Page 1

‫طائر الفينيق‬


‫و يا ت‬

‫األَ َّيام‬ ‫س ‪ :‬إكرام الجنايب‬

‫م‬ ‫الدين الهزيم‬

‫ل حضارة اليوم؟‬ ‫ف‬

‫دى « انكيدو «‬

‫يس‬ ‫د بن طاهر‬

‫ا‬ ‫عبدالله بانه يى‬ ‫خدر‬

‫الجزء الثاين من مقالة املحامية برشى الخليل بعنوان‪:‬‬ ‫الظاهر بيربس‬

‫عاتب‬ ‫شايل ُي ُ‬ ‫ميساء زيدان‬ ‫رثا ُء النفس‪//‬‬ ‫بسم الله الرحمن الرحيم‬ ‫إنّا لله وإنِّا اليه راجعون‬ ‫رئيس التحرير د‪ .‬حسن فرحات‬


‫طائر الفينيق‬ ‫رئيس التحرير‪:‬الدكتور حسن فرحات‬

‫ا ملحتو‬

‫ديوان غُـربتان للشاعرة خلود منذر‬ ‫تقديم الكاتب الناقد أحمد عيل هالل‬ ‫حوار مع الشاعر واملرتجم حامد خضري الشمري‬ ‫أجراه د‪.‬سعد الحداد‬

‫يا واثِ َقاً ب َعدا َل ِة‬ ‫الشاعرة بلقيس‬

‫العروبة واإلسالم‬ ‫بقلم‪ :‬عالء بدر‬

‫أين نحن يف ظل‬ ‫د‪ .‬هويدا رشيف‬

‫الشاعر القروي‬ ‫ضمري أمته ورجل التسامح‬ ‫دكتور محمود خليل‬

‫البحث عن صد‬ ‫عمر شبيل‬

‫هل من املمكن عرصنة الدين ؟‬ ‫د‪ .‬نضال الصالح‬

‫خارج املكان‬ ‫وإشكالية التجني‬ ‫د‪ .‬محمد امحمد‬

‫بيت الحكمة جامعة عاملية‬ ‫بقلم الدكتورة ‪ :‬ندى الرمح‬ ‫فلسفة الرصف العريب ‪ :‬محنة اللغة ورضورة التحديث ‪.‬‬ ‫د‪ .‬عبده شحيتيل‬

‫حوار قليل بيننا‬ ‫ترجمة ‪:‬حميد ع‬ ‫شعر‬ ‫كه زال ابراهيم‬

‫املفهوم اإلسالمي مللكية األرض‬ ‫دكتور نرص قرحاين‬

‫بابل‬ ‫رياض الدليمي‬


‫طائر الفينيق‬ ‫البــد مــن انتصــار الحيــاة علــى المــوت‪ ،‬وحيــن نســج اإلنســان أســاطيره كان يرمــز بهــا لتوقــه‬ ‫للخــاص مــن موتــه‪ .‬والعنقــاء حيــن نفضــت جناحيهــا محلقــة فــي الفضــاء األرحب كانــت تمطر‬ ‫الحيــاة علــى األرض المــوات‪ ،‬وتنجــب الخصــب إلعمــار هــذا الكوكــب الــذي أراده هللا مهبطـا ً‬ ‫إلرادتــه وأمــره بإعمــار الكــون‪ .‬فكانــت الحيــاة والمــوت‪ ،‬وكان ال بــد مــن صــراع األضــداد‪.‬‬ ‫وليــس الخلــود األبــدي وعــودة الحيــاة بعــد المــوت إال تأكيــد علــى انتصــار الحيــاة علــى المــوت‪.‬‬ ‫العنقــاء قامــت مــن رمادهــا‪ ،‬وجلجامــش ذهــب إلــى جــده «أتونباشــتم» المتحــدر مــن ســالة‬ ‫اآللهــة ليحصــل علــى عشــبة الحيــاة التــي تلغــي المــوت‪ .‬كانــت اآللهــة فــي األســاطير القديمــة‬ ‫قــد جعلــت الخلــود لهــا والمــوت لبنــي البشــر‪ .‬وســعى ابــن الطيــن لينتمــي لمحفــل اآللهــة ليهــزم‬ ‫المــوت‪ .‬وهــذا مــا أنجــزه طائــر الفينيــق فــي روح أســطورته ذات الــدالالت العميقــة‪ ،‬ومــات‬ ‫جلجامــش وهــو يبنــي أســوار «أوروك» العظيمــة تخليــدا ً لروحــه المتمــردة علــى الطيــن‪ .‬لقــد‬ ‫ســأله اإللــه «شــاماش»‪ :‬لمــاذا تحــاول المســتحيل يــا جلجامــش‪ ،‬فقــال جلجامــش‪ :‬إذا كان يجــب‬ ‫ي هــذه الرغبــة القلقــة؟!!‪.‬‬ ‫أالّ أحــاول فلمــاذا خلقـ َ‬ ‫ـت فـ َّ‬ ‫أراد هللا إعمــار هــذا الكوكــب الترابــي‪ ،‬وبيــن لنــا أننــا ال نســتطيع إعمــار الكــون إال بالعمــل‬ ‫الصالــح وبالحــب‪ ،‬وقبــول اإلنســان أخــاه اإلنســان بمنــأى عــن الديــن واللــون والعــرق‪ ،‬فقــال‬ ‫لنــا رســول اإلنســانية محمــد بــن عبــد هللا‪« :‬الخلــق كلهــم عيــال هللا‪ ،‬وأحبُّهــم إلــى هللا أنفعهــم‬ ‫لعيالــه»‪ ،‬وبهــذا المفهــوم العظيــم قــذف هللا فــي صــدري نــور المعرفــة ألســاعد أصحــاب الفكــر‬ ‫والمبــادئ علــى الخــروج مــن الظلمــات إلــى النــور‪ ،‬لنعمــر هــذه األرض معــاً‪ ،‬ال لنفســدها‬ ‫بالتناحــر والقتــل والدمــار‪ .‬لقــد درســت الطــب فــي األندلــس‪ ،‬وأدركــت أن جســد اإلنســان هــو‬ ‫بيــت هللا حيــن يكــون هــذا الجســد طاهــراً‪ .‬لقــد « أدبنــي ربــي فأحســن تأديبــي»‪ .‬وأتيــت مــن‬ ‫بــاد الشــرق الســنية إلــى الغــرب موئــل الفكــر والتقــدم‪ .‬فأدركــت أن رســالتي فــي هــذه الحيــاة‬ ‫أن أقيــم صلحـا ً بيــن الــروح والعقــل‪ ،‬وبيــن العلــم واإليمــان‪ ،‬ومــن هنــا تولــدت فــي ذهنــي فكــرة‬ ‫طائــر الفينيــق لنكمــل مــا بــدأه أصحــاب الرســاالت الكبــرى التــي تؤمــن بإنســانية اإلنســان‬ ‫وســلطته علــى األرض بــروح اإليمــان وحضــور العقــل‪.‬‬


‫أنــا إنســان شــرقي‪ ،‬ولكننــي أنتمــي إلــى شــجرة دريّــة ال شــرقية وال غربيــة‪ .‬أنــا مــن بلــد علّــم‬ ‫النــاس رســم الحــروف فبــدأت الحضــارة‪ ،‬وآمنــت بمحمــد وعيســى وموســى وكل األنبيــاء‬ ‫والصالحيــن‪ .‬وأدركــت إن إعمــار األرض ال يكــون إلــى بإنجــاز الوعــي المؤمــن‪ .‬إنــي نــذرت‬ ‫نفســي إلكمــال رســالتي الداعيــة إلــى الحــب والســام‪ .‬وقــد فتــح هللا ذهنــي علــى الوعــي المؤمــن‬ ‫فــي مرحلــة متقدمــة‪ .‬وهــذا يعنــي أن هللا أمرنــي بــأن أســعى النتصــار الحيــاة علــى الفنــاء‪ ،‬وكان‬ ‫طائــر الفينيــق أمــام روحــي ينفــض جناحيــه‪ ،‬ويوقــظ فــي أعماقــي رســالة إنســانية المنطلــق‬ ‫والغايــة‪.‬‬ ‫رئيس التحرير‪:‬الدكتور حسن فرحات‬


‫أسرة مجلة طائر الفينيق تبارك للشاعرة السورية في المهجر خلود حسن منذر صدور ديوانها األول بعنوان ‪ « :‬غربتان‬ ‫«‬ ‫الذي صدر عن مؤسسة سوريانا للطباعة واإلعالم في تاريخ ‪٢٠١٨/١٧/٢‬‬ ‫ّ‬ ‫إن ك َّل عم ٍل ال ينفصل عن وجدانيات المرء وعن واقع الوطن األم في رفاهيته ومحنته يستحق منَّا كل ّ االحترام و‬ ‫ً‬ ‫حق أحيتها‪..‬‬ ‫قلم ضا ٍل ّ‬ ‫التقدير ‪ ،‬فكم من ٍ‬ ‫دمر أمة ‪ ،‬وكم من كلمة ّ ِ‬ ‫تبقى الكلمة هي وسيلة المخلصين واألوفياء إلى ضمائرهم ‪ ،‬وأوطانهم ‪ ،‬واإلنسانية‪ ،‬بالكلمة ينتصر المرء ‪ ،‬كما قال‬ ‫السيد المسيح (ع)‪« :‬في البدء كانت الكلمة»‬ ‫ألف مبروك لك أيتها الشاعرة التي سكن الوطن فيها وجدانا ً وخلودا ً وسكنت هي الوطن عند بع ٍد ليس ببعيد‪ ..‬فرائحة‬ ‫عبق الياسمين ترافق األوفياء دوما ً حتى ولو سكنوا المهجر وأصبحوا تحت التراب ‪.‬‬ ‫لن تموت أمة أرتوى ترابها بدماء شهدائها األبرار وبأقالم شعرائها وكتّابها األحرار المخلصين لها‪.‬‬ ‫د‪.‬حسن فرحات‬ ‫كلمة إهداء للشاعرة خلود حسن منذر بمناسبة إصدار ديوانها ‪ُ :‬‬ ‫غربتان‬ ‫وحده اإلنسان يدهشني يومياً!!!‬ ‫وحده يقودني الى إنسانيتي كلما فاض منه الإلنسانية ومع تماديه باتجاه الحقد و الكراهية يزيد جذور وصالي باإللهية‪،‬‬ ‫وحده عندما يغضب جهارا اصمت أدبا و عندما يظرب سهامه حقدا يفوح عطري بلسم‬ ‫وحده االنسان من يُلبسني رداء الفضيلة في زمن قلت فيه الفضائل‬ ‫وحده االنسان ألبسني ثوب الشتاء فأزهرت أوراقي على شجرة الحياة‬ ‫أهدي ديوان ُ‬ ‫غربتـان الذي رأى النور بعد مسيرة طويلة تجاوزت الخمسة سنوات‪ ...‬إلى كل من المست أنامله أوراقي و‬ ‫لمحت عيونه حروفي مع تحياتي‬


‫ديوان ُ‬ ‫غـربتان للشاعرة خلود منذر‬ ‫تقديم الكاتب الناقد أحمد علي هالل‬ ‫غربتان ‪ :‬صهيل على شرفات الشعر ‪....‬‬ ‫وأجمل الشعر ما يبوح بصمته ‪ ،‬ما بشيء يقلقه النبيل ‪ ،‬وأكثر من ذلك يحمل قارئه على‬ ‫كتابة شف ال ينتهي وفي المدى المجدى لغربتان ‪ ،‬تصبح الكتابة ترجيع للبعيد ‪ /‬القريب ‪،‬‬ ‫ولتواتر رؤى ‪ ،‬ال تحفل بالمكان فحسب ‪ ،‬بل تتطير منه لشعرية االلهام ‪ ،‬تقول الشاعرة‬ ‫نقش من نسغ آالمي ‪ ،‬هكذا تقدمها القصيدة ‪،‬‬ ‫خلود منذر في ديوانها غربتان ‪ :‬قصدتي ٌ‬ ‫لتحتفي بالحضور االخر رغم الغياب بل ‪ ،‬رغم ثيمات سوف تتبدى للقارىء في تواتر‬ ‫االغتراب الذي يدفع صوت الظل العالي الكالم ‪،‬وتقول أيضا ‪ :‬أنا وصوتي أشجار ‪...‬‬ ‫ليتم الشعر صيرورته في مقاربة الغياب ‪ /‬الحضور ‪ ،‬وانزياحات األنا الشاعرة الى الممكن‬ ‫من الرؤيا ‪ ،‬ومن التقاط جمر الحكاية ‪ /‬الحكاية المؤسسة على المحلوم به ‪ ،‬والمفارق ‪ ،‬أو‬ ‫الجميل المختلف ‪ ،‬ليست محض < عزلتان > سوف تاخذنا الى نسيج لغة تمور في ضمير‬ ‫الكتابة ‪ /‬ضمير الشعر ‪ ،‬بقدر مأتي محمولة على التمرد واالنتباه ‪،‬وانكسار دفء األحالم‬ ‫‪ ،‬ومايواسي ذلك القلق النبيل ‪ ،‬هو تاثيث اللغة بما وسعها من متخيل ‪،‬يجعل من > الحلم‬ ‫بقصيدة معلقة > مشروع رؤيا تذهب اليه الشاعرة في وضوح قولها الشعري ‪ ،‬وفي الرهان‬ ‫على تفجر لغة صافية ‪،‬نشهد فيها تطواف روح جميلة ‪ ،،‬تحمل على تأويل ذلك القلق الفاعل‬ ‫‪،‬واألنفتاح على حموالته الداللية ‪ ،‬فيماتشي به قصائد مثقفة ‪ ،‬ايلة للذاكرة‬ ‫غربتان في المعنى والسياق وداللة االفعال المضارعة ‪ ،‬نشيد كثيف المعنى ‪ ،‬لسنابل بوح‬ ‫‪ ،‬تتخفف من < وقتها الضرير > لتنجو بالجمال ‪ ،‬الممكن ‪ ،‬وفي ذلك سر ماهية الشعر‬ ‫ومحكياته في األزمنة المختلفة ‪،‬ولعل في المختلف األثير ‪ ،‬بحث عن جدوى الشعر في تعليل‬ ‫االغتراب سيكولوجيا وانطولوجيا ومنه ندلف الى حقيقته الشعرية المتجددة ‪،‬أي في ثيمة‬ ‫التمرد أكثر من محض غرض شعري بعينه ‪ ،‬الى مايحملنا اليه تدوين المخيلة ‪ ،‬ولحظات‬ ‫استبصارها ‪ ،‬اذ الشعر هنا في التقاط ماهو جوهري ‪ ،‬وما يجعل منه مرايا صافية لصحو‬ ‫الكالم ن وتعليل < االغتراب > بحاسة الشعر‪.‬‬


‫غربتان اذن ‪ ،‬تعبير صور مفكرة تحيل للتثاقف مع المكان ومع اللغة ‪ ،‬اذ اللغة ‪ ،‬حاضرة‬ ‫في فعاليات أدائها وتخييلها الضروري ‪ ،‬وضبط نسبتها مع الواقع ‪ ،‬أي هو وقوف عند‬ ‫مجاز الحكاية التي يؤسسها ‪ ،‬بأدواته الراقية وبرؤيته ‪ ،‬النافذة لجوهر االشياء ‪ ،‬األشد‬ ‫تطلبا لتجلياتها في الروح الشعري ‪،‬نحن اذن ومرة أخرى ‪ ،‬مع تجليات روح سامية ‪ ،‬بها‬ ‫نقاء الصوت الشعري ‪،‬الذي يكابد الغربة والفقد ويكابد كل النقائض ‪ ،‬ليحتفي بثقافة الحياة‬ ‫‪،‬وبضرورة الشعر في لحظة مختلفة وهي لحظة الشعر المتجددة في نهر اللغة الخالد‪.‬‬ ‫قصائد تاخذنا للتامل الطليق ‪،‬والنكشاف المرئيات ‪ ،‬امام عدسة ‪ ،‬اللغة ‪ ،‬المشبعة بالحنين‬ ‫الصافي ‪،‬واستنطاق دوال المعاني بحساسية الجمال والخيال المؤتلفان والمتشاكالن حينا‬ ‫‪ ،‬ولهذا الصوت حينما يتصادى في فضاءات ‪،‬الراهن والمستقبلي ‪،‬أكثر من ذروة جمالية‬ ‫سيقرع النقد اجراسها ‪ ،‬في تاليفه للحظات الشعر‪.‬‬ ‫وكيف يدونها حدس قادر وبكفاءة وعي شعري ينجز عالماته ‪ ،‬بصبر واحتمال وبمقدرة‬ ‫على أنسنة االغتراب ليصبح سفرا مفتوحا على ماتجترحه الشاعرة ‪ ،‬وما يصطفيه وجدها‬


‫حوار مع الشاعر واملرتجم حامد خضري‬ ‫الشمري‬ ‫د‪.‬سعد الحداد‪ ‬أجراه‬

‫ِ‬ ‫يكتف‬ ‫رضت الكلمة بني شفتيه ‪ ،‬وراح مداده يد ّون همسات العشق أغنيات ساحرة ‪ ،‬مل‬ ‫عشق الحرف فاخ ّ‬ ‫استقل عربة الحروف ليحط رحاله يف أبجدية ثانية ‪ ...‬وبني كلامت يصوغها عشقا وأ َخر‬ ‫ّ‬ ‫بعتبة الضاد حتى‬ ‫يصوغها انبهارا ً يرتجل الشمري عن صهوة الشعر ليمتطي صهوة الرتجمة تارة أخرى ‪ ،‬وهو يف كليهام فارس‬ ‫ولي‬ ‫رصح النقاد بإبداعه ‪ ،‬ونطق املرتجمون بأمانته وجامل أسلوبه‪ .‬حاد يف طبعه إال أمام الحق ّ‬ ‫كام ّ‬ ‫الجانب والعريكة ‪ ،‬طيب القلب‪ ،‬لذلك يطلق عليه ( شيخ البادية ) ‪ .‬وهذا الوصف أو اللقب بات مالصقا‬ ‫له من خالل زاوية أسبوعية يحررها بأسلوبه الساخر بعنوان (مرويات شيخ البادية ) اشتبك فيها وبها مع‬ ‫الطارئني وامللوثني والخونة كلهم ‪ ،‬ومل يست ِنث أحدا من أية جهة كان ‪.‬وقد سببت له مشاكل جمة مع بعض‬ ‫االنتهازيني وتعرض ملضايقات بعض النكرات من أشباه األميني الذين تسنموا مواقع ال تليق بهم وال يصلح‬ ‫بعضهم أن يكون بوابا يف الدائرة التي صار دكتاتورها العام ‪.‬‬ ‫نلتقي الشاعر واملرتجم املبدع حامد خضري الشمري يف حوار عن الرتجمة واملرتجمني‪:‬‬ ‫* هل الرتجمة إبداع ؟‬ ‫ـ الرتجمة إعادة خلق وإبداع ‪ ،‬وهي علم وفن ‪.‬فالنص مومياء يف نظر القارئ الذي ال يتقن لغة ذلك‬ ‫النص ‪ .‬وعندما يأيت مرتجم ما ويقدمه إليه بلغته األم فال بد أن ينبهر ألن يدا ً بارعة بعثت الحياة يف تلك‬ ‫الجثة الهامدة ‪ .‬ويتجىل اإلبداع يف عملية نقل هذه الغرسة الجميلة من منابتها األصلية مع الحفاظ عىل‬ ‫نضارتها وإضفاء مسحة جاملية عليها ‪ .‬أ ّما كون الرتجمة فنا فهذا يتأىت من كونها عملية تراكمية ال تلغي‬ ‫الحقتها سابقتها ‪ .‬وبوسع كل مرتجم أن‬


‫تخلع جسدك وتحلق يف ساموات الزوردية ويدخلك اىل فراديس الحكمة ‪ .‬لكنني مل أصب بالوهن أو‬ ‫يل‬ ‫الرتدد او العجز التام عن ترجمة أي نص شعري اعرتضني ‪ .‬قد تكون هناك نصوص ثقيلة او عصية ع ّ‬ ‫مل أصطدم بها حتى اآلن ‪ .‬وليس عيبا أن أتراجع أمام عقبة كهذه إال أنني واثق من أو عىل غريي لكنني‬ ‫قدريت عىل ترجمة أي نص مهام كانت لغته صعبة أو كان مشفرا أو ملغـّزا ح ّد التعمية ‪.‬‬ ‫* من أين يستمد الشمري مصادره ‪ ،‬وما هي تلك املصادر ؟‬ ‫لدي ك ّم هائل من املجالت األدبية والدواوين باللغة اإلنكليزية اقتطعت أمثانها من غذايئ و كسايئ أيام ‪-‬‬ ‫كنت طالبا يف كلية اآلداب بجامعة بغداد وبعد تخرجي فيها ‪ .‬كل مطبوع أمامي يذكرين اليوم بوجبة‬ ‫طعام أسقطتها من حسايب أو رداء أ ّجلت رشاءه اىل موعد حني أزف أرجأته ألن مصدرا يف هذه املكتبة أو‬ ‫تلك كان أكرث إغراء يل منه ‪.‬‬ ‫* ملاذا ترجمت الشعر‪ ,‬هل ألنك شاعر؟‬ ‫ـ ترجمة الشعر هي األصعب ‪ .‬إنها املحك الذي تقيم كفاءة املرتجم عىل أساسه ‪ .‬ومرتجم الشعر ال‬ ‫يصعب عليه أي نص يف حقول املعرفة األخرى ‪ .‬والشعر بالنسبة يل أسمى فن ‪.‬وكام أوحى الله إىل النحل‬ ‫وأخرج من بطونها عسال ألهم بعض خلقه موهبة الشعر ‪ .‬ويف هذا بعض من النبوءة وبضعة من النبوة ‪.‬‬ ‫وقد تعلقت بالشعر يف عمر مبكر ‪ .‬وكنت أرى الشاعر مخلوقا أثرييا أو مرحلة وسطى بني البرش واآللهة‬ ‫‪ .‬وكنت أمتنى أن التهم شعر العامل كله وهذا ما دفعني إىل دراسة اللغة اإلنكليزية التي نفذت منها اىل‬ ‫مروج الشعر العاملي قراءة وترجمة ‪ .‬وعندما تشدين قصيدة رائعة أرى من اإلجحاف أن أكتفي بقراءتها‬ ‫فأسعى جاهدا إلطالع غريي عليها ‪ .‬وتشكل ترجمة الشعر الجزء األعظم مام ترجمت حتى إنني مل أترجم‬ ‫إال عددا محدودا من القصص التي وجدتها تعبق برائحة الشعر ‪ .‬ولو مل أكن شاعرا ( كام يقولون ) ملا‬ ‫جازفت يف ترجمة الشعر ‪ ،‬أما أنا فلم أقل وال أقول ولن أقول بأنني شاعر أو مرتجم وأترك هذا األمر‬ ‫لغريي ‪ .‬وقد عنفني بعض أصدقايئ وأحبتي عىل بخيس حقي وغبني نفيس بنفيس!‬ ‫* متى تذهب اىل القاموس؟‬ ‫ـ القاموس صديق كل مرتجم بارع وأستاذه الدائم ‪ .‬وعندما أغص بكلمة أغرتف من نهره املتدفق ما يطفئ‬ ‫ظأمي وينظم تردد أنفايس ‪ .‬وغالبا ما ألجأ إليه حتى يف الكلامت التي أعرفها جيدا ليطمنئ قلبي أكرث وأنام‬ ‫قريرا بعد أن أكمل قطف زهوري وتنسيقها يف أصصها الجميلة ‪.‬‬ ‫* أدب أي شعب أقرب اىل نفسك يف الرتجمة ؟‬ ‫ـ لو ذهبت اىل البحر ورأيت املاء يستحم بأجساد الصبايا الفاتنات فأي يشء يبهرك أكرث ‪ :‬الجامل العائم‬ ‫أمام عينيك أم قوميات تلك الحوريات ؟ يف سؤايل هذا جواب لسؤالك ‪ .‬وليك أفصح أكرث أقول ‪ :‬إن العامل‬ ‫مسقط رأس الشعر ‪ .‬وأحس باإلنشداد واالنحياز اىل أي نص جميل أيا كان انتامؤه ‪ .‬وألن األدب الحقيقي‬


‫يستخدم األدوات والوسائل نفسها وينتج ما مل ينتجه غريه ‪ .‬وتتجسد ِعلْمية الرتجمة يف انتهاجها نظريات‬ ‫تتوسل طرائق البحث والتقيص ضمن سياقات تقتضيها لغة املصدر ولغة الهدف‪.‬‬ ‫* أين تضع املرتجم الحيل ‪ ،‬ومن هم أبرز املرتجمني ؟‬ ‫ـ يتب ّوأ معظم مرتجمي هذه املحافظة العريقة مكان الصدارة والريادة يف حقل الرتجمة املبدعة ‪ .‬وقد‬ ‫حفروا أسامءهم ونقشوا إبداعاتهم دون االتكاء عىل أحد ورغم العراقيل التي غالبا ما توضع أمامهم‬ ‫لكنهم تجاوزوها بإرصارهم وتشبثهم بهذا الفن الخالق الذي لواله ألبرص الناس بعني واحدة ‪ ،‬فالرتجمة‬ ‫نافذة نطل منها عىل العامل ونستنشق هواءه الصايف وال غنى ألي بلد يف العامل عن الرتجمة ‪ .‬أما ابرز‬ ‫املرتجمني الذين قرأت لهم فهم األساتذة ‪ :‬صالح السعيد ونهاد عبد الستار وحسني علوان وعبد الستار‬ ‫شويلية وعيل الشاله وباقر جاسم وسليم محمد عيدان وحسن لطيف وأعتذر ممن مل أطلع عىل نتاجاتهم‬ ‫أو غابت عني أسامؤهم دون قصد ‪ .‬وأنا أسعى جاهدا للوصول اىل مستوياتهم يف الرتجمة واإلبداع ‪ .‬ولكن‬ ‫األمانة تقتيض أن أذكر أن بعضهم ‪ ،‬رغم براعته ‪ ،‬ال يصلح لرتجمة الشعر حرصا ألن الكلامت يف الشعر ال‬ ‫تؤخذ ب َح ْرفيتها وإمنا بانزياحاتها وظاللها اإليحائية واإلميائية ‪.‬‬ ‫* كيف تق ّيم الرتجمة األدبية املنشورة يف بعض الصحف ؟‬ ‫ـ هناك أسامء حني أقرأ لها أطمنئ اىل دقتها وأمانتها وحرصها عىل كل لفظة يف النص ‪ .‬وهذه األسامء‬ ‫يل أن أطّلع عىل النصوص‬ ‫تشكل معظم ما ينرش يف الفضاءات الثقافية ‪ ،‬ولكن ‪ ،‬ليك أكون منصفا ‪ ،‬ع ّ‬ ‫األصلية كلها ألحكم بشكل قاطع وهذا ما ال ميكن ‪ .‬لقد صدمتني بعض النصوص املرتجمة بركتها رغم‬ ‫سهولتها يف لغاتها األصلية ‪ .‬أجل رمبا تكون الرتجمة صحيحة يف بنيتها اللغوية لكنها قد تعاين من فقر الدم‬ ‫اإلبداعي مام يُنفر معظم املتلقني ‪.‬‬ ‫* ما أفضل نص شعري ترجمته ؟‬ ‫يل عبء اإلجابة ‪ ،‬لكن الصعوبة تكمن يف انتقاء األفضل‬ ‫ـ لو سألتني عن أطول أو أقرص نص له ّونت ع ّ‬ ‫أي منها فكل‬ ‫‪ .‬القصائد التي ترجمتها شكلت عندي خميلة جميلة من الورود ال أستطيع أن أنحاز اىل ّ‬ ‫واحدة تتفوق عىل األخرى ِ‬ ‫بسمة معينة ‪ ،‬أو كالعشيقات اللوايت ال تستطيع أن تصارح إحداهن أو تطريها‬ ‫بحضور األخريات ‪ .‬ولو خففت عني وطأة السؤال وطلبت أن أذكر لك بعضا من أفضل النصوص لقلت‬ ‫لك إنني أميل قليال اىل قصيدة (استعارة حمراء ) للشاعر اللتواين ( أدوردس مزاليتس ) وقصيدة ( غرناطة‬ ‫) للرويس ( ميخائيل سفتلوف ) وقصيدة ( قاطع الطريق ) لالنكليزي ( الفريد نويز ) ‪ .‬وال أريد أن‬ ‫أسرتسل أكرث فأذكر لك جميع ما ترجمت ‪ ،‬فكل قصيدة عندي هي األفضل وإال ملا ترجمتها‪.‬‬ ‫* من وقفت أمام نصوصه مذهوال ومل تستطع الرتجمة ؟‬ ‫ـ لقد وقفت مذهوال أمام جميع النصوص التي ترجمتها ‪ .‬فالشعر يبهرك وينقلك اىل عامل سحري ويجعلك‬


‫الورد ‪ .‬وإذا ما ترجمت هذه القصائد اىل اللغة األملانية مثال عن االنكليزية فأنها ستكون أفضل بكثري مام‬ ‫لو ترجمت عن العربية مبارشة‪.‬‬ ‫* من هو الشاعر العاملي الذي نال نصيبا اكرب يف الرتجمة ؟‬ ‫ـ أعتقد أن الشاعر الداغستاين( رسول حمزاتوف ) يأيت يف املرتبة األوىل ‪ .‬لقد ترجمت قصائده اىل لغات‬ ‫العامل كلها ‪ .‬وال يوجد شعب عىل وجه األرض مل يسمع به أو يقرأ له ألن الجميع يحسون كأنه يكتب نيابة‬ ‫عنهم ‪ .‬وتعطي قصائد هذا املبدع أنفسها بسهولة فال غموض فيها وال رموز عمياء ‪ ،‬تستسيغها الذائقة يف‬ ‫كل زمان و مكان وقد كتبت أصال بـ (األفارية ) ‪ ،‬وهي لغة ألقلية تقطن يف مقاطعة منعزلة نسبيا ‪ ،‬ويرتكز‬ ‫معظم الناطقني بها يف قرية صغرية ‪.‬لقد رحل حمزاتوف قبل بضع سنني بعد أن ترك سفريا لقريته يف كل‬ ‫بقعة من بقاع العامل‪.‬‬ ‫* كيف تتعامل اليوم مع الشعر العاملي والحصول عىل نصوص معارصة ؟‬ ‫ـ روح الشعر ال تهرم ‪ .‬وليس هناك شعر قديم أو شعر معارص إطالقا ‪ ،‬بل هناك شعر كتب منذ زمان‬ ‫وشعر كتب ت ّوا ‪ .‬وما يعد اليوم كالسيكيا كان حداثويا يف زمانه ‪ ،‬فاملصوغات الذهبية التي اكتشفت حديثا‬ ‫وقدر عمر بعضها بخمسة آالف سنة قبل امليالد ال يختلف ذهبها عن تلك التي ستصاغ بعد خمسة آالف‬ ‫سنة من اآلن‪ .‬لقد كنت أحصل عىل بغيتي من شارع املتنبي قبل أن يلتهمه املغول ومام يرسل إيل أحيانا‬ ‫من خارج العراق ‪ .‬واليوم أصبحت مائدة االنرتنيت عامرة مبا تشتهي األنفس الظأمى للمعرفة عىل الرغم‬ ‫من اختفاء اإلشارة أحيانا أو انقطاع الكهرباء اآلبقة دوما‪.‬‬ ‫* كيف يتعامل الشمري مع املوسيقى واإليقاع والعروض بشكل عام ؟‬ ‫ـ املرتجم متهم بالخيانة أصال ‪ .‬وإذا ما حاول اإلبقاء عىل هذه الكائنات الجميلة يف الرتجمة فسيحكم‬ ‫عليه بالخيانة العظمى دون تردد أو تأجيل لوجود الشهود وأداة الجرمية ‪ ،‬ولن يغري متييز الدعوى شيئا يف‬ ‫ذلك ‪ .‬أما بالنسبة يل فأنا أسقط هذه املجوهرات الثمينة عند رشوعي يف ترجمة أية قصيدة ألنها ستطبق‬ ‫عىل عنق هذه الفاتنة وتقطع أنفاسها فتسلم روحها بني يدي ‪ .‬لقد نجحت يف ترجمة قصائد عاملية اىل‬ ‫شعر عريب موزون ومقفى لكنني أضفت وحذفت فجاءت النصوص وكأنني شاعرها ال مرتجمها ‪ .‬ويف هذا‬ ‫إجحاف للطرفني‪.‬‬ ‫* ما نصيب الدراسات والبحوث األخرى من الرتجمة لديك ‪ ،‬وملاذا ؟‬ ‫ـ أجد نفيس يف ترجمة الشعر حرصا ‪ ،‬وال أميل اىل ترجمة أي يشء سواه ما مل أجد فيه نبضا شعريا أو‬ ‫شاعريا ‪ .‬للدراسات والبحوث فرسانها ‪ .‬وظبية جميلة متد عنقها وتهمس يف قلبي أفضل عندي من قطيع‬ ‫من الوعول‪.‬‬


‫غري املؤدلج مل يكمل حتى اآلن إصدار هوية أحواله الشخصية فليس بوسعي إال أن أبادله الحب دون أن‬ ‫أدقق بإيالته‬ ‫* هل تتفوق ترجمة نص من لغة معينة إذا ما أنجزها مرتجم من تلك اللغة نفسها ؟‬ ‫ـ دقة الرتجمة منوطة أصال بقدرة املرتجم وامتالكه أدواتها ال بانتامئه القومي ‪ .‬فلو أخذنا قصيدة لشاعر‬ ‫انكليزي مثال‪ ،‬فمن يرتجمها أفضل ‪ :‬أهو مرتجم انكليزي يتقن اللغة العربية أم مرتجم عريب يتقن اللغة‬ ‫االنكليزية ؟ قد تتفوق الرتجمتان أو تتخبط إحداهام ‪ .‬إن إتقان املرتجم للغتني اللتني يتوسط بينهام رصفا‬ ‫ونحوا وبالغة وعروضا أمر البد منه ‪ .‬ومبا أن اللغة الهدف هي املحط األخري فعىل املرتجم أن يربع فيها‬ ‫ويبدع أكرث سواء كانت لغته األم أم اللغة املكتسبة ‪.‬‬ ‫* يفقد النص روحيته عند ترجمته‪ ...‬فامذا تقول ؟‬ ‫ـ ال أتفق معك يف هذا الرأي ‪ ،‬وألتمس لك العذر ألن هناك مرتجمني ال يرتجمون بل يرجمون النصوص ‪.‬‬ ‫أو ألن النصوص بال روح أصال ‪.‬تبقى روح النص طافحة بالحياة حتى لو ترجم اىل مئات اللغات وال يضيع‬ ‫منه إال ما علق به من مواد تجميل فائضة عن الحاجة ‪ .‬وأجزم أن بعض الرتاجمة البارعني يضفون اىل‬ ‫النص حالوة أكرث مبا اكتسبوه من مهارة تسد ثغرات النص يف لغته األم ‪.‬‬ ‫* أين مرشوعك يف ترجمة نصوص من الشعر الحيل ؟‬ ‫ـ عندما طرحت مرشوعي هذا يف اتحاد األدباء قبل عقد من السنني استجاب بعض الشعراء بشكل فوري‬ ‫وأرسلوا إيل نصوصهم فقمت برتجمتها حاال ‪ .‬وهي نصوص يتفوق بعضها عىل كثري من الشعر العاملي‬ ‫‪ .‬وتلكأ اآلخرون وكأنني أستعطي منهم ‪ .‬وقد نرشت بعضا من النصوص الحلية املرتجمة يف مجلة أهلة‬ ‫وجريدة بغداد التي كانت تصدر باللغة االنكليزية ‪ .‬وترجمت لبعض الشعراء دواوين نرش بعضها داخل‬ ‫العراق وخارجه ‪ .‬وكنت وال أزال أمتنى إصدار مجلة باللغة االنكليزية تعنى باألدب عموما أو الشعر‬ ‫حرصيا ليك ننقل أصواتنا اىل العامل لريى كم هو عظيم شعر العراق وكم هم عاملقة شعراء وادي الرافدين‬ ‫الذي يشكل الحليون ثقال هائال بينهم‪.‬‬ ‫* ما رأيك بالرتجمة من أو عن لغة وسيطة ؟‬ ‫ـ إن معظم ما يرتجم من شعر عاملي ينجز عن طريق لغة وسيطة غالبا ما تكون االنكليزية النتشارها‬ ‫عامليا ‪ .‬وهناك لغات تستحيل الرتجمة عنها بشكل مبارش ‪ .‬لقد اطلعت شخصيا عىل نصوص لشعراء روس‬ ‫ترجمها اىل العربية عراقيون يتقنون اللغة الروسية ‪ .‬واطلعت عىل تلك النصوص نفسها باللغة االنكليزية‬ ‫فوجدت ترجمتها عن اللغة االنكليزية أجمل بكثري من ترجمتها عن اللغة األم ‪.‬وقرأت تراجم لقصائد‬ ‫عربية قدمية اختارها (نكلسون ) و‬ ‫( آربري ) فأذهلتني النصوص االنكليزية بروعتها بعد أن نفضا عن أبياتها رمال الصحراء وطوقاها بأكاليل‬


‫الننت و اليوكاكري و ياكوتيا و الجوكجي وغريهم ‪ .‬وكذلك ترجمت قصائد لشعراء من روسيا ومختلف‬ ‫قوميات العامل ‪ .‬وال أعتقد أن أحدا غامر يف ذلك مثيل‪.‬‬ ‫* هل تتمنى قيام جمعية خاصة للمرتجمني ؟‬ ‫متنيت ذلك منذ أمد بعيد ‪ .‬وال يزال األمل يداعب مخيلتي بقيام جمعية للمرتجمني يرتأسها مبدع ‪-‬‬ ‫ال يتفنن يف رسقة اشرتاكات األعضاء ‪ ،‬أو ينهب املمتلكات كام يفعل رؤساء بعض (القمعيات) الذين‬ ‫ال يبتسمون إال يوم االنتخابات ‪ ،‬وال هدف لهم إال التملق للسلطة أيا كانت ‪ ،‬والتزاحم اللتقاط صورة‬ ‫تذكارية مع بعض النكرات والحروف الزائدة التي تبحث لها عن أي محل من اإلعراب‪.‬‬ ‫* هل حاولت االتصال بشعراء ترجمت لهم ؟‬ ‫لقد اتصلت بجميع أولئك الشعراء حتى األموات منهم‪ ،‬وتحدثت إليهم ‪ ،‬واسمعوين أفضل ما عندهم‪- ،‬‬ ‫خفي مشاعرهم وأسامء حبيباتهم ‪،‬‬ ‫وأحسست بنبضات قلوبهم وخفقات أرواحهم ‪ ،‬وأطلعوين عىل ّ‬ ‫ومواعيدهم الحميمة التي كتموها عن أقرب الناس إليهم ‪ .‬لقد رفعنا الكلفة فيام بيننا فكنت أذهب‬ ‫أليهم يف أية لحظة أشاء أو أوجه إليهم الدعوة فيلبونها عىل عجل ويجلسون معي يف غرفتي املتواضعة أو‬ ‫عىل السطح ‪ ،‬أو تحت ظالل أشجار أثقلتها مثارها يف بواكري الصباح أو يف الهزيع األخري من الليل ‪ .‬وبعد‬ ‫تنفض جلساتنا كنا نتصافح ونتبادل القبل ويودع أحدنا اآلخر بانتظار تراجم جديدة لنصوص أكرث‬ ‫أن ّ‬ ‫روعة!‬ ‫* ما عدد النصوص التي ترجمتها ؟‬ ‫ـ لقد نرشت مئات النصوص ولدي أضعاف هذا من النصوص العاملية الرائعة تنتظر النرش ‪ .‬والزلت‬ ‫متواصال مع الرتجمة بشكل منتظم‪ .‬رائع هو الشعر املرتجم ال تذبل وردته وال تتعفن فاكهته عندما‬ ‫تقطفها وتركنها يف خزانتك أو يف دفاتر األيام ‪ .‬لقد نرشت مؤخرا قصائد ترجمتها يف سبعينيات القرن‬ ‫املايض فكانت ضا ّجة بالحياة وكأنها كتبت أو ترجمت توا ً‬ ‫* اىل أي مدى يجب أن يكون املرتجم أمينا يف نقل النص ؟‬ ‫ـ ليك ال يرسق املرتجم نفسه عليه أن يكون أمينا يف نقل الصورة الشعرية قبل كل يشء حتى لو اقتىض‬ ‫ذلك منه اإلطاحة برتاتبية األبيات أو الفائض من الكلامت املقحمة أصال ملقتضيات الوزن واإليقاع والقافية‬ ‫ولكن اىل أدىن حد ممكن ‪ ،‬فال بد من الخسارة خاصة يف ترجمة الشعر‪ ،‬واملرتجم البارع من يقلل من هذه‬ ‫الخسارة ويعوض اإلصابة بإكسري اإلبداع حتى ال يوضع وليده يف حاضنة الخ ّدج‪.‬‬ ‫* هل واجهت صعوبة يف النرش؟‬ ‫ـ مل يرفض يل أي نص مرتجم ‪ .‬أما قصائدي فقد حجب بعضها عن النرش ال لركتها بل لقوتها وتجاوزها‬


‫* كيف يستفيد املرتجم من نصوص ترجمها سابقوه ‪ ،‬وكم استفدت من ذلك ؟‬ ‫ـ قد يستفيد املرتجم املبتدئ من اإلطالع عىل نص ترجمه شخص أكفأ منه فيقتدي بطريقته يف إعادة بنائه‬ ‫‪.‬أما أنا ‪ ،‬وبعد ما يزيد عىل ثالثني عاما يف الرتجمة والنرش ‪ ،‬فلم أعد بحاجة اىل مطابقة نصني ليك أقتنص‬ ‫كلمة هنا أو عبارة هناك ‪.‬وقد حدث العكس بالنسبة يل ‪ ،‬فقد نرشت نصوصا يل وأخرى مرتجمة رسعان ما‬ ‫تلقفها غريي ووجد كل يشء جاهزا أمامه فلم يجهد نفسه إال برفع اسمي‪ ،‬ووضع اسمه مكانه أو التمويه‬ ‫يف هذا املوضع أو ذاك!‬ ‫* لو أتيحت لك فرصة لرتجمة شكسبري‪ ،‬هل ستفعل ذلك ؟‬ ‫ـ لن أفعل ذلك عىل اإلطالق ‪ .‬ملاذا أضيع وقتي وجهدي برتجمة روائع سبقني إليها خرية املرتجمني مرات‬ ‫عدة ؟ ومع ذلك فقد ترجمت بعض سونيتاته الخالدة ونرشت قسام منها وقيل أنها توازي أو تقرتب مام‬ ‫أبدعه شيخ املرتجمني الراحل ( جربا إبراهيم جربا )‬ ‫* هل نقدت الرتاجم التي مل تصل اىل املستوى اإلبداعي املطلوب ‪ ،‬ومن هم مرتجموها ؟‬ ‫ـ من مصائبنا الثقافية إنك ما مل متدح اآلخر ‪ ،‬رغم ركته ‪ ،‬فأنه يناصبك العداء ‪ .‬وحني تتصدى لنتاجه‬ ‫فكأنك تطلق النار عليه ‪ ،‬مام يعطيه مربرا ليك يرديك قبل أن متد يدك اىل قلمك‪ .‬وحتى ال أستفز أحدا‬ ‫أو أكتسب عداوته ‪ ،‬غالبا ما أسقط األسامء يف أي مقال ساخن أنرشه واضعا ثقتي مبا تحت أآلباط من‬ ‫أعنز مت ّعي فتفضح أصحابها ‪ .‬لقد قرأت تراجم لنصوص لدي أصولها فهالني ما فعل املرتجمون بها ‪ ،‬وفيها‬ ‫ما هو فاضح يسقط الهيبة و الهالة اللتني تحيطان بالبعض ‪ .‬وهناك تراجمة ذبحوا روائع الشعر العاملي‬ ‫حتى آخر قطرة إبداع ‪.‬ولو أنهم أخطأوا بكلمة أو بيت لهان األمر ‪ .‬واألفظع من هذا أنهم عادوا بعد‬ ‫أسابيع ونرشوها ثانية فجاءت تراجمهم الجديدة غاية يف الدقة والروعة وآية يف الجامل ! وبنظرة متأنية‬ ‫اكتشفت أنهم رسقوها بالحرف الواحد من مصادر أخرى ‪ .‬ولقد رددت عىل بعض هذه الرتاجم املمسوخة‬ ‫أو املنسوخة بأسلوب مغاير فلم أنتقد الرتجمة أو املرتجم بل ترجمت النص ونرشته يف املطبوع نفسه ليك‬ ‫‪ .‬أمنح مرتجمه السابق فرصة كافية ملقارنة الرتجمتني بالنص األصيل وأوصل إليه رسالتي بشكل بليغ‬ ‫* ملاذا امليل اىل الشعر الرويس ؟‬ ‫ـ قد تفاجأ إذا قلت لك إنني قليل الرتجمة للشعر الرويس رغم عظمته وثقله العاملي ‪ .‬وما ترجمته من‬ ‫محسوب عىل الروس وليس شعرا روسيا ‪ .‬إنه شعر لقوميات وقعت تحت الهيمنة الروسية طيلة‬ ‫شع ٍر‬ ‫ٌ‬ ‫الحكم الشيوعي إبان الحقبة السوفيتية ‪ .‬وقد بدأت هذه القوميات والدول تتنفس من جديد وتشكل‬ ‫هوياتها الثقافية الحديثة ‪ .‬لقد ترجمت قصائد عديدة لشعراء من ‪ :‬جورجيا و داغستان و أرمينيا و‬ ‫كازاخستان و أوكرانيا و لتوانيا و لتونيا و أستونيا و مولدافيا و وتركامنستان و قرغيزيا و أذربيجان و‬ ‫أنغوشيا و الشيشان و أبخازيا و أوزبكستان و بلكاريا كابردينو و لقوميات مل يسمع بها أحد من قبل مثل‬


‫الخطوط الحمر وجرأتها التي تثري فزع كثري من املحررين رغم ادعائهم بالدميقراطية ‪ .‬ولدي اآلن نصوص‬ ‫ال يجازف بنرشها إال مغامر ‪ .‬وأنا مدين لك بنرش أحدها ‪ .‬وقد أضحك أحد املحررين عيني دما وهو ينرش‬ ‫نصا لشاعر رائد مبدع يف زاوية ( كتابات شابة ! )املكرسة لتشجيع املوهوبني يف بداية مراهقتهم األدبية‬ ‫‪ .‬وال أستغرب أو أستبعد ان يركنني أحدهم يف ( بريد القراء ! ) وينصحني مبراجعة ( القراءة الخلدونية‬ ‫) أو ( كيف تتعلم أو تتكلم اللغة االنكليزية يف ثالثة أيام بدون معلم ) فبعض الصحف الكسيحة يحرر‬ ‫أقسامها الثقافية متسكعون ال يرون فرقا بني ( املبني للمجهول ) و( نصب الجندي املجهول ) وال مييز بني‬ ‫) ( العريف ) و ( «أل « التعريف )‬ ‫* وأخريا هل أنت ر ٍ‬ ‫اض عن نفسك ؟‬ ‫ـ ليس املهم أن أكون راضيا عن نفيس ‪ ،‬ولكن األهم أن تكون هي راضية عني ‪ .‬وحسبي أنني حافظت‬ ‫عىل وضويئ الثقايف ومل أنقضه بالتواطؤ أو الرتاطن مع املحتلني الذين يشكل « الحديث « معهم « َح َدثاً «‬ ‫ال يطهره تيمم أو غسل ‪ .‬ومل متتد يداي أو عيناي اىل اللحم « األخرض « ولن ‪ ،‬ولو ازدردت لساين والتهمت‬ ‫‪ .‬الرتاب‬


‫الشاعر القروي‬

‫ضمري أمته ورجل التسامح‬ ‫دكتور محمود خليل‬

‫ـروي اليــوم‪ ،‬يف ظــل مــا يعصــف بأمتنــا مــن محــنٍ وشــدائد‪ ،‬ولعـ ّـل مــا أصــاب مجتمعنــا العــريب آنــذاك ال يعــادل مــا منـ ّر بــه‬ ‫نتذكّــر الشّ ــاعر القـ ّ‬ ‫نحــن اليــوم‪ ،‬أو هــو قريــب منــه مــع اختــاف الظــروف واألحــداث‪.‬‬ ‫الســخريّة والــذم‪ ،‬هــو املعلّــم‬ ‫رشــيد ســليم الخــوري أو الشّ ــاعر القــروي‪ ،‬لقبــه الــذي نعتــه بــه ال ّناقــد قســطنطني حــداد عــى ســبيل ّ‬ ‫ـري جــورج‬ ‫ـي يف دنيــا العروبــة‪ .‬كــا تح ـ ّدث عنــه الشّ ــاعر املــري أحمــد زيك أبــو شــادي‪ ،‬وقــال عنــه صديقــه الشــاعر املهجـ ّ‬ ‫الشّ ــامخ للشّ ــعر القومـ ّ‬ ‫كل قط ـ ٍر وســارت أغانيــه وأناشــيده‬ ‫كل مــكان‪ ،‬وه ـ ّزت شــاعريته العــرب يف ّ‬ ‫ـروي شــاعر يف رقــة الهــواء وصفــاء املــاء‪ ،‬طــارت شــهرته يف ّ‬ ‫صيدح‪»:‬القـ ّ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫كل لســان» ‪.‬‬ ‫القوم ّيــة والوطن ّيــة عــى ّ‬ ‫الســنديان وشــجريات الزعــرور التــي تعانــق التينــات والزيتونــات‪ ،‬وتشــكر‬ ‫وهــو «ولــد شــاع ًرا يف أحضــان طبيعـ ٍة غنيــة بالتّنــوع‪ ،‬بــن أشــجار ّ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫التفــاف أجفــان الكرمــة عــى خصورهــا وتسـلّقها امتــدادات أغصانهــا‪ ،‬ولكنهــا مــا شــكت يو ًمــا حملهــا مهــا ثقلــت العناقيــد‪.»..‬‬ ‫ـروي يف ليلــة عيــد الفصــح ســنة ‪1887‬م يف قريــة الرببــارة عــى هضبــة مرشفـ ٍة عــى البحــر املتوســط‪ ،‬بــن مدينتــي جبيــل والبــرون‬ ‫ُولِــد القـ ّ‬ ‫ـب األدب والفـ ّن‪ ،‬ونبــغ فيهــا أكــر مــن شــاعر‪،‬‬ ‫وهــي اليــوم قريــة مأهولــة بعدمــا كانــت مهجــورة يف أواخــر الســتينات‪ ،‬ومــن أرسة يجــري يف دمهــا حـ ّ‬ ‫إذ كان والــده وأخــوه قيــر وأختــه فيكتوريــا شــعراء‪ .‬تعلّــم يف قريتــه‪ ،‬ثــم تابــع يف مدرســة الفنــون األمريك ّيــة يف‬ ‫(‪)3‬‬

‫صيــدا‪ ،‬فالكليّــة اإلنجيليّــة يف بــروت‪ ،‬وعمــل مد ّر ًســا يف مدرســة طرابلــس األمريكيــة ثـ ّم يف الكليــة الرشقيــة يف زحلــة‪ ،‬فمدرســة األمــركان يف‬ ‫ســوق الغــرب‪ ،‬لكـ ّن الظــروف دفعتــه إىل الهجــرة بعــد أن ضاعــت ثــروة أبيــه‪ ،‬في ّمــم وجهــه صــوب الربازيــل بدعــو ٍة مــن ع ّمــه ســنة ‪1913‬م‪ ،‬واصطحــب‬ ‫معــه أخــاه قيــر الــذي لُ ِّقــب يف مــا بعــد بالشــاعر املــدين‪ ،‬وأقــام أ ّول مـ ّرة يف واليــة مينــاس‪ ،‬ثـ ّم يف مدينــة ســاوباولو‪ ،‬ليبــدأ رحلــة حيــاة جديــدة مليئــة‬ ‫باملفاجــآت‪ ،‬وقــد غــدا خــال فــرة قصــرة أكــر الشــعراء شــعبي ًة وشــجاع ًة وجــرأ ًة عــى مواجهــة ونقــد الحــكام‪ ،‬كــا كان أش ـ ّدهم تع ّرضً ــا للهجــوم‬ ‫والحســاد مــن جهــة‪ ،‬ومــن جهــة ثانيــة عــى خلفيــة أبيــات قالهــا نتيجــة انفعــا ٍل واشــمئزاز‪ ،‬ات ُّهــم عــى أثرهــا بالكفــر‬ ‫والنقــد والتجريــح‪ ،‬بســبب الغــرة‬ ‫ّ‬ ‫ودوي قصائــده‪ ،‬التــي إن ولــدت يف املهجــر رنّــت لهــا أصقــاع الوطــن العــريب‪ ،‬وإن‬ ‫واملــروق‪ ،‬وهــو بعي ـ ٌد عــن هــذه التهــم التــي مل تضعــف شــعبيته‬ ‫ّ‬ ‫أدب‬ ‫ولــدت يف الوطــن العــريب هلّــل لهــا املهجريــون يف مغرتباتهــم حــول العــامل‪ ،‬حســبه أنــه نــادى بــأدب قومــي‪ ،‬ومــن جميــل قولــه‪ »:‬نحــن أحــوج إىل ٍ‬ ‫أدب يكونــون هــم أ ّول نارشيــه والداعــن إليــه واملروجيــه»(‪ .)4‬فحاربــه االســتعامر بحرمانــه مــن الجنســية الســورية واللبنانيــة‬ ‫يخشــاه املســتعمرون‪ ،‬ال ٍ‬ ‫ومــن الحــق يف العــودة اىل وطنــه حتــى عــاد يف أيــام الوحــدة بــن ســورية ومــر‪ .‬اشــرك القــروي يف تأليــف العصبــة األندلســية «برئاســة ميشــيل‬ ‫معلــوف» عــام ‪1932‬م وتــوىل رئاســتها بعــده وقــد وصفــه أكــرم زعيــر ب «قديــس الوحــدة العربيــة» حتــى انــه كان حــن يتطـ ّوع للطــواف يف القــرى‬ ‫واألقاليــم النائيــة لجمــع االعانــات للقضايــا العربيــة كان يســتصحب معــه جــوارب لبيعهــا يف الحــن ذاتــه‪ .‬وينفــق مــن ربحهــا عــى أجــور رحلتــه مؤثـرا‬ ‫ً هـ�ذا عـلى أن ينفـ�ق مـ�ن األمـ�وال العامـ�ة شـ�يئا‪.‬‬ ‫كاللنهايــة ال حــدود لهــا»‪ ..‬وقــد تــرك دواويــن رائعـةً‪،‬‬ ‫شــاع ٌر ملهـ ٌم عــاش للشــعر الهــادف‪ ،‬وهــو القائــل‪ »:‬الشــعر أرفــع الفنــون‪ ،‬والشــاعرية ّ‬ ‫ومنهــا‪ :‬الرشــيديات أ ّول نتاجــه‪ ،‬ثـ ّم تــاه القرويــات واألعاصــر والبواكــر والزمــازم واملحافــل واملجالــس وزوايــا الشــباب واملوجــات ‪ ،‬واألزاهــر‪ .‬ورغــم‬ ‫أهميــة هــذا الشــاعر‪ّ ،‬إل أ ّن كثرييــن يجهلــون شــع َره وتفاصيــل حياتــه الزاخــرة‪ ،‬فقــد رسد أخبــاره بعــض أصدقائــه املهجريــن‪ ،‬ومنهــم نظــر زيتــون‬ ‫ابــن مدينــة حمــص‪ ،‬وأحــد أعضــاء الرابطــة األندلســية‪ ،‬حيــث قــال‪ »:‬مل يولــد القــروي يف الرببــاره‪ ،‬إنّ ــا ُولــد مــع األعاصــر يف الغابــات‪ ،‬ومــع الــزالزل‬ ‫يف الجبــال‪ ،‬ومــع الصواعــق يف البحــار‪ُ ،‬ولِـ َد مــع النــدى يف الفجــر‪ ،‬ومــع األزاهــر يف الربيــع‪ ،‬ومــع البالبــل يف الجنــان‪ ،‬ومــع األســطورة يف عبقــر ومــع‬ ‫ ‪1‬‬ ‫‪ 2‬‬ ‫‪ 3‬‬ ‫‪ 4‬‬

‫()جورج صيدح‪ .‬أدبنا وأدباؤنا‪ .‬ص‪.323‬‬

‫() حسن جعفر نور الدين‪ .‬شعراء لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين‪ .‬دار رشاد برس‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪2013 ،‬م‪ ،‬ص‪.67‬‬

‫() د‪ .‬حسن جعفر نور الدين‪ .‬موسوعة شعراء المهجر‪ .‬ج‪ ،1‬رشادبرس‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،2012 ،‬ص‪.440‬‬

‫() للتزود راجع كتاب د‪ .‬محمد عبد المنعم خفاجا‪ .‬قصة األدب المهجري‪.‬‬


‫مــا أشــبه الحــارض باملــايض‪ ،‬هــي ثــور ٌة داميـ ٌة يعلنهــا الشــاعر عــى أربــاب الســلطة املستســلمني لالســتعامر واملكتفــن لنعــم املفــوض الســامي‬ ‫التــي باطنهــا الســم والهــوان‪ ،‬وكأنــه ينعــي للوطــن مســؤوليه‪ ،‬مق ّد ًمــا لــه يف عينيــة حــارة مــن أجمــل مدائحــه‪ ،‬فيقــول مــن بحــر الطويــل والقافيــة‬ ‫مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫هــــــل فــــــي ِ‬ ‫مــــــرتــــــــــع‬ ‫َـــــل ِفـــي جـــنــــــ ِة الخلـــــــــد‬ ‫مــــــربـــــــــــــــع َحـــــــال لـِـــــي وه ْ‬ ‫األرض غَــــ ْيــــــ َرك‬ ‫ْ‬ ‫ألـــبــنـــــانُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫حــــــافـــــــــــــظ ومـــــــضـــــــــي ِّـــــــ‬ ‫ولــــيــــــس ســـــِــوا ُه‬ ‫ـــعـــجـــب الـعال‬ ‫ـب الــــذي ُي‬ ‫َحــــــ ِفــــــــظْــــــــــ ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ـت لـ َــــك الـــــحـــــ َّ‬ ‫ــــــــــــــع‬ ‫ُ‬ ‫ـم تــــــثُـــــــــــــــــــ ْر فـــيــــــلـــــمع فـــــــي كــــفِّــــــــــي لـــــجــــنـــــبيــــــــكَ‬ ‫أثـــــــــو ُر إذا جـــــــــــا ُروا عــــلــــ ْيــــــــــكَ ولَـــــــــــ ْ‬ ‫مـــــبــــضــــع‬ ‫ُ‬ ‫مــــشــــلــــــــــول وطــــــــرفـِ‬ ‫ٌ‬ ‫ـــــــــــــي‬ ‫ْــــــــــدي‬ ‫ويـــــــــغْـــــــــلِـــــــ ُبــ ِنـــــــــي فـــــيـــــــــكَ الــــــحــــــنــيـــــ ُن فــــأنْ َث ِنـــــي و ِزن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يـــــــــدمـــــــــــــــــع‬ ‫ُ‬ ‫ْـــــت َعــلَـ ْيــكَ الـــشـــعــــ َر فــــي الـــغَـــ ْي ِ‬ ‫ـــــع‬ ‫وقَــــف ُ‬ ‫ـــب أجـْـــــ َم ُ‬ ‫ـــظ والـــ ِّرضَ ـــــا لَـــ ُعــــ ْمــــ ِر أبِــــــي هـَـــــــذا هُــــــ َو الـــــــ ُح ُّ‬

‫(‪)11‬‬

‫وإحساس عميق‪..‬‬ ‫وروح‬ ‫قلب ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وتجمعت عاطفة الشاعر كلّها يف البيت األخري‪ ،‬مدماكها ٌ‬ ‫وتجيــش الحميــة يف قلــب الشــاعر‪ ،‬واعـ ًدا املســتعمرين بيــوم أســود‪ ،‬مخاطبًــا املفـ ّوض الســامي نفســه‪ ،‬فللصــر حــدود‪ ،‬وعنــد الشــدائد تحلــو‬ ‫الشــهادة‪ ،‬فيقــول مــن بحــر الوافــر والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫َ‬ ‫الـــهـــــــزل َقــــــــــــــــدْ يــــــــــــ ْتــــــــــــلُــــــــ‬ ‫أال قُــــــــــــ ْـل لِـلْـــ ُمــــفَـــــــــ َّو ِض قَــــــــدْ ه َــــــــــزل ْـــــــــــــنــــــــــــــــــــا وأنّ‬ ‫ـــــو ُه َجـــــــــــــــــــدُّ‬ ‫ــــيــــــــــــل عــــلــــ ْيــــــــــ ِه‬ ‫ُ‬ ‫كـــــــــل حــــــــــــــــــــدٍّ فَــــللــصــبــــــــ ُر الــــ َجـــ ِم‬ ‫َّ‬ ‫ْــــــــــــم جـــــــــــاو َز‬ ‫إذا َمــــــــــــــا الــــظّـــــل‬ ‫ُ‬ ‫حــَــــــــــــــــدُّ‬ ‫فَــــــــــا ت َـــــــلُـــــــــــ ِـم الـــــ ُمـــــــحـِ‬ ‫ــــــــــب َعـــــلَــــــى جـ َـــــفَـــــــــــا ُه لَــــقَــــــــــــدْ أح ْـــــ َرج ْـــــــــــــتَــــــــــهُ َيــــــــــــا مـــ‬ ‫َّ‬ ‫ســــتـــــــــــبـــــــــــــــدُّ‬ ‫َــــــــــريـــــــــــــــب ف َـــــــ َمـــــــــــــــــــــا مــِــــــــــ ْن ثَــــــــ ْو َر ِة األحـ َــــــــــ َرا ِر‬ ‫ـــســـ ِمـــ ُعـــــــكَ الـــــ َزم َــــــــــا ِز َم ع َـــــــــ ْن ق‬ ‫ٍ‬ ‫ســـ َــ ُن ْ‬ ‫ب ُـــــــــــــــــــــــدُّ‬ ‫ْــــــــت أدْهـَــــــــــــــــى لــَـــــــ َقـــــــــدْ خـَــــــــ َّوفْــــ َتـــــ َنــــــــــــــــــا‬ ‫َ‬ ‫تـُـــــخــــــــــ ِّوفـُـــــنـَــــــــــــــا الــــــ َمـــــ ُنـــــــونَ وأن‬ ‫(‪)12‬‬ ‫مــــــ َّمــــــــــــــــــا نـَــــــــــــ َو ُّد‬ ‫كل ذلك‪ ،‬فلبنان نجواه والخلد الذي ال يضارعه خلد آخر‪ ،‬فيقول من بحر مجزوء ال ّرمل والقافية من املتواتر‪:‬‬ ‫وبعي ًدا عن ّ‬ ‫واي فــِـــــــــــــــــــي قـــُــــــــ ْربـِــــــــــــي وبــــُـــــــعـــــ ِدي‬ ‫وطَ ِنـــــــــــي لُـــ ْبـــــــ َنـــــــــــانُ يَـــــــــــــا نـــَــــــــــــــــــــــ ْجـ َ‬

‫(‪)13‬‬

‫ْــــــــــــت الـــــخُـــــلْـــــــــــدُ ِعــــــــــــــــــــــن ْــــــــ ِدي‬ ‫َ‬ ‫أي خُـــــــــــلْــــــــــ ٍد شـ َــــــــــاغـِــــــــلِـــــــــــي ع َـــــ ْنــــــــــ كَ وأن‬ ‫ّ‬

‫(‪)14‬‬

‫ويذوب شوقًا يف هذين البيتني من رائعته «لو ترين»‪ ،‬فيقول من بحر مجزوء الخفيف‪ ،‬والقافية من املتدارك‪:‬‬ ‫‪1 1‬‬ ‫‪ 12‬‬ ‫‪ 13‬‬ ‫‪ 14‬‬

‫() الشاعر القروي‪ .‬الديوان‪ ،‬ص ‪.970‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬ص‪.338‬‬ ‫المدور‪ .‬حسن محمد نور الدين‪ ،‬م‪ .‬س‪ .‬ص‪.195‬‬ ‫البيت‬ ‫عليه‬ ‫يطلق‬ ‫ما‬ ‫وهو‬ ‫()التدوير وهو اشتراك الصدر والعجز بكلمة واحدة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.579‬‬


‫األنبيــاء يف الــوادي املقـ ّدس‪ُ ،‬ولِــد الشــاعر مــع أمتــه يف رشوقهــا وغروبهــا‪ ،‬وم ِّدهــا وجزرهــا وخمرهــا وخلّهــا»(‪.)5‬‬ ‫ولعـ ّـل هــذا التوصيــف الــذي صـ ّوره بــه صديقــه زيتــون صــورة دالليــة رمزيــة‪ ،‬عــن حياتــه يف املجاهــل الربازيليــة (واليــة مينــاس) حيــث حمــل‬ ‫الكشــة وبــاع الدبابيــس واألمشــاط وربطــات العنــق‪ ،‬وتعلّــم النقــر عــى العــود‪ ،‬فتعلّــم وعلّــم‪ .‬وبعــد ســنتني‪ ،‬عــاد إىل ســاوباولو حيــث علّــم يف املــدارس‬ ‫ـاري‪ ،‬وقــد بلغــت كتبــه لنظــم الشــعر ح ـ ًّدا بعي ـ ًدا‪ ،‬حيــث ذكــر أنــه كان يشــتغل شــه ًرا متواصـ ًـا‪ ،‬ويوفّــر مــا‬ ‫والبيــوت‪ ،‬ث ـ ّم تح ـ ّول إىل العمــل التجـ ّ‬ ‫يحصلــه مــن نقــود ليرصفهــا عــى نفســه خــال الســاعات أو األيــام التــي يتوقــف فيهــا عــن العمــل‪ ،‬ويك ّرســها لنظــم قصيــد ٍة أو للمشــاركة يف مهرجــان‬ ‫شــعري يدعــى إليــه‪ .‬وهــو مل يعتــر الشــعر مظهـ ًرا للتباهــي والتفاخــر‪ ،‬إمنــا اتخــذه وســيلة لخدمــة قضايــا مجتمعــه وأمتــه‪ ،‬مــع حرصــه عــى جامليــة‬ ‫النصــوص وفرادتهــا‪ ،‬وهــو يشــابه أحمــد الصــايف النجفــي يف األريحيــة وعــزة النفــس‪ ،‬فقــد طبــع ســنة ‪1947‬م كر ًاســا يحتــوي عــى ثــاث قصائــد ورصــد‬ ‫ريعــه لنــرة فلســطني كــا أنــه رفــض هديــة قدمتهــا لــه الجاليــة العربيــة يف األرجنتــن والربازيــل مــن أجــل رشاء منــز ٍل لــه‪ ،‬ور ّد حوالـ ًة ماليّـ ًة مبئتــي‬ ‫جنيــه أرســلها لــه وزيــر األوقــاف املــري أحمــد حســن الباقــوري مقابــل نســخة اســتلمها مــن ديوانــه‪ ،‬وحـ ّول املــال إىل صنــدوق التربعــات لتســليح‬ ‫الجيــش املــري‪.‬‬ ‫القــروي الوطنــي‪ :‬تظهــر ال ّنزعــة الوطنيــة واضح ـ ًة صارخ ـ ًة يف قصائــد كثــر ٍة يفيــض بهــا ديــوان الشــاعر‪ ،‬وقــد جعلــت منــه الهجــرة متيـ ًـا‬ ‫دأب معظــم الشــعراء املهجريــن‪ ،‬ولكـ ّن القــروي امتــاز عنهــم بنكهــة أشــعاره الطاربــة‬ ‫بوطنــه‪ ،‬متأالّـ ًـا مـ ّـا يحصــل ألبنائــه‪ ،‬مســتا ًء مـ ّـا يصيبــه‪ ،‬وهــذا ُ‬ ‫يف اللــن والشــدة والقســوة والحــدة‪ ،‬والرهانــة والتطــرف واالعتــدال والشــموخ والتواضــع‪ ،‬ومــن حرصــه عــى وطنــه وحزنــه عــى مــا عانــاه مــن‬ ‫االســتعامر الفرنــي‪ ،‬مـ ّـا وجــده يف بنــي وطنــه مــن نقـ ٍ‬ ‫ـاش وتخــاذ ٍل‪ ،‬أطلــق نريانــه الشــعرية القاســية اإليــام‪ ،‬فقــال يف قصيدتــه «ســلطان باشــا األطــرش‬ ‫والتنــك» مــن بحــر الوافــر والقافيــة مــن املتواتــر(‪:)6‬‬ ‫ـم هـــجـــ ُعــــــــــــوا‬ ‫ـات بــــــنــــــــــوكَ مـــــــوتًــــــــــــــــــــا وكـــــنــــــــ ُ‬ ‫ويـــــــــــــــــا لــبــنـــــــــانُ مــــــــــــ َ‬ ‫ـت أظـــ ُّنـــــهـــــــــــ ْ‬ ‫(‪)7‬‬ ‫هــجـــــــــو ًعــــا‬ ‫ـرب تــُــــــــصــــــلــــــــــــــى كـــــــــــأنَّ دمـــــــــا َءهُــــــــم جــــــــمــــدَ ْت صــــقــــيـ‬ ‫ـم تَـــــ َرهــــــــم ونـــــــــا ُر الـــحــــــ ِ‬ ‫ألـــــــــــ ْ‬ ‫(‪)8‬‬ ‫ـــــــ ًعــــــــا‬ ‫صورة تحمل كل معاين الهوان والجنب والتخاذل يف رموز غنية بال ّدالالت‪ ،‬إنها صيحة املتأمل الثائر من األعامق‪.‬‬ ‫ويتابع من البعيد ما يعانيه وطنه من ظلمني‪ ،‬ظلم أهله أنفسهم وظلم االستعامر‪ ،‬فيقول من بحر الكامل والقافية من املتدارك(‪:)9‬‬ ‫وطــــــــــــ ٌن تـــحـــيـّــــــــــ َر ِت الـــــــعـــــــبــــــيـــــــدُ لــــــــذلّــــــــــــــــــ ِه ُّ‬ ‫رئــــــــيــــــــــســــــــــهُ والــــــمــ‬ ‫وأذل مــــــــ ْنــــــهُ‬ ‫ُ‬ ‫ـــجـــــــلـــــــــــــس‬ ‫ُ‬ ‫بــالــشــكــيـــــم فـــــأســـــلـــــســـــ‬ ‫ِــــم‬ ‫جـــــــــــــا َء الـــــمــــــــفـــــــ ّو ُض‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫بــــــالـــعــلــيق فـــحــمـح ُمــــــــــوا وثـــ َنـــــى عـــلـــيـــه ْ‬ ‫ـــــوا‬ ‫ـم َجـــــــلَــــــســــــــــــوا وهـــــــــــ ْـل نُـــــــ ِخــ ُبـــــــــــوا‬ ‫ـم بِــــالــــســـــــــــ ِ‬ ‫ـام فــــــــإنَّـــــ ُهــــــــــــــ ْ‬ ‫ال تـــــســــبــــقُـــــــــوهــــــــــ ْ‬ ‫لِــكَـ ْيــــا يَ ْجلِســــوا‬ ‫أصــــــــــــم‬ ‫ـــــــــــف أعــــــــمــــــى‬ ‫ـب مـــتـــــــكــــــــ ِّت‬ ‫فــــــــــــي كــــــــــ ِّـل‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫كـــــــرســــــــــــي تــــــــســ َّنــــــــــد نــــائـــــــــــــــ ٌ‬ ‫ٍّ‬ ‫(‪)10‬‬ ‫وأخــــــرس‬ ‫ُ‬ ‫() د‪.‬حسن جعفر نور الدين‪ .‬موسوعة شعراء المهجر‪ .‬ج‪ ،1‬رشادبرس‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،2012 ،‬ص‪.440‬‬ ‫‪ 5‬‬ ‫()المتواتــر‪ :‬مــا ورد فيــه متحــرك بيــن ســاكنين‪ /o/.‬حســن‪ ،‬محمــد نــور الديــن‪ .‬الشــعرية وقانــون الشــعر‪ .‬بيــروت‪ ،‬دار العلــوم العربيــة‪ ،‬للطباعــة‬ ‫‪ 6‬‬ ‫والنشــر‪ ،‬ط‪ ،422/2001 ،1‬ص‪.103‬‬ ‫() الهجوع‪ :‬النوم ً‬ ‫ليل‪ .‬ابن منظور‪ .‬لسان العرب‪ .‬دار إحياء التراث العربي‪،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،‬ط‪1999 ،3‬م‪ ،‬ج‪ ،15‬ص‪.37‬‬ ‫‪ 7‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬مطابع شركة اإلعالنات الشرقية‪1961 ،‬م‪ ،‬ص‪.243‬‬ ‫‪ 8‬‬ ‫()المتدارك هو حركتان بين ساكنين‪ o//o .‬حسن محمد نور الدين‪ .‬الشعرية وقانون الشعر‪ .‬ص‪.104 – 103‬‬ ‫‪ 9‬‬ ‫() جورج صيدح‪ .‬أدبنا وأدباؤنا‪ .‬ص‪.339‬‬ ‫‪ 10‬‬


‫ـــــو َعــــــــا‬

‫(‪)19‬‬

‫ثــم ينحــو بالقصيــدة إىل مــا أثــار حولــه زوبعـ ًة مــن النقــد والتجريــح واالتهــام بالكفــر واملــروق بقولــه وهــو املســيحي املعتــز بانتامئــه فيقــول‬ ‫مــن بحــر الوافــر والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ــــســــــوعـــــــــ‬ ‫ـرب ب‬ ‫ـت َرفـْــــــــ َـع الــــضَّ‬ ‫إذا حـَـا َولـْــــــ َ‬ ‫ِّ‬ ‫ــــيــــم فَـــــــــاضـــْـــــــــــــــــــ ْ‬ ‫ِـــــســـــيــــــف محـــمــــــــ ٍد واهــْــجـُـــــ ْر يَ ُ‬ ‫ـــــــــــــا‬ ‫ـم بَـــ ْعــضً ـــــــــــا وعــــظــــنـــــــــــــــا بــــهـــــــــا ذئـــــ ًبـــــــــــــا فـــــمــــــــا نــــــ ّجـــــــــت‬ ‫أ ِحــــ ّبـــــــــــــوا بـ َـع ْـــض َــــكُـــــــــــــ ْ‬ ‫قـ َـ ِ‬ ‫ــــطـــيـــعــــــــــا‬ ‫ـت إنْــــجـِ‬ ‫ً‬ ‫ــــيـــــــــــــــل جـــَــــــــــــــــــــــديـــــــــــــــدً ا يـــــُـعـَــــــلِّــــــ ُمـــــ َنــــــــــا إبـــــــــا ًء ال خـُـــــــ ُنـــ‬ ‫أال أنْــــــــــ َزلـْــــــــــ َ‬ ‫ـــــــوعـَـــــــــــــــــــــــــــا‬ ‫ــــــــذاب الـــــ َّنــــــــا ِر إنْ ت َــــــــــكُ مـ ُــس ْـــ َتـــطـــيــــعــــــــــا‬ ‫اب ال ّنيـــر(‪ِ)20‬ال مـِـــــــــــــــ ْن ع َـ‬ ‫ِ‬ ‫أجــــــِـ ْرن َــــــــــــــا مــــِـــــ ْن ع َـــــ َذ ِ‬

‫(‪)21‬‬

‫إنهــا صيحــة املـرارة والذهــول وليســت لوثــة الكفــر واملــروق‪ ،‬أمل يجـ ِز الرســول (ص) لســلامن الفــاريس سـبّه وشــتم دينــه عندمــا كان املرشكــون‬ ‫يطلبــون منــه ذلــك وهــم يســومونه أشـ ّد أنــواع العــذاب‪.‬‬ ‫ـوام مديــد ٍة مــن الفـراق‪ ،‬وكاد اليــأس مــن العــودة يذيــب مهجتــه‪،‬‬ ‫وتحتشــد يف نفســه العـ ّز ُة القوميــة وهــو عــى أرض الشــام زائـ ٌر بعــد أعـ ٍ‬ ‫فيقــول مــن بحــر البســيط والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫ــــســــ ُبـــــهـَــــــــــــــا أضـْــــغـَـــــــــــ َ‬ ‫ـت فـِـــــي‬ ‫ـام سـَــــ ِّبــــــــــــــــح لــِـ َربِّــــــكَ وانْـــ َحــــــ ْر أنْــــــ َ‬ ‫ـاث أ ْحــــــــــــــــ ِ‬ ‫حـــ ّتــــــــا َم تَـــ ْح َ‬ ‫ـــــــــــام‬ ‫ِ‬ ‫الشـَّ‬ ‫لــــــــم يــــــــــأ َذنِ اللــهُ َيــــــــــــا ُبـــــوق الــــ ُعــــرو َبــــــــــــــــــــــــ ـ ِة أنْ تــــق ِ‬ ‫ْــــضـــــــــــي الـــح َـــ َيـــــــا َة غ َـــريـــ ًبــــــــا َبــ ْيــــــن‬ ‫ـام‬ ‫أعــــجــــــــــ ِ‬ ‫إلــــــي وأخْــــــــوالــــِــي وأعـْـــمـــــــامـــــــــــــ‬ ‫ــــصـــــا ِر أقْـــ َر َب ِمـــــــ ْن أَهْــــلــــــــــي‬ ‫وكــــنــــــــــت فـــــــــــــي أبــْــ َعــــــــ ِد األ ْم َ‬ ‫َّ‬ ‫(‪)22‬‬ ‫ي‬ ‫وحــول قيثــارة العــرب فلســطني‪ ،‬ســحقه األمل وأدمــاه يــو َم النكبــة املشــؤوم‪ ،‬فطفــق يعــزف عــى أوتــار فــؤاده الحزيــن‪ ،‬معاتبًــا إخوانــه العــرب‪،‬‬ ‫وذلــك يف مناســبة العيــد النبــوي الرشيــف‪ ،‬فـراه يقــول مــن بحــر الوافــر والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫ُـــــم ب َـــ ْعــــضً ـــــــــــــــــا وإنـ ِّـــــــــــــــــــــــــــــــي أُه َـــــــ ِّنـــــــــي الـــ َّنــــفْـــــــــس أنّــــــــــــي ال أهــــــ‬ ‫ـئ ب َــ ْعــضُ ـــك ْ‬ ‫يــ ُـ َهــــ ّنـــــ ُ‬ ‫ــنـــــــــــــــــــــــي‬ ‫َّـــــــــــاح هـَــــــــــذا الــــعـــــيـــــــــــ ِد جـَــــــــ ْمـــــــــــــــــــــــــــ ًرا ولــــَــــــــــ ْو قَــــــطَـــــفُــــــــــــــــــو ُه مـِــــــــ ْن‬ ‫أرى تـُـــــــف‬ ‫َ‬ ‫(‪)23‬‬ ‫ِ‬ ‫َجـــ َّنـــــــــــــــات عَــدْ نِ‬ ‫ويع ـ ّز عليــه أن يتق ـ ّدم اآلخــرون وشــباب العــرب يف سـ ٍ‬ ‫ـبات عميــق‪ ،‬لذلــك يدعوهــم إىل نفــض غبــار التــواكل والقعــود‪ ،‬فيقــول مــن بحــر‬ ‫مجــزوء الكامــل والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫‪1 9‬‬ ‫‪ 20‬‬ ‫‪ 21‬‬ ‫‪ 22‬‬ ‫‪ 23‬‬

‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.243‬‬ ‫() النير‪ :‬الخشبة التي توضع على عنق الثور‪ .‬ابن منظور‪ .‬لسان العرب‪ .‬م‪ .‬س‪ .‬ج‪ ،14‬ص‪.348‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.242‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪.‬ديوان القروي‪ .‬ص‪.722‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.392‬‬


‫َــــــــــل يَــــــــــــــــــــــــــ َراك‬ ‫ْ‬ ‫إيــــــــ ِه لُــــ ْبــــ َنــــــــانُ ه‬ ‫ُ‬ ‫حـــ َـــــــ َّبـــــــــــــذا الــــــ َعـــ ْي‬ ‫ــــمكْ‬ ‫ــــــش فـِـــــي ِح َ‬

‫هَــــــــائِ‬ ‫ـــــــــــم شــــــــ َّقـــــــــــهُ هـــــــــــــــــــــــــــــواك‬ ‫ٌ‬ ‫ح َــــــــــــ َّبــــــــــــذا الـــــ َعــ ْي ُ‬ ‫ـــش لَـــ ْيــلَــ َتــ ْيـــــ ْن‬

‫(‪)15‬‬

‫وتعصــف النخــوة الوطنيــة بالشــاعر عندمــا قـ ّرر الســفر إىل وطنــه لبنــان لإلنضــام إىل جيــش التحريــر ملحاربــة األتـراك ســنة ‪1917‬م‪ّ ،‬إل أ ّن‬ ‫أصدقــاءه منعــوه‪ ،‬وحالــوا بينــه وبــن تحقيــق رغبتــه يف املشــاركة يف نضــال املســتعمرين‪ ،‬فيقــول مــن بحــر الطويــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫ـاب‬ ‫لـــــ َعــــــ ْيـــــ َنــــــ ْيـــــــــــكَ ي َــــــــــــا لُـــ ْبـ َنــــــانُ قُـــوتِــــــــي وقُـــــ ّوتـِـــــي وتـــعــــــرفُـــــــنـــــــــي غـــــــ َّ‬ ‫ـض الـــــشـــبــــــــــــ ِ‬ ‫رطَــــــيـــــ َبـــــــهُ‬ ‫ْــــت َصــلـــيــبــي قـــاصـِـــــدً ا َ‬ ‫حـــــ َمــــــل ُ‬ ‫ــق َو َرائـــــي ص َـــلــيبـ َـهُ‬ ‫أرض م َــــــوعـِــــــــدي فـــ َمـــــ ْن شـــــــــــا َء ف َـــــلْــــيـــــلْـ َح ْ‬

‫(‪)16‬‬

‫ويخترص شاعرنا وطنيته بهذا البوح الشفاف والنداء الحميم‪ ،‬فيقول من بحر الوافر والقافية من املتواتر‪:‬‬ ‫شــــــــرف‬ ‫وي لــألر ِز انْـــــــــ ِتـــــــــــســــــــــابـــــــــــــــــــــي ول ُـــــــ ْبـــــــــ َنـــــــــــــانـِـــ َّيـــــــــتـــــــــــــي‬ ‫ٌ‬ ‫أنَــــــــــــــــــا القـ َـــــ َر ُّ‬ ‫(‪)17‬‬ ‫ومــَــــــجـْــدُ‬ ‫وأختم وطنياته ٍ‬ ‫ببعض من أنشود ِة الغريب‪ ،‬لله د ّر الغربة كم فتّتت أكباد الشعراء‪ ،‬وألهبت قرائحهم الشعرية‪:‬‬ ‫ ‬ ‫َــريــــــــــــــــب‬ ‫حـــتــّــــــا َم أ ْحــــ َيـــا غ‬ ‫ْ‬

‫َمـــــــا لِـــــــــي َوطـَــــــــــــــــــــ ْن‬

‫ ‬ ‫ِــيــب‬ ‫يـــــــا يـ َــــ ْو َم ْ‬ ‫وصــــــلِ الــ َحــب ْ‬

‫ْـــــــــــــت الــــــ َزم َـــــــــــــــــــ ْن‬ ‫َ‬ ‫أن‬

‫هــــيـــهـــــــات غـَـيـــر الـــ ِحــ َمــــى ‬ ‫َ‬

‫مـــــــَــــــــالِـــــــــــــــــــــــــــي دَوا‬

‫ ‬ ‫ـــــبيب‬ ‫ــــــــم الــــ َّط‬ ‫ل ُـــ ْبــــ َنــــــانُ نِـــ ْع‬ ‫َ‬ ‫ْ‬

‫لِـــلْـــ ُمـــــــــــ ْمــــ َتــــ َحــــــــــــــــــ ْن‬

‫ ‬ ‫قـــريــــــــــب‬ ‫ــــــت مـِــ ْنـــه‬ ‫َ‬ ‫إنْ كُــــ ْن‬ ‫ْ‬

‫ز َال الـــــــــــ ُحــــــــــــــــــــ ُزنْ‬

‫(‪)18‬‬

‫ـروي وهــو يف بــاد املهجــر يتل ّقــف األخبــار عـ ّـا يصيــب‬ ‫القــروي العــرويب‪ :‬لعلّهــا الصفــة األكــر التصاقًــا بــه وأشـ ّد ظهــو ًرا يف شــعره‪ ،‬فــكان القـ ّ‬ ‫أمتــه‪ ،‬ومــا يلحــق بهــا مــن الظلــم واالســتبداد عــى أيــدي االســتعامرين الفرنــي واالنكليــزي‪ ،‬وكان يتج ـ ّرع امل ـرارة واألمل ينفثهــا قصائــد صارخ ـ ًة‬ ‫كل شــف ٍة ولســان‪ ،‬شــاع ًرا مــأ الدنيــا وشــغل النــاس‪ ،‬وغــدا‬ ‫مزقــت الحجــب وجــدر الوهــم والتخــاذل‪ ،‬وأيقظــت املشــاعر النامئــة‪ ،‬فــإذا بالقــروي عــى ّ‬ ‫شــاعر األمــة العربيــة بــا منــازع‪ ،‬يُهتـ ُـف ل ـ ُه يف األصقــاع كلّهــا‪ ،‬وتك ّرمــه املنتديــات األدبيّــة يف الــدول العربيــة‪ ،‬كــا حصــل يف لبنــان وســوريا ومــر‪،‬‬ ‫مشــيد ًة بــدوره يف إيقــاظ الوجــدان العــريب وفضــح سياســات االســتعامر‪ ،‬فاســمعه يف هــذه األبيــات يحــثُّ أمتــه عــى النضــال والدفــاع عــن األرض‬ ‫والعــرض‪ ،‬ويطلــب منهــا التشــبه مبــا قــام بــه ســلطان باشــا األطــرش يف مقاومتــه الباســلة للفرنســيني‪ ،‬فيقــول مــن بحــر الوافــر والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫ِــــس ع ُـــــــــ ْذ َرن َــــــــــا تـ ُــ ْح ِ‬ ‫ـــســــــــ ْن َصـــنــيع َـــ‬ ‫ـب ع َــــلَـــــ ْيــــ َنــــــــــــا وأح ْــــب ْ‬ ‫فَــــــــــ َتى الــ َهــ ْيـــ َجــــــــــــــا ِء ال تَـــ ْعــــ َتـــــــــ ْ‬ ‫ـــــــــــــــــــا‬ ‫ـم بِـــهـَـــــــــــــــــــا أيـــَّـــــــــــــــــــــــام كــُــ َّنـــــــــــــــــــــــا نــُـــ َمــــــار ُِس ِفـــــــــي سـَـــالسـِـــلِـــــ َنــــــــا الـــخُـ‬ ‫تـــَـ َمــــــ َّر ْســ ُتـــ ْ‬ ‫ـــضُ ــوعـَــــــــــــا‬ ‫ـم ل َــــــــه َـــــــــــــا ج ُــــثَـــــثًـــــا وهــ َـــام ًــــــــا وأو َقــــــــدْ نَـــــــــا الــــ َمــبــــــا ِخـــــــــ َر والـــــشُّ ـــــ ُمــــ‬ ‫ف َــــــــأ ْوقــــــدْ تـ ُـــــــــــــــــ ْ‬ ‫‪1 5‬‬ ‫‪ 16‬‬ ‫‪ 17‬‬ ‫‪ 18‬‬

‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.539‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.124‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.264‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.112‬‬


‫و َذوي‬

‫(‪)28‬‬

‫بحب أمته واالعتزاز بها‪ ،‬فيقول من بحر الكامل والقافية من املرتاكب‪:‬‬ ‫ونسمعه يف هذا البوح العرويب النابض يف صد ٍر امتأل فيها ّ‬ ‫ـب‬ ‫ـب أتـــــــــيـــــــــــت بــــــــــــــــــــ ـ ِه عـــــــجــــ ًبــــــــــــــا عــــلــــــــى عــــجـــــــــ ٍ‬ ‫نـَــسـَــــــــــب إلـــــــــــــــــى نــــســـــــــــ ٍ‬ ‫ـب‬ ‫عـــلــــــــى عـــجـــــــــ ِ‬ ‫أو ي َــــــس ْــــتــــحـــــــــــي بـــــأبِـــــيــــــــــــــــــــــه مـــــــ ـ ْن دمــــــــــــــــــه د ُم شــــــــاعــــــــــــــ ـ ٍر وخــــلـــــيــــــــفـــــــــــــ ـ ٍة‬ ‫(‪)29‬‬ ‫ونـــــــــبِـــــــــــي‬ ‫ولعمــري إنــه شــاعر العروبــة األكــر‪ ،‬يؤكــد ذلــك مــا ورد مــن شــعره عــاو ًة عــى هذيــن البيتــن املعربيــن عــن ثورتــه ونخوتــه خــر تعبــر‪،‬‬ ‫فهــو مل يعشــق الشــعر –درب نضــال‪ -‬جاه ـاً‪ ،‬بــل عــن وعــي وإدراك‪ ،‬فعــاف كنــوز األرض عندمــا آمــن بــدرب الكلمــة الصعــب‪ ..‬ألنــه دامئ ـاً يشــعر‬ ‫بالــذل إذا مــا ذل قومــه‪ ،‬ولــو كان أغنــى النــاس مــاالً ويشــعر بالعــزة إن عــز قومــه وإن كان ال ميلــك شــيئاً‪ ،‬ســيام‪ ،‬وإنــه واحــد مــن الذيــن عملــوا مــن‬ ‫أجــل هــذه العــزة‪ ،‬فيقــول مــن بحــر الخفيــف والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫ـــــكـــــــــــــــــــــــــوت‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ثــــــــــــرت أو‬ ‫ُ‬ ‫أنَــــــا إن‬ ‫شـــــــــكــــــــــــوت فــــــــــمــــــــــــا ثـــــــــــــــ ْر ت لـــــبــــطــــــلٍ وال شــَ‬ ‫( ‪)3 0‬‬ ‫لـــــــــعـــــــجـــــــــ ِز‬ ‫ُّ‬ ‫قــــومــــــــــي‬ ‫ـت أغــــــنـــــــــــــى الــــــنـــــــاس طـ ُـــــــــــــــــــــ ًّرا وعــــــــ ُّز‬ ‫ذل قـــــــــومــــــــــــي ذلّـــــــــــــي وإن كـــــنـــــــــــ ُ‬ ‫َ‬ ‫(‪)31‬‬ ‫عـــ ّزي‬ ‫التســامح الدينــي‪ :‬يعتــر الشــاعر القــروي رائ ـ ًدا يف الدعــوة إىل التســامح الدينــي ومحبــة األديــان الســاوية‪ ،‬وقــد ك ـ ّرس جــز ًءا كب ـ ًرا مــن‬ ‫نتاجــه لنجــدة هــذه املفاهيــم التــي إن ســادت تنعــش الجنــس البــري وتو ّحــده‪ ،‬وهــو يغتنــم فرصــة حلــول عيــد الفطــر الســعيد ليجعــل مــن الصــوم‬ ‫قيمـ ًة ذات داللـ ٍة مختلفــة‪ ،‬فيقــول يف قصيدتــه «عيــد الفطر»مــن بحــر الطويــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫ـــق يا َف ِمـــــــي‬ ‫وصــــــــ ْمـــتـ ًــــــــــــا إلـــى أنْ ي َـ‬ ‫الـــســـــ ْي‬ ‫ـصــدَح الـ َح ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ـــــــف بـــالـدّ ِم َ‬ ‫َ‬ ‫صــيـــا ًمـــــــــا إلـــــــى أنْ ي َـــفْـــطُـــــــ َر َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِـــــي الـــ‬ ‫أكــــــــــ ّرم هـــــــــــــذا الــعــــيـــــــد تـــكــريـــــــــــم شــــــــــاعـــــــــــ ٍر يــــــــــتـــيـــــهُ بــــِـــــــآيَ‬ ‫ــــــــــــــــات الـــ َّنــب ِّ‬ ‫ـ ُمـــعـــــظَّ‬ ‫ـــــــــــم‬ ‫ِ‬ ‫ولَـــــ ِكــــ َّنــــ ِنـــــــي أص ْــــ ُبـــــــــو إلـــــــــــى عــِــيـــــــــــ ِد أ َّمــــــــــــــــــــــ ٍة ُمـــ َحـــــــ َّرر ِة األع ْـــــ َنــــــــــــاقِ ِمــــــــــــــ ْن ِّ‬ ‫رق‬ ‫أ ع ْــــ َجــــ ِمـــــــــــــــــي‬ ‫ـت‬ ‫إلــــــــــى عـــلـــــــ ٍـم مـِـــــــــ ْن نَـــســـــــجِ عــيــســــــــــى وأحـــمــــــــ ٍد وآمــــــنــــــــــ ٍة فـــــــــــــــــي ظـِــلـّـــــــــــ ِه أخــْــــــــــ ُ‬ ‫(‪)32‬‬ ‫مــَــــريـــــ ِـم‬ ‫نعمت والله أيها الشاعر الناجح! وهل أجمل من عناق سفراء السامء خدمة للمجتمع البرشي؟!‬ ‫ويــرخ شــاعرنا مــن أعــاق قلبــه عــر دعوتــه إىل املحبــة واألخــوة التــي تدعــو لهــا جميــع األديــان‪ ،‬يف أبيـ ٍ‬ ‫ـات جمــع فيهــا إىل جانــب التســامح‬ ‫الدينــي نفحــة العروبــة والوحــدة والتامســك‪ ،‬فيقــول مخاط ًبــا قومــه وأهلــه مــن بحــر البســيط والقافيــة مــن املرتاكــب‪:‬‬ ‫ـي يــذكِّـركــُـــــــــــــــــم ال يُــــنـــهِـــــــــض الـــشـــــــ َ‬ ‫ـرق ّإل ُحـــ ُّبــــنـــــــــــــــا‬ ‫يــــــــــــــــا قـــــو ُم هـــــــــــــــــذا مــــســــيحـــــــــــــ ٌّ‬ ‫األخـــــــوي‬ ‫‪2 8‬‬ ‫‪ 29‬‬ ‫‪ 30‬‬ ‫‪ 31‬‬ ‫‪ 32‬‬

‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.225‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪695‬‬ ‫() تحذف ألف “أنا” للضرورة الشعرية‪.‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ ,‬ديوان القروي‪ .‬م‪ .‬س‪ .‬ص‪.555‬‬ ‫() د‪.‬حسن جعفر نور الدين‪ .‬شعراء المهجر‪ .‬ص‪.448‬‬


‫ـب يــــــــــــا شــــــبــــــــــاب الــــــعـُــــــــــرب ثِ‬ ‫ِ‬ ‫ْـــــــت نـَــــــ‬ ‫َ‬ ‫الــــشـــعــــــــــوب وأن‬ ‫مـــــــشــــــــت‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــب‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ثِــــــــــــ ْ‬ ‫ـــــائِ‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــم‬ ‫ْ‬ ‫سعي تـــــــــــــأ ْجـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــجج فـي الـــــــعــــــــــــروقِ ويف الــــــــــــ َعــــــــــــ‬ ‫ثـــِـــــــــ ْ‬ ‫ـب ف َــــــالـــ ُعــــلَــــــــــــى ٌ‬ ‫زائــــــــــــم‬ ‫ْ‬ ‫عـــِـــــــــ ْ‬ ‫ـش لِــلْـــ ُعـــــــــــ ُروبــــــــــــــــــــ ِة هـَـــــــــــــاتِـــــــــفــًــــــــــــــــــــــــا بــــــِــحـَـــــ َيـــــــــــاتِــــــــهـــــــــــــــــــــا ودَو‬ ‫ا مـِــــــــــــــهـــــــــــــــــــــــــــــــــا‬ ‫ـب َيــــــــــــــــــــــــــــا ل ُــــبــــــــنـــــــــــانَـــــــــــه َـــــــــــــــا لِـــــشَ ـــــ‬ ‫وامـــــــــــــــدُ ْد َيـــــ ِمـــــيـــــــــ َن الـــــــــــ ُحــــــــــــــــــــ ِّ‬ ‫(‪)24‬‬ ‫ــــــــآ ِمــــــــــهــــــــــــــــــا‬ ‫ومــن أجمــل مــا أبدعــه حــول وحــدة األخ ـ ّوة العربيــة‪ ،‬وقلّــا متــر قصيــدة يف ديوانــه الجامــع وليــس فيهــا نكهــة العروبــة والغــرة عليهــا‪،‬‬ ‫فتســمعه يقــول مــن بحــر الكامــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫ـــــــــل م َــــــا‬ ‫َ‬ ‫وص‬ ‫يــ َـــــــــا هــــــاتــــــفًــــــــــــا بـــــالـــــفَــــــــــ ْرق َــدَ ي ْـــــــنِ تَــــــال ِقــيـــــــــــــا كــــلَّـــــفْــــــــــ َ‬ ‫ْـــــســــــــكَ ْ‬ ‫ـت نَــف َ‬ ‫َــــــــم يـــفـعــــلِ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ـــــــصــــــــ‬ ‫ـــــــــروت فـِــــــي البـَـــلْـــوى ِســوى عـَـ ْيـــ َنـــــــــي مـــــولَّـــــــــــهـــــــــــــ ٍة وحــــــدّ ي فَـــ ْي‬ ‫ُ‬ ‫مـَــــــا الـــشَّ ـــــا ُم َمــــــــا بــَ ْي‬ ‫َ‬ ‫ـــــــلِ‬ ‫َــــــــــم‬ ‫ِــــيــــــب وأُخـــ ُتـــــ َهــــــــــا ل‬ ‫َـــمــــلـــــــــــت َعـــــــلَـــــــــــى ف َـــقْــــــ ِد الــــ َحـــب‬ ‫ْ‬ ‫ـت َو ْيــــ َحــــــــكَ ُمـــقْــلــــ ًة ه‬ ‫أ َرأَ ْيـــــــــــ َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫تـــهـــمــــــــــلِ‬ ‫ـب وإخـْـــــــ َوتـِــــي فـِي‬ ‫وأعـــــــــــ ُّز مـِـــــــــــ ْن دُنـْـــ َيــــــــــــا األعــــــــــ َّز ِة كُــــــلِّـــــهـَــــــــــــــــــــا جــــَــــاري الــــقَـــــــــــريـــــــــ ُ‬ ‫(‪)25‬‬ ‫املنــزلِ‬ ‫ـدح عــى‬ ‫مــا أجمــل هــذه الصــور الخالقــة ومــا أحوجنــا إىل تطبيــق مــا تعنيــه اليــوم‪ ،‬أو مــن شـ ٍّـك بعــد هــذا الوجــدان العــرويب‪ ،‬هــو يصـ ُ‬ ‫أفنانهــا ويغـ ّرد عــى أغصانهــا املائســة ليــل نهــار‪ ،‬أناشــيد العــزة والوحــدة والحريــة‪ ..‬وهــا هــو شــاعرنا يقــول مــن بحــر الكامــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫ــــــاب فــــــــــــــــــي شــَـــــدْ وي عـَـــــــــلــــــى ســَــــ َرواتِــــــهـَــــــــا وتـَـ َنـــقُّـــلِــ‬ ‫َـــصـــــــــدّ ُ‬ ‫إنّـــــــــــي ل َ‬ ‫َ‬ ‫اح الـــ ُعـــــــ ُروبَـــــــــــ ِة طـَ‬ ‫ـــــــــــــــي‬ ‫مــــع الـــــ ِعــــظَ‬ ‫ـــــــام و َمـــــا‬ ‫شـ َــــــدْ وي ع َــــــــــلــــــــى سـ َـــــ َرواتِــــــه َـــــــــا وت َــ َنـــقُّـــلِـــــــــــــــــي أبــــــلـــــــــى الــــزمــــــــانَ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َبـــلِـــــي‬ ‫ـت لــِــــــي قــَـ ْبــــــــ ٌر يُــــزا ُر ولـــــــــي‬ ‫شـُـــــــهـَــــــــداؤُه مــِـــــــ ْـلء الـــبـــــــــا ِد فـَـــــــــــأيْـــــ َنـــــ َمــــــــــــــــا يــــ َمـــــــــ ْمــــــــــ ُ‬ ‫ـروي أبــا العروبــة وأ ّمهــا وســنديانتها امللكيــة‪ ،‬ومــن غــره كان أشـ ّده حني ًنــا إىل ماضيهــا العريــق‪ ،‬فـراه يقــول يف ذلــك مــن‬ ‫ولـــــــي(‪ )26‬رحــم اللــه القـ ّ‬ ‫بحــر البســيط والقافيــة مــن املرتاكــب(‪:)27‬‬ ‫ـس عـــــــــــــو ٌد بــــرو ِحــــــــــي أفـــــــــــدّ ي عــــــــــــــــو َد ُه‬ ‫يــ َـــــــــــا َحـــــ َّبــــــــــــذا عـــهـــــــد بــــــغـــــــــــدا ٍد وأنْــــدلُـــــــــــــــ ٍ‬ ‫‪2 4‬‬ ‫‪ 25‬‬ ‫‪ 26‬‬ ‫‪ 27‬‬

‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.309-310‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬ص‪.369‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.374‬‬ ‫()المتراكب‪ :‬هو ثالث متحركات بين ساكنين ‪ .5///5‬حسن محمد نور الدين‪ .‬الشعرية وقانون الشعر‪ .‬ص‪.104‬‬


‫أكـــــرم بــــحــبــــــــلٍ غـــَـــــــدا لـلــــــــــــ ُعــــــــــــــــــ ْرب رابـــــــطـــــــــــ ًة وعـــقـــــــــد ًة و ّحــــــــــــدت لـــلــــــــعــــــــــرب‬ ‫( ‪)36‬‬ ‫مــــعـــــتـــقـــــــــــدا‬ ‫ـب بعيـ ًدا يف قضيــة الدفــاع عــن وحــدة أمتــه وحياتهــا‪ ،‬فهــي تعلــو عــى كل يشء‪ ،‬وليــس للديــن مــكان أو زمــان مح ّدديــن‪ ،‬وهــو وهــو‬ ‫ويذهـ ُ‬ ‫يقــاس يف مجتمـعٍ مــا بقــدر مــا يكــون لألخــاق والقيــم مــكان يف املامرســة العميقــة‪ ،‬فيقــول مــن بحــر الطويــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫بــــــــادُك قــــــدّ مــــهـــــــــــــــا عـــــلـــــــــــــى كــــــــــــ ّـل مــــلّـــــــــــــــ ـ ٍة ومــــــــــن أجــــــلـــــهــــــــا أفـــــطـــــــــ ـ ْر ومــــــن‬ ‫أجــــلـــهــــــا ُصـ ِـم‬ ‫ــــــل صـ َــــــــــا َر عـــــلـــــ ًجـــــــا صــــــو ُم مـِــليـونِ‬ ‫ــــــــــــدي فـــــــــــــ َر َّو َع دول َـــــــــــــــــــــــ ًة فـــــ َه ْ‬ ‫لــقــــــــد صـــــــــــا َم هـِـــ ْن‬ ‫ٌّ‬ ‫مسلم‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫هـــبــــــــونـــــــــي عــــيـــــــــدً ا‬ ‫يـــجـــعــــــل الــــعـــــــرب أ ّمـــــــــ ًة وســــيــــــــروا بــجـــثــــمـــــانــــــــــي عــــلــــــى ديــــــنِ‬ ‫هـــم‬ ‫بـــ ّر ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وســـهــــــــل بـــعـْـــــــــدَ ُه بـــــجـــــــهـــــــ‬ ‫وأهـــــــــل‬ ‫ســـــــــا ٌم عـــــلــــــــــى كُـــــفــــــــــ ٍر يُــــــ َو ِّحــــــــدُ بـــــيـــــنــــ َنـــــــــــــا‬ ‫(‪)37‬‬ ‫ــــــــــم‬ ‫ِ‬ ‫ــــنـّ‬ ‫ـض‬ ‫روح ســمحة تحـ ّ‬ ‫ـب أمتــه وحلمــه بوحدتهــا املنشــودة‪ ....‬ويف قصيــدة «نحــن أعطينــا القلــم» ٌ‬ ‫فــرى أ ّن الشــاعر يــرف إىل حـ ّد كبــر يف حـ ّ‬ ‫عــى التســامح الدينــي وعــى عظمــة اإلســام ومجــد العروبــة يف ظلّهــا‪ ،‬فيقــول مــن بحــر مجــزوء الكامــل ‪:‬‬ ‫نـــحــــــ ُن األُلــــَــــــــــــــى ســـُــــدْ نـَــــــــا الـــــــشُّ ـــــ ُعـــــــــــــــــوب ونــَــــــــ ْحـــــــــــ ُن قد َقـــــــــــــــــــدْ نــــــــــــــــــــــا األُ َمـ‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــم‬ ‫ْ‬ ‫أعـــــــــطـــــــــــــــــاهـــــــــــــــم الله الـــــــلـــــــــــــســـــــــــــــــــــــــــــــــــان ونــــــحــــــــــــــــن أُعـــــطــــــيـــــنــــــــــــــــ‬ ‫الــــــــــقـــــــلــــــــــــــــم‬ ‫ـــــــا‬ ‫ْ‬ ‫َــــــــــــــــــاض ِمـــــــــــــــــــــــــ ْن َمـــــــــــــــ ْهـــــــــــــــــــــ ِد الــــــــــــــ ُمـــــــــــــر‬ ‫َ‬ ‫نـــــــــــــــــــــــــو ُر الـــــــ ُّنــــــ ُبــــــــــ ّوة ف‬ ‫وءة والــــــــكـــــــــــــــــــــر ْم‬ ‫ِ‬ ‫األرض خَـــــــــــا ِفــــــــــقَـــــــــــــــــــــــــــ ُة الــــــــــ‬ ‫وإذا الــــــــــعــــــــــروبــــــــــــــــــــــ ُة فـِـــــــــــــــــي أقــــــــــاصـــــــــــــي‬ ‫َـــــــــــــــــم‬ ‫َعــــــــــــــــــل‬ ‫ْ‬ ‫ولـــــــــــقــــــــــــــد تَـــــــقـَـــــــــــــــــــــاســـــــ ْمـــنــــــــــــــا الـــفـــخــــــــار كــــَـــــ َمــــــــــــــا تـَــــــقـَـــــــــــاســَــــــ ْمــــــنــ‬ ‫األلـــــــــــــــــــــــــــــم‬ ‫ـــــــــــا‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫يــــخــــبـــــــــــــــــط‬ ‫والــــــــــــغــــــــــرب‬ ‫طــــــــلــــــــــــــــــع الـــهــــــــــــــــدى مــــــــــــــــــــــن شـــرقــــنـــــــــــــــــــا‬ ‫ُ‬ ‫الــــظـــلــــــــــــــم‬ ‫فــــــــــــــــــــــي‬ ‫ْ‬ ‫أهـــــــــــــــــــــــــل وبــــــــــــــابـــــــــــــــــــن عــــــــــبــــــــــــــ‬ ‫ّ‬ ‫بــــــــــــــــــقــــــــــــــــامـــــــــــــــــــــــوس‬ ‫ٍ‬ ‫بــــــــــــــــــد ًرا‬ ‫(‪)38‬‬ ‫تـــــــــــــــــــــــم‬ ‫ـــــــــد الله‬ ‫ْ‬ ‫الكامــل‪:‬‬

‫حســاده‪ ،‬يجمــع العروبــة مــع اإلســام واملســيحية‪ ،‬فهــي أهــداف مشــركة واحــد ٌة لخــر البرشيّــة جمعــاء فيقــول مــن بحــر‬ ‫ويف ر ّده عــى ّ‬

‫ـف ق َــــلْــــبِــــــــــــي عـ َـــــلَــــــــــــى س ُـــ ُبــــ َحـــــاتِــــــهـــا‬ ‫أنــِـــــــي ع َـــــلَــــــــى ديــــــــــــنِ الـــــ ُعــــــــــروبـــــــــ ِة واقـــــــــــــــــ ٌ‬ ‫‪36‬‬ ‫‪ 37‬‬ ‫‪ 38‬‬

‫ () رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬ص‪.255‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.279-280‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬ص‪.346‬‬


‫فـــــــــــــــإن ذكــــرتُـــــــــــم رســـــــــــــول الله تـــــــكـــــــــرمــــــــــــــــ ًة فــــبـــــلـِّـــــغـــــــــــــوه سـَـــــــــا َم الـــشَّ ــــــــاعـِـــــــــ ِر‬ ‫(‪)33‬‬ ‫القـــروي‬ ‫وير ُّد عىل المئيه مستعي ًنا بالرسول واملسيح‪ ،‬وهام أفصح معني وأعظم دليلٍ ‪ ،‬فيقول من بحر الكامل والقافية من املتدارك‪:‬‬ ‫َ‬ ‫ــــــــط الــــ َمـــــ‬ ‫وس‬ ‫قـُـــــــــــــــــــــــــــ ْـل لِـلْـــق َ‬ ‫وي ْ‬ ‫َــــصـــــائِــــــ ِد كُـــلِّـــهـــــ َّن تــــذلُّـلِــــــــــــــــي لــلـــشَّ ـــــا ِعـــــــــ ِر الـــقَـــــــــ َر ِّ‬ ‫ْحــــ ِفــــــــــــلِ‬ ‫ِ‬ ‫الـــكـــــتــــــــــــاب الـــــمــــــــن ْــــ‬ ‫كــــــــــآيــــــــــات‬ ‫ـم ولــــــــــــ ْو أســــــــــم َـــ ْع ُتــــــــهم غر ًرا‬ ‫هـــيــــ َهــــــــــ َ‬ ‫ِ‬ ‫ـات أ ْرضـــيـــــهــــــــ ْ‬ ‫(‪)34‬‬ ‫ــــــزلِ‬ ‫ويتألــق يف بيتــن اثنــن يفيضــان بــروح التســامح الدينــي وعظمــة التواصــل مقتديــن بعظــاء املســلمني الخلفــاء الراشــدين‪ ،‬فيقــول مــن بحــر‬ ‫الكامــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫ـم‬ ‫تـــــــالل ِه َمـــــــــــــــــــــا هـــَــــــــــذا الــــجـَــــفَــــــــــــــــــا ُء أل َّمــــــــــــــــــــ ٍة مــــــــــــا أنــــجــ َبـــ ْ‬ ‫ـت غــيــــــــ َر الـــ ُمـــــعــــــــ ّ‬ ‫الـــــــمــــخــــــــــــــولِ‬ ‫أتُـــــــــــريــــــــــــــدُ أ ْعــــــظَ‬ ‫ــــب الــ ِكـــرا ُم و ِمـــــــ ْن َعـــــــلـــــي‬ ‫ــــــــــــم مـــــ ْن أبـــــــــي بكــ ٍر ومـــــ ْن عـــمـــــــ ٍر إذا‬ ‫َ‬ ‫انــــتــــس َ‬ ‫َ‬

‫(‪)35‬‬

‫ويجمــع يف أبيــات حبّــه للعروبــة واإلســام يف آنٍ م ًعــا‪ ،‬وذلــك عنــد بــزوغ شــمس عبــد النــارص ونشــوب العــدوان الثــايث عــى مــر ســنة‬ ‫‪1956‬م‪ ،‬فيقــول مــن بحــر البســيط والقافيــة مــن املتواتــر‪:‬‬ ‫بــحـــــب الــمـــصـــطـــفـــــى وغـــدت عـــــــروبـــ ِتــــــي م َــــثَـــــلِــــــــي األع ْـــلَــــــى وإســـــالمـــــــــــــي‬ ‫شــغـــلــــت قـــلــــبـــــــي‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ــام‬ ‫َ‬ ‫ذلـــــيــــــل‬ ‫عـــــــــــاش الــــــــذي أد َّب الـــطَّــــا ِغــــــــي وكــَــبـــكَــــــبـــــــــهُ عَـــــــــــنِ الــــقناة‬ ‫خــــــــافــــــض الـــ َه ِ‬ ‫ــظــــيـــــــــــم حـِـــيــــــــــــ َن ت َــــــ ْذك ُــــ ُر ُه وقْــــــــف دقـــــــيـــــــــق َــــــــــ ِة إجــــــــــــــاللٍ وإعـــــــ‬ ‫دع ذكـــــــــ َر كـــــــــــــــ ِّـل ع َـ‬ ‫ٍ‬ ‫ـظــــــــــــــــــام‬ ‫ومــن األديــان الســاوية تنطلــق رشارة الحــب التــي تو ِّحــد بنــي البــر‪ ،‬لفظـ ٌة حملتهــا األديــان وســيلة تقــارب وتواصــل بــن األمــم جمعــاء‪،‬‬ ‫فيقــول مــن بحــر الطويــل والقافيــة مــن املتــدارك‪:‬‬ ‫ـارت إلــــــــى الــــــــقــــــــــــــــرآن مـــــنـــــــــــــه شـــــــــــــــــــرار ٌة تـــــالقــــــــــى بـــــهـــــــــا مـــــوســــــــى وعـــيــــســــى‬ ‫وطــــ ْ‬ ‫وأحـمـــــــد‬ ‫ومــــــــ ّحــــــــــصــــــــــــــت الــــنــــيـــــــــــ ـران مــــحــــكـــــــم آيـــهـــــم كـــــــــمـــــــا فــــــــــــي تـــــــــــــ ـراب األرض مـُ ـ ِّحص‬ ‫مـــســجــــــــدُ‬ ‫الـــقـــــــلــــــوب‬ ‫فـــلـــــــم يـــبـــــق مـــــــــن أقــــوالـــهــــــــــــم غــــيــــــــــــــر لـــفـــظـــ ٍة تــــخــــــــ ُّر لـــمـــعـــنـــاهــــــــــــا‬ ‫ُ‬ ‫و تـــــــســــجــــــــــــــدُ‬ ‫أحـــــاطـــــت بــــــــجــــــــ ِّو الّــــالنــــهــــايـــة فـــاغــتــــدى بـــقـــــوســــــــيـــــــــنِ مــــــــــــــــن حــــــــا ٍء وبــــــــــا ٍء يــــحـــــدَّ د‬ ‫رص القــرىب والروابــط بــن العــرب ليســتطيعوا قهــر االســتعامر‪ ،‬فيقــول‬ ‫ـح عــى شـ ِّد أوا ِ‬ ‫وخــال رثائــه الشــهداء الذيــن أعدمهــم جــال باشــا الســفاح يلِـ ُّ‬ ‫مــن بحــر البســيط والقافيــة مــن املرتاكــب‪:‬‬ ‫ـم عـــلـــــــى الــشُّ ـ َهدا أزكـَـــــــــــى الـــصــَّــــــال ِة عـَــــــــلَــــــــــى أرواحــِــــهـِــــــــم‬ ‫ـــســــلــــــيــــــ ٌ‬ ‫خَــ ْيـــــــ ُر الـــمــــطــــالــِــــــعِ تـَ ْ‬ ‫أَبـَـــــدا‬

‫‪3 3‬‬ ‫‪ 34‬‬ ‫‪ 35‬‬

‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬ص‪.225‬‬ ‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.368‬‬ ‫() د‪ .‬خفاجه‪ .‬قصة األدب المهجري‪ .‬ص‪.592‬‬


‫ـسـا نِــــــــــي‬ ‫ولِ َ‬ ‫الــــمــــقـــــــــيــــم ألهْـلِـ َهـــا والــــــــــ َّذ ْو ُد ع َــــــــــ ْن ح ُــــ ُر َمـــــــاتِـــــهـــــــــا ف ُــــــــ ْر‬ ‫الـــحــــــــب‬ ‫ـي‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫إنــــــــــجـــــيــــــــلــــــــــــ َ‬ ‫قــــــــــانـــــــــي‬ ‫والـــمــــســـيــــــــح بِـــثَـــ ْورتِـــــــــــي وحـَـــ َمـــــــاسـَـــ ِتـــــــــــي وتـَـــســــــا ُمـــــحــــــــــي‬ ‫ُ‬ ‫أ ْر‬ ‫ضــــــيـــــــــــــت أحــــــــمــــــــدَ‬ ‫َ‬ ‫و َحــــنـــــانــــــــــــي‬ ‫يـــــــــــا مــــســــلــــمـــــــــــون ويــــــــــــا نـــصـــــارى ديــــ ُنـــكـــــــم ديــــــــــــ ُن الــــعــــــروبــــــــــــ ِة واحــــــــــــــدٌ ال اثـــــــنـ‬ ‫ــــــــــــــــــانِ‬ ‫ِ‬ ‫ـــــــــــاضـــكُـــــــم وريَـــــــــــاضُ ـــكُـــــــــــم‬ ‫بــــيـــــــــروتُـــكــــــــــم كــــــدمــــشــــقـــكـــــــم و ِد َمـــــشْ ـــــــقُـــــكــــــــم كـــــــرِي َـ‬ ‫كَـــــ ُعـــــ َمــــــــــــا ن‬ ‫ـام إلـــــــــــــى‬ ‫ســــتـــــــجـــــــــــدّ دونَ الــــ ُمــــــلْـــــــــكَ ِمـــــــ ـ ْن يــــمـــــــــــــــــنٍ إىل ِم‬ ‫ـــــــصــــــــــــــ ـ ٍر إلـــــــــــى شــــــــــــــ ٍ‬ ‫ْ‬ ‫(‪)39‬‬ ‫تَطْــــــــــــوان‬ ‫ـروي رشــيد ســليم الخــوري الــذي مــأ الدنيــا وشــغل النــاس‪،‬‬ ‫ذلــك هــو تاريــخ العروبــة يف ظــال اإلســام العظيــم! وهــذا هــو الشــاعر القـ ّ‬ ‫لؤلــؤة الشــعر التــي ملعــت يف ســاوباولو‪ ،‬وامتـ ّد وهجهــا إىل ضفــاف املتوســط‪ ،‬حامـ ًـا معــه أيقونتــن هــا اإلنجيــل والقــرآن‪ ،‬ســفينتا النجــاة والبقــاء يف‬ ‫رشقٍ تبتل ُعــه األنانيــة والجشــع‪ ،‬يحييــه الوفــاق ومييتــه النفــاق‪.‬‬ ‫ونصف يف‬ ‫ســبعون عا ًمــا مــن أغنــى ســنوات الحيــاة‪ ،‬أشــبعها القــروي عطــا ًء وإبدا ًعــا‪ ،‬وقصائــد تشــبه األســاطري‪ ،‬قلبــه نصفــان نصـ ٌـف يف املهجــر ٌ‬ ‫الوطــن‪ ،‬ولســان حالــه يــردد يــوم عوتــه األخــرة إىل أرض الوطــن ســنة ‪1958‬م وقــد وطئــت قدمــاه أرض دمشــق الفيحــاء وهــو يف غايــة الوجــد والحنــن‪:‬‬ ‫ألمـــــــــوت ِفـــــــــــي‬ ‫َ‬ ‫بن ْـــــــــــ َ‬ ‫ـت الــــ ُعــــــــــروبــــــ َــــــ ِة هَـــ ِّيـــــ ِئــــــــــي ك َـــــفَــــــ ِنــــــــــــي أنـــــــــــــــــا عـــــــــائِــــــــــدٌ‬ ‫(‪)40‬‬ ‫َوطَ ِنــــــــــي‬

‫‪3 9‬‬ ‫‪ 40‬‬

‫() رشيد سليم الخوري‪ .‬ديوان القروي‪ .‬م‪.‬ن‪ .‬ص‪.353‬‬ ‫() رشيد سليم القروي‪ .‬ديوان القروي‪.‬ص‪.718‬‬


‫هل من الممكن عصرنة الدين ؟‬ ‫د‪ .‬نضال الصالح‬ ‫‪    ‬‬

‫تدور منذ فترة نقاشات حول إمكانية عصرنة الدين وهل من الممكن التقدم نحو الحداثة والرقي والحضارة في ظله ؟ عصرنة‬ ‫الدين معناها مواكبة الدين للعصر والتغير حسب متطلباته‪ .‬العصرنة في أيامنا هذه تعني الحداثة وفتح األبواب للتفكير‬ ‫العقالني واإلعتماد على العقل وليس النقل من أجل تطور المجتمع الحضاري‪ .‬العصرنة هي عكس الجمود‪.‬‬ ‫ا‬ ‫لدين ظاهرة مميزة للجنس البشري منذ تكونه‪ ،‬وسمة متأصلة في النفس اإلنسانية‪ ،‬يسعى اإلنسان من خاللها للسمو نحو‬ ‫ما يراه مطلقا‪ .‬و لقد حدث خلط بين ظاهرتين‪ ،‬الظاهرة الدينية والتي هي ظاهرة أصيلة في الجنس البشري وبين المؤسسة‬ ‫الدينية التي هي ظاهرة مستحدثة وغير أصيلة ومفروضة على الجنس البشري‪ .‬يقول وليم جيمس في كتابه( التجربة‬ ‫الدينية) بأن الدين هو األحاسيس والخبرات التي تعرض لألفراد في عزلتهم‪ ،‬وما تقود إليه من تصرفات‪ .‬وتتعلق هذه‬ ‫األحاسيس والخبرات بنوع من العالقة‪ ،‬يشعر الفرد بها بينه وبين ما يعتبره مقدسا وإلهيا‪.‬‬ ‫أما رودولف أوتو‪ ،‬وهو الهوتي ألماني ومن رواد الباحثين في تاريخ وفيمنولوجيا الدين فيقول في كتابه «المقدس‪1917 ،‬‬ ‫« أن القدسي قد فقد معناه األولي وتحول إلى جملة من التشريعات األخالقية والسلوكية‪ .‬أما الحالة األصلية للوعي بالقدسي‬ ‫فتجربة انفعالية غير عقلية هي أساس الدين‪ .‬وتنطوي هذه التجربة على مجابهة مع قوى ال تنتمي إلى هذا العالم‪ ،‬تعطي‬ ‫إحساسا مزدوجا بالخوف واإلنجذاب معا‪ .‬وإن اإلنقياد إيجابيا إلى هذه التجربة فكرا وعمال هو الذي يكون الدين‪ .‬ويطلق أوتو‬ ‫عل اإلحساس بهذا اآلخر المختلف كليا تعبير « اإلحساس النيوميني» المشتقة من كلمة نيومن والتي تعني تجلي األلوهية‪».‬‬ ‫ثم يقول‪ ،‬أن الدين جزء ال يتجزأ من الطبيعة اإلنسانية‪ ،‬وبينما تكون التعبيرات الظاهرية عن الدين عرضة للتغير والتبدل مع‬ ‫الزمن‪،‬فإن التكوين السيكولوجي الذي يجعل الدين ممكنا عند اإلنسان ثابت ال يتغير‪».‬‬ ‫األديان «السماوية» على إختالفها واختالف فروعها تحولت إلى مؤسسات دينية ذات شروط عضوية صارمة تتكون من‬ ‫لوائح الممنوع والحرام والشعائر الدينية المقننة وابتعدت عن التجارب الروحية إال في التجارب الصوفية التي حولت اإليمان‬ ‫من دائرة الظاهر إلى دائرة الباطن‪ .‬وحتى التجارب الصوفيية قد تحولت مع الزمن إلى شعوذات وبدال من المؤسسة الدينية‬ ‫ظهرت طبقة من المدعين بانهم أولياء هللا‪ ،‬ولقد أصبح للولي الصوفي قدرة على التالعب بمريديه والسيطرة عليهم‪.‬‬ ‫لقد سيطرت المؤسسات الدينية على األديان حتى أصبحت هذه المؤسسات هي الدين بذاته‪ .‬لذلك وفي أطر المؤسسات الدينية‬ ‫فإن األديان غير قابلة في الجوهر للعصرنة أو التغيير‪ ،‬فال الديانة اليهودية وال المسيحية تعصرنتا وال الدين اإلسالمي في‬ ‫إطار مؤسسته قابل للعصرنة والتغيير ومجاراة الحداثة‪ .‬قد تتغير بعض الظواهر واألشكال ولكن جوهر الدوغمة القائمة عليه‬ ‫لن تتغير‪.‬‬ ‫المسيحيون الغربيون تعصرنوا أما ديانتهم فال‪ .‬فالديانة المسيحية منذ عصر اإلمبراطور قسطنطين والمجمع نيقية ال تزال‬ ‫تحكمها حقيقتها اإللهية المطلقة المبنية على أن هللا نزل إلى األرض وتجسد في جسد المسيح بن مريم ثم ترك نفسه يصلب‬ ‫على الصليب وبعد موته ودفنه قام من قبره ليصعد للسماء‪ .‬الذين يشككون في عقالنية هذه الدوغمة و يتساءلون‪ »:‬كيف‬ ‫مات يسوع‪ ،‬وهو اإلله‪ ،‬على يد البشر وهل اإلنسان قادر على قتل اإلله وتعذيبه‪ ،‬وتعليقه بالمسامير فوق الصليب؟!»‬ ‫يتهمون من قبل الكنائس المسيحية بالهرطقة والكفر‪.‬المسيحية لم تغير على مر األجيال من‬ ‫ثوابتها‪ .‬الذي تغير هم جمهور كبير من المسيحيين الغربيين ونظرتهم إلى كتابهم المقدس وألوهية هذا الكتاب‪.‬‬ ‫بعد عصر التنوير األوروبي بدأ التشكيك في الحقيقة الدينية المسيحية وسمح لنقاد التوراة برفض ألوهيتها واعتبارها جزءا‬ ‫من التراث األدبي اإلنساني‪ .‬ومن النتائج التي خرجت بها مدارس نقد التوراة أن نسبة الكتب الخمسة األولى لموسى و أنه‬


‫ويجب عدم الخوض في أي موضوع يشكك بصحة وجودها‪.‬ما أدهشني هو أن كثيرأ من المعلقين الذين رفعوا سيف الحد في‬ ‫وجهي هم مثقفون وأدباء معروفون ولم يختبئوا كالعادة خلف أسماء مستعارة من ما يدل على أن الحجر على العقل المفكر‬ ‫قد وصل النخبة المثقفة‪.‬‬ ‫إذن عندما نؤكد على حقيقة معروفة اليوم لذوي اإلختصاص بأن التاريخ‪ ،‬كعلم بحفائره و آثاره الشاهدة يعرف تاريخ مصر‬ ‫جيدا‪ ،‬وقد انتهى إلى ترتيب تاريخها الزمني عبر أسرات ودول من( مينا) موحد القطرين مرورا ببناة األهرام حتى الشناشقة‬ ‫والبطالمة‪ .‬فأرض مصر تفيض بالحفائر واآلثار والوثائق والمعلومات‪ .‬إن هذا التاريخ مع كل وثائقه التفصيلية إلى حد كبير‪،‬‬ ‫ال يذكر في وثائقه على اإلطالق‪ ،‬ولو إشارة‪ ،‬نبي أو أمير أو قائد باسم موسى ‪،‬أو لصبي من بني إسرائيل تبنته ابنة فرعون‬ ‫وربي في القصر الفرعوني وصار له شأن ‪ .‬كما ال يوجد أي ذكر لفرعون غرق وجيشه في البحر‪ .‬على أهمية حدث من هذا‬ ‫النوع‪ .‬كما ال يوجد اي إشارة أو ذكر لخروج موسى على رأس اآلالف من اإلسرائيليين من مصر إلى سيناء‪ .‬وعندما نتسائل‬ ‫هل من المعقول أن تمر تلك الحوادث وتلك الشخصيات من دون ذكر لها في هذه الوثائق التي شرحت كل شاردة وواردة من‬ ‫جميع جوانب الحياة المصرية‪ ،‬لو أن هذه الحوادث كانت قد حدثت فعال كما تحدثنا عنها التوراة ولو أن هذه الشخصيات كانت‬ ‫فعال تاريخية و ليست مختلقة أو أسطورية؟ عندما نقول ذلك فإننا نكفر بالقرآن وننكر أؤلوهيته وهو أشد الكبائر‪ .‬عندما‬ ‫نذكر كل هذا فنحن‪ ،‬نشكك في حقائق قرآنية والقرآن هو أصل المعرفة وكل العلوم والوقائع على أرض الواقع يجب أن تؤول‬ ‫حسب الحقيقة القرآنية‪.‬‬ ‫لم يرد في مخيلة الناقدين العودة مثال إلى النص القرآني ومحاولة قراءته من جديد على ضوء الحقائق العلمية لعلهم‬ ‫يكتشفوا معاني أخرى للنص القرآني غير المعانى التي يكررونها منذ عقود‪ .‬األسهل بالنسبة لعقولهم هو رفض الحقائق‬ ‫العلمية على ارض الواقع ومنع الخوض في ما يدعونه الحقيقة القرآنية الناتجة عن قراءتهم للنص القرآني‪ ،‬تحت طائل‬ ‫التكفير وإقامة الحد‪.‬‬ ‫عندما نقول بأن التاريخ ال يكتب بدون وثائق وحقائق تاريخية على األرض‪ ،‬والمؤرخ ال يتدخل في المعتقدات‪ .‬المؤرخ يزود‬ ‫الجميع بالمجمل المساحي للماضي الحقيقي‪ ،‬وكل إنسان من بعده ‪ ،‬يتملى في هذا الماضي مثلما يريد‪ .‬عندما نقول ذلك فإننا‬ ‫نعتدي على المقدس وعلينا أن نؤول اللقى األثرية والوثائق التاريخية تأويال ينطبق مع الحقيقة القرآنية التي إستنبطها‬ ‫ممثلي الفكر الديني تماما كما فعل سابقا المؤرخون التوراتيون وزورا تاريخ بالدنا تزويرا رهيبا‪.‬‬ ‫المسيحيون الغربيون‪ ،‬كما قلنا‪ ،‬تنورت عقولهم وشككوا في الحقيقة الدينية المسيحية وسمح لنقاد التوراة برفض ألوهيتها‬ ‫واعتبارها جزءا من التراث األدبي اإلنساني وبدأوا في إعادة قراءتها على هذا األساس‪ .‬ما حدث لمسيحيي الغرب لم يحدث‬ ‫لمسيحيي العرب و لن يحدث أبدا للمسلمين و سيظل القرآن بالنسبة لهم هو وحي إلهي كل حرف فيه من كالم هللا‪.‬‬ ‫الفكر الديني اإلسالمي لن يقبل حتى بتاريخية النص القرآني وأنه بغض النظر عن المصدر األول للنص القرآني فإنه حالما‬ ‫جرى نطقه من قبل النبي محمد وجرى تداوله بين الناس ‪ ،‬أصبح نصا أرضيا بشريا يخاطب البشر المتلقين بلسان أرضي‬ ‫بشري هو اللسان العربي‪ .‬هذا وإن المخاطبين به باألساس هم الناس الذين ينتمون إلى النظام اللغوي الذي نطق به النص‬ ‫وينتمون إلى اإلطار الثقافي واإلجتماعي في فترة تأسيسه‪ .‬القرآن‪ ،‬كما قال طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي أصدق مرآة‬ ‫للحياة الجاهلية» وهذا يؤكد الجدلية بين النص والمجتمع الذي خاطبه وإال لما فهموه وما تقبلوه ولما تفاعلوا معه‪ .‬إنها‬ ‫رسالة‪ ،‬موجهة إلى البشر عن طريق الرسول محمد وذلك بغض النظر عن إيماننا بألوهيته أو عدمها‪ ،‬فلم تكن تلك الرسالة‬ ‫مفارقة لقوانين واقعهم بكل ما يحتوي هذا الواقع من أبنية وأهمها البناء الثقافي واإلجتماعي ‪.‬‬ ‫لقد قال نصر حامد أبو زيد بأن القرآن نزل في التاريخ‪ ،‬وهو يتفاعل معه تفاعالً حرا ً وسيستمر عمله في التاريخ‪ ،‬وانه يحمل‬ ‫مالمح القرن السابع الميالدي ويدل على ممارسات العرب في ذلك القرن وعلى موقعهم في العالم القديم ويعكس لنا حالة‬ ‫التاريخ قبل نزوله ولحظة هذا النزول‪ .‬؟ ويؤكد أن تاريخية النص القرآني ‪ ،‬تعني ايضا ً ان هناك اجزاء منه سقطت بحكم‬ ‫التاريخ واصبحت شاهدا ً تاريخياً‪ ،‬أي انها تحولت من مجال الداللة الحية المباشرة إلى مجال الشاهد التاريخي‪ .‬مثال ذلك‬ ‫تحول آيات الرق واالحكام المتعلقة بها الى آيات للعبرة بعد زوال نظام الرق من حياتنا‪ .‬ويؤكد أبو زيد بأنه من الضرورة‬ ‫ّ‬


‫صاحبها أو كاتبها بوحي من هللا‪ ،‬قد أصبحت نسبة باطلة تماما وال ظل لها من حقيقة‪ .‬ولقد فرض الواقع الجديد على الكنيسة‬ ‫الكاثوليكية واضطرها لتسجيل اعترافها بذلك في مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس الصادرة في عام ‪ 1960‬حيث‬ ‫تقول ‪:‬‬ ‫«ما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته قد كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة‪ ،‬أو اشرف على وضع النص ‪،‬‬ ‫ألن النص قد كتبه عديدون بعده ‪ ،‬لكن يجب القول أن ازديادا تدريجيا قد حدث ‪ ،‬و سببته مناسبات العصور التالية االجتماعية‬ ‫و الدينية»‪ .‬ومع ذلك فإن الكنائس المسيحية ال تزال تصر على أن كتبة الكتاب المقدس كتبوه بوحي من هللا وأن كل حرف‬ ‫في الكتاب هو كالم هللا‪.‬‬ ‫يقول األب المسيحي جان بوتيرو في كتابه ( بابل والكتاب المقدس) أن الكتاب المقدس باقتباسه أي شيء كان من أدب سبقه‬ ‫‪ ،‬لم يعد ذلك الكتاب الفريد و الفوق طبيعي‪ ،‬لم يعد إذن أقدم الكتب جميعا‪ ،‬الذي كتب من عند هللا شخصيا ‪ ،‬أو بإمالء أو‬ ‫إلهام منه كما كنا نراه دوما‪ ،‬تبين أنه في الواقع كتاب مغمور ضمن تيار هائل من الفكر و األدب االنسانيين ‪ .‬لم يعد يمكن إذا‬ ‫قراءته كما في السابق على أنه منزل مباشرة من عند هللا شخصيا‪ ،‬لقد تحول قبل كل شيء إلى كتاب كتبه بشر‪.‬‬

‫اإلسالم يقوم أساسا على ألوهية النص القرآني الذي نزل كوحي على النبي محمد بواسطة المالك جبريل‪ .‬النص القرآني‬ ‫هو نص إلهي غير قابل ألي مناقشة‪ ،‬وكل ما ورد في نصوصه هي حقائق إلهية ومن غير المسموح ألي أحد كان التشكيك‬ ‫في حقيقتها‪ ،‬فهي كالم هللا‪ .‬والقرآن كتاب جامع لكل علوم األرض و لم يترك شاردة أو واردة إال ذكرها‪ .‬القرآن‪ ،‬هو أصل‬ ‫المعرفة وان المعرفة القرآنية يجب أن تحل محل المعرفة التجريبية العاجزة ومن خالل المعرفة القرآنية تتم اإلجابة عن‬ ‫جميع المعضالت في أي فرع من فروع المعرفة‪ .‬إن جميع العلوم التي تؤخذ من خارج الوحي‪ ،‬هي علوم إستقرائية وتجريبية‬ ‫ال تصل إلى حد اليقين‪ ،‬ألنها علوم تكشف عن الظواهر الطبيعية وعالقاتها الظاهرية‪ .‬أما القرآن فهو علم شامل كلي ويقيني‪،‬‬ ‫فهو حاكم على كل العلوم غير محكوم بها‪ .‬هو شامل للظواهر كلها في آن واحد في كل تركيب وكل آية على إنفراد‪ ،‬وهو‬ ‫شامل للمكان حيث أنه يعبر عن حقيقة أي شيئ في أي موضوع من الكون‪ ،‬وشامل للزمان إذ تكون الحقائق مطابقة للنظام‬ ‫القرآني في جميع أدوارها وأزمانها(راجع‪ ،‬سبط النيلي‪ ،‬المنهج اللفظي‪ ،‬مكتبة بلوتو‪ ،‬بغداد وغيره كثير من المصادر التي‬ ‫تتحدث عن اإلعجاز القرآني)‬ ‫إذا وبناءأ على هذا الفكر فإنه علينا أن نقوم بتأويل الحدث التجريبي والعلمي والواقعي والتاريخي تأويال يتناسب مع حقيقة‬ ‫النص القرآني وليس العكس‪.‬فإذا تعارضت الحقيقة العلمية مع النص القرآني فمعنى ذلك أن الحقيقة العلمية هي حقيقة مزيفة‬ ‫وخاطئة ويبقى النص القرآني هو مالك الحقيقة المطلقة‪ .‬فإذا تقبلنا هذا المنطق فال بد لنا أن نتسائل‪ ،‬لماذا يقف المسلمون‬ ‫اليوم في قاع السلم الحضاري والعلمي مادمنا نملك أصل المعرفة؟ لماذا نحن مقلدون في كل مجال المعرفة العلمية ولم نقم‬ ‫بإختراع جديد أو بإضافة أي مكتشف علمي إلى منتج الحضارة اإلنسانية؟ هل نحن نجهل قراءة النص القرآني ويستعصي‬ ‫علينا إكتشاف الحقائق العلمية فيه‪ ،‬أم أننا ننتظر أن يخترع ويكتشف الغير حتى نسرع في إعالن أنه موجود في القرآن وأن‬ ‫القرآن تحدث عنه وذكره وفسره؟‬ ‫لقد نشر لي على هذا الموقع‪ ،‬قبل وقت قريب‪ ،‬مقال بعنوان « موسى والعقيدة الموسوية ‪ ،‬حقيقة أم خرافة؟» ولقد أثار‬ ‫المقال عددا كبيرا من الردود أتخمت بريدي األلكتروني وخرجت عن المألوف في النقاش البناء واحترام رأي الغير‪ .‬لم أجد‬ ‫في الردود التي وصلت بريدي‪ ،‬عدا عن بعض التعليقات الجادة التي نشرت في الحوار المتمدن‪ ،‬ردا واحدا يستند إلى العقل‬ ‫والمنطق‪ .‬لقد كان جل التعليقات ركام من الشتم واإلتهام بالكفر واإللحاد إلى جانب التهديدات المختلفة‪ .‬فكاتب المقال في رأي‬ ‫البعض هو» كافر ملحد يسكن في بالد الكفر سلوفاكيا وينشر سمومه منها‪ »».‬لقد أجمعت مضامين الرسائل التي وصلت‬ ‫بريدي على أن القرآن ‪ ،‬وهو كالم هللا‪ ،‬قد ذكرموسى كأحد األنبياء وأي تشكيك في وجود موسى وقصة موسى هو تشكيك‬ ‫في الحقيقة القرآنية وهو إنكار لكالم هللا وإعتداء على قدسية األنبياء والمرسلين وهو مس بالمحرمات التي يعاقب عليها‬ ‫القانون األرضي والسماوي‪ .‬المقال في رأيهم هو إعتداء صريح على أحد أهم الرموز القرآنية‪ ،‬والرموز القرآنية فوق الشك‬


‫التعامل مع النص القرآني من خالل سياقه التاريخي في معناه األشمل‪ ،‬ومن خالل شخصية النبي محمد وعالقته بالمجتمع‬ ‫والثقافة‪ ،‬وهذه كلها ال تزال في اطار المحرمات‪ ».‬وكان من جراء هذا القول و غيره أن المؤسسة الدينية كفرت أبو زيد‬ ‫وطالبت بتطليقه من زوجته وعاش الدكتور نصر مشردا في بالد الغرب ومات كذلك‪.‬‬ ‫لنكن صريحين مع أنفسنا وأن ال نستسلم لألوهام ونعترف بأن الدين اإلسالمي لن يتعصرن ولن تصيبه الحداثة ولن يغير من‬ ‫ثوابته حتى لو إجتمع كل المحدثين وناقشوا وألفوا الكتب وكتبوا المقاالت فلن يستطيعوا تغير قيد أنملة من ثوابته‪ ،‬فجذورها‬ ‫راسخة في فكر المسلمين‪ .‬ممثلوا المؤسسة الدينية اإلسالمية يملكون جيشا ً من الفقهاء والدعاة وما يدعون أنفسهم علماء‬ ‫دين‪ ،‬وهذا الجيش يمتلك شتى الوسائل التعبوية بدءا من آالف الجوامع وأشرطة الكاسيت‪ ،‬ومرورا ً بمئات اإلذاعات‪،‬‬ ‫وعشرات الفضائيات‪ ،‬ومئات المواقع على شبكة النت‪ ،‬وهو يحسن استعمالها‪ .‬لقد استطاع هذا الجيش زرع الحقيقة الدينية‬ ‫اإلسالمية المطلقة في عقل المسلم منذ طفولته‪ ،‬كما استطاع صرف الجماهير وحتى المثقفين منهم عن االهتمام بما يجري‬ ‫في حياتهم األرضية مقابل وعد في السعادة األبدية في العالم اآلخر‪ .‬كل المحاوالت التنويرية أو الحداثية لم تستطع أن‬ ‫تقترب قيد أنملة من الحقيقة القرآنية‪ ،‬ولن تستطيع ألن جل التنوريين جاؤا من نفس المؤسسة و محاوالتهم التنويرية مست‬ ‫الرتوش ولم تستطع ولن تستطع في المستقبل المساس بالجذور‪.‬‬ ‫الحركة التنويرية في أوروبا تركت المؤسسة الدينية لحقيقتها وأبعدت سلطتها عن الحكم وإدارة البالد وأسست حكم‬ ‫المؤسسات المدنية بعيدا عن السلطة الدينية الغير قابلة للتغيير‪ .‬لقد إختارت العلمانية التي حررت اإلنسان من السلطة الدينية‬ ‫وفتحت أمام المجتمعات الغربية أبواب الحضارة على مصراعيها‪ .‬لم تأت نتائجها بيوم وليلة بل بالعكس أخذت أعواما طويلة‬ ‫وجهدا جبارا حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم‪ .‬لقد بدأ بها الفالسفه والمنظرون ثم إنخرطت فيها جميع األطياف الفكرية‪.‬‬ ‫هذا ما نحن بحاجة إليه في وطننا العربي وبقية البلدان اإلسالمية وهذا ما يجب أن توجه جميع القوى التنويرية والحداثية‬ ‫جهدها إليه‪ .‬العلمانية لم تأت لتصارع السماء ونظرة البشر إليها وعالقته معها‪ ،‬ولم تأت لتصارع الظاهرة الدينية بمختلف‬ ‫ومكوناته وأبعاده‬ ‫أشكالها وال تتدخل في عالقة اإلنسان مع المطلق ومظاهر هذه العالقة‪ .‬العَلمانية تؤكد استقاللية العالم‬ ‫ِّ‬ ‫ومكوناته وأبعاده وقيمه‪ .‬وهي عالقة حياد إيجابي تجاه جميع األديان واإليديولوجيات‪ ،‬وال تعني‬ ‫وقيمه بالنسبة إلى الدين‬ ‫ِّ‬ ‫على االطالق إلحادًا وال شكًّا وال ابتعادًا تجاه األديان واإليدولوجيات‪ ،‬بل اعتبار أن لك ِ ّل جهة كيانَها وقيمتَها من دون رفض‬ ‫اآلخر أو استيعابه‪ .‬وهي تؤكد على قيمة ك ِ ّل إنسان وعلى حق المواطنة الكامل له من دون الرجوع إلى معتقده الديني أو‬ ‫انتمائه الطائفي‪ .‬كما تؤكد على استقاللية الممارسة السياسية عن االنتماء الديني‪ .‬واستقاللية المجتمع المدني‪ ،‬بأفراده‬ ‫سسات التعليمية و التربوية واإلعالمية واالجتماعية عن األديان و‬ ‫وتجمعاته‪ ،‬عن الطوائف واألديان‪ ،‬واستقاللية المؤ َّ‬ ‫الطوائف وسلطاتها‪ .‬ولعل أهم األسس التي تقوم عليها العلمانية هي استقاللية قوانين البالد عن الشرائع الدينية‪ .‬العَلمانية‬ ‫تعني استقاللية القيم اإلنسانية‪ ،‬كالعدالة والمساواة والديموقراطية والحرية الدينية والفكرية عن جميع المصادر الدينية‪.‬‬ ‫ا‬ ‫لعلمانية الحقيقة ال يمكن أن تكون ديكتاتورية‪ ،‬ألن األساس الذي تقوم عليه العلمانيه هو اإلعتراف بالغير وقبوله مهما‬ ‫كان دينه ورأيه بعكس الدكتاتورية فهي ترفض الغير وتلغيه‪ .‬والحقيقة أن مأساة بعض الدول العربية التي ادعت العلمانية‬ ‫هي أنها أبعد ما تكون عنها‪ .‬وكل الفشل في التجارب الذي حصدتْه‪ ،‬ال عالقة له بالعَلمانية بل نتيجة طبيعية للدكتاتورية‪.‬‬ ‫فاالستبداد والقهر‪ ،‬عندما يسد منافذ الفكر الحر‪ ،‬ال يترك غير منفذ واحد مفتوح هو الهرب إلى المسجد حيث يسيطر الخطاب‬ ‫الديني األصولي ‪ .‬والنتيجة أن االستبداد والقهر وحجز الحريات الفكرية والسياسية هو أكبر خادم للنزعات الدينية األصولية‬ ‫في المجتمعات العربية‪.‬‬


‫بيت الحكمة جامعة عالمية‬

‫بقلم الدكتورة ‪ :‬ندى الرمح‬ ‫‪1.1‬مقدمه‪:‬‬

‫إذا كان هنــاك ســبب أول النتشــار وإشــعاع حضارتنــا العربيــة اإلســامية علــى مســتوى إنســاني يختــرق الحــدود والحواجــز‬ ‫فهــذا الســبب هــو الثقافــة أوالً‪ ،‬فبهــا اســتطاع العــرب أن يستجـْــلوا كوامنهــم اإلبداعيــة وينتقلــوا مــن مرحلــة الصحــراء‬ ‫إلــى مرحلــة المدينــة‪ .‬وبالثقافــة وحدهــا بــرزت الــروح العربيــة خالصــة مــن كل مــا يعيــق حضــارة جعلــت الغــرب يقــر‬ ‫ويعتــرف أنــه لــو حـُــذف العــرب مــن التاريــخ لتأخــرت نهضــة أوروبــا ألــف ســنة‪.‬‬ ‫وبانهيــار ثقافتنــا وســكونيتها وانتقالهــا مــن الجوهــر إلــى القشــرة تالشــى فعلنــا الحضــاري وصرنــا علــى موائــد العالــم‬ ‫«أضيــع مــن األيتــام علــى مأدبــة اللئــام»‪ .‬ولعــل الجامعــة الثقافيــة التــي عرفتهــا عاصمــة الخالفــة اإلســامية بغــداد والتــي‬ ‫عرفــت بـــ «بيــت الحكمــة” كانــت أبــرز األدلــة علــى عمــق الثقافــة العربيــة اإلســامية وانتقالهــا إلــى إنســانيتها التــي ال‬ ‫ضفــاف لهــا‪.‬‬ ‫وبسبب ما وصلت اليه أمتناالعربية واإلسالمية في الوقت الحاضر من ضعف وتفكك كان ال بد لنا من‬ ‫الرجوع الى تراثنا العربي اإلسالمي ‪،‬ألننا نحتاج أن نعرف أكثر عن حضارتنا اإلسالميه ونرى ما أنجزه‬ ‫المفكرون العرب األوائل وأن نعيش مع حضارتنا اإلسالمية ‪،‬وهي في أوج نهضتها والتي طبعت تطور‬ ‫اإلنسانية بطابعها عدة قرون حيث تأثر الغرب بمبادئ نهضتنا في العصور الوسطى وذلك بإقرار‬ ‫المؤرخين والباحثين الغربيين أنفسهم‪ .‬إنها صفحة من تاريخ ماضينا جديرة بالتفكير ‪ ،‬خليقة بالتذكر والبحث عن‬ ‫مكنوناتها لنستطيع عبرها إيقاظ أنفسنا من سباتنا الطويل ‪.‬‬ ‫إن شباب اليوم محتاجون إلى هذا كله ليصححوا فكرتهم عن اإلسالم الذي حمل روح العرب وحضارتهم ‪.‬‬ ‫فاإلســام لــم يكــن مجــرد ثقافــة روحيــة ‪ ،‬ولــم تنحصــر حضارتــه فــي العــرب بــل انتقــل فعلــه الحضــاري إلــى الغــرب‪،‬‬ ‫حيــث جعــل الغــرب الثقافــة العربيــة اإلســامية ركيــزة مــن ركائــز نهضتــه التــي نــرى تطوراتهــا الخارقــة اليــوم‪.‬‬ ‫لقد ظهرت طبقة من العلماء الذين اشتغلوا بالنحو وفقه اللغه ورواية الغريب من األدب والشعر عامة‪ ،‬كما‬ ‫تناولوا العلوم القرآنية من تفسير وقراءات وعلوم الفقه والكالم وراحوا يؤولون النصوص تأويالً إبداعيا ً أدى إلى ظهور‬ ‫مدارس فكرية متطورة كالمعتزلة وإخوان الصفا وعلماء الكالم والمتصوفة‪.‬‬ ‫لقد تعرف العرب إلى مختلف العلوم وأتقنوها‪ ،‬كعلم الطب والجغرافية والجبر وتقويم البلدان وعلم التاريخ وابن خلدون‬ ‫من شوامخ شواهدنا على ذلك وكذلك الفارابي وابن سينا والخوارزمي والبيروني وابن النفيس‬ ‫وقد استم َد العرب هذه العلوم من ثقافتهم ومن ثقافات مختلفة من يونانية ورومانية وفارسية وسريانية وهندية‬ ‫ومن كل األمم التي اتصل العرب بها ونقلوها إلى العربية ولونوها بطابع عربي خاص ‪ .‬لذا كثرت تراجم‬ ‫الكتب األجنبية إلى العربية وازدادت العناية بالترجمة في عهد الرشيد الذي كان يمد المترجمين بالمساعدات‬ ‫حتى قيل إنه أمر بترجمة كل ما عثر عليه في غزواته من كتب البيزنطيين واليونان‪ ،‬ومنح في سبيل ذلك االموال‬ ‫والهبات واقتدى به وزراؤه وعماله‪.‬‬


‫رعاية خاصة وشجعها خلفاء الدولة العباسية وأعيانها فنشطت وازدهرت خالل القرن الثالث ‪ .‬وكان لها‬ ‫أهمية خطيرة في مسيرة الحضارة العربية‪ .‬فقد ساعدت العلماء والدارسين على أن يتعرفوا على ثقافات األمم السابقه‬ ‫وعلومها ‪ ،‬في حقول الفلسفة والطب والرياضيات والفلك وأحكام النجوم وغيرها ‪ ،‬وأن يلموا‬ ‫سع آفاق تفكيرهم العلمي بما يناسب المستوى الحضاري الذي وصلوا إليه ‪ .‬فأفادوا‬ ‫بها وينهلوا منها مما و َّ‬ ‫منها كثيرا ً في مختلف العلوم ‪ .‬ويمكن القول إن العرب بعد عهد الترجمة والنقل بلغوا شأوا ً بعيدا ً في مجال‬ ‫العلم والفكر والمعرفة‪ ،‬فكتبوا المطوالت ‪ ،‬واخترعوا االختراعات ووصلوا في عالم الطب والرياضيات‬ ‫والفلكيات ما لم يصل اليه سواهم قبل عصر النهضة الحديثة في أوروبا ‪ .‬وكانت مؤلفاتهم مرجعا ً هاما ً في‬ ‫معظم جامعات الغرب ومعاهده وبصوره خاصة ‪ :‬فرنسا ‪ ،‬والمانيا ‪ ،‬وانجلترا ‪...‬‬ ‫وكانت المساجد في العصر العباسي منابع العلم ومنابر التعليم ‪ ،‬يتحلق الشباب حول االساتذة يكتبون ما‬ ‫يلقونه أو يملونه ‪،‬وكانت الحلقات تختلف باختالف االختصاصات ‪ ،‬فلكل حلقة روادها‪ ،‬وكان‬ ‫يدور في هذه الحلقات مناظرات هامة تجري بين أعالم كافة الفروع ‪ .‬هذه الحلقات كان‬ ‫شرط حضورها الرغبة في العلم والسماع وهي مباحة للجميع ولكل من أراد التعليم والتحصيل والمعرفة ‪.‬‬ ‫وظاهرة أخرى ال بد من ذكرها وهي نشوء طائفة من العلماء واالدباء جمعوا أكثر العلوم ونوعوا معارفهم‬ ‫تنويعا ً واسعا ً ‪،‬إذ لم يكتفوا بالحضور إلى حلقة واحدة ‪ ،‬بل مضوا يتحلقون الى جميع الحلقات آخذين من كل‬ ‫علم بطرف ومن كل لون من الوان المعرفة ‪ ،‬وقد اغدق الخلفاء ووزرائهم على هذه الطائفة من العلماء‬ ‫وعلى المختصين منهم ايضا ً كثيرا ً من الهبات والعطايا ‪ .‬ومن االسباب الهامة في بلوغ الحركة العلمية حدا ً‬ ‫ع َم وانتشر منذ اول العصر العباسي حيث كانوا قبل ذلك‬ ‫بعيدا ً في النهضة الواسعةاستخدام الورق الذي َ‬ ‫يكتبون في القراطيس المصنوعه من ورق البردي وفي الجلود ‪ .‬وفي عهد الخليفةهارون الرشيد نشط‬ ‫الفضل بن يحيى البرمكي وأنشأ مصنفا ً ببغداد لصناعة الورق ‪ ،‬ونشطت معه الكتابة وولى عهد الكتابةعلى‬ ‫الجلود والقراطيس ‪ .‬ومنذ ذلك الحين ظهرت المصنفات الكثيرة ‪ ،‬واحتيج معها إلى النسخ ‪ ،‬فأتسعت صنعة‬ ‫الوراقة التي َح َل محلها الطباعة في العصور الحديثة‪ .‬وأخذ العلماء يفيدون منها فأتخذوا ألنفسهم ( وراقين)‬ ‫ينقلون عنهم كتبهم ويذيعونها في الناس ‪ .‬فراج سوق الوراقه وتنافس كثيرون في اقتناء الكتب واتخاذ‬ ‫المكتبات ‪ .‬كل هذه العوامل شجعت الخلفاء العباسيين منذ عصر الرشيد على إقامة مكتبة تضم آالف‬ ‫المصنفات من انواع العلوم واآلداب والفلسفه والفقه وهي ‪:‬‬ ‫‪1.1‬دار الحكمة أو بيت الحكمة‪.‬‬ ‫‪2.2‬ما هو بيت الحكمة ومن مؤسسه‪:‬‬ ‫إن فكرة دراسة العلوم الطبيعية أو العقلية خارج الجامع كانت من األمور التي راودت أذهان‬


‫فأَثروا وتأثَروا بجميع الحضارات وإذا شئنا أن نرتفع الى مستوى اآلمال التي نتطلع إليها ال بد من أن نصل حاضرنا‬ ‫بماضينا نستلهمه ونستوحيه ‪ .‬وما علينا إال أن نتعلم من أسالفنا األجالء كيف بإيمانهم‬ ‫الحقيقي وعزيمتهم القويه والتضامن فيما بينهم ‪،‬ومن خالل البعثات التي كان يرسلها الخلفاء واالمراء الى‬ ‫جميع أنحاء العالم من اجل تبادل العلم والمعرفة ونقل حضارتنا الى الخارج واألخذ عن حضارات اآلخرين‬ ‫وجمع الكتب التي حصلوا عليهافي غزواتهم ونقلوها الى بالدهم استطاعوا أن يفتحوا العالم‪ ،‬وان يصلوا الى‬ ‫أرقى حضارةعرفتها أمنتا والى ذروة النهضة العلمية والفكرية ومن هنا اخترت أن‬ ‫أتكلم عن معلم حضاري كان له دور كبير في مسار هذه النهضة العلمية وهو بيت الحكمة لنتعرف من‬ ‫خالله على الدور الذي لعبه في التبادل الثقافي والحضاري‪ .‬ونبين ألمتنا وشبابنا مدى أهمية تقبل اآلخر ونأخذ ما هو‬ ‫مفيد من كل الثقافات والحضارات لنرقى الى مستوى هذه النهضه التي شهدتها عصورنا المضيئة ‪.‬‬ ‫الأن نشغل تفكيرنا بالفتنة ورفض اآلخر ألنه يخالف تفكيرنا فاألديان تدعو للتوحيد وإلنسانية اإلنسان وانتصار القيم‬ ‫العليا‪ ،‬ولكننا أسأنا‬ ‫استعمالها من أجل التفريق والطموحات الزائلة‪ .‬وهذا ما جعلنا نلهث وراء الركب العالمي الممسك بمفاتيح عملية التقدم‬ ‫كلها في القرن الواحد والعشرين‪ .‬البد من التثاقف مع اآلخر وكما أخذت األمم منا ونهضت علينا أن نأخذ منها لننهض‬ ‫بال مواربة وبال عصبيات مغرقة في الجهل والتخلف‪ .‬وبهذا التثاقف يعم السالم القائم على التفاهم ألن اإلنسان دائما ً عدو‬ ‫ما يجهل‪ .‬إذا أردنا السالم والتقدم فإن السبيل األقوم لذلك هو الثقافة اإلنسانية الخارجة على التعصب والمتمردة على ثقافة‬ ‫الفم الواحد وثقافة الكتاب الواحد‪.‬‬ ‫األسباب التي أدت إلى قيام بيت الجكمه‪:‬‬ ‫كان في العالم اإلسالمي قبيل الفتح اإلسالمي مكتبات كثيرة‪ ،‬فكان في االسكندرية مكتبتها المشهورة التي اتهم العرب‬ ‫بإحراقها عند الفتح ‪ ،‬وكان للسريان في بالد ما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلم العلوم السريانية‬ ‫الرها ومنسرين ونصيبين ‪ ،‬وكانت هذه المدارس يتبعها مكتبات ‪ .‬كما أن كسرى‬ ‫واليونانية ‪ ،‬أشهرها مدرسة ُّ‬ ‫أنو شروان أنشأ مدرسه بجند يسابور ‪ ،‬وكان يدرس فيها الطب وما يتصل به من فلسفة ويقول ( بروكلمن)‬ ‫إن الجزيرة والعراق كانا منذ أيام االسكندر متأثرين بالحضارةاليونانية‪ ،‬وكان في الديار السريانية‬ ‫كثير من الكتب المترجمة ‪ ،‬ال في اآلداب النصرانية وحدها ‪ ،‬بل كان من ذلك أيضا ً تراجم لمؤلفات أرسطو‬ ‫وجالينوس وأبقراط‪ ،‬إذ كان هؤالء محور الدائرة العلميه في ذلك العصر ‪ ،‬وكان السريان نقلة الثقافة‬ ‫اليونانية إلى اإلمبراطورية الفارسية أيام الساسانيين وأخذت هذه البذرة اليونانيه في االزدهار حتى أيام‬ ‫العباسيين «‪ .‬وفي العهد األموي كان خالد بن يزيد بن معاوية يأمر بنقل بعض الكتب ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز‬ ‫ُكون مكتبات واسعة بل اقتصرت على‬ ‫بنقل البعض اآلخر من الكتب ‪ .‬ولكن هذه الكتب لم تبلغ مبلغا ً كبيرا ً لي ّ ِ‬ ‫مكتبات صغيرة‪ ،‬وعندما تأسست الدولة العباسية سنه ‪ 132‬هـ ‪ 749 /‬م واستقرت أوضاعها وقضت على‬ ‫األخطار التي كانت تهددها ‪ ،‬بدأ خلفاؤها األوائل يبدون اهتماما ً كبيرا ً بالعلوم والمعارف التي أينعت وأثمرت‬ ‫حضارة علمية زاهرة استضاء بنورها العالم ‪ ،‬وكان لحركة الترجمة التي أوالها الخلفاء في بغداد وسامراء‬


‫الكتب في العصر العباسي و كان يحوي جميع الكتب في العلوم التي اشتغل بها العرب ‪،‬كما كان للعلماء و‬ ‫االدباء الذين كانوا يختلفون اليها أكبراآلثار في تقدم الحركة العلمية في عهد العباسيين و نشر الثقافة و يعد‬ ‫بيت الحكمة مؤسسة علمية من الطراز الراقي‪ ،‬اهتمت بترقية األبحاث األدبية و العلمية و الفلسفية و الفقهية‬ ‫و تجردت للدراسات العليا ‪،‬و يمكن القول إن هذه المؤسسة تحولت في زمن المأمون الى أكاديمية بكل معنى‬ ‫الكلمة ‪.‬و لما توفي المأمون استمرت هذه االكاديمية في العمل مؤديةرسالتها على أكمل وجه ‪،‬و من األمثلة‬ ‫الدالة على توسع الثقافة ‪،‬و تقدم الحركة الفكرية في عهد الرشيد‪ ،‬و إقبال مجتمعه على ورود مناهل العلم‬ ‫قصة كتاب و ضع في إصالح االخالق‪ ،‬و تهذيب النفوس ‪،‬و ضعه فيلسوف هندي يدعى بيديا منذ نيف‬ ‫وعشرين قرنا لملك من ملوك الهند يدعى( دبشليم )و جعله على ألسنة الحيوانات كقصص قصيرة كلها‬ ‫ِح ّك ٌم وعبرونصائح ‪.‬و قد أُلَف َهذا الكتاب باللغة الهندية ثم ترجم إلى عدة لغات و أول من ترجمه الى العربية الكاتب‬ ‫المعروف عبدهللا بن المقفع و لما اطلع العرب على ما فيه من آراء قَيمة و حكم بالغة أعجبوا به أيما إعجاب‬ ‫و أصبحوا يتدارسونه و يتناقلونه‪ ،‬و تصدى بعص منهم لمعارضته ‪.‬و نظمه بعض الشعراء ليسهل‬ ‫حفظه ‪،‬هذه صورة لكتاب واحد من ضمن كتب ذلك العصر ‪،‬تطلعنا على ماكان للحركة العلمية من نشاط‬ ‫عظيم في ظل خلفاء بني العباس االوائل ‪.‬و لكن مع توالي األيام فَقد بيت الحكمة شيئا من أهميته و بقي‬ ‫موجودا ً في أواسط القرن الرابع الهجري عندما ألف ابن النديم كتاب الفهرست‪ .‬و نظرا ألهمية هذا الصرح‬ ‫العلمي و ما قدمه للعلم و للنهضة الثقافية في بغداد و في العالم العربي فقد حاول الخلفاء الفاطميون في‬ ‫مصر منافسة الخلفاء العباسيين فجعلوا القاهرة مركزا ثقافيا و حضاريا هاما ينافس بغداد و قرطبة و أهم‬ ‫المراكز الحضارية المعروفة فتدفق العلماء الى مصر للبحث و الدرس و التأليف و أغدقوا عليهم العطايا‬ ‫و الهدايا و من جملة مآثرهم تأسيس دار الحكمة فكانت مركزا اكاديميا للمحاضرات و المناظرات الفقهية و‬ ‫الفلسفية و قد اسست دار الحكمة بأمر من الخليفة الحاكم بامر هللا سنة ‪ 395‬هـ و هو الذي اختار لها هذا‬ ‫االسم تشبها ًبمجالس الحكمة فأصبحت بهذا الوصف مكتبة قيمة و مدرسة عظيمة تدرس فيها العلوم المختلفة‬ ‫‪ ,‬وقاعة محاضرات و ندوات ‪ .‬وكان الغرض األساسي من تأسيس دار الحكمة هذه تكوين أصول الدعوة‬ ‫الفاطمية اإلسماعيلية ‪.‬‬ ‫ من أهم أغراضها ‪ :‬البحث و المناقشة ‪ .‬وقد اتخذت طابعا ً حرا ً فدعي إليها العلماء من مختلف المذاهب‬‫اإلسالمية ‪ .‬وإذا كان المسجد قد لعب دورا ً مهما ً في التعليم في سائر أنحاء العالم اإلسالمي ‪ ,‬فإن هناك‬ ‫مؤسسات أخرى أُنشئت كان لها دورها الريادي وبخاصة في العلوم التي ال تستوعبها المساجد ‪ ,‬لذا عمل‬ ‫األغالبة على إنشاء مؤسسة تقوم بهذا الدور ‪ ,‬وقد وجدوا لذلك الوسيلة في تقليد بني العباس في مؤسساتهم‬ ‫العلمية ‪ ,‬فكان بيت الحكمة األغلبي محاكاة لبيت الحكمة الذي أنشأه العباسيون في بغداد كعبة العلماء‬


‫المسلمين منذ زمن مبكر في التاريخ اإلسالمي فأوجدوا من أجل ذلك بيوت الحكمة ودور العلم‬ ‫للدراسة وترجمة العلوم وبخاصة كتب األقدمين ‪.‬‬ ‫وإنشاء بيت الحكمة كان الهدف منه جمع الكتب وحفظها فكانت أكبر مكتبة نقل إلينا خبرها في ذلك‬ ‫العصر « خزانة الحكمة « « أو بيت الحكمة « ببغداد في عهد ابي جعفر المنصور ‪ ،‬قد نمت‬ ‫وتطورت بصورة تدريجية حتى استوت في أيام هارون الرشيد على شكلها كبيت لخزن الكتب‬ ‫وترجمتها ونسخها وتجليدها ‪ .‬إن حرص ابي جعفر المنصور على جمع الكتب جعل طبيبه‬ ‫جورجيس بن جبرائيل ينقل عددا ً من الكتب عن اليونانية الى اللغه العربية»‪ .1‬ولماعلم الخليفة أن‬ ‫ِلقُدماء اليونانيين مخطوطات في العلوم الرياضية طلب إلى االمبراطور الروماني أن يبعث إليه بقسم منها ‪ .‬مما‬ ‫يجعلنا نستنتج أنه كان للمنصور خزانه للكتب يوضع فيها ما يتوفر لديه منها وما يصنف أو يترجم له ‪ ،‬ولكنها‬ ‫كانت خزانة متواضعة‪ .‬وفي عهد الخليفه هارون الرشيد تم وضع نواة بيت الحكمةفي قصر الخلد ‪.‬‬ ‫سعه و أغناه ابنه المأمون و عمل على امداده بمختلف الكتب والمصنفات‪.‬‬ ‫في بغداد سنة ‪ 185‬هـ ‪801-‬م ثم و َّ‬ ‫لكن أمر هذه المكتبة ظل غامضا ً‪،‬ال يعرف ما إذا ما كانت في أيام الرشيد مكتبة بسيطة ام معهدا ً أممرصدا ً‬ ‫أيضا ؟و قد تعددت أ سماء هذه المكتبة فأحيانا يستعمل العلماء اسم بيت الحكمة كابن النديم والقطفي وأحيانا‬ ‫خزانة الحكمة كياقوت الحموي فالخزانة كلمة معروفة و هي اسم الموضع الذي يخزن فيه الشيء فاستعملوه‬ ‫للداللة على المكان الذي حفظت فيه الكتب‪ ،‬و قد استعملت كلمة خزانة للداللة على ذلك في هذا العصر‬ ‫كثيرا ً و أما البيت فاستعملوه في الدار و أطلقوه على حوانيت التجار و المواضع المباحة التي تباع فيها‬ ‫األشياءو يبيح أهلها دخلولها و قد أطلقوا بيت المال على المكان الذي يحفظ فيه مال الدولة فال يبعد أن يكونوا‬ ‫قد اطلقوا كذلك بيت الحكمة على المكان الذي حفظت فيه الكتب ‪،‬أما كلمة الحكمة فقد استعملوها فيما يرادف‬ ‫فلسفة ‪،‬فالظاهر أنهم أطلقوا خزانة الحكمة و بيت الحكمة على مكان المجموعة في الكتب ‪،‬ألن كلها اوأكثرها‬ ‫ليست من الكتب التي عني بنقلها عن االمم األخرى ‪،‬و أكثر هذه الكتب فلسفة أو حكمة و إن كان فيها شيء‬ ‫من التحف واآلثار و يظهر أن التسمية الغالبة عليه هو بيت الحكمة‪ ،‬و يعد بيت الحكمة من أكبر خزائن‬


‫واألطباء والمترجمين من ك ِّل الملل ‪ .‬ولما كانت دولة بني األغلب امتدادا ً للدولة العباسية في كل شيء ‪,‬‬ ‫وكان العصر العباسي األول أهم العصور اإلسالمية إنتاجا ً للعلم ‪ ,‬فقد انتشرت فيه مجموعة من الكتب‬ ‫المنقولة عن اللغات العالمية المعروفة في ذلك العصر ‪ ,‬من علوم الطب والفلك والفلسفة والرياضيات ‪,‬‬ ‫واألدب ‪ ,‬والقصص وغيرها فضالً عن المؤلفات العربية الجديدة التي أنتجها علماء العربية في شتى‬ ‫أنواع العلوم القرآنية ‪ ,‬واللغة ‪ ,‬والتاريخ وسائر الفروع األخرى ‪ .‬ولما استقر األمراء األغالبة عملوا على‬ ‫شراء الكتب المترجمة والمؤلفة في بغداد ‪ ,‬وفتحوا باب المناظرة والجدل بين العلماء من جميع الملل وعلى‬ ‫وجه الخصوص بين االحناف والمالكية ‪ .‬ففي عهدهم ألف ابن سحنون ابن سعد في الفقه المالكي ‪.‬‬ ‫من هنا نرى المنافسة الشريفة التي كان يتمتع بها العلماء والخلفاء فيما بينهم في ذلك العصر ‪ ،‬ولذا أنشىء‬ ‫على غرار بيت الحكمة في بغداد وتقليدا ً له بيت الحكمة في مصر وفي رقادة ‪.‬هذا االنفتاح الثقافي الذي‬ ‫شهدته العصور الوسطى من خالل إحياء حركة الترجمة والمناظرات والمنافسة بين مختلف مراكزانحاء الخالفة‬ ‫في العصر العباسي األول وكل هذه النهضة العلمية التي شهدتها االمة االسالمية في تلك الفترة كان له األثر البين في‬ ‫إخصاب الحضارة اإلنسانية‪.‬‬ ‫وهذا ما نحتاج إليه اليوم في وقتنا الحاضر انفتاحا ً على ثقافات اآلخرين‪ ،‬وال يجوز أن نسمي ذلك غزوا ً ثقافياً‪ ،‬ففي‬ ‫الثقافة يكون البقاء لألفضل ألن الحياة تغربل معارفنا وترفض ما ليس أصيالً منها ‪.‬‬ ‫‪ -1‬المالكي ‪ :‬رياض النفوس جــ ‪ 1‬صـ ‪. 348 :‬‬ ‫ نظام بيت الحكمة ودوره كجامعة علمية ‪:‬‬‫إن دُور الحكمة هي المكتبات التي أنشأها المسلمون في أماكن مختلفة من العالم االسالمي ‪,‬والتي احتوت‬ ‫األلوف المؤلفة من الكتب العربية واألعجمية والكتب المترجمة ‪ ,‬والتي أصبحت من المراكز العلمية المهمة‬ ‫للبحث العلمي والترجمة‪ ،‬وكان لها الدور الكبير في نشر الثقافة والمعرفة ‪ ,‬كما كان للعلماء واألدباء الذين‬ ‫كانوا يختلفون إليها أكبر األثر في تقدم الحركة العلمية في عهد العباسيين ‪ ،‬ونشر الثقافة ‪ ،‬ورغم تعد د‬ ‫االشارات إلى بيت الحكمة البغدادي في ثناياالمصادر التراثية فإننا لم نعثر على ما يشير صراحة الى‬ ‫مكانه أو محتوياته من القاعات والحجرات وغيرها من مرافق البناء التي تؤمن مهامه كدار علمية ‪.‬‬ ‫ولكن يظهر أنه كان في جناح أحد قصور الخالفة أو في بناية ملحقة بها ‪ .‬لقد استنتجنا ذلك ألنه الخليفة‬ ‫المأمون لما طلب إلى الفراء ‪ ،‬يحيي بن زياد ‪ ،‬النحوي المتوفى سنة ‪ 207‬أن يؤلف ما يجمع به اصول النحو أمر أن‬ ‫تفرد له حجرة من حجر الدار وعين له وراقين يكتبون له ‪.‬‬ ‫وقد تكون هذه الدار هي بيت الحكمة نفسه ‪ .‬ويعد بيت الحكمة مؤسسة علمية في الطراز الراقي ‪,‬‬ ‫اهتمت بترقية األبحاث االدبية والعلمية والفلسفية والفقهية ‪ ،‬وتجردت للدراسات العليا ‪ ،‬ويمكن القول إن هذه‬ ‫المؤسسة تحولت في زمن المأمون الى اكاديمية بكل معنى الكلمة ‪ .‬كانت تحوي أماكن للدرس وأماكن‬


‫أخرى لخزن الكتب وأماكن للترجمة والنقل ‪ ,‬وأماكن للتأليف ‪،‬إلى جانب المرصد الفلكي الذي كان له دور مميز‬ ‫أفادوا منه كثيرا ً ‪ .‬وقد اتسعت فعين لها خزنة ونساخين و عهد إلى الفضل بن نوبخت القيام عليها ورعاية‬ ‫شؤونها ‪ .‬ولما عاد من إحدى حمالته العسكرية على بالد الروم جاء معه بمجموعة من الكتب اليونانية‬ ‫القديمة بما عثر عليه هناك ووضعها بتلك الخزانة ‪ ،‬وطلب إلى الطبيب يوحنا بن ماسويه أن يترجمها‪ ،‬ثم‬ ‫أصبح يوحنا هذا أمينا ً على المترجمين جميعاً‪،‬واختار له الرشيد ُكتابا ً حاذقين يحسنون الترجمة من لغاتهم األصلية إلى‬ ‫العربية الفصحى ‪ .‬ومن الطبيعي أن‬ ‫يلحق بذلك العاملين فيما يتعلق بالتجليد والتنظيم ‪ .‬وألهمية بيت الحكمة ودوره الحضاري فقد كانت‬ ‫رياسة أقسامه‪ ,‬وبخاصة قسم الترجمة تعهد إلى كبار األدباء والعلماء واألطباء كسهل بن هارون ومحمد بن موسى‬ ‫الخوارزمي اللذين توليا أمره في أيام المأمون ‪.‬‬ ‫أما رئاسة البيت فقد أنيطت بيوحنا بن ماسويه رئيس أطباء البالط ‪ ،‬وقد استمر عليها مدة نصف قرن ‪ ،‬منذ عهد‬ ‫الرشيد حتى أيام المتوكل على هللا الذي عين حنين بن اسحاق إلدارة البيت ورياسة قسم الترجمة فيه ‪.‬‬ ‫كثر من أمثال ابن أخته حبيش ‪ ،‬وابنه إسحاق بن حنين‬ ‫وكان يعمل معه في الترجمة من المترجمين القديرين ٌ‬ ‫وتلميذه ثابت بن قرة وتلميذه اآلخر قسطا بن لوقا ‪ ،‬فضالً عن عدد كبير ممن اضطلعوا بأعمال النسخ‬ ‫والتنظيم وكان للرئيس أعوان يعاونونه في إدارة بيت الحكمة ‪ .‬وكذلك يغلب الظن أن كتب الرشيد قد افردت‬ ‫في خزانة ‪ ،‬وكتب المأمون قد أفردت في اخرى ‪ ،‬وكان ابن النديم يستعمل احيانا ً خزانة المأمون‬ ‫وأحيانا ً خزانة الرشيد ‪ .‬ودار الحكمة هذه ذاع صيتها في العالم العربي لعنايتها الفائقة بالكتب المترجمة‬ ‫الحاملة بين طياتها كنوز الثقافات العربية واالجنبية يقصدها العلماء واألدباء من كافة أنحاء العالم لالطالع‬ ‫على هذه الكتب المنوعة والغنية بالمعلومات ‪ ،‬فكانت بال ريب جامعة عالمية كبرى لطالب العلم والمعرفة ‪.‬‬ ‫أما بيت الحكمة برقادة والذي أنشئ على غرار بيت الحكمة في بغداد حتى في االسم ‪ ،‬والذي أسسه األمير‬ ‫إبراهيم بن أحمد األغلبي بمدينة رقادة التي كانت هي أيضا ً من إنشائه ‪.‬‬ ‫ُوصف بيت الحكمة برقادة بأنه بناية كبيرة فيها عدد من القاعات والحجرات الواسعة موزعة‬ ‫في أقسام الدار ‪ ،‬وتضم مجموعة من خزائن الكتب ‪ .‬في كل خزانة مجموعة من األسفار العلمية الخاصة ‪.‬‬ ‫كما ُوصف بيت الحكمة بأنه دار كبيرة مقسمة إلى عدة أقسام ‪ ،‬وقد خصص البعض منها لحفظ الكتب ‪ ,‬واألقسام‬ ‫األخرى للترجمة ‪ ,‬والنسخ والتأليف ‪ ,‬والتجليد والمطالعة ‪ ,‬وكان السبب في إنشاء بيت الحكمة األغلبي هو‬ ‫محاكاة األغالبة للعباسيين في االهتمام بالعلوم الطبيعية فضالً عن العلوم الدينية ‪ ،‬فقد عمل إبراهيم األغلب‬ ‫على اقتناء الكتب العلمية من بغداد ثم أنشأ بيت الحكمة ‪ ،‬وأحضر العلماء واالطباء من بغداد ومصر‬ ‫وغيرهما ‪ .‬هذا بعد أن اطلع على بيت الحكمة في بغداد ووجد ما له من أهمية كبيرة في العلم والمعرفة‬ ‫وفي النهضة الفكرية التي شهدتها بغداد في فترة قيام بيت الحكمة ‪ .‬وقد بذل األمير إبراهيم بن أحمد و من‬


‫جاء بعده من أمراء بني األغلب جهودا ً جبارة لجعل بيت الحكمة برقادة موازيا ً لنظيره ببغداد إذ يذكر ان‬ ‫مؤسسه إبراهيم بن أحمد كان يرسل الى بغداد في كل عام مرة او مرتين سفراء لتجديد والئه للخليفة‬ ‫العباسي ‪ ,‬والقتناء نفائس الكتب ‪ ,‬واستجالب علماء إخصائيين في سائر العلوم من العراق ومن مصر ‪.‬‬ ‫وكانت اإلدارة في بيت الحكمة برقادة تشبه اإلدارة ببيت الحكمة البغدادي فقد كان يدير بيت الحكمة برقادة‬ ‫قيمون مرتبون يرأسهم ناظر يطلق عليه صاحب بيت الحكمة ‪ ،‬كما كان الحال في بغداد ‪.‬‬ ‫ولم يقدر بيت الحكمة األغلبي أن يعمر أكثر من أربعين عاما ً حوى خاللها أنفس الكتب‬ ‫التي كانت توجد في بيت الحكمة البغدادي في مختلف العلوم المترجمة في الطب والهندسة والنجوم ‪,‬‬ ‫والكتب التي أ ِلفت في الحديث والتاريخ واألدب ‪ ،‬وقد ُوضعت في خزائن ‪ ،‬وقدر لهذه الكتب أن تنقل الى‬ ‫مصر عند رحيل العبيديين إليها ‪ ،‬ووضعت في بيت الحكمة الذي أسسه العبيديون هناك ‪.‬‬ ‫إن دراسة الميدان العلمي والفكري ألمة من االمم هي من الدراسات الشيقة ‪ ،‬ألنها تكشف األسس الحقيقية‬ ‫التي ترتكز عليها تلك االمة ومدى ما وصلت اليه من سمو فكري ‪ ,‬وإبداع علمي ‪ ,‬فالعلم هو أهم‬ ‫الدعائم التي تبنى عليها حضارات االمم ‪ .‬ومما ال شك فيه أن أمة اإلسالم قد جعلت من العلم الركيزة‬ ‫األساسية في بناء حضارتها ونهضتها العلمية المرموقة ‪ ،‬وبخاصة أنه كان للعلم في اإلسالم مكانة ومنزلة عظيمة‪.‬‬ ‫لذلك اهتم المسلمون ببناء مراكز التعليم وكانت في البداية في دور السكن والمساجد والكتاتيب ودور‬ ‫الوراقين ودور الحكمة ‪ .‬ونظرا ً‬ ‫القرآن ‪ ,‬وفي دور الشفاء ( البيمارستانات ) و أيضا ً القصور وحوانيت ّ‬ ‫ألهمية دور الحكمة فقد اخترت هذا المركز العلمي الذي لعب دورا ً هاما ً في تقدم الحضارة العلمية العربية‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وكان المأمون قد جعل نظاما ً خاصا ً يسارعليه في تحقيق وترجمة ومراجعة الكتب وفي البحث‬ ‫والرصد أيضا ً ‪ ،‬فأصبحت داعمة للعلم ومنارة للرشد ‪ ،‬وكانت الحضارة اإلنسانية َمدينةٌ للحضارة اإلسالمية‬ ‫بما قدمته لإلنسانية من جهود ميمونة مباركة ‪ .‬و كم نحن اليوم في وقتنا الحاضر بحاجة إلى هذا االنفتاح في العلم وبناء‬ ‫مراكز علمية تغني العلم والحضارة وتحقق إنسانية اإلنسان التي خلق من أجلها «إقرأ وربك األكرم ــ الذي علم بالقلم ــ‬ ‫علم اإلنسان ما لم يعلم»‪.‬‬

‫ ‬ ‫‪1‬‬

‫ابن ابي اصيبعة ‪ ،‬عيون االخبار في طبقات الطباء ‪.‬ص‪183 :‬‬


‫فلسفة الرصف العريب ‪ :‬محنة اللغة ورضورة التحديث ‪.‬‬

‫د‪ .‬عبده شحيتيل‬ ‫يف العام ‪ 1938‬نرش العالمة عبدالله العالييل كتابه « مقدمة لدرس لغة العرب ‪ ،‬وكيف نصنع املعجم الجديد ‪ ،‬وفيه درس فروع‬ ‫العربية فتناول النحو والرصف واإلشتقاق والبالغة ‪.‬وصدره بعبارة تقول ‪« :‬ليس محافظة التقليد مع الخطأ ‪ ،‬وليس خروجاً التصحيح‬ ‫الذي يحقق املعرفة»(‪ .)1‬وقد جاء الكتاب من عالّمة يف اللغة ليشكل محاولة رائدة لتحديث اللغة العربية ‪ ،‬ووضع اسس لإلشتقاق‬ ‫‪ ،‬والترصيف لتظل العربية مواكبة للعرص دون أن تقطع مع ماضيها ‪ .‬وبعد ما يقارب الثامنني عاماَ تأيت دراسة خالد كموين « فلسفة‬ ‫الرصف العريب «(‪ )2‬لتثري الهموم عينها وتضع الفرضيات وتطرح الخالصات من منطلقات فلسفية ‪ ،‬ابستمولوجية وأونطولوجية‪،‬تربط‬ ‫الرصف بالعقل العريب من جهة وبالواقع املعيش من جهة أخرى ‪.‬‬ ‫وهذه الدراسة تشكل امتدادا ً ملا مياثلها من دراسات تتناول العقل العريب‪ ،‬أو العقل اإلسالمي ومنتجاته من فقه وكالم وفلسفة‬ ‫وعلوم لغوية ‪.‬‬ ‫لقد شاع يف القرن العرشين مصطلح « املنعطف اللغوي يف الفلسفة « حيث برزت الفلسفات اللغوية التي ترى أنه ينبغي النظر‬ ‫اىل املشكالت الفلسفية باعتبارها مشكالت لغوية ‪ ،‬كام هي الحال يف الفلسفة التحليلية واإلتجاهات البنيوية ‪ .‬وتغريت النظرة‬ ‫اإلبستمولوجية اىل العقل ‪ ،‬فتغري البحث من العقل وملكاته اىل العقل بوصفه منتجاً للمعنى ‪.‬وهكذا تحول انشغال الفالسفة من‬ ‫البحث يف ميدان الحقيقة اىل البحث يف ميدان املعنى والداللة اي من البحث يف حقيقة ينبغي اكتشافها ورشوط هذا االكتشاف‬ ‫وحدوده ومرشوعيته اىل الحقيقة التي يتم بناؤها استنادا ً اىل اللغة والثقافة ‪.‬‬ ‫وألن منتجات العقل ترتبط باللغة والثقافة بات باإلمكان الحديث عن عقل عريب او عقل غريب أو عقل إسالمي او مسيحي ‪ ..‬الخ‬ ‫بعد أن كان العقل يف الفلسفة الحديثة من ديكارت اىل كنط ‪ ،‬بوصفه ملكات أو قدرات معرفية ‪ ،‬أعدل األشياء قسمة بني الناس ‪.‬‬ ‫منذ مثانينات القرن العرشين شاعت الدراسات التي تتناول العقل العريب او العقل اإلسالمي إنطالقاً من منتجاته اللغوية والثقافية‬ ‫ويف هذا اإلطار تايت دراسات محمد عابد الجابري ومحمد اركون ونرص حامد او زيد وغريهم حيث نظر اىل النظام اللغوي العريب من‬ ‫خالل ثالثة مرتكزات ‪ :‬العالقة بني اللفظ واملعنى‪ ، 3‬والنحو‪ ،‬والنظم ‪.‬‬ ‫وقد أتت دراسة كموين يف هذا السياق لتذهب عميقاً يف معالجة مسألة الداللة والعالقة بني اللفظ واملعنى وارتباط كل ذلك بالواقع‬ ‫املعيش ‪.‬‬ ‫وقد حدد يف الفصل األول غايته من دراسة ماهية الرصف العريب بأنها « العقل التفكري « بهدف إدراك نوعية العالقة بني اإلنسان‬ ‫ومحيطه بني عنارص الذات وعنارص الواقع ‪ ،‬وأشار اىل أن السعة اللفظية ليست إال داللة عىل انغامس الذات العربية يف بيئتها ‪،‬‬ ‫ومن األمثلة عىل ذلك وجود مثانني إسامً للمطر ‪ ،‬مخالفاً بذلك رأي الجابري يف « تكوين العقل العريب «‪ 4‬حيث اعتربأن هذه السعة‬ ‫اللفظية او الفائض يف األلفاظ عىل املعاين سببه جمع اللغة من عدد من القبائل كانت تسمي اليشء الواحد بأسامء مختلفة ‪.‬‬ ‫واعترب كموين أن العريب ليس لديه ثابت إال ذاته ‪ ،‬وهو ال يقرأ مشهد الوجود ألجل تعرف يشء خارج ذاته بل لتعرف ذاته بإزاء‬ ‫الوجود ؛ ففلسفة الوجود العريب قامئة عىل متوقع الفاعل ( اإلنسان ) بني مفعولني ( األشياء والكلاملت ) ‪ ،‬أما الفعل فهو أداة‬ ‫ ‪1‬‬ ‫‪ 2‬‬ ‫‪ 3‬‬ ‫‪ 4‬‬

‫ العاليلي ن الشيخ عبدهللا ‪ ،‬مقدمة لدرس لغة العرب ‪ ،‬وكيف نصنع المعجم الجديد ط‪ ، 2‬دار الجديد ‪ ، 1997‬ص ‪. 17‬‬‫ كموني ‪ ،‬د‪ .‬خالد ‪ .‬فلسفة الصرف العربي ‪ ،‬دراسة في المظهر الشيمي للكينونة ‪ ،‬المركز الثقافي العربي ‪ ،‬بيروت ‪. 2017‬‬‫ الجابري ‪ ،‬د‪ .‬محمد عابد ‪ .‬بنية العقل العربي ‪ ،‬ط ‪ ، 7‬مركز دراسانت الوحدة العربية ‪ ،‬بيروت ‪ ، 2004‬ص ‪. 41‬‬‫‪ -‬الجابري ‪ ،‬د‪ .‬محمد عابد ‪ ،‬تكوين العقل العربي ‪ ،‬ط‪ ، 8‬مركز دراسات الوحدة العربية ‪ ،‬بيروت ‪، 2002‬ص‪. 88‬‬


‫ إن الرصف العريب هو العلم املساوق للنهوض العريب ألن يف بناء الهيئات اللفظية يتشكل ما يسميه «الذخر املعنوي القادر عىل بث‬‫رؤى جديدة للكون» ‪.‬‬ ‫ القاعدة يف الحياة هي الصريورة الدامئة ‪ ،‬األمر الذي يقتيض السعي الدؤوب اىل إثبات حضورنا وحضور األشياء ‪ ،‬لذلك نحن بحاجة‬‫اىل ترصيف دائم ألننا يف حال من التغري الدائم ‪.‬‬ ‫ النظر اىل ظاهرة اإلشتقاق ليس باعتبارها ظاهرة رصفية فحسب بل ظاهرة وجودية شاملة ‪ ،‬ذلك ان أي تقليب يف مواضع الحرف‬‫داخل اللفظ ‪ ،‬ارتبط ‪ ،‬دون شك ‪ ،‬بتجربة معيشة استدعت التعديل ‪.‬‬ ‫ إن الرصف هو علم تحديث عام للعربية ؛ فاالشتقاق طاقة بنائية مطلقة يف العربية ‪ ،‬ولكنه التزم مبا اشتقته العرب وسارت عليه‬‫‪ ،‬وأصبح قارا ً عىل نحو معروف ‪ ،‬أما الترصيف فهو قابلية منهجية للزيادة والتغيري والتحويل ‪ ،‬فهو قد يكون اشتقاقاً ‪ ،‬وقد يكون‬ ‫إحداثاً لبنية جديدة يف اللفظ استنادا ً اىل بنية موجودة أصالً ‪.‬‬ ‫إن النامء النوعي يف اللفاظ الذي ينتجه فعل الرصف هو اإلجراء النفعي الذي ميكن اللغة من أن تبقى حاجة مستمرة أي أن تبقى‬ ‫حية ‪.‬‬ ‫ ال تنتقل ألفاظ اللغة كام هي عابرة الزمان واملكان واإلنسان ؛ فاللغة كلها مفهوم راهن ألشياء الكون ‪ ،‬لذلك ؛ إن ترصيفها هو‬‫امتداد تاريخي لها ‪ ،‬هذا االمتداد بقاءه مرهون باملعرفة اي بإبقاء مفاهيمه يف ساحة الحراك الفكري الدائم ‪.‬‬ ‫ ال بد من القفز اىل األمام يف اللغة ‪ ،‬ولكن ذلك ال يكون بقطيعة معرفية مع تاريخها بل بابتكار الطرائق والوسائل التي تصل‬‫ماضيها بحارضها لضامن مستقبلها‪ ،‬وذلك يقتيض أن يكون هناك جهات مسؤولة تضع ضوابط التوليد ‪ ،‬ليكون الرصف مبثابة املفاعل‬ ‫الحيوي للتجديد اللغوي ‪ .‬ويتم تجاوز ما يسميه كموين ‪ ،‬املحنة اللغوية الحقيقية ‪ ،‬وذلك يتطلب الجراة يف تطوير علم الرصف‬ ‫واللغة عموماً ليك تتم مطابقة األلفاظ مع الواقع بحيث ال يكون لدينا الفاظ غري رضورية لعيشنا ‪ ،‬بل يكون اللفظ نضحاً لصورة‬ ‫العالقة بني اإلنسان وواقعه املعيش ‪.‬‬


‫الحضور التجريب يف العامل ‪.‬وانطلق من فرضية تقول ‪ :‬إن إدراك حجم تأثري اإلنسان العريب حضورياً يف الكون يتم عرب استقراء حضوره‬ ‫يف اللغة ‪.‬وإن الفلسفة العربية ال ينتجها إال التعمق يف بحث اللغة ودراسة بنيتها التنظيمية وتفكيك عنارصها املكونة ‪ ،‬ألن العريب‬ ‫أبدع صورة للكون الذي قطن فيه وللزمان الذي واجهه وللنفس اإلنسانية يف لغته ‪.‬ولغة العرب هي فلسفة العرب ‪ ،‬إذ إن البحث يف‬ ‫هذه اللغة بالنظر اىل قواعدها ونظامها الرصيف والنحوي هو بحث يف سؤال األنطولوجيا نفسه ‪ ،‬ويف عالقته بالكائن واملكان انطالقاً‬ ‫من رؤية وعقل ‪ ،‬أي محاولة دامئة لوضع الكون يف إطار نظام مدرك مجاله هذه اللغة ‪.‬‬ ‫من هنا تأخذ دراسة اللغة بعدين ‪ :‬إبستمولوجي وأونطولوجي ‪ ،‬وتتجاوز مقاصد علامء اللغة الذين يتناولون مسائلها باعتبارها قامئة‬ ‫ومكتفية بذاتها ‪.‬‬ ‫ويف بحثه بهذين البعدين أشار كموين بشكل واضح يف القسم األول من الكتاب اىل أنه وجد عدة البحث يف املنهج الفينومينولوجي‬ ‫بدءا ً بهورسل وانتها ًء بهيدغر ‪ ،‬ألن اإلنسان كائن معريف ‪ ،‬وهذا الكائن يبدع كينونته ‪ ،‬فهدفه أبعد من أن يكون مجرد استيعاب ملا‬ ‫هو موجود ؛ فالكائن يبدع ماهيته يف الوجود ألن املاهية ليست محددة مسبقاً ‪.‬فالهدف يبدو عند هيدغر ‪ ،‬كام يالحظ الكاتب ‪،‬‬ ‫هو الذات وليس األشياء األخرى املوجودة ‪ .‬والذات يف الحارض تجمع الزمان ‪ ،‬فهي تتزمن املايض واملستقبل معاً يف نقطة الحارض ‪.‬‬ ‫وباإلنتقال اىل مسألة الرصف فقد عالجها كموين باعتبارها مظهرا ً للعالقة اإلبداعية بني الفكر والنطق ‪ .‬وافرتض أن فهم الرصف ال يتم‬ ‫إال من خالل فهم العقلية التي أنتجته علامً ليس يف اللغة فقط بل يف الحياة أيضاً‪.‬‬ ‫إن ما يحكم البناء الرصيف العريب هو قواعد علمية أساسها فلسفة الذات‬ ‫اإلنسان يف الوجود أي مقتىض وجوده ‪ ،‬ومظهر هذا الوجود يف آن ‪.‬‬

‫العربية ‪ ،‬وما األحكام اللغوية إال رشح لكينونة‬

‫يف صياغة العرب للكلمة ‪ ،‬كام يرى كموين ‪ ،‬تكمن رؤيته اىل الكون عامة ‪ .‬من هنا فإن الرصف العريب طاقة رضورية إلعادة االعتبار‬ ‫إن الرصف تصور‬ ‫لعالقة اإلنسان بالحقيقة والوجود ؛ ففي متكن الذات من لغتها يتجىل اتساع الفهم ملواضيع الوجود ‪.‬‬ ‫للمعنى يف اللفظ ‪ ،‬والكلمة مجموع من الرؤى املتأرجحة بني الذهن والواقع ‪ .‬والعالقة بني فعلني معرفيني ‪ ،‬التسمية من جهة ‪،‬‬ ‫والداللة من جهة أخرى ‪ ،‬هي عالقة جدلية ‪ ،‬إذ إن اشرتاك املسارين يف تحديد بنية املفهوم الرصيف يجعل الترصيف أدا ًء فلسفياً‬ ‫يفرض نفسه عىل اللغة واإلنسان ؛ فالرصف وغريه من العلوم التقعيدية ليس إال مظهرا ً للعالقة بني اللغة والواقع ‪ ،‬بني مكونات‬ ‫العقل ومكونات الواقع ‪ .‬وقد ربط كل ذلك باملفهوم الجديد الذي أىت به بعملية ترصيف إبداعية وعرب عنه مبصطلح الشَّ يم ؛‬ ‫فالشَّ يم فعل وجودي عند اإلنسان ‪ ،‬بحث كموين يف مرجعيته التصورية ‪ ،‬فرأى أنه موجود يف كل فعل يقوم به العريب ‪.‬‬ ‫إن مفهوم الشَّ يم ‪ ،‬كام يحدده ‪ ،‬يحتوي إمكان العودة اىل زمن مىض ‪ ،‬وإمكان امللء الكامل للحارض ‪ ،‬وإمكان الرتقب لإلنبعاث‬ ‫يف املستقبل ‪ .‬واألساس يف ذهنية العرب الشيمية غياب التوقف ؛ فالسكون مرحلة بني متحركني ‪ ،‬وال سكون إال من أجل الحركة ‪،‬‬ ‫وبالنتجة الصل الحقيقي هو التقاء املايض باملستقبل يف لحظة الحارض ‪.‬‬ ‫والشيمية التي يتحدث عنها هي إمكان الكشف عن منتوج الرتقب يف اللفظ ؛ فالطاقة االستيعابية لفعل الشيم تجعله يحمل اإلظهار‬ ‫واإلخفاء ‪ ،‬والتقدير معاً ‪ ،‬وفيه يحرض الذهن العريب يف رحلته الوجودية من خالل اهتاممه بالزمن ومحاولته السيطرة عليه ‪.‬‬ ‫واملنطق الذي يحكم سريورة الرصف العرب هو منطق االشتقتق والزيادة انسجاماً مع الذهنية الشَّ يمية التي ترمى اىل الربط بني‬ ‫وجهات الزمن املعيش واملكان القابل للعيش يف لحظة انبعاثية واحدة ‪.‬‬ ‫الشَّ يمية ‪ ،‬اذن ‪ ،‬يف بعدها الفلسفي ‪ ،‬هي ربط بني الرصف واملعنى والداللة ‪ ،‬وصياغة ذلك يف الزمان واملكان من جهة ‪ ،‬واإلنسان‬ ‫باعتباره ذاتاً فاعلة يف الحارض من جهة أخرى ‪.‬‬ ‫والخالصات التي سعى البحث الوصول إليها هي اآلتية ‪:‬‬


‫دكتور نرص قرحاين‬

‫املفهوم اإلسالمي مللكية األرض‬

‫األرض هــي مصــدر الـراء والغنــى لإلنســان‪ ،‬وعــى مقــدار مــا ميلكــه اإلنســان مــن أرض‪ ،‬تكــون ثروتــه ويكــون غنــاه‪ ،‬وعــى قــدر مــا يبذلــه صاحــب‬ ‫األرض مــن جهــد يف االســتفادة منهــا‪ ،‬ويف تطويرهــا ويف اســتنباط مــا يف باطنهــا مــن خـرات‪ ،‬يتوقــف دخلــه وغلّتــه التــي تأتيــه مــن أرضــه هــذه ‪.‬‬ ‫لقــد شـكّلت األرض يف عهــود مــا قبــل الرأســالية مصــدر ثــروة املجتمعــات الفالحيــة وال ّريفيــة املرشقيــة وخـزان مواردهــا املاليــة واملاديــة‪ .‬واحتلّــت‬ ‫صــدارة االقتصــاد العــريب واإلســامي‪ ،‬ومــن ث ـ ّم العثــاين باعتبارهــا القاعــدة األساســية لإلنتــاج ‪ .‬وأدت ملكيــة األرض الزراعيــة دو ًرا مهـ ًـا يف تطــور‬ ‫املجتمعــات البرشيــة حيــث خضعــت هــذه املجتمعــات لتأثــر تطــورات امللكيــة مــن ال ّناح ّيــة الحقوق ّيــة واالقتصاديّــة واالجتامع ّيــة ‪.‬‬ ‫إ ّن امللكيــة العقاريــة كانــت وال ت ـزال تخــرق ال َّنســيج االقتصــادي واالجتامعــي والثقــايف م ًعــا‪ ،‬و»ترتبــط ارتباطًــا وثي ًقــا بالـراع عــى الســلطة مــن‬ ‫خــال دور الدولــة يف الســيطرة عــى األرض الزراعيــة‪ ،‬وفــرض الرضائــب عليهــا وتلزيــم أبرزهــا مــن جهــة‪ ،‬ومحاولــة القــوى املنتجــة‪ ،‬خاصــة الفالحيــة‬ ‫منهــا‪ ،‬التملّــص مــن أعبــاء تلــك الرضائــب ومــا يتبعهــا مــن خـ ّوات وســخرة ومصــادرات و ِعقــاب جامعــي وتهجــر ونــزوح مــن جهــة أخــرى(‪.)1‬‬ ‫وقــد عــرف املجتمــع العــريب العديــد مــن التحــوالت االجتامعيــة‪ ،‬وذلــك نتيجــة الرتبــاط تطــور املجتمعــات مبــا يخــص نظــام ملكيــة األرض وريعهــا‪،‬‬ ‫وقــد كانــت األرض –بالطبــع‪ -‬محورهــا الرئيــس‪ ،‬وذلــك منــذ بــدء ظهــور الدولــة اإلســامية حتــى نهايــة الحكــم الــريك العثــاين‪ ،‬وإىل بدايــة فــرة‬ ‫الســيطرة االســتعامرية ألج ـزاء مــن الوطــن العــريب ‪..‬‬ ‫وعليــه‪ ،‬فقــد اعتُـ ِـرت قضيــة ملكيــة األرض قضيــة ذات إشــكالية صعبــة –يف الــرق العــريب‪ -‬وذلــك الختــاف قوانــن وأنظمــة امللكيــة وتن ّوعهــا‪ ،‬وذلــك‬ ‫تبع ـاً الختــاف ال ـ ّدول التــي حكمــت هــذه املنطقــة‪ ،‬حيــث كان لهــا رأيهــا يف نظــام ملكيــة األرض‪ .‬وعــى الرغــم مــن ذلــك‪« ،‬فهنــاك وراء كل هــذا‬ ‫التنــوع الشــديد‪ ،‬منــط رئيــس كانــت لــه الســيادة يف العــادة‪ ،‬ويشــمل الدولــة والفــاح‪ ،‬والوســيط‪ ،‬وكانــت ملكيــة األرض (الرقبــة) ترتكــز يف يــد الدولــة‬ ‫أو الــوايل‪ ،‬مــع بعــض اســتثناءات قليلــة مثــل الــ ُملك‪ ،‬واألرايض الحــرة والوقــف حيــث كانــت امللكيــة تُعتــر ملكيــة تح ّولــت إىل اللــه‪ ،‬مــع تخصيــص‬ ‫َد ْخلَهــا ألغ ـراض دينيــة أو خرييــة خاصــة»(‪ .)2‬ويف هــذه الحالــة‪ ،‬كان الفــاح الــذي يعمــل يف األرض ميلــك فقــط‪ ،‬حــق االنتفــاع الــذي تطــور إىل حــق‬ ‫رف ثــم إىل ملكيــة مطلقــة بعــد صــدور قانــون األرايض العثــاين عــام ‪1858‬م ‪.‬‬ ‫التـ ّ‬ ‫وال يخفــى أ ّن أنظمــة األرايض يف املــرق العــريب وأحكامهــا‪ ،‬قــد مـ ّرت بــأدوار متعــددة‪ ،‬فاختلفــت أحوالهــا باختــاف العصــور واملراحــل التّاريخيــة‬ ‫منــذ الفتــح اإلســامي إىل نهايــة ال ّدولــة العثامن ّيــة ‪.‬‬ ‫إ ّن البحــث يُرجعنــا إىل اســتطالع املفهــوم اإلســامي مللكيــة األرض‪ ،‬وماهيــة العالقــات الواقعيــة‪ ،‬الناشــئة عــى األرض يف ظــل هــذا املفهــوم‪ ،‬مــن‬ ‫خــال مــا كُتــب يف هــذا املوضــوع ‪ .‬و»لذلــك مــا يـ ّرره يف كــون الدولــة العثامنيــة – وقــد اعتــرت نفســها الوريــث الرشعــي للخالفــة اإلســامية‪ ،‬فهــي‬ ‫بالتــايل‪ ،‬ولــو باعتبــار ذايت منهــا‪ -‬كانــت وراء كل املامرســات اإلســامية ومــا طــرأ عليهــا مــن تطــورات يف شــتى املجــاالت‪ ،‬ومنهــا مجــال نظــام األرض‬ ‫والعالقــات الســائدة فيــه (‪.)3‬‬ ‫مــن هنــا تــرز أهميــة العــودة إىل املوقــف ال َّنظــري اإلســامي يف املجــال املطــروح‪ ،‬ومــا جــرى عليــه مــن تطــورات نتيجــة تطــور الواقــع املــارس‬ ‫مللكيــة األرض ومــا ســاده مــن عالقــات ‪.‬‬ ‫أ ّمــا تعـ ّدد أســاليب ملكيــة األرايض وأشــكالها يف الجزيــرة العربيــة‪ ،‬فيمكــن تصنيفهــا إىل ثــاث بيئــات طبيعيــة يف شــبه الجزيــرة العربيــة‪ ،‬وهــي ‪:‬‬ ‫ـح التعبــر‪ -‬كــا يــأيت ‪ :‬املنطقــة الخصبــة (الزراعيــة)‪ ،‬املنطقــة األقــل خصوبــة‪ ،‬ثــم املناطــق الصحراويــة(‪ .)4‬ولــ ّـا كانــت الطبيعــة تتبــادل التأثــر‬ ‫إن صـ ّ‬‫مــع املجتمــع البــري يف ســاته وإنتاجــه وعاداتــه وتطــوره‪ ،‬إذ تؤلّــف الوســط الجغـرايف لــه‪ ،‬سـيّام وأ ّن اإلنســان مل يكــن –آنــذاك‪ -‬ميتلــك مــن الوســائل‬ ‫مــا ميكّنــه مــن الســيطرة عــى الطبيعــة والتقليــل مــن آثارهــا عليــه‪ .‬وتب ًعــا لذلــك‪ ،‬فقــد كانــت األرض يف الجزيــرة العربيــة قبــل اإلســام عــى نوعــن‪:‬‬ ‫عامــر أو غامــر‪.‬‬

‫ ‬


‫يكــن لرســول اللــه وأصحابــه غلــان يقومــون بذلــك‪ ،‬فأعطاهــم خيــر عــى أن يكــون لهــم الشــطر مــن كل زرع ونخــل ويشء مــا(‪ .)13‬فبقيــوا يســتغلونها‬ ‫عــى نصــف مــا خــرج منهــا‪ ،‬فــكان «الحــارص» يــأيت إليهــم عنــد املوســم يحــرص مــا يخــرج منهــا‪ ،‬فيأخــذ النصــف‪ ،‬ويــرك النصــف اآلخــر لليهــود(‪.)14‬‬ ‫وصالــح الرســول أهــل «فــداك» عــى نصــف األرض برتبتهــا وعــى نصــف النخــل(‪ .)15‬ويقــول جــواد عــي‪ »:‬إنّــه وصلــت لديــه وثائــق كثــرة ومهمــة‬ ‫تتضمــن عقــو ًدا يف اســتغالل األرض عرفــت باســم «وتضــم» «وتــف»‪ .‬وهــي عقــود تبـ ّـن أن الحكومــة كانــت تؤ ّجــر األرض ملــن يريدهــا يف مقابــل حقوق‬ ‫يق ّدمهــا إليهــا‪ .‬وتشــمل عقــود الوقــف ‪ :‬العقــود التــي عقــدت بــن املعبــد والوجهــاء وســادات القبائــل أيضً ــا‪ ،‬والعقــود التــي عقدهــا كبــار أصحــاب‬ ‫األمــاك الذيــن فاضــت أمالكهــم عــن حاجتهــم إىل املحتاجــن إليهــا يف مقابــل رشوط اتفــق عليهــا ود ّونــت يف «الوقــف»(‪ .)16‬إذًا‪ ،‬كيــف كانــت سياســة‬ ‫الرســول(ص) والخلفــاء الراشــدين تجــاه األرايض املفتوحــة؟‬ ‫إ ّن فهــم سياســة الرســول (ص) والخلفــاء الراشــدين تجــاه األرايض املفتوحــة‪ ،‬يبــدو ذا أهميــة كبــرة إلدراك نظــام ملكيــة األرايض يف اإلســام وتطــوره‬ ‫كل ذلــك إمنّــا نشــأ نتيجــة لهــذه السياســة‪ ،‬واألرض هــي املــادة التــي تتعامــل معهــا‪ .‬وال يخفــى أ ّن مللكيــات‬ ‫يف الســواد‪ ،‬ولبيــان نشــأة اإلقطــاع فيــه‪ .‬أل ّن ّ‬ ‫األرايض يف اإلســام عالقــات وثيقــة بالتغـ ّـرات االجتامعيــة واالقتصاديــة التــي رافقــت انتشــاره‪ ،‬إذ إ ّن األرايض الزراعيــة كانــت املصــدر الرئيــس لحيــاة‬ ‫الغالبيّــة العظمــى للســكان آنــذاك‪ ،‬وكانــت الرضائــب عليهــا وعــى منتوجاتهــا الزراعيــة تش ـكّل املــورد األســايس والثابــت لخزانــة الدولــة اإلســامية‪.‬‬ ‫أي تغيــر يف طبيعــة ملكيــة األرايض‪ ،‬ال بـ ّد أن يعطــي مــردودات تتّفــق مــع هــذا التغـ ّـر عــى الصعيديــن االقتصــادي واالجتامعــي‪.‬‬ ‫ولهــذا‪ ،‬فــإ ّن ّ‬ ‫ومــن غــر املمكــن أن نفهــم بدايــات نظــام األرايض واإلقطــاع مــا مل تتبلــور يف ذهننــا صــورة واضحــة عــن أوضــاع األرايض املفتوحــة وأحــكام ملكيتهــا‬ ‫‪ .‬إضافــة إىل س ـ ّنة الرســول يف الجزيــرة العربيــة‪« ،‬وكــون الحجــاز مركــز الرســالة اإلســامية‪ ،‬واملصــدر األســايس الــذي ز ّود األمصــار اإلســامية بالق ـ ّواد‬ ‫والح ـكّام لحقبــة مــن الزمــن(‪ ،)17‬ومــا وجــد فيــه مــن نظــم سياســة وإداريــة وترشيعيــة كانــت األرايض التــي اعتمدهــا ح ـكّام األمصــار يف إدارتهــم‬ ‫للواليــات التــي أنيطــت بهــم‪ ،‬وكذلــك الخلفــاء ‪.‬‬ ‫ولكــن مــع هــذا‪ ،‬وعــى الرغــم مــن «أ ّن الديــن اإلســامي كان ســب ًبا لتوحيــد أســس التنظيــات التــي كانــت قامئــة‪ ،‬إالّ أ ّن األحــوال والظــروف الســائدة‬ ‫يف البلــدان اإلســامية ظلّــت آثارهــا باقيــة‪ ،‬وكانــت ذات مفعــول الحظــه أكــر الباحثــن يف النظــم اإلســامية(‪.)18‬‬ ‫كل هــذا لعلّــه يكــون مبثابــة تربيــر مقبــول نســوقه للتعـ ّرض بإيجــاز مركّــز ألحــكام األرايض يف الجزيــرة العربيــة يف صــدر اإلســام ويف أحــكام األرايض‬ ‫ّ‬ ‫املفتوحــة ‪.‬‬ ‫أ ّمــا إذا أم ّعنــا النظــر يف سياســة الرســول (ص) تجــاه األرايض املفتوحــة‪ ،‬أو تلــك التــي أعلــن ســاكنوها اإلســام‪ ،‬أو قبلــوا بســيادة اإلســام عليهــم‪ ،‬مــن‬ ‫خــال الروايــات التاريخيــة عــن غــزوات النبــي (ص) وفتوحــه‪ ،‬ميكننــا أن نســتخلص اتجاهــات رئيســية عامــة أنتجهــا الرســول (ص) يف سياســته ملعالجــة‬ ‫قضيــة هــذه األرايض ‪ .‬وميكــن تلخيصهــا عــى الشــكل اآليت ‪:‬‬ ‫‪1 1‬مصادرة أرض األعداء‪ ،‬وتقسيمها عىل املسلمني ‪.‬‬‫‪-2‬تقسيم األرض أو غلّتها بني أصحابها وبني املسلمني ‪.‬‬ ‫‪-3‬إبقاء ملكية األرض ألصحابها وإقرارهم عليها بعد أن يؤ ّدوا ما عليهم من أموال ‪.‬‬ ‫ومــن املعلــوم أن هــذه األرايض والبلــدان «مل تفتــح جميعهــا عــى وتــرة واحــدة‪ ،‬بــل فُتحــت إ ّمــا عنــوة (بالقــوة) أو مــن دون قتــال‪ .‬وهــذه الوســائل‬ ‫الثــاث الشــائعة يف الفتــح ظلّــت األســاس الــذي بنــى عليــه الفقهــاء‪ ،‬نظرياتهــم يف معالجــة األرايض يف اإلســام(‪.)19‬‬ ‫وقســمت عــى املســلمني ‪ :‬وقــد عومــل أهلهــا تب ًعــا ملوقفهــم مــن الدعــوة اإلســامية‪ .‬أ ّمــا الذيــن غــدروا بالعهــود‬ ‫ •أوالً ‪ :‬األرايض التــي صــودرت ّ‬ ‫رصوا عــى موقفهــم املعــادي مــن اإلســام‪ ،‬فــكان نصيبهــم الطــرد‪ .‬و»أ ّمــا اآلخــرون‪ ،‬فقــد عــاد الرســول فأق ّرهــم عــى أرضهــم ‪.‬‬ ‫(كاليهــود) وأ ّ‬ ‫(‪)20‬‬ ‫قســمت بــن املســلمني عــى ســهام ‪.‬‬ ‫ومــن الواضــح أ ّن هــذه األرايض اعتــرت ملـكًا ً‬ ‫خالصــا للرســول‪ ،‬أو ّ‬ ‫ أبو الحسن البالذري‪ ،‬فتوح البلدان‪ ،‬بإرشاف لجنة تحقيق الرتاث‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬مكتبة الهالل‪ ،‬بريوت‪ ،1983 ،‬ص ‪. 70‬‬‫‪ 13‬‬ ‫ البالذري‪ ،‬فتوح البلدان‪ ،‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪ 39‬وما بعدها‪.‬‬‫‪ 14‬‬ ‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪ 42‬وما بعدها ‪.‬‬‫‪ 15‬‬ ‫ جواد عيل‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪.143‬‬‫‪ 16‬‬ ‫ كلود كاهن‪ ،‬تاريخ العرب والشعوب اإلسالمية‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 118‬‬‫‪ 17‬‬ ‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 196 ، 17‬‬‫‪ 18‬‬ ‫ املــاوردي‪ ،‬أيب الحســن عــي بــن محمــد بــن حبيــب‪ ،‬البــري البغــدادي (‪ 450‬هــــ)‪ ،‬األحــكام الســلطانية والواليــات الدينيــة‪ ،‬الطبعــة الثانيــة‪ ،‬القاهــرة‪ ،‬مــر‬‫‪ 19‬‬ ‫‪1966‬م‪ 1386 /‬هــــ ‪ ،‬ص ‪. 127‬‬ ‫ اإلمام أيب عبيد القاسم بن سالم‪ ،‬كتاب األموال‪ ،‬رشحه عبد األمري عىل مهنا‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪ ،1988 ،‬ص ‪. 64‬‬‫‪2 0‬‬


‫العامــر‪ ،‬هــو املأهــول واملــزروع واملســتغ َّل؛ والغامــر هــو‪ ،‬خــاف العامــر‪ ،‬وهــو الخـراب ‪ .‬وكان العامــر‪ ،‬إ ّمــا ملـكًا للحكومــة‪ ،‬وإ ّمــا للملــوك ولذويهــم‪،‬‬ ‫أو ملـكًا للمعبــد‪ ،‬أي أوقافًــا ُحبســت عــى املعابــد‪،‬أو ملـكًا ألُ َس وأفـراد‪ ،‬وذلــك بالنســبة إىل الحــر‪ ،‬ويف الجزيــرة العربيــة الجنوبيــة بصــورة خاصــة‪.‬‬ ‫وأ ّمــا بالنســبة إىل األعـراب‪ ،‬ســكان البــوادي‪« ،‬فــأرض القبيلــة ملــك لهــا‪ ،‬إالّ مــا ُحمــى منهــا‪ ،‬فهــو مــن حــق أصحــاب األحــاء‪ .‬فــاألرض إذًا مشــاعة بــن‬ ‫أبنــاء القبيلــة‪ ،‬ويدخــل يف ذلــك املــاء والــكأل(‪...)5‬‬ ‫كل األرايض التــي متلكهــا الجهــات املذكــورة ملـكًا للدولــة‪ ،‬ورقبتهــا بيــد الحكومــة‪ ،‬وتسـ ّجل باســم الشّ ــعب الحاكــم‪ ،‬الذيــن إذا «انتــروا‬ ‫وتحســب ّ‬ ‫عــى خصومهــم‪ ،‬جعلــوا أرضهــم ومــا ميلكونــه غنيمــة لحكومتهــم‪ ،‬تابعــة لبيــت املــال ‪ .‬وذلــك عــى نحــو مــا فعلــه املســلمون يف الفتوحــات يف‬ ‫تســجيلهم األرايض التــي فتحوهــا باســم «بيــت مــال املســلمني «(‪. )6‬‬ ‫أرض التــاج للقبائــل والعشــائر بعقــد يتّفــق عليــه‪ ،‬تذكــر فيــه رشوطــه يف الوثائــق التــي تــد ّون لهــذه الغايــة‪ ،‬ويتــم الدفــع مبوجبهــا‪،‬‬ ‫وقــد تؤ ّجــر ُ‬ ‫فيكــون إ ّمــا عي ًنــا‪ ،‬وإ ّمــا نق ـ ًدا‪ .‬وقــد يقــوم ســادات القبائــل باســتغالل األرايض املؤ ّجــرة عــى حســابهم‪ ،‬أو يؤ ّجرونهــا‬ ‫أو يؤ ّجرون أجزا ًءا منها إىل حاشيتهم يف مقابل ُج ْعلٍ يُدفع لهم ‪.‬‬ ‫فيكــون» دخلهــم مــن هــذه األرض املؤ ّجــرة مــن العوائــد التــي ات ّفقــوا عــى اســتحصالها مــن املســتأجرين الثانويــن ومــن صغــار الفالحــن(‪ .)7‬وامتلكــت‬ ‫اض شاســعة واســتغلّتها باســم اآللهــة‪ ،‬وهــي أر ٍ‬ ‫املعابــد أر ٍ‬ ‫اض ُسـ ّجلت باســمها منــذ نشــأتها وظهورهــا‪ ،‬فارتبطــت بهــا وصــارت وق ًفــا عليهــا‪ .‬وكان امللــوك‬ ‫وكبارالم ُـاّك يقطعــون أرضهــم إقطاعــات الســتغاللها‪ .‬وكانــت ت ُعطــى أرايض امللــوك والدولــة إىل القبائــل‪ .‬وكان عــى رؤســاء القبائــل أن يــؤ ّدوا لقــاء ذلــك‬ ‫مبل ًغــا معي ًنــا إىل املالــك يف مقابــل اســتفادتهم مــن األرض املعطــاة لهــم ‪.‬‬ ‫وميكــن حــر األشــخاص الذيــن ت ّنعمــوا بنعــم اإلقطــاع وامتيازاتــه بامللــوك وبذويهــم‪ .‬وامللــك هــو الراعــي الرشعــي للحــق العــام‪ ،‬وهــو الناظــر‬ ‫أي الديــن‪« ،‬أصحــاب األرض‪ ،‬أل ّن األرض ملــك لآللهــة ‪ .‬أ ّمــا الســواد‪ ،‬وهــم غالبيــة النــاس‪ ،‬فليــس منهــم‬ ‫والــويص ألرض الدولــة‪ .‬وهــم يف نظــر الــرع‪ّ ،‬‬ ‫(‪)8‬‬ ‫مــن ال ميلــك إالّ املســاحات الصغــرة مــن األرض والبيــوت‪ ،‬وأغلــب الباقيــن عالــة عــى غريهــم‪ ،‬يتع ّيشــون باســتعامل أيديهــم يف كســب قوتهــم ‪.‬‬ ‫يف مثــل هــذا الواقــع‪ ،‬جــاء اإلســام ليبلــور املفهــوم األول مللكيــة األرض‪ ،‬وكان هــذا املفهــوم املتكـ ّون خــال املرحلــة األوىل لإلســام‪ ،‬أخــذ يصطــدم‬ ‫بواقــع آخــر خــارج الجزيــرة العربيــة‪ ،‬وأخــذ يتفاعــل مــع هــذا الواقــع‪ ،‬مــا فــرض حالــة مــن التبايــن بــن املفهــوم الراهــن وبــن الواقــع املســتجد خــال‬ ‫الفتوحــات اإلســامية األوىل ‪.‬‬ ‫قســمت األرايض ؟ هــل كانــت غنائــم للفاتحــن‪ ،‬أم‬ ‫ونتســاءل ‪ :‬لــ ّـا ظهــر اإلســام‪ ،‬مــا كان مفهــوم الرســول (ص) مللكيــة األرض ؟ أو بطــرح آخــر‪ ،‬كيــف ّ‬ ‫كان العــدل رأس الحكمــة ؟ هــذا مــا ســوف نبحثــه مــن خــال سياســة الرســول (ص) يف املفهــوم اإلســامي مللكيــة األرض ‪.‬‬ ‫لــ ّـا ظهــر اإلســام‪ ،‬كان األقبــال وســادات القبائــل قــد اســتب ّدوا باألمــر وتحكّمــوا يف رقــاب األرض‪ ،‬وأقطعوهــا فيــا بينهــم‪ ،‬ول ّقــب بعضهــم بألقــاب‬ ‫امللــوك‪ ،‬كالحرضمــي‪ ،‬وآل ذي مرعــب‪ ،‬وكانــوا ميلكــون األمــوال والنخــل واآلبــار وامليــاه والســواقي بحرضمــوت(‪ ،)9‬و»وائــل بــن حجــر» مــن كنــدة‬ ‫حرضمــوت‪ ،‬وكان ميلــك األرايض والحصــون واألوديــة‪ ،‬وكان «األشــعث» وغــره مــن كنــدة ينازعونــه يف واد(‪.)10‬‬ ‫وكان يُقــال للفــاح أو املســتأجر ألرض مــا‪ ،‬مــا عليــه مــن حقــوق تجــاه الحكومــة التــي اســتأجر األرض منهــا‪ ،‬أو صاحــب امللــك‪ ،‬الــذي اســتأجر أرضــه‬ ‫لزراعتهــا‪« ،‬دعتــم» «دعــت» (‪ ،)11‬أي «غلّــة»‪ ،‬تسـلّم إىل وكالء الحكومــة أو صاحــب األرض عــن حقهــا املتفــق عليــه ‪.‬‬ ‫وت ُعــرف األرايض الحكوميــة التــي تُعطــى باللزمــة واإلجــازة ملــن ال ميلكهــا بـــــ «مقبلــت»‬ ‫و»قبلــت»‪ ،‬و»مقبــل»‪ ،‬مــن أصــل «قبــل»(‪ . )12‬ت ُعطــى يف مقابــل تع ّهــد يتع ّهــد مبوجبــه امللتــزم واملؤ ّجــر بدفــع مبلــغ معــن أو حصــة معينــة إىل امللــك‬ ‫أو ممثليــه مــن املوظفــن أو أصحــاب األرض‪ ،‬وذلــك يف مقابــل اســتغالله لــأرض‪ .‬وقــد تــد ّون رشوط االتفــاق وتثبــت لريجــع إليــه إذا حــدث اختــاف ‪.‬‬ ‫وقــد صالــح الرســول (ص) أهــل خيــر عــى حقــن دمائهــم‪ ،‬وعــى أن يقومــوا عــى النخــل والــزرع‪ ،‬أل ّن لهــم علـ ًـا بإصــاح األرض وخدمــة الــزرع‪ ،‬ومل‬ ‫‪ 5‬‬ ‫ ‪6‬‬ ‫‪ 7‬‬ ‫‪ 8‬‬ ‫‪ 9‬‬ ‫‪ 10‬‬ ‫‪ 11‬‬ ‫‪ 12‬‬

‫الريض‪ ،‬ال تاريخ‪ ،‬ص ‪. 137‬‬ ‫ جواد عيل ‪ :‬املفصل يف تاريخ العرب قبل اإلسالم‪ ،‬الجزء السابع‪ ،‬منشورات الرشيف‬‫ّ‬ ‫ ابن حزم ‪ :‬تاج العروس‪( 218/10 ،‬صحو)‪ ،‬تحقيق إحسان عباس ونارص الدين األسد‪ ،‬ج ‪ ، 7‬دار املعارف مبرص‪ ،‬ص ‪. 140‬‬‫ جواد عيل ‪ :‬املرجع املذكور‪ ،‬ج ‪ ، 7‬ص ‪. 140‬‬‫ ابن سعد‪ ،‬الطبقات الكربى‪ ،‬دار صادر‪ ،‬بريوت ‪. 349/1‬‬‫ ابن سعد‪ ،‬املصدر املذكور‪. 266/1 ،‬‬‫ املصدر نفسه‪. 287/1 ،‬‬‫ جواد عيل‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. . 142‬‬‫‪ -‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 142‬‬


‫عهــد الرســول ؟‬ ‫لقــد حـ ّددت األبحــاث الحقوقيــة الوضــع القانــوين لــأرايض‪ ،‬كــا حـ ّددت وضــع الذيــن يعملــون فيهــا عــى نحــو ال يتــاءم تالؤ ًمــا كامـ ًـا مــع الواقــع‬ ‫الفعــي‪ ،‬فنظــام األرايض بُعيــد الفتــح العــريب‪ ،‬كان عــى الشــكل اآليت‪ :‬يف الجزيــرة العربيــة امللكيــات الفرديــة أصبحــت منذئـ ٍـذ إســامية وانتــرت‪ ،‬ســواء‬ ‫يف املــدن أم يف بعــض الواحــات ‪ .‬وكان يســتحيل عــى تلــك امللكيــات أن ت ُســتحدث خــارج الجزيــرة العربيــة تب ًعــا ملبــادئ الســلوك واألع ـراف التــي‬ ‫اســتخلصت عــى مـ ّر الزمــن طــوال القــرن األول مــن الخالفــة ‪ .‬فقــد طالبــت الدولــة مبلكيــة األرايض املفتوحــة أو عهــدت بهــا إىل مالكيهــا القدامــى‪،‬‬ ‫رشيطــة أداء الخـراج ‪ .‬ومــع ذلــك تشــكلت يف الواقــع مثــل هــذه امللكيــات يف أعــايل بــاد الرافديــن مثـاً أثنــاء الجبلــن أو الثالثــة أجيــال التــي كانــت‬ ‫فيهــا اإلدارة الحكوميــة متعـ ّـرة‪ ،‬وأيضً ــا يف حــاالت خاصــة بصــورة رســمية ‪ .‬وكانــت طب ًعــا تــؤدي الــزكاة الواجبــة عــى كل مســلم عــن أموالــه‪ ،‬واعتُــرت‬ ‫مكافئــة للعــر املرتتــب عــى املحاصيــل بالنســبة إىل األمــوال العقاريــة‪ .‬وظلّــت غالبيــة األرايض موضــوع متلّــك فــردي لورثــة املالكــن القدامــى‬ ‫وســميت بــــــ «الصــوايف» ‪.‬‬ ‫املحلّيــن‪ ،‬أو ملـكًا للدولــة‪ُ ،‬‬ ‫أ ّمــا األرايض التــي بقيــت لألهــايل‪« ،‬فكانــت خاضعــة للخـراج‪ ،‬وهــو اســتمرار فعــي للرضيبــة العقاريــة النافــذة يف العهــود الســالفة‪ ،‬واعتــره الســادة‬ ‫الجــدد اعرتافًــا لألمــة اإلســامية مبلكيــة الرقبــة عــى أرايض الفــيء (الناجمــة عــن الفتــح) أشــبه يشء باملــال املوقــوف لصالــح األجيــال املتعاقبــة(‪.)28‬‬ ‫ولهــذا الســبب‪ ،‬اســتمر أداء الخـراج عــن األرض ولــو اعتنــق املالــك الديــن اإلســامي بعــد أن دخــل النــاس فيــه أفوا ًجــا ‪ .‬وكانــت حيــازة األرض مــن قبــل‬ ‫املالــك املســلم أو غــر املســلم تكافــئ فعـاً امللكيــة التامــة التــي تبيــح التــرف هــذه األرض عــى الوجــوه كافــة‪.‬‬ ‫رشا إىل ح ـ ّد مــا بــإرشاف مــا يُســمى‬ ‫أ ّمــا أمــاك الدولــة‪ ،‬فقــد ّ‬ ‫قســمت إىل فئتــن‪ :‬األوىل احتفظــت بهــا الدولــة مــن أجــل اســتثامرها اســتثام ًرا مبــا ً‬ ‫بالديــوان‪ ،‬والثانيــة عهــدت بهــا الدولــة إىل أف ـراد مقابــل رشوط تســهيلية ‪.‬‬ ‫وكان ســكان الجزيــرة العربيــة يحافظــون عــى أرايض «الحمــى» (املشــاع)‪ ،‬وهــي أر ٍ‬ ‫اض ليســت ملـكًا ألفـراد ألنّهــا رضورة للقبيلــة أو للعــرب أجمعــن‪.‬‬ ‫ولقــد وجــدت مثــل هــذه األرايض طب ًعــا يف البــاد املفتوحــة‪ ،‬وبخاصــة يف املناطــق الصحراويــة ‪ .‬لكـ ّن املســلمني‪ ،‬وبعــد التوســع يف االجتهــاد الحقوقــي‪،‬‬ ‫اعتربوهــا أمــواالً للدولــة‪ ،‬ولهــا أن تحتفــظ بهــا أو أن متنحهــا باملقاولــة إىل أفـراد أو قبائــل(‪.)29‬‬ ‫ولكــن عندمــا اكتســحت الجيــوش العربيــة اإلســامية بــاد الشــام يف حمــات الجهــاد الكــرى يف القــرن الســابع‪ ،‬صــودرت أوالً عقــارات امللــوك أو‬ ‫األعــداء يف اإلمرباطوريتــن البيزنطيــة والفارســية اللتــن أخضعتــا بقــوة الســاح‪ ،‬فأصبحــت بالتــايل ملـكًا للمجتمــع اإلســامي ‪.‬إذًا‪ ،‬كيــف قســمت األرايض‬ ‫بعــد الفتــح ويف املناطــق املختلفــة ؟‬ ‫قسمت األرايض عىل الشكل اآليت ‪:‬‬ ‫لقد ّ‬ ‫رف بهــا أصحابهــا «بجميــع الترصفــات يف اإلســام وال جزيــة عــى‬ ‫كانــت األرايض العرشيــة هــي األرايض اململوكــة التــي أســلم عليهــا أهلهــا‪ ،‬ويت ـ ّ‬ ‫وض َب عليهــا الخـراج‪،‬‬ ‫رؤوســهم وال خـراج عــى أراضيهــم»(‪ .)30‬أ ّمــا األرايض الخراجيــة فهــي األرايض اململوكــة أيضً ــا مــن قبــل األهــايل غــر املســلمني‪ُ ِ ،‬‬ ‫ولكــن تعــود رقبتهــا إىل بيــت املــال إذا تــويف املتــرف بهــا مــن دون وارث رشعــي‪ ،‬أي إذا انقرضــت ســالته‪ .‬لــذا‪ ،‬كان املســلمون يحتفظــون بأراضيهــم‬ ‫العرشيــة اململوكــة بتوارثهــا ويتكاثــر نســلهم عــن طريــق تعــدد الزوجــات وإنجــاب الذكــور الوارثــن(‪ .)31‬وكان أصحــاب األرايض الخراجيــة اململوكــة‬ ‫يخــرون األرض برصاعهــم مــع القبائــل الوافــدة‪ ،‬والطوائــف األخــرى‪ ،‬أو بهجرتهــم إىل مناطــق تواجدهــم األصليــة يف املــرق العــريب تحــت ضغــط‬ ‫الحــروب والعوامــل الطبيعيــة ‪.‬‬ ‫ومنــذ تأســيس الدولــة اإلســامية األوىل‪ ،‬وضعــت يف املــرق العــريب قواعــد التــرف بــاألرايض التــي أصبحــت يف مــا بعــد الركيــزة األساســية ألنظمــة‬ ‫األرايض الــ ُمتبعة يف الدولــة العثامنيــة ‪ .‬وقــد قُســمت األرايض عــى النحــو اآليت (‪:)32‬‬ ‫املبــاين وال َع َرصــات الـــ ُملحقة بهــا مــن أرض الجــوار والحواكــر والحدائــق املت ّممــة للســكن‬‫واملحيطــة باألبنيــة وملحقاتهــا‪ ،‬وهــي مــن األرايض اململوكــة يف اإلســام اســتنا ًدا إىل القوانــن الرومانيــة ‪.‬‬ ‫األرايض الزراعيــة‪ :‬وهــي أرايض املســلمني ال ُعرشيــة (مملوكــة)‪ ،‬وأرايض الصلــح الخراجيــة (مملوكــة)‪ ،‬وأرايض الصلــح الحراجيــة (مملوكــة)‪ ،‬وأرايض‬‫الفــيء والغنيمــة (أر ٍ‬ ‫اض أمرييــة)‪ ،‬واألرايض املــوات ‪.‬‬ ‫‪2 8‬‬ ‫‪ 29‬‬ ‫‪ 30‬‬ ‫‪ 31‬‬ ‫‪ 32‬‬

‫ أبو يوسف‪ ،‬الخراج‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬الطبعة السلميّة‪ ،‬القاهرة‪ 1351 ،‬هــ ‪ ،‬ص ‪. 185‬‬‫ كلود كاهني‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 113‬‬‫ جمعة محمود الزريقي‪ ،‬نظام ‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬أبو يوسف‪ ،‬كتبا الخراج ‪ ،...‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪. 182‬‬‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 185‬‬‫‪ -‬اإلمام الحافظ‪ ،‬أيب الفرج الحنبيل‪ ،‬االستخراج ألحكام الخراج‪ ،‬يف «الرتاث االقتصادي اإلسالمي»‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪ ،1990 ،‬ص ‪. 641‬‬


‫قســمت أرضهــا أو غلّتهــا بــن املســلمني وأصحابهــا ‪« :‬نتيجــة الفتــح إ ّمــا صل ًحــا أو منــدون قتــال‪ ،‬عوملــت كأرايض الصلــح‪،‬‬ ‫ •ثانيـاً ‪ :‬األرايض التــي ّ‬ ‫(‪)21‬‬ ‫مثل خيــر ووادي القــرى ‪.‬‬ ‫ •ثالثـاً ‪ :‬إبقــاء ملكيــة األرض ألصحابهــا وإقرارهــم عليهــا بعــد أن يــؤدوا مــا عليهــم مــن أمــوال ‪« :‬وقــد تـ ّم فتــح هــذه األرايض بالطــرق الشــائعة‬ ‫الثــاث املذكورة ســابقًا ‪.‬‬ ‫وكل املذاهــب تتّفــق‬ ‫قــد تختلــف هــذه األرايض مــن حيــث طبيعتهــا العمرانيــة‪ ،‬فإ ّمــا أن تكــون عامــرة أو مواتًــا‪ ،‬أو عامــرة أهملهــا أهلهــا باإلســام ‪ّ .‬‬ ‫عــى أنّهــا يف حاالتهــا الثــاث تكــون ملـكًا للمســلمني ‪.‬‬ ‫أ ّمــا القســم الــذي بقيــت فيــه األرايض بأيــدي مالكيهــا‪ ،‬فــكان يتـ ّم إقرارهــم عليهــا مقابــل أن تفــرض عليهــم الجزيــة‪ .‬ومل تكــن هــذه الجزيــة مو ّحــدة‪،‬‬ ‫فإ ّمــا أن تكــون جزيــة جامعيــة أو مشــركة ‪ .‬وذلــك بفــرض مبلــغ معــن مــن املتــل «مائــة دينــار يف كل رجــب»‪ ،‬كــا جــاء يف جزيــة أهــل «أذرح»‬ ‫(‪)22‬‬ ‫ـي حلّــة يف صفــر وألــف حلّــة يف رجــب ‪ )...‬وعــى «أن تــؤ ّدى عليهــم عاريــة ثالثــن ذرا ًعــا‬ ‫و»تيــاء» ‪ ،..‬أو مبقــدار معــن مــن إنتــاج ذلــك البلــد (ألفـ ّ‬ ‫كل حــامل‬ ‫فرســا وثالثــن بعـ ًرا إن كان باليمــن كبــد»(‪ ،)23‬كــا جــاء يف كتــاب النبــي الــذي كتبــه ألهــل نجـران‪ ،‬وأن تكــون الجزيــة فرديــة» عــى ّ‬ ‫وثالثــن ً‬ ‫(‪)24‬‬ ‫دينــا ًرا كــا يف جــرش ونبالــة وغريهــا ‪...‬‬ ‫وهكــذا يتّضــح بــأن سياســة الرســول تجــاه األرايض املفتوحــة كانــت تتّســم باملرونــة والتن ـ ّوع إىل ح ـ ّد كبــر‪ ،‬إذ تحكّمــت فيهــا الظــروف املحيطــة‬ ‫بالجامعــة اإلســامية الفت ّيــة‪ ،‬أو بظــروف األرض املفتوحــة نفســها‪ ،‬مــن حيــث موقعهــا الجغـرايف‪ ،‬ووقوعهــا يف الحجــاز أو يف الجزيــرة العربيــة أو خارجها‪،‬‬ ‫يف شــال الجزيــرة أو يف جنوبهــا‪ ،‬أو يف طبيعتهــا الزراعيــة‪ ،‬أو جنســية ســكانها (عــرب أو غــر عــرب)‪ ،‬أو ديانتهــم (صــاروا مســلمني أم ظلّــوا أهــل‬ ‫كتــاب)‪ ،‬أو كيفيــة فتحهــا (عنــوة‪ ،‬صل ًحــا‪ ،‬مــن دون قتــال)‪ ،‬أو موقفهــم مــن الدعــوة واملســلمني (غــدروا أم التزمــوا باملواثيــق والعهــود) ‪ ...‬وهكــذا ‪.‬‬ ‫ومــن املالحــظ أ ّن الرســول (ص) كان يتخــذ إجراءاتــه انســجا ًما مــع هــذه الظــروف ووف ًقــا ملصلحــة املســلمني والدعــوة اإلســامية أوالً؛ ولطأمنــة مصالــح‬ ‫النــاس الســاكنني يف األرايض املفتوحــة –قــدر املســتطاع‪ -‬ثان ًيــا ‪.‬‬ ‫وبنا ًء عىل ذلك‪ ،‬ورد كتاب من الرسول (ص) إىل املنذر بن ساوى‪ ،‬وفيه ‪:‬‬ ‫« بسم الله الرحمن الرحيم‬ ‫ِمن محمد رسو ِل الله إىل املنذر بن ساوى ‪.‬‬ ‫فإن أحمد الله إليك الذي ال إله غريه وأشهد أن ال إله إال الله وأ ّن محم ًدا عبده ورسوله ‪.‬‬ ‫سالم عليك ّ‬ ‫ـإن أ َذكِّـ ُرك اللــه عـ ّز وجـ ّـل‪ ،‬فإنــه َمــن يَنصــح فإنّ ــا يَنصــح لنفســه‪ ،‬وإنــه َمــن يُ ِطــع ُرســي واتّبــع أمرهــم فقــد أطاعنــي‪ ،‬و َمــن نَصــح لهــم‬ ‫أمــا بعــد‪ ،‬فـ ّ‬ ‫وإن قــد ســمعتُك يف قومــك فأتــرك للمســلمني مــا أســلموا عليــه‪ ،‬وعفــوتُ عــن أهــل الذنــوب فاقبــل‬ ‫فقــد نَصــح يل‪ .‬وإ ّن ُر ُســي قــد أثنــوا عليــك خـ ًرا ‪ّ .‬‬ ‫(‪)25‬‬ ‫منهــم‪ .‬وإنّــك هــا تصلــح فلــن نَعزلــك عــن عملــك ‪ .‬و َمــن أقــام عــى يهوديتــه أو مجوســيته فعليــه الجزيــة « ‪( .‬عالمــة الختــم) محمــد رســول اللــه‬ ‫ور ًدا عــى كتــاب الرســول‪ ،‬أرســل املنــذر جوابًــا جــاء فيــه ‪ »:‬أ ّمــا بعــد يــا رسـ َ‬ ‫ـب‬ ‫ـول اللــه فـ ّ‬ ‫ـإن قــرأتُ كتابــك عــى أهــل بَح َريــن‪ ،‬فمنهــم مــن أحـ ّ‬ ‫(‪)26‬‬ ‫اإلســام وأعجبــه ودخــل فيــه ومنهــم َمــن كَ ِر َهــه ‪ .‬وبــأريض َم ُجــوس ويهــود ‪ .‬فأحـ ِـدثْ يف ذلــك أمــرك « ‪.‬‬ ‫غــر أ ّن الهدفــن الرئيســيني اللذيــن كانــا املحــور األســايس الــذي تــدور عليــه سياســة الرســول بصــورة عامــة‪ ،‬فهــا نــر الرســالة اإلســامية (الجهــاد)‬ ‫وحاميــة املســلمني وضــان حياتهــم امل َعاشــية(‪.)27‬‬ ‫بنــا ًء عــى ماتق ـ ّدم كيــف ميكننــا أن نح ـ ّدد نظــام األرايض بُعيــد الفتــح العــريب‪ ،‬وهــل بقــي الوضــع عــى حالــه مــن تقســيم األرايض كــا كان يف‬ ‫ املصدر السابق‪ ،‬ص ‪. 68‬‬‫‪2 1‬‬ ‫ أبو الحسن البالذري‪ ،‬فتوح البلدان‪ ،‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪. 71‬‬‫‪2 2‬‬ ‫ املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.. 75‬‬‫‪2 3‬‬ ‫ مــا يذكــر عنهــا أنهــا ســلمنا مــن غــر قتــال‪ ،‬فلــم يتعـ ّرض املســلمون ألرض أهــل الكتــاب فيهــا ‪ .‬بــل فرضــت عليهــم جزيــة جامعيــة‪ ،‬وقيــل فرديــة‪ ،‬وضيافــة‬‫‪ 24‬‬ ‫مــن مـ ّر مــن املســلمني –ببالدهــا‪ -‬بينــا بشــر الطــري‪ ،‬اســتنادا ً لروايــة ابــن اســحاق‪ ،‬إىل مناوشــات قــد جــرت بــن جنــد املســلمني وأهــل جــرش يف وقــت كان وفدهــم يفــاوض‬ ‫الرســول يف املدينــة‪ ،‬وأخـرا ً عقــد الصلــح معهــم وحمــى الرســول لهــم بعــض الحمــى ‪ .‬وتوصــف جــرش بأنّهــا كانــت مدينــة مغلقــة فيهــا قبائــل مــن اليمــن ‪ .‬املــاوردي‪ ،‬املرجــع‬ ‫املذكــور‪ ،‬ص ‪.. 127‬‬ ‫ محمد حميد الله الحيدري أبادي‪ ،‬مجموعة الوثائق السياسية يف الهدي النبوي والخالفة الراشدة‪ ،‬مكتبة مدبويل‪ ،‬القاهرة‪ 2000 ،‬م‪ ،‬ص ‪. 57‬‬‫‪ 25‬‬ ‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 57‬‬‫‪2 6‬‬ ‫ كلــود كاهــن‪ ،‬تاريــخ العــرب والشــعوب اإلســامية‪ ،‬نقلــه إىل العربيــة بــدر الديــن القاســم‪ ،‬دار الحقيقــة للطباعــة والنــر‪ ،‬الطبعــة الثانيــة‪ ،‬بــروت‪ ،1977 ،‬ص‬‫‪ 27‬‬ ‫‪. 122‬‬


‫عندمــا نتحــدث عــن القطائــع‪ ،‬نســأل‪ :‬هــل كانــت هنــاك واجبــات تجــاه أصحابهــا ؟ أجــل‪ ،‬فقــد كان مــن واجبــات صاحــب القطيعــة أو الــ ُمقطع‬ ‫وملتــزم األرض اســتثامرها وإحيــاء املــوات منهــا وتعمريهــا بالبنــاء وتحجريهــا لتصبــح ملـكًا لــه‪ .‬فــإن أهمــل هــذه الــروط ت ُنــزع األرض منــه وتسـلّم‬ ‫ـص الــرع اإلســامي عــى «أن مــن أحيــا أرضً ــا مواتًــا فهــي لــه»‪ ،‬بينــا‬ ‫إىل شــخص آخــر يســتغلّها ويحســن اســتثامرها ويدفــع خراجهــا(‪ .)43‬ولقــد نـ ّ‬ ‫مــن يهمــل زراعــة األرض تعــود بعــد ثــاث ســنوات إىل الدولــة لتُقطــع إىل شــخص آخــر(‪ .)44‬وهــذا واضــح مــن إجـراءات عمــر بــن الخطــاب حــن أبــاح‬ ‫لنفســه أن يس ـرّد بعــض اإلقطاعــات التــي وجدهــا تزيــد عــن حاجــة امل ُقطــع إليهــم الفعليــة‪ ،‬فعطّلوهــا‪ ،‬فاعتــر عــدم اســتغاللها مس ـ ّوغًا مرشو ًعــا‬ ‫الســردادها‪ .‬ولعـ ّـل اشـراطه عــدم تح ّجــر األرض أو تعطيلهــا أو عــدم إحيائهــا ألكــر مــن ثــاث ســنوات ميكــن تفســره مــن هــذا املنطلــق أيضً ــا ‪.‬‬ ‫وكان الرســول (ص) غال ًبــا مــا يســتجيب لطلــب امل ُقطعــن فيقطعهــم مــا يطلبــون‪ ،‬ومــن هنــا –عــى مــا يبــدو‪ -‬جــاء الشــافعي بقاعدتــه التــي كان يــرى‬ ‫فيهــا أ ّن «ح ًقــا عــى الــوايل إقطــاع مــن ســأله القطيــع مــن املســلمني «(‪ .)45‬وعــى أي حــال‪ ،‬فــإ ّن اإلقطــاع كـ ّون أحــد مصــادر امللكيــة الفرديــة الخاصــة‬ ‫يف هــذه الفــرة ويف املســتقبل‪ .‬ولرمبــا أ ّن هــذا التصـ ّور ملعنــى اإلقطــاع هــو الــذي جعــل فقي ًهــا مثــل أيب يوســف يشـ ّبه اإلقطــاع باملــال الــذي يعطيــه‬ ‫ـكل « مــن أن لــه فــاء يف اإلســام‪ ،‬ومــن يقــوى بــه عــى العــدو»(‪. )46‬‬ ‫الخليفــة مــن بيــت املــال لـ ّ‬ ‫ويف زمــن عمــر بــن الخطــاب‪ ،‬بــرز اتجــاه جديــد وهــو أن ال يكــون اإلقطــاع يف أرض خراديــة(‪ ...)47‬وال تُســقى مــن مــاء خـراج ‪ .‬أل ّن هــذه األرايض هــي‬ ‫ملــك الدولــة اإلســامية أعطيــت لشــاغليها يســتغلّونها ويدفعــون عنهــا مــاالً يكــون فيئًــا لعامــة املســلمني‪ ،‬فــإن أقطعــت صــار نفعهــا لبعــض األفـراد‪.‬‬ ‫لكــن هــذا املبــدأ أصيــب بنكســة حــن ُخـر َِق وأهمــل زمــن عثــان بــن عفــان(‪.)48‬‬ ‫ومــن بــن الغايــات الرئيســة يف اإلقطــاع كان إحيــاء األرايض املــوات (البــور) وتهيئتهــا لإلنتــاج‪ ،‬لفائــدة األفـراد والجامعــة اإلســامية (الدولــة واملجتمــع)‬ ‫‪ .‬وانطالقًــا مــن هــذا املبــدأ ميكــن االســتنتاج بــأ ّن مــن بــن أهــداف اإلقطــاع وأغراضــه هــو إيجــاد مــوارد ثابتــة لبيــت املــال (خزينــة الدولــة)‪ ،‬أل ّن إعــار‬ ‫األرض وازدهارهــا ال شــك أنــه يعطــي مــردودات لبيــت املــال(‪ ،)49‬ســواء كان هــذا املــورد عــى شــكل صدقــة أو خـراج ‪ .‬فالفــرق يف هــذه الحالــة ينحــر‬ ‫يف مقــدار املــردود مــن حيــث الكميــة‪ ،‬عــاوة عــى أ ّن منــح اإلقطاعــات وتعمــر األرض املــوات بهــذه الوســيطة كان يزيــد مــن إنتــاج املــواد امل َعاشـ ّية‪،‬‬ ‫ويوظــف رؤوس األمــوال بــدالً مــن تجميدهــا‪ ،‬إضافـ ًة إىل أنّــه يوجــد مجــال عمــل لبعــض األفـراد والعوائــل الفالحيــة أو املزارعــن الذيــن يعجــزون عــن‬ ‫توفــر الوســائل املاديــة واملاليــة لتعمــر هــذه األرايض واســتغاللها‪ ،‬أي بتعبــر آخــر‪ ،‬إيجــاد مجــال لتشــغيل األيــدي العاطلــة عــن العمــل‪ .‬ونســأل‪ :‬مــا‬ ‫هــو الهــدف مــن اإلقطــاع ؟ وهــل كان خدمــة ووســيلة دافعــة إلنتشــار اإلســام ؟‬ ‫اسـتُخدم اإلقطــاع كوســيلة لتوجيــه أنظــار الفاتحــن إىل خــارج الجزيــرة العربيــة ولرتغيــب املقاتلــن عــى الجهــاد إلزاحــة العوائــق أمام انتشــار اإلســام‬ ‫وتوســعه‪ .‬وميكــن أن نستشــف ذلــك مــن إقطــاع بعــض األفـراد يف األرايض الشــامية قبــل فتحهــا‪ ،‬وكذلــك قصــد عمــر بــن الخطــاب ‪ .‬ذات الغايــة حــن‬ ‫ّ‬ ‫وعــد بنــي «بجيلــة» مبنحهــم ثلــث أو ربــع الســواد إن ســاروا إليــه وشــاركوا يف فتحــه ‪ .‬ويف الوقــت نفســه‪ ،‬اتخــذ مــن اإلقطــاع كوســيلة لكســب رضــا‬ ‫رشا لإلســام وللمســلمني‪ ،‬تجن ًبــا ملــا قــد يسـ ّببونه مــن أذى‪ ،‬وف ًقــا ملبــدأ «تآلــف القلــوب»(‪ )50‬ولكســب األنصــار ‪.‬‬ ‫بعــض الذيــن أضمــروا ً‬ ‫ومبــا أ ّن الدولــة اإلســامية الرشــيدية كانــت تــرف عــى طــرق اســتثامر األرايض‪ ،‬اعتــرت هــذه األرايض ملـكًا اســميًا لهــا أو للخليفــة(‪ .)51‬واســتمر هــذا‬ ‫التقليــد متّب ًعــا حتــى صــدور قانــون األرايض العثــاين عــام ‪ 1858‬م ‪».‬إ ّن إرشاف الدولــة املبــارش عــى طــرق اســتثامر األرايض وجبايــة رضائبهــا الخراجيــة‬ ‫والعرشيــة عـ ّزز دورهــا املركــزي وه ّمــش دور أصحــاب القطائــع الذيــن مل يكونــوا أحـرا ًرا يف التــرف بهــا‪ ،‬بــل كانــوا ملتزمــن بــأداء العــر الواجــب‬ ‫عــى كل مســلم‪ .‬وكان حجــم االلتـزام أو اإلقطــاع يختلــف يف حالتــي إقطــاع االســتغالل أو إقطــاع التمليــك حســب نــوع واتســاع القطيعــة‪ ،‬فهــو ميكــن‬ ‫أن يشــمل أرضً ــا واســعة تضــم عــدة ضيــاع أو يقتــر عــى قريــة واحــدة أو جــزء منهــا «(‪. )52‬‬ ‫ اإلمام أيب عبد القاسم بن سالم‪ ،‬كتاب األموال ‪ ،...‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪. 287‬‬‫‪ 43‬‬ ‫ أبو يوسف‪ ،‬كتاب الخراج ‪ ،...‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪. 177‬‬‫‪ 44‬‬ ‫ الشافعي‪ ،‬اإلمام‪ ،‬ج ‪ ، 2‬ص ‪. 273‬‬‫‪ 45‬‬ ‫ طرخان‪ ،‬النظم اإلقطاعية يف الرشق األوسط‪ ،‬ص ‪. 472‬‬‫‪ 46‬‬ ‫وسميّت أيضاً بأرض جزية‪ ،‬يحيى بن آدم‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 74‬‬ ‫‪ 47‬‬ ‫ ُ‬‫ محمد عيل نرص الله‪ ،‬تطور نظام ملكية األرايض يف اإلسالم‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬بريوت‪ ،1985 ،‬ص ‪. 120‬‬‫‪ 48‬‬ ‫ النبهان‪ ،‬االتجاه الجامعي يف الرشيعة اإلسالمية ‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 415‬‬‫‪ 49‬‬ ‫ ‪. LOKKEGAARD, Islamic Taxtion in the classical period, P. 29‬‬‫‪ 50‬‬ ‫– نقالً عن محمد عيل نرص الله‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪.. 123‬‬ ‫ نايــف بلــوز‪ « ،‬بعــض املالمــح الحضاريــة لإلقطاعيــة الرشقيــة يف ظــل الخالفــة العربيــة»‪ ،‬مجلــة دراســات عربيــة‪ ،‬الســنة التاســعة‪ ،‬العــدد األول‪ ،‬ترشيــن الثــاين‪،‬‬‫‪5 1‬‬ ‫‪ ،1972‬ص ‪. 6‬‬ ‫ كلود هان‪ ،‬تاريخ العرب والشعوب اإلسالمية ‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 178‬‬‫‪5 2‬‬


‫الصــوايف أو عقــارات بيــت املــال‪ ،‬وهــي العقــارات التــي يصطفيهــا اإلمــام أو الحاكــم لنفســه بصفتــه رأس الدولــة أو بصفتــه الشــخصية‪ ،‬أو العقــارات‬‫التــي يختارهــا لتكــون وق ًفــا للمصلحــة العامــة‪ ،‬فتغـذّي خزينــة بيــت املــال ‪.‬‬ ‫أرايض الحمــى واإلرتفــاق واألرايض املحميــة واملرفقــة‪ ،‬وهــي األرايض املشــركة التــي كانــت تخصــص للمنفعــة العامــة مــن َمـرا ٍع ومخاطــب ومشــارب‬‫وطــرق وأســواق ومجــا ٍر مائيــة وينابيــع وأنهــار‪.‬‬ ‫وأخرياً األرايض الوقفية ‪.‬‬‫والجديــر بالذكــر هــو أ ّن أنــواع تلــك األرايض كانــت تُعتــر مل ـكًا لدولــة صــدر اإلســام املتمثلــة بأمــر املؤمنــن(ع) أو الخليفــة‪ ،‬حيــث كان الخلفــاء‬ ‫يرشفــون بأنفســهم عــى جبايــة مــال الخـراج ليتمكنــوا الح ًقــا مــن محاســبة الــوالة والقضــاة عــى مــا جنــت أيديهــم مــن أمــوال وأربــاح طارئــة‪ .‬وقــد‬ ‫كان مثــل هــذا النظــام يُســمى نظــام املقاســمة(‪ .)33‬وكان يُقابلــه نظــام اإللتـزام‪ ،‬أو مــا يُســمى بنظــام اإلقطــاع الــذي كان عــى نوعــن‪ :‬إقطــاع اســتغالل‬ ‫قســم بــدوره إىل إقطــاع األرايض املــوات وإقطــاع األرايض العامــرة(‪.)34‬‬ ‫أو إقطــاع متليــك‪ ،‬وكان يُ ّ‬ ‫وكان يُفــرض أن يكــون إقطــاع التمليــك يف األرايض املــوات «إحيائهــا أو يف أرض الصــوايف حيــث كان يُعطــى صاحبــه حــق امللكيــة ويدفــع عنــه ال ُعــر‬ ‫‪ .‬أ ّمــا إقطــاع االســتغالل فهــو إقطــاع مؤقــت وهــو أشــبه مــا يكــون بالزراعــة حيــث يدفــع صاحبــه عــاد ًة الخـراج»(‪. )35‬‬ ‫وأول ّمــن ط ّبــق نظــام اإلقطــاع يف اإلســام هــو النبــي محمــد (ص) عندمــا أقطــع عــى نفســه أوالً ثـ ّم عــى أيب بكــر وعبــد الرحمــن بــن عــوف‪ ،‬أرايض‬ ‫بنــي النضــر لتأمــن مصاريــف أرسهــم مــن غلّتهــا بعــد أن تركــوا التجــارة وبــدأوا الجهــاد يف ســبيل الديــن الجديــد(‪ .)36‬وكان الهــدف مــن هــذا اإلقطــاع‬ ‫أن ُينــح «بعــض النــاس غلّــة أرض مــن أرايض الدولــة ليالئــم يف الجيــش أو لعظــم فائدتهــم لألمــة «(‪. )37‬‬ ‫توســع الفتوحــات العربيــة اإلســامية وســيطرة الدولــة الحديثــة عــى أر ِ‬ ‫اض واســعة تحتــاج‬ ‫غــر أنــه مل يُحافــظ عــى هــذا الهــدف مــن اإلقطــاع بعــد ّ‬ ‫إىل أيـ ٍـد عاملــة كثــرة إلحيــاء األرايض املــوات واســتثامر العامــر منهــا‪ .‬لــذا درجــت األعـراف اإلســامية عــى إقطــاع بعــض األشــخاص األرايض يك ال تتحـ ّول‬ ‫تلــك األرايض إىل ملكيــة عامــة‪ ،‬وت ُلحــق ببيــت املــال فتتطلّــب تفـ ّرغ عــدد كبــر مــن املزارعــن عــى حســاب الجهــاد العســكري أو تعــود إىل األرايض‬ ‫املــوات‪ ،‬فتخــر الخزينــة ريعهــا العقــاري ‪ .‬يف هــذا الســياق هــل تح ّولــت بعــض األرايض إىل ملكيــة خاصــة‪ ،‬ومــاذا أطلــق عليهــا مــن أســاء؟‬ ‫لقــد تح ّولــت األرايض إىل ملكيــة خاصــة‪ ،‬وميكــن فهــم تحـ ّول بعــض تلــك األرايض إىل «ملكيــة خاصــة اقتطعهــا الحاكــم أو األمــر ودفعهــا إىل بعــض‬ ‫النــاس عــى أن تكــون لهــم رقبتهــا وهــي القطائــع (جمــع القطيعــة) «(‪. )38‬‬ ‫إذن‪ ،‬كان مــن رشوط اإلقطــاع‪ ،‬أن تكــون األرض مواتًــا أو خرابًــا تحتــاج إىل إحيــاء « ‪ ...‬وليســت ألحــد أو يف يــد أحــد وال ملـكًا ألحــد وال موروثــة وال‬ ‫عليهــا عــارة»(‪ . )39‬وأن ال تكــون مــن األمــاك املحميــة أو املرفقــة‪« ،‬أل ّن ســنة رســول اللــه (ص) يف الــكأل والنــار واملــاء أ ّن النــاس جمي ًعــا فيهــا رشكاء»(‪. )40‬‬ ‫ومــن رشوط اإلقطــاع أيضً ــا أن ال تكــون يف األرض معــادن ظاهــرة يحتــاج النــاس إليهــا‪ ،‬أ ّمــا إذا كانــت املعــادن يف باطنهــا‪ ،‬فيعــود الحكــم يف اإلقطــاع‬ ‫لإلمــام(‪ .)41‬غــر أ ّن القطائــع أو «اإلقطاعــات» مل تكــن وراثيــة‪ ،‬بــل كانــت متنــح للقبائــل العربيــة املجاهــدة‪ ،‬ولكــن مــع وصــول الخليفــة عثــان بــن‬ ‫عفــان إىل الســلطة‪ ،‬بــدأ النظــام اإلقطاعــي اإلســامي املرشقــي يتك ـ ّون‪ ،‬وأخــذت القطائــع «تُعطــى للقــادة واألســياد‪ ،‬وبكلمــة واحــدة لألرســتقراطية‬ ‫التــي مل تكــن لتدفــع ســوى الــزكاة‪ ،‬بينــا رضيبــة الخـراج عــى هــذه اإلقطاعــات نفســها كان يدفعهــا شـغّيلتها مــن مســلمني وغــر مســلمني»(‪. )42‬‬ ‫ صبحي الصالح‪ ،‬النظم اإلسالمية‪ ،‬نشأتها وتطورها‪ ،‬دار العلم للماليني‪ ،‬الطبعة الخامسة‪ ،‬بريوت‪ ،1980 ،‬ص ‪. 360‬‬‫‪ 33‬‬ ‫ املاوردي‪ ،‬األحكام السلطانية ‪ ،...‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪ 83‬و ‪. 178‬‬‫‪ 34‬‬ ‫ عبد العزيز الدوري‪ ،‬مقدمة يف التاريخ االقتصاجي العريب‪ ،‬الطبعة الرابعة‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بريوت‪ ،1982 ،‬ص ‪. 89‬‬‫‪ 35‬‬ ‫ أبو الحسن البالذري‪ ،‬فتوح البلدان‪ ،‬بإرشاف لجنة تحقيق الرتاث‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬مكتبة الهالل‪ ،‬بريوت‪ ،1983 ،‬ص ‪. 26‬‬‫‪ 36‬‬ ‫ محمد عيل ميك‪ ،‬لبنان من الفتح العريب إىل الفتح العثامين ‪ ،1516 – 635‬الطبعة الثالثة‪ ،‬دار النهار للنرش‪ ،‬بريوت‪ ،1985 ،‬ص ‪. 237‬‬‫‪ 37‬‬ ‫ الفضــل شــلق‪« ،‬الخـراج واإلقطــاع والدولــة‪ ،‬دراســة يف االقتصــاد الســيايس اإلســامي للدولــة اإلســامية»‪ ،‬مقدمــة كتــاب يف الـراث االقتصــادي اإلســامي‪ ،‬الطبعــة‬‫‪ 38‬‬ ‫األوىل‪ ،‬دار الحداثــة‪ ،‬بــروت‪ ،1990 ،‬ص ‪ . 26‬ونُــر البحــث كمقالــة يف مجلــة االجتهــاد‪ ،‬املجلّــد األول‪ ،‬العــدد األول‪ ،‬بــروت‪ ،‬متــوز‪ ،‬ترشيــن األول ‪ ،1988‬الصفحــات ‪192 – 115‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ أبو يوسف‪ ،‬كتاب الخراج‪ ،‬يف الرتاث االقتصادي اإلسالمي ‪ ،...‬املصدر املذكور‪ ،‬ص ‪. 170‬‬‫‪ 39‬‬ ‫ اإلمام أيب عبد القاسم بن سالم‪ ،‬كتاب األموال‪ ،‬رشحه عبد األمري عيل مهنا‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪ ،1988 ،‬ص ‪. 285 – 64‬‬‫‪ 40‬‬ ‫ الفضل شلق‪« ،‬الخراج واإلقطاع والدولة ‪ ،»...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 77‬‬‫‪ 41‬‬ ‫ فؤاد قازان‪ « ،‬نظام ملكية األرض والرضائب والطبقات االجتامعية واالقتصادية يف عهد الخلفاء «‪ ،‬الطريق‪ ،‬العدد األول‪ ،1973 ،‬ص ‪54‬‬‫‪ 42‬‬


‫هكــذا‪ ،‬ويف ظـ ّـل هــذه األحــداث التّاريخيــة املوضوعيّــة‪ ،‬نتابــع عملنــا يف الحقبــة التــي تتنــاول موضــوع البحــث‪ .‬ومبــا أنّنــا نتحــدث عــن العباســيني‪،‬‬ ‫ففــي هــذه الحقبــة مل يغـ ّـر العباســيون يف ظــل دولتهــم املركزيــة األوىل‪ ،‬األعـراف والترشيعــات‪ ،‬بــل اتبعــوا يف مســألة نظــام األرض سياســة أســافهم‬ ‫األمويــن‪ ،‬وقــد توســعت يف عهدهــم امللكيــة العقاريــة الخاصــة لــأرض عــن طــرق اإلقطــاع أو الـراء أو اإلجــاء أو إحيــاء األرض املــوات وغــر ذلــك(‪.)61‬‬ ‫وقــد ســاهم الخلفــاء العباســيون يف وضــع رشوط مالمئــة لتح ـ ّول اإلقطاعيــات (القطائــع) إىل نــوع مــن امللكيــات الفرديــة الخاصــة وراث ًيــا‪ ،‬بحيــث‬ ‫رف بــاألرض ومــن عليهــا مــن عـ ّـال‪ ...‬بعــد أن كان حــق اســتثامر األرض مقابــل جمــع ال ُعــر لبيــت املــال(‪،)62‬‬ ‫يصبــح مــن حــق اإلقطاعــي أن يت ـ ّ‬ ‫وذلــك قبــل القــرن التاســع للميــاد ‪.‬‬ ‫ولــي ينظّــم العباســيون حســن الجبايــة والرضائــب عــى األرايض‪ ،‬فقــد لجــأ حكامهــم –منــذ أيــام هــارون الرشــيد‪ -‬إىل تلزيــم الرضائــب مــن أهــم‬ ‫ـب‬ ‫موظفــي الدولــة ‪ ،‬يترصفــون كيفــا شــاؤوا يف أراضيهــم التــي التزموهــا‪ّ .‬‬ ‫كل ذلــك مقابــل تأمــن رضيبــة العــر‪ ،‬وغريهــا مــن الرســوم حيــث تصـ ّ‬ ‫األمــوال يف خزينــة بيــت مــال املســلمني‪.‬‬ ‫وكانــت األرايض يف ظــل الحكــم العبــايس املركــزي‪ ،‬تُ نــح لقــواد الجنــد وكبــار موظفــي الدولــة واملقربــن مــن الخليفــة وحاشــيته‪ ،‬مـ ّـا عـ ّزز اإلقطــاع‬ ‫العســكري والوظيفــي(‪ .)63‬ويرتكــز النظــام املقاطعجــي اللبنــاين عــى هــذا ال ّنمــط مــن اإلقطــاع العســكري‪ ،‬وذلــك منــذ اســتخدام القبائــل العربيــة‪،‬‬ ‫مــن تحالــف تنــوخ يف عهــد أيب جعفــر املنصــور‪ ،‬إىل الســواحل الشــام ّية لحاميــة ثغورهــا مــن هجــات الــروم البيزنطيــن والفرنجــة الصليبيــن(‪ .)64‬ولقــد‬ ‫ارتبــط منــح القطائــع يف الجبــال اللبنانيــة والســواحل الشــامية مبهمــة املرابطــة والدفــاع عــن أرايض وممتلــكات الدولــة العباســية املركزيــة‪ .‬مــن هنــا‬ ‫ارتبــط تطــور الدولــة العربيــة اإلســامية يف املــرق العــريب بنظــام امللكيــة العقاريــة وطــرق اســتغالل األرايض لتبــدأ تغيــب الدولــة املركزيــة القويــة‬ ‫صاحبــة حــق الرقبــة عــى األرض لصالــح القــادة العســكريني واملتنفذيــن مــن تجــار املــدن وأعيــان الريــف وزعــاء البــدو عــى حســاب القــوى املنتجــة‬ ‫مــن مزارعــن وفالحــن ومرابعــن وغريهــم ‪.‬‬ ‫ومــع انهيــار الدولــة العباســية األم‪« ،‬انتهــى عهــد النظــام اإلقطاعــي املركــزي لصالــح عهــد التشــتت اإلقطاعــي»(‪ ،)65‬وظهــور الدويــات واإلمــارات‬ ‫الطائفيــة املختلفــة املنتــرة يف أرجــاء املــرق العــريب‪ .‬وعــى الرغــم مــن ضعــف الدولــة اإلســامية املركزيــة وانتقــال الســلطة إىل دويــات يحكمهــا‬ ‫ســاطني كالبويهيــن والســاجقة واملامليــك وغريهــم‪« ،‬إال أن أحـ ًدا مل يعمــل عــى تغيــر الوضــع القانــوين لــأرض‪ ،‬فبقيــت الدولــة هــي املالكــة القانونيــة‬ ‫والرئيســة ملعظــم األرايض»(‪.)66‬‬ ‫ومبــا أ ّن التاريــخ سلســلة مــن الحقبــات الزمنيــة‪ ،‬فإنّــه ال بـ ّد مــن أن منـ ّر بالعهــد اململــويك‪ ،‬ومل يكــن لــه مــكان يف املخطــط‪ ،‬وإمنّــا لــه أهميــة بالنســبة‬ ‫إىل الحقبــة التاريخيــة‪ ،‬ونــأيت فقــط عــى بحــث اإلقطاعــة اململوكــة‪.‬‬ ‫اإلقطاعــة اململوكــة‪ :‬إ ّن انتقالنــا بالبحــث إىل العهــد اململــويك لــه مــررات‪ .‬فمــن جهــة هــو محطــة الســتجالء الطبيعــة التــي وصلــت إليهــا ملكيــة‬ ‫األرض أو حيازتهــا والعالقــات الناشــئة عنهــا يف ظــل هــذا العهــد الــذي ســبق العهــد العثــاين يف حكــم مــر وبــاد الشــام‪ ،‬ومــن جهــة أخــرى ألن الكثــر‬ ‫مــن الباحثــن قــد أكــدوا أ ّن عامــل املحافظــة كان حجــر الزاويــة يف اإلدارة العثامنيــة‪ ،‬حيــث رأينــا أن الدولــة أبقــت عــى الحالــة التــي كانــت ســائدة‬ ‫ســابقًا كــا هــي ‪.‬‬ ‫مــع العهــد اململــويك تك ـ ّرس شــيئًا فشــيئًا الطابــع العســكري لعمليــة منــح األرايض مــن قبــل الدولــة ‪ .‬حيــث كانــت تعطــى لشــخص يــؤدي مها ًمــا‬ ‫حربيــة كالقيــام بالدفــاع عــن الحكــم‪ ،‬وتعــرف «بالخبــز»‪ ،‬أو «املثــال»(‪ )67‬متنحهــا الدولــة لألمـراء والفرســان‪ ،‬وتعتــر ملـكًا مؤقتًا لهم‪ ،‬يســتغلونها حســبام‬ ‫يشــاؤون‪ ،‬إذ تتنــازل الدولــة عــن هــذه اإلقطاعــات الصالحــة للزراعــة رسـ ًـا أو رضيبــة تدفــع مــن دخلهــا يف بــدء كل عــام للحكومــة الرئيســة»(‪. )68‬‬

‫ برهان الدين دلّو‪ ،‬مساهمة يف إعادة كتابة التاريخ ‪ ،....‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 219‬‬‫‪ 61‬‬ ‫ حسني قاسم العزيز‪ ،‬البابكية وانتفاضة الشعب األذربيجاين ضد الخالفة العباسية‪ ،‬مكتبة النهضة‪ ،‬بغداد‪ ،‬دار الفارايب‪ ،‬بريوت‪ ،‬دون تاريخ‪ ،‬ص ‪. 65‬‬‫‪ 62‬‬ ‫ أحمــد بعلبــي‪ « ،‬حيــازة الخ ـراج بــن اإليديولوجيــة واملامرســة االقتصاديــة يف األريــاف العربيــة»‪ ،‬مقالــة منشــورة يف مجلــة الفكــر العــريب املعــارص‪ ،‬العــدد‬‫‪6 3‬‬ ‫الســادس‪ ،‬ســنة ‪ ،1979‬ص ‪.88‬‬ ‫ طنــوس الشــدياق‪ ،‬كتــاب أخبــار األعيــان يف جبــل لبنــان‪ ،‬نظــر فيــه ووضــع مقدمتــه وفهارســه فــؤاد أف ـرام البســتاين‪ ،‬منشــورات الجامعــة اللبنانيــة‪ ،‬قســم‬‫‪6 4‬‬ ‫الدراســات التاريخيــة‪ ،‬توزيــع املكتبــة الرشقيــة‪ ،‬بــروت‪ ،1970 ،‬جــزءان‪ ،‬الجــزء األول‪ ،‬ص ‪. 495‬‬ ‫ ســليامن تقــي الديــن‪ « ،‬حــول املالمــح األساســية لإلقطاعيــة املرشقيــة يف الدولــة العربيــة اإلســامية يف العــر الوســيط»‪ ،‬مجلــة الطريــق‪ ،‬العــدد الثلــث‪ ،‬حزيـران‬‫‪6 5‬‬ ‫‪ ،1979‬ص ‪. 158‬‬ ‫ عــاد أحمــد الجواهــري‪ « ،‬حيــازة األرايض والتطــورات السياســية يف أقطــار املــرق العــريب»‪ ،‬مجلــة املســتقبل العــريب‪ ،‬الســنة الخامســة‪ ،‬العــدد ‪ ، 48‬شــباط ‪،1973‬‬‫‪ 66‬‬ ‫ص ‪. 109‬‬ ‫ بوليــاك ادن‪ ،‬اإلقطاعيــة يف مــر وســوريا وفلســطني ولبنــان‪ ،‬نقلــه إىل العربيــة عاطــف كــرم‪ ،‬الطبعــة األوىل‪ ،‬منشــورات وزارة الرتبيــة الوطنيــة والفنــون الجميلــة‪،‬‬‫‪6 7‬‬ ‫بــروت‪ ،‬لبنــان‪ ،1948 ،‬ص ‪. 59‬‬ ‫ ميخائيل عون‪« ،‬امللكية الخاصة يف عهد املامليك»‪ ،‬مجلة الطريق‪ ،‬العددان الخامس والسادس‪ ،‬السنة ‪ ،24‬أيار – حزيران‪ ،1965 ،‬ص ‪. 62‬‬‫‪ 68‬‬


‫وهكــذا تح ّولــت ملكيــة األرض الجامعيــة املشــركة‪ ،‬التــي «عاشــت يف صــورة ملكيــة قبليّــة مرشقيــة»(‪ ،)53‬يف صــدر اإلســام‪ ،‬إىل نظــام ملكيــة القطائــع‬ ‫الــذي كان املم ّهــد لنشــوء امللكيــة الخاصــة‪« .‬فأصحــاب القطائــع (املقطعــون) مل يكونــوا يتوارثونهــا فحســب‪ ،‬وإنّ ــا كانــوا يتبايعونهــا أيضً ــا‪ ،‬مــع أ ّن‬ ‫الترشيــع كان يســمح لهــم بتوريثهــا فقــط ‪ .‬كذلــك كانــت األرض تُعطــى لشــخص مــدى الحيــاة أو لفــرة قصــرة «(‪( )54‬كإقطــاع متليــك) ‪.‬‬ ‫بعــد الق ـراءات العديــدة التــي قمنــا بهــا‪ ،‬فقــد توصلنــا إىل نتيجــة واحــدة مفادهــا‪ :‬أ ّن هــدف الرســول (ص) هــو تأمــن عيــش كريــم للمســلمني‪،‬‬ ‫والســؤال هو‪:‬هــل كان يســمح للقيّمــن عــى املســلمني منــذ العهــد األمــوي‪ ،‬مــرو ًرا بالعهــد العبــايس‪ ،‬أن يعاملــوا املســلمني كمرتزقــة‪ ،‬ويترصفــوا بــاألرض‬ ‫وكأنّهــا ملــك خــاص حتــى تصبــح مصــد ًرا لرثوتهــم‪ ،‬وقــد جــاء اإلســام لنــر الســام وراحــة النــاس‪.....﴿ ،‬ومــا أفــاء اللــه عــى رســوله مــن أهــل القــرى‬ ‫فللــه وللرســول ولــذي القــرىب واليتامــى واملســاكني وابــن الســبيل يك ال يكــون دولــة بــن األغنيــاء منكــم ومــا آتاكــم الرســول فخــذوه ومــا نهاكــم عنــه‬ ‫فانتهــوا واتقــوا اللــه‪ ،‬إ ّن اللــه شــديد العقــاب‪ .‬للفقـراء املهاجريــن الذيــن أخرجــوا مــن ديارهــم وأموالهــم يبتغــون فضـاً مــن اللــه ورضوانًــا وينــرون‬ ‫اللــه ورســوله أولئــك هــم الصادقــون﴾ (‪ . )55‬يف مثــل هــذا الواقــع جــاء اإلســام ليظهــر املفهــوم األول مللكيــة األرض وكيــف يكــون مفهــوم التعامــل مــع‬ ‫النــاس‪ ،‬وخاصــة يف هــذه املرحلــة األوىل لإلســام‪ .‬لكــن هــذا الواقــع أخــذ يصطــدم بواقــع آخــر خــارج الجزيــرة العربيــة‪ ،‬ويتفاعــل مــع هــذا الواقــع‪،‬‬ ‫ّمــا فــرض حالــة مــن التبايــن بــن املفهــوم املتكـ ّون وبــن الواقــع املســتج ّد خــال الفتوحــات اإلســامية األوىل ‪.‬‬ ‫وهــذا مــا أنتــج مامرســة يف الواقــع تختلــف عــن املفهــوم ال ّنظــري اإلســامي األول لــأرض‪ ،‬ومــن خــال النــص اآليت نــرى إىل أيــن وصلــت املامرســة يف‬ ‫عهــد عمــر بــن الخطــاب مــن خــال كتابــه إىل ســعد حــن افتتــح العـراق‪« :‬أمــا بعــد‪ ،‬فقــد بلغنــي كتابــك ومــا أفــاء اللــه عليكــم ‪ .‬فــإذا أتــاك كتــايب‬ ‫لعملهــا‪ ،‬ليكــون‬ ‫هــذا فانظــر مــا أجلــب النــاس عليــك بــه إىل العســكر مــن كُـراع ومــال‪ ،‬فاقســمه بــن َمــن حــر مــن املســلمني واتــرك األرض واألنهــار ّ‬ ‫قســمتها بــن مــن حــر مل يكــن ملــن بعدهــم يشء «(‪ . )56‬وبعــد كتــاب عمــر نعــود لنذكــر باآليــات الكرميــة‬ ‫ذلــك يف أعطيــات املســلمني ‪ .‬فإنّــك إن ّ‬ ‫للرســول عليــه الصــاة والســام ‪ .‬وتعقيبًــا عــى مــا جــاء يف اآليــات الكرميــة‪ ،‬ال بـ ّد مــن إعطــاء األمثلــة عــى ذلــك ‪.‬‬ ‫ـول األمويّــون الحكــم‪ ،‬اســتفادوا مــن أنظمــة األرض يف العهــد الراشــدي‪ ،‬ومــن التو ّجــه نحــو الزراعــة باعتبارهــا مصــد ًرا ثابتًــا للــروة ‪.‬‬ ‫عندمــا تـ ّ‬ ‫ويف الوقــت الــذي «حاولــوا فيــه إمنــاء واردات جولتهــم وزيادتهــا ‪ ...‬جهــدوا أن ين ّمــوا مواردهــم الخاصــة‪ ،‬لــذا فقــد اصطفــوا خــرة األرايض ألنفســهم‬ ‫وألنصارهــم ‪ .‬كــا بذلــوا نشــاطًا ملحوظًــا يف إحيــاء األرايض املــوات وض ّمهــا إىل أمــاك الخليفــة كصــوايف «(‪. )57‬‬ ‫وانطالقًــا مــن أهميــة امللكيــة الفرديــة كوســيلة ناجحــة لكســب األنصــار واملؤيديــن‪ ،‬أو إلبعــاد خطــر الطامعــن بالســلطة‪ ،‬حــاول األمويــون تكريــس‬ ‫ســيطرتهم الطبقيــة واألرســتقراطية مــن خــال ترســيخ عالقــات اإلنتــاج اإلقطاعيــة املتحصنــة بطابعهــا العســكري ‪ ».‬أمــا املصلحــة الطبقيــة هــذه فقــد‬ ‫تك ّونــت مــن أ ّن معاويــة وأرستــه أصبــح يف حيازتهــم أر ٍ‬ ‫اض واســعة كانــت قبــل الفتــح العــريب‪ -‬اإلســامي ملـكًا إلمرباطوريــة بيزنطيــة وأرســتقراطيتها؛‬ ‫وكان مفرتضً ــا – حســب نظــام األرايض يف اإلســام‪ -‬أن تكــون ملـكًا عا ًمــا للدولــة اإلســامية‪ ،‬ولك ّنهــا تح ّولــت تحــت ســلطة معاويــة وأقربائــه وبطانتــه‪،‬‬ ‫إىل ملكيــة خاصــة «(‪ ،)58‬ليصبــح أخــص أقربائــه وحاشــيته مــن أكــر املالكــن العقاريــن وألّفــوا األرســتقراطية اإلقطاعيــة الجديــدة ‪.‬‬ ‫وقــد أبــاح األمويــون للجاليــات العربيــة الوافــدة مــع جيــوش الفتــح أن متتلــك مــا تشــاء مــن األرض يف البلــدان املســتوىل عليهــا‪ ،‬فتهافــت أصحــاب‬ ‫الــروة والســلطة مــن العــرب عــى امتــاك األرايض يف الع ـراق ومــر وســائر األقطــار املعروفــة بحســب تربتهــا وغ ـزارة مياههــا(‪ .)59‬وأخــذ هــؤالء‬ ‫املالكــون األغنيــاء والجــدد يبذلــون قصــارى جهدهــم الســتصالح واســتثامر األرايض املقتطعــة لهــم‪ ،‬وذلــك مــن خــال اســتغالل عــرق الفالحــن وكــدح‬ ‫املزارعــن العاملــن عــى تلــك األرايض‪ ،‬حتــى أصبــح املالكــون الصغــار والعاملــون عــى األرايض املســتوىل عليهــا يلجــأون إىل املتنفّذيــن مــن األمويــن‬ ‫طل ًبــا للحاميــة‪.‬‬ ‫مل يـ ِ‬ ‫ـأت العهــد العبــايس حتــى كان كبــار األرســتقراطيني « يســتولون بأنفســهم عــى األرض دون رادع‪ ،‬ويبعثونهــا حيــة بفضــل العمــل الغنــي فقـ ّدر‬ ‫عليهــم األربــاح الطائلــة مقابــل دفــع العــر»(‪ .)60‬ثـ ّم يورثونهــا ويح ّولونهــا إىل قطائــع فتصبــح أمــاكًا خاصــة ينتظــرون الترشيــع حتّــى يد ّونوهــا بأســاء‬ ‫أصحابهــا مــدى الحيــاة ‪.‬‬ ‫ مل تكتب الحاشية ‪.‬‬‫‪ 53‬‬ ‫ د‪.‬ف‪ .‬اتســامبا و د‪ .‬ل‪ .‬نــادرادزه‪ « ،‬حــول تطــور اإلقطاعيــة يف ظــل الدولــة العربية‪-‬اإلســمية‪ ،‬عــرض لألبحــاث الســوفياتية واألجنبيــة»‪ ،‬ترجمــة أنــور حــادة‪ ،‬مجلــة‬‫‪ 54‬‬ ‫الطريــق‪ ،‬العــدد األول‪ ،‬شــباط‪ ،1980 ،‬ص ‪. 106‬‬ ‫ القرآن الكريم ‪ ,‬سورة الحرش‪ ،‬آية ‪7 – 6‬‬‫‪5 5‬‬ ‫ محمد حميد الله الحيدري آبادي ‪ :‬مجموعة الوثائق السياسية يف العهد النبوي والخالفة الراشدة‪ ،‬مكتبة مدبويل‪ ،‬القاهرة‪ ،2000 ،‬ص ‪. 239‬‬‫‪5 6‬‬ ‫ برهان الدين دجلو‪ ،‬مساهمة يف إعادة كتابة التاريخ العريب‪ ،‬دار الفارايب‪ ،‬بريوت‪ ،1985 ،‬ص ‪. 118‬‬‫‪5 7‬‬ ‫ حسني مر ّوة‪ ،‬النـزعات املادية يف الفلسفة العربية اإلسالمية‪ ،‬جزءان‪ ،‬الجزء األول‪ ،‬دار الفارايب‪ ،‬بريوت‪ ،1978 ،‬ص‪. 473‬‬‫‪5 8‬‬ ‫ برهان الدين دلّو‪ ،‬مساهمة يف إعادة كتابة التاريخ العريب ‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 118‬‬‫‪ 59‬‬ ‫ مل تكتب الحاشية ‪.‬‬‫‪ 60‬‬


‫كــا تبـ ّـن مــن خــال الجــدول اآليت ‪:‬‬ ‫جدول رقم (‪ : )4‬كيفية تقسيم األرايض خالل عامي ‪ 1298‬و ‪ 1315‬هــ‬ ‫املرحلة‬

‫قبل الروك‬ ‫‪ 4‬قراريط‬

‫‪1298‬‬ ‫‪ 4‬قراريط‬ ‫‪ 9‬قراريط‬ ‫‪ 11‬قرياطاً‬

‫‪1315‬‬ ‫‪ 10‬قراريط‬

‫السلطان‬ ‫املامليك املالكون‬ ‫‪ 14‬قرياطاً‬ ‫‪ 10‬قراريط‬ ‫األمراء‬ ‫‪ 10‬قراريط‬ ‫فرسان الحلقة‬ ‫(‪)76‬‬ ‫القرياط يساوي ‪ ،1/24‬أي كانت األرض ت ُقسم إىل ‪ 24‬قرياطًا ‪.‬‬ ‫مــن خــال هــذا الجــدول‪ ،‬نتبـ ّـن كيــف أ ّن الســلطان بــدأ يضــع يــده مــع مــرور الزمــن وعــر تقســيم الــروك عــى أكرثيــة األرايض الزراعيــة ‪.‬وعــى‬ ‫ســبيل املثــال‪ ،‬ملــا اعتــى الســلطان «األرشف شــعبان سـ ّدة الحكــم‪ ،‬أنقــص مــن «الخــاص» ليعطــي أخوتــه وأقاربــه(‪ ،)77‬لك ّنــه احتفــظ باملــدن الكــرى‪.‬‬ ‫أمــا يف ســوريا ولبنــان‪ ،‬فقــد تضخّمــت أرايض الســلطان (الخــاص) أيضً ــا وازدادت توس ـ ًعا‪ ،‬إذ إنّــه أضيــف إليهــا عــام ‪ 1313‬ســهل الشــام الخصــب‬ ‫وبعــض القــرى الواقعــة عــى طريــق مرص‪-‬الشــام التــي اســتعملت محطــات منظمــة لعربــات الربيــد وخيــول املوزعــن‪ .‬زد عــى ذلــك اإلجحــاف يف‬ ‫توزيــع األرايض‪ .‬فلقــد وزّعــت عــى اإلقطاعيــن قطــع متفرقــة مــن األرض‪ ،‬بعيــدة عــن املــكان الــذي يقطنــه أصحابهــا‪ ،‬بــل ميكــن القــول يف أماكــن‬ ‫يعتــر فيهــا األمـراء والفرســان غربــاء(‪ ,)78‬فــكان لذلــك البعــد الفاصــل بــن اإلقطاعــة ومســكن صاحبهــا أثــر ف ّعــال يف طريقــة اســتغاللها‪ ،‬إذ إ ّن صغــار‬ ‫اإلقطاعيــن غــدوا مضطريــن لح ـراس أقويــاء يبســطون حاميتهــم عــى ملكهــم الشاســع‪ ،‬مــا أ ّدى إىل إيجــاد «الحاميــة عــى األرض « ‪.‬‬ ‫مــن جهــة أخــرى‪ ،‬مل تكــن هنــاك أيــة قاعــدة لرتقيــة الفرســان واألمـراء‪ ،‬أو لزيــادة إقطاعاتهــم ‪ .‬ففــي فجــر دولــة املامليــك كانــت اإلقطاعيــة وراثيــة‬ ‫ت ُعطــى لــوالة الســلطان أو ألصحــاب القــوة البدنيــة أو للفرســان الالمعــن‪ ،‬بغيــة مســاعدتهم عــى إمتــام الواجــب العســكري‪ .‬وكان إقطــاع األرض يخضــع‬ ‫لتدابــر شــكلية‪ ،‬فيــأيت جوابًــا عــى طلــب مقـ ّدم بأحــد األشــكال اآلتيــة ‪:‬‬ ‫‪-1‬القصة ‪ :‬وهي تقديم طلب من املرشح إلقطاعية خالية ‪.‬‬ ‫‪-2‬النـزول ‪ :‬وهو ترصيح من «اإلقطاعي» القديم بأنه تنازل عن إخاذته» لفالن ‪.‬‬ ‫‪-3‬اإلشهاد ‪ :‬وهو طلبان من إقطاعيني يريدان تبادل إحاديهام الواحدة باألخرى أو إبداء رغبتهام م ًعا بالرشاكة أو باملناصفة ‪.‬‬ ‫‪»-4‬مثال» خطّي من «ناظر الجيش» بأمر من السلطان ‪.‬‬ ‫وكل هذه الطلبات تتطلب توقيع السلطان ‪.‬‬ ‫ـر مــن هــذه األمــاك لســالتهم‪ ،‬وســاعدهم‬ ‫إال أنّــه مــع الوقــت‪ ،‬بــدأ زوال صيغــة اإلقطاعيــة الوراثيــة‪ .‬ولكــن ســعى اإلقطاعيــون إىل تســجيل مــا تيـ ّ‬ ‫عــى ذلــك وجــود نــوع آخــر مــن اإلخــاذات ذات طابــع غــر عســكري‪ ،‬وهــذه املمتلــكات ممنوحــة كنفقــة أو هبــة‪ ،‬وهــي تتفـ ّرغ إىل نوعــن ‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬رزق عســكري أو الــرزق الجيشــية(‪ )79‬أو اإلخبــاز(‪ ،)80‬وهــي متنــح عــاد ًة مــن قيــادة الجيــش للمــرىض ونحوهــم الذيــن مل يكملــوا الخدمــة‬ ‫العســكرية‪ ،‬وقــد تُ نــح ألم ـراء وأرضابهــم م ّمــن ُصفــوا مــن الخدمــة ألســباب مختلفــة ‪ :‬سياســة وحولهــا‪ ،‬وقــد تُــرف إىل أيتــام أو أرامــل يخصــون‬ ‫أم ـراء أو فرســانًا خدمــوا الســلطان‪ ،‬أو تُــرف ملنافــع خاصــة باملجتمــع كاملــدارس والجوامــع وغريهــا(‪...)81‬‬ ‫ثانيــاً‪ :‬رزق دينيــة أو رزق أحباســية أو أحبــاس أو مــا يُســمى يف بعــض املناطــق األوقــاف‪،‬‬ ‫الب والصدقة ليس إالّ (‪.)82‬‬ ‫ومل تصطبغ بأية صبغة عسكرية أو غريها‪ ،‬إنّ ا كانت إحساناً عىل سبيل ّ‬ ‫وجــرت محــاوالت عديــدة مــن قبــل املترصفــن بال ـ ّرزق الجيشــية لالحتفــاظ بإقطاعاتهــم العســكرية‪ ،‬وبإبقائهــا مل ـكًا لهــم مــدى الحيــاة‪ ،‬وذلــك‬ ‫رشا للــرع اإلســامي الــذي حـ ّرم تحويــل‬ ‫بــأن يح ّولــوا هــذه اإلقطاعــات إىل أمــاك خاصــة غــر خاضعــة لنظــام اإلقطــاع‪ .‬إالّ أن ذلــك كان انتهــاكًا مبــا ً‬ ‫‪7 6‬‬ ‫‪7 7‬‬ ‫‪ 78‬‬ ‫‪ 79‬‬ ‫‪ 80‬‬ ‫‪8 1‬‬ ‫‪8 2‬‬

‫ بولياك‪ ،‬اإلقطاعية يف مرص وسوريا وفلسطني ‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 75‬‬‫نقال عن ابن الجيعان‪ ،‬فهرست األسامء الشخصية ‪.‬‬ ‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪ً ،75‬‬‫ يحيى بن آدم القريش ‪ :‬كتاب الخراج‪ ،‬ضمن يف الرتاث االقتصادي اإلسالمي‪ ،‬الطبعة األوىل دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪ ،1990 ،‬ص ‪. 91‬‬‫ اسرتزق = استفاد من دخلن رزق ‪ .‬إبن إياس‪ ،‬بدائع الزهور ‪ ،...‬املصدر املذكور‪ ،‬مجلد ‪ ، 4‬ص ‪. 15‬‬‫ املصدر السابق‪ ،‬مجلد ‪ ،5‬ص ‪. 420‬‬‫ صبح األعىش‪ ،‬يف صناعة اإلنشاء (للقلقشندي‪ ،‬مجلد ‪ ،4‬القاهرة‪ ،1913 ،‬ص ‪. ) 15‬‬‫‪ -‬كلود كاهن‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 124‬‬


‫وإذا كانــت دولــة املامليــك قــد فرضــت رضائــب‪ ،‬يف بعــض األحيــان عــى الذيــن منحتهــم أرضـاً وفالحـاً‪ ،‬فألجــل حاميتهــم مقابــل توظيفهــم‬ ‫وإعطائهــم األلقــاب والرتــب‪ .‬ومــا يجــب تأكيــده‪ ،‬هــو أن تلــك املنــح‪ ،‬كانــت تنحــر يف األرايض الصالحــة للزراعــة‪ ،‬ذات املــردود األوفــر والتــي يســهل‬ ‫حرثهــا وبذرهــا وريّهــا‪.‬‬ ‫ومل يكــن املنــح ليتنــاول الغابــات أو املــروج النائيــة‪ ،‬وال الصحــاري أو الجبــال‪ .‬أمــا الســبب فليــس بغريــب أو بغامــض‪ ،‬كــا يريــده بعــض‬ ‫املؤرخــن‪ ،‬وال هــو بحاجــة إىل إرهــاق أعصــاب أو فكــر‪ ،‬يك نجــد جوابــه‪ ،‬أل ّن الجــواب جاهــز‪ ،‬يف رفــض تلــك الفئــات ألن تتملــك أرضً ــا تحتــاج إىل جهــد‬ ‫وتتطلــب تكاليــف ورأســال ‪.‬‬ ‫ولكــن هــذا ال يعنــي أن هــذا الصنــف مــن األرض ســوف يبقــى يف عزلــة عــن تأريــخ التملّــك ‪ ...‬بــل ســوف نـراه نه ًبــا لكبــار األمـراء يف مــا‬ ‫بعــد‪ ،‬يف مطلــع النصــف الثــاين مــن القــرن الســادس عــر‪ ،‬وســوف يــزداد التهافــت عــى متلّكــه مــع انتشــار الســكة وتطــور حرفــة الحدادة(‪.)69‬و ّمــا‬ ‫يصــح قولــه مــن دون تــردد‪ ،‬هــو أ ّن تلــك امللكيــات املمنوحــة مل تكــن يف أول أمرهــا وطيلــة عهــود املامليــك‪ ،‬ملكيــة مركزيــة دامئًــا‪ ،‬ففكــرة الرتكيــز مل‬ ‫تســيطر إالّ عــى ديــوان الســلطان‪ ،‬الــذي مل يكــن مهتـ ًـا يف كل ترصفاتــه إال بتوطيــد نفــوذه‪ ،‬وببقائــه يف قمــة الهــرم الطبقــي‪ ،‬لذلــك توجــه بعــد عــام‬ ‫‪ 1313‬م‪ ،‬إىل بعــرة تلــك اإلقطاعــات ‪ ...‬ولكــن أيّــة إقطاعــات ؟‬ ‫‪ ...‬مثــة إقطاعــات كبــار األم ـراء والــوزراء ‪ ...‬واألرســتقراطيني ‪ ،...‬فهــذه اإلقطاعــات كانــت متنــح مــرة واحــدة‪ ،‬لتبقــى ثابتــة أب ـ ًدا‪ ،‬تــورث‪ ،‬ومــا كانــت‬ ‫هــذه لتمنــح إالّ ألبنائــه وعرشيتــه وكبــار املقربــن‪ ،‬م ّمــن يثــق بهــم وينعــم عليهــم ‪....‬أ ّمــا اإلقطاعــات التــي «كان يبعرثهــا‪ ،‬فهــي تلــك التــي كان مينحهــا‬ ‫ألمــر جيــش أو قائــد فرســان أو نقيــب‪ ،‬أو ملتــزم رضائــب‪ ،‬أو أمــر فئــة‪ ،‬أو ضابــط متفــانٍ‬ ‫وهؤالء هم الذين ك ّونوا مع الزمن طبقة األعيان‪ ،‬واملق ّدمني والشيوخ فيام بعد «(‪. )70‬‬ ‫ومل يكــن األمــر أو الفــارس يعــرف بالضبــط عــدد الجنــود املطلــوب تعبئتهــم للخدمــة العســكرية يف املهــات الحربيــة‪ ،‬لذلــك كانــت «اإلقطاعــات»‬ ‫أو «اإلخــاذات»(‪ ،)71‬هــي أر ٍ‬ ‫اض زراعيــة وتغـ ّـل مبل ًغــا معي ًنــا مــن املــال كل عــام‪ ،‬وحــدود كل إقطاعــة معينــة يف الشــهادة املعطــاة «لصاحبهــا» مــن قبــل‬ ‫الســلطان ‪ .‬وكان الهــدف مــن هــذا اإلغــداق هــو سـ ّد عــوز األمــر وحاجاتــه‪.‬‬ ‫ـح العكــس يف ذلــك إذ امتــازت اإلقطاعــات يف ســوريا ولبنــان‬ ‫ومل تكــن اإلقطاعــة أو اإلخــاذة قريبــة مــن املــكان الــذي يقطنــه صاحبهــا‪ ،‬بــل صـ ّ‬ ‫وفلســطني بأنهــا كانــت مش ـتّتة مبعــرة بعيــدة عــن املقاطعــة التــي يخــدم فيهــا األم ـراء والفرســان ‪.‬‬ ‫أمــا بالنســبة إىل ملــك «األمــر»‪ ،‬فــكان يـراوح بــن قريــة واحــدة وعــر قــرى‪ ،‬يف حــن أن اململــوك امللــي ال يصيبــه إالّ ضيعــة صغــرة‪ .‬ولكــن منــذ‬ ‫ـدال مــن أن مينحــه أرضً ــا واســعة يف مــكان واحــد(‪.)73‬‬ ‫العامــن ‪ 1313‬و‪ ،1315‬رشع الســلطان بإعطــاء اإلقطاعــي(‪ )72‬الواحــد أقســا ًما مــن قــرى مختلفــة بـ ً‬ ‫أمــا تقســيم األرايض الصالحــة للزراعــة بــن الفالحــن واملزارعــن‪ ،‬فيتكـ ّرر يف بــدء كل ســنة ويــوكل أمــر األرض وزراعتهــا إىل بطــن مــن بطــون العشــرة‬ ‫التــي تقطــن القريــة‪ .‬وهــذا التقســيم معنــاه عمل ًيــا خلــق زعيــم يــرأس رهطًــا مــن القبيلــة وقسـ ًـا مــن مزارعيهــا‪ .‬أ ّمــا فيــا يخــص مراقبــة الحالــة‬ ‫الزراعيــة يف اإلقطاعــات‪ ،‬وإعــادة النظــر كل ثالثــة أعــوام يف الرضيبــة املفروضــة عــى أصحابهــا‪ ،‬فــكان مــن واجــب «كاتــب ديــوان الجيــش» ‪ .‬وكان‬ ‫يسـ ّجل مســاحة هــذه اإلقطاعــات‪ ،‬وكذلــك يتابــع أحوالهــا وأحــوال القــرى التــي تقــع ضمــن إطارهــا(‪.)74‬‬ ‫كانــت اإلقطاعــات الشــاغرة مــن جـراء انتقــال صاحبهــا أو وفاتــه‪ ،‬تعــود للســلطان ليعــود وينعــم بهــا عــى «إقطاعــي آخــر إن رضيــت مشــيئته عنــه‪.‬‬ ‫ولكــن أخــذت هــذه اإلقطاعــات فيــا بعــد تنتقــل وراث ًيــا‪ ،‬فاالبــن كان يــرث عــن أبيــه اإلقطاعــة والحكــم فيهــا م ًعــا ‪.‬‬ ‫إالّ أ ّن الســاطني حاولــوا جاهديــن ضـ ّم اإلقطاعيــن شــيئًا فشــيئًا إىل الحكومــة الرئيســة‪ .‬وكان يتــم ذلــك عــر وضــع حــد نهــايئ «للــروك»(‪ ، )75‬أي تقســم‬ ‫األرايض بــن اإلقطاعيــن والســلطان‪ .‬وقــد اقتبــس املامليــك هــذه الفكــرة عــن املغــول ‪ .‬أ ّمــا طريقــة تطبيقهــا عمليًــا فأخذوهــا مــن التقســيم الســنوي‬ ‫الــذي يحــدث يف القــرى كل عــام‪ .‬وهــذا التقســيم يجــري بــن الســلطان واإلقطاعيــن‪ ،‬فيأخــذ كل منهــم نصيبــه حســب درجتــه أو رتبتــه العســكرية‪،‬‬ ‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 62‬‬‫‪6 9‬‬ ‫ ميخائيل عون‪« ،‬امللكية الخاصة يف عهد املامليك»‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 63‬‬‫‪7 0‬‬ ‫ املرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 60‬‬‫‪7 1‬‬ ‫ اإلقطاعي هو صاحب اإلقطاعة الذي يختلف عن اإلقطاعي األورويب كام يُالحظ ‪.‬‬‫‪7 2‬‬ ‫ محمد كرد عيل‪ ،‬خطط الشام‪ ،‬م ‪ ،10‬دار العلم للماليني‪ ،‬بريوت‪ ،1970 ،‬ص ‪. 90‬‬‫‪7 3‬‬ ‫ بولياك‪ ،‬اإلقطاعية يف مرص وسوريا وفلسطني‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 67‬‬‫‪ 74‬‬ ‫ كان هنــاك ثــاث وحــدات «روك» ‪ :‬الــروك الحســامي يف مــر عــام ‪ ،1298‬والــروك النــارصي يف لبنــان وفلســطني عــام ‪ ،1313‬والــروك النــارصي يف مــر عــام ‪،1315‬‬‫‪7 5‬‬ ‫محمــد كــرد عــي‪ ،‬املرجــع املذكــور‪ ،‬ص ‪. 88‬‬


‫املصادر واملراجع‬ ‫املراجع العربية‬ ‫ •ابن حزم‪ :‬تاج العروس‪( 218/10 ،‬صحو)‪ ،‬تحقيق إحسان عباس ونارص الدين األسد‪ ،‬ج ‪ ، 7‬دار املعارف مبرص‪.‬‬ ‫ ‬

‫•ابن سعد‪ ،‬الطبقات الكربى‪ ،‬دار صادر‪ ،‬بريوت ‪. 349/1‬‬

‫ ‬

‫•أبو الحسن البالذري‪ ،‬فتوح البلدان‪ ،‬بإرشاف لجنة تحقيق الرتاث‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬مكتبة الهالل‪ ،‬بريوت‪. 1983 ،‬‬

‫ ‬

‫•أبو يوسف‪ ،‬الخراج‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬يف الرتاث االقتصادي اإلسالمي‪ ،‬الطبعة السلم ّية‪ ،‬القاهرة‪ 1351 ،‬هــ‪.‬‬

‫ ‬

‫•اإلمام أيب عبد القاسم بن سالم‪ ،‬كتاب األموال‪ ،‬رشحه عبد األمري عيل مهنا‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪.1988 ،‬‬

‫ ‬

‫•اإلمــام الحافــظ‪ ،‬أيب الفــرج الحنبــي‪ ،‬االســتخراج ألحــكام الخ ـراج‪ ،‬يف «ال ـراث االقتصــادي اإلســامي»‪ ،‬الطبعــة األوىل‪ ،‬دار الحداثــة‪ ،‬بــروت‪،‬‬ ‫‪.1990‬‬

‫ ‬

‫•برهان الدين دجلو‪ ،‬مساهمة يف إعادة كتابة التاريخ العريب‪ ،‬دار الفارايب‪ ،‬بريوت‪.1985 ،‬‬

‫ ‬

‫الريض‪ ،‬ال تاريخ‪.‬‬ ‫•جواد عيل ‪ :‬املفصل يف تاريخ العرب قبل اإلسالم‪ ،‬الجزء السابع‪ ،‬منشورات الرشيف‬ ‫ّ‬

‫ ‬

‫•حســن قاســم العزيــز‪ ،‬البابكيــة وانتفاضــة الشــعب األذربيجــاين ضــد الخالفــة العباســية‪ ،‬مكتبــة النهضــة‪ ،‬بغــداد‪ ،‬دار الفــارايب‪ ،‬بــروت‪ ،‬دون‬ ‫تاريــخ‪.‬‬

‫ ‬

‫•حسني مر ّوة‪ ،‬النـزعات املادية يف الفلسفة العربية اإلسالمية‪ ،‬جزءان‪ ،‬الجزء األول‪ ،‬دار الفارايب‪ ،‬بريوت‪.1978 ،‬‬

‫ ‬

‫•شارل عيساوي‪ ،‬التاريخ االقتصادي للرشق األوسط وشامل أفريقيا‪ ،‬ترجمة سعد رجمي‪ ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪.1985 ،‬‬

‫ ‬

‫•الشافعي‪ ،‬اإلمام‪ ،‬ج ‪ ، 2‬ص ‪. 273‬‬

‫ ‬

‫•صبح األعىش‪ ،‬يف صناعة اإلنشاء(للقلقشندي‪ ،‬مجلد ‪ ،4‬القاهرة‪ ،1913 ،‬ص ‪. ) 15‬‬

‫ ‬

‫•صبحي الصالح‪ ،‬النظم اإلسالمية‪ ،‬نشأتها وتطورها‪ ،‬دار العلم للماليني‪ ،‬الطبعة الخامسة‪ ،‬بريوت‪.1980 ،‬‬

‫ ‬

‫•طرخان‪ ،‬النظم اإلقطاعية يف الرشق األوسط‪.‬‬

‫ ‬

‫•طنــوس الشــدياق‪ ،‬كتــاب أخبــار األعيــان يف جبــل لبنــان‪ ،‬نظــر فيــه ووضــع مقدمتــه وفهارســه فــؤاد أف ـرام البســتاين‪ ،‬منشــورات الجامعــة‬ ‫اللبنانيــة‪ ،‬قســم الدراســات التاريخيــة‪ ،‬توزيــع املكتبــة الرشقيــة‪ ،‬بــروت‪ ،1970 ،‬جــزءان‪ ،‬الجــزء األول‪.‬‬

‫ ‬

‫•عبد العزيز الدوري‪ ،‬مقدمة يف التاريخ االقتصادي العريب‪ ،‬الطبعة الرابعة‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بريوت‪ ،1982 ،‬ص ‪. 89‬‬

‫ ‬

‫•عبد الكريم محمود غراب ّية‪ ،‬مقدمة تاريخ العرب الحديث‪ ،1918 – 1500 ،‬مطبعة جامعة دمشق‪.1960 ،‬‬

‫ ‬

‫•عــاد أحمــد الجواهــري‪ « ،‬حيــازة األرايض والتطــورات السياســية يف أقطــار املــرق العــريب»‪ ،‬مجلــة املســتقبل العــريب‪ ،‬الســنة الخامســة‪،‬‬ ‫العــدد ‪ ، 48‬شــباط ‪.1973‬‬

‫ ‬

‫•الفضــل شــلق‪« ،‬الخـراج واإلقطــاع والدولــة‪ ،‬دراســة يف االقتصــاد الســيايس اإلســامي للدولــة اإلســامية»‪ ،‬مقدمــة كتــاب يف الـراث االقتصــادي‬ ‫اإلســامي‪ ،‬الطبعــة األوىل‪ ،‬دار الحداثــة‪ ،‬بــروت‪.1990 ،‬‬

‫ ‬

‫•املــاوردي‪ ،‬أيب الحســن عــي بــن محمــد بــن حبيــب‪ ،‬البــري البغــدادي (‪ 450‬هــــ)‪ ،‬األحــكام الســلطانية والواليــات الدينيــة‪ ،‬الطبعــة الثانيــة‪،‬‬


‫األرايض التــي تدفــع الخـراج إىل أر ٍ‬ ‫ـرع يف عهــد املامليــك هــذا‬ ‫اض مملوكــة غــر خاضعــة لنظــام اإلقطــاع وتدفــع العــر فقــط‪ .‬ولقــد ألغــى رجــال الـ ّ‬ ‫ـرع اإلســامي للخليفــة مينــح املســلمني األرايض املغتصبــة واألرايض غــر اململوكــة من ًحــا كممتلــكات‬ ‫القانــون‪ ،‬فاعتــروا « أ ّن الحـ ّـق الــذي أعطــاه الـ ّ‬ ‫خاصــة تدفــع العــر‪ ،‬أصبــح يتطبــق عــى كل األرايض غــر اململوكــة من ًحــا كممتلــكات خاصــة تدفــع العــر‪ ،‬أصبــح ينطبــق عــى كل األرايض العائــدة‬ ‫للدولــة ألي ســبب كان»(‪.)83‬‬ ‫تلزيم ممتلكات السلطان ‪:‬‬ ‫كانــت األرايض الخاصــة بالســلطان يف زمــن املامليــك ت ُقســم إىل مناطــق أو قــرى تكــون كل واحــدة منهــا يف عهــدة ملتــزم يُســمى «متــد ّرك»‪ ،‬وقــد‬ ‫يكــون إ ّمــا حاكـ ًـا الواليــة(‪ )84‬أو شــيخًا مــن البــدو أو مــن رجــال الديــن أو مــن األشــخاص البارزيــن بحكــم وضعهــم اإلداري الــذي يحمــل املــال والنفــوذ‪.‬‬ ‫وكان املتــد ّرك يجمــع الرضائــب مــن الفالحــن‪ ،‬وذلــك عــى نوعــن ‪:‬‬ ‫الفصــل‪ ،‬وهــو كنايــة عــن رضائــب معينــة ثابتــة‪ ،‬ت ُدفــع ســنويًا عــى الحصــاد والغــال‪ .‬وكان هــذا اإلجـراء ســائ ًدا يف األرايض الواقعــة عــى الشــاطئ‬‫الســوري والفلســطيني‪ ،‬ومــن ثــم امتـ ّد إىل مــر يف القــرن الخامــس عــر(‪.)85‬‬ ‫الضامن‪ ،‬وهو كناية عن اتفاق يج ّدد سنوياً‪ ،‬وت ُح ّدد فيه الكمية التي يجب دفعها عن السنة ‪.‬‬‫وهنــا يجــدر الذكــر أنّــه يف خــال الشــطر األكــر مــن عهــد املامليــك‪ ،‬كانــت أمــاك كل دائــرة مف ّرقــة يف أنحــاء مختلفــة مــن مــر‪ ،‬أمــا يف ســوريا‬ ‫وفلســطني ولبنــان‪ ،‬فلــم يكــن ســوى اإلقطــاع «الخــاص» ويديــر شــؤون كل جــزء مــن أطرافهــا رئيــس متــد ّرك (ملتــزم) يُعــرف بــــ «املحـ ّدث عــى أةو‬ ‫املتكلــم عــى»‪ ،‬وكان بعــض هــؤالء املتدركــن الرؤســاء أمـراء رفيعــي املنـــزلة ‪.‬‬ ‫قســموا لبنــان إىل ثــاث‬ ‫باإلضافــة إىل مــا قــام بــه املامليــك مــن تجديــد يف ملكيــة األرض ومــا أخــذوه عــن الســلف‪ ،‬يذكــر املؤ ّرخــون أ ّن املامليــك ّ‬ ‫نيابــات ‪ :‬نيابــة طرابلــس‪ ،‬التــي شــملت شــال لبنــان واملنطقــة الســاحلية‪...‬؛ ثــم نيابــة صفــد‪ ،‬التــي شــملت الجنــوب بكاملــه مــع صــور وســاحلها‬ ‫كله‪...‬؛ أ ّما ما تبقّى من البالد فقد ألحق بنيابة دمشق‪.‬‬ ‫قســم هــو اآلخــر فيــا بعــد إىل منطقتــن ‪ :‬األول هــي منطقــة الشــال البقاعيــة‪ ،‬والثانيــة هــي منطقــة الغــرب والتــي مــا‬ ‫أمــا ســهل البقــاع‪ ،‬فقــد ّ‬ ‫زالــت حتــى اليــوم تحمــل اســم البقــاع الغــريب ‪...‬‬ ‫ويقــول صاحــب «لبنــان يف التاريــخ»‪ ،‬نق ـاً عــن آخريــن ‪ »:‬وكان أســلوب الحكــم‪ ،‬بوجــه عــام‪ ،‬يشــبه حكــم ســلطان القاهــرة «(‪ ... )86‬فكيــف كان‬ ‫أســلوبهم يف القاهــرة ؟‬ ‫ليــس يف الجــواب أيــة صعوبــة‪ ،‬مــا دامــت األرض‪ ،‬كل األرض‪ ،‬ملـكًا «رشع ًيــا» للســلطان‪ ،‬يوزّعهــا كيــف شــاء‪ ،‬عــى قــادة الجيــش‪ ،‬وعــى األمـراء‪ ،‬وعــى‬ ‫ملتزمي الرضائــب ‪......‬‬ ‫ومل يكــن توزيــع تلــك األرض يتـ ّم صدفــة أو دون هــدف ســيايس أو اقتصــادي معـ ّـن ‪ .....‬بــل كانــت غايتــه «املثــى» متويــل الخزينــة أوالً‪ ،‬وتوســيع‬ ‫طبقــة اإلقطاعيــن وتقويتهــا‪ ،‬عــن طريــق ض ـ ّم أعــداد متزايــدة إليهــا مــن «األرشاف» يف الجيــش أو األعيــان يف البلــد‪ .‬يقــول بولبــاك‪ »:‬وكان لفرســان‬ ‫الحلقــة أيضً ــا إقطاعــات ‪ ...‬وقبــل ســنة ‪1298‬م‪ ،‬كان أمـراء املائــة يصلــون هــؤالء ميؤونتهــم ومؤونــة خ ّدامهــم ‪ ...‬وكان لألمـراء أيضً ــا إقطاعــات ونفقــات‬ ‫يتقاضونهــا قبــل ذهابهــم إىل الحــرب ‪ ...‬وكان الســلطان يعطيهــم هبــة‪ ،‬البيــوت واألرايض‪.)87( ».....‬‬ ‫تلــك األرايض التــي مــا تـزال تتحـ ّول أبـ ًدا مــن ملكيــة مشــاع ّية أو ملكيــة للدولــة‪ ،‬إىل ملكيــة خاصــة‪ ،‬ولكــن عــى حســاب مــن يجعلهــا صالحــة لإلنتــاج‬ ‫والعطــاء‪ ،‬أي عــى حســاب الفالحــن الكادحني ‪.‬‬ ‫وجــاء يف مــا بعــد الفتــح العثــاين‪ ،‬حيــث أصبــح القســم األكــر مــن األرايض الخاصــة بالســاطني املامليــك واإلقطاعــات العســكرية واألرايض األخــرى‬ ‫التــي مل يســتطع واضعــو اليــد عليهــا مــن إب ـراز حجــج ملكيتهــم الرشعيــة لهــا‪ ،‬أصبحــت هــذه األرايض تابعــة للدولــة العثامنيــة‪ ،‬وبالتــايل أرايض‬ ‫ســلطانية مــن جديــد ‪.‬‬ ‫ يف عهــد املامليــك‪ ،‬مل يكــن هنــاك رضيبــة تفرضهــا الحكومــة عــى األرايض العرشيــة أو أيــة أر ِ‬‫اض أخــرى خارجــة عــن ملكيــة الســلطان ‪ .‬لكنــه كان يفــرض عليهــا‬ ‫‪8 3‬‬ ‫يف بعــض األحيــان رضائــب اســتثنائية فــوق العــادة ‪ .‬صبــح األعــى‪ ،‬يف صناعــة اإلنشــاء‪ ،‬مجلــد ‪ ،13‬ص ‪. 115‬‬ ‫ كان معروفاً باملتد ّرك‪ ،‬ظاهري‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 107‬‬‫‪ 84‬‬ ‫ نويري‪ ،‬نهاية األدب‪ ،‬مجلد ‪ ، 8‬القاهرة‪ ، 35 ،1923 ،‬ص ‪.210‬‬‫‪8 5‬‬ ‫ فيليب حتّي‪ ،‬لبنان يف التاريخ‪ ،‬تعريب أنيس فريحة‪ ،‬مراجعة نقوال زيادة‪ ،‬بريوت‪ ،‬نيويورك‪ ،1959 ،‬ص ‪. 1590‬‬‫‪ 86‬‬ ‫ بولباك‪ ،‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪.85‬‬‫‪8 7‬‬


‫القاهــرة‪ ،‬مــر ‪1966‬م‪ 1386 /‬هــ ‪.‬‬ ‫ ‬

‫•محمد حميد الله الحيدري آبادي ‪ :‬مجموعة الوثائق السياسية يف العهد النبوي والخالفة الراشدة‪ ،‬مكتبة مدبويل‪ ،‬القاهرة‪.2000 ،‬‬

‫ ‬

‫•محمد عيل ميك‪ ،‬لبنان من الفتح العريب إىل الفتح العثامين ‪ ،1516 – 635‬الطبعة الثالثة‪ ،‬دار النهار للنرش‪ ،‬بريوت‪.1985 ،‬‬

‫ ‬

‫•محمد عيل نرص الله‪ ،‬تطور نظام ملكية األرايض يف اإلسالم‪ ،‬دار الحداثة‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬بريوت‪.1985 ،‬‬

‫ ‬

‫•محمد كرد عيل‪ ،‬خطط الشام‪ ،‬م ‪ ،10‬دار العلم للماليني‪ ،‬بريوت‪.1970 ،‬‬

‫ ‬

‫•مسعود ضاهر‪ ،‬الدولة واملجتمع يف املرشق العريب‪ ، 1990 – 1840 ،‬الطبعة األوىل‪ ،‬دار اآلداب‪ ،‬بريوت‪.1991 ،‬‬

‫ ‬

‫•النبهان‪ ،‬االتجاه الجامعي يف الرشيعة اإلسالمية ‪ ،...‬املرجع املذكور‪ ،‬ص ‪. 415‬‬

‫ ‬

‫•نويري‪ ،‬نهاية األدب‪ ،‬مجلد ‪ ، 8‬القاهرة‪.35 ،1923 ،‬‬

‫ ‬

‫•يحيى بن آدم القريش ‪ :‬كتاب الخراج‪ ،‬ضمن يف الرتاث االقتصادي اإلسالمي‪ ،‬الطبعة األوىل دار الحداثة‪ ،‬بريوت‪1990 ،‬م‪.‬‬

‫الكتب املرتجمة‪:‬‬ ‫ •بوليــاك ادن‪ ،‬اإلقطاعيــة يف مــر وســوريا وفلســطني ولبنــان‪ ،‬نقلــه إىل العربيــة عاطــف كــرم‪ ،‬الطبعــة األوىل‪ ،‬منشــورات وزارة الرتبيــة الوطنيــة‬ ‫والفنــون الجميلــة‪ ،‬بــروت‪ ،‬لبنــان‪.1948 ،‬‬ ‫ ‬

‫•د‪.‬ف‪ .‬اتســامبا و د‪ .‬ل‪ .‬نــادرادزه‪ »،‬حــول تطــور اإلقطاعيــة يف ظــل الدولــة العربية‪-‬اإلســمية‪ ،‬عــرض لألبحــاث الســوفياتية واألجنبيــة»‪ ،‬ترجمــة‬ ‫أنــور حــادة‪ ،‬مجلــة الطريــق‪ ،‬العــدد األول‪ ،‬شــباط‪.1980 ،‬‬

‫ ‬

‫•كلــود كاهــن‪ ،‬تاريــخ العــرب والشــعوب اإلســامية‪ ،‬نقلــه إىل العربيــة بــدر الديــن القاســم‪ ،‬دار الحقيقــة للطباعــة والنــر‪ ،‬الطبعــة الثانيــة‪،‬‬ ‫بــروت‪.1977 ،‬‬

‫ ‬

‫•فيليب حتّي‪ ،‬لبنان يف التاريخ‪ ،‬تعريب أنيس فريحة‪ ،‬مراجعة نقوال زيادة‪ ،‬بريوت‪ ،‬نيويورك‪.1959 ،‬‬

‫املجالت والدوريات‪:‬‬ ‫ • ميخائيل عون‪« ،‬امللكية الخاصة يف عهد املامليك»‪ ،‬مجلة الطريق‪ ،‬العددان الخامس والسادس‪ ،‬السنة ‪ ،24‬أيار – حزيران‪.1965 ،‬‬ ‫ ‬

‫•نايــف بلــوز‪ « ،‬بعــض املالمــح الحضاريــة لإلقطاعيــة الرشقيــة يف ظــل الخالفــة العربيــة»‪ ،‬مجلــة دراســات عربيــة‪ ،‬الســنة التاســعة‪ ،‬العــدد‬ ‫األول‪ ،‬ترشيــن الثــاين‪.1972 ،‬‬

‫ ‬

‫•فؤاد قازان‪ « ،‬نظام ملكية األرض والرضائب والطبقات االجتامعية واالقتصادية يف عهد الخلفاء «‪ ،‬الطريق‪ ،‬العدد األول‪.1973 ،‬‬

‫ ‬

‫•ســليامن تقــي الديــن‪« ،‬حــول املالمــح األساســية لإلقطاعيــة املرشقيــة يف الدولــة العربيــة اإلســامية يف العــر الوســيط»‪ ،‬مجلــة الطريــق‪،‬‬ ‫العــدد الثالــث‪ ،‬حزي ـران ‪.1979‬‬

‫ ‬

‫•أحمــد بعلبــي‪« ،‬حيــازة الخ ـراج بــن اإليديولوجيــة واملامرســة االقتصاديــة يف األريــاف العربيــة»‪ ،‬مقالــة منشــورة يف مجلــة الفكــر العــريب‬ ‫املعــارص‪ ،‬العــدد الســادس‪ ،‬ســنة ‪.1979‬‬

‫املراجع األجنبية ‪:‬‬ ‫‪. LOKKEGAARD, Islamic Taxtion in the classical period, P. 29‬‬


‫يا وا ِثقَا ً بعَدالَ ِة األَيَّام‬ ‫الشاعرة بلقيس ‪ :‬إكرام الجنابي‬ ‫يا واثقا ً بعَدالَ ِة األَي َِّام‬ ‫ص ْر فإِنَّ ّك في َحدي ٍ‬ ‫دام‬ ‫أ َ ْق ِ‬ ‫ث ِ‬ ‫ا ْن ُ‬ ‫ص‬ ‫ب ُمتَفَ ِ ّح ٍ‬ ‫ظ ْر بعَي ِْن ُمراقِ ٍ‬ ‫ْوام‬ ‫ما أ َ ْح َدثَتْهُ قَ ْس َوة ُ األَع ِ‬ ‫آدم والحياة ُ مليئَةٌ‬ ‫ُم ْذ َ‬ ‫ع ْه ِد َ‬

‫رام‬ ‫واإل ْق ِ‬ ‫واإل ْج ِ‬ ‫صاء ِ‬ ‫بالقَتْ ِل ِ‬ ‫ُم ْذ أ َ ْش َرقَ ْ‬ ‫س على أِ ْرجائِها‬ ‫ت ش َْم ٌ‬ ‫سلَ ْ‬ ‫ع ْم ِرها ال ُمترامي‬ ‫ت في ُ‬ ‫وتَنا َ‬ ‫ي البال ب َ‬ ‫المها و ُ‬ ‫ورها‬ ‫ظ ِ‬ ‫ش ُر ِ‬ ‫و ْه َ‬

‫كام‬ ‫س ِيّ ُد األ َ ْح ِ‬ ‫والقَتْ ُل فيها َ‬ ‫ع َّم ْ‬ ‫ت َمفا ِسدُها ال ِوها َد ولَ ْم ت َ ُك ْن‬ ‫َ‬ ‫صام‬ ‫ِإلَّ أَداة َ قَ ِطيعَ ٍة ِ‬ ‫وخ ِ‬ ‫سبْحانِهُ‬ ‫هللاُ ج َّل جاللُهُ ُ‬

‫َخلَقَ ال ُّدنى ل َم َحبَّ ٍة و ِوئام‬


‫حام‬ ‫ِم ْن طا ِه ِر األ َ ْ‬ ‫صال ِ‬ ‫ب واأل َ ْر ِ‬ ‫ض َ‬ ‫هارةٍ‬ ‫ي و ْه َو َم ْح ُ‬ ‫ط َ‬ ‫َك ْم ِم ْن نب ٍّ‬ ‫اآلنام‬ ‫ع ْن سائِ ِر‬ ‫ونقاوةٍ َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫وارثا ً‬ ‫َج َّر ْ‬ ‫َوازالً و َك ِ‬ ‫ت عليه ن ِ‬ ‫اآلالم‬ ‫لَم يَ ْحتَويها ُم ْع َج ِم‬ ‫ِ‬ ‫ي َم ْح َّم ٌد‬ ‫يحيى وموسى والنب ُّ‬ ‫بمقام‬ ‫ق‬ ‫عدا ُه ُم ِم ْن ِ‬ ‫و َ‬ ‫ِ‬ ‫سام ٍ‬ ‫كؤوس القَ ْه ِر ُدونَ ِجناي ٍة‬ ‫عوا‬ ‫َجر ُ‬ ‫َ‬ ‫زام‬ ‫ِم ْن َم ْعش َِر األ َ ْشبا ِه واأل َ ْق ِ‬ ‫لكنَّهُ ث َ ْم ُن الصَّالحِ و َم ْه ُرهُ‬ ‫يا واثقا ً بعَدالَ ِة األَي َِّام‬


‫وأَحا َ‬ ‫طها برعاي ٍة و ِعناي ٍة‬ ‫رام‬ ‫واإل ْك ِ‬ ‫اإل ْن ِ‬ ‫عام ِ‬ ‫في ُم ْنتَهى ِ‬ ‫َّ‬ ‫لكن َم ْن أُعْطي األَمانةَ خانَها‬ ‫دام‬ ‫ق ِ‬ ‫ومضى بَعيدا ً في طري ٍ‬ ‫َرهَنَ الحياة َ ل َ‬ ‫زاج ِه‬ ‫ط ْب ِع ِه ِ‬ ‫وم ِ‬ ‫ظام‬ ‫ع ْن ِش ْر َ‬ ‫ُمتَبا ِعدا ً َ‬ ‫ع ٍة ونِ ِ‬ ‫دارها ب َحماقَ ٍة و َجهالَ ٍة‬ ‫وأ َ َ‬ ‫مآس ُكلها و َ‬ ‫َج َّر ْ‬ ‫طوام ِ‬ ‫ت ٍ‬ ‫الر ْه ُ‬ ‫ط النَّبي ُل ِمنَ األَذى‬ ‫لَ ْم يَ ْسلَ ِم َّ‬ ‫ع َد ْ‬ ‫وام‬ ‫و َ‬ ‫ت علي ِه قَ ْس َوة ُ األ َ ْق ِ‬ ‫اللئيم شَوا ِه ٌد‬ ‫س ْف ِر‬ ‫ولنا ِمنَ ال ِ ّ‬ ‫ِ‬ ‫هام‬ ‫ودالئ ٌل ت َ ْس ُمو َ‬ ‫اإلتْ ِ‬ ‫ع ِن ِ‬ ‫َح َك َم ْ‬ ‫ت به ُز َم ُر الضَّاللَ ِة والعَمى‬ ‫غام‬ ‫واإل ْر ِ‬ ‫بسياس ِة الت َّ ْجهي ِل ِ‬ ‫ولَ َك ْم َ‬ ‫عن ْ‬ ‫َت وتَغ ََّولَ ْ‬ ‫طغ ْ‬ ‫َت‬ ‫ت وتَفَ ْر َ‬ ‫يالم‬ ‫اإل ِ‬ ‫واإل ِ‬ ‫يذاء ِ‬ ‫في غاية ِ‬ ‫وا ْست َ ْه َدفَ ْ‬ ‫ماء وأ َ ْهلَها‬ ‫ت ِقيَ َم ال َّ‬ ‫س ِ‬


‫العروبة واإلسالم‬

‫بقلم‪ :‬عالء بدر الدين الهزيم‬

‫كانت مكة عبر غار حراء المتصل بالسماء جاهزة الستقبال فيوضات السماء التي ستلقى على محمد‪،‬‬ ‫المنتظرة صلة األرض‬ ‫والتي ستخرج الناس من الظلمات إلى النور وتجعل مكة عاصمة لروح اإلنسانية‬ ‫ِ‬ ‫بالسماء‪ ،‬وكان زمن الفترة قد انتهى‪ ،‬وظهر الحق وزهق الباطل‪ ،‬وراح حسان بن ثابت األنصاري شاعر‬ ‫الرسول يقول‪:‬‬ ‫يـــأس وفتـــر ٍة‬ ‫ي أتانا بعد‬ ‫ٍ‬ ‫نبــ ٌّ‬ ‫فأضحى سراجا ً مستنيرا ً وهادئا ً‬

‫س ِل واألوثانُ في األرض تـُعبَ ُد‬ ‫من الر ْ‬ ‫ح كما الح الصقيــــ ُل المهنـ ّ ُد‬ ‫يلــو ُ‬

‫كان العرب قبل رسالة محمد يعبدون األنصاب واألوثان واألصنام زلفى إلى هللا‪ ،‬وابتدأت الروح العربية‬ ‫تضر وال تنفع ‪.‬‬ ‫تكتشف أنها حجارة ال‬ ‫ّ‬ ‫ي يسير في الصحراء باحثا ً عن‬ ‫وابتدأ العقل العربي من جاهليته يطرح األسئلة الكونية الكبرى‪ ،‬كان بدو ّ‬ ‫جم ٍل أضاعه‪ ،‬ويطرح على نفسه السؤال الذي هو لغز الكون متعاليا ً على مادية الحجر‪”:‬األثر يد ّل على‬ ‫وأرض ذاتُ فجاج أال تدالن على اللطيف الخبير!!»‬ ‫المسير والبعرة تد ُّل على البعير‪ ،‬فسما ٌء ذات أبراج‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫كانت الحنفية على ملة إبراهيم تؤمن بالمعاد‪ ،‬ومنذ فترة ما قبل اإلسالم‪ ،‬فهذا زهير بن أبي سلمى يقول‪،‬‬ ‫شاعر لم يدرك اإلسالم‪:‬‬ ‫وهو‬ ‫ٌ‬ ‫فال تكت ُم َّن هللا مافي نفوسكم‬ ‫َّخر‬ ‫يؤخـ َ ْر‬ ‫ْ‬ ‫ب ويـُد ْ‬ ‫فيوضع في كتا ٍ‬

‫يعلم‬ ‫ليخفى ومهما يُكتـ َ ِم هللا ِ‬ ‫فينقم‬ ‫ب أو يعجـ َّ ْل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ليوم الحسا ِ‬

‫كان الرسول العربي محمد قد نضج الستقبال وحي السماء‪ ،‬وهو المتبتـّل في غار حراء‪.« ،‬‬ ‫وكان القرآن دستور البشرية يقول له بداية»إقرأ باسم ربك الذي خلق» وكانت القراءة بداية صلة السماء‬ ‫باألرض‪ ،‬وبدأ العرب يخرجون من جاهليتهم بالعلم الذي هو السلطان‬


‫بشهادة القرآن ‪ ”:‬ال تنفذون إال بسلطان»‪ ،‬وهكذا ربط اإلسالم تطور البشرية بسلطة العلم‪ ،‬وابتدأ فداء‬ ‫األسرى من قريش بتعليم أطفال المسلمين‪.‬‬ ‫العرب لتحمل هذه األمانة‪ ،‬القرآن يقول‪« :‬هللا أعلم حيث يجعل رسالته”‪ .‬وهذا يعني‬ ‫لماذا اختارت السما ُء‬ ‫َ‬ ‫أن العرب وصلوا إلى مرحلة من النضج تؤهلهم لحمل رسالة السماء‪ ،‬ولذا كانت العروبة جسدا ً وكان‬ ‫اإلسالم روحها‪ ،‬وجاء في القرآن‪« :‬إن أنزلناه قرآنا ً عربيا ً لعلكم تعقلون» وليس اللسان عربيا ً فحسب‪،‬‬ ‫ي أيضاً‪« :‬وكذلك أنزلناه حكما ً عربياً»‪ ،‬وبعظمة الدفق الروحي المختزن في أمة الضاد‬ ‫بل إنه حكم عرب ّ‬ ‫راح القرآن يثبت شرعا ً ما كان حقا ً من الوعي العربي روحيا ً واجتماعياً‪ ،‬وينسخ ماكان من الفعل الجاهلي‬ ‫المتردي‪ ،‬لقد عفا الرسول العربي عن بنت حاتم الطائي ألن أباها الجاهلي كان يحب مكارم األخالق‪،‬‬ ‫وأقره وفضله على حمر النعم‪ ،‬ألن هذا الحلف كان يدعو‬ ‫وقد شهد الرسول قبل البعثة “حلف الفضول”‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إلى السالم ونصرة الضعيف وإغاثة الملهوف‪ ،‬كان العرب روحيا ً متفتحين العتناق رسالة السماء إلى‬ ‫األرض‪ ،‬ولذا ضاقت بهم الصحراء‪ ،‬ودخلوا في الفعل الحضاري اإلنساني المبدع‪ ،‬وراحت خيولهم‬ ‫تصهل في رحاب العالم حاملة فكرة التوحيد والدعوة لإليمان بالروح الكلي لهذا الوجود األرحب وهو‬ ‫التسليم لرب العالمين وارتبط الدعاء لعالمية الدعوة بالرحمة من لدن الرحمن الرحيم «الحمد هلل رب‬ ‫العالمين»‪ .‬إنه رب العالمين‪ ،‬وليس رب فئة دون أخرى‪ ،‬وهو أعلم بمن اتقى‪.‬‬ ‫لم ينفصل اإلسالم الروحي والحضاري عن تجربة العرب الرائدة‪ ،‬فقد استوعبت الحضارة العربية‬ ‫اإلسالمية كل الوافدين إلى رحابها من األمم األخرى‪ ،‬وتخلقوا بخلق اإلسالم العربي اإلنسان “ إن أكرمكم‬ ‫عند هللا أتقاكم” و “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”‪ ،‬ومن هذا الفهم الكوني لإلسالم‬ ‫ابتعدت العنصرية والمحدودية عن هذه الحضارة المنتشرة في األرض كانتشار الضوء‪ ،‬وهو يطرد‬ ‫الظالم‪ ،‬لقد كان بالل الحبشي أكثر حضورا ً في وجدان هذه الحضارة الكونية من الهاشمي «أبي لهب»‪.‬‬ ‫لم يشفع له انتماؤه إلى قريش‪ ،‬ولم تنفعه قرباه من النبي الهاشمي محمد بن عبد هللا‪ ،‬وكان صهيب الرومي‬ ‫أكثر قربى للنبي وللحضارة الجديدة من أبي جهل»عمر بن هشام» الذي نزل القرآن محذرا ً محمدا ً من‬ ‫اإليمان «صهيباً» ليكون جزءا ً‬ ‫ُ‬ ‫وقرب‬ ‫شره “كال ال تطعه واسجد‬ ‫ْ‬ ‫واقترب” والذي أحطه إشراكه باهلل‪ّ ،‬‬ ‫من هذه الحضارة الكونية المتخلصة من أدران العصبية ومن الجاهلية الجهالء والضاللة العمياء‪ .‬لقد‬ ‫دخل الناس في دين هللا أفواجا ً حين تخلـَّقَ المؤمنون بتعاليم تلك الرسالة السمحاء‪ ،‬والتي تجمع الناس يوم‬ ‫شعاب مكة “لبيك اللهم لبيك‪ ،‬لبيك ال شريك لك لبيك”‪.‬‬ ‫الحج األكبر بثياب واحدة‪ ،‬وبدعاء واحد‪ ،‬تردده‬ ‫ُ‬ ‫كان األسود واألبيض يتساويان أمام اإلسالم‪ ،‬وخرجت العروبة من أدرانها وجاهلياتها لتكون خير أمة‬ ‫أخرجت للناس بفعل إيمانها وحملها رسالة السماء‪ ،‬كل هذا جعل كثيرا ً من المستشرقين األوربيين يقولون‬ ‫ِف العرب من التاريخ لتأخرت نهضة‬ ‫‪”:‬ما عرف التاريخ فاتحا ً أرحم من العرب»‪ ،‬وقالوا أيضا ً ‪”:‬لو حـُذ َ‬ ‫أوروبا ألف سنة‪.‬‬


‫أين نحن في ظل حضارة‬ ‫اليوم؟‬ ‫د‪ .‬هويدا شريف‬

‫تمتــاز الحضــارة بطابعهــا الفكــري والتراثــي واالبداعــي االصيــل ‪ ،‬وهــي بفضــل هــذا ّ‬ ‫الطابــع‬ ‫تش ـ ّكل الغنــى واالبــداع اللذيــن تتناقلهمــا ال ّ‬ ‫شــعوب مــن جيــل الــى جيــل حتّــى تكتمــل المســيرة‬ ‫االنســانية‪.‬‬ ‫شــرقيين بدأنــا نفقــد شــيئا ً فشــيئا ً هــذا ّ‬ ‫إال أننــا نحــن ال ّ‬ ‫الطابــع الــذي يميّــز حضارتنــا العربيّــة‬ ‫االصيلــة ‪.‬‬ ‫فأيــن يمكــن ان نضــع انفســنا فــي الوقــت الحالــي ‪ :‬بيــن المتأثــر أم المؤثــر ‪ ،‬وكيــف يجــب ان‬ ‫ننظــر الــى انفســنا نظــرة فخــر أم خجــل ؟؟‬ ‫مــن الخطــأ ان ننظــر الــى العــرب وكأنهــم يمثلــون فئــة مــن البشــر الذيــن لــم يقدّمــوا شــيئا َ الــى‬ ‫االنســانيّة ســوى انّهــم شــعب يتأثــر بغيــره مــن ال ّ‬ ‫شــعوب فيســير علــى خطاهــا ويســتمد منهــا‬ ‫المدنيّــة ‪.‬‬ ‫لقــد كان للعــرب عبــر التّاريــخ اســهام فعّــال فــي قيــادة المســيرة االنســانيّة ‪ ،‬تســلموا مشــعل‬ ‫الحضــارة طــوال اعصــر مضــت ‪ ،‬وشــاركوا فــي عطــاءات فكريــة عـدّت اساسـا َ فــي الحقــول‬ ‫العلميّــة واالدبيّــة واالنســانيّة المختلفــة ‪ ،‬فهــا هــي حضــارة العــرب فــي االندلــس مــا تزال شــاهدا‬ ‫علــى دور العــرب الحضــاري ومــن معالــم الحضــارة العربيــة فــي االندلــس القصوروالقــاع‬ ‫والكنائــس ‪ ،...‬والمنطقــة مــا تــزال ارض حضــارة راســخة فهــذه المدينــة العريقــة قــد انجبــت‬ ‫العلمــاء والفنانيــن والمبدعيــن ‪ .‬فــأول مــن أوجــد فكــرة الطيــران هــو عبــاس بــن فرنــاس‬ ‫القرطبــي الــذي صمــم اداة الطيــران علــى هيئــة الطيــر وبالتالــي فقــد فتــح عيــون العالــم الغربــي‬ ‫– االوروبــي علــى هــذه الفكــرة ‪ ،‬واســحاق ابراهيــم الزرقانــي – عالــم الفلــك االندلســي القرطبي‬ ‫– الــذي اختــرع االســطرالب وادهــش علمــاء اوروبــا ‪ ...‬والعــرب اســهموا فــي رســم الخرائــط‬ ‫رســما ً علميــا واكتشــفوا اكثــر مــن نصــف النجــوم‬


‫صفــر ‪ ..‬ولقــد اســتفاد االوروبيــون مــن‬ ‫ووضعــوا علــم الجبــر وحســاب الثلثــات واخترعــوا ال ّ‬ ‫وطوروهــا وحملــوا مشــعل التّقــدم والتّطــور ونقلــوا كل ذلــك الــى بالدهــم التــي‬ ‫هــذه االنجــازات‬ ‫ّ‬ ‫نعمــت بحضــار ة بذورهــا عربيّــة المنشــأ‪...‬‬ ‫واالســئلة التــي تطــرح ‪ :‬هــل حضارتنــا اليــوم هــي حضــارة تناســبنا وتالئــم تقاليدنــا وعاداتنــا‬ ‫ومبادئنــا ‪ ،‬وهــل تتالئــم مــع ماضينــا ؟وهــل الحضــارة التــي نســتمدها اليــوم مــن الغــرب ونتعلــق‬ ‫بهــا تعلقــا اعمــى هــي مناســبة لنــا ومالئمــة للعــز والفخــر اللذيــن عاشــهما العــرب فيمــا مضى ؟‬ ‫وكيــف لنــا ان ننعــم بمدنيّــة ليســت مــن ابداعنــا وال مــن ابتكارنــا اصــا‪ -‬المدنيــة المســتوردة ؟؟‬ ‫ســمات ال ّ‬ ‫ـروح والمعتقــد والـذّوق ‪ ،‬ومــع‬ ‫اصبحــت ال ّ‬ ‫شــرقية فاســدة فــي وجوههــا المتعـدّدة مــن الـ ّ‬ ‫فقــدان الحضــارة العربيّــة االصيلــة لــم يعــد للشــرق ســوى مــا يسـ ّمى بالمدنيّــة ال ّ‬ ‫شــرقي المختلفــة‬ ‫فــي باطنهــا عــن جوهــر الحضــارة الحقيقــي‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫ســخ فــي اعمــاق‬ ‫ســيطرة الغربيّــة تتر ّ‬ ‫شــرق بحاجــة فعليــة الــى تحديــد موقفــه مــن الغــرب ‪ ،‬فال ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫شــرقيين بمقــدار مــا تفســد مــن االخــاق‪.‬‬ ‫ســيطرة المد ّمــرة تســاهم فــي هــدم التّــراث العربــي وبالتالــي فقــدان‬ ‫ذلــك التأثــر وتلــك الهيمنــة وال ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫وقوتــه وســاعتئذ ‪ :‬الت ســاعة منــدم ‪.‬‬ ‫شــرق اهــم ركائــز اســتمراريّته ّ‬ ‫الراهــن وفهــم‬ ‫ي زمــن مضــى بفتــح العيــون علــى الواقــع ّ‬ ‫لذلــك نحــن مطالبــون اليــوم اكثــر مــن ا ّ‬ ‫مــا يــدور فــي كواليــس االخريــن لئــا نصبــح فرائــس ســهلة ولقمــة مستســاغة يســهل هضمهــا‬ ‫‪ ،‬ولذلــك يترتّــب علينــا التّمســك والحفــاظ علــى حضارتنــا التــي يســاء اليهــا بذريعــة التّطــور‬ ‫واالنفتــاح ‪ ،‬فلنكــن علــى قــدر المســؤولية الملقــاة علــى عاتقنــا وال نلهــث وراء الماديــات او نلــوذ‬ ‫بالقشــور ‪ ،‬واال علــى ال ّ‬ ‫ســام ‪.‬‬ ‫شــرق ال ّ‬


‫البحث عن صدى « انكيدو «‬ ‫شبل‬ ‫عمر‬ ‫ي‬

‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫ليقبل�‬ ‫قل�‬ ‫إىل‬ ‫يوما‬ ‫رحلت‬ ‫ي‬ ‫بي‬ ‫ً‬ ‫ضيفا عليه ‪ ,‬وكان الفقر والقمرُ‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫ن ُّ‬ ‫يسكن�‬ ‫الطي�‬ ‫كلكامش «‬ ‫وكان»‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫َ ْ‬ ‫تخت� ُ‬ ‫ف‬ ‫بشتَـ ْ‬ ‫الجز ُر‬ ‫«‬ ‫م‬ ‫ودون « آتونـ‬ ‫ي‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫فقلت يا ُ‬ ‫البحار ‪ ,‬ويا‬ ‫هات‬ ‫رديا»‬ ‫«م‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ينكرس‬ ‫زندي انتبه‪ ,‬ربما المجذاف‬ ‫ف‬ ‫‪,‬و�‬ ‫المحيط‬ ‫قاع‬ ‫�‬ ‫بي‬ ‫وزهرة الخلد ي‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫القدر‬ ‫ه‬ ‫‪,‬واألفىع‬ ‫النوم‬ ‫إىل‬ ‫ضعف‬ ‫ي‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫كت ف َ‬ ‫صدى‬ ‫وظل‬ ‫خل� « أنكيدو «‬ ‫تر‬ ‫ي‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫اليذر‬ ‫يالحق� ‪ ,‬والموت‬ ‫منه‬ ‫ي‬ ‫وروح من ترابهما‬ ‫قل�‬ ‫ي‬ ‫عريت ب ي‬ ‫والعري ثوب تراه الروح ال البرص‬ ‫وقلت ت‬ ‫ئ‬ ‫ظم�‬ ‫مدرك‬ ‫زمان‬ ‫يأ�‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫تكون آيته أن يهطل المطر‬ ‫ورحت أبحث عن غيم بال كذب‬ ‫ح� يصدق ش‬ ‫اليصدق الغيم ت‬ ‫ال�ر‬


‫بأضالع فمزقها‬ ‫خبأت وجدي‬ ‫ي‬ ‫والوجد مثل الشظايا ي ن‬ ‫ح� بنفجر‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تظل تحدج أمواجا وتسألها‬ ‫خ�‬ ‫ويأثم الموج العلم وال ب‬ ‫من طول ما صحب المجذاف زندك لم‬ ‫تدرك بأيهما األعصاب ش‬ ‫تنت�‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فهات موجا وخذ زندا وبينهما‬ ‫يكاد مجذافك المكدود ينكرس‬ ‫ورصت ادرك ان العمر دالية‬ ‫تحلو بمقدار ما ن‬ ‫تج� وتعترص‬ ‫وروح من ترابهما‬ ‫قل�‬ ‫ي‬ ‫عريت ب ي‬

‫والعري ثوب تراه الروح ال البرص‬ ‫ين‬ ‫وح� تصبح هذي االرض ميتة‬ ‫ستعط لنا يا ايها المطر‪#.‬‬ ‫ماذا‬ ‫ي‬


‫خارج املكان‬ ‫وإشكالية التجنيس‬ ‫د‪ .‬محمد امحمد بن طاهر‬ ‫أستاذ اللغة العربية يف جامعة مرصاتة‪ /‬ليبيا‬ ‫مقدمة‪:‬‬ ‫الكتابــة عــن إدوارد ســعيد‪ ،‬ليســت باألمــر الهــن‪ ،‬والحــال أن الكثــر قــد كتــب‪ .‬كتــب األعــداء قبــل األصدقــاء‪ ،‬وتنــاول الجميــع مصــادر كتاباتــه بالنقــد‬ ‫والتحليــل‪ ،‬وصــوروا حياتــه ســينامئيا‪ ،‬وتســابقت مواقــع الشــبكة العنكبوتيــة عــى إث ـراء معارفــه‪ .‬اجتمعــت يف إدوارد ســعيد أهــم صفــات املثقــف‬ ‫املعــارص‪ ،‬فقــد كان املــؤرخ‪ ،‬واألديــب‪ ،‬والناقــد‪ ،‬والســيايس ذائــع الصيــت‪ ،‬واللي ـرايل‪ ،‬والكاتــب املوســيقي‪ ،‬واملناضــل الحــر‪ ،‬واألكادميــي املتميــز‪ .‬وأنــه‬ ‫كان مــن بــن أبــرز مثقفــي القــرن العرشيــن‪ ،‬ومــن أخــص املدافعــن عــن الحــق الفلســطيني عامليــا‪ .‬كل هــذا‪ ،‬منحــه أهميــة بالغــة يف عــامل الفكــر‬ ‫والسياســة‪ ،‬كــا يف عــامل األدب ونقــده‪ .‬إىل جانــب حضــور عاملــي فاعــل‪ ،‬وغـزارة يف اإلنتــاج العلمــي‪ .‬وعــى كل‪ ،‬فقــد حفلــت حيــاة إدوارد ســعيد بعديــد‬ ‫املنجـزات عــى مختلــف الصعــد العلميــة‪ ،‬ويف هــذا مــا يغنــي عــن أي تقديــم لــه‪.‬‬ ‫ال أفــي رسا‪ ،‬إذا قلــت‪ :‬إن معرفتــي بأعــال إدوارد ســعيد‪ ،‬وحتــى وقــت قريــب جــدا مل تتعـ َد مــا يخــص مــا كتبــه عــن ظاهــرة االســترشاق‪ ،‬ونتفــا مــا‬ ‫كان يكتــب عنــه هنــا وهنــاك‪ ،‬وال أخفــي إعجــايب بالــذي كتبــه مفــككا النظــرة النمطيــة التــي تســود العــامل الغــريب تجــاه الــرق بعامــة‪ ،‬واملســلمني‬ ‫والعــرب بخاصــة‪ ،‬وهــي نظــرة تضافــرت عــى تجســيدها وتوريثهــا عنــارص كثــرة‪ .‬ومل يــدر بخلــدي يومــا أن أخــص ســعيدا بــأي نــوع مــن أنــواع الكتابــة‬ ‫أو البحــث؛ غــر أننــي وأنــا أتصفــح أحــد أعــداد مجلــة العــريب الكويتيــة‪ ،1‬شــدين عنــوان مقــال‪ ،‬لصاحبــه حضــور يف عــامل األدب العــريب ونقــده‪ ،‬ومــا‬ ‫إن فرغــت مــن قراءتــه‪ ،‬حتــى اســتهوتني فكــرة الكتابــة عــن ســعيد‪ ،‬أو عــى أقــل تقديــر‪ ،‬الولــوج إىل عاملــه مــن خــال عمــل مــن أعاملــه‪ ،‬فــكان وأن‬ ‫كانــت مذكراتــه الشــخصية‪.‬‬ ‫ومــا إن قــررت اإلبحــار‪ ،‬حتــى بــرزت معضلــة االختيــار‪ ،‬فاخــرت الكتابــة حــول تداخــل األنــواع األدبيــة يف هــذه املذكـرات‪ ،‬الــيء الــذي مل يكــن بــأي ـ‬ ‫حــال مــن األحــوال ـ أمـرا ً هينـاً‪ .‬ومرجــع ذلــك‪ ،‬إىل أن املذكـرات يف أصلهــا مل تكتــب باللغــة العربيــة‪ ،‬مــا اقتضــاين قراءتهــا يف اللغتــن‪ ،‬وكذلــك مدارســة‬ ‫بعــض مــا كتــب عنــه وعنهــا‪ ،‬نقــدا‪ ،‬أو تقريظــا‪.‬‬ ‫وتقريبــا للمتصــور‪ ،‬تــم اســتعارة عنــوان النــص املرتجــم‪ ،‬ليكــون جــزءا مــن عنــوان مقــايل‪ ،2‬مضافــا إليــه (إشــكالية التجنيــس)‪ ،‬ولعــل يف هــذا االختيــار‬ ‫مــا يــي بــأن هنــاك مشــكلة‪ ،‬تتعلــق بتداخــل أنــواع األدب وأجناســه يف مذك ـرات ســعيد؛ إال إننــي مل أرد بإي ـرادي مصطلحــي اإلشــكالية والتجنيــس‪،‬‬ ‫إال الكتابــة عــن تصــوري حيــال املوضــوع‪ ،‬وهــو تصــور ناشــئ عــن قـراءات متنوعــة ألعــال أدبيــة‪ ،‬كتبــت بأكــر مــن لغــة‪ .‬وهــو بعينــه مــا توفــر يل‬ ‫بخصــوص مذكـرات ســعيد‪ ،‬التــي قرأتهــا أوال يف ترجمتهــا العربيــة‪ ،‬ثــم قــرأت بعــض فصولهــا‪ ،‬ومقطوعــات متفرقــة‪ ،‬وردت يف مراجــع عربيــة‪ ،‬ثــم بعــد‬ ‫ذلــك قرأتهــا بلغتهــا األصليــة‪ ،‬واطلعــت عــى كثــر مــن األعــال األدبيــة ذات الصلــة‪ .‬وبالتــايل مل أقــع يف مطــب الوســيط‪ ،‬وإن مل يخــل مــا قرأتــه مرتجــا‬ ‫مــن فائــدة‪ ،‬تجســدت يف تقريــب بعــض الصــور‪ ،‬أو يف تســهيل الوصــول إىل مضمــون بعــض الرتاكيــب اللغويــة التــي بــدت صعبــة الرتويــض يف نصهــا‬ ‫األصــي؛ ألن الرتجمــة يف حقيقــة أمرهــا‪ ،‬خصوصــا يف مــا يخــص الرتاجــم األدبيــة‪ ،‬وإن عــدت جنســا أدبيــا‪ ،‬تبقــى عامــا مهــا يف تقريــب بعــض الــرؤى‪.‬‬ ‫‪ 1‬‬ ‫‪ 2‬‬

‫‪ .‬عبد الله إبراهيم‪ .‬إدوارد سعيد‪ ..‬املنفى‪ ..‬الوطن‪ ..‬العودة املستحيلة‪ .‬مجلة العريب‪ .‬ع‪ .596 .‬الكويت‪.2008 .‬‬ ‫‪ .‬ستكون هناك إشارة إىل هذا العنوان ونقد ترجمته‪ .‬ص‪.7‬‬


‫هــذا إال بعــد مــي فــرة مــن الزمــن‪ ،‬حــن علــم بأنــه قــد وقــع وثائــق ومســتندات‪ ،‬باســم رشكــة والــده‪ ،‬فيهــا مــن املخالفــات القانونيــة‪ ،‬مــا يتعــارض‬ ‫‪5‬‬ ‫مــع مــا ســن مــن ترشيعــات بعــد ثــورة ‪.1952‬‬ ‫املوروث العلمي والثقايف إلدوارد سعيد‪:‬‬ ‫كــا ســبقت اإلشــارة‪ ،‬فــإن ســعيد مل يقتــر عــى جانــب مفــرد مــن جوانــب املعــارف اإلنســانية‪ ،‬فقــد كان صاحــب مــروع يدعمــه مبــدأ‪ ،‬وتقــض‬ ‫مضجعــه قضيــة‪ ،‬وهــو األســتاذ الجامعــي الــذي يعلــم جيــدا مقتضيــات وظيفتــه‪ ،‬واملثقــف الدنيــوى الالمنتمــي‪ ،6‬الــذي اجتهــد يف أن يصــف إىل مصــاف‬ ‫النخبــة مــن مثقفــي العــامل‪ ،‬وآمــن بــأن يعمــل مــن أجــل تحقيــق العدالــة‪ ،‬وأن يكــون للضعيــف صــوت‪ ،‬يعلــو عــى قعقعــة الســاح‪ ،‬وهديــر الطائـرات‪.‬‬ ‫أعامله‪:‬‬ ‫تنوعــت أعــال إدوارد ســعيد‪ ،‬وتشــابكت فيهــا الــرؤى‪ ،‬وهــي يف معظمهــا تــي مبــا يخالــج ذات ســعيد الثائــرة يف هــدوء‪ ،‬والرافضــة ملعــاين الهيمنــة‬ ‫واالســتنقاص‪ .‬ولقــد اكتفيــت بذكــر عناويــن أبــرز مــا كتــب‪ ،‬وهــي املؤلفــات التاليــة‪:‬‬ ‫ ‬

‫•جوزيف كونراد ورواية السرية الذاتية‪1966( .‬م)‬

‫ ‬

‫•بدايات القصد واملنهج‪1975( .‬م)‬

‫ ‬

‫•االسترشاق‪1978( 7.‬م)‬

‫ ‬

‫•مسألة فلسطني‪1979( .‬م)‬

‫ ‬

‫•بعد السامء األخرية‪1986( .‬م)‬

‫ ‬

‫•متتاليات موسيقية‪1991( .‬م)‬

‫ ‬

‫•الثقافة واإلمربيالية‪1993( .‬م)‬

‫ ‬

‫•سياسة التجريد‪1994( .‬م)‬

‫ ‬

‫•متثالت املثقف (‪.)1994‬‬

‫ ‬

‫•غزة أريحا‪ :‬سالم أمرييك‪1995( .‬م)‪.‬‬

‫ ‬

‫•أوسلو‪ :‬سالم بال أرض‪1995( .‬م)‪.‬‬

‫ ‬

‫•تعليقات عىل االسترشاق‪1996( .‬م)‪.‬‬

‫ ‬

‫•خارج املكان‪ .‬سرية ذاتية‪2000( .‬م)‬

‫ ‬

‫•تأمالت حول املنفى‪2004( .‬م)‬

‫ ‬

‫•األسلوب األخري‪2004( .‬م) صدر بعد وفاته‪.‬‬

‫ومــن بــن هــذه األعــال جميعــا‪ ،‬خصصــت بالذكــر‪ ،‬ســرته الذاتيــة (‪ )Out of Place‬والتــي اتفــق أكــر مــن مرتجــم عــى عنونتــه بـــــ (خــارج املــكان)‬ ‫وإن كنــت أرى أن هــذه الرتجمــة‪ ،‬مل تــف مبـراد ســعيد‪ .‬وكذلــك ألن داللــة (‪ )place‬يف النــص األصــي‪ ،‬مل يقصــد بهــا ســعيد (املــكان) الفيزيــايئ بــل إن‬ ‫املــكان عنــد ســعيد غــر محــدود‪ ،‬وهــو إن وجــد‪ ،‬فهــو بــا معنــى‪ .‬إنــه أشــبه مــا يكــون بخــان أو فنــدق‪ .‬إن مــا عنــاه ســعيد‪ ،‬ليــس بيــت أرستــه يف‬ ‫‪ .‬إدوارد سعيد‪ .‬خارج املكان‪ .‬تر‪ :‬فواز طرابليس‪ .2000 .‬ص‪.276‬‬ ‫‪ 5‬‬ ‫‪ .‬لــكال املصطلحــن داللــة خاصــة يف أدبيــات إدوارد ســعيد‪ .‬فالدنيــوي تعنــي‪ :‬غــر املتديــن الــذي ال يتعصــب لديــن عــى حســاب ديــن آخــر‪.‬‬ ‫‪ 6‬‬ ‫والالمنتمــي‪ :‬هــو املثقــف املســتقل املسرتشــد بفكــره‪ ،‬ومــا ميليــه عليــه ضمــره‪ ،‬وهــو املعايــش لقضايــا النــاس‪ ،‬واملدافــع عــن حقوقهــم‪.‬‬ ‫‪ .‬كتاب االسترشاق‪ ،‬نال جائزة ثاين أحسن عمل نقدي‪ ،‬من الهيأة الوطنية للنقد يف أمريكا‪.‬‬ ‫‪ 7‬‬


‫وفيــا يتعلــق مبوضــوع البحــث‪ ،‬فــإن تعالــق األنــواع يف كتابــات ســعيد‪ ،‬جــي وبــن‪ ،‬فقــد كتــب بــروح األديــب الناقــد‪ ،‬واملثقــف الواعــي‪ ،‬الــذي توفــرت‬ ‫لــه أدوات الكتابــة‪ ،‬وآليــات الــرد‪ ،‬فهــو كــا يف بداياتــه‪ ،‬هــو يف اســترشاقه‪ ،‬مثلــا هــو يف كل أعاملــه‪ .‬تداخلــت مضامــن كتاباتــه‪ ،‬كــا تشــابكت‬ ‫األجنــاس األدبيــة فيهــا‪ ،‬ولعــل مرجــع كل ذلــك‪ ،‬إىل مــا تحقــق لســعيد مــن تحصيــل علمــي‪ ،‬مرجعــه تعــدد اللغــات التــي بهــا يقــرأ‪ ،‬واللغــة التــي بهــا‬ ‫يكتــب؛ وفــوق ذلــك إىل تخصصــه العلمــي الدقيــق‪ ،‬وإىل شــغله أســتاذ األدب اإلنجليــزي‪ ،‬واألدب املقــارن بجامعــة (كوملبيــا) إحــدى أبــرز الجامعــات‬ ‫األمريكيــة‪ ،‬وأســتاذا ً زائـرا ً بكربيــات الجامعــات العامليــة‪ ،‬مثــل جامعــة هارفــرد‪ ،‬وييــل‪ ،‬وضيفــا متميـزا بهيئــة اإلذاعــة الربيطانيــة‪ ،‬وحضــورا عامليــا فاعــا‬ ‫يف الصحافــة والتلفزيــون‪.‬‬ ‫وأنــا بــن يــدي مذكـرات ســعيد‪ ،‬ال مجــال يف االعتصــام مبــا ســأكتب‪ ،‬أو أن أمتســك مبــا تصــورت وفيــه فكــرت؛ ألن العمــل قبــل أن يكــون ذكريــات تــدوي‬ ‫وتــدوى‪ ،‬كان عمــا فكريــا بامتيــاز‪ ،‬لــه مــا لــكل عمــل فكــري‪ .‬للمتلقــي حريــة االختيــار يف أن يذهــب يف مغـزاه ومرمــاه مذاهــب شــتى‪ .‬مــن املمكــن‬ ‫أن يجــد املتلقــي مــا يصبــو إليــه بــن مــا قيــل ومــا مل يقــل‪ ،‬محتفظــا بالبعــد النســبي ملـراد الكاتــب‪.‬‬ ‫الذكريــات إجــاال‪ ،‬عبــارة عــن (‪ )spatial deixis‬مــا يعنــي تواصــا مبــارشا‪ ،‬وحضــورا حيــا بــن ســعيد وقارئــه‪ ،‬وكأنهــا يف حــرة العيــان واملشــافهة‪،‬‬ ‫شــأنها شــأن أي عمــل مــن أعاملــه‪ ،‬فهــو يف كل مــا يكتــب‪ ،‬يالحــظ «الشــعور باالنــدراج يف املشــهد الــذي يكتــب عنــه إدوارد ســعيد‪ .‬تــأيت وحــدة الكتــاب‬ ‫والنظــم الداخــي‪ ،‬الــذي يجعــل النــص متامســكا وممتــدا عــى مــدار صفحاتــه‪ .‬ويعمــل املؤلــف عــى توضيــح هــذا التشــابك بــن املــادة املوضوعيــة يف‬ ‫‪3‬‬ ‫الكتــاب واملــادة املتصلــة بذكريــات الكاتــب ومشــاعره الشــخصية الخاصــة بــه وبعائلتــه‪».‬‬ ‫ويف ســبيل الوصــول إىل مقاربــة مـراد ســعيد مــن روايــة مذكراتــه‪ ،‬كان تضافــر النصــن حــارضا‪ ،‬إال إن املعضلــة‪ ،‬مل تكــن بالطبــع‪ ،‬يف توفــر املــادة العلميــة‪،‬‬ ‫النصــن‪ ،‬الــذي وإن بــدا الفــارق كب ـرا ً بينهــا‪ ،‬حيــث ســمت لغــة النــص األصــي‪ ،‬وحلــق فيــه ســعيد بعيــدا كعادتــه‪ .‬وجــاءت‬ ‫أو يف إمكانيــة ق ـراءة ّ‬ ‫لغــة النــص املرتجــم بــن بــن‪ ،‬تســمو وتطفــو؛ وإمنــا كانــت يف كيفيــة التوفيــق بــن وصــف مقتضيــات الــرد‪ ،‬وتداخــل أنــواع األدب؛ فالنــص األصــي لــه‬ ‫خصوصياتــه‪ ،‬كــا للنــص املرتجــم‪ ،‬خصوصيــات تتفــق وتختلــف‪ .‬ومــن هنــا كان التعامــل مــع هــذا النــوع مــن األعــال األدبيــة عسـرا ً‪ ،‬فاللغــة العربيــة‪،‬‬ ‫وإن تقاطعــت بعــض حدودهــا مــع اللغــة اإلنجليزيــة‪ ،‬إال أن بينهــا مــا بــن العــرب والغــرب‪.‬‬ ‫ومــا ضاعــف صعوبــة املوقــف‪ ،‬أننــي خصصــت هــذا العمــل بتنــاول قضيــة التجنيــس‪ ،‬وتداخــل األنــواع‪ ،‬وهــو أمــر ميكــن تحديــده ووصفــه جيــدا‪ ،‬لــو‬ ‫خ َُّصــت الكتابــة بنــص معــن يف لغــة واحــدة‪ ،‬لكــن واقــع مذكـرات ســعيد املرتجمــة إىل العربيــة‪ ،‬غــر واقعهــا يف اللغــة اإلنجليزيــة؛ ففــي الوقــت الــذي‬ ‫يتوافــر يف النــص األصــي‪ ،‬الــرد اإليقاعــي‪ ،‬مــع مــا يقتضيــه‪ ،‬مــن تناغــم بــن الجمــل‪ ،‬وتســاوق وتصاقــب بــن الفقـرات‪ ،‬واســتخدام للرمــز‪ ،‬ـ وإن عــد‬ ‫الرمــز أداة شــعرية ـ وتكثيــف واختـزال مل تخــل منــه أجـزاء عديــدة مــن رسد األحــداث‪ ،‬نجــد أن الحــال جــد مختلــف‪ ،‬يف النــص املرتجــم؛ ومرجــع ذلــك‬ ‫اختــاف الخصوصيــة بــن النصــن‪ ،‬فــاألول هــو نــص إبداعــي‪ ،‬كتبــه صاحبــه وهــو عــى درايــة تامــة مبــا يتناســب واملقــام‪ ،‬يف حــن أن النــص الثــاين‪،‬‬ ‫‪4‬‬ ‫أقــى مــا يطمــح إليــه صاحبــه‪ ،‬أن يكتــب بنــص عــريب‪ ،‬غايــة الجهــد مــن ورائــه أن يجعــل إدوارد يتكلــم العربيــة‪.‬‬ ‫علــا بــأن النــص املرتجــم‪ ،‬مــن املمكــن أن يكــون نصــا إبداعيــا قامئــا بذاتــه‪ ،‬بحيــث ال ميكــن متييــزه عــن النصــوص غــر املرتجمــة‪ .‬وليــس يف هــذا أي‬ ‫غرابــة‪ ،‬فاملطّلــع ـ العــامل باللغتــن األملانيــة واإلنجليزيــة ـ عــى أعــال (‪ )Wilhelm Shlegel‬مــا بــن العــام ‪ 1797‬والعــام ‪ 1910‬والتــي ترجــم فيهــا‬ ‫ســبعة عــرة مرسحيــة مــن مرسحيــات شكســبري إىل اللغــة األملانيــة‪ ،‬ســيدرك حســا‪ ،‬أن األعــال املرتجمــة كانــت أكــر وضوحــا مــن النصــوص األصليــة‪،‬‬ ‫حيــث خلــت الرتجمــة مــن كل مــا شــاب النــص األصــي مــن عبــارات وتراكيــب مبهمــة‪.‬‬ ‫ســعيد املهاجــر‪ ،‬املنفــي واملثقــف الالمنتمــي‪ ،‬واملبتــى جســدا وروحــا‪ ،‬يتذكــر املــايض الســحيق‪ ،‬الــذي مل يكــن يف واقــع األمــر ماضي ـاً بقــدر مــا كان‬ ‫حــارضا ً‪ ،‬معيشــا بــكل مــا فيــه‪ ،‬ومــا عليــه‪ ،‬فالوطــن ال يـزال مغتصبـاً‪ ،‬واألهــل مــا بــن ســندان ومطرقــة‪ ،‬واألم ذهبــت إىل حيــث ال رجعــة‪ ،‬وأيــام الصبــا‬ ‫تولــت‪ ،‬وبســاط الشــفق الشــاحب يدثــر الشــمس‪ ،‬بكفــن الغــروب‪.‬‬ ‫الحــل والرتحــال‪ ،‬يف مفهــوم ســعيد‪ ،‬ضــدان ال ينفصــان‪ ،‬ومــرد ذلــك‪ ،‬إىل مـرارات مــا إن يحــاول تفكيــك شــفراتها‪ ،‬وتوطــن نفســه ومســتلزماتها‪ ،‬حتــى‬ ‫تتبــدى لــه يف تســاؤل مضطــرب‪.‬‬ ‫وعــى الرغــم مــن أنــه كتــب ســرة حياتــه‪ ،‬فهــو مل يفكــر يومـاً‪ ،‬يف أن يكتــب عــن ماضيــه‪ ،‬وال عــا حــرم منــه‪ .‬وقــد رصح ســعيد بذلــك قائـاً‪ :‬إنهــا ال‬ ‫تعــدو أن تكــون أكــر مــن ذكريــات متقطعــة‪ ،‬وأنــه حتــى بلوغــه ســن الســتني‪ ،‬مل يكــن يــود أن يتفــوه بــأي يشء‪ ،‬يربطــه بالقــدس املغتصــب‪ ،‬وال عــن‬ ‫أيامــه بالقاهــرة التــي خــرج منهــا خائفــا يرتقــب‪ ،‬وحــرم مــن البقــاء بهــا‪ ،‬أو زيارتهــا‪ ،‬ألســباب خارجــة عــن إرادتــه‪ .‬علـاً بأنــه مل يــدرك ســبب املنــع‬ ‫ ‪3‬‬ ‫‪ 4‬‬

‫‪ .‬فخري صالح‪ .‬إدوارد سعيد دراسات وترجامت‪ .2009 .‬ص‪.35‬‬ ‫‪ .‬إدوارد سعيد‪ .‬خارج املكان‪ .‬تر‪ :‬فواز طرابليس‪ .‬اآلداب للنرش والتوزيع‪ .‬بريوت‪ .2000 .‬ص‪.13‬‬


‫حــي الطالبيــة‪ ،‬إنــه عقــار مســتأجر‪ ،‬ســواء كان يف القاهــرة‪ ،‬أم يف نيويــورك‪ ،‬إنــه غــرض مشــاع‪ ،‬ليــس لــه خصوصيــة‪ ،‬إنــه ليــس وطنـاً‪.‬‬ ‫املــكان عنــد ســعيد‪ ،‬داء ودواء‪ ،‬املــكان يف حياتــه‪ ،‬كــا هــو يف أدبــه‪ ،‬أكــر مــن أن يكــون خارجــه‪ ،‬إنــه الشــعور بــأن يكــون لــك بيــت‪ ،‬إنــه الحلــم يف أن‬ ‫تكــون لــك لغــة‪ ،‬أن تكــون أنــت كــا أنــت‪ ،‬ال أن تكــون أنــت رغــا عنــك‪ .‬إن حلــم ســعيد معادلــة بــا برهــان‪ ،‬وروايــة بــا عنــوان‪.‬‬ ‫فقــد ســعيد املــكان‪ ،‬وبفقدانــه فقــد االنتــاء‪ ،‬وأصبــح الالمنتمــي؛ لكنــه اســتطاع رغــا عــن ذلــك‪ ،‬أن يتبــوأ بيتــا ال يشــاركه فيــه مــا عــداه‪ ،‬وأن ينحــت‬ ‫بقلمــه رســا ال يخــص ســواه‪ .‬اســتطاع أن يكــون املــكان يف داخلــه وهــو خارجــه‪ .‬كتــب ونقــد‪ ،‬تعلــم وعلــم‪ ،‬حــارض وناظــر‪ ،‬حــل وارتحــل‪ .‬كان يف كل‬ ‫أحواله‪،‬‬


‫وأذواقــي وحساســيايت املكتســبة ومجمــل حيــايت املهنيــة معلــا وكاتبــا مــن جهــة أخــرى‪ .‬مل يعفنــي هــذا الن ـزاع منــه يومــا واحــدا‪ ،‬ومل‬ ‫أحــظ بلحظــة راحــة واحــدة مــن ضغــط واحــدة مــن هاتــن اللغتــن عــى األخــرى‪ ،‬وال نعمــت مــرة بشــعور مــن التناغــم بــن ماهيتــي‬ ‫‪10‬‬ ‫عــى صعيــد أول وصــروريت عــى صعيــد آخــر‪».‬‬ ‫اختزلــت ذاكــرة ســعيد واحتفظــت مبــا مل يكــن يف دائــرة الضــوء‪ ،‬لكنــه مــا إن اشــتد ورشــد‪ ،‬حتــى تبــدى مــا قــد بــدا‪ ،‬وأدرك خطــورة مــا مل يأبــه بــه‬ ‫يومــا‪.‬‬ ‫ســعيد ويف كتابــة مذكراتــه‪ ،‬كانــت الكتابــة عنــده فعــل اســتذكار‪ ،‬وهــي إىل ذلــك فعــل نســيان‪ ،‬أو كــا قــال‪« :‬عمليــة اســتبدال اللغــة القدميــة باللغــة‬ ‫الجديــدة‪ 11».‬بــدأ كتابــة مذكراتــه‪ ،‬بعــد أن علــم بإصابتــه مبــرض الرسطــان‪ .‬الــداء الــذي عايشــه وقــت أن أصيبــت بــه والدتــه‪.‬‬ ‫كتــب ســعيد مــا توفــر لــه مــن ذكريــات‪ ،‬تحــت وطــأه املــرض‪ ،‬وهاجــس تشــابك الذكريــات البعيــدة والقريبــة عــى الســواء‪ .‬كتــب وهــو يتجــرع مـرارة‬ ‫وقســاوة الــداء‪ ،‬ويف الوقــت ذاتــه‪ ،‬يعتــره التــذكار‪ ،‬ويزيــده الحنــن إىل مهــاد الصبــا عــى معاناتــه معانــاة أشــد وأنــى‪.‬‬ ‫أســلوب ســعيد يف رسد مذكراتــه‪ ،‬مل يخــل مــن تركيــب مزجــي بــن الالشــعور واألدب‪ ،‬وصــوال إىل مــا ميكــن تســميته بالواقعيــة املطلقــة؛ هــذا النــوع مــن‬ ‫األعــال األدبيــة‪ ،‬التــي يتعمــد كتابهــا اطــاع القــارئ عــى أفــكار شــخصياتها‪ ،‬تعتــر مــن أكــر األعــال األدبيــة‪ ،‬التــي يتامهــى فيهــا القــارئ‪ ،‬ويلتصــق‬ ‫ـي مــا تعلــق وتعالــق‪،‬‬ ‫بهــا التصاقــا تامــا مــع أبطــال تلــك األعــال‪ .‬وهــو األســلوب‪ ،‬الــذي ال يلتــزم بالتسلســل املنطقــي والتاريخــي لألحــداث‪ ،‬ألن تداعـ َ‬ ‫ال يتــم وفــق تتابــع منطقــي‪ ،‬أو تسلســل زمنــي محــدد‪.‬‬ ‫ويف ســياق حديــث ســعيد عــن اللغــة‪ ،‬يــرح بأنــه ال يتذكــر أي لغــة نطــق بهــا أوال‪ ،‬هــل كانــت العربيــة‪ ،‬أم اإلنجليزيــة‪ ،‬وكثـرا مــا كــرر أن اللغتــن‬ ‫كانتــا دامئــا معــا‪ ،‬يصحــح بعضهــا اآلخــر أحيانــا‪ ،‬وأحيانــا تنكــر هــذه تلــك‪ ،‬لتكــون هــي لغتــي األوىل‪ .‬غــر أننــي وفيــا اطلعــت عليــه مــن أعــال‬ ‫لســعيد‪ ،‬مل أجــده يذكــر مــرة‪ ،‬أنــه درس اللغــة العربيــة دراســة منهجيــة‪ .‬وفيــا أرى‪ :‬فإنــه وإن تكلــم العربيــة‪ ،‬إال إن ذلــك ال يعنــي أن تصــل عربيتــه‬ ‫إىل مســتوى لغتــه الثانيــة‪ ،‬بخاصــة يف مجــال الكتابــة والتأليــف‪.‬‬ ‫عــى أيــة حــال‪ ،‬هــو مل يبــن لنــا ماهيــة أي نــوع مــن الـراع كان بــن عربيتــه وإنجليزيتــه‪ ،‬وإن بــدا أنــه مل يكــن رصاعــا داخليــا‪ ،‬بقــدر مــا كان نوعــا‬ ‫مــن التمــرد‪ ،‬الــيء الــذي نــدرك ظاللــه يف طيــات أعاملــه الفكريــة واألدبيــة‪.‬‬ ‫باختصــار شــديد‪ ،‬فــإن الحديــث حــول إجــادة ســعيد للغــة العربيــة‪ ،‬ومتكنــه مــن الكتابــة بهــا بنفــس املســتوى الــذي كتــب بــه باللغــة اإلنجليزيــة‪،‬‬ ‫أمــر صعــب التحقــق منــه‪ ،‬يف ظــل مــا توفــر لدينــا مــن معطيــات‪ ،‬تشــر جميعهــا‪ ،‬إىل أن فصاحتــه العربيــة مل تكــن كافيــة بــأن تكــون لســان حالــه‪،‬‬ ‫وترجــان أفــكاره‪ .‬إال أن املؤكــد أنــه مل يخــر اللغــة العربيــة‪ ،‬التــي أحبهــا وأثنــى عليهــا كثـرا ً‪ ،‬وألــزم ابنــه منــذ نعومــة أظفــاره‪ ،‬أن يكــون عــى صلــة‬ ‫وثيقــة بهــا‪ ،‬وأن يجيدهــا نطقــا وكتابــة‪ ،‬وهــو مــا تحقــق لــه‪.‬‬ ‫داخل املكان‪:‬‬ ‫بعــد تقديــم رجــل وتأخــر أخــرى‪ ،‬قــررت مجازفـاً‪ ،‬الكتابــة حــول ســعيد‪ ،‬واخــرت ســرته الذاتيــة‪ ،‬وبالتحديــد محــاورة جانــب مــن جوانبهــا املتعــددة‪.‬‬ ‫ومــا إن اطلعــت عــى بعــض األعــال التــي تناولــت ســعيد بالتجريــح والنقــد االنفعــايل‪ ،‬حتــى تبــدى يل‪ ،‬أن األمــر أبعــد مــا كنــت أتصــور‪ ،‬وأن قـراءيت‬ ‫للنــص املرتجــم ال تعــدو أن تكــون خطــوة أوليــة‪ ،‬يجــب أن تعقبهــا خطــوات يف ســبيل الوصــول إىل ســر أغــوار هــذه الشــخصية‪ ،‬وباألخــص مــن خــال‬ ‫كتابتــه عــن نفســه‪ ،‬ومــا توفــر مــن أعــال تناولــت مختلــف مــا خلفــه مــن تـراث أديب وفكــري‪ .‬ومل يكــن بــد مــن قـراءة العمــل وكــا كتــب يف لغتــه‬ ‫األصليــة‪ ،‬ولشــد مــا أذهلنــي غيــاب كثــر مــن القضايــا املفصليــة يف الرتجمــة العربيــة‪ ،‬التــي مل تكــن لتظهــر يل‪ ،‬لــو أين مل أقــرأ النــص بلغتــه األصليــة‪ ،‬إىل‬ ‫جانــب بعــض مــا كتــب حــول بعــض أعــال ســعيد املختلفــة‪.‬‬ ‫وعليــه‪ ،‬وبعــد اطــاع عــى كثــر مــا كتــب مــن أعــال‪ ،‬كتبــت بأكــر مــن لغــة‪ ،‬تناولــت فيــا تناولــت ســرة ســعيد الذاتيــة‪ ،‬التــي أثــارت جــدال ســاخنا‬ ‫إبــان نرشهــا‪ ،‬والتــي نالــت جائــزة أحســن عمــل أديب غــر خيــايل‪ .‬عندهــا‪ ،‬بــدا يل تصــور مــا تلقيتــه‪ ،‬وتداخــل التصــور بالرغبــة يف الكتابــة‪ ،‬فاخــرت أن‬ ‫تكــون عــن تداخــل األجنــاس األدبيــة يف (خــارج املــكان) واضعــا نصــب عينــي انفتــاح النــص قيــد الــدرس‪ ،‬وعلمــي املســبق عــن األســلوب الــذي ارتضــاه‬ ‫ســعيد يف كتاباتــه املختلفــة‪ ،‬التــي وإن كان بعضهــا مل يكــن خالصــا يف األدب‪ ،‬إال أن مســارات الــرد‪ ،‬وتســاوق الســياقات كان حــارضا ً‪ ،‬وروح الكاتــب‬ ‫األديــب مل تغــب عــن أي عمــل مــن أعاملــه‪ ،‬ســواء أكان كتابـاً‪ ،‬أم مقــاالً‪ ،‬أم محــارضة‪ ،‬ولعــل هــذا مــا أضفــى عــى هــذه األعــال هالــة مــن التميــز‪،‬‬ ‫‪1 0‬‬ ‫‪ 11‬‬

‫‪ .10‬فواز طرابليس‪ .‬خارج املكان‪2000 .‬م‪ .‬ص‪.8‬‬ ‫‪ .‬املرجع نفسه‪.‬‬


‫املثقف املستقل‪ ،‬وصاحب املرشوع الذي ال يخضع إال لسلطان أفكاره‪ ،‬وملا وىش قلمه‪ ،‬وخط يراعه‪.‬‬ ‫يف ســفره‪ ،‬كــا يف حلــه‪ ،‬يســكن يف أعامقــه هــوس الغربــة‪ ، ،‬يــرى يف كل مســافر نفســه‪ ،‬يســتحرض لحظــات الالعــودة‪ ،‬يشــجيه التــذكار‪ ،‬يــزداد الشــجن‪،‬‬ ‫ويشــتد الحنــن إىل البيــت املفقــود‪ ،‬والوطــن املســلوب‪ .‬ســعيد مل يكــن يومــا داخــل املــكان‪ ،‬حتــى يكــون خارجــه‪ ،‬هــو دامئــا يف الالمــكان‪ ،‬يف رسده‪ ،‬كــا‬ ‫هــو يف فكــره‪ ،‬مــا إن تعتقــد أنــك أمســكت بــأول الشــطر‪ ،‬حتــى تــرد القافيــة‪ ،‬وتستســلم لســحر عباراتــه املنمقــة‪ ،‬وفواصلــه الخالبــة‪.‬‬ ‫وعليــه‪ ،‬فرتجمــة (‪ )Out of place‬بــــ (خــارج الــرب) أو (املســافر) أو (املنفــي) أوىل لتضمنهــا مــا تــي بــه املذكـرات مــن دالالت‪ ،‬فســعيد كان يغــرد‬ ‫خــارج الــرب‪ ،‬وحــاول حاملــا العــودة؛ لكــن الواقــع املهــرئ‪ ،‬والسياســات العرجــاء‪ ،‬بــددت أحالمــه‪ ،‬وضاعفــت مــن همومــه‪ ،‬وبــرت جســده‪ ،‬وأضنــت‬ ‫فــؤاده‪ ،‬وأكــدت خيبــة أملــه‪ .‬وهــو املســافر الــذي مل يســتقر‪ ،‬فــا إن يحــل حتــى يرتحــل‪ ،‬فهــو يف تجــاف أبــدي مــع الزمــان واملــكان‬ ‫مل يقــع اختيــاري عــى هــذا العمــل بعينــه‪ ،‬راجعـاً إىل أهميتــه‪ ،‬أو متيــزه‪ ،‬فــكل أعــال ســعيد ـ فيــا أرى ـ جديــرة بالبحــث والدراســة؛ ومرجــع ذلــك؛‬ ‫الصــات الرابطــة فيــا بينهــا‪ ،‬فهــو يصــدر عــن ذائقــة أدبيــة‪ ،‬تســم كل أعاملــه‪ ،‬فســعيد الــذي كتــب عــن (جوزيــف كونـراد وروايــة الســرة الذاتيــة)‬ ‫هــو ســعيد الــذي كتــب ســفره القيــم (االســترشاق) وهــو نفســه يف مصنفــه‪( :‬املثقــف والســلطة) وهــو الــذي كتــب عــن اإلســام بشــفافية وموضوعيــة‪.‬‬ ‫كان يف مؤلفاتــه جميعــا‪ ،‬املثقــف الالمنتمــي‪ ،‬والحامــل رايــة االنتصــار لحقــوق الطبقــات املغبونــة‪ ،‬وهــو فــوق ذلــك صاحــب مــروع تفكيــي‪ ،‬هــدف‬ ‫مــن ورائــه إىل كشــف اللثــام عــن أمنــاط طاملــا علقــت بالرشقــي يف جــل الكتابــات الغربيــة‪ ،‬فهــو العــريب الفلســطيني املولــد والهــوى‪ ،‬وهــو مــن تجــرع‬ ‫م ـرارة االغ ـراب‪ ،‬ونهــل حتــى الثاملــة مــن خمــرة الغربــة‪ ،‬والشــعور الدائــم بأنــه بــا وطــن‪ ،‬وأنــه خــارج املــكان‪ .‬وهــو يكتــب‪ ،‬كان تــوايل التفاعــل‬ ‫واضحــا‪ ،‬بــن الذاكــرة والخيــال‪ ،‬والوهــم والــرد واألســطورة‪ ،‬مــن جهــة‪ ،‬والتاريــخ والثقافــة مــن جهــة ثانيــة‪.‬‬ ‫اللغة عند إدوارد سعيد‪:‬‬ ‫ســعيد يــرى يف اللغــة «بينــة اجتامعيــة فاعلــة مشــحونة بالهويــة قــادرة عــى لعــب دور مــادي يف صنــع التاريــخ االجتامعــي للعــامل‪ 8».‬وهــو وإن كتــب‬ ‫بلغــة غــر لغتــه‪ ،‬فقــد متكــن مــن إجــادة اإلنجليزيــة والفرنســية مبكـرا‪ .‬وقــد كانــت دراســته يف مختلــف مراحلهــا باللغــة الثانيــة‪ ،‬التــي خربهــا ناشــئا‪،‬‬ ‫واطلــع عــى مســارب أســاليبها باحثــا‪ .‬وال شــك‪ ،‬أن وراء إبــداع ســعيد‪ ،‬ومتيــزه يف عــامل األدب والفكــر‪ ،‬ثقافــات لغــات مختلفــة املنشــأ والرتكيــب‪،‬‬ ‫اســتطاع بجــده واجتهــاده‪ ،‬ومبــا وهــب مــن قــدرة‪ ،‬أنــه يختزلهــا جميعــا يف تصــورات قــل نظريهــا‪ ،‬فهــو وإن كتــب باللغــة اإلنجليزيــة‪ ،‬فقــد كانــت بقيــة‬ ‫اللغــات حــارضة‪ ،‬مبــا لهــا ومــا عليهــا‪ .‬ولقــد أثبتــت الدراســات العلميــة الحديثــة‪ ،‬الــدور البــارز الــذي تلعبــه إجــادة اللغــات‪ ،‬يف الحكــم األكــر قبــوال‪،‬‬ ‫ويف حســن التعامــل مــع املســتجدات‪ ،‬والقــدرة الفائقــة عــى إبـراز الحجــج املقنعــة وإفحــام الخصــوم‪ ،‬إىل اإلســهام يف االحتفــاظ بالنضــارة والشــباب‬ ‫أطــول فــرة ممكنــة‪.‬‬ ‫ميكــن القــول‪ :‬إن املفــردات والرتاكيــب والصــور الفنيــة‪ ،‬ومــا بــن مــا قيــل ومــا مل يقــل يف كل مــا قــرأت لســعيد‪ ،‬تجــاوز املحدوديــة‪ ،‬وســا عــن‬ ‫العالقــات اللغويــة‪ ،‬ليقــارب ذلــك بآفــاق التــايش‪ ،‬معطيــا تصــور ذوبــان الزمــان يف املــكان‪.‬‬ ‫ويف تقدميه الرتجمة العربية ملذكراته‪ ،‬يقول سعيد يف معرض حديثة عن (جوزيف كونراد)‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫«لســت أريــد أن أضــع نفــي يف مصــاف كون ـراد‪ ،‬وإمنــا أن أقــارن فقــط بينــي وبينــه مــن حيــث اســتخدام اللغــة اإلنجليزيــة‪ .‬غــر أن‬ ‫الفــارق بــن لغتــي العربيــة األم‪ ،‬واإلنجليزيــة التــي نشــأت عليهــا واســتخدمتها يف كل مــا كتبتــه تقريبــا‪ ،‬أكــر مــن ذلــك الفــارق بــن‬ ‫البولونيــة واإلنجليزيــة الــذي وســم أدب كونـراد‪ .‬وحتــى لــو اعرتفنــا بــأن بولونيــا بلــد ســايف‪ ،‬فيــا انجلـرا بلــد أورويب غــريب‪ ،‬يبقــى أن‬ ‫العــامل الــذي نشــأ فيــه كون ـراد واللغــة التــي اســتخدمها يف أعاملــه ظــا محصوريــن ضمــن أوروبــا بوصفهــا وجهــن ملنطقــة واحــدة‪.‬‬ ‫وأمــا يف حالتــي أنــا‪ ،‬فالفــارق بــن اإلنجليزيــة والعربيــة يتخــذ شــكل توتــر حــاد غــر محســوم بــن عاملــن مختلفــن كليــا بــل متعاديــن‪.‬‬ ‫العــامل الــذي تنتمــي إليــه عائلتــي وتاريخــي وبيئتــي وذايت األوليــة الحميميــة ـ وهــي كلهــا عربيــة ـ مــن جهــة‪ ،‬وعــامل تربيتــي الكولونيــايل‬ ‫‪ .‬فخري صالح‪ .‬إدوارد سعيد دراسة وترجامت‪ .2009 .‬ص‪.99‬‬ ‫‪ 8‬‬ ‫‪ .‬روايئ وقــاص بولــوين‪ .‬غــادر وطنــه عــام ‪ 1874‬وهــو يف الســابعة عــرة مــن العمــر‪ .‬عــاش يف فرنســا وعمــل قرابــة أربــع ســنوات يف البحريــة‬ ‫‪ 9‬‬ ‫التجاريــة الفرنســية‪ ،‬ويف عــام ‪ 1878‬جــدد حياتــه فجــأة فعمــل بحــارا يف البحريــة الربيطانيــة إىل العــام ‪ 1895‬عندمــا نــر روايتــه األوىل (جنــون املايــر)‪.‬‬ ‫كتــب باللغــة اإلنجليزيــة معظــم أعاملــه‪ ،‬علــا بأنهــا كانــت اللغــة الثالثــة بعــد البولونيــة والفرنســية‪ .‬إدوارد ســعيد‪ .‬خــارج املــكان‪ .‬تــر‪ :‬فــواز طرابلــي‪.‬‬ ‫‪ .2000‬ص‪.7‬‬


‫األهــم مــن ذلــك كلــه‪ ،‬أن ســعيد وجــد نفســه يف محيــط غريــب‪ ،‬ولعلــه مل يــدرك غرابــة ذلــك املحيــط إال بعــد فــرة زمنيــة‪ ،‬واســتقراء كامــل لحــوادث‬ ‫بــدت عارضــة يف حينهــا‪ ،‬غــر إن مجريــات األمــور‪ ،‬ومــا وشــت بــه كتابــات ســعيد املختلفــة‪ ،‬أفــادت أن ذاكــرة ســعيد مل يفتهــا أي يشء‪ ،‬وإن بــدا غــر‬ ‫ذلــك‪.‬‬ ‫وبــيء مــن التــأين يف قـراءة تـراث ســعيد‪ ،‬ميكــن مالحظــة أنــه ال يــكاد يخلــو عمــل مــن أعاملــه مــن إشــارة ولــو عابــرة إىل ماضيــه‪ ،‬وحياتــه يف كنــف‬ ‫أرستــه يف كل مــن فلســطني ومــر‪ ،‬ويف ذلــك يقــول‪« :‬إن خلفيتــي الحياتيــة غريبــة وفريــدة مــن نوعهــا‪ ،‬وقــد كنــت دامئــا واعيـاً لهــذا الوضــع‪ .‬فرغــم‬ ‫‪16‬‬ ‫كوننــا فلســطينيني فإننــا كنــا مــن الطائفــة األنجليكانيــة‪ :‬وهكــذا كنــا أقليــة وســط أقليــة مســيحية‪ ،‬وســط أغلبيــة مســلمة‪».‬‬ ‫سعيد وأبرز مثقفي العرص‪:‬‬ ‫يف حــوار أجـراه معــه عــام ‪1986‬م (غــاري هينتــزي‪ ،‬وآن مكلينتــوك) يف مجــــلة ‪ Critical Text‬التــي تصــدر يف نيويــورك‪ .‬فيــه أشــار إىل بعــض املصــادر‬ ‫التــي كان لهــا أثــر بالــغ يف توجيــه مــا أبــداه‪ ،‬ومــا رصح بــه يف كتاباتــه املختلفــة‪ ،‬غــر أنــه أكــد عــى أن لــه اســتقالليته‪ ،‬وهــو مختلــف عــن أســاء‬ ‫ملعــت يف مجــال األدب والفكــر والسياســة‪ ،‬بــدت أعاملهــم أشــبه مــا تكــون بالســياحة املكثفــة‪ ،‬و أبــرز مــن مثلهــا يف رأيــه‪( :‬دوبريــه) الفرنــي‪ ,‬و‬ ‫(أورويــل) اإلنجليــزي‪ 17.‬هــو ليــس مثلهــم‪ ،‬فهــو ال يشء لديــه ليعــود إليــه‪ .‬يقــول‪« :‬إن النمــوذج الــذي كان مفيــدا ً عــى الــدوام بالنســبة يل هــو أكــر‬ ‫ـدي يشء أعــود إليــه‪ ،‬ومل أفكــر يومـاً فيــا أفعلــه بتلــك الطريقــة‪ 18.‬إن جــذوري العاطفيــة والسياســية موجــودة يف‬ ‫بــداوة وأقــل اســتقرارا ً ‪ . ..‬ليــس لـ ّ‬ ‫مــكان آخــر‪ ،‬ولــذا عــي أن أكــون ملتزم ـاً تجــاه جملــة مــن األشــياء‪ .‬إن األمــر متعلــق بامل ـزاج أيضــا‪ :‬إن تدريــي واهتاممــايت يقعــان فيــا ميكــن أن‬ ‫نطلــق عليــه العمــل املقــارن‪ .‬إننــي مهتــم للغايــة بالرتحــل بــن الحــدود‪ ،‬ومبعنــى آخــر بالرتحــل أفقيــا ال مراتبيــا داخــل الثقافــة الواحــدة‪ .‬ومــن ثــم‬ ‫فــإن األشــياء التــي تلفــت انتباهــي يف األدب املقــارن‪ ،‬عــى ســبيل املثــال‪ ،‬هــي ذلــك النــوع مــن العبــور‪ ،‬وعــدم التخصــص‪ ،‬و عــدم التمســك بالعامــل‬ ‫‪19‬‬ ‫املحــي اإلقليمــي الضيــق‪ .‬وأنــا أفــرض أن كل هــذه األشــياء لهــا أصــل وجــودي‪ ،‬وبصــورة مــن الصــور‪ ،‬يف خلفيــة املــرء وتاريخــه‪».‬‬ ‫ومــن املفكريــن الفرنســيني (ميشــيل فوكــو) وهــو مــن خصــه بالذكــر‪ ،‬ويبــدو أن تأثــره عليــه كان ظاهـرا ً‪ .‬يقــول عنــه يف كتابــه (بدايــات)‪« :‬إنــه إيجــايب‬ ‫‪20‬‬ ‫تقدمــي‪ ،‬مقابــل (دريــدا) الــذي يوصــف بالعدمية‪».‬‬ ‫ويف الفيلــم الوثائقــي الــذي جســد حيــاة ســعيد‪ ،‬جــاء ذكــر طائفــة مــن بــن أبــرز مثقفــي العــر‪ ،‬عــى مختلــف مشــاربهم وتخصصاتهــم‪ ،‬فــكان مــن‬ ‫‪21‬‬ ‫بينهــم‪ ،‬الساســة‪ ،‬واألدبــاء‪ ،‬واملربــون‪ ،‬والفنانــون‪ ،‬ومل يكونــوا مــن بيئــة أو جنســية واحــدة‪ ،‬كان منهــم العــريب وغــره‪.‬‬ ‫وعــى ســبيل الذكــر وليــس الحــر‪ ،‬كان مــن الذيــن وردت اإلشــارة إليهــم يف هــذا الفيلــم الوثائقــي‪ :‬إليــاس خــوري‪ ،‬عزمــي بشــارة‪ ،‬دانيــال بورنبايــم‪،‬‬ ‫رشــيد خالــد‪ ،‬مايــكل فارشفيســي‪ ،‬نعــوم تشومســي‪.‬‬ ‫مفهوم سعيد الثقايف‪:‬‬ ‫مــا ينطلــق منــه ســعيد‪ ،‬هــو أنــه ال حــق لثقافــة أن تســود‪ ،‬وتصــادر غريهــا‪ ،‬عــى أنــه مــع فكــرة التعايــش والتالقــح الفكــري والثقــايف‪ .‬وهــو مــا فتــئ‬ ‫يهاجــم الــرؤى املحافظــة‪ ،‬التــي تقيــم الحــدود‪ ،‬وتفصــل البــر بعضهــم عــن بعــض‪ .‬وهــو إىل ذلــك‪ ،‬مل يقيــد معانيــه بــل حررهــا مــا مــن شــأنه أن‬ ‫يكبلهــا‪ ،‬ولعــل مــرد ذلــك‪ ،‬إىل مراحــل تكوينــه األويل‪ ،‬الــذي تشــابكت فيــه كل املعــامل‪ ،‬وشــكلته جميــع العنــارص‪ ،‬فقــد تقولبــت شــخصيته وتعوملــت‬ ‫قبــل تعــومل العــامل وتقولبــه وتقلبــه‪.‬‬ ‫اهتــم ســعيد بالكتــاب واملثقفــن‪ ،‬بخاصــة مــن اســتطاع منهــم عبــور الحواجــز الجغرافيــة والثقافيــة‪ ،‬والذيــن اســتطاعوا أن يجعلــوا منــه مهنتهــم‪ .‬وهــو‬ ‫‪ .‬فخري صالح‪ .‬إدوارد سعيد دراسة وترجامت‪ .‬منشورات االختالف‪ .‬الجزائر‪ .2009 .‬ص‪.182‬‬ ‫‪ 16‬‬ ‫‪ .‬دوبريــه عمــل مــع الكوبيــن والبوليفيــن‪ ،‬ثــم مــن بعــد عــاد ووظــف مستشــارا للرئيــس الفرنــي مي ـران‪ .‬وأورويــل ذهــب إىل (‪Wigan‬‬ ‫‪ 17‬‬ ‫‪ )Pier‬وكتــب عنهــا‪ ،‬ثــم عــاد إىل لنــدن وعمــل بهيــأة اإلذاعــة الربيطانيــة‪.‬‬ ‫‪ .‬مشريا إىل ما أسامه بالساحة املكثفة‪ ،‬التي ميثلها كل من دوبريه وأورويل‪.‬‬ ‫‪ 18‬‬ ‫‪ .‬فخري صالح‪ .‬إدوارد سعيد دراسة وترجمة‪ .2009 .‬ص‪.223-222‬‬ ‫‪ 19‬‬ ‫‪ .‬املرجع السابق‪ .‬ص‪.177‬‬ ‫‪ 20‬‬ ‫‪ .‬الفيلــم مــن إخـراج ســاتو ماكوتــو‪ .‬وهــو مأخــوذ مــن مذكـرات ســعيد‪ ،‬إىل جانــب مقابــات مــع عــدد مــن أصدقائــه وأقربائــه طــوال حياتــه‪،‬‬ ‫‪ 21‬‬ ‫وقــد تتبــع الفيلــم مجريــات حيــاة ســعيد قبــل نزوحــه إىل أمريــكا وبعــده‪ ،‬حتــى وفاتــه‪ .‬وقــد تــم تصويــر الفيلــم يف كل األمكنــة التــي عــاش فيهــا‬ ‫ســعيد‪.‬‬


‫والتــي حظيــت بنصيــب وافــر مــن التقريــظ والتجريــح‪ ،‬وإن كانــت هــذه الدراســات يف معظمهــا بلغــات غــر عربيــة‪ ،‬أمكننــي االطــاع عــى كــم وافــر‬ ‫منهــا‪ ،‬ســواء يف ذلــك مــا كان عــن طريــق األصدقــاء‪ ،‬أم مــا كان عــن طريــق الشــبكة العنكبوتيــة‪ ،‬التــي تزخــر بكــم ال يســتهان بــه يف هــذا الصــدد‪.‬‬ ‫سعيد والنقد األديب‪:‬‬ ‫اســتطاع ســعيد اســتبطان الفكــر الغــريب‪ ،‬والوصــول إىل شــخصنة إنســانه‪ ،‬وكيــف يفكــر‪ ،‬وكان مــن بــن أهــم العوامــل التــي ســاعدته يف ذلــك‪ ،‬التحــرر‬ ‫الكامــل مــا يــرزأ تحــت نــره املثقــف العــريب‪ ،‬ولغــة حيــة‪ ،‬أجــاد بهــا أساســيات الخطــاب‪ .‬ومل يكــن أســتاذ األدب املقــارن واألدب اإلنجليــزي مبنــأى عــن‬ ‫قضايــا النقــد األديب‪ ،‬فالنقــد وليــد النــص‪ ،‬والنــص يف مفهــوم ســعيد األديب‪ ،‬نابــع مــن نظرتــه إىل مــا حولــه‪ ،‬ومقاربــة فهمــه ملــا يحيــط بــه‪.‬‬ ‫ويف هــذا الصــدد‪ ،‬فــإن مقولــة الناقــد اإلنجليــزي (ديفيــد لــودج) التــي أرجــع فيهــا شــهرة ســعيد‪ ،‬إىل وجــوده بأماكــن‪ ،‬يعلــو بهــا صــوت اللــويب‬ ‫الصهيــوين‪ ،‬وبالتــايل فــإن أي صــوت مــن شــأنه معارضــة هــذا الصــوت‪ ،‬فصــداه ســيكون واضح ـاً‪ ،‬مــا بالــك إذا كان هــذا الصــوت يعاضــد وينــارص‬ ‫الشــعب الفلســطيني‪ ،‬ال تخلــو مــن محاولــة الحــط مــن قــدرات ســعيد النقديــة‪ .‬كذلــك‪ ،‬فــإن مثــل هــذا القــول‪ ،‬مــن شــأنه إثــارة الســخرية‪ ،‬ملــا يــي‬ ‫بــه مــن تصــورات ســاذجة‪ ،‬ليــس بينهــا وبــن النقــد واســطة‪ ،‬وهــو بذلــك‪ ،‬أحــق بالرثــاء منــه بالذكــر والثنــاء‪ .‬وســعيد فــوق ذلــك‪ ،‬وإن مل يكــن أمريكيـاً‪،‬‬ ‫أو أنجلوسكســونيا‪ ،‬فقــد كان مثقف ـاً عاملي ـاً‪ ،‬ومــن بــن أبــرز أعــام األدب والثقافــة العامليــن يف القــرن العرشيــن‪.‬‬ ‫ســعيد يف كل كتاباتــه كان ناقــدا ً يبحــر بعيــدا ً‪ ،‬ويتحــدث عــن املســكوت عنــه‪ ،‬الــذي ال يثــر انتبــاه كثرييــن‪ ،‬فهــو يجتنــب املــوارد العامــة‪ ،‬ويخــص‬ ‫حديثــه مبــا بــن الســطور‪ ،‬ومــا مل يتوافــر عــى قراءتــه عــدد غــر قليــل ممــن ألــف القلــم والك ـراس‪.‬‬ ‫صــدر ســعيد عــن رفــض شــبه كامــل‪ ،‬يف رؤيتــه النقديــة وعملــه املعــريف‪ ،‬للنظريــات األصوليــة يف فهــم األدب والتاريــخ؛ أي تلــك التــي تــرى أهليــة‬ ‫الغــريب األمريــي‪ ،‬وقبلــه األورويب‪ ،‬وأنــه القــادر دون غــره عــى غمــر كل الثقافــات‪ .‬وكتابــه االســترشاق خــر دليــل‪ ،‬عــى النقــد املضــاد لــكل أنــواع‬ ‫النزعــات التســلطية‪ ،‬التــي تصــادر مناحــي الفكــر‪ ،‬وتجســد أحاديــة الجانــب‪ .‬ويف هــذا الكتــاب اســتطاع ســعيد أن يفــك شــفرة اآلخــر‪ ،‬ويســهم يف‬ ‫تحريــره مــن قيــود التصــور النمطــي الــذي أحــاط بــه زمنــا غــر قصــر‪ ،‬والــذي يف واقــع األمــر‪ ،‬ال ي ـزال يحيــط بــه‪ ،‬وإن بــدأ يلــوح يف األفــق بعــض‬ ‫انف ـراج‪.‬‬ ‫ولقــد حــث ســعيد يف كتابــه (العــامل والنــص والناقــد) عــى مــا يجــب أن يضطلــع بــه الناقــد يف عاملنــا املعــارص قائــا؛ إنــه «عــى الناقــد أن يعــارض كل‬ ‫أشــكال االســتبداد والهيمنــة واإلخضــاع والظلــم والتعســف‪ 12».‬إن عــى الناقــد أن ال يقــوم بــأي عمــل عــن طريــق اإلكـراه‪ ،‬وأن يســعى دامئــا إىل تحقيــق‬ ‫‪13‬‬ ‫الحريــة يف القــول والعمــل‪ ،‬ويف هــذا الصــدد‪ ،‬نجــده يقــارن بــن النقــد الدينــي والنقــد الدنيــوي‪ ،‬مفضــا األخــر‪.‬‬ ‫املنفــــــى‪:‬‬ ‫ميكــن القــول‪ :‬إن املنفــى شــكل حيــاة ســعيد وهويتــه أكــر مــن حلــه وارتحالــه‪ ،‬وتنقلــه بــن الــدول‪ 14.‬ويف رسد شــائق عــن املنفــى‪ ،‬وانشــغال املنفــي‬ ‫مبــا خلفــه وراء ظهــره‪ ،‬والصعوبــة التــي يواجههــا‪ ،‬يقــول ســعيد‪ :‬إن حيــاة املنفــي ال تقتــر «عــى أنــه قــد أرغــم عــى العيــش خــارج وطنــه‪ ،‬بــل إنهــا‬ ‫تعنــي ـ نظـرا ملــا أصبــح عليــه العــامل اآلن ـ أن يعيــش مــع كل مــا يذكــره بأنــه منفــي‪ ،‬إىل جانــب اإلحســاس بــأن الوطــن ليــس بالــغ البعــد عنــه‪ ،‬كــا‬ ‫‪15‬‬ ‫أن املســرة الطبيعيــة‪ ،‬أو املعتــادة للحيــاة اليوميــة املعــارصة تعنــي أن يظــل عــى صلــة دامئــة‪ ،‬موعــودة وال تتحقــق أبــدا‪ ،‬مبوطنــه‪».‬‬ ‫وعــى الرغــم مــا توفــر يل مــن آليــات‪ ،‬ومــا تراكــم مــن معلومــات حــول ادوارد ســعيد‪ ،‬فــإن اإلبحــار يف عواملــه املختلفــة‪ ،‬يقتــي اســتقصاء موغــا‪،‬‬ ‫وولوجــا إىل عــوامل متداخلــة‪ ،‬ومتباينــة‪ ،‬ويف أحايــن كثــرة تبــدو متناقضــة؛ وجــل ذلــك راجــع‪ ،‬ـ فيــا أزعــم ـ إىل مــا يشــبه بدونــة قرسيــة‪ ،‬ســاقته إىل‬ ‫اعتــاد أســلوب مســتقل‪ ،‬وخطــاب منفتــح‪ ،‬فقــد ولــد يف حــي الطالبيــة بالقســم الغــريب مــن القــدس الرشيــف‪ ،‬وشــب عــن الطــوق يف ربــوع تلــك‬ ‫البقــاع الطاهــرة‪ ،‬ثــم اضطــر إىل تــرك ثــرى األجــداد عنــوة‪ ،‬والتحــول إىل أرض الكنانــة‪ ،‬وبالتحديــد إىل قاهــرة املعــز‪ ،‬ومــا تبــع ذلــك مــن عيــش يف‬ ‫كنــف أرسة محافظــة‪ ،‬ويف ظــل أم ودود‪ ،‬ووالــد حريــص عــى تنشــئة ابنــه الوحيــد أحســن تنشــئة‪ ،‬مقدمــا لــه كل مــا مــن شــأنه توفــر منــاخ مناســب‪،‬‬ ‫فقــد أدرك (الوالــد) املعنــى البعيــد يف أن تكــون فلســطينيا اقتلــع مــن أرضــه‪ ،‬وانتقــل ليعيــش مــع أرستــه يف كنــف محتــل يقــارب نجمــه عــى األفــول‪،‬‬ ‫والحــال أنــه يــرى نفســه أمريكيــا‪ ،‬حمــل اللــواء يومـاً‪ ،‬وقاتــل مــن أجــل أمريــكا‪ ،‬إضافــة إىل إميــان مطلــق إىل أن شــمس اململكــة املتحــدة إىل زوال‪.‬‬ ‫‪1 2‬‬ ‫‪ 13‬‬ ‫‪ 14‬‬ ‫‪ 15‬‬

‫‪ .‬فخري صالح‪ .‬إدوارد سعيد دراسة وترجامت‪ .2009 .‬ص‪( .101‬مرجع سابق)‬ ‫‪ .‬املرجع السابق‪ .‬ص‪.26‬‬ ‫‪.Edward Said. Out of Place. 1999. P217 .‬‬ ‫‪ .‬إدوارد سعيد‪ .‬املثقف والسلطة‪ .‬تر‪ :‬محمد عناين‪ .2006 .‬ص‪.95‬‬


‫يــرى نفســه ذاك املــاح الــذي ال يســتطيع أن يعكــس اتجــاه مســاره‪ .‬وهــو املنفــي الــذي ال يفكــر يومـاً يف الرجــوع‪ ،‬ولهــذا يــرى أن املنفــى عامــل مهــم‬ ‫يف تكويــن شــخصية املثقــف‪ ،‬وهــو بذلــك عامــل إيجــايب‪.‬‬ ‫مــن هــذا املنطلــق‪ ،‬وبهــذا الفهــم‪ ،‬كان لســعيد حضــور ثقــايف متميــز‪ ،‬عــى مختلــف الصعــد‪ ،‬واهتامماتــه تعــدت حــدود املــكان والزمــان‪ ،‬وقــد آمــن‬ ‫إميانـاً جازمـاً‪ ،‬بــأن عــى املثقــف أن يكــون مســتقال يف رأيــه‪ ،‬يؤكــد قولــه بفعلــه‪ ،‬غــر آبــه مبغريــات التبعيــة ومكافآتهــا املختلفــة‪.‬‬ ‫إىل جانــب إســهاماته الرائعــة يف عــامل األدب والنقــد‪ ،‬والسياســة‪ ،‬فقــد تبــع ذلــك بغــوص عميــق يف متاهــات الفكــر الغــريب‪ ،‬وإدراك حــي ملــا يحتاجــه‬ ‫املثقــف مــن أدوات‪ ،‬أهمهــا ســر أغــوار مــن تخاطــب‪ ،‬وبأيــة لغــة يكــون الخطــاب‪ ،‬وعــى أيــة صــورة تكــون أدبياتــه‪.‬‬ ‫ـرب عــن ربــع قــرن يف حقــول معرفيــة كثــرة‪ ،‬ومل يـ ُ‬ ‫ـأل جهــدا يف تفكيــك النظــرة النمطيــة‪ ،‬التــي تعشــش‬ ‫رضب ســعيد يف كل واد بعصــا‪ ،‬وكتــب وملــا يـ ُ‬ ‫يف دهاليــز أذهــان الغــرب عمومـاً‪ ،‬تجــاه الــرق وعواملــه ومعتقداتــه‪ ،‬ومل يـ ُ‬ ‫ـأل جهــدا ً يف املرافعــة عــن حقــوق املقهوريــن‪ ،‬واالنتصــار لقضيــة شــعبه‪،‬‬ ‫وأبنــاء وطنــه‪ .‬ولعلــه كان أبــرز املدافعــن عــن حــق الشــعب الفلســطيني يف العــودة إىل ديــاره التــي اقتلــع منهــا ظلـاً وعدوانـاً‪ ،‬الــيء الــذي أثــار‬ ‫حفيظــة اللــويب الصهيــوين يف الواليــات املتحــدة األمريكيــة والعــامل‪ ،‬وبالتــايل بذلــوا قصــارى الجهــد يف النيــل منــه‪ ،‬ونعتــه بشــتى أنــواع النعــوت‪ ،‬فهــو‬ ‫األســتاذ اإلرهــايب‪ ،‬وهــو الكاتــب الــكاذب‪ ،‬وفــوق ذلــك هــدد بالقتــل م ـرارا ً وتك ـرارا ً‪ ،‬ومل يســلم بيتــه ومكتبــه مــن االعتــداء‪ ،‬غــر أن هــذا التهديــد‪،‬‬ ‫ومختلــف االف ـراءات‪ ،‬مل تــزده إال إرصارا ً وعنــادا ً‪ ،‬واســتمر يكتــب‪ ،‬مرثي ـاً املكتبــة العامليــة‪ ،‬ومخاطب ـاً الغــرب بلغتــه‪ ،‬التــي أجــاد مقتضيــات ســياقاتها‪،‬‬ ‫وعمــل عــى اكتنــاه أفضــل مــا توافــر عليــه خطابهــا‪ ،‬بعبــارات ملاحــة‪ ،‬وتراكيــب أخــاذة‪ ،‬تبــن عــن القــدرة الفائقــة التــي متتــع بهــا ســعيد‪ ،‬وهــو يكتــب‬ ‫بلغــة غــر لغتــه‪ .‬ولــو قــدر إلنتاجــه الغزيــر أن ينــال حظـاً أوفــر مــن الدعايــة واإلعــان‪ ،‬الختلــف الحــال عــى مــا هــو عليــه يف العــامل العــريب بعامــة‪،‬‬ ‫وبــن مثقفيــه بخاصــة‪.‬‬ ‫ويف هــذا املقــام‪ ،‬فــإن مــا اختــاره وارتضــاه ســعيد وهــو يخاطــب اآلخــر‪ ،‬مل يكــن ليصــل إىل مــا وصــل إليــه‪ ،‬ويغــر مســارات كثــرة‪ ،‬ويصحــح مفاهيــم‬ ‫ســائدة‪ ،‬لــو مل يتمكــن مــن قواعــد اللعبــة‪ ،‬ويتقــن أساســيات اللغــة‪ ،‬ويــدرك خصوصيــة مخاطبيــه‪ ،‬ويؤمــن أوال وأخـرا بعدالــة مــا يدافــع عنــه‪ ،‬ويناضــل‬ ‫مــن أجــل أن يتفهــم العــامل عدالــة قضيتــه‪.‬‬


‫حوار قليل بيننا‬ ‫ترجمة ‪:‬حميد عبدالله بانه يى‬

‫“شعر»‬ ‫كه زال ابراهيم خدر‬ ‫تستطيع أن متسك يدي‬ ‫وتسدل شعري عىل كتفيك‬ ‫ولكنك لن تستطيع‬ ‫قط ان تكون حاجزا‬ ‫امام من يغتالني‬ ‫تجعل من عينيك طريا‬ ‫وتهديه اىل عيش‬ ‫تجعل من شفتيك برعام‬ ‫وتعلقه عىل عروة صدري‬ ‫ولكن واىل اآلن التستطيع‬ ‫ان تصنع من يديك سكينا‬ ‫تقطع بها السنة‬ ‫من يتسببون يف آالمي‬ ‫تساقطت أوراق الخريف الشاحبة‬ ‫وحولت فتاة قميصها اىل أصفر‬ ‫ولكن حني اصفر محياك‬


‫يشبهك وال يشبهك‬ ‫هناك وسيم‬ ‫يشبهك وال يشبهك‬ ‫كم أحاول‬ ‫ان أطرق باب قلب آخر‬ ‫اليوجد باب‪ ،‬يشبة قلبك‬ ‫قلب‪،‬قلبان ‪،‬ثالثة قلوب‬ ‫اجعلها منزال‬ ‫إلسرتاحة روحك‬ ‫عني ‪،‬عينان ‪،‬ثالث أعني‬ ‫ألرى فراشة رغباتك‬ ‫شفة ‪،‬شفتان ‪،‬عرشات الشفاة‬ ‫ألنطق بها أسمك‬ ‫وان مل يبق كل هذا‬ ‫سأجعل روحي فدا ًءك‬


‫أصبحت كل أشجار هذه املدينة‬ ‫حاجزا أمام السامء‬ ‫وأسدلت الستائر أمام الشمس‬ ‫انت قطعة من روحي‬ ‫وانا قطعة من فؤادك‬ ‫ولكن واىل يوم الهالك‬ ‫حتى ان وصلت اىل ظيل‬ ‫لن اصل اليك‬ ‫ضم رأسك اىل صدري‬ ‫فال توجد واحدة مثيل‬ ‫تفهم آالم قلبك املضطرب‬ ‫والتوجد أخرى‬ ‫تعلمت دروس العشق معك‬ ‫ومن التى تفهم‬ ‫شهقات نفسك‬ ‫يف الليل لن تصبح ضيفا عىل القلب‬ ‫والتزورين يف النهار‬ ‫كنجمة يف وضح النهار‬ ‫وشمس لن ترشق يف الليل‬ ‫هناك عاشق‬


‫بابل‬ ‫رياض الدليمي‬ ‫{لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ألقتلك إني أخاف هللا رب‬ ‫العالمين}‬ ‫شهدت مدينتي أول جريمة في التاريخ البشري ‪ ،‬اني أتنفس الدم الذي تغلغل‬ ‫في التراب بين أظافري هو من ذاك األخ الذي قدم قرابينه للرب من ثمار‬ ‫بستان أبي ‪ ،‬لقد قطف رمانا وعنبا وتينا ليتقرب به الى هللا ‪ ،‬لقد قبلت قرابين‬ ‫هابيل ألنه استئذن أبي بالقطاف فمأل سالله ‪.‬‬ ‫ان هابيل كان يدرك طيبة ابي فهو ال يرد صديقا أو عدوا كان يقسم رغيف‬ ‫خبزنا ليطعم الجائع وكل من يطرق بابنا في تلك القرية الصغيرة من بابل ‪،‬‬ ‫لم يسمع أبي صراخ األرض التي نزف الدم فيها أول مرة ربما كان أبي ال‬ ‫يصدق ما يسمعه لهذا أعتقد انه صراخ الجنيات التي تبحث عن حب وحنان‬ ‫وزوج لتحتمي فيها من جنون قابيل ‪.‬‬ ‫لكن حصل الذي حصل وأصبحت قريتنا تتناسل فيها الضحايا واكتست‬ ‫ّ‬ ‫وعظمه‬ ‫قشرة أرضها بلون الدم فلم يسلم منها أحد ‪ ،‬لقد شكر أبي الرب‬ ‫وأجلّه واتقاه كثيرا رغم الدماء ‪ ،‬رغم البغي رغم الطغيان الن يدرك مغفرته‬ ‫ورحمته وصفحه ‪.‬‬ ‫الرب ألنه تقب َل سالل ثمار بساتينه التي حملها له هابيل ‪ ،‬وكلما‬ ‫لقد شكر أبي ّ‬ ‫تنزف االرض دما أغدق أبي سالل االثمار لوجه ‪..‬‬ ‫كل وجوه القرية سقطت أمام هللا اال وجه أبي ألنه كان يبتسم كثيرا ‪ ،‬لم أر‬ ‫وجهه مكفهرا في يوم من األيام ‪ ..‬فكان ان حزن يومئ برأسه فقط ويرفعه‬ ‫للسماء ويبكي كثيرا ‪ ،‬وما ان يهطل رأسه حتى الغمام أهطلت أمطارها فوق‬ ‫جبين أبي وشعره فيفرح كثيرا ‪.‬‬


‫كل غيوم الشتاء هي ملك أبي لقد أعطاه اياه هللا توسما لبياض قلبه ‪ ،‬كلما‬ ‫سالت الدماء على هذه األرض وتناثرت الجثث المجهولة الملقاة على قارعة‬ ‫الطرق كلما زاد هطول المطر في كف أبي ‪ ،‬لقد فاض المطر بكفّيه فمسح‬ ‫رؤوسنا بأمطاره فصرنا أوالد المطر وأحفاد التين ‪ ،‬لهذا ترانا جميعا ال‬ ‫نتذوق طعم ذبائح هابيل وال نتبارك بقرابينه ‪.‬‬ ‫يا أبي الحاج ان أرض بابل شحت مياهها وجفت أبارها وتشققت بساتينها‬ ‫‪ ..‬انه اليباب يا أبي قد لحق بأراضينا ‪ ،‬فهل ستمنحنا المطر ثانية ؟ ‪ ،‬هل‬ ‫ستسقي أفواهنا بأديمك ؟‬ ‫يا أبي االرض هنا أسود وجهها فهل من بياض قلبك لتغسل سوادنا ؟‬


‫الجزء الثاين من مقالة املحامية برشى الخليل بعنوان‪:‬‬ ‫الظاهر بيربس‬

‫مرحلة ما بعد صالح الدين‪:‬‬ ‫امللك العادل‪:‬‬ ‫بعد وفاة صالح الدين تقاسم أبناؤه وأشقاؤه الدولة األيوبية فأصبح ملرص ملك‪ ..‬ولدمشق ملك‪ ..‬ولحلب ملك ‪ ..‬وإلخ‪ ..‬وقد نشبت بينهم معارك‬ ‫وخالفات‪ ..‬إىل أن حسم الرصاع بعد تسع سنوات واستتبت األمور للملك العادل شقيق صالح الدين سنة ‪ 1202‬فجلس عىل عرش الدولة األيوبية وبقيت‬ ‫عاصمتها دمشق وجعل عىل مرص ابنه الكامل كنائب للملك ‪.‬‬ ‫وقد كان العادل « رجل دولة» أكرث منه «قائدا ً عسكرياً» فاتسمت فرتة حكمه بازدهار تجاري وهدوء بعد عقده معاهدات هدنة مع الفرنجة استفاد‬ ‫منها يف توطيد سلطانه ‪..‬‬ ‫إىل أن بدأ غزو فرنجي جديد للمنطقة كانت وجهته هذه املرة مرص وتحديدا دمياط‪ ،‬بالرغم من جهود العادل طوال خمسة وعرشين عاما إلنهاء حالة‬ ‫الحرب مع الفرنجة والحفاظ عىل حالة توازن القوى وهدوء الجبهات‪..‬‬ ‫شكلت يف ذلك الوقت حشود الفرنجة بعرشات آالف املقاتلني ومئات السفن تهديدا خطريا ملرص يف أكرث حصونها مناعة « دمياط” ‪..‬‬ ‫وعند سقوط الحصن القائم قبالة دمياط عىل جزيرة صغرية بعد ثالثة أشهر من الحصار وبلوغه الخرب أصابت العادل نوبة قلبية جراء الصدمة والحزن‬ ‫أودت به وكان ذلك يف أوائل أيلول ‪ 1218‬م ‪.‬‬ ‫امللك الكامل‪:‬‬ ‫بعد وفاة العادل ‪ ،‬الذي شكلت وفاته كارثة للمسلمني بسبب حصولها والغزو الفرنجي ملرص يف أشده ق َُّسمت الدولة األيوبية بني أبنائه بحسب وصيته‬ ‫فكانت مرص للكامل ودمشق للمعظَّم والجزيرة لألرشف‪..‬‬ ‫وبقيادة الكامل تابعت مرص مواجهتها للغزو الفرنجي وجاء جيش الشام بقيادة املعظَّم لنجدة مرص‪ ..‬ومع ذلك فإن قوة الهجوم الفرنجي دفعت‬ ‫الكامل يف ترشين األول ‪ 1219‬لتقديم عرضه الخطري بتسليم بيت املقدس للفرنجة وفلسطني بأرسها لقاء انسحابهم من مرص‪ ،‬والذي ولحسن الحظ‬ ‫رفضه الفرنجة العتقادهم بأن هزمية جيوش املسلمني يف مرص‪ ،‬ومنها جيش الشام‪ ،‬الذي تقع القدس يف حياضه‪ ،‬سيضمن لهم يف كل األحوال احتالل‬ ‫املدينة املقدسة وكل فلسطني ‪.‬‬ ‫سقطت دمياط (أواخر العام ‪ ، )1219‬أحصن مدن مرص‪ ،‬وأصبح احتالل كل مرص هدفا جديا للفرنجة ‪.‬‬ ‫ويف صيف العام ‪ 1220‬جدد الكامل عرضه بتسليم القدس وفلسطني وفوقها هدنة مدتها ثالثون سنة لقاء االنسحاب من مرص بعد أن وصلت إليه‬ ‫األنباء عن تحرك أقوى ملوك الغرب عىل رأس حملة كبرية‪ ..‬فريدريك ملك أملانيا ‪ ،‬واحتالله جزيرة صقلية‪..‬‬ ‫و ُرفض عرض الكامل للمرة الثانية ‪..‬‬ ‫ويف متوز ‪ 1221‬تحرك جيش الفرنجة من دمياط بإتجاه القاهرة ‪..‬‬


‫الصالح أيوب وظهور املامليك يف مرص ‪:‬‬ ‫مات الكامل يف‪ 9‬آذار‪1138‬م و ُد ِفن يف دمشق واستلم الحكم مكانه يف مرص ابنه العادل الثاين فيام كانت دمشق حصة الصالح أيوب ‪..‬‬ ‫ويف نهاية العام ‪1239‬م وبعد فرتة قصرية من حكمه لدمشق متكن عمه الصالح إسامعيل من خلعه ‪.‬‬ ‫وبتاريخ ‪ 4‬أيار ‪1240‬م خلع الفرسان املامليك يف مرص العادل الثاين ونصبوا عىل عرشها شقيقه الصالح أيوب الذي استتب له الوضع فيها ‪ ،‬والذي يف‬ ‫س ملك فرنسا لويس‬ ‫عهده بدأ بروز الضباط املامليك ومنهم الظاهر بيربس‪ ..‬كام يف عهده جرت معركة املنصورة املظفرة ضد الفرنجة والتي فيها أُ ِ َ‬ ‫التاسع‪.‬‬ ‫وقد تويف الصالح أيوب يف ‪ 23‬ترشين الثاين ‪1249‬م خالل هذه املعركة التي واصلها قادة الجيش من الفرسان املامليك دون إذاعة خربوفاته ‪،‬‬ ‫وبالتنسيق الكامل مع زوجته “شجرة الدر” ‪ ،‬يك ال يؤثر ذلك عىل معنويات الجيش املرصي ‪.‬‬ ‫بعد الصالح أيوب ولفرتة قصرية جدا توىل ابنه توران شاه الحكم يف مرص والذي قتله الضباط املامليك يف ‪ 2‬أيار ‪ 1250‬م وكان آخر سالطني األيوبيني ‪،‬‬ ‫ولتبدأ بعده الحقبة اململوكية التي أجرت عمليتها االنتقالية «شجرة الدر» أم خليل ‪.‬‬ ‫الطابع العام للحقبة األيوبية بعد صالح الدين‪:‬‬ ‫امتدت هذه الحقبة يف مرص من تاريخ وفاة صالح الدين يف ‪ 2‬آذار ‪1193‬م إىل تاريخ مقتل توران شاه يف ‪ 2‬أيار ‪ 57/ 1250‬سنة‪، /‬‬ ‫وخارج مرص أي يف بالد الشام امتدت حتى انتهاء معركة عني جالوت يف أواخر العام ‪ 1260‬م حيث توحدت مرص والشام مجددا تحت سلطة املامليك‬ ‫وكان الطابع العام لهذه الحقبة رصاعات ال تنتهي عىل الوراثة بني األخوة واألعامم وأبناء األعامم اتحدت فيها مملكتا مرص والشام تحت حكم واحد‬ ‫خالل فرتة حكم امللك العادل من(‪ ،)1218 -1202‬ثم بعد وفاته ذهبت دمشق يف حصة املعظَّم ومرص يف حصة الكامل ‪.‬‬ ‫ويف عهد الكامل ضُ مت دمشق (بعد وفاة املعظَّم ) إىل مرص يف حزيران ‪ 1229‬م واستمرتا تحت حكم واحد حتى وفاة الكامل يف ‪ 9‬آذار ‪ 1238‬م‬ ‫فأُعيد توزيع الرتكة بني األخوة وأبناء العمومة لتعود اململكتان إىل التوحد يف ترشين األول ‪1245‬م تحت حكم الصالح أيوب ‪.‬‬ ‫كذلك شهدت هذه الحقبة تحالفات بني بعض سالطني األيوبني وبعض ملوك الفرنجة ضد سالطني أيوبيني آخرين وضد املامليك يف مرص فيام بعد ‪،‬‬ ‫كذلك شهدت تحالفات بني بعضهم واملغول ضد املامليك أيضا وخاصة يف معركة عني جالوت ‪.‬‬ ‫وأسوأ وقائع هذه الحقبة كان تسليم بيت املقدس مع مدن أخرى هامة للملك فريدريك كهدية‪..‬‬ ‫ومن أهم وقائع هذه الحقبة كانت هزمية الفرنجة يف مرص «وغضبة « النيل ‪.‬‬ ‫والالفت أن الطابع العام للحقبة إزاء الوجود الفرنجي يف الرشق كان القبول بهذا الوجود والتعامل معه كأمر واقعِ‪ ،‬إذ مل يكن أي من السالطني حتى يف‬ ‫مرص يقع يف مخططه القضاء عىل املرشوع الفرنجي من أساسه وإزالة احتالله للرشق‪ ..‬حتى القدس نفسها مل تعد تشكل أولوية حيث كانت بالنسبة‬ ‫للسالطني يف الشام أو مرص عىل السواء من املمكن أن تقدم كفدية» يفتدي بها السلطان مملكته ‪ ...‬وحتى بعد تحريرها آخر مرة عىل يد الخوارزميني‬ ‫فقد عاد وعرضها النارص يوسف أمري دمشق عىل لويس التاسع لقاء تحالفه معه يف حرب ضد مرص يف عهد السلطان اململويك عز الدين أيبك ‪...‬‬ ‫وهذا عك ْْس ما جرى عليه األمر يف العرص اململويك حيث كان املرشوع األول لسالطينهم بعد استتباب األمر وتوحيد سوريا ومرص هو القضاء عىل الوجود‬ ‫الفرنجي يف الرشق وتحرير كامل املدن واملاملك وإعادتها للمسلمني ‪ ،‬وقد برز هذا املخطط واضحا يف سرية «القائد املغامر» الذي أصبح فيام بعد‬ ‫سلطانا الظاهر بيربس ‪.‬‬ ‫ملحة عن انقالب املامليك يف مرص وانتقال السلطة من األيوبيني‪:‬‬ ‫يف ‪ 23‬ترشين ثاين ‪1249‬م تويف الصالح أيوب وتم تسليم الحكم يف مرص برتتيب من الضباط املامليك الكبار األربعة‪ :‬أقطاي ‪ ،‬أيبك ‪ ،‬قطز وبيربس إىل‬ ‫ابنه توارن شاه ‪...‬‬


‫يف املقابل تحرك جيش الشام الباسل بقيادة املعظَّم وجيش الجزيرة بقيادة األرشف لنجدة مرص‪ ،‬وكانت ُر ُسل الكامل تجوب الديار اإلسالمية ‪ ..‬إىل مقر‬ ‫الخالفة يف بغداد وإىل األندلس وغريها طلبا النجدة‪..‬‬ ‫كذلك تحرك النيل ‪...‬‬ ‫وكان جيش الفرنجة متن َّبها لحركة الجيوش اإلسالمية ولكنه مل يتن َّبه أبدا لحركة أخطر خصومه‪ :‬النيل العظيم‪ ،‬فيام كان الكامل يُراقب بقلب مفعم‬ ‫بالحراك الجميل للنيل وهو يفيض حبا ملرص‪ ،‬وقد أدرك متاما أن العناية اإللهية قد قررت التدخل لرد العدوان وإنقاذ مرص‪ ..‬وبني بدء حراكه يف‬ ‫منتصف شهر آب ‪ 1221‬وحتى ‪ 26‬منه كان النيل يفيض فيضه ليغرق املنطقة كلها ويشكَّل حاجزا طبيعيا بني الفرنجة وباقي األرايض املرصية‪ ،‬ولتتحول‬ ‫األرض الصلبة تحت أقدام العدو فجأة إىل مستنقعات من الوحل‪..‬‬ ‫ومع مفاجأة النيل الرائعة بادرت برسعة وبدون أوامر فرقة من الجنود املرصيني لتحطيم السدود وفتح املياه عىل وسعها ‪ ..‬وخالل ساعات كانت جيوش‬ ‫الفرنجة بأرسها غارقة يف بحر من الوحل‪ ..‬فيام جنود مرص والشام يراقبون مشهد النيل البديع وهو يقاتل برضاوة دفاعا عن أبنائه‪..‬‬ ‫وبعد يومني‪ ..‬ومع بدء قائد الفرنجة بسحب من بقي عىل قيد الحياة من جنوده أرسل للكامل يطلب الصلح‪ ..‬فوافقه الكامل ولكن برشوطه‪:‬‬ ‫االنسحاب من دمياط ومن كامل األرايض املرصية زائد هدنة مدتها مثان سنوات‪ ،‬لقاء أن ينسحب باقي جيوش الفرنجة ( بطريق البحر) دون أن‬ ‫يضايقهم أحد‪.‬‬ ‫وعىل األرض التي شهدت رصاع النيل مع جيش الفرنجة وهزميتهم عىل يده‪ ..‬ولتخليد هذه املوقعة العظيمة‪ ،‬بنى الكامل مدينة جميلة ‪..‬حصينة ‪..‬‬ ‫سامها املنصورة‪.‬‬ ‫بيت املقدس هدية من الكامل لفريدريك‪:‬‬ ‫يف العام ‪ 1221‬وعندما وصلت األنباء إىل مرص عن تحرك ملك أملانيا وصقلية فريدريك عىل رأس حملة كبرية باتجاه الرشق‪ ،‬انتهت الحرب وانسحب‬ ‫الفرنجة من دمياط ومل يكن فريدريك قد وصل بعد‪ ..‬حيث كان قد استقر يف جزيرته القريبة من الرشق العريب صقلية ولبث فيها حتى العام ‪1227‬‬ ‫عندما غادرها باتجاه عكا التي وصلها يف شهر أيلول عىل أن يدخل القدس مبعاونة الكامل عاهل مرص الذي وعده بتسليمها له‪..‬‬ ‫وكان الكامل قد أنشأ قناة للتواصل بينه وبني فريدريك فنمت بينهام عالقة بدأت عام ‪ 1225‬لتتحول مع الوقت إىل صداقة متينة جرى فيها تبادل‬ ‫رسائل مودة حملت حوارات سياسية وفكرية وفلسفية وتبادل هدايا ت ُ َّوجت بوعد بتسليمه بيت القدس‪...‬‬ ‫وهكذا كان‪ ..‬يف ترشين الثاين‪ 1228‬دخل فريدريك يافا ويف ‪ 17‬شباط‪ 1229‬كان الصديقان يوق َّعان اتفاقا حصل مبوجبه ملك أملانيا عىل بيت لحم‬ ‫والنارصة ونواحي صيدا وقلعة تبنني وفوقهم مدينة بيت املقدس ‪،‬عىل أن يُ َخرِج منها سكانها املسلمون‪ .‬وهكذا‪ ،‬وبعد شهر من توقيع االتفاقية أي يف‬ ‫‪ 17‬آذار ‪ 1229‬كان فريدرك يدخل بيت املقدس فيام كان القايض شمس الدين‪ /‬قايض نابلس يقدم له مفاتيحها (بيت املقدس)‪.‬‬ ‫وقع هذا الحدث الجلل وقوع الصاعقة عىل املسلمني فلبسوا السواد يف جميع الديار اإلسالمية وعقدوا االجتامعات وتظاهروا استنكارا ً ‪ ..‬وبخاصة يف‬ ‫يسلم فيه بيت املقدس هدية مللك الفرنجة‪ ،‬كان جيشه يحارصها بعد موت أخيه املعظم ليأخذها يف‬ ‫دمشق‪ ،‬التي ويف نفس الوقت الذي كان الكامل َّ‬ ‫حزيران ‪ 1229‬وينفي إبن أخيه النارص إىل حصن الكرك‪.‬‬ ‫ويف ‪ 9‬آذار‪ 1238‬مات امللك الكامل‪ ..‬وانتقل الحكم يف مرص إىل احد أبنائه‪.‬‬ ‫وبعد موت عمه الكامل عاد النارص إىل عرشه يف دمشق ‪ ،‬ويف غارة مفاجئة عىل بيت املقدس يف ترشين الثاين ‪ 1239‬استطاع تحريرها ثانية من الفرنجة‬ ‫‪ ..‬ولكنه مل يستطع االحتفاظ بها طويال فخرج منها ليعود يف العام ‪1243‬م ليعرتف رسميا بحق الصليبني فيها‪.‬‬ ‫ويف ‪1244/7/11‬م تحررت القدس مجددا من الفرنجة عىل يد قوة من الفرسان الخوارزميني املسلمني الذين كانوا قد ُشدوا من ديارهم بعد مهاجمة‬ ‫جنكيز خان لها فتجمع منهم يف بالد الشام حوايل عرشة آالف فارس وهاجموا الفرنجة يف القدس بإرشاف ومساعدة وتوجيه ومتويل من امللك الصالح‬ ‫أيوب سلطان مرص وحرروها منهم وبقيت بعد ذلك حرة حتى خروج آخر جندي فرنجي من الرشق يف العام‪ 1291‬م ‪.‬‬


‫وكانت يف هذا الوقت فرقة كبرية من جيش الخوارزميني متواجدة قريبا من بالد الشام وعددهم حوايل عرشة آالف مقاتل فضمهم إليه وجهز بهم‬ ‫حملة عىل بيت املقدس فحررها وكان هذا يف ‪ 11‬متوز ‪ 1244‬م وأخرج منها الفرنجة – كام جاء ذكره أعاله ‪ -‬األمر الذي دفع بالفرنجة وملوك األيوبيني‬ ‫يف الكرك ودمشق وحمص لشن هجوم ضد الجيش املرصي والخوارزميني يف ‪ 17‬ترشين األول ‪ 1244‬م قرب مدينة غزة ‪ ،‬حيث انترص فيها أيضا الصالح‬ ‫أيوب واستطاع بعدها فرض سيطرته عىل غزة والخليل ونابلس ‪،‬‬ ‫ويف ترشين األول ‪ 1245‬م ‪ ،‬كان الصالح أيوب يحارص دمشق ‪ ،‬فاستوىل عليها وأعاد بذلك توحيد مملكة األيوبيني‪ ..‬وخرج الفرنجة من املدينة املقدسة‬ ‫نهائياً ‪.‬‬ ‫وكان لهذه األحداث أن شكلت تهديدا ً حقيقياً للوجود الفرنجي يف عكا‪ ..‬الحصن املنبع وأقوى ماملك الفرنجة‪ ،‬وعاصمة تجارتهم ومرىس أسطولهم‬ ‫القوي‪..‬‬ ‫وكان الفرنجة يف الرشق وملوك أوروبا يف الغرب قد باتوا عىل قناعة بأن مرص أصبحت متثل قلعة اإلسالم وترسانته العسكرية والقوة الرئيسية للمسلمني‬ ‫‪ ،‬وأنها العائق الحقيقي الذي سيمنعهم من اسرتجاع بيت املقدس واالستقرار فيها‪ ،‬لذلك قرروا أنه ال بد من اإلجهاز عليها وتدمري قوتها ‪..‬‬ ‫كان لهزمية الفرنجة عىل يد الصالح أيوب وعودة بيت املقدس ثاني ًة للمسلمني دوي هائل يف أوروبا‪ ،‬ليس أقل من الدوي الذي حصل عند تحرير بيت‬ ‫املقدس عىل يد صالح الدين ‪..‬‬ ‫فتنادى األوروبيون وعىل رأسهم البابا لشن حملة عىل مرص لرضبها وحرمان الجبهة اإلسالمية من هذه القاعدة العسكرية القوية‪ ،‬ويف مجمع ليون‬ ‫الديني الذي عقد يف فرنسا عام ‪ 1248‬م ‪ ،‬أُعلنت الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا لغزو مرص أوالً ‪ ،‬وبعدها تحرير بيت‬ ‫املقدس‪.‬‬ ‫جهز الفرنجة الحملة وأعدوا لها ما استطاعوا من قوة ومال وسالح ومقاتلني وسفن‪ ..‬وقد حاول البابا إقناع املغول ( القوة الجديدة الصاعدة يف العامل)‬ ‫بالتحالف معهم لتوجيه «رضبة قاضية للعامل اإلسالمي» فرفض خان املغول مبدأ التحالف وطلب من البابا أن يتوجه هو وملوك أوروبا كلهم ملبايعته‬ ‫ملكاً عىل العامل (الرسالة محفوظة يف أرشيف الفاتيكان )‪.‬‬ ‫وصل لويس التاسع إىل الرشق يف أيلول ‪ 1248‬م فأقام يف قربص فرتة الشتاء حتى قدوم ربيع ‪1249‬م بانتظار ظروف طبيعية مالمئة ‪..‬‬ ‫وكان الصالح أيوب قد وصلته أنباء استعدادات الفرنجة وهو ال يزال يف بالد الشام ‪ ،‬وكانت عالمات مرض شديد (السل) قد بدأت تظهر عليه ‪ ...‬فعاد‬ ‫عىل وجه الرسعة إىل مرص وبدأ يستعد للمواجهة وأرسل قوة كبرية من جيشه إىل دمياط بقيادة األمري فخر الدين يوسف (وزير والده الكامل وكبري‬ ‫مستشاريه) ‪.‬‬ ‫وبعد الرسائل املتبادلة بني امللكني األيويب والفرنجي واململوءة بتهديد كل منهام لآلخر كان آخرها رسالة من الصالح يقول لعدوه‪« :‬إن الباغي له مرصع‬ ‫وبغيك يرصعك « ‪.‬‬ ‫قرر لويس التاسع بدء عملية اإلنزال يف دمياط وكان ذلك يف ‪ 5‬حزيران ‪1249‬م فكان بنتيجتها أن تراجع جيش املسلمني بقيادة األمري فخر الدين‪،‬‬ ‫واستستلمت دمياط بدون أية مقاومة‪ ،‬بعكس الحملة األوىل قبل ثالثني عاماً ‪ ،‬فتحولت دمياط إىل مملكة صليبية وح ّول لويس التاسع جامعها الكبري‬ ‫إىل كاتدرائية‪.‬‬ ‫كان لسقوط دمياط بهذه الرسعة وهذه السهولة وقع الصاعقة عىل املرصيني وخاصة عىل السلطان الصالح الذي كان قد اشتد عليه املرض فطلب‬ ‫َح ْملَه إىل املنصورة ومنها أعلن النفري العام فنفرت الناس من جميع أنحاء مرص إىل املنصورة للجهاد املقدس ضد الغزاة ‪ ...‬وكانت الجوامع تذيع ليل‬ ‫نهار الدعوات التي مل يبق قادر عىل حمل السالح يف مرص إال ولبى ‪ ..‬وبدأ املرصيون بشن حرب عصابات ضد جيش لويس التاسع ‪ ..‬فكانوا يهاجمون‬ ‫معسكراتهم ليال فيقطعون رؤوس الجنود وهم نيام ويهربون بها ‪ ..‬ويف هذه األثناء كانت اإلمدادات تتواصل للفرنجة ‪..‬‬ ‫ويف ‪ 20‬ترشين الثاين ‪1249‬م أي بعد خمسة أشهر ونصف من احتالله لدمياط قرر لويس التاسع التقدم باتجاه القاهرة «لرضب رأس األفعى” كام‬ ‫نصحه شقيقه روبرت الذي كان يرافقه مع شقيقني آخرين ‪.‬‬ ‫ويف ‪ 23‬ترشين الثاين ‪ 1249‬م وقبل وصول قوات لويس التاسع كان امللك الصالح يلفظ أنفاسه األخرية بعد أن استحكم به املرض‪ ..‬وكانت لحظة فائقة‬ ‫الحرج خاصة أن ابنه وويل عهده توارن شاه كان بعيدا يف قلعة كبغا يف شاميل العراق ويلزمه وقت يك يصل إىل املنصورة ‪ ..‬فاستدركت األمر زوجة‬


‫ويف ‪ 2‬أيار ‪ 1250‬م تم قتل توارن شاه بقرار من كبار الضباط املامليك بعد انتهاء معركة املنصورة وامتعاضهم من سياسته التي رأووا فيها جهال وعدم‬ ‫إدراك للواقع الذي تعيشه مرص واملنطقة‪.‬‬ ‫وبعد مقتل توارن شاه اجتمع األمراء املامليك مع شجرة الدر وقرروا تنصيبها سلطانة عىل مرص وتزويجها من أحدهم ‪/‬عز الدين أيبك‪ /‬وتعيينه قائدا‬ ‫للجيش‪ ،‬وأطلق عليه لقب السلطان فأصبح سلطانا عىل مرص‪....‬‬ ‫وهكذا دخلت مرص الحقبة اململوكية التي شهدت انهيار مرشوع الفرنجة وخروج آخر جندي فرنجي من الرشق ‪...‬‬ ‫كان من الطبيعي أن يرفض العامل اإلسالمي حكم امرأة يُ ْدعى لها يف املساجد باسم سلطانة القاهرة وكل مرص ولها ختم باسمها ‪ :‬أم خليل ‪ ..‬هذا‬ ‫الحدث الذي مل يُعرف له مثيل يف تاريخ اإلسالم رفضه بقوة الخليفة يف بغداد ‪ ،‬وباقي سالطني املسلمني ‪.‬‬ ‫كذلك كان من الطبيعي أن يُ ْرف ََض حكم املامليك الذي وُوجِه مبوقف متصلب من سالطني األيوبيني يف بقية الديار اإلسالمية وبخاصة يف حلب ودمشق ‪...‬‬ ‫ولكن األيوبيني كانوا أضعف من أن يواجهو القوة الفتية النامية يف مرص ‪ ..‬والتي نظروا إليها عىل أنها أشد خطرا من الفرنجة ‪..‬‬ ‫إال أن التاريخ أثبت فيام بعد أن انقالب هؤالء األمراء الجدد وإعالن أنفسهم كسالطني عىل الساحة اإلسالمية مل يكن مجرد رصاع عىل السلطة بل كان‬ ‫عملية تقويم شاملة عسكرية وسياسية ودينية ‪.‬‬ ‫وقد ظهرت مالمحها جلية ‪ ،‬وقبل استالمهم الحكم‪ ،‬يف معركة املنصورة املظفرة عىل يد البطل الذي بدأ يبزغ نجمه الظاهر بيربس‪.‬‬ ‫بدء بروز الظاهر بيربس‪:‬‬ ‫منذ دخل بيربس يف خدمة السلطان الصالح أيوب يف مرص بدا متميزا عىل جميع أقرانه فأتقن‪ ..‬رسيعا أصول اللغة العربية‪ ..‬كام حفظ القرآن وتفوق‬ ‫يف الفقه وأصول الرشيعة ‪ ..‬كذلك برع يف فنون الحرب والقتال‪ ،‬وبدأ ينتقل برسعة من رتبة إىل رتبة ويشق طريقه برسعة نحو القيادة إىل أن دخل‬ ‫ضمن الدائرة الضيقة املحيطة بالسلطان الصالح أيوب الذي أطلق عليه لقب أمري ثم أصبح قائداً للحرس الخاص فلقبَّه ب‪ « :‬ركن الدين»‬ ‫أما بروز نجمه وعبقريته كقائد عسكري عز نظريه والتي أدخلته التاريخ من أوسع أبوابه‪ ،‬فكان يف معركة املنصورة أو ما يسمى فيام بعد الحملة‬ ‫الصليبية السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع بنفسه يف العام‪ 1250‬م والتي برز فيها بيربس واملامليك كقوة عسكرية كربى يف املنطقة كام برز‬ ‫فيها أمراء مامليك آخرون ك‪ :‬أقطاي و أيبك و قطز‪ ..‬ولكن إجامع املؤرخني كان عىل أن الخطة التي حققت النرص للمرصيني بعد أن كانوا مهزومني‪،‬‬ ‫والتي قضت عىل القوة الفرنجية وأوقعت َملِ َك ُهم وأمراءهم يف األرس كانت خطة بيربس وقيادته للمعركة‪..‬‬ ‫معركة املنصورة املجيدة ودور بيربس فيها‪:‬‬ ‫كان الهدف الرئييس من حمالت الفرنجة إىل الرشق دامئا بيت املقدس ‪ ،‬والساحل الشامي لضامن الطريق إليها‪.‬‬ ‫فبعد تقدميها هدية من السلطان الكامل إىل فريدريك الثاين استكان األوروبيون وهدأوا ‪ ،‬إال أن الوضع تغري متاما بعد ‪ 11‬متوز ‪1244‬م ‪ ..‬ففي هذا‬ ‫التاريخ املجيد تحررت بيت املقدس ثانية من الفرنجة عىل يد السلطان الصالح أيوب ابن السلطان الكامل‪.‬‬ ‫وكان الصالح أيوب هو ثاين أهم سالطني األيوبيني بعد النارص صالح الدين‪ ،‬وهو الذي استطاع أن يبني جيشاً عظيامً يف مرص فأصبحت من القوة واملنعة‬ ‫والبأس ما بات يشكل خطرا حقيقياً عىل الوجود الفرنجي يف الرشق‪..‬‬ ‫وقد اعتمد جيشه بشكل خاص عىل مجموعة الفرسان املامليك الذين عمل عىل تربيتهم منذ طفولتهم‪ ،‬وتدريبهم وإعدادهم إعدادا ً خاصاً وبأعداد‬ ‫كبرية بحيث أصبحوا يشكلون جيشاً نظامياً قوياً صلباً مجهزا ً بأحدث األسلحة وبضباط من أكفأ الرجال تدريباً وإتقاناً لفنون الحرب والقتال‪..‬‬ ‫وعندما كرثت مشاكل األمراء األيوبيني ورصاعاتهم فيام بينهم عىل اإلرث والسلطة ‪ ،‬خاصة وأنهم كانوا يلجأوون يف كثري من األحيان لعقد التحالفات مع‬ ‫ملوك الفرنجة بعضهم ضد بعض ‪ ..‬فقد حصل أن اتفق الصالح إسامعيل ملك دمشق و النارص داوود ملك حمص من األمراء األيوبيني يف وجه الصالح‬ ‫أيوب يف مرص وبارشا مفاوضات مع الفرنجة للتحالف معهم ضده ‪ ،‬األمر الذي أقلقه‪..‬‬


‫عىل تسليم دمياط وانسحاب الفرنجة من مرص والتعهد بعدم العودة إليها مرة أخرى‪ ،‬ودفع أربعامئة ألف دينار كفدية وذلك لقاء إطالق رساحه مع‬ ‫شقيقيه واألمراء الفرنجة و ‪ 12000‬أسري ‪...‬‬ ‫وهكذا ‪ ...‬غادر لويس التاسع مرص مكلال بالعار إىل عكا التي أقام فيها أربع سنوات لريحل بعدها نهائياً عن الرشق ‪.‬‬ ‫بيربس بعد انقالب املامليك‪:‬‬ ‫بعد أن حاول توارن شاه االنقالب عىل الضباط املامليك وتهميشهم وإبعادهم عن مواقعهم القيادية سارعوا وانقلبوا عليه كام ذكرنا‪ ،‬وكان الذي توىل‬ ‫تنفيذ االنقالب وقتل السلطان توارن شاه األمريان أقطاي وبيربس‪ ..‬وبعد تنصيب شجرة الدر سلطانة عىل مرص والذي مل يدم أكرث من مثانني يوما ن َُّصب‬ ‫عز الدين أيبك يف ‪ 23‬متوز عام ‪1250‬م كأول سلطان للمامليك عىل مرص بعد أن اتفق الضباط املامليك مع شجرة الدر عىل تزويجهام‪..‬‬ ‫ويف العام ‪1254‬م دبَّر السلطان عزالدين أيبك باالتفاق مع نائبه سيف الدين قطز مؤامرة لقتل قائد الجيش أقطاي دون أن يتمكن من إنقاذه تلميذاه‬ ‫املخلصان األمريان بيربس وقالوون ومعها سبعامئة فارس من الضباط ومن أتباعه املخلصني ‪..‬‬ ‫وللخالص من هذه املجموعة أمر أيبك يسانده قطز بإغالق أبواب القاهرة ومطاردتهم للقضاء عليهم وخاصة عىل بيربس ‪ ..‬فاقتحم هؤالء أحد األبواب‬ ‫الرشقية ‪ ..‬باب القراطني وأحرقوه وهربوا منه حيث لجأووا إىل بعض ملوك األيوبيني بانتظار أن تنجيل الصورة يف مرص ‪////////.‬‬


‫السلطان شجرة الدر‪ ،‬وبحنكة ودهاء جمعت كبار قادة الجيش من املامليك وهم من املخلصني للسلطان ولها وأخربتهم بخرب وفاته عىل أن يكتموا األمر‬ ‫عن الجميع ريثام يصل األمري توارن شاه يك ال يؤثر الخرب عىل معنويات املقاتلني املرصيني ويشد من عزمية الفرنجة ‪.‬‬ ‫ويف ‪ 21‬كانون األول وصل لويس التاسع بقواته يف الرب فيام تسري سفنهم مبوازاتهم يف البحر إىل ضفة نهر أشموم ‪ ،‬فح َّط رحاله عىل ضفته حيث عىل‬ ‫الضفة األخرى قرب املنصورة كانت قوات املسلمني ‪.‬‬ ‫وقع القتال بني الجيشني دون أن يستطيع أحدهام تحقيق فوز عىل اآلخر ‪ ..‬وقد بقي الوضع بني كر وفر إىل أن استطاعت قوة من الفرنجة يف ‪8‬‬ ‫شباط ‪1250‬م العبور إىل الضفة األخرى بقيادة شقيق لويس التاسع روبرت وشنت هجوما كاسحاً عىل معسكر املرصيني استطاعت فيه أن تقتل قائدهم‬ ‫األمري فخر الدين ‪ ..‬وبدأت قوات الفرنجة تتقدم باتجاه املنصورة ‪..‬‬ ‫وهنا بدأ يربز دور الفرسان املامليك فبادروا إىل تعيني األمري أقطاي قائدا ً للجيش عينوا نائباً له ركن الدين بيربس الذي توىل قيادة القوات املرصية‬ ‫يف املنصورة ورسم خطته الشهرية التي أوقعت بالفرنجة وهزمت جيشهم رش هزمية بعد أن أرست لويس التاسع نفسه وعدد كبري من أمراء حملته‬ ‫واآلالف من جنودهم وأدت إىل قتل آالف آخرين‪.‬‬ ‫خطة بيربس والنرص املؤزر‪:‬‬ ‫بعد هذا الهجوم الفرنجي الصاعق ومقتل قائد الجيش املرصي فخرالدين وتحرك الفرنجة الرسيع باتجاه مدينة املنصورة ‪ ،‬وبعد أن كانت الفوىض قد‬ ‫عمت صفوف املرصيني بادر القائد املتميز واألكرث كفاءة بيربس فأمسك بزمام األمور وأعاد برسعة تنظيم القوات يف داخل املدينة‪..‬‬ ‫وكانت خطته أن وزع املقاتلني والضباط األشداء عىل املواقع الحساسة وعند تقاطع الشوارع الكبرية والطرق الداخلية وأقفل جميع بوابات املدينة ما‬ ‫عدا بابا واحدا ً تركه للفرنجة يك يعربوا منه إىل الداخل فعربوا باآلالف حتى وصلوا إىل أسوار القلعة ‪ ...‬وخالل لحظات كان الفرسان املرصيني ينقضّ ون‬ ‫عليهم ويخرجون إليهم من خلف كل باب وكل حائط ومن فوق كل سطح والفرنجة يف حالة ذهول وقد دبّت الفوىض يف صفوفهم‪ ..‬حتى خيولهم‬ ‫أُربكت بعد أن حاول فرسانها االستدارة وهي ال تستطيع ذلك يف الشوارع الضيقة فيام سيوف املرصيني تعمل متزيقا فيهم وأصوات املؤذّنني تصدح يف‬ ‫أنحاء املدينة بدعوات الجهاد وباألذان ‪..‬‬ ‫مل ينج أحد سوى عدد قليل من فرسان الفرنجة الذين رموا أنفسهم يف النيل ليموتوا بعد ذلك غرقا فيام نجا عدد مل يتجاوز عدد أصابع اليدين‪ ..‬وكان‬ ‫بني القتىل روبرت شقيق امللك ‪.‬‬ ‫ويف صباح اليوم التايل كان الحامم الزاجل يحمل إىل القاهرة أنباء انتصار «املامليك» األسود بقيادة القائد البطل بيربس‪..‬‬ ‫بعد صد الهجوم عىل املنصورة ارتد الجيش املرصي برا ً وبحرا ً عىل جيش لويس التاسع الذي كان ال يزال خارج املدينة ويف البحر وحارصه من كل صوب‬ ‫‪ ..‬ويف أوائل آذار أرسل ملك الفرنسيني إىل توارن شاه الذي كان قد وصل لتوه طالبا التفاوض وكل ما كان يرجوه هو إنقاذ من بقي عىل قيد الحياة من‬ ‫جيشه ومغادرة مرص‪ ..‬ولكن توران شاه وقادة املامليك مل يكونوا أبدا متحمسني لذلك‪.‬‬ ‫وكانت الخطة الثانية لإلجهاز عىل جيش لويس التاسع بأن ي ْقطَع عليهم املرصيون طريق االنسحاب بحرا من مرص‪ ..‬ففي منتصف آذار شن املرصيون‬ ‫هجوماً بحريا عىل أسطول الفرنجة فتمكن األسطول املرصي البالغ بضع عرشات من السفن من إلحاق هزمية نكراء باألسطول الفرنجي فدم َّر وأرس ما‬ ‫يقارب مئة قطعة منه‪ ،‬قاطعاً بذلك طريق االنسحاب عىل الغزاة ‪ ..‬واملهم يف هذه املعركة البحرية أنه مل يكن من ظهور يف املنطقة لألصول املرصية‬ ‫وفجأة وجد الغزاة أنفسهم يتعرضون لهجوم من عرشات السفن املرصية ‪ ،‬وكان الذي حصل أن املرصيني نقلوا مراكبهم مفككة عىل ظهور اإلبل وبعد‬ ‫تركيبها عىل الشط أنزلوها دفع ًة واحدة يف النيل خلف قوات الفرنجة‪.‬‬ ‫ويف ‪ 7‬نيسان كان فرسان املامليك مع آالف املتطوعني املرصيني يطوقون جيش لويس التاسع الذي كان يتهيأ لالنسحاب تحت جنح الظالم ويعملون‬ ‫فيه متزيقاً‪.‬‬ ‫وما هي إال ساعات وكان لويس التاسع يطلب األمان مستسلام هو وجميع من بقي عىل قيد الحياة من األمراء والنبالء فاقتيد أسريا ً مغلوالً ومن معه‬ ‫إىل السجن ‪ ..‬كذلك تم أرس كل من بقي عىل قيد الحياة من جيش الغزاة يك يكونوا موضع مساومة وفدية‪.‬‬ ‫ويف ‪ 8‬أيار ‪1250‬م وق َّع امللك لويس التاسع معاهدة مع املرصيني‪ -‬وكان توارن شاه قد قتل واستلمت زمام الحكم بعده السلطانة شجرة الدر‪ -‬نصت‬


‫شالي يُعاتبُ‬ ‫ميساء زيدان‬ ‫ْ‬ ‫خبر الشا َل أو قال الذي قاال‬ ‫من أ َ َ‬ ‫صار أطالال‬ ‫هواك في خاطري ق ْد‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ضفائري ال ُ‬ ‫العبير بها‬ ‫ش ْق ُر كم ش ّم‬ ‫ُ‬ ‫ب أثماال‬ ‫أني َر َميت ُ َك فوقَ الدر ِ‬ ‫علمت ُ َك ال ِعشقَ ريحانا ً و غاليةً‬ ‫َ‬ ‫ق هَطاال‬ ‫َيم بوحٍ على اآلفا ِ‬ ‫وغ َ‬ ‫هللا مؤتلقا ً‬ ‫كربيعِ ِ‬ ‫و موسما ً َ‬ ‫ُ‬ ‫الضوء مواال‬ ‫غصون‬ ‫تك‬ ‫فَر َد َد َ‬ ‫ِ‬ ‫الغدر يا رجال‬ ‫رت بي كيف طع ُم‬ ‫غ َد َ‬ ‫ِ‬ ‫و لم أذقهُ أنا هل كانَ قتاال‬ ‫ت ِغوا ً‬ ‫تمي ُل بينَ‬ ‫النساء العابرا ِ‬ ‫ِ‬ ‫سن مياال‬ ‫كقرص‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫شمس ورا َء ال ُح ِ‬


‫باب حنيني ل ْم أج ْد أحدا ً‬ ‫فتحتُ َ‬ ‫تنعاك و اآلالَ‬ ‫إال الرما َل التي‬ ‫َ‬ ‫تظن أني كما ق ْد كنتُ عاشقةً‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫مازال‬ ‫ماضيك‬ ‫كتاب وج ِه َك أو‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫تظن بأني ق ْد أعو ُد كما‬ ‫و هل‬ ‫عش الهوى ؟ ال ال‬ ‫يعو ُد ٌ‬ ‫طير الى ِ‬ ‫ي كم قالتا للريحِ ‪ :‬ال تقفي‬ ‫عينا ّ‬ ‫ال لن اكون الى عينيك مرساال‬ ‫اآلنَ أدركتُ أن العشقَ أكرمني‬ ‫ب تمثاال‬ ‫ل ّما‬ ‫َ‬ ‫نسيتك عن َد البا ِ‬


‫المزن صافيةً‬ ‫سقيت ُ َك ما َء‬ ‫لق ْد َ‬ ‫ِ‬ ‫كفيك أوحاال‬ ‫أشرب من‬ ‫فكيف‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫فيك ينابيعا ً ُم َر ْق َرقَةً‬ ‫فجرتُ َ‬ ‫دت في غفلةَ الينبوع صلصاال‬ ‫فَعُ َ‬ ‫ى‬ ‫و ك ْم‬ ‫َ‬ ‫وقفت ببابي مث َل عب َد هو ً‬ ‫ي اجالال‬ ‫ك ْم‬ ‫َ‬ ‫انحنيت على كف ّ‬ ‫ٌ‬ ‫عبق‬ ‫أطيار روحي و المدى‬ ‫نت‬ ‫س َج َ‬ ‫َ‬ ‫أكسر أقفاال و أغالال‬ ‫و اآلنَ‬ ‫ُ‬ ‫ي شالالً‬ ‫ى‬ ‫ُ‬ ‫يفيض هو ً‬ ‫ق ْد كانَ قلب ّ‬ ‫اليوم شالال‬ ‫عليك‬ ‫صار حقدي‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫باألمس ْ‬ ‫َحلُ ْمتُ‬ ‫أن تغدو على عنقي‬ ‫ِ‬ ‫ي سلساال‬ ‫ِعقدا ً فريدا ً و في زَ ند ّ‬ ‫ْ‬ ‫باألمس ما خطئي‬ ‫أكتشف‬ ‫إن كنتُ ل ْم‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫أرضاك خلخاال‬ ‫هللا ال‬ ‫َ‬ ‫فاليوم و ْ‬ ‫َ‬


In Loving Memory...

Haji Mohammad Ahmed Farhat


‫رثا ُء النفس‪//‬‬ ‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫إنّا هلل وإنِّا اليه راجعون‬ ‫مفهوم‬ ‫ت إلى‬ ‫ب الجل ِل‪ ،‬الذي يتعدّى مفهو َم الحيا ِة والمو ِ‬ ‫ي ِ‬ ‫ٍ‬ ‫العظي ُم‪ ،‬صدق َمن جمعنا اليو َم بهذا المصا ِ‬ ‫صدق هللاُ الع ِل ُّ‬ ‫ُ‬ ‫أقداره وأخ ِذ األرواحِ َ‬ ‫اعتراض‬ ‫دون‬ ‫ت‬ ‫أسرار‬ ‫لفهم‬ ‫أوسع وشام ٍل وخار َج قدراتِنا العقليّ ِة المحدود ِة‬ ‫علمه وتوقي ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫سابق إنذار‬ ‫ودون‬ ‫ِ‬

‫أيُّها األخوةُ األعزا ُء وأيُّها الشي ُخ الفاض ُل وأيَّتُها األخواتُ الفاضالتُ لقد ّ‬ ‫ت قبل الحيا ِة ألنّه رحي ٌم‬ ‫من هللاُ علينا بالمو ِ‬ ‫بنا‪ ،‬فالموتُ رحمةٌ والحياةُ‬ ‫دار الخلود ‪.‬‬ ‫ممر عذا ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ب نحو ِ‬

‫سكنَّا عنها بعيدا ً نبحث عنها لكي نجد ذاتَنا‬ ‫نلتقي هنا هذا‬ ‫ِ‬ ‫المساء بعيدا ً عن ضيعتنا التي سكنَتْ فينا وجدانا ً وذاكرةً و َ‬

‫ال ب ّد للمرء التأمل م ِليَّاعند قراءة هذا اآلية الكريمة ‪ ( :‬إنّا هلل وإنّا إليه راجعون)‬

‫ت ‪ ،‬فالنهايةٌ واحدةُ ال تتجزأ وال تنفصل عن أبعادها‬ ‫ع إليه دائما ودوما ً ‪ ،‬فمهما تع َّددَت‬ ‫حيث أن الرجو َ‬ ‫أسباب المو ِ‬ ‫ُ‬ ‫إن هللا ّ‬ ‫اإليمانيّة والفلسفيّة والوجوديّة ‪ّ ،‬‬ ‫عز وج ّل‬ ‫قبض األرواحِ تهب ُ‬ ‫ط رحمتُه على عباده‬ ‫ق رحمتُه أيةُ رحم ٍة وعادلتُه ال تشبه عدالةُ أح ٍد وعند موع ِد‬ ‫تفو ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫الصالحين‪..‬‬

‫َ‬ ‫الحاضرون ‪ ،‬أنّ هناك أناسا ً في ضيعتنا لم يضحوا في سبيل لقمة العيش وتحسين وض ِعهم‬ ‫وهل تعلمون أيُّها‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫المادي‪ ،‬أليس ك ُّل هذا جها ٍد في سبيل هللا ‪،‬وهل ركيزة‬ ‫اإليمان إال تلك التي تعتم ُد على العم ِل الجا ِد والدؤو ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫اإلنسان‬ ‫ي لهذا‬ ‫ب الحيا ِة الصعب ِة وال ُمعقدة حتى‬ ‫وخوض‬ ‫والسفر والهجر ِة‬ ‫ِ‬ ‫غمار تجار ِ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ي الفعل ُّ‬ ‫يظهر االيمانُ الحقيق ُّ‬ ‫َ‬ ‫الذي آمن بربه عن بصيرة تعدَّتْ‬ ‫عيون البصر ‪.‬‬

‫النفوس المؤمنةُ والصادقةُ والمتواضعةُ التي‬ ‫سماء ضيعتِنا‪،‬أوليست هذه‬ ‫صفاء ُز ْرق ِة‬ ‫وهل هناك صفا ٌء أجم ُل من‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫شبِهُ السما َء التي ت ُ ّ‬ ‫سكنَتْ الضيعةَ ورحلَتْ عنها ت ُ ْ‬ ‫ت بأمر هللا‪ ،‬ولماذا يأ ُمرها بذلك‪،‬‬ ‫ت والبركا ِ‬ ‫نزل الغيث ‪ ،‬والخيرا ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫أليس ألنه رحي ٌم على عباده ‪.‬‬


‫ي فر ً‬ ‫اإلنسان ‪ ،‬فمنّا َمن شا َءتْ‬ ‫األقدار أن تق ِذفَهُ في‬ ‫ضتْه‬ ‫ظروف الحيا ِة وطموحاتُ‬ ‫ُ‬ ‫توا ُجدُنا في غربتِنا ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫أمر واقع ٌّ‬ ‫ّ‬ ‫ومنا من بقي وعاش هناك على أمل اللقاء ‪.‬‬ ‫متاها ِ‬ ‫ت هذه الغرب ِة المجهول ِة المعالم ‪ِ .‬‬ ‫ٌ‬ ‫مكان آخر ‪.‬‬ ‫ح في‬ ‫حزن في‬ ‫قد تختلط علينا األشيا ُء أحيانا ً ‪،‬‬ ‫مكان وفر ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬

‫النفس ماذا تفع ُل عند ُم ْع ِضلة الحدث وقساو ِة الخبر‪ ،‬ولكن السما َء دائما ً حاضرةً‬ ‫تحتار‬ ‫كثير من األحيان‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وفي ٍ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫يحزن ‪ّ ،‬‬ ‫شدُنا إلى الطريق المستقيم ‪ ،‬معلنة ّ‬ ‫وإن‬ ‫ق ‪ ،‬وال ب ّد لإلنسان أن يفر َح وأن‬ ‫ق والفر ُ‬ ‫ح ح ٌّ‬ ‫أن الموتَ ح ٌّ‬ ‫تُـر ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الحزن‪ّ ،‬‬ ‫ينبعث منه‪ ،‬ألن في الحيا ِة موتا ً ‪ ،‬والموت في الحياة‪.‬‬ ‫الحزن يُو ِلّد الفرحَ‪ ،‬وإنّه‬ ‫وإن‬ ‫اإلفرا َط في الفرح يُو ِلّ ُد‬

‫المعري حين قال ‪:‬‬ ‫ورحم هللا أبا العالء‬ ‫ّ‬ ‫باك وال ترنّ ُم شا ِد‬ ‫غير ُمجْ ٍد في ِملَّتي وا ْعتِقادي نو ُ‬ ‫ح ٍ‬ ‫ُ‬ ‫قيس بصوت البشير في ك ِ ّل ناد‬ ‫ي ِ إذا‬ ‫َ‬ ‫وشبيًهٌ صوتُ النع ّ‬ ‫أبكْتْ تلك ُم الحمامةُ أم غنَّتْ على فرع غصنها الميّا ِد‬

‫األب والع ُم واأل ُ‬ ‫ق‬ ‫كرم وجو ٍد ومرؤ ٍة وشهام ٍة ‪ ،‬وكان‬ ‫خ وال َج ُّد والصدي ُ‬ ‫ُ‬ ‫إن مزايا الفقيد ال تُع ُّد وال تُحصى فقد كان ذا ٍ‬ ‫إلى كثير ِم َّمن عاشروه طيلة حياتِه في داخل الوطن وخارجه ‪.‬‬

‫َ‬ ‫وصاحب بصيرة‪ ،‬ومتحدثا ً واثقَ ال ُح ّجة والمنطق‪.‬‬ ‫حسن المنظر ‪،‬‬ ‫لقد كان‬ ‫َ‬

‫بالدروس وال ِعبر فلن أفِيَه‬ ‫الناصع والحاف ِل‬ ‫تاريخه‬ ‫مهما سر ْدتُ كالما ً من‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫عاجز عن الوصف‪.‬‬ ‫‪،‬ألن الكلمات تخونني وقلمي‬ ‫حقّه‬ ‫ّ‬ ‫إن ما يُحزنني هو ما كانتْ أمنيةُ الفقي ِد قبل الرحيل واألحبةُ في عالم النسيان» الغربة» !‬

‫لقد كان نبأ موتِك يا عماه في الغربة فاجعا ً ‪ ،‬فقد أضاف غربةً إلى غرب ٍة‬ ‫لقد كان رحيلُك تعبيرا ً عن رحيلي عن طفولتي ومرات َع صِباي ‪.‬‬


‫لوى ال يزال طع ُم حُ ِبّك فيها إلى‬ ‫أذكرك فأذكر طفولتي حين كنت تأ ُخذُني بيدك وتغ ُم ُرني‬ ‫ب وتشتري لي َح َ‬ ‫بحنان األ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫األن في دمي‪.‬‬ ‫يهب‬ ‫بفقدك أفقد شيئا ً كان يش ُّد أزري في غربتي وكان‬ ‫ُ‬ ‫وكرومها ‪.‬‬ ‫أشجارها‬ ‫لي قوةَ حنانِك المجبول بتربة يارون التي كونتنا كما‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ستبقى في وجداني حيا ً وسيعجز الموتُ عن اِقتالعك من وجداني ‪.‬‬ ‫اإلنسان الذي لم تلوثْهُ اآلثام‬ ‫بنقاء‬ ‫لقد ذهبْت إلى ربك‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫فنَ ْم هنيئا ً في َجنّة ال ُخل ِد يا عمي ويا امتدادي في الحياة‪.‬‬ ‫الدهر حزنا ً على فراق مبكّر لم يكن في الحسبان ‪ ،‬فنِ ْع َم الرحمنُ‬ ‫“ يَبْكيك‬ ‫اعتراض «‬ ‫قابض األرواحِ دون‬ ‫الواهب‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫نبض الحيا ِة‪ّ ،‬‬ ‫سهام «‬ ‫ت قلبي في سويدائِه ولكنه لم يفق ْد‬ ‫“ قد أصابَ سه ُم المو ِ‬ ‫ألن الموتَ ح ٌّ‬ ‫َ‬ ‫ق والحقُّ أولى بال ِ‬

‫أذكر جار الوفا ‪ ،‬جارنَا العزيز المرحوم الحاج محمد فياض أيوب « أبو نعيم «‬ ‫وقبل أن أنهي كلمتي ال ب ّد لي أن‬ ‫َ‬ ‫ب فقدان عمي‪ّ ،‬‬ ‫النفوس الطاهرة‪.‬‬ ‫كأن الموت كان بالمراصد ليحصد‬ ‫الذي وافته ال َم ِنيّة عقَ ِ‬ ‫ً‬

‫ي ‪ ،‬يا أبا نعيم عن الديار ‪ ،‬مودعا ً مبتسما ً‬ ‫ت التي ستبقى تذكرك‬ ‫لقد رح ْلتَ أيُّ َها‬ ‫بيادر الذكريا ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ي والهن ُّ‬ ‫الجار الوف ُّ‬ ‫بالخير‪ُ ،‬كلّما صا َحتْ ديوكُ‬ ‫النفس في البراري وعلى أنغام الناي وعند غروب‬ ‫الفجر عند الصالة وعند سرحان‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫العاشقين “‬ ‫أسرار‬ ‫قمر كا ِت ِم‬ ‫ب‬ ‫شمس ال ّدِفء وال ُح ّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫والحنان وعند سطوعِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫أصعب منه‪ ،‬ألنّه بقا ٌء لن يُعي َد لنا َمن رحلوا «‬ ‫أيُّ َها األحبةُ الحاضرون‪ “ ...‬مهما كان رحيلُ األحب ِة صعبا ً ‪ ،‬فالبقا ُء‬ ‫ُ‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫والغائبين ‪ .‬ونهدي إليهم جميعا ً سورة المباركة‬ ‫الحاضرين‬ ‫جميع‬ ‫عظم هللا اجرنَا وأجركَم ‪ ،‬ورحم هللاُ موتانا وموتى‬ ‫ِ‬ ‫الفاتحة‪..‬‬

‫رئيس التحرير د‪ .‬حسن فرحات‬


‫ذكريات ِم ْن‬ ‫ٌ‬ ‫رحيل الجس ِد ال ُي َع ِّوضُ ُه إال‬ ‫" ُ‬ ‫نَو ِع ال َر ِحيل"‬ ‫د‪.‬حسن فرحات‪//‬‬

Pheonicianbirdprivateissue  
Pheonicianbirdprivateissue