Page 1

‫مفتتح العدد‬

‫هذه النظرة ‪ ...‬تلك الرعدة!‬

‫وسيم الكردي‬

‫سأبدأ من هنا‪ ،‬من هذه الصورة‪ ،‬بل من هذه النظرة التي حتدج‬ ‫فيها طفلة في صف مدرسي الناظر إلى الصورة‪ ،‬وكانت في حلظة‬ ‫املصور يتوارى و َن ُح ُّل نحن‬ ‫املصور‪ ،‬واآلن‪ ،‬فإن‬ ‫حتدج‬ ‫التقاطها‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫محلَّه‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العددان الثامن والثالثون و التاسع والثالثون‬


‫َت ِر ُد هذه الصورة في كتاب مدرسي بعنوان «عالم من التغيرات» موجه‬ ‫لتالميذ املدارس في إسرائيل‪ ،‬وما لبث أن منعته وزارة التربية والتعليم‬ ‫ِ‬ ‫احملاضرة اإلسرائيلية نوريت بيلد‬ ‫اإلسرائيلية‪ .‬املهم في األمر هنا أن‬ ‫– إحلنان أوردت هذه الصورة في كتاب حديث لها بعنوان «فلسطني‬ ‫في الكتب املدرسية في إسرائيل وكتبت عنها ما نصه‪ ...« :‬فتاة تنظر‬ ‫في الكاميرا‪ ،‬وبالتالي في عيوننا‪ .‬وكوني إسرائيلية أعرف السياق‬ ‫الذي التقطت فيه هذه الصورة والظروف احمليطة بتلك الفتاة‪ ،‬فإن‬ ‫نظرتها جتعلني أرتعد وتتركني بال راحة‪ ،‬ولكني ال أستطيع الهروب‬ ‫بعيد ًا عنها»‪ .‬إن هذه الصورة لصف من التالميذ الفلسطينيني الالجئني‬ ‫في األردن في العام ‪.1949‬‬ ‫قد يقارب عمر هذه الطفلة اآلن ‪ 69‬عاماً‪ ،‬ال ندري ما الذي فعله‬ ‫الدهر بهذه الطفلة‪/‬الفتاة‪/‬املرأة؟! رمبا ما زالت تنبض باحلياة‪ ،‬وما‬ ‫زالت تروي قصتها ألحفادها‪ ،‬ورمبا ‪ ...‬ورمبا ‪ ...‬ورمبا‪. ...‬‬ ‫ثبتت لنا صورتها‪،‬‬ ‫ولكن‪ ،‬وفي كل األحوال والظروف‪ ،‬فإن الصورة ْ‬ ‫وأثبتت لنا حضور نظرتها‪ ،‬النظرة املليئة بالتساؤل والبراءة والتعلق مبا‬ ‫ملي فيما هو أمامها وفيما يتجاوزه أيض ًا‬ ‫ميكن أن يكون‪ .‬إنه حتديق ٌّ‬ ‫تدرس هنا في احلجرة أمام السبورة‪ ،‬والطفلة تدرس‬ ‫‪ . ...‬املعلمة ّ‬ ‫هناك فيما هو أبعد من هذه احلجرة بكثير‪ ،‬رمبا تذهب من خالل‬ ‫حتديقها مبن أمامها إلى أفقها‪.‬‬ ‫أما الكاتبة‪ ،‬فإنها «ترتعد وال ترتاح»‪ ،‬على الرغم من أنها تكتب‬ ‫كتاب ًا ُتظ ِهر فيه كيف تشتغل الكتب املدرسية اإلسرائيلية على بث روح‬ ‫همها في كتابها لإلجابة‬ ‫الكراهية والعداء للفلسطينيني‪ .‬ويقوم كل ّ‬ ‫عن سؤال واحد فقط‪« :‬كيف يجري تصوير فلسطني والفلسطينيني‪،‬‬ ‫الذين قد يطلب إلى هؤالء الشباب اإلسرائيليني استخدام القوة‬ ‫ضدهم‪ ،‬في الكتب املدرسية؟»‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإنها ترتعد وال ترتاح‪،‬‬ ‫فما الذي يفعله أولئك الذين ال يرتعدون ويرتاحون وأيديهم غارقة‬ ‫في دماء الناس؟!‬ ‫يطلب منهم‪ »...‬بل ُ‬ ‫«ط ِل َب منهم ‪»...‬‬ ‫وال يعود األمر إلى «قد‬ ‫ُ‬ ‫بالفعل على مدى سنوات وعقود‪ ،‬وهذا الذي حدث في قطاع غزة‬ ‫في األيام القلية املاضية يؤكد أنهم يفعلون ما ُيطلب منهم‪ .‬ولم يرتعد‬ ‫معظمهم‪ ،‬إن لم يكن جميعهم‪ ،‬ورمبا ارتاح أكثرهم ملء العني‪.‬‬ ‫إن آخر ما ُطلب منهم هو ما فعلوه‪ ،‬ال مسافة فاصلة بني الطالب‬ ‫واملطلوب منه واملطلب‪ .‬فلم يرتعد قائد طائرة (‪ )F16‬لتلك النظرة‬ ‫في تلك الصورة التي لم يرها‪ ،‬والتي مت حجبها عنه حني كان طالب ًا‬ ‫في املدرسة‪ ،‬أو في كل الصور الالحقة املمكنة ‪ ...‬ورمبا لم َير‬ ‫أص ً‬ ‫ال صورة من هذا النوع وال نظرة كتلك‪ ،‬وليس مؤكد ًا أن رؤيته‬ ‫للصورة قد يفضي «إلى ارتعاده وعدم راحته»‪ .‬وأطلق حممه املرة‬ ‫تلو األخرى‪.‬‬ ‫إن نظرة الطفلة ال تتسم باخلوف أو االرتباك‪ ،‬بل بالتساؤل والتفحص‬ ‫واالستكشاف‪ .‬أما السؤال فستلقي مبسوؤليته اجتاه الرائي إذا رأى‪،‬‬ ‫الطيار فإنه لن يرى سوى ما ُرتب له أن يراه‪ ،‬وإذا شاءت‬ ‫وفي حالة ّ‬

‫الصدفة له أن يرى فإنه لن «يرى»‪.‬‬ ‫هذا شطر من املعادلة؛ شطرها الذي يأتينا ممن يتوقون إلى غيابنا‪ ،‬إلى‬ ‫غرقنا في البحر‪ .‬أما شطره الثاني‪ ،‬فهو نحن‪ ،‬وما الذي نفعله؟!‬ ‫إن اليقني الوحيد الذي ينبغي أن نتشبث به هو أننا باقون على هذه‬ ‫األرض‪ ،‬وكل أمر غير ذلك فليكن مرهون ًا بأي شيء سوى «أن‬ ‫نكون»‪ .‬أما «كيف نكون»‪ ،‬فهذا ال ينبغي له أن يكون يقين ًا ليكن‬ ‫شكَّ نا‪ ،‬ولنتصارع عليه وفيه وبه كيفما شئنا‪ ،‬ففي شكنا نضيء‬ ‫اختالفنا‪ ،‬ويغدو اختالفنا جوهر وحدتنا‪ ،‬وهنا ميكننا أن نبدع يومنا‬ ‫مس له‬ ‫وغدنا‪ .‬املهم أن ال منس يقيننا الوحيد ْ‬ ‫وإن بخدش؛ إن أي ٍّ‬ ‫من خارجه لن يقضي عليه أبد ًا مهما تكالب احلديد وأظافره وفكرته‬ ‫عليه‪ ،‬سيصبح هباء فقط حني منسه من داخله ‪ ...‬حني نقصي‪،‬‬ ‫حني نلغي‪ ،‬وعليه فإن حديث «االنتصارات» أو «االنكسارات» لن‬ ‫يجدي نفع ًا إذا كان يشتغل على وقود الشطب واإللغاء والتهميش‬ ‫واالستعراض واالستعالء واالدعاء ‪ ....‬سيغدو متزيق ًا إضافي ًا‬ ‫للتمزيق الذي يراد لنا‪ ،‬التمزيق الذي حدث لنا منهم والتمزيق‬ ‫الذي حدث لنا منا‪ .‬على أطفالنا أن يعرفوا أن هذا التمزيق املتواصل‬ ‫الذي حل بنا وال يزال يحل على مستويي التاريخ واجلغرافيا‪ ،‬هو في‬ ‫مكان من فعلهم‪ ،‬وفي مكان من فعلنا‪ .‬ودون أن يعرفوا ذلك‪ ،‬لن‬ ‫نكون في موقع من يكون في موقع املبادرة‪ ،‬بل في موقع التلقي‪.‬‬ ‫خفت‪ ،‬إلى حني‪ ،‬صوت الطائرات‬ ‫أكتب هذه االفتتاحية اآلن وقد‬ ‫َ‬ ‫اجلهنمية ‪ . ...‬هذا الكيان احلديدي البارد الذي يشظّ ي أجسادنا‬ ‫لن يتمكن من تشظية نظراتنا ونظرات أطفالنا‪ ،‬إال إذا سمحنا له‬ ‫بذلك؛ إننا سنسمح حني ال تغدو فلسطني هي القصة‪ ،‬بل تصبح‬ ‫األيديولوجيا الضيقة هي الرواية؛ ستكون رواية مختزلة‪ ،‬رواية‬ ‫مدعاة‪ ،‬ليست رواية الروايات معاً‪ ،‬بل رواية لها مرجعيات باترة‪،‬‬ ‫ولها مستقبليات فارقة‪.‬‬ ‫ومن كل هذا اخلراب «نربي اآلمل»‪ ،‬ونشحن طاقاتنا ليومنا ولغدنا‪،‬‬ ‫سنكون في كل حلظة في مواجهة مع أطفالنا‪ ،‬ينبغي أن نضيء‬ ‫مسارات الغد ال أن نطفئها‪ ،‬أن نحرر أفق احلرية ال أن نكبله‪ ،‬أن تأخذ‬ ‫نظرة الطفلة هذه مداها‪ ،‬حني ميكن لنا أن نحيل اخلراب إلى بناء‪ ،‬وإال‬ ‫فإن هذه النظرة التي تواجهنا بالسؤال واألمل‪ ،‬ستعدو نظرة ترشقنا‬ ‫بسهام خيبتها منا‪ ،‬ومما ظنت بأننا قادرون عليه‪.‬‬ ‫وليس وهم ًا أن نكون كما طائر الفينيق؛ طائر هذه األرض مذ كانت‬ ‫هناك حياة على هذه األرض؛ ليس أسطور ًة أن طائر الفينيق ينهض‬ ‫من رماده‪ ،‬هو نحن ونحن هو‪ ،‬نحن صورته وهو صورتنا‪ ،‬وهنا‬ ‫ميكن إلرادة احلياة التي ميثلها طائر األسطورة أن تواجه هذا الطائر‬ ‫احلديدي الذي ينفث حممه‪ ،‬وال انبعاث له دونها‪ ،‬إن في نظرة‬ ‫الطفلة نظر َة طائر الفينيق املنبعث من رماده‪ ،‬فهل ميكن اليوم لهذا‬ ‫الطيار ومن أرسله أن يرتعدا أمام هذه النظرة في الصورة؟! رمبا‪،‬‬ ‫ولكنني أشك في ذلك‪ .‬إذن‪ ،‬ال ميكن لنا أن ننتظر ارتعاده‪ ،‬بل ميكن‬ ‫لنا أن جنعل من هذه النظرة نبراسنا كي تكون كابوس اآللة احلديدية‬ ‫ومن يديرها‪.‬‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العددان الثامن والثالثون و التاسع والثالثون‬

‫‪3‬‬


هذه النظرة .. تلك الرعدة!  

رؤى تربوية العددان الثامن والثلاثون والتاسع والثلاثون

Advertisement
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you