Issuu on Google+

‫العدد ‪88‬‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫املناطق املحررة‬ ‫حتتاج ملجال�س تديرها‬ ‫ال ت�سيطر عليها‬ ‫�صرب دروي�ش‬

‫من هو الديكتاتور؟‬ ‫�شتاء النازحني‬ ‫�سيا�سات اوباما‬ ‫الرقيب اخلالد‬ ‫عرفت اجلحيم‬

‫ال يكف ال�سوريون عن البحث عن رهانات تتعلق مب�ستقبلهم‬ ‫املقبل‪ ،‬وخ�صو�ص ًا بعد �أن حتول ال�صراع يف �سوريا من ثورة �إىل‬ ‫حرب �أهلية تزداد ق�سوتها وعنفها يوم ًا بعد يوم‪.‬‬ ‫كان الرهان يف �أن ن�شبه من �سبقونا يف �إ�سقاط طغاتهم‪،‬‬ ‫فينتف�ض ال�شعب ب�ضعة �أ�شهر وتنحاز م�ؤ�س�سة اجلي�ش �إىل‬ ‫ال�شعب –كما حدث يف تون�س وم�صر‪ -‬وتبدا مرحلة جديدة‬ ‫من التغيري‪ ،‬ف�شل الرهان‪ ،‬وانحاز اجلي�ش �إىل زعيمه‪ ،‬ودخلت‬ ‫البالد يف �أتون حرب من املعروف جيد ًا كيف ومتى بد�أت‪ ،‬بيد‬ ‫�أنه من ال�صعب التنب�ؤ بخواتيمها‪.‬‬ ‫وتوجه ال�شعب املنتف�ض فيما بعد �إىل دول العامل املتمدن‪،‬‬ ‫وراهن على فل�سفتهم يف حق ال�شعوب بتقرير م�صريها‪ ،‬وخذل‬ ‫ال�شعب املذبوح مرة �أخرى؛ وتوجه �إىل الغيب‪ ،‬وخذله الغيب‬ ‫م��رة ثالثة؛ فكان الب��د واحل��ال كذلك من �إع��ادة االعتبار‬ ‫للرهانات من جديد‪.‬‬ ‫على هذه القاعدة بالتحديد‪ ،‬بد�أت قوى الثورة ال�سورية‬ ‫ب�إعادة االعتبار لقواها الذاتية وحتديد ًا تلك التي ماتزال‬ ‫داخل البالد‪ ،‬وبد�أت بالبحث عن �إمكانيات جديدة للخروج‬ ‫من هذا النفق‪ ،‬واالنتقال بالبالد �إىل ب ّر الأمان‪ .‬وقد بدا �أن‬ ‫ال�سيطرة على املدن املحررة وح�سن �إدارة �ش�ؤنها ومنع ت�سرب‬ ‫الفو�ضى �إليها‪ ،‬واحد ًا من �أهم الرهانات املطروحة على قوى‬ ‫الثورة‪.‬‬ ‫ال �أحد ينكر اليوم التخبط الذي �أ�صاب الثوار يف �إدارة‬ ‫مدنهم املحررة‪ ،‬فقد وجد املدنيون �أنف�سهم وجه ًا لوجه �أمام‬ ‫مهام مل تكن تخطر على بال حتى احلاملني منهم‪ ،‬فج�أة مل يعد‬ ‫من �سلطة للدولة وم�ؤ�س�ساتها على ع�شرات املدن ال�سورية‪،‬‬ ‫وفج�أة كان على ال�سوريني �أن يبتكروا �سلطاتهم البديلة‪.‬‬ ‫وكانت امل�صاعب التي واجهت قوى الثورة ال تعد وال حت�صى‪،‬‬ ‫لي�س �أولها رحيل ق�سم كبري من الكوادر املتعلمة‪ ،‬والق�صف‬ ‫اليومي والدائم على هذه امل��دن والبلدات‪ ..‬ولي�س �آخرها‬ ‫رغبة بع�ض الت�شكيالت الع�سكرية املعار�ضة يف ب�سط هيمنتها‬ ‫على املدنيني‪ ،‬واال�ستحواذ على �سلطة مل تولد بعد‪ ،‬كما‬ ‫حدث ويحدث يف الرقة اليوم ويف �شمال �سوريا عموم ًا‪ .‬يقول‬ ‫ال�سيد ماجد �أبو علي وهو �أحد امل�س�ؤولني الطبيني يف دوما‪" :‬‬ ‫�أن املناطق املحرر بحاجة �إىل جمال�س لتديرها ال لتحكمها‬ ‫وتتخذ عنها ق��رارات �سيا�سية‪� ..‬إن �إدارة املناطق املحررة‬ ‫حتتاج كفاءات و�شهادات وخربات وكل يف اخت�صا�صه‪ ،‬بغ�ض‬ ‫النظر عن امل�شارب ال�سيا�سية لهذه الكفاءات‪ ،‬وبالتايل يتطلب‬ ‫ما ي�شبه حكومة تكنوقراط م�صغرة لكل منطقة ولي�س‬ ‫رئا�سة وحكم وم�شيخة و �إمارة‪." ..‬‬

‫التتمة �صفحة‪..2 ..‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫�سالم ال�سعدي‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫�شتاء النازحني‪� :‬سوريون يواجهون ال�صقيع يف العراء‬

‫على �أبواب ف�صل ال�شتاء‪ ،‬ي�ستعد ال�سوريون‬ ‫بقلق كبري‪ ،‬ملواجهة كارثة ال�صقيع والتدفئة‬ ‫يف �سورية‪ .‬فمع قلة ذات اليد‪ ،‬ومعاناة النزوح‪،‬‬ ‫والإق��ام��ة يف م�ساكن بائ�سة مفتوحة على‬ ‫العراء‪ ،‬ومع غياب احلد الأدن��ى من خدمات‬ ‫الدولة‪ ،‬ينتظر ال�سوريني الكثري من ال�صقيع‬ ‫واملر�ض‪ ،‬والقليل من الدفء والعافية‪.‬‬ ‫يف غرفة بائ�سة (على العظم)‪ ،‬واجه‬ ‫�أبو معن‪ ،‬النازح من مدينة داريا �إىل �صحنايا‬ ‫قبل عام‪ ،‬وحول �شتاء العام املا�ضي و�أمرا�ضه‬ ‫و�صقيعه‪ .‬ي�ستذكر ال�شاب الثالثيني مبرارة‪،‬‬ ‫معاناته وعائلته مع ق�سوة الظروف املناخية‬ ‫يف ذلك ال�شتاء القار�ص‪ ،‬يقول �أبو معن م�شري ًا‬ ‫�إىل نوافذ البيت‪ ،‬وهي فتحات يف اجلدار‪« :‬هل‬ ‫ميكن ملرء �أن يتخيل �أنني ق�ضيت مع �أطفايل‬ ‫�شتا ًء ك��ام� ً‬ ‫لا يف غرفة م��ن دون ن��واف��ذ‪ ،‬ومن‬ ‫دون و�سيلة تدفئة؟!»‪ ،‬ويتابع جميب ًا‪« :‬نعم‪،‬‬ ‫ح�صل ذلك‪ ،‬لقد كنت �أغلق النوافذ بالنايلون‬ ‫والبال�ستيك‪ ،‬كانت ت�صمد �ساعات فقط‪ ،‬قبل‬ ‫�أن تع�صف بها الرياح العاتية‪ ،‬وكنا نتدف�أ على‬ ‫الأعواد التي اجمعها من ال�شارع‪ .‬وكم يرعبني‬ ‫اليوم‪� ،‬أن �أ�سابيع فح�سب‪ ،‬باتت تف�صلنا عن‬ ‫جتدد املعاناة»‪.‬‬ ‫�أبو معن لي�س حالة خا�صة‪ ،‬وهو ال�سوري‬ ‫ال��ذي فقد منزله‪ ،‬وم�صدر عي�شه‪ ،‬وجل��أ �إىل‬ ‫ع��م��ارة قيد ال��ب��ن��اء‪ ،‬ب��ل ي��وج��د امل�لاي�ين من‬ ‫ال�سوريني ممن يعي�شون يف مناطق النظام‪،‬‬ ‫وي��ك��اب��دون م��ع��ان��ا ًة مماثلة‪ .‬ه��ذا ف�ض ًال عن‬ ‫ماليني �أخرى يف املناطق املحررة ممن حتطمت‬ ‫�أب��واب منازلهم ونوافذها‪ ،‬وانفتحت ب�صورة‬ ‫م��ف��زع��ة ع��ل��ى ال���ع���راء‪ ،‬فيما مي��ن��ع احل�صار‬ ‫لرتميم‬ ‫املفرو�ض على مناطقهم �أي ق��درة‬ ‫ٍ‬ ‫�ضروري‪ ،‬يخفف عنـهم �صقيع ال�شتاء‪ .‬وتزداد‬ ‫املعاناة ب�سـبب غياب م��ادة امل��ازوت وارتفاع‬ ‫�أ�سعارها يف �صورة ال طاقة له�ؤالء املالحقني‬

‫�صرب دروي�ش‬

‫يف عي�شهم على احتمالها‪.‬‬ ‫�أما الذين �سلمت منازلهم من ق�صف النظام‬ ‫ال�����س��وري‪ ،‬وال زال���وا يعي�شون يف كنفه‪ ،‬فلم‬ ‫ت�سلم دخولهم ال�شهرية من ذل��ك‪ .‬ففي ظل‬ ‫حالة االنهيار االقت�صادي التام‪� ،‬سقطت مادة‬ ‫املازوت من جدول نفقات الكثري منهم‪ ،‬وانتقلت‬ ‫لدى بع�ضهم من قائمة �ضروريات املعي�شة‪� ،‬إىل‬ ‫قائمة الكماليات‪� .‬إذ �إن «م��ازوت احلكومة»‬ ‫املدعوم‪ ،‬كان بعيد املنال �أ�ص ًال يف �شتاء العام‬ ‫املا�ضي عندما �سجل �سعر الليرت ‪ 30‬ل�يرة‪،‬‬ ‫كيف به اليوم‪ ،‬وقد قفز �سعره مبعدل ‪ 100‬يف‬ ‫املئة؟‪.‬‬ ‫لكن �أبو احمد‪ ،‬وهو رب �أ�سرة م�ؤلفة من‬ ‫ثالثة �أطفال‪ ،‬ال ي�ستطيع �إ�سقاط هذه املادة‬ ‫من ح�ساباته‪ ،‬يقول ‪« :‬مع ارتفاع وترية انقطاع‬ ‫التيار الكهربائي لت�صل �إىل ‪� 10‬ساعات يف‬ ‫ال�شتاء‪ ،‬ووجود طفل ر�ضيع لدي‪ ،‬ال ميكـــنني‬ ‫ب�أي حال �أن ا�ستغني عن امل��ازوت للتدفئة»‪.‬‬ ‫وي�ضيف‪« :‬وحتى مع رفع ال�سعر �إىل ‪ 60‬لرية‪،‬‬ ‫�أمتنى ب�شدة �أن تفي احلكومة مبا تقطعه على‬ ‫نف�سها من وعود وما تطلقه من ت�صريحات‪ ،‬و�أن‬ ‫تبيعنا املازوت بهذا ال�سعر‪ ،‬من دون �أن ا�ضطر‬ ‫للمزاحمة �ساعات و�أيام ًا‪ ،‬يف حمطات الوقود‬ ‫�أم��ام طوابري ال تنتهي‪ ،‬لأح�صل عليه ب�سعر‬ ‫‪ 100‬لرية‪ ،‬كما ح�صل معي يف ال�شتاء املا�ضي»‪.‬‬ ‫وع��ود وادع���اءات احلكومة ال�سورية ال‬ ‫تتوقــــف‪� ،‬إذ �أعلنت �أخ�ير ًا‪� ،‬أنها �ستخ�ص�ص‬ ‫لكل عـــائلة ‪ 400‬ليرت مازوت بال�سعر املدعوم‪،‬‬ ‫للتدفئة املنزلية يف �شتاء هذا العام‪ .‬وادعت‪،‬‬ ‫كما فعلت يف العام الفائت‪� ،‬أن توزيع املازوت‬ ‫«�سيتم وفق �آليات منظمة‪ ،‬ل�ضمان و�صول املادة‬ ‫�إىل كل منزل وعائلة»‪.‬‬ ‫وفيما ي�شتكي كثريون من ال�سوريني من‬ ‫عدم ا�ستالم �أي دفعة مازوت يف العام املا�ضي‪،‬‬ ‫ي�شرح ع�صام‪ ،‬املوظف يف القطاع العام‪ ،‬عن‬

‫جتربته‪« :‬ا�ستلمت دفعة واح��دة يف ال�شتاء‬ ‫الفائت‪ ،‬كانت الأوىل والأخ�ي�رة»‪ ،‬ويتابع‪:‬‬ ‫«بعد �أن كنا نعاين نق�ص مادة املازوت‪� ،‬أ�صبحنا‬ ‫�أمام انعدامها التام‪ ،‬حتى يف مكان عملي وهو‬ ‫هيئة حكومية‪ ،‬افتقدنا التدفئة يف العام‬ ‫املا�ضي ب�سبب انقطاع امل��ازوت‪ ،‬ال �أع��رف �أين‬ ‫يذهب املازوت �إذ ًا؟!»‪.‬‬ ‫فيما ح��ذر نقيب عمال النفط بدم�شق‬ ‫علي مرعي‪ ،‬من «�أزمة مازوت كبرية �ست�شهدها‬ ‫حمافظة ريف دم�شق خالل ال�شتاء»‪� ،‬إن مل‬ ‫ت�سرع «�شركة حمروقات» ب�إيجاد مقر جديد‬ ‫لفرعها وخزاناتها بد ًال من تلك «املخ ّربة»‪.‬‬ ‫هذا وت�ستوعب اخلزانات التي فقدت احلكومة‬ ‫ال�سيطرة عليها مئات املاليني من الليرتات‪،‬‬ ‫وت�سد حاجة حمافظة ريف دم�شق‪ .‬واعترب‬ ‫مرعي �أن «قرار احلكومة تخ�صي�ص كل عائلة‬ ‫بـ ‪ 400‬ليرت م��ازوت‪ ،‬لن يقدم و لن ي�ؤخر يف‬ ‫حال عدم الت�صدي للأمور التي ت�سببت ب�أزمة‬

‫ال�شتاء املا�ضي‪ ،‬والتي ُحرمت خاللها الن�سبة‬ ‫العظمى من املواطنني من م��ازوت التدفئة‪،‬‬ ‫ومنها مو�ضوع اخلزانات»‪.‬‬ ‫ومنها �أي�ض ًا‪ ،‬ما �أغفله مرعي اليوم‪ ،‬وكان‬ ‫قد ك�شف عنه بنف�سه يف العام املا�ضي‪ ،‬عندما‬ ‫اتهم «�شركة حم��روق��ات» بتزويد حمطات‬ ‫متوقفة ع��ن العمل مب�لاي�ين ال��ل��ي�ترات من‬ ‫امل��ازوت‪ ،‬وقال حينها‪« :‬هذا �أمر غري طبيعي‪،‬‬ ‫وال ميكن تربيره ب�أنه خط�أ‪ ،‬لأن اخلط�أ‪ ،‬ال‬ ‫ميكن �أن يتكرر ب����أذون ع��دة �شحن مل�صلحة‬ ‫حمطة واحدة»‪ .‬يف قرارة نف�سه‪ ،‬يعرف مرعي‬ ‫�أن ه��ذا هو «الأم��ر الطبيعي»‪ ،‬و�أن ال�سلطة‬ ‫التي ينتمي �إليها‪ ،‬هي عائمة �أ�ص ًال على بحر‬ ‫من الف�ساد‪ ،‬كان قد ت�شكل عرب قرون طويلة‬ ‫من نهب م��ق��دّ رات ال�سوريني‪ .‬واحل��ال��ة تلك‪،‬‬ ‫فلن تتحول ال�سلطة‪ ،‬بقدرة مرعي ومبرا�سيم‬ ‫الإ�صالح‪� ،‬إىل �أ ٍم ر�ؤوم‪ ،‬متنح �أبنائها الدفء‬ ‫والطم�أنينة‪ ...‬واملازوت‪.‬‬

‫تتمة‪ :‬املناطق املحررة بحاجة �إىل جمال�س لتديرها ال حتكمها‬

‫يف دوما وهي واحدة من �أكرب مدن الغوطة ال�شرقية‪ ،‬مت االعالن‬ ‫عن ت�شكيل جمل�س حملي منتخب‪� ،‬سعى القائمون عليه �إىل الرتكيز على‬ ‫املخت�صني واملتعلمني يف �إدارة �ش�ؤون املدينة‪ ،‬ومل يكن هذا االعالن عن‬ ‫ت�شكيل املجل�س املحلي هو احلدث‪ ،‬فقد عمدت ع�شرات املدن يف حميط‬ ‫دم�شق �إىل مثل هذا الت�شكيل‪ ،‬احل��دث متثل يف البيان ال��ذي �صدر عن‬ ‫جي�ش اال�سالم بزعامة زه��ران علو�ش‪ ،‬وال��ذي ادان فيه ت�شكيل هذا‬ ‫املجل�س وال��ذي و�ضع حد ًا ملجل�س ال�شورى التابع لزهران ذات��ه‪ ،‬حيث‬ ‫اعترب �أن االع�لان عن ت�شكيل ه��ذا املجل�س فيه �شق لل�صفوف وزرع‬ ‫للفتنة‪� ..‬إلخ‪ .‬ويف الوقت ذاته اعترب بع�ض القادة الع�سكريني يف بيان‬ ‫علو�ش تدخ ًال غري مقبول يف �ش�ؤون املدنيني‪ ،‬يقول ال�سيد �سليم حجازي‬ ‫قائد لواء ال�شام‪� " :‬إن فر�ض ال�سلطة على املدنيني بغ�ض النظر ان كان‬ ‫من ال�شيخ زهران او غريه هو امر خمالف لثورتنا‪ ،‬فعندما حملنا ال�سالح‬ ‫حملناه لأجل املدنيني وكرامتهم ال لأجل ان نحكمهم به"‪.‬‬ ‫ويف املقابل اعتربت الع�شرات من فعاليات الثورة املدنية يف هذا‬ ‫البيان تدخ ًال �سافر ًا من قبل الع�سكريني يف �ش�ؤون املدنيني وحقهم يف‬ ‫اختيار �شكل ادارة مدنهم‪ .‬و�أ�صدروا بيان ًا يدينون فيه �أي تدخل من قبل‬ ‫الع�سكريني يف خيارات املدنيني‪.‬‬ ‫و�أي ًا يكن الأمر‪ ،‬ف�إن املهم هنا بروز �صراع بني �سلطات متعددة ت�سعى‬ ‫البع�ض منها �إىل بلورة جتربة ت�ستلهم ولو احلد الأدن��ى الذي توفره‬ ‫ظروف احلرب من الو�سائل الدميوقراطية يف �إدارة مدنهم‪ ،‬و�سلطات‬

‫ت�سعى �إىل �أن تكون �سلطة ا�ستبدادية بديلة ع��ن تلك التي خرج‬ ‫ال�سوريون لإ�سقاطها‪ .‬يقول ال�سيد ب�سام وهو �أحد النا�شطني املدنيني‬ ‫يف دوم��ا‪ " :‬بالن�سبة لإمكانية املواجهة مع بع�ض القادة الع�سكريني‪،‬‬ ‫�أعتقد ان االجابة عن هذا ال�س�ؤال مرتبطة باملخزون الثوري الذي‬ ‫اختزنه النا�س خالل �سنتني ونيف من عمر الثورة‪ ،‬عا�شها النا�س يف‬ ‫مدر�سة الثورة‪ ،‬فرت�سخت عندهم مبادئ وقيم جديدة‪� ..‬إن نظرة من‬ ‫بعيد على تلك ال�شريحة التي عا�شت الثورة‪ ،‬جند �أن تغري ًا كبري ًا قد‬ ‫طر�أ على طريقة تعاطيهم مع الواقع وهذا التغيري يف الأ�سا�س يقوم على‬ ‫رف�ض �سيا�سة االمر الواقع التي كان نظام الأ�سد ينتهجها‪ ،‬و�شعور �أولئك‬ ‫النا�س انهم ح�صلوا على مكت�سبات من الثورة وكان ثمن هذه املكت�سبات‬ ‫باهظ الثمن قد تكون خ�سارة منزل او ابن او اخ او عائلة او ع�ضو من‬ ‫اع�ضاء اجل�سم‪ ..‬ولذلك فلن يرتاجع اولئك النا�س عن مكت�سباتهم تلك‬ ‫قيد امنلة"‪.‬‬ ‫يف احلقيقة يكمن الرهان هنا بالتحديد‪ ،‬على �أولئك الذين دفعوا‬ ‫ال�ضريبة الباهظة عرب ال�سنتني املا�ضيتني‪ ،‬والذين �أ�صروا على امل�ضي يف‬ ‫طريق ا�سقاط حكم اال�ستبداد‪ ،‬وهم مل يفعلوا ذلك كي ي�ستبدلوا �سلطة‬ ‫ا�ستبدادية ب�أخرى �شبيهة بها‪ ،‬بل فعلوا ذلك كي يفتحوا �أفق ًا تتمكن من‬ ‫خالله الأجيال املقبلة من العي�ش بكرامة‪ ،‬وهي ر�سالة مل ت�صل لنظام‬ ‫الأ�سد �سابق ًا‪ ،‬وهي ال ت�صل اليوم �إىل �أولئك الذين ين�صبون �أنف�سهم‬ ‫�أو�صياء على الثورة وعلى ال�شعب الثائر‪.‬‬

‫بيد ان هذا ال�صراع الدائر اليوم داخل �صفوف الثورة –وهو �صراع‬ ‫�صحي طاملا بقي حتت ال�سيطرة‪ -‬يحتاج �إىل الكثري من الدعم‪ ،‬دعم‬ ‫النويات الإيجابية للثورة املمثلة بحراك مدين بد�أ ي�شق طريقه منذ‬ ‫قليل‪ ،‬وهو عب�أ تتحمل قوى املعار�ضة ق�سط ًا كبري ًا من م�س�ؤوليته‪ ،‬يقول‬ ‫ال�سيد ب�سام‪� " :‬إن منظمات املجتمع امل��دين ونا�شطي الثورة املدنيني‬ ‫و�أخ�ص بالذات معار�ضة اخلارج التي متطرنا بكالم منمق كل يوم عن‬ ‫وقوفها مع املحا�صرين بالداخل واىل جانب ث��ورة احلرية والكرامة‬ ‫ف�إننا نوجه ر�سالة لها ب�أنه يقع على عاتقها حالي ًا م�س�ؤولية تاريخية‬ ‫يف املحافظة على مكت�سبات الثورة املدنية وما حققته اىل الآن على‬ ‫�صعيد بناء االن�سان احلر وممار�سته حلقوقه املدنية‪ ،‬يف ان تعمل بكل‬ ‫جهدها وامكانياتها احلالية لرتجيح كفة االجتاه املدين الذي ينحاز‬ ‫اىل م�صلحة االن�سان الب�سيط الفقري واىل عدم م�صادرة �صوته �سواء‬ ‫من رجال الدين او من القادة الع�سكريني او من امل�ستفيدين العلمانيني‬ ‫او دعاة املدنية املزيفني"‪ .‬ويختم حديثه بالقول‪ :‬ال�شعب وحده هو‬ ‫�صاحب القرار وهو القادر على حتديد م�ستقبله وطريقه عي�شه وبدون‬ ‫و�صاية من احد‪.‬‬ ‫يف احلقيقة مل يعد ال�سوريون يقاتلون على جبهة واحدة‪ ،‬بل فر�ض‬ ‫عليهم اليوم‪ ،‬القتال على عدة جبهات‪ ،‬وقد تكون اجلبهة الداخلية‬ ‫للثورة هي الأ�صعب والأكرث خطورة‪.‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫ماجد كيايل‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫عن ال�سيا�سة الأوبامية ال�شرق �أو�سطية‬

‫ي�صعب على كثريين فهم �أو تف�سري ال�سيا�سة التي تنتهجها �إدارة‬ ‫�أوباما يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬ال�سيما يف امل�س�ألة ال�سورية‪ ،‬والتي تبدو‬ ‫�صبورة‪ ،‬وهادئة‪ ،‬والأ�صح منكفئة‪ ،‬وتعتمد الو�سائل الدبلوما�سية‪،‬‬ ‫وذلك بالقيا�س لل�سيا�سات التي طاملا انتهجتها الإدارات الأمريكية‪،‬‬ ‫منذ ما بعد احلرب العاملية الثانية‪ ،‬والتي ا ّت�سمت يف �أغلب الأحيان‬ ‫ّ‬ ‫والتدخل‪ ،‬با�ستخدام دبلوما�سية القوة‪ ،‬وحتى‬ ‫بالت�س ّرع والتجبرّ‬ ‫«احلرب الوقائية»‪.‬‬ ‫وكانت ال�سيا�سات الأمريكية �إزاء ال�شرق الأو�سط تر ّكز على‬ ‫�أربعة �أهداف‪� ،‬أولها‪ ،‬احلفاظ على تد ّفقات النفط‪ .‬وثانيها‪� ،‬ضمان‬ ‫�أمن �إ�سرائيل وتفوقها النوعي‪ .‬وثالثها‪ ،‬حماية الأنظمة ال�صديقة‪.‬‬ ‫ورابعها‪ ،‬احل����ؤول دون متكني �أي��ة دول��ة �أخ��رى من الهيمنة على‬ ‫املنطقة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن مراجعة هذه ال�سيا�سات متكننا من مالحظة �أن الواليات‬ ‫املتحدة مل تعد قادرة على �ضمان كل هذه الأهداف‪ ،‬بعد التحوالت‬ ‫احلا�صلة يف مدخالت عوامل القوة يف العالقات الدولية والإقليمية‪،‬‬ ‫والتي مل تعد تقت�صر على القوتني الع�سكرية واالقت�صادية‪� ،‬إذ‬ ‫دخلت عوامل �أخ��رى �ضمنها‪ ،‬مالءمة ه��ذه ال�سيا�سات للتوازنات‬ ‫الدولية‪ ،‬وتنا�سبها مع امل�صالح الداخلية (املجتمعية)‪ ،‬ناهيك عن‬ ‫�صعود املجتمع املدين يف تقرير ال�سيا�سات العاملية و�شرعنتها‪.‬‬ ‫الق�صد من ذلك التو�ضيح‪� ،‬أن التغري احلا�صل يف طبيعة عمل‬ ‫ال�سيا�سة اخلارجية الأمريكية لي�س دليل تراجع يف قوة الواليات‬ ‫املتحدة‪ ،‬ال ع�سكري ًا وال اقت�صادي ًا وال تكنولوجي ًا‪ ،‬فهي مازالت‬ ‫الأقوى يف العامل‪ ،‬و�إنفاقها الع�سكري ي�ش ّكل ن�صف االنفاق العاملي يف‬ ‫هذا املجال‪ ،‬و�إذا ح�سبنا تفوقها التكنولوجي والعلمي فهذا يبني كم‬ ‫هي الفجوة على ال�صعيد الع�سكري بينها وبني كل الدول الأخرى‪.‬‬ ‫وح�سب فريد زكريا (يف كتابه‪« :‬عامل ما بعد �أمريكا») ف�إن الق�صة‬ ‫هنا ال تتعلق برتاجع قوة الواليات املتحدة‪ ،‬التي يرى انها جنحت‬ ‫يف احلفاظ على قوتها‪ ،‬منذ مابعد احلرب العاملية الثانية‪ ،‬بقدر ما‬ ‫تتعلق ب�صعود قوى �أخرى‪ ،‬كانت ت�أثرت يف تلك احلرب‪ ،‬وا�ستعادت‬ ‫عافيتها على مر العقود املا�ضية‪.‬‬ ‫عدا عن هذا العامل‪ ،‬فمما ال�شك فيه �أن ال�سيا�سات غري العقالنية‬ ‫واملكلفة التي انتهجتها �إدارة بو�ش االبن يف �أفغان�ستان والعراق‪،‬‬ ‫والتي كبدت الواليات املتحدة خ�سائر باهظة‪ ،‬يف الأرواح والأموال‪،‬‬ ‫ويف ال�سمعة‪ ،‬لعبت دورها يف ا�ضعاف امليل لدى �صانع القرار الأمريكي‬ ‫للدخول يف هكذا جتارب‪ ،‬ناهيك عن �أنها �أ�سهمت يف �إ�صابة االقت�صاد‬ ‫الأمريكي ب�شكل موجع‪ ،‬يف مطارح عدة‪ ،‬وهو ما تبدى يف الأزم��ات‬ ‫االقت�صادية التي �شهدنا الواليات املتحدة تعاين منها م� ّؤخر ًا‪.‬‬ ‫على ما تقدم‪ ،‬ف�إن ال�سيا�سة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية‬ ‫احلالية ال تتعلق ب�سوريا فقط‪ ،‬والتنبع من وجود رئي�س بعينه‪،‬‬ ‫�أوباما مث ًال‪� ،‬إذ �شهدنا �أن الواليات املتحدة ا�شتغلت يف مو�ضوع ليبيا‬ ‫(النفطية) من اخللف‪ ،‬و�أن بريطانيا رف�ضت التدخل الع�سكري يف‬ ‫ال�ش�أن ال�سوري قبل الواليات املتحدة‪ ،‬وها نحن ن�شهد التجاذب احلامي‬ ‫بني �إدارة �أوباما وجمل�س النواب الأمريكي حول مو�ضوع املوازنة‬ ‫الأمريكية‪ ،‬ما يبينّ الو�ضع احلرج الذي جتد �إدارة �أوباما نف�سها فيه‪،‬‬

‫جمانة فرحات‬ ‫ال�سعودية اخ��ت��ارت "احلرد"‪ ،‬ال �أك�ثر وال �أق��ل‪.‬‬ ‫امتنعت خ�لال اجلمعية العامة ل�ل�أمم املتحدة عن‬ ‫القاء كلمتها‪ ،‬وهو حدث مل ينتبه الكثريون له �أ�ص ًال‪،‬‬ ‫ثم لفظت املقعد الذي حظيت به يف جمل�س الأمن ملدة‬ ‫عامني ب�صفتها من الأع�ضاء غري الدائمني‪.‬‬ ‫الت�سليم بحق اي دولة باتخاذ مثل هذه اخلطوة‬ ‫اجل��ري��ئ��ة‪� ،‬أم��ر ال ج��دال فيه‪ ،‬وخ�صو�ص ًا �أن الأمم‬ ‫املتحدة برمتها ولي�س جمل�س الأمن فقط بحاجة �إىل‬ ‫ا�صالح‪ ،‬كونها مل تكن يوم ًا �سوى منفذ مل�صالح و�سيا�سات‬ ‫الدول الدائمة الع�ضوية‪ ،‬و�سيف ًا م�سلط ًا على على من‬ ‫يخالف هذه الدول‪.‬‬ ‫و�سبق للعديد من الدول ان قدمت م�شاريع من اجل‬ ‫ا�صالح الأمم املتحدة‪ ،‬وحتديد ًا يف ما يتعلق بجزئية‬

‫داخلي ًا‪ ،‬يف ظل هذه الظروف ال�سيا�سية واالقت�صادية ال�صعبة‪.‬‬ ‫ويف �أي حال‪ ،‬ف�إن املراجعة‪� ،‬أو الإنكفاء‪ ،‬يف ال�سيا�سة الأمريكية‬ ‫�إزاء ال�شرق الأو�سط‪ ،‬مل يبد�أ يف عهد الرئي�س �أوباما‪ ،‬و�إمنا ح�صل‬ ‫يف عهد الرئي�س بو�ش الإبن‪ ،‬فهذه هي التي تخ ّلت عن احد �أهداف‬ ‫ال�سيا�سة الأمريكية التقليدية‪ ،‬برتاجعها عن مبد�أ حماية الأنظمة‬ ‫«ال�صديقة» يف املنطقة‪ ،‬ويف ميلها لتغيري الأنظمة‪ ،‬حتى بو�سائل‬ ‫القوة‪ ،‬ويف �سعيها ملخاطبة جمتمعات املنطقة مبا�شرة‪ ،‬من وراء ظهر‬ ‫حكوماتها‪ ،‬وهو ما مت ت�شريعه يف ا�سرتاتيجية بو�ش للأمن القومي‬ ‫الأمريكي‪ ،‬التي مت و�ضعها يف �سبتمرب‪�/‬أيلول (‪ .)2002‬وطرحت هذه‬ ‫الإ�سرتاتيجية م�شروع الإ�صالح ال�سيا�سي و«ن�شر الدميوقراطية» يف‬ ‫العامل العربي‪ ،‬ما �أدخل �إدارة بو�ش يف مناكفات مع عديد من الدول‬ ‫العربية «احلليفة» وقتها‪� .‬أي�ض ًا‪ ،‬ف�إن �إدارة بو�ش ذاتها هي التي‬ ‫�سمحت لإيران بفر�ض هيمنتها على العراق‪ ،‬ما يفيد ب�أنها ف ّرطت‬ ‫بهدف ثان من �أه��داف ال�سيا�سة الأمريكية‪ ،‬التقليدية يف ال�شرق‬ ‫الأو�سط‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬ف�إن �إدارة الرئي�س �أوباما لي�ست فقط ت�صد‪� ،‬أو تقلل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالتدخالت الع�سكرية‪،‬‬ ‫من خماطر تركة الرئي�س بو�ش املتعلقة‬ ‫وباخل�سائر االقت�صادية‪ ،‬و�إمنا هي توا�صل تركته املتعلقة بالتخلي‬ ‫عن الأه��داف الرئي�سية لل�سيا�سة الأمريكية ال�شرق �أو�سطية‪ ،‬يف‬ ‫�إبدائها اال�ستعداد للعمل بالت�شارك مع قوى �أخرى‪ ،‬وال�سيما رو�سيا‪،‬‬ ‫يف �إع��ادة ترتيب الأو���ض��اع يف امل�شرق العربي‪ ،‬من مدخل ترتيب‬ ‫م�ستقبل �سوريا‪.‬‬ ‫بديهي �أن هذا التحول هو رد فعل على اخل�سائر االقت�صادية‬ ‫والب�شرية‪ ،‬التي تكبدتها ال��والي��ات املتحدة يف العقود املا�ضية‪،‬‬ ‫وتعبري عن تعب �أمريكي من ال�شرق الأو�سط‪ ،‬املرهق‪ ،‬وغري املفهوم‪،‬‬ ‫و«املتن ّكر»‪ ،‬بالن�سبة لها‪ ،‬وهو �أي�ضا مبثابة حماولة ���أمريكية ملراعاة‬ ‫واقع �صعود قوى �أخرى‪ ،‬بد ًال من م�صارعتها‪.‬‬

‫احلرد ال�سعودي‬

‫تو�سيع ع��دد �أع�ضاء جمل�س الأم���ن وان��ه��اء احتكار‬ ‫الواليات املتحدة وبريطانيا ورو�سيا وال�صني وفرن�سا‬ ‫له‪.‬‬ ‫�إال ان م�شكلة ال�سعودية تختلف كلي ًا عن هذا‬ ‫ال�سياق‪ ،‬و�إن حاولت االنطالق من �شلل جمل�س الأمن‬ ‫لتربير رف�ضها للمقعد‪.‬‬ ‫املربر الأول الذي �ساقته الريا�ض‪ ،‬يف البيان ال�صادر‬ ‫عن وزارة اخلارجية ال�سعودية‪ ،‬اعترب �أن "ف�شل جمل�س‬ ‫الأمن يف جعل منطقة ال�شرق الأو�سط خالية من جميع‬ ‫�أ�سلحة الدمار ال�شامل‪� ،‬سواء ب�سبب عدم قدرته على‬ ‫�إخ�ضاع ال�برام��ج النووية جلميع دول املنطقة دون‬ ‫ا�ستثناء للمراقبة والتفتي�ش الدويل �أو احليلولة دون‬ ‫�سعي �أي دولة يف املنطقة المتالك الأ�سلحة النووية‪،‬‬

‫ومع �أهمية كل ما �سبق‪ ،‬ف�إن التحول الأمريكي احلا�صل هو نتاج‬ ‫خيارات �أخرى‪� ،‬أي�ض ًا‪ ،‬باتت متاحة �أمام الواليات املتحدة‪� ،‬ضمنها‪:‬‬ ‫�أو ًال‪ ،‬اطمئنانها مل�ستقبلها ب�ش�أن خمزونها من الغاز والنفط‪ ،‬مع‬ ‫الك�شوفات اجلديدة التي تفيد �أن ب�إمكانها ‪ -‬يف غ�ضون العقد املقبل‬ ‫ لي�س اال�ستغناء عن نفط ال�شرق الأو�سط‪ ،‬فقط‪ ،‬و�إمنا �أن تتحول‬‫�إىل م�صدّ رة له‪ ،‬ومع توقعات تفيد ب�إمكان �إزاحتها رو�سيا عن مكانة‬ ‫امل�صدّ ر الأول للغاز يف العامل‪ .‬ثاني ًا‪ ،‬حتول اهتمامها نحو مناطق �أكرث‬ ‫�أهمية يف العامل لأمنها القومي‪ ،‬ومل�صاحلها الإ�سرتاتيجية ال�سيا�سية‬ ‫واالقت�صادية والع�سكرية‪ ،‬فيما بات يعرف بالتوجه �شرق ًا‪ ،‬مع وجود‬ ‫نخب باتت تعتقد ب�أن ما يجري يف ال�صني والهند واليابان‪ ،‬ودول‬ ‫�أمريكا الالتينية‪� ،‬أهم بكثري لأمريكا‪ ،‬مل�صاحلها و�أمنها‪ ،‬مما يجري‬ ‫يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬بتعقيداته ومتاعبه‪ .‬ثالث ًا‪ ،‬يعتقد الرئي�س‬ ‫�أوباما �أنه ي�صنع ثورته داخل الواليات املتحدة‪ ،‬بوقف التدهور‬ ‫االقت�صادي‪ ،‬وبخلق فر�ص وظيفية‪ ،‬وبتخفي�ض ن�سبة البطالة‪،‬‬ ‫وب�إقرار ال�ضمان ال�صحي‪.‬‬ ‫مع ذلك ثمة ما يعزز االعتقاد ب�أن �أمريكيا لن تتخ ّلى عن ال�شرق‬ ‫الأو�سط‪ ،‬ب�سبب الهدفني الآخرين (النفط و�إ�سرائيل)‪ ،‬و�إمنا هي‬ ‫�ستتخلى عن �شكل عالقتها فيه‪ ،‬وطريقة �سعيها لفر�ض وجودها‬ ‫وم�صاحلها‪ .‬طبع ًا‪ ،‬ه��ذا كله يحدث ب�سبب غياب فاعلية العامل‬ ‫العربي‪ ،‬و�سلبيته‪ ،‬وافرتا�ضه �أن على الآخرين القيام مبا ينبغي عليه‬ ‫القيام به‪ ،‬ال�سيما مع حفاظه على بقائه خارج التاريخ‪ ،‬بتخلفه‬ ‫وتك ّل�س نظمه وته ّم�ش جمتمعاته وغربته عن العامل‪.‬‬ ‫هذا يحدث من �سوء حظ ال�سوريني‪ ،‬الذين يدفعون باهظ ًا ثمن‬ ‫�أ�شياء كثرية‪ ،‬و�ضمنها ثمن االنكفاء الأمريكي‪ ،‬وثمن الرتدد الدويل‪،‬‬ ‫�إزاء ما يكابدونه من �أهوال وعذابات‪.‬‬

‫يعد دلي ًال �ساطع ًا وبرهان ًا دامغ ًا على عجز جمل�س الأمن‬ ‫عن �أداء واجباته وحتمل م�س�ؤولياته"‪.‬‬ ‫�أم���ا امل�ب�رر اال���ض��ايف ف��أ���ش��ار �إىل "بقاء الق�ضية‬ ‫الفل�سطينية من دون حل عادل ودائم خلم�سة و�ستني‬ ‫عام ًا والتي جنم عنها عدة حروب هددت الأمن وال�سلم‬ ‫العامليني"‪.‬‬ ‫م�شكلة ه��ذي��ن ال��ت�بري��ري��ن �أن��ه��م��ا م�ستهلكان‪،‬‬ ‫فال�سعودية �أكرث من غريها تدرك �أن حليفتها الواليات‬ ‫املتحدة‪ ،‬على وجه التحديد‪ ،‬غري معنية على االطالق‬ ‫ب�أي ت�سوية جدية للق�ضية الفل�سطينية‪ ،‬و�أن املجل�س‬ ‫لن يجر�ؤ على اتخاذ قرار يدين ا�سرائيل �سواء يف ما‬ ‫يتعلق بعملية ال�سالم او االنت�شار النووي‪.‬‬

‫تتمة �صفحة‪..4 ....‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫حب فل�سطني وكره الفل�سطينيني‬

‫�ساري حنفي‬ ‫يف ظل تداعيات الثورة ال�سورية‪ ،‬ن�ش�أت م�شكلة‬ ‫�إن�سانية كربى تتمثل باقتالع �أكرث من �أربعة ماليني‬ ‫�سوري من دي��اره��م‪ ،‬ن�صفهم ن��زح داخلي ًا والن�صف‬ ‫الآخر جل�أ اىل اخلارج‪ ،‬وال �سيما اىل الدول املجاورة‬ ‫(لبنان‪ ،‬الأردن وتركيا)‪.‬‬ ‫وت�شكل حالة الالجئني الفل�سطينيني يف �سوريا‬ ‫الأك�ثر �صعوبة‪ ،‬حيث مت حتويل بع�ض جتمعاتهم‬ ‫اىل �ساحات معارك ب�سبب موقعها اجلغرايف‪� ،‬إذ �أنها‬ ‫تقع على ح��دود امل��وت حيث احتدمت املعارك بني‬ ‫اجلي�ش ال�سوري احلر واجلي�ش النظامي ال�سوري يف‬ ‫خميمات الريموك‪ ،‬التل‪ ،‬عائد‪ ،‬الرملة‪ ،‬الخ‪...‬‬ ‫وبينما مت ال��ت��ج��اوب اىل ح��د م��ا م��ع حركة‬ ‫جل��وء ال�سوريني‪� ،‬أو���ص��د ب��اب اللجوء كلي ًا بوجه‬ ‫الفل�سطينيني‪ ،‬وال �سيما يف دول �أعلنت دعمها ملكونات‬ ‫�سوريا ال�سكانية‪ .‬هذه ال��دول هي لبنان‪ ،‬الأردن‪،‬‬ ‫تركيا‪ ،‬قطر‪ ،‬االمارات العربية املتحدة وال�سعودية‪.‬‬ ‫�أظهر بحثنا امليداين حول الفل�سطينيني من‬ ‫�سوريا‪� ،‬أن لبنان قد �أو�صد بابه امامهم منذ بدء‬ ‫�شهر �آب ‪� ،2013‬إال يف حال اثبات الالجىء �أن لديه‬

‫جمانة فرحات‬ ‫ولذلك تبدو ال�سعودية عاجزة على اقناع‬ ‫كثريين بحقيقة �أن هذين الأمرين هما ال�سببان‬ ‫الأ�سا�سيان لـ"حردها"‪ ،‬لذلك يبقى املربر الثالث‬ ‫ال��ذي تطرق �إليه البيان هو الأك�ثر اهمية‪ ،‬اذ‬ ‫�أ�شار �إىل �أن "ال�سماح للنظام احلاكم يف �سوريا‬ ‫بقتل �شعبه و�إح��راق��ه بال�سالح الكيماوي على‬ ‫مر�أى وم�سمع من العامل �أجمع وبدون مواجهة �أي‬ ‫عقوبات رادعة لدليل �ساطع وبرهان دافع على‬ ‫عجز جمل�س الأم��ن عن �أداء واجباته وحتمل‬ ‫م�س�ؤولياته"‪.‬‬ ‫جرائم النظام ال�سوري �ضد �شعبه ال جمال‬ ‫للنقا�ش فيها‪ ،‬لكن منذ متى كانت ال�سعودية تهتم‬ ‫لل�شعوب وارادتها او تدافع عنها؟ �ألي�ست هي من‬ ‫لقبت ب�شرطي االحتجاجات العربية‪ ،‬ومل ت�أل‬ ‫جهد ًا للق�ضاء على احلراك يف البحرين �إىل �أن‬ ‫ا�ضطرت �إىل التدخل ب�شكل مبا�شر ع�بر درع‬

‫فيزا وتذكرة �سفر للمغادرة عرب مطار بريوت‪� .‬إال �أن‬ ‫الف�ساد يف لبنان كان "نعمة"‪ ،‬على الأقل من وجهة‬ ‫نظر بع�ض املقتدرين الفل�سطينيني الذين ر�ضوا بدفع‬ ‫ر�شوة ‪ 100‬دوالر للفرد للدخول اىل لبنان‪.‬‬ ‫�أم���ا الأردن وق��ط��ر وال�����س��ع��ودي��ة واالم����ارات‬ ‫العربية املتحدة فلم تقفل فقط �أبوابها بوجه‬ ‫الالجئني الفل�سطينيني‪ ،‬ولكنها منعت �أي�ض ًا حتى‬ ‫ّ‬ ‫مل ال�شمل‪ .‬وال يعترب ذلك فقط انتهاك ًا ملعاهدات‬ ‫حماية الالجئني ولكن �أي�ض ًا انتهاك ًا حلق �أ�سا�سي من‬ ‫حقوق االن�سان‪.‬‬ ‫حاولت التدخل يف حالة طالب فل�سطيني من‬ ‫�سوريا �أم��ه �أردن��ي��ة الأ�صل لكي ي�سمح له بدخول‬ ‫الأردن حيث مت قبوله من اح��دى جامعاتها‪ ،‬وقد‬ ‫ا�ستع ّنت ب�شخ�صيات �أردنية �سيا�سية مرموقة ولكن‬ ‫عبث ًا‪ .‬وق��ال يل �أحدهم �إن��ه ال ي�سمح لدخول �أي‬ ‫فل�سطيني �سوري اذا كان عمره ‪� ٦‬سنوات ويوم واحد‪،‬‬ ‫وذلك لأ�سباب �أمنية‪� .‬إذ ًا ي�صبح الفل�سطيني ارهابي ًا‬ ‫منذ نعومة �أظفاره‪.‬‬ ‫وم��ا اث��ار ال��ذه��ول يف زي��ارت��ي الأخ�ي�رة لعمان‬

‫وت�صفحي ل�صحفها ح��راك ن�سائي ون�سوي هناك‬ ‫حول ق�ضايا هزيلة تظهر �أن احلركة الن�سوية هي‬ ‫�أقرب حلركة "�صالونات" �أكرث منها حركة فعلية‬ ‫لتحرر امل���ر�أة‪ .‬فتحرر امل���ر�أة يبد�أ من االع�تراف‬ ‫مبواطنيتها وبحقها يف توريث جن�سيتها �أو على‬ ‫الأق��ل منحها الإق��ام��ة لأطفالها وزوج��ه��ا‪ ،‬وذلك‬ ‫�أ�ضعف الإميان‪.‬‬ ‫قد يت�ساءل املرء ملاذا هذه املفارقة بني املواقف‬ ‫ال�سيا�سة واملمار�سة احل��دودي��ة يف ه��ذه ال��دول‪.‬‬ ‫الفر�ضية الأك�ثر جتلي ًا بالن�سبة يل هي انف�صال‬ ‫وهيمنة اجل��ه��از الأم��ن��ي ع��ن ال�سلطة ال�سيا�سية‬ ‫املفرت�ض �أن تكون منتخبة‪.‬‬ ‫لقد ت�ضخمت البريوقراطية الأمنية لدرجة‬ ‫توجه ال�سيا�سي ب��د ًال من �أن ت�أخذ‬ ‫�أنها �أ�صبحت ّ‬ ‫توجيهاتها منه‪ .‬يقوم ال�سيا�سي ب�إ�صدار ت�شريعات‬ ‫حت��اول حماكاة اع��راف ومواثيق حقوق االن�سان‪،‬‬ ‫بينما يقوم الأمني بخلق حالة ا�ستثناء‪ ،‬باملعنى‬ ‫الذي اعطاه الفيل�سوف الإيطايل جورجيو اجامبني‬ ‫له‪� ،‬أي تلك التي تهدف اىل اق�صاء غري املرغوب‬ ‫بهم والذين ي�شكلون فئة "يحتمل �أن تكون خطرة"‪،‬‬ ‫وعدم اال�ستفادة من ت�شريعات ال�سيا�سي‪.‬‬ ‫ال يعترب ت�ضخم ال�سلطة الأمنية �أمر ًا جديد ًا‬ ‫على ال��واق��ع العربي‪ ،‬فلقد �شعرت به منذ ب��د�أت‬ ‫�أ���س��اف��ر �إىل ال���دول العربية‪ .‬فقد كنت �أع���اين‪،‬‬ ‫كفل�سطيني حامل للوثيقة ال�سورية �آن ذاك‪ ،‬لي�س‬ ‫فقط من طول الأ�سابيع للح�صول على فيزا‪ ،‬ولكن‬ ‫�أي�ض ًا م��ن ط��ول ال�ساعات على احل���دود العربية‬ ‫(اذكر منها الأردن‪ ،‬م�صر‪ ،‬تون�س‪ ،‬اجلزائر) لدرجة‬ ‫�أنني قدمت اه��داء يف كتابي "هنا وه��ن��اك‪ ،‬نحو‬ ‫حتليل العالقة بني ال�شتات الفل�سطيني واملركز"‬ ‫اىل رجاالت الأمن يف احلدود العربية؛ فـ"الف�ضل"‬ ‫ل�ساعات االنتظار هناك التي �شحذت ذهني لكتابة‬ ‫هذا الكتاب‪ .‬ال �أزال �أتذكر حتى اليوم ذهول �أخي‬ ‫الكبري عندما زارين يف فرن�سا وقطعنا احلدود �إىل‬ ‫ا�سبانيا ومل يجد حتى �شرطيا واحدا لالطالع على‬ ‫وثائق �سفرنا‪.‬‬ ‫لقد �أ�صر على العودة اىل احل��دود للح�صول‬ ‫على ختم خروج حتى ي�ستطيع الدخول مرة اخرى‬ ‫�إىل فرن�سا‪ .‬عدت وقتها وطلبت من رجل البولي�س‬

‫تتمة‪:‬احلرد ال�سعودي‬

‫اجلزيرة‪ .‬وهي نف�سها التي دفعت الغايل والنفي�س‬ ‫يف اليمن ملنع جناح ثورته عرب امل�شائخ القبليني‬ ‫والع�سكريني الذين تخ�ص�ص لهم �شهري ًا مئات‬ ‫املاليني من ال��دوالرات‪ .‬كما �أنها هي نف�سها التي‬ ‫ا�ستقبلت الرئي�س التون�سي املخلوع زين العابدين‬ ‫بن علي‪ ،‬ولطاملا �ضغطت ل�لاف��راج عن الرئي�س‬ ‫املخلوع ح�سني مبارك‪ ،‬بالرغم من ثورة ‪ ٢٥‬يناير‬ ‫هي تعبري عن ارادة �شعبية حقيقية‪.‬‬ ‫اذا امل�س�ألة لي�ست �صحوة �ضمري �سعودية‬ ‫مت�أخرة جتاه ال�شعوب العربية وحتديد ًا ال�شعب‬ ‫ال�سوري او حتى ي�أ�س ًا من جمل�س الأم��ن بقدر‬ ‫م��ا ه��ي الو�سيلة ‪/‬الفر�صة ال��وح�ي��دة املتاحة‬ ‫امام ال�سعودية يف هذه الأي��ام للقول �أنا هنا‪ ،‬اذ‬ ‫�أن اخلطوة ال�سعودية ت���أتي لتعك�س قمة جبل‬ ‫اجلليد يف عالقتها مع القوى الدولية‪ ،‬وحتديد ًا‬ ‫الواليات املتحدة‪ .‬وهي ب�شكل �أدق واح��دة من‬

‫حلظات ال�صدام بني احلليفني‪ ،‬و�إن اختلفت درجة‬ ‫الندية بينهما‪.‬‬ ‫اجلانب الأمريكي‪ ،‬وا�ضح انه حري�ص على‬ ‫امل�ضي بالت�سوية التي �أبرمت مع رو�سيا يف جنيف‬ ‫حتى نهاية املطاف‪ ،‬بل والبناء عليها من �أجل‬ ‫تو�سيع نطاقها ليتخطى الكيماوي او جنيف ‪٢‬‬ ‫و�صو ًال �إىل جممل الو�ضع ال�سوري‪.‬‬ ‫�أم ��ا ال���س�ع��ودي��ة ف �ت��درك �أن اي ت�سوية‬ ‫�ستنعك�س على نفوذها يف �سوريا �سلب ًا‪ .‬فالدور‬ ‫ال�سعودي‪ ،‬ينق�سم �إىل �شقني‪ ،‬الأول وعلى غرار‬ ‫العديد من ال��دول االقليمية والغربية‪ ،‬كممول‬ ‫رئي�سي ملجموعات من الكتائب امل�سلحة‪ .‬والثاين‬ ‫عرب نفوذها داخ��ل االئتالف ال��ذي جنحت قبل‬ ‫فرتة يف القيام بانقالب داخله واالتيان باحمد‬ ‫العا�صي اجل��رب��ا رئي�س ًا ل��ه ف�ض ًال ع��ن تو�سعته‬ ‫بادخال جمموعات حم�سوبة عليها اليه‪.‬‬

‫ختم الوثيقة وقد فعلها ول�سان حاله يقول "ه�ؤالء‬ ‫جا�ؤوا من املريخ!"‪.‬‬ ‫نعم ظهر العامل العربي وك�أنه خارج التاريخ‬ ‫واجلغرافيا العاملية‪ .‬واذا كان كذلك‪ ،‬فالأمر اليوم‬ ‫ال يحتمل يف ظل الربيع العربي‪ .‬فاحلراك ال�شعبي‬ ‫والتوق للدميوقراطية يتجاوز تون�س وم�صر وليبيا‬ ‫واليمن‪ ،‬واملطلوب لي�س فقط "ا�سقاط النظام"‪ ،‬لكن‬ ‫�أي�ض ًا "ا�سقاط هيمنة البريوقراطية الأمنية"‬ ‫و�إخ�ضاعها لل�سيا�سي‪.‬‬ ‫هل يعترب ح�صول الفل�سطيني ال�سوري على‬ ‫حق التنقل خطوة نحو التوطني؟ طبع ًا ال‪ .‬من‬ ‫ي�ستخدمون فزاعة التوطني هم الذين يبد�أون‬ ‫دائم ًا مبقوالت كم هم يحبون فل�سطني او �أنهم �ضد‬ ‫الإمربيالية وال�صهيونية ومع حترير كامل الرتاب‬ ‫العربي‪ ،‬وال نن�سى القد�س طبع ًا‪ .‬وك�أنهم يقولون‬ ‫�إن حترير فل�سطني يتم فقط على طريق ح�صار‬ ‫ومراقبة الفل�سطيني‪ ،‬وذل��ك مبنعه م��ن التنقل‬ ‫(�أو حرمانه من حق العمل والتملك كما يف حالة‬ ‫فل�سطينيي لبنان)‪ .‬وك�أنهم يقولون لنا �إننا نحب‬ ‫فل�سطني ونكره الفل�سطينيني‪.‬‬ ‫لقد عك�س هذه املفارقة ا�ستطالع الر�أي اجراه‬ ‫املركز العربي للأبحاث ودرا�سة ال�سيا�سات (امل�ؤ�شر‬ ‫العربي للعام ‪ ،)2011‬و�أظهر �أن ‪ 77‬يف املئة من‬ ‫ّ‬ ‫اللبنانيني يعتربون �أن الق�ضية الفل�سطينية هي‬ ‫ق�ضية جميع العرب ولي�ست ق�ضية الفل�سطينيني‬ ‫(م��ق��اب��ل ‪ 17‬يف امل��ئ��ة ي��ع��ت��ق��دون �أن الق�ضية‬ ‫الفل�سطينية هي ق�ضية الفل�سطينيني حدهم ويجب‬ ‫عليهم وحدهم العمل على حلها)‪.‬‬ ‫ويف م��ق��اب��ل ه���ذه االرق�����ام مت��ار���س ال��دول��ة‬ ‫اللبنانية �أ�سو�أ انواع التمييز �ضد الفل�سطينيني يف‬ ‫لبنان حارمة اياهم من اب�سط حقوقهم‪.‬‬ ‫لقد ا�سقطت روح ال��ث��ورات العربية مقولة‬ ‫"ال �صوت يعلو فوق �صوت املعركة"‪ ،‬التي توجت‬ ‫لفكر هرمي ي�ضع الأولوية للمعركة مع �إ�سرائيل‬ ‫واالمربيالية على ح�ساب ق�ضايا الدميوقراطية‬ ‫واحلرية والعدالة االجتماعية (مبا فيها لالجئني‬ ‫ولعامالت املنازل)‪ .‬وقد ظهر ذلك جلي ًا يف خطاب‬ ‫بع�ض الأنظمة العربية ولكن �أي�ض ًا بع�ض الأحزاب‬ ‫ال�سيا�سية‪.‬‬

‫هذا النفوذ ترى الواليات املتحدة �أنه ي�شكل‬ ‫عائق ًا �أمام تعزيز الت�سوية ويجب تقلي�صه‪� ،‬سواء‬ ‫بر�ضا �سعودي �أو من دونه‪ ،‬وخ�صو�ص ًا �أن �سيطرة‬ ‫الكتائب املت�شددة التي تدعم ال�سعودية جزء ًا‬ ‫منها بات مهدد ًا رئي�سي ًا يف نظر االدارة الأمريكية‬ ‫وي�ج��ب التخل�ص م�ن��ه‪ ،‬ف�ضال ً ع��ن ان جنيف ‪٢‬‬ ‫ب�صيغته احلالية يحتاج �إىل تقدمي االئتالف‬ ‫لتنازالت تبدو ال�سعودية غري قادرة على تقبلها‬ ‫يف هذه اللحظة وحتاول احليلولة دونها‪.‬‬ ‫وه ��ي مل جت��د ف��ر� �ص��ة الج��ب��ار اجل��ان��ب‬ ‫الأم�يرك��ي على االلتفات �إليها �سوى ع�بر هذه‬ ‫ال�صراخ عالي ًا من خالل رف�ض مقعد جمل�س الأمن‪،‬‬ ‫علها تنجح يف احل�صول على تر�ضية تتيح العودة‬ ‫عن قرار رف�ض املقعد جمل�س وبذات الوقت حتقق‬ ‫لنف�سها بع�ض االنت�صارات الدبلوما�سية‪.‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫ُ‬ ‫«عرفت اجلحيم‪ ..‬من �سوريا الأ�سد اىل خميمات لبنان»‬ ‫«عرفت اجلحيم‪.‬‬ ‫[مقتطفات من كتاب �صدر حديث ًا عن دار «بلون» الفرن�سية‪ ،‬عنوانه‬ ‫ُ‬ ‫من �سوريا الأ�سد اىل خميمات لبنان»‪ .‬للراوئية فايزة د‪ .‬والكاتبة جنان قارح تاجر‪.‬‬ ‫ن�شرت املقتطفات �صحيفة «لوموند» الفرن�سية (‪ 11‬ت�شرين الأول ‪.)2013‬‬ ‫«�صارت الزبداين خطر ًا على حممد‪ ،‬خطيبي‪ .‬كان يعي�ش‬ ‫خمتبئ ًا يف �أرا����ض ب��ور‪ ،‬ال يعرف �أح��د بال�ضبط �أي��ن‪ .‬مل يكن‬ ‫حممد يجر�ؤ على القيام بزيارة يل‪ .‬كان يخ�شى �أن يراقبه �أحد‪،‬‬ ‫فتكون حياتي وحياة �أهلي حتت دائ��رة اخلطر‪ .‬كان مالحق ًا‬ ‫كما احل��ي��وان‪ ،‬تبحث عنه دم�شق بالإ�سم‪ ،‬بذريعة ان��ه هرب‬ ‫من اخلدمة الع�سكرية وحتول اىل «عدو من الداخل»‪ ،‬ومهدّ د‬ ‫بالتايل بحكم الإعدام‪ .‬يف �صفوف رفاق حممد مل يبق عدد كبري‬ ‫على قيد احلياة‪ .‬وكانت ال�شائعات الهام�سة تقول ب�أن التم ّرد‬ ‫الآن �أ�صبح يتمتع بدماء جديدة‪ ،‬بدعم جديد من رجال يتقنون‬ ‫فنون احلرب‪ .‬وكلهم جنود �أو �ضباط كانوا قد ان�شقوا عن اجلي�ش‬ ‫النظامي‪ ،‬ومقاتلون حمرتفون در�سوا وتدربوا يف رو�سيا‪ ،‬ولكن‬ ‫�أي�ض ًا جهاديني كانوا يتدفقون من كل �أنحاء العامل‪ ،‬من العراق‬ ‫اىل باك�ستان وحتى من فرن�سا وال�سويد وبريطانيا‪ .‬مل نكن نحب‬ ‫ه�ؤالء اجلهاديني‪ ،‬كنا نكره تع�صبهم‪ .‬كنا نناديهم بـ»طالبان»‪،‬‬ ‫ولكن كنا بحاجة اليهم‪ .‬كانت �شجاعتهم تتفوق على املعايري‬ ‫الب�شرية‪ ،‬كانوا يذهبون اىل القتال من دون ح�ساب للمخاطر‪.‬‬ ‫مل يكونوا يهربون من املوت‪� ،‬إمنا كانوا يبحثون عنه‪ ...‬وكانوا‪ ،‬لو‬ ‫لزم االمر‪ ،‬يقاتلون ب�أياديهم �أو مبجرد قاذفة �صواريخ ملواجهة‬ ‫�أرتال الدبابات‪ .‬كانوا يت�سابقون على التطوع من �أجل تفجري‬ ‫�أنف�سهم ب�سيارات مفخخة‪ ،‬وكانوا ي�صيبون �أهدافهم �أكرث مما‬ ‫يفعله �شبابنا‪ .‬كانوا يريدون الذهاب من هذه الدنيا وهم �شهداء‪،‬‬ ‫لين�ضموا اىل جنة اهلل؛ وهذه الفكرة كانت متنحهم قوة خارقة‪.‬‬ ‫وطاملا انهم �أتوا اىل هنا للجهاد‪ ،‬ومل تكن نيتهم البقاء عندنا‪ ،‬كنا‬ ‫م�ضطرين للقبول بهم وعدم الإعرتا�ض على �أعمالهم‪.‬‬ ‫�أخري ًا قرر حممد‪ ،‬خطيبي‪� ،‬أن يرحل‪ .‬اذ مل َ‬ ‫يتبق له �أي حيز‬ ‫يتحرك �ضمنه‪ .‬كانت قوات الأ�سد ك�شفت هويته متام ًا و�ص ّنفته‬ ‫كعدو‪ .‬والأرج��ح �أي�ضا ان يف �صفوف اجلي�ش املن�شق نف�سه كان‬ ‫هناك جوا�سي�س للأ�سد‪ .‬متكنوا من حتديد مكانه‪ ،‬فحا�صروه‪.‬‬ ‫كان يعرف ب�أن توقيفه مل يعد �سوى م�س�ألة �أي��ام‪ ،‬بل �ساعات‪.‬‬ ‫قال يل على الهاتف ب�أنه �سريحل‪ ،‬وهو غارق يف حزنه‪ .‬وعدين‬ ‫ب�أنه �سوف يت�صل بي حاملا ي�صل اىل مكانه املق�صود‪ ،‬لبنان على‬ ‫الأرج��ح‪� ،‬إذا مت ّكن من عبور احلدود‪ .‬خرج م�شي ًا على الأقدام‪،‬‬ ‫ه��و و�إث��ن�ين م��ن رف��اق��ه‪ .‬ال��زب��داين لي�ست بعيدة ع��ن احل��دود‬

‫ح�سان عبا�س‬ ‫يدل م�صطلح ال��ر�أر�أة يف لغة الطب على عَ َر ٍ�ض �سريري‬ ‫ي�شري �إىل خلل يف الأجهزة التي تتحكم بحركة العني ويعود‬ ‫�إىل �إ�صابات مر�ضية خمتلفة‪ .‬ويت�صف هذا العر�ض بحركة‬ ‫اه��ت��زاز ال �إرادي���ة للعني جتعلها تبتعد ببطء عن مو�ضعها‬ ‫املركزي لتعود ب�سرعة �إليه‪ ،‬وهكذا دواليك‪ .‬وت�سبب الر�أر�أة‬ ‫درجة من اخللل يف الر�ؤية‪.‬‬ ‫تالحظ لدى ال�سوريني يف �سنوات‬ ‫بعيد ًا من الطب‪ ،‬كانت َ‬ ‫حكم عائلة الأ�سد‪ ،‬خ�صو�ص ًا زمن حكم الأب‪ ،‬حركة ال �إرادية‬ ‫يقومون بها بعيونهم‪ ،‬وغالب ًا ما كانوا يتابعونها بكامل وجههم‪،‬‬ ‫حتى �أ�صبحت كالعادة املكت�سبة التي متيزهم عن �سائر الب�شر‪.‬‬ ‫وتتميز هذه احلركة بانحراف كرة العني عن حمورها لتتجه‬ ‫نحو النوافذ �أو الأبواب‪ ،‬يف احليز الذي يجمعهم‪ ،‬فور نطقهم‪،‬‬ ‫�أو ُنطق �أحد مجُ ا ِل�سيهم بكلمة �أو �إ�شارة تنال من القائد �أو‬ ‫احلزب �أو �أجهزة الأمن ومن ينتمي �إليها‪.‬‬ ‫مل تكن هذه احلركة تعبري ًا عن خلل يف �أجهزة التحكم‬ ‫بع�ضالت العني بقدر ما كانت تعبري ًا عن ق ّوة �أجهزة التحكم يف‬ ‫حياة املواطن ال�سوري و�شدة الت�صاقها به‪ ،‬ويقظتها يف مراقبة‬ ‫درجة انقياده لل�ضوابط التي و�ضعتها له‪ .‬لقد بلغت قوة تلك‬ ‫الأجهزة‪ ،‬ونعني الأجهزة الأمنية طبع ًا‪ ،‬درجة من التغلغل يف‬ ‫حياة املواطنني حد �أنه بات يتخيل �أن ث ّمة �شبح ًا يقف خلف‬

‫اللبنانية‪ ،‬ولكن اجلبال التي تف�صلنا عن لبنان كانت حم�شوة‬ ‫برجال النظام وبالألغام امل�ضادة للأفراد (‪.)...‬‬ ‫ثم �إن�ضم حممد اىل قافلة الالجئني‪ .‬ولكنه كان ال يزال على‬ ‫قيد احلياة؛ وهذا هو الأهم بالن�سبة يل‪� .‬إت�صل بي بعد و�صوله‬ ‫اىل لبنان و�أف�صح عن ال�سبب احلقيقي لرحيله من �سوريا‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫بك‪...‬‬ ‫«تركت الزبداين من �أجلك‪ ،‬من �أجل �أن �أمتكن من الإلتقاء ِ‬ ‫ُ‬ ‫عرفت طعم ال�سعادة معك‪ ،‬وكان من الغباء �أن �أموت الآن» (‪.)...‬‬ ‫يف هذه الأثناء‪ ،‬كان «اجلي�ش ال�سوري احلر» اكت�سب مهنية‬ ‫قتالية عالية و�أخ��ذ ي�سيطر على بلدتنا ونواحيها‪ .‬باملقابل‪،‬‬ ‫�أ�صبحت الإنفجارات وال�صواريخ �أكرث تكرار ًا‪ ،‬مبعدل ال�ساعة‬ ‫�أو ال�ساعتني يف النهار؛ ودائ��م� ًا ب�شكل مفاجئ‪ ،‬بحيث تكون‬ ‫القذائف الأوىل حا�صدة العدد الأعلى من املدنيني‪ .‬اجلي�ش‬ ‫النظامي �أي�ضا �أ�صبح �أك�ثر مهنية‪ .‬وكل قذيفة يلقيها علينا‬ ‫كانت ت�صل اىل هدفها‪ .‬كانت النا�س تهم�س ب�أن الواقفني على‬ ‫ا�ستبدلوا‬ ‫املدافع من اجلنود ال�سوريني قليلي الدقة‪ ،‬وب�أنهم‬ ‫ِ‬ ‫ب�أنفار من «البا�سدران» الإي��راين �أو من ميلي�شيات «حزب اهلل»‬

‫اللبناين‪ .‬ه�ؤالء كانوا يعرفون مكامن �أوجاعنا‪ :‬كانوا يرتكوننا‬ ‫ل�ساعات طويلة ننام على �إطمئنان مطلق‪ ،‬ثم ب�ضربة واحدة‬ ‫يطلقون �سرب ًا من القذائف ذات الأعرية املختلفة‪.‬‬ ‫�أ�صوات االنفجارات كانت تقرتب وت�شعرنا ب�إقرتاب اخلطر‪.‬‬ ‫ك��ان وا�ضح ًا �أن مدينتنا التي �أعيد حتريرها �أ���صبحت هدفا‬ ‫ع�سكري ًا‪ .‬يف �شقتنا مل جند زاوية واحدة توحي بالأمان‪� :‬سقفها‬ ‫وجدرانها كان ميكن ان تخرتقهما �أتفه القذائف‪ .‬التفجريات‬ ‫تك ّثفت‪ .‬يف اليوم الثاين‪ ،‬نزلنا اىل قبو بيت قدمي قريب من‬ ‫عمارتنا‪ ،‬ووجدنا فيه عدد ًا كبري ًا من �أهايل حينا‪� .‬أو على الأقل‬ ‫اجلريان الذين عادوا اىل الزبداين‪ ،‬لأنهم مل يجدوا مكان ًا �آخر‬ ‫يلج�أون �إليه‪ .‬كرهت هذا القبو‪ .‬كرهت هذا التجاور الذي كنا‬ ‫مرغمني عليه‪ ،‬كرهت بكاء الأطفال و�شهيق الكبار‪ .‬كان اجلو‬ ‫فيه خانق ًا وال�صخب دائم‪ .‬كنا مر�صو�صني مثل اجلراذين‪� ،‬أكرثنا‬ ‫جر�أة كان ينتظر �أية هدنة ليخرج من هذا القبو‪ ،‬بع�ضهم يرك�ض‬ ‫اىل داره ويعود حمموال بامل�ؤن وقناين املياه (‪».)...‬‬

‫الر�أر�أة ال�سورية‬ ‫ليرت�صد الكالم‪ ،‬ويت�ص ّيد الهفوات وز ّالت‬ ‫كل مَنفذ يف جدار‬ ‫ّ‬ ‫الل�سان‪ .‬بل كان ذاك ال�شبح يقرتب بع�ض الأحيان لي�سكن يف‬ ‫الزاوية الوح�شية من العني‪ ،‬فما �أن ينطق امل��رء بكلمة قد‬ ‫ال تتفق مع ال�ضوابط حتى تنحرف العني نحو ذاك ال�شبح‬ ‫م�سرت�ضية‪ ،‬م�سرتجية‪ ،‬خائفة‪.‬‬ ‫مع ب��دء االنتفا�ضة‪ ،‬وط��وال مرحلة حتولها �إىل ث��ورة‪،‬‬ ‫حافظ ق�سم م��ن املواطنني على �شبحهم خ��وف� ًا م��ن �شعوره‬ ‫بال�ضياع بعد �أن �صار َم ْعلم ارتكازه يف الوجود؛ و�شحذ ق�سم‬ ‫�آخر �سكينه وا�ستنفر للدفاع عنه لأنه اعتقد �أن وجود ال�شبح‬ ‫�ضمانة لبقائه‪ .‬لكن الق�سم الأكرب‪� ،‬أي �أولئك الذين انخرطوا‬ ‫عملي ًا �أو فكري ًا �أو ميداني ًا �أو عاطفي ًا يف الثورة‪� ،‬أو نا�صروها‪،‬‬ ‫فقد حترروا من طغيان الأ�شباح اجلاثمة على نوا�صي حيواتهم‬ ‫و�أرغموها على التال�شي‪ ،‬فتال�شت‪ ،‬باملعنى احلقيقي لفعل‬ ‫تال�شى‪� :‬أي �أ�صبحت رويد ًا رويد ًا ال�شيء‪.‬‬ ‫غري �أن �أ�شباح ًا جديدة ب��د�أت تظهر وتتغلغل يف ثنايا‬ ‫الأنف�س‪ ،‬بالتوازي مع انفال�ش �ساحة ال�صراع على العنف‬ ‫العاري الذي ت�شرتك يف ممار�سته قوات اال�ستبداد الر�سمي‪،‬‬ ‫م��ع ق��وات الإره���اب الديني‪� .‬أ�شباح تنطلق م��ن الكثري مما‬ ‫يت�س ّرب خل�سة‪ ،‬والأكرث مما يُع َر�ض علن ًا‪ ،‬عن وح�شية القوى‬ ‫ذات الرايات ال�سود التي ت�سعى للهيمنة على املجتمع ب�أفكارها‬

‫املنحدرة من حلظات غري جميدة يف تاريخ املنطقة‪.‬‬ ‫حتتكر داع�����ش (دول����ة الإره�����اب يف ال��ع��راق وال�����ش��ام)‬ ‫ح�صة الأ�سد من الأخ��ب��ار املطلقة لأ�شباح اخل��وف‪ .‬تنطلق‬ ‫هذه الأ�شباح من �صور �أبطالها املتباهني بالر�ؤو�س املقطوعة‬ ‫يرفعونها ب�أيديهم‪ ،‬ومن فيديوهات �إعدام طفل رف�ض �أن ين�صاع‬ ‫لأم��ر �أح��د رجاالتهم؛ وتنطلق من فتاوى �شيوخهم املغرقة‬ ‫يف ابتذالها حول �شكل اللبا�س والتدخني والرقابة على ما‬ ‫قد يتلفظ به الل�سان‪ ،‬وم��ن حكايات ت�صرفاتهم املن�سوخة‬ ‫عن ت�صرفات املطاوعني ال�سعوديني التي مل ي�سبق للمجتمع‬ ‫ال�سوري �أن عرفها حتى يف �أكرث �أيامه ظلم ًا وكبت ًا‪.‬‬ ‫ه��ذه الأم���ور وغريها ت�ش ّكل عملية �إع���ادة بناء لثقافة‬ ‫اخل��وف التي ا�ستطاع النظام ت�شريبها لل�سوريني قبل �أن‬ ‫ي�ستفيقوا وينتف�ضوا‪ .‬لن يفيدنا الآن �أن نناق�ش �إن كان اخلوف‬ ‫هو ذاته �أو �أن بع�ضه يف�ضل بع�ضه الآخر‪ .‬ما يهم هو �أنه يف‬ ‫احلالتني يخ�سر املواطن ال�سوري روحه‪ ،‬وي�ض ّيع حقوقه‪ ،‬ويفقد‬ ‫القدرة على الر�ؤية ال�صحيحة ويتح ّول �إىل كائن خائف ت�سبق‬ ‫حركة عينه نحو النوافذ والأب���واب والأ�شخا�ص الغرباء‬ ‫حركة ل�سانه‪ .‬وتعود الر�أر�أة ك�سمة مالزمة ل�شخ�صيته‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يقول الباحثون يف طب العيون �إن ثمة �أربعني نوعا من‬ ‫الر�أر�أة‪ ،‬رمبا يجب اليوم �إ�ضافة نوع جديد‪ :‬الر�أر�أة ال�سورية‪.‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫العدد ‪83‬‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫«الرقيب اخلالد» لزياد‬ ‫كلثوم‬ ‫انحياز ل�سلمية الثورة وحق ال�سوريني يف احلياة‬ ‫عر�ض خا�ص لفيلم «الرقيب اخلالد» يف �سينما �أبراج‬ ‫ببريوت‪.‬‬

‫تهامة اجلندي‬ ‫للجي�ش م� ّن��زل��ة خا�صة يف ت�شكيالت‬ ‫الدولة ال�سورية‪ ،‬على اعتبار �أن البلد مهدّ د‬ ‫و ُمقاوم‪ ،‬بحكم جواره لكيان العدو‪ ،‬منزلة‬ ‫بد�أت من التبجيل يف الن�شيد الوطني «حماة‬ ‫الديار عليكم �سالم‪� ،‬أبت �أن ُتذل النفو�س‬ ‫الكرام» وانتقلت �إىل اخلدمة الإلزامية‪،‬‬ ‫املفتوحة الأمد‪ ،‬واملفرو�ضة على كل مواطن‬ ‫ذكر‪ .‬وتو�سعت لتطال طالب املرحلة الثانوية‬ ‫�وح��د عليهم‪،‬‬ ‫بفر�ض ال���زيّ الع�سكري امل� ّ‬ ‫وم��ادة الفتوة‪ ،‬ودورات ال�شبيبة ال�صيفية‬ ‫للع�سكرة‪.‬‬ ‫للتدريب على امل��ب��ادئ الأول��ي��ة ّ‬ ‫مرورا باالمتيازات الكبرية التي تتمتع بها‬ ‫الرتب العليا من ال�ضباط وما فوقهم‪ ،‬انتهاء‬ ‫بامليزانيات الهائلة التي اق ُتطعت من خبز‬ ‫املاليني‪ ،‬لتغطية نفقات تدريب هذا اجلي�ش‬ ‫وت�سليحه وبناء تر�سانته احلربية‪ ،‬مبا فيها‬ ‫الأ�سلحة الكيماوية‪ ،‬حتى غدا واحدا من‬ ‫�أقوى جيو�ش املنطقة العربية‪.‬‬ ‫جي�ش كان يعتز به جميع ال�سوريني‪ ،‬قبل‬ ‫�أن ي�ص ّوب ر�صا�صه على �صدروهم يف بداية‬ ‫التظاهرات ال�س ّلمية ‪ ،2011‬وت�ستوطن‬ ‫وجدانهم ط ّعنة الغدر‪ ،‬وه��م ي��رون �شباب‬ ‫و�شابات �سوريا ي�سقطون قتلى يف ال�شوارع‪ ،‬ال‬ ‫لذنب �سوى �أنهم طالبوا بالكرامة واحلرية‪،‬‬ ‫الطعنة العميقة ال��ت��ي ُت��رج��م��ت ب�شعار‬ ‫املتظاهرين «ال��ل��ي بيقتل �شعبه خ��اي��ن»‪،‬‬ ‫و�أغنية �سميح �شقري الرائعة «ي��ا حيف»‪،‬‬ ‫يومها كانت الفاجعة � ّأعتى من �أن ي�صدّ قها‬ ‫عقل‪ ،‬دفعت بالعديد من عنا�صر اجلي�ش‬

‫�أنف�سهم للتمرد على الأوامر «فكيف يقتلون‬ ‫م��ن �أق�سموا على ح��م��اي��ت��ه��م‪...‬؟! « وك��ان‬ ‫عقاب املتمردين الت�صفية الفورية‪� ،‬إال من‬ ‫ا�ستطاع منهم �أن يلوذ بالفرار خارج احلدود‬ ‫�أو داخلها‪ ،‬ذلك قبل �أن تت�شكل نواة اجلي�ش‬ ‫احلر‪ ،‬وي�صبح الر�صا�ص مزحة �أمام طائرات‬ ‫النظام ومدفعيته وراج��م��ات �صواريخه‪،‬‬ ‫التي فتحت نريانها على املدن‪ ،‬وفوق ر�ؤو�س‬ ‫العباد‪ ،‬وغدت عنوان الرعب والذهول الذي‬ ‫�أ�صاب املواطنني يف ال�سنة الثانية من عمر‬ ‫الثورة ال�سورية‪ ،‬وال تزال مع �إ�ضافة ف�صل‬ ‫الأ�سلحة الكيماوية بدخول ال�سنة الثالثة‪.‬‬ ‫�أ���س��وق ه��ذه املقدمة التي ب��ات يعرفها‬ ‫اجلميع‪ ،‬للإ�شارة �إىل حجم ال�صدمة التي‬ ‫اعرتت املدنيني والع�سكريني‪ ،‬من جراء زج‬ ‫الق ّوات امل�س ّلحة يف قمع املتظاهرين ال�س ّلميني‪،‬‬ ‫لأنها ت�ش ّكل اخللفية الدراماتيكية‪ ،‬و�سرية‬ ‫م��ا قبل ال��ب��داي��ة‪ ،‬التي ينطلق منها فيلم‬ ‫زي��اد كلثوم الوثائقي «الرقيب اخل��ال��د»‪،‬‬ ‫الذي اف ُتتحت �أول عرو�ضه يف �سينما �أبراج‬ ‫ببريوت‪ .‬فالفيلم ير�صد احلياة يف دم�شق‬ ‫ع��ام ‪ ،2012‬من خ�لال عيون رقيب ي��ؤدي‬ ‫خدمة العلم الإلزامية‪ ،‬هو نف�سه املخرج‬ ‫ال��ذي يعلن يف نهاية املطاف ان�شقاقه عن‬ ‫اجلي�ش ال�سوري النظامي‪ ،‬وعدم التحاقه‬ ‫بكتائب اجلي�ش احلر‪ ،‬م�ؤكدا �أن الكامريا هي‬ ‫�سالحه‪ ،‬واملفارقة �أن العر�ض تزامن مع بدء‬ ‫بعثة املفت�شني الدوليني بتفكيك تر�سانة‬ ‫الأ�سلحة الكيماوية يف �سوريا‪.‬‬

‫ي���ب���د�أ ال��ف��ي��ل��م ب���ك���ادر م��ائ��ل لغرفة‬ ‫متوا�ضعة‪ ،‬تلتقطها عد�سة جهاز خليوي‪،‬‬ ‫ت�ستوي ال�صورة‪ ،‬وتتابع قدمني بحذاء‪،‬‬ ‫تخرجان �إىل ال�شارع‪ ،‬تقطعان م�سافات‬ ‫ج��رداء‪ ،‬يحدّ ها �سور‪ُ ،‬كتبت عليه �شعارات‬ ‫البعث‪ :‬وحدة‪ ،‬حرية‪ ،‬ا�شرتاكية‪ ،‬يتح ّول‬ ‫احلذاء �إىل بوط ع�سكري‪ ،‬يخبط الأر�ض‪،‬‬ ‫وي�سمع دويّ االنفجارات‪ ،‬ت�صل القدمان‬ ‫�إىل ال� ُث��ك��ن��ة‪ ،‬جت���ول ع�ين ال��ع��د���س��ة على‬ ‫اجل���دران‪ ،‬متداعية‪ ،‬لكنها مليئة ب�صور‬ ‫الأ���س��رة احلاكمة‪ :‬الأب والإب���ن و�أخيه‪،‬‬ ‫ومن خارج الكادر يقول �صوت‪�« :‬أنا الرقيب‬ ‫زي��اد ك��ل��ث��وم»‪ ،‬و ُيغلق امل�شهد على جندي‬ ‫يل ّقم املدّ فع‪ ،‬وتنطلق القذيفة من الفوهة‪،‬‬ ‫وب�إمكاننا �أن نتخ ّيل حجم املجازفة التي‬ ‫قام بها املخرج �أثناء الت�صوير داخل ال ُثكنة‬ ‫بعد�سة هاتفه الن ّقال‪ ،‬يف ظل املنع البات‬ ‫ال�ستخدام �أي من �أجهزة االت�صال‪.‬‬ ‫يف ال�شارع يرن ج ّوال الرقيب‪ ،‬ون�سمع‬ ‫�صوت رجل ي�س�أله‪� ،‬إن كان ب�إمكانه االلتحاق‬ ‫بفريق الت�صوير‪ ،‬ويجيبه الرقيب �أن��ه‬ ‫�سي�أتي بعد �أن ينهي دوام���ه يف ال ُّثكنة‪،‬‬ ‫ينتقل امل�شهد �إىل امل��خ��رج حممد مل�ص‪،‬‬ ‫وه��و ي�ستعد لبدء ت�صوير فيلمه‪ ،‬ومنذ‬ ‫تلك اللحظة �سوف ي�ضع الفيلم تر�سيماته‬ ‫الأ�سا�سية على �أرب��ع��ة حم���اور متوازية‬ ‫ومتداخلة‪ ،‬هي‪ :‬اخلدمة الإلزامية‪ ،‬طاقم‬ ‫الت�صوير‪ ،‬احلوارات وحمور الإعالم‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من عدد ال�شخ�صيات الكبري الذي‬ ‫تتابعه الكامريا‪ ،‬من النخبة املعروفة ومن‬ ‫العامة‪ ،‬فلن نقر�أ على ال�شا�شة �أي ا�سم �أو‬ ‫تعريف لأي منها‪� ،‬سوف يتقدم معظمها‬ ‫با�سمه الأول‪ ،‬حني ُي��ن��ادى عليه‪ ،‬و�سوف‬ ‫نتع ّرف على مهنة ال�شخ�صية من خالل ما‬ ‫تقوم �أو تديل به داخل الكادر‪ ،‬وهي عالمة‬ ‫الفيلم الأوىل‪� :‬شخ�صيات بال �أ�سماء كاملة‪،‬‬ ‫�أو �أل��ق��اب‪ ،‬تكتفي بكينونتها الإن�سانية‪،‬‬ ‫وبالقا�سم امل�شرتك الذي يجمعها‪ ،‬موا�صلة‬ ‫العي�ش يف �أق��دم عا�صمة م�أهولة‪ ،‬تقطع‬ ‫�أو�صالها متاري�س الأجهزة الأمنية‪ ،‬وتغطي‬ ‫�سمائها الطائرات‪.‬‬ ‫يف حم��ور اخلدمة الإل��زام��ي��ة‪ ،‬يقت�صر‬ ‫الت�صوير على امل�شاهد الداخلية‪ ،‬العد�سة‬ ‫تر�صد فو�ضى امل��ك��ان‪ ،‬ومظاهر الإه��م��ال‬ ‫والب�ؤ�س والطغيان‪ ،‬الأر�ضية مت�سخة‪ ،‬وعلى‬ ‫الطاولة ركام من الأوراق وامللفات‪ ،‬الطعام‬ ‫بي�ض‪ ،‬وامل�شروب متة‪ ،‬الأ�سالك الكهربائية‬ ‫تتدىل خارج العلب‪ ،‬اجلدران مغطاة ب�صور‬ ‫ق��ادة الأب��د وال�شعارات‪ ،‬و�صوت الإع�لام‬ ‫ال�����س��وري‪ ،‬ي�شكو امل���ؤام��رة الكونية التي‬ ‫تق ّو�ض عزمية ال�شعب‪.‬‬ ‫يف املحور الثاين لن نعرف عنوان الفيلم‬ ‫الذي يقوم ب�إخراجه مل�ص‪ ،‬لن نتع ّرف على‬ ‫الق�صة‪ ،‬وال ال�شخ�صيات‪ ،‬وال امل�صري الذي‬ ‫�آل �إليه‪� ،‬سوف نتابع فقط بع�ض امل�شاهد‬ ‫املقت�ضبة واملتفرقة التي يجري ت�صويرها‪،‬‬ ‫وتتقاطع مع حال ال�سوريني ذاك احلني‪:‬‬ ‫�شاب ي�صعد �أعلى ال�سلم وي�صرخ‪ ،‬غ�سان‬ ‫جباعي مي ّثل دور �شخ�ص تعتقله املخابرات‪،‬‬ ‫ام��ر�أة م�س ّنة ت�سري نحو النافذة‪ ،‬وتقول‪:‬‬ ‫الطبيبة ماتت‪ ،‬ويف املقابل �سوف ير�صد‬ ‫ه��ذا امل��ح��ور امل��ع� ّوق��ات التي ت��واج��ه فريق‬ ‫العمل كل ي��وم‪ ،‬من �صعوبة الو�صول �إىل‬ ‫�أماكن الت�صوير ب�سبب احلواجز الأمنية‬ ‫والق�صف‪� ،‬إىل منع الفريق من الت�صوير يف‬

‫‪2013-9-15‬‬

‫بع�ض املناطق‪ ،‬ومن ثمة �إيقاف عمله ب�سبب‬ ‫الو�ضع الأمني املتدهّ ور‪ ،‬ومن اعتقال �أحد‬ ‫�أع�ضاء الطاقم من غرفته يف الفندق‪� ،‬إىل‬ ‫�صوت احل� ّوام��ات والقذائف ال��ذي ي�ش ّو�ش‬ ‫على �أ�صوات املمثلني و�أدائهم‪ ،‬فيغدو الأمر‬ ‫�أ���ش��ب��ه مبهمة م�ستحيلة‪ ،‬حت��اك��ي رحلة‬ ‫العذاب اليومية التي يكابدها كل �سوري يف‬ ‫الطريق �إىل مكان عمله‪� ،‬أو ق�ضاء حاجاته‪.‬‬ ‫املحور الثالث التقطته عد�سة زياد كلوم‬ ‫�أثناء عمله مع حممد مل�ص‪� ،‬صوته ي�س�أل‬ ‫من خارج الكادر‪ ،‬وال�شخ�صيات تلتفت نحوه‬ ‫وجتيب‪ ،‬واالرجت��ال �سيد اللقطة‪ .‬ع ّينات‬ ‫خمتلفة من الب�شر‪ ،‬ممثلون وتقنيون من‬ ‫�ضمن الطاقم الفني ومل�ص نف�سه‪� ،‬أ�شخا�ص‬ ‫ع���ادي���ون ي��ت��اب��ع��ون جم��ري��ات الت�صوير‪،‬‬ ‫و�آخ��رون �ساقتهم امل�صادفة �إىل املكان‪...‬‬ ‫يف كثري من الأحيان ال ن�سمع ال�س�ؤال‪ ،‬لكن‬ ‫معظمهم يبد�أ الكالم ذاهال‪ ،‬وبقدر �شديد‬ ‫من التح ّفظ‪ ،‬ويف حلظة يك�سر خوفه‪ ،‬يبوح‬ ‫ورمبا ينتحب‪ ،‬كروان ُقتل ابنه يف املعركة‪،‬‬ ‫ويدمي قلبه �أن يهلك اجلي�ش ال�سوري نف�سه‬ ‫احلاجة النازحة �ش ّيعت �أوالده��ا‬ ‫بنف�سه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يف حم�ص‪ ،‬ال�شاب فقد والده يف املعتقل‪...‬‬ ‫�سجن كبري واجلنازات ال تنتهي‪ ،‬وتقول جود‬ ‫كرثواين للعد�سة التي تتبعها وهي ت�سري‪:‬‬ ‫«و ّثقي دم�شق‪ ،‬قد حترتق غدا»‪ ...‬وحدها‬ ‫زوجة ال�ضابط تتحدث بتحد ووعيد‪ ،‬عن‬ ‫بطوالت �شريكها يف �إبادة الإرهابيني‪ ،‬وعن‬ ‫ثقتها التامة بانت�صار �أف�ضل ق��ادة العامل‬ ‫برر قتل املدنيني‪ ،‬وتدافع عن‬ ‫عليهم‪ ...‬ت� ّ‬ ‫القاتل‪.‬‬ ‫وبني يوميات الرقيب يف ال ُث ّكنة و�أثناء‬ ‫الت�صوير‪ ،‬كانت الأخبار املت ّلفزة على قناتي‬ ‫العربية واجل��زي��رة‪ ،‬تر�صد ع��دد القتلى‬ ‫وح��ج��م ال��دم��ار‪ ،‬بينما ك��ان��ت الف�ضائية‬ ‫متجد اجلي�ش البا�سل‪ ،‬وتدعو‬ ‫ال�سورية ّ‬ ‫ال�����ش��ب��اب ل�لال��ت��ح��اق يف ���ص��ف��وف��ه‪ ،‬لينتهي‬ ‫املحور الرابع مب�شهد اجلثث من الفريقني‬ ‫املتحاربني‪ ،‬النظامي واحلر‪ ،‬ويختم الفيلم‬ ‫تفا�صيله ب ��إع�لان �صك ال��ب�راءة م��ن كال‬ ‫الطرفني‪ ،‬منت�صرا ل�س ّلمية ال��ث��ورة‪ ،‬وحق‬ ‫ال�سوريني يف احلياة‪.‬‬ ‫ق���دّ م الفيلم وثيقة ح���ارة ع��ن حياة‬ ‫عا�صمة ّ‬ ‫حتت�ضر‪ ،‬و�أنا�س يقاومون املوت‪ ،‬يف‬ ‫م�شاهد تلقائية‪ ،‬بعيدة عن العنف الذي‬ ‫يح�صد الأرواح‪ ،‬قريبة م��ن الأمل ال��ذي‬ ‫ي�سكن القلوب‪ ،‬م�شاهد مل يمُ ار�س املخرج‬ ‫�سلطته عليها‪ ،‬ومل ي ّقحمها ب�أ�شرطة‬ ‫الفيديو امل�س ّربة عن هول ما يجري‪ ،‬بقدر‬ ‫�صب جهده‪ ،‬الالفت لالنتباه‪ ،‬على توليف‬ ‫ما ّ‬ ‫اللقطات الوثائقية‪ ،‬ور�صفها يف �سياق درامي‬ ‫ت�صاعدي‪ ،‬ي��وازي درام��ا ال��واق��ع ال�سوري‬ ‫بتجلياته املختلفة‪ ،‬فعل ذل��ك بحذاقة‬ ‫ّ‬ ‫ي�صف امل��ف��ردات يف جمل تكت�سي‬ ‫ك��ات��ب‬ ‫بالكنايات‪ ،‬وتفي�ض باملجاز املفتوح على‬ ‫الأ�سئلة والتداعيات‪.‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫ال�ساروت‪ ..‬حار�س الكرامة‬

‫را�شد عي�سى‬ ‫منذ بداية الثورة ال�سورية‪ ،‬وا�شتعالها‬ ‫يف م��دي��ن��ة ح��م�����ص خ�����ص��و���ص � ًا‪ ،‬اكت�شف‬ ‫ال�سوريون �أن حار�س "الكرامة"‪ ،‬حار�س‬ ‫فريق "الكرامة" احلم�صي لكرة القدم‪ ،‬مل‬ ‫يكن جم��رد ح��ار���س م��رم��ى‪ ،‬ب��ل ه��و بالفعل‬ ‫حار�س الكرامة‪ ،‬ول�شدّ ة ما افتنت ال�سوريون‬ ‫بهذا التطابق الفريد بني الواقع واملجاز‪.‬‬ ‫ذلك احلار�س كان عبد البا�سط ال�ساروت‬ ‫(ت�سعة ع�شر عام ًا �آنذاك)‪ ،‬وهو �سرعان ما‬ ‫ان�ضم �إىل التظاهرات العارمة يف مدينة‬ ‫حم�ص‪ ،‬بل �أ�صبح هو من�شدها ومغنيها‪.‬‬ ‫ال�����س��اروت ال��ي��وم ه��و م��و���ض��وع الفيلم‬ ‫ال�سينمائي الت�سجيلي "العودة �إىل حم�ص"‬ ‫(‪ 88‬دقيقة)‪ ،‬الذي ا�ستغرق املخرج ال�سوري‬ ‫طالل ديركي عامني لإجنازه‪ ،‬والذي �سيظهر‬ ‫�إىل النور قريب ًا يف "مهرجان �أم�سرتدام‬ ‫للفيلم الت�سجيلي" ك�أول فيلم عربي يعر�ض‬

‫يف االفتتاح‪ ،‬وم�شارك ًا يف امل�سابقة الر�سمية‬ ‫للفيلم الطويل‪.‬‬ ‫ل��ك��ن وراء ال�����س��اروت ه��ن��اك حكاية‬ ‫ال��ث��ورة واحل���دث ال�����س��وري‪ ،‬على م��ا يقول‬ ‫امل��خ��رج دي��رك��ي لـ"املدن"‪ ،‬حيث "الفيلم‬ ‫مبني على نقل احل��دث ال�سوري من خالل‬ ‫متابعة تفا�صيل يومية ومفارقات �صعبة‬ ‫واجهت �شابني فاعلني يف الثورة‪ ،‬الأول هو‬ ‫ال�ساروت من حي البيا�ضة‪ ،‬حار�س مرمى‬ ‫نادي الكرامة‪ ،‬الذي �أ�صبح من�شد تظاهرات‬ ‫حم�ص‪� ،‬إىل �أن التحق برفاقه يف الدفاع عن‬ ‫املدينة‪ ،‬و�أ�صبح قائد �إح��دى املجموعات‬ ‫املن�ضوية حتت جناح اجلي�ش احلر‪ ،‬وال�شاب‬ ‫الثاين هو �أ�سامة احلم�صي‪ ،‬م�صور و�إعالمي‬ ‫من حي اخلالدية"‪.‬‬ ‫امل��خ��رج ك��ان يتحرك يف م��دن �سورية‬ ‫ع��دي��دة م��ع ب��داي��ات ال��ث��ورة م�����ش��ارك � ًا يف‬

‫الت�صوير ويف العمل ال�صحايف كما يقول‪ .‬ويف‬ ‫حم�ص تع ّرف �إىل ال�ساروت "كان ذلك �أثناء‬ ‫عملي مع �أ�سامة احلم�صي‪ .‬تعرفت �إليه‪ ،‬ر�أيت‬ ‫العزم والت�صميم‪ ،‬و�أعجبت بجر�أته و�أغنياته‪،‬‬ ‫التي كانت بد�أت ُتردد يف �أنحاء �سوريا‪� .‬أيقنت‬ ‫م��ن متابعتي ل��ه �أن ه��ن��اك حكايات قادمة‬ ‫ال حم��ال��ة‪ ،‬و�سرعان م��ا ب��د�أ النظام بحملة‬ ‫ت�أديبية له وملحيطه‪ ،‬ودخل با�سط يف طريق‬ ‫الالعودة يف املطالبة ب�إ�سقاط النظام"‪.‬‬ ‫فيلم كهذا‪ ،‬ال بد �أن��ه كان عم ًال حمفوف ًا‬ ‫ب��امل��خ��اط��ر‪ ،‬ح��ي��ث "الطريق م���ن دم�����ش��ق‬ ‫(حيث كان يقيم املخرج) �إىل حم�ص مليء‬ ‫ب��احل��واج��ز‪ .‬اخل��ط��ورة ك��ان��ت �أك�ب�ر حينما‬ ‫تدخل املدينة‪ ،‬حيث احل��واج��ز والقنا�صة‬ ‫املنت�شرون بكثافة على �أ�سطح املباين وداخل‬ ‫بيوت حم���ددة‪ ،‬يطلقون ال��ن��ار مبا�شرة لدى‬ ‫ر�ؤي��ة �أي��ة ك��ام�يرا‪ .‬ه��ذا �إىل جانب الق�صف‬ ‫املمنهج للمدينة‪ ،‬واملعارك على جبهات كثرية‪،‬‬ ‫واحل�صار القاتل"‪.‬‬ ‫ه��ك��ذا ا���ض��ط��ر امل���خ���رج �إىل االع��ت��م��اد‬ ‫على م�صور متواجد دائ��م� ًا بجوار ال�ساروت‬ ‫واحلم�صي "فيما كنت يف الأوق��ات الأخ��رى‪،‬‬ ‫�أنا ومنتج الفيلم عروة نريبية‪ ،‬ن�صور امل�شاهد‬ ‫امل�ؤ�س�سة للبنية الدرامية ول�صلب الفيلم‪ ،‬ويف‬ ‫غيابنا‪ ،‬وحتديد ًا حني بقينا يف دم�شق وخ�ضعت‬ ‫حم�ص حل�صار �صارم‪ ،‬كان امل�صور ين�سق معنا‬ ‫ب�شكل يومي من خالل النت الف�ضائي"‪.‬‬ ‫امل��خ��رج مل يكن بعيد ًا ع��ن اخل��ط��ر‪ ،‬فهو‬ ‫كما يقول "جزء من الثورة‪ ،‬وقد جتاوزنا منذ‬ ‫اللحظة الأوىل حاجز اخل��وف‪ .‬كان اخلوف‬ ‫�أال يكتمل امل�شروع‪ ،‬وكانت املجازفة كبرية‬ ‫بوجود ال�سوريني ال�شجعان على خط اجلبهة‬ ‫مبواجهات الدبابات والقذائف والطريان"‪.‬‬ ‫حل��ظ��ات اخل���وف وم��واج��ه��ة امل���وت تبدو‬ ‫جزء ًا من فيلم من هذا النوع‪ ،‬من دونها ال �شك‬ ‫�سي�صبح فيلم ًا �آخر "ال ت�ستطيع �أن تعود �إىل‬ ‫حياتك ال�سابقة بعد هكذا فيلم‪ .‬يف امل�ستقبل‬ ‫�سي�أتي �شخ�ص وينجز فيلم ًا روائي ًا عن جتربة‬ ‫ال�ساروت‪ ،‬وق�صة حياته املثرية للجدل‪ ،‬لكن‬ ‫هذا الكاتب �أو املخرج‪� ،‬سيغادر منزله �صباح ًا‬ ‫بثيابه الأن��ي��ق��ة‪ ،‬وي��و���ص��ل اب��ن��ه للمدر�سة‬ ‫ويتابع نحو موقع الت�صوير‪ ،‬القهوة يف انتظاره‬

‫وامل�ساعدون واملمثلون كذلك‪ .‬زوجته �ستكون‬ ‫مطمئنة متار�س حياتها ب�أريحية‪ ،‬ال خطر‬ ‫على م�صريه من املوت �أو االعتقال والت�صفية‪،‬‬ ‫ل��ن يعرف م��ن (وم���ا) ه��و ال�����س��اروت‪ ،‬وم��ن هم‬ ‫�أولئك الذين مات معظمهم‪ .‬لن ي�س�أله ال�ساروت‬ ‫احلقيقي‪ :‬ماذا نفعل الآن؟‪ ..‬لن يكون جزء ًا‬ ‫م��ن ال��ت��اري��خ‪ .‬هنا ي��ك��ون الفيلم الت�سجيلي‬ ‫منت�صر ًا على باقي الفنون"‪.‬‬ ‫ولدى �س�ؤال املخرج ديركي �إن كان ال�ساروت‬ ‫�شاهد ن�سخة من الفيلم‪ ،‬قال‪" :‬لقد �شاهده يف‬ ‫ظروف جد ًا �صعبة‪ ،‬فهو داخل احل�صار‪ ،‬وحي‬ ‫اخلالدية �سقط يف يد النظام‪ .‬ا�ست�شهد �أخوه‬ ‫وخاله �أي�ض ًا قبل �أ�سابيع‪ ،‬وو�ضعه ال�صحي �سيء‬ ‫جد ًا‪ .‬لكنه على دراية كاملة مب�شاهد الفيلم‪،‬‬ ‫ومقتنع متام ًا ب�ضرورته‪ ،‬هو الذي ح�ضر �أمام‬ ‫الكامريات حني كان اجلميع خائف ًا‪ ،‬وغاب حني‬ ‫�أ�صبحت امل�س�ألة متاحة للكثريين"‪ .‬و�أ�ضاف‬ ‫ديركي‪" :‬تربطنا �صداقة قوية‪ ،‬وتف ّهم كل‬ ‫منا لدور الآخر ولأهميته‪ .‬هو يعلم متام ًا ما �أنا‬ ‫مقدم عليه‪ ،‬يتنا�سى ح�ضور الكامريا يف كثري‬ ‫من الأوق��ات‪ ،‬اعتاد على ح�ضورنا الدائم‪ ،‬ال‬ ‫يختلف البتة يف الواقع عنه �أمام الكامريا"‪.‬‬ ‫و�إذا كانت �سوريا بعد اندالع الثورة �شهدت‬ ‫انتعا�ش ًا هائ ًال يف �إنتاج الفيلم الت�سجيلي‪ ،‬ف�إن‬ ‫خمرج "العودة �إىل حم�ص" ع ّلق على ما �أ�سماه‬ ‫"الثورة الب�صرية" بالقول‪" :‬امل�شكلة تكمن‬ ‫يف غياب ال�صرب والوعي بالتعامل مع امل��ادة‬ ‫املتابعة‪ .‬فن كتابة احلكاية‪ ،‬وفن خلق العن�صر‬ ‫الإن�ساين والعاطفي وخلق خطوط درامية‬ ‫�أو البحث عنها يف مناطق ال�صراع‪ ،‬بقي غائب ًا‬ ‫�أمام احل�ضور الإخباري العام للثورة‪� .‬شخو�ص‬ ‫كثرية عا�شت وماتت قربنا ومل نع ْرها انتباهنا‪،‬‬ ‫كذلك جتد �أن اجلانب الإعالمي يف الثورة نحو‬ ‫تراجع ب�سبب هيمنة املال ال�سيا�سي على الثوار‬ ‫والكتائب‪� .‬أ�صبح الإع�لام��ي حمكوم بالعمل‬ ‫فقط مل�صلحة اجلهة التي ينت�سب لها وت�ؤمن له‬ ‫دخله"‪ .‬لكن ديركي ا�ستدرك بالقول‪" :‬هناك‬ ‫الكثري من ال�شباب الذين �أث��ق فيهم يعملون‬ ‫�أفالمهم ب�صمت و�صرب كبري‪ ،‬ويتحدون املوت‪،‬‬ ‫ومنهم �أي�ض ًا من هو معتقل لدى النظام �أو لدى‬ ‫جهات مثل داع�ش وغريها‪ ،‬مقيمة على الرتاب‬ ‫ال�سوري"‪.‬‬

‫هل مت جتنب الأزمة يف �سوريا؟ لي�س بهذه ال�سرعة‬ ‫ترجمة ‪ :‬ق�سم الرتجمة يف مركز ال�شرق العربي‬

‫بعد �شهرين من الهجوم املرعب بغاز ال�سارين الذي دفع �سوريا �إىل حمور انتباه وا�شنطن‪,‬‬ ‫يبدو �أن ما حدث �أ�صبح طي الن�سيان‪ .‬يقول املفت�شون الدوليون �إن خطة التخل�ص من تر�سانة‬ ‫�أ�سلحة النظام الكيميائية‪ ,‬التي انتهى بها املطاف �إىل �أن تكون رد الرئي�س �أوباما على‬ ‫اجلرمية‪ ,‬ت�سري ب�سال�سة ن�سبيا‪ .‬يف الكونغر�س‪ ,‬حتول جدل ال�سيا�سة اخلارجية نحو �إيران‪.‬‬ ‫�إذا هل انتهت الأزمة؟ يبدو �أن ال�سيد �أوباما يعتقد ذلك‪ ,‬وكذلك ب�شار الأ�سد‪.‬‬ ‫يف مقابلة ن�شرتها الأ�سبوع املا�ضي �صحيفة الأخبار‪ ,‬بدا الدكتاتور ال�سوري �سعيدا‬ ‫ومرتاحا لو�ضعه‪ .‬حتى �إنه مل يبدي �أي "ندم" خل�سارته الأ�سلحة الكيمائية‪ ,‬حيث ورد‬ ‫يف ال�صحيفة ‪�":‬إنه يعتربها مبثابة �أ�سلحة ردع �أ�صبحت جزء من املا�ضي الآن"‪ .‬كما �أو�ضح‬ ‫الأ�سد �أن امل�ستهدف من غاز ال�سارين كان �إ�سرائيل‪ ,‬ولكن �إ�سرائيل طورت �إجراءات م�ضادة‬ ‫و�صواريخ �سوريا البال�ستية �أ�صبحت ت�شكل الآن تهديدا �أكرث قوة للدولة اليهودية‪.‬‬ ‫�صحيح �إنه كان ي�أمل يف ا�ستخدام تر�سانته من الأ�سلحة الكيماوية – التي مل ت�شهد‬ ‫�أي زيادة منذ عام ‪ -1997‬من �أجل حمل �إ�سرائيل على التخلي عن �أ�سلحتها النووية‪ ,‬كما‬ ‫قال الأ�سد‪ .‬ولكن الأ�سلحة ا�ستخدمت الآن لفائدة ملمو�سة �أكرث‪ ,‬وذلك " من اجل �إزالة‬ ‫تهديد التعر�ض للهجوم" من قبل الواليات املتحدة‪ .‬مما �أعاد فتح الطريق �أمام النظام ل�شن‬ ‫احلرب مرة �أخرى �ضد املدنيني‪ .‬يف الأ�سابيع الأخرية ا�ست�أنفت الطائرات ال�سورية ق�صفها يف‬ ‫املناطق احل�ضرية‪ ,‬بينما ت�ستخدم القوات الربية طريقة جديدة للق�ضاء على املقاومة يف‬ ‫�ضواحي دم�شق التي كانت هدفا لهجوم الغاز يف ‪� 21‬أغ�سط�س تتمثل يف منع و�صول �إمدادات‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫وا�شنطن بو�ست‬

‫الغذاء بهدف جتويع ال�سكان‪.‬‬ ‫وزير اخلارجية جون كريي يقول �إنه �سوف يعقد م�ؤمتر ال�سالم نهاية ال�شهر القادم يف‬ ‫جنيف‪ .‬كما يقول �إن امل�ؤمتر يجب �أن ي�ؤدي �إىل ت�شكيل حكومة انتقالية ت�ستبعد زمرة الأ�سد‬ ‫ويوافق عليها كال اجلانبني‪ .‬ولكن الأ�سد غري مهتم بجنيف‪� ,‬إذا قال الدكتاتور �إن امل�ؤمتر‬ ‫"رمبا يعقد من �أجل �إر�ضاء رو�سيا فقط"‪ .‬مما قد يغري �إدارة �أوباما بقبول املبادرة‪ .‬ولكنه‬ ‫ي�شك يف ذلك‪ .‬وي�ضيف ‪":‬م�شكلة الغرب �أن املع�سكر الذي يدعمه يف املفاو�ضات منق�سم ولي�س‬ ‫له �أي �سيطرة على الأر�ض"‪� .‬إذا كان هناك م�ؤمتر‪ ,‬ف�إن النظام �سوف ي�صر على بقاء الرئي�س‬ ‫يف من�صبه حتى تنتهي فرتة رئا�سته وذلك حتى منت�صف العام القادم كما �أن لديه احلق يف‬ ‫�إعادة االنتخاب‪ ,‬ولي�س هناك �أي م�ؤ�شر على �أن رو�سيا تعار�ض ذلك‪.‬‬ ‫بيانات الأ�سد الأخ�يرة رمبا يبدو فيها الكثري من التهديد والوعيد‪ .‬ولكنها فارغة‪.‬‬ ‫النظام عمل على ا�ستبدال تر�سانة �أ�سلحته التي ابتعدت عن هدفها الأ�صلي مقابل جتنب‬ ‫�ضربة ع�سكرية �أمريكية كان من �ش�أنها تغيري موازين القوة يف احلرب الأهلية‪ .‬هذا االتفاق‬ ‫�أدى �إىل املزيد من االنقا�سامات يف املعار�ضة املدعومة �أمريكيا كما �أنه �أدى �إىل تبديل بع�ض‬ ‫جمموعات املتمردين والءها نحو الإ�سالميني‪ .‬يبدو �أن م�ؤمتر جنيف م�شكوك يف �أمره‪ ,‬ويعود‬ ‫ذلك بجزء منه �إىل �أن الدبلوما�سيني الأمريكان غري قادرين على تو�ضيح كيفية مغادرة‬ ‫الأ�سد لل�سلطة‪ .‬رمبا من غري املفاجئ �أن الأ�سد و لي�س �أوباما هو من يريد احلديث عن هذا‬ ‫الأمر‪ .‬بالن�سبة للواليات املتحدة‪ ,‬يبدو �أن ال�صورة قامتة وخمزية متاما‪.‬‬


‫العدد ‪88‬‬

‫‪2013-10-20‬‬

‫من هو الدكتاتور؟‬ ‫روبرت كابالن‬ ‫ريال كلري بوليتيك�س‬ ‫ترجمة ‪ :‬ق�سم الرتجمة يف مركز ال�شرق العربي‬

‫من هو الدكتاتور‪� ,‬أو امل�ستبد؟ �أراهن �أنك تعتقد �أنك تعرف‪.‬‬ ‫لكن رمبا ال‪ .‬طبعا‪� ,‬أدولف هتلر وجوزيف �ستالني وماو ت�سي تونغ‬ ‫كانوا دكتاتوريني‪ .‬وكذلك كان �صدام ح�سني وكال من حافظ وب�شار‬ ‫الأ�سد‪ .‬ولكن يف عدة ح��االت ف��إن الو�ضع لي�س بتلك الب�ساطة‬ ‫والو�ضوح‪ .‬يف العديد من احلاالت ف�إن الواقع – والأخالق‪ -‬التي‬ ‫حتكم املوقف تكون �أكرث تعقيدا‪.‬‬ ‫دينغ �شياو بينغ كان دكتاتورا‪� ,‬صحيح؟ بعد كل �شيء‪ ,‬فقد‬ ‫كان رئي�س احلزب ال�شيوعي يف ال�صني من عام ‪� 1978‬إىل عام‬ ‫‪ .1992‬ومل يكن منتخبا‪ .‬وحكم من خالل اخلوف‪ .‬كما وافق على‬ ‫ذبح املتظاهرين يف ميدان تيامنني يف بكني عام ‪ .1989‬ولكنه قاد‬ ‫ال�صني �أي�ضا باجتاه اقت�صاد ال�سوق الذي �أدى �إىل رفع م�ستوى‬ ‫املعي�شة ودرجة حريات الأفراد للمزيد من النا�س يف فرتة رمبا‬ ‫تكون �أق�صر من �أي وقت زمني �آخر م�سجل يف التاريخ ملثل هذا‬ ‫التحول االقت�صادي‪ .‬من �أجل هذا االجناز‪ ,‬رمبا يجادل املرء ب�أنه‬ ‫ميكن ت�صنيف دينغ كواحد من �أعظم الرجال يف القرن الع�شرين‪,‬‬ ‫على قدم امل�ساواة مع وين�ستون ت�شرت�شيل وفرانكلني روزفيلت‪.‬‬ ‫ولذلك لي�س من العدل و�ضع دينغ يف نف�س الفئة مع �صدام‬ ‫ح�سني‪� ,‬أو حتى مع ح�سني مبارك‪ ,‬زعيم م�صر ال�سابق‪� ,‬أي منهم‬ ‫�أدى حكمه العقيم �إىل �إعداد �شعبه للمزيد من االنفتاج املجتمعي؟‬ ‫فوق جميع االعتبارات لي�س هناك �أي من ه�ؤالء الرجال الثالثة‬ ‫جاء �إىل احلكم عن طريق االنتخابات‪ .‬وجميعهم حكموا من‬ ‫خالل اخلوف‪ .‬فلماذا ال ن�ضعهم جميعهم يف نف�س املجموعة؟‬ ‫�أو ماذا عن يل كوان يو و زين العابدين بن علي؟ خالل املراحل‬ ‫الأوىل حلكم يل ل�سنغافورة ت�صرف بطريقة ا�ستبدادية‪ ,‬كما‬ ‫فعل بن علي خالل طيلة فرتة حكمه لتون�س‪� .‬إذا �أال ي�ستحقان‬ ‫�أن ن�صفهما بامل�ستبدان؟ لقد رفع يل م�ستوى احلياة ونوعيتها يف‬ ‫�سنغافورة من دولة كانت م�ساوية لبع�ض �أفقر الدول الإفريقية‬ ‫يف ال�ستينات �إىل دول��ة تعادل �أغنى ال��دول الغربية يف بداية‬ ‫الت�سعينات‪ .‬كما و�ضع �أ�س�سا للجدارة ( نظام ملكاف�أة الفرد بناء‬ ‫على �إجنازاته ول�س على �أمواله �أو معارفه‪ :‬املرتجم) واحلكم‬ ‫الر�شيد والتخطيط احل�ضري على �أ�سا�س عاملي‪ .‬مذكرت يل ذات‬ ‫اجلز�أين ميكن قراءتها كما تتم ق��راءة حياة النبالء اليونان‬ ‫والرمان‪ .‬ولكن بن علي وعلى النقي�ض من ذلك‪ ,‬كان جمرد �سفاح‬ ‫خ��ادم لأجهزة الأم��ن جمع ما بني التوح�ش و�أق�صى م�ستويات‬ ‫الف�ساد‪ ,‬كما كان الإ�صالح غائبا متاما عن حكمه‪ .‬مثل مبارك‪,‬‬ ‫فقد �ضمن اال�ستقرار ولكن مل يقدم �أي �شيء �آخر‪.‬‬ ‫فهمتهم الفكرة‪� .‬إن تق�سيم العامل ما بني �أ�سود و�أبي�ض بني‬ ‫الدكتاتوريني والدميقراطيني يفتقر متاما للمعنى ال�سيا�سي‬ ‫والتعقيد الأخالقي للو�ضع على الأر���ض يف الكثري من البالد‪.‬‬ ‫�إن تق�سيم الأم��ور ما بني دميقراطيني ودكتاتوريني وا�سع جدا‬ ‫لفهم العديد من املناطق وحكامها – وبالتايل تقدمي فهم كاف‬ ‫للجغرافيا ال�سيا�سية‪ .‬بالت�أكيد هناك ف�ضيلة يف ذلك من خالل‬ ‫تب�سيط التفكري وتقدمي الأم��ور‪� .‬إن تب�سيط الأمن��اط املعقدة‬ ‫ي�سمح للنا�س �إدراك احلقائق الأ�سا�سية التي رمبا ال يدركوها يف‬ ‫حالة عدم تب�سيطها‪ .‬ولكن ولأن احلقيقة ذات طبيعة معقدة‪,‬‬ ‫ف�إن الكثري من التب�سيط ي�ؤدي �إىل ر�ؤية بدائية للعامل‪ .‬واحدة‬ ‫من �أف�ضل الأمور بالن�سبة للمثقفني واملتخ�ص�صني يف اجلغرافيا‬ ‫ال�سيا�سية هي ميلهم ملكاف�أة التفكري املعقد وقدرتهم امل�صاحبة‬ ‫على ر�سم الأبعاد ب�صورة دقيقة‪.‬‬ ‫�إن التمييز اجل��ي��د يجب �أن ي��ك��ون ح��ول م��ا ت���دور حوله‬ ‫اجلغرافيا والعلوم ال�سيا�سية‪ .‬وهو يعني �أننا نتعرف على العامل‬ ‫من خالل معرفتنا �أن��ه كما �أن هناك دميقراطيون �سيئون ف�إن‬ ‫هناك دكتاتوريون جيدون‪ .‬يف العديد من احلاالت ف�إنه ال يجب‬ ‫ت�صنيف حكام العامل ما بني �أبي�ض و�أ�سود‪ ,‬ولكن هناك ظالل‬ ‫كثرية غري حمدددة‪ ,‬تغطي الطيف ما بني الأ�سود والأبي�ض‪.‬‬ ‫املزيد من الأمثلة‪:‬‬

‫ن��واز �شريف ومناف�سته الراحلة بنازير بوتو‪,‬‬ ‫عندما حكموا باك�ستان بالتناوب يف الت�سعينات‪,‬‬ ‫كانت �إدارتهما رهيبة‪ .‬كالهما ك��ان منتخبا‪ ,‬لكن‬ ‫كالهما حكم بطريقة غري من�ضبطة وفا�سدة وغري‬ ‫حكيمة مما جعل البالد �أقل ا�ستقرارا ومهدا الطريق‬ ‫لوجود حكم الع�سكر‪ .‬لقد كانا دميقراطيني ولكنهما‬ ‫مل يكونا ليرباليني‪.‬‬ ‫امللك ح�سني ملك الأردن الراحل والراحل بارك‬ ‫ت�شونغ يف كوريا اجلنوبية كانا دكتاتوريان‪ ,‬ولكن‬ ‫الديناميكية واحلكم امل�ستنري �أدى �إىل تغيري قطع‬ ‫جغرافية غري م�ستقرة وجلبا لهما النمو وحالة‬ ‫من اال�ستقرار الن�سبي‪ .‬لقد كانا دكتاتوريان ولكنها‬ ‫ليرباليان يف نف�س الوقت‪.‬‬ ‫و�سط هذا التعقيد ال�سيا�سي والأخالقي الذي‬ ‫يع�صف مبناطق خمتلفة من الأر���ض‪ ,‬ظهرت بع�ض‬ ‫ال��ن��م��اذج الأخ����رى‪ .‬على ال��ع��م��وم‪ ,‬الدكتاتوريون‬ ‫الآ�سيويون حكموا بطريقة �أف�ضل من نظرائهم‬ ‫ال�شرق �أو�سطيني‪ .‬دينغ يف ال�صني‪ ,‬يل يف �سنغافورة‪,‬‬ ‫بارك يف كوريا اجلنوبية‪ ,‬مهاتري حممد يف ماليزيا‪,‬‬ ‫ت�شيانغ ك��اي ت�شيك يف ت��اي��وان‪ ,‬جميعهم كانوا‬ ‫م�ستبدين ب��درج��ة �أو ب ��أخ��رى‪ .‬ول��ك��ن �شموليتهم‬ ‫قادت �إىل تطور اقت�صادي وتكنولوجي و�إىل حكم‬ ‫�أف�ضل و�إىل حت�سني نوعية احلياة‪ .‬الأهم من ذلك‬ ‫كله‪ ,‬ف�إن حكمهم‪ ,‬مهما كان ناق�صا‪� ,‬أدى �إىل حت�سني‬ ‫و�ضع جمتمعاتهم وبالتايل التحول نحو الإ�صالحات‬ ‫الدميقراطية فيما بعد‪ .‬جميع ه����ؤالء ال��رج��ال‪,‬‬ ‫من �ضمنهم مهاتري امل�سلم‪ ,‬كانوا مت�أثرين بطريقة‬ ‫غ�ير م��ب��ا���ش��رة وغ��ام�����ض��ة مب��ج��م��وع��ة م��ن التعامل‬ ‫الكونفو�شيو�سية‪ ,‬والتي تت�ضمن‪ :‬احرتام الت�سل�سل‬ ‫الهرمي وكبار ال�سن وب�شكل عام احلياة الأخالقية‬ ‫العامة يف هذا العامل‪.‬‬ ‫كل ذلك يقف على نقي�ض من حالة الدكتاتوريني‬ ‫العرب مثل بن علي يف تون�س ومبارك يف م�صر و�صدام‬ ‫يف العراق وعائلة الأ�سد يف �سوريا‪.‬كما �أنه �صحيح‬ ‫�أن بن علي ومبارك كانا �أقل قمعا من �صدام والأ�سد‬ ‫الراحل‪ .‬وعالوة على ذلك فقد �شجع كل من بن علي‬ ‫وم��ب��ارك على بع�ض التطور يف الطبقة املتو�سطة‬ ‫يف بالدهم‪ .‬ولكنهما مل يكونا م�صلحني �أخالقيني‬ ‫ب ��أي �شكل من الأ���ش��ك��ال‪ .‬وبالطبع �صدام والأ�سد‬ ‫كانا متوح�شني متاما‪ .‬فقد حكموا البالد بطريقة‬ ‫خانقة من القمع بحيث حولوها �إىل زنزانة �صغرية‪.‬‬ ‫وبدال من احلكم بالكونفو�ش�سية فقد حكم كل من‬ ‫�صدام والأ�سد مدفوعان بالبعثية‪ ,‬وهي �صورة من‬ ‫�صورة اال�شرتاكية العربية التي تعار�ض ب�شرا�سة‬ ‫اال�ستعمار الغربي ولكنها خلقت حالة ا�ستبداد �سيئة‬ ‫جدا‪.‬‬

‫خارج ال�شرق الأو�سط و�آ�سيا هناك حالة رو�سيا‪.‬‬ ‫يف الت�سعينات‪ ,‬حكم بوري�س يلت�سن البالد‪ ,‬وهو رجل‬ ‫�أ�شاد الغرب به على �أنه دميقراطي‪ .‬ولكن حكمه غري‬ ‫املن�ضبط �أدى �إىل حالة من الفو�ضى االقت�صادية‬ ‫واالجتماعية‪ .‬فالدميري بوتني‪ ,‬من ناحية �أخرى‪,‬‬ ‫�أكرث قربا من اال�ستبداد – وهو يظهر ذلك ب�صورة‬ ‫مت�سارعة‪ -‬ويحظى بحالة من االزدراء يف الغرب‪.‬‬ ‫ولكن‪ ,‬ومب�ساعدة �أ�سعار الطاقة املتزايدة‪� ,‬أعاد رو�سيا‬ ‫�إىل نوع من �أن��واع اال�ستقرار‪ ,‬وبهذا ح�سن ب�صورة‬ ‫�سريعة نوعية احلياة بالن�سبة للرو�سي العادي‪.‬‬ ‫وقام بذلك دون اللجوء �إىل م�ستوى اال�ستبداد‪ -‬مع‬ ‫اختفاء تام ملخيمات العمل يف �سيبرييا‪ -‬العائد �إىل‬ ‫القيا�صرة القدماء‪.‬‬ ‫و�أخ�ي�را‪ ,‬هناك ق�ضية �أخالقية �أك�ثر �إرب��اك��ا‬ ‫بالن�سبة للجميع وهي ق�ضية الدكتاتور الت�شيلي‬ ‫ال���راح���ل �أوغ�����س��ت��و ب��ي��ن��و���ش��ي��ه‪ .‬يف ال�سبعينات‬ ‫والثمانينات‪ ,‬خلق بينو�شيه �أكرث من مليون فر�صة‬ ‫عمل‪ ,‬وعمل على تخفي�ض معدل الفقر من ثلث عدد‬ ‫ال�سكان �إىل �أق��ل من الع�شر‪ ,‬وخف�ض معدل وفيات‬ ‫الأطفال من ‪ 78‬لكل ‪� 1000‬إىل ‪ .18‬و كانت ت�شيلي‬ ‫يف عهد بينو�شيه واح��دة من ال��دول غري الآ�سيوية‬ ‫القليلة يف العامل التي �شهدت معدل منو اقت�صادي‬ ‫مرتفع يف ذل��ك ال��وق��ت‪ .‬لقد �أع��د بينو�شيه بالده‬ ‫ب�صورة ج��ي��دة للدميقراطية‪ ,‬حتى �أن �سيا�سته‬ ‫االقت�صادية �أ�صبحت منوذجا للنمو يف عامل ما بعد‬ ‫ال�شيوعية‪ .‬ولكن بينو�شيه كان مو�ضعا للكراهية ما‬ ‫بني الليرباليني واحلقوقيني يف العامل ب�سبب �سنوات‬ ‫من ممار�سة التعذيب املمنهح �ضد ع�شرات الآالف من‬ ‫ال�ضحايا‪ .‬وهكذا �أين ميكن و�ضعه �ضمن الطيف ما‬ ‫بني الأ�سود والأبي�ض؟‬ ‫لي�ست ال�شئون ال��دول��ي��ة فقط ه��ي م��ن ميتلك‬ ‫ظالال غري حمددة‪ ,‬ولكن يف بع�ض الأحيان ي�صبح من‬ ‫امل�ستحيل معرفة �أين ميكن ت�صنيف �شخ�ص ما على‬ ‫هذا الطيف‪� .‬إن ق�ضية ما �إذا كانت الغايات تربر‬ ‫الو�سائل ال يجب �أن يتم الإجابة عليها من خالل‬ ‫الأ�سلوب امليتافيزيقي‪ ,‬ولكن يجب الإجابة عليه من‬ ‫خالل املالحظة التجريبية‪ ,‬حيث �إن بع�ض الغايات‬ ‫تربر الو�سائل‪ ,‬وبع�ضها ال‪ .‬يف بع�ض الأحيان تكون‬ ‫الو�سائل غري مرتبطة �أب��دا بالغايات‪ ,‬ولهذا فهي‬ ‫يجب �أن تدان‪ ,.‬كما يف حالة ت�شيلي‪ .‬هذه هي مع�ضلة‬ ‫العامل ال�سيا�سية والأخالقية‪ .‬التعقيد والتمييز‬ ‫الدقيق �أمور يجب تتبنى؛ و�إال ف�إن العلوم ال�سيا�سية‬ ‫واجلغرافيا ال�سيا�سية والتخ�ص�صات املرتبطة ميكن‬ ‫�أن ت�ؤدي �إىل الت�ضليل عو�ضا عن التنوير‪.‬‬


جريدة شرارة آذار العدد 88