Issuu on Google+

1


‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ين اس ُتضع ُ‬ ‫{ َو ُنر ُيد َأن َن ُمن َع َلى الذ َ‬ ‫ض َونج َعل ُهم أ ِئمة َونج َعل ُه ُم‬ ‫ْلا‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫وا‬ ‫ف‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ال َوا ِرِثين} [القصص‪]5 :‬‬ ‫ُّ َ َ َ َ َ ُ ُ َ‬ ‫ص ُر ُر ُس َل َنا َوالذ َ‬ ‫{إنا َل َنن ُ‬ ‫وم ْلاش َه ُاد}‬ ‫ين َآم ُنوا ِفي ال َح َي ِاة الدنيا ويوم يق‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫[غافر‪]55 :‬‬ ‫ما بين "اقرأ" و "اتقوا يوما ترجعون فيه الى هللا" ‪..‬‬ ‫قاس ى الحبيب صلى هللا عليه وسلم صنوفا من ْلالم والعذاب‪،‬‬ ‫سال الجزور على رأسه الشريف‪،‬‬ ‫وأشواك أم جميل‪،‬‬ ‫وحصاره في الشعب‪،‬‬ ‫وفراق خديجة وعبد املطلب‪،‬‬ ‫وآالم الطائف‪،‬‬ ‫ودماء حمزة‪،‬‬ ‫ودموع عائشة‪،‬‬ ‫وزلزال ْلاحزاب‪،‬‬ ‫و‪....‬‬ ‫وفي طريق الحق الطمت سفينة الدعوة أمواج ْلالم تارة‪ ،‬والطفتها رياح‬ ‫ّ‬ ‫ْلامل تارة أخرى وركاب السفينة في أزهى حالتهم ‪..‬‬

‫‪2‬‬


‫خبيب بن عدي يشدو على منصة إعدامه‪:‬‬ ‫ولست أبالي حين أقتل مسلما ‪ ..‬على أي جنب كان في هللا مصرعي‬

‫وحرام بن ملحان يتلقى غدرة الكافر ويصدح ‪:‬‬ ‫فزت ورب الكعبة‬ ‫ويترنم الصحابة يوم ْلاحزاب { َه َذا َما َو َع َد َنا الل ُه َو َر ُس ُول ُه َو َ‬ ‫ص َد َق الل ُه‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َو َر ُسول ُه َو َما َز َاد ُهم ِإال ِإ َيمانا َوتس ِليما} [ْلاحزاب‪]22 :‬‬ ‫وعلى طريق الحق نحتاج ثبات خبيب ويقين بن ملحان وتسليم أصحاب‬ ‫الخندق ‪ ،‬فمن آثارهم نقتفي وعلى طريقهم نسير ومن سيرتهم نستلهم ‪..‬‬ ‫فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ‪ ..‬إن التشبه بالرجال فالح‬ ‫ومن لحظات املحنة وجدت سلوى املبتلين في ‪:‬‬

‫‪3‬‬


‫وضوح قضية إلايمان والعقيدة في النفس‬ ‫ال تجد غرابة في أن يبدأ إلامام البنا بقوة العقيدة وهو يتحدث عن‬ ‫أنواع القوى التي يجب توافرها للجماعة املسلمة فبدأ بقوة العقيدة‬ ‫قبل قوة الرابطة وقوة الساعد والسالح ‪ ،‬إن استقرار أمر العقيدة‬ ‫ورسوخه في النفوس املؤمنة يجعلها تفهم حقيقة البالء وتكون‬ ‫مستعدة الستقباله ‪ ،‬تلك النفوس التي ال تقف على املعنى اللغوي‬ ‫لإليمان وهو مطلق التصديق وال تدخل في معتركات الفالسفة السخيفة‬ ‫وال تقف على الدراسة ْلاكاديمية ملتون العقيدة ومباحث التوحيد دون‬ ‫تحقيق معانيه وجني ثمرته ففي حديث عمر بن الخطاب رض ي هللا عنه‬ ‫"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" "وسؤاله النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫عن إلايمان فقال ‪ :‬أن تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله واليوم آلاخر‬ ‫وتؤمن بالقدر خيره وشره" [رواه مسلم]‬ ‫فيدعونا ذلك للتساؤل‪:‬‬ ‫ ما إيقاع اسم هللا الجبار القهار املنتقم القادر الضار النافع‬‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫املعطي املانع { َو ُه َو ال َق ِاه ُر فوق ِع َب ِاد ِه } [ْلانعام‪َ { ]51 :‬و ُه َو َعلى‬ ‫ُ َ َ‬ ‫ك ِ ّل ش يء ق ِدير} [املائدة‪ ]521 :‬في نفس املبتلى املظلوم ؟‬ ‫ وهل يقلق ويتألم من له رب اسمه الرحمن الرحيم اللطيف‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫{الل ُه ل ِطيف ِب ِع َب ِاد ِه} [الشورى‪َ { ]51 :‬و َح َنانا ِمن ل ُدنا} [مريم‪]51 :‬‬ ‫ وهل يشعر بالوحشة من كان ربه سميع ‪ ،‬بصير ‪ ،‬عالم { َو ُه َو‬‫ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫َم َعكم أي َن َما كن ُتم} [الحديد‪َ { ]4 :‬والل ُه ِب َما َيع َملون ُم ِحيط}‬ ‫[ْلانفال‪]44 :‬‬

‫‪4‬‬


‫إن أول مايفتش عنه البالء هو درجة إلايمان في نفس املبتلى‪{ :‬الم (‪)5‬‬ ‫ُ َ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫اس أن ُيت َركوا أن َي ُقولوا َآمنا َو ُهم ال ُيف َت ُنون (‪[ })2‬العنكبوت‪:‬‬ ‫أ َح ِس َب الن‬ ‫‪]2 ،5‬‬ ‫فتلك النفوس الكبيرة املؤمنة بالقدر أينما جاء به وسبق به الكتاب ‪،‬‬ ‫تجدها متجلدة أمام البالء صابرة عليه لوضوح قضية إلايمان عندها‬ ‫َ ََ‬ ‫َ َ َ َ ُ ُ ّ ََ َ َ َ‬ ‫اشف ل ُه ِإال ُه َو َوِإن ُي ِرد َك ِبخير فال َراد‬ ‫{وِإن يمسسك الله ِبضر فال ك ِ‬ ‫ِل َفض ِل ِه} [يونس‪]514 :‬‬ ‫اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك‪.‬‬ ‫ما شاء هللا كان ومالم يشأ لم يكن‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ُ َ َ‬ ‫َ َ َ ُ َ‬ ‫{ ِل َتعل ُموا أن الل َه َعلى ك ِ ّل ش يء ق ِدير َوأن الل َه قد أ َحاط ِبك ِ ّل ش يء ِعلما}‬ ‫[الطالق‪]52 :‬‬ ‫النبي صلى هللا عليه وسلم ينهي ْلامر مع الفتى املؤمن ابن عباس ‪" :‬لو‬ ‫اجتمعت ْلامة على أن ينفعوك بش يء لن ينفعوك إال بش يء قد كتبه‬ ‫هللا لك ‪ .‬ولو اجتمعت ْلامة على أن يضروك بش يء لن يضروك إال‬ ‫بش يء قد كتبه هللا عليك رفعت ْلاقالم وجفت الصحف "‬ ‫فال يهم هذه النفوس شكل البالء كيف يكون وما وقته ودرجته ؟‬ ‫فكل قد سبق به الكتاب موعد البالء بدأه وانتهائه ودرجته وشكله ‪..‬‬ ‫الدكتور توكل مسعود يخلي سبيله بعد يومين قضاهما من خمسة عشر‬ ‫يوما حكمت بها النيابة عليه ويكون خروجه يوم "جمعة" !!‬ ‫صاحب البالء أذن بانتهائه‬ ‫‪5‬‬


‫ََ‬ ‫ُ َ‬ ‫{ ِإنا كل ش يء خلق َن ُاه ِب َق َدر } [القمر‪]41 :‬‬ ‫"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة‬ ‫مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه امللك فينفخ فيه‬ ‫الروح ويؤمر بأربع كلمات ‪ :‬بكتب رزقه ‪ ،‬وأجله ‪ ،‬وعمله ‪ ،‬وشقي أو‬ ‫سعيد ‪" ...‬‬ ‫ولكن هم تلك النفوس ينصرف إلى كيف سيكون استقبالها للبالء؟‬ ‫هل يكون بنفوس مطمئنة راضية "فمن رض ى فله الرض ى وجرى عليه‬ ‫قضاء هللا وأثابه"‬ ‫أم بنفوس ساخطة منهزمة نعوذ باهلل من ذلك "ومن سخط فله‬ ‫السخط وجرى عليه قضاء هللا وعوقب"‬ ‫فهكذا تترجم النفوس املؤمنة فهمهما لقضية الايمان باالنشغال بشكل‬ ‫استقبالها للبالء عن شكل البالء نفسه ‪..‬‬ ‫"اللهم يامقلب القلوب وْلابصار ثبت قلبي على دينك"‬ ‫كان أكثر دعاء النبي‪" :‬اللهم اجعلنا راضين بقضائك‪ ،‬صابرين على بالئك‬ ‫‪ ،‬شاكرين لنعمائك"‬ ‫صرَنا َع َلى ال َقوم ال َكافر َ‬ ‫{ َرب َنا َأفرغ َع َلي َنا َ‬ ‫صبرا َو َث ّبت َأق َد َام َنا َوان ُ‬ ‫ين}‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫[البقرة‪]251 :‬‬ ‫َ‬ ‫ََ َ َ َ‬ ‫صبرا َوت َوف َنا ُمس ِل ِم َين} [ْلاعراف‪]521 :‬‬ ‫{ َرب َنا أف ِرغ علينا‬

‫‪6‬‬


‫اللهم اهدنا فيمن هديت ‪ ،‬وعافنا فيمن عافيت ‪ ،‬وقنا واصرف عنا شر‬ ‫ماقضيت ‪.‬‬ ‫اللهم الطف بنا في قضائك وهون علينا واربط على قلوبنا‬ ‫آمين ‪ ..‬آمين ‪ ..‬آمين‬

‫‪7‬‬


‫في معرفة حقيقة البالء‬ ‫الابتالء سنة من هللا عز وجل في خلقه ماضية إلى قيام الساعة متالزمة‬ ‫َ ََ‬ ‫َ َ َ‬ ‫ان ِفي ك َبد } [البلد‪]4 :‬‬ ‫وخلق هللا لإلنسان {ل َقد خلق َنا ِإلانس‬ ‫َ ُ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ُ ََ‬ ‫أخبر هللا بها عباده املؤمنين {ل ُتبل ُون ِفي أم َو ِالكم َوأن ُف ِسكم َولتس َم ُعن ِم َن‬ ‫َ َ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫الذ َ‬ ‫ين ُأ ُوتوا الك َت َ‬ ‫ين أش َركوا أذى ك ِثيرا َوِإن‬ ‫اب ِمن قب ِلكم َو ِم َن ال ِذ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫ور (‪[ })511‬آل عمران‪]511 :‬‬ ‫تص ِبروا وتتقوا ف ِإن ذ ِلك ِمن عز ِم ْلام ِ‬ ‫َ َ َ َ َ‬ ‫َََ َُ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ُ ََ‬ ‫ْلان ُ‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫و‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ْلا‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ص‬ ‫ق‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫وع‬ ‫ج‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫ف‬ ‫و‬ ‫خ‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ء‬ ‫ي‬ ‫ش‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫{ ولنبلون ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َوالث َم َرات َو َب ّشر الصابر َ‬ ‫ين } [البقرة‪]555 :‬‬ ‫ِِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫َ َ ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫{ َو َل َنب ُل َون ُكم َحتى َنع َل َم املُ َجاهد َ‬ ‫ين َونبل َو أخ َب َاركم}‬ ‫ين ِمنكم َوالص ِاب ِر‬ ‫ِ ِ‬ ‫[محمد‪]15 :‬‬ ‫َ ُ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ َ‬ ‫َ‬ ‫{ ِإن َيم َسسكم قرح ف َقد َمس ال َقو َم قرح ِمثل ُه َو ِتل َك ْلاي ُام ن َد ِاول َها َبي َن‬ ‫اس} [آل عمران‪]541 :‬‬ ‫الن ِ‬ ‫ُ َ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫اس أن ُيت َركوا أن َي ُقولوا َآمنا َو ُهم ال ُيف َت ُنون (‪})2‬‬ ‫{الم (‪ )5‬أ َح ِس َب الن‬ ‫[العنكبوت‪]2 ،5 :‬‬ ‫يبتلينا هللا عز وجل ليطهرنا ونساق اليه بالبالء سوقا‪ ،‬والبالء يكون على‬ ‫قدر الايمان "يبتلى املرء على قدر دينه فإن كان في دينه صالبة زيد له في‬ ‫البالء "‬ ‫"أشد الناس ابتالء ْلانبياء فاألمثل فاألمثل "‬

‫‪8‬‬


‫وكما هو اختبار وامتحان وتمحيص هو اصطفاء من هللا عز وجل‪َ { :‬ما‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َك َ‬ ‫ان الل ُه ِل َيذ َر املؤ ِم ِن َين َعلى َما أن ُتم َعلي ِه َحتى َي ِم َيز الخ ِبيث ِم َن الط ِّي ِب}‬ ‫[آل عمران‪]541 :‬‬ ‫َ‬ ‫املبتلي ال على إرادة املبتلى‪ ،‬وليس للعبد أن‬ ‫والابتالء يكون على إرادة ِ‬ ‫يختار بالءه وللجنائيين تعبير لطيف "ربنا مش على كيف حد"‬ ‫لم تأت هذه الفطرة من فراغ فقد عالج هذا املعنى ابن القيم في‬ ‫فوائده‪" :‬أشرف ْلاحوال أن ال تختار لنفسك حالة سوى مايختاره لك‬ ‫ويقيمك فيه فكن مع مراده منك وال تكن مع مرادك منه"‬ ‫واسم هللا "الكريم" ‪" ،‬الرحيم" يتجلى ههنا !‬ ‫حين يتعجب النبي من أمر املؤمن "أمره كله خير ‪ ..‬وإن أصابته ضراء‬ ‫صبر فكان خيرا له "‬ ‫"حتى الشوكة يشاكها إال رفع بها درجة وخط بها عنه خطيئة "‬ ‫في بيان جزاء هللا ملا يصيب املؤمن من هم أو غم أو نصب !‬ ‫"الكريم" ‪" ،‬الرحيم"‬ ‫ومشهد آلاخرة خير سلوى ألهل البالء‬ ‫"يود أهل العافية حين يعطى أهل البالء الثواب يوم القيامة لوأن‬ ‫جلودهم كانت قرضت باملقاريض"‬ ‫فيهتف قلب من فهم حقيقة البالء ومنزلته‪:‬‬ ‫"اللهم خذ منا حتى ترض ى"‬ ‫‪9‬‬


‫في ذكر هللا‬ ‫وفي ذكر هللا والعكوف عليه راحة ألهل البالء واملظلومين أال ترى حال‬ ‫يونس في عتمة الحوت كانت سلواه مناجاة به وتسبيحه { َف َلوَال َأن ُه َك َ‬ ‫ان‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ََ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫ِم َن امل َس ِّب ِح َين (‪ )541‬لل ِبث ِفي َبط ِن ِه ِإلى َيو ِم ُيب َعثون (‪[ })544‬الصافات‪:‬‬ ‫‪]544 ،541‬‬ ‫َ‬ ‫ُّ ُ َ َ َ َ‬ ‫َ ّ ُ‬ ‫ََ َ‬ ‫ات أن ال ِإل َه ِإال أن َت ُسب َحان َك ِإ ِني كن ُت ِم َن الظ ِ ِامل َين‬ ‫{فنادى ِفي الظلم ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫(‪ )14‬فاس َت َجب َنا ل ُه َونجي َن ُاه ِم َن الغ ِ ّم} [ْلانبياء‪]11 ،14 :‬‬ ‫والنبي صلى هللا عليه وسلم يمسح بيده على قلب املهمومين‪" :‬من لزم‬ ‫إلاستغفار جعل هللا له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه‬ ‫من حيث ال يحتسب"‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ َ َ‬ ‫ان غفارا (‪ُ )51‬ير ِس ِل‬ ‫ونادى نوح في قومه أن‪{ :‬اس َتغ ِف ُروا َربكم ِإنه ك‬ ‫ُ َ‬ ‫َُ‬ ‫َ ُ‬ ‫الس َم َاء َعليكم ِمد َرارا (‪َ )55‬و ُيم ِددكم ِبأم َوال َو َب ِن َين َو َيج َعل لكم َجنات‬ ‫َُ َ‬ ‫َو َيج َعل لكم أن َهارا (‪[ })52‬نوح‪]52 - 51 :‬‬ ‫فمن شغل نفسه بذكر هللا فهو في روضة قلبية وراحة نفسيه ومدد‬ ‫رباني ال ينقطع فمن شغل بنفسه شغل عن غيره ومن شغل بربه شغل‬ ‫عن نفسه‪.‬‬ ‫فهو سبيل املؤمنين في دفع ْلالم‪َ { :‬و َل َقد َنع َل ُم َأن َك َيض ُ‬ ‫يق َ‬ ‫صد ُر َك ِب َما‬ ‫ِ‬ ‫َي ُق ُولو َن (‪َ )14‬ف َس ّبح ب َحمد َرّب َك َو ُكن م َن الساجد َ‬ ‫ين (‪[ })11‬الحجر‪،14 :‬‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ ِ‬ ‫‪]11‬‬

‫‪10‬‬


‫فيه تسكين للنفوس وهو عدة املؤمنين عند اللقاء { َيا َأ ُّي َها الذ َ‬ ‫ين َآم ُنوا‬ ‫ِ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ُ ُ‬ ‫ِإذا ل ِق ُيتم ِفئة فاث ُب ُتوا َواذك ُروا الل َه ك ِثيرا ل َعلكم تف ِل ُحون } [ْلانفال‪]45 :‬‬ ‫َ َ َ َ‬ ‫ال ل ُه ُم‬ ‫وفيه تثبيت للقلوب‪ ،‬وهو مالذ للمستضعفين الخائفين‪{ :‬ال ِذين ق‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َُ َ َ‬ ‫الن ُ‬ ‫اس قد َج َم ُعوا لكم فاخشو ُهم ف َز َاد ُهم ِإ َيمانا َوقالوا‬ ‫اس ِإن الن‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫َحس ُب َنا الل ُه َو ِنع َم ال َو ِك ُ‬ ‫يل (‪ )541‬فان َقل ُبوا ِب ِنع َمة ِم َن الل ِه َوفضل} [آل‬ ‫عمران‪]544 ، 541 :‬‬ ‫"من اشتغل باهلل عن نفسه كفاه هللا مؤونة نفسه ‪ ،‬ومن اشتغل باهلل‬ ‫عن الناس كفاه هللا مؤونة الناس ‪ ،‬ومن اشتغل بنفسه عن هللا وكله‬ ‫هللا إلى نفسه ومن اشتغل بالناس عن هللا وكله هللا اليهم"‬ ‫َ ُ ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫وفصل الخطاب قول رب ْلارباب { فاذك ُرو ِني أذكركم} [البقرة‪]552 :‬‬ ‫فيا سعده من ناله هذا الشرف وكان من أهل تلك الرعاية‬ ‫فأي هم يهمه ؟‬ ‫وأي أذى يلمه ؟‬ ‫أم أي ألم يشغله ؟‬ ‫فقد شغل بمن هو أعلى وأجل وأعظم ‪..‬‬ ‫هللا أكبر وأكرم ‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫في الصبر‬ ‫وهو حبس النفس على ماتكره وهو انجع دواء ألهل البلوى واملظلومين‬ ‫ويكون بإلزام النفس وترويضها على مقارعة الباليا والتجلد أمام‬ ‫الخطوب فالصبر بالتصبر ‪ ،‬ومن قبل ذلك هو مدد وعون من هللا‬ ‫{ َواصبر َو َما َ‬ ‫صب ُر َك ِإال ِبالل ِه} [النحل‪ ]524 :‬وهو خطاب هللا للنبي‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫{ َفاصبر ك َما َ‬ ‫ص َب َر أولو ال َعزم ِم َن ُّ‬ ‫الر ُس ِل } [ْلاحقاف‪ ]15 :‬وخطابه تعالى‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َُّ‬ ‫ُ َ َ ُ ََ ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫للفئة املؤمنة { يا أيها ال ِذين آمنوا اص ِبروا وص ِابروا ور ِابطوا} [آل عمران‪:‬‬ ‫‪]211‬‬ ‫ََ‬ ‫َ َ َ ََ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫اش ِع َين } [البقرة‪:‬‬ ‫{واست ِعينوا ِبالصب ِر والصال ِة وِإن َها لك ِب َيرة ِإال على الخ ِ‬ ‫‪]45‬‬ ‫ين َآم ُنوا اس َتع ُينوا بالصبر َوالص َالة إن الل َه َم َع الصابر َ‬ ‫{ َيا َأ ُّي َها الذ َ‬ ‫ين}‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫[البقرة‪]551 :‬‬ ‫َ‬ ‫ُ ّ‬ ‫وهو ديدن ْلانبياء { َو َل َقد ُك ّذ َبت ُر ُسل من َقبل َك َف َ‬ ‫ص َب ُروا َعلى َما ك ِذ ُبوا‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ ُ‬ ‫َ َ‬ ‫ََ‬ ‫َوأوذوا َحتى أت ُاهم نص ُرنا} [ْلانعام‪]14 :‬‬ ‫َ‬ ‫وهو وصف هللا لنبيه أيوب {إنا َو َجد َن ُاه َ‬ ‫ص ِابرا ِنع َم ال َعب ُد ِإن ُه أواب} [ص‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫‪]44‬‬ ‫وسلوى يعقوب عن فقد حبيبه يوسف { َف َ‬ ‫صبر َج ِميل} [يوسف‪، 51 :‬‬ ‫‪]11‬‬ ‫وصبره جميل ألنه كان بال شكوى‬ ‫وحال املؤمنين { َوالصابر َ‬ ‫ين َع َلى َما َأ َ‬ ‫ص َاب ُهم} [الحج‪]15 :‬‬ ‫ِِ‬ ‫‪12‬‬


‫وسبيل الرفعة والتمكين { َو َج َعل َنا من ُهم َأئمة َيه ُدو َن ب َأمرَنا َملا َ‬ ‫ص َب ُروا}‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫[السجدة‪]24 :‬‬ ‫وغاية املظلوم ينتلها بالصبر { َو َما ُي َلق َاها إال الذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫ص َب ُروا } [فصلت‪]15 :‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ض لل ه ُ‬ ‫ْلار َ‬ ‫ور ُث َها َمن‬ ‫ي‬ ‫ونداء موس ى لقومه {اس َت ِع ُينوا ِبالل ِه َواص ِب ُروا ِإن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َيش ُاء ِمن ِع َب ِاد ِه َوال َعا ِق َبة ِلل ُمت ِق َين } [ْلاعراف‪]521 :‬‬ ‫ص َبرُتم َل ُه َو َخير للصابر َ‬ ‫وعاقبة الصبر يخبرنا عنها رب العاملين‪َ { :‬و َلئن َ‬ ‫ين}‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫[النحل‪]521 :‬‬ ‫{ ُثم إن َرب َك للذ َ‬ ‫ين َه َ‬ ‫اج ُروا من َبعد َما ُفت ُنوا ُثم َج َاه ُدوا َو َ‬ ‫ص َب ُروا ِإن َرب َك‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِمن َبع ِد َها لغ ُفور َر ِحيم (‪[ })551‬النحل‪]551 :‬‬ ‫اج ُروا في الله من َبعد َما ُظل ُموا َل ُن َب ّو َئن ُهم في ُّ‬ ‫{ َوالذ َ‬ ‫ين َه َ‬ ‫الدن َيا َح َس َنة‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َو َألج ُر آلاخ َرة أك َب ُر لو كانوا َيعل ُمون (‪ )45‬الذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫ص َب ُروا َو َعلى َرِّب ِهم‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ُ َ‬ ‫َي َت َوكلون (‪[ })42‬النحل‪]42 ،45 :‬‬ ‫ُ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ون أج َر ُهم ِبغي ِر ِح َساب }‬ ‫وياقوتة تاج جزاء الصابرين { ِإن َما ُي َوفى الص ِابر‬ ‫[الزمر‪]51 :‬‬ ‫أنر عتمة السجن بنوره "الصبر ضياء"‬ ‫وداو ألم البالء بترياق الصبر‬ ‫وقل يا قلب هذا طوق نجاتك‬ ‫وسبيل خالصك‬ ‫واطرق باب الذل متضرعا وقل‪َ :‬رب َنا َأفرغ َع َلي َنا َ‬ ‫صبرا‬ ‫ِ‬ ‫‪13‬‬


‫في الدعاء‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫هو سالح املظلوم {ف َد َعا َرب ُه أ ِني َمغلوب فان َت ِصر} [القمر‪ ]51 :‬وهو‬ ‫رحمة من هللا لعباده ‪ ،‬خاصة ألهل البالء واملحن "ال يرد القدر إال‬ ‫ُّ َ َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫الض ُّر َوأن َت أر َح ُم‬ ‫الدعاء" وهو مهرب أيوب { ِإذ ن َادى َرب ُه أ ِني َمس ِن َي‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الر ِاح ِم َين (‪ )11‬فاس َت َجب َنا ل ُه } [ْلانبياء‪]14 ،11 :‬‬ ‫وقد أجاب الحبيب أحد أصحابه حين سأله أقريب ربنا فنناجيه أم‬ ‫َ‬ ‫بعيد فنناديه ‪َ { ...‬وإ َذا َس َأ َل َك ِع َب ِادي َع ّني َفإ ِّني َقريب ُأج ُ‬ ‫يب َدع َوة الد ِاع‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِإذا َد َع ِان فل َيس َت ِج ُيبوا ِلي} [البقرة‪]511 :‬‬ ‫اركض إليه رب كريم‬ ‫واطرح همومك وآالمك على أعتابه‬ ‫اشك اليه واطرق باب الذل والانكسار‬ ‫حاشاه يرد السائلين‬ ‫جرب نياحة الثكلى‬ ‫وإلحاح الصبيان‬ ‫وذل محتاج يتيم‬ ‫وقل لن أبرح بابك حتى تنصرني ‪..‬‬ ‫حتى تشفي صدري‬ ‫حتى تزيل همي ‪ ..‬فمن لي غيرك يا رحيم ‪ ..‬يارحيم ‪ ..‬يا رحيم‬

‫‪14‬‬


‫الاستغراق في العبادة‬ ‫الانشغال بألوان الطاعات وصرف النفس إليها خير تسلية للمصاب‬ ‫قال طبيب القلوب صلى هللا عليه وسلم "عليكم بالجهاد في سبيل هللا‬ ‫فإنه باب من أبواب الجنة يذهب هللا به الغم والهم" ولألسير النية ‪،‬‬ ‫يعافى من الجهد وينال ْلاجر ويستحق بشارة النبي ‪{ ،‬اس َت ِع ُينوا ِبالصب ِر‬ ‫َ‬ ‫َوالصال ِة} [البقرة‪]551 :‬‬ ‫وليس املقصود تعديد أنواع العبادات وربطها بالتهوين على املصاب‬ ‫والربط على قلب أهل البالء وتثبيت املظلومين فقط ‪ ..‬إنما املقصود‬ ‫حقيقة هو الوصول لتلك الحالة التي كان فيها التابعي عروة بن الزبير‬ ‫حين أصابت قدمه "غرغرينة" ونصحه ْلاطباء بتناول مسكر يذهب‬ ‫عقله حتى يقطعوا تلك القدم تخفيفا لأللم الذي سيلحقه جراء القطع‬ ‫‪( ،‬الحظ ! ال يوجد أدوات جراحيه أو غرفة عمليات مجهزه أو ‪)...‬‬ ‫ورفض عروة تناول املسكر وأخبرهم أنه سيدخل في صالة وعندما يبلغ‬ ‫السجود فليعملوا على قطع قدمه املصابة ‪ ،‬وبالفعل لم يشعر عروة‬ ‫بالقطع الا بعد ان سكبوا زيتا مغليا ليلتأم جرحه !!‬ ‫تلك حالة مسلمة بن يسار حين انهدمت طائفة من املسجد وهو يصلي‬ ‫فيه فلم يشعر أن اسطوانه املسجد قد انهدمت !‬ ‫وجابر بن عبد هللا كره أن يقطع صالته بسورة الكهف رغم اصابته‬ ‫بسهام العدو أثناء نوبة حراسته ‪..‬‬ ‫والامام البخاري يخرج مع قومه الى حائط مزرعة فقام يصلي بالناس‬ ‫الظهر فلما فرغ قام بتطوع فلما فرغ من تطوعه رفع ثوبه وقال لبعض‬ ‫‪15‬‬


‫من معه ‪ :‬انظروا هل ترون تحت قميص ي شيئا ؟ فإذا زنبور قد أبره في‬ ‫ستة عشر موضعا وتورم ذلك من جسده فقال بعض القوم ‪ :‬كيف لم‬ ‫تخرج من الصالة في أول ذلك ؟ قال كنت في سورة فأحببت أن أتمها !!‬ ‫ويتعجب إلامام جعفر الصادق فيقول ‪" :‬إن هللا خلقنا وأراد بنا أشياء‬ ‫وأراد منا أشياء ‪ ،‬فما أراده بنا طواه عنا وما أراده منا أظهره لنا ‪،‬‬ ‫فمابالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا ؟!"‬ ‫اخرج من دائرة ْلانا‬ ‫إلى فضاء هو‬ ‫ودع جسدك في ْلارض‬ ‫وحلق مع أسراب العابدين‬ ‫اعبر بحر الهموم وْلالم‬ ‫على سفينة الرض ى والتسليم ‪ ..‬والفناء في عبادة رب العاملين ‪..‬‬ ‫ففروا إلى هللا ‪..‬‬

‫‪16‬‬


‫في مطالعة مصارع الظاملين‬ ‫ففيه شفاء لقلب املظلوم وتثبيتا له لعلمه بنهاية ظامله وعبرة للظالم‬ ‫لعله يرجع ‪ ،‬وليرتدع غيره من أن يسلك سيرته في الظلم ‪..‬‬ ‫ال تظلمن إذا ماكنت مقتدرا‬ ‫فالظلم ترجع عقباه إلى الندم‬ ‫تنام عينك واملظلوم منتبه‬ ‫يدعوا عليك وعين هللا لم تنم‬ ‫"فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث "‬ ‫"قل سيروا في ْلارض فانظروا كيف كان عاقبة املجرمين"‬ ‫وتذخر الكتب بقصص نهايات الظاملين وسمعنا من أرباب السجون‬ ‫الكثير منها ‪ ،‬إال أن أجمل ماسمعته في ذلك قصة ‪" :‬حميدة مات"‬ ‫حبس الحاج إبراهيم املصري في دمنهور في سجن ْلابعديه عام ‪5115‬‬ ‫وفي الاستقبال عذبه مخبر يدعى حميدة وكان مشهورا عنه تعذيب‬ ‫إلاخوان تعذيبا شديدا حتى أنه وصل ملرحلة طحن الطعام باملاء‬ ‫ليستطيع تناوله من شده ما أصابه ‪..‬‬ ‫مات حميده بالسرطان بعد رحلة عذاب مع مرضه ‪..‬‬ ‫وفي أحداث الانقالب العسكري ‪ 2151‬اعتقل ْلاستاذ ابراهيم واودع في‬ ‫سجن ْلابعديه وامام النيابة التي حضرت الى السجن لتجديد حبسه‬

‫‪17‬‬


‫حكى القصة وهو يصرخ أمام وكيل النيابة‬ ‫حميدة مات ‪ ..‬حميدة مات ‪..‬‬ ‫حتى بكى كاتب النيابة ولم يستطع إنهاء املحضر !!‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ََ ُُ َ َ‬ ‫ف َك َ‬ ‫ان َعاق َب ُة الذ َ‬ ‫{ َأ َف َلم َي ِس ُ‬ ‫ين ِمن قب ِل ِهم‬ ‫ض فينظروا كي‬ ‫ْلا‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫وا‬ ‫ير‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َ ََ ُ ََ َ ُ َ َ‬ ‫ََ َ َ َ ُ َ َ ُ‬ ‫ض فما أغنى عنهم ما كانوا‬ ‫كانوا أكثر ِمنهم وأشد قوة وآثارا ِفي ْلار ِ‬ ‫َيكس ُبو َن ‪َ ....‬و َخس َر ُه َنال َك ال َكاف ُر َ‬ ‫ون} [غافر]‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫‪18‬‬


‫في استحضار حال أهل إلايمان والسبق في التعامل مع البالء واملحن‬ ‫َُ‬ ‫َُ‬ ‫{ َو ُك ًال َن ُق ُّ‬ ‫ص َع َلي َك ِمن َأن َب ِاء ُّ‬ ‫الر ُس ِل َما نث ِّب ُت ِب ِه فؤ َاد َك } [هود‪]521 :‬‬ ‫أسلوب محمدي فريد في الربط على قلوب املمتحنين أجاب به صحابي‬ ‫استصرخه يا رسول هللا!‬ ‫أال تدعو لنا ‪ ..‬أال تستنصر لنا ؟‬ ‫قال "إنه كان من قبلكم يؤتى بالرجل فينشر باملناشير ال يزحزحه ذلك‬ ‫عن دينه"‬ ‫وأين نحن من صبر املرأة التي جاءت النبي تشكوه التكشف من صرع‬ ‫يصيبها فخيرها إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت ولك الجنة "قالت‬ ‫بل أصبر" !‬ ‫ومن إيمان سحرة فرعون وثباتهم حال النطق بالحكم من الطاغوت‬ ‫{ َفاقض َما َأن َت َقاض إن َما َتقض ي َهذه ال َح َي َاة ُّ‬ ‫الدن َيا } [طه‪]42 :‬‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫فالصديق يوسف يستمر في دعوته رغم سجنه وظلمه‬ ‫وإلامام السرخس ي أنجز املجلدات في قعر جب حبس فيه‬ ‫وابن ْلاثير أقعد فصنف جامع ْلاصول‬ ‫والامام بن تيمية أخرج الكثير من درره في السجن‬ ‫ولم يبالي بقيده "ماذا يفعل اعدائي بي ‪ ،‬ان سجنوني فسجني خلوة وإن‬ ‫نفوني فنفي سياحة وإن قتلوني فقتلي شهادة !"‬

‫‪19‬‬


‫وعلى الدرب ينير ثبات زينب الغزالي وعبد القادر ��ودة وفرغلي وهواش‬ ‫وسيد قطب الذي وقف على منصة إلاعدام يرفض تقديم التماسا‬ ‫للهالك عبد الناصر قائال "إن الاصبع الذي يشهد هلل بالوحدانيه يرفض‬ ‫أن يكتب كلمة يقر بها حكم طاغية ‪ ،‬لن اعتذر عن العمل مع هللا"‬ ‫{ َو َك َأ ّين من َنب ّي َق َات َل َم َع ُه رّب ُّيو َن َكثير َف َما َو َه ُنوا ملَا َأ َ‬ ‫ص َاب ُهم ِفي َس ِب ِيل الل ِه‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َو َما َ‬ ‫ض ُع ُفوا َو َما استكانوا َوالله ُيح ُّب الصابر َ‬ ‫ين } [آل عمران‪]541 :‬‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ديدن أهل الحق ‪ :‬الثبات أمام عواصف الابتالء‬ ‫والصبر على أمواج املحن‬ ‫والتترس بدروع الرض ى والتسليم أمام سهام القدر ‪ ..‬مستعلين بإيمانهم‬ ‫رغم ْلالم والجراح ‪ ،‬تظلهم من لفيح نار الظلم صرخة شهيد الظالل‬ ‫أال هانت الدنيا ‪ ..‬وهان العذاب‬ ‫وهان ْلالم ‪ ..‬وهان كل غال ونفيس‬ ‫في سبيل نظرة رض ى من هللا العزيز‬ ‫الودود ذو العرش املجيد ‪..‬‬

‫‪20‬‬


‫في خدمة أهل البالء‬ ‫وفي خدمة أهل البالء والسعي في حاجاتهم عون وسلوى "كان هللا في‬ ‫عون العبد ماكان العبد في عون أخيه " ومن منا ال يحتاج عون هللا ؟‬ ‫وفيه تسلية للمبتلى وشغل لوقته ومعايشة ملن هو أشر منه بالء فيصبر‬ ‫ويشكر ويرض ى ‪ ،‬وشغل لذهنه وفكره فال يقف عند لحظات ْلالم‬ ‫تنغص عليه حياته وتكبل قدراته ‪..‬‬ ‫ولنا في والدة الشهيد عبد هللا عادل أسوة وهي ْلاخت الصابرة ْلاستاذة‬ ‫عبير طلعت والتي رغم استشهاد ابنها في مجزرة رابعة استمرت في عملها‬ ‫الخدمي تسعى في حاجات املعتقلين وتتابعهم وتواس ي امهات الشهداء‬ ‫واملصابين ‪..‬‬ ‫ودائما مايمر يوم السجن سريعا في يوم "الخدمة" وهو يوم خدمة ْلاخوه‬ ‫املعتقلين في الزنزانة من اعداد الطعام وغسل الصحون ومتابعة‬ ‫البرنامج و ‪...‬‬ ‫وفيه توفيق من هللا للعبد في كل أموره "كال وهللا ال يخزيك هللا ابدا"‬ ‫قالته خديجة لزوجها صلى هللا عليه وسلم "انك لتصل الرحم وتحمل‬ ‫الكل وتكسب املعدوم وتعين على نوائب الدهر"‬ ‫وقد وضع م ‪ .‬محمد العصار وهو من املسجونين في زمان الهالك عبد‬ ‫الناصر ومن أهل املحنة والبالء ‪ .‬وضع قانونا في سجنه وعممه على كل‬ ‫حياته سمعته منه في اعتقاله ْلاخير في أحداث الانقالب العسكري‬ ‫‪ 2151‬بسجن ْلابعدية ‪:‬‬ ‫"طيبوا للناس معايشهم"‬ ‫‪21‬‬


22


‫في استصغار أمر الدنيا‬ ‫ُ‬ ‫تهون مصائب الدنيا وبالياها على من عرف حقيقتها { َو َما َه ِذ ِه ال َح َياة‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫ُّ‬ ‫الدن َيا ِإال لهو َول ِعب َوِإن الد َار آلا ِخ َرة ل ِه َي ال َح َي َو ُان لو كانوا َيعل ُمون}‬ ‫[العنكبوت‪]14 :‬‬ ‫"لو كانت الدنيا تعدل عند هللا جناح بعوضة ماسقى الكافر منها شربة‬ ‫ماء"‬ ‫فمن صغرت في عينيه الدنيا صغر عنده مصابها وهان كل ألم وبالء‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫وعذاب يقابله في طريق الباقية { َوآلا ِخ َرة خير َوأب َقى} [ْلاعلى‪،]54 :‬‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫{ َوللد ُار آلا ِخ َرة خير} [ْلانعام‪]12 :‬‬ ‫فمن هذا آلانس بسجنه "الدنيا سجن املؤمن وجنة الكافر" ؟‬ ‫املهتم ألمرها "الدنيا ملعونة ‪ ،‬ملعون مافيها" !‬ ‫ستمر لحظات ْلالم سريعا ويبقى أجرها‬ ‫ونرقى في الجنان على سلم البالء‬ ‫ونتسامر بظلم الظاملين لنا‬ ‫على مائدة ‪..‬‬ ‫صاحبها الرسول‬ ‫ّ‬ ‫وجالسها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫{ ُهم ِف َيها خ ِال ُدون} [البقرة‪]12 :‬‬

‫‪23‬‬


‫{ َال َي َم ُّس ُهم ف َيها َن َ‬ ‫صب} [الحجر‪]41 :‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ََ‬ ‫{ َوقالوا ال َحم ُد ِلل ِه ال ِذي أذ َه َب َعنا ال َح َزن ِإن َرب َنا لغ ُفور شكور} [فاطر‪:‬‬ ‫‪]14‬‬

‫‪24‬‬


‫في معرفة مآل وتبعات الطريق‬ ‫فمن عرف ان الدنيا دار بالء ‪ ،‬وان طريق الحق ليس مفروشا بالورود ‪،‬‬ ‫اصوا بال َح ّق َو َت َو َ‬ ‫وأن البالء ألهل الحق عادة وسنة { َو َت َو َ‬ ‫اصوا ِبالصب ِر}‬ ‫ِ ِ‬ ‫[العصر‪ ]1 :‬ويصرخ ابن القيم ‪:‬‬ ‫يا مخنث العزم أين أنت والطريق‬ ‫طريق تعب فيه آدم ‪ ،‬وناح ألجله نوح‬ ‫ورمي في النار الخليل ‪ ،‬واضطجع للذبح اسماعيل‬ ‫وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين‬ ‫ونشر باملنشار زكريا ‪ ،‬وذبح السيد الحصور يحيى‬ ‫وقاس ى الضر أيوب وزاد على املقدار بكاء داود‬ ‫وسار مع الوحش عيس ى وعالج الفقر وأنواع ْلاذى محمد صلى هللا عليه‬ ‫وسلم‬ ‫فمن أدرك ذلك استقبل البالء واملحنة بنفس راضية مستعدة فاملحب‬ ‫ال يرى طول الطريق ألن‬ ‫ملقصود يعينه ومن الح له مآل طريق الحق ونهايته "وهللا ليتمن هذا‬ ‫ْلامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ال يخش ى الا هللا‬ ‫والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"‬ ‫"‪ ..‬ثم تكون خالفه على منهاج النبوة" هانت عليه مشقة السير فيه‬ ‫ووعد هللا منجز ال محالة وبشارة رسوله محققة‬ ‫‪25‬‬


‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ض لل ه ُ‬ ‫َ‬ ‫ور ُث َها َمن َيش ُاء ِمن ِع َب ِاد ِه َوال َعا ِق َبة ِلل ُمت ِق َين} [ْلاعراف‪:‬‬ ‫ي‬ ‫ْلا‬ ‫{ ِإن ر ِ ِ ِ‬ ‫‪]521‬‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫ََ‬ ‫{ك َت َب الل ُه ألغ ِل َبن أنا َو ُر ُس ِلي} [املجادلة‪]25 :‬‬ ‫ّ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫{ َو َل َقد َك َتب َنا في الزُ‬ ‫ْلار َ‬ ‫ض َي ِرُث َها ِع َب ِاد َي الص ِال ُحون}‬ ‫الذك ِر أن‬ ‫ب‬ ‫ور ِمن بع ِد ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫[ْلانبياء‪]515 :‬‬ ‫"ليبلغن هذا ْلامر ما بلغ الليل والنهار"‬ ‫وأجمل مايثلج صدر املكروب ويشفي ألم املغلوب‬ ‫وينير ليل املظلوم‬ ‫ُ‬ ‫َ َ‬ ‫ين َأج َر ُموا َو َك َ‬ ‫{ َفان َت َقم َنا م َن الذ َ‬ ‫ان َح ًقا َعلي َنا نص ُر املؤ ِم ِن َين } [الروم‪]44 :‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫‪26‬‬


‫في النظر إلى الجانب املشرق من البالء واملحنة‬ ‫دائما ‪..‬‬ ‫في طيات ْلالم ‪ ..‬يكون ْلامل‬ ‫ويعقب الليل نهار مشرق‬ ‫وتولد املنحة من رحم املحنة‬ ‫ويكون البالء حفظا من بالء أشد‬ ‫والكثير من املجاهدين ينظرون إلى البالء على أنه منحة من هللا وهدية‬ ‫حتى تعجب من حالهم !‬ ‫على خطى عروة ساروا !!‬ ‫كان لعروة بن الزبير اربعة ابناء مات اصغرهم في حظائر خيل الخليفة‬ ‫وقطعت قدمه إلصابتها "بالغرغرينة" فيقول اللهم وان كنت اخذت‬ ‫واحدا فقد ابقيت لي ثالثة ابناء وان كنت أخذت طرفا فقد ابقيت لي‬ ‫ثالثة فلك الحمد !‬ ‫ووهب بن منبه يمر برجل مبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان وهو يقول‬ ‫الحمد هلل على نعمته فقال له رجل من اصحاب وهب ‪ :‬أي ش يء بقى‬ ‫عليك من النعمة تحمد هللا عليها ؟ فقال املبتلى ‪:‬‬ ‫ارم ببصرك إلى أهل املدينة فانظر إلى كثرة أهلها اوال احمد هللا انه ليس‬ ‫فيها أحد يذكره غيري!‬

‫‪27‬‬


‫اللهم وإن منعت فقد أعطيت‬ ‫وحين تعطي تعطي الكثير‬ ‫وإن أخذت فقد أبقيت‬ ‫ُ ُ‬ ‫وحين تبقي تبقي الكثير‬ ‫وإن ظهر عيب لنا فقد سترت‬ ‫وإن سترت فأنت تستر الكثير‬ ‫فالحمد هلل ‪ ..‬الحمد هلل ‪ ..‬الحمد هلل‬

‫‪28‬‬


‫وبعد ‪..‬‬ ‫فهذه بعض املعينات بإذن هللا على استقبال البالء واملحنة ‪ ،‬إال أنه‬ ‫ينقصها الكثير من املراجعة والتنقيح والزيادة لظروف كتابتها املفتقدة‬ ‫ملرجع‬ ‫ودرة تلك املعينات هي الفزع إلى هللا بالقرآن وهو ماذكر في دعاء تفريج‬ ‫الهموم الذي أورده ابن القيم في فوائده "اللهم اني عبدك وابن عبدك‬ ‫وابن امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك اسألك بكل‬ ‫اسم هو لك سميت به نفسك او انزلته في كتابك او علمته احد من‬ ‫خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك ان تجعل القرآن العظيم‬ ‫ربيع قلبي ونور صدري وجالء حزني وذهاب همي وغمي"‬ ‫ثم أخ يشاركك محنتك وبالئك‬ ‫تتشاركان آلامال وآلاالم ‪ ..‬يجفف دمعك وتمسح آثار جرحه‬ ‫يدعو لك وتدعو له ‪ ،‬يجمعكما قيد وزنزانة أو لحظات ألم وعذاب‬ ‫تتسامران بها سويا وتتذاكرونها "اخوان على سرر متقابلين" وهو ماأنوي‬ ‫كتابة رسالة خاصة بهذا ْلامر مما اتعلمه واسمعه من اساتذتي واخواني‬ ‫واعايشهم فيه ‪..‬‬ ‫وأتمنى من هللا أن تصل هذه الرسالة إلى إخواني ْلاسرى في سجون‬ ‫الانقالب وذويهم ‪ ،‬وتيجان الرؤوس وقرة العيون أمهات الشهداء‬ ‫والصابرين من املصابين وأهل البالء عامة ‪..‬‬

‫‪29‬‬


‫كما أتمنى أن يكتبوا هم عن الامور التي وفقوا اليها وكانت سلوى لهم في‬ ‫بالئهم ومحنتهم ‪..‬‬ ‫إخواني املرابطين في ميادين الحرية‬ ‫حفظكم هللا‬ ‫أيدكم هللا‬ ‫آواكم هللا‬ ‫نصركم هللا وثبتكم وربط على قلوبكم ‪..‬‬ ‫* ألزم من قرأ هذه الرسالة بالدعاء لي بالثبات وأن يرزقني هللا الشهادة‬ ‫في سبيله وإن كنت ال أستحقها‪.‬‬

‫ْلاسير ‪ /‬عمر هالل‬

‫‪30‬‬


Salwa