Page 1

‫ﻣﻮﺟﺰ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻴﻤﻦ ‪٠٠٠‬‬ ‫ﻣﻦ ﻓﺠﺮ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺣﱴ ﻇﻬﻮﺭ ﺍﻻﺳﻼﻡ‬

‫אن ط وא د دود ن 

 א وض‪ ،‬و ذ אמ ‬ ‫ن א 

‪!  ،‬ن א ض )‪ (١‬وא &‪  ! %‬אن ن ‬ ‫ אوאد‪ *+ ,‬ص &'

 !מ א ( (' )‪ (٢‬و ل  ن ‬ ‫אن وא‪!  ،/‬ودع א‪ + 1‬ن א‪ ، 0‬وذ ‪3 +3‬د א  ‬ ‫‪7/‬א‪ ,50 6‬زא‪ 3‬و‪ ،/‬و!(& و‪3 +3 0 (٣) 5‬د ‬ ‫אون ‪9‬د א  א د‪ .,‬‬

‫اﻋﺪاد ‪ :‬اﻻﻋﻼم اﻟﺠﺪﻳﺪ ) ‪( 18‬‬ ‫‪1‬‬


‫وفي خيرات اليمن يقول الكالعي‪:‬‬ ‫ھي الخضراء فاسأل عن رباھا **** يخبرك اليقين المخبرينا‬ ‫ويمطرھا المھيمن في زمان‬

‫**** به كل البرية يظمؤونا‬

‫وفي أجبالھا عز عزيز‬

‫****‬

‫يظل له الورى متقاصرينا‬

‫وأشجار منورة وزرع‬

‫****‬

‫وفاكھة تروق األكلينا)‪(٤‬‬

‫للحاشية ‪ : ١‬ياقوت معجم البلدان المجلد ‪ – ١‬ص ‪١١٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬جواد علي ‪ ،‬ج‪ – ١‬ص ‪١٣٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬الھمداني – صفة جزيرة العرب‪ ،‬ص ‪ ٥١‬األلوسي‪ ،‬ج ‪ ١‬ص ‪ – ٢٠٣‬ياقوت ‪ ،‬المعجم مادة يمن‪ ،‬مجلد ‪ ٥‬ص ‪.٤٧٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬األلوسي‪ ،‬ج‪ – ١‬ص ‪٢٠٣‬‬

‫ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كانت عليه بالد اليمن من حضارة وعمران‪ ،‬فيقول‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫ال ُكلُوا مِن رِّ ْز ِق َر ِّب ُك ْم َوا ْش ُكرُوا‬ ‫) َل َق ْد َك َ‬ ‫ِين َوشِ َم ٍ‬ ‫ان َعن َيم ٍ‬ ‫ان ِل َس َبإٍ فِي َمسْ َكن ِِھ ْم آ َي ٌة َج َّن َت ِ‬ ‫َل ُه َب ْل َدةٌ َط ِّي َب ٌة َو َربٌّ َغ ُفو ٌر * َفأَعْ َرضُوا َفأَرْ َس ْل َنا َع َلي ِْھ ْم َس ْي َل ْال َع ِر ِم َو َب َّد ْل َناھُم ِب َج َّن َتي ِْھ ْم‬ ‫ِيل( سبأ ‪١٦-١٥‬‬ ‫ْن َذ َوا َتى أ ُ ُك ٍل َخمْطٍ َوأَ ْث ٍل َو َشيْ ٍء مِّن سِ ْد ٍر َقل ٍ‬ ‫َج َّن َتي ِ‬ ‫والواقع أن بالد اليمن لم تكن تعرف بھذا اإلسم ‪ ،‬وال بھذا المعنى أو بذاك‪ ،‬فقد ورد‬ ‫إسم اليمن في نصوص سبأ القديمة بإسم يمنات ويمنت‪ ،‬ومن البديھي أن اسم اليمن‬ ‫قد اشتق من يمنات‪ .‬ولعل يمنات تعنى اليُمن والخير‪ ،‬فقد كانت بالد اليمن في أقدم‬ ‫عصورھا التاريخية بالداً كثيرة األشجار والثمار والزروع حتى إنھا عرفت لذلك‬ ‫السبب باليمن الخضراء‪.‬‬ ‫ومن مدن اليمن القديمة صنعاء‪ ،‬وقد ذكر ابن حوقل )أنھا كانت ديار ملوك اليمن‬ ‫فيما تقدم()‪(١‬‬ ‫والمعروف أن السبأيين‪ ،‬بعد حملة أبليوس جالوس على اليمن‪ ،‬نقلوا عاصمتھم من‬ ‫مأرب إلى ذمار)‪ (٢‬ويذكر ياقوت أن ذمار قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء‪،‬‬ ‫كما يذكر عن بعض الروات أن ذمار اسم لصنعاء‪ (٣) .‬ومنذ ذلك الحين ازدھرت‬ ‫صنعاء‪ ،‬ثم اتخذھا األحباش حاضرة لھم في اليمن وأقاموا فيھا القليس المشھور‪ .‬وقد‬ ‫ذكرھا وھب ابن منبه )‪ (٤‬ولعلھا الكنيسة الكبرى التي سماھا العرب كعبة‬ ‫نجران)‪ (٥‬وكانت مقامة من أدم من جلد وكانت لعبد المسيح بن دارس ابن عدي بن‬ ‫معقل وفيھا يقول األعشى‪:‬‬ ‫‪2‬‬


‫وكعبة نجران حتم عليك **** حتى تناخ بأبوابھا‬ ‫نزور يزيداً وعبد المسيح **** وقيساھم خير أربابھا‬ ‫وشاھدنا الورد والياسمــ **** ـــين والمسمعات بقسابھا )‪(٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬ابن حوقل ص ‪٤٣‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬صالح أحمد العلي – محاضرات في تاريخ العرب‪ ،‬ج‪ – ١‬بغداد ‪ ،١٩٥٩‬ص ‪.٢٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬ياقوت معجم البلدان مجلد ‪ ٣‬مادة ذمار ص ‪٧‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬ياقوت معجم البلدان مجلد ‪ ،٥‬مادة نجران ص ‪.٢٦٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٥‬ابن الكلبي كتاب األصنام ص ‪.٤٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٦‬ابن الكلبي كتاب األصنام – ص ‪.٢٦٨‬‬

‫وعلى الرغم من قضاء ذي نواس الحميري على نصارى نجران بالحرق‪ ،‬فقد عادت‬ ‫نجران في ظل األحباش والفرس إلى مثل ما كانت عليه حتى ظھور اإلسالم‪ .‬وفي‬ ‫العام التاسع للھجرة قدم وفد من نصارى نجران على الرسول )ص( وفيھم عبد‬ ‫المسيح واالسقف أبو حارثة‪ ،‬وصالحوا النبي‪ ،‬فكتب لھم كتابا ً‪ .‬وفي خالفة عمر‬ ‫أجالھم من بالدھم‪ ،‬فإنتقلوا منھا إلى موضوع الكوفة وواسط )‪( ١‬‬

‫الدولة المعينية ‪ ٦٣٠ – ١٣٠٠‬ق م‬ ‫اعتبر الدولة المعينية أقدم الدول العربية التي قامت في اليمن‪ ،‬إذ دامت من سنة‬ ‫‪ ١٣٠٠‬تقريبا ً ق م إلى سنة ‪ ٦٣٠‬ق م – ولم يرد لھذه الدولة ذكر في المصادر‬ ‫ً‬ ‫خاصة ببلدتي معين وبراقش ال يتجاتوز‬ ‫العربية وحتى ما تضمنته ھذه المصادر‬ ‫كونھما موضعين في الجوف بين نجران وحضر موت أو محفدين من جملة محافد‬ ‫اليمن وقصورھا القديمة )‪ (٢‬وقد ورد اسم المعينين في المصادر اليونانية‬ ‫والرومانية فسماھم استرابون وديودور الصقيلي وبلنيوس ‪ Minaei‬وذكر استرابون‬ ‫أن عاصمتھم مدينة قرناو ‪ Carnao.‬وقد ذھب بعض العلماء قبل الكشف عن آثار‬ ‫معين في اليمن في سنة ‪ ١٨٧٤ :‬إلى أن لفظة ‪ Minaei‬إنما تطلق على جبل منى‬ ‫الواقع بالقرب من مكة )‪ (٣‬في حين اعتقد بعضھم أن كلمة ماعون أو معون‬ ‫‪MAON‬الواردة في التوراة إنما يقصد بھا‬ ‫معان الواقعة جنوب شرقي البتراء بالد األدوميين‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬البالذري‪ ،‬فتوح البلدان‪ ،‬ج‪ ،١‬ص ‪.٨١ – ٧٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬الھمداني – صفة جزيرة العرب – ص ‪ – ٢٠٣‬اإلكليل ‪ ،‬ج‪ ٨‬ص ‪ – ١٠٥‬ياقوت ‪ ،‬معجم البلدان مجلد ‪ ٥‬مادة معين ص‬ ‫‪.١٦٠‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬جرجي زيدان‪ ،‬العرب قبل اإلسالم ص ‪٣٠‬‬

‫‪3‬‬


‫الدولة المعينية‪:‬‬ ‫ظھرت الدولة المعينية في الجوف أي في المنطقة السھلة الواقعة بين نجران وحضر‬ ‫موت‪ ،‬ولم يكن المعينيون وافدين من الشمال كما يعتقد بعض الباحثين)‪ (١‬وإنما‬ ‫كانوا من أھل البالد الجنوبية‪ .‬وقد اشتغل المعنيون بالتجارة‪ ،‬وسيطروا على الطرق‬ ‫التجارية بين الشمال والجنوب ولم يلبث نفوذھم السياسي أن أدرك شمال الحجاز‬ ‫فدخلت معان وديدن )العال الحديثة(‪ ،‬في فلك دولتھم استناداً إلى الكتابات المعينية‬ ‫التي أسفر عنھا البحث األثري والكشوفات في منطقة معان والعال )ديدن‪).‬‬ ‫ومن المعروف أن الطريق التجاري البري الموصل بين اليمن والشام ومصر كان‬ ‫يمر غربي تيماء‪ ،‬وكان ھذا الطريق األعظم أحيانا ً في سيطرة المعينيين‪ ،‬وأحيانا ً‬ ‫أخرى في أيدي السبأيين الذين كانوا يعاصرونھم‪ ،‬وفي جميع الواحات التي يمر‬ ‫عليھا ھذا الطريق في الشمال الغربي من بالد العرب مثل واحة مدين وواحة ديدان‬ ‫المذكروة في الكتاب المقدس بإسم ‪ :‬ددن أو ديدن‪ ،‬والتي تقع قريبا ً من واحة العال‪،‬‬ ‫ومثل واحة معون أي معان الحديثة‪ ،‬كانت تقيم طائفة من حكام معين أو سبأ تؤيدھا‬ ‫حاميات عسكرية وجاليات جنوبية من األوساط التجارية‪ ،‬كما كانت تقيم معھا جالية‬ ‫من األفريقيين الكوشيين بإعتبار أن ھؤالء الكوشيين كانوا يمارسون التجارة مع‬ ‫المعينيين أو السبأيين بحكم الجوار‪(٢).‬‬ ‫وقد استلزم اشتغال المعينيين بالتجارة معرفتھم بتدون الحسابات التجارية والكتابة‪،‬‬ ‫فاقتبسوا األبجدية الفينيقية لسھولة استعمالھا‪ ،‬ودونوا بھا لغتھم‪ .‬وقد عثر على‬ ‫كتابات معينية في مصر وفي الجيزة‪ ،‬وفي جزيرة ديلوس من جزر اليونان‪ ،‬ترجع‬ ‫إلى القرن الثاني قبل الميالد)‪ (٣‬وتشير ھذه الكتابات إلى الصالت التي كانت تربط‬ ‫مصر واليونان بالدولة المعينية في اليمن‪ ،‬كما تشير إلى أن المعينيين حتى بعد‬ ‫سقوط دولتھم بزمن طويل ظلوا يحتفظون بكيانھم اإلجتماعي وتقاليدھم التجارية)‪(٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : juidi, l Arabie anteislanique, p. 64 ١‬حسن ابراھيم حسن تاريخ اإلسالم السياسي ج‪ ١‬ص ‪ .٢٣‬يعتقد الدكتور حسن‬ ‫ابراھيم أن المعينين ھاجروا من بالد العراق‪ ،‬والتمسوا مقراً متحضراً يقيمون فيه‪ ،‬ويرجح من دراسة أحوالھم السياسية واإلجتماعية‪،‬‬ ‫ومن أسماء رجالھم وآلھتھم أنھم ينسبون في األصل إلى عمالقة العراق‪ ،‬ولما نزلوا في جنوب الجزيرة شيدوا القصور والمحافد على‬ ‫مثال ما شاھدوه في بابل‪ .‬وال نوافق الدكتور حسن ابراھيم حسن على ھذا الرأي‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬الويس موسل‪ ،‬ص ‪٨٨ – ٨٧‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬جواد علي ‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪ ٣٩٧ – ٣٨٥‬ويرجع تاريخ نقوش معين في مصر إلى سنة ‪ ١٥٩‬ق م في العام ‪ ٢٢‬من حكم‬ ‫بطليموس السادس فيلوماتر‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬صالح أحمد العلي‪ ،‬محاضرات في تاريخ العرب‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪١٨ – ١٧‬‬

‫ونستدل من الكتابات المعينية التي عثر عليھا في الجوف اليمني وفي ديدن )العال(‬ ‫‪4‬‬


‫على أن حكومة "معين" كانت حكومة ملكية‪ ،‬وكانت للمدن المعينية مجالس تدير‬ ‫شؤونھا في السلم والحرب تعرف بإسم )مسود( على النحو الذي كانت عليه )دار‬ ‫الندوة( في مكة في العصر الجاھلي)‪(١‬‬ ‫كذلك نستدل من النقوش المعينية على أن الضرائب كانت تنقسم إلى ثالثة انواع‪:‬‬ ‫ضرائب تعود جبايتھا لخزانة الملك‪.‬‬ ‫ضرائب تؤول إلى المعابد‪.‬‬ ‫وضرائب إلى المشايخ والحكام‪.‬‬ ‫وضرائب المعابد نوعان‪:‬‬ ‫نوع يقال له أكرب‪ ،‬أي تقدمھا القبائل تقربا ً لآللھة‪ ،‬ونوع إجباري كان يفرض على‬ ‫األفراد يقال له عشر)‪(٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬جواد علي ص ‪٤٠٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬جواد علي ص ‪٤٠٦‬‬

‫الدولة السبئية ‪ ٨٠٠‬ق م – ‪ ١١٥‬ق م‬ ‫جاء ذكر السبأيين في النقوش األشورية التي ترجع إلى أيام الملك تجالت بالسر‬ ‫الثالث وسرجون الثاني وسنحريب‪ ،‬بما يشير أن ھؤالء الملوك قد فرضوا الجزيات‬ ‫على ملكي سبأ يثعمر وكرب إيلو )‪ (١‬كذلك ورد اسم سبأ في التوراة ألنھا بالد تنتج‬ ‫الطيوب واللبان )‪ (٢‬واألحجار الكريمة ومعدن الذھب )‪ (٣‬وأن ملكة سبأ زارت‬ ‫سليمان في أورشليم‪ ،‬وحملت إليه الطيوب والذھب الكثير واألحجار الكريمة )‪،(٤‬‬ ‫كذلك جاء ذكر ملكة سبأ في القرآن الكريم في سورة النمل )‪( ٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬المقصود بملوك سبأ في النصوص األشورية‪ ،‬حكام سبأ المقيمين في واحات ديدن ومعان وتيماء ممثلين لملوك سبأ )إرجع‬ ‫إلى ‪ :‬موسل شمال الحجاز ترجمة الدكتور عبد المحسن الحسيني‪ ،‬اإلسكندرية ‪ ١٩٥٢ ،‬ص ‪.٩٧ – ٩٦‬‬ ‫للحاشية ‪ ٢‬الكتاب المقدس ‪ ،‬سفر أرمياء‪ ،‬إصحاح ‪ ٦‬آية ‪ ٢٠‬ص ‪١٠٨٣‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬سفر حزقيال‪ ،‬إصحاح ‪ ٢٧‬أية ‪ ٣٤ – ٣٣‬ص ‪١٢١٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬سفر الملوك األول‪ ،‬إصحاح ‪ ١٠‬أية ‪ – ٢ – ١‬ص ‪٥٥١‬‬ ‫للحاشية ‪ ٥‬يقول ‪ m‬تعالى ‪ :‬سورة النمل ‪٤٤ – ٢٢‬‬

‫وقد اختلف المؤرخون في أصل السبأيين ‪ ،‬فبينما تذكر الروايات العربية أن سبأ من‬ ‫ولد يشجب بن يعرب بن قحطان وتسميه بعبد شمس‪ ،‬وتفسر تسميته بسبأ بأنه كان‬ ‫يسبي الذراري واألطفال فسمي لذلك بسبأ)‪ (١‬ونجد أن سم سبأ ورد في التوراة‬ ‫‪5‬‬


‫بإعتباره من كوش بن حام مرة )‪ (٢‬ومن ولد يقطان مرة ثانية )‪ (٣‬وأغلب الظن أن‬ ‫السبأيين كانوا في األصل شعب بدوي يتنقل بين شمال شبه جزيرة العرب وجنوبھا‪،‬‬ ‫ثم استقر ھذا الشعب في بالد اليمن فيما يقرب من عام ‪ ٨٠٠‬ق م نتيجة لضغط‬ ‫األشوريين عليھم من الشمال‪ ،‬واستغل السبأيون ضعف المعينيين‪ ،‬فأخذوا يوسعون‬ ‫منطقة نفوذھم على حساب دولة "معين"‪ ،‬فلما قوي أمر السبأيين قضوا على الدولة‬ ‫المعينية‪ ،‬وأقاموا دولتھم على أنقاضھا‪ ،‬وورثوا لغتھا وديانتھا وتقاليد شعبھا‪،‬‬ ‫وخلفوھم في اإلشتغال بنقل التجارة بين الھند والحبشة ومصر والشام والعراق‪ ،‬حتى‬ ‫أصبحوا في القرون األولى ق م أعظم وسطاء التجارة بين الحبشة والھند وبين الشام‬ ‫ومصر‪ .‬ويرى االستاذ ھومل أن السبأيين كانوا يستوطنون الجوف في بالد العربية‬ ‫الشمالية‪ ،‬غير أنھم تركوا مواطنھم وارتحلوا إلى جنوب الجزيرة العربية في القرن‬ ‫الثامن ق م ‪ ،‬واتخذوا صرواح ثم مأرب عاصمة لھم‪ ،‬ويتعقد االستاذ ھومل أنھم‬ ‫كانوا في األصل يقيمون في المواضع التي أطلق عليھا األشوريون اسم عربي أو‬ ‫أريبي‪ ،‬ووردت في التورات بإسم يارب أو يعرب‪ ،‬فلما استقروا في اليمن أسسوا‬ ‫عاصمتھم مأرب التي سميت كذلك نسبة إلى اسم موطنھم األصلي أريبي أو‬ ‫يارب)‪(٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬وھب بن منبه ‪ ،‬كتاب التيجان في ملوك حمير‪ ،‬حيذر آباد الدكن ‪ ،١٣٤٧‬ص ‪ – ٤٨‬عبيد بن ابن شربة‪ ،‬أخبار عبيد بن‬ ‫شربة‪ ،‬ملحق بكتاب التيجان‪ ،‬ص ‪ – ٣٩٧‬البالذري‪ ،‬أنساب األشراف‪ ،‬ج‪ ، ١‬تحقيق الدكتور محمد حميد ‪, m‬القاھرة ‪ 195,‬ص ‪– ٤‬‬ ‫المسعودي‪ ،‬مروج الذھب‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٧٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬أخبار األيام األولى‪ ،‬إصحاح ‪ ١‬أية ‪ ٩‬ص ‪.٦٣٣‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬سفر التكوين‪ ،‬إصحاح ‪ ،١٠‬آية ‪ ٢٨‬ص ‪.١٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬جواد علي ج ‪ ٢‬ص ‪.١٠٦‬‬

‫ويمكننا بفضل النقوش السبأية أن نقسم عصر الدولة السبأية إلى مرحلتين تاريخيتين‬ ‫متتابعتين‪:‬‬ ‫األولى – مرحلة المكارب‪ ،‬وھي مرحلة كان يتلقب فيھا حاكم سبأ بلقب مكرب أي‬ ‫المقرب من األلھة والناس‪ ،‬أو الوسيط الذي يقرب بين اآللة والناس‪ .‬ويمتد عصر‬ ‫المكارب من سنة ‪ ٨٠٠‬ق م إلى سنة ‪ ٦٥٠‬ق م ‪.‬‬ ‫الثانية – مرحلة ملوك سبأ‪ ،‬وھي المرحلة التي تلقب فيھا حكام سبأ بلقب ملك سبأ ‪،‬‬ ‫وقد استمرت ھذه المرحلة إلى سنة ‪ ١١٥‬ق م والتي أنتھت بسقوط سد مأرب‬ ‫المشھور‪ ،‬وھجرة الشعوب إلى أصقاع البالد‪.‬‬ ‫‪6‬‬


‫الدولة الحميرية ‪ ١١٥‬ق م ‪ ٥٢٥‬م‬ ‫وكما يالحظ المدقق في قراءة النقوش في مراحل تطور اليمن أن العرب في ذلك‬ ‫الزمن قد اعتمدوا على خطوط ألبجديتھم تختلف تماما ً عن الخط العربي المعروف‬ ‫اليوم فقد استخدموا األحرف الحميرية والألحرف خط المسند القريب إلى الخط‬ ‫الفينيقي‪.‬‬ ‫و قد اتفق المؤرخون على أن عصر )ملوك سبأ وذي ريدان( والعصر التالي له‬ ‫المعروف بعصر )ملوك سبأ وذي ريدان وحضر موت ويمنت ( ھما العصران‬ ‫اللذان برز فيھما الحميريون على مسرح األحداث في بالد العرب الجنوبية ‪ ،‬ولذلك‬ ‫اصطلحوا على تسمية ھذين العصرين بعصري الدولتين الحميرية األولى والثانية‪.‬‬ ‫‪ - ١‬الدولة الحميرية األولى )ملوك سبأ وذي ريدان( ‪ ١١٥‬ق م ‪ ٣٠٠‬م‬ ‫وبعد سقوط سد مأرب في اليمن سادت اليمن فترة من المجاعة والھجرة الجماعية‬ ‫وسيطرة القراصنة على البحار فكانت الحملة الرومانية المعروفة بحملة إليوس‬ ‫جاولس حاكم مصر الرومانية في سنة ‪ ٢٤‬ق م لإلستيالء على اليمن بغية السيطرة‬ ‫على طرق التجارة التي كان يحتكرھا ملوك سبأ‪ ،‬واستغالل ثروات اليمن )‪(١‬‬ ‫وتطھير البحر األحمر من القراصنة‪ .‬واعتمد إليوس جالوس في حملته على مساعدة‬ ‫األنباط في عھد ملكھم عبادة الثاني الذي وعد الرومان بتقديم كافة المساعدات ‪،‬‬ ‫ويبدوا أن فشل حملة إليوس جالوس كان السبب في قيام الرومان بتغير خططھم‬ ‫السياسية نحو بالد العرب‪ ،‬فعدلوا نھائيا ً عن فتح ھذه البالد عسكريا ً‪ ،‬واقتصروا‬ ‫على محاولة السيطرة على التجارة البحرية‪ ،‬وتدعيم مصالحھم التجارية في ھذه‬ ‫البالد عن طريق تحسين عالقتھم السياسية باإلمارات العربية في الجنوب العربي‪.‬‬ ‫وفي ھذا العصر الحميري األول بدأ الضعف يدب في كيان دولة سبأ وذي ريدان‪،‬‬ ‫وتطلع البطالسة ومن بعدھم الرومان إلى احتكار الطريق التجاري عبر البحر‬ ‫األحمر والتخلص بذلك من اعتماده على تجار العرب في اليمن وحضر موت )‪(٢‬‬ ‫ومن ھذا الميناء كانت السفن تصل إلى الساحل المصري لتفرغ حمولتھا ھناك‪،‬‬ ‫فتنقل منه بالقوافل البرية أو بالسفن عبر القناة القديمة الموصلة بين البحر األحمر‬ ‫والنيل إلى داخل البالد )‪ (٣‬وقد أضر ذلك بإقتصاديات اليمن إضراراً بالغا ً أكثر مما‬ ‫‪7‬‬


‫أضر بھا إنكسار سد مأرب‪(٤) .‬‬ ‫وآخر ملوك دولة حمير األولى المعروفين في المصادر العربية بالتبابعة ھو الملك‬ ‫)ياسر يھنعم(‪ ،‬ويعرف في المصادر العربية بإسم ناشر النعم )‪ (٥‬أو ناشر ينعم‬ ‫)‪.(٦‬أو ياسر ينعم )‪ (٧‬وھو عند اإلخباريين مالك ابن يعفر بن عمرو بن حمير بن‬ ‫السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ )‪، (٨‬‬ ‫ويزعمون أنه عرف بھذا اإلسم ألنه أحيا ملك حمير بعد أربعين عاما ً أيام سليمان‬ ‫بن داوود )‪(٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : philpy, Op. CIT. P. 100 – ١‬فيليب حتي ص ‪ – ٥٦‬جواد علي ‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٣٨٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬فيليب حتي‪ ،‬تاريخ العرب ترجمة محمد مبروك نافع‪ ،‬ص ‪.٧٢ – ٦٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬جواد علي ‪ ،‬ج ‪ ٢‬ص ‪٣٧٨‬‬ ‫للحاشية ‪: Guidi, L, arabie Anteislanique P 67٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٥‬وھب ابن منبه كتاب التيجان من ملوك حمير‪ ،‬ص ‪ -٤٢٦ ،٢١٩‬اإلكليل‪ ،‬ص ‪.٢٠٧‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٦‬حمزة بن حمزة األصفھاني‪ ،‬كتاب تاريخ سني ملوك األرض واألنبياء‪ ،‬برلين ‪ ،١٣٤٠‬ص ‪.٨٣‬‬ ‫للحاشية ‪ . ٧‬اليعقوبي ‪ ،‬تاريخ اليعقوبي‪ ،‬النجف ‪ ، ١٣٥٨‬ج‪ ، ١‬ص ‪.٥٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٨‬كتاب التيجان ص ‪ ،٢١٩‬ويسميه الھمداني مالك بن عمر بن يعفر بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن يعفر‬ ‫بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٩‬التيجان ص ‪ .٢١٩‬وذكر عبيد بن الشربة أنه سمي كذلك ألنه استرجع ملك الحميرين وجمع األمر لھم)كتاب التيجان ص ‪).٤٢٦‬‬

‫أي أنھم يرجعون عھده خطأ ً إلى أيام سليمان مع أنه من ملوك حمير في القرن‬ ‫الثالث الميالدي‪( ١) .‬‬ ‫وينسب الرواة إليه الفتوحات العظمى ‪ ،‬فزعموا أنه )جمع حمير وقبائل قحطان‬ ‫وخرج بالجيوش إلى ماحوي أباؤه والتبابعة العظماء‪ ،‬فوطئ موطئا ً من األرض‬ ‫عظيما ً‪ ،‬واشتد سلطانه‪ ،‬فخرج إلى المغرب حتى بلغ إلى البحر المحيط‪ ،‬فركب في‬ ‫عشرة آالف مركبا ً وسار يريد وادي الرمل‪ ،‬فركب شمر ونزل ناشر النعم على‬ ‫صنم ذو القرنين فأخرج عساكر إلى اإلفرنج والسكسك‪ ،‬وعبر عساكره إلى أرض‬ ‫الصقالبة فغنموا األموال وسبوا الذراري‪ ،‬ورجعوا إليه بسبي من كل أمة في جزائر‬ ‫البحر‪ (٢) .‬وزعموا أيضا ً أنه غزى الحبشة واستولى عليھا )‪ (٣‬وغلب على أرض‬ ‫الترك وطبرستان وجبال الصفد )‪ (٤‬إلى أرض الكرد والزط والخزر وفرغان فغلب‬ ‫عليھم‪ ،‬وأنه مات بدينور )‪ (٥‬وقد ورد اسمه في نقش مؤرخ في سنة ‪ ٢٧٠‬م )‪(٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬جواد علي ‪ ،‬ج‪ ٣‬ص ‪١٤٠‬‬ ‫للحاشية ‪ ٢‬كتاب التيجان ‪ ،‬ص ‪٢٢٠‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬كتاب التيجان ص ‪٢٢٠‬‬ ‫للحاشية ‪ ٤‬كتابات التيجان ص ‪٢٢١‬‬ ‫للحاشية ‪ ٥‬اإلكليل‪ ،‬ص ‪٢٠٨‬‬ ‫للحاشية ‪ ٦‬فرتس ھومل‪ ،‬التاريخ العام لبالد العرب الجنوبية‪ ،‬من كتاب التاريخ العربي القديم ص ‪ ،٩٨‬جواد علي ‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.١٤١‬‬

‫‪8‬‬


‫‪ - ٢‬الدولة الحميرية الثانية ‪ :‬ملوك سبأ وذي ريدان وحضر موت ويمنت‪٣٠٠ .‬م‬ ‫– ‪ ٥٢٥‬م‬ ‫مؤسس ھذه الدولة ھو شمر يھرشع المعروف عند األخباريين بشمر يرعش بن‬ ‫ناشر النعم)‪ (٣١٠ – ٢٧٠‬م الذي تلقب فيما يقرب من عام ‪ ٢٩٠‬م بملك سبأ وذي‬ ‫ريدان وحضر موت ويمنت‪ .‬وشمر ھذا عند األخباريين ھو تبّع األكبر )‪ (١‬الذي‬ ‫جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى ‪:‬اھم خير ام قوم تبع والذين من قبلھم‬ ‫اھلكناھم انھم كانوا مجرمين ‪ -‬الدخان ‪٣٧‬‬ ‫وذكروا أنه زحف بجيوشه إلى أرمينية وھزم الترك‪ ،‬وھد المدائن بدينور وسنجار‪،‬‬ ‫ودخل مدينة السغد وھدمھا فسميت شمر كند )‪ (٢‬أو شمر كنداي عند الفرس‪ ،‬من‬ ‫شمر أي خرب في زعمھم ثم ُع ّر َبت إلى سمرقند )‪ (٣‬ألن شمر ھدمھا فسميت به‬ ‫)‪ (٤‬وقيل في رواية أخرى أن شمر يھرعش لما افتتح سمرقند ھدمھا ثم أمر‬ ‫ببنائھا)‪(٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬كتاب التيجان‪ ،‬ص ‪ – ٢٢٢‬اإلكليل ‪ ،‬ص ‪ . ٢١٠‬وقد سمي باألكبر ألنه لم يتم للعرب قائم قط أحفظ لھم منه‪ ،‬وكان أعقل‬ ‫من وراه من الملوك وأعالھم ھمة وأشدھم مكراً لمن حارب‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬أخبار عبيد بن شربة‪ ،‬ص ‪٤٢٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬كتاب التيجان‪ ،‬ص ‪٢٢٧‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬أخبار عبيد بن شربة‪ ،‬ص ‪٤٢٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٥‬أخبار عبيد بن شربة ص ‪ – ٤٣٢‬اإلكليل ‪ ،‬ص ‪.٢٢٥‬‬

‫وغزو األحباش األول لليمن ال يرجع إلى عوامل دينة‪ ،‬إذ لم يكن ملك الحبشة قد نبذ‬ ‫بعد الوثنية واعتنق المسيحية‪ ،‬ولم يرد في األخبار أن األعميدا‪ ،‬وھو النجاشي الذي‬ ‫افتتح اليمن‪ ،‬كان مسيحيا ً‪ ،‬ويرجح الدكتور جواد علي أن ھناك عوامل اقتصادية لھا‬ ‫اعتبارھا في غزو األحباش لليمن )‪ (١‬وأعتقد أن غزو األحباش األول لليمن كان رد‬ ‫فعل لسيطرة الحميريين في القرن األول الميالدي على ساحل أزانيا أو لتأديب‬ ‫الحميريين بسبب تجرئھم على مھاجمة التجارة الحبشية‪.‬‬ ‫فترة اإلحتالل الحبشي األول لليمن في عصر الدولة الحميرية الثانية‪:‬‬ ‫يعتقد فريق من العلماء أن الحبشة )حبشت( كانوا في األصل جماعات عربية يمنية‬ ‫كانت تعيش على الساحل الجنوبي للجزيرة العربية شرقي حضر موت‪ ،‬ثم ھاجرت‬ ‫غربا ً وعبرت مديق باب المندب‪ ،‬واستوطنت المناطق المقابلة لليمن على ساحل‬ ‫البحر األحمر من القارة األفريقية )‪ .(٢‬وقد تم عبور ھؤالء العرب الجنوبيين‬ ‫‪9‬‬


‫تدريجيا ً في زمن قديم ال نستطيع تحديده على وجه الدقة‪ ،‬واألرجح أنه حدث قبل‬ ‫طليعة القرن الرابع ق م وتمكن ھؤالء العرب الجنوبيون من تأسيس مستعمرة‬ ‫تجارية على الشاطئ األريتيري‪ ،‬ولم يلبثوا أن مدوا نفوذھم إلى الھضبة األثيوبية‬ ‫على حساب شعوب الكوش التي كانت تعيش في ھذه البالد قبل ھجرتھم‪.‬‬ ‫ويمضي الزمن فتأفرق ھؤالء المھاجرون‪ ،‬وأخذوا ينثرون بذور الحضارة السامية‬ ‫في البالد‪ ،‬ومنذ القرن األول الميالدي ونجح ھؤالء العرب الجنوبيون في تأسيس‬ ‫مملكة أكسوم‪ ،‬ومدينة أكسوم‪ ،‬عاصمة المملكة الحبشية والمركز الرئيسي لتجارة‬ ‫العاج )‪(٣‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬جواد علي ج‪ ٣‬ص ‪١٤٩‬‬ ‫للحاشية ‪ ٢‬جواد علي ج‪ ٣‬ص ‪١٤٩‬‬ ‫وتبعه في ذلك جمھور كبير من العلماء من بينھم رينان وكونتي روسيني وموسكاتي وجويدي‪ ،‬ولم نتوصل بعد إلى معرفة موضع‬ ‫حبشت‪.‬‬ ‫‪Die Abessinier in Arabien Und Afika Munehen 1895‬‬ ‫للحاشية ‪: Guidi, L Arabie Anteislanique, P. 69 – Mosca2, Histore et Civilisa2on semi2ques p 214-215٣‬‬

‫إزدھرت مملكة أكسوم في القرن الثالث الميالدي وأخذت تمد نفوذھا وسيطرتھا‬ ‫على المناطق المجاورة لھا في الشمال والجنوب والشرق‪ .‬وفي ھذه المرحلة‬ ‫التوسعية من مراحل تاريخ مملكة أكسوم دخلت المسيحية في الحبشة عن طريق‬ ‫بعض المبشرين فيما يقرب من عام ‪٣٢٠‬م وأصبحت المسيحية بعد أن اعتنقھا‬ ‫"عزانا" ملك أكسوم‪ ،‬الدين الرسمي للمملكة األكسومية )‪ (١‬ولم يمض عشر سنوات‬ ‫على إنتشار المسيحية في الحبشة حتى أقيم في أكسوم أول أسقف وأسمه‬ ‫"فرومنتيوس" وفي الوقت نفسه كان المبشرون المسيحيون يقومون بنشر المسيحية‬ ‫في اليمن )‪(٢‬‬ ‫كان غزو األحباش لليمن في العھد النجاشي األعميدا فيما يقرب من سنة ‪٣٤٠‬م كما‬ ‫سبق أن أوضحنا‪ ،‬رد فعل للغزو الذي قام به ملوك حمير للسواحل الشرقية للحبشة‪،‬‬ ‫ولم يكن للعوامل الدينية دخل في ھذا الغزو‪ .‬وتم الغزو في عھد يريم يرحب بن‬ ‫شمر يھرعش ومنذ ذلك الحين تلقب ملك أكسوم بلقب ملك أكسوم وحمير وذي‬ ‫ريدان وحبشت وسبأ وتھامة‪ ،‬وفر ملك حمير وأبناؤه إلى يثرب )‪ (٣‬مركز اليھودية‬ ‫في الجزيرة العربية‪ ،‬منذ أن ّ‬ ‫حطم طيطس بيت المقدس في سنة ‪٧٠‬م‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬ديتلف نيلسون ‪ ،‬تاريخ العلم‪ ،‬الفصل األول من كتاب التاريخ العربي القديم‪ ،‬ص ‪٣٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬ديتلف نيلسون ‪ ،‬تاريخ العلم‪ ،‬الفصل األول من كتاب التاريخ العربي القديم‪ ،‬ص ‪٣٤‬‬ ‫للحاشية ‪: Guidi, L Arabie Anteislamique, p 72- Moseca2, op.cit. P 216٣‬‬ ‫فؤاد حسنين استكمال لكتاب التاريخ العربي الثديم‪ ،‬ص ‪٣٠١‬‬

‫‪10‬‬


‫ولم يطل أمد اإلحتالل الحبشي لليمن ففي عھد الملك األكسومي "عزانا"‪ ،‬الذي‬ ‫اعتنق المسيحية في سنة ‪٣٥٠‬م كدين للدولة الحبشية‪ ،‬قامت بعض الثورات في‬ ‫مناطق إفريقية من مملكته‪ ،‬فانتھز اليمنيون فرصة إنشغاله بإخماد ھذه الثورات‬ ‫وتمكن ملكي كرب يھمن من استرداد البالد وطرد األحباش منھا فيما بين عامي‬ ‫‪٣٧٨ – ٣٧٠‬م وقد ورد اسم ھذا الملك مع ابنيه أبي كرب أسعد وورد أمر أيمن في‬ ‫نقش يرجع تاريخه إلى سنة ‪٣٧٨‬م جاء فيه أن ھؤالء جميعا ً أقاموا معبداً لآللھة "ذو‬ ‫سموي" أي إله السماء أو رب السماء )‪ (١‬ويعلل األخباريون العرب إنتشار اليھودية‬ ‫في اليمن بعد أن استردھا أبو كرب أسعد بأنه لما رجع إلى اليمن بمن معه من جنود‬ ‫واألحبار اليھود دعا قومه إلى الدخول إلى اليھودية فحال قومه بينه وبين دخولھا‪،‬‬ ‫وقالوا له ‪“ :‬ال تدخلھا علينا وقد فارقت ديننا"‪ .‬قال إنه خير من دينكم‪ ،‬فقالوا له ‪”:‬‬ ‫حاكمنا إلى النار”‪ .‬قال ‪ :‬نعم‪ .‬وكانت باليمن فيما يزعم أھل اليمن نار تحكم بينھم‬ ‫فيما يختلفون فيه تأكل الظالم وال تضر المظلوم شيئا ً‪ .‬فخرج قومه بأوثانھم وما‬ ‫يتقربون به‪ ،‬وخرج الحبران بمصاحفھما في أعناقھما متقلدين بھا حتى قعدوا للنار‬ ‫عند مخرجھا ‪ ،‬فخرجت النار إليھم ‪ ،‬فلما أقبلت نحوھم حادوا عنھا وھابوھا‪.‬‬ ‫فأمرھم من حضر بالصبر‪ .‬وصبر حتى غشيتھم وأكلت األوثان وما قربوا معھا‬ ‫ومن حمل ذلك من رجال حمير ‪ ،‬وخرج الحبران بمصاحفھما في أعناقھما تعرق‬ ‫جباھھما ولم تضرھما‪ .‬فأتفقت عند ذلك حمير على دينه‪ ،‬فمن ھناك كان أصل دين‬ ‫اليھودية في اليمن‪(٢) .‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬جواد علي ج‪ ٣‬ص ‪١٥٣‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬كتاب التيجان ص ‪٢٩٧ – ٢٩٦‬‬

‫ال تدل عبارة "ذو سموي" عند الحميريين بعد ‪٣٧٨‬م على إنتشار اليھودية في بالد‬ ‫اليمن ‪ ،‬كما تشيع الروايات العربية‪ ،‬ولكن انتشار ھذه العبادة يدل على إتساع أفق‬ ‫العرب الجنوبيين الديني بعد احتكاكھم بالمبشرين المسحيين وباألحباش المتنصرين‬ ‫وباألحبار اليھود‪ ،‬ويعتقد الدكتور جواد علي‪ ،‬على أنه يفھم من ذلك أن عرب‬ ‫الجنوب خطوا "خطوة نحو التوحيد‪ ،‬خطوة نحو تصفية الحساب مع العقيدة الوثنية‬ ‫القديمة التي تعترف بآلھة عديدة مع اآللھة المحلية‪ ،‬واإلعتقاد بوجود إله واحد أعلى‬ ‫وقاھر ھو رب السماء" )‪ (١‬وخلف أبو كرب أسعد أخوه وروامر أيمن فيما يقرب‬ ‫من سنة ‪٤١٥‬م ثم انتقل الحكم من بعده إلى أخيه شرحبيل يعفر سنة ‪ ٤٢٠‬م‪ .‬وفي‬ ‫عھده تم ترميم سد مأرب في عام ‪٤٤٩‬م‪ .‬ويبدو أن ھذه األعمال لم تجد نفعا ً‪ ،‬فقد‬ ‫‪11‬‬


‫تھدم السد بعد ترميمه بعام واحد في سنة ‪٤٥١ – ٤٥٠‬م‪ ،‬وأدى ذلك إلى فرار‬ ‫جماعات كبيرة من سكان ھذه المنطقة إلى الجبال‪ ،‬فقام الملك شرحبيل من جديد‬ ‫ببناء السد‪ ،‬وتم ذلك في سنة ‪٤٥١‬م‪ .‬وسجل الملك شرحبيل ھذه األعمال في نقش‬ ‫طويل تضمن فيما تضمنه عبارة تدل على إنتشار عقيدة التوحيد في اليمن في زمن‬ ‫شرحبيل نصھا‪:‬‬ ‫)بنصر وردا الھن بعل سمين وأرض(‪ ،‬أي بنصر وبعون اإلله سيد السماء‬ ‫واألرض‪ ،‬وھي تعبير ال يتفق مع الديانتين المسيحية واليھودية )‪( ٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬جواد علي ج‪ ٣‬ص ‪.١٥٣‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬جواد علي ج‪ ٣‬ص ‪١٥٨‬‬

‫الغزو الحبشي الثاني لليمن وسقوط الدولة الحميرية الثانية‪:‬‬ ‫كان تحول ملوك أكسوم إلى المسيحية إذانا ً بتقارب ھذه المملكة مع بيزنطة حامية‬ ‫نصارى الشرق‪ ،‬وكان األحباش يطمعون في السيطرة على بالد اليمن لتضمان‬ ‫توزيع البضائع الحبشية )‪ (١‬دون أن تتعرض لإلعتدائات التي كان يمارسھا‬ ‫الحميريون ‪ .‬ويبدو أن نفوذ األحباش على اليمن ظل قويا ً حتى بعد أن تمكن أبو‬ ‫كرب أسعد من تحرح اليمن من حكمھم‪ ،‬ولعل ھذا النفوذ أو الضغط السياسي الذي‬ ‫كان يمارسه ملك الحبشة على اليمن قد دعا مليكھا "ذا نواس" )‪ (٢‬إلى أن يربط بين‬ ‫أنتشار المسيحية في اليمن وبين ازدياد نفوذ األحباش السياسي في البالد‪ ،‬ولذلك‬ ‫عول على تحويل نصارى نجران عن دينھم بالقوة )‪ (٣‬وعندئذ وجد كالب ملك‬ ‫الحبشة فرصته المواتية لغزو اليمن بحجة وضع حد لسياسة ذي نواس التعسفية مع‬ ‫النصارى‪ .‬وجاءت اللحظة التي تھيء له فيھا التدخل المباشر عن طريق الغزو‪ ،‬إذ‬ ‫قام ذو نواس بمھاجمة نجران أكبر مركز للمسيحية في اليمن في سنة ‪٥٢٣‬م‪ ،‬وخير‬ ‫أھلھا بين نبذ المسيحية أو تقتل حرقا ً‪ ،‬فتخيروا القتل ‪ ،‬وآثروا اإلستشھاد فحفر لھم‬ ‫أخاديد أحرقھم فيھا وأحرق إنجيلھم ‪ ،‬وقد ذكرھم ‪ m‬تعالى في القرآن الكريم في‬ ‫سورة البروج‪ ،‬إذ يقول سبحانة وتعالى‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ت ْال َوقُو ِد * إِ ْذ ُھ ْم َع َل ْي َھا قُعُو ٌد * َو ُھ ْم َع َلى َما‬ ‫ار َذا ِ‬ ‫(قُ ِت َل أصْ َحابُ األ ْخ ُدو ِد * ال َّن ِ‬ ‫ِين ُ‬ ‫شھُو ٌد( )‪(٤‬‬ ‫ون ِب ْالم ُْؤ ِمن َ‬ ‫َي ْف َعلُ َ‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬مراد كامل‪ ،‬مقدمة لكتاب شيرة الحبشة‪ ،‬تأليف الحيمي الحسن بن أحمد ‪,‬القاھرة ‪ 1958‬ص ‪.٦١‬‬

‫‪12‬‬


‫للحاشية ‪ : ٢‬يسميه بعض اإخبارين العرب زرعة ذي نواس ابن تبان أسعد "كتاب التيجان ‪ ،‬ص ‪ ”٣٠٠‬ويسمه أخرون بيوس ذي‬ ‫نواس "الطبري‪ ،‬تاريخ األمم والملوك ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪”.٩١٩‬‬ ‫ً‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬ذكر حمزة اإلصفھاني أن ذا نواس كان قد "نزل يثرب مجتازا بھا فأعجبته اليھودية فتھود‪ ،‬وحملته يھود يثرب على غزو‬ ‫نجران إلمتحان من بھا من النصارى" الذين اعتنقوا النصرانية بفضل تعاليم رجل قدم إليھم من بالد الغساسنة "حمزة اإلصفھاني‪ ،‬ص‬ ‫‪“.٨٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬القرآن الكريم‪ ،‬سورة البروج ‪ ،٨٥‬آية ‪.٧ – ٤‬‬

‫وفي رواية أخرى لليعقوبي يقول فيھا ‪“ :‬وملك ذو نواس بن أسعد‪ ،‬وكان اسمه‬ ‫زرعة‪ ،‬فعتا‪ ،‬وھو صاحب اإلخدود‪ ،‬وذلك أنه كان على دين اليھودية‪ ،‬وقدم اليمن‬ ‫رجل يقال له عبد ‪ m‬بن الثامر‪ ،‬وكان على دين المسيح فأظھر دينه باليمن‪ ،‬وكان‬ ‫إذا رأى العليل والسقيم قال ‪ :‬أدعوا ‪ m‬لك يشفيك‪ ،‬وترجع عن دين قومك‪ ،‬فيفعل‬ ‫ذلك‪ ،‬فكثر من اتبعه‪ ،‬وبلغ ذا نواس‪ ،‬فجعل يطلب من قال بھذا الدين ويحفر لھم في‬ ‫األرض اإلخدود‪ ،‬ويحرق بالنار‪ ،‬ويقتل بالسيف حتى أتى عليھم ‪ ،‬فسار رجل منھم‬ ‫إلى النجاشي وھو على دين النصرانية فوجه النجاشي إلى اليمن بجيش ‪(١) “ ....‬‬ ‫فسار إلى ملك الروم فأعلمه ما صنع ذو نواس بأھل دينه من قتل األساقفة وإحراق‬ ‫اإلنجيل وھدم البيع‪ ،‬فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة فبعث بأرياط‪(٢) ....‬‬ ‫أما النصارى الحميريون فقد كانوا – وفقا ً للوراية الحبشية يرسلون بھداياھم إلى‬ ‫النجاشي ويدفعون إليه الضرائب‪ ،‬وكان من الطبيعي لذلك أن ال يسكت ملك حمير‬ ‫على ھذا التدخل)‪(٣‬‬ ‫وال شك أن أصحاب اإلخدود كانوا وثنيين لم ينقموا من أھل نجران إال ألنھم كانوا‬ ‫يؤمنون با‪ ،x‬ويتضح ذلك في قوله تعالى‪:‬‬ ‫ض‬ ‫يز ْال َحمِي ِد * الَّذِي َل ُه م ُْل ُ‬ ‫ك ال َّس َم َاوا ِ‬ ‫( َو َما َن َقمُوا ِم ْن ُھ ْم إِالَّ أَن ي ُْؤ ِم ُنوا ِب َّ ِ‬ ‫ت َواألَرْ ِ‬ ‫ا‪ْ x‬ال َع ِز ِ‬ ‫َو َّ‬ ‫‪َ ُ m‬ع َلى ُك ِّل َشيْ ٍء َش ِھي ٌد( )‪(٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬اليعقوبي‪ ،‬ص ‪.١٦١‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬أبو حنيفة الدينوري‪ ،‬األخبار الطوال‪ ،‬ص ‪.٦٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬جواد علي ‪ ،‬ج‪ ٣‬ص ‪.١٧٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬القرآن الكريم سورة البروج ‪ ٨٥‬أيه ‪٩ – ٨‬‬

‫تولية أبرھة على اليمن‪:‬‬ ‫تذكر المصادر العربية أن أرياط لما دخل اليمن وضبطھا‪ ،‬درت عليه األموال ‪،‬‬ ‫فجعل يؤثر بھا من يحب ‪ ،‬فأثار بذلك ثائرة األحباش‪ ،‬فإنضموا إلى أبرھة ‪،‬‬ ‫وبايعوه‪ ،‬وإنقسم معسكر األحباش إلى فريقين‪ ،‬فريق يؤيد أرياط‪ ،‬والفريق اآلخر‬ ‫‪13‬‬


‫يؤيد أبرھة‪ ،‬وتبارز كل من أرياط وأبرھة‪ ،‬فدفع أرياط عليه حربته‪ ،‬فوقعت في‬ ‫وجه أبرھة ‪ ،‬فشرمته ‪ ،‬ولذلك سمي باألشرم‪ ،‬وضرب أبرھة أرياط بالسيف على‬ ‫مفرق رأسه‪ ،‬فقتله‪ ،‬وإنحازت الحبشة إليه فملكھم‪ ،‬وأقره النجاشي على سلطان‬ ‫اليمن‪(١) .‬‬ ‫ويذكر برو كوبيوس أن األحباش في اليمن أعلنوا الثورة على "السميفع" وحاصروه‬ ‫في قلعته‪ ،‬وأقاموا مكانه عبداً نصرانيا ً إسمه إبراھام‪ ،‬فغضب النجاشي وسير قوة‬ ‫قوامھا ‪ ٣٠٠٠‬رجل لتأديبه وتأديب من إنضم إليه‪ ،‬فلما قدمت القوة المذكورة إنحاز‬ ‫جنودھا إلى أبرھة بعد أن وثبوا على قائدھم‪ .‬واتفق أن توفي نجاشي الحبشة‪ ،‬فصالح‬ ‫أبرھة ألنجاشي الجديد على دفع جزية سنوية ‪ ،‬على أن يعترف به نائبا ً عن الملك‬ ‫في اليمن ‪ ،‬فأقره النجاشي على ذلك )‪ (٢‬ونخرج من ذلك بأن عھد "السميفع" كان‬ ‫قصيراً وأن أبرھة الذي كان قد تغلب على أرياط اغتصب الحكم في اليمن‪ ،‬وأن‬ ‫النجاشي أقره على حكم اليمن نظير جزية يدفعھا له‪ .‬ويؤكد ذلك ما ذكره المسعودي‬ ‫وغيره‪(٣) ،‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬الدينوري‪ ،‬ص ‪ ٦٢‬اليعقوبي‪ ،‬ج‪ ، ١‬ص ‪ – ١٦٢‬الطبري‪ ،‬ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪ – ٩٢٣‬المسعودي‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٧٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬جواد علي‪ ،‬ج‪ ٣‬ص ‪“ ١٩٢‬نقالً عن بروكوبيوس ‪".‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬راجع اليعقوبي‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪.١٦٢‬‬

‫حملة إبرھة على مكة في عام الفيل ‪ ٥٧٠‬م‪:‬‬ ‫كان من أھم أعمال أبرھة نشر الدين المسيحي في اليمن ‪ ،‬وبناء كنيسة في صنعاء‬ ‫سماھا القليس "من لفظة ‪ Ekklessia‬اليونانية‪.‬‬ ‫وذكر ياقوت أن أبرھة "إستذل أھل اليمن في بنيان ھذه الكنيسة‪ ،‬وجشمھم فيھا‬ ‫أنواعا ً من السخر ‪ ،‬كان ينقل إليھا آالت البناء كالرخام والحجارة المنقوشة بالذھب‬ ‫من قصر بلقيس صاحبة سليمان عليه السالم‪ ،‬وكان من موضع ھذه الكنيسة على‬ ‫فراسخ‪ ،‬وكان فيھا بقايا من آثار ملكھم‪ ،‬فاستعان بذلك على ما أراده من بناء ھذه‬ ‫الكنيسة وبھجتھا وبھائھا‪ ،‬ونصب فيھا صلبانا ً من الذھب والفضة‪ ،‬ومنابر من العاج‬ ‫واألبينوس‪ (١) .‬واستخدم في بنائھا الذھب والفضة والزجاج والفسيفساء وألوان‬ ‫األصباغ" )‪ (٢‬فلما استتم بنيانھا كتب إلى النجاشي ‪ ”:‬إني قد بنيت لك أيھا الملك‬ ‫كنيسة لم يبن مثلھا لملك كان قبلك‪ ،‬ولست بمنتھي حتى أصرف إليھا حج العرب"‬ ‫‪14‬‬


‫)‪(٣‬‬ ‫وتحدث العرب بذلك‪ ،‬فغضب رجل من النسأ من بني فقيم بن عدي بن عامر بن‬ ‫ثعلبة‪ ،‬وعزم على تدنيس القليس‪ ،‬فخرج الفقيمي إلى القليس ودنسه ببعض‬ ‫القاظورات‪ ،‬واتصل خبر ذلك بأبرھة‪ ،‬فغضب غضبا ً شديداً وسائه أن يفعل ذلك‬ ‫رجل من أھل البيت الذي يحج إليه العرب بمكة ‪ ،‬وأقسم ليسيرن إلى الكعبة‬ ‫ويھدمنھا حجراً حجراً‪ ،‬ثم أنه أمر بإعداد جيش كبير‪ ،‬وتقدم جيشه فيل أرسله إليه‬ ‫النجاشي يقال له "محمود" )‪( ٤‬‬ ‫“لعله معرب من لفظة ‪ Mammouth,‬ويقصد بھا فيل ضخم مغطى بالشعر الكثيف‬ ‫كان يعيش في العصور الجيولوجية‪".‬‬ ‫ومر أبرھة ھلى الطائف في طريقه إلى مكة ‪ ،‬فبعثت معه رجالً يدله على الطريق‬ ‫يقال له أبو رغال ")‪ (٥‬فھلك أبو رغال في موضع يقال له المغمس بين الطائف‬ ‫ومكة ‪ ،‬فرجم قبره بعد ذلك‪ ،‬والعرب تتمثل بذلك )‪(٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬جواد علي ص ‪٢٠٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬ياقوت‪ ،‬معجم البلدان‪ ،‬مادة قليس ‪ ،‬مجلد ‪ ٤‬ص ‪ – ٣٩٥‬إبن كثير‪ ،‬المسيرة النبوية‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪.٣٠‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬الطبري‪ ،‬ج‪ ،٢‬ص ‪ – ١٣١ ،١٣٠‬ياقوت ‪ ،‬نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.٣٩٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬طبقات ابن سعد‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪ – ٥٦‬الدينوري ‪ ،‬األخبار الطوال ص ‪ .٦٣‬وذكر الزمخشري أن الفيل المذكور كان معه ‪١٢‬‬ ‫فيالً أخرى "الزمخشري ‪ ،‬ج‪ ، ٢‬القاھرة ‪ ١٩٢٥‬ص ‪”.٥٦٠‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٥‬وقيل الثقيل بن حبيب الخشمي "البالذري‪ ،‬أنساب األشراف ص ‪ ٦٧‬طبقات ابن سعد ج‪ ١‬ص ‪”.٥٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٦‬المسعودي ‪ ،‬مروج الذھب‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪ – ٧٩‬ياقوت ‪ ،‬معجم البلدان‪ ،‬مجلد ‪ ، ٥‬ص ‪.١٦١‬‬

‫ولما اقترب أبرھة من مكة بث طائفة من جنده للغارة‪ ،‬من بينھم رجل يقال له‬ ‫األسود بن مقصود‪ ،‬فأصابوا إبالً لعبد المطلب‪ .‬وتقدم أبرھة حتى اقترب من مكة‪،‬‬ ‫وأتى أنصاب الحرم ‪ ،‬فنزل في الموضع المعروف بحب المحصب )‪ (١‬وعندئذ أتاه‬ ‫عبد المطلب بن ھاشم بن عبد مناف سيد قريش فإدخل في حضرة أبرھة‪ ،‬وكان عبد‬ ‫المطلب وسيما ً‪) ،‬له غديرتان‪ ،‬أھدب األشفار‪ ،‬دقيق العرنين أشمه‪ ،‬رقيق البشرة‪،‬‬ ‫سھل الخدين( )‪ (٢‬فعظمه أبرھة وھابه وأجله ثم قال له ‪“ :‬سلني يا عبد المطلب‪.‬‬ ‫فأبى أن يسأله إال إبالً له‪ .‬فأمر بردھا عليه وقال له‪:‬‬ ‫أال تسألني الرجوع ؟‬ ‫فقال ‪ :‬أنا رب ھذه اإلبل‪ ،‬وللبيت رب سيمنعه منك " )‪ (٣‬ثم انصرف عبد المطلب‬ ‫إلى قومه وھو يقول ‪:‬‬ ‫يا أھل مكة قد وافاكم ملك **** مع الفيول على أنيابھا الزرد‬ ‫ھذا النجاشي قد سارت كتائبه **** مع الليوث عليھا البيض تتقد‬ ‫‪15‬‬


‫**** كمنع تبع لما جائھا حرد‬ ‫يريد كعبتكم‪ ،‬و‪ m‬مانعه‬ ‫ثم أنه أمر قريشا ً بأن تلحق ببطون األودية ورؤوس الجبال من معرة الحبشة‪ ،‬ووقف‬ ‫بباب الكعبة وھو يقول‪:‬‬ ‫يارب ال أرجو لھم سواك **** يا رب فامنع منھم حماكا‬ ‫إن عدوا البيت من عاداك *** فامنعھم أن يخربوا قراك )‪(٤‬‬ ‫ثم أرسل إلى عبد المطلب سيد مكة يخبره بأنه لم يقدم للحرب وإنما قدم ليھدم البيت‬ ‫)‪) ٥‬وعندما عزم أبرھة على ھدم الكعبة برك الفيل بالمغمس "فلم يحرك‪ ،‬و ُنخس‬ ‫بالرماح فلم ينھض ‪ ،‬ثم بعث ‪ m‬على الجيش طيراً مع كل طير ثالثة أحجار فألقتھا‬ ‫عليھم ‪ ،‬فلم ينجوا منھم شفر" )‪ (٦‬وذكر المؤرخون أن ھذه الطير ‪ ،‬التي وصفت في‬ ‫القرآن الكريم باألبابيل ‪ ،‬أشباه اليعاسيب‪ ،‬وأنھا كانت ترميھم بحجارة من سجيل‪،‬‬ ‫وھي طين خلط بحجارة خرجت من البحر )‪(٧‬‬ ‫وقد ذكر ‪ m‬تعالى في كتابه العزيز قصة أبرھة وأصحابه بقوله تعالى‪:‬‬ ‫ِيل * َوأَرْ َس َل َع َلي ِْھ ْم‬ ‫ُّك ِبأَصْ َحا ِ‬ ‫ْف َف َع َل َرب َ‬ ‫(أَ َل ْم َت َر َكي َ‬ ‫ِيل * أَ َل ْم َيجْ َع ْل َك ْي َد ُھ ْم فِي َتضْ ل ٍ‬ ‫ب ْالف ِ‬ ‫يل * َف َج َع َل ُھ ْم َك َعصْ ٍ‬ ‫ول( )‪(٨‬‬ ‫ِيھم ِبح َِج َ‬ ‫ف مَّأْ ُك ٍ‬ ‫ار ٍة مِّن سِ جِّ ٍ‬ ‫َطيْرً ا أَ َب ِابي َل * َترْ م ِ‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬وھو موضع فيما بين مكة ومنى وھو إلى منى أقرب‪ ،‬وھو موضع رمي الحصباء )راجع ياقوت معجم البلدان‪ ،‬مجلد ‪٥‬‬ ‫ص ‪).٦٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬البالذري ‪ ،‬أنساب األشراف‪ ،‬ص ‪.٦٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬إبن ھشام‪ ،‬السيرة‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪.٥١‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬المسعودي ‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.١٢٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٥‬ابن ھشام‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪ – ٤٧‬الطبري‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٩٣٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٦‬البالذري ‪ ،‬أنساب األشراف‪ ،‬ص ‪.٦٧‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٧‬المسعودي‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.١٢٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٨‬القرآن الكريم سورة الفيل ‪١٠٥‬‬

‫وعاد أبرھة إلى اليمن منھزما ً وھلك بعد عودته من الحرم‪ ،‬فخلفه على اليمن إبنه‬ ‫يكسوم‪ ،‬وكان ظالما ً غاشما ً‪ ،‬ع ّم أذاه سائر اليمن‪ ،‬واتبع سياسة تقوم على إذالل أھل‬ ‫اليمن واضطھاد العناصر الوطنية فيھا حتى يضمن بذلك انضواء اليمن تحت لوائه‪.‬‬ ‫وظل يكسوم بن إبرھة يحكم اليمن بعد وفاة أبيه نحو عشرين سنة )‪ (١‬أذل خاللھا‬ ‫أھل اليمن ‪ ،‬فكان "شراً من أبيه وأخبث سيرة"‪ .‬فلما توفي خلفه أخوه مسروق الذي‬ ‫كان يتولى إمارة مخالف شناتر في عھد أبيه‪ ،‬ولعل ذلك كان سببا ً في أن يسميه‬ ‫ثيوفانيس سنطرق ‪ Sanaturces‬وھي لفظة محرفة من شناتر ‪.‬‬ ‫ولم يكن مسروق أرحم من أخيه يكسوم بل كان أكثر تعسفا ً منه في معاملة‬ ‫‪16‬‬


‫الحميريين ‪ ،‬فكان "شراً من أخيه وأخبث سيرة" )‪ (٢‬وقد كانت ھذه المعاملة السيئة‬ ‫سببا ً في نفور أھل اليمن من حكم األحباش‪ ،‬ورغبتھم في التخلص من استبدادھم‪.‬‬ ‫فلما طال البالء على أھل اليمن من األحباش ظھر زعيم وطني من حمير يقال له‬ ‫سيف بن ذى يزن ويكنى أبا مرة )‪ (٣‬وعقد سيف بن ذي يزن عزمه على تخليص‬ ‫قومه من بطش مسروق وتحرير بالده من احتالل األحباش‪ .‬ولكنه رأى استحالة‬ ‫قھرھم بالسيف‪ ،‬إذ كان األحباش قد جردوا الوطنيين من قواھم وضربوا بين القبائل‬ ‫اليمنية ولم يجد أمامه بداً من اصطناع السياسة في إخراج األحباش من اليمن‪.‬‬ ‫فركب سفينة في البحر إلى القسطنطينية وقيل أنطاكية‪ ،‬وقدم على اإلمبراطور‬ ‫البيزنطي )جستين الثاني( ملتمسا ً منه العون على تحقيق أمنيته‪ ،‬ويبدو أنه مناه‬ ‫بالوعود التي تكفل لبيزنطة السيطرة على اليمن إقتصاديا ً وسياسيا ً فأطمعه في مواالة‬ ‫الوطنيين في اليمن للبيزنطيين )‪ (٤‬وطال مقام إبن ذي يزن ببالط اإلمبراطور‬ ‫البيزنطي حتى قيل أنه أقام ببابه سبع سنين‪ ،‬ولكن طلبه قوبل بالرفض‪ ،‬وأبى‬ ‫اإلمبراطور أن ينجده‪ ،‬وھو أمر طبيعي‪ ،‬لما كان يربطه بحلفائه األحباش من‬ ‫عالقات دينية وسياسية وإقتصادية‪ ،‬ثم إن مناصرة قيصر للعناصر الوطنية في اليمن‬ ‫لن تزيده شيئا ً على ما كان يلقاه من إمتيازات في اليمن‪ ،‬فرد سيف قائالً ‪“ :‬أنتم يھود‬ ‫والحبشة نصارى وليس في الديانة أن ننصر المخالف على الموافق " )‪ .(٥‬ولما‬ ‫يئس إبن ذي يزن من استجابة البيزنطيين لمطالب أھل اليمن‪ ،‬لم يجد بداً من التحول‬ ‫بطلبه إلى زعيم الكتلة الشرقية وكان يمثلھا كسرى أنو شروان "‪٥٧٨ – ٥٣١‬م ‪،‬‬ ‫على أمل أن يقوم ھذا بنجدته تحقيقا ً لحلم فارس في السيطرة على طريق التجارة‬ ‫عبر البحر األحمر‪ .‬ولكي يضمن استجابة كسرى له رأى أن يعرض األمر على‬ ‫النعمان بن المنذر ملك الحيرة الذي يرتبط برابطة الوالء والتبعية مع كسرى فارس‬ ‫‪ ،‬حتى يقدمه بنفسه أمام كسرى‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬المسعودي‪ ،‬ج‪ ١‬ص ‪ ،٨٠‬وقيل ‪ ١٩‬سنة )الدينوري‪ ،‬األخبار الطوال ص ‪ ،٦٣‬وقيل ‪ ١٧‬سنة )حمزة األصففھاني‪ ،‬ص‬ ‫‪.٨٩‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬األخبار الطوال ص ‪ .٦٣‬ويقول المسعودي أنه زاد على أبيه وأخيه في األذى ج‪ ٢‬ص ‪.٨٠‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬وھب بن منبه‪ ،‬كتاب التيجان ص ‪ . ٣٠٣‬وقد ذكر وھب أن حركة سيف بن ذي يزن ظھرت في عھد يكسوم بن ابرھة‪،‬‬ ‫بينما ذكرھا آخرون في عھد مسروق )راجع الدينوري ‪ ،‬ص ‪ – ٦٣‬المسعودي مروج الذھب ج‪ ٢‬ص ‪.٨٠‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬كتاب التيجان ص ‪ ٣٠٤‬الطبري ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪٩٤٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٥‬المسعودي‪ ،‬مروج الذھب‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٨٠‬‬

‫فمضى إلى الحيرة‪ ،‬وشكى إلى النعمان ما يلقاه العرب في اليمن من استبداد‬ ‫األحباش‪ .‬فاستضافه ووعده بأن يقدمه إلى كسرى )‪ (١‬ثم خرج معه فأدخله عليه‬ ‫فلما دخل سيف إيوان كسرى وشاھد ما بين يديه من مظاھر األبھة والعظمة‪ ،‬لم‬ ‫‪17‬‬


‫يبھره شيء مما رآه ‪ ،‬بل تقدم في جرأة إلى كسرى وطلب منه أن يساعد قومه على‬ ‫طرد األحباش وتحرير اليمن )‪ (٢‬فاستھان كسرى ألمره وقال له ‪“ :‬بعدت أرضك‬ ‫من أرضنا‪ ،‬وھي أرض قليلة الخير وإنما بھا الشاء والبعير وذلك مما ال حاجة لنا‬ ‫به"‪ ،‬ثم صرفه بعد أن أعطاه عشرة آالف درھم وخلع عليه‪ .‬فغضب ابن ذي يزن‬ ‫ونثر دراھم كسرى بعد خروجه من حضرته على الناس‪ .‬ولما علم كسرى بذلك أمر‬ ‫به فأحضر أمامه فقال له ‪ :‬عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس‪ .‬فقال ‪ :‬ما أصنع به ؟‬ ‫‪ ،‬ما جبال أرضي كلھا إال ذھب وفضة‪(٣) .‬‬ ‫وعندئذ طمع كسرى في بالد اليمن لوفرة معادنھا وكثرة ثرواتھا‪ ،‬وعقد مجلسا ً من‬ ‫وزرائه‪ ،‬وقال ‪“ :‬ما ترون في أمر ھذا الرجل وما حاله ؟‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬الدينوري ‪ ،‬ص ‪ – ٦٢‬الطبري ‪ ،‬ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪.٩٤٦‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬ذكر وھب ابن منبه أنه قال لكسرى ‪“ :‬أيھا الملك َغلّبت األغربة علينا في بالدنا فقال كسرى أي األغربة ؟ ‪ ...‬السند أم‬ ‫الحبشة ؟ فقال له ‪ :‬الحبشة‪ ،‬وجئتك لتنصرني ويكون ملك أرضي لك‪ .‬قال له كسرى ‪ :‬بعدت أرضك مع قلة خيرھا‪ ،‬ما كنت ألورط‬ ‫فارس في بالد الحبشة‪ ،‬ال حاجة لي بذلك"‪) .‬كتاب التيجان‪ ،‬ص ‪).٣٠٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬كتاب التيجان‪ ،‬ص ‪ – ٣٠٤‬إبن ھشام‪ ،‬السيرة ج‪ ١‬ص ‪ – ٦٥‬الطبري‪ ،‬ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪.٩٤٧‬‬

‫فقال رجل منھم ‪ :‬أيھا الملك إن في سجونك رجاالً حبستھم للقتل ‪ ،‬فلو أنك بعثتھم‬ ‫معه فإن يھلكوا كان الذي أردت بھم‪ ،‬وإن أظفروا كان ملكا ً زاده الملك إلى ملكه"‪.‬‬ ‫)‪ (١‬فبعث كسرى بمن كان في سجونه معه‪ ،‬وكانوا ‪ ٨٠٠‬رجل‪ ،‬استعمل عليھم‬ ‫رجالً يدعى وھرز بن الكامجار كان متقدما ً في السن ذو تجربة وخبرة‪ ،‬وأبحروا في‬ ‫ثمان سفن‪ ،‬غرقت منھا اثنتان ونجت ٌ‬ ‫ست أرست على ساحل عدن‪.‬‬ ‫ويتضح أن سبق ان سيف بن ذي يزن تولى عبء إخراج األحباش من اليمن ‪ ،‬وأنه‬ ‫اتصل بادئ ذي بدء بالبيزنطيين وأطمعھم في البالد فلما أخفق معھم أعاد محاولته‬ ‫مع الفرس‪ .‬وال شك أن محاولة إبن ذي يزن اإلستنصار بأعظم قوتين في العالم في‬ ‫ھذا الوقت واستجابة الفرس له‪ ،‬تعبر عن قيام منافسة بين الروم والفرس للسيطرة‬ ‫على الطرق التجارية الموصلة للھند‪(٢) ،‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬كتاب التيجان‪ ،‬ص ‪ ٣٠٥ – ٣٠٤‬الطبري ‪ ،‬ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪.٩٤٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬نجد نفس ھذه السياسة يطبقھا في العصر اإلسالمي عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن ھشام في األندلس‪ ،‬عندما اتصل‬ ‫أوالً بحزب القيسية فخذله زعيم ھذا الحزب‪ ،‬فاستغل النزاع بين القيسية واليمنية لمصلحته‪ ،‬وأعاد الكرة مع اليمنية فنصروه ‪.‬‬

‫نجحت حملة وھرز نجاحا ً تجاوز كل تقدير في الحسبان وانھزم مسروق ابن أبرھة‬ ‫وقتل في المعركة‪ ،‬ودخل وھرز صنعاء‪ ،‬وضبط اليمن‪ ،‬وكتب إلى كسرى بالفتح‬ ‫فكتب إليه كسرى يأمره بقتل كل أسود في اليمن ‪ ،‬وبتمليك سيف عليھا )‪ ، (١‬وألن‬ ‫يعرج بعد ذلك إلى فارس‪ .‬ويبدوا أن كسرى قنع بإقامة حكم وطني في اليمن يرتبط‬ ‫‪18‬‬


‫بالتبعية له‪ ،‬فقد كان أنو شروان قد اشترط على ابن ذي يزن نظير مناصرته له عدة‬ ‫شروط‪ ،‬منھا أن يتزوج الفرس من نساء اليمن وال يتزوج اليمنيون من نساء الفرس‪،‬‬ ‫ومنھا أن يحمل سيف بن ذي يزن الخراج إليه )‪ (٢‬وكان سيف بن ذي يزن أو ابنه‬ ‫معد يكرب ‪ ،‬آخر ملوك حمير في اليمن‪“ ،‬وإنقضى ملك حمير فصارت اليمن بأيدي‬ ‫عمال ملوك الفرس" )‪ (٣‬وعقب مصرعه رد كسرى وھرز إلى أرض اليمن ومعه‬ ‫أربعة آالف من الفرس استأصل بھم من بقي في اليمن من األحباش )‪(٤‬‬ ‫وليس ببعيد أنھم ھم الذين تآمروا على قتله حتى يخلو لھم الجو من بعده وتصبح‬ ‫اليمن أرضا ً تابعة لإلمبراطورية الساسانية‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬الدينوري ‪ ،‬ص ‪.٦٤‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬المسعودي‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٨٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬حمزة األصففھاني ص ‪ - ٩٠‬المسعودي ج ‪ ٢‬ص ‪٨٥‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٤‬الطبري‪ ،‬ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪ – ٩٥٨ – ٩٥٧‬المسعودي ‪ ،‬ج‪ ٢‬ص ‪.٨٧‬‬

‫وتتابع على اليمن والة من قبل األكاسرة بفارس اختلف حمزة األصففھاني‬ ‫والمسعودي والطبري في ذكر أسمائھم )‪( ١‬‬ ‫وكسب الفرس كثيراً من ضم اليمن إلى حوزتھم‪ ،‬فقد أصبحوا يسيطرون سيطرة‬ ‫فعلية على الطريق البحري التجاري إلى الھند عبر البحر األحمر‪ ،‬كما سيطروا‬ ‫كذلك على الطريق البري أو طريق الحجاز )‪) ٢‬وفي عام ‪ ٦٠٩‬م وقعت بين العرب‬ ‫والفرس معركة تدعى بمعركة ذي قار التي انتصر فيھا العرب على الفرس‪. 1‬‬ ‫‪ - ١‬خالصة ما حدث في يوم ذي قار ‪:‬‬ ‫أن قبائل بكر استصحبوا من خلفھم نساءھم وانقضوا على الجيش الفارسي ‪ ،‬وكان‬ ‫ھانئ قد نصب كمينا ً وراء الجيش الفارسي ‪ ،‬فانقض الكمين على الملك الجديد الذي‬ ‫كان كسرى قد عينه خلفا ً للنعمان بن المنذر ‪ ،‬وفي أثناء ذلك أحس العرب بروابط‬ ‫األخوة التي تربطھم ببعض ‪ ،‬فانسحب من جيش فارس كثير من العرب الذين كانوا‬ ‫يعطون والءھم لفارس من قبائل تميم وقيس وعيالن فانقضوا على الفرس الذين‬ ‫يلونھم بعد أن كانوا يدينون بالوالء لھم ‪ ،‬وعرف العرب أنھم كانوا مخدوعين بملك‬ ‫رخيص كان كسرى يضحك به على بعض أذنابه منھم ‪ .‬وروي عنه عليه الصالة‬ ‫والسالم أنه لما بلغه انتصار قبائل بكر بقيادة ھانئ بن مسعود الشيباني على عساكر‬ ‫الفرس قال ‪ ) :‬ھذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم ‪ ،‬وبي قد نصروا ( )‪( ٣‬‬ ‫والحق أن انتصار العرب على العجم في ذي قار كان نواة لمعركة القادسية التي‬ ‫أعز ‪ m‬فيھا قبائل العرب بنور اإلسالم ‪ ،‬ونبوة محمد عليه الصالة والسالم‪.‬‬ ‫‪19‬‬


‫ولم يلبث الفرس أن توجوا جھودھم بفتح الشام ومصر في سنة ‪ ٦١٤‬م وأدرك‬ ‫ھرقل أن الفرس قد أصبحوا أصحاب السلطان الفعلي على سواحل البحر المتوسط‬ ‫والبحر األحمر‪ ،‬وأنھم خنقوا دولة أكسوم الحبشية حليفة الروم‪ ،‬ولكن ھذا الوضع لم‬ ‫يلبث أن تغير سريعا ً‪ ،‬إذ تمكن ھرقل من استرداد سلطانه على الشام ومصر بفضل‬ ‫حملة بحرية واحدة‪ ،‬أما اليمن فقد دخلت في فلك دولة الرسول في المدينة‪.‬‬ ‫وبعد ھزيمة الفرس امتنع العرب عن دفع األتاوات والضرائب للفرس‪.‬‬ ‫للحاشية ‪ : ١‬حمزة األصففھاني ‪ ،‬ص ‪ ، ٩٢ – ٩١‬المسعودي‪ ،‬ج‪ ٢‬من ‪ – ٨٨ – ٨٧‬الطبري ‪ ،‬ج‪ ٢‬قسم ‪ ١‬ص ‪.٩٥٨‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٢‬جواد علي‪ ،‬ج‪ ٣‬ص ‪.٢١٢‬‬ ‫للحاشية ‪ : ٣‬تاريخ الدولة العربية دار النھضة العربية الدكتور عبد العزيز سالم‪.‬‬

‫ﺑﻠﻘﻴﺲ ﻣﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ‬

‫اﻋﺪاد ‪ :‬اﻻﻋﻼم اﻟﺠﺪﻳﺪ ) ‪( 18‬‬

‫‪20‬‬


موجز تاريخ اليمن في العصور القديمة  

موجز تاريخ اليمن في العصور القديمة

Advertisement
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you