Page 1

‫محاكمة اإللحاد‬ ‫في ضوء المنهج العلمي‬ ‫أحمد البياتي‬


‫الكتــــــــــــــاب‪:‬‬ ‫تـــأليــــــــــــف‪:‬‬ ‫تصميم الغــــالف‪:‬‬ ‫المراجعة اللغويـة‪:‬‬ ‫رقــــم اإليــــداع‪:‬‬ ‫الترقيــم الدولــي‪:‬‬ ‫اإلخــراج الفنـــي‪:‬‬

‫محاكمة اإللحاد في ضوء المنهج العلمي‬ ‫أحمد البياتي‬ ‫رامي أحمد‬ ‫إبداع للترجمة والنشر والتوزيع‬ ‫‪2015 / 14940‬‬ ‫‪978 - 977 - 779 - 028 - 4‬‬ ‫إبداع للترجمة والنشر والتوزيع‬ ‫المدير العام‪ :‬عيد إبراهيم عبدالله‬ ‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫و�أي اقتبا�س �أو تقليد‪� ،‬أو �إع��ادة طبع‪� ،‬أو ن�شر دون موافقة‬ ‫قانونية مكتوبة يعر�ض �صاحبه للم�ساءلة القانونية‪ ،‬والآراء‬ ‫وال�م��ادة ال ��واردة وحقوق الملكية الفكرية بالكتاب خا�صة‬ ‫بالم�ؤلف فقط ال غير‪.‬‬ ‫االعنوان‪ 6 :‬ش التحرير‪ ،‬الدور ‪ ،18‬أمام محطة مترو البحوث‪ ،‬الدقي‪ ،‬الجيزة‬ ‫هاتف‪ - 0237621688 :‬موبايل‪01142050403 :‬‬ ‫الموقع اإللكتروني‪www.prints.ibda3-tp.com :‬‬ ‫البريد اإللكتروني‪info@ibda3-tp.com:‬‬


‫محاكمة اإللحاد‬ ‫في ضوء المنهج العلمي‬ ‫أحمد البياتي‬


‫"أنا أري ُد أن َ‬ ‫أعرف اإلل َه الذي َخلَق العا َل َم‪ ،‬أريد أن أعرف أفكاره‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫وكل ما عدا ذلك مجر ُد تفاصيل"‬ ‫ألبرت آينشتاين‬

‫‪5‬‬


6


‫اإلهداء الخاص‬ ‫�إلى �أح َّبائي‬ ‫مريم‪ ،‬فاطمة‪ ،‬عبا�س‪� ،‬إبراهيم‬ ‫الحب الدائم‬ ‫مع ُ‬ ‫ ‬

‫‪7‬‬


‫اإلهداء العام‬ ‫�إلى الم� ِؤمنين ‪..‬‬ ‫�إلى ال ُم ِلحدين ‪..‬‬ ‫مع التقدير‬

‫ ‬

‫‪8‬‬


‫مقدمة‬ ‫تحجر الفكر وانغالقه لن يغير الواقع فعجلة التطور والتغيير لن تتوقف والمفرو�ض على الإن�سان‬ ‫�أن يحاور الجميع بمن فيهم المخت ِلفين معه في ال ِفكر الذي يتبناه �سواء كان مورو ًثا �أو مكت�س ًبا‬ ‫ُ‬ ‫ال�ضعف والقوة في فكره‪ ،‬وعليه �إال يحيد‬ ‫مكام ِن‬ ‫ِلما في ذلك ِمن مناف َع كثيرة �أهمها‬ ‫ِ‬ ‫اكت�شاف ِ‬ ‫ع َّما يراه الأقرب للحق والمنطق‪ ،‬ولو خا َل َف ذلك موروثه الثقافي والديني‪ ،‬وكما عليه �أن ُيفرق‬ ‫بين الدين والثقافة فالكثير من العادات الثقافية �أ�صبحت دي ًنا بمرور الزمن‪.‬‬ ‫أقرب‬ ‫وبنا ًء على هذا ال َمنهج والطريق دخلتُ عا َل َم ال ُم ِلحدين لع ِّلي � ِأج ُد الحقيقة �أو المنطقَ ال َ‬ ‫أكتف بالقراء ِة والنقا�ش‪ ،‬بل ذهبتُ �إلى م�ؤتمرا ِتهم‪ ،‬وح�ضرتُ لقا َءا ِتهم الأ�سبوعي َة‪،‬‬ ‫لها‪ ،‬فلم � ِ‬ ‫وبحثتُ و َتحققتُ ِمن ما يقولونه‪ ،‬وق��ر�أتُ ُك ُت َبهم المختلف َة‪َّ ،‬‬ ‫واطلعتُ على ُح َج ِجهم وطريق ِة‬ ‫تفكيرهم‪ ،‬وكان ال ِنتاج هذا الكتاب الذي بين يديك‪.‬‬ ‫حد َث االنفجا ُر الكبير‪ ،‬وبد�أ عا َل ٌم جديد بالتك ّون‪� ،‬سنوات‬ ‫ق ْب َل ما يق ُر ُب ِمن �أربعة ع�شر بليون �سنة َ‬ ‫والعمل الدءوب بين مك ِّونات العا َل ِم الجديد المختلفة لت�ؤد َِّي‬ ‫و�سنوات من التفاعالت والتغ ّيرات‬ ‫ِ‬ ‫بكثير مما كنا ُ‬ ‫�إلى النتيجة التي نحن عليها اليوم‪ُ ،‬‬ ‫نعرف‬ ‫اليوم حول الكون والحياة �أكثر ٍ‬ ‫نعرف َ‬ ‫�ساب ًقا‪ ،‬ولكننا على الرغم ِمن ذلك ال ُ‬ ‫َ‬ ‫القليل والقليل جدً ا‪" ،‬وما �أوتيتُم‬ ‫نملك من الحقائق �إال‬ ‫‪9‬‬


‫المعرفي الكبير الكثير من الفر�ضيات والنظريات(ال ِعلم‬ ‫النق�ص‬ ‫من العلم �إال قليلاً ‪ ،‬يقا ِب ُل هذا‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫حدث ع ْب َر التاريخ الطويل من‬ ‫الن�سبي) التي تحاول �أن تجد‬ ‫التف�سيرات العلمي َة المادي َة ِلما َ‬ ‫ِ‬ ‫الأمور التي ال يمكننا �أن نالحظها‪.‬‬ ‫حدث قبل �أربعة ع�شر بليون �سنة؟‬ ‫قد تب ُرز لدى‬ ‫البع�ض �أ�سئل ٌة مثل كيف ع َرفنا �أن االنفجا َر َ‬ ‫ِ‬ ‫المجاهيل؟�ستجد الجواب �أو ما يدل عليه‬ ‫وما ال َفرق بين الحقائق والنظر َّيات؟ وما هي تلك‬ ‫ِ‬ ‫الكتاب لي�س كتا ًبا‬ ‫ولكن يجب �أن تعرف ‪-‬عزيزي القارئ‪�-‬أن هذا‬ ‫الح ًقا بين �صفحات الكتاب‪ِ .‬‬ ‫َ‬ ‫نظريات وفر�ضيات ال ِعلم الن�سبي �ستتغير بالت�أكيد في‬ ‫اليوم من‬ ‫ِ‬ ‫علم ًيا؛ فال ِعلم متغير وما نعرفه َ‬ ‫النظريات المذكورة فيه قد‬ ‫الم�ستقبل‪ ،‬لذا َمن يقر�أ هذا الكتاب بعد ع�شرين �سنة قد يجد بع�ض‬ ‫ِ‬ ‫تغيرت و�أ�صبحت من الأحفور ّيات العلمية‪ ،‬ولكنه �سيجد وبكل ت�أكيد نف�س ال�سياقات التي يتبعها‬ ‫الملحدون والم�ؤمنون‪.‬‬ ‫كما �أن هذا الكتاب لي�س كتا ًبا دين ًيا؛ فالدِّ ين تتم مناق�شته بعد �أن نتجاوز م�س�أل َة الخالق و�إن‬ ‫كتاب‬ ‫كنا تكلمنا في بع�ض الأمور الدينية التي ينتقدها الملحدون‪ ،‬والكتاب الذي بين يديك ُ‬ ‫الكتاب ال ُيدافع عن‬ ‫اختلطت على الكثيرين‪،‬هذا‬ ‫لمفاهيم وتعابي َر‬ ‫بحث وتدقيق وعر�ض وتحليل‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫خالق ورف�ضه‬ ‫الخالق‪ ،‬ولكن يهدف �إلى تو�ضيح الموقف الفكري القائم على االعتقاد بوجود ٍ‬ ‫ربط العلم بالإلحاد‪.‬‬ ‫ب�شكل �أو ب�آخ َر على مجموع ٍة من النظريات العلمية الحديثة والتي يتم‬ ‫اليوم يعتمد ٍ‬ ‫الإلحاد َ‬ ‫�دد من‬ ‫مب�سط عن طريق مجموع ٍة من الوكاالت الإعالمية‪ ،‬وع� ٍ‬ ‫ت�سوي ُقها بين النا�س ٍ‬ ‫ب�شكل َّ‬ ‫َ‬ ‫الهدف من هذا الت�سويق هو‬ ‫العلماء ال ُم ِلحدين �أو القريبين من الإلحاد‪ ،‬قد يظن البع�ض �أن‬ ‫ن�شر ال ِعلم‪ ،‬ولكنَّ الحقيقة �أن هذه‬ ‫الوكاالت الإعالمي َة ال�ضخمة تعمل �ض ْمنَ‬ ‫ِ‬ ‫التب�شير بالإلحاد �أو ِ‬ ‫‪10‬‬


‫الربح المادي هو العامل الأ�سا�سي‪،‬وال َ‬ ‫فرق لديهم بين الوثائقيات التي‬ ‫مناخ ر�أ�سمالي يكون فيه ُ‬ ‫ٍ‬ ‫تتحدث عن النظريات العلمية �أو تلك التي تتناول فنونَ الطبخ �أو تلك التي تتناول الموا�ضي َع‬ ‫بقد ِر الربح المادي المتح ّقق‪.‬‬ ‫الإباحي َة‪� ،‬إال ْ‬ ‫َ‬ ‫فكرهم الإلحادي‪ ،‬حيث تقر�أ ُك ُت ًبا‬ ‫�أ َّما ِمن ناحية العلماء ال ُم ِلحدين ف�إن‬ ‫الهدف الوا�ضح هو ن�ش ُر ِ‬ ‫هدف علمي وا�ضح‪ ،‬و�إنما الهدف الوا�ضح هو ن�شر وجه ِة نظر العا ِلم‬ ‫كامل ًة لعلما َء كبا ٍر لي�س لها ٍ‬ ‫الخا�صة بالدين‪� ،‬أ ّما بخ�صو�ص الجامعات الراعية له�ؤالء العلماء فمِ ن م�صلحتها �أن ي�شتهِ ر‬ ‫العلما ُء الذين يعملون فيها‪ ،‬حيث �سي�ؤدي ذلك �إلى ج ْل ِب المزيد من الطلبة باعتبار كالم العالم‬ ‫الجامعات‬ ‫دعاي ًة مجاني ًة للجامعات التي يعملون فيها‪َ ،‬ومن يعي�ش في �أمريكا يعرف تَ�صا ُر َع‬ ‫ِ‬ ‫(ع ْلم)‬ ‫على الطلبة‪،‬‬ ‫وحجم الأموال التي ُت�ص َرف على الدعاية‪ ،‬وهكذا بال ُمح�صلة ف�إن ال ِع َلم كـ ِ‬ ‫َ‬ ‫ركب لتمرير وجهة نظر‬ ‫مظلو ٌم �ض ْمنَ هذه المعادلة التي تَ�ستخدمه كو�سيل ٍة لجلب الأموال �أو ك َم ٍ‬ ‫المتك ِّلم الدينية‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لغر�ض �أن يكون‬ ‫لبع�ض الم�صطلحات‬ ‫في الف�صل الأول من الكتاب حاولتُ �إعطا َء‬ ‫ِ‬ ‫تعاريف ِ‬ ‫الكتاب َ‬ ‫َ‬ ‫النقا�ش �أو قد‬ ‫ف�شل‬ ‫�سهل الكلمات‪ ،‬وكذلك حاولتُ �أن �أُب ِّينَ بع�ض ال ُمغالطات التي قد ُت ِ‬ ‫ُ‬ ‫ب�شكل‬ ‫ت�ؤدي �إلى عدم الخروج بالنتيجة المرج ّوة منه‪،‬فالنقا�ش لن ي�ؤدي �إلى تغيير القناعات ٍ‬ ‫�أني و�إنما هو فر�صة َّ‬ ‫لالطالع على الفكر المختلف وبعد ذلك ي�ستمر البحث والتدقيق الذي قد‬ ‫أياما �أو �شهو ًرا وحتى �سنين ل�صياغة القناعة ال�شخ�صية؛ فالنقا�شات المثمر ُة البعيدة‬ ‫ي�ستغرق � ً‬ ‫محطات مه ّم ًة في رحلة الباحث ولي�ست وجهات ي�ستقر عندها ويطمئن‪.‬‬ ‫عن الجدل العقيم‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الف�صل الثاني ِّ‬ ‫نظريتي التطو ِر واالنفجار الكبير‪ ،‬وكذا الت�صميم الذكي‪ ،‬ولم‬ ‫ليو�ضح‬ ‫وقد جاء‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫بقدر مناق�ش َة عالق ِتها بالخالق وبالإلحاد‪.‬‬ ‫يكن‬ ‫الهدف من ذلك هو مناق�شة النظريات علم ًيا ْ‬ ‫‪11‬‬


‫ُ‬ ‫فقد جاء ّ‬ ‫ليو�ضح مباني الإلحاد الجديد حيث ناق�ش كتاب ْي ِن مه ّمين ِمن ُكت ُِب‬ ‫�أ ّما‬ ‫الف�صل الثالث ْ‬ ‫"وهم الإله" و"الإله النظرية الفا�شلة"وتم اختيار الكتاب الأول ل�شهرته‪،‬‬ ‫الإلحاد الجديد وهُ ما ْ‬ ‫والكتاب الثاني لأنه ْيدح�ض وجود الخالق في �ضوء المنهج العلمي كما يدعي‪ ،‬وبالتالي ف�إن له‬ ‫عالقة بمو�ضوع الكتاب‪ ،‬ويجب الت�أكيد على �أن مناق�شة هذين الكتابين لي�ست ً‬ ‫عر�ضا مف�ص ًال‬ ‫لهما ومن يريد التف�صيل عليه بقراءتهما‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ال�سجاالت والنقا�شات في موا�ضيع ذات عالقة‬ ‫الف�صل الرابع والأخير قد احتوى على بع�ض ِّ‬ ‫بالعلم والإلحاد والدين‪.‬‬ ‫قد َر الإمكان لي�شكل محط ًة متوا�ضع ًة من محطات النقا�ش حول‬ ‫َ�صر ْ‬ ‫الكتاب جاء ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ب�شكل مخت ٍ‬ ‫واحد‪ ،‬وكذلك‬ ‫كتاب ٍ‬ ‫العلم والدين والإلحاد؛ فلي�س بالإمكان الإحاط ُة بكافة جوانب المو�ضوع في ٍ‬ ‫جاء مخت�ص ًرا لمجاراة روح الع�صر التي ال تتقبل التف�صيل ال ُممل وكثرة الكالم‪.‬‬

‫‪12‬‬


‫الفصل األول‬

‫مصطلحات ومغا َلطات‬

‫ب�شكل دق�ي� ٍ�ق م��ن �أه��م مفاتيح النقا�ش ال ُمثمر‪ ،‬ول��ذا ج��اء تعريف‬ ‫تعريف الم�صطلحاتُ‬ ‫ٍ‬ ‫الم�صطلحات في بداية الكتاب‪ُ ،‬‬ ‫بع�ض الم�صطلحاتٌ خا�صة بالم�ؤ ِّلف ِوم��ن وحي �أفكاره‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫تعريفات ح�صري ًة �أو كاملة‪ ،‬و�إنما هي‬ ‫م�صطلحات �أو‬ ‫وبع�ضها متداو ٌل ومعروف‪ ،‬وهي لي�ست‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫للكتاب الذي بين يديك‪� ،‬أ َّما المغالطات فهي محاول ُة لتقييم بع�ض الأخطاء التي‬ ‫مفاتيح‬ ‫مجرد‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫نقع فيها �أثناء النقا�ش �أو �أثناء قراءة حوار‪:‬‬ ‫دليل على‬ ‫خالق للكون‪ ،‬واالدِّعا ُء �أن الحيا َة ال ُم�س ِّب َب لها بدون �إعطاء ٍ‬ ‫نفي وجو ِد ٍ‬ ‫اإللحاد‪ :‬هو ُّ‬ ‫هذا االدِّعاء‪.‬المعنى اللُّغوي للإلحاد هو االنحراف‪ ،‬ولذا �إذا وجدنا في كتب التراث �أن فال ًنا‬ ‫َ‬ ‫انحرف عن م�سا ٍر معين‪ ،‬ال ُّنفاة هو اللقب‬ ‫ملح ٌد فال يعني ذلك �أنه ُينكر وجو َد الخالق‪ ،‬و�إنما‬ ‫م�ستخدما �ساب ًقا لو�صف الملحدين لأنهم نفوا وجود خالق‪.‬‬ ‫الذي كان‬ ‫ً‬ ‫دليل مادي َيخ�ض ُع للمنهج العلمي الذي‬ ‫خالق للكون لعدم وجود ٍ‬ ‫نفي وجو ِد ٍ‬ ‫اإللحاد الجديد‪ :‬هو ُّ‬ ‫ُ‬ ‫اال�ستدالل به على وجود خالق‪ ،‬في هذا الكتاب عندما نتكلم عن الإلحاد ف�إننا نتكلم غال ًبا‬ ‫يمكن‬ ‫ِ‬ ‫عن الإلحاد الجديد‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫نف�سه المعبو ُد ِمن‬ ‫خ�ص ي� ِؤمن بوجود ٍ‬ ‫الربوبي‪�َ :‬ش ٌ‬ ‫خالق‪ ،‬ولكنه ال يعتقد ب�أن هذا الخا ِلق هو ُ‬ ‫الديانات المختلفة الموجودة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫خ�ص ي� ِؤمن ب�أن الأديانَ �صناع ٌة ب�شرية‪ ،‬وقد يقترب الالديني من الإلحاد �إذا كان‬ ‫الالديني‪�َ :‬ش ٌ‬ ‫خالق‪� ،‬أو ِمن الربوبية �إن كان يعتقد بوجود خالق‪.‬‬ ‫ال يعتقد بوجود ٍ‬ ‫�شخ�ص يقول �إن الأدل َة على وجود خالق من عدمه مت�ساوي ٌة‪ ،‬ولذلك ال ي�ستطيع �أن‬ ‫الال أدري‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫َحام َل الكثي ُر من الم�ؤمنين والملحدين على الال�أدريين لأنهم َّ‬ ‫عطلوا‬ ‫يقرر هل هناك �إل ٌه �أم ال‪ ،‬ت َ‬ ‫المنهج العقلي في �إثبات الخالق �أو �إنكاره فتركوا التفكير والبحث والتدقيق ُ‬ ‫ور�ضوا بالال�أدرية‪.‬‬ ‫َ‬ ‫خالق‪ ،‬ويت ِّبع دي ًنا من الأديان"ال�شرائع" الموجودة في العالم‪.‬‬ ‫خ�ص ي� ِؤمن بوجود ٍ‬ ‫المؤ ِمن‪ :‬هو َ�ش ٌ‬ ‫الم�صطلحات �أعاله (الإلحاد‪ ،‬الإلحاد الجديد‪ ،‬الربوبي‪ ،‬الالديني‪،‬‬ ‫وم َّما تجدر الإ�شار ُة �إليه �أن‬ ‫ِ‬ ‫نظر دينية خال�صة‪.‬‬ ‫الال �أدري‪ ،‬الم�ؤمن) هي وجهاتُ ٍ‬ ‫َ‬ ‫العقلي)‪ :‬ال َمنهج الذي يعتمد المنطقَ‬ ‫والعقل للو�صول‬ ‫المنطقي (البرهان‬ ‫العقلي‬ ‫المنهج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عام مثل وجود الخالق وغاية‬ ‫�إلى النتائج‪ ،‬وهو المنهج الذي يتناول الق�ضايا الفل�سفي َة ٍ‬ ‫ب�شكل ٍ‬ ‫الحكم على نتائج التجارب‬ ‫الحياة‪ ،‬وكذلك يتناول الق�ضايا غير الفل�سفية؛ حيث ن�ستخدمه في ُ‬ ‫م�صطلحا م� َّشو ً�شا ب�سبب عدم التفريق بين م�سائل‬ ‫المنهج و�أ�ضحى‬ ‫الح�سية‪ ،‬وقد ت ََ�ش َّو َه هذا‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫الفل�سفة وم�سائل ال ِعلم‪ ،‬وقد �أنكر المنهج العلمي الحالي هذا المنهج بالرغم من �أنه الأ�سا�س‬ ‫في �إلحاد بع�ض كبار العلماء و�إيمان البع�ض الآخر منهم‪ ،‬و�أبقى على الفل�سفة الح�سية (فل�سفة‬ ‫العلم)‪.‬‬ ‫المادي)‪ :‬المنهج الذي يعتمد الم�شاهَ د َة والتجرب َة‬ ‫الحسي (البرهان‬ ‫التجريبي‬ ‫المنهج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪14‬‬


‫العلوم‬ ‫للو�صول �إل��ى النتائج‪ ،‬وهو المنهج ال��ذي يتناول الق�ضايا المادي َة‪ ،‬وي�شمل مخت َل َف‬ ‫ِ‬ ‫التطبيقية مثل الكيمياء والفيزياء‪� ،‬أدوا ِته مح�صور ٌة في الأمور الماد ّية فقط‪.‬‬ ‫يمكن �أن ن�ستدل به على حقيقة وجو ِدها‪ ،‬ويكون هذا‬ ‫الحقائق‪ :‬هي الأمور التي لها �أث ٌر ّ‬ ‫مادي ِ‬ ‫مادي‬ ‫الوجود �إ َّما‬ ‫مت�ضمنا للحقيقة و�إ ّما داال عليها مثل م�س�ألة وجود الخالق‪ ،‬حيث �إن هناك �أث ٌر ٌّ‬ ‫ِّ‬ ‫ممكن �أن ن�ستدل منه على وجود الخالق‪ ،‬وبالتالي يمكن القول �أن الخالق حقيقة‪.‬‬ ‫والوه ُم‬ ‫يمكن �أن ن�ستدل به على حقيقة وجودها‪ْ ،‬‬ ‫األوهام‪ :‬هي الأمور التي لي�س لها �أث ٌر ّ‬ ‫مادي ِ‬ ‫بطبيعة الحال ليوجد ما يدل عليه مثل �سانتاكلوز �أو �إناء ال�شاي الذي يدور حول المريخ‪ ،‬حيث‬ ‫مادي على وجود ال�سانتاكلوز‪ ،‬وبالتالي فهو َو ْهم‪.‬‬ ‫ال يوجد �أث ٌر ٌّ‬ ‫يمكن مالحظتُه‪ ،‬وم�شاهد ُته‪� ،‬أو ت�صو ُّره لوجود �أدل ٍة مادي ٍة تدل عليه‪،‬‬ ‫ال ِعلم‪ :‬هو التعامل مع ما ِ‬ ‫فال قيمة للمنهج العقلي المنطقي �أمام المنهج التجريبي الح�سي‪ ،‬وال ِعلم ال يتعامل مع �أي‬ ‫اخت�صا�صه‬ ‫تعليل ِمن ما وراء الطبيعة لعدم �إمكانية �إثباته ماد ًّيا‪ ،‬ف�أمور ما وراء الطبيعة خارج‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫الظواهر الح�سية ِمن حولنا وال قدرة له �أبدً ا على‬ ‫وحدوده‪ ،‬وال ِع ُلم يحاول تف�سي َر طريقة عمل‬ ‫ِ‬ ‫تعليل وجودها‪ ،‬فعلى �سبيل المثال ال ِعلم قد يف�سر كيف حدث االنفجار الكبير ولكن ال يعلل‬ ‫�سب َبه‪ ،‬فهو يحاول الإجاب َة عن �س�ؤال "كيف" ولي�س ً‬ ‫"لماذا‪.‬‬

‫أقسام ال ِعلم‪:‬‬ ‫ثابت ال يمكن �أن يتغير مهما تطورت �أدوا ُتنا ومهما تط َّور ال ِعلم‪،‬فمث ًال‬ ‫يقيني‪ :‬وهو ِعلٌم ٌ‬ ‫ِعل ٌم ّ‬ ‫يقيني‪ ،‬واحتمال �أن تتغير كنظرية �أو يتغير �أحد عنا�صرها احتما ٌل‬ ‫نظرية فيثاغور�س هي ِعل ٌم ٌ‬ ‫�ضعيف جدً ا‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫النظريات العلمية التي تتعامل مع ت�صورات �أو تو ّقعات لكيفية‬ ‫لم نسبي ( ِعلم الثغرات)‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِع ٌ‬ ‫أمر ُمع َّين ا�ستغرق حدوثه ماليين ال�سنين �أو ال يتكرر ب�شكل م�ستمر بحيث ال يمكننا‬ ‫حدوث � ٍ‬ ‫ر�ؤيتُه �أو تجربته فعل ًيا‪ ،‬ويمكن �أن نط ِلق عليها ال ِعلم الن�سبي لأنه اعتمد ب�شكل كامل على الأدوات‬ ‫أدوات في تطو ٍر م�ستمِ ر‬ ‫المتوفرة حال ًيا وعلى التطور العلمي للمرحلة الحالية‪ ،‬ولكن بما �أن ال ِ‬ ‫حقل من الرمال المتحركة‪ ،‬وال يمكن التيقن من �أن ال ِعلم في‬ ‫وال ِعلم كذلك فك�أننا نقف على ٍ‬ ‫الم�ستقبل �سيدعم مثل هذه النظرية و ُيبقيها �أو يرف�ضها؟‬ ‫وهذا ينطبق على كافة النظريات التي تحتوي على بع�ض الثغرات مثل التطور وغيرها‪ ،‬فاحتمال‬ ‫مفهوم‬ ‫�أن يتغير �أحد عنا�صرها كاالنتقاء الطبيعي احتما ٌل وارِد جدً ا‪ ،‬ففي �أقل من قرن مث ًال تغ َّير‬ ‫ُ‬ ‫االنتقاء الطبيعي �إلى االنتقاء الطبيعي التراكمي‪ ،‬وظ َه َر مفهوم الجين الأناني وغيره‪،‬فعلى‬ ‫مفتوحا لتغيير‬ ‫الرغم من �أن ِعلم الثغرات يحتوي على الكثير من ال�صحة‪،‬لكن يبقى الباب‬ ‫ً‬ ‫النظريات نتيجة لتلكم الثغرات ‪.‬‬ ‫العلم الزائف‪ :‬ا�ستخدام ال ِعلم لنفي �أو �إثبات �أمو ٍر تقع خارج منهجه وحدوده مثل نفي الخالق‪.‬‬ ‫االختصاصات غير المتداخلة‪ :‬م�صطلح يراد منه ف�صل الأمور الميتافيزيقية عن الأمور‬ ‫الطبيعة باعتبارها اخت�صا�صات غير متداخلة‪ ،‬وبالتالي ف�إن العلم والدين ي�سيران في َّ‬ ‫خطان‬ ‫وخ�صو�صا عندما‬ ‫متوازيان‪ ،‬وهذا الكالم فيه الكثير من ال�صحة كما �أن فيه الكثير من الخط�أ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫دح�ضها ب�سهولة‪.‬‬ ‫ي�شتمل الدين على ُخرافات القرون ال�سابقة حيث يمكن للعلم ْ‬

‫أدوات ال ِعلم ‪:‬‬ ‫أو ًال‪ :‬الأدوات التي يتم ا�ستخدا ُمها للك�شف والبحث والتح ّري كالتل�سكوبات والمختبرات‬ ‫‪16‬‬


‫وغيرها‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬المعرفة العلمية المتراكمة عبر ال�سنين التي هي في حالة نم ٍو م�ستمر‪ ،‬و ُتب َنى النظرياتُ‬ ‫بنا ًء على �آخر ما تو�صلت له المعرف ُة العلمية الإن�سانية‪ ،‬وبتقدم المعرفة تختلف اال�ستنتاجات‬ ‫نيت على َ‬ ‫(علم الثغرات)‪.‬‬ ‫دالئل واحد ٍة عندما يتعلق الأمر بال ِعلم الن�سبي ّ ِ‬ ‫التي قد تكون ُب ْ‬ ‫أدوات لإنجاح التجارب‬ ‫ثالثا‪:‬العن�صر الواعي الف َّعال وهو العن�صر الذي يوفر الأج��واء وال ِ‬ ‫المختبرية وغير المختبرية‪ ،‬فال تجربة تتم �أو تنجح بدون وجوده �أبدً ا على الرغم من �أن هذه‬ ‫حدث بمح�ض ال�صدفة وبدون وجود العن�صر‬ ‫التجارب المفرو�ض �أنها تحاكي واق ًعا حيات ًّيا َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الواعي الفعال‪ ،‬وهذا العن�صر يمثله الإن�سان الذي يقوم بالتجربة ويحدد ال ُم َ‬ ‫والظروف‬ ‫الت‬ ‫دخ ِ‬ ‫التي ترافق �إجرا َء التجربة ويتابعها بدقة ‪.‬‬ ‫كعمود فقري لها‪ ،‬والتي تدل‬ ‫التطور‪ :‬نظري ٌة علمية ُمعت َبرة ومبنية على المكت�شفات الأُحفورية‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫المكت�شفات‬ ‫على �أن الأحيا َء قبل �آالف ال�سنين تختلف عن الأحياء اليوم‪ ،‬وكذلك الكثير من‬ ‫الحالية كالـ دي �إن �آي والوراثة ‪.‬‬ ‫اإلله الشخصي‪ :‬ت� ّصو ٌر عن الخالق يكون فيه الخالق في عالق ٍة مبا�شرة ذات طبيعية دكتاتورية‬ ‫وقاتل � ً‬ ‫أي�ضا‪.‬‬ ‫وح�سود‬ ‫ومنفعل‬ ‫ب�شخ�ص مغرو ٍر‬ ‫ومت�س ِّلطة مع الإن�سان‪ ،‬يكون فيه الإله �أ�شبه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وحاقد ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫فالإله ال�شخ�صي فكرة ناتجة عن المفهوم اليهودي لم�صائب الحياة‪ ،‬حيث يت�صور اليهود‬ ‫يتر�صدها الخالق ويردها‬ ‫�أن �سبب الم�صائب التي ت�صيب الإن�سان هي معا�صيه الخفية التي َّ‬ ‫ال�صاع �صاعين‪ ،‬وبالرغم من اعتقاد بع�ض الم�سلمين بذلك �إال �أن الخالق وفق المنظور القر�آني‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫تماما كحال العبد الطالح‬ ‫يغفر الذنوب جمي ًعا �إذا تاب العبد‪ ،‬والعبد ال�صالح‬ ‫معر�ض لم�صائب ً‬ ‫‪17‬‬


‫بغ�ض النظر عن معا�صي هذا وذاك لغر�ض االبتالء والتمحي�ص‪.‬‬ ‫إنتاجه عام ‪2014‬‬ ‫ولمعرفة معنى الإله ال�شخ�صي يمكن م�شاهدة فيلم "الخروج" الذي تم � ُ‬ ‫حري�ص على االنتقام من الفرعونيين ب�أق�سى الو�سائل‬ ‫والذي ي� َّصور فيه الإله على �أنه �إل ٌه منف ِع ٌل‬ ‫ٌ‬ ‫لوال تهدئة مو�سى له بالحكمة �أحيا ًنا وبال�صراخ �أحيا ًنا �أخرى‪.‬‬ ‫تاريخهم‪ ،‬وع��د ُد الأ�سفار‬ ‫العهد القديم‪ :‬وهو مجموع ُة الأ�سفار التي جمعها اليهو ُد ع ْب َر ِ‬ ‫مخت َل ٌف فيه بين الكني�سة الكاثوليكية والأرثودك�سية التي تقبل ‪�ِ 46‬سف ًرا من جهة‪ ،‬والكنائ�س‬ ‫البروت�ستانتية التي تقبل ‪�ِ 39‬سف ًرا فقط من جهة ثانية‪ِ ،‬من هذه الأ�سفار هناك فقط خم�سة‬ ‫ن�سب ل�سيدنا مو�سى والتي ت�س َّمى التوراة‪ ،‬وحتى هذه الأ�سفار الخم�سة فيها كال ٌم حول‬ ‫�أ�سفار ُت َ‬ ‫َمن َكتَبها على اعتبار �أن فيها و�ص ًفا لكيفية وفاة مو�سى ومكان دف ِنه‪ ،‬وي�ش ِّكل العه ُد القديم‬ ‫الجز َء الأول من الكتاب المق َّد�س لدى الم�سيحين‪.‬‬ ‫العهد الجديد‪ :‬وهو الجزء الثاني ِمن الكتاب المقد�س لدى الم�سيحين‪ ،‬يتكون من الأناجيل‬ ‫الأربعة المن�سوبة �إلى �أ�صحاب ال�سيد الم�سيح‪ ,‬ثمان �أ�سفا ٍر من�سوبة �إلى تالميذ الم�سيح ور�سله‪،‬‬ ‫َ‬ ‫الن�صف من العهد الجديد‪ ،‬ويتكون من‬ ‫بالإ�ضافة لر�سائل القدي�س بول�ص التي ت�ش ِّكل ما يقرب‬ ‫‪�ِ 27‬سف ًرا‪.‬‬ ‫النظرية النهائية "نظرية كل شيء"‪ :‬ت�س َّمى � ً‬ ‫الحلم" وهي النظرية التي ِمن‬ ‫أي�ضا "النظرية ُ‬ ‫الفراغات في النظريات العلمية الخا�صة بال ِعلم الن�سبي وتعطي الإجابة على‬ ‫المفرو�ض �أن تملأ‬ ‫ِ‬ ‫كل �شيء في الم�ستقبل‪.‬‬ ‫نوع‬ ‫�شخ�ص يعتقد ب�أن الإن�سان وبقي َة‬ ‫الخلوقي‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫الكائنات ُخ ِلقوا على ما هُ م عليه ويرف�ض �أي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫‪18‬‬


‫والخلوقي هو �شخ�ص م�ؤمن بوجود خالق‪.‬‬ ‫من �أنواع التطور‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫التطوري‪� :‬شخ�ص يعتقد ب�صحة التطور‪ ،‬والتطوري قد يكون �شخ�ص م�ؤمن �أو ملحد‪.‬‬ ‫التعقيد غير القابل لالختزال‪ :‬هو التعقيد الموجود في بع�ض �أجهزة الج�سم �أو بع�ض‬ ‫المعني مكون من عدة �أج��زاء؛ ال يمكن لهذه الأج��زاء �أن‬ ‫يالحظ �أن الجهاز‬ ‫الكائنات حيث َ‬ ‫ّ‬ ‫تعمل بمفردها وال يمكن للجهاز المعني �أن يعمل �إن ُفقدت �أحد �أجزائه‪ .‬وهذا التعقيد غير‬ ‫القابل لالختزال �أو التب�سيط ي�ستخدمه البع�ض لإثبات الت�صميم �أو التعبير عن عدم اقتناعهم‬ ‫ب�إمكانية التطور الع�شوائي على �إنتاج الحياة المعقدة‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪19‬‬


‫المغالطات‪:‬‬ ‫لغر�ض ت�صحيح ُط� ُر ِق التفكير ولالبتعاد عن المغالطات التي تجعل �أحكامنا غير منطقية‬ ‫ِ‬ ‫ونقا�شاتنا عقيمة نحاول �أن نو�ضح بع�ض الفخاخ التي قد نقع فيها �أثناء النقا�ش �أو �أثناء قراءتنا‬ ‫لنقا�شات ال�سابقين‪:‬‬

‫المغا َلطة األولى‪ :‬طبقة النقاش‬ ‫حد �سواء في نقا�شاتهم المختلفة‪ ،‬لنفتر�ض‬ ‫مغالط ٌة كبيرة يقع فيها الم�ؤمنون وال ُم ِلحدون على ٍ‬ ‫الملحد على‬ ‫وم�سيحي وملح ٌد‬ ‫النقا�ش الآتي الذي ي�شترك فيه م�سل ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫ويهودي‪ ،‬حيث يعتر�ض ِ‬ ‫ٌ‬ ‫فكرة قيام الم�سيح ِمن بين الأموات باعتبار �أن ال دليل عليه‪ ،‬فيجيبه الم�سيحي ولكن اهلل قاد ٌر‬ ‫الم�سيح لم ُيقتَل و�إنما‬ ‫على كل �شيء! فيع ِّلق الم�س ِلم ب�أن اهلل بالطبع قاد ٌر على كل �شيء ولكن‬ ‫َ‬ ‫ُ�ش ِّبه القتل لأ�صحابه وقد َر َفعه اهلل �إليه‪ ،‬ي�أتي اليهودي ليقول �إن الم�سيح لم ي� ِأت لليوم ونحن‬ ‫بانتظاره‪.‬‬ ‫وهكذا يعلق كل طرف على الحوار من وجهة نظره من دون مراعاة لطبقة النقا�ش‪،‬حيث �إن‬ ‫الملحد يبحث عن �أدلة مادية عن قيام الم�سيح ولكن الم�سيحي يعزُوا �سبب القيام للخالق وهي‬ ‫‪20‬‬


‫معجزة وبالتالي كان المفرو�ض �أن يتم النقا�ش في طبقة �إثبات الخالق �أو نفيه ولي�س في طبقة‬ ‫ت�أتي بعد �إثبات الخالق �أو نفيه وهي المعجزات‪� ،‬أما الم�سلم ف�إنه لم يتلفت �إلى �أن الم�سيحي ال‬ ‫ي�ؤمن بقر�آن الم�سلمين و�إنما حاججه به وبهذا انتقل �إلى طبقة متقدمة في الكالم مع الم�سيحي‬ ‫في حين كان المفرو�ض �أن يبد�أ معه بطبقة هل القر�آن كتاب اهلل �أم ال؟؟ نف�س ال�شيء مع‬ ‫اليهودي‪.‬‬ ‫الح َجر الأ�سود والتي‬ ‫مثا ٌل �آخر‪ ،‬يقول محمد عمارة ب�أنه �شرح لنوال ال�سعداوي ق�ضية تقبيل َ‬ ‫منهج عقلي ﻻ نقلي وبدون �آيات �أو �أحاديث‪ ،‬وكان ال�شرح كالآتي‪:‬‬ ‫ْ‬ ‫اعتر�ضت عليها وفق ٍ‬ ‫كثير من ق�ضايا‬ ‫"هنالك �أحكا ٌم فقهية في الإ�سالم ت�ستند �إلى ٍ‬ ‫�سبب �أو ِعلة معروفة مثل ٍ‬ ‫المعامالت‪ ،‬وهنالك �أحكا ٌم فقهية ﻻ نعرف ِع َّلتَها �أن اهلل ا�ست�أثرها لنف�سه مثل �سبب كون‬ ‫عد ِد ركعات �صالة الظهر �أرب ًعا ﻻ ثال ًثا وق�ضية الحجر الأ�سود من النوع الثاني"‪ .‬انتهى‪.‬‬ ‫ملحد ب�أن جواب محمد عمارة فيه مغالطة منطقية وا�ضحة �إذ قال �إنه �سي�شرح الأمر‬ ‫قد يع ِّلق ِ‬ ‫عقل ًيا و�شرحه باال�ستناد �إلى النقل و�ض َر َب مث ًال ولم ي�ستدل عليه ب�شيء‪ ،‬في حين �أن المغالط َة‬ ‫الملح َد لم يلتفت �إلى الأ�سا�س الذي اعتمده محمد عمارة واعتمده ك�أ�سا�س‬ ‫الحقيقة هي �أن ِ‬ ‫كملحد‪ ،‬و�إنما يناق�ش نوال ال�سعداوي‬ ‫لفهم الحوار‪ ،‬وهو �أن محمد عمارة لم يكن يناق�شه هو ِ‬ ‫التي ال تقول �إنها ملحدة‪ ،‬ولكنها ثائر ٌة على الموروث‪ ،‬وبالتالي فهو عندما يناق�شها بمقارنة‬ ‫الملحد الذي يرف�ض‬ ‫بع�ض الأحكام ببع�ضها الآخر لأنه يعتقد ب�أنها توافق على المبد�أ بعك�س ِ‬ ‫للملحد القفز في منت�صف‬ ‫أ�سا�سه‪ ،‬وبالتالي النقا�ش ال ُبد �أن يكون مختل ًفا وال يمكن ِ‬ ‫المبد�أَ من � ِ‬ ‫النقا�ش ليعتر�ض على مفرداته من وجهة نظر �إلحادية؛ لأننا بب�ساطة ال ن�ستطيع �أن نجزم ب�أن‬ ‫الملح َد ولي�س نوال ال�سعداوي‪.‬‬ ‫جواب محمد عمارة �سيكون مماث ًال لو كان يناق�ش ِ‬ ‫‪21‬‬


‫ملحدً ا وم�س ِل ًما يتناق�شان في جزئي ٍة �إيمانية مثل بع�ض‬ ‫نف�س المغالط ِة نجدها عندما نرى ِ‬ ‫ُ‬ ‫المعجزات كتح ّول الع�صا �إلى �أفعى‪ ،‬فمِ ثل هذا النقا�ش يعتبر مغالطة من الأ�سا�س‪ ،‬لأن الأ�سا�س‬ ‫تماما والنقا�ش �سيكون عقي ًما‪ ،‬فالنقا�ش لكي‬ ‫الذي ي�ستند عليه كل ٍ‬ ‫طرف مخت ِل ٌف عن الآخر ً‬ ‫يعطي نتائج �إيجابية يجب �أن يكون بالتدريج ِومن الأعلى �إلى الأ�سفل‪ ،‬فعندما يتكلم الملحد مع‬ ‫الم�ؤمن فال قيمة لنقا�شهما حول المعجزات‪ ،‬و�إنما يجب �أن يبد�أ النقا�ش حول وجود الخالق ف�إذا‬ ‫الخالق كالنبو ٍة وال َمعاد والمعجزات لن يكون بالإمكان‬ ‫لم يتو�صال �إلى نتيجة فكل ما هو دون‬ ‫ِ‬ ‫التو�صل �إلى نتيج ٍة فيه الختالف المباني الفكرية لدى كل طرف‪.‬‬ ‫وال�س ّني ال يتناق�شان حول المعجزات والخالق والنبوة و�إنما فيما دون‬ ‫لذا عندما يتناق�ش‬ ‫ال�شيعي ُّ‬ ‫ّ‬ ‫للملحد �أن ي�أتي ليقول �إن هذا النقا�ش فيه مغالطة منطقية لأن الخالق �أ�ص ًال غير‬ ‫ذلك وال يحق ِ‬ ‫موجود لأنه لي�س طر ًفا بالحوار ولو كان طر ًفا بالحوار الختلف الحوار جملة وتف�صي ًال‪.‬‬ ‫هذه المغالطة و َق َع فيها للأ�سف الأ�ستاذ "�سيد القمني" عند مناظرته لأحد ال�شيوخ في برنامج‬ ‫َ‬ ‫التحالف الم�سيحي‬ ‫"�أ�سرار ِمن تحت الكوبري" على قناة "القاهرة والنا�س"‪ ،‬حيث انتقد‬ ‫الق�سي�س ال�شيخَ هل الم�سيح �إله؟ لقال "يا نهار‬ ‫ن�صه "لو �س�أل‬ ‫الإ�سالمي �ضد الإلحاد وقال ما ُّ‬ ‫ُ‬ ‫�أ�سود"‪ ،‬ولو �س�أل ال�شيخُ‬ ‫الق�سي�س هل محمد ر�سول اهلل؟ لقال "يا دي الم�صيبة"‪ ،‬فت�س�أل �سيد‬ ‫َ‬ ‫القمني هنا "� ًإذا لماذا اتفقتم على الإلحاد؟"‬ ‫وهذا مثال وا�ضح للمق�صود بهذه المغالطة حيث لم يتلفت ال�سيد القمني �إلى طبقة الحوار التي‬ ‫هي حول الخالق‪ ،‬وبالتالي هي �أعلى من تفا�صيل الأديان وبالتالي اتفاقهم �أمر طبيعي و�إ�شكاله‬ ‫على هذا االتفاق ناتج من عدم �إدراكه لطبقة النقا�ش‪.‬‬ ‫‪22‬‬


‫َ‬ ‫الملحد‬ ‫آيات قر�آنية في هذا الكتاب ف�إن‬ ‫كنتيج ٍة يجب التنويه �أنه عند ِذكر � ٍ‬ ‫المخاط َب بها لي�س ِ‬ ‫كر �آيات اهلل‪ ،‬و�إنما بالحوار حول وجود الخالق من عدمه‪.‬‬ ‫فالحوا ُر مع ِ‬ ‫الملحد ال يكون ِبذ ِ‬

‫المغا َلطة الثانية‪ :‬االختصاص‬ ‫مخت�ص في نظريات الفيزياء والأحياء الحديثة التي يجدها في ُكتُب‬ ‫�شخ�ص غي ُر‬ ‫عندما يتكلم‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫خ�صي�صا لن�شر الإلحاد ولي�س لت ْبيان العلم بحد ذاته ف�إنه يقع في‬ ‫الملحدين المكتوبة‬ ‫العلماء ِ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫فخ ْين‪:‬‬ ‫عدم �إمكانية فهم �أبعاد وحدود النظريات‪ ،‬فال هو فيزيائي وال �أحيائي وال هو‬ ‫الفخ الأول‪ :‬فخ ِ‬ ‫القدرات والمختبرات الختبارها بنف�سه‪ ،‬بالتالي �سي�س ِّلم بها ت�سلي ًما كام ًال بكل فروعها‬ ‫يملك‬ ‫ِ‬ ‫و�إ�شكالياتها‪ ،‬وتتحول من احتمال كبير �إلى حقيقة مطلقة بكل ما ي�ضاف �إليها من توابل‪.‬‬ ‫الكتب ب�شكل كامل بما فيها من دعوة‬ ‫الفخ الثاني والأخطر‪ :‬نتيج ًة للفخ الأول فهو �سيق َبل هذه َ‬ ‫للإلحاد كهدف رئي�سي‪ ،‬فهذه الكتب في النهاية �إلحادية ولي�ست علمية فهي ال تكتفي بتبيان‬ ‫النظريات ب�شكل علمي‪ ،‬ولكنها تت�ضمن وجهة نظر الكاتب الدينية الإلحادية والتي تعمل َ‬ ‫عمل‬ ‫طبيب التجميل وخبرا ِء الماكياج لإعطاء �أبعاد �إلحادية للنظريات العلمية‪ ،‬في حين �أن ال ِعلم‬ ‫ِ‬ ‫كما هو معلوم "ال �أدري" و�سيبقى ال �أدر ًيا عندما يتعلق الأمر بالغيبيات و�أكثر من ذلك ا�ستخدام‬ ‫العلم كمبرر للإلحاد هو نوع من العلم الزائف‪.‬‬ ‫وقد يعتر�ض �أحدهم على هذا الكالم ب�أن يقول "�إننا نعرف فوائد الأ�سبرين �أو غيره من الأدوية‬ ‫التي ن�ستخدمها ل�صداع الر�أ�س‪ ،‬بدون �أية معرفة لرموزها الكيميائية �أو طريقة �صنعها‪ ،‬و�أنت‬ ‫‪23‬‬


‫ت�ستطيع �أن ت�ؤكد للنا�س فائدة الطائرات‪ ،‬بدون الحاجة لمعرفة تفا�صيل قيادتها �أو �صناعتها‪،‬‬ ‫وكذلك ن�صدق بال ِعلم والعالج الطبي وكالم علماء الكون والفيزيائيين والكيميائيين‪ ،‬بدون �أن‬ ‫نكون خبرا َء في � ٍأي منها‪ ،‬لأننا نثق في العلم"‪.‬‬ ‫�شخ�ص َفهِ م ال ِع َلم وطريق َة عم ِله فال يوجد �شيء ا�سمه �أ ِثق في‬ ‫واالعترا�ض �أعاله ال ينتج عن‬ ‫ٍ‬ ‫ال ِعلم �أو �أ� ِؤم��ن بال ِعلم‪ ،‬فهذا الكالم العاطفي ال�ش ّفاف ال �أ�صل علمي له‪،‬الإن�سان العلمي يثق‬ ‫في الأدلة ويتبعها‪ ،‬وفي نف�س الوقت يفهم محدودي َة ال ِعلم في الأمور الغيبية‪ ،‬و ِق َ�صر �أدواته‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫االحتمال الأقرب للحقيقة بنا ًء على الأدلة‬ ‫فنحن ال نثق في النظريات و�إنما نق َبل بها على �أنها‬ ‫المتواجدة بين �أيدينا‪ ،‬وفي نف�س الوقت ندرك حجم الثغرات العلمية ونتفهمها‪ ،‬فنحن نفرق‬ ‫الن�سبي"علم الثغرات" الذي ي�ستغل‬ ‫المعتر�ض �أعاله وال ِعلم‬ ‫بين ال ِعلم اليقيني وهو ما �أ�شار �إليه‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫لإثبات التوجهات الإلحادية ولن يقع الإن�سان العلمي في فخ الكتب الإلحادية التي تتم�سح بال ِعلم‬ ‫الن�سبي‪.‬‬

‫المغا َلطة الثالثة‪ :‬العودة إلى المربع األول‬ ‫نتائج معين ٍة‪ ،‬لن ُقل مث ًال ب�ضرورة‬ ‫عندما يفكر البع�ض في �أمور الخ ْلق والكون ف�إنه ي�صل �إلى َ‬ ‫وجود خالق‪ ،‬ولكن عندما يواجه �س�ؤال ديني ال يمكنه الإجابة عليه يعود �إلى المربع الأول في‬ ‫بح ِثه وينكر وجود الخالق‪ ،‬وهذا خط�أ كبي ٌر‪ ،‬فعدم القدرة على الإجابة عن �س�ؤال مع ّين ال تعني‬ ‫عدم القدرة على الإجابة‬ ‫ب�أية حال من الأحوال العود َة �إلى المربع الأول و�إنما تعني بب�ساطة َ‬ ‫على هذا ال�س�ؤال‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫لتقريب ال�صورة نذكر المحادث َة �أدناه التي غال ًبا ما تتكرر مع الكثير من الملحدين والمت�شككين‬ ‫في مو�ضوع الخالق‪ ،‬فهو مث ًال وبعد التفكير والتدقيق يتو�صل �إلى نتيج ٍة مفادُها �أن الكونَ الوا�سع‬ ‫َ‬ ‫والظروف المحيطة به ال يمكن �أن ت�أتي ِمن‬ ‫والقوانين الدقيق َة الحاكمة‪ ،‬والحيا َة والإن�سان‬ ‫ال�ص َدف ال�سعيدة (�صدفة االنفجار الكبير‪� ،‬صدفة القوانين الدقيقة‬ ‫اجتماع الماليين من ُّ‬ ‫الحاكمة‪� ،‬صدفة الخلية الأول��ى‪� ،‬صدفة الأج��واء المالئمة‪� ،‬صدفة التطور‪� ،‬صدفة الإن�سان‬ ‫الواعي المف ِّكر) فاحتمالية �أن ت�أتي كل هذه الأمور بال�صدفة تقترب من ال�صفر‪ ،‬والقبول بهذه‬ ‫االحتمالية نو ٌع من االنتحار العقلي‪.‬‬ ‫نف�سه مث ًال ما الغاية ِمن الخلق؟‬ ‫وبالتالي ي�صل �إلى �أن هناك خال ًقا ِ‬ ‫ومبد ًعا للكون‪ ،‬ولكن ي�س�أل َ‬ ‫وما الغاية من وجودنا في هذا الكون الف�سيح؟وعندما ال يجد جوا ًبا �شاف ًيا ين�سف كل الأ�س�س‬ ‫المنطقية ال�سابقة ويعود �إلى المربع الأول! على الرغم من عدم وجود مبرر لربط ال�س�ؤال‬ ‫بالأ�س�س المنطقية التي قادته �إلى االعتراف بوجود خالق‪.‬‬

‫الحكم على الفرد بجريرة المشهور!‬ ‫المغا َلطة الرابعة‪ُ :‬‬ ‫بوهم المعرفة‪،‬‬ ‫هذه المغا َلطة غال ًبا ما يقع فيها الطائفيون والمتع�صبون‪ ،‬وكذلك َمن اب ُت ِلي ْ‬ ‫الملحد و�أثناء نقا�شه مع الم� ِؤمن يعتقد �أن الم�ؤمنَ وبمجرد �إيمانه بالإ�سالم �أو‬ ‫فمث ًال نجد‬ ‫َ‬ ‫الم�سيحية فهو يعتقد بكل كبير ٍة و�صغيرة من المتعا َرف عليه بين النا�س حول ذلك الدين‪ ،‬بما‬ ‫أنا�س ال معرفة لنا بهم عا�شوا‬ ‫في ذلك الكثير من الخرافات التي ملأت َ‬ ‫الكتب التراثية و َكتَبها � ٌ‬ ‫الخا�ص‬ ‫قبل مئات ال�سنين نتيج ًة لظروفهم الخا�صة وثقافة ع�صرهم التي �أنتجت ف ْه َمهم‬ ‫َ‬ ‫‪25‬‬


‫للن�صو�ص‪.‬‬ ‫وهذه مغا َلطة كبرى لأن ال�صحيح �أن تَحكم على الفرد واعتقاداته ِمن خالل �س�ؤاله ولي�س من‬ ‫خالل الم�شهور عن دي ِنه �أو مذهبه‪.‬‬

‫المغا َلطة الخامسة‪ :‬اعتبار آرا ِء السابقين ُحج ًة على الفهم الصحيح‬ ‫هذا �أم ٌر يعاني منه الكثير ممن يحاول �أن يناق�ش ملحدً ا له دراية ببع�ض ُكت ُِب التراث التف�سيرية‬ ‫والحديثية وال�سيرة‪ ،‬حيث ُي�صر الملحد على �صحة التف�سير �أو الحديث الذي ينقله ِمن ُكت ُِب‬ ‫التراث و�أنه الحقيقة التي ال ريب فيها بالرغم من وجود تفا�سير �أخرى قد تعطينا وجهة نظر‬ ‫مغايره وعندما تعطيه تف�سي ًرا �أو ر�أ ًيا مغاي ًرا ِلما َنقله يرف�ضه ب�شدة وي�صر على اعتماد التف�سير‬ ‫ناتج عن اقتناعه ب�صحة ما ينقله‬ ‫�أو الحديث �أو الحادثة التي نقلها‪ ،‬هذا الإ�صرار بالطبع غير ٍ‬ ‫المناه َ�ض للدين وهوى نف�سه‪.‬‬ ‫و�إنما نات ٌج عن �أن ما ينقله يالءم موق َفه‬ ‫ِ‬ ‫والحجج �إل��ى نقا�ش الهوى وما يالئمه‪،‬‬ ‫وه��ذا يعني �أننا انتقلنا من نقا�ش المنطق والعقل ُ‬ ‫والنقا�ش �ضمن هذه الظروف م�ضيعة للوقت‪ ،‬فال يوجد مبرر يدفع �أي �إن�سان لفر�ض �أفكار‬ ‫أمران‪:‬‬ ‫الأقدمين على �شخ�ص له فيها وجهة نظر‪ ،‬وقد يكون من المفيد في مثل هذه النقا�شات � ِ‬ ‫كثير مثال في تف�سير الآية ال ُفالنية‪،‬‬ ‫الأول تخ ِبره بو�ضوح ومنذ البداية �أنك ال ترى ما يراه ابنُ ٍ‬ ‫اطالعه وثقافته الناتجة‬ ‫و�أنك غير ملزَ م �أ�ص ًال بتف�سير فالن لأن تف�سي َره يع ِّبر عن ر�أيه ومقدار‬ ‫ِ‬ ‫عن ظروف زمانه فال هو مع�صو ٌم من الخط�أ وال تف�سيره‪ ،‬والأمر ينطبق على جميع ُكت ُِب التراث‬ ‫بدون ا�ستثناء فهي تع ِّبر عن �آراء َمن ك َت َبها وقد نتفق مع بع�ض الموجود فيها وقد نختلف مع‬ ‫‪26‬‬


‫نف�سه‪.‬‬ ‫البع�ض الآخر بمقدار ما يقترب التف�سير من المنطق والقر� ِآن ِ‬ ‫كما و�أن على َمن ي َّدعي �أن تف�سير فالن هو ال�صحيح ويجب �أن نتب َعه (لغاي ٍة في نف�سه) �أن ي�شرح‬ ‫المف�سر الفالني باعتباره التف�سير ال�صحيح؟ فمجرد‬ ‫ما هي الأ�سباب التي دعته العتماد تف�سير ِّ‬ ‫نقل الكالم ال يكفي و�إنما يجب عليه �أن يدا ِفع عن موقفه ولماذا اعتمد ر� َأي فالن وترك بقية‬ ‫ِ‬ ‫الآراء؟ القر�آن الكريم ب�صورة عامة ينتقد االتبا َع الأعمى للأقدمين‪ ،‬وي�صر على �أن الإن�سان‬ ‫أكيد على ال�صحة‬ ‫م�سئول عن البحث واالطالع وتقييم ما وجده جاه ًزا بين يديه من التراث‪ ،‬الت� َ‬ ‫دين ِمن‬ ‫المطلقة للآراء المتطرفة لبع�ض ال�سابقين �أمر �أ�سا�سي لكل ِ‬ ‫ملحد �أو متع�صب �ضد ٍ‬ ‫الأديان؛ لأنه يهوى تلك الآراء التي ت� ِّصور الأديانَ كما يريدها الملحد �أو المتع�صب مجرد كذب ٍة‬ ‫مليئة بالخرافات ما يجعل هذا الدينَ �أو الفكر فري�س ًة �سهلة لالنتقاد‪.‬‬ ‫ومحاوالت تجميلي ًة ال قيمة لها لأنها تهز‬ ‫خروجا عن الدين‬ ‫�أ ّما �آراء المعا�صرين فيعتبرها‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫�إلحا َده �أو موق َفه و ُتف ِقده الماد َة الد�سمة التي يمكن انتقادُها ب�سهولة‪ ،‬فهو َيكره الآرا َء الأكثر‬ ‫قر ًبا للمنطق التي ال تتناق�ض مع الدين لأنها تجبره على التفكير بعمق والبحث بعمق لإيجاد‬ ‫�أمور ت�ؤكد �سالم َة موقفه ال�سلبي من الدين‪.‬‬ ‫مث ًال عند الكالم عن التطور قد ي�أتي م�سلم ويقول �أنا في القر�آن عندما �أقر�أ قوله تعالى في‬ ‫�سورة نوح‪َ :‬و َق ْد َخ َل َق ُك ْم �أَ ْط َوا ًرا (‪� )١٤‬أَ َل ْم َت َر ْوا َك ْي َف َخ َلقَ ال َّلـ ُه َ�س ْب َع َ�س َما َو ٍات ِط َبا ًقا (‪َ )١٥‬و َج َع َل‬ ‫ا ْل َق َم َر فِيهِ نَّ ُنو ًرا َو َج َع َل َّ‬ ‫ال ْر ِ�ض َن َباتًا (‪ ،)١٧‬ف�أنني �أجد‬ ‫ال�ش ْم َ�س ِ�س َر ًاجا (‪َ )١٦‬وال َّلـ ُه �أَن َب َت ُكم ِّمنَ َْ أ‬ ‫في الأطوار والأنبات �إ�شارة �إلى التطور‪ ،‬في�أتي الملحد وكذلك الم�سلم المت�شدد ويرف�ض هذا‬ ‫المفهوم ً‬ ‫رف�ضا قاط ًعا على اعتبار �أن القرطبي وابن كثير نق ًال عن ابن عبا�س قوله في الأطوار‬ ‫�إنها مراحل الجنين‪ .‬وك�أن الملحد والم�سلم المت�شدد يتوقع من ابن عبا�س والقرطبي وابن‬ ‫‪27‬‬


‫كثير رحمهم اهلل وغيرهم ممن ف�سر القر�أن في الع�صور ال�سابقة �أن يفهموه كما نفهمه اليوم‪،‬‬ ‫وحي منزل‪ ،‬وبالتالي من ال�ضروري‬ ‫في حين �أن فهمهم كان مطاب ًقا لمعارف ع�صرهم ولي�س ٌ‬ ‫�أن يكون فهمنا مطابق لمعارف ع�صرنا‪ ،‬وهذا ما قد ت�شير �إليه الآية الكريمة في �سورة �ص‬ ‫واجب في المت�شابه من �آيات القر�آن الكريم‪.‬‬ ‫( َو َل َت ْع َل ُمنَّ َن َب�أَ ُه َب ْع َد ِح ٍين) (‪ )٨٨‬وهذا ٌ‬

‫المغا َلطة السادسة‪ :‬العنوان والمضمون‬ ‫الحكم على الأ�شياء‪ ،‬وهذه �إحدى �أهم‬ ‫يجب تدقيق الم�ضمون وعدم االعتماد على العنوان في ُ‬ ‫َ‬ ‫دين مع ّين ليقولوا �إن زعي َمنا َ‬ ‫الحلول‬ ‫و�ض َع‬ ‫عالم ٍ‬ ‫ُط ُر ِق اال�ستغفال التي الحظتُها‪ ،‬فمث ًال ي�أتي �أ ْت َباع ِ‬ ‫الواقعية‪ ،‬ويكون هذا هو العنوان العري�ض ولكن عند النظر في التفا�صيل نجد �أن ما َّ‬ ‫تف�ضل به‬ ‫عبارات رنانة و�شعارات ال قيمة لها ولكن الكثيرون ال يكلفون �أنف�سهم‬ ‫الزعيم لم يكن �أكثر ِمن‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫عناء تدقيق و�إنما يعتقدون بتطابق الم�ضمون مع العنوان‪ ،‬فمث ًال في نقا�ش مع �أحد الملحدين‬ ‫ثبت �أن ال وجود للخالق ودليله على ذلك كتاب "الإله الفر�ضية‬ ‫المتحم�سين قال لي �إن ال ِعلم �أَ َ‬ ‫الفا�شلة"‪ ،‬وهو بالحقيقة لم يقر�أ الكتاب و�إنما �أعتمد على عنوانه ظ ًنا منه �أن المحتوى يطابق‬ ‫العنوان‪ ،‬وهذا لي�س �صحيح بالمرة كما �سنناق�ش ذلك بالتف�صيل الح ًقا‪.‬‬ ‫غيره فعليك �أن تدقق لتعرف هل‬ ‫يوم من الأيام مقال ًة للرد على هذا الكتاب �أو ِ‬ ‫لذا ف�إن قر�أتَ في ٍ‬ ‫عنوان بال م�ضمون؟‬ ‫كاف �أم �أن المقال َة مجر ُد ٍ‬ ‫هذا الر ُّد ٍ‬

‫المغا َلطة السابعة‪ :‬اعتبار المؤ ِمن عا ِل ًما بكل شيء‬ ‫ُ‬ ‫نقا�ش مع الم� ِؤمن الب�سيط الذين يلتقون به في الأ�سواق والمقاهي‬ ‫بع�ض الملحدين يحاولون ْبد َء ٍ‬ ‫َ‬ ‫الزمان وفلت َة الأكوان‪ ،‬فيبا ِدرون‬ ‫الب�سيط عا ِل َم‬ ‫وغيرها من الأماكن‪ ،‬حيث يعتبرون هذا الم�ؤمن‬ ‫ِ‬ ‫‪28‬‬


‫�إلى �س�ؤاله بمخت َلف �أنواع الأ�سئلة الفل�سفية والعلمية والت�شريعية والدينية وغيرها‪ ،‬والتي اطلعوا‬ ‫عليها ِمن المواقع الداعية للإلحاد والتي تم نق ُلها على الأغلب ب�شكل خاطئ! وعندما ال يجدون‬ ‫غير دقيق يمثل ثقاف َة‬ ‫الجواب �أو يخ ِبرهم الم�ؤمن �أنه لم ي�سمع بهذه الجزئية‪� ،‬أو يخبرهم بر� ٍأي ِ‬ ‫َ‬ ‫اطالعا على‬ ‫ال�شارع ال ر� َأي الدين‪ ،‬يبا ِدر الملحدون �إلى �إعالن انت�صارِهم باعتبارهم الأكثر‬ ‫ً‬ ‫نف�سه‪� ،‬أو باعتبار �أن ر�أ َيهم ال�سلبي في الدين �صحيح‪ ،‬وكيف ال وقد‬ ‫دين الم�ؤمن من الم�ؤمن ِ‬ ‫�أ َّي َده عا ِلم الزمان وفلتة الأكوان؟!‬ ‫ممار�سات‬ ‫النا�س في غالبيتهم يعرفون عن دينهم ما يحتاجونه من‬ ‫ٍ‬ ‫وهنا يجب �أن ندرك �أن َ‬ ‫يومية ال �أكثر‪ ،‬فال وقت لدى الكثيرين لالطالع‪ ،‬وهذا �أم ٌر طبيعي وال ب�أ�س به‪ ،‬ولذا جاء الأمر‬ ‫الإلهي بان تتف َّق َه طائف ٌة ِمن النا�س في الدين‪ ،‬وحتى هذه الطائفة المتفقهة لي�ست على نف�س‬ ‫الم�ستوى من الذكاء واالطالع والت َّب ُحر في الآراء المختلفة‪ ،‬ففوق كل ذي ِع ٍلم عليم‪،‬والخال�ص ُة‬ ‫�أن هذا النوع من النقا�شات يفت ِقر �إلى الأ�س�س الالزمة لها‪.‬‬

‫المغا َلطة الثامنة‪ :‬ال ُم َ‬ ‫دخالت المقبولة ٌ‬ ‫لنتائج مقبولة‬ ‫شرط‬ ‫َ‬ ‫ال يمكن �أن تتوقع جوا ًبا منطق ًيا مق ِن ًعا عن �س� ٍؤال افترا�ضي غير �صحيح‪ ،‬مث ًال عندما يع ِّرف‬ ‫خالق ِمن عا َلم وراء‬ ‫"ريت�شارد داوكنز" الإل َه في كتابه ْ‬ ‫"وهم الإله" ب�أنه"كلمة تدل على ٍ‬ ‫الطبيعة‪ ،‬و�شيء جدير ب�أن نتوجه �إليه بالعبادة"‪ ،‬ف�إذا التزمنا بحدود هذا التعريف الذي و�ضعه‬ ‫داوكنز �أ�صبح �س�ؤال هل يمكن �أن يخلق الخالقُ �صخر ًة �أكب َر منه حج ًما؟ �س�ؤ ً‬ ‫اال غب ًيا وال قيمة‬ ‫له؛ لأن ال�صخر َة تنتمي �إلى العالم المادي‪ ،‬والخالق ح�سب التعريف ينتمي �إلى عالم ما وراء‬ ‫‪29‬‬


‫الطبيعة غير المحدود‪ ،‬وبالتالي ف�إن الق�ضية لي�ست قدر َة الخالق و�إنما عدم �إمكانية الفعل‬ ‫نف�سه الختالف طبيعة الأمرين وبالتالي تعريف داوكنز للخالق يتعار�ض مع الكثير من �إ�شكاالته‬ ‫حول الخالق‪.‬‬ ‫ ‬

‫المغا َلطة التاسعة‪َ :‬تطا ُبق المو ّدة‬ ‫نظر خاطئة لأم��ر معين بين طرفين متناق�ضين ال‬ ‫وه��ذه نجدها عند التَطا ُب ِق في وجهة ٍ‬ ‫يجمعهما جامع‪ ،‬مث ًال التطابق في وجهات النظر بين الملحدين والفكر التكفيري المتمثل‬ ‫بداع�ش والقاعدة؛ حيث اتفق الطرفان على �أن الفكر التكفيري هو الممثل الحقيقي للإ�سالم‪،‬‬ ‫�أو التطابق الذي �أبداه ريت�شارد داوكنز و�ستينجر كما �سي�أتي ِذكره الح ًقا مع الخلوقيين في‬ ‫رف�ضهم لمبد�أ االخت�صا�صات غير المتداخلة على اعتبار �أنه الموقف ال�صحيح وكل ما عداه‬ ‫نفاق وكذب‪.‬‬ ‫وهذا التطابق هو تطابق مو َّد ٍة َوم�صالح لأنه يخدم م�صلحة كال الطرفين‪ ،‬فت�أكي ُد الملحدين‬ ‫العرب على �أن ف ْه َم التكفيريين هو الفهم ال�صحيح للإ�سالم هدفه �ضرب الإ�سالم‪ ،‬وت�أكيد‬ ‫ريت�شارد داوكنز موافقت َه الخلوقيين على رف�ضهم مبد�أ االخت�صا�صات غير المتداخلة هدفه‬ ‫�ضرب الدين من جذوره‪ ،‬فهذا التطابق لي�س تطاب ًقا فكر ًيا و�إنما هو تطاب ٌق بهدف �إثبات وجهة‬ ‫نظر ال�شخ�ص ولو جدل ًيا‪.‬‬

‫‪30‬‬


‫المغالطة العاشرة‪ :‬الكالم بنكه ٍة علمية‪:‬‬ ‫الملحدون الكبار هُ م ب�شكل �أو ب�آخر مقد�سون لدى الملحدين؛ لذا يدافع عنهم الملحدون‬ ‫ِ‬ ‫ويبرون �أفعالهم ب�شكل يذ ِّكرنا بموقف ال�شيوعيين من ِ�ستالين وحتى الم�سلمين ِمن بع�ض‬ ‫ال�شخ�صيات‪ ،‬ولكن الدفاع عن الملحدين الكبار ال يتم عن طريق تقدي�سهم‪ ،‬ولكن عن طريق‬ ‫�إ�ضفاء نكهة علمية ِلما يقولونه بمنا�سبة وغير منا�سبة‪ ،‬وبالتالي كل َمن يقف �ضدهم و�ضد‬ ‫�أفكارهم هو متخ ّلف �ضد ال ِعلم والتطور‪ ،‬على �سبيل المثال �أثير مو�ضو ٌع للجدال حول كالم �أحد‬ ‫العلماء الملحدين من قوانين الطبيعة م�صد ُرها الإن�سان ولي�س �أم ًرا ن�ش�أ مع الكون‪ ،‬وهو كالم‬ ‫غير علمي بالمرة رف�ضه �إجماع العلماء الفيزيائيين و�سنناق�شه بالتف�صيل الح ًقا‪ ،‬ولكن المهم‬ ‫في المو�ضوع �أن الملحدين تباروا للدفاع عن هذه المقولة باعتبارها �ضمن المنهج العلمي‬ ‫كلمات مبهرجة وتنا�سوا �أنهم بنقا�شهم هذا خالفوا‬ ‫و� َّأطروها ب�أنها فر�ضية! و�أد َلجوها �ضمن‬ ‫ٍ‬ ‫�سياقات و�ضعها الإن�سان في‬ ‫�إجما َع الفيزيائيين وجعلوا من القوانين الطبيعة الحاكمة مجر َد‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫اكت�شاف ما لم ُي َ‬ ‫كت�شفه منها‪.‬‬ ‫حين الواقع ي�ؤكد �أنها �سياقاتٌ يكت�شفها الإن�سان ويحاول‬ ‫َ‬ ‫و�سائل علمي ٍة وهو‬ ‫المالحظ �أن دفاعهم كان عن طريق �إ�ضفاء �صبغ ٍة علمية ولي�س با�ستخدام‬ ‫منهج خطير نالحظه كثي ًرا في نقا�شات �أتباع الإلحاد الجديد‪ ،‬مثال �آخر يذكره "�آنتوني فلو"‬ ‫في كتابه "هناك �إله" حيث يقول �إنه عندما �أعلن �إيمانه بوجود خالق عام ‪ 2004‬بعد �سنين‬ ‫وح�سب‪ ،‬اعت َر َ�ض عليه‬ ‫طويل ٍة من �إلحاده حيث ب َّين �أنه ال يعتقد ب�أن �أ�صل الحياة قد بد�أ بالمادة‬ ‫ْ‬ ‫المجالت‬ ‫يواكب �آخر التطورات العلمية في هذا المجال ولم يقر�أ‬ ‫ِ‬ ‫الكثيرون واتهموه ب�أنه لم ِ‬ ‫غير حية‪ ،‬يع ِّلق "انتوني فلو" على هذه‬ ‫العلمية التي تكلمت عن �إمكانية تو ّلد الحياة من موا َّد ِ‬ ‫‪31‬‬


‫االعترا�ضات بقوله �إنهم لم ينتبهوا لمغزى كالمي حيث لم يكن مغزى كالمي هذه النظرية‬ ‫�أو تلك النظرية‪ ،‬ولكن كان المغزى الأ�سا�سي هو الت�سا�ؤل ما معنى �أن يكون ال�شيء ح ًيا؟ وما‬ ‫عالقة الحياة بج�سم قائم على التفاعالت الكيميائية والجينات‪� ،‬أنا �أنظر للمو�ضوع ك ُكل ولي�س‬ ‫كتفا�صيل‪ .‬حيث نالحظ �أن الإجابة على فكرته كانت بعيدة كل البعد عن المغزى بالرغم من‬ ‫النكهة العلمية التي احتوتها‪.‬‬ ‫يجب �أن يكون الجدال من جن�س الأمر الذي يتم الجدال حوله بعيدً ا عن التفرعات واال�ستخدام‬ ‫الفج لبع�ض الأمثلة العلمية‪ ،‬عندما نتكلم عن الخالق فنحن نتكلم ب�شيء �أكبر بكثير من تف�صيل ٍة‬ ‫هنا �أو تف�صيل ٍة هناك‪.‬‬

‫‪32‬‬


‫الفصل الثاني‬ ‫نظريات‬

‫ذات العالقة بمو�ضوع الكتاب يجب الت�أكيد على �أن‬ ‫ق ْب َل‬ ‫الدخول في مناق�شة بع�ض النظريات ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫بهدف علمي و�إنما مناق�شة النظرية فيما يتعلق بمو�ضوع الإلحاد والخا ِلق ولي�س‬ ‫عر�ضها لي�س ٍ‬ ‫طرحه من �أفكار حول النظريات �سيرف�ضه‬ ‫ِمن منظورها العلمي البحت‪،‬ومعظم ما �سيتم ُ‬ ‫�سبب مق ِنع وذلك لأنه وللأ�سف الكثير منهم تا ِب ٌع ويكرر ما يقر�أ في ُكتُب‬ ‫الملحدون بدون تقديم ٍ‬ ‫الملحدين‪ ،‬فكل معلوم ٍة غي ُر مكتوبة في هذه الكتب لن يعتبرها ذا قيم ٍة لأنه لم يفهم ال َ‬ ‫أ�صل‬ ‫العلمي للمو�ضوع ‪.‬‬

‫نظرية التطور‪:‬‬ ‫َ‬ ‫وعلم‬ ‫نظري ٌة علمية محت َرمة ت�صل �إلى مرحلة الجزم بال�صحة طبقا للأحفوريات‬ ‫المكت�شفة ِ‬ ‫الكائنات الحي َة تطورت عبر الزمن نتيج ًة‬ ‫وعلم الأحياء‪ ،‬حيث تقترح هذه النظري ُة �أن‬ ‫ِ‬ ‫الوراثة ِ‬ ‫لأمر ْين هُ ما االنتخاب الطبيعي‪ ،‬والطفرات الوراثية‪ ،‬وحتى نفهم النظري َة و�أبعا َدها ال ُبد من‬ ‫فهم هذ ْين الأمر ْين‪:‬‬ ‫‪33‬‬


‫االنتخاب (االنتقاء) الطبيعي‪ :‬ع َّب َر عنه ريت�شارد داوكنز في كتابه "�صانع ال�ساعات الأعمي"‬ ‫فت من ِق َبل داروين‪،‬‬ ‫الذي �أ َّل َفه عام ‪ 1986‬ب�أنه عمليات عمياء‪ ،‬غير واعية‪ ،‬و�أوتوماتيكية اكت ُِ�ش ْ‬ ‫االنتخاب الطبيعي‬ ‫اليوم �أنها التف�سير للوجود الهادف ظاهر ًيا لكل �أنواع الحياة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ونحن ندرك َ‬ ‫ؤ�شرات �أو‬ ‫ال هدف له فهو ال يملك عق ًال وال عي ًنا‪ ،‬وال يخطط للم�ستقبل‪ ،‬فهو ال يملك ر�ؤية �أو م� ٍ‬ ‫رغبنا في ت�شبيه دورِه بدور �صانع ال�ساعة فهو �صانع �ساع ٍة �أعمى‪.‬‬ ‫محددات‪ ،‬و�إذا ِ‬ ‫ُي�ست َفاد من تعريف ريت�شارد داوكنز �أمران مه ّمان هُ َما �أن داروين لم ي� ِأت بنظرية التطور كما هو‬ ‫ومالحظ ًة ق ْب َل داروين‪ ،‬و�إنما ما ابتدعه داروين كان �آلية‬ ‫م�شهور‪ ،‬و�إنما النظرية كانت موجود ًة‬ ‫َ‬ ‫التطور �أو لن ُقل عمودها الفقري وهو االنتخاب الطبيعي والذي ح َّول النظري َة من نظري ٍة علمية‬ ‫كبقية النظريات الموجودة في ال�ساحة �إلى نظري ٍة م�شهورة لأنها �أ�صبحت جز ًء من النقا�ش‬ ‫كتاب يتحدث عن الإلحاد‪.‬‬ ‫حول وجود الخالق من عدمه‪ ،‬ولهذا ال�سبب بالذات �أنا �أُدر ُِجها �ضمن ٍ‬ ‫االنتخاب الطبيعي �أعمى بال خط ٍة وبال هدف‪ ،‬ولكن الملحدين ي�صرون على‬ ‫الأمر الآخر �أن‬ ‫َ‬ ‫هدف وعمياء‪،‬‬ ‫�أنها عملية علمية غير ع�شوائية‪ ،‬يعني لي�ست �صدفة على الرغم من �أنها بال ٍ‬ ‫ولتو�ضيح عدم وجود �صدفة في المو�ضوع ب َّينَ ريت�شارد داوكنز �أنها عملية انتقائية تراكمية‪،‬‬ ‫بمعنى �أنه عندما يتم انتقا ُء �صف ِة معينة ِمن ِق َبل الطبيعة نتيجة لتالءم ال�صفة مع الطبيعة ف�إن‬ ‫هذه ال�صف َة تبقى‪ ،‬وبالتالي ال عودة �إلى نقطة البداية و�إنما يتم البناء على النتيجة الحالية‪،‬‬ ‫بناء على ذلك يتم ا�ستنتاج �أن ما و�صل �إليه ج�سم الإن�سان لي�س ع�شوائ ًيا وال �صدفة‪ ،‬و�إنما نتيجة‬ ‫عمليات ا�ستغرقت ماليين ال�سنين يعتمد �أحدُها على الآخر‪.‬‬ ‫خرج العملي َة بر َّم ِتها من دائرة ال�صدفة ولو اعتر�ض‬ ‫وطبعا هذا الكالم الإن�شائي الجميل ال ُي ِ‬ ‫بكالم �إن�شائي �شعائري‬ ‫مترجم ْ‬ ‫الملحدون‪ ،‬كما فعل البغدادي ِ‬ ‫"وهم الإله" في �أحد اليوتيوبات ٍ‬ ‫‪34‬‬


‫ليقول �إن ال�صدف َة ال تن ِتج �شي ًئا جمي ًال و�إن التطو َر لي�س �صدفة‪ ،‬وفي الحقيقة هو �صدف ٌة بحتة‬ ‫فالأجواء والبيئة والظروف على الأر�ض التي تنتقي وتنتخب ال�صف َة المالئمة جاءت بال�صدفة‪،‬‬ ‫وحتى ال�صفة المالئمة جاءت بال�صدفة‪ ،‬فال ملحد يقول �إن الأجوا َء والبيئة والظروف على‬ ‫وخ�صو�صا �إذا َع َرفنا �أن بع�ض الكائنات‬ ‫مخطط وبالتالي هي �صدفة‪،‬‬ ‫الأر�ض جاءت نتيجة‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫أ�صلح‬ ‫اندثرت ب�سبب الظروف الجوية الطارئة القا�سية‪ ،‬على الرغم من �أنها تملك‬ ‫ِ‬ ‫ال�صفات ال َ‬ ‫والأقوى حتى قيل البقاء للأوفر ً‬ ‫حظا ولي�س للأ�صلح‪.‬‬ ‫م�صمم‪ ،‬اعتماد كل مرحلة من‬ ‫واالنتخاب الطبيعي في حد ذاته �صدفة فلم ِ‬ ‫يوجده خال ٌق �أو ِّ‬ ‫�ارج نطاق ال�صدفة �أب��دً ا فهو ُو ِجد‬ ‫مراحل االنتخاب على المرحلة التي ت�سبقها ال يجعله خ� َ‬ ‫ٌ‬ ‫وجدت بال�صدفة وال�صفة القادمة التي �ستبنى على ال�صفات‬ ‫بال�صدفة وتحيط به‬ ‫ظروف ِ‬ ‫الموجودة �ستكون بال�صدفة � ً‬ ‫أي�ضا‪ ،‬وال بد من �إ�شار ٍة �إلى نقطة مهمة لم يذكرها �أحد لليوم‬ ‫ح�سبما �أعتقد‪ ،‬وهو �أن هناك عالقة متبادلة بين االنتخاب الطبيعي والبيئة المحيطة بمعنى‬ ‫ال�صفات بنا ًء على متطلبات‬ ‫�أن البيئ َة تحدد ال�صف َة الأقوى والأ�صلح‪ ،‬واالنتخاب الطبيعي يط ِّور‬ ‫ِ‬ ‫أنتج ما يتوافق مع البيئة ولي�س ب�سبب‬ ‫البيئة‪ ،‬فنتيجة لذلك يمكن القول �إن‬ ‫َ‬ ‫االنتخاب الأعمى � َ‬ ‫االنتخاب الع�شوائي الأعمى‬ ‫�أن البيئة مالئمة‪ ،‬وهذه نقط ٌة مهمة جدً ا تجعلنا نت�ساءل �إنْ كان‬ ‫ُ‬ ‫التراكمي حقيق ًة فلماذا لم يعمل في المريخ مثال؟‬ ‫خلل في ترتيب �أو ت�سل�سل ال�شفرة الوراثية التي هي عبارة عن‬ ‫الطفرات الوراثية‪ :‬عبار ٌة عن ٍ‬ ‫�صف طويل من الأحما�ض النووية‪ ،‬والطفر ُة �صدف ٌة مئة بالمائة كما ع َّبر ريت�شارد داوكنز في‬ ‫ٍ‬ ‫الطفرات ع�شوائية‪ ،‬بعك�س االنتخاب‬ ‫كتاب "�صانع ال�ساعات الأعمى" الف�صل الثاني بقوله "�إن‬ ‫ِ‬ ‫الطبيعي"‪ ،‬هناك كال ٌم كثير حول �إمكانية �أن ت�ؤدي الطفراتُ الوراثي ُة �إلى بزوغ �صفات �إيجابية‬ ‫‪35‬‬


‫نتائج كارثية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وخ�صو�صا �أن الم�شاهَ د والمالحظ من الطفرات �أن �أغلبها ي�ؤدي �إلى َ‬ ‫الخط�أ الكبير الذي يقع فيه الكثير ِمن الذين يناق�شون نظري َة التطور هو �أنهم يناق�شون التطو َر‬ ‫ذاتَه وهل َ‬ ‫أحفوريات (الهياكل العظمية) المكت ََ�شفة‬ ‫حدث �أو لم يحدث‪ ،‬في حقيقة الأمر ف�إن ال‬ ‫ِ‬ ‫�شكل‬ ‫تغيير في الكائنات الحية و�أ�شكالها ع ْب َر الزمن‪ ،‬وهذا ال يمكن �إنكا ُره ب�أي ٍ‬ ‫تدل على حدوث ٍ‬ ‫من الأ�شكال‪ ،‬والتطو ُر في حد ذا ِته ال يعار�ض الإيمان بوجود خالق‪ ،‬فالأمر الإلهي في القر�آن‬ ‫ي�ؤكد على ال�سير في الأر�ض ومعرف ِة كيف بد�أ الخلق‪ ،‬وبالتالي لي�س هناك جز ٌم في مو�ضوع‬ ‫الخلق ما ي�شاء‬ ‫الخلق لنقول �إن التطور يعار�ض القر�آن‪ ،‬بالعك�س القر�آن ي�ؤكد �أن اهلل يزيد في ِ‬ ‫ب�سطة في الج�سم بعد قوم نوح‪ ،‬وهكذا فالأمر في الحقيقة مفتو ٌح‬ ‫وي�ؤكد �أن الب�شرية ازدادت ْ‬ ‫وال ِعلم والدين ن�سبي في هذه الجزئية‪.‬‬ ‫لذا عند نقا�ش التطور ونتيجة لتحوله �إلى مو�ضوع خا�ص بالإلحاد والإيمان �أكثر منه مو�ضوع‬ ‫جناح ْي التطور‬ ‫تان ِ‬ ‫ال�ص ْد َف ِ‬ ‫اللتان تمثالن َ‬ ‫يم�س الإلحاد والإيمان وهما ُّ‬ ‫علمي‪ ،‬يجب �أن نناق�ش ما ّ‬ ‫الم�ؤدي �إلى الإلحاد وهُ َما الطفرات الوراثية واالنتخاب الطبيعي ولي�س التطور بحد ذاته‪ ،‬هذان‬ ‫ال�سبب الرئي�سي في انتقال الدينا�صور لي�صبح طي ًرا مث ًال‪� ،‬أو‬ ‫العامالن في نظر الملحدين هما‬ ‫َ‬ ‫كائن ال نعرفه عل ًما �أنه ال يوجد‬ ‫انحدار الإن�سان وال�شمبانزي من ال ِقردة الأُم‪ ،‬وال ِقردة الأُم ِمن ٍ‬ ‫لدينا � ُّأي ت�صو ٍر �أو دليل ح�سي تجريبي عن كيفية حدوث هذا االنتقال وال عن الفترة الزمنية‬ ‫ُ‬ ‫نوعا جديدً ا‪،‬‬ ‫التي ا�ستغرقها‪.‬‬ ‫والتعليل هو �أن االنتخاب الطبيعي ي�ستغرق ماليين ال�سنين لينتج ً‬ ‫كنتيجة لكل ما �سبق ف�إن االنتخاب الطبيعي يحل محل الخالق في نظر الملحد‪ ،‬فهو الم�سئول‬ ‫عن تطور الأنواع وظهور الإن�سان بريقه الحالي ومن حق الم�ؤمن �أن يعتر�ض ويقول �إن كان الأمر‬ ‫نوع راقٍ �أوحد وهو الإن�سان؟‬ ‫انتخا ًبا ع�شوائ ًيا بال م�صمم وال خالق فما هو ال�سبب في بروز ٍ‬ ‫‪36‬‬


‫وبالت�أكيد ال جواب على ذلك‪.‬‬ ‫االنتخاب الطبيعي هو الميكانيكية الوحيدة التي يمكن للعلم �أن يقبل بها لتف�سير الحياة‬ ‫فبالرغم من احتماليته المعدومة �إال �أنه الأكثر مقبولية في �ضوء المنهج العلمي من القول‬ ‫بوجود قوة ذكية م�صممة‪ ،‬وبالتالي لي�س �أمام العلم �إال �أن يتقبل فر�ضية االنتخاب الطبيعي‬ ‫مج َب ًرا ال ُمخي ًرا؛ �ألي�س كذلك؟ ولكن من �شاهد االنتخاب الطبيعي؟ من �شاهد انتقال نوع �إلى‬ ‫نوع �آخر باالنتخاب الطبيعي ولي�س بال�صناعي كما في بع�ض التجارب؟‬ ‫الجواب ال يوجد ولكن يبقى التعليل عن طريق االنتخاب الطبيعي بمجمله الأقرب للمنهج العلمي‬ ‫بكثير من القول بالت�صميم والخالق‪ ،‬بالنتيجة �أ�صبح وجود الإن�سان في �ضوء العلم ما هو �إال‬ ‫ُ‬ ‫القبول بوجود م�ص ِّم ٍم ال وجود له في‬ ‫�صدفة‪ ،‬لأنه �إذا تم ا�ستبعا ُد ال�صدفة ولو للحظه‪ ،‬ف�سيتم‬ ‫م�سرحا له‪.‬‬ ‫العا َلم المادي الذي يتخذه ال ِعلم‬ ‫ً‬ ‫االنتخاب الطبيعي والطفرات الوراثية غير مق ِن َع ْي ِن بالمرة لتطور الحياة على الأر�ض‪ ،‬ولكن‬ ‫ال ِعلم م�ضطر لقبولهما لحين �إيجاد �أو اكت�شاف نظرية "كل �شيء"‪ ،‬وهكذا تح َّول ال ِع ُلم ِمن‬ ‫وقد َيظن‬ ‫تجرب ٍة‬ ‫ورج ٍم بالغيب في انتظار نظرية "كل �شيء"‪ْ .‬‬ ‫َ‬ ‫ومالحظ ٍة وتدقيق �إلى �صدف ٍة ْ‬ ‫الملحد �أن عدم االقتناع بهذ ْين الجناح ْين نات ٌج عن االنحياز لفكرة وجود الخالق‪ ،‬ولكني‬ ‫اقتناعهم ب�إمكانية االنتخاب الطبيعي‬ ‫بب�ساطة �أُحيله �إلى بيان الـ ‪ 400‬عا ِلم الذين �أبدوا �صعوب َة‬ ‫ِ‬ ‫على �إنتاج الحياة المتطورة التي نراها‪ ،‬وطالبوا بالمزيد من البحث والتدقيق‪ ،‬ه�ؤال ِء العلما ُء‬ ‫الذين يحملون على الأقل �شهاد َة الدكتوراه في اخت�صا�صات بيولوجية �أو كيميائية �أو فيزيائية �أو‬ ‫ن�صه‪:‬‬ ‫ريا�ضية �أو هند�سية �أو غيرها من العلوم الطبيعة كتبوا ما ُّ‬ ‫‪37‬‬


‫"نحن ن�شكك في قدرة الطفرات الوراثية الع�شوائية واالنتخاب الطبيعي على �إنتاج التعقيد‬ ‫الحياتي الموجود‪ ،‬ون�شجع على المبا�شرة بفح�ص دقيق لأدلة الداروينية"‪.‬‬ ‫ويمكنك االطالع على ن�سخ ٍة محدثة من البيان باللغة الإنكليزية مع �أ�سما ِء العلماء واخت�صا�صاتهم‬ ‫في نهاية الكتاب‪ِ ،‬عل ًما ب�أن عدد العلماء المو ِّقعين في زيادة م�ستمرة‪ ،‬وقد نو ِق َ�ش هذا البيانُ في‬ ‫وب�شكل وا�ضح‬ ‫كتاب "الإله الفر�ضية الفا�شلة"‪ .‬ولكن كما هو وا�ضح ف�إن ه�ؤالء العلما َء ي�شككون‬ ‫ٍ‬ ‫جناح ْي التطور على �إنتاج التعقيد الحياتي الذي نراه ِمن حولنا‪ ،‬وهذا �أم ٌر طبيعي‬ ‫في قدرة َ‬ ‫ُ‬ ‫تبج ٍح فار ٍغ ال قيم ًة علمي ًة له‪.‬‬ ‫وفطري‬ ‫والقول بخالفه مجرد ُّ‬

‫تجربة ال ِبكتريا التطورية‪:‬‬ ‫ِمن الجيد �أن نذكر �إحدى �أهم التجارب التي غال ًبا ما ي�ؤكد عليها الملحدون في نقا�شاتهم عن‬ ‫�صحة االنتخاب الطبيعي والطفرات الوراثية في �إنتاج التنوع الحياتي‪ ،‬هذه التجربة تمت على‬ ‫نوع من �أنواع ِبكتيريا القولون وهي م�ستمرة منذ ال�شهر الثاني من عام ‪ 1988‬و�إلى اليوم في‬ ‫ظروف‬ ‫أجيال ِمن هذه ال ِبكتريا �ضمن‬ ‫ٍ‬ ‫جامعة مي�شيغان الأمريكية‪ ،‬يتم االختبار عن طريق و�ضع � ٍ‬ ‫مختلفة‪ ،‬وبالتالي ونتيج ًة لتكاثرها ال�سريع تَحدث تغييرات مختلفة نتيج ًة الختالف الظروف‪،‬‬ ‫وهذا دلي ٌل على �صحة االنتخاب الطبيعي‪ ،‬كذلك عندما تم � ُ‬ ‫بع�ض الطفرات الوراثية‬ ‫إحداث ِ‬ ‫ال�صناعية لوحظ �أنها ت�ؤدي �إلى تغييرات مختلفة وهذا دلي ٌل على �صحة الطفرات الوراثية في‬ ‫أجيال مختلفة‪ ،‬على العموم هناك الكثير من االنتقادات وخ�صو�صا �أن بع�ض الطفرات‬ ‫�إنتاج � ٍ‬ ‫ت�شوهات ويمكن للباحث التو�سع‪.‬‬ ‫أفرزت‬ ‫� ْ‬ ‫ٍ‬ ‫‪38‬‬


‫و�إن مقارنة بكتيريا يتم التالعب بها مختبريا تحت ت�أثير ومتابعة العن�صر الواعي الفعال‬ ‫(الإن�سان) بالحياة على الأر�ض ومحاولة جعل التعقيد الكبير والدقيق الموجود في الإن�سان‬ ‫َ‬ ‫وخ�صو�صا �أن ال ِبكتريا‬ ‫الجد‪،‬‬ ‫مثال م�شابها ِلما يحدث لبكتريا ب�سيطة �أم ٌر ال يمكن حم ُله‬ ‫محمل ِ‬ ‫ً‬ ‫نوع جديد و�إنما مجرد تغييرات طفيفة كتحول لون ب�شرة الإن�سان نتيج ًة لتعر�ضه‬ ‫لم تتحول �إلى ٍ‬ ‫العن�صر الواعي الفعال في توجيه التجربة‪ ،‬وهنا يمكننا الت�سا�ؤل �إن‬ ‫لل�شم�س‪ ،‬وال نن�سى دو َر‬ ‫ِ‬ ‫كانت تجربة البكتريا الب�سيطة احتاجت �إلى العن�صر الواعي الفعال فلماذا ننكر وجو َده في‬ ‫الحياة المعقدة والمق�صود به الم�ص ِّمم الخالق ونفتر�ض �أن كل ما حدث كان �صدفة؟‬ ‫�شر َف على التجربة"ريت�شارد لين�سكي" وكان بيننا الحوا ُر التالي‪:‬‬ ‫را�سلتُ ال ُم ِ‬ ‫قمت بها �أن التطو َر حقيقة؟‬ ‫السؤال األول‪ :‬هل تث ِبت التجرب ُة التي َ‬ ‫الجواب‪ :‬لقد ر�أينا التطو َر َيحدث في هذه التجربة‪ ،‬لذلك نعم‪ ،‬التجرب ُة تث ِبت �أن التطور من‬ ‫الممكن �أن َ‬ ‫حدث فع ًال (بالإ�ضافة �إلى هذه التجربة هناك تجار ب�أخرى وم�شاهدات‬ ‫يحدث وقد َ‬ ‫ت�ؤكد على التطور)‬ ‫السؤال الثاني‪:‬هل تثبت هذه التجربة �أن الحياة تطورت من خلي ٍة �أولية واحدة؟‬ ‫الجواب‪ :‬كال‪ ،‬التجربة ال تتناول التطور التاريخي‪� ،‬إنها بخ�صو�ص مراحل التطور الآنية التي‬ ‫يمكن م�شاهد ُتها‪ ،‬فالتطور التاريخي يمكن االطالع على �أدل ِته من خالل الأحفوريات والدرا�سات‬ ‫دت قبل الأحياء الأكثر تعقيدً ا‪.‬‬ ‫وج ْ‬ ‫المقارنة التي تدل على �أن الأحياء الب�سيط َة ِ‬ ‫السؤال الثالث‪ :‬هل تقودُنا هذه التجربة �إلى االعتقاد بعا َل ٍم بدون خا ِلق؟‬ ‫الجواب‪ :‬ال ِعلم يوفر �أدل ًة حول العا َلم الطبيعي و�أدواته‪� ،‬إن الأمر عائ ٌد لك ولنظرتك ال�شخ�صية‬ ‫‪39‬‬


‫للأمور‪ ،‬بما في ذلك الخالق‪ ،‬حيث �إن��ك يمكن �أن تق ِّيم الأدل � َة العلمية والإيمانية‪"-‬انتهى‬ ‫الحوار"‪-‬‬ ‫وك ُمح�صل ٍة نهائية لمو�ضوع التطور ف�إن الم�ؤمنَ لي�س ِمن المفرو�ض �أن تكون له �أي ُة م�شكل ٍة مع‬ ‫اقتراحها ك�آلي ٍة لعمل التطور‪ ،‬واالعتقاد بوجود‬ ‫التطور‪ ،‬ولكن لدينا م�شكلة مع ال�صدفة التي تم‬ ‫ُ‬ ‫حال من الأحوال �أن يكون الخ ْلق جاء في مرحلة واحدة‪ ،‬فالقر�آن‬ ‫م�صمم ال يعني ب�أي ِة ٍ‬ ‫خالق ِّ‬ ‫َ‬ ‫المراحل‬ ‫آدم فمِ ن بين َمن تم ا�صطفا�ؤه؟ وكذا القر�آن نف�سه يثبت‬ ‫مثال يثبت ا�صطفا َء ِ‬ ‫�سيدنا � َ‬ ‫المختلف َة للخلق ولكن بدون تف�صيل و�إنما �أَ َمرنا بال�سير في الأر�ض والنظر كيف بد�أ الخلق‪،‬‬ ‫وبالتالي فالباب مفتوح على م�صراعيه �أمام الم�س ِلم للبحث والتدقيق واالطالع على عمليات‬ ‫بد ِء الخلق‪.‬‬

‫االنفجار الكبير‬ ‫ب�سيط جدً ا وهو �أن ال�سيد "�أدوين هوبل" َ‬ ‫اكت�ش َف في‬ ‫نيت على �أ�سا�س ٍ‬ ‫نظري ٌة علمية محت َرمة ُب ْ‬ ‫الثالثينيات �أو الع�شرينات من القرن الما�ضي �أن الكون يتو�سع‪ ،‬بما معناه �أن الم�ساف َة بين‬ ‫اليوم هي �أكب ُر ِمن الم�سافة ق ْب َل يوم ْين‪ ،‬وق ْب َل يوم ْين �أكب َر منها قبل �أ�سبوع ْين‬ ‫ج�سم ْين في الكون َ‬ ‫وهكذا‪ ،‬وبالتالي �إذا �أمكننا معرفة ال�سرعة التي يتو�سع بها الكون ومعرفة �أبعد نقطة في الكون‬ ‫ وبما �أن ال�سرعة هي الم�سافة على الزمن‪ -‬ف�سنتمكنُ وبب�ساط ٍة من معرفة الزمن الذي كان‬‫فهمت "االنفجار‬ ‫فيه الكونُ كل الكون في نقطة واحدة‪ .‬انتهى المو�ضوع و�أتمنى �أن تكون قد َ‬ ‫الكبير" بهذه ال ُ‬ ‫أ�سطر‪ ،‬فنحن لم نرجع �إلى ‪ 14‬مليار �سنة لنكت�شف كيف حدث االنفجار وال‬ ‫‪40‬‬


‫�سبيل للت�أكد من حدو ِثه �أ�ص ًال‪.‬‬ ‫ولمزيد من التف�صيل ال ُبد من الإ�شارة �إلى �أن ال�سيد �أدوين هوبل �أتى وطبقا لم�شاهداته بقانون‬ ‫ٍ‬ ‫لقيا�س ال�سرعة‪ ،‬وهذا القانون يعتمد على الم�سافة‪ ،‬حيث كلما زادت الم�سافة زادت ال�سرعة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫�ضرب الم�سافة في "ثابت هوبل" الذي اختلفت قيمتُه اليوم كثي ًرا عن‬ ‫وال�سرعة تكون‬ ‫حا�صل ِ‬ ‫قيم ِته �أيام هوبل لوجود خط�أ في ح�سابا ِته‪ ،‬المهم �أ�صبح لدينا معادلة فيها عن�صرين هما‬ ‫ال�سرعة والم�سافة‪.‬‬ ‫�إذن �إذا تمكنا بطريقة �أو ب�أخرى من معرفة �أبعاد الكون المنظور وهذا ما ح�صل ( وقد تتغير‬ ‫م�سافة الكون المنظور في �أي لحظة) �سنتمكن من الح�صول على ال�سرعة وبما �أن ال�سرعة هي‬ ‫الم�سافة على الزمن ف�أ�صبح الح�صول على الزمن �أم ًرا من �أب�سط ما يكون‪ ،‬وبهذه الب�ساطة‬ ‫ح�صلنا على عمر الكون الذي هو تقريبا ‪ 14‬بليون �سنة‪ ،‬طب ًعا هناك بع�ض الفر�ضيات التي ال‬ ‫يمكن الت�أكد من �صحتها بالمطلق والتي قد تغ ِّير مفاهي َمنا في �أي لحظة مثل �أبعد نقطة م�شاهَ دة‬ ‫في الكون المنظور والتي تم اعتمادُها في ح�ساب عمر الكون بناء على قوة التلي�سكوبات قد‬ ‫تتغير بزيادة قوة التل�سكوبات ‪ ..‬وهكذا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫قول بع�ض‬ ‫خالل ِ‬ ‫القرن الما�ضي حدث تغيي ٌر كبير جدً ا في نظرتنا للكون‪ ،‬وهذا يثبت بطالنَ ِ‬ ‫النظريات تتطور وال تتغير عندما يتم انتقادهم لبنائهم الكثير من الآراء على‬ ‫الملحدين �أن‬ ‫ِ‬ ‫النظريات والأفكا َر العلمي َة التي‬ ‫نظريات قد تتغير في �أي نقطة‪ ،‬الواقع يثبت العك�س‪ ،‬و�إن‬ ‫ِ‬ ‫يعتنقها ال ِعلم لفترة من الفترات قد ت�صبح �أُكذوب ًة وماد ًة للمزاح وال�ضحك للفترة التي تليها‪،‬‬ ‫فمثال في عام ‪ 1925‬كان ال�سائ ُد بين العلماء �أن الكون يتكون من مجر ٍة واحدة فقط موجود ٍة‬ ‫عدد كبير جدً ا من المجرات و�أن‬ ‫منذ الأزل وباقية �إلى الأزل‪� ،‬أ ّما اليوم فيعتقد ال ِعلم في وجود ٍ‬ ‫‪41‬‬


‫ؤوالن ِ �إلى‬ ‫هذا العدد الكبير بد�أ باالنفجار الكبير‪� ،‬أي له بداية محددة ومجر ُتنا والكون �سي� ِ‬ ‫النهاية في يوم من الأيام‪ ،‬نالحظ اختال ًفا كبي ًرا جدً ا لنظرة العلم حول المو�ضوع‪ ،‬ولكن نظرية‬ ‫االنفجار الكبير و�ضعت الملحدين في م�شكلة وجود بداية‪ ،‬وهذه البداية كما هو حال التطور هل‬ ‫م�صمم؟ وما هو ال�سبب؟‬ ‫هي �صدفة �أم هناك ِّ‬ ‫بالنتيجة ال ِعلم يقودنا �إلى خيا ٍر من اثن ْين �إ ّما ال�صدفة و�إ ّما الم�ص ِّمم‪ ،‬وهنا تبقى الق�ضي ُة وجه َة‬ ‫نف�سه �ضمن المنهج العقلي ال المنهج الح�سي‪ ،‬طب ًعا للهروب من هذه الم�شكلة‬ ‫نظر ال�شخ�ص ِ‬ ‫ِ‬ ‫اليوم لدينا نظري ٌة جديدة وهي نظرية الأكوان المتعددة التي تقترح �أن كوننا الحالي قد �أتى ِمن‬ ‫نيت على‬ ‫كون �آخ َر وهكذا فلم يكن هناك كو ٌن ِمن ال �شيء و�إنما ِمن ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كون �آخر‪ ،‬هذه النظرياتُ ُب ْ‬ ‫تجارب مختبري ٍة �أو م�شاهدات وبالتالي ال يمكننا فع ًال الت�أكد‬ ‫�أمو ٍر ريا�ضية بحتة ولم ُت ْبنَ على‬ ‫َ‬ ‫أكوان متعددة‪.‬‬ ‫من وجود � ٍ‬ ‫قابلت م�ؤ ِّلف كتاب " َكون ِمن ال �شيء" العا ِلم الفيزيائي المتوا�ضع لوران�س كراو�س في �إحدى‬ ‫وحدثت بيننا المرا�سلة الآتية‪:‬‬ ‫الم�ؤتمرات الإلحادية في �أمريكا‬ ‫ْ‬ ‫السؤال األول‪ :‬نحن ال ن�ستطيع اختبا َر النظريات في المختبرات وال م�شاهدتَها في الطبيعة‪،‬‬ ‫ولكنها في نف�س الوقت ال تخالف قوانين الفيزياء ولأجل ذلك نعتبرها حقيقة‪ .‬هل هذا �صحيح؟‬ ‫الجواب‪ :‬النظرياتُ لي�ست حقيق َة‪ ،‬بب�ساط ٍة هي لي�ست خط�أ ولكنها �إن توافقت مع الم�شاهدات‬ ‫فيمكننا �أن نعتبرها جز ًء من الحقيقة‪ ،‬ولكن لي�س كل الحقيقة ‪.‬‬ ‫السؤال الثاني‪ :‬هل يمكن �أن نقول �إن الكون وقوانين الطبيعة الحاكمة كالهما ن�ش�آ معا‬ ‫بال�صدفة؟‬ ‫‪42‬‬


‫الجواب‪� :‬إنها تبدو كذلك بالت�أكيد‪.‬‬ ‫السؤال الثالث‪� :‬أعتقد �أن هناك طريق ْين لتف�سير ن�ش�أة الكون والقوانين الطبيعية الحاكمة‬ ‫وهُ َما ال�صدفة �أو الخالق‪ ،‬هل هذا �صحيح؟‬ ‫الجواب‪ :‬بالطبع‪ ،‬ال�شخ�ص لن ي�ستطيع �أن يعرف حتى يج ِّرب ويح�صل على نظرية جيدة‪ ،‬من‬ ‫المحت َمل �أن قوانين الطبيعة تتطلب كو ًنا م�شاب ًها لكوننا‪.‬‬ ‫السؤال الرابع‪ :‬عندما يتكلم العا ِلم عن الإله ف�إنه يتكلم عن نظرته ال�شخ�صية للإله‪ ،‬وعندما‬ ‫دين مع ّين ف�إنه يتكلم عن م�شاهدا ِته والثقافة الدينية المتبعة في محيطه‪،‬‬ ‫يتكلم العا ِلم عن ٍ‬ ‫وعندما يتكلم العا ِلم عن اخت�صا�صه العلمي ف�إنه يتكلم عن حقائقَ ‪ ،‬هل هذا �صحيح؟‬ ‫الجواب‪� :‬أنا ال �أ�ستطيع �أن �أقول ماذا يق�صد العلما ُء الآخرون عندما يتكلمون عن الخالق �أو عن‬ ‫دين مع ّين‪ ،‬عندما يتكلم العلما ُء عن �أمو ٍر خارج اخت�صا�صهم العلمي ف�إنهم يتكلمون ِمن نف�س‬ ‫ٍ‬ ‫المنط َلق الذي يتكلم به بقية النا�س عن هذه الأمور‪،‬بدون �أية �إ�ضافات خا�ص ٍة ب�سبب طبيعتهم‪،‬‬ ‫العلما ُء لهم خبر ٌة في مجال العا َلم الطبيعي �ضمن اخت�صا�صهم‪ ،‬هذا كل ما هنالك‪.‬‬ ‫السؤال الخامس‪ :‬ال ِعلم يجيب عن �س�ؤال "كيف"‪ ،‬والدينُ يدعي �أنه يجيب عن �س�ؤال ً‬ ‫"لماذا‪،‬‬ ‫اخت�صا�صات غي َر متداخلة؟ طبيعة �أن ال ِعلم َ‬ ‫دح�ض بع�ض الخرافات‬ ‫هل هذا يجعل ال ِع َلم‬ ‫ٍ‬ ‫الثقافية �أو الدينية‪ ،‬ولكن �أنا هنا �أتكلم عن فكرة الخالق بالتحديد‪.‬‬ ‫الجواب‪ :‬الدين ال يجيب عن �س�ؤال ً‬ ‫"لماذا‪ ،‬الدين و َّف َر الإجاب َة قبل حتى �أن يتم الت�سا�ؤل‪.‬‬ ‫السؤال السادس‪ :‬الدين في عيون الأوروبيين يختلف عن الدين في عيون الأمريكان ب�سبب دور‬ ‫الدين في �أوروبا مختلف عن دوره في �أمريكا‪ ،‬لذلك معظم العلماء المالحدة من �أوروبا‪ .‬ماذا‬ ‫‪43‬‬


‫تعتقد؟‬ ‫الجواب‪ :‬بالت�أكيد �أوروبا �أكثر ابتعادًا عن الدين في الوقت الحالي‪ ،‬ولكنَّ الالجئين الم�سلمين‬ ‫يغيرون ذلك‪.‬‬ ‫بني على ال�سبب والم�س ِّبب‪ ،‬لماذا عندما ن�صل �إلى الكون‬ ‫السؤال السابع‪ :‬كل �شيء في حياتنا َم ٌّ‬ ‫وقوانين الطبيعية نرت�ضي ب�أنها مجرد �صدفة و�أن ال �سبب وراءها؟ هل هذا يجعل الملحدين‬ ‫مجرد م�ؤمنين بعدم وجود خالق ب�سبب رف�ضهم لل�سببية في هذا المو�ضوع؟‬ ‫الجواب‪ :‬االدعا ُء ب�أن ال�سببية والتفكي َر المنطقي والم�شاهدة تمكننا من ف ْه ِم العا َلم لي�س مثل‬ ‫االدعاء ب�أن هناك هدف �أو غاية للكون‪.‬‬ ‫ت�صورات مبني ًة على فهمنا الحالي و�أدوات�ن��ا الحالية‬ ‫السؤال الثامن‪ :‬الفر�ضيات تعطينا‬ ‫ٍ‬ ‫واكت�شافاتنا الحالية‪ ،‬بمعنى �أننا ال ن�ستطيع َ‬ ‫تماما هو ما حدث لأننا ال ن�ستطيع‬ ‫القول �إن هذا ً‬ ‫�أن نجزم ب�أن التجربة تماثل الواقع‪� ،‬أي �أنه ال�سيناريو الأف�ضل ولي�س ما حدث فع ًال‪ ،‬هل هذا‬ ‫�صحيح؟‬ ‫أحداث‬ ‫الجواب‪ :‬هذا �صحيح في كل العلوم‪ ،‬حتى في العلوم المختبرية‪ ،‬نحن نختبر تف�سيرا ِتنا ل ٍ‬ ‫أحداث م�ستق َبلية‪ ،‬حيث نتنب�أ بالنتائج لأحداث‬ ‫�سابقة عن طريق عمل ت�صورات (تنب�ؤات) ل ٍ‬ ‫لم تحدثْ كاختبا ٍر لهذه الفر�ضيات‪ ،‬وبنا ًء على ذلك تعتبر نظرية االنفجار الكبير من �أف�ضل‬ ‫النظريات المختب َرة في الفيزياء‪ ...‬انتهى‬

‫‪44‬‬


‫تعقيب‪:‬‬ ‫كرها كما هي‪.‬‬ ‫بع�ض الأجوبة ال عالقة لها بال�س�ؤال‪ ،‬ولكن للأمانة ال ُبد ِمن ِذ ِ‬

‫ال ِعلم والدين‬ ‫وب�شكل‬ ‫نظري ُة االنفجار الكبير والتطور ال يتعار�ضان مع فكرة وجود الخالق‪ ،‬نعم ال ِعلم يتعار�ض‬ ‫ٍ‬ ‫حازم مع بع�ض الخرافات التي لحقت بالدين‪ ،‬مث ًال في العهد القديم يمكن ا�ستخراج �أن‬ ‫والمكت�شفات العلمي َة‪ ،‬ونعم يتعار�ض ال ِع ُلم مع الكثير من‬ ‫عمر الأر�ض �صغي ٌر جدً ا ال يتنا�سب‬ ‫ِ‬ ‫التف�سيرات التي ال تتالءم مع العرف والمنطق للقر�آن الكريم‪ ،‬مث ًال اعتبار ال�ستة �أيام التي‬ ‫ُ‬ ‫مقيا�سا مختل ًفا لليوم‬ ‫أيام ِمن �أيامنا في حين �أن القر�آن يعطي‬ ‫ً‬ ‫�أن�ش�أ اهلل فيها الكونَ هي �ست ُة � ٍ‬ ‫ق�صد به حقب َة زمنية‪ ،‬ال ِعلم ِّ‬ ‫ي�شذب ف ْه َمنا لآيات‬ ‫الإلهي عن اليوم الإن�ساني‪ ،‬وبالتالي فاليوم ُي َ‬ ‫لرج ِل الدين �أن‬ ‫اهلل المت�شابهات ويو�ضح الأخطا َء التي وقع فيها المف�سرون ال�سابقون‪ ،‬ال يجوز ُ‬ ‫حديث َمر ِو ٍي عن فالن‬ ‫يقول �شيئا مخا ِلفا للعلم اليقيني؛ لأنه يتعار�ض مع تف�سير فالن �أو مع ٍ‬ ‫عن فالن عن فالن عن ر�سول اهلل‪ ،‬فال ُبد من �أن يكون الخلل في ن�سيان فالن �أو فالن �أو فالن‬ ‫وخ�صو�صا �إذا كان غي َر م�س َن ٍد قر�آنيا‪.‬‬ ‫‪45‬‬


‫َ‬ ‫اعتر�ض‬ ‫في نف�س الوقت نعتر�ض على تحميل ال ِعلم الن�سبي �أكثر مما يتحمل‪ ،‬ونعم نعتر�ض مثلما‬ ‫العلما ُء الـ ‪ 400‬وغيرهم على دور ال�صدفة في �إنتاج الحياة المعقدة لأن الق�ضي َة �أكب ُر بكثير من‬ ‫التطور واالنفجار الكبير‪ ،‬الأمر يتعلق بالأ�سباب التي �أوجدت التطو َر واالنفجار الكبير‪ ،‬ال ِعلم‬ ‫أ�سباب وال التعليل‪ ،‬و�إنما كل ما يمكنه القيام به هو التف�سير الظني (ال ِعلم ِن�سبي)‬ ‫ال يعطينا ال َ‬ ‫هاتان النظريتان �إلى ِع ٍلم يقيني فال يعني ذلك عدم الحاجة �إلى‬ ‫ِلما َ‬ ‫حدث‪ ،‬وحتى لو تحولت ِ‬ ‫وجود خالق فكما ُقلنا �إن �أق�صى ما يمكن لل ِعلم �أن يب َّي َنه لنا هو "كيف حدث الأمر"ولكن لي�س‬ ‫"لماذا حدث الأمر"‪� ،‬إذن �سيبقى الم�ؤمن ي�س�أل لماذا حدث؟ والجواب �سيبقى الم�س ِّبب الأول‬ ‫وهو الخالق‪.‬‬ ‫خالق تتجاوز م�س�ألت َْي التطور واالنفجار الكبير �إلى م�س�ألة‬ ‫الأهم من كل هذا �أن الحاج َة �إلى ٍ‬ ‫القوانين الحاكمة و�أ�صل الحياة‪� ،‬أ ّما القوانين الحاكمة ف�إن �إعجا َزها يتجاوز م�س�أل َة وجو ِدها‬ ‫كقوانين تحكم الكونَ من �أق�صاه �إلى �أق�صاه �إلى م�س�ألة خ�صائ�ص هذه القوانين من حيث‬ ‫تال�ؤمها مع بع�ضها البع�ض وعالميتها‪ ،‬حيث نجدها حيثما ي�صل �إليه �إدرا ُكنا ووع ُينا و�أدواتنا‬ ‫و�أخيرا تعا�ضدها مع بع�ضها البع�ض في �إن�شاء الكون الذي نعي�ش به‪� ،‬أ ّما �أ�صل الحياة فنظرية‬ ‫التطور ال تتطرق �إليه من الأ�صل وال ت�شرح لنا كيفية تك ّو ِن الخلي ِة الأولى‪ ،‬و�إنما تقت�صر على مد ٍة‬ ‫زمنية ق�صيرة من حياة الكون والإن�سان‪.‬‬

‫التصميم الذكي أم التصميم الفعال؟‬ ‫ببرهان النظم البرهان القائل ب�ضرورة �أن‬ ‫الت�صميم الذكي هو م�س َّم ًى جديد ِلما ُيع َرف تاريخ ًيا‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫يكون للأر�ض وال�سماء والإن�سان والكائنات خالق وال يمكن �أن يكون وجود الوجود مجرد �صدفة‬ ‫والم�شاهدات العابرة‬ ‫عابرة‪ ،‬يح�سب الت�صميم الذكي بن�سخته الحالية �أنه لم يعتمد الفل�سف َة‬ ‫ِ‬ ‫‪46‬‬


‫أدوات علمية من خالل الوقوف على تعقيد بع�ض الم�شاهدات و�إثبات �أنها ال‬ ‫و�إنما ا�ستند على � ٍ‬ ‫يمكن �أن تكون مح�ض �صدفة (االنتخاب الطبيعي �أو الطفرات الع�شوائية) وبالتالي ُيعزَ ى هذا‬ ‫الت�صميم الذكي ال يعتمد ال ُكت َُب الديني َة لإثبات‬ ‫التعقيد �إلى ق َوىً ذكي ٍة عاقلة وهي الإله الخالق‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ادعاءه‪ ،‬ولكن في نف�س الوقت ال يمكن اعتباره ماد ًة علمية يمكن �أن ُتد َّر�س في درو�س العلوم‬ ‫ب�سبب �أنه ال يقدم تف�سيرات تقع �ضمن نطاق المنهج العلمي الذي افتر�ض حدودًا للتفكير بما‬ ‫يمكن �أن ت�صل له �أدواتنا الحالية‪.‬‬ ‫االنتقا�ص منها‬ ‫الملحدون‬ ‫ِمن احتجاجات المعتقدون بالت�صميم الذكي‪ ،‬العين الب�شرية (يحاول ِ‬ ‫َ‬ ‫العين وموق ُعها المهم والحماية المتوفرة لها من الجانب عن‬ ‫كما �سنناق�ش الح ًقا)‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ت�صميم ِ‬ ‫و�سائد �شحمي ٍة المت�صا�ص ال�صدمات‪،‬‬ ‫عين مع‬ ‫َ‬ ‫طريق التجويف العظمي الذي ت�ستقر فيه كل ٍ‬ ‫ب�شكل �إرادي وال �إرادي لحمايتها وترطيبها‪ ،‬وتفا�صيل العين‬ ‫ِومن الأمام الجفون التي تعمل ٍ‬ ‫التعقيد الموجود‪ِ ،‬من �أجزاء العين ال�شبكية التي تغطي ُث ُل َثي‬ ‫حجم‬ ‫ِ‬ ‫الدقيقة التي تك�شف لنا َ‬ ‫كر ِة العين ِمن الداخل وهي الجزء الح�سي من العين الذي يحتوي على م�ستق ِبالت ال�ضوء‪،‬‬ ‫وال َقرنية الطبقة ال�شفافة التي ت�ستقبل ال�ضو َء‪ ،‬والعد�سة التي تعمل على تركيز ال�ضوء و�إ�سقاطه‬ ‫على ال�شبكية وتت�صل بها الع�ضالتُ ال ُه ْدبية والم�شيمية وهي الطبقة الغن ّية بالأوعية الدموية‬ ‫الم�سئولة عن تغذية العين وتوفير الأوك�سجين لها‪ ،‬وغيرها من عجائب التعقيد الموجود في‬ ‫العين ‪ ..‬حيث يجا ِدل الم�ؤمنون بنظرية الت�صميم الذكي في �أن �أجزاء العين ال يمكن �أن تكون‬ ‫أحدها مك ِّم ٌل للآخر‪.‬‬ ‫تطورت لأن � َ‬ ‫ب�شكل متوازٍ وك�أنه كان هناك ت�صمي ٌم ليقوم كل جزءٍ بدو ٍر محدد‪،‬‬ ‫وبتعبير �آخ َر �إن بنا َءها تم ٍ‬ ‫الملح ُد على هذا الكالم ب�أن الم�ص ِّمم‬ ‫وهذا ال يمكن �أن يكون تطو ًرا و�إنما هو ت�صميم‪ ،‬يجيب ِ‬ ‫‪47‬‬


‫يحتاج �إلى دليل! وهنا نقع في الفخ الأكبر‪ ،‬لأن الدليل الذي يطا ِلب به الملحد هو دلي ٌل مادي‬ ‫مبا�شر ويجب الت�أكيد على كلمة "مبا�شر" فهو يرف�ض الأدل َة الدال َة على الم�ص ِّمم كالت�صميم‬ ‫خارج حدو ِد الزمان‬ ‫نف�سه‪ ،‬ولن ينفع القول �إن‬ ‫نف�سه‪ ،‬و�إنما يريد �أن يرى‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫الم�صمم َ‬ ‫الم�صم َم َ‬ ‫والمكان والمادة‪.‬‬ ‫ولتقريب الكالم ن�ضرب الم َث َل الآتي والأمثال ُت�ض َرب وال تقا�س‪ ،‬عندما تحد ُُث �سرق ٌة فنحن‬ ‫كاف جدً ا على وجود‬ ‫ن�ستدل على وجود �سارق نتيج ًة مث ًال لفقدان بع�ض الحاجيات وهذا الدليل ٍ‬ ‫�سارق‪ ،‬ولكن في حالة الملحد ف�إنه يقول �أحتاج �إلى ر�ؤية ال�سارق لأت�أكد ِمن وجو ِده‪.‬‬ ‫وعند محاكمة نظرية الت�صميم الذكي علم ًيا ف�إنها تف�شل لي�س ل�ضعف الأدلة ولكن لعدم موافقة‬ ‫نتائج الت�صميم الذكي المقت َرحة لقوانين المنهج العلمي التي تتعامل مع الواقع المادي ح�ص ًرا‪،‬‬ ‫إجراءات‬ ‫بعبار ٍة �أخرى يتم رف�ض الدعوى لي�س لكذب الم َّدعي �أو لف�ساد �أدل ِته ولكن لأنه لم ي َّت ِبع ال‬ ‫ِ‬ ‫القانوني َة في رفع الدعوى‪ ،‬وهذه نقط ٌة ح�سا�س ٌة يجب ف ْه ُمها لكل َمن يريد �أن يفهم كيف يعمل‬ ‫المنهج العلمي ب�شكل �إق�صائي مع كل الأفكار التي ال تتبع م�سا َره‪.‬‬ ‫كاف‬ ‫رف�ض الت�صميم الذكي لمجرد �أنه ال ُيلبي متطلبات المنهج العلمي قد ال يكون �سبب ٍ‬ ‫�صاح ُب كتاب "الإله الفر�ضية الفا�شلة" قال �إن الكثير من العلماء يعتر�ضون على‬ ‫لرف�ضه‪ ،‬لذا ِ‬ ‫الدور الكبير الذي تعطيه نظرية التطور لالنتخاب الطبيعي والطفرات الع�شوائية‪ ،‬وقد غفلوا‬ ‫م�صمم‪.‬‬ ‫عن التنظيم الذاتي والذي هو يعمل عمل الت�صميم ولكنه ذاتي بدون الحاجة �إلى ِّ‬ ‫قوله هذا لتقليل من م�أزق الت�صميم الذكي حيث حاول �أن ي�ستبدله بالتنظيم الذاتي‪ ،‬ولأجل‬ ‫هذا �أعطانا مث ًال ً‬ ‫ب�سيطا ال يرقى ِلما نتكلم عنه من تعقيد لتجربة تمت تحت �سيطرة كاملة‬ ‫‪48‬‬


‫من العن�صر الواعي الفعال وبا�ستخدام الحا�سوب‪ ،‬يعطي الم�ؤلف للتنظيم الذاتي دو ًرا كبي ًرا‬ ‫وخ�صو�صا في م�س�ألة بدء الحياة حتى ليقول �إن دوره يكفي لإبعاد الخالق عن ال�صورة ولكن‬ ‫ً‬ ‫ما الدليل على �صحة فري�ضة التنظيم الذاتي �أكثر من تجربة الحا�سوب؟ هذا مثال لهروب‬ ‫الملحدين من الحقائق على �أ�سا�س جدلي لغوي بنكهة علمية‪.‬‬ ‫ِمن ال َمخارج الأخرى التي �أوجدها الملحدون لم�س�ألة الت�صميم الذكي وعدم �إمكانية ن�شوء‬ ‫ح�س َب علمي هو الدكتور "فرن�سي�س‬ ‫الحياة بال�صدفة هي الكائنات الف�ضائية و�أول َمن قال بها ْ‬ ‫كريك" الحائز على جائزة نوبل نتيج ًة الكت�شافه جزيء الـ "دي �إن �آي ‪ -‬ال�شفرة الوراثية"‪،‬‬ ‫نوع من الكائنات الف�ضائية‬ ‫هذا العا ِلم عندما �شاهد دق َة ت�صميم ال�شفرة الوراثية اقتنع بوجود ٍ‬ ‫التي زرعت هذه ال�شفر َة على الأر�ض‪ ،‬حيث ا�ضطر لهذا التف�سير لأنه بديه ًيا ال يمكن �أن نعتقد‬ ‫ب�إمكانية تك ِّو ِن جزيء الدي �أن �أي بال�صدفة‪.‬‬ ‫"وهم الإله" لريت�شارد داوكنز نجد �إ�شارت ْي ِن وا�ضحت ْين على اعتقاد ريت�شارد بذلك‬ ‫في كتاب ْ‬ ‫� ً‬ ‫أي�ضا بالرغم من نفيه ذلك في �أحد الم�ؤتمرات بعد ظهوره في فيديو له يتكلم فيه عن الكائنات‬ ‫الف�ضائية‪ ،‬في الف�صل الثاني من كتا ِبه وعند كالمه عن "الال�أدرية" يتكلم عن الحياة خارج‬ ‫رف�ضه‪ ،‬في نف�س‬ ‫الكرة الأر�ضية ويقول �إن هناك �آرا ًء جيدة في اتجاه �إثبات ذلك وفي اتجاه ِ‬ ‫الف�صل وتحت عنوان "الأقزام الخ�ضر" يتكلم عن ال�أدرية وجود كائنات ف�ضائية‪ ،‬ولكنه ي�سهِ ب‬ ‫كثي ًرا في تبيان حالهم �إن كانوا موجودين و�أنهم �سيكونون خارقين بمقيا�سنا ولي�سوا خارقين‬ ‫للطبيعة‪ ،‬و�سيكون حالنا مقارن ًة بهم كحالنا اليوم بالع�صور المظلمة التي مرت الإن�ساني ُة بها‪،‬‬ ‫و�ستكون �أدواتهم كمعجزات مو�سى وهارون‪.‬‬ ‫ب�شكل ِجدي‪ ،‬وعند ج ْم ِع كل ما قاله عن المو�ضوع نخرج‬ ‫وهذا دليل وا�ضح �أنه يفكر في الأمر ٍ‬ ‫‪49‬‬


‫بنتيج ٍة مفادُها �أنه يميل لر�أي الدكتور فرن�سي�س كريك‪ ،‬وال ُبد من الإ�شارة �إلى �أن الكالم عن‬ ‫الكائنات الف�ضائية �أم ٌر ذكرته كل الح�ضارات الإن�سانية من �سومرية وفرعونية وهي تت�شابه �إلى‬ ‫ِ‬ ‫وخ�صو�صا النظرية الإ�سالمية التي‬ ‫آدم وحواء ككائنات متح�ضرة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫حد ٍ‬ ‫ً‬ ‫كبير مع دعوى الأديان ب� َ‬ ‫آدم متع ِّل ٌم حيث ع َّل َمه ر ُّبه‬ ‫قد نجد في ثناياها وجو َد‬ ‫ٍ‬ ‫آدم قد �أف�سدت في الأر�ض‪ ،‬و� ُ‬ ‫كائنات قبل � َ‬ ‫كتاب منف�صل‪ ،‬ولكن َ‬ ‫القول‬ ‫الأ�سما َء كلها‪ ،‬وهذا مو�ضوع يحتاج �إلى‬ ‫تف�صيل ممكن �أن يكون في ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�إن الإن�ساني َة تطورت ب�شكل تلقائي عليه الكثير من عالمات اال�ستفهام؛ لأننا وحتى اليوم نجد‬ ‫بع�ض القبائل تعي�ش حياة بدائي ًة جدً ا ال ت�صل �إلى مرحلة ال�سومريين مث ًال‪ ،‬فلو كانت الإن�سانية‬ ‫تطورت تلقائ ًيا ف�أين ه�ؤالء ِمن التطور التلقائي؟ ولذا فهناك عدة �آراءٍ تقول �إن هناك مع ِّلما ع َّل َم‬ ‫الب�شري َة‪ ،‬وهذا ما ت�شير �إليه جميع الح�ضارات الإن�سانية القديمة وكذلك الأديان‪ ،‬فهناك ِ�شبه‬ ‫اتفاقٍ على ذلك وهو م�شابه لالعتقاد القائل بالكائنات الف�ضائية‪.‬‬

‫المآخذ على التصميم الذكي‪:‬‬ ‫الت�صميم‪ ،‬وهذا يجعله خارج‬ ‫ملعب ق َوى خارق ٍة ذكية �أوجدت‬ ‫المأخذ األول‪ :‬رمي الكر ِة في ِ‬ ‫َ‬ ‫نطاق المنهج العلمي‪.‬‬ ‫ل�سبب �أو لآخر داللة على كمال‬ ‫المأخذ الثاني‪ :‬كلمة "الذكي" حيث �أ�صبحت هذه الكلمة ٍ‬ ‫الت�صميم‪ ،‬وبالتالي �إذا ولد طفل بعاه ٍة خلقي ٍة مع َّينة‪� ،‬أو �أ�صيب طفل ب�سرطان �أدى �إلى موته‪،‬‬ ‫وانتخاب‬ ‫وكذلك الزالزل والفي�ضانات وغيرها �أدلة على عدم وجود ذكاء‪ ،‬والق�ضي َة فو�ضى‬ ‫ٌ‬ ‫طبيعي وطفراتٌ ع�شوائية‪ ،‬وهذه الم�شكلة حلها القر�آن ح ًال جذر ًيا لأن الحياة هي مجرد مرحل ٍة‬ ‫‪50‬‬


‫وفيها ابتالء ونق�ص في الأموال والثمرات والأنف�س وغيرها‪ ،‬وبالتالي �إذا فر�ضنا �أن الت�صميم‬ ‫نظري ٌة �صحيحة ف�إن الم�ص ِّمم �أخبرنا ب�أن الغاية من ت�صميمه ال تقت�ضي َ‬ ‫كمال الت�صميم‪ ،‬و�إنما‬ ‫تقت�ضي فعالي َة الت�صميم وعمله‪ ،‬ولهذا ال�سبب �أ�صبح من ال�ضروري تغيي َر الكلم ِة من الت�صميم‬ ‫"الذكي" الذي �أثارت كلمة "ذكي" فيه حفيظة الكثيرين ممن فهموا الذكاء على �أنه كمال في‬ ‫الت�صميم �إلى الت�صميم "الفعال" الذي تعني كلمة فعال فيه �أنه ي�ؤدي الحكمة �أو الغر�ض من‬ ‫�إيجاده‪.‬‬ ‫المأخذ الثالث‪ :‬هو االعتقاد ب�أن الت�صميم الذكي �أو الفعال يقف بال�ضد من الإبداع العلمي‬ ‫الباب على‬ ‫لأنه عندما ي�صل �إلى مرحلة االعتقاد ب�أن التعقيد هو ت�صميم �إلهي �أو ذكي ف�إنه يغلق َ‬ ‫البحوث العلمية لك�شف تفا�صيل هذا التعقيد‪ ،‬وهذا الأمر واقع غير متحقق‪ ،‬وبالتالي هو تخوف‬ ‫ال دليل عليه‪ ،‬فقد يكون م�صدر هذا الت�صور هو النظرة ال�سطحية للأديان وكونه يعطي �إجابة‬ ‫جاهزة لكل �شيء وهذا ما يفعله بع�ض رجال الدين عند كالمهم في اخت�صا�صات علمية بعيدً ا‬ ‫عن ثقافتهم واطالعهم وبمنا�سبة وبغير منا�سبة‪.‬‬ ‫المأخذ الرابع‪ :‬ال يوجد ت�صميم ذكي من الأ�صل‪ ،‬وهذا ما �أ�شار �إليه "دانيال دينيت" �أحد‬ ‫فر�سان الإلحاد الجديد‪ ،‬وهو يتكلم عن �أدوات التفكير‪ ،‬حيث �أَد َرج هذه ال�صور وبين �أن ال�صورة‬ ‫على الي�سار هي لبيت النمل الأبي�ض اال�سترالي "الأر�ضة" وال�صورة التي على اليمين هي لكني�سة‬ ‫م�شهورة‪،‬‬

‫‪51‬‬


‫يريد دانيال ديينت �أن يقنعنا �أن ال�صورت ْين مت�شابهتان‪ ،‬و�أن ال�صورة التي على ال�شمال تب ِّين‬ ‫الع�شوائي َة الداروينية في ن�شوء الحياة‪ ،‬ويقارنها مع عمارة الكني�سة التي اعتمدت على العقل‬ ‫ت�صميم‬ ‫والخطوات المت�سل�سلة على اليمين‪ ،‬وك�أنه يريد �أن يقول لنا �إن بيت النمل ال يحتاج �إلى‬ ‫ٍ‬ ‫ذكي‪ ،‬فال رئي�س وال مهند�س وال تفكير وال هُ م يحزنون‪ ،‬و�إنما مجرد عمل ع�شوائي �أنتج لنا هذه‬ ‫العمار َة‪ ،‬وهذا هو حال الأر�ض والكون والتطور الأحيائي‪ ،‬ال نحتاج �إلى ت�صميم ذكي بالرغم‬ ‫من الوجود يظهر لنا ك�أنه نتج عن الت�صميم‪ .‬هو يريد �أن يقول �إن الأم��ر في الواقع مجرد‬ ‫محاوالت �أخط�أ الكثير منها ونجحت محاولة الأر�ض‪ ،‬في حين �أن مثال بيت النمل يثبت عك�س‬ ‫ٍ‬ ‫ذلك؛ ففي مجتمع النمل الم�شار �إليه هناك الجنود والع َّمال وال َم ِلكة وك ٌّل ي�ؤدي دو َره وارتفاع‬ ‫البيت بهذا ال�شكل �ضروري جدً ا لحماية المملكة وقت الفي�ضان‪ ،‬وكذلك هناك عم ٌق لهذا البناء‬ ‫لغر�ض توفير درجة حرارة معينة لحفظ الطعام وغير ذلك من الأمور الدقيقة التي ت�ؤدي �إلى‬ ‫ناتجا ع�شوائ ًيا ولكن العمليات التي �أدت‬ ‫�أن ال ع�شوائي َة فيه �أبدً ا‪ ،‬نعم قد يكون الناتج ال�شكلي ً‬ ‫‪52‬‬


‫�إليه �أبع ُد ما تكون عن الع�شوائية و�إنما هي علميات دقيقة ناتجة عن علم ومعرفة بالظروف‬ ‫المحيطة والخا�صة بمجتمع النمل هذا تم غر�سها في هذه الكائنات‪.‬‬ ‫دانيال عندما ي�ستر�سل في الكالم عن المو�ضوع يب ِّين �أن النظري َة الدارويينة تعمل من الأ�سفل‬ ‫�إلى الأعلى‪�،‬أي من الال تعقيد والب�ساطة باتجاه التعقيد‪ ،‬في حين �أن الت�صميم الذكي يعمل من‬ ‫الأعلى �إلى الأ�سفل‪�،‬أي �أن التعقيد ابتدائي‪ ،‬وهذا الكالم فيه مغالط ٌة كبيرة لأن التعقيد كائنٌ‬ ‫كامنٌ في �أول خلية‪ ،‬في �أول �شفرة وراثية وال يوجد في الكون‬ ‫ِمن �أول يوم في هذا الكون‪ ،‬التعقيد ِ‬ ‫ب�سيط ليعمل من الأ�سفل �إلى الأعلى‪.‬‬ ‫في النهاية ال بد من الإ�شارة �إلى �أن الت�صميم الذكي ف�شل علميا على الرغم من �أنه �أكثر واقعي ًة‬ ‫من ال�صدفة والكائنات الف�ضائية‪ ،‬وال�سبب الرئي�سي في ذلك هو خروجه عن حدود المنهج‬ ‫العلمي باقتراحه وجود ق َوى فوق طبيعية م�سئولة عن الت�صميم‪ ،‬وهذا �أم ٌر يقع خارج حدود‬ ‫المنهج العلمي و�ضوابطه كما �سنو�ضح ذلك بالتف�صيل الح ًقا‪.‬‬ ‫وهكذا نرى �أن المنهج العلمي هو الذي يحدد تعام َلنا مع الأدلة ِمن حولنا‪ ،‬وطريقة �صياغة‬ ‫النظرية ولي�ست الأدل��ة هي التي تحدد مفاهيمنا وطريقة �صياغة النظريات‪ ،‬وهذا نوع من‬ ‫والم�شاهدات ِمن حولنا تدلنا‬ ‫الدكتاتورية في المنهج العلمي‪،‬وال ُبد من الت�أكيد على �أن الأدل َة‬ ‫ِ‬ ‫على وجود الت�صميم الفعال‪ ،‬وال ينكره �أحد على الرغم من �أنهم يختلفون على �أ�صله وهل حدث‬ ‫"وهم الإله"‬ ‫م�صم ٍم �أم نتيجة االنتخاب الطبيعي؟ كما ب َّينَ ريت�شارد داوكنز في كتابه ْ‬ ‫نتيجة ِّ‬ ‫ن�صه �إن االنتخاب الطبيعي قاد ٌر على �إنتاج �صور ٍة متميزة من‬ ‫في الف�صل الثالث حيث قال ما ُّ‬ ‫الت�صميم‪ ،‬وهو نف�س ر�أي دانييل دانييت َك ْون الأمر حدث من الأ�سفل �إلى الأعلى‪.‬‬ ‫‪53‬‬


‫وهكذا نجد �أن الجميع متفقون على وجود الت�صميم‪ ،‬وهذا �أم ٌر منطقي فلوال الت�صميم والتنظيم‬ ‫َل َما �أمكننا �أن نتنب�أ بظواهر الخ�سوف والك�سوف التي �ستحدث بعد ع�شرات ال�سنين من يومنا‪،‬‬ ‫و َل َما انتظمت ال�سن ُة ال�شم�سية والقمرية‪ ،‬و َل َما تم حماية القلب بالقف�ص ال�صدري والدماغ‬ ‫بعظام الجمجمة ومجرى التنف�س عند الأكل بل�سان المزمار وغيرها من الأدلة التي ال يغفلها‬ ‫�إال مكابر‪ ،‬وقد ذ َك َر الفيزيائي "هيو رو�س" ثالثا وثالثين خا�صي ًة في الكون دال ًة على الت�صميم‬ ‫في كتابه "الخالق والكون" ويمكن للمهتم االطال ُع عليها‪ ،‬وبالمح�صلة ف�إن الت�صميم موجود وال‬ ‫يمكن �إنكاره كما التطور ولكن النقا�ش في �أ�صل هذا الت�صميم �أو التطور‪.‬‬

‫ ‬

‫‪54‬‬


‫الفصل الثالث‬

‫موجة اإللحاد الجديدة‬ ‫بع�ض المتكلمين من القرون‬ ‫قام ال ُم ِ‬ ‫ناظر الم� ِؤمن يقدم �أدلتَه على وجود اهلل م�ستندً ا على �أدلة ِ‬ ‫بنف�سه‪،‬‬ ‫نف�سه ِ‬ ‫ال�سابقة قائال‪ :‬هذا الكون �إ ّما �أن يكون قد �أتى بدون �سبب‪� ،‬أو قد يكون قد �أو َل َد َ‬ ‫و�إ ّما �أن يكون هناك خا ِل ٌق ومد ِّبر للكون‪ ،‬فالقول �إنه �أتى بدون �سبب �أم ٌر ال يقول به عاق ٌل‪ ،‬فال‬ ‫بنف�سه في�شبه القول ب�أن امر�أ ًة‬ ‫نف�سه ِ‬ ‫يوجد �شيء ال �سبب له‪ ،‬و�أ ّما القول ب�أن الكونَ قد �أو َل َد َ‬ ‫بنف�سها وهذا �أم ٌر م�ستحيل‪ ،‬وبالتالي يبقى �أمامنا خيا ٌر واحد وهو �أن للكون خال ًقا‬ ‫نف�سها ِ‬ ‫ت ِلد َ‬ ‫ومد ِّب ًرا‪.‬‬ ‫ناظر الملحد ليقول له وبب�ساط ٍة‪َ :‬ومن قال‬ ‫َ‬ ‫ناظ ُر الم� ِؤمن ليعتلي ال ٌم ِ‬ ‫بعد هذه المقدمة جل�س ال ُم ِ‬ ‫لك �إن الكونَ يهتم لنظام ال�سببية الذي تتكلم به! � َ‬ ‫المناظر الم�ؤمن في هذه المناظرة‬ ‫أغفل‬ ‫ِ‬ ‫�أنه �أمام موج ٍة جديدة من الإلحاد تحمل في طياتها الكثي َر ِمن مبادئ الإلحاد القديم‪ ،‬ولكنها‬ ‫"وهم المعرفة" فل�سفة جديدة ا�ستفادت من تجارب الملحدين ال�سابقين و�أتت‬ ‫م�س َّلح ٌة بـ ْ‬ ‫ب�أجوبة جدلي ٍة (ولي�ست علمية) جديدة‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫عام ْي ‪ 2006‬و‪ 2007‬ممثل ًة ب�أربع ِة ُكت ٍُب هاجمت‬ ‫ظهرت الموج ُة الجديدة في �أمريكا بين َ‬ ‫بالخ�صو�ص الديان َة الم�سيحية‪ ،‬وتم اختيار �أمريكا لأنها البلد العلماني المتطور الأكثر تد ُّي ًنا‬ ‫(التدين هنا بمعنى الإيمان بالخالق واليوم ال ِآخ��ر) وللأ�سف كان لهجمات تنظيم القاعدة‬ ‫التكفيري في الحادي ع�شر من �سبتمبر عام ‪ 2001‬دور مهم في ظهور هذه الموجة والتي ال‬ ‫حال من الأحوال موج ًة جديدة‪ ،‬و�إنما هي ا�ستمرار لموجات �إلحادية تظهر‬ ‫يمكن اعتبا ُرها ب�أية ٍ‬ ‫با�ستمرار منذ َف ْجر التاريخ الإن�ساني ولم تتوقف‪ ،‬ولكن مايميز هذه الموج َة �أنها تعتمد المنهج‬ ‫العلمي في محاربة الأديان وت�سفيهها‪ ،‬ولكن حتى هذا التمييز ي ِقل بري ُقه عند اطالعنا على‬ ‫التاريخ كما �سنف�صل ذلك الح ًقا‪.‬‬ ‫وال ٌكتٌب الأربع التي مثلت موج َة الإلحاد الجديد هي‪:‬‬ ‫محا�ضر بجامعة‬ ‫(وهم الإله) – لـ ريت�شارد داوكنز‪ ،‬وهو عا ِلم �أحيائي تطوري بريطاني‬ ‫أوال‪ْ :‬‬ ‫ِ‬ ‫�أُك�سفورد‪ ،‬وقد ك َّر�س حياتَه للكالم في الأديان‪ ،‬ويحاول البع�ض �أن ُي ِلحق به لقب فلي�سوف وهو‬ ‫ِمن مواليد ‪.1941‬‬ ‫ثانيا‪( :‬ر�سالة �إلى الأُمة الم�سيحية) – لـ �سام هاري�س‪ ،‬وهو عا ِلم �أع�صاب �أمريكي‪ ،‬ويحاول‬ ‫البع�ض �أن ُي ِلحق با�سمِ ه لقب فيل�سوف وهو ِمن مواليد ‪.1967‬‬ ‫ثالثا‪( :‬ك�سر ال�سحر‪ ،‬الدين كظاهرة طبيعية) – لـ دانيال دينيت‪ ،‬وهو فيل�سوف �أمريكي مهتم‬ ‫بفل�سفة العلم ِمن مواليد ‪.1942‬‬ ‫هاجر‬ ‫رابعا‪( :‬الإله لي�س عظيما) – لـ كري�ستوفر هيت�شنز‪ ،‬وهو كاتب �صحفي بريطاني �أمريكي َ‬ ‫�إلى �أمريكا عام ‪ 1981‬وعمِ ل �صحف ًيا معظم حياته‪ ،‬له عدة ُكت ٍُب غير م�شهورة تتناول موا�ضي َع‬ ‫‪56‬‬


‫�سيا�سية‪ ،‬ب َرز نج ُمه بعد كتابه (�ضد الدين) ك�أحد فر�سان الإلحاد الأربعة ‪-‬كما �س َّماهم‬ ‫ريت�شارد داوكنز‪ِ -‬من مواليد عام ‪ 1949‬وتوفى عام ‪ 2011‬بال�سرطان ‪.‬‬ ‫وللم�ؤلفين �أعاله عدة ُكت ٍُب تتناول موا�ضيع الدين والإلحاد قبل ‪ 2006‬ولكن هذه الكتب �شكلت‬ ‫وبتن�سيق وا�ضح بينهم‪،‬‬ ‫البداي َة الحقيقة لكونها نزلت مجتمِ ع ًة �ضمن فتر ٍة زمنية متقاربة‬ ‫ٍ‬ ‫وحققت �أعلى المبيعات في وقت كانت �أمريكا لم ت ِفق ِمن هجمات �سبتمبر التي اتهم بها الدينُ‬ ‫كمح ِّفز �أ�سا�سي‪ ،‬وكما هو وا�ضح ف�إن خلفية الم�ؤلفين خلفية متنوعة وال يجمعهم جامع �سوى‬ ‫موقفهم من الدين والإله‪.‬‬

‫‪57‬‬


‫(و ْهم اإلله – ريتشارد داوكنز)‬ ‫النسخة المترجمة للعربية‬

‫َ‬ ‫الموروث والتقاليد ب�شكل رئي�سي مع قليل من التركيز على‬ ‫كتاب مهم في اعتقادي يناق�ش‬ ‫ٌ‬ ‫مو�ضوع الخالق‪ ،‬نتيج ًة لذلك وقع الكثيرون في مغالطة "العنوان والم�ضمون" التي ذكرناها‬ ‫في المغالطات الكبرى‪ ،‬فال خالف بالت�أكيد على �ضرورة تنقيح الموروث والتقاليد التي ال �أ�صل‬ ‫كتاب م�ستقل لأن هدفي في هذا الكتاب هو مناق�شة م�س�ألة‬ ‫ديني لها‪ ،‬وهذا الأمر قد �أناق�شه في ٍ‬ ‫الحا ِبل بال َّنا ِبل كما فعل ريت�شارد داوكنز في‬ ‫الخالق ولن �أناق�ش الموروث‬ ‫َ‬ ‫والتقاليد حتى ال �أخلط َ‬ ‫"وهم الإله"‪.‬‬ ‫كتابه‪ ،‬ولذا ف�إنني �س�أحاول التركيز على ما يخت�ص بالخالق في كتاب ْ‬

‫مقدمة و ْهم اإلله‪:‬‬ ‫َ‬ ‫مفهوم االنتخاب الطبيعي الذي تكلمنا عنه عند الكالم عن نظرية‬ ‫ا�ستعمال‬ ‫الكاتب‬ ‫يحاول‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫التطور على الأديان والعادات والتقاليد‪ ،‬وعلى الرغم من قوله "ب�أن االنتخاب الطبيعي مح�صور‬ ‫بتف�سير العالم الحي ولكنه ي�ستدرك هذه المقول َة بقوله "�إن با�ستطاعته �أن يرفع م�ستوى‬ ‫‪58‬‬


‫الوعي للإدراك" وقد فعل ذلك فع ًال في مواق َع عد ٍة من كتابه‪ ،‬وال �أ�ستغرب ذلك فاالنتخاب‬ ‫الطبيعي هو مجال اخت�صا�صه وعم ِله‪ ،‬ولكن ال ُبد من الت�أكيد على �أن هذه النظرة �إلى التاريخ‬ ‫الإن�ساني نظر ٌة غير علمية‪ ،‬فالواقع يثبت �أن لدينا �أديا ًنا م�ستمرة منذ �آالف ال�سنين‪ ،‬يحاول‬ ‫الملحدون �أن يقرروا �أن الأديان ابتد�أت بعبادة �أكثر من �إله ِومن َثم تطورت لعبادة الإله الواحد‬ ‫باالنتقاء الطبيعي‪ِ ،‬ومن َثم �ستنتقل لرف�ض مفهوم الخالق‪ ،‬ولكن هذا كالم غير تاريخي لأن‬ ‫جميع الأديان القديمة لديها �إل ٌه واحد م�سيطر‪ ،‬وحتى م�شركي مك َة كانوا يعبدون َ‬ ‫اهلل الخالقَ‬ ‫الواحد‪ ،‬والأ�صنام ما هي �إال و�سائل للتق ُّرب منه‪ ،‬فادِّعا ُء الملحدين هذا �أم ٌر ال يمكن �إثباته‬ ‫علم ًيا لأنه ال يمكن �أن نثبت �أن �أول �إن�سان عابد كان يعبد عدة �آلهة في نف�س الوقت و�إنما‬ ‫البديهي �أنه بد�أ بعبادة � ٍإله واحد‪� ،‬صحيح ُيقال �إنه كان يعبد الظواه َر الطبيع َة لخوفه منها‬ ‫ا�ستنتاج غير ناه�ض و�سنتناول هذا المو�ضوع الح ًقا‪.‬‬ ‫ولكنه مجرد‬ ‫ٍ‬ ‫حاالت من ال�شك والح ْيرة التي مر بها‪ ،‬و�شكره لزوجته التي كانت‬ ‫المالحظة الثانية‪ :‬كال ُمه عن ٍ‬ ‫عو ًنا له خالل هذه الحاالت‪ ،‬ولنا �أن نت�ساءل هل في ال ِعلم ٌ‬ ‫�شك وح ْيرة �أم �أن ال ِعلم يمثل الحقيق َة‬ ‫المحا�ضر يتكلم عن‬ ‫التي يمكننا �أن نثق بها!؟�أثناء ح�ضوري لم�ؤتمر للملحدين في �أمريكا وكان‬ ‫ِ‬ ‫الأديان وكيف يمكن اختبا ُرها‪ ،‬وقال �إن الإلحاد ال يمكن اختبا ُره لأنه �شك‪ ،‬ف�أجبتُه لو كان �ش ًكا‬ ‫لأ�صبح ال �أدري ًة ولي�س �إلحادًا‪.‬‬ ‫المالحظة الثالثة‪َ :‬ذ َكر نقط ًة مهمة ب َّينَ فيها �أنه من ال�صعوبة تنظيم الملحدين لأنهم غير‬ ‫ال�س ُلطات الفكرية‪ ،‬ف ُهم معتادون على التفكير الم�ست ِقل‪،‬‬ ‫نوع من ُّ‬ ‫معتادين على االن�صياع لأي ٍ‬ ‫وهذه حقيقة ولكن ما يجمعهم هو موقفهم من الدين‪ ،‬وهذا الذي لم يذكره ريت�شارد‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫‪59‬‬


‫الأ�سا�س يحاولون تنظيم �أنف�سهم �سيا�س ًيا واجتماع ًيا‪.‬‬ ‫المالحظة الرابعة‪ :‬تك َّل َم داوكنز عن نقط ٍة مهمة وهي �سوء اقتبا�س كالمه وو�ضعه في غير‬ ‫باقتبا�س خاطئ لبع�ض كالمه لي�صبح في �صالح توجها ِتهم الدينية‪،‬‬ ‫محله‪ ،‬حيث يقوم الم�ؤمنون‬ ‫ٍ‬ ‫تماما معه في �ضرورة عدم اقتطاع الكالم خارج الن�ص لخدمة فكرة معينة وهذا‬ ‫وهنا �أنا �أتفق ً‬ ‫ما �أكدته في كتاب "نبتة �إبلي�س" الذي قمت بت�أليفه ون�شره العام الما�ضي‪.‬‬

‫و ْهم اإلله – الفصل األول‬ ‫�أول �صفح ٍة من هذا الف�صل تحمل ما يمكن ت�سميته الفي�صل بين اعتبار الإلحاد الجديد �إلحادًا‬ ‫منكفئ‬ ‫طفل‬ ‫علم ًيا �أم مجرد وجهة نظر �شخ�صية غير علمية‪ ،‬حيث يتكلم ريت�شارد داوكنز عن ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الطفل‬ ‫منده�ش ِل َما يرى حوله من الأع�شاب المت�شابكة والح�شرات‪ ،‬وينتقل نظ ُر‬ ‫على الع�شب‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ليف�سر ما ينظر �إليه بم�صطلحات دينية قادته في �آخر المطاف ليكون َ‬ ‫رجل‬ ‫فج�أة �إلى الكون ِّ‬ ‫ق�سا في مدر�سة داوكنز‪ ،‬وكان داوكنز معج ًبا به كثي ًرا! يعلق داوكنز على هذه التجربة‬ ‫ٍ‬ ‫دين يعمل ً‬ ‫بقوله �إنه كان من الممكن �أن يمر هو �شخ�ص ًيا بنف�س التجربة ولكنها �ستدفعه باتجاه معاك�س‬ ‫للدين لي�صبح بالنتيجة ملحدً ا‪.‬‬ ‫نظر‬ ‫هذه التجرب ُة التي يخبرنا بها ريت�شارد داوكنز "�شيخ الملحدين" والتي قد تنتج وجهت َْي ٍ‬ ‫ملحدة ِّ‬ ‫تلخ�ص الم�ساف َة بين الإلحاد والإيمان‪ ،‬فالق�ضية‬ ‫مختلفت ْين �إحداهما م� ِؤمنة والأخرى ِ‬ ‫نظر �شخ�صية ولي�ست وجه َة نظر علمية‪.‬‬ ‫وجهة ٍ‬ ‫َ‬ ‫الف�صل بمقولة لأين�شتاين يع ِّبر فيها عن كونه ال ي�ؤمن ب� ٍإله �شخ�صي ويحاول‬ ‫يبد�أ داوكنز هذا‬ ‫‪60‬‬


‫إلحاح عجيب �أن �آين�شتاين ملح ٌد نتيج ًة لعدم �إيمانه بالإله ال�شخ�صي العتقاد داوكنز‬ ‫�أن يثبت ب� ٍ‬ ‫الخاطئ ب�أن عدم االعتقاد بـ (بالإله ال�شخ�صي) معناه الإلحاد‪ ،‬على الرغم من �أن �آين�شتاين‬ ‫�أنكر �إلحا َده‪ ،‬ولكن قام ريت�شارد داوكنز باالجتزاء من كالم �آين�شتاين بما يوا ِفق هواه َ‬ ‫وترك ما‬ ‫عداه على الرغم من �أنه ا�شتكى من االجتزاء في مقدمة كتا ِبه‪.‬‬ ‫م�ساحات وا�سع ًة من كتابه ليثبت �إلحا َد بع�ض ال�شخ�صيات المهمة ع ْب َر التاريخ‬ ‫ا�ستغرق داوكنز‬ ‫ٍ‬ ‫كالر�ؤ�ساء الأمريكان وبع�ض �أن�صار الطبيعية و�آين�شتاين‪ ،‬وهذا دليل �آخر على �سطحية الكتاب‬ ‫و ُب ِعد العنوان عن الم�ضمون‪ِ ،‬عل ًما ب�أن هذا الدفا َع الم�سعور عن �إلحاد بع�ض ال�شخ�صيات‬ ‫التاريخية نات ٌج عن عقدة قلة العدد التي يعاني منها الملحدون‪ ،‬والتي تَظهر هنا وهناك في‬ ‫كتاباتهم ولذا تراهم يحاولون جعل الال�أدريين والالدينيين وحتى الأطفال ملحدين بطبيعتهم‬ ‫�أو على الأقل �ضمن مع�سكرهم‪.‬‬ ‫ي�سميهم "�أن�صار الطبيعة" ملحدين � ً‬ ‫أي�ضا‪ ،‬وت�ستمر محاوال ُته‬ ‫ِومن العجيب �أنه يحاول ج ْع ِل ِمن ِّ‬ ‫في �إثبات �إلحاد بع�ض ال�شخ�صيات حتى الف�صل الثاني‪ ،‬ثم ونتيج ًة لعدم كفاية الأدلة يقول في‬ ‫مو�ضوع فرعي با�سم (العلمانية والآباء الم�ؤ�س�سون والدين في �أمريكا) ما‬ ‫الف�صل الثاني تحت‬ ‫ٍ‬ ‫ن�صه "�سواء �أكان جفر�سون"رئي�س �أمريكي" وزمال�ؤه م�ؤمنين‪� ،‬ألوهيين‪ ،‬ال �أدريين‪� ،‬أم ملحدين‬ ‫ُّ‬ ‫لحد كبير‪ ،‬وهنا ِمن حق القارئ َّ‬ ‫المط ِلع �أن يت�ساءل ما دخْ ل علمانية‬ ‫ف ُهم بالت�أكيد علمانيون ٍ‬ ‫جفر�سون وزمالئه بالكالم عن دي ِنه واعتقا ِده؟ فما العلمانية �إال نظا ٌم �سيا�سي يقوم على ف�صل‬ ‫م�ؤ�س�سات الدولة عن دين �أفرادها‪ ،‬وفي نف�س الوقت يحمي حري َة التدين لأفرادها ويحفظ لهم‬ ‫حقو َقهم ويبين لهم واجبا ِتهم‪.‬‬ ‫مراد وهبة في كتابه "الأ�صولية والعلمانية" حيث اعتبرالعلمانية نظري ٌة في المعرفة واعتبرها‬ ‫‪61‬‬


‫نظرية ال�أدرية (الحقيقة ن�سبية) وبالتالي فهي تقف بال�ضد من الأ�صولية الدينية باعتبارها‬ ‫� ً‬ ‫أي�ضا نظرية في المعرفة تقرر �أن الحقيقة واحدة ومحتكرة من قبل الم�ؤمنين بالدين (الحقيقة‬ ‫مطلقة) وهو هنا خلط ب�شكل �أو ب�آخر بين العلمانية كنظام �سيا�سي �أو فكرة تحترم التباين بين‬ ‫النا�س وبين ما يمكن ت�سميته بالعلمانية ال�سيئة التي ترف�ض الدين وال تقدر �إنجازاته الخ ِّيرة‬ ‫وتطلب �إبعاده من ال�ساحة ومثاله لينين و�ستالين وهذا مو�ضوع طويل يمكن نقا�شه في كتاب‬ ‫منف�صل‪ .‬ولكن في كل الأحوال يبقى الأمر بعيدً ا عن م�س�ألة الإيمان بالخالق وبعيدً ا كل البعد‬ ‫المتع�صب‬ ‫الحر غير الم�ؤدلج وغير‬ ‫ِّ‬ ‫عن م�س�ألة هل الخالق موجود �أم ال! القارئ ذو التفكير ُ‬ ‫"وهم الإله" هل هذا كتاب يتناول الخالقَ �أم مجرد دعاية‬ ‫�سيت�ساءل كثيرا وهو يقر�أ كتاب ْ‬ ‫�سمجة للفكر الإلحادي مع اعترا�ضات على مورثات ثقافية ومجتمعية يعتر�ض عليها الم�ؤمن‬ ‫حد �سواء!‬ ‫والملحد على ٍ‬ ‫عندما يحاول اعتبار �آين�شتاين ملحدً ا لكونه غير م�ؤمن ب� ٍإله �شخ�صي‪ ،‬هذا �سو ُء ف ْه ٍم كبير‬ ‫لمفهوم الإله ال يمكن غفرانه لداوكنز‪ ،‬والأدهى منه اعتبار �أن كل َمن ال ي�ؤمن بالإله ال�شخ�صي‬ ‫ملحد كما نالحظ ذلك في الف�صل الثالث "الدليل على وجود اهلل" ال�صفحة ‪ 104‬حيث يتناول‬ ‫ُ‬ ‫الم�شارك في‬ ‫بالتحليل درا�س ًة عن �آراء �أع�ضاء الجمعية ال َم َلكية البريطانية عن الدين ويع ِّبر‬ ‫مقيا�س من �سبع درجات‪ ،‬حيث تع ِّبر الدرج ُة الأولى‬ ‫الدرا�سة عن ر�أيه في الإله ال�شخ�صي على‬ ‫ٍ‬ ‫عن "عدم الموافقة ب�شدة" وتدرج �إلى الدرجة ال�سابعة التي تع ِّبر عن "موافق وب�شدة" حيث‬ ‫�أ�شارت الدرا�سة �إل��ى �أن ‪ %3.3‬فقط وافقوا على مفهوم الإل��ه ال�شخ�صي‪ ،‬ا�ستنتج داوكنز‬ ‫من هذه النتيجة وب�شكل مخا ِدع �أن �أكثر ِمن ت�سعين بالمائة من العلماء الذين �شاركوا بالدرا�سة‬ ‫ملحدون ‪ ..‬وهذا كذب وا�ضح من ناحيت ْين‪:‬‬ ‫‪62‬‬


‫�أو ًال‪َ :‬من ال ي�ؤمن بم�صطلح "الإله ال�شخ�صي" ال يعني �أنه ملحد‪.‬‬ ‫الم�ستخدم في الدرا�سة يتكون من �سبع درجات‪َ ،‬ف َع َلى �أي �أ�سا�س علمي اعتبرت‬ ‫ثانيا‪ :‬المقيا�س‬ ‫َ‬ ‫�أن �ست درجات منها تمثل علما َء ملحدين!؟ بالطبع لن تجد جوا ًبا علم ًيا‪.‬‬ ‫ثال ًثا‪ :‬الدرا�سة �شملت ‪ 1047‬ع� ًضوا وا�شترك فيها فقط ‪� %23‬أي ما يقرب من ‪ 250‬ع� ًضوا‪ ،‬وتم‬ ‫�إجرا�ؤها ما بين ‪ 2006‬و‪ ،2006‬ولم يو�ضح لنا داوكنز وغي ُره طريقة �إجراء اال�ستبيان وهو �أمر‬ ‫لم يو�ضحه داوكنز لقرائه‪ ،‬فمث ًال �إن كان اال�ستبيان قد تم �إر�ساله �إلى جميع الأع�ضاء ولم‬ ‫تكن العينة ع�شوائية ف�إن النتائج ال يمكن تعمميها و�إنما تكون فقط ممثلة لمن قام بالإجابة‬ ‫وذلك لأن التعميم مع ن�سبة خط�أ ال يكون �إال للعينات الع�شوائية فقط‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى �أنه �إذا‬ ‫كان اال�ستبيان قد �أر�سل �إلى جميع الأع�ضاء فمن البديهي �أن يجيب �أ�صحاب الموقف المت�شدد‬ ‫�أما المتذبذبين وحتى الم�ؤمنين فلن يهمهم الأمر وهذا معروف من الناحية النف�سية في مجال‬ ‫�إجراء اال�ستبيان‪.‬‬ ‫لذا دائ ًما ما يف�ضل �أن تكون العينة ع�شوائية لتجاوز هذا الخلل‪ ،‬وهنا يجب الت�أكيد على �أنه‬ ‫توج ِه العلماء ف�إن الـ ‪ 400‬عا ِلم الذين �شككوا‬ ‫�إذا �أمكننا اعتبار �إجابة ‪ 250‬عا ِل ًما م� ِّؤ�شرا على ُّ‬ ‫باالنتخاب الطبيعي والطفرات الع�شوائية‪-‬و�أ�سما�ؤهم مر َف َقة في نهاية الكتاب‪ -‬يمثلون � ً‬ ‫أي�ضا‬ ‫توج َه العلماء �ضد فكرة ريت�شارد داوكنز الذي �أفنى فيها عم َره وهي االنتخاب الطبيعي‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫نتائج درا�سة �أخرى قامت بها‬ ‫نف�س الأ�سلوب غير العلمي‬ ‫َ‬ ‫ا�ستخد َمه داوكنز في ُ‬ ‫الحكم على ِ‬ ‫المجلة ال ِعلمية "الطبيعة" في عام ‪ 1998‬لمجموعة من العلماء الأمريكيين‪ ،‬وكان ‪%7‬منهم‬ ‫ي�ؤمنون ب� ٍإله �شخ�صي ‪ ..‬حيث ا�ستنتج داوكنز �أن البقي َة ملحدون! وكما ب َّي َنا �ساب ًقا ف�إن عدم‬ ‫‪63‬‬


‫الإيمان ب� ٍإله �شخ�صي �أم ٌر طبيعي وال يعني الإلحاد ب�أية حال من الأحوال‪ ،‬ولن�ست ِعن ب�آين�شتاين‬ ‫مرات كثيرة كما‬ ‫الذي اتهمه داوكنز بالإلحاد‪ ،‬حيث يرف�ض �آين�شتاين‬ ‫االدعاءات ب�أنه ملحد في ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ورد في كتاب "�آين�شتاين والدين" ال�صادر عام ‪ 2000‬لـ "ماك�س جامر" وهو مخت�ص في تاريخ‬ ‫ال ِعلم‪:‬‬ ‫"�أنا ل�ستُ ملحدً ا‪ ،‬وال �أعتبر نف�سي ِمن القائلين بوحدة الوجود‪ ،‬نحن في موقف م�شابه‬ ‫طفل �صغير يدخل �إلى مكتب ٍة مليئة بالكتب المكتوبة بلغات مختلفة‪ ،‬الطفل يعرف‬ ‫لموقف ٍِ‬ ‫�أن هناك َمن قام بكتابتها ولكن ال يعرف كيف‪ ،‬الطفل ال يعرف اللغ َة التي ُك ِتبت بها هذه الكتب‬ ‫ولكن يعتقد �أو ي�شك في وجود نوع من الترتيب ولكنه ال يعرفه‪ ،‬هذا الموقف ي�شد الإن�سان‬ ‫نحو الخالق‪ ،‬نحن نرى الكونَ َّ‬ ‫وخا�ضع لمجموعة من القوانين التي‬ ‫مثير للت�سا�ؤل‬ ‫منظما ٍ‬ ‫ب�شكل ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ب�سيط"‪.‬‬ ‫ب�شكل ٍ‬ ‫نفهمها ٍ‬ ‫حديث لآين�شتاين �أعلن وب�صراحة �أن الأ�شخا�ص الملحدين يجعلونه ي�شعر بالغ�ضب لأنهم‬ ‫و�أثناء ٍ‬ ‫يقتب�سون من كالمه ما يدعمون به �إلحادهم‪� ،‬آين�شتاين رف�ض الإلحاد بالرغم من رف�ضه لمفهوم‬ ‫الإله ال�شخ�صي‪� ،‬آين�شتاين رف�ض الإل َه ال�شخ�صي المنفعل الذي يفرح برائحة دم الأ�ضاحي‪،‬‬ ‫واختار َ�شع ًبا مميزً ا دون ال�شعوب وغي َرها من الأمور‪ ،‬والكثير من الم�ؤمنين يرف�ضونه‪ُ ،‬‬ ‫رف�ض‬ ‫الإل ِه ال�شخ�صي ال يعني بالت�أكيد َ‬ ‫رف�ض الخالق‪ ،‬وهذا دليل �آخر على خداع ريت�شارد داوكنز‬ ‫لقارئيه باعتباره كل من ال ي�ؤمن من العلماء ب�إله �شخ�صي ملحد‪.‬‬ ‫داوكنز في الف�صل الأول من كتابه يعطينا تعري ًفا للإله تع َّه َد على نف�سه بتب ِّنيه في ف�صول‬ ‫خالق ِمن عالم وراء الطبيعة‪ ،‬و�شيء جدير ب�أن نتوجه‬ ‫كتابه حيث يقول "�إنها كلمة تدل على ٍ‬ ‫�إليه بالعبادة" وكما نالحظ ف�إن هذا التعريف يتناق�ض مع م�صطلح "الإله ال�شخ�صي"‪ ،‬وعلى‬ ‫‪64‬‬


‫العموم �س�أقوم �شخ�ص ًيا في كتابي هذا با�ستخدام تعريف داوكنز من باب �إلزام المقابل بما‬ ‫نف�سه وبقي َة الملحدين ال يلتزمون بهذا التعريف‪.‬‬ ‫� َ‬ ‫نف�سه و�سنب ِّين للقارئ كيف �أن داوكنز َ‬ ‫ألزم به َ‬ ‫وعلى �سبيل المثال ال الح�صر في الف�صل الثاني "فر�ضية الإله" وفي معر�ض كالمه عن �إمكانية‬ ‫هلل يقول في ال�صفحة ‪ 61‬من الن�سخة المترجمة �إن عدم وجود �أدلة علمية‬ ‫�أن َينفي ال ِع ُلم وجو َد ا ِ‬ ‫دفعت �إلى ظهور مفهوم عدم التداخل بين الدين وال ِعلم‪ ،‬وي�ؤكد على �أن‬ ‫على وجود الخالق ْ‬ ‫مفهوم الإله مجرد فر�ضي ٍة علمية‪ ،‬وهنا ِمن حق �أي �شخ�ص َّ‬ ‫مط ِلع على معنى الفر�ضيات العلمية‬ ‫�أن ي�س�أل داوكنز‪ :‬كيف يمكن اعتبار �شيء افتر�ضت �أنه ِمن"عالم ما وراء الطبيعة"فر�ضي ًة‬ ‫منهج علمي يمكنه �أن يتعامل مع ما وراء الطبيعة يا �سيد داوكنز؟!!‬ ‫علمية؟ و�أي ٍ‬ ‫الحلم بالنظرية النهائية "نظرية كل �شيء‪ ،‬وكالمه كان على‬ ‫تك َّل َم في الف�صل الأول عما �أ�سماه ُ‬ ‫بالحلم لأن �ستيفن واينبرغ‬ ‫ل�سان عالم الفيزياء "�ستيفن وانبرغ" وح�س ًنا ف َع َل عندما ع َّبر عنها ُ‬ ‫ع َّبر في مقابلة مع داوكنز نف�سه بما ن�صه "لي�س من المفرو�ض �أن تتم اال�ستهانة بم�شكلة �أنه في‬ ‫النهاية لن يكون ب�إمكاننا تف�سير الكون" وقد تكون هذه المقابلة بعد �صدور كتابه "وهم الإله"‪.‬‬ ‫ومما يثير اال�ستغراب �أن الملحدين ي�أخذون على الم�ؤمنين �إيمانهم بالغيب وفي نف�س الوقت‬ ‫عندما ت�س�ألهم عن بع�ض الإ�شكاليات يقولون �إن ال ِعلم �سيجيب عنها الح ًقا! �ألي�س هذا رج ًما‬ ‫بالغيب مبن ًيا على افترا�ضات غير علمية بالمرة؟ قال داوكنز في الف�صل الأول ما ن�صه‬ ‫كامل با�ستخدام‬ ‫ب�شكل ٍ‬ ‫"�سنتمكن في الم�ستقبل من تقديم تف�سيرات للظواهر غير المفهومة ٍ‬ ‫قوانين الطبيعة‪ ،‬ولم ُيخبرنا �سيد داوكنز �أي نظرية علمية ا�ستخدمها في ا�ستنتاجه هذا‪،‬‬ ‫�صعب وبعي ُد االحتمال كما ع َّبر �ستيفن واينبرغ‪ ،‬فكيف �سيف�سر وجود القوانين الطبيعة‬ ‫وهو ٌ‬ ‫وم�صد َرها؟‬ ‫‪65‬‬


‫تَك ُثر في الف�صل الأول كما في بقية الف�صول الكثير من العبارات ال�شعاراتية الكالمية التي ال‬ ‫قيمه علمية �أو فل�سفية لها و�إنما مجرد وجهات نظر �ضيقة للدين‪ ،‬حيث يقول في ال�صفحة ‪22‬‬ ‫الم�س َّلمات والتي َيقبل بها الجميع تقري ًبا في مجتمعنا الإن�ساني‪،‬‬ ‫من الن�سخة المترجمة‪ِ :‬‬ ‫"من َ‬ ‫حتى غير المتدينين‪� ،‬أن الإيمان الديني هو فكر ٌة ه�شة و�ضعيفة �أمام النقد"وال �أدري هل هذه‬ ‫أوهام وخرافات في ذهن داوكنز؟‬ ‫الم�س َّلمات ُب ْ‬ ‫نيت على �إح�صاءات علم ّية معتبر �أم هي مجرد � ٍ‬ ‫وخ�صو�صا �أن الم�ؤمنين هُ م الأغلبية ع ْب َر الع�صور والأوقات وال يرون �أيمانهم فكرة ّ‬ ‫ه�شة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وكذلك حاول فر�ض ر�أيه على الفيزيائيين حيث طالبهم بالتوقف عن ا�ستعمال كلمة (اهلل)‬ ‫بمعناها المجازي "كما يعتقد" لأنها خيان ٌة فكرية على �أعلى الم�ستويات كما يع ِّبر‪ ،‬وهذا‬ ‫الأ�سلوب في �إطالق و�صف الخيانة على َمن يتعامل مع الأمور ب�أ�سلوب مختلف يذ ِّكرني ب�أ�سلوب‬ ‫القيادات القمعية التي تَعت ِبر كل المقوالت التي ال تخدم �أفكا َرها خيان ًة قومية �أو وطنية �أو‬ ‫�أخالقية �أو علمية‪ ،‬وفي حالة داوكنز الذي ا�ستخدم تعابي َر كالمية بعيد ًة عن ال ِعلم و�أدواته مثل‬ ‫"كل جملة تقطر بالجبن الفكري والأخـالقي"‪ ،‬في �سبيل الت�أثير على قارئيه بالغ ًيا ا�ستخدم‬ ‫فر�ضية "لو"غير العلمية في كالمه كما في فر�ضيته عن ماذا �ستكون ردة فعل المجتمع الدولي‬ ‫لو ب َّرر نظام الف�صل العن�صري ال�سابق في جنوب �إفريقيا �أفعاله تبري ًرا دين ًيا‪ ،‬وكذلك في‬ ‫حروب دينية ولي�س حروبا �إقليمية وعالمية‬ ‫تحويله الحروب الجارية في العراق وغيرها �إلى‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫الخالف‬ ‫ا�ستغالل‬ ‫هد ُفها ال�سيطرة على م�صادر الثروة وب�سط النفوذ م�ستغل ًة في ذلك �أب�ش َع‬ ‫ٍ‬ ‫َنا�سى مجاز َر الملحدين في كوريا واالتحاد‬ ‫الطائفي القائم منذ مئات ال�سنين‪ ،‬وال �أعرف لماذا ت َ‬ ‫ال�سوفيتي وال�صين وغيرها؟اللهم �إال �إذا كانوا ال يمثلون الإلحاد ال�صحيح!‬ ‫‪66‬‬


‫الكثير من الكالم ال�شعاراتي الذي ال قيمة له ولن �أ�ضيع وقت القارئ في �سرد الأمثلة لأنه في‬ ‫كل الأحوال لي�س له عالقة ب�إثبات �أو نفي وجود الخالق‪.‬‬ ‫كالم علمي له عالقة بوجود الخالق من عدمه‪ ،‬فهو يتكلم حول �أمور‬ ‫لم �أجد في هذا الف�صل � َّأي ٍ‬ ‫أحداث كثيرة مثل بع�ض قرارات المحاكم في‬ ‫نظر �شخ�صية حول � ٍ‬ ‫ثقافية و�سيا�سية ووجهات ٍ‬ ‫�أمريكا والر�سوم الم�سيئة لر�سول الإ�سالم ورد فعل بع�ض قليلي الثقافة من الم�سلمين وغيرها‪.‬‬

‫الفصل الثاني – فرضية اإلله‬ ‫َ‬ ‫زمن ما‪ ،‬هو الت�سلية الأدبية‬ ‫يبد�أ الكاتب هذا‬ ‫الف�صل بمقولة"رالف والدو �إيمر�سون" دينُ ٍ‬ ‫للزمن ال��ذي يليه"‪ ،‬هذه المقولة ال تحتاج كثي ًرا من الوقت لنثبت عدم �صحتها‪ ،‬فالتاريخ‬ ‫الإن�ساني المكتوب بد�أ منذ اكت�شاف الكتابة قبل ما يقرب ‪� 5500‬سنة‪ ،‬والح�ضارة الإن�سانية‬ ‫المتمثلة في الإن�سان الذكي المزارِع يعود تاريخ ظهورها �إلى ما يقرب من ‪� 8000‬سنة‪ ،‬ولدينا‬ ‫أحقاب بعيدة جدً ا‪ ،‬وبالتالي هناك �أديان لم تتحول �إلى الت�سلية الأدبية‬ ‫لليوم �أديان تعود �إلى � ٍ‬ ‫لأوقات طويلة من التاريخ �إال �إذا كان الفا�صل الزمني الذي يتكلم عنه رالف يتجاوز التاريخ‬ ‫الإن�ساني‪ ،‬نعم هناك بع�ض الأمور التي تجا َو َزها الب�شر مثل بع�ض الديانات المتعددة نتيج ًة‬ ‫لتثقيف الأنبياء وعم ِلهم‪ ،‬حيث �إن الموحدين ي�ؤمنون ب�إر�سال الكثير من ال ّر ُ�سل ع ْب َر التاريخ‬ ‫انتقال من الإن�سان الوح�شي �إلى الإن�سان الم�سئول‪ ،‬كما‬ ‫آدم الذي ُيعت َبر مرحل َة‬ ‫ٍ‬ ‫الإن�ساني منذ � َ‬ ‫يذهب البع�ض‪ ،‬وهو الم�ستخلف لدى الم�ؤمنين ِمن ِق َبل الخالق‪.‬‬ ‫التوحيد هو �صف ٌة مالزِمة للإن�سان‪ ،‬نعم الخرافات التي ارتبطت بالأديان نتيج ًة‬ ‫وبالتالي ف�إن‬ ‫َ‬ ‫لموروث ثقافي يمكن �أن تنطبق عليها هذه العبارة‪� ،‬أن��ا ناق�شتُ مرة �أح��د الملحدين وقال‬ ‫‪67‬‬


‫ألح َد ب�سبب �أن �أُ َّمه عندما مات �أبوه رف�ضت �أن تدف َنه لأنها ت�ؤمن ب�أن الم�سيح‬ ‫بالحرف �إنه � َ‬ ‫ناتجا عن �صدمة �أو قلة ف ْه ٍم �أو موروث ثقافي �أو �أ�شياء‬ ‫�س ُيرجعه للحياة‪ ،‬ف�أجبتُه هذا قد يكون ً‬ ‫�أخرى‪ ،‬ولكن في كل الأحوال هو لي�س �سب ًبا كاف ًيا لت ُِلحد‪.‬‬ ‫الكاتب في بداية هذا الف�صل مقارنة بين الإله في العهد القديم والعهد الجديد‪ ،‬وهذا‬ ‫َيذكر‬ ‫ُ‬ ‫نف�سه‬ ‫�أم ٌر حقيقي ووا�ضح حيث �إن هناك فر ًقا كبيرة بحيث ال يمكن اعتبار �إل ِه العهد القديم ِ‬ ‫العهد الجديد‪ ،‬ولكن للأ�سف ونتيجة لق�صور الكاتب وعدم اطالعه على القر�آن كما الكثير‬ ‫�إل َه ِ‬ ‫غيره من الملحدين �أعتقد �أن القر�آن ما هو �إال امتداد �أو ن�سخة مق ّلدة من العهد القديم‪،‬‬ ‫وهذا خالف الواقع حيث �أن القر�آن يختلف اختال ًفا كبي ًرا عن العهد القديم من ناحية الفكر‬ ‫والفل�سفة والنظرة �إلى �آلية وتفا�صيل ق�ص�ص الأنبياء وغيرها‪ ،‬ولكن الوا�ضح وكما ع َّبر داوكنز‬ ‫تدقيق وتمحي�ص‪،‬وبالتالي ال �أتوقع منه‬ ‫اطالعه على الأديان نات ٌج عن محيطه ولي�س عن‬ ‫�أن‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫نظر ًة من�صف ًة للقر�آن �أو �أي دين �آخر خارج عن محيطه وبيئته التي ن�ش�أ بها‪.‬‬ ‫فتر�ض الكاتب في هذا الف�صل �أن الأديان ظهرت متعددة الآلهة‪ ،‬وهذا ادعا ٌء ي�صعب �إثبا ُته‬ ‫َي ِ‬ ‫وقد ي�ستحيل �أن نثبت �أول �إن�سان بد�أ بالعبادة قد عبد عدة �آله ٍة في يوم واحد‪ ،‬وهذا الكالم من‬ ‫وجهة نظر الملحدين‪�،‬أ ّما ِمن وجهة نظر الم�ؤمنين ف�إن الإن�سان الأول الذكي الم�ستخ َلف كان‬ ‫م�س ِلما هلل موحدً ا وهو �آدم‪ ،‬طب ًعا من وجهة نظر من�صفة ال يمكن �إثبات � ٍأي ِمن وجهت َْي النظر‬ ‫ال�سابقتين‪ ،‬فال يمكن القول �إن الأديان بد�أت متعددة‪ ،‬وال يمكن القول �إن الأديان بد�أت موحدة‬ ‫لأنه بب�ساطة هناك فجو ٌة زمنية بين تاريخ اكت�شاف الكتابة وبين تاريخ ظهور الح�ضارة‪ ،‬ولكن‬ ‫بب�ساطة ال يمكن �أن نقول �إن �أول �شخ�ص بد�أ بعبادة �إله عبد عدة �آلهة في يوم واحد‪.‬‬ ‫‪68‬‬


‫نظر الح�ضارات الأول��ى كالبابلية والم�صرية‬ ‫كما �أننا ال يمكننا �أن نفهم ب�شكل كامل وجه َة ِ‬ ‫وثائق ذلك‬ ‫الفرعونية بخ�صو�ص الأديان و َت َبا ُي ِنها بين �أفراد المجتمع نتيج ًة ل�ضياع الكثير من ِ‬ ‫الزمان‪ ،‬والذي و�صل �إلينا قد يكون مح�صو ًرا في الطبقات الغنية الحاكمة التي كان لها القابلية‬ ‫على الكتابة والتوثيق‪ ،‬وكذلك نتيج ًة الختالف فهْمِ نا لما هو مكتوب في الألواح الوا�صلة �إلينا‬ ‫وكذلك لقلة المعلومات في هذه الألواح واحتمالية الخط�أ الكبير في الترجمة كما بين عالم‬ ‫�سبيط النيلي في كالمه عن ملحمة كلكام�ش‪،‬ع َلى �سبيل المثال نحن لليوم ن�شاهد وجو َد �سو ِء‬ ‫واتهامات متبادلة بين مختلف الأديان والمذاهب كما ع َّبر داوكنز في هذا الف�صل‬ ‫ف ْه ٍم كبير‬ ‫ٍ‬ ‫والهندو�س معروفون بتعدد الآلهة ولكن ب َّينَ داوكنز �أنهم يعتقدون في‬ ‫الهندو�س‪،‬‬ ‫عندما ذ َك َر‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أقوام يعي�شون في وقتنا الحا�ضر‬ ‫الإله الواحد (براهما الخالق)وهذا �سو ُء ف ْه ٍم‬ ‫ٍ‬ ‫حا�صل بين � ٍ‬ ‫حيث نالحظ ً‬ ‫َ‬ ‫لمواقف �سيا�سية وثقافية وتراثية وغيرها من الأمور التي ينتقدها‬ ‫وا�ضحا‬ ‫خلطا‬ ‫ً‬ ‫أقوام عا�شوا قبل �آالف ال�سنين ال نعرف ثقافتَهم‬ ‫داوكنز ظ ًنا منه �أنه ينتقد الدين‪ ،‬فما بالك ب� ٍ‬ ‫وال التنو َع الديني الذي كان �سائدً ا بينهم‪.‬‬ ‫ولتو�ضيح المو�ضوع ب�شكل �أكبر‪ :‬في الم�سيحية القدي�س بول�ص كتب �أكثر ِمن ن�صف العهد‬ ‫الم�سيح في حياته‪ ،‬وظهرت كتابا ُته بعد الم�سيح بحوا َل ْي �ستين �سنة‪ ،‬وهناك‬ ‫الجديد وهو لم ي َر‬ ‫َ‬ ‫الكثير من الكالم حول مدى مطابقة �أفكار القدي�س بول�ص لأفكار الم�سيح وتعاليمه‪ ،‬حتى �أن‬ ‫نف�سه‪ ،‬وهذا هو ال�سبب الذي جعل �صاحب‬ ‫ن�سب �إلى بول�ص �أكثر ِمن الم�سيح ِ‬ ‫الم�سيحية اليوم ُت َ‬ ‫الم�سيح في المرتبة الثالثة‪،‬‬ ‫كتاب "ال�شخ�صيات الأكث َر ت�أثي ًرا في التاريخ" �إلى و�ضع ال�سيد‬ ‫َ‬ ‫�سيدنا‬ ‫َ‬ ‫و�سيدنا محمدً ا في المرتبة الأولى على الرغم من �أن �أَتباع الم�سيح �أكثر عددًا من �أَتباع ِ‬ ‫‪69‬‬


‫محمد لأنه ب َّين �أن ر�سول الإ�سالم كان هو المحرك للإ�سالم في حين �أن بول�ص هو المحرك‬ ‫الأ�سا�سي للم�سيحية فهو الذي �أوجد عقائدها وكتبها وبينها‪.‬‬ ‫مغزى الفكرة �أن مدة ال�ستين �سنة الفا�صلة بين الم�سيح وبول�ص كانت �سب ًبا كاف ًيا لن�ستفهم عن‬ ‫مدى ف ْهم القدي�س بول�ص لأفكار الم�سيح‪،‬فكيف بمدى فهْمِ نا لأفكار الأقوام الذين عا�شوا قبلنا‬ ‫ب�آالف ال�سنين‪ ،‬وهذا المعنى َذ َكره � ً‬ ‫أي�ضا ريت�شارد داوكنز في الف�صل الثالث من كتابه‪ ،‬حيث‬ ‫تكلم عن ُط ُرق كتابة العهد الجديد َومن َكتَبه وهل كان متحيزًا �أم ال‪َ ،‬ومن َن َ�سخه وكيف عرف‬ ‫عن المو�ضوع الذي َكتَبه وغيرها من الأ�سئلة التي يهدف منها �إلى الت�شكيك في المعلومات‬ ‫ال��واردة فيه‪ ،‬و�إنْ كان الأم��ر كذلك فمِ ن حقنا �أن ن�شكك في المعلومات ال��واردة في الأل��واح‬ ‫القديمة و�أن نطرح نف�س الأ�سئلة‪.‬‬ ‫ومما يثير اال�ستغراب �أن داوكنز في هذا الف�صل ال�صفحة ‪ 37‬وهو يتكلم عن تعددية الآلهة وهل‬ ‫�أ�سماء الآلهة القديمة للح�ضارات المختلفة هي �أ�سما ُء لنف�س الإله مثال "فينو�س" هو ا�سم �آخر‬ ‫لـ "�أفروديت"�أم �إل ٌه مختلف؟يقول (ولكن َمن الذي يهتم بهذا؟ الحياة �أق�صر ِمن �أن ننفقها‬ ‫لمعرفة ال َفرق بين �أبناء الخيال ه�ؤالء) وهذا كال ٌم �صحيح فالحياة ق�صيرة ولكن بما �أنه لي�س‬ ‫وقت لتبحث وتعرف فلي�س ِمن حقك �أن تحكم في هذا المو�ضوع‪،‬ولي�س ِمن حقك �أن تحدد‬ ‫لديك ٌ‬ ‫�أن التعدد هو الأ�صل ولي�س التوحيد‪ ،‬لن ُق ْل بب�ساط ٍة ال نعرف‪ ،‬فهذا هو الأ�سلوب العلمي ولي�س‬ ‫كتاب يتكلم عن الآلهة‪.‬‬ ‫الهروب لنقول َمن يهتم‪ ،‬و�أنت م�ؤ ِّلف ٍ‬ ‫� ً‬ ‫نوع من الآلهة‪ ،‬ولكن ي�أتي ليقول في‬ ‫أي�ضا يذكر في ال�صفحة ‪� 38‬أنه يهاجم كل الآلهة‪� ،‬أي ٍ‬ ‫ال�صفحة ‪" 40‬مالم �أحدد نوع الدين ف�إن الدين الم�سيحي هو المق�صود‪ ،‬لي�س ل�شيء �إال كونه‬ ‫‪70‬‬


‫م�ألو ًفا لدي �أكثر من غيره"‪ .‬وهذا الكالم م�شكلة لأنه يحاول �أن يطبق ف ْه َمه للم�سيحية على‬ ‫كافة الأديان‪ ،‬والأكثر من ذلك �أنه يبرر بذلك بقوله في نف�س ال�صفحة"الفروق ال تهم بقدر‬ ‫الت�شابهات بين الديانات الثالثة" ويقول في مكان �آخر "�إن الأديان الثالثة يمكن اعتبارها دي ًنا‬ ‫الرجل في كتابه وال نعرف َمن‬ ‫واحدً ا‪ .‬وهكذا نجد �أنف�سنا �أمام فر�ضيات �ضخمة يفر�ضها هذا ُ‬ ‫قال له �إنها �صحيحة‪ ،‬و الم�ألوف لديه دينٌ واحد فقط من الأديان وهو الم�سيحية؟‬ ‫ِومن المغا َلطات التي يحملها الكتاب هو اعتبار الديانات التوحيدية متمثلة بالديانات الإبراهيمية‬ ‫فقط بالرغم من �أنه قال في مكان �سابق �إنه حتى الهندو�سية يمكن اعتبارها ديانة توحيدية‪،‬‬ ‫دين اعتنقه الإن�سان المفكر‬ ‫وهذا الخط�أ �شائع في الحقيقة‪ ،‬التوحي ُد في نظر الم�ؤمنين هو �أول ٍ‬ ‫خ�صو�صا �أنه‬ ‫وهو دين �آدم‪ ،‬وبالتالي ال يمكن �أن نقول �إن الأديان التوحيدية �أ�صلها �إبراهيمي‬ ‫ً‬ ‫إبراهيم مت�ساويان علم ًيا من حيث �أنه ال توجد �أدلة مادية على‬ ‫من ناحية منطقية ف�إن �آدم و�‬ ‫َ‬ ‫وجودهما و�سنتكلم عن ذلك الح ًقا‪ .‬بالتالي ت�أكيد داوكنز على ن�سبة الأديان التوحيدية �إلى‬ ‫�إبراهيم هد ُفه اعتبار �أن الدين التوحيدي قد ظهر الح ًقا على يد �إبراهيم و�أن تعدد الآلهة هو‬ ‫الأ�صل‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫تناق�ض مع تعريفه للخالق‬ ‫في هذا الف�صل يقترح داوكنز �أن وجود اهلل هو نظرية علمية‪ ،‬وهذا‬ ‫نف�سه باعتباره قو ًة ما ورائية وال ِعلم ال يمكن �أن يتعامل مع الأمور الماورائية كما هو‬ ‫الذي �ألزم به َ‬ ‫معروف‪ ،‬ونجد في هذا الف�صل جدول الحتمالية وجود خالق من عدمه مكو ًنا من �سبع درجات‪،‬‬ ‫المفاجئ في الأمر �أنه ي�صنف‬ ‫تماما‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫تماما والدرجة ال�سابعة "ملحد ً‬ ‫الدرجة الأولى "م�ؤمن ً‬ ‫�شخ�ص ي�ؤ ِّلف‬ ‫نف�سه �ضمن المرتبة ال�ساد�سة والتي تعني �أن هناك احتما ًال �ضعي ًفا لوجود خالق!!‬ ‫ٌ‬ ‫‪71‬‬


‫احتمال �ضعيف �أكبر من ال�صفر‬ ‫"وهم الإله" ِومن َثم يقول لنا �إنه يعتقد في وجود‬ ‫كتابا عنوانه ْ‬ ‫ٍ‬ ‫في وجود خالق‪� ،‬أم ُر ذو دالل ٍة وا�ضحة �أن المو�ضوع لي�س علميا �أو لن ُق ْل لي�س من العلم اليقيني‬ ‫و�إنما من ال ِعلم الن�سبي‪ ،‬ولذا ال ي�ستطيع داوكنز �أن يجزم بعدم وجود �إله‪ ،‬وال ي�ستطيع �أن يعتبره‬ ‫فر�ضي ًة علمية يمكن �إثبات ف�ش ِلها كما ي َّدعي‪ ،‬ولو كان الأمر كذلك لكان المفرو�ض �أن ي�صنف‬ ‫نف�سه �ضمن المرتبة ال�سابعة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫�إبري ٌق ال�شاي من الأوه��ام والأمثلة الم�ضحكة التي يرددها الملحدون ويحاولون في بع�ض‬ ‫أنف�سهم كمفكرين‪ ،‬وبب�ساط ٍة ف�إن ال َمثل يقترح‬ ‫الأحيان تغيي َر الكالم مع �إبقاء المعنى ليظهروا � َ‬ ‫كوكب بعيد �أو خلفه‪ ،‬بحيث ال يمكن لتل�سكوباتنا �أن‬ ‫ج�سم مع َّي ٍن ك�إبريق �شاي يدور حول ٍ‬ ‫وجو َد ٍ‬ ‫تراه‪ ،‬بالتالي �إذا جاء �أحدهم وقال هناك �إبريق �شاي فال يمكن لأحد �أن ينفيه لأن �أدواته (‬ ‫تل�سكوباته في هذه الحالة) ال يمكن �أن ت�صل لمكان الإبريق وال يمكن لأحد �أن يثبته � ً‬ ‫أي�ضا لنف�س‬ ‫ال�سبب‪ ،‬الملحد يقول �إن حال الخالق كحال �إبريق ال�شاي ال يمكن �إثباته وال يمكن نفيه‪ ،‬هذه‬ ‫المقاربة من �أغبى المقاربات‪ ،‬فهذا ال�شخ�ص و�أمثاله ال يف ِّرقون بين الحقائق والأوهام التي‬ ‫ذكرناها في ف�صل الم�صطلحات‪ ،‬ولذا وقعوا في هذه الأمثلة الكارثية التي ُتظهِ ر مدى النظرة‬ ‫ال�سطحية التي يملكونها لمفهوم الخالق‪ ،‬وبطبيعة الحال َمن يملك مثل هذه النظرة لأهمية‬ ‫أ�س�س‬ ‫مبني على � ٍ‬ ‫الخالق ومكانته ف�إن م�صي َره الإلحاد ولكن ليكن من�ص ًفا وال يقول لنا �إن �إلحا َده ٌّ‬ ‫�صريحا ويقول هذا ف ْهمي وتلك نظرتي للخالق‪.‬‬ ‫علمية‪ ،‬و�إنما ليكن‬ ‫ً‬ ‫�إبريقُ ال�شاي ُذ ِكر في هذا الف�صل مع �أمثلة �أخرى مثل بابا نويل (�سانتا كلوز) وغيرها‪ ،‬وال‬ ‫�أعرف كيف يمكن مقارنة هذه الأمثلة ال�سطحية بالخالق و�آثارِه؟ ف�أمثلتُهم ال �أثر لها وال �سبب‬ ‫تماما‪ ،‬وقد طرحت هذا ال�س� َؤال على البروف�سور مانو �سنكهام‬ ‫�أ ّما الخالق فالمو�ضوع مختلف ً‬ ‫‪72‬‬


‫�أثناء �إلقائه محا�ضرة بعنوان كيف �أن الأدلة المنطقية تقودنا �إلى االعتقاد بعدم وجود خالق"‬ ‫في م�ؤتمر الملحدين والإن�سانين في مدينه بت�سبورغ الأمريكية عام ‪ ,2014‬حيث �ش َّب َه الإله‬ ‫قادرات على الكتابة بالالتينية في مزرعة في مكان ناءٍ ال يمكن‬ ‫بقرات‬ ‫في محا�ضرته ب�سب ِع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�أن ن�صل �إليه"نف�س المثال ولكن بكلمات مختلفة"‪ ,‬فقلتُ له لماذا �أ�ؤم��ن �أ�ص ًال بوجود هذه‬ ‫البقرات؟ وما الدليل على وجودها؟ ويمكن �أن ن�س�أل نف�س ال�س�ؤال لكافة الأمثلة الم�شابهة‪،‬‬ ‫فقال ال �سبب هناك‪ ،‬وكذا الخالق‪ ،‬فقلتُ له غير �صحيح‪� ،‬إيماني بالخالق له � ُ‬ ‫�سبب و�سبب‬ ‫ألف ٍ‬ ‫فهذا الكون والحياة وقوانين الطبيعة وغيرها الكثير من الأدلة على وجود ق َوى خارقة‪ ،‬ولكن ما‬ ‫أمر ب َّي َنه �آين�شتاين حيث‬ ‫الدليل على البقرات �أو �إبريق ال�شاي؟ فبهت بالحقيقة‪ ،‬وهذا نات ٌج عن � ٍ‬ ‫قال " َرج ُل ال ِعلم �ضعيف في الفل�سفة"‪.‬‬ ‫ِمن الإ�شكاليات التي يرددها الملحدون كثي ًرا كالببغاء هو ما َذ َكره داوكنز في ال�صفحة ‪55‬‬ ‫خالق تقع على عاتق الم� ِؤمن ولي�س‬ ‫من هذا الف�صل‪ ،‬وهي �أن م�س�ؤولية البرهان على وجود ٍ‬ ‫�شخ�ص م�سئول عن‬ ‫الملحد"‪ ،‬وفي حقيقة الحال �إن م�س�ؤولية البرهان م�س�ؤولية فردية‪ ،‬فكل‬ ‫ٍ‬ ‫جواب لهذه الم�س�ألة المهمة التي هي جز ٌء من فطرته‪ ،‬فحتى الملحد لوال فطرته‬ ‫البحث و�إيجاد ٍ‬ ‫لما بحث المو�ضوع و�أنكره‪ ،‬فال يوجد �إن�سا ٌن ال ي�س�أل نف�سه هذا ال�س�ؤال وهذه هي الفطرة‪.‬‬ ‫"وهم الإله" يهاجم الكثي َر من الظواهر االجتماعية‬ ‫وال ُبد من الت�أكيد مر ًة ثانية �أن كتاب ْ‬ ‫والثقافية‪ ،‬والكثي ُر ِمن الم�ؤمنين في ال�شرق والغرب لديهم نف�س الم�شكلة مع هذه الظواهر‬ ‫ويقفون بال�ضد منها‪ ،‬ولكن �أن يتم اتخاذ هذه الظواهر و�سيل ًة لمحاربة الأديان فهذا ما ال يق ُّره‬ ‫أ�س�س علمية‪.‬‬ ‫�شخ�ص عاق ٌل ف�ض ًال عن‬ ‫مبني على � ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�شخ�ص ي َّدعي �أن َ‬ ‫ٌ‬ ‫كالمه ٌّ‬ ‫في هذا الف�صل تك َّلم عن تجربة الدعاء و�سنتكلم عنها الح ًقا بالتف�صيل‪.‬‬ ‫‪73‬‬


‫ومن الأمور المهمة في هذا الف�صل �صفحة ‪� ،86‬أنه تكلم عن الم�ؤمنين الذين َيقبلون بنظرية‬ ‫التطور وبدل �أن يمدح تفهمهم لنظريته وموقفهم الإيجابي منها نجده يتخذ موقفا مت�شددا‬ ‫منهم ال يختلف كثي ًرا عن موقف الملحدين تجاه المعتدلين �إ�سالم ًيا‪ ،‬فمث ًال غال ًبا ما ي�ست�شهد‬ ‫َ‬ ‫الممثل الحقيقي للإ�سالم بينما بقية الم�سلمين‬ ‫الملحدون ب�أفعال القاعدة وداع�ش ويعتبرونهم‬ ‫مجرد منافقين �أو مغفلين‪ ،‬نف�س الموقف يتكرر حيث نجد داوكنز يرى �أن البابا يوحنا بول�س‬ ‫الثاني مناف ًقا نتيجة لأنه َكتَب ر�سال ًة يدعم فيها الداروينية‪ ،‬نعم اتهمه بالنفاق و�أنه ِّ‬ ‫يف�ضل عليه‬ ‫متطر ًفا �صاد ًقا‪ ،‬وهذه �إحدى المغالطات الكبرى التي تكلمنا عنها �ساب ًقا‪.‬‬ ‫ِومن حقنا الت�سا�ؤل لماذا اتهم داوكنز البابا بالنفاق لمجرد �أنه وافق على نظرية التطور �أو‬ ‫َق ِب َلها �أو �شيء من هذا القبيل؟ لماذا ُي�صر الملحدون على اعتبار الدواع�ش هُ م الم�سلمون‬ ‫الحقيقيون وغيرهم ِمن المعتدلين مجر َد مر ِّقعين �أو مغفلين �أو منافقين؟؟ال�سبب وا�ضح جدً ا‬ ‫كبير في زيادة القناعة لديهم ب�صحة موقفهم من الدين‪،‬‬ ‫وهو �أن المتطرفين ي�ساهمون ٍ‬ ‫ب�شكل ٍ‬ ‫�أ ّما المعتدلون ف�إنهم يزيدون من �شكهم و�ضياعهم الفكري لذا تراهم يف�ضلون المتطرفين‬ ‫ويعتبرونهم هُ م ال�صادقين وما دو َنهم منافقون ومر ِّقعون‪ ،‬فال�سبب نف�سي بالدرجة الأولى ولي�س‬ ‫علميا‪ ،‬بالإ�ضافة �إلى �أن داوكنز ال ينظر �إلى نظرية التطور كنظرية علمية ولكن ك�أداة لنفي‬ ‫الإيمان‪ ،‬وبالتالي ال ي�ستوعب وجود م�ؤمن يقبل بالنظرية‪ ،‬يوافق داوكنز على ما ذهب �إليه �أحد‬ ‫زمالئه عندما ب َّينَ �أن طبيعية الخالف الحقيقة هي لي�ست بين التطوريين والخلوقيين و�إنما‬ ‫غيبي وال ِعلم عقالني‬ ‫هي حرب ِ‬ ‫الح ْظ تعبير حرب‪ -‬بين العقالنية والغيب َّية باعتبار �أن الدين ّ‬‫كما ي ّدعي‪.‬‬ ‫ِوم��ن الجميل �أن يعترف داوكنز في هذا الف�صل ب��أن الخلوقيين �أمثاله (متفقين معه) ال‬ ‫‪74‬‬


‫معين للأ�سف‬ ‫يعترفون بمبد�أ االخت�صا�صات غير المتداخلة‪ ،‬وهذا التطابق الفكري في‬ ‫مو�ضوع ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ال يعترف به الملحدون العرب عندما تبين لهم �أن موقفهم من الدين هو كموقف الدواع�ش‬ ‫والقاعدة والتكفيريين نتيجة لتطابق المودة الذي تكلمنا عنه في المغالطات‪.‬‬

‫الفصل الثالث – الدليل على وجود الخالق‬ ‫َيعر�ض داوكنز في هذا الف�صل َ‬ ‫خالق منها الأدلة الفل�سفية‪� ،‬أو الأدلة‬ ‫بع�ض الأدلة على وجود ٍ‬ ‫دليل‬ ‫العرفانية المتمثل ًة في الأح�لام �أو التجارب ال�شخ�صية‪ ،‬والبد من التنويه �إلى �أن �أي ٍ‬ ‫عرفاني ال ي�صح �أن يعت َبر دلي ًال على وجود الخالق لأنه �إنْ َ�ص َّح فهو دلي ٌل فردي �شخ�صي ال قيمة‬ ‫حقيقة له بين النا�س وال يمكن اعتباره حجة عليهم‪ ،‬وهذا ما غفل عنه ريت�شارد داوكنز فال‬ ‫يمكنه �أن يعر�ض �أدلة الكتب المقد�سة وهو ال ي�ؤمن بوجود خالق فاالعتقاد بالخالق ي�أتي �أو ًال‬ ‫ومن َث َّم يتم البحث في الكتب المقد�سة لتبيان منطقيتها ومنطقية الأدلة التي ت�سوقها‪ ،‬الكتب‬ ‫أوامره ونواهيه‪ ،‬الإيمان بالخالق هو‬ ‫المقد�سة غال ًبا ما يكون بها‬ ‫ٍ‬ ‫معلومات عن �صفات الخالق و� ِ‬ ‫عقيم ال �أول له وال �آخر‬ ‫والر�سل‪ ،‬و�إغفال هذه النقطة يدخلنا في ٍ‬ ‫�أول المراحل قبل الكتب ُ‬ ‫نقا�ش ٍ‬ ‫�شخ�ص بالخالق لأن فال ًنا ِمن النا�س‬ ‫وهو لي�س دلي ًال على وجود خالق من الأ�صل فكيف ي�ؤمن‬ ‫ٌ‬ ‫ي�ؤمن به؟‬ ‫توضيح آخر لنفس النقطة‪:‬‬ ‫ر�سول الإ�سالم عندما بد�أ دعوته لم ي�أمر النا�س بال�صالة والزكاة في �أول الأمر لأن هذه الأمور‬ ‫ت�أتي بعد الإيمان‪ ،‬فكان العمل الأول له في مكة هو دعوة النا�س �إلى الإ�سالم وتبيان الأ�سباب‬ ‫المنطقية لدعوته‪ ،‬ولذا بعد �أن ق ِبل النا�س بالدعوة و�آمنوا بوجود خالق انتقل الأمر �إلى تبيان‬ ‫‪75‬‬


‫عبادتهم ومعامالتهم‪،‬والأدلة التي ق َّدمها الر�سول على وجود خالق �أدلة فهمها النا�س ولم تكن‬ ‫بال�ضرورة من القر�آن الكريم‪ ،‬تمام كما روي عن �سبب �إ�سالم �سيدنا الحمزة وقوله �أن ي�سير‬ ‫في الليل وينظر ويعتقد بوجود خالق‪ ،‬حيث لم ي�أتي �إلى الر�سول وقال له �أعطني �أدلة على وجود‬ ‫خالق‪ ،‬و�إنما هو تو�صل لوجود الخالق بم�شاهدته ومالحظته وكان الر�سول م�صدر اطمئنان‬ ‫لهم‪ ،‬ونف�س الحال مع �سيدنا �إبراهيم الذي بحث و�أيقن بوجود الخالق حتى قبل �أن ي�صبح نبيا‬ ‫مر�سال‪.‬‬

‫الفصل الرابع – لماذا االحتمال األكبر هو عدم وجود خالق؟‬ ‫كالم فل�سفي �أ�شب َه ما يكون‬ ‫في هذا الف�صل لم يقدِّ م ريت�شارد داوكنز �شي ًئا جديدً ا �أكثر من ٍ‬ ‫االنتخاب الطبيعي لي�س �صدفة‪ ،‬على اعتبار �أن احتمالية �أن الكون ن�ش�أ من‬ ‫بالنحيب حول �أن‬ ‫َ‬ ‫ال�صدفة هو احتمال �ضئيل ال يمكن �أن ي�ضعه الإن�سان العاقل �ض ْمنَ اعتبارا ِته‪ ،‬وبالتالي هو‬ ‫ب�شكل عجيب بين الكون‬ ‫يريد �أن يبعد �صف َة ال�صدف ِة عن االنتخاب الطبيعي‪ ،‬ولكنه خ َل َط ٍ‬ ‫والتطور‪،‬فنظرية التطور نظرية بيولوجية لدينا م�شاهدات ح�سية عليها بينما الكون �أمر �آخر‪،‬‬ ‫�سند علمي‬ ‫هذا �إذا كنا نريد �أن نتكلم ب�شكل علمي ولي�س ب�شكل فل�سفي‪ ،‬ولكنه حاول وبدون �أي ٍ‬ ‫�أن يطبق مفهوم االنتخاب الطبيعي على الكون كله‪.‬‬ ‫الأدلة التي قدمها داوكنز ليثبت �أن االنتخاب الطبيعي لي�س �صدف ًة هو نقله لكالم روائي ا�سمه‬ ‫"دوغال�س �آدم"– الحظ روائي ولي�س عالم –حيث قر�أ هذا الروائي كتا َب ْي ريت�شارد داوكنز‬ ‫"الجين الأناني" و"�صانع ال�ساعات الأعمى" واقتنعـ حيث �إن اقتناع الروائي هو الدليل الذي‬ ‫‪76‬‬


‫يقدمه داوكنز لمقلديه ومرديه على �صحة ادعائه‪،‬وال �أعرف ما المطلوب من القارئ الحر‬ ‫�أن يفعل؟ هل عليه �أن يقتنع بكالم �آدم دوغال�س بدون �أن َّ‬ ‫يط ِلع على الأدلة؟ و�إذا كان الأمر‬ ‫كذلك ف�أنا � ِّ‬ ‫أف�ضل �أن �أتبع الأربعمائة دكتور الذين لم يق ِنعهم االنتخاب الطبيعي على �أن �أتبع‬ ‫ر�أي الروائي �آدم دوغال�س‪� .‬آدم دوغال�س تو ِّفي عام ‪ 2001‬وكتاب ريت�شارد داوكنز �صدر عام‬ ‫‪2006‬وبالبرغم من �أن داوكنز يعتقد ب�أن الموت هو النهاية‪ ،‬يقول عن �آدم دوغال�س في الف�صل‬ ‫�سي�ضح ُكه!! كيف ي�ضحكه و�أين‪ ,‬هذه ال يعرفها �إال الرا�سخون‬ ‫"وهم الإله"‬ ‫�إنه يتمنى �أن كتاب ْ‬ ‫ِ‬ ‫في الإلحاد‪.‬‬ ‫كذلك وليثبت �أن االنتخاب الطبيعي لي�س �صدفة �أتى بمقول ٍة للفيل�سوف دانيال دانيت يقول فيها‬ ‫"فكرة الحاجة لأ�شيا َء معقد ٍة ذكية لعمل �أ�شيا َء �أقل تعقيدً ا‪ ،‬نظرية الخلق المنزّل‪،‬حيث لم ن َر‬ ‫محا ي�صنع �صانع رماح"ما يريد �أن يقوله دانيت �أنه من ال�صعوبة �أن نقتنع ب�أن الت�صميم‬ ‫�أبد�أ ُر ً‬ ‫الذي نراه في الأ�شياء جاء من ال �شيء(انتخاب طبيعي)‪ ،‬لأننا تعودنا �أن الت�صميم غال ًبا ما‬ ‫ينتج عن م�صمم �أكثر تعقيدً ا‪.‬‬ ‫وبالتالي وح�سب الفيل�سوف دانيت ف�إن الم�شكلة ال ‪ 400‬دكتور الذين لم تقنعهم فر�ضية االنتخاب‬ ‫الطبيعي لي�ست في قلة الأدلة واالحتمالية ال�ضعيفة وتعار�ض المو�ضوع مع المنطق و�إنما لأنها‬ ‫نعتده‪ .‬هذا التب�سيط لأمر معقد يراد منا قبوله بال �أدلة �أمر غير مقبول والأدهى �أن‬ ‫فقط �أمر لم ْ‬ ‫ي�ستعين عالم مثل داوكنز مخت�ص في االنتخاب الطبيعي بفيل�سوف ليثبت �أن االنتخاب الطبيعي‬ ‫حقيقة‪.‬ويعلق داوكنز على هذه المقولة بقوله "�إن اكت�شاف داروين لعملية فعالة تناق�ض الحد�س‬ ‫ب�شكل كامل يجعل م�ساهمتَه في الأفكار الإن�سانية ثوري ًة ب�شكل كبير وم�شحون ًة بطاقة هائلة لرفع‬ ‫‪77‬‬


‫م�ستوى الوعي " وال �أدري هل نحن ب�صدد مناق�شة �إ�سهامات داروين في هذا الف�صل �أم ب�صدد‬ ‫�إثبات فعالية الت�صميم الذكي و تبيان �أن الكون ال يحتاج �إلى خالق؟‬ ‫يعلم َّ‬ ‫المط ِلعون �أن ِمن الأفكار التي ت�ستخدم للكالم عن احتمالية �أن الكون �أتى من ال�صدفة‬ ‫فكرة القرد الالمتناهية‪ ،‬والتي تقول لو �أن قردًا يطبع على �آله كاتبة ب�شكل ع�شوائي ولمدة غير‬ ‫ن�صا مع ّي ًنا مثل �أعمال �شك�سبير‪،‬وهذا بالفعل ما حدث‪،‬‬ ‫محدودة �سينتج وب�شكل ِ�شبه م�ؤكد ً‬ ‫حيث �إن الكون الوا�سع احتوى على محاوالت عدة ال نهاية لها وكلها ع�شوائية بال غاية‪ ،‬و�أحد‬ ‫ألت � َّأي عا ِلم ريا�ضيات لقال �إن هناك احتمالي ًة لحدوث‬ ‫هذه المحاوالت �أنتجت الأر�ض‪،‬لو �س� َ‬ ‫ذلك �أكبر من ال�صفر‪ ،‬ال�شخ�ص غير العلمي وغير َّ‬ ‫المط ِلع قد يقتنع بهذا الهراء ويقول بما �أن‬ ‫هناك عددًا كبي ًرا جدً ا من الكواكب فاحتمال ن�شوء الحياة وتطور الإن�سان والأجواء المثالية‬ ‫في الأر�ض بال�صدفة بدون وجود خالق �أم ٌر محت َمل‪ ،‬لتو�ضيح الفكرة ب�شكل �أف�ضل نذكرها على‬ ‫�شكل خطوات كالآتي‪:‬‬

‫أوال‪ :‬تقترح الفكرة زم ًنا ال محدودًا (ال ُم َت َنا ٍه)‪ ،‬وهذا �أمر غير موجود على �أر�ض الواقع و�إنما‬ ‫م�صطلح ريا�ضي‪�.‬إذن هي فكرة غير قابله للتطبيق من الأ�صل‪ ،‬وبالتالي هي مجرد كالم‬ ‫مجرد‬ ‫ٍ‬ ‫فل�سفي غير علمي‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬الفكرة احتمال ًيا ممكنة ولكن واقع ًيا م�ستحيلة‪ ،‬وهنا يكمن الف ْر ُق بين المخت�ص في‬ ‫وال�شخ�ص الذي يتعامل مع العلوم التطبيقية با�ستخدام الريا�ضيات‪.‬‬ ‫الريا�ضيات البحتة‬ ‫ِ‬ ‫الحدث على عدد مرات المحاولة‪ ،‬فمث ًال �إذا كان‬ ‫حدوث‬ ‫ثالثا‪ :‬االحتمالي ُة ت�ساوي �إمكانية‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫‪78‬‬


‫أ�سحب الكر َة‬ ‫كي�س يحتوي على ُك َرت ْي ِن �إحداهما بي�ضاء والأخرى �سوداء ف�إن احتمالية �أن � َ‬ ‫هناك ٌ‬ ‫أ�سحب الكر َة‬ ‫البي�ضاء �أو ًال ت�ساوي ½ �أي ‪ ،%50‬ولكن �إذا كان لدينا كي�سان ف�إن احتمالية �أن � َ‬ ‫أ�سحب الكر َة‬ ‫البي�ضاء من كال الكي�س ْين �أوال �ستكون م�ساوي ًة �إلى حا�صل �ضرب احتمالية �أن � َ‬ ‫البي�ضاء �أو ًال من الكي�س الأول م�ضروبة في احتمالية �أن �أ�سحب الكر َة البي�ضا َء �أو ًال من الكي�س‬ ‫الثاني‪ ،‬وبالتالي االحتمالية �ستكون‬ ‫‪4/1= 2/2X1/1‬‬ ‫�أي �ستكون خم�سة وع�شرين بالمائة‪ ،‬هذا �إذا كان االحتماالن ال يعتمد �أحدهما على الآخر‪� ،‬أي‬ ‫�أنهما م�ستقالن‪� ،‬أ ّما �إذا كانا غي َر م�ستقل ْين فالمو�ضوع مختلف‪ ،‬الآن ل َن ُعد ونح�سب احتمالية‬ ‫وح ّبا في ريت�شارد‬ ‫�أن يقوم القرد بطباعة كلمة واحدة فقط ولي�س �أعمال �شك�سبير ‪-‬تنا ُزال ِم ّنا ُ‬ ‫داوكنز‪ -‬ولتكن الكلمة هي "�شك�سبير" ونعطي للقرد لوح َة مفاتيح فيها �سبع ٌة وع�شرون حر ًفا‪،‬‬ ‫بالتالي �ستكون احتمالية كل حرف من الحروف ال�ستة هي‬ ‫‪27/1‬‬ ‫وبالتالي ف�إن االحتمالية �ست�ساوي‪:‬‬

‫‪27/1×27/1×27/1×27/1×27/1×27/1 =0.00000003=000 ،000 ،1000/3‬‬ ‫بمعنى�آخ َر �إن �إمكانية حدوث الأمر هو ‪ 3‬من �أ�صل مليار محاولة‪ ،‬وهذه الن�سبة قليلة بالرغم‬ ‫ً‬ ‫ألت عا ِل َم الريا�ضيات حول �إمكانية تحقق هذه االحتمالية‬ ‫من التنازل الذي ق َّدمناه‪ ،‬ولكن لو �س� َ‬ ‫ألت � َّأي عا ِلم في الهند�سة �أو في‬ ‫لأجاب ب�إمكاني ِتها لأنه يتكلم بالأرقام ال بالواقع‪ ،‬ولكن لو �س� َ‬ ‫العلوم التطبيقية لقال �إن مثل هذه الن�سبة م�ستحيل ُة الح�صول وته َمل‪ ،‬و ِن َ�سب �أكبر منها بكثير‬ ‫‪79‬‬


‫ته َمل وال نعيرها � َّأي اهتمام‪ ،‬كما ال ُبد من مالحظة �أن هذه التجرب َة ب�سيط ٌة وذاتُ اتجا ٍه واحد‬ ‫وال يمكن مقارنتُها بتعقيد الكون والحياة والتطور وغيرها من الأمور التي ُيراد �أن ن�صدق �أنها‬ ‫مح�ض �صدف ٍة �أو ق َوىً عمياء‪.‬‬ ‫وفي محاولة لزيادة هذه االحتمالي َة قام داوكنز بافترا�ض �أنه عند حدوث طفرة مالئمة ف�إنه‬ ‫ب�شكل تراكمي كما بي َّنا �ساب ًقا عند الكالم عن نظرية التطور‪ ،‬وهكذا ولكن‬ ‫يتم البنا ُء عليها ٍ‬ ‫تبقى االحتمالي ُة قليل ًة وقليلة جدً ا‪ ،‬وقد َق ِب َل داوكنز هذه االحتمالية ال�ضئيل َة وقال عنها �إنها‬ ‫تحطم اقتراح نظرية الت�صميم لملء الفراغات! وهذا كالم عجيب وك�أن الق�ضي َة مجرد معاند ٍة‬ ‫و�صراع ِد َيكة ‪ُ � ..‬‬ ‫أقبل بالن�سبة ال�ضئيلة لأنني ال �أحب فكرة الخالق‪ ،‬وهذه الن�سبة ال�ضئيلة تحطم‬ ‫منهجا علم ًيا فمِ ن حق الم�ؤمن �أن يقول‬ ‫نظرية الت�صميم‪ ،‬و�إذا كان الأمر كذلك والق�ضية لي�ست ً‬ ‫�إن الت�صميم و�إنْ كانت ن�سبتُه قليل ًة ف�إنه يحطم فر�ضية االنتخاب الطبيعي!‬ ‫بعيدً ا عن االحتماالت فقد تم �إجراء تجربه القرد ب�شكل عملي من ِق َبل طالب جامعة بليماوث‬ ‫خم�س �صفحات‬ ‫الأمريكية با�ستخدام قردة حقيقية‪ ،‬والنتائج كانت كارثي ًة حيث لم تن ِتج �سوى ِ‬ ‫حرف واحد فقط‪.‬‬ ‫مكونة من ٍ‬ ‫التعقيد غير القابل‬ ‫"وهم الإله" وال��ذي يحاول انتقا َد‬ ‫ِ‬ ‫نرجع �إل��ى الف�صل الرابع من كتاب ْ‬ ‫بكالم �إن�شائي‪ ،‬حيث �أجاب بجواب جدلي ال علمي عن ت�سا�ؤل كيف تطورت العين‬ ‫لالختزال ٍ‬ ‫و�أجزائها تعمل ب�شكل متكامل بحيث لو انتفى �أي جزء لما عملت العين‪ ،‬حيث قال"مري�ضة ماء‬ ‫العين المع ِتم التي رفعت عد�سة عينها جراحيا ال ت�ستطيع ر�ؤية �صورة وا�ضحة بدون نظارات‬ ‫ولكنها ترى ما يكفي لتفادي اال�صطدام ب�شجرة �أو الوقوع من حافة جبل‪،‬وكما هو وا�ضح فالرد‬ ‫ال ي�شرح لنا كيف تطورت �أجزاء العين الواحدة تلو الأخرى �أو ب�شكل متوازٍ �أو ب�أي �شكل �آخر مع‬ ‫‪80‬‬


‫الأدلة المنطقية العلمية ليقنع به �صاحب الت�سا�ؤل بطريقة علمية و�إنما كان الجواب جدل ًيا ال‬ ‫رائحة للعلم فيه وهذا الجواب للأ�سف �صادر من �شخ�ص �أف َنى حياتَه في الكالم عن التطور‬ ‫و�آلياته كما يدعي‪ ،‬ولكن الوا�ضح �أنه �أفنى حياته في الجدال حول الخالق حتى �أ�صبحت �أجوبته‬ ‫جدالية �أكثر منها علمية‪.‬‬

‫الفصل الخامس – جذور الدين‬ ‫اليمين وذات‬ ‫في هذا الف�صل يحاول داوكنز التعرف على �أ�سباب وجود الدين‪،‬حيث تخبط ذاتَ‬ ‫ِ‬ ‫مجال خارج اخت�صا�صه الأكاديمي‪،‬اعترف عن عجز ال ِعلم‬ ‫ال�شمال وخ�صو�صا �أنه يتكلم في ٍ‬ ‫في معرفة �أ�سباب �أمور �سطحية مثل ظاهرة"التنميل" حيث تقوم بع�ض �أنواع الطيور ب�إدخال‬ ‫النمل في ري�شها ويقول ال �أحد يعرف بال�ضبط الغاي َة من التنميل‪،‬على الرغم من وجود ع�شرات‬ ‫النظريات والمفرو�ض �أنه ي�ستخدم نف�س المنطق عند الإ�شارة �إلى بدء الحياة وغيرها من‬ ‫الأمور بدل �أن يعد مريديه بنظرية "كل �شيءٍ " كما �أو�ضحنا �ساب ًقا‪.‬‬ ‫على العموم يمكن اخت�صار الف�صل ب�أنه محاولة لإثبات �أن للدين �أ�سبا ًبا عديدة منها �أ�سباب‬ ‫نف�سية‪ ،‬و�أ�سباب �سيا�سية‪ ،‬و�أ�سباب اجتماعية‪ ،‬و�أ�سباب ثقافية‪ ،‬و�أ�سباب ع�سكرية‪ ،‬وحتى �أ�سباب‬ ‫غريزية‪،‬حيث نقل عن عا ِل ٍم ا�س ُمه "بلوم" في ال�صفحة ‪� 182‬أن الب�شر لديهم �صف ٌة طبيعية من‬ ‫�صلب الدماغ ت� ِّؤمن ت�أهي ًال طبيع ًيا لتق ُّبل الأفكار الدينية –وهذه هي الفطرة‪-‬وبالتالي ف�إنه‬ ‫يعتقد ب�أن الدين نات ٌج َع َر�ضي لهذه الأ�سباب‪ ،‬لكن هنا ممكن ل�شخ�ص �أن يختلف معه ويقول ال‬ ‫يمكن علميا تحديد َمن ناتج َمن‪ ،‬هل الدين نات ٌج عن هذه الأ�سباب؟�أم هذه الأ�سباب هي ظواه ُر‬ ‫وعوار�ض ومتطلباتٌ للدين؟ فمثال القر�آن احتوى على �شرائ َع مجتمعي ٍة وو�صايا �أخالقي ٍة وقتالية‬ ‫وغيرها‪ ،‬والنتيجة �أن هذه الظواهر �أو المتطلبات‬ ‫و�أوام َر مالي ٍة وقوانين للتوريث و�أمو ٍر نف�سية ِ‬ ‫‪81‬‬


‫إ�سالم و�إنما الإ�سالم �أنت ََجها �أو و�ضعها �ضمن اعتباراته‪.‬‬ ‫تنتج ال َ‬ ‫لم ِ‬ ‫�أما �إذا فر�ضنا �أنه يتكلم عن بدايات الأديان ف�إنه � ً‬ ‫أي�ضا ال ي�ستطيع الجزم �إال �إذا كان لديه‬ ‫ٌ‬ ‫وه ًما ف�ستكون وجهة نظره �أن الدين نات ٌج ع َر�ضي‬ ‫موقف م�س َّبق من الدين ويعتبره �أفيو ًنا �أو ْ‬ ‫ِل َما �سبق‪،‬بالنتيجة ادعاءه �أن الدين ناتج عر�ضي للأ�سباب المذكورة �ساب ًقا �أي �أن الدين �أمر‬ ‫اخترعه الإن�سان �أمر ال يمكن �إثباته؛ لأنه بب�ساطة الأمر كلم ٍة مقا ِب َل كلمة‪ ،‬فهذا يقول �إن الدين‬ ‫َنزَ ل مع الإن�سان بظواهره ومتطلباته التي تتال َءم مع احتياجات الإن�سان وفطرته‪ ،‬وهذا يقول �إن‬ ‫الدين كان مرحلة مت�أخرة عن مرحلة ظهور الإن�سان ب�شكله الحالي‪ ،‬وبالتالي من باب الإن�صاف‬ ‫نقول �إن الق�ضي َة متعادل ٌة والدين له ت�أثيراتٌ وفوائ ُد كبيرة �ضمن كافة المجاالت ال يمكن �إنكارها‬ ‫لكل من�صف فهو كان العونَ وال َ‬ ‫أمل للإن�سان عبر التاريخ‪.‬‬ ‫يحاول داوكنز وكما م َّه َد في المقدمة �أن ي�أتي بمفهوم االنتخاب الطبيعي الذي اعتر�ض عليه‬ ‫وعلى قدراته الـ ‪ 400‬عا ِلم‪ ،‬ويجعله منظوم ًة �ضخمة تخطط للم�ستقبل وتملك �إ�ستراتيجية‬ ‫ن�صه "�إن االنتخاب‬ ‫وا�ضحة ولي�س منظوم ًة ع�شوائية تَراكمية‪ ،‬فمث ًال يقول في ال�صفحة ‪ 183‬ما ُّ‬ ‫الطبيعي قد �ش َّكل عقو َلنا لفعل ذلك ‪-‬القدرة على البقاء‪ -‬ب�شكل فعال و�سريع‪ ،‬فهل يمكن �أن‬ ‫تخدمنا مثنويتنا وغائيتنا لهذا الهدف؟"‪ .‬بعبارة �أخرى يحاول �أن يقول �إن رغبتنا في وجود‬ ‫غاية للكون وفرقٍ بين الروح والمادة (المثنوية) هي �أمر �أوجده االنتخاب الطبيعي في الإن�سان‬ ‫لأنه �أم ٌر ي�ساعده على البقاء واال�ستمرار!‬ ‫"وهم الإله" نف�سه في بع�ض الأحيان قارئا لرواية خيال علمي‬ ‫وب�صراحة قد يجد قارئ كتاب ْ‬ ‫مبنية على �أوه��ا ٌم وفر�ضيات ال �سبيل �إلى �إثباتها على �أر���ض الواقع فمن ذا الذي ي�ستطيع‬ ‫‪82‬‬


‫�أن يثبت �أن االنتخاب الطبيعي �شكل عقولنا لفعل ذلك واالعتقاد به‪،‬وكذلك يقول في نف�س‬ ‫�صفات‬ ‫ال�صفحة‪" :‬الأ�شياء الحية لي�ست م�صمم ًة ولكن االنتخاب الطبيعي الدارويني �أعطاها‬ ‫ِ‬ ‫المبد�أ الت�صميمي"! كنتيجة لكالمه ن�ستنتج �أن االنتخاب الطبيعي الع�شوائي التراكمي يعطي‬ ‫�صفات ت�صميمية‬ ‫وي�شكل وله غاية وهدف! اال�ستنتاج من هذا الكالم �أن داوكنز يعترف بوجود‬ ‫ٍ‬ ‫للأ�شياء الحية وهذا �أمر ينكره الكثير من الملحدين‪.‬‬ ‫الأكث ُر ِمن هذا �أنه يقول في ال�صفحة رقم ‪" 185‬بالنتيجة ف�إن االنتخاب الطبيعي �شكل َ‬ ‫العقل‬ ‫ليمكنه من ا�ستعمال المبد�أ الغائي كطريق مخت�صر‪ ،‬نحن مبرمجون تركيب ًيا لن�سب الغايات‬ ‫للكائنات التي يهمنا ت�صرف ًها‪ .‬يعني �إ�ضافة ميزة �أخ��رى لالنتخاب الطبيعي وهي برمجة‬ ‫الإن�سان‪ ،‬الم�شكلة في هذا الكالم �أن االنتخاب الطبيعي ِمن الممكن �أن يعمل على تطوير ع� ٍضو‬ ‫َ‬ ‫الظروف المحيطة بالكائن‪،‬‬ ‫من �أع�ضاء الج�سم على الم�ستوى البعيد بحيث يتبنى هذا الع� ُضو‬ ‫َ‬ ‫العقول ليعطيها قدر ًة‬ ‫فالتطور ما هو �إال عملي ُة َت َبنٍّ للظروف‪ ،‬ولكن �أن يبرمج الأفكار وي�شكل‬ ‫م�صم ٌم وال يمكن‬ ‫على ف ْه ِم الظواهر بطريقة غائية مما ي�ساهم في بقائها فهذا �أم ٌر ال يفعله �إال ِّ‬ ‫غير مدرك ٍة ولو َح َر�ص داوكنز على ذلك من خالل كتا ِبه "الجين الأناني"‪.‬‬ ‫ِن�سبتُه لق َوىً عميا َء ِ‬

‫الفصل السادس – منشأ األخالق‬ ‫يتكلم في هذا الف�صل عن َمن�ش�أ الأخالق وهل من�ش�أها الأديان؟جاء هذا الف�صل ك�أغلب ف�صول‬ ‫الكتاب ال عالقة له بوجود الخالق من عدمه‪،‬حيث يبد�أ الم�ؤ ِّل ُف ب�سرد مجموعة من الر�سائل‬ ‫ذات الن َف�س التهجمي والكلمات البذيئة التي و�صلته محاوال الإيحاء �أن الم�ؤمنين لي�سوا ذوي‬ ‫‪83‬‬


‫ذات الن َف�س‬ ‫�أخالق‪ ،‬و�أن الدين لي�س هو من�ش�أ الأخالق‪ ،‬طب ًعا لم يذكر لنا داوكنز عد َد الر�سائل ِ‬ ‫الطيب والأخالق العالية التي و�صلته من الم�ؤمنين ولم يخبرنا بن�سبة هذا وذاك‪ ،‬لأن الهدف‬ ‫لي�س المو�ضوعي َة والإن�صاف و�إنما التركيز على ما يدعم وجهة نظره‪.‬‬ ‫بب�ساط ٍة يمكن �أن نقول �إن الأخالق �أم ٌر يعود �إلى الإن�سان وتربيته وثقافته‪ ،‬وهو �أمر ي�ست�شعر‬ ‫الإن�سان جماله بغ�ض النظر عن دي ِنه فهو �أم ٌر فطري وبديهي‪ ،‬والأديان تتالءم وتن�سجم مع‬ ‫أمران مترابطان هذا من ناحية‪ِ ،‬ومن ناحية �أخرى لي�س‬ ‫فطرة الإن�سان وبديهيات الكون ف ُه َما � ِ‬ ‫ؤمن بال�ضرورة خلو ًقا‪ ،‬فالإيمان �شيء والأخالق �شيء �آخر‪ ،‬وفي نف�س الوقت ال يمكن �إنكار‬ ‫كل م� ٍ‬ ‫�إ�سهامات الأديان في تقويم التوجه الأخالقي للإن�سان عبر التاريخ وبخالفه لما كان هناك‬ ‫حدود لأفعال الإن�سان وت�صرفاته‪ ،‬اليوم ال��دول المتقدمة لديها قوانين �صارمة للمجرمين‬ ‫وال َقتَلة والم�شتغلين بالدعارة والمتاجرين بالمخدرات‪ ،‬وهذا �أمر اتفقت ودعت �إليه الأديان من‬ ‫واحد من الثقافة والأخالق وحتى‬ ‫زمن بعيد ‪ ...‬ومحاولة اعتبار جميع الم�ؤمنين على م�ست َوىً ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الإيمان كال ٌم ال قيمة علمية له وال ي�ستحق �أن نتكلم عنه كثيرا‪.‬ونف�س ال�شيء بالن�سبة للملحدين‪.‬‬ ‫الدين و�ضح المبادئ العامة للأخالق في زمان كان البع�ض يعي�ش فيه كالوحو�ش بال قيم وال‬ ‫مبادئ‪.‬‬

‫الفصل السابع – الكتاب (الصالح) وأخالقيات روح العصر المتغيرة‬ ‫ا�ستمرا ًرا للف�صل ال�سابق يتناول داوكنز في هذا الف�صل َ‬ ‫بع�ض الأم��ور المذكورة في العهد‬ ‫القديم والعهد الجديد م�ؤكدا �أن الدين لي�س من الممكن �أن يكون م�صد ًرا للأخالق‪ ،‬للأ�سف‬ ‫وب�سبب ما ب َّي َنه داوكنز في بداية كتابه وهو �أن ثقافته واطالعه م�سيحية‪ ،‬لذا ف�إنه لم يذكر �شي ًئا‬ ‫عن القر�آن‪،‬وقد ينتقد �أحدهم داوكنز بقوله كيف يحاكم داوكنز الأديانَ ال�سماوي َة وهو ال يعرف‬ ‫‪84‬‬


‫وال ينقل وجهة نظر الدين الثاني من ناحية العدد والت�أثير عالميا وهو الإ�سالم؟!‬ ‫�سيدنا نوح لأبيهما لغر�ض ممار�سة الجن�س معه‬ ‫ِومن الق�ص�ص التي تناولها ق�ص�ص ت�سكير ابنت َْي ِ‬ ‫كما ذكرت في العهد القديم‪ ،‬وق�صة �أن �سيدنا هارون هو َمن َ�ص َنع ال ِع َ‬ ‫جل لقوم �سيدنا مو�سى‪،‬‬ ‫وغيرها من الق�ص�ص التي قد يكفي لردِّها ال�س� ُؤال عن وجهة النظر القر�آنية في المو�ضوع‪،‬‬ ‫وهذا �أمر مهم يجب االنتباه �إليه حيث يقع الكثير من الملحدين وحتى من الم�سلمين في خط�أ‬ ‫القول �إن الق�ص�ص في القر�آن ما هي �إال ن�سخ ٌة من العهد القديم والعهد الجديد‪ .‬وهذا كالم‬ ‫بعيد عن ال�صحة؛ فالعنوان هو فقط المت�شابه �أ ّما الغاية والتفا�صيل فمختلفة تماما‪ ،‬ولأجل هذا‬ ‫بعثَ ُ‬ ‫تماما فما الداعي لإر�ساله؟‬ ‫اهلل َ‬ ‫�سيدنا محمدا؛ و �إال لو كانت الق�ص�ص مت�شابه ً‬ ‫ن�صه "�إن‬ ‫َ‬ ‫بعد �أن �أَن َهى داوكنز َ‬ ‫كالمه عن العهد القديم انتقل �إلى العهد الجديد‪ ،‬وهنا يذكر ما ُّ‬ ‫ابتعد عنه كثي ًرا"‪ .‬وهذا �إ�شكا ٌل يجب �أن‬ ‫الم�سيح لم ي�أخذ �أخالقيا ِته من الكتاب المقد�س‪ ،‬بل َ‬ ‫َ‬ ‫العهد القديم كتابا �سماويا َ‬ ‫كامل‬ ‫يجيب عليه الم�سيحيون �أنف�سهم على اعتبار �أنهم يعتبرون َ‬ ‫ومتمما للعهد الجديد‪ .‬الم�سلمون متفقون مع داوكنز حيث لي�س من المعقول �أن يكون‬ ‫الأهلية ِّ‬ ‫م�صححا‬ ‫العهد القديم والجديد من م�صدر واحد فالإ�سالم يعتقد �أن ال�سيد الم�سيح جاء‬ ‫ِّ‬ ‫لالنحراف الفكري ال��ذي ح�صل ل��دى المجتمع اليهودي‪ ،‬وبالتالي من الطبيعي �أن تكون‬ ‫�أخالقيا ُته مختلفة‪.‬‬ ‫ينتقد داوكنز َ‬ ‫عقوق الم�سيح مع والد ِته في العهد الجديد‪ ،‬وكذلك دعوتَه لأ�صدقائه �أن يتركوا‬ ‫�أه َلهم‪ ،‬وطبعا مر ًة ثانية لو كان َّ‬ ‫مط ِلعا على وجهة النظر الإ�سالمية الخت َل َف المو�ضو ُع لأن‬ ‫إ�سالم ر َّد على جزئية عقوق الم�سيح لوالد ِته وكو ِنه كان َبا َّرا بها‪ ،‬وكذلك بالن�سبة لترك الأهل‬ ‫ال َ‬ ‫ي�صاح َب الفر ُد الم�س ِلم �أه َله في الدنيا على الرغم من االختالف‬ ‫ف�إن القر�آن ب َّينَ �ضرورة �أن‬ ‫ِ‬ ‫‪85‬‬


‫العقائدي معهم‪ ،‬وهذا �أمر طبيعي لأن المر�سلين ي�صححون ما اختلط والت َب َ�س على النا�س من‬ ‫الر�سل ال�سابقين لهم‪ .‬و من الأمور التي يذكرها الذ ْن ُب المت�أ�صل في الإن�سان نتيجة‬ ‫ر�ساالت ً‬ ‫لخطيئة �سيدنا �آدم كما يعتقد الم�سيحيون حيث تخل�ص النا�س منه ب�صلب الم�سيح‪ ،‬والإ�سالم‬ ‫نفى هذه الجزئية بمقولة التزر وازرة وزر �أخرى‪ ،‬ب�شكل �أو ب�آخر اتفق داوكنز في هذا الف�صل‬ ‫مع النظرية القر�آنية في النظرة �إلى مفردات العهد القديم والجديد‪.‬‬ ‫ذكر هتلر و�ستالين و�أفعا َلهما كنموذج ْين ملحد ْين‪ ،‬وهنا نجد ً‬ ‫فا�ضحا فعلى الرغم من‬ ‫تخبطا‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫م�شكوك في �إلحاده �إال �أنه ب َّين �أن م�س�ألة الإلحاد والتدين لي�ست مهمة بالن�سبة‬ ‫ت�أكيده �أن هتلر‬ ‫ل�شخ�ص �شرير كما �أنه لي�س هناك دلي ٌل على �أن الإلحاد ي�ؤثر على النا�س ب�شكل منتظم لعمل‬ ‫الأ�شياء ال�شريرة!و�إذا كان الأمر بهذه الب�ساطة فمِ ن الممكن �أن نطبق هذا الكالم على الدين‬ ‫� ً‬ ‫أي�ضا ونقول �إن بريد الكراهية الذي ي�صل �إليه لي�س له عالقة بالدين و�إنما راجع �إلى ال�شخ�ص‬ ‫نف�سه‪،‬من ناحية �أخرى �إذا كان داوكنز مقتنعا بكالمه فال �أعرف لماذا خ�ص�ص ِق�س ًما من هذا‬ ‫ٌ‬ ‫الم�سيحية؟؟تناق�ض‬ ‫الف�صل لإثبات �أن �إلحاد هتلر كان م�شكوكا فيه و�أنه ت�أثر بتربيته ون�ش�أته‬ ‫وا�ضح‪.‬‬ ‫ن�سي ريت�شارد داوكنز �أن من َع �أي مظهر من مظاهر التدين في االتحاد ال�سوفيتي على يد �ستالين‬ ‫َ‬ ‫الملحد لم يكن نتيجة درا�سات علمية �أو نتيجة عقدة نف�سية ل�ستالين‪ ،‬و�إنما ناتج عن ف ْهم‬ ‫ي�شترك فيه جميع الملحدين باعتبار الم�ؤمنين مجرد جهلة والدين و�سيلة لتركيع المجتمعات‬ ‫واقتيادها كالقطعان‪ ،‬كذلك يتغافل داوكنز وب�شكل مف�ضوح عن الكالم عن �ستالين في هذا‬ ‫الف�صل وي�ؤكد على �أ�صول هتلر الم�سيحية‪ ،‬في حين هو يقول �إن ال�شر والطيبة ال عالقة لهما‬ ‫بالإلحاد �أو التدين!!! على العموم �أفعال �ستالين هي نتيجة طبيعة لإلحاده‪ ،‬و�إيما ِنه ب�أن الدين‬ ‫‪86‬‬


‫هو �أفيون قاتل لل�شعوب كما ع َّبر لينين في ر�سالة كتبها عام ‪ 1913‬بقوله‪�" :‬أي فكرة دينية‪،‬‬ ‫كل �إله ولو كان �صغي ًرا‪ ،‬هو قذارة ال تو�صف‪ ،‬قذارة من �أخطر الأنواع والطاعون الأكثر فت ًكا‪"،‬‬ ‫طبعا �أكاد �أجزم �أن كل ملحد من الملحدين المتع�صبين �سيوافق على هذه المقولة للينين‬ ‫وب�شدة‪،‬ولنا �أن نت�صور ماذا �سيح�صل لو �سيطر ه�ؤالء المتع�صبون على الحكم في �أي بلد‪،‬‬ ‫لن�شاهد ما فعله لينين نف�سه عندما �سيطر على الحكم‪:‬‬ ‫ولماذا نذهب بعيدً ا؟‬ ‫ِ‬ ‫المر�سوم الأول الذي‬ ‫الحكم عام ‪� ،1917‬أ�صدر‬ ‫َ‬ ‫يوم ٍ‬ ‫واحد من �سيطرة الثورة البل�شفية على ُ‬ ‫َ‬ ‫فبعد ٍ‬ ‫َكتَبه لينين بيده والذي يقت�ضي بم�صادرة جميع الأرا�ضي التابعة للكني�سة والرهبان‪.‬‬ ‫بعد �شهر من الثورة البل�شفية �صدر مر�سو ٌم يق�ضي بحرمان الكني�سة الأرثوذك�سية من كافة‬ ‫ممتلكاتها‪.‬‬ ‫بعد �شهر و�أ�سبوع واحد من الثورة البل�شفية تم �إغالق جميع الأديرة‪.‬‬ ‫بعد �شهر و�أ�سبوعين تم �إلغاء الزواج الم�سيحي وا�ستبداله بالزواج المدني‪.‬‬ ‫في ال�شهر الثاني من عام ‪� 1918‬أي بعد ما يقرب الأربعة �أ�شهر على الثورة البل�شفية �أ�صدر‬ ‫مر�سوما بف�صل الدين عن الدولة‪ ،‬قد يعتقد العلمانيون �أن هذا �أمر طبيعي وهو �أمر‬ ‫لينين‬ ‫ً‬ ‫طبيعي فع ًال في الدول العلمانية ولي�س في الدول التي يقودها ملحدون لأن الأمور �ستكون �أكثر‬ ‫بعده �ستالين لي�س ف�صل الدين عن الدولة و�إنما ف�صل‬ ‫ب�شاع ًة كما �سنرى‪ ،‬لأن مق�صد لينين ِومن َ‬ ‫الدين عن الإن�سان وبالقوة �إن تطلب الأمر‪ ،‬وال ن�ستغرب مثل هذه القرارات ممن يعتبر الدين‬ ‫طاعو ًنا ومدم ًرا للب�شرية‪ ،‬حيث قام لينين بالقب�ض على الآالف من الم�ؤمنين ِمن الق�سي�سين‬ ‫والرهبان والراهبان ونقلهم �إلى مع�سكرات العمل (�سجون خا�صة) ليعملوا فيها بالقوة وذلك‬ ‫‪87‬‬


‫وهم وما يقوم به ه�ؤالء ت�ضليل للنا�س‬ ‫�أمر طبيعي لدى الملحد الذي يعتقد �أن الدين مجرد ٍ‬ ‫بالقوة‪،‬ومن ال ي�ستطيع َ‬ ‫العمل يكون‬ ‫فمِ ن الأف�ضل للب�شرية �أن يتم ا�ستغاللها في �أمور �أف�ضل ولو‬ ‫َ‬ ‫م�صيره ر�صا�صة في الر�أ�س فهو ال ي�ستحق �أن تَ�صرف عليه الدولة �أكثر من ثمن الر�صا�صة‬ ‫ليحيا المجتمع الحر ب�أمان و�سالم‪ ،‬وهذا حدث في �ألمانيا حيث كان يتم حرق وقتل الكبار‬ ‫في ال�سن والمعوقين والمنغوليين تحت القاعدة الداروينية المعروفة البقاء للأ�صلح‪ ،‬وبالطبع‬ ‫يحا�سب‬ ‫تطور الأمر باالنتخاب الطبيعي حتى �أ�صبح تعليم الأطفال الدينَ جريم ًة عام ‪َ 1927‬‬ ‫عليها بال�سجن ع�شر �سنوات (رقم الفقرة في القانون ‪ )10-58‬و�أ�صبحت حرية ال�صالة هلل‬ ‫م�سموحة �إذا كان َمن ي�سمع ال�صالة اهلل فقط!‬ ‫قد يقول قائل ٌ �إن لينين و�ساتلين وماوت�سي تونغ وكا�سترو وغي َرهم لي�سوا ملحدين و�إنما هم‬ ‫�شيوعيون‪ ،‬وهذا كالم غير واقعي لأن محاربتهم للدين كانت مبني ًة على �أ�سا�س فكرهم الإلحادي‬ ‫ولي�س ال�شيوعي‪ ،‬كارل مارك�س وهو �أب ال�شيوعية لم ي ُقل �سوى مقولته الم�شهورة "الدين �أفيون‬ ‫ال�شعوب" ور َّكزَ في حياته على االقت�صاد وكان يعتقد �أن بتحقيق الم�ساواة �سيتم ترك الدين‪،‬‬ ‫وبالتالي لم يكن من �أهداف ال�شيوعية جبر النا�س على ترك التدين وغلق الكنائ�س وما �إلى‬ ‫ذلك‪ ،‬وال بد من الت�أكيد على �ضرورة ف ْه ِم الفرق بين دولة يقودها ملحد ودول ٍة يقودها علماني؛‬ ‫حيث �إن الد�ستور الأمريكي بالرغم من �إقراره بف�صل الدين عن الدولة �إال �أنه في نف�س الوقت‬ ‫يقر ب�ضرورة احترام جميع الم�ؤ�س�سات الدينية واحترام حرية �أفرادها بممار�سة تعاليمهم‬ ‫طم�س الدين و�إلغا َءه‬ ‫و�شعائرهم بكل حرية‪ ،‬فالدولة التي يقودها الملحد يكون هدفها الأ�سا�سي َ‬ ‫من حياة مواطنيها ولي�س مجرد َمن ي�ستغل الدين لتحقيق مناف َع معين ٍة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من كل هذا قد يقول قائ ٌل �إن �أعمال �ستالين ولينين كانت بهدف �سيا�سي ولي�س‬ ‫‪88‬‬


‫نتيجة موقفهما الإلحادي‪ ،‬وهذا الكالم يمكن الإجابة عليه بب�ساطة عن طريق درا�سة واقع‬ ‫الحكومات الدكتاتورية التي على الرغم من عدم �إيمانها �إال �أنها لم ت�صطدم بالم�ؤمنين �إال‬ ‫عندما يقف الم�ؤمنون بال�ضد من م�شروعها ال�سيا�سي كما في العراق في عهد �صدام ح�سين‬ ‫وفي ليبيا في عهد معمر القذافي وفي �سوريا كذلك‪ ،‬ولم ي�ؤ ِّد ذلك في كل الأحوال �إلى محاولة‬ ‫عزل الدين عن النا�س و�إنما �إلى عزل الدين ورجاله عن ال�سلطة‪ ،‬وهذا يثبت �أن ما حدث في‬ ‫االتحاد ال�سوفيتي هو نتيجة الموقف الإلحادي للينين و�ستالين‪.‬‬ ‫للأ�سف ي�صرف الملحدون الكثي َر من الجهد والوقت في محاولة فا�شلة لإبعاد �أفعال �ستالين عن‬ ‫�إلحاده فتارة يقولون هو نز َع الملكي َة الفردية من الجميع �سواء �أكانوا م�ؤمنين �أم غير م�ؤمنين‪،‬‬ ‫وهذا �أمر وا�ضح باعتباره �شيوعيا‪ ،‬فبب�ساط ٍة يمكننا معرفة �سبب موقفه من الملكية الفردية‬ ‫ولكن ال يمكننا فهم موقفه من الدين بعيدً ا عن �إلحاده و�إيمانه ب�أن الدين و�أ ْت َب َاعه مجرد‬ ‫حمقى ال فائدة ترتجى منهم وهذا هو الدافع من وراء حر ِبه الوا�ضحة �ضد الدين والمتدينين‪،‬‬ ‫و�ضوحا‬ ‫وخ�صو�صا �إذا علمنا �أن ال�شيوعية في حد ذاتها ال عالقة لها بالدين‪ ،‬وحتى �أكون �أكثر‬ ‫ً‬ ‫ف�إنني بالت�أكيد ال �أق��ول �إن جميع الملحدين لديهم التوجه ال�ستاليني اللينيني ولكن يجب‬ ‫ت�صرفات القادة الملحدين الإجرامية ك �ستالين لم تكن لتحدث لوال �إلحاده‬ ‫االعتراف ب�أن‬ ‫ِ‬ ‫فهذا الموقف العدائي تجاه الدين لم يكن نتيجة لل�شيوعية ولم ينتج لأ�سباب �سيا�سية � ً‬ ‫أي�ضا‪.‬‬ ‫بعد �أن ينتهي داوكنز من محاوالته لإثبات �أن هتلر كان م�سيح ًيا على الرغم من �إقراره ب�أن ال�شر‬ ‫وب�شكل بهلواني �أن يقلب الطاولة‬ ‫والطيبة ال يتعلقان بكون ال�شخ�ص ملحدا �أو م�سيح ًيا‪ ،‬يريد‬ ‫ٍ‬ ‫على الم�ؤمنين مرة �أخرى في نهاية الف�صل متنا�س ًيا كل الدماء التي �أ�سا َلها الملحدون ليقول‪" :‬‬ ‫الكتب ال�سماوية‪،-‬‬ ‫نحن نبرر قتل ِ‬ ‫بع�ضنا البع�ض من خالل الإ�شارة �إلى كتابات قديمة‪-‬يق�صد َ‬ ‫‪89‬‬


‫إ�شارات في ُكت ٍُب قديمة‬ ‫َمن كان يعتقد ب�أن �شيئا م�أ�ساويا كهذا يمكن �أن يحدث؟" وال �أدري � َّأي � ٍ‬ ‫ا َّت َبعها �ستالين ولينين وغيرهما؟ و�أي �إ�شارات يتبعها الملحدون وهُ م يتهمون كافة الم�ؤمنين‬ ‫بالجهل والتخلف وقلة الب�صيرة وغير ذلك؟؟‬ ‫�آخر �سطر في هذا الف�صل �أكد داوكنز على �أمر مهم قد ناق�شته مرات عديدة وهو لو كانت‬ ‫الإن�ساني ُة ملحد ًة فهل �سنجد َمن ي�ضحي في �سبيل القيم والمبادئ؟‪ ،‬هل �سنجد َمن هو م�ستعد‬ ‫لأن ي�ست�شهد في �سبيل الحرية وال�شرف والوطن والآخرين؟ هل �سنجد ملحدً ا م�ستعد �أن يعطي‬ ‫فر�صتَه الع�شوائية في الحياة والتي بنهايتها ينتهي كل �شيء لفائدة �شخ�ص �آخر؟�أجاب داوكنز‬ ‫"من ذا الذي �س َيخرج للحرب ب�سبب عدم الإيمان‬ ‫في نهاية هذا الف�صل ٍ‬ ‫وا�ضح حيث قال‪َ :‬‬ ‫ب�شكل ٍ‬ ‫ب�شيء ما؟" وك�أن الحروب ال �سبب لها �سوى الإيمان ب�شيء ولي�س للحروب �أهداف منها الدفاع‬ ‫عن النف�س والدفاع عن الحقوق الم�شروعة‪ ،‬داوكنز ونتيجة لموقفه المتطرف من الدين ال يرى‬ ‫�ش ًرا في عالم �إال ويرى الدين المحرك الأ�سا�سي له‪.‬‬ ‫الف�صل الثامن – ما هي م�شكلة الدين؟ ما �سبب كل هذه العدوانية؟‬ ‫ي�ستمر م�سل�سل الكالم في هذا الف�صل عن كل �شيء ما عدا م�س�أل َة وجو ِد الخالق من عدمه!‬ ‫حيث يتكلم عن �أن �إيمان الم�ؤمنين ناتج عن قراءة ُك ُت ِبهم المقد�سة فقط وك�أنهم ال يفكرون‬ ‫كتاب وجدوه‪ ،‬وهذه نظرة �سطحية وا�ضحة‬ ‫فيما حولهم من ظواهر‪ ،‬و�إنما فقط هم �آمنوا لأجل ٍ‬ ‫لإيمان الم�ؤمنين‪.‬‬ ‫داوكنز في كالمه يعبر عن �أنه ي�ؤمن بالأدلة وهذه الأدلة تعني الحقيق َة بالن�سبة له‪،‬وي�ضيف �أنه‬ ‫ي�ؤمن بالتطور لأن الأدلة ت�شير له فهو حقيقة و�سينقلب �ضدها بين ليل ٍة و�ضحاها عندما تظهر‬ ‫‪90‬‬


‫�أدلة �ضدها! الخط�أ الذي وقع فيه داوكنز في هذه الكلمات هو قوله "�أ�ؤمن بالأدلة" والمفرو�ض‬ ‫يقول "�أنا �أقبل الأدلة" وذلك لأن الق�ضية لي�ست م�س�ألة �إيمان من عدمه و�إنما هي تجربة‬ ‫ومالحظة‪ ،‬ولكن هو ا�ضطر لأن يقول "�أ�ؤمن" لأن ال م�شاهدة حقيقية على التطور بال�شكل الذي‬ ‫يدعيه ِّ‬ ‫وينظر له بمعنى ال يمكن �أن نقوم بتجربة مختبرية تثبت �أن خلي ًة معينة ن�شاهدها تتطور‬ ‫عن طريق االنتخاب الطبيعي لت�صبح �إن�سا ًنا عاق ًال‪ ،‬وبالتالي هي مجرد ت�صو ٍر وتو ُّقع ِل َما حدث‬ ‫تدخل �إلهي �أو‬ ‫في �ضوء المعطيات والمكت�شفات ولكن هل يمكن �أن نثبت �أن التطو َر حدث بدون ٍ‬ ‫فعل ع�شوائي؟‬ ‫�أنه مجرد ٍ‬ ‫الخط�أ الثاني ال��ذي وقع فيه داوكنز هو اعتباره التخمينات العلمية بنا ًء على المكت�شفات‬ ‫والأدوات حقائقَ ‪ ،‬وفي الحقيقة هي لي�ست حقائقَ و�إنما دالئل ت�شير �إلى مو�ضوع معين ويتم‬ ‫ف ْهم هذه الدالئل عن طريقين الطريق الأول هو مقدار العلم والمعرفة التي لدينا‪ ،‬والثاني‬ ‫الأدوات التي ن�ستخدمها‪ .‬وكال الأمرين قاب ٌل للتطور فال ِعلم الن�سبي يتطور با�ستمرار‪ ،‬ولذا لدينا‬ ‫نظريات ي�ضرب �أحدها الآخر بمقدار ‪ 180‬درجة كما �أ�شرنا �سابقا‪ ،‬ولذا تعابير مثل �أ�ؤمن‬ ‫بالعلم والحقائق لي�ست تعابير �صحيحة عندما نتكلم عن ال ِعلم الن�سبي‪.‬‬ ‫يب ِّين داوكنز في هذا الف�صل �أن عدا َءه للدين �سببه التطرف الديني لأنه يقوم على الإ�ساءة‬ ‫للم�شاريع العلمية ب�شكل متوا�صل و�أنه يعلمنا �أن ال نغير ر�أينا وال يريد لنا �أن نتعلم المعلومات‬ ‫المثيرة المتوفرة‪ .‬كالم داوكنز هذا يتعار�ض مع ما ذكره في الف�صل الثاني �صفحة ‪ 70‬من‬ ‫الن�سخة العربية التي هاجم فيها الم�ؤمنين الذين ال م�شكلة عندهم مع نظرية التطور كالبابا‬ ‫يوحنا بول�س الثاني الذي و�صفه بالمنا ِفق‪ ،‬و�أن الخالف الحقيقي هو بين العقالنية والغيبية‪-‬‬ ‫‪91‬‬


‫كما يظن وفي حقيقة الأمر الدين لي�س غيبيا كما �سنو�ضح‪ -‬حيث �سمى َمن ي�ؤمن بالتطور ِمن‬ ‫الم�ؤمنين بالمتملقين‪ ،‬وهنا �أ�شعر ب�أن داوكنز ال يعرف ما يريد و�إنما حاله حال الزوج الغا�ضب‬ ‫الذي يلوم زوجتَه على كل �شيء‪ ،‬فلو وجد غبا ًرا على الطاولة �صرخ عليها و�إنْ م�سحت الغبار‬ ‫هاتف مهم‪ ،‬وهكذا �إن كان الم�ؤمن يقر بالتطور فهو‬ ‫كتب عليه رقم ٍ‬ ‫�أي�ضا �صرخ عليها ُ‬ ‫بحجة �أنه َ‬ ‫منافق‪ ،‬و�إن كان يقف �ضده فهو يقف �ضد ال ِعلم وهذا �سبب عدائه‪.‬‬ ‫�أكثر من ذلك يقول داوكنز �إن االعتدال الديني يفتح الباب للتطرف حيث يعلل ذلك بقوله �إن‬ ‫جو الإيمان الديني المعتدل هو المناخ الذي يزدهر فيه التطرف‪ ،‬وهكذا وبب�ساطة ي�صبح الدين‬ ‫هو الهدف وال �أجد فرقا كبيرا بين كالم داوكنز هذا ور�سالة لينين عام ‪1913‬واعتباره الدين‬ ‫عبارة عن طاعون‪ ،‬و�أنا مت�أكد �أن �ستالين وهتلر وغيرهما لديهم نف�س الفكر �إزاء الم�ؤمنين‬ ‫فعدم الثقة بالم�ؤمن موجودة لدى داوكنز بغ�ض النظر عن موقفه من العلم‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة �إن الملحد في العالم العربي يملك نف�س وجهة النظر تجاه الدين حيث يعتبره‬ ‫�سببا لعدم التفكير وتجميد العقل ويقبل ب�أي تف�سير �أكل عليه الزمان و�شرب وبدون �أن يفكر في‬ ‫التف�سيرات الأخرى �أو يطلع عليها وذلك �ضمن قادة تطابق المو ّدة على الرغم من �أن القر�آن‬ ‫يدعو الم�سلمين �إلى الم�سير في الأر�ض والنظر كيف بد�أ الخلق ويدعوهم للقراءة‪ ،‬والأمثلة‬ ‫كثيرة في هذا المجال‪�.‬أ ّما على الواقع العملي فالم�سلمون في �أوروبا و�أمريكا وبقية الم�ؤمنين‬ ‫هُ م في الطليعة‪ ،‬والملحدون �أقلية على كل الأحوال‪،‬ووجود كم متطرف �ضد بع�ض النظريات‬ ‫ناتجا عن موقف َمن ي�ؤمن بالتطور من الدين وهو موقف غير علمي‬ ‫العلمية كالتطور قد يكون ً‬ ‫موقف متخوف من نظرية �أو اثنتين ولي�س من العلم ب�شكل عام‪،‬‬ ‫دف َع بع�ض الم�ؤمنين التخاذ ٍ‬ ‫‪92‬‬


‫وبالطبع لكل فعل رد فعل وبغ�ض النظر عن الأ�سباب ف ُهم قلة وال يمكن �أن نقول ب�شكل علمي‬ ‫�إن كل الم�ؤمنين متطرفون ولديهم موقف غير �إيجابي من العلوم‪ ،‬فمثل هذا القول ي ُن ُّم تع�صب‬ ‫القائل وجه ِله‪.‬‬ ‫وليثبت داوكنز وجهة نظره نجده ي�ستعين بكلمات بع�ض الأمريكان المتع�صبين‪ ،‬وهذا �أمر ال‬ ‫إح�صائيات علمي ًة دقيقة حول عدد المتطرفين والمعتدلين‬ ‫ي�ستحق �أن يرد عليه ما دام ال يوفر �‬ ‫ٍ‬ ‫في �أمريكا‪.‬‬ ‫يدافع داوكنز في هذا الف�صل عن الإجها�ض والمثلية الجن�سية وبالطبع جميع الملحدين العرب‬ ‫لديهم نف�س الموقف‪ ،‬وال�سبب �أن الأديان حرمت هذه الأمور ولو �أن الأديان �أباحتها العتر�ضوا‬ ‫عليها � ً‬ ‫أي�ضا وقالوا �أي �إله َيقبل بالإجها�ض وال�شذوذ!؟ على العموم ال يهمني موق ُفه من هذه‬ ‫الأمور لأن ال عالقة له بجزئية وجود خالق من عدمها ولكن ال ُبد من الإ�شارة �إلى �أن موقف‬ ‫الملحدين من هذه الأمور نات ٌج ب�سبب موقف الدين منها ولذلك هُ م تبنوها كجزء من رف�ضهم‬ ‫للدين‪ ،‬ولو �أن الدين �أقر الإجها�ض والمثلية لر�أيت الملحدين �أول َمن يعار�ضها على اعتبار �أن‬ ‫الإجها�ض قت ٌل لنف�س ب�شرية‪ ،‬و�أن المثلية هي �أمر �شاذ عن الطبيعة الإن�سانية‪ ،‬ما � ِأحب �أن �أذكره‬ ‫� ً‬ ‫أي�ضا �أنه يقارن بين حاالت الإعدام والإجها�ض ويقول �إنه ربما �سينال المحكومون بالإعدام‬ ‫َ‬ ‫بع�ض الرحمة �إنْ �أخبروا الق�ضا َة ب�أنهم كانوا في يوم من الأيام بوي�ضة‪ ،‬هذه المقارنة �سخيفة‬ ‫يولد بع ُد قد يكبر وي�صبح عا ِل ًما‬ ‫طفل لم ْ‬ ‫وال �أعرف ب�أي منطق كتبها فما عالقة عملية �إجها�ض ٍ‬ ‫ك�آين�شتاين �أو حتى مجرما ك�أ�سام َة ِبن الدن ب�إن�سان مجرم ُح ِكم عليه بالإعدام؟مثل هذا‬ ‫الت�سا�ؤل لن يجيب عليه �إال الرا�سخون في الإلحاد‪.‬‬ ‫‪93‬‬


‫تماما‪ ،‬عن �أن و�صف المجرم �أ�سامة‬ ‫يثير داوكنز في هذا الف�صل �أم ًرا مه ًما و�أنا �أتفق فيه معه ً‬ ‫بن الدن بـ ال�شرير هو محاولة للتهرب من الإجابة ال�صريحة ل�س�ؤال مهم جدً ا‪ ،‬والإجابة كما‬ ‫يراها داوكنز هو �أن ابن الدن ي�ؤمن بحقيقة القر�آن حرف ًيا‪ .‬طب ًعا �أنا �أتفق مع الجزء وهو �أن‬ ‫كاف بالمرة‪ ،‬و�إنما على الم�س ِلم �أن يو�ضح لماذا هو‬ ‫ت�سمية ابن الدن بال�شرير فقط �أم ٌر غير ٍ‬ ‫�شرير؟ وهل هو يوافق القر�آن حرف ًيا �أم ال؟‬ ‫وهنا �أنا �أختلف مع داوكنز حول �أنه يطبق القر�آن حرف ًيا كما يدعي‪ ،‬ودليلي على ذلك هو كتاب‬ ‫"نبتة �إبلي�س" الذي �أ َّلفتُه ليب ِّين لأمثال ريت�شارد داوكنز خط�أَ نظر ِتهم و�أن الخلل لي�س في الدين‬ ‫�أو الإ�سالم �أو القر�آن و�إنما في طريقة ف ْهم المت�شددين‪ ،‬و�أ َّما ما ذهب �إليه داوكنز في هذا‬ ‫الف�صل ب�أنه علينا �أن نلوم الدينَ نف�سه ولي�س التطرف الديني فهو ناتج عن ك�سل داوكنز وعدم‬ ‫رغبته في ف ْهم مباني الإره��اب والمتطرفين‪ ،‬وفي فهمه ال�سطحي للدين حيث يظن �أن هذا‬ ‫كذاك وذاك كهذا‪ ،‬وهذا هو االتجاه الأعم والأغلب عند الملحدين فكلهم يعتبرون �أنف�سهم‬ ‫�أع َل َم من الم�ؤمنين ب�أديانهم‪.‬‬ ‫يقول "�سام هاري�س"‪" :‬المتدين المعتدل هو مزيج من المعرفة العلمانية والجهل ب�أ�صول الدين"‬ ‫آيات قر�آنية يفهمونها‬ ‫وهكذا الكثير من الملحدين العرب حيث غالبا ما يتحججون بانتقائهم � ٍ‬ ‫ب�شكل خاطئ نتيجة االجتزاء الذي يقومون به ويقولون هذا هو الفهم ال�صحيح والذي غال ًبا‬ ‫وينقلون من الأحاديث �أ�سو�أ ما فيها ومن‬ ‫ما يكون م�شاب ًها لفهم المتطرفين كداع�ش والقاعدة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ال�سيرة �أ�سو�أها‪ ،‬وبما يتالءم مع �إيمانهم الإلحادي حيث تتوقف عقولهم عن �أي فهم معتدل‬ ‫لهذه الآيات �أو حتى �أن يكونوا من�صفين بنقل الأحاديث والروايات التي تناق�ض ما ينقلونه من‬ ‫‪94‬‬


‫�ضعاف الروايات حتى قال �أحدهم متهك ًما خذوا دينكم عن المالحدة‪ ،‬فالحق الحق �أقول لكم‬ ‫�إنهم وحدهم َمن يعرف َمن يمثل الإ�سالم" ‪!..‬‬ ‫ف�صل تكلم فيه داوكنز عن الإ�سالم‪ ،‬ولكنه لم ي�ستخدم �أفكاره‬ ‫قد يكون هذا الف�صل �أكثر ٍ‬ ‫أنا�س �آخرين وطب ًعا الكالم لم يكن عن الخالق‬ ‫لقلة معرفته بالإ�سالم ولكنه ا�ستعان ب�أفكار � ٍ‬ ‫من عدمه و�إنما عن التكفير والإرهاب‪ .‬من بين من نقل عنهم "باتريك �سكاديو"مدير وكالة‬ ‫منتم �إلى الديانة الم�سيحية ‪-‬من � ٍأب‬ ‫الدرا�سات الإ�سالمية والم�سيحية في لندن‪،‬هذا ال�شخ�ص ٍ‬ ‫هندو�سي و�أُ ٍم م�س ِلمة‪ -‬وي َّت َهم ب�أنه ِمن المتع�صبين �ضد الدين الإ�سالمي‪ ،‬كوكتيل من التناق�ض؛‬ ‫داوكنز الملحد ي�ستعين بكلمات �شخ�ص م�سيحي معروف تطرفه �ضد الإ�سالم في كتاب يتكلم‬ ‫"وهم الإله"ليعبر عن وجهة نظره في تعاليم الإ�سالم ولي�س عن وجود الأخالق من عدمه!!‬ ‫عن ْ‬ ‫المهم يتكلم ال�سيد باتريك عن ما ي�سميه الخليط من �آي��ات الجهاد وال�سالم في القر�آن‬ ‫فيقول‪":‬لو �أردتَ ال�سالم ف�ستجد �آيات ال�سالم‪ ،‬ولو �أردتَ الجهاد ف�ستجد �آيات الجهاد" و ُيعيد‬ ‫نف�س ال�شبهة القائلة ب�أن القر�آن ال َمكي �أكثر ر�أف ًة ورحم ًة من القر�آن ال َمدني في حين �أن �آيات‬ ‫ال �إك��راه في الدين و�ضرورة البر والق�سط مع المخالفين كلها �ضمن الفترة المدنية‪ ،‬وقد‬ ‫�أ�ش َبع كتاب" نبتة �إبلي�س" هذه النقطة بح ًثا وتف�صي ًال وهي نقطة ب�صراحة مبتذلة و�سخيفة‪،‬‬ ‫وي�ستعين بكلمات جماعة متطرفة ا�سمها "الغرباء" في لندن ليثبت وجهة نظره وال �أعرف لماذا‬ ‫ال ي�ستعين بكلمات جماعة معتدلة لتدح�ض وجهة نظره؟ �أو على الأقل ومن باب الإن�صاف ينقل‬ ‫وجهات النظر المختلفة‪.‬‬

‫‪95‬‬


‫الفصل التاسع – الطفولة (االنتهاك والهرب من الدين)‬ ‫كالعادة ال ُبد و�أن ي�ضع الملحدون بع�ض المق ِّبالت والتوابل في كالمهم عن الإله‪ ،‬و�إنْ كان كتاب‬ ‫"وهم الإله" كله مقبالت وتوابل‪ِ ،‬ومن هذه المقبالت ق�ضية الأطفال وانتمائهم الديني وهل‬ ‫ْ‬ ‫يجب �أن ن�سميهم م�سلمين �أم م�سيحيين �أم ملحدين �أم ال �أدريين �أم ال �شيء؟ فالطفل مهما‬ ‫يكن ا�سمه �أو ما ُيك َنى به ف�إنه �سيختار طريقه بعد البلوغ‪ ،‬ولو كانت الأفكار تورث لكان ال�شعب‬ ‫العراقي اليوم ذا �أغلبي ٍة �شيوعية؛ حيث �إن جيل ال�ستينيات في العراق كان جي ًال �شيوع ًيا‪ ،‬ولكن‬ ‫وكما هو وا�ضح �أن الأطفال يكون لهم ر�أيهم في الدين وال�سيا�سية وغيرها‪ ،‬وهذا الر�أي قد يت�أثر‬ ‫بالمحيط ولكنه م�ستقل و�سنناق�ش هذا المو�ضوع الح ًقا‪.‬‬ ‫ولكن ما يمكن �أن نقوله ون�ؤكد عليه �أنه كما �أن ِمن حق الأب الملحد �أن يدر�س وينقل لأبنائه‬ ‫اعتقاده فكذا ِمن حق الأب الم�ؤمن وبالنتيجة يختار الأطفال ما يريدون عندما يكبرون‪�،‬أ ّما‬ ‫وخ�صو�صا في‬ ‫م�س�ألة ت�سمية هذا الطفل ملحدا �أو م�ؤمنا فال قيمة فعلية لها على الم�ستوى البعيد‬ ‫ً‬ ‫وقتنا الحا�ضر وقت �سهولة الو�صول �إلى المعلومة‪ ،‬ممكن في الع�صور ال�سابقة ونتيجة ل�صعوبة‬ ‫تداول المعلومات وال�سفر يمكن القول بالقوالب الجاهزة‪،‬ولكن التاريخ يخبرنا �أنه حتى في‬ ‫ذلك الوقت كانت هنالك االختالفات والنقا�شات والتحوالت الدينية والثقافية وغيرها‪.‬‬ ‫من الطريف �أن �إحدى �أكبر المنظمات الإلحادية في �أمريكا وهي منظمة "الحرية من الدين"‬ ‫تن�شر �صو ًرا فيها �أطفال َّ‬ ‫ور�ضع وتقول �إنهم ملحدون وقد التقيتُ ال�سيد َة"�آني غايلور" مديرة‬ ‫المنظمة في م�ؤتمر �إلحادي في بتر�سبورغ في والية بن�سلفانيا و�س�ألتُها عن هذه ال�صور وكيف‬ ‫يتم و�صف الأطفال بالملحدين فقالت ما ن�صه "�إنه �شيء جميل �أن ن�صور العائلة بكاملها‬ ‫‪96‬‬


‫وقد بانت �سعادتها نتيجة لموقفها الإلحادي"!! وهو �أمر م�ضحك كيف يقبلون هذا الأمر على‬ ‫�أتباعهم وي�ستنكرونه على الم�ؤمنين؟‬

‫تخلف المنطقة العربية‬ ‫�سبب ِ‬ ‫البع�ض يقول �إن التعليم الديني والإيمان بالمقد�س ورجال الدين ُ‬ ‫مث ًال‪ ،‬طب ًعا هذا الكالم يتم دح�ضه بب�ساطة عند النظر �إلى خارطة العالم وبالخ�صو�ص في دول‬ ‫العالم الثالث لنجدها موزعة في كل العالم �أوروبا ال�شرقية‪� ،‬آ�سيا‪� ،‬إفريقيا‪� ،‬أمريكا الجنوبية‪،‬‬ ‫�أمريكا الو�سطى‪ ،‬فتخلُّف الدول ناتج عن تخلف الم�ؤ�س�سة الحاكمة‪ ،‬وكنتيجة لذلك يتخلف‬ ‫رجال‬ ‫النظام االقت�صادي والتعليمي والعمراني وكل �شيء بما في ذلك النظام الديني‪ .‬فتخلُّف ِ‬ ‫دين معتدل ومثقف ف�سي�صفه‬ ‫الم�ؤ�س�سة الدينية هو نتيجة ولي�س �سب ًبا ِعل ًما ب�أنه و�إنْ ظهر رج ُل ٍ‬ ‫الملحدون ب�أنه منافق ومر َّقع‪،‬لأنهم يلعبون على الحبل ْين �إن كان متخل ًفا فهو عز الطلب ويركزون‬ ‫عليه ليثبتوا وجهة نظرهم ويعتبرونه الممثل الحقيقي للدين‪ ،‬و�إن كان مثق ًفا ومعتد ًال ف�إنه منافق‬ ‫ومر َّقع وال قيمة حقيقية لكالمه �سوى التجميل ِل َما ال يمكن تجميله‪.‬‬

‫‪97‬‬


‫الفصل العاشر‪ :‬الفجوة المهمة ج ًدا‬ ‫هذا الف�صل ي�شير �إلى نقط ٍة مهمة وهي الأثر الروحي للدين‪ ،‬وطب ًعا يعالج داوكنز هذا الأمر‬ ‫بنظرته ال�سطحية المعهودة حيث ي�شبه الدين في هذا الف�صل بال�صديق غير الحقيقي الذي‬ ‫يتخيله الطفل في �صغره ويقول ما ن�صه "في اعتقادي �أن ال�صديق التخيلي له عالقة مبا�شرة‬ ‫بالأديان" وهذا االعتقاد ال ي�ستحق �أن نقف عنده طوي ًال ولكن هذا االعتقاد مهم من حيث �إنه‬ ‫يو�ضح لنا ت�صور داوكنز ال�سطحي لمفهوم الإله و�أنه ال يفرق بين الأوهام كال�صديق التخيلي‬ ‫للأطفال �أو �سانتاكلوز �أو �إناء ال�شاي ال�صيني الذي يدور حول القمر‪ ،‬وبين الحقائق التي يقودنا‬ ‫�إليها الواقع‪ ،‬فعندما تحدث �سرقة مث ًال ال ننتظر �أن نرى ال�سارق لنعرف �أن َمن قام بال�سرقة هو‬ ‫ال�سارق‪ ،‬و�إنما ما دل على وجوده هو ال�سرقة فوجود ال�سارق هو حقيقة و�إنْ كنا ال نراه‪.‬‬ ‫�أجتمِ ُع �أ�سبوع ًيا مع مجموعة من الملحدين الذين يناق�شون كل �أ�سبوع فكر ًة‪ ،‬و�صادف �أنهم‬ ‫تكلموا عن ال�سعادة في �أحد الأ�سابيع وتم االقتبا�س من كالم "مارتن �سليجمان"‪-‬عا ِلم نف�س‬ ‫�أمريكي ورئي�س �سابق لمنظمة علماء النف�س‪ ،‬يعمل مد ِّر ً�سا في جامعة بن�سلفانيا الأمريكية –‬ ‫ب َّين فيه �أنه يمكن القول �إن هناك ثالثة �أنواع من ال�سعادة يمكن �أن يح�صل عليها الإن�سان في‬ ‫حياته‪:‬‬ ‫النوع األول‪ :‬الحياة البهيجة – حيث يح�صل بها الإن�سان على �أكبر قد ٍر ممكن من البهجة‬ ‫عن طريق الت�سوق وال�سفر وحتى المخدرات وعن طريق �إيجاد ُط ُرقٍ مختلفة للح�صول على‬ ‫�أكبر فائدة وبهجة ممكنة من هذه الأمور‪،‬الم�شكلة �أن هذا النوع من ال�سعادة وقتي ويفقد طع َمه‬ ‫وقيمته بمرور الزمن ‪.‬‬ ‫‪98‬‬


‫النوع الثاني‪ :‬الحياة الجيدة – وهذا النوع يتحقق عندما نقوم بعمل نحبه �أو قراءة‬ ‫كتاب م�شوق حيث يمر الوقت دون �أن ن�شعر به‪ ،‬ولكن على الرغم من عدم �شعورنا بالوقت‬ ‫الذي نق�ضيه ف�إننا ن�شعر ب�سعادة حقيقة‪ .‬م�شكلة هذا النوع من ال�سعادة �أنها معزولة عن حياتنا‬ ‫الفعلية فقد تكون مجرد لحظات ا�ستراحة‪.‬‬ ‫النوع الثالث‪ :‬الحياة ذات المعنى – هذه الحياة نح�صل عليها عندما يكون لحياتنا معنى‬ ‫�أبعد و�أكبر من م�صلحتنا ال�شخ�صية وحياتنا اليومية‪.‬‬ ‫وو�ضح مارتن �سليجمان الحقيقة يمكن �أن نح�صل عليها من النوع الثالث ح�ص ًرا‪.‬‬ ‫َت َنا َق َ�ش �أفراد المجموعة حول ما يمكن �أن يعطي للحياة معنى حقيقي بحيث نتجاوز به ال�سعادة‬ ‫الوقتية ولحظات اال�ستراحة؟الم�شكلة هي كيف يمكن �أن يكون للحياة معنى والملحد يعتقد �أن‬ ‫الحياة بال معنى ومجرد �صدفة؟ �صدفة االنفجار الكبير‪� ،‬صدفة الأر�ض‪� ،‬صدفة الحياة و�صدفة‬ ‫التطور‪ ،‬والأهم من كل ذلك ال عدالة في الحياة‪ ،‬ع�شوائية كاملة حيث ال عدل وال م�ساواة!‬ ‫وانتهى الحوار بدون التو�صل �إلى �إجابة مقنعة ولكن داوكنز في كتابه كان �أكثر جر�أة حيث‬ ‫اعترف بهذه الم�شكلة وقال ما ن�صه "حتى لو �أننا قدمنا تناز ًال كبي ًرا وحتى لو تبين ب�شكل‬ ‫حا�سم �أن الإيمان بوجود اهلل �ضروري و�أ�سا�سي لال�ستقرار النف�سي والعاطفي‪ ،‬وحتى لو �أن كل‬ ‫الملحدين م�صابون بقلق انتحاري ب�سبب ال�شعور بالفراغ الكوني فلن يعتبر �أي مما �سبق وب�أي‬ ‫�شكل مهما كان �صغي ًرا دلي ًال على �أن الإيمان الديني حقيقي"‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫اعتراف �صريح ب�أهمية الدين وجماله والقيمة التي يعطيها للحياة‪،‬فالإن�سان بدون الدين‬ ‫وهذا‬ ‫ممزوجا بطعم العبث والظلم‬ ‫والإل��ه والعدالة الموعودة �سيكون كل �شيء في الحياة عنده‬ ‫ً‬ ‫‪99‬‬


‫والالمعنى‪� ،‬أما قول داوكنز ف�إن ذلك لن ي�ساهم في كون الدين حقيقة وهذا �أمر متوقع منه‪،‬‬ ‫وكيف ال وهو ي�شبه الإله بالطفل التخيلي �ساع ًة وب�إناء ال�شاي �ساع ًة �أخرى؟ ما يجعل الحياة‬ ‫جميلة وذات معنى هو حقيقة وجود الخالق ولن ي�ساهم فهم داوكنز ال�سطحي لدين بانتفاء هذه‬ ‫الحقيقة‪ ،‬وفي حقيقة الأمر �أن كل من يفهم ويت�صور الخالق بنف�س �سطحية فهم داوكنز بالطبع‬ ‫�سيكون ملحدً ا‪ ،‬الحياة ذات المعنى التي ي�شير مارتن �سليجمان �إليها ال نجدها �إال مع اهلل ( َو َمنْ‬ ‫�أَ ْع َر َ�ض َعن ِذ ْك ِري َف ِ�إنَّ َل ُه َم ِع َ‬ ‫ي�ش ًة َ�ضن ًكا َو َن ْح ُ�ش ُر ُه َي ْو َم ا ْل ِق َي َام ِة �أَ ْع َمى) �سورة طه‪.‬‬ ‫�أوغ�ست كونت (عالم اجتماع وفيل�سوف اجتماعي فرن�سي �شهير عا�ش في القرن التا�سع ع�شر)‬ ‫قبل داوكنز بكثير تنبه لأهمية الدين في حياة النا�س حتى �أنه اعتبره �ضرور ًيا وال بد منه‬ ‫بالرغم من عدم قناعته بالأديان‪ ،‬وهذا االعتقاد دفعه لت�أ�سي�س دين �أ�سماه الدين الإن�ساني‬ ‫ليوفر الأجواء الإيجابية على ال�صعيد االجتماعي والنف�سي التي يوفرها الدين لغير الم�ؤمنين‪,‬‬

‫(و ْهم اإلله – الخاتمة)‬ ‫"وهم الإله " والهدف من هذه العر�ض ال�سريع هو نقل نموذج‬ ‫مررنا‬ ‫وب�شكل �سريع على كتاب ْ‬ ‫ٍ‬ ‫عن ُكت ُِب الملحدين وطريقة تفكيرهم وتعاملهم مع المو�ضوع‪ ،‬ريت�شارد داوكنز عالم �أحياء‬ ‫اخت�صا�صه العلمي و�إنما نقل لنا وجهة نظره ال�شخ�صية و�أعتق ُد‬ ‫لم يناق�ش في هذا الكتاب‬ ‫َ‬ ‫وتقاليد‬ ‫�أن الكتاب لم يناق�ش مفردة الخالق ب�شكل ِجدي و�إنما ر ّكز كثي ًرا على �أمور ثقافية‬ ‫َ‬ ‫ت�صرفات و�أفكا ًرا قد يقوم بها بع�ض الم�ؤمنين‪ ،‬ولكن‬ ‫اجتماعي ٍة وقانونية لبع�ض البلدان وانتقد‬ ‫ٍ‬ ‫في نف�س الوقت ينتقدها م�ؤمنون �آخرين وبالتالي ف�إنها ال تعتبر دلي ًال ذا قيم ٍة لم�س�ألة وجود‬ ‫‪100‬‬


‫معالم �أو �أفكارا يلتف‬ ‫الخالق من عدمه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فالكتاب لي�س كتا ًبا علم ًيا بل هو ٌ‬ ‫كتاب نثري الحظنا فيه َ‬ ‫حولها الكثير من الملحدين منها‪:‬‬ ‫أوال ‪ -‬الموقف من الم�ؤمنين المعتدلين حيث يتم اعتبارهم منافقين �أو جهلة ‪.‬‬ ‫ثانيا ‪ -‬الت�ضخيم الال مب َّرر لم�س�ألة الأطفال وتعليمهم‪.‬‬ ‫ويحجمه وقد يكون بع�ض‬ ‫ثالثا – اعتبار �أن الدين ُيعطي � ٍ‬ ‫إجابات جاهز ًة مقد�سة ويمنع التفكير ِّ‬ ‫رجال الدين هم ال�سبب في هذه النظرة للدين‪.‬‬ ‫بع�ض ال�شخ�صيات المهمة عبر‬ ‫رابعا – ُع َقدة النق�ص‪ ،‬حيث يحاول معظم الملحدين ج ْع َل ِ‬ ‫�شخ�صيات ملحد ًة كما فعل داوكنز مع �آين�شتاين‪ ،‬وكذا يحاول بع�ض الملحدين العرب‬ ‫التاريخ‬ ‫ٍ‬ ‫نف�س ال�شيء مع الدكتور فرج فودة‪ ،‬والدكتور علي الوردي‪.‬‬ ‫ف ْع َل ِ‬ ‫خامسا ‪ -‬الفهم ال�سطحي للدين وم�س�ألة الخالق‪.‬‬ ‫سادسا ‪ -‬الت�أكيد واالقتبا�س من �أفكار المتطرفين والمجرمين واعتبارهم الممثل الر�سمي‬ ‫للدين و�أ�صحاب الماركة التجارية المعت َرف بها ر�سميا في عالم الملحدين‪.‬‬ ‫سابعا ‪ -‬الموقف من الإجها�ض والمثلية‪ ،‬عل ًما ب�أن هذا الموقف نتيجة لموقف الأدي��ان من‬ ‫هذين الأمرين ولو كان موقف الأديان �إيجا ًبا لكان موقف الملحدون �سلب ًيا‪.‬‬ ‫ثامنا‪ -‬الإيمان الغيبي بالنظرية النهائية (نظرية كل �شيء) و�أنها �ست�أتي في يوم من الأيام ال‬ ‫محالة‪.‬‬ ‫وغيرها من المت�شابهات التي يجتمع حولها �أغلب الملحدين‪ ،‬هذا الت�شابه في المواقف بين‬ ‫الملحدين يتجاوز م�س�ألة الخالق بكثير يعطينا �صالحية لت�سمية الإلحاد "دينا باالعتماد على‬ ‫‪101‬‬


‫مرتكزات الملحدين �أنف�سهم‪ ،‬وكدليل على ذلك العبارة التي ا�ستخدمها داوكنز في مقدمة‬ ‫�شخ�ص واحد من‬ ‫كتابه على ل�سان "روبرت باير�سنك" التي تن�ص على الآتي "عندما يعاني‬ ‫ٌ‬ ‫الوهم ي�س َّمى جنو ًنا‪ ،‬وعندما يعاني مجموعة من الأ�شخا�ص من نف�س الوهم ي�س َّمى دي ًنا‪.‬‬ ‫فهذا الن�ص ينطبق تماما على الكثير من مواقف الملحدين المت�شابهة والتي ال تتجاوز الأوهام‬ ‫وخ�صو�صا �أنه ال عالقة لها بوجود خالق من عدمه‪َ ،‬من يقر�أ هذا الكتاب بدقة �سيخرج بنتيج ٍة‬ ‫ً‬ ‫مفادُها �أن الإلحاد وجهة نظر غير علمية‪،‬و�إنما وجهة نظر دينية �شخ�صية تجمع الأ�شخا�ص‬ ‫حول مواقف محدد ٍة وهو يحمل مالمح الدين ح�سب التعريف �أعاله‪،‬كذلك ممكن �أن ن�ستخدم‬ ‫"وهم الإله"على ل�سان "�سام هاري�س" كدليل على �أن‬ ‫ما ورد في الف�صل الثالث من كتاب ْ‬ ‫الإلحاد لي�س فقط وجهة نظر دينية و�إنما دين متكامل حيث قال "نحن نملك �أ�سما َء للأ�شخا�ص‬ ‫�سند عقلي‪ ،‬عندما يكون هذا الإيمان �شائ ًعا بين‬ ‫الذين ي�ؤمنون(يعتقدون) ب�أ�شيا َء معين ٍة بال ٍ‬ ‫مجموعة من النا�س ن�سميهم متدينين وبخالفه يمكن ت�سميتُهم غا�ضبين �أو متوهمين"‪.‬‬ ‫قد يعتر�ض بع�ض الملحدين على طريقة اال�ستنتاج �أعاله ولكن للأ�سف �أنا �أ�ضطر �أن �ألزم‬ ‫نف�سه عندما يكون كالمه مجرد كالم �إن�شائي بال قاعدة علمية ي�ستند‬ ‫المقابل بما �ألزم به َ‬ ‫وكدليل ثالث نذكر لقاء ريت�شارد داوكنز مع �إذاعة الـ بي بي �سي حيث‬ ‫عليها‪.‬ومن هذا الباب‬ ‫ٍ‬ ‫�س�أله المقدم ال�س�ؤال الآتي‪" :‬ما هو ال�شيء الذي ت�ؤمن به وال تملك دلي ًال عليه؟" ف�أجاب ما‬ ‫ن�صه‪" :‬جوابي �سيكون حول الداروينية لأنها اخت�صا�صي‪ ،‬الداروينية مخت�صة بالحياة على‬ ‫ُّ‬ ‫�سطح الأر�ض‪ ،‬ولكن �أنا �أ�ؤمن �أن كل الذكاء وكل الإبداع‪ ،‬وكل الت�صميم في �أي مكان في الكون‬ ‫هو نتيجة مبا�شرة �أو غير مبا�شرة لالنتقاء الطبيعي الدارويني بمعنى �أن الت�صميم � ٍآت ب�شكل‬ ‫مت�أخر للكون بعد فترة من التطور الدارويني‪ .‬الت�صميم ال يمكن �أن يتقدم على التطور‪ ،‬وبالتالي‬ ‫‪102‬‬


‫ويمكن متابعة ن�ص اللقاء على موقع م�ؤ�س�سة ريت�شارد‬."‫ال يمكن �أن يكون الميزة الأ�سا�سية‬ ‫داوكنز‬ what-do--67/http://old.richarddawkins.net/articles you-believe-to-be-true-but-cannot-prove

103


‫ما يهمنا ِمن هذا الحوار هو �أن عالم بيولوجي يتحدث عن الكون وال يتحدث بمنطق علمي‬ ‫و�إنما بمنطق �أنا �أ�ؤمن وبدون دليل وبالطبع ال يملك دلي ًال على ما يقوله لأنه بعيد كل البعد عن‬ ‫"وهم الإله" ينطبق عليه قول ديفيد هيوم‪�" :‬إنْ َ‬ ‫و�ضعنا‬ ‫اخت�صا�صه‪ ،‬لذا كتاب ريت�شارد داوكنز ْ‬ ‫�أيدينا على �أي كتاب من الالهوت �أو مدر�سة الميتافيزيقيا‪ ،‬مثال دعونا ن�س�أل‪ ،‬هل يحتوي‬ ‫الكتاب على منطق مجرد يتناول العدد �أو الكمية؟ الجواب �سيكون كال‪ ،‬هل يحتوي الكتاب على‬ ‫�أي منطق تجريبي يتناول الواقعية والوجود؟ الجواب �سيكون كال ‪� .‬ألقوه في النار �إذ ًا لأنه ال‬ ‫يحتوي �سوى على ال�سف�سطة والوهم "‪.‬‬

‫‪104‬‬


‫اإلله الفرضية الفاشلة– فيكتور ستينجر‬ ‫النسخة المترجمة للعربية‬

‫تناق�ش �أحدهم مع ملحد وب َّين له �إن العلم ال يمكن �أن ينفي وجود اهلل؛ لأن اهلل كما ع َّبر عنه‬ ‫أر�سل له ً‬ ‫رابطا لكتاب‬ ‫داوكنز �أم ٌر يفوق الطبيعي َة‪،‬وال ِع ُلم يتناول الأمور الطبيعية المادية‪ ،‬ف� َ‬ ‫"الإله الفر�ضية الفا�شلة"‪ .‬الوا�ضح �أن الملحد لم يقر�أ الكتاب حيث اعتقد �أن الكتاب يثبت‬ ‫علم ًيا �أن الخالق فر�ضية عملية فا�شلة وا�ستنتج ذلك من العنوان الذي �أخذه كحقيقة مط َلقة‪،‬‬ ‫حيث وقع �ضحي ًة لمغا َلطة العنوان والم�ضمون‪ .‬وبما �أن الكتاب الذي بين يديك يناق�ش الإلحاد‬ ‫من وجهة نظر علمية لذا كان من الواجب مراجعة كتاب "الإله الفر�ضية الفا�شلة"‪،‬ال بد من‬ ‫الت�أكيد على �أن المراجعة هي مجرد عر�ض �سريع وال تغني عن قراءة الكتاب كام ًال لمن يريد‬ ‫التو�سع‪.‬‬ ‫الحر الالديني" و�أجد من‬ ‫في بداية الكتاب ي�ضع‬ ‫ِ‬ ‫المترج ُم الئح َة مطا َلبات ِل َما �أ�سماه "الحزب ُ‬ ‫ال�ضروري �إدراج بع�ض هذه المطالبات مع التعليق عليها‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫أول‪:‬العمل وبال ه��وادة‪ ،‬من �أج��ل ف�صل الدين عن كل ال�ش�ؤون الزمنية‪� ،‬أي عن‬ ‫ال َمطلب ال‬ ‫‪105‬‬


‫ال�سيا�سية والتعليم والحياة العائلية ‪ ...‬الخ ‪.‬‬ ‫ال�سياق العام لهذا الهدف يعطيك ن َف ً�سا علمان ًيا وقد تكون التجربة العلمانية في �إدارة الدولة هي‬ ‫نجاحا في الدول متعددة الأديان وال ب�أ�س بذلك ولكن ت�صطدم بعبارة ف�صل الدين عن‬ ‫الأكثر ً‬ ‫الحياة العائلية‪ ،‬فماذا يق�صدون بذلك؟ والأهم كيف يتم ذلك؟ هل نتبع الأ�سلوب ال�سوفييتي‬ ‫بتجريم تعليم الطفل مبادئ الدين من قبل �أبويه؟ َومن يفعلها ي�سجن؟ والأهم ِمن ذلك ما‬ ‫المق�صود بـ �إلى �آخره "الخ"؟ ماذا يريدون �أكثر؟؟و�أي قمع للحريات �سي�ستخدمونه تحت �شعار‬ ‫ف�صل الدين؟‬ ‫الثاني‪:‬ف�ضح مدى انحراف رجال الدين في �سلوكهم عن الجوهر الأ�سا�سي للدين‪ ،‬مع‬ ‫ال َمطلب‬ ‫ُ‬ ‫الأخذ في االعتبار �أن الأديان كانت ال�سبب الرئي�سي في التفرقة و�أن الهدف الأ�سمى هو توحيد‬ ‫قوى ال�شعب المبعثرة‪.‬‬ ‫والحقيقة �أن اعتبار جميع رجال الدين منحرفين كال ٌم غير منطقي بالمرة وكالم ال يمكن من‬ ‫الأ�صل الت�أكد منه وال ي�ستحق مناق�شته‪ ،‬الإن�سان الحر يت�ساءل عن �سبب التعميم‪ ،‬وال �سبب‬ ‫معقول غير الإلحاد لهذه النظرة المتطرفة لرجال الدين والإلحاد كما ذكرنا �إنما هو دين‪� ،‬أو‬ ‫رجال دينيين مختلفين �أم ٌر طبيعي‪،‬‬ ‫في �أح�سن الأحوال وجهة نظر دينية وبالتالي التحا�سد بين ٍ‬ ‫و�سبب للفرقة هي بداي ٌة لتق�سيم المجتمع‬ ‫هذه النظرة التعميمية للآخر على �أ�سا�س �أنه منحرف ٌ‬ ‫و�إيجاد م�شاكل �إ�ضافية في مجتمعات مليئة بالم�شاكل كالمجتمعات العربية �أمر مثير ل�شكوك‬ ‫من �أطراف ت َّدعي �أنها تعمل لخدمة المجتمع ورِفع ِته‪.‬‬ ‫أنف�سهم؟ بالت�أكيد ال ولكنها تبقى‬ ‫هل لهذه النظرة �آثا ٌر �سلبية ك�آثار التكفيريين الذي ُي ِّ‬ ‫فجرون � َ‬ ‫‪106‬‬


‫ُم�ضر ًة لأنها ت�ساهم في التفرقة و�شيوع التباغ�ض بين �أبناء المجتمع الواحد‪� ،‬أ َّما م�س�ألة �أن‬ ‫الأديان كانت هي ال�سبب الرئي�سي في التفرقة فكالم ال قيمة له فلدينا االتحاد ال�سوفييتي الذي‬ ‫حارب الأديانَ بكل قوته وتف َّرق بعد ذلك‪ ،‬ولدينا الواليات المتحدة التي بقيت متحدة كدول ٍة‬ ‫ُعظ َمى على الرغم من �سيطرة اليمين المتطرف على بع�ض المفا�صل فيها‪ ،‬فاال�ستنتاج من‬ ‫هذه التجارب التاريخية �أن ال�شعوب تتفرق عند قمع الحريات ومنها حرية العبادة التي بعك�س‬ ‫المطلب الأول الداعي �إلى ف�صل الدين عن العائلة و�إلى �آخره وبعك�س المطلب الثاني الذي‬ ‫يعمم ب�أن جميع رجال الدين منحرفون‪ ،‬و�أ�سباب تف ُّر ِق ال�شعوب كثير ٌة منها الجوع واللعب على‬ ‫الم�شاعر الإن�سانية وا�ستقطابها طائفيا وغيرها ولكن الدين كدين ال عالقة له بالمو�ضوع‪.‬‬ ‫ال َمطلب الثالث‪:‬عق ُد اجتماعات عامة بهدف تعريف النا�س ب�أحدث الأفكار العلمية واالجتماعية‪.‬‬ ‫من حقنا �أن نت�ساءل ما هي الخلفية العلمية له�ؤالء بحيث يمكنهم تعريف النا�س بالأفكار العلمية‬ ‫واالجتماعية وما هي الطرق التي يتبعونها؟ بالطبع �سيتم انتقاء الأفكار التي تنا�سب توجها ِتهم‬ ‫الإلحادي َة ف ُهم لي�سوا بعلما َء ولي�س لهم قدرة على اختبار النظريات وتمحي�صها‪ ،‬و�إنما فقط‬ ‫وكمثال على هذا المطلب ما تقوم به جماع ٌة ُتع َرف‬ ‫يرددون ما يقوله بع�ض العلماء الملحدين‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بـ"م�شروع الترجمة العراقي" من ترجمة لوثائقيات و ُكت ٍُب الكثير منها تدعم الإلحاد وذلك‬ ‫ب�سبب اعتقادهم �أن الدين هو �سبب الم�آ�سي الحا�صلة وبالتالي انحرف الم�شروع من غير ق�صد‬ ‫كما �أعتقد‪ -‬ليخدم �أجندة الإلحاد والعمل على ن�ش َره ولي�س �أجنده العلم ون�شره‪ ،‬والمفرو�ض‬‫الكتب ذاتَ التوج ِه الآخر مثل "هناك �إله"‬ ‫على �أقل تقدير ومن باب الإن�صاف �أن يترجموا َ‬ ‫لأنتوني فلو وغيرها‪ ،‬ف�أي ثقاف ٍة ووعي يمكن ن�شره عن طريق تطبيق ثقافة اللون الواحد؟‬ ‫لنرجع �إلى مطالب الحزب الحر الالديني التي يتفق عليها �أغلب الملحدين اليوم وي�شعرون‬ ‫‪107‬‬


‫ب�ضرورتها ولكن المفاج�أة في هذا �أن المطالب �صدرت عام ‪ 1929‬في العراق! �أي قبل ما يقارب‬ ‫القرن وقبل ظهور موجة الإلحاد الجديد واالنفجار الكبير واالنتقاء الطبيعي التراكمي‪ ،‬وقبل‬ ‫داوكنز وقبل حتى �أن نعرف �أن الكون له حدود �أبعد من مجموعتنا ال�شم�سية‪ ،‬وقبل الحروب‬ ‫الأهلية الدينية في البلدان العربية‪ ،‬وقبل الهوة ال�شا�سعة بين الغرب وال�شرق‪ ،‬وقبل اال�ستقطاب‬ ‫المذهبي الحا�صل اليوم‪.‬‬ ‫بعبارة �أخرى �إن التطور العلمي االنفجاري الذي ح�صل خالل الفترة ال�سابقة لم يغ ِّير من عقلية‬ ‫ألحد نتيجة االكت�شافات العلمية الحديثة �أو �شيء‬ ‫الإلحاد وفهمِ ه للدين فال ي َّدعي �أحدهم انه � َ‬ ‫من هذا القبيل و�إن كان يعتقد ذلك فهو مخدوع؛ لأن الأمر ال عالقة له بال ِعلم و�إنما الإلحاد هو‬ ‫موقف من الدين‪ ،‬الإلحاد الجديد قد يمكن اعتباره �أقل ُرق ًيا وتقدما من الناحية المنطقية من‬ ‫توج ٍه م�شا ِبه ظهر في بدايات القرن الما�ضي وبالخ�صو�ص عام ‪ 1922‬و�سمي بـ "حلقة فين ًنا"‬ ‫ِّ‬ ‫حيث �أثرت هذه الحركة الفل�سفية في الكثيرين وكانت تدعو �إلى اعتماد المنهج التجريبي‬ ‫الح�سي في الو�صول �إلى الحقائق‪ ،‬وتعتبر جميع المناهج الأخرى كمنهج البرهان العقلي �أمو ًرا‬ ‫أي�ضا وت�صفه ب�أنه � ً‬ ‫بال معنى‪ ،‬ولكنها كانت تهاجم الإلحاد � ً‬ ‫أي�ضا بال قيمة �أو معنى‪ ،‬لأنه ينفي‬ ‫�أم ًرا غير موجود �أ�ص ًال! وهذا الرقي في المفهوم مهم لأنه ال يخلق العدا َء الذي تخلقه موجة‬ ‫الإلحاد الجديد بين �أفراد المجتمع‪.‬‬ ‫المترجم لعدم نجاحها ويعلل ال�سبب في ذلك بوقوف رجال‬ ‫لنرجع للمطالبات حيث ت� َّأ�س َف‬ ‫ِ‬ ‫مطالبات تهاجمهم‬ ‫الدين في وجهها! وال �أعرف ماذا كان يتوقع �أن يكون موقف رجال الدين من‬ ‫ٍ‬ ‫في العموم وت�صفهم بالجهل والتخلف وتطالب بف�صل مقد�ساتهم حتى عن الحياة العائلية على‬ ‫‪108‬‬


‫طريقة لينين و�ستالين على الأغلب على اعتبار �أن المطالب جاءت بعد الثورة البل�شفية‪ ،‬مثل‬ ‫هكذا �أ�سلوب متطرف وعن�صري ومتحامل بالطبع �سيقف رجال الدين َومن ي�ؤيدهم �ضده ولن‬ ‫داع للت� ُّأ�سف لأن النتيج َة مح�سوم ٌة وال �سبيل لنجاحها بالعك�س هذا الفكر‬ ‫يكتب له النجاح فال ٍ‬ ‫مق�سم‪،‬ومثاله‬ ‫المتطرف يقوم ب�إ�ضافة م�شاكل نحن في ِغنى عنها ويق�سم المجتمع �أكثر مما هو َّ‬ ‫ما يقوم به �أحمد القبانجي �صاحب دين الوجدان الذي يهاجم الأدي��ان �أكثر مما يركز على‬ ‫تو�ضيح معالم دينه الوجداني‪ ،‬وهنا تكمن الم�شكلة حيث �إن هذا الدور �سي�ؤدي �إلى بروز تيا ٍر‬ ‫وحاقد على �أفراد المجتمع المتدينين لأنه يعتقد �أن دين المجتمع هو ال�سبب بكل م�شاكله‬ ‫متعال‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ولي�س �سوء النظام ال�سيا�سي واالقت�صادي والتعليمي‪ ،‬وكنتيجة لهذا النوع من التفكير كتب �أحد‬ ‫الملحدين الم�صريين ما ن�صه‪:‬‬ ‫"لإعادة بعث الأمة الم�صرية البد من قتل معظم ال�شعب ب�أفظع الطرق والتمثيل بجثثهم‬ ‫حتى يرتعد البقية و�إلغاء الدين واللغة العربية بالقوة" هذه النظرة الخاطئة للواقع وم�شاكله‬ ‫لن ت�ساهم في تطور المجتمع ومداواة جراحه ب�أي �شكل من الأ�شكال‪.‬‬

‫مقدمة كتاب "اإلله الفرضية الفاشلة"‪.‬‬ ‫�صفحات تقريبا‪ ،‬وهي مقدمة طويلة تم تناول الكثير من‬ ‫تتكون مقدمة الكتاب من ع�شر‬ ‫ٍ‬ ‫الموا�ضيع منها العدالة الإلهية حيث �إن م�س�ألة العدالة الإلهية ت�شكل �أحد مرتكزات الإلحاد‬ ‫ولكن لن يناق�شها هذا الكتاب لأن الكتاب يتناول الإلحاد من منظور المنهج العلمي‪ ،‬ولكن‬ ‫باخت�صار ُبنيت المقدمة على �أمرين ي�شترك فيهما الملحدون وهما �سوء الظن بالدين‪،‬‬ ‫‪109‬‬


‫واعتبار الأديان الثالثة (الإ�سالم والم�سيحية واليهودية) واحد ًة لها نف�س الأدوات والأفكار‪،‬‬ ‫وهذه مغالطة بالت�أكيد وقع القر�آن �ضحية لها نتيجة لترجمة و�شيوع �أفكار العهد القديم والعهد‬ ‫الجديد في الغرب على ح�ساب القر�آن‪.‬‬ ‫الكـتاب ينتقد المقولة التي انتقدها داوكنز وهي �أن الدين وال ِعلم اخت�صا�صاتٌ غير متداخلة‪،‬‬ ‫وبما �أن الم�ؤلف ي�سعى �إلى محاكمة الخالق واعتباره فر�ضية علمية خاطئة فمِ ن الطبيعي �أن‬ ‫ُيهاجم ويرف�ض هذه المقول َة في المقدمة‪�،‬أ�شار كذلك �إلى ا�ستبيان عام ‪1998‬و�أن ‪ %7‬فقط من‬ ‫طبيعي في ظل مفهوم الإله ال�شخ�صي الذي يرف�ضه‬ ‫العلماء ي�ؤمنون بالإله ال�شخ�صي وهذا �أم ٌر‬ ‫ٌ‬ ‫كل �إن�سان عاقل‪ ،‬ومن الغريب �أن الم�ؤلف عندما يتكلم عن الفترات التي �سبقت ميالد الم�سيح‬ ‫ال ُي�سميها قبل الميالد‪ ،‬و�إنما قبل الحقبة ال�شائعة! انظر �إلى �أين و�صل التطرف بالملحدين؟‬ ‫حتى التعابير التي ال قيمة فعلية لها تزعجهم ‪.‬‬ ‫ولغر�ض �إثبات خط�أ فر�ضية الإله يلج�أ الم�ؤلف �إلى فر�ض فر�ض ّيات ليتمكن من اختبارها تجري ًبا‬ ‫ِ‬ ‫�أو عن طريق المالحظة‪ ،‬فاعتمد الم�ؤلف في فر�ضيته على وجهة نظره ال�شخ�صية للخالق‪ ،‬وهي‬ ‫راف�ض للإله‪ ،‬مما يجعل الفر�ضية على �أقل تقدير ال تمثل وجهة نظر‬ ‫وجهة نظر‬ ‫�شخ�ص ٍ‬ ‫ملحد ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الم�ؤمنين فهو يحاكم فكرته عن الإله ال فكرة الم�ؤمنين‪ .‬يبين الم�ؤلف �أن مفهوم الإله غير‬ ‫داع‬ ‫معرف ب�شكل كامل بين الأديان الثالثة وهذا �أمر طبيعي فلو اتفقت الأديان َل َما كان هناك ٍ‬ ‫العلم‬ ‫لإر�سال �سيدنا عي�سى �أو �سيدنا محمد بعد �إر�سال مو�سى و�إنزال �شريعته‪ ،‬وبين‬ ‫الكاتب �أن َ‬ ‫ُ‬ ‫يت�أتى عن طريق الم�شاهدات المو�ضوعية بالعين وبالآلة وبناء النماذج لو�صف هذه الم�شاهدات‬ ‫واعتبار النماذج �صحيحة �إذا اتفقت مع الم�شاهدات‪ ،‬وبالتالي َب َنى كتا َبه على قناعة �أن الخالق‬ ‫‪110‬‬


‫يمكن اال�ستدالل عليه بط ُرقٍ علمية لأن هلل دو ًرا مركز ًيا في الحياة والكون‪ ،‬وللآن الكالم جميل‬ ‫وال ب�أ�س به‪،‬ولكنه ي�ضيف عبارة "�إنْ كان اهلل موجودًا‪ ،‬ال ُبد �أن يظهر في مكان ما �ضمن فراغات‬ ‫�أو �أخطاء النماذج العلمية"‪.‬‬ ‫الم�شكلة في هذه العبارة �أنه لم يو�ضح لنا كيف يظهر؟يظهر ج�سدً ا؟ يظهر خيا ًال؟ قانو ًنا؟�أم‬ ‫الفجوات‬ ‫كيف؟ لنعتبر هذا الظهور دلي ًال على وجوده‪،‬ولكن بما �أنه يقول في نف�س ال�صفحة �إن‬ ‫ِ‬ ‫الفراغات في العلم والتي عجز العلم عن �إيجاد "تف�سير" لها لي�ست ا�ستد ً‬ ‫الال علم ًيا كاف ًيا‬ ‫�أو‬ ‫ِ‬ ‫لوجود الخالق فهذا قد يعني �أنه يريد من اهلل �أن َيظهر له ك�شيء مادي �أو ك�سر لقانون طبيعي‬ ‫بنا ًء على رغبته �أو �شيء من هذا القبيل‪ ،‬لأن الأدلة على وجود قوة خالقة عاقلة ك�أ�صل للحياة‬ ‫والقوانين والتنظيم والت�صميم ال يعتبرها الم�ؤلف �أدلة كافية‪ ،‬وهذا قد يعني �أنه يبحث عن‬ ‫الإله المادي الذي يمكنه ر�ؤيته‪ ،‬وربما الم�ؤلف يت�صور الإله كرجل ُم ِ�سن مع لحية كبيرة وكر�ش‬ ‫كبير كما ت�صوره بع�ض الأفالم‪.‬‬ ‫ا�ستك�شاف ف�ضائي‬ ‫وقد �أقر بهذا عندما قال في ال�صفحات الالحقة ما ن�صه "لعله �سيظهر في‬ ‫ٍ‬ ‫م�ستقبلي �أو في تجرب ٍة ما في معجل ج�سيمات �ضخم"! وبقوله هذا تت�ضح مخالفة فري�ضته‬ ‫للإله لفر�ضية الم�ؤمنين بالإله‪ .‬على الرغم من ادعاءه البحث عن هذا الإله المادي ف�إنه ال‬ ‫يخفي ُعقدتَه ال�شخ�صية من الخالق الذي يعتقد به الم�ؤمنون ليقول ما ن�صه "و�إن حدث هذا‬ ‫الأمر ف�إن هذا الإله لي�س الخالق المزعوم!" وهذا ي�شير �إلى ما يواجهه الملحد نتيجة لمفهومه‬ ‫الخاطئ عن الإله‪ ،‬فدي ُنهم الإلحادي ي�صور لهم الخالق ب�شكل مزعج ومرعب ومري�ض جدً ا‬ ‫نفي وجو ِده ليناموا بهدوء‪.‬‬ ‫بحيث يحاولون بكل ما ي�ستطيعون من قوة و�إدراك ومعلومات َ‬ ‫‪111‬‬


‫كما يجب الت�أكيد على كلم ًة ا�ستخدمها الم�ؤلف في المقدمة وهي عجز العلم عن �إيجاد تف�سير‬ ‫ولي�س �إيجاد م�صدر �أو �سبب لأن العلم قام �أو قعد لن يقدم �أكثر من تف�سير لم�شاهدات مث ًال‬ ‫كيف تدور الأر�ض حول ال�شم�س وحول نف�سها؟ �أما الم�صدر �أو ال�سبب مث ًال لماذا تدور الأر�ض‬ ‫حول ال�شم�س وحول نف�سها؟فال يمكن للعلم �أن يجيب عليه ال اليوم وال غدً ا وال بعد مليون �سنة‬ ‫لأنه خارج اخت�صا�صه‪.‬‬ ‫بعد كل هذا يبين الكاتب �أن مبد�أ كتابه هو �إخ�ضاع العمليات غير المادية لالختبار با�ستخدام‬ ‫طرق اختبار مادية!!الملحدون َّ‬ ‫الم�شاهدات القائم َة‬ ‫المط ِلعون يعرفون �أن المنهج العلمي يتبع‬ ‫ِ‬ ‫على �أ�سا�س التجربة‪ ،‬وبالتالي هُ م يعرفون �أن ال تجربة ُيمكن �أن نقيمها على الأمور غير المادية‪،‬‬ ‫والم�ؤلف �أدرك هذا الأمر ولذا رف�ض كل ر� ٍأي علمي قد يعار�ض منهجه وقال بالن�ص "البيانات‬ ‫العلنية لبع�ض العلماء والمنظمات الوطنية ب�أن العلم ال يملك ما يفعله مع غير المادي هو �أمر‬ ‫ينافي الوقائع"! و�سنالحظ الح ًقا �أن م�ؤلف هذا الكتاب "فيكتور �ستينغر" �سيخالف في مواق َع‬ ‫كثيرة �آراء بقي ِة العلماء لإثبات دينه الإلحادي حتى لو �أدى ذلك �إلى مخالفته لآراء العلماء‬ ‫العلمية‪.‬‬ ‫يتكلم الم�ؤلف عن فجوات العلم وعجزه في الكثير من المفا�صل العلمية وبد ًال من االعتراف‬ ‫بذلك وبكل توا�ضع ف�إنه ُيحيل هذه الفجوات �إلى الم�ؤمنين م َّتهِ ًما الخالقَ ب�أنه �إله الفجوات! وهو‬ ‫يذهب كما ذهب داوكنز في الحلم بالنظرية النهائية حيث يقول �إنه يوما ما �سيتم ملء هذه‬ ‫الفراغات ُ‬ ‫بطرق معقولة‪ ،‬الكالم ال�شاعري حول الم�ستقبل والنظرية النهائية ما هي �إال و�سيلة‬ ‫ل َنق ِْل م�شكالتهم الحالية والمتمثلة في الفجوات العلمية �إلى الم�ستقبل‪ ،‬وبالتالي ال حاجة لأن‬ ‫يوما في الم�ستقبل ويحلها ويثبت‬ ‫ن�شغل �أنف�سنا كثي ًرا بهذه الثغرات؛ لأن العالم المخ ِّل�ص �سي�أتي ً‬ ‫‪112‬‬


‫�أن الدين الإلحادي هو ال�صحيح‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من �سخافة االتكال على الم�ستقبل وبناء اال�ستنتاجات عليه‪ ،‬ف�إن"ان�ستيفن‬ ‫واينبرغ"عالم الفيزياء الفائز بجائزة نوبل الذي َن�سب داوكنز النظري َة النهائية (الحلم)‬ ‫له قال في حوا ٍر تليفزيوني مع داوكنز" "�إنه لي�س من ال�صحيح �أن نقلل من حجم الم�شكلة‬ ‫التي نحن فيها و�أننا في النهاية قد ال يكون ب�إمكاننا �أن نف�سر العالم‪ ،‬و�أن هناك مجموعة من‬ ‫القوانين الطبيعية التي لن نتمكن من فهمها وال تحويلها �إلى معادالت ريا�ضية و�سيبقى ال�س�ؤال‬ ‫لماذا قوانين الطبيعية على هذه الحال ولي�ست على حال مختلف"‪ .‬بالطبع الملحد �سيرمي بهذا‬ ‫الكالم عر�ض الحائط على الرغم من �أنه �صادر عن عا ِل ٍم فيزيائي ملحد و�سيظل يكرر �سنملأ‬ ‫الفراغات يوما حتى يثبت �إلحاده‪.‬‬ ‫ِ‬

‫الفصل األول – نماذج وطرائق‬ ‫باب يقفز فج�أة‬ ‫باب هو يتكلم في منهجية كتابه‪ِ ،‬ومن ٍ‬ ‫هذا الف�صل َب َدا لي غي َر منظم‪ ،‬فمِ ن ٍ‬ ‫�إلى الفل�سفة‪ ،‬الكاتب يقول في هذا الف�صل ما معناه �أن فتح �شخ�ص �أي �صفحة ع�شوائية من‬ ‫القر�آن �أو العهد القديم ويقر�أ لوهل ٍة فلن ي�ستغرقه الأمر طوي ًال �أن يجد ق ً‬ ‫وال �أو فع ًال هلل مت�ضار ًبا‬ ‫مع ت�صورات ال�شخ�ص نف�سه للخير والطيبة‪،‬عبارة مقاربة كتبها �سام هاري�سون في �أحد كتبه‬ ‫وهي" تقري ًبا في كل �صفحة في القر�آن فيها توجيه للم�سلمين باحتقار غيرهم" هذه العبارة‬ ‫اقتب�سها "بيل ماهر" مقدم البرنامج الأمريكي الم�شهور عند لقائه النائب الأمريكي الم�سلم‬ ‫كيث �ألي�سون فكان جواب كيث �أن هذا كالم �سخيف وغير �صحيح‪ ،‬وذكر له عدة �أمثله من‬ ‫‪113‬‬


‫القر�آن تثبت كذب هذا االدع��اء ف�س�أله بيل �إذن من �أين ي�أتي الإرهابيون؟ ف�أجابه كيث من‬ ‫االجتزاء و�إخراج الآيات عن ن�صو�صها و�أنهم ي�ستخدمون الدين لخدمة م�صالحهم ال�سيا�سية‪.‬‬ ‫لم يكلف م�ؤلف الكتاب نف�سه وال بيل ماهر وال �سام هير�سن �أنف�سهم لالطالع ب�شكل فعلي على‬ ‫القر�آن قبل �إطالق هذه الأحكام الخاطئة وغير الواقعية بالمرة‪ ،‬وال �أعرف كم مر ًة فتحوا فيها‬ ‫منهج علمي يقول عند فتح �أي �صفحة ب�شكل‬ ‫القر�آن ليجدوا ما يدعون؟ وال �أعرف على �أي ٍ‬ ‫ت�صورات الخير �أو الطيبة‪ ،‬وما هي هذه الت�صورات‬ ‫ع�شوائي في القر�آن �سيجد فيه ما يخالف‬ ‫ِ‬ ‫�أ�ص ًال؟ وما هي حدودها؟‬ ‫كرر الم�ؤلف في هذا الف�صل رف�ضه وعدم اقتناعه بر�ؤية الكثير من العلماء وهي�أن العلم ال‬ ‫يتعامل مع الأمور الالمادية �أو الفوق طبيعية‪ ،‬وهذا �أمر متفق عليه كما �أ�شار هو بقوله "معظم‬ ‫بيانات ت�ؤكد �أن العلم يقت�صر‬ ‫الجمعيات العلمية الوطنية والمنظمات الم�ؤيدة للعلم قد �أ�صدرت‬ ‫ٍ‬ ‫على تناول العمليات والظواهر الطبيعية؛ فمث ًال �أعلنت الأكاديمية الوطنية للعلوم في الواليات‬ ‫المتحدة �أن العلم هو طريقة لمعرفة العالم الطبيعي وهو يقت�صر على تف�سير العالم الطبيعي‬ ‫من خالل �أ�سباب طبيعية"‪.‬‬ ‫َ‬ ‫التعريف لأنه �سي�ساعد في فهم طبيعة النزاع الذي يجري‬ ‫رجا ًء عزيزي القارئ ت ََذ َّك ْر هذا‬ ‫الكاتب هذا التعريف ً‬ ‫تاما‬ ‫في المحاكم الأمريكية حول الت�صميم الذكي الح ًقا‪ ،‬رف�ض‬ ‫رف�ضا ً‬ ‫ُ‬ ‫ل�سبب ْين‪ :‬ال�سبب الأول �أن هذا التوجه يعار�ض فكرة كتابه وين�سفها‪ ،‬وبالتالي �إن ق ِب َل بهذا‬ ‫التعريف فال قيمة لكتابه‪ ،‬وال�سبب الثاني هو اعتقاده �أن مثل هذا المنهج يقدم خدمة للم�ؤمنين‬ ‫ويح�صن �إيمانهم من مطرقة العلم‪.‬ال ال�سبب الأول وال ال�سبب الثاني يمكن اعتبارهما �أ�سبا ًبا‬ ‫‪114‬‬


‫أ�سباب لخدمة فكره الإلحادي ومنهجه الجدلي‪.‬‬ ‫علمية ناه�ضة و�إنما مجرد � ٍ‬ ‫ن َق َل في هذا الف�صل َ‬ ‫بع�ض الأدلة الفل�سفية التي في اعتقاده �أنها تدح�ض فكرة الخالق وقد‬ ‫ح�شرها ح�ش ًرا فال عالقة لها بمو�ضوع كتابه فهي لي�ست �أدلة علمية وال ب�أ�س ب�أن نذكرها مع‬ ‫التعليق عليها‪:‬‬ ‫أوال‪ -‬معضلة الشر‪:‬‬ ‫"�إنْ كان اهلل موجودًا‪ ،‬فاهلل يتوافق مع ال�شر‪.‬‬ ‫�صفات اهلل ال تتوافق مع ال�شر‪.‬‬ ‫لهذا‪ ،‬فاهلل لي�س وال يمكن وجوده"‪.‬‬ ‫انتهى‬ ‫وحتى نجيب على الإ�شكالية �أعاله يجب �أن ن�ستعين بنظرة الدين باعتباره المع ِّرف بالخالق‬ ‫و�صفاته و�سيكون جوابي من وجهة نظر قر�آنية‪ ،‬والجواب هو بب�ساطة ال يوجد �شيء ا�سمه �شر‪،‬‬ ‫فال�شر والخير مت�ساويان‪ ،‬والحياة في فل�سفة القر�آن مجرد تجرب ٍة يمر بها الإن�سان وهو ممتحن‬ ‫في الخيرات كما هو الحال في االبتالءات‪ ،‬فالخيرات واالبتالءات مت�ساوية كما ب َّينَ في �سورة‬ ‫ات‬ ‫الأعراف " َو َق َّط ْع َناهُ ْم ِفي ْ أ‬ ‫ال�صا ِل ُحونَ َو ِم ْن ُه ْم دُونَ َذ ِل َك َو َب َل ْو َناهُ م ِبا ْل َح َ�س َن ِ‬ ‫الَ ْر ِ�ض �أُ َم ًما ِّم ْن ُه ُم َّ‬ ‫ات َل َع َّل ُه ْم َي ْر ِج ُعونَ "الأعراف ‪ ،168‬وكذلك ما جاء في �سورة الملك الآية الثانية(ا َّل ِذي‬ ‫ال�س ِّي َئ ِ‬ ‫َو َّ‬ ‫َخ َلقَ ا ْل َم ْوتَ َوا ْل َح َيا َة ِل َي ْب ُل َو ُك ْم �أي ُك ْم �أَ ْح َ�سنُ َع َملاً هُ َو ا ْل َع ِزي ُز ا ْل َغ ُفو ُر" الملك ‪.2‬‬ ‫فال�شر �أو كما ي�سميه القر�آن ال�سيئات هي مجرد �أدا ٍة للتمحي�ص واالختبار وهذا هو هدف‬ ‫فالمعتر�ض‬ ‫الحياة‪ ،‬وهذا الأمر ينطبق على الزالزل والبراكين وغيرها من الكوارث الطبيعية‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫‪115‬‬


‫عليها وعلى هدفها عليه �أن يعتر�ض على الموت وال�شيخوخة والأمرا�ض وغيرها من الأمور‬ ‫التي تقتل الإن�سانَ ‪ ،‬و�إذا كان يعتبر ال��زالزل والبراكين خل ًال في النظام العام فعليه كذلك‬ ‫�أن يعتبر الموتَ والزيادة في العمر وال َ‬ ‫أمرا�ض خلال في النظام‪ ،‬ولكنه ال يعتبرها كذلك لأنه‬ ‫يقر بالقوانين الحاكمة والتي ت�ؤدي �إليها‪ ،‬وكل َمن يعتبر �أن هذه الأمور ِمن ال�شرور فهذا ناتج‬ ‫لنظرته ال�شخ�صية للأمور وق�صر فهمه للغاية وال�سبب‪.‬‬ ‫وهذا هو بال�ضبط حال �سيدنا مو�سى مع عبد اهلل ال�صالح حيث رف�ض �سيدنا مو�سى في القر�آن‬ ‫�أفعاله ولم ي�ستطع معه �صب ًرا لأنه لم يكن يدرك الغاية والهدف واعتبر �أعماله �شريرة وال مبرر‬ ‫لها وال هدف حتى ع َّرفه العبد ال�صالح بالأ�سباب والمبررات‪ ،‬فاختلف موقف �سيدنا مو�سى‬ ‫تماما‪ .‬ولذا قال القر�آن "وما �أ�صابك من �سيئة فمن نف�سك"‪ ،‬يعني ب�سبب نظرتكم للأمور و�إال‬ ‫ً‬ ‫ف�إنها كالح�سنة كلتاهما لها نف�س الهدف والمفعول وكالهما من عند اهلل تعالى‪ ،‬وبالتالي القول‬ ‫بوجود ال�شر ي�ؤدي �إلى نتيجة مفادها عدم وجود خالق �أم ٌر ال قيمة له في �ضوء معرفتنا لمعنى‬ ‫ال�شر في نظر الخالق‪.‬‬ ‫ثانيا‪ -‬الخالق الكامل‪:‬‬ ‫"�إنْ كان اهلل موجودًا‪ ،‬فهو كامل‬ ‫�إن كان اهلل موجودًا‪ ،‬فهو �صانع الكون‬ ‫�إن كان اهلل كام ًال‪ ،‬فكل ما ي�صنعه كامل‬ ‫ولكن الكون غير كامل‬ ‫‪116‬‬


‫لذا‪ ،‬ي�ستحيل �أن يكون كائنٌ كام ٌل هو �صانع الكون‬ ‫لذا‪ ،‬ي�ستحيل وجود اهلل"‬ ‫انتهى‬ ‫هذه الإ�شكالية هي الم�ستخدمة في االنتقا�ص من الت�صميم الذكي باعتباره غير ذكي لأنه‬ ‫منقو�ص وغير كامل‪ ،‬وللإجابة على هذه الإ�شكالية يجب �أن ن�ضع تعري ًفا لمعنى الكمال الذي‬ ‫نن�شده في الكون‪ ،‬وهل �أخبرنا الخالق عن طريق ُر ُ�س ِله �أن غاية الكون هي الكمال؟ �إن كان‬ ‫والر�سل‬ ‫الر�سل �أخبرونا ب�أن الهدف هو الكمال فالإ�شكالية �أعاله �صحيحة‪ ،‬وال يوجد كمال‬ ‫ُ‬ ‫كاذبون‪ ،‬ولكن النظرية القر�آنية وا�ضحة "اهبطوا بع�ضكم لبع�ض عدو" ‪َ ".‬و َل َن ْب ُل َو َّن ُكم ِب َ�ش ْيءٍ ِّمنَ‬ ‫ال ْم َو ِال َو َْ أ‬ ‫ْ�ص ِّمنَ َْ أ‬ ‫ال�صا ِب ِرينَ "‪َ " ،‬و َمن ُّن َع ِّم ْر ُه ُن َن ِّك ْ�س ُه‬ ‫ا ْل َخ ْو ِف َوا ْل ُجو ِع َو َنق ٍ‬ ‫الن ُف ِ�س َوال َّث َم َر ِات َو َب ِّ�ش ِر َّ‬ ‫ا�س َمن َي ْع ُب ُد ال َّلـ َه َع َلى َح ْر ٍف َف�إِنْ �أَ َ�صا َب ُه َخ ْي ٌر ْاط َم�أَنَّ ِب ِه‬ ‫ِفي ا ْل َخ ْل ِق �أَ َفلاَ َي ْع ِق ُلونَ "‪َ " ،‬و ِمنَ ال َّن ِ‬ ‫َو�إِنْ �أَ َ�صا َب ْت ُه ِف ْت َن ٌة ان َق َل َب َع َلى َو ْجهِ ِه َخ ِ�س َر ال ُّد ْن َيا َو ْال ِآخ َر َة َذ ِل َك هُ َو ا ْل ُخ ْ�س َرانُ ا ْل ُم ِبينُ "‪ ،‬وغيرها‬ ‫من الآيات الكريمة التي تدل وت�ؤكد على ق�صدية عدم الكمال‪ ،‬فالكمال يمكن الح�صول عليه‬ ‫بمالئمة الهدف المن�شود ولي�س بمالئمة ما يريده �صاحب الإ�شكالية ولذا �أنا اقترحت فكرة‬ ‫"الت�صميم الفعال" بد ًال من "الت�صميم الذكي"‪.‬‬ ‫كلي الحضور‪:‬‬ ‫ثال ًثا(‪-)1‬ال يمكن لكائن متعا ٍل أن يكون َّ‬ ‫متعال (�أي خارج الزمان والمكان)‪.‬‬ ‫"�إن كان اهلل موجودًا‪ ،‬فهو ٍ‬ ‫كلي الح�ضور (حا�ضر في كل مكان)‬ ‫�إن كان اهلل موجودًا‪ ،‬فهو ّ‬ ‫‪117‬‬


‫كي يكون متعال ًيا‪ ،‬ال يمكن �أن يوجد في �أي مكان‪.‬‬ ‫كلي الح�ضور‪ ،‬يجب �أن يوجد الكائن في كل مكان‬ ‫كي يكون َّ‬ ‫لذا ي�ستحيل �أن يكون اهلل موجودًا‬ ‫انتهى‬ ‫ذات أن يكون غير مادي‪:‬‬ ‫ثال ًثا‪ )2( -‬ال يمكن لكائن ذي ٍ‬ ‫�إنْ كان اهلل موجودًا فهو غير مادي‬ ‫�إن كان موجودًا فهو ذات‬ ‫الذات يجب �أن تكون مادية‬ ‫لذا ي�ستحيل وجود اهلل"‬ ‫انتهى‬ ‫�إذا كان الم�ؤلف ي�ؤمن بالإ�شكالية الثالثة رقم (‪ )2‬و�أن الخالق غير مادي فلماذا كتب كتا َبه؟‬ ‫الكاتب كما هو وا�ضح لي�س �صاحب منهجي ٍة علمية و�إنما فقط يحاول ج ْم َع كافة الأدلة المتوفرة‬ ‫التي تثبت ب�شكل �أو ب�آخر عدم وجود خالق و�إن كان يناق�ض �إحداها الأخرى‪.‬‬ ‫كلي الح�ضور‬ ‫كلي الح�ضور‪ ،‬و�إن كان َّ‬ ‫لنعود �إلى الإ�شكالية‪� ،‬إنْ كان اهلل متعال ًيا فال يمكن �أن يكون َّ‬ ‫فال يمكن �أن يكون متعال ًيا من ناحية‪ ،‬ومن ناحية �أخرى �إنْ كان موجودًا فهو مادة وذات وبما‬ ‫�أنه ال مادي فهو غير موجود!! حل الإ�شكالية � ً‬ ‫أي�ضا يكمن في تعريفنا للمتعالي وكلي الح�ضور‪،‬‬ ‫على العموم الإ�سالم َّ‬ ‫حل هذه الإ�شكالية منذ قرون والحلول الإلهي في كل �شيء هو لي�س الحل‬

‫‪118‬‬


‫المادي و�إنما المعرفي قال تعالى ( ُق ْل ِ�إن تُخْ ُفوا َما ِفي ُ�صدُو ِر ُك ْم �أو ُت ْبدُو ُه َي ْع َل ْم ُه ال َّلـ ُه َو َي ْع َل ُم َما‬ ‫الَ ْر ِ�ض َوال َّلـ ُه َع َلى ُك ِّل َ�ش ْيءٍ َق ِدير‪� .‬آل عمران ‪)29‬‬ ‫اوات َو َما ِفي ْ أ‬ ‫ال�س َم ِ‬ ‫ِفي َّ‬ ‫لعوام َل منها اللغة‬ ‫قلناها مرا ًرا وتكرا ًرا م�شكلة ه�ؤالء هو عدم اطالعهم على النظرية القر�آنية ِ‬ ‫واختالف المحيط الديني الذي ن�ش�أوا فيه‪ ،‬ولكن ال يمكن �أن نعذر الملحدين العرب التخاذهم‬ ‫هذه الإ�شكاليات بدون تدقيق وتمحي�ص‪ ،‬الأمر الذي ال ينتج �إال عن الك�سل والرغبة في الحلول‬ ‫الجاهزة‪.‬‬ ‫هل وجود اهلل مادي �أم غير مادي؟ الجواب وجودُه لي�س ماد ًيا فهو خالق المادة التي نعرفها‬ ‫ولي�س كمثله �شي وال تقع عليه الحوادث‪ ،‬يعني ال يمكن �أن نقول �إنْ كان موجود فهذا يعني �أنه‬ ‫مادة‪ ،‬لأنه َمن �أوجد الوجود المادي ف َمن �أوجد الوجود هو من �أوجد المادة‪ ،‬وبالتالي ال يمكن‬ ‫كنت تريد �أن تناق�ش الم�ؤمنين فعليك �أن تناق�ش‬ ‫�أن يكون ماد ًيا‪،‬وهذه هي نظرية الم�ؤمنين ف�إذا َ‬ ‫مبانيهم و�أفكارهم ولي�س اعتقاداتك و�أفكارك‪� .‬أثناء ح�ضوري �أحد الم�ؤتمرات الإلحادية في‬ ‫�أمريكا وبعدما ع َرفوني كم�ؤمن رف�ضوا �أن �أتكلم �أو �أن �أناق�ش وبعدما �س�ألتهم عن ال�سبب �أجابني‬ ‫�أحدهم بقوله "�إننا نرغب �أن نتناق�ش �ضمن محيطنا بهدوءٍ " وال�س�ؤال المهم هو كيف تناق�ش‬ ‫�أفكار الآخرين واعتقاداتهم و�أنت ال ت�سمح لهم حتى ببيان ر�أيهم و�أفكارهم؟‬ ‫مخت�صر لأنها ال عالقة لها بمو�ضوع‪ ،‬وبما �أن‬ ‫وب�شكل‬ ‫من الأمور المهمة التي يجب مناق�شتها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الكالم هل �أن الخالق مادة �أم ال‪ ،‬هو توجه المذهب ال�سلفي عند الم�سلمين �إلى �إثبات �أن هلل قد ٌم‬ ‫وعينٌ وغيرها‪ ،‬ولكن لي�س كمثله �شيء من باب �إثبات هلل ما �أثبت لنف�سه في القر�آن و�أدخلوا هذا‬ ‫االعتقاد من �ضمن التوحيد و�أ�سموه توحيد ال�صفات والأ�سماء‪ ،‬ولكن من حق بقية الم�سلمون �أن‬ ‫‪119‬‬


‫ي�س�ألوا؟ لماذا يحتاج اهلل للعين والقدم وهل ي�ستخدم القدم لي�سير بها والعين لينظر بها �أم ال؟‬ ‫ومن حقهم �أن يت�ساءلوا � ً‬ ‫أي�ضا ما دامت اللغة العربية تحمل على المجاز ومادام القر�آن يحتوى‬ ‫على المجاز اللغوي ومادام هناك �إمكانية لحمل هذه الآيات على المجاز فلماذا هذا الإ�صرار‬ ‫على جعل الخالق مادة وج�سم؟ المو�ضوع قد يطول وال مجال هنا لمناق�شته‪.‬‬ ‫راب ًعا‪ -‬القدرة المطلَقة‪:‬‬ ‫�إ ّما �أن يكون اهلل قاد ًرا على خلق �صخرة وال ي�ستطيع رف َعها‪� ،‬أو غير قادر على خلق �صخرة ال‬ ‫ي�ستطيع رف َعها‪.‬‬ ‫كلي القدرة‪.‬‬ ‫�إنْ كان اهلل قاد ًرا على خلق �صخرة ال ي�ستطيع رف َعها‪ ،‬فلي�س َّ‬ ‫كلي القدرة‪.‬‬ ‫�إنْ كان اهلل غير قاد ٌر على خلق �صخرة ال ي�ستطيع رف َعها‪ ،‬فلي�س ّ‬ ‫كلي القدرة‬ ‫لهذا فاهلل لي�س َّ‬ ‫انتهى‬ ‫مر ًة ثانية ال �أعرف ِمن �أين �أتى �صاحب هذه الإ�شكالية بهذه المفاهيم حيث ي�صور الخالق ك�أنه‬ ‫مادة محدودة الأبعاد بحيث ي�ستطيع �أن يخلق �صخرة �أكبر ال ي�ستطيع رفعها‪ ،‬ولكن ال�س�ؤال �إن‬ ‫كان هو من يخلقها ويخلق القدرة فكيف ال ي�ستطيع �أن يخلق القدرة التي تمكنه من رفعه؟ و�إن‬ ‫افتر�ضنا �أنه لم يخلق القوة التي ي�ستطيع �أن يرفع بها ال�صخرة‪ ،‬فهل هذا �سيجعله غير كلي‬ ‫القدرة �أم فقط غير راغب بذلك‪ ،‬كذلك من حقنا �أن ن�س�أل �أين �سي�ضع ال�صخرة؟ وما مدة‬ ‫حمله لها؟ فال يكفي �أن تطرح �إ�شكالية و�إنما عليك �أن تب ِّين �إمكانية تحققها في �ضوء مفهوم‬ ‫‪120‬‬


‫الإله الذي ي�ؤمن به الم�ؤمنون‪ ،‬ولي�س في �ضوء مفهومك ل ٍإله تنكره وتلحد به‪ ،‬مع مالحظة �أن‬ ‫الم�ؤمنين لديهم مفاهيم مختلفة للإله ك ُّل ح�سب ثقافته ّ‬ ‫واطالعه وبيئته‪.‬‬ ‫يمدح الكاتب موقف العلم من النظريات العلمية وقابلية تغييرها وتعديلها وك�أن هذا الموقف‬ ‫وح�سنة للعلم في حين �إنها من �صميم عمل العلم وبخالفه‪ ،‬فال قيمة لعلم فهي لي�ست‬ ‫ميزة َ‬ ‫ميزة و�إنما واقع حال‪ ،‬في نف�س الوقت ينتقد الكاتب الدينَ باعتباره جمودا ال �سبيل �إلى تغييره‪،‬‬ ‫الر�سل �أنف�سهم‪ ،‬فالم�سيح عي�سى لم ير�سله اهلل بر�سالته ولم يخرج‬ ‫وهذا المفهوم يتناق�ض مع ُ‬ ‫وت�صحيحا له‪ ،‬وكذا ر�سول الإ�سالم محمد لم يقاتله قومه �إال لأنه‬ ‫بر�سالته �إال انتقادًا للموروث‬ ‫ً‬ ‫انتقد مور َثهم الديني والثقافي‪ ،‬ولم يت�آمر عليه اليهود في المدينة �إال لنف�س ال�سبب‪ ،‬الأديان‬ ‫دعوات �إلى الجمود‬ ‫ثورات فكري ًة على الموروث ولم تكن في يوم من الأيام‬ ‫ٍ‬ ‫ع ْب َر التاريخ كانت ٍ‬ ‫ومع �أنني ال �أُنكر �أن الدين لدى البع�ض م��وروث جامد وهذا �سبب الكثير من الويالت لدى‬ ‫الم�سلمين اليوم ولدى غيرهم عبر التاريخ ولكن ال يمكن تعميم هذه النظرة ال�ضيقة للدين على‬ ‫وجهات نظرهم‪ ،‬فمث ًال الم�ؤلف ال يقول �إن‬ ‫جميع الم�ؤمنين‪ ،‬المتع�صبون يركزون على ما يوافق‬ ‫ِ‬ ‫البروت�ستانت هي حركة دينية ثورية على الجمود والت�سلط الذي قامت به الكني�سة البابوية‪ ،‬وال‬ ‫يقول �إن الح�ضارة الإ�سالمية كان لها دو ٌر في تطوير ونقل العلوم �إلى الغرب لأن مثل هذه الأمثلة‬ ‫تنتقد مزاعمه حول الت�أثير ال�سلبي للدين‪ ،‬وال ُبد من الإ�شارة مرة ثانية �إلى �أننا ا�ستخدمنا �آيات‬ ‫القر�آن لنناق�ش الإ�شكاليات �أعاله لأنها تعنى بمفهوم الإله والطريقة الوحيدة لمعرفة مفهوم‬ ‫الأديان حول الإله هي ُكتُب هذه الأديان‪ ،‬وهنا قد اخترت القر�آن لأنني م�ؤمنٌ فيه‪.‬‬ ‫ينتقد الكاتب م�صطلح االنتقاء ال�صدفوي �أو انتقاء ال�صدفة ومثالها على ذلك �إيمان البع�ض‬ ‫نتيجة لحلمهم ب�أمر معين �أو نتيجة لتحقق حلم معين ولكن يغفل هذا البع�ض �أن ماليين الأحالم‬ ‫‪121‬‬


‫مبني على هذا المنهج؛ فمن باب �أولى‬ ‫لم تتحقق‪ ،‬وهنا اتفق معه ولكن �إن كان رف�ضنا للأمور ٌ‬ ‫�أن نتبع نف�س المنهج مع �آلية الطفرات التي تعتبر �أحد �آليات التطور‪ ،‬وبالتالي ننكرها ب�شكل‬ ‫كامل وهنا �أنا ال �أدافع عن الأحالم ف�أنا ال �أعتقد فيها � ً‬ ‫أي�ضا ولكن �أتكلم عن طريقة الحكم على‬ ‫الأمور‪ ،‬فهذه كتلك فكما �أن ماليين الأحالم لم تتحقق فكذا ماليين الطفرات لم تقدم �شي ًئا‬ ‫في ال�سلم التطوري فلماذا ال يمكننا �أن ن�شكك في االنتخاب الطبيعي كما �شكك الـ ‪ 400‬عا ِلم؟‬ ‫في نهاية الف�صل الطويل يبين الم�ؤلف نموذج الإله العلمي والذي من المفرو�ض �أن يخ�ضعه‬ ‫للتجربة العلمية‪ ،‬النموذج هو‪:‬‬ ‫*اهلل هو الخالق وحافظ الكون‪.‬‬ ‫*اهلل هو مهند�س تركيب الكون وم�ؤلف قوانين الطبيعة ‪.‬‬ ‫*اهلل يتدخل كما ي�شاء في تغيير م�سار الأح��داث‪ ،‬بما في ذل��ك انتهاك قوانينه ه��و‪ ،‬مثال‬ ‫كا�ستجابته لتو�سالت الب�شر‪(.‬ما الدليل على هذه ال�صفة؟ وهل اال�ستجابة للدعاء هي انتهاك‬ ‫مقدمات كما �سنتناول ذلك بالتف�صيل‬ ‫وخ�صو�صا �أن للدعاء‬ ‫لقوانينه؟ �أم من �ضمن قوانينه؟‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫الح ًقا؟)‪.‬‬ ‫*اهلل هو الخالق وحافظ الحياة والب�شرية‪.‬‬ ‫أرواحا �أبدية غير مادية‪ ،‬موجودة با�ستقالل عن �أج�سادهم وتحمل جوهر‬ ‫*اهلل قد وهب للب�شر � ً‬ ‫�شخ�صية الفرد وذاتيتَه‪( .‬كيف �سيثبت وجود �أو عدم وجود الأرواح علم ًيا بما �أنه افتر�ض �أنها‬ ‫غير مادية)‬ ‫"وهم الإله" تم تو�ضيح‬ ‫*اهلل هو م�صدر الأخالق والقيم الب�شرية‪(.‬عند مناق�شة كتاب ريت�شارد ْ‬ ‫‪122‬‬


‫العالقة بين الأخالق والأديان و�أن �إحداهما مكملة للأخرى‪ ،‬والإن�سان بفطرته يحب الأخالق‪،‬‬ ‫والأديان جاءت متوافقة ومبينة لذلك) ‪.‬‬ ‫*اهلل قد �أظهر حقائق في الكتب المقد�سة‪ ،‬وبالتخاطب مبا�شرة مع �أف��راد م�صطفين عبر‬ ‫التاريخ‪( .‬طب ًعا هذه الحقائق في الكتب المقد�سة تم رف�ضها �أو تحريفها‪ ،‬ولذا بعث اهلل الأنبياء‬ ‫دخل عليها‪ ،‬ولذا ال يمكن اعتبار �أن الكتب المقد�سة كالعهد القديم‬ ‫الح ًقا كثور ٍة ت�صحيحية ِل َما �أُ ِ‬ ‫والجديد معبر ٌة عن الحقائق التي �أرادها اهلل‪ ،‬وكذلك ال يمكن اعتبار الكتب المقد�سة بما فيها‬ ‫القر�آن ُك ُت ًبا علمية تعطينا حقائقَ علمية و�إنما هي ُكت ٌُب لهداية الإن�سان قد تحتوي على بع�ض‬ ‫الإ�شارات العلمية ولكن في الأ�صل هي كت ُُب هداية)‬ ‫نف�سه عمدً ا عن �أي �إن�سان منفتح لإيجاد الأدلة على وجوده‪(.‬نعم‪ ،‬ولكن يجب‬ ‫*اهلل ال ُيخفي َ‬ ‫التركيز على مفردة الأدلة‪ ،‬وما تعريفه للأدلة؟ وهل يريد ا�ستك�شافه في تل�سكوب ف�ضائي قوي‬ ‫ك�شخ�ص �أمام عينه؟)‪.‬‬ ‫الكاتب �أن َيظهر له اهلل‬ ‫القدرة؟ �أم يريد‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الكاتب �أن برهانه العلمي على عدم وجود خالق �سيكون عن طريق �إثبات‬ ‫بعد تو�ضيح ذلك ب َّينَ‬ ‫ُ‬ ‫افترا�ضات معينة من �صميم وجود الخالق ح�سب وجهة‬ ‫�أنه ال توجد �أدلة عليه‪ ،‬حيث يفتر�ض‬ ‫ٍ‬ ‫نظره ال�شخ�صية‪ ،‬ومن ثم يثبت خط�أ هذه االفترا�ضات‪ ،‬وبالتالي ف�إن هذه �ست�ؤدي �إلى �إثبات‬ ‫عدم وجود خالق‪ ،‬االفترا�ضات الخم�سة هي‪:‬‬ ‫*الخالق ي�ؤدي دو ًرا مه ًما في الكون‪.‬‬ ‫َ‬ ‫*افتر�ض �أن اهلل لديه �صفاتٌ خا�صة قد توفر �أدلة مو�ضوعية على وجوده؟‬ ‫*البحث عن هذه الأدلة بعقل منفتح‪.‬‬ ‫‪123‬‬


‫*�إن ُو ِجدت �أدلة كهذه‪ ،‬ا�ستنتج �أن اهلل قد يكون موجودًا‪.‬‬ ‫*�إنْ لم توجد �أدل��ة مو�ضوعية كهذه‪ ،‬ا�ستنتج بما يتجاوز ال�شكل العقالني �أن الخالق بهذه‬ ‫ال�صفات غير موجود‪.‬‬ ‫انتهى‬ ‫الم�شكلة التي يطرحها الم�ؤمنون على هذا النموذج هو رف�ضهم لكثير من فر�ضيات هذا النموذج‬ ‫مفهوما �شخ�ص ًيا يختلف عن مفهوم الم�ؤمنين �أنف�سهم عن الإله‬ ‫ال�صادرة من �شخ�ص يحمل‬ ‫ً‬ ‫فهذا النموذج يمثل ت�صور الم�ؤلف الذين ين�صب نف�سه خ�صما" وحكما" في �أن واحد‪ .‬كما �أن‬ ‫تفا�صيل النموذج غام�ضة وال�شيطان يكمن في التفا�صيل‪.‬‬

‫الفصل الثاني – و ْهم التصميم‬ ‫كان من المفتر�ض �أن يقدم �أدلة على بطالن القول بالت�صميم الذكي في هذا الف�صل‪ ،‬ولكنه‬ ‫التقاليد البالية‬ ‫تكلم في كل �شيء ما عدا مناق�شه �أدلة الت�صميم ب�شكل مبا�شر‪ ،‬حيث ناق�ش‬ ‫َ‬ ‫التي يجب رف�ضها ونحن نتفق معه بذلك كقول �أن الأر�ض م�سطحة �ساكنة في مركز الكون‪،‬‬ ‫أ�شخا�ص عا�شوا في ع�صور‬ ‫مفاهيم ل‬ ‫وهذا الن�ص ال يقول به �أغلب الم�ؤمنون اليوم‪ ،‬و�إنما مجرد‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫�سابقة وكان ذلك هو ال�سائد نتيجة الأدوات العلمية ال�سائدة في ذلك الوقت‪ ،‬حيث ف�سروا بع�ض‬ ‫جبرين ب�أية‬ ‫الآيات تف�سي ًرا خاط ًئا يتنا�سب مع مبلغ علمهم‪ ،‬و�أنا وغيري الكثيرين اليوم غير ُم ٍ‬ ‫حال من الأحوال ب�إتباع تف�سيرات القدماء و�إن كان للأ�سف مفتي ال�سعودية الحالي والذي قبله‬ ‫ما زالوا ي�صرون على �أن ال�شم�س تدور حول الأر�ض باعتبار �أن الآية القر�آنية تقول �إن ال�شم�س‬ ‫‪124‬‬


‫تجري لم�ستقر لها‪ ،‬في حين �أن الآية ال عالقة لها فيمن يدور حول من‪ ،‬مما ا�ضطرهم لال�ستناد‬ ‫على الأحاديث المو�ضوعة التي ُك ِتبت بعد مئات ال�سنين من وفاة ر�سول الإ�سالم‪.‬‬ ‫�أ�شار الم�ؤلف �إلى نقطة مهمة يغفل عنها الكثير في بداية هذا الف�صل‪ ،‬حيث قال ما ن�صه فكرة‬ ‫التطور كانت متداول ًة لفترة‪ ،‬حتى �أن َج َّد ت�شارلز داروين كان ن�صي ًرا مه ًما لها وهذا ما �أ�شرنا‬ ‫�إليه في الكالم عن التطور وو�ضحنا �أن داروين جاء باالنتخاب الطبيعي ولي�س بالتطور نف�سه‪.‬‬ ‫يتكلم الم�ؤلف في هذا الف�صل حاله حال بقية ُكتُب الإلحاد عن المعركة مع الخلوقيين عبر‬ ‫التاريخ وكيف منع تدري�س التطور في بع�ض المدار�س الأمريكية‪ ،‬وكيف يمنع اليوم تدري�س‬ ‫الت�صميم الذكي في المدار�س وغيرها من معالم ال�صراع في �أمريكا بين الخلوقيين والتطوريين‪،‬‬ ‫وهو �صراع مفت َعل ال قيمة له وال�سبب الرئي�سي في هذا ال�صراع هو محاولة الخلوقيين جعل‬ ‫نظرية الخلق نظرية علمية ولذا يحاولون �أن يجعلوها �إحدى درو�س مادة العلوم‪ ،‬من جانب‬ ‫أبعاد دينية تعني ب�شكل �أو ب�آخر موت‬ ‫�آخر محاولة الملحدين جعل نظرية التطور نظري ًة ذات � ٍ‬ ‫الخالق ونتيجة لذلك رف�ضها الخلوقيون لأنها تخالف الدين‪،‬ولذا �أي�ضا يجب منع تدري�سها وفق‬ ‫الد�ستور الأمريكي‪.‬‬ ‫اليوم يعتبر الملحدون رف�ض عدة محاكم في �أمريكا تدري�س الت�صميم الذكي كمادة في در�س‬ ‫غريب‬ ‫العلوم داللة على �أن ال �صحة على الت�صميم الذكي وهكذا يتخذ ه�ؤالء الملحدون‬ ‫وب�شكل ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫قرار المحكمة على �أنه دليل عقلي منطقي لرف�ض الت�صميم‪ ،‬وهذا خط�أ فادح للأ�سباب الآتية‪:‬‬ ‫قا�ض قانوني لتفريق العلم عن الال علم (العلم الزائف) وهذا �أمر‬ ‫�أوال‪�:‬إنهم اعتمدوا على ٍ‬ ‫م�ضحك‪ ،‬و�إن كان الأم��ر كذلك فما يقولون فيما حدث عام ‪ 1925‬عندما جرمت المحكمة‬ ‫‪125‬‬


‫مد ِّر َ�س الأحياء "جون �سكوب�س" لتدري�سه التطور؟ هذا الفرح ال�صبياني بقرار محكمة وترديده‬ ‫من ِق َبل الملحدين �أم ٌر م�ضحك فع ًال حيث �أنتج الملحدون برامج وثائقي ًة لالبتهاج بهذا الن�صر‬ ‫المزعوم‪ ،‬والحقيقة �أن كل ما في الأمر �أن الق�ضاة يعتمدون على موا َّد قانوني ٍة وخبرا َء لتعريف‬ ‫العلم وتبيانه‪،‬وبالتالي عندما تم التَّحاكم �إلى الق�ضاء بخ�صو�ص الت�صميم الذكي ف�إن العلم‬ ‫كما تكلمنا �ساب ًقا يتعامل مع الواقع المادي وما يمكن م�شاهدته واختباره ح�ص ًرا‪ ،‬وبما �أن‬ ‫نظرية الت�صميم الذكي تحيل الم�س�ألة �إلى جود قوى خارق ٍة غير مادية‪� ،‬إذن الت�صميم الذكي‬ ‫ال يتوافق مع حدود المنهج العلمي وال يمكن اعتباره ماد ًة علمية يمكن �أن تد َّر�س في المدار�س‬ ‫الت�صميم الذكي لأن �أدلته غير حقيقة �أو غير‬ ‫لأنها تخالف تعريف العلم‪ ،‬فالق�ضاة لم يرف�ضوا‬ ‫َ‬ ‫ذات قيمة‪ ،‬ولكن لأن الفكرة تتعار�ض مع تعريف العلم‪.‬‬ ‫ثانيا‪:‬الأمر المهم الآخر �أنه ونتيج ًة لف�صل الدين عن الدولة د�ستوريا في �أمريكا فال يمكن‬ ‫تدري�س الدين في المدار�س‪ ،‬ولذلك يحاول الخلوقيون � َ‬ ‫إدخال الدين عن طريق در�س العلوم‬ ‫م�ستخدمين نظرية الت�صميم الذكي كح�صان طروادة‪ ،‬ولأجل ذلك يحدث هذا اللف والدوران‬ ‫لأجل �أن يدر�س الت�صميم �ضمن درو�س العلوم‪.‬‬ ‫المح ِبط في هذا الف�صل �أن الم� َ‬ ‫ؤلف ال ينا ِق�ش �أدل َة الت�صميم الذكي ب�شكل مبا�شر‪ ،‬و�إنما يحاول‬ ‫عنوان فرعي ا�سمه "�أ�سفين الت�صميم الذكي"تكلم عن‬ ‫�أن يلف و�أن يدور حولها‪ ،‬مثال في‬ ‫ٍ‬ ‫الهدف والغاية من القول بالت�صميم الذكي‪ ،‬وكما نعلم ف�إن هناك فر ًقا كبي ًرا بين مناق�شة‬ ‫�أدلة الت�صميم وبين مناق�شة مدلوالته وهدفه‪ ،‬حيث ان�شغل بالكالم عن المنظمات التي تم ِّول‬ ‫الدرا�سات التي يقوم بها دُعاة الت�صميم الذكي والهدف منها ومحاولة تجنب المنع الد�ستوري‬ ‫ِ‬ ‫‪126‬‬


‫الخا�ص بالمواد الدينية في المدار�س الأمريكية وغيرها‪ ،‬ولكن للأ�سف لم يناق�ش الأدل َة ب�صور ٍة‬ ‫مجردة‪.‬‬ ‫والقارئ من خارج �أمريكا قد يت�ساءل ما دخلي �أنا بهذا الكالم؟ كلمني عن الت�صميم و�أدلته‪،‬‬ ‫قد يقول البع�ض �أنه يناق�ش النتيجة والهدف ويحكم على الأدلة بنا ًء على النتائج والأهداف‪،‬‬ ‫وهذا �أمر خطير لأن الهدف والنتيجة قد تختلف من زمان �إلى �آخر ومن مكان �إلى �آخر ولكن‬ ‫الأدلة الموجبة للمو�ضوع �أمر �آخر‪َ ،‬‬ ‫انتقل بعد ذلك �إلى ما ي�سمى بالتعقيد الالمختزل وا َّد َعى‬ ‫�أن ال�ضرورة قادت الم�ؤمنين �إلى التعقيد الالمختزل وع َّل َل ب�أن �أدلة الت�صميم الذكي لم ت�صمد‬ ‫في موا�ضي َع كثيرة كما لم ين�شر من عملهم �شيء في مجالت علمية محترمة‪ ،‬ومن حق المطلع‬ ‫�أن يت�ساءل كيف تن�شر في مجالت علمية محترمة �أو غير محترمة وهي تتجاوز حدود العلم‪.‬‬ ‫المهم ل َن ُعد �إلى التعقيد الالمختزل لع ّل وع�سى �أن يناق�شه الكاتب ب�صورة علمية مجردة هذه‬ ‫المرة ولي�س باللف وال��دوران كما فعل بمو�ضوع الت�صميم الذكي‪ ،‬بد�أ بذكر كتاب "�صندوق‬ ‫داروين الأ�سود‪ ،‬التحدي البيوكيميائي للتطور"لم�ؤلفه "بيهي" الذي قدم فكرة التعقيد غير‬ ‫القابل لالختزال وهو بب�ساط ٍة اختيار مر َّك ٍب ع�ضوي يتكون من عدة �أجزاء وال يمكنه العمل �إذا‬ ‫تم رفع �أحد هذه الأجزاء‪،‬وبالتالي يعتبر هذا المركب ثغر ًة �أو دلي ًال على عدم �صحة االنتخاب‬ ‫(الح ْظ �أخي القارئ عدم �صحة االنتخاب الطبيعي ولي�س التطور)‪ ،‬للأ�سف لم يناق�ش‬ ‫الطبيعي ِ‬ ‫الم�ؤلف الأمثل َة التي طرحها "بيهي" و�إنما �أحال ُق َّرا َءه لغيره من العلماء حيث قال عنهم "�إنهم‬ ‫فندوا برهان "بيهي" تف�صي ًال حيث �سرد الإحيائيون التطوريون �أمثل ًة عديدة في الطبيعية يغير‬ ‫النظام الع�ضوي فيها وظائفه خالل تطوره حتى قبل �أن يجل�س "بيهي" ليكتب‪.‬‬ ‫‪127‬‬


‫وكل ما ذكره الم�ؤلف في الرد على التعقيد غير القابل لالختزال هو مثال الباندا ذو ال�ست‬ ‫إبهامه المقابل لي�س �إ�صبعا‪ ،‬بل عظم في ر�سغه ت�ضخم لي�شكل بروزا �صلبا‬ ‫�أ�صابع حيث �إن � َ‬ ‫ي�ستفيد منه في �إم�ساك عود براعم الخيزران‪ ،‬غذاء الباندا الوحيد! حيث نقل عن عالم �آخر‬ ‫يعتقد �أن هذا البروز تطور نتيجة الحتياج الباندا له‪ ،‬ولم يخبرنا ال الم�ؤلف وال العالم الذي نقل‬ ‫الم�ؤلف عنه كيف كان ي�أكل قبل ذلك‪ ،‬قد يقول قائل �إن هذا مجرد ت�صور ِل َما حدث‪ ،‬فال يوجد‬ ‫دليل ناه�ض �أن البروز ال�صلب في يد الباندا لم يكن عن طريق خطة م�سبقة‪ ،‬وخ�صو�صا �أنه‬ ‫يحتاجه في �إم�ساك عود براعم الخيزران غذائه الوحيد‪.‬‬ ‫"بيهي" يعطي مثاال على التعقيد غير القابل لالختزال بالإ�شارة �إلى نوع من �أنواع ال ِبكتريا‬ ‫لها �سوط ي�ساعدها في ال�سباحة �ضمن الو�سط الذي تعي�ش فيه‪ ،‬ويقول �إن هذا التعقيد غير‬ ‫قابل لالختزال حيث ال يمكن لهذه ال ِبكتيريا �أن توجد وتعي�ش بدون هذا ال�سوط‪ ،‬وال يمكن �أن‬ ‫بمراحل االنتقاء الطبيعي والتطور‪ ،‬وبالتالي هناك ت�صميم‪ ،‬وبالتالي هناك‬ ‫يمر هذا ال�سوط‬ ‫ِ‬ ‫اال�ستنتاج وال ينكر الم�شاهد َة �أو المالحظة‪ ،‬ولكن اال�ستنتاج‬ ‫خالق‪ .‬هنا يرف�ض ال ِع ُلم هذا‬ ‫َ‬ ‫العلم للتطور على ح�ساب‬ ‫يرف�ضه لي�س لعدم �صالحيته و�إنما لوقوعه خارج تغطيته‪،‬ولذا يميل ُ‬ ‫الت�صميم‪.‬‬ ‫لنرجع لنقا�ش �سوط البكتيريا حيث يقول من ال يعتقد بالت�صميم �أنه كان له وظيفة �أخرى‬ ‫قبل �أن ي�صبح �سوطا‪ ،‬في حقيقة الأمر ال يمكن ب�أية حال من الأحوال �إثبات هل ال�سوط تطور‬ ‫باالنتخاب الطبيعي �أم تطور بتدخل �إلهي �أم ُخ ِلق بهذا ال�شكل! بالتالي الق�ضية وجهة نظر‬ ‫ولكن هناك وجهة نظر يقبلها العلم لأنها تقع �ضمن تغطيته‪ ،‬ووجهة نظر ال يتقبلها العلم لأنها‬ ‫‪128‬‬


‫ربط مع الخالق لكلتَا وجهتي النظر‪،‬‬ ‫لي�ست �ضمن تغطيته‪� ،‬أ ّما عالقتها بالخالق فيمكن �إيجاد ٍ‬ ‫فعندما نقول ت�صميم فالخالق هو َمن �ص ّممه‪ ،‬وعندما نقول تطور �أو تنظيم ذاتي فالخالق َمن‬ ‫أوجد القانون ووفر الظروف ليتطور وينتج ما نراه ت�صميما هند�سيا‪ ،‬فالبيوت م�صممة وتتطور‬ ‫� َ‬ ‫�أثناء البناء‪ ،‬وال�سيارات م�صممة وتتطور �أثناء الت�صنيع فالمهند�س الإن�شائي م�ص ِّمم البيت‪،‬‬ ‫والمهند�س م�صمم ال�سيارة‪ ،‬والخالق م�صمم �سوط البكتيريا‪ ،‬فالخالق هو العن�صر الواعي‬ ‫الفعال‪.‬‬ ‫كالمه عن هذه ال ِبكتريا ب�أ�سلوب جدلي م�ستخدمين مثال‬ ‫يناق�ض معار�ضو فكرة "بيهي" َ‬ ‫م�صيدة الفئران التي �إن فقدت �أحد �أجزائها يمكن �أن ت�ستعمل في مجال �آخر‪ ،‬وهذا كالم في‬ ‫الحقيقة �سخيف وال يناق�ش �أ�صل المو�ضوع‪.‬‬ ‫َت َه َّج َم الم� ُ‬ ‫ؤلف على "بيهي" باعتباره عا ِلم بيوكيمياء ولي�س �إحيائيا تطوريا‪،‬ولذلك وقع في فخ‬ ‫�إله الفجوات! في حين �أن "�ستينجر" م�ؤلف كتاب "الإله الفر�ضية الفا�شلة" � ً‬ ‫أي�ضا لي�س �إحيائيا‬ ‫فنف�سه ينطبق‬ ‫تطوريا و�إنما ذو خلفي ٍة فيزيائية‪ ،‬وبالتالي �إذا كان االنتقاد هنا لـ "بيهي" ذا �أ�صل ُ‬ ‫على �ستينجر‪.‬‬ ‫ينتقل �ستينجر للكالم حول العين ويذكر كالم ريت�شارد داوكنز حول العين الب�شرية في كتابه‬ ‫"�صانع ال�ساعات الأعمى" وكونها مربوطة بالعك�س‪ ،‬وبالطبع ال �أنا وال �ستينجر نفهم ما‬ ‫المق�صود ب�أنها مربوطة بالعك�س! ولكنه مجرد ُحكم غير من�صف يردده الملحدون في و�سيلة‬ ‫لالنتقا�ص من ت�صميم العين الب�شرية‪ ،‬حيث ي�أتي داوكنز وب�سبب موقفه من الإله والت�صميم‬ ‫ليقول �إنها م�صمم ٌة بالمقلوب‪ ،‬والأغرب من ذلك �أنه خالل لقاءٍ تليفزيوني في (ريفلي�شن تي‬ ‫في) يقول �إنه ب�سبب هذا الت�صميم المعكو�س ف�إننا نملك عيونا � َ‬ ‫أف�ضل من عيون الأُخطبوطات‬ ‫‪129‬‬


‫َ‬ ‫عوامل تاريخي ٍة و�إلى االنتخاب‬ ‫�سبب هذه الأف�ضلي ِة �إلى‬ ‫التي ت�صميمها غير مقلوب‪ ،‬و ُي ِعزي َ‬ ‫الطبيعي الذي عمل على تح�سين �أداء العين ولذا قلب الت�صميم!‬ ‫معكو�سا‪،‬‬ ‫ت�صميم العين ويعتبره‬ ‫�أنا �أت�ساءل هل يوجد كال ٌم فارغ و�إن�شائي �أكثر من هذا؟ ينتقد‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ِومن ثم يقول �إن هذا الت�صميم المعكو�س يعمل � َ‬ ‫أف�ضل من الت�صميم ال�صحيح‪ ،‬و�أُعطينا عيو ًنا‬ ‫�أف�ضل تقوم بعملها على �أكمل وجه وذلك كله بف�ضل االنتخاب الطبيعي! يمكنك متابعة ن�ص‬ ‫اللقاء على لينك اليوتيوب الآتي‪:‬‬ ‫‪https://www.youtube.com/watch?v=fzERmg4PU3c‬‬ ‫ب�صراح ٍة�أكثر �أنا ال �أعتقد �أنه يوجد �شيء يمكن �أن ي�سيء �إلى العلم �أكثر من هذا الكالم‬ ‫الإن�شائي القائم على وجهات نظر �شخ�صية ِل َما هو معكو�س و ِل َما هو �صحيح و ِل َما هو �أف�ضل و ِل َما‬ ‫هو ت�صميم و ِل َما هو انتقاء ع ْبر ماليين ال�سنين بدون تجربة �أو م�شاهدة مجرد ت�صورات‪،‬ونكرر‬ ‫ن�سب له �أمو ًرا خارقة وك�أنه‬ ‫�أن ال م�شكلة لنا مع التطور و�إنما م�شكلتنا مع االنتقاء الطبيعي الذي ُت َ‬ ‫م�ص ّمم وعا ِلم وقادر‪.‬‬ ‫ينتقل الم�ؤلف بعد الكالم عن "بيهي"�إلى الكالم عن �شخ�ص �آخ َر ِمن الذين ي�ؤمنون بالت�صميم‬ ‫الذكي ا�سمه "دمب�سكي" م�ؤلف كتاب "الت�صميم الذكي‪ :‬الج�سر بين ال ِعلم والالهوت" حيث‬ ‫دفاعه الديني الوا�ضح في عنوان الكتاب‪ ،‬وك�أن دفاع �ستينجر عن دينه‬ ‫ي�ستنكر �ستينجر عليه َ‬ ‫الإلحادي غير وا�ضح في عنوان كتابه! الم�شكلة المتكررة في هذا الف�صل �أن �ستينجر ال يرد على‬ ‫�إ�شكاليات الت�صميم‪ ،‬ولكنه يحيل القارئ �إلى �آخرين تناولوا المو�ضوع فهو يقول في معر�ض رده‬ ‫على دمب�سكي ما ن�صه " ِل ُح�سن الحظ‪ ،‬فقد تح َّمل عدة خبرا َء م�شق َة تفح�ص �أعمال دمب�سكي‬ ‫‪130‬‬


‫ب�إمعان‪ ،‬وقد �أظهروا بالإجماع تقري ًبا (لنر ِّكز على تقريبا) �أن فيه �أخطاء عميقة"‪.‬‬ ‫قطيع ليخبرهم �أن هناك علما َء در�سوا وفندوا �أقوال‬ ‫هل الملحدون بالن�سبة ل�ستينجر مجرد ٍ‬ ‫معلومات ليحكم على الموا�ضيع بعقله ال بعقل غيره‪،‬‬ ‫دمب�سكي وبيهي؟ الإن�سان المفكر يريد‬ ‫ٍ‬ ‫وبخالفه فهو م�ؤمن بالإلحاد �شاء �أم �أ َبى‪ ،‬ثم ماذا يق�صد �ستينجر بكلمة "تقري ًبا وماذا عن‬ ‫البقية؟! هل اتفقوا مع دمب�سكي �أم ماذا؟ بعبارة �أخرى هل تتقبل م ِّني عزيزي القارئ �أن �أقول‬ ‫�إن الكثير من العلماء فندوا االنتخاب الطبيعي بدون �شرحه لك؟‬ ‫ِمن المالحظات التي ال ب�أ�س بذكرها هنا هو �أن بع�ض الم�شاريع الإلحادية المت�سترة ب�ستار‬ ‫العلم في العالم العربي والتي تدعو �إلى القراءة والتطور في المجال العلمي تترجم كل كتاب‬ ‫الكتب المقابلة والتي ذكرنا بع�ضها �أعاله مثل‬ ‫يقع بين �أيديها يدعو �إلى الإلحاد‪ ،‬وال تترجم َ‬ ‫الوثائقيات المختلف َة التي تدعو‬ ‫كتاب بيهي وديمب�سكي و�أنتوني فلو‪ ،‬كذلك نجدها تترجم‬ ‫ِ‬ ‫وجهات النظر المخالفة‪ ،‬مثال اليوم‬ ‫الوثائقيات التي تحمل‬ ‫�إلى الإلحاد وتر ِّوج له‪ ،‬وال تترجم‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الذكي"ترج َمته جماع ٌة‬ ‫�شاهدتُ وثائقيا على اليوتيوب ا�سمه "يوم الحكم‪:‬محاكمة الت�صميم‬ ‫َ‬ ‫ملحدة مت�سترة ب�ستار المعرفة العلمية �ضمن الم�شروع العراقي للترجمة‪.‬‬ ‫فرحة بمثل هذه الوثائقيات على الرغم من �أنها ال تف�سر �سبب رف�ض المحاكم لتدري�س‬ ‫والجماعة ِ‬ ‫الت�صميم الذكي ب�شكل من�صف ولكونه يخالف مبادئ المنهج العلمي ويتجاوز حدوده كما ب َّينا‪،‬‬ ‫و�إنما تحاول القول �إنه �أمر �سخيف وال �أ�صل له وهكذا بدال من �إفهام النا�س ماذا يجري وب�شكل‬ ‫من�صف ف�إنها تزيد من تجهيل المجتمع‪ .‬حيث لم تترجم هذه الجماعات وثائقَ وال كتا ًبا يطرح‬ ‫جوانب مختلف ٍة‪،‬‬ ‫وجهة النظر المقابلة للإلحاد من باب الإن�صاف واالطالع على المو�ضوع من‬ ‫َ‬ ‫‪131‬‬


‫وكذلك لم يترجموا كتابا هند�سيا �أو اقت�صاديا من الممكن �أن ي�ساهم في دفع عجلة الأمة �إلى‬ ‫الغرب اليوم يعي�ش حالة من ال ُّر ِقي‬ ‫الأمام ولكن اهتمامهم هو الدين فقط‪ ،‬وه�ؤالء تنا�سوا �أن‬ ‫َ‬ ‫ونقدها وتنقيتها‪ ،‬فلو كانوا يعي�شون مثل ظروفنا لكانت‬ ‫والتطور ت�ؤهله للكالم في �أمور الدين ِ‬ ‫الأولوية للعلوم التي ت�ساهم في رفعة المجتمع من الموا�ضيع ال�سيا�سية واالقت�صادية وال�سيطرة‬ ‫النوعية وطرق التدري�س وغيرها‪ ،‬ف�أمور التطور واالنتخاب الطبيعي والإلحاد والدين تعتبر تر ًفا‬ ‫فكر ًيا ل�شعوب يمزقها التخلف والجهل والدكتاتورية وانعدام الخدمات وانعدام الإن�سانية‪.‬‬ ‫عنوان فرعي ا�سمه "المعركة ال�سيا�سية اليوم" م�ؤكدا �أن‬ ‫ينتقل �ستينجر من دمب�سكي فج�أة �إلى ٍ‬ ‫الجمعيات العلمي َة الكبرى في الواليات المتحدة تدعم التطو َر وترف�ض الت�صميم الذكي‪ ،‬وهذا‬ ‫ِ‬ ‫المنهج التجريبي الح�سي‪ ،‬فالأمر ال عالقة له بال�صحة‬ ‫�أمر طبيعي فالجمعيات العلمية تتبع‬ ‫َ‬ ‫والخط�أ و�إنما ب�سبب منهج الو�صول �إلى اال�ستنتاجات في الت�صميم الذكي (المنهج العقلي)‬ ‫والذي يختلف عن منهج الو�صول �إلى اال�ستنتاجات في نظرية التطور‪ ،‬وقد كررتُ هذا الأمر‬ ‫مرات كثير ًة لأن الإ�شكاليات التي ُتط َرح هي ب�سبب عدم فهم �أو تجاهل هذه النقطة الح�سا�سة‬ ‫ٍ‬ ‫التي نحتاج �أن نفهم المنهج العلمي ب�شكل كامل لنفهمها‪ ،‬وبالتالي تتقبل الجامعات والمحاكم‬ ‫وا�ضحا‬ ‫ما يتالءم مع تعريف المنهج العلمي القائم على التجربة والم�شاهدة‪ ،‬وهذا الأمر نجده‬ ‫ً‬ ‫عندما ندر�س ب�شفافية حيثيات قرار المحكمة الفيدرالية في والية بن�سلفانيا الأمريكية برف�ض‬ ‫ديني‪ ،‬وبالتالي ف�إن تدري�سه �أم ٌر غير د�ستوري‬ ‫تدري�س الت�صميم الذكي كمنهج علمي لأن دافعه ٌّ‬ ‫على اعتبار �أن الد�ستور الأمريكي ي ِقر بف�صل الدين عن الدولة‪ ،‬حيث �إن قرار المحكمة اعتمد‬ ‫على كون العلم يمتلك الخ�صائ�ص الآتية بنا َء على �شهادة الفيل�سوف مايكل روز في المحكمة‪:‬‬ ‫‪132‬‬


‫التطور‬

‫المنهج العلمي‬ ‫نعم‬ ‫يقوده القانون الطبيعي‬ ‫يجب تف�سريه ا�ستنادا لقانون نعم‬ ‫لذا مت اللجوء �إىل ما ي�سمى‬ ‫الطبيعي‬ ‫باالنتقاء الطبيعي حيث ُيعزَ ى‬ ‫له كل اجلمال والدقة يف‬ ‫الكون‪ ،‬ولوال ذلك ملا �أ�صبح‬ ‫التطور عل ًما وقبل بتدري�سه‬ ‫يف اجلامعات واملدار�س‪،‬‬ ‫و�إمنا جمرد دليل على وجود‬ ‫خالق وم�صمم �أبدع يف جمع‬ ‫الأجزاء املختلفة �ضمن نظام‬ ‫حمكم‬ ‫ميكن اختباره مقابل العامل نعم ولكن �ضمن حدود‬ ‫التجريبي‬ ‫نعم‬ ‫ا�ستنتاجاته م�ؤقتة‬ ‫نعم‬ ‫قابل للتخطئة‬

‫التصميم الذكي‬

‫نعم‬ ‫كال‬ ‫ال يف�سره و�إمنا يعزيه �إىل‬ ‫قوى ذكية وخارقة‬

‫نعم‬ ‫نعم‬ ‫نعم‬

‫وكما نالحظ النقطة التي �أ ّدت �إلى رف�ض المحكمة الفيدرالية تدري�س الت�صميم الذكي هي �أنه‬ ‫يحيل �إ�شكالية الت�صميم �إلى قوى خارقة ال يمكن تف�سيرها في �ضوء القانون الطبيعي الذي‬ ‫يعتمد الح�س والتجربة‪ ،‬ونتيجة لذلك ف�إنه ال يمكن اختبار هذه القوة مختبريا والت�أكد من‬ ‫�صحة المزاعم التي ي�سوقها الت�صميم الذكي‪ ،‬ولكن هذا ال ينفي وجود الت�صميم من حولنا‬ ‫وهذه نقطة �أ�سا�سية يجب فهمها عند الكالم عن المحكمة ولماذا رف�ض الت�صميم الذكي‬ ‫وقبل التطور‪.‬العلماء الذي رف�ضوا الت�صميم الذكي قاموا ب�إق�صاء م�شاهدات ح�سية وتجريبية‬ ‫‪133‬‬


‫تدل على الت�صميم (والذي هو تجمع لعدة �أجزاء تعمل م ًعا للقيام بهدف معين)وهنا تكمن‬ ‫دكتاتورية المنهج العلمي‪ ،‬حيث يتم منع التفكير والتف�سير �ضمن نطاق المنهج العقلي البرهاني‬ ‫للعقل لمجرد �أن هذا التفكير يقع خارج الحدود التي و�ضعوها كمنهج للعلم ‪.‬‬ ‫م�ؤلف كتاب "الإله الفر�ضية الفا�شلة" يعتر�ض على قرار المحكمة ويعتبر �أن الت�صميم الذكي‬ ‫ِعلم ويمكن تخطئته‪ ،‬و�أن ق��رار المحكمة يعطيه ح�صانة غير مبررة‪ ،‬وال �أع��رف كيف غير‬ ‫وخ�صو�صا �أن الت�صميم الذكي يحتوي على مخالفة �صريحة للمنهج العلمي كما هو‬ ‫مبررة؟‬ ‫ً‬ ‫الحال في كتاب "الإله الفر�ضية الفا�شلة" وب�سبب ذلك ترى الم� َ‬ ‫منزعجا من هذا الحكم‬ ‫ؤلف‬ ‫ً‬ ‫لأننا لو حاكمنا كتا َبه على نف�س المنهج لرف�ض � ً‬ ‫أي�ضا‪ .‬باعتقادي ال�شخ�صي �أن قرا َر المحكم ِة‬ ‫لم يكن غير مبر ٍر بالعك�س كان قرا ًرا �سلي ًما في �ضوء المنهج العلمي‪.‬‬ ‫التنظيم الذاتي مو�ضو ٌع فرعي �آخر في هذا الف�صل‪� ،‬أم ٌر ُ‬ ‫ا�ضط َر �إليه الم�ؤلف والعلماء لكون‬ ‫الأدلة ت�شير �إلى ما هو �أبعد من الطفرات الع�شوائية واالنتخاب الطبيعي‪ ،‬وبما �أن العلم ال يمكن‬ ‫�أن يعترف بالت�صميم الذكي فقد ا�ضطر �إلى �إيجاد ما ي�سمى بالتنظيم الذاتي‪ ،‬ولكن ما الفرق‬ ‫بين التنظيم الذاتي والت�صميم الذكي؟الجواب هو بكل ب�ساطة �أم ٌر واح ٌد فقط هو �أن الت�صميم‬ ‫الذكي يحيل المو�ضوع �إلى قوة عاقلة خالقة‪ ،‬والتنظيم الذاتي يحيلها �إلى عملية طبيعية ِ�صرفة‪،‬‬ ‫�أي بعبارة �أخرى ُيحيلها �إلى ال�صدفة التي يقبلها العلم و�إن كانت فكرة م�ستحيلة لأنها تف�سر‬ ‫الت�صميم �ضمن القانون الطبيعي‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫كتاب مز َّينٌ بال�صور بعنوان "النق�ش الذي‬ ‫الدليل على التنظيم الذاتي الذي ي�سوقه الم�ؤلف هو ٌ‬ ‫الكتاب �أمثل ًة على ت�شكل الأنماط في الطبيعة مثل الظهور المتكرر‬ ‫�ص َنع ذاتَه" حيث يعطي‬ ‫ُ‬ ‫حد عبار ًة عن مجموع االثنين ال�سابقين مثل ‪،6 ،4 ،2 ،2 ،0:‬‬ ‫لمتوالي ٍة عددية يكون فيها كل ٍ‬ ‫‪134‬‬


‫‪10‬وهكذا حيث �إن الرقم ‪ 4‬جاء من مجموع الح َّد ْين ال�سابقين ‪ 2+2‬و‪ 10‬جاء من مجموع الح َّد ْين‬ ‫ال�سابق ْين ‪ 4+6‬وهكذا وهذا الترتيب يظهر في �أوراق (بتالت) الأزهار واعتبر ذلك دلي ًال على‬ ‫العمليات الطبيعي َة (ال�صدفة) قادر ٌة على �إنتاج معلومات معقدة محددة‪ ،‬ودلي ُله هذا في‬ ‫�أن‬ ‫ِ‬ ‫الكالم‬ ‫ت�صاميم معقد ٍة و�إنما‬ ‫الحقيقة ال قيمة له لأن الخالف لي�س حول وجود �أو عدم وجود‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫حول م�صدر هذا التعقيد وهل هو عمليات طبيعية ع�شوائية (�صدفة)؟�أم تخطيط م�سبق؟‬ ‫وكنتيج ٍة لدقة الكون ِمن حولنا ال ن�ستغرب مثل هذه المتواليات والخالق ممكن �أن يوجد هذه‬ ‫المتواليات بكل ب�ساطه ولعله �أدرك �ضعف هذا المثال فع َّز َزه بتجربة �أُقيمت عام ‪1992‬حيث‬ ‫مجال مغناطي�سي عمودي‬ ‫ُو ِ�ض ْ‬ ‫عت قطيراتٌ من ٍ‬ ‫�سائل ممغنط على غ�شاء من الزيت‪ ،‬وتم ت�سليط ٍ‬ ‫القطرات �إلى الجوانب‪ ،‬حيث‬ ‫و�س ِّلط مجا ٌل �آخر ليدفع‬ ‫ِ‬ ‫عليها مما �أدى �إلى تنافرها عن بع�ض‪ُ ،‬‬ ‫نف�سها في لولب مزدوج المظهر‪ ،‬وبالتالي �آلية تك ُّون اللولب فيزيائية‬ ‫لوح َظ �أن‬ ‫القطيرات َر ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تبت َ‬ ‫نماذج معقد ٍة وهل هي �آلية‬ ‫ولي�ست بيولوجية! (وك�أن الخالف والكالم كان حول �آلية ظهور‬ ‫َ‬ ‫فيزيائية �أم بيولوجية!!) على العموم ي�ستمر في �سرد الأمثلة حيث ي�ؤكد �إن هذه التجربة يمكن‬ ‫عملها حا�سوب ًيا � ً‬ ‫برنامجا‬ ‫فتحا علم ًيا جديدً ا وهو ي�ستخدم‬ ‫ً‬ ‫أي�ضا‪ ،‬وقد ظن �ستينجر �أنه حقق ً‬ ‫حا�سوب ًيا ً‬ ‫ب�سيطا لمحاكاة التجربة �أعاله‪.‬‬ ‫يجب الت�أكيد �أن هذه التجارب ال عالقة لها بالواقع‪ ،‬وال يمكن االعتقاد ب�أن مثل هذه التجارب‬ ‫أ�سباب �أهمها‬ ‫تحاكي واق َع تك ِّو ِن الأزهار �أو الأنماط المعقدة الأخرى في الطبيعة وذلك لعدة � ٍ‬ ‫�أن العملية التي �أدت �إلى تج ُّمع القطرات عملي ٌة خ�ضعت لقوانين فيزيائية فمِ ن �أين �أتت هذه‬ ‫القوانين؟وجود العن�صر الواعي الفعال وهو الإن�سان في التجربة �أعاله حيث �أتى بالقطرات‬ ‫َ‬ ‫المجال المغناطي�سي‪ ،‬جميع العوامل المختبرية الأخرى بحيث لو �أُب ِع َد �أي م� ٍؤثر‬ ‫و�س َّل َط عليها‬ ‫‪135‬‬


‫قد ي�ؤدي �إلى عدم �إعطاء نتائج‪ ،‬بالتالي مثل هذه التجارب ال تثبت ب�أية حال من الأحوال ب�أن‬ ‫ما يحدث ِمن حولنا هو عمليات ع�شوائية �أو تنظيم ذاتي‪،‬بالعك�س هذه التجربة تثبت �أن كل ما‬ ‫يحدث ِمن حولنا َيخ�ضع لقوانين �صارم ٍة تحت ت�أثير العن�صر الواعي الفعال (نظرية العن�صر‬ ‫ذات العالقة)‪.‬‬ ‫الواعي الفعال هي فكر ٌة جديدة ولم يتم تداولها في الكتب ِ‬ ‫ينتقل الم�ؤلف بعد ذلك �إلى ما ي�سمى بالت�صميم الرديء‪ ،‬حيث تكلم عن مقالة بعنوان"لو بني‬ ‫�شخ�صنَ َ‬ ‫تعديالت ب�سيط ًة‬ ‫نقاط الخلل في ج�سم الإن�سان و�أظهر كيف �أن‬ ‫الب�شر كي يدوموا‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫يمكن �أن ت�ساهم في زيادة عمر الإن�سان �إلى مائة عام �أو �أكثر‪ ،‬ي�ستر�سل الم�ؤلف في كالمه عن‬ ‫عيد ُ‬ ‫ربطها‪،‬‬ ‫الإن�سان المثالي الذي يعي�ش لفترة �أطول و�أنه يجب �أن يملك �أُ ُذن ْين �أكبر‪ ،‬وعيونا �أُ َ‬ ‫ورقبة مقو�سة‪ ،‬وجذعا يميل للأمام‪ ،‬و�أطرافا وقامة �أق�صر‪ ،‬ح�شوة �أكبر حول المفا�صل‪ ،‬ومزيدً ا‬ ‫َ‬ ‫والمزيد‪ ،‬والنتيجة‬ ‫ومف�صل رقب ٍة معكو�سا‬ ‫وطبقات فقرية �أ�سمك‪،‬‬ ‫من الع�ضالت وال�شحوم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫تكون كما يقول الم�ؤلف "لن يبدو جميال جدً ا‪� ( ،‬أي لن يتحقق قوله تعالى لقد خلقنا الإن�سان‬ ‫في �أح�سن تقويم‪ ،‬والأح�سن هنا هو المراعاة بين مختلف المظاهر الجمالية والقدرة على ت�أدية‬ ‫النقد الالمبرر بقوله ولكن رغم ق�صورها ما تزال الأجزاء‬ ‫الوظائف)‪ ،‬يتدارك الم�ؤلف هذا َ‬ ‫المختلفة لج�سم الإن�سان والأن��واع الأخرى ت�ؤدي وظائفها ويكيل الف�ضل والعرفانَ لالنتخاب‬ ‫الطبيعي الذي كما يزعم ال ي�سعى للكمال �أو الحياة الرغيدة الأبدية (الحظ كلمة ي�سعى)‬ ‫فالج�سم يفت َر�ض به �أن يعي�ش بما يكفي ليتكاثر وير ِّبي �صغا َره‪ ،‬وبقاء النوع ال يتطلب �أن يبقى‬ ‫كب�شر نبقى‪ ،‬رغم حيويتنا المتناق�صة لأن التطور الب�شري‬ ‫الأفراد طوي ًال بعد تكاثرهم‪ ،‬ولكننا ٍ‬ ‫�سنوات كي تن�ضج‪ ،‬و�أجداد تبقت لديهم �سنوات كافية للم�ساعدة في‬ ‫نتجت عنه ذري ٌة تتطلب‬ ‫ٍ‬ ‫‪136‬‬


‫رعايتهم‪� ،‬إذ � ُ‬ ‫كج ٍد �أقول‪� :‬شك ًرا �أيها التطور!‬ ‫أتحدث َ‬ ‫كالم لأر َّد به على هذا الكالم الإن�شائي غير العلمي وال�شكر والتبرير‬ ‫توقفتُ طويال لأبحث عن ٍ‬ ‫لالنتخاب الطبيعي وك�أنه قو ٌة عاقلة وكيا ٌن معين ليتم �شكره‪ ،‬الأمر الم�ضحك هو كيف يُظهِ رون‬ ‫محا�سنَ االنتخاب وينتقدون الت�صميم على الرغم من �أن النتيجة واحدة؟والكالم عن �شيء‬ ‫واحد ولكن الفرق �أن االنتخاب يتنا�سب مع عقليتهم الإلحادية‪ ،‬والت�صميم ال يتنا�سب معها‪.‬‬ ‫بقي ُة الكتاب – نتيج ًة لعدم اعتراف المنهج العلمي التجريبي الح�سي ب�أي محاولة لتجربة الأمور‬ ‫الالمادية �أو الفوق طبيعية‪ -‬كما �سبق‪ ،‬لذا ف�إنني لن �أُ�ض ِّيع وقت القارئ في الكالم كثي ًرا عن‬ ‫هذا الكتاب لأنه منهجية غير علمية‪ ،‬و�إنما مجر كالم �إن�شائي و�س�أكتفي بنقل بع�ض المالحظات‬ ‫من بقية ف�صول الكتاب وب�شكل �سريع‪ ،‬ويمكن للمهتم مراجعة الكتاب والكالم الإن�شائي الكثير‬ ‫فيه ووجهة النظر لأمور تاريخية مثل نظرة اليهود لليوم ال ِآخر والإغريق واليونانيين وغيرهم‪،‬‬ ‫وخ�صو�صا فيما يخ�ص الأمور‬ ‫واليوم هناك الكثير من النقاط التي يتم �إثارتها هنا وهناك‬ ‫ً‬ ‫كعرب مختلفون في �أحوال و�أفعال و�أفكار ر�ؤ�ساء‬ ‫التاريخية‪ ،‬وهذا بح ٌر متالطمة �أمواجه‪،‬فنحن ٍ‬ ‫عا�شوا بيننا كـ ُح�سني مبارك‪ ،‬والقذافي‪ ،‬و�ص َّدام فكيف ب َمن عا�شوا قبل �آالف ال�سنين؟‬ ‫في ال�صفحة ‪ 124‬من الن�سخة العربية يقول ما ن�صه‪:‬‬ ‫"وكما �أكدتُ ِمن قبل ف�إن برهان �إله الفجوات على وجود اهلل يف�شل حين يمكن تقديم تف�سير‬ ‫علمي معقول للفجوة في المعرفة الحا�ضرة‪�،‬إنني ال �أ�شك في �أن الطبيعة الدقيقة لأ�صل الكون‬ ‫ما تزال فجوة في المعرفة العلمية‪ ،‬ولكني �أرف�ض فكرة �أ َّنا محرومون من �أي طريقة معقولة‬ ‫لتف�سير هذا الأ�صل علميا‪ ،‬باخت�صار؛ تدل الأدلة التجريبية والنظريات التي و�صفت بنجاح هذه‬ ‫‪137‬‬


‫هادف يمكننا �أن نفهم الكثير من فكر الملحدين‬ ‫خلق ٍ‬ ‫البيانات على �أن كو ًنا لم ين�ش�أ من خالل ٍ‬ ‫ومبانيهم من هذه المقولة‪:‬‬ ‫�أوال – تف�سير علمي معقول‪� :‬أتت كلمة "معقول" ولي�س (حقيقي) لأنه في الأمور التي حدثت‬ ‫قبل ماليين ال�سنين ال يمكن �أن يكون تف�سيرنا مطاب ًقا للواقع لكثرة المتغيرات والم�ؤثرات التي‬ ‫ال �سبيل �إلى ح�صرها ب�شكل كامل‪،‬التف�سير �سيو�ضح لنا "كيف" حدث الأمر ولكن لن يكون‬ ‫بمقدوره �أن يو�ضح لنا "لماذا حدث الأمر‪ ،‬هذه نقطة مهمة جدً ا في منهج العلم الذي يتعامل‬ ‫فقط مع الموجود �أي "كيف" تعمل ظاهرة معينة بعد �أن تتم معاينتها ب�أدواتنا الحالية وهذه‬ ‫الأدوات تتطور بمرور الزمن‪ ،‬وبتطورها قد تختلف الم�شاهدات وبالتالي اال�ستنتاجات وهذه‬ ‫النظريات ومعرفتَنا الحالية بالت�أكيد‬ ‫اال�ستنتاجات تقودنا �إلى النظريات‪ ،‬وكما نعرف ف�إن‬ ‫ِ‬ ‫�سيطر�أُ عليها الكثير �أو القليل من التعديالت �أو التغييرات م�ستقب ًال‪ ،‬وبالتالي حتى الإجابة عن‬ ‫إجابات عن "لماذا" بكل‬ ‫"كيف" التي يوفرها العلم الن�سبي قائم ٌة على رمال متحركة وال تعطي � ٍ‬ ‫حال من الأحوال‪ ،‬بالتالي حتى لو كانت هناك غاية و�إجابة ل�س�ؤال "لماذا" ف�إن العلم ال يتعامل‬ ‫ب�شكل كامل‪.‬‬ ‫معها؛ لأنها خارج تغطي ِته ومنهجه و�سيتجاهلها ٍ‬ ‫ثانيا‪ -‬بنا ًء على النقطة الأولى وكون �أن العلم الن�سبي في �أح�سن الأحوال يعطي ت�صو ًرا "معق ً‬ ‫وال"‬ ‫ولي�س "حقيق ًيا" عن �س�ؤال كيف حدث الأمر‪ ،‬ف�إنه بكل ت�أكيد لن يجيب عن �س�ؤال"لماذا" حدث‪،‬‬ ‫خلق هادف‬ ‫وبالتالي مقولة الكاتب في نهاية االقتبا�س والتي تقول �إن الكون لم ين�ش�أ من خالل ٍ‬ ‫�شعارات �إلحادية‪.‬‬ ‫مقول ٌة ال قيمة علمية لها وال تتجاوز كونها‬ ‫ٍ‬ ‫"علم الفجوات" وهو ما �أ�سميه‬ ‫ثالثا – ال يوجد ما ي�سمى "�إله الفجوات" و�إنما يوجد بالت�أكيد ِ‬ ‫العلم الن�سبي‪ ،‬وهذا ما يجب �أن نعرفه وبو�ضوح‪ ،‬فلوال كثرة الفجوات في العلم الن�سبي َل َما‬ ‫‪138‬‬


‫ع َرفنا ب�شيء ا�سمه "�إله الفجوات"‪.‬‬ ‫راب ًعا‪ -‬على الرغم من قوله �إنه ال يوجد هناك خل ٌق هادف ف�إنه في ال�صفحة رقم ‪ 125‬يتكلم عن‬ ‫�شوه َد عام ‪ 1682‬قال عنه �إ�سحاق نيوتن �إنه �سيعود عام ‪ 1759‬وقد عاد بالفعل ومازال‬ ‫مذ َّنب ِ‬ ‫يعود كل �ست و�سبعين �سنة‪ ،‬والأمر �أكثر من ذلك فاليوم نحن نعرف متى �سيحدث الك�سوف‬ ‫والخ�سوف لمئات ال�سنين م�ستقب ًال‪ ،‬نحن نعرف �أن الأر�ض تدور حول نف�سها ب�شكل يومي‪ ،‬وحول‬ ‫ال�شم�س ب�شكل �سنوي منذ ماليين ال�سنين‪ ،‬والحال م�ستمرة وغيرها الكثير من الأمثلة‪ ،‬ولوال‬ ‫النظام والت�صميم الموجود في الكون َل َما َع َرفنا و َل َما بقيت الحال على ما هي عليه! فهل هذا‬ ‫الأمر مجرد �صدفة؟ �أم �أن الخلق َّ‬ ‫منظ ٌم وهادف؟‬ ‫الحر يقر بذلك‪� ،‬أ ّما العقل الم�ؤ ْدلج فيتم�سك ب�شعارات‬ ‫الأمر �أكثر من �صدفة بالت�أكيد‪ ،‬والعقل ُ‬ ‫لرف�ض كل هذه الأدلة من حوله ليحم تجربة ال ِبكتيريا �أكثر مما تتحمل بكثير‪ ،‬حيث ي�ستنتج‬ ‫من تجربة بكتريا يتم تجميدُها مختبريا لأيام طويلة فتفقد بع�ض خ�صائ�صها كدليل على تطور‬ ‫الحياة من ال �شيء وبال�صدفة في كون ن�ش�أ بال�صدفة! �سيعتر�ض الملحدون مرة �أخرى ويقولون‬ ‫�إن التطور لي�س �صدفة‪ ،‬و�أنا لم �أتكلم عن التطور هنا و�إنما عن �أ�صل الحياة والكون وهُ ما �صدفة‬ ‫بالت�أكيد فال انتخاب طبيعي وال هُ م يحزنون‪.‬‬ ‫ِمن �أين �أتت قوانين الفيزياء؟‬ ‫هذا المو�ضوع الفرعي في �أ�سفل ال�صفحة ‪ 125‬من كتاب �ستينجر �أعتقد �أنه ال�شعر ٌة التي‬ ‫العلم و�إجماع العلماء‬ ‫ق�صمت ظهر الزرافة‪ ،‬حيث يثبت هذا المو�ضوع �أن الملحدين يتجاوزون َ‬ ‫في �سبيل �إثباتهم مبانيهم الإلحادي َة‪ ،‬والدليل هو قوله في نهاية هذا المو�ضوع (�صفحة ‪)127‬‬ ‫‪139‬‬


‫حيث قال ما ن�صه "ال �شك �أن هذه الفكر َة �صعب ُة الفهم‪ ،‬و�آرائي في هذا المو�ضوع بالذات ال‬ ‫تماما و�شائع"‪.‬‬ ‫أ�ستخدمه ٌ‬ ‫يتقبلها �إجماع الفيزيائيين‪ ،‬رغم �أنني �أُ ِ�صر على �أن العلم الذي � ِ‬ ‫مثبت ً‬ ‫هذا المثبت وال�شائع الذي ال يتقبله �إجماع الفيزيائيين ويحاول �ستينجر �إثباتَه بقوله �إن القوانين‬ ‫َ‬ ‫�ضوابط و�ضعها الإن�سان �أو كما عبر �ستينجر �أنها تقييدات للطريقة التي‬ ‫في الطبيعة مجر ُد‬ ‫َ‬ ‫ال�سلوك‪ ،‬وقد دافع الملحدون بغرابة عن هذا الكالم عندما ناق�شتهم‬ ‫يف�سر بها الفيزيائيون‬ ‫به‪ ،‬وال �أ�ستغرب �أن يدافعوا عن �شيوخهم ومراجعهم‪ ،‬فالقوانين في الطبيعة وم�صدرها و�سببها‬ ‫�أمر مزعج للملحد كثي ًرا‪ ،‬ولذا لج�أ �ستينجر �إلى هذا ال َمه َرب الذي على الرغم من �أنه يخالف‬ ‫�إجماع الفيزيائيين ف�إنه يراه �شائ ًعا ومثبتًا والأدلة عليه كثيرة‪.‬‬ ‫�أنا �أتعامل مع القوانين ب�شكل يومي لذا �أتفهم ما يقوله �ستينجر حيث �إننا فع ًال نتعامل مع‬ ‫�ضوابط ولي�س مع قوانين �صارمة‪ ،‬مثال قوانين الهند�سة والميكانيكا ن�ضطر في الكثير من‬ ‫الأحيان لإهمال االحتكاك والجاذبية ودرجة الحرارة وغيرها لنتجنب التعقيد‪ ،‬ولكن هذا ال‬ ‫يعني �أن القانون مجرد �ضوابط‪ ،‬و�إنما يعني �أن الواقع يحكمه قانون محكم ودقيق جدً ا وت�صميم‬ ‫�أعقد بكثير من القانون الذي و�ضعناه ون�ستخدمه يوم ًيا‪.‬‬ ‫وال ب�أ�س هنا �أن نتكلم عن قوانين الفيزياء التي تعتبر �أحد �أهم �أدلة الت�صميم (عندما �أقول‬ ‫راجع الم�صطلحات)‬ ‫الت�صميم فال �أق�صد الت�صميم الذكي و�إنما �أق�صد الت�صميم الفعال‪ِ ،‬‬ ‫فهذه القوانين ك�أ�صل للحياة و�أ�صل ٍ للكون ولي�س �أمامنا خيار �سوى �أن نقول �إنها �أتت �صدفة �أو‬ ‫�إنها �أتت نتيجة لوجود م�ص ّمم بديع‪،‬ولذا لم يكن �أمام الفيزيائي "لورن�س كراو�س" �أال �أن يقول‬ ‫�إن هذه القوانين �أتت �صدفة‪ ،‬وهو �صادق بقوله بعك�س الكثير من الملحدين‪ ،‬وهذا هو ال َمخرج‬ ‫‪140‬‬


‫الوحيد للملحدين بدون فل�سفة كالمية م�شابه لتبرير �ستينجر بقوله �إن القوانين ن�ش�أت من‬ ‫َ‬ ‫�ضوابط و�ضعناها لفهم كيف يعمل الكون ‪....‬‬ ‫داخل الكون ولي�س ِمن خارجه و�أنها مجرد‬ ‫م�صمم مبدع‪،‬‬ ‫وال فرق �إن كانت ِمن داخل الكون �أو ِمن خارجه فهي �إما �أتت �صدفة و�إما نتيجة ِّ‬ ‫هو يريد �أن ي�ؤكد ولو ب�أ�سلوب جدلي �أن القوانين ن�ش�أت من داخل الكون و�أنها لم ت�� ِأت من‬ ‫خارجه لأنه يعتقد �أن هذا الإثبات ي�ؤدي بال�ضرورة �إلى عدم وجود خالق‪ ،‬ولكن ال �ضرورة لذلك‬ ‫فالخالق المبدع لي�س كما يعتقد �ستينجر مارد عالء الدين الذي ي�أتي بالق�صر في ليلة واحدة‬ ‫بدون مقدمات وال �أ�سباب!! ففي نظر الملحدين �أن عالء الدين هو الم�ؤمن‪ ،‬والمارد هو الخالق‬ ‫ف�إذا �أثبتوا �أن الق�صر ُب ِني َب�أيادي عاملين ومهند�سين وبا�ستخدام موا ِد البناء ف�إن المارد كذب‬ ‫وعالء الدين م�ؤمن بخرافة! وهذه نظرة �سطحية لإيمان الم�ؤمنين‪ ،‬فالم�ؤمن لي�س عالء الدين‪،‬‬ ‫والخالق لي�س المار َد‪ ،‬والإيمان لي�س بهذه الب�ساطة وال�سطحية‪ ،‬والخالق عندما يخلق ال يعني‬ ‫َ‬ ‫ال�ضوابط الكوني َة التي �أوجدها‪ ،‬بل يكون �ضمن ال�ضوابط الكونية التي و�ضعها �ضمن‬ ‫�أنه يك�سر‬ ‫الكون وال ي�أتي فج�أة‪.‬‬ ‫فالقر�آن مثال في �سورة هود يقول هو الذي �أن�ش�أكم من الأر���ض يعني �أن � َ‬ ‫أ�صل الإن�سان من‬ ‫الأر�ض ولي�س كن فيكون‪ ،‬وهكذا فاهلل �سبحانه وتعالى ي�أخذ بالأ�سباب ولذلك جاء قوله تعالى‬ ‫�أن �أعدوا ما ا�ستطعتم من قوة لتنت�صروا وغيرها من التوجيهات التي ت�ؤكد �أن الخالق ي�ؤكد على‬ ‫اعتماد القوانين الجارية لن�صرته ر�سوله والم�ؤمنين‪.‬‬ ‫َ‬ ‫�ضوابط و�ضعناها �أو كما ع َّبر �ستيجر �أنها تقييدات للطريقة التي‬ ‫�أ ّما القول ب�أن القوانين مجرد‬ ‫يف�سر بها الفيزيائيون ال�سلوك‪ ،‬فهو كالم غير �صحيح لأن �سلوك المادة يتبع القانون ولي�س‬ ‫‪141‬‬


‫العك�س‪ ،‬فمختلف المواد تتبع �سلوكا محددا يفر�ضه القانون الطبيعي‪.‬‬ ‫بع�ض الفال�سفة والعلماء وبدال من الرد عليها ب�شكل‬ ‫من الأمور الأخرى �أن الكتاب يذكر �آرا َء ِ‬ ‫عبارات لأ�شخا�ص ا�ستهز�ؤوا بها! وهذا �شيء م�ستغرب في كتاب‬ ‫علمي ف�إنه ي�ستهزئ بها �أو يورد‬ ‫ٍ‬ ‫من المفرو�ض �أن يكون كتابا علم ًيا‪ ،‬مثال في ال�صفحة ‪ 137‬ينقل كالم الفيل�سوف الألماني‬ ‫"غوتفيد" الذي عا�ش في القرن الثامن ع�شر حيث قال "�إننا ن�سكن في خير العوالم الممكنة"‬ ‫فكان جواب �سيتنجر �أن نقل ا�ستهزا ًء لفيل�سوف فرن�سي ورد في ق�صه ق�صيرة كتبها!‬ ‫وق ْب َل االنتهاء من المرور على هذا الكتاب ال بد �أن نذكر ما ذكره في الف�صل الرابع على ل�سان‬ ‫الفيل�سوف المعروف "ديفيد هيوم" عند انتقاده لفكرة المعجزات حيث قال �إنه يمكن التعرف‬ ‫على ثالثة �أنواع من المعجزات ‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬اختراقات لقوانينَ طبيع ٍة ثابتة‪.‬‬ ‫ثانيا‪� :‬أحداث غير مف�سرة‬ ‫ثالثا‪ :‬م�صادفات غير محتملة‬ ‫ن�سي ُ‬ ‫بع�ضه ً‬ ‫بع�ضا‪ ،‬ولكن مقولة ديفيد هيوم تثبت‬ ‫وقد ع َّلقَ عليها فيكتور �ستينجر بكالم طويل ُي ِ‬ ‫اختراقات لقانون‬ ‫بالحقيقة �أن الكون هو معجزة حقيقة فالعلم اليوم يثبت �أن الكون يحتوي‬ ‫ٍ‬ ‫الطبيعية ال يمكننا �أن نف�سرها ب�شكل كامل (�أح��داث غير مف�سرة) وكذلك م�صادفات غير‬ ‫محتملة عديدة تمثلت في الكون المالئم والخلية الأولى والـ دي �إن �آي‪ ،‬ودوران الأر�ض حول‬ ‫ال�شم�س وحول نف�سها وغيرها من الم�صادفات الكثير التي تقودنا �إلى �أن احتمالية تواجدها في‬ ‫الكون بهذه الت�شكيلة ت�صل �إلى �أقل بكثير من واحد في مليون تريليون كما ب َّين العا ِل ُم الفيزيائي‬ ‫‪142‬‬


‫"هيو رو�س" في كتابه "الخالق والكون"‪ ،‬وهكذا يبرز لنا الواقع الذي نعي�ش فيه وفق المنهج‬ ‫التجريبي الح�سي �أنه معجزة كبيرة ودليل على وجود قوة قادرة ذكية وخارقة ح�سب مقيا�س‬ ‫الفيل�سوف ديفيد هيوم‪.‬‬ ‫القدر من الكتاب حتى ال نقع في فخ التف�صيل ال ُممل بالإ�ضافة �إلى �أن الكتاب كما‬ ‫نكتفي بهذا ْ‬ ‫يتم�سح بال ِعلم‪.‬‬ ‫هو وا�ضح ال يع ِّبر عن عنوانه وهو لي�س فعال كتابا علميا ولكنه َّ‬

‫‪143‬‬


‫هناك إله – أنتوني فلو‬ ‫َ‬ ‫الف�صل �س�أ ُمر مرور الكرام وباخت�صار �شديد على كتاب‬ ‫ِمن باب الإن�صاف وقبل �أن �أختم هذا‬ ‫�أنتوني فلو – "هناك �إله" ‪.‬‬ ‫بداي ًة َمن هو �أنتوني فلو؟‬ ‫ٌ‬ ‫فيل�سوف �إنكليزي ا�شتهر بكتاباته في فل�سفة الأديان‪ ،‬وقد در�س في �أك�سفورد‪ ،‬ولد‬ ‫�أنتوني فلو‬ ‫عام ‪ 1923‬وتوفي في عام ‪ 2010‬وكان ِمن المدافعين عن الإلحاد م�شدِّ دا على �ضرورة �أن يتبنى‬ ‫ال�شخ�ص الإلحاد حتى يتم الح�صول على �أدل ٍة مادية تثبت وجود خالق‪ ،‬وكان ينتقد فكرة وجود‬ ‫حياة بعد الموت وقد �أ َّل َف الكثير من الم�ؤلفات الم�شهورة منها "التطور الدارويني" (‪)1984‬‬ ‫الج َمل الفل�سفية التي تنفي وجو َد الخالق‪،‬وما يزال الملحدون ي�ستخدمونها لليوم‬ ‫وله العديد من ُ‬ ‫وقد يكون �ستينجر قد ا�ستخدم مفرداته في كتابه "الإله الفر�ضية الفا�شلة"‪ .‬في عام ‪2004‬‬ ‫َفاج�أ العالم بتحوله �إلى االعتقاد بوجود خالق للكون خالل ندوة جمعته‬ ‫وبعد ٍ‬ ‫عقود من �إلحاده ت َ‬ ‫بعلماء �آخرين بع�ضهم ملحد وبع�ضهم م�ؤمن مع ِّلال ذلك ب�أنه اتخذ عهدً ا على نف�سه ب�أن يتبع‬ ‫الأدلة حيثما تقوده وهكذا قاده العلم �إلى الخالق‪.‬‬ ‫‪144‬‬


‫في الجزء الأول من كتابه "هناك �إله" تكلم عن رف�ضه لفكرة وجود خالق وكيف بد�أت ولماذا‪،‬‬ ‫الفعل على ما �شاهده‬ ‫وق�صته قد ُت�شا ِبه‬ ‫ق�ص�ص الكثير من ملحدي العالم وهي بب�ساط ٍة ردة ٍ‬ ‫َ‬ ‫من مظاهر توحي بالعبث والالعدالة في الحياة‪ ،‬حيث يقول تو�صلت �إلى ا�ستنتاج عدم وجود‬ ‫خالق ب�شكل �سريع جدا وب�شكل �سهل جدا‪ ،‬ونتيج ًة لذلك اكت�شفتُ بعد فترة طويلة من الزمن‬ ‫�أن �أ�سبابي كانت خاطئة ِومن �أهم تلك الأ�سباب م�س�ألة ال�شر في الكون‪ ،‬حيث كنت �أ�سافر مع‬ ‫والدي اللذ ْين كانا ِمن الم�سيحيين البروت�ستانت �إلى �ألمانيا وفرن�سا في ال�صيف‪ ،‬وقد ت�أثرتُ‬ ‫َّ‬ ‫الالفتات خارج ال ُمدن‬ ‫الحرب العالمية الثانية حيث كنت �أرى‬ ‫ب�شدة خالل الأ�سفار التي �سبقت‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫القوات الع�سكري َة النازية‬ ‫مرحب باليهود هنا" وكنت �أ�شاهد‬ ‫ال�صغيرة والتي ُيكتَب عليها "غير‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫والجناح الع�سكري للحزب النازي بمالب�سهم ال�سوداء مع عالمة الجمجمة والعظمت ْين عليها‪،‬‬ ‫َ‬ ‫هذه التجارب �أثارت عندي الت�سا�ؤالت حول وجود الإله ال ُم ِحب العطوف والتي �أدت في النهاية‬ ‫�إلى �أن �أُ�صبح ملحدا في �سن الخام�سة ع�شر من عمري‪.‬‬ ‫لدي الجر�أ ُة لأناق�ش والدي في المو�ضوع �أو حتى �أخبره لعوامل كثيرة منها �أنني ال‬ ‫ولكن لم تكن َّ‬ ‫�أريد �أن �أكون �سب ًبا لو�ضع غير مريح في المنزل‪ .‬وفي �سن الثالثة والع�شرين‪� ،‬أخبرت والدي �أنه‬ ‫من الم�ستحيل �أن �أعود عن موقفي‪ ،‬يعقب توني فلو على هذه الحادثة بقوله "�أ�ستطيع �أن �أقول‬ ‫�إن والدي �سيكون �سعيدا جدا لو َع ِل َم بموقفي اليوم"‪ .‬ي�ستمر �أنتوني فلو ب�سرد رحلته حيث يقول‪،‬‬ ‫خالل تلك الفترة كنتُ قد �شكلت بع�ض الر�ؤى الف�سلفية لموقفي حتى قبل �أن �أدر�س الفل�سف َة‬ ‫ولكنها لم تكن نا�ضج ًة ب�شكل كامل‪ ،‬خالل تلك الفترة انجذبتُ للي�سار اال�شتراكي ولكنني‬ ‫أنتم للحزب ال�شيوعي كما فعل الكثير من رِفاقي‪ ،‬وال�سبب في ذلك هو ت�صرفات الحزب‬ ‫لم � ِ‬ ‫ؤ�س�سات الحزب‬ ‫ال�شيوعي البريطاني وطاعتُه العمياء للأوامر التي ت�أتيه من مو�سكو‪ ،‬حيث �إن م� ِ‬ ‫‪145‬‬


‫بد�أت تعلن َ‬ ‫رف�ضها للحرب �ضد �ألمانيا النازية باعتبارها حربا ال فائدة منها‪ ،‬وا�ستمر هذا‬ ‫الموقف حتى عام ‪ 1940‬عندما كان البلد مع َّر�ضا لالحتالل الألماني ولكن بين ليل ٍة ُ‬ ‫و�ضحاها‬ ‫داعم للحرب �ضد �ألمانيا النازية عندما قامت �ألمانيا‬ ‫تح َّول موقف م�ؤ�س�سات الحزب �إلى ٍ‬ ‫باجتياح االتحاد ال�سوفييتي‪ ،‬وبالتالي لم يكن لهم عالقة مع ال�شعب البريطاني‪(.‬مالحظة ‪:‬‬ ‫ال�شاعر العراقي المعروف بدر �شاكر ال�سياب يذكر في مذكراته موق ًفا مماث ًال من الحزب‬ ‫ال�شيوعي العراقي ولنف�س الأ�سباب وقد ن�شرت في �إحدى ال�صحف العراقية في وقتها وموجودة‬ ‫على �شكل كتاب مطبوع اليوم)‪.‬‬ ‫خالل الندوة التي جمعته مع علماء �آخرين و�أعلن فيها انتقاله �إلى الإيمان قال �إن ِمن بين‬ ‫�أعظم اكت�شافات ال ِعلم الحديث هو اكت�شاف الخالق‪ ،‬حيث تم �س�ؤاله هل كان للأعمال الخا�صة‬ ‫ب�أ�صل الحياة دو ٌر في موقفه الجديد؟ وكان جوا ُبه نعم ‪ ..‬ال�شفرة الوراثية وتعقيدها �أثبتت بما ال‬ ‫يقبل ال�شك �أنها بحاجة �إلى م�ص ِّمم َع َ‬ ‫مل على جمع هذه الأجزاء وجعلها تعمل �سوي ًة (لقد ذكرنا‬ ‫�سابقا �إن تعقيد ال�شفرة الوراثية دفع العا ِل َم الحائزة على جائزة نوبل �إلى االعتقاد في وجود‬ ‫نوع من الكائنات الف�ضائية قامت بزراعة ال�شفرة الوراثية على الأر�ض! وال ندري َمن َخ َلق هذه‬ ‫ٍ‬ ‫الكائنات على فر�ض وجودها؟)‪ .‬ي�ضيف �أنتوني فلو �إن هذا الإعالن هو تغيير كبير في حياتي‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ولكنه يندرج �ضمن الموقف الذي تبنيتُه منذ ال�صغر في حياتي وهو �أن �أتبع الدليل �إلى نهايته‬ ‫و�س�أقبل بالنتيجة مهما كانت‪.‬‬ ‫المقوالت التي‬ ‫انتقد‬ ‫خالق‪ ،‬حيث َ‬ ‫ِ‬ ‫في الجزء الثاني من كتا ِبه يبد�أ بالكالم عن اكت�شافه وجو َد ٍ‬ ‫بتف�سير ل�سبب وجود الكون‪،‬‬ ‫يرددها بع�ض الملحدين ِمن قبيل "لي�س من المفرو�ض �أن نطالب‬ ‫ٍ‬ ‫‪146‬‬


‫الكون موجود وهذا هو المهم"‪�" ،‬إننا ال ن�ستطيع �أن نقبل بوجود عامل ال مادي لوجود الكون‪،‬‬ ‫لذا نقبل بالم�ستحيل(ال�صدف)"‪" ،‬الحياة ن�ش�أت بال�صدفة من المادة"‪" ،‬القوانين الطبيعية‬ ‫هي لي�ست قوانين حقيقة و�إنما �أم ٌر اخترعناه"‪.‬وقال �إنها قد تبدو محتوية على بع�ض المنطق‬ ‫ولكنها في الحقيقة ال تحتوي على �أي دليل ي�ساندها‪ ،‬وكذلك قال في هذا الجزء "�أنا اليوم‬ ‫�أعتقد �أن الكون �أنتجته قو ٌة عاقلة ذكية وتحكمه قوانين تدل على عظمه الخالق‪� ،‬أنا �أ�ؤمن �أن‬ ‫خلقت بتدخل �إلهي ولكن قد يت�ساءل البع�ض لماذا �أ�ؤمن بذلك؟‬ ‫الحياة ْ‬ ‫والجواب بب�ساطة لأن �صورة العالم الم�ستخل�صة من العلوم الحديثة‪ ،‬كما �أراها‪ ،‬ت�س ِّلط ال�ضو َء‬ ‫على ثالثة �أبعاد ت�شير �إلى وجود خالق‪ :‬البعد الأول �أن الطبيعة تقاد من القوانين‪ ،‬البعد الثاني‬ ‫هو الحياة المنظمة بذكاء والتي تتجه �إلى هدف‪ ،‬البعد الثالث هو وجود الطبيعة نف�س ًها‪ .‬ويقول‬ ‫� ً‬ ‫تدخل‬ ‫أي�ضا �إنني يجب �أن �أ�ؤكد �أن �إيماني بالخالق تم على م�ستوى الواقع ال�صرف بدون �أي ٍ‬ ‫لأي نموذج ديني موجود �أو �أي تجربة �شخ�صية مع الخالق‪ ،‬باخت�صار‪ ،‬اكت�شافي للخالق تم من‬ ‫خالل مقدمات منطقية ولي�ست �إيمانية‪.‬‬ ‫ِمن الأمثلة الذي َذ َكرها في هذا الجزء قوله(لو فر�ضنا �أن جهاز موبايل لديه �إمكانية االت�صال‬ ‫عن طريق الأقمار ال�صناعية و َق� َع في جزيرة ت�سكنها قبيل ٌة بدائية لم تت�صل �سابقا مع �أي‬ ‫ح�ضار ٍة �إن�سانية‪� ،‬سيقوم �سكانُ القبيلة بنقر الأرقام ب�شكل ع�شوائي ونتيج ًة لذلك �سي�ستمعون‬ ‫�إلى �أ�صوات مختلفة‪� ،‬أبناء القبيلة الأذكياء "العلماء" �سيقومون بالتجربة مرة �أخرى و�سي�سمعون‬ ‫الأ�صواتَ مرة �أخرى‪ ،‬اال�ستنتاج �سيكون وا�ضحا لهم‪ ،‬وهو �أن الجهاز فيه �أجزاء تت�ضارب مع‬ ‫بع�ضها البع�ض لتعطي �صوتا م�شابها ل�صوت الإن�سان‪ .‬وهذا يعني �أن الأ�صواتَ تَ�صدر ِمن �أجزاء‬ ‫‪147‬‬


‫الجهاز نف�سه‪ ،‬رئي�س القبيلة اجتمع بعلماء قبيل ِته للنقا�ش وطلب منهم المزيد من التحقيق حول‬ ‫احتمالية وجود نوع من االت�صال مع ح�ضارات ب�شرية �أخرى‪ ،‬ولكنَّ العلما َء �ضحكوا على هذه‬ ‫االحتمالية وقالوا له لو ك�سرنا الجهاز َل َما �سمعنا الأ�صوات‪ ،‬وهذا معناه �أن ت�ضارب �أجزائه هو‬ ‫ح�ضارات �أخرى خارج حدود جزيرتنا)‪.‬‬ ‫ما ي�سبب ال�صوتَ ولي�س االت�صال مع‬ ‫ٍ‬

‫خاتمة الفصل الثالث‬ ‫يحتجون‬ ‫يالحظ المتت ِّبع لكتا َب ْي ْ‬ ‫"وهم الإله" و"الإله الفر�ضية الفا�شلة" �أن الملحدين غالبا ما ُّ‬ ‫بموا ِّد هذين الكتاب ْين وين�سبونها �إلى �أنف�سهم في عملية �سرق ٍة وا�ضحة للمعلومات‪ .‬والأذكياء‬ ‫منهم يحاولون �أن يغيروا الأمثل َة والتعابير الواردة ب�أمثل ٍة وتعابي َر م�ستخل�ص ٍة من بيئتهم‪ ،‬لذا‬ ‫كان من الواجب تو�ضيح معالم هذ ْين الكتابين مع الردود عليها لأنه في الرد على مثل هذه‬ ‫الكتب يمكن الرد على الكثير من �إ�شكاليات الملحدين و�أفكارهم‪ .‬بالن�سبة لكتاب �أنتوني فلو‬ ‫فقد م��ررتُ عليه م��رور الكرام‪ ،‬وتعتبر تجربته �إح��دى التجارب المهمة ويجب على المهتم‬ ‫االطالع على الكتاب ب�شكل �أكثر تف�صيال‪.‬‬

‫‪148‬‬


‫الفصل الرابع‬ ‫ال ُمساجالت (نقاشات في العلم والدين)‬ ‫كتاب واح ٌد ال يكفي‪ ،‬لذا‬ ‫هناك الكثي ُر من ال ُم�ساجالت التي يمكن �أن ندرجها هنا‪ ،‬ولكن بالطبع ٌ‬ ‫ندرج هنا ع ّين ًة من الم�ساجالت والنقا�شات التي تتالءم مع مو�ضوع الكتاب‪�،‬سيتم اال�ست�شهاد‬ ‫بالآيات القر�آنية في الف�صل وهي حجة على الم�ؤمن بالقر�آن ولي�س على الملحد‪ ،‬وال�سبب‬ ‫الأ�سا�سي لال�ست�شهاد بهذه الآي��ات هو �أنه ال يمكن تبيان وجهة نظر الدين بدون النقل من‬ ‫القر�آن‪.‬‬ ‫ما عالقة ال ِعلم بالإلحاد؟ وهل الإلحاد نتيجة طبيعية ل َمن يتبع ال ِعلم؟‬ ‫للإجابة على هذا ال�س�ؤال يجب �أن نعرف مفهوم العلم ومنهجه وكما ب َّينا �سابقا العلم هو المنهج‬ ‫القائم على التجربة والم�شاهدة‪،‬فكل ما يمكن تجربتُه وم�شاهدته يدخل �ضمن نطاق المعلوم‬ ‫مفتوحا على م�صراعيه‪،‬‬ ‫نقا�ش م�سبباته‬ ‫باب ِ‬ ‫القطعي الذي ال �سبيل �إلى مناق�شته‪ ،‬ولكن يبقى َ‬ ‫ً‬ ‫فمث ًال الما ُء مك َّو ٌن من ذرت ْين من الهيدروجين وذرة من الأوك�سجين ِعل ٌم قطعي‪ ،‬وال يختلف فيه‬ ‫اثنان‪ ،‬وبالتالي �أثبت العلم في هذه النقطة كفا َءتَه على تمييز مكونات الماء‪ ،‬وب�شكل قطعي‬ ‫‪149‬‬


‫ولي�س ب�شكل معقول �أو مقبول‪،‬ولكن كيف تك َّون الماء وكيف تك َّونت مكوناته �أمر �آخر‪،‬ولكن‬ ‫لو رجعنا �إلى �أمور ال يمكن لنا �أن نجربها مختبريا �أو �أمو ٍر ال يمكن لنا �أن ن�شاهدها وحاول‬ ‫وال �أو مقب ً‬ ‫العلم �أن يعطي ر�أيه فيها ف�سيكون معق ً‬ ‫وال �ضمن حدود العلم الن�سبي ولن يكون قطع ًّيا‬ ‫أمران ال‬ ‫بالمرة‪ ،‬وهذه المعقولية �أو المقبولية ناتجة عن �أدوات العلم الحالية‪ ،‬والأدوات يمثلها � ِ‬ ‫ثالث لهما؛ وهما المعدات المختبرية التي يتم ا�ستخدامها والمعرفة الآنية المتراكمة المتمثلة‬ ‫في معرفتنا بما حدث عن طريق مخت َل ِف البحوث والنظريات والفر�ضيات ذات العالقة وحتى‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫العلم‬ ‫وكما هو‬ ‫معروف ف�إن معدا ِتنا المختبري َة ومعرفتَنا الآني َة تتطوران بمرور الزمن‪ ،‬فلم يغلق ُ‬ ‫�أبوا َبه‪ ،‬ولم ُت�س ِّرح المختبراتُ منت�سبيها‪ ،‬وبالتالي ال يمكن لأي �إن�سان عاقل �أن ي�ساوي بين‬ ‫المنهج التجريبي‬ ‫العلم القطعي والعلم الن�سبي (علم الفجوات) فهناك فر ٌق بين �أن �أط ِّبق‬ ‫َ‬ ‫الح�سي (المنهج العلمي)في �أمر ن�شاهده يوميا ويمكن تجربته مختبر ًيا‪ ،‬و�أم� ٍ�ر حدث قبل‬ ‫ماليين ال�سنين ال يمكن م�شاهدته يوم ًيا �أو تجربته مختبر ًيا‪ .‬وهذا الفرق يتلخ�ص في الفرق‬ ‫بين النتيجة القطعية والنتيجة المقبولة‪ .‬وقد �أ�شار �إلى ذلك ك ُّل ِمن ريت�شارد داوكنز ولوران�س‬ ‫كراو�س في لقاءٍ َّ‬ ‫نظ َماه معا‪ ،‬قال فيه لوران�س في الدقيقة الـ ‪ 29‬منه �إن ريت�شارد قد �أ�شار‬ ‫�إلى َح َجر الزاوية عندما ع َّبر عن النظريات التي تنفي وجود الإله ب�أنها "معقولة" والكلمة‬ ‫بالإنكليزية تعني‪.Plausibility‬‬ ‫وال�س�ؤال لماذا (معقولة) ولي�ست (حقيقة قطعية)؟ والجواب هو �أن العلم لن يعطي الحقيق َة‬ ‫نف�سه هو ال�ضابط‬ ‫لأمور ال يمكن اختبا ُرها وم�شاهدتها كما �أ�سلفنا؛ لأن ال�ضابط الذي � َ‬ ‫ألزم به َ‬ ‫الح�سي التجريبي‪،‬قد ي�س�أل �سائ ٌل كيف يمكننا �أن ن�أتي بنظري ٍة معقول ٍة لأمر ال يمكن م�شاهدته‬ ‫‪150‬‬


‫وال يمكن تجربته؟والجواب �أن الأمر نات ٌج عن وجود �أدلة يمكن م�شاهدتها قد تدفعنا �إلى تب ِّني‬ ‫مقتطفات زمنية ولي�ست‬ ‫النظرية باعتبارها التحليل الأكثر معقولية‪ ،‬ولكن هذه الأدلة هي مجرد‬ ‫ٍ‬ ‫علم قطعي‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫علم معقول �إلى ٍ‬ ‫عمليات كاملة‪ ،‬ولو ح�صلنا على العمليات الكاملة لتحول من ٍ‬ ‫عندما نتكلم عن ما وراء الطبيعية فالعلم ال ُيبدي ر�أيه فيها ال ب�شكل قطعي وال ب�شكل ن�سبي‪،‬‬ ‫فهو �أمر خارج اخت�صا�صه بالمطلق‪ ،‬ومن هذا الأ�سا�س يمكن �أن ن�سمي العلما َء الذين ُيط ِلقون‬ ‫أحكام على ما ال يمكن تجربته وال يمكن م�شاهدته وال توجد �أدلة ت�شير عليه ب�أ�صحاب "العلم‬ ‫ال َ‬ ‫الحكم �أو النظر في هذه‬ ‫الزائف"‪ ،‬وال�سبب في ذلك بكل ب�ساطة هو �أن العلم بمنهجه ال يمكنه ُ‬ ‫الأمور‪ ،‬وكما قال ديفيد هيوم �أحد �أهم الفال�سفة الذين �أكدوا على المنهج التجريبي الح�سي‬ ‫اللحظات الحا�سم َة التي لم يكن لنا فيها تجربة ت�شبه تلك التي لنا‬ ‫"ي�ستحيل �إثبات وجود �أن‬ ‫ِ‬ ‫فيها تجربة" وهذا الكالم طبيعي ومعقول لمن فهِ َم العلم(المنهج التجريبي الح�سي) و�أدوا ِته‪.‬‬ ‫المنهج العلمي ال يمكن �أن يقود �إلى الإلحاد؛ لأن الإلحاد يقع‬ ‫الجزم ب�أن‬ ‫ونتيجة لذلك يمكن‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫خارج حدوده‪ ،‬نعم المنهج العلمي يك�شف الكثير من الأمور الخرافية التي لحقت بالأديان ع ْب َر‬ ‫الأجيال‪ ،‬وهذا �شيء جيد جدً ا وال يجب على علماء الدين الوقوف بوجهه و�إنما تق ُّبله وتو�ضيحه‬ ‫ورف�ض الن�سبي منه الذي يتعار�ض مع وجود خالق؛ لأنه ُب ِن َي على �آراءٍ �شخ�صية للعلماء الملحدين‬ ‫ولي�س على �أ�سا�س علمي‪.‬‬ ‫ما اإليمان؟‬ ‫َ‬ ‫تعاريف‪ ،‬ولكنَّ هناك تعريف ْين ُيعتب َران الأكث َر ُقربا لهوى الملحد‬ ‫يع ِّرف الملحدون الإيمانَ بعد ٍة‬ ‫وهُ ما‪:‬‬ ‫‪151‬‬


‫الإيمان‪:‬هو االعتقاد بال �أدلة‪.‬‬ ‫الإيمان‪ :‬هو التظاهر بمعرفة �شيء ال تعرفه‪.‬‬ ‫يقول �أحد الملحدين الأمريكيين �إنه ِمن الممكن �أن نتنازل ونقول �إنه من الممكن �إثبات وجود‬ ‫عي�سى تاريخيا‪ ،‬وقد يمكن �أن نثبت �أنه ُر ِف َع على ال�صليب‪� ،‬أ َّما اعتبار �أن هذا دليل على �أنه �إله‬ ‫فهو اعتقا ٌد بال �أدلة!‬ ‫هنا تبرز نقطة يجب الإ� �ش��ارة �إليها ول��و على عجل وه��ي تحميل الن�ص الديني �أكثر مما‬ ‫النا�س عنه‪،‬‬ ‫يحتمل؛حيث �أن الخرافة والأم��ور التراثية تث ِق ُل الدين بالحواجز التي تبعد‬ ‫َ‬ ‫وخ�صو�صا �أن الإن�سان الواعي لن يقبل الخرافة‪ ،‬وهذا ما يجب �أن ينتبه له الم�سلمون لأنهم‬ ‫وقعوا في هذا الفخ ومازالوا يحملون بين ظهرانيهم ِت ْرك َة الأمور التراثية والخرافية التي لحقت‬ ‫إ�سالم النقي لفقدنا ال َ‬ ‫أمل وتركنا‬ ‫بالإ�سالم‪ ،‬ولوال القر�آن ووقو ُفه ٍ‬ ‫منيع يحمل ال َ‬ ‫ك�سد �شامخ ٍ‬ ‫الكتابة ُ‬ ‫هلل على َخل ِقه‪.‬‬ ‫وبط ْلت حج ُة ا ِ‬ ‫نعود لأ�صل المو�ضوع وهل الدين �إيما ٌن بال �أدلة؟ الإن�سان بفطرته ال�سليمة يدرك �أن هناك‬ ‫مح ِّركا وهد ًفا وقوىً عاقل ًة �أوجدت ما نراه ِمن حولنا‪ ،‬فالإيمان ب�أن ال�صدف َة هي ال�سبب كالم ال‬ ‫يمكن �أن ي�صدق به عاقل‪،‬مما ي�ؤدي �إلى �أن يدرك الإن�سان وجود الخالق‪ ،‬وبما �أن الخالق يمثل‬ ‫الق َوىً العاقل ٌة الواعية التي �أبدعت الكون فيدرك �أن هذا الخالق ال يمكن �أن َيقبل بالظلم‪ ،‬ولكن‬ ‫يوم تتحقق فيه العدالة من‬ ‫الحياة كلها ظلم ووح�شية‪ ،‬وبالتالي ي�ؤدي هذا �إلى االعتقاد بوجود ٍ‬ ‫قبل الخالق العاقل الواعي وهذا هو يوم الح�ساب‪.‬‬ ‫الر�سل والكتب ال�سماوية يمكن �أن ن�صل �إلى حقيقة وجود الخالق ويوم‬ ‫وبدون الحاجة �إلى ُ‬ ‫‪152‬‬


‫الح�ساب وفق البرهان العقلي والبرهان الح�سي‪ ،‬حيث قادنا البرهان الح�سي �إلى وجود قوى‬ ‫عاقلة ذكية‪ ،‬وقادنا البرهان العقلي �إلى �أنه البد �أن ترف�ض هذه القوى العاقلة الذكية كل �أ�شكال‬ ‫الظلم‪.‬‬ ‫الر�سل لتو�ضيح ر�سالة الخالق ب�شكل �أكثر تف�صي ًال‪ ،‬لذا ي�ؤمن الم�ؤمنون‬ ‫ولكننا نبقى بحاجة �إلى ُ‬ ‫الر�س َل دالين عليه‪ ،‬وحتى الإيمان بالغيب الذي ي�ؤمن به الم�سلمون وي�ستخدمه‬ ‫ب�أن اهلل �أر�سل ُ‬ ‫الملحدون لالنتقا�ص منهم هو لي�س �إيما ًنا بال دليل وال �إيمانا �أعمى‪ ،‬و�إنما �إيما ٌن نتيجة لوجود‬ ‫�شواهد دال ٍة على وجود قوة قادرة خالقة للكون ي�سميها الملحد القوى العمياء �أو االنتخاب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الف�ضل فيما نراه حولنا ِمن الأر�ض المنا�سبة للعي�ش‬ ‫الطبيعي �أو الجين الأناني‪ ،‬و َين�سب لها‬ ‫والإن�سان المتمكن منها وعلى كل ما فيها‪ ،‬القر�آن الكريم ال يدعونا للإيمان بالغيب وكفى‪،‬‬ ‫باب يدعونا للتفكر في خلق‬ ‫بالحجة والمنطق‪ ،‬فهو من ٍ‬ ‫و�إنما يب ِّين لنا الأ�سباب وال ِ‬ ‫آيات و ُيحاجج ُ‬ ‫باب ُيعطي‬ ‫باب يدعونا للنظر في �أحوال الأمم ِومن خلق الإن�سان‪ ،‬ومن ٍ‬ ‫ال�سموات والأر�ض‪ ،‬ومن ٍ‬ ‫بع�ض التنب�ؤات والمعجزات العلمية كدوران الأر�ض بتعبير "وجعلنا الأر�ض ِمهادًا وترى الجبال‬ ‫ال�سماوات وال َ‬ ‫أر�ض كانتا رت ًقا‪ ،‬و�أن الإن�سان ن�ش�أ من‬ ‫تح�سبها جامدة وهي تمر مر ال�سحاب‪ ،‬و�أن‬ ‫ِ‬ ‫الأر�ض‪ ،‬و�أن اهلل يزيد في الخلق وغيرها‪.‬‬ ‫باب حياة الأنبياء وت�أثيرهم الكبير الذي ال ُينكر على الإن�سانية ما�ض ًيا وحا�ض ًرا وم�ستقب ًال‪،‬‬ ‫ومن ٍ‬ ‫فال يمكن �أن ُيقال �إن �إيمان الم�ؤمنين بدون �أدلة‪ ،‬ولكن حتى نكون من�صفين ف�إن �إلحاد الملحدين‬ ‫هو الذي بدون �أدلة فال يوجد دليل علمي واحد ي�ستطيع �أن يقدمه الملحد ليثبت عدم وجود‬ ‫خالق‪،‬الملحدون في حقيقة الأمر ال يملكون غير الكالم الفل�سفي‪ .‬فالإلحاد هو االدعاء بدون‬ ‫�أدلة والتظاهر بمعرفة �شيء ال تعرفه‪ ،‬وهذا ال ينطبق على الإيمان القائم على الم�شاهدات ِل َما‬ ‫‪153‬‬


‫حولنا‪� ،‬أي المنهج الح�سي وعلى التفكير ال�سليم �أي المنهج العقلي‪.‬‬ ‫الثواب والجزاء‬ ‫الملحدون هل ِمن المعقول �أن يكون الرب الخالق القادر الالمحدود يهتم لأمر �إن�سان‬ ‫يت�ساءل ِ‬ ‫ال قيمة وال حجم معتبر له مقارن ًة بحجم الكون وطوله وعر�ضه؟ كيف نقبل �أن هذا الإله‬ ‫الالمحدود يغ�ضب وينفعل لأ�سباب �شخ�صية و َي ْ�ش َت ُّم رائح َة دما ِء الأ�ضاحي وغيرها؟‬ ‫الإ�شكالية في الت�سا�ؤل �أعاله هي �إ�شكالية الإله ال�شخ�صي‪ ،‬المتتبع للقر�آن يعرف �أن غ�ضب اهلل‬ ‫وعقا َبه ي�أتيان من العدالة الواجب تحقيقها‪ ،‬فالق�ضية لي�ست �شخ�صية بقدر ما هي منطقية‪،‬‬ ‫�أما موا�صفات الإله ال�شخ�صي فهذه بالعموم مرفو�ضة‪ ،‬فهذا الخالق الدقيق القادر الواجب‬ ‫الوجود يجب �أن يهتم لأمر هذا الإن�سان ال�ضعيف‪ ،‬و�أن يقت�ص من الظالمين‪ ،‬ف�أي � ٍإله حكيم‬ ‫وقادر يخلق النا�س ليت�ساوى فيهم الظالم والمظلوم؟ ويا ليت الأمر يتوقف على الت�ساوي و�إنما‬ ‫ينت�صر الظالم ويفوز في حال كان �إ�شكال الملحدين على تدخل الإله الالمحدود �صحيح ولم‬ ‫يتدخل الإله في حال وجوده!‬ ‫هذا لي�س من الحكمة والعدل والقدرة في �شيء ف�أي قادر وحكيم ي�سمح ب�أن ي�سود الظالم‬ ‫وينت�صر‪ .‬نف�س ال�شيء بالن�سبة لمنع الزنا والعالقة بدون زواج وال�سرقة والقتل فكل هذه الأمور‬ ‫ال تهم الخالقَ في �شيء بقدر ما هي �أمور لتنظيم حياة الب�شر ومنع الظلم‪ ،‬وهذا ي�ؤكد على‬ ‫حكمة وعطف الخالق‪ ،‬ولذلك ف�إن الحدود مثال ال تكون في الأمور التي بين الإن�سان وربه‪ ،‬و�إنما‬ ‫في الأمور االجتماعية فقط التي قد تع ِّر�ض المجتم َع للخطر في حالة تجاوز الإن�سان على �إن�سان‬ ‫كحد ُيف َر�ض لكبت‬ ‫�آخر‪ ،‬وال�شيء بال�شيء يذ َكر فال ُبد �أن ن�ؤكد �أن هذا دليل على ف�ساد حد الردة ٍ‬ ‫‪154‬‬


‫الحريات‪.‬‬ ‫والتنظيم لحياة النا�س على الخالق فنزيد لهم‬ ‫الملحدون ي�ستكثرون الرعاي َة واللطف‬ ‫و�إذا كان ِ‬ ‫َ‬ ‫من ِّ‬ ‫ال�شعر بيتا ونقول �إن الخالق وفْقَ النظرية القر�آنية حتى الحيوانات ينت�صف لها‪،‬وكما جاء‬ ‫الَ ْر ِ�ض َو اَل َطا ِئ ٍر َي ِطي ُر ِب َج َن َاح ْي ِه �إال �أُ َم ٌم �أَ ْم َثا ُل ُكم َّما َف َّر ْط َنا ِفي‬ ‫في القر�آن " َو َما ِمن َدا َّب ٍة ِفي ْ أ‬ ‫َاب ِمن َ�ش ْيءٍ ُث َّم �إِ َلى َر ِّبهِ ْم ُي ْح َ�ش ُرونَ "الأنعام ‪.٣٨‬‬ ‫ا ْل ِكت ِ‬ ‫العتر�ض المعتر�ضون � ً‬ ‫َ‬ ‫أي�ضا ولقالوا �أي � ٍإله قادر وحكيم‬ ‫ولو كانت الحيا ُة بال جزاءٍ ودون ثواب‬ ‫يخلق الخلقَ ويتركه ي�أكل ُ‬ ‫فالملحدون‬ ‫بع�ضه بع�ضا بال وعد بمحا�سبة الظالم وتعوي�ض المظلوم؟‬ ‫ِ‬ ‫يعتر�ضون ويعتر�ضون ولن ير�ضوا منك ب�أية �سبيل ما دامت تخالف �سبي َلهم وفكرهم فتراهم‬ ‫ي�ستنكرون على الإله معاقبة الجناة بالرغم من اتفاق العقالء على �أن جريم ًة بدون عقاب �أم ٌر‬ ‫�سيئ ‪.‬‬ ‫ال�س َما ِء َف َظلُّوا ِفي ِه َي ْع ُر ُجونَ ‪-١٤‬الحجر َل َقا ُلوا �إنما ُ�س ِّك َر ْت �أَ ْب َ�صا ُر َنا‬ ‫َ"و َل ْو َفت َْح َنا َع َل ْيهِ م َبا ًبا ِّمنَ َّ‬ ‫َب ْل َن ْحنُ َق ْو ٌم َّم ْ�س ُحو ُرونَ "الحجر ‪.١٥‬‬ ‫�أخي ًرا ال بد من الت�أكيد على بع�ض المعاني الخا�صة بالخالق والتي و�ضحها القر�آن فمث ًال �شم‬ ‫رائحة دماء الأ�ضاحي المذكورة في العهد القديم جاء القر�آن ً‬ ‫راف�ضا لها تماما مبي ًنا �أن اهلل‬ ‫لن ينال لحوم الأ�ضاحي وال دمائها و�إنما ما يناله هو تقوى الم�ؤمنين ( َلن َي َن َال ال َّلـ َه ُل ُحو ُم َها‬ ‫َو اَل ِد َما�ؤُهَ ا َو َل ِـكن َي َنا ُل ُه ال َّت ْق َوى ِمن ُك ْم َكذ ِل َك َ�س َّخ َرهَ ا َل ُك ْم ِل ُت َك ِّب ُروا ال َّلـ َه َع َلى َما هَ َدا ُك ْم َو َب ِّ�ش ِر‬ ‫ا ْل ُم ْح ِ�س ِنينَ ) الحج ‪.٣٧‬‬

‫‪155‬‬


‫الشرور‬ ‫الحكام الظ َلمة؟ الزالزل والفي�ضانات‬ ‫�أين الإل ُه ِمن كل هذه ال�شرور ِمن حولنا؟ �أين الإل ُه من ُ‬ ‫والفقر والجوع؟‬ ‫�سبق �أن تكلمنا عن هذا الأمر وقلنا �إنه ح�سب النظرية القر�آنية ال يوجد �شيء ا�سمه �شر و�إنما‬ ‫�أنت و�أنا نراه �ش ًرا (�أي َن َما َت ُكو ُنوا ُي ْدرِك ُّك ُم ا ْل َم ْوتُ َو َل ْو ُكنت ُْم ِفي ُب ُر ٍوج ُّم َ�ش َّي َد ٍة َو ِ�إن ُت ِ�ص ْب ُه ْم َح َ�س َن ٌة‬ ‫َي ُقو ُلوا هَ ِـذ ِه ِمنْ ِع ِند ال َّلـه َو ِ�إن ُت ِ�ص ْب ُه ْم َ�س ِّي َئ ٌة َي ُقو ُلوا هَ ِذ ِه ِمنْ ِع ِند َك ُق ْل ُك ٌّل ِّمنْ ِع ِند ال َّلـ ِه َف َم ِال‬ ‫هَ ـ�ؤُ اَل ِء ا ْل َق ْو ِم اَل َي َكادُونَ َي ْف َق ُهونَ َح ِدي ًثا ‪٧٨‬الن�ساء َّما �أَ َ�صا َب َك ِمنْ َح َ�س َن ٍة َفمِ نَ ال َّلـ ِه َو َما �أَ َ�صا َب َك ِمن‬ ‫َ�س ِّي َئ ٍة َفمِ ن َّنف ِْ�س َك َو َ�أ ْر َ�س ْل َن َ‬ ‫ا�س َر ُ�س اًول َو َك َفى ِبال َّلـ ِه َ�شهِ يدً ا) الن�ساء ‪.٧٩‬‬ ‫اك ِلل َّن ِ‬ ‫خير و�شر فين�سبون الخي َر هلل (باعتبارهم‬ ‫يق�سم الأمور �إلى ٍ‬ ‫الآية الأولى تتكلم عن حال من ِّ‬ ‫يغ�ضب‬ ‫م�شركين ي�ؤمنون باهلل) وين�سبون ال�شر �إلى الر�سول باعتباره قد �أتى بفكر جديد قد ِ‬ ‫عليهم ال�سما َء في�أتيهم الجواب �أنه كله ِمن عند اهلل‪ ،‬ما تراه �ش ًرا وما تراه خي ًرا‪ ،‬ومن ثم تنتقل‬ ‫القوم ال يفقهون الحديث التي‬ ‫الآية الثانية لتو�ضح �أكثر ويتم فيها مخاطبة الر�سول لعلة �أن َ‬ ‫كنت تراها �سيئ ًة فمِ ن نف�سك‬ ‫بعده �إن َ‬ ‫ُذ ِكرت في الآية الأولى‪ ،‬فيقول اهلل لر�سوله وللأُمة ِمن ِ‬ ‫كنت تراها خيرا فمِ ن اهلل‪ ،‬ف�أنت قد ترى ال�سيئ‬ ‫لأنك تفهمها على �أنها �سيئة (�شر) �أ ّما �إن َ‬ ‫والح�سن في الحياة الدنيا مت�ساويان في الغر�ض‬ ‫خي ًرا �إذا فهمت نظرية القر�آن و�أن ال�سيئ َ‬ ‫والهدف �إال وهو االبتالء بق�صد الداللة على وجود الخالق و�ضعف الإن�سان وهلل الحج ُة البالغة‬ ‫ات‬ ‫( َو َق َّط ْع َناهُ ْم ِفي ْ أ‬ ‫ال�س ِّي َئ ِ‬ ‫ال�صا ِل ُحونَ َو ِم ْن ُه ْم دُونَ َذ ِل َك َو َب َل ْو َناهُ م ِبا ْل َح َ�س َن ِ‬ ‫الَ ْر ِ�ض �أُ َم ًما ِّم ْن ُه ُم َّ‬ ‫ات َو َّ‬ ‫َل َع َّل ُه ْم َي ْر ِج ُعونَ ) الأعراف ‪.١٦٨‬‬ ‫‪156‬‬


‫ْ‬ ‫لننتقل الآنَ من الواقع النظري �إلى الواقع العملي فالفيرو�سات والأمرا�ض كانت حافزا للبحث‬ ‫والتقدم العلمي وتعزيز ا�ستخالف الإن�سان في الأر���ض‪ ،‬وال��زالزل والفي�ضانات كانت حافزا‬ ‫بحوث �ساهمت في زيادة معرفتنا بهذه الظواهر الطبيعية وتطوير �أ�ساليب البناء‪ ،‬وهكذا‬ ‫في ٍ‬ ‫فبالإ�ضافة �إلى هدف االبتالء نجد �أن لهذه ال�شرور كما ن�سميها حافزًا مبا�ش ًرا للإن�سانية‬ ‫لتبحثَ وتبتكر وتتطور‪.‬‬ ‫جماعات �أخرى‪،‬‬ ‫�أحد ال�شرور المفت َر�ضة هو القتل الذي يقوم به بع�ض الأفراد �أو الجماعات �ضد‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫هذا يقع �ضمن حرية االختيار الممنوحة للإن�سان‪ ،‬فلو َّ‬ ‫القاتل‬ ‫ب�شكل مبا�شر لمنع‬ ‫تدخ َل الخالقُ ٍ‬ ‫تكا�س َل الإن�سان في البحث عن �أ�ساليب‬ ‫ِمن القتل مثال َل�سقطت حرية االختيار الممنوحة �أو ًال‪ ,‬و َل َ‬ ‫النجاة والدفاع عن نف�سه ثان ًيا‪ .‬وتكون النتيجة �أننا ن�صبح كالأطفال في ح�ضانة‪ ,‬ال ابتالء وال‬ ‫ا�ستخالف وال هُ م يحزنون‪ .‬وقد يكون التدخل الإلهي واج ًبا لو �أن الب�شر خلقوا غير مت�ساوين‬ ‫ولكن الجميع لديهم نف�س الم�ؤهالت فلم يخلق ُ‬ ‫اهلل مجموع ًة من النا�س لها ما لي�س للآخرين‬ ‫وبالتالي ال ُف َر�ص مت�ساوية للجميع‪.‬‬ ‫ولو لم يكن الإن�سان حرا في خياراته ل�سقط الح�ساب على ت�صرفاته الظالم ًة والجائرة‪ .‬وهذا‬ ‫التدافع هو ِمن ُ�س َنن الخالق كما في �سورة الحج الآية ‪( 40‬ا َّل ِذينَ �أُخْ ِر ُجوا ِمن ِد َيار ِِهم ِب َغ ْي ِر‬ ‫ا�س َب ْع َ�ض ُهم ِب َب ْع ٍ�ض َّل ُه ِّد َم ْت َ�ص َو ِام ُع َو ِب َي ٌع َو َ�ص َل َواتٌ‬ ‫َح ٍ ّق �إال �أَن َي ُقو ُلوا َر ُّب َنا ال َّلـ ُه َو َل ْو اَل َد ْف ُع ال َّلـ ِه ال َّن َ‬ ‫ن�ص ُر ُه ِ�إنَّ ال َّلـ َه َل َق ِو ٌّي َع ِزيزٌ)‪ .‬قد‬ ‫ن�ص َرنَّ ال َّلـ ُه َمن َي ُ‬ ‫ا�س ُم ال َّلـ ِه َك ِثي ًرا َو َل َي ُ‬ ‫َو َم َ�س ِاج ُد ُي ْذ َك ُر ِفي َها ْ‬ ‫الر�سل ف� َ‬ ‫و�ساع َد الم�سلمين في معركة‬ ‫يت�ساءل ِ‬ ‫أنقذ مو�سى َ‬ ‫الملح ُد هنا �ألم يتدخل اهلل في حياة ُ‬ ‫الر�سل و ْف��قَ النظرية القر�آنية حالة‬ ‫الأح��زاب كما ي َّد َعي الم�ؤمنون؟ والإجابة على ذلك �أن ُ‬ ‫‪157‬‬


‫خا�صة وهذا جز ٌء من معجزاتهم‪ ،‬فانت�صار ر�سول الإ�سالم ال�سيا�سي والع�سكري واالقت�صادي‬ ‫والثقافي والفكري والديني واالجتماعي خالل فترة ع�شرين �سنة معجزة بكل المقايي�س‪ ،‬وقد‬ ‫َّ‬ ‫و�ض َح القر�آن ذلك في �سورة ال�صافات ( َو َل َق ْد َ�س َب َق ْت َك ِل َم ُت َنا ِل ِع َبا ِد َنا ا ْل ُم ْر َ�س ِلينَ ‪� ١٧١‬إِ َّن ُه ْم َل ُه ُم‬ ‫فالر�سل حال ٌة خا�صة ولي�ست عامة‪.‬‬ ‫ا ْل َم ُ‬ ‫ن�صو ُرونَ ‪َ ١٧٢‬و ِ�إنَّ ُج َند َنا َل ُه ُم ا ْل َغا ِل ُبونَ ‪ُ )١٧٣‬‬ ‫الفقر المالي بالإ�ضافة �إلى �أنها ابتال ٌء وا�ضح ف�إنها �أم ٌر يدفع الإن�ساني َة للبحث والعمل‬ ‫م�س�أل ُة ِ‬ ‫بجد ال�ستغالل م��وارد الأر���ض؛ مما ي ��ؤدي �إل��ى التدافع الإيجابي ال��ذي نرى �آث��ا َره في جميع‬ ‫حيوان ن�أكل وننام‪،‬‬ ‫جد النا�س �أرزاقهم بين �أيديهم لأ�صبحنا حديقة‬ ‫االتجاهات‪ ،‬وبخالفه لو َو َ‬ ‫ٍ‬ ‫وقد ي�ؤدي بنا الملل �إلى ما ال ُيح َمد ُعق َباه‪ ،‬فالعمل والجهد المبذول ِمن �أرقى و�أجمل ما يختبره‬ ‫الإن�سان في حياته‪ ،‬فكل �شيء ت ِق ُّل متعتُه مع مرور الزمن �إال متع َة العمل وتحدياته‪ ،‬وفي واقع‬ ‫الأمر كلنا فقراء‪ ،‬وال ِغ َنى المالي هو جزء ب�سيط من �أنواع االكتفاء ال ينفي الفق َر في ال�صحة‬ ‫والعمر والجمال وغيرها من الأمور‪ ،‬وقد �أ�شار القر�آن �إلى ذلك بقوله تعالى ( َو َل ْو َب َ�س َط ال َّلـ ُه‬ ‫الَ ْر ِ�ض َو َل ِـكن ُي َن ِز ُّل ِب َق َد ٍر َّما َي َ�شا ُء �إِ َّن ُه ِب ِع َبا ِد ِه َخ ِبي ٌر َب ِ�صي ٌر)ال�شورى ‪٢٧‬‬ ‫الر ْز َق ِل ِع َبا ِد ِه َل َب َغ ْوا ِفي ْ أ‬ ‫ِّ‬ ‫ومن الأمثلة على �ضرر ت�ساوي الرزق هو ما حدث في الدول اال�شتراكية التي حاولت تطبيق‬ ‫اال�شتراكية ب�شكل �سيء‪.‬‬ ‫في �إح��دى المحا�ضرات الدرا�سية �س�ألنا الأ�ستاذ لماذا ندر�س و ُنت ِعب �أنف�سنا؟ فاختلفت‬ ‫�صادما لي في ذلك الوقت هو ِمن �أجل المال الذي‬ ‫الإجابات‪� ،‬أما جواب الأ�ستاذ الذي كان‬ ‫ً‬ ‫نحتاجه لنعي�ش ولوال الحاجة َل َما بذلنا كل هذه الجهود‪ ،‬وهذا هو التدافع الذي �ساهَ َم في كل‬ ‫التطور الحا�صل في كل مجاالت الحياة الذي نتج ب�شكل مبا�شر عن حاجة الإن�سان ومناف�سته‬ ‫‪158‬‬


‫للآخرين في �سبيل تحقيق النجاح ال�ضامن لتمكنه من العي�ش‪ ،‬فلو كانت الأموال متوفر ًة َل َما‬ ‫د َر�س الإن�سان ولما اجتهد و َل َما ع َّمر ال َ‬ ‫أر�ض ِمن الأ�صل‪.‬‬ ‫أبعاد متعددة‪ ،‬ولكن �أهمها هو امتناع‬ ‫م�س�أل ُة الجو ِع ال�شديد الذي يقع في �إفريقيا م�شكل ٌة ذات � ٍ‬ ‫الإن�سانية عن ن�صرة المظلوم والم�ست�ض َعف‪ ،‬فت ْر ُك ه�ؤال ِء فري�سة لحكوماتهم الع�سكرية وجه ِلهم‬ ‫وفقرهم �أدى �إلى ما �أدى عليه بالإ�ضافة �إلى ن�صرة الدول الكبرى لذلك النظام �أو هذا لأنه‬ ‫نق�صا في الموارد‬ ‫يمثل م�صالح الدول الكبرى على ح�ساب ال�شعوب المحرومة‪.‬الم�شكلة لي�ست ً‬ ‫و�إنما �سو ٌء في التنظيم والإدارة حيث نرى مقدار البذخ والإ�سراف في المطاعم الأمريكية مثال‬ ‫الفقر والعوز في �إفريقيا‪ .‬فالموار ُد موجودة ولكن الجهل والبخل واال�ستغالل خ َلقَ هذه‬ ‫ومقدا َر ِ‬ ‫الفجو َة الكبيرة‪.‬‬ ‫قد يعتر�ض �أحدهم ويقول �أال توجد طريقة �أف�ضل لالبتالء والتحفيز؟ وهنا ِمن حقنا �أن نت�ساءل‬ ‫ما هي الطريقة الأف�ضل في نظرك؟ وما يدرينا �أنك لن تعتر�ض على الطريقة الأخرى؟ وهذا‬ ‫�أمر ن�سمعه دائما فالبع�ض يعتر�ض لأجل االعترا�ض‪ ،‬فتراه يقول لماذا لم ت� ِأت الآية القر�آنية‬ ‫بهذا ال�شكل لي�سهل فه ُمها؟ ولماذا ال َيظهر لنا الخالق؟ �أو كما ذهب داوكنز في انتقاده للعين‬ ‫على الرغم من اعترافه �أنها ت�ؤدي وظيفتها ب�شكل �أف�ضل بت�صميمها الحالي‪� ،‬أو كما اعتر�ض‬ ‫�ستينجر في كتابه على ت�صميم الإن�سان الحالي حيث اقترح ت�صمي ًما يزيد في ُعمر الإن�سان‬ ‫ولكنه اعترف ب�أنه لن يكون جميال‪ ،‬حتى على الت�صميم الذي يقترحه يعتر�ض! لذا عزيزي‬ ‫المعتر�ض‪ :‬قبل �أن تعتر�ض ْ‬ ‫حاول �أن تت�صور نو َع البديل الذي تعتبره منا�س ًبا لأداء نف�س الغر�ض‬ ‫ِ‬ ‫وبعد ذلك حاول �أن تقارن بين البديل ْين‪ِ ،‬ومن هنا قد تكت�شف مدى م�صداقية اعترا�ضك‪ ،‬وهل‬ ‫‪159‬‬


‫جدل ال متنا ٍه و�سل�سلة من االعترا�ضات ال غاي َة منها �أم ال؟‬ ‫هو مجرد ٍ‬ ‫ال�صا ِب ِرينَ َو َن ْب ُل َو �أَخْ َبا َر ُك ْم) �سورة محمد ‪.٣١‬‬ ‫( َو َل َن ْب ُل َو َّن ُك ْم َحتَّى َن ْع َل َم ا ْل ُم َج ِاه ِدينَ ِمن ُك ْم َو َّ‬ ‫ال�صا ِب ِرينَ )‬ ‫ال ْم َو ِال َو َْ أ‬ ‫ْ�ص ِّمنَ َْ أ‬ ‫( َو َل َن ْب ُل َو َّن ُكم ِب َ�ش ْيءٍ ِّمنَ ا ْل َخ ْو ِف َوا ْل ُجو ِع َو َنق ٍ‬ ‫الن ُف ِ�س َوال َّث َم َر ِات َو َب ِّ�ش ِر َّ‬ ‫�سورة البقرة ‪.١٥٥‬‬ ‫�صحيحا‪ ،‬حيث يعتبرون �أن �أمو ًرا مثل‬ ‫قد يعتر�ض الكثير على هذا المنظور ويرف�ضونه و�إن كان‬ ‫ً‬ ‫�سرطان الأطفال والحروب دليل على غطر�سة الخالق وعدم رحمته ويقولون �إن ِمتْنا والتقينا‬ ‫بالخالق �سنقول له ذلك‪ ،‬وطب ًعا هنا من حقهم االعترا�ض ومن حقهم �أن ال يروا حكمة في‬ ‫أمر‪،‬تماما كما فعل �إبلي�س واعتر�ض على حكمة وهدف ال�سجود لآدم ولكن هذا ال يعني عدم‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫وجود خالق‪.‬‬

‫الهداية والضالل‪:‬‬ ‫يعتر�ض الملحد ويقول ما دام اهلل يهدي َمن ي�شاء و ُي ِ�ضل َمن ي�شاء فال قيمة لإلحادي‪ ،‬وال قيمة‬ ‫ِ‬ ‫لإيماني‪ ،‬و�إنما هو �أمر �أراده اهلل‪ .‬فلماذا تعتر�ض على ما �أراده اهلل؟‬ ‫قال تعالى‪�" :‬أتريدون �أن تهدوا َمن �أ�ضل اهلل َومن ُي�ض ِل ِل ُ‬ ‫اهلل فلن تجد له �سبيلاً (الن�ساء ‪)88‬‬ ‫والهدى‪،‬علة ذلك �أنه تعالى يعطي‬ ‫ين�سب لنف�سه كل �شيء ال�ش َّر والخي َر وال�ضاللة‬ ‫ِ‬ ‫اهلل تعالى ِ‬ ‫وحب المال والتكبر والغرور والجبروت‪ِ ،‬ومن باب �آخر‬ ‫للإن�سان مقومات ال�ضاللة كال�شهوة ُ‬ ‫والحب‪،‬ثم يترك له حري َة‬ ‫ف�إنه يعطيه‬ ‫ِ‬ ‫مقومات الهداية من الإن�سانية والأخالق والرحمة والر�أفة ُ‬ ‫االختيار ف�إن �أقبل على الخيرات ما منعه و�إنْ �أق َب َل على ال�شهوات ما منعه‪،‬فهو بالتالي هداه‬ ‫‪160‬‬


‫مقومات ال�ضاللة ف�سبحانه وتَعالى‬ ‫لأنه �أعطاه مقومات الهداية‪ ،‬وبالتالي �أ�ضله لأنه �أعطاه‬ ‫ِ‬ ‫ومنحها حرية االختيار بهدف التمحي�ص واالبتالء؛( ِ�إ َّنا‬ ‫النف�س الإن�سانية الفجو َر والتقوى َ‬ ‫�أ ْل َهم َ‬ ‫ا�ست ََح ُّبوا‬ ‫هَ َد ْي َنا ُه َّ‬ ‫ال�س ِب َيل �إِ َّما َ�ش ِاك ًرا َو ِ�إ َّما َك ُفو ًرا الإن�سان ‪ ،٣‬و قال تعالى‪�( :‬أَ َّما َث ُمو ُد َف َه َد ْي َناهُ ْم َف ْ‬ ‫إلهون ِب َما َكا ُنوا َي ْك ِ�س ُبونَ ) ف�صلت ‪.١٧‬‬ ‫ا ْل َع َمى َع َلى َ‬ ‫اب � ِ‬ ‫الهدى َف�أَ َخ َذ ْت ُه ْم َ�ص ِاع َق ُة ا ْل َع َذ ِ‬ ‫ولكن هلل تعالى الحجة البالغة بالرغم من ذلك لأنه حذر وب َّين �صراطه الم�ستقيم عن طريق‬ ‫الر�سل والأنبياء فال حجة لإن�سان ليقول �أنا ع�صيت لأنك �أعطيتني حرية االختيار والرغبة‬ ‫أي�ضا حذرك و�أعطاك َ‬ ‫لأنه تعالى � ً‬ ‫دليل م�ستخدم كامل �إذا �أتبعته تتبع ال�صراط الم�ستقيم و�إذا‬ ‫خالفته ت�صبح من ال�ضالين‪ .‬بعبارة �أخرى ك�أن اهلل تعالى يكرر مع كل �شخ�ص منا ق�صة �سيدنا‬ ‫�آدم عليه ال�سالم ومازلنا نخطئ كل يوم نف�س الخط�أ‪.‬‬ ‫عبودية البشر هلل‪:‬‬ ‫الملحدون غالبا ما يعتر�ضون على م�س�ألة العبودية‪ ،‬و�أي � ٍإله عظيم هذا الذي يحتاج �إلى عبادة‬ ‫ِ‬ ‫مجموع ٍة من الب�شر يعي�شون على كوكب ال يتجاوز حج ُمه ذر َة الرمل بالقيا�س �إلى الكون بحيث‬ ‫يجعل غاي َة الخلق عبادتَه؟!‬ ‫وللإجابة على هذا الت�سا�ؤل يجب نقا�ش ب�ضعة �أمور‪:‬‬ ‫ال�سبب‬ ‫�أوال‪ :‬النظرية القر�آنية تدلنا على عدة غايات للخلق‪ ،‬وعباد ُة الخالق �إحداها ولي�ست‬ ‫َ‬ ‫الوحيد‪ ،‬فمِ ن الغايات االبتالء والتمحي�ص مثل قو ِله في �سورة الأنعام الآية ‪َ ( 165‬وهُ َو ا َّل ِذي‬ ‫الَ ْر ِ�ض َو َر َف َع َب ْع َ�ض ُك ْم َف ْو َق َب ْع ٍ�ض َد َر َج ٍات ِّل َي ْب ُل َو ُك ْم ِفي َما �آتَا ُك ْم �إِنَّ َر َّب َك َ�س ِري ُع‬ ‫َج َع َل ُك ْم َخلاَ ِئ َف ْ أ‬ ‫‪161‬‬


‫)وغيرها الكثير من الآيات الدالة على نف�س المعنى‪ ،‬وكذلك غاية‬ ‫اب َو ِ�إ َّن ُه َل َغ ُفو ٌر َّر ِحي ٌم‬ ‫ا ْل ِع َق ِ‬ ‫ِ‬ ‫الإيمان والتي تت�شابه كثيرا مع غاية العبادة وغاية �إقامة العدل والق�سط بين النا�س كما جاء في‬ ‫أقرب للتقوى ‪.‬‬ ‫قوم على �أال تعدلوا اعدلوا هو � ُ‬ ‫القر�آن بما معناه �أن ال يجرمنكم َ�ش َن�آن ٍ‬ ‫ثانيا‪ :‬النظرية القر�آنية في م�س�ألة العبادة هلل تت�شابه �إلى حد كبير مع م�س�ألة الإيمان‪ ،‬فكلتاهُ ما‬ ‫ال تتم �إال عن طريق المعرفة‪ ،‬فال يمكنك �أن ت�ؤمن باهلل وتعبده �إال بعد �أن تعرفه و�أن تبحث عنه‬ ‫في طيات الكتب وفي خلق اهلل ِمن حولك‪ ،‬فالعبادة هي المعرفة‪ ،‬وهي �أمر يحتاجه الب�شر وال‬ ‫يحتاجه اهلل‪ ،‬فهم بفطرتهم ي�س�ألون عن الخالق ويتناق�شون في غاية الكون‪ ،‬وتنتج عن ذلك‬ ‫�أفكا ًرا مختلف ًة يمكن �إجمال نتيجتها في الإيمان �أو الإلحاد‪ ،‬وبالتالي �إذا نظرنا �إليها من هذه‬ ‫الزاوية فهي حاجة ب�شرية نف�سية‪ ،‬والنا�س بحاجة �إلى معرفتها‪ .‬بالإ�ضافة �إلى �أن هناك من‬ ‫يقول �إن العبادة هي العمل الجيد بمعنى �أن اهلل تعالى يرف�ض الأعمال ال�سيئة وما خلق الإن�سان‬ ‫�إال للأعمال ال�صالحة‪.‬‬ ‫والنا�س جمي ًعا م�سلمين وملحدين وال�أدريين هم عبي ٌد هلل‪ ،‬هذا هو‬ ‫ثالثا‪:‬الم�س ِلمون عبا ٌد هلل‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫منطق القر�آن وهو منطق دقيق‪ ،‬كما في �سورة �آل عمران الآية‬ ‫‪(182‬ذ ِل َك ِب َما َق َّد َم ْت � ِأيدي ُك ْم َو�أَنَّ‬ ‫ال َّلـ َه َل ْي َ�س ِب َظلاَّ ٍم ِّل ْل َع ِب ِيد) فالآية تتكلم عمن قتل الأنبياء وتتوعدهم بالعذاب وت�سميهم عبيدا‪�،‬أ ّما‬ ‫ات ال َّلـ ِه‬ ‫ا�س َمن َي ْ�ش ِري َنف َْ�س ُه ا ْب ِت َغا َء َم ْر َ�ض ِ‬ ‫الم�ؤمنون ف�سنجد في �سورة البقرة رقم ‪َ ( 207‬و ِمنَ ال َّن ِ‬ ‫َوال َّلـ ُه َر ُء ٌ‬ ‫وف ِبا ْل ِع َبا ِد) وهكذا بقية الآيات فلن تجد �آية ت�شير للم�ؤمنين على �أنهم عبيد �إال من‬ ‫كب�شر عبي ٌد للقوانين الطبيعة وغيرها �سواء‬ ‫باب تعميم جميع الخلق‪ .‬وال�سبب في ذلك �أننا ٍ‬ ‫أ�صبحت عابدً ا‪.‬‬ ‫عرفت اهلل �‬ ‫كنت ملحدً ا �أو م�ؤمنا ف�أنت عب ٌد ولكن �إنْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫�أر�ضينا �أم �أبينا‪ ،‬ف�إنك �إنْ َ‬ ‫يقول "�ستيفن هاوكنغ" عا ِلم الفيزياء المعروف‬ ‫‪162‬‬


‫‪It is hard to imagine how free will can operate if our‬‬ ‫‪behavior is determined by physical law، so it seems that‬‬ ‫‪we are no more than biological machine and that free‬‬ ‫‪will is just an illusion‬‬ ‫والترجمة‪(:‬من ال�صعب الت�صو ُر كيف يمكن �أن تعمل الإرادة الحرة �إذا كانت ت�صرفاتنا‬ ‫ِ‬ ‫محكوم ًة بقوانين الفيزياء‪ ،‬لذلك ف�إن من الوا�ضح �أننا ل�سنا �أكثر من مكائن بيولوجية والإرادة‬ ‫وهم) ‪.‬‬ ‫الحرة مجرد ْ‬ ‫عبيد �شئنا �أم �أبينا نكبر في العمر ون�أكل وننام ونموت ونحن‬ ‫نعم َ�ص َدق �ستيفن فنحن مجرد ٍ‬ ‫مجبورون على كل ذلك‪ ،‬ولي�س لنا �أن نختار عدم النوم �أو الأكل �أو الزيادة في العمر ولكن‬ ‫الحرية الوحيدة الممنوحة لنا هي حرية التفكير وحرية الت�صرف �ضمن حدود‪ ،‬ولذا حرية‬ ‫أعظم �شيء يملكه الإن�سان ليختار ما ي�شاء‪ ،‬وهذا االختيار هو �سبب وجودنا ف�إنْ منعناه‬ ‫التفكير � َ‬ ‫ف�إننا بال�ضرورة نمنع ُ�س َّن ًة من ُ�س َنن اهلل تعالى‪.‬‬ ‫اك َع َل ْيهِ ْم َح ِف ً‬ ‫قال تعالى‪َ ( :‬و َل ْو َ�شا َء ال َّلـ ُه َما �أَ ْ�ش َر ُكوا َو َما َج َع ْل َن َ‬ ‫نت َع َل ْيهِ م ِب َو ِك ٍيل )‬ ‫يظا َو َما �أَ َ‬ ‫الأنعام ‪.107‬‬ ‫بنا ًء على هذه الآية يقول الم�شرك �أنا �أ�شركت بم�شيئة اهلل فما دخْ لي؟ والحقيقة �أن م�شيئة اهلل‬ ‫المق�صودة هي �أن اهلل �شاء �أن يعطي حرية االختيار للنا�س‪ ،‬ولهم الحق �أن ي�ؤمنوا �أو �أن يلحدوا‬ ‫مادام الأمر بعيدا عن العناد والتكبر والهوى ومبن ًيا على البحث المن�صف مع النف�س‪.‬ولو �شاء‬ ‫اهلل لأجبر الجميع على عبادته عبادة خال�صة ولكن لن يكون لفرد فيها ف�ضل �أو جهد فكري‬ ‫‪163‬‬


‫حقيقي‪.‬‬ ‫قد يقول قائ ٌل �إننا ال نملك حتى حرية التفكير وذلك لأن حرية التفكير مبني ٌة على المعلومات‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الظروف دون االطالع على ما يكفي من معلومات‪ .‬وهذا‬ ‫المدخلة للعقل الب�شري وقد ت َُحول‬ ‫حدود لتفكيرنا وهذه‬ ‫الكالم �صحيح ولكنه ال يعني عدم وجود حرية تفكير و�إنما يعني وجود ٍ‬ ‫الحدود قد تتو�سع وقد ت�ضيق طبقا الطالعنا واهلل تعالى �سيحا�سبنا على مقدار اطالعنا وهذا‬ ‫يعني �أن الق�ضية ن�سبية‪ .‬القر�آن رف�ض �أن ي َّدعي ٌ‬ ‫طرف المعرف َة المط َلقة على ح�ساب طرف‬ ‫وح َ�صر المعرف َة المطلقة فيه تعالى َّ‬ ‫وو�ضح �أنه �سيب ِّين‬ ‫وو�صف َمن يقوم بذلك ب�أنه ال يعلم‪َ ،‬‬ ‫للنا�س ما كانوا فيه يختلفون‪ ،‬وهذا التبيان لن يكون �إال يوم القيامة‪.‬‬ ‫الر َج ِال َوال ِّن َ�سا ِء َوا ْل ِو ْل َد ِان اَل َي ْ�ست َِطي ُعونَ ِحي َل ًة َو اَل َي ْه َتدُونَ َ�س ِبيلاً البقرة ‪٩٨‬‬ ‫(ا ْل ُم ْ�ست َْ�ض َع ِفينَ ِمنَ ِّ‬ ‫َف�أو َلـ ِئ َك َع َ�سى ال َّلـ ُه �أَن َي ْع ُف َو َع ْن ُه ْم َو َكانَ ال َّلـ ُه َع ُف ًّوا َغ ُفو ًرا) البقرة ‪.٩٩‬‬ ‫َو َقا َل ِت ا ْل َي ُهو ُد َل ْي َ�س ِت ال َّن َ�صا َرى َع َلى َ�ش ْيءٍ َو َقا َل ِت ال َّن َ�صا َرى َل ْي َ�س ِت ا ْل َي ُهو ُد َع َلى َ�ش ْيءٍ َوهُ ْم َي ْت ُلونَ‬ ‫َاب َك َذ ِل َك َق َال ا َّل ِذينَ اَل َي ْع َل ُمونَ ِم ْث َل َق ْولِهِ ْم َفال َّلـ ُه َي ْح ُك ُم َب ْي َن ُه ْم َي ْو َم ا ْل ِق َي َام ِة ِفي َما َكا ُنوا ِفي ِه‬ ‫ا ْل ِكت َ‬ ‫َيخْ َت ِل ُفونَ البقرة‪.١١٣‬‬ ‫الصدفة في الميالد على دين صحيح‬ ‫الملحدون والالدينيون للتقليل من �ش�أن الأديان اعتبا ُرهم‬ ‫�أحد �أهم النقاط التي ي�ستخدمها ِ‬ ‫تابع لمكان والدة الفرد‪ .‬وهذا الكالم جزئ ًيا �صحيح ولكنه‬ ‫�أن الدين مجرد �صدفة ومجرد � ٍ‬ ‫أمر ٍ‬ ‫للأ�سف عام و�سطحي للأ�سباب ولكنه ال ينفي الدين من �أ�صله بقدر ما يقلل من فعالية �أدواتنا‬ ‫‪164‬‬


‫في االطالع على الأفكار الدينية المختلفة‪ ،‬لذا يجب �أن يناق�ش المو�ضوع بال�شكل الآتي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬لنعمل �إح�صائية تقريبية بعدد الأدي��ان اليوم وهي الإ�سالم‪ ،‬والم�سيحية‪ ،‬واليهودية‪،‬‬ ‫والهندو�سية‪ ،‬وال�سيغ‪ ،‬والبوذية (على الرغم من �أن البع�ض ال يعتبرها دي ًنا)‪،‬والإلحاد‪،‬‬ ‫والربوبية‪ ..‬وهذه هي الأدي��ان الرئي�سية في العالم التي ت�شكل الن�سب َة الأكبر من الب�شر مع‬ ‫ن�سب ٍة قليلة متبقية موزعة هنا وهناك ال وزن فعلي لها‪ ،‬بالن�سبة للبوذية فهي لي�ست ديانة وهي‬ ‫الجماعة الوحيدة التي لي�س لدى الكثير من �أتباعها ٌ‬ ‫موقف ديني كما َي َّدعون فال ي�ؤمنون بوجود‬ ‫�إله وال ينكرونه لأنهم يعتبرون الإنكار �إيمانا مط َلقا بالمادة وكــ�أن البوذية تقترب من الال�أدرية‬ ‫وجهات‪.‬‬ ‫في هذه النقطة‪ ،‬وبالتالي بعد ا�ستثناء البوذية يبقى لدينا �سب ُع‬ ‫ٍ‬ ‫و�إمكانية �أن يو َلد المر ُء على الموقف الديني ال�صحيح هي �إمكانية واردة جدا وت�ساوي تقري ًبا‬ ‫‪ %15‬وهي �أكثر بكثير من ن�سبة وجود الحياة والكون وبقية خ�صائ�ص الكون مجتمعة والتي‬ ‫ت�صل �إلى ن�سبة معدومة‪ ،‬وبما �أن القر�آن يخبرنا عن م�ستويات مختلفة من الإيمان تتدرج من‬ ‫ثان يتمثل باالعتقاد باهلل‬ ‫الر�سل وهم الم�سلمين �إلى م�ستوى �إيمان ٍ‬ ‫ال ٍ‬ ‫إيمان ب�سيدنا محمد وبقي ِة ُ‬ ‫واليوم ال ِآخر والعمل ال�صالح وهم الذين ال خوف عليهم وال هم يحزنون ف�إنه يمكننا اعتبار‬ ‫الديانات الثالثة (اليهودية والم�سيحية والإ�سالم) �ضمن الدين ال�صحيح‪ ،‬وهذا يرفع احتمالي َة‬ ‫الميالد على الدين ال�صحيح �إلى ما يقرب من ‪ %43‬وهي ن�سبة عالية ومحترمة‪� .‬إذا انتقلنا‬ ‫�إلى الم�ستوى الثالث في القر�آن وهم الأ�شخا�ص الذين لم يت�سنى لهم الو�صول �إلى الدين من‬ ‫الم�ست�ضعفين في الأر�ض وه�ؤالء م�ؤمل لهم الغفران‪ ،‬وبالتالي على هناك ن�سبة عالية جدً ا من‬ ‫الرحمة للنا�س �أجمعين ما عدً ا المعاند المكابر وه�ؤالء قلة قليلة جدً ا فالكثير من الملحدين‬ ‫‪165‬‬


‫�أ�صلاً لي�سوا معاندين مكابرين‪ ،‬وبالتالي هذه الإ�شكالية لي�ست ناه�ضة‪.‬‬ ‫هذا �إذا فر�ضنا جد ًال �سيرث دين الموقع الجغرافي الذي ولد فيه بالتمام والكمال وك�أنه بال‬ ‫عقل وال تفكير وال موقف‪ ،‬لو حاولنا عمل �إح�صائية على �أي عائلة �سنجد �أن �أفرادها مختلفون‬ ‫ٍ‬ ‫تماما على الرغم من �أن �أهلهم حاولوا وح�سب مقدرتهم واطالعهم ِومن باب حر�صهم‬ ‫فكر ًيا ً‬ ‫على �أوالدهم �أن ينقلوا لهم موقفهم الفكري �سوا ٌء �أكان �إلحاديا‪� ،‬أم �إ�سالميا‪� ،‬أم ربوبيا ولكن‬ ‫يبقى كل �إن�سان له فكره ونظرته الخا�صة للأمور‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬وفْقَ النظرية القر�آنية فالق�ضية لي�ست بهذه الب�ساطة وال�سطحية التي يت�صورها وير ّوج‬ ‫لها الملحد‪ ،‬الق�ضية لي�ست �أن تو َلد م�س ِلما وتعي�ش م�س ِلما وتموت وتذهب �إلى الجنة وكل َمن لم‬ ‫قوالب جاهزة هذا م�س ْل ٌم في الجنة وذاك "ال‬ ‫يولد م�سلما يموت ويذهب �إلى النار‪ ،‬فالأمر لي�س َ‬ ‫�أدري" في النار‪ .‬فبالإ�ضافة �إلى الإيمان هناك العمل ال�صالح ومن دون العمل ال نفع للأيمان‪.‬‬ ‫ُون ال َّلـ ِه َو ِل ًّيا َو اَل‬ ‫َاب َمن َي ْع َم ْل ُ�سو ًء ُي ْجزَ ِبه ِ َو اَل َي ِجد ْ َله ُ ِمن د ِ‬ ‫( َّل ْي َ�س ِب�أَ َما ِن ِّي ُك ْم َو اَل �أَ َما ِن ِّي �أَ ْه ِل ا ْل ِكت ِ‬ ‫َن ِ�صي ًرا) الن�ساء ‪.١٢٣‬‬ ‫ثال ًثا‪ :‬ال�صدفة لي�ست دائ ًما مبر ًرا لعدم العتبار الموروث �أمر خاطئ فاللعبة ب�إثبات �أن‬ ‫الموروث �أمر خاطئ بالأدلة‪.‬‬ ‫راب ًعا‪ :‬الإن�سان بطبعه باحثٌ ‪ ،‬وهذا البحث والتدقيق فيما حوله �إنْ كان ب�شكل جاد ينفي الوراث َة‬ ‫الفكرية جمل ًة وتف�صي ًال‪.‬‬

‫‪166‬‬


‫نوع الثواب واألوامر‬ ‫يعتر�ض الملحدون على تفا�سير بع�ض �أن ��واع النعيم ف��ي الجنة‪ ،‬مثال ال�ح��ور ووظيفتهم‬ ‫ِ‬ ‫و�أعدادهم(علما ب�أن �أعداد الحور من الأمور المت�أخرة وغير موجودة في القر�آن) وفي الحقيقة‬ ‫م�س�ألة الحور كم�س�ألة ال ِغلمان هل هدفهم الخدمة فقط؟�أم التزويج الفعلي؟ وخ�صو�صا �أن‬ ‫القر�آن ي�ستخدم مفردة نكاح ولي�س زواج عن الإ�شارة �إلى التزاوج ولذا �سمي عقد النكاح لذا‬ ‫ف�إن هذه الآيات في الحقيقة مت�شابهة بما ال يقبل ال�شك‪ ،‬وقد ا�شتبه �أم ُرها على الم�سلمين وال‬ ‫يمكن الجزم بمعناها الفعلي‪ .‬بما �أنها ال غير مرتبطة بعقيدة وال بعبادات الم�سلم اليومية فال‬ ‫مبرر لنقا�شها بتف�صيل‪.‬‬ ‫وكذا يعتر�ض البع�ض على قوله تعالى (وق�ضى ربك �أال تعبدوا �إال �إياه وبالوالدين �إح�سا ًنا) ويقول‬ ‫والدي؟ وهكذا تجد مختلف �أنواع االعترا�ضات وحتى‬ ‫هل �أنا فعال محتاج لأمر �إلهي لأُ ِ‬ ‫ح�سن �إلى َّ‬ ‫اعترا�ضات على ما كان و�سيكون‪ .‬هذه االعترا�ضات‬ ‫لو لم تكن الأمور �أعاله موجود ًة َل َ�سمِ عنا‬ ‫ٍ‬ ‫لي�ست جديد ًة‪ ،‬وعلينا �أن نفهم �أن لي�س جمي ُع النا�س في م�ستوى ثقافي واحد‪ ،‬وما قد �أعتبره‬ ‫�أنا تاف ًها قد يعتبره الآخر هدفا مهما من �أهداف حياته‪ ،‬وما قد �أعت ِبره �أنا �أم ًرا بديه ًيا واج ًبا‬ ‫قد يعتبره الآخر �أم ًرا كمال ًيا ال مبرر له وال طاقة له عليه‪ ،‬وبالتالي ف�آيات القر�آن المفرو�ض �أن‬ ‫تراعي الجميع لأنها تخاطب الجميع‪ ،‬فالقر�آن الكريم ال يخاطب م�ستوى المثقفين مثال بحيث‬ ‫ال يفهمه وال ينجذب �إليه الآخرون‪ ،‬و�إنما يخاطب جميع الم�ستويات وبالتالي ال يقع في الفخ‬ ‫الذي يقع فيه الكثير من المفكرين والمثقفين والقادة نتيجة �إ�صدارهم كت ًبا تخاطب طبقة دون‬ ‫طبقة معينة دون النا�س مما ي�ؤدي �إلى انعزالهم وانعزال كتبهم عن مجتمعاتهم‪ ،‬ف�إذا كانت‬ ‫‪167‬‬


‫محفزة بالن�سبة لك فهذا �أم ٌر جيد والآية القر�آنية ال تخاطبك‪ ،‬و�إنما تخاطب‬ ‫بع�ض الآيات غي َر ٍ‬ ‫الم�ستوى الآخر‪.‬‬ ‫ومثال ذلك اعترا�ض هن ُد بنت ُعتبة على بنود البيعة لر�سول اهلل لنف�س ال�سبب �أعاله حيث كان‬ ‫الحرة؟" يعني بالن�سبة لم�ستواها‬ ‫�أحد بنود البيعة هو عدم الزنا‬ ‫ْ‬ ‫فاعتر�ضت وقالت "هل تزني ُ‬ ‫هذا الأمر لي�س في الح�سبان‪ ،‬ولكن كما ب َّينا فالق�ضية عامة َومن كان متر ِّف ًعا عن جزئية هنا‬ ‫ن�سب �إلى ر�سول الإ�سالم قو ُله‪" :‬خيا ُركم في‬ ‫�أو هنا ل�سبب �أو لآخر فهذا �أمر جيد جدً ا‪ ،‬لذا ُي َ‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬خيا ُركم في الجاهلية"‪ ،‬فالإ�سالم �أتى ليتفق مع الفطرة ال�سليمة ويدعمها وي�ؤكدها‬ ‫ولي�س العك�س‪.‬‬ ‫المتشابه في القرآن‪:‬‬ ‫آيات مت�شا ِبهات وذلك في قوله تعالى (هُ َو ا َّل ِذي َ�أنزَ َل‬ ‫القر�آنُ ي�ص ِّرح ب�شفافي ٍة كعاد ِته بوجود � ٍ‬ ‫َاب َو�أُ َخ ُر ُمت ََ�شا ِبهَاتٌ َف َ�أ َّما ا َّل ِذينَ ِفي ُق ُلوبِهِ ْم َز ْي ٌغ‬ ‫َاب ِم ْن ُه �آياتٌ ُّم ْح َك َماتٌ هُ نَّ �أُ ُّم ا ْل ِكت ِ‬ ‫َع َل ْي َك ا ْل ِكت َ‬ ‫َف َي َّت ِب ُعونَ َما ت ََ�شا َب َه ِم ْن ُه ا ْب ِت َغا َء ا ْل ِف ْت َن ِة َوا ْب ِت َغا َء َت�أوي ِل ِه َو َما َي ْع َل ُم َت�أوي َل ُه �إال ال َّلـ ُه َوال َّر ِا�س ُخونَ ِفي ا ْل ِع ْل ِم‬ ‫اب) �آل عمران‪.٧ :‬‬ ‫َي ُقو ُلونَ � َآم َّنا ِب ِه ُك ٌّل ِّمنْ ِع ِند َر ِّب َنا َو َما َي َّذ َّك ُر �إال �أو ُلو ْ أ‬ ‫الَ ْل َب ِ‬ ‫والوا�ضح من �سياق الآية �أن ت�أويل هذه الآيات ال يعلمه �إال اهلل تعالى‪ ،‬و�إن الذين في قلوبهم‬ ‫زي ٌغ يتبعون المت�شا ِب َه وي�صرون عليه ابتغا َء الفتن ِة وابتغا َء ت�أوي ِله لخدمة م�صالحهم الم�شبوهة‪،‬‬ ‫الم�صالح قد تكون �سيا�سي ًة �أو اقت�صادية �أو �أمو ًرا �أخرى‪ ،‬بع�ض الآيات المت�شابهة �أَ َقر‬ ‫وهذه‬ ‫ُ‬ ‫القر�آن ب�إمكانية معرفة ت�أويلها ولكن بعد حين وذلك في قوله تعالى‪" :‬و َل َت ْع َل ُمنَّ َن َب�أَ ُه َب ْع َد ِح ٍين"‬ ‫‪168‬‬


‫�ص‪.)88:‬وبع�ض الآيات لن نعرف ت�أوي َلها حتى يوم القيامة فهي جزء من االبتالء‪" :‬هَ ْل َي ُ‬ ‫نظ ُرونَ‬ ‫�إال َت�أوي َل ُه َي ْو َم َي ْ�أ ِتي َت�أوي ُل ُه َي ُق ُ‬ ‫ول ا َّل ِذينَ َن ُ�سو ُه ِمن َق ْب ُل َق ْد َجا َء ْت ُر ُ�س ُل َر ِّب َنا ِبا ْل َح ِّق َف َهل َّل َنا ِمن‬ ‫ُ�ش َف َعا َء َف َي ْ�ش َف ُعوا َل َنا �أو ُن َر ُّد َف َن ْع َم َل َغ ْي َر ا َّل ِذي ُك َّنا َن ْع َم ُل َق ْد َخ ِ�س ُروا �أَن ُف َ�س ُه ْم َو َ�ض َّل َع ْن ُهم َّما َكا ُنوا‬ ‫الج َمل بما‬ ‫َي ْف َت ُرونَ " الأعراف‪ ،٥٣ :‬وهذا يقودنا �إلى �إحدى المغالطات التي َذ َكرنا وهي َت ْرك َ‬ ‫َح َمل عند عدم القدرة على �إجابة �أحد الأ�سئلة‪ ،‬القر�آن فيه �آياتٌ ُمح َكماتٌ هُ نَّ ُ�أ ّم الكتاب‪،‬‬ ‫وهُ نَّ كافياتٌ �شافيات وبالتالي عند اختالف الم�سلمين على تف�سير الآيات المت�شابهات �أمر‬ ‫طبيعي‪،‬وعندما يحاول �أحدهم تف�سير الآيات المت�شابهة ف�سيكون تف�سيره ناب ًعا من ثقافته وروح‬ ‫ع�صره الذي عا�ش فيه‪.‬‬ ‫فال يمكننا �أن نت�صور ب�أي حال من الأحوال �أن يكون تف�سير ابن كثير �أو غيره لقوله تعالى (و َت َرى‬ ‫ال�س َحاب ُ�ص ْنع َ ال َّلـ ِه ا َّل ِذي �أَ ْت َقنَ ُك َّل َ�ش ْيءٍ ِ�إ َّنه َخ ِبي ٌر ِب َما‬ ‫ا ْل ِج َب َال ت َْح َ�س ُب َها َج ِام َد ًة َو ِه َي َت ُم ُّر َم َّر َّ‬ ‫َت ْف َع ُلونَ )‪ –٨٨‬النمل‪ ،‬م�شابه لتف�سيرنا ونظرتنا للكون اليوم في �ضوء المكت�شفات العلمية‪ ،‬و�إذا‬ ‫حاول �أحدهم تقدي�س تف�سير ابن كثير �أو غيره ف�إنه يقع في خلل كبير يجعله يتعار�ض مع �أدواتنا‬ ‫ً‬ ‫تعار�ضا كبي ًرا مما يجعل نظرته للقر�آن ال تتجاوز نظرة الطفل ال�صغير الذي ال يعني‬ ‫الحالية‬ ‫�شيئا عن الكون من حوله‪ .‬ومهما كان اعتقادنا واختالفنا في الآيات المت�شابهات فهو مقبو ٌل‬ ‫مادام ال يقود �إلى الفتنة وال �إلى القول بالخرافة نتيجة لتعار�ضه مع الثوابت العلمية‪ ،‬وبما �أننا‬ ‫ذكرنا هذه الآي َة ونتيج ًة لوجود جزء من الم�سلمين يعتقد ب�أن َمن يعلم الآيات المت�شابهات هو‬ ‫اهلل والرا�سخون في العلم‪ ،‬مع �أن الآية تب ِّين �أن الرا�سخون في العلم يقولون �آم ّنا به ك ٌّل ِمن عند‬ ‫تف�سير هذه‬ ‫ربنا‪ ،‬فال ب�أ�س ب�أن نذكر ما ورد في ُخطبة الأ�شباح المن�سوبة ل�سيدنا الإمام علي في‬ ‫ٍ‬ ‫الآية في نهج البالغة لنرى من موقف الرا�سخون في العلم من مت�شابه الآيات‪.‬‬ ‫‪169‬‬


‫ال�س َد ِد ا ْل َم ْ�ض ُرو َب ِة دُونَ‬ ‫" َو ْاع َل ْم �أَنَّ ال َّر ِا�س ِخينَ ِفي ا ْل ِع ْل ِم هُ ُم ا َّل ِذينَ �أَ ْغ َناهُ ْم َع ِن ا ْق ِت َح ِام ُّ‬ ‫وب‪َ ،‬ف َم َد َح ُ‬ ‫اهلل َت َعا َلى ْاع ِت َرا َف ُه ْم‬ ‫وب‪ ،‬الإ ْق َرا ُر ِب ُج ْم َل ِة َما َجهِ ُلوا َتف ِْ�سي َر ُه ِمنَ ا ْلغ ْي ِب ا ْل َم ْح ُج ِ‬ ‫ا ْل ُغ ُي ِ‬ ‫اول َما َل ْم ُي ِح ُ‬ ‫يطوا ِب ِه ِع ْلم ًا‪َ ،‬و َ�س َّمى َت ْر َك ُه ُم ال َّت َع ُّمقَ ِف َيما َل ْم ُي َك ِّل ْف ُه ُم ا ْل َب ْحثَ َعنْ ُك ْنهِ ِه‬ ‫ِبا ْل َع ْج ِز َعنْ َت َن ِ‬ ‫هلل ُ�س ْب َحا َن ُه َع َلى َق ْد ِر َع ْق ِل َك َف َت ُكونَ ِمنَ الها ِل ِكينَ "‪.‬‬ ‫ُر ُ�سوخ ًا‪ ،‬فا ْقت َِ�ص ْر َع َلى َذ ِل َك‪َ ،‬و َال ُت َقدِّ ْر َع َظ َم َة ا ِ‬

‫�إذن كنتيجة لما �سبق نجد في القر�أن الكريم نوعين من الآيات وهما‪ :‬الآيات‬ ‫المحكمة والآيات المت�شابهة‪ ،‬تمثل الآيات المحكمة �أ�صل العقيدة والعبادات‬ ‫مث ًال‪ :‬وهلل على النا�س حج البيت من ا�ستطاع �إليه �سبي ًال‪ ،‬و"اهلل ال �إله �إال‬ ‫هو" وغيرها من الآيات التي ال ي�شتبه في معناها العقالء‪ ،‬وهناك الآيات‬ ‫المت�شابهات‪ ،‬وهذه الآيات ت�شابهت على النا�س لأمور عديدة؛ منها �أنها تعالج‬ ‫�أمو ًرا حدثت في الما�ضي‪� ،‬أو �أمو ًرا �ستحدث في الم�ستقبل‪ ،‬وهذا الم�ستقبل‬ ‫قد يكون الحياة �أو ما بعد الحياة كنعيم الجنة وعذاب الآخرة‪..‬‬ ‫هذه االي��ات ج��اءت بلغة العرب وا�ستخدمت كلماتهم لو�صف ما ال يمكن‬ ‫مجازي‪ ،‬مث ًال عندما ي�صف القر�آن‬ ‫أ�سلوب‬ ‫ت�صوره‪ ،‬فهنا الكلمات ُت�ستخدم ب� ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الخالق ويحاول تقريبه من الأذهان يعطي َم َثل النور ال�صادر من زجاجة �إلى‬ ‫�آخر الو�صف‪ ،‬حيث يبقى الو�صف و�ص ًفا ال يمكننا �أن نت�أكد من مدى ُقربه �أو‬ ‫ُبعده عن الحقيقة‪ ،‬لأن المو�صوف لم ي َره من قر�أ الو�صف‪.‬‬ ‫مثال �آخر هو �شجرة الزقوم وثمارها التي ت�شبه ر�ؤو�س ال�شياطين‪ ،‬ولكن من‬ ‫منا �شاهد فيه حياته ر�أ�س ال�شيطان؟ ال �أحد‪ ،‬فهو ٌ‬ ‫و�صف ال ُيمكننا �أن ُنحدد‬ ‫مالمحه‪ ،‬وبالتالي تكون لدى كل �شخ�ص �صورة مختلفة عن ال�شخ�ص الآخر‬ ‫‪170‬‬


‫لهذه الأو�صاف طب ًقا لثقافة ال�شخ�ص واطالعه و م�ستواه الفكري‪.‬‬ ‫ومن هنا نتجت الحقيقة الن�سبية‪ ،‬فالحقيقة في ذاتها مطلقة‪ ،‬فاهلل واح ٌد‬ ‫و�شجرة ال��زق��وم ذات �شكل واح��د‪ ،‬ولكن نتيجة لق�صر الكلمات ونتيجة‬ ‫الختالف مداركنا الفكرية �أ�صبحت الحقيقة ن�سبية‪ ،‬وكل منا له ت�صو ٌر معينٌ‬ ‫لنف�س الو�صف‪.‬‬ ‫وبالرغم من �أنه ال �إ�شكال في هذا االختالف الفكري؛ �إال �أن الكثيرين جعلوا‬ ‫ت�صورهم لبع�ض الآيات المت�شابهة عقيدة �إ�سالمية يك ُفر من يخالفها �أو على‬ ‫�أح�سن االحوال ينتق�ص من تفكيره وتوحيده‪ ،‬مثال ذلك التعابير القر�آنية‬ ‫التي تن�سب �إل��ى الخالق اليد وال�ساق وغيرها‪ ،‬حيث �أ�صبح �إثباتها لدى‬ ‫ال�سلفية جزء من التوحيد �أ�سموه توحيد ال�صفات والأ�سماء‪ ،‬واعتبروا �أن‬ ‫هذه التعابير تعابير حقيقة تدل على �أن هلل �سا ٌق وي ٌد‪ ،‬ولكن لي�س كمثلهما‬ ‫�شيء‪ ،‬وبالتالي كل من يقول ب َم َجاز َّية هذه التعابير و�أن لي�س هلل يد �أو �ساق‬ ‫مطعون في توحيده‪.‬‬ ‫وقد ذهب البع�ض �إل��ى القول ببدعة ال�س�ؤال عن الكيف و�ضرورة القبول‬ ‫بظاهر الن�ص‪ ،‬فلم يقولوا بحقيقة التعابير وال بمجازيتها كالقول المن�سوب‬ ‫�إلى الإمام مالك بخ�صو�ص ا�ستواء الرحمن على العر�ش‪ ،‬حيث ن�سب �إليه‬ ‫قول �إن اال�ستواء معلو ٌم والكيف مجهو ٌل وال�س�ؤال بدعة‪ ،‬و�أ�صبح هذا المذهب‬ ‫عقيدة لدى البع�ض � ً‬ ‫أي�ضا‪.‬‬ ‫‪171‬‬


‫ويذهب الآخ��رون �إلى مجازية هذه التعابير وغيرها و�أنها جاءت لتقريب‬ ‫المعنى ال لتبيان كيفيته وحالته‪ .‬وكان الأولى القبول باالختالف في المت�شابه‬ ‫من الآيات‪ ،‬حيث �إن مذهب القبول باالختالف الناتج عن اختالف مدارك‬ ‫النا�س واطالعهم هو المذهب المحمود‪ ،‬حيث ال يكفر من ُيخالف هذا �أو‬ ‫ذاك‪ ،‬وال ينتق�ص من توحيده‪ .‬فما �أ�شبه من يت�ش َّدد في تثبيت �صورة واحدة‬ ‫لآية مت�شابهة في كتاب اهلل العزيز بالجاهل المغرور بر�أيه البعيد عن روح‬ ‫القر�آن الكريم‪.‬‬ ‫� ً‬ ‫أي�ضا يقودنا ذلك �إلى �أن نطلب �أن يبقي المت�شابه مت�شاب ًها كما �أراده اهلل‬ ‫وال يفتح البع�ض العنان لأفكاره المري�ضة وغريزته الطافحة لت�أويل المت�شابه‬ ‫مو�صوف فلدينا في‬ ‫وخ�صو�صا �إن كان هذا المت�شابه غير‬ ‫بما ت�شتهي نف�سه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫مو�صوف ا�ستدل ْلنا منه على الكثرة والوفرة في نعيم‬ ‫بع�ض الأحيان مت�شاب ٌه‬ ‫الجنان كما في الأنهار والكواعب والحدائق والأعناب‪ ،‬وهناك مت�شابه غير‬ ‫مو�صوف‪ ،‬مث ًال قررت الآية التزويج بحور العين وطواف الغلمان المخلدون‬ ‫وهذه �أ�سماء لأمور لم تو�ضحها الآيات و�أفعال لم تبينها فما هدف التزويج‬ ‫والطواف؟ عل ًما �أن القر�آن ي�ستخدم تعبير النكاح في عقود الزواج‪ ،‬وهكذا‬ ‫تعط تفا�صيل كافية وبالتالي ال يمكننا �أن نفهم على نحو‬ ‫نجد �أن الآيات لم ِ‬ ‫اليقين وال حتى على نحو اال�ستدالل ما هو المق�صود‪ ،‬وبالرغم من هذا ي�أتي‬ ‫انتقا�ص‬ ‫من يقرر العدد والوظيفة وتفا�صيل الج�سد!! وهذا على �أقل التقدير‬ ‫ٌ‬ ‫ممن لم يورد التف�صيل‪.‬‬ ‫‪172‬‬


‫المنهج العلمي‪:‬‬ ‫يقوم المنهج العلمي الحديث على �أمر ْين رئي�سي ْين وهُ ما التجربة والم�شاهدة‪ ،‬وبالتالي ما‬ ‫ال يمكن تجربتُه وم�شاهدته ال يمكن للعلم �أن يحكم فيه‪ ،‬وكل ر� ٍأي خارج عن نطاق التجربة‬ ‫والم�شاهَ دة هو ر� ٌأي غير علمي‪ ،‬ومن هنا نتجت دكتاتورية المنهج العلمي في الحكم على‬ ‫الأ�شياء‪ ،‬فمهما كان العقل والأدلة ت�شير �إلى وجود قوى خارق ٍة �ساهمت في �إيجاد الكون والحياة‬ ‫وما بينهما ف�إن المنهج العلمي يرف�ض هذه الآراء ويرحب بالآراء الأخرى مهما كانت �سخيف ًة‬ ‫وبعيد ًة عن المنطق ما دامت توفر تف�سي ًرا ماد ًيا بحتًا‪.‬‬ ‫بنظريات مادية لتف�سير هذه الكون‪ ،‬مث ًال القوى العمياء �أو‬ ‫لذا ترى العلما َء ي�ضطرون للخروج‬ ‫ٍ‬ ‫االنتخاب الطبيعي �أو حتى ال�صدفة على الرغم من �أنهم يدركون �أن هذه التف�سيرات هي مجرد‬ ‫م�سميات لأمر مجهول غير معلوم ُيعزَ ى له كل ما نراه ِمن حولنا وفينا ولكن يتم القبول بها‬ ‫ٍ‬ ‫مادامت تعتمد في النهاية على تف�سير مادي و�إنْ كانت الأدلة العلمية عليها �ضعيف ًة َومن يقول‬ ‫مهرطقا ومخ ِّرفا‬ ‫من العلماء ب�أنه يعتقد بوجود �شيء غير مادي م�سئول عما نراه حولنا يعتبر ِ‬ ‫ويتم التقليل من �ش�أنه و�ش�أن كالمه‪ ،‬وبالتالي فنتيج ًة لدكتاتورية العلم والتقييد الممار�س به‬ ‫تف�سيرات مادية بحتة تم القبول بمختلف النظريات والفر�ضيات المادية‪،‬‬ ‫والت�شديد على �إيجاد‬ ‫ٍ‬ ‫‪173‬‬


‫وبالتالي يمكن لأي �شخ�ص �أن ي�أتي بفر�ضية مادية ويتم قبولها ما دامت ال تتعار�ض مع �أدواتنا‬ ‫ومعلوماتنا العلمية الحالية‪ ،‬وال يمكن رف�ضها �إلى �أن يتم �إثبات العك�س‪.‬‬ ‫فمثال مو�ضوع االنتقال بالزمن �إلى الع�صور ال�سحيقة حيث �إن هذا المو�ضوع علم ًيا جائز‬ ‫وممكن وعلى الرغم من �سخافة الأمر �إال �أن �آين�شتاين جعل الزمنَ �أمر ن�سبي َ‬ ‫وو�ض َعه �ضمن‬ ‫معادل ٍة وبالتالي ال يمكن لعا ِل ٍم يعتبر الزمنَ �أم ًرا ن�سب ًيا �أن يرف�ضه‪ ،‬نعم قد يرف�ضه عقل ًيا ولكن‬ ‫لي�س علم ًيا ولكن العلم يرف�ض ما ن�سميه عقل ًيا �أو منطق ًيا حتى قال لوران�س كراو�س الفيزيائي‬ ‫"من قال لك �إن الكون يهتم ِل َما تعتبره منطقيا؟"‪.‬فعندما نقول هل ِمن المنطق �أن‬ ‫ال�شهير‪َ :‬‬ ‫الكون �أتى من فراغ �أو مح�ض �صدفة؟ هل من المنطق �أن قوانين الفيزياء الدقيقة مجرد‬ ‫�صدفة؟ هل من المنطق �أن الخلية الأولى على الأر�ض مجرد �صدف ٍة وعمل ع�شوائي؟ هل من‬ ‫العمليات المت�سل�سل َة التي تحدث ب�شكل �إرادي وال �إرادي في ج�سم الإن�سان �صدفة‬ ‫المنطق �أن‬ ‫ِ‬ ‫ال�شم�س تدور حول نف�سها وحول الأر�ض بهذا النظام‬ ‫بال تخطيط م�سبق؟ هل من المنطق �أن‬ ‫َ‬ ‫الم�ستمر منذ مئات ماليين ال�سنين نتيجة ال�شيء؟‬ ‫ي�أتي الجواب وبب�ساطه من قال لك �إن الكون يعتبره منطق ًيا �أو كما قال الفيل�سوف دانييت هذا‬ ‫مجرد ما تعودنا عليه ولي�س بال�ضرورة �أن يكون هو المنطق ال�صحيح! بالنتيجة رف�ض المنهج‬ ‫العلمي ما ن�سميه منط ًقا لأنه يفر�ض عليه قوى خارقة ال يمكنه تف�سيرها‪ .‬ومما ورد �أعاله يمكننا‬ ‫�أن ن�ستفيد الأمو َر الآتية‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬ال يمكن نفي المعجزات التي ي َّدعيها الم�ؤمنون على �أ�سا�س المنهج العلمي لكونها حدثت‬ ‫في �أزمان غابرة وال �سبيل لفح�صها �أو م�شاهدتها‪� ،‬أ َّما القيا�س على �أ�سا�س معلوماتنا الحالية‬ ‫ف�أم ٌر غير علمي وخ�صو�صا �أنه �إذا ا�ستخدمنا نف�س القيا�س ف�أن تكون الـ دي �إن �آي بال�صدفة‬ ‫‪174‬‬


‫�أكثر �إعجازا من كل المعجزات التي ي ّدعيها الم�ؤمنون‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬المنهج العلمي في �أيامنا الحا�ضرة �سيذكر له التاريخ �أن العلماء الم�شتغلين �ضمن‬ ‫�إط��اره كانوا يخ�شون �أن ي�صرحوا بمعتقدهم و�أفكارهم حتى ال يتم اتهامهم بف�ساد المنهج‬ ‫العلمي الذي يعتقدونه ولذا نجد �أن الـ ‪ 400‬عا ِلم الذين اعتر�ضوا على كون الطفرات الوراثية‬ ‫كاف للتطور على ا�ستحياء ‪.‬‬ ‫واالنتخاب الطبيعي غير ٍ‬ ‫ثالثا‪ :‬مادام قبول الفر�ضية في المنهج العلمي يعتمد على توافقها مع معارفنا المرحلية وحتى‬ ‫يتم نق�ضها بالدليل فلماذا ال ن�ستخدم نف�س الأ�سلوب في م�س�ألة الإله ويعتبر قائما مادام يمثل‬ ‫�ضرورة لملء الفراغات مادام يوافق معارفنا المرحلية وحتى يتم نق�ضه بالدليل؟ طبعا الجواب‬ ‫وا�ضح وهو القبول بوجود قوى خارقة عاقلة �أمر يخالف المنهج العلمي‪ ،‬ولذا ال ب�أ�س ب�أن ُنعزي‬ ‫وانتخاب طبيعي وحتى كائنات ف�ضائية ال دليل مادي على وجودها‪� ،‬أهم‬ ‫الأمر �إلى قوى عميا َء‬ ‫ٍ‬ ‫�شيء �أن نعزيها �إلى �أمر مادي ولي�س �إلى �أمر ال مادي‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬ال يمكن �أن ن�ساوي بين النظريات التي تتعامل مع الواقع اليومي المعا�ش‪ ،‬والنظريات‬ ‫واقع حدث قبل ماليين ال�سنين‪ ،‬فالنظريات الأولى يمكن �أن نقول �إنها تمثل‬ ‫التي تتعامل مع ٍ‬ ‫المنهج العلمي الحقيقي الثابت الذي يمكن �أن نختبره ون�شاهده‪،‬بينما النظريات الثانية تمثل‬ ‫َ‬ ‫والت�صورات ِل َما حدث قبل‬ ‫اال�ستنتاجات‬ ‫المنهج العلمي الظني (العلم الن�سبي) الذي يعتمد‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ماليين ال�سنين بنا ًء على ما وجدناه �أو اكت�شفناه‪ ،‬ولكن ال �سبيل لم�شاهدتها ب�شكل كامل‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬هذا المنهج هو ال�صحيح‪ ،‬وهو الحل الأمثل والمفرو�ض اتباعه عندما نتعامل مع الأمور‬ ‫الواقعية اليومية كالأمرا�ض وال ِبناء وال�صناعات وغيرها بعيدا عن الخرافات‪ .‬حيث يجب علينا‬ ‫‪175‬‬


‫والتجارب للتطوير والتحديث ومن ثم الم�شاهدات للتطوير والتحديث مر ًة‬ ‫الم�شاهدات‬ ‫�أن نتبع‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫�أخرى‪ ،‬ويجب �أن ت�ستمر الدور ُة ِل َما في ذلك من �إبداع واكت�شافات ومعرفة لكيفية عمل ما يمكن‬ ‫اختبا ُره وم�شاهدته‪ ،‬وباعتبار الإن�سان م�ستخ َل ًفا في الأر�ض فلي�س ِمن الم�ستغ َرب �أن ي�أتي اليوم‬ ‫الذي ُيخ َلق فيه �إن�سان كامل في المختبرات برعاية العن�صر الواعي الفعال الإن�ساني‪ ،‬وبف�ضل‬ ‫تقدمنا العلمي ومعرفتنا المتزايدة ع ْب َر الزمن نتيجة المنهج العلمي‪ .‬وال ف�ضل لل�صدفة وال‬ ‫لالنتقاء الطبيعي التراكمي بالمو�ضوع ‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬جمال المنهج العلمي في �سع ُيه الحثيث نحو المعرفة وك�شف المجهول‪ .‬وهذا الأمر‬ ‫يجذبنا جميعا نحن �أبناء المنهج العلمي ولكن للأ�سف يقوم بع�ض المنتمين �إل��ى المنهج‬ ‫العلمي بتحميل الفر�ضيات والنظريات �أكثر مما تدل عليه حتى �أ�صبحت دينا جديدا له ثوابت‬ ‫وقواعد ومب�شرين‪،‬وبالتالي عندما ت�س�أل ملحدا ال عالقة له بالبيولوجي فتراه ينقل كالم ِّ‬ ‫مب�شر‬ ‫(عالم بيولوجي ملحد) بالتف�صيل وهو ال يعرف فعليا عما يتكلم‪ ،‬وعندما تخبره عن بع�ض‬ ‫اعترا�ضاتك �أو مالحظاتك يقول لك اقر�أْ‬ ‫الكتاب الفالني �أو َّ‬ ‫اط ِلع على ال�صفحة الفالنية‪،‬‬ ‫َ‬ ‫تماما مثل المتطرف ال��ذي ال يعرف �شيئا عن القر�آن ويخبرك �أن كل الحلول والنظريات‬ ‫والأفكار موجود ٌة فيه !!‬ ‫سابعا‪ :‬المنهج العلمي منهج ال�أدري عندما يتعلق الأمر بالخالق‪ ،‬وال�سبب ب�سيط وهو �أن الخالق‬ ‫المفت َر�ض هو ال مادي‪ ،‬والمنهج العلمي ال يتعامل �إال مع الأمور المادية وبالتالي هو ال ي�ستطيع‬ ‫نفي وجود �شيء يقع خارج اخت�صا�صه‪ ،‬وهذه الحال �ستبقى كذلك اليوم وغدا وبعد مليون �سنة‪.‬‬ ‫ثامنا‪ :‬المنهج العلمي منهج ال �أدري عندما يتعلق الأمر بما لم ت�صل �إليه �أدواتنا وال اكت�شافاتنا‪.‬‬ ‫‪176‬‬


‫لذا القول بالنظرية النهائية �أو النظرية الحلم وان العلم �سيكت�شف هذا ال�شيء �أو ذاك‬ ‫بالم�ستقبل‪ .‬هو كالم غير علمي وال قيمه له‪.‬‬

‫الدين مع الدين‬ ‫تعا ُرض ِ‬ ‫ُ‬ ‫يتعار�ض دينٌ مع دين ويختلف ما دامت الأديان من م�صدر واحد ؟‬ ‫ما الدين ال�صحيح؟ ولم �إذا‬ ‫ال�سبب في �إلحاد المئات في الغرب وال�شرق باعتبار �أنَّ ال دين �صحيح و�أن‬ ‫هذا ال�س� ُؤال كان‬ ‫َ‬ ‫لي�س للأديان م�صدر واحد والق�ضي ُة ال تتجاوز كو َنها �أم ًرا اخت َل َقه الب�ش ُر وقام بت�شذي ِبه الأذكيا ُء‬ ‫منهم‪ ،‬وهو �إ�شكا ٌل مهم و�صحي ٌح في ظاهره ولكن هذا التعار�ض �أمر طبيعي ولذا �أر�سل اهلل‬ ‫تعالى الأنبياء والر�سل على مراحل لتهذيب ما طر�أ على الأديان من االنحرافات التي حدثت‬ ‫فترات زمنية �سابقة ولو لم يكن‬ ‫نتيجة لتقادم الزمان وتخلُّف ُط ُر ِق التدوين �أو �صعوبتها في‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫داع لإر�سال ُر ُ�س ٍل �آخرين وبالتالي وهذا التهذيب‬ ‫انحراف‬ ‫هناك‬ ‫واختالف َل َما كان هناك �أي ٍ‬ ‫والت�صحيح داللة وا�ضحة على م�صدرها الواحد و�أن التعار�ض لي�س من الم�صدر و�إنما من‬ ‫الظروف المحيطة وفهم �أتباع الدين الذي قد يطر�أ عليه ما يطر�أ عبر الع�صور‪.‬‬ ‫ِمن ناحي ٍة �أخرى هذا التعار�ض ال يلغي م�س�ؤولي َة الإن�سان في البحث والتدقيق و�صوال للدين‬ ‫الأقرب لل�صحة ح�سبما يراه‪ ،‬وال يعني �أن يرميها كلها عر�ض الحائط بال فح�ص �صادق لها‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫قد َر �إمكانيا ِته فهو‬ ‫الو�صول‬ ‫الو�صول فهو على الخير وحتى َمن لم ي�ستطع‬ ‫ف َمن ا�ستطاع‬ ‫وحاول ْ‬ ‫�صحيحا‬ ‫على خير‪ ،‬وعلى العموم كما ب َّين القر�آن وب�شكل وا�ضح �أن َمن يتبع ال ُه َدى الذي يظنه‬ ‫ً‬ ‫معاند وال متك ِّبر ( ُق ْل َنا ْاه ِب ُطوا ِم ْن َها َجمِ ي ًعا َف ِ�إ َّما َي�أْ ِت َي َّن ُكم ِّم ِّني‬ ‫كثير ما دام غي َر ٍ‬ ‫فهو على خير ٍ‬ ‫هُ دً ى َف َمن َت ِب َع هُ َداي َفلاَ َخ ْو ٌف َع َل ْيهِ ْم َو اَل هُ ْم َي ْحزَ ُنونَ ) البقرة ‪٣٨-‬‬ ‫‪177‬‬


‫الدعاء واإلجابة‬ ‫ِمن الأمور التي ُتذ َكر في �أغلب ُكت ُِب الملحدين المعا�صرة تجربة الدعاء الكبرى‪ ،‬وهي باخت�صار‬ ‫تجرب ٌة قامت بها بع�ض المنظمات الدينية الم�سيحية‪ ،‬حيث ُيط َلب من �أ�شخا�ص �أن يدعوا‬ ‫لأ�شخا�ص �آخرين ال يعرفونهم في الم�ست�شفى طل ًبا لل�شفاء في نف�س الوقت يوجد �أ�شخا�ص‬ ‫�آخرون يعانون من نف�س الحالة المر�ضية في نف�س الم�ست�شفى ال �أحد يدعو لهم‪ .‬ومن ثم يتم‬ ‫بنتائج‬ ‫النتائج الطبية للجميع لقيا�س اثر الدعاء ل َمن تم الدعا ُء لهم ومقارنتُها‬ ‫النظر �إلى‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َمن لم يتم الدعاء لهم‪ ،‬التجربة ِمن المفرو�ض �أن تتم في �سري ٍة تامة بحيث ال يعلم �أحد َمن‬ ‫و�ص ِرفت الماليين على هذه التجربة بهدف الإجابة عن‬ ‫تم الدعاء له َومن لم يتم الدعاء له‪ُ ،‬‬ ‫�س�ؤال‪ :‬هل ت�ساعد ال�صال ُة ال َم ْر َ�ضى على ال�شفاء؟ حيث �إن كانت ال�صالة ت�ساعد فهذا يعني‬ ‫�أن هناك خالق ي�ستجيب الدعوات! هذه التجربة في اعتقادي ال�شخ�صي ال قيمه لها و�سخيفة‬ ‫على كل الم�ستويات‪ ،‬وك�أن هذا الخالق ما هو �إال عامل تو�صيل ي�ستجيب لمن يدعوه ويترك من‬ ‫أكد‬ ‫ال يدعوه و�أن ال قيمه للقوانين الطبيعية التي و�ضعها هو بنف�سه‪ ،‬ف�إذا كان هدف التجربة الت� َ‬ ‫من وجود خالق فلي�س بهذه التجارب ن�ستدل على وجود خالق؟ ولي�س الخالق بهذه العقلية ل ُيظهِ ر‬ ‫نف�سه لأظهرها ول َر َفع َ‬ ‫العقل‬ ‫نف�سه للنا�س بنا ًء على �أدعي ٍة عميا َء فلو �شاء الخالق �أن يُظهِ ر َ‬ ‫َ‬ ‫والتفكير و�إال فما الداعي لهما �إن كنا ال ن�ستخدمها لال�ستدالل على الأمور المختلفة ومنها وجود‬ ‫خالق من عدمه؟ وقد ع َّبر �أحد الم�ؤمنين عن التجربة بقوله‪" :‬لو �أراد اهلل �أن يرينا وجو َده لوجد‬ ‫طريقا � َ‬ ‫أف�ضل من التحيز في �إح�صائيات تجربة �شفائية ل َم ْر َ�ضى القلب"‪.‬‬ ‫‪178‬‬


‫فل�سف ُة الدعا ِء في الإ�سالم مختلفة و�إنْ كان المجتمع الم�سلم للأ�سف لم يلتفت �إليها حتى اليوم‪،‬‬ ‫فترى �أ�صحاب المنابر يدعون كل �أ�سبوع بالويل والثبور على �أعدائهم وال ا�ستجابة لأنهم ابتعدوا‬ ‫عن فل�سفة الدعاء في الإ�سالم الذي ي�أتي بعد اال�ستعداد والعزم على �إتمام الأمر فالدعاء في‬ ‫الم�صباح ال�سحري الذي يحقق الأحالم‪ ،‬وال �سبيل �إلى تحقيق �أي ُح ٍلم بدون العلم‬ ‫الإ�سالم لي�س‬ ‫َ‬ ‫وال�سعي له؛ فهذا ر�سول اهلل ي�أمره اهلل باال�ستعداد لقتال َمن يحاول االعتدا َء عليه‪ ،‬وال ي�أمره‬ ‫بالدعاء لالنت�صار عليهم‪ ،‬وهذه ال�سيدة مريم ي�أمرها ب�أن تهز جذ َع النخلة ليت�سا َق َط عليها‬ ‫الرطب‪،‬وال تدعو اهلل ليت�ساقط عليها‪ ،‬ومن ال يتبع الأ�سباب ال يحقق النجاح ولو كان الر�سول‬ ‫وال�صحابة في موكبه وهذا ما حدث في معركة �أحد‪.‬‬ ‫وهكذا �أي دعاءٍ بدون عمل ال قيمة له لأن اهلل تعالى حكي ٌم يع ِّلمنا اتبا َع الأ�سباب وقوانين الطبيعة‬ ‫كاتب كتاب "محنتي مع القر�آن"الذي على‬ ‫الحاكمة‪ ،‬وبخالفه نقع في‬ ‫ٍ‬ ‫مطبات كارثية كما وقع ُ‬ ‫فر�ض �صحة ق�ص ِته ف�إنه يبني كتا َبه على �أ�سا�س �أن اهلل لم ي�ستجب لدعائه وبالتالي رف�ض فكرة‬ ‫ِ‬ ‫الخالق و�ألحد ولم يو�ضح الم�ؤلف على فر�ض �أنه �شخ�صي ٌة حقيقة ماذا عمل هو ليتحقق دعا�ؤه‪.‬‬ ‫وعدم ف ْه ِم فل�سفة الدعاء الإ�سالمي فيرو�س منت�شر في الأُمة حتى لن�سمع الكثير ِمن النا�س‬ ‫يقولون عن الظالم مثال‪":‬اهلل ينتقم منه" وهُ م ال يقومون ب�أي دور للدفاع عن المظلوم �أكثر من‬ ‫الكالم! في حين �أن اهلل قد خولهم الق�صا�ص منه وطالبهم بعدم الركون �إليه وقتاله �إن �أقت�ضى‬ ‫الأمر وهم بفعلهم هذا يخالفون �أوامر اهلل تعالى وحجتهم بذلك اال�ستدالل ببع�ض الآيات على‬ ‫�أن اهلل ي�ستجيب الدعا َء ولكنهم يغفلون عن بقية الآيات التي تدل �أن ال�ستجابة الدعاء �شروطا‪،‬‬ ‫ونتيج ًة لهذه الغ َفلة ف�إنهم ال يدركون فل�سفة الإ�سالم في الدعاء القائمة على �أ�سا�س العزم‬ ‫‪179‬‬


‫والعمل بعد التوكل على اهلل‪ ،‬ولي�س على النوم والك�سل بعد دعاء اهلل‪.‬‬ ‫حيث �إن��ه من ال�ضروري �أن يكون الدعاء �ضمن طاقة الفرد‪ ،‬فال ُيت�صور �أن��ه يدعوا مارد‬ ‫الم�صباح ال�سحري‪ ،‬فبالرغم من �أن اهلل قادر وهو على كل �شيء قدير؛ �إال �أن للحياة قوانين‬ ‫ت�سير بموجبها‪ ،‬وعندما ُتك�سر هذه القوانين تحدث المعجزات التي لم تكن �إال للأنبياء كدليل‬ ‫على �صدق دعواهم‪ ،‬وبالتالي يجب �أن يكون الدعاء �ضمن �إمكانية الفرد والظروف‪ ،‬فلو طلب‬ ‫الفرد من اهلل ليل نهار �أن ي�صبح طبي ًبا مث ًال وهو غير م�ؤهل فلن يكون له ذلك‪ .‬ولذا خ�سر‬ ‫الم�سلمون معركة �أحد بالرغم من وجود الر�سول وكبار ال�صحابه وذلك لأن البع�ض لم يتبع‬ ‫الأ�سباب الموجبة لتحقق الن�صر وكذا الأمر في الدعاء‪ .‬وال نن�سى �أن الحكمة من الأمور يعلمها‬ ‫اهلل‪ ،‬ولذا جاء قوله تعالى في �سورة البقرة (كتب َع َل ْي ُك ُم ا ْل ِقت َُال َوهُ َو ُك ْر ٌه َّل ُك ْم َو َع َ�سى �أَن َت ْك َرهُ وا‬ ‫َ�ش ْي ًئا َوهُ َو َخ ْي ٌر َّل ُك ْم َو َع َ�سى �أَن ُت ِح ُّبوا َ�ش ْي ًئا َوهُ َو َ�ش ٌّر َّل ُك ْم َوال َّلـ ُه َي ْع َل ُم َو�أَنت ُْم اَل َت ْع َل ُمونَ )(‪)٢١٦‬‬ ‫فالكثير من االمور نطلبها وهي �شر والعك�س �صحيح‪.‬‬

‫عبودية البشر للبشر‪:‬‬ ‫الإ�سالم ت َ‬ ‫المالمح الآتية‪:‬‬ ‫طريق تحمل‬ ‫َعامل مع العبودية ب� ٍ‬ ‫أ�سلوب منطقي‪ ،‬وو�ضع لها خارط َة ٍ‬ ‫َ‬ ‫الح�ساب على �أ�سا�س الإيمان والعمل ال�صالح‬ ‫الحر والعبد �أمام اهلل تعالى‪ ،‬وج ْعل‬ ‫ِ‬ ‫�أوال‪ :‬م�ساواة ُ‬ ‫ا�س ِ�إ َّنا َخ َل ْق َنا ُكم ِّمن َذ َك ٍر َو�أُن َثى َو َج َع ْل َنا ُك ْم‬ ‫بعيدا عن المنزلة االجتماعية ‪ ..‬قال تعالى‪َ :‬يا �أَ ُّي َها ال َّن ُ‬ ‫ُ�ش ُعو ًبا َو َق َبا ِئ َل ِل َت َعا َر ُفوا �إِنَّ �أَ ْك َر َم ُك ْم ِع َند ال َّلـ ِه �أَ ْت َقا ُك ْم �إِنَّ ال َّلـ َه َع ِلي ٌم َخ ِبي ٌر الحجرات ‪ ... ١٣‬وهذا‬ ‫�أمر مهم حيث ثبت ع ْبر التجربة الأمريكية �أن مجرد �إ�صدار قانون ال يزيل النظر َة الدوني َة‬ ‫‪180‬‬


‫للعبيد حيث لم ُي ِزل قانون لنكولن عام ‪1854‬ميالدية النظر ُة الدونية لأ�صحاب الب�شرة ال�سوداء‬ ‫في �أمريكا حتى ال�سبعينيات من القرن الما�ضي‪ ،‬وب�شكل �أقل حدة حتى يومنا هذا‪.‬‬ ‫ثانيا‪� :‬إجبا ُر‬ ‫العبد على تحريره �إنْ طلب العب ُد ذلك‪ ،‬وذلك في قوله تعالى ( َوا َّل ِذينَ‬ ‫�صاحب ِ‬ ‫ِ‬ ‫َاب ِم َّما َم َل َك ْت �أي َما ُن ُك ْم َف َكا ِت ُبوهُ ْم �إِنْ َع ِل ْمت ُْم فِيهِ ْم َخ ْي ًرا َو�آ ُتوهُ م ِّمن َّم ِال ال َّلـ ِه ا َّل ِذي‬ ‫َي ْب َت ُغونَ ا ْل ِكت َ‬ ‫عبده �إذا طلب‬ ‫أمر وا�ضح لل�سيد بتحرير ِ‬ ‫�آتَا ُك ْم ) جزء من �أية ‪ -٣٣‬النور ‪ .‬والآية ت�شتمل على � ٍ‬ ‫وعقد �شرعي‪ ،‬وقد ورد في البخاري �أن �أحد ال�صحابة رف�ض مكاتبة عبده‬ ‫ذلك وفْقَ مكاتب ٍة ٍ‬ ‫ال�سيد الذي رف�ض مكاتبة عبده وهو يتلو هذه‬ ‫فا�شتكى �إلى الخليفة َعم َر ِبن الخطاب ف�ضرب‬ ‫َ‬ ‫الآية‪،‬وبغ�ض النظر عن �صحة الحادثة من عدمها فالآية وا�ضحة‪ ،‬فالإن�سان ُح ٌر ولكل �شخ�ص‬ ‫ظرو ُفه وبالتالي �إعطاء الحق باالختيار هو الأم��ر الأكثر منطقي ًة وعدالة‪ ،‬فالعبودية نظا ٌم‬ ‫اجتماعي واقت�صادي يوفر الغذا َء والم�سكن‪،‬وكان متغلغال وجز ًء من البناء المجتمعي‪،‬و�إلغا�ؤه‬ ‫بين ليل ٍة و�ضحاها �سي�ؤدي �إلى ظهور طبق ٍة اجتماعية ت�شكل عب ًئا على المجتمع واختالال وا�ضحا‬ ‫في �سير الحياة اليومية مما ي�ؤدي بطبيعة الحال �إلى الحروب مثلما حدث في �أمريكا‪ِ .‬ومن هنا‬ ‫ت�أتي عظمة القر�آن من خالل عمله في اتجاه ْين �أو ًال‪� :‬إذابة الحد المعنوي بين العبد وال�سيد‬ ‫�سيده على مكاتبته‬ ‫بجعلهما �سوا�سي ًة �أمام اهلل‪ ،‬والثاني‪� :‬إعطاء العبد حري َة االختيار و�إجبار ِ‬ ‫في حال رغبته في الحرية‪ ،‬فهو في حقيقة الأمر َم َنحه حريتَه المعنوية والمادي َة في � ٍآن واحد ‪.‬‬ ‫�سيده على‬ ‫أمر قر�آني ب�ضرورة دفع الأم��وال من بيت المال للعبد الذي كات ََب َ‬ ‫ثالثا‪� :‬إ�صدار � ٍ‬ ‫ال�ص َد َقاتُ ِل ْل ُف َق َرا ِء‬ ‫مبلغ من المال تحت م�س ّمى "في الرقاب" ‪ ،‬قال تعالى‪�( :‬إنما َّ‬ ‫الحرية مقابل ٍ‬ ‫اب َوا ْل َغار ِِمينَ َو ِفي َ�س ِب ِيل ال َّلـ ِه َوا ْب ِن‬ ‫الر َق ِ‬ ‫َوا ْل َم َ�س ِاك ِين َوا ْل َع ِام ِلينَ َع َل ْي َها َوا ْل ُم َ�ؤ َّل َف ِة ُق ُلو ُب ُه ْم َو ِفي ِّ‬ ‫ال�س ِب ِيل َف ِر َ‬ ‫ي�ض ًة ِّمنَ ال َّلـ ِه َوال َّلـ ُه َع ِلي ٌم َح ِكي ٌم) �سورة التوبة ‪ ،٦٠‬وهذا �أمر مهم جدا لي�ضمن‬ ‫َّ‬ ‫‪181‬‬


‫لل�سيد ح ّقه في حالة �أن د َف َع �أم ً‬ ‫واال ل�شراء العبد‪ ،‬وي�ضمن للعبد �إمكانية د ْف ِع الأموال ل�سيده‬ ‫ل�ضمان حريته‪� ،‬أو يدفع له َ‬ ‫المال �إن كان في �شدة لتحقيق نوع من االكتفاء االقت�صادي �إذا كان‬ ‫�سيدُه غي َر قادر‪.‬‬ ‫الطفل ب�أبيه حتى �أ�صبح‬ ‫زواجا �شرع ًيا‪ ،‬ويجب �إلحاق‬ ‫رابعا‪ :‬يجب �أن يكون‬ ‫ِ‬ ‫الزواج من الجواري ً‬ ‫ُ‬ ‫بع�ض الأمراء والخلفاء �أبنا َء جوارٍ‪ ،‬و َت َق َّب َل المجتم ُع ال�صحراوي هذا الأمر برحابة �صدر بف�ضل‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬وهذا الزواج الذي هو ع ْق ٌد بين طرف ْين متكافئ ْي ِن يلغي م�س�ألة عبودية الجارية المتز َّوج‬ ‫منها بالتمام والكمال‪،‬كما يحفظ َ‬ ‫�شرف وعف َة الجارية غير المتزوجة‪ ،‬قال تعالى‪َ ( :‬و َمنْ َل ْم‬ ‫نات‬ ‫نات َفمِ نْ ما َم َل َك ْت �أيما ُن ُك ْم ِمنْ َفتَيا ِت ُك ُم ا ْل ُم�ؤ ِْم ِ‬ ‫نات ا ْل ُم�ؤ ِْم ِ‬ ‫َي ْ�ست َِط ْع ِم ْن ُك ْم َط ْو ًال �أَنْ َي ْن ِك َح ا ْل ُم ْح َ�ص ِ‬ ‫وف‬ ‫واللهَّ ُ �أَ ْع َل ُم ِب�أيما ِن ُك ْم َب ْع ُ�ض ُك ْم ِمنْ َب ْع ٍ�ض َفا ْن ِك ُحوهُ نَّ ِب�إِ ْذ ِن �أَ ْهلِهِ نَّ و�آ ُتوهُ نَّ �أُ ُجو َرهُ نَّ ِبا ْل َم ْع ُر ِ‬ ‫فاح َ�ش ٍة َف َع َل ْيهِ نَّ ِن ْ�ص ُف‬ ‫ذات �أَخْ ٍ‬ ‫نات َغ ْي َر ُم�سا ِف ٍ‬ ‫ُم ْح َ�ص ٍ‬ ‫دان َف�إذا �أُ ْح ِ�صنَّ َف ِ�إنْ �أَ َت ْينَ ِب ِ‬ ‫حات وال ُمت َِّخ ِ‬ ‫ذاب ذ ِل َك ِل َمنْ َخ ِ�ش َي ا ْل َع َن َت ِم ْن ُك ْم و�أَنْ ت َْ�ص ِب ُروا َخ ْي ٌر َل ُك ْم واللهَّ ُ‬ ‫ما َع َلى ا ْل ُم ْح َ�ص ِ‬ ‫نات ِمنَ ا ْل َع ِ‬ ‫تزاوج وهذا‬ ‫َغ ُفو ٌر َرحي ٌم)(‪ )25‬الن�ساء‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فالنكاح كما هو معروف ع ْق ٌد �شرعي ولي�س مجر َد ٍ‬ ‫نات ُث َّم َط َّل ْق ُت ُموهُ نَّ ِمنْ َق ْب ِل‬ ‫نراه وا�ضح ًا في قوله تعالى‪( :‬يا �أي َها ا َّلذينَ � َآم ُنوا �إذا َن َك ْحت ُُم ا ْل ُم�ؤ ِْم ِ‬ ‫و�س ِّر ُحوهُ نَّ َ�سراح ًا َجمي ًال) الأحزاب‬ ‫�أَنْ َت َم ُّ�سوهُ نَّ َفما َل ُك ْم َع َل ْيهِ نَّ ِمنْ ِع َّد ٍة َت ْع َت ُّدو َنها َف َم ِّت ُعوهُ نَّ َ‬ ‫فالنكاح في هذه الآية الكريمة يدل على ال َعقد ال على الزواج بداللة عدم الم�س ‪.‬‬ ‫(‪،)49‬‬ ‫ُ‬ ‫يكتف القر�آن بهذه الإجراءات ال َع َملية لتحرير العبيد وب�شكل مدرو�س وتدريجي كما‬ ‫خام�سا‪ :‬لم ِ‬ ‫الحظنا‪ ،‬و�إنما �أ�ضاف �إلى ذلك بع�ض الحوافز من خالل جعل ِعت ِْق الرقبة و�سيل ًة للتقرب �إلى‬ ‫اهلل‪ ،‬وبع�ض الأوامر من خالل جعل ِعت ِْق الرقب ِة و�سيل ًة لتكفير عن الذنوب ‪.‬‬ ‫با�سم الإ�سالم ِمن ال�سبي وغيره في الحروب التي ال‬ ‫طب ًعا للأ�سف ف�إن ما حدث من‬ ‫َ‬ ‫جرائم ِ‬ ‫‪182‬‬


‫تكت�سب �شرعيتَها من القر�آن � َ‬ ‫أجه�ض الم�شرو َع الإ�سالمي القر�آني في مجال تحرير العبيد ب�شكل‬ ‫وا�ضح‪ ،‬وهذا �أمر ال ي�ضر الإ�سالم‪ ،‬بالعك�س �إنما الإ�سالم توعد �أمثال ه�ؤالء المجرمين بالعذاب‪،‬‬ ‫وهذا الأمر لي�س ِمن باب الدفاع عن القر�آن ولكنه واقع الحال حيث �إن التمييز العن�صري وعزْ َل‬ ‫ي�ضر َ‬ ‫موقف لنكولن وقانو َنه �شي ًئا‪.‬‬ ‫ال�سو ِد في �أماكنَ معين ٍة لقرون في �أمريكا لم ِ‬

‫الدليل على وجود الخالق‪ ،‬مسؤولية َمن؟‬ ‫ؤمن باهلل ﻻ يعني‬ ‫ِمن دعاوى الملحدين �أنه يجب �أن نميز بين الإيمان وعدم الإيمان‪ ،‬فغي ُر الم� ِ‬ ‫�أنه ي�ؤمن بعدم وجود اهلل‪ ،‬على اعتبار �أنه ال ي�ؤمن بوجود خالق لعدم كفاية الأدلة التي يقدمها‬ ‫الم�ؤمن!‬ ‫المفرو�ض �أن يوجه �أ�صحاب هذه الدعوى كالمهم �إلى داوكنز و�ستينجر وغيرهم من علماء‬ ‫الإلحاد الذي ي�صرون على عدم وجود خالق! لذا �أ�صل هذه الدعوة غير �صحيح لأن الملحد ال‬ ‫يكتف برف�ض وجود خالق و�إنما ينفي وجود خالق‪ .‬ففي م�س�ألة الخالق الملحد لي�س ال �أدري و�إنما‬ ‫يعتقد بعدم بوجوده مما يعني �أن الق�ضية لي�ست مجرد عدم كفاية الأدلة على وجوده‪ .‬وبما �أنه‬ ‫نفى وجود هذا الخالق فعليه �أن يقدم �أدل ٍة على ذلك‪ .‬لأن الأمر لي�س مجرد عدم اقتناع ب�أدلة‬ ‫الم�ؤمن حيث �إن عدم االقتناع ي�ؤدي �إلى رف�ض الفكرة ولي�س نف َيها‪ ،‬باخت�صار ُ‬ ‫رف�ض الفكر ِة‬ ‫النفي‪ ،‬والإلحاد هو النفي‪ ،‬وبالتالي على الملحد �أن يقدم �أدلة على‬ ‫لعدم كفاية الأدلة ال يعني َ‬ ‫النفي ‪.‬‬ ‫قد يعتقد البع�ض �أن المق�صود بتقديم الأدلة هو تقديمها �إلى الآخرين ودفعهم �إلى االقتناع‬ ‫‪183‬‬


‫بها‪ ،‬ولي�س هذا ما �أق�صده و�إنما ما �أق�صده هو �أن يقدم الملحد الأدلة المقنعة �إلى نف�سه هو‬ ‫ويقتنع هو بها وال يطالب الآخرين ب�أن يقدموا له �أدلة على وجود � ٍإله �أو عدم وجو ِده؛ لأن هذه‬ ‫الم�س�أل َة م�س�أل ٌة �شخ�صية يفكر فيها الإن�سان بطبعه وفطرته‪،‬لذا عليه �أن يجد �أدلة مقنع ًة له‬ ‫على �أقل تقدير للإثبات �أو النفي وال ينتظر ذلك من الآخرين‪ .‬المنهج العلمي يطلب ِمن كل َمن‬ ‫ي�أتي بفر�ضي ٍة �أو نظرية �أن يقدم الإثباتات الممكنة على �صحتها‪ .‬للأ�سف الملحدون يحاولون‬ ‫تطبيق نف�س المنهج على الخالق‪ِ ،‬ومن هنا جاءت المقولة التي يرددها الملحدون ب�أن على‬ ‫تقديم الأدلة على وجود الخالق‪ ،‬في حين �أن م�س�ألة الخالق لي�ست نظري ًة ي�أتي بها‬ ‫الم�ؤمن‬ ‫َ‬ ‫بحث وتدقيق‪،‬و�إنما �أمر �شغل الإن�سان بغ�ض النظر عن ثقافته واطالعه منذ َف ْج ِر‬ ‫عا ِل ٌم بعد ٍ‬ ‫"وهم الإله"وهو‬ ‫العلم النف�سي عند مناق�شة كتاب ْ‬ ‫تاريخه‪ ،‬فهو �أمر في فطرته كما ب َّينا وب َّينَ ُ‬ ‫مطالب بالبحث‬ ‫�إحدى خ�صائ�ص الإن�سان‪ ،‬فكل �إن�سان �سواء �أكان ملحدا �أم م�ؤمنا �أم ال �أدريا‬ ‫ٌ‬ ‫والتدقيق وتقديم الأدلة المقنعة لنف�سه �أوال‪ ،‬وال ينتظر ِمن الآخرين �أن يقدموا له الأدلة‪.‬‬ ‫وفي حقيقة الأمر ف�إن الأدل� َة المنطقية على وجود خالق موجود ٌة‪ ،‬فال يمكن �أن يكون كل ما‬ ‫حولنا مجر َد �صدف ٍة �سعيدة‪ ،‬وليتها كانت �صدف ًة واحدة و�إنما ال نهاية من ال�صدف التي �أتت‬ ‫بالكون‪ ،‬وبالأر�ض التي تدور حول نف�سها وحول ال�شم�س‪ ،‬وبالحياة وبالتطور وغيرها الكثير‬ ‫والكثير‪ .‬ولأجل هذا ف�إن م�س�ألة ت�ساوي الأدلة على وجود الخالق ونفيه كما ي َّدعي البع�ض غير‬ ‫�صحيحة منطق ًيا‪.‬‬ ‫الإن�سان يمكن �أن ي�صل �إلى االقتناع بوجود خالق من خالل البحث والتفكير‪ ،‬وتكون حاله‬ ‫إبراهيم الذي تو�صل �إلى هذه القناعة من دون الحاجة �إلى ُر ُ�س ٍل وال �إلى كتاب‬ ‫كحال �سيدنا �‬ ‫َ‬ ‫مقد�س‪ ،‬ولكن عندما ي�صل �إلى �س�ؤال ماذا يريد الخالق‪ ،‬ي�صبح �إر�سال الر�سل �ضرورة كما‬ ‫‪184‬‬


‫ع َّبر �سيدنا �إبراهيم بعد تي ُّقنه بوجود خالق ولكن ال يعرف ما يريد منه بقوله‪َ ( :‬ل ِئن َّل ْم َي ْه ِد ِني‬ ‫َر ِّبي َ ألَ ُكو َننَّ ِمنَ ا ْل َق ْو ِم َّ‬ ‫الر�سل‪ .‬ف�سيدنا �إبراهيم‬ ‫ال�ضا ِّلينَ )وهنا ت�أتي مرحلة البحث في دعاوى ُ‬ ‫و�صل �إلى مرحلة االقتناع بالخالق بدون ر�سال ٍة وال ر�سول‪ ،‬و�إنما بجهده ال�شخ�صي ولذا فر�ض‬ ‫اهلل على الم�سلمين اتبا َع ملة �إبراهيم‪ ،‬ف َع َلى الم�ؤمن �أن يعرف اهلل ويت�أكد من وجوده ب�شكل‬ ‫وبعد معرفة اهلل والت�أكد من وجوده تبد�أ مرحلة البحث في الأديان‬ ‫منطقي ولي�س ب�شكل وراثي َ‬ ‫الختيار ما يمكن �أن يكون ممثال للر�سالة ال�سماوية‪ ،‬ولهذا ال�سبب على الرغم من �أن �إبراهيم‬ ‫هده اهلل‪،‬ولهذا ال�سبب �أر�سل ُ‬ ‫اهلل ُر ُ�س َله للنا�س‬ ‫و�صل �إلى ر ِّبه �إال �أنه بين �أنه كان �سيظل �إذا لم ُي ِ‬ ‫للتبيان والهداية‪.‬‬

‫أين كان الخالق؟ متى ُو ِجد الخالق؟‬ ‫ن�ؤكد �أن الحديثَ عن �أ�سماء الخالق وخ�صائ�صه ال يمكن �أن يكون نقا�شا ذا مغزىً ما لم يكن‬ ‫�سم �أم َره من م�س�ألة وجود الخالق من عدمه‪ ،‬فال يجوز منطق ًيا �أن تنا ِق َ�ش �أم ًرا‬ ‫المنا ِق ُ�ش قد َح َ‬ ‫نف�سه �أو مع الآخرين‬ ‫�أنت ال تعتقد في وجوده‪ .‬ف�إذا َ‬ ‫اعتقد �شخ�ص بالخالق ْ‬ ‫فقد يت�ساءل بي َنه وبين ِ‬ ‫يوجد الكون؟‬ ‫�أين كان الخالق قبل �أن يخلق الكون؟ متى ُو ِجد الخالق‪ ,‬منذ كم �سن ًة مثال قبل �أن ِ‬ ‫وحتى نفهم ال�س� َؤال ب�شكل وا�ضح ف�إنه بب�ساطة يتكلم عن مكان الخالق ق ْبل الخلق والزمان‬ ‫وج َد فيه الخالق قبل الخلق � ً‬ ‫جوهره يحتوي على �إ�شكالية الزمان‬ ‫الذي ِ‬ ‫أي�ضا‪ .‬وال�س� ُؤال هنا في ِ‬ ‫ثان باالنفجار الكبير‪� ،‬أو‬ ‫أمران ُم َ‬ ‫�ستحد ِ‬ ‫والمكان‪ ،‬فالزمان والمكان ُو ِجدا مع وجود الكون‪َ ،‬ف ُه َما � ِ‬ ‫عند تك ُّو ِن كو ِننا بنظرية تعدد الأكوان المفتر�ضة‪ ،‬وبالتالي المكانُ والزمانُ بمفهومنا ال يجوزان‬ ‫لنقل‬ ‫أوج َدهما‪ .‬فعندما ي�صنع �أحدُهم كب�سول ًة �صغيرة جدا ُت َ‬ ‫�ستخدم ِ‬ ‫على الخالق لأنه هو َمن � َ‬ ‫بع�ض المواد داخل جهازٍ معين �أو ج�سم معين‪ ،‬وفي هذه الكب�سولة مكا ٌن و�ساعة خا�صة تح�سب‬ ‫‪185‬‬


‫الوقت بوحدات ا�سمها اليوم الكب�سولي مث ًال‪ .‬حيث ابتد�أ الوقت بال�صفر لحظ َة ابتدا ِء الكب�سولة‬ ‫يوما كب�سول ًيا ق�ضى ق ْب َل‬ ‫في العمل‪ .‬فهل يجوز �أن نقول �أين مكانُ الم�صمم في الكب�سولة؟ وكم ً‬ ‫بدء عمل الكب�سولة؟ الجواب‪ ,‬بالطبع ال‪.‬‬

‫األغلبية متطرفة أم معتدلة؟‬ ‫الملح ُد الأفكار الإ�سالمي َة المعتدلة التي تهز �إلحا َده ف�إنه يجد راحتَه وما يثبت‬ ‫عندما َي�سمع ِ‬ ‫�إلحا َده في مقولة �إن هذه الأفكار ال قيمة لها؛ لأن �أغلبي َة الم�سلمين ال يعتقدون فيها!‬ ‫وال �أع ��رف م��اذا يق�صد ب�أغلبية الم�سلمين‪ ،‬ه��ل يق�صد ال �ح�َّلف اَّ َق ف��ي م�ن�ط�ق� ِت��ه؟�أم بائ َع‬ ‫طبيب الأُ ُذن والحنجرة الذي زار عيادته قبل �سنتين مثلاً ؟�أم �سائقَ التاك�سي!‬ ‫الخ�ضروات؟؟�أم َ‬ ‫أغلب الم�سلمين معلوما ُتهم الفقهية ب�سيطة وال تتجاوز م�س�أل َة ال�صال ِة وال�صوم‬ ‫في الحقيقة � ُ‬ ‫إ�سالم ال يطالبهم‬ ‫ِ‬ ‫وبع�ض المتعلقات الأخرى‪ ،‬وهذا �أم ٌر طبيعي الن�شغال النا�س بحيا ِتهم‪ .‬وال ُ‬ ‫تح�صيل معا�شهم لأجل التفقه في الدين‪ ،‬ولذا �أ ْو َج َب‬ ‫باالنقطاع عن حياتهم اليومية وعدم‬ ‫ِ‬ ‫على جماع ٍة من النا�س التف ُّق َه في الدين لينذروا الآخرين كما جاء في القر�آن الكريم والحظ‬ ‫�أن التعبير جاء لينذروا ولي�س ليفر�ضوا عن طريق �إقامة دولة الخالفة �أو �شيء من هذا القبيل‪.‬‬ ‫مما يعني �أن القول �إن �أغلبي َة الم�سلمين توا ِفق على حدِّ الرد ِة مثال �أم ٌر غير �صحيح‪� ،‬أغلبي ُة‬ ‫الم�سلمين غي ُر مطلعين على حد الردة‪.‬‬ ‫وعندما نتعرف على �آراء الفقهاء نجدهم مختلفين فمِ نهم َمن يثبته بالمطلق‪ِ ،‬ومنهم َمن يثبته‬ ‫ب�شروط‪،‬ومنهم َمن يعتبره �أمرا تاريخيا ل�سد الطريق �أمام َمن ذكروا بالقر�آن بقوله تعالى‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫َاب � ِآم ُنوا ِبا َّل ِذي �أُ ِنز َل َع َلى ا َّل ِذينَ � َآم ُنوا َو ْج َه ال َّن َها ِر َوا ْك ُف ُروا � ِآخ َر ُه‬ ‫( َو َقا َلت َّطا ِئ َف ٌة ِّمنْ �أَ ْه ِل ا ْل ِكت ِ‬ ‫‪186‬‬


‫َل َع َّل ُه ْم َي ْر ِج ُعونَ )‪� -٧٢‬أل عمران‪ِ ،‬ومنهم َمن يرى �أن ال �أ�صل له‪ ،‬بالتالي على م�ستوى التخ�ص�ص‬ ‫ف�إنه ال �أغلبية معتقدة به‪� .‬أ َّما معرفة ر�أي الأغلبية الم�س ِلمة كر�أي الحلاَّ ق‪ ،‬وبائع الخ�ضراوات‪،‬‬ ‫والمهند�س‪ ،‬والطبيب في حدِّ الرد ِة مثال فال يتم حتى ُنط ِل َعه على جميع الآراء الفقهية المتعلقة‬ ‫بالمو�ضوع‪ ،‬وبعد ذلك يمكننا �أن ن�س�أله عن ر�أ ِيه‪.‬‬ ‫في حقيقة الأمر نجد �أن �أغلبية الم�سلمين ال يجوز ت�صنيفهم �ضمن القوالب المذهبية ال�سائدة‪،‬‬ ‫فمث ًال ي�أتي �شخ�ص ليقول �أنا حنفي المذهب ولكن عندما يعتر�ضه عار�ض ال ي�ستطيع معالجته‬ ‫وفق المذهب الحنفي و�إنما يذهب �إلى عالم مخت�ص بالفقه الحنفي فهو بالنتيجة لي�س حنفي‬ ‫إبا�ضي والإ�سماعيلي وال�شيعي وال�سني‪ ،‬فهم مجرد‬ ‫النه ال يعلم �شيئا عن الفقه الحنفي وكذا ال ّ‬ ‫مقلدة‪ .‬وللأ�سف نرى هذا الأمر ين�سحب �إلى العقيدة في حين �أن المفرو�ض �أن يبحث الإن�سان‬ ‫عن عقائده بنف�سه بخالف الفقه الذي يجوز له اتباع الفقيه فيه‪ .‬فتجد البع�ض يقول �أنا �سلفي‬ ‫العقيدة �أو �أ�شعري العقيدة وهو ال يعرف الفرق بين هذا وذاك‪.‬‬

‫جازما �أنه في‬ ‫القول �إن الأغلبي َة �ضد الأفكار المعتدلة م�س�أل ٌة ال �أ�سا�س لها‪ ،‬بالعك�س �أنا �أعتق ُد ً‬ ‫‪187‬‬


‫حال َّ‬ ‫عت الأغلبي ُة على الآرا ِء المختلفة ف�إنها �ستميل �إلى �أكثر الآراء اعتداال َومن يعتقد َ‬ ‫خالف‬ ‫اط َل ِ‬ ‫ذلك عليه �أن يج ِّر َب �أن يلتقي �أغلبي َة الم�سلمين ليث ِبت!ال ُم َّ‬ ‫خطط �أدناه َي�ستخدمه الملحدون‬ ‫الحركات التكفيري َة الإجرامية المنت�سبة للإ�سالم هي الممثل الحقيقي‬ ‫في محاول ٍة لإثبات �أن‬ ‫ِ‬ ‫له‪�،‬أ َّما المليار م�س ِلم الذي يعي�شون حياتَهم ب�شكل طبيعي ف ُهم مجموع ُة مغفلين ال يعلمون عن‬ ‫الإ�سالم �شي ًئا‪ ،‬وهذا دليل وا�ضح على مقدار الوهم المعرفي الذي يعي�شه الملحدون ومقدا ِر‬ ‫جهلهِ م بالدين‪ ،‬طب ًعا هذا ال ُم َّ‬ ‫درا�سات علمية معت َبرة‪ ،‬و�إنما مجرد وجهة‬ ‫خطط لم ينتج عن �أي‬ ‫ٍ‬ ‫أوج� َ�ده ف َت َل َق َّفه الملحدون لأنه يالءم هواهم بالرغم من محاكمه مليار وك�سر‬ ‫ٍ‬ ‫نظر تمثل َمن � َ‬ ‫�سبيل الترفيه‪:‬‬ ‫م�سلم بمعيار واحد �أمر ال يقول به عاقل‪ .‬ونر ِف ُقه هنا على ِ‬

‫َمن الممثل لإلسالم ؟‬ ‫يت�ساءل البع�ض �إذا كان الم�سلمين مختلفون في الكثير من الم�سائل ف َمن الممثل الحقيقي‬ ‫للإ�سالم هل هم العثمانيون؟�أم ال�صفويون؟�أم ال�سعودية؟�أم �إي��ران؟�أم الأزه��ر؟�أم َمن؟ وهو‬ ‫�س�ؤا ٌل مهم‪ ،‬ولكن َمن قال �إن هناك ممث ًال للإ�سالم؟ ِمن �أين �أتينا �أ�صال بفكرة �أن هناك‬ ‫إ�سالم ف َمن ب�إمكانه �أن يقرر �أن‬ ‫َمن يمثل الإ�سالم؟ و�إذا كان هناك واح ٌد �أو مجموعة تمثل ال َ‬ ‫تلكم المجموعة تمثل الإ�سالم دون غيرها؟ الملحد �أم �أفراد المجموعة نف�سها �أم المذهب‬ ‫المخالف؟ ِمن مجموعة الأ�سئلة �أعاله يت�ضح لنا �أن �أ�صل ال�س�ؤال ال يمكن الإجابة عليه لأنه‬ ‫بب�ساطة �إن كانت الإجاب ُة �صادر ًة ِمن ملحد فمِ ن الممكن �أن نطعن فيها‪ ،‬و�إنْ كانت �صادر ًة‬ ‫نف�سها فمِ ن الممكن �أن نطعن فيها‪ ،‬و�إنْ كانت �صادر ًة من الجماعة المخالفة في‬ ‫من الجماعة ِ‬ ‫المذهب �أو الدين فمِ ن الممكن �أن نطعن فيها � ً‬ ‫طرف‬ ‫أي�ضا‪ ،‬لذا نجد �أن ِمن ال�صعوبة �إيجا َد ٍ‬ ‫‪188‬‬


‫محايد ليقول لنا َمن هو الممثل الحقيقي للإ�سالم‪ .‬ولذا جاء �أم ُر اهلل تعالى بعدم تزكية �أنف�سنا‬ ‫ٍ‬ ‫�أو الآخرين وت ْر ِك الأمر هلل تعالى في هذا المجال؛ لأنه الأعلم بنا وب�أحوالنا كما جاء في �سورة‬ ‫النجم في جزءٍ من الآية رقم ‪:32‬‬ ‫(هُ َو �أَ ْع َل ُم ِب ُك ْم �إِ ْذ َ�أ َ‬ ‫ال ْر ِ�ض َو�إِ ْذ َ�أنت ُْم �أَ ِج َّن ٌة ِفي ُب ُط ِون �أُ َّم َها ِت ُك ْم َفلاَ تُزَ ُّكوا َ�أن ُف َ�س ُك ْم هُ َو‬ ‫ن�ش�أَ ُكم ِّمنَ ْ َ أ‬ ‫�أَ ْع َل ُم ِب َم ِن ا َّت َقى)‬ ‫ولكن يبقى ال�س� ُؤال �أين نجد الإ�سالم �إذ ًا؟ والجواب هو نجده في كل َمن قال ال �إله �إال اهلل‬ ‫َ‬ ‫ثم ا�ستقام كما ب َّين ُ‬ ‫انق�سم‬ ‫عوامل‬ ‫ر�سول اهلل ‪�-‬صلوات اهلل و�سالمه عليه‪-‬اليوم ونتيج ًة لعدة‬ ‫َ‬ ‫مذاهب مختلف ٍة‪ ،‬وهذا �أمر طبيعي وكلها على خير ومتِّبعوها على خير مادامت‬ ‫الم�سلمون �إلى‬ ‫َ‬ ‫�أياديهم لم َّ‬ ‫تلطخْ بالدماء وما داموا ملتزمين بالعمل ال�صالح الذي ي�أمرنا به القر�آن الكريم‪،‬‬ ‫وتبقى م�س�ؤولي ُة الم�سلم الفرد �أن يتبع �أح�سن ما ي�صل �إليه من الكالم‪ ،‬و�أال يتبع المجرمين‬ ‫ال َقتَل َة كما �أمر اهلل تعالى‪( :‬ا َّل ِذينَ َي ْ�س َتمِ ُعونَ ا ْل َق ْو َل َف َي َّت ِب ُعونَ �أَ ْح َ�س َن ُه �أو َلـ ِئ َك ا َّل ِذينَ هَ َداهُ ُم ال َّلـ ُه‬ ‫اب) الزمر‪ ١٨ :‬وكذلك قوله تعالى‪( :‬ا َّت ِب ُعوا �أَ ْح َ�سنَ َما ُ�أ ِنز َل ِ�إ َل ْي ُكم ِّمن‬ ‫َو�أو َلـ ِئ َك هُ ْم �أو ُلو ْ أ‬ ‫الَ ْل َب ِ‬ ‫اب َب ْغ َت ًة َو َ�أنت ُْم اَل ت َْ�ش ُع ُرونَ ) الزمر‪.٥٥ :‬‬ ‫َّر ِّب ُكم ِّمن َق ْب ِل �أَن َي�أْ ِت َي ُك ُم ا ْل َع َذ ُ‬ ‫القر�آن الكريم يمثل الحقيق َة المطلقة بال �شائب ٍة كما قال تعالى في �سورة ُف ِّ�صلت‪ :‬اَّ‬ ‫(ل َي�أْ ِتي ِه‬ ‫َنزي ٌل ِّمنْ َح ِك ٍيم َحمِ ٍيد)وهو ِمن الناحية العقائدية ال يختلف‬ ‫ا ْل َب ِاط ُل ِمن َب ْي ِن َي َد ْي ِه َو اَل ِمنْ َخ ْل ِف ِه ت ِ‬ ‫في �شيء عن الر�ساالت ال�سماوية التي �سبقته كما في قوله تعالى في �سورة ف�صلت � ً‬ ‫أي�ضا‪َّ ( :‬ما‬ ‫اب �أَ ِل ٍيم) فالدين عند اهلل‬ ‫ُي َق ُال َل َك �إال َما َق ْد ِق َيل ِلل ُّر ُ�س ِل ِمن َق ْب ِل َك ِ�إنَّ َر َّب َك َل ُذو َم ْغ ِف َر ٍة َو ُذو ِع َق ٍ‬ ‫واح ٌد مذ خلقَ الأر�ض بمن عليها وهو الإ�سالم بمفهومه العام وهو الت�سليم للخالق وتوحيده ‪...‬‬ ‫َ‬ ‫االختالف بين النا�س فيه وفي غيره م�صداقا لقوله‬ ‫القر�آن الذي يحمل الحقيق َة المط َلقة �أق َّر‬ ‫‪189‬‬


‫ُ‬ ‫فاالختالف‬ ‫ا�س �أُ َّم ًة َو ِاح َد ًة َو اَل َيزَ ا ُلونَ ُمخْ َت ِل ِفينَ )‬ ‫تعالى في �سورة هود‪َ ( :‬و َل ْو َ�شا َء َر ُّب َك َل َج َع َل ال َّن َ‬ ‫هو نتيج ٌة طبيعية لحرية االختيار الممنوحة للنا�س جميعا‪ ،‬ولذا �أخب َر ُ‬ ‫الكريم‬ ‫اهلل تعالى ر�سو َله‬ ‫َ‬ ‫محمدا �أنه لي�س با�ستطاع ِته هداية النا�س جميعا �إلى طريق واحد َومن يعتقد بذلك �سوا ٌء �أعن‬ ‫طريق الحكمة �أم الجبر ف�إنه ِمن الجاهلين‪ ،‬ونجد ذلك في قوله تعالى‪َ ( :‬و�إِن َكانَ َك ُب َر َع َل ْي َك‬ ‫ِ�إ ْع َر ُ‬ ‫ال�س َما ِء َف َت�أْ ِت َي ُهم ِب�أي ٍة َو َل ْو َ�شا َء‬ ‫ا�ست ََط ْع َت َ�أن َت ْب َت ِغ َي َن َف ًقا ِفي ْ أ‬ ‫الَ ْر ِ�ض �أو ُ�س َّل ًما ِفي َّ‬ ‫ا�ض ُه ْم َف ِ�إ ِن ْ‬ ‫الهدى َفلاَ َت ُكو َننَّ ِمنَ ا ْل َج ِاه ِلينَ ) والأكثر ِمن ذلك اعت َبر القر�آن الكريم �أن‬ ‫ال َّلـ ُه َل َج َم َع ُه ْم َع َلى َ‬ ‫َمن يعتقد ب�أنه على الحق وغيره على الباطل ِمن غير العارفين � ً‬ ‫أي�ضا وذلك في قوله تعالى‪:‬‬ ‫( َو َقا َل ِت ا ْل َي ُهو ُد َل ْي َ�س ِت ال َّن َ�صا َرى َع َل َ‬ ‫ى�ش ْيءٍ َو َقا َل ِت ال َّن َ�صا َرى َل ْي َ�س ِت ا ْل َي ُهو ُد َع َلى َ�ش ْيءٍ َوهُ ْم َي ْت ُلونَ‬ ‫َاب َك َذ ِل َك َق َال ا َّل ِذينَ اَل َي ْع َل ُمونَ ِم ْث َل َق ْولِهِ م ْ َفال َّلـ ُه َي ْح ُك ُم َب ْي َن ُه ْم َي ْو َم ا ْل ِق َي َام ِة ِفي َما َكا ُنوا ِفي ِه‬ ‫ا ْل ِكت َ‬ ‫َيخْ َت ِل ُفونَ ) والأكثر ِمن ذلك � ً‬ ‫النا�س ِمن �أتباع الر�ساالت‬ ‫أي�ضا‬ ‫ُ‬ ‫الت�صريح ب�أن اهلل تعالى �سين ِّبئ َ‬ ‫يوم القيامة‪ ،‬وفي هذا �إ�شار ٌة‬ ‫ال�سماوية وحتى الم�شركين عن من�ش�أ اختال ِفهم‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫و�سيف�صل بينهم َ‬ ‫َ‬ ‫االنتماءات المذهبي َة �أو‬ ‫كم بين النا�س يتجاوز‬ ‫قر�آنية وا�ضح ُة المعالم‪�،‬إال �أن‬ ‫ِ‬ ‫والح َ‬ ‫الف�صل ُ‬ ‫ح�سب‬ ‫الديني َة والتي في �أغلبها ما هي �إال نتيج ٌة لموقع الميالد الجغرافي واطالع الأفراد وك ٌّل َ‬ ‫طاق ِته وا�ستطاعته‪ ،‬ونجد ذلك في قوله تعالى في �سورة الحج‪�ِ ( :‬إنَّ ا َّل ِذينَ � َآم ُنوا َوا َّل ِذينَ هَ ادُوا‬ ‫و�س َوا َّل ِذينَ �أَ ْ�ش َر ُكوا �إِنَّ ال َّلـ َه َيف ِْ�ص ُل َب ْي َن ُه ْم َي ْو َم ا ْل ِق َي َام ِة ِ�إنَّ ال َّلـ َه‬ ‫َو َّ‬ ‫ال�صا ِب ِئينَ َوال َّن َ�صا َرى َوا ْل َم ُج َ‬ ‫َع َلى ُك ِّل َ�ش ْيءٍ َ�شهِ يدٌ) وكذلك في قوله تعالى‪َ ( :‬و َل َق ْد َب َّو ْ�أ َنا َب ِني �إِ ْ�س َرا ِئ َيل ُم َب َّو َ�أ ِ�ص ْدقٍ َو َر َز ْق َناهُ م‬ ‫ِّمنَ َّ‬ ‫ات َف َما اخْ َت َل ُفوا َحتَّى َجا َءهُ ُم ا ْل ِع ْل ُم ِ�إنَّ َر َّب َك َيق ِْ�ضي َب ْي َن ُه ْم َي ْو َم ا ْل ِق َي َام ِة ِفي َما َكا ُنوا ِفي ِه‬ ‫الط ِّي َب ِ‬ ‫َيخْ َت ِل ُفونَ )‪.‬‬ ‫َ‬ ‫اختالف‬ ‫كتاب يحمل في طياته الحقيق َة المط َلقة �إال �أنه �أ َق َّر‬ ‫وهكذا فالقر�آن على الرغم من �أنه ٌ‬ ‫‪190‬‬


‫باب حري ِة التعبد وتعدد‬ ‫ِ‬ ‫م�ستويات النجاة ولم يح�صرها في م�ستوىً واحد‪ ،‬والقر�آن الكريم فت ََح َ‬ ‫َ‬ ‫لعوامل كثير ٍة ي�ص ُع ُب ح�ص ُرها والحكم عليها في‬ ‫الأدي��ان وال�شرائع كنتيج ٍة طبيعة وحتمية‬ ‫كل هذه الأمور �إال بردها هلل تعالى ( ُث َّم ُر ُّدوا �إلى ال َّلـ ِه َم ْو اَلهُ ُم ا ْل َح ِّق �إال َل ُه ا ْل ُح ْك ُم َوهُ َو �أَ ْ�س َر ُع‬ ‫ا ْل َح ِا�س ِبينَ )‪ ،‬فالقر�آنُ الكريم عطاء �إلهي ك ٌّل ي�أخذ منه ح�سب ا�ستطاعته وقدرته‪ ،‬وقد نجد‬ ‫الكثي َر من الم�ست�ض َعفين في الأر�ض الذين لم تٌ�س ِعفهم قدر ُتهم للو�صول �إلى القر�آن �أو �آخرين‬ ‫خطوات ال�شيطان‪ ،‬وكذلك الكثير ممن هُ م ب ْينَ ب ْين كما ع َّبر القر�آن في‬ ‫�أ�سا�ؤا فه َمه واتبعوا‬ ‫ِ‬ ‫ال�س ْي ُل َز َبدً ا‬ ‫ال�س َما ِء َما ًء َف َ�سا َل ْت �أو ِد َي ٌة ِب َق َدرِهَ ا َف ْاح َت َم َل َّ‬ ‫موا�ض َع عدة ‪ ...‬قال تعالى‪�( :‬أَنزَ َل ِمنَ َّ‬ ‫َّرا ِب ًيا َو ِم َّما ُيو ِقدُونَ َع َل ْي ِه ِفي ال َّنا ِر ا ْب ِت َغا َء ِح ْل َي ٍة �أو َمت ٍَاع َز َب ٌد ِّم ْث ُل ُه َكذ ِل َك َي ْ�ض ِر ُب ال َّلـ ُه ا ْل َحقَّ َوا ْل َب ِاط َل‬ ‫الَ ْم َث َال)‪.‬‬ ‫الَ ْر ِ�ض َكذ ِل َك َي ْ�ض ِر ُب ال َّلـ ُه ْ أ‬ ‫ا�س َف َي ْم ُكثُ ِفي ْ أ‬ ‫َف�أَ َّما ال َّز َب ُد َف َي ْذهَ ُب ُج َفا ًء َو�أَ َّما َما َين َف ُع ال َّن َ‬ ‫حازما من الكافرين والكافرين هنا لي�سوا غير الم�سلمين‬ ‫في نف�س الوقت يقف القر�آن موق ًفا ً‬ ‫و�إنما من عرف الحق ولم يتبعه �إما تكب ًرا ك�إبلي�س و�إما عنادًا و�إما لهوى النف�س‪ .‬وكذلك توعد‬ ‫المجرمين المف�سدين بالأر�ض‪.‬‬

‫بح ّجة التفكير‬ ‫عدم التفكير ُ‬ ‫واللقاءات التليفزيونية لإثبات وجو ِدهم‬ ‫يقيم الملحدون الكثي َر من الم�ؤتمرات والمناق�شات‬ ‫ِ‬ ‫الكالم عن البديهيات والتي‬ ‫خالق للكون‪ ،‬ولكن عندما يتم‬ ‫وفكرتهم الأ�سا�سية في عدم وجود ٍ‬ ‫ُ‬ ‫منها على �سبيل المثال �أن ال �شيء ي�أتي ِمن ال �شيء‪ ،‬و�أن الأث َر يدل على الم�سير وبالتالي ال يمكن‬ ‫�أن يكون كل ما حو َلنا قد حدث بمح�ض ال�صدفة‪ ،‬ف�إنهم يتفقون على عدم التفكير ويقولون َمن‬ ‫بدليل‪ ،‬ف َمن ي َّدعي ادعا ًء عليه الدليل وك�أن الأمر مح�صور‬ ‫يريد �أن يثبت وجو َد الخالق فلي� ِأت ٍ‬ ‫‪191‬‬


‫والمناق�شات وغي َرها من‬ ‫ؤتمرات‬ ‫في الم�ؤمنين وهُ م َ‬ ‫ِ‬ ‫وحدهم َمن يتكلم عن الخالق‪ ،‬وك�أن الم� ِ‬ ‫"ال�سال�سا وكيفية عمل كيكة الأعرا�س‪.‬‬ ‫الأعمال التي يقيمونها هد ُفها مناق�شة رق�صة‬ ‫ً‬

‫اإللحاد دي ٌن أم ِعلم؟‬ ‫في نهاية كتاب "كون ِمن ال �شيء" لعا ِلم الفيزياء النظرية لوران�س كراو�س �أجاب عن �س�ؤال هل‬ ‫العلم نوعا ِمن �أنواع الإيمان بقوله "�أنه قد يكون نوعا من الإيمان‪ ،‬ولكنه لي�س‬ ‫يمكن �أن نعتبر َ‬ ‫مو�ضوع ما �إذا تغيرت الحقائقُ بكل ب�ساطة"‪.‬‬ ‫فالعلم يمكن �أن يغير ر�أ َيه في‬ ‫�إيمانا ال يتزعزع‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫نوعا من الإيمان بالرغم من‬ ‫هذا‬ ‫جواب غريب‪ ،‬لأن العلم لم ولن يكون ً‬ ‫ُ‬ ‫الجواب من لوران�س ً‬ ‫بع�ض الجهلة الذي يرفعون �شعار" �أنا �أ�ؤمن بالعلم‪ ،‬في حقيقة الأمر نحن َنق َب ُل بالأدلة التي‬ ‫العلم مع اعتقادنا ب�أن العلم الن�سبي هو مجرد احتمالي ٍة قد تتغير في �أي وقت‪.‬‬ ‫يقدمها ُ‬ ‫خالق لم َي ُقم على‬ ‫ولكن لو �س�أل �سائ ٌل هل الإلحا ُد �إيمان؟ فالجواب بالت�أكيد نعم لأن نفي وجو ِد ٍ‬ ‫�أي منهج علمي ح�سي تجريبي بل على المنهج العقلي فقط‪ ،‬بعك�س الإيمان بالخالق القائم على‬ ‫وا�ضحا في مقوالت كبار علماء الذين يتخذهم‬ ‫المنهج العقلي وعلى المنهج الح�سي‪ ،‬ونجد ذلك ً‬ ‫الملحدون مثال �أعلى لهم‪:‬‬ ‫داروين في ر�سال ٍة �إلى عا ِلم النبات الأمريكي "�أ�سا غراي" َكتَبها عام في ‪� 22‬آيار عام ‪1860‬‬ ‫ن�صه‪" :‬ال �أق��در �أن �أرى بب�ساطة كما يفعل الآخ��رون‪ ،‬و�أتمنى �أن �أق��در‪ ،‬الأدل��ة على‬ ‫يقول ما ُّ‬ ‫الت�صميم والنفع في كل ما يحيط بنا‪� .‬إذ يبدو لي �أن هناك ب�ؤ�سا كثيرا جدا في العالم‪ .‬ال‬ ‫يمكنني �إقناع نف�سي ب�أن خالقا رحي ًما و ُكلي القدرة لي�صمم زنابير االكنومونيدا بق�صد �صريح‬ ‫هو �أن تتغذى يرقا ُتها داخل الأج�ساد الحية للجراد‪� ،‬أو �أن القطط تلعب بالفئران‪".‬‬ ‫‪192‬‬


‫وهنا نرى �أن داروين قد �أق َّر�أنه ال ي�ستطيع �أن يرى المو�ضو َع كما يراه الآخرون‪ ،‬هذا تقري ًبا‬ ‫نف�س ما كتبه ريت�شارد داوكنز في ال�صفحة الأولى من الف�صل الأول من كتابه حول اال�ستلقاء‬ ‫على الع�شب والتفكر ومن ثم اال�ستنتاج بوجود �إله �أو عدم وجوده‪ .‬في الحقيقة موقف داروين‬ ‫ناتج بب�ساطة عن عدم فهمه لغاية ما يراه ف�أتبع المنهج العقلي الذي �أو�صله �إلى �أن ال خالق‬ ‫رحيم موجود‪ ،‬على الرغم من �أن هناك كالم حول �إلحاد �أو �إيمان داروين ولكن لي�س هذا بيت‬ ‫الق�صيد و�إنما المق�صود هو كيفية النظر للأمور وهل �أن اعتقادنا بعبثية الكون �أو ت�صميمه‬ ‫العقلي!عدم معرف ِة الإجابة على غاي ٍة من الغايات ال تلغي التفكي َر‬ ‫ناتج عن المنهج الح�سي �أو‬ ‫ُ‬ ‫المنطقي الذي �سبقه‪.‬‬ ‫ن�صه‪" :‬للكون الذي ن�شهده‬ ‫داوكنز في كتاب "النهر الخارج من عدن" عام ‪َ 1995‬كتَب ما ُّ‬ ‫تحديدً ا تلك ال�صفات التي نتوقعها لو كان في قراره ال ي�شتمل على ت�صميم‪ ،‬هدف‪ ،‬خير‪ ،‬ال�شيء‬ ‫�إال الالمباالة عديمة الرحمة"‪ .‬بالطبع ال يوجد منه ٌج علمي يمكنه �أن ي�ستدل على وجود الخير‬ ‫من عدمه‪ ،‬وبالتالي النتيجة التي تو�صل �إليها داوكنز معتمد ٌة على المنهج العقلي ولي�س على‬ ‫ن�صه‪" :‬‬ ‫المنهج العلمي التجريبي‪� .‬ستيفن هاوكينغ في كتابه "تاريخ موجز للزمن" يقول ما ُّ‬ ‫ُ‬ ‫افترا�ض �أن له خال ًقا‪ .‬ولكن �إنْ كان الكونُ في الواقع يحتوي ذاتَه‬ ‫مادام للكون بداية‪ ،‬يمكننا‬ ‫مكان �إذ ًا‬ ‫حدود �أو حافات‪ ،‬فلن يكون له بداية وال نهاية‪ ،‬بل �سيكون فح�سب‪ُّ � .‬أي ٍ‬ ‫بالكامل‪ ،‬دون ٍ‬ ‫�سيت�سع لخال ِقه؟"‬ ‫هل يمكن للمنهج العلمي �أن يو�ضح لنا ذات الكون؟ وما هو؟ وكيف يحتوي ذاتَه بالكامل؟ ولماذا‬ ‫ال يت�سع لخالقه؟ كل هذا الكالم قائما على المنهج العقلي ولي�س على المنهج العلمي‪.‬‬ ‫‪193‬‬


‫نالحظ �أن العلما َء وعلى الرغم من اعتما ِدهم على المنهج العلمي �إال �أنهم عندما يتكلمون‬ ‫�إذ ًا ِ‬ ‫المنهج العقلي الذي يعني الكالم الفل�سفي‪ ،‬ولذلك ال يمكن‬ ‫في مو�ضوع الخالق ف�إنهم ينتهجون‬ ‫َ‬ ‫تدري�س الإلحاد في مدار�س ال��دول العلمانية‪ ،‬كما ال يمكن تدري�س الت�صميم الذكي لأنهما‬ ‫ُ‬ ‫يتجاوزان حدو َد المنهج العلمي‪ .‬وكنتيج ٍة لكل ما �سبق ال يمكن اعتبا ُر �أن الإلحا َد علم‪.‬‬ ‫ِ‬

‫العلماء الملحدون والفلسفة الكالمية‪:‬‬ ‫غال ًبا ما يعتمد العلماء الملحدون على الف�سلفة الكالمية لإثبات عدم وجود خالق �أو عدم‬ ‫الحاجة �إلى وجود خالق‪ ،‬وذلك ما ا�ستخدمه العالم الفيزيائي "لوران�س كراو�س" في كتابه‬ ‫"لماذا هناك �شيء بد ًال من ال�شيء"‪ ،‬حيث ا�ستخدم التعابير الكالمية الم�ؤثرة في عدة مواقع‬ ‫منها‪:‬‬ ‫األول‪ :‬عند تعبيره عن الال�شيء‪ ،‬فهو ال يق�صد الال�شيء فع ًال و�إنما يق�صد مادة بدون كتلة �أو‬ ‫�شيئا من هذا القبيل فهو ال يعني الال�شيء المتداول بين النا�س كم�صطلح فل�سفي يعني العدم‬ ‫التام‪ ،‬هو ي�ستخدم الم�صطلح الفل�سفي ولكنه يعطيه ُبعدً ا �آخ َر‪ ،‬ويقع للأ�سف البع�ض في هذا‬ ‫المطب باعتقاده �أن الكون �أتى من ال�شيء والحاجة �إلى وجود خالق‪ ،‬في حين هذا الال�شيء‬ ‫فينظر لوران�س على �أنه �شيء له �صفات ومحددات‬ ‫الثاني‪ :‬عنوان الكتاب‪ :‬ا�ستخدم لوران�س الفل�سفة الكالمي َة �أولنقل اللعب بالكلمات‪ ،‬حيث يقول‬ ‫في الف�صل التا�سع من كتابه الم�سمى "الال�شيء هو �شيء"‪�" :‬س�أفتر�ض المعنى الحقيقي لل�س�ؤال‬ ‫هو "كيف هناك �شيء بد ًال من ال�شي" ب�سبب �أن ال�س�ؤال الذي يبد�أ بكيف هو ال�شيء الوحيد‬ ‫الذي ن�ستطيع �إجابتَه من خالل درا�سة الطبيعة‪� ،‬أ َّما الأ�سئلة التي تبد�أ بلماذا فال ن�ستطيع لأنها‬ ‫تت�ضمن ال�س� َؤال عن الهدف �أو الغاية‪ ،‬وهكذا نجد �أنه حتى عنوان كتابه "لماذا هناك �شيء بد ًال‬ ‫‪194‬‬


‫نوعا من الفل�سفة الكالمية؛ لي�ضيف على كتابه هال ًة �إعالمي ًة ت�ؤدي �إلى‬ ‫من ال �شي" ا�ستخدم فيه ً‬ ‫زيادة مبيعات كتا ِبه‪� ،‬أما حقيقة الأمر ف�إنه ال يجيب على هذا ال�س�ؤال و�إنما يتكلم في "كيف"‪,‬‬ ‫للأ�سف يقع الكثي ُر في هذه المطبات حتى عندما تخبره عن ا�ستخدام الفل�سفة الكالمية يقول‬ ‫غيرمتفق عليها بين‬ ‫هي م�صطلحاتٌ ي�ستخدمها العلما ُء‪ ،‬في حين �أن الكثي َر منها م�صطلحاتُ‬ ‫ٍ‬ ‫لعب بالكلمات وي�ستخدمها العا ِل ُم الملحد‬ ‫العلماء‪� ،‬أو هي غير علمية من الأ�صل‪ ،‬و�إنما مجرد ٍ‬ ‫ليثبت فكرتَه الإلحادية‪.‬‬ ‫ِومن الدالئل على ا�ستخدام الفل�سلفة الكالمية كالم ريت�شارد داوكنز‪" :‬كلنا �سنموت‪ ،‬وهذا ما‬ ‫يجعلنا الأوف َر ً‬ ‫النا�س لن يموتوا �أبدً ا؛ لأنهم لم يو َلدوا �أبدً ا‪� ،‬إن عد َد النا�س الذين‬ ‫أغلب ِ‬ ‫حظا‪ُ � ...‬‬ ‫ذرات رمال ال�صحاري‪،‬‬ ‫كان ب�إمكانهم �أن يكونوا مكاني هنا لكنهم لم يروا �ضو َء النهار‪ ،‬يفوق ِ‬ ‫أعظم ِمن‬ ‫أعظم ِمن كيت�س وعلما َء � َ‬ ‫وبال �شك �إن ِمن بين �أولئك الأ�شباح الذين لم يو َلدوا �شعرا َء � َ‬ ‫نيوتن! انتهى االقتبا�س‪ .‬وهذا كال ٌم وا�ضح �أنه بعي ٌد عن العلم وحتى عن الفل�سفة التي تحترم‬ ‫نا�سا‬ ‫نف�سها فما معنى �أغلب النا�س لن يموتوا لأنهم لم يولدوا؟! و�إذا لم يو َلدوا فكيف �أ�صبحوا �أُ ً‬ ‫َ‬ ‫أ�شباح بينها َمن هو �أعظم ِمن‬ ‫من الأ�صل!!؟ وكيف تحول ه�ؤالء الذين لم يو َلدوا بقدر ِة قاد ٍر �إلى � ٍ‬ ‫نف�سه‪ ،‬كال ٌم ال يحمل � َّأي قيم ٍة فل�سفية �أو علمية �أو فكرية ولكن ترى الكثير من الملحدين‬ ‫نيوتن ِ‬ ‫يترجمونه ويكررونه معتقدين ب�أنه يحمل قيمه علمية �أو فل�سلفية معينة‪.‬‬

‫القوالب الجاهزة ودو ُرها في نهضة ا ُألمم‪:‬‬ ‫يحاول الملحد العربي تغيي َر واق ِعه وواق ِع مجتم ِعه‪ ،‬ولتحقيق هذا التغيير يحتاج �إلى َم َث ٍل �أعلى �أو‬ ‫‪195‬‬


‫الدول الغربية ف َيعمل على تقليدها‪ ،‬ولكن بماذا يبد�أ؟ هل‬ ‫أمامه �سوى ِ‬ ‫قدو ٍة يقتدي بها‪ ،‬وال يجد � َ‬ ‫ليتكلم في‬ ‫الالزم‬ ‫بتقليدها على الم�ستوى ال�صناعي؟ للأ�سف ال يملك الأدواتَ وال االطال َع‬ ‫يبد�أ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫هذا المو�ضوع‪ ،‬هل يبد�أ على الم�ستوى االقت�صادي؟ للأ�سف � ً‬ ‫المقومات الالزم َة‬ ‫أي�ضا ال يملك‬ ‫ِ‬ ‫م�سموح له بذلك ولن‬ ‫ليتكلم في هذا المو�ضوع‪ ،‬هل يتكلم على الم�ستوى ال�سيا�سي؟ للأ�سف غير‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ي�سمعه �أحد وال يعرف من �أين يبد�أ‪.‬‬ ‫وعجزَ مجتم ِعه عن مواكبة ال��دول‬ ‫وهكذا ينتقل من م�ستوى �إل��ى م�ستوى ويكت�شف عجزَ ه ْ‬ ‫المجتمعات الغربي َة تركت‬ ‫أمامه �سوى الم�ستوى الديني نتيج ًة العتقا ِده �أن‬ ‫ِ‬ ‫المتقدمة‪ ،‬فال يبقى � َ‬ ‫أفالم الأمريكية‪ ،‬وقد �أخب َرني‬ ‫وخ�صو�صا �أن‬ ‫الدينَ ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫اطالعه على المجتمع الغربي ال يتجاوز ال َ‬ ‫الكثي ُر من الملحدين العرب �أنه يعمل جاهدً ا لتنوير النا�س و�إبعادهم عن الدين الذي د َّم َر بالده‬ ‫ال�شعوب وازدهارِها‬ ‫الملح َد اطلع ب�شكل �أو�سع على �أ�سباب تق ُّد ِم‬ ‫كما يعتقد‪ ،‬ب�صراح ٍة لو �أن ِ‬ ‫ِ‬ ‫فال�شعوب ُت��دار بالقوانين ال�سيا�سية والإداري��ة واالقت�صادية وال‬ ‫َل َما تك َّلم �أ�ص ًال في الدين‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُيل َتفتُ �إلى اعتقا ِد �أفرادها‪ ،‬فهذا الملحد الذي يحاول تنوي َر مجتم ِعه ‪-‬كما ي َّدعي‪ -‬بالكالم‬ ‫بلده‪ ،‬وال عن طريق ط ْر ِح الحلول الكفيلة‬ ‫عن دين �أف��راده ال عن طريق الكالم عن جامعات ِ‬ ‫لتطوير النظام االقت�صادي وال�سيا�سي والإداري الفا�سد في مجتم ِعه‪ ،‬هو جز ٌء كبير من الم�شكلة‬ ‫وم�ساه ٌم �أ�سا�سي في �إطالة ُعمر التخلف‪ ،‬فالتقدم العملي وازدهار المجتمع ينتج عن درا�س ِة‬ ‫ِ‬ ‫معاهدبحث علمي فاعلةت�ستطيع تطبيق البحوث والنتائج في‬ ‫العلوم وتطبي ِقها عن طريق �إن�شاء‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ك�شعوب لإنتاج المعرفة‪ .‬هذا هو طريق التنوير‪.‬‬ ‫والمعامل بما ي�ؤهلنا‬ ‫�أر�ض الواقع؛ في الم�صان َع‬ ‫ٍ‬ ‫�أ ّما دين الأفراد فهذا �ش�أ ُنهم الخا�ص‪ ،‬وبالطبع ِمن حق الملحد �أن ُي ِلحد ولكن ليع ِّبر عن وجهة‬ ‫يحمل الواق َع الديني كل م�شاكل المجتمع‪ ،‬فهذا التحامل دلي ٌل على جهل‬ ‫نظره‬ ‫باحترام وال ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫‪196‬‬


‫المتكلم وعدم م�صداقي ِته‪ .‬وهذا الكالم ال يعني �أن الواق َع الديني ال �شائب َة ت�شو ُبه‪ ،‬بل �إن‬ ‫العك�س‪ ،‬وهناك الكثير من الم�شاكل على الم�ؤ�س�سات الدينية �أن تعمل وبجدي ٍة على‬ ‫الواقع ُيثبت‬ ‫َ‬ ‫بكثير من الم�ؤ�س�سات الدينية ودورِها‪.‬‬ ‫أ�سباب ت� ُّأخ ِر مجتمعا ِتنا �أكب ُر ٍ‬ ‫معالج ِتها ولكنَّ � َ‬

‫المرتدون‪:‬‬ ‫معظم الآيات القر�آنية التي ت�صر على حرية التعبير و َل ُكم دي ُنكم ولي‬ ‫ُح ْك ُم‬ ‫ِ‬ ‫المرتد ُح ْك ٌم يخا ِل ُف َ‬ ‫باهت ومخت َل ٌف فيه وفي تفا�صيله اختال ًفا كبي ًرا جدً ا بين المدار�س الفقهية‬ ‫دين‪ ،‬وهو حك ٌم ٌ‬ ‫المختلفة‪ .‬ومما تجب الإ�شارة �إليه �أنه ال يمكن اعتبا ُر الم�س ِلم بالوراثة مرتدً ا �إذا �أعلنَ �إلحا َده؛‬ ‫يت�سنَّ له �أن َي َّط ِلع على الإ�سالم ليقتنع به و ُيعلن‬ ‫لأنه لم يكن في يوم من الأيام م�س ِل ًما‪ ،‬ولم َ‬ ‫إ�سالمه‪ ،‬وكل ما في المو�ضوع �أن �أبو ْيه كانا م�سلم ْين � ً‬ ‫أي�ضا حيث �إن �إ�سالم الوراثه ال طعم له‬ ‫� َ‬ ‫أحدهم هل �أنت م�سيحي؟‬ ‫وال معنى‪ ،‬هذه النقط ُة يجب االلتفاتُ �إليها‪ .‬في �أمريكا عندما ت�س�أل � َ‬ ‫عاما‪ ،‬فهو ال يقول �إنه �أ�صبح م�سيح ًيا‬ ‫يقول لك نعم‪� ،‬أ�صبحتُ م�سيح ًيا عندما كان عمري ع�شرين ً‬ ‫منذ والد ِته و�إنما عندما اقتن َع بالفكرة‪ .‬ولذلك الم�سلمون بالوراثة ما لم يقتنعوا ويت�أكدوا من‬ ‫عقائد الإ�سالم فال يمكن و�ص ُفهم بالم�سلمين ح ًقا‪ ،‬و�إعالنُ �إلحا ِدهم ال يعني ارتدا َدهم‪ ،‬و�إنما‬ ‫فقط يعني �أنهم لم يقتنعوا بالإ�سالم الذي وجدوا �أبائهم عليه واقتنعوا بما هو دو َنه نتيج ًة‬ ‫تعاليم الدين‬ ‫لتق�صيروا�ضح لعلماء الم�سلمين في ع�صرنا الحا�ضر تجا َوز هذا التق�صي ُر ت�شوي َه‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫�إلى ُ‬ ‫التباغ ِ�ض بين الم�سلمين و�إلى �أنها ٍر ِمن الدماء‪.‬‬

‫‪197‬‬


‫الخاتمة‬ ‫ب�شغف المتنا ٍه‪ ،‬وي�ستمر‬ ‫تبد�أ رحلة البحث لدى الإن�سان منذ طفولته؛ حيث ي�س�أل وي�س�أل ويبحث ٍ‬ ‫جماح هذا ال�شغف في‬ ‫البحث طوال حياته‬ ‫ِ‬ ‫م�ستخد ًما �أدوا ِته العقلي َة والح�سية‪ ،‬وال يمكن ك ْب ُح ِ‬ ‫البحث عن الحقيقة‪ُ .‬يخطئ َمن يظن �أنه يروي عط�ش فطرتَه الباحث َة عن الخالق عند تحميله‬ ‫الحلم "نظرية كل‬ ‫تقديم الدليل على وجود الخالق �أو انتظار اكت�شاف النظرية ُ‬ ‫ال َآخ َر م�س�ؤولي َة ِ‬ ‫�شيء" �أو اعتماد العلم الزائف‪.‬‬ ‫الإلحا ُد الجديد ما هو �إال فرقع ٌة انت�شرت كر ِّد ِف ٍعل على �أو�ضاع المجتمع المتردية على مخت َلف‬ ‫الأ�صعدة في ظل ت�صاعد الفكر التكفيري وانح�سا ِر الفكر الإ�سالمي نتيج َة لموازين الق َوى‬ ‫والمال في العا َل ِم العربي‪ ،‬وفي نف�س الوقت نتيج ًة لغياب الجهد الإ�سالمي العربي على الأقل في‬ ‫ِ‬ ‫ترجم ِة الكتب التي َت ُّرد على ُكت ُِب الملحدين وهي كثير ٌة؛ فنتيجة لهذه الفجوة َظنَّ الكثي ُر من‬ ‫�صحيح‪ ،‬الإلحا ُد يبقى �أقلي ًة‬ ‫ألح َد‪ ،‬وهذا غي ُر‬ ‫ال�شباب العربي �أن َ‬ ‫كالم الملحدين و� َ‬ ‫الغرب َت َق َّب َل َ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ارتبطت بالأديان‪ ،‬ويرف�ض‬ ‫الخرافات التي‬ ‫البع�ض‬ ‫�ض ْمن جمي ِع المجتمعات‪ ،‬نعم قد يرف�ض‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫الخالق �أم� ٌر �آخر ال �سبيل له في عقول الباحثين حتى‬ ‫الأدي��انَ بنا ًء على ذلك‪ ،‬ولكنَّ ر ْف َ�ض‬ ‫ِ‬ ‫الب�سطاء منهم‪.‬‬ ‫الخيال والخرافات‪ ،‬كما �أن البحثَ‬ ‫جماح‬ ‫المنهج الح�سي‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫التجريبي (العلمي) مهم جدً ا لك ْب ِح ِ‬ ‫‪198‬‬


‫ِّ‬ ‫المتح�ض ِر للتطو ِر والبنا ِء والتقدم‪ ،‬وال ِغ َنى عنه لكل ال�شعوب ف�أكث ُر‬ ‫العلمي هو و�سيل ُة العا َل ِم‬ ‫ومعاهد البحث العلمي‪ ،‬ولكن يجب‬ ‫�شعوب العا َل ِم ت ََح ُّ�ض ًرا و َت َم ُّد ًنا �أكث ُرها اعتمادًا على العلوم‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫حدوده‪ ،‬فال يجو ُز �أن ن�صل في ا ِّتباع المنهج العلمي لمهزلة مقارن ِة الإيمان بالخالق‬ ‫�إبقاءه �ض ْمنَ‬ ‫ٍ‬ ‫ومبررا ِته ب�إناء ال�شاي الذي يدور حول المريخ‪ .‬تبني المنهج العلمي بما ي�ساهم برفعة المجتمع‬ ‫و�صراعات جانبي ٍة ال قيمة لها وال‬ ‫الدين و�إ�شغال المجتمع في دهاليز العلم الن�سبي‬ ‫ٍ‬ ‫ال يبد�أ بت ْر ِك ِ‬ ‫مناهج التدري�س ُ‬ ‫البحث العلمي لإنتاج‬ ‫وتفعيل‬ ‫وط ُر ِقها‪،‬‬ ‫الجامعات بتطوير‬ ‫هدف‪ ،‬و�إنما يبد�أ ِمن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الحرب العالمية الثانية كانت َب�ضا ِئ ُعها ذاتَ جود ٍة رديئة والت�ستطي ُع‬ ‫بعد‬ ‫المعرفة‪ .‬فهذه اليابانُ َ‬ ‫ِ‬ ‫نظام �إدارة الجودة ال�شاملة �إلى م�صانعها َفتَحقَّقَ لها ما ت ََح َّقق‪،‬‬ ‫�أن ت�س ِّو َق منتجا ِتها حتى �أَ ْد َخلت َ‬ ‫الدين وال بالدعا ِء � ً‬ ‫بالعمل والجهد في االتجاه ال�صحيح‪،‬‬ ‫أي�ضا‪ ،‬و�إنما‬ ‫ِ‬ ‫ولم يكن ذلك ال بت ْر ِك ِ‬ ‫النظر ع َّما �أعت ِقدُه �أنا وما تعت ِقدُه �أنت‪َ ،‬ف َل َك ِدي ُنك‬ ‫أ�سلوب �سنتطو ُر ِب َغ ِّ�ض‬ ‫ِ‬ ‫و�إذا ا َّت َبعنا هذا ال َ‬ ‫الدين �أن يتوافقَ‬ ‫أحتر ُمك مهما تكن‪ ،‬و�أنت ِ‬ ‫ولي ديني‪� .‬أنا � ِ‬ ‫تحتر ُمني كما �أنا‪ .‬كما �أن َع َلى َر ُج ِل ِ‬ ‫َ‬ ‫ي�شتغل في الدين ويعمل على دعو ِة النا�س بالتي هي �أح�سن‪ ،‬ولي�س‬ ‫الثوابت العلمية‪ ،‬و�أن‬ ‫مع‬ ‫ِ‬ ‫عجزه و ِقل ِة ثقاف ِته‪ ،‬وعليه �أال‬ ‫ِ‬ ‫بتهديدهم بحدِّ الرد ِة‪ ،‬وال بقانون ازدرا ِء الأديان كو�سيل ٍة لتغطي ِة ِ‬ ‫يتكلم ُ‬ ‫ل�ساعات في موا�ضيع طبية مث ًال‬ ‫بع�ض رجال الدين‬ ‫اخت�صا�صه‬ ‫خارج‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫فعجيب �أن َ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫يتكلم َ‬ ‫معتمدين على خرافات القرون ال�سابقة حيث يل�صقونها بالدين ُزو ًرا وبهتا ًنافي حين المفرو�ض‬ ‫وبحكم درا�ستهم �أن يكونوا �آخر من يتكلم في هذه الأمور �أو يتكلمون في َ‬ ‫مر الكون‬ ‫الخ ِلق ُ‬ ‫وع ِ‬ ‫والنظر‬ ‫أر�ض‬ ‫نق ًالعن ُكت ُِب التراث بال تف ُّك ٍر وال تحقيق وال تدقيق وك�أنَّ �أَ ْم َر ا ِ‬ ‫هلل بال�سير في ال ِ‬ ‫ِ‬ ‫حول كيف بد�أَ الخ ْلقُ ال يعنيهم �أو ن�سخ بروايات من القرون ال�سابقة!‬ ‫لقد َ‬ ‫لمنهج‬ ‫حاول هذا‬ ‫ُ‬ ‫الكتاب �أن ُيب ِّين عالقة الإلحاد بالمنهج العلمي و�أن الإلحاد ما هو �إال نتيجة ٍ‬ ‫‪199‬‬


‫فل�سفي قديم يعتمد على البرهان العقلي في �إثبات وجو ِده‪ ،‬فال عالقة له بالعلم وال بالمنهج‬ ‫العلمي و�إنْ َ‬ ‫نظرهم الإلحادية‪ ،‬هناك‬ ‫يتم�سحوا بالعلم ل ِ‬ ‫إثبات وجه ِة ِ‬ ‫حاول العلما ُء الملحدون �أن َّ‬ ‫الكثي ُر من الكالم الذي ِمن الممكن �أن َ‬ ‫قد َر‬ ‫يقال في هذا المجال‪ ،‬ولكني حاولت االخت�صار ْ‬ ‫الباحث المهتَم للإبحار في رحل ِة البحث‬ ‫مفتوحا على م�صراعيه �أمام‬ ‫الباب‬ ‫ِ‬ ‫الإمكان‪ ،‬تا ِر ًكا َ‬ ‫ً‬ ‫أجمل الأبعاد‪ ،‬ومهما‬ ‫عن الجواب‪ ،‬وهي رحل ٌة ِمن �أجمل الرحالت التي تعطي للحياة ُبعدً ا من � ِ‬ ‫كانت النتيجة فمادمنا ُمخ ِل�صينَ فنحن على خير ‪...‬‬

‫تم بحمد اهلل‬

‫‪200‬‬


‫قائمة األربعمائة عالم الذي يشككون في إمكانية االنتقاء الطبيعي‬ ‫والطفرات العشوائية على إنتاج تعقيد الحياة‪.‬‬

‫ال�صفحة �أدناه هي ال�صفحة الأولى من �أ�صل ع�شرين �صفحة يمكن للمهتم زيارة الموقع الإلكتروني‬ ‫لالطالع على �أ�سماء العلماء واخت�صا�صاتهم ‪www.dissentfromdarwin.org‬‬

‫‪201‬‬


‫فهرس الموضوعات‬ ‫المقدمة ‪9..........................................................................‬‬ ‫الفصل األول – م�صطلحات ومغالطات ‪13.........................................‬‬ ‫الفصل الثاني – نظريات ‪33......................................................‬‬ ‫نظرية التطور ‪33....................................................................‬‬ ‫االنفجار الكبير ‪40.................................................................‬‬ ‫الت�صميم الذكي �أم الت�صميم الفعال ‪46............................................‬‬ ‫الفصل الثالت –موجة الإلحاد الجديد‪55...........................................‬‬ ‫َو ْهم الإله ‪58........................................................................‬‬ ‫الإله الفر�ضية الفا�شلة ‪105.........................................................‬‬ ‫هناك �إله ‪144......................................................................‬‬ ‫الفصلالرابع–الم�ساجالت (نقا�شات فيالعلموالدين)‪149........................‬‬ ‫الخاتمة ‪196........................................................................‬‬ ‫ملحق بقائمة الأربعمائة عالم ‪199..................................................‬‬

‫‪202‬‬


‫المؤلف في سطور‬ ‫اال�سم‪� :‬أحمد البياتي‬ ‫م�ؤلف كتاب‪ :‬نبتة �إبلي�س‬ ‫للتواصل مع الكاتب‬ ‫البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫‪thinkerahmed3@gmail.com‬‬ ‫الصفحة الرسمية للكاتب على الفيسبوك ‪:‬‬ ‫‪https://www.facebook.com/aalbayati1‬‬

‫‪203‬‬


‫لالطالع على أحدث إصدارات مؤسسة إبداع‬ ‫يرجى زيارة الموقع اإللكتروني‬ ‫‪www.prints.ibda3-tp.com‬‬

‫‪204‬‬

محاكمة الالحاد في ضوء المنهج العلمي  

"أنا أؤمن بالعلم" أحد شعارات الإلحاد الجديد، ما علاقة العلم بالإلحاد؟ وهل سنرى تدريس الإلحاد في المدارس قريبًا باعتباره نتيجةً طبيعةً لما تو...

محاكمة الالحاد في ضوء المنهج العلمي  

"أنا أؤمن بالعلم" أحد شعارات الإلحاد الجديد، ما علاقة العلم بالإلحاد؟ وهل سنرى تدريس الإلحاد في المدارس قريبًا باعتباره نتيجةً طبيعةً لما تو...

Advertisement