبيب عابــرًا وناتج ًا عن ظروف تاريخية‬ ‫خاصة جعلــت منا مضطهدين؛ أما خالفنــا‪ ،‬بالمقابل‪ ،‬فكان‬ ‫ّ‬ ‫جوهري ًا وال عالقة له بالظروف؛ كان خالف ًا بين أولئك الذين‬ ‫يعتبرون المقاومة السياســية أســمى من الحيــاة الواقعية؛‬ ‫أي أســمى مــن الفــن ومن الفكــر‪ ،‬وبين من يــرون أن معنى‬ ‫السياســة هــو أن تكون فــي خدمة الحيــاة الواقعية؛ أي في‬ ‫خدمــة الفن والفكر‪ .‬ربما كان هذان الموقفان مع ًا شــرعيين‪،‬‬ ‫لكن التوفيق بينهما مستحيل‪.‬‬ ‫بمــا أننــي كنت قد اســتطعت قضاء أســبوعين فــي باريس‪،‬‬ ‫خريف ســنة ‪ ،1968‬فإنني قــد حظيت بحديث مطول لمرتين‬ ‫أو ثالث مع أراغون بشقّته في شارع فارينس‪ .‬ال‪ ،‬أنا لم أقل‬ ‫لــه شــيئ ًا ذا بال‪ .‬اكتفيت باإلنصات إليــه‪ .‬وبما أنني ال أهتم‬ ‫أبــدًا بتدوين يومياتــي‪ ،‬فإن ذكرياتي عــن لقاءاتي بأراغون‬ ‫تبقــى عائمــة‪ ،‬ولــم أحتفــظ من كالمــه ســوى بموضوعين‬ ‫حدثني بإســهاب عن أنــدري بروتون‬ ‫كثيــرًا ما اســتعدتهما‪َّ :‬‬ ‫تقــر َب إليه في نهاية حياتــه؛ ثم حدثني عن‬ ‫الــذي قــد يكون َّ‬ ‫فــن الروايــة‪ .‬حتى في تقديمــه لروايتي المزحــة (الذي كتبه‬ ‫عامة‪( :‬الرواية‬ ‫شهرًا قبل لقائنا) كان قد أطرى على الرواية‪ّ ،‬‬ ‫ألــح علي‪،‬‬ ‫أساســية بالنســبة لإلنســان مثل الخبز)؛ وكان ّ‬ ‫«الـم َحَقّر»‪ ،‬كما‬ ‫خالل زياراتي‪ ،‬بأن ُأدافع دائم ًا عن (هذا الفن ُ‬ ‫كتــب في مقدمته؛ وقد اســتعملت هذه العبــارة عنوان ًا لفصل‬ ‫من كتابي فن الرواية)‪.‬‬ ‫لقــد احتفظــت مــن لقاءاتنا بانطباع مفاده أن الســبب األشــد‬ ‫عمقــ ًا في قطيعته مع الســرياليين لم يكن سياســي ًا (امتثاله‬ ‫الفن الذي‬ ‫للحزب الشــيوعي)‪ ،‬بل جمالي ًا (إخالصه للرواية‪ُّ ،‬‬ ‫تبينت المأساة‬ ‫ّره» السرياليون)‪ .‬ويبدو لي أنني كنت قد ّ‬ ‫َ‬ ‫«حَقَ‬ ‫المزدوجــة لحياتــه‪ :‬شــغفه بالفــن الروائي (الــذي يعد ربما‬ ‫المجــال المركــزي لعبقريتــه) وصداقته لبروتــون (أنا اليوم‬


‫بينــة‪ :‬في زمــن تقديم الحســاب‪ ،‬يكون الجرح األشــد‬ ‫علــى ّ‬ ‫إيالمــ ًا هو الناتج عن الصداقات المتصّدعة؛ فال شــيء أغبى‬ ‫مــن التضحية بصداقة من أجل السياســة‪ ،‬وأنا فخور بأنني‬ ‫لــم أقم بذلــك أبداً‪ .‬أنا قّدرت ميتران بســبب اســتمراريته في‬ ‫إخالصــه ألصدقائه القدامى‪َ ،‬ما جعله هدف ًا لهجومات عنيفة‬ ‫خــال المرحلة األخيرة من حياتــه‪ .‬إن ذلك اإلخالص هو ما‬ ‫شكل نبله)‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫بعد ما يقرب من ســبع ســنوات من لقائي بأراغون‪ ،‬تعرفت‬ ‫تعرفت إلى شــعره مباشــرة‬ ‫إلى إيمي ســيزير(‪ )2‬الذي كنت َّ‬ ‫بعــد الحــرب‪ ،‬من خــال ترجمة تشــيكية صدرت فــي مجلة‬ ‫طالئعيــة (المجلة نفســها التي عرفتني بميلــوز)‪ .‬ثم تعرفت‬ ‫إليه في باريس في مشــغل الرســام ويلفريدو الم‪ .‬كان إيمي‬ ‫ســيزير‪ ،‬الشــاب الحيوي والجــذاب‪ ،‬قد انهال علي بأســئلة‬ ‫أوُلهــا‪( :‬كونديرا‪ ،‬هل تعرفت على نيزفــال؟) _ بالطبع‪ ،‬لكن‬ ‫ّ‬ ‫كيــف تعرفت أنت عليــه؟ ال‪ ،‬هو لم يتعرف عليه‪ ،‬لكن أندري‬ ‫أتصور‪ ،‬فإن‬ ‫بروتــون كثيرًا ما َح َّدثه عنه‪ .‬وحســب ما كنــت‬ ‫ّ‬ ‫ال متصلّب ًا وعنيداً‪ ،‬لم يكن بإمكانه أن‬ ‫بروتــون‪ ،‬بوصفه رج ً‬ ‫يقــول إال ســوءًا عن فيتــزالف نيزفال الذي كان قــد انفصل‪،‬‬ ‫ســنوات مــن قبل‪ ،‬عــن مجموعــة الســرياليين التشــيكيين‪،‬‬ ‫ا االمتثــال (مثــل أراغون تقريبــاً) لنــداء الحزب‪ .‬ومع‬ ‫مفضــ ً‬ ‫أكــد لي ســيزير بأن بروتــون‪ ،‬ســنة ‪،1940‬في‬ ‫ذلــك‪ ،‬فقــد ّ‬ ‫أثناء إقامته بالمارتنيك‪ ،‬كان قد حّدثه عن نيزفال بحب‪ .‬وقد‬ ‫يتحدث دائم ًا‬ ‫بهرني كالمه‪ ،‬ألنني أتذكر أن نيزفال أيض ًا كان‬ ‫َّ‬ ‫بحب عن بروتون‪.‬‬ ‫إن مــا صدمني أكثر من غيره في المحاكمات الســتالينية هو‬ ‫الرضــا البــارد الذي كان يقبــل به رجال الدولة الشــيوعيون‬ ‫ّ‬ ‫قتــل أصدقائهم‪ .‬ذلك أنهم كانــوا جميع ًا أصدقاء؛ أقصد أنهم‬ ‫كانوا قد تعرفوا على بعضهم البعض بحميمية‪ ،‬وعاشوا مع ًا‬ ‫لحظات قاسية من هجرة واضطهاد وصراع سياسي طويل‪.‬‬ ‫ضحوا بصداقاتهم بتلك الطريقة الحاســمة‬ ‫فكيف أمكنهم أن ُي ّ‬ ‫والحزينة؟‬ ‫لكن هل كانت تلك صداقة؟ توجد في تشيكوســلوفاكيا عالقة‬

‫إنسانية‪ ،‬يطلق عليها باللغة التشيكية كلمة (‪)soudruzstvi‬‬ ‫مــن «‪ : soudruh‬رفيــق»‪ ،‬مما يعني «صداقــة الرفاق»؛ أي‬ ‫الصراع السياســي‬ ‫التعاطــف الذي يجمع بين من يخوضون ّ‬ ‫نفســه‪ .‬وعندما ينتفي التفاني المشــترك في خدمة القضية‪،‬‬ ‫الصداقة التــي تخضع لمنفعة‬ ‫يختفــي التعاطف أيضــاً‪ .‬لكن ّ‬ ‫أعلى من الصداقة‪ ،‬ال عالقة لها بالصداقة‪.‬‬ ‫فــي زماننا كنّــا قد تعلمنا كيــف ُن ِ‬ ‫خضع الصداقــة إلى ما كنا‬ ‫نسميه المعتقدات‪ ،‬مصحوبة بالفخر وباالستقامة األخالقية‪.‬‬ ‫يجــب‪ ،‬بالفعل‪ ،‬أن يكون المرء متمِّتع ًا بنضج كبير كي يفهم‬ ‫المفضلة‪،‬‬ ‫فرضيته‬ ‫الرأي الــذي يدافع عنه ليس ســوى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بــأن ّ‬ ‫وهــو بالضــرورة رأي غير كامــل ‪ ،‬ومن المحتمــل أن يكون‬ ‫وأن َمحــدودي األفــق وحدهم يســتطيعون اعتباره‬ ‫مؤقَّتــاً‪ّ ،‬‬ ‫يقينيــ ًا وحقيقــة‪ .‬وعلــى العكــس مــن اإلخــاص الصبياني‬ ‫لقناعــة‪ ،‬فإن اإلخــاص لصديق ُي َعّد فضيلــة‪ ،‬ربما قد تكون‬ ‫الوحيدة واألخيرة‪.‬‬ ‫أنــا أنظر فــي صورة لروني شــار(‪ )3‬إلى جانــب هايديغر‪.‬‬ ‫ويعاب‬ ‫اشــتهر أحدهمــا بوصفه مقاوم ًا لالحتــال األلماني‪ٌ ،‬‬ ‫علــى اآلخــر تعاطفه‪ ،‬فــي لحظات مــن حياته‪ ،‬مــع النازية‬ ‫الناشــئة‪ .‬يعود تاريخ الصورة إلى ســنوات ما بعد الحرب‪.‬‬ ‫قبعته أحدهما طويل‬ ‫نراهما من الخلف؛ على رأس كل منهما ّ‬ ‫واآلخــر قصيــر‪ ،‬وهما يمشــيان فــي الطبيعة‪ .‬أنــا أحب هذه‬ ‫الصورة كثيراً‪.‬‬ ‫* ‪Une rencontre. Milan Hundera. Gallimard. 2009. p/p: 130/134‬‬ ‫أهــم‬ ‫‪ -1‬بوهوميــل هربــال ‪ ،)Bohumil Hrabal (1914-1997‬أحــد ّ‬ ‫الكّتاب التشيكيين خالل النّصف الثّاني من القرن العشرين‪.‬‬ ‫‪ -2‬إيمــي فيردينانــد دافيــد ســيزير ‪Aimé Fernand David Césaire‬‬ ‫سياســة فرنســي‪ .‬ولــد بالمارتنيــك‪ .‬هو‬ ‫‪ ،)(1913-2008‬شــاعر ورجــل ّ‬ ‫الزنجيــة‪ .‬كان شــديد المعارضــة للنّزعة‬ ‫مؤسســي الحركة األدبيــة ّ‬ ‫أحــد ّ‬ ‫االستعمارية‪.‬‬ ‫‪ -3‬روني شار ‪ ، )René Char (1988 - 1907‬شاعر ومقاوم فرنسي‪.‬‬ ‫‪101‬‬


‫الحلوة لدون داميان‬ ‫وح ُ‬ ‫الر ُ‬ ‫ُّ‬ ‫خوان بوش*‬ ‫ترجمة ‪ -‬محمّد إبراهيم مربوك‬

‫دخل دون داميان بســرعة مرحلة فقــدان الوعي مع ارتفاع درجة‬ ‫وأحســت روحه بعــدم االرتياح‬ ‫حرارتــه إلــى ما فوق ‪ 39‬درجة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بدرجــة خطيــرة كما لــو أنهــا تقريب ًا تحتــرق‪ ،‬ولذلك فقــد بدأت‬ ‫تستجمع نفسها وتنسحب باتجاه القلب‪ .‬كانت الروح تمتلك ما ال‬ ‫المجسات مثل أخطبوط بأقدام ال ُتحصى‪ ،‬بعضها في‬ ‫ُيحصى من‬ ‫ّ‬ ‫الشــرايين‪ ،‬واألخــرى رفيعة جدًا في الشــعيرات الدقيقة لألوعية‬ ‫الدمويــة‪ .‬وشــيئ ًا فشــيئ ًا كانت تدفع بتلــك األقدام إلــى الخارج‪.‬‬ ‫تغيرت حالة دون داميان‪ ،‬فأصبح جسمه بارداً‪،‬‬ ‫ونتيجة لذلك‪َّ ،‬‬ ‫وفقــد وجهــه لونــه‪ .‬بدأ البــرد في يديــه‪ ،‬وبعد ذلك فــي ذراعيه‬ ‫ٍ‬ ‫فظيع‪ ،‬وهو ما بدأ يالحظه‬ ‫بشــكل‬ ‫وســاقيه‪ .‬وبدأ الوجه يشحب‬ ‫ٍ‬ ‫الممرضة‬ ‫وانتبهت‬ ‫الفخامة‪.‬‬ ‫بالغ‬ ‫بسريره‬ ‫األشــخاص المحيطون‬ ‫ِّ‬ ‫الخاصة به‪ ،‬وُأصيبت بالفزع‪ ،‬فقالت إن الوقت قد حان الستدعاء‬ ‫ّ‬ ‫علي أن‬ ‫«يجب‬ ‫ــرت‪:‬‬ ‫وفك‬ ‫الكلمات‪،‬‬ ‫هذه‬ ‫الــروح‬ ‫وســمعت‬ ‫الطبيب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫أسرع‪ ،‬وإال فإن هذا السيد سيأتي‪ ،‬ويجبرني على أن أبقى هنا‪،‬‬ ‫الحمى»‪.‬‬ ‫وتحرقني ّ‬ ‫ضوء‬ ‫بــدأ نور الفجر ُيشقشــق‪ ،‬ومــن خالل زجاج النوافذ تســلّل‬ ‫ٌ‬ ‫واهــن ليعلن ميالد يوم جديد‪ .‬وأطلّــت الروح من فم دون داميان‬ ‫ٌ‬ ‫حد ما‪ -‬ليســمح بمرور القليل من الهواء‪.‬‬ ‫الذي بقي مفتوحاً‪ -‬إلى ٍّ‬ ‫تتحرك بســرعة‬ ‫الحظت الروح الضوء‪ ،‬وقالت لنفســها إنها إن لم ّ‬ ‫تأخــرت أكثر من ذلــك‪ ،‬وال بّد أن‬ ‫فلــن تســتطيع أن تقــوم به لو َّ‬ ‫خارجة فتعرقل مغادرتها لجسد صاحبها‪ .‬وكانت‬ ‫الناس ســتراها‬ ‫ً‬ ‫ال هي ال‬ ‫بما‬ ‫ا‬ ‫تمام‬ ‫جاهلة‬ ‫داميان‬ ‫روح دون‬ ‫ً‬ ‫يخص عّدة أمور؛ فمث ً‬ ‫ّ‬ ‫حتــى تكون النتيجة أن ال‬ ‫واحدة‬ ‫دفعة‬ ‫ر‬ ‫تتحر‬ ‫إن‬ ‫مــا‬ ‫أنها‬ ‫تعــرف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحد يمكن أن يراها مطلقاً‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يحم َن حول‬ ‫وهن‬ ‫النساء‪،‬‬ ‫من‬ ‫طويل‬ ‫لوقت‬ ‫ومرج‬ ‫هرج‬ ‫ٌ‬ ‫كان هناك ٌ‬ ‫ْ‬ ‫وقلن كلمات طائشة لم‬ ‫السرير بالغ الفخامة حيث يرقد المريض‪َ .‬‬ ‫تهتم الروح بأن تســمعها‪ ،‬ألنها كانت منشغلة بكيفية هروبها من‬ ‫ّ‬ ‫وحقنة مما ُتعطى تحت الجلد بيدها‪:‬‬ ‫سجنها‪ ،‬ودخلت الممرضة‬ ‫ٌ‬ ‫متأخراً! عال صوت‬ ‫ أي‪ ،‬يا إلهي‪ ،‬يا إلهي‪ ،‬أرجو أال يكون ذلك ِّ‬‫متأخراً‪ .‬ففي الوقت نفسه الذي كانت‬ ‫الخادمة العجوز‪ ،‬لكنه كان ِّ‬ ‫إبــرة الحقنــة تنغــرس فــي ذراع دون داميــان‪ ،‬كانت الــروح قد‬ ‫وفكرت الروح بأن الحقنة تكلفة‬ ‫مجســاتها‪ّ .‬‬ ‫أخرجت من الفم آخر ّ‬ ‫بال جدوى‪ .‬وبعد فترة قصيرة ســمعت صرخات شــّتى وخطوات‬ ‫إحداهن (البــد أنها الخادمة‪ ،‬ألنها ال يمكن أن‬ ‫مندفعــة؛ فيما كانت‬ ‫ّ‬ ‫تكــون الحماة أو زوجة دون داميان‪ -‬قد اندفعت إلى العويل فوق‬ ‫الســرير‪ .‬والروح انطلقت في فضاء الحجرة متجهة مباشــرة إلى‬ ‫والم َعلَّق في منتصف‬ ‫المصبــاح الزجاجي المصنوع في بوهيميا‪ُ ،‬‬ ‫‪102‬‬


‫السقف‪ ،‬وهناك قبضت عليه بكل قوة ونظرت إلى األسفل تحتها‪:‬‬ ‫دون داميــان وقد صار بالفعل جثّة صفراء بقســمات وجهه التي‬ ‫اســتحالت تقريب ًا في صالبة وشــفافية زجــاج بوهيميا‪ ،‬وعظام‬ ‫كن‬ ‫وجهه بــدت أكثر بروزاً‪ ،‬وجلده َّاتخذ‬ ‫ً‬ ‫لمعــة منفِّرة‪ .‬وبجواره ّ‬ ‫يتحركن‪ :‬الحماة‪ ،‬والســيدة‪ ،‬والممرضة‪ ،‬بينما الخادمة العجوز‬ ‫َ‬ ‫تنخــرط فــي البكاء وهي تدفن وجهها فــي األغطية‪ .‬عرفت الروح‬ ‫منهن‪ ،‬وما الذي تشــعر به‪ ،‬إال‬ ‫تمام ًا ما الذي تفكر فيه ّ‬ ‫كل واحدة ّ‬ ‫تضيع الوقت في مراقبتهن‪ .‬كان الضوء يزداد عند‬ ‫أنها لم ّ‬ ‫تحب أن ِّ‬ ‫كل لحظــة‪ ،‬وكانت هي خائفة من أن يلملموها في المكان العالي‬ ‫ّ‬ ‫حيــث هي موجــودة جاثمــة على المصبــاح‪ ،‬ومتشــبثة به وبها‬ ‫ٌ‬ ‫خــوف ال يوصف‪ .‬وفجأة رأت حماة دون داميان تأخذ ابنتها من‬ ‫ذراعهــا وتمضي بها إلى الطرقة‪ .‬وهناك قالت لها بصوت شــديد‬ ‫الخفوت‪ ،‬وهنا الكالم الذي سمعته الروح‪:‬‬ ‫تتصرفي اآلن بشــكل فيه قلّة حيــاء‪ ،‬وعليك أن تظهري أنك‬ ‫ ال‬‫َّ‬ ‫متألِّمة‪.‬‬ ‫ عندما يبدأ الناس في الحضور‪ ،‬يا أمي‪ -‬قالت لها االبنة هامسة‪.‬‬‫كل شيء‬ ‫وتذكري أن الممرضة يمكن أن تحكي عن ّ‬ ‫ ال‪ .‬من اآلن‪ّ .‬‬‫فيما بعد‪.‬‬ ‫الترمل إلى الســرير كالمجنونة‬ ‫حديثة‬ ‫األرملة‬ ‫جرت‬ ‫الفور‬ ‫وعلــى‬ ‫ُّ‬ ‫وهي تقول‪:‬‬ ‫ داميان‪ ،‬داميان يا زوجي‪ ،‬آي‪ ،‬داميان يا زوجي! كيف ســأقدر‬‫على الحياة بدونك؟ يا داميان يا حياتي؟‬ ‫صعق من الدهشة‪،‬‬ ‫ت‬ ‫أن‬ ‫يمكنها‬ ‫أقل خبرة كان‬ ‫روح أخرى في عالم ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫عجبت بالطريقة‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫بالمصباح‪،‬‬ ‫ثت‬ ‫تشب‬ ‫هذه‬ ‫لكن روح دون داميان‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫التــي لعبــت بها الــدور‪ ،‬ألن دون داميان نفســه كان يلعب بعض‬ ‫كل شــيء‪ ،‬كان يلعب الدور‬ ‫األدوار في مناســبات ُم َع َّينة‪ ،‬وفوق ّ‬ ‫خطط له «دفاع ًا عــن مصالحي»‪ ،‬واألرملة تبكي اآلن «دفاع ًا‬ ‫كمــا ّ‬ ‫شــابة وجذّابــة‪ ،‬وعلى العكس منها‬ ‫عن مصالحها»‪ ،‬فهي ال تزال ّ‬ ‫تعرف‬ ‫بداية‬ ‫وفي‬ ‫عمره‪.‬‬ ‫من‬ ‫الســتينيات‬ ‫دون داميــان؛ فقد تعّدى‬ ‫ُّ‬ ‫دون داميــان بهــا كان لهــا خطيب‪ ،‬وقــد عانت روحــه في بعض‬ ‫ٍ‬ ‫بشــكل بالغ الســوء بســبب الغيرة من الحبيب المجهول‪.‬‬ ‫الفترات‬ ‫اســتمرت لعّدة شهور عندما‬ ‫التي‬ ‫الفترة‬ ‫تلك‬ ‫الروح‬ ‫واســترجعت‬ ‫ّ‬ ‫واجهته زوجته‪ ،‬وأعلنت أمامه بوضوح‪:‬‬ ‫ أنت لن تستطيع منعي من أن أكلِّمه‪ .‬فأنت تعرف أنني تزوجتك‬‫من أجل أموالك‪.‬‬ ‫يــرد عليها بأنه قد اشــتراها حتم ًا‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫داميــان‬ ‫ممــا دفــع دون‬ ‫ّ‬ ‫بأموالــه‪ ،‬لكن ليــس لتجعله مثارًا للســخرية‪ .‬كان مشــهدًا كريه ًا‬ ‫تدخل الحمــاة‪ ،‬كانت هناك تهديدات بالشــروع في‬ ‫للغايــة‪ .‬ومع ُّ‬ ‫ســيئة‪ ،‬ازدادت سوءًا نتيجة‬ ‫لحظة‬ ‫كانت‬ ‫وباختصار‬ ‫االنفصال‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫وبشــكل قاطع‪،‬‬ ‫الظــروف التــي جعلــت المناقشــة تتوقَّــف فجأة‬ ‫يرحبا بهم‬ ‫عندمــا حضر بعض الضيوف‪ ،‬وكان على الزوجين أن ِّ‬ ‫بابتســامات آســرة وبأشــكال بالغة الرقّة‪ ،‬مما جعلها هي فقط‪،‬‬ ‫وروح دون داميان تظهر قيمتها الحقيقية‪.‬‬ ‫كانــت الروح ال تزال موجودة عالي ًا فوق المصباح تســترجع مثل‬ ‫القسيس‪ ،‬ولم يعرف‬ ‫تلك الحوادث عندما وصل‪ -‬بسرعة شديدة‪ّ -‬‬ ‫أحــد لمــاذا حضر فــي مثل هذا الوقت‪ ،‬فالشــمس لم تكد تســتكمل‬ ‫والقسيس كان قد قام بزيارته خالل الليلة الماضية‪:‬‬ ‫شروقها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ -‬لقد جئت ألني تســاورني الشــكوك‪ ،‬فجئت لخوفي من أن يسلم‬

‫حاول أن يشرح سبب حضوره‪.‬‬ ‫دون داميان الروح دون اعتراف‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وحماة المرحوم التي لم تكن تثق فيه؛ سألته‪:‬‬ ‫ لكن‪ ،‬ألم يعترف الليلة الماضية يا أبانا؟‬‫ظــل‪ -‬ما يقــرب من‬ ‫ــيس‬ ‫القس‬ ‫ّ‬ ‫كانــت تشــير بذلــك إلى أن الســيد ّ‬ ‫الســاعة‪ -‬فــي لقاء منفــرد خلف بــاب ُمغَلق مــع دون داميان في‬ ‫الليلة الماضية‪.‬‬ ‫واعتبــر الجميــع ذلك أمرًا مفروغ ًا منه؛ وهــو أن الرجل المريض‬ ‫قــد أفضــى باالعتــراف‪ .‬غيــر أن ذلك لم يكــن ما حــدث‪ .‬والروح‬ ‫تعــرف أن ذلك لم يكن‪ ،‬وبالطبع فإنهــا تعرف أيض ًا لماذا حضر‬ ‫القســيس في مثــل هذا الوقت الغريب‪ ،‬فموضــوع الحديث في هذا‬ ‫ّ‬ ‫االجتماع الطويل كان يفتقر‪ -‬إلى حّد بعيد‪ -‬إلى الجانب الروحي؛‬ ‫يخصص قدرًا كبيرًا من‬ ‫فالقســيس كان يريد من الدون داميان أن ِّ‬ ‫أمواله «وقفاً» من أجل الكنيســة الجديــدة التي تبنى في المدينة‪،‬‬ ‫فــي الوقت نفســه كانت رغبــة الدون داميان أن يتــرك من أمواله‬ ‫القسيس يريد‪ ،‬بل من أجل‬ ‫قدرًا أكبر من ذلك‪ ،‬ولكن ليس لما كان ّ‬ ‫ثم‪ -‬إلى اتفاق‪ ،‬وغادر القســيس‪،‬‬ ‫مستشــفى‪ .‬ولــم‬ ‫َّ‬ ‫يتوصال‪ -‬من َّ‬ ‫وما إن وصل إلى بيته حتى اكتشــف األب أنه ال يحمل ســاعته‪.‬‬ ‫مرة‬ ‫ويــا له من أمــر عجيب ذلك الــذي حدث للــروح‪ ،‬إذ تحررت ً‬ ‫واحــدة‪ .‬صــارت لها وتلك القدرة على أن تعــرف أمورًا ال تحدث‬ ‫ً‬ ‫أمامهــا‪ ،‬وأن تتوصل بحدســها إلى ما يمكــن أن يفكر الناس فيه‬ ‫أو مــا يمكــن أن يفعلونــه! فالــروح قد عرفــت ما قالــه االب بينه‬ ‫وبين نفســه‪« :‬أذكر أنني أخرجت ســاعتي في منزل دون داميان‬ ‫المؤكد أنني تركتها‬ ‫ألعرف كم كانت الساعة في ذلك الوقت‪ ،‬ومن‬ ‫َّ‬ ‫هناك»‪ .‬وإذن‪ ،‬فالزيارة‪ -‬في مثل هذه الساعة الغريبة‪ -‬لن تجدي‬ ‫يتصل بملكوت السموات‪:‬‬ ‫شيئ ًا يمكن أن نراه َّ‬ ‫القســيس‪ ،‬وهو ينظر مباشــرة إلى‬ ‫رد‬ ‫هذا‬ ‫ ال‪ ،‬لم يعترف‪ -‬كان‬‫ّ ّ‬ ‫حمــاة دون داميان‪ -‬لم يصل إلى أن يعترف ليلة أمس‪ ،‬وأبقيناه‬ ‫إلى أن آتي اليوم في الساعة األولى لكي يعترف‪ ،‬وربما يتناول‬ ‫القربــان‪ .‬لقــد جئت بعد فــوات األوان‪ ،‬وهي خســارة كبيرة‪ .‬قال‬ ‫ذلــك وهو يتلفــت بوجهه إلــى األركان والمناضــد المذهبة‪ ،‬على‬ ‫أمل‪ -‬بال شك في أن يرى الساعة فوق واحدة منها‪.‬‬ ‫والخادمــة العجــوز التــي كانت تعتنــي بدون داميــان‪ ،‬ألكثر من‬ ‫محمرتين من البكاء‪:‬‬ ‫أربعين عاماً‪ ،‬رفعت رأسها فظهرت عيناها‬ ‫َّ‬ ‫أكدت‪ -‬وليسامحني الرب‪،‬‬ ‫ بعد كل شــيء‪،‬‬‫فســيدي لم يخطئ‪ّ -‬‬ ‫ِّ‬ ‫روحا حلوة‪ .‬له روح حلوة‬ ‫فلم يكن بحاجة إلى االعتراف ألن له ً‬ ‫للغاية دون داميان‪.‬‬ ‫تفكــر أبدًا‬ ‫فلم‬ ‫االهتمــام!‬ ‫يثير‬ ‫شــيء‬ ‫بالفعل‬ ‫هــذا‬ ‫يــا للعجــب! إن‬ ‫ِّ‬ ‫روح دون داميــان بأنهــا كانــت حلــوة؛ فصاحبهــا قــام بأشــياء‬ ‫ال للرجــل الثري‪ ،‬ويرتدي‬ ‫معينــة نادرة‪ ،‬كمــا كان أنموذج ًا جمي ً‬ ‫َّ‬ ‫ثيابــه على أكمل وجه‪ ،‬واّتســمت إدارته بنظــرة ثاقبة للغاية في‬ ‫معامالتــه في البنــك‪ ،‬ولم تكن روحه تجد وقتــ ًا للتفكير فيما إذا‬ ‫تذكرت للحظة كيف‬ ‫كانــت حلوة أم قبيحة‪ .‬ومثا ًال على ذلك‪ ،‬فقد َّ‬ ‫أن صاحبها َأ َمرها أن تشــعر بالراحــة عندما حدث‪ -‬بعد مقابالت‬ ‫مجهدة مع المحامي‪ -‬أن وجد دون داميان طريقة ألن يحتال على‬ ‫ال عن أن هذا المدين لم‬ ‫المدينين‪ ،‬ويســتولي على بيتــه‪ -‬فض ً‬ ‫أحد َ‬ ‫شابة جميلة‬ ‫يكن له مكان ليعيش فيه بعد ذلك‪ ،‬أو عندما رضيت‬ ‫ٌ‬ ‫مــن أحياء العمال أن تزوره في شــقَّته الفاخــرة التي يحتفظ بها‬ ‫لنفســه‪ ،‬بســلطان اإلغراء باألحجــار الكريمة وبمســاعدة النقود‬ ‫‪103‬‬


‫روحا‬ ‫صحة األم المريضــة‪ .‬فهل كانت ً‬ ‫ألخــذ الــدروس‪ ،‬أو لعالج ّ‬ ‫روحا قبيحة؟‬ ‫حلوة أم ً‬ ‫ومــا إن نجحــت فــي تحرير نفســها مــن شــرايين صاحبها حتى‬ ‫مر‪ -‬حســبما‬ ‫صــارت موضوعــ ًا ُيذكر من جانــب الخادمة‪ .‬كان قد َّ‬ ‫ــدرت الــروح‪ -‬وقت قصير جــداً‪ ،‬ومن المحتمــل أن يكون الوقت‬ ‫َق َّ‬ ‫كل شــيء قد حدث بأقصى ســرعة‪،‬‬ ‫مما‬ ‫أقل‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫الذي‬ ‫تخيلته‪ ،‬ألن ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ َّ‬ ‫طبخ داخل الجســد من‬ ‫وفــي فوضــى هائلة‪ :‬لقد َّ‬ ‫أحســت بأنهــا ُت َ‬ ‫مستمرة في تصاعدها‪ .‬وقبل‬ ‫الحمى‬ ‫المرض‪ ،‬وأدركت أن درجات ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن ينصــرف‪ -‬بعــد أن تجــاوز الوقت منتصف الليــل بكثير‪ -‬خرج‬ ‫الطبيب إليهم بقوله‪:‬‬ ‫ يمكــن أن ترتفــع حرارتــه عند طلــوع النهار‪ .‬وفي هــذه الحالة‬‫عليكم أن تراقبوه بعناية‪ ،‬واطلبوني إذا طرأ أمر مقلق‪.‬‬ ‫هــل كان علــى الــروح أن تترك نفســها تحتــرق؟ كانــت هذه هي‬ ‫المحتملة التي‬ ‫مشــكلتها األساســية‪ ،‬وإن كانت تلك هي النهايــة‬ ‫َ‬ ‫كانــت قــد اقتربت من أمعاء دون داميان‪ ،‬التــي كانت تنبعث منها‬ ‫حرارة كالنار‪ .‬وإذا ما ظلّت الروح باقية في جســده فسينتهي بها‬ ‫األمر إلى أن تهلك مثل حيوان مشــوي‪ .‬ولكن كم مضى‪ -‬بالفعل‪-‬‬ ‫يحس‬ ‫من الوقت منذ غادرت جسده؟ لقد َم َّر وقت قصير؛ إذ إنه لم ّ‬ ‫بعــد بأنه تخلّــص من الســخونة‪ ،‬بالرغــم من البــرودة الخفيفة‬ ‫ملقية بنفســها‬ ‫المنعشــة التــي انتشــرت مع طلوع النهــار‪ .‬قفزت‬ ‫ً‬ ‫فــوق األواني الزجاجية للمصباح المصنوعــة في بوهيميا‪ ،‬التي‬ ‫فكرت بأن االختالف في المناخ لم يكن كبيرًا‬ ‫وجدتهــا في مكانها‪ّ .‬‬ ‫بين أحشــاء صاحبها الســابق ووعاء المصباح الزجاجي‪ ،‬وألنه‬ ‫مثلــه فلم ُت َصب بالــزكام‪ .‬لكن‪ ،‬مع اختالف كبيــر أو بدونه‪ ،‬فما‬ ‫الــذي كان من الكلمات مما قالته الخادمة؟ «حلوة» قالتها الخادمة‬ ‫العجوز‪.‬‬ ‫ســيدها‬ ‫تحب‬ ‫التي‬ ‫وهي‬ ‫صادقة‪،‬‬ ‫امــرأة‬ ‫العجوز‬ ‫الخادمــة‬ ‫كانــت‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫المميزة‪ ،‬وال ألنه يعطيها هدايا‪.‬‬ ‫تحبه‪ ،‬ال من أجل صورته‬ ‫َّ‬ ‫ألنهــا ّ‬ ‫القسيس‪:‬‬ ‫د‬ ‫أك‬ ‫إذ‬ ‫سمعته؛‬ ‫فيما‬ ‫إخالص‬ ‫أي‬ ‫للروح‬ ‫ولم يبد‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ واضح أنه كانت له روح حلوة‪.‬‬‫وأكدت الحماة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ كلمة حلوة قليلة بالنسبة له‪ ،‬يا سيدي‪.‬‬‫وتلفَّتــت الروح لتنظر وترى كيف أنها‪ -‬خالل كالمها‪ -‬كانت تغمز‬ ‫بعينهــا البنتهــا‪ .‬فــي مثل هاتيــن العينيــن‪ -‬وفــي آن واحد‪ -‬أمر‬ ‫باكية في هذا الوقت نفســه‪،‬‬ ‫ولعنــة‪ .‬بدتا أنهما تقوالن‪« :‬انهاري‬ ‫ً‬ ‫عرضــة ألن يقول‬ ‫تتصرفــي هكذا حتــى ال تكوني‬ ‫يــا عبيطــة‪ ،‬ال‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫القسيس إنك سعيدة بموت هذا البائس»‪ .‬وفهمت االبنة‪ -‬في‬ ‫عنك ّ‬ ‫والحادة‪ ،‬ثم انخرطت فــي البكاء‪ ،‬وهي‬ ‫الحــال‪ -‬اللغة الصامتــة‬ ‫ّ‬ ‫تندب بشكل مؤلم‪:‬‬ ‫روحا حلوة أكثر من روحك! آي يا داميان‬ ‫وجدت‬ ‫ أبــداً‪ ،‬أبدًا ما‬‫ً‬ ‫يا رجلي‪ ،‬يا داميان يا رجلي‪ ،‬يا نور حياتي!‬ ‫تتحمــل الــروح أكثــر مــن ذلــك‪ .‬كانــت ترتجف مــن الفضول‬ ‫لــم‬ ‫َّ‬ ‫واحدة‪ -‬ما‬ ‫ثانية‬ ‫ضيــع‬ ‫ت‬ ‫أن‬ ‫دون‬ ‫ــد‪-‬‬ ‫تتأك‬ ‫أن‬ ‫أرادت‬ ‫واالشــمئزاز‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ُ ِّ‬ ‫كل َمن فيه أن‬ ‫إذا كانت حلوة‪ ،‬وأرادت أن تبتعد عن مكان يحاول ّ‬ ‫يخدع اآلخرين‪ .‬فضولية ومشمئزة‪ .‬وإذاً‪ ،‬فقد قفزت من المصباح‬ ‫مغطــاة بمرايا كبيرة‪.‬‬ ‫الحمام الذي كانــت حوائطه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مباشــرة إلــى َّ‬ ‫لقد حســبت جيدًا المسافة لكي تقع فوق السجادة بحيث ال ُتحِدث‬ ‫ا عن أنهــا تجهل أن النــاس ال يمكنهــم أن يروها‪،‬‬ ‫صوتــاً‪ ،‬فضــ ً‬ ‫‪104‬‬

‫بالغ عندما الحظت‬ ‫وأحست‬ ‫فالروح تجهل أنها بال وزن‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بارتياح ٍ‬ ‫ّ‬ ‫أنهــا عبرت مــن دون أن يالحظها أحد‪ ،‬وجــرت حزينة‪ ،‬ولملمت‬ ‫نفسها أمام المرايا‪.‬‬ ‫أول ما تبادر إلى ذهن‬ ‫حــدث؟‬ ‫الذي‬ ‫ما‬ ‫الرب!‬ ‫لعظمة‬ ‫ولكــن‪ ،‬ويــا‬ ‫ّ‬ ‫الروح أنها كانت قد اعتادت‪ ،‬طوال أكثر من ستين عاماً‪ ،‬على أن‬ ‫ترى األشــياء حولها من خالل عيني دون داميان‪ ،‬تلكما العينين‬ ‫ســنتيمترا‪ .‬أيض ًا‬ ‫اللتيــن كانتا بارتفاع يزيد على المتر والســتين‬ ‫ً‬ ‫المفعــم بالمرح‪ ،‬وإلى عينيه‬ ‫اعتــادت علــى أن تتطلَّع إلى وجهه َ‬ ‫والزهو الذي‬ ‫الرمادي‪،‬‬ ‫اللون‬ ‫الصافيتين وشعره الالمع بدرجات‬ ‫ّ‬ ‫ينتفخ به صــدره‪ ،‬والمالبس الفخمة الغالية التي يرتديها دائماً‪.‬‬ ‫لكن ما تشــاهده الروح اآلن‪ ،‬ليس فيه‪ -‬إطالقاً‪ -‬شــيء مما كان‪،‬‬ ‫بل ثمة شيء غريب يصل طوله‪ -‬تقريباً‪ -‬بالكاد إلى قدم واحدة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫شــكل محــّدد‪ .‬وبد ًال من‬ ‫باهــت‪ ،‬أقــرب إلى ســحابة رمادية‪ ،‬بال‬ ‫أن يكــون لهــا بالضرورة ســاقان وقدمان مثلما كان لجســم دون‬ ‫شــنيعا من األطراف الحساســة‬ ‫عنقــودا‬ ‫داميــان‪ ،‬كان الموجــود‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كتلــك التي ألخطبوط‪ ،‬إال أنها غير متناســقة‪ ،‬بعضها أقصر من‬ ‫داكن‬ ‫وكل منها يبدو مخلوق ًا من‬ ‫األخــرى‪ ،‬وبعضها أرفــع‪ّ ،‬‬ ‫دخان ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُم َّتســخ‪ ،‬من ٍ‬ ‫وحل مائع ال يمكن اإلمســاك به‪ ،‬يبدو شــيئاً‪ ،‬لكنه‬ ‫ليــس كذلك‪ ،‬وتبــدو األطراف رخوة تتدلّى فاقــدة القدرة وهائلة‬ ‫القبح‪.‬‬ ‫أحســت روح دون داميــان بالضيــاع‪ ،‬ومع ذلك فقــد واتتها‬ ‫لقــد ّ‬ ‫الشجاعة ألن تتطلَّع إلى أعلى فلم تجد لها‪ ،‬في الحقيقة‪ ،‬خصراً‪،‬‬ ‫بالمــرة‪ .‬وحيــث كانــت تلملــم‬ ‫وال جســماً‪ ،‬وال عنقًــا‪ ،‬وال شــيء‬ ‫ّ‬ ‫نفسها‪ ،‬ظهرت لها من جديد أذن ملتصقة بأحد جانبيها‪ ،‬أذن تبدو‬ ‫فــي بروزها مثل قشــرة تفاحــة معطوبة‪ ،‬فيما ظهــرت كومة من‬ ‫الشــعر الخشن على الجانب اآلخر‪ ،‬بعضها أكرت وبعضها واقف‪.‬‬ ‫إال أن ذلك لم يكن أســوأ ما في األمر‪ ،‬وال حتى كان األســوأ ذلك‬ ‫الضوء الغريب األصفر المائل إلى الرمادي الذي ينبعث منها‪ ،‬لكن‬ ‫األســوأ في الحقيقة كان شــكل فمها‪ ،‬الذي لم يكن سوى تجويف‬ ‫عديم الشــكل أقــرب إلى أن يكــون ُنقرة‪ ،‬ممتلــئ بالبثور كفاكهة‬ ‫مقزز مثير للفزع‪ .‬وفــي عمق تلك النُّقرة‬ ‫أصابها العطب‪ ،‬شــيء ِّ‬ ‫عيــن تلتمع‪ ،‬عينها الوحيــدة التي تتطلَّع من جــوف الظالل إلى‬ ‫الخارج بتعبير يجمع بين الخوف الشديد والمكر‪.‬‬ ‫والقســيس في الغرفــة المجاورة‪،‬‬ ‫كانــت المرأة ال تــزال كما هي‬ ‫ّ‬ ‫حول السرير الذي يتمّدد فيه المتوفى‪ ،‬والذي قالت عنه إن روحه‬ ‫حلوة!‬ ‫«كيف يمكنني أن أسير في الطريق وأنا بهذا الشكل؟»‪.‬‬ ‫مظلم من الفوضى‪:‬‬ ‫سألت الروح نفسها وهي تلملم نفسها في ٍ‬ ‫نفق ٍ‬ ‫رن جــرس الباب‪ ،‬وعندها صاحت‬ ‫مــا الذي كان عليها أن تفعله؟ ّ‬ ‫الممرضــة «إنــه الطبيب يا ســيدتي‪ .‬ســأذهب ألفتح لــه»‪ .‬وعلى‬ ‫ِّ‬ ‫مرة‬ ‫الفــور‪ ،‬انخرطت زوجة دون داميان فــي االنتحاب والعويل ً‬ ‫أخــرى‪ ،‬مناديــة روح زوجها الميت‪ ،‬وهي تندب بقســوة الوحدة‬ ‫التي تركها فيها‪.‬‬ ‫صمتــت الروح أمام صورتها الحقيقية مدركة أنها قد ضاعت‪ ،‬فقد‬ ‫اعتادت أن تستتر في مأواها بطول جسم دون داميان‪ ،‬واعتادت‬ ‫كل شــيء بمــا في ذلك رائحــة األمعاء الكريهة‪ ،‬وســخونة‬ ‫على ّ‬ ‫والحمى‪ .‬وفيما‬ ‫البــرودة‬ ‫نوبات‬ ‫مــن‬ ‫وانزعاجها‬ ‫البطن‪،‬‬ ‫أحشــاء‬ ‫ّ‬ ‫يحييهــن‪ ،‬وصوت‬ ‫هــي غارقة فــي ذلك؛ ســمعت الدكتــور وهو‬ ‫ّ‬


‫الحماة يعلو بالصراخ‪:‬‬ ‫ آه يا دكتور‪ّ ،‬أية مصيبة هذه التي حلّت بنا!‬‫رد عليها الطبيب‪.‬‬ ‫ اهدئي يا سيدتي‪ ،‬اهدئي‪ّ -‬‬‫تكومت‬ ‫الســرير‪،‬‬ ‫وحول‬ ‫هناك‪،‬‬ ‫ّى‪.‬‬ ‫أطلّت الروح على غرفة المتوف‬ ‫ّ‬ ‫والقســيس يتلــو صلواتــه عنــد قدميــه‪ .‬قاســت الروح‬ ‫النســاء‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المسافة وقفزت بسهولة لم تكن تعرف أنها تمتلكها‪ .‬وهبطت على‬ ‫يتحرك‬ ‫حيوان‬ ‫الوسادة مثل نفخة هواء‪ ،‬أو‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫غريب ٍ‬ ‫قادر على أن ّ‬ ‫يتمكن أحد من رؤيته‪ .‬وكان فم‬ ‫من دون أن يصدر صوتاً‪ ،‬وال أن ّ‬ ‫دون داميــان ال يــزال مفتوح ًا فتحة صغيــرة‪ ،‬وكان باردًا برودة‬ ‫الجليد‪ ،‬لكن ذلك ال أهمية له؛ فقد تســلّلت الروح إلى داخل الفم‪،‬‬ ‫تمكن‬ ‫ثم بدأت تدفع أطرافها بقوة لتستعيد مكانها‪ .‬وكانت ال تزال ّ‬ ‫تحل في الجســد عندما سمعت الدكتور‬ ‫لنفســها من االستقرار كي ّ‬ ‫يتحدث إلى الحماة‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫ لحظة واحدة‪ ،‬يا سيدتي‪ ،‬من فضلك‪.‬‬‫استطاعت الروح أن ترى الدكتور بالرغم من عدم وضوح الرؤية‬ ‫بدقّــة‪ .‬اقترب الطبيب من جســد دون داميان‪ ،‬وأمســك بمعصمه‪،‬‬ ‫بــدا عليه القلــق واالرتباك‪ ،‬انحنى بوجهه على صدره وأســنده‬ ‫بالغ‬ ‫ســماعته‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وبتأن ٍ‬ ‫عليه لبرهة‪ ،‬وعندئذ فتح حقيبته وأخرج َّ‬ ‫ــت طرفــي الســماعة في أذنيــه‪ ،‬ووضع قرص الســماعة فوق‬ ‫َث َّب َ‬ ‫الصــدر‪ ،‬فوق المــكان الذي يوجد فيــه قلب دون داميــان‪ .‬وتزايد‬ ‫حقنة وَأ َمَر‬ ‫ور َكَنها جانباً‪ .‬وأخرج‬ ‫ً‬ ‫اهتمامه أكثر‪ ،‬فرفع السماعة‪َ ،‬‬ ‫الممرضــة أن تمألهــا‪ ،‬فيمــا كان يربط قطعة خرطــوم رفيع من‬ ‫ِّ‬ ‫بمزاج‬ ‫يتصرف‬ ‫المطــاط حول ذراع دون داميان فوق الكوع‪ .‬كان‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫يؤدي خدعة مثيرة‪ ،‬وعلى ما يبدو إن هذه‬ ‫ٍ‬ ‫ساحر على وشك أن ّ‬ ‫تسببت في إزعاج الخادمة العجوز‪ ،‬فتساءلت‪:‬‬ ‫التحضيرات ّ‬ ‫ لكن‪ِ ،‬ل َم تفعل هذا كلّه إذا كان هذا المسكين قد مات؟‬‫ٍ‬ ‫موجه ًا الكالم إليهــا‪ ،‬من دون‬ ‫نظــر إليهــا الطبيب‬ ‫بتعــال‪ ،‬وقــال ِّ‬ ‫كل من يســمع‪،‬‬ ‫أن تكون هي وحدها المقصودة بأن تســمعه‪ ،‬بل ّ‬ ‫كل شيء زوجة وحماة دون داميان‪:‬‬ ‫وفوق ّ‬ ‫الطــب‪ .‬وواجبي هــو أن أعمل أقصى ما‬ ‫هو‬ ‫الطب‬ ‫ســيدتي‪،‬‬ ‫ يــا‬‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يمكننــي حتى أعيد الحيــاة إلى دون داميان‪ .‬فــأرواح حلوة مثل‬ ‫ترك ليمــوت حتى نبذل‬ ‫روحــه ال تأتــي ّ‬ ‫كل يوم‪ ،‬وال يمكــن أن ُي َ‬ ‫أقصى ما في وسعنا‪.‬‬ ‫هــذا الــكالم المختصر الذي قيــل في هدوء شــديد‪ ،‬وبعظمة‪َ ،‬قَل َب‬ ‫بارد في‬ ‫يالحظ‬ ‫ٌ‬ ‫لمعــان ٌ‬ ‫حــال الزوجــة‪ ،‬ولم يكن من الصعــب أن َ‬ ‫عينيها‪ ،‬ورعشة شديدة في صوتها‪ ،‬وهي تسأل‪:‬‬ ‫بميت؟‬ ‫ لكن أليس هو ِّ‬‫كانــت الــروح قد حلّــت بالفعل بالكامــل في الجســد‪ ،‬وفقط كانت‬ ‫تتلمس مكانها إلى أوردة شــاخت‪ ،‬ولم تكن‬ ‫هنــاك أطراف ثالثة َّ‬ ‫لتوجهها‬ ‫األطراف‬ ‫هذه‬ ‫أولته‬ ‫الذي‬ ‫واالنتباه‬ ‫تســكنها من سنوات‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫إلــى أماكنهــا الصحيحة لــم يمنعها فــي الحقيقة من ســماع ذلك‬ ‫الســؤال المزعج‪ ،‬حيث لم يكن من الواجب أن ُيســأل‪ ،‬ومع ذلك‬ ‫فقد الحظت الفضول من اللهجة التي طرحت بها الزوجة السؤال‪.‬‬ ‫لــم يجــب الطبيب على الســؤال‪ .‬أمســك بــذراع دون داميان وبدأ‬ ‫يدلِّكــه براحة يده‪ .‬في ذلك الوقت أخذت الروح تحس بأن حرارة‬ ‫الحيــاة أتــت لتحتويهــا وتتخلَّلها لتمأل الشــرايين التي شــاخت‪،‬‬ ‫وكانــت قد غادرتهــا هرب ًا من الحــرق‪ .‬وعندئذ‪ ،‬وفــي وقت واحد‬ ‫مــع بدء انبعاث هــذه الحرارة‪ ،‬كان الطبيب يغــرس إبرة الحقنة‬

‫ّ‬ ‫المطاطي من‬ ‫فــي أحــد األوردة بالذراع‪،‬‬ ‫ويفــك قطعة الخرطــوم ّ‬ ‫سن إبرة الحقنة شيئ ًا فشيئاً‪ .‬وبدأت‬ ‫فوق الكوع‪ ،‬ويبدأ في رفع ّ‬ ‫موجــات خفيفة من حــرارة الحياة تصعد إلى جلــد دون داميان‪.‬‬ ‫القسيس‪:‬‬ ‫وهمهم ّ‬ ‫ معجزة‪ ،‬يا سيدي‪ ،‬معجزة!‬‫القســيس‪،‬‬ ‫وجه‬ ‫شــحب‬ ‫الموت‪،‬‬ ‫من‬ ‫ثم فجأة‪ ،‬وأمام هذه القيامة‬ ‫ِّ‬ ‫التبرع لبناء الكنيســة‪ ،‬وال بّد‪،‬‬ ‫أصبح‬ ‫وأطلق لخياله العنان؛ إذ‬ ‫ُّ‬ ‫شــيئ ًا مؤكــداً‪ .‬وإذاً‪ ،‬كيف يمكــن لدون داميان أن ينكر مســاعدته‬ ‫قدمهــا له‪ ،‬وفــي فترة أيــام النقاهة؟ كيــف رأى عودته إلى‬ ‫التــي َّ‬ ‫مرة أخرى‪ ،‬بعدما صلّى من أجل هذه المعجزة؟ «إن الرب‬ ‫الحياة ً‬ ‫توســاتي‪ ،‬وأخرجك من القبر يــا دون داميان»‪ .‬هذا‬ ‫التفــت إلى ُّ‬ ‫ما قاله‪.‬‬ ‫كل شيء‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أيض‬ ‫وفجأة‬ ‫ً‬ ‫أحســت الزوجة بأن عقلها قد انمحى منه ّ‬ ‫ّ‬ ‫بضيق إلــى وجه الزوج‪ ،‬واســتدارت راجعــة إلى أمها‪.‬‬ ‫فنظــرت‬ ‫ٍ‬ ‫كانــت كلتاهما مصعوقتيــن‪ ،‬ومصابتين بالخــرس‪ ،‬ومفزوعتين‬ ‫رهبة‪.‬‬ ‫وممتلئتين‬ ‫ً‬ ‫ظل مبتسماً‪ ،‬راضي ًا تمام ًا عن نفسه‪ ،‬على الرغم من‬ ‫لكن الطبيب ّ‬ ‫أنه يحاول أال يبدي ذلك‪.‬‬ ‫للــرب ولحضرتــك!‪ -‬هلّلت الخادمة‬ ‫الشــكر‬ ‫ أي‪ ،‬نعــم لقد ُأنقذ‪،‬‬‫ّ‬ ‫العجوز في الحال‪ ،‬وعيناها ممتلئتان بالدموع من شّدة االنفعال‪،‬‬ ‫تؤكد له‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ممسكة بيد الطبيب‪ ،‬وهي ّ‬ ‫ لقــد ُ‬‫ورّدت لــه الحيــاة! آي‪ .‬إن دون داميــان لــن يجد ما‬ ‫نقــذ‪،‬‬ ‫أ‬ ‫ُ‬ ‫يكافئك به يا سيدي!‬ ‫يفكر فيه الطبيــب؛ فيما لدى دون داميان‬ ‫بالضبــط‪ ،‬ذلــك ما كان ِّ‬ ‫مما هو أكثر من الالزم ليكافئه به‪ ،‬لكنه قال شيئ ًا آخر‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫قمت به‪.‬‬ ‫كنت ســأقوم بما ُ‬ ‫ حّتى لو كان ال يملك ما يكافئني به‪ُ ،‬‬‫ألن هذا واجبي نحو المجتمع‪ ،‬أن أنقذ روح ًا حلوة مثل روحه‪.‬‬ ‫يوجــه حديثه إلى الخادمة العجــوز‪ ،‬لكنه‪ ،‬وللمرة الثانية‪،‬‬ ‫كان ِّ‬ ‫يرددونها أمام‬ ‫كان يقصد بكالمه اآلخرين‪ ،‬على أمل أنهم ســوف ّ‬ ‫يتحسن‪ ،‬فيعمل بنصيحتهم‪.‬‬ ‫الرجل المريض حالما‬ ‫َّ‬ ‫لقد ُأرهقت روح دون داميان من كثرة األكاذيب التى ال نهاية لها‪،‬‬ ‫تتحرك‬ ‫فقررت أن تنام‪ .‬وبعدها‪ ،‬ندت عنه تنهيدة واهنة ورأسه‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫فوق الوسادة‪ ،‬وقال الدكتور‪:‬‬ ‫ واآلن‪ ،‬فإنــه سيســتغرق في النوم لعّدة ســاعات‪ ،‬والبد له أن‬‫يرتاح تماماً‪.‬‬ ‫طيب ًا يقتدون بــه‪ ،‬إذ يتعلَّمون منه كيف‬ ‫ال‬ ‫مث‬ ‫لهم‬ ‫يضرب‬ ‫وحّتــى‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫َّل خارج ًا مــن الغرفة‪ ،‬وهو‬ ‫تســل‬ ‫داميــان‬ ‫لدون‬ ‫الراحــة‬ ‫ِّــرون‬ ‫يوف‬ ‫َ‬ ‫يمشي على أطراف أصابع قدميه‪.‬‬ ‫* خوان بوش (الدومينيكان؛ البيجا‪ 30 ،‬يونيو‪/‬حزيران‪ 1909 -‬سان دومينجو‬ ‫‪ 1‬نوفمبــر ‪ ،)2001‬زاوج بيــن اإلبداع األدبي واهتماماته السياســية والتي غالب ًا‬ ‫ما تنعكس رؤاها في أعمال كتاب أميركا الالتينية‪ .‬وعلى الرغم من أسفاره إلى‬ ‫بلدان عديدة‪ ،‬فإن أعماله تعكس اهتمامه األساسي بهموم وطنه «الدومينيكان»‪.‬‬ ‫أول رئيــس لجمهوريــة الدومينيكان‪ ،‬بعد موت الديكتاتور (تروخيو)‪ ،‬إال أنه لم‬ ‫تمر ستة أشهر على رئاسة خوان بوش حتى سقط حكمه بانقالب عسكري‬ ‫تكد ّ‬ ‫وت َّم نفيــه إلى بويرتوريكو ثم أوروبــا‪ ،‬وبعدها عاد إلى‬ ‫أميــركا‪،‬‬ ‫وراءه‬ ‫وقفــت‬ ‫َ‬ ‫بالده‪.‬من أعماله القصصية‪« :‬الطريق القويم‪ ،‬شــجرة الخروب‪ ،‬قصص مكتوبة‬ ‫قبل المنفى‪ ،‬قصص مكتوبة في المنفى»‪ .‬وهو من كّتاب القصة القصيرة بشــكل‬ ‫حســ ًا بالغ الرهافة بالشــخصية اإلنسانية‪ ،‬ومعرفة‬ ‫أساســي‪ ،‬وتمتلك قصصه ّ‬ ‫عميقة بالطبيعة البشرية‪ ،‬وبالطينة التي ُجِبلت منها‪ ،‬وبمصائرها المتنوعة‪.‬‬ ‫‪105‬‬


‫املـر َّوضة‬ ‫املـرايا َ‬ ‫ألبريتو إسكُ وديرو‬ ‫ترجمة‪ :‬كامريان حاج محمود‬

‫كل المرايا تعكس ما في الخلف‬ ‫(وألن ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتأمل نفسه ُمحاط ًا بما يوجد خلفه‪.‬‬ ‫نرسيس‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫ال يريد أن يرى‪ ،‬ال يريد أن يعرف ما يوجد في األمام‪،‬‬ ‫مرآة ُتواريه‪.‬‬ ‫ولذلك يضع في الوسط‬ ‫ً‬ ‫لكن ليس دائماً)‬ ‫الخدم‬ ‫يفعل‬ ‫المرآة ُتخفيه عنه‪ ،‬كما‬ ‫ً‬ ‫طاعة‪ْ ،‬‬ ‫َ‬ ‫هدي ماريان يا ُترى؟»‪.‬‬ ‫ «ماذا يمكن أن ُن َ‬‫قامت بها‬ ‫أرتني‬ ‫ «في ذلك اليوم‪ ،‬عندما ْ‬‫َ‬ ‫أعمال الترميم التي ْ‬ ‫الممرات‪،‬‬ ‫أحد‬ ‫في‬ ‫زاوية‬ ‫رأيت‬ ‫لحق‪،‬‬ ‫الم‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫في شقّتها في الطابق ُ‬ ‫تذهب إلى حانوت‬ ‫ناسبها جداً‪ .‬لماذا ال‬ ‫أن ِم ً‬ ‫أظن ّ‬ ‫ّ‬ ‫رآة هناك ُ‬ ‫ُ‬ ‫ست ُ‬ ‫ِ‬ ‫أن اســمه‬ ‫ذاك‬ ‫للع َّمــة إلبيرا؟ أعتقد ّ‬ ‫ّ‬ ‫الســيد الــذي كان صديق ًا َ‬ ‫السيد توريبيو‪ .‬لديهم هناك ما ُتريد من مرايا»‪.‬‬ ‫كان‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫أكثر من الالزم‪ .‬لم‬ ‫األنــواع‪،‬‬ ‫كل‬ ‫من‬ ‫مرايا‬ ‫لديهم‬ ‫كان‬ ‫بالفعــل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫نة‬ ‫م‬ ‫تكــن‬ ‫لم‬ ‫واحدة‪،‬‬ ‫إلــى‬ ‫أشــرت‬ ‫أختار‪.‬‬ ‫منها‬ ‫ا‬ ‫ــ‬ ‫أي‬ ‫ً‬ ‫زي ً‬ ‫ُ ّ‬ ‫أعــرف ّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫طــراز يعود إلى زمن‬ ‫أنيقة ذات‬ ‫حاشــيتها‬ ‫بإفــراط‪ ،‬وكانت‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الثانية(‪.)2‬‬ ‫ة‬ ‫اإلمبراطوري‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال عن‬ ‫حضرتــك ُيقــّدر أنّها‬ ‫أن‬ ‫قطعة نفيســة‪ .‬فض ً‬ ‫ٌ‬ ‫ «آآ‪..‬أرى ّ‬‫َ‬ ‫بأقل مــن أربعمئة‬ ‫جيد جّداً‪،‬‬ ‫ذلــك‪،‬‬ ‫سنحســبها لك ّ‬ ‫فســعرها ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ألف»‪.‬‬ ‫أسمع جيداً»‪.‬‬ ‫«أظن أنّي لم‬ ‫‬‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫باهظــة الثمن‬ ‫لك‬ ‫تبدو‬ ‫قــد‬ ‫ً‪.‬‬ ‫ا‬ ‫جيــد‬ ‫ســمعت‬ ‫ــك‬ ‫حضرت‬ ‫‪،‬‬ ‫«كل‬ ‫‬‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أن جميع‬ ‫بعــض الشــيء‪ ،‬لكن أرجو أن تأخذ بعيــن االعتبار ّ‬ ‫ٍ‬ ‫إن هذا يعني‬ ‫ضة ُمسبقاً؛‬ ‫باع ُمَر َّو ً‬ ‫وبصورة طبيعية ّ‬ ‫مرايانا ُت ُ‬ ‫أن يكون‬ ‫الكثيــر مــن النفقات‪ ،‬حيث يجــب انتقاؤها‪ ،‬وال بــّد ّ‬ ‫التأمينــات االجتماعية‪،‬‬ ‫المختصين‪ ،‬وهناك‬ ‫الموظفون مــن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫و‪»...‬‬ ‫«مَرّوضة؟»‪.‬‬ ‫ ُ‬‫أن ذلك الرجل لم يكن يبدو على وجهه أنّه يمزح أو‬ ‫المسألة ّ‬ ‫ُ‬ ‫أنّه كان مجنوناً‪.‬‬ ‫‪106‬‬

‫إن‬ ‫بالطبــع‪ .‬المرايــا ذات الجــودة‬ ‫ «نعــم‪ّ ،‬‬‫ٌ‬ ‫كســولة جــداً؛ ْ‬ ‫بالض ِ‬ ‫بط‬ ‫عليهــا‬ ‫مليه‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫غير‬ ‫تعكــس‬ ‫لن‬ ‫فهي‬ ‫لهــا‬ ‫كان األمــر‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫مضطرين‬ ‫نجد أنفســنا‬ ‫ُ‬ ‫قوانيــن ِعلــم البصريات‪ .‬لذلــك فإنّنا ُ‬ ‫ّ‬ ‫تكــرْم بمرافقتي من‬ ‫لـــ «تحفيزها قليــاً» ّ‬ ‫أظن أنّــك تفهمني‪ّ .‬‬ ‫حضرتك تجهيزاتنا»‪.‬‬ ‫ري‬ ‫فضلك‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ٌّ‬ ‫ضروري أن ُن َ‬ ‫باب مخفي‪ ،‬كان فــي نهاية الحانوت‪ ،‬إلى غرفةٍ‬ ‫دخلنــا عبر ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫خلفي ٍ‬ ‫صَدرًا‬ ‫يرتــدون‬ ‫مين‪،‬‬ ‫ســتخد‬ ‫م‬ ‫ة‬ ‫د‬ ‫ع‬ ‫هناك‬ ‫كان‬ ‫ــة‪.‬‬ ‫رحَب‬ ‫ّ‬ ‫ــة ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َّ ُ‬ ‫يتبختر أمام‬ ‫منهم‬ ‫واحد‬ ‫كل‬ ‫كان‬ ‫ساخ‪.‬‬ ‫ت‬ ‫اال‬ ‫من‬ ‫المالبس‬ ‫لوقاية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ِّمها ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫قلق ناظرًا إلى‬ ‫بلغة غريبة‪.‬‬ ‫أدرت رأســي في ٍ‬ ‫ُ‬ ‫مرآة‪ُ ،‬‬ ‫ويكلُ‬ ‫بع ٍ‬ ‫جلة‬ ‫الوراء نحو الباب‪ّ ،‬‬ ‫علي الهروب َ‬ ‫تحســب ًا فيما لو كان ّ‬ ‫من ذلك المكان‪.‬‬ ‫نات‪ ،‬وما تزال في طور‬ ‫هي‬ ‫هنا‪،‬‬ ‫ترى‬ ‫التي‬ ‫ «هذه المرايا‬‫عي ٌ‬ ‫ّ‬ ‫للعملية‪.‬‬ ‫اجتازت تقريب ًا جميع المراحل األخرى‬ ‫االكتمال‪ ،‬لقد‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫صغير أمام حضرتك»‪.‬‬ ‫بعرض‬ ‫سنقوم اآلن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ستخدميه‪.‬‬ ‫نادى على أحِد ُم‬ ‫َ‬ ‫تعال من فضلك‪ْ ،‬‬ ‫قف أمام هذه‪ُ ،‬هنا‪ ،‬كيما يتسنَّى‬ ‫ «رامون‪َ ،‬‬‫تقديرها»‪.‬‬ ‫لزبوننا‬ ‫ُ‬ ‫عكســت له‬ ‫المرآة‬ ‫أن‬ ‫إال‬ ‫الشــفقة‪،‬‬ ‫ثير‬ ‫ي‬ ‫ذاك‬ ‫رامون‬ ‫مظهر‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ُ ُ‬ ‫ُ‬ ‫بقدر ٍ‬ ‫مخاوف‬ ‫يتحو ُل إلى‬ ‫راح ارتباكي‬ ‫صــورة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫مقبولة ٍ‬ ‫ّ‬ ‫كاف‪َ .‬‬ ‫ُمظلمة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫قليل‬ ‫أ‬ ‫األسفل‪.‬‬ ‫في‬ ‫التي‬ ‫المرايا‬ ‫اآلن‬ ‫ريك‬ ‫ «ســُأ‬‫نبُه َك‪ ،‬هناك ٌ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫من البرد»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بنظرة‬ ‫ســتخدمون حينها‬ ‫الم‬ ‫نــي‬ ‫ق‬ ‫رم‬ ‫توريبيو‪.‬‬ ‫د‬ ‫الســي‬ ‫عــت‬ ‫ََ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫تِب ُ‬ ‫ُ‬ ‫ســأعرف لماذا فيما بعد‪ .‬قطعنا عّدة قاعات‪ ،‬كانت‬ ‫ســاخرة؛‬ ‫ُ‬ ‫األفقي الصغير في‬ ‫الباب‬ ‫كان‬ ‫جميلة‪.‬‬ ‫بمرايــا‬ ‫ة‬ ‫مكتظ‬ ‫جميعها‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫فتح نحو األعلى بواســطة َب َك ٍ‬ ‫ومحّرك‪ .‬وكلّما‬ ‫ّ‬ ‫األرضيــة ُي ُ‬ ‫ــرة ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أكثر في الظــام‪ .‬في إحدى‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫الســا‬ ‫انغمســت‬ ‫أســفل‪،‬‬ ‫نزلنا‬ ‫ُ َ‬ ‫ِ‬ ‫ٌّ‬ ‫القالِنس‪.‬‬ ‫بعض‬ ‫عليه‬ ‫رف‬ ‫هناك‬ ‫كان‬ ‫الساللم‪،‬‬ ‫هذه‬ ‫بسطات‬ ‫َ‬ ‫نضع هذه»‪.‬‬ ‫ «خذْ‪ ،‬سوف‬‫ُ‬


‫ «‪...‬؟»‪.‬‬‫ٍ‬ ‫قليل‪ .‬فإن‬ ‫كل‬ ‫احتياط ُمّتخــٍذ ٌ‬ ‫ «مــع هــذه التي في األســفل‪ُّ ،‬‬‫بمتاعب؛‬ ‫أن تأتــي لــك‬ ‫ظــت‬ ‫َ‬ ‫وجهــك‪ ،‬مــن الممكــن يومــ ًا ْ‬ ‫حِف ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مررها‬ ‫وإضافــة لذلــك‪ ،‬فهــي‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫تتناقــل ُّ‬ ‫الصور فيمــا بينهــا‪ُ ،‬ت ّ‬ ‫الواحدة إلى ُأخرى»‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ات ور ٍ‬ ‫بممــر ٍ‬ ‫دهات‬ ‫‪،‬‬ ‫ســراديب‬ ‫شــكل‬ ‫على‬ ‫ا‬ ‫محفور‬ ‫القبــو‬ ‫كان‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫رقة‪.‬‬ ‫جانبية‪ .‬وهناك‬ ‫مصباح وحيٌد صغير كان ملفوف ًا بخ َ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫فاألرضية غير‬ ‫ك‪،‬‬ ‫يــد‬ ‫هات‬ ‫العقاب‪.‬‬ ‫زنزانات‬ ‫إلــى‬ ‫نذهــب‬ ‫ «ِل‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫آمنة في بعض المناطق»‪.‬‬ ‫ضعيفة‬ ‫نشــيج‬ ‫أصــوات‬ ‫كانت‬ ‫‪.‬‬ ‫حديــدي‬ ‫بــاب‬ ‫ٌ‬ ‫توقّفنــا أمــام ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫نوع من‬ ‫تصــدر من خلفــه‪ .‬وعندما‬ ‫وغريبــة جــدًا‬ ‫ٌ‬ ‫أي ٍ‬ ‫أدركــت ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يقف بالكامل‪.‬‬ ‫أحسست‬ ‫كان‪،‬‬ ‫النشيج‬ ‫عر جسمي ُ‬ ‫بش ِ‬ ‫ُ َ‬ ‫سمع‪ ،‬سيد توريبيو‪ٌ -‬‬ ‫يخرج‬ ‫خيط وحيٌد من الصوت كان‬ ‫ «ِا ْ‬‫ُ‬ ‫تعلــم بمجيئي إلى هنا‪ ،‬ويعلم بذلك‬ ‫مــن ُحنجرتي‪ -‬زوجتي‬ ‫ُ‬ ‫شريكي وسكرتيرته أيضاً‪.»...‬‬ ‫ليســت ســوى‬ ‫نفســك‪.‬‬ ‫من‬ ‫ئ‬ ‫هد‬ ‫ْ‬ ‫صيب َ‬ ‫ْ‬ ‫أي مكروه‪ِّ ،‬‬ ‫ــك ّ‬ ‫ «لــن ُي َ‬‫تعمــل على‬ ‫نحتجزهــا فــي الظــام لعّدة أشــهر‪ ،‬كي‬ ‫مرايــا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫«تطرَية» ما نقوُله هنا»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫فظيع‪.»...‬‬ ‫ «لكن هذا‬‫ٌ‬

‫ّــع البكاء‪ ،‬كي‬ ‫ «ليــس بالقْدِر الــذي ّ‬‫تظن‪ .‬الكثير منها يتصن ُ‬ ‫نصّدق أنّها أوشكت على أن َت ْجَهز»‪.‬‬ ‫ «وفي هذه الحال‪...‬؟»‪.‬‬‫نكتشــف أمرها‪ُ ،‬نعيدها إلى الداخل من جديد‪ .‬ومع‬ ‫ «عندما‬‫ُ‬ ‫آخر ّإل بإعدامها»‪.‬‬ ‫نجد سبي ً‬ ‫بعضها ال ُ‬ ‫ال َ‬ ‫ «إعدامها؟»‪.‬‬‫ِ‬ ‫أتريد‬ ‫لو ُأخرى‪.‬‬ ‫ «نعــم‪ ،‬فقط التي ُتكــرر‬‫ُ‬ ‫ارتكاب اإلثم ّ‬ ‫مر ًة ت َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫بعض‬ ‫المحكومة باإلعدام؟ دائم ًا هناك‬ ‫أن ترى زنزانة المرايا‬ ‫ٌ‬ ‫منها‪ ،‬فنحــن ُنباعد بين اإلعدامات لتنفيذها أمام تلك التي ما‬ ‫ِ‬ ‫كدرس لها»‪.‬‬ ‫تنصِل َح‪ ،‬عسى أن ينفع ذلك‬ ‫زال‬ ‫ٍ‬ ‫بوسعها أن َ‬ ‫شــعرت‬ ‫قهقهة‬ ‫فأطلقت‬ ‫أكثر من طاقتي؛‬ ‫لقــد بدا لــي ُّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كل ذلك َ‬ ‫بارتياح كبير‪.‬‬ ‫بعدها‬ ‫ٍ‬ ‫قلت‪ ،‬وأنا‬ ‫‬‫ْ‬ ‫«فلنذهــب إذن‪ ،‬لرؤيــة تلك المرايا التعيســة» ‪ُ -‬‬ ‫أضحك من جديد‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مشينا في ر ٍ‬ ‫جرة ُمضاءة‪.‬‬ ‫طويلة‪ ،‬في نهايتها‬ ‫دهة‬ ‫ظهرت ُح ٌ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫يهــم اآلن أن ترى هذه المرايا النور‪ِ .‬‬ ‫أمس ْ‬ ‫ــك‪ُ :‬ك ْن حذراً‪،‬‬ ‫ «ال ُّ‬‫َ‬ ‫«أمعن‬ ‫وناوَلنــي ِم ْطرقة‪-.‬‬ ‫ِ‬ ‫فهي أســوُأ من الوحــوش»‪َ -‬‬ ‫قال‪َ ،‬‬ ‫النظر في هذه»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫كل الجهات‪.‬‬ ‫إليها‬ ‫أشــار‬ ‫التي‬ ‫المرآة‬ ‫وقفــت أمام‬ ‫أتأمُلها مــن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫فجأة‬ ‫رخرة‪.‬‬ ‫بدأت أسمع صوت ًا يشبه ّ‬ ‫ً‬ ‫كالخ َ‬ ‫آخر َ‬ ‫ُ‬ ‫الطنين‪ُ ،‬‬ ‫تاله ُ‬ ‫صرخة‬ ‫تداخلت‬ ‫نفســي!‬ ‫رأيت‬ ‫كيــف‬ ‫إلهي‪:‬‬ ‫يــا‬ ‫نفســي‪.‬‬ ‫رأيت‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عكســت لي‬ ‫رفعت المطرقة‪ ،‬وحينئٍذ‪،‬‬ ‫المــرآة مع صرختــي؛‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫أعرف كم من السنوات‬ ‫أشد ُرعب ًا من األولى‪ .‬ال‬ ‫المرآة‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫صورة َّ‬ ‫نسيان تلك الرؤية‬ ‫أعرف أنّي لن أستطيع‬ ‫لكن‬ ‫ُ‬ ‫سأحيا بعد‪ْ ،‬‬ ‫َ‬ ‫علي‪.‬‬ ‫غمى‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫أرض‬ ‫وقعت‬ ‫أبداً‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫الســيد توريبيو‪.‬‬ ‫اســتعدت الوعي على أريكة كانت في مكتب‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫قارورة األمالح‪ ،‬قائالً‪:‬‬ ‫الغطاء على‬ ‫وضع‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الفز ُع فحسب‪ .‬من‬ ‫ «لم يكن ما حصل شيئ ًا خطيرًاً؛ لقد كان َ‬‫الضــروري أن يعيش زبائننا هــذه التجربة‪ .‬أظنّك اآلن على‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مألوفة‬ ‫لنُق ْل‪ ،‬غير‬ ‫اســتعداد لتفّهِم الســبب في ّ‬ ‫أن أســعارنا‪َ ،‬‬ ‫كثيراً»‪.‬‬ ‫هر ْع ُت إلى‬ ‫أيام عندمــا‬ ‫بعــد بضعة ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ذهبت إلى بيت ماريــان‪َ ،‬‬ ‫اتصلت‬ ‫نفســه‬ ‫المســاء‬ ‫ذلك‬ ‫في‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫نظــرة‬ ‫المــرآة ُأللقــي‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫بالسيد توريبيو‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫الحظت‬ ‫ضرب من الجنون‪ ،‬لكنّني‬ ‫ «‪...‬سيبدو لحضرتك أنّه‬‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ّه‪.» ...‬‬ ‫في المرآة شيئ ًا بدا وكأن ُ‬ ‫«ابتسامة ساخرة؟»‪.‬‬ ‫‬‫ٌ‬ ‫بالضبط»‪.‬‬ ‫ «نعم‪ّ ،‬‬‫ٍ‬ ‫جيد‪.‬‬ ‫ضة‬ ‫تقلــق‪ .‬هــذه‬ ‫ «آه‪ ،‬ال‬‫ْ‬ ‫رو ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫بشــكل ّ‬ ‫عالمــة على أنّها ُم ّ‬ ‫أفضل‬ ‫ســتعكس ألصحابها‪،‬‬ ‫ّها‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫إلى‬ ‫االطمئنان‬ ‫وفر‬ ‫ذلك ما ُي‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫صورة دائماً»‪.‬‬ ‫هامش‪:‬‬

‫(‪ )1‬ألبيرتو إسكوديرو (باداخوث‪ ،‬إسبانيا‪.)1943 -‬‬ ‫(‪ )2‬اإلمبراطورية الفرنسية الثانية في القرن التاسع عشر ‪.1870 - 1852‬‬ ‫‪107‬‬


‫نصوص‬

‫قصص انفصال َّ‬ ‫الش َب ِك ّية‬ ‫منري عتيبة‬

‫لوحتي‬ ‫أنا في الربيع‪ .‬لكن عاصفة شتائية باردة اقتلعت كل أوراق‬ ‫أشجار الغابة الكثيفة‪ ،‬وألقت بها في حجرتي حتى كادت‬ ‫تخنقني‪ .‬زعقت منادي ًا أوالدي‪ .‬ال استجابة‪ .‬هل سمعوا؟‪.‬‬ ‫قمت بصعوبة شديدة محاو ًال وقف نزيف األشجار‪ ،‬لكن‬ ‫األغصان السميكة تساقطت من اللوحة فوق رأسي وأنا أمّد‬ ‫قدمي خارج الغرفة‪.‬‬

‫صور‬ ‫جيري أبيض باهت‪ .‬قدم صغيرة في بوت «باتا»‬ ‫حجر‬ ‫ّ‬

‫‪108‬‬

‫قان‬ ‫ممزق‪ .‬ظفر يطير ودم ٍ‬ ‫كحلي ُم َج َّرب كرة في جورب بني ّ‬ ‫يتدفق‪ .‬نخلة خضراء متربة‪ .‬حصى وقطع من الطوب الصغير‬ ‫األحمر‪ .‬بلح طويل شديد االحمرار‪ ،‬بلح شديد األصفرار‪،‬‬ ‫بلح بني متغضن‪ .‬عيون القطة الخضراء منعكسة في طبق‬ ‫اللبن شاهق البياض‪ .‬الجدة الزرقاء الالمعة وضحكة سنّتها‬ ‫الفضية‪ .‬عيون متدِفّقة من مياه ترعة تعلوها رغوة بيضاء‬ ‫بحواف من ذهــب‪ .‬شمس الظهيرة ضفائر شقراء‪ .‬مريلة‬ ‫كحلي‪ .‬خطوة وئيدة بحذاء أسود وجورب أبيض‪ .‬دفء عناق‬ ‫األصابع البيضاء الصغيرة واألصابع السمراء الصغيرة‪...‬‬ ‫ما المتعة التي يشعر بها المرء وهو يلوك طعم األلوان‬ ‫القديمة؟‪.‬‬


‫‪1‬‬

‫أصابعي إليها‪ .‬قفزت األصابع إلى أعلى فشعرت بلسعة‬ ‫تحركت الخاليا‬ ‫مثيرة‪ ،‬وعلمت أنها فوق الخد الشديد االحمرار‪َّ .‬‬ ‫ببطء حتى استكانت في زرقة العين‪ ،‬فنبتت لها أجنحة طارت‬ ‫بها إلى أعلى حيث احتواها صفاء روحاني بفعل ألوان السماء‬ ‫تتحرك‬ ‫الحليبية‪ .‬هبطت بهدوء يدغدغها غموض ما‪ ،‬فعلمت أنها‬ ‫َّ‬ ‫فوق الشعر األسود‪ .‬واستثيرت فجأة بلذّة ال متناهية فهي ترقد‬ ‫اآلن فوق بياض الصدر العاري‪ .‬يسحبها اللون األبيض إلى‬ ‫ال ِّ‬ ‫لتغير‬ ‫أسفل ببطء لذيذ‪ .‬تطلب مني زوجتي أن أتزحزح قلي ً‬ ‫بطانية السرير قبل أن تضع القطرة في عيني‪.‬‬

‫ذاكرة األلوان‬ ‫دموعك المالحة ثقبت شبكتك التي كنت تصطاد بها صور‬ ‫هوة العتمة بال عودة‪.‬‬ ‫البهجة‬ ‫الملونة‪ .‬وأخذ الضوء يسقط في ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّرط في‬ ‫فتمسك بذاكرة األلــوان المراوغة في داخلك‪ ،‬وال تفِ‬ ‫صورك القديمة وإن تكن باهتة وغائمة المالمح‪.‬‬

‫ألوان الصوت‬ ‫صوت التوك توك المزعج تحت شباك حجرة نومي أسود‬ ‫جربان‪ .‬صوت منادي موقف السرفيس بنّي محروق‪ .‬صوت‬ ‫«ملك» الصغيرة أخضر زرعــي‪ .‬صــوت الجارة التي تسب‬ ‫أوزاتها فوق السطوح المجاور أصفر فاقع‪ .‬صوت «نجوى»‬ ‫ّ‬ ‫و«خلود» برتقالي هادئ وأحمر مشاكس‪ .‬أصوات أصدقائي‬ ‫وإخوتي عصير كوكتيل الفواكه‪ .‬صوت «عبد الرحمن» ابن‬ ‫أختي المنغولي الجميل وهو يشخر أبيض وردي‪ .‬صوت الجار‬ ‫المعاند كحلي قاتم‪ .‬صوت زوجتي هيام أزرق دافئ ُمَبلَّل‬ ‫بالدموع‪ .‬أما صوت أمي فهو كصوت الحب البعيد قوس قزح‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫أحالم حول األب‬ ‫أبوك الذي لم يزرك في حلم واحد منذ رحيله يحوطك اآلن‬ ‫لجة العتمة الزرقاء‪.‬‬ ‫وأنت مستيقظ‪ .‬مستيقظ كالنائم‪ .‬نائم في ّ‬ ‫ينزل من سيارة فخمة ذات ألوان سبعة مرتدي ًا حلّة زاهية‬ ‫االخضرار‪ ،‬يحتضنك يقبل خديك‪ ،‬يركب السيارة ويغادر كما‬ ‫حكت لك أختك عن حلمها‪ .‬أما جارة أمك فقد اشترى منها في‬ ‫ّ‬ ‫حواف مذهبة وعقارب ملونة راقصة‪،‬‬ ‫حلمها ساعة يد ذات‬ ‫وأخبرها أنه سيهديك إياها‪ .‬وفي حلم ابنتك فتح صندوق ًا‬ ‫أبيض فخرجت منه ألوان وألوان ‪ ،‬أخبرها أنها جوهر األلوان‬ ‫هديته لك أيضاً‪.‬‬ ‫األرضية‪ ،‬وأنها ّ‬

‫أصابع وألوان‬ ‫األشواك في غصن الوردة بيد الجميلة لم تكن تجرح ألنها‬ ‫مدببة‪ ،‬بل ألن لونها باهت االخضرار وتريد أن تلفت خاليا‬ ‫َّ‬

‫سألت صديقتك خبيرة تفسير األحالم عن جدوى كل هذه‬ ‫يخصك‪،‬‬ ‫األلوان لمن هو مثلك‪ ،‬ولماذا ال يأتيك بها في حلم ّ‬ ‫فصمتت‪.‬‬

‫بعث‬ ‫كرجل أماته اهلل مئة عام‪ ،‬ثم بعثه تفتح عينيك‪ .‬زوجتك‬ ‫ترتدي «البروج» القطيفة النبيتي كما تركتها‪ .‬بناتك كما هن‬ ‫لم يكبرن‪ .‬ساعة الحائط في مكانها المعتاد‪ .‬الساعة بستين‬ ‫ملطخ بإبداعات السريالية‪ .‬لم‬ ‫دقيقة‪ .‬حائط حجرة نومك َّ‬ ‫يتغير شيء‪ ،‬فقط الرجل الذي تنظر إليه في المرآة أصبح‬ ‫َّ‬ ‫عجوزًا جداً‪.‬‬

‫في مديح المرض‬ ‫األعمال الفنية ‪ :‬جميل شفيق ‪ -‬مصر‬

‫كطفل في الخامسة واألربعين تطعمك أمك بيدها‪ِّ .‬‬ ‫تحممك‬ ‫تغطي عينك‪.‬‬ ‫زوجتك بحرص حتى ال يطال الماء الشاشة التي ّ‬ ‫تغنّي لك ابنتك ما تحفظه من أغنيات سيد درويــش وعبد‬ ‫ممددًا على بطنك دافن ًا رأسك في الوسادة‪.‬‬ ‫المطلب‪ .‬بينما تنام َّ‬ ‫كتعليمات الطبيب يعبق جو الحجرة بــدفء نميمة نسائية‬ ‫لذيذة‪ .‬يغادرنك‪ .‬عيناك المغلقتان تجاه الخارج تنفتحان على‬ ‫اتساعهما إلى داخلك‪ ،‬ترى كنوزًا ومغارات قريبة لم تكن‬ ‫ملونة لتعرفها وقت‬ ‫تلتفت إليها‪ ،‬تضع عليها عالمات فسفورية َّ‬ ‫الحاجة‪ .‬امتداد الكون المجهول الغامض في داخلك ال نهائي‪.‬‬ ‫‪109‬‬


‫سلسبيل‬ ‫عيل الدكروري‬

‫إذ ًا؟‬

‫وال خبز في دارنا‬

‫أغنياء المدينة ال يحملون الجرائد‬

‫أو تموت القصائد واقفة‬

‫وحيد‬ ‫إال ألني‬ ‫ّ‬

‫ويدوي النهار الذي باع ظلّاً وفجرين‬

‫عند الثمانين‬

‫‪-‬لم أقل مثل قلبي‪-‬‬

‫وأني أعيذك بالشدو‬

‫حتى يجيء أنيق ًا‬

‫طويل‬ ‫ٍ‬

‫لماذا تغيبين بعد الغياب‬

‫طويل‬ ‫فرح‬ ‫من كل ٍ‬ ‫ٍ‬

‫كأهداب من بايعتني‬

‫أنيق ًا قلي ً‬ ‫ال‬

‫وال عطر يسكت‬

‫ِ‬ ‫بدونك ال أتقن الحزن‬ ‫وأني‬

‫حتى ألوذ بضعفي الذي يكتفي‬

‫وكل الذين يصابون بالورد‬

‫وسيفي الذي باع كل القالع‬

‫أحب‬ ‫أصدق أني‬ ‫حتى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫ال يفتحون سوى م ّر ٍة‬

‫ُ‬ ‫والنوافذ ال تكتفي مرة‬ ‫بالحنين‬ ‫غد ًا‬

‫‪ -‬ما غدا ‪-‬‬

‫سوف أصرخ بين التالميذ‬ ‫ِ‬ ‫البالد‬ ‫كيف تكونون ملح‬ ‫‪110‬‬

‫بالقتال‬

‫لجند العبير‬

‫والملح‬ ‫أضيئي قليال من العيش‬ ‫ِ‬

‫ِ‬ ‫ساعديك‬ ‫أو‬

‫فبعض الذين يخونون ‪ -‬مثلي ‪-‬‬ ‫يشدون لي ً‬ ‫ال‬ ‫ّ‬

‫وما كان بيني‬

‫وبين الذين يموتون ثأ ُر‬


‫سوى أنهم يرحلون فرادى‬

‫البعيد‬ ‫أن أقاتل حضن البعيد بسيف‬ ‫ْ‬

‫أو يطفئون اللقاء األخير‬

‫كي تم ّر البنات كثير ًا‬

‫وال يغلقون المصابيح‬

‫( ‪)2‬‬ ‫لماذا فقط‬

‫وأترك نافذ ًة‬

‫لماذا تم ّر البنات كثير ًا‬

‫ْ‬ ‫النخيل‬ ‫يؤم‬ ‫إذا التوت قام ّ‬ ‫وأكتب للنيل هذا السعير‬

‫تمسك الروح هذا الصباح‬

‫السعير‪،‬‬

‫وبانت طيوفك مائد ًة‬

‫ْ‬ ‫سلسبيل‬

‫إذا القلب أفتى‬

‫َ‬ ‫بارك ْتها السماوات‬

‫وأنت التي نارها‬

‫والنبض جيشان ال يتقنان النزال‬ ‫وللصبح موتى‬ ‫ولليل موتى‬

‫أنا رافع العمر فوق الرماح‬

‫لتخرج كل الرموش احتجاج ًا‬

‫فكيف وقد كنت من بايعتني‬ ‫تزيدين بيت الخوارج بيت ًا‬

‫رعيتهم‬ ‫أنا أول الخلفاء الذين ّ‬ ‫كالوريد‬

‫وأعداؤهم كالوريد‬

‫وسيف القصائد أعلى وأعتى‬

‫هنا يكتب الطيبون الدعاء‬

‫العصافير واحدة‪ ،‬دائم ًا‬

‫واألناشيد يا هند ش ّتى‬ ‫تريد‬ ‫لها ما‬ ‫ْ‬ ‫ولي‬

‫‪111‬‬


‫نمر واثب‬ ‫ٌ‬ ‫أحمد ثامر جهاد‬

‫للتو‪.‬‬ ‫كانت تحلق رويدًا رويدًا مثل طائر صغير يتعلَّم الطيران ّ‬ ‫أعلم أنها اآلن جانحة بفعل قوة ارتطام المعدن األنيق‪ .‬خارج‬ ‫مداركي‪ ،‬كانت تطير بسرعة مهولة وتتطاير معها صور الطفولة‬ ‫اآلسرة وكل مزاعمي وعنادي‪.‬‬ ‫****‬ ‫في لحظة تفكير خاطفة‪ ،‬بدا لي غريباً‪ ،‬عدم اقتنائي سيارة‬ ‫طيلة السنوات التي مضت‪ .‬جاوزت األربعين اآلن وكان لي بها‬ ‫حاجة على ما أظن‪ .‬ربما أكثر من ذلك‪ ،‬على األقل إرضاء إللحاح‬ ‫العائلة والتساوي مع اآلخرين‪ ،‬معارفي وأصدقائي‪.‬‬ ‫علي أن أبرهن اآلن على صحة خاطر مفاجئ تملّكني‬ ‫لماذا ّ‬ ‫وأنا في الطريق إلى المنزل‪ .‬كنت لسنوات مضت‪ ،‬أتجنب التفكير‬ ‫بصواب هذه الرغبة وأحاجج كل من يّدعي ضرورتها‪ .‬البعض‬ ‫صــدم بوفاة والــده بحادث‬ ‫يعتقد أنه ّ‬ ‫رد فعل طبيعي لطفل ُ‬ ‫سيارة‪ .‬بالنسبة لي ال أرى في ذلك سبب ًا مقنعاً‪ ،‬خاصة أن األب‬ ‫المسكين لم يكن هو من يقود السيارة‪.‬‬ ‫ألح اآلخرون به واقتنيت سيارة‪،‬‬ ‫حسناً‪ ،‬لو أنني فعلت ما َّ‬ ‫سيتغير في‬ ‫بغض النظر عن نوعها وشكلها‪ ،‬ما الــذي كــان‬ ‫ّ‬ ‫حياتي؟‪ ،‬إنجاز بعض األمور الشخصية والعائلية بسبل أسهل‪،‬‬ ‫ربما‪ .‬التخلُّص من تصّدق البعض عليك بتوصيلة مجانية يلزمها‬ ‫اإلدالء بتعابير الشكر واالمتنان‪ ،‬إلى حد ما‪ .‬لكن‪ ،‬أيعني ذلك‬ ‫تذليل الكثير من الصعوبات؟‬ ‫لو أنني تشجعت وجلست خلف المقود الذي يتحنَّط خلفه‬ ‫يومي ًا ماليين الحمقى في كل بقاع العالم‪ ،‬لكانت قدمي بحال‬ ‫أفضل اآلن‪ .‬ذكر لي األطباء أن آالم الكاحل ناجمة عن المسافات‬ ‫التي أقطعها كل يوم للوصول إلى مكان عملي‪ .‬من يدري ما الذي‬ ‫سيكون عليه الحال مع عائلتي التي طالما ضغطت علي بفكرة‬ ‫أيما سعادة لو أنني فعلت‬ ‫شراء سيارة‪ .‬ربما سيسعد األطفال ّ‬ ‫ذلك‪ .‬إنها بهجة من نوع ما‪ ،‬قال أحد األقارب‪.‬‬ ‫ربما كانت العائلة على صواب‪ ،‬لكنني لم أستوعب بعد واقع‬ ‫أن أقحم نفسي بشاغل جديد بوسعي االستغناء عنه‪ .‬كم فردًا‬ ‫مات من دون أن يمتلك سيارة؟ ليست تلك هي المشكلة على ما‬ ‫أظن‪ .‬لكن هل كنت بالفعل قادرًا على استجداء مساعدة الغرباء‬ ‫محرك سيارتي أو أن أقف في خلوة الطرقات‬ ‫إلصالح خلل ما في ّ‬ ‫ومخاطرها بانتظار تبديل عجلة معطوبة‪ .‬يا لها من مشقة‪.‬‬ ‫****‬ ‫أنا كائن ملول‪ .‬ال أدري إن كان لهذا األمــر عالقة مباشرة‬ ‫بانزعاجي من موضوع اقتناء السيارة‪ .‬بكل األحــوال ليس‬ ‫‪112‬‬

‫إصراري على عدم الرضوخ لمطلب شرائها عنادًا فارغ ًا حسب‪،‬‬ ‫إنه أمر غريب‪ ،‬بل غير مفهوم أحياناً‪ .‬ذلك أنني أتذكر جيدًا‬ ‫ما الــذي كانت تعنيه السيارات الجميلة بالنسبة لي‪ ،‬وكيف‬ ‫مجسماتها الصغيرة في سنوات طفولتي‪.‬‬ ‫استهوتني َّ‬ ‫سيارات بأحجام وأشكال مختلفة‪ ،‬لعب من البالستيك‬ ‫الصيني ُم َص َّممة بدقة‪ ،‬كانت ِّ‬ ‫تشكل مسراتي األولى‪ .‬طفل شغوف‬ ‫بقيادة تلك المركبات الصغيرة الملونة من خالل سحبها بحبل‬ ‫يفوت‬ ‫ربط بمقدمتها‪ ،‬والتجوال بها في فناء المنزل‪ ،‬لن ِّ‬ ‫صغير ُي َ‬ ‫يتشبث بفرصة‬ ‫من‬ ‫مثل‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أبد‬ ‫سيارة‬ ‫قيادة‬ ‫فرصة‬ ‫بلوغه‬ ‫عند‬ ‫َّ‬ ‫العبث مع فتاة‪ .‬شعور من الرضا يتملَّكني دوم ًا وأنا انحرف‬ ‫بمهارة بسيارتي الزرقاء الصغيرة‪ ،‬من زاوية إلى أخرى ألجِنّبها‬ ‫االصطدام بهذا الجدار أو ذلك‪ ،‬في رحلة الدوران المتواصل في‬ ‫أرجاء المنزل‪.‬‬ ‫تضم مئات‬ ‫لم يتوقَّف هوس الطفولة عند ذاك الحّد‪ ،‬فخزانتي ّ‬ ‫من صور السيارات التي كنت أحتفظ بها‪ ،‬وأغلبها من هدايا‬ ‫علكة داندي‪ ،‬بدت لي عالم ًا ساحراً‪ .‬أقِلّبها كل يوم‪ ،‬أفرشها على‬ ‫أرض الغرفة‪ ،‬وأمعن النظر فيها‪ .‬أرتبها مراراً‪ ،‬وأعيد تصنيفها‬ ‫وفق ًا لماركاتها أو سرعتها التي كانت تستهويني أكثر من أي‬ ‫أتذكر جيدًا أني حفظت أسماء السيارات عن ظهر قلب‬ ‫شيء آخر‪َّ .‬‬ ‫ِ‬ ‫وأماكن صناعتها‪ِ ،‬‬ ‫سجل‬ ‫عالمات ماركاتها الشهيرة في‬ ‫ورسمت‬ ‫ّ‬ ‫خاص‪ .‬لكنني أحببت ‪-‬بشكل خاص‪ -‬النمر الواثب في الجاكوار‪،‬‬ ‫مع أني فضلت سيارات الـ ‪ jeep‬ذات األغراض العملية‪.‬‬ ‫تنج من هوسي بالسيارات‪،‬‬ ‫دفاتري المدرسية هي األخرى لم ُ‬ ‫مرسيدس بيضاء تقف في منتصف شارع خال محاط بأشجار‬ ‫باسقة‪ ،‬ألفاروميو صغيرة الحجم مركونة على رصيف حجري‪.‬‬ ‫تستقر مثل أنثى مغرورة على ناصية شارع‬ ‫فيراري حمراء‬ ‫ّ‬ ‫فرعي وخلفها منزل كبير بواجهة زجاجية‪.‬لم تفارقني أشكال‬ ‫تلك السيارات وال مواصفاتها‪ ،‬بل إن فضولي تعّدى ذلك إلى‬ ‫طرح السؤال عشرات المرات على من هم أكبر سن ًا مني‪ّ .‬أيهما‬ ‫األسرع في العالم‪ ،‬السيارة الرولزرويس أم ألفاروميو؟ لماذا‬ ‫تبدو الفولفو السويدية متينة‪ ،‬بينما السيتروين الفرنسية رقيقة؟‬ ‫الحّد‪ ،‬بل راح يتابع تاريخ صناعة‬ ‫ولم يتوقّف الشغف عند هذا َ‬ ‫السيارة‪ .‬من يجادل حول ذلك‪ ،‬ألفاروميو أعرق ألنها تعود لعام‬ ‫أتذكر أن أحدهم‬ ‫‪ ،1910‬بينما صنعت السيتروين عام ‪َّ .1919‬‬ ‫همس لي مرة بمعلومة تقول إن لسرعة جي آل محاذير‪ ،‬وإن‬ ‫الجاكوار السوداء أغلى سيارة في العالم وأكثرها ندرة‪.‬‬ ‫***‬ ‫عنادي ذاك لم يصمد أمام تساؤالت البعض عن عدم اقتنائي‬


‫سيارة‪ .‬زمالئي في العمل ما انفكوا يرددون النغمة ذاتها التي‬ ‫أسمعها من بعض معارفي‪ .‬أصبحت األسعار معقولة اآلن‪.‬‬ ‫ال منك اقتناء واحدة‪ .‬أليس مرتبك جيداً؟‬ ‫بإمكان من هم أدنى دخ ً‬ ‫حينما أتذرع أحيان ًا بجهلي بقيادة ذلك التابوت المعدني‪،‬‬ ‫أسمع قهقهات البعض من اعترافي هذا الذي يشبه االعتراف بعدم‬ ‫إجادة السباحة‪ .‬لكني في المقابل أبذل جهدًا لفهم هوس الطفولة‬ ‫الذي أفتقده حالياً‪ .‬وحينما ال أجد آذان ًا صاغية‪ ،‬أحاول تغيير‬ ‫مسار الموضوع نحو هموم أخرى‪.‬‬ ‫ومن حين إلى آخر أستعيد مشاهد من ذلك الفيلم الغريب‬ ‫الــذي دعــانــي أحــد األصــدقــاء قبل ســنــوات إلــى مشاهدته في‬ ‫صالة السينما‪ ،‬كنا في العشرينات من العمر‪ ،‬ونسيت عنوان‬ ‫الفيلم اآلن‪ ،‬كنت مغيب ًا في غرابة الفكرة‪ .‬شباب مهووسون‬ ‫بقيادة السيارات على الطرق السريعة‪ .‬يضغطون على دواسة‬ ‫البنزين إلى أقصى حّد‪ ،‬ويستسلمون الصطدام السيارة بحاجز‬ ‫كونكريتي متلذذين بتهشم عظامهم وتناثر دمائهم على المقاعد‬ ‫اللماع‪ ،‬في نوع من المبارزة العصرية‬ ‫األمامية وعلى الزجاج ّ‬ ‫ألبطال عدميين يستعيدون خاللها شريط حيواتهم الغريبة‬ ‫بومضة خاطفة‪.‬‬ ‫وصلت المشكلة إلى أبنائي الثالثة الذين ال يستطيعون‬ ‫استيعاب رفضي وهــم يعاينون كل يــوم اهتمامي الملحوظ‬

‫مجسمات صغيرة لماركات‬ ‫بالحفاظ على مقتنيات الطفولة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫وأتحسسها من حين إلــى آخر‬ ‫شهيرة أرّتبها على المكتبة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫بأطراف أصابعي متيِقّن ًا أن نمر الجاكوار الرشيق ما زال واثب ًا‬ ‫في مقّدمتها‪.‬‬ ‫بمرور الوقت تناسيت الموضوع‪ ،‬وحتى أكــون صادقاً‪،‬‬ ‫اعتدت عليه‪ .‬إلى أن بادرتني زوجتي ذات يوم قائلة‪ :‬قررت‬ ‫أن أهديك شيئ ًا ثمين ًا في عيد زواجنا بعد أيام‪ .‬ضحكت بصوت‬ ‫عال‪ .‬لم أتصور أنها ستفعل ذلك‪.‬‬ ‫ألم أقل لها يوم ًا ما إن العديد ممن نعرفهم قضوا نحبهم‬ ‫المكيفة التي أحبوها‪ .‬حوادث طرق عادية‬ ‫بالصناديق المعدنية‬ ‫َّ‬ ‫لن يعتبرها البعض في نهاية األمر طريقة الئقة للموت‪ .‬ما لم‬ ‫أبح به ألحد أن شعورًا ما سكنني منذ زمن بعيد يحذّرني من‬ ‫أتخطى ذاك الشعور‪،‬‬ ‫مخاطر االنقياد وراء نزوة عابرة‪ .‬غالب ًا‬ ‫ّ‬ ‫فليس بيننا من هو مستعّد لتصديق المخاوف القديمة‪ ،‬والجميع‬ ‫مصرون على إتمام الصفقة ودفعي لتجربة الولوج إلى جنة‬ ‫ّ‬ ‫المعادن األنيقة‪.‬‬ ‫****‬ ‫طبعت زوجتي قبلة ناعمة على خ ـّدي وسلمتني مفاتيح‬ ‫المدعوين وضحكاتهم العالية‪ ،‬فيما صدح‬ ‫السيارة وسط هياج‬ ‫ّ‬ ‫صوت األطفال من األهل واألقارب بأغنية عيد ميالدي الخامس‬ ‫قبلت الهدية بامتنان‪ ،‬وشكرت الجميع على هذه‬ ‫واألربعين‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫المفاجأة رغم أنها لم تكن السيارة التي سكنت مخِّيلتي مذ كنت‬ ‫صغيراً‪.‬‬ ‫أجلتها لسنوات‪ .‬ال مجال‬ ‫لقد حانت ساعة المواجهة التي َّ‬ ‫للمخاوف بعد اآلن وقــد تجاوزت فترة التدريب على قواعد‬ ‫السواقة‪ .‬عليك أن ال تخذل اآلخرين‪ .‬إنها اللحظة التي طال‬ ‫انتظارها‪ُ .‬قد حياتك إلى األمام على جادة سليمة‪ ،‬واستمتع‬ ‫ستمر مثل شريط خاطف‪ ،‬أعرفها جيدًا‬ ‫بذلك‪ .‬حكايتي التي‬ ‫ّ‬ ‫وتفاصيلها راسخة في ذهني‪ .‬سننطلق على شارع مستقيم ليس‬ ‫تشق السيارة الجديدة‬ ‫ثمة لمسافته المنبسطة نهاية معلومة‪ّ .‬‬ ‫عباب الطريق بسرعة خيالية‪ ،‬يصدم القلب بلحظة انفصال‬ ‫تصورته‬ ‫العجالت عن اإلسفلت بفعل االرتطام بشيء قوي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لوهلة نمر الجاكوار الواثب‪.‬‬ ‫ما هي إال ثوان معدودة‪ ،‬حتى يعاود شريط الصور حركته‬ ‫ثانية‪ ،‬وقد أحسست أن السيارات الورقية قد َرصفت أبدانها‬ ‫الزاهية على مسافة مضبوطة‪ .‬من زجــاج إلــى آخــر تختلف‬ ‫أناقتها‪ ،‬وتتبدل أشكالها‪ ،‬ويزداد بهاؤها‪ ،‬فيما يحِلّق المعدن‬ ‫النفيس الذي يلفّني بنعومة مقاعده‪ ،‬بطيئ ًا مثل طائر جريح‪.‬‬ ‫شعرت بقوة االرتجاج أعلى رأسي بعد أن تدلّى نصف جسدي‬ ‫المدوخة التي أعمت‬ ‫خارج زجاج النافذة‪ .‬أما الغمامة الرمادية ِّ‬ ‫بصري فهي من أعادني إلى صورة أولئك المهووسين بارتطام‬ ‫مركباتهم على ساحل الموت‪ .‬كل شيء كان خارج سيطرتي‬ ‫أتحسسها في فمي‪ .‬لم أكن متيقن ًا من‬ ‫وحفنة من غبار ودماء‬ ‫َّ‬ ‫أتصور أن‬ ‫جعلتني‬ ‫عينيه‬ ‫نظرة‬ ‫لكن‬ ‫وجهي‬ ‫شكله القريب إلى‬ ‫َّ‬ ‫نمرًا مهيب ًا يشعر‪ ،‬مثلي‪ ،‬بالخسارة اآلن‪.‬‬ ‫‪113‬‬


‫قصائد الخريف‬ ‫ُ‬ ‫سامل أبو شبانه‬

‫السيار ُة في الوادي‬ ‫الصباحِ‪ّ ،‬‬ ‫البح ُر في ّ‬ ‫البارحة‪.‬‬ ‫ليس‬ ‫َ‬ ‫اليوم َ‬ ‫ُ‬

‫فطارت‬ ‫باح؛‬ ‫حاذيت‬ ‫خرجت من عشرين عاماً‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫الص ِ‬ ‫البحر في ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أخاف؛‬ ‫السيارة‪.‬‬ ‫العقارب من صدري‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫وسقطت من ُشّباك ّ‬ ‫ُ‬ ‫نصير‪.‬‬ ‫نعم‪ .‬أمضي بال يٍد‪ ،‬وال‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫تضرب ترائبي منُذ‬ ‫شهوة‬ ‫العصير‪،‬‬ ‫ـوب‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫الخريف في كـ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ابن أحد؛ لكنّني‬ ‫استفقت على‬ ‫ِ‬ ‫الحرائق والن ِ‬ ‫لست َ‬ ‫ّدم والعاصفة‪ُ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫والمرأة‪.‬‬ ‫الحب‬ ‫تحفة‬ ‫‪،‬‬ ‫األسود‬ ‫ها‬ ‫قناع‬ ‫في‬ ‫حملت‬ ‫أمي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِّ‬ ‫ابن ِّ‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫أثر لي على‬ ‫أحب ْت صمتي‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫وغرائبي َة عيوني في النّداء‪ .‬ال َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫األسود‪.‬‬ ‫غيمة من الّدِم‬ ‫أصير؛‬ ‫ما‬ ‫أصير‬ ‫‪،‬‬ ‫والبحر‬ ‫هن‬ ‫أجساد‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫الشاع ُر ينمو في الحديقةِ؛ كالفطر ِ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫جرة تهمي طمعاً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الش ُ‬ ‫ِ‬ ‫يد ا ِ‬ ‫الحشائش فارغاً‪،‬‬ ‫فوق‬ ‫هلل في‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫الحديقة‪ .‬يغنّي َ‬ ‫أبصرته ُ‬ ‫تمر‬ ‫تكن‬ ‫قديم أو‬ ‫ش جسده عن‬ ‫يفّت ُ‬ ‫هواجس‪ .‬لم ْ‬ ‫ٍ‬ ‫تاريخ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الكلمات ُّ‬ ‫َ‬ ‫ذات‬ ‫ه‬ ‫ضلع‬ ‫ر‬ ‫تفج‬ ‫‪.‬‬ ‫فينال‬ ‫ً؛‬ ‫ا‬ ‫هادئ‬ ‫يشير‬ ‫‪،‬‬ ‫ّم‬ ‫ل‬ ‫يتك‬ ‫وال‬ ‫يحس‬ ‫به‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ملوناً‪.‬‬ ‫وقفزت منه‬ ‫يوم؛‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫الكلمات سمك ًا ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّدم‪،‬‬ ‫الصخور‬ ‫زرع‪،‬‬ ‫هبط وادي ًا ِ‬ ‫َ‬ ‫غير ذي ٍ‬ ‫تلطم عقبيه والن ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫صرخ‪ :‬إلهي‪ ،‬إلهي‬ ‫األوابد‪.‬‬ ‫وفر ْت‬ ‫ابتعدت‬ ‫كلَّما غنّى‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الجبال‪ّ ،‬‬ ‫ِل َم قتلتني؟‬ ‫كالس ِ‬ ‫الكلمات تزهر على ِ‬ ‫البحر‪،‬‬ ‫يقذف ُه‬ ‫المي ِت‬ ‫فمِه‬ ‫ُ‬ ‫مك ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يجلس‬ ‫وهو‬ ‫به‪،‬‬ ‫تمر‬ ‫حواء‬ ‫كل‬ ‫حول‬ ‫ُّها‬ ‫يلف‬ ‫التي‬ ‫ه‬ ‫وأنشوطت‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ ّ‬ ‫ُ‬ ‫زرع وال ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ماء‪.‬‬ ‫ذي‬ ‫غير‬ ‫واد‬ ‫في‬ ‫خرة‬ ‫الص‬ ‫ٍ‬ ‫تحت ّ‬ ‫َ‬ ‫‪114‬‬

‫السياجِ‪.‬‬ ‫سمْ عنا الموسيقى؛ فطرْنا عن ّ‬ ‫ِ‬ ‫مرت ٍ‬ ‫جل‪.‬‬ ‫ارع‬ ‫َتَلونا‬ ‫بالطات ّ‬ ‫بإيقاع َ‬ ‫ٍ‬ ‫الش ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫وأتت علينا‬ ‫بالحياة كنّا‪ ،‬الموسيقى‬ ‫ضاجين‬ ‫تسف أرواحنا ْ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫األزرق‪.‬‬ ‫القميص‬ ‫طار في غيمة‬ ‫قلبي‬ ‫نا‪:‬‬ ‫أصغر‬ ‫قال‬ ‫‪.‬‬ ‫واحدة‬ ‫مر ًة‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ال من‬ ‫فوق‬ ‫من‬ ‫البحر‬ ‫نا‬ ‫سحب‬ ‫ضحكنا‪.‬‬ ‫الكرسي؛ أعطيناه قلي ً‬ ‫ْ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫الش ِ‬ ‫ِ‬ ‫جرة‪.‬‬ ‫نا‬ ‫وجلس‬ ‫القهوة‪،‬‬ ‫تحت ّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ناعمة‪ ،‬وغناء‪.‬‬ ‫أجساد‬ ‫ـراوات‪،‬‬ ‫صالح من‪ :‬أيـٍد‪ ،‬هـ‬ ‫عالم‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫مالحة‪ .‬رمانا ا ُ‬ ‫هلل‬ ‫رماديٍة‬ ‫قمصان‬ ‫في‬ ‫والكيمياء‬ ‫األفيون‬ ‫حدائق‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وأصابع قرأَنا‬ ‫‪،‬‬ ‫الكلمات‬ ‫من‬ ‫ال‬ ‫قلي‬ ‫أعطانا‬ ‫‪،‬‬ ‫الهائلة‬ ‫الحديقة‬ ‫في‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫بعضنا‪.‬‬ ‫بها َ‬ ‫ِ‬ ‫وفرحين‪ .‬كنَّا‬ ‫منكسرين‬ ‫الحديقة‬ ‫حزنّا طويالً‪ ،‬وخرجنا من‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اهق‪.‬‬ ‫الش‬ ‫والغناء‬ ‫‪،‬‬ ‫البحر‬ ‫قبالة‬ ‫بالحياة‬ ‫ين‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ضاج َ‬ ‫ّ‬

‫والغضب األسو ُد‬ ‫ُ‬ ‫عادتُنا‪ :‬الحرمانُ ‪،‬‬ ‫تحت الحا ّفةِ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫اإلسفلت‪.‬‬ ‫حيِز‬ ‫اليد‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫تسقط في ّ‬ ‫ارتبكنا؛ ُ‬

‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫تضع ساق ًا على‬ ‫واألسود‬ ‫باألبيض‬ ‫المرأة‬ ‫قديمة‬ ‫صورة‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫فوق‬ ‫حزن‬ ‫ساق‪،‬‬ ‫وتبتسم في ٍ‬ ‫خافت‪ .‬طللْنا على المقهى من ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫كوب‬ ‫بحس الرجولة والكلمات‪ ،‬وضعنا‬ ‫نهدر‬ ‫ً‬ ‫وردة في ِ‬ ‫ِّ‬ ‫الّتلّة‪ُ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫بالزيت‪.‬‬ ‫تنضح‬ ‫كأيقونات‬ ‫حولنا‬ ‫ّساء‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫فطارت‬ ‫الماء؛‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫ٍ‬ ‫األرض‬ ‫الفجر‪ ،‬أو‬ ‫قرب‬ ‫جريرة‪،‬‬ ‫ندم وال‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫تهاوينا بال ٍ‬ ‫البحر َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫الط ِ‬ ‫ُّ‬ ‫بمالعق من ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ليل‬ ‫رقات‬ ‫والملل‪.‬‬ ‫سيف الفوضى‬ ‫تحت‬ ‫نسف ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫طنين‬ ‫الملقاة بال عناية‪،‬‬ ‫أصابعنا‬ ‫قرب الّتلّة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حالك‪ُ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫قلقنا َ‬


‫ّساء في الّتن ِ‬ ‫الستينية‪.‬‬ ‫ّورات‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫الذباب‪ ،‬الن ُ‬

‫أوجه الرجل الذي سكنني‬ ‫جلسنا كلُّنا‬ ‫أربكتنا ّ‬ ‫ور؛ حين ْ‬ ‫ُ‬ ‫الص ُ‬ ‫قديماً‪.‬‬

‫المسافات؟!‬ ‫ُ‬ ‫تتراكم‬ ‫ُ‬ ‫كتف‬ ‫ٍ‬ ‫على أيِّ‬ ‫ِ‬ ‫المكتبة‪.‬‬ ‫قرب‬ ‫الر ِ‬ ‫ُ‬ ‫فسائل ّ‬ ‫عب تنمو َ‬

‫الط ِ‬ ‫اولة‪ .‬هذا‬ ‫تزهر في‬ ‫األورام‬ ‫كتل من‬ ‫فوق ّ‬ ‫ٌ‬ ‫الر ِ‬ ‫ِ‬ ‫ابض َ‬ ‫ِ‬ ‫الورق ّ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫رجال ولدوا في‬ ‫واألحالم‪ .‬عن‬ ‫واألغاني‬ ‫يح‬ ‫الر‬ ‫صداقات‬ ‫عن‬ ‫ّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫الز ِ‬ ‫ِ‬ ‫الفيتامينات‪.‬‬ ‫ونقص‬ ‫الحبر‬ ‫وبعة‪ ،‬وأيدينا طاَلها‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫حمل نارًا يستويان؟!‬ ‫تحت‬ ‫أفم ْن غنّى‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫وم ْن َ‬ ‫أغنية َ‬ ‫المطر‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫حمولتها‬ ‫تفرغ‬ ‫كانت‬ ‫يح‬ ‫والر‬ ‫‪،‬‬ ‫اطئ‬ ‫الش‬ ‫على‬ ‫الموسيقي‬ ‫نام‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ُّ‬ ‫الحب على جلِدِه ُي ِ‬ ‫ّدم أو‬ ‫فن‪.‬‬ ‫والس ِ‬ ‫الص ِ‬ ‫على ِ‬ ‫عش ُب كالن ِ‬ ‫ظهر ّ‬ ‫ُّ‬ ‫خور ّ‬ ‫ّوارس‪.‬‬ ‫أسراب الن ِ‬ ‫ِ‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الق َّب ِ‬ ‫الخريف‪ ،‬سوى‬ ‫شهقة‬ ‫رة سوى‬ ‫نتل من‬ ‫ِ‬ ‫لم ُ‬ ‫درس ُ‬ ‫ِ‬ ‫وأذرعنا‬ ‫طويلة‪،‬‬ ‫صرخة‬ ‫أيامنا‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫السمك في اآلبـ ِ‬ ‫أسـ ِ‬ ‫ـراب ّ‬ ‫ُ‬ ‫ـار‪ُ .‬‬ ‫الع ِ‬ ‫راء‪.‬‬ ‫على‬ ‫مفتوحة‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬

‫‪!!Shat‬‬ ‫الس ِ‬ ‫يطرة‪.‬‬ ‫خارجون عن ّ‬

‫ِ‬ ‫الح ِ‬ ‫يلمعون‬ ‫والمجاعة‬ ‫يرة‬ ‫تتقاذفهم‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫والغضب‪ّ .‬‬ ‫سهوب من َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تحت‬ ‫ال‬ ‫نقف طوي ً‬ ‫أحذيَتهم البالية أم ً‬ ‫ال في النّظريات‪ .‬حين ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫وعلب‬ ‫الجبن‬ ‫شطائر‬ ‫التهموا‬ ‫د‬ ‫ق‬ ‫الجنود‬ ‫نجد‬ ‫استراحة ّ‬ ‫ِ‬ ‫الط ِ‬ ‫ُ ْ‬ ‫ريق؛ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫جيج‪.‬‬ ‫هوس‬ ‫البازالء‪ ،‬واستراحوا من‬ ‫القادة ّ‬ ‫ِ‬ ‫والض ِ‬ ‫الجنس‬ ‫شهوة‬ ‫أصواتنا‪،‬‬ ‫فمن ذا الذي يعطينا هوياِتنا‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫اريخ‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ساللم‬ ‫نهبط‬ ‫ّا‬ ‫ن‬ ‫ك‬ ‫‪.‬‬ ‫الفقيرة‬ ‫عرائشنا‬ ‫البحر‪،‬‬ ‫صخب‬ ‫أمام‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ّ ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫الغابة عن جيناِتها‬ ‫البحث في‬ ‫تعبت من‬ ‫مجهدين‪،‬‬ ‫كديناصورات ْ‬ ‫الوراثيِة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪115‬‬


‫كتب‬

‫أخالقهم وأخالقنا‬

‫حول الترابط بين الغاية والوسيلة‬ ‫بدرالدين عروديك‬ ‫دهش القــارئ حينمــا يــرى هــذا‬ ‫ســي َ‬ ‫ُ‬ ‫الكتاب‪« :‬أخالقهم وأخالقنا»‪( ،‬منشــورات‬ ‫ال ديكوفيــرت باريــس)‪ ،‬لمؤلَِّفْيــه‪ :‬ليــون‬ ‫تروتسكي (‪ ،)1940 - 1879‬وجون ديوي‬ ‫(‪ ،)1952 - 1859‬منشورًا بعد ستة وسبعين‬ ‫عام ًا على تحريره كمقــال كتبه األول تحت‬ ‫العنوان نفسه ونشرته صحيفة (‪The New‬‬ ‫‪ )International‬في فبراير‪ /‬شباط ‪1938‬‬ ‫ون ِشــر‬ ‫والتعليــق الذي كتبــه الثاني عليه‪ُ ،‬‬ ‫في الصحيفة نفســها في شــهر أغســطس‪/‬‬ ‫آب من العام نفسه تحت عنوان «بمناسبة‬ ‫أخالقهم وأخالقنا»‪ .‬إنها المرة األولى التي‬ ‫النصان إلى الفرنسية مع مقدمة‬ ‫تر َج ُم فيها ّ‬ ‫ُي ْ‬ ‫كتبتهــا إميلــي آش‪ ،‬أســتاذة الفلســفة فــي‬ ‫جامعة باريس‪ .‬لكن الدهشة ستتالشى ما‬ ‫يتعر َف ثيمــة الكتاب‪ :‬هل تبـ ِّـرر الغاية‬ ‫إن‪َّ ‬‬ ‫الوســيلة‪ ،‬أيـ ًا كانــت الوســيلة؟ مــا طبيعة‬ ‫العالقة بين الغاية والوســيلة؟‬ ‫ككل ســؤال فلســفي‪ ،‬يبقى هذا الســؤال‬ ‫راهنـ ًا وتبقــى اإلجابــة عنه ضروريــة كلما‬ ‫اســتدعت الضرورة أو الظروف أو األفعال‬ ‫طرحه‪ .‬لكن استعادته من خالل هذا الكتاب‬ ‫بالــذات تفــرض نفســها اليــوم فــي ظــروف‬ ‫العالم العربي السيما بعد عام ‪ ،2011‬عام‬ ‫االنتفاضة العربية ضّد االستبداد ومن أجل‬ ‫الكرامــة‪ ،‬وخصوصـ ًا فــي ســورية‪ .‬وهــي‬ ‫ظروف يمكــن مقارنتها بمــا كان يحدث في‬ ‫ـي ‪1938 / 1937‬‬ ‫االتحاد الســوفياتي عامـ ْ‬ ‫على أصعــدة اإلرهــاب والتزييــف والنفاق‬ ‫السياسي واأليديولوجي‪.‬‬ ‫ذلك أن تروتسكي‪ ،‬رفيق لينين وخصم‬ ‫ستالين اللدود‪ ،‬لم يقم بمناقشة هذا السؤال‬ ‫من جديد خالل تلك الســنوات إال بمناســبة‬ ‫نظمها‬ ‫أدت إليه دعــاوى موســكو التــي ّ‬ ‫مــا ّ‬ ‫ستالين بين ‪ 1937‬و‪ 1938‬ضّد خصومه‪،‬‬ ‫‪116‬‬

‫ومنها ‪-‬خصوصاً‪ -‬دعواه ضّد تروتســكي‬ ‫بحجة االتفاق مع هتلر على تفكيك‬ ‫بالذات‪ّ ،‬‬ ‫االتحاد الســوفياتي‪ ،‬وتبين فيمــا بعد أنها‬ ‫كانــت تخفــي وراءهــا نظامـ ًا إرهابيـ ًا فــاق‬ ‫الخيــال‪ :‬أكثــر مــن ‪ 1600‬شــخص كانــوا‬ ‫ُيقَتلون كل يوم وعلى مدار أكثر من سنة‪،‬‬ ‫وهــو ما أطلــق عليــه اإلرهــاب العظيــم‪ .‬إذ‬ ‫كي يدفع عنه التهمة الستالينية‪ ،‬دعا إلى‬ ‫تأليف لجنة دولية مستقلّة تحقِّق في األمر‬ ‫ويتمكــن أمامها من الدفاع عن نفســه مادام‬ ‫َّ‬ ‫ال فــي موســكو‪ .‬قامــت لجان‬ ‫ذلــك مســتحي ً‬ ‫الدفاع عن تروتسكي األميركية والبريطانية‬ ‫والتشيكوسلوفاكية بتكوين لجنة‪ ،‬رفض‬ ‫العديد من الشــخصيات الفكرية عضويتها‬ ‫بســبب الجبهــات الشــعبية التــي قامــت في‬ ‫أوروبا ضّد الفاشــية‪ ،‬لكن جون ديوي لم‬ ‫يقبل عضويتها فحســب‪ ،‬بل َقِب َل رئاســتها‬ ‫أدى إلى حوارات‬ ‫مما أتاح لقاء اســتثنائي ًا ّ‬ ‫شــديدة الخصوبــة بيــن القائــد البلشــفي‬ ‫والفيلســوف البراغماتي األميركــي‪ ،‬وقال‬ ‫عنهــا هــذا األخيــر بعــد عشــر ســنوات مــن‬ ‫حصولهــا إنهــا ِّ‬ ‫تمثــل أهـ ّـم تجربــة فكريــة‬ ‫فــي حياتــه‪ .‬كانــت نتيجــة لجنــة التحقيق‬ ‫أن بـّـرأت تروتســكي الــذي ما لبــث أن كتب‬ ‫ْ‬

‫هذه المقالــة الطويلة بعــد أن قــام عديد من‬ ‫النقــاد بالتأكيــد خــال هــذه الســنوات على‬ ‫تطابق الستالينية والتروتسكية‪ ،‬وهي فكرة‬ ‫القت رواج ًا واسع ًا في صفوف الليبراليين‬ ‫والديموقراطييــن والكاثوليــك والمثالييــن‬ ‫والبراغماتيين والفوضويين والفاشــيين‪.‬‬ ‫وســبب هذا الرواج في نظر تروتسكي كان‬ ‫الجهــل الكامــل بالقواعــد الماديــة لمختلــف‬ ‫االتجاهات‪ ،‬أي طبيعتها االجتماعية ودورها‬ ‫التاريخي الموضوعي‪.‬‬ ‫المعيــار الــذي اّتخــذ لهــذا التطابــق هــو‬ ‫مــا أطلــق عليــه الــا أخالقيــة البولشــفية‬ ‫تبرر‬ ‫التي تعتمد المبــدأ الجزويتــي‪ :‬الغاية ِّ‬ ‫الوســيلة‪ .‬ومــن ثـ َّـم‪ ،‬فالتروتســكية‪ ،‬بمــا‬ ‫هــي بولشــفية كالســتالينية‪ ،‬ال تقبــل مبدأ‬ ‫ـم تتســاوى الســتالينية‬ ‫األخــاق‪ ،‬ومــن َثـ َّ‬ ‫بــر َر المدافعــون‬ ‫والتروتســكية‪ .‬إذ طالمــا َّ‬ ‫عــن السياســة الســتالينية االعتقــاالت‬ ‫والســجون بوصفهــا ضروريــة للمحافظــة‬ ‫على النظــام االشــتراكي‪ ،‬فــي الوقــت الذي‬ ‫حجة إلدانة‬ ‫كان مناهضوها يّتخذون منها ّ‬ ‫الماركسية أساساً‪ ،‬باعتبارها تدعم تبرير‬ ‫الوسيلة بالغاية‪ .‬وألن تروتسكي ماركسي‬ ‫فإنــه لــو بقــي فــي الســلطة لمــا توانــى عن‬ ‫اســتخدام كاّفــة الوســائل لتحقيــق الغايــة‬ ‫التــي تتطلبهــا ديكتاتوريــة البروليتاريــا‪.‬‬ ‫سوف يحاول تروتسكي‪ ،‬عبر مختلف‬ ‫فصــول مقالتــه الطويلــة‪ ،‬دحــض هــذه‬ ‫المماهــاة حيــن ال ينكــر تبّنــي الماركســية‬ ‫هــذه المقولــة‪« :‬الغايــة تبــرر الوســيلة»‪،‬‬ ‫وذلــك بوصفهــا واحــدة مــن قراءاتهــا! إذ‬ ‫المهــم فــي هــذه القــراءة طبيعــة الغايــات‬ ‫التــي ســتبرر وســائل تحقيقهــا‪ .‬وهــو مــا‬ ‫ســيعالجه في الفصل األخير الذي ســيدور‬ ‫ألهميته في بيان‬ ‫تعليق جون ديوي عليه‪ّ ،‬‬


‫تبايــن الموقف الفلســفي والسياســي بينه‬ ‫وبين تروتســكي‪ ،‬والرتبــاط النقــاش فيه‬ ‫كذلك بمشــكالت اليوم‪ ،‬علــى الرغم من أن‬ ‫العصر الحالــي تجــاوز الصيــغ والمفاهيم‬ ‫التي كانت تستخدم لتفسير التاريخ ولفهم‬ ‫مجرياته‪ .‬يســري ذلــك على أوروبــا مثلما‬ ‫يســري كذلــك بــل‪ -‬وبوجــه خــاص أيضـاً‪-‬‬ ‫علــى عالمنــا العربي‪.‬‬ ‫ال يعــّد تروتســكي الغايــات كلهــا‬ ‫مشــروعة‪ ،‬ألن الغايات نفسها بحاجة إلى‬ ‫تبرير‪ .‬والتبرير الوحيد المقبول من وجهة‬ ‫نظر الماركسية‪ -‬كما يقول‪ -‬أن تؤدي هذه‬ ‫الغايــات إلــى زيــادة ســلطة اإلنســان على‬ ‫الطبيعــة مــن جهــة‪ ،‬وإلــى إلغــاء ســلطة‬ ‫اإلنســان على اإلنســان مــن جهة أخــرى‪ .‬ال‬ ‫يعني هذا أن الوسائل لتحقيق هذه الغاية‬ ‫مشــروعة كلهــا‪ ،‬أو أن هــذه الغايــة يمكــن‬ ‫أن تبـ ِّـرر أيــة وســيلة‪ .‬المســموح هــو «مــا‬ ‫يــؤدي إلــى تحــرر اإلنســان»‪ ،‬وتلــك غايــة‬ ‫ال تتحّقــق إال بالوســائل الثوريــة باعتبــار‬ ‫أن األخــاق المحـّـررة للطبقــة العاملة هي‬ ‫بالضرورة ذات طابع ثوري‪ .‬يعني ذلك أن‬ ‫التطور‬ ‫نب ُط من قوانين‬ ‫ُّ‬ ‫قواعد السلوك ُتسَت َ‬ ‫تتجســد من خــال النظرة‬ ‫االجتماعي التي‬ ‫َّ‬ ‫يسميه‬ ‫الذي‬ ‫الطبقات‬ ‫صراع‬ ‫الماركسية في‬ ‫ّ‬ ‫تروتســكي «قانــون القوانين»‪.‬‬ ‫وألن ما يمكن قبوله‪ ،‬إنما هي الوسائل‬ ‫التــي تزيــد مــن تماســك الطبقــة العاملــة‬ ‫والتــي تنفــث فيهــا روح كراهيــة القمــع‬ ‫واحتقــار األخــاق الرســمية‪ ،‬أي أخــاق‬ ‫الطبقــة المهيمنــة‪ ،‬فــإن األخــاق الثوريــة‬ ‫تختلــط مــع مســألة االســتراتيجية وطرق‬ ‫العمــل الثورية‪ .‬هنــا ال تنفصــل الغاية عن‬ ‫الوســائل‪ ،‬مادامــت الغايــة ُتس ـَتتنبط مــن‬ ‫الصيــرورة التاريخيــة‪ ،‬ومــا دامــت الغايــة‬ ‫المباشــرة ســتصير وســيلة لغاية الحقة‪.‬‬ ‫يقــول فردينان الســال فــي مســرحيته‪« :‬ال‬ ‫ُتبِّيــن الغايــة فقط‪ ،‬بــل َبِّيــن الــدرب أيضاً؛‬ ‫ألن الغايــة والــدرب ُمّت ِحــدان إلــى درجــة‪/‬‬ ‫ويتحرضك‬ ‫يتغير معها أحدهما مــع اآلخر‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫معــه‪ /‬ويكشــف الــدرب الجديــد عــن غايــة‬ ‫أخــرى»‪.‬‬ ‫استخدم البلشفيون مختلف الوسائل في‬ ‫صراعهم مــن أجــل الوصول إلى الســلطة‪.‬‬ ‫وكان لينيــن قــد أعلــن ضــرورة «قبــول كل‬

‫شيء‪ ،‬كل التضحيات وحتى عند الضرورة‬ ‫الحيــل المختلفــة‪ ،‬والدهــاء‪،‬‬ ‫اســتخدام َ‬ ‫والطــرق غيــر المشــروعة‪ ،‬والصمــت‪،‬‬ ‫وإخفــاء الحقائــق‪ ،‬مــن أجــل الدخــول فــي‬ ‫النقابــات والبقــاء فيهــا ومتابعــة العمــل‬ ‫الشــيوعي فيهــا بــأي ثمــن»‪ .‬ذلــك ضــرب‬ ‫مــن الوســائل التــي شــرعنها لينيــن مثلمــا‬ ‫اإلرهــاب فــي مراحــل‬ ‫شــرعن تروتســكي‬ ‫َ‬ ‫مختلفة مــن أجل الغايــة المذكورة نفســها‪.‬‬ ‫اإلرهــاب الفــردي هــو المقصــود هنــا‪ .‬مــع‬ ‫يسميه‬ ‫فارق دقيق يتجلّى في النظر إلى ما ّ‬ ‫«الفائــدة الموضوعيــة» التــي ال تكــون في‬ ‫عمــل اإلرهابــي الفــردي إال ضمــن حركــة‬ ‫جماهيريــة تمنــح الفعــل معنــاه وفائدتــه‪.‬‬ ‫يقبل تروتســكي الفكرة القائلــة إن اغتيال‬ ‫مــن يقومــون بالقمع ضمــن شــروط حرب‬ ‫ال إرهابياً‪ :‬كالقيام باغتيال‬ ‫أهلية ليس عم ً‬ ‫فرانكــو وأركان حربــه فــي أثنــاء الحــرب‬ ‫األهليــة اإلســبانية‪.‬‬ ‫علــى هــذا النحــو تبــدو العالقــة بيــن‬ ‫الوســيلة والغايــة والترابــط فيمــا بينهمــا‬ ‫مســألة جوهريــة فــي األخــاق مثلمــا هــي‬ ‫كذلك موضوع خطير بالنسبة إلى نظرية‬ ‫الممارســة السياســية‪ .‬وهذا ما حمل جون‬ ‫ديوي على التعليق على مقالة تروتسكي‬ ‫مناقش ـ ًا بوجه خاص الفصــل األخير منها‪.‬‬ ‫«كل ما‬ ‫يقـ ِّـرر ديوي أن قــول تروتســكي ُّ‬ ‫تحرر اإلنسان الفعلي مسموح»‬ ‫يؤدي إلى ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫متماسك ومبدأ أساس في الترابط بين‬ ‫قول‬ ‫ٌ‬ ‫الوسيلة والغاية‪ .‬لكن ِّاتباعه يعني فحص‬ ‫الوســائل بدّقــة لمعرفــة النتائــج العيانيــة‬ ‫أدت إليهــا‪ .‬إذ ال بــّد‬ ‫والموضوعيــة التــي َّ‬ ‫مــن التمييــز بيــن معنييــن للغايــة‪ :‬الغايــة‬ ‫مبرراً‪ ،‬وغايات هي‬ ‫المبتغاة التي تستخدم ّ‬ ‫في الحقيقة وســائل نحو هذه الغاية‪ .‬وما‬ ‫تبرر‬ ‫أعطى السمعة السيئة لمقولة الغاية ّ‬ ‫الوســيلة‪ ،‬هو أن الغاية المبتغاة والغاية‬ ‫تبرر استخدام بعض‬ ‫المصرح بها والمبتغاة ّ‬ ‫َّ‬ ‫تبرر عدم ضرورة فحص‬ ‫الوسائل‪ ،‬مثلما ّ‬ ‫النتائج العيانية للوسائل المستخدمة! هكذا‬ ‫يرى ديوي‬ ‫أن «من الممكن التفكير‬ ‫ّ‬ ‫بحق‪َّ -‬‬‫ـيؤدي إلى‬ ‫ـ‬ ‫س‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫كغاي‬ ‫ـانية‬ ‫ـ‬ ‫اإلنس‬ ‫أن تحريــر‬ ‫ّ‬ ‫فحــص كل الوســائل التي تســمح بتحقيق‬ ‫هــذا الهــدف‪ .‬لكن ذلــك ليــس الموقــف الذي‬ ‫يّتخــذه تروتســكي حيــن يصـِّـرح‪ :‬األخالق‬

‫المحررة للطبقة العاملة لها طابع ثوري‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫وهي تســتنبط قواعد الســلوك من قوانين‬ ‫التطور االجتماعي أي قبل كل شيء صراع‬ ‫ُّ‬ ‫الطبقات الــذي هو قانــون القوانين»‪.‬‬ ‫ذلك يعنــي ‪-‬كمــا نــرى‪ -‬غيــاب الترابط‬ ‫تحــد َث‬ ‫بيــن الوســائل والغايــات الــذي‬ ‫َّ‬ ‫تروتســكي عنــه علــى وجــه الدقــة‪ .‬ولئــن‬ ‫كان ديــوي يوافــق علــى هــذا الترابــط‪ ،‬وال‬ ‫يســتبعد صراع الطبقات كوســيلة لتحرير‬ ‫اإلنســانية‪ ،‬إال أنــه يســتبعد كلّي ـ ًا المنهــج‬ ‫االســتقرائي‪ ،‬الــذي يحــول دون فحــص‬ ‫مــا إذا كان صــراع الطبقــات هــو الوســيلة‬ ‫تؤدي إلى تحرير اإلنسانية‪.‬‬ ‫الوحيدة التي ّ‬ ‫ال ب ـّد فــي نظــره مــن تبريرهــا فــي ضــوء‬ ‫مبــدأ الترابــط بيــن الغايــة والوســيلة عــن‬ ‫طريق فحص النتائج العيانية ال عن طريق‬ ‫شــيء أن نقــول إن‬ ‫النتائــج المســتنبطة‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫صراع الطبقات يؤلــف جزءًا من الوســائل‬ ‫ـيء‬ ‫لتحقيــق غايــة تحرير اإلنســانية‪ ،‬وشـ ٌ‬ ‫آخــر تمام ًا أن نقــول بوجود قانــون مطلق‬ ‫لصــراع الطبقــات يملــي الوســائل الواجــب‬ ‫اســتخدامها‪ .‬ألنــه إن كان يملــي الوســائل‬ ‫فهــو أيضـ ًا يملــي الغايــات!‬ ‫يبــدو هــذا الحــوار الصريــح بيــن أحــد‬ ‫ممثّلي الفلسفة الماركسية وممثِّل الفلسفة‬ ‫البراغماتيــة حــوارًا غيــر مســبوق‪ ،‬ال‬ ‫ســيما أنــه يــدور حــول تمفصــل الغايــات‬ ‫المؤدية لها‪ .‬أما االختالف فهو‬ ‫والوسائل‬ ‫ِّ‬ ‫بيــن موقفيــن‪ :‬أحدهمــا يقــول باســتنباط‬ ‫الوسائل من الغاية المبتغاة‪ ،‬وهو موقف‬ ‫تروتسكي‪ ،‬وثانيهما يقول بفحص الوسائل‬ ‫ومنها ‪-‬بالطبع‪ -‬صراع الطبقات كي نقيس‬ ‫نتائجها قبل أن نقرر مشروعيتها بالنسبة‬ ‫إلى الغاية التي تزعم السعي إلى تحقيقها‪.‬‬ ‫مضــي ســتة‬ ‫ّيــ ًا بعــد‬ ‫تغيــر العالــم كلّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫وسبعين عام ًا على هذا الحوار‪ .‬كان صراع‬ ‫النصْيــن وشــاغلهما‬ ‫هذيــن ّ‬ ‫الطبقــات أفــق ْ‬ ‫كما تقول إميلــي آش‪ ،‬وحّلــت َم َحلّه اليوم‬ ‫صيرورة الرأســمالية المنتصــرة التي هي‬ ‫في أساس أزمة بيئية غير مسبوقة‪ .‬يبقى‬ ‫النصين‪ ،‬مهما‬ ‫أن استعادة مشكالت هذين‬ ‫ْ‬ ‫بدت فضيحة في نظر من يرفض الماركسية‬ ‫أو مــن ال يــرى فــي البراغماتيــة إال فلســفة‬ ‫رجال األعمال األميركيين‪ ،‬ضرورة تفرض‬ ‫نفسها بوصفهما ِ‬ ‫فرض َّيَت ْي ٍ‬ ‫صالحَتْين‪.‬‬ ‫عمل‬ ‫َ‬ ‫‪117‬‬


‫ِ‬ ‫وتوق ُعنا بها‬ ‫اللغة التي ُت ْنجينا من املأساة‬ ‫إييل عبدو‬ ‫تبدو الكثافة الشعرية تكتيك ًا ضروري ًا‬ ‫في كتابة أحمد علي الزين‪ .‬ال شــيء يمكن‬ ‫أن يعيــن القــارئ علــى احتمــال مصائــر‬ ‫الشخصيات المأساوية في روايته األخيرة‬ ‫«بريــد الغــروب» (دار الســاقي‪ ،‬بيــروت)‪،‬‬ ‫سوى اللغة التي تضاعف حيوات األبطال‬ ‫وتحولهــا إلــى مــادة روائيــة‪ .‬وكأن غايــة‬ ‫الكاتب واإلعالمــي اللبناني أن يجعلنا في‬ ‫ّ‬ ‫ومرد‬ ‫شك دائم بإمكانية حدوث ما يكتب‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫الشك يكمن في هول األوجاع التي يسعى‬ ‫الكاتــب إلى تســهيل مرورها علــى قارئه‪.‬‬ ‫فبــد ًال مــن تســطير الوقائــع الجارحــة‬ ‫وفرزهــا تفصيليــاً‪ ،‬تتصاعــد الصــور‬ ‫والمجازات لتضع َحـّدًا لفجائعية الحدث‪،‬‬ ‫وتدخلــه فــي ســياق أقــرب إلــى الفعــل‬ ‫األدبــي منــه إلــى الحقيقة‪ .‬قــد يّتخــذ األدب‬ ‫أحيانــ ًا هــذه الوظيفــة الجدليــة فيتالعــب‬ ‫ليتمكــن‬ ‫بالحقائــق‪ ،‬ويتحايــل عليهــا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫مــن إقنــاع القــارئ بهــا مــن دون أن يؤذيــه‬ ‫نفسياً‪ .‬تلعب اللغة هنا دورًا أساسي ًا عبر‬ ‫إدخال السير واألحداث إلى عوالم شعرية‬ ‫وتراجيديــة تنزع عنهــا واقعيتها القاســية‬ ‫وتشّدها إلى منطقة تتأرجح عن قصد بين‬ ‫الواقع بوصفه لحم ًا ودم ًا وبين القاموس‬ ‫بوصفــه مفــردات وجم ـاً‪.‬‬ ‫العالقة بين المأساة ولغتها تبدو غريبة‬ ‫ال‬ ‫بعض الشــيء‪ ،‬فما نظنه انفكاك ًا أو فص ً‬ ‫يتبّدى في مطارح أخرى التصاق ًا وتماهياً‪.‬‬ ‫ربمــا‪ ،‬يرتبــط ذلــك بأزمنــة الســرد التــي‬ ‫تتوزع بيــن محطات ش ـّتى‪ .‬فتــارة ترتفع‬ ‫ّ‬ ‫جرعــة األلــم فــي اللغــة‪ ،‬وطــورًا تنخفــض‬ ‫تبع ـ ًا للحــدث الــذي يفرزهــا‪ .‬وكأن األلــم‪،‬‬ ‫بمــا يخلّفــه مــن نــدوب وجــروح فــي بنيــة‬ ‫الســرد‪ ،‬مقياس لصعود اللغة وهبوطها‪،‬‬ ‫بتتبع مصائر‬ ‫بوصفها لغة مأساة تنشغل ُّ‬ ‫أشخاص باتوا حطام ًا وبقايا بشر‪ .‬ذاكرة‬ ‫عبد الجليل الغزال السجين السياسي الذي‬ ‫ســبق للكاتــب أن عالــج ســيرة ضياعــه‬ ‫‪118‬‬

‫العبثــي فــي روايتيــه «حافــة النســيان»‬ ‫و«صحبــة الطيــر»‪ ،‬تتــوازى مــع ذاكــرة‬ ‫هدى التــي تفقــد بصرهــا إثر ضربــة عصا‬ ‫تتلقّاها مــن والدها الذي علــم بقصة الحب‬ ‫التــي تجمعهــا بأســتاذها شــوقي‪.‬‬ ‫وبرغم أن الرواية ُتعّد استكما ًال لثالثية‬ ‫عبد الجليل الغــزال الذي بدأت ســيرته في‬ ‫الروايتيــن الســابقتين‪ ،‬فإن عوالــم جديدة‬ ‫تنفتح في هذا العمل لترصد أحوال بيروت‬ ‫البائســة خــال الحــرب األهليــة مــن خالل‬ ‫حــي وادي أبــو جميــل الــذي تنتقــل هــدى‬ ‫للعيش فيــه بعد مــوت أهلها‪.‬‬ ‫فكرة االغتصاب تطغى على وعي هدى‬ ‫تعرضت‬ ‫بعــد حادثة كشــف البــكارة التــي َّ‬ ‫إليهــا مــن قبــل والدتهــا بشــكل قســري‪ ،‬ما‬ ‫يشـِّـكل معاد ًال لفكرة التعذيــب التي تطغى‬ ‫على وعي عبد الجليل الجــار الغائب الذي‬ ‫يســكن في الشــقة المجــاورة لها‪ .‬الســلطة‬ ‫االجتماعيــة المتمثّلة بالعائلــة‪ ،‬تمعن في‬ ‫هتك جسد هدى‪ ،‬في حين تتولّى السلطة‬ ‫مهمة االقتصاص‬ ‫السياسية ‪ -‬االستبدادية ّ‬ ‫مــن جســد عبــد الجليــل عبــر تعذيبــه فــي‬ ‫زنازينها‪.‬‬ ‫يبــدو لقــاء الجســدين أمــرًا بديهيـ ًا بعــد‬ ‫التقاطع الذي حصل في سير أصحابهما‪.‬‬ ‫هــدى المبتلية بعماهــا تحتمي بجســد عبد‬

‫الجليــل إثــر القصــف العنيــف الــذي يطــال‬ ‫الحي‪ .‬لم تكن تعرف من هو‪ ،‬لكنها شعرت‬ ‫توغلت في‬ ‫بقدرته على شفائها‪،‬‬ ‫بمجرد أن َّ‬ ‫َّ‬ ‫أضلعه‪ ،‬وتنفَّســت أنفاســه‪ ،‬باتت تبصر‪.‬‬ ‫لم يكــن ذلك معجــزة أو قــدرًا شــفائياً‪ .‬إنه‬ ‫أقرب إلــى االنفتاح علــى المأســاة العامة‪.‬‬ ‫العماء الذي أصــاب هدى من جــراء ضربة‬ ‫والدهــا كان تمهيــدًا لعماء واســع ســتدركه‬ ‫تفتــح بصرها علــى الضوء‪.‬‬ ‫بعد ُّ‬ ‫بيــن العماءيــن كان ال ب ـّد لعبــد الجليــل‬ ‫عيني هــدى على‬ ‫أن يكــون وســيط ًا يفتــح ّ‬ ‫الخــراب العــام‪ ،‬وفــي الوقــت نفســه يكون‬ ‫جــزءًا مــن هــذا الخــراب‪ .‬فبعــد ســفره إلــى‬ ‫تتحول شقة عبد الجليل إلى مركز‬ ‫تونس‬ ‫َّ‬ ‫للتعذيــب تابــع للمخابــرات الســورية التي‬ ‫باتت تسيطر على الحي‪ ،‬وربما على البلد‬ ‫ـول حيــاة هدى إلــى جحيم‬ ‫بأكملــه‪ .‬مــا يحـِّ‬ ‫عبــر ســماعها صــراخ المعذَّبيــن وأنينهــم‬ ‫بشــكل يومــي‪ .‬رحلــة التيــه العربــي التــي‬ ‫انشــغل أحمد علــي الزين برصــد مفاصلها‬ ‫ـط رحالهــا هذه‬ ‫فــي كتاباتــه الســابقة‪ ،‬تحـ ّ‬ ‫المــرة فــي بيــروت لتكشــف النــدوب التــي‬ ‫أصابت تلك المدينة بفعل الحروب األهلية‬ ‫ِّ‬ ‫المدمــرة واجتياحات الغربــاء المتتالية‪.‬‬ ‫كأننــا حيــال حلقــة جديــدة من سلســلة‬ ‫المأســاة التي يحرص الكاتب على كشفها‬ ‫المحطمة‪،‬‬ ‫مــن خــال دواخــل شــخصياته‬ ‫َّ‬ ‫ماحيــ ًا الحــدود بيــن العــام والخــاص‪،‬‬ ‫بيــن الجســد والمدينــة‪ ،‬وبيــن االغتصــاب‬ ‫والتعذيــب‪ .‬ثمــة خلطــة واحــدة تتداخــل‬ ‫فيهــا كل هــذه العناصــر لتــروي بعــض مــا‬ ‫حصــل‪ .‬وال يبــدو غريبـ ًا نجــاح الكاتب في‬ ‫صناعــة هــذه الخلطــة قياس ـ ًا بالتقنيــات‬ ‫الفنيــة المتعــِّددة التــي اســتخدمها فــي‬ ‫نصه‪ .‬فتمظهرات المونولوجات والرسائل‬ ‫والمشــهدية والدرامــا فــي قوالــب ســردية‬ ‫تتوخــى الشــعر وســيلة للتخفيــف مــن‬ ‫ّ‬ ‫قســوتها‪.‬‬


‫بمث ََّقفيه‬ ‫املغرب ُ‬ ‫صدوق نور الدين‬

‫شغل المثقَّف منذ القديم دائرة االهتمام‪،‬‬ ‫من منطلــق كونه منتــج أفــكار وآراء غايتها‬ ‫التنويــر‪ ،‬ومن ثــم تعرية الحقيقة والكشــف‬ ‫عنه ــا‪ .‬إال أن م ــا يؤخ ــذ علي ــه ع ــن وع ــي أو‬ ‫ال‪ ،‬صمته حيال قضايا شــائكة‪ ،‬وباألخص‬ ‫إن كان ــت ذات طاب ــع سياس ــي‪ .‬بي ــد أن م ــا‬ ‫يت ـّـم إغفال ــه‪ ،‬ه ــو ك ــون الض ــرورة تحّت ــم‪،‬‬ ‫قبــل اإلفصــاح عــن الموقــف والــرأي‪ ،‬اتخــاذ‬ ‫مســافة بين الحــدث والتعليــق عليــه بالفهم‬ ‫والتفسير والتأويل‪ .‬ذلك ألن السياسي يعرف‬ ‫تريث‬ ‫ـوالت مجهولــة المصائر‪ ،‬تقتضــي ّ‬ ‫تحـ ُّ‬ ‫تأمل وتفكير‪،‬‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫كلحظ‬ ‫فهم‬ ‫ي‬ ‫ال‬ ‫ـذي‬ ‫ـ‬ ‫ال‬ ‫َّف‬ ‫المثق‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫بــل كصمــت‪.‬‬ ‫مـــن هـــذا المنطلـــق جـــاء كتـــاب «مهنـــة‬ ‫المثق ــف؛ ح ــوارات م ــع ‪ 15‬مفك ــرًا مغربيــاً»‬ ‫(منش ــورات آن ت ــوت ليت ــر) لمجموع ــة م ــن‬ ‫المؤلّفيــن‪ ،‬ليضـّـم حصيلــة حــوارات ســاهم‬ ‫فيها ‪ 15‬مفكرًا مغربياً‪ ،‬روعيت في اختيارهم‬ ‫مقاييس تتعلّق بالتراكم المعرفي‪ ،‬وفاعلية‬ ‫الحضــور واالســتقالل السياســي‪ .‬وأشــرف‬ ‫على إعداد مواد الكت ــاب الباحثة فاطمة أيت‬ ‫موس‪ ،‬واإلعالمي إدريس كسيكس‪ .‬وكانت‬ ‫األسماء التي اختيرت لتمثيل الفكر المغربي‬ ‫محمــد شــفيق‪ ،‬وعبد اهلل‬ ‫على النحــو اآلتي‪ّ :‬‬ ‫العــروي‪ ،‬وفاطمة المرنيســي‪ ،‬وعبد الفتاح‬ ‫كيليطو‪ ،‬وعبد السالم بنعبد العالي‪ ،‬وعلي‬ ‫بنمخلــوف‪ ،‬وعبــد األحــد الســبتي‪ ،‬وحليمة‬ ‫ومحمــد الطوزي‪،‬‬ ‫ومحمد الناجي‪،‬‬ ‫بــركات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ورحم ــة بورقي ــة‪ ،‬وحس ــن رش ــيق‪ ،‬وعب ــد‬ ‫الح ــي الم ــودن‪ ،‬وعب ــد اهلل س ــاعف إدري ــس‬ ‫خــروز‪.‬‬ ‫بيـــد أن مـــا يمكـــن مالحظتـــه عـــن هـــذا‬ ‫االختي ــار التمثيل ــي يكم ــن ف ــي أم ــور عــّدة‪:‬‬ ‫األول منه ــا‪ ،‬غي ــاب التكاف ــؤ‪ ،‬إذ إن العدي ــد‬ ‫ّ‬ ‫ـق لحظــة‬ ‫مــن األســماء الــواردة ال تمّثــل بحـ ّ‬ ‫خاصة‬ ‫التفكير المغربي الموضوعي والنبيه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫أنهــا تفتقــد التراكــم األدبــي والمعرفــي الــذي‬ ‫لـ«المثقــف»‪ .‬إذ ليــس‬ ‫يخولهــا الصفــة الحــق‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫باإلمكان مقارنــة منجــز المفّكر الدكتــور عبد‬

‫اهلل العــروي‪ ،‬بمــا أصدرتــه رحمــة بورقيــة‬ ‫أمــا األمــر الثاني‬ ‫مثـ ً‬ ‫ـا‪ ،‬أو إدريــس خــروز‪ّ .‬‬ ‫فيتعّل ــق بغي ــاب أس ــماء اعتباري ــة‪ :‬إذ كان‬ ‫يمك ــن قب ــل التفكي ــر ف ــي اإلنج ــاز‪ ،‬م ــادام‬ ‫األمـــر يتعلَّـــق برســـم صـــورة عـــن الفكـــر‬ ‫والثقاف ــة المغربيي ــن‪ ،‬وض ــع الئح ــة لم ــن‬ ‫يمتلك جــدارة التســمية بـ«المثقَّف»‪ .‬تحضر‬ ‫هنا أســماء من قبيل الدكتور علــي أومليل‪،‬‬ ‫والدكتور طه عبدالرحمن‪ ،‬والدكتور عبد اهلل‬ ‫حمــودي‪ ،‬والدكتور محمــد ســبيال‪ ،‬والناقد‬ ‫محم ــد ب ــرادة‪ .‬واألص ــل أن ه ــذه‬ ‫والروائ ــي ّ‬ ‫األســـماء طبعـــت بصـــورة فاعلـــة‪ ،‬ليـــس‬ ‫الثقافـــة المغربيـــة وحســـب‪ ،‬بـــل الثقافـــة‬ ‫العربي ــة كله ــا‪.‬‬ ‫ويتعلّق األمر الثالث بمسألة الترتيب‪،‬إذ‬ ‫تجــدر اإلشــارة منهجي ـ ًا إلــى أنــه كان علــى‬ ‫ِّ‬ ‫قين‪ :‬آيت موس‪ ،‬وكسيكس‪ ،‬مراعاة‬ ‫المنس ْ‬ ‫القيمة والكفاءة المرتبطة باالختيار‪ ،‬فكان‬ ‫م ــن ا َأل ْول ــى الب ــدء بح ــوار الدكت ــور عب ــد اهلل‬ ‫أهمّيته وقيمتــه الفكرية‬ ‫العروي نظــرًا إلــى ّ‬ ‫والمعرفية‪.‬‬ ‫ويرتبــط األمــر الرابــع بموضــوع «مهنة‬ ‫المثقـــف»‪ ،‬فالمؤلّـــف يـــدور حولـــه‪ ،‬إال أن‬ ‫المنجزة‬ ‫الالفــت كــون العديد مــن الحــوارات َ‬ ‫ال عالقــة لهــا بالموضــوع‪ ،‬بــل هــي تطــول‬ ‫قضايا متعّددة كالهوية والدولة والموروث‬ ‫الفلســفي‪ ،‬حّتى أنها حــوارات غيــر خاصة‬

‫ضّمــت إليه مــن باب‬ ‫بالكتــاب‪ ،‬ويبــدو أنهــا ُ‬ ‫التجميــع واإلضافة فقــط‪ ،‬األمر الــذي أوقع‬ ‫ـور المنهجــي فــي خلــل وإربــاك‪.‬‬ ‫التصـ ُّ‬ ‫وثمــة أمـُـر خامــس يرتبــط بـ«التقديــم»‪،‬‬ ‫إذ يمك ــن الق ــول إن التقدي ــم اتس ـ ّـم ببع ــده‬ ‫التاريخ ــي‪ ،‬وذل ــك عب ــر اس ــتعراض ال ــدور‬ ‫الفكري والتاريخي للمثقف‪ ،‬قديم ًا وحديثاً‪،‬‬ ‫ســواء أكان في مرحلة النضال الوطني من‬ ‫أجل االستقالل‪ ،‬أم كان في ما بعدها‪ ،‬حيث‬ ‫تعثّر مش ــروع البناء النهضوي للمجتمعات‬ ‫العربيــة‪ .‬وإن كانــت المقّدمــة أوفــت الغايــة‬ ‫والقصــد‪ ،‬فإنهــا انبنــت منهجيـ ًا علــى أقوال‬ ‫مفِ‬ ‫ّكرين ومثقَّفين من العرب والغرب‪ ،‬وكان‬ ‫حريـ ًّـا مراعــاة الســياقات التــي أنتجــت تلك‬ ‫األقــوال المختلفة بيــن الشــرق والغرب‪.‬‬ ‫تم تقس ــيم الكتاب إلى قس ــمين‪ :‬أ ‪ -‬قسم‬ ‫ّ‬ ‫مفهـــوم الهويـــة ومـــا يرتبـــط بالمـــوروث‬ ‫اإلنساني والفلسفي‪ .‬ب ‪ -‬قسم مفهوم الدولة‬ ‫تنوعهــا‪ .‬حيث‬ ‫وتحوالتــه‪ ،‬والحداثــات فــي ُّ‬ ‫األول التط ـّـرق لقضاي ــا وإش ــكاالت‬ ‫ت ـّـم ف ــي ّ‬ ‫عامة‪ :‬الهوية‪ ،‬التقليد‪ ،‬التحديث‪ ،‬وحضور‬ ‫الدين فــي الواقــع‪ .‬ومن خالل مالمســة هذه‬ ‫ـق معنــى الوجود اإلنســاني‬ ‫القضايــا‪ ،‬تحقـ ّ‬ ‫في الحياة‪ ،‬وذلك باالستناد إلى مرجعيات‬ ‫عربيــة وعالمية‪.‬‬ ‫أمــا القســم الثانــي فطــال مفهــوم الدولــة‬ ‫ّ‬ ‫تحوالت ــه‬ ‫وم ــدى ارتباط ــه بالمجتم ــع ف ــي ُّ‬ ‫بتمّث ــل الوع ــي النق ــدي‪ ،‬والتركي ــز الدقي ــق‬ ‫علــى الفــرق بيــن مــا ُي َعـَّـد حداثــة ومــا ُي َع ـّد‬ ‫تحديث ـاً‪.‬‬ ‫شق منه مقاربة واقع‬ ‫حاول الكتاب في ّ‬ ‫المثقَّف المغربي‪ ،‬باإلجابة عن انشغاالته‪،‬‬ ‫تدخله‬ ‫وعن لحظات صمته التي حالت دون ّ‬ ‫المباشر في االهتزازات التي َح َّركت الشارع‬ ‫المغرب ــي ع ــام ‪ 2011‬أو م ــا س ـ ّـمي وقته ــا‬ ‫«الربيع الناعم»‪.‬‬ ‫هـــذا الكتـــاب‪ ،‬وإن كان يقـــارب واقـــع‬ ‫المثق ــف ف ــي المغ ــرب‪ ،‬فإن ــه يط ــال ح ــال‬ ‫المثقَّـــف العربـــي أيضـــاً‪.‬‬ ‫‪119‬‬


‫تحية إىل عبد الكبري الخطيبي‬ ‫مراد الخطيبي‬ ‫عــن دار ســليكي إخــوان بطنجــة‪ ،‬وفــي‬ ‫طبعــة أنيقــة‪ ،‬صــدر مؤخــرًا كتــاب جماعي‬ ‫تكريمـ ًا للمفكر الكبيــر واألديب المتعـِّدد عبد‬ ‫«وِلدت غداً»‪،‬‬ ‫الكبير الخطيبي تحت عنوان‪ُ :‬‬ ‫وقد قــام باإلشــراف عليــه وتقديمه الشــاعر‬ ‫مــراد الخطيبي‪.‬‬ ‫يتضمن الكتاب دراسات علمية وشهادات‬ ‫َّ‬ ‫باللغات العربية‪ ،‬الفرنسية‪ ،‬واإلنجليزية‪،‬‬ ‫ومفكــرون مرموقــون‬ ‫ســاهم فيهــا باحثــون‬ ‫ِّ‬ ‫وأدبــاء متمِّيــزون‪ .‬مــن بينهــم الفيلســوف‬ ‫األميركي صمويل وييبر‪ ،‬الباحثة األميركية‬ ‫أليسون رايس‪ ،‬الشاعر المتميز محمد بنيس‪،‬‬ ‫األديــب والناقــد نــور الديــن محقــق‪ ،‬الكاتــب‬ ‫العراقي علي القاسمي‪ ،‬الباحث ألفونسو دي‬ ‫تورو‪ ،‬الكاتب والباحث عبد المجيد بنجلون‪،‬‬ ‫الكاتــب والصحافــي ســعيد عاهــد‪ ،‬الباحــث‬ ‫األميركي كيــن هــاروو‪ ،‬الباحثة الســويدية‬ ‫منى مارتنســن‪ ،‬الباحث جان زكانياريس‪،‬‬ ‫الشــاعر والباحــث كاتب هــذه الســطور مراد‬ ‫الخطيبي‪.‬‬ ‫الشعر حاضر أيض ًا في الكتاب ‪-‬خاصة‬ ‫أن عبد الكبير الخطيبي بدأ مساره اإلبداعي‬ ‫شــاعراً‪ -‬وذلك مــن خالل مســاهمة الشــاعر‬ ‫رضــوان الطويــل والشــاعرة ماريــة زكــي‬ ‫بقصيدتيــن باللغــة الفرنســية أهدياهما إلى‬ ‫الراحل‪.‬وحيث إن الكتاب كان يستهدف أيض ًا‬ ‫الجانب اإلنســاني لعبد الكبير الخطيبي فقد‬ ‫آثر المشــرف على الكتــاب أن ينقــل ويوِثّق‬ ‫شهادات مؤثّرة لبعض أفراد عائلة الراحل‪.‬‬ ‫باإلضافــة إلــى الدراســات‪ ،‬الشــهادات‬ ‫والشــعر فقــد ضـّـم الكتــاب حواريــن واحــدًا‬ ‫باللغــة العربيــة ســبق أن أجــراه الصحافي‬ ‫ســعيد عاهد والباحــث مصطفــى النحال في‬ ‫شــهر أكتوبر مــن ســنة ‪ 2008‬مــع الراحل‪،‬‬ ‫أي قبــل شــهور قليلــة مــن وفاتــه‪ ،‬وحــوارًا‬ ‫آخر باللغة الفرنسية سبق أن أجراه الكاتب‬ ‫التونســي ناصــر بنشــيخ مــع الراحل ســنة‬ ‫‪.1984‬‬ ‫كمــا يحمــل الكتــاب جــردًا لمؤلَّفــات عبــد‬ ‫الكبيــر الخطيبــي‪ ،‬التــي تجــاوزت ثالثيــن‬ ‫‪120‬‬

‫مؤلف ـ ًا مــا بيــن دراســات سوســيولوجية‪،‬‬ ‫ســيميائية‪ ،‬فنيــة‪ ،‬أدبيــة‪ ...‬إلــخ‪ ،‬وأعمال‬ ‫إبداعية مختلفــة شــعرًا ورواية ومســرحاً‪،‬‬ ‫مفصلــة‬ ‫ويعــرض الكتــاب أيضــ ًا الئحــة َّ‬ ‫لترجمات بعض مؤلفاته إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫وقد جاء في تقديم الشاعر مراد الخطيبي‬ ‫للكتاب‪:‬‬ ‫«ولدت غداً»‪ ،‬عنوان هذا الكتاب الجماعي‬ ‫الــذي توخيــت أن يكــون ذا بعــد توثيقــي أو‬ ‫تكريمي أو علمــي أو هذه األبعــاد جميعها‪،‬‬ ‫انبثقــت فكــرة اختيــاره مــن عبــارة َر َّددهــا‬ ‫المرحــوم عبــد الكبيــر الخطيبــي فــي العديد‬ ‫من محاضراته ومداخالته الفكريةّ‪ ،‬وكانت‬ ‫مدينة الجديدة ‪ -‬مســقط رأســه ‪ -‬على وجه‬ ‫التحديد مــن آخر الفضــاءات التــي ردد فيها‬ ‫المقولــة نفســها‪ ،‬وكانــت المناســبة النــدوة‬ ‫العلمية الدولية التي أقامتها جامعة شعيب‬ ‫الدكالي يومي ‪ 26‬و‪ 27‬مارس ‪ ،2008‬تكريم ًا‬ ‫له على عطائه الفكــري واإلبداعي المتمِّيز‪.‬‬ ‫هذه العبارة تختزل في عمقها مشــروع‬ ‫الخطيبي الفكري المرتكز على مفهوم الذاكرة‬ ‫المتعــِّددة المنفتحــة علــى الزمــن المتعــِّدد‬ ‫والمختلف بحاضره‪ ،‬ماضيه ومســتقبله‪،‬‬ ‫أو كمــا يعـِّـرف الخطيبــي الذاكــرة فــي أحــد‬ ‫حواراتــه بأنها «تأســيس الــذات ولكنها في‬ ‫الوقت نفسه مستقبلية‪ ،‬ألنها تساؤل حول‬ ‫الزمن والحياة والموت‪ ،‬وأيض ًا المستقبل‬ ‫العالـمي التقني‪ ،‬العلمي‪......‬إلخ»‪ .‬ويضيف‬

‫أن «الذاكــرة ليســت كالهويــة شــيئ ًا جامــدًا‬ ‫او ميت ـاً‪ ،‬ولكنهــا كالحاضر في المســتقبل‪.‬‬ ‫متغيــر‪ ،‬ليــس هنــاك مــاض‬ ‫فالماضــي‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫مطلــق وال ُمنتــه‪ ،‬هــو كالهويــة مجموعــة‬ ‫وتكون‬ ‫تكون الــذات‪ِّ ،‬‬ ‫من اآلثار والبصمات ِّ‬ ‫الموجود كخريطة من آثــار هي مرة أخرى‬ ‫مســتقبلية»‪.‬‬ ‫تؤجل بصورة مجازية‬ ‫«وِلدت غداً» عبارة ّ‬ ‫ُ‬ ‫فعــل الــوالدة إلــى المســتقبل ألنهــا ترفــض‬ ‫الجمود أو المكوث في النقطة نفسها حسب‬ ‫تعبيــر الخطيبــي‪ ،‬وألنهــا‪ -‬مــن ثــم‪ ّ-‬دعــوة‬ ‫مباشرة للذاكرة لكي تستنبط دالالت جديدة‬ ‫مــن خــال عوالــم متعـِّددة ومختلفــة‪ ،‬ومن‬ ‫خــال قــراءات متجـِّددة جوهرهــا التســاؤل‬ ‫الدائم‪ ،‬هي ذاكرة مستقبلية تلتزم بالحوار‪،‬‬ ‫وترفــض كل أشــكال االســتهالك المعرفي‪،‬‬ ‫وتعشق السفر إلى أبعد المسافات والحدود‬ ‫الكتشــاف معارف جديــدة وعالمــات أخرى‬ ‫مــن الفكــر اإلنســاني‪ .‬يقــول األســتاذ عبــد‬ ‫الكبيــر الخطيبــي‪« :‬أنــا رجــل تســاؤل‪ ،‬أنــا‬ ‫ـول إلــى موضــوع للتحليــل‪،‬‬ ‫شــخصي ًا أتحـ َّ‬ ‫عندما نحلــل نغِّير المنظــورات‪ ،‬أنا كباحث‬ ‫أعتبــر كل تحليــل تغييــرًا للمنظــور‪ ،‬لكــن‬ ‫األسئلة نفسها ال تزال مطروحة منذ الذاكرة‬ ‫الموشومة»‪.‬‬ ‫ينــدرج الكتاب في إطــار مفهــوم الوالدة‬ ‫تلك وهو باألساس ثمرة نقاش مستفيض‬ ‫بين بعــض أفــراد عائلة الخطيبــي‪ ،‬وكانت‬ ‫الغاية منه المساهمة في االحتفاء بشخص‬ ‫عزيــز عليهــا يمّثــل ألفــراد عائلتــه‪« :‬أذننــا‬ ‫الثالثة وأجنبينا المحترف الذي كان يرصد‬ ‫عن بعــد وبصــدق نــادر وال متنـ ٍ‬ ‫ـاه تفاصيل‬ ‫ويدون مالحظاته بلطف‬ ‫وإيقاعات حياتنا‪ّ ،‬‬ ‫وابتسامة تختزل مزيج ًا من الحكمة والجرح‬ ‫والمــودة العميقــة‬ ‫والســخرية المقبولــة‬ ‫ّ‬ ‫والتفــاؤل النقــدي‪ .‬لــذا لــم نجــد فكــرة أبلــغ‬ ‫وأحسن من إنجاز كتاب حول األستاذ عبد‬ ‫الكبيــر الخطيبــي الــذي رحــل‪ ،‬ولكــن تراثه‬ ‫الفكــري واإلبداعــي مــا زال ينبــض بالحياة‬ ‫والتجدد»‪.‬‬ ‫ُّ‬


‫إرث القتىل والقاتلني‬ ‫سعيد بوكرامي‬ ‫ذاكرة العالم مريضة بفقــدان الذاكرة‪ .‬لو‬ ‫أدركنــا عميق ًا هــذه الفكــرة‪ ،‬لما أعدنــا تكرار‬ ‫المآســي واإلبادات تلــو اإلبــادات والحروب‬ ‫يتغير في الروح‬ ‫تلو الحروب‪ .‬كأن ال شيء ّ‬ ‫البشــرية التي يغشــاها الدمــار‪ ،‬فكلّمــا مالت‬ ‫نحو رفــاه وســعادة وســام‪ ،‬مالت ســريع ًا‬ ‫نحو جوع وشقاء وصراع أكثر‪ .‬هذا السيف‬ ‫المسلط يجعل لحظات السالم نادرة وعزيزة‬ ‫المنال‪ ،‬بهذه الخلفية انطلق الروائي الفرنسي‬ ‫ماتياس إينار والفنان بيير ماركيز‪ ،‬لتشييد‬ ‫نصبهما التذكاري عــن حرب البلقان‪.‬‬ ‫«كل شــيء قابــل‬ ‫الســارد فــي روايــة ّ‬ ‫فنان عالمي يدعى رمزي ًا «فالش‬ ‫للنسيان»‪ٌ ،‬‬ ‫باك»‪ُ ،‬طلــب إليه أن يعـّد نصبـ ًا تذكاري ًا عن‬ ‫الحــرب فــي يوغوســافيا الســابقة‪ ،‬لكــن‬ ‫المشــكلة أنــه ال ينبغــي أن يكــون صربيــ ًا‬ ‫وال كرواتيــ ًا وال بوســنياً‪ .‬ستســتضيفه‬ ‫مارينــا المهندســة التــي تعمــل فــي المجــال‬ ‫االجتماعي واإلنســاني‪ .‬وسيحاول أن يفهم‬ ‫مــا قبــل الحــرب‪ ،‬أي مــا هــي األشــياء التــي‬ ‫جعلــت المنطقــة تنفجــر وتصـّـر علــى الدمار‬ ‫بشـ ٍ‬ ‫ـكل عدائــي ووحشــي؟ وأن يفهــم وقائــع‬ ‫الحــرب وكواليســها‪ ،‬وصــو ًال إلــى مرحلــة‬ ‫يتذكــر األلعــاب األولمبيــة‬ ‫مــا بعــد الحــرب‪ّ .‬‬ ‫الشــتوية ســنة ‪ 1984‬فــي ســراييفو‪ .‬أيــن‬ ‫اختفت العربات الهوائية المؤدية إلى أمكنة‬ ‫حل بمنحــدرات التزحلق على‬ ‫األلعاب؟ مــاذا ّ‬ ‫مقسمة إلى قسمين‬ ‫الجليد؟ مازالت موســتار ّ‬ ‫ـط المرئي‪ .‬موســتار التــي أعيد‬ ‫بواســطة خـ ّ‬ ‫شاهدة بجسرها‬ ‫بدعم من اليونسكو‪،‬‬ ‫ً‬ ‫بناؤها ٍ‬ ‫العثمانــي الشــهير علــى كرنفــال االغتيــاالت‬ ‫والقبــح اإلنســاني‪ .‬ومــع ذلــك‪ ،‬فمــن أجــل‬ ‫تشــييد نصــب تــذكاري‪ ،‬ال بـّد من اســترجاع‬ ‫رعــب الماضــي كّلــه‪ ،‬ولكــن مــا الفائــدة مــن‬ ‫يعبــر في أكثر‬ ‫ذلك؟ يتســاءل الســارد‪ ،‬الذي ِّ‬ ‫مــن مــرة عــن خيبــة أملــه وإحباطــه مــن هذا‬ ‫العار الــذي تس ـِّببه لعبة النــار بين اإلنســان‬ ‫واإلنســان‪.‬‬ ‫يحكي الكتاب عن جبال مملوءة بالذئاب‬

‫ـدن قــذرة مملــوءة بأوغاد‬ ‫والغربــان وعن مـ ٍ‬ ‫ملطخــون‬ ‫حقيقييــن‪ ،‬بــا قلــب وال رحمــة‪َّ ،‬‬ ‫بدمــاء األبريــاء‪ .‬وقد عايــش إينــار وماركيز‬ ‫معاناة أشخاص يغلقون بأرقام سرية على‬ ‫ٍ‬ ‫ذاكــرة ال وجــود لهــا فــي الواقــع الحالــي‪،‬‬ ‫لكنها موجودة فــي عقولهم‪ ،‬تنهــش الحياة‬ ‫المتبقية في وجدانهم‪ .‬لهذا ال يحاولون نقلها‬ ‫إلى األجيــال القادمة‪ ،‬هــي عار‪ .‬العــار الذي‬ ‫يتنكــر لــه الجميع‪ .‬ولعــل هــذا ما دفــع إينار‬ ‫ّ‬ ‫إلى البحث عن هذه الذاكرة الستعادتها‪،‬ألن‬ ‫مــن حــق األحيــاء أن يعرفــوا إرث األجــداد‬ ‫القتلــى والقاتلين‪.‬‬ ‫جــاءت الروايــة مصحوبــة برســومات‬ ‫وتخطيطات وتنصيبات عن حرب البلقان‪،‬‬ ‫لحرب صار الزم ًا إعادة‬ ‫وعن نصب تذكاري‬ ‫ٍ‬ ‫وتخيلها وخلق مكان لها‪،‬‬ ‫وتأملها ّ‬ ‫إنشــائها ّ‬ ‫لذكرى القتلــى والصراع الطائفــي‪ .‬هذه هي‬ ‫مهمة «بطل» الرواية‪ .‬قد تبدو للوهلة األولى‬ ‫أي كان‪،‬‬ ‫مهمة تقنية وفنية يمكن أن ينِفّذها ّ‬ ‫لكن األمر ليس بهذه السهولة‪ .‬تصميم النصب‬ ‫في المخِّيلة‪ ،‬وبناء على معطيات عن حرب‬ ‫البلقــان المعروفــة والمؤرشــفة بالصــورة‬ ‫والكلمــة والدمــاء‪ ،‬متوافــرة فــي أيــة مكتبــة‬ ‫أوروبية‪ .‬لكــن إلقاء نظرة حقيقية مشــبعة‬ ‫باألحاسيس صوب أطالل الحرب وأشباح‬ ‫القتلــى‪ ،‬يضع الســارد أمــام حقيقــة الحرب‬ ‫السوريالية‪ :‬بهذه الحرب الفجائعية والمرعبة‬ ‫ســيزداد الســارد دنـ ّـوًا مــن جوهــر الصــراع‬

‫المثخــن بالجــراح حينمــا ســيلتقي مارينــا‪،‬‬ ‫وهي امرأة شابة كانت في العاشرة‪ ،‬عندما‬ ‫اندلعــت الحرب في عــام ‪.1991‬‬ ‫الروائي ماتيــاس إينار يعــرف جيدًا هذه‬ ‫الفضاءات القاتمــة باالضطهاد‪ ،‬وكتب عنها‬ ‫في أكثــر من مناســبة‪ ،‬شــخصيته مـّـرت في‬ ‫أوروبــا الشــرقية‪ ،‬ومعســكرات االعتقــال‬ ‫والنظام الســوفياتي‪ ،‬وموستار وسراييفو‬ ‫قبــل أن تعــود إلى بلغــراد‪.‬‬ ‫يجــب االنتظــار حّتــى عــام ‪ ،2006‬أي‬ ‫بعــد النهاية الرســمية للحــرب بوقــت طويل‬ ‫كــي يقــوم إينــار برحلــة إلــى يوغوســافيا‬ ‫الســابقة‪ ،‬رفقة صديقــه بيير ماركيــز‪ .‬فماذا‬ ‫رأى الشــاهدان؟ أدركا أن الحــرب لــم تتــرك‬ ‫وراءها غير األنقاض والصمت واألحقاد‪ .‬هذا‬ ‫مــا الحظــاه وهو مــا ســيدفعهما إلــى الكتابة‬ ‫والرسم‪ .‬يجمعهما شغف اســترجاع الذاكرة‬ ‫ومقاومة النسيان ولن يحدث ذلك بالسياسة‬ ‫وال بالصناعة وال بالســاح وال بالتعمير أو‬ ‫الترميــم‪ ،‬بــل بالكلمــة الحالمــة المهووســة‪،‬‬ ‫المتمرد المهجن‬ ‫باإلنســان والفن التشــكيلي‬ ‫ّ‬ ‫والمجنح‪ ،‬بالموتيفات والكوالج والفيديو‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫«أردنــا أن ننجــز كتاب ـ ًا هجين ـاً‪ ،‬وأن يكــون‬ ‫األثر موضوعه األساس»‪ .‬يوضح ماتياس‪.‬‬ ‫ال فقــد نجحا معـ ًا في‬ ‫هل تحقــق الرهــان؟ فع ً‬ ‫تعقُّب آثار الحرب نفسها وقبل اندالع الفتنة‬ ‫الكبــرى‪ .‬ووضعاها في روايــة تمزج الكلمة‬ ‫بالصورة واألمل بالمأساة والحلم بالنكبات‪.‬‬ ‫ال بّد من التذكير أن عنوان الكتاب مقَتبس‬ ‫من مقطع شعري للروائي والفنان الفرنسي‬ ‫«كل شيء قابل للنسيان‪،‬‬ ‫كميل دو توليدو‪ّ :‬‬ ‫كل شيء»‪ ،‬الذي يشترك مع إينار وماركيز‬ ‫في القلق الدائم من الوجود فــي هذا العالم‪،‬‬ ‫األمــر الــذي يدفعهــم إلــى اإليمــان بضــرورة‬ ‫البحــث عــن أدب حقيقــي وجوهــر إنســاني‬ ‫فــي أمكنــة أخــرى غيــر أوروبــا التــي أخــذت‬ ‫تتخّلــى تدريجي ًا عن قيمها اإلنســانية‪.‬‬ ‫‪121‬‬


‫جراح‬ ‫ترشيح النسيان بمبضع ّ‬ ‫أنيس الرافعي‬

‫الكاتب الفرنسي برنار نويل أنموذج‬ ‫ســاطع للمثقــف الموســوعي والمبــدع‬ ‫المتعدد‪ ،‬وقد تكفّل‪ -‬منذ سنوات قليل‪-‬ة‬ ‫بمهمة إيصاله إلى القارئ العربي الشاعر‬ ‫والباحــث المغربي محمد بنيــس‪ ،‬وذلك‬ ‫شعرية بعنوان‬ ‫عندما ترجم له منتخبات‬ ‫ّ‬ ‫ا‬ ‫«هســيس الهــواء» (‪ ،)1998‬وكــذا عم ـ ً‬ ‫شعري ًا – فني ًا مشترك ًا بينه وبين الفنان‬ ‫التشــكيلي فرانســوا رووان‪ ،‬موســوم ًا‬ ‫بـ«طريق المداد» (‪ .)2013‬وها هو صاحب‬ ‫«هبــة الفــراغ» يعــود مــرة ثالثــة‪ ،‬ليقـّدم‬ ‫واحــدًا مــن أكثــر أعمــال نويــل التباســ ًا‬ ‫يتعلــق‬ ‫وإثــارة للجــدل‪ ،‬الســيما فــي مــا َّ‬ ‫بموضوع الكتابة وحدود النوع األدبي؛‬ ‫إنّه «كتاب النســيان»(دار توبقــال‪ ،‬الدار‬ ‫البيضــاء)‪ ،‬الذي صــدر ممهــورًا بتوطئة‬ ‫قيمــة للمترجم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تتأســس في هذا الكتــاب‪ ،‬الذي يمكن‬ ‫َّ‬ ‫وصفه بـ«التخومي»‪ ،‬معمارية المتن على‬ ‫التأمــل‬ ‫«التضفيــر والترميــق»‪ .‬تضفيــر ّ‬ ‫العالــم بالنثيــرة الشــعرية‪ ،‬وترميــق‬ ‫األمثولة الفلسفية بالمقتبسة التاريخية‪،‬‬ ‫مع إيالء أهمية قصوى لكل من «التكثيف»‬ ‫ولعل هذا المعطى األسلوبي‪،‬‬ ‫و«التنغيم»‪ّ .‬‬ ‫هو ما دفــع صائغ النــص إلى اســتدعاء‬ ‫مدعــم‪ ،‬باعتمــاد تقطيع‬ ‫معطــى بصــري ّ‬ ‫للمــدون يراعي فضاء‬ ‫كاليغرافي خاص‬ ‫ّ‬ ‫الصفحة وطريقــة ترتيــب المقاطع‪ ،‬كما‬ ‫لو كان توزيع ًا لتأليف موســيقي»‪.‬‬ ‫يقرأ برنار نويل في الكتاب موضوع‬ ‫النسيان في عالئقه وتقاطعاته‪ ،‬الكبيرة‬ ‫أو المجهريــة‪ ،‬مــع شــركاء النســيان أو‬ ‫خصومــه‪ .‬كمــا يعمــل علــى «تشــريحه»‬ ‫بمبضــع «جـّـراح الكتابــة»‪ ،‬وهــو ينظــر‬ ‫‪122‬‬

‫إليه أحيان ًا بوصفه «كتلــة‪ ،‬أي مادة»‪،‬‬ ‫حياً»‪،‬‬ ‫أو باعتباره أحيان ًا أخرى «عضوًا ّ‬ ‫نستشعر عند فعل القراءة «أنفاسه التي‬ ‫وتتسرب إلى صمتنا»‪.‬‬ ‫تخترق جلدنا‬ ‫ّ‬ ‫«نســيان» برنــار نويــل هــو فــي‬ ‫الحقيقــة جمــاع نســيانات لهــا خريطــة‬ ‫جينيــة واحــدة‪ ،‬نســيان لــه امتــدادات‬ ‫جذموريــة تجــاه كل مــا يقــاوم الذاكــرة‪،‬‬ ‫ذلــك الوجــه اآلخــر للنســيان الــذي ال‬ ‫يظهــر علــى صفحــات المرايا‪ ‬وفــي‬ ‫أغــوار الالوعــي إذا مــا اعتبرنــاه «نص ـ ًا‬ ‫غائب ـاً» لــه اســتراتيجيته الخاصــة فــي‬ ‫التجلّــي أو الخفــاء‪ .‬نلفيــه فــي «نظــرة‬ ‫المحتضرين ومحاجر رأس الميت»‪ ،‬في‬ ‫«اللّغة التي علينا نسيانها كي نمتلكها»‪،‬‬ ‫فــي «الجســد الــذي هو نســيان الجســد»‪،‬‬ ‫في «الموت الذي هو نســيان النسيان»‪،‬‬ ‫فــي «اإلبــداع الــذي هــو إبــداع بالنســيان‬ ‫وليس بالذاكرة»‪ ،‬في الضحك «باعتباره‬ ‫نسيان ًا للشــبيه»‪ ،‬في األشــياء والصور‬ ‫تم‬ ‫التــي ســرعان مــا «تتحـ َّ‬ ‫ـول إلــى كالم ّ‬ ‫نسيانه»‪ ،‬في الفرق بين الرؤية والنظرة‬ ‫«يتضمن على الدوام لحظة نسيان‬ ‫الذي‬ ‫ّ‬

‫خاطفــة»‪ ،‬في الصيــرورة التــي تصيرنا‬ ‫«مثــل الورقــة لمــا تنفصــل عــن الشــجرة‬ ‫وتنســاها»‪ ،‬فــي المــكان عندمــا «يصبــح‬ ‫نســيان ًا للــذات ضمــن نســيان المــكان»‪،‬‬ ‫وفــي حركة اليــد التي «تطبع وتنســى»‪.‬‬ ‫وفي شّتى تلك االمتدادات الجذمورية‬ ‫كل التنويعات التي‬ ‫المشــار إليها‪ ،‬وفــي ّ‬ ‫يجترحهــا برنــار نويل وهو يشــتغل مع‬ ‫النسيان وبه‪ ،‬ال يفصله عن «أثر الكتابة»‬ ‫وال يحيــد به عــن ظاللهــا الوارفــة‪ ،‬التي‬ ‫يشــكل ‪-‬فــي اعتقــاده‪ -‬أي نــأي عنهــا‬ ‫ِّ‬ ‫قســري ًا عــن «مســقط الــرأس»‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ابتعــاد‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وســقوط ًا انتحاري ًا في «الثقب األســود»‬ ‫وتوجه ًا جنوني ًا صوب‬ ‫الكوسمولوجي‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫«الالمرئي»‪.‬‬ ‫النســيان ذاتــه‪ ،‬الــذي أضحــى فــي‬ ‫عالمنــا المعاصــر عرضة لســهام «ســوء‬ ‫منظمــة‬ ‫فهــم» كبيــر‪ ،‬كمــا جوِبـ َـه بحملــة َّ‬ ‫ومغرضــة لـــ «تشــويه ســمعته»‪ .‬ومــن‬ ‫هنــا‪ ،‬دعــوة برنــار نويــل إلــى مقاومــة‬ ‫تلك اآلليــات التــي تجعــل «من النســيان‬ ‫وســيلة للحرمــان مــن المعنــى»‪.‬‬ ‫يتبدد‪ ،‬وال يستنِفد‬ ‫وبما ّ‬ ‫أن النسيان ال َّ‬ ‫فإن «كتاب النسيان»‬ ‫ممكناته وحدوسه‪ّ ،‬‬ ‫ســيظل مفتوحـ ًا باســتمرار‪ ،‬وفــي حالة‬ ‫وتمدد باتجاه النسبي والالنهائي‪.‬‬ ‫اّتساع‬ ‫ُّ‬ ‫تلك هي خالصة «أنطولوجيا النسيان»‬ ‫خطها يراع برنار‬ ‫بالمعنى الفلسفي كما ّ‬ ‫وقطرتها حفرياته في هذا الكائن‬ ‫نويل‪ّ ،‬‬ ‫الهالمــي منــزوع الوجــه‪ ،‬الــذي ال ينــي‬ ‫يجرفنا كما تجرف ألســنة المــوج حبات‬ ‫الرمــل‪ ،‬ثــم يذرونــا فــي خاتمــة المطاف‬ ‫إلى قيعــان العدم‪.‬‬


‫ِصدام الرشق والغرب‬ ‫هيثم حسني‬

‫اإليراني صــادق هدايت (‪– 1903‬‬ ‫اعتمد‬ ‫ّ‬ ‫ـامية إلى‬ ‫ـ‬ ‫اإلس‬ ‫«البعثة‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫روايت‬ ‫في‬ ‫‪)1951‬‬ ‫ّ‬ ‫اإلفرنجيــة وأســطورة الخلــق» (دار‬ ‫البــاد‬ ‫ّ‬ ‫غســان حمــدان‪،‬‬ ‫بترجمة‬ ‫ـروت)‬ ‫ـ‬ ‫بي‬ ‫ـل‪،‬‬ ‫الجمـ‬ ‫ّ‬ ‫إجــراء نــوع مــن المقارنــة بيــن الشــرق‬ ‫والغــرب‪ ،‬مــن خــال إبــراز الصدمــة التــي‬ ‫يتعـ ّـرض لهــا بعــض أبنــاء الشــرق الذيــن‬ ‫يــزورون الغــرب لغــرض مــا‪ ،‬ســواء أكان‬ ‫شخصياتهم‬ ‫تجارياً‪ ،‬فيفقدون‬ ‫علمي ًا أم كان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الغربيــة‪،‬‬ ‫الحيــاة‬ ‫بحــر‬ ‫فــي‬ ‫ويضيعــون‬ ‫ّ‬ ‫ينساقون وراء المغريات ويحاولون تعويض‬ ‫ما فاتهم‪ ،‬وينقلبون على أفكارهم ورؤاهم‬ ‫وأهدافهم‪ ،‬لدرجة ينسون السبب الذي كان‬ ‫وراء انتقالهــم إلــى هناك‪.‬‬ ‫ـخصيات‬ ‫ـور هدايــت فــي روايتــه شـ ّ‬ ‫يصـّ‬ ‫بحجــة إرســال مبعوثين‬ ‫مقهــورة تتداعــى ّ‬ ‫ـامية فــي الغــرب‪ ،‬في‬ ‫لنشــر الدعــوة اإلسـ ّ‬ ‫ـخصيات‬ ‫ـ‬ ‫الش‬ ‫ـك‬ ‫ـ‬ ‫تل‬ ‫ـون‬ ‫بــاد الفرنجــة‪ ،‬وتكـ‬ ‫ّ‬ ‫تهريجية‪ ،‬لإلشارة إلى‬ ‫مسماة بأسماء تبدو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـكل امــرئ من اســمه نصيبـاً»‪ .‬ويأتي‬ ‫أن «لـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الزعم بوجوب إرشاد الفرنجة إلى الطريق‬ ‫القويم مــن خــال التنويــع في األســاليب‪،‬‬ ‫واعتماد الترغيب والترهيب‪ ،‬وتأمين مصادر‬ ‫بحجــة خدمــة الديــن‪ ،‬فــي الوقــت‬ ‫التمويــل ّ‬ ‫الذي يكــون الديــن ســتارة وقناعـ ًا ال غير‪.‬‬ ‫شخصيات الرواية‪« :‬تاج المتكلّمين‪،‬‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫سكان الشريعة‪ ،‬الشيخ‬ ‫اإلسالم‪،‬‬ ‫عندليب‬ ‫ّ‬ ‫أبو المنــدرس‪ ،‬أبو عبيد عصعــص‪ ،‬عمود‬ ‫اإلســام‪ ،‬توبانانا‪ ،‬باإلضافة إلى الراوي‬ ‫وناقل األحداث الجرجيس يافت بن إسحق‬ ‫اليسوعي مراسل صحيفة المجالب»‪ .‬وهي‬ ‫ّ‬ ‫تدور في فلك الهزء والسخرية بجّدّية تبدو‬ ‫مثيرة للشفقة أكثر منها للضحك‪ ،‬وتسعى‬ ‫إلى تجريم اآلخر مــن دون أدلّة‪.‬‬ ‫يستهل الراوي؛ الجرجيس‪ ،‬بتحديد سنة‬ ‫ّ‬ ‫‪ 1346‬هجريــة منطلق ـ ًا ألحــداث الروايــة‪،‬‬ ‫ثم ينقــل بعدهــا صــورًا لضيــاع المــرء بين‬ ‫ّ‬ ‫مــا يزعمــه ومــا يمارســه‪ ،‬بيــن النظريــة‬

‫والتطبيق‪ ،‬وتراه من خالل الفصول الثالثة‬ ‫ـامية إلــى‬ ‫األول «البعثــة اإلسـ ّ‬ ‫فــي القســم ّ‬ ‫اإلفرنجيــة»‪ ،‬باإلضافــة إلــى القســم‬ ‫بــاد‬ ‫ّ‬ ‫الثاني «أســطورة الخلق»‪ ،‬يسـلّط الضوء‬ ‫علــى واقــع الحــال فــي مرحلــة التخطيــط‬ ‫وبث األفكار ونشــرها‪ ،‬والشعارات‬ ‫للسفر ّ‬ ‫العريضة التي كان أعضاء البعثة المفترضة‬ ‫الحتمي‪،‬‬ ‫يرفعونها‪ ،‬والقول بوجوب التغيير‬ ‫ّ‬ ‫ثـّـم مرحلــة الصدمــة التاليــة حيــن االنتقال‬ ‫إلىالغــرب‪ ،‬وتكــون برلين وجهتــم‪ ،‬حيث‬ ‫عربي بقوله إنّها‬ ‫يعيدها بعضهم إلى جذر‬ ‫ّ‬ ‫اللين»‪ ،‬وتم تخفيفها لســهولة‬ ‫«البّر ّ‬ ‫تعني َ‬ ‫االســتعمال إلى برلين‪.‬‬ ‫ال تكون الصدمة محصــورة بجانب ما‪،‬‬ ‫بــل تكــون متعـّددة األوجــه تطــال مختلــف‬ ‫األشــخاص‪ ،‬وتتجاوزهم إلى اآلخــر الذي‬ ‫يتعــرف إلــى‬ ‫يبــدو مصدومــ ًا بهــم وهــو‬ ‫ّ‬ ‫وتصرفاتهــم الغريبــة‪.‬‬ ‫تناقضاتهــم‬ ‫ّ‬ ‫تحمــل مرحلــة المواجهــة كثيــرًا مــن‬ ‫المفارقــات المضحكــة التــي تصــل إلــى حّد‬ ‫المبالغــة‪ ،‬إذ يتفـّـرق أعضــاء البعثــة بيــن‬ ‫أماكــن اللهــو والمتعــة‪ ،‬يبتعــدون رويــدًا‬ ‫رويــدًا عــن القضايــا التــي يفترض بهــم أن‬ ‫فيتحول جهادهم إلى‬ ‫يناضلوا من أجلها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كيفية إرواء‬ ‫في‬ ‫ّها‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫تنصب‬ ‫زوايا معتمة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تذرعــوا بــه‬ ‫ـا‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫ـر‬ ‫ـ‬ ‫جوه‬ ‫ـن‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫ا‬ ‫الغرائــز بعيــد‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ـرحية‬ ‫للذهــاب إلــى هنــاك‪ .‬وبمشــاهد مسـ ّ‬

‫ـخصيات التــي‬ ‫يصــف الــراوي‬ ‫حركيــة الشـ ّ‬ ‫ّ‬ ‫تتخفّف مــن أكاذيبها‪ ،‬حيــث يتحلّق حولها‬ ‫الناس ليشــهدوا ســقوط األقنعــة تباعاً‪.‬‬ ‫الصحافي‬ ‫يصف هدايت على لسان راويه‬ ‫ّ‬ ‫كيفية تماهي أعضــاء البعثة مــع أوهامهم‬ ‫الغربييــن الذيــن يصفونهــم بأشــنع‬ ‫عــن‬ ‫ّ‬ ‫ويحل بعضهم أموالهم ونساءهم‬ ‫األوصاف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بحجج واهية‪ ،‬ويصل التماهي إلى درجة‬ ‫تقمص أدوار الشذوذ‪ ،‬وتجاوز السلوكيات‬ ‫ّ‬ ‫والممارسات التي كانوا ينتقدونها سابقاً‪،‬‬ ‫ينغمسون في مســتنقعها وال يلتفتون إلى‬ ‫أي شــيء آخر‪ ،‬ويحاولون تضليل أولئك‬ ‫ّ‬ ‫الذيــن ينتظرون منهــم أخبارًا عــن نضالهم‬ ‫وجهادهم في نشــر الدعوة‪.‬‬ ‫والتحول‬ ‫يلتقط الكاتب مفارقات الضياع‬ ‫ّ‬ ‫في الفصل الذي يــذوب فيه أعضــاء البعثة‬ ‫يغيرون هيئاتهم‪ ،‬يغرقون في‬ ‫بين الناس‪ّ ،‬‬ ‫المنكرات التي كانوا يصفون بها الفرنجة‪،‬‬ ‫يعملون في أماكن كانوا يصفونها بالقذرة‪،‬‬ ‫بالمحرمــات‪،‬‬ ‫يأكلــون مــا كانــوا يصفونــه‬ ‫ّ‬ ‫كل ما كانوا ينادون به‪ ،‬وال‬ ‫ينقلبون على ّ‬ ‫ينفون تحايلهم على أنفسهم وعلى اآلخرين‬ ‫في سبيل تحقيق مآربهم وإشباع شهواتهم‬ ‫وغرائزهــم‪ .‬ويختــم الــراوي بتحديــد ســنة‬ ‫‪1903‬م نهاية لمشاهداته وأحداث روايته‪.‬‬ ‫الروائي‬ ‫ال يخلو ســرد هدايت وخطابــه‬ ‫ّ‬ ‫ـرقية‬ ‫ـ‬ ‫الش‬ ‫ـخصية‬ ‫ّ‬ ‫مــن تقريــع للــذات‪ ،‬وللشـ ّ‬ ‫توجهــه‬ ‫عمومـاً‪ ،‬وجلـٍد لهــا‪ ،‬كمــا ال يخفــى ّ‬ ‫الديني‪،‬‬ ‫ـي الــذي يبــرز علــى حســاب‬ ‫ّ‬ ‫القومـ ّ‬ ‫وانطالقــه مــن فكــرة مســبقة تشــيطن‬ ‫المتخيلــة التي‬ ‫اآلخــر‪ ،‬وتبــرزه بالصــورة‬ ‫ّ‬ ‫إن االشــتغال‬ ‫يرســمها لــه وعنــه‪ ،‬بحيــث ّ‬ ‫ضيقة محكومة بأحكام‬ ‫يأتي ضمن دائرة ّ‬ ‫معممــة‪ ،‬وتغليف‬ ‫ـة‬ ‫ـ‬ ‫مســبقة وصيغ اّتهامي‬ ‫ّ‬ ‫واقعيــة وأخطــاء‬ ‫ذلــك برصــد ممارســات‬ ‫ّ‬ ‫تعـّد خطايا فــي حقيقتها‪ ،‬تســيء لرســالة‬ ‫ـانية حيــن توظيفهــا ووضعها‬ ‫الدين اإلنسـ ّ‬ ‫فــي غيــر موضعهــا وســياقها‪.‬‬ ‫‪123‬‬


‫املح َت َضة‬ ‫شاعر ّية املدن ْ‬ ‫عبد الله غنيم‬ ‫العامية المصرية‬ ‫يخبرك موروث شــعر‬ ‫ّ‬ ‫لغــة تصلــح لــكل األغــراض‪ ،‬إذ‬ ‫أن الشــعر ٌ‬ ‫يالئم الحكاية والفلسفة والموسيقى والرصد‬ ‫والمــكان‪ .‬منــذ حكايــة ابــن عــروس لســيرة‬ ‫ابــن هــال ورصــده المجتمــع فــي ترحالــه‬ ‫العاميــة الجدد‬ ‫في المربعــات‪ ،‬وحّتى أبنــاء‬ ‫ّ‬ ‫كمصطفــى إبراهيــم ويحيــى قــدري‪ ،‬مــرورًا‬ ‫بجيل هزائم الستينيات والسبعينيات؛ صالح‬ ‫جاهين وفؤاد حداد وفؤاد قاعود‪ ،‬وســبقهم‬ ‫بالطبع التونســي الشــهير‪ ،‬بيرم التونسي‪.‬‬ ‫وقد حازت القاهرة النصيب األكبر للمدينة في‬ ‫الشعر‪ ،‬فالقاهرة مدينة شعرية‪ ،‬لها الروح‬ ‫التي تصطبغ على حــال زوارها أو قاطنيها‬ ‫كل المــدن الشــعرية‬ ‫مــن الشــعراء‪ ،‬ومثــل ّ‬ ‫وغيرهــا‪ ،‬فــإن لهــا حــاالت صعــود وحاالت‬ ‫هبــوط‪ .‬هــا قــد ســقطت بغــداد‪ ،‬وســقطت‬ ‫دمشــق‪ .‬والقاهرة فاتنــة قديمة‪ ،‬فتنــت آباء‬ ‫العامية فؤاد حداد وصالح جاهين‪ ،‬ونادت‬ ‫مبدعي الجنوب‪ .‬ومثل فاتنة قديمة‪ ،‬تحتضر‬ ‫بخفّة‪ ،‬خفة الفاترينات المغسولة بالبنات‪،‬‬ ‫والبنات المغســولة بأحمر الشــفاه‪ .‬القاهرة‬ ‫آسرة هادرة ساخرة إلى‬ ‫المحتضرة‪ ،‬كانت‬ ‫ً‬ ‫آخر ما قاله سيد حجاب‪ .‬كانت تحتضر‪ ،‬قبل‬ ‫الربيــع العربي‪ ،‬بعنف وثقــل‪ .‬كان العجائز‬ ‫يملكونهــا بثقلهــم ووطأتهــم‪ ،‬حّتــى صارت‬ ‫أقل وطــأة وأكثــر خفّة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وها هــي تحضر فــي ديوان ممــدوح زيكا‬ ‫«صـ ّ‬ ‫ـف واحــد مــوازي للوجــع» (دار الربيــع‬ ‫العربي للنشر والتوزيع‪ ،‬القاهرة)‪ ،‬فالقاهرة‬ ‫حاضــرة آســرة‪ ،‬العتبــارات المركزيــة‬ ‫وللفرصــة‪ ،‬يأكلهــا الزحــام ويــأكل الحــزن‬ ‫الزحام‪ ،‬تلك التركيبة المنطقية لمدينة قديمة‬ ‫النشأة في الزمن المتسارع الذي نحياه‪ .‬هنا‬ ‫ـخ للمكان الذي يســعى‬ ‫يتجلّى الشــعر كتأريـ ٍ‬ ‫للتســاقط عن عمــد‪ ،‬عــن القاهــرة‪« :‬عاصمة‬ ‫كل الحزانــى المجروحين‪/‬أكتــر مدينــة نني‬ ‫عيــن الشــمس فيهــا بيصحــى ويشــاور على‬ ‫وشوشهم‪ /‬فتبان عليهم حرقته‪ /‬أكتر مكان‬ ‫بتحس فيه وجع البشر من كل لون‪ /‬وأي حد‬ ‫‪124‬‬

‫تقدر تحدد قد إيه الحزن فيه من مشيته‪/‬أكتر‬ ‫مدينة‪/‬ما بيلعبــوش فيها الــوالد ع البحر‪/‬‬ ‫غير لما انتفاض البحر يعلن غربته‪/‬ممنوع‬ ‫كمــان علــى كل بنــت ســمارها بيهز الــوالد‪/‬‬ ‫تنــزل تعوم‪/‬مش بــس ألن عينيها بتســقي‬ ‫العالم كل معاصي الســحر‪/‬لكن برضه ألن‬ ‫بلدنا مفيهــاش بحر»‪.‬‬ ‫ثمــة نقــاش دائــم بيــن أهــل اإلســكندرية‬ ‫وأهــل القاهــرة‪ ،‬يــدور حــول موضــوع‬ ‫وحيــد‪ :‬إلــى أي حـّد اإلســكندرية أعظــم مــن‬ ‫أمــا‬ ‫القاهــرة؟‪ ،‬وكيــف هــي مدينــة ّ‬ ‫الــرب ّ‬ ‫القاهــرة فمدينــة الزحــام والغبــار؟ تســتأهل‬ ‫اإلســكندرية انتماء اإلســكندريين لها‪ ،‬الذي‬ ‫ينطــوي علــى شــوفينية‪ ،‬إذ لإلســكندرية‬ ‫الخصوصيــة الشــعرية ذاتهــا التــي تملكهــا‬ ‫القاهــرة‪ ،‬فهــي مدينــة موغلــة فــي القــدم‪،‬‬ ‫وهــي الكوزموبليتانيــة القديمــة‪ ،‬وحاميــة‬ ‫الماريا‪ ،‬قبل أن تصير‬ ‫التعددية‪ ،‬إسكندرية‬ ‫ّ‬ ‫معق ًال لمدرسة سلفية كبيرة في التسعينيات‬ ‫وتشــيخ بعدمــا تهّدلــت مالمحهــا الثقافيــة‬ ‫والجمالية أللسنتها وأعراقها القديمة‪ ،‬إال أنها‬ ‫تظل محتفظة بجمــال قديم‪:‬‬ ‫ومع تســاقطها ّ‬ ‫تقــر مدينــة اإلســكندر األكبــر‪ /‬بــإن الشــاعر‬ ‫األسمر‪ /‬ما عادش بيوحش الكورنيش‪/‬على‬ ‫وأي قاهــري زعالن‪/‬يقول للنيل‪/‬‬ ‫المذكور ّ‬ ‫وقال يعني خــاص النيل بيســتحمل دموع‬ ‫الناس‪/‬على المذكور‪ ..‬يبطل يشتكي للبحر‪/‬‬ ‫عشان البحر مش ناقص‪/‬كفاية دموع ناس‬

‫تانية‪ /‬بتســقي البحــر في الثانية‪ ..‬بســتين‬ ‫جرح»‪.‬‬ ‫حظ الشعر‪ .‬المراقبة والتسجيل‬ ‫للمتأملين ّ‬ ‫مجــاالن رائجــان لإليقــاع بالشــعر؛ تــرى‬ ‫فتكتــب‪ ،‬وكلّمــا َّاتســعت رؤيتــك‪ ،‬ضاقــت‬ ‫عبارتك‪ ،‬فصــارت شــعرية‪ ،‬تــرى فتحكي‪،‬‬ ‫مثال‪ ،‬حكايات عن وسط المدينة وحاناتها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫عــن قططهــا‪:‬‬ ‫«ربنا‪ /‬خلقت ليه القطط من غير غطا؟‪/‬‬ ‫شــايف عينيهــم ترتعش‪/‬أكتــر مــن الرعــش‬ ‫المزيــف للبشــر مــن غيــر شــتا‪ /.‬ربنــا‪/‬‬ ‫َفّهمني ليــه الخلق مــش بيصلوا غيــر للبوح‬ ‫والمسألة‪/‬فهمني‪/‬ومش مجبر أكيد‪/‬أنا اللي‬ ‫مجبر ومبتلى‪ /‬بامتالك الشعر واألسئلة»‪.‬‬ ‫للقاهــري الــذي يكتــب الشــعر تفاصيلــه‬ ‫الخاصة‪ ،‬وأفكاره الذاتية عن الخالص وعن‬ ‫تبســيطه وتكثيفــه ألزمــات الوجــود‪ ،‬حيــث‬ ‫تبدو ذاتيــة التفاصيــل لدى زيــكا‪ ،‬جلية في‬ ‫غالبية قصائــد مجموعته الشــعرية األولى‪:‬‬ ‫«بحبك‪/‬ألنك آخر ميكروباص‪ ..‬بآخر جنيه‬ ‫َّ‬ ‫الميــة الوحيد‪/‬ألنك فرصة‬ ‫معايا‪/‬ألنك بؤ َّ‬ ‫الشــمس الوحيــدة‪ ..‬فــي التخفي‪/‬شــوف‪/‬‬ ‫كفــك فــي الســام مــش قــد‬ ‫بحبــك‪ /‬رغــم إن َّ‬ ‫َّ‬ ‫كفي»‪.‬‬ ‫أيـ ًا كان‬‫وللقــدر أو التزامــن أو الحتميــة ّ‬ ‫االعتقــاد‪ -‬دور فــي تفاصيــل أي حدوتــة‪،‬‬ ‫حتــى لــو كانــت حدوتــة ِّ‬ ‫بالشــعر‪ ،‬وللــدور‬ ‫مــا لــه ومــا عليــه؛ عليــه يســقط الغضــب‬ ‫والســخط‪ ،‬لــه ابتســامة راضيــة إن أحســن‬ ‫الفعــل‪ ،‬وألن الفعــل الســيئ لــه الغلبــة فــي‬ ‫يتحمــل القــدر النصيــب األكبر‬ ‫كل القصــص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫من ســخط أبطــال الحدوتــة ورواتهــا أيضاً‪،‬‬ ‫أو انتصارهم لمخِّيلة تصنع ســيناريوهات‬ ‫مغايــرة لمــا حــدث‪« :‬يــا بنــت كل البدايــات‬ ‫المفترضة‪/‬أنــا‪ ..‬ابــن النهايــات الغلــط‪ /‬لو‬ ‫كان خــرج م النــار وهــي بتحرقــه‪ /‬جايــز‪..‬‬ ‫كان عــاد بقــوة للصنــم الكبيــر‪ /‬صالحــه‪/‬‬ ‫وطيــب دمعتــه‪ /‬وســاب قلبــه بــدل الفــاس‬ ‫َّ‬ ‫علــى كتافــه»‪.‬‬


‫يف شعر ّية العبور ومآالتها‬ ‫عبد اللطيف الوراري‬ ‫الشــعر‬ ‫المكان في اإلبــداع األدبي‪ ،‬وفي ّ‬ ‫الحيــز والحجم‬ ‫أهم مــن أن يكــون ّ‬ ‫تحديــداً‪ّ ،‬‬ ‫ّر‬ ‫والخــاء‪ ،‬وهوأعظــم ّ‬ ‫فاعليـ ًـة؛ فهــو متجذ ٌ‬ ‫فــي أعماقه ومهــووس بمآالتــه‪ ،‬يتأثَّر به‪،‬‬ ‫وينظمــه‪ ،‬ويعيد بنــاءه وفق‬ ‫ويؤِّثــر فيــه‪ّ ،‬‬ ‫وإذاك يصير المــكان أكثر‬ ‫لعبــة التخييــل ‪ّ ،‬‬ ‫عمقــ ًا مــن لــدن فاعــل الخطــاب‪ ،‬وإدراك ًا‬ ‫وتشــكالته الجديــدة‬ ‫لمعطياتــه ودالالتــه‬ ‫ُّ‬ ‫والمختلفة التي ال يمكن فصلها عن مفهومه‬ ‫ال معه عبر‬ ‫للزمن واللغة والكتابــة‪ ،‬متفاع ً‬ ‫عملية التجادل‪ /‬التجاذب بينه وبين الذات‬ ‫نفسها ‪.‬‬ ‫فــي «معابــر أمجــد ناصــر» (دار الفارس‬ ‫للنشر والتوزيع‪ ،‬عمان)‪ ،‬يقترح علينا الناقد‬ ‫المغربي رشــيد يحياوي بحــث تجلّيات في‬ ‫شــعر الشــاعر األردنــي أمجــد ناصــر داخل‬ ‫ـعرية العبور والســفر»‪ ،‬التي‬ ‫سميه«شـ ّ‬ ‫ما ُي ّ‬ ‫تكشــف عن قلق المكان لدى هذا الشــاعر أو‬ ‫قلق الشــاعر بالمكان نفســه‪ ،‬فمــن يتصفَّح‬ ‫أعمال الشــاعر ينجذب منــذ القــراءة األولى‬ ‫ـظية‬ ‫النصّيــة‪ ،‬إذ هــي متشـ ّ‬ ‫إلغــواء أماكنــه ّ‬ ‫بتقُلّبات الذات الشــاعرة‪.‬‬ ‫ومــن خــال اســتقرائه لرؤيــة أمجــد‬ ‫ذاتية‬ ‫ناصر لألماكن‪ ،‬رأى الناقد أنّها رؤية ّ‬ ‫متورطة في طرح السؤال‪ ،‬وأن المكان عنده‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫فضاء للشــخوص‬ ‫بل‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫فارغ‬ ‫ا‬ ‫ـز‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫ح‬ ‫ّل‬ ‫ث‬ ‫ال يم‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫واألصــوات والســياقات الحاملــة للمعانــي‬ ‫ابتداء من‬ ‫اســتدل على ذلك‬ ‫واألسئلة‪ .‬وقد‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫الباكورة الشعرية لهذا الشاعر‪ ،‬الموسومة‬ ‫بـ«مديح لمقهى آخر»‪ ،‬إذ يجد فيها أنموذج ًا‬ ‫يغص بالمكان ويستقطر منه‪ ،‬فهو‬ ‫شعري ًا ُّ‬ ‫ّ‬ ‫من أكثر دواوينه ذكرًا ألسماء األماكن‪ .‬فمن‬ ‫جهــة أولــى‪ ،‬هنــاك تشــاكل أماكــن البــداوة‬ ‫والمدينة‪ ،‬مــن عمان إلى بيــروت‪ ،‬في ٍ‬ ‫ذات‬ ‫ٍ‬ ‫هاجــس مســيطر هــو كونهــا‬ ‫قلقــة بســبب‬ ‫ٍ‬ ‫موجــودة َق ْســرًا فــي المــكان‪« :‬مــكان غيــر‬ ‫بــكل غربتــه‬ ‫أليــف بــدل أن تملكــه يملكهــا ّ‬

‫عنهــا‪ ،‬فــا يبقــى لهــا ســوى التحـ ُّـرر مــن‬ ‫ســطوته باللغــة»‪.‬‬ ‫ومــن جهــة أخــرى‪ ،‬وترتيبــ ًا علــى‬ ‫ذلــك‪ ،‬يظهــر أن مصيــر ذات الشــاعر هــو‬ ‫أداة الختــراق المكان‪ُ ،‬ثّم‬ ‫الرحيل بوصفه ً‬ ‫أن رحلتها هي رحلة‬ ‫سرعان ما تجد الذات ّ‬ ‫وإن ذلك لمن التقاســيم‬ ‫ُفْق ٍ‬ ‫دان ال ُب ـّد منهــا؛ ّ‬ ‫ويــة هــذه الــذات‬ ‫المتالمحــة التــي ُتشـّـكل ُه ّ‬ ‫األول‬ ‫ناصر‬ ‫أمجد‬ ‫التي نكتشفها في ديوان‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫متنوعة‪،‬‬ ‫وتســتعيدها‪ ،‬بعالئم‬ ‫وتلوينات ُِ‬ ‫دواوينــه التاليــة‪.‬‬ ‫في حين تنبنــي مفــردات المــكان اآلخر‬ ‫و«الهناك»‪ ،‬وهو مــكان المدن‬ ‫«الهنــا»‬ ‫ُ‬ ‫بيــن ُ‬ ‫البعيدة التي ال تصلها الذات حتى بالحلم‪،‬‬ ‫ألنّها منذورة للمستحيل‪ .‬من هنا‪ ،‬تنكشف‬ ‫الرؤيــة التراجيديــة للمــكان‪ ،‬التــي تتصدع‬ ‫أهم ما‬ ‫بـ«القلق واستحالة البديل»‪ ،‬وليس ّ‬ ‫يعكس هذه الرؤيــة مثل الرؤيــة العبورية‬ ‫بوصفهــا ضــرورة وجوديــة فــي اختراقها‬ ‫األمكنة والتعبير عن ِّ‬ ‫تشظياتها ونتوءاتها‬ ‫الفاقعة‪ .‬وفي هذا الصدد‪ ،‬ليس من الغريب‬ ‫أن تطفــح لغــة أمجــد ناصــر الشــعرية أو‬ ‫الواصفة بالمفــردات الدالّة على «التأمكن»‬ ‫ضمن سياق تشكيل الرؤية العبورية القلقة‬ ‫لدى الشــاعر‪.‬‬ ‫ويســتخلص الناقد رشــيد يحياوي من‬

‫قراءته لمجموع أعمال الشاعر‪ ،‬عّد َة تقُل ٍ‬ ‫ّبات‬ ‫ٍ‬ ‫وحاالت ألفعال العبور‪ ،‬ويحصرها في مثل‬ ‫ٍ‬ ‫تجربة‬ ‫مجموعة داّلــة ومائزة‪ ،‬تكشــف عن‬ ‫تتطور باستمرار‪ :‬العبور الجماعي؛‬ ‫كتابيٍة ّ‬ ‫ّ‬ ‫تتأمــل الــذات الفرديــة فــي مصيرهــا‬ ‫ـث‬ ‫حيـ‬ ‫ّ‬ ‫ومصيــر غيرهــا بصيغــة الجمــع‪ .‬والعبــور‬ ‫نحــو الشــتات؛ وفيــه تنتهــي الجماعــة إلى‬ ‫تالش‪ .‬العبــور التطهيــري؛ ُيمّثــل فيه فعل‬ ‫ٍ‬ ‫ووالدة جديــدة‪.‬‬ ‫العبــور مطهــرًا وخالص ـ ًا‬ ‫ً‬ ‫والعبــور بالخفّــة؛ وهــو عبــور يســتحوذ‬ ‫ـعرية الشــاعر آخــذًا بمداركــه لذاته‬ ‫علــى شـ ّ‬ ‫وللكون والمكان‪ .‬والعبور إلى الجسد وفيه‬ ‫وي ًة له فتنغرس فيه‬ ‫يّتخذ الجســد المكان ُه ّ‬ ‫قيم الكائــن ورؤيته للوجــود‪ .‬والعبور في‬ ‫ويخص المــكان البصري لشــكل‬ ‫األشــكال؛‬ ‫ّ‬ ‫وجــود الكتابة علــى الصفحة‪.‬‬ ‫وإذا كانــت العبــورات الخمســة األولــى‬ ‫ُتعنــى بوصــف الموضوعــات والرمــوز‬ ‫واألحــوال والتجــارب التــي يمتــزج فيهــا‬ ‫بالمتخيــل‪ ،‬والفــردي بالجمعــي‪،‬‬ ‫اليومــي‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫التصدعــات وجهـ ًا لوجــه‬ ‫ـه‬ ‫ـ‬ ‫تواج‬ ‫ـة‬ ‫عبــر لغـ‬ ‫ُّ‬ ‫معنيـ ٍـة بالتجريد واألســاطير الكبرى‪،‬‬ ‫غير ّ‬ ‫ـإن العبــور إلى األشــكال يعنــي بــه الناقد‬ ‫فـ ّ‬ ‫نوع آخر يشــهد على عودة‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫ـ‬ ‫مكاني‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫قلق ً‬ ‫ٍ‬ ‫أمجــد ناصــر إلــى مســألة الكتابــة بوصفها‬ ‫مكانـ ًا لعبور األشــكال من جهــة‪ ،‬وبوصف‬ ‫األشــكال نفســها مكان ًا لعبــور الكتابة نحو‬ ‫تحقيــق مغامرتهــا أو رغبتهــا القصــوى في‬ ‫اإلبداعيــة مــن جهــة أخرى‪ .‬لقــد وجــد الناقد‬ ‫في كتاب «حياة كســرد متقطع» تحٌقّق ًا لهذا‬ ‫النــوع مــن القلــق المكانــي‪ ،‬فأمجــد ناصــر‬ ‫شعري ًا خارج قصيدة‬ ‫ألول مرة كتاب ًا‬ ‫ّ‬ ‫ينشر ّ‬ ‫النثــر المشــطورة غيــر واثــق تمــام الثقــة‬ ‫أن مــا يكتبــه يأتــي علــى شــكل قصائد‬ ‫فــي ّ‬ ‫قصديتها ومعمارها الشعري‪،‬‬ ‫متواطأ على‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫وذلك ما خلخل أفق انتظار متلقّي الديوان‬ ‫وانتظاراتهــم‪.‬‬ ‫‪125‬‬


‫مختاراتنا‬

‫إنقاذ األرض من أوراق من‬ ‫الرأسمالية‬ ‫يوميات حوذي‬

‫أصبح بوسع قراء اللغة العربية‬ ‫االطـــــاع عــلــى كــتــاب الــبــاحــث‬ ‫الــفــرنــســي هــيــرفــي كيمف (مــن‬ ‫إجل إنقاذ األرض‪ ،‬اخرجوا من‬ ‫الــرأســمــالــيــة)‪ ،‬بعد أن أصــدره‬ ‫الــمــركــز الــقــومــي للترجمة في‬ ‫القاهرة‪ ،‬تحت عنوان «الخروج‬ ‫مــن الرأسمالية» بترجمة أنــور‬ ‫مغيث‪.‬‬ ‫يــتــحــدث الــكــتــاب عـــن دخـــول‬ ‫الرأسمالية في مرحلة مميتة‪،‬‬ ‫نجمت عنها أزمة اقتصادية كبرى‪،‬‬ ‫وفي الوقت نفسه أزمة بيئية ذات‬ ‫أهمية تــاريــخــيــة‪ .‬وفــق تصور‬ ‫الــمــؤلــف‪ ،‬فــإن الــخــيــار الوحيد‬ ‫المتبقي من أجــل إنقاذ الكوكب‬ ‫هــو الــخــروج مــن الرأسمالية‪،‬‬ ‫وذلك عبر إعادة بناء مجتمع ال‬ ‫يكون فيه االقتصاد حاكمـ ًا بل‬ ‫أداة‪ ،‬ويتفوق فيه التعاون على‬ ‫المنافسة‪ ،‬ويكون للصالح العام‬ ‫األولوية على الربح‪.‬‬ ‫يشرح المؤلف في قصة مبتكرة‪،‬‬ ‫كيف غيرت الرأسمالية نظامها‬ ‫منذ العام ‪ ،0891‬ونجحت في‬ ‫فــرض أنموذجها الــفــردي على‬ ‫السلوك‪ ،‬باإلضافة إلى تهميش‬ ‫المنطق الــجــمــعــي‪ ،‬ولــلــخــروج‬ ‫من ذلك يجب أو ًال التخلص من‬ ‫هــذا الظرف السيكولوجي الذي‬ ‫وضعتنا الرأسمالية تحت وطأته‪.‬‬ ‫ويبين هــذا الكتاب المؤلّف من‬ ‫ثــاثــة فــصــول‪( ،‬الــرأســمــالــيــة‪:‬‬ ‫كــشــف حــســاب قــبــل الــرحــيــل‪،‬‬ ‫عصاب األسواق‪ ،‬سراب التنمية‬ ‫الـــخـــضـــراء)‪ ،‬خــطــر اســتــمــرار‬ ‫النظام الرأسمالي على البشرية‬ ‫بأسرها من خالل ثالثة أنواع من‬ ‫المخاطر‪ :‬بيئية واجتماعية ناتجة‬ ‫عن االستهالك المفرط للطاقة‪،‬‬ ‫ومخاطر اجتماعية ناتجة عن‬ ‫االستهالك الترفي‪ ،‬وسياسية‬ ‫تتهدد الديموقراطية‪.‬‬ ‫‪126‬‬

‫عن مؤسسة شمس للنشر‬ ‫واإلعالم بالقاهرة؛ صدر للقاص‬ ‫العراقي المقيم في كندا‪ ،‬رحمن‬ ‫خضير عباس‪ ،‬مجموعته‬ ‫القصصية «أوراق من يوميات‬ ‫حوذي»‪.‬‬ ‫تتضمن المجموعة ثماني قصص‬ ‫قصيرة‪ ،‬وتمثل عصارة لتجربة‬ ‫الهجرة عن الوطن‪ ،‬تلك الهجرة‬ ‫بهمومها ومكاسبها؛ بأشجانها‬ ‫ومسراتها‪ ،‬والــتــي تتحول الى‬ ‫َقدر ومصير‪ ،‬فلم تكن المجموعة‬ ‫مجرد أوراق من يوميات عابرة‪،‬‬ ‫تعرض‬ ‫بل هي تجارب حياتية َّ‬ ‫لــهــا مــن وجــــدوا أنفسهم فجأة‬ ‫على قارعة االنتظار في أرصفة‬ ‫الــعــالــم‪ ..‬لحظات يمتزج فيها‬ ‫لتؤسس‬ ‫الحقيقي والمتخيل‬ ‫ِّ‬

‫ٍ‬ ‫ألحــــداث صــغــيــرة في‬ ‫مــســرح ـ ًا‬ ‫محتواها؛ كبيرة في تأثيراتها‪،‬‬ ‫حيث تزخر المجموعة بأناس‬ ‫محبطين يبحثون عن الخالص‪،‬‬ ‫بالمدن‪ ،‬وكــأن قطار‬ ‫كما تزخر ُ‬ ‫العمر يجري بــدون توقف بين‬ ‫المدن والمحطات‪ ،‬للبحث عن‬ ‫هذه ُ‬ ‫سقف يحمي إنسانيتهم‪ ...‬وحيث‬ ‫واحــــدة إثــر‬ ‫تتساقط األوراق‬ ‫ً‬ ‫أخرى‪ ،‬لتسجل جملة من المواقف‬ ‫واالحتماالت‪ ،‬وحسابات الربح‬ ‫والخسارة‪.‬‬ ‫أحداث تنأى عن الوطن؛ ولكنها‬ ‫تبقى معلقة في حبل مشيمته‪..‬‬ ‫يقدمها الــقــاص «رحــمــن خضير‬ ‫عباس» إلى القارئ؛ وكأنه يقترح‬ ‫عليه أسئلة لم تزل معلقة وتبحث‬ ‫عن أجوبة‪.‬‬ ‫من قصص المجموعة‪ :‬المقامة‬ ‫الكاريكاتيرية ‪ /‬مـدن ومتاهـات‬ ‫ُ‬ ‫‪ /‬أسـوار ‪ /‬شقة في المنعطف‪ /‬‬ ‫َّت من الوقوف ‪ /‬اللـوحـة‬ ‫جذور مل ْ‬ ‫‪ /‬أوراق من يوميات حــوذي ‪/‬‬ ‫النهر‪.‬‬

‫«حياة الفكر في جمهورية‬ ‫العالم الجديد» الوعي‬ ‫صـــدرت عــن سلسلة إنسانيات‬ ‫بمكتبة األســرة في القاهرة طبعة‬ ‫جديدة من كتاب «حياة الفكر في‬ ‫العالم الجديد» للدكتور زكي نجيب‬ ‫مــحــمــود‪ .‬يــضــم الــكــتــاب ثمانية‬ ‫فصول‪ ،‬يتناول الفصل األول إنشاء‬ ‫دستور الواليات المتحدة ومساهمة‬ ‫جـــون لـــوك فــي وضـــع األســـاس‬ ‫لذلك‪ ،‬كما يعرض لموقف تومس‬

‫جيفرسون من حقوق اإلنسان‪ .‬أما‬ ‫الفصل الثاني فيعرض فيه لموقف‬ ‫رالـــف والــــدو أمــرســن مــن قضية‬ ‫استقالل الفكر؛ إذ ألقى خطابـ ًا‬ ‫عام ‪ 7381‬أمــام الشباب المتخرج‬ ‫في جامعة هارفارد بعنوان «العالم‬ ‫ــــد بمنزلة إعــان‬ ‫وع َّ‬ ‫األمــيــركــي» ُ‬ ‫لالستقالل العقلي‪.‬‬ ‫ويــعــرض الفصل الثالث لفلسفة‬ ‫جوزيا رويس والمثالية المطلقة‪،‬‬ ‫فــي حــيــن تــنــاول الــفــصــل الــرابــع‬ ‫مــوضــوع منطق العلم والعمل‪،‬‬ ‫وفلسفة تشارلز ســانــدرز بيرس‬ ‫واصطناع المنهج العلمي‪.‬‬ ‫أمـــا فــي الــفــصــل الــخــامــس‪ ،‬فــإن‬ ‫الــمــؤلــف يــعــرض لفلسفة وليم‬ ‫جيمس التي وصفها بأنها طريقة‬ ‫قــديــمــة فــي التفكير إشــــارة إلــى‬ ‫مصادرها اليونانية‪ ،‬ووليم جيمس‬ ‫أنــمــوذج للفيلسوف األمــيــركــي‪،‬‬ ‫وعنوان الفلسفة األميركية‪ ،‬وعرف‬ ‫باشتغاله بعلم النفس‪.‬‬ ‫يتناول الفصل السادس الفالسفة‬ ‫الذين يتشبهون بالعلماء وأرادوا‬ ‫أن يجعلوا الفلسفة علمـ ًا كالعلوم‪،‬‬ ‫ومنهم رالــف بارتن بري وأقطاب‬ ‫الواقعية الجديدة والواقعية النقدية‪.‬‬ ‫أمــا الفصل السابع فيعرض فيه‬ ‫لفلسفة جــورج سانيتانا ونورث‬ ‫وايتهد‪ ،‬وأخيرًا يعرض في الفصل‬ ‫الثامن للوضعية المنطقية ويتحدث‬ ‫عن جماعة فيينا ودورها في قيام‬ ‫هذه المدرسة الفلسفية المهمة‪.‬‬

‫في كتاب «جمهورية الوعي» (الهيئة‬ ‫العامة لقصور الثقافة‪ ،‬القاهرة)‬ ‫يقّدم الشاعر والمترجم محمد عيد‬ ‫إبراهيم تجربة فــريــدة فــي ترجمة‬ ‫قصائد شعراء من جميع القارات‪ ،‬كما‬ ‫لو أنه أراد عولمة الشعر وقضاياه‬ ‫عبر اختيارات منتقاة بعناية لهؤالء‬ ‫الشعراء الذين وقع االختيار عليهم‬ ‫لترجمة قصائدهم إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫ويركز في كتابه على ثيمة محددة‪،‬‬ ‫وهي الثورة‪ ،‬بما يتسق مع أجواء‬ ‫الثورات في عالمنا اليوم‪ .‬ويقدمها‬ ‫فــي تجلياتها المختلفة اإلنسانية‬ ‫والفنية‪ ،‬ســواء أكانت ثــورة على‬ ‫الــذات أم كانت ثــورة على اآلخــر أم‬ ‫انقالبـ ًا على الذات واآلخر معاً‪ .‬من‬ ‫شعراء أوروبا نجد قصائد لكل من د‪.‬‬ ‫ج‪ .‬إنرايت‪ ،‬وغونتر غراس‪ ،‬شيموس‬ ‫هيني‪ ،‬فيسوافا شيمبورسكا‪ ،‬غونار‬ ‫أكيلوف‪ ،‬فرناندو بيسوا‪ ،‬ومن أميركا‬ ‫قصائد لكل من اميلي ديكنسون‪ ،‬آن‬ ‫سكستون‪ ،‬تشارلز بوكوفسكي‪،‬‬ ‫أدري ــان ريتش‪ ،‬أميري بركة‪ ،‬ألن‬ ‫غنسبرغ‪ ،‬ومن قارات أخرى قصائد‬ ‫لــكــل مــن ألــكــســنــدر سولغنتسين‪،‬‬ ‫رســـول حــمــزاتــوف‪ ،‬جـــال الــديــن‬

‫الــرومــي‪ ،‬إضــافــة إلــى شــعــراء من‬ ‫أفغانستان‪ ،‬جنوب إفريقيا‪ ،‬والهند‪،‬‬ ‫والكاريبي‪.‬‬ ‫قّدم إبراهيم لمختاراته بتوطئة تحت‬ ‫عنوان «تحوالت جمهورية الوعي»‪،‬‬ ‫ظل هذه التحوالت‬ ‫أكد فيها أنه «في ّ‬ ‫الثورية التي تغمر بالدنا ومنطقتنا‬ ‫العربية‪ ،‬حيث تبث الثورة لهيبها‬ ‫في النفوس‪ ،‬ووميضها في العقول‪،‬‬ ‫وتتقمص قميصها في الــروح؛ وألن‬ ‫ّ‬ ‫منطق الحكمة قد تناهى إلى منطق‬ ‫وضـــر َب العبث‬ ‫الجنون أحيانـاً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫كل شيء حتى اختلط‬ ‫بمذراته في ّ‬ ‫والثوري بمناهض‬ ‫الحابل بالنابل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالحاد‬ ‫ـاد الــصــارم‬ ‫ّ‬ ‫ـوري‪ ،‬والــجـ ّ‬ ‫الــثـ ّ‬ ‫األهوج‪ ،‬لربما ينبغي أن تكون اآلن‬ ‫للشعر كلمة»‪.‬‬


‫الصادق‬ ‫النيهوم في‬ ‫«الدالل»‬ ‫أصــدر المؤرخ سالم الكبتي‬ ‫كــتــاب ـ ًا عــن الــمــفــكــر الليبي‬ ‫الــصــادق النيهوم (‪- 7391‬‬ ‫‪ )4991‬بعنوان «الــدالل» (دار‬ ‫خصه‬ ‫برينتشي ‪ -‬بنغازي)‪ّ ،‬‬ ‫بمقدمة دافع فيها عن الراحل‪،‬‬

‫مع دحض للتهم الموجهة إليه‪،‬‬ ‫خصوص ًا فيما يتعلق بعالقته‬ ‫بالسلطة‪.‬‬ ‫الكتاب تضمن مقاالت للنيهوم‬ ‫ُكتبت بين ‪ 6691‬و‪،4791‬‬ ‫نــاقــش فيها مــســائــل الحياة‬ ‫في ليبيا وفي الوطن العربي‬ ‫وأوروبـــــــا بــأســلــوب أدبـــي‬ ‫سلس‪ ،‬يرتكز على السخرية‬ ‫وطرح األسئلة‪.‬‬ ‫كتب الكبتي في المقدمة‪« :‬تلك‬ ‫مشكلة النيهوم بوضوح‪ ..‬ألن‬ ‫صِنّف‬ ‫السلطة اقتربت منه‪ُ ..‬‬ ‫أنــه فــي ركــابــهــا‪ ..‬وأنـــه أحد‬ ‫عمالئها وأبواقها في محاولة‬ ‫لــعــزلــه خــــارج اإلطــــار الــذي‬ ‫سيظل‪ -‬رغم ًا عنهم‪ -‬داخله‪..‬‬ ‫وتشويهه بطريقة غير أخالقية‬ ‫وجعله بين الناس في الجانب‬ ‫األضعف»‪ .‬ويضيف‪« :‬النيهوم‬ ‫مــع حـــّدة القمع ال يستطيع‬ ‫مثل الكثيرين سواه أن يواجه‬ ‫ديكتاتورية بــمــفــرده‪ ..‬لكنه‬ ‫بمحاوالته‪ ،‬حتى وإن كانت غير‬ ‫ظاهرة للناس‪ ،‬وبدت مهادنة‬ ‫أو ضعيفة‪ ،‬تظل تحسب له»‪.‬‬ ‫ويختتم‪« :‬إن دراســة النيهوم‬ ‫واجبة وضرورية له ولغيره‬ ‫وبــتــســامــح فــكــري ونــقــاش‬ ‫نــزيــه وشــجــاع دون عاطفة‬ ‫أو مجاملة‪ ..‬دون محاباة أو‬ ‫تــحــامــل‪ ..‬فمتى يتحقق ذلك‬ ‫اليوم قبل غد؟»‬

‫فانتازيا‬

‫العبث الواعي‬

‫يبدو الروائي اليمني الشاب‬ ‫طــــال ق ــاس ــم فـــي رواي ــت ــه‬ ‫األولــى «الــواحــد» (المؤسسة‬ ‫العربية للدراسات والنشر‪-‬‬ ‫بيروت)‪ ،‬كما لو أنه يرغب في‬ ‫تقديم شكل ســردي مختلف‪،‬‬ ‫مــن خــال اللعب فــي مبدان‬ ‫الفانتازيا أو التخييل على مداه‬ ‫األوسع‪ .‬هو يسعى لممارسة‬ ‫لعبة‪ ،‬ومــن خاللها العثور‬ ‫على إجابات أو تفاسير لها‪،‬‬ ‫ولو بشكل جزئي‪ .‬البطل «هو‬ ‫شخص ُيدعى جاك‪ ،‬من عائلة‬ ‫بريطانية‪ ،‬تفاجأت عائلته‬ ‫في صباح يوم االثنين بأنه‬ ‫تحول إلى شخص آخر تماماً‪،‬‬ ‫ويدعي أنه شخص عربي من‬ ‫اليمن‪ ،‬ويطلق على نفسه‬ ‫اسم إبراهيم‪ ،‬ويدعي أشياء‬ ‫كثيرة ال تنتمي بشيء إلى‬ ‫عائلته البريطانية أو حتى‬ ‫إلــى بريطانيا‪ ،‬وقــد عاينته‬ ‫ال ــي ــوم ف ــي الــصــبــاح وك ــان‬ ‫ال من الجلسة‬ ‫يبدو غريب ًا فع ً‬ ‫األولــى»‪ .‬وهو يذهب من هذه‬

‫«فـــي روايــــة أخــــرى» لمحمد‬ ‫عـــــاوة حـــاجـــي (‪- pena‬‬ ‫سجلت اختالفها بداية‬ ‫الجزائر) ّ‬ ‫من العنوان وصو ًال إلى تقنية‬ ‫وطريقة الكتابة‪ .‬هي روايــة‬ ‫مختزلة في التفاصيل‪ ،‬مفتوحة‬ ‫المتضادة‬ ‫على تعّدد االحتماالت‬ ‫ّ‬ ‫وغير المتوقعة أحياناً‪ ،‬كأنها‬ ‫تريد القول إن الحياة مستحيلة‬ ‫بــدون احتماالت‪ .‬في فصولها‬ ‫نجد أنفسنا كأننا نقرأ مجموعة‬ ‫من القصص القصيرة وبسياق‬ ‫متالحق ومتتال ومتصادم‪ ،‬فما‬ ‫يمكن قوله إن القصة القصيرة‬ ‫متوافرة في الرواية وجلية‪،‬‬

‫القاعدة في لعبة السرد عبر‬ ‫سياقات زمنية متفاوتة على‬ ‫الرغم من أنها تحكي عن حدث‬ ‫واحـــد‪ .‬ويلعب طــال قاسم‬ ‫على هذا الوتر طوال روايته‬ ‫التي سيكون القارئ‪ -‬بسبب‬ ‫كثافتها‪ -‬مطالب ًا بالحضور‬ ‫بــذهــن مستيقظ كــي يكون‬ ‫قـــــادرًا عــلــى ربـــط كــل ذلــك‬ ‫السرد المتقاطع بكثرة حول‬ ‫حــــدث واحــــد وفــــي حــكــايــة‬ ‫كثيرة بتفاصيلها وبحجمها‬ ‫(‪ 424‬صفحة)‪ ،‬وهــو حجم‬ ‫ضخم مغاير لمعظم الروايات‬ ‫اليمنية‪.‬‬

‫وهـــذا ألن حــاجــي قــاص في‬ ‫المقام األول‪ ،‬هــذا مــا يعني‬ ‫أيــضـ ًا أن فــن القصة مــا زال‬ ‫يسكنه بشكل ما‪ ،‬ولم يتملّص‬ ‫أو يتخلّص منه بعد‪.‬‬ ‫في الرواية نفسها تحضر لعبة‬ ‫تفكيك وإعادة تركيب للزمن‪،‬‬ ‫لألماكن وللشخصيات‪ ،‬كأن‬ ‫هــنــاك وظــيــفــة مــغــريــة في‬ ‫متن الــروايــة تــمــارس لعبة‬ ‫خــلــق وإعــــادة خــلــق‪ ،‬لعبة‬ ‫بــنــاء وإعـــــادة بــنــاء‪ ،‬لعبة‬ ‫سرد وإعــادة سرد بصياغات‬ ‫أخرى‪ .‬هذه كانت لعبة السارد‬ ‫بامتياز‪.‬‬ ‫من فصل إلى آخر ومن احتمال‬ ‫إلى آخر‪ ،‬نكتشف أنها رواية‬ ‫مفتوحة على العبث الواعي‪،‬‬ ‫العبث الحامل ألسئلة الــذات‬ ‫والــهــويــة والـــوجـــود‪ ،‬وهــي‬ ‫منطلقة من الواقع ومنتبهة‬ ‫ومنتهية إليه‪ .‬العبث هنا يلعب‬ ‫بـــ‪ /‬ومــع االحــتــمــاالت‪ .‬وهــذا‬ ‫ما نالحظه أيض ًا في أبطال‬ ‫وشــخــصــيــات حــاجــي‪ ،‬التي‬ ‫تعبث بـ‪/‬ومع االحتماالت‪.‬‬

‫ملحمة‬ ‫عائلة مسيحية‬

‫تستعرض روايــة «نساء القاهرة‬ ‫ دبي» (الدار المصرية اللبنانية‪،‬‬‫الــقــاهــرة) للروائي ناصر عــراق‬ ‫مسيرة أســرة مصرية مسيحية‬ ‫على امتداد نحو ‪ 40‬سنة‪ ،‬بدءًا من‬ ‫العام ‪ 1973‬وحتى العام ‪.2011‬‬ ‫بلغة سلسة وأحــداث متسارعة‪،‬‬ ‫تــقــّدم الـــروايـــة رصــــدًا دقيقـ ًا‬ ‫للتحوالت التي حدثت لهذه األسرة‬ ‫ومدى ارتباطها بالتحوالت التي‬ ‫شهدتها مصر منذ حــرب أكتوبر‬ ‫‪ ،1973‬مــــــرورًا بــالــتــطــورات‬ ‫والمستجدات العربية الفارقة‪،‬‬ ‫ووصــــو ًال إلــى مرحلة «ثـــورات‬ ‫الربيع العربي»‪.‬‬ ‫ربما كانت هذه هي المرة األولى‬ ‫التي نطالع فيها عم ًال إبداعيـ ًا‬ ‫مصريـ ًا يظهر األســرة المسيحية‬ ‫بشكل ملحمي‪ ،‬حيث تتوالى أربعة‬ ‫أجيال بــدءًا من األستاذ جرجس‬ ‫مــدرس اللغة العربية المستنير‬ ‫والمحب لطه حسين‪ ،‬ومـــرورًا‬ ‫بابنته إنصاف التي يتوفى زوجها‬ ‫الضابط بالقوات المسلحة خالل‬ ‫حرب أكتوبر‪/‬تشرين‪ ،‬ثم ننتقل‬ ‫إلى أبنائها من بعد ذلك سوزان‬ ‫ومينا وأنجيل‪ ،‬وينتهي بنا األمر‬ ‫عند الجيل التالي الذي يتمثل في‬ ‫مادلين وفيليب‪ ،‬ابَن ْي سوزان‪.‬‬ ‫لغة السرد في الرواية هي العربية‬ ‫الفصحى فــي معظم األحــيــان‪،‬‬ ‫وتتسم الحكاية بعناصر التشويق‬ ‫واإلثارة‪ ،‬مع وعي تام بجماليات‬ ‫الــمــكــان‪ ،‬ســـواء أكـــان ذل ــك في‬ ‫عاصمة المحروسة أم كــان في‬ ‫مدينة دبي التي باتت ترمز إلى‬ ‫الحداثة والبناء‪ .‬ببساطة اللغة‬ ‫وجــاذبــيــة الــســرد يصنع ناصر‬ ‫عراق جمهوره ويميزه عن عموم‬ ‫جمهور الرواية بالتصاقه بالمرأة‬ ‫وقــضــايــاهــا‪ ،‬واهــتــمــامــه بتذوق‬ ‫الفنون‪ ،‬خاصة الغناء والرسم‪.‬‬ ‫‪127‬‬


‫سينما‬

‫حوار‪ :‬عبد املجيد دقنيش‬

‫المخــرج الســينمائي التونســي الطيــب الوحيشــي‪ ،‬عرفنــاه مــن خالل‬ ‫عــدة أعمــال ســينمائية متميــزة حازت علــى إعجاب الجمهــور والنقاد‬ ‫«ظل األرض» و«مجنون ليلى» و«غوراي‬ ‫على حد السواء‪ ،‬على غرار ّ‬ ‫جزيــرة الجــد» و«عرس القمر» و«رقصة الريح» و«أهل الشــرارة»‪.‬‬ ‫فــي هــذا الحوار لـــ «الدوحة» نقترب من تجربة الطيب الوحيشــي‪،‬‬ ‫ونتعرف على رؤاه الفنية انطالق ًا من فيلمه الجديد «طفل الشــمس»‪.‬‬

‫الطيب الوحيشي ‪:‬‬ ‫الركوب عىل الثورة فني ًا مسألة فيها ترسع‬ ‫§ «طفــل الشــمس» عنــوان فيلمــك الجديد‪..‬‬ ‫أي أبعــاد فنيــة ومضمونيــة لهــذا العنــوان‬ ‫فــي قصــة الفيلــم؟‬ ‫ فــي اعتقــادي أن العنــوان ينبغــي أن‬‫يتطابــق مــع الموضوع ومــع فحوى العمل‬ ‫الفني واإلبداعي ككل‪ .‬وقد اكتشــفت صدفة‬ ‫أن أغلــب عناوينــي تأتــي مــن دراســاتي‬ ‫الفلسفية آلثار غاستون باشالر‪ .‬والعنوان‬ ‫دومـ ًا يعطينــا صورة شــاعرية أبحث عنها‬ ‫وأرجــو أن تكــون موجــودة فــي أعمالــي‪.‬‬ ‫قصــة الفيلم بســيطة ولكنها ليســت بريئة‪،‬‬ ‫وتحكــي قصــة ثالثــة شــبان يســهرون إلــى‬ ‫مطلــع الفجر وبعــد ليلة صاخبة يقتحمون‬ ‫منز ًال ويجدون أنفسهم أمام شخص نكتشف‬ ‫أنــه كاتــب أدبي ومن ثمة تبدأ حبكة الفيلم‬ ‫وقصتــه التــي تحمــل شــيئ ًا مــن التالعــب‬ ‫والتشــويش مــن قبــل الكاتــب‪ ،‬لكــن أبعــاد‬ ‫هــذه القصــة تبدو لي عميقــة ألن فيها بحث ًا‬ ‫عــن الهويــة وبحثـ ًا عــن األب‪ ،‬واألب هنــا‪،‬‬ ‫يفهــم دون العــودة إلى فرويد ومفهوم قتل‬ ‫األب‪ ،‬وأيضــ ًا بحثــ ًا عــن القريــة بــكل مــا‬ ‫تحملــه مــن أبعــاد رمزيــة‪ .‬كمــا تشــير قصة‬ ‫الفيلــم إلــى موضوع دور الكاتــب والمثقف‬ ‫‪128‬‬

‫ أي عمــل فنــي ليســت فيــه مراوحــة‬‫ا‬ ‫بيــن الذاتــي والموضوعــي ال أعتبــره عمـ ً‬ ‫إبداعيـاً‪ ،‬فــكل عمــل إبداعــي فيــه شــيء من‬ ‫ال انطلقت من هذا الحادث‬ ‫الذاتيــة‪ ،‬وأنا مث ً‬ ‫الفظيــع الــذي تعرضــت لــه‪ ،‬وهــو قــدري‪،‬‬ ‫ولكنني لم أقتصر على ذلك‪ ،‬بل إن حبكة‬ ‫الفيلــم معقــدة وفيهــا الكثيــر مــن األحــداث‬ ‫الخياليــة‪ .‬وبصفــة عامة إن الســينما تعتمد‬ ‫علــى المشــهد وتحــاول أن تقــدم للمتفــرج‬ ‫شــيئ ًا يليــق بــه ويتــاءم مــع ذوقــه وتريــد‬ ‫أن تؤثــر فيــه وتحفــزه علــى التفكيــر‪ ،‬هــذا‬ ‫هــو تصــوري للســينما وعــادة فــي أعمالــي‬ ‫أنطلــق مــن واقعــة وقعــت لــي‪.‬‬ ‫الطيب الوحيشي‬

‫وأيض ًا إشــكالية عالقتنا باآلخر والهويات‬ ‫المتعــددة لإلنســان العربــي فهــو المســلم‬ ‫والبربــري والمتوســطي واإلفريقي‪.‬‬ ‫§ يالحــظ أن قصــة الفيلــم تحمــل الكثيــر‬ ‫مــن ســيرتك الذاتيــة‪ ،‬فهــل نحــن أمــام فيلــم‬ ‫يــؤرخ لحياتــك الشــخصية؟‬

‫§ ولكــن شــخصية الكاتــب التــي يــؤدي‬ ‫دورهــا هشــام رســتم تشــبهك حــد التطابق؟‬ ‫ ال‪ ،‬هــذا ليــس صحيحــ ًا وليــس‬‫ال في فيلم «رقصة الريح»‬ ‫بالضرورة‪ ،‬فمث ً‬ ‫اخترت المخرج الجزائري محمد شويخ في‬ ‫الــدور الرئيســي حتــى ال يقــول مــن يشــاهد‬ ‫الفيلــم إن هــذه الشــخصية هــي شــخصية‬ ‫الطيــب الوحيشــي‪ ،‬ولذلــك فــي اعتقــادي‬ ‫أن هــذه مســألة مغلوطــة رغم إقــراري بأن‬


‫مشــهد من «طفل الشمس»‬

‫هــذا الواقــع المؤلــم كمــا أشــرت هــو نتيجة‬ ‫للعولمــة ومــا بعــد هــذه المرحلــة الخطيــرة‬ ‫التي انحدر فيها الوعي اإلنساني وخرجت‬ ‫إلــى الســطح قضايــا جديــدة‪ ،‬ولذلــك كلــه‬ ‫أنــا ال أريــد فلســفة وجوديــة وإنمــا أبحــث‬ ‫عــن وعــي شــعوبنا العربيــة‪.‬‬ ‫§ االشــتغال علــى الذاكــرة والبحــث عــن‬ ‫الجــذور والــذات‪ ،‬تيمــة أساســية فــي أغلــب‬ ‫أعمالــك الســابقة‪ ،‬هــل تســعى إلــى مشــروع‬ ‫فنــي متكامــل مــن عمــل إلــى آخــر؟‬ ‫ا مــا‬ ‫الفــن ذاتــي أو ال يكــون‪ ،‬وهــذا مثــ ً‬ ‫ســار عليــه وودي أالن وبارغمــان وجــون‬ ‫هوســتن‪ .‬غيــر أن هــذه الذاتيــة ينبغــي أال‬ ‫تطغــى علــى المواضيــع الرئيســية التــي‬ ‫يتطــرق إليها العمل الفني‪ .‬ولألســف حالة‬ ‫التخلــف التــي نعيشــها فــي الوطــن العربي‬ ‫وفــي دول جنوب المتوســط تفــرض علينا‬ ‫طرح قضايا وتساؤالت ملحة وآنية ومهمة‬ ‫ونبتعــد عــن األســئلة الذاتيــة‪ ،‬ويجــب أال‬ ‫نغــض الطرف باســم اإلبداع عــن مواضيع‬ ‫آنية خطيرة تستحق التطرق إليها بجدية‪.‬‬ ‫إن اإلنســان العربــي أصبــح يتســاءل عــن‬ ‫دينــه وثقافتــه وحضارتــه وشــخصيته‬ ‫وتاريخــه وهويتــه وال يجــد نفســه بيــن‬ ‫كل هــذه التجاذبــات التــي أصبحــت خطــرة‬ ‫علــى حياتنــا ووضعنــا األمنــي‪.‬‬ ‫§ شــخصية «يانيــس» الشــاب الــذي رجــع‬ ‫مــن فرنســا يبحــث عــن جــذوره وعــن أبيــه‪،‬‬ ‫هــي شــخصية مكثفــة ومحوريــة فــي الفيلم‬ ‫وتحمــل فــي داخلهــا عــدة أبعــاد ورمــوز‪،‬‬ ‫وبيــن الشــمال والجنــوب يضيــع «يانيــس»‬ ‫ويســافر بحثــ ًا عــن هويتــه وأصلــه‪،‬‬ ‫وقــد اســتحضرت مــن خاللهــا شــخصية‬ ‫مصطفــى ســعيد فــي روايــة «موســم‬ ‫الهجــرة إلــى الشــمال» للطيــب صالــح‪.‬‬ ‫فــأي قصديــة وأي أبعــاد لهــذه الشــخصية؟‬ ‫ولمــاذا هــذا التشــاؤم المغلــف والمرافــق‬ ‫لحياتهــا ومصيرهــا؟‬ ‫ شــكراً‪ ،‬ســؤال فــي مكانــه‪ ،‬شــخصية‬‫«يانيــس» فيهــا الكثيــر مــن الــدالالت‬ ‫والرموز‪ ،‬فيانيس أصله أوروبي وإفريقي‬

‫ فــي مســاري المتواضــع أومــن بــأن‬‫اإلنسان يجب أن يتساءل والمشاهد ينبغي‬ ‫أن يعي بما يحدث حوله وبعالقته بنفسه‬ ‫وباآلخــر وبالعالــم‪ ،‬أن يعــي بموقعــه فــي‬ ‫المجتمــع‪ .‬ومــن هنا أومن بالوحــدة الفنية‬ ‫والتكامل بين كل األعمال الســينمائية التي‬ ‫أنتجهــا ومــن خــال ذلــك كلــه أحــاول أن‬ ‫أخلق مساري وأحافظ على أفكاري وأكون‬ ‫مخلص ـ ًا لهــا‪ .‬بالنهايــة أســتطيع أن أقــول‬ ‫إن مشــروعي الفنــي ينبنــي علــى اإلنســان‬ ‫فــي إطالقيته‪.‬‬ ‫ومتوســطي‪ ،‬قــدم مــن أوروبــا بحث ـ ًا عــن‬ ‫أبيــه الــذي هو من شــمال إفريقيــا وقد فعل‬ ‫ذلــك حتــى يقــرب بيننــا‪ .‬وإن أخــذت هــذه‬ ‫القصــة وقارنتهــا بواقعنــا الراهــن ســتجد‬ ‫تطابق ـ ًا كبيــرًا وتوازي ـاً‪ .‬ومــا تصفــه أنــت‬ ‫فــي ســؤالك بأنــه تشــاؤم إنما هــو واقعية‬ ‫واع‪.‬‬ ‫منــي وتســاؤل ٍ‬ ‫§ البحــث عــن الــذات والجــذور فــي‬ ‫شــخصية «يانيــس» هــل هــو بحثــك عــن‬ ‫ذاتــك كمبــدع وتســاؤلك عــن وجــودك‬ ‫ومعنــاه؟‬ ‫ أنــا متــوازن الــذات والحمــد هلل‬‫والوجوديــة انتهت مع جون بول ســارتر‪،‬‬ ‫ولكــن المســألة فــي نظري أصبحت مســألة‬ ‫وعي ينكشــف بحكم واقعنا المؤلم‪ ،‬لنأخذ‬ ‫مث ًال خريطة العالم العربي أو حتى إفريقيا‬ ‫والمســألة قــد وصلــت أوكرانيــا وفنزويال‪،‬‬

‫§ الحظنــا أن الفيلــم لــم يتطــرق بصفــة‬ ‫مباشــرة إلــى أحــداث الثــورة التونســية؟‬ ‫ أظــن أن الثــورة التونســية مازالــت‬‫فــي حالــة مخاض وال يمكــن الركوب عليها‬ ‫اآلن وحبســها فــي عمــل فنــي متســرع‪ .‬هــذا‬ ‫مــن ناحيــة‪ ،‬ومــن ناحيــة أخــرى‪ ،‬لعلمك‪،‬‬ ‫فقــد أنجــزت فيلمـ ًا قصيــرًا في فترة ســابقة‬ ‫عــن الثــورة بعنــوان «أهــل الشــرارة» وأنــا‬ ‫راض عنه ومرتاح الضمير‪ .‬وال أعتقد بأن‬ ‫األيديولوجيــا تقتــل الثــورة وال اإلبــداع‪،‬‬ ‫ولكــن فــي اآلن نفســه ال يجب الركوب على‬ ‫ا المخــرج ســيرجي‬ ‫الحــدث بتســرع‪ .‬ومث ـ ً‬ ‫ايزنشــتاين حينمــا كان يعمــل لصالــح‬ ‫الشــيوعية أنجــز أفضــل أعمالــه‪ .‬كمــا أن‬ ‫الثــورة ال يمكنــك أن تعطيهــا حــق قدرهــا‬ ‫إال بعــد أن تكتمــل‪.‬‬ ‫‪129‬‬


‫«فتاة المصنع»‬ ‫كبوات وزغاريد‬ ‫القاهرة‪ :‬محمد عاطف‬

‫ال أنكــر حجــم القلــق الــذي شــعرت بــه‬ ‫مــن كــم المقــاالت النقدية التي نشــرت عن‬ ‫أحــدث أفــام المخــرج الكبيــر محمــد خــان‬ ‫«فتاة المصنع» (قبل طرحه)‪ .‬وبالرغم من‬ ‫اطمئناني آلراء كثير من الزمالء واألساتذة‬ ‫الذين أثنوا عليه‪ ،‬وقناعتي ‪-‬كمشاهد في‬ ‫المقــام األول‪ -‬أن «ســينما خــان» ال تخــذل‬ ‫عاشــقها‪ ،‬الســيما وإن كان مصريـ ًا ومــن‬ ‫أبنــاء «الجيــل» الــذي أنتمــي إليــه‪ ،‬بــكل‬ ‫مــا تحملــه الكلمــة مــن خصوصيــة ثقافية‬ ‫ســاهم فــي صقلهــا ســينما الشــاب الــذي‬ ‫ناهــز الســبعين «خان»‪ .‬فقــد آثرت انتظار‬ ‫العــرض الجماهيــري للفيلــم ‪ -‬وإن كنــت‬ ‫اســتمتعت بمشــاهدته قبــل ذلــك بشــهرين‬ ‫تقريبـاً‪ .‬أردت منــح عقلــي فرصــة التمــرد‬ ‫علــى تلك «اإليفوريا الخانية» المصحوب‬ ‫بها الفيلم بمشــاهدتي الثانية له‪ ،‬لكن إذا‬ ‫بــي أتماهى معها‪ ،‬فالعمل الجميل يفرض‬ ‫ذاتــه‪ ،‬بــل ويؤكدهــا مع كل مشــاهدة وإن‬ ‫تكــررت عشــرات المرات‪.‬‬ ‫تطــل علينــا «فتــاة المصنــع» أو أصغر‬ ‫«بنــات خــان» مــن خــال قصــة «هيــام‪/‬‬ ‫ياســمين رئيــس» التــي تدنــو بخطــوات‬ ‫ثابتــة نحو العنوســة كســائر بنات جيلها‬ ‫وطبقتها الفقيرة‪ ،‬وتقع من أول نظرة في‬ ‫حــب المهندس «صالح‪/‬هانــي عادل» ابن‬ ‫الطبقة الوسطى‪ ،‬بكل الشباب والوسامة‬ ‫التــي تجعــل منــه فــارس أحــام أي فتــاة‬ ‫‪130‬‬

‫فــي ســنها وظروفهــا‪ .‬لكــن ال تلبــث قصــة‬ ‫الحــب التــي نمــت داخلهــا ‪ -‬مــن طــرف‬ ‫واحــد‪ -‬أن تقتــرب مــن نهايــة مأســوية‪،‬‬ ‫لــوال حــب وانحياز «خــان» المعتاد لبناته‬ ‫مــن جهــة‪ ،‬وإلــى من هــم «تحــت» من جهة‬ ‫أخــرى‪ .‬كمــا لــم تــأت النهايــة علــى النمــط‬ ‫السعيد المعتاد الذي يتوج قصص الحب‪،‬‬ ‫فانتصــار األنثــى ال يتلخــص دائمــ ًا فــي‬ ‫حصولهــا علــى فتــى أحالمهــا‪ .‬فاســترداد‬ ‫الكرامــة واالعتــداد بالنفــس أهــم وأبقى‪..‬‬ ‫وهــو مــا يؤكــده «خــان» لبناتــه دائم ـاً‪..‬‬ ‫بدايــة مــن االنتقــام العنيــف الــذي قامــت‬ ‫بــه «نــوال‪ -‬موعــد علــى العشــاء»‪ ،‬مــرورًا‬ ‫بصبــر ورباطــة جــأش «دالل‪ -‬الحريف»‪،‬‬ ‫أو الحــرص علــى الحريــة الــذي تتمتــع به‬

‫«كاميليــا‪ -‬أحالم هنــد وكاميليا»‪ ،‬وانتهاء‬ ‫بانتصــار آخــر عنقــوده «هيــام»‪.‬‬ ‫اســتطاعت قــوة االنثى فــي فيلم «فتاة‬ ‫المصنــع» الفصــل فــي عــدة أمــور مثلــت‬ ‫جميعـ ًا عــددًا كبيرًا مــن العناصر الجمالية‬ ‫فــي الفيلم‪ .‬وال يقصد باألنثى هنا «هيام»‬ ‫فحسب؛ بل أمها «عيدة‪/‬سلوى خطاب»‪،‬‬ ‫وخالتهــا «سميرة‪/‬ســلوى محمــد علــي»‪،‬‬ ‫وزميلتهــا «نصرة‪/‬ابتهــال الصريطــي»‪.‬‬ ‫فقــد عضــدت قــوة كل مــن (عيدة وســميرة‬ ‫ونصــرة) «هيــام» فــي لحظــات ضعفهــا‪،‬‬ ‫حيث كادت «عيدة» تشطر زوجها بالسكين‬ ‫عندمــا أتــى بإخوتهــا لممارســة ذكوريــة‬ ‫انتقاميــة هوجاء علــى ابنتها‪ ،‬وثأرت لها‬ ‫من ظلم الجدة‪ .‬أما «ســميرة» فاحتضنتها‬ ‫عندمــا أحســت انهزامهــا الطبقــي أمــام‬ ‫حبيبهــا‪ ،‬وعندمــا لــم تســتوعبها األم فــي‬ ‫بدايــة األزمــة‪ .‬كمــا دافعــت عنهــا «نصــرة»‬ ‫مــرارًا ضــد نميمــة وتنمر فتيــات المصنع‪.‬‬ ‫بالضبــط‪ ،‬مثلمــا كانت «هيام» قبل أزمتها‬ ‫صفيتهــم الوفيــة‪ .‬فقــد مثلت «هيــام» رجل‬ ‫البيــت الثانــي ألمها‪ ،‬وحفظت ســر خالتها‬ ‫التــي أخفتــه حتــى عــن ابنتهــا‪ ،‬وظلــت‬ ‫الصديقــة الوحيــدة الوفيــة لزميلتها‪.‬‬ ‫أنقــذت «قــوة األنثــى» األحــداث مــن‬ ‫الوقــوع فــي فــخ ميلودرامــي فــي كثيــر‬ ‫مــن المشــاهد‪ ،‬وبــد ًال مــن أن تــؤول كثيــر‬ ‫مــن المشــاهد القاســية إلــى بكائيــة زاعقة‬


‫مشهد من «فتاة المصنع»‬

‫تــدل علــى القهــر الــذي تعيشــه األنثــى فــي‬ ‫المجتمــع المصــري‪ ،‬تحولــت إلــى مشــاهد‬ ‫محوريــة تعبــر عــن روعــة الفيلــم؛ ســواء‬ ‫علــى مســتوى التأليــف‪ ،‬أو اإلخــراج‪ ،‬أو‬ ‫األداء‪.‬‬ ‫وأظن أن الرسم المحكم الذي وضعته‬ ‫مؤلفة الفيلم «وسام سليمان» لشخصيات‬ ‫«فتاة المصنع» من خالل عالقاتها الثنائية‬ ‫ببعضهــا‪ ،‬كل علــى حــدة‪ ،‬ســيجعل مــن‬ ‫الفيلم نموذج ًا ُيدرس لسنوات‪ .‬باإلضافة‬ ‫إلى روعة التفاصيل اإلنسانية التي لمست‬ ‫ا عــن تأكيد‬ ‫األرض برهافــة شــديدة‪ ،‬فضـ ً‬ ‫«فتاة المصنع» أن الصعود القوي والمتميز‬ ‫لمخرجــات الســينما الجديــدة أمثــال أيتــن‬ ‫أمين ونادين خان وماجي مرجان‪ ،..‬يسير‬ ‫بالتــوازي مــع صعــود لمؤلفــات يعبــرن‬ ‫عــن نبــض الســينما الجديــدة أمثــال‪ ،‬عــا‬ ‫الشــافعي ومريــم نعوم ووســام ســليمان‬ ‫وغيرهن‪.‬‬ ‫انحــاز «خان» إلى طبقة «هيام» مقابل‬ ‫تذبــذب وجبــن طبقــة «صــاح»‪ .‬فالرضــا‬ ‫أهــم مــا تتغــذى عليــه «هيــام» ومحيطها‪،‬‬ ‫بينمــا الخــوف علــى «التســكين الطبقــي»‬ ‫اســتنادًا إلــى لقــب «الباشــمهندس» كان‬ ‫المحــرك األساســي لفظاظــة «صــاح»‬ ‫وأمه عند األزمة‪ .‬فأقل القليل يكفي طبقة‬ ‫«هيــام» ويشــعرها باألمــان‪ ،‬وال أدل على‬ ‫ذلــك مــن المشــاهد بديعــة التشــكيل لــأم‬

‫«عيــدة» وهــي تحتضــن زوجهــا‪ ،‬أو نــوم‬ ‫«هيــام» وأختهــا الصغيــرة وخالتهــا فــي‬ ‫صنــدوق ســيارة النقــل التــي يســترزق‬ ‫بهــا زوج األم كســائق‪ ،‬وكأن صنــدوق‬ ‫ال عند‬ ‫السيارة يمثل مالذًا آمن ًا ومنز ًال بدي ً‬ ‫الشــدة‪ ،‬ال يجــرؤ أحــد علــى إيذائهــم فيــه‪.‬‬ ‫بينمــا أقــل تهديد يمس «الوضــع الطبقي»‬ ‫أظهــر «صــاح» مرتعدًا يقــذف «هيام» عن‬ ‫ضعــف فــي مشــهد «لقــاء جروبــي» بوابــل‬ ‫مــن الطعنــات فــي شــرفها حتــى يزيل عن‬ ‫نفســه شــبهة تضطــره إلــى الــزواج منها‪،‬‬ ‫وبالتالي النزول االجتماعي درجة‪ ،‬لترمقه‬ ‫«هيام» بنظرات أســى ثــم وعيد بأن ينال‬ ‫جزاء إهانة شرفها إذا ما استمر في حديثه‬ ‫المقيــت‪ ،‬ممــا جعلــه مذعــورًا أمــام ثبــات‬ ‫جســدها النحيــل‪ ،‬وقوة نظــرات بنت البلد‬ ‫التــي ال تطيــق كلمــة علــى ســمعتها‪ .‬وهو‬ ‫أحــد أهــم المشــاهد التــي أظهــرت براعــة‬ ‫«خــان» فــي توظيــف وجهين ســينمائيين‬ ‫شابين طالما تم التشكيك في موهبتهما‪،‬‬ ‫ليلفت ‪ -‬كعادته في إعادة صناعة النجوم‬ ‫ األنظــار لقــدرات تمثيليــة هائلــة لــدى‬‫هانــي عــادل وياســمين رئيــس‪ ،‬لــم تكــن‬ ‫أخــذت الفرصــة المناســبة حتــى نطــق‬ ‫«خان» أول «أكشــن» في «فتاة المصنع»‪.‬‬ ‫الحديث عن األداء في «فتاة المصنع» ال‬ ‫يمكن أن يمر دون االنحناء أمام العبقرية‬ ‫«لســلوتي» الدرامــا المصريــة‬ ‫التمثيليــة‬ ‫ّ‬

‫ســلوى خطــاب وســلوى محمــد علــي‪.‬‬ ‫فبينمــا كانــت ســلوى خطــاب تســتدعي‬ ‫بــذكاء وحــرص شــديدين فــي آن واحــد‬ ‫شــبح األم «ســمرة‪ -‬نيــران صديقة» الذي‬ ‫لعبته ببراعة منذ شهور‪ ،‬وأخرجت أعذب‬ ‫مــا فيــه لينتــج «عيــدة»‪ ،‬لــم تشــأ ســلوى‬ ‫محمد علي استدعاء شبح العمة «وجيدة‪-‬‬ ‫مذكرات مراهقة» أو الخالة «مديحة‪ -‬ذات»‬ ‫لتثبــت وعيـ ًا فــذًا بعمــق الشــخصية التــي‬ ‫تلعبهــا في كل عمل‪ ،‬وتجنب تام للتعامل‬ ‫معهــا مــن علــى الســطح‪ ،‬وإن تشــابهت‬ ‫ا تلــو اآلخر‬ ‫الشــخصيات؛ لتســتطيع عمـ ً‬ ‫التمــرد علــى قولبــة الــدور الواحــد باقتدار‬ ‫يليــق بموهبتهــا االســتثنائية‪ .‬أمــا عــن‬ ‫الوجــه الصاعــد «ابتهــال الصريطــي» فقــد‬ ‫اســتطاعت لعــب دور «نصــرة» بحرفيــة‬ ‫جعلــت مــن الصعــب تخيــل ممثلــة أخــرى‬ ‫تمثــل الــدور‪.‬‬ ‫وأخيــراً‪ ،‬فقد توج صوت «الســندريال»‬ ‫الجرعــة الســينمائية الدســمة لفيلــم «فتاة‬ ‫المصنــع» بكــم مــا تحملــه مــن جماليــات‪.‬‬ ‫حيث لعب دور الســكتات الموســيقية بين‬ ‫فصــول التصاعــد الدرامــي في ســيمفونية‬ ‫«خــان» الجديــدة التــي اختتمــت بمقطوعة‬ ‫راقصــة علــى أنغــام الســاحر جــورج‬ ‫كازازيــان‪ ،‬تــدق أجــراس بشــارة عــام‬ ‫ســينمائي لــم نــر روعتــه منــذ ســنوات‬ ‫طويلــة‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫«مسقط السينمائي الدويل»‬ ‫هل ت َّتحد املهرجانات العربية؟‬

‫مسقط‪ :‬محمد اشويكة‬ ‫أســدل الســتار على دورة هذه السنة‪،‬‬ ‫وهي الثامنة من فعاليات مهرجان مسقط‬ ‫الســينمائي الدولي التي نظمتها الجمعية‬ ‫العمانيــة للســينما بمدينــة مســقط خــال‬ ‫األســبوع األخيــر مــن مــارس المنصــرم‪،‬‬ ‫وقــد شــهد حفــل االفتتــاح‪ ،‬الــذي تخللتــه‬ ‫عــدة فقـ ٍ‬ ‫ـرات فنيـٍـة وتكريــم مجموعــة مــن‬ ‫الفنانيــن‪ ،‬تأكيــد إدارة المهرجــان فــي‬ ‫كلمة افتتاحية بالمناســبة على أن أحالم‬ ‫الســينمائيين العمانييــن فــي التأســيس‬ ‫لصناعــة ســينما عمانيــة هــي أحــام‬ ‫مشروعة‪ ،‬وبالتالي فهي تحتاج‪ ،‬اليوم‪،‬‬ ‫إلــى تضافــر مجهــودات جميــع المعنييــن‬ ‫بذلــك مــن مؤسســات حكوميــة ورجــال‬ ‫أعمــال ومجتمــع مدنــي‪.‬‬ ‫ــم علــى هامــش هــذه الــدورة‬ ‫وقــد َت َّ‬ ‫تدشــين المبنى الجديــد للجمعية العمانية‬ ‫للســينما مــن خــال عــرض أكبــر لوحــة‬ ‫فــي العالــم للفنــان الفلســطيني جمــال‬ ‫بــدوان التــي تعبــر عــن تاريــخ الكفــاح‬ ‫الفلســطيني ويبلــغ مقاســها (‪15 × 20‬‬ ‫متــراً)‪ ،‬إضافــة إلــى لوحــات فوتوغرافية‬ ‫لمؤســس التليفزيــون العمانــي المخــرج‬ ‫األلمانــي مانفريــد كلوبــش‪ ،‬الــذي أبــدع‬ ‫فــي التقــاط عــدد مــن الصــور النــادرة‬ ‫لســلطنة عمــان خــال الســبعينيات مــن‬ ‫ال عن معرض متنوع‬ ‫القرن المنصرم‪ ،‬فض ً‬ ‫للصناعــات التقليديــة‪.‬‬ ‫األفالم المشــاركة في المهرجان وصل‬ ‫‪132‬‬

‫عددهــا إلــى ‪ 23‬فيلمــا روائيــ ًا طويــاً‪،‬‬ ‫‪ 10‬أفــام تســجيلية طويلــة‪ 28 ،‬فيلمــ ًا‬ ‫قصيــراً‪ 22 ،‬فيلمــ ًا تســجيلي ًا قصيــراً‪،‬‬ ‫و ‪ 47‬فيلمـ ًا روائيـ ًا قصيــرًا تمثــل بلدانــا‬ ‫عربيــة وإســامية وأوروبيــة وإفريقيــة‪.‬‬ ‫ـج منظمــو هــذه الــدورة عروضـ ًا‬ ‫كمــا َبْر َمـ َ‬ ‫بانوراميــة للســينما الهنديــة واإليرانيــة‬ ‫اســتطاعت أن تفتح عيــون الجمهور على‬ ‫الغنــى الســينمائي لهــذه البلــدان وتعــدد‬ ‫تجاربهــا‪ ،‬وأن ُت ْطِل َعُهــم علــى فــرادة‬ ‫أســاليبها‪ ،‬واختــاف مرجعياتهــا الفنية‪.‬‬ ‫وتحقيقــ ًا ألهــداف الجمعيــة الراميــة‬ ‫إلــى الرقــي بالفعــل الســينمائي العماني‪،‬‬ ‫إبداعـ ًا وتكوينـاً‪ ،‬فقــد عرفــت هــذه الــدورة‬ ‫تنظيم ورشات تكوينية لصالح المهتمين‬ ‫بمختلف المجاالت السمعية البصرية‪ ،‬حيث‬ ‫أشــرف ثلة مــن المتخصصين على تأطير‬ ‫محترفات التمثيل‪ ،‬والتصوير السينمائي‬ ‫والتليفزيوني‪ ،‬واإلخراج السينمائي‪ ،‬وفن‬ ‫كتابــة الســيناريو‪ ،‬واإلنتــاج الســينمائي‬ ‫والتليفزيوني‪ ،‬والنقد السينمائي والفني‪..‬‬ ‫وذلك ما دعمته بعض اللقاءات المفتوحة‬ ‫مــع الفنانيــن والمخرجيــن مــن ضيــوف‬ ‫المهرجــان‪ ،‬وانعقــاد بعض النــدوات التي‬ ‫تهــدف إلــى التعريف بالمؤهالت البشــرية‬ ‫والطبيعية والثقافية واللوجيستية لسلطنة‬ ‫عمــان فــي مجــال الســينما‪ ،‬خاصــة أنهــا‬ ‫تتوافــر علــى فضــاءات جغرافيــة متنوعــة‬ ‫الجمال والتضاريس‪.‬‬ ‫ِده‬ ‫ه‬ ‫ــ‬ ‫ش‬ ‫مــا‬ ‫أبــرز‬ ‫ولعــل مــن بيــن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫المهرجــان؛ تأســيس االتحــاد العــام‬

‫للمهرجانــات والنــوادي الســينمائية‬ ‫العربيــة‪ ،‬وذلــك مــن خــال تــاوة إعــان‬ ‫مســقط‪ ،‬الــذي صــادق عليه ممثلــو الدول‬ ‫التاليــة‪ :‬المغــرب والبحريــن والكويــت‬ ‫ومصــر وعمــان‪ .‬وســتتم المصادقــة علــى‬ ‫القانــون األساســي والهيــاكل التنظيمية‪،‬‬ ‫وكذا استكمال الهيكلة خالل الدورة القادمة‬ ‫مــن مهرجــان اإلســكندرية‪ ،‬الذي ســينعقد‬ ‫فــي غضــون شــهر ســبتمبر القــادم‪ .‬كمــا‬ ‫عــرف المهرجان توقيــع اتفاقيات للتوأمة‬ ‫بيــن مهرجــان مســقط الســينمائي الدولــي‬ ‫ومهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف‪،‬‬ ‫ومهرجان اإلســكندرية‪ ،‬ومهرجان ســينما‬ ‫ال عن توأمة الجمعية‬ ‫المرأة بهولندا‪ ،‬فض ً‬ ‫العمانية للسينما ونظيرتها الموريتانية‪،‬‬ ‫والنــادي الســينمائي بالكويــت‪.‬‬ ‫َكـَّـر َم المهرجــان الفنــان العمانــي ســالم‬ ‫بهــوان‪ ،‬الــذي شــاهد جمهــور هــذه الدورة‬ ‫فيلمــه «مــرة فــي العمــر»‪ ،‬وعــددًا مــن‬ ‫األســماء فــي مجاالت اإلبداع الســينمائي‪،‬‬ ‫منهــم‪ :‬النجــم الهنــدي ماموتــي‪ ،‬والفنــان‬ ‫األردني جميل عواد‪ ،‬والمخرج التونســي‬ ‫رضــا الباهــي‪ ،‬والمخــرج العمانــي مــال‬ ‫اهلل درويــش‪ ،‬ومديــر اإلنتــاج العمانــي‬ ‫قاسم السليمي‪ ،‬حيث تسلموا خالل حفل‬ ‫االختتــام دروع المهرجــان بعــد التعريــف‬ ‫بمنجزاتهــم عبــر عــرض مقتطفــات مــن‬ ‫أعمالهم الفنية‪ .‬وبهذا الصدد احتفى اتحاد‬ ‫الفنانيــن العــرب برئيــس المهرجــان خالد‬ ‫بــن عبــد الرحيــم الزدجالــي‪.‬‬ ‫وفــي ختــام هــذه الــدورة حصــل فيلــم‬


‫«ميســي بغــداد» للمخــرج ســهيم عمــر‬ ‫خليفــة ضمــن مســابقة األفــام الروائيــة‬ ‫القصيــرة علــى جائــزة الخنجــر الذهبــي‪،‬‬ ‫وفاز فيلم «فردة شــمال» للمخرجة ســارة‬ ‫رزيق على جائزة الخنجر الفضي‪ ،‬بينما‬ ‫عــادت جائــزة الخنجــر البرونــزي لفيلــم‬ ‫«طهــور» للمخرج أنــور الرزيقي‪ ،‬أما فيما‬ ‫يخــص مســابقة األفــام التســجيلية فقــد‬ ‫نــال فيلم «العودة إلــى مونلوك» للمخرج‬ ‫محمد زاوي جائزة الخنجر الذهبي‪ ،‬ونال‬ ‫فيلــم «ناجــي العلي» للمخرج فائق جرادة‬ ‫جائــزة الخنجــر الفضــي‪ ،‬في حيــن ذهبت‬ ‫جائــزة الخنجــر البرونــزي لفيلــم «أوني»‬ ‫للمخرجــة ســالي أبو باشــا‪.‬‬ ‫حصــل الفيلــم التركــي «زيــر» علــى‬ ‫جائــزة الخنجــر الذهبــي كأفضــل فيلــم‬ ‫أجنبــي‪ ،‬بينمــا اقتســم جائــزة أفضــل‬ ‫ســيناريو للفيلــم الروائــي الطويــل كل‬ ‫مــن الكاتــب نعيــم نــور عــن فيلــم «عيــون‬ ‫الليــل»‪ ،‬والكاتــب «هيثــم المســلمي» عــن‬ ‫فيلــم «أجنحــة الجنــة»‪ ،‬وحصلــت الكاتبة‬ ‫فاطمــة بنــت محمــد المخينيــة علــى جائزة‬ ‫أفضــل ســيناريو قصيــر عن فيلــم «مرام»‪.‬‬ ‫وحــاز الفيلــم المصــري «هــرج ومــرج»‬ ‫للمخرجة نادين خان على جائزة الخنجر‬ ‫الذهبــي ضمــن مســابقة األفــام الروائيــة‬ ‫الطويلــة‪ ،‬فيمــا حصــد الفيلــم المغربــي‬ ‫«المغضــوب عليهــم» للمخــرج محســن‬ ‫البصــري ثــاث جوائــز وهــي‪ :‬جائــزة‬ ‫الخنجــر الفضي وجائزة أفضل ســيناريو‬ ‫للكاتبة نعيمة ريحان وجائزة أفضل ممثل‬

‫المكرمون والضيوف‬

‫حفل االفتتاح‬

‫لعمــر لطفــي‪ ،‬أمــا الفيلم الســوري «مريم»‬ ‫للمخــرج باســل الخطيــب فحصــل بــدوره‬ ‫علــى ثــاث جوائــز‪ ،‬حيــث فــاز بالخنجــر‬ ‫البرونــزي‪ ،‬وحــاز مديــر التصويــر فرهــاد‬ ‫محمود على جائزة الخنجر الذهبي ألفضل‬ ‫تصويــر‪ ،‬ونالت الممثلة الســورية صباح‬ ‫جزائــري جائــزة أفضــل ممثلة عــن دورها‬ ‫المتميــز فــي نفــس الفيلــم‪.‬‬ ‫وفــي مســابقة ســينما المــرأة فــازت‬ ‫المخرجة سالي أبو باشا بجائزة الخنجر‬ ‫الذهبــي عــن فيلــم «كيــف ترانــي؟»‪ ،‬بينمــا‬ ‫منحــت لجنــة التحكيــم جائزتهــا الخاصــة‬ ‫للمخــرج المغربــي محمــد عهــد بــن ســودة‬ ‫عــن فيلمه «خلــف األبواب المغلقة»‪ ،‬ومن‬ ‫جهــة أخــرى منــح اتحــاد الفنانيــن العرب‬

‫جائزته للفيلم السوري «سلم إلى دمشق»‬ ‫للمخرج محمد ملص‪ ،‬وآلت الثانية للفيلم‬ ‫التســجيلي «الواحــات العمانيــة» للمخــرج‬ ‫خالــد الحضري‪.‬‬ ‫مهرجــان مســقط الســينمائي الدولــي‬ ‫حــدث ســينمائي وثقافــي مهــم‪ ،‬ويشــكل‬ ‫مــع باقــي مهرجانــات الخليــج العربــي‬ ‫نافــذة إضافية من خاللها يرســخ تقاليده‬ ‫السينمائية الخاصة والمنفتحة على الدول‬ ‫العربية واألجنبية ذات التداخالت التثاقفية‬ ‫المتعايشــة‪ ،‬األمــر الــذي سيكســبه موقع ًا‬ ‫متميــزًا فــي خريطــة المهرجانــات العربية‬ ‫التــي تعــرف منافســة شــديدة مــن حيــث‬ ‫الحضور وتنويع البرمجة ودعم وتسويق‬ ‫الســينما المحلية‪.‬‬ ‫‪133‬‬


‫مشهد من فيلم «فندق بودابست الكبير»‬

‫«فندق بودابست الكبير»‬ ‫فانتازيا املجد والخسارات‬ ‫غيدا اليمن‬ ‫على امتداد ‪ 100‬دقيقة هي مدة عرض‬ ‫فيلــم «فنــدق بودابســت الكبيــر»‪ ،‬يمارس‬ ‫المخــرج ويــس أندرســون (‪ )1969‬لعبــة‬ ‫كل‬ ‫الســاحر الــذي يســتخرج مــن قبعتــه ّ‬ ‫ـل بإبقــاء أنظــار المتفرجيــن‬ ‫مــا هــو كفيـ ٌ‬ ‫ـاخصة علــى حاّفــة الترّقــب والدهشــة‪.‬‬ ‫شـ‬ ‫ً‬ ‫مخــرج فيلــم «ذا رويــال تاننباومــز»‬ ‫‪134‬‬

‫(‪ )2001‬الــذي ُر ِّشــح لعــدة جوائــز مــن‬ ‫بينهــا جائــزة الــدب الذهبــي فــي مهرجــان‬ ‫برليــن للعــام ‪ ،2002‬يبــرع هــذه المــرة‬ ‫ـق مزدحــم بالممثلين‬ ‫أيضـ ًا فــي إدارة فريـ ٍ‬ ‫النجوم في طليعتهم رالف‪ ‬فاينز‪ ‬في دور‬ ‫الســيد غوســتاف‪ ،‬مــع أدريــان بــرودي‬ ‫وويليــام دافــو وجــود لو وهارفــي كايتل‬

‫وإدوارد نورتــون وبيــل مــوراي وأويــن‬ ‫ولســون‪ ،‬وهــذان األخيــران مــن القواســم‬ ‫المشــتركة فــي معظــم أفــام أندرســون‪،‬‬ ‫وكل مــن هــؤالء يمكــن أن يكــون لوحــده‬ ‫ٌّ‬ ‫ا لفيلــم‪ .‬لكــن أندرســون ينجــح مــع‬ ‫بطـ ً‬ ‫ذلــك فــي جمعهــم وإقناعهــم بالظهــور في‬ ‫أدوار ثانوية‪ ،‬إلى جانب توم ويلكنسون‬ ‫ٍ‬


‫وأف‪ .‬مــوراي أبراهــام وآخريــن‪.‬‬ ‫متخيل يحيلنا اســمه‬ ‫في بلٍد‬ ‫‪  ‬أوروبي ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫(زوبروفكا) إلى الجزء الشرقي من القارة‪،‬‬ ‫وعلــى خلفيــة األعــوام المضطربــة التــي‬ ‫ســبقت انــدالع الحــرب العالميــة الثانيــة‪،‬‬ ‫ـتعاد أمامنــا‬ ‫تجــري أحــداث الفيلــم‪ُ ،‬‬ ‫وتسـ ُ‬ ‫مركبــة‪ ،‬نرى‬ ‫ـاك»‬ ‫فــي موجــات «فــاش بـ‬ ‫ّ‬ ‫مــن خاللهــا الكاتــب (ويلكنســون) يتذكــر‬ ‫نفســه فــي شــبابه (يــؤدي الشــخصية‬ ‫جــود لــو) مســتمع ًا إلــى الســيد مصطفــى‬ ‫(أف مــوراي ابراهــام) يــروي لــه حكايــة‬ ‫ــام مجــده‪،‬‬ ‫فنــدق «غرانــد بودابســت» ّ‬ ‫أي َ‬ ‫ِ‬ ‫حكايــة موظــف االســتقبال‬ ‫مــن خــال‬ ‫الســيد غوســتاف الــذي درج علــى مرافقة‬ ‫النزيالت المسنات واالهتمام بهن وبتلبية‬ ‫رغباتهــن ونزواتهن‪ .‬وإذ ينضم الشــاب‪،‬‬ ‫حينها‪ ،‬مصطفى الملقب بـ«زيرو» (طوني‬ ‫ريفولــوري فــي ٍ‬ ‫أداء جميــل) إلــى طاقــم‬ ‫الفنــدق‪ ،‬يأخــذه غوســتاف تحــت جناحه‬ ‫لتنشأ بينهما عالقة ٍ‬ ‫والء وصداقة ال رغبة‬ ‫أي منهمــا بالفــكاك منهــا‪.‬‬ ‫لــدى ٍّ‬ ‫بســهولة بالغــة إذن‪ ،‬تقــع نزيــات‬ ‫الفندق أسـ ٍ‬ ‫ـيرات لســحر السيد غوستاف‪،‬‬ ‫وحين تفارق مدام دي (تيلدا ســوينتون)‬ ‫الحيــاة فــي ظــروف غامضــة‪ ،‬توصي له‬ ‫بلوحــة «الولــد مــع التفاحــة» الثمينــة‪،‬‬ ‫فيتهمــه ابنهــا ديمتــري (أدريــان بــرودي)‬ ‫بقتلهــا‪ ،‬لتتوالــى بعدهــا سلســلة مــن‬ ‫الجرائم والمالحقات المجنونة التي تدفع‬ ‫المركبة‬ ‫بغوســتاف‪ ،‬بما يميز شــخصيّته ّ‬ ‫مــن جمــوح‪ ،‬إلــى تجــاوز منطق األشــياء‬ ‫واتخــاذ قـ ٍ‬ ‫ـرارات متهورة‪ ،‬مســتدرج ًا معه‬ ‫صديقه الوفي «زيرو»‪ .‬إنها قصة تتكشف‬ ‫داخل قصة‪ ،‬داخل قصة‪ ،‬كدمية روسية‪،‬‬ ‫تتسارع فيها وتيرة األحداث بين الجرائم‬ ‫الغامضة ومحاوالت الهروب من الســجن‬ ‫والتــواري عن األنظــار والمطاردات على‬ ‫منحــدرات ثلجيــة فــي ظــروف أكثــر مــن‬ ‫حــرب أهليــة تســتعر فــي الجوار‪.‬‬ ‫بعد اعتذار جوني ديب النشغاله ٍ‬ ‫بعمل‬ ‫آخــر‪ ،‬ذهــب الــدور إلــى رالــف فاينــز الذي‬ ‫دراميــة مميــزة منهــا‬ ‫ـام‬ ‫عرفنــاه فــي أفـ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫«الئحــة شــندلر» و«المريــض اإلنجليزي»‬ ‫و«نهايــة العالقــة»‪ ،‬وقــد تألــق فاينــز فــي‬ ‫دور موظف الفندق ذي الشخصية المعقدة‬ ‫واألنانيــة المشــغولة بنفســها فــي الظاهر‬

‫المتكشــفة تدريجيــ ًا عــن جوانــب أكثــر‬ ‫ّ‬ ‫إنســانية‪ ،‬والــذي يظــل محتفظـ ًا برباطــة‬ ‫جأشــه حتــى فــي أحلــك المواقــف التــي‪،‬‬ ‫رغــم هزليتهــا المفرطــة أحيانـاً‪ ،‬إال أنهــا‬ ‫ٍ‬ ‫ـوداوية مــا متأتيـٍـة مــن حتمية‬ ‫تعتمــل بسـ‬ ‫المتربصــة علــى األبــواب‬ ‫الحــرب الكبــرى‬ ‫ّ‬ ‫والخســارات التــي لــن ينجــو منهــا أحــد‪.‬‬ ‫كتــب قصــة الفيلــم‪ ،‬وهــو إنتــاج‬ ‫بريطاني‪-‬ألماني مشترك‪ ،‬ويس أندرسون‬ ‫بمشــاركة هيوغــو غينــس‪ ،‬ووضــع لــه‬ ‫الســيناريو أندرســون نفســه‪ .‬وقــد فــاز‬ ‫بجائــزة لجنــة التحكيــم عــن هــذا الفيلــم‬ ‫الــذي ُعـِـرض ليلـ َـة افتتاح مهرجــان برلين‬ ‫الســينمائي الدولي‪  ‬فــي دورتــه الرابعــة‬ ‫والســتين‪.‬‬ ‫ارتــاد أندرســون جامعــة تكســاس‬ ‫متخصصــ ًا فــي‬ ‫فــي مدينــة أوســتن‬ ‫ّ‬ ‫الفلســفة‪ ،‬وهنــاك تعـّـرف علــى صديقــه‬ ‫الممثــل والكاتــب أوين ولســون وبــدأ مع ًا‬ ‫بكتابــة أفــام قصيرة‪ ،‬وقــد عرض أحدها‬ ‫(زجاجة الصواريخ‪ )1994 ،‬في مهرجان‬ ‫صاندانس‪ ،‬حيث استقبل بحفاوة كبيرة‪،‬‬ ‫وحصــل صنّاعــه علــى تمويـ ٍ‬ ‫ـل لتحويلــه‬ ‫إلــى فيلــم طويل أبصر النور تحت االســم‬ ‫نفسه في العام ‪ .1996‬ومع أنه لم يحقق‬ ‫جماهيرياً‪ ،‬إال أن أندرسون اكتسب‬ ‫نجاح ًا‬ ‫ّ‬ ‫خاصـ ًا مــن المعجبيــن‪،‬‬ ‫بفضلــه جمهــورًا ّ‬ ‫مــن بينهــم المخــرج مارتن سكورســيزي‪.‬‬ ‫ومــا لبــث النجــاح أن حالــف أندرســون‬

‫الحق ًا في أفالم مثل «راشــمور» (‪،)1998‬‬ ‫ليترشــح بعدهــا لجائزة األوســكار ثالث‬ ‫مــرات عــن أفــام «ذا رويــال تننباومــز»‬ ‫(‪ )2001‬و«الرائع مستر فوكس» (‪،)2009‬‬ ‫و«مملكــة بزوغ القمــر» (‪.)2013‬‬ ‫خاصة‬ ‫ـة‬ ‫ألفــام ويــس أندرســون نكهـ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫تدركهــا منــذ لحظــات المشــاهدة األولــى‪،‬‬ ‫استثناء‪.‬‬ ‫و«فندق بودابست الكبير» ليس‬ ‫ً‬ ‫يتفنّــن ويلســون فــي التالعــب بأدواتــه‬ ‫العب ســيرك على ذلك‬ ‫ليحافــظ بحرفيـِـة ِ‬ ‫الخيــط الرفيــع بيــن العبقريــة والجنون‪،‬‬ ‫وينجــح فــي خلــق أجـ ٍ‬ ‫ـواء يختلــط فيهــا‬ ‫العبــث الســوريالي بالســخرية الســوداء‬ ‫النابعــة مــن مبالغــات ومفارقــات يــكاد ال‬ ‫يخلــو منهــا مشــهد مــن المشــاهد‪ ،‬ويعـّـزز‬ ‫أجــواء اإلثــارة تلــك بحــوارات ســريعة ال‬ ‫تخلو من الذكاء أو الطرافة‪ ،‬مولي ًا عناية‬ ‫كبيــرة بالتفاصيــل حتــى أدقّهــا‪ ،‬ومتكئـ ًا‬ ‫علــى ســحر حقبـٍـة غنيــة بالتناقضــات‪.‬‬ ‫ومــع أن الفيلــم يزدحــم بالحكايــات‬ ‫تختصر بحبكة‬ ‫المتداخلة‪ ،‬إال أن هويته ال‬ ‫َ‬ ‫أو بأحـ ٍ‬ ‫ـداث‪ ،‬فالقصــة فــي حـّد ذاتهــا هــي‬ ‫الشخصيات التي‬ ‫عالم من‬ ‫حج ٌة الختراع ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تبــدو وكأنهــا مســتمتعة إلــى أقصــى حــد‬ ‫بمجــرد ظهورهــا علــى مســرح األحــداث‪،‬‬ ‫ومنقــادة في الوقت نفســه إلــى مصائرها‬ ‫المحتومة‪.‬‬ ‫تتنّقــل الكاميــرا بأناقــة رشــيقة علــى‬ ‫ديكور مبهر في تنويعات بصرية‬ ‫خلفيــة‬ ‫ٍ‬ ‫آســرة بين الفندق الفخم والقصر المهيب‬ ‫والســجن والقطــارات‪ .‬تنجــح األلــوان‪،‬‬ ‫الجريئــة أحيانــ ًا كثيــرة‪ ،‬والداكنــة أو‬ ‫الرمادية أحيان ًا أخرى في تصوير أجواء‬ ‫يعرفهــا األوروبيــون‬ ‫تلــك الحقبــة التــي ّ‬ ‫بـ«األيــام الجميلــة التــي مضــت»‪ ،‬وتأتــي‬ ‫موســيقى ألكســندر ديســبالت لتتالعــب‬ ‫بذلــك الحنيــن‪.‬‬ ‫يدعي فيلم «فندق بودابست الكبير»‬ ‫ال ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ـرح قضيــة كبــرى؛ حتــى ثيمتــا الحــب‬ ‫طـ َ‬ ‫وطــأة فــي إطــار‬ ‫أقــل‬ ‫ً‬ ‫والمــوت تبــدوان َّ‬ ‫عبثيــة األحــداث‪ .‬إنهــا ببســاطة فانتازيــا‬ ‫عــن الصداقــة والوفــاء والجريمة والطمع‬ ‫ـات‬ ‫واالنتقــام والخطــط القاتمــة‪ ،‬وحكايـ ٌ‬ ‫زمن‬ ‫مسـلّية تشــعل فينا نوســتالجيا إلى ٍ‬ ‫وّلــى إلــى غيــر رجعــة‪.‬‬ ‫‪135‬‬


‫من فيلم كل شيء ضاع‬

‫«كل شيء ضاع»‬ ‫شخصية واحدة يف مكان واحد‬ ‫سليامن الحقيوي‬ ‫مــا مــدى نجــاح قصــة ســينمائية تــدور‬ ‫حــول شــخصية واحــدة‪ ،‬ومــكان واحــد‪،‬‬ ‫بــدون حوار‪ ،‬وبقليل من مصادر الصوت؟‬ ‫عمليـاً‪ ،‬فهــذه العناصــر هي أبــرز مكونات‬ ‫األفــام الســينمائية‪ ،‬لكــن فيلم (كل شــيء‬ ‫ضاع‪ )All Is Lost /‬خالف هذه المعايير‬ ‫جميعهــا‪ ،‬وخلــق دون تلــك المســتويات‬ ‫نصيبــه مــن الجــودة‪.‬‬ ‫يعــود إلينا الممثــل روبيرت ريدفورد‪/‬‬ ‫‪ Robert Redford‬بعــد غيــاب‪ ،‬فــي دور‬ ‫رجــل تائــه وســط البحــر بعــد أن اصطــدم‬ ‫يختــه بحاويــة تخزين كبيرة خرقت جانب‬ ‫مركبــه‪ ،‬وتوالــت بعد ذلــك الصعوبات في‬ ‫‪136‬‬

‫وجه البطل فلم يستغرق الوقت كثيرًا حتى‬ ‫بدأت العواصف تشتد والتيار يقوى‪ ،‬ولم‬ ‫يتحمــل‪ ،‬ليــس هذا كل شــيء‪،‬‬ ‫يعــد مركبــه ّ‬ ‫إذ مــع تفاقــم األحــداث ســتتعطل أجهــزة‬ ‫الراديو وســينقلب المركب‪ ،‬فيضطر البطل‬ ‫لالنتقــال إلــى قــارب مطاطــي احتياطــي‪،‬‬ ‫وستتوالى المتاعب بنفاد الماء والمؤونة‪،‬‬ ‫وعــدم انتبــاه ســفن الشــحن المــارة أمامــه‬ ‫لندائه‪ ،‬وعندما اقتربت النهاية وبدا الموت‬ ‫وشيك ًا تحضر اإلغاثة وينتهي الفيلم دون‬ ‫أن نــدرك هــل عــاش البطــل أم ال؟! وحتــى‬ ‫تكتمل الصورة نتابع هذه الصعوبات وسط‬ ‫محاوالت النجاة التي قام بها البطل‪ ،‬فهو‬

‫لــم يبــد جزع ـ ًا مبالغ ـ ًا فيــه عندمــا تحطــم‬ ‫زورقــه‪ ،‬بــل ســارع إلــى إصالحــه‪ ،‬ولــم‬ ‫تفقــده األهــوال تركيــزه علــى النجــاة‪ ،‬بــل‬ ‫واصــل محاوالتــه إلــى آخــر لحظــة‪ ،‬وقــد‬ ‫فعــل كل شــيء يمكــن أن يفعلــه‪ ،‬مســتثمرًا‬ ‫خبرتــه بالمالحة‪.‬‬ ‫يبــدو واضح ـ ًا أن مخــرج الفيلــم (جــي‬ ‫ســي شــاندور‪ )J.C. Chandor /‬وضع‬ ‫كل صعوبة محتملة في وجه البطل‪ ،‬حتى‬ ‫تبــوح القصــة بالتشــويق الــازم‪ ،‬وحتــى‬ ‫تكــون جديــرة بالشاشــة الكبيــرة‪ ،‬وإذا‬ ‫حصرنا القصة في إطار الضياع في البحر‬ ‫ومحاولة النجاة فقد نجانب الصواب‪ ،‬ألن‬


‫البحــر هنــا يمثــل الحيــاة‪ ،‬وصعوباته هي‬ ‫بينة وصريحة؛‬ ‫صعوباتها‪ ،‬فالدعوة هنا ّ‬ ‫واجــه الحيــاة وواجــه الصعوبــات‪ ،‬وهــو‬ ‫الشــعار الــذي يؤمــن بــه الكثيــر مــن الناس‬ ‫(قاتل من أجل الحياة‪.)Fight For life/‬‬ ‫الفيلم يتميز بايقاع بطيء‪ ،‬لكنه مالئم‬ ‫لألحــداث والقصــة‪ ،‬ولحركــة الشــخصية‬ ‫الرئيســية (‪ 77‬ســنة)‪ ،‬ولألحــداث التــي‬ ‫امتدت ألسبوع‪ .‬وهذا المخرج الشاب يأتي‬ ‫إلــى هــذا العمــل بعــد أربعــة أعمــال كتبهــا‬ ‫وأخرجهــا بنفســه‪ ،‬وأظهــر درايــة كبيــرة‬ ‫بخصائــص الفيلــم الطويــل‪ ،‬ورغــم قصــر‬ ‫تجربتــه فقــد اســتتثمر جيــدًا قــدرات بطلــه‬ ‫روبيرت ريدفورد‪ ،‬واستثمر عناصر القوة‬ ‫رغــم قلتها فــي القصة التي جــاءت متميزة‬ ‫ومختلفة عن أفالم الضياع والنجاة؛ كفيلم‬ ‫الجاذبية أو فيلم الكابتن فيليبس‪ ،‬فالضياع‬ ‫فــي هذا الفيلــم كان له طعم خاص مختلف‬ ‫ومتفرد‪.‬‬ ‫يقــدم الفيلــم مزجـ ًا جيــدًا بين اســتعمال‬ ‫الكاميــرا الثابتة التــي نقلت بعض لحظات‬ ‫الهــدوء القليلــة‪ ،‬وبيــن الكاميــرا المتحركــة‬ ‫التــي نجحــت في نقــل االضطــراب الطاغي‬ ‫على األحداث؛ اضطراب البحر‪ ،‬اضطراب‬ ‫القارب في عرض المحيط‪ ،‬اضطراب البطل‬ ‫وقلقــه وخوفــه مــن المجهــول رغــم عــدم‬ ‫ـوع مــن‬ ‫إفصــاح مالمحــه عــن ذلــك‪ ،‬كمــا نـ َّ‬ ‫التقاطاته بزوايا مختلفة‪ ،‬قريبة بالنســبة‬ ‫للشــخصية فــي لحظــات الصــراع والقلــق‬ ‫وفــي نقــل كل تعبيــر يقربنــا مــن عمــق‬ ‫الشــخصية‪ ،‬خصوصـ ًا الوجــه‪ ،‬والتركيــز‬ ‫على مناطق مختلفة من المركب‪ ،‬والجميل‬ ‫هنــا الحفــاظ علــى هــذا الخيــار حتــى فــي‬ ‫ضيق المساحة وانغالقها خصوص ًا داخل‬ ‫المركــب لتــرك الشــخصية تعبــر بمالمحهــا‬ ‫بعــد أن حرمهــا من أبســط وســائل التعبير‬ ‫الســينمائي كالحــوار‪ .‬أمــا الزوايــا البعيــدة‬ ‫فقد جاءت من اتجاهات مختلفة‪ ،‬خصوص ًا‬ ‫التقــاط المركــب مــن بعيــد إلظهــار التيــه‬ ‫وقوة الطبيعة وجبروتها‪ .‬وهكذا استطاع‬ ‫المخــرج نقــل كل شــيء عــن الشــخصية‪،‬‬ ‫إصرارهــا‪ ،‬هدوءهــا‪ ،‬وذلك بجعلها محور‬ ‫تحــرك الكاميــرا‪ ،‬وتقديــم لوحــات مختلفة‬ ‫ومتنوعــة عــن البحــر باعتبــاره الفضــاء‬ ‫األوحــد للفيلــم‪ ،‬وعلينــا هنــا أن نشــير إلى‬

‫رشح النقاد روبرت ريدفورد لكي‬ ‫يكون ضمن الخمسة المرشحين‬ ‫لجائزة األوسكار عن هذا العمل لكن‬ ‫القائمة استبعدته‬ ‫أن تصويــر الفيلــم تــم فــي اســتوديوهات‬ ‫(باجــا) فــي المكســيك فــي حــوض كبيــر‬ ‫مــن المــاء‪ ،‬وهــو نفــس المــكان الــذي شــهد‬ ‫تصوير فيلم (تايتانيك) لجيمس كامرون‪.‬‬ ‫وقــد خــرج البحــر في هــذا الفيلم عــن كونه‬ ‫مكانـ ًا موحشـ ًا ومعاديـ ًا للشــخصية فقط‪،‬‬ ‫ال بشكل كبير في القصة‪،‬‬ ‫لكنه أصبح فاع ً‬ ‫بــل ويقتســم البطولــة معهــا‪ .‬هــذا الخليــط‬ ‫الفنــي جعــل جــي ســي شــاندور يعبــر عن‬ ‫عمــق الضيــاع بفضــل التقاطاتــه البعيــدة‬ ‫المتنوعــة الزوايــا واالتجاهــات‪ .‬ومــا يثير‬ ‫اإلعجــاب أيضـ ًا هــو انســيابية المونتــاج‪،‬‬ ‫وعــدم إبــراز لحظــات القطــع فنيـاً‪ ،‬وكأن‬ ‫العمــل تــم دون مونتــاج! وهــو األمــر الــذي‬ ‫تناســب مــع الخصائــص الفيلميــة؛ وحــدة‬ ‫المــكان والزمان والشــخصية‪.‬‬ ‫قــد ال تســعفنا الذاكــرة فــي اســتحضار‬ ‫فيلم صامت منذ أن نطقت السينما‪ ،‬وحتى‬ ‫فيلــم الفنــان أو األفــام التــي تشــاكله فهي‬ ‫تجســد عصــر الســينما الصامتــة نفســها‪،‬‬ ‫أمــا هــذا العمــل فهــو فيلــم غريــب حقـ ًا فيلم‬ ‫صامــت دون حــوار‪ ،‬فليس هناك أي كالم‬ ‫باســتثناء بضــع كلمــات اســتغاثة‪ ،‬ورغــم‬ ‫أن الحوار يتطلب وجود شــخصيات يدور‬ ‫على لسانها‪ ،‬فقد كان باإلمكان إيجاد صيغ‬ ‫أخــرى للــكالم كالصــراخ‪ ..‬خصوصـ ًا فــي‬ ‫قصــة تــدور حــول محاولــة النجــاة‪ ،‬وهنــا‬ ‫قــد يتســاءل المشــاهد عــن الســبب فــي هــذا‬ ‫الشــح الصوتــي‪ ،‬رغــم وجــود قــدر كبيــر‬ ‫مــن الصعوبــات التــي تســتدعي وجــوده‬ ‫بقــوة‪ .‬ولكــي نفهــم هــذا األمــر علينــا أن‬ ‫نعــود إلــى أداء ريدفــورد؛ فقــد ظــل هادئـ ًا‬ ‫رغــم كل شــيء‪ ،‬وهــذا أمــر نّفــذ فيــه إرادة‬ ‫النــص التــي هــي إرادة للمخــرج الــذي أراد‬ ‫أن يظهــر قــدرة تحمــل شــخصية كبيرة في‬ ‫السن‪ ،‬فالصراخ والمبالغة في الحركة كانت‬

‫مسألة ستتعارض مع الفكرة التي أرادها‪،‬‬ ‫إضافــة إلــى أنــه فكــر في القصــة على هذه‬ ‫الشــاكلة انطالق ـ ًا مــن شــخصية معزولــة‬ ‫كليـ ًا عــن العالــم‪ ،‬كمــا عمــد أيضـ ًا إلى عدم‬ ‫مدنــا بــأي مؤشــر ســياقي نفهم مــن خالله‬ ‫ال‬ ‫ال كه ً‬ ‫األســباب والدوافــع التي تجعــل رج ً‬ ‫فــي عمــق المحيــط لوحــده‪ ،‬وهذا مــا يحفز‬ ‫عنــد المتلقــي آليــات التأويــل الخاصة به‪،‬‬ ‫فنحن ال نعرف عن هذه الشــخصية ســوى‬ ‫مــا نــراه أمامنــا‪ ،‬ومــا يمكننــا اســتنتاجه‬ ‫فقــط‪ ،‬فالبطــل يبــدو غنيـ ًا ويقــوم بجولــة‬ ‫حــول العالــم‪ ،‬لــه عائلــة بدليــل الرســالة‬ ‫التــي تركهــا لهــا‪ ،‬بخــاف هــذا‪ ،‬فــا نعرف‬ ‫شــيئ ًا آخــر حتــى اســم البطــل‪ ،‬فالمخــرج‬ ‫كان قاســي ًا فــي إبعــاد كل ُأنســة محتملــة‪،‬‬ ‫لــم يذكــر تفاصيــل تزيــد معرفتنــا بالفيلــم‬ ‫لكــي ال ينــال مــن فكــرة الوحــدة والتيــه‬ ‫فــي المحيــط الهنــدي‪ ،‬لتكــون فــي النهايــة‬ ‫درامــا نجــاة غامضــة ُتَم ِّكــن مــن إســقاطها‬ ‫علــى قســوة الحيــاة‪.‬‬ ‫ومــن جهــة األداء فقــد كان البعــض‬ ‫يرشــح روبرت ريدفورد لكي يكون ضمن‬ ‫الخمســة المرشــحين لجائــزة األوســكار‬ ‫عــن هــذا العمــل‪ ،‬لكــن القائمــة اســتبعدته‪.‬‬ ‫فمــن ناحيــة فنيــة فــكل المرشــحين قدمــوا‬ ‫أداءات أقوى مما قدمه ريدفورد‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلــى أن القصــة لــم توفــر مســاحات مالئمة‬ ‫للبروز بالشكل الذي قد يجعل البطل يفوز‬ ‫بالجائــزة‪ ،‬وبخالف هذا فالرجل اســتطاع‬ ‫الذهــاب باألحداث بعيداً‪ ،‬رغم حرمانه من‬ ‫كل شــيء‪ ،‬وكان مقنعـ ًا بالطريقة الهادئة‬ ‫التــي ينظــر بهــا إلــى األمــور رغــم صعوبة‬ ‫مــا مــر بــه‪ .‬ورغــم أن العمــل لــم يقــدم غنى‬ ‫حركيـ ًا وصوتيـاً‪ ،‬فقــد تميــز فيمــا اختــاره‬ ‫من صمت وهدوء وهو اختيار له جمهوره‬ ‫فــي عالم الســينما‪.‬‬ ‫‪137‬‬


‫لحوم البشر‬ ‫الراهن يف وجبات استعارية‬ ‫مروة رزق‬

‫يوحــي اســم الفيلــم «‪»cannibal‬‬ ‫ا مــن‬ ‫كمــ ًا هائــ ً‬ ‫للمشــاهد بأنــه ســيرى ّ‬ ‫الدمــاء‪ ،‬إال أن مخــرج الفيلــم اإلســباني‬ ‫المخضــرم (مانويــل مارتيــن كوينــكا)‬ ‫يأبــى أن يضــع فيلمــه فــي هــذه الخانــة‬ ‫المعروفــة لمثــل هــذه النوعية مــن األفالم‬ ‫عند معالجة أحد «التابوهات» التي يهوى‬ ‫المخــرج أن يعرضهــا فــي أفالمــه‪ ،‬وهــي‬ ‫يســاءل‪ :‬مــا الــذي يغــوي‬ ‫فــي هــذه المــرة ّ‬ ‫اإلنســان ألكل لحــم نوعــه نفســه؟ ما الذي‬ ‫يجعــل الخيــاط «كارلــوس» يســتمتع كل‬ ‫ليلــة بعشــاء مــن اللحــم البشــري بإيقــاع‬ ‫المكتظة‬ ‫روتينــي يســتخرجه من ثالجتــه‬ ‫ّ‬ ‫باللحم البشري الطازج‪ ،‬دون أي شعور‬ ‫بالنــدم أو اإلحســاس بالذنــب‪.‬‬ ‫بـ َّـرر مخــرج الفيلــم (مانويــل مارتيــن‬ ‫كوينــكا)‪ ،‬أحــد أهـّـم مخرجي إســبانيا في‬ ‫الوقــت الحالــي‪ ،‬طرحه لهذا التســاؤل في‬ ‫فيلمــه‪ ،‬وقــال عــن ســبب اختيــاره لهــذا‬ ‫الموضــوع تحديــداً‪« :‬إن كــون ظاهرة أكل‬ ‫لحــوم البشــر ُت َعـّد (تابوهاً) كبيــرًا دفعني‬ ‫‪138‬‬

‫للتفكيــر أن هنــاك شــيئ ًا مــا فــي طبيعتها‬ ‫يجعلهــا قريبــة منــا‪ ،‬وهــو مــا دفعنــا إلــى‬ ‫منعها وكبتها ‪ ...‬المنع يحمل داخله دوم ًا‬ ‫مخفي ـاً‪ .‬وعلينــا أن نطــرح أســئلة‬ ‫شــيئ ًا‬ ‫ّ‬

‫بشــأنه‪ .‬وفــي النهايــة أرى هــذه الظاهرة‬ ‫هــي أفضــل صــورة للتعبيــر عــن زمننــا‬ ‫الحالــي وطــرح التســاؤالت عمــا يجــري‬ ‫فــي مجتمعنا»‪.‬‬ ‫نشــاهد الفيلــم ونســتمتع بــه دون أن‬ ‫نعــرف إجابــة عن هــذا التســاؤل‪ :‬ما الذي‬ ‫دفــع (كارلــوس) ألن يصبــح مختلفـ ًا عــن‬ ‫ليتــذوق لحــم‬ ‫غيــره‪ ،‬ويبــدأ فــي القتــل‬ ‫َّ‬ ‫البشــر؟ هــل هــي وحدتــه المطلقــة؟ أم‬ ‫صعوباتــه التــي شــعرنا بها فــي التعامل‬ ‫مــع الجنــس اآلخــر؟ أم هــو ُم َجـ َّـرد روتين‬ ‫عــادي ناتــج عــن دافع احتفظ بــه صانع‬ ‫الفيلــم لنفســه حيــن خلــق شــخصيته؟‪.‬‬ ‫ـؤدي دوره الممثِّل‬ ‫بطــل الفيلــم الذي يـ ّ‬ ‫اإلسباني الشهير (أنطونيو دي ال توري)‬ ‫بنظراته المرعبة‪ ،‬ووجهه الصلب‪ ،‬وأدائه‬ ‫المقنع سواء في أثناء عمله الصباحي أو‬ ‫يذكرنــا بشــخصية هانيبــال ليكتر‬ ‫الليلــي ِّ‬ ‫الشــهيرة التــي بــدأت مــع فيلــم «صمــت‬ ‫واستمرت في عّدة أفالم تالية‪،‬‬ ‫الحمالن»‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫هــو‪ -‬فــي هــذه المـّـرة‪ -‬ليس طبيب ًا نفســي ًا‬


‫مشهد من فيلم «آكل لحوم البشر»‬

‫وجَمل أدبية‬ ‫يهوى الحديث بأسلوب مثقَّف ُ‬ ‫طويلة‪ ،‬بل هو «خياط» ماهر في منتصف‬ ‫العمــر فــي بلــدة غرناطة‪ ،‬ال متعــة له في‬ ‫الحيــاة ســوى التهــام الســيدات اللواتــي‬ ‫يلفتن نظره‪.‬‬ ‫المشاهد الليلية األولى من الفيلم‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫تقدم َ‬ ‫المأخــوذ عــن روايــة للكوبــي «أومبرتــو‪-‬‬ ‫برينــال»‪ ،‬تحمــل االســم نفســه‪،‬الوجه‬ ‫المرعــب والمخيــف لهــذه الشــخصية فــي‬ ‫أثنــاء تعقُّبــه لإلنــاث وصيــده لهــن‪ ،‬ثــم‬ ‫ا عاديـاً‪،‬‬ ‫نــراه‪ -‬فــي مشــاهد كثيــرة‪ -‬رجـ ً‬ ‫مهذَّبـاً‪ ،‬متفانيـ ًا فــي عمله وجــارًا محترم ًا‬ ‫لــكل مــن حولــه‪ ،‬ممــا يحملنــا بعيــدًا عــن‬ ‫مشــاهد القتــل المعتــادة فــي أفــام مثــل‬ ‫«دراكــوال»‪ ،‬و«فرانكشــتاين»‪ ،‬وغيرهــا‪.‬‬ ‫أظهــر كوينــكا فــي هــذا الفيلــم مدينــة‬ ‫غرناطــة الجميلــة ذات تــال بــاردة‬ ‫المتأجــج‬ ‫وموحشــة ليبــرز الداخــل‬ ‫ِّ‬ ‫والحــارق لشــخصياته وهــو الســمت‬ ‫المميــز دوم ـ ًا ألفــام «كوينــكا» العاشــق‬ ‫ِّ‬ ‫للصمــت مقابــل الضوضــاء‪ ،‬وعزمه على‬

‫أن يســتبدل الموتــى فــي فيلمــه بمــا قــد‬ ‫بالتوتــر‬ ‫المغلــف‬ ‫نسـّـميه الوقــت «الميــت»‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫واإلحساس بالضيق والسواد الذي أبرزه‬ ‫ـور «بــاو‬ ‫التصويــر الرائــع‬ ‫والمميــز للمصـ ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ســتيف بيربــا» الــذي حصــل علــى جائــزة‬ ‫الفضّيــة ألفضــل تصويــر فــي‬ ‫الصَدفــة ّ‬ ‫َّ‬ ‫مهرجان سان سيباستيان الدولي األخير‪.‬‬ ‫كمــا يتخّلــى المخــرج‪ -‬بالكامــل‪ -‬عــن‬ ‫المميزة‬ ‫الحبكــة البوليســية و«البهــارات»‬ ‫ِّ‬ ‫لمثــل هــذه النوعيــة من األفالم‪ ،‬وينتشــل‬ ‫بطلــه مــن رتابــة وملــل شــخصية العليــل‬ ‫اســتهلكت فــي أفــام ع ـّدة‬ ‫النفســي التــي ُ‬ ‫إياهــا برتابــة الحيــاة اإلجرائيــة‬ ‫مســتبد ًال ّ‬ ‫تذكرنــا بفيلمين رائدين‬ ‫الروتينيــة والتي ِّ‬ ‫لهتشــكوك «‪ »Phsyco‬و«‪،»Vertigo‬‬ ‫يمــر‬ ‫ّ‬ ‫وخاصــة مــن حيــث التغييــر الــذي ّ‬ ‫بــه البطــل مــن خــال البنــت (الشــخصية‬ ‫أدتها الممثِّلة الرومانية‬ ‫المزدوجــة) التــي َّ‬ ‫الشــابة والجميلــة (أوليمبيــا ميلينتــي)‬ ‫التــي تلعــب دور شــقيقتين تــوأم‪( :‬نينــا)‬ ‫و(أليكســندرا) اللتيــن تســكنان بجــوار‬

‫كارلــوس‪ ،‬فتمنــح حياتــه مجـ ًـرى مغايرًا‬ ‫رشــحت لجائــزة‬ ‫عمــا َعِهـ َـده‪ .‬وقــد ِّ‬ ‫تمام ـ ًا ّ‬ ‫«جويــا» أفضــل ممثِّلــة عــن دروهــا فــي‬ ‫هــذا الفيلــم‪.‬‬ ‫يكمــن الــدور الــذي تلعبــه (أليكســندرا)‬ ‫فــي حيــاة (كارلــوس) أنهــا البــراءة التــي‬ ‫هزمــت الشــيطان‪ ،‬وكشــفت لــه فجــأة أن‬ ‫الشـ َّـر يســكن داخلــه‪ ،‬وأنــه ال يســتطيع‬ ‫التخّلــي عنــه‪ .‬وهــي الفكــرة التــي حــاول‬ ‫يوضحهــا للنّقــاد ويعرضها؛‬ ‫المخــرج أن ِّ‬ ‫وهي كون أوروبا كلّها تحاول أن تحارب‬ ‫الشـّـر مــن بعيــد كأنــه جــزء بعيــد عنهــا ال‬ ‫ينتمي إليها‪ ،‬ولكنها تنكر أنه جزء أصيل‬ ‫منهــا‪ .‬وحيــن تعــرف ذلــك قــد تكــون هذه‬ ‫البدايــة الصحيحــة لمحاربته‪.‬‬ ‫الجيــدة التــي تعيــد‬ ‫الفيلــم مــن األفــام ِّ‬ ‫للسينما اإلسبانية احترامها بعد أن اعتاد‬ ‫الجمهــور األوروبــي أن ينظــر إلى غالبية‬ ‫أفالمهــا علــى أنهــا لالســتهالك الســهل‬ ‫والســريع‪.‬‬ ‫‪139‬‬


‫مشهد من فيلم«الناجي الوحيد»‬

‫الناجي الوحيد‪..‬‬ ‫أمريكا ال تعرتف بالهزيمة‬ ‫لنا عبد الرحمن‬

‫ثمة رسائل سياسية في فيلم بيتر بيرغ‬ ‫ّ‬ ‫الجديد «الناجي الوحيد‪»Lone Survivor -‬‬ ‫عبر عن رؤية أميركا للحرب‪ .‬الفيلم حاز‬ ‫ُت ِّ‬ ‫علــى جائــزة جمعيــة الس فيغــاس لنّقــاد‬ ‫الســينما كأفضــل فيلــم أكشــن‪ ،‬وأفضــل ‪10‬‬ ‫أفــام لســنة ‪ .2013‬مثــل دور البطولة فيه‬ ‫كل مــن‪ :‬مــارك والبيــرغ‪ ،‬تايلــور كيتــش‪،‬‬ ‫إميــل هيــرش‪ ،‬بن فوســتر‪ ،‬وإريك بانا‪.‬‬ ‫قصة الفيلم مستوحاة من حدث واقعي‬ ‫عــن عمليــة «ريــد وينغــز» التــي قــام بهــا‬ ‫فريــق مــن قــوات البحريــة األميركيــة فــي‬ ‫‪140‬‬

‫أفغانستان عام ‪ 2005‬للقبض على «أحمد‬ ‫شــاه» أحــد زعمــاء طالبــان‪ .‬وكمــا َي َّتضــح‬ ‫مــن العنــوان ال ينجــو مــن هــذه العمليــة إال‬ ‫شخص واحد كان على شفير الموت‪ ،‬لكنه‬ ‫نجــا ليحكــي عمــا شــاهده في أفغانســتان‪.‬‬ ‫الناجي هو (ماركوس ويتلر)‪ -‬وهو اسمه‬ ‫الحقيقــي‪ -‬الــذي كتــب مــا حــدث فــي عمــل‬ ‫روائــي اعُتِبــر ضمــن قائمــة أفضــل الكتــب‬ ‫مبيعـ ًا فــي «النيويــورك تايمز»‪.‬‬ ‫تتضح الرسالة األولى‬ ‫منذ بداية الفيلم َّ‬ ‫التــي أراد المخــرج إيصالهــا‪ :‬فــي الحــرب‬

‫االنحياز للمواقف اإلنســانية سوف يكلِّفك‬ ‫المتربص بك لن يكون‬ ‫ـدوك‬ ‫ِّ‬ ‫حياتــك ألن عـ َّ‬ ‫إنســاني ًا ولــن يرحمــك‪ .‬انطالق ـ ًا مــن هــذه‬ ‫الفكــرة تتتالــى أحداث الفيلــم‪ .‬يبدأ الحدث‬ ‫الرئيســي مــع أربعــة ضبــاط يتـّـم إنزالهــم‬ ‫علــى أحــد الجبال في أفغانســتان‪ ،‬لينفِّذوا‬ ‫العمليــة التــي وضعهــا لهــم قائدهــم وهــي‬ ‫وي َّتضح‪ -‬منذ‬ ‫(القبــض علــى أحمــد شــاه)‪َ ،‬‬ ‫البداية‪ -‬صعوبة قيام أربعة محاربين فقط‬ ‫يتوغلون‬ ‫خاصة وأنهم‬ ‫المهمة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫بمثل هذه ّ‬ ‫في جبال وعرة يجهلون مساراتها‪ ،‬كما أن‬


‫عددهــم القليــل ال يبــدو متناســب ًا مــع حجم‬ ‫الكثــر‪.‬‬ ‫المهمــة وال مــع عــدد رجــال طالبــان ُ‬ ‫ّ‬ ‫وتكــون اللحظــة المحوريــة فــي الفيلم عند‬ ‫انكشــاف أمرهــم مــن طــرف راعــي أغنــام‬ ‫عجــوز برفقتــه غــام وطفــل‪ .‬يقبــض‬ ‫المحاربــون على الرجل العجوز وعلى من‬ ‫معه‪ ،‬ويدور حوار طويل بين العسكريين‬ ‫األربعــة حــول ضــرورة قتلهــم أو تركهــم‬ ‫أحيــاء‪ ،‬لكــن قائــد المجموعــة يقـ ِّـرر إطالق‬ ‫ســراحهم ألنهــم مدنيــون‪ .‬يســارع الغــام‬ ‫الــذي تبــدو فــي عينيه الكراهيــة لألميركان‬

‫بإيصــال الخبــر لجماعــة «طالبــان» الذيــن‬ ‫يندفعون نحو الجبال لمهاجمة األعداء‪ ،‬منذ‬ ‫هــذا الحــدث تبــدأ معركــة شرســة وطويلــة‬ ‫تأخــذ جــزءًا كبيــرًا مــن أحــداث الفيلــم‪،‬‬ ‫وتكشــف عــن براعــة التصويــر ودقّتــه فــي‬ ‫تركز علــى التفاصيل‬ ‫حركــة الكاميــرا التي ِّ‬ ‫الدقيقــة وعلــى طبيعــة الجغرافيــا وأثرهــا‬ ‫المهمة‬ ‫على المحاربين الذين يقومون بهذه ّ‬ ‫الخاصة بسبب جهلهم بالطرقات الجبلية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫واألماكــن التــي تســاعدهم علــى االختبــاء‪،‬‬ ‫بــل إن الفيلــم يكشــف أن للطبيعــة دورًا‬ ‫أساســي ًا فــي الحرب‪ ،‬خاصــة عندما تكون‬ ‫هنــاك مواجهــة علــى األرض بيــن فريــق‬ ‫يعــرف أيــن يضع قدمه في مســالك الجبال‬ ‫يتحرك وفق خرائط فقط‪.‬‬ ‫الوعرة‪ ،‬وآخر‬ ‫َّ‬ ‫األفغــان ليســوا كلّهــم طالبــان‪ ،‬بــل‬ ‫ـب أميــركا‪ ،‬ويقــف معها ضّد‬ ‫هنــاك مــن يحـ ّ‬ ‫طالبان‪ .‬يمكن القول أن هذه هي الرســالة‬ ‫تضمنها الفيلم‪ .‬هذه الرســالة‬ ‫الثانية التي َّ‬ ‫يمكــن اســتنتاجها بعــد أن ينجــو المقاتــل‬ ‫األميركــي الوحيــد «ماركــوس» مــن حــرب‬ ‫الجبــال‪ ،‬ويصــل إلــى أحد األنهــار‪ ،‬ويلقي‬ ‫وينظــف جلــده‬ ‫بنفســه فــي النهــر ليشــرب ّ‬ ‫المثخــن بالجــراح‪ ،‬فــي هذه اللحظــة يظهر‬ ‫لــه رجــل أفغانــي مــع طفــل صغيــر‪ ،‬يم ـّد‬ ‫الرجل يده ليســاعد المقاتل على الوقوف‪،‬‬ ‫ثــم يأخــذه معــه إلــى قريتــه‪ ،‬ويقـ ِّـدم لــه‬ ‫الطعــام‪ ،‬ثــم يســتبدل ثيابــه العســكرية‬ ‫ـزي األفغانــي‪ ،‬وحيــن‬ ‫الملوثــة بالــدم بالـ ّ‬ ‫َّ‬ ‫يصل الخبر إلى طالبان ويهاجمون القرية‬ ‫للبحــث عــن المقاتــل األميركــي‪ ،‬يتص ـّدى‬ ‫لهــم‪ -‬باألســلحة‪ -‬كل رجــال القريــة دفاعـ ًا‬ ‫عــن ضيفهــم‪.‬‬ ‫يظـّـل الرجــل الــذي أنقــذ المقاتــل ‪-‬علــى‬ ‫أهمّية دوره‪ -‬من دون اسم‪ ،‬وكأن ال حاجة‬ ‫ّ‬ ‫تشكل رمزية‬ ‫لتحديد اسمه ألن داللة دوره ِّ‬ ‫العالقــة مــع المجتمــع األفغانــي مــن خارج‬ ‫طالبــان‪ ،‬فاألفغــان الذيــن ال ينتمــون لهــذه‬ ‫الجماعة يكرهونهــا‪ ،‬ويتحاربون معها‪.‬‬ ‫يتعمــد المخــرج كشــف صــورة األفغــان‬ ‫َّ‬ ‫المســلَّحين‪ ،‬فالقريــة التــي لجــأ إليهــا‬ ‫(ماركوس‪ -‬مارك ويلبيرغ) يستخدم رجالها‬ ‫البنــادق للدفــاع عنــه وإنقــاذه مــن مــوت‬ ‫ـي لحظــة وقوعــه تحــت قبضــة رجــال‬ ‫حتمـ ّ‬ ‫ـق لنــا الســؤال عن مدى‬ ‫طالبــان‪ .‬لكــن‪ ،‬يحـ ّ‬ ‫صحــة هــذا االفتــراض؛ فــي كــون كل قريــة‬ ‫ّ‬ ‫أفغانيــة تمتلــك ســاح ًا للدفــاع عن نفســها‬ ‫ضّد رجال طالبان؟ وفي الصورة المقابلة؛‬

‫إذا كان الشعب األفغاني ضد طالبان عليه‬ ‫امتالك الســاح‪ -‬أيضاً‪ -‬لمحاربة طالبان‪،‬‬ ‫وإن كان مع طالبان فمن البديهي أن يكون‬ ‫مسلّح ًا ليحارب أميركا!‪ .‬تبدو هذه المعادلة‬ ‫قاتمــة جــدًا على المســتوى اإلنســاني حيث‬ ‫ال يوجــد مــن يرفــض الحــرب‪ ،‬أو ينبذهــا‪،‬‬ ‫ـيتم ســحقه مــن‬ ‫الرافــض للقتــال هنــا‪ ،‬سـ ّ‬ ‫ويظل الســؤال الــذي يلقيه‬ ‫أحــد الفريقيــن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫(ماركــوس) علــى منقــذه األفغانــي «لمــاذا‬ ‫تســاعدني؟» بــا أي إجابــة‪ ،‬رغــم تكــراره‬ ‫ع ـّدة مـّـرات؛ هــذا الســؤال يتركــه المخــرج‬ ‫ُم َعلَّقـ ًا دون إجابــة واضحة‪.‬‬ ‫ينتهــي الفيلــم مع جملــة يقولها الناجي‬ ‫الوحيد (ماركوس) وهو على متن الطائرة‬ ‫األميركية عائدًا إلى بالده‪ ،‬يقول‪« :‬أميركا‬ ‫ال تعترف أبدًا بالهزيمة»‪ .‬وهنا من الممكن‬ ‫التوقُّــف عنــد فكــرة االعتــراف‪ ،‬مقارنــة‬ ‫بالواقــع‪ ،‬ألن عمليــة «ريــد جينــز» تفشــل‬ ‫المكونــة‬ ‫تتمكــن الفرقــة‬ ‫تمام ـاً‪ ،‬حيــث لــم َّ‬ ‫َّ‬ ‫مــن أربعــة مقاتليــن أن تقتــل «أحمد شــاه»‬ ‫رغــم االســتماتة فــي القتــال حتــى آخــر‬ ‫رمــق‪ ،‬كمــا أن ثالثــة مقاتليــن أميركييــن‬ ‫أشـّداء يالقــون حتفهــم علــى أرض الجبال‬ ‫األفغانيــة‪ ،‬وينجــو واحــد منهــم بالصدفة‪،‬‬ ‫إال أن تفســير ماركــوس للحــرب ولــكل مــا‬ ‫حــدث يخلــو مــن فكــرة الهزيمــة‪.‬‬ ‫افتقــد الفيلــم للحــوار اإلنســاني العميق‬ ‫عن دالالت الحرب ونتائجها‪ ،‬ليس بســبب‬ ‫تركــز علــى القتــال‬ ‫ـارع األحــداث التــي ِّ‬ ‫تسـ ُ‬ ‫فقــط‪ ،‬بــل ألن الفيلــم يتبّنــى وجهــة نظــر‬ ‫واحدة تتبنّى فكرة الحرب من دون التنويه‬ ‫إلى أن الحروب كلها في النتيجة ال منتصر‬ ‫فيها وال مهزوم‪ ،‬ألن الجميع خاســرون‪.‬‬ ‫الجديــر بالذكــر أن الفيلــم خــا تمامــ ًا‬ ‫ويركــز علــى‬ ‫مــن ّأيــة بطولــة نســائية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مشــاهد الحــروب فــي جبــال أفغانســتان‪.‬‬ ‫المــرأة في الفيلم تحضر مثل ذكرى جميلة‬ ‫تعكــس واقــع رغبــة المقاتلين فــي العودة‬ ‫إلــى وطنهــم والــزواج مــن حبيباتهم‪ .‬ومن‬ ‫الواضح أن المخرج وكاتب السيناريو (بيتر‬ ‫ركــز فــي معالجته الســينمائية على‬ ‫بيــرغ) َّ‬ ‫فكــرة الحــرب‪ ،‬وعلــى أن يكــون عملــه مــن‬ ‫أفالم «األكشن»‪ ،‬وليس تجسيدًا للدراما كما‬ ‫هــي فــي القصــة الحقيقيــة التــي اســتوحى‬ ‫منهــا فيلمه‪.‬‬ ‫‪141‬‬


‫من «ذروة المخاوف» إىل «عميل الظل»‬ ‫توجه جديد يف أفالم الجاسوسية‬ ‫د‪ .‬رياض عصمت‬ ‫عالمــات فارقــة فــي تاريــخ الســينما‬ ‫مهــدت للوصــول إلــى فيلــم الجاسوســية‬ ‫الجديد «جاك ريان‪ :‬عميل الظل» (‪،)2014‬‬ ‫الــذي تصــدى إلخراجــه المخــرج والنجــم‬ ‫البريطانــي كينيــث براناه‪ ،‬عن ســيناريو‬ ‫مقتبس لشــخصيات أبدعهــا الروائي توم‬ ‫كالنسي‪ .‬أقدم تلك األفالم فيلم «المرشح‬ ‫المنشــوري» (‪ )1962‬مــن إخــراج جــون‬ ‫فرانكهايمــر وبطولــة فرانــك ســيناترا‬ ‫ولورنــس هارفــي وجانيت لــي‪ .‬وقد أعيد‬ ‫إنتاج الفيلم بإطار وتعديالت جديدة تحت‬ ‫عنوان «المرشح المنشوري» (‪ )2004‬من‬ ‫إخــراج جوناثــان ديمــي وبطولــة دينــزل‬ ‫واشنطن وليف شرايبر وميريل ستريب‪.‬‬ ‫ولعــل أقــرب األفــام إلــى طــراز «جــاك‬ ‫ريــان‪ :‬عميــل الظــل» هو فيلــم «ثالثة أيام‬ ‫الكونــدور» (‪ )1975‬مــن إخــراج ســيدني‬ ‫بــوالك وبطولــة روبــرت ردفــورد وفــاي‬ ‫دونــواي‪ ،‬وهــو فيلــم يدور حــول مؤامرة‬ ‫داخــل المخابــرات المركزيــة األميركيــة‬ ‫لتصفية كل من يعلم بصفقة نفطية سرية‬ ‫مشــبوهة‪ .‬كذلك‪ ،‬يعرف عشــاق الســينما‬ ‫جيــدًا سلســلة األفــام التــي بــدأت بفيلــم‬ ‫«هويــة بــورن» (‪ ،)2002‬وهــي تتصــدى‬ ‫للموضــوع ذاتــه‪ ،‬وقد لعــب بطولة ثالثة‬ ‫منها النجم مات دامون‪ ،‬األول من إخراج‬ ‫دوغ ليمــان‪ ،‬واآلخــران مــن إخــراج بــول‬ ‫غرينغــراس‪ ،‬قبــل أن يحل على السلســلة‬ ‫النجــم جيرمــي رينــر فــي فيلــم رابــع هــو‬ ‫«ميــراث بــورن» (‪ )2012‬أخرجــه تونــي‬ ‫غيلــروي‪ .‬وهناك سلســلة مشــابهة أيض ًا‬ ‫هــي «مهمــة مســتحيلة» من بطولــة النجم‬ ‫تــوم كــروز‪ ،‬تيمنـ ًا بمسلســل تليفزيونــي‬ ‫قديــم ناجــح‪ .‬ومــن بيــن األفــام الجــادة‬ ‫كذلك‪ ،‬فيلم «سيريانا» (‪ )2005‬من إخراج‬ ‫‪142‬‬

‫ســتيفن كاغــان وبطولــة جــورج كلونــي‬ ‫ومات دامون‪ ،‬وفيلم «جسد من األكاذيب»‬ ‫(‪ )2008‬من إخراج ريدلي سكوت وبطولة‬ ‫ليونــاردو ديكابريو وراســل كرو‪ ،‬وفيلم‬ ‫آخــر هــو «المملكــة» (‪ )2007‬مــن إخــراج‬ ‫بيتر بيرج وبطولة جيمي فوكس جينيفر‬ ‫غاردنر‪.‬‬ ‫لكــن األهــم هــو اإلشــارة إلــى أصــل‬ ‫فيلــم «جــاك ريــان‪ :‬عميــل الظــل»‪ ،‬وهــو‬ ‫فيلــم «ذروة المخــاوف» (‪ )2002‬الــذي‬ ‫أخرجــه فيــل ألــدن روبنــز عــن روايــة‬ ‫لكاتــب روايــات الجاسوســية والتشــويق‬ ‫الشــهير تــوم كالنســي‪ ،‬حيــث مثــل النجم‬ ‫بــن أفليك شــخصية (جاك ريــان)‪ ،‬عميل‬ ‫المخابــرات المركزيــة األميركيــة الــذي‬ ‫يكتشــف خطــة لتفجيــر إرهابــي نــووي‬ ‫فــي قلــب الواليــات المتحــدة األميركيــة‪،‬‬

‫يســاعده رئيســه األســود الذي لعب دوره‬ ‫مورغــان فريمــان‪ .‬واألمــر فــي هــذا الفيلــم‬ ‫يختلــف عــن جميــع األفــام المعروفــة –‬ ‫وباألخــص التجــاري منهــا – إذ إن بطــل‬ ‫الفيلــم ال يتمكن مــن الحيلولة دون نجاح‬ ‫العمليــة اإلرهابيــة وحــدوث التفجيــر‬ ‫النــووي الرهيــب‪ ،‬كمــا أن قصــة الفيلــم‬ ‫تشــير إلــى أن أصــل القنبلــة إســرائيلي‬ ‫اشتراها إرهابي أوروبي أبيض‪ ،‬وليس‬ ‫أفغاني ًا أو باكستاني ًا أو كوري ًا أو عربياً‪.‬‬ ‫لكن النســخة الجديــدة «جاك ريان‪ :‬عميل‬ ‫الظــل» (‪ )2014‬ال تفضــح اختراقــ ًا فــي‬ ‫جهــاز المخابرات المركزية األميركية‪ ،‬أو‬ ‫توجه أسهم االنتقاد له‪ ،‬كما فعلت بعض‬ ‫أفــام الجاسوســية والتشــويق النــادرة‬ ‫فــي جديتهــا وفنيتها‪ ،‬بــل إن الفيلم يعود‬ ‫إلــى األطر التقليديــة لألبطال األخيار في‬ ‫مواجهــة األشــرار‪ ،‬وهــو عنصــر تجــاري‬ ‫بــا ريــب كان األحــرى بالفيلــم أن يتجنب‬ ‫االستســام الكلــي لــه‪.‬‬ ‫تــدور قصــة فيلــم «جــاك ريــان‪ :‬عميــل‬ ‫الظــل» (‪ )2014‬حول تجنيد مالزم شــاب‬ ‫خاض الحرب في أفغانستان وأصيب فيها‬ ‫إصابة بالغة‪ .‬بعد حصوله على الدكتوراه‬ ‫ال باحث ًا لصالح‬ ‫في االقتصاد أصبح عمي ً‬ ‫المخابــرات المركزيــة األميركيــة‪ ،‬مهمتــه‬ ‫دراســة الشــؤون االقتصادية وتحليل كل‬ ‫مــا مــن شــأنه أن يهــدد األمــن االقتصــادي‬ ‫األميركــي‪ .‬يلعــب دوره هــذه المــرة بــدل‬ ‫بــن أفليــك نجــم شــاب صاعد هــو كريس‬ ‫بايــن‪ ،‬بينما يلعب دور رئيســه ومشــرفه‬ ‫المباشــر النجــم الكبيــر كيفــن كوســتنر‪.‬‬ ‫يكتشــف الدكتــور جــاك ريــان مــن خــال‬ ‫عملــه فــي إحــدى المؤسســات المصرفيــة‬ ‫الكبرى وجود حسابات روسية مشبوهة‬


‫ال إرهابي ًا‬ ‫يشك في أنها رصدت لتمول عم ً‬ ‫هدفــه تدميــر االقتصــاد األميركــي وانهيار‬ ‫الدوالر عالمياً‪ .‬يترك جاك ريان خطيبته‬ ‫(التــي تلعــب دورهــا النجمــة البريطانيــة‬ ‫كييرا نايتلي)‪ ،‬ويسافر إلى موسكو للقاء‬ ‫أحد أبرز أقطاب المافيا الروسية الثرية‪،‬‬ ‫الذي يملك مؤسسة اقتصادية كبرى هي‬ ‫أشــبه بحصــن منيــع‪ ،‬يســاعده فــي الظل‬ ‫رئيســه فــي المخابــرات (كيفــن كوســتنر)‬ ‫مــع فريــق متكامل ومحتــرف على طريقة‬ ‫سلسلة أفالم «مهمة مستحيلة»‪ .‬منذ أول‬ ‫وصولــه‪ ،‬يتعــرض جــاك ريــان لمحاولة‬ ‫اغتيال من مرافقه اإلفريقي الضخم‪ ،‬ينجو‬ ‫منهــا بمعجــزة‪ ،‬ويتمكــن مــن قتلــه‪ .‬لكــن‬ ‫القلــق يتصاعــد مــع لقائــه برئيــس تلــك‬ ‫المؤسســة االقتصاديــة الروســية (لعــب‬ ‫الــدور المخــرج كينيــث براناه نفســه)‪ ،‬ثم‬ ‫يتضاعــف مــع وصول خطيبتــه المفاجئ‬ ‫إلى موســكو‪ ،‬خاصة وأن رئيســه ال يجد‬ ‫بــدًا مــن تســلله إلــى داخــل المؤسســة‬ ‫وســرقة الملفــات الكاشــفة لمــا يجــري‬ ‫التخطيــط لــه فــي الظــام بتوجيه ســري‬ ‫من الكرملين‪ ،‬وهو ما يتكشــف ســيناريو‬ ‫الفيلــم تدريجي ًا عــن كونه عملية إرهابية‬ ‫سيقوم ابن ذلك الثري الروسي المتجنس‬ ‫بالجنســية األميركيــة بعــد أن أشــيع أنــه‬ ‫متوفى‪ ،‬وذلك لنســف شارع المال «وول‬ ‫ستريت» بتفجير ضخم‪ ،‬وبالتالي تحطيم‬ ‫الــدوالر وانهيــار االقتصــاد األميركــي‪ .‬ال‬ ‫شــك أن أكثــر فقــرات الفيلــم إثــارة كانــت‬ ‫فــي مشــهد تظاهــر جــاك ريــان بالثمالــة‬ ‫خالل عشــاء يدعوه إليه الروســي الثري‬ ‫الخطيــر‪ ،‬الــذي نعــرف أنــه يعانــي مــن‬ ‫مــرض عضــال ســيؤدي إلــى موتــه بعــد‬ ‫ثالثــة أشــهر‪ ،‬بحيــث يتركه مــع خطيبته‬ ‫فــي المطعــم المتاخم لمؤسســته ليتســلل‬ ‫بهوية نشــلت من جيبه إلى داخل حصنه‬ ‫المنيع لسرقة ملفات الكمبيوتر واكتشاف‬ ‫ضلوعــه فــي المؤامــرة الخطيــرة‪ .‬تنجــح‬ ‫العمليــة‪ ،‬ولكــن األمــر ال ينتهــي هنــا‪ ،‬إذ‬ ‫تبــدأ مطــاردة محمومــة إلنقــاذ خطيبــة‬ ‫جــاك ريــان التــي تصبــح رهينــة بيــن‬ ‫أيــدي «اإلرهابييــن»‪ُ .‬تنقذ الفتاة ويســافر‬ ‫الخطيبــان‪ ،‬ثــم يتصاعــد التشــويق أكثــر‬ ‫بعــد عودتهمــا إلــى الواليــات المتحدة في‬ ‫لهــاث الســبق لمعرفــة أيــن وكيــف ســتتم‬ ‫العمليــة اإلرهابيــة‪ ،‬وكيــف ســيوقفون‬ ‫منفذهــا القاتــل المحتــرف المجهول‪ ،‬الذي‬

‫كيفن كوستنر وكريس باين في مشهد من «باك ريان ‪ ..‬عميل الظل»‬

‫يكتشــفون أنــه ليــس ســوى ابــن زعيــم‬ ‫المافيا المصرفية الروسية المشاع موته‪.‬‬ ‫هكــذا‪ ،‬يخــوض جــاك ريــان مطــاردة‬ ‫حاميــة ومعــارك شرســة كــي يــدرك‬ ‫اإلرهابــي‪ ،‬ويقــود العربــة المحملــة‬ ‫بالمتفجرات من تحت أنفاق شارع «وول‬ ‫ســتريت» ليرمــي بهــا في المــاء‪ ،‬بحيث ال‬ ‫يــؤدي االنفجــار إلــى أيــة أضــرار ماديــة‬ ‫أو بشــرية أو اقتصاديــة‪ ،‬بــل لمصــرع‬ ‫اإلرهابــي المجــرم وحــده‪ .‬بالتالــي‪،‬‬ ‫تصبــح النهايــة المحتمــة لزعيــم المافيــا‬ ‫الروســي هي التصفية وسط غابة نائية‬ ‫بطلقــة مــن مســدس كاتــم للصــوت‪ .‬أمــا‬ ‫جــاك ريــان فيصطحبــه رئيســه لمقابلــة‬ ‫الرئيــس األميركــي فــي البيــت األبيــض‬ ‫ليتلقــى الشــكر والتقديــر‪.‬‬ ‫يعــزى قدر كبير من نجاح فيلم «عميل‬ ‫الظــل» إلــى األداء التمثيلي الممتاز لطاقم‬ ‫أبطاله‪ :‬النجم المخضرم كيفن كوستنر‪،‬‬ ‫صاحــب األدوار المميــزة في «الرقص مع‬ ‫الذئــاب» و«األنقياء» و«روبــن هود‪ :‬أمير‬ ‫اللصوص»‪ ،‬والنجم الشاب الصاعد كريس‬ ‫باين‪ ،‬الذي انطلق عبر أفالم تجارية مثل‬ ‫«طريــق النجــوم» و«هذا معنــاه الحرب»‪،‬‬ ‫والنجمــة البريطانيــة كييــرا نايتلــي‪،‬‬ ‫المعروفــة عبر أفالم «قراصنة الكاريبي»‬ ‫و«آنا كارنينا»‪ ،‬وبشكل خاص‪ ،‬المخرج‬ ‫والممثل الشكسبيري الكبير كينيث براناه‪،‬‬ ‫الــذي بدأ بأفالم مثل «هاملت» و«جعجعة‬ ‫بال طحن» و«هنري الخامس»‪ ،‬ثم تحول‬ ‫مؤخــرًا إلــى مخــرج محتــرف لفيلم ضخم‬ ‫مثــل «ثور»‪ .‬ورغم إســهاماته كمخرج في‬ ‫‪ 17‬فيلمـاً‪ ،‬لــم يتخــل كينيــث برانــاه عــن‬

‫مهنته األساس‪ ،‬وهي التمثيل‪ ،‬حتى في‬ ‫بعض األفالم التي يخرجها بنفسه‪ ،‬على‬ ‫نهــج ســلفه الشــهير لورنــس أوليفييــه‪.‬‬ ‫ونجــده فــي فيلمــه «عميل الظــل» يتقمص‬ ‫شخصية زعيم روسي لمؤسسة اقتصادية‬ ‫مافياويــة بصــورة مقنعــة للغايــة ندر أن‬ ‫رأيناهــا فــي الســينما العالميــة منــذ عهــد‬ ‫ممثليــن مــن طراز ومســتوى ِإلك غينيس‬ ‫وبيتر أوستينوف‪.‬‬ ‫أسهم السيناريو والحوار للكاتبين آدم‬ ‫كوزاد وديفيد كويب في نجاح الفيلم‪ ،‬إذ‬ ‫أرســيا أساس ًا متين ًا لإلثارة والتشويق‪،‬‬ ‫وقدمــا الشــخصية المحوريــة بكثيــر مــن‬ ‫التأنــي والبعــد عــن المباشــرة‪ ،‬وصــو ًال‬ ‫إلــى أول مشــهد «أكشــن»‪ ،‬حيــن يتعــرض‬ ‫الدكتــور جــاك ريــان عنــد وصولــه إلــى‬ ‫جناحــه فــي الفنــدق الفخــم فــي موســكو‬ ‫إلــى محاولــة اغتيــال من مرافقــه الزنجي‬ ‫الضخــم‪ .‬وبــدءًا مــن هــذا المشــهد يفلــح‬ ‫الكاتبان في إعطاء المخرج كينيث براناه‬ ‫ما يساعد على توجيه بارع للتصوير في‬ ‫مشــاهد حركــة ومطــاردة وقتــال تحبــس‬ ‫األنفاس‪ .‬بالتالي‪ ،‬فإن الحصيلة الناجمة‬ ‫عن تعاون طاقم محترف ومقتدر كهذا في‬ ‫فيلــم «جاك ريــان‪ :‬عميل الظل» ســتؤدي‬ ‫– كمــا نعتقــد – النطالقــة توجه جديد في‬ ‫أفالم الجاسوســية والتشويق واإلثارة‪،‬‬ ‫مــن الممكن أن تصبح أكثر جدية لتفضح‬ ‫اختراقــات تآمريــة في صلب الجهاز الذي‬ ‫ينتمــي إليــه‪ .‬وربمــا لن تلعــب المخابرات‬ ‫األميركيــة دائمـ ًا الطــرف الخيــر فيها‪ ،‬كي‬ ‫تبتعد السلسلة عن سالسل مشابهة ألفالم‬ ‫جيمــس بوند ومهمة مســتحيلة‪.‬‬ ‫‪143‬‬


‫أبواب «يوتوبيا»‬ ‫سينما الثورات العربية‬ ‫خاص بالدوحة‬ ‫احتفـــت مؤخـــرًا صـــاالت ســـينما‬ ‫«يوتوبي ــا» ف ــي تول ــوز جنوب ــي فرنس ــا‬ ‫بالثـــورات العربيـــة فـــي مهرجـــان‬ ‫س ــينمائي ح ــاول مقارب ــة ه ــذه الث ــورات‬ ‫مــن خــال أفــام تنقــل للمشــاهد الفرنســي‬ ‫آالم الث ــورات وآماله ــا‪ ،‬وتحدي ــدًا ف ــي كل‬ ‫م ــن س ــورية ومص ــر وتون ــس‪ ،‬بع ــرض‬ ‫أفـــام قادمـــة مـــن هـــذه الـــدول الثـــاث‪.‬‬ ‫الس ــينما ق ــد تك ــون الوس ــيلة األفض ــل‬ ‫لنقـــل حقيقـــة الثـــورات‪ ،‬ومـــن هنـــا‬ ‫أتـــت فكـــرة المهرجان‪،‬حســـب تصريـــح‬ ‫الفلس ــطينية أس ــمى العطاون ــة ع ــن إدارة‬ ‫المهرجـــان لـــ «الدوحة»‪،‬مضيفـــة بـــأن‬ ‫الفرنس ــيين بالمجم ــل ُيس ــاقون باإلع ــام‬ ‫الســـائد‪ ،‬وتحديـــدًا التليفزيـــون‪ ،‬وأنهـــا‬ ‫كعربيـــة ال تـــرى فـــي ذلـــك مـــا يمكـــن‬ ‫أن يوصـــل الصـــورة الحقيقيـــة لثـــورات‬ ‫اندلعـــت لمطالـــب محقّـــة هـــي الحريـــة‬ ‫والعدالـــة والكرامـــة ولقمـــة العيـــش‪،‬‬ ‫وهــي مطالــب تجمــع بيــن كافــة الشــعوب‬ ‫العربيـــة التـــي أشـــعلت ثوراتهـــا ضـــد‬ ‫أنظمـــة قمعيـــة وفاســـدة‪.‬‬ ‫الفيلـــم االفتتاحـــي كان «العـــودة‬ ‫‪144‬‬

‫إلـــى حمـــص» للمخـــرج الســـوري طـــال‬ ‫ديركـــي‪ ،‬والـــذي يحكـــي عـــن مدينـــة‬ ‫حمـــص التـــي يســـميها الســـوريون‬ ‫عاصمـــة الثـــورة‪،‬كان الفيلـــم قـــد نـــال‬ ‫العديــد مــن الجوائــز أهمهــا جائــزة أفضــل‬ ‫فيلـــم وثائقـــي أجنبـــي فـــي مهرجـــان‬ ‫ســـانداس الســـينمائي‪.‬‬ ‫الفيلـــم الثانـــي للمهرجـــان ُخ ّصـــص‬ ‫للثـــورة المصريـــة‪ ،‬وذلـــك بفيلـــم «فـــي‬ ‫قل ــب الث ــورة» للمخ ــرج المص ــري س ــمير‬ ‫تـــم عـــرض الفيلـــم بنســـخته‬ ‫عبـــداهلل‪ّ .‬‬ ‫وصـــور فيـــه عبـــداهلل لقطـــات‬ ‫األوليـــة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مباشـــرة مـــن ميـــدان التحريـــر‪ ،‬منـــذ‬ ‫الســاعات األولــى لثــورة ‪ 25‬ينايــر‪ ،‬إلــى‬ ‫م ــا بع ــد انتخ ــاب محم ــد مرس ــي للرئاس ــة‬ ‫فـــي مصـــر ‪.‬‬ ‫الفيلـــم الـــذي اختيـــر ليحكـــي عـــن‬ ‫الثـــورة الت