Issuu on Google+


‫الكتاب األول‬

‫الكتاب األول‬ ‫نعمت غاندي‬ ‫كنت صغيرا فلم تكن تملك المعرفة لتميز الحق من الباطل‬ ‫فكنت تأخذ دون تمحيص‬ ‫فلما كبرت ال يصلح أن تستعين بهذا الخليط لتحكم‬ ‫وإذا بدأت التعلم كبيرا لتميز هذا عن ذاك فبم تحكم وال علم لك‬ ‫يا متكاسل عن قراءة آالف الكتب لتكون "متعلما"‬ ‫إليك "صنارة" تصيد بها النافع لك فال تضيع وقتك كحاطب الليل تجمع الجيد‬ ‫والرديء فتمأل حافظتك ‪،‬والحق والباطل فتتيه‪.‬‬ ‫ليس اللوم على المتلقي وحده بل على طريق وأنظمة التلقي لوم أكبر‬ ‫أخرج من خضم أرث ثقافي مختلط لترى الصورة أوضح‬

‫‪-2-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫فكرة الكتاب‬ ‫نشأت وكبرت وأنت تتلقى معلومات وعلوما وأخبار دون تمييز وال تراعي معيارا‬ ‫لرفض بعضها أو قبول اآلخر حتى كبرت وجسد نظامك المعرفي غير نقي ولم‬ ‫يخطر على بالك أن تنقي‬ ‫اعد إنشاء مكتبتك من جديد‬ ‫ربما تجد قواعد منفصلة غير منضبطة لتلقي "المعلومات" في كل علم وفن‬ ‫لكن إنشاء قواعد موحدة بالكسر وموحدة لكل العلوم واألخبار واألحكام مما فطنت‬ ‫ألهميته وغيابه أحدث من اللبس الكثير ومكن المضللين من إدراك مآرب غير ما‬ ‫يراد للعلوم‬ ‫إن إيجاد قواعد عامة وإثبات صالحها لكل فن ليعد وحده باعثا على االطمئنان‬ ‫إليها‬ ‫والقواعد المو حدة حين تكون في متناول المعلمين والمتعلمين والعامة صار‬ ‫بمقدور الجميع محاسبة الجميع وخرجنا من نظام التبعية والتقليد والتلقين‬ ‫والخداع ولم يعد عائق "الثقافة" والتخصص حائال دون المسائلة والمحاسبة وكي‬ ‫ال يكون العلم دولة بين مدعيه وحصنا يمنع االقتراب منه ويستأثر "الخاصة"‬ ‫بادعاء أحقية التوجيه ويضيع الحق بين متناظرين ال يجد العامة وسيلة للحكم على‬ ‫أحدهما التباعه فيما قاله مما عرفوه من الحق‬ ‫وقد لعب الكثيرون بعقول الكثيرين وشق على الناس تمييز الخبيث من الطيب حتى‬ ‫صاح الكثيرون " احترنا أيهم على حق"‬ ‫وتصدر آالف من الجهلة وبرزوا وغر الناس فصاحة مزيفة أو كلمات منمقة تخفي‬ ‫خلفها أفكار عفنة ودعوات باطلة‬ ‫وصارت الحال أن يتداعى الغوغاء على ناصح أمين يحذرهم من دعاة كذبة أو‬ ‫خطباء مضللين ومفكرين مجهلين‬ ‫فتارة تعذرهم بأنهم في العلم والفهم مفلسون وعن معرفة الحق عاجزون فما‬ ‫وسعهم إال أن يتبعوا كل ناعق ووسيلتهم في الحكم على علمه مما ليس له صلة‬ ‫بالعلم‬ ‫فإن سألت أحدهم ‪ :‬ما أعجبك في هذا الرجل؟‬ ‫‪-3-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫إما لجأ إلى شهرته أو استند إلى اتهامك بالجرأة أو هرب منك بما حصل من‬ ‫تزكيات وشهادات‬ ‫وكأن من اشتهر أو زكاه غيره أمن الهوى والفساد وما سأل نفسه فهل سنعول‬ ‫على المزكي بمزك ثم مزك‬ ‫ونسي أن سلسلة التزكيات هذه لن تنتهي إلى سند صلب‬

‫ال أبالغ إن قلت أن أكثر من ‪ 011‬مليون كتاب قد وضع في مختلف الفنون والعلوم‬ ‫وبكل اللغات ومنذ أن عرف اإلنسان الكتابة‬ ‫ومنذ الصغر وأنت تتلقى المعلومات واألخبار من األقربين واألصدقاء والمعلمين‬ ‫والمتلفزين والمذيعين والكتب والمجالت والجرائد‬ ‫وألنك غض حينها ال تملك ما يجعلك تميز ويكون معيارك الثقة وغالبا المظاهر‬ ‫الخداعة‬ ‫والثقة نفسها كي تحسن وضعها فيمن يستحقها تحتاج علما أنت فقير إلى النقي‬ ‫منه‬ ‫فلما كبرت أصبحت صندوقا لمعلومات منها الحق وكثير منها باطل‬ ‫لن يخطر على بالك أن تراجع وتبدأ بالتصفية‬ ‫فإن خطر ‪ ،‬فإنك ال تملك الوقت لذلك‬ ‫فإن ملكت فأنت غير قادر عليه‬ ‫ألن العلوم التي بها ستراجع تحتاج هي إلى مراجعة‬ ‫قد نسج الناس ألنفسهم مخزونا معرفيا خيوطه متجافية وهو ال يشعرون‬ ‫وال يدرون أي الخيوط أولى باإلزالة‬

‫سأخرجك من خضم ومعمعة معلوماتك لترى من الخارج‬

‫‪-4-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫سأعطيك جهازا يكشف الصالح من الطالح مما "تعلمه" وذلك في هذا الكتاب‬ ‫وبضع صفحات مبينة لهذا الشتات في الكتاب الثاني‬ ‫فإن وعيت الكتاب األول أشركتك معي في الولوج إلى الكتابين الثاني والثالث‪.‬‬ ‫الكتاب الث اني فيه تتمة هامة وململمة لهذا ننطلق منها إلى مباحث في الشريعة و‬ ‫"الفقه" وأصوله‬ ‫والثالث في الفيزياء والعلوم المالزمة وننتهي إن استطعنا إلى نقد الفلسفة واآلداب‬ ‫وعلوم اإلنسان واالجتماع‬ ‫عند االنتهاء من هذا الكتاب وإعادة قراءته ستكون واعيا لما يكمله‬ ‫وهل أنا أخطئ كل من سبقني؟‬ ‫ليست هذه غايتي‬ ‫وإن كان هذا من األسئلة المهولة المنفرة فإني أسأل ‪:‬‬ ‫السنا في حاجة لقواعد تفض االشتباك بين الخصوم وبديال عن حال أن يقال‬ ‫المتعارضين ويحترم الرأيين فال نتقدم خطوة‬ ‫الكتاب لـتأخذ منه أما معارضته ونقاشك فيه فمن االنصاف الرد عليه حين إكمال‬ ‫الكتب الثالث فقد يخفى على الراد عليه ما سيظهر في الكتاب الثاني أو الثالث‬ ‫باإلضافة أن لدي أفكارا جديدة كثيرة والتجربة علمتني أن المقابل أحيانا ال يعرف‬ ‫أصال وال يفهم المقدمات التي أنطلقت منها فيكون لزاما أن تشرح وتفهمه هذه‬ ‫المقدمات وهذه واحدة من وظائف هذا الكتاب األول ‪.‬‬ ‫ربما كانت لغة الصفحات األولى منفرة لكني حالما بدأت في صلب موضوع الكتاب‬ ‫لجأت إلى التكلف في إيصال الفكرة وإفهام القارئ مضحيا أحيانا بالفصاحة‬ ‫والتنسيق األدبي ولكن وألننا ال بد وأن نحافظ على رتبة من الكالم أن نزلنا إلى ما‬ ‫دونها لم يعد الكتاب صالحا لقراءة من ينفر من الكالم الركيك فإني اخترت أدنى‬ ‫لغة يمكن أن يفهمها من يشترط مراعاة اللغة القياسية‬ ‫وكنت قادرا على التردي أكثر لكن صفحات الكتاب ستكثر وسأنشغل بما أستطيع‬ ‫أنا أو آخرون تبسيطه بشروحات مما يتطلب تفرغا وسعة‬

‫‪-5-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫هذا الكتاب ليس لمن يريد مطالعة ما يقضي به وقته أو ينال معلومات "عامة" ‪،‬‬ ‫فأنت مقبل أيها القارئ على عالم نعيد فيه كل شيء إلى نقطة "الصفر" وهو كتاب‬ ‫من ثالثة كتب ثانيها ديني وثالثها ما نستطيع أن نصفه بالفيزيائي‬ ‫هل أنت ممن يكترثون لهذا؟‬ ‫كم واحد من الناس يقر أنه ال "يفهم" هذه الحياة‬ ‫نصبوا انفسهم "حكماء" وعارفين و"فالسفة" زعم أنه حاز الحقيقة‬ ‫َمن مِن الذين ّ‬ ‫سيخجل البعض من اإلقرار واآلخرون ليسو مستاءين من هذا طالما أنهم مع‬ ‫الباحثين عن الحقيقة في الهم سواء‬ ‫الحقيقة‪......‬‬ ‫تلك التي صدع بها رؤوسنا كل من ظن أنه أهل لمسك القلم وتسويد الصفحات‬ ‫ترى ما السبب؟‬ ‫ما رأيكم بفكرة‬ ‫وهي اآلن فكرة وستغدو بعد حين غير ذلك‬ ‫الفكرة هي‪......‬‬ ‫أن ننظر إلى الحياة من مكان آخر أو نرتب الكرات ترتيبا يسهل به علينا عدها‬ ‫فلو أردت عد كرات مبعثرة خشيت أن تعد كرة أكثر من مرة أو تغفل عن واحدة أو‬ ‫أكثر فتقوم بجعلهم صفوفا لتضرب ضربا حسابيا عديد الصفوف بعديد األعمدة‬ ‫ولربما فطنت إلى وسائل أخرى أكثر أو أقل جدوى‬

‫‪-6-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كن على علم‬ ‫ أنا ال أعد مسبقا األمثلة فعندما أصل إلى موضع احتاج فيه إلى مثال‬‫أكتب أول ما يخطر على بالي فربما لم أحسن اختيار خير األمثال ‪،‬ولكن‬ ‫حالما أعانك المثل في فهم الفكرة انس المثل وغادره حاال‬ ‫ بالعجلة وإهمال المراجعة قد ترد في بعض األمثلة أخطاء علمية فاطمئنوا‬‫فإنما هي أمثلة ‪ ،‬الخطأ العلمي فيها ليس إلقامة حجة أو دليل‪ ،‬أو تقديم‬ ‫معلومة من المثل نفسه ‪ ،‬وإنما لتقريب الفكرة للذهن‪ ،‬كما أنه تقيدني في‬ ‫االمثال الخشية من ورود مثل يفهم منه تصفية حسابات مع فكرة‬

‫لكن هل يجوز لنا تغيير موقعنا‬ ‫نعم ‪.....‬‬ ‫ولكي نفهم ‪ ،‬نحن في األصل نحاكم ونحكم علي غيرنا من األشياء‪-‬إال ما‬ ‫سنستثنيه الحقا‪ -‬بعيوننا وحواسنا وخبراتنا فما تراه ضئيال حقيرا ال تراه‬ ‫الذبابة كذلك ‪،‬والصندوق الذي ترى وجها منه أحمر فتظن أنه احمر‪،‬‬ ‫سيظن من يرى وجها آخر له أخضر أنه أخضر‪ ،‬ومن يرى جريان الشمس‬ ‫من مشرقها إلى مغربها ألنه على األرض يقول أن الشمس تجري وأنا‬ ‫وأرضي ثابتة ‪،‬أما الواقف على سطح الشمس –الغازي القاتل لمن قرب‬ ‫منه ‪ -‬فسيسخر منك وهو يرى األرض –بعد ستة أشهر أرضية ‪ -‬قد‬ ‫غادرت مشرقها وبلغت مغربها‬ ‫فهل هذا يعني أن الحقيقة تبع لمن يراها ومتغيرة ومرهونة بناحية النظر‬ ‫إليها كحال قول بعض المدارس الفلسفية؟‬ ‫من المبكر جدا أن نقول هذا وإال فال داع إلتمام كتابة وقراءة هذا الكتاب‪.‬‬ ‫نحن ماضون في تأصيل جديد إلرساء قواعد جديدة وهي أداة لمراجعة‬ ‫شاملة لإلرث العلمي البشري بعيدا عن الخوض في أمثلة موحشة لمن لم‬ ‫يذق مرارة النظر في كل العلوم تاركا الغوص في التأصيل الفيزيائي األكبر‬ ‫لكتاب هو الثالث –إن شاء هللا ‪ -‬من ثالثة كتب ‪،‬ما تقرأونه أحدها‬ ‫بتأصيل جديد هكذا يصبح كل شيء محل نظر ؛‬ ‫االسم والفعل والتعريف والدليل والمصدر والشيء والعدم وأنا وأنت‬ ‫والحياة والموت‬ ‫كل أولئك سننظر فيهم متجنبين إرهاق القارئ بأعماق العلوم وبما يبعدنا‬ ‫كثيرا عن مسارنا‬ ‫‪-7-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫قصة الكتاب‬ ‫أول كلمات كتبت ‪ -‬لتكون في هذا الكتاب‪ -‬في سنة ‪ 0111‬وكان المبتغى‬ ‫لما كتب حينئذ عنوانا آخر وها أنذا أكتبه بصورته االخيرة ونحن سنة‬ ‫‪ 2102‬بمضمون أوسع ومختلف وأشمل وأعمق وبكلمات أقل‬ ‫وعلى كثرة ما قد قرأته من كتب وسمعته من علم قبل عام البدء األول‬ ‫فإني قد علمت –وهلل الحمد‪ -‬بعده أكثر ‪ ،‬ووجدت أن هذه النواة قد نمت‬ ‫وأينعت حتى وجب أن يغير موضوع وعنوان الكتاب ليشمل الحياة والكون‬ ‫صحح بعض ما أجتهدت فيه حتى أضحى ما ترونه ولقد قضيت هذه‬ ‫و ُ‬ ‫األعوام مراقبا ومطالعا ومفكرا ومتفحصا ال أكتب ‪،‬وكنت أنوي أن أتريث‬ ‫أكثر قبل النشر لعلي أكمل ما أظنه ما زال ناقصا ولكني خشيت‪ -‬إن تأخرت‬ ‫أكثر‪ -‬أن يكمل عمري قبل أن أكمل ما أريد إكماله‬

‫الباعث على التأليف‬ ‫وجدت بين الناس من التيه والتخبط ما دفعني أن أضع بين أيديهم ما يزيل‬ ‫اللبس وينقي ويخلص النافع من الركام الثقافي واألدبي الذي زاد وقد‬ ‫شارك فيه متصدرون للعلم ‪ ،‬كثير منهم فاقدون لما من أجله تقصده الناس‬ ‫وكي ال يكونوا فريسة لكل متعمد إضالل وسائق لهم يبغي مطامع‬ ‫وتجد فئات ال يحسن تمييز الطيب من القول وهم يستمعون إلى فرق تتجادل‬ ‫وتتنازع‬ ‫وأضحى الحق دعوة يدعيها أهله وخصومهم والناس حيارى ال تدري‬ ‫فإن كان الطالب باحثا ضل الطريق فهو مرادي‬ ‫أما الباحث عن الطريق الموصل لهواه وعن ثغرات يحي بها باطله فهذا لن‬ ‫ينفعه قول وال برهان وإن بانت فضيحته فعظم تشبثه بمتاع جعله جلدا حتى‬ ‫في ادعاء العمى‬ ‫وألني ال أريد ان أرضي فضولي بسموم وأكتم تساؤالت وأنا استمع إلى‬ ‫تفسيرات ونظريات يسردها المتبوعون على االتباع وألني أريد أن أسكن‬ ‫دماغي ‪-‬وهو مستنفر‪ -‬كما يحاول الناس تسكين فضولهم بين يدي واعظ أو‬ ‫خطيب أو كاتب أو كبير سن فال تسكن فينقلبون ضحية لكل مشكك وزبائن‬ ‫لكل ملسون عليم اللسان‬

‫‪-8-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫أليس ��ل شيء على ما يرام ؟‬ ‫ال ‪....‬‬ ‫وكلما كانت القضية أبعد عن العلوم الصرفة كانت أكثر غموضا وتضليال‬ ‫واشتباكا‬ ‫وألني ممن يحاربون "التعقيد" واألفكار المركبة والحشو الرامي إلى خلق‬ ‫هيبة لدى المتلقي والظهور به بمظهر بحر العلوم ولظني أن الفكرة الحقة‬ ‫هي تلك ال تعجز عن إيجاد كلمات قليلة لها فإن ما سترونه كنت قادرا على‬ ‫جعله بمئات الصفحات بأن أتوسع بشرح كل فكرة واإلتيان بكثير من األمثال‬

‫شروط الكتاب‬ ‫لن تجد في هذا الكتاب عزوا أو إحالة أو مصدر ألن مفهوم المصدر واحد‬ ‫مما سنبحث فيه فال يصح ان نعزو لمصدر ومفهوم المصدر لم يتضح بعد‬ ‫وقد اشتبه على الناس "المصدر " و"الدليل"‬ ‫ومن كان همه الكالم – مثال – في حكمة العجائز ال يستدل عليها بكالم‬ ‫أحدهم‬ ‫نحن هنا خارج المدارس والجامعات‬ ‫المدارس والجامعات والكتب والبحوث تنهل من مراجع ‪ ،‬والمراجع إما‬ ‫بحوث واختبارات ودراسات تجرى وفق معايير ونظريات ومفاهيم في‬ ‫نظرية المعرفة وفلسفة العلوم‬ ‫أنا تجدوني هنا أعمل – بل وما قبل هذا ‪ -‬ولهذا لن تجدوا كالما عن‬ ‫تشخيص مرض الجدري أو قياس الرطوبة أو تفاعل حامض الكبريتيك أو‬ ‫حل معادالت الدرجة الثانية فلكل هذا ولغيره أصول‬ ‫ولمن قرأ كلمة أصول وأعاقته في فهم جملة وجدت فيها أقول‪:‬‬ ‫تطلق هذه الكلمة في مناسبات عدة وعلوم وفنون عدة ففي الدين إذا وضع‬ ‫أصل أن هللا تعالى ‪ -‬وهذا مثل إلفهام الفكرة وليس للداللة على شيء أو‬ ‫اختيار قول‪ -‬رحيم يتفرع عن هذا األصل أن هللا تعالى لن يعذب بشرا ‪.0‬‬ ‫وإذا اتخذ أن الحديد ال يصدأ أصال سيتفرع عنه الكثير ومنه أن ما رأيته‬ ‫اليوم في محل عملك صدئا ليس بخشب وقد تتعارض فروع أصلين أو‬ ‫يعارض أصل أصال أو يضعف أحدهما اآلخر وتسمع بفن اسمه أصول الفقه‬ ‫فيه يشرح كيف تستنبط األحكام وهذا وما قرب منه سيكون محل نظر في‬ ‫الكتاب الثاني بعونه تعالى‬ ‫هذا مثل وإيراد إي مثل ليس إال لتوضيح فكرة‬ ‫‪-9-‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وتستطيع أن تتقبل كتابا بال مصادر كما تتقبل رواية أو قصة ولن تروا‬ ‫قاصا يعزو في رواية ‪.‬‬ ‫ولمن ال يجد في الكتاب رائحة بديع ألفاظ وتماسك سياق ورصانة تراكيب‬ ‫فأقول له‪:‬‬ ‫نحن نبحث في هذا الكتاب في أمور تمس جوهر وأصل اللغة والكتابة ولن‬ ‫يبقى معيار لدينا إال أن تصل الفكرة إلى القارئ فإن وصلت فقد حققت‬ ‫المبتغى ولن يمنعني من ذلك تكرار الفكرة والشرح مستعينا بأكثر من جملة‬ ‫أو حتى االنحطاط إلى لغة الناطقين الجدد بالعربية‬ ‫وكثير مما ستقرأونه لم يطرق بابه أحد وربما بعضه طرق بوقع آخر ففطن‬ ‫اليه اإلنسان وصنف فيه وكتب فيما يحوم حوله ولن نميز بين هذا وذاك‬ ‫بين ثنايا الكتاب وسنمس صلب العلوم واآلداب والقضاء والتعليم وشيء‬ ‫من التوطئة للفقه الذي سيكون له كتاب متمم مما قد يفسد على المتذوق‬ ‫لجمال لغتنا حالوة الجمل‬ ‫فالبالغة والفصاحة والنحو نتيجة بناء معرفي سنخرج من حدوده وهؤالء‬ ‫وإن لم يكونوا موضوعي فقد نحتك بهم قليال ونحن لم نكتب لنغير لغة‬ ‫لناس بل أن ما اتفق عليه الناس قد يكون أحيانا مخرجا لبعض الخالف‬ ‫ولربما وجد المشتغلون باللغة لحنا أو شذوذا فيظنوه خطأ – ولست معصوم‬ ‫– وهو قد يكون مراعاة ألفهام الناس وما اعتادوا عليه من جمل‬ ‫وما ظنكم بعشرة قرأوا هذا الكتاب سوى أن يتفرقوا بين من يسخر أو يسفه أو‬ ‫يعجب به أو يعاديه ويحمل لواء حربه ومنهم من لن يفهم منه شيئا أو يفهم بعضه‬ ‫وآخرون لن يروا جديدا فيه‬ ‫ستقرأون في هذا الكتاب – كثيرا – جمال نحو "نترك التفصيل في هذا لكتاب آخر"‬ ‫أو " سنعود لهذا في الكتاب الثاني" وجمال شبيهة وذلك أني رأيت أن من‬ ‫المناسب أن ال ألقي األفكار التي أريد عرضها كلها في هذا الكتاب فحذفت كثيرا‬ ‫منه ألحاول عرضها في الكتابين الثاني والثالث واكتفيت بمقدمات لها مراعيا‬ ‫بذلك أن كثير من القراء سيصعب عليهم استساغة كل هذه األفكار‬ ‫أقول هذا بمثابة فرصة للقراء ليقرأوا هذا الكتاب فإن حفزتهم األفكار انتظروا‬ ‫المزيد أما إن لم يروا منه ما يبعث فيهم شوقا لالستزادة فقد ارحته من عناء‬ ‫تقليب صفحات كثيرة محشوة بالجديد غير المألوف ولم أرهقه بما سأضعه في‬ ‫متممي هذا الكتاب ‪.‬‬

‫‪- 10 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وهذا ال يعني أني سأجعل هذا الكتاب فهرس أو تنبيهات ومقدمات صرفة بل الكثير‬ ‫مما أراه من أهم ما كتب أن وعى القارئ علل مكمن الخلل في المعرفة البشرية‬ ‫التي سأنبه إلى بعضها هنا‪.‬‬

‫مم أنت موقن‬

‫؟‬

‫مما تدعيه أيها القارئ وتراه يقينا أنك موجود ‪ ،‬وبالرغم من أنك لو سئلت ما‬ ‫الوجود لصمت أو هذيت أو هرعت لكتاب أو قول من تراه حكيما لكنك تعي أنك‬ ‫وأشياء كثيرة أخرى في ما نسميه وتسميه الكون‬ ‫وال شك أنك شعرت أنك عن اآلخرين من األشياء مختلف وأقرب إلى من‬ ‫تراهم من بني جنسك‬ ‫وال أظن أحدا قادرا على رسم خط "فاصل" بين ما نسميه حيا وغير حي‬ ‫ولكنك جبلت وتطبعت على أن تعامل كل شيء بما تسلم به وتعيش حياتك‬ ‫وأنت تكتشف وتفهم وتتعلم وتموت وقد فاتك الكثير وقد يحيى غيرك‬ ‫أعمار تفوق عمرك وال يزالون يتعلمون‬ ‫إن لم تفهم ما أريد من عبارة في الكتاب فال تقلق فالقادم كفيل والتكرار‬ ‫كثير ولكن هذا ال يعفي من ترك قراءة ما استعصى كامال وحال عثورك‬ ‫على فكرة مرتبطة بما في مكان آخر فعد ‪ ،‬وقراءة الكتاب مرة واحدة غير‬ ‫شافية فالقراءة المستفيضة األولى بالكاد تكسبك مجال الكتاب وكلما اكثرت‬ ‫من مرات قراءته اقتربت من مرادي في كل جملة وإذا كان تنبيهي هذا‬ ‫مثبطا لك ويفتر من عزيمتك للقراءة فإني ال أرضى إال أن أكون ناصحا‬ ‫أمينا وال أقبل أن أضيع وقتك حتى وأن كنت أرى النفع كل النفع منه‬ ‫وأحرى بك إشغال الوقت به‬ ‫ولكني قبل أن أواصل أود أن أخبرك أني في حرج كبير وأنا أكتب الكلمات‬ ‫فكل فعل أو اسم استعمله –و انا مكره – فإني مستعمله لمعنى يفهمه‬ ‫الناس بهذا االسم أو الفعل وإن كانا في األصل لمعنى آخر مختلف أو‬ ‫قريب وحسبي أني إن استعملته كما أريد انصرفت أذهان الناس إلى معاني‬ ‫حسبوها لهذه االلفاظ‬

‫‪- 11 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وال أدعي – والعياذ باهلل – أني وحيد زماني أو فريد عصري وإنما علي‬ ‫اتباع ما هو عندي صواب‬ ‫ولو أصررت على التدقيق في المعاني – ولست بغافل عنها في قابل‬ ‫الصفحات – لن نكمل ما بدأناه وكيف أضع العراقيل ونحن نريد ايصال‬ ‫الناس للمعاني التي نريد وكيف ستصل وقد سمينا المسميات بغير االسماء‬ ‫التي يفهمون بها تلك المعاني‬ ‫استعن باهلل وابدأ‬ ‫لم اكن انوي أن استهل بهذا التعقيد وأعد أن القادم معين‬ ‫ونبدأ بمثال ‪:‬‬ ‫اجعل الكون عندك بركة ماء راكدة وكل قطرة وحيوان ونبات وورقة‬ ‫طائفة وحجرة غارقة وما علق وعام في هذه البركة بمنزلة الجبال‬ ‫واإلنسان والحيوان وبكتريا التدرن وباب الدخول إلى متحف اللوفر‬ ‫وصخرة في واد سحيق وقطرة ندى متشبثة بورقة شجر وذرة هليوم في‬ ‫نجم يبعد عنا "ماليين السنيين الضوئية" وكل ما يتفق الناس أنه جزء من‬ ‫كوننا هذا ‪.‬‬ ‫لو ألقيت حجرة في هذه البركة فحركت مياهه الراكدة فسيسري أثر الحجر‬ ‫الملقى في كل البركة فال يبقى في البركة شيء إال طاله األثر و"علم" به‬ ‫(‪)2‬‬ ‫سيسري األثر فتلطم الموجات كل ما في البركة بعد أو قرب وسيصل إلى‬ ‫أي جسم في البركة أثر سقوط الحجر‬ ‫لكن هل ستصل إلى كل ما في البركة موجة ؟‬ ‫أما أنا فأقول نعم ‪ ،‬والوقت مبكر للدخول في معركة مع الفيزيائيين في هذا‬ ‫وإني بعون هللا متمم لهذا الكتاب بكتابين أحدهما في فيزياء أفكار هذا‬ ‫الكتاب ومزيد عليه افكار فيزياء صرفة وثانيهما في بعض الفقه وأصوله‬ ‫مما يبنى على ما نخط هنا ومعه مثله من أراء جديدة نسأل هللا التوفيق‬ ‫أن أشد ما جعل الكتاب متأخرا هو الغوص في النظريات الفيزيائية علّي‬ ‫أخرج بحلول لما حير مؤسسي وأساطين هذا العلم وإن كنت قد خرجت‬ ‫ببعض ما فتح هللا علي به فإنه الزال محتاجا للتمحيص وهو البد ‪ -‬مراعاة‬ ‫للنسق ‪ -‬أن يعقب هذا ‪.‬‬

‫تنبه إلى "علم" فإنه واحد من أصول الكتب الثالثة‬ ‫‪- 12 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫في هذا الكون الوسيع الذي مثلناه ببركة كل شيء فيه يؤثر ويتأثر باآلخر‬ ‫وما أن يحدث فيه حدث حتى يسري فيه ويجوب أقطاره فيتلقى كل جزء فيه‬ ‫أثر الحدث وأثر الحدث في غيره‬ ‫أعلم أن الكالم عسير على الفهم عند الكثيرين ولكن ما قلناه لب الكتاب‬ ‫ونواة الفكرة وسيتفرع عنه الكثير فال خوف طالما سنعود إليه مرارا ونظل‬ ‫ندندن حوله ونعيد فإن فاتك فهم مثل فانتظر من األمثال الكثير وستمل منها‬ ‫ألننا كلما جئنا لنشرح فكرة ضربنا مثال ال يغادر كثيرا هذا إال بعض األمثال‬ ‫التي ضربت هنا وهناك ‪.‬‬ ‫كل شيء في هذا الكون يؤثر في غيره بنفسه أو يؤثر في غيره بتأثيره في‬ ‫ثالث يؤثر في الثاني أو رابع يؤثر في الثاني والبد معه أن يؤثر في الثاني‬ ‫واألثر في الثاني والثالث والرابع البد مرتد ليؤثر في األول‬ ‫كل شيء يؤثر في كل شيء‬ ‫لهذا تبعات فيزيائية أتركها حين نعمم فكرة الكتاب ليكون فيزيائيا صرفا‬ ‫وهذا حين نشتغل في كتاب آخر‬ ‫ولكن كتوطئة فإننا إن كان لدينا في الكون عشرة أجسام فقط فإننا ال نقول‬ ‫أن كل جسم يتأثر بعشرة أجسام‬ ‫ال‪....‬‬ ‫بل بأكثر من هذا بكثير ولن أزيد على هذا هنا خشية الخوض في ما يتعدى‬ ‫حدود الكتاب‬ ‫ما كان موهما في مثل البركة هو أننا ادعينا أنها راكدة فيظن القارئ أن‬ ‫الكون يعرف الركود وهذا ما ال يعرفه الكون الذي ال يتصور له وجود – إال‬ ‫بإذن هللا – بسكون وركود‬ ‫دونك هذا المثل ‪:‬‬ ‫لو ضربت (على)الطبل اهتز غشاء الطبل ‪.‬‬ ‫أثرت في غشاء الطبل فاهتز واهتزاز الغشاء أثر في الهواء المحيط بالطبل‬ ‫فاهتزت (جزيئات) الهواء فأثر كل منها في أخرى حتى يصل األثر إلى‬ ‫طبلة أذنك فتهتز واهتزازها يؤثر فيما ورائه من أعضاء وأعصاب حتى‬ ‫يصل األثر إلى المخ‬ ‫ليست هذه كل القصة ‪ ،‬فلربما أثرت إحدى طبقات الهواء المهتز في ذبابة‬ ‫تطير في الجوار فذعرت لتحط على عين قطة ففزعت القطة فتجري لتقلب‬ ‫صحنا فيسقط على يد طفل فيصرخ فتهرع إليه أمه الممسكة بمرآة يحلق‬ ‫مستعينا بها األب فتسقط فيرتبك فيجرح وجهه‪.‬‬

‫‪- 13 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كل فرد من هذه السلسلة يمكن أن يؤثر في متأثرات أخرى ويتأثر هو نفسه‬ ‫بغيره من السلسلة ويتشعب األمر فال يبقى من مما يتأثر شيء إال وطالته‬ ‫أصداء الحدث فصراخ الطفل مثال يهز طبلة اذن األب وهروب القطة منعها‬ ‫من قطعة لحم مرمية تحت الكرسي غفلت عنها ربة البيت فتبقى اللحمة‬ ‫فتجذب النمل ف"يتكاثر" بعد هذا الغذاء وتستمر سلسلة متشعبة ‪.‬وذاك‬ ‫الرجل مجروح الوجه ينطلق ل"يعقم"وجهه وفي المطبخ يرى من نافذته‬ ‫ضوءا من الغرفة العلوية لبيت جيرانه فيستغرب وهم رحلوا أمس إلى بلد‬ ‫بعيد ‪........‬‬ ‫يمكنني أن أقضي عمري ‪ -‬بل وأعمارا فوق عمري ‪-‬ألسرد تبعات دقة‬ ‫الطبل هذه ‪.‬‬ ‫قد يتخيل الناس أن األثر سيتبدد ولن انشغل في هذا اآلن ولكني أقول ‪ :‬تبعا‬ ‫ألثر لن يتبدد‪ ،‬فنحن في اآلن تطالنا آثار القرون الماضية وأرجو من كل‬ ‫من يقرأ أن ال يحمل األلفاظ ما ال أريد فتريثوا وال تستعجلوا فيظن ظان‬ ‫دون بينة أني أنصر فريقا أو طائفة بجملة هنا أو أني أمس عقيدة أو‬ ‫معتقدا هناك وال شك أني لي عقيدة لكن الخشية من الفهم السقيم ‪.‬‬ ‫أزعم أن األثر واآلثار المترتبة تجوب الكون وإذا كنا ال نرى أثرا لضحكة‬ ‫رجل في الهند على جو المريح فالذنب ليس ذنب المريخ وإنما ذنب حواسنا‬ ‫وأجهزتنا التي ال ترصد األثر ‪.‬‬ ‫لم نزود بحواس ترصد كل شيء ولم نطور أجهزة لكل اآلثار ولن نستطيع‬ ‫والسبب ال يتسع المقام لذكره‪.‬‬ ‫اإلنسان جزء من هذا الكون الذي تتفاعل فيه أجزاءه بإنفسهم وبغيرهم‬ ‫وألنه جزء فهو كغيره من األجزاء كالشجر والحجر والرمل والهواء والماء‬ ‫والبهائم وسائط لنقل كل أثر ‪.‬‬ ‫الصوت كي يصل يحتاج إلى وسيط (وسط) ينقله والوسط قد يكون هواءا‬ ‫أو ماءا أو حديدا أو أي جسم يتأثر بالصوت ‪ ،‬فيتأثر الوسط بالصوت‬ ‫ويؤثر في غيره ويبقى يتنقل الحدث بين الوسائط ويتحول من لون أو‬ ‫"شكل" إلى آخر ‪.‬‬ ‫غشاء الطبل اهتز عند ضرب الرجل به فكان أثر الضرب فيه اهتزاز كما‬ ‫أن أثر اهتزاز الغشاء في الهواء المحيط اهتزازا للهواء واثر اهتزاز‬

‫أ علم أن مسألة انتقال الصوت في وسائط غير الهواء غير منضبطة‬

‫‪- 14 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الهواء في طبلة األذن هو اهتزاز الطبلة ويسير األثر حتى ينتهي حيث يظن‬ ‫أنه ينتهي ‪.‬‬ ‫ولكن ليس األثر دائما اهتزازا فلو وضعنا جهازا إن "سمع" الصوت أضاء‬ ‫كان األثر أو (ردة الفعل) ضوءا كما سيكون األثر خروجا من البيت للرجل‬ ‫المنزعج من صراخ طفله ‪.‬‬ ‫تنبيهان ‪:‬‬ ‫‪ -0‬ربما تشعر بالملل من ترديد األثر والمؤثر والتأثير وربما يلفه هذا‬ ‫بالغموض فإني أعدك بأن في الكتاب تسميات أخرى تصلح بديال وما‬ ‫إصراري عليه إال للتنبيه على األصل ولجعل األمر علميا بإلباسه زيا‬ ‫لغويا صرفا‬ ‫‪ -2‬وهكذا كانت عبارة ردة الفعل واحدة مما يصلح فردة الفعل هو أثر‬ ‫لمؤثر‪.‬‬ ‫كل شيء يؤثر في غيره وأثر مؤثر في شيء قد يختلف عن أثره في شيء‬ ‫آخر‬

‫مثال أوسع ومهم ‪:‬‬ ‫لو كنت واقفا أمام "نافذة" زجاجية في غرفتك تشاهد شجرة تهتز فإنك قد‬ ‫تفهم أن رياحا تهب‬ ‫وقد تفهم أن ابنك سعد يهز جذع الشجرة من أسفل فهذه – كما تعلم –‬ ‫"طبيعة" سعد‪.‬‬ ‫ولكنك قد تعلم بهبوب الرياح من جمر يستعر بجانب الشجرة فهذه طبيعة‬ ‫الجمر فهو يستعر عند هبوب رياح ‪.‬‬ ‫وأطلب منك أن تعيرني انتباهك‬ ‫أثر الريح في الشجر أو اوراقها هو هزها و هز أوراقها ‪ ،‬وأثرها في جمر‬ ‫متقد هو شدة احمراره كما أن أثر الريح في سفينة في عرض البحر هو‬ ‫"زيادة" سرعتها ‪.‬‬

‫‪- 15 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الريح تؤثر في الشجرة وأثرها اهتزازها (أو اهتزاز أوراقها اختر ما شئت‬ ‫)فالشجر ال يتكلم ولكنه يهتز عند اصطدام ريح به وكالمه هو اهتزازه‬ ‫واالهتزاز "معلومة " صدرت من األوراق أو الشجرة ‪.‬‬ ‫وال أخاطب هنا فئة ألتكلم فيما ال يعلم واعرض عما يعلم إن كنت أعلمه ‪.‬‬ ‫كما أن رجال كان خارج المنزل ودخل عليك أنت الواقف داخل المنزل واقفا‬ ‫تنظر من خالل النافذة بانتظار ورقة تهتز أو جمر يستعر كي تعلم أن ريحا‬ ‫هبت فإن أثر الريح في هذا الداخل ظهر في قول " الرياح تهب " أو هبت‬ ‫الريح‬ ‫مصدرة معلومة " هبت ريح" ‪ ،‬لو كانت الشجرة مصدرك الوحيد‪ ،‬هو‬ ‫الشجرة (أو أوراقها)‬ ‫لو سمينا المعلومة خبر وكان الخبر ‪" :‬هبت ريح" فإن مصدر الخبر هو‬ ‫أوراق الشجرة‬ ‫فقد صدر من الورقة أثر الريح فيه وأثر الريح في الورقة هو اهتزازها‬ ‫دليلنا على هبوب الريح هو اهتزاز أوراق الشجر ومصدر الخبر هو‬ ‫األوراق‬ ‫هل الدليل هو الخبر فكان الورق مصدر الخبر ومصدر الدليل‬ ‫ال ‪.........‬‬ ‫الخبر شيء والدليل شيء فالخبر يحتاج إلى دليل فكيف يأتي دليل الخبر مع‬ ‫خبره وسنعود للدليل كثيرا‬ ‫الخبر ‪ :‬هبت ريح (أو ريح هبت أو الريح تهب )‬ ‫المصدر ‪ :‬الورقة‬ ‫الدليل ‪ :‬اهتزاز الورق‬ ‫لما كان أثر الريح في ورق الشجر هو هزها كان اهتزاز الورق هو دليلنا‬ ‫على هبوب ريح‬ ‫األثر هو الدليل وهو الذي دلنا على هبوب الريح‬

‫‪- 16 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كما أن احمرار الجمر المتقد والموضوع على موقد خارج المنزل دليل آخر‬ ‫على هبوب الريح ومصدر الخبر هو الجمر‬ ‫أوراق الشجر تعلمنا بهبوب الريح وقد يعلمنا بذلك جمر يستعر أو رجل‬ ‫يخبرنا أن ريحا تهب‬ ‫االهتزاز صدر من ورقات الشجر (أو فروعها أو الشجرة نفسها) فالورقة‬ ‫مصدر وما دلنا على هبوب الريح اهتزاز األوراق (أو احمرار الجمر أو‬ ‫‪)............‬‬ ‫ما الدليل على كل ما قلناه ؟‬ ‫وإن قلت أننا نبحث في المصدر والدليل إال أننا سنجد في ما سيرد من صفحات‬ ‫شرحا لمعنى األسماء‪ ،‬والدليل والمصدر اسمان‬ ‫لكننا قلنا أن األشياء توثر في كل األشياء غيرها فقد أثرت في أوراق‬ ‫الشجر وفي الجمر لكنها لم تؤثر في الرجل الواقف داخل منزله يراقب‬ ‫اهتزاز الشجرة من النافذة‬ ‫الريح تؤثر في كل شيء ؛في االوراق وفي الجمر وفي الباب الذي ينفتح أو‬ ‫ينغلق بهبوبها ويؤثر في الرجل الواقف لكن الواقف ال يملك من األدوات‬ ‫والحواس وال يملك من قوة الحواس ما يجعله يشعر بكل آثار الريح فيه‬ ‫فتبقى بعض آثار الريح هي التي تؤثر فيه وهذه اآلثار نفسها تؤثر في‬ ‫الرجل الواقف أو تؤثر فيما يؤثر في الرجل الواقف‬

‫إمعانا في الحرص على وصول ما لم يصل بعد‬

‫‪- 17 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كل شيء يؤثر في كل شيء وطالما كان األمر كذلك فإنك ستتوقع أن يؤثر الباء في‬ ‫الجيم وفي غير الجيم وليس هذا فقط بل بما أن الجيم سيؤثر في الباء وغيره‬ ‫كالهاء –ألننا قلنا أن كل شيء يؤثر في كل شيء‪ -‬فإن الهاء سيتأثر بالباء كما أن‬ ‫الجيم تأثرت في بالباء‬ ‫كل شيء يتأثر بأي شيء وبما يتأثر بهذا ال"أي" وبما يتأثر بما يتأثر ب "أي"‬ ‫وهكذا وكل هذا من أثر الباء فكيف بأثر الباء اآلتي من تأثر الباء األولي‬ ‫مزيد من تبعات هذه القضية سنبسطها في الكتاب الثالث‬ ‫الرجل علم بهبوب ريح من اهتزاز أوراق الشجرة فقط‬ ‫رجل آخر علم بهبوب الريح من "تسعر" جمر خارج منزله ينظر إليه من شباك‬ ‫رجل ثالث داخل بيته علم بهبوب الرياح من صديق اتصل به بالهاتف أو دخل عليه‬ ‫المنزل فأخبره‬ ‫ورجل علم هذا من شيئين أو ثالثة مما ذكرت‬ ‫ورجل رابع يعلم بالريح من رؤيته للوذ حمائم على أغصان الشجر ويعلم أن هذا‬ ‫الحمام ال يلوذ باألغصان إال عندما تهب ريح‬ ‫وقد قلنا أن كل شيء يؤثر في كل شيء فما بال بعض األشياء المتأثرة بهبوب‬ ‫الريح أعلمت الرجل ولم يعلم من أشياء كثيرة تأثرت بهبوب الريح‬ ‫وقد قلنا أن اإلنسان ال يملك كل األجهزة التي تمكنه من رصد كل آثار هبوب الريح‬ ‫فإن امتلك تبقى معضلة تحسس أجهزته للريح وآثاره والكل يعلم – مثال ‪ -‬أن‬ ‫حيوانات أقدر على سماع ما ال يسمعه اإلنسان وانها أقدر على رصد الزالزل قبل‬ ‫"شعور" اإلنسان بها بل أنك ربما ستعلم بالزلزال من الحيوانات وليس من الهزة‬ ‫والحيوانات هنا شيء تأثر بالزلزال وأثر فيك وهنا سنسمي الحيوانات في هذا‬ ‫المثل وسيطا تأثر بالزلزال وأثر فيك وربما لم تتأثر أنت بسلوك الحيوانات (لغفلة‬ ‫أو جهل) وتتأثر بما يتأثر بسلوك الحيوان عند الزلزال كرؤيتك نتيجة لهرع‬ ‫الحيوانات إلى جحورها ولنقل – مثال لإلفهام وافتراضا ال أهمية للدقة العلمية فيه‬ ‫ رؤيته لحشرات ال تتحسس لزلزال ‪ -‬تقتات عليها حيوانات تحسست وهربت –‬‫قد كثرت‬ ‫أعلم أن صداعا انتاب بعضكم من فرط ذكر األثر والمؤثر والمتاثر فإني أعدكم أننا‬ ‫سنصل قريبا إلى ألفاظ أكثر ألفة واستعماال وأقرب إلى ما تتكلمون به‬ ‫‪- 18 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وقبل أن نغادر مفهوم األثر تصور خمس نقاط (تسمى عقد في مواضع) أربعة‬ ‫منها هي نقاط (رؤوس) زوايا مربع وعند تقاطع قطري المربع تكون النقطة‬ ‫الخامسة‬ ‫وإذا كان كل خط بين نقطتين هو أثر نقطة في أخرى فكم خطا سترسم؟‬ ‫كل هذا لو اكتفينا بأثر (بخط) واحد فكيف بنا الحال لو وضعنا في الحسبان أن كل‬ ‫أثر يقع على نقطة يجعلها مرة أخرى تعود وتؤثر في الباقي ومسألة حساب عدد‬ ‫الخطوط بين العقد – بأي عدد كانت ‪ -‬مسألة رياضية كان لها تطبيقات مهمة في‬ ‫عالمنا المعاصر ال أهمية اآلن لذكرها‬ ‫كنا نتكلم عن األشياء وال نفرق بين إنسان وحيوان ونبات وجماد وكنا نريد من‬ ‫هذا مقدمة لنتصور الحياة دون دور اإلنسان كإنسان وإال فدخول اإلنسان في هذا‬ ‫النظام كان له أثر ال أريد أن أقول أنه أفسده‬ ‫وإذا قلنا أنه (اإلنسان) أضاف إليه ما هو غريب عنه استطعنا أن نصف دورا‬ ‫لإلنسان دون أن نسيء ألحد‬ ‫قلنا أن الحدث الحادث من جسم ينتقل إلى كل أجسام الكون اآلخرى ومنه ما يظهر‬ ‫لحواسنا ومنه ما ال يظهر وما يظهر وما ال يظهر منه نستطيع أن نخترع له من‬ ‫أجهزة ما تتأثر به ثم تؤثر فينا هذه األجهزة كورقة عباد شمس تتأثر بمقدار أيون‬ ‫الهيدروجين فتتلون فيؤثر لونها في أعيننا ونحن من قبل لم تستطع أعيننا أن تميز‬ ‫السائل ‪ ...‬هل هو حامض أم قلوي؟‬ ‫ومنها ما لم نستطع أن نخترع لها ما يرصدها (يتأثر بها) فيؤثر ما ُيرصد فينا‬ ‫فنعلم ‪.‬‬ ‫يجوب الحدث (أي حدث) أرجاء الكون الفسيح فمنه ما نشعر به ومنه ماال نشعر‬ ‫به بل تشعر به أشياء(سميناها تنزال أجهزة) نشعر بها‬ ‫وألننا جزء من هذا الكون فإننا نخضع لما تخضع له كل األشياء فتمر بنا أصداء‬ ‫كل األحداث التي نشعر ببعضها بنفسها أو بوسيط أو بما يتأثر بالوسيط من وسيط‬ ‫وهكذا‬ ‫الغرض من كل ما تقدم التوطئة لشرح موقع اإلنسان من هذا الكون وها قد بلغنا‬ ‫اإلنسان تاركين ما هو بعيد عن اإلنسان لكتاب ثالث‬

‫‪- 19 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫اإلنسان عندما يتأثر بحدث تكون ردة فعله (تأثره أو أثر الحدث فيه) على شكلين‬ ‫( تصنيف كغيره من التصانيف يختار خدمة للفكرة وسنمر على مفهوم التصنيف‬ ‫في مكان ما إن يسر هللا ذلك)‬ ‫أوال ‪ :‬ردة فعل طبعي ‪ :‬كهروبه من أسد مقبل نحوه وهو مجرد من سالح أو‬ ‫عاصم أو منعة‬ ‫ثانيا ‪ :‬رد فعل "مصطنع" أو متكلف ‪ :‬كتصنع إنسان الشجاعة بكالم أو حركات يد‬ ‫أمام مجموعة قطعت عليه الطريق طمعا أن يخافوا وتنطلي عليهم حركاته فيهربوا‬ ‫‪ ،‬أو تصنع إنسان الندم أمام قاضي يوشك أن يحكم عليه بعقوبة أو تصنع رجل‬ ‫الكرم بأن يري من حوله انفاقه على أهل بيته والتصنع بالقول أكثر من التصنع‬ ‫بالفعل فيكذب متبوع أو واعظ فيتبعه آالف ‪.‬‬ ‫لست راض عن أمثلة التصنيف هذه علميا لكني راض بها كوظيفة قبل رفع اللبس‬ ‫عن تداخل التصنيفين وال تلتفتوا اآلن لهذا حتى يتضح المزيد‬ ‫قدرة اإلنسان على النطق بما يفهمه بنو جنسه جاء بالطامات على البشرية‬ ‫فاإلنسان يستقبل يوميا آالف المؤثرات فيتعامل معها غالبا تعامل الصنف األول‬ ‫وأحيانا الصنف الثاني فيكذب ويدلس ويلبس على الناس‬ ‫لن تجد الكثير من الناس من يخبرك أن الجو صحو فتجد أنه ممطر‬ ‫لكن فيما يظن أنه يساعده على البقاء أو على العيش الرغيد أو ما يظن أنه شفاء‬ ‫ألمراض قلبه سيكذب ويدلس ويغش إن لم يكتم‬ ‫أود تذكيرك أن هوية اإلنسان كجلد ولحم وعظام مركبة من عناصر كيميائية‬ ‫وجزيئات عضوية وهو به كالحجارة والحديد لم يعد داخل نطاق حديثا وأثر‬ ‫األشياء في هذا الجانب من اإلنسان تدخل في صنف رد الفعل الطبيعي إلذي لم‬ ‫نضبطه ألننا في البدء‬ ‫نحن اآلن نتكلم عند لحظة مجيء أثر خارجي من رعد أو برق أو مطر أو حرارة‬ ‫أو كسوف أو ‪ ......‬أو كالم من شخص فيستقبله اإلنسان فيقوم بفعل أو قول‬ ‫نحن سندخل قليال إلى عالم اإلنسان ؛كالمه وفكره وسلوكه حتى يقوم بفعل أو قول‬ ‫فيكون أثرا في شخص آخر أو شيء آخر‬

‫‪- 20 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كان اهتزاز ورقات الشجر دليال على خبر هبوب الريح وقد قلنا أن اهتزاز ورقات‬ ‫الشجر أثر من آثار الريح الكثيرة في كل األشياء فكان أثر الريح في الورقة‬ ‫اهتزازها وفي الجمر المتقد التهابه والخبر هو "هبت ريح" ومصدر الخبر ورقات‬ ‫للخبر‬ ‫مصدرا‬ ‫عليه‬ ‫وعول‬ ‫اهتزازها‬ ‫رأى‬ ‫لمن‬ ‫الشجر‬ ‫وظهور حشرات لرجل في محبس مظلم عازل للحرارة واألصوات دليل له على‬ ‫إقبال فصل الصيف إذا علم هذا الرجل أن هذه الحشرات ال تظهر إال في فصل‬ ‫الصيف فهو في سجن ال يعلم من طول النهار أو حرارة الجو‬ ‫(وصياح الديك دليل (أثر) على قدوم الصباح (برغم أن ديكا يصيح قرب بيتي‬ ‫طوال اليوم وفي كل فصول السنة ويأبى أصحابه ذبحه رحمة بحنجرته وبي )‬ ‫وهذا يصح على كل شي فمقدار سرعة دوران القمر حول نفسه يدلنا (يدل‬ ‫األرض‬ ‫عن‬ ‫بعده‬ ‫مقدار‬ ‫العلماء)على‬ ‫وبعد هذا نستطيع القول أننا قادرون على رصد أي حدث بواسطة آالف الطرق‬ ‫بشر ط أن نكون قادرين على رصد أثر هذا الحدث على أجسام أو وسائط أخرى‬ ‫تؤثر في حواسنا أو تؤثر فيما يؤثر في حواسنا أو تؤثر فيما يؤثر فيما‬ ‫‪.....‬حواسنا‬ ‫وما ال نراه بأعيننا أو نسمعه بآذاننا أو نلمسه أو نشمه سنراه أو نسمعه أو نشمه‬ ‫أو نتذوقه بوسائط بأن تؤثر فينا هذه الوسائط ولن يتسع كتاب وال كتب لكل األمثلة‬ ‫بغيرها‬ ‫فكيف‬ ‫المألوفة‬ ‫قد تكون ردة الفعل النهائية لإلنسان ألي أثر كالما أو فعال وقلت النهائية ألنك تجد‬ ‫دائما سلسلة متتابعة من المؤثرات كل واحدة منها متأثرة بغيرها‬ ‫فإن وصل ‪-‬مثال‪ -‬أثر لعين اإلنسان ‪،‬صورة كانت أم ضوءا‪ ،‬بدأت سلسلة تأثيرات‬ ‫بدأ بالعين ثم ما ورائها ولربما أنتجت إنزيمات أو أفرزت هرمونات تبعا لنوع‬ ‫المؤثر ولربما زاد انقسام خاليا أو تحللت أخرى ولربما زادت نبضات القلب أو‬ ‫ضغط الدم وتستمر سلسة أو شبكة ردود الفعل لتنتهي بفعل أو أفعال أو قول أو‬ ‫أقوال ولربما كان رد الفعل بين طبعي واصطناعي كأن تسخر من شخص فتراه‬ ‫يضحك محاوال إخفاء حرجه ولكن احمرار وجهة وارتجاف يديه وتعلثمه يبديان ما‬ ‫يخفيه‬ ‫أن‬ ‫يحاول‬ ‫آخر‬ ‫وكمثل‬ ‫ربما جئت في يوم تطلب الود من شخص فترى من أفعاله ما يعارض أقواله أو‬ ‫تري فعلين منه متعارضين لكن الفطن يعلم كيف يرجح فإخفاء المشاعر المتكلف ال‬ ‫‪.‬‬ ‫خبير‬ ‫على‬ ‫ينطلي‬ ‫على أن تكون الحشرات قد تأثرت بفصل الصيف‬ ‫أو دعنا نقول سنسمع أو نشم أو نتذوق أثره أو آثاره‬ ‫‪- 21 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫من علم بما قلت وسأقول في باقي الكتاب سيستطيع أن يعلم غيره أكثر مما يعلم‬ ‫عنه أبويه أو ربما نفسه ولكن بعد اإلحاطة والتمرين وليس بالفهم فقط وال ينجو‬ ‫أحد من أخطاء في التقدير ولكن االقتراب من فهم أكبر ليس بمحال‬ ‫لو رأيت إنسانا "يطعن" إنسانا بسكين وأنت على بعد خمسة أمتار فيخر المطعون‬ ‫مضرجا بالدماء فما ستقوله أن فالنا " ضرب " فالنا بسكين أو تقول فالن "قتل"‬ ‫فالنا‪.‬‬ ‫ربما لم يطعنه فأنت لست السكين التي دخلت بطنه لكن سقوط المطعون وارتباك‬ ‫الطاعن أو ربما هروبة وصراخ وردود فعل الحاضرين واقتياد الشرطة له وكثير‬ ‫من ردود األفعال أدلة تتظافر لتجعلك على يقين من شيء كما أن إقامة مجلس‬ ‫العزاء بعدها أو توارث الورثة وغيرها من اآلثار تجعلك تعلم أنه مات‬ ‫كل تلك ردود أفعال قد تؤثر فيك أو تكتفي ببعضها لتعلم أن فالن طعن أو قتل‬ ‫بصير‬ ‫لكل‬ ‫واضح‬ ‫بينهما‬ ‫وفرق‬ ‫قد أضع بعض األفعال واألسماء بين عالمتي تنصيص ريثما نتكلم فيهم‬ ‫ليست العين أصدق الراصدين دوما وأنصفهم حتى وإن كانت ترصد مؤشرا يشير‬ ‫إلى مقدار تيار كهربائي في جهاز قياس التيار أو مقدار تردد موجة لون في جهاز‬ ‫سبكتروفوتوميتر أو مستوى الزئبق على مدرج مقياس درجة الحرارة‪.‬‬ ‫وألننا ذكرنا هذا المقياس فمن المناسب أن أقول أن حرارة الهواء المحيط بزجاجة‬ ‫المقياس تؤثر في الزجاجة فيكون األثر اهتزاز جزيئات الزجاج التي تؤثر في‬ ‫جزيئات الزئبق فيكون أثرها فيها اهتزازا في ذرات الزئبق فيتمدد الزئبق فيرتفع‬ ‫إلى األعلى فيص ل إلى حيث أريد له بعد ضبط تدريج المدرج ليالئم القيم المرادة‬ ‫المتفق عليها في نظام الوحدات ليكون الصفر درجة انجماد الماء والمائة درجة‬ ‫غليانه‬ ‫المئوي‬ ‫التدريج‬ ‫حسب‬ ‫وهذا‬ ‫هكذا تعمل أجهزة القياس وهكذا يفعل العلماء ويكتشفون ويخترعون علموا أم لم‬ ‫يعلموا ‪.‬‬ ‫كما ترون إلى اآلن نجحت النظرة الجديدة في مواكبة وشرح وتوضيح مسائل لن‬ ‫أصفها‬ ‫جهاز قياس ضغط الدم يضيق الوعاء الدموي فيكون أثر التضييق صوتا معهودا‬ ‫ستسمع شبيها به لو أنك أفرغت قارورة فيها ماء لها عنق أضيق مما يجاوره‬ ‫لتسمع صوتا مألوفا لتدفق ماء متذبذبا ومتقطعا وهذا الصوت هو ما يحاول من‬ ‫يقيس الضغط بجهازه أن يسمعه فينفخ بجراب قماشي بعد لف الذراع به ثم‬ ‫يستمع إلى الصوت بسماعة وحالما ينقطع الصوت يترك الهواء ليخرج شيئا‬ ‫فشيئا حتى يبدأ هذا الصوت بالظهور عند أول انفتاحة للوعاء الدموي الذي سد‬ ‫من النفخ فيسمع هذا الصوت بالسماعة فإذا ما خفت هذا الصوت جدا وانقطع علم‬ ‫جهاز لقياس "تركيز محلول"‬

‫الحرارة عند الفيزيائيين هو حركة ذرات المادة االهتزازية وهذا ما استقر عليه الفيزيائيون ويصدقه كثير من‬ ‫الشواهد‬ ‫األثر ميكانيكي ناتج عن التصادم وكل هذا حسب الرواية الذرية للمادة‬ ‫‪- 22 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الحد اآلخر من حدي ضغط دم اإلنسان الطالب للقياس‪.‬‬ ‫األخير‪:‬‬ ‫المثال‬ ‫هذا‬ ‫عن‬ ‫نقول‬ ‫أن‬ ‫بقي‬ ‫أخترت لكم ‪ -‬حتى نأتي إليه‪ -‬أن نسمي ما نريد أن نؤثر فيه فيؤثر في غيره لنرى‬ ‫ردة فعل كالعربة ومفك البراغي والسيارة "آلة" ونسمي ما نريد أن يتأثر ليؤثر‬ ‫فينا جهازا ‪-‬وهي ليست لفظة علمية‪ -‬كجهاز قياس الحرارة والتلفزيون فيكون‬ ‫منفاخ جهاز الضغط آلة وسماعتها جهازا ‪.‬‬ ‫جسد اإلنسان جسد كغيره من االجساد يتأثر بالحرارة والرطوبة والضرب والضوء‬ ‫وما يمكن جمعه ب"أشكال" الطاقة فيتأثر بالمؤثرات على ما يالئم طبيعته‬ ‫الكيميائية فهو كالخشب يتفحم بالنار وكالحديد يتأكسد وككل العناصر الكيميائية‬ ‫أخرى ‪.‬‬ ‫أحداث‬ ‫آثار‬ ‫فيه‬ ‫تظهر‬ ‫ولكن قد يكون رد فعله من نوع آخر وليس كمواد كيميائية كاالبتعاد عن النار‬ ‫ولبس الصوف في الشتاء وسد اآلذان عند سماع صوت مدو وإلقاء حجر عند‬ ‫عملية‬ ‫فعل‬ ‫ردود‬ ‫هذه‬ ‫وكل‬ ‫يتهدده‬ ‫كلب‬ ‫رؤية‬ ‫لكن اإلنسان جبل أيضا على أن تكون بعض ردود أفعاله كالما يفهمه من يفهم‬ ‫كالمه فيكون رد الفعل هذا ذو ميزات عظيمة وبعضها مفسدة‪.‬‬ ‫؟‬ ‫تكلمه‬ ‫أن‬ ‫ينفع‬ ‫فهل‬ ‫مهاجمتك‬ ‫أراد‬ ‫كلبا‬ ‫أن‬ ‫لو‬ ‫لن تكون ردود أفعالك إال أعماال بدنية كالفرار وتهديده بعصا إال إذا استعملت‬ ‫الصراخ إلرعابه منك وهذا الصوت ال معنى له في لغة هذا الرجل وهو فعل وليس‬ ‫بقول‪.‬‬ ‫لكنك قد توظف صوتك لتطلب النجدة ممن يفهم كالمك ‪.‬‬ ‫لو أن ما يريد مهاجمتك عصابة وليس كلبا فربما كانت ردة الفعل عمال وربما‬ ‫كانت قوال كمحاولة استعطافهم أو ادعاءا منك بالقوة بكالم أو تقول أي شيء تظن‬ ‫أنه نافعك في هذه الحال وتنبه فإن األفعال واألقوال فيها ما هو طبعي وفيها ما هو‬ ‫متكلف وقد يحمر وجهك أو يتصبب العرق منك وهو طبعي‪ 1‬لكنك في نفس الوقت‬ ‫تدعي الشجاعة فتقول ‪ :‬أنا ال أخافكم بل أنتم أهون عندي من حشرة أدوسها‪.‬‬ ‫وهذا كالم ال يصدر ممن بلغ به الخوف أن يتصبب عرقا‬ ‫واإلنسان يشترط كي يتفاعل شيئا آخر ولنسمه "الفهم" وهو تفاعل مع أشياء ال‬ ‫تتفاعل معها دونه إال كتفاعل الجسد المادي إن وجد (‪ )01‬أما األعضاء فهي‬ ‫للشخص ‪.‬‬ ‫المنطقية‬ ‫والمنظومة‬ ‫للعقل‬ ‫تخضع‬ ‫وعندما ال تفهم فإنك تلجأ إلى ما يفهم أو من يفهم وهذا اللجوء أحيانا رد فعل‬ ‫‪:‬‬ ‫المثال‬ ‫هذا‬ ‫وإليك‬ ‫طبعي‬ ‫لو كنت تلعب الشطرنج وكنت لست بأمهر ممن حولك من المتفرجين وقام خصمك‬ ‫بنقل حجر شطرنج من مكان آلخر فقد تلجأ إلى النظر إلى الجمهور علّك تعلم من‬

‫الطبعي والمتكلف في تفصيل أكثر نتركه إلى حيث نجد التفصيل فيه مناسبا‬

‫التفاعل الكيميائي والفيزيائي الطبعي والكيميائي نوع من الفيزيائي‬ ‫‪- 23 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫"تعابير"‪ 00‬أوجههم خطورة ما قام به خصمك من نقلته ولربما حركت أنت حجر‬ ‫شط رنج فاستعنت برد فعل الجمهور الناتج عن فهمهم لما فعلت لتعلم أحسنا فعلت‬ ‫؟‬ ‫حماقة‬ ‫ارتكبت‬ ‫أم‬ ‫وكذلك يفعل الواقف بين رجلين متخاصمين يتحدثان بلغة ال يفهمها فإنه سيفهم إن‬ ‫كانا يتشاجران أم يطلب أحدهما من اآلخر تزويجه بابنته أم يحكي له عن قصة‬ ‫مرضه؟ وكل هذا قد يلجأ الثالث لفهمه من حركات اليد وتعابير الوجه ونبرات‬ ‫الصوت ‪.‬‬ ‫وأنت تعلم حسن وجهك أو صوتك أو رجاحة عقلك من تعابير أوجه اآلخرين أو‬ ‫كالمهم فيك أو نفورهم منك وال يغرنك كل مديح أو إطراء فلربما أساء أغلب‬ ‫سواء ‪.‬‬ ‫الفهم‬ ‫في‬ ‫الناس‬ ‫وليس‬ ‫عليك‬ ‫الحكم‬ ‫الناس‬ ‫يؤثر الهواء الحار في زئبق مقياس الحرارة فيتمدد ويرتفع وكذلك أثره في الحديد‪،‬‬ ‫وأثره في اإلنسان عرقا يتصببه ولجوئه إلى مكان أبرد وفي البيضة تفاعل يسرع‬ ‫فسادها‪.‬‬ ‫في‬ ‫وانتقالك إلى المكان األبرد سخن المكان وقلل من تركيز األوكسجين فيه وسبب‬ ‫ضغطا أكبر على أرض المكان أو أحدث معادلة جديدة بين التجاذبات الحادثة في‬ ‫نعلمه ‪.‬‬ ‫ال‬ ‫وما‬ ‫نعلمه‬ ‫مما‬ ‫وكثير‬ ‫الجديد‬ ‫المكان‬ ‫وتمدد الحديد الناتج من الحرارة أثر فيمن أمسكه ونقص أوكسجين الغرفة أمات‬ ‫وأحيا من الكائنات ما هللا بها عليم وكثير مما يحضرني وما ال يحضرني ومما‬ ‫نتلمسه ومما ال نتلمسه وكل ما تأثر يؤثر في غيره وأحدهم ذلك الذي أثر فيه أو‬ ‫‪.‬‬ ‫فيه‬ ‫أثر‬ ‫فيما‬ ‫أثر‬ ‫لو كنت ضيفا على صديق وتحرجت من أن تقوم فتزيد من درجة التبريد في مكيفه‬ ‫لشعورك بالحر وتحرجت أن تغادر إلى مكان أبرد فلربما طلبت من صاحب الدار‬ ‫ذلك ‪.‬‬ ‫وهنا أثر ارتفاع درجة الحرارة فيك فتكلمت بكالم يفهمه صاحب الدار لتطلب منه‬ ‫فكان الكالم المفهوم باللغة التي يتفاهم بها أصحاب اللغة الواحدة هو رد فعل و‬ ‫تريده‪.‬‬ ‫ما‬ ‫هو‬ ‫األثر‬ ‫الفكرة‬ ‫نفس‬ ‫أعيد‬ ‫أني‬ ‫فتظنون‬ ‫وأكرر‬ ‫أعيد‬ ‫تروني‬ ‫ال ‪..‬‬ ‫أنا أحيانا آتي بأمثال لترسيخ الفكرة ولكني أحيانا أعود إلى مثل ألنطلق منه مرة‬ ‫مختلفة ‪.‬‬ ‫فكرة‬ ‫إلى‬ ‫أخرى‬ ‫كما رأيت فإن األحداث واآلثار تمر في إحدى طرقها بين إنسان وإنسان (كما أنها‬ ‫قد تمر بين إنسان وحيوان أو إنسان وجماد أو حيوان وإنسان أو جماد وجماد أو‬ ‫‪).........‬‬ ‫والطريق الواصل بين إنسان وإنسان قد يكون الحدث فيه كالما أو فعال طبعيا أو‬

‫إني ألنوي أن أضع كلمة وال أدري هل أضع الكلمة التي تصح للمعنى الذي أريد أم أضع كلمة يفهم منها‬ ‫الناس المعنى الذي أريد وإن كانت ليست مما يدل عليها حسب اللغة‬ ‫‪- 24 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫غير ذلك لكننا سنشرع في االنشغال بالكالم بين إنسان وإنسان لندخل في هذا‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫الضيف في الجزء السابق لو لم يملك لغة يتواصل بها مع مضيفه وعجز عن‬ ‫اإلفهام باإلشارات فربما حاول بسذاجة أن يلصق جسده بجسد مضيفه ليفهمه أنه‬ ‫يشعر بالحر وال يحتاج المضيف كبير فطنة ليعلم عن شعور ضيفه من مسح عرقه‬ ‫أو احمرار وجنتيه‪.‬‬ ‫يكون الكالم بين البشر على وجه من ثالثة‬ ‫أوال ‪ :‬خبر أو إخبار‬ ‫ثانيا ‪:‬استفهام‬ ‫ثالثا ‪ :‬ما سنجمعه على اسم طلب كاألمر والسؤال والنصيحة‬

‫واعلموا أننا غير ملزمين بأي تصنيف لمن سبقنا وما يحكمنا هو الغاية المبتغاة‬ ‫فإن خالفت تقعيدا أو تصنيفا في فن أو علم فذلك ألنه تصنيف يختار على أساس‬ ‫الغاية والنفع وناحية النظر وسنمر على قضية التصنيفات فيما بعد‪.‬‬ ‫ولو تنبهت قليال لرأيت أني أسميت ما نسميه السؤال باالستفهام ذلك أن السؤال‬ ‫باإلصل طلب فيقال "أسأل هللا أن يحفظك " وتعني أطلب من هللا أن يحفظك وليس‬ ‫أريد أن أعلم من هللا وعلى هذا وضعت السؤال في الصنف الثالث كوجه من أوجه‬ ‫الطلب‪.‬‬ ‫ما تظنه خارجا عن هذه األوجه تستطيع تشكيله ليكون من أحدها وهذا ريثما نصل‬ ‫إلى حيث نستطيع التعامل مع الشواذ‪.‬‬ ‫ما يهمنا اآلن الوجه األول لسهولة ربطه بمفهوم األثر لكننا لن نغفل عن الوجهين‬ ‫اآلخرين ألن لهما صلة كبيرة بالصنف األول بل أن الطلب ‪ -‬كما سنرى ‪ -‬هو وجه‬ ‫من أوجه الخبر وسنرى بعون هللا أن كثيرا من التمايز بين األصناف الثالثة‬ ‫سيتالشى‪.‬‬ ‫ليست األخبار دوما تأتي بتركيب واحد كجملة " زحل كوكب" أو "الطريق طويل"‬ ‫أو "الحج أشهر معلومات"‬

‫‪- 25 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫تسميات أركان جمل كهذه تختلف باختالف الفن – أو العلم ‪ -‬الذي يتناولها فعند‬ ‫النحويين يكون "زحل" مبتدأ و"كوكب" خبر أما في فنون أخرى فتجد تسميات‬ ‫أخرى كالمسند والمسند إليه في فن البالغة والموضوع والمحمول عند المناطقة‬ ‫وكل هذه مسائل اصطالحية واالختالف ناشئ عن ناحية النظر إلى الكلمتين‬ ‫عادة سترون أني اسميهما بالمخبر عنه والخبر أو اإلخبار بكسر الهمزة لكني قد‬ ‫استعمل غير هذا مما يسمح به السياق‬ ‫إن تركيب "زحل كوكب " ليس الوحيد الذي يستعمله العرب فالعرب تقول أشياء‬ ‫بتراكيب أخرى مثل "ما حك جلدك مثل ظفرك" أو "ليس الخبر كالعيان " أو حتى‬ ‫"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه "‬ ‫كما أنك تستطيع التعامل بما سأقول مع بعض اللغات األخرى فتقول باإلنكليزية‬ ‫مثال‪:‬‬ ‫‪the man is running‬‬ ‫أو بالفرنسية مثال‬ ‫‪C'est un livre‬‬ ‫أما فيما ال أعرف من لغات فال أظن أن الجميع في غنى عن كالمي‪.‬‬ ‫في كل األحوال ستجد في الجمل الخبرية مخبرا عنه ‪ ،‬بأوجه كثيرة ‪ ،‬وخبر ‪،‬‬ ‫بأوجه كثيرة ‪ ،‬فزحل في جملة "زحل كوكب" هو ما يخبر عنه والخبر "كوكب"‬ ‫إي أنه كوكب‬ ‫والطريق في جملة "الطريق طويل " هو ما يخبر عنه والخبر "طويل " فقائل‬ ‫جملة "الطريق طويل " يريد إخبار السامع أن الطريق طويل‬ ‫وقبل أن ننصرف إلى جمل ليست مخبر ومخبر عنه (أو مبتدأ أو خبر) فلنجعل‬ ‫جملتنا النموذجية هي "المبتدأ خبر" أو " المخبرعنه خبر" أو "المسند إليه مسند‬ ‫" أو "الموضوع محمول " أو‪............‬‬ ‫وطالما صح أن يكون الخبر جملة فعلية نحو "الولد ذهب " أو شبه جملة نحو‬ ‫"الرجل في البيت " فال ضير أن نتعامل مع هذه األوجه في الصفحات المقبلة‪.‬‬ ‫وتسمية النحويين لمبتدأهم بالمبتدأ فيه عوار وال يالئم فنهم ألن المبتدأ سمي كذلك‬ ‫البتداء الكالم به وهذا بعيد عن روح النحو وما يزيد التعقيد سوءا أنهم أسموا‬ ‫خبره خبرا فالمبتدأ سمي لموضعه والخبر سمي لمعناه وغيره روعي فيه أمر آخر‬

‫‪- 26 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وبرغم استدراك األوائل عن قصد أو دون قصد‪ 02‬فإن النحو والصرف والبالغة‬ ‫محاولة لل ّم شتات لم تكتمل وشابها عيوب وال ينكر بعض النفع فيها تاركا في هذا‬ ‫تفصيل رأيي إلى مناسبات أخرى هنا أو في كتاب آخر‪ ،‬وإذا هال أحدا مخالفتي‬ ‫ألساطين فن وعلم فال يعجب فإني أخالف الكثيرين مؤسسين وشيوخا وطالبهم في‬ ‫علوم كثيرة والعبرة بالدليل‪.‬‬ ‫كتابنا ليس في النحو وال في الصرف وال في المنطق إال بقدر تعلقهم بموضوعنا‬ ‫أما الخوض فيهم فمعيق لي عن إتمام الكتاب وسأمر على علوم ومواضيع كثيرة‬ ‫اشتاق أن أتوسع فيها لكن سيمنعني أنها ستعيقني عن المضي قدما وستشعب‬ ‫المسائل أكثر مما يرهقني وينفر القارئ‬ ‫وقبل المزيد من المضي في الخبر أود المرور سريعا على مسألة اللغة كأداة‬ ‫التواصل البشري وهي أيضا مما لن أطيل الكالم فيه لكنه كغيره بحر ال قرار له إن‬ ‫خضنا فيه خشيت أن ننحرف كثيرا‬

‫في اللغة‬ ‫مرة أخرى أقول ‪ :‬أمر على كثير من أبواب العلوم والفنون مرور الكرام وكلي‬ ‫شوق أن أمكث فيها طويال ولدي فيها كالم أكثر مما اكتبه فيها لكن هذا مضر‬ ‫بهدف الكتاب وبشوقكم لمتابعته وواحدة من هذه األبواب هي اللغة‬ ‫ظهرت مدرستان أو مذهبان في مسألة نشوء وبدء اللغة العربية‪.‬‬ ‫مذهب يقول أن اللغة توقيفية أنزلت من هللا تعالى وساقوا لذلك ما قالوا أنه أدلة‪.‬‬ ‫ومذهب يقول أن اللغة وضعية – اصطالحية ‪ -‬و اتفاقية وساق أصحاب هذا‬ ‫المذهب أدلة أخرى ورد كل مذهب على اآلخر بكالم طويل ليس الكتاب محله ومن‬ ‫هذا‪.‬‬ ‫في‬ ‫الحسم‬ ‫الترجيح‪-‬‬ ‫أردنا‬ ‫إن‬ ‫المبكر‪-‬‬ ‫ولإلنصاف فإن مذهب االصطالح ليس من لوازمه أن يجلس قوم قبل آالف السنين‬ ‫ليضعوا لكل مسمى اسم في مجلس لم نسمع به ولم تصلنا أخباره‬ ‫أما إن ظهر مذهب ثالث يحاول المزج بينهما أو يفارقهما فهذا من المألوف ‪،‬‬ ‫عندما تتصارع نظريتان ‪ ،‬أن يخرج مذهب ثالث يحاول فض االشتباك كما توقع‬ ‫أصلح‬ ‫مما‬ ‫أكثر‬ ‫أفسد‬ ‫أوربي‬ ‫فيلسوف‬ ‫وكما الحال في أصل العربية ظهر خالف في أي من الشيئين اشتق من اآلخر‬ ‫وأنا هنا أحدث أولئك أما المقلدين واالتباع فلربما احتاجوا لبعض التأمل قبل االعتراض فإن تسلح أحدهم‬ ‫بالدليل البين أرغمني على االعتراف بالخطأ‬ ‫‪- 27 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الفعل؟‬ ‫أم‬ ‫؛اإلسم‬ ‫فكان أن نشأت مدرستان في البصرة والكوفة إحداها تقول أن الفعل اشتق من‬ ‫ض َرب" جاءت من "الضرب" واألخرى تقول المعارض ليكون‬ ‫االسم لتكون " َ‬ ‫"ضرب"‬ ‫من‬ ‫مشتقا‬ ‫"الضرب"‬ ‫وليست مهمتي في هذا الكتاب الجزم في هذا األمر لكني في هذا الكتاب وفي القادم‬ ‫منه ساعتمد المذهب القائل أن االسم مشتق من الفعل ليكون "النوم" من "نام"‬ ‫و"الملعب" ‪ 0‬من "لعب" و"المطرقة" من "طرق" وقد جعلت مسلكي هذا‬ ‫منهجي‬ ‫مع‬ ‫تتوافق‬ ‫تعليمية‬ ‫ألغراض‬ ‫لو علمنا كيف يتعلم الطفل لغة قومه في بضع سنين يعجز في أضعافها البالغ عن‬ ‫اتقان لغة قوم آخرين كإتقان أطفالهم لها لساعدنا هذا على تبيين كيف نشأت اللغة‬ ‫توافقية؟‬ ‫أنها‬ ‫يرى‬ ‫من‬ ‫عند‬ ‫ومسالة تعلم الطفل للغة مسألة معقدة حيرت أصحاب هذا الفن ولم يخرجوا بحلول‬ ‫وأجوبة تريح النفوس وتسكن فضولهم وإني وإن كنت ال أريد الخوض في هذا‬ ‫كثيرا لكني سأدلو برأي أظنه يجلي بعض ما كان عجزوا عن فهمه وال يهمني بعد‬ ‫هذا إن كان كالمي محل اعتبار عند أحد أو قيمة ولست أنا بمن قرأ كل الكتب التي‬ ‫خطتها يد البشرية ألعلم إن كان نبه أحد على شيء مما أقول‪.‬‬ ‫خلق اإلنسان وخلق معه حرصه على ما ينفعه في الدنيا وأستطيع أن أصف كل ما‬ ‫منفعة‬ ‫بكلمة‬ ‫نافعه‬ ‫أنه‬ ‫اإلنسان‬ ‫يظن‬ ‫ولو شئنا أن نأتي باألدلة على هذا لما وسعت كلماتنا صفحات ولكن كيف نأتي‬ ‫بالدليل ولم نخض بعد فيه‬ ‫ولكن أما ترى كيف يكون جسم الطفل وهو يهوي في الهواء ‪،‬أفعلمه أحد هذا‬ ‫والكلب؟‬ ‫القطة‬ ‫وعلم‬ ‫‪0‬‬ ‫أما اإلتيان بشواهد لبناء نظرية ال يعدو أن يكون استقراءا ال أريده وسأعرض‬ ‫عنه فآالف المفكرين والمؤلفين والعلماء كتبوا وحكموا وأسسوا مع نقص األدلة‬ ‫ومصادرة المطلوب والمغالطات وإني ال أرضى بهذا وقد اعتذرت بما قد سبق‪.‬‬ ‫هذا اإلنسان إن كان طفال أو بالغا أم راشدا يخلق ومعه ما يعينه على البقاء إن‬ ‫له‬ ‫يخطط‬ ‫لم‬ ‫ما‬ ‫صادفه‬ ‫والبقاء هنا كلمة تجمع أشياء كثيرة منها ما ليس بميت دونها‬ ‫فحياته حريص عليها كما أن ما يجعل حياته رغيدة خالية من األمراض والمآسي‬ ‫واألحزان والجوع والعطش واأللم وعذابات النفس وجراحاتها وفقدان ما يسعده‬ ‫أكثر وغيرها ندرجها في هذا اإلسم الذي لن يلم شملها اآلن‬ ‫تقلقه‬ ‫األم‬ ‫وتجهم‬ ‫الطفل‬ ‫تريح‬ ‫األب‬ ‫بسمة‬ ‫وتعلم طفل لغة قومه كبير الشبه بترويض الوحوش فمروض الوحوش يستعمل‬ ‫أسلوب الثواب والعقاب وعاجال أم آجال ستكون ألوامر سيد الحيوان معنى غير‬ ‫يفهمه‬ ‫أو‬ ‫يعلمه‬ ‫كان‬ ‫الذي‬ ‫أقصد باإلسم كل ما ليس بفعل أو حرف مما يعرب ويصلح كفاعل ومفعول ومبتدأ‬ ‫كنت أنوي الحديث عن مفهوم النظ ريات والمسلمات والبديهيات في هذا الكتاب لكني عدلت عن هذا ألسترسل فيه في الكتاب الثاني‬ ‫أو الثالث رغم شوقي لنفع القراء به‬

‫‪- 28 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫هذا الترويض يجعل لألصوات والحركات معان جديدة وسنشهد تغيير أسماء أو‬ ‫بعد‬ ‫فيما‬ ‫معان‬ ‫عودا على الطفل ‪ ،‬فالطفل مع ترقب أبويه لكل حركة أو سكنة لطفلهما والن‬ ‫حبهما له يجعل كل ما يصدر عنه من صوت أو حركة أو حبور واحيانا بكاء‬ ‫وعطاس وكحة مصدر أنس وابتهاج وانشراح أو تعاسة وقلق باد‪.‬‬ ‫وهذا الطفل يرقب سلوك من يحبوه تجاه سلوكه وهنا يعمل مبدأ دعوني أسميه‬ ‫"التصويب التفاعلي"‪ ،‬فيبدأ الطفل بتصويب أفعاله وأصواته إلى ما يرى أنه مريح‬ ‫له‪.‬‬ ‫له‬ ‫مريحة‬ ‫يراها‬ ‫كما‬ ‫راحتهما‬ ‫ألن‬ ‫له‬ ‫مريح‬ ‫فتبدأ األصوات عشوائية لتتصوب شيئا فشيئا حتى تكون كلمات‬ ‫تبدأ بكلمات دون جمل ومع استمرار ردود أفعال األبوين يبدأ الطفل في اختيار‬ ‫األصوات التي تنتج كلمات تريح والديه أو محيطه ليرتاح‬ ‫أما تركيب الجمل فلن يشذ إال قليال وقد يالحظ المراقب أن الطفل يخطئ كثيرا في‬ ‫تركيب الجمل حتى يبلغ من الكبر ما يضبط فيه وقد يالحظ أن الطفل كثيرا ما يبدأ‬ ‫بكلمات معدودة نحو "بابا" أو "ماما" ولربما الشتهار هاتين اللفظتين في كل‬ ‫لغات العالم رضيها األبوين لتكونا مشيرتين إليهما ليبديا السرور حين نطق الطفل‬ ‫لها فضال عن أن هاتين الكلمتين تحمالن حروفا يسهل نطقهما على الطفل ويكثر‬ ‫ورودهما ‪0‬على لسان الطفل قبل أن يبدأ بتجميع األصوات إلنتاج ألفاظ ذات معنى‬ ‫بها‪.‬‬ ‫اآلخرون‬ ‫معه‬ ‫يتفاعل‬ ‫ما يفعله الطفل حتى يبدأ بالكالم عمل شاق وطويل ويحتاج لصبر وطول نفس‬ ‫وسعة صدر مما ال بد قد خلق معه يحدوه لكل هذا نشاط الطفل وحماسه الفطري‬ ‫‪.‬‬ ‫حياته‬ ‫سني‬ ‫أول‬ ‫في‬ ‫وهو‬ ‫البعض يعزو التعلم إلى قدرة الطفل على التقليد لكن التقليد في باكر العمر شاق‬ ‫فهو بالكاد يميز القليل ممن حوله وال يمنع ذلك إن تقدم به العمر أن يقلد‬ ‫و"يحاكي"‬ ‫وإذا كان الكالم رد فعل يصدر ممن وقع عليه أثر ففيم ولم سيقلده الطفل وهو لم‬ ‫يقع عليه الحدث فهل رأيت أبا لسعه عقرب فسحب يده فقلده ابنه لكن الطفل‬ ‫سيتعلم عاجال أم آجال ردود الفعل كلها التي عند الكبار‪.‬‬ ‫قضية تعلم الطفل قرأت فيها وال أزعم أني كنت من المكثرين لكن خالصة أقوالهم‬ ‫ظهر منها بعض االضطراب الذي ال يمنع من تثمين الجهود وال أعلم أن نظرية‬ ‫صمدت أمام بعض العقبات وأنا أقدم نظرة جديدة لتعرض في سوق النظريات رغم‬ ‫أني لم أطل ولم أعرض كل بضاعتي تاركا ذلك لوقت آخر‪.‬‬ ‫في الضفة األخرى‪ ،‬لو بدأنا من مرحلة مجتمع ال لغة بينهم ‪ ،‬وهذا وهللا عندي‬ ‫أصوات الباء والميم وحرف المد يسيرة النطق فال عجب أن تبدأ محاوالت الطفل بها‬ ‫‪- 29 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫غريب‪ ،‬فال يفهم كيف بمجتمع بدأ بفرد حتى صار بالعشرات أن ينمو ولم تنم معه‬ ‫لغته ويتعايشون بينهم فيه مما يخالف بفهم معتبر الرواية الدينية التي تقول أن أبا‬ ‫البشر آدم عليه السالم وقد ذكرت قصة خلقه وتعليمه األسماء وال يطرأ شك ‪،‬عند‬ ‫من يرى أن القران أنزل ليفهم ‪،‬أن االسماء التي تعلمها آدم كانت اسماء لتستعمل‬ ‫في لغة ولقد وجدت فائدة عظيمة في آية خلق آدم وتعليم هللا إياه االسماء اتركها‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫لوقت‬ ‫ومع رغبتي الجامحة في الكالم عن اختالف ألسنة البشر لكني سأعرض عنها‬ ‫وأقول ‪ :‬ال شك أن معظم اللغات تتبدل فتنظم إليها كلمات وتغادرها أخرى ويطرأ‬ ‫على بنيتها وقواعدها مع الزمن تبدالت تجعلها أنفع في عملها لكن العربية نجت‬ ‫وصمدت عندي وما يقوله غيري وإن كانوا ممن يعدون أهلها من المعاصرين‬ ‫ومن قبلهم بعشرات السنين ناجم عن قصور فهم سيتبين بعد حين‬ ‫أما ما يثار عن وجوب جعل العربية مواكبة للعلوم باكتشافاتها واختراعاتها فهذا‬ ‫مرده إلى سوء فهم لمعنى االسم ولمسألة غابت وكله مما سآتي عليه بإذن هللا‬ ‫اتحفتنا العربية بقوتها في احتواء كل طارئ فكلمة "‪ "mobile‬المستخدمة اآلن‬ ‫لإلشارة إلى جهاز اإلتصال الالسلكي بديال عن الهاتف السلكي تجد العربية لها‬ ‫كثيرا من االسماء ببنية عربية سليمة ‪،‬الجوال والنقال والمحمول والمزيد مما‬ ‫الجهاز‬ ‫هذا‬ ‫لتسمية‬ ‫جعله‬ ‫نستطيع‬ ‫لكن مما يؤسف له وما ال أظن أحدا فطن إليه قبلي ‪-‬ربما لقلة اطالعي‪ -‬أننا لم نعد‬ ‫اآلن نكتب ونتكلم بالعربية وإنما بلغة مبانيها عربية وجملها ال تعدو ترجمة‬ ‫بالتوضيح‬ ‫سآتيك‬ ‫فإني‬ ‫تعجب‬ ‫وال‬ ‫اجنبية‬ ‫لتعابير‬ ‫أنظر إلى لغة الحديث النبوي وكالم الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن عاصرهم ‪-‬‬ ‫ومنه من المحفوظ الكثير‪ -‬وتناول أي صحيفة أو كتاب أدبي وعلمي لترى الفرق‬ ‫ولو طالع سعيد بن المسيب ‪ -‬مثال‪ -‬كتابا كتب في القرن العشرين فهل سيفهم منها‬ ‫ما يظن أنه يفهم وكم من فحول العربية اآلن يحكي كما يحكي امرؤ القيس أو دريد‬ ‫الصمة‬ ‫بن‬ ‫وهذا الكالم في ما يصنف في الفقه واألدب فكيف بما في العلوم والصحف‬ ‫فاإلنكليزية تسمي الحركة ‪ movement‬والتي جاءت من الفعل ‪- move‬‬ ‫ومعناها يتحرك ‪ -‬لكن اإلنكليزية تطلق هذا اللفظ على أي جماعة (تنظيم) مسلحة‬ ‫أو غير مسلحة فجئنا نقول مترجمين هذا إلى "حركة" فيقال حركة الخمير الحمر‬ ‫أو حركة فارك وداللة على انتشار هذا الوباء فقد ساقنا الحديث إلى مثال آخر‬ ‫فكلمة التنظيم نفسها هي ترجمة للكلمة اإلنكليزية ‪ organization‬فهي تعني‬ ‫تنظيم بمعنى تنسيق وخلق نظام لكن اإلنكليز يطلقونها أيضا على أي جماعات او‬ ‫مؤسسات كمنظمة الصحة العالمية فنأتي نحن ونترجمها منظمة او تنظيم برغم أنه‬ ‫كان األجدر بنا اختيار ترجمة مالئمة للمعنى نحو جماعة أو عصبة الصحة‬ ‫العالمية واكتفيت بهذه البدائل ليس عجزا وإنما لتعلق المسألة بفصول قادمة‬ ‫الفكرة‬ ‫تنضج‬ ‫عندها‬ ‫والمسألة تعدت الكلمات لتشمل التعابير فأين سمعنا في العربية العتيقة تراكيب مثل‬

‫‪- 30 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫"سلط الضوء على" و"شد انتباهه" و"بدوره" و"مقدما" وكثير جدا من التراكيب‬ ‫التي ما هي إال "مجازات إنكليزية" ما عرفها العرب و يتفاخر أدباء هذه العصور‬ ‫في إدراجها في أعمالهم غير واعين أنها ترجمة حرفية لصيغ أجنبية‬ ‫وكانت هذه واحدة مما جعل العربية العتيقة غريبة فلم نعد نفهم أشعار الجاهلية ‪.‬‬ ‫فإن قيل ما الضير من االستعارة للغتنا قلنا فهال اخبرتمونا بمعنى سلط وشد لنعلم‬ ‫إن كانت تصلح لالستعمال بالمعنى المراد أم أن هذا وغيره غير لغة الناس‬ ‫"مثقفيهم"‬ ‫مع‬ ‫ويتواصلوا‬ ‫ليجاروا‬ ‫وفهمهم‬ ‫‪0‬‬ ‫هل تذكرون قولي أني محرج عند كتابة كثير من الكلمات‬ ‫فال ادري أساير القوم ليفهم القراء فأكون معينا على اإلفساد أم اتخير من العربية‬ ‫التواصل‪.‬‬ ‫فاخسر‬ ‫الفصيح‬ ‫وأبعد من هذا ‪ ،‬فقد لبست المعاني غير ألفاظها وهذه أمثلة‬ ‫استغفر‬ ‫بمعنى‬ ‫اليوم‬ ‫تأتي‬ ‫"اعتذر"‬ ‫كلمة‬ ‫واألصل أن معناها قدم عذرا والعذر هو السبب أو العلة‬ ‫بالزحام‬ ‫غيابي‬ ‫عن‬ ‫اعتذر‬ ‫فيقال‬ ‫أما اآلن ‪-‬والينجو منه أديب أو قارئ‪ -‬نسمع " اعتذر إليك يا سيدي"‬ ‫‪.‬يقول القائل هذا دون ذكر عذره ظانا أنه يقول ‪ :‬اغفر لي يا سيدي ‪،‬أو التمس‬ ‫الصفح؟‬ ‫أما سيده فقد يعفو عنه ولم يسمع عذره ظانا أنها كلمة "اغفرلي"‬ ‫وليس بعيدا عنها كلمة آسف فهي أقرب ما تكون إلى الندم والحسرة وكثرة البكاء‬ ‫حتى قيل أن أبا بكر رجل أسيف فانظر أي عربية نكتب بها اآلن‬ ‫وال أدري أي كلمة آتي بها والوباء قد استشرى ولترى عظم المصيبة لن أبعد‬ ‫بعدت‬ ‫إن‬ ‫فكيف‬ ‫كثيرا‬ ‫كلمة التوسل تأتي أيضا في العربية المزيفة بمعنى الرجاء وهذا خطأ جسيم وزاد‬ ‫كثيرا‬ ‫تثار‬ ‫عقدية‬ ‫بقضايا‬ ‫تعلقه‬ ‫جسامته‬ ‫من‬ ‫فالتوسل اتخاذ وسيلة لكنا نسمع من يكتب في قضية التوسل باالنبياء والصالحين‬ ‫ولم يلتفت إلى المعنى الحقيقي للتوسل فيقول قائل ‪ :‬التوسل باالنبياء كذا (حرام أو‬ ‫حالل أو واجب) ظانا أنه يتكلم عن الطلب و لربما عدت إلى هذا في زمن قادم‬ ‫ولك أن تضحك بملئ فمك حين تشاهد مسرحية لشكسبير "عربت" ليقول رجل‬ ‫إليك‪.‬‬ ‫أتوسل‬ ‫آلخر‬ ‫وما طال لغة األدب والشعر طال لغة الصحافة واإلعالم والسياسة الدولية‬ ‫فتسمع كلمات نحو "استنكر"و"استهجن" و "ندد" و"أعرب عن صدمته " مما‬ ‫أود بيان أخطاء استعماالتها الفظيعة في في مكان آخر‬ ‫الفخ‪.‬‬ ‫نفس‬ ‫في‬ ‫العلوم‬ ‫تعريب‬ ‫أصحاب‬ ‫ووقع‬ ‫فكلمة ‪ sine‬ذات األصل اليوناني استعملها الغرب لإلشارة إلى المخدع أو الجيب‬ ‫فترى أن "التهاب الجيوب األنفية" هي ترجمة ل ‪ ، sinusitis‬ولكن ألسباب ال‬ ‫أعلمها سميت الدالة التي تشتغل بالزوايا لنخرج بنسبة الضلع المقابل للزاوية إلى‬ ‫حتى "الكلمة" شوه معناها‬ ‫‪- 31 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫أيضا‬ ‫ب‪sine‬‬ ‫الوتر‬ ‫ويبدو أن أهل التعريب والمجامع اللغوية لم يجدوا األمر يستحق تفكيرا لثوان‬ ‫ولربما فكروا ولم يجدوا فسموا الدالة جيب وهكذا فعلوا مع الدوال الشبيهة‬ ‫ول م يقتصر األمر على الرياضيات بل شمل سائر العلوم ففي علوم األحياء ترجموا‬ ‫‪ Golgi apparatus‬إلى جهاز كولجي طالما أن ‪ apparatus‬جهاز ليس‬ ‫لسبب إال ألن اإلنكليز يطلقون هذا اللفظ على الجهاز وعلى التركيب في داخل‬ ‫‪.‬‬ ‫الخلية‬ ‫الكثير‬ ‫الكثير‬ ‫هذا‬ ‫ومثل‬ ‫مضللة‪.‬‬ ‫"ترجمة"‬ ‫كلمة‬ ‫حتى‬ ‫الجرائم التي ارتكبت بحق العربية كثيرة لن أذكرها جميعا في هذا الكتاب‪.‬‬ ‫قلنا أن اإلنسان يتأثر بمؤثر فيتفاعل معه بفعل أو كالم‬ ‫اإلنسان؟‬ ‫يتكلم‬ ‫لماذا‬ ‫لكن‬

‫لماذا يتكلم اإلنسان ؟‬ ‫أبى اإلنسان إن يمرر الرسالة بأمانة‬ ‫إذا علم تاجر مقبل على الدنيا بقرب وقوع زلزال يصيب مدينته سارع لبيع ما ال‬ ‫ينفعه بعد الزلزال وشراء ما يدر عليه أرباحا دون أن يخبر أحدا أو يخبر من‬ ‫تدفعه منافعه إلخباره فالناس إذا علموا اقبلوا على شراء الطعام وما يقيهم من‬ ‫تبعات الزلزال من برد شتاء أو قيض صيف ولن يجعل تاجر ماله مسكنا أو دكانا‬ ‫يجعله الزلزال هشيما‬ ‫غيره ربما يشفق على أقرباءه أو على غيرهم فيحذرهم طالبا الثواب والربح من‬ ‫هللا‬ ‫نعيد السؤال ‪ :‬لماذا يتكلم اإلنسان ؟‬ ‫إذا كان ما قلناه في فصل اللغة أن اإلنسان يولد ومعه حرصه على ما يعينه على‬ ‫البقاء صحيحا وألنه يفكر ويطور وسائل وخططا فإنه يغدو بعد حين وقد جعل‬ ‫أحد‬ ‫يطأها‬ ‫ال‬ ‫أن‬ ‫يحرص‬ ‫حمى‬ ‫لبقاءه‬ ‫هو دائم التفكير فيما يجعل عيشه رغيدا وعمرة مديدا وماله ممدودا وبعد هذا‬ ‫سعى لضم زوجه وأوالده وأخوة وابناء عم وربما اصدقاء فيخاف عليهم الفقر‬ ‫المرض‬ ‫عليهم‬ ‫ويخشى‬ ‫وهؤالء وغيرهم من األقرباء واألصدقاء هم أيضا داخلون في النظام النفعي الذي‬ ‫بناه صاحبه وحبهم والخشية عليهم والحرص على نفعهم جزء من نفع الذات‬ ‫البقاء‬ ‫على‬ ‫لحرصه‬ ‫وتبع‬

‫‪- 32 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وما يقلق حياة اإلنسان ليس العوز والمرض حسب وإنما ما ال يقاوم من قلق‬ ‫"نفسي" ال سبيل للتخلص منه وإن بعد صاحبه عن اإلنسانية كثيرا‬ ‫يفعل اإلنسان الكثير من هذا بيديه واعضاءه فيسعى في طلب الرزق ويغامر‬ ‫بتجارة ويقتصد في أمواله ويقتني ما ال يكسر وربما تزوج من وارثة أو صاحب‬ ‫‪...‬‬ ‫أو‬ ‫ثريا‬ ‫ويحرص أن ال يقرب النار واألسالك الكهربائية ويحمل سالحا يدفع به عن نفسه‬ ‫ويسد جحرا خشية أن تستوطنه أفعى أو ينصح أو يأمر أحبابه بما ينهى عنه‬ ‫نفسه‬ ‫كل هذا وغيره إذا ظن ان حياته هي الحياة الدنيا أما إن أيقن بحياة أخرى فسيتبدل‬ ‫يقينه‬ ‫مقدار‬ ‫حسب‬ ‫قليال‬ ‫أو‬ ‫كثيرا‬ ‫سلوكه‬ ‫فمتطلبات العيش إن عارضت بعض رغيد عيش اآلخرة كان على الرجل أن يختار‬ ‫‪0‬‬ ‫أين عليه أن يضع قدمه وكيف يختار اعماله وأي الحياتين يعمل لها أكثر‬ ‫سخر لإلنسان غير اإلنسان من حيوان ونبات وجماد يسوقه بعصا أو يصنع به ما‬ ‫يجعله كما يشتهي فقد علم اإلنسان أن الخشب إن صابته شرارة ونفخ فيه اتقد‬ ‫واشتعل وال ينفع كالم تسمعه للخشب أو شعر تقرضه لتشب النيران فيه وعلمت‬ ‫البشرية أن اللحم إن مسته النار سهل أكله مما ال تفعله مخاطبة اللحم شهورا‬ ‫اإلنسان‬ ‫نظيره‬ ‫في‬ ‫أثرا‬ ‫ينتج‬ ‫واإلنسان‬ ‫قد تستعبد انسانا بقوتك وسلطانك ثم تتكلم معه لتأمره وتنهاه وتعطي ألجير يعمل‬ ‫لك فتخبره بما تشتهي أن يعمل وترى ابنك يطيعك رغبة ورهبة فتعلمه وتؤدبه‬ ‫بكالمك‬ ‫وتنهاه‬ ‫بلسانك‬ ‫وأناس آخرون ال سبيل لجعلهم يطيعونك إال الطلب والسؤال وسحر الكالم‪.‬‬ ‫تكون زعيم قوم فتكرم كبيرهم وتعطف على صغيرهم ولكن خشية أن يتفلتوا‬ ‫بفصيحك‬ ‫وتثيرهم‬ ‫بكالمك‬ ‫تسحرهم‬ ‫وما حيلتك إن أصر صديق متحمس سوى أن تثنيه عن حماقته بكلمات تريه مغبة‬ ‫فعله‪.‬‬ ‫وحين تكون معلما كيف تجعل ما برأسك برأس سامعيك‬ ‫اإلنسان يستخدم كثيرا يديه وسائر أعضاءه ولكن القليلين فهموا ان اللسان يفعل‬ ‫أحيانا ما ال تفعله األساطيل والجيوش والعصي والنعوش والذهب والقروش‬ ‫ولو حاولنا حصر ما ينفع اإلنسان من كالمه ربما نفعنا أن نقول أنه يتكلم من أجل‬ ‫أن‬ ‫نفع‬ ‫جلب‬ ‫‪:‬‬ ‫أوال‬ ‫ضر‬ ‫دفع‬ ‫‪:‬‬ ‫ثانيا‬ ‫بمقدس‬ ‫ليس‬ ‫تصنيف‬ ‫وهذا‬ ‫والنفع نعني به ‪ :‬ما هو نافع أو يظن أنه نافع أو ما يبدو لصاحبه أنه مؤ ٍد إلى نفع‬ ‫للضر‬ ‫طريق‬ ‫أو‬ ‫ضار‬ ‫أنه‬ ‫يظن‬ ‫ما‬ ‫والضر‬ ‫والنفع له أو لمن يريد أن ينفعه حبا أو الشتراك المصير والمصالح والضر كرها‬ ‫وهذا كله لو أنه صدق بحياة أخرى‬

‫‪- 33 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫‪...‬‬ ‫أو‬ ‫عراقيل‬ ‫لظنه‬ ‫أو‬ ‫أو‬ ‫حسدا‬ ‫أو‬ ‫وهذا للحصر وما ذاك إال ألننا نريد المضي دون البقاء طويال في مواضع تحتاج‬ ‫القول‬ ‫من‬ ‫مزيدا‬ ‫‪0‬‬ ‫وألن الكالم أداة ألهداف فهي رهينة لها فاستخدام األداة رهن بنوع الغاية‬ ‫كالم اإلنسان هو الدخيل الكبير على كرتنا األرضية فمع عمل اإلنسان فيما ينفعه‬ ‫أو ما يظن أنه ينفعه ‪ -‬وقد يكون مفسدا لحياة غيره‪ -‬إال أنه يقضي الوقت الطويل‬ ‫في الكالم مع أهله وجيرانه وزمالئه وأصدقاءه الخلص وأقرباءه وطالبه واتباعه‬ ‫ومريديه‬ ‫الكالم هذا أثر يريد المتكلم أن يحدثه في المستمع بمعناه غالبا وأحيانا باصواته فال‬ ‫يخلو بلد ممن يتكلم ليقول للسامعين أنه قادرعلى الكالم العظيم أو ليروا حسنه أو‬ ‫جمال صوته أو يتكلم ليشوش على آخرين أو ليثير غرائز‬ ‫هذا الضرب من الكالم لن نلتفت إليه كثيرا ونريد الكالم الذي ينطقه المتكلم ليحدث‬ ‫السامع‪.‬‬ ‫في‬ ‫مقصود‬ ‫غير‬ ‫أو‬ ‫مقصودا‬ ‫بمعناه‬ ‫أثرا‬ ‫قبل أن يتكلم اإلنسان ال بد وأن شيئا ما دفعه لذلك‬ ‫فكرة خطرت فدفعته أو خطرا داهما استشعره فحذر غيره بكالم أو نفعا قادما أن‬ ‫فعل السامع ما يطلب منه وربما فعل أو قول قاله رجل فعاد فرد عليه‬ ‫كل هذا في عالم من األفعال وردود األفعال ومنها األقوال وردود األقوال وكله‬ ‫الكالم‬ ‫معنى‬ ‫من‬ ‫تجنى‬ ‫لغايات‬ ‫؟‬ ‫هذا‬ ‫كل‬ ‫في‬ ‫والدليل‬ ‫المصدر‬ ‫أين‬ ‫اإلنسان يتأثر بحدث أو قول فيكون األثر فيه أن ينطق فيكون هو أو لسانه المصدر‬ ‫ويكون ما نطق به هو الدليل وكل هذا ليس بالدقة التي أريد فالقادم في الكتاب قد‬ ‫يقلب المعادلة ليكون كالم اإلنسان أحيانا من أضعف األدلة إن لم يكن أكذبها‬ ‫اإلنسان ال ينقاد أحيانا لسنن الكون فينطق بما ال يلزم من وزن ومقدار األثر إن‬ ‫كان يريد تمرير رسالة أو إشارة أما إن كان يريد النفع لغيره فعليه أن يختار الكالم‬ ‫المناسب‬ ‫تنتظرنا فصول قادمة تمنعنا من الخوض في هذا اآلن‬ ‫للتذكير ‪ ،‬فقد اتفقنا على العمل على الجمل المبنية من مبتدأ وخبر‬ ‫وألن المبتدأ ‪-‬إال في حاالت شاذة‪ -‬اسم ‪ ،‬سنتكلم عن "االسم" وهو وما بعده أدهى‬ ‫وأمر‬

‫اإلسم‬ ‫كثير من المسائل سنعود لها في مكان أنسب لها‬ ‫‪- 34 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫لن نفعل ما يفعله اآلخرون من الباحثين عندما يصنفون في مفهوم أو فكرة‬ ‫فينقلون ما ورد في المعاجم من معنى له ليقولوا أن معنى كذا اللغوي كذا والمعنى‬ ‫الصطالحي لكيت كيت ولنا مع المعاجم خصومة‪.‬‬ ‫االسم كما عهدنا كلمة تشير ‪-‬إذا ذكرت‪ -‬إلى شيء‬ ‫قلنا شيء ألننا لم نأت بعد بكلمة تجمع كل ما يسمى وهذه ليست بالمسألة العسيرة‬ ‫ولكن ما الذي تريدونه أن يسمى الشيء بل كيف تريدون تصنيف الموجودات؟‬ ‫والموجودات كالشيء تخضع للتصنيف الذي تريد‬ ‫هل تريدون أن نصنف إلى خالق ومخلوق فنقول أن األسماء تشير إلى مخلوقات‬ ‫وللخالق أسماءه الحسنى‬ ‫أم إلى مرئي وغير مرئي ونعرف من اسماء الالمرئيات الكثير‬ ‫أم حار وبارد أو كبير وصغير أو محسوس وغير محسوس أم ‪.....‬‬ ‫التصنيف لم يكن يوما عقبة في األغراض التعليمية لكن المهم أن يحترم التصنيف‬ ‫العلم الذي يحويه أو الفكرة المراد ايصالها وكل تصنيف تعلمه يمكنك ايجاد‬ ‫تصنيف غيره‬ ‫من أين يأتي التصنيف ؟‬ ‫كل شيء يختلف عن غيره في أشياء (صفات أفعال سمها ما شئت ) ويتشابه مع‬ ‫ما اختلف عنه في أشياء أخرى‬ ‫ترى ما الجامع بين الثريد والثقوب السوداء (إن صحت نظرية الثقوب)؟‬ ‫نستطيع إيجاد الكثير فستضمهما مجموعة ما له كتلة وتضمهما مجموعة ما يبدأ‬ ‫اسمه بالثاء ومجموعة ما له اسم ومجموعة ما يعلمه مسعود ومسعود رجل يعلم‬ ‫أشياء ومن بين ما يعلمه الثريد والثقوب السوداء ويتقن السباحة ويعلم متى‬ ‫اعتلى الملك فاروق العرش‬ ‫ومجموعات أخرى تضم هذين وإننا لو قسمنا العالم إلى ما يبدأ اسمه بالثاء وما ال‬ ‫يبدأ اسمه بالثاء كان تصنيفا ‪،‬لكن بربكم أين سينفعنا هذا التصنيف ؟‬ ‫لن أجرؤ على القول أنه ليس بنافع فلو أنك في مسابقة سئلت عن ما يبدأ بالثاء‬ ‫ويجذب كل شيء وكانت الجائزة كبيرة‪ ،‬أما سينفعك هذا التصنيف ‪،‬وإن لم تكن‬ ‫فائدته هنا واضحة‪ ،‬لكني أصر على أنه مفيد‬ ‫وكذلك فتصنيف الحيوانات إلى من يعجبها البطاطا وما ال يعجبها ومع أنه قد يبدو‬ ‫سخيفا لكنه وسيلة ال بد لها في يوم أن تظهر لشخص‬ ‫افيدوني في تصنيف النباتات المأكولة إلى فواكه وخضر فما الذي يجعلك ترى نباتا‬ ‫منهم فاكهة وأخرى من الخضراوات وقد نعود إلى هذا فيما بعد إن أذن هللا بذلك‬ ‫اخترنا من قبل أن يكون االسم مشتقا من الفعل وهذا ما أدعو إليه ؛ أن ال نفهم من‬ ‫اإلسم إال الفعل الذي اشتق منه وهذا كالم مهم وإال تهنا في صراع التعريفات الذي‬ ‫نشهده فقد أصبح لكل اسم جسدا يبقى يكبر فال يسعه اسمه فالتعريف أضحى‬ ‫امبراطورية وال يكاد اثنان يتفقان على تعريف شيء هذا عدا من يفسر الماء بعد‬ ‫جهد بالماء أو غيرهم ممن يختارون ما يسمى بالمرادف‬ ‫‪- 35 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وال تخلو كتب األدب والشريعة والعلم والتعليم منه وقد يطول أو يقصر أو يبعد أو‬ ‫المعرف‬ ‫من‬ ‫يقرب‬ ‫وواحد من أسباب القصور هو اغفال تعريف التعريف نفسه أو أن يضبطوا شروطا‬ ‫له‬ ‫هدف‬ ‫على‬ ‫يتفقون‬ ‫أو‬ ‫فهل التعريف هو لتعريف جاهل بشيء ال يعرفه أم تحديد شروط بها يعرف ما يراد‬ ‫مجموعة‬ ‫إلى‬ ‫المعرف‬ ‫رد‬ ‫نقترح‬ ‫أم‬ ‫تعريفه‬ ‫فيوضع مع ما شابهه حسب التصنيف ويفارق ما يتميز عنه في مجموعة أخرى‬ ‫‪:‬‬ ‫قائل‬ ‫قال‬ ‫لو‬ ‫ويبيض‬ ‫أجنحة‬ ‫له‬ ‫فقري‬ ‫حيوان‬ ‫‪:‬‬ ‫الدجاجة‬ ‫والجماد‬ ‫النبات‬ ‫عن‬ ‫ميزته‬ ‫"الحيوان"‬ ‫كلمة‬ ‫و"الفقري" ميزه عن غير الفقري من الحشرات و‪.........‬‬ ‫المجنح‬ ‫غير‬ ‫عن‬ ‫ميزته‬ ‫و"األجنحة"‬ ‫بالخفاش‬ ‫التوهم‬ ‫عن‬ ‫السامع‬ ‫أبعد‬ ‫و"يبيض"‬ ‫ولكن لو سمع هذا رجالن ؛ أحدهما يعرف الدجاجة ورجل جاء للتو من المريخ‬ ‫أرملة‬ ‫زرافة‬ ‫هناك‬ ‫لهم‬ ‫يبيض‬ ‫من‬ ‫حيث‬ ‫فماذا انتفع األول وهو يعرف الدجاجة وقد رآها ولو عزم الذهاب للسوق لشراءها‬ ‫األصلح‬ ‫بانتقاء‬ ‫وتفنن‬ ‫بل‬ ‫أخطأها‬ ‫لما‬ ‫أما الثاني فعليه أن يعلم ما "الحيوان" وما "الفقري" وما "المجنح" عند أهل‬ ‫يعرف‬ ‫من‬ ‫عند‬ ‫أو‬ ‫األرض‬ ‫ّ‬ ‫ولمعترض أن يقول أليس "الحيوان" من "الحياة" وأليس النبات فيه حياة وهذا‬ ‫سنأتيه‬ ‫لماذ تعريف الكتب الدراسية إذن وكذلك كتب العلم واالدب (مع بعض مالحظات لي‬ ‫واألدب)‬ ‫؛العلم‬ ‫التقسيم‬ ‫هذا‬ ‫على‬ ‫لو أن أبا جاء بولده إلى دجاجة ليعلمه ما الدجاجة فقال له ‪ :‬هذه الدجاجة‬ ‫إليها‬ ‫الولد‬ ‫سينظر‬ ‫ما سماه أبوه دجاجة لها رجالن هذا إن سماهما رجلين واعتبر الرجلين رجلين‬ ‫رجالن‬ ‫لها‬ ‫الدجاجة‬ ‫‪:‬‬ ‫الولد‬ ‫لدى‬ ‫أصبح‬ ‫ورأى الولد أن لما سماه األب دجاجة منقار (وقد ال يعلم أن اسمه منقار)‬ ‫فاصبح للولد في "ملف" الدجاجة ‪:‬الدجاجة لها رجالن ومنقار‬ ‫كيف سيسميه منقارا وهو لم ير الدجاجة تنقر به شيئا ؟‬ ‫نقر‬ ‫من‬ ‫مشتق‬ ‫المنقار‬ ‫الولد لن يمنع أن يدخل في "الملف" كل ما يراه أو يسمعه أو يخبر به‬ ‫فلربما أخبره أبوه أن هذا اسمه منقار أو قال له أن به تنقر الدجاجة فيسميه الولد‬ ‫)منقارا‬ ‫الصدف‬ ‫لمحاسن‬ ‫(ويا‬ ‫الحقا‬ ‫‪01‬‬ ‫فكان قول أبيه صادقا لديه‬ ‫وربما أخبره أبوه أن الدجاج يبيض وصدّ ق أباه‬ ‫عينه‬ ‫كصدق‬ ‫ال يخطر كثيرا لدى األطفال احتمال الكذب وخصوصا من األحباب‬ ‫‪- 36 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫تصير الدجاجة عند الولد ‪ :‬الدجاجة لها منقار و‪ ............‬وتخاف القطط‬ ‫و‪..‬كريات الدم عندها كذا ‪ .......‬فترة ‪ ......‬يتكون قلبها من ‪.........‬‬ ‫هل كل هذه األخبار ( التبويض و المنقار و ‪)....‬جاءت من مصدر واحد ومن‬ ‫واحد؟‬ ‫شخص‬ ‫أو‬ ‫عضو‬ ‫ال‬ ‫هذا التعريف فيه خليط من االخبار منه ما علم بالعين ومنه بغيرها ومنه ما جاء به‬ ‫األب أو األخ أو مذيع برامج أو عدو أو ‪ ........‬ومنه ما علم في الطفولة ومنه ما‬ ‫علم عند سكرات الموت ومنه ما هو صادق ومنه ما هو كاذب‬ ‫وهكذا يبقى يتعلم عن الدجاجة طالما لم يمت‪ ،‬منه ما هو حق ومنه أحيانا ما هو‬ ‫خاطئ فلربما أخبره أحد أن الدجاج يأكل لحم اإلبل أو أنه يعمر ألف سنة مما يبدو‬ ‫واضحا للكثيرين خطأه أو أن الدجاج تموت إذا تناولت كذا غرام من الشكوالته‬ ‫وقد يعيش الولد وملفه عن الدجاج يحوي أخبار متضاربة بنفسها أو بمتالزماتها‬ ‫دون أن يشعر وقد يصحح الولد أخبارا إن تضاربت مع ما جاء من مصدر (عنده)‬ ‫بعضها‬ ‫أويحذف‬ ‫أوثق‬ ‫ال حاجة للتذكير أن "الملف" تشبيه فال ملف يحمله أحد كهذا ولم يفكر أحد بجمع‬ ‫نعرف‬ ‫الذي‬ ‫الملف‬ ‫أقصد‬ ‫أني‬ ‫ليتوهم‬ ‫بلمفات‬ ‫معارفه‬ ‫وما رأيك بمن عرف الدجاجة قبل ان يعرف الجناح والمنقار وهذا غالبا ما يحدث‬ ‫فكيف أحيانا نرى تعريفات بما هو أكثر غموضا مما يعرف به‬ ‫معرفتنا‬ ‫تنمو‬ ‫هكذا‬ ‫ماذا فعل من قال "حيوا�� فقري" سوى أنه ضم فردا إلى مجموعة‬ ‫(الفقريات)وعندما تأتي مفردة أخرى يضم إلى مجموعة أصغر تنتمي إلى مجموعة‬ ‫مجنح‬ ‫فقري‬ ‫حيوان‬ ‫الدجاجة‬ ‫‪:‬‬ ‫يقول‬ ‫كأن‬ ‫الفقريات‬ ‫فيصبح الدجاج ينتمي إلى مجموعة "المجنحات" ‪-‬مثال‪ -‬التي تنتمي إلى مجموعة‬ ‫الفقريات التي تنتمي إلى مجموعة الحيوانات التي قد نجعلها تنتمي إلى مجموعة ‪-‬‬ ‫بجديد‬ ‫ليس‬ ‫هذا‬ ‫وكل‬ ‫المخلوقات‬ ‫‬‫مثال‬ ‫مغايرا‬ ‫حتى‬ ‫ـو‬ ‫معاكسا‬ ‫التصنيف‬ ‫يكون‬ ‫أن‬ ‫ويمكن‬ ‫فتصنف المخلوقات إلى مجنح وغير مجنح والمجنحات إلى فقري وغير فقري أو‬ ‫أن ننطلق من الفقري أو غيرها وربما بدأنا بتصنيف ليس فيه حيوان أو فقري‬ ‫؟‬ ‫فعله‬ ‫يجب‬ ‫ما‬ ‫هذا‬ ‫هل‬ ‫هل يمكن أن يتفق على أن يكون الكتاب الذي يسمى دجاجة هو ملف توضع فيه‬ ‫الدجاجة‬ ‫أخبار‬ ‫ذلك‬ ‫هللا‬ ‫قدر‬ ‫إن‬ ‫هذا‬ ‫إلى‬ ‫سنعود‬ ‫إن إضافة أخبار للدجاجة (لها جناح ‪ ،‬تبيض‪ ،‬تنام كذا ساعة ‪ ،‬تحب الديك الوسيم‬ ‫‪ ).......... ،‬يثير تساؤال (اصطالح إنكليزي) عن مصداقية كل خبر يحشر ألننا قد‬

‫‪- 37 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫قلنا أن أخبارا خاطئة قد تدخل مصدرها جاهل أو كاذب وقد يثق طول عمره بها إن‬ ‫لم يهده هللا على يد من يصحح له فيجلس في مجلس يعاند أو يكابر إن دعاه داع‬ ‫إلى خير فيتشبث بالمعلومة المستقاة ممن ظن أنه ثقة‬ ‫والشيء بالشيء يذكر ‪ ،‬فإن كانت آلة لنقر الخشب فمن يمنعك إن سميتها‬ ‫منقار(ربما التبس على القارئ األمر لعلم بعضهم بالتصريف المعهود ألسماء اآللة‬ ‫بمفعال صيغة من صيغ المبالغة ) فهي تنقر ولن يمنع مانع أن تسمي كل ما‬ ‫تستخدمه للنقر منقار وكل من ينقر يصح أن نسميه ناقرا‬ ‫وإذا ما طلب من شخص أن يعرف المنقار فهل سيقول أداة النقر أم عضو في‬ ‫وكذا)‬ ‫كذا‬ ‫وفيه‬ ‫(مقوس‬ ‫الطائر‬ ‫فم‬ ‫مقدمة‬ ‫الفعل"نقر"‬ ‫إلى‬ ‫المعنى‬ ‫رد‬ ‫نقر"‬ ‫"أداة‬ ‫وما ذكر بعده (عضو في مقدمة ‪)...‬قد يسمى في الكتب تعريفا‬ ‫ولربما قدمه آخرون على أنه المعنى االصطالحي في كتب تتناول الحيوان أو‬ ‫الطيور واعضائها ‪،‬ولكن هذا المعنى االصطالحي فيه أخبار عن مسمى مأمول أن‬ ‫تكون صادقة وهذا الهم األول أما الهم الثاني فهو ضبط ألفاظ األخبار‬ ‫اما تحميل اللفظ ما ال يحتمل أو إلزامه بما ال يلزم منه فهذا من أسباب ضالل‬ ‫الماليين وتعنت الجاهلين كما ال يلزم ان يكون الفقير قبيحا وال يلزم من ذكاء رجل‬ ‫أن يكون رقيق القلب وال يلزم ما تظنه علما من رجل تقوى منه كما أن ليس كل‬ ‫أمين‬ ‫حارس‬ ‫وجملة "زاهر قاتل" ال يفهم منها أنه كاذب وال تعجبن فإن الكثيرين يفهمون من‬ ‫السليم‬ ‫العقل‬ ‫ذو‬ ‫منها‬ ‫يفهم‬ ‫ما‬ ‫غير‬ ‫أخبار‬ ‫‪21‬‬ ‫دليال‬ ‫يحتاج‬ ‫زاهر‬ ‫عن‬ ‫خبر‬ ‫أي‬ ‫إدخال‬ ‫زاهر في الجملة اسم لرجل وله صفات خلقية وخلقية‬ ‫طويل أم قصير أو أسمر أم أحمر أو شجاع أم جبان أو فطن أم بليد أو صبور أم‬ ‫جزوع‬ ‫هذا الكيان (زاهر) وضع له اسم يشار به إليه وكل خبر يخبر عنه من مصدر‬ ‫فيكبر التعريف ‪ -‬إن كان هذا تعريف ‪ -‬يحتاج دليال (أو لنقل مصدرا ثقة)‬ ‫ولكن زاهر –الشك ‪ -‬كلمة من "زهر" و"يزهر" وال يلزم منه إذا سمي وليد زاهر‬ ‫نصيب‬ ‫اسمه‬ ‫من‬ ‫له‬ ‫يكون‬ ‫أن‬ ‫ومن هذا فكل اسم نستطيع أن نضعه لمسمى له صفات أخرى غير ما سمي به‬ ‫بها‬ ‫يسمى‬ ‫أن‬ ‫وتصلح‬ ‫فالجوال من "يجول" و"النقال" من "التنقل" وهو محمول ألنه يحمل‬ ‫والسيف والبتار والحسام والقاطع شيء واحد احيانا واشياء شتى أحيانا أخرى‬ ‫الحروب‬ ‫سياق‬ ‫في‬ ‫والبتار‬ ‫اسم‬ ‫السيف‬ ‫دليل‬ ‫يحتاج‬ ‫الخبر‬ ‫كيف عرف الوالد الذي قاد ولده إلى الدجاجة أن هذه دجاجة ؟‬ ‫ال بد أن لديه شروط تجعل ما يراه دجاجة فلربما عول على الجناح والحجم واللون‬ ‫فزاهر مخبر عنه و"سمين"و"قصير"و"قاتل" و‪ ....‬أخبار عن زاهر‬ ‫‪- 38 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫بعضها‬ ‫أو‬ ‫كلها‬ ‫وغيرها‬ ‫والمشية‬ ‫والمنقار‬ ‫؟‬ ‫الوالد‬ ‫قاله‬ ‫ما‬ ‫قرأت‬ ‫أما‬ ‫‪،‬‬ ‫لكن‬ ‫قال الدجاجة ولم يقل دجاجة ‪ .‬سنترك هذا علّ مزيدا من الكالم يقودنا إليه‪.‬‬ ‫اإلسم إن لفظ فهو إشارة إلى الجسد ‪-‬عادة ‪ -‬أو الذات التي "تواطأ" الناس على‬ ‫اسمه‬ ‫ربما فاتنا ‪-‬وقد نعود له‪ -‬أن اللغة شيء وكتابتها شيء فالكتابة عارضة على اللغة‬ ‫اللفظ‬ ‫تمثل‬ ‫رموز‬ ‫إال‬ ‫هي‬ ‫وما‬ ‫ومحدثة‬ ‫ال يفهم من اإلسم إال الفعل الذي اشتق االسم منه‬ ‫دليل‬ ‫دون‬ ‫إلسم‬ ‫خبر‬ ‫أو‬ ‫صفة‬ ‫الصاق‬ ‫من‬ ‫والحذر‬ ‫كبير‬ ‫فالمحيط‬ ‫لم نفهم (ما أدعو إليه) من المحيط سوى أنه يحيط‬ ‫ووصفه بالكبر يحتاج إلى دليل وإال فهي دعوى لم تثبت‬ ‫ومن هذا فالتعريف يجب أن يكبر وينمو بإلصاق أخبار بإدلة‬ ‫ال غرابة ‪-‬بل الصحيح‪ -‬أن يكون للمسمى أكثر من صفة او فعل‬ ‫دون دليل ال تستطيع الكالم إال بجمل نحو "القاتل قاتل" و"القائم قائم"‬

‫الفعل وكالم ما ال يعقل‬ ‫قلنا ما على الرجل أم يفعل إن أراد شرح اسم أو تعريفه‬ ‫ولكن للفعل قصة أخرى وإني حزين إذ أقول لكم أني لن أفرغ كل ما في جعبتي عن‬ ‫الكتاب‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫األفعال‬ ‫لو أردنا أن نعلم معنى فعل لجئنا إلى المعاجم لنجد ما يسمى مرادف‬ ‫ولكن هل يصح أن نقول بوجود المرادف بالمعنى الذي يفهمه الناس‬ ‫إذا كان أهل الصرف يقولون أن الزيادة في المبنى يثمر زيادة في المعنى فكيف‬ ‫يدعي مدع أن تكون كلمة مساوية في المعنى لكلمة تختلف عنها بأكثر من حرف‬ ‫إال إذا كانوا يريدون من الترادف مقاربة للمعنى ف"أتى" ال تساوي "جاء"‬

‫‪- 39 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وكلمة "راهن" ال تساوي "رهن" فزيادة األلف غيرت المعنى فكيف لكلمتين‬ ‫معنى‬ ‫في‬ ‫يتساويا‬ ‫أن‬ ‫متباينتين‬ ‫كاذبة‬ ‫دعوى‬ ‫التطابق‬ ‫بمعنى‬ ‫الترادف‬ ‫دعوى‬ ‫ما أزيده أيضا أن أي فعل ليس مقتصرا على ذات أو جسد أو هيئة وإال طال لغتنا‬ ‫قاصرة‬ ‫عاجزة‬ ‫وصارت‬ ‫كبير‬ ‫فساد‬ ‫فكما أن اإلنسان ينام والطير ينام والوحوش تنام فإن األنهار تجري والرياح تجري‬ ‫والشمس تجري فالجري ليس مقتصرا على اإلنسان ومن السذاجة ‪-‬كما يقع‬ ‫الجميع فيه‪ -‬أن يقرن الجري برجلين حتى إذا سمعنا جريا تبادر إلى الذهن رجل‬ ‫وساق وال أدري لماذا تعسف المصنفون فالزموا أن تكون بعض األفعال خاصة‬ ‫غيرهم‬ ‫دون‬ ‫بفاعلين‬ ‫ليقولوا أن الجدار في قوله تعالى "جدارا يريد أن ينقض" ال يريد ولما كان الجدار‬ ‫مجاز‬ ‫"يريد"‬ ‫فإن‬ ‫يريد‬ ‫ال‬ ‫وكنت قد كتبت في هذا الفصل ردا مفصال على اهل المجاز وشرحت قبله معنى‬ ‫المجاز عند أهل البالغة وأصنافه وشروطه وبينت فيه اضطرابهم وتخبطهم وفتح‬ ‫هللا علي بقول آراه سديدا‪ ،‬بعضه لم يسبقني إليه أحد لكني عدلت عن هذا وحذفته‬ ‫خشية اإلغراق في ما ليس مكانه هنا ويكفيني القول ‪-‬إن لم أضطر للرد على من‬ ‫تحدى ‪ -‬أن أقول أن شيوخ المجاز أنفسهم تفرقوا في عد جملة مجازا من نوع أم‬ ‫من نوع آخر وهذا واحد من دالئل عوار هذا الفن الذي حشر في الموروث األدبي‬ ‫العربي قسرا وما يهمنا من المجاز هو أنه أصبح تكئة ألهل التأويل ليفسروا من‬ ‫النصوص بما شاءوا ليمرروا ما يريدون من عقائد وأصول وفرق‬ ‫ولست الوحيد الذي أنكر المجاز في اللغة والقرآن فقد سبقني لذلك آخرون وكل له‬ ‫طريقة في ذلك وحجج منهم من أصاب ومنهم دون ذلك‬ ‫وكأنت أمثال أهل المجاز في اثباته آيات نحو "جدارا يريد أن ينقض" و"وأسأل‬ ‫القرية" و"واخفض لهما جناح الذل" فقالوا أن الجدار ال يريد وأن القرية جاءت‬ ‫بمعنى أهلها وأن الذل ال جناح له وغيرها من اآليات التي أبوا أن يقروا فيها أن‬ ‫اللغة ليست ملزمة بالتشكل لتوافق أفهامهم فحذفت ردي الموسع ألني ذكرت‬ ‫المجاز في سياق الدعوة إلى تعسف فهم من يفهم أن "الفعل" مقتصر على جسد‬ ‫كيفية‬ ‫أو‬ ‫ذات‬ ‫أو‬ ‫عودا على الرجل الواقف خلف النافذة المطلة على شجرة تهتز أوراقها بفعل‬ ‫الريح فيها وعلى موقد يستعر فيه جمره أو على ستائر تتمايل لو استطاعت الريح‬ ‫الوصول إليها دون وسائط ‪،‬فإن للريح ‪-‬كما لجميع المؤثرات‪ -‬أثر في كل شيء‬ ‫منه ما نستطيع أن نلحظه ومنه ما ال نلحظه إال بوسيط يتأثر بها أو بوسيط يتأثر‬ ‫األمر‪.‬‬ ‫يكون‬ ‫هذا‬ ‫وعلى‬ ‫بها‬ ‫يتأثر‬ ‫بوسيط‬ ‫التالي‬ ‫تعي‬ ‫أن‬ ‫التالية‬ ‫الخطوة‬ ‫الريح أثرت في الشجرة وأثر الريح في الشجرة كان كالما رأيناه ولم نسمعه‬ ‫باهتزازها‬ ‫تكلمت‬ ‫الشجرة‬ ‫الشجرة قالت " هبت ريح " ‪-‬أو "ريح هبت " ‪ -‬ولكن ليست بصوت الهاء والباء‬

‫‪- 40 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وغيرها من األحرف وإنما باهتزازها الذي رآه الرجل فكأنه سمع (رأى) الشجرة‬ ‫هبت "‬ ‫ريح‬ ‫"‬ ‫تقول‬ ‫هل فهمتم هذا أم ظننتموه شعرا أو تخيال أو "مجازا"؟‬ ‫ال‬ ‫نحن البشر نتواصل بلغتنا كثيرا لكننا أحيانا نتوافق على إشارات لتدل على معنى‬ ‫فصافرة حكم المباراة يفهمها المتباريان جملة " انتهت المباراة"‬ ‫مربك‬ ‫هذا‬ ‫مربك ألنك لم تعد ترى في األحرف والكلمات مكتوبة أو مسموعة إال وكأنها مع‬ ‫معناها شيء واحد ومتى ما تذكرت أن الكلمات وأحرفها إشارات لنقل معنى فهمت‬ ‫كيف أن اهتزاز الشجرة وكالم من يقول "ريح هبت" شكالن من إيصال نفس‬ ‫الفكرة‬ ‫ولكن لماذا لم تكن صافرة الحكم تعني "انتهى زمن المباراة " أو "أوقفوا اللعب "‬ ‫‪..‬‬ ‫أو‬ ‫ولماذا لم يكن اهتزاز الريح " ريح تهب" وليس "تهب ريح "‬ ‫كل ذلك ألن اللغة أقوى "وأمرن" في المناورة والتشكل لتعطي طيفا (مدى) أوسع‬ ‫لمعنى فتستطيع بها أن تقول جمال متقاربة المعنى يخالف بعضها بعضا بمقدار‬ ‫والبالغة‬ ‫التصوير‬ ‫أو‬ ‫القوة‬ ‫من‬ ‫قليل‬ ‫فالعربية فيها ثمانية وعشرون ‪-‬أو تسعة وعشرون عند البعض‪ -‬حرفا وترتيبها‬ ‫الكثير‬ ‫الخيارات‬ ‫من‬ ‫يعطيك‬ ‫أما صافرة فال تملك بها إال أن تطيل التصفير أو تنوع مراته أو تعليه أو تقطعه‬ ‫والشجرة ال تملك من الحاالت إال القليل فانظر ‪ -‬رحمك هللا‪ -‬ضرورة وجود لغة بين‬ ‫البشر الذين لهم حواس خمسة ودماغ يعمل فيستقبلون من المؤثرات الكثير‬ ‫وعليهم أن يكون لهم مساحة إيصال الفكرة أكبر مما لغيره‬ ‫هبت‬ ‫ريح‬ ‫‪:‬‬ ‫قالت‬ ‫الشجرة‬ ‫الشجرة‬ ‫‪:‬‬ ‫المصدر‬ ‫الشجرة‬ ‫اهتزاز‬ ‫‪:‬‬ ‫الدليل‬ ‫لكن أين جملة " اهتزت الشجرة " من هذا كله ؟‬

‫جملة " اهتزت الشجرة" نقولها نحن عندما نخبر عن شجرة تهتز أو يقولها أي‬ ‫شيء يتأثر باهتزاز الشجرة فكما أن الشجرة قالت "هبت ريح" بعد تأثرها بها فإن‬ ‫الطيور التي هلعت وطارت بعد اهتزاز الشجرة تخبر عن اهتزازها واألوراق‬ ‫المتساقطة باهتزاز الشجرة تخبر عن اهتزازها طالما هي أثر لالهتزاز‬ ‫ولكن ليس كل تساقط ناتج عن اهتزاز وليس كلما طار طير كان ذلك يعني أن‬ ‫اهتزت‬ ‫شجرة‬ ‫‪- 41 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫إن تساقط األوراق يعني اهتزاز الشجرة عند من يعلم معلومات أخرى تمكنه من‬ ‫شجرة‬ ‫اهتزاز‬ ‫هو‬ ‫التساقط‬ ‫هذا‬ ‫أن‬ ‫فهم‬ ‫ستجد آالف المعلومات التي يحتاج بعضها الخبير ليعلم إن كان التساقط من اهتزاز‬ ‫ذلك‬ ‫غير‬ ‫من‬ ‫أم‬ ‫مرضها‬ ‫أم‬ ‫شجرة‬ ‫؟‬ ‫كالم‬ ‫هذا‬ ‫يسمى‬ ‫هل‬ ‫ال يهمنا ذلك اآلن فإن لم يعجبك هذا فقل يخبرنا طيران الطير أو تساقط الورق فهل‬ ‫؟‬ ‫يضير‬ ‫هذا‬ ‫أن ما تحسبه تساقطا لسبب يراه غيرك شكال من أشكال التساقط متعدد األسباب‬ ‫ولكل شكل معنى وبهذا يتفاوت الناس في العلم والخبرة‬ ‫هبت‬ ‫ريح‬ ‫‪:‬‬ ‫الشجرة‬ ‫قالت‬ ‫الشجرة‬ ‫اهتزاز‬ ‫هو‬ ‫والدليل‬ ‫الشجرة‬ ‫هو‬ ‫المصدر‬ ‫لمن‬ ‫دليل‬ ‫هذا‬ ‫لكن‬ ‫للشجرة‬ ‫وليس‬ ‫الشجرة‬ ‫باهتزاز‬ ‫تأثر‬ ‫لمن‬ ‫دليل‬ ‫هذا‬ ‫فإن قيل للرجل الواقف خلف النافذة ما دليلك على هبوب الريح فكأنه يقول له ما‬ ‫أثر هبوب الريح فيجب ان يقول الرجل دليلي على هبوب الريح هو اهتزاز الشجرة‬ ‫واهتزاز الشجرة أثر لهبوب الريح واهتزاز الشجرة يؤثر في أشياء كثيرة منها‬ ‫الرجل الناظر فتكون دليال له على هبوب ريح ولكن ما قوة هذا الدليل‬ ‫في مكان ما كنا قد قلنا أن هز الشجرة ربما كان ألن طفال يهزها وال تراه فهز‬ ‫الشجرة ليس دوما بالريح فقط ولكن ال بد من إيجاد فرق بين األهتزاز الذي تحدثه‬ ‫الريح وبين االهتزاز الذي يحدثه شيء آخر فالمتأثرات تتباين منها ما ال يقبل حالة‬ ‫واحدة ‪-‬وهذا صعب التصور‪ -‬ومنها ما يقبل حالتين ومنها ما يقبل أكثر من ذلك‬ ‫وقد قلنا أيضا أن معلومات الناظر تعطي معان لما يراه فالعالم أن الشجرة‬ ‫المحجوبة عن أي أثر لريح إن اهتزت فهي ليست من ريح والعالم أن هز الريح ال‬ ‫يكون تساقط ورقه بهذا الكيف ‪ ،‬سيستبعد أن يكون هذا أثر ريح‬ ‫هل تذكر ذلك الذي كان يلعب الشطرنج مع خصم أمام مشاهدين‬ ‫كان يحرك قطعه (أحجاره) وينظر إلى الجمهور محاوال أن يعلم إن كان أحسن أم‬ ‫أخطأ‪.‬‬ ‫ولكن الجميع يرون النقلة (تحريك الحجر)نفسها فلم تتعدد األفهام والحدث واحد؟‬ ‫؟‬ ‫متفاوت‬ ‫واحد‬ ‫لحدث‬ ‫األفهام‬ ‫يجعل‬ ‫الذي‬ ‫ما‬ ‫مرت عليكم حاالت كثيرة فيها يفهم كل سامع من كالم محدثهم شيئا مختلفا‬ ‫ذكي‬ ‫أنت‬ ‫‪:‬‬ ‫لرجل‬ ‫رجل‬ ‫يقول‬ ‫فيفهم الثاني منه مدحا وقد يفهم الثالث منه ذما وقد تعارض الفهمان الختالف علم‬ ‫السامعين‬ ‫وقد حضرني اآلن مثال لطيف وهو أن الحطيئة الشاعر الذي اشتهر بالهجاء هجا‬ ‫رجال يسمى الزبرقان فاشتكاه لعمر رضي هللا عنه فقال عمر ‪:‬وما قال لك ‪.‬فقال‬ ‫الزبرقان ‪ :‬قال‬ ‫واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي‬ ‫دع المكارم ال ترحل لبغيتها‬

‫‪- 42 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫فما تفهم أنت أيها القارئ من هذا البيت ؟ أمدح هو أم ذم‬ ‫أما عمر ففهمه عتب لكن الزبرقان قال ‪ :‬بل هو ذم ‪ ،‬أو ال تبلغ مروءتي إال أن آكل‬ ‫علي منه‪ .‬فدعا عمر حسان‬ ‫وألبس‪ ،‬وهللا يا أمير المؤمنين ما هُجيت ببيت قط أشد‬ ‫َّ‬ ‫بن ثابت وسأله‪ :‬أتراه هجاه؟ قال حسان‪ :‬نعم ‪ .‬فحبس عمر الحطيئة‬ ‫كثير منكم فهم منه مدحا وعمر فهمه عتبا وحسان والزبرقان فهماه ذما‬ ‫‪20‬‬ ‫وصحة القصة ال تغير من حقيقة أن األفهام تتباين عند كل جملة وحدث‬

‫الدليل‬ ‫قلنا في موضع ما من هذا الكتاب أننا ال باعث معتبر على اختراع تعريف للفظ‬ ‫االسم‬ ‫منه‬ ‫المشتق‬ ‫بالفعل‬ ‫التقيد‬ ‫سوى‬ ‫فمن اللفظ ليس لدينا من معنى إال فعله أما ما يضاف من أخبار عليه إلنشاء‬ ‫تعريف فيحتاج لدليل‬ ‫فإن غاب الدليل على أي صفة يوصف بها "المعرف" أو أي خبر عنه فهو تكلف‬ ‫‪22‬‬ ‫وبرهان‬ ‫سلطان‬ ‫دون‬ ‫شيء‬ ‫في‬ ‫وقول‬ ‫وتعسف‬ ‫أدعوك أن تفهم من كلمة "الحضارة" ‪-‬التي ربما تقضي أياما لتستقصي اختالف‬ ‫المعرفين لها مثلها مثل الثقافة وغيرها اآلالف‪ -‬ما تفهم من الفعل "حضر" مع‬ ‫االشتقاق‬ ‫بنوع‬ ‫العناية‬ ‫أما إضافة البنيان والتقنية والجامعات والعلوم واآلثار واآلالت في التعريف ‪ ،‬غاية‬ ‫م ا تكون ‪ ،‬هو جعله تعريفا اصطالحيا في حاجة لالتفاق أوال بين المتخاصمين على‬ ‫الذات‬ ‫لتلك‬ ‫اشارة‬ ‫اإلسم‬ ‫يكون‬ ‫كي‬ ‫كاملة‬ ‫مكوناته‬ ‫فإذا أريد التخاطب مع من لم يحضر االتفاق ولم يقرأ بنوده ولم يقر به فال يلزم‬ ‫بالذات (جسد أو جسم المعرف أو المسمى) وأخباره وإنما يلزم بمعنى الفعل الذي‬ ‫االسم‪.‬‬ ‫منه‬ ‫اشتق‬ ‫وقد يقال ‪ :‬هذا ما يفعل في كثير من الكتب حين يجعل لما يبحث فيه معنى لغويا‬ ‫اصطالحي‬ ‫ومعنى‬ ‫المصيبة في هذا المعنى االصطالحي الذي يحسب عليه أشياء ال دليل على وجودها‬ ‫فيه فيحاسب اكاديميا وقضائيا وفقهيا من لم يلتزم بما أضيف من أخبار‬ ‫وهذا يظهر على أشده عندما يكون المعنى االصطالحي لما ال جسد له كمثالنا‬ ‫تباين األفهام لتباين العلم والمعرفة أوسع بكثير من هذا المثل وهذا المثل ربما أسؤا مثل يو ضح ألنه مقصور على العلم بمعان الكالم‬ ‫وسياقه‬ ‫إذا وجدت إيحاءا بمساواة "الدليل" بالسلطان والبرهان أو الحجة والبينة فأعلم أنهم ليسوا سواء ولكل معنى وإن كان الناس ال‬ ‫يفرقون بينهم ولن تجد الفروق مشروحة في هذا الكتاب ولقد قلنا وسنقول دائما أن ال كلمتين متساويتان في المعنى‬

‫‪- 43 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫السابق ألننا نضطر أن نوجد للذوات اسماء لنشير بها إليها ولنخبر عنها بأخبار‬ ‫وجريا على هذا فإن "الدليل" اسم اشتق من الفعل "دل ّ" وهو اشتقاق على وزن‬ ‫فعيل ويشترك في هذا الوزن الصفة المشبهة بالفعل وصيغة المبالغة وأحيانا اسم‬ ‫المفعول‬ ‫ولن احتاج جهدا كبيرا ألجعل المعنى من هذا الوزن في كلمة "دليل" هو اسم‬ ‫الفاعل (صيغة المبالغة) كالسميع والبصير وليس صفة مشبهة بالفعل كطويل‬ ‫وفقيد‪.‬‬ ‫كقتيل‬ ‫مفعول‬ ‫اسم‬ ‫وال‬ ‫وعظيم‬ ‫عندئذ سيكون " الدليل" هو ما يدلك كما أن الرحيم ما(من) يرحم‪.‬‬ ‫اهتزاز الشجرة دلنا على هبوب الريح فيكون اهتزاز الشجرة دليل وتفتح األزهار‬ ‫التي ال تتفتح إال في بداية الربيع هي دليل على بداية الربيع‪.‬‬ ‫ولكن ما يجلب اللبس الكبير والفهم السقيم واالضطراب الشديد واإلشكال العميق‬ ‫هو أن الجميع ‪-‬إال من ال أعلم أو ال أذكر‪ -‬ال يفرقون بين "الدليل"‬ ‫و"الحجة"و"البرهان"و"البينة" وربما وجدت من يفرق ولكن ال يدري كيف‬ ‫وهؤالء يصح عليهم ما صح في "الدليل" وهو أن علينا أن نفهمهم بفهم األفعال‬ ‫التي منها اشتقت ال أن نجعلهم اسماء لشيء واحد فهم متباينون في المبني فكيف‬ ‫واحد‬ ‫لشيء‬ ‫اسماء‬ ‫يكونون‬ ‫واآلن قل لكل من صنف كتابا ‪ :‬من أين اتيت بالتعريفات التي سردتها في كتابك ؟‬ ‫من أين جئت بتعريفات الوضوء والحيض والجنابة والحضارة والثقافة والمعرفة‬ ‫والنفس والفلسفة والصحة والموت والحياة والصحابة والجريمة والعيب والجنون‬ ‫والجمال‪.‬‬ ‫والخيانة‬ ‫والمرض‬ ‫والنوم‬ ‫والخطأ‬ ‫والصواب‬ ‫لماذا يتفرد انسان في تشكيل المعرفة والثقافة والرأي وحتى الذوق‬ ‫هذا يوجب عليك أن تجد الدليل لتضيف كل خبر السم فيكبر التعريف به ‪،‬ال ان‬ ‫تنطلق من تعريف ملزم ثم تريد أن تبني عليه وتخاصم وتجادل فيه وتحكم على‬ ‫جهل الناس به وتجعل من علمه عليما ومن جهله جهوال وتمنح الشهادات العلمية‬ ‫لمن وافقك عليه وتلزم من قبل بمعنى فعله بتعريفك له وتحاسبه على ما لم يوافقك‬ ‫عليه‬ ‫تقول ‪ :‬الدجاجة حيوان وعليك الدليل فإن جئت به بدأت بخبر آخر ومعه دليله‬ ‫األدلة‬ ‫على‬ ‫المؤسس‬ ‫التعريف‬ ‫تنشئ‬ ‫وتبقى‬ ‫وإن كنا أوردنا الدجاجة فإن اإلنصاف يحتم علينا القول إن التعريف "التصنيفي"‬ ‫مقبول أحيانا إن لم يلتزم بإدلة فهو تعليمي صرف غرضه التيسير ولكن ال تزال‬ ‫مشكلته في نفعه وكفاءته وفي تقديمه على غيره في إيصال المعلومة‬ ‫هل سأل سائل ‪ :‬فما بال الدجاجة ؟ هل نجري عليها ما أجريناه على االسماء‬ ‫الدجاجة‬ ‫اسم‬ ‫منه‬ ‫المشتق‬ ‫الفعل‬ ‫إلى‬ ‫بالنظر‬ ‫نعم‬ ‫كل كلمة عربية نستطيع ردها إلى فعل وكثرة األمثلة بكثرة المسميات ولكن أحب‬ ‫التفريق بين ما له جسد وما ليس له جسد ‪ 2‬يرى ولو استعرضت اسماء الذوات‬ ‫قضية امتالك جسد أم فقدانه ال أتمسك بها وسرعان ما ستزول فهي قضية "تخيلية" ال أريدك أن تبني عليها شيء‬

‫‪- 44 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫بينا‬ ‫شكال‬ ‫اشتقاقها‬ ‫في‬ ‫لرأيت‬ ‫كلمة "الدليل" لم ترد كثيرا في القرآن بهذا الشكل لكنها وردت "بتصاريف" أخرى‬ ‫وما يرد كثيرا ويظن أنه قريب منه جدا "الحجة" و"البرهان" و"البينة" ولكل فعل‬ ‫اشتق منه ويعرف به معناه ويفرق به عن غيره ولربما أذن هللا أن نتطرق إليهم‬ ‫غيره‬ ‫في‬ ‫أو‬ ‫الكتاب‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫خطر لي ان أقول ‪ :‬من خبرتي في مسائل يصعب تسميتها فإنك ستجد كثيرا في‬ ‫المست قبل البعيد أو القريب اقتباسات حرفية أو معنوية من هذا الكتاب ‪-‬وقد حدث‬ ‫هذا معي كثيرا‪-‬وربما استخدمها من ال يعرف أصلها وإنما اخذها ممن اقتبسها‬ ‫ليجادل ويستشهد بها حتى أنك لتجد من يدعي أنها معلومة ومبثوثة في بطون‬ ‫الكتب منذ زمن (فليأتني بها ) فإن وجد البعض مما قلت أنه ال بد وأن كاتبا تطرق‬ ‫إلى قريب منه فأن الكل وبهذا التأصيل والنظر لن تراه وال قريبا منه ‪.‬‬ ‫وكل هذا ال ضير فيه وهذه نتيجة القراءة دون النقل األمين لكن الكتاب بنيان ال‬ ‫يصلح إن اقتطعت منه لتجادل به دون عرض المقدمات والتأصيل المكتوب في‬ ‫الكتاب‬ ‫أنا ال أروم ماال أو شهرة مع أن اإلنسان غير بعيد عن الطمع وتبديل "الموقف"‪.‬‬ ‫إن أجري إال على هللا وهو خير من يجزي‬

‫نقول ما سبق إذا كنا نريد استعمال كلمة "دليل" فيما يعني فعلها أما لو اتفق‬ ‫الناس على أن تكون "دليل" اسما(اسم جنس) لمعجون أسنان فما حيلتنا مع هذا‬ ‫وعندئذ فكلما ذكر "الدليل"انصرف الذهن إلى معجون األسنان وسنسمع كثيرا ‪:‬‬ ‫بالفلورايد‪.‬‬ ‫دليل‬ ‫أي‬ ‫السوق‬ ‫من‬ ‫لي‬ ‫هات‬ ‫عندما نعلم أن عصفورا ال يغرد إال عند الساعة السادسة صباحا فإن تغريده يعني‬ ‫أنها‬ ‫الساعة السادسة صباحا ولو علمنا ما األثر الذي يجعل العصفور يغرد في هذا‬ ‫الوقت (أشعة شمس أو نسيم أو ‪ )..........‬وعبثنا بهذا األثر أو غيرنا فيه لجعلنا‬ ‫‪2‬‬ ‫المؤثر‪.‬‬ ‫فيه‬ ‫يؤثر‬ ‫حين‬ ‫يغرد‬ ‫العصفور‬ ‫وخبر‬ ‫مبتدأ‬ ‫إلى‬ ‫العبارات‬ ‫نيسر‬ ‫أن‬ ‫طلبنا‬ ‫والمبتدأ اسم في غالب األحيان ولذا فمن المناسب كي نجعله دوما اسما أن نقول‬ ‫المخبر عنه ‪،‬والخبر إن كان اسما كان كالمخبر عنه وإن كان جملة فعلية أو شبه‬ ‫كخبر‪.‬‬ ‫عوملت‬ ‫جملة‬ ‫‪2‬‬ ‫ومن عارض أن يكون من‬ ‫الذي ينسب (يربط) الخبرإلى المخبر عنه الدليل‬ ‫ينسب الخبر إلى المخبر عنه الدليل فال يقرأن هذا الكتاب فهو راغب في أن يجعل‬ ‫حذفت هنا كالم فيزيائي فيه نفع لكني أخشى أن يصيب قارئه الملل فأرجأته إلى حين يطيب سماعه‬ ‫أو أنا أريد أ�� يكون الدليل‬ ‫‪- 45 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الدعاوي دون دليل وال نعلم بعد الدليل رابطا إال الهوى‪.‬‬ ‫والدليل كما قلنا هو أثر يصدر عن مصدر تأثر بمؤثر فصدر عنه أثر كان دليال‬ ‫‪2‬‬ ‫المصدر‬ ‫في‬ ‫أثر‬ ‫الذي‬ ‫األثر‬ ‫على‬ ‫من فهم الجملة األخيرة فقد فهم ثلثي األجزاء السابقة‬ ‫ليس الدليل دائما كالما فالكالم واحد من األثار وربما كان أثرا مزيفا ومصطنعا‬ ‫وخادعا‪.‬‬ ‫المثال‪:‬‬ ‫هذا‬ ‫إليكم‬ ‫‪2‬‬ ‫العرب‬ ‫ديوان‬ ‫الشعر‬ ‫‪:‬‬ ‫عمر‬ ‫قال‬ ‫"قال"‬ ‫هي‬ ‫المثال‬ ‫في‬ ‫كلمة‬ ‫أول‬ ‫مصدرها أنا فأنا من كتبت "قال" في هذا الكتاب والدافع (المؤثر)الذي جعلني‬ ‫‪2‬‬ ‫بعده‬ ‫بما‬ ‫لنبدأ‬ ‫سنغفله‬ ‫أكتبها‬ ‫"قال" خبر عن "عمر" فعمر قال والفعل الذي صدر عن عمر هو "القول "‬ ‫األمر‬ ‫يلتبسن‬ ‫فال‬ ‫عمر‬ ‫وقول‬ ‫قولي‬ ‫اآلن‬ ‫حتى‬ ‫فلدينا‬ ‫عمر أثر فيه شيء فقال وليكن المؤثر ‪-‬مثال‪ -‬أن سمع من يهزأ بالشعر أو أنه‬ ‫سمع شعرا يذكر حربا أو حادثة فرأى نفع الشعر في تدوين‪ 21‬أخبار العرب‬ ‫مصدر األثر(قول عمر"الشعر ‪ )"...‬هو عمر وصدر منه لتلقيه مؤثر‬ ‫العرب"‬ ‫ديوان‬ ‫"الشعر‬ ‫هو‬ ‫عمر‬ ‫قول‬ ‫حركة لسان عمر عند نطقه "الشعر ديوان العرب" هو األثر الصادر منه‬ ‫ولكنه أثر واألثر دليل‪ ،‬فعلى أي شيء دل هذا القول‬ ‫دل على ما جعل عمر يقول ولكنك لن تشخصه بدقة‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫جانب‬ ‫للقصة‬ ‫لكن‬ ‫كيف وصلني أن عمر قال هذا فكتبت هنا ‪:‬عمر قال ‪........‬‬ ‫عمر قال قولته فسمعها من سمعها وتناقلتها األلسن وبعد أعوام دونت في كتب‬ ‫ومن الناس من سمع ومنهم من قرأها في الكتب فبلغها غيره وغيره كتبها أو‬ ‫نقلها مشافهة وهكذا حتى جاءتني إما من صديق أو قريب أو من مجلة أو كتاب‬ ‫قرأته وأنا في حياتي ألبد أني قلتها لكثيرين وكتبتها في كتاب كهذا الكتاب ومن قرأ‬ ‫‪."....‬‬ ‫عمر‬ ‫"قال‬ ‫قولي‬ ‫فيه‬ ‫أثر‬ ‫الكتاب‬ ‫هذا‬ ‫للتيسير ‪ ،‬أنا قلت (أو كتبت والقول ‪،‬باصوات كلماتي أو الكتابة بحروف على‬ ‫ورقة‪ ،‬آثار أريد أن تتأثر بها أذن السامع لقولي أو عين الناظر إلى كلماتي ) "قال‬ ‫؟‬ ‫ماذا‬ ‫مصدر‬ ‫فأنا‬ ‫عمر‪"...‬‬ ‫أنا مصدر األثر المنقوش على الورقة والعربي الفاهم للعربية يتأثر بالمكتوب أثرا‬ ‫غير الذي ال يفهم منها شيئا فيتأثر أو يعجب ‪ -‬مثال‪ -‬باألثر الذي يراه جميال من‬ ‫تجاور العين والميم والراء في كلمة عمر التي ال يعرف معناها وال كيف تقرأ‪.‬‬ ‫فالحروف التي كتبتها آثار وضعتها على ورقة يتأثر بها من قرأها فتكون أثر‬ ‫إن سمع الجان هذا ربما ظنه كالما في جلسة إحضار جان فيحضر‬ ‫تذكر أننا ال يهمنا إن كان عمر قد قال أم لم يقل أو إن كان الكالم صحيحا أم خاطئا فهذا مثال‬ ‫المؤثر أثر ف ّي فكان أثره في أن كتبت "قال عمر‪"....‬‬ ‫الحظت الربط بين الديوان والتدوين‬ ‫‪- 46 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كلماتي فيه فعال أو قوال ال نستطيع التكهن به عند هذا الحد‪.‬‬ ‫ولكن ما الذي أثر في ألترك هذا األثر في الورق‪.‬‬ ‫أشياء كثيرة تجعلك تتكلم أو تكتب وكثيرا ما يفهم نوع األثر الذي أثر فيك من‬ ‫كلماتك ناهيك عن حدة الصوت وتعلثم الكلمات وارتجاف اليدين وغيرها مما هو‬ ‫‪.‬‬ ‫تجاوزناها‬ ‫طبعية‬ ‫آثار‬ ‫مسألتان ‪:‬‬ ‫هنالك‬ ‫األولى ‪ :‬وهي األثر الظاهر على الورقة من أحرف هي رسوم ورموز مجردة من‬ ‫أي معنى ناجم من تعلم القراءة والكتابة ويتساوى في ذلك االمي والقارئ إال في‬ ‫أثر‬ ‫كل‬ ‫عند‬ ‫البشرية‬ ‫الفروق‬ ‫الثانية ‪ :‬هو المعنى الذي ينقل بهذه الرسوم والرموز (الحروف) أو بهذه‬ ‫الكالم‬ ‫يفهم‬ ‫)لمن‬ ‫الكالم‬ ‫األصوات(عند‬ ‫اآلن‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫نخوض‬ ‫أن‬ ‫المبكر‬ ‫من‬ ‫‪".......‬‬ ‫عمر‬ ‫"قال‬ ‫(كتابتي)‬ ‫قولي‬ ‫عن‬ ‫هذا‬ ‫كل‬ ‫العرب"‬ ‫ديوان‬ ‫"الشعر‬ ‫عمر‬ ‫قول‬ ‫بال‬ ‫فما‬ ‫لو كنت أنت الجالس تسمع كالم عمر "الشعر ديوان العرب"‬ ‫فمصدر "الشعر ديوان العرب" هو عمر وجملة "الشعر ديوان العرب " أثر (دليل)‬ ‫صدر عن عمر إثر مؤثر أثر في عمر فقال هذا الكالم‬ ‫لم نحسم بعد إن كان علينا أن نسمي األثر الصحيح غير المتوهم فقط دليل أم نجعل‬ ‫دليل‬ ‫هو‬ ‫مؤثر‬ ‫على‬ ‫يدل‬ ‫نظنه‬ ‫أثر‬ ‫كل‬ ‫التزاما بالمعنى الفعلي للدليل‪ ،‬يجب أن يكون كل ما دلك على مؤثر دليال وإن كان‬ ‫ال يدل عند اتباع المنهج السليم لتكون المسألة ‪ :‬هذا دليلي ‪ ،‬وهذا دليل فالن‬ ‫‪....‬وهكذا‬ ‫وبعدها نقول ‪ :‬هذا ال يدل ‪ ،‬أو دليل سيء أو شيئا آخر قد يأتي في القريب‪.‬‬ ‫والحق أن العيب ليس بالدليل وإنما بمن اتخذه دليال ‪.‬‬ ‫لماذا أثر يدل رجال إلى شيء ويدل آخر إلى شيء آخر وال يدل ثالثا إلى‬ ‫شيء(تنزال)‬ ‫هذه مما ولدنا ورأيناه وأراده هللا فخلق البشر متباينين في األفهام وهذا مرده إلى‬ ‫‪.‬‬ ‫إنسان‬ ‫كل‬ ‫يحمله‬ ‫الذي‬ ‫العلم‬ ‫مقدار‬ ‫من حدث أو أثر واحد يفهم إنسان شيئا (فهما صحيحا أو خاطئا) وغيره يفهم‬ ‫كله‬ ‫وربما‬ ‫صحيح‬ ‫هو‬ ‫ما‬ ‫منه‬ ‫اكثر‬ ‫أو‬ ‫شيئين‬ ‫القادم من الكتاب فيه مزيد ‪.‬‬

‫في الماضي ‪ -‬قبل التعديل‪ -‬كنت أعالج اإلدعاء بأن أطالب بالنظر في المصدر أوال‬ ‫فننظر ثقة السامع به (كاذب أم صادق) فإن كان عند السامع صادقا طولب المدعي‬ ‫بالدليل خشية الجهل ألن الخبر الخاطئ يأتي إما من كذب المخبر أو جهله وعندئذ‬ ‫‪- 47 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫يكون الخبر صادقا عند فالن لثقته بالمصدر وخاطئا عند فالن عندما يكون المصدر‬ ‫بثقة‬ ‫ليس‬ ‫فإن كان ثقة طولب المصدر أو من يتبنى الزعم بالدليل‬ ‫تنام‬ ‫البطة‬ ‫عالم‪:‬‬ ‫قال‬ ‫فإن‬ ‫المصدر هو العالم وانتبه إلى أن المصدر هنا تغير معناه قليال فاألثر الصادر منه‬ ‫قوله "البطة تنام" أما في الطريقة القديمة فالمصدر منفصل وال تراعى فيه‬ ‫األثر‬ ‫مسألة‬ ‫المصدر هو العالم وتصديقه رهن برأي كل شخص في صدقه ولقد كتبت شيئا في‬ ‫شروط المصداقية لكن تركته وربما تجد نتفا منه مبثوثة في الكتاب ألن عيوبا‬ ‫كثيرة اعترت هذه النظرة القديمة فعدلت عنها رغم أنها نافعة نفعا كبيرا إن‬ ‫روعيت ‪.‬‬ ‫عندما يكتب إنسان على ورقة فإنه يترك آثار قلمه عليها ليقرأها واحد أو ماليين‬ ‫فيهم‬ ‫أثرا‬ ‫فتحدث‬ ‫هذه اآلثار (الكتابة) رسوم وأشكال يتعلم المتعلم ماذا تعني وكيف تنطق فهي رموز‬ ‫الكالم‬ ‫أصوات‬ ‫ولغتنا ومعها لغات كثيرة ‪ -‬عدا اللغات المقطعية ‪ -‬لغة أبجدية لكل صوت حرف‬ ‫ومجموع األحرف يجمع األصوات التي تسمع من نطق كلمة‪.‬‬ ‫والختم أثر على ورق وليس شرطا أن يكون أثر الختم كلمات من قبيل "أصادق‬ ‫على المكتوب " أو "أقبل" أو "أقر" أو "دخل البلد "‬ ‫أخرى‬ ‫أشياء‬ ‫أو‬ ‫الخاتم‬ ‫اسم‬ ‫األثر‬ ‫يكون‬ ‫أحيانا‬ ‫وقد تعارف القوم على أن ختم فالن إقرار وقبول منه‬ ‫تزور؟‬ ‫واألختام‬ ‫فالن‬ ‫ختم‬ ‫هذا‬ ‫أن‬ ‫يعلم‬ ‫كيف‬ ‫ولكن‬ ‫إذا صدرت األختام من ‪ -‬مثال ‪ -‬جهة حكومية أو ممن يطمئن إليه أنه لن يزود‬ ‫ختما باسم واحد الثنين فيكون االسم المطبوع من ختم هو لشخص واحد يكون هذا‬ ‫دليل وأثر هذا الشخص وحده ومعنى ختمه يحدده العرف واالتفاق‬ ‫وإذا طالت االختام التزوير الكبير فإن تزوير الكتابة (الخط والتوقيع) أشد واعسر‬ ‫خبير‬ ‫خداع‬ ‫يريد‬ ‫لمن‬ ‫التوقيع(اإلمضاء) وكتابة اسم الموقع يتباين بين شخص وآخر كما هو معلوم ولم‬ ‫يمنع ذلك من محاوالت محاكاة "الخطوط" و"اإلمضاء" فينطلي بعضها على‬ ‫كثيرين وربما على الكل إن لم نجد خبيرا حاز من الدراية ومن األدوات ما يعين‪.‬‬ ‫؟‬ ‫يميز‬ ‫الذي‬ ‫ما‬ ‫لكن‬ ‫معلوم أن لكل كاتب نمط من كبر الحروف وميالنها ورسم بعض الحروف وضغط‬ ‫القلم واستمرار الخط من تقطيعه المتعمد أو غير المتعمد‬ ‫وقد يميز الكثيرون وقد تجد من الخبراء الكثيرين الذين يرون لكل خط هوية‬ ‫ما تراه توقيعا أو كت ابة فيه الكثير الكثير من التباين فلحرف السين ما ال يعد من‬ ‫األشكال ؛مسننة أم خطا ‪،‬طويلة أم قصيرة ‪،‬منحنية أم قويمة وبين كل اثنين من‬

‫‪- 48 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫هذه درجات وكذلك لباقي الحروف وأحيانا تكتب النقاط بتأن أو يمرر القلم تمريرا‬ ‫وهكذا‪....‬‬ ‫النقاط‬ ‫على‬ ‫يدل‬ ‫التوصيف‬ ‫نقص‬ ‫هو‬ ‫األمر‬ ‫في‬ ‫المهم‬ ‫فلو سألت خبير خطوط كيف علمت أن هذا الخط ليس لفالن سيبدأ يصف لك فيقول‬ ‫ان فالن يكتب الميم هكذا و "هكذا" هذه لم يجد لها اسما لصفة وهناك عشرات‬ ‫"الميمات" او مئات "الميمات" إن وسعنا مدرج القياس أو "آالف" إن وسعنا‬ ‫أكثر‬ ‫اللغة ليست عاجزة عن إيجاد صفات لكن العلم حديث وشيوخ الخبرة غير مؤهلين‬ ‫‪1‬‬ ‫لغويا‬ ‫ربما يميز البعض وربما ال يميز أحد لخلو الصنعة من خبير بهذا القدر من‬ ‫انعدامها‬ ‫أو‬ ‫تمييز‬ ‫آلة‬ ‫نقص‬ ‫أو‬ ‫المحاكاة‬ ‫الختم‬ ‫لذكر‬ ‫واستغالال‬ ‫ختما؟‬ ‫سمي‬ ‫لماذا‬ ‫‪0‬‬ ‫أليس مرجحا أن يكون الختم من الفعل "ختم" بمعنى أنهى أو بمعنى أقفل‬ ‫بالنوم‬ ‫أنهاه‬ ‫أي‬ ‫بالنوم‬ ‫يومه‬ ‫فختم‬ ‫لماذا ال نفكر بأن يكون اسمه ختما ألن الكتب (الخطابات الرسمية والرسائل‬ ‫والوثائق) تختم به أي تنهى (ينهى قراءتها أو كتابتها أو كتابة ما يراد كتابته ) به‬ ‫عند الموافقة أو االطالع أو االقرار‪،‬وليكون خاتم اإلصبع قد سمي خاتما ألنه به‬ ‫تختم الكتب وقد اتخذ النبي صلى هللا عليه وآله خاتما حين أرسل إلى الروم بكتاب‬ ‫البخاري)‬ ‫عند‬ ‫وجدته‬ ‫الذي‬ ‫أنس‬ ‫حديث‬ ‫في‬ ‫(كما‬ ‫هذا لنسترجع ما يخشى أن ينسى أن األحوط واألسلم‪ -‬وأزعم أنه الصحيح‪ -‬تفسير‬ ‫االسم بفعله غير ملتفتين ألي تعريف كبر وتضخم من أهل علم وجهل وأهواء‬ ‫ألنك ربما تسمع ‪:‬الخاتم ‪ :‬قطعة (أو شيء أو حلقة أو مقتنى أو ‪ )....‬معدنية‬ ‫‪........‬‬ ‫في‬ ‫‪)...‬‬ ‫أو‬ ‫(يوضع‬ ‫يلبس‬ ‫وقد قلت "النبي" اتخذ ولم أقل "الرسول" فما الفرق‬ ‫طال الحديث عن هذا(الفرق بين النبي والرسول) ولم يترك ظن إال وكتب واختلف‬ ‫أحد‬ ‫غليل‬ ‫أحد‬ ‫يشف‬ ‫ولم‬ ‫العلماء‬ ‫قبلهم‬ ‫ومن‬ ‫الناس‬ ‫أما حسب ما قلناه يمكنني أن أجعل الفرق في التالي ‪:‬‬

‫باستعمال ما قد قلت فإن "النبي" جاءت من الفعل "نبأ" أو "أنبأ" فالنبي ُينبأ‬ ‫واألنباء المعنية هنا هي أنباء الغيب من أحداث القادم من األيام وأنباء يوم القيامة‬ ‫وأخبار األمم السابقة وهذا هو المعنى الوحيد الذي يمكن فهمه من لفظة "نبي"‬ ‫لم التق بخبير خطوط ولم أقرا كتابا لهم ولكن األمر ال بد أن يكون هكذا فإن لم يكن هكذا فقد قلنا أن األمثلة‬ ‫لإلفهام وليست للتعليم بنفسها وأخشى أني أكتشف وأخترع ما ال يعلمه غيري وأنا ال أدري‬ ‫هذا ليس شكا مني في المعنى وإنما ألن الوقت مبكر لهذا‬ ‫‪- 49 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫دليل‬ ‫دون‬ ‫عليها‬ ‫إضافة‬ ‫ألي‬ ‫وا��ع‬ ‫يفهم‬ ‫وال‬ ‫أما "الرسول " فهي من "أرسل" والرسول مرسل ومعلوم ممن‬ ‫وعلى هذا فإن "الرسول" شيء و"النبي" شيء وال يمنع مانع أن يكون النبي‬ ‫رسوال والرسول نبي فما المانع أن يرسل هللا رسوال وينبأه بأخبار الغيب ليكون‬ ‫نبيا ورسوال ولو كان كل من أنبأ أرسل فكل نبي رسول‬ ‫كاملة ؟‬ ‫الفكرة‬ ‫تصل‬ ‫ألم‬ ‫الجسد واحد وله صفات كثيرة ويمكن أن يسمى بصفة أو أكثر من صفاته‬ ‫سالح المسدس سمي كذلك (افتراضا) ألن شكله شكل الرقم ستة وكنا نستطيع أن‬ ‫نسميه كما يفعل غيرنا "مدفع" ألنه يدفع بالرصاص ولو اضطر شعب رآه ولم‬ ‫يسمع له اسما أن يسميه فلربما سماه "القتول" أو "القتال" أو "األسود" إذا غلب‬ ‫عليه اللون األسود أو أن السالح الوحيد الذي استعملوه أسود وهكذا‬ ‫والنبي هاد ومبشر ونذير وهذه اسماء ال تقل شأنا عن "الرسول" و"النبي"‬ ‫التي غلبت على أسماء الهادي والبشير والنذير (وال مانع من مشفق رؤوف رحيم‬ ‫دليل)‬ ‫عليه‬ ‫و‪...‬مما‬ ‫االجساد (الذوات) تتباين فالنبي محمد صلى هللا عليه وسلم يشترك مع موسى‬ ‫عليه الصالة والسالم بأشياء كثيرة منها النبوة واإلرسال و‪......‬و‪......‬اإليمان‬ ‫و‬ ‫‪....‬والحرص‪...‬و‬ ‫طبائعية‬ ‫وربما‬ ‫جسمانية‬ ‫بصفات‬ ‫ويختلف‬ ‫فيشار إلى الذات أحيانا بأكثر صفة تعارف الناس على أنها إن ذكرت قصد بها ذات‬ ‫ولكن ما يجب أن يراعى هو أنه ال يفهم من "رسول" غير أنه "أرسل" وال يزاد‬ ‫عليها شيء وال يلزم أحد بالزيادة إال بدليل وعندئذ تكون الزيادة أخبار عن رسول‬ ‫قد ال تصح على رسول آخر فال تالزم بين صفة وصفة وإنما تجمع صفتين في ذات‬ ‫وال تجتمع في ذات أخرى فال تالزم بين الذكاء والشجاعة أو المروءة والحلم وال‬ ‫بين أي صفتين ولكنها يمكن أن تجتمع في ذات أو أكثر وتفترق في غيرها وهذا‬ ‫الكالم له تبعات منها ما قد يظن أنه خطير وسيساء فهمه‬ ‫والعصمة‬ ‫النبوة‬ ‫مثال‪-‬‬‫تالزم‬ ‫منها‬ ‫فالنبي ُينبأ والمعصوم يعصمه هللا (هذا دون الخوض في نوع ما يعصم منه ألن‬ ‫الخالف دائر في النوع فمنهم من ينزه األنبياء عن الكبائر فقط والكثيرون على‬ ‫تنزيههم عن الصغائر وآخرون قالوا أشياء أخرى) وليس من المستحيل أن يكون‬ ‫النبي معصوما إن أراد هللا ذلك ولكن التالزم غير طبعي فيحتاج عندئذ دليل قبل أن‬ ‫معصوم‬ ‫‪:‬النبي‬ ‫تقول‬ ‫هذا األمر وأشباهه وغيره سيثار مرة أخرى كثيرا أحيانا في هذا الكتاب وأحيانا‬ ‫أخرى في غيره وما هو إال مثال وفي النهاية فإن األنبياء عليهم السالم جميعا خير‬ ‫من وطأ الحصى وال ينتقص منهم إال أحمق معلوم الحكم الشرعي فيه‬ ‫المعنى االصطالحي هو أخبار عن ذات اكتسب ذاتيته من السياق أو موضوع‬ ‫البحث ويبقى المعنى األصيل عاما ال يلتزم بما أضيف إليه إال بدليل وما أن أضيف‬ ‫إليه فقد تحول إلى ذات وعندما يبدأ معرف بتعريف فيجب أن يعي هو ومن يقرأ‬

‫‪- 50 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫أنه بإيراده التعريف فإنما هو يقول للقارئ إن وردت الكلمة الفالنية فإني أعني بها‬ ‫(الذات)‬ ‫الجسد‬ ‫على‬ ‫ينطبق‬ ‫مما‬ ‫وكيت‬ ‫كيت‬ ‫وجبريل أيضا رسول ولكن الناس عندما تسمع "الرسول" تفهم منه محمد صلى‬ ‫هللا عليه وسلم في سياق وفي سياق آخر تفهم منه الرسل عليهم الصالة والسالم‬ ‫ولكن يجب أن يبقى الرسول تعني من أرسل ؛جبريل كان أم عيسى أم رسول‬ ‫برسالة‬ ‫أخيك‬ ‫إلى‬ ‫رسولك‬ ‫أم‬ ‫األمصار‬ ‫إلى‬ ‫عثمان‬ ‫وختما للفرق بين النبي والرسول‪ ،‬فهما صفتان قد تجدهما في شخص وقد تجد‬ ‫واحدة وكل من أرسله هللا ونبأه فهو نبي ورسول مع العناية بسياق اإلنباء‬ ‫واإلرسال فأي رجل نبي إن نبأ ولكن بمعنى أنباء الغيب (وهذا يحتاج كالما) غلب‬ ‫هذا اإلسم على األنبياء عليهم السالم وإيضاح هذا سنراه في صفحات قادمة بعون‬ ‫‪.‬‬ ‫هللا‬ ‫وال أظن أحمقا يتكأ على فهم سقيم لما قلت ليعذر كل دجال أو مشعوذ أو كذاب‬ ‫ادعى النبوة والرسالة من هللا بدأ بمسيلمة وانتهاءا بآخرهم ممن نسمع عنهم‬ ‫كان هذا مثاال من كثير من األمثلة التي حار بها الناس ومما كثر اللغط فيه لخلوه‬ ‫السليم‬ ‫التأصيل‬ ‫من‬ ‫أراني أتجاوز حدود الفصول فأنطلق إلى ما ينبغي أن يكون في موضع آخر حفاظا‬ ‫على ترابط األفكار وال أفلح دوما في هذا فأحيد أحيانا عن طريقي‬ ‫سؤال لالختبار ‪ :‬هل الصديقة الطاهرة مريم عليها السالم نبية ؟‬ ‫هذا بحث أثير بين علماء كثر ولكني أريد إجابة مسببة ومفصلة اعتمادا على ما‬ ‫هنا‬ ‫قيل‬ ‫قبل أن أغير النظرة كنت أطلب النظر في المصدر ثم الدليل فاجعلهما منفصلين ولم‬ ‫تكن تلك عاجزة تماما لكن ربط الكالم باألثر والمؤثر جعلهما حاكمين فيما يقول‬ ‫قيل؟‬ ‫ولم‬ ‫يقال‬ ‫وما‬ ‫الناس‬ ‫في الكتب والمناظرات والمحاكم والتعليم نرى االحتجاج بما ال يحتج به أو‬ ‫يستشهد واإللزام بما ال يلزم ومغالطات (إن كان المقصود بالمغالطة بناء نتيجة‬ ‫على مقدمة ال يصح بناء هذه النتيجة عليها) أو التعويل على شكل أو صوت أو‬ ‫نحيب‬ ‫أو‬ ‫علوه‬ ‫زد عليه اإلغراق في المنطق المعوج أو فيما ظن أنه منطق وفي القادم من الكتاب‬ ‫وما بعده سنرى من هذا الشيء الكثير‬

‫أغلب المدعين والزاعمين يحيلون ويعزون دعواهم إلى من يرونه عالما فيما‬ ‫يعزون فيه‬

‫‪- 51 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وهذه جريمة في حق العلم ربما سهل قبولها في تلقين أطفال (وحتى هؤالء ينبغي‬ ‫أن يكون تعليمهم بغير هذه الطرق التي تجعل من كل مليون واحدا ذاق طعم العلم‬ ‫ومن كل عشرة ماليين واحدا ابدع ابداعا حقيقيا ومن كل ألف واحدا استطاع أن‬ ‫يلم بعشرين من المائة مما تعلمه ومنهم من انهى كليته وال يحسن كتابة جملة‬ ‫نحوا وصرفا ورسما) أو باعتبارها شهادة وإال فالدعوة تحتاج دليل والدليل ربما‬ ‫كان مضال عن ما يستدل له‬ ‫فإن قال قائل ‪:‬نبتون كوكب‬ ‫القائل ربما أثر فيه "تكوكب " نبتون فيصلح عنده أن يضم نبتون إلى مجموعة‬ ‫يجمعها "التكوكب" لتكون مجموعة يشترك اعضائها في "التكوكب"‬ ‫هذه حال المجموعات‬ ‫تضم أعضاء يختلفون في أشياء ويفترقون في أخرى لكن ال بد من صفة مشتركة‬ ‫بين الجميع تجمعهم في مجموعة تسمى باسم بالصفة التي جمعتهم‬ ‫فجموعة الكارهين للموز سترى فيها الطفل والكهل والشيخ واألمي والمتعلم‬ ‫والرجل والمرأة‬ ‫هؤالء االعضاء بعضهم يجتمع في مجموعات أصغر وأكبر فالذكور منهم يجتمعون‬ ‫في مجموعة الذكور وجزء منهم يجتمع مع بعض أطفال اإلناث في مجموعة‬ ‫األطفال ولك بعدئذ أن تتصور ما نستطيع أن نوجد من مجموعات ومدى التداخل‬ ‫بين المجموعات كالتداخل بين مجموعة المهاجرين إلى أوغندا ومجموعة النائمين‬ ‫أقل من ثالث ساعات في اليوم‬ ‫ويقودني شوق كبير دائما أن أحيد عن المسار كما يحدث اآلن عندما خطر لي‬ ‫فلسفة تكوين األحزاب والجماعات حين يكون المفهوم أن يكون بين أعضاء‬ ‫الحزب الواحد جامع فإذا ما محصت رأيت العجب العجاب ولكني أخشى إن دخلت‬ ‫من هذا الباب لم استطع أن أعود إلى طريقنا دون تشعيب كبير وإطالة تنسينا‬ ‫مرادنا برغم أن الكالم في هذا وغيره يكسبنا منظورا أكبر وأوسع مختلف‬ ‫تكوكب"نبتون يجعلك تضم نبتون إلى ما مجموعة "المتكوكبين" واعضاء هذه‬ ‫المجموعة يكونون أعضاء في مجموعات أخرى أكبر أو أصغر حسب كل صفة‬ ‫فيهم‬ ‫هل أدركت تنوع الصفات بتنوع الذوات وهل أدركت خلو التالزم‬ ‫توضيحات‬

‫‪- 52 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫أوال ‪ :‬نبتون ضم لمجموعة الكواكب بعد وضع شروط انتساب لهذه المجموعة ألن‬ ‫القضية ال تخلو من النسبية طالما أنه لم توضع معايير دقيقة كما الحال كثيرا في‬ ‫كل التصنيفات في كثير من العلوم واألداب وكمثال فإن بلوتو لم يعد منذ سنوات‬ ‫كوكبا لتكون كواكب المجموعة الشمسية حسب اتفاق أهل الشأن ثمانية‬ ‫ثانيا ‪:‬ربما لفت انتباهك لفظة "تكوكب" والمراد منه المبدأ وال أريدك التعويل‬ ‫عليه فيكفيني فهمك حتى أن أهل المعاجم يرون أن الفعل لهذا االسم هو "ككب "‬ ‫ولم يحن الوقت للمزيد من الشرح في هذا‬ ‫ثالثا ‪ ":‬الكوكب" في اللغة اإلنكليزية ‪ planet‬وهو في كل األحوال ال عالقة له‬ ‫بمعنى "ككب" واالنكليزية تفشل كثيرا ‪-‬كغيرها‪ -‬في مجاراة العربية في إمكانية‬ ‫التأصيل ولكن للتوضيح فإن كان لالسم االنكليزي أصل ذو عالقة بصفة أو تصرف‬ ‫للكوكب فهو بالتأكيد مباين لتفهم من هذا امكانية تسمية الشيء بأكثر من صفة‬ ‫فيه‬ ‫رابعا ‪ :‬كان العرب يطلقون اسم الكوكب على غير ما نعلم اآلن أنه يدور حول‬ ‫الشمس مما نسميه كواكب وقد ورد اللفظ في القرآن في سورة النور (كأنه كوكب‬ ‫دري) وقد قيل الكثير في تفسير هذا‬ ‫خامسا ‪ :‬ربما كان ما يصدر عن الكوكب من أثر ال عالقة له بالفعل "تكوكب"‬ ‫ويكون االسم كوكب تسمية خاطئة ألجسام‬ ‫وهذه التبيهات صالحة ‪ ،‬معظمها أو كلها ‪ ،‬ألمثلة أخرى فتنبه‪.‬‬ ‫كل مسمى تجد له أكثر من صفة تستطيع أن تسميه بها فالبيضة يمكن أن تسمى‬ ‫المحضونة أو الفاقسة أو باي صفة منها وقد اخترنا اشتقاق الفاعل والمفعول به‬ ‫وتستطيع اختيار اشتقاقات أخرى‬ ‫والقلب من التقلب والنبيذ من النبذ والخمر من الخمر والضمير من الضمر وكل‬ ‫يتسمى باسم آخر فالقلب قابل للتسمي ‪-‬مثال ‪ -‬بالنابض إن صح تسمية ما يفعله‬ ‫نبضا‬ ‫وكذلك السيف بتار وحسام ألنه يبتر ويحسم‬

‫في القادم ستجد مزيدا من األمثلة حتى يمل القارئ ويستنجد طالبا االنتهاء من‬ ‫فصل الدليل‬ ‫‪- 53 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫مما ادعاه كذلك أهل اللغة أن اللفظ يدل احيانا على النقيضين كالبصير الذي قالوا‬ ‫أنه لالعمى ولمن يبصر وقد رأوا من هذا الكثير فجعلوا هذا األمر على اللفظ‬ ‫"عزر" الواردة في قوله تعالى "فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه "فقالوا أن‬ ‫التعزير يأتي بمعنيين متعارضين وقد جاءت هنا للتوقير ولي عودة إلى ذلك إن‬ ‫شاء هللا ذلك‬

‫إذا كان ما يسمى كواكب يجمعها أنها تدور حول الشمس (وهو بالتأكيد ال عالقة له‬ ‫بمعنى الفعل الذي اشتق منه "كوكب")كما تجمعها أشياء أخرى فإن الخبر "نبتون‬ ‫يدور" يصح على نبتون اتفاقا ولكن القصة لم تنته‬ ‫لم حكمت على الخبر بالصحة ؟‬ ‫ومن قال لك أن نبتون يدور حول الشمس ؟‬ ‫كل الناس يعتمدون في هذا على قول علماء الفلك وال يجدون غضاضة في الوثوق‬ ‫فيهم ولن ادعوك للشك فيهم لكن الستغل هذا الخبر أقول‪:‬‬ ‫علتان إن طرأت إحداهما على عالم رد خبره ‪:‬الكذب والجهل‬ ‫الصادق يجهل أحيانا والعالم بخبر قد يكون كاذبا ومعظم ما يدعى تستطيع التثبت‬ ‫فيه بنفسك لكن بحسن اختيار الدليل‬ ‫لو أوجدت ما يتأثر بدوران الكوكب حول الشمس كان أثر هذا الوسيط فيك دليال‬ ‫على دوران الكوكب‬ ‫ما رأيكم بما يوضع على الشمس وال يتأثر بحرارتها وال يغوص في غازها فيتأثر‬ ‫بحجب نبتون لالشعاع الكوني القادم الى الشمس ويكون اثره فينا او فيما يؤثر فينا‬ ‫بضوء او صوت أو غيره‬ ‫هذه عسيرة‬ ‫ما رأيكم بما يوضع على نبتون فيتحسس كل نهار نبتوني بجزء جديد من سطح‬ ‫الشمس الذي يقابله في دورته حولها‬ ‫هذا عسير‬

‫‪- 54 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫ما رأيكم بما يؤثر في جهاز نضعه على كوكبنا فيتأثر بتأثر نبتون بدورانه حول‬ ‫الشمس‬ ‫إن عسر التأمل في هذا سيزول لو أنا أدركنا أن جميع أجهزة القياس تسير على‬ ‫هذا المبدأ‬ ‫تجد في بعض خزانات المياة كرة موصولة بقضيب معدني حتى إذا ما ارتفع الماء‬ ‫ليرفع معه الكرة التي تطفو فيرفع معها القضيب الذي يحرك سدادا يسد فتحة ينفذ‬ ‫خاللها الماء الصاعد الى الخزان فيتوقف ملء الخزان‬ ‫لو كان ارتفاع القضيب يغلق دائرة كهربائية ليدق جرس فتعلم أن الخزان امتأل‬ ‫كان األثر مختلفا‬ ‫جهاز ‪ spectrophotometer‬يوضع فيه محلول ليقاس تركيز المذاب فيه‬ ‫لكل لون من الوان الطيف الشمسي المرئي تردد ضوء‬ ‫األحمر هو األدنى ترددا واألطول موجة ونقيضه البنفسجي‬ ‫التردد األكبر ذو طاقة أكبر وعند اصطدام الضوء الشمسي األبيض فإن الجسم‬ ‫األحمر يمتص كل األلوان عدا األحمر الذي يعكسه فيكون الجسم "أحمرا" ونراه‬ ‫كذلك وكل األجسام تظهر باللون الذي تعكسه ومسألة لماذا هذا الجسم يبدو بلون‬ ‫وغيره بلون آخر قضية ممتعة لكنها ليست ذات صلة كبيرة بكتابنا‬ ‫المذاب في المحلول يلون بتفاعله مع مادة ليظهر لنا لون متوقع من علمنا السابق‬ ‫كلما كان اللون شديدا اعطى طاقة اكبر(لزيادة الفوتونات) تحول إلى تيار كهربائي‬ ‫يحرك مؤشرا على مدرج نعلم منه تركيز المذاب‬ ‫كم أثرا ومؤثرا هنا وكيف تنوعت اآلثار وكيف تم قياس أثر ؟‬ ‫حركة المؤشر وإشارته على رقم دلنا على مقدار المذاب‬ ‫المذاب أثر فيما لونه وتأثر فيما لونه وكان األثر لونا (تركيب جديد) أثر في سلوك‬ ‫الضوء نحوه فتأثر الضوء فأثر في مقدار التيار الكهربائي الذي أثر في حركة‬ ‫المؤشر الذي أثر في أعيننا‬ ‫فجملة "تركيز المذاب ‪2‬مايكروغرام في كل ‪ 011‬مل ماء "دلنا عليها الرقم ‪2‬‬ ‫على المؤشر‬

‫‪- 55 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫األثر‪ -‬كما رأيت‪ -‬يتدرج أحيانا بل هو دائما يشتد ويتناقص تبعا للمؤثر فيصير له‬ ‫مقدار ‪.‬‬ ‫الوسيط يكون آلة أو جهاز واخترنا أن تكون اآللة ما نؤثر فيها لتؤثر كالمطرقة‬ ‫والمنشار والمحراث والجهاز هو ما يتأثر فيؤثر فينا‬ ‫وإليكم هذا المثال المفيد التعرف عليه‬

‫‪2‬‬

‫المذياع (جهاز الراديو)يستقبل الموجات الكهرومغناطيسية "المحملة" باالصوات‬ ‫المراد نقلها واالستماع إليها بالمذياع‬ ‫إلرسال "إشارة" راديوية تستخدم دائرة كهربائية ابسطها تتكون من مصدر طاقة‬ ‫(بطارية مثال) ومتسعة وملف و"هوائي" والهوائي سلك مربوط بإحدى طرفيه‬ ‫بالسلك الواصل بين الملف والمتسعة والطرف اآلخر يترك (طليقا) في الهواء‬ ‫المتسعة تركيب ‪،‬الشكل البدائي له يكون عادة لوحان معدنيان يفصل بينهما مادة‬ ‫قليلة التوصيل تخزن فيها الطاقة الكهربائية الستعمالها حين ينعدم مصدر الطاقة‬ ‫والملف سلك كهربائي موصل ملفوف ولفه له فائدة فإن مر تيار فيه نما مجال‬ ‫مغناطيسي وهذه من طبيعة الموصالت فإذا مرت شحنة في سلك تولد مجال‬ ‫مغناطيسي كما أن المجال المغناطيسي إن "تقاطع" مع موصل حرك شحناته‬ ‫في هذه الدائرة الكهربائية تنطلق الشحنات من مصدر الطاقة ليمر في الملف‬ ‫(المحث) فينمو فيه مجال مغناطيسي (لتغير تعجيل الشحنات المارة فيه)هذا المجال‬ ‫يدفع الشحنات المارة لتصل إلى أحد لوحي المتسعة فيزيد شحنها وعندئذ يبدأ‬ ‫المجال المغناطيسي باالضمحالل لثبوت تعجيل التيار واضمحالل المجال‬ ‫المغناطيسي يدفع التيار باالتجاه المعاكس ويبقى التيار يتردد جيئة وذهابا في‬ ‫الدائرة فيكون التيار صاعد ونازل في الهوائي فينمو مجال مغناطيسي في الهوائي‬ ‫يؤثر في أيونات الهواء التي تتحرك فتولد مجال مغناطيسي يولد مجال كهربائي‬ ‫وتبقى الحال حتى تصل إشارة كهرومغناطيسية إلى المستقبل (المذياع) وهذا‬ ‫المذياع نفسه فيه دائرة مشابهة لدائرة المرسل والمطلوب حدوث حالة "رنين"‬ ‫بين الدائرتين وهذا الرنين نحصل عليه من تغير سعة المتسعة (التنغيم الذي نقوم‬ ‫به عندما نتحكم بتردد المذياع باليد(‬ ‫اإلشارة هذه اشارة كهرومغناطيسة دون صوت مذيع أو موسيقى‬

‫ال تكلف نفسك كثيرا في فهم هذا المثل ظنا منك أنه عائق لفهم القادم وكنت أود الشرح األوسع ليفهم أكثر القارئين له فألأعرضت‬ ‫عن هذا في النهاية وحتى أني لم أدقق في المثال خشية الغلط ألني قد نبهت سابقا إلى ان المراد من األمثال هو اإليضاح وليس لتقديم‬ ‫معلومة‬

‫‪- 56 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫لنحمل صوتا على اإلشارة نحول صوت المذيع في محطة اإلرسال إلى تيار يتداخل‬ ‫مع التيار في الدائرة فيشوه اإلشارة فتنتقل اإلشارة مشوهة عبر الفضاء فتصل‬ ‫مشوهة فيقوم المستقبل بإعادة التشويه إلى صوت يسمع بالسماعة‬ ‫التشويه احيانا في تردد التيار في الدائرة ) ‪ (FM‬أو بسعة موجة التردد)‪(AM‬أو‬ ‫بطور الموجة كما في اجهزة التحكم عن بعد‬ ‫كم أثرا وكم مؤثر وكم نوعا وشكال بل أن تشويه األثر كان له نفع وأثر‬

‫أعلم أني أكثرت األمثلة وربما اخترت االكثر غموضا أحيانا ذلك‬ ‫ما القول في جملة مثل "الزرنيخ قاتل"‬ ‫فإن إنسان قد يقتله مقدار من الزرنيخ ال يقتل آخرا‬ ‫فهو قاتل بشروط‬ ‫مقدار ما يعطى منه والكائن الحي الذي تناوله وغيرها‬ ‫إن هذا ألن في الجملة مكمالت اتفق عليها و بها يتسنى للقائل في علم معين أن‬ ‫يطلق الحكم‬ ‫فإن ك إن قلت هذا الكالم في كتاب علم سموم اتفق أهله على تعريف القاتل من‬ ‫السموم ووضعوا شروطه ابتعدت الجملة عن النسبية (النسبية في العلم الواحد)‬ ‫فيقولون إن القاتل هو ‪-‬مثال‪ -‬ما إذا أعطي بمقدار ملغرام أدى إلى وفاة الضحية‬ ‫في مدة تقل عن عشر ساعات وعندئذ إذا ما قيل المادة الفالنية قاتلة فهو قاتل في‬ ‫هذه الشروط(الظروف) تماما كما أن في الفيزياء تكون درجة حرارة غليان الماء‬ ‫‪ 011‬وال يذكر معها مقدار الضغط الجوي ونقاوة الماء وعوامل أخرى تغير هذا‬ ‫الحكم‬ ‫ولكن كيف ألعرابي أن يقول "الزرنيخ قاتل" وهو ال يخطر في ذهنه كل هذا‬ ‫العربية الصحيحة ال تقول هذا بل تتعامل مع الجمل بطرق أخرى لم يحن الوقت‬ ‫لتناولها‬ ‫هذا يقودنا إلى مسالة أريد التقديم لها هنا علنا نعود إليها‬

‫‪- 57 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫إن قرأت كتابا عن الحج فليس غريبا إن يبدأ بالمعنى اللغوي واالصطالحي للحج‬ ‫فيقول ‪ :‬الحج لغة ‪ :‬القصد واصطالحا ‪ :‬هو الركن ‪...........‬الطواف ‪.......‬الصفا‬ ‫‪........‬‬ ‫ال شك أن الحاج يفعل هذا لكن هذا يجعل ما ورد في القران من أسماء ال تفهم إال‬ ‫بوسيط يعرفنا بذات كل اسم ويضع جسما لكل اسم‬ ‫وهذا يخالف أن يكون القرآن كالم عربي مبين ميسر للذكر بفهم من يفهم من‬ ‫عرب ذاك الزمان‬ ‫ولكن السؤال ‪:‬لماذا أحيانا يذكر الحج مقرونا بالبيت؟‬ ‫كقوله تعالى "وعلى الناس حج البيت " و "فمن حج البيت أو اعتمر"‬ ‫إن كان للحج معنى اصطالحي واحد فلماذا يقرن بالبيت‬ ‫سينتهي الكالم في فصل الدليل لكن الكالم في الدليل لن ينتهي وسيمر بنا حين‬ ‫االحتياج إاليه‬ ‫نحن داخلون إلى فصل جديد‬ ‫يستدل الناس في أقوالهم على أشياء يرونها ادلة‬ ‫واحد مما يستدل به هو قول فالن فإذا كان القول "دينيا" تسمع كثيرا قال العالم‬ ‫الفالني ‪:‬كذا وكيت‬

‫الماللي‬

‫ما سيقال في الماللي يقال شبيه له في الخطباء والدعاة و"المفكرين" واألدباء‬ ‫والكتاب والوعظ و حتى السياسيين‬ ‫واتخذت الماللي نموذجا ألن األغلب يتأثر بقولهم ‪.‬‬

‫‪- 58 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كم واحدا اشتكى من تعدد الفتوى والمرجعيات واآلراء والمذاهب؟‬ ‫ال ينكر التعدد إال من لم يعش بعد‬ ‫فهذا له أتباع وذاك له أتباع‬ ‫وهذا يفسق ذاك وذاك يبدع هذا‬ ‫ونسمع من "عالم" حكما يحكم بغيره "عالم" آخر في المسألة نفسها‬

‫واألمر طال "العقيدة" كما طال "الفقه"‬ ‫ما الذي يجعل أتباع هذا ال يتبعون ذاك ويصغون إلى فالن ويعرضون عن فالن‬ ‫قد ينبري تابع ليقول ‪ :‬ألن هذا أعلم من ذاك‬ ‫ونسأله ‪:‬كيف علمت ان هذا أعلم من ذاك‬ ‫فإن قال ‪ :‬ألن كالم هذا خير من كالم ذاك‬ ‫نقول ‪ :‬وكيف حكمت وأنت مقلد تابع‬ ‫فالحكم أن هذا أعلم من هذا يستلزم أن تكون عالما بل أن تكون بعلميهما أو أكثر‬ ‫فإذا كنت كذلك فلم أنت مقلد ؟وقد بلغت علميهما وما نوع الكالم الذي حسن عندك‬ ‫من هذا وقبح من ذاك‬ ‫وقد يتحاذق متحاذق فيقول ‪ :‬كالم هذا موافق للكتاب والسنة‬ ‫لو كنت تعلم ما يوافق من القول الكتاب والسنة لم تكن محتاجا أن تنتظر من يقول‬ ‫كالما يوافق الكتاب والسنة‬ ‫لقد ناولتنا بهذا رأس الخيط‪.‬‬ ‫أما لو أنه قال أن كالمه موافق للعقل قلنا له ‪:‬كنا نحسبك على خير‬ ‫الموافق للكتاب والسنة يتطلب معرفته علما بالكتاب والسنة‬ ‫يقول يكفي أنه يقول ‪:‬قال هللا وقال الرسول‬ ‫‪- 59 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫ونقول ‪ :‬ومن قال أن ما يقوله من حديث صحيح ومن آية أو حديث دليل على ما‬ ‫يريد االستدالل له وليس استدالال في غير محله‬ ‫إن قال ‪ :‬هو عالم ‪ .‬نقول ‪:‬أرجعتنا إلى حيث بدأنا‬ ‫ربما يورد "العالم" حديثا صحيحا يظن صحته فإن صح كان دليال على غير ما‬ ‫أراد‬ ‫وكم من اآليات احتج بها على غير ما دلت عليه وكم سببت لي غصات‬ ‫ال نزال ال نعلم لماذا يتبع فالن وال يتبع فالن ؟‬ ‫لماذا يوثق في عالم ويعرض عن آخر والواثق والمعرض مقلدون أتباع لم يبلغوا‬ ‫من العلم ما يجعلهم يحكمون على "أعلمية" فالن أو ترجيح فتوى على فتوى فهذا‬ ‫الحكم إن تأهل له مقلد كان اولى باالتباع ممن يقلدهم‬ ‫يلجأ الجهالء في الحكم إلى وسائل وعالمات يأنف بعض األطفال منها‬ ‫كجمال الطلة وطول اللحية وبحة الصوت وكثرة االتباع ونحيب المتبوع وعلو‬ ‫الصوت وما يظن أنه من أمارات الصالح‬ ‫وال تعجب فما السبب غير هذا إن لم يكن هذا‬ ‫الثقة ؟‬ ‫ومن أين جاءت الثقة وما الذي قادك إليها‬ ‫إن اشترط البعض شهادة جامعية أو تزكية الشيوخ لم تحل المسألة بل زادت‬ ‫اشكاال‬ ‫أوليس كل صاحب هوى او رأي يمنح الشهادة لمن تابعه على هواه في جامعة‬ ‫أسست لتكون على نفس العقيدة والنهج‬ ‫فالذي ‪ -‬مثال‪ -‬يحرم التبرك بقبور الصالحين سيقبل رسالة ماجستير تسرد أدلة‬ ‫تحريمها‬ ‫والذي يجيزها أو يوجبها سيجيز رسالة تسرد أدلة تجيزها أو توجبها‬ ‫وهكذا األمر في كل ما فيه خالف عقدي أو فقهي بين "عالم" و"عالم" لتتخذ كل‬ ‫جامعة لونا وتدعو إلى عقائدها وينجح فيها من يتبع أصولها ويكون من يرى غير‬ ‫ذلك منحرفا ال يستحق النجاح‬ ‫‪- 60 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وال حاجة في سرد مئات المسائل "العقائدية" و"الفقهية" التي لكل فرقة لها فيها‬ ‫رأيا وقوال مما يعلم بعضه مرتادو المساجد أو متتبع لفتاوى الفضائيات‬ ‫وال يستغرب أن يتحزب كل تابع إلى متبوعه فقد صار األمر من دين إلى نرجسية‬ ‫تابع‬ ‫فكما أن بعض الناس يبحث ويجمع ما يخصه مما يميزه عن اآلخر ليبني عليه أنه‬ ‫فريد‬ ‫كبرجه ولونه المفضل وطعامه المفضل وناديه المفضل ويتخذ له رقم حظ ويوم‬ ‫محببا و‪...‬و‪...‬ليجلس في جمع ويقول ‪ :‬أنا ‪ ..........‬وأنا‪......‬‬ ‫أنا أحب ‪ ،‬أنا أكره ‪ ،‬أنا أنام خمس ساعات ‪ ،‬أنا أحب زهرة البنفسج ‪،‬‬ ‫يجلس ويظن أنه مركز الكون ويتحدث ليرضي نرجسيته فيقول ‪ :‬أنا أستمع (أو‬ ‫أحب أو أثق‪ )...‬بالشيخ فالن ومعظمهم وهللا ال يكادون يعلمون على أي مذهب أو‬ ‫عقيدة شيخه هو‪ ،‬هذا إن تغاضينا عن طامات أقواله التي تمر على أسماع التابع‬ ‫وهو يبتسم ظانا فيها خيرا‬ ‫ومن أدلة هذا أنك لتجد من يستمع إلى شيخين أحدهما يرى اآلخر على ضالل‬ ‫مبين والتابع هذا يطرب على كل لحن وقد يتصنع الفهم وأنه أحاط بما قيل وعلم‬ ‫المراد واستطابه ألنه علم أنه حق‬ ‫صار اختيار الشيخ كاختيار ناد كروي لم يعجبه فيه إال اسمه أو شعاره أو ضمه‬ ‫لالعبين يظن أنهم أكفاء‬ ‫العلم يحتاج صحة وداللة‬ ‫لفظة "الماللي" ال يقصد منها االساءة إلى أحد(ويقال أن أصلها فارسي )بل رأيتها‬ ‫جامعة لكل من تصدر للفتوى و"المشيخة" وال يخلو زمان من "علماء" أناروا‬ ‫للناس طريقهم‬ ‫إن الذين يقولون "هذا أعلم من هذا" أو هذا "حجته أقوى "أو "غلب فالن فالنا"‬ ‫وهم لم يغوصوا فيما غاص فيه اإلثنان فإن مثلهم كمثل رجل ياباني ال يفقه من‬ ‫الفرنسية شيء فإذا ما سمع من يعوج لسانه من المتخاصمين أكثر ومن عال‬ ‫صوته أو من غنغن عباراته أكثر حكمت له أن فرنسيته أفضل‬ ‫أعلم أن هذا الفصل يغيظ من ينتفع من بقاء المنظومة كما هي متبوع واتباع‬ ‫متبوع يقود الناس كقطيع أغنام‬

‫‪- 61 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫إن قال محاورك ‪:‬اتبع ما يقوله بدليله وأنظر في دليله‬ ‫أقول ‪ :‬لقد كنت خيرا من غيرك لكن سيبقى في نفسك من هذا شيء‬ ‫فأمثالك يحدثون نفسهم ‪ :‬العالم أدرى بلغة العرب وأسباب النزول والناسخ‬ ‫والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد و‪..........‬‬ ‫أقول ‪ :‬ليس كلهم كما تظن فمنهم وهللا ال يحسن تالوة آية أو كتابة سطر فصيح‬ ‫أما من امتلك منهم العلم الكبير فمنهم الكذبة وأصحاب الهوى ومنهم من يأكل‬ ‫بدينه أو يبيع آخرته بدنياه‬ ‫فإن قال قارئ ‪ :‬أراك تطلق أحكاما دون بينات‬ ‫أقول ‪ :‬إن قلت هذا فقد اتفقنا فلنمض‬ ‫أي مسألة تظنها فقهية تحتاج نوعين من العلم (تصنيف وضع لإلفهام ليخدم فكرة‬ ‫كأي تصنيف(‬ ‫العلم بالحكم الشرعي والعلم بالمحكوم عليه‪.‬‬ ‫الحكم الشرعي حصره المشتغلون فيه في‬ ‫الواجب والحرام والمباح(الحالل) والسنة (ما يثاب فاعله) والمكروه‬ ‫قد تجد في كتب بعض من هذا أو كله أو قد يدرج واحد منهم في غيره و نجد‬ ‫أحكاما أخرى تطلق على مسألة أو شخص ولكن المهم أنها أحكام‬ ‫فقتل الضفدعة تحتاج (كغيرها) حكما‬ ‫ما حكم قتل الضفدعة؟ ‪( ...........‬حالل أم حرام أم واجب أم ‪)....‬‬ ‫الحكم يستمد من أحد مصادر التشريع‬ ‫الجميع متفق على أن الكتاب والسنة أعظم مصدرين فيهم وبعدها يفترق الناس‬ ‫منهم من يضم إليهم اإلجماع والقياس واالستحسان والمصالح المرسلة والعرف‬ ‫وعمل الصحابة كلهم أو بعضهم‬ ‫‪- 62 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫ما يحتاج المستفتى علما بحكم هذه المصادر على قتل الضفدعة‬ ‫وهو نص من آية أو حديث تحكم على قتل الضفدعة‬ ‫أو قاعدة أو حكما من المصادر األخرى على قتل الضفدعة‬ ‫هذا العلم األول‬ ‫النوع الثاني من العلم هو العلم بالمحكوم عليه ؛الضفدعة (وقتلها)‬ ‫قد تحتاج معرفة ببايولوجيا الضفدعة وسلوكها ونفعها و‪............‬ومما ال يعلمه‬ ‫إال أهل اختصاص وهذا في الضفدعة وحدها فكيف بأحكام في كل ما يخطر على‬ ‫قلبك فما حيلة المسؤول في هذا‬ ‫ما ينبغي أنه اتضح أن الفتوى حكم وليس خبرا عاديا‬ ‫وكي تخرج بحكم تطمئن له فأنت كالقاضي قد تستعين بمترجم وطبيب ليدلي برأيه‬ ‫العلمي وأمرأة تقول ما تعلمه من شؤون النساء في قضية تحتاج علما في‬ ‫شؤونهم ومخبري ليدلك على نوع السم المستخدم و‪.............‬‬ ‫وأعلم أن غالب ما ال تدريه من أمور دينك هو مما اختلف فيه وإن ما تعلمه هو‬ ‫المتفق عليه بينهم مثل ما بني عليه اإلسالم وحرمة الزنا ولحم الميتة والدم وأكل‬ ‫مال اليتيم والكذب وشهادة الزور و‪............‬‬ ‫والخالف سيظهر في غير ما قضى "العالم " فيه عمره نحو "هل هذا ميتة " "هل‬ ‫هذا كذب" وغيره مما ال يلتمس في كتاب وسنة‬ ‫التفصيل في األحكام الشرعية ومصادر التشريع سيكون ‪-‬بإذن هللا ‪ -‬في الكتاب‬ ‫الثالث وأعلم أن ما قيل ليس شاف للصدور‬ ‫ربما سأل سائل ‪ :‬أنت قصرت كالمك على الماللي واألحكام الشرعية ولم تشمل‬ ‫الفكر والفلسفة والمدارس والمذاهب الفكرية بهذا‬ ‫أقول ‪ :‬ألن األديان لها ميزة عن غيرها من الفلسفات الوضعية ال يتسع المجال‬ ‫لذكرها هنا على أهميتها‬ ‫ومع هذا ‪ ،‬فإن األفكار الفلسفية والمدارس الفكرية من الهشاشة والضعف ما‬ ‫يجعل تناولها من ناحية بنيانها وأسسها محطم لها دون عناء يذكر وال أريد‬ ‫اإلستقواء على ضعيف‬

‫‪- 63 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫فهي باألصل غير متماسكة وليس لها بنيان ومنطلقاتها هزيلة وهي فوق هذا ال‬ ‫يجرؤ أصحابها على اإلدعاء أنها محيطة بكل جوانب الحياة لتعلن استعدادها بذلك‬ ‫للصمود أمام مساءلة وتمحيص دقيق‬ ‫وهي فاقدة ألهم جانب فلسفي يجعلها جديرة بأن تكون منظومة يتفرع عنها وال‬ ‫استطيع قول المزيد خشية التفرع إلى قضايا تحرفنا عن سبيلنا وربما جاء وقت‬ ‫للتطرق إلى بعض عيوب المدارس الفكرية والفلسفية‬ ‫ولكننا ال نزال نعني تلك المدارس ومنظريها وكتابها والداعين إليها في كثير مما‬ ‫سنقوله وإن كنا نتحدث عن "الماللي "‬ ‫وكما أنك تحتاج إلى علم "مال" فأنت أحوج إلى أن يكون "المال" تقيا‬ ‫فقد يعلم من تستفتيه الحكم الصحيح لكنه يكذب لغرض أو هوى أو انتصارا لمذهبه‬ ‫أو كرها في مذهب آخر فيدلس على الناس ويلوي أعناق النصوص‬ ‫كن كالقاضي يجمع من اآلخرين شهاداتهم ونقوالتهم فيما يخص مسألتك من‬ ‫نصوص حاكمة ونصوص عن المحكوم عليه (حديث‪ ...‬معنى لغوي‪ ...‬صحة‬ ‫حديث جرح راو‪ ...‬أثر محكوم عليه في محكوم عليه آخر ‪....‬الخ) ولن أزيد على‬ ‫هذا حتى يأتي وقته‬ ‫وما يقال في المتبوعين يقال مثله في المذاهب "الفقهية "‬ ‫والمضحك المبكي أن اإلنسان يولد فيختار أو يختارون له مذهبه دون مسوغ أو‬ ‫ترجيح ليكون األمر مرة أخرى كتشجيع النوادي الكروية‬ ‫يولد البعض ويموتون وال يعلمون مسألة واحدة شذ بها مذهبهم عن باقي‬ ‫المذاهب‬ ‫ما الذي يجعل فالن شافعي واآلخر مالكي أو حنبلي أو حنفي‬ ‫هل بحث في المذهبين أو المذاهب فعلم أن أحدهما خير من اآلخر‬ ‫من فعل ذلك صار عالما بل وجديرا أن يكون صاحب مذهب‬ ‫وإن غاص وبحث في كل المذاهب ليختار مذهبا فهل في كل المسائل أصاب مذهبه‬ ‫فيها ليختاره‬ ‫هذا إن صح كل ما نسب إلى المذاهب من مذاهب (آراء وأحكام) وتوحد أهل كل‬ ‫مذهب على قول واحد‬

‫‪- 64 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كل هذا سيعني أن الدليل المحجة ليس الكتاب والسنة وإنما قول فالن ومذهب فالن‬ ‫لينتشر بين الناس القول "قال فالن" و "المذهب الفالن يقول ‪ :‬كذا حرام وكذا‬ ‫حالل"‬ ‫إن القول "كذا حرام " أو "كيت مباح " قضية وخبر وككل خبر تحتاج إلى دليل‬ ‫إن ما يفعله بعض الشيوخ والماللي ما يلقونه من خطب ومواعظ فيها اثنين أو‬ ‫ثالثة من اآليات واالحاديث منها ما هو ضعيف أو ال يدل على ما يريد أن يستدل‬ ‫له والسامع بين من ال يعلم بهذا أو كان قد علم فارتاب من نفسه وما عدا‬ ‫النصوص فحشو زاد األمة تيها وأبعدهم عن الصواب‬ ‫إن سالح "المال" الذي في قلبه مرض (ومعه الخطباء واألدباء والدعاة‬ ‫و"المفكرين" و‪ )..‬لتصدير ضاللته ولسحر المستمعين أسلحة رأيت ‪-‬بعد تأمل‬ ‫وتفكير‪ -‬منها اثنين مهمين (ال يعلم مستخدموها بها وإنما يستخدمونها دون قصد‬ ‫معتبر)‬ ‫األول ‪ :‬إطالة الكالم وحشو العبارات ليتمكن دون أن يشعر السامعون من اخفاء‬ ‫السم في العسل فكلما طال الكالم تشتت ذهن السامع وأصبح عسيرا عليه ربط‬ ‫الكالم واألفكار ببعضها ومقارنة المقدمات بالنتائج فيلجأ السامع المسكين في‬ ‫النهاية إلى معايير ساذجة للحكم على الكالم‪ -‬بعد أن عجز عن التمحيص فيه ‪-‬‬ ‫كتعابير وجه المتكلم وحالوة العبارات وفصيح اللغة ليحكم على الكالم بأنه حق‬ ‫فالكالم الكثير خير مخبأ للباطل‬ ‫وبعد ترنح السامع يعطيه الضربة القاضية بنتيجة وخالصة وحكم فوهللا لو أن‬ ‫سليم الفهم دقق فيما قيل رأى من الشيء ونقيضه الكثير‬ ‫الكالم أوالخطبة أوالمقاالت الطويلة مرتع يخنس فيه الباطل ويخفي التناقض‬ ‫والسموم‬ ‫ويزيد من هذا كثرة االنتقاالت الفكرية والصورية وتنوع األساليب بين سؤال وحكم‬ ‫وإلزام واختالط النص الشرعي مع عمل العقل والقصص مجهولة السند واإلثارة‬ ‫العاطفية والمغالطات العقلية‬ ‫وأود هنا أن أتشرف برواية قول النبي صلى هللا عليه وسلم ‪ :‬إن طول صالة‬ ‫الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه‬ ‫أريد منك أن تفكر في كثير مما تراه اآلن ورأيته مما له صلة بهذا‬ ‫ثانيا ‪:‬ما سأسميه "االستدراج"‬

‫‪- 65 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫عندما تسأل رجال ‪ :‬ما البيت ؟‬ ‫يبدأ بالشرح والكالم عن البيت‬ ‫بعض من كالمه تعلمه (مثل البيت يعيش فيه اإلنسان ليقيه البرد والحر والمطر‬ ‫وفيه غرف ويباع و‪)............‬وبعضه مما ال تعلمه (مثل للبيت أساس يصنع من‬ ‫كذا ويوضع في من الرمل كذا والجدران ال بد أن يصيبها ماء في الوقت الفالني أو‬ ‫أي من المعلومات التي شاء هللا أن ال يعلمها السائل)‬ ‫ومن المؤكد أنك سألته ‪ -‬إن كنت ال تمتحنه ‪ -‬لتعلم منه ما ال تعلم‬ ‫ما تعلمه فأنت تعلمه أما ما ال تعلمه فكيف تعلم أنه مصيب وصادق فيه‬ ‫في هذه المساحة (األشياء التي ال يعلمها السائل) يستطيع الكذب عليك‬ ‫ولكنه ال يعلم كل ما تعلم وما ال تعلم‬ ‫وعندما تسمع منه ما تعلمه أنه موافق لما تعلمه فإنك ستثق فيما يقوله فيما ال‬ ‫تعلمه‬ ‫وربما إذا سبقت الثقة بعلمه الثقة بعلمك أو عارضت بعض ما قال وكان محل ثقة‬ ‫أو رجحت لمرجح فستسير األمور على ما يهوى‬ ‫هذا ما أراه كثيرا ممن يجلسون الساعات الطويلة يستمعون إلى ما يظنون أنه درر‬ ‫تخرج من فم الخطيب أو الواعظ حتى أنك ترى بعضهم (وهذا المتفنن في التلبيس)‬ ‫يبدأ بمقدمات وكالم ال يعارضه حتى األطفال يغري به السامع ليخوض به بحر‬ ‫مالح أجاج يستطيبه السامع بعد أن فقد لسانا يتكلم به ويتذوق‬ ‫وهذا كله إن كان بمقدور السامع أن يعارض أو أن يفكر أما كان التعصب والتقليد‬ ‫فليمد الخطيب رجليه‬ ‫هذان أسلوبان وقد تجد أساليب أخرى‬ ‫لكن الطامة األخرى أن يكون األمر اعجابا شخصيا أو تأثرا أعمى‬ ‫فيكون مثله كمثل الداخل إلى معرض رسوم سيريالية يقر أن ال دراية له في هذا‬ ‫الفن ولكنه يبدي اعجابه ويتصنع انبهارا بصورة ألن فالن رسمها وربما كان‬ ‫المصور قد تعمد إفساد هذا الفن‬ ‫لكن ال يزال في هذه األمة الخير وال يزال يولد فيها من يصحح وينصح ويسدد‬ ‫ويقارب وإال ما حفظ هذا الدين‬ ‫‪- 66 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وكلما أوشكت االمة أن تقع فيما وقعت فيه من سبقته�� خلق هللا لها من يحاول‬ ‫انتشالها ويعاني ما يعاني أو يكابد ما يكابد من أقوام يحتجون بآبائهم أو منافعهم‬ ‫أو شكوكهم‬ ‫يعلم القارئون أن االختالف ليس في "الفقه" وحده وإنما في "األصول والعقائد"‬ ‫وهذا أخطر‬ ‫سأترك الكثير لقوله في كتاب آخر وهناك سنبسط الكالم فيما على المسلم فعله وما‬ ‫على "العلماء" تقديمه ومعها مراجعة في أصول الفقه وآالته‬ ‫احرص أن ال يكون جوابك في اآلخرة ‪":‬تبعنا سادتنا فأضلونا" واخشى أن يتبرأ‬ ‫الذين اتبعتهم منك وال رجوع حين تقول "ربنا أرجعنا نعمل صالحا"‬ ‫وعليك بتأمل كلمات تختصر الكثير من الكالم "اعرف الحق تعرف أهله"‬ ‫وأنت على هذه الحال كيف تقيس صحة قول القائل ؟‬ ‫إن قال قائل ما تجهله فكيف تحكم على صحته صدقا وصوابا‬ ‫بماذا تزنه وبماذا تقيسه‬ ‫من عرف اإلسالم يقول ‪ :‬بمقدار ما يوافق الكتاب والسنة‬ ‫ولتعلم أنه موافق للكتاب والسنة عليك أن تكون عالما تحكم بأن هذا القول موافق‬ ‫للكتاب والسنة‬ ‫عليك أن تعرف لغة العرب وأسباب النزول وتخريج الحديث والحكم عليه أو أقوال‬ ‫األئمة فيه والكثير من أدوات االستنباط وأوجهه‬ ‫أو تكون مقلدا تقبل ما يقال لك ولكن‬ ‫إن تعارض قوالن فكيف ترجح وهذا يحتاج علما أكبر‬ ‫الكثيرون يقولون أزنه بعقلي وهذا وهللا من الجرائم الكبرى‬ ‫فالعقل ال ضابط له واألفهام تتفاوت والحكم على الشرع بالعقل تقديم لغير الشرع‬ ‫على الشرع وهو بعد ذلك عرضة لألهواء والرغبات وأهل العقل متفرقون في‬ ‫مدارس وعقائد والكل يدعي إطاعة العقل‬ ‫والنصوص التي تحذر من تسلط العقل وطاعته كثيرة وليس الدين بالرأي وإال فما‬ ‫الحاجة إلى تشريع ؟‬ ‫‪- 67 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫واألهم من هذا‪...................‬‬ ‫ما هو العقل ؟‬ ‫سنمر على هذا‬ ‫وقد قلنا أن العلم وحده ال يكفي فقد يكذب العالم ويضلك‬ ‫فإن كان شيء يدفعه للصدق فإن أشياء تدفعه للكذب فهو وسط محيط من اآلثار‬ ‫واالعتبارات وقد ينتصر أثر على أثر فيطلق الكالم أو اإلجابة عن سؤال فيصدق أو‬ ‫يكذب وهو بشر وامتالك العلم ليس حصانة من الكذب والتدليس والتضليل وإال ما‬ ‫سمعنا عن من حرف وبدل وأضل من علماء منذ خلق آدم‬ ‫فحب المال وخوف الفقر وخشية السلطان والتعصب للنفس واألهل والعشيرة‬ ‫والقبيلة دوافع وبواعث ال يقابلها إال خشية هللا التي إن قويت قال صاحبنا الحق‬ ‫ولو عاداه كل الناس وصلب وشرد‬ ‫بعض العلماء يتصرف كالمطربين وممثلي المسرح يتفاعل مع تفاعالت الجمهور‬ ‫لقوله فيقول ما يرضي الجمهور‬ ‫ولكن من يمثل اإلسالم ؟‬ ‫سيقول البعض ‪ :‬ال أحد يمثل اإلسالم‬ ‫سأفاجئك وأقول ‪ :‬تستطيع أنت وغيرك أن يمثل اإلسالم‬ ‫كيف ؟‬ ‫بأن تكتفي بقول النص اإلسالمي‬ ‫أنت تمثل اإلسالم حين تنطق بنص من القرآن وصحيح السنة وحالما تقول أو تزيد‬ ‫عليها ما ليس منهم عزلت من منصبك‬ ‫فإن قلت ‪ :‬الرجال قوامون على النساء ‪.‬فإنك مثلت اإلسالم ولكن إن قلت ‪ :‬الرجال‬ ‫قوامون كثيرا على النساء ‪،‬أو الرجال قوامون على النساء كلهم أو الرجل قوام‬ ‫على المرأة أو الرجال أفضل أو الرجال أشجع أو ‪.......‬فإنك لم تعد تمثل اإلسالم‬ ‫إذا قلت "محمد رسول هللا "فأنت تمثل اإلسالم فإن أكملت كأن تقول "وهو النبي‬ ‫الذي كذا وكذا ‪"..‬فإنك بهذه الزيادات ال تمثل اإلسالم‬

‫‪- 68 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كنت قد كتبت فصال من كتاب لم ير النور وسميت الفصل "كل يمثل نفسه" في‬ ‫تفصيل في هذا لكني أرى أن ما قيل يغني‬

‫إذا قلت " إنما األعمال بالنيات" فأنت تمثل اإلسالم‬ ‫وسيسأل أحدهم ‪ :‬هكذا ! دون قال رسول هللا أو عن عمر عن‪....‬‬ ‫نعم ‪ ....‬لك أن تقول النص القرآني أو النبوي الصحيح طالما تبنيته شريطة أن‬ ‫تراعي سياقه وموقعه فال تقول ‪ :‬أنا ربكم األعلى أو ادعوني استجب لكم‬ ‫والقيود ربما ضبطناها في موضع آخر‬ ‫ففي األخبار من هللا ورسوله يقتضي اإليمان بها تبنيها لكن ايراد مصدرها منوط‬ ‫بتبيان حجيتها‬ ‫أي تصرف في النص تظن أنه ال يغير المعنى فأنك تحرفه من قوته وصحته إلى‬ ‫اجتهادات وظنون بشر إال اللهم أفراد جمع ‪ -‬مثال ‪-‬كأن تقول "إنما أموال فالن"‬ ‫مستندا إلى قوله تعالى "إنما أموالكم"‪.......‬‬ ‫تناولنا في ما سبق بعض ما يستدل به وهو أقوال البشر عالما كان أم متبوعا أو‬ ‫مرشدا‬ ‫في القادم سنرى شيئا آخر يستدل به وهو "العقل "‬

‫العقل‬ ‫الكتاب الذي بين يديك هو وليد لكتاب بعيد المضمون واالسم حذفت منه أشياء‬ ‫ربما كتبت بعضها في مواضع أخرى إن شاء هللا و كان محوره دور العقل حتى‬ ‫تشعب الكالم فكان لزاما توسيع الكتاب وتغيير اسمه‬ ‫لفظ العقل تنطق به ألسنة الكثيرين‬ ‫بل أن من المديح أن يقال فالن عاقل أو ذو عقل راجح وعد من يستعين بعقله‬ ‫نقيض لألحمق والسفيه والمتهور‬

‫‪- 69 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫ورجاحة العقل صفة يريدها "الحكماء" ألزواج بناتهم ولشركائهم وألصحابهم‬ ‫ومن يخالطون هم أو أبناءهم‬ ‫الفالسفة يقدسون العقل والمناطقة يجعلونه أداتهم والمتكلمون يحمون به‬ ‫والعلمانيون يجعلونه معصوما والملحدون يعبدونه‬ ‫وكي ال يقال أننا اجتررنا من السابق سنخضع العقل لما كنا نتحدث فيه‬ ‫العقل كمئات الذوات تستع مل دون اتفاق على معانيها ونحن نخشى أن يكون معنى‬ ‫العقل غير ما نفهم فتكون رجاحة العقل ‪ -‬مثال ‪ -‬القوة أو الشجاعة أو طعاما أو‬ ‫غيرها ونحن ال ندري (وكذلك الذكاء و‪)......‬‬ ‫العقل كغيره اسم جاء من فعل"يعقل "‬ ‫و"يعقل" تأتي حين نقول – مثال – "عقل الدابة "‬ ‫ولكن سائال إن سأل ‪ :‬ولماذا نجعل إحداهما مرجعا لألخرى ولماذا ال نقول أن عقل‬ ‫الدابة من فعل "يعقل" لإلنسان‬ ‫لكم أن تسألوا ولي أن أرجئ اإلجابة إلى حين‬ ‫"عقل" الدابة تفهم بربطها كي ال تفلت‬ ‫كثيرا ما أكون بين أمرين‪:‬‬ ‫مسايرة الناس في فهمهم لالصطالح فنكون بهذا قد وضعنا اسما لذات كما أننا‬ ‫نسمي وليدا جميل وهو ليس جميال‬ ‫أو نعيد الناس إلى المعنى الذي ال بد منه كي ال يحدث لبس‬ ‫لكن إشكاال يبرز‬ ‫هل العقل كالوليد الذي له يد وساق وعين‬ ‫ال أحد يزعم مسك العقل بيده فيقول هذا عقل‬ ‫صيغة لفظة "العقل" صيغة يسمونها "مصدر"‬ ‫كالضرب من "ضرب "‬ ‫قد يمسك بشيء من آثار العقل ويصح ان يقول هذا‬ ‫‪- 70 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وال أحد يمسك ب"الضرب"‬ ‫قضية اإلمساك للتسهيل وإال فهي ليست علمية بحتة‬ ‫كل الناس إال من ال أعرف ترى العقل آلة أو جهازا أو يدلهم على "الصواب"‬ ‫والنافع إن أرادوه وينجيهم من الضار والمهالك‬ ‫ولكن إن سألتهم ‪ :‬ما هذا الشيء وكيف يعمل ؟‬ ‫ما هذا الشي؟‬ ‫سيجيبونك بأنه العقل‬ ‫أما غير هذا نحو "كيف يعمل " فلن يجيبك أحد إال خلطا وإخبارا بظنون مع حك‬ ‫الرأس والتنطع وتقطيب الحاجبين لعل الدم يجري أكثر فوق العينين‬ ‫ولن تنفعنا المراجع طالما أن المعتمد ما يفهمه الناس ولن تنفعنا طالما أن المعنى‬ ‫غير ما يجب أن يكون‬ ‫يجب أن يكون ؟!‬ ‫وهل تلزمنا بطاعتك في اختيار األسماء للمسميات ؟!‬ ‫نحن نتكلم بلغة معانيها تنضبط بالغرض الذي أجله نتكلم‪.‬‬ ‫إن كان األمر "شفرات" و "ورموز" بين المتخاطبين فضعوا للمسميات ما‬ ‫تشاءون من أسماء واخبروا المتحدثين بهذه اللغة عن معنى كل اسم وضعتموه‬ ‫وعن السياق والظرف والشروط في اجتماع مليوني أو ملياري‬ ‫وهذا مع استحالته غير كاف‬ ‫في الحقوق بين الناس ال بد لألمر من ضابط‬ ‫أما فيما له عالقة بمن هو ليس ملزم بما اتفق عليه كل الناس فالحاجة للضبط أشد‬ ‫إن لم يكن للغة ضابط لن نفهم وثيقة كتبت قبل مائتي عام ولن نفهم من القرآن‬ ‫تذكرة وال من السنة حكما ولن نلزم أحدا بما قال حتى يضع ختمه وبصمته على‬ ‫وثيقة تمتد من األرض إلى الشمس فيها لكل إسم معنى تواطأ عليه كل من‬ ‫"سيختم" و"يبصم" عليها‬

‫‪- 71 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫عندما دخل العقل كمصدر للتشريع عند البعض صراحة وعند آخرين بشروط‬ ‫خادعة كان لزاما أن نرى أصل ذلك وأين تسلل العقل إلى الدين‬ ‫وردت "العقل" في الكتاب والسنة ‪ -‬وهلل الحمد ‪ -‬مما ال يترك فرصة لمن يريد‬ ‫تطويعه ألغراضه‬ ‫ما هذه اآللة التي تخلق األفكار وتختار الصحيح منها‬ ‫إن كانوا يريدون "عقال" يخلق األفكار واالحكام من العدم فأين وقود هذا العقل‬ ‫وأين خام األحكام واألفكار التي يصوغها العقل‬

‫في اإلنسان ما يتعامل مع المعلومات سموه ما شئتم‬ ‫إن اإلنسان يعيش وهو يجمع معلومات فيتيقن من بعضها ويشكك في أخرى‬ ‫ويرمي ما يعلم أنها باطلة‬ ‫هذه المعلومات ضرورية كي يعيش‬ ‫وإال فلن يخشى نارا ولن يتجنب رجل وحشا ولن يحذر أوالده من ابتالع األدوية‬ ‫دون استشارة خبير‬ ‫إن من المعلومات ما ال تشعر بأهميتها ومن المعلومات ما يرافقك طوال حياتك‬ ‫ومنها ما يحذف ومن المعلومات (إن لم يكن كلها) ما يعين على فهم أخرى‬ ‫كيف فهمت من اهتزاز الشجرة أن الريح هبت لوال أنك تعلم أن الريح تهز الشجر‬ ‫بظروف وشروط‬ ‫وكيف فهمت أن هذه األرض منطقة حارة من رؤية شجر موز تعلم أنها تنمو في‬ ‫المناطق الحارة –مثال‪-‬‬ ‫وستعلم ال حقا أن الخبر أمر بلفظة خبر‬ ‫فإن مخبرك بأن "المطر نازل" يأمرك ‪-‬مثال ‪ -‬بالبقاء في البيت‬ ‫ومخبرك أن ألغاما في األرض يأمرك باألبتعاد عن هذه األرض‬ ‫وربما كان مخبرك أنه ال يملك قوت يومه إنما يأمرك أن تعطيه‬ ‫‪- 72 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫ربما استفزتك لفظة "أمر"‬ ‫"األمر" ليس كما يضعه أهل النحو ‪-‬كصنف من األفعال‪ -‬من األعلى إلى األدنى‬ ‫"سيد الشهداء حمزة ورجل قام غلى سلطان جائر فأمره ونهاه " كيف يأمر‬ ‫سلطان وهو دونه واألمر يقبل معكوسا‬ ‫وتعال ‪:‬تقال ب"أريدك"‬ ‫وقد يكون األمر لمعلومة ال نعلمها‬ ‫فإن قيل لك "نم"‬ ‫ال تدري ‪ -‬وأنت ابنه‪ -‬إن كان قالها ليتمكن من النوم بنومك أم ليستحم ويضع‬ ‫البخور أم ليطرب بشخيرك أم ‪....‬أم‬ ‫هذا جعل الكثيرين يبحثون عن "العلة" من األمر‬ ‫إن كان من علة مذكورة فخير أما لم تذكر ويذكر أنها علة فما سبيلك للعلم بها‬ ‫في الحديث " إني قد نهيتكم عن زيارة القبور أال فزوروها فإنها تذكركم باآلخرة"‬ ‫هذا يفهم منه البعض أن علة األمر بزيارة القبور ‪ -‬إن كان واجبا‪ -‬هو التذكير‬ ‫باآلخرة ‪.‬‬ ‫األسلم أن تطيع ألن المطلوب تنفيذ األمر وألن عصيان األمر معاقب عليه‪.‬‬ ‫أما إن لم تعلم العلة ‪-‬إن كان ال بد من علة لكل أمر ‪ -‬فما ستفعل سوى أن تطيع‬ ‫المشكل األكبر أن تخترع علة‪.‬‬ ‫قد يأمر آمر بأمر لمعلومات يعلمها وال تعلمها فال تعلم لم أمرك ؟‬ ‫بدال أن يجلس ليشرح لك ساعات ويخبرك ومنه ما يحتاج إلى دليل‬ ‫يفكر هو ويختصر ويلخص ويأمر بما يراه األسلم واألحكم والمناسب لما يجب‬ ‫اتخاذه حيال المعلومات‪.‬‬ ‫الخبر أمر بوجود أخبار أخرى واألمر يصدر نتيجة وجود أخبار‬

‫ليس هذا فقط فا ألمر ينتج من العلم بمعلومات كثيرة بعضها يعلمها المأمور وبعضها ال يعلمها‬ ‫‪- 73 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫واألخبار تعينك على فهم أخبار أخرى‬ ‫وسنعود لهذا إن شاء هللا‬ ‫نعود للعقل‬ ‫نحن نتفاهم ونتخاطب بلغة القرآن والسنة وبعيدا عن أصل اللغة فإنك ما أن قبلت‬ ‫بهذا استطعنا المضي‬ ‫وردت "عقل "في السنة في "اعقلها وتوكل"‬ ‫هل يصح هذا المعنى مع المعنى الذي يريده من يقول "عقل"‬ ‫ال دليل غير ‪-‬أو على األقل أقوى‪ -‬من فعل اإلسم وال دليل على معنى وضعه من‬ ‫يطاع فيه إال المستقى من لفظه إن لم يرد شرح مفصل ممن يأمر‬ ‫وأهل اللغة يصولون ويجولون ويعودون فيستشهدون بشعر الجاهلية وآي القرآن‬ ‫والسنة‬ ‫لم ينقل لنا معان ألفعال لغة العرب ولم يفوض احد بوضع معنى لكل فعل أو أسم‬ ‫ومن يفوض يفوض على ماذا وما دليله؟‬ ‫إذا تنازع القرآن مع أهل هذا الزمان فلمن الترجيح‬

‫ضربُوهُ ب ِ َب ْعضِ َها َك َذلِ َك ُي ْحيِي ّ‬ ‫هللاُ ا ْل َم ْو َتى َو ُي ِري ُك ْم آ َياتِ ِه لَ َعلَّ ُك ْم‬ ‫قال تعالى " َف ُق ْل َنا ا ْ ِ‬ ‫َت ْعقِلُونَ ( )‪ .‬سورة البقرة‪".‬‬ ‫وبعد آيات " َأ َف َت ْط َم ُعونَ َأن يُ ْؤ ِم ُنو ْا َل ُك ْم َو َقدْ َكانَ َفريقٌ ِّم ْن ُه ْم َي ْس َم ُعونَ َكالَ َم ّ‬ ‫هللاِ ُث َّم‬ ‫ِ‬ ‫ُي َح ِّرفُو َن ُه مِن َب ْع ِد َما َع َقلُوهُ َو ُه ْم َي ْعلَ ُمونَ "( )‪ .‬سورة البقرة‬

‫وقال تعالى " َوفِي ْ َ‬ ‫ض ق َِط ٌع ُم َت َجا ِو َراتٌ َو َج َّناتٌ مِنْ أَ ْع َنا ٍ‬ ‫ب َو َز ْر ٌع َو َنخِيل ٌ صِ ْن َوانٌ‬ ‫األ ْر ِ‬ ‫ض فِي ْاألُ ُك ِل ۚ إِنَّ فِي ٰ َذلِ َك‬ ‫ض َها َعلَ ٰى َب ْع ٍ‬ ‫ان ُي ْس َق ٰى ِب َم ٍ‬ ‫ضل ُ َب ْع َ‬ ‫اء َوا ِح ٍد َو ُن َف ِّ‬ ‫َو َغ ْي ُر صِ ْن َو ٍ‬ ‫ت لِ َق ْو ٍم َي ْعقِلُونَ "‬ ‫َآل َيا ٍ‬ ‫وغيرها الكثير‬ ‫هل تفهم منها أن العقل آلة تنتج عقائد وأفكار؟‬ ‫أم أنه أقرب للمستقبل منه للباعث؟‬ ‫‪- 74 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫أليس كأنه قفص يحبس أي طائر يدخل فيه أو مصيدة؟‬ ‫وب َي ْعقِلُونَ ِب َها"‬ ‫كما في – مثال – " َف َت ُكونَ لَ ُه ْم قُلُ ٌ‬ ‫هل من المناسب أن نجعل فعل اإلسم هو المعتمد‬ ‫لو سلكنا هذا فعلينا أن نقول أن التصفيق – مثال – من "الصفاقة"‬ ‫إي وربي‪......‬‬ ‫فإني أرى أن التصفيق يجعل من يطلبه بحركات أو كالم وتنميق واصطناع وعناء‬ ‫صفيقا‬

‫وال تخش إن ربطت اإلسم بمعنى فعله شرط إحسان االشتقاق ومراعاة القيود‬ ‫والعباءة أمن العبء؟‬ ‫والسمكة من "السمك"؟‬ ‫والمرآة من الرؤية والعائلة ألنها تعول أو تعال والعجوز من العجز والمائدة من‬ ‫المد‬ ‫والصحابة من الصحبة‬ ‫جعل مقدسو ومعظمو العقل له صالحيات‬ ‫وصار حاكما عند البعض على النص‬ ‫وبرغم أن البعض جعلوه معينا على الفهم فإنهم لم يخبرونا به قبل أن نستخدمه‬ ‫وتركوه هكذا ف ضفاضا مرنا ينساب منه كل صاحب هوى ليهدم ما يشاء وليشكك‬ ‫بما يشاء‬ ‫وانقلب عند البعض هوى مجردا‬

‫وليس التصفيق وحده ما يطلبه المستعرضون فقد يغنيهم عالمات استحسان أخرى‬ ‫غير أن وضع تعريف " من رأى النبي صلى هللا عليه وسلم أو سمعه ومات على اإلسالم" جعل الصحابي‬ ‫ذاتا فتطرقت إشكاالت – كما تتطرق حين تكلف وضع تعريف ألي شيء‪ -‬وكان الجدير أن يراعى الفعل وال‬ ‫يلتفت لوضع تعريف وإني بحول هللا عائد لهذا في كتاب آخر إن شاء هللا ذلك‬

‫‪- 75 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وال تجد هوى مطاعا إال قالوا لك "العقل يأمر بهذا"‬ ‫استعمل الفالسفة والمفكرون "العقل" أو ما أسموه عقال كآلة تنتج لهم األفكار‬ ‫ويحكمون بها على الصواب والخطأ وتناول هؤالء و "عقلهم" سنتركه للكتاب‬ ‫الثالث‬ ‫أما أقلهم ضررا ‪ -‬من الباحثين في المسائل "الشرعية" ‪ -‬فقد جعل أعمال العقل‬ ‫مصادر للتشريع باسماء القياس واالستحسان والمصالح المرسلة وألنه مصدر‬ ‫من مصادر التشريع عند األغلب األعم‬ ‫وإذا بدا للقارئ أننا نحنينا بالفصل منحى "ديني" فهذا للتوضيح ألن الباحثين في‬ ‫"العلوم الشرعية" أكثر"منهجية" واعتناءا من كل من سواهم ممن اشتغلوا فيما‬ ‫ليس من العلوم الصرفة وال أريد إلزام أحد بهذا في هذا الكتاب لكني ال أرى ما نعا‬ ‫من تناول بعضها كمعين للتبيان‬ ‫فالقياس – مثال – ومرة أخرى من "قاس"‬ ‫لكنه ذو "معنى اصطالحي" وكالمتوقع ستجد تباينات في التعريف‬ ‫الجميع ممن صنف في الفقه يرى الكتاب والسنة أهم مصدرين من مصادر‬ ‫التشريع وغالبا ما يجعلون االجماع ثالثهما ليكون القياس رابعا عند من يراه‬ ‫مصدرا وربما يكون مقدما على اإلجماع‬ ‫ما ال يخالفه الكثيرون – كتعريف‪ -‬فإن القياس ‪ :‬إلحاق فرع بأصل في الحكم‬ ‫الشتراكهما بعلة‬ ‫الحكم هو الحكم على مسألة ‪ :‬حالل أم حرام واجب أم ‪..............‬‬ ‫ولم يخطر أو ربما خطر على قلبهم أحكام أخرى فالحكم خبر‬

‫وال ندري نحسب ماذا على من ؟‬ ‫األصل ‪ :‬هي المسألة التي حكم فيها بالحكم بنص قرآني أو نبوي (وربما باجتهاد)‬ ‫الفرع ‪:‬مسألة تشترك مع األصل في علة‬ ‫ومصدر التشريع عند أهل الفقه وأصوله هو ما يستعان به الستباط حكم في مسألة‬

‫مرة أخرى مشكلتي في وضع ردود وتعريفات للخصوم ألرى خصمي بوضوح ال كشبح حتى إذا ما تمكنت‬ ‫منه ال يقولون " ال ليس هذا صاحبنا‬ ‫‪- 76 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وحينئذ يكون حكم الفرع كحكم األصل‬ ‫العلة ‪:‬السبب المظنون الذي ألجله حكم بالحكم في األصل‬ ‫والعلة ؟‬ ‫منصوصة أم غير منصوصة ؟ أي جاء نص بإن العلة هذه هي علة هذا الحكم‪.‬‬ ‫ومنهم من يرى أن بعض القياسات فاسدة وبعضها صالح‬ ‫السبب والعلة مظنونة ألنه ربما توهم المجتهد علة‬ ‫كل هذا إن كان مقبوال أن يبحث عن علة أو أن تكون األحكام لعلة أصال ألن‬ ‫المعترض يقول وهل يجب أن يحكم هللا لسبب غير مشيئته‬ ‫إذا ما كان المشترك بين الفرع واألصل شيئا آخر غير العلة فالهجوم على هكذا‬ ‫قياس أسهل‬ ‫تصدى للقياس من يعدون على األصابع ممن المشهورين وكثير منهم أصاب في‬ ‫حججه كثيرا ومنهم من تخبط‬ ‫وبعض المثبتين للقياس يشترطون ويدخلون أصنافا ويرفضون أخرى‬ ‫مثال‪:‬‬ ‫تحريم المخدرات قياسا على الخمر بعلة األسكار (ما الحاجة لقياس كهذا إذا "كل‬ ‫‪1‬‬ ‫مسكر حرام")‬ ‫يقال ‪ -‬مثال ‪ : -‬الخمر مسكر والمخدرات مسكرة ورأوا أن علة تحريم الخمر هو‬ ‫اإلسكار فجعلوا حكم المخدرات كحكم الخمر (حرمة) ألشتراكها باإلسكار الذي ظن‬ ‫أنه علة الحرمة‬ ‫وهكذا نرى عندما يضربون أمثاال للقياس فهم إما ال يحتاجون للقياس أو أن العلة‬ ‫المشتركة ليست سببا للحكم أو يخترعون علة للحكم فيقيسون أو يقيسون على‬ ‫أصل ضعيف أو يقيسون حكما على حكم كالواجب على الحرام أو السنة على‬ ‫الحالل أو أننا نرى القياس على أحكام غير تلك التي حصروها للشرع ‪-‬كالحكم‬ ‫باألفضلية مثال ‪ -‬ولقد سمعت وقرأت أمثلة كهذه ممن يؤصل للقياس‬ ‫لوكان للقياس اعتبار الكتفينا ببضع نصوص تقاس عليها باقي األحكام‬ ‫هذا مثال للتوضيح والتبسيط‬

‫‪- 77 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫كل هذا باعتبار ما يعنونه بلفظة قياس دون االعتناء بالفعل "قاس"‬ ‫و تجد لفظة "قياس" في علوم وفنون أخرى بمعنى آخر‪ -‬كالقياس العلمي‬ ‫والمنطقي‬ ‫أن القياس العلمي له أهمية عندنا فنحن نقيس الشيء بأثره نوعا وكما‬ ‫نأتي بمتأثر يزداد تأثره بمقدار تأثره فيزداده أثره فينا أو في ما يؤثر فينا‬ ‫نقيس حرارة الجو بارتفاع الزئبق وسرعة السيارة بمدى حركة المؤشر وقد‬ ‫نقيس تعب الناس بمقدار الشخير وقوة الماء بارتفاعه وكذلك اهتزاز الشجرة‬ ‫واحمرار الجمر‪ ،‬به نستطيع قياس تقديريا أو بدقة قوة الريح‬ ‫ال أعد ما ذكرته عن القياس ردا عليه فإن لي عودة إليه في كتاب آخر وقد اكتفيت‬ ‫هنا بعرضه مع بعض التبيهات وأقول هذا خشية إن يقول واحد من مناصري‬ ‫القياس من يدعي أني لم أحسن نقل رأيهم فإنا – وهلل الحمد – أعلم كيف يلجأ‬ ‫البعض للتشغيب والتملص والتلبيس ولنا لقاء معه المدافعين عن كل ما أراه خطأ‬ ‫‪ ،‬متاوليهم و معانديهم ‪ ،‬بحول هللا‬ ‫أما االستحسان فيكفينا القول ‪ :‬ما يحسن عند البعض يقبح عند آخرين ولن نفصل‬ ‫اما المصالح فنخشى أنها دنيوية صرفة والعرف وهو وغيره مع القياس واإلجماع‬ ‫سيكون له بإذن هللا موضع آخر‬ ‫كل أولئك بعض ما يستشهد به أو يستدل به المتكلم ولكن بعضا آخرين قد‬ ‫يستدلون أو يستشهدون باألمثال الشعبية أو الفصحى وهو ما سنأتيه‬

‫األمثال‬ ‫األمثال جمل خبرية وأحيانا إنشائية (اإلنشاء حسب التصنيف االصطالحي‬ ‫االكاديمي هو سؤال أو أمر )‬ ‫والناس أثناء الحديث إذا أرادت اإلقناع أو إظهار استنكار تلجأ أحيانا إلى األمثال‪.‬‬ ‫ولربما لكل مثل قصة وربما هو بيت أو أقل ويمكن إدراج "الحكم" تحت األمثال‬

‫‪- 78 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫إن لألمثال منافع يمكن تلخيصها ‪ -‬عندي – ب"التجريد " و " التحييد "‬ ‫وبهما نستطيع القول أن لهما دورا احيانا عظيما في اإلفهام‬ ‫أنت تستطيع تلخيص فكرة تحتاج شرحا لربع ساعة بإيراد مثل‬ ‫فتقول " ما حك جلدك مثل ظفرك "‬ ‫عوضا عن أن تقول – مثال ‪ : -‬يا أخي أنت أدرى بمشاكلك وظروفك ورغباتك‬ ‫وغيرك إن أردت االستعانة به فلربما لن يكون حريصا على ‪ ......‬وربما أساء ولم‬ ‫يحسن التصرف و ‪ ....‬و‪...‬‬ ‫لكنك اختصرت كل هذا في المثل وإلقناع المخاطب قست أهمية ونفع أن تنجز‬ ‫عملك بنفسك على قدرة ظفرك (يدك) على إحسان حك ظهرك‬ ‫لكن هل هذا االحتجاج صحيح ؟‬ ‫إنك كثيرا ما تكون عاجزا على نفع نفسك أكثر من غيرك وتستعين بمن هو أقدر‬ ‫على خدمتك وإال لم استأجرت شخصا إلصالح سيارتك أو حاسوبك أو نجارا‬ ‫ليصنع لك سريرا بل حتى الطلب من النجار الماهر قد يحتاج من يذهب ليقنعه‬ ‫ولكن ما التجريد وما التحييد؟‬ ‫التجريد أن تجرد المسألة مما كل ما له أثر في الحكم فتأتي بمثل ال يذكر فيه إال‬ ‫الحالة بعيدا عن حواش ومتعلقات تؤثر في الحكم‬ ‫ففي مثلنا " ما حك جلدك مثل ظفرك "‬ ‫ربما تستخدمه إلقناع رجل يريد أن يستأجر سائقا إليصال ابنته إلى المدرسة يوميا‬ ‫هذا الرجل قد يتأثر بحكمه على صالحية هذا في انه مشغول ال يستطيع التفرغ‬ ‫لهذا وأن السائق محتاج وهذه طريقة جيدة لمساعدته و‪.............‬‬ ‫قائل المثل يجرد المسألة من ما قد يؤثر في الحكم ومما يعقد النظر إلى المسألة‬ ‫وعلى هذا فنحن نسمع نحو ‪ :‬إن مثلي كمثل ‪ .....‬أو نفرض أن ‪....‬‬ ‫أما التحييد فهو تحييد السامع وجعله قاضيا وليس طرفا في القضية‬ ‫وفي مثلنا فإن تكاسل األب يجعله طرفا‬ ‫يتداخل التحييد والتجريد أحيانا فيكونان عامال واحد‬ ‫‪- 79 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وأحيانا يمكن فصلهما‬

‫العلم‬ ‫إذا قال سعيد " مات سعد"‬ ‫فإن سعيدا علم من أثر موت سعد فيه أو أثر موت سعد في وسيط يؤثر فيه أو‬ ‫وسطاء يؤثر أحدهم فيما يليه حتى تنتهي اآلثار في سعيد‪.‬‬ ‫والعلم بموت سعد يعتمد على معنى الموت عند سعيد‪.‬‬ ‫فهل يرى سعيد أن توقف دقات قلب سعد هو الموت أم أن فقدان سعد النفعاالته‬ ‫(ردود فعله للمؤثرات كلسعة حر أو نحلة ) أم برودة جسده أم رائحة النتن‬ ‫المنبعث بعد أيام‬ ‫وقد نستعين بأثر أو أثرين أو أكثر لموت سعد؟‬ ‫ولن نعرض للمو�� هنا كغيره من المسائل الكثيرة التي نتجاوزها حرصا على‬ ‫المضي في طريقنا‪.‬‬ ‫إن اإلنسان في النهاية‪ ،‬مهما تقدمت الوسائط وتعددت اآلثار‪ ،‬هو الهدف النهائي‬ ‫حين يكون اإلنسان هو مركز الكون المعرفي‬ ‫أي حين يكون شعور اإلنسان وتأثره هو العلم‬ ‫فهل فكر أحد في نظام يراعى فيه أن يكون األسد هو المتأثر الذي به يحصل العلم‬ ‫أو بالحجر أو الماء أو غيرهم ننظر للحياة‬ ‫العلم يظهر بعد تأثر اإلنسان به وما قبل هذا أو إن تجاوزه أو غاب عنه لم يعده‬ ‫اإلنسان علما ( هذا إن علم بوجوده أو خطر على قلبه أن يكون )‬ ‫اآلثار في النهاية تنتهي إلى الحواس الخمسة (تصنيفها إلى خمسة اتفاقا ال يلزم‬ ‫مجتهد)‬ ‫المنظومة العلمية قائمة على تقييم اإلنسان وال ضير كبير في سياقنا هذا‪.‬‬

‫‪- 80 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫عضو الحاسة يتفاعل مع األثر القادم وهذا العضو عين أو أذن أو جلد أو أنف أو‬ ‫لسان ومن هذا العضو يسير تيار عصبي يحدث آثار بعضها في المخ الذي يتأثر‬ ‫فيؤثر في غيره بإيعاز عصبي‬ ‫إذا نظرنا إلى إلى مصدر ضوء فإن الضوء سيؤثر في العين (وغيرها)وهذا‬ ‫التفاعل يحدث تفاعالت أخرى وتصل بعض اآلثار إلى المخ "فيفهمه" المخ ضوءا‬ ‫رغم أن تفاعل المخ تفاعل مادي بحت لكننا نرى صورا وأضواء‬ ‫عجيب هذا اإلنسان‬ ‫تفاعل يحدث فينا يحدث فينا ما ال نستطيع وصفه‬

‫ليس لدينا مخ البطة أو مخ السنجاب لنفهم كيف يرون وكيف يفكرون وكيف‬ ‫يتفاعلون سنجابيا وليس من المحال الوصول إلى هذا‬ ‫والشجرة ليس لها عيون ولكنها كاإلنسان تتفاعل وكالحيوان والجماد وهي تتفاعل‬ ‫مع الكون وإذا كانت اإلشارات الضوئية تفاعلت مع مواد كيميائية عضوية وغير‬ ‫عضوي ة في أعيننا صار لها صور عندنا فإن الشجرة تتفاعل لتصبح قضية التصور‬ ‫متعبة لمخنا‬ ‫ولو ركبنا جهازا يتحسس لثاني أوكسيد الكاربون ووضعناه ليستقبل فقط الهواء‬ ‫المحيط بشجرة ومعه جهاز آخر يتحسس لغاز األوكسجين ووجدنا أن نسبة ثاني‬ ‫أوكسيد الكاربون تقل مع زيادة نسبة األوكسجين نهارا والعكس يحدث ليال لعلمنا‬ ‫ما تعلمونه اآلن‬ ‫ما معنى " يتحسس"؟‬ ‫المعنى ‪ :‬يتفاعل أو يتأثر فيحدث أثرا فينا أو فيما يؤثر فينا أو فيما يؤثر فيما نتأثر‬ ‫فيه أو ‪....‬‬ ‫ستنشأ نظرية أن الشجرة تستهلك األوكسجين وتبعث بثاني أوكسيد الكاربون ليال‬ ‫هذه النظرية ما هي إال تفسير لما شاهدناه أو لمسناه أو ما ظهر منه ‪.‬‬ ‫لست دائما في العلوم تعرف الحقيقة أوال ثم ظواهرها ‪.‬‬

‫‪- 81 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫والظواهر نفسها "حقائق" لها ظواهر لكنك لو كنت تعلم أن النبات "يتنفس "‬ ‫األوكسجين ليال و"يتنفس " الكاربون مزدوج األوكسيد لكان هذا دليلك أن الوقت‬ ‫هو ليل أو نهار‬ ‫النظرية محاولة لتفسير ظواهر وقصة تربط األحداث وتبقى كذلك حتى تثبت‬ ‫‪1‬‬ ‫لتصبح حقيقة‬ ‫النظرية تثبت باختبارها وتفسيرها لكل ما شاهدناه أونتوقع أن نشاهده‬ ‫هذا ال يصح فقط في مع "الحقائق العلمية" وإنما مع الروايات واألخبار والحقيقة‬ ‫الجنائية والجرمية والتاريخية وكثير غيره‬ ‫يمكنك أن تتصور النظرية كقطعة غير منتظمة الشكل ذات بروزات و "مقاضم" ال‬ ‫تتوائم وتستقر إال في محيط يراعي بروزاتها ومقاضمها‬ ‫هذه القطعة نظرية ال بد أن تتوائم مع محيط من الحقائق‬ ‫ويمكن للحقيقة أن تتصور إيضا على أنها قطعة بهذه المواصفات ال بد أن تتوائم‬ ‫مع حقائق محيطة تترابط معها وكل هذا على شرط أن يكون الجميع حقائق ألن‬ ‫القطعة ربما تكون حقيقة وبعض الحقائق المحيطة هي أوهام يجب أن تستبدل‬ ‫لو كنت قد أصلحت جهازا كراديو أم تلفزيون ووجدت قطعة فرفعتها وأصلحت‬ ‫الجهاز فعندما تعيد القطعة قد ال تعاد إال باالتجاه والوضع الذي كانت عليه وإال‬ ‫واجهتك عوائق وبروزات من أجزاء أخرى (هذا إن كانت الشركة المصنعة قد‬ ‫اقتصدت فحشرت األجزاء حشرا)‬ ‫هذا ما يجب أن تستخدم لفظة "النظرية"ألجله‬ ‫الظواهر التي نراها وما أكتشف إذا وجد أن قصة تربطها ظلت نظرية حتى تكثر‬ ‫الشواهد والمظاهر التي تعززها وتكثر النتائج فيتحقق ما نتوقع لو اختبرنا النظرية‬ ‫ألن بعض المظاهر قد تكون خادعة‬ ‫كلما صدقت النظرية الشواهد وصدقت الشواهد النظرية كلما أصبحت النظرية‬ ‫أقرب للحقيقة‬ ‫فنظرية أن األلكترون "يدور" حول النواة ال تصدقها "حقيقة" حفظ الطاقة‬ ‫وقد تتضارب نظريتان وتتعارضان وتتنازعان أو تكون إحداهما أرجح‬ ‫في الكون النسبي هذا الذي نعيش فيه تبقى الحقائق نسبية إال حق واحد ستعرفونه في كتاب آخر‬ ‫‪- 82 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وبعض الشواهد تصدق هذه وبعضها تصدق تلك وتكذب األخرى‬ ‫أعلم أن بعض القراء يجد غموضا‪ ،‬لم يعهده في الكتاب‪ ،‬وعدم مراعاة تحرير‬ ‫ألفاظ مثل "ظواهر" و"مظاهر" و "شواهد" وغيرها‬ ‫ذلك أني أريد ترك كثير من التفصيل إلى كتاب آخر‬ ‫ال بد أنك شعرت باستعمالي للفظتي " صدق " و"كذب" وتظن أني أستخدمهما‬ ‫"مجازا"‬ ‫فالتصديق يظهر بأفعال ال كما يتصور أنه قول أحدهم "أصدقك"‬ ‫لو أنك في مفترق طريقين وتعلم أن في نهاية أحدهما وحش مفترس وال تعلم‬ ‫أيهما اآلمن فسألت جالسا هناك أي الطريقين فيه الوحش وقال لك هذا ‪.‬فقلت له‬ ‫"صدقتك" أو "أنت صادق" ‪،‬ثم سلكت اآلخر فهل أنت صدقت الرجل‬ ‫نظرية أن "األلكترون " يدور حول "النواة "ال تصدقها نظرية "حفظ الطاقة"‬ ‫فدوران ألكترون يستهلك طاقة ذلك األلكترون (أو أن الشحنة المتحركة بتعجيل‬ ‫تبعث أشعة فيفقد طاقة) وبذلك لن يقوى على المضي في دورانه "فيسقط" نحو‬ ‫النواة "الموجبة" لتفنى الحياة‬ ‫االسترسال في هذا المثل بحر ال قرار له ولكني أقول إما أن نظرية "النواة موجبة‬ ‫يدور حولها الكترون سالب " غير صحيحة أو أن نظريات غيرها بنفس القوة‬ ‫‪0‬‬ ‫ليست صحيحة‬ ‫ولو رأيت "فاطمة" تخرج من المحكمة بعد يوم من شجارها مع زوجها لربما‬ ‫أسست نظرية أن فاطمة تقدمت إلى القاضي بطلب الطالق لكن هذه النظرية قد‬ ‫تنهار أو تحتاج تعديل إن شاهدتها بعد دقائق تتضاحك مع زوجها وعليك أن تتخذ‬ ‫نظرية أخرى تجمع مع ما تعلمه وشهدته مما سبق معلومة "تضاحكها" وربما‬ ‫كسرت نظرية ونظريات أخرى ولربما انتبهت إلى معلومات تتعارض مع نظرية‬ ‫وتكون هي الخاطئة‬ ‫نحن نعيش ونرى شواهد وأدلة منها ما يتعزز ويثبت أكثر ومنها ما هو ضعيف‬ ‫في األصل ويظهر ضعفه أكثر‬

‫المثل ليس لتقديم معلومة وإنما للتبيين فاالستغراق في حل هذا المعضلة نشأ عنه فرع غريب وجديد من‬ ‫الفيزياء‬ ‫‪- 83 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫ولكن قومنا يجمعون الغث والسمين ويريدون أن يبنوا من الكل نظرية‬ ‫وال ننسى الهوى الذي يجعل صاحبه يتشبث بما يعزز نظريته ويحاول جاهدا‬ ‫اختالق المعاذير لتكذيب ما وصل بطريق وإن كان أقوى فينكر ظاهرة ويصدق‬ ‫أخرى ومنهم من يبقي الجميع دون مراجعة‬ ‫أعلم أني لم أشرح وأفصل وأبين كالعادة ذلك أننا نريد ترك هذا لما بعد نسأل هللا‬ ‫التوفيق والسداد‬ ‫إن الحقيقة خبر يسبقها آثار ويتلوه متأثرات بالحقيقة في نسيج وال بد أن تكون‬ ‫التفاعالت طبعية وإذا ما زور تفاعل نتج أثر غير طبعي ال بد وأن ينفر منه سياقه‬ ‫النظرية كالقصة يؤلفها صاحبها لتربط المعلومات ولتفسر فتلم الشواهد والحقائق‬ ‫المحيطة وتنتظر اختبارها بما نراه من آثار لها‬ ‫إن انطالق احتجاجات في بلد اعقبه فرار رئيس بطائرة إلى بلد مجاور وتسلم‬ ‫الجيش زمام األمور سيطلق مجموعة من النظريات تتباين بتباين المعلومات بين‬ ‫صاحب نظرية وأخرى وتباين فهم رجل لمعلومة وفهم رجل آخر وتباين الترجيح‬ ‫لمعلومات بين رجل وآخر‬ ‫فمن علم أن زوجة الرئيس مريضة غير الذي يعلم أن الطائرة التي أقلت الرئيس‬ ‫كانت مروحية ونظرية هذا ربما لن تكون كنظرية من علم أن مبنى وزارة الداخلية‬ ‫كان يوزع منشورات تحريضية ضد الرئيس‬ ‫لو تساوى الجميع بما علموا وبالفهم وبدرجة الثقة بالمعلومات ربما تقاربت‬ ‫النظريات‬ ‫لكن كل هذا وغيره يختلف فيه الناس‬ ‫وسترجح عند البعض نظريات وما هو عند البعض ظنون هو عند آخرين حقائق‬ ‫وما هو مسلمات عند البعض تجبر صاحب نظرية على تشكيلها بشكل غير من‬ ‫يرى تلك "المسلمات" ظنون أو أكاذيب‬ ‫ترد ألفاظ "المسلمة" و"البديهية" و "الفرضية" و "النظرية" أحيانا بمعان‬ ‫متقاربة وقد يطلق على الواحد منها لفظ آخر‬

‫‪- 84 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫وبقاعدة معاني األسماء يمكن التفصيل والخروج بنتائج لكن كتابا ثالثا في الفيزياء‬ ‫ربما كان الموضع المناسب للفصل بينهم ألننا سنتناول أمثلة علمية "صرفة"‬ ‫وسنحاول أن نبدأ من األسس "الفلسفية" للعلوم "الطبيعية"‬ ‫أقول مرة أخرى ‪ :‬أعلم أنني مررت مرور الكرام ببعض المسائل دون تفصيل‬ ‫وشرح أشتاق له لكن االكتفاء بما سبق وإعادة قراءته كاف لالستعداد لكتب‬ ‫أخرى أحاول ربطها بما قرأت هنا ‪.‬‬

‫األمر والنهي‬ ‫بعيدا عن تصنيفات النحو والبالغة والمنطق واللغويات فإن األمر (بتصريف فعل‬ ‫األمر) يلزمه عقوبة عند العصيان أو منفعة عند الطاعة‬ ‫وهذا الشرح وإن كان بدائيا إال أننا نستطيع شمل الطلب نحو "يا أخي ساعدني"‬ ‫بقول أن الطلب إن لم يلبى يمكن أن يكون منه عاقبة والعاقبة ليست دائما ضربا أو‬ ‫حرمانا أو إيقاع أذى وإنما أيضا حنق وكره و عدم الرضا وغيرها ولربما الضرر‬ ‫الالحق بالطالب يعد عاقبة غير محمودة‬ ‫أما الدعاء فاستثنيه اآلن لعلي أعود إليه‬ ‫واألمر يجيء ممن إن عصيته حل عليك سخط كأمير أو والد او اخ كبير والسخط‬ ‫قد يصاحبه أذى والسخط والغضب عقوبة‬ ‫وحتى النصيحة فإن الناصح يدل المنصوح على الخير ويجنبه العواقب الوخيمة‬ ‫و ال يظنن أحد أن األمر دائما من ذي السلطة أو صاحب العمل لمن دونه‬ ‫وإال فهذا حديث " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه‬ ‫فقتله " نرى فيه أن ما وصف فيه كالم الرجل هو "األمر" وهو أمام سلطان‬ ‫والجديد في هذا الفصل أن نقول أن الجمل اإلخبارية التي يصح أن نصدقها أو‬ ‫نكذبها نحو " القمر جميل" أو " أحب التفاح" هي أمر‪.‬‬

‫‪- 85 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫أمر ولكن بصيغة اعتدنا أن نراها إخبار‬ ‫فلو كنت أبا وقلت البنك "أنا عطشان" فما فرق هذا عن قولك له "اسقني ماءا"‬ ‫وإن جاءك مخبر بأن زيدا يغرق أفليس في هذا أمر أن اذهب وانقذه ؟‬ ‫لكن األمر بصيغة األخبار فيه تعويل على فهم السامع وقدرته على ربط المعلومات‬ ‫أما الكالم بصيغة األمر ففيه إراحة لمخ السامع‬ ‫إن اإلنسان يقوم بعمل بعد ان يسمع خبرا وبجمعه بأخبار و"معلومات" سابقة‬ ‫فيصبح العمل محتما‬ ‫إن الخبر األخير هو "القشة التي قصمت ظهر البعير"‬ ‫وإالزامية األمر بقدر العاقبة‬ ‫ومفهوم أن قول "أكل هذا يضرك" كبالغة "ال تأكل هذا"‬ ‫إذا كنت جالسا مع رجل وجاء ثالث ليقول خرج زيد من السجن وحال سماع‬ ‫جليسك لهذا قام وتوجه للمطار وسافر‪.‬‬ ‫إن قول "زيد خرج من السجن" مع علم جليسك أن زيد "توعد بقتله إن خرج"مع‬ ‫معلومات أخرى ربما ال تخطر على بالك منها "زيد قادر على العثور علي " و"‬ ���هو قادر على المجيء" " وزيد إن وعد لم يخلف " و‪.....‬‬ ‫كان كل هذا بمثابة أمر بالهروب‬ ‫لكنه ترك للسامع حرية أن يختار الخالص من العاقبة‬ ‫أما األمر الصريح فهو يختار له الطريقة‬ ‫دق جرس المدرسة فاندفع الطالب الجالسون في قاعات الدرس وخرجوا مع‬ ‫معلمهم ولكن من ال يعلم "معنى دق الجرس" وال يجنح للتقليد لن يخرج‬ ‫ولكن ‪....‬‬ ‫هل دق الجرس "الجرس يدق " أم " اخرجوا من القاعات"؟‬ ‫هذا ما نقوله الخبر هو أمر بشرط علم اخبار أخرى‬ ‫والعجيب أن األمر هو خالصة أخبار‬ ‫‪- 86 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫فاألب ينصح أبناءه أو يأمرهم بصيغ أوامر وهذه األوامر والنصائح خالصة‬ ‫معلومات يعلمها األب وليس شريطة أن يعلم األبناء بكل ما يعلمه األب أو ببعضه‬ ‫وعندما تكون في معركة فهل على اآلمر والقائد إحاطة جميع المأمورين والتابعين‬ ‫بكل ما يعلمه من أخبار جعلته يصدر كل أمر وهل تسمح المعارك بهذا‬ ‫وهل على الحاكم أن يخبر شعبه بكل ما يصله من أخبار جعلته يصدر أوامره‬ ‫وهل على الطبيب أن يشرح لمريضه معلومات في األنسجة والخلية والفسلجة‬ ‫واألمراض والكيمياء الحياتية واألدوية وغيرها من العلوم التي تؤهل الطبيب ألن‬ ‫يأمر مريضه بتجنب ما يريد تجنبه أو يقدم على ما ينفعه‬ ‫والمعلومة والخبر له معان ويفهم تبعا لما قد علم قبل هذا الخبر فتفاعل السامع‬ ‫رهين بمخزونه "المعرفي"فإذا جاءت معلومة غيرت سلوكه وتصرفه و"موقفه"‬ ‫نوعا أو مقدارا‬ ‫واآلن هل علينا أن نعلم كل ما لزم منه إصدار كل أمر او نهي من هللا‬ ‫واآلمر يعلم وأنت ال تعلم‬ ‫أحيانا نحتاج إلى التذكير بما قلناه سابقا مستغلين أمثلة استخدمناها في مسائل‬ ‫أخرى‬ ‫دق الجرس في مدرسة‬ ‫الجرس أداة يدقها شخص إلعالن أن الدرس انتهى (هذا في المدرسة وهذا ليس‬ ‫تعريف )‬ ‫مدير المدرسة أو معاونه ينظر إلى الساعة ويرى أن الساعة هي التاسعة‬ ‫وخمسون دقيقة وهذه المعلومة (الساعة كذا) هي أمر أو تحفيز أو خبر أو أثر من‬ ‫الساعة فكان رد فعل المدير أن أمر عامل المدرسة بأن يدق الجرس ولربما لن‬ ‫يقول له "دق الجرس" وإنما يقول "الساعة كذا"والعامل دفعته هذه المعلومة إلى‬ ‫أن يتوجه إلى الجرس فيدقه ورد فعل الجرس بضغط العامل على زر وإغالق‬ ‫الدائرة الكهربائية المشغلة للجرس أن ينشأ مجال مغناطيسي يجذب حديدة ثم‬ ‫يدفعها نحو ناقوس الجرس بعد ضمور المجال المغناطيسي في عملية كهربائية‬ ‫يعرفها الكثيرون فيسمع الطالب الجرس فيكون تفاعلهم مختلفا نوعا ومقدار‬ ‫وكلهم يفهم معنى الجرس ومنهم من يعيد الكتب إلى الحقيبة ومنهم من يخرج‬ ‫ومنهم يفرح ومنهم ‪....‬‬ ‫‪- 87 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الجرس قال‬ ‫ورد فعل الطالب مبني على علمهم أو علومهم في الجرس ومتى يدق ولم يدق وما‬ ‫يفعلون إن دق ودق الجرس نفسه سيعني الدخول إلى القاعات في وقت آخر‬ ‫ودق الجرس كالم يساوي الكالم الذي يكون رد فعله هو رد فعل دق الجرس ولك‬ ‫أن تتصوره "اخرجوا" أو "انتهى الدرس"وقد يخالفك من يخالف (وهل فكر بهذا‬ ‫أحد ؟) ويقول معناه "الساعة كذا"‬ ‫ضع هذا الجرس في البيت ليدقه طارق الليل فالجرس يقول "ثمة طارق عند‬ ‫الباب" أو "طارق يريد أن تفتحوا له " أو " افتحوا الباب" أو مزيج من هذا أو‬ ‫غيره‬ ‫المكان والظرف بدّل المعنى‬ ‫إن المعلومة التي يريد إبالغها من دق جرس المدرسة غير معلومة جرس باب‬ ‫البيت واألداة واحدة والجرس ليس فيه سوى أن يدق أو ال يدق أما اللسان ففيه‬ ‫تنويع أكبر وأكثر بثمانية عشر حرف‬ ‫دق الجرس بمثابة أي جملة ؟‬ ‫ال فرق‬ ‫تختلف أغراض الطارقين فمنهم من يريد الدخول فقط ومنهم من يريد أن يسأل‬ ‫أهل البيت عن شيء ومنهم من أتى لشخص توهم أن هذا بيته أو ‪.....‬‬ ‫لكن دق الجرس له أثر واحد في كل مكان وربما تغير المعنى بحسب وقت الدق‬ ‫والمكان وقدرة الناس على الدق‬ ‫فزر جرس مخبأ ال يعلم مكانه إال واحد سيعني دقه شخصا واحدا أو خلال في‬ ‫"توصيل الجرس"‬ ‫االنشغال بلفظة دقة الجرس يوهم‬ ‫لكن لو تذكرت أن الكلمات رموز اعتدنا على رد فعل منها يوضح المسألة ولو‬ ‫دققت أحيانا لما تذكرت ما قاله لك أبيك حين أراد منك جلب ماء ليشرب أقال "أنا‬ ‫عطشان" أم " أريد ماء" أم "اجلب لي ماء"‬

‫‪- 88 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الجرس له نمط واحد (لو تجاهلنا االتفاق على تتابع دقات وعددها) أما اإلنسان‬ ‫فلديه أحرف ( ‪ 2‬أو ‪ 2‬أو ‪)21‬فازداد تنوع اإلشارات واإليعازات‬ ‫واأللفاظ تتركب من حرف أو حرفين أو ثالثة أو أكثر وبتغيير مواقع الحروف‬ ‫وتكرارها زاد عدد ما نملكه من إشارات ليكون لكل معنى‬ ‫جزء من التراكيب ليس لها معنى والقليل نسبة لها نستخدمه هذا إذا حددنا عدد‬ ‫الحروف األقصى‬ ‫هل يستطيع اثنان أن يتحاوران حول أسباب وتداعيات نشوب الحرب العالمية‬ ‫الثانية بالجرس‬ ‫نعم لكن وكأنهم يحفران بئرا بإبرة‬ ‫التلغراف يؤدي غرضا بين اثنين يتبادالن الرسائل ومن االتفاق والتفاهم على‬ ‫تشكيلة من الطرقات يمكن أن تنشأ رسائل وهي خير مئات المرات من البقاء‬ ‫متباعدين ال يتبادالن فيه أي أخبار‬ ‫ولكن اجلس بين اختين تتحادثان عن تصرفات الكنة‬ ‫التلغراف بالطرقات في النهاية يترجم إلى كلمات وإذا أردنا االستغناء عن لغة‬ ‫البشر فإلى ماذا ستترجم اشارات التلغراف ؟‬ ‫أنا على ثقة أن اثنين ال يعلمان لغة وأجبرا على التواصل بالتلغراف فسيفهمون‬ ‫األفكار بلغة التلغراف وسيكون لكل كلمة تلغرافية تصور كما أن كل كلمة في لغتنا‬ ‫أو جملة فيها ما يسمى تصور‬ ‫رجل يقود سيارته فكلما وصل مفترق وأضاءت اإلشارة الحمراء توقف ثم يسير‬ ‫حين تضيء الخضراء ثم يتوقف عند كل إشارة حمراء‬ ‫لو وضعت رجال يتحكم بإضاءة الحمراء والخضراء وأراد أن يقول باستعمال هاتين‬ ‫اإلشارتين "اشتهي طبقا من العدس " فكيف سيفعل مع لونين ال يستطيع بهما‬ ‫سوى إيقاف وتسيير المركبات ‪. 2‬‬ ‫كيف إذا جئنا برجل نريد أن نفهمه ما نريد باستعمال صعقات كهربائية على جسده‬ ‫فإذا أردنا التنويع صعقناه تارة وحرقنا اصبعه تارة وجلدناه كرة وكل هذا حين‬ ‫نريد أن نستبدل بالكالم شيئا آخر‬ ‫ليس بمحال‬

‫‪- 89 -‬‬


‫الكتاب األول‬

‫الصم والبكم يتواصلون بإشارات اليد والوجه وهم ال يعرفون لغتنا‪.‬‬ ‫انهم ينتفعون من تنوع الحركات لكثرة مفاصل الجسم وعضالت الوجه واليدين‬ ‫وبذلك فهم أكثر حرية من صاحب الجرس أو صاحب اللونين‬ ‫يراد من "لمتصفح" في االنترنيت أن يفهم ويستجيب ألوامر معدودة أقل بكثير من‬ ‫كلمات أي لغة محكية (‪html‬مثال) والحاسوب نفسه يصنع ليستجيب ألوامر بلغة‬ ‫أخرى‬ ‫والحاسوب والمتصفح ال يتعامل مع أوامرك التي نكتبها بحروف لغة محكية كما‬ ‫نتعامل نحن مع هذه الحروف فما نكتبه من حرف "أو كلمة" هو اشارات تستجيب‬ ‫لها اآللة‬ ‫عند هذا نتوقف في هذا الكتاب‬ ‫وأرى ان هذا كاف فمن أحاط بفكرة وأمثلة الكتاب فقد تأهل ألن يكون قارئا للكتاب‬ ‫الثاني والثالث‬ ‫لم أسطر كل النتائج التي أريد من هذا السرد ألن كثيرا من المفاهيم هنا تحتاج‬ ‫تتمات وتصورا أوسع نتركه للكتابين القادمين إن شاء هللا‬ ‫كنت أنوي أن أختم هذا الكتاب بفصل بمثابة تطبيق لفصول هذا الكتاب وأزعم أن‬ ‫موضوعه أنفع ما في الكتاب في الحياة األدبية والعلمية لكني في قررت أخيرا أن‬ ‫أجعله ملحقا لهذا الكتاب ‪.‬‬

‫‪- 90 -‬‬


الكتاب الأول