Issuu on Google+

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪1‬‬

‫القــوقعـة‬ ‫يوميات متلصص‬ ‫مصطفى خليفة‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪2‬‬

‫جلست وسوزان في كافيتي ريا مطار أورلي بباريس ننتظر إقالع الطائرة التي ستقلني إلى بلدي بعد غياب دام‬ ‫ست سنوات‪.‬‬ ‫حتى ربع الساعة األخير هذا‪ ،‬لم تيأس سوزان من محاولة إقناعي بالبقاء في فرنسا‪ ،‬أخذت تك رر عل ى مس امعي‬ ‫نفس الحجج التي سمعتها منذ شهور عندما أعلمتها بقراري النهائي بالعودة إلى الوطن والعمل هناك‪.‬‬ ‫أنا ابن عائلة عربية تدين بالمسيحية والمذهب الكاثوليكي‪ .‬نصف العائلة يعيش ف ي ب اريس‪ ،‬ل ذلك كان ت األب واب‬ ‫مفتوحة أمامي للدراسة في هذا البلد‪ ،‬دراستي كانت سهلة وميس رة وخاص ة إنن ي كن ت أجي د الفرنس ية حت ى قب ل‬ ‫ق دومي إل ى ب اريس‪ ،‬درس ت ارخ راس الس ينمائي وتفوق ت ف ي دراس تي‪ .‬وه ا أن ا أع ود بع د تخرج ي إل ى بل دي‬ ‫ومدينتي‪.‬‬ ‫سوزان أيضا ابنة عائلة عربية‪ ،‬ولكن كل عائلتها كانت قد هاجرت وتعيش في فرنسا‪ ،‬أصبحنا صديقين حميم ين‬ ‫في السنتين األخيرتين م ن دراس تي‪ ،‬وك ان يمك ن أن نت زوس بمبارك ة الع ائلتين ل ور إص راري عل ى الع ودة إل ى‬ ‫الوطن‪ ،‬وإصرارها على البقاء في فرنسا‪.‬‬ ‫قلت لها حسما آلخر نقاش في الموضوع ونحن في المطار‪:‬‬ ‫ سوزان ‪ ..‬أنا أحب بلدي‪ ،‬مدينتي‪ .‬أحب شوارعها وزواياها‪ .‬هذه ليست رومانسية فارغة‪ ،‬إنه شعور أص يل‪،‬‬‫أحفظ العبارات المحفورة على جدران البيوت القديمة في حينا‪ ،‬أعشقها‪ ،‬أحن إليها‪ .‬هذا أور‪ ،‬أما ثانيا فهو أنني‬ ‫أريد أن أكون مخرجا متميزا‪ ،‬في رأسي الكثير من المشاريع والخطط‪ ،‬إن طموحي كبير‪ ،‬في فرنسا سوف أبقى‬ ‫غريبا‪ ،‬أعمل كأي رجيء عندهم‪ ،‬يتفضلون علي ببعض الفتات ‪ ...‬ر‪ ...‬ر أري د‪ .‬ف ي بل دي أن ا ص احب ح …‬ ‫وليس ألحد ميزة التفضل علي‪ ،‬بقليل من الجهد أستطيع أن أثبت وجودي‪ ،‬هذا إذا نحينا جانبا حاج ة ال وطن ل ي‬ ‫وألمثالي‪.‬‬ ‫لذلك قراري بالعودة نهائي‪ ،‬وكل محاولة رقناعي عكس ذلك عبث‪.‬‬ ‫ران صمت استمر بضع دقائ ‪ .‬سمعنا النداء‪ .‬آن أوان صعود الطائرة‪ ،‬وقفنا‪ ،‬شربنا ما تبقى في كؤوسنا من بيرة‬ ‫دفعة واحدة‪ ،‬نظرت إليها متأثر ‪ ،‬لمحت مشروع دمعة في عينيها‪ ،‬ألقت بنفسها على صدري‪ ،‬قبلتها سريعا‪ " .‬ر‬ ‫أطي هكذا موقف "‬ ‫قلت ‪ :‬أتمنى لك السعادة‪.‬‬ ‫ وأنا كذلك‪ ،‬أرجو أن تنتبه‪ ،‬حافظ على نفسك‪.‬‬‫وصعدت الطائرة‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪3‬‬

‫* يوميات متلصص‪:‬‬ ‫إن التلصص الذي مارسته لم يكن تلصصا جنسيا ‪ -‬وان لم يخل األمر من ذلك‪.‬‬ ‫هذه اليوميات كتبت معظمها في السجن الصحراوي‪ ،‬وكلمة ( كتبت ) في الجملة السابقة ليست دقيقة‪.‬‬ ‫فف ي الس جن الص حراوي ر يوج د أق الم ور أورا للكتاب ة‪.‬ف ي ه ذا الس جن الض خم ال ذي يحت وي عل ى س بع‬ ‫ساحات إضافة إلى الساحة صفر‪ ،‬وعلى سبعة وثالثين مهجعا‪ ،‬وعلى العدي د م ن المه اجع الجدي دة غي ر المرقم ة‬ ‫والغرف والزنازين الفرنسية (السيلول ) في الساحة الخامسة‪ ،‬وال ذي ض م ب ين جدران ه ف ي لحظ ة م ن اللحظ ات‬ ‫أكثر من عشرة آرف سجين‪ ،‬في هذا السجن الذي كان يحتوي على أعلى نسبة لحملة الشهادات الجامعية في هذا‬ ‫البلد‪ ،‬لم ير السجناء ‪ -‬وبعضهم قضى أكثر من عشرين عاما ‪ -‬أية ورقة أو قلم‪.‬‬ ‫الكتابة الذهنية أسلوب طوره ارسالميون‪ " .‬أحدهم كان يحفظ في ذهنه أكثر م ن عش رة آرف اس م‪ ،‬ه م الس جناء‬ ‫ال ذين دخل وا الس جن ال ص حراوي‪ ،‬م ع أس ماء ع ائالتهم‪ ،‬م دنهم أو ق راهم‪ ،‬ت اريك اعتق الهم‪ ،‬أحك امهم‪ ،‬مص يرهم‬ ‫‪.".....‬‬ ‫عندما قررت كتابة هذه اليوميات كنت قد استطعت بالتدريب تحويل الذهن إلى ش ريط تس جيل‪ ،‬س جلت علي ه ك ل‬ ‫ما رأيت‪ ،‬وبعض ما سمعت‪.‬‬ ‫واآلن أفرغ "بعض" ما احتواه هذا الشريط‪.‬‬ ‫ هل أنا نفس ما كنته قبل ثالثة عشر عاما ؟! ‪ ...‬نعم ‪ ...‬ور‪ .‬نعم صغيرة‪ ،‬ور كبيرة‪.‬‬‫نعم‪ ،‬ألنني أفرغ وأكتب "كتابة حقيقية" بعضا من هذه اليوميات‪.‬‬ ‫ور‪ ..‬ألنن ي ر أس تطيع أن أكت ب وأق ول ك ل ش يء‪ .‬ه ذا يحت اس إل ى عملي ة ب و ‪ ،‬وللب و ش روط‪ .‬الظ رف‬ ‫الموضوعي والطرف اآلخر‪.‬‬

‫‪ 02‬نيسان‬ ‫وقفت على سلم الطائرة قليال أتملى أبنية المطار‪ .‬أنظر إلى األضواء البعيدة‪ ،‬أضواء مدينتي‪ .‬إنها لحظة رائعة‪.‬‬ ‫نزلت‪ ،‬أخذت حقيبتي وجواز السفر في يدي‪ ،‬إحساس باررتيا ‪ ،‬إحساس من يعود إلى بيته وزواياه المألوفة بع د‬ ‫طول غياب‪.‬‬ ‫طلب مني الموظف ارنتظار‪ .‬قرأ جواز السفر‪ ،‬رجع إلى أورا عنده‪ ،‬بعدها طلب مني ارنتظار‪ ،‬فانتظرت‪.‬‬ ‫اثنان من رجال األمن استلما جواز السفر وبلطف مبالغ فيه طلبا مني مرافقتهما‪.‬‬ ‫أنا وحقيبتي – التي لم أرها بعد ذلك – ورحل ة ف ي س يارة األم ن عل ى طري المط ار الطوي ل‪ ،‬أرق ب األض واء‬ ‫على جانبي الطري ‪ ،‬أرقب أضواء مدينتي تقترب‪ ،‬ألتفت إلى رجل األمن الجالس إلى جواري‪ ،‬أساله‪:‬‬ ‫ خير إن شاء هللا ؟ ‪ ..‬لماذا هذه ارجراءات ؟!‬‫يصالب سبابته على شفتيه‪ ،‬ر ينط بأي حرف‪ ،‬يطلب مني السكوت‪ ،‬فأسكت!‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪4‬‬

‫رحلة من المطار إلى ذلك المبنى الكئيب وسط العاصمة‪ .‬رحلة في المكان‪.‬‬ ‫ومنذ تلك اللحظة ولى ثالثة عشر عاما قادمة! رحلة في الزمان‪.‬‬ ‫"عرفت فيما بعد أن أحدهم‪ ،‬وكان طالبا معنا في باريس‪ ،‬قد كتب تقريرا رفعه إلى الجهة األمنية التي يرتبط بها‪،‬‬ ‫يق ول ه ذا التقري ر إنن ي ق د تفوه ت بعب ارات معادي ة للنظ ام الق ائم‪ ،‬وإنن ي تلفظ ت بعب ارات جارح ة بح رئ يس‬ ‫الدولة‪ ،‬وهذا الفعل يعتبر من اكبر الجرائم‪ ،‬يعادل فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى‪.‬‬ ‫وهذا جرى قبل ثالث سنوات على عودتي من باريس"‪.‬‬ ‫ذلك التقرير قادني إلى هذا المبنى الذي يتوسط العاصمة – قريبا من بيتنا هذا المبنى الذي أعرفه جي دا‪ ،‬فلطالم ا‬ ‫مررت من أمامه‪ .‬كنت حينها مثارا بالغموض الذي يلفه‪ ،‬وبالحراسة الشديدة حوله‪.‬‬ ‫رجال األمن يخفران ي‪ ،‬اش تدت قبض اتهما عل ى س اعدي عن دما ولجن ا الب اب إل ى المم ر الطوي ل‪ .‬ف ي آخ ر المم ر‬ ‫شاب‪ ،‬صا عندما رآنا‪:‬‬ ‫ أهلين موسى ‪..‬شو ؟! أخضر ور أحمر؟‬‫ كلو أخرى من بعض‪.‬‬‫من الممر إلى ممر آخر‪ ،‬درس داخلي‪ ،‬ممر علوي‪ ،‬غرفة إلى اليمين‪ ...‬قرع الباب‪ ...‬صوت من الداخل‪ :‬أدخل‪.‬‬ ‫فتح مرافقي الباب بهدوء‪ ،‬ثم خبط األرض بقدميه بقوة‪:‬‬ ‫ احترامي سيدي ‪ ..‬هذا مطلوب جبناه من المطار ‪ ..‬سيدي‪.‬‬‫انسلت إلى أنفي رائحة مميزة‪ ،‬ر يوجد مثيلها إر في مكاتب ضباط األمن‪ ،‬هي خليط روائ ح‪ ،‬العط ور المختلف ة‪،‬‬ ‫السجائر الفاخرة‪ ،‬رائحة العر ارنساني‪ ،‬رائحة األرجل‪.‬‬ ‫كل ذلك ممزوس برائحة التعذيب‪ .‬العذاب ارنساني‪ .‬رائحة القسوة‪.‬‬ ‫ما أن تصل الرائحة إلى أنف ارنسان حتى يشعر بالرهبة والخوف‪ ،‬وقد شعرت بهما رغم اعتقادي أن التباسا ما‬ ‫وراء كل هذا‪.‬‬ ‫التفت إلينا شخص عمال ‪ ،‬أبيض الشعر ذو وجه أحمر‪ ،‬لمحت عند قدميه شابا مقرفص ا معص وب العين ين‪ ،‬ق ال‬ ‫العمال ‪:‬‬ ‫ خذه لعند أبو رمزت‪.‬‬‫جذبني المرافقان‪ ،‬هذه المرة بعنف ظاهر‪ .‬ممرات وأدراس‪ ،‬كم يبدو البناء صغيرا من الخارس‪ ،‬بينما هو بكل هذا‬ ‫ار تس اع م ن ال داخل‪ ،‬خ الل س يرنا تص لني أص وات ص راا إنس اني واس تغاثات‪ ،‬كلم ا تق دمنا أكث ر ت زداد ه ذه‬ ‫األصوات ارتفاعا ووضوحا‪ ،‬نزلنا – على ما أعتقد ‪ -‬إلى القبو‪ ،‬فتح أحد مرافقي الباب‪ ،‬رأي ت مص در الص راا‬ ‫وارستغاثة‪ ،‬فاجأتني صرخة ألم عالية إثر ضربة كابل على قدمي الشخص الممدد أرض ا والمحش ور ف ي دورب‬ ‫سيارة خارجي‪ ،‬رجاله مرتفعتان في الهواء‪.‬‬ ‫"أحسست أن شيئي بين فخدي قد ارتجف"‪.‬‬ ‫بينما كنت مذهور من رؤية الكابل األسود يرتفع ثم يهوي على قدمي الشاب المحشور في دورب السيارة األسود‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪5‬‬

‫ثم يرتفع ناثرا معه نقاط الدم ونتف اللحم اآلدمي‪ ،‬جمدني صوت زاع ‪ .‬التف ت مرغم ا إل ى مص دره‪ ،‬ف ي زاوي ة‬ ‫الغرفة رجل محتقن الوجه‪ ،‬محمره‪ ،‬والزبد يرغي على زاويتي فمه‪:‬‬ ‫ طمش عيونه ‪..‬ور حمار!!‬‫قفز أحد مرافقي قفزتين‪ ،‬واحدة إلى األمام‪ ،‬وأخرى إل ى ال وراء‪ ،‬وإذا بش يء يوض ع عل ى عين ي وي ربط بمط اط‬ ‫خلف رأسي‪ ،‬ولم أعد أرى شيئا‪.‬‬ ‫ وقفوه على الحائط‪.‬‬‫دفعة على ظهري‪ ،‬صفعة على رقبتي‪ ،‬يداي إلى الخلف‪ ،‬أسير مرغما‪ ،‬يرتطم رأسي بالجدار‪ ،‬أقف‪.‬‬ ‫ إرفع يديك لفو ‪..‬ولك كلب ‪...‬‬‫أرفعهما‪.‬‬ ‫ إرفع رجلك اليمين ووقف على رجلك اليسار ‪..‬يا ابن الشرموطة‪.‬‬‫أرفع رجلي‪ ،‬أقف‪.‬‬ ‫في الخلف يستمر ما كان يجري‪ ،‬أ سمع صوت الكابل‪ ،‬صوت ارتطامه بالق دمين‪ ،‬ص وت الش اب المت ألم‪ ،‬ص وت‬ ‫لهاث الجالد‪ ،‬أكاد اسمع صوت نتف اللحم التي رأيتها تتطاير قبل قليل‪ ..‬أصوات‪ ..‬أصوات‪.‬‬ ‫عند األعمى الصوت هو السيد‪.‬‬ ‫الكرسي المريح في مطار اورلي‪ ،‬سوزان‪ ،‬مرطبات‪ ،‬بيرة‪ ،‬المقعد الوثير في الطائرة‪ ،‬المضيفة التي تفيض رق ة‬ ‫وجمار‪ ،‬العصير‪ ..‬الشاي !!‬ ‫تتعب رجلي اليسرى التي تحمل كامل جسدي‪ ".‬لو بدلت اليمنى باليسرى‪ ،‬هل سينتبه الرجل ذو الوجه المحتقن؟!‬ ‫وإذا انتبه ماذا سيفعل ؟!" ‪.‬‬ ‫تتخدر اليسرى‪ ،‬لم أعد أستطيع ارحتمال‪ ،‬أغامر ‪..‬أبدل !!‪ ..‬لم يحصل شيء‪ ،‬لم ينتب ه أح د‪ ،‬أش عر بارنتص ار!‪..‬‬ ‫"بعد سنين طويلة من السجن مستقبال‪ ،‬سأكتشف أنه في الص راع األب دي ب ين الس جين والس جان‪ ،‬ك ل انتص ارات‬ ‫السجين ستكون من هذا العيار!!"‪.‬‬ ‫الزمن ثقيل ‪ ..‬ثقيل ‪ ..‬حالة من الالتص دي تنت ابني!! م ا ال ذي يج ري؟! ول م أن ا هن ا ؟! آرف األس ئلة‪ ،‬أح اول أن‬ ‫أستند بيدي إلى الحائط‪ ،‬ألمسه برؤوس أصابعي ‪ ....‬فجأة يصيح الشاب المحش ور ف ي دورب الس يارة الخ ارجي‬ ‫األسود‪:‬‬ ‫ بس يا سيدي ‪..‬بس‪ ،‬مشان هللا‪ ،‬ما عاد فيني أتحمل! ر أحكي كل شي‪.‬‬‫بهدوء وبلهجة المنتصر‪ ،‬يقول الرجل ذو الوجه المحتقن‪:‬‬ ‫ بس إبراهيم ‪ ..‬كافي‪ ،‬اتركه‪ ،‬طالعه من الدورب وخذه لعند الرائد‪.‬‬‫اسمعه يتكلم بالهاتف مع الرائد‪ .‬فكرت‪ :‬جاء اآلن دوري !!؟ ‪.‬‬ ‫فعال‪ ،‬سمعت صوت سماعة الهاتف تعاد إلى مكانها‪ ،‬صا المحتقن‪:‬‬ ‫‪ -‬ولك أيوب ‪..‬أيوب‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪6‬‬

‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ تعال شوف هذا الزبون‪.‬‬‫أحس بأيوب خلفي ‪.‬‬ ‫ دخله عـ الدورب ‪..‬يا هلل بسرعة‪.‬‬‫شعرت بأن أكثر من خمسة رجال قد جذبوني وأوقعوني أرضا‪ " .‬الى اآلن‪ ،‬بعد أربع ة عش ر عام ا مض ت عل ى‬ ‫تلك اللحظة��� ،‬لم أستطع أن أفهم أو أتصور كيف أن أيوب قد حشرني في ذلك الدورب الخ ارجي للس يارة‪ ،‬بحي ث‬ ‫أصبحت رجالي مشرعتي ن في الهواء‪ ،‬ر أستطيع الفكاك مهما حاولت‪ ،‬ور كيف انتزع حذائي وجواربي !!"‪.‬‬ ‫ سيدي ‪..‬كابل ور خيزرانة؟‬‫ خيزرانه ‪ ..‬خيزرانه‪ ،‬يظهر األستاذ نعنوع!‬‫سيك من النار لسع باطن قدمي‪ ،‬صرخت‪ .‬قبل انتهاء الصرخة كانت الخيزرانه قد لسعت مرة أخرى ‪ ..‬الض رب‬ ‫متواصل‪ ،‬الصراا متواصل‪ .‬رغم ذلك سمعت صوت الرجل المحتقن‪:‬‬ ‫ أيوب‪ ..‬بس استوى ناديلي‪.‬‬‫ر أعرف لماذا يضربونني! ر أعرف ماذا يريدون مني‪ ،‬تجرأت وصرخت‪:‬‬ ‫ لك يا أخي شو بتريد مني؟‪.‬‬‫ كول خرى‪ ..‬ورمنيك‪.‬‬‫هذا كان رد أيوب الذي لم أر وجهه أبدا‪ .‬وبدأت أعد الضربات وأنا أصرا ألما‪" .‬بعد ذلك بزمن طويل‪ ،‬أخبرني‬ ‫المتمرسون‪ :‬إن عد الضربات أول عالم ات الض عف‪ ،‬وإن ه ذا ي دل عل ى أن المجاه د أو المناض ل س ينهار أم ام‬ ‫المحق !!‪..‬وقتها قلت في نفسي‪ :‬ولكنني لست مناضال ور مجاهدا‪ .‬وأخبروني أن م ن األفض ل ف ي ه ذه الح ارت‬ ‫أن ت كون لديك قدرة كبيرة على التركيز النفسي بحيث تركز على مسألة محببة لك‪ ،‬وتحاول أن تنسى قدميك !!"‪.‬‬ ‫عند الرقم أربعين أخطأت العد‪ ،‬وبدأت أفقد إحساسي بجسدي‪ ،‬ص راخي خفت ت حدت ه‪ ،‬حال ة م ن ع دم الت وازن و‬ ‫الدوار‪ ،‬الغمام – رغم الطماشة – بدأ يطفو أمام عيني "هل بدأت أفقد وعيي ؟" غمام ‪..‬دوار ‪ ..‬مطار أورل ي ‪..‬‬ ‫العصير البيرة ‪..‬الطائرة والمضيفة اللطيفة ‪...‬‬ ‫إحساس مبهم بأن كل شيء قد توقف‪ ..‬استعدت استيعاب الموقف‪ ..‬نعم حتى الضرب توقف! خدر‪ ...‬خدر ‪..‬‬ ‫دقائ قد تكون طويلة ‪ ...‬قد تكون قصيرة ‪..‬لست أدري !! صحوت!‪.‬‬ ‫صوت الرجل ذو الوجه المحتقن ثانية‪:‬‬ ‫ شو يا أيوب ‪ ..‬صحي ور أل؟‬‫ صحي ‪ ..‬سيدي‪ ..‬صحي ‪ ،‬بس ‪ ..‬شك تحتو!!‬‫ العمى بـ عيونه ‪..‬الظاهر إنو األستاذ كتير خرو !!‬‫أحسست بلكزة في خاصرتي‪ ،‬وصوت المحق ‪:‬‬ ‫‪ -‬ولك شو ؟ ‪ ..‬مانك رجال ؟! العمى بعيونك ما بتستحي تشك تحتك ؟! شو اسمك ور ؟‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪7‬‬

‫قلت له اسمي‪.‬‬ ‫ ور كلب ‪ ..‬شوف ‪ ،‬لسه ما بلشنا معك‪ ،‬صار فيك هيك‪ ،‬لسه هذا كله مز وما بلشنا الجد‪ ،‬األفضل من البداي ة‬‫تريح حالك وتريحنا ‪ ...‬بدك تحكي ‪ ...‬يعني بدك تحكي!! هون عندنا الكل بيحكوا ‪ ...‬وبدك تحكي كل شي ‪ ..‬من‬ ‫ط ط ‪..‬لـ السالم عليكم ! هاه ‪..‬؟ مستعد تحكي ؟‬ ‫ يا سيدي بحكي شو ما بتريد ‪ ..‬بس قولولي شو بدي أحكي!‬‫ طيب ‪..‬هات لنشوف ‪..‬شو أسماء أسرتك ور؟‬‫بدأت أعد له أسماء أهلي‪ ،‬بدءاً من والدي ووالدتي‪ ،‬لكنه قاطعني صارخا مهتاجا‪:‬‬ ‫ ور جحش ‪..‬عم تجدبها علي ؟ أنا بدي أسماء أهلك !! خراي عليك وعلى أهلك‪ ،‬قل لي أسماء أس رتك ب التنظيم‬‫ور ‪ ...‬كر‪.‬‬ ‫ أي تنظيم يا سيدي؟ أي تنظيم؟‬‫ يا أيوب ‪ ..‬يبدو هـ التيس عم يغشم حاله!! بدو يعذبنا و يعذب حاله!!‬‫ يا سيدي ‪..‬وحياة الرب‪..‬وحياة الرب ‪..‬ما بعرف عن شو عم تسألني! أي تنظيم هذا يللي عم تحكي عنه؟‬‫صوت خطوات‪ .‬شعرت أنه اقترب مني‪ ،‬أنفاسه لفحت وجهي‪ ،‬وبهدوء شديد قال‪:‬‬ ‫ تنظيم المنايك أمثالك ‪ ..‬تنظيم ارخوان المسلمين ‪..‬شو ما بتعرف تنظيمك ؟!‪.‬‬‫"رحظت أن رائحة فمه كريهة جدا"‪.‬‬ ‫لم أدر‪ .‬هل علي أن أفر ألن ارلتباس بدا واضحا جليا ؟ ‪..‬أم ألعن حظي العاثر الذي أوقعن ي ف ي ه ذا ارلتب اس‬ ‫؟‪ ..‬أم ألعن الصدف الت ي ق درت أن أص ل مباش رة إل ى أب و رم زت ؟‪ ..‬ل و أنه م فتش وني وأخ ذوا أغراض ي كم ا‬ ‫يفعلون مع الجميع‪ ..‬لتبين ألحد ما من أكون وما هي جريمتي‪ ،‬ولكن أن أدخل فرع المخابرات ف ي اللحظ ة الت ي‬ ‫كان ي أتي فيه ا إل ى الف رع يومي ا مئ ات المعتقل ين م ن ارخ وان المس لمين‪ ،‬وأن أحش ر بي نهم‪ ،‬وأن يعم ل الض باط‬ ‫والعناصر على مدار األربع وعشرين ساعة يوميا‪ ،‬وأن تكون الفوضى داخ ل الف رع عارم ة له ذه الدرج ة‪ ،‬فم ن‬ ‫المس تحيل عن دها أن أس تطيع إزال ة وتوض يح ه ذا ارلتب اس‪ .‬وف و ك ل ه ذا اس مي ال ذي ر ي وحي ب أنني لس ت‬ ‫مسلما‪.‬‬ ‫ولكن رغم ذلك‪ ،‬صرخت‪:‬‬ ‫ بس سيدي أنا مسيحي‪ ..‬أنا مسيحي!!‬‫ شو ور !! عم تقول مسيحي ؟! العمى بعيونك ور ‪..‬ليش م ا حكي ت ؟! ل يش جايبين ك لك ان؟‪..‬أكي د‪..‬أكي د عام ل‬‫شغلة كبيرة!‪..‬مسيحي؟!‬ ‫ أنتو ما سألتوني يا سيدي ‪..‬ومو بس مسيحي ‪ ..‬أنا رجل ملحد ‪..‬أنا ما بآمن باهلل !!‬‫"الى اآلن لم أجد تفسيرا لفذلكتي هذه‪ ،‬فما الغاية من إعالن إلحادي أمام هذا المحق ؟‪ ..‬ر أعرف !"‪.‬‬ ‫ وملحد كمان؟!‬‫سألها بصوت عليه مسحة من تفكير‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪8‬‬

‫ نعم سيدي ‪..‬نعم ‪ .‬وهللا العظيم‪..‬وشوف جواز سفري‪.‬‬‫سكت الرجل المحتقن لحظات بدت لي طويلة جدا‪ .‬سمعت صوت أقدامه تبتعد‪ ،‬وبصوت واضح قال‪:‬‬ ‫ قال ملحد‪ ...‬قال !! إي‪ ..‬بس نحن دولة إسالمية !!‪..‬أيوب‪..‬كمل شغلك!!‬‫وعادت خيزرانة أيوب تواصل عملها‪.‬‬ ‫" منذ اللحظات األول ى رحتك اكي به ؤرء‪ ،‬اس تخدمت كلم ة _ ي اأخي_ عن د ارجاب ة عل ى س ؤال م ا‪ ،‬لك ن أي وب‬ ‫صفعني قائال‪:‬‬ ‫_ ور كلب‪ ..‬أنا أخوك؟‪ ..‬أخوك بالخان‪.‬‬ ‫تداركت األمر وخاطبته ب "يا أستاذ" وصفعة أخرى‪:‬‬ ‫ أستاذ؟‪ ..‬أستاذ ببيت أهلك‪..‬بين فخاذ أمك‪.‬‬‫منذ تلك اللحظات علموني أن أقول‪ " :‬ياسيدي"‪.‬‬ ‫هذه الكلمة رتستخدم هنا كما بين رجلين مهذبين‪ ،‬هذه الكلمة تنط هنا وهي تحمل كل معاني الذل والعبودية‪.‬‬

‫‪ 02‬نيسان‬ ‫فتحت عيني ببطء‪ ،‬أكاد اختن م ن نتان ة ال روائح المحيط ة ب ي‪ ،‬ح ولي غاب ة م ن األق دام واألرج ل‪ ،‬ملق ى عل ى‬ ‫األرض بين هذه األقدام المكتظ ة‪ ،‬رائح ة األق دام الق ذرة‪ ،‬رائح ة ال دم‪ ،‬رائح ة الج رو المتقيح ة‪ ،‬رائح ة األرض‬ ‫التي لم تنظف منذ زمن طويل ‪ ...‬األنفاس الثقيلة ألناس يقفون متالصقين "علمت بعد قليل من خالل عملية التفقد‬ ‫والعد‪ ،‬أننا كنا ستة وثمانين رجال‪ ،‬عاينت سقف الغرفة وقدرت أن مس احتها ر تزي د ع ن خمس ة وعش رين مت را‬ ‫مربعا‪."!!.‬‬ ‫الحديث بين الناس يجري همسا‪ ،‬األمر الذي يول د أزي زا متواص ال يخ يم ف و الجمي ع‪ .‬أردت الوق وف رستنش ا‬ ‫بعض الهواء‪.‬آرم فظيعة في كامل الجسد‪ ،‬تحاملت‪ ،‬تجلدت‪ ،‬وعندما حاولت أن أقف على قدمي صرخت ألما‪.‬‬ ‫انتبه الناس من حولي‪ ،‬عدة أياد امتدت‪ ،‬أمسكت بي من تحت إبطي وأنهضتني‪ ،‬وقفت مس تندا إل ى األي ادي‪ ،‬ق ال‬ ‫شاب يقف إلى جانبي‪:‬‬ ‫ اصبر يا أخي‪ ..‬اصبر‪ ،‬إنها شدة وتزول!!‬‫قال آخر‪:‬‬ ‫ من يكن مع هللا فإن هللا سيكون معه‪..‬ر تيأس يا أخي‪.‬‬‫م ع الحرك ة خف ت اآلرم قل يال‪ ،‬نظ رت ح ولي‪ ،‬رج ال‪ ..‬ش باب‪ ..‬ويوج د أطف ال ف ي الثاني ة عش ر والثالث ة عش ر‬ ‫‪..‬كهول‪ ..‬شيوا!!‬ ‫التفت إلى الرجل الذي حاول أن يشد من عزيمتي قبل قليل‪ ،‬سألته ‪:‬‬ ‫ مين هدول الناس؟ ‪ ..‬ليش نحن هون؟ ليش الناس واقفين؟!‬‫نظر الرجل إلي بحيرة تقرب من البالهة وكأنه يقول‪ :‬كيف يمكن شر ما هو بديهي؟!! ورد بسؤال‪:‬‬ ‫ أنت ‪..‬ما بتعرف شو صاير بالبلد ؟!‬‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪9‬‬

‫"كنت‪ ،‬وأنا في فرنسا‪ ،‬ق د س معت أنب اء ع ن اض طرابات سياس ية تحص ل هن ا‪ ،‬وأن هن اك حزب ا ي دعى ارخ وان‬ ‫المسلمين يقوم ببعض حوادث العنف هنا وهناك‪ .‬ولكني لم أعر هذه األنباء أية أهمية‪ ،‬وبقيت مبهمة‪ ،‬فل م أع رف‬ ‫التفاص يل‪ ،‬ول م أك ن يوم ا م ن ه واة نش رات األخب ار‪ ،‬أو العم ل السياس ي الم نظم‪ ،‬رغ م أنن ي كن ت ف ي المرحل ة‬ ‫الثانوية وما تالها قريبا من بعض الماركسيين ومتأثرا بأفكارهم‪ ،‬خاصة أفكار خالي الذي كان على ما يبدو يحتل‬ ‫مركزا قياديا مهما في الحزب الشيوعي"‪.‬‬ ‫أجبته‪:‬‬ ‫ ر وهللا ‪ ..‬ما بعرف! ‪ ..‬ليش شو صاير؟‬‫ ليش مانك عايش بالبلد؟!‬‫و أردت أن اقطع كل دابر أسئلته‪ ،‬فأجبته دفعة واحدة عن كل ما يمكن أن يسأله‪:‬‬ ‫ أل ‪ ..‬كنت عايش بفرنسا‪ ..‬واليوم أنا جيت‪ ،‬يعني من‪" ..‬نظرت الى ساعتي" أربع عشرة ساعة بس‪.‬‬‫ العمى معك ساعة ؟!! ‪..‬خبيها يا أخي خبيها‪ ،‬شايف كل الناس هون‪ ،‬هدول كلهم من خيرة المؤمنين والمدافعين‬‫عن ارسالم بها البلد‪ ،‬امتحان يا أخي امتحان‪ ،‬امتحان من هللا عز وجل‪.‬‬ ‫قاطعته وقد بلغ بي ارحساس بغرابة وضعي وبالغبن والضي حدا كبيرا‪ ،‬قلت محتدا‪:‬‬ ‫ طيب ‪ ..‬العمى أنا شو دخلني؟! أنا مسيحي ماني مسلم‪ ،‬وأنا ملحد ماني مؤمن!!‬‫" هذه هي المرة الثانية التي أعلن فيها أنني ملح د ‪ -‬وكان ت فذلك ة أيض ا ‪ .-‬ف ي الم رة األول ى كلفتن ي وجب ة م ن‬ ‫خيزرانة أيوب‪ ،‬بأمر من أبو رمزت الذي ذبح المسلمين ألنن ا نع يش ف ي دول ة إس المية !!! أم ا ف ي الم رة الثاني ة‬ ‫فإنها ستكلفني سنوات طويلة من العزلة المطلقة‪ ،‬ومعاملة كمعاملة الحشرات‪ ،‬ر بل أسوأ منها"‪.‬‬ ‫رأيت محدثي وكأنه قفز إلى الخلف‪ .‬ولكوننا محشورين‪ ،‬ل م يتح رك من ه إر ج زؤه العل وي فق ط‪ ،‬وبش كل عف وي‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم ‪ - ..‬ثم بصوت أعلى ‪ .. -‬يا شباب في واحد نصراني ك افر !‪ ..‬ف ي عن دنا واح د‬‫جاسوس‪.‬‬ ‫صوبت نحوي مجموعة من العيون‪ ،‬في نفس الوقت الذي سمعت فيه صوتا آتيا من خلفي‪ ،‬صوتا آمرا‪:‬‬ ‫ـ مين هذا يللي عم يرفع صوته ؟ ‪ ..‬سكوت ‪..‬سكوت ! يا هلل ‪ ..‬صار وقت التبديل‪.‬‬ ‫لم استطع استيعاب األمر !! في الجزء األبعد من الغرفة كانت هناك مجموعة من الناس المستلقين على األرض‪،‬‬ ‫وقد اصطفوا بطريقة غريبة ولكن منتظمة‪" .‬كما لو كانوا مجموعة من لفائف التبغ قد اصطفت في علب ة"‪ .‬وب ين‬ ‫المستلقين وبيننا نحن الواقفين‪ ،‬توجد المجموعة الثالثة‪ ،‬مجموعة المقرفصين على األرض‪.‬‬ ‫بعد ك الم الرج ل الض خم ـ علم ت أن ه رئ يس المهج ع ـ تحرك ت المجموع ات ال ثالث‪ .‬خ الل لحظ ات ك ان الني ام‬ ‫جميعا قد وقفوا واحتلوا الركن الذي كنا فيه تدريجيا‪ .‬نحن قرفصنا‪ .‬المجموعة الثالثة اتجهت الى مكان النوم‬ ‫ـ يا هلل سيف‪ ..‬سيف‪ ،‬كل النايمين يسيفو‪.‬‬ ‫"وتبين أن التسييف هو النوم على الجنب"‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪11‬‬

‫األول استلقى لص الحائط على جنبه‪ ،‬ظهره إلى الحائط‪ ،‬الثاني استلقى أمامه واضعا ال بطن عل ى ال بطن‪ ،‬رأس‬ ‫كل واحد منهما عند أقدام اآلخر‪.‬‬ ‫الثالث سيف ووضع ظهره لص الظهر الثاني‪ ،‬الرابع بطنه على بطن الثالث‪ ،‬ودائما الرؤوس عند األقدام‪.‬‬ ‫تتابع المستلقون إلى أن وصل الصف إلى الحائط الثاني من الغرفة ورزال هناك س تة أو س بعة أش خاص ل م يب‬ ‫لهم مكان‪ .‬هنا صا رئيس المهجع‪:‬‬ ‫ـ يا هلل ‪..‬يا كبيس ‪ ..‬أجا شغلك!‬ ‫قام الرجل الضخم الث اني به دوء ـ يب دو مص ارعا ـ ‪ .‬ذه ب إل ى أول رج ل مس تل عن د الح ائط ‪ ،‬وبه دوء وض ع‬ ‫قدميه بين الحائط وبين الرجل المستلقي‪ ،‬استند بظهره إلى الحائط‪ ،‬ثم أخذ يدفع المستلقي بباطن قدميه‪ ،‬دفع أكثر‪،‬‬ ‫أنضغط المستلقون قليال‪ ،‬أصبح هناك مسافة تتسع لرجل آخر‪ ،‬نادى على واحد من المتبقين‪ :‬يا هلل ‪ ..‬إنزل هون‪.‬‬ ‫نزل الرجل مستلقيا على جنبه بين أقدام الكبيس والرجل األول‪ ،‬ثم بدأ الكبيس بالضغط على الرجل الجديد‪ ،‬ومرة‬ ‫أخرى حق مسافة تتسع إلى آخر‪ ..‬يا هلل ‪ ..‬إ نزل هون‪ ،‬ثم الضغط من جديد ورجل جديد‪ ،‬في النهاية تم استيعاب‬ ‫جميع الذين لم يب لهم مكان سابقا‪ ،‬عاد الكبيس إلى مكانه بنفس الهدوء‪ ،‬وهو ينفض يديه!‪.‬‬ ‫راقبت المستلقين‪ ،‬بعضهم استغر في النوم فورا!!‪.‬‬ ‫ثالث ة أي ام قض يتها ف ي تل ك الغرف ة‪" .‬س معت أن بعض هم س ابقا ورحق ا‪ ،‬قض ى فيه ا ش هورا عدي دة‪ ،‬وف ي بع ض‬ ‫الحارت كان العدد يزيد على عددنا"‪ .‬خالل هذه األيام تعرفت على الغرفة جيدا‪.‬‬ ‫بعد قليل من جلوسنا القرفصاء‪ ،‬أحسست أنني أريد قضاء حاجة‪ ،‬التفت إلى جاري وسألته‪:‬‬ ‫ـ أين يقضي ارنسان حاجته ؟‬ ‫أشا بوجهه عني ولم يجب‪ ،‬سألت الجار اآلخر‪ ،‬أيضا لم يجب‪ .‬تذكرت أنني نصراني‪ ،‬كافر‪ ،‬جاسوس‪ ،‬وستظل‬ ‫تالحقني هذه التهم‪.‬‬ ‫موقعي قريب من رئيس المهجع‪ ،‬سألته فدلني على المرحاض‪" .‬إذن في الغرفة مرحاض!"‪ .‬اضررت لالنتظ ار‬ ‫أكثر من ساعة‪ .‬مرحاض واحد‪ ،‬حنفية ماء واحدة‪ ،‬وستة وثمانون شخصا‪.‬‬ ‫عدت إلى موقعي‪ .‬حركة ما فو ‪ ،‬نظرت‪ .‬أنبوب الصرف الصحي‪ ،‬ويبدو أنه للبناء كله‪ ،‬يقطع الغرفة من أوله ا‬ ‫إلى آخرها‪ .‬بين األنبوب وبين سقف الغرفة حوالي النصف متر‪ .‬فو هذا األنبوب ينام اثنان من الفتية عم ر ك ل‬ ‫منهما حوالي خمسة عشر عاما‪ ،‬احتضن الواحد منهما األنبوب بيديه وصدره وتدلت األرج ل إل ى األس فل‪ ،‬بينم ا‬ ‫الرأس مرتا على صوت خرير الماء داخل األنبوب‪.‬‬ ‫ـ بحياتي ما نمت أحلى من هـ النومة!!‬ ‫قال أحدهما في اليوم الثاني‪.‬‬

‫‪ 00‬نيسان‬ ‫استيقظت!‬ ‫بعد ثماني ساعات من القرفصة جاء دورنا في ارس تلقاء‪ .‬بع ض المقرفص ين مم ن له م خب رة نبه وا بعض هم إل ى‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪11‬‬

‫ضرورة الذهاب إلى المرحاض قبل ارستلقاء‪ ،‬ألنك إذا اس تلقيت وانته ى الكب يس م ن عمل ه‪ ،‬ومهم ا ك ان الس بب‬ ‫الذي قمت من ارستلقاء من أجله فإن مكانك سيذهب‪.‬‬ ‫اس تلقيت مض غوطا بظه ر رج ل عل ى ظه ري‪ ،‬وبط ن رج ل آخ ر عل ى بطن ي‪" ،‬ت ذكرت ص ديقتي الت ي تح ب‬ ‫الوضعية الفرنسية !!"‪.‬‬ ‫خلف رأسي قدمان‪ ،‬وأمامه قدمان‪ .‬كيف يمكن لإلنسان أن ينام وهو يشم هذه الرائحة ؟!!‬ ‫ورغم ذلك نمت نوما عميقا ‪ ..‬واآلن استيقظت‪ ..‬صحوت تماما ‪ ..‬كل شيء في جسدي مض غوط ‪..‬لك ن الض غط‬ ‫على أسفل بطني شديد ويكاد يكون مؤلما‪ " .‬يبدو أن لصيقي األمامي قد امتألت مثانته‪ ،‬فتحجر عض وه‪ ،‬وطبيع ي‬ ‫أن ينغرز في بطني أنا"‪ .‬وفي ظل هكذا ظروف من المعيب أن تفكر باحتمال آخر!!‬ ‫حاولت زحزحته فلم أفلح‪ ،‬فمع كل حركة ينغرز أكث ر‪ ،‬س معت ش خيره‪ ،‬فك رت أن أم د ي دي عل ى ص عوبة ذل ك‪،‬‬ ‫ولكن خشيت أن يستيقظ لحظتها‪" .‬ماذا سيقول إذا استيقظ وعضوه في يدي ؟!!"‪.‬‬ ‫انسللت من وضعية ارستلقاء بصعوبة‪ ،‬وذهبت إلى المرحاض‪.‬‬ ‫ثالث ليال‪ ..‬وثالث مرات يفتح الباب في اليوم ويغل ‪ ،‬وفي كل مرة يفتح الباب‪ ..‬يدخل الطعام في أوان يسمونها‬ ‫قصعات‪ .‬ص باحا لك ل واح د رغي ف مرق د م ع قطع ة ح الوة‪ ،‬ه ذان الص نفان يوزعهم ا رئ يس المهج ع‪ ،‬وخم س‬ ‫قصعات من سائل أسود "تبين انه شاي"‪ .‬وفي المساء كذلك‪ .‬تدور القصعة من شخص آلخ ر ‪ ..‬يرفعه ا‪ ،‬يرش ف‬ ‫منها‪ ،‬يناولها لمن بجانبه‪ .‬أما الظه ر‪ ،‬فتك ون القص عات مليئ ة بالبرغ ل‪ ،‬م ع قص عة رب البن دورة تحت وي بع ض‬ ‫الخضار‪.‬‬ ‫" لن أنسى أبدا الطريقة التي تخاطف بها الناس قطع اللحم في المرة الوحيدة التي جلبوا فيها لحما‪ .‬فك رت‪ ،‬حت ى‬ ‫الوجبتين الصباحية والمسائية‪ ،‬لور رئيس المهجع لتحول المهجع إلى غابة"‪.‬‬ ‫خالل هذه الساعات التي بدت لي بطول دهر‪ ،‬كنت كمن يطفو في الزمان والمكان‪ .‬رغبة بدت لي كاعتقاد راسك‬ ‫بأن كل هذا ماهو إر خطأ سخيف سينتهي بعد قليل‪.‬‬ ‫حسي المهني والفني قابع في زاوية بعيدة يراقب وريتدخل‪ ،‬هذا الحس الذي يبقى خارس حيز األلم والقل ‪ ،‬يبق ى‬ ‫متيقظا ومحايدا مهما كانت درجة آرمي النفسية أو الجسدية‪ ،‬هو يراقب ويسجل‪.‬‬ ‫أتذكر قور ألحد أساتذتي المرموقين‪ :‬إن الح دث مهم ا ك ان ص غيرا‪ ،‬ف إن المخ رس الجي د يس تطيع أن يص نع من ه‬ ‫فيلما جيدا‪ ،‬الحدث هو الهيكل العظمي وعلى المخرس إكساؤه باللحم والثياب‪.‬‬ ‫هذا الحس التقط مشهد تخاطف قطع اللحم‪ ،‬وأحس المفارق ة الص ارخة ب ين مجموع ة م ن األش ياء المحيط ة الت ي‬ ‫تدعو لإلقياء_ أو على األقل_ العزوف عن كل شيء‪ ،‬وبين الفعل المادي الممارس من قبل خاطفي قطع اللحم‪.‬‬ ‫ما الذي يفقد هؤرء الناس الحس باللياقة والذو ؟! وبالتالي بالكرامة والعزة البش رية‪ ،‬ه ل ه و الص راع م ن أج ل‬ ‫البقاء؟‪ ..‬قد يكون‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪12‬‬

‫ثالثة أيام بلياليها‪ ،‬أكلت نصف رغيف مع قطعة حالوة‪.‬‬

‫‪ 02‬نيسان‬ ‫استيقظت!‪.‬‬ ‫كان ارستلقاء الثاني " النوم على البالط " أفضل قليال‪ ،‬استيقظت قبل انتهاء مدة الثماني ساعات‪ ،‬لم أشعر برغبة‬ ‫في النهوض‪ .‬حلمت أني قد شبعت نوما ولكني أتابع استرخاء وترفا‪.‬‬ ‫"تمنيت لو أني أستطيع المطمطة قليال!‪ .‬تمنيت فنجان قهوة وسيجارة"‪.‬‬ ‫مكاني قريب من رئيس المهجع‪ .‬أسمع حديثه والكبيس‪ ،‬فتح السجان طالقة الباب وهي النافذة الصغيرة في أعل ى‬ ‫الب اب‪ .‬قف ز رئ يس المهج ع‪ ،‬تب ادل ح ديثا مط ور م ع الس جان ال ذي ف تح الطالق ة‪ .‬ع اد رئ س المهج ع‪.‬‬ ‫قال للكبيس همسا‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ج اي دفع ات كبي رة م ن المحافظ ات ‪ ..‬وجماعتن ا ه دول ‪ ..‬الي وم أو بك رة را يترحل وا ع ـ الس جن‬ ‫الصحراوي‪.‬‬

‫رد الكبيس متسائال باستغراب‪:‬‬ ‫ العمى‪ ..‬شو را يحطوا الناس كلها بالسجن !؟ ‪ ...‬إي ‪ ..‬ما ضل حدا برات السجن !!‪.‬‬‫ ولك سكوت ‪ ..‬اوعا حدا يسمعك ‪ ...‬ما دخلنا نحن يا عمي!!‪.‬‬‫"رئيس المهجع والكبيس مسجونان بجرم التهريب"‪.‬‬ ‫عن د المس اء‪ ،‬وعن دما انتقل ت مجموعتن ا م ن الوق وف إل ى القرفص ة‪ ،‬تعم دت أن أق رفص ق رب رئ يس المهج ع‪.‬‬ ‫انتظرت حتى قبيل وجبة الطعام الثالثة‪ ،‬وبوجه حاولت أن يكون بشوشا‪ ،‬قلت له‪:‬‬ ‫ يا أستاذ ‪ ..‬عفوا ‪ ..‬ممكن احكي معك شغلة ؟‪.‬‬‫ أستاذ ؟! ‪ ..‬من وين لوين ساويتني أستاذ ؟ ‪ ..‬نعم شو بدك ؟! ‪.‬‬‫ يا سيد ‪ ..‬أكيد في غلط!‪.‬‬‫ وين الغلط ؟‪ ..‬يا أستاذ‪.‬‬‫ يا أخي أنا ماني مسلم ‪ ..‬حتى أكون إخوان مسلمين‪ ..‬أنا مسيحي وليش حطوني هون‪ ،‬ليش جابوني أصال‪،‬‬‫ما بعرف!! ‪.‬‬ ‫ لك يا أخي الطاسة ضايعة ‪ ..‬ما في حدا لحدا ‪. !.‬؟‬‫ طيب ممكن تقول لرئيس السجن ‪ ..‬لشي حدا مسؤول هالحكي ؟‬‫ وين أنا بدي شوف مدير السجن ؟‪ ..‬خلص ‪ ..‬خلص‪ ..‬هل بيجي السجان ورا أنقل له هـ الحكي‪.‬‬‫سمعت طقطقة القفل‪ ،‬وقف رئيس المهجع‪ ،‬أمسكت يده‪:‬‬ ‫ أرجو أر تنسى أن تقول له‪.‬‬‫هز رأسه‪ ،‬فتح الباب‪" ،‬يا هلل دخلوا األكل"‪ .‬دخل األكل‪ .‬خاطب رئيس المهجع السجان‪:‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ...‬في عنا واحد هون ‪ ..‬عم يقول ‪..‬‬‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪13‬‬

‫قاطعه السجان مسرعا‪:‬‬ ‫ عم يقول ما عم يقول ! أنا ما بعرف شي ‪ ...‬هل ببعتلك رئيس النوبة ‪.‬‬‫بعدما يقرب من نصف الساعة‪ ،‬طقطقة الباب مجددا‪ ،‬ظهر شخص وسيم‪ ،‬وبلهجة جبلية ثقيلة‪:‬‬ ‫ شو في عندك يا رئيس المهجع؟‬‫جذبني رئيس المهجع من كتفي‪ ،‬وقفت‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ احكي له‪ ...‬احكي له‪ ،‬لسيدنا أبو رامي!‬‫متلعثما‪ ..‬متأتئا ‪ ..‬شرحت له األمر‪ ،‬وبنفس اللهجة الجبلية رد علي ‪:‬‬ ‫ طيب أنا شو بدي ساوي لك ؟ ‪ ...‬مسيحي ؟ ‪ ..‬إيه وإذا مسيحي !‪ ...‬بلكي عاونت األخ وان المس لمين م ثال‬‫‪ ...‬يعني بلكي بعتهم سال مثال ‪ ...‬إي هيك بتكون أضرط منهم مثال ‪...‬‬ ‫ثم التفت إلى السجان‪ ،‬أمره ‪:‬‬ ‫ سكر ‪ ...‬ور سكر الباب ‪.‬‬‫وقبل أن يغل السجان الباب‪ ،‬التفت أبو رامي إلى الناس في المهجع‪ ،‬وبصوت عال قال ‪:‬‬ ‫ ور ‪ ..‬عرصات ‪ ...‬ور انتو مانكن إخوان مسلمين ‪ ...‬انت و إخ وان ش ياطين ‪ ...‬فرجون ا ش طارتكم لش وف‬‫‪ ....‬هاي عندكم واحد مسيحي ‪ ...‬انشطوا معه ‪ ....‬اهدوه للدين الحنيف ‪ ...‬بس شاطرين تقتل وا وتخرب وا ب ـ‬ ‫هالبلد !!‬ ‫أغل الباب الحديدي بيده بقوة‪ ،‬ومالبث أن فتحه فورا وعلى وجهه ابتسامة عريضة‪ ،‬تعلقت كل األنظ ار ب ه‪،‬‬ ‫فتابع يقول ‪:‬‬ ‫ ور كالب ‪ ...‬عرصات ‪ ...‬إذا حسنتوا تساووه مسلم‪ ،‬ر تنسوا تنظم وه ب ارخوان المس لمين‪ ،‬مش ان تص ير‬‫حبسته محرزة‪.‬‬ ‫وأغل الباب بقوة‪.‬‬ ‫ارستلقاء الثالث‪:‬‬ ‫لصيقي الخلفي كان ذا مؤخرة عريضة وكبيرة‪ ،‬ضايقني وأراحني‪ ،‬إن ه أفض ل م ن ذوي العظ ام الناتئ ة الت ي‬ ‫تنغرز في جسدك بال رحمة عند الكبس‪ .‬لصيقي األمامي شاب في العشرينات ر تبدو عليه عالئم التدين‪.‬‬ ‫عاصاني النوم بعد حديث أبو رامي‪ .‬كان هناك أمل كبير يعيش داخلي بأن أحدا ما سيكتش ف الخط أ‪ ،‬وف ورا‬ ‫ي ص ار ال ى تص حيح ه ذا الخط أ‪ ،‬ولك ن بع د ه ذا الح ديث ‪ ...‬والطاس ة ض ايعة ‪ ...‬والترحي ل إل ى الس جن‬ ‫الصحراوي !!‪ ...‬خالطني اليأس والخوف من المصير المجهول‪.‬‬ ‫ساعتان أو ثالث‪ ...‬لست أدري ‪ ...‬وأخيرا بدأت أهوم ‪ ،‬التعب ‪ ،‬اررها ‪ ،‬النوم ‪ ...‬ثم ‪ ...‬أصحو تدريجيا‪.‬‬ ‫إحساس بالضي ‪ .‬أقترب من الصحو أكث ر‪ ،‬أش عر أن ق دمي مكبلت ان‪ ،‬كان ت ق دماي ق د تورمت ا م ن خيزران ة‬ ‫أي وب‪ ،‬أص حو أكث ر ‪ ...‬ش عور بال دفء والرطوب ة يص عد م ن ق دمي‪ ،‬قلي ل م ن األل م أيض ا‪ ...‬حرك ة م ا‪...‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪14‬‬

‫أنتفض‪ ...‬أصحو تماما‪ ...‬أرفع رأسي وأنظر إلى قدمي العلوية‪:‬‬ ‫لصيقي األمامي‪ ،‬الشاب‪ ،‬يقبض على قدمي العلوية بكلتا يديه‪ ،‬وقد وضع أص بع ق دمي الكبي ر ف ي فم ه وأخ ذ‬ ‫يمص ه !! لكزت ه ‪ ...‬ث م لكزت ه‪ ،‬تراخ ت ي داه ‪ ،‬س حب رأس ه! تابع ت اللك ز‪ ،‬اس تيقظ الش اب تمام ا‪ ،‬نظ ر إل ي‬ ‫بغضب واستنكار!!‪ .‬وبحدة قال ‪:‬‬ ‫ ليش فيقتني؟ !‬‫ شو ليش فيقتك ؟ مانك شايف شو عم تساوي ؟‬‫ يلعن سماك!! قطعت علي أحلى منام !!‬‫ شوكنت شايف منام ؟‬‫‪ -‬نع م ‪ ....‬كن ا أن ا وميس ون ‪ ...‬وباللحظ ة يل ي مس كتها ومس كتني ‪ ...‬وبلش نا ‪ ...‬ب ـ "‬

‫" حض رتك‬

‫فيقتني!!‬ ‫ ومين هي ميسون ‪ ....‬دخلك ؟‬‫ ميسون؟ ‪ ....‬ميسون خطيبتي‪.‬‬‫ عفوا ر تواخذني ‪ ...‬ارجع نام ‪ ..‬لكن ر تخربط بين إصبع رجلي وشفايف ميسون ‪.‬‬‫لم أستطع النوم بعدها ‪ ...‬أسئلة وأسئلة‪ ،‬أي عالم هذاالذي حشرت فيه؟! هل هذه هي البداية؟ ولكن إلى أين؟‪.‬‬ ‫هل بإمكان أي كاتب أو سينارست أو مخرس تخيل هكذا عوالم؟! أسئلة تطارد أسئلة !! ‪...‬‬ ‫} طوال ثالثة عشر عاما ‪ ،‬لم أسمع مرة قرقعة المفتا في الياب الحديدي إر وأحسست أن قلبي يكاد ينخلع!!‬ ‫لم أستطع ارعتياد عليها{‬ ‫قرقع المفتا في غير وقت ه‪ ،‬قف ز رئ يس المهج ع ف ي اللحظ ة الت ي انف تح فيه ا الب اب‪ ،‬أب و رام ي وال ى جانب ه‬ ‫ش خص طوي ل ف ي الخمس ينات يض ع نظ ارات طبي ة بيض اء‪ ،‬خلفهم ا ح والي العش رين عنص را‪ ،‬ق ال ذو‬ ‫النظارات‪:‬‬ ‫ وين رئيس المهجع ؟‬‫ حاضر سيدي !‬‫ به دوء ونظ ام‪ ،‬ط العلي ه دول كله ن لب ره‪ ،‬اتن ين اتن ين‪ ،‬م ا يبق ى ه ون إر أن ت والمه رب الث اني ‪...‬وي ن‬‫المهرب التاني؟‬ ‫ حاضر سيدي‪.‬‬‫ خليك هون أنت كمان‪ ...‬يا هلل ‪.‬‬‫وخرجنا ‪ ...‬اثنين ‪ ...‬اثنين ‪ ...‬وكان فجر ‪ 42‬نيسان‪.‬‬

‫‪ 02‬نيسان‬ ‫اليدان مقيدتان بالقيد الحديدي إلى الخلف‪ ،‬كاحل القدم مربوط بجنزير حدي دي إل ى كاح ل س جين آخ ر‪ ،‬نس ير‬ ‫بصعوبة‪ ،‬نتعثر‪ ،‬ممرات ‪ ...‬أدراس ‪ ....‬تسجل أسماؤنا ضمن لوائح‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪15‬‬

‫يتركنا ذو النظارات بضع دقائ واقفين و يذهب حامال اللوائح ارسمية‪ ،‬يعود‪ ،‬من المؤك د ان ه ذو أهمي ة‪ ،‬ل م‬ ‫ر أشر له األمر‪ ،‬يقترب مني‪ ،‬أعاجله‪:‬‬ ‫ يا سيدي كلمة واحدة‪.‬‬‫ كول خرى ‪ .....‬ور‪.‬‬‫وصفعة مدوية‪.‬‬ ‫تنبث آرف النجوم البراقة أمام عيني‪ ،‬الفجر ربيعي‪ ،‬أترنح‪ ....‬أسكت‪.‬‬ ‫يسحبوننا إلى خارس البناء‪ ،‬أرى أربع سيارات شحن ذات أقفاص معدنية‪ ،‬السجناء يس مون ه ذه الس يارات ب ـ "‬ ‫سيارات اللحمة "‪ .‬قد تكون سميت كذلك ألنها تشبه السيارات التي يوزعون بها األغنام المذبوح ة م ن المس الك‬ ‫إلى الجزارين ‪ ،‬أو ألن السجناء يصطفون بداخلها كما تصف الذبائح داخل سيارات اللحمة الحقيقية‪.‬‬ ‫س لم مع دني ذو ث الث ع وارض‪ ،‬نص عد بص عوبة بس بب األرج ل المقي دة وع دم إمكاني ة ارس تعانة بالي دين‪،‬‬ ‫يجلسوننا على أرضية السيارة‪ ،‬تمتلىء السيارة‪ ،‬يغل الباب بقفل كبير‪ ،‬يجلس عنصران من األم ن أم ام الب اب‬ ‫من الخارس‪ .‬انتظار ‪ ....‬انتظار‪ ،‬ثم تنطل السيارات سوية‪.‬‬ ‫نص بح خ ارس المدين ة‪ ،‬ت زداد س رعة الس يارات‪ ،‬نت رك الظ الم وراءن ا‪ ،‬ش يئا فش يئا تل و أول ى خي وط الفج ر‬ ‫الفضية‪.‬‬ ‫} هل هي رحلة من الظالم إلى النور ؟ ‪ ...‬آمل ذلك‪{ .‬‬ ‫سمعت أحدهم يسأل آخر‪:‬‬ ‫ قديش بدنا وقت حتى نوصل ؟‬‫ تيسير هللا‪ ...‬شي أربع أو خمس ساعات‪.‬‬‫ يا أخي‪ ...‬وهللا ما فيني أتحمل كل هالوقت !!‪ ...‬كنت نايم ‪ ..‬فيقوني من النوم وفورا لبره‪ ...‬وهل أنا كتير‬‫محصور‪ ....‬شو بدي ساوي ؟!‪ ..‬مثانتي را تط !!‬ ‫ إذا مافيك تصبر‪ ...‬أنا بفكلك سحاب البنطلون‪ ،‬وساويها هون بالسيارة‪.‬‬‫ هيك معقول ؟!!! قدام كل هالناس؟‬‫ إي ‪ ...‬إي ‪ ..‬مافيها شي‪ ،‬والحمد هلل مافي نسوان بيناتنا‪.‬‬‫ثم وبصوت مرتفع متوجها بالحديث إلى الجميع‪:‬‬ ‫ يا شباب‪ ...‬يا شباب اسمعوني‪.‬‬‫توجهت إليه األنظار‪ ،‬شر لهم األمر‪ ،‬بعضهم همهم‪ ،‬وبعضهم س كت‪ ،‬ال بعض واف ‪ ،‬ف أدار الم تكلم ظه ره إل ى‬ ‫المحصور‪ ،‬وبيديه المقيدتين خلفا‪ ،‬تلمس السحاب‪ ،‬فكه‪ ،‬أخرجـ "ـه " له‪ ،‬وابتعد‪.‬‬ ‫ يا هلل ‪ ...‬ريح حالك يا أخي ‪.‬‬‫بعدها وحتى وصولنا السجن الصحراوي تكررت هذه العملية أربع مرات‪ ،‬خمسة رجال آخرون تقيأوا فو بركة‬ ‫البول‪" .‬القيء كله ذو لون واحد"‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪16‬‬

‫أما جاري‪ ،‬المقيدة رجلي إلى رجله‪ ،‬فيبدو أ نه كان يعاني من تعفن األمعاء‪ ،‬لفني بغاللة من روائح بطنه !‬ ‫ف ي الثامن ة ص باحا وص لنا أم ام الس جن الص حراوي‪ " .‬ف ي الطري كن ت أنظ ر كثي را إل ى س اعتي‪ ،‬وأكث ر م ن‬ ‫شخص نصحني أن أخبأها‪ ،‬ولكن أين ؟‪ ...‬تركتها على معصمي"‪.‬‬ ‫أمام السجن‪.‬‬ ‫عشرات م ن عناصر الشرطة العسكرية‪ ،‬الباب صغير‪ ،‬تصدم العين لوحة حجري ة ف و الب اب مخطط ة باألس ود‬ ‫النافر‪:‬‬ ‫"ولكم في الحياة قصاص يا أولي األلباب"‪.‬‬ ‫فتح لنا رجال األمن أبواب السيارات‪ ،‬هم أنفس هم الل ذين ك انوا يعاملونن ا بفظاظ ة وقس وة‪ ،‬أنزلون ا م ن الس يارات‬ ‫برف مشوب بالش فقة‪ ،‬حت ى أن أح دهم ق ال‪ " :‬هللا يف رس ع نكم ! "‪ .‬وفيم ا بي نهم ك انوا يتح دثون همس ا وبص وت‬ ‫خافت‪ ،‬يتحاشون النظر إلى عناصر الشرطة العسكرية الذين اص طفوا حولن ا بم ا يش به ال دائرة‪ ،‬رحظ ت أن له م‬ ‫جميعا نفس الوقفة تقريبا‪ ،‬الساقان منفرجتان قليال‪ ،‬الصدر مشدود إلى الوراء‪ ،‬اليد اليسرى تتكىء على الخص ر‪،‬‬ ‫اليد اليمنى تحمل إما عصا غليظة أو كبال مجدور م ن أش رطة الكهرب اء أو ش يئا مطاطي ا أس ود يش به الح زام‪" .‬‬ ‫عرفت فيما بعد أنه قشاط مروحة محرك الدبابة "‪ .‬ينظرون إلينا والى عناصر األمن نظرة فوقية تحمل استخفافا‬ ‫بعناصر األمن ووعيدا مبطنا لنا‪ .‬حركاتهم تدل على نفاذ الصبر من بطء إجراءات التسليم وارستالم‪ ،‬ينقلون ثقل‬ ‫جسدهم من رجل إلى رجل‪ ،‬يهز ون ي دهم اليمن ى بم ا تحم ل ه زات تب رم وغ يظ‪ ،‬لباس هم جميع ا عس كري أني ‪،‬‬ ‫أعلى رتبة بينهم مساعد أول‪ ،‬وهو الذي كان يوقع على لوائح استالمنا ‪.‬‬ ‫} قرأت في مكان ما أن رجال إحد ى القبائل ارفريقية عندما التقوا بارنس ان األورب ي األب يض ألول م رة نظ روا‬ ‫إلى بعضهم البعض بدهشة‪ ،‬وتساءلوا‪ :‬هذا الرجل‪ ،‬لماذا قام بسلك وجهه ؟! {‬ ‫وتخيلت أن عناصر الش رطة العس كرية‪ ،‬ه ؤرء ال ذين أراه م ام امي‪ ،‬ذوو وج وه مس لوخة‪ ،‬أي ة ق وة س لخت ه ذه‬ ‫الوجوه ؟ ‪ ...‬كيف سلخت ؟‪ ...‬لماذا ؟‪ ...‬أين ؟‪ ...‬لست أدري لكن ما أراه أن الوجوه البديلة ر تشبه وج وه ب اقي‬ ‫البشر‪ ،‬وجوه أهلنا وأصدقائنا !!‪ ...‬مسحة غير بشرية ‪ ...‬هي غير مرئية‪ ،‬صحيح‪ ،‬ولكنها قطعا موجودة!‪.‬‬ ‫ هللا يعطيكم العافية ‪ ...‬خلص انتو تيسروا‪ ،‬خلصت مهمتكم‪.‬‬‫هكذا قال مساعد الشرطة العسكرية للرجل ذي النظارات‪ .‬كانوا قد فكوا قيودنا‪ ،‬السجناء غريزيا التصقوا بعضهم‬ ‫ببعض‪ .‬ذهب رجال األمن‪.‬‬ ‫بدأت الدائرة تضي ‪ ....‬صمت مطب !!‬ ‫ يا هلل ‪ ...‬صفوهم تنين تنين ‪ ...‬دخلوهم‪.‬‬‫وأدخلونا من هذا الباب الصغير‪ ،‬وفوقنا منحوتة "ولكم في القصاص حياة يا أولي األلباب"‪ .‬اثنين اثنين‪ ،‬في رتل‬ ‫طويل داخل ساحة في وسطها وعلى جنباتها بعض األشجار والورود الريفي ة‪ ،‬وه ي محاط ة م ن جمي ع الجه ات‬ ‫بغرف تشرف عليها‪ .‬وقف الرتل أمام مساعد آخر‪ ،‬جلس خل ف طاول ة أخ رى‪ ،‬ول وائح اس مية أخ رى‪ ،‬أكث ر م ن‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪17‬‬

‫ما ئ ة عنص ر م ن عناص ر الش رطة العس كرية يحوم ون حولن ا‪ ،‬جمي ع الس جناء يتحاش ون النظ ر مباش رة إل ى أي‬ ‫عنصر‪ .‬رأسنا منخفض قليال‪ ،‬أكتافنا متهدلة‪ .‬وقف ة فيه ا خش وع‪ ،‬وقف ة تص اغر وذل‪ ،‬كي ف اتف جمي ع الس جناء‬ ‫على هذه الوضعية وكأننا تدربنا عليها سابقا؟! لست ادري‪.‬‬ ‫كأن كل واحد منا يحاول ارختباء داخل ذاته !!!‬ ‫حكني رأسي من القفا‪ ،‬وكما يفعل كل إنسان يحكه رأسه‪ ،‬مددت يدي عفويا وحككت !! وسمعت صوتا راعدا‪:‬‬ ‫ ولك يا جماعة ‪ ...‬شوفوا الكلب شوفوا !! عم يحك راسه كمان ‪!!...‬‬‫ شــــوووو ‪ ! ....‬عم يحك راسه ؟!‬‫وسحبتني األيدي خارس الرتل‪ ،‬تقاذفتني صفعا ولكما‪ ،‬لكمة تقذفني‪ ،‬صفعة توقفني‪ ،‬النار في الرقبة والوجه ‪....‬‬ ‫تمني ت ل و أبك ي قل يال‪ ...‬طلبن ي المس اعد لتس جيلي فل م يب‬

‫غي ري‪ ،‬س جلني وأص بحت ن زيال رس ميا ف ي ه ذا‬

‫السجن‪.‬‬ ‫مرة أخرى قادونا‪ ،‬بين غرفتين باب حديدي صغير‪ ،‬أصغر من الباب األول‪ " ،‬لم األب واب تص غر كلم ا تق دمنا‬ ‫؟! " وم ن ه ذا الب اب ولجن ا إل ى س احة كبي رة‪ ،‬إنه ا الس احة األول ى‪ ،‬س احة مفروش ة بارس فلت‪ ،‬ك ل الطرق ات‬ ‫والس احات مفروش ة بارس فلت الخش ن‪ ،‬يح يط بالس احة أبني ة م ن ط اب واح د مكت وب عليه ا أرق ام متسلس لة ‪:‬‬ ‫المهجع الثالث ‪ ،‬المهجع الرابع ‪ ...‬المهجع السابع‪.‬‬ ‫} األبواب تصغر ولكن في الساحة األولى فتحت جهنم أوسع أبوابها‪ ،‬وكنا وقودها !! {‪.‬‬ ‫بهدوء ودقة أوقفونا بعضنا إلى جانب بعض‪ ،‬يفصل بين الواحد واآلخر متران أو ثالثة‪ ،‬صا المساعد‪:‬‬ ‫ هل ‪ ...‬كل واحد منكن يشلح كل تيابه ‪ ....‬حط تيابك على يمينك ‪ ....‬خليك بالسروال الداخلي فقط‪.‬‬‫رحظ ت أنن ي الوحي د ال ذي يل بس " س ليب " بع د ان خل ع الجمي ع ثي ابهم ووقف وا ينتظ رون‪،‬‬ ‫وانتابني إحساس بالغربة !‪..‬‬ ‫كان صوت المساعد في البداية هادئا‪ ،‬ومع مرور الوقت أخذ يتص اعد ش يئا فش يئا‪ ،‬ح دة وش دة‪ ،‬وكلم ا تص اعد‬ ‫صوت المساعد كنت أحس أن التوتر والعصبية يزدادان في حركات الش رطة‪ ...‬والخ وف والهل ع ي زدادان ف ي‬ ‫نفوس السجناء‪ ،‬يغضون أبصارهم وتتهدل أكتافهم أكثر فأكثر!‪.‬‬ ‫اقترب مني شرطيان يحمالن الكرابيج‪ ،‬قال أحدهم‪:‬‬ ‫ نزل الكيلوت ور ‪...‬واعمل حركتين أمان!!‬‫أنزلت الكيلوت حتى الركبة‪ ،‬نظرت إلى الشرطيين مستفهما ‪...‬‬ ‫ اعمل حركتين أمان ور‪...‬‬‫ شلون يا سيدي بدي اعمل‪ ..‬شلون حركتين األمان؟‬‫ قرفص وقوم مرتين ور‪ ...‬صحيح انك جحش!‬‫"حركات األمان تعمل خشية أن يكون السجناء قد خبأوا شيئا ممنوعا في شرجهم!"‬ ‫نظر أحد الشرطيين الى اآلخر مبتسما‪ ،‬وبصوت خفيض‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪18‬‬

‫ العمى ‪ ...‬شو تبعو صغير!!‬‫نظرت اليـ"ـه"‪ ،‬إلى تبعي‪ ،‬نعم لقد كان صغيرا جدا !! حتى هو أحس بالذعر الشديد والهلع‪ ،‬فا ختبأ داخل كيس ه‪،‬‬ ‫أنا لم أستطع ارختباء!‬ ‫خلفي مهجع كبير كتب على بابه ‪ /‬المهجع ‪ ./ 6- 5‬تخرس من جانب الباب بالوع ة "ص رف ص حي" عل ى وج ه‬ ‫األرض‪ ،‬تسيل في هذه البالوعة مياه سوداء قذرة‪.‬‬ ‫انته ى التفت يش‪ .‬ج رى بدق ة محت رفين‪ ،‬حت ى ثناي ا الثي اب‪ ،‬جمي ع النق ود واألورا ‪ ،‬أي ش يء مع دني‪ ،‬األحزم ة‬ ‫وأربطة األحذية ‪ ...‬جميعها صودرت‪" ،‬أنا كنت حافيا"‪ .‬ورغم كل هذه الدقة بالتفتيش فإن ساعة ي دي م رت‪ ،‬ل م‬ ‫أتعمد إخفاءها‪ ،‬فقط لم ينتبه لها احد‪ ،‬وعندما صا المساعد‪:‬‬ ‫ ور كالب ‪ ...‬كل واحد يحمل تيابه‪.‬‬‫حملت ثيابي ووضعتها على يدي اليسرى‪ ،‬وفورا فككت الساعة ودسس تها ف ي الجي ب ال داخلي لس ترتي‪ ،‬وش عور‬ ‫آخر بارنتصار‪!.‬‬ ‫البلديــــــــات ‪:‬‬ ‫كلمة خاصة بالسجون هن ا‪ ،‬ه م جن ود س جناء ‪ ...‬الف ارون م ن الخدم ة العس كرية‪ ،‬الجن ود ال ذين يرتكب ون ج رائم‬ ‫القتل‪ ،‬ارغتصاب‪ ،‬السرقة‪ ،‬مدمنو المخدرات‪ ...‬كل الجنود المجرمين‪ ،‬حثالة الجيش‪ ،‬يقضون فت رة عق وبتهم ف ي‬ ‫السجون العسكرية‪ ،‬في مثل هذا السجن‪ ،‬مهمتهم التنظيف وتوزيع الطعام وغيره من األعمال‪ ...‬من هنا جاء اسم‬ ‫البلديات‪ ،‬هؤرء في السجن الصحراوي لهم مهمات أخرى‪.‬‬ ‫جمعونا في أحد أطراف الساحة‪ ،‬تكومن ا ونح ن نحم ل ثيابن ا‪ ،‬ص وت المس اعد ارتف ع كثي را‪ ،‬البل ديات يقف ون ف ي‬ ‫الطرف اآلخر من الساحة‪ .‬كثير من البلديات‪ ،‬البعض منهم يحمل عصا غليظة مربوط بها حبل متدل يص ل ب ين‬ ‫طرفيها‪ ،‬حبل سميك يتدلى من العصا "الفلقة"‪ .‬صا المساعد بصوت مشحون موجها حديثه للسجناء ‪:‬‬ ‫ مين فيكم ضابط ؟‪ ..‬الضباط تعو لهون‪.‬‬‫خرس اثنان من بين السجناء‪ ،‬أحدهما في منتصف العمر‪ ،‬اآلخر شاب‪.‬‬ ‫ شو رتبتك ؟‬‫ عميد‪.‬‬‫ عميد؟!!‪.‬‬‫ نعم‪.‬‬‫ وأنت شو رتبتك؟‬‫ مالزم أول‪.‬‬‫ هـممم‪.‬‬‫التفت المساعد إلى السجناء‪ ،‬وبصوت أقوى‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪19‬‬

‫ مين فيكم طبيب ‪ ..‬أو مهندس أو محامي‪ ..‬يطلع لبره‪.‬‬‫خرس من بيننا أكثر من عشرة أشخاص‪.‬‬ ‫ وقفوا هون‪ ..‬ثم متوجها للسجناء‪:‬‬‫ كل واحد معه شهادة جامعة ‪ ...‬يطلع لبرات الصف‪.‬‬‫خرس أكثر من ثالثين شخصا‪ ،‬كنت أنا بينهم‪.‬‬ ‫مشى المساعد مبتعدا‪ ،‬وقف بجوار البالوعة‪ ،‬صا بالشرطة‪:‬‬ ‫ جيبولي سيادة العميد!!‬‫انقض أكثر من عشرة عناصر على العميد‪ ،‬وبلحظات كان أمام المساعد!!‬ ‫ كيفك سيادة العميد؟‬‫ الحمد هلل ‪ ...‬الذي ر يحمد على مكروه سواه‪.‬‬‫ شو سيادة العميد ‪ ...‬مانك عطشان؟‬‫ ر ‪ ..‬شكرا‪.‬‬‫ بس رزم نشربك‪ ..‬يعني نحن عرب‪ ،‬والعرب مشهورين بالكرم‪ ،‬يعني رزم نقدم لك ضيافة‪ ...‬مو من شان‬‫شي ‪ ...‬منشان واجبك!!‬ ‫بعد لهجة ارستهزاء والسخرية صمت ارثنان قليال‪ ،‬ثم انتفض المساعد‪ ،‬وقال بصوت زاع ‪:‬‬ ‫ شايف البالوعة ؟ ‪ ..‬انبطح واشرب منها حتى ترتوي ‪ ...‬ياهلل ور كلب!!‬‫ ر ‪ ...‬ما را اشرب‪.‬‬‫وكأن مسا كهربائيا أصاب المساعد‪ ،‬وباستغراب صاد صرا‪:‬‬ ‫ شـو ‪..‬شـو ‪...‬شـو ؟؟!!! ما بتشرب!!!‬‫عندها التفت إلى عناصر الشرطة العسكرية ور زال وجهه ينط بالدهشة‪:‬‬ ‫ شربوه ‪ ....‬شربوه على طريقتكن و ر كالب‪ ....‬تحركوا لشوف‪.‬‬‫العميد عار إر من السروال الداخلي‪ ،‬حاف‪ ،‬وبلحظات قليلة اصطبغ جسده بالخطوط الحم راء والزرق اء‪ ،‬أكث ر‬ ‫من عشرة عناصر انقضوا عليه‪ ،‬تناوشوه‪ ،‬عصي غليظ ة‪ ،‬كواب ل مجدول ة‪ ،‬أقش طة م راو ال دبابات ‪ ....‬كله ا‬ ‫تنهال عليه من جميع الجهات‪ ،‬من أول لحظة بدأ العميد يقاوم‪ ،‬يضرب بيديه العنصر الذي يراه أمامه‪ ،‬أص اب‬ ‫بعضهم بضربات يديه ‪ ....‬كان يلكم ‪ ...‬يصفع ‪ ...‬يحاول جاهدا أن يمسك بواحد منهم‪ ،‬ولكنهم كانوا يضربونه‬ ‫وبشدة على يديه اللتين يمدهما لإلمساك بهم‪ ...‬تزداد ضراوتهم‪ ،‬خيوط الدم تسيل من مختلف أنحاء جس ده ‪....‬‬ ‫تمز السروال وانقطع المطاط‪ ،‬أضحى العميد عاريا تماما‪ ،‬إليتاه أكثر بياض ا م ن س ائر أنح اء جس ده‪ ،‬خي وط‬ ‫الدم أكثر وضوحا عليهما‪ ،‬خصيتاه تتأرجحان مع كل ضربة أو حركة‪ ،‬بعد قليل تدلت يداه ال ى جانبي ه وأخ ذتا‬ ‫تتأرجحان أيضا‪ ،‬سمعت صوتا هامسا خلفي‪:‬‬ ‫‪-‬تكسروا إيديه !! يا لطيف ‪ ...‬هالعميد يا رجال كتير ‪ ..‬يا مجنون!!‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪21‬‬

‫لم ألتفت إلى مصدر الكالم‪ .‬كن ت م أخوذا بم ا يج ري أم امي‪ ،‬م ع الض رب ب دأ العناص ر يح اولون أن يبطح وه‬ ‫أرضا‪ ،‬العميد يقاوم‪ ،‬يملص من بين أيديهم‪ ...‬تساعده دماؤه التي جعلت جسده لزجا‪ .‬تكاثروا عليه‪ ،‬كلما نجحوا‬ ‫في إحنائه قليال ‪ ...‬ينتفض ويتملص من قبضاتهم وبعد كل حركة تزداد ضراوة الضرب ‪...‬‬ ‫رأي ت ه راوة غليظ ة ترتف ع م ن خل ف العمي د وته وي بس رعة الب ر !!‪ ..‬س معت ص وت ارتطامه ا ب رأس‬ ‫العميد‪ !....‬صوتأ ر يشبه أي صوت آخر‪ !....‬حتى عناصر الشرطة العسكرية توقفوا عن الضرب‪ ،‬شلوا ل دى‬ ‫سماعهم الصوت لثوان‪....‬صاحب الهراوة تراجع خطوتين إلى الوراء ‪ ..‬جامد العينين ‪ !!...‬العميد دار بجذع ه‬ ‫ربع دورة وكأنه يريد أن يلتفت الى الخلف لرؤية ضاربه !! خطا خطوة واحدة‪ ،‬وعندما هم برفع رجل ه الثاني ة‬ ‫‪ ....‬انهار متكوما على ارسفلت الخشن !!‬ ‫الصمت صفحة بيضاء صقيلة تمتد في فضاءات الساحة األولى ‪ ...‬شقها صوت المساعد القوي‪:‬‬ ‫ يا هلل ور حمير ‪ ...‬اسحبوه وخلوه يشرب!!‬‫سحب عناصر الشرطة العميد‪ ،‬واحد منهم التفت الى المساعد وقال‪:‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ..‬هذا غايب عن الوعي‪ ،‬شلون بدو يشرب؟!‬‫ حطوا رأسه بالبالوعة ‪ ..‬بيصحى ‪ ..‬بعدين شربوه‪.‬‬‫وضعوا رأس العميد بمياه البالوعة‪ ،‬ولكنه لم يصح‪.‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ..‬يمكن أعطاك عمره!‬‫ هللا ر يرحمه ‪ ...‬اسحبوه لنص الساحة وزتوه هونيك‪.‬‬‫من يديه جروه على ظهره‪ ،‬رأسه يتأرجح‪ ،‬اختلطت الدماء بأش ياء بيض اء وس وداء لزج ة عل ى وجه ه!! مس ار‬ ‫من خطوط حمراء قاتمة تمتد على ارسفلت الخشن من البالوعة الى منتصف الساحة حيث تمددت جثة العميد‪.‬‬ ‫صا المساعد وقد توترت وبرزت حبال رقبته‪:‬‬ ‫ جيبولي ‪ ..‬هالكر الحقير ‪ ...‬المالزم لهون‪.‬‬‫وبعد أن أصبح المالزم أمامه‪:‬‬ ‫ شو يا حقير ؟ ‪ ..‬بدك تشرب ور أل؟‬‫ حاضر سيدي ‪ ..‬حاضر ‪ ..‬بشرب‪.‬‬‫انبطح المالزم على ارسفلت أمام البالوعة‪ ،‬غطس فكيه في مياه البالوعة‪ ،‬وضع المساعد حذاءه العسكري على‬ ‫رأس المالزم المنبطح وضغطه إلى األسفل قائال‪:‬‬ ‫ ما بيكفي هيك‪ .‬رزم تشرب وتبلع!!‬‫ثم تابع المساعد موجها حديثه للشرطة‪:‬‬ ‫ وهل ‪ ..‬خدوا هالكلب عا التشريفة ‪ ...‬بدي يكون ارستقبال تمام ‪!.‬‬‫المالزم الذي شرب وبلع المياه القذرة بما فيها م ن بص ا ومخ اط وب ول وق اذورات أخ رى‪ ،‬ألق ي عل ى ظه ره‬ ‫بسرعة مذهلة‪ ،‬ووضع اثنان من البلديات قدميه في حب ل الفلق ة‪ ،‬لف وا الحب ل عل ى كاحلي ه ورفع وا الق دمين إل ى‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪21‬‬

‫أعلى‪.‬‬ ‫القدمان مشرعتان في الهواء‪ ،‬ثالثة عناصر من الشرطة توزعوا أمام القدمين وحولهما بطريقة مدروسة بحيث‬ ‫كان ت ك رابيجهم ته وي عل ى الق دمين بتن اغم عجي ب دون أن تعي‬

‫إح دى الك رابيج األخ رى‪ ،‬ارتف ع ص راا‬

‫المالزم عاليا‪ ،‬تلوى جسده يحاول خالصا‪ ،‬ولكن دون جدوى‪.‬‬ ‫استفز صراا المالزم واستغاثاته العالية المساعد‪ ،‬مشى باتجاهه مسرعا‪ ،‬وكالعب كرة قدم وجه مقدم ة بوط ه‬ ‫إلى رأس المالزم وقذف الكرة‪.‬‬ ‫صرا المالزم صرخة حيوانية‪ ،‬صرخة كالعواء‪ ...‬استفز المساعد أكثر فأكثر‪ ،‬سح فم المالزم بأسفل البوط‪،‬‬ ‫عناص ر الش رطة يواص لون عمله م عل ى ق دمي الم الزم‪ ،‬المس اعد يواص ل عمل ه س حقا‪ ،‬ال رأس‪ ،‬الص در‪،‬‬ ‫البطن‪ ...‬رفسات على الخاصرة ‪ ...‬حركات هستيرية للمساعد وهو يصرا صراخا بالكاد يفهم‪:‬‬ ‫ ورك عرصات ‪ ...‬ورك حقيرين ‪ ....‬عم تشتغلوا ض د ال رئيس !!‪ ...‬ورك س واك زلم ة ‪ ...‬س واك م الزم‬‫ب الجيش ‪ ...‬وبتش تغل ض ده ؟!!‪ ...‬ورك ي ا عم الء‪ ...‬ي ا جواس يس !‪ ..‬ورك ال رئيس خالن ا نش بع خب ز‪...‬‬ ‫وهل‬

‫ج ايين أنت و ي ا ك الب تش تغلوا ض ده ؟!‪ ...‬ي ا عم الء أمريك ا‪ ....‬ي ا عم الء اس رائيل ‪ ...‬ي ا ورد‬

‫الشرموطة ‪ ...‬هل عم تترج وا ؟!!‪ ...‬ب ره كنت وا ع املين ح الكن رج ال ‪ ...‬ي ا جبن اء ‪ ...‬هل ع م تص را‬ ‫ورك حقير !!‪...‬‬ ‫على إيقاع صرخات المساعد و"دبيكه" فو المالزم‪ ،‬كانت ضربات الشرطة تزداد عنفا وشراسة‪ ،‬وص رخات‬ ‫واستغاثات المالزم تخفت شيئا فشيئا‪.‬‬ ‫بعد قليل تمدد المالزم أول إلى جانب العميد !!‪" .‬ر أدري حتى اآلن ماذا حل به ؟ هل مات أم ر ؟ ‪...‬هل ك ان‬ ‫لدى إدارة السجن أوامر بقتل الضباط أثناء ارستقبال أو التشريفة ؟"‪.‬‬ ‫واآلن جاء دورنا‪ " .‬إجاك الموت يا تارك الصالة !" عبارة سمعتها فيما بعد من ارسالميين حتى مللتها‪ ،‬ولكن‬ ‫فعال جاء دورنا‪ ،‬حملة الشهادات الجامعية‪ ،‬ليسانس ‪ ،‬بكالوريوس ‪ ،‬دبلوم ‪ ،‬ماجستير ‪ ..‬دكتوراه ‪..‬‬ ‫األطباء شربوا وبلعوا البالوعة‪ ،‬المهندس ون ش ربوا وبلع وا البالوع ة‪ ،‬المح امون ‪ ..‬أس اتذة الجامع ات ‪ ..‬وحت ى‬ ‫المخرس السينمائي ‪ ..‬شربت وبلعت البالوعة ‪ ..‬الطعم ‪ ..‬ر يمكن وصفه !! والغريب انه ور واحد من بين كل‬ ‫الشاربين تقيأ !!‪.‬‬ ‫وأصبح بين هؤرء جميعا شيئان مشتركان‪ ،‬الشهادة الجامعية‪ ،‬وشرب البالوعة !! ‪.‬‬ ‫ثم أكث ر م ن ثالث ين‪ ،‬ك ل فلق ة يحمله ا اثن ان م ن البل ديات‪ ،‬أمامه ا ثالث ة عناص ر وث الث ك رابيج‪ ....‬والكثي ر‪..‬‬ ‫الكثير‪ ..‬من القسوة‪ ،‬األلم‪ ،‬الصراا‪.‬‬ ‫األلم‪ ..‬الضعف‪ ..‬القهر‪ ..‬القسوة‪ ..‬الموت‪!! ..‬‬ ‫ق دماي متورمت ان م ن آث ار خيزران ة أي وب ‪ ،‬بالك اد أس تطيع المش ي‪ .‬عن دما مش يت ف ي الس احة األول ى ف و‬ ‫ارسفلت الخشن ‪ ،‬كنت كمن يمشي على المسامير ‪ ،‬رفع البلديات قدمي الى األعلى بالفلقة ‪ ،‬ثالثة كرابيج تلسع‬ ‫قدمي المتورمتين ‪ ..‬موجة داخلية عارمة من األل م تتك وم وتتص اعد م ن ال بطن لتنفج ر ف ي الص در‪ ...‬تنح بس‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪22‬‬

‫األنفاس عندما تهوي الكرابيج ‪ ...‬الرئتان تتشنجان ‪ ...‬تنغلقان على الهواء المحب وس وتتوقف ان ع ن العم ل ‪...‬‬ ‫ومع الموج ة الثاني ة لألل م وانفج اره ف ي الص در ‪ ...‬ينفج ر اله واء المحب وس ف ي ال رئتين ع ن ص رخة مؤلم ة‪،‬‬ ‫أحسها تخرس من قحف الرأس ‪ ...‬من العينين ‪ ...‬أص را ‪ ...‬وأص را والق دمان مس مرتان ف ي اله واء ‪ ...‬ك ل‬ ‫محاورتي لتحريكهم ا ‪ ...‬رزاحتهم ا ‪ ...‬فاش لة !! تنفص الن عن ي ‪ ...‬مص در لألل م فق ط ‪ ...‬س لك يص ل بينهم ا‬ ‫وبين أسفل البطن والصدر‪ ...‬موجات متالطمة من األلم‪ ،‬تب دأ الموج ة عن دهما‪ ،‬تمت د وتتص اعد م رورا بأس فل‬ ‫البطن ‪ ...‬البطن ‪ ...‬الصدر ‪ ...‬ثم تتكسر عند الرأس‪ ،‬وصرخة ألم ورع ب ومهان ة ن اثرة ال ذهول وع دم الفه م‬ ‫والتصدي ‪ ،‬أكثر من ثالثين صرخة متوازي ة‪ ...‬متش ابكة‪ ،‬ألكث ر م ن ثالث ين رج ال‪ ،‬تنتش ر ف ي فض اء الس احة‬ ‫األولى‪.‬‬ ‫في البداية استنجدت باهلل ـ وأنا الذي كنت طوال عمري أتباهى بإلحادي ـ ‪ ،‬ولكن هللا ل م يس تطع أن يفع ل ش يئا‬ ‫أمام جبروت الشرطة !!! فنقمت وتساءلت‪ :‬ولكن أين هللا‪ ،‬الساحة األولى أكبر دليل على عدم وجود كائن اسمه‬ ‫هللا!!‬ ‫أكثر من ثالثين ص رخة أل م ‪ ...‬قه ر ‪ ...‬تخ رس م ن أف واه أكث ر م ن ثالث ين رج ال مثقف ا ‪ ..‬متعلم ا !! أكث ر م ن‬ ‫ثالثين رأسا‪ ،‬كل منها يحوي الكثير من الطمو واألمل واألحالم‪ ،‬الكل كان يص را ‪ ...‬ع واء ثالث ين ذئب ا ‪...‬‬ ‫زئير أكثر م ن ثالث ين أس دا ‪ ...‬ل ن يك ون أعل �� م ن ص راا ه ؤرء الرج ال المتحض رين ‪ ...‬ول ن يك ون أكث ر‬ ‫وحشية ‪ ...‬وحيوانية!!‬ ‫يضيع صراخي وسط هذه الغابة من الصراا وأصوات ارتطام الكرابيج باألقدام ‪ ...‬وترتفع األمواس‪.‬‬ ‫أستنجد برئيس الدولة ‪ ..‬يشتد الضرب ‪ ..‬وأفهم منهم أن علي أر أدنس اسم فخامته بفمي القذر‪ .‬استنجد بنبيهم‪:‬‬ ‫ من شان محمد!!!‬‫لطمة على الرأس وصوت المساعد الراعد‪:‬‬ ‫ إي ‪ ..‬بدي نيك أمك ‪ ...‬على أم محمد!!! ليش في حدا خرب بيتنا غير محمد ؟!‬‫رأيته يبتعد عني ببطء‪ ..‬فصرخت‪:‬‬ ‫ يا سيدي دخيلك ‪ ..‬دخيل أختك‪ ..‬بس كلمة واحدة!!‬‫موجات األلم تتصاعد أكثر فأكثر ‪ ...‬تتالطم أشد فأشد ‪ ...‬المساعد يبتعد أبعد فأبعد ‪ ...‬وأصرا بأعلى صوتي‪:‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ...‬أنا ماني مسلم ‪ ...‬أنا مس يحي ‪ ...‬أن ا مس يحي ‪ ...‬ي ا س يدي دخيل ك ‪ ...‬أب وس أي دك ‪ ...‬أب وس‬‫رجلك ‪ ...‬أنا مسيحي!!‬ ‫وببطء شديد يقف المساعد‪ .‬لقد ميز صوتي ضمن ك ل ه ذه األص وات‪ ،‬س معه‪ ،‬يع ود ب بطء أش د‪ ،‬يص ل قرب ي‪،‬‬ ‫يرفع يده اليمنى لعناصر الشرطة بإشارة "كفى"‪.‬‬ ‫} مصيري اآلن كله مرتبط بكلمة من فم هذا المساعد الذي بالكاد يعرف القراءة‪{ .‬‬ ‫يزرر عينيه ويسألني‪:‬‬ ‫‪-‬أنت مسيحي ور ؟‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪23‬‬

‫ نعم سيدي نعم ‪ ...‬هللا يخليك ويطول عمرك ‪..‬‬‫ مسيحي‪ ...‬وصاير إخوان مسلمين؟!!‬‫ ر ‪..‬ر سيدي ر ‪ ...‬أنا ماني إخوان مسلمين‪.‬‬‫ لكن ليش جايبينك ؟ ‪ ..‬هيك !! ‪ ..‬لوجه هللا !! ‪ ...‬يعني تبلي ؟ ‪ ...‬آه يا كلب ‪..‬آه ‪ ،‬إذا كانوا هدول العرص ات‬‫يستحقوا الموت مرة واحدة‪ ،‬إنت رزم تموت مرتين!! ‪ ...‬يا هلل شباب زيدوا العيار لهالكلب ‪ ...‬مسيحي وصاير‬ ‫إخوان مسلمين!!‬ ‫مضى‪ ،‬والعناصر الثالثة يزيدون العيار على القدمين وعنصر رابع تنهال كرباجه على فخدي العاريتين‪.‬‬ ‫تقلصات األلم تزداد‪ ،‬لح م الفخ ذين رقي ويختل ف ع ن لح م ب اطن الق دمين‪ ،‬أختن بص رخاتي أس كت لحظ ات‬ ‫ألتنفس وأعب الهواء الذي سأصرخه‪ ،‬غمامة حمراء تتأرجح أمام عيني‪ ،‬حد األلم ر يطا ‪.‬‬ ‫بعد أن خذلني المساعد‪ ،‬أعود إلى هللا‪ ،‬ل م يب م ن مخل ص غي ره‪ ،‬وس اعات الض ي وانع دام األم ل يع ود فيه ا‬ ‫ارنسان إلى هللا‪ .‬عدت إلي ه‪ ،‬راجي ا "س را" أن ينجين ي م ن األش رار‪ ،‬كن ت ف ي غاي ة الته ذيب وأعم درج ات‬ ‫األيمان والخشوع‪:‬‬ ‫ يا رب خلصني ‪ ...‬أنت المخلص‪ ،‬نجني من بين أيديهم‪.‬‬‫قلت هذا الكالم دون أن انطقه‪ ،‬طاف بذهني‪ ،‬ومنه خرس مسرعا باتجاه السماء‪.‬‬ ‫ق واي تخ ور‪ ،‬ق درتي عل ى الص راا تخف ت‪ ،‬يص بح األل م ح ادا كنص ل الش فرة‪ ،‬أرى الك رابيج ترتف ع عالي ا‪،‬‬ ‫أتوقعها‪ ،‬إذا نزلت هذه الكرابيج على جسدي فأنا حتما سأموت !! لم يب أي طاقة لتحم ل المزي د م ن األل م !!‪..‬‬ ‫الموت‪ ...‬أعود إلى هللا‪:‬‬ ‫يا رب دعني أموت ‪ ...‬دعني أموت ‪ ...‬خلصني من هذا العذاب‪.‬‬‫يصبح الموت أمنية!! أتمنى الموت صادقا ‪ ...‬حتى الموت ر أستطيع الحصول عليه!!‪.‬‬ ‫الكرابيج ترتفع وتهوي ‪ ...‬الغمامة الحمراء‪ ،‬السماء وردية‪ ،‬يخف األلم‪ ...‬يخفت الصراا ‪ ...‬موج ة ض عيفة م ن‬ ‫الخدر والنمل تنزل من القدمين إلى باقي أنحاء الجسم!!‪.‬‬ ‫الخدر يزداد ‪ ...‬موجة من اررتيا اللذيذ تغمرن ي ‪ ...‬الك رابيج ترتف ع وته وي ‪ ...‬األل م اللذي ذ ‪ ...‬أش عر بالجس د‬ ‫المتوتر قد ارتخى ‪ ...‬ثم أغيب !!!!‪.‬‬

‫‪ 21‬تشرين الثاني‬ ‫منذ الصبا يعم ضجيج مكبرات الصوت‪ .‬أرجاء السجن وما حوله تبث األناشيد الوطنية واألناشيد الت ي تمج د‬ ‫رئ يس الدول ة وتس بغ علي ه ص فات الحكم ة والش جاعة وتص فه بأوص اف عدي دة‪ ،‬فه و المف دى‪ ،‬القائ د العظ يم‪،‬‬ ‫المعلم‪ ،‬الملهم‪ ...‬تذكر أفضاله العميمة على جم يع أبناء الشعب ‪ ،‬فلوره لما بزغ ت الش مس ‪،‬وه و ال ذي يمنحن ا‬ ‫الهواء لنتنفس ‪ ،‬والماء لنشرب ‪...‬‬ ‫نح ن الس جناء جميع ا نق ف ف ي الس احات ف ي ص فوف منتظم ة‪ ،‬وألول م رة من ذ مجيئ ي ال ى هن ا س محوا لن ا‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪24‬‬

‫بالوقوف ضمن الساحة مفتوحي األعين‪.‬‬ ‫أعطوا واحدا من السجناء ورقة‪ ،‬ومما هو مكتوب عليها يهتف‪ ...‬فنهتف وراءه‪ :‬بالرو ‪...‬بالدم سنفدي رئيسنا‬ ‫المحبوب والمعبود !‪.‬‬ ‫قبل قليل انتهى ارحتفال‪ .‬أعادونا الى المهجع‪.‬‬ ‫أشعر اآلن ان صحتي أصبحت جيدة‪ ،‬لقد مضى اآلن أكثر من ستة اشهر ونصف على اللحظة التي أعدت فيها‬ ‫فتح عيني على رأس حلي "على الصفر"‪ ،‬ينحن ي الش خص ذو ال راس الحلي ف وقي وبي ده مزق ة قم اش مبلل ة‬ ‫بالماء يحاول أن يمسح بها بعض جرو جسدي‪ ،‬رحظ صحوتي فابتسم لي‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ الحمد هلل انك صحيت‪ ،‬أنا الدكتور زاه ي ‪ ...‬ر تحك ي ور تتح رك ‪ ..‬والحم د هلل عل ى س المتك‪ ،‬ي ا أخ وي‬‫انكتب لك عمر جديد‪ ،‬احمد هللا سبحانه وتعالى‪.‬‬ ‫لم استطع ر الكالم ور الحركة‪ .‬لزمت ني ثالثة أيام أخ رى بع د ص حوتي األول ى ألتكل م‪ ،‬وأكث ر م ن ش هر حت ى‬ ‫أستطيع الحركة‪ .‬وطوال هذه الفترة رزمني الدكتور زاهي بعنايته الفائقة‪ ،‬وبلهجة المنطقة الشرقية المحببة كان‬ ‫يشر لي بما يشبه التقرير الطبي أن وضعي كان خطرا لسببين‪ :‬األول أن أذية بالغة قد أصابت إحدى الكليتين‬ ‫وأنني بقيت فترة ربأس بها أتبول دما‪ .‬أما الثاني فهو أن مساحة الجلد المتهتك ف ي جس دي ق د اقترب ت م ن ح د‬ ‫الخطر‪ .‬وإن تفاوتت النسبة حسب المنطقة‪ .‬تهتك جلد الظهر بكامله تقريب ا ‪ ،‬قس م م ن ال بطن ‪ ،‬الجه ة األمامي ة‬ ‫من الفخذين‪ ،‬القدمان من الجهتين العلوية والسفلية‪ .‬أما جلد القدم اليسرى فقد انكش ط م ن الجه ة العلوي ة وبان ت‬ ‫العظام‪.‬‬ ‫أخبرني زاهي إنني بقيت ستة أيام غائبا عن الوعي ومعلقا بين الحياة والم وت‪ ،‬ك ان المل ح ه و الم ادة المعقم ة‬ ‫الوحيدة المتوفرة‪ ،‬بالملح عالجني الشيك زاه ي‪ ،‬كم ا ك ان يح ب أن ين ادى متن ازر ع ن لق ب دكت ور بك ل طيب ة‬ ‫خاطر وكان يشربني الماء وقليال من المربى المذاب والمخفف بالماء‪.‬‬ ‫وكما شر لي وضعي الصحي فإنه أخبرني عن المعلومات التي وصلتهم من المهاجع األخرى والتي تقول إن‬ ‫عدد أفراد دفعتنا كان ‪ / 19 /‬شخصا‪ ،‬قتل منهم ثالثة في الس احة األول ى أثن اء ارس تقبال وه ؤرء ل م ي دخلوهم‬ ‫إلى المهاجع‪ ،‬وخالل فترة غيابي عن الوعي مات عشرة آخرون متأثرين بجروحهم وإصاباتهم البليغة‪ ،‬واثنان‬ ‫من الدفعة أصيبا بشلل دائم نتيجة أذى كبير بالعمود الفقري‪ ،‬واحد فقط أصبح أعمى بعد أن تلقى ضربة كرباس‬ ‫فقأت عينيه‪ ،‬وبعد أن انتهى زاهي من سرد هذه المعلومات قال‪:‬‬ ‫ والحمد هلل على سالمتك ‪ ..‬احمد هللا يا أخ وي احم ده‪ ..‬و رغ م أن الص الة ممنوع ة ب س أن ت تق در تص لي‬‫سرا ركعتين لوجه هللا !‪.‬‬ ‫الحالقة‬ ‫بعد تسعة أيام من صحوتي وقف رئيس المهجع في الصبا وقال مخاطبا الناس في المهجع‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪25‬‬

‫ يا إخوان ‪ ..‬الي وم دورن ا بالحالق ة‪ ،‬اص بروا وص ابرو‪ ،‬س يعيننا هللا ‪ ..‬احمل وا المرض ى ويلل ي م ا بيحس ن‬‫يمشي على البطانيات‪ ،‬كل بطانية يحملها أربعة فدائيين ‪ ...‬وقدر ما فيكم أسرعوا‪ ،‬الس رعة أفض ل‪ ..‬و هللا‬ ‫يقوينا!‬ ‫فتح الباب‪ ،‬وقف الجميع‪ ،‬حملني أربعة أشخاص‪ ،‬قال لي أحدهم بحماس‪:‬‬ ‫ ر تخاف يا أخي ر تخاف‪ ..‬را نحميك بأجسامنا‪.‬‬‫صفان من الشرطة على جانبي الباب‪ ،‬بين الشرطي واآلخر حوالي المترين‪ ،‬كل شرطي يحمل كرباجا‪ ،‬م ا أن‬ ‫يصل السجين إلى الباب حتى يبدأ الركض‪ ،‬تتلقاه كرابيج الصف اليميني للشرطة من األمام‪ ،‬الكرابيج اليسارية‬ ‫تطارده من الخلف‪ ،‬من يتعثر أو يقع ‪ ..‬قد يموت فهو يكون قد كسر التناغم وإيقاع الضرب‪ ،‬يق ف الص ف م ن‬ ‫خلفه وتجتمع عليه الكرابيج جميعا ‪ ،‬فإذا كان ذا بنية قوي ة واس تطاع النه وض رغ م عش رات الك رابيج المنهال ة‬ ‫عليه‪ ..‬فقد نجا‪ .‬أماالضعيف فستبقيه الكرابيج لصيقا باألرض إلى األبد‪.‬‬ ‫حوالي الثالثمائة سجين من مهجعناركضوا بسرعة‪ ،‬تلق وا الض ربات الس ريعة والكاوي ة‪ ،‬اص طفوا ف ي الس احة‬ ‫ووجوههم إل ى الح ائط وأعي نهم مغمض ة‪ ،‬نح ن المرض ى وض عونا ف ي منتص ف الس احة‪ ،‬الكثي ر م ن عناص ر‬ ‫الشرطة‪ ،‬الكثير من البلديات وفي أيديهم أمواس الحالقة للذقن وماكينات حالقة الشعر على الصفر‪.‬‬ ‫اللؤم ‪....‬؟!!‬ ‫كانت هذه هي التجربة األولى للحالقة‪ ،‬وسأجربها في القادم من األيام كثي را‪ ،‬ولك ن من ذ الم رة األول ى ونتيج ة‬ ‫لوضعي كمريض مرمي في وس ط الس احة يس تطيع أن يراق ب ك ل م ا يج ري فيه ا رغ م أن عيني ه مغمض تان!‬ ‫طرقت ذهني تساؤرت إنسانية كثيرة‪:‬‬ ‫البلديات سجناء مثلنا‪ ،‬مقهورون مثلنا‪ ،‬صحيح إنهم مجرم ون‪ ،‬قتل ة ولص وص ولوطي ون‪ ،‬ولك نهم يع انون م ن‬ ‫قهر السجن مثلما نعاني‪ ،‬ور تعني لهم السياسة شيئا‪ ...‬ولكن من أين تنبع هذه القسوة اللئيمة والضرب المب ر‬ ‫اللذان يكيلهما البلديات للسجناء أثناء الحالقة؟!‬ ‫وكنت دائما أتساءل بذهول‪ :‬هل من المعقول أن يكون ارنسان لئيما إلى هذه الدرجة ؟!! وهذا اللؤم المجاني ؟!!‬ ‫حالقة الذقن عملية تشريح أو حراثة للوجه مصحوبة بالبصا والشتائم‪ ،‬وكان بعضهم يتلذذ بافتعال السعال قبل‬ ‫البص على وجه السجين كي يك ون البص ا مص حوبا بالمخ اط !!! وتلتص بص قة البل ديات بالوج ه ! ويمن ع‬ ‫السجين من مسحها‪.‬‬ ‫حالق ة ال رأس ‪ ..‬م ع ك ل س حبة ماكين ة عل ى ال رأس‪ ،‬وبع د أن ي نفض البل ديات الش عر المحل و ‪ ،‬ض ربة قوي ة‬ ‫بالماكينة نفسها على المكان المحلو وهو يصر على أسنانه ويشتم‪:‬‬ ‫ يا عرص يا ابن العرص ‪ ..‬منين جايب كل هالقمل؟!‬‫ ولك يا منيك ‪ ...‬شو عامل راسك مزرعة قمل؟!‬‫ومع كل ضربة ماكينة‪ ،‬إما أن ينفر الدم‪ ،‬أو تظهر كرة صغيرة في الرأس مكان الضربة!!‪.‬‬ ‫الكثير م ن الس جناء ع رف الكثي ر م ن البل ديات‪ ،‬ه م م ن نف س ق راهم وبل داتهم وم دنهم وأحي ائهم‪ ،‬وتبق ى نف س‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪26‬‬

‫األسئلة مطروحة‪ :‬ولكن لماذا؟ ‪ ..‬لماذا هو لئيم بهذا الق در؟‪ ..‬م ا ه ي دوافع ه النفس ية؟‪ ..‬ه ل القس وة و الس ادية‬ ‫المتأصلة أو العارضة يمكن أن تنتقل بالعدوى؟ أم هي رو القطيع؟!‪.‬‬ ‫" وددت لو تتا لي فرصة محادثة احدهم "‪.‬‬ ‫بعد أن انتهى أحد البلديات من حالقتي بضربة قوية على رأسي الحلي ‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ ياكلب يا ابن الكلب ‪ ..‬كسرتلي ضهري!! ‪ ..‬عامل حالك ما بتحسن توقف!!‪.‬‬‫أدخلونا جميعا إلى المهجع بين صفي الشرطة والكرابيج تنهال أكثر ما تنهال على ال رؤوس الحليق ة!! اس تلقيت‬ ‫في الركن المخصص للمرضى‪ .‬إمارات السرور والفر بادية على كل المساجين‪:‬‬ ‫" هاهي حالقة أخرى ‪ ..‬تمر بسالم ‪ ..‬ر زلنا أحياء !! "‪.‬‬ ‫المهجع‬ ‫خالل استلقائي أكثر م�� شهر في هذا الركن أتيح لي أن أعاين وأفهم الكثير من األشياء واألمور في هذا المهج ع‬ ‫الكبير‪ .‬يبلغ طول المهجع ‪ / 95 /‬خمسة عشر مترا‪ ،‬وعرضه ح والي س تة أمت ار ب اب حدي دي أس ود‪ ،‬ف ي أعل ى‬ ‫الج دران نواف ذ ص غيرة مالص قة للس قف و مس لحة بقض بان حديدي ة س ميكة‪ ،‬ر يتج اوز ع رض الناف ذة خمس ين‬ ‫سنتمترا وطولها حوالي المتر‪ .‬أه م م ا ف ي المهج ع ه و الفتح ة الس قفية‪ ،‬وه ي فتح ة ف ي منتص ف الس قف طوله ا‬ ‫أربع ة أمت ار وعرض ها مت ران‪ ،‬مس لحة أيض ا بقض بان حديدي ة متين ة‪ ،‬ه ذه الفتح ة ويس مونها " الش راقة " تت يح‬ ‫للحارس المسلح ببندقية والذي يقف على سطح المهجع أن يراقب ويعاين كل ما يجري داخل المهجع وعلى مدار‬ ‫ساعات الليل والنهار‪ ،‬فو كل مهجع في السجن الصحراوي حارس مسلح من الشرطة العسكرية‪.‬‬ ‫ساعات اليوم هنا جزءان رثالث لهم ا‪ ،‬اثنت ا عش ر س اعة ن وم إجب اري‪ ،‬اثنت ا عش رة س اعة جل وس إجب اري‪ ،‬ك ل‬ ‫سجين يملك ثالث بطانيات عسكرية فقط‪ ،‬يطوي واحدة ويمدها على األرض فتصبح فراشا ويتغطى باثنتين‪ ،‬من‬ ‫يملك ألبسة زائدة عن الثياب التي يرتديها يطويها ويجعلها وسادة أو يضع حذاءه كوسادة‪ ،‬ومن يكن مثلي ر يملك‬ ‫ثيابا أو حذاء فإنه ينام بال وسادة‪.‬‬ ‫وعلى كل سجين أن يتقيد بالتعليمات‪ ،‬من السادسة مساء إلى السادسة صباحا يجب أن يكون نائما ر يتحرك‪ ،‬من‬ ‫السادسة صباحا إلى السادسة مساء يجب أن يطوي البطانيات الثالث ويجلس عليها ر يتحرك‪.‬‬ ‫الذهاب إلى المرحاض يتم وف نظام خاص‪ ،‬بحيث أن الشرطي الحارس في أي ساعة يخطر له أن ينظ ر داخ ل‬ ‫المهجع يجب أر يرى أكثر من شخص واحد يمشي داخل المهج ع‪ ،‬ورئ يس المهج ع وه و س جين أيض ا يج ب أن‬ ‫ينظم كل هذا تحت طائلة المسؤولية‪.‬‬ ‫لدى أي خلل‪ /..‬إذا تحرك النائم حركة غير طبيعية مثال‪ ،‬إذا كان إثنان يتحدثان إلى بعضهما ليال‪ ،‬إذا ك ان هن اك‬ ‫أكثر من شخص يمشي‪ ،‬إذا كان جالسا بطريقة رتعجب الحارس‪ /‬يصيح الحارس برئيس المهجع‪:‬‬ ‫ رئيس المهجع ‪ ....‬ور كر !!‬‫‪ -‬نعم سيدي‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪27‬‬

‫ علم ‪...‬هالكلب‪.‬‬‫وهكذا يكون قد تم تعليم السجين‪.‬‬ ‫نوب ة ك ل ح ارس س اعتان‪ .‬وع دد ال ذين ي تم تعل يمهم ت ابع لم زاس ك ل ح ارس‪ ،‬وك ل ح ارس يبل غ م ن يلي ه ف ي‬ ‫الحراسة بعدد الذين علمهم‪ ،‬وفي الصبا يكون المجموع عند الرقيب الذي يحضر إلى الساحة وبص حبته ع دد‬ ‫كبير من عناصر الشرطة العسكرية والبلديات‪ ،‬ويصيح‪:‬‬ ‫ ور ‪ ...‬رئيس المهجع ياحقير ‪ ...‬عندك تالتة وتالتين معلِّمين ‪ ....‬طالعهن لبره رشوف!‪.‬‬‫ويخرس الفدائيون!‪ ..‬جزاء وعقوبة التعليم أصبحت عرفا‪ :‬خمسمائة جلدة‪.‬‬ ‫الطعام‬ ‫ثالث وجبات في اليوم‪ ،‬رغيفان من الخبز العسكري لكل سجين‪ ،‬الطعام يأتي في أوان بالستيكية‪ ،‬العشاء على‬ ‫األغلب شوربة عدس‪ ،‬الغداء برغل ومر البطاطا‪ ،‬البطاطا تطبك مع رب البن دورة ب دون أن تغس ل أو تف رم‪،‬‬ ‫ولذلك دائما هناك عدة سنتمترات من التراب الراقد في أسفل جاط المر ‪ ،‬الفطور لبنة أو زيتون وأحيانا بيض‬ ‫مسلو ‪.‬‬ ‫يجلب البلديات جاطات الطعام‪ ،‬يضعونها أمام المهاجع ويذهبون‪ ،‬أكثر من ستمائة رغيف خبز‪ ،‬ح والي العش ر‬ ‫جاطات بالستيك مليئة بالبرغل ومثلها من المرقة‪ ،‬كلها تكوم أمام المهجع‪.‬‬ ‫ثالث مرات في اليوم يفتح الباب الحديدي األسود ردخال الطعام‪ ،‬وفي ك ل م رة يك ون الف دائيون واقف ين خل ف‬ ‫الباب‪ ،‬ما أن يفتح حتى يصبحوا جميعا وبلمح البصر عند الطعام‪ ،‬وبسرعة الب ر يحملون ه‪ ،‬ف دائي واح د لك ل‬ ‫جاط برغل‪ ،‬جاط المر يحمل ه اثن ان‪ ،‬الخب ز يكومون ه عل ى البطاني ات وك ل بطاني ة يحمله ا أربع ة أش خاص‪،‬‬ ‫ط وال الوق ت ال ذي يس تغرقه إدخ ال الطع ام تك ون ك رابيج الش رطة ق د فعل ت فعله ا‪ ،‬يتف نن عناص ر الش رطة‬ ‫ويبتدعون أساليب جديدة‪:‬‬ ‫أمام جاط شوربة العدس الغالي‪ ،‬أمسك الرقيب بالفدائي الذي هم بحمل الجاط‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ أترك الجاط على األرض ‪ ...‬ور شرموط!‬‫ترك السجين الجاط ووقف‪.‬‬ ‫ وهل ‪ ...‬غطس إيديك بالشوربة لشوف!‬‫وخرجت اليدان من الشوربة مسلوختين‪ .‬وأجبره بعدها أن يحمل الجاط بيديه المسلوختين إلى داخل المهجع‪.‬‬ ‫كل بضعة أيام يقتل واحد أو أكثر أثناء إدخال الطعام إلى المهاجع‪.‬‬ ‫الفدائيون‬ ‫يوج د هن ا أن اس م ن ك ل األعم ار‪ ،‬رج ال ف ي الثم انين م ن عم رهم‪ ،‬فتي ان ل م يتج اوزوا الخامس ة عش ر‪ ،‬يوج د‬ ‫مرضى‪ ،‬ضعفاء‪ ،‬ذوو عاهات سواء كانت في األصل أو حدثت جراء التعذيب‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪28‬‬

‫الفدائيون مجموعة من الشباب األقوياء ذوي األجساد المتينة‪ ،‬تطوعوا من تلقاء أنفسهم للقيام بالمهام الخطرة التي‬ ‫تحتاس إلى قوة تحمل أو سرعة‪ ،‬مثل إدخال الطعام إلى المهجع‪ ،‬أو إذا تم " تعليم " أحد المرضى أو الشيوا م ن‬ ‫قبل الحراس‪ ،‬فإن أحد الفدائيين ينوب عن هذا المريض في تلقي الخمس مائة جل دة‪ ،‬ر يع رف أح د أي مهج ع ف ي‬ ‫السجن كان السبا إلى ابتداع هذه الفرقة الفدائية‪ ،‬ولكن في لحظ ة م ا تب ين أن ل دى ك ل مهج ع ف ي الس جن فرق ة‬ ‫فدائية‪" ،‬اكتشفت الش رطة ف ي الس نوات ال الحق ة ه ذا األم ر‪ ،‬فف ي أح د األي ام ك ان الح راس يتس لون بمراقب ة أح د‬ ‫المهاجع وتعليم السجناء‪ ،‬وأص بح ع دد األش خاص ال ذين ت م تعل يمهم يف و ع دد أعض اء الفرق ة الفدائي ة‪ ،‬وأص ر‬ ‫بع ض الف دائيي ن عل ى الخ روس م رة ثاني ة لتلق ي خمس مائة جل دة أخ رى‪ ،‬وف ورا اكتش ف عناص ر الش رطة آث ار‬ ‫الضرب والكدمات الحديثة على أرجلهم ولكنهم رغم ذلك لم يفعلوا شيئا حيال األمر"‪.‬‬ ‫سمعت أحد الفدائيين يقول إلى زميله‪:‬‬ ‫ نحن مشروع شهادة‪.‬‬‫وه م ص ادقون ف ي س عيهم إل ى ارستش هاد‪ ،‬وق د أنق ذت الف ر الفدائي ة حي اة الكثي ر‪ ،‬وعمله م يتس م ب ارخالص‬ ‫وارندفاع الشديدين النابعين عن إيمان عمي ‪.‬‬ ‫في مرة أخرى سمعت دعاء أحدهم بعد الصالة التي أداها جالسا‪:‬‬ ‫ الله م ان ك ق ادر عل ى ك ل ش يء‪ ،‬باس مك الجلي ل هبن ي الش هادة‪ ،‬وخ ذني إل ى جنت ك حي ث النبي ون‬‫والمؤمنون األخيار‪.‬‬ ‫بعضهم كان يقوم بعمله بتواضع شديد وصمت‪ ،‬وعلى بعضهم اآلخر كنت أرحظ نبرة زهو وتشوف في حديثه‪.‬‬ ‫الحمام‬ ‫نحن في المهجع ستة مرضى ر نذهب إلى الحمام‪ ،‬أنا وزميلي في الدفعة الذي بقي غائبا عن الوعي طوال الفترة‬ ‫التي كنت ر أستطيع الحركة فيها‪ " ،‬وكان قد دخل إلى هذا المهجع من دفعتن ا ثالث ة‪ ،‬واح د م ات بع د ي ومين‪ ،‬أن ا‬ ‫صحوت بعد س تة أي ام‪ ،‬أم ا الثال ث فق د بق ي ش هرين يت أرجح ب ين الم وت والحي اة‪ ،‬ص حا بع دها وش في" وأربع ة‬ ‫مشلولون‪ ،‬اثنان منهم باألصل شلل أطفال ‪ ،‬الثالث أثناء ارستقبال‪ ،‬أما الرابع فقد شل نتيجة التعذيب ب ـ " المظل ة‬ ‫"‪.‬‬ ‫الحمام إجباري للجميع إر الذين ر يستطيعون الحركة‪ ،‬خاصة وقد كتب على بابه إن النظافة م ن اريم ان‪ ،‬ذه ب‬ ‫المهجع إلى الحمام مرتين خالل فترة الشهر التي بقيت فيه ا ر أس تطيع الحرك ة‪ ،‬يخلع ون ك ل ثي ابهم يبق ون فق ط‬ ‫بالسراويل الداخلية‪.‬‬ ‫بعد شفائي نسبيا وقدرتي على الحركة ذهبت مع المهجع إلى الحمام!‪.‬‬ ‫الكيلوت الذي كنت ارتديه عند مجيئي إما أنه تقطع أثناء ارستقبال أو أنه ضاع‪ ،‬ص حوت بع د س تة أي ام فوج دت‬ ‫نفسي مرتديا سروار داخليا يصل إلى الركبتين وثيابي مكومة إلى ج انبي‪ ،‬وبه ذا الس روال وقف ت بالص ف داخ ل‬ ‫المهج ع بانتظ ار ال ذهاب إل ى الحم ام‪ .‬الك ل مت وجس‪ ،‬الك ل خ ائف‪ ،‬نق ف خل ف الب اب األس ود تح يط بن ا األدعي ة‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪29‬‬

‫واربتهارت إلى هللا‪ ،‬خلفي اثنان يتحادثان حول أبواب السجن‪ ،‬كلها حديدي ة وكله ا س وداء‪ ،‬أح دهم ي روي لآخ ر‬ ‫عن سجينة اسمها "ترفة" كانت قد قطعت عهدا على نفسها نتيجة لكثرة ارستفزازات التي كانت تش كلها األب واب‬ ‫السوداء لها بأنها بعد خروجها من السجن ستحضر نجارا يخلع لها كل أبواب بيتها‪ ،‬هي ر تريد أبوابا مغلقة أبدا‪.‬‬ ‫فتح الباب ‪ ...‬خرجنا ركضا‪ ،‬اثنين اثنين‪ ،‬حولنا من الجانبين الشرطة يحملون الكرابيج التي ترتفع عاليا وته وي‬ ‫على من تصادفه‪ ،‬الك ل حف اة " كان ت ق دماي لم ا تش فى جي دا بع د "‪ ،‬م ن الس احة السادس ة عبرن ا ث الث س احات‬ ‫أخرى حتى وصلنا الحمام ‪ ،‬بناء مستطيل يحوي العديد من المقاصير‪ ،‬وهو من مخلفات الحقبة الفرنسية‪ ،‬أدخلون ا‬ ‫كل اثنين إلى مقصورة بال باب‪ ،‬وزعوا الصابون العسكري ضربا على الرأس‪ ،‬لكل واحدا لو من الص ابون ‪..‬‬ ‫صيا ‪ ...‬ش تائم ‪ ...‬تركي ز ش ديد ف ي ه ذا الص يا وه ذه الش تائم ح ول موض وع أر نس تغل فرص ة وجودن ا ف ي‬ ‫الحمام ونلوط بعضنا بعضا !!‪ ،‬وأنهم يعرفون أننا كلنا لوطيون وأننا نفعل كذا وكذا ببعضنا‪.‬‬ ‫الماء النازل من "الدوش" يغلي‪ ،‬البخار يتصاعد‪ ،‬تع ديل ح رارة الم اء غي ر ممكن ة‪ ،‬بالك اد دهن ا أجس ادنا بالم اء‪،‬‬ ‫دقيقة واحدة قد تزيد أو تنقص بضع ثوان‪ ،‬نخرس بع دها تح ت وق ع الك رابيج‪ ،‬الض رب عل ى األجس اد المبلل ة ذو‬ ‫وقع مختلف‪ ،‬يلسع لسعا‪ ،‬نعود إلى المهجع ركضا نحمل آثار الضرب فقط‪.‬‬ ‫" س وف يلغ ى الحم ام بع د فت رة نتيج ة اكتظ اظ الس جن وس يتم تحويل ه إل ى مهج ع يوض ع في ه المعتقل ون‬ ‫الشيوعيون ‪".‬‬ ‫تابع الدكتور زاهي العناية بي وبالمرضى اآلخرين‪ ،‬جروحي كلها على وشك الشفاء عدا الجر على وجه الق دم‬ ‫اليسرى‪ ،‬و نتيجة ألن عظام مشط القدم قد بانت بعد انكشاط الجلد عنها فقد خشي الدكتور زاه ي م ن مض اعفات‬ ‫أخرى‪ ،‬حضر مرة ومعه شخص آخر وعرف به على أنه طبي ب أخص ائي جلدي ة‪ ،‬وق د أخبرن ي ه ذا الطبي ب أن‬ ‫بمهجعنا فقط يوجد ثالثة وعشرون طبيبا من مختلف ارختصاصات‪.‬‬ ‫زميلي في الدفعة قاوم الموت أكثر من شهرين‪ ،‬أخذت في نهايتها صحته في التحسن‪ ،‬أيضا بفضل عناي ة وس هر‬ ‫زاهي‪ ،‬ثم بدأ يصحو من غيبوبته تدريجيا‪ ،‬وعندما أصبح بإمكانه تحريك رأس ه ‪ ...‬نظ ر باتج اهي وف وجيء ب ي‬ ‫تماما !! أصيب بالدهشة الشديدة لثوان قليلة حت ى أن زاه ي ال ذي ك ان جانب ه س أله إذا ك ان ق د رأى ديناص ورا؟!‬ ‫ولكنه تململ ولم يجب‪.‬‬ ‫خالل الشهرين األولين كانت قد نشأت بعض العالقات بيني وبين بعض السجناء‪ ،‬فعالقتي مع زاهي تعتبر جيدة‪،‬‬ ‫لقد جلسنا عدة مرات سوية نتحدث عن السجن والحرية‪ ،‬بثني العديد من همومه الطبية والعائلية حتى‪ ،‬كشف ل ي‬ ‫عن خشيته من تفشي وباء ما داخل السجن‪ ،‬وأمام انعدام األدوية والوس ائل الطبي ة ف إن أي وب اء س يكون قاض يا‪،‬‬ ‫سألته مرة عن تاريك سجنه ومجيئه إلى السجن الصحراوي‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ بعد المجزرة مباشرة!!‬‫ وأية مجزرة تعني؟!‬‫‪ -‬ولو يارجل !!! ‪ ...‬معقول ما سمعت بالمجزرة يا أخوي؟‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪31‬‬

‫ ر وهللا ‪ ..‬ما سمعت ‪ ..‬أناما كنت بالبلد‪ ،‬كنت بفرنسا‪.‬‬‫بعدها سرد علي تفاصيل ما حدث‪ ،‬أو ما سمي بمجزرة السجن الصحراوي‪:‬‬ ‫ كان في هذا السجن قرابة األل ف س جين إس المي‪ ،‬وف ي ي وم حزيران ي ق ائظ‪ ،‬حط ت ط ائرات الهليوك وبتر‬‫محملة بالجنود الذين يقودهم شقي الرئيس‪ ،‬مدججين باألسلحة‪ ،‬نزل وا م ن الط ائرات ف ي س احات الس جن‪،‬‬ ‫دخلوا على السجناء في مهاجعهم وبالرشاشات حصدوهم حصدا! جمعوا قس ما م نهم ف ي الس احات وقض وا‬ ‫عليهم جميعا‪ .‬زاهي أتى إلى هذا السجن بعد المجزرة تماما ‪،‬كانت الدماء والشعر اآلدمي ونت ف م ن اللح م‬ ‫واألدمغة ر زالت رصقة على جدران وأرضية المهجع الذي أدخلوه فيه‪.‬‬ ‫يتوقف زاهي قليالعن السرد‪ ،‬ينظر عاليا خالل الشراقة نظرة ساهمة ‪ ...‬ويتابع‪:‬‬ ‫ رحمهم هللا جميعا ‪ ...‬الجميع استشهد‪ ،‬كانوا أبطار من الرواد األوائل‪ ،‬عليهم رحمة هللا‪ ،‬تص ور ي ا أخ وي‬‫‪ ...‬انه خالل المجزرة هجم كم واحد من الشباب المسلم على العساكر المسلحين‪ ،‬واستطاعوا انتزاع بعض‬ ‫األسلحة‪ ...‬هم يعرفون أنهم را يموتون على كل حال‪ ...‬ليش ما يقاومون ؟!‪ ..‬وظلوا يق اومون باألس لحة‬ ‫هاي ‪ ...‬حتى استشهدوا أو نفذت ذخيرتهم ‪ ...‬كبدوا العساكر خسائر كبيرة ‪ ...‬عليهم رحمة هللا ‪ ...‬الغريب‬ ‫انك ما سمعت بهذي المجزرة‪ ..‬يا أخوي!!‪.‬‬ ‫وخالل هذين الشهرين لم يسألني أحد عن ديني‪ ،‬فلم يكن يخطر على بال أحدهم أن أك ون غي ر مس لم ‪ ،‬خاص ة‬ ‫وأن اسمي ر يوحي بذلك‪ ،‬وبعد التجربة التي مررت بها في مركز المخابرات لم أخب ر أح دا ب ذلك خاص ة ان ه‬ ‫سيكون خارس السيا ‪.‬‬ ‫بعد يومين من دهشة زميلي في الدفعة عندما رآني‪ ،‬كان المهجع كله قد عرف أنني‪:‬‬ ‫ نصراني‪ ،‬ملحد‪ ،‬وجاسوس!!‬‫ظهرت النتائج فورا‪ .‬قوطعت مقاطعة تامة من الجميع‪ ،‬لم يعد أحد منهم يحييني‪ ،‬إذا قلت ألحدهم صبا الخير‬ ‫أشا بوجهه إلى الطرف اآلخر عكس تعاليم نبيهم التي تقول‪" :‬ردوا التحية بأحسن منها"‪.‬‬ ‫في اليوم الثالث للدهشة‪ ،‬تظاهر زاهي بأنه يريد الكشف على قدمي‪ .‬قال لي وهو منهمك بفحصها‪:‬‬ ‫ أن تكون نصراني‪ ...‬هذا مو مشكلة‪ ،‬انت من أهل الكت اب !‪ ..‬ش غلة أن ك تك ون جاس وس للنظ ام ‪ ....‬ه اي‬‫ماتخرط ر بالعقل ور بالمنط ‪ ...‬أنت كنت را تموت بالتعذيب‪ ...‬وهذول الكالب ما يقتلون جواسيس هم‬ ‫!!‪ ...‬بس قولي ‪ ...‬صحيح انك أعلنت قدام كل الناس بفرع المخابرات انك ملحد ؟! ‪.‬‬ ‫ صحيح يا دكتور‪ ...‬ولكني قلتها تخلصا من العذاب والسجن‪.‬‬‫ هذا مب رر غي ر ك افي‪ ،‬لكنن ي أظ ن أن ك رج ل جي د‪ ،‬ل ذلك أق ول ل ك ‪ ...‬خلي ك ح ذر‪...‬انتب ه!! به ذا المهج ع‬‫جماعة من المتشددين‪ ...‬يفكرون انه من واجبهم قتل الكفار "حيثما وجدوا"‪ ،‬وأنت ص ار مع روف للجمي ع‬ ‫إنك كافر!!‪ ...‬وشغله ثانيه أرجو انه ما تحاول تحكي معي‪ ...‬فأنا ر أستطيع أن أكون شاذا عن الجماعة!‬ ‫‪ -‬شكرا يا دكتور‪ ...‬على كل شيء‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪31‬‬

‫ ر شكر على واجب‪.‬‬‫مضى أسبوع دون حوادث تذكر‪ ،‬وذات يوم خرجت من المرحاض وأنا أعرس‪ ،‬أحاط ب ي ف ورا ح والي عش رة‬ ‫أشخاص كلهم شباب في بداية العشرينات من عمرهم‪ ...‬صرت كلمات من بين أسنان أحدهم‪:‬‬ ‫ وقف ولك ‪ ...‬يا نجس ‪ ..‬يا كافر ‪ ...‬هذي هي نهايتك يا كلب‪.‬‬‫تجمدت مكاني‪ ،‬ذهلت‪ ...‬ألجزاء من الثانية نظرت إلى العيون المحدقة بي‪ ،‬فائض من الحقد والكراهي ة ينفج ر‬ ‫من هذه العيون‪ ،‬العزم‪ ..‬ارصرار‪.!..‬‬ ‫تضي الدائرة حولي ‪ ...‬استسالم كلي‪ ،‬بل شلل بالتفكير‪.‬‬ ‫طوال الفترة الماضية لم أكف عن الخ وف‪ ،‬الخ وف م ن المخ ابرات‪ ،‬الخ وف م ن الش رطة العس كرية‪ ،‬الخ وف‬ ‫لدى قرقعة المفتا في باب المهجع‪ ،‬الخوف من الضرب واأللم والموت ‪ ...‬أما اآلن ‪ ..‬إنني أرى الموت يحد‬ ‫بي من خ الل األع ين المحيط ة ب ي ‪ !..‬ه ل خف ت ؟ ‪ ...‬ر أدري‪ ،‬لق د كن ت حج را‪ ...‬قطع ة خش ب مج ردة م ن‬ ‫األحاسيس والمشاعر‪ ،‬ر تفكير‪ ..‬ر رد فعل‪ ...‬جمود كلي‪ ...‬واستسالم تام‪.!!...‬‬ ‫ص مت رصاص ي ثقي ل يخ يم عل ى ال فس حة الص غيرة أم ام المرح اض‪ ،‬وه ي مك ان ر يس تطيع الح ارس عل ى‬ ‫السطح أن يراه من شراقة السقف‪ ،‬كان اقترابهم مني بطيئا‪ ،‬خطواتهم صغيرة جدا نحو مركز الدائرة الذي ه و‬ ‫أنا‪ ،‬هل تعم دوا تع ذيبي عب ر إطال ة عمرخ وفي وفزع ي؟!‪ ..‬ه ل ك انوا خ ائفين م ن ردود فعل ي؟!‪ ..‬ه ل ه م ل م‬ ‫يحزموا أمر موتي بعد؟!‪ ..‬لست أدري!‪.‬‬ ‫فجأة كسر الصمت‪ ...‬وكسر محيط الدائرة البشري حولي‪ ،‬قفز شخص كبير السن وأحاطني بيديه‪ ،‬التف ت إل ى‬ ‫المحيطين بي وبصوت هادىء أجش قال‪:‬‬ ‫ من يعتدي على هذا الشخص فقد اعتدى علي!‪.‬‬‫قالها بالفصحى‪ .‬بوغت المهاجمون‪ ...‬توقفوا‪ ،‬قال أحدهم‪:‬‬ ‫ يا شيك محمود ‪ ...‬يا شيك محمود‪ ،‬نحن نحترم ك ‪ ،‬لك ن ‪ ...‬م ا ال ك عالق ة به ذا األم ر!‪ ..‬أن ت ش يك دي ن‪،‬‬‫ورزم تكون معنا في القضاء على الكفر والكفار!‪.‬‬ ‫ ر‪ ...‬لست معكم! قال هللا تعالى‪" :‬ر تقتلوا النفس التي حرم هللا إر بالح "‪.‬‬‫ لكن‪ ...‬هذا الشخص كافر يا شيك محمود!‪.‬‬‫ هللا وحده يعلم ما في النفوس وسرائر القلوب‪.‬‬‫ لكنه نصراني‪ ...‬وجاسوس!‬‫ وجادلهم بالتي هي أحسن‪ ،‬ور تأخذوا الناس بالشبهات‪.‬‬‫كل الناس بالمهجع يراقبون ما يحدث‪ ،‬ولكن لم يتجمع حولنا إر عدد قليل‪ ،‬خمنت أن أكثرهم من أنصار الشيك‬ ‫محمود‪ ،‬فجأة رأيت الدكتور زاهي إلى جانبي‪ ،‬التفت إليه الشيك محمود وقال آمرا‪:‬‬ ‫‪ -‬يا زاهي ‪ ...‬خود هالشخص لمكانه‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪32‬‬

‫س حبني ال دكتور زاه ي أو جرن ي م ن كتف ي‪ ،‬انفتح ت ال دائرة حولن ا دون أي ة ممانع ة‪ ،‬أوص لني إل ى فراش ي‬ ‫وقال لي‪:‬‬ ‫ اجلس مكانك ور تحكي أية كلمة!‪.‬‬‫مكان رئيس المهجع إلى جانب الباب حيث يكون جاهزا دوما عند فتح الباب لمخاطبة الشرطة‪ ،‬وعلى الط رف‬ ‫اآلخر من الباب وضعوا فراشي بدر من الشخص الذي كان يحتله‪ .‬يب دوا أنه م رفض وا أن أك ون بي نهم‪ ،‬الب اب‬ ‫على يساري‪ ،‬الشخص الذي على يميني وهو الجار الوحيد لي أبعد فراشه عن فراشي أكثر من ربع مت ر رغ م‬ ‫اركتظاظ وارزدحام‪ ،‬ولم يحتج أحد‪.‬‬ ‫أض حت مق اطعتهم ل ي تام ة‪ ،‬التهدي د ر زال مس لطا‪ ،‬جلس ت عل ى فراش ي س اهما أتحاش ى النظ ر‬ ‫إلى أي اتجاه محدد‪.‬‬ ‫مع األيام بدأت تنمو حولي قوقعة بجدارين‪:‬‬ ‫ـ جدار صاغه كرهم لي‪ .‬كنت أسبح في بحر من الكراهية والحقد وارش مئزاز‪ ،‬وحاول ت جاه دا أر أغ ر ف ي‬ ‫هذا البحر‪.‬‬ ‫ـ والجدار الثاني صاغه خوفي منهم!‬ ‫وفتح ت ناف ذة ف ي ج دار القوقع ة القاس ي وب دأت أتلص ص عل ى المهج ع م ن ال داخل‪ ،‬وه و األم ر الوحي د‬ ‫الذي استطعته‪.‬‬

‫‪ 22‬كانون األول‬ ‫اليوم عيد رأس السنة‪ ،‬ترى أين تسهر سوزان اليوم ؟! "لم أكن منتبها الى مسألة التواريك هذه‪ ،‬األيام هنا كله ا‬ ‫متشابهة‪ ،‬ولكني سمعت رئيس المهجع يقول مالحظة إل ى بع ض الس جناء ب أن الي وم ه و رأس الس نة الميالدي ة‬ ‫وأن غدا هو يوم الخميس‪ ،‬ومن حسن الح ظ أن ه ؤرء الظ المين يس هرون ويعرب دون ويفس قون ف ي ه ذا الي وم‬ ‫حتى الصبا ‪ ،‬بعدها ينامون‪ ،‬ومعنى ذلك ان الهليوكوبتر لن تأتي غدا‪ ،‬ر محاكمات ‪ ...‬ر إعدامات"‪.‬‬ ‫بعدها أصغيت لألصوات خارس المهجع‪ ،‬يب دو أن بع ض عناص ر الش رطة يحتفل ون ب رأس الس نة ف ي غ رفهم‪،‬‬ ‫"حفل في الجحيم" خطر بذهني هذا العنوان‪ ،‬هل هو عنوان فيلم ؟! عنوان رواية ؟‪ ...‬أو مسرحية ؟ ر يهم‪.‬‬ ‫سوزان‪ ،‬خالل الشهور الثمانية الماضية كان حنيني إليها يكاد يكون وحشيا!‪.‬‬ ‫أهلي‪ ،‬أين هم اآلن؟ ماذا يفعلون؟ بماذا يفسرون غيابي طوال هذه الفترة؟ ماذا فعلوا ليعرفوا أين أن ا ؟‪ ...‬وأي ن‬ ‫ولماذا اختفيت ؟‪ ...‬أبي وأمي يعيشان هنا وكانا ينتظران وصولي‪ ...‬أنا لم أصل إلى البيت‪ ،‬إذا أين أنا؟؟ يجب‬ ‫أن يكون هذا تساؤلهما الرئيسي!‪.‬‬ ‫أب ي ض ابط متقاع د ول ه معارف ه‪ ،‬وك ذلك خ الي فه و يمل ك بع ض النف وذ‪ ،‬وبع ض األقرب اء اآلخ رين‪ ،‬لم اذا ل م‬ ‫يتحركوا حتى اآلن رنتشالي من هذا الجحيم؟‪ ...‬ولكن ما أدراني!! قطعا إن جميعهم اآلن يتحركون ويسعون‪.‬‬ ‫هذه األفكار أشعرتني ببعض األمل!‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪33‬‬

‫أحتاس إلى شخص أحادثه عن كل ه ذه األم ور‪ ،‬أس أله‪ ،‬أبث ه هم ومي‪ .‬أنظ ر ح ولي فتص دمني الوج وه المغلق ة‪،‬‬ ‫أكثر من نصف عام مر على مقاطعتهم لي‪ ،‬فقط بضع كلمات من رئيس المهجع عند الضرورة‪ ،‬وبضع كلمات‬ ‫من زاهي خلسة‪ .‬فمي مطب ر يفتح إر أثناء إدخال الطعام‪ .‬أحس أن لساني قد ب دأ يص دأ‪ .‬ه ل يمك ن لإلنس ان‬ ‫أن ينسى عادة الكالم إذا لم يتكلم لفترة طويلة؟‪ .‬يجب أن أتكلم حتى لو مع نفسي وليقولوا أنني مجنون!!‪.‬‬ ‫ر أستطيع أن ألمس شيئا من أشيائهم‪ ،‬أجس ادهم‪ .‬م رة كن ت ماش يا باتج اه المغاس ل فاص طدمت ي دي بي د واح د‬ ‫منهم كان عائدا من المغاس ل‪ ،‬رج ع واغتس ل ليتطه ر‪ .‬إذا اس تخدمت حنفي ة الم اء ف إن م ن ي أتي بع دي يغس لها‬ ‫بالصابون سبع مرات‪ ،‬ألنني ببساطة "نجس"‪ .‬مرة سمعت واحدا يق ول لآخ ر بأن ه ر يكف ي أن يغس ل الحنفي ة‬ ‫بالصابون سبع مرات‪ ،‬إنما يجب أن يكون لدينا بعض التراب‪ ...‬ألن الرسول صلى هللا عليه وسلم قال ‪:‬‬ ‫"إذا ولغ كلب في إناء ‪ ،‬فاغسلوه سبع مرات إحداها بالتراب‪".‬‬ ‫من يقوم بتوزيع الطعام يضع الطعام لي أمام فراشي ويتحاشى أن يلمس بطانيتي أو ينظر إلي‪ ،‬كانوا يتكتم ون‬ ‫أم امي! ولك ن رغ م ذل ك اس تطعت أن أع رف الكثي ر ع ن حي اتهم الداخلي ة ووس ائل عيش هم وأس اليبهم‬ ‫داخل السجن‪.‬‬ ‫الصالة‬ ‫الصالة ممنوعة منعا باتا بأوامر مدير السجن‪ .‬عقوبة م ن يق بض علي ه متلبس ا بج رم الص الة ه ي " الم وت "‪،‬‬ ‫رغم ذلك فإنهم لم يكونوا يفوتون ور صالة واحدة‪ .‬صالة الخوف‪ ،‬يوجد شيء من هذا في ارسالم‪ ،‬ولك ن هن ا‬ ‫طوروها بحي ث أن ارنس ان يص لي وه و ج الس ف ي مكان ه أو ف ي أي وض عية أخ رى‪ ،‬دون رك وع أو س جود‪.‬‬ ‫إدارة السجن عرفت هذا أيضا‪ ،‬ويتناقلون حديثا لمدير السجن قاله أمام السجناء الشيوعيين‪ ،‬ودائما حديث مدير‬ ‫السجن أشبه ما يكون بالمحاضرات أو الخطب‪ ،‬خاطب الشيوعيين قائال‪:‬‬ ‫ هؤرء الكالب ‪ ...‬ارخوان المسلمون‪ ،‬البارحة فقط أمضيت أكثر من نصف ساعة وأنا أشر لهم وأفهمهم‬‫أن القومية أهم من الدين‪ ،‬ولكن هل تتصورون أنهم الي وم ع ادوا يص لون !!! عجي ب أم ر ه ؤرء الن اس !!‬ ‫لماذا ذهنهم مغل إلى هذه الدرجة ؟!‪.‬‬ ‫االتصال‬ ‫جميع المهاجع ملتصقة ببعضها‪ ،‬كل مهجع ملتص بمهجعين آخ رين م ن اليم ين واليس ار‪ ،‬وأحيان ا م ن الخل ف‬ ‫أيضا‪ ،‬وهذا األمر سه ل ارتصال بين السجناء كثيرا‪ ،‬ويكون ذلك بالد على الحائط حسب طريقة مورس‪ ،‬دقة‬ ‫على الحائط ‪ ...‬دقتان ‪ ...‬دقة قوية ودقة ضعيفة‪ ...‬نفس رموز البرقيات التي ترسل وف طريقة مورس‪.‬‬ ‫كل ما يجري داخل السجن‪ ،‬الدفعات الجديدة‪ ،‬من مات‪ ،‬عدد ال ذين اع دموا وأس ماؤهم‪ ،‬األخب ار خ ارس الس جن‬ ‫والتي ينقلها السجناء الذين جاؤوا حديثا‪ ،‬كل هذه األشياء كانت تنتقل عبر المهاجع وف رم وز الم ورس‪ ،‬وف ي‬ ‫كل مهجع مجموعة مخصصة لتلقي وإرسال تلك الرموز‪ ،‬تقف خلفهم مجموعة الحفظة‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪34‬‬

‫بدأ الحفظ منذ بداية "المحنة " كما يسميها ارسالميون‪ ،‬كان الشيوا الكبار يجلسون ويتلون سور وآيات القرآن‬ ‫على مجموعة من الشباب‪ ،‬وهؤرء يظلون يكررونها حتى يحفظوها‪ ،‬وهكذا تولدت آلية الحفظ هذه‪ ،‬لم يب أحد‬ ‫في المهجع إر وحفظ الق رآن م ن أول ح رف إل ى آخ ر ح رف‪ ،‬وم ع ك ل دفع ة جدي دة كان ت تب دأ دورة جدي دة‪،‬‬ ‫ورحقا تط ور األم ر باتج اه آخ ر‪ ،‬ي تم انتق اء مجموع ة م ن الش باب ص غار الس ن يحفظ ون إض افة ال ى الق رآن‬ ‫وأحادي ث النب ي محم د ‪ ...‬م ا يمك ن تس ميته بس جل الس جن‪ ،‬أس ماء ك ل م ن دخ ل ه ذا الس جن م ن الحرك ات‬ ‫ارسالمية‪ " .‬في مهجعنا شاب لم يبلغ العشرين من عمره‪ ،‬يحفظ أكثر م ن ثالث ة آرف اس م‪ ،‬اس م الس جين‪ ،‬اس م‬ ‫مدينت ه أو بلدت ه‪ ،‬قريت ه‪ ،‬ت اريك دخول ه الس جن ‪ ...‬مص يره!!‪ ".‬بعض هم متخص ص بارع دامات والقت ل‪ ،‬وه م‬ ‫يسمون كل م ن يقت ل أو يع دم ف ي الس جن ش هيدا‪ ،‬وه ذا س جل الش هداء‪ .‬أيض ا يحفظ ون ارس م‪ ،‬عن وان األه ل‪،‬‬ ‫تاريك ارعدام أو القتل‪.‬‬ ‫أعجبت بهذه الطريقة وأخذت أدرب نفسي عليها‪ ،‬وبعد أن امتلكت الق درة الكافي ة ق ررت كتاب ة ه ذه اليومي ات‪،‬‬ ‫أكتب الجملة ذهنيا‪ ،‬أكررها‪ ...‬أحفظها‪ ،‬أكتب الثاني ة‪ ...‬أحفظه ا‪ ،‬ف ي آخ ر الي وم أك ون ق د كتب ت وحفظ ت أه م‬ ‫أحداث اليوم‪ ،‬واكتشفت أنها طريقة جيدة لشحذ الذهن وتمض ية الوق ت الطوي ل ف ي الس جن‪ ،‬وف ي ص با الي وم‬ ‫التالي أتلو كل ما حفظته البارحة‪.‬‬ ‫عرف ت رحق ا أ ن م ا حف ظ حي اتي ه و أنه م ليس وا مجموع ة واح دة‪ ،‬فبارض افة للمتش ددين ال ذين حكم وا عل ي‬ ‫بالموت‪ ،‬يوجد التنظيم السياسي وهو تنظيم لم يحمل السال ول م يش ارك بالعملي ات العس كرية‪ ،‬وهن اك جماع ة‬ ‫التحري ر ارس المي وه م جماع ة مس المة وم نهم الش يك محم ود وزاه ي الل ذان أنق ذا حي اتي‪ ،‬وك ذلك جماع ات‬ ‫الصوفية وهي كثيرة ومتشعبة‪ ...‬وغيرهم‪.‬‬ ‫هذه المجموعات بقدر ما كانت تبدو متماثلة ومتشابهة‪ ،‬يختل ف بعض ها ع ن بعض ها اآلخ ر إل ى درج ة أن ه ذه‬ ‫الخالفات كانت تصل إلى حد التكفير‪ ،‬إلى حد ارصطدام وارش تباك باألي دي والض رب المب ر دون رحم ة أو‬ ‫شفقة‪.‬‬ ‫ه م قساة إلى درجة أن بعض أعضاء الجماعة المتشددة كانوا يروون كيف أنهم أنه وا ت دريبهم العس كري ببي ان‬ ‫عملي قتلوا خالله بعض "الزبالين" في الص با الب اكر أثن اء قي ام ه ؤرء بتنظي ف الش وراع‪ ،‬وك ان ه ذا مج رد‬ ‫تدريب أو "عمادة بالدم"‪ .‬هؤرء أنفسهم يتحولون إلى كائنات في منتهى الرقة و يبكون عندما يروي قادم جدي د‬ ‫أن أجهزة المخابرات كانت تع ذب طف ال ص غيرا أم ام وال ده أو والدت ه رجب ارهم عل ى ارعت راف‪ ،‬أو كي ف ت م‬ ‫اغتصاب إحدى الفتيات أمام والدها رهانته وإذرله وإجباره على اردرء بما يملك من معلومات‪.‬‬ ‫شجاعتهم أسطورية في مواجهة التعذيب والم وت‪ ،‬وخاص ة ل دى ف ر الف دائيين‪ ،‬وق د رأي ت أناس ا م نهم ك انوا‬ ‫يفرحون فرحا حقيقيا وهم ذاهبون لإلعدام‪ .‬رأعتقد أن مثل هذه الشجاعة يمكن أن توجد في مكان أخر أو ل دى‬ ‫مجموعة بشرية أخرى‪.‬‬ ‫هناك الكثير من الج بن أيض ا‪ ،‬ولك ن الج بن ر يلف ت النظ ر بق در الش جاعة‪ .‬فف ي ظ ل ه ذا الوض ع يب دو الج بن‬ ‫والخوف طبيعيين والشجاعة استثنائية‪ .‬ولكن هنا عندما يكون الجبن مبالغا فيه يعزى إلى قلة اريمان باهلل‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪35‬‬

‫" كسلحفاة أحست بالخطر وانسحبت داخل قوقعتها‪ ،‬أجلس داخل قوقعتي‪ ....‬أتلصص‪ ،‬أراقب‪ ،‬أسجل‪ ،‬وأنتظ ر‬ ‫فرجا"‪.‬‬

‫‪ 22‬أب‬ ‫صيفان وشتاء واحد مروا وأنا هنا وسط هذه الص حراء المترامي ة‪ ،‬هن ا ر توج د فص ول أربع ة‪ ،‬فق ط فص الن‪،‬‬ ‫صيف وش تاء‪ ،‬ور ن دري أيهم ا أش د قس وة م ن اآلخ ر‪ ،‬ف ي الص يف يب دو الش تاء رحيم ا‪ ،‬وأثن اء الش تاء نح س‬ ‫العكس‪.‬‬ ‫نحن اآلن في عز الصيف‪ .‬الجو رهب‪ ،‬ر يوجد هواء لنتنفسه‪ ،‬اله واء ثقي ل ج دا بحي ث نحت اس إل ى جه د كبي ر‬ ‫لشفطه إلى داخل الرئتين‪ ،‬وهذا يجعل عرقنا يسيل سيال‪ ،‬س معت بعض هم مم ن يع رف المنطق ة س ابقا يق ول إن‬ ‫درجة الحرارة قد تصل الخمسين أو حتى ستين درجة مئوية في الخارس‪ ،‬وفي الظل داخل المهجع ر تق ل ع ن‬ ‫الخمسة وأربعين درجة مئوية‪ ،‬تأفف أحدهم‪:‬‬ ‫ العمى ‪ ...‬شو نحن مسجونين بفرن !!‪.‬‬‫بعض كبار السن قضوا اختناقا‪ ،‬رئيس المهجع يد الباب ويخبر الشرطة بموت أحدهم‪ ،‬يفتحون الباب‪ ،‬ويب دو‬ ‫صوت الشرطي سائال من شدة الحرارة‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫وين هادا الفطسان ؟‪ ...‬ياهلل ‪ ...‬زتوه لبره‪.‬‬

‫يحتال رئيس المهجع ربقاء بعض أواني الطعام البالستيكية داخ ل المهج ع ومن ذ الص با الب اكر وقب ل اس تيقاظ‬ ‫الناس تقوم الخدمة اليومية بملء األواني بالماء‪ ،‬جميع السجناء بالسراويل الداخلية التي تغطي " العورة " فقط‪،‬‬ ‫من السرة إلى الركب ة‪ ،‬ي دخل أربع ة س جناء إل ى الفس حة الص غيرة أم ام الم راحيض‪ ،‬يق وم أربع ة م ن عناص ر‬ ‫الخدمة اليومية "وهذه الخدمة منظمة دوريا من السجناء أنفسهم‪ ،‬أنا معفى من كل أنواع الخدمة !" بصب الماء‬ ‫على رؤوس وأجساد األربعة‪ ،‬ويخرس هؤرء سريعا والماء يقطر منهم‪ ،‬يدخل أربعة غيرهم ‪ ...‬وهكذا‪.‬‬ ‫ستة بطانيات مبللة بالماء‪ ،‬كل بطانية يمسكها اثنان من الخدم ة‪ ،‬يقف ون عل ى مس افات متس اوية داخ ل المهج ع‪،‬‬ ‫يهز ون البطانيات جاعليها كمراو لتحريك الهواء وترطيب الجو‪ ،‬هذا هو اليوم الصيفي العادي‪.‬‬ ‫أما اليوم الشتائي فهو يوم منكمش‪ ،‬ثياب الجميع قد تهرأت ور يمكن أن تقي من البرد الصحراوي الح اد ال ذي‬ ‫ينخر العظام ويجمد المفاصل‪ ،‬ثالثة بطانيات تعاقبت عليها األيام واستخدمها قبلي مئات الس جناء‪ ،‬أل بس ب ذلتي‬ ‫الباريسية األنيقة‪ ،‬السترة والبنطال وكان الشرطة قد صادروا "الكرافات"‪ ،‬سترة البذلة ر زالت بحالة جيدة‪ ،‬أما‬ ‫البنطال فقد اهترأ عند الركبتين وفي الم ؤخرة‪ ،‬الس حاب ق د خ رب وتقطع ت األزرار‪ ،‬ألبس ه ل يال نه ارا وعل ى‬ ‫مدار األيام‪ ،‬وقد نسلت بعض الخيوط من البطانية وجدلتها وجعلتها حزاما أثبت في ه البنط ال ب در م ن األزرار‬ ‫والس حاب‪" ،‬ش اهدت غي ري يفع ل ه ذا ففعل ت"‪ .‬هن ا ر يوج د خيط ان أو إب ر خياط ة‪ ،‬أص بح ل دي س روارن‬ ‫داخليان‪ ،‬أحد القادمين الجدد إلى المهجع كان أهل ه أغني اء ج دا‪ ،‬وق د اس تطاعوا زيارت ه أثن اء وج وده ف ي ف رع‬ ‫المخابرات بعد أن دفعوا ما يوازي ثروة صغيرة كرشوة إلى الضابط المسؤول‪ ،‬وهناك من نصحهم بأن يأخذوا‬ ‫ربنهم الكثير من الثياب‪" .‬جلب معه أكثر من مائة غيار داخلي‪ ،‬كان نصيبي منها سروار داخليا‪ ،‬أعطاني إي اه‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪36‬‬

‫رئيس المهجع‪:‬‬ ‫ خود هذا ‪ ....‬مشان يكون عندك بدل!‬‫البرد الصحراوي أقسى من أي ب رد آخ ر‪ ،‬عش ت أيام ا ب اردة ج دا ف ي فرنس ا كان ت الح رارة تص ل ال ى تح ت‬ ‫الصفر ‪ ،‬ولكن ذلك البرد يبدو بردا مهذبا‪ ،‬بينما البرد هنا وقح صفي !‬ ‫أما مشكلة القمل ف تكون أصعب في اليوم الشتائي‪ ،‬فال حل للقمل المنتشر بكثافة في جميع المهاجع إر أن تجلس‬ ‫وتخ لع كل ثيابك وتبدأ بالتفتيش عنه في ثنايا الثياب‪ ،‬الجميع هنا يفعل ذلك وفعلت م ثلهم بع د أن ه رش جل دي‪،‬‬ ‫ولكنن ي ل م اس تطع أن أخ رس الص وت ال ذي يخرجون ه م ن ب ين أس نانهم "تس ه" كلم ا فقس وا قمل ة ب ين اظف ري‬ ‫اربهامين!!‬ ‫ك ل ي وم بع د وجب ة ارفط ار يخل ع الجمي ع ثي ابهم ويب دؤون تفليته ا بحث ا ع ن القم ل‪ ،‬وأن ا أيض ا أمس ك القمل ة‬ ‫وأهرسها بين األظفرين‪ ،‬كان وجود القمل بهذه الكثافة محيرا‪ ،‬تساءل أحدهم بغضب‪:‬‬ ‫ العمى منين عم يجي كل هالقمل ؟!‪ ..‬كل يوم ننظف ثيابنا منه‪ ،‬كل يوم نتوضأ خمس مرات‪ ،‬على األغل ب‬‫نغسل كل يوم جسمنا بالماء البارد والصابون‪ ،‬نغسل ثيابن ا‪ ،‬نغس ل بطانياتن ا‪ ،‬وب اليوم الث اني نش وف القم ل‬ ‫أكثر ‪ ...‬وأكثر !!‪ ..‬العمى‪ ...‬في حدا عم يرش المهاجع بالقمل؟!!‬

‫‪ 22‬أيلول‬ ‫ألول مرة يدور في المهجع نقاش خارس عما هو موجود في القرآن أو السنة النبوية ‪ ،‬نق اش طوي ل ش ارك في ه‬ ‫أكث ر م ن عش رة أش خاص بي نهم اثن ان م ن المش لولين‪ " ،‬ك ل النقاش ات‪ ،‬الح وارات‪ ،‬حت ى الش جارات ‪ ...‬ت تم‬ ‫بصوت منخفض خشية أن تسمع الشرطة"‪ .‬وكان موضوع الحوار هو الحضارة ارسالمية والحضارة الغربية‪،‬‬ ‫بدأ هذا النقاش طبيب دارس في أوربا بمالحظة سريعة أبداها حول الحرية ومثل الديمقراطي ة الغربي ة‪ ،‬اس تمر‬ ‫النقاش طويال وانتهى بقول أحد المشلولين‪:‬‬ ‫ تقول الحضارة الغربية !‪ ...‬انظر يا أخي حولك‪ ،‬أنا مشلول بالكرس ي األلم اني‪ ،‬وه ذا محم د عل ي مش لول‬‫أيضا برصاصة استقرت بعموده الفقري مصنوعة في روسيا‪ ،‬هذا السجن بنته فرنسا‪ ،‬القيود التي كبلوا بها‬ ‫يدي مكتوب عليها "صنع في أسبانيا"‪ ،‬الضابط الذي اعتقلني يحمل مسدسا بلجيكيا‪ ،‬الضباط الذين يشرفون‬ ‫عل ى التحقي‬

‫والتع ذيب ت دربوا ف ي أمريك ا وبريطاني ا وروس يا ‪ ...‬ه ذه منتج ات الحض ارة الغربي ة‪ ،‬وإذا‬

‫أضفت إلى كل هذا الكثير من الفس والفجور وارنحالل األخالقي تكون الحضارة الغربية مجسدة أمامك‪.‬‬ ‫بصوت تعب وبلهجة من يود إنهاء نقاش ر طائل تحته‪ ،‬لكنه ر يريد التسليم بحجج الخصم‪ ،‬رد الطبيب‪:‬‬ ‫ إن في هذا الكثير من التجني وارجت زاء‪ ،‬أن ا ر أق ول أن نقل د الغ رب أو نأخ ذ س لبياتهم‪ ،‬ف ي الغ رب أيض ا‬‫العلوم والطب وتطور الزراعة والصناعة ‪ ...‬وفو كل هذا وأهم من كل شيء ‪ ...‬هو أن لديهم إنسانا حرا‬ ‫ومحترما‪ ،‬إذا أردنا أن نتقدم علينا أن نتعلم منهم الكثير وخاصة احترام ارنسان واحترام حريته‪ ،‬وهذا ليس‬ ‫عيبا‪.‬‬

‫‪ 02‬كانون األول‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪37‬‬

‫جافاني النوم‪ .‬الساعة السادسة مددت البطانية كالعادة وتم ددت‪ .‬الواح دة بع د منتص ف اللي ل ملل ت ارض طجاع‬ ‫بعد أن آلمتني أجنابي‪ ،‬جلست ولففت نفسي بالبطانيات‪ ،‬خمس دقائ وصوت الحارس من خالل الشراقة‪:‬‬ ‫ يا رئيس المهجع ‪ ..‬يا حمار‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ علملي هالتيس القاعد جنبك‪.���‬‫ حاضر سيدي‪.‬‬‫لقد علمني‪ .‬تمددت فورا‪ ،‬غدا ص باحا س يكون فط وري خمس مائة جل دة بقش اط مروح ة الدباب ة عل ى ق دمي! إن‬ ‫قدمي التي أصيبت شفيت تماما مع ندب طويل ولكنها كانت تؤلمني دائما في أيام البرد فألفها أكثر من غيره ا‪،‬‬ ‫كنت احلم بزوس من الجوارب الصوفية! احد أحالمي الصغيرة‪ .‬ماذا سيكون مصير هذه الق دم المس كينة عن دما‬ ‫تتلقى خمسمائة جلدة؟ لم أستطع النوم حتى الصبا ‪ .‬وعندما فتح الباب وصا الشرطي برئيس المهجع ليخرس‬ ‫األشخاص الذين تم تعليمهم‪ ،‬قفزت واقفا‪ ،‬ولكن رئيس المهجع وبسرعة قال‪:‬‬ ‫ مكانك‪ ،‬ر تتحرك‪ ،‬واحد من الشباب طلع بدر منك‪.‬‬‫ذهلت‪ ،‬واحد من الفدائيين‪ ،‬واحد من المتشددين الذين حاولوا قتلي ألنني كافر يف ديني اآلن بنفس ه ويتلق ى عن ي‬ ‫خمسمائة جلدة!!‬ ‫منذ سنة ونصف تقريبا لم أ نط ور كلمة‪ ،‬جلست مكاني وأنا أنظر إلى رئيس المهجع بذهول‪ ،‬خرجت كلمت ان‬ ‫من فمي ر إراديا‪:‬‬ ‫ لكن ‪ ...‬ليش ؟‬‫لم يجب رئيس المهجع بشيء‪ ،‬أشار بيده لي أن اسكت‪ ،‬إشارة فيها الكثير من ارحتقار و ارشمئزاز!!‪.‬‬ ‫عاد األشخاص الذين جلدوا‪ ،‬بعد وجبة الجلد يعودون ركضا على ارسفلت الخش ن وه م حف اة‪ ،‬أكث ر م ن واح د‬ ‫منهم رمقني بطرف عينه بنظرة ازدراء وحقد!!‬ ‫إذا لماذا؟؟‬ ‫"لزمني زمن طويل حتى استطعت التوصل إلى تخمين‪:‬‬ ‫بما أنني جاسوس فإنهم كانوا حريصين جدا أر أحتك بعناصر الشرطة كي ر أمارس جاسوسيتي !!‪".‬‬ ‫في اليوم نفسه كان دور مهجعنا بالتنفس ‪.‬‬ ‫التنفس‬ ‫في السجون األخرى التنفس هو حيز زمني يخرس فيه السجين من مهجعه إلى س احة هواؤه ا نق ي‪ ،‬به ا بع ض‬ ‫المالعب فيتريض‪ ،‬معرضة للشمس فيتشمس‪ ...‬يأخذ حاجته من الهواء والشمس والحركة‪.‬‬ ‫هنا ‪ ...‬قبل التنفس يكون السجناء في المهجع قد انتظموا في طابور متل و بعض هم خل ف بع ض‪ ،‬تف تح الش رطة‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪38‬‬

‫الباب‪ ،‬يخرس الطابور بخطوات بطيئة‪ ،‬الرؤوس منكسة إلى األسفل‪ ،‬العيون مغمضة‪ ،‬كل سجين يمس ك بثي اب‬ ‫الذي أمامه‪ ،‬عناصر الشرطة والبلديات يحيطون بالساحة وينتشرون بها بكثافة‪ ،‬يس ير الط ابور س يرا بطيئ ا أو‬ ‫سريعا حسب مزاس وإرادة الرقيب‪.‬‬ ‫ارثنين والخميس يومان مختلفان ع ن بقي ة أي ام األس بوع هن ا‪ .‬ف ي ه ذين الي ومين ت تم ارع دامات‪ ،‬ل ذلك عن دما‬ ‫نخرس للتنفس في هذين اليومين تكون كمية التعذيب والضرب أكثر من غيرهما من األيام‪ ،‬وف ي الت نفس يك ون‬ ‫الضرب غالبا على الرأس‪:‬‬ ‫ ور كلب‪ ...‬ليش عم ترفع راسك؟!‬‫ويهوي الكرباس على الرأس‪.‬‬ ‫ ولك ابن الشرموطة !!‪ ..‬ليش عم تفتح عيونك من تحت لتحت ؟!!‬‫ويهوي الكرباس على الرأس‪.‬‬ ‫في الصيف يكون التعذيب أق ل‪ .‬ح رارة الش مس الت ي تثق ب رؤوس نا تجع ل عناص ر الش رطة ف ي حال ة تكاس ل‬ ‫وعدم ميل للحركة‪ ،‬في الشتاء يشتد التعذيب‪.‬‬ ‫أحيانا وبينما الطابور يدور يتجمع بعض عناصر الشرطة حول الرقباء‪ ،‬تدور بينهم أحاديث ر نسمعها‪ ،‬يصبح‬ ‫مزاجهم فجأة أميل للتسلي بنا‪ ،‬يصرا الرقيب‪:‬‬ ‫ ور حقير‪ ...‬أنت أنت يا طويل‪ ...‬أطول واحد بالصف‪ ،‬تعال هون‪...‬‬‫يركض أ حد البلديات ويجر أطول واحد بيننا‪ ،‬طوله أكث ر م ن مت رين‪ ،‬الرقي ب ج الس عل ى كتل ة إس منتية أش به‬ ‫بالكرسي‪ ،‬يضع رجال على رجل‪ ،‬يشد صدره يرجع رأسه إلى الوراء واألعلى‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ور حقير ‪ ..‬أنت بني آدم ور زرافة؟‬

‫يضحك المتجمعون حوله بصخب‪ ،‬يتابع الرقيب‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫وهل ‪ ...‬اركض حول الساحة خمس دورات وطالع صوت متل صوت الزرافة ‪ ...‬ياهلل بسرعة‪.‬‬

‫يركض السجين ويصدر أصواتا‪ ،‬ر أحد يعرف كيف هو صوت الزرافة‪ ،‬أعتقد حتى ور الرقي ب نفس ه‪ ،‬ي دور‬ ‫السجين خمس مرات‪ ،‬يتوقف‪ ،‬يقول الرقيب‪:‬‬ ‫ ور حقير ‪ ...‬هل بدك تنه متل الحمار!‬‫ينه السجين الطويل‪ .‬تضحك الشرطة‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫ور حقير‪ ...‬هل بدك تعوي متل الكلب!‬

‫يعوي السجين الطويل‪ .‬تضحك الشرطة‪ .‬يضحك الرقيب وهو يهتز‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ور حقير‪ ...‬إي ‪ ...‬إي ‪ ...‬هاي ناجحة وكويسه ‪ ...‬أنت متل الكلب فعال‪.‬‬

‫ثم يلتفت إلى رتل السجناء الذي يسير منكس الرؤوس ومغمض العينين‪ ،‬يصيح‪:‬‬ ‫‪ -‬ور حقير‪ ...‬أنت أنت‪ ...‬أقصر واحد بالصف ‪ ،‬تعال هون‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪39‬‬

‫يركض أحد البلديات‪ ،‬يجر أقصر واحد بالرتل‪ .‬شاب صغير ر يتج اوز الخامس ة عش ر‪ ،‬طول ه أكث ر قل يال م ن‬ ‫المتر والنصف‪ ،‬يقف أمام الرقيب الذي يضحك ويقول‪:‬‬ ‫ ور حقير‪ ...‬يا زمك ‪ ...‬وقف قدام هالكلب الطويل‪.‬‬‫يقف السجين القصير أمام السجين الطويل‪ ،‬يصرا الرقيب‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ور حقير ‪ ...‬يا طويل ‪ ...‬هل بدك تعوي وتعض هالكلب يللي قدامك وبدك تشيل قطعة من كتفه ‪ ،‬وإذا‬ ‫ما شلت هـ القطعة ‪ ...‬ألف كرباس‪.‬‬

‫يعوي الطويل ثالث أو أربع مرات متواصلة‪ ،‬يتقدم من القصير وينحني مطبقا بفكيه عل ى كت ف القص ير ال ذي‬ ‫يصرا ألما ويتملص من العضة‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫ور حقير‪ ...‬يا طويل‪ ...‬وين قطعة اللحم ؟ يا شرطة ‪ ...‬ناولوه‪.‬‬

‫ينهال رجال الشرطة بكرابيجهم ضربا عل ى الطوي ل‪ ،‬يس قط عل ى ركبتي ه‪ ،‬يتس اوى ب الطول م ع القص ير وه و‬ ‫جاث ‪ ...‬يترنح ‪ ...‬يصرا الرقيب‪:‬‬ ‫ بس ‪ " ...‬تتوقف الشرطة عن الضرب " ‪ ...‬ور حقير ‪ ...‬طويل ‪ ...‬قوم وقف‪.‬‬‫يقف الطويل‪.‬‬ ‫ ور حقير‪ ...‬قصير‪ ...‬وقف وراءه‪.‬‬‫يرجع القصير إلى خلف الطويل‪.‬‬ ‫ وهل ‪ ...‬انتوا ارثنين اشلحوا تيابكم‪.‬‬‫يخلع ارثنان ثيابهما ويبقيان بالسراويل‪.‬‬ ‫ ور حقير قصير‪ ...‬نزل سرواله‪.‬‬‫ينزل القصير سروال الطويل الى حد الركبتين‪.‬‬ ‫ ونزل سروالك كمان‪.‬‬‫ينزل القصير سرواله أيضا‪.‬‬ ‫ وهل ‪ ...‬قرب نيكه ‪ ...‬اعمل فيه متل ما بتعملوا ببعضكم كل ليلة يا منايك ‪ ...‬يا هللا قرب نيكه‪.‬‬‫يتلكأ القصير‪ ،‬تشتد إ ليتا الطويل وتتشنج‪ ،‬يشير الرقيب إلى أحد عناصر الشرطة‪ ،‬يقترب هذا ويهوي بالكرب اس‬ ‫على ظهر القصير ‪ ...‬يلتص القصير بالطويل من الخلف‪ ،‬يهتز الطويل‪ ،‬عضو القصير المت دلي بالك اد يص ل‬ ‫فو ركبتي الطويل‪ ،‬يضحك الرقيب وباقي عناصر الشرطة‪.‬‬ ‫الرتل يس ير‪ .‬ال رؤوس منكس ة‪ ،‬العي ون مغمض ة‪ ،‬رغ م ذل ك‪ ،‬الك ل ي رى‪ ،‬الك ل يس مع‪ ....‬وترتف ع بي ادر الحق د‬ ‫والذل‪.‬‬ ‫يطل ب الرقي ب تب ديل المواق ع‪ ،‬يص بح الطوي ل خل ف القص ير‪ ،‬عض وه المرتخ ي والم نكمش ف ي منص ف ظه ر‬ ‫القصير‪ ...‬يستمر الضحك ‪...‬‬ ‫الرتل يسير‪ ،‬الرؤوس منكسة‪ ،‬العيون مغمضة‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪41‬‬

‫تنفس آخر‪ ،‬يوم آخر‪ ،‬رقيب آخر‪ ،‬شرطة آخرون‪ ،‬بلديات آخرون‪ ،‬السجناء أنفسهم‪ ،‬زادوا قليال‪ ،‬نقصوا قليال‪.‬‬ ‫يجلس الرقيب على الكتلة ارسمنتية ذاتها‪ ،‬يض ع رج ال عل ى رج ل‪ ،‬يص يح وه و ينظ ر إل ى الرت ل ال ذي يس ير‬ ‫برؤوس منكسة وعيون مغمضة‪:‬‬ ‫ جيبوا لي هـ البغل ‪ ...‬السمين‪.‬‬‫يأتون برجل أربعيني بدين‪ ،‬يعرف الرقيب منه اسمه واسم مدينته‪ ،‬كم أمضى في السجن ‪ ...‬وتفاصيل أخ رى‪،‬‬ ‫ثم يسأله‪:‬‬ ‫ أنت متزوس ور أعزب؟‬‫ متزوس سيدي‪.‬‬‫ أنت بتعرف شو عم تساوي زوجتك هل ‪ ...‬ور ‪ ...‬أنا بقلك‪ ،‬أكيد عم تشرمط‪ ،‬أنت صار لك ث الث س نين‬‫في السجن ‪ ....‬وهي كل يوم مع واحد جديد‪.‬‬ ‫السجين ساكت‪ ،‬منكس الرأس مغمض العينين‪ ،‬يتابع الرقيب‪:‬‬ ‫ ل يش س اكت ؟! ‪ ...‬احك ي ‪ ...‬وإر خج الن تق ول ق دام الش باب ان ك متج وز واح دة ش رموطة ؟!‪ ...‬ش و‬‫العرصات كمان بيخجلوا؟!‬ ‫تمضي األيام‪ ،‬يتبدل الرقباء‪ ،‬لك ن األس اليب تبق ى نفس ها ‪ ...‬الزوج ة الش رموطة‪ ،‬إذا ل م يك ن الس جين متزوج ا‬ ‫تصبح ‪ ...‬األخت الشرموطة‪ ،‬أو حتى األم الشرموطة‪ ،‬البنت الشرموطة إذا كان للسجين بنات‪.‬‬ ‫" كنت أتساءل ‪ :‬هل هي تسلية فقط أم أنها نهج ؟! ‪ ...‬الدافع للتركيز على هذا الموضوع ه ل ه و عق د الج نس‬ ‫والكبت الشرقية لدى الرقباء يفرغونها من خالل السلطة التي يملكونها على السجناء؟! ‪ ...‬أم هو نهج م دروس‬ ‫الغاية منه تحط يم ارنس ان وإذرل ه م ن خ الل الم رأة باعتباره ا أعل ى ق يم الش رف ل دى المس لمين س واء كان ت‬ ‫زوجة أو أختا أو أما أو أية قريبة أخرى ؟!‪ ...‬وش رف الم رأة ل دى الش رقيين بالع ام ه و أن ر تم ارس الج نس‬ ‫خارس نطا الزوجية‪ ،‬وأي سلوك لها في هذا ارتجاه قد يدمر العائلة بالكامل ويلح بها العار‪".‬‬ ‫لم يكن ممكنا معرفة أسماء الشرطة أو الرقباء‪ ،‬ولكن السجناء أطلقوا عليهم أس ماء م ن عن دهم‪ .‬وه ذه األس ماء‬ ‫كانت تعتمد إما على عالمة فارقة تميز هذا العنصر‪ ،‬من مثل‪ :‬األحول‪ ،‬أو "األرب ع ش قف" وك ان ه ذا الرقي ب‬ ‫يهتز ويتخلع في مشيته بحيث يبدو إن قطع جسده تتحرك كل منها باتجاه‪ .‬أو أن تستند التسمية عل ى لب اس م ا‪،‬‬ ‫مثل الرقيب "أبو شحاطة" وه ذا ك ان دائم ا ي أتي من تعال الش حاطة‪ ،‬وعل ى األغل ب تس تند التس مية عل ى عب ارة‬ ‫يردده ا الرقي ب دائم ا‪ .‬فك ان هن اك الرقي ب "ور حقي ر"‪ ،‬والرقي ب "اب ن الش رموطة"‪ ،‬والرقي ب "ي ا ك ر"‬ ‫‪ ...‬إلى آخره‪.‬‬ ‫يسأل السجين صديقه العائد من العقوبة‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪41‬‬

‫ مين اليوم في الساحة؟‬‫ ابن الشرموطة‪.‬‬‫يقصد الرقيب الذي يظل يكرر عبارة‪ :‬ابن الشرموطة‪.‬‬

‫‪ 00‬شباط‬ ‫في الصبا الباكر وقبل إدخال الطعام‪ ،‬فتح الشرطة باب المهجع ودخلوا بطريقة وكأن مائة ثور هائج قد دخ ل‬ ‫هذا المكان‪ ،‬الصيا ‪ ،‬الضرب بالكرابيج‪ ،‬الشتم‪ ،‬وبين شتيمة ولسعة كرباس يصرخون‪:‬‬ ‫ وجهك عـ الحيط ‪ ..‬وجهك عـ الحيط ‪..‬‬‫من ذ دخ ول أول ش رطي به ذه الطريق ة قف ز الس جناء وأداروا وجهه م إل ى الح ائط‪ ،‬وقف ت ر أدري م ا افع ل‪..‬‬ ‫صحوت على الكرباس يهوي على خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح‪:‬‬ ‫ وجهك عـ الحيط !‬‫أدرت وجهي‪ ،‬تخشبت وسيك األلم يمتد من وجهي إلى رقبتي‪ ،‬بعدما ما يقرب الخمس دقائ خ يم الص مت‪ ،‬ث م‬ ‫صوت احد الشرطة يصيح بصوت عال‪:‬‬ ‫ انتبــــه ‪ ..‬مكانك تهيأ‪.‬‬‫خبط جميع عناصر الشرطة أقدامهم باألرض‪ ،‬وقدم الصف بصوت اعلى‪:‬‬ ‫ المهجع جاهز سيدي المقدم‪.‬‬‫انه مدير السجن‪ .‬أخد يتمشى من أول المهجع إلى آخره بين صفين من عناصر الشرطة الواقفين وقفة اس تعداد‬ ‫عسكرية‪.‬‬ ‫ركبني الفضول وبسلوك عفوي أكثر م ن أن يك ون مقص ودا‪ ،‬نظ رت بزاوي ة عين ي خلس ة إل ى المق دم‪ .‬رأيت ه‪،‬‬ ‫شاب ثالثيني أشقر الشعر‪ ،‬مشيته فيها الكثير من التوتر‪ ،‬وكذلك كالمه‪ ،‬يتكلم وكأن ه يح ادث نفس ه بعب ارات ل م‬ ‫أستطع فهمها أو الربط بينها‪:‬‬ ‫ أنا‪ ..‬أنا أتهدد!! ‪ ..‬سأحولها إلى جهنم ‪ ...‬شعرة واحدة يرو ألف مجرم مقابلها ‪..‬‬‫ثم صا بصوت شديد ارحتقان‪:‬‬ ‫ ور كالب‪ ..‬مجرمين‪ ..‬انتو لسا ما بتعرفوني منيح ‪ ..‬وهللا ردبحكن دبح الغنم‪.‬‬‫بعدها صا بمجموعة من الشرطة واقفة بينه وبين السجناء‪:‬‬ ‫ زيحوا هيك ور‪..‬‬‫صوت طلقات مسدس متتابعة‪ ،‬انكمشت على نفسي لدى سماعها وخب أت رأس ي أم ام ص دري‪ ،‬وبس رعة فائق ة‬ ‫خرس المقدم يسحب وراءه رتال من عناصر الشرطة وأغل الباب‪.‬‬ ‫أربعة عشر قتيال ب أربع عش رة طلق ة ه ي ك ل مايحويه ا مخ زن مس دس المق دم عل ى م ا يب دو‪ .‬رك ض األطب اء‬ ‫وبينهم زاهي إلى زاوية المهج ع حي ث القتل ى‪ ،‬فحص وهم جميع ا‪ ،‬الك ل م اتوا ف ورا‪ ،‬ومك ان دخ ول الرصاص ة‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪42‬‬

‫واحد لدى الجميع في الرأس من الخلف‪ ،‬سحبوهم إلى وسط المهجع‪ ،‬تجمعت بركة من الدماء الطازجة وجلس‬ ‫البعض حولها يبكون‪ ،‬األغلبية جامدة مذهولة‪ ،‬األطباء ف ي حال ة حي رة ريعرف ون م ا يفعل ون‪ ،‬وق ف واح د م ن‬ ‫فرقة الفدائيين‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ رحول ورقوة ار باهلل ‪ ...‬انا هلل وإنا اليه راجعون‪ ،‬عليهم رحمة هللا‪ ،‬هم الس ابقون ونح ن الالحق ون‪ ،‬الله م‬‫اسكنهم فسيح جنانك‪ ،‬اللهم هؤرء شهداء في سبيل إعالء كلمتك‪ ،‬كلمة الح ‪ ،‬فارحمهم أنت الرحيم الغفور‪.‬‬ ‫سكت قليال ‪ ..‬ثم أردف موجها حديثه للجميع‪:‬‬ ‫ ياهلل يا إخوان ‪ ..‬خلينا نقوم بواجبنا‪.‬‬‫انتظروا حتى توقف نزيف الجثث‪ ،‬نقلوها ووضعوها قرب الباب أمامي وأمام رئيس المهجع‪ ،‬بين القتلى الشيك‬ ‫محمود الذي أنقذ حياتي‪ ،‬صليت عليه سرا‪ ،‬حزنت على الجمي ع فوج وههم أص بحت مألوف ة ل ي‪ ،‬وك ان حزن ي‬ ‫كبيرا على الشيك محمود‪.‬‬ ‫نظفوا األرض من الدماء‪ ،‬كل البطانيات الملوثة بالدماء نظفوها‪ ،‬دار نقاش بين مجموعتين عند رئيس المهجع‪،‬‬ ‫مجموعة تقول إنه يجب ان نأخذ جميع مالبسهم‪ ،‬ألن الحي أفضل من الميت‪ ،‬وجماعة تعارض ذلك وت رى أن‬ ‫هذا معيب‪ .‬أخيرا انتصر الرأي القائل بأن األحياء الباقين بحاجة إلى المالبس‪ ،‬وتكفلت مجموعة خلع المالب س‬ ‫وتنظيفها‪ ،‬خرجت الجثث ليال من المهجع وهي عارية ر تلبس إر السروال الداخلي فقط‪.‬‬ ‫" بعد ثالث سنوات سيروي احد ا لق ادمين الج دد أن الس بب ف ي ه ذه المج زرة ه وان التنظ يم المس لح ق د أرس ل‬ ‫تهديدا بالقتل للمقدم إذا لم يحسن من معاملة السجناء ارسالميين‪ ،‬وجد المق دم ه ذا التهدي د تح ت ماس حة زج اس‬ ‫س يارته وه و ذاه ب إل ى ال دوام ص باحا ‪ ،‬فق ام بقت ل ه ؤرء وس رب الخب ر ليس مع ب ه التنظ يم مص حوبا بتهدي د‬ ‫معاكس‪:‬‬ ‫ مقابل ورقة مكتوبة قتلت أربعة عشر واحدا! إذا مست شعرة من رأسي أو رأس ش خص يخص ني س يكون‬‫المقابل مائة‪ ،‬إذا حصل أذى أو مات احد من أقربائي فإنني لن أبقي على أحد حيا!!‪".‬‬ ‫ولم يرد بعدها أي تهديد‪.‬‬ ‫مهجعنا قريب من الباب الخلفي من السجن‪ ،‬من هذا الب اب ي أتي الطع ام‪ ،‬تص ف الش احنة الروس ية خلف ا ويق وم‬ ‫البلديات بإنزال قدور الطعام الكبيرة‪ ،‬ومن هذا الباب وفي نفس السيارة تنقل الجثث يوميا بعيد منتص ف اللي ل‪،‬‬ ‫من خالل سماعنا ررتطام الجثث في أرضية السيارة كنا نعرف عدد الذين ماتوا في هذا اليوم‪ ،‬وفي يوم زيارة‬ ‫المقدم أحصى الساهرون ثالثة وعشرين خبط ة جث ة‪ ،‬وع ن طري مجموع ة الم ورس ذهاب ا وإياب ا ت م معرف ة‬ ‫الجميع وحفظت هذه المعلومات في األذهان‪.‬‬

‫‪ 24‬آذار‬ ‫نسير‪..‬ندور‪.‬‬ ‫أمشي في الرتل الدائر حول الساحة‪ ،‬منكس الرأس‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬ممسكا مطاط بيجاما من يتقدمني‪ ،‬يجرني‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪43‬‬

‫خلفه‪ .‬الرجل الذي خلفي يمسك مطاط بيجامتي ويشدني إلى الخلف‪ ،‬نسير‪..‬ندور‪ .‬أتساءل أحيانا‪:‬‬ ‫أي كائن أنا؟! هل أنا إنسان؟! حيوان؟! شيء؟!‪.‬‬ ‫كان لي صدي من بلدي يدرس في فرنس ا‪ ،‬يص له م ن أهل ه بداي ة ك ل ش هر مبل غ م ن الم ال يكفي ه حت ى كفاي ة‬ ‫الشهر‪ .‬هذا الصدي بدر من أن يبرمج مصروفه ويقسمه على ثالثين يوما كان يدعوني إلى سهرة واحدة فخ م‬ ‫أو مطعم مشهور‪.‬‬ ‫هذه السهرة كانت تكلفه حوالي نصف مصروفه‪ ،‬لذلك كان في األيام العش رة األخي رة م ن الش هر يس تدين من ي‬ ‫ومن األصدقاء حتى يأكل‪.‬سألته مرة‪:‬‬ ‫ لماذا تصرف كل هذه النقود على سهرة واحدة وريبقى معك في الثلث األخير من الشهر فلس واحد؟‬‫أجاب‪:‬‬ ‫ إنني في هذه السهرة التي أقيمها مرة في الشهر أشعر أنني إنسان! إن هؤرء الذين يعملون في هكذا فناد أو‬‫مطاعم مدربون جيدا كي يشعروك بأنك إنسان " كالمهم‪..‬طريقة خدمتهم لك‪..‬هيئتهم" كل ه ذه األش ياء تجعل ك‬ ‫تحس بأنك إنسان محترم‪ ،‬أنا ياصديقي ف ي جوع حقيقي كي أشعر يحترمني اآلخ رون‪ ،‬ريه م أن أج وع بض عة‬ ‫أيام كل شهر‪ ،‬لكن الشعور بأنني إنسان يكفيني لمدة شهر‪.‬‬ ‫لقد راقبت هذا الصدي في كل المرات التي دعاني فيها إلى السهرة عند استالمه النقود المرسلة من أهله‪ ،‬وفي‬ ‫كل مرة كنت أشاهد إنسانا معتزا بنفسه‪ ،‬واثقا‪ ،‬يمشي إلى جانبي في خيالء‪.‬‬ ‫راقبته كذلك في المرات الثالث الت ي ك ان مجب را فيه ا عل ى مراجع ة س فارتنا ف ي ب اريس‪ ،‬وف ي ك ل م رة ك ان‬ ‫يستعطفني ويرجوني بحرارة أن أرافقه‪ ،‬رغم أنه كان يحاول تأجيل الذهاب بأعذار وحجج واهية حتى اللحظة‬ ‫األخيرة‪.‬‬ ‫يصل السفارة وقد تغير‪ ،‬يدخل مترددا‪ ،‬يلقي نظرة خاطفة إلى الوراء (عله يريد التأكد م ن وج ودي)‪ ،‬أق رأ ف ي‬ ‫نظرته هذه معاني الخوف والقل ‪ ..‬وطلب الغوث‪.‬‬ ‫يخرس مكفهرا‪..‬صامتا‪ ..‬مسرعا‪..‬يشير لي بيده أن أمشي بسرعة‪ ،‬أمشي إلى جانبه صامتا‪.‬‬ ‫في المرة األولى والثاني اكتفى بأن يبص بصوت مدو حالما ابتعدنا عن السفارة‪.‬‬ ‫في المرة الثالثة‪ ،‬تكلم‪:‬‬ ‫الكالب‪ ..‬يريدون أن يجعلوا مني جاسوسا!‪ ..‬جاسوسا! وعل ى م ن؟! يري دون من ي أن أتجس س عل ى يوس ف!!‬‫هددوني بارعتقال والترحيل‪ ..‬قالوا إن لديهم خمس زنازين في مبنى السفارة‪ ،‬كالب‪..‬تفو‪..‬تفو!‪.‬‬

‫نسير‪..‬ندور حول الساحة‪.‬‬ ‫إغماض العينين يجعل مئات الصور تتقافز في الذهن‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪44‬‬

‫في بدايات حياتي أولعت بالمطالعة كثيرا‪ ،‬صار اسمي في البيت "فأر الكتب"‪ .‬التهمت كل ماوقع تحت يدي من‬ ‫قصص وروايات‪ ،‬كنت وقتها عندما أغمض عيني أحس أن هناك آرف األحرف والكلمات تتقافز ف ي ال ذهن‪..‬‬ ‫تتصادم‪ ..‬ترتطم بجدران الرأس‪ ..‬تقع أرضا ليقفز غيرها‪ .‬أجلس ملتفا برطوبة قبو منزلنا الظليل‪ -‬والذي كنت‬ ‫قد نظفته ورتبتع وجعلت منه مكاني المفضل بعيدا عن األهل وض جيجهم‪ -‬تعب ا م ن الق راءة‪ ،‬مغم ض العين ين‪،‬‬ ‫أمارس لعبة األحرف والكلمات المتقافزة "يحرقني الحنين إلىجلسة صغيرة في ذلك الركن"‪.‬‬ ‫في المراهقة والشباب األول‪ ،‬أصبت بلوثة السينما‪ ،‬أخرس م ن ص الة ألدخ ل أخ رى‪ ،‬كن ت أش اهد أحيان ا ثالث ة‬ ‫أفالم في يوم واحد‪ ،‬أصبح اسمي "فأر السينما"‪ ،‬عرفت كل صارت العاصمة جيدا‪ ،‬كنت أحفظ عن ظه ر قل ب‬ ‫برامج الصارت لألسابيع المقبلة‪.‬‬ ‫نسير‪..‬ندور‪ ..‬تحت لسع الكرابيج‪ ،‬منكسي الرؤوس‪ ،‬عيوننا مغمضة‪ ،‬يمسك أحدنا ذيل اآلخر‪ ..‬وندور‪.‬‬ ‫فأر كتب‪ ،‬فأر سينما‪ ،‬اآلن‪ ..‬أحس أنني بغل‪.‬‬ ‫في الكثير من األرياف وقبل انتشار محركات ضك المياه من اآلبار‪ ،‬كانم انتش ال المي اه م ن ه ذه اآلب ار بواس طة‬ ‫قوة محركة هي البغال (في بعض البالد يسمونها "الدورب" ويسمونها في أخرى "الغراف")‪ .‬يربطون البغل إلى‬ ‫عمود‪ ،‬يغطون عينيه " لآن لم أعرف لماذا يغطون عين ي البغ ل" ويظ ل ي دور‪..‬يس ير‪ ..‬وي دور ح ول البئ ر م ن‬ ‫الصبا إلى المساء‪ ،‬هذا الدوران العبثي بالنسبة للبغل!‪ ..‬ونظل ندور!‪.‬‬ ‫فيلم غربي يصور حياة راهبة في الخامسة والعشرين من عمرها‪ ،‬كان أهلها قد نذروها لحي اة الرهبن ة‪ .‬فت اة ذات‬ ‫نفس نقية‪ ،‬قانعة بحياة الرهبنة ومستمتعة بها‪ ،‬طاهرة كالثلج‪ ،‬تعيش في دير يق ع ف ي جزي رة نائي ة‪ .‬ت دور أح داث‬ ‫الف يلم ويه اجم القراص نة ه ذه الجزي رة‪ ،‬ه ذه الراهب ة البت ول تق ع ب ين أي دي قرص ان مج رم فاس ‪ ،‬يلقيه ا أرض ا‬ ‫ويغتصبها‪.‬‬ ‫مشهد‪ :‬يقف القرصان بجسده الضخم ويبتعد مهمهما‪ ..‬لراهبة ملقاة أرض ا‪..‬مكش وفة الس اقين‪ -..‬تقت رب الك اميرا‪-‬‬ ‫خيوط من دم العذرية تسيل على الفخذين‪ ..‬هي غائبة عن الوعي‪.‬‬ ‫نسير‪..‬وندور حول الساحة‪ ،‬مش دودي األعص اب‪ ،‬نتوق ع ف ي ك ل لحظ ة ص فعة أو ركل ة‪..‬أو كرباج ا‪ ،‬رغ م ذل ك‬ ‫ننسى أحيانا‪ ،‬تأخذنا األفكار في جميع ارتجاهات‪ ،‬نحلم بيوم رنسمع فيه كلمة "تنفس"‪ ،‬يوم رنسير ورندور في ه‪،‬‬ ‫تحض ر ال ذكريات‪ ..‬تتغل ب عل ى ك ل الش د العص بي وتحض ر‪ ،‬ت داعبني وج وه األه ل واألص دقاء‪ ،‬الم رأة بش كل‬ ‫خاص‪ ،‬أمي‪ ..‬أختي‪ ..‬سوزان‪ ،‬تحضر كل نساء"ي"‪ ،‬وأحيانا قد ترسم ذكرى ما ظل ابتسامة على شفاهي‪.‬‬ ‫نسير‪..‬ندور‪.‬‬ ‫في اللغة العربية "ارستنثار"‪ :‬هو إخراس المخاط عن طري فوهات األنف الخارجية‪ ،‬أما "التنخم" فهو استحالب‬ ‫المخاط إلى داخل الفم‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪45‬‬

‫فيما نحن نسير‪..‬ندور‪ ،‬امتدت يد غليظة‪ ،‬أمسكتني من ساعدي وجرتني خارس الرتل‪ ،‬أغلقت عيني جيدا ونكست‬ ‫رأسي حتى التص بصدري‪ .‬بقي ممسكا بساعدي‪ ،‬اليد األخرى أمسكت فكي السفلي ورفعت رأسي إل ى األعل ى‬ ‫بعنف‪ ،‬فح صوته ممزوجا بحقد رهيب‪:‬‬ ‫ ارفع رأسك‪ ..‬ور كلب‪ ،‬افتح تمك‪..‬لشوف‪.‬‬‫فتحت فمي‪ ،‬طلب مني أن أفتحه أكثر‪ ،‬ففتحته‪ .‬تنخم بقوة‪ ،‬تنخم ثالث مرات‪ ،‬ودون أن أستطيع رؤيته أحسست‬ ‫أن فمه قد امتال بالمخاط المستحلب‪ ..‬شعرت برأسه يقترب مني و‪..‬بص كل مايحتويه فمه إل ى‪ ..‬داخ ل فم ي‪.‬‬ ‫برد فعل غريزي حاول فمي ال تخلص م ن محتويات ه‪ ،‬تملكتن ي حاج ة رإرادي ة بارقي اء‪ ،‬لكن ه ك ان أس رع من ي‬ ‫وأسرع من فمي‪ ،‬أغل فم ي بي د وامت دت ي ده األخ رى بس رعة الب ر إل ى جه ازي التناس لي‪ ،‬أمس ك خص يتي‬ ‫وضغط عليهما بشدة‪ ..‬مودة األلم الهائلة التي صعدت من خصيتي إلى األعلى كادت أن تفقدني الوعي‪ ،‬انقط ع‬ ‫تنفسي لثانيتين أو ثالث‪ ،‬كانت كافية ألن أبتلع مخاطه وبصاقه كي أتنفس‪ ،‬ظل يضغط خصيتي حتى تأكد أنني‬ ‫قد ابتلعت كل شيء‪.‬‬ ‫تابعت السير‪ ..‬تابعت الدوران‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬منكس الرأس‪.‬‬ ‫ألم الخصيتين المهروستين يخفت شيئا فشيئا‪ ،‬ارحساس بأنني قد امتالت بالقذارة يتصاعد شيئا فشيئا‪.‬‬ ‫تفي الراهبة من غيبوبتها يملؤها ارحساس بقذارة جوفها‪ ..‬تنتهي إل ى الجن ون‪ ..‬كان ت ت زداد إحساس ا بالق ذارة‬ ‫كلما اغتسلت‪.‬‬ ‫عدنا إلى المهجع‪ ،‬حاول ت ارقي اء بش تى الس بل‪ ،‬ل م أنج ح‪ ،‬ش ربت كمي ات هائل ة م ن المي اه ولك ن ارحس اس ب أن‬ ‫جوفي ممتلئ بالقذارة يزداد‪.‬‬ ‫"س أخرس م ن الس جن وأش رب كمي ات هائل ة م ن الم اء والع ر والنبي ذ والويس كي‪ ،‬ش تى المش روبات الب اردة‬ ‫والساخنة‪ ،‬لكن لن أستطيع التخلص من ارحس اس ب أن مخ اط ذل ك الش رطي ملتص بمع دتي‪ ..‬ببلع ومي‪ ..‬وه و‬ ‫يأبى الخروس"‪.‬‬

‫‪ 22‬آذار‬ ‫صح ما توقعه الدكتور زاهي ‪.‬‬ ‫حوالي سنتين مضتا على وجودي هنا‪ .‬معزول ومجبور على الجلوس في مك اني ر أغ ادره إر إل ى الت نفس أو‬ ‫المرحاض‪ ،‬ر أستطيع النظر إلى أي واحد بشكل مباشر رغم أنن ي ر أعتق د أن الجمي ع راغ ب بقتل ي "أو ك ان‬ ‫راغب ا" ‪ ،‬ولكنن ي ر أس تطيع أن أمي ز ب ين م ن يرغ ب أو ر يرغ ب‪ ،‬والمه م ف ي ه ذا أن الجمي ع يق اطعني ور‬ ‫يرغب بوجودي بينهم هنا‪ " ،‬وأنا أيضا ر أرغب بوجودي هنا "‪ ،‬طوال هذه الفترة كنت أتو إلى من أحادثه‪،‬‬ ‫أن أجرب قدرتي على الكالم من جديد‪ ،‬لكن قوة الكراهية كانت تلصقني بالبطانية وتلص البطانية باألرض‪.‬‬ ‫اآلن بعد أن صحت توقعات الدكتور زاهي أصبحت اجلس في مكاني بإرادتي‪ ،‬ر أريد ارحتكاك بأحد‪ ،‬ر أريد‬ ‫محادثة احد‪.‬‬ ‫إنه التهاب السحايا‪ .‬وتحول األمر إلى وباء بسرعة مذهلة‪ ،‬بدأ األم ر من ذ ش هر تقريب ا‪ ،‬أور ش خص واح د‪ ،‬ث م‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪46‬‬

‫آخر ‪ ..‬ثم آخر‪ ،‬اجتمع األطباء السجناء‪ ،‬تدارسوا األمر‪ ،‬وعندما وصلوا إلى ق رار موح د ك ان الع دد ق د ج اوز‬ ‫عش رة مص ابين‪ .‬ارتص ال ال داخلي ب ين المه اجع "الم ورس" اخب ر واس تفهم‪ ،‬تب ين ان الحال ة عام ة ف ي ك ل‬ ‫المهاجع‪.‬‬ ‫عندما وصل عدد المصابين إلى عشرين "مات م نهم اثن ان وفق د البص ر اثن ان ور ي زال الب اقون يت أرجحون"‪،‬‬ ‫طل ب األطب اء أن يج ري نق اش ع ام ف ي المهج ع‪ ،‬تكلم وا وش رحوا األم ر بدق ة وواقعي ة‪ ،‬ث م طلب وا م ن رئ يس‬ ‫المهجع أن يد الباب ويطلب المساعد ويضعه في ص ورة األم ر‪ ،‬رف ض رئ يس المهج ع ه ذا الطل ب وق ال إن‬ ‫هذا مستحيل‪ ،‬رد عليه احد األطباء بأنه خالل أيام قليلة وإذا لم يتوافر ال دواء ف إن ك ل الن اس ف ي ه ذا المهج ع‪،‬‬ ‫وعلى األغلب ف ي الس جن كل ه سيص ابون‪ .‬وارص ابة ف ي ظ ل ه ذه األوض اع الص حية وانع دام ال دواء انع داما‬ ‫كلياً‪ ،‬يعني حتما إما الموت أو ما يشبه الموت‪ ،‬وطالما أننا سنموت في كل األحوال فلنطلب المساعد ونض عه‬ ‫في صورة األمر ولو كانت نسبة األمل واحدا على مليون‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا دكتور ‪ ..‬يا دكتور عندك شك إنه هدول يريدون موتنا؟ وأنت تتوق ع م ن يلل ي يري د قتل ك ان ه يعالج ك؟‬ ‫نحن هون م ن س نوات ‪ ..‬ش فت ش ي طبي ب ع الج م ريض بهالس جن؟ أن ت تتص ور إن ه ه دول عن دهم ذرة‬ ‫واحدة من الرحمة أو ارنسانية؟ أو اإنه يخافوا هللا؟ خلينا نموت تحت رحم ة هللا ‪ ..‬ور نطل ب الرحم ة م ن‬ ‫هدول الوحوش‪ ،‬والموت ح على كل مسلم ومسلمة‪ ،‬والموت بهذا الظرف رحمة من هللا‪.‬‬

‫كنت اسمع كل النقاش هلعا‪ " .‬رئيس المهج ع م ن أكث ر الرج ال ال ذين ش اهدتهم ف ي حي اتي ق وة شخص ية‪ ،‬وه و‬ ‫ضابط في الجيش‪ ،‬قوي‪ ،‬صارم‪ ،‬رزين"‪.‬‬ ‫لم يستسلم األطباء‪ ،‬توجه احدهم إلى رئيس المهجع قائال‪:‬‬ ‫ نع م ‪ ..‬الم وت ح ‪ ،‬كلن ا را نم وت بأجلن ا‪ ،‬لك ن ال دين يأمرن ا ب أر نرم ي بأنفس نا إل ى التهلك ة‪ ،‬وطلب ك‬‫المساعد قد يساعد على إنقاذ الكثير من أروا المسلمين وهذا واجب عليك وعلينا‪.‬‬ ‫وفي عبارة القصد منها ارحراس أردف الطبيب‪:‬‬ ‫ إذا كنت أنت ر تستطيع أن تطلب المساعد‪ ،‬اترك واحدا منا يطلبه بدر عنك‪.‬‬‫انتفض رئيس المهجع ‪" ،‬واضح انه استفز"‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ طيب يا جماعة أعطوني مهلة ساعتين حتى أفكر بشي طريقة‪.‬‬‫انفض ارجتماع‪ ،‬وأعطى األطباء مجموعة من النصائح الطبية للجميع‪ .‬سارعت أن ا إل ى س ترة ب ذلتي فنزع ت‬ ‫أحد جيوبها الداخلية‪ ،‬نسلت خيط ا م ن البطاني ة‪ ،‬ص نعت كمام ة وض عتها عل ى فم ي وانف ي‪ ،‬نظ ر الجمي ع إل ي‬ ‫باحتقار‪ ،‬ولكن خالل يومين كان لدى الجميع كمامات‪.‬‬ ‫بعد حوالي ربع الساعة وقف رئيس المهجع بحركة مفاجئة‪ ،‬نظرت إليه‪ ،‬كانت عيناه محتقنتين باللون األحمر‪،‬‬ ‫واضح انه أدرك حجم ارهانة التي وجهها إليه الطبي ب ‪ ،‬وق ف أم ام الب اب بع زم‪ ،‬وبجم اع ي ده طرق ه طرق ات‬ ‫قوية‪.‬‬ ‫سأل صوت الرقيب المناوب من الساحة‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪47‬‬

‫ شو بدك ور حقير؟‬‫ بدي المساعد ‪ ..‬األمر ضروري جدا‪.‬‬‫ شو ‪ !..‬شو‪ !..‬شو‪ !..‬المساعد دفعة وحدة ؟! ور حقير‪ ..‬شو بدك من المساعد؟ ‪.‬‬‫اغتاظ رئيس المهجع ‪ ،‬وبدأ يتمتم‪:‬‬ ‫ العمى ‪ ..‬شو أنا عم اطلب رئيس الجمهورية ؟!‪ ..‬هوي شقفة مساعد ر را ور أجا ‪ ..‬هللا يلعن هـ الزمان‬‫‪.‬‬ ‫بعدها صا بصوت عال ‪:‬‬ ‫ األمر خطير جدا ‪ ..‬جدا ‪ ،‬ورزم يجي المساعد هل ‪ ،‬لمصلحتكم مولمصلحتنا ‪.‬‬‫بع د رب ع س اعة ف تح الب اب وطل ب المس اعد إخ راس الجح ش رئ يس المهج ع ‪ ،‬ش ر ل ه رئ يس المهج ع أبع اد‬ ‫المرض كما سمعها من األطباء ‪ ،‬وختم حديثه بقوله ‪:‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ..‬العدوى بهادا المرض شديدة جدا ‪ ،‬ممكن الشرطة ينعدوا م ن المس اجين ‪ ،‬ممك ن – رس مح هللا‬‫– سيادتكم تنعدوا ‪ ،‬نحن واجبنا نخبركن ‪ ،‬وإذا حبيتوا تسمعوا أكثر بنادي الدكتور سمير ‪.‬‬ ‫ن ادوا ال دكتور س مير وش ر للمس اعد بالتفص يل مؤي دا ك الم رئ يس المهج ع أن الع دوى ممك ن أن تنتق ل إل ى‬ ‫الشرطة ‪.‬‬ ‫أغلق وا الب اب بع د إدخ ال ال دكتور س مير ورئ يس المهج ع دون عقوب ة! وبع د رب ع س اعة أع ادوا فتح ه‪ ،‬وق ف‬ ‫المساعد وجميع الشرطة خارس المهجع ودخل ضابط برتبة مالزم ثان‪ ،‬طبيب السجن العس كري‪ ،‬عرفن ا وقته ا‬ ‫أن في السجن طبيبا!!‪.‬‬ ‫وقف عند الباب إلى جانبي‪ ،‬طلب من الجميع الجلوس في أماكنهم وفتح عيونهم‪ " ،‬لم نعتد هكذا لهجة !" بعدها‬ ‫طلب من جميع األطب اء الوق وف ‪ ،‬بان ت دهش ة ح اول إخفاءه ا عن دما رأى ع دد األطب اء ‪ ،‬س ألهم ع ن أس باب‬ ‫تشخيصهم فعددوا له األسباب‪ ،‬دخل إلى زاوية المرضى وألقى عليهم نظرة سريعة‪ ،‬ثم قفل راجعا إل ى الب اب‪،‬‬ ‫توق ف والتف ت‪ ،‬أش ار إل ى اثن ين م ن األطب اء الش باب طالب ا م نهم المج ئ إلي ه‪ ،‬وعن دما ج اؤوا س ألهما دون أن‬ ‫يستدير‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫عرفتوني؟‬

‫ نعم‪.‬‬‫ هم م م‪..‬‬‫خرس الطبيب وأغل الشرطة الباب‪ ،‬اقترب بضعة أشخاص من الطبيبين‪ ،‬قال أحدهما‪:‬‬ ‫ هذا الطبيب زميل دراستنا وتخرجنا مع بعضنا‪ ،‬هو من الساحل من طائفة الرئيس وعشيرته‪ ،‬بع د التخ رس‬‫ما عاد شفناه‪ ،‬را على ضيعته‪.‬‬ ‫بعد أقل من أربع وعشرين ساعة عاد الطبيب م رة أخ رى‪ ،‬مع ه المس اعد والش رطة والبل ديات‪ ،‬ن ادى ال دكتور‬ ‫سمير قال له‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪48‬‬

‫ أنت بدك تعالج كل المرضى في السجن هادا هو ال دواء ال الزم‪ ،‬ف ي عن دنا كمي ات كبي رة من ه‪ ،‬را يك ون‬‫معك رقيب وعناصر من الشرطة‪ ،‬رزم يشوفوا كل حبة دواء تستهلك‪ ،‬كل "سيرنغ" تستخدمه رزم تسلمه‬ ‫للشرطة‪ ،‬كل علبة كرتون ‪ ..‬أنت مستعد؟‪.‬‬ ‫ نعم مستعد‪.‬‬‫وبدأ الدكتور سمير جورته على المهاجع‪ ،‬الشرطة ترافقه‪ ،‬البلديات يحملون علب الدواء‪ ،‬كرتونة كبيرة لكل ما‬ ‫هو مستهلك‪ ،‬يخرس صباحا ليعود مساء تعبا منهكا‪ ،‬ورغم ذلك استمر المصابون بارزدياد‪ ،‬لكن حارت الموت‬ ‫انحسرت وتضاءلت اليوم انضم إلى المصابين بالمرض أول طبيب‪ ،‬الدكتور زاهي ‪.‬‬

‫‪ 2‬أيار‬ ‫مات زاهي ‪.‬‬ ‫ليس ألنني أدين بحياتي له مرتين‪ ،‬مرة لعنايته الطبية بي عندما كنت مشرفا على الموت بعد ارس تقبال‪ ،‬وم رة‬ ‫عندما أوعز للشيك محمود بانتشالي من بين أيدي المتشددين‪.‬‬ ‫لكن ألنني أحببت هذا الرجل الذي لم يفقد ابتسامته في أحلك الظروف‪ ،‬لهجته لهج ة المنطق ة الش رقية المحبب ة‪،‬‬ ‫تراه موجودا في كل مكان يمكن فيه أن يقدم فيه يد المساعدة‪ ،‬سعة أف وس عة ثقاف ة ن ادرتين ف ي ه ذا المك ان‪،‬‬ ‫كنت أحس أ نه موجود في الموقع الخطأ حيث يسود التعصب والتشدد وضي األف والضحالة الثقافية‪.‬‬ ‫شعرت بحزن عمي لم أشعر به ط وال حي اتي‪ ،‬ح زن أنس اني ح ذري المض اعف‪ ،‬أخرجن ي م ن ق وقعتي ف ور‬ ‫سماع الخبر‪ ،‬نسيت حذري منهم وحذري من المرض‪.‬‬ ‫مشيت كالمسرنم إلى حيث يرقد زاه ي‪ ،‬ركع ت إل ى جانب ه ورفع ت ي ده إل ى جبين ي وأجهش ت بالبك اء بص وت‬ ‫عال‪ ،‬بكيت بكاء مريرا‪ ،‬ه ل تفج ر حزن ي عل ى زاه ي هك ذا؟ أم ه و تفج ر بس يط للقه ر المت راكم من ذ ع ودتي‬ ‫إلى بلدي؟!‪.‬‬ ‫بموته أحسست أنني قد فقدت آخر سند لي هناك‪ ،‬أصبحت عاريا‪ ،‬زاه ي ه و الوحي د ال ذي أس تطيع النظ ر إل ى‬ ‫عينه مباشرة‪ ،‬وغالبا كنا نختلس النظرات خفية‪ ،‬كنت اشعر أن هناك تفاهما خفيا بيني وبينه‪ ،‬وطالما قرأت في‬ ‫عينه أنه لن يتخلى عني‪.‬‬ ‫زاهي ‪ ..‬كان إنسانا ‪ ..‬إنسانا كبيرا‪.‬‬ ‫بكيت وبكيت‪.‬‬ ‫لكزني أحدهم بقدمه‪ ،‬رفعت رأسي ومن خالل الدموع رأيت "أحدهم"‪ ،‬صر على أسنانه وقال‪:‬‬ ‫ قوم ورك ‪ ..‬ر تنجس الشهداء‪.‬‬‫قمت‪ ،‬رجعت إلى مكاني‪ ،‬دخلت قوقعتي‪ ،‬مسحت دموعي من الخارس‪ ،‬تركتها تسيل إلى الداخل‪.‬‬

‫‪ 2‬أيار ‪.‬‬ ‫يجب أن ر أجن‪ .‬كان هذا قراري منذ البداية‪ ،‬رغم ذلك كنت أحس أحيانا أنني على حافة الجنون‪ ،‬عندها كن ت‬ ‫أغني‪ ..‬لكن بصمت‪ ،‬أغني بذهني ودائما أغان فرنسية‪ ،‬لم أغن أية أغنية عربية‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪49‬‬

‫ر أف تح فم ي مطلق ا‪ ،‬ر أتلف ظ ب أي ح رف‪ ،‬أجل س ط وال الي وم ف ي مك ان واح د‪ ،‬أغ ادره باتج اه المغاس ل‬ ‫والمراحيض أربع أو خمس مرات في اليوم‪ ،‬أتحرك فقط في اليوم الذي يكون لدينا فيه تنفس‪.‬‬ ‫اجلس ‪ ..‬أفكر وأفكر‪" .‬فكرت مرة‪ :‬هل يمكن رنسان ما أن يوقف التفكير؟!"‪.‬‬ ‫استعرض ت الماض ي عش رات الم رات‪ ،‬أد التفاص يل‪ ،‬تفاص يل ك ان ر يمك ن أن أت ذكرها ول و عش ت عش ر‬ ‫حيوات خارس هذا المكان‪ ،‬أستعيد كل ما هو سعيد ومبهج‪ ،‬كل ما هو جميل في الخارس‪.‬‬ ‫أنا اآلن ف ي الثالث ين م ن عم ري‪ ،‬كن ت ق د ترك ت الدراس ة بع د نيل ي الثانوي ة تح ت إغ راءات العم ل التج اري‬ ‫والث راء الس ريع م ع ص دي ل ي‪ ،‬أرب ع س نوات م ن العم ل التج اري الفاش ل‪ ،‬تحم ل األه ل مس ؤولية تس وية‬ ‫األوضاع‪ ،‬بعدها إلى فرنسا والدراسة هناك‪ ،‬ست سنوات في فرنسا‪ ،‬واآلن هنا‪.‬‬ ‫اس تعرض الماض ي وأحل م بالمس تقبل‪ ،‬تح ول األم ر إل ى ع ادة‪ ،‬أح الم اليقظ ة‪ ،‬اس تمتع به ا اس تمتاعا كبي را‪،‬‬ ‫أص بحت م دمن أح الم يقظ ة‪ ،‬أبن ي الحل م ش يئا فش يئا‪ ،‬أض ع التفاص يل الص غيرة والدقيق ة‪ ،‬أرس مها‪ ،‬أص حح‪،‬‬ ‫أغوص ساعات طويلة‪ ،‬ج��لسا أو مستلقيا‪ ،‬أغيب عن ه ذا الواق ع ألع يش واقع ا جم يال ك ل م ا في ه حل و وس هل‬ ‫وميسر‪ ،‬وفي كل حلم يقظة تكون المرأة حاضرة دوما‪ ،‬تشتعل خاليا الجسد‪ ،‬كل النساء اللواتي مررت به ن أو‬ ‫مررن بي‪ ،‬أخلط الماضي بالمستقبل‪ ،‬أكثر اللحظات حميمية أستعيدها‪ ،‬أعيد تركيبها‪ ،‬أبتدع مشاهد جديدة أتقلب‬ ‫ويجفوني النوم ‪ ،‬أ نتظر حتى آخر الليل واذهب إلى المرحاض لالستمناء‪ ،‬هو الحل الوحيد لكي أستطيع النوم ‪.‬‬ ‫لحظتها لو سألني احدهم أن ألخص السجن بكلمة واحدة لقلت‪:‬‬ ‫ إن السجن هو المرأة!‪ .‬غيابها الحار ‪.‬‬‫أنظر حولي متلصصا‪ ،‬كيف يحل هؤرء هذه المسألة‪ ،‬وبعضهم لم ير في حياته كاح ل ام رأة غي ر أم ه ؟ بم اذا‬ ‫يفكرون ؟ ماهي أحالمهم ؟ بعضهم مراهقون بكل جمو وتوثب خيارت المراهقة‪ .‬كانت احتالمات النوم لديهم‬ ‫غزيرة ‪ ،‬عرفت هذا من خالل تلصصي الليلي الدائم ‪ ،‬يكون الواحد م نهم نائم ا‪ ،‬فج أة يخ تلج أو يص در ص وتا‬ ‫خافتا‪ ،‬بعدها يستيقظ‪ ،‬أغلبهم يقول‪ :‬أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم‪ ،‬ثم يقوم لالغتسال‪ ،‬ألن لديهم تع اليم مش ددة‬ ‫بشأن النظافة‪ ،‬فهو ر يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يصلي إن لم يكن طاهرا نظيفا تماما‪ ،‬والقذف ب أي طريق ة‬ ‫كانت سواء بارتصال الجسدي أو بارحتالم‪ ،‬يوجب غسل الجسد كامال‪.‬‬ ‫أنا شبه متأكد أن كل ما يقوله عناصر الشرطة أو يشيعونه بأنهم يمارسون الش ذوذ الجنس ي ه و مح ض افت راء‬ ‫أو كذب‪ ،‬حتى على المستوى الواقعي هذا مستحيل‪.‬‬ ‫أعود ألحالمي أتقلب ‪ ..‬ر أعرف كم يطول هذا‪ ،‬أسمع حركة استيقاظ الناس في المهجع ‪ ..‬ألح على الن وم ف ال‬ ‫يأتي ‪ ..‬أسمع صوت طائرة الهليوكوبتر‪.‬‬ ‫طائرة الهليوكوبتر‪.‬‬ ‫عن دما نس مع ص وت الهليوك وبتر يرتج ف أو يت وتر ك ل م ن ف ي الس جن‪ ،‬حت ى الش رطة والبل ديات يت وترون‪،‬‬ ‫البعض يسميها طائرة الموت‪ ،‬أو مالك الم وت اله ابط م ن الس ماء‪ ،‬أح د الس جناء ق ال إن عزرائي ل يجل س ف ي‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪51‬‬

‫المقعد األمامي للطائرة رن هؤرء متعاقدون معه‪.‬‬ ‫السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات‪ ،‬لذلك فهيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على األغلب‬ ‫مرتين في األسبوع‪ ،‬ارثنين والخميس ‪ ،‬وهيئة المحكمة هذه قد تك ون ثالث ة ض باط وق د تك ون ض ابطا واح دا‪،‬‬ ‫يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لهم رئحتين اسميتين‪:‬‬ ‫الالئح ة األول ى ‪ :‬تض م أس ماء ال ذين س يحاكمون ف ي ه ذا الي وم‪ ،‬تأخ ذ الش رطة ه ذه الالئح ة وت دور عل ى ك ل‬ ‫المهاجع منادية على األسماء‪ ،‬ثم يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة مع الصيا والشتم والكرابيج‪،‬‬ ‫الرؤوس المنكسة واألعين المغمضة‪ ،‬يسوقونهم سوقا إلى الس احة ص فر حي ث يجلس ونهم عل ى األرض أي ديهم‬ ‫فو رؤوسهم ورؤوسهم بين ركبهم‪.‬‬ ‫يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة‪ ،‬يسأله الضابط‪:‬‬ ‫ أنت فالن ابن فالن؟‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ طالعوه لبره‪.‬‬‫وهكذا تكون قد انتهت محاكمته‪ ،‬ثم يدخل الثاني والثالث ‪ ..‬وهكذا خالل ساعتين أو ثالثة قد ت تم محاكم ة أكث ر‬ ‫من مئة شخص‪ ،‬أحيانا تتعطل إجراءات المحاكمة‪ ،‬فالضابط يسأل السجين‪:‬‬ ‫ أنت فالن ابن فالن؟‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ ورك ابن الكلب ‪ ..‬أنت شاركت بتفجير المجمع ارستهالكي؟‬‫ ر وهللا يا سيدي ‪ ..‬أنا مالي عالقة بأي شي‪.‬‬‫ ور كلب ‪ ..‬عم تنكر كمان !! ‪ ..‬يا شرطة‪.‬‬‫يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة‪.‬‬ ‫ حطوه بالدورب حتى يعترف‪.‬‬‫تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة‪ ،‬يبدأ الضرب والصراا األمر الذي يشوش على هيئ ة المحكم ة‪ ،‬يتوق ف‬ ‫العمل‪ ،‬تشرب هيئة المحكمة القهوة العربية‪ ،‬بعد قليل يهدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معهم يترنح‪:‬‬ ‫ شو ‪ ..‬لساتوا ميبس راسه؟!‬‫ ر سيدي ‪ ..‬اعترف بكل شي‪.‬‬‫ إعدام ‪ ..‬طالعوه لبره‪.‬‬‫أ غلب السجناء ر تستغر محاكمة أي م نهم ل دى المحكم ة الميداني ة أكث ر م ن دقيق ة واح دة‪ ،‬أغل ب الس جناء ر‬ ‫يرون القاضي "الضابط"‪ ،‬أغلب السجناء ر يعرفون األحكام التي صدرت بحقهم وقررت مصيرهم‪.‬‬ ‫هذه المحكمة ذات نوعين من الصالحيات‪ ،‬فهي تملك الح في أن تصدر أحكاما بارعدام وتنفذها بالق در ال ذي‬ ‫تش اء‪ ،‬وتس جن م ن تش اء الم دة الت ي تش اء‪ .‬لكنه ا رتمل ك الح ف ي إخ الء س بيل أي ب ريء "مع روف هن ا أن‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪51‬‬

‫المهجعين األول والثاني يسميان حتى لدى الشرطة بـ مهجع البراءة‪ ،‬المحكمة ذاتها وخالل ع دة س نوات كان ت‬ ‫قد أصدرت أحكاما بالبراءة على سجناء هم في الحقيقة أطفال أعم ارهم ب ين ‪ / 95 – 99 /‬عام ا ق بض عل يهم‬ ‫خط أ ولك نهم بق وا ف ي الس جن ول م يطل س را أي م نهم‪ ،‬وق د قض ى س جناء مهج ع الب راءة ف ي الس جن م ددا‬ ‫تتراو بين ‪ / 95 – 91 /‬سنة‪ ،‬هؤرء األطفال خرجوا من السجن رحقا رجار"‪.‬‬ ‫الالئحة الثانية‪:‬‬ ‫الالئحة ارسمية الثانية هي رئحة الذين سينفذ فيهم حكم ارعدام شنقا في اليوم نفسه‪ ،‬أيضا ي دور الش رطة به ذه‬ ‫الالئحة على جميع المهاجع طالبين من األشخاص المدرجة أسماؤهم في الالئحة ارستعداد‪.‬‬ ‫اليوم هناك أربعة أ شخاص من مهجعن ا س يتم تنفي ذ حك م ارع دام به م‪ ،‬بع د أن ابلغ وهم‪ ،‬ق ام ه ؤرء األش خاص‬ ‫األربعة بالذهاب الى المغاسل‪ ،‬تطهروا‪ ،‬توضؤوا‪ ،‬صلى كل واحد منهم صالة عادية‪ ،‬أي صالة علنية مكشوفة‬ ‫للجميع فيها س جود ورك وع‪ ،‬ص الة ر خ وف فيه ا‪" ،‬وه ل بع د الم وت خ وف؟!" بع دها ط افوا المهج ع ودع وا‬ ‫الجميع مصافحة وتقبيال‪:‬‬ ‫ سامحونا يا جماعة‪ ...‬نرجوا أن تغفروا لنا أخطاءنا‪ ،‬ادعوا لنا عند هللا ان يأخذنا بواسع رحمته وأن يحسن‬‫ختامنا‪.‬‬ ‫األشخاص األربعة أعرفهم جيدا‪ ،‬هم كلهم شباب في مثل سني أو أكبر‪" ،‬النسبة الغالبة من الذين أعدموا هم من‬ ‫الشباب‪ ،‬وقلة منهم تكون قد تجاوزت األربعين"‪.‬‬ ‫اله دوء‪ ،‬ابتس امة خفيف ة‪ ،‬أراق بهم جي دا‪ ،‬أ تلص ص‪ ،‬ه ل ه دوؤهم حقيق ي أم مص طنع ؟ أرق ب الي دين ‪ ،‬زواي ا‬ ‫الشفتين‪ ،‬العيون‪ ،‬ر ألمح شيئا يدل على الخوف أو الهلع‪.‬‬ ‫يو دعون ويصافحون الجميع عداي‪ ،‬يقفون الى جانب رئيس المهجع ‪ ،‬يخلعون كل الثي اب الت ي ر زال ت بحال ة‬ ‫جيدة وتصلح رستخدامها من قبل األحياء من بعدهم ‪ ،‬يلبسون بدر منها ثيابا مهترئة ر تصلح لش يء‪ ،‬يس لمون‬ ‫الثياب الجيدة الى رئيس المهجع لتوزع بمعرفته‪ ،‬يقفون خلف الباب الذي ر يلبث أن يفتح ‪ ...‬ويخرجون‪.‬‬ ‫ار عدام يتم قبالة مهجعنا‪ ،‬وقد رأينا المشان عدة مرات أثناء خروجنا أو دخولنا من التنفس‪ ،‬وهناك يتم تجمي ع‬ ‫الذين سيتم تنفيذ حكم ارعدام بهم‪.‬‬ ‫بين الفينة واألخرى نس مع ص وت التكبي ر ينطل م ن حن اجر ع دة أش خاص مع ا‪ ،‬يب دو أنه ا الدفع ة الت ي ي أتي‬ ‫دورها بالتنفيذ‪:‬‬ ‫ هللا أكبر ‪ ...‬هللا أكب‪.‬‬‫خالل الفترة الماضية كلها كان شعر جسدي يقف منتصبا كلما سمعت هذا الصوت ينطل قبالة مهجعنا ‪.‬‬ ‫في الليل يطاب الساهرون بين الع دد ال ذي ورد عب ر ارتص ال "الم ورس" وب ين ع دد ارتطام ات الجث ث عل ى‬ ‫ارضية السيارة‪.‬‬ ‫‪ -‬صحيح ‪ ...‬خمسة وأربعون شهيدا‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪52‬‬

‫في اليومين التاليين ينهمك الحفظة بحفظ اسمائهم وعناوينهم‪.‬‬

‫‪ 22‬تموز‬ ‫اآلن أصبح هناك من أحادثه‪.‬‬ ‫في لحظة كان فيها الحارس على السطح قريبا من الشراقة ‪ ،‬وقف أحد السجناء وسط المهجع ‪ ،‬وضع يده على‬ ‫خده كمن يمسك بسماعة هاتف‪ ،‬صا ‪:‬‬ ‫ الو ‪ ...‬الو ‪ ...‬أعطوني القائد‪.‬‬‫"القائد هو لقب شقي رئيس الدولة‪ ،‬ويقود واحدة من أقوى وحدات الجيش‪ ،‬ويعتبر خليفة للرئيس" ‪.‬‬ ‫سكت الجميع ‪ ،‬عيونهم موزعة بين الحارس والسجين الذي استمر يطلب القائد‪ ،‬وأحيان ا يطلب ه باس مه األول ‪،‬‬ ‫ثوان قليلة وهجم عليه أربعة أشخاص سحبوه من وسط المهجع وقد كموا فمه الى حي ث المغاس ل وه و المك ان‬ ‫الذي ر يستطيع أن يراه الحارس فيه ‪ ،‬عاد واحد منهم وقال لرئيس المهجع مبتسما ‪:‬‬ ‫ يبدو ان األا فقس !‬‫ ر حول ور قوة إر باهلل‪ ،‬اللهم ثبت عقولنا‪ ،‬العقل زينة ارنسان !‪.‬‬‫جنونه كان لطيفا‪ ،‬ر أذى‪ ،‬ر هياس‪ ،‬فقط يريد أن يكلم القائد‪.‬‬ ‫ ماذا تريد من القائد؟‬‫ هناك موعد بيني وبينه ‪ ،‬لم يأت ‪ ...‬لقد أخلف الموعد !‪.‬‬‫تخاله طبيعيا‪ ،‬أكثر جمله وأحاديثه مترابطة‪ ،‬ولكنه خر النظام العام للمهجع في أكثر األمور أهمية وحساسية‪:‬‬ ‫لم يعد يصلي ‪ ،‬لم يعد يغتسل ‪ ،‬وبعد عدة أيام من جنونه فاج أ الجمي ع وفاج أني ‪ ،‬جل س قب التي عل ى فراش ي ‪،‬‬ ‫حياني قائال ‪:‬‬ ‫ السالم عليكم ‪ ...‬انت شو اسمك؟‬‫ارتج كياني كله‪ ،‬لم استطع أن أرد تحيت ه‪ .‬فق ط كن ت انظ ر الي ه‪ ،‬إل ى عيني ه الباس متين مباش رة‪ ،‬من ذ أكث ر م ن‬ ‫سنتين لم أنظر في عيني انسان بهذا القرب‪ ،‬أحسست بالدفء‪.‬‬ ‫سكت جميع م ن ف ي المهج ع‪ ،‬ش يء غي ر م ألوف يح دث ام امهم !‪ ،‬جمي ع العي ون منص بة عل ى فراش ي وعل ى‬ ‫الكائنين الجالسين عليه‪ ،‬دهشة من نوع خاص تكسو جميع الوجوه‪ ،‬يبدو أن الجميع كان قد نسيني‪ ،‬فف ي غم رة‬ ‫األحداث وضمن شالل الموت المت دف س كنت مش اعر الع داء المتأجج ة نح وي ‪ ،‬أو ب األحرى غطاه ا الرم اد‪،‬‬ ‫بقيت مثل الجمر تحت الرماد‪.‬‬ ‫لقد تعودوا على وجودي الى جانب الباب ولم يعد هذا الوجود يطر اسئلة عليهم‪ ،‬ل ون الب اب أس ود بش ع‪ ،‬ف ي‬ ‫البداية يستفز لون الباب الجميع‪ ،‬ولكن مع توالي األيام يألفونه ثم ينسونه‪ ،‬وكذلك وجودي الى جانبه‪.‬‬ ‫واآلن يوسف "مجنون القائد كما اصبح اسمه"‪ ،‬يعيد تذكيرهم بكل شيء‪ ،‬دهشوا‪ ،‬تفحصوا وجهي‪ ،‬كنت مهمال‬ ‫واآلن بفضل مجنون القائد أعود الى دائرة األضواء!‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪53‬‬

‫العجزة في المهجع كثر‪ ،‬المشلولون والمجانيين‪ ،‬ثالثة عميان‪ ،‬أخرس واحد‪.‬‬ ‫أميز حالة بين المجانين إ ضافة الى يوسف هي حالة دكتور الجيولوجيا ـ ر أعرف هل هو جنون أم شيء آخ ر‬ ‫؟ ـ رج ل في الخمسين من عمره‪ ،‬ذهب الى امريكا لدراسة الجيولوجيا‪ ،‬نجح في دراسته وحاز عل ى ال دكتوراه‬ ‫بدرجة امتياز‪ ،‬عاد الى البلد وبعد عودته ببضع سنوات تسلم ادارة واحدة من أهم المؤسسات العلمية‪ ،‬كان ميار‬ ‫الى التدين‪ ،‬يؤدي فرائض الدين بأوقاتها‪ ،‬يص وم ويص لي‪ ،‬ذه ب ال ى مك ة للح ج ‪ ،‬وإب ان احت دام الص راع ب ين‬ ‫ار سالميين والسلطة كانت هذه الصفات تهمة بحد ذاتها‪ ،‬عند فجر أحد األيام سحبه رجال المخابرات من وسط‬ ‫عائلته‪ ،‬وماذا جرى بعد ذلك ر يعرف أحد‪.‬‬ ‫يجلس دكتور الجيولوجيا على األرض متر��عا ووجهه الى الحائط ثم يغطي نفسه كامال بالبطانية‪ ،‬ليال ونهارا ‪،‬‬ ‫صيفا وشتاء‪ ،‬حاول كثيرون أن يسألوه‪ ،‬يحادثوه‪ ،‬سنوات ‪ ...‬لم يلفظ حرفا ‪ ...‬لم يفتح عينا‪.‬‬ ‫يرفع أح دهم بطانيت ه م ن األم ام قل يال ويض ع ل ه الطع ام ف ي حج ره‪ ،‬يأك ل وه و مغط ى بالبطاني ة‪ ،‬ي ذهب ال ى‬ ‫المرحاض وهو مغطى بالبطانية‪ ،‬كل بضعة أيام يقوده اثنان من تحت إبطيه ـ وهو مطيع ج دا ـ ال ى المغاس ل‪،‬‬ ‫يخلعون ثيابه‪ ،‬يغسلون جسده‪ ،‬يعيدونه وهو مغطى‪ ،‬مكان دكتور الجيولوجيا قبالتي تماما‪.‬‬ ‫************‬ ‫نح ن اآلن ج ائعون ‪ ...‬وج ائعون بش دة‪ ،‬من ذ ثالث ة أش هر هبط ت كمي ات الطع ام الت ي تق دمها لن ا إدارة الس جن‬ ‫هبوطا حادا‪.‬‬ ‫كان لكل سجين يوميا رغيفان من الخب ز العس كري ‪ ،‬اآلن رغي ف واح د لك ل أربع ة س جناء ‪ ،‬حص تي اليومي ة‬ ‫ربع رغيف لثالث وجبات ‪ ،‬الي وم فط وري ك ان ث الث حب ات زيت ون ه ي كام ل حص تي ‪ ،‬ملعق ة ص غيرة م ن‬ ‫المربى على العشاء ‪ ،‬إذا كان األفطاربيض ا فلك ل ثالث ة س جناء بيض ة مس لوقة ‪" ،‬نص ح األطب اء الجمي ع بع دم‬ ‫رمي قشر البيض‪ ،‬يسحقونه ويأكلونه للتعويض عن الكلس"‪.‬‬ ‫بعد ثالثة أش هر م ن الج وع‪ ،‬اله زال واص فرار الوج وه ب اد عل ى الجمي ع‪ ،‬قل ت حرك ة الجمي ع‪ ،‬م ن ك ان يق وم‬ ‫بالرياضة سرا أقلع عنها‪.‬‬ ‫الشرطة تراقب ‪ ...‬وتواصل عملها كالمعتاد‪.‬‬ ‫جلس يوسف قبالتي على الفراش‪ ،‬في يده اليمنى قطع ة خب ز ص غيرة فوقه ا قلي ل م ن مرب ى المش مش‪ ،‬ن اولني‬ ‫إياها‪:‬‬ ‫ خود ‪ ...‬هاي الك‪.‬‬‫ شكرا يا يوسف‪ ...‬هادا عشاك ورزم تاكله‪.‬‬‫ ر أنا شبعان ‪ ...‬وإنت زلمه بدك تتجوز بكره‪ ،‬رزم تاكل عسل‪ ،‬قال الدكتور إن العسل مفيد‪.‬‬‫ثم تابع الحديث دون أن يتيح لي فرصة الكالم‪:‬‬ ‫ هل انت شو بتتمنى؟‬‫‪ -‬اتمنى أن أطلع من هون‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪54‬‬

‫ شوف ‪ ...‬هون كويس ‪ ...‬انت تعرف انه عندي فرس اصيلة لونها احمر‪ ،‬وعندي تياب كلها بيضا‪ ،‬ابيض‬‫بأبيض ‪ ...‬استنى شي كم ي وم بتش وف أخ وك يوس ف رب س أب يض ب أبيض ‪ ...‬وراك ب ع الفرس الحم را‪،‬‬ ‫وواقف بنص موسكو ‪ ..‬بالساحة الحمراء‪...‬‬ ‫سكت قليال ثم أردف بصوت أحد قليال ‪:‬‬ ‫‪ -‬وهللا ‪ ...‬وهللا بدنا ندك اسوار موسكو !‪..‬بدنا نمسح الكفر والكفار! ‪.‬‬

‫‪ 22‬أيلول‬ ‫أنا جائع‪ ،‬أكثر من خمسة شهور مرت على بداية الجوع‪ ،‬غري زة البق اء‪ ،‬ب دأت تح دث بع ض المش اجرات ب ين‬ ‫السجناء بسبب توزيع الطعام‪ ،‬عهدوا بهذا األمر ال ى أكث ر األش خاص احترام ا و مهاب ة‪ ،‬تط ر هن ا تس اؤرت‬ ‫كثيرة حول سبب نقص الطعام‪:‬‬ ‫ هم يريدوننا أن نموت جوعا!‪.‬‬‫ قد يك ون ل دى الس لطة الني ة ب إخالء س بيلنا‪ ،‬لكنه ا ر تري دنا أن نك ون أقوي اء ف ي الخ ارس‪ ،‬يج ب ان نك ون‬‫مرضى كي ر نستطيع القيام بشيء خارجا‪.‬‬ ‫الكثير من التخمينات ‪ ،‬الكثير من التحليالت‪ ،‬ولكن الشرطة كانت تراقب‪.‬‬ ‫فتح اليوم عناصر الشرطة الباب وطلبوا إدخال الطعام‪ ،‬ركض الفدائيون وقاموا بإدخال كميات الطعام الهزيلة‪،‬‬ ‫وأل ول مرة لم يكن هناك ضرب وكرابيج‪ ،‬برز بعدها المساعد ووقف عل ى ب اب المهج ع‪ ،‬بي ده بطيخ ة حم راء‬ ‫تزن حوالي ثالثة كيلو غرام‪ ،‬صا برئيس المهجع‪:‬‬ ‫ تعال لهون‪.‬‬‫ذهب رئيس المهجع اليه مسرعا‪.‬‬ ‫ خود هالبطيخة‪ ،‬حصة المهجع!‪.‬‬‫سكت قليال وبعد ان تناول رئيس المهجع البطيخة‪ ،‬قال المساعد‪:‬‬ ‫ بدي شوف ‪ ...‬كيف بدك توزع هالبطيخة على المساجين!‪.‬‬‫ت ردد رئ يس المهج ع قل يال‪ ،‬ف ي البداي ة ظه رت عل ى وجه ه عالئ م الحي رة ث م ام ارات التح دي وارس تفزاز‪،‬‬ ‫"أصبحت أعرفه جيدا بحكم قربي منه"‪ ،‬أطر برأسه قليال ثم التفت الى داخل المهجع وصا بصوت عال‪:‬‬ ‫ يا مرضانين ‪ ...‬هاي البطيخة الكم‪.‬‬‫وناولها الى أحد السجناء‪.‬‬ ‫نظر اليه المساعد لثانيتين بتمعن شديد‪ ،‬رجع خطوتين الى الوراء وصف الباب بوجه رئيس المهجع بقوة‪.‬‬ ‫جلس جميع السجناء‪ ،‬شعور الفخر يغمر الجميع‪ ،‬حتى أنا‪ ،‬لقد هزم رئيس المهجع المساعد‪ ،‬يكفي انه أغاظه‪.‬‬ ‫فيما الجميع منهمكون بالحدث حانت مني التفاتة الى اليسار وإذا بي ارىالساحة تلو امامي‪ ،‬س احة ارع دام ‪...‬‬ ‫الساحة السادسة‪ ،‬هناك الى جانب‪ ،‬كشف الباب‪ ،‬فجأة وجدت ثقبا غير منتظم أكبر قليال من حج م ج وزة ‪ ،‬ه ذا‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪55‬‬

‫الثقب حدث اآلن! نظرت حولي فوجد ت كتلة اسمنتية على ط رف فراش ي‪ ،‬حملته ا وس ددت الثق ب به ا فركب ت‬ ‫تماما وسدته‪ ،‬الثقب على مستوى رأسي وأنا جالس‪.‬‬ ‫عندما صف المساعد الباب ومن قوة الضربة س قطت ه ذه الكتل ة ارس منتية والت ي يب دو أنه ا باألس اس متش ققة‬ ‫وأحدثت هذا الثقب‪.‬‬ ‫اآلن استطيع أن أرى كل ما يدور في الساحة متى أشاء ذلك‪ ،‬استطيع ان أتلصص على الخ ارس كم ا أتلص ص‬ ‫من ثقب قوقعتي على الداخل‪.‬‬ ‫يوسف "مجنون القائد" انقطع عن زيارتي‪ ،‬أو لم يعودوا يسمحوا له بزيارتي‪ ،‬انتبهوا ل ي مج ددا بع د زيارات ه‪،‬‬ ‫م جموعة من األشخاص أخذت على عاتقها أمر الحيلولة بين ه وب ين زي ارتي‪ ،‬يراقبون ه وه م جالس ون حت ى إذا‬ ‫رأوه متجها نحوي ناداه أحدهم أو وقف في طريقه يمازحه‪:‬‬ ‫ شو يوسف ‪ ...‬ما بدك تخبر القائد؟‬‫ أي ‪ ..‬بدي خبرو ‪ ...‬بس تلفوني مقطوع‪.‬‬‫ تعال لهون ‪ ...‬أنا عندي تلفون‪.‬‬‫يأخذه الى مكانه‪ ،‬يحادثه الى أن ينسى يوسف أنه كان قادما لعندي‪.‬‬ ‫} الجوع يقرص معدتي‪{.‬‬

‫‪ 02‬أيلول‬ ‫ثالثة أيام بعد اكتشاف الثقب‪ ،‬ثالثة أيام لم استطع أن أنظر من خالله‪ ،‬قلبي ينبض بشدة كلما فكرت في األمر‪.‬‬ ‫طوال اليوم وأنا أفكر كيف أتغلب على خوفي من الشرطة‪ ،‬واألهم خوفي من السجناء‪ ،‬ماذا سيفعل السجناء إذا‬ ‫رأوني وأنا انظر عبر الثقب؟!‪.‬‬ ‫هبط علي الوحي عندما نظرت أمامي‪ ،‬الى دكتور الجيولوجيا‪ ،‬لماذا ر أفعل مثله ؟!! أدير وجهي قبال ة الح ائط‬ ‫وأغطي نفسي بالبطانية‪ ،‬بحي ث تغط ي البطاني ة الثق ب أيض ا‪ ،‬وهك ذا أنظ ر بحري ة دون أن يالح ظ أح د‪ ،‬وه ذا‬ ‫يخلصني في الوقت نفسه من النظرات العدائية التي ازدادت مؤخرا‪.‬‬ ‫ولكن يجب أن أجرب التغطية لمدة يومين أو ثالثة قبل أن أغامر وأفتح الثقب وأنظر من خالله‪.‬‬ ‫القمل يهرش جسدي‪ ،‬لم استطع ارعتياد عليه والتعايش معه بعد‪.‬‬ ‫}الجوع يشتد ويتراكم‪{ .‬‬

‫‪ 22‬أيلول‬ ‫نجحت في أن أجعلهم يعتادون على رؤيتي مغطى بالبطانية‪ ،‬منذ يومين مر أحد السجناء من خلفي وأنا مغطى‪،‬‬ ‫سمعته يقول لرئيس المهجع‪:‬‬ ‫ شو يا أبو محمد ؟‪ ..‬كنا بواحد صرنا باثنين ‪ ..‬شو القصة ؟ ‪ ...‬كمان ارستاذ أجر الطاب الفوقاني ؟! ‪.‬‬‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪56‬‬

‫ خليها على هللا‪ ...‬اللهم نسألك حسن الختام‪.‬‬‫لم أستطع ان أنظر م ن خالل الثقب ور مرة‪ ،‬ألن الشرطة كانت ف ي حال ة هي اس ش ديد‪ ،‬فق د كان ت تم ر فت رات‬ ‫نشعر فيها أ ن قبضة رجال الشرطة قد تراخت قليال‪ ،‬وفجأة تع ود ه ذه القبض ة لتص بح م ن حدي د ون ار‪ ،‬عن دها‬ ‫يخمن البعض هنا أن هناك احداثا هامة تدور في الخارس‪ ،‬وأن السلطة ق د مني ت بخس ائر جس يمة وأن وض عها‬ ‫حرس وقد تكون آيلة للسقوط‪ ،‬ونتيجة لعجزه ا ع ن مواجه ة م ا ي دور ف ي الخ ارس فانه ا تح اول ن تع وض هن ا‬ ‫وتنتقم من المساجين المساكين الذين ر حول لهم ور قوة ‪.‬‬

‫‪ 1‬تشرين األول‬ ‫اليوم كان مليئا‪.‬‬ ‫منذ الصبا تعج الساحة باألصوات والضرب والصيا والصراا‪ .‬فتح باب مهجعنا وخ رس الف دائيون ردخ ال‬ ‫الطعام تحت ضرب الكرابيج والعصي‪ ،‬أحد الفدائيين تلقى ض ربة عص ا س قط عل ى إثره ا ارض ا وكان ت ه ذه‬ ‫آخر سقطة له‪ ،‬بقي في الخارس وحيدا بين أيدي عناصر الشرطة‪ ،‬وبعد قليل صا الرقيب‪:‬‬ ‫ ور كالب ‪ ...‬تعوا دخلوه‪.‬‬‫عاد الى المهجع محمور بدر من أن يكون حامال‪.‬‬ ‫تلقفه األطباء في المهجع‪ ،‬بعد أكثر من ساعة لفظ أنفاسه وأسلم الرو بعد ان أوصى صديقه بصوت متهدس‪:‬‬ ‫ سلم على ابوي ‪ ...‬إذا هللا فرس عنك ‪ ...‬احكيلوا عني ‪ ...‬وقل له يرفع رأسه بابنه ‪...‬‬‫واحد من األطباء أتى الى عند رئيس المهجع والحزن باد عليه‪:‬‬ ‫ البفية بحياتك ي ا أب و محم د ‪...‬ي وم جدي د وش هيد جدي د‪ ...‬هللا يرحم ه م ا خل وا مح ل بجس مه ار وض اربينه‬‫‪...‬عدة إصابات ‪ ...‬حتى الخصيتين مهروسات هرس‪.‬‬ ‫ عليه رحمة هللا‪ ،‬خلي الشباب يجهزوه مشان ند الباب ونطالعه‪.‬‬‫انغمس المهجع بتجهيز الشهيد‪ ،‬الحديث عن الشهيد‪ ،‬م آثره‪ ،‬وص يته األخي رة‪ ،‬ث م ص لوا علي ه س را وأحض روه‬ ‫قرب الباب‪ ،‬وضعوه في الفسحة الفاصلة بيني وبين أبو محمد رئيس المهجع‪ ،‬عل واحد‪:‬‬ ‫ العمى شو هالحالة ؟! عم نموت واحد ورا واحد متل الخرفان !!‪.‬‬‫لم يرد عيه أحد‪.‬‬ ‫وقف أبومحمد ود الباب بجماع يده‪ ،‬وجاء الصوت من الخارس‪:‬‬ ‫ شو بدك يا ابن الشرموطة ؟‪ ...‬ليش عم تد الباب ؟‪.‬‬‫ يا سيدي ‪ ...‬في عنا واحد شهيد !!! ‪ ...‬عفوا عفوا ‪...‬‬‫واحد ميت‪.‬‬ ‫نسي أبو محمد حذره من كثرة ترداد كلمة شهيد في المهجع‪ ،‬انتبه واستدرك ولكن هذا ارستدراك جاء متأخرا‪.‬‬ ‫فتحت الطاقة الصغيرة في الباب الحديدي وظه ر رأس الرقي ب‪ ،‬وبمنته ى اله دوء توج ه بالس ؤال ال ى أب و محم د‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪57‬‬

‫الذي كان واقفا‪:‬‬ ‫ مين يللي قال شهيد ‪ ...‬يا رئيس المهجع ؟‪.‬‬‫ أنا سيدي‪.‬‬‫أغل الرقيب الطاقة وصا بالشرطة أن يفتحوا الباب‪.‬‬ ‫في الثواني القليلة التي استغرقها فتح الباب‪ ،‬التفت أبو محمد الى الناس وقال‪:‬‬ ‫ يا شباب سامحوني ‪ ...‬إدعوا لي ‪ ...‬ويللي يضل طيب منكم خليه يرو لعند وردي ويحكيلهم كي ف م ات‬‫أبوهم!‬ ‫فتح الباب‪ .‬جمهرة من الشرطة أمامه تنظرالى الداخل‪ ،‬جمهرة من المساجين وفي المقدم ة أب و محم د ينظ رون‬ ‫إلى الخارس‪ ،‬صا الرقيب‪:‬‬ ‫ ور ابن الشرموطة ‪ ...‬اطلع لبره‪.‬‬‫قذف أبو محمد نفسه بينهم‪ ،‬صا الرقيب بالشرطة أن يغلق وا الب اب‪ ،‬ك ل الس جناء واقف ون إر العج زة ودكت ور‬ ‫الجيولوجيا‪ ،‬جلست أنا ايضا وغطيت نفسي بالبطانية‪ ،‬وبسرعة وبهدوء نزعت الكتلة ارسمنتية قليال‪ ...‬قليال‪.‬‬ ‫لم أكن أعي أو أدرك ما أفعل‪ ،‬فالشرطة أمام مهجعنا تماما والثقب كبير يمكن ألي شرطي أن يالحظه‪ ،‬ولكن ي‬ ‫فتحت الثقب ونظرت‪.‬‬ ‫أبو محمد كان ضابطا سابقا‪ ،‬وكان رجال حقيقيا‪ .‬منذ فترة وعندما حدثت بعض المشاحنات ف ي المهج ع بس بب‬ ‫توزيع الطعام القليل أصال‪ ،‬أحس انه قد مس من قبل شخص ما‪ ،‬بقي عل ى أثره ا س بعة أي ام ل م يتن اول خالله ا‬ ‫ور ذرة طعام‪ ،‬سبعة أيام بدون طعام بعد أشهر من الجوع‪.‬‬ ‫اتى لعنده مجموعة من كبار المشايك وال��اس األكثر احتراما في المهجع يطيب ون خ اطره ويعت ذرون نياب ة ع ن‬ ‫كل الناس‪ ،‬ورجاء خالصا ان ينسى كل شيء‪ ،‬وانهم لن يذهبوا من عنده قبل ان يأكل‪ ،‬وكان مما قاله ابو محمد‬ ‫ردا عليهم‪:‬‬ ‫ ابو محمد ر يمكن ان يسمح لـ" لقمة أكل " ان تذله ‪ ...‬واذا كان هن اك م ن تص رف او سيتص رف ب دناءة‪،‬‬‫فهذا الشخص لن يكون ابو محمد‪ ،‬الموت ور الذل‪.‬‬ ‫بعد ان فتح ت الثق ب ك ان اول م ن رأي ت ه و اب و محم د‪ ،‬بي ده عص ا غليظ ة م ن المؤك د أن ه انتزعه ا م ن أح د‬ ‫عناصر الشرطة بعد أ ن فاجأهم بطريقة خروجه‪ ،‬يض رب به ا ذات اليم ين وذات الش مال‪ ،‬تح يط ب ه دائ رة م ن‬ ‫عناصر الشرطة والبلديات‪ ،‬ثم رأيت واحدا من الشرطة ممددا على األرض‪.‬‬ ‫تضي الدائرة حوله وتنهال عليه بعض الضربات من الجانبين ومن الخلف‪ ،‬يتألم يلتفت ويهجم‪ ،‬تتس ع ال دائرة‪،‬‬ ‫معركة حقيقية ولكنه ا غي ر متكافئ ة ع دديا‪ ،‬م ن ط رف رج ل يع رف ان ه س يموت ف ي ك ل األح وال‪ ،‬وق رر أر‬ ‫يم وت موت ا س هال ورخيص ا‪ ،‬وم ن الط رف ارخ ر مجموع ة كبي رة م ن األش خاص اعت ادوا ان يك ون ق تلهم‬ ‫لآخرين سهال‪.‬‬ ‫والكثرة غلبت الشجاعة‪ .‬سقط أبو محمد ارضا بعد زمن قدرت ه بح والي رب ع الس اعة‪ ،‬حض ر اثناءه ا المس اعد‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪58‬‬

‫والطبي ب وم دير الس جن‪ ،‬عل ى األرض اربع ة اش خاص مم ددين‪ ،‬ثالث ة م ن الش رطة بي نهم الرقي ب " اب ن‬ ‫الشرموطة "‪ ،‬لقد رأيت كيف تقصد ابو محمد أن يهاجمه هو رغم أنه كان بعيدا عنه‪ ،‬وكي ف نزل ت عص ا اب و‬ ‫محمد على رأسه‪.‬‬ ‫فح ص الطبي ب الجمي ع‪ ،‬أس عفوا أح د العناص ر بس رعة‪ ،‬الرقي ب والعنص ر اآلخ ر مات ا‪ ،‬اب و محم د م ات‪ ،‬ق دم‬ ‫الطبيب هذا الشر لمدير السجن الذي التفت الى المساعد طالبا منه أن يجمع ك ل م ن ف ي الس جن م ن عناص ر‬ ‫الشرطة والبلديات وأ ن يقف جميع الحراس المسلحين الموجودين على ارسطحة فو مهاجع الساحة السادسة‪.‬‬ ‫عرفت ان المشهد لما ينته بعد‪ ،‬أغلقت الثقب جيدا وأزحت البطانية‪.‬‬ ‫( من ارشياء التي ر يمكن أن أنساها ابدا‪ ،‬شجاعة العمي د ف ي الس احة ارول ى وش جاعة اب و محم د ف ي الس احة‬ ‫السادسة‪ ،‬وفكرت كم ا يفك ر الجمي ع هن ا‪ ،‬تس اءلت ‪ :‬كي ف يح دث‪ ،‬او لم اذا يح دث‪ ،‬ان يوج د هك ذا ض باط ف ي‬ ‫السجن‪ ،‬يقتلون فيه والكل يعرف اننا في حالة حرب؟‬ ‫ولكن فورا قمعت هذا التفكير‪ ،‬محوته من ذهني ) ‪.‬‬ ‫اعتبر المق دم م دير الس جن أن م ا ح دث ك ان تم ردا وس ابقة خطي رة يج ب أن تجاب ه بك ل ق وة‪ ،‬بمنته ى القس وة‬ ‫والعنف كي تكون درسا للجميع‪.‬‬ ‫ح والي الثالثمائ ة س جين‪ ،‬يح يط به م عل ى مح يط الس احة أ كث ر م ن ه ذا الع دد بكثي ر م ن عناص ر الش رطة‬ ‫والبلديات‪ ،‬عشرات الحراس المسلحين على األسطحة‪.‬‬ ‫ ر تتركوا أحدا في المهجع‪.‬‬‫جمعونا وسط الساحة‪ ،‬في آخر الصف قريبا من المهجع وضعوا العجزة‪ ،‬الق ى م دير الس جن محاض رة نص فها‬ ‫شتائم‪ ،‬والنصف اآلخر تهديد ووعيد‪ ،‬وقد نفذ تهديده‪ ،‬قال للمساعد‪:‬‬ ‫ مابدي حدا يفوت على المهجع وهو ماشي‪ ،‬السليم منهم رزم يفوت زحف على بطنه‪.‬‬‫"بعض السجناء سيسمي هذا اليوم رحقا بـ ‪ /‬يوم التنكيل ‪ /‬وبعضهم اآلخر سيسميه ‪ /‬يوم أبو محمد‪. ."/‬‬ ‫استمر التنكيل من قبيل الظهر إلى ما بعد حلول الظالم‪ ،‬وكان أكث ر م ا ي ؤلم مش هد المش لولين وه م يض ربون‪،‬‬ ‫يحاولون الحركة‪ ،‬يحاولون تفادي الضرب ‪ ..‬ويظلون مكانهم‪.‬‬ ‫دخلنا زحفا وجرجرة‪ ،‬من لم يستطع ان يجرجر نفسه أوغيره‪ ،‬تكفل البلديات ب ـ " قذف ه" داخ ل المهج ع‪ ،‬اخ ذنا‬ ‫نضمد جراحنا‪ ،‬نغسلها‪ ،‬نبحث عن مزقة قماش نلف بها جرحا ما‪.‬‬ ‫الجوع يعضنا‪ ،‬رغم ذلك نمنا‪.‬‬

‫‪ 7‬تشرين اول‬ ‫في الصبا الجميع ينظر الى الجميع‪ ،‬كل من لديه الق درة يح اول أن يطم ئن عل ى ج اره‪ ،‬الحص يلة ثالث ة قتل ى‬ ‫ماتوا ليال‪ ،‬جراحي خفيفة ور تشكل أي خطر‪.‬‬ ‫أتى المساعد ومعه الشرطة‪ ،‬كل من يستطيع الوقوف وقف‪" ،‬اكتشفت أن ابو حسين وهو الشخص الذي ي وزع‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪59‬‬

‫الطعام ويرضي الجميع كان قد نقل فراشه ليال الى مكان ابو محمد"‪.‬‬ ‫تقدم المساعد خطوتين‪ ،‬شمل المهجع بنظرته‪ ،‬ابتسامة على زاوية الفم‪ ،‬نظر إلى اب و حس ين‪ ،‬نظ ر إل ي‪ ،‬أش ار‬ ‫إلي قائال‪:‬‬ ‫ إنت بتصير رئيس مهجع‪.‬‬‫سكت ولم اجب‪ ،‬سكت المساعد وتراجع يريد ارنصراف‪ ،‬تحرك ابو حسين مص طنعا الخ وف‪ ،‬رف ع ي ده عالي ا‬ ‫وقال‪:‬‬ ‫ يا سيدي اسمحلي بكلمة‪.‬‬‫ قول ور‪ ..‬كر‪.‬‬‫ يا سيدي هادا يللي عينتوا رئيس مهجع ‪ ..‬يا سيدي‪ ،‬مجنون!‪.‬‬‫التفت المساعد إلي‪ ،‬سألني‪:‬‬ ‫ انت مجنون ‪ ..‬ور؟‬‫لم إجب‪ .‬لم أعرف بماذا أجيب‪ .‬قال المساعد‪:‬‬ ‫ طيب ‪ ..‬أصبح انت بدك تصير رئيس مهجع‪.‬‬‫ متل ما بدك سيدي ‪ ..‬بس في عندنا ثالثة ميتين‪.‬‬‫ ميتين؟‪ ..‬ور شهداء؟‬‫ ميتين سيدي‪ ..‬ميتين‪.‬‬‫ قول نفقوا‪ ..‬ور جحش‪.‬‬‫ نفقوا سيدي‪ ..‬نفقوا‪.‬‬‫ ياهلل ‪ ..‬طالعوهم لبره‪.‬‬‫وأغل الباب‪ .‬أصبح ابو حسين رئيس مهجع‪ ،‬اقترب مني بهدوء وقال‪:‬‬ ‫ انا بعرف إنك مانك جاسوس ‪ ..‬وساويتك مجنون ألنه للضرورة أحكام‪.‬‬‫" هاهو واحد اخر منهم يشعرني باألمان الى جانبه "‪.‬‬

‫‪ 02‬شباط‬ ‫البرد يجمدنا‪ ،‬الجوع يضنينا‪.‬‬ ‫أكثر من عشرة اشهر مرت ونحن جائعون‪ ،‬ربع رغيف أقسمه ثالثة أقسام‪ ،‬وأقاوم‪ ،‬أقاوم الرغبة بالتهام ه كل ه‬ ‫دفعة واحدة‪ ،‬عش رة ش هور ل م يص ل فيه ا أح د الس جناء ال ى الش عور بالش بع‪ ،‬اله زال ب دا ش ديدا عل ى الجمي ع‪،‬‬ ‫الوجوه مصفرة وآثار سوء التغذية جلية واضحة‪.‬‬ ‫ف ي البداي ة تعام ل الجمي ع م ع المس ألة بأنف ة وع زة نف س‪ ،‬ش يئا فش يئا وم ع اس تمرار الوض ع ب دأت التص رفات‬ ‫الغريزية تطل برأسها‪ ،‬فالسجن أساسا هو عالم ارش ياء الص غيرة‪ ،‬ع الم الص غائر‪ ،‬اثن ان م ن اس اتذة الجامع ة‪،‬‬ ‫شخصان محترمان جدا‪ ،‬كبيران في السن ‪ ..‬يتش اجران‪ ،‬يتش اتمان‪ ،‬ينته ي األم ر بالمقاطع ة‪ ،‬والمس ألة برمته ا‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪61‬‬

‫تكون قد بدأت على الشكل التالي‪:‬‬ ‫ يا اخي كم مرة قلت لك ر تلبس شحاطتي؟!‬‫ ايه ‪ ...‬شو فيها إذا لبسناها؟ ‪ ..‬ر ينقص من قيمتها يعني؟!‬‫ بينقص ما بينقص ‪ ...‬ر تلبسها وبس‪ ...‬صار ميت مرة حكينا ‪ ...‬وإر انت ما بتفهم حكي؟!‬‫ انا ما بفهم!!‪ ...‬شو شايفني حمار متل حضرتك؟!‬‫ أنا حمار ؟! ‪ ...‬ايه إنت وأبوك وكل عيلتك حمير يا أكبر حمار!!‪.‬‬‫وقد يتطور األمر بين األستاذين إلى الضرب إذا لم يتدخل أحد بينهما‪.‬‬ ‫ر يمر يوم دون مشاجرة أو أكثر موضوعها الوحيد الطعام ‪.‬‬ ‫ ليش اعطيتني قطعة خبز أصغر من غيري؟‬‫ ليش تعطي لفالن ملعقة لبنة كاملة وانا يا دوب نص ملعقة؟‬‫ ما بيكفي إ نه حصتي ثالثة حبات زيتون وفوقها تكون صغيرة‪ ،‬حبات غيري سمينة‪.‬‬‫قبل شهر اجتمع ارطباء مع رئيس المهجع اب و حس ين‪ ،‬ش ر اح دهم رب و حس ين ان اس تمرار الوض ع الح الي‬ ‫ينذر بكارثة مرضية‪ ،‬وأن لديهم اسبابا قوية من خالل مالحظاتهم وفحوصهم لالعتقاد أن قسما من السجناء ق د‬ ‫أصيب بالسل‪ ،‬وطلبوا منه إبالغ ادارة السجن باألمر‪ ،‬وبعد نقاش تقرر اعتماد خطة المرحوم ابو محمد‪.‬‬ ‫أبلغوا جميع المهاجع ب األمر ع ن طري "الم ورس" وتب ين أن ارص ابات ل دى الجمي ع‪ ،‬وبع د المطالب ة حض ر‬ ‫المساعد ‪ ،‬شر له ابو حسين الوضع وأردف‪:‬‬ ‫ يا سيدي األطباء متأكدين إنه مرض السل‪ ..‬ومتل م ا س يادتكم تعرف وا ه ادا م رض مع دي كتي ر ‪ ...‬ونح ن‬‫وانتو بمحل واحد‪ ،‬ومتل ما ممكن السجين يمرض‪ ،‬ممكن ر سمح هللا الشرطي كمان ينعدى‪.‬‬ ‫ ابتدأ العالس ‪ ،‬تفاعل السلين ‪ ،‬األرشيدين ‪...‬‬‫************‬

‫أنا منذ أشهر مستمر بالمراقبة والتلصص عى ساحة السجن عبر الثقب‪ ،‬حفظت وجوه عناصر الش رطة كله م‪،‬‬ ‫شاهدت ارعدامات ‪ ...‬ثمان مشان ‪ ...‬كل اثنين وخميس‪ ،‬أسمع كالم الشرطة بوضو احيانا‪ ،‬كان الناس هن ا‬ ‫يتساءلون‪ :‬لماذا لم نعد نس مع ص يحات هللا أكب ر ل دى تنفي ذ حك م األع دام ؟‪ .‬اآلن عرف ت الس ر‪ ،‬بع د أن يخ رس‬ ‫المحكومون بار عدام من المهجع يغل الشرطة الباب ويقومون بلص أفواه المحكومين بالص ع ريض‪ ،‬ك أن‬ ‫صرخة هللا أكبر من المحكومين قبل اعدامهم تشكل تحديا واستفزازا للمحكمة الميدانية وادارة السجن‪ ،‬فمنعوها‬ ‫بالالص ‪.‬‬ ‫المشان غير ثابتة‪ ،‬ر تشبه المشان العادية التي يصعد اليها المحك وم بارع دام‪ .‬ه ذه المش ان ه ي الت ي تن زل‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪61‬‬

‫إلى المحكوم‪ ،‬البلديات األشداء يميلون المشنقة إلى أن يصل الحبل إلى رقب ة المحك وم بارع دام‪ ،‬يثبت ون الحب ل‬ ‫حول الرقبة جيدا ثم يسحبون المشنقة من الخلف‪ ،‬يرتفع المحكوم عليه وتتدلى رجاله ف ي اله واء‪ ،‬بع د ان يلف ظ‬ ‫الرو ينزلونه الى اررض ‪ ...‬وتأتي الدفعة الثانية ثم الثالث ة ‪ ...‬أغل ب ال ذين ش اهدت اع دامهم ك انوا ه ادئين‪،‬‬ ‫شاهدت أيضا حارت كثيرة ظهر فيها حب الحياة والضعف ارنساني‪ ،‬البعض كانت ترتخي لديه مصرتا الب ول‬ ‫والبراز‪ ،‬والشرطة في هذه الحالة ينزعجون كثيرا‪ ،‬فالرائحة رتطا ‪ ،‬يشتمون ويضربون الشخص الذي عملها‬ ‫!‪ .‬بعضهم اآلخر كانوا يبكون‪ ،‬يحاولون الكالم والتضرع فيمنعهم الالص العريض‪ ،‬أحد المساجين من صغار‬ ‫الس ن اس تطاع أن يفل ت م ن ب ين اي ديهم وي ركض ف ي الس احة السادس ة‪ ،‬وه ي س احة كبي رة ج دا ذات ف رعين‪،‬‬ ‫الهرب مستحيل واضطر الشرطة والبلديات للركض وراءه لدقائ الى أن أمسكوه‪ ،‬اوقفوه تحت المشنقة فجلس‬ ‫على اررض‪ ،‬رفعه اثنان من البلديات وأدخلوا رقبته في الحبل‪ ،‬بعد قليل لعبط برجليه في الهواء‪.‬‬

‫‪ 02‬آذار‬ ‫عالس مرضى السل مستمر‪ ،‬وجورت الدكتور سمير الذي قام بالعالس أيضا مستمرة‪ ،‬مر شهران ك امالن لك ن‬ ‫ارصابات في تزايد مستمر‪ ،‬وصل الرقم الى ألف وثالثمائة إصابة ف ي الس جن حس ب م ا ق ال ال دكتور س مير‪،‬‬ ‫الوفيات قليلة جدا‪.‬‬ ‫كان الجميع هنا يعزي معالجة التهاب السحايا ومرض السل ال ى فض ل طبي ب الس جن‪ ،‬الجمي ع يش يد بانس انيته‬ ‫وذلك حتى عشرين يوما خلت‪ ،‬حيث وردت رسالة "مورس" مؤلفة من بضع كلمات‪:‬‬ ‫" طبيب السجن قتل اثنين من زمالء دفعته‪" .‬‬ ‫الرسالة واردة من المهجع السابع‪ ،‬بعد ثالثة أيام وردت رسالة اخرى‪:‬‬ ‫" طبيب السجن قتل ثالثة من زمالء دفعته‪" .‬‬ ‫الرسالة واردة من المهجع الرابع والعشرين‪.‬‬ ‫أبو حسين‪ ،‬وهو شخص ديناميكي جدا بارضافة الى انه ذكي‪ ،‬احس بالخطر‪ ،‬فدعا الطبيبن زمالء دفعة طبي ب‬ ‫السجن لعنده‪ ،‬تح دث واياهم ا مط ور‪ ،‬س ألهما ع ن أش ياء كثي رة‪ ،‬كان ت لدي ه خ�� ية كبي رة م ن أن يق وم طبي ب‬ ‫السجن بقتل كافة زمالء دفعته ومنهم هذان الطبيبان‪ ،‬استخدم أبو حسين ك ل لباقت ه ودهائ ه ك يال ي دخل الخ وف‬ ‫الى قلبيهما‪ ،‬وفي الوقت نفسه كان ر يريد أن يكذب عليهم ا‪ .‬الح ديث ك ان ط ويال ج دا‪ ،‬وأه م م ا في ه ق ول أب و‬ ‫حسين لهما‪:‬‬ ‫ أنا ر أريد أن أهون المسألة وأكذب عليكما‪ ،‬يبدو أن زميلكما قد ب دأ هن اك وم ن المحتم ل أن ينته ي هن ا‪- ،‬‬‫وأرجوا من هللا أن يكون ظني خاطئا ‪ -‬ولكن قد يكون دوركما قادما ‪ -‬ر سمح هللا ‪ ، -‬واآلن هل استطيع‬ ‫أنا أو غيري أن نفعل شيئا؟‪.‬‬ ‫سكت الطبيبان قليال ثم تناوبا على الحديث بعد ذلك‪:‬‬ ‫ ليس بيدك أو بيدنا يا أبو حسين إر أن نقول‪ :‬حسبنا هللا ونعم الوكيل‪ ،‬وستأتي س اعة نق ف فيه ا جميع ا ب ين‬‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪62‬‬

‫يدي هللا‪ ،‬و يا ويله من تلك الساعة‪.‬‬ ‫ ولكن قور لي لماذا يفعل هذا؟ هل هو ينتقم؟ وممن؟‪.‬‬‫ وهللا يا أبو حسين ر نعرف الكثير عنه‪ ،‬ما نعرفه ويعرفه جميع زمالئنا أنه أت ى ال ى الجامع ة وك ان فقي را‬‫جدا‪ ،‬كان ريفيا بسيطا وخجور‪ ،‬قد يكون زمالؤه أبناء المدينة قد تعاملوا معه بفوقية‪ ،‬وبع ض م نهم عامل ه‬ ‫باحتقار‪ ،‬عرف الجميع أنه من عشيرة الرئيس وهو لم يكن يخفي هذا‪ ،‬كان يدرس الطب على نفقة الدول ة‪،‬‬ ‫قيل إ نه كان يعمل مخبرا لدى الجهات األمنية‪ ،‬كل أبناء المدينة تجنبوه‪ ،‬والقصة التي لها بعض المعنى في‬ ‫هذا المضوع ه و حب ه لزميل ة م ن زميالتن ا م ن بن ات المدين ة‪ ،‬بق ي حت ى الس نة الثالث ة ف ي الجامع ة يحبه ا‬ ‫بص مت‪ ،‬ر يج رؤ عل ى ار قت راب منه ا أو مص ارحتها‪ ،‬ف ي الس نة الثالث ة انته ز فرص ة انف راده به ا بأح د‬ ‫المخابر‪ ،‬أمسك يدها وصارحها بحبه‪ ،‬قال إنه يعبدها ‪ ...‬وإنه‪ ....‬وإنه‪.‬‬ ‫الفتاة وهي من عائلة مدينية محافظة عرفت بالغنى والقوة‪ ،‬كانت ردة فعلها عنيفة ج دا‪ ،‬وق د تك ون ه ي الس بب‬ ‫في كل ما يحدث ‪ ،‬صدته باحتقار واشمئزاز‪ ،‬اشتكت الى عمادة الكلية‪ ،‬ثم أخبرت أهلها بما حدث‪.‬‬ ‫عوقب من قبل الجامعة‪ ،‬ولكن ردة فعل األهل كانت أعنف‪ ،‬ثالثة من أخوة الطالب ة ظل وا يتجول ون ف ي أرج اء‬ ‫الكلية بصحبة أختهم مدة ثالثة أيام‪ ،‬وكان واضح ا للجميع أنهم يخفون أسلحة تح ت ثي ابهم‪ ،‬ك انوا يبحث ون عن ه‬ ‫وبنيتهم قتله‪ ،‬هكذا قالت الطالبة فيما بعد‪ ،‬لكنه لم يكن موجودا‪ ،‬لقد اختفى ولم يعد يحضر الى الكلية‪.‬‬ ‫بعد أسبوع حضرالى الكلية وكأن شيئا لم يكن‪ .‬إخوة الطالبة انسحبوا‪ .‬عقوبة اردارة ألغيت‪.‬‬ ‫ را جاب قرايبه المخابرات‪ ،‬ودخل وساطات‪ ،‬باس األيادي حتى عفا عنه أهلي‪.‬‬‫هكذا راحت الطالبة تشر األمر لآخرين‪.‬‬ ‫تابع دراسته منزويا ريختلط مع أحد إر طالبا أو طالبين من منطقته‪ ،‬الكل كان يعامل ه بع دها باحتق ار‪ ،‬وبع ض‬ ‫زمالئنا الطالب كانوا أحيانا يسلقونه بتعليقاتهم الالذعة‪.‬‬ ‫ لكن ‪ ...‬اقسم باهلل يا اخي ابو حسين ‪ ،‬نحن هذه المجموعة لم نكن ننتبه لهذه ارم ور ر م ن قري ب ور م ن‬‫بعيد ‪ ،‬كنا في صف واحد أكثر من خمسة وعشرين ش ابا مؤمن ا ب اهلل نحض ر بع د ال دوام دروس ا ديني ة ف ي‬ ‫المسجد‪ ،‬ولهذا السبب نحن هنا ارن‪ ،‬كم من ارخوة قبض عليه وكم منهم نجا‪ ،‬لست أدري ‪ ...‬كان هللا ف ي‬ ‫عون الجميع‪.‬‬ ‫ هم م ‪ ...‬قلت لنفسي إنه قد يكون في ارمر امرأة‪ .‬إن هذا الشخص يشعر بالعار‪ ،‬ولكن هل اذا قت ل ش هود‬‫عاره‪ ،‬يمحي هذا العار ؟‪ ...‬غبي ‪...‬‬ ‫ولكني إعتقد أن هذا السبب على قوته ريكفي! أعتقد ان هناك سببا اخر ر يعرفه احد!‬ ‫اليوم في ‪ 41‬آذار‪ ،‬قبل عيد الربيع بيوم واحد‪ ،‬كان موعد هذين الطبيبين مع زميلهما‪.‬‬ ‫أخرس عناصر الشرطة الطبيبين وأغلقوا الباب‪ ،‬أسرعت الى بطانيتي والثقب‪ ،‬رايت الطبيب ين يس وقهما عناص ر‬ ‫الشرطة إلى أمام طبيب السجن الذي يقف على مبعدة أربعة او خمسة أمتار من المهجع‪ .‬يقف الطبيب عاقدا يدي ه‬ ‫على صدره وهو يبتسم‪ .‬رحب بهما‪ :‬أهال وسهال‪ ،‬ثم التفت الى عناصر الشرطة وأمرهما‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪63‬‬

‫ روحوا خلوكم جانب البلديات‪.‬‬‫في وسط الساحة سبع من البلديات العمالقة‪ .‬وقف عناصر الشرطة بالقرب منهم‪ ،‬اسمع الح ديث بص عوبة‪ ،‬ق ال‬ ‫طبيب السجن‪:‬‬ ‫ ايه ‪ ...‬هل عم تقولوا لحالكم ‪ :‬سبحان مغير ارحوال ‪ ...‬طيب وانا كمان بقول هي ك ‪ ...‬ب دي اطل ب م نكم‬‫طلب‪ ،‬مين منكم بدو يجوزني اختوه ؟ ‪.‬‬ ‫لم يجب الطبيبان بشيء‪ ،‬رأساهما منكسان قليال‪ ،‬تابع طبيب السجن‪:‬‬ ‫ ليش ساكتين؟! ‪ ...‬شو يا عدنان ‪ ...‬أنا عم أخطب اختك على سنة هللا ورسوله‪ ،‬الزواس عيب شي؟‪.‬‬‫ بس انا ما عندي اخت‪ ،‬والحمد هلل‪.‬‬‫هنا قال طبيب السجن لعدنان شيئاً لم اسمعه‪ .‬سادت فترة صمت ثم التفت الى الطبيب اآلخر‪ ،‬وقال ‪:‬‬ ‫ طيب ‪ ...‬وأنت يا زميل سليم كمان ما عندك أخت؟‪.‬‬‫ نعم ‪ ...‬عندي أخت‪.‬‬‫ طيب خطبني اياها على سنة هللا ورسوله‪.‬‬‫ الزواس قسمة ونصيب‪ ،‬ونحن هل بوضع ما بيسمح بنقاش هيك أمور‪ ،‬وأور وأخيرا أنا ماني ولي أمرها‪.‬‬‫ هذا أسلوب تهرب ‪...‬‬‫اقترب منه وبصوت أقوى‪:‬‬ ‫ وإر شايف انه نحن مو قد المقام‪ ،‬انتو ناس أغنياء وأكابر‪ ،‬نحن فالحين‪ ،‬مو هيك؟‬‫اقترب منه ولو بيده أمام وجهه وبصوت حاد صا وهو يصر على أسنانه‪:‬‬ ‫ ولك شوف ‪ ...‬افتح عيونك وط لع لهون‪ ،‬ش ايف ه ذا الب وط‪ ،‬ب وطي أحس ن من ك وم ن أخت ك وأهل ك و ك ل‬‫عشيرتك وطايفتك ‪ ...‬ور كلب‪.‬‬ ‫ثم التفت الى حيث البلديات وصا ‪:‬‬ ‫ بلديات‪ ...‬تعوا لهون ورك‪ ...‬خذوهم عـ نص الساحة‪.‬‬‫سحب البلديات الطبيبين‪ .‬ومشى وراءهم وهو يصيح‪:‬‬ ‫ هدول ناس أكابر ‪ ...‬يعني فو ‪ ...‬فو ‪ ،‬وهل نحن بدنا نطالعهم كمان لفو أكثر وأكثر ‪ ...‬ياهلل لشوف‪.‬‬‫ف ي منتص ف الس احة كن ت أرى ور أس مع‪ ،‬اس تلقى ع دنان عل ى ظه ره وأمس ك ب ه س بعة م ن البل ديات‪ ،‬م ن‬ ‫الرجلين‪ ،‬اليدين‪ ،‬الخاصرتين‪ ،‬ومن تحت ال رأس‪ .‬إنه ا عقوب ة المظل ة‪ .‬والمظل ة عقوب ة تعن ي واح دا م ن ثالث ة‬ ‫أشياء‪ :‬إما كسور مختل فة في سائر أنحاء الجسم وعلى األغلب في الحوض‪ ،‬وإما شلل دائم عن دما يك ون الكس ر‬ ‫في العمود الفقري‪ ،‬أو الموت وهو ارحتمال الثالث خاصة عندما يسب الرأس الجس م ف ي الن زول‪ ،‬وغالب ا ه ذا‬ ‫يحدث عندما يكون عنصر البلديات الممسك بالرأس أقل قوة من اآلخرين‪.‬‬ ‫رفع البلديات عدنان‪ ،‬وجهه الى السماء‪ ،‬ظهره مواز لألرض ارسفلتية‪ ،‬أرجحوه قليال ثم بصوت عال‪:‬‬ ‫‪ -‬ياهلل ‪ ..‬واحد ‪ ...‬اثنين ‪...‬ثالثة‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪64‬‬

‫وقذفوه الى األعلى‪ ،‬ثم خبطة قوية على األرض‪ ،‬لم يتحرك عدنان بعد أن صرا صرخة ألم رهيبة‪.‬‬ ‫انتظر طبيب السجن قليال‪ ،‬أشعل لفافة تبغ وظهره لعدنان واآلخرين‪ ،‬كان ينظر باتجاه باب مهجعنا‪ ،‬عب نفس ا‬ ‫م ن اللفاف ة وزف ره‪ ،‬التف ت وأش ار للبل ديات ال ذين تق دموا ورفع وا ع دنان م رة أخ رى و ‪ ...‬واح د ‪ ...‬اثن ين ‪...‬‬ ‫ثالثة‪ ،‬هذه المرة لم تصدر أية صرخة‪.‬‬ ‫أشار لسليم اشارة وهو يتكلم كالما لم أسمعه‪ ،‬اقترب سليم وانحنى فو عدنان‪ ،‬وقف وقال كالما لطبيب السجن‬ ‫الذي انتفض وصفعه على وجهه صفعة سمعت صوتها وأنا جالس داخل المهجع ‪ ...‬وبدأ يصرا ويشير بيديه‪.‬‬ ‫تكرر نفس األمر مع سليم‪.‬‬ ‫تركوهما وسط الساحة في حالة استلقاء أبدي‪ .‬غادر طبيب السجن‪ ،‬يحيط به موكبه‪ ،‬الساحة‪.‬‬ ‫مجموع ما قتله طبيب السجن من زمالء دفعته أربعة عشر طبيبا‪.‬‬ ‫إذا كان بعض هؤرء األطباء أو أحدهم يعرف األسباب التي دفعت زم يلهم إل ى ق تلهم فإن ه أخ ذ الس ر مع ه ال ى‬ ‫القبر‪ ،‬ألن القاتل لن يتكلم‪ .‬وظل األمر داخل السجن في إطار التكهنات ‪ ...‬فال أحد يعرف السر الحقيقي‪.‬‬

‫‪ 1‬ايار‬ ‫الدكتور سمير ومن خالل جورته الطويلة داخل السجن استطاع أن يحق بعض األمور التي ل م يحققه ا غي ره‪،‬‬ ‫عرف تقسيمات السجن وتوزع ساحاته ومهاجعه‪ ،‬أصبح لديه كم هائ ل م ن المعلوم ات ع ن ن زرء ك ل مهج ع‪،‬‬ ‫ينقل األخبار بين المهاجع‪ ،‬فقد يكون هناك مجموعة من ارخوة من عائلة واحدة اعتقلوا س وية ول م يع د أح دهم‬ ‫يعرف عن اآلخر شيئا‪ ،‬يقوم هو بالسؤال عنهم وتطمين بعضهم ان ارخرين موجودون في المهجع كذا وكذا‪.‬‬ ‫أهم أمر حققه انه نال امتياز التكل م مع الشرطة وهو مفتو العين ين‪ ،‬فنتيج ة لالحتك اك ال دائم تع ود الش رطة ان‬ ‫يبدأهم هو بالحديث وهذا غير ممكن لآخرين‪.‬‬ ‫ارثنين الماضي جاءت الهليوكوبتر‪ ،‬دخلت هيئة المحكمة الميدانية الى الغرفة المخصصة لها‪ ،‬سلمت الالئحتين‬ ‫إلى إدارة السجن‪ ،‬رئحة الذين سيحاكمون ورئحة ارعدام‪.‬‬ ‫جلست أمام الثقب مغطى بالبطانية أتلصص على الشرطة وعملية ارعدام الت ي أص بحت روتيني ة بالنس بة ل ي‪،‬‬ ‫كالعادة حضر الس جناء ال ذين س يتم تنفي ذ حك م ارع دام به م‪ ،‬تم ت ك ل ارج راءات المعت ادة‪ ،‬جه زت المش ان ‪،‬‬ ‫البلديات جاهزون‪ ،‬وضعوا اول مجموع ة ثماني ة اش خاص تح ت المش ان ‪ ،‬ل م يب إر ان زال المش نقة والحب ل‪،‬‬ ‫عندها صا احد الذين لم يلص فمهم بعد وكان الشرطي واقفا امامه والالص بيده‪:‬‬ ‫ ياسيدي ‪ ...‬دخيلك‪ ،‬نحن لسه ما تحاكمنا‪.‬‬‫انهال عليه الشرطة بالضرب والشتائم‪ ،‬فال يجوز له ان يبدأهم الكالم‪ ،‬ولكن صيحته وصلت الى المساعد الواقف‬ ‫عند آخر مشنقة‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ اتركوه ‪ ...‬اتركوه‪.‬‬‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪65‬‬

‫ثم اقترب من السجين وسأله‪:‬‬ ‫ شو عم تقول ‪ ..‬ور؟‬‫ ياسيدي نحن مانا محكمومين‪ ،‬لسه ما رحنا عـ المحكمة‪.‬‬‫ شو ها الحكي !!‪.‬‬‫التفت المساعد إلى الرقيب المسؤول‪ .‬طلب منه الالئح ة‪ .‬تب ين ان هن اك خط أ اداري ا بس يطا‪ ،‬لق د اخط أ الرقب اء‬ ‫فأخذوا السجناء الذين من المفترض أن يعدموا الى المحكمة‪ ،‬وجلبوا ارشخاص الذين من المفت رض أن ي ذهبوا‬ ‫الى المحكمة ليتم إعدامهم‪.‬‬ ‫كل السجناء الذين جلبوا امام المشان يعرفون انهم هنا بطري الخط أ‪ ،‬ولك ن ل م يتج رأ إر ش خص واح د عل ى‬ ‫تنبيه الشرطة على هذا الخطأ‪.‬‬ ‫وبك المساعد الرقيب وتم اصال الخطأ‪.‬‬ ‫بعد شهر تقريبا من مقتل الطبيبن عادل وسليم‪ ،‬عاد الدكتور سمير من جولت ه العالجي ة‪ ،‬دخ ل المهج ع‪ ،‬الس الم‬ ‫عليكم‪ ،‬وقف قليال ثم جلس عند ابو حسين‪ ،‬بعد ارحاديث المعتادة قال ابو حسين‪:‬‬ ‫ شو دكتور ؟‪ ...‬انا شايف انه عندك حكي‪.‬‬‫ ايه وهللا ياابو حسين ‪ ...‬بدي نصيحتك‪.‬‬‫شر الدكتور ربو حسين ان ر نتائج ملموسة لكل العمل الذي يقوم به‪ ،‬ومع كل يوم جديد يتفاقم وضع مرضى‬ ‫الس ل اكث ر ف أكثر‪" ،‬أن ا كم ن يح رث الم اء"‪ ،‬وأ ن ال دواء وح ده ريكف ي‪ ،‬فالغ ذاء ال ذي يتناول ه الم ريض ش يء‬ ‫اساسي‪ ،‬و‪:‬‬ ‫ متل مانك شايف ياابو حسين ‪ ...‬الناس جوعان ه‪ ،‬واذا م ا تحس ن ارك ل بالس جن‪ ،‬مس تحيل ح دا يطي ب م ن‬‫هالمرض‪ ،‬بالعكس المرض بدو يشتد اكتر‪ ،‬وعدد المرضى بدو يزي د‪ .‬وان ه يفك ر ج ديا ب أن يطل ب اعف اءه‬ ‫من هذا العمل‪.‬‬ ‫امتد النقاش طويال‪ ،‬شارك في ه اخ رون‪ ،‬اخي را خ تم اب و حس ين النق اش م ذكرا ال دكتور س مير بواجب ه ام ام هللا‬ ‫وواجبه ارنساني طالبا منه أن يجعل من يأسه منطلقا لتحسين الشروط‪ ،‬عندها سأله الدكتور‪:‬‬ ‫ وكيف بدي اعمل ؟‬‫ اطلب طبيب السجن‪ ،‬اشر له األمر‪ ،‬وطالبه بتحسين الطعام‪.‬‬‫ طبيب السجن ؟! هذا ‪ ...‬الجالد!‪.‬‬‫ نعم ‪ ..‬هذا الجالد‪ ،‬انت اعمل اللي عليك واترك الباقي على هللا‪.‬‬‫في صبا اليوم التالي ‪ ،‬كالمعتاد فتح الشرطة والبلديات الباب وهم محملون باردوية ‪ ،‬لم يخرس الدكتور وق ال‬ ‫للرقيب ‪:‬‬ ‫ قبل الجولة ‪ ...‬رزم شوف طبيب السجن ‪ ...‬ضروري ‪.‬‬‫بعد قليل حضر طبيب السجن ‪ ،‬شر ل ه ال دكتور س مير األم ر بلغ ة ارطب اء ‪ ،‬وأنه ى حديث ه إل ى نتيج ة ان ر‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪66‬‬

‫جدوى من العالس كله اذا بقيت الشروط الغذائية كما هي عليه ارن ‪ ،‬رد طبيب السجن ‪:‬‬ ‫ اترك لي موضوع الطعام شي يومين‪ ..‬ثالثة ‪ ،‬ورو انت تابع العالس مثل العادة ‪.‬‬‫الزائد أخو الناقص !‪.‬‬ ‫بعد أسبوع من هذه المحادثة فتح الشرطة الباب ردخال الفطور‪ ،‬واذا بتل م ن الخب ز والب يض المس لو ‪ ،‬أدخ ل‬ ‫الفدائيون الطعام‪ ،‬وزعوه‪ ،‬نصيب الشخص الواحد سبعة ارغفة مع خمس بيضات مسلوقات ‪ ...‬من سيأكل ك ل‬ ‫هذا ؟‪.‬‬ ‫نبه ارطباء الى ضرورة ارعتدال باألكل‪ ،‬رنه بعد كل هذا الجوع ريجوز للبطن ان يمتلئ كثيرا‪.‬‬ ‫استمر الجوع عاما كامال تقريبا‪ ،‬اسماه الس جناء " س نة الج وع "‪ ،‬وه ي س نة غي رت الن اس كثي را‪ ،‬وان أ أيض ا‬ ‫تغيرت‪ ،‬وهذا التغيير أحسه جليا من الداخل‪ ،‬بعد مضي األسابيع األولى من سنة الج وع‪ ،‬أص بح األم ر عادي ا‪،‬‬ ‫أن تكون جائعا أمر طبيعي لم يعد يستلزم الكثير من التفكير‪ ،‬ولكن مع تن اقص وزن الجس د كل ن يت امى داخل ي‬ ‫إحساس عمي بالصفاء والنقاء‪.‬‬ ‫اذكر أنني في بواكير المراهقة أخذ إحساسي بالجسد ارنساني عموما وجسدي خصوصا يكبر شيئا فشيئا‪ ،‬ومن‬ ‫همسات رفا المدرسة والشارع تعلمت كيف أصل إلى انفجار اللذة الذي يعصف بالجسد كامال‪.‬‬ ‫دخلت الحمام في منزلنا وقمت بتطبي ما تعلمته من رفاقي ‪ ،‬كدت أصاب بارغماء ل ذة وخوف ا ودهش ة‪ ،‬ولك ن‬ ‫بعد مضي دقائ قليلة تلبسني إحساس بارثم‪ ،‬إحساس بالتلوث‪ ،‬فقدت طهارتي ونقائي الى األبد‪.‬‬ ‫منذ ذلك الحين رزمني ه ذا ارحس اس كظل ي‪ ،‬إل ى أن م ررت بس نة الج وع والت ي خالله ا كن ت اش عر أن ه ذا‬ ‫التلوث‪ ..‬هذا الدنس قد بدأيزول تدريجيا‪ ،‬وانني اعود الى بساطة وبراءة الطفولة‪.‬‬ ‫" اكثر ما امضني واحرقني هو عدم قدرتي على مشاركة أي انس ان بم ا احس ه واش عره‪ ،‬ك ان ش عوري بع ودة‬ ‫النقاء فرحا راف عذابات الجوع "‪.‬‬ ‫حتى أحالمي تغي رت‪ ،‬أح الم اليقظ ة والت ي كان ت قب ل س نة الج وع منص بة كله ا تقريب ا عل ى الم رأة‪ ،‬تغي رت‬ ‫وانصبت بمعظمها خالل هذه السنة على الطع ام‪ ،‬الطبخ ات الت ي كن ت احبه ا‪ ،‬ابتك رت بع ض الطبخ ات‪ ،‬احل م‬ ‫بوجبة مليئة باللحوم والدسم ‪ ...‬وإذا كنت استطيع معالجة الحاجات التي تخلفها احالم اليقظة الجنسية‪ ،‬فانني لم‬ ‫استطع معالجة الحاجات التي خلفتها أحالم اليقظة الطعامية!‪.‬‬ ‫اصبح الدكتور سمير بطال على مستوى السجن كله‪ ،‬ولكنه بتواضع اصيل قال ربو حسين‪:‬‬ ‫ الفضل كله الك يا أبو حسين‪.‬‬‫اليوم اجروا لي فحصا‪ ،‬فتأكد خلوي من مرض السل‪.‬‬

‫‪ 22‬تموز‬ ‫خالل الفترة الماضية تمت السيطرة على مرض السل بنجا ربأس به ‪ ،‬الوفيات بسببه توقفت ‪ ،‬يق در ال دكتور‬ ‫سمير ان هناك حوالي الفي شخص يعالجون من هذا المرض ‪ ،‬أصبح هناك طبيب اخر يساعده في جورته ‪.‬‬ ‫الطعام أصبح مشكلة كبيرة ‪ ،‬في األيام األولى من وفرة الطعام أخذ السجناء يح اولون تخ زين م ايمكن تخزين ه‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪67‬‬

‫خوفا من العودة الى ايام الجوع ‪ ،‬ولكن تدف الطعام استمر بمعدل يزيد عن حاجة او قدرة ارنسان على اركل‬ ‫بضعفين او ثالثة اضعاف ‪ ،‬لم يب فراغ في المهجع الذي هو مكتظ اصال ار وخزن فيه السجناء الخبز اليابس‬ ‫‪ ،‬حتى اصبحت الحركة صعبة داخل المهجع ‪ ،‬ثم استحالت ‪.‬‬ ‫" في هذا السجن ريوجد قمامة ‪ ،‬ممنوع منعا باتا اخراس أي قمامة من أي مهجع " ‪.‬‬ ‫اشتكى السجناء ربو حسين ‪:‬‬ ‫ يا ابو حسين ‪ ...‬رقي لنا حل ‪ ،‬شوف المساعد بلكي ياخدوا من عندنا بس الخبز اليابس‪.‬‬‫ابو حسين طلب من الدكتور سمير ان يتحدث بالموضوع مع المساعد فقال سمير له في نفس اليوم ‪:‬‬ ‫ ياسيدي ‪ ...‬صار في عندنا خبز يابس كتير ‪ ...‬بلكي سيادتك تسمح للسجناء يطالعوه ب رات المهج ع ‪ ،‬رن ه‬‫زائد عن حاجتن ا ‪ ...‬وممك ن غيرن ا يس تفيد من ه ‪ ...‬اذا ف ي ح ولكم اغن ام ‪ ...‬ه ذا ممك ن يص ير عل ف جي د‬ ‫لالغنام ‪.‬‬ ‫جاء رد المساعد حاسما ‪:‬‬ ‫ شو دكتور !!‪ ...‬شايفك صرت عم تتمدمد اكتر من الالزم !‪ ..‬شو شايفنا رعيان غنم !؟ بعدين نظام السجن‬‫واضح وصريح ‪ :‬ممنوع يطلع من المهاجع ور ذرة زبالة ‪ .‬ه ذا اور ‪ ،‬ام ا ثاني ا ‪ :‬انت و يلل ي طلبت وا نزي د‬ ‫اركل ‪ ...‬زدناه ‪ ،‬وهل كل شي موجود في المهجع رزم تاكلوه ‪.‬‬ ‫احت دم النق اش ف ي المهج ع‪ .‬المك ان ض ا ‪ ،‬الخب ز الي ابس جل ب مع ه قطعان ا ج رارة م ن النم ل والصراص ير‬ ‫والجرذان‪.‬‬ ‫كان السؤال كيف نسطيع التخلص من كل هذا الخبز ؟‪ ...‬وجاء الحل من عند ابو حسين‪:‬‬ ‫ ياشباب ‪ ...‬خلونا نختصر‪ ،‬انا برأي ما في غي ر ح ل واح د‪ ،‬ننق ع ه ذا الخب ز بالم اء وعل ى دفع ات‪ ،‬بع دين‬‫نمرسه حتى يصير سائل بعدين نصرفه عن طري المراحيض‪.‬‬ ‫وقامت قيامة المهجع ‪:‬‬ ‫ هذا حرام ‪ ...‬هذا كفر ‪ ...‬نعمة هللا نلقيها بالمرحاض !!‪.‬‬‫ هذا ما بيجوز من هللا ‪ ...‬ياما احلى سنة الجوع !!‪.‬‬‫ اي ه وهللا ص حيح ‪ ...‬اي ه يك ون ط ول س نة الج وع عش ر س نين احس ن م ن ان ه الواح د يك ب الخب ز بج ورة‬‫المرحاض !!‪.‬‬ ‫ يالطيف ‪ ...‬يالطيف وين وصلنا !!‪.‬‬‫خالل السنوات الماضية وحت ى قب ل س نة الج وع كن ت أ رح ظ ارحت رام الكبي ر ال ذي يع املون الخب ز في ه‪ ،‬ك ان‬ ‫واحدهم حريصا جدا على أر يوقع اية قطعة خبز على اررض‪ ،‬وإذا صدف وأن رأى قطعة خبز مرمي ة عل ى‬ ‫اررض فإنه يرفعها باحترام ‪ ،‬ينفضها ثم يقبلها ثم يضعها على جبينه‪ ،‬اما ان يأكلها او يضعها في مكان ع ال‬ ‫‪ ،‬فللخبز عندهم مكانة القداسة ‪ ،‬واآل ن يتجرأ ابو حسين ويقتر ان يرموا الخبز في المرحاض ‪ ،‬وه اس الن اس‬ ‫هياجا شديدا‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪68‬‬

‫" للحقيقة فان الحل الذي اقترحه ابو حسين كان ق د ورد ال ى ذهن ي وان ا اس تمع ال ى نقاش اتهم‪ ،‬وبع د ان رأي ت‬ ‫الهياس الذي عم المهجع‪ ،‬قلت الحمد هلل اني ممنوع من الك الم‪ ،‬فل و انن ي كن ت ال ذي ق دم ه ذا ارقت را لقتل وني‬ ‫حتما "‪.‬‬ ‫قابل ابو حسين هياجهم بهدوء شديد ‪ ،‬جلس مكانه ‪ ،‬لم يجادل ‪ ،‬لم يتكلم وتركهم يوما اخر‪.‬‬ ‫كل يوم يعني حوالي ألف رغيف خبز زيادة ‪ ،‬صار الجميع يمشي بين تالل من الخبز ‪ ،‬الوصول الى المغاسل‬ ‫او المرحاض أضحى صعبا جدا ‪ ،‬وأ عيد فتح النقاش ف ي الي وم الت الي فل م يش ارك في ه اب و حس ين ‪ ،‬ف ي الوق ت‬ ‫الذي كان الجميع ينتظرون رأيه ومساهمته ‪ ،‬ضا الناس ذرعا بسكوته فتوجه اليه احدهم بالكالم ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ ايه ابو حسين ‪ ...‬شايفك ساكت ‪ ،‬ما الك رأي بالموضوع وانت رئيس المهجع ؟‪.‬‬‫ طبعا الي رأي ! لكن قبل كل شي رزم احكي شوي مع المشايك ‪ ،‬ياريت الشيك فالن ‪ ...‬والش يك ف الن ‪...‬‬‫يتفضلوا لعندي شوي‪.‬‬ ‫عدد اسماء خمسة مشايك ك انوا ف ي الحقيق ة يمثل ون ارتجاه ات والتحزب ات الموج ودة ف ي المهج ع ‪ ،‬وكن ت ق د‬ ‫اصبحت أعرفها جيدا من خالل تلصصي الدائم ‪ ،‬كل واحد منهم هو اركثر علما واحتراما في جماعته ‪.‬‬ ‫تكلم ابو حسين مطور ‪ ،‬بدأ حديثه بسرد مجموعة من اي ات الق رآن واحادي ث النب ي محم د ‪ ،‬ث م وص ف الواق ع‬ ‫والمخاطر ‪ ...‬أنهى حديثه قائال ‪:‬‬ ‫ نعم ‪ ...‬كلنا نع رف أن ه ذا نعم ة م ن عن د هللا يج ب احترامه ا ‪ ،‬لك ن يج ب ان ر ننس ى ان ارنس ان اه م ‪،‬‬‫ارنسان مخلو على صورة هللا ولذلك هو اعلى قيمة من أي شيء آخر على وج ه البس يطة ‪ ،‬ولق د كرمن ا‬ ‫بني آدم ‪ ...‬ثم الم يعلمنا ديننا ان " الضرورات تبيح المحظورات ؟ " ‪.‬‬ ‫كان منطقه مفحما ‪ ،‬ان هذا الرجل ثعلب ‪ ،‬ذو شخصية قيادية هائلة ‪ ،‬سكت قليال وعاد يتكلم ‪:‬‬ ‫ واخي را ي ا أفاض ل ‪ ...‬ش و بنحس ن نس اوي ؟‪ ...‬مث ل م ا بق ول المث ل‪ :‬كعك ة بخمس ة !! ه ذي النعم ة ‪ ،‬ام ا‬‫نطالعه ا لب رات المهج ع ‪ ،‬وه ذا مس تحيل ‪ ،‬أو بناكله ا كله ا ‪ ،‬وه ذا كم ان مس تحيل ‪ ،‬أو إن ه نص رفها ع ن‬ ‫طري المرحاض ‪ ،‬ور تنسوا إنه المرحاض هو المنفذ الوحيد النا هون على هـ اررض ‪.‬‬ ‫سأله احد المشايك ‪:‬‬ ‫ ايه طيب ‪ ...‬شو المطلوب منا نحن يا ابو حسين ؟‪.‬‬‫ فتوى‪ ...‬انتو مشايك هذا المهجع ‪ ،‬هل تجتمعوا وبطالعوا فتوى ‪ ،‬موبس لهذا المهجع ‪ ،‬فتوى لكل المهاجع‬‫‪.‬‬ ‫وصدرت فتوى بأغلبية اربعة ضد واحد ‪ ،‬عممت الفتوى عل ى الس جن بكامل ه ‪ ،‬نظ م مهجعن ا طريق ة ال تخلص‬ ‫م ن األك ل الزائ د ‪ ،‬ك ل ي وم عش رون شخص ا دوري ا مهم تهم الوحي دة ‪ :‬نق ع الخب ز ‪ ،‬مرس ه ‪ ،‬تص ريفه ف ي‬ ‫المرحاض ‪ ،‬هو وكل المواد األخرى ‪ ،‬الرز والبرغل والبطاطا والبيض ‪.‬‬ ‫حدثت أزمة من نوع أخر ولكنها اخف‪ ،‬أصبح على الشخص أن ينتظر مدة طويلة حتى يأتي دوره في الدخول‬ ‫إلى المرحاض لقضاء الحاجة !‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪69‬‬

‫‪ 02‬أيلول‬ ‫عاد يوسف " مجنون القائد " لزيارتي ‪ ،‬لقد تحسن وضعي في المهجع قليال منذ ش هر تقريب ا ‪ ،‬خف ت مم انعتهم‬ ‫له عن زيارتي ‪.‬‬ ‫استيقظت في الصبا الباكر قبل موع د ارس تيقاظ الع ادي بس اعة او س اعتين عل ى أن ين رج ل يت ألم بش دة‪ .‬ان ه‬ ‫ج اري ف ي الف راش‪ ،‬ك ان يض ع ي ده عل ى بطن ه وه و يتل وى ألم ا‪ ،‬يح اول جاه دا أن يك تم أن ات ألم ه‪ ،‬نظ رت‬ ‫حولي‪ ...‬أنا الوحيد الذي أستيقظ عل ى أنين ه ‪ ،‬نظ ر ال ي مباش رة ‪ ،‬ه ي الم رة األول ى الت ي تلتق ي فيه ا أعينن ا ‪،‬‬ ‫نظرته تحتوي على نداء استغاثة لرجل يتألم بشدة ‪ ،‬رغبت ي بمس اعدته ش ديدة ‪ ،‬ولك ن كي ف ؟!‪ ...‬تلف ت ح ولي‬ ‫حائرا‪ ،‬ورغم انه كان قد ترك مسافة أكثر من خمسة وعشرين سنتمترا بين فراشي وفراش ه إر ان ه ك ان قريب ا‬ ‫جدا‪ ،‬هممت أن أسأله عما به وماذا يريد‪ ،‬لك ن ل م أع رف كي ف افع ل ذل ك !‪ ،‬وب نفس الوق ت أش ا بوجه ه ال ي‬ ‫الطرف األخر ‪ ،‬دقائ كانت طويلة ‪ ...‬استيقظ العديد من السجناء ‪ ،‬اقتربوا منه ‪ ،‬طلب منهم أن يأتوه بطبيب ‪،‬‬ ‫حضر أحد األطباء استفسر منه وسأله وهو يفحصه عما به‪:‬‬ ‫ مغص ‪ ...‬مغص شديد يادكتور ‪ ...‬مصاريني عم تتقطع‪ ،‬ألم ما بينطا ‪ ...‬را موت يا دكتور!!‪.‬‬‫خالل ساعة اجتمع ثالثة من ارطباء عند ابو حسين رئيس المهجع ‪:‬‬ ‫ التهاب حاد بالزائدة الدودية‪ ،‬ر نعرف الزمن الذي يمكن أن تنفجر في ه‪ ،‬إذا ل م ي تم إس عافه س ريعا واج راء‬‫عملية جراحية رستئصال الزائدة فهي حتما ستنفجر وسيموت المريض‪.‬‬ ‫نظر ابو حسين الى األطباء‪ ،‬التفت الى المريض ‪ ...‬تساءل وكأنه يحادث نفسه ‪:‬‬ ‫ ايه ‪ ...‬والحل ؟ ‪ ...‬رزم نالقي حل ‪ ...‬أظن ما في غير حل واحد ‪ ...‬منشان ش يل خطيت ه م ن رقبت ي! ‪...‬‬‫ند الباب ونطلب طبيب السجن‪ ،‬هذا كل شيء اقدر اساويه ‪ ...‬بس ياهل ترى ر ي ردوا علين ا ؟‪ ...‬ول ك‬ ‫خلينا ند الباب ويللي بدو يصير يصير !!‪ ...‬هي موت ة وح دة !‪ ...‬وأكت ر م ن الق رد م ا مس ك هللا !‪ ...‬ش و‬ ‫رأيكم بهالحكي؟‪.‬‬ ‫ متل ما بدك يا ابو حسين‪.‬‬‫د ابو حسين الباب‪ ،‬الشرطة والبلديات في الساحة يوزعون طعام ارفطار‪ ،‬جاء صوت الرقيب " ابو ش حاطة‬ ‫"‪:‬‬ ‫ مين هـ الكلب يللي عم يد الباب ؟‪.‬‬‫أخبره أبو حسين برقم المهجع‪ ،‬وان الدكتور سمير يريد طبيب السجن ألمر هام‪.‬‬ ‫فوجئ الدكتور سمير بذلك لكنه وقف إلى جانب ابو حسين بانتظار طبيب السجن‪ ،‬قال أبو حسين لسمير‪:‬‬ ‫ وهللا يا دكتور ‪ ...‬كيف طلع اسمك معي مابعرف !!‪ ...‬يجوز إلهام من هللا‪ ،‬وانت صاروا يعرف وك ويج وز‬‫يسمعوا منك‪.‬‬ ‫كان مرض السل في اواخ ره ور زال ال دكتور س مير يت ابع ع الس عش رات الح ارت الت ي أس ماها مستعص ية‪،‬‬ ‫ولذلك فهو على احتكاك دائم مع الشرطة‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪71‬‬

‫استغر مجئ الطبيب اكثر من ساعة ألن الوقت رزال مبكرا‪ ،‬جاري يعتصر من األلم ويحاول كبح أناته‪ ،‬فتح‬ ‫الباب وظهر أمامه الطبيب والمساعد وبعض الشرطة‪ ،‬سأل الطبيب الدكتور سمير عن س بب اس تدعائه‪ ،‬ش ر‬ ‫له سمير األمر‪ ،‬لكن طبيب السجن لم يتكلم ابدا‪ ،‬أدار ظهره ومشى‪ ،‬المساعد رم سمير بنظرة طويلة وقال‪:‬‬ ‫ مشان زائدة دودية عملتوا كل هـ الضجة ؟!‪ ...‬صحيح هـ الكلب معه زائدة بس انت معك ناقصة‪ ،‬وأنا م ن‬‫زمان حاسس إنك ما تنعطى وجه ‪ ...‬طالع لبره‪.‬‬ ‫خرس الدكتور سمير الى خارس المهجع ‪ ،‬وخاطب المساعد أبو حسين‪:‬‬ ‫ مين د الباب ‪ ...‬ور خرى؟‬‫ انا يا سيدي دقيت الباب‪.‬‬‫ طالع لبره كمان يا كلب ‪ ...‬يا ابن الكالب‪.‬‬‫خرس ابو حسين ايضا واغل الباب‪ ،‬نصف ساعة كنا نسمع صراخهما‪ ،‬ومع مجئ الهليوكوبتر توقف الضرب‬ ‫وادخلوهما المهجع‪.‬‬ ‫ مشان هللا يادكتور ر تواخذني !‪ ...‬انا سببتلك هـ العقوبة‪ ،‬انا يللي ورطتك‪.‬‬‫ضحك الدكتور سمير وهو يحجل في مشيته‪ ،‬ربت على كتف ابو حسين‪:‬‬ ‫ بسيطة ابو حسين بسيطة ‪ ...‬هنن كم كرباس !‪ ...‬را سجلن دين عليك واستوفيهن انشاء هللا ب ره ‪ ...‬يعن ي‬‫قدام ام حسين‪ ،‬المهم هل شو بدنا نساوي بالمريض؟‪.‬‬ ‫طر هذا السؤال على مستوى المهجع كله‪ ،‬كثرت ارقتراحات‪ ،‬كثرت التعليقات والتساؤرت‪:‬‬ ‫ العمى ‪ ...‬بدي افهم !‪ ...‬ليش عالجونا من السل‪ ،‬وما بعالجونا من الزائدة الدودية؟‪.‬‬‫ يا اخي ‪ ...‬رزم نفهمها منيح ‪ ...‬الزائدة شخص واحد‪ ،‬يعن ي فراط ة‪ ،‬اذا م ات م ا بتف ر معه م‪ ،‬أم ا الس ل‬‫جماعي ‪ ،‬يعني جملة‪ ،‬اذا ماتوا كل الناس هون هذا مو من مصلحة هـ الحكومة بنت الكلب رنه نح ن مث ل‬ ‫الرهائن عندها‪ ،‬تضغط على الناس يللي بره بهالرهائن‪.‬‬ ‫ لم يدم النقاش والحوار اكثر من عشردقائ ‪ ،‬تقدم خالله ا طبي ب كه ل اش يب الش عر وس يم القس مات‪ ،‬عين اه‬‫صغيرتان براقتان‪ ،‬جلس على فراش ابو حسين‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ تعرف يا ابو حسين اني طبي ب ج را ‪ ،‬ان ا بحس ن هل س اوي عملي ة جراحي ة للم ريض بستأص ل الزائ دة‬‫فيها‪ ،‬لكن يلزمني بعض ارشياء‪ ،‬وكمان رزم المريض يق ول ق دام الن اس كله ا إن العملي ة عل ى مس ؤوليته‬ ‫هو‪.‬‬ ‫دون أن يجيب ابو حسين أمسك يد الطبيب وسحبه إلى عند المريض‪ ،‬انتقال من يساري ال ى يمين ي‪ ،‬جلس ا ال ى‬ ‫جانبه‪ ،‬قال أبو حسين للطبيب‪:‬‬ ‫ احكي له‪ ،‬شو بدك منه‪.‬‬‫ شوف يا اخي‪ ،‬را كون صريح معك‪ ،‬انت معك التهاب حاد بالزائدة الدودية‪ ،‬وخ الل فت رة بس يطة اذا م ا‬‫ساوينا ع ملية جراحية را تنفجر وتموت‪ ،‬في عندنا فرصة نساويلك عملية جراحية‪ ،‬لكن به ذي الظ روف‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪71‬‬

‫خلينا نقول إنه نسبة النج ا أ ق ل م ن خمس ين بالمي ة‪ ،‬وهل ان ت ب دك تخت ار ق دام الن اس كله ا ب ين الم وت‬ ‫المؤكد‪ ،‬وبين الموت المحتمل‪.‬‬ ‫واختار المريض الموت المحتمل‪ ،‬نفى امام الناس كل مسؤولية عن الطبيب‪.‬‬ ‫ابلغ الطبيب ابو حسين بمستلزمات العملية‪:‬‬ ‫ يوجد قماش نظيف‪ ،‬يوجد كحول‪ ،‬يوجد ملح‪ ،‬يوجد بع ض حب وب المض اد الحي وي الت ي اس تطاع ال دكتور‬‫سمير أ ن يغافل الش رطة عنه ا‪ ،‬يوج د اب ر خياط ة‪ ،‬يوج د خيط ان‪ ،‬يوج د ن ار‪ ،‬لك ن م ا نحتاج ه ه و بع ض‬ ‫ارشياء المعدنية لنحولها الى مشارط !!‪.‬‬ ‫مع ظهور كل هذه ارشياء تبين أنني كنت غافال وأن تلصصي لم ير إر ما يظهر على السطح‪.‬‬ ‫التلييس الداخلي للمهجع كان ذا اسمنت خشن والجميع يدرمون اظافرهم بهذا ارسمنت – ر مقصات أظافر في‬ ‫السجن – ارسمنت يستخدم كمبرد‪ ،‬وعلى هذا ارسمنت تم صنع وابتك ار العدي د م ن األش ياء‪ ،‬فم ن قط ع عظ م‬ ‫صغيرة تم صنع إبر الخياطة‪ ،‬يمسك احدهم العظم ويبدأ بحك ه عل ى الج دار ‪ ...‬ي وم ‪ ...‬ي ومين‪ ..‬اي ام‪ ،‬إل ى أن‬ ‫يأخذ شكل اربرة‪ ،‬وبواسطة مسمار يكون قد تم برده ايضا على الحائط‪ ،‬يق وم الش خص وبص بر عج ائبي بف تح‬ ‫ثقب اربرة ‪ " ،‬المسمار هنا يعتبر ثروة ‪ ،‬وتب ين ان هن اك عش رات المس امير ف ي المهج ع " ‪ ،‬الخيط ان امره ا‬ ‫سهل ‪ ،‬ينسلون قطعة قماش ‪ ،‬بصبر وهدوء يغزلون الخيطان الرفيعة من جديد وحسب الطلب ‪.‬‬ ‫وقتها انتبه ت إل ى ان معظ م الثي اب الت ي يلبس ونها ق د اهت رأت ‪ " ،‬كي ف ل م يخط ر عل ى ب الي أن اتس اءل ع ن‬ ‫الوسيلة التي يرقعون به ا ثي ابهم ؟!" ‪ ،‬علم ا أ ن بنط الي ك ان ق د اهت رأ عن د ال ركبتين وال ورك وأض حى ب أمس‬ ‫الحاجة الى ترقيع ‪.‬‬ ‫الكحول ‪ :‬بعض ارطباء – او بارتفا بينهم جميعا – قاموا بتخمير المربى في بعض المرطبانات البالستكية "‬ ‫كيف حصلوا عليها ؟؟!" وتحول السائل الى كحول ‪ ،‬قد تكون نسبته قليلة لكنه كحول ‪.‬‬ ‫عمم ابو حسين ارمر على المهجع ‪:‬‬ ‫ كل من لديه قطعة معدنية مهما كان نوعها او شكلها ليأت بها ‪.‬‬‫وظهرت المعادن ‪ ،‬مسامير ‪ ،‬قطعة نقدية من فئة الليرة عليها صورة رئيس الدولة ‪ ،‬اربع علب سردين فارغ ة‬ ‫! اسالك معدنية‪ ،‬خاتم ذهبي " خاتم زواس " ‪.‬‬ ‫مددت يدي الى جيب سترتي الداخلي ‪ ،‬تحسست الساعة ‪ ،‬أمسكت بها‪ ،‬يجب ان اعطيها لهم ‪ ...‬ولك ن لم ن؟‪...‬‬ ‫هل سيقبلونها ؟ ‪ ...‬أ م انهم سيقذفون بها على وجهي باعتبارها نجسة من شخص نج س ؟ ! س اعتي مفي دة ج دا‬ ‫لهذا ارمر ‪ ،‬فـ " الكس تك " المع دني مؤل ف م ن قط ع معدني ة رقيق ة يس هل تحويله ا ال ى أدوات ح ادة ‪ ،‬وك ذلك‬ ‫غطاؤها الخلفي ‪ ،‬وحتى زجاجها اذا لزم ارمر‪ ،‬وطال ترددي دقائ طويلة ‪ ،‬عدة اش خاص ك انوا ق د انتش روا‬ ‫وبيد كل منهم قطعة معدنية ما يبردها حسب توجيهات الطبيب ‪ ،‬تم فرش بطانية امام المغاسل حيث ر يستطيع‬ ‫الحارس على السطح ان يرى شيئا ‪ ،‬واستلقى المريض وهو يتأوه على هذه البطانية ‪ ،‬الطبيب الجرا يتن اقش‬ ‫مع مجموعة من ارطباء وسط المهجع ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪72‬‬

‫حزمت امري ‪ ،‬سأغافلهم واضع الساعة في مكان يستطيعون فيه ان يج دوها بس هولة ‪ ،‬ولك ن ال ن يس ألوا ع ن‬ ‫صاحب هذه الساعة ؟ ‪ ،‬هل أستطيع أن اجيبهم بأنها لي ؟ ‪ ...‬ر أعتقد ‪.‬‬ ‫لو ان يوسف " مجنون القائد " يزورني في هذه اللحظة ألعطيتها له ‪.‬‬ ‫ليكن ما يكون ‪ ،‬وقفت ومشيت باتجاه الطبيب الجرا ‪ ،‬دون اية كلمة مددت يدي بالساعة اليه ‪.‬‬ ‫بوغت الجميع ‪ ،‬سكتوا ‪ ،‬نظر الجرا في عيني مباشرة ‪ ،‬عيناه عسليتان دافئتان دهشتان قليال ‪ ،‬وببطء مد ي ده‬ ‫وتناول الساعة مني ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ شكرا ‪.‬‬‫ثم التفت الى ارطباء وهو يقلب الساعة ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ هل صار فينا نبدأ ‪ ،‬هـ الساعة را تساعدنا كثير ‪.‬‬‫عدت الى مك اني وجلس ت‪ ،‬قلي ل م ن النش وة‪ ،‬قلي ل م ن الرض ى ‪ ،‬اس ترجع وق ع كلم ة " ش كرا " بع د ك ل ه ذه‬ ‫السنوات " احدهم " يشكرني ‪ ،‬يخاطبني مباشرة وهو ينظر في عيني مباشرة ‪ ،‬ر يشيح بنظره قرفا واشمئزازا‬ ‫وحقدا ‪.‬‬ ‫وزع الطبيب قطع الساعة و " الكستك " عل ى بع ض الس جناء ال ذين انهمك وا ف ي عملي ة الب رد والش حذ ‪ ،‬فج أة‬ ‫قرق ع المفت ا ف ي الب اب ‪ ،‬أذيع ت اس ماء تس عة اش خاص م ن مهجعن ا ‪ ،‬ثالث ة اع دام وس تة محاكم ة ‪ ،‬توقف ت‬ ‫التحض يرات رج راء العم لي ة اكث ر م ن س اعة ‪ ،‬توض أ خالله ا المحكم ون بارع دام ‪ ،‬ص لوا ‪ ،‬ودع وا الن اس ‪،‬‬ ‫خلعوا الثياب الجيدة وارتدوا ثيابا بالية ‪ ،‬فتح الباب ‪ ...‬خرجوا ‪.‬‬ ‫ اللهم احسن ختامنا ‪ ،‬عليهم رحمة هللا ‪ ،‬خلونا نت ابع الش غل ي ا ش باب ألن ه الم ريض م ا ع اد ممك ن يتحم ل‬‫اكثر من هيك ‪.‬‬ ‫توجه الطبيب الجرا بهذه الكلمات الى بعض ارطباء والى الشباب الذين كانوا يقومون بارس تعدادات ‪ ،‬انته ى‬ ‫تجهيز المشارط ‪ ،‬توجه الطبيب ومعه بعض الشباب الى حيث يستلقي المريض متألما امام المغاسل ‪.‬‬ ‫تملكني الفضول ‪ ،‬اريد ان ارى اج راء العملي ة الجراحي ة ‪ ،‬وقل ت ان م ن حق ي ان ارى ‪ ،‬تمش يت م تمهال ال ى‬ ‫ال داخل ‪ ،‬دخل ت ال ى المرح اض ‪ ،‬ح والي عش رة اش خاص منهمك ون بالتحض ير ‪ ،‬خرج ت م ن المرح اض‬ ‫وانزويت جانبا ‪ ،‬لم ينتبه إلي احد ‪ ،‬اخذت أراقب ‪.‬‬ ‫ك يس بالس تيكي ممل وء بال دهن ‪ ،‬يب دو أ نه م ك انوا يجمع ون ال دهن المتجم د عل ى س طح الطع ام ‪ ،‬ينقون ه م ن‬ ‫الشوائب ويضعونه في الكيس ‪ ،‬مأل وا احدى عل ب الس ردين بال دهن وغ رزوا في ه قطع ة قم اش بع د ان فتلوه ا‬ ‫جيدا ‪ ،‬اخرس احدهم علبة كبريت واشعل الفتيل ‪ " ،‬من اين الكبريت ؟!" ‪ ،‬اشتعلت النار مدخنة ‪ ،‬وضعوا فو‬ ‫النار علبة سردين اخرى مملوءة بالماء وبه " المش ارط " ‪ ،‬ك انوا ينفخ ون عل ى ال دخان المتص اعد م ن ال دهن‬ ‫ويحاولون توزيعه قدر ارمكان كي ر يصعد الى السطح ويشمه الحارس ‪ ،‬بعد قليل غلت المياه فتعقمت ادوات‬ ‫الجراحة ‪.‬‬ ‫ف�� هذه ارثناء كان الطبيب قد غسل بط ن الم ريض بالم اء والص ابون ‪ ،‬ث م احض ر ملح ا رطب ا ف رك ب ه نف س‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪73‬‬

‫المكان ‪ ،‬غسل يديه جيدا واصر على اراتداء ا لكمام ة قب ل اج راء العملي ة ‪ ،‬تغي رت نب رة ص وته وب دأ باص دار‬ ‫اروامر ‪:‬‬ ‫ ما في عنا مخدر ‪ ...‬لذلك بدك تتحمل ارلم ور تتحرك ابدا ‪.‬‬‫ تعالوا انتو ارربعة ‪ ،‬امسكوه بقوة ‪ ،‬كل واحد من طرف ‪.‬‬‫اخرس الطبيب المش ارط م ن علب ة الس ردين وب دأ بتجريبه ا واح دا بع د ارخ ر ‪ ،‬اخت ار المش رط المص نوع م ن‬ ‫غطاء ساعتي ‪ ،‬جربه على اظفر ابهامه ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ ياهلل يا اخي ‪ ،‬توكلنا على هللا ‪ ،‬يا شباب ثبتوه منيح ور تخلوه يتحرك ابدا ‪.‬‬‫وضع المشرط على بطن المريض " بسم هللا الرحمن الرحيم "‪ ،‬وحز جرحا بطول عشرة سنتيمترات تقريبا‪.‬‬ ‫ آا يا امي ‪.‬‬‫صا المريض ولكنه لم يتحرك ‪.‬‬ ‫انتهت العملية ‪ ،‬كان الطبي ب يعم ل بس رعة فائق ة ‪ ،‬وبع د خياط ة الج ر مس حه ونظف ه ‪ ،‬ف تح ع دة حب ات م ن‬ ‫المضاد الحيوي وافرغ المسحو فو الجر ‪ ،‬ثم قطعة قماش نظيفة وربطه جيدا ‪.‬‬ ‫ انشاء هللا معافى يا اخي ‪ ،‬يا شباب احملوه على فرشته ‪.‬‬‫عدت الى فراشي فوجدت بنطال بيج اما وقطعتي قم اش فوقهم ا اب رة عظمي ة وخيط ان ‪ ،‬امس كت به ذه ارش ياء‬ ‫نظرت حولي ولكن لم يكن هناك احد يلحظني ‪ ،‬من وض ع ه ذه ارغ راض ؟ البنط ال عرفت ه ك ان رح د ال ذين‬ ‫أعدموا اليوم ‪ ،‬لكن من وضعه على فراشي ؟ ‪.‬‬ ‫بعد قليل أدركت ارمر ‪ ،‬لقد اعطوني هذه ارشياء ‪ ،‬هل هي مكافأة ؟ هل يعني هذا انني لم اعد جاسوس ا ك افرا‬ ‫؟! التفت الى ابو حسين ‪ ،‬رفعت ارشياء بيدي أمام وجهه وقبل ان أنط بحرف قال بحدة شعرت انها مفتعلة ‪:‬‬ ‫ الك ‪ ...‬هدول الك ‪ ...‬ماداموا على فرشتك يعني الك ‪.‬‬‫من يومها احسست ان وضعي قد تحسن قليال ‪ ،‬رقعت بنطالي من الخلف وم ن األم ام ‪ ،‬أص بحت ال بس بنط ال‬ ‫البيجاما عندما اغسل بنطالي ‪ ،‬اصبح يوسف "مجنون القائد" يزورني مجددا دون ممانعات ‪.‬‬ ‫اآلن وبعد مرور شهر على اجراء العملية فان الرجل تعافى وأصبح يمشي بشكل طبيعي ‪.‬‬ ‫" لكنه سيعدم بعد حوالي السنة شنقا "‪.‬‬

‫‪ 2‬كانون الثاني‬ ‫البارحة كان عيد رأس ا لسنة ‪ ،‬اغلب الناس خارس هذا المكان يحتفل ون به ذه المناس بة حت ى الص با ‪ ،‬أم ا هن ا‬ ‫فأعتقد أني الوحيد الذي يعني ل ه ه ذا الي وم ش يئا‪ .‬من ذ بداي ة المس اء ن ام الجمي ع ‪ ،‬الب رد ج ار ‪ ،‬لبس ت بنط ال‬ ‫البيجاما وفوقه بنطالي والسترة ‪ ،‬تغطيت بالبطانيات لكن ر جدوى ‪ ،‬قداماي مثلجتان ‪ ،‬انفي ‪ ...‬اذني ‪ ...‬لففت‬ ‫نفسي جيدا وغطيت رأسي‪ ،‬هذا البرد الصحراوي اللعين ‪ ...‬برد كنصل الشفرة ‪.‬‬ ‫حاول ت اله رب من ه ال ى أحالم ي ‪ ،‬رتب ت س هرة ل رأس س نة م ا ‪ ،‬تعب ت قل يال ف ي اختي ار المك ان‬ ‫واألشخاص ‪ ،‬انا نجم السهرة بال منازع ‪ ،‬المائدة مليئة باألطعمة واألشربة ‪ ،‬الموسيقا ‪ ،‬الرقص ‪ ...‬جو المر‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪74‬‬

‫والنكات‪ ،‬الثلج يتساقط في الخارس‪ ،‬أقف خلف زجاس النافذة‪ ،‬أرقب اشجار الصنوبروقد تكللت باللون األبيض‪،‬‬ ‫الدفء داخل المنزل يحيطني ‪ ...‬أحس بالترف‪ ،‬وبنفس الوقت بالتعب‪ ،‬سريروثيروأغطية ناعمة اللمس !!‪.‬‬ ‫مستحيل ‪ ...‬غير ممكن في ظل هذا البرد ان تحلم بالدفء!‪ .‬أزحت الغطاء قليال‪ ،‬حككت يدي ببعضهما‪ ،‬نفخت‬ ‫عليهما‪ ،‬فركت قدمي بقوة عل الدماء تسري فيهما ! ‪.‬‬ ‫عند منتصف الليل سمعت اص واتا ف ي الس احة أم ام مهجعن ا ‪ ،‬تغطي ت بالبطاني ة ونظ رت م ن الثق ب ‪ ،‬الس احة‬ ‫مضاءة كالعادة ‪ ،‬كل ساحات واسطح ومهاجع وسور السجن تبقى مضاءة ليال نهارا ‪ ،‬هناك في الساحة جمهرة‬ ‫كبيرة من الش رطة يص درون ض جة كبي رة ‪ ،‬ض حك ‪ ..‬ص يا ‪ ..‬ش تائم ‪ ..‬امعن ت النظ ر جي دا ‪ ،‬المس اعد ف ي‬ ‫وسط الساحة تحيط به مجموعة من الرقباء ‪.‬‬ ‫احسست بحركة داخل المهجع ‪ ،‬نظرت من تحت البطانية كان الجمي ع ق د اس تيقظ ‪ ،‬ال بعض يبس مل ويحوق ل ‪،‬‬ ‫البعض يردد عبارات مثل ‪ :‬يالطيف ‪ ..‬ياستار ‪ ..‬اللهم مرر هذه الليلة على خير !!‪.‬‬ ‫عدت للنظر الى الساحة‪ ،‬كان المساعد وشلته قد اقتربوا قليال من مهجعنا الذي يعتبر من أكبر المهاجع في هذه‬ ‫الساحة ‪ ،‬طلب من الشرطة فتح الباب وإخراس السجناء الى الساحة‪ .‬وخرجنا ‪.‬‬ ‫خرجنا حفاة عراة ‪ ،‬حتى السروال الداخلي أمرونا ان نخلعه ‪ ،‬صفونا أرتار وأمروا أن يبتعد الواحد عن ارخر‬ ‫خطوتين ‪ ..‬وأن ر نستغل عرينا لنلوط بعضنا !‪.‬‬ ‫" وردت رسالة قبل بضعة ايام عن طري المورس من الساحة الثاني ة تق ول إن الرقي ب ( ي ا مني ك ) ق د اجب ر‬ ‫سجينا ان يلوط أخاه !!"‪.‬‬ ‫[ لماذا تركز الشرطة على هذه المسألة كثيرا ؟!] ‪.‬‬ ‫الشرطة والرقباء والمساعد جميعا يرتدون المعاطف العسكرية وقد لفوا رؤوسهم باللفحات الصوفية ‪ ،‬المس اعد‬ ‫يتمشى جيئة وذهابا أمام الصف ‪ ،‬الشرطة يضبطون ارصطفاف ‪ :‬وقف باستعداد ور ‪ ...‬نزل راسك ‪..‬‬ ‫الري ح شمالية خفيفة ولكنها قارسة ‪ ،‬اعتقد ان درجة الحرارة تحت الصفر ببضع درجات ‪.‬‬ ‫بللونا بالمياه من الرأس وحتى اخمص القدمين ‪ ،‬امرون ا ار نتح رك ‪ ،‬عناص ر الش رطة يمش ون حولن ا وخ الل‬ ‫صفوفنا وبايدهم الكرابيج والعصي ‪.‬‬ ‫بدأ المساعد خطبة طويلة ‪ ،‬وقفته والكثير من عباراته وجمله وحركاته هي تقليد وتكرار لحركات واقوال مدير‬ ‫السجن ‪ ،‬ثالثة ارباع الخطبة شتائم مقذعة ‪ ،‬وقد بدأها بتحميل السجناء مسؤولية بقائه بالسجن بينم ا الع الم كل ه‬ ‫يحتفل ‪ ،‬ولور اننا موجودون هنا حاليا لكان هو ايضا يحتفل ‪ ،‬الضباط ذهب وا ليحتفل وا وترك وا ك ل المس ؤولية‬ ‫على عاتقه‪ " .‬رجل ذو اهمية تاريخية !" ‪.‬‬ ‫انهى خطبته وغادر الساحة وقد شد صدره الى الخلف ‪ ،‬دون أن يعطي اية تعليمات بشأننا ‪.‬‬ ‫صوت اصطكاك ارسنان مسموع بشكل واضح الجميع يرتجف بردا ‪ ،‬انا بالكاد أتماسك ألبقى واقفا ‪.‬‬ ‫أظن أن هناك سؤار طاف بأذهان الجميع ‪.‬‬ ‫‪ -‬م ا نهاي ة ك ل ه ذا ؟‪ ...‬م اذا س يفعلون بن ا ؟‪ ...‬ه ل ه ي مقدم ة لمج زرة جدي دة ؟‪ ...‬ه ل س نعود ثاني ة ال ى‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪75‬‬

‫مهجعـ"نا" ؟!‪.‬‬ ‫ر كلمة ‪ ،‬ر صراا ‪ ،‬ر شتيمة ‪ ،‬صمت مطب ر يخدش ه ار ص وت خط وات الش رطة وه ي تتمش ى حولن ا ‪،‬‬ ‫حتى ايديهم التي يحملون بها الكرابيج والعصي دسوها في جيوبهم وب رزت العص ي وت دلت الك رابيج م ن ه ذه‬ ‫الجيوب ‪.‬‬ ‫الجسد ‪ ...‬الخدر يزداد وينتشر ‪ ،‬ارلم يتعمم ويتعم ‪ ،‬ارسنان تصطك ‪ ،‬م ن اللس ان وحت ى المس تقيم ارتج اف‬ ‫واحد ‪ ،‬ارنف ‪ ،‬ارذنان ‪ ،‬الكفان ‪ ،‬القدمان ‪ ،‬كل هذا ليس من الجسد‪ .‬تتساقط الدموع ب ردا وبك اء فتتجم د عل ى‬ ‫الخدين وزوايا الفم المرتجف ‪ ،‬والسؤال ‪ :‬متى سأسقط ارضا ؟‪.‬‬ ‫يسقط أ حدهم قبلي ‪ ،‬يوق ف جمي ع عناص ر الش رطة ع ن الحرك ة ل دى س قوطه ‪ ،‬تخ رس اري دي م ن الجي وب ‪،‬‬ ‫وينطل بضعة عناصر ‪ ،‬يجرون السجين الذي سقط الى امام الصف حيث يتجمع الرقباء ‪ ،‬يقول احد الرقباء‪:‬‬ ‫ ياهلل ‪ ...‬دفوه ‪.‬‬‫تنهال الكرابيج على جميع أنحاء جسده المتخشب ‪ ،‬يحاول الوقوف ولكن وقع الكرابيج يمنع ه ‪ ،‬يس قط آخ ر ‪...‬‬ ‫يجر الى حيث التدفئة ‪ ،‬وآخر ‪ ...‬وآخر‪.‬‬ ‫أجالد نفسي خوفا من السقوط ‪ ،‬يحدث انفصال تام بين العقل والجسد ‪ ،‬عقلي صاف تماما وواع ك ل م ا يج ري‬ ‫حولي ‪ ،‬أما جسدي فينفصل عني شيئا فشيئا خدرا وتجمدا ‪ ،‬تختلط الدموع مع المخاط السائل من األن ف واج د‬ ‫صعوبة بالتنفس ‪ ،‬ر أجرؤ على رفع يدي إلى أنفي ‪ ...‬حتى لو استجابت يدي !‪.‬‬ ‫وسقطت ‪ ...‬سقطت دون ان افقد الوعي وجروني الى امام الصف ‪.‬‬ ‫لقد جربت وعاينت الكثير من صنوف ارلم الجسدي ‪ ...‬لك ن أن تس اط ف ي الب رد وأن ت مبل ل ‪ ...‬أم ر ر يمك ن‬ ‫وصفه ‪.‬‬ ‫مع بزوغ ضوء الفجر وسقوط آخر شخص وتدفئته من قبل الشرطة انتهت الحفلة‪ .‬دخلن ا المهج ع ركض ا عل ى‬ ‫ايقاع الكرابيج ‪ ،‬ركضنا بخفة ورشاقة وكنت أظن أنني لن استطيع النهوض عن اررض ‪ ،‬لك ن م ا أن س معت‬ ‫األمر بالدخول ورأيت الكرابيج تهوي حتى قفزت ‪ " ،‬لطالما تساءلت بيني وبين نفسي عن منبع هذه القوة !‪...‬‬ ‫المقاومة ؟"‪.‬‬ ‫هذه المرة رأيت فرحا حقيقيا على وجوه الناس بخالصهم من مجهول كانوا يخشون وقوعه في دواخله م كثي را‬ ‫‪ ،‬وخلف هذا الفر تراكمت طبقة جديدة من حقد اسود تزداد سماكتها بازدياد ارلم والذل ‪.‬‬

‫‪ 2‬حزيران‬ ‫قيل قديما إن هللا خل لالنسان فماً واحدا وأذنين اثنين حتى يسمع أكثر مما يتكلم ‪ ،‬أما أنا فقد كنت طوال هذه‬ ‫السنوات بال فم وبعشرات اآلذان ‪.‬‬ ‫كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬بيادر وأهرامات مكدسة من الكالم ‪ ،‬انقل إذنا ال ى زاوي ة المهج ع البعي دة ألس مع ب م‬ ‫يتحدثون ‪ ،‬ارذن ارخرى انقلها الى ح ائط الم ورس ‪ ،‬م اذا ي رد رس ائل م ن المه اجع ‪ ،‬ر أح رك عين ي ‪ ،‬فق ط‬ ‫اذني ‪ ،‬األذن الثالثة تنتقل الى حيث حلقة حفظ القرآن ‪ " ،‬لقد حفظت الكثير جدا من الق رآن !"‪ ،‬واألذن الرابع ة‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪76‬‬

‫‪ ...‬الخامسة ‪.‬‬ ‫فمي مقفل ‪ ،‬أحن الى الكالم ‪ ،‬أشتا الى ان أسمع صوتي أنا ‪ ،‬حتى عندما يجلس يوسف عندي ر أتكلم ‪ ،‬ألنه‬ ‫ببساطة ر يتيح لي المجال حتى اسأله ش يئا ‪ ،‬م ا ان يجل س حت ى يب دأ الك الم ‪ ،‬احيان ا تك ون الجم ل مترابط ة ‪،‬‬ ‫احيانا مجرد تخاريف ‪ ،‬لكن ر فواصل ور توقفات ‪ ،‬وعلى ارغلب ينهض مغادرا وهو يتابع الحديث ‪.‬‬ ‫كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬الجميع يتكلم والجميع يسمع ‪ ،‬وألن الكالم دائما يكون همسا اأو بص وت خاف ت ف إن‬ ‫مجموع هذه الهمسات يتحول الى شيئ ر هو باألزيز ور هو بالطنين ‪ ،‬ر بالفحيح ور بالهسيس ‪ ...‬ه و ش يء‬ ‫من كل هذا ‪ ،‬يدخل ارذنين ومنه الى الرأس الذي يتحول آخ ر الي وم ال ى م ا يش به الطاس ة الفارغ ة ‪ ،‬ش يء م ا‬ ‫كالطبل ‪ ،‬أ نقر على رأسي بأصابعي فأسمع الرنين ‪ ،‬حتى بعد ان ينام الجميع وتسكت ارصوات كلها تبقى هذه‬ ‫الضجة المكتومة تحوم داخل ارذن وتقرع جدران الرأس‪.‬‬ ‫احلم احد احالمي الصغيرة ‪ ،‬وقد صغرت كل احالمي ‪:‬‬ ‫ أحلم ‪ ...‬أن اعيش ولو ليوم واحد فقط ف ي زنزا ن ة انفرادي ة ‪ ،‬ف ي ص مت مطب ‪ ،‬ر ض جيج ‪ ،‬ر نظ رات‬‫عداء ‪ ،‬ر نظرات احتقار ‪ ،‬وأنام خالله نوما عميقا ‪.‬‬ ‫ احل م ‪ ...‬أن أس تحم ول و لم رة واح دة فق ط ف ي حم ام الس و ‪ ،‬محاط ا بالبخ ار والمي اه الس اخنة المتدفق ة ‪،‬‬‫والمكيس والمدلك ‪.‬‬ ‫ أحلم ‪ ...‬أن اقف على الرصيف امام محل للفالفل ‪ ،‬آكل سندويشة واشرب العيران ‪.‬‬‫ احلم ‪ ...‬أن اسير في شارع هادىء ظليل ‪ ،‬س ير ش خص عاط ل متبط ل ‪ ،‬ر يقص د مكان ا مح ددا ‪ ،‬وغي ر‬‫محدد بزمن معين ‪.‬‬ ‫ احلم ‪ ...‬بأمي وهي توقظني صباحا ‪ ،‬وأنا ارفض درر أن استيقظ مغطيا رأسي باللحاف ‪.‬‬‫ احلم ‪ ...‬بشخص ‪ ...‬أي شخص ‪ ،‬يقول لي صبا الخير ‪.‬‬‫كالم ‪ ...‬كالم‪ ...‬كالم‪ ، ...‬منذ عشرة ايام كل الكالم يدور حول موضوع واحد هو الزيارة !‪.‬‬ ‫منذ عشرة ايام قرب اثنان من السجناء في المهجع رأسيهما من الجدارالذي ترد من ه الرس ائل ع ادة ‪ ،‬يس معان‬ ‫النقرات ويبلغانها ألربعة اشخاص خلفهما ‪:‬‬ ‫ فاء – ياء " في " ‪ ،‬ا‪ -‬ل – م – ه – س – ع " المهجع " ‪ ،‬وهكذا الى ان اكتملت الرسالة – البرقية ‪: -‬‬‫" في المهجع الواحد والعشرين أحد ارخوة أتته زيارة ‪ ،‬وقد حضر كل اهله !" ‪.‬‬ ‫في البداية كان الذهول سيد الموق ف ‪ ،‬بع د ان أذيع ت الرس الة عل ى الجمي ع س اد الص مت ‪ ،‬ال بعض ينظ ر ال ى‬ ‫البعض ‪ ،‬اعقب ته ا نظ رات س اهمة ‪ ،‬ت ذكر الجمي ع ماك انوا ق د نس وه لمعظ م الوق ت ‪ ،‬او أجب روا عل ى نس يانه ‪،‬‬ ‫قاموس حياتهم اصبح يحتوي على عش رات المف ردات فق ط ‪ ،‬تب دأ بالمرح اض والحنفي ة والطه ارة والنجاس ة ‪،‬‬ ‫وتنتهي عند الكرباس وارسماء المحلية للشرطة ‪ ،‬اما الصالة والقرآن‪ ،‬على ما فيهما من غن ى لغ وي ‪ ،‬فيص بح‬ ‫تردادهما آليا ر يستدعي اشغال الفكر ‪.‬‬ ‫ت ذكر الجمي ع أن هن اك حي اة اخ رى خ ارس ه ذا المك ان ‪ ،‬وخ ارس ه ذا الق اموس اللغ وي الض ئيل ‪ ،‬وانه ا ه ي‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪77‬‬

‫ارصل ‪ ،‬وما هم فيه طارىء عابر ‪.‬‬ ‫يذهب الخيال الى حيث األهل وارحبة ‪ ،‬تحضر المرأة بق وة مهيمن ة ‪ ،‬الم رأة الزوج ة ‪ ،‬الم رأة ارم ‪ ...‬ارخ ت‬ ‫‪ ...‬اربنة ‪ ،‬ويسود وجوم رمادي حامض ‪ ،‬تثور التساؤرت الممضة والحارقة عن المصائر ؟!‪.‬‬ ‫الزمن في السجن زمنان ‪ ،‬يستتبعهما احساسان متناقضان ‪ ،‬الزمن الراهن ‪ ...‬ثقيل بطيء ‪ ،‬وال زمن الماض ي‬ ‫‪ ،‬ما مضى من ايام وشهور وسنين السجن ‪ ...‬زمن خفيف سريع ‪ ،‬تنتبه فجأة وتسأل نفسك ‪:‬‬ ‫ ماذا ؟ ! ‪ ...‬اصبح لي في السجن خم س س نوات ‪ ،‬س بع ‪ ،‬عش ر ؟! الحقيق ة ل م اش عر به ذا ال زمن ‪ ،‬ي االهي‬‫كيف مضت هذه السنون بسرعة البر !!‪.‬‬ ‫تفكر ‪ ،‬وتعرف ان هذا ارحس اس ن اتج ع ن ان ه ف ي زحم ة التفاص يل اليومي ة قلم ا يت ا ل ك الوق ت لتع د اري ام‬ ‫والسنوات ‪ ،‬وهذا كالجلد بالكرباس ‪ ،‬اذا بدأت عد الضربات حتم ا س وف تض عف ‪ ،‬وك ذلك اذا ب دأت ع د اري ام‬ ‫وتسجيلها خطا وراء خط على الحائط ‪ ،‬حتما سوف تضعف ‪ ،‬او ‪ ...‬تجن !‪.‬‬ ‫كسر ابو حسين الصمت بعد دقائ قليلة ‪ ،‬نادى احد جماعة المورس وطل ب من ه ارتص ال م ع المهج ع الواح د‬ ‫والعشري ن وارستفسار عن الزيارة ‪ ،‬كيف اتت ‪ ،‬هل فتحت الزي ارات للجمي ع ‪ ،‬ام ه ي بالواس طة ‪ ،‬ام الرش وة‬ ‫‪ ...‬كيف تعامل الشرطة مع ارمر ‪ ،‬هل احضر ارهل اغراضا ‪ ...‬الك؟ ‪.‬‬ ‫وجاء الجواب ‪ ،‬ر يعرفون شيئا عن آلية الزيارة ‪ ،‬هناك الكثير من ارغراض ‪ ،‬البسة واطعمة ونقود ‪ ،‬السجين‬ ‫ذهب الى الزيارة وعاد دون ان يضربه احد ‪.‬‬ ‫بعد ثالثة ايام ألقى مدير السجن خطابا ‪ ،‬تحدث فيه عن انسانيته ورحمته وان قلبه ينفطر ألما عندما يرى ابناء‬ ‫وطنه في هذه الحالة !! وقال ‪:‬‬ ‫ كل من تأتيه زيارة منكم عليه ان يطلب من أهله إخبار كل من يعرفون م ن اه الي الس جناء ارخ رين لك ي‬‫يسعوا الى زيارته وبنفس الطريقة ‪.‬‬ ‫لكن ماهي الطريقة ؟‪ ...‬لم يعرف احد ‪ ،‬ولم يجرؤ على السؤال احد ‪ ،‬وكانت المرة ارول ى الت ي يخاطبن ا فيه ا‬ ‫وعيوننا مفتوحة ورؤوسنا ليست منكسة الى ارسفل ‪.‬‬ ‫اليوم اتت زي ارة لش خص م ن مهجعن ا ‪ ،‬اب و عب دهللا ‪ ،‬ن ادوه باس مه الثالث ي ‪ ،‬وهن ا قلم ا يع رف ارس م الثالث ي‬ ‫لشخص ما ‪ ،‬فالكل ينادون بعضهم بـ " ابو " ‪ ،‬ابو حسين ‪ ،‬ابو عبدهللا ‪ ،‬ابو علي ‪ ،‬ابو احمد ‪...‬‬ ‫طلب الشرطة من ابو عبدهللا ان يلبس ثيابا جيدة ‪ ،‬وتبارى الجميع رلباس ابو عبدهللا افضل ثياب في المهجع ‪،‬‬ ‫ذهب اب و عب دهللا وع اد بع د اكث ر م ن نص ف س اعة ‪ ،‬ع اد رهث ا مخضوض ا يتص بب عرق ا ‪ ،‬وق ف بمنتص ف‬ ‫المهجع يتلفت وينظر الى الجمي ع ‪ ،‬ولك ن يب دو كم ن ر ي رى اح دا ‪ ،‬ب اب المهج ع ري زال مفتوح ا والبل ديات‬ ‫يدخلون ارغراض بجاطات بالستيك ‪ ،‬بعد ان اغل الشرطة الباب قال شخص رخر ‪:‬‬ ‫ ماشاء هللا ‪ ...‬ما شاء هللا ‪ ،‬خمسة وثمانون جاطا !!‪.‬‬‫ابو عبدهللا يتلقى التهاني من الجميع وهو رزال واقفا كالمأخوذ ‪:‬‬ ‫‪ -‬مبروك ابو عبدهللا ‪ ...‬مبروك الزيارة ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪78‬‬

‫ هللا يبارك فيكم ‪ ...‬عقبال عندكم ‪.‬‬‫ مبروك ابو عبدهللا ‪ ...‬كيف ارهل ؟‪.‬‬‫ الحمدهلل بخير ‪ ...‬يسلمون على الجميع ‪.‬‬‫قطع ابو عبدهللا سلسلة " المبروك " والتفت فجأة الى ابو حسين ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ كيلو ذهب ‪ ...‬كيلو ذهب ياابو حسين !! ‪ ...‬هللا وكيلك كيلو ذهب ‪.‬‬‫فوجئ ابو حسين ‪ ،‬نظر الى ابو عبدهللا بتمعن ‪ ،‬وزن ارمور قليال ‪ ،‬ثم سأل ‪:‬‬ ‫ خير ابو عبدهللا ‪ ...‬خير ‪ ،‬شو قصة هـ الكيلو ذهب ؟‪.‬‬‫ الزيارة يا ابو حسين الزيارة ‪ ...‬كل زيارة بكيلو ذهب ‪.‬‬‫فارتفعت عدة اصوات متسائلة الى جانب صوت ابو حسين ‪:‬‬ ‫ شو !!‪ ...‬كيلو ذهب كل زيارة ؟‬‫ نعم كيلو ذهب ‪ ،‬سألت اهلي قالوا لي ‪ ،‬رزم امك ترو لعند ام م دير الس جن تأخ ذ معه ا كيل و ذه ب ‪ ،‬وام‬‫مدير السجن تعطي ورقة زيارة !!‪.‬‬ ‫اراد ابو حسين ان يهون على ابو عبدهللا ‪:‬‬ ‫ ول و اب و عب دهللا ‪ ...‬كيل و ذه ب ف داك ‪ ...‬المه م ان و ش فت اهل ك وش افوك وتطمن وا علي ك ‪ ،‬اي ه ه ـ الش غلة‬‫بتساوي اموال الدنيا كلها ‪ ،‬هللا يلعن الذهب واب و ال ذهب‪ ...‬الم ال وس ك اي دين ب رو وبيج ي ‪ ،‬المه م ان ت‬ ‫وصحتك واهلك ‪ ،‬الذهب مو مهم المهم البني ادم اللي بجيب الذهب ‪.‬‬ ‫ ايه وهللا صحيح ‪ ...‬ايه وهللا صحيح ياابو حسين !‪.‬‬‫يومها انا دخت ‪ ...‬سكرت ‪ ...‬حتى ان عيني قد غامتا ‪ ...‬تشوشتا ‪.!...‬‬ ‫البل ديات ك انوا ينقل ون الجاط ات حت ى ب اب المهج ع ‪ ،‬يخ رس الف دائيون ويأخ ذون الجاط ات م نهم ‪ ...‬دون أي‬ ‫ض رب !‪ ...‬يفرغونه ا داخ ل المهج ع ويس لمونها للبل ديات ‪ ...‬الكثي ر م ن ارلبس ة ‪ ،‬خاص ة المالب س الداخلي ة‬ ‫الصيفية والشتوية ‪ ،‬كأن هناك من أسر ب أذان اره ل ع ن حاجاتن ا ‪ ،‬والكثي ر ‪ ...‬الكثي ر م ن الخض ار والفواك ه‬ ‫التي يمكن ان تؤكل نيئة ‪.‬‬ ‫ما اسكرني ‪ ...‬كان الخيار ‪ ...‬الخيار بلونه ارخضر ‪ ،‬انسابت روائحه وعطوره الى انف ي ‪ ،‬ثالث ة جاط ات م ن‬ ‫الخي ار أفرغوه ا وس ط المهج ع غي ر بعي د عن ي مش كلة ت ال ص غيرا اخض ر ‪ ،‬ال ى جانب ه ت ل ص غير احم ر م ن‬ ‫البندورة ‪ ،‬رائحة الخيار مألت المهجع ‪ ،‬الجميع كان فرحا ‪ ،‬ابو عبدهللا كان مذهور من اث ر الزي ارة ‪ ،‬ودون ان‬ ‫افكر او اعي بما اقوم به مشيت وجلست الى جانب ت ل الخي ار ارخض ر ‪ ،‬انحني ت وش ممت بعم ‪ ،‬انه ا رائح ة‬ ‫الطبيعة ‪ ...‬انها رائحة الحياة ‪ ،‬اخضراره هو اخضرار الحياة ذاتها ‪ ،‬امسكت واحدة وادنيتها م ن انف ي وتنش قتها‬ ‫بعم ‪ ،‬اغمضت عيوني واعتقد ان مالمحي كلها كانت تبتسم ‪.‬‬ ‫كان كل هذا اشبه بزلزال ‪ ،‬ارتج كيانه ك ل ه ‪ ،‬فتح ت عين ي واذ بغاب ة م ن العي ون تح د ب ي ‪ ...‬ل م اعب أ ‪ ،‬القي ت‬ ‫الخيارة على كومة الخيار ‪ ،‬مشيت الى فراشي ‪ ،‬تمددت ‪ ،‬غطيت رأسي ‪ ...‬وبكيت بصمت ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪79‬‬

‫بقيت عدة ساعات تح ت البطاني ة ‪ ،‬ر اري د ان ارى اح دا ‪ ،‬ر اري د ان ارى ش يئا ‪ ،‬البك اء اراحن ي قل يال ‪ ...‬ول م‬ ‫البث ط ويال حت ى نم ت ‪ ،‬اس تيقظت عص را رفع ت البطاني ة وجلس ت ‪ ،‬ك ان ام ام فراش ي مجموع ة متنوع ة م ن‬ ‫ارغراض ‪ " ...‬نصف خيارة ‪ ،‬نصف حبة بندورة ‪ ،‬رغيف خبز م دني ‪ ،‬قطع ة بق الوة ف اخرة ‪ ،‬بع ض انص اف‬ ‫حبات الفاكهة ‪ ،‬ولكن ارهم كان ارلبسة ‪ ...‬بيجام ا رياض ية ‪ ،‬غي ار داخل ي ش توي م ن الص وف ‪ ،‬غي ار داخل ي‬ ‫صيفي ‪ ،‬جوارب صوفية ‪ ...‬ثم شحاطة !"‪.‬‬ ‫طوال كل هذه السنوات ومنذ ان اخذوا حذائي بمركز المخابرات لم انتعل بق دمي ش يئا ‪ ،‬وق د تش كلت عل ى كام ل‬ ‫قدمي من ارسفل طبقة سميكة من اللحم الميت المتقرن المتشق ‪ ...‬وارن ها هي شحاطة !‪.‬‬ ‫نظرت حولي ‪ ،‬واضح ان حصتي مساوية لحصة أي سجين اخر منهم ‪ ،‬راكثر ور اقل ‪.‬‬ ‫( ه م جميع ا يكره ونني ‪ ،‬ه م جميع ا يحتقرونن ي ‪ ،‬بعض هم يري د قتل ي ‪ ...‬ك ل ه ذا ص حيح ‪ ،‬ولك ن ف ي ارم ور‬ ‫الحياتية ‪ ...‬كانوا عادلين معي ) ‪.‬‬ ‫اخذت ارغراض ‪ ،‬رتبتها كوسادة ‪ ...‬اكلت ‪ ،‬ولكن لم اشأ ان اكل نصف الخيارة ‪.‬‬

‫‪ 1‬حزيران‬ ‫البارح ة ك ان يوم ا ح افال ‪ ،‬ل م اس تطع الن وم ار ف ي س اعة مت أخرة واس تيقظت كالع ادة ص باحا ‪ ،‬فاج أني وج ود‬ ‫قطعتين من الخيار " نصفين " الى جانب النصف الخاص بي ‪ ،‬ثالثة انصاف ‪ ...‬واستنجت ان هناك شخصين قد‬ ‫تنازر عن حصتهما من الخيار لي !!‪ ...‬ظنا انني احب الخي ار !‪ ...‬ل م يعرف ا ان الخي ار برائحت ه ‪ ...‬لون ه ‪ ...‬ق د‬ ‫استحضر الحياة بكل ثقلها الى نفس كانت قد نسيت الحياة !‪.‬‬ ‫اثنان منـ "هم" يتعاطفان معي ! ‪ ...‬ولكن ر يجرؤان على اظهار هذا التعاطف !‪.‬‬ ‫داخلي قليل من الراحة وارطمئنان ‪ ،‬نظرت حولي ‪ ،‬هل أستطيع تمييزهما ؟ ‪.‬‬ ‫كل الوجوه مغلقة ‪ ،‬كل العيون كابية ‪.‬‬

‫‪ 8‬اذار‬ ‫كالع ادة أخرجون ا الي وم ال ى الس احة ‪ ،‬أوقفون ا أم ام مهجعن ا ‪ ،‬وهك ذا بقي ة المه اجع ‪ ،‬إذاع ة الس جن تص د من ذ‬ ‫الصبا باألغاني التي تمجد رئيس الدولة وتتغنى بحكمت ه وش جاعته وبطورت ه ‪ ،‬اعط وا ورق ة مكتوب ة ال ى اح د‬ ‫السجناء بها بعض الشعارات والهتافات يصرا به ا ون ردد نح ن وراءه ‪ :‬س نفدي ال رئيس ب الرو وال دم ‪ ،‬يس قط‬ ‫ارخوان المسلمون عمالء ارمبريالية ‪...‬‬ ‫لم يكن السجناء يرون أي غضاضة بالهتاف ضد انفسهم ‪ ،‬او على ارقل لم تبدر منهم اي ة اش ارة او ممانع ة ت دل‬ ‫على ذلك ‪ ،‬كانوا يهتفون باصوات عالية جدا ر يستشف منها أي شيء من هذا ‪.‬‬ ‫هذه ارحتفارت تجري كل عام مرتين او ثالث مرات ‪ ،‬واحتفارت هذا العام تختلف ع ن غيره ا ف ي ان الس جناء‬ ‫اليوم كانوا ر ينفكون يحكون ويهرشون اجسادهم ‪ :‬انه الجرب‪ .‬بين تصفي وتص في ‪ ،‬ب ين هت اف واخ ر ‪ ،‬يم د‬ ‫السجين يده ليحك جسده ‪.‬‬ ‫بدأ الجرب منذ خمسة اشهر تقريب ا ‪ ،‬وكن ت ق د نج وت م ن الته اب الس حايا وم ن الس ل ار انن ي كن ت م ن اوائ ل‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪81‬‬

‫المص ابين ب الجرب ‪ ،‬ال ذي س رعان م ا ع م وانتش ر ليش مل الس جن كل ه ‪ ،‬والغري ب ف ي ارم ر ان ارخ تالط ب ين‬ ‫المهاجع ممنوع منعا باتا ‪ ،‬فكيف يمكن ان ينتشر وباء ما يبدأ في احد المهاجع ليعم السجن كله !!‪.‬‬ ‫وارغرب من هذا ان مستوى النظافة هنا يعتبر جيدا ‪ ،‬فالمساجين عموما يهتمون بالنظافة كثيرا ‪ ،‬خاص ة نظاف ة‬ ‫الجس د والثي اب رنه ا ش رط دين ي للطه ارة والص الة ‪ ،‬فكي ف يمك ن رش ياء مث ل القم ل والج رب ان تنتش ر به ذه‬ ‫الكثافة ؟!‪.‬‬ ‫ب دأالجرب فج أة عن د بض عة اش خاص وان ا م نهم ‪ ،‬ظه ر اول م ا ظه ر ب ين ارص ابع ث م امت د ال ى ثني ات الجس م‬ ‫ارخرى ‪ ،‬كان عذابا مضنيا كالنار عندما تسري في الجسد ‪ ،‬كل ي وم يم ر ي زداد ع دد المص ابين ‪ ،‬وواض ح من ذ‬ ‫البداية ان اية عملية وقاية ر جدوى منها ‪ ،‬مهما كانت ارحتياطات المتخذة من قبل الشخص السليم فهي عب ث ر‬ ‫طائل تحته ‪.‬‬ ‫منذ اليوم ارول حدد الدكتور غس ان ارم ر ‪ ،‬ه ذا ال دكتور وه و زمي ل الب ورد ارمريك ي لالم راض الجلدي ة ‪ ،‬ل ه‬ ‫مؤلفات كثيرة ويعتبر عالما في اخصاصه على المستوى العالمي ‪ ،‬شخص محترم هنا كثي را ‪ ،‬ر يت دخل ف ي أي‬ ‫مسألة ر تعنيه ‪ ،‬يترفع كثيرا عن الصغائر‪ ،‬وهو المرجع ارخير في الطب لكل ارطباء الذين في المهجع ‪.‬‬ ‫فحص الحارت ارولى للمرض ‪ ،‬قام به دوء م ن مكان ه واتج ه لعن د اب و حس ين ‪ ،‬وق ف ب ين فراش ي وف راش اب و‬ ‫حسين ‪ ،‬القى التحية ‪:‬‬ ‫ السالم عليكم يا ابو حسين ‪.‬‬‫قفز ابو حسين احتراما وهو يرد التحية ‪:‬‬ ‫ وعليكم السالم ورحمة هللا وبركاته ‪ ،‬اهال وسهال ‪ ...‬اهلين دكتور ‪ ...‬تفضل ‪ ...‬تفضل ‪ ...‬استريح ‪.‬‬‫جلس الدكتور غسان ‪ ،‬وبمنتهى الهدوء بلغ ارمر ربو حسين ‪ ،‬ختم حديثه قائال ‪:‬‬ ‫ هذا الجرب سريع العدوى ‪ ،‬خالل ايام را نكون كلنا جرب انين اذا م ا عالجن اه ‪ ،‬والع الس بس يط ‪ ،‬اخ ي‬‫ابو حسين ‪ ...‬خذ اجراءاتك ‪ ...‬بس انا خليني بعيد ع ن ه ـ الس اقط طبي ب الس جن !‪ ،‬م اني ط اي احك ي‬ ‫معه ور كلمة ‪ ...‬مفهوم ؟‪.‬‬ ‫اومأ ابو حسين برأسه موافقا ‪ ،‬عندها قام الدكتور فورا الى فراشه الذي ر يغادره ابدا ‪ ،‬فهو لم يشاهد جالس ا‬ ‫عند احد ‪ ،‬وهذه هي المرة ارولى التي يقوم فيها بالجلوس على فراش سجين اخر وكان ذلك للضرورة ‪.‬‬ ‫فيما هو يغادرالتفت نحوي ‪ ،‬سار خطوتين ثم توقف ‪ ،‬اتجه نحوي ‪ ،‬جلس على فراشي وهو يقول ‪:‬‬ ‫ السالم عليكم ‪ ...‬يا اخي ‪.‬‬‫ر ادري كيف اجبته مبهوتا وبصوت انا نفسي لم اسمعه ‪:‬‬ ‫ وعليكم السالم ورحمة هللا وبركاته ‪.‬‬‫ ممكن ‪ ...‬يا اخي من بعد فضلك‪ ...‬تمد ايديك حتى افحصهم ‪.‬‬‫بحركة الية مددت كفي الى ارمام ‪ ،‬امسك بهما‪ ،‬باعد بين ارصابع ثم التفت الى ابو حس ين وق ال كان ه يت ابع‬ ‫حديثا انقطع ‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪81‬‬

‫ شايف ابو حسين‪ ..‬وهاي ارا جارك كمان مصاب !‪ ،‬وانا ماشي شفته عم يحك وعرفت انه مصاب ‪.‬‬‫ ر حول ور قوة ار ب اهلل ‪ ...‬الله م اعن ا عل ى تحم ل ك ل ه ذه المح ن ‪ ،‬الله م ر تعطن ا حم ال خفيف ا ولك ن‬‫اعطنا ظهرا قويا ‪ ،‬يارب انت السميع المجيب ‪.‬‬ ‫بعد ان انهى ابو حسين الدعاء قال الدكتور ‪ :‬آمين ‪ ،‬ثم التفت الي ‪:‬‬ ‫ يا اخي حاول ار تحك ‪ ...‬مهما حكك جسمك حاول ر تحك ‪ ،‬وحتى يفرجها هللا ويتأمن الدواء حاول انك‬‫تغسل ايديك دائما بالماء والصابون ‪ ،‬وارجو لك من هللا الشفاء ‪ ،‬ور تخاف هذا المرض مزعج بس مانو‬ ‫خطير ‪.‬‬ ‫وذهب ‪.‬‬ ‫( ياهللا ‪ ...‬ما هذه العذوبة ؟‪ ...‬ما هذه الرقة ؟‪ ...‬ما هذه ارنسانية ؟‪ ...‬هل هو ر يعرف من ان ا ؟‪ ...‬اذا ك ان‬ ‫كذلك ‪ ،‬فهذا يثبت انه انسان كبير !‪ ...‬اما اذا كان يعرف من انا ‪ ...‬فه ذا يثب ت ان ه انس ان كبي ر ‪ ...‬كبي ر ‪...‬‬ ‫وريخشى احدا ) ‪.‬‬ ‫مرت اريام ‪ ،‬ثم ارسابيع ‪ ،‬وابو حسين يحاول مع ادارة السجن وطبي ب الس جن ان يؤمن وا لن ا الع الس ولك ن‬ ‫دون جدوى ‪ ،‬وآخر مرة قدم فيها الطبيب قام بزجر ابو حسين وتهديده ‪:‬‬ ‫ العمى بعيون ك ‪ ...‬ص رعتنا ‪ ،‬اي ه ه و ج رب ! ‪ ...‬ش وية حك ة وينته ي ارم ر ‪ ،‬اي ه ورك ‪ ...‬قاع دين ر‬‫شغلة ور عملة ‪ ...‬اكل ومرعى وقلة صنعة ‪ ،‬خليهم يتسلوا بالحك ‪ ...‬احسن ما يملوا !‪.‬‬ ‫وذهب ‪.‬‬ ‫كانت قد مرة اربعة اشهر على بداية المرض ‪ ،‬وظل ابو حسين يحاول ‪.‬‬ ‫" اما انا فقد شفيت بعد حوالي الشهر من بداي ة مرض ي ‪ ،‬كي ف ؟ ‪ ...‬ر اع رف ‪ ،‬كن ت الحال ة الوحي دة الت ي‬ ‫شفيت ‪ ،‬فقط اتبعت ما قاله ال دكتور غس ان ‪ ،‬كن ت ك ل نص ف س اعة اق وم ال ى المغاس ل اغس ل ك ل ارج زاء‬ ‫المصابة بالماء والصابون جيدا ‪ ،‬ثم اص بحت اعم د ال ى كش ط الص ابون الرط ب الل ين واض عه عل ى ام اكن‬ ‫ارصابة وأتركه الى اليوم الثاني ‪ ،‬لم أحك جسمي أبدا ‪ ،‬حتى عندما أنام أحضر سروالي النظيف وأضع ك ل‬ ‫يد في طرف من السروال ‪ ،‬وأظل الفه متعاكسا إل ى ان يص بح الس روال كالقي د ‪ ،‬وب ذلك أتأك د انن ي ر أح ك‬ ‫حت ى وأن ا ن ائم‪ .‬وكم ا ظه ر الم رض عل ي فج أة اختف ى فج أة‪ .‬واغتنمته ا فرص ة بع د ان تأك دت م ن الش فاء‬ ‫لمحادثة الدكتور غسان ‪ ،‬ذهبت اليه وابلغته انني شفيت ‪ ،‬اكتفى بهز رأسه !‪.‬‬ ‫تطور مرض الجرب كثي را ‪ ،‬س معت ح ديثا لل دكتور غس ان م ع مجموع ة م ن ارطب اء بحض ور اب و حس ين‬ ‫وكان حديثه موجها لالطباء ‪ ،‬فاحتوى على العدي د م ن التع ابير الطبي ة والالتيني ة الت ي ل م افهمه ا ‪ ،‬وبع د ان‬ ‫عدد انواع الجرب خلص الى نتيجة انه ر يوجد عبر تاريك الطب ان سجلت ح ارت كالح ارت الت ي يرونه ا‬ ‫هنا ‪ ،‬وذكر ان اقسى انواع الجرب هو ان يكون لدى المريض حوالي ‪ /011 /‬بثرة ‪ ،‬بينما هنا سجل حارت‬ ‫احتوت على اكثر من ‪ /0111/‬بثرة تغطي كامل الجس م ‪ ،‬وان ه ذا ه و اح د ارس باب الت ي ادت ال ى ح دوث‬ ‫وفيات بالجرب ‪ ،‬ونبه الى حالة خطرة وهي انتشار المرض داخل ارليتين وعلى فوهة الشرس ‪ ،‬وانه نتيج ة‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪82‬‬

‫للح ك القاس ي ف ي تلل ك المنطق ة وال ذي ادى ال ى ح دوث ج رو عدي دة بع دد البث رات الموج ودة ح ول فتح ة‬ ‫الشرس ‪ ،‬ونتيجة لتقارب هذه البثرات فان الجرو ق د الص قتها ببعض ها بع د تخث ر ال دم مم ا ادى ال ى انس داد‬ ‫الشرس ‪ ...‬ومن ثم الى الوفاة رستحالة طر الفضالت من الجسم ‪ ،‬وتمنى لو ان هناك امكانية لحضور اح د‬ ‫معاهد البحث الطبي المتطورة لمراقبة ومعاينة هذه الحارت الشاذة ‪.‬‬ ‫طلب الدكتور غسان من ابو حسين تشكيل فرقة تمريض مهمتها ربط المرضى الذين ينتشر الجرب لديهم في‬ ‫الشرس من ايديهم لمنعهم من حك انفسهم ‪ ،‬ثم طلب منه معاودة جهوده مع ادارة السجن ‪.‬‬ ‫منذ خمسة ايام وفي الصبا كان أب و حس ين مس تغرقا ب التفكير ‪ ،‬فج أة ان تفض وذه ب ال ى ال دكتور غس ان ‪،‬‬ ‫تحدث معه قليال والدكتور يهز برأسه ‪ ،‬بعدها جال أبو حسين في المهجع كله وهو يردد ‪:‬‬ ‫ شباب ‪ ...‬كل شخص اتته زيارة مدعو لالجتماع عندي ‪ ،‬كل اربعة ‪ ...‬خمسة يجوا سوا ‪.‬‬‫كان هناك حوالي ثالثين شخص م ن مهجعن ا ق د ات تهم زي ارات ‪ ،‬ولمعرف ة اره ل ان ه ذه الزي ارة ق د تك وت‬ ‫استثنائية ويتيمة فانهم كانوا يحاولون تزويد س جينهم بم ا ق د يحتاج ه ول زمن مس تقبلي طوي ل ‪ ،‬خاص ة لجه ة‬ ‫ارلبسة والنقود ‪ ،‬وتبين لي أن اهالي المساجين ارسالميين عموما هم من الفئة الميسورة في المجتمع ‪ ،‬ولهذا‬ ‫فان أقل مبلغ أعطي لسجين كان مئتي الف ليرة ‪ ،‬والبعض أكث ر م ن ذل ك بكثي ر‪ ،‬ول ذلك اص بح ف ي مهجعن ا‬ ‫مالي ين اللي رات ور مج ال لش راء أي ش يء ‪ ،‬وق د اس تمرت الزي ارات ح والي الس تة اش هر ‪ "،‬ك ان بع ض‬ ‫الحفظ ة يحص ون ويحفظ ون ع دد الزي ارات لك ي يعرف وا ك م كيل و ذه ب اص بح ل دى م دير الس جن ‪ ،‬وف ي‬ ‫ارحصاء ارخير بعد توقف الزيارات كان العدد قد وصل الى ستمائة وخمسة وستين كيلو ذهبا "‪.‬‬ ‫وقد توقفت الزيارات نتيجة رنتقال مدير السجن وحلول نائبه محله في اردارة ‪ ،‬ولم يكن توقف الزيارات هو‬ ‫النتيجة الوحيدة رنتقال مدير السجن بل كان هناك نتيجة أخرى ‪ ،‬اذ وردت برقية مورس من المهاجع األولى‬ ‫تقول ‪:‬‬ ‫" لقد جمع مدير السجن الجديد جميع عناصر ورقباء الشرطة العاملين داخل السجن وابلغهم ان ه اعتب ارا م ن‬ ‫هذا اليوم ر يح للعنصر الع ادي – الجن دي أن يق وم بقت ل أي س جين اذا ل م يك ن أح د الرقب اء موج ودا ف ي‬ ‫الساحة ‪ ،‬التعذيب ‪ ،‬الضرب ‪ ،‬السحل ‪...‬كل هذا ليس مشكلة‪ ،‬لكن الموت ر يجوز إر بحض ور أح د الرقب اء‬ ‫"‬ ‫اعتبر الجميع عندها ان المدير الجديد أفضل وأكثر انسانية من المدير القديم ‪.‬‬ ‫أتت أول مجموعة من خمسة أشخاص لعند أبو حسين ‪ ،‬بعد التحية والسالم والمجامالت وكأنهم يزورونه في‬ ‫بيته دعاهم للجلوس وبادرهم فورا بفتح الموضوع دون مقدمات فيما الجميع يهرشون ويحكون ‪:‬‬ ‫ بدنا منكم يا شباب ‪ ..‬تبرعات في سبيل هللا ‪.‬‬‫سكت الخمسة قليال ‪ ،‬ثم قال أحدهم ‪:‬‬ ‫ يا أبو حسين ‪ ...‬أرواحنا وأموالنا في سبيل هللا ‪ ،‬بس أشر ‪ ،‬قول أور شو بدك تعمل ب األموال ‪ ،‬المبل غ‬‫المطلوب ‪ ...‬مورزم نعرف ؟!‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪83‬‬

‫ طبعا رزم تعرفوا ‪ ...‬لكن ما بدها ذكاء كثير ‪ ،‬هللا خل األموال وأعطانا إياها منشان نصرفها ونش تري‬‫بها ‪.‬‬ ‫ طيب شو بدك تشتري ؟‪.‬‬‫ بدي اشتري طبيب ‪ ...‬دكتور ‪.‬‬‫ دكتور‪...‬؟!!‬‫وضحك الجميع ‪.‬‬ ‫ نعم دكتور ‪ ...‬بدي اشتري طبيب الس جن ‪ !..‬م ا ف ي غي ر ه ذا الطري ‪ ...‬وبس المة فهمك م به ذه الدول ة‬‫ومن فو لتحت كل واحد له سعر ‪ ،‬وما بظن ان هذا الدكتور غير شكل ‪ ،‬كلهم عم يلهطوا ‪ ،‬ونحن خلينا‬ ‫نملي جيب هـ الدكتور منشان يجيب لنا دواء للجرب ‪ ،‬ونخلص أمــة محمد من هذه البلوة ‪.‬‬ ‫وافقه الجميع وتتالت ارجتماعات وأصبح بحوزة أبو حسين مبلغ محترم‪ ،‬عندها طلب من الرقيب عندما فتح‬ ‫الباب مجيء الطبيب ألمر هام !‪.‬‬ ‫كان الطبيب حانقا عندما فتح الباب ‪ ،‬وصا بوجه أبو حسين ‪:‬‬ ‫ اذا كنت طالبني منشان الجرب ‪ ...‬بدي كسر عظامك يا كلب ‪ ،‬ص ار أل ف م رة قل ت ل ك م ا عن دنا دواء‬‫جرب ‪ ،‬هات لشوف ‪ ...‬شو بدك ؟‪.‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ...‬منش ان هللا ‪ ...‬ب س ط ول بال ك واس معني ش وي ‪ ...‬ي ا س يدي مت ل م ا بتع رف نح ن ب الفترة‬‫الماضية اجتنا زيارات وصار في عندنا مصاري كتير ‪ ...‬ومثل ما أنت شايف ‪ ...‬نحن هون المص اري‬ ‫ما تلزمنا ألنه ممنوع نشتري أي شيء ‪.‬‬ ‫كان هذا هو الطعم الذي ألقاه أبو حسين للطبيب ‪ ،‬وبدأ الطبيب بالتقاط الطعم فالتفت الى الشرطة الذين ك انوا‬ ‫يحيطون به وأمرهم باربتعاد ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ ايه طيب ‪ ...‬وأنا شو عالقت ي بك ل ه ـ الع الك ‪ ...‬اذا ك ان عن دكم مص اري أو م ا عن دكم ‪ ...‬ش و ممك ن‬‫أعملك ؟!‪.‬‬ ‫ يا سيدي ‪ ...‬اخ دمنا هالخدم ه لوج ه هللا ‪ ...‬ان ت رج ل كل ك انس انية ‪ ،‬وس اعدتنا كثي ر لوج ه هللا ‪ ...‬ه ذه‬‫المرة كمان ساعدنا ‪ ...‬اشتري لنا الدواء على حسابنا ‪ ...‬حتى لو كان من السو السودا ‪ ...‬ومعليش اذا‬ ‫كان الدو��ء غالي ‪ ،‬نحن مستعدين نشتريه بضعفين أو حتى ثالثة ‪ ...‬خدمة لوجه هللا يا سيدي ‪.‬‬ ‫وتحولت لهجة الطبيب فورا من الحن والغضب الى اللين الثعلبي ‪:‬‬ ‫ لكن ‪ ...‬انت تعرف أن هذا الدوا غالي كتير ؟‬‫ معليش يا سيدي ‪ ...‬مهما كان غالي الثمن ‪ ،‬بس يكون كافي لكل هـ الناس ‪ ،‬ألن الكل جربانين ‪.‬‬‫ طيب ‪ ...‬تعال لهون شوي ‪.‬‬‫أخرس الطبيب أبو حسين الى خارس المهجع ‪ ،‬تكلما بصوت خافت ‪ ،‬وتمت الصفقة ‪.‬‬ ‫بعد يومين أتى الدواء بالصنادي الكرتونية ‪ ،‬ومنذ ثالث ة أي ام وجمي ع الن اس س واء ك انوا مص ابين أم ر وأن ا‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪84‬‬

‫منهم بدأوا العالس بـ البنزوات " بناء على تعليمات الدكتور غسان المشددة ‪ ،‬وتحت رقابته الصارمة " ‪.‬‬ ‫تم تهيئة خمس مقاصير بالبطانيات يدخل الواحد خلفها ويبدأ بفرك كل جسمه بـ البنزوات ‪.‬‬ ‫خالل هذه الفترة القصيرة بدأت تظهر النتائج اريجابية ‪.‬‬ ‫تم ابالغ المهاجع األخرى ‪ ،‬والجميع أتم الصفقة مع الطبيب الذي أصبح مليونيرا‪ ،‬وعل أحد األشخاص ‪:‬‬ ‫ اذا سألوا طبيب السجن شي مرة ‪ ،‬كيف صرت مليونير ‪ ،‬رزم يقول ‪ :‬الجرب حولني من شخص جربان‬‫الى مليونير ‪.‬‬ ‫‪ -‬بس يا أخي رحظ ان الفساد في بعض األحيان يكون مفيد وكويس ‪.‬‬

‫‪ 02‬تموز‬ ‫رغم مرور كل هذه السنوات بقيت قابعا في قوقعتي أتلصص على الداخل والخارس ‪ ،‬داخل المهجع وخارجه‬ ‫‪ ،‬ولكن مع مرور األيام قل أهتمامي بكثير من األشياء نتيجة لمعرفتي التامة بها ‪.‬‬ ‫حفظ ت الق رآن جي دا ولطالم ا رددت بش كل عف وي آي ات وس ورا طويل ة من ه ‪ ،‬حفظ ت الص لوات كله ا حت ى‬ ‫الطارئ ة منه ا كص الة الخ وف ‪ ،‬ص الة الجن ازة ‪ ،‬وص الة الت راويح ‪ ...‬اس تمعت ال ى خالف ات الجماع ات‬ ‫المختلفة حول األحكام الشرعية ‪ ،‬آلية تفكي رهم ‪ ،‬ردود أفع الهم ‪ ،‬طموح اتهم ‪ ...‬آم الهم ‪ ...‬لك ل ه ذا ل م أع د‬ ‫أركز ذهني كثيرا عندما أنظر من خالل فتحة القوقعة ‪.‬‬ ‫كذلك عندما أطل بنظري من خالل الثقب الى خارس المهج ع ‪ ،‬م رأى ت نفس المه اجع األخ رى ‪ ...‬العقوب ات‬ ‫‪ ...‬التعذيب ‪ ...‬كله أضحى عاديا ‪ ...‬يوميا ‪.‬‬ ‫لكن كنت أداوم يوميا على النظر خالل الثقب انتظ ارا وتوقع ا لم ا ه و غي ر م ألوف ‪ ...‬لش يء جدي د ‪ ،‬وك ان‬ ‫على األغلب يوجد شيء جديد ‪ ،‬فالتعذيب وان كان ذا نمط معمم والكل ق د ت درب علي ه ف ي مدرس ة واح دة ‪،‬‬ ‫ار انه يبقى هناك شيء له عالقة بالذات ‪ ،‬ذات كل ف رد ‪ ،‬فك ل رقي ب ‪ ...‬ك ل ش رطي يض في م ن ذات ه ش يئا‬ ‫خاص ا عل ى العم ل المتش ابه ‪ ،‬فيخل‬

‫ش يئا جدي دا نس تطيع ان نض يفه ال ى خان ة ارب داع ‪ " ،‬مس حة ابداعي ة‬

‫بالتعذيب !! " ‪.‬‬ ‫منذ أكثر من سنة وخالل تنفس أحد المهاجع ‪ ،‬كان أحد الرقباء واقفا في ظل الحائط ‪ ،‬م رت ف أرة م ن أمام ه‬ ‫فهرسها ببوطه العسكري ‪ ،‬معست الفأرة وماتت ‪ ،‬أخرس الرقي ب م ن جيب ه من ديال ورقي ا وأمس كها بواس طة‬ ‫المنديل من ذيله ا ‪ ،‬اقت رب م ن ص فوف المس اجين الت ي ت دور ح ول الس احة ‪ ،‬أمس ك بأح د الس جناء ر عل ى‬ ‫التعيين وأجبره على ابتالع الفأرة ‪ ،‬ابتلع السجين الفأرة ‪.‬‬ ‫من ذ ذل ك الي وم ص رف الرقب اء وعناص ر الش رطة ج زءا مهم ا م ن وق تهم رص طياد الفئ ران والصراص ير‬ ‫والسحالي وإجبار السجناء على ابتالعها ‪ ،‬كلهم قاموا بهذا العمل ولكن ابتكاره " ابداع ه " عائ د ألول رقي ب‬ ‫قام بهذا العمل ‪.‬‬ ‫حتى ار عدمات ‪ ،‬رغم أنني أدمنت مراقبتها ار أنها لم تعد تحمل نفس الشحنة من التوجس والرهبة ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪85‬‬

‫يقاد المحكوم عليهم بارعدام الى أمام المشان ‪ ،‬يقيدون بعد أن يتم تثبيت الالص الع ريض عل ى أف واههم ‪،‬‬ ‫كل دفعة ثمانية أشخاص ‪ ،‬ترتفع المشان ‪ ،‬تنحني الرقاب ‪ ،‬ارتخاء الجس د ‪ ،‬ان زال الدفع ة األول ى ‪ ،‬ص عود‬ ‫الدفعة الثانية ‪...‬‬ ‫كن ت أراق ب الجمي ع ‪ ،‬ش رطة وبل ديات ومع دومين ‪ ،‬تط ورت مراقبت ي م ن مراقب ة األفع ال ال ى الوج وه ‪،‬‬ ‫ارنفعارت ‪ ،‬ردود الفعل ‪ ...‬ما يرتسم على الوجه من خوف ‪ ،‬هلع ‪ ،‬حقد ‪ ،‬تش ف ‪ ،‬س رور ‪ ،‬اس تمتاع ‪ ،‬ل ذة‬ ‫‪...‬‬ ‫"الوحش" ‪...‬‬ ‫الجميع ابتداء من رفاقه البلديات الى جميع عناصر الشرطة حتى المساعد كانوا ينادون ه ال وحش ‪ ،‬ش اب ف ي‬ ‫الخامسة والعشرين تقريبا ‪ ،‬قد ر يتجاوز طوله المائة والستين سنتمترا ولكن عرض أكتافه قد يتجاوز المائة‬ ‫والعش رين س نتمترا ‪ ،‬س ماكت ه ق د تبل غ الس تين أو س بعين س نتمترا ‪ ،‬م ن األم ام والخل ف يب دو كمرب ع ‪ ،‬م ن‬ ‫الجانب يبدو كصندو ‪ ،‬مفتول العضالت ‪ ،‬شاهدته في اح دى الم رات يرف ع س جينا بي د واح دة ال ى م ا ف و‬ ‫رأسه ‪ ،‬قوي جدا ‪ ،‬ر يغيب أبدا عن أية اعدامات ‪ ،‬ويلعب دورا فعار فيها ‪ ،‬جميع عناصر الشرطة يعتمدون‬ ‫عليه ‪.‬‬ ‫في أحدى حفالت األ عدام وبعد أن أنزلو الدفعة األولى وضعوا الحبال في رقاب الدفعة الثاني ة ورفعوه ا ال ى‬ ‫األعلى ‪ ،‬سبعة معدومين من ثمانية ارتخت أجسادهم ‪ ،‬وبقي الث امن يص ارع ‪ ،‬ك ان ي أبى أن يم وت ‪ ،‬جس ده‬ ‫متدل ويلعبط ‪ ،‬انتظر الجمي ع دق ائ ولك ن روح ه كان ت عني دة ‪ ،‬أب ت أن تخ رس ‪ ،‬يح رك رجلي ه يح اول أن‬ ‫يرتف ع بجس ده ال ى األعل ى ‪ ،‬وط ال ارنتظ ار ‪ ،‬احس اس بارختن ا وض ي الت نفس ينت اب الجمي ع ‪ ،‬المس اعد‬ ‫تلمس رقبته بيده اليمنى وفركها ‪ ،‬الجسد المعل في الهواء يصارع ‪ ،‬أخذت ألهث تح ت البطاني ة ‪ ...‬وص ا‬ ‫المساعد ‪:‬‬ ‫ يا وحش خلصنا من هـ الشغلة !‪ ..‬خليه يرتا ‪.‬‬‫تقدم الوحش ‪ ،‬وقف تحته وأمسك برجليه وأخذ يش ده ال ى األس فل ‪ ،‬ك ان الس جين المعل – كالع ادة – يل بس‬ ‫ثيابا رثة ‪ ..‬أسمار ‪ ،‬ولذلك عندما شده الى ارسفل انشدت الثياب واصبح السجين عاريا بجزئه السفلي ‪ ،‬تابع‬ ‫الوحش الشد ‪ ،‬يشد ‪ ...‬ويشد ‪ ...‬ونجح اخيرا ‪ ،‬مات السجين ‪ ،‬لكن فور موته يب دو ان مص رته الش رجية ق د‬ ‫ارتخت نهائيا فأفرغ كل ما في امعائه فو الوحش الذي ر زال يشد ‪ ،‬وكانت كمية الفض الت كبي رة وس ائلة‬ ‫‪ ...‬غطت الوحش ‪ ،‬رأسه ‪ ،‬وجهه ‪ ،‬صدره ‪ ... ،‬رجع ال وحش ال ى الخل ف واخ ذ ينظ ر ال ى الجمي ع ‪ ،‬قهق ه‬ ‫المساعد وكان اول من استوعب ارمر ‪ ،‬قال وهو يضحك ‪:‬‬ ‫ كان اسمك الوحش ‪ ...‬بس هل صار اسمك الوحش ابو خريه !‪.‬‬‫ضحك الجميع كثيرا ‪ ،‬حتى انا ضحكت بصوت مسموع ‪.‬‬ ‫م ن يومه ا اص بح لل وحش اس مان ‪ ،‬رفاق ه ال ذين يخش ونه ويخ افون بطش ه ينادون ه ال وحش وم ن ر يخش اه‬ ‫والجنود والرقباء ينادونه بـ " ابو خريه " ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪86‬‬

‫الجنود والرقباء اغلبهم من المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية ومدتها سنتان ونصف ‪ ،‬ارغلبية الساحقة‬ ‫منهم هم من ابناء الجبال والساحل ‪ ،‬لهجتهم ثقيلة وتصرفاتهم غليظة وجلفة ‪ ،‬ويستحيل ان يوجد بينهم واح د‬ ‫من ابناء الم دن الكبي رة والرئيس ية ‪ ،‬وك ونهم مجن دين ف انه م يتغي رون بش كل دوري ‪ ،‬ف ي الس نة الواح دة ي تم‬ ‫تخريج دورتين من مدارس الشرطة العس كرية ‪ ،‬له ذا فك ل س تة اش هر ت أتي دورة جدي دة وي تم تس ريح دورة‬ ‫قديمة ‪.‬‬ ‫منذ اربع ة اش هر ات ت اخ ر دورة ‪ ،‬ك انوا ثالث ة عش ر عنص را ‪ ،‬ثالث ة رقب اء وعش رة جن ود ‪ ،‬عن دما دخل وا‬ ‫ساحتنا هبط قلبي بين قدمي ‪ ،‬ففي المقدمة كان يسير اخ ي ارص غر س امر بلب اس الش رطة العس كرية ‪ ،‬عنم ا‬ ‫اقتربوا اكثر تبينت انه شخص يشبه اخي كثيرا ‪ ،‬اسميته في سري " سامر" بينما السجناء ارخرون س موه "‬ ‫ارعوس " رنه كان يميل برأسه دوما الى جهة اليمين ‪.‬‬ ‫في البداية ر تطلب اردارة من العناصر الجدد القيام بأي عمل على صعيد التعذيب او ارعدامات ‪ ،‬يتركونهم‬ ‫حوالي الشهر فقط يحضرون ويشاهدون ما يجري وه م وق وف ‪ ،‬ودائم ا يك ون الج دد متهيب ين م ن ارمس اك‬ ‫بالكرباس او العصي ‪ ،‬وحتى بعد مضي الشهر وعندما يبدؤون بمشاركتهم تكون ضرباتهم حفيفة ومرتبكة ‪.‬‬ ‫في ارعدامات يوقفونهم على مبعدة من المشان ‪ ،‬ما ان تبدأ عملية الشن حتى يكونوا قد اقتربوا من بعض هم‬ ‫اكثر ‪ ،‬اصفرت وجوههم ‪ ،‬البعض يرتجف ويغض النظر والبعض ارخ ر يص اب بتقلص ات ف ي المع دة مم ا‬ ‫يجعله يتقيأ ‪.‬‬ ‫المساعد والعناصر القدماء ي رون ك ل ذل ك فيتع املون مع ه وك أنهم ل م ي روا ش يئا ‪ ،‬م ع حفل ة ارع دام الثاني ة‬ ‫والثالثة ‪ ...‬يسترخون ‪ ،‬يتجرؤون ‪ ،‬يصبحون طبيعيين كباقي زمالئهم ‪.‬‬ ‫الرقي ب س امر " ارع وس " وكن ت اراقب ه دائم ا ‪ ،‬عن دما حض ر اول حفل ة اع دام تقي أ بش دة حت ى خل ت ان ه‬ ‫سيخرس امعاءه ‪ ،‬جلس على اررض وقد غطى عينيه بيديه الى نهاية ارعدامات ‪ ،‬س اعده اثن ان م ن زمالئ ه‬ ‫على النهوض وقاداه من تحت ابطيه الى خارس الساحة ‪.‬‬ ‫اخر حفلة اعدام حضرها كان نشيطا جدا ‪ ،‬بي ده عص ا طوله ا اكث ر م ن مت ر ‪ ،‬يم از زمالئ ه وعل ى وجه ه‬ ‫ابتسامة دائمة ‪ ،‬عند ارنتهاء من اخر وجبة اعدام وقف امام اح د المش نوقين واخ ذ يؤرجح ه ‪ ،‬وض ع العص ا‬ ‫على اررض آخذا وضعية المالكم جاعال من الجثة المعلقة كيس رمل ‪ ،‬اخذ يوجه لها اللكمات ‪ ،‬صا عل ى‬ ‫الوحش ‪:‬‬ ‫ وحش ور وحش ‪ ...‬تعال هون ‪.‬‬‫ركض الوحش لعنده ‪.‬‬ ‫ نعم سيدي ‪.‬‬‫ شوف هـ الكلب ‪ ...‬صار له ربع ساعة معل من رقبته ولسا ما مات ‪ ،‬شده من رجليه ‪ ...‬خليه يرتا ‪.‬‬‫ضحك العناصر والبلديات الذين سمعوا هذا الحديث متذكرين ما حصل للوحش ‪ ،‬اما ال وحش فق د وج م قل يال‬ ‫وهو ينظر الى سامر ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪87‬‬

‫‪ 02‬شباط‬ ‫هذا الشتاء كان باردا جدا ‪ ،‬نزلت امطار غزي رة قلم ا تن زل ف ي الص حراء ‪ ،‬وخف ف ح دة الب رد ت وفر بع ض‬ ‫ارلبسة وخاصة الجوارب الصوفية ‪.‬‬ ‫مضى هذا الشتاء كما مضت الشتاءات ارخرى قبله ‪ ،‬عش رة ش تاءات وان ا ج الس ف ي نف س المك ان ‪ ،‬ض من‬ ‫نفس الجدران ‪ ،‬الى جانبي الباب ارسود ذاته ‪ ،‬تغيرت كثي ر م ن الوج وه ح ولي ‪،‬الفرق ة الفدائي ة الت ي كان ت‬ ‫تقوم بادخال الطعام والتطوع للذهاب لتلقي العقوبات بدر عن المرضى وكبار الس ن ‪ ،‬والت ي كان ت موج ودة‬ ‫لحظة قدومي الى المهج ع ‪ ،‬ل م يب منه ا اح د ‪ ،‬ام ا ش نقا او ق تال او مرض ا ‪ ،‬ذهب وا ‪ ...‬غ ابوا جميع ا ‪ ،‬اب و‬ ‫حسين رئيس المهجع الحالي اصبح حاجباه ابيضي ن ولم يكن بهما اية شعرة بيض اء‪ ،‬رغ م انن ي ارى الجمي ع‬ ‫يومي ا ولكن ي باس ترجاع ص ورهم قب ل عش ر س نوات ‪ ،‬اس تطيع ان الم ح اث ار ال زمن واث ار المعان اة عل ى‬ ‫وجوههم ‪ ،‬ترى كيف اصبح وجهي ؟!‪.‬‬ ‫لو كسرة من مرآة ‪.‬‬ ‫ر نعرف شيئا مطلقا عما يجري في عالم ما هو خارس هذا المهج ع ‪ ،‬حت ى الق ادمين الج دد ل م يكون وا ي أتون‬ ‫من الحياة مباشرة ‪ ،‬اغلبهم يكون قد امضى س نتين او ثالث ة او اربع ة ف ي مراك ز المخ ابرات‪ ،‬وه ؤرء عل ى‬ ‫ارغلب من قيادات التنظيمات ‪ ،‬يبقونهم في فروع المخابرات لضرورات التحقي ‪ ،‬رغم ذلك فان المس اجين‬ ‫يظلون اياما عديدة يسألونهم عن الجديد من ارخب ار ‪ ،‬فارخب ار قب ل س نتين او اربع ة تعتب ر جدي دة وطازج ة‬ ‫قياسا باخبار ما قبل عشر سنوات ‪.‬‬ ‫من هؤرء القادمين الجدد " اب و القعق اع " واح د م ن أم راء الجماع ة المتش ددة ‪ ،‬وك ان كم ا فهم ت بط ال م ن‬ ‫ابطال العمليات العسكرية التي قام بها التنظيم ضد السلطات الحكومية ‪ ،‬وانه كان المخطط والمنفذ لمجموعة‬ ‫من ارعمال الجريئة التي القت الرعب في صفوف رجال ارمن والمخابرات ‪.‬‬ ‫لكن بعد ذلك سرى همس خافت داخل المهجع بين اشخاص م ن التنظيم ات ارخ رى تق ول ‪ :‬ان ه ك ان جبان ا‬ ‫جدا في التحقي وان تعاونه مع المخابرات واعترافاته امامهم ادت الى الق اء الق بض عل ى كام ل الل واء ال ذي‬ ‫كان يقوده وعدده اربعمائة مقاتل ‪ ،‬وقد اعدموا جميعا ‪ ،‬وان هؤرء المقاتلين كانوا ناقمين جدا عليه ‪ ،‬وعدوه‬ ‫خائنا واقسموا يمين ا جماعي ا " ان أي واح د م نهم س يخرس م ن الس جن ف ان اول عم ل يج ب ان يق وم ب ه ه و‬ ‫تصفية ابو القعقاع " ‪.‬‬ ‫ولكن لم يخرس أي واحد منهم ‪.‬‬ ‫بمجئ ابو القعقاع فقد المهجع هدوءه وسالمه الداخلي ‪.‬‬ ‫كان اول ما فعله ابو ا لقعقاع هو تعرفه عل ى اعض اء التنظ يم ‪ ،‬وه ؤرء ك انوا ق د اص بحوا اقلي ة ف ي المهج ع‬ ‫نتيجة النزيف المستمر بين صفوفهم ‪ ،‬وهم بالكاد يعدون اربعين شخصا ‪ ،‬لم يكن يعرف في البداية أي ا م نهم‬ ‫‪ ،‬فلم يسب ان كان تحت امرته واحد من الموجودين هنا ‪ ،‬بعد ان تعرف عليهم زارهم واحدا واحدا ‪ ،‬خ الل‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪88‬‬

‫يومين كان ينتقل من فراش الى فراش ‪ ،‬بعد ذلك اخذ يعقد اجتماعات ‪ ،‬في اول اجتماع رول مجموعة رحظ‬ ‫انهم متحفظون تجاهه ‪ ،‬ودون ان يس اله اح د ‪ ،‬ب دأ برواي ة طريق ة اعتقال ه والتحقي مع ه واكث ر حديث ه ك ان‬ ‫بالعربية الفصحى ‪:‬‬ ‫" ‪ ...‬وهيك استمر تبادل اطال النار بيننا وبينهم اربع ساعات ‪ ،‬كنا نحن في الطاب الرابع وكانوا قد احتلوا‬ ‫جميع ارسطحة والشوارع المحيطة ببنايتنا ‪ ،‬بدأت ذخيرتنا تنفذ ‪ ،‬وك ان مع ي ثالث ة اخ وة عل يهم رحم ة هللا‪،‬‬ ‫الفاتحة على روحهم يا اخواني – وقرأ جميع الحاضرين الفاتحة ومسحوا وجوههم ‪ ، -‬كل واحد من الشباب‬ ‫استلم شباك من شبابيك البيت ‪ ،‬انا استلمت الباب ‪ ،‬منعت ايا من المجرمين الصعود و النزول عل ى ال درس ‪،‬‬ ‫لكن بعد اربع ساعات استخدموا ضدنا الـ ‪ -‬ار‪ ،‬بي ‪ ،‬جي ‪ ، -‬ادخل وا القذيف ة م ن اح د الش بابيك ‪ ،‬ان ا انق ذفت‬ ‫على الدرس ول م اص ب ‪ ،‬ام ا الش باب الثالث ة ‪ -‬ص مت قص ير ‪ -‬الله م اجع ل مث واهم الجن ة ‪ -‬آم ين ‪ -‬عن دها‬ ‫قررت ارنسحاب من الحركة رغم الحصار ‪ ،‬حملت معي خمسة مخازن ونزلت على الدرس ‪ ،‬ك ل عس كري‬ ‫كان قدامي بعثته الى جهنم ‪ ،‬صرت بالشارع ‪ ،‬ركضت وانا ارش الطلقات يمينا وشمار حتى اصبت ‪ ،‬واحد‬ ‫كلب كان بزاوية الشارع وجه لي صلية رصاص ‪ ،‬اصبت بثالث طلقات ‪ ،‬واحدة في الفخذ باللحم ما صابت‬ ‫العظم ‪ ،‬واحدة مسحت راسي مسحا فو ارذن ‪ -‬ه اي محله ا ‪ -‬واراه م خط ا طورني ا ف و ارذن خالي ا م ن‬ ‫الشعر‪ ،‬الثالث ة اص ابت ص دري ف و الرئ ة اليمن ى وخرج ت م ن ظه ري ‪ -‬خل ع قميص ه وب ان مك ان دخ ول‬ ‫الطلقة ‪ ،‬حفرة صغيرة ‪ ،‬ومكان خروجها ‪ ،‬حفرة كبيرة ‪ ، -‬وقعت على اررض وطارت البارودة من يدي ‪،‬‬ ‫مديت يدي لكي اسحب قنبلة يدوية ‪ ...‬ما لحقت ‪ ،‬كانوا صاروا فوقي والسبطانات موجهة الى رأسي ‪.‬‬ ‫مباشرة اخذوني الى فرع المخابرات ‪ ،‬لم يضمدوا جروحي ‪ ،‬ابتدؤوا التحقي ف ورا ‪ ،‬رفض ت ارجاب ة عل ى‬ ‫أي سؤال اذا لم يتم اسعافي الى المشفى ‪ ،‬قال لي ضابط التحقي وهو يبتسم ‪:‬‬ ‫ تكرم شواربك وذقنك ‪ ...‬هل را نسعفك !‪.‬‬‫احضروا حبال رفيعا ومتينا ضموه في مسلة كبيرة وادخل وا المس لة ف ي مك ان دخ ول الطلق ة واخرجوه ا م ن‬ ‫مكان خروجها والحبل وراءها‪ ،‬سحبوا الحبل وعقدوه عقدة متينة ثم رفعوني وعلقوني بواسطة الحبل ‪ ،‬أخذ‬ ‫الحبل يحز اللحم وأحسست انني سأشن ‪ ،‬غبت عن الوعي عدة مرات وهم يرشقوني بالماء ألصحو ‪ ،‬كانوا‬ ‫يريدون معلومات سريعة ‪ ،‬رغم ذلك رفضت أن أعطيهم حتى اسمي ‪ ،‬كانت اآلرم فو طاقة البشر ‪ ،‬ويبدو‬ ‫أن عظم الكتف قد أوقف الحبل‪ ،‬أصبح ثقل جسمي كله عليه ‪ ،‬بدأ ين زا م ن مكان ه ‪ ،‬ولح د اآلن ف إن وض ع‬ ‫كتفي ويدي غير طبيعي ‪.‬‬ ‫لم يدم األمر طويال ألنهم في هذه الفترة كانوا قد فتشوا الشقة ووجدوا جميع وثائقن ا وس جالتنا ‪ ،‬لطالم ا كن ت‬ ‫أحذر المسؤو ل الم الي ـ رحم ه هللا وس امحه ـ أر يح تفظ بأي ة وثيق ة ‪ ،‬لك نهم وج دوا س جال ك ان ق د دون في ه‬ ‫أسماء جميع ار خ وة ومص اريفهم ‪ ،‬أج ور الش ق الت ي يس كنونها وعق ود اريج ار الخاص ة بك ل ش قة ‪ ...‬م ن‬ ‫خالل هذا السجل وفي الليل كانوا قد اعتقلوا الجميع ‪" .‬‬ ‫ك ان ي تكلم بطريق ة س ردية عادي ة ‪ ،‬ر تحم ل أي ة نب رة لل دفاع وكأن ه غي ر م تهم البت ة ‪ ،‬وس رعان م ا تج اوز‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪89‬‬

‫موضوع ارعتقال وتوابعه وابتدأ حديثا دينيا متينا عن اريمان وقوته والجهاد وضرورته ‪ ،‬معاني ارستشهاد‬ ‫‪ ،‬ال دار اآلخ رة ‪ ،‬الجن ة ومحتوياته ا ‪ ،‬ول م ي نقض ه ذا الي وم ار وك ان ق د أص بح زعيم ا ر ين اقش ‪ ،‬والتف ت‬ ‫الجماعة المتشددة حوله بقوة ‪.‬‬ ‫خ الل العش رة أي ام التالي ة ب دأ با لمجموع ات األخ رى ‪ ،‬خاص ة المجموع ة الت ي ينتم ي اليه ا الش يك محم ود‬ ‫والدكتور زاهي ‪ ،‬وهي مجموعة نقيض للمتشددين ‪ ،‬ر ت ؤمن ب العنف والكف ا المس لح ‪ ،‬تمي ل ال ى الوس ائل‬ ‫السلمية ‪.‬‬ ‫هاجمها بشدة مسفها آراءه ا ودع ا كب ارهم ال ى س جال ونق اش علن ي " ألن م ن واجب ه ه دايتهم ال ى الطري‬ ‫القويم " وكان رد فعلهم عنيفا ومترفعا ‪ ،‬رفضوا أي حوار معه " نحن لسنا بحاج ة ال ى ش خص مثل ك ‪ ،‬ب اع‬ ‫نفسه للمخابرات حتى يهدينا ‪ ".‬ك ذلك ك ان رد الجماع ات الص وفية ال ذين اتهمه م ب أنهم عب ارة ع ن دراوي ش‬ ‫وجهلة " وأصحاب بدع في ارسالم ‪ " .‬وأنهم قد أهملوا ركن الجهاد في ارسالم ‪.‬‬ ‫عشرة أيام تقريبا قسمت المهجع الى معسكرين ‪ ،‬أبو القعقاع وجماعته من طرف وب اقي المهج ع م ن ط رف‬ ‫آخر ‪ ،‬واستطاع أبو القعقاع ببراعة أن يكسب عداء الجميع ‪ ،‬خاص ة أن ه اس تمر ف ي اح راجهم وتح ديهم بع د‬ ‫رفضهم الدخول في سجال معه حول جوهر الدين ارسالمي وتعاليمه ‪.‬‬ ‫نعتهم بالج بن وطالب أن تكون الصالة علني ة حت ى أم ام ادارة الس جن ‪ ،‬فقوبل ت دعوت ه ه ذه بارس تهزاء م ن‬ ‫الجميع ‪ ،‬حتى أن بعض أفراد مجموعته نصحوه بالتخلي عنها ‪ ،‬دع ا بع د ذل ك ال ى أن تك ون الفرق ة الفدائي ة‬ ‫مؤلفة من جميع التنظيمات وأن ر تكون طوعية ‪ ،‬ألن الجهاد فرض عين على كل مسلم ‪ ،‬وقبل الجميع ه ذا‬ ‫األمر‪ ،‬لكن جماعته والذين هم في الحقيقة كانوا دائما قوام الفرقة الفدائية رفضوه ألنه سيفقدهم مكانة وتميزا‬ ‫طالما تمتعوا بها طوال السنوات السابقة " نحن نقوم بهذا العمل لوجه هللا ‪ ،‬وأجرن ا عن ده ‪ ،‬ور يمك ن اجب ار‬ ‫أحد على هذا " ‪.‬‬ ‫فشل أبو القعقاع في كل شيء ونجح في كسب عداء الجميع ‪ ،‬كان قد مضى على وج وده ف ي المهج ع خمس ة‬ ‫عشر يوما عندما اعتقد أنه قبض على المسألة التي سيحرس بها الجميع ‪ ،‬ر أدري م ن م ن مجموعت ه أخب ره‬ ‫بموضوعي ‪ ،‬عندها جابه الجميع ‪:‬‬ ‫" ‪ ...‬كيف تقولون عن أنفسكم أنكم مسلمون وتسمحون لجاسوس ك افر أن يع يش بي نكم ؟ م ع أن هللا س بحانه‬ ‫وتعالى قال ‪ :‬واقتلوهم حيثما ثقفتموهم ؟ ! " ‪.‬‬ ‫وطالب الجميع بمحاكمتي وانزال حد هللا بي ‪ ،‬وحد الكفر والشرك باهلل هو القتل ‪.‬‬ ‫أصبحت حياتي معلقة على رد فعل المجموعات ارخرى ‪ ،‬وق د كان ت كله ا حيادي ة ‪ ،‬ف األمر ر يعنيه ا وه ي‬ ‫بغنى عن تفجير مشكلة غير معروفة النتائج مع أبو القعقاع وجماعته ‪.‬‬ ‫لكن مجموعة المرحوم الشيك محمود كان لها رأي آخر ‪ ،‬ووقف أبو حسين كالجبل ر يتزحز وأعل ن وه و‬ ‫في منتصف المهجع ـ وكان الموضوع قد خرس من اطار الهمس الى النقاش العلني وبأصوات مرتفعة ـ ق ال‬ ‫أبو حسين موجها كالمه الى أبو القعقاع ‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪91‬‬

‫ أور من أنت حتى تحاسب وتحاكم البشر ؟! ان هذا الرجل " وأشار بيده الي " مضى على وج وده بينن ا‬‫سنوات طويلة ولم نر منه شيء سيئا ‪ ،‬وهو رجل مسكين حتى انه ر يتكلم ‪ ،‬ور أح د يع رف م ا بقلب ه ‪،‬‬ ‫فبأي ح تحاسبه وتحاكمه وتريد قتله ؟‪ ،‬اعلم يا أبو القعقاع أن له ربا يحاسبه ويحاسبك ويحاسبنا جميعا‬ ‫‪ ،‬وليس أنت ‪.‬‬ ‫ثانيا أعلم يا أبو القعقاع أن الشيك محمود رحمه هللا قد منع ايذاء هذا الرجل ‪ ،‬وأنه أجاره وحماه ‪ ،‬ونحن‬ ‫ر يمكن أن نسمح ألحد أن يؤذي شخصا كان الشيك محمود قد أجاره ‪.‬‬ ‫ثالثا ليعلم الجميع وأنت أولهم أن أية محاولة للمساس بهذا الشخص ستقابل من جهتنا بأعنف الردود ‪.‬‬ ‫بينما كان أبو حسين يتكلم نهض أبو القعقاع ووقف قبالته ‪ ،‬ودارت معركة كالمية بين ارثنين ‪.‬‬ ‫رد أبو القعقاع ردا قويا ‪ ،‬استند في ه ال ى مجموع ة م ن اآلي ات القرآني ة وأحادي ث الرس ول وح وادث م ن‬ ‫التاريك ارسالمي ‪ ،‬كان من في المهجع يهزون رؤوس هم درل ة الموافق ة ‪ ،‬وخل ت ان ه س ينجح ف ي اقن اع‬ ‫الجميع ‪ ،‬لكن أبو حسين التقط الحديث وبدأ يرد عليه وقد ارتفع صوته ‪.‬‬ ‫جاء ايضا بمجموعة من اآليات القرآنية واألحاديث والسيرة النبوية تدحض وتناقض جميع ما استشهد به‬ ‫أبو القعقاع ‪ ،‬ايضا كان جميع من في المهجع حتى بعض من مجموعة أبو القعقاع يهزون رؤوسهم درلة‬ ‫الموافقة وارقتناع ‪ ،‬كان رد أبو حسين مفحما ‪ ،‬ولم يشأ أبو القعقاع ان ينهزم فأنبرى يرد ‪ ...‬وأبو حسين‬ ‫يرد ‪ ،‬وكان كالهما مقنعا للجميع ‪.‬‬ ‫ارتفعت األصوات كثيرا ‪ ،‬وفي غمرة النقاش برز الشرطي فو الشراقة ‪ ،‬صا ‪:‬‬ ‫ شو هالصوت يا رئيس المهجع يا جحش ؟‬‫علم الشرطي الشخصين الواقفين ‪ ،‬أبو حسين وأبو القعقاع ‪ ،‬ومن السطح اخبر الرقيب الموجود في الساحة ‪،‬‬ ‫فأخرجوهما وخمسمائة جلدة لكل منهما ‪.‬‬ ‫منذ لحظة خروجهما الى حين عودتهما ران الص مت عل ى المهج ع ‪ ،‬لك ن م ا ان اغل الش رطة الب اب حت ى‬ ‫عادا الى المعركة الكالمية ‪ ،‬وبدأها ابو حسين قائال ‪:‬‬ ‫ خاف ربك يا رجل ‪ ...‬انت السبب بالعقوبة ‪ ،‬انت مبسوط هل ؟ ‪.‬‬‫واستأنفا المعركة الكالمية ‪ ،‬وبعد اكثر من ساعة قال ابو حسين ‪:‬‬ ‫ هذا حكينا وما في عندنا غيره ‪ ...‬وكل واحد يقعد على فرشته ومو ناقصنا زعماء هون ‪.‬‬‫ ما في حدا بدو يعمل زعيم ‪ ...‬وامر هللا بدنا نطيعه ونطبقه ‪ ،‬سواء رضيتم ام ر ‪.‬‬‫توتر جو المهجع كثيرا ‪ ��‬فكرت انه يجب ان اتدخل ‪ ،‬ان اخرس من القوقعة ‪ ،‬ولكن كيف ؟‪ ...‬اق ف واحك ي‬ ‫لهم حكايتي ؟ ‪ ...‬افند كل التهم التي وجهت لي ؟ ‪ ...‬ان اكون مسيحيا هذه ليست تهم ة ‪ ،‬رن تع اليم ارس الم‬ ‫الحقيقية تأمرهم بحسن معاملة المسيحين ‪ ،‬ان اكون جاسوسا !‪ ...‬اظن ان هذه التهمة قد سقطت بالتقادم ‪ ،‬فلو‬ ‫كنت جاسوسا لما انتظرت اكثر من عشر سنوات حتى امارس جاسوسيتي ‪ ،‬ولكن تهمة الكفر وارلحاد كيف‬ ‫سأدافع عنها ؟‪ ...‬صحيح ان كل من سمعني اقول انني ملحد قد مات ‪ ،‬ولكن اذا سألوني في سيا دفاعي هل‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪91‬‬

‫استطيع ان اقول لهم انني مؤمن ؟!‪ ..‬ر اعتقد ذلك ‪ ،‬ولم اتوصل الى قرار ‪.‬‬ ‫بقي الجو مشحونا بالتوتر ‪ ،‬وبدا ان مجموعة اب و القعق اع بص دد عم ل م ا ‪ ،‬فاحترس ت ‪ ،‬لك ن مجموع ة اب و‬ ‫حسين اتخذت مجموعة من ارجراءات ‪ ،‬طوال النهار كان ثالثة منهم يجلسون على ف راش اب و حس ين عل ى‬ ‫يساري ‪ ،‬ثالثة اخرون يجلسون عل ى ف راش ج اري اليمين ي ‪ ،‬ف ي اللي ل يق وم واح د م نهم بنق ل فراش ه فين ام‬ ‫امامي عند قدمي في الممر ‪ ،‬وهكذا اكون محاطا بهم ‪ ،‬عندما اقوم رذهب الى المغاسل كنت ارحظ ان اثنين‬ ‫من المجموعة يقومان وبشكل عفوي يرافقاني وكأنهما ذاهبان الى المغاسل عرضا ‪.‬‬ ‫اذن هم يحرسوني ‪.‬‬ ‫بقي الوضع هكذا ثالثة ايام ‪ ،‬في اليوم الرابع افتعل بضعة اشخاص من المتشددين امام المغاسل ذريعة عل ى‬ ‫واحد من الذين يقومون بحراستي واش تبكوا مع ه باري دي ‪ ،‬خ الل ث وان قليل ة كان ت دم اؤه تس يل م ن انف ه ‪،‬‬ ‫وكان اكثر من مئتي شخص قد وقفوا واشتبكوا مع بعضهم البعض ‪ ،‬ولم يعد من الممكن معرفة من يض رب‬ ‫م ن ‪ ،‬او م ن ال ذي يح اول ف ض المعرك ة الت ي اس تمرت دق ائ قليل ة س الت خالله ا دم اء كثي رة ‪ ،‬ول م يك ن‬ ‫بارمكان اخفاء هكذا ضجة ‪.‬‬ ‫كنت واقفا الى جانب الباب ‪ ،‬لم يشترك اب و حس ين ور اب و القعق اع ‪ ...‬الش باب الص غار فق ط ‪ ،‬وعن دما ف تح‬ ‫عناصر الشرطة الباب ‪ ،‬توقفت المعركة اليا ‪.‬‬ ‫ح اول اب و حس ين اردع اء ان بع ض الش باب ك انوا يلعب ون !! ص را الرقي ب بوجه ه ش اتما إي اه ‪ " ...‬نح ن‬ ‫جايبنكم مشان تلعبوا ‪ ..‬مــــا " وامر بخروس الجميع الى الس احة ‪ ،‬فخرج وا ‪ ...‬وكلم ا راى الرقي ب شخص ا‬ ‫عليه اثار دماء يلتفت الى ابو حسين ويقول ‪:‬‬ ‫ رياضة ‪ ...‬يا عرص مو ‪ ..‬قلت لي رياضة !‪.‬‬‫عوقب المهجع بأكمله عقابا شديدا ‪ ،‬وقد ضربني احد العناصر بالكبل الرباعي على ندب ة ق دمي مم ا آلمين ي‬ ‫كثيرا ‪ ،‬ادخلونا واغلقوا الباب مع التهديد والشتائم ‪.‬‬ ‫كنت قد نسيت عادة الكالم ‪ ،‬لكن لحظتها اعتقدت انني اذا لم اتكلم فسوف اختن ‪ ،‬ش حنت نفس ي ب أقوال اب ي‬ ‫وخالي لي منذ الصغر عن ضرورة ان اكون رجال يتحمل المسؤولية ‪.‬‬ ‫مشيت الى منتصف المهجع ووقفت ‪ ،‬من اآلر م بالكاد كنت اقف ‪ ،‬عن دما رأون ي ادي ر نظ ري رش مل جمي ع‬ ‫من في المهجع ‪ ،‬سكتوا ‪ ،‬اثنان من حراسي نهضا فورا ووقفا الى جانبي ‪ ،‬اشرت لهما ان يعودا الى مكانهما‬ ‫‪ ،‬تلكآ ‪ ،‬لكنهما عادا ‪.‬‬ ‫لم اكن خطيبا في يوم من اريام ‪ ،‬ولم اقف ابدا رتكلم امام مئات العيون المحدقة بي ‪ ،‬كذلك لم ادع الش جاعة‬ ‫يوما ‪ ،‬بل على العكس فان هذه التجربة في ارعتقال والسجن اظهرت لي على ارقل انني اقرب الى الجبن ‪،‬‬ ‫لكنه ارلم والقهر والعذاب ‪ ،‬الصوم ارجباري عن الكالم ‪ ،‬توجهت بنظري ويدي الى ابو القعق اع وص رخت‬ ‫بصوت قوي " انا نفسي استنكرته " قلت ‪:‬‬ ‫‪ -‬يا ابو القعقاع ‪ ...‬تريد ان تقتلني ؟‪ ...‬تفضل هذا انا‪ ،‬عاريا امامك " لم ادر لماذا كنت اخاطبهم بالفصحى‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪92‬‬

‫" ‪ ...‬تفضل ‪ ،‬ولكن قبل ان تقتلني اج ب عل ى اس ئلتي ‪ ،‬ه ل تري د ان تقتلن ي بص فتك وك يال ع ن هللا ف ي‬ ‫اررض ؟‪ ...‬هل تستطيع ان تثبت انك وكيله ؟‪ ...‬واذا اثيت ذلك ‪ ...‬هل تستطيع ان تثبت لي ولألخ رين‬ ‫انه اصدر لك امرا بقتلي ؟‪ ...‬ر اعتقد ذلك ‪ ،‬واجزم انك لست وكيل هللا ‪.‬‬ ‫يا ابو القعقاع انت تريد قتل ي ررض اء ش هوة القت ل ل ديك ‪ ،‬وارج و ان اك ون مخطئ ا ف ي ذل ك ‪ ،‬ارج و ان ر‬ ‫تكون شخصا حاقدا موتورا ‪ ،‬ارجو ان ر تكون كالعقرب ان ل م تج د م ن تلس عه فه ي تلس ع نفس ها ‪ ...‬ولك ن‬ ‫اقول ‪ ،‬واشهد جميع الناس هنا ‪ ،‬اذا كان قتلي يحل المشكلة فتفض ل ‪ ،‬ارس ل واح دا م ن جماعت ك لقتل ي وان ا‬ ‫اسامحكم بدمي ‪.‬‬ ‫سكت قليال ‪ ،‬ثم التفت الى مجموع الناس ‪ ،‬وبصوت أقل حدة قلت ‪:‬‬ ‫ يا جماعة ‪ ....‬أكثر من عشر سنوات حكمتم علي بالسكوت ‪ ،‬لقد سمعتكم كثيرا ‪ ،‬واآلن اسمعوني لدقائ‬‫فقط ‪...‬‬ ‫قلت لهم من أنا ‪ ،‬وكي ف أت ي ت ال ى هن ا ‪ ،‬دافع ت ع ن نفس ي ض د ال تهم ال ثالث ‪ ،‬وعن دما وص لت ال ى تهم ة‬ ‫ارلحاد ‪ ،‬عدت لمخاطبة أبو القعقاع ‪:‬‬ ‫ يا أبو القعقاع ‪ ...‬انما مسألة اريمان أو عدم اريمان مس ألة شخص ية بح ت ‪ ،‬وعلي ك أن ت وجمي ع الن اس‬‫أمثالك أن يفهموا ذلك ‪ ،‬اريمان هو عالقة خاصة بين كل شخص وخالقه ‪ ،‬وأنت تعرف أن ه ل يس ص عبا‬ ‫علي أو على غيري أن يقول ‪ :‬أشهد أن ر إله إر هللا وأشهد أن محمدا رسول هللا ‪ ،‬ولكن لو قلت أنا ذلك‬ ‫لقلت أنت وأمثالك أنه كان ملحدا وأسلم خوفا ‪ ،‬ر ‪ ...‬أنا لست خائفا من ك ‪ ،‬ول ن أك ون منافق ا أو كاذب ا ‪،‬‬ ‫واذا قلت لك فقط انني مسيحي ومتمسك بديني ‪ ،‬فلن تسطيع أن تفعل شيئا حيال ذلك ‪ ،‬ألن دين ك ي أمرك‬ ‫أن تحسن معاملة المسيحيين‪ ،‬لكن حتى هذا لن أقوله ‪ ...‬لئال تق ول ان ه خ ائف ‪ ...‬أب و القعق اع ‪ :‬اس معني‬ ‫جيدا ‪ ...‬أنا لست خائفا منك ‪ ...‬أنت لست ربي ألقدم لك كشف حساب ‪ ...‬واذا كنت مقتنعا بقتلي فهيا ‪...‬‬ ‫قم ور تخف ‪.‬‬ ‫سكت عندها ‪ ،‬بقيت واقفا أبادل أبوالقعقاع النظرات ‪ ،‬جاهدت أر ترف عيوني ‪ ،‬وم ن خلف ي أمس كت ب ي ي د‬ ‫أبو حسين وقادتني الى فراشي ‪.‬‬ ‫ خلص بقا ‪ ...‬اسكت ‪ ...‬ر تتحداه أكثر من هيك ‪ ...‬أظن أن المش كلة انحل ت ‪ ،‬هللا يعطي ك العافي ة ‪ ،‬ب س‬‫هل اسكت ‪.‬‬ ‫وفعال كما قال أبو حسين انحلت المشكلة ‪ ،‬وبعد يومين انحلت نهائيا ‪ ،‬فقد كان أحد الخميسات وخرس فيه أبو‬ ‫القعقاع الى ارعدام ‪.‬‬ ‫أقام له المهجع صالة الجنازة ‪ ،‬ترحموا عليه ‪ ،‬أما أبو حسين فقد عل موجها الحديث لي ‪:‬‬ ‫ هللا يرحمه ‪ ...‬ور يجوز على الميت إر الرحمة ‪ ،‬واذكروا حسنات موتاكم ‪ ،‬لك ن ي ا أخ ي كله ا عش رين‬‫يوم قضاها هون ‪ ...‬كأنه اعصار دخل هـ المهجع ‪ ...‬هللا يرحمه !! قلب المهجع فوق اني تحت اني ! ‪ .‬هللا‬ ‫يرحمه ‪ ...‬يا هللا بتعيش كثير ‪ ...‬بتشوف كثير ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪93‬‬

‫تحسنت عالقتي مع أبو حسين وأخ ذنا نتب ادل األحادي ث‬

‫" قل ت ف ي س ري ‪ ...‬ل و أن أب و القعق اع آت ى م ن‬

‫زمان طويل ! " كان أبو حسين يسألني عن فرنسا ‪ ،‬والحياة في فرنس ا ‪ ،‬وعل ى األخ ص ع ن نس اء فرنس ا ‪،‬‬ ‫وكنت أتكلم ‪ ...‬وأتكلم ‪ ...‬أغوص بالتفاصيل ‪ ،‬عندي جوع كبير للكالم ‪ ،‬ألتفت اليه وأمازحه قليال ‪:‬‬ ‫ شو يا أبو حسين ؟ ‪ ...‬شايفك عم تسأل عن النسوان كثير ‪ ،‬مانك خايف تسمعك أم حسين ؟ ! ‪.‬‬‫‪ -‬لك يا أخي ‪ ...‬أم حسين على عيني وراسي ‪ ،‬ب س هل‬

‫بتك ون كب رت وص ارت ختي ارة ‪ ،‬واذا هللا ف رس‬

‫عنا ‪ ...‬ان شاء هللا را اتجوز واحدة فرنساوية ‪ ...‬باهلل عليك قل لي ‪ ...‬بفرنسا في مسلمات ؟‪.‬‬ ‫ اي طبعا في مسلمات ‪.‬‬‫ الحمد هلل ‪ ...‬الحمد هلل " يضحك " هل أمنت مستقبلي ‪.‬‬‫بار ضافة الى أبو حسين هناك أربعة أطباء فقط كسروا الح اجز المض روب ح ولي ‪ ،‬و األطب اء األربع ة م ن‬ ‫خريجي الدول األوربية ‪ ،‬أحدهم خريج فرنسا ‪ ،‬ب دأ يجل س عن دي ‪ ،‬وم ن ث اني جلس ة اقت ر عل ي أن يك ون‬ ‫حديثنا باللغة الفرنسية ‪.‬‬ ‫اكتشفت انه قد عاش حياته طور وعرضا ‪ ،‬وانه لم يكن يتبع التعاليم الدينية إر في شهر رمضان ‪ ،‬ففيه كان‬ ‫يصوم ويصلي فقط وما عدا ذلك فال عالقة له ر بالسياسة ور بالتنظيمات ور بغيرها ‪.‬‬ ‫قلت له بالفرنسية مستفسرا ‪:‬‬ ‫ طيب ‪ ...‬اذا كان األمر كذلك ‪ ،‬فلماذا اعتقلوك ؟‬‫ اذا كنت أنت تستطيع ارجابة على هذا السؤال ‪ ...‬فأنا استطيع !‪.‬‬‫أبو حسين يضي ذرعا باألحاديث الفرنسية ‪:‬‬ ‫ ياهلل شباب ‪ ...‬خلصونا ‪ ...‬يكفي تعوجوا لسانكم ‪ ...‬احكوا عربي حتى نفهم عليكم ‪.‬‬‫كانت األحاديث بالفرنسية تسكرني ‪ ...‬تدوخني ‪ ،‬فعلت في داخلي أكثر مما فعلت رؤية الخيار ألول مرة ‪.‬‬ ‫نتبادل الذكريات عن أمكنة زرناها ونعرفها كالنا ‪ ،‬أصبحت عالقتنا الثنائية عالقة حميمية لحظية ‪.‬‬ ‫في احدى المرات وأنا أتلذذ وأنتشي بالتأكيد على مخارس الحروف الفرنسية ‪ ،‬نظر الي وباغتني بالسؤال ‪:‬‬ ‫ يا أخي ‪ ...‬مادام أنت هيك ‪ ...‬يعني عاقل !‪ ...‬ليش كنت تغطي حالك بالبطانية مثل هذا المجنون دكت ور‬‫الجيولوجيا ؟‪.‬‬ ‫سكت قليال ‪ ...‬ثم أخبرته بسري الكبير ‪ ،‬سر الثقب !!‪.‬‬ ‫أخبرته به بالفرنسية ‪ ،‬لكنه أجاب باللغة العربية بعد أن اتسعت عيناه وتدلت شفته السفلى ‪:‬‬ ‫ العماااااا ش ‪...‬ونحن كنا نقول عنك أهبل !! ‪.‬‬‫س أل ان ك ان يس تطيع أن ينظ ر م ن خالل ه ‪ ،‬أعلمت ه أن ه ذا مس تحيل اآلن ألن ه س يلفت انتب اه الجمي ع ‪ ،‬ث م‬ ‫عرض بعد قليل أن نخبر أبو حسين فوافقته ‪.‬‬ ‫كانت ردة فعل أبو حسين شبيهة بردة فعل الدكتور نسيم ‪ ،‬ارتسمت عل ى وجه ه ام ارات الدهش ة ‪ ،‬واس تخدم‬ ‫نفس الكلمة ‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪94‬‬

‫ العماااااش ‪ ...‬وهللا تاريك مو قليل !‪ ...‬يا ما تحت السواهي دواهي !‪ ...‬ولك طل ع ص حيح ان ك جاس وس‬‫‪ ...‬بس جاسوس عـ الشرطة مو للشرطة!‪.‬‬ ‫بعد يومين أبلغنا أبو حسين أنه قرر اعالم جميع الناس في المهج ع ب األمر ‪ ،‬حت ى يمك ن اس تخدامه بحري ة ‪،‬‬ ‫وألن كل الناس هنا مأمونون ‪ ،‬وهكذا تم ‪.‬‬ ‫باستثناء أبو حسين واألطباء " وعلى رأسهم الدكتور نسيم " فإن الجميع بقي متحفظا تجاهي ‪.‬‬ ‫علمت انهم ناقشوا األمر فيما بينهم ‪ ،‬وخرجوا بنتيجة ‪:‬ان كالمي بخصوص دفع تهمة ارلح اد ملت بس وغي ر‬ ‫مقنع ‪ ،‬وانني لو كنت مؤمنا بح سواء بالدين المسيحي أو ارسالم لما ترددت في اعالن ذلك " فالدين يجب‬ ‫أن يكون جهرا " ‪.‬‬ ‫لكن بالمقابل لم يب هناك أي تهديد لحياتي ‪ ،‬وهكذا فقد حصلت على أول ح من حقوقي األساسية كإنسان "‬ ‫ح الحياة " ‪ ،‬حصلت عليه من السندان " الجماعة األسالمية " ولكن لم أحصل عليه من المطرقة " الشرطة‬ ‫"فال زال أي رقيب في الساحة يستطيع وبضربة عصا أن يرسلني الى الحياة األخرى ‪.‬‬

‫‪ 1‬تشرين األول‬ ‫األش هر القلي ل ة الماض ية مض ت بس رعة ‪ ،‬ال دكتور نس يم وه و كالنس يم فع ال م أل عل ي س اعات ي وم الس جن‬ ‫الطويلة ‪ ،‬كنا ر نكاد نفتر ‪ ،‬وب��د فترة من تعارفنا اتف مع جاري وتبادر األمكن ة ‪ ،‬نس تيقظ ص باحا ودون‬ ‫ان نتحرك من تحت البطانية نستأنف حديثا لم يكتمل البارحة ‪ ،‬نأكل سوية ‪ ،‬نتح ادث ‪ ،‬قمن ا بتص نيع أحج ار‬ ‫شطرنج من العجين ‪ ،‬استغر صنعها أكثر من عشرين يوما ‪ ،‬وكان شطرنجا جميال ‪ ،‬فنس يم بج وهره فن ان‬ ‫وشاعر ‪ ،‬مرهف ارحساس ‪ ،‬يتلمس الجمال في مواطنه ‪ ،‬كانت امنية حيات ه ان ي درس الف ن التش كيلي‪ ،‬لك ن‬ ‫ضغط األهل اجبره على دراسة الطب ‪ ،‬ورغم ذل ك فان ه ت رك الط ب لم دة ع ام كام ل عن دما ك ان ف ي الس نة‬ ‫الرابعة واشترك مع فنان آخر في محترف بباريس ‪ ،‬وعاد أبوه ليجبره على العودة لدراسة الطب ‪ ،‬رغم ذلك‬ ‫لم ينقطع عن الرسم ابدا ‪.‬‬ ‫كنا نكشط األجزاء المحروقة من الخبز ونجمعها ومنها اللون األسود ‪ ،‬نضع قليال م ن مرق ة رب البن دورة ‪،‬‬ ‫نتركها عدة أيام لتتكثف وتجف ومنه ا الل ون ارحم ر ‪ ،‬م ن ل ب الخب ز العس كري نص نع العج ين ‪ ،‬وم ن ه ذا‬ ‫العجين الممزوس بهذه األلوان ك ون نس يم أحج ار ش طرنج ك ل م ن رآه ا ش ه ‪ ،‬ث م أخ ذ يص يغ أش كار فني ة‬ ‫مبتكرة آية في الجمال والذو ‪.‬‬ ‫نتحدث بالفرنسية ‪ ،‬نتحدث بالعربية ‪ ،‬نلعب الشطرنج ‪ ،‬نراقب الساحة من خالل الثق ب ‪ ،‬وبع د أن ننه ي ك ل‬ ‫ذلك ‪ ،‬واذا بقي القليل من الوقت فان نسيم يتناول قطعة من العجين ويبدأ بتش كيلها ‪ ،‬وف ي ك ل األش كال الت ي‬ ‫صاغها تلمس المرأة والحنين اليها " عاش نسيم قصة حب كبي رة ر زال ت تحف ر ف ي وجدان ه ‪ ،‬وعن د حديث ه‬ ‫عنها اعتبرها معنى ح ياته ‪ ،‬وايضا احدى أكبر خيباته في الحي اة ‪ ،‬وأول ى ه ذه الخيب ات دراس ة الط ب تح ت‬ ‫ضغط األهل والمجتمع "‪.‬‬ ‫مرة ودون مقدمات سألته فجأة ‪:‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪95‬‬

‫ اآلن ‪ ..‬هل تواظب على الصالة ؟‬‫ببساطة شديدة قال ‪:‬‬ ‫ منذ انا أصبحت بين هؤرء ‪ ..‬لم أعد أصلي ‪.‬‬‫ ولكن ما الذي قذف بك الى هنا بينهم ؟‬‫ انه أخي ‪ ..‬أخي الذي لم أكن اطيقه أو يطيقن ي ‪ ،‬ش خص متزم ت وض ي األف ‪ ،‬وحت ى قب ل أن أذه ب‬‫للدراسة في فرنسا كان صياحنا اليومي يصل الى الشارع ‪ ،‬وغالبأ ما يكون الس بب محاولت ه الت دخل ف ي‬ ‫لباس أمي واخواتي البنات ‪ ،‬يريد ان يفرض عليهن لباسا اسالميا أسود ‪ ،‬وكن يعارضن ذلك وأق ف ال ى‬ ‫جانبهن ‪.‬‬ ‫في غالب األحيان كنت وإياه نتضارب باريدي ‪ ،‬كان فاشال على المستوى الدراسي ‪.‬‬ ‫ذهبت الى فرنسا ‪ ،‬بقيت هناك ثماني سنوات ‪ ،‬كان خاللها قد انتس ب ال ى ه ؤرء "وأش ار بي ده ال ى الجماع ة‬ ‫المتش ددة" ‪ ،‬أص بح مطلوب ا بش دة م ن قب ل األم ن ال ذي اعتق ل وال دي ووال دتي‪ ،‬وللخ الص م ن ه ذا الم أز‬ ‫وربعاد أنظار األمن داخل المدينة ‪ ،‬قال والدي لألم ن إن ه ق د ه رب ال ى فرنس ا عن د أخي ه ‪ ،‬ودون أن أدري‬ ‫أصبحت مطلوبا ‪ ،‬أ نهيت دراستي وعدت الى بلدي ‪ ،‬اس تقبلني رج ال األم ن ف ي المط ار يري دون من ي أخ ي‬ ‫الذي لم أره منذ ثماني سنوات‪.‬‬ ‫وها أنا أمامك في هذا السجن‪.‬‬ ‫كن ت ونس يم نتن اوب المراقب ة م ن خ الل الثق ب دون بطاني ة ‪ ،‬ل م يتج اوز ع دد ال ذين نظ روا م ن الثق ب ع ن‬ ‫الخمسة ‪ ،‬يبدو ان الجميع رزال يعتبر فراشي نجسا ‪ ،‬فللمراقبة من الثقب يجب عل ى الواح د أن يجل س عل ى‬ ‫فراشي ‪.‬‬ ‫كنا‪ ،‬نسيم وأنا‪ ،‬اللذان يراقبان دائما‪ ،‬نبلغ ما نشاهده ألبو حسين وهو بدوره يبلغه للجميع ‪.‬‬ ‫عادت العالقة بين المتشددين وباقي المهجع لتصبح ودي ة ‪ ،‬خاص ة ان المتش ددين بالع ام ش باب ص غار الس ن‬ ‫أقرب الى الطيبة والسذاجة ‪ ،‬شرط أر يظهر بينهم ابو القعقاع أو صعصعة أو ابو قتادة !‪.‬‬ ‫بقوا هم األكثر عطاء وتضحية ‪.‬‬ ‫في واحد من أيام ارثنين تركت الثقب كامأل لنسيم كي يراقب ارع دامات ‪ ،‬التص بالثق ب ول م يع د ي تكلم أو‬ ‫يتحرك ‪ ،‬كان نسيم يكرر كلمة "العمش" كثيرا في احاديثه ‪.‬‬ ‫بعد ساعتتن من التصاقه بالثقب ‪ ،‬قفز الى الوراء واقفا ‪ ..‬نظر الي وقال ‪:‬‬ ‫ العمش ‪ ..‬العمش ‪..‬‬‫نظر الى أبو حسين ‪ :‬العم‪..‬اا‪..‬ش‬ ‫نظر الى المجموع ‪ :‬العمش ‪ ..‬العمش ‪..‬‬ ‫ثم وبصوت خافت بعد أن اقترب مني ‪:‬‬ ‫‪ -‬العمش ‪ ..‬ولك شو هاد ؟! ولك ‪ ...‬شلون كنت عم تتحمل هيك مناظر ؟!‪ ..‬العمش ولك ش وف ‪ ...‬ش وف‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪96‬‬

‫!‪ ...‬شو هذا يللي عم يصير ؟!‬ ‫نظرت عبر الثقب ‪ ،‬كانت ثماني جثث متدلية عن الحب ال ‪ ،‬والعدي د م ن الجث ث عل ى األرض ‪ ،‬ه ذه الجث ث‬ ‫الثمان يبو انها آخر وجبة ‪ ،‬الوحش "عنصر البل ديات" يق ف أم ام الجث ة الثاني ة م ن اليس ار وه ي جث ة رج ل‬ ‫بدين ‪ ،‬يمسك الوحش بيده عصا غليظة ينهال بها ضربا على الجثة ‪ ،‬الشرطة يراقبونه ضاحكين ‪ ،‬وم ع ك ل‬ ‫ضربة عصا على الجثة يصرا بصوت عال ‪:‬‬ ‫عاش الرئيس المفدى ‪ ..‬بالرو بالدم نفديك يا رئيس ‪ " ...‬وضربة بالعصا على الجثة " ‪ ...‬ولك يا كلب‬

‫‪-‬‬

‫بتشتغل ضدد الرئيس ‪ ..‬وضربة بالعصا ‪ ...‬لك يا منيك ‪ ...‬رئيسنا أحسن رئيس ‪ ...‬ضربة بالعصا ‪ ...‬حي دو ي ا‬ ‫منايك حيدو ‪ ..‬ضربة بالعصا‪ ...‬الرئيس قبل هللا نعبده ‪ ...‬ض ربة بالعص ا ‪ ...‬ويخت ل اريق اع ‪ ..‬ض ربات عدي دة‬ ‫بالعصا " اتساءل‪ :‬هل انتهت ذخيرة الوحش الكالمية التي كان قد حفظه ا لكث رة ترداده ا ف ي الرادي و والتلفزي ون‬ ‫وف ي الش وارع اثن اء المس يرات الت ي تنظمه ا الدول ة ؟! يب دو ان ارم ر ك ذلك ألن ال وحش ب دأ يلج أ ال ى ذخيرت ه‬ ‫الكالمية الشخصية ! الذخيرة الكالمية التي لمها من الشوارع " ‪.‬‬ ‫يتوقف قليال عن الضرب ‪ ،‬ثم ضربة قوية على الرأس اسمع من خالله ا رن ين العظ ام ‪ ...‬ول ك ي ا كل ب ‪ ...‬انت و‬ ‫فيكن عالرئيس ؟‪ ...‬ضربة عصا ‪ ...‬ولك الرئيس أقوى واحد بالدنيا ‪ ...‬ضربة ‪ ...‬ولك الرئيس بدو ينيك امهاتكم‬ ‫‪ ...‬ضربة ‪ ...‬ولك الرئيس عندو أطول اير بالدنيا كلها ‪ ...‬ضربة ‪ ...‬ولك بدو ينيكم وينيك اختكم واحد واحد ‪...‬‬ ‫ضربة بالعصا ‪ ...‬يتوقف الوحش قليال وهو يلهث ‪ ،‬بعدها وبحركات هستيرية يضع احد طرفي العصا بين اليتي‬ ‫الجثة ويدفع بها الى األمام ‪ ،‬تتحرك الجثة كلها الى ارمام ‪ ،‬يستمر الوحش بالضغط ‪ ،‬الطرف الثاني للعص ا ب ين‬ ‫يديه ارثنتين يركزه في موضع قضيبه ويبدأ بدفع العصا ب ين اليت ي الجث ة ره زا ‪ ،‬وم ع ك ل ه زة ال ى ارم ام ‪...‬‬ ‫يصيح ‪:‬‬ ‫ بالرو بالدم ‪ ..‬نفديك يارئيس ‪.‬‬‫تبقى العصا بين ارليتين ‪ ،‬الجثة دائمة التأرجح ‪ ،‬الشرطة يضحكون ‪ ...‬يتقدم الرقي ب " األع وس " وه و يقهق ه ‪،‬‬ ‫يمسك الجثة من األمام ويثبتها جيدا للوحش ‪ ،‬الوحش يتابع ضغط العصى بين ارليتين ويهتف ‪:‬‬ ‫ بالرو ‪ ...‬بالدم ‪ ..‬نفديك يارئيس ‪.‬‬‫األعوس يضغط من األمام ‪ ،‬الوحش يضغط بالعصا من الخلف ‪ ،‬وفي لحظة يفلت رأس الجثة من الحبل "يبو‬ ‫المشهد من بعيد وكأن الجثة حركت رأسها بحرك ة بارع ة لت تخلص م ن الحب ل" ‪ ،‬تس قط الجث ة عل ى وجهه ا‬ ‫أرضا ‪ ،‬تفلت العصا من يد الوحش وتظل مغ روزة منتص بة ب ين اليت ي الجث ة ‪ ،‬يقف ز ال وحش عالي ا ويص يح‬ ‫بشعار طالما سمعه يردد كثيرا في الراديوا و التلفزيون ‪:‬‬ ‫ يسقط ارستعمار ‪ ...‬تسقط ارمبريالية ‪.‬‬‫يرد عليه الرقيب األعوس ‪:‬‬ ‫ تسقط ‪ ...‬تسقط ‪ ..‬تسقط ‪.‬‬‫‪ -‬يعيش الرئيس المفدى ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪97‬‬

‫ يعيش ‪ ...‬يعيش ‪ ...‬يعيش ‪.‬‬‫وتبقى العصا مغروزة بين اليتي الجثة تتأرجح ‪.‬‬ ‫ الى األبد ‪ ...‬الى األبد ‪ ...‬يعيش الرئيس ‪.‬‬‫ يعيش ‪ ...‬يعيش ‪ ...‬يعيش ‪.‬‬‫ومع كل كلمة "يعيش" تتأرجح العصا ذات اليمين وذات اليسار ‪.‬‬

‫‪02‬كانون أول ‪:‬‬ ‫خالل الشهور الماضية توطدت عالقتي كثيرا مع نسيم‪ ،‬وهو كان فرح ا ب ي أيض ا‪ ،‬ل م يك ن نس يم مث ل ه ؤرء‪،‬‬ ‫عقله منفتح ومتحرر و ر يهتم باألمور السياسية ولم يسب له أن فك ر حت ى بارنتس اب إل ى أي م ن التنظيم ات‬ ‫الدينية‪ ،‬كان وهو في الحياة خارس السجن يؤدي الفرائض الدينية بالمناسبات‪.‬‬ ‫مرة قال لي شيئا كنت أفكر فيه أيضا‪ .‬قال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫كيف مرت كل هـ السنين وأنا وأنت في محل واحد ولم نتعرف على بعض ؟! بعدين نتعرف على بعض‬

‫و نصير كأننا توأم !!‪ ..‬فعال أنت توأم روحي‪.‬‬ ‫كنت أحس ارحساس نفسه‪.‬‬ ‫************‬ ‫رزال ت ورش ات البن اء ف ي الس جن الص حراوي تق وم بإش ادة مه اجع جدي دة‪ ،‬رغ م أن الق ادمين الج دد إل ى ه ذا‬ ‫السجن قد تناقصوا بشكل كبير في السنوات الثالثة األخيرة ‪.‬‬ ‫(( من هو أول سجين في التاريك ؟ من الذي اخترع السجن ؟ ‪ ..‬كيف كان ش كل الس جين األول ؟‪ ..‬ه ل هن اك‬ ‫سجين واحد في كل العالم ‪ ..‬في كل األزمان ‪ ..‬في كل السجون ‪ ..‬قضى في السجن عاما واحدا أو أكث ر ‪ ..‬ث م‬ ‫عندما يخرس ‪ ..‬يكون هو ‪ ..‬هو ؟ !‬ ‫أي عبقري هذا الذي أوجد فكرة السجن !!‪ ..‬هل هو ارله ؟‪ ..‬يجب أن يكون كذلك ‪ ..‬ألن فيها من ارعج از م ا‬ ‫هو فو قدرات العقل البشري !!‪..‬‬ ‫لكن لماذا ترك هللا الشيطان طليقا بعد العصيان ولم يسجنه إذا ك ان هللا يع رف م ا ه و الس جن ؟!‪ ..‬أن ا واث أن‬ ‫الشيطان كان سيسجد مرغما بعد قضاء عدة شهور ر بل عدة أس ابيع‪ ،‬ل يس أم ام آدم فق ط إنم ا أم ام ح واء!‪....‬‬ ‫هل يمكن أن يكون هللا قد أخطأ عندما طلب من إبليس أن يسجد أمام آدم ؟! لم اذا ل م يطل ب من ه أن يس جد أم ام‬ ‫حواء !؟‪..‬‬ ‫هل كان إبليس سيرفض السجود أمام حواء ؟‬ ‫ولكن ماذا لو سجد إبليس أمام آدم نفسه ؟‬ ‫هل كان سيصبح إبليس نائبا هلل ؟! ‪....‬أو شريكا له ؟!‬ ‫" لو لم أكن سجينا كيف كان لمثل هذه األفكار المضحكة أن تنبت ؟! " )) ‪.‬‬ ‫تنشأ في السجن مهاجع جديدة ‪" .‬متى كانت كل المهاجع في هذا السجن فارغة ؟" يدخلها الناس س وية أو عل ى‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪98‬‬

‫دفعات متتابعة‪ .‬بضعة أيام ويكتمل نصاب المهجع‪ .‬بضع عشرات ‪ ،‬مائة ‪ ..‬مئتان ‪ ...‬ث الث أو يزي د ! الجمي ع‬ ‫ينظر إلى الجميع‪ .‬الوجوه متشابهة‪ .‬ر يعرف أحد أحدا‪ .‬يبدأ التعارف بعد دقائ ‪ ..‬ويستمر سنوات ‪.‬‬ ‫مع التعارف يبدأ الفرز‪ .‬يبدأ ارلتفاف و التالقي‪ .‬في البداية تنشأ التجمعات على األرضية السياسية التنظيمية و‬ ‫التي كانت س ببا ف ي دخ ولهم الس جن‪ ،‬أبن اء الح زب الواح د ‪ ..‬التنظ يم الواح د‪ ،‬يلتق ون ‪ ..‬س واء ك انوا يعرف ون‬ ‫بعض هم س ابقا أم ر ‪ ..‬يتع ارفون‪ ،‬يش كلون مجموع ة واح دة‪ ،‬وحي اة اجتماعي ة مش تركة‪ ،‬له م اجتماع اتهم‬ ‫وأسرارهم‪ ،‬أغلبها إن لم يكن كلها ‪ ..‬وهم‪ ،‬كل ما في األمر أنهم يتساندون !‪ .‬يتكئ بعضهم على بعض‪ ،‬الرو‬ ‫الجماعية تشكل لهم وهما بالقوة ‪ ..‬وبالتالي الحماية‪ ،‬أن تكون محميا بالجماعة يعطي الشعور باألمان‪.‬‬ ‫تبدأ الحالة شديدة متوترة‪ ،‬تصل إلى حد التعصب وعداوة اآلخرين‪ ،‬مع األيام ‪ ..‬تبدأ بالتراخي‪ ،‬خاصة إذا ك ان‬ ‫المهجع كله ذا لون تنظيمي واحد ‪.‬‬ ‫في الدروس التي يتلقاها ضباط األمن ‪ ..‬وبعد الدرس األول الذي يقول ‪:‬‬ ‫" أول درس في المخابرات ‪ ..‬هو أن ر تث برجل المخابرات "‪.‬‬ ‫ت أتي دروس عدي دة‪ ،‬ق د تك ون ص ائبة وق د تك ون خاطئ ة‪ .‬و ف ي ال نص ال ذي يحت وي عل ى كيفي ة التعام ل م ع‬ ‫التنظيمات المعادية ‪ ..‬هناك درس يبقى صائبا على الدوام ‪:‬‬ ‫" إذا أردت ألفراد تنظيم ما أن يأكلوا بعضهم بعضا ‪ ..‬اسجنهم سوية "‪.‬‬ ‫ارحباط‪ ،‬التباع د‪ ،‬النف ور‪ ،‬الكراهي ة‪ ،‬الني ل م ن هيب ة القي ادات ‪ ..‬وتب دأ الوش ائج التنظيمي ة ب التراخي والتفك ك‪،‬‬ ‫ومعها يبدأ التطلع إلى المحيط خارس إطار التنظيم الواحد‪.‬‬ ‫تمر األيام ‪ ،‬األسابيع‪ ،‬الشهور‪ ،‬السنوات !‪.‬‬ ‫تنشأ عالقات جديدة على أرضية جديدة ‪ " :‬الجغرافية "‪ .‬أبناء المنطقة الواحدة‪ ،‬القرية‪ ،‬البلدة‪ ،‬المدينة‪ ،‬أو حتى‬ ‫‪ ..‬المنطقة األوسع‪ ،‬المنطقة الشمالية‪ ،‬المنطقة الشرقية‪ ،‬المنطقة الساحلية ‪.‬‬ ‫يستعيدون فيما بينهم الذكريات‪ .‬يتذكرون األماكن األليفة بحنين بالغ‪ ،‬الطرقات ‪ ..‬السهول ‪ ..‬الوديان ‪ ..‬الجب ال‬ ‫‪ ..‬الش وارع والح دائ والس احات‪ .‬يت ذكرون بع ض األح داث العام ة و المش هورة‪ ،‬ويوم ا بع د ي وم تكب ر‬ ‫التقاطعات‪ ،‬وتكبر معرفتهم بعضهم ببعض‪.‬‬ ‫مع ازدياد المعرفة‪ ،‬وبأسئلة بريئة في الظاهر ينبش ما كان محسوبا أنه م ن المنس يات‪ .‬فلك ل ش خص أو عائل ة‬ ‫أو عشيرة إيجابياتها ‪ ..‬ولها كذلك ما تخجل منه وتحاول نسيانه ‪ ..‬أو جعل اآلخرين ينسونه ‪.‬‬ ‫لكنه السجن و له قوانينه الخاصة‪ ...‬البسيطة‪ ...‬الصريحة‪ ...‬الوقحة !‬ ‫ويسأل أحدهم ابن مدينته الذي تعرف عليه سؤاأل قد يكون مازحا ‪ ....‬قد يكون بريئا ‪ ....‬قد يكون ! ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت من بيت البيك الذين يسكنون في المحل الفالني ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬أنا من بيت البيك هؤرء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫آ ‪ .....‬آ عفوا ‪ ..‬ر تواخذني ‪ ..‬بس أنا سمعت حكاية‪ ،‬صحيح أن رتبة البكوية و األمالك و األراضي ‪..‬‬

‫صارت عندكم ألنه ستك "جدتك" الكبيرة كانت صديقة للوالي العثماني ؟؟‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪99‬‬

‫‪-‬‬

‫أل ‪ ...‬أبدا مو صحيح‪.‬‬

‫ينتهي الحديث و ينكمش شيء ما داخل نفس سليل آل البيك ‪ ..‬ونفور !‬ ‫يسأل آخر آخرا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت من قرية الحيدرية بس أنت من بيت مين ؟‬

‫‪-‬‬

‫أنا من بيت البيطار ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫آ ‪ ...‬البيطار‪ .‬قل لي ‪ ..‬سمعنا من كام س نة ‪ ...‬أن ام رأة م ن بي ت البيط ار قتل ت زوجه ا بارش تراك م ع‬

‫عشيقها ‪ ..‬بتقربك شي هــ المرأة ؟‬ ‫‪-‬‬

‫المرأة خالتي ‪ ..‬بس القصة مو صحيحة‪ ،‬يعني تهمة وبس !‬

‫ينتهي الحديث و ينكمش شيء ما داخل نفس سليل آل البيطار ‪ .....‬ونفور !‬ ‫وتتعدد األسئلة ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت ابن فالن الذي سر صندو البلدية ؟‬

‫‪-‬‬

‫أنت أبن فالنة التي ‪.......‬‬

‫وتنتهي األحاديث‪ ،‬وتنكمش أشياء كثيرة داخل النفوس ‪ ...‬ونفور !‬ ‫تمر األيام‪ ،‬األسابيع‪ ،‬الشهور‪ ،‬السنوات !‪.‬‬ ‫تنش أ عالق ات جدي دة عل ى أرض ية جدي دة‪ .‬المي ول‪ ،‬الهواي ات‪ ،‬المه ن‪ ،‬المهتم ين ب األدب‪ ،‬الفن انين‪ ،‬المعلم ين‪،‬‬ ‫األطباء ‪.....‬‬ ‫تمر األيام‪ ،‬األسابيع‪ ،‬الشهور‪ ،‬السنوات !‪.‬‬ ‫تنشأ عالقات جديدة على أرضية جديدة ‪ :‬الذو ‪ ،‬اللباقة األجتماعية !‪.‬‬ ‫ينفر منه ويبتعد عن زميله في التنظيم أو المهنة أو المنطقة ‪ ..‬ألنه يخرس أصوات من فمه عندما يأكل ‪ ..‬وهذا‬ ‫قلة ذو ‪.‬‬ ‫ينفر منه ويبتعد عنه ألنه عندما يطوي بطانياته فإنه يطويها بعنف مثيرا الغبار على جاره ‪..‬وهذا قلة ذو ‪.‬‬ ‫ينفر منه ويبتعد عنه ‪ ..‬ألنهما عندما يتحادثان ر يترك مسافة كافية بين الرأسين !‪ ..‬يقترب منه كثيرا ويتكلم ‪..‬‬ ‫يجبره أن يشم رائحة فمه الكريهة !‪ ..‬وهذا قلة ذو ‪.‬‬ ‫مئات المشاكل التي يثيرها التع ايش القس ري ب ين أن اس ل م يخت اروا بعض هم بعض ا‪ ،‬فه م م ن مش ارب ومناب ت‬ ‫مختلفة ‪ ..‬تربيات مختلفة ‪ ..‬سويات حضارية مختلفة ‪.‬‬ ‫تكون السنوات قد مرت‪ .‬سنة تجثم على صدر التي قبلها ‪.‬‬ ‫تنشأ عالقات جديدة على أرضية جديدة‪ ،‬ويبتعد الناس أكثر فأكثر عن كل ما له طابع جم اعي‪ ،‬رم اد الس نوات‬ ‫المنطفئة يغطي شيئا فشيئا طزاجة الذكريات عن الخ ارس‪ .‬يبتع د ه ذا الخ ارس‪ ،‬وي نغمس الش خص ف ي تفاص يل‬ ‫الحياة اليومية للسجن‪ ،‬تكبر المساحة التي تحتلها هذه التفاص يل ف ي نف س الس جين‪ ،‬عل ى حس اب الخ ارس ال ذي‬ ‫يبدو قصيا بعيد المنال ! ‪ ..‬وأكثر ما يبتعد هو السياسة‪ ،‬انعكاساتها كناظم لقطيع من البشر‪ .‬تعود الذات الفردية‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪111‬‬

‫لتنمو على حساب الذات الجماعية أو رو القطيع‪ .‬وقد يصل األم ر إل ى ح د القطيع ة أو الع داء ‪ ..‬م ع الت اريك‬ ‫الذي ساهم هو بصنعه !‪ ..‬خطوة أخرى ويصل إلى جلد ساديٍّ للذات !!‪ ...‬يقول بمرارة تقطر مع الكلمات ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لقد كان السجن ضروريا لنا لنكتشف الكذبة الكبيرة التي كنا نعيشها‪ .‬أي غباء ‪ ..‬أي وهم ‪ ..‬أوصالنا إلى‬

‫هنا ؟!‪..‬‬ ‫وتنشأ عالقات جديدة على أرض ية جدي دة‪ .‬والص داقات الثنائي ة ه ي المرحل ة م ا قب ل األخي رة‪ ،‬و تب دأ كح ارت‬ ‫معزولة منذ البداية و ور تتحول إل ى ظ اهرة إر ف ي المراح ل المتقدم ة‪ ،‬وحت ى ف ي ه ذه المراح ل ق د ر تك ون‬ ‫عامة مطلقة ولكنها تقترب من األغلبية‪.‬‬ ‫المتشابهان ‪ .....‬المتناقضان ‪ ...‬التشابه و التناقض‪ ،‬على ما فيهما من تباع د ف ي ك ل ش يء‪ ،‬إر أنهم ا يش كالن‬ ‫األرضية المناسبة أو التربة المناسبة لنشوء العالقات الصداقية الثنائية ! ‪.‬‬ ‫بعد مسيرة السنوات الطوال‪ ،‬ومن خالل التجربة و الخطأ‪ ،‬من خالل ارحتكاك المستمر والدائم على مدار أربع‬ ‫وعشرين ساعة كل يوم‪ ،‬ثالثمائة وخمس وستون يوما ك ل ع ام ‪ ..‬يكتش ف ارثن ان أنهم ا متش ابهان ف ي بع ض‬ ‫األشياء ‪ ..‬في الكثير من األشياء ‪ ..‬في كل األشياء !‪.‬‬ ‫ينجذبان إلى بعضهما البعض‪ .‬وتبدأ عالقة صداقة بين اثنين ‪.‬‬ ‫بعد مسيرة السنوات الطوال‪ ،‬ومن خالل التجربة و الخط أ‪ ،‬م ن خ الل ارحتك اك المس تمر وال دائم وعل ى م دار‬ ‫أربع وعشرين ساعة كل يوم و ثالثمائة وخمس وستين يوما ك ل ع ام و يكتش ف اثن ان أنهم ا متناقض ان ‪ ..‬ف ي‬ ‫بعض األشياء ‪ ..‬في الكثير من األشياء ‪ ..‬في كل األشياء ‪.‬‬ ‫وكما المغنطيس ينجذب سالبه إلى موجبه ‪ ..‬ينجذبان إل ى بعض هما ال بعض ‪ ..‬وتب دأ عالق ة ص داقة ب ين اثن ين‪،‬‬ ‫وهذه الصداقة تبدأ متوازنة متكافئة‪ ،‬لكل منهما نفس الحقو وعليه نفس الواجبات‪ ،‬ومع توالي األيام يبدأ الخلل‬ ‫بين كفتي الميزان‪ ،‬بنفس قدر ارتفاع األولى تنخفض الثانية‪ ،‬طرف يبدأ باكتس اب الق وة و اظهاره ا‪ ،‬والط رف‬ ‫اآلخر يعتمد أكثر فأكثر وفي كل األمور على صديقه القوي‪ ،‬ليصبح هو الطرف األكثر ليون ة ورق ة!‪ ..‬تس تمر‬ ‫العالقة بين ارثنين وف هذه المعادلة طويال‪ ،‬الق وي والض عيف‪ ،‬الق وي ال ذي يرع ى الض عيف ويبس ط حمايت ه‬ ‫عليه وهو في غاية ارستمتاع بهذا الدور‪ ،‬والضعيف الذي يلوذ تحت جناحه ورعايته وهو في غاية ارس تمتاع‬ ‫بهذا الدور !‪.‬‬ ‫أقبع في قوقعتي طوال هذه السنوات أحاول أن أرقب وأفس ر وأس جل ك ل م ا يح دث أم امي ض من ه ذا التجم ع‬ ‫ارنساني‪ ،‬رصدت الكثير من األمور وفسرتها وسجلتها ‪.‬‬ ‫هذه الثنائيات منذ بداية تشكلها أثارت اهتم امي‪ ،‬راقبته ا‪ ..‬تحورته ا وتطوراته ا‪ ،‬وفس رتها ف ي س يا الحاج ات‬ ‫ارنسانية لإلجتماع و التواصل ‪ ..‬إلى أن نشأت الحالة الثنائية بيني وبين نسيم بفضل المرحوم أبو القعقاع ‪.‬‬ ‫في بداية العالقة كنت مأخوذا بأمر واحد فقط ‪ ..‬أن يكون لدي من أحادثه !‪.‬‬ ‫كان طبيعيا أن أندفع وبقوة نحو هذا الشخص الذي ارتضى بعد أكثر م ن عش ر س نوات م ن القطيع ة التام ة أن‬ ‫يحادثني ويجلس عل ى فراش ي ‪ ..‬ث م ي دعوني للجل وس عل ى فراش ه !‪ ..‬ع اودني الش عور ب أني إنس ان ذو كي ان‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪111‬‬

‫يحترمه البعض‪ ،‬يحترم شخصه ويحترم عقله ورأي ه‪ ،‬وك ان ه ذا يمك ن أن يتحق م ع أي ش خص هن ا ي رفض‬ ‫مقاطعتي ويملك عقال منفتحا ولو بحدوده الدنيا‪.‬‬ ‫لكن نسيم أكثر من ذلك بكثير‪ .‬نسيم أكبر من كل أحالمي وامنياتي بشخص ينتشلني مما أنا فيه‪ ،‬بساطته ورقته‬ ‫جعالني أراه أمامي ساطعا نقيا كسطوع صفحة بيضاء تح ت أن وار قوي ة‪ ،‬دخ ل إل ى روح ي خ الل أي ام قليل ة‪،‬‬ ‫هصرها ‪ ..‬سحنها ‪ ..‬عجنها بروحه وجسده ‪ ..‬اتحد بها !!‪ ...‬و‬ ‫ذعرت ‪ ..‬ذعرت ‪ ..‬ذعرت !!‪.‬‬ ‫من أنا ؟ ! ‪ ..‬هل أنا ‪ ..‬أنا ؟! ‪ ..‬و‬ ‫إلى أين ؟؟ ‪.‬‬ ‫في بلدي وفي فرنسا عرفت الكثير من النساء‪ ،‬بعضهن عابرات ‪ ..‬قد ر أتذكر مالمحهن اآلن‪ ،‬والبعض األق ل‬ ‫حفرن في الوجدان أثالما ر تمحى ‪! ....‬‬ ‫كنت في هذه العالق ات طبيعي ا ج دا‪ ،‬ك أي إنس ان ع ادي‪ ،‬ول م يح دث أب دا خ الل ك ل الماض ي أن كان ت ل ي أي‬ ‫ممارسات غير طبيعية أو شاذة‪ ،‬ولم ألحظ على نفسي أية ميول لممارسات جنسية غير الممارسات العادية ب ين‬ ‫الرجل و المرأة‪ ،‬كما لم ألحظ أبدا أية ميول مثلية نحو الجنس المشابه‪ ،‬ر بل على العكس كنت أنفر منها نفس يا‬ ‫حتى في فترة المراهقة الت ي يح دث فيه ا أن ي داعب المراهق ون بعض هم م داعبات ش تى ذات ط ابع جنس ي‪ ،‬ل م‬ ‫أتعرض أنا – وقد يكون بحكم بعض ظروفي الموضوعية – إلى أية تجارب من هذا النوع ‪.‬‬ ‫ولكن اآلن ‪ ..‬اآلن ماذا يجري لي ؟!‬ ‫وماذا يمكن أن تكون نهاية هذا األمر ؟‬ ‫ما أشعر به اتجاه نسيم من عواطف ملتهبة لم أشعر به أبدا حيال أية امرأة عرفتها في حياتي !‪.‬‬ ‫نجلس سوية‪ ،‬نتحادث ‪ ..‬نلعب ‪ ..‬نأكل‪ ،‬طوال ساعات ارستيقاظ‪ ،‬ينام إلى جانبي ونتابع أحاديثنا بصوت خافت‬ ‫ونحن مستلقيان‪ .‬نحن‪ ،‬ارثنين‪ ،‬مع بعضنا البعض طوال اليوم ‪ ..‬ورغم ذلك أظل مشتاقا إليه وبشدة!‪.‬‬ ‫يغادرني أوقات قليلة‪ ،‬كأن يذهب إلى المرحاض أو يذهب لالغتسال ‪ ..‬فتبقى عيوني معلقة على باب المغاسل‬ ‫الحجري إلى أن يعود‪ ،‬ومن هناك يبادلني اربتسام ‪ ..‬فأرتا ‪.‬‬ ‫ر أدري شيئا عن مشاعره‪ ،‬عواطفه‪ ،‬تفكيره في هذا الموضوع‪ ،‬لكن اندفاعه نحوي ف ي ه ذه العالق ة الحميمي ة‬ ‫وترداده الدائم لعب ارة أن ي " ت وأم روح ه " كله ا أم ور تنب ئ بأن ه إم ا أن ه يع يش نف س ح التي ‪ ..‬أو أن ه بمنته ى‬ ‫البراءة ‪.‬‬ ‫كفتا الميزان في عالقتنا في األساس متفاوتة‪ ،‬هو رقي جدا‪ ،‬وحتى على صعيد الشكل تقاسيمه ناعمة بها شيء‬ ‫من األنوثة‪ .‬وأنا متجهم ‪ ..‬ذو شعر كث وتقاسيم حادة قاسية‪ .‬ومع تطور العالقة بيننا ازددت قوة ورجولة بينما‬ ‫شابت حركاته بعض النعومة و الليونة ‪ ..‬وأحيانا الدلع ‪.‬‬ ‫أعيش اآلن صراعا نفسيا رهيبا ب ين عقل ي ومحاكمات ه القاس ية‪ ،‬وب ين ع واطفي ومي ولي الطارئ ة الت ي أحس ها‬ ‫أحيانا أنها ر تستجيب ألوامر العقل ونواهيه و روادعه ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪112‬‬

‫هل أناقش األمر معه بصراحة ؟‪ ..‬ولكن لم ؟‪ ..‬ما هي الفائدة ؟ ألن يكون هذا سببا ف ي تحط يم عالق ة الص داقة‬ ‫الرائعة هذه ؟!‬ ‫المالمسات بيننا‪ .‬يحدث أحيانا ونحن في حمى الحديث أو اللعب أن أمسك يده فأشعر براح ة ومتع ة غ ريبتين!!‬ ‫أبقى ممسكا بها أكثر مما يستوجبه الموقف !! ‪.‬‬ ‫ألتفت إلى المهجع مجددا‪ .‬أرقب وأفسر هذه العالقات الثنائي ة المنتش رة‪ ،‬ولك ن بعي ون جدي دة ‪ ..‬عي ون فاحص ة‬ ‫تحاول أن تثقب الجدار الخارجي السميك لكل واحدة من هذه العالقات ‪ ..‬ثم تس بر م ا تح ت القش رة ه ذه !‪ ..‬ل م‬ ‫أتوصل إلى أية معلومة أو نتيجة مفيدة في هذا الشأن‪ .‬كل العالقات ظاهرها بريء ‪.‬‬ ‫وخفت ‪ ..‬خفت كثيرا ‪.‬‬ ‫هل يمكن أن تكون مفاعيل السجن وتأثيراته قد غيرا بنيتي النفسية بحيث يجعالني اسير في هذا ارتجاه ؟ لك ن‬ ‫عقلي يرفض ذلك رفضا باتا ‪.‬‬ ‫وخوفي الشديد ‪ ..‬هل يمكن أن يكون درلة صحة إذا كانت مشاعري وعواطفي درلة مرض ؟!‬ ‫ولكن ‪ ..‬ه ل ه ذا كل ه وه م ؟ أر يمك ن أن ي اعط ي الموض وع حجم ا أكب ر م ن حجم ه الحقيق ي ؟ لم اذا ر أدع‬ ‫األمور تسير سيرا طبيعيا ؟ ‪ ..‬وليكن ما يكون ‪.‬‬ ‫ه ذا ال دمار الكام ل و الش امل لإلنس ان‪ ،‬ه ذا الم وت الي ومي المعم م ‪ ..‬أر ي دفع إل ى الجن ون ‪ ..‬أو إل ى أكث ر‬ ‫التصرفات والسلوكيات جنونا وغرابة ؟!‬ ‫تتجمع في حلقي بصقة كبيرة ‪ ..‬إلى أين أقذفها ؟ ‪ ..‬بوجه من ؟‪.‬‬

‫‪ 02‬شباط‬ ‫مؤخرا انتبهت إلى أمر آخر‪ ،‬بدر من أن تساهم عالقتي مع نس يم ف ي إخراج ي م ن ق وقعتي‪ ،‬قم ت أن ا بإدخال ه‬ ‫إلى القوقعة‪.‬‬ ‫بقي المهجع على موقفه مني‪ ،‬وهو المقاطعة‪ .‬صحيح أنها لم تعد مقاطعة عدائية خطرة‪ ،‬لكنها أصبحت مقاطعة‬ ‫سلبية بادرة‪ ،‬وشيئا فش يئا وم ع اقتص ار عالقت ي عل ى نس يم فق ط انس حب موق ف المقاطع ة علي ه أيض ا‪ ،‬بع ض‬ ‫المتزمتين اتهمني بأنني أفسدت نسيم في دين ه‪ ،‬وغي ر بعي د أن نس يم ق د أص بح ملح دا أيض ا‪ ،‬ودلل وا عل ى ذل ك‬ ‫بانقطاع نسيم عنهم وقضائه كل الوقت عندي يتحدث معي بلغة الكفار ‪ ..‬ونتلهى بالشطرنج ب در م ن ذك ر هللا‪،‬‬ ‫وعندما نبهت نسيم إلى هذا األمر قال ‪:‬‬ ‫ مع ألف جهنم‪ ،‬من قبل ما يرفضوني هم‪ ،‬أنا من الداخل كنت رافضهم ‪.‬‬‫واستفاض بالح ديث وتب ين ل ي أن ه ر يح بهم‪ ،‬وف ي بع ض األحي ان عب ر ع ن اش مئزازه م نهم‪ ،‬ووص ف بع ض‬ ‫تصرفاتهم بالتخلف و الجهل وأحيانا بالوضاعة ‪.‬‬ ‫كنت أعتقد أن إنسانا مثل نسيم‪" ،‬شفافا وصافيا‪ ،‬فنانا صادقا‪ ،‬طيبا إلى أبعد الحدود " ر يمكن أن يعرف الكره‪،‬‬ ‫ولكن من أحاديثه عنهم كنت ألمس أحيانا بعض شذرات كراهية مترسبة في أعماقه‪ .‬صارحته بمالحظتي ‪ ..‬لم‬ ‫ينف أو يدافع‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪113‬‬

‫ ر أعرف ‪ ..‬ارنسان ر ينتبه على حاله ‪ ..‬ممكن يكون أساس هذه الكراهية أخوي ‪ ..‬يعني " زميلهم " !‬‫نسيم دائم ارندهاش يرى أمرا أو حدثا يتكرر أمامه مئات المرات لكنه في كل مرة يبدي نفس القدر من الدهشة‬ ‫و ارستغراب‪ ،‬وإذا كان أمرا يرفضه يبدي نفس القدر من ارحتجاس و ارستنكار ‪.‬‬ ‫أهم ما يميزه هو ذكاؤه ورقته‪ ،‬هذه الرقة الالمتناهية‪ ،‬والرهافة اررستقراطية ‪.‬‬ ‫اآلن مضى على نسيم ثالثة أيام ر يأكل رغم كل محاورتي رجباره على األكل ‪.‬‬ ‫************‬ ‫في مهجعنا عائلتان‪ ،‬العائلة األولى تتألف من أربعة أخوة‪ ،‬أما العائلة الثانية فهي تتألف من أب وثالثة أبناء ‪.‬‬ ‫عند بداية األحداث بين الحركة الدينية و السلطة‪ ،‬وبدء حمالت ارعتقال الواسعة‪ ،‬اس تطاع األبن اء الثالث ة وه م‬ ‫جميعا منظمون‪ ،‬استطاعوا الفرار و التواري عن األنظار‪ ،‬وعند مداهمة المنزل وجد رجال األمن والد الفارين‬ ‫وحيدا‪ ،‬اقتادوه معهم إلى فرع المخابرات‪ ،‬وهناك ظل اآلب أكث ر م ن ش هرين ره ن التحقي ‪ ،‬يري دون من ه أن‬ ‫يدلهم على مكان تواجد أورده‪ ،‬وهو حقيقة لم يكن يع رف ! وبع د ش هرين أرس لوه إل ى العاص مة وهن اك أيض ا‬ ‫حققوا معه لكن دون جدوى‪ ،‬أخيرا سئم الضابط منه وقال له إنهم سيبقونه في السجن رهينة إلى أن يسلم أورده‬ ‫أنفسهم لألمن ‪.‬‬ ‫بقي األب إلى جانب الكثيرين من أمثاله و الذين كان السجناء يطلق ون عل يهم عل ى س بيل الم زا اس م " تنظ يم‬ ‫الرهائن " أو " حزب الرهائن " ‪.‬‬ ‫بق ي األب ع دة ش هور ف ي العاص مة‪ .‬بع دها ت م ترحيل ه م ع اآلخ رين إل ى الس جن الص حراوي‪ ،‬عن دما ض اقت‬ ‫سجون وفروع المخابرات في العاصمة ‪.‬‬ ‫بعد ثالثة أعوام من بدء اعتقال األب‪ ،‬أصبح جميع أبنائه في السجن الصحراوي‪ ،‬تم اعتقالهم واحدا إثر األخر‪،‬‬ ‫وفي النهاية ومن خ الل رس ائل الم ورس عرف وا مواق ع بعض هم‪ ،‬ورغ م اعتق ال ارخ وة الثالث ة ل م ي تم اط ال‬ ‫سرا األب ‪.‬‬ ‫بعد ثالثة أعوام أخرى جاء دور قضيتهم لتنظر فيه ا المحكم ة الميداني ة‪ .‬ك ان هن اك أكث ر م ن خمس ين شخص ا‬ ‫سيحاكمون في ذلك اليوم ‪.‬‬ ‫صفا رباعي ا جالس ون عل ى األرض‪ ،‬وك ل واح د م نهم علي ه أن يش بك يدي ه ف و رأس ه ورأس ه ب ين ركبتي ه و‬ ‫األعين مغمضة‪.‬‬ ‫المحكمة تناديهم باألسماء‪ ،‬من يذاع اسمه يقفز ويصيح حاضر‪ ،‬وف ي أق ل م ن ثاني ة يج ب أن يك ون أم ام هيئ ة‬ ‫المحكمة ‪ ..‬وفي أقل من دقيقة أو دقيقتين تتم محاكمته !! ‪ ..‬وفي أقل من ثانية أخرى عليه أن يع ود إل ى مكان ه‬ ‫وجلسته !‪.‬‬ ‫في هذا الجو‪ ،‬ورغم كل شيء رأى األب و األخوة بعضهم ووصلت سالماتهم لبعضهم عن طري التسلسل‪ ،‬ثم‬ ‫نودي عليهم فردا فردا ‪.‬‬ ‫بعد أن انتهت محاكمتهم يبدوا أن أحد الضباط قد رحظ وانتبه أن الكنية واحدة لألربعة‪ ،‬فطلب ت هيئ ة المحكم ة‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪114‬‬

‫من الشرطة ادخال األب و أبنائه ‪.‬‬ ‫كانت هيئة المحكمة المؤلفة م ن ثالث ة ض باط ف ي حال ة اس ترخاء ومعه م م دير الس جن ق د توزع وا ف ي أرج اء‬ ‫الغرفة حول المدفأة المتوهجة‪ ،‬جو الغرفة حار نسبيا‪ ،‬يشربون القهوة ويدخنون ويتبادلون النكات‪ ،‬وفي اللحظة‬ ‫التي دخل فيها األربعة إلى الغرفة كان مدير السجن يروي لهم نكته ‪ ،‬فوق ف األربع ة عن د ب اب الغرف ة المغل‬ ‫وقفة تصاغر ‪ ،‬لم يعرهم أي من الحاض رين اهتمام ا ‪ ،‬ض حكوا بش دة ‪ ..‬تب ادلوا التعليق ات ‪ ..‬بع د بض ع دق ائ‬ ‫التفت أحد الضباط وأمعن النظر باألشخاص األربعة ‪ ،‬كان جو المر رزال سائدا ‪ ،‬توجه بالحديث لألب ‪..‬‬ ‫‪-‬‬

‫شو يا حجي ‪ ..‬أنتوا كنيتكم واحدة ‪ ..‬أنتوا بتقربوا بعضكم شي ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم يا سيدي نعم ‪ ..‬هدول أوردي وأنا أبوهم ‪.‬‬

‫استلم دفة الحديث ضابط أخر ‪..‬‬ ‫‪-‬‬

‫قول لي يا حجي ‪ ..‬في عندك أورد غير هدول ؟‬

‫‪-‬‬

‫ر و هللا يا سيدي ‪ ..‬هدول هنن كل أوردي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعني العائلة كلها مجرمين وعمالء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ر و هللا يا سيدي ‪ ..‬نحن ناس على قد حالنا ‪ ..‬وحسبنا هللا ونعم الوكيل ‪.‬‬

‫تدخل مدير السجن ‪ ،‬فسأل األب ‪..‬‬ ‫‪-‬‬

‫قديش عمرك أنت ‪ ..‬ور ؟‬

‫‪-‬‬

‫و هللا بالضبط ما بعرف يا سيدي ‪ ..‬بس يمكن صار فو السبعين ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫فو السبعين !‪ ..‬وباقي عندك حيل وعندك قوة تضرب وتقتل ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ .....‬هللا وكيلك ر قتلنا ور ضربنا ‪ ...‬بس النار مرت من جنبنا قامت حرقتنا نحن كمان ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫و هللا مانك سهل يا ختيار النحس ‪ ...‬قديش صار لك بالحبس ‪ ..‬و ر ؟‬

‫‪-‬‬

‫و هللا يا سيدي ‪ ....‬صار يمكن ‪ ....‬ست سبع سنين ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬بهـ السنين ‪ ...‬ما عم تشتا لمرتك ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ ...‬ارنسان بعمري ‪ ..‬وبعد كل هالشي ‪ ..‬ما يطلب غير حسن الختام ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب هاي فهمناها ‪ ..‬بس غير شي ‪ ..‬غير شي ‪ ..‬ما بتحس انو ناقصك شي شغلة ؟‬

‫‪-‬‬

‫أي و هللا يا س يدي ‪ ..‬أن ا ص رت زلم ة كبي ر ‪ ...‬وحركت ي ص عبة كتي ر ‪ ...‬ل و تحط وا ل ي أوردي مع ي‬

‫يخدموني ‪ ..‬بتكونوا فضلتوا على راسي ‪.‬‬ ‫وقتها أمر مدير السجن أن ينقل أورده إلى مهجعه ‪.‬‬ ‫عاد عضو المحكمة بعد ذلك لتوجيه الحديث ‪ ..‬خاطب األب ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫شوف يا حجي ‪ ...‬شو تتوقع يكون حكمكم ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ ..‬رحمة هللا واسعة ‪ ،‬و انتوا دائما بتحكموا بالعدل !!‬

‫‪-‬‬

‫طيب اسمعني ‪ ..‬انتوا اربعة أشخاص عائلة واحدة ‪ ....‬ونحن حكمنا على ثالثة منكم بارعدام ‪ ...‬وهل‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪115‬‬

‫‪ ..‬أنت بدك تختار مين رزم ينعدم ومين الواحد ياللي رزم يعيش ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫هللا يطول عمرك يا سيدي ‪ ..‬و يطول عم ر أوردك ‪ ..‬إذا ك ان الموض وع هي ك فــ ـ رزم اس عد يع يش ‪،‬‬

‫ونحن الثالثة يدبرها هللا !‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫ومين أسعد ؟‬

‫‪-‬‬

‫هذا هوي أسعد ‪ ..‬مخدومك ويبوس ايدك يا سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ليش اخترت أسعد يا حجي ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي أنا زلمة كبير أكلت عمري ‪ ،‬وسعد وسعيد متجوزين من زمان وخلف وا أورد ‪ ،‬و م ن خل ف م ا‬

‫مات ‪ ،‬أما أسعد بع دو ص غير وم انو متج وز و بع دو بزه رة ش بابو ‪ ..‬و الزه رة ح رام تنقط ف ‪ ..‬م و هي ك ي ا‬ ‫سيدي ؟‬ ‫‪-‬‬

‫أي حجي أي ‪ ...‬هيك ‪ ...‬يا شرطي ‪ ...‬يا شرطي ‪ ...‬تعال رجع هالجماعة وحطهم بمهجع واحد ‪.‬‬

‫عاد جميع أفراد العائلة إلى مهجعنا ‪ ،‬هذه القصة ‪ ..‬هذا الحوار س معته خ الل س نتين عش رات الم رات ‪ ،‬ولك ن‬ ‫منذ خمسة أيام – وكان أحد أيام الخميس – وردت رئحة ارعدامات وبدأ الشرطي بقراءتها ‪ ،‬كان اسماء الذين‬ ‫سيعدمون من مهجعنا هم ( سعد وسعيد وأسعد ) ‪ ،‬عندها ثار األب ‪.‬‬ ‫أسعد كان نائما عند قراءة ارسماء ‪ ،‬قام سعد وس عيد ع ن فراش يهما ‪ ،‬توجه ا إل ى ف راش أس عد ‪ ،‬أيقظ اه ‪ ،‬كان ا‬ ‫يناديانه باسمه ‪ ،‬عندما يناديه سعد يسكت سعيد ثم يناديه سعيد فيسكت سعد ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أسعد ‪ ..‬يا خاي ‪ ..‬أسعد ‪ ..‬في ‪ ..‬قوم ‪ ..‬يا خاي قوم ‪ ..‬أسعد ‪ ..‬ق وم ‪ ..‬أم ر هللا وم ا من وا مه رب ‪ ..‬ي ا‬

‫أسعد ‪ ..‬يا خاي ‪.‬‬ ‫استيقظ أسعد ‪ ،‬ونظر إلى أخويه على جانبي فراشه ‪ ،‬اعتدل جالسا وهو ينظر إليهم ا نظ رة ملؤه ا ارس تفهام ‪،‬‬ ‫وسألهما ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫شو ؟ ‪ ..‬شو في يا خاي ؟ ‪ ..‬شو صار ؟‬

‫‪-‬‬

‫ما في شي ‪ .....‬بس قوم ‪ ....‬في ‪ ....‬رزم نقوم نتغسل ونتوضا ونصلي ‪ ،‬بعدين رزم نودع ناس ‪.‬‬

‫تجمدت قسمات أسعد للحظات ‪ ،‬ثم نظر إلى أخويه وسأل ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنا كمان معكم ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬انت كمان معنا !‬

‫‪-‬‬

‫ر حول ور قوة إر باهلل ‪ ..‬حسبنا هللا ونعم الوكيل ‪ ...‬توكلنا على هللا ‪.‬‬

‫قام الثالثة ب��تجاه المغاسل التي كانت قد افرغت وتركت لهم فقط ‪.‬‬ ‫قفز األب السبعيني إلى الممر بين طرفي المهجع وهو يلو بيديه تلويحات عدم فهم وعدم تصدي !! مشى إلى‬ ‫منتص ف المهج ع ‪ ،‬وق ف تح ت الش راقة الت ي يط ل منه ا الح ارس ع ادة و نظ ر إل ى األعل ى ‪ ..‬إل ى الس ماء ‪،‬‬ ‫وبصوت راعش ولكن قوي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا رب ‪ ..‬يا رب العالمين ‪ ،‬أنا قضيت عمري كلو صايم مصلي وعم أعبدك ‪ ،‬يا رب أنا ما بدي أكفر ‪..‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪116‬‬

‫حاشا هلل واستغفر هللا العظيم ‪ ..‬بس بدي اسأل سؤال واحد ‪ :‬ليش هيك ؟ ‪"..‬وبصوت عالي أقرب إلى الصراا‬ ‫وهو يلتفت إلى الناس" ‪ ..‬ولك ل يش هي ك ؟؟ ي ا رب الع المين ‪ ..‬ل يش هي ك ؟؟ أن ت الق وي ‪ ..‬ان ت الجب ار ! ‪..‬‬ ‫ليش عم تترك هــ الظالمين يفظع وا فين ا ‪ ..‬ل يش ؟ ‪ ..‬ش و ب دك تق ول ؟ ب دك تق ول إن هللا يمه ل ور يهم ل ؟ ‪..‬‬ ‫طيب هــ الكالم مين بدو يرجِّ ع م ن أوردي ؟ ‪ ..‬ي ا هللا ‪ ...‬أن ت ترض ى أن و أس عد اب ن الخم س وعش رين س نة‬ ‫ينعدم على أيدي هــ الظالم ؟! قلي ‪ ..‬جاوبني ‪ ..‬ليس س اكت ‪ ..‬أن ت ‪ ..‬ان ت ‪ ..‬اس تغفر هللا العظ يم اس تغفر هللا‬ ‫العظيم ‪ ...‬يا رب ‪ ...‬لو كان عندك ثالثة أورد ورا يروحوا عـ ارعدام بلحظة واحدة ‪ ..‬شو كنت تعم ل ؟ ‪..‬‬ ‫هاه ؟ ‪ ..‬طيب جاوبني على ها السؤال الصغير بس ‪ ..‬انت ‪ ..‬رب العالمين ‪ ..‬معنا نحن و إر مع هـ الظ المين‬ ‫؟! لحد اآلن كل شي يقول ‪ ...‬أنك معهم ‪ ..‬م ع الظ المين !! ‪ ...‬اس تغفر هللا ‪ ...‬اس تغفر هللا ‪ ..‬ي ا رب ‪ ..‬بعزت ك‬ ‫وجاللك ‪ ..‬بس اسعد ‪ ،‬بس رجِّ ع لي أسعد ‪ ،‬ر تخليه يموت ‪ ..‬أنا ما عم قلك الثالثة ‪ ،‬بدي أس عد ب س ‪ ..‬وان ت‬ ‫قادر على كل شي !‪.‬‬ ‫السكون و الوجوم يخيمان على المهجع ‪ ،‬أبو سعد سكت أيضا ‪ ،‬جلس على األرض ووض ع رأس ه ب ين يدي ه ‪،‬‬ ‫بعد قليل رجع ارخوة الثالثة ‪ ،‬ص لوا أخ ر ص الة له م وب دؤوا بتودي ع الن اس ‪ ،‬أب و س عد ل م يتح رك م ن مكان ه‬ ‫ورزال رأسه بين يديه ‪ ،‬انتهى ارخوة من وداع الناس ‪ ،‬جاؤوا ووقفوا أمام األب الذي رزال مطرق ا ‪ ،‬جلس وا‬ ‫حوله ‪ ..‬سأله سعد ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أبي ‪ ...‬يا أبي ‪ ....‬ما بدك تودعنا ؟ ‪ .....‬أبي هللا يخليك ر تحر قلبنا بآخر عمرنا ‪ ...‬ابوس أيدك يا بو‬

‫‪....‬‬ ‫رفع األب رأسه ‪ ،‬شملهم بنظرة ذاهلة حارقة ‪ ،‬رفع يدي ه باتج اههم ‪ ،‬ال تقط أورده الي دين وأخ ذوا بتقبيلهم ا ‪...‬‬ ‫وأجهش األربعة ببكاء فجائعي ‪ ،‬عم البك اء المهج ع كل ه ‪ ...‬أخ ذ الرج ال جميع ا ينش جون ويش هقون ‪ ...‬ارتف ع‬ ‫صوت نشيج الرجال الجماعي عالي ا ‪ ،‬وق ف أب و حس ين ف ي منتص ف المهج ع ‪ ،‬وبك الم تقطع ه ش هقات البك اء‬ ‫المتتالية أخذ يرجو الجميع أن يخفضوا اصواتهم ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫من شان هللا يا اخوان ‪ ...‬هل ‪ ....‬نكون بشي بنصير بشي ‪ ...‬وطوا الصوت يا شباب ‪ ..‬من شان هللا يا‬

‫شباب ‪.‬‬ ‫سحب األب يديه من أيدي ابنائه وحاول أن يلف الثالثة بيديه ‪ ،‬القى األبناء أنفس هم ف ي حض ن األب ‪ ،‬تجمع ت‬ ‫الرؤوس الثالثة على صدره ‪ ،‬وضع األ ب يديه على رؤوسهم وق د أغم ض الجمي ع عي ونهم ورزال ت دم وعهم‬ ‫تسيل ولكن بصمت ‪.‬‬ ‫مرة اخرى بدا المهجع يهدأ ‪ ،‬مسحنا دموعنا جميعا ونحن شاخصون بأبصارنا اتجاه األب وأورده ‪ ،‬رفع ارب‬ ‫رأسه قليال ‪ ،‬مسح بيديه على الرؤوس الحليقة ‪ ...‬حول عيني ه إل ى الن اس المح دقين ب ه وبص وت ه اد ولكن ه‬ ‫قوي بدأ الكالم كمن يخاطب نفسه ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هذا أم ر هللا ‪ :‬أم ر هللا م ا من ه مه رب ‪ ..‬إن ا هلل وإن ا الي ه راجع ون ‪ ..‬معل يش ‪ ..‬ر تخ افوا ‪ ..‬ي ا ابن ي ر‬

‫تخافوا ‪ ..‬خليكم سباع ‪ ..‬قلبي وقلب أمكم معاكم ‪ ..‬هللا يرضى عل يكم دني ا آخ رة‪ ..‬رض ا هللا ورض اي معك م ‪..‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪117‬‬

‫هذا الموت كاس ‪ ..‬نعم كاس ‪ ..‬كل الناس بدها تشرب منه ‪...‬‬ ‫سكت قليال التفت إلى الناس واستأنف حديثه ‪:‬‬ ‫ ولك بس ليش ؟‪ ..‬ليش اوردي أنا ‪ ..‬ليش ؟ ‪..‬يا جماعة ‪ ..‬يا ناس هدول أوردي ‪ ..‬ما عندي غيرهم ‪ ..‬آا ‪..‬‬‫آا ‪ ..‬هللا وكيلكم ما عندي غيرهم ‪ ..‬آا يا أسعد ‪ ..‬آا ‪ ..‬ولك ي ا جماع ة ي ا ن اس ‪ ..‬ل ك ح دا م نكم ش اف هي ك‬ ‫شوفة ‪ ..‬أوردي كلهم قدامي را يتعلقوا عـ المشان !!‪ ..‬ول ك ش ي ح دا يخبرن ي ‪ ..‬احك وا ي ا ن اس ‪ ..‬ل يش ‪..‬‬ ‫ليش أنا وأوردي ‪ ..‬شو عملت من الذنوب تحت قبة هللا حتى يجازيني هيك جزاء ؟!‪ ..‬آه يا ابني آه ‪ ..‬يا ريتني‬ ‫متت من زمان ور شفت هيك شوفه !‪ ..‬ياريت متت ور عشت هيك يوم !! ‪ ..‬آا ‪ ..‬يا ربي آا ‪ ..‬ليش ‪ ..‬ليش‬ ‫‪ ..‬ليش ‪ ..‬؟؟‪.‬‬ ‫تق دم ثالث ة م ن كب ار الس ن إل ى حي ث جلس ت العائل ة ف ي منتص ف المهج ع ‪ ،‬أمس كوا ب األب م ن تح ت ابطي ه‬ ‫وأنهض وه ‪ ،‬تن اوبوا عل ى الح ديث مع ه يق وون عزيمت ه ‪ ،‬يذكرون ه بض رورة اريم ان بحكم ة هللا أم ام أش د‬ ‫المصائب هور ‪ ،‬سحبوه بهدوء إلى فراشه ‪.‬‬ ‫في اللحظة التي جلس بها على الفراش قرقع مفتا الباب ‪ ..‬انتفض األب واقفا ‪ ،‬أمس كه الرج ال وثبت وه مكان ه‬ ‫يرجونه الهدوء ‪ ،‬لدى فنح الباب وقف جميع الناس في المهجع ‪ ،‬سار األخوة الثالث باتجاه الخ روس وعناص ر‬ ‫الشرطة يصرخون طالبين م نهم ارس راع ‪ ..‬لك ن عن د وص ولهم إل ى الب اب توقف وا والتفت وا ‪ ،‬توقف ت نظ راتهم‬ ‫لثانيتين أو ثالث على والدهم‪ ،‬ثم خرجوا وأغل الباب وراءهم !‪.‬‬ ‫أفلت األب نفسه من قبضة الرجال ورك ض برش اقة ش اب عش ريني ي داه مم دودتان إل ى األم ام اتج اه الب اب ‪..‬‬ ‫وهو يلهث ‪:‬‬ ‫ أوردي ‪ ..‬يا جماعة أوردي ‪ ..‬ولك يا أسعد ‪ ..‬رجاع ‪ ..‬رجاع !!‪ ..‬ولك أكيد في غلط ‪ ..‬ولك يا أبني رج اع‬‫‪ ..‬خليني أنا رو محلك !!‪.‬‬ ‫اعترضه أبو حسين محتضنا اياه ‪ ،‬لف يديه عليه بقوة ‪ ،‬وتعاون مع الرجال اآلخرين رعادته إلى مكان ه برف‬ ‫‪ ..‬اجلسوه وجلسوا حوله يواسونه وهو شاخص بأنظاره إلى الباب ‪.‬‬ ‫منذ أن خرس األخوة الثالثة ونسيم ملتص بالثقب يراقب ‪ ،‬ينشج ‪ ،‬يمسح دموعه التي لم تتوقف !‪.‬‬ ‫نهض األب من جديد ‪ ،‬حاول ال بعض منع ه لك ن أب و حس ين أش ار له م بي ده أن يترك وه وأوع ز إل ى اثن ين م ن‬ ‫الشباب أن يقفوا قرب الباب تحسبا ‪ ..‬وعندما ابتعد األب عن المجموعة قال أبو حسين ‪:‬‬ ‫ اتركوه ‪ ..‬اتركوه يا جماعة ‪ ،‬قلبه محرو ‪ ..‬هللا يعينه ويص بره ‪ ..‬اترك وه يعم ل ش و ماب ده ‪ ،‬ب س ر تخل وه‬‫يقرب على الباب ‪ ،‬مصيبته كبيرة وبدها جبال حتى تتحملها !‪ ..‬ر حول ور قوة إر باهلل ‪.‬‬ ‫أخذ األب يسير سيرا سريعا وسط المهجع ‪ ،‬من أول ه إل ى آخ ره ‪ ،‬يتم تم كالم ا غي ر مفه وم ‪ ،‬يؤش ر بيدي ه ف ي‬ ‫جميع ارتجاهات ‪ ،‬وعندما يصل بمشيته أمام فراشي كان يتلكأ قل يال ‪ ..‬ينظ ر إل ى نس يم الملتص بالثق ب ‪ ،‬ث م‬ ‫يعاود المشي ‪.‬‬ ‫أبو حسين جلس إلى جانب نسيم يسأله عما يجري عند المشان ‪ ،‬نسيم ر يجيب ‪ ،‬نظ ر أب و حس ين إل ي وكن ت‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪118‬‬

‫جالس ا خلف نسيم كأنه يطلب مني أن أتدخل ‪ ،‬وضعت يدي على كتف نسيم وطلبت منه أن يتراجع قل يال ليت يح‬ ‫ألبو حسين أن ينظر من الثقب ‪ ،‬لكن نسيم لم يتزحز وأزا يدي عن كتفه بعصبية !‪ ..‬كانت يده ترتجف‪ ،‬في‬ ‫هذه اللحظة وقف األب أمام فراشي‪ ،‬نظر إلي ثم جثا على ركبتيه أمامي‪ ،‬قال متضرعا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫خلوني شوفهم ‪ ..‬من شان هللا ‪ ..‬من شان محمد ‪ ..‬يا ناس خلوني شوف أوردي ‪ ..‬خلوني ودعهم ‪.‬‬

‫أمسكه أبو حسين من يده ‪ ،‬انهضه ‪ ،‬ماشاه وسط المهجع طالبا منه أن يوكل أمره إلى هللا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أبكي ‪ ..‬أبكي يا حجي ابكي ‪ ..‬وكل هللا ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أبو حسين ‪ ..‬يا ابو حسين ‪ ..‬شو بدي أبكي ؟‪ ..‬دموع ؟‪ ..‬وإر دم ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫هللا يصبرك ‪ ..‬ويصبرنا ‪ ،‬إن هلل وإن إليه لراجعون‪ ..‬هللا أعطى ‪ ..‬هللا اخذ ‪.‬‬

‫بقي أبو حسين يسير مع األب أكثر من ساعة ‪ ،‬الجميع يسمعون الحديث ‪ ،‬ش يئا فش يئا ب دأ األب يتماس ك أكث ر‪،‬‬ ‫إلى اللحظة التي أدار فيها نسيم رأسه ونظر إل ى ال داخل وق د اس تند بظه ره إل ى الح ائط‪ ،‬ب دا متهالك ا ونظرت ه‬ ‫زائغة ر تعبر عن شيء ‪ ،‬عنها عرف الجميع أن األمر قد انتهى ‪.‬‬ ‫أسرعت بأغال الثقب أمام نظرات األب الذي توقف عن المشي وهو ينظر إلى نسيم نظرة هلع ‪ ،‬ثم وضع يده‬ ‫وصا بصوت حار ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا ولداه ‪!!..‬‬

‫انهار أرضا بين يدي ابو حسين ‪ ،‬تعاون بعض الشباب لنقله إلى الفراش ‪.‬‬ ‫بعد قليل دار أبو حسين على الجميع في المهجع عارضا عليهم أداء صالة الجنازة جماعيا وعلنيا !!‪.‬‬ ‫كانت هذه الفكرة في وقت آخر ستبدو ضربا من الجنون ‪،‬وكانت ستلقى معارضة شديدة م ن الكثي ر ‪ ،‬لك ن ف ي‬ ‫هذه اللحظة أيدها وواف عليها الجميع دون استثناء ‪.‬‬ ‫ألول مرة منذ وجودي هنا الذي مضى عليه أكثر م ن أح د عش ر عام ا ‪ ،‬ان تظم أكث ر م ن ثالثمائ ة ش خص ف ي‬ ‫المهجع وصلوا عالنية صالة واحدة !!‪.‬‬ ‫وقفت معهم في الصف األخير إلى جانب نسيم وأبو حسين الذي نظر إلي متعجبا مستغربا !‪ ..‬و" صليت " ‪.‬‬ ‫عاد الجميع إلى أماكنهم ‪ ،‬يتمتمون باألدعية ‪ ،‬الشعور بالحزن طاغ ‪ ،‬لكن بع د ه ذه الص الة الجماعي ة والعلني ة‬ ‫خالط الحزن قليل من الرضا عن الذات ‪ ..‬شعور غير مرئي باألنصار ‪. !..‬‬ ‫جلس نسيم على فراشه بعد الصالة ‪ ،‬ومنذ تلك اللحظة وحتى اآلن ‪ ،‬لم يتكلم أبدا ‪ ..‬ولم يأكل البتة !‪.‬‬

‫‪ 2‬آب‬ ‫اليوم قلعت ضرسين من أضراس العقل ‪ ،‬تخلصت من أس وأ األش ياء الت ي يمك ن أن يتع رض له ا الس جين هن ا‬ ‫" آرم األسنان " ‪.‬‬ ‫إن أبي بعقليته العسكرية الصارمة اكسبنا بعض العادات ‪ ،‬في البداية تكون قسرا ‪ ،‬ولكن مع األيام تصبح عادة‬ ‫ر نستطيع التخلي عنها ‪ ،‬من هذه العادات تنظيف األسنان بالفرشاة ثالث مرات يوميا‪ ،‬وق د أدمن ت ه ذه الع ادة‬ ‫إلى درجة أنه كان يستحيل علي النوم مهما كنت تعبا إذا لم أنظف أس ناني بالفرش اة قب ل الن وم ‪ ،‬و اآلن مض ى‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪119‬‬

‫سنوات طويلة لم أر فيها أية فرشاة ‪ ،‬وألنه حال الجميع هنا فمن الطبيعي أن تتخ رب األس نان وتب دأ المعان اة ‪،‬‬ ‫فآرم األسنان هي األسوء بين ك ل م ا تعرض نا ل ه ‪ ،‬أس وء م ن التع ذيب و الم وت و ارع دام فه ذه كله ا آني ة ‪..‬‬ ‫لحظية ‪ ،‬أم ألم األسنان فيبقى مالزما ارنسان في الليل و النهار يمنعه من النوم ور يتركه يهدأ لحظة واحدة ‪.‬‬ ‫رغم أن أطباء األسنان من السجناء قد تدخلوا ‪ ،‬ومع نمو الحاج ة ط وروا آلي اتهم ووس ائلهم ‪ ،‬لك نهم ل م يكون وا‬ ‫يملكون إر عالجا واحدا وهو القلع !‪.‬‬ ‫معروف كم هو مؤلم قل ع األس نان عن د الطبي ب رغ م التخ دير ورغ م األدوات الت ي يملكه ا الطبي ب يبق ى القل ع‬ ‫مؤلما ومكروها ‪ ،‬أما هنا فال تخدير ‪ ..‬ور وسائل قلع مطلقا !‪.‬‬ ‫كل ما قام به أطباء األس نان ه و أنه م ج دلوا خيط ا متين ا م ن الخي وط التركيبي ة الرفيع ة ( الن ايلون ) و الش يء‬ ‫الثاني الذي يقومون به هو تحديد السن او الضرس المخرب الواجب قلعه ‪.‬‬ ‫في المهجع مجموعة تسمى ( تحببا ) مجموعة البراعم ‪ ،‬وهي مؤلفة م ن ثماني ة أش خاص أو ثماني ة عمالق ة ‪..‬‬ ‫أجساد ضخمة ‪ ،‬طوال القامة ‪ ،‬عضالت مفتولة ‪ ،‬وهم يش كلون مجموع ة طع ام واح دة وب الطبع ين الون حص ة‬ ‫مضاعفة من الطعام ‪.‬‬ ‫بعد أن يحدد الطبيب الضرس الواجب قلعه يأتي دور مجموعة البراعم ‪ ،‬يربط أحدهم الضرس الخرب بالخيط‬ ‫المتين بينما برعم آخر يثبت رأس المريض بكلتا يديه ‪ ،‬فيجذب األول الخيط بقوة ‪ ،‬ونادرا ما احتاس األمر إلى‬ ‫أكثر من شدة واحدة ليخرس الضرس معلقا بطرف الخيط ‪ ،‬أنا لم أخلع أضراسي بهذه الطريقة ‪.‬‬ ‫تحسن موضوع الطبابة في السجن الصحراوي منذ عدة شهور ‪ ،‬فلقد دار المساعد على مه اجع الس جن وأخب ر‬ ‫الجميع أن من يريد أن يقلع سنا أو ضرسا فبإمكانه فعل ذلك عند طبيب األسنان التابع للسجن ‪ ،‬كذلك المرضى‬ ‫باألمراض العادية يستطيعون أن يراجعوا طبيب السجن لشراء األدوية التي يحتاجون ‪.‬‬ ‫هذا التحسن بدأ من سنتين أو ثالث ‪ ،‬وكان تدريجيا بطيئا ‪ ،‬وكان هذا طبيعيا فلقد ق ل ع دد الق ادمين الج دد إل ى‬ ‫السجن ‪ ،‬فبعد أن كانت الدفعات تع د بالمئ ات اس بوعيا أخ ذت تع د بالعش رات ‪ ،‬ث م قل ت أكث ر ‪ ..‬ف أكثر ‪ ،‬تباع د‬ ‫مرات مجيء الهيلوكوبتر وبالتالي المحاكمات و ارعدامات ‪ ،‬خف التوتر و الشحن في نفوس عناصر الشرطة‬ ‫‪ ،‬قلت الحارت التي يكون فيها الض رب للض رب و القت ل للقت ل ‪ ،‬أص بح للقت ل او الض رب س بب عل ى الغال ب‬ ‫كالصالة مثال ‪ ،‬أو أن يرى السجين فاتحا عينيه اثناء التنفس ‪.‬‬ ‫أما نسيم فقد ساء وضعه كثيرا ‪ ،‬بقي صائما عن الطعام و الكالم مدة خمسة أيام كاملة بعد إعدام ارخوة الثالثة‬ ‫‪ ،‬حينها تعاونا أنا وأبو حسين على إقناعه بأن يتناول قليال من الطعام ‪ ،‬رغم ذلك دخل ف ي حال ة م ن اركتئ اب‬ ‫الحاد ‪ ،‬عزوف عن الكالم ‪ ،‬لم يعد يلعب الشطرنج ‪ ،‬وتوقف عن األعمال الفنية التي كان يشكلها من العجين ‪.‬‬ ‫بعد حوالي عشرة ايام كان جالسا إلى جانبي وهو ملتزم الصمت ‪ ،‬التفت إلي ببطء وقال بالفرنسية ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أين يدفنون جثث الذين يعدمون أو يقتلون ؟‬

‫‪-‬‬

‫ر أعرف ‪ ..‬ور أعتقد أن أحدا من السجناء يعرف !‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حسب رأيك ‪ ...‬هل تكون جثث سعيد وسعد و أسعد قد تحللت ؟‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪111‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أخي ‪ ..‬يا نسيم ‪ ..‬دعك من هذه األفكار السوداء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫من المؤكد أن الشرطة تحفر حفرة كبيرة ثم تفرغ فيها كل هذه الجثث وتهيل عليها التراب ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نسيم ارجوك ‪ ..‬أرجوك يكفي كالما بهذا الموضوع ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫رشك أن الديدان تنهش اآلن لحم األخوة الثالثة ‪ ..‬ديدان في العينين ‪ ..‬ديدان في البطن ‪ ..‬ديدان في الف م‬

‫‪ ..‬الديدان تخرس من فتحتي األنف ‪ ..‬ديدان ‪ ..‬ديدان ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫نسيم ‪ ..‬يكفي ‪ ..‬قلت لك يكفي ‪.‬‬

‫بعدها صمت وغر في أفكاره ‪ ،‬باءت كل محاورتي رخراجه من صمته بالفشل ‪ ،‬يظل صامتا أيام ا عدي دة ‪،‬‬ ‫وعندما يتكلم يبدأ بطر األسئلة الكبيرة ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ما هي الحياة ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما هي الغاية من هذه الحياة ؟ ‪ ..‬هل من المعقول أن تكون الحياة بال هدف ؟‪ ..‬هل م ن المعق ول أن ه ذه‬

‫الحياة من صنع هللا ؟ ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫ماذا يستفيد هللا من خل شخص مثل أسعد ؟‪ ..‬أتى به إلى هذه الحياة ‪ ،‬تعذب كثيرا ثم أعدم ‪ ..‬مات وهو‬

‫ريزال في أول حياته !! ‪ ...‬حتى أنه لم يأخذ الوقت الكافي ليثبت إن كان رجال صالحا أم طالحا ؟!‪.‬‬ ‫الغري ب أن ك ل تس اؤرته وأحاديث ه ح ول ه ذا الموض وع كان ت باللغ ة الفرنس ية !‪ ،‬ك ان احساس ي اق رب إل ى‬ ‫الفجيعة ‪ ،‬هو يغوص في كآبته ومتاهاته وأنا أغوص أكثر فأكثر في الحزن و األلم عليه ‪.‬‬ ‫بقي على هذا المنوال حوالي الشهرين ‪ ،‬وذات صبا ‪ ،‬فتح عناصر الشرطة باب المهجع ‪ ،‬قبل أن يتموا فتحه‬ ‫كالعادة قفز نسيم كنابض مضغوط تم افالته ‪ ،‬بأقل من ثاني ة اص بح خ ارس المهج ع بع د أن رف س الب اب بقدم ه‬ ‫مكمال فتحه !‪.‬‬ ‫فوجىء عناصر الشرطة و البل ديات ألول وهل ة ‪ ،‬ول م يتخلص وا م ن وق ع المفاج أة األول ى حت ى فاج أهم ثاني ة‬ ‫بالهجوم عليهم ‪..‬‬ ‫الب اب مفت و ونح ن نراق ب م ا يح دث بالس احة ‪ ،‬ك ان نس يم يتح رك ويص را ص راخا وحش يا كجم ل ه ائج ‪،‬‬ ‫عاصر الشرطة و البلديات أقل من عشرة ‪ ..‬وذهلت ‪ ..‬ما هذه القوة الهرقلي ة الت ي أظهره ا نس يم ؟‪ ..‬أي ن تعل م‬ ‫هذه الحركات القتالية ؟!‪ ..‬يهاجم أحدهم ‪ ،‬يقفز أمامه عاليا ثم يهوي بسيف كفه على رقبت ه أو عل ى أنف ه فيلقي ه‬ ‫أرضا !!‪ ..‬عنصران من الشرطة وواحد من البلديات ألقاهم أرضا خالل أقل من دقيقة !! ال بعض م ن عناص ر‬ ‫الشرطة و البلديات ابتعدوا مسرعين ‪ ..‬فروا ‪ ..‬البعض اآلخ ر هج م عل ى نس يم لإلمس اك ب ه ‪ ،‬ع ال الص يا و‬ ‫الصراا في الساحة ‪ ،‬أطل الحراس الموجودون على األسطحة ‪ ،‬سرعان م ا أش رعوا البن اد ولقموه ا أخ ذين‬ ‫وضعية الرامي ‪ ،‬وجهوا بنادقهم اتجاه نسيم ‪ ..‬وهبط قلبي بين قدمي ‪ ..‬هل سيطلقون النار عليه ؟‪ ..‬لكنه ملتحم‬ ‫مع الشرطة ‪.‬‬ ‫أحد الرقباء هجم عليه من الخلف وأمسكه من رقبته محاور إيقاعه على األرض لتثبيته ‪ ،‬تشجع باقي العناص ر‬ ‫فهجموا عليه ‪ ،‬لكن نسيم أخذ ي دور ح ول نفس ه بس رعة والرقي ب معل برقبت ه م ن الخل ف ‪ ،‬دار ع دة دورات‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪111‬‬

‫تزداد سرعتها مع كل دورة ‪ ..‬ارتفع ت ق دما الرقي ب ع ن األرض وأخ ذ ي دور م ع دوران جس م نس يم ‪ ،‬توق ف‬ ‫نسيم فجأة وجذب الرقيب فألقاه أرضا !! ‪.‬‬ ‫فتح باب الساحة الحديدية األسود وأخذ عناصر الشرطة يتدفقون ‪ ،‬العشرات منهم أحاطوا بنسيم لدرج ة أنن ا ل م‬ ‫نعد نستطيع أن نراه ‪ ،‬مع هدوء حركتهم تأكدنا أنهم قد تمكنوا منه ‪.‬‬ ‫صا احد الرقباء ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫امسكوه ‪ ..‬ر تضربوه ‪ ..‬مدير السجن جاي لهون ‪.‬‬

‫حضر مدير السجن يحيط به المساعد وعدد من الرقباء و الشرطة ‪ ،‬أربعيني طويل القامة ‪ ،‬بمشية هادئ ة تق دم‬ ‫حيث نسيم ملقى على األرض ‪.‬‬ ‫باب مهجعنا رزال مفتوحا ‪ ،‬نراقب ما يحدث دون أن نلتفت برؤوسنا ‪ ،‬طلب مدير السجن إحضار نسيم أمامه‬ ‫‪ ،‬انفض جمع الشرطة من حول نسيم واوقفه على قدميه عنصران ‪ ،‬وفجاة انتفض وأفل ت نفس ه م ن قبض تيهما‬ ‫وهو يصرا بكالم غي ر مفه وم متق دما اتج اه م دير الس جن ‪ ،‬خط وة أو خط وتين وهجم ت علي ه مجموع ة م ن‬ ‫الشرطة أحاطوا به جيدا وثبتوه ‪.‬‬ ‫تحادث مدير السجن مع المساعد و الرقباء بكالم لم نسمعه ‪ ،‬أحد الرقباء أشار إلى مدير الس جن اتج اه مهجعن ا‬ ‫فتقدم المدير من الباب معه المساعد وبعض الرقباء ‪ ،‬طلب أب و حس ين و تكل م مع ه ‪ ،‬طل ب طبيب ا م ن المهج ع‬ ‫وسأله ‪ ،‬تشاور قليال مع طبيب السجن ‪ ،‬عاد وطلب طبيب المهجع سائال إياه عن الدواء الذي يريده ‪ ،‬ثم ذه ب‬ ‫بعد أن أمر بإعادة نسيم إلى المهجع دون إزعاس ‪.‬‬ ‫كان تصرف مدير السجن أقرب إلى التفهم و الود‪ ،‬أقرب إلى تصرف الراعي ‪ ،‬هذا األمر المستغرب ‪ ..‬أطل‬ ‫تكهنات وتحليالت وتأويالت لم تنته ‪.‬‬ ‫بعد إغال الباب بقي نسيم لمدة ساعتين تقريبا يمشي مشيا سريعا وس ط المهج ع جيئ ة وذهاب ا وعل ى دفع ات ‪،‬‬ ‫كل دفعة ما يقارب الخمسة دقائ ‪ ،‬يقف بعدها ويبدأ الدبكة وهو يغني ‪:‬‬ ‫على دلعونا على دلعونا‬

‫بي بي الغربة الوطن حنونا‬

‫يعاود المشي السريع بعدها ‪ ..‬لم يكن ينظر إلى أي شخص ور إلى أي مكان ! في المشي أو الدبكة ‪ ،‬ينظر إلى‬ ‫نقطة محددة أمامه ر يحول بصره عنها !‪.‬‬ ‫بعد هاتين الساعتين فتحت النافذة الص غيرة ف ي الب اب ( الطالق ة ) ‪ ،‬ن ودي عل ى رئ يس المهج ع ‪ ،‬بح ذر ش ديد‬ ‫أعطى الرقيب ثالث علب دواء ألبو حسين قائال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هدول ‪ ..‬دواء المجنون !‪.‬‬

‫كان نسيم لحظتها قبالة الباب تماما ‪ ،‬سمع العب ارة الت ي قاله ا الرقي ب ‪ ،‬ان تفض وانطل كالس هم اتج اه الب اب ‪،‬‬ ‫شاهده الرقيب في انطالقته فتراجع إلى الوراء عفويا رغم الباب المغل ‪ ..‬وصل نسيم إلى الباب ‪ ..‬أخرس ي ده‬ ‫من الطالقة يحاول ارمساك بالرقيب وهو يصرا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫المجنون ؟!‪ ..‬انت المجنون ولك كلب !‪ ...‬أبوك المجنون ‪ ....‬امك المجنونة ‪ ...‬ولك يا حيوان ‪ ....‬كلك م‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪112‬‬

‫مجانين ‪.‬‬ ‫من الخارس سمعت صوت الرقيب يصرا بالجندي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫سكر ‪ ..‬سكر ‪ ..‬العمى ‪ ..‬ناقصنا مجانين ؟!‪.‬‬

‫ألول مرة منذ ما يقارب ارثني عش ر عام ا أرى الش رطة خ ائفين ‪ ،‬ف روا م ن أم ام نس يم ف ي الس احة ‪ ،‬رأي تهم‬ ‫مذعورين !‪ ،‬ألول مرة أراهم يتلقون الشتائم ور يطلقونها !‪ ..‬يتلقونها ور يردون !‪ ..‬وتساءلت ‪:‬‬ ‫( هل تحتاس هذه القوة الطاغية التي تمثلها الشرطة إلى الجنون ‪ .....‬إلى مواجهة مجنون ة ‪ ....‬حت ى تق ف عن د‬ ‫حدها ؟ ! ) ‪.‬‬ ‫رفض نسيم تناول الدواء من الطبيب ‪ ،‬وتشاور هذا مع أبو حسين بعد أن شر ل ه أن أي م ريض به ذه الحال ة‬ ‫يرفض تناول الدواء ويجب إجب اره عل ى اب تالع الحب وب ‪ ،‬وطل ب من ه ارس تعانة بمجموع ة الب راعم رعطائ ه‬ ‫الدواء بالقوة ‪ ،‬فالمريض في هكذا حارت يمتلك قوة هائلة غير طبيعية ويحتاس إل ى أربع ة أو خمس ة أش خاص‬ ‫حتى يستطيعوا إمساكه وإجباره على ابتالع الحبوب !‪.‬‬ ‫قبل الظهر تناول الدواء ‪ ،‬ن ام عل ى إثره ا نوم ا عميق ا ‪ ،‬اس تيقظ بع د منتص ف اللي ل وكن ت اراقب ه ‪ ،‬ابتس م ل ي‬ ‫ابتسامة واهنة دون أن يتحرك من مكانه ‪ ،‬قال لي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫كيفك ‪ ...‬كيف أحوالك ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا ممتاز ‪ ..‬انت كيف أحوالك ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ماشي الحال ‪ ..‬بس نعسان ‪ ..‬بدي نام ‪.‬‬

‫نام بعدها إلى الصبا وعندما استيقظ تصرف تصرفا طبيعيا كما لو أن ه ل م يم ر بأي ة مش كلة أو ماش ابه ‪ ،‬ك ان‬ ‫ه ذا رأي الجمي ع ‪ ...‬أم ا أن ا فق د رحظ ت الكثي ر م ن التغي رات الطفيف ة و الت ي ه ي ب نفس الوق ت له ا دررته ا‬ ‫العميقة ‪ ،‬هذه المالحظات تكونت بمرور األيام و األسابيع التي تلت ‪ ،‬أص بح هن اك ابتس امة دائم ة معلق ة عل ى‬ ‫شفتيه ‪ ،‬هي ابتسامة مزيفة أو أنها ممزوجة بحزن دفين في أعما النفس ‪ ،‬فقد نسيم الق درة عل ى الدهش ة الت ي‬ ‫كانت من أهم سمات شخصيته ‪ ،‬لم يعد يسخط على ما يعجبه واستمر بإضرابه عن العمل في العجين ‪.‬‬ ‫أوكل لي الطبيب بصفتي صديقه وجاره أم ر إعطائ ه ال دواء بانتظ ام ‪ ،‬مش ددا عل ى أن ه يج ب أن ر أنس ى أب دا‬ ‫مواعيده ‪ ،‬ألن أي انقطاع عن تناوله سيؤدي حتما إلى عودة حالة الهياس الشديد والعدوانية !‪.‬‬ ‫بقيت عالق��نا الثنائية بنفس الحميمية ‪ ،‬استأنفنا حياتنا اليومية المشتركة كالساب ‪ ،‬ومرت األيام لكنه لم يتط ر‬ ‫بحديثه ور مرة إلى ما حدث ‪ ،‬حتى موضوع إعدام ارخوة الثالثة لم يعد إلى ذكره أبدا ‪.‬‬ ‫مشاعري الداخلية اتجاهه هي هي لم تتغير ‪ ،‬لكن احساسي يقول ‪:‬‬ ‫" ان هناك شيئا ما داخل نسيم ‪ ...‬قد مات " ‪.‬‬ ‫وكنت حزينا جدا لموت هذا الشيء ‪.‬‬

‫‪ 02‬أيلول‬ ‫الغبار يمأل األجواء ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪113‬‬

‫بعد ستة أشهر أو سبعة سأتم عامي الثاني عشر في السجن ‪ ،‬لقد عدت إلى عد األيام والشهور وهذا ف ي ع رف‬ ‫السجناء درلة سوء ‪ ،‬لكن أر يح لي أن أتسأل إلى متى ؟‪.‬‬ ‫ال بعض هن ا س بقوني بس نوات ‪ ..‬ور زال وا ! اذا ك ان األطف ال ال ذين حكم تهم المحكم ة الميداني ة ب البراءة ‪ ..‬ر‬ ‫زالوا يقيمون في مهجع يسميه عناصر الشرطة مهجع البراءة ‪ ،‬فهل يأمل شخص مثلي ‪ ..‬منس ي ‪ ،‬مهم ل ‪ ،‬ر‬ ‫يعرف حتى لماذا هو هنا ‪ ..‬أن يخرس من هذا الجحيم ؟ ‪ ..‬هل الطري إلى ه ذا الس جن ذو اتج اه واح د فق ط ؟‬ ‫هل العبارة التي يكررها السجناء وأكاد أسمعها يوميا بأن " الداخل مفق ود والخ ارس مول ود " ص حيحة ؟ ل م أر‬ ‫أي شخص دخل هذا السجن يخرس منه ! ‪.‬‬ ‫فمت ى ‪ ..‬مت ى يح ين موع د الخ الص ؟‪ ..‬لس ت أدري ‪ ،‬ومعه ا ‪ ..‬إم ا العج ز الكام ل وارستس الم لألق دار أو ‪..‬‬ ‫ارنتحار والخالص من هذا العذاب اليومي الذي يبدو بال نهاية ‪.‬‬ ‫وتجيش نفسي بالغضب ‪.‬‬ ‫************‬ ‫العجاس ‪ ،‬أو كما يسميه البعض " الطوز " ‪ ..‬يثورهنا في هذه الصحراء مرتين أو ثالث مرات كل عام ‪ ،‬وف ي‬ ‫سنوات القحط قد يزيد عن ذلك مرتين أو ثالثة ‪ ،‬تثور العواصف الرملي ة ف تمأل األج واء بالغب ار ويس تمر ذل ك‬ ‫يوما أو يومي ن أو ثالثة ‪ ،‬سواء استمر هبوب الريح أم توقف فإن الغبار يبقى معلقا في الهواء‪ ،‬نت نفس الغب ار ‪،‬‬ ‫األنف ‪ ..‬الفم ‪ ..‬العينان ‪ ..‬تمتليء كلها بالغبار ‪ ،‬ننام والغبار ما زال معلقا فوقنا وحولنا وداخلنا ‪ ،‬نستيقظ فنجد‬ ‫ان كل فتحات ارنسان الموجودة في الرأس قد امتألت يالتراب المسحو الناعم‪ ،‬مياهنا غبار ‪ ..‬طعامنا غبار ‪.‬‬ ‫منذ صبا أول البارحة ابتدأ هبوب الريا واشتدت عند الظهيرة ‪ ،‬اصبحت الريا زوابع ‪ ،‬هذه الزوابع قذفت‬ ‫من الشراقة التي في السقف بارضافة إلى الغبار ‪ ،‬مز من أكياس بالستيكية والكثير من القش والعيدان الجافة‬ ‫الخفيفة الوزن ‪ ..‬أشواك ‪ ..‬شتى النباتات الصحراوية اليابسة ‪.‬‬ ‫كل من لديه قطعة ثياب زائدة حاول لف رأس ه به ا ‪ ،‬الكثي ر م ن األش خاص ل م يع د يظه ر م ن وج وهم س وى‬ ‫العينان ‪.‬‬ ‫فجأة قذفت الريح على القضبان الحديدية للشراقة صفحة كاملة من جريدة ‪ ..‬علقت هذه الصفحة ب ين القض بان‬ ‫!‪.‬‬ ‫أنظار جميع من في المهجع تعلقت بهذه الجريدة العالقة بين القضبان في السقف ‪ ،‬تهزها الريح ويس مع الجمي ع‬ ‫صوت خشخشتها ‪.‬‬ ‫سمعت البعض يدعون ويبتهلون إلى هللا ان يسقط الجريدة داخل المهجع وأر يجعلها تطير بعيدا !‪.‬‬ ‫في األجواء الطبيعية كنا نرى الحارس كل بضعة دقائ ‪ ،‬إما ان يطل ناظرا من الشراقة ‪ ،‬أو يم ر م ن جانبه ا‬ ‫فنراه أو نرى ظل ه ‪ ،‬حت ى عن دما يك ون بعي دا ع ن الش راقة فإنن ا نس مع وق ع خطوات ه وه و يمش ي عل ى س طح‬ ‫المهجع جيئة وذهابا ‪،‬اآلن ر أثر للحارس ‪ ،‬يبدو أنه يلوذ بأحد زوايا السطح متقيا الريا والغبار ‪.‬‬ ‫كما تمن ى الجميع تمنيت أنا أيضا أن تسقط الجريدة داخل المهجع ‪ ،‬منذ أن أصبحت في بلدي لم أر حرفا واحدا‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪114‬‬

‫مطبوعا !‪ ،‬الجميع مثلي ‪ ..‬شو حقيقي لرؤية األحرف المتالصقة ‪ ،‬الكلمات المطبوعة!‪.‬‬ ‫هذه جريدة ‪ ،‬وفي الجريدة أخبار ‪ ،‬ونحن منذ أكثر سنتين‪ ،‬تاريك قدوم آخر نزيل إلى المهج ع ‪ ،‬ل م نس مع ش يئا‬ ‫عما يدور خارس هذه الجدران األربعة ‪.‬‬ ‫سمعت نسيم يقول ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يارب ‪ ..‬يارب ‪ ..‬ولك ياهلل انزلي ‪.‬‬

‫كان يخاطب الجريدة ‪ ،‬نظرت اليه ‪ ،‬أنظاره معلقة بالجريدة عاليا ‪.‬‬ ‫الكثير من الناس وقف منتصبا ‪ ،‬الكثير أزاحوا عن وجوههم األقمشة التي تلثموا بها ‪ ،‬م ن ل م يق ف اعت دل ف ي‬ ‫جلسته ‪ ،‬بعض من وقف مشى بشكل عفوي إلى تحت الشراقة ‪ ،‬الرأس مرفوع واألعين معلقة ‪ ..‬األنظار تتابع‬ ‫تراقص الجريدة بين القضبان !‪.‬‬ ‫واحد من الواقفين تحت الشراقة ‪ ،‬وهو من الفرقة الفدائية ‪ ،‬نظر إلى الناس وقال بصوت مسموع للجميع ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا شباب ‪ ..‬هرم ؟‪.‬‬

‫على أثر سؤاله هذا قفز العديد وهم يقولون ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هرم ‪ ..‬هرم ‪ ..‬هرم ! ‪.‬‬

‫لم تستغر عملية بناء الهرم البشري وانزال الجريدة أكثر من عشر ثوان تقريبا ‪ ،‬لكنها ثوان مرعبة ‪ ..‬خانق ة‬ ‫وحابسة لألنفاس !‪.‬‬ ‫كان من الممكن أن تكلف العديد حياتهم ‪ ،‬لكنها مرت بسالم ‪.‬‬ ‫وأصبح لدينا جريدة !‪.‬‬ ‫خاطب أبو حسين الفدائي الذي أنزل الجريدة وبلهجة سريعة ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫بسرعة ‪ ..‬بسرعة ‪ ..‬عـ المراحيض ‪ ،‬اطويها ‪ ،‬خلي واحد يقرأها ويحكينا شو فيها أخبار ‪.‬‬

‫وركض الفدائي إلى المرحاض حامال الجريدة ‪.‬‬ ‫الفرحة عمت الجميع ‪ ،‬فرحت حقيقية ‪ ،‬الكثير تصافحوا وتعانقوا مهنئين بعضهم بعض‪ ..‬إنه انتصار آخر !‪.‬‬ ‫التفت نسيم إلي بعد أن عانقني ‪ ..‬قال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت تعرف أن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي كلمة " اقرأ " ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أعرف ‪ ....‬و أنت تعرف أن ارنجيل يبدأ بـــ " في البدء كانت الكلمة " ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أعرف ‪ ..‬بس يا مخرس السينما شو يقول لك هذا الحدث ؟‬

‫‪-‬‬

‫تريد أحكي كالم كبير ‪ ..‬مثل األفالم و الروايات ؟ الحدث بيقول ‪ :‬إن ارنسان مستعد أن يض حي بحيات ه‬

‫في سبيل المعرفة ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫صح ‪ ..‬شاطر ‪.‬‬

‫وضحكنا كما لم نفعل منذ شهور ‪.‬‬ ‫محتوي ات الجري دة ج اءت مخيب ة لآم ال قل يال ‪ ،‬الوج ه األول م ن الص فحة ه و ص فة ارعالن ات الرس مية ‪ ،‬و‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪115‬‬

‫الوجه الثاني هو الصفحة الرياضية و بها أخبار الدوري العام لك رة الق دم !‪ .‬وه ذه الص فحة أث ارت زوبع ة م ن‬ ‫النقاشات لم تنته حتى اآلن ‪ ،‬فبم ا أن المهج ع يض م اناس ا م ن جمي ع المحافظ ات ‪ ،‬ول ذلك عل ى ض وء األخب ار‬ ‫الرياضية الواردة في الجريدة سرعان ما تكتلت جماهير كل ناد من النوادي و أخذت تفاخر بمنج زات وت اريك‬ ‫انتصارات النادي الذي تشجعه ‪.‬‬ ‫حتى ارعالنات الرسمية أخذ الناس يقرؤونها بعناية شديدة ‪ ..‬النهم إلى القراءة !‪ ،‬عين أبو حسين شخصا لينظم‬ ‫قراءة الجريدة بالدور من قبل الجميع ‪ ،‬أصبح للجريدة مسؤول " اسماه البعض م ازحين بـ ـ وزي ر ارع الم " ‪،‬‬ ‫وهو الذي ينظم دور قراءتها ‪ ،‬ينقلها من شخص آلخر وهو الذي يحدد الزمن لكل شخص ‪.‬‬ ‫الريح هدأت تماما اليوم ‪ ،‬لكن الغبار رزال معلقا بالجو ‪ ،‬حتى داخل المهجع الغبار يمأل كل الفراغات ‪.‬‬ ‫************‬ ‫في الصبا أعاد الشرطة للمهجع شخصا كان قد عوقب منذ شهر ‪ ،‬ضبطوه في ساحة التنفس وعيونه مفتوح ة‬ ‫‪ ،‬بعد أن جلدوه ونكلوا به أمامنا فيما نحن ندور حول الساحة ‪ ،‬أمر المس اعد بوض عه بالزنزان ة ارنفرادي ة ف ي‬ ‫الساحة الخامسة ‪.‬‬ ‫بعد أن دخل وما أن اطمأن إلى أن الشرطة أغلقوا الب اب وذهب وا ت نفس الص عداء ‪ ،‬أخ ذ يض حك ‪ ،‬جل س عل ى‬ ‫األرض ‪ ..‬وروى للجميع رحلة الشهر التي قضاها في الساحة الخامسة ‪ ،‬بدأ حديثه بالقول ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫و هللا ي ا ش باب اش تقت لك م ‪ ...‬وق ت دخل ت المهج ع حس يت إن ي راج ع عل ى بيت ي ‪ ..‬ي ا اللـ ـه ‪ ..‬ق ديش‬

‫المهجع حلو !‪ ..‬يا شباب جنة ‪ ..‬جنة ‪ ..‬نحن عايشين هون بالجنة ‪...‬‬ ‫طف يروي ‪ ..‬ويحكي يروي ‪ ..‬ويحكي !‪.‬‬ ‫المرحاض داخل الزنزانة ارنفرادية و حتى يأمن أذى الجرذان أضطر أن يسد فتحة المرحاض ب الخبز بع د أن‬ ‫عجنه وجعل منه سدادة ‪ ،‬أقسم أن هناك جرذانا بحجم الخروف الصغير !‬ ‫ثالث مرات في اليوم حفلة تعذيب أشبه ما تكون بارستقبال في أول قدوم السجين إلى السجن ‪.‬‬ ‫يوضع الطعام في ص حن ق ذر عل ى بع د عش رة أمت ار م ن ب اب الزنزان ة ‪ ،‬يفتح ون الب اب ‪ ...‬يج ب أن يخ رس‬ ‫السجين سائرا على أربع كما تسير الكالب ‪ ..‬وأن يظل ينبح في الذهاب ‪ ،‬وفي ارياب بعد أن يحمل الصحن ‪..‬‬ ‫خالل كل هذا تكون الكرابيج قد أكلت قطعا من لحم ظهره !!‪.‬‬ ‫النوم على ارسمنت ‪ ..‬ر بطانيات ور أغطية ور أي شيء ‪.‬‬ ‫كان يروي ويضحك ‪ ..‬وجهه مشر من الضحك ! ‪ (( ..‬ما الذي يضحكه ؟!)) ‪.‬‬ ‫************‬ ‫الغبار ر زال معلقا ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪116‬‬

‫رموش الناس أصبحت بيضاء ‪ ،‬الشرطة مت وترون لك ن الرقاب ة ض عفت ‪ ،‬ض عفت م ن األعل ى " الش راقة " ‪،‬‬ ‫وضعفت من األسفل من األرض ‪.‬‬ ‫سمعت حديثا منذ ساعتين أثار اهتمامي ورزلت أفكر فيه ‪.‬‬ ‫لدينا في المهجع أربعة من البدو ‪ ،‬هم أميون ر يعرفون الق راءة أو الكتاب ة ‪ ،‬مهن تهم الرئيس ية رع ي األغن ام و‬ ‫الجمال ‪ ،‬عاشوا طوال حياتهم في هذه الصحراء المترامية يتنقلون في أرجائها من مكان آلخر طلبا للمرعى و‬ ‫الماء ‪ ،‬قب ض عليهم واعتقلوا وجيء بهم إلى السجن الصحراوي بتهمة مس اعدة بع ض المطل وبين عل ى الف رار‬ ‫إلى دولة مجاورة ‪ ،‬وعندما يسألون هنا عن ذلك يعبسون قليال ويجيب كبيرهم المدعو " شنيور " ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫و هللا يا أخوي ‪ ..‬تهمة باطلة ‪ ..‬نحن بدو بديرة هللا ‪ ..‬جام " أتوا " جماعة علينا ‪ ..‬و عل ى ع ادة الع رب‬

‫‪ ..‬رحبنا بهم ‪ ،‬ضيفناهم من الميسور ‪ ،‬بعدين يا خوي سألونا عــ الدرب ‪ ..‬دليناهم ‪ ،‬هاي فيها ش يء ي ا خ وي‬ ‫؟! وبعدين يقولون لنا ‪ ..‬انتو عمالء ‪ ..‬و انتو جواسيس ! عجيبة و هللا يا خوي ! عجيبة ‪.‬‬ ‫اليوم بعد أن سرد شنيور هذه القصة للمرة األلف تشعب الحديث كثيرا وكان كله منصبا على البدو‬ ‫البدو ‪ ،‬سأله أحد أبناء المدينة من الذين لم يعرفوا في حياتهم كلها سوى ثالثة أمكنة " البي ت ‪،‬‬

‫وحياة‬ ‫ال دكان ‪،‬‬

‫الجامع " عما إذا كان صحيحا ما يقال عن الكرم البدوي ‪ ،‬وعن أسبابه ومسبباته ‪ ،‬وختم سؤاله قائال بتعجب ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫وكيف يا أا شنيور ‪ ..‬إذا اجاك ضيف وما كان عندك غير غنمة وح دة ‪ ،‬ص حيح أن ك ت ذبحها وتطبخه ا‬

‫لتقدمها له ؟‪ ..‬وليش هذا الشيء ؟ ايه ‪ ..‬عمره وانشاء هللا ما بياكل ! ‪ ..‬انشاء هللا يأكل سم ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫له ‪ ..‬له ‪ ..‬له ‪ ..‬يا خوي ما يصير تحجي هيج " تتكلم هكذا " ‪.‬‬

‫مضى شنيور في مداخلة طويلة يشر ويعلل ويفسر ‪ ،‬كنت أنصت إليه قسرا ألنه جالس بالقرب من فراش ي ‪،‬‬ ‫لكنه بعد قليل شد اهتمامي بفكرة !‪.‬‬ ‫قال شينور ما معناه ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أن للكرم البدوي أسبابا عديدة ‪ ،‬عدد عدة أسباب ‪ ،‬لكنه قال إن أهم ارسباب هي أن الب دوي يح ب ض يفه‬

‫‪ ..‬يعشقه !‪ ..‬وهذا بسبب أن البدوي يبقى أياما وأسابيعا وشهورا يعيش في هذه البراري بين الكثب ان الرملي ة و‬ ‫األتربة و الغبار في وحدة مطلقة ‪ ،‬زوجته وأورده يعتب رهم أق ل ش أنا م ن أن يج ري ح ديثا معه م‪ .‬ل ذلك وف ي‬ ‫حارت كثيرة نرى البدوي يحادث أغنامه أو جماله !‪ ..‬يكون في المرعى ر يس معه أح د ‪ ،‬وألن ه يح ب أغنام ه‬ ‫فإنه يجرى ح ديثا معه ا ‪ ،‬ور ب أس أن تتخل ل ه ذه الح ديث بع ض الش تائم الموجه ة إل ى األغن ام المش اغبة ‪ ،‬و‬ ‫البدوي عندما يصل إلى درجة أن يجري حديثا م ع الغ نم ‪ ..‬يك ون ه ذا دل يال إل ى أن حاجت ه إل ى األن س ‪ ،‬إل ى‬ ‫المؤانسة ‪ ..‬إلى ارجتماع مع أي انسان ‪ ،‬قد بلغت مداها األقص ى ‪ ،‬ف ي ه ذا الوق ت إذا حض ر الض يف فس يجد‬ ‫حتما شخصا متلهفا يغد عليه الكثير الكثير من آيات الترحيب و المحبة ‪ ،‬يقدم له أفضل ما عنده من كل شيء‬ ‫‪ ..‬وهذا من حيث ر يدري مكافأة له على مجيئه ‪ ،‬وإغراء له للبقاء أطول مدة ممكنة ‪.‬‬ ‫" يبدوا أن العزلة تعلم الحكمة ‪ ،‬هذا البدوي فيلسوف حكيم !‪ ..‬شكرا ل ك ي ا ش ينور ‪ ،‬لق د أزل ت م ن نفس ي قلق ا‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪117‬‬

‫مبهما كان يقض مض جعي ‪ ..‬ق د كان ت عزلت ي ف ي المهج ع أس وأ م ن عزل ة أي ب دوي ف ي الص حراء ‪ ،‬وفج أة‬ ‫اصبح نسيم ضيفي ‪ ،‬مع نسيم جاء األن س و المؤانس ة ‪ ،‬فطبيع ي ج دا حس ب ش ر ش ينور أن تك ون ع واطفي‬ ‫جياشة تجاهه " ‪.‬‬ ‫التفت إلى نسيم بابتسامة ود وحب ‪ ،‬أجابني بابتسامة – مع ارستمرار بتناول الدواء يص بح وض عه أق رب إل ى‬ ‫الطبيعي – قلت له ‪:‬‬ ‫ أنا رايح اغسل وجهي من آثار الغبار ‪.‬‬‫اكتفى بهز رأسه ‪.‬‬

‫‪ 27‬أيار ‪.‬‬ ‫ر أدري كم كان الوقت ‪ ،‬أعتقد أنه بعد منتصف الليل ‪ ،‬نسيم نائم إلى جانبي ‪ ،‬الدواء ال ذي يتناول ه يجعل ه ين ام‬ ‫بعم ‪ ،‬لم أكن قد نمت بعد ‪.‬‬ ‫سمعت حركة في الساحة ‪ ،‬جلست ‪ ،‬نويت أن أنظر من الثقب ألرى ما يفعلون ‪ ،‬قب ل أن أم د ي دي لف تح الثق ب‬ ‫سمعت أحد الشرطة يصرا بصوت عال ‪ ..‬لم أفهم ماذا يقول ‪ ،‬عاد لتكرار صراخه ‪ ،‬إن ه يق ول اس ما ثالثي ا ‪،‬‬ ‫أنصت أكثر ‪ ..‬يصرا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا مهاجع الساحة السادسة ‪ ..‬مين عنده هذا ارسم ؟‪.‬‬

‫وقال ارسم الثالثي مرة ثالثة ‪.‬‬ ‫إنه اسمي !!‪.‬‬ ‫ألجزاء من الثانية كنت أتساءل من هو صاحب هذا ارسم ؟‪ ..‬وقعه ليس غريبا علي ‪ ..‬كأنني سمعت هذا ارسم‬ ‫يوما ما !! ‪ ..‬إنه اسمي ‪.‬‬ ‫ما الذي يجري ؟ ما هذا ؟ ‪ ..‬لماذا ينادون اسمي ؟ أص ابني ش يء أق رب إل ى الباله ة ‪ ،‬اتلف ت ح ولي مس تغربا‬ ‫متسائال ! ‪.‬‬ ‫صا أبو حسين وكان مستيقظا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا شباب ‪ ..‬في حدا عندنا بهـ ارسم ؟‪.‬‬

‫رفعت سبابتي عاليا كما يفعل التالميذ الصغار ‪ ،‬رفعتها في وجه أبو حسين دون أن أنط حرفا ‪.‬‬ ‫وعاد الشرطي يصرا بارسم مرة أخرى ‪.‬‬ ‫انتقلت بالهتي إلى أبو حسين ‪ ،‬فغر فمه ‪ ،‬عيناه متسعتان دهشة ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هذا ارسم اسمك ؟‪.‬‬

‫هززت رأسي مومئا باريجاب ‪.‬‬ ‫وبسرعة رمى أبو حسين جسده الثقيل اتجاه الباب ‪ ،‬بدأ يدقه بسرعة وقوة وهو يصرا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هون يا سيدي ‪ ..‬هون ‪ ..‬هذا ارسم في المهجع الجديد رقم ‪. /8/‬‬

‫هدأ كل شيء‪ .‬فجأة ‪ ،‬لم يعد يصرا أحد ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪118‬‬

‫بعد دقيقة أو أكثر فتح الباب ‪ ،‬وقف الرقيب ومعه شرطيان ‪ ،‬توجه إلى أبو حسين سائال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هذا ارسم عندك ‪ ..‬يا رئيس المهجع ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪ ..‬هذا هو ‪.‬‬

‫و أشار باصبعه اتجاهي ‪ ،‬اقترب الرقيب مني ‪ ،‬نظر بعيني غاضبا ‪ ،‬سأل ‪:‬‬ ‫ هذا اسمك ؟‬‫ نعم سيدي ‪.‬‬‫رفع يده عاليا وبكل قوته هوى بباطن يده على خدي األيمن ‪ ،‬دار جسدي كله ربع دوره ‪ ،‬بسرعة البر ألحقها‬ ‫بلطمة على خدي األيسر بقفا ي ده اع ادتني إل ى الوض ع الطبيع ي ‪ ،‬ع ادت النج وم لتت راقص أم ام عين اي ‪ ،‬ق ال‬ ‫غاضبا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا جحش ‪ ....‬يا ابن الكلب ‪ ....‬صار لنا ساعتين ندور عليك ونصرا ‪ ..‬ليش ما عم تجاوب ي ا ش رموط‬

‫‪ ..‬؟‬ ‫سكت ‪.‬‬ ‫مد يده ‪ ،‬وبقوة سحبني من صدري ليقذف بي خارس المهجع ‪ ،‬وأغل الباب ‪.‬‬ ‫أغل باب المهجع في وجهي إلى األبد ‪.‬‬ ‫ضربا ‪ ..‬ركضا ‪ ،‬الرقيب وعنصرا الشرطة من الخلف ‪ ،‬يسوقوني أمامهم ‪ ،‬من الساحة السادسة ‪ ،‬إلى الساحة‬ ‫ص فر !‪ .‬ومنه ا إل ى الب اب الحدي دي الص غير ‪ ،‬أص بحت أم ام الس جن ‪ ،‬حان ت من ي التفات ة ص غيرة ‪ ،‬رزال ت‬ ‫المنحوتة الحجرية في مكانها ‪:‬‬ ‫" ولكم في الحياة قصاص يا أولي األلباب "‬ ‫منذ أكثر من اثنتي عشرة عاما قرأت هذه المنحوته‪ ،‬ودخلت‪ .‬اآلن اق رأ ه ذه المنحوت ه وأخ رس ‪ ،‬إل ى أي ن ؟ ‪..‬‬ ‫لست أدري !!‪.‬‬ ‫ثالثة رجال في اللباس المدني تقدموا مني ‪ ،‬أحدهم طويل ج دا ‪ ،‬يزي دني بم ا يق ارب النص ف مت ر ‪ ،‬تق دم من ي‬ ‫وفتح ورقة كانت مطوية في يده وسأل ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت فالن ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ابن فالن وفالنة ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت كذا ‪ ...‬كذا ‪ ..‬نعم – أنت ‪..‬؟ ‪ ..‬نعم ‪.‬‬

‫التفت إلى رفيقيه ‪ ،‬قال ‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪119‬‬

‫‪-‬‬

‫هات الكلبشة ‪.‬‬

‫ناوله أحدهم الكلبشة ‪ ،‬الكلبشة ارسبانية ‪.‬‬ ‫مددت يدي إلى األمام ‪ ،‬البسهما الكلبشة ‪ ،‬طقطقة ناعمة ‪ ،‬أصبحت ي داي مقي دتين إل ى األم ام ‪ ،‬ث م وق ع بع ض‬ ‫األورا وسحبني إلى مسافة خمسين مترا ‪.‬‬ ‫سيارة تكسي " بيجو فرنسية "‪ ،‬الس ائ يجل س خل ف المق ود ‪ ،‬جل س الطوي ل إل ى جانب ه ‪ ،‬جلس ت ب ين ارثن ين‬ ‫اآلخرين في المقعد الخلفي ‪ ،‬انطلقت السيارة في عتمة الليل ‪ ،‬أنوارها تش الظالم شقا ‪.‬‬ ‫لم يتكلموا بشيء ‪ ،‬لم يضربوني أو يزعجوني ابدا ‪ ،‬تعاملوا وكأني غير موجود معهم ‪ ،‬بع د قلي ل م ن انطالق ة‬ ‫السيارة س أل الطوي ل ع ن الس اعة فأج ابوه أنه ا الثاني ة و النص ف بع د منتص ف اللي ل ‪ ،‬ق ال إن ه س ينام ح والي‬ ‫الساعة ‪.‬‬ ‫بعد ساعة نام الجميع عداي و السائ الذي ينظ ر إل ي بم رآة الس يارة عل ى فت رات متباع دة ‪ ،‬أغمض ت عي وني‬ ‫ألوهمه أنني نائم ‪ ،‬وتساءلت ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا ه ل ت رى ‪ ..‬إل ى أي ن ؟ قلب ت األم ر م ن جمي ع الوج وه ‪ ،‬خرج ت بنتيج ة ان ه مهم ا ك ان المك ان ال ذي‬

‫سيأخذوني إليه فإنه حتما سيكون أفضل ‪.‬‬ ‫ارتحت قليال‪ ،‬فكرت بنسيم ‪ ..‬م اذا س يقول ‪ ،‬و م اذا س يفعل عن دما يس تيقظ ص باحا ف ال يج دني إل ى جانب ه ؟!‪..‬‬ ‫اشتقت إليه ‪.‬‬ ‫استرخيت قليال وكان يمكن أن أغفوا ولكن فجأة ترنحت السيارة ‪ ،‬السائ أخذ يصيح ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا لطيف ‪ ..‬يا ستار ‪ ..‬يا لطيف ‪.‬‬

‫استيقظ الجميع وصرخوا ‪ ،‬لقد انفجر ارطار الخلفي للسيارة ‪ ،‬اس تطاع الس ائ بمه ارة فائق ة أن يس يطر عليه ا‬ ‫بعد أن خرجت عن الطري وتوغلت في رمال الصحراء ‪.‬‬ ‫وصلنا العاصمة قبيل الظهر ‪ ،‬استغر اصال ارطار عدة ساعات ‪ ،‬فقد كنا في الصحراء وأق رب نقط ة إلين ا‬ ‫تبعد عشرات الكيلومترات ‪.‬‬ ‫هذه مدينتي ‪ ..‬لم أعرف شيئا في الشوارع التي كنا نسير فيه ا !‪ ..‬م دينتي الت ي ول دت فيه ا وترعرع ت وكن ت‬ ‫أحسب نفسي ضليعا في معرفتها ‪ ،‬لم أعرف في أي شارع نح ن ور إل ى أي ن نتج ه !‪ ..‬لق د تغي رت إل ى درج ة‬ ‫يصعب على من غاب عنها هذه المدة أن يعرفها ‪ ،‬إلى أن وصلنا إلى الساحة المركزي ة للمدين ة ‪ ،‬ه ا أن ا أع ود‬ ‫إلى مدينتي التي أعرفها ‪ ،‬هذه النوافير ‪ ..‬هي ‪ ..‬هي ‪ ..‬عندما كنت طفال كان يطيب لي أن أقف تح ت رذاذه ا‬ ‫المتطاير ‪ ..‬فأشعر بارنتعاش ‪ ،‬ومن هذه الساحة عرفت أن السيارة تتجه نحو مركز المخابرات الذي حللت فيه‬ ‫لدى عودتي ‪.‬‬ ‫ترى هل مازال أبو رمزت و أيوب هناك ؟ ‪ ..‬خيزرانة أيوب التي تبدو لي اآلن كلعب األطفال أمام ما شاهدت‬ ‫وذقت ‪ ..‬هناك !‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪121‬‬

‫السيارة تتوقف عند اشارات المرور ‪ ،‬انظر إلى الناس ‪ ،‬اتفحص وجوههم ‪ ،‬ما هذه الالمبارة ‪ ..‬ترى كم واحدا‬ ‫منهم يعرف ماذا جرى ويجري في السجن الصحراوي ؟ ‪ ..‬ترى كم واحدا منهم يهتم ؟ أه ذا ه و الش عب ال ذي‬ ‫يتكلم عنه السياسيون كثيرا ؟ ‪ ..‬يتغنون به ‪ ..‬يمجدونه ‪ ..‬يؤلهونه ! ‪ ...‬ولكن هل م ن المعق ول أن ه ذا الش عب‬ ‫العظيم ر يعرف ماذا يجري في بلده ؟! إذا لم يكن يعرف فتلك مصيبة ‪ ،‬و إذا كان يعرف ولم يفعل شيئا لتغيير‬ ‫ذلك فالمصيبة أعظم ‪ ،‬اس تنتجت أن ه ذا الش عب إم ا أن يك ون مخ درا ‪ ..‬أو أبل ه ! ‪ ...‬ش عب م ن البله اء ‪ ،‬ه ل‬ ‫يعرف أحد من هذه الجموع ‪ ..‬هذا البقال ‪ ..‬هذه الفتاة التي تسير سعيدة مبتسمة وه ي تت أبط حبيبه ا ‪ ..‬م ن ه و‬ ‫نسيم ؟ ‪ ...‬نسيم الذي يقبع اآلن في السجن الصحراوي ينتظر من يناوله دواءه ‪ ،‬نسيم الذي جن ألنه لم يستطيع‬ ‫أن يتصالح مع هذا الواقع ‪.‬‬ ‫انتبهت لنفسي ‪ ،‬مالي أفكر غاضبا هكذا ! هل أصبحت سياسيا ؟ ‪ ...‬ابتسمت رغما عني ‪ ،‬هل أتوقع أن يخرس‬ ‫هذا الشعب في مظاهرات عارمة للمطالبة بإطال سراحي من السجن ؟ ‪ ..‬من أنا ؟ ! ‪.‬‬ ‫يا إلهي ما أكثر الناس ‪ ،‬أحد في الوجوه ‪ ،‬بيتنا قريب من المكان الذي تتجه إلي ه الس يارة ‪ ،‬ق د يح الفني الح ظ‬ ‫فأحظي بمشاهدة أمي أو أبي أو أحد أخوتي ‪ ،‬ر بل يكفي أي وجه أعرفه ‪.‬‬ ‫انحرف ت السيارة عن الطري الذي كنت أتوقعه و الذي يؤدي إلى ذلك المبنى الكئيب القريب من بيتنا ‪ ،‬س ارت‬ ‫بإتجاه الجنوب الغربي مخترقة المدينة من الشمال إلى الجنوب ‪ ،‬مررنا بمعالم كثيرة أعرفها ‪ ،‬أح ن إليه ا ‪ ،‬ه ا‬ ‫ه ي الجامع ة و الط الب و الطالب ات داخل ين خ ارجين ‪ ،‬ر أذك ر م ن حي اتي إر أنن ي كن ت طالب ا واآلن أمش ي‬ ‫سريعا في العقد الخامس من عمري ! ‪.‬‬ ‫مبنى ضخم ‪ ،‬حراسات مش ددة ‪ ،‬ال دخول ص عب ومعق د حت ى عل ى س يارات األم ن ‪ ،‬انتظرن ا أكث ر م ن عش ر‬ ‫دقائ ‪ ،‬اتصارت واستفسارات ‪ ،‬سمحوا للسيارة بتجاوز الحاجز ‪ ،‬دخلنا وأص بحنا أم ام البن اء ‪ ،‬أنزل وني أم ام‬ ‫باب زجاجي عريض ‪ ،‬البالط يلمع ‪ ،‬كل شيء يوحي بالنظافة و النظام ‪ ،‬ذهب الطويل ح امال مع ه األورا ‪،‬‬ ‫دخل أول غرفة إلى اليسار ‪ ،‬لم يطلب مني أحد أن أغمض عيني أو أنكس رأس ي ‪ ،‬لك ن رأس ي نص ف م نكس‬ ‫بحكم العادة ‪ ،‬عاد الطويل وقال لالثنين اللذين معي بعد ان ناولهما األورا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫نزلوه عــ السجن ‪.‬‬

‫مباشرة قبالة المكان الذي كنا نقف فيه ‪ ،‬نزلنا األدراس ‪ ..‬أدراس ‪ ..‬ثم نلف ثم أدراس ‪ ..‬باب عبارة عن قض بان‬ ‫حديدية ‪ ،‬قفل ضخم ‪ ،‬يدقون الباب ‪ ،‬يحضر س جان س مين يحم ل بي ده كدس ة م ن المف اتيح ‪ ،‬يعط وه األورا ‪،‬‬ ‫يفتح الباب يدفعوني إلى الداخل ‪ ،‬يغل الباب ‪ ،‬ينصرف ارثنان ‪ ..‬ثم ‪:‬‬ ‫‪-‬���

‫انتظر هون ‪ ..‬ر تتحرك ‪.‬‬

‫يذهب حامال األورا إلى غرفة في صدر روا طويل ‪ ،‬يظهر على ب اب الغرف ة الت ي دخ ل إليه ا ‪ ،‬ين اديني ‪،‬‬ ‫أذهب إليه ‪ ،‬يدخلني الغرفة فأرى رجال أشيب وراء طاولة ينظر إلي ‪ ،‬يطلب مني أن أخرس من جيوبي جمي ع‬ ‫أغراضي ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫ما عندي شيء ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪121‬‬

‫‪-‬‬

‫ابدا ‪ ..‬أبدا ؟ ما عندك مصاري ؟ ‪ ..‬ما عندك أغراض ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما عندي شيء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬ما عندك هوية ؟ ‪ ..‬جواز سفر ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ر ر ما عندي شيء ‪ ،‬جواز سفري وهويتي أخذوها مني في السجن الصحراوي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما رجعوها إلك ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ر ما رجعوها سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬جسمك نظيف ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نظيف سيدي ‪ ..‬نظيف ‪ ،‬البارحة تحممت ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعني ‪ ..‬ما عندك قمل ؟‬

‫‪-‬‬

‫قمل ؟ ‪ ..‬في عندي قمل كثير ‪ ..‬سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وبتقول انك نظيف !!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫التفت إلى السجان ‪ ،‬طلب منه أن يأخذني إلى الحمام وبعد أن أنتهي من الحمام أن يض عني ف ي المنف ردة‬

‫رقم ‪ ، /91/‬ثم قال لي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫الحمام ساخن ‪ ،‬فوت عــ الحمام ‪ ..‬أول مرة اغسل كل ثيابك بشكل جيد ‪ ،‬بعد غسيل الثياب تحمم أنت ‪..‬‬

‫بــ تظل تتحمم وتغسل الثياب حتى تحس أنه ما ظل عندك ور قملة ‪ ،‬أحسن ما تملي السجن هون قمل ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫حاضر سيدي ‪.‬‬

‫أخذني السجان ‪ ،‬أدخلني الحمام المليء بالبخار ‪ ،‬قبل أن يغل الباب علي قال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أعمل مثل ما قال لك المساعد ‪ ،‬بس تخلص د الباب ‪ ..‬مفهوم ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪.‬‬

‫الحمام كان ممتعا ‪ ،‬انتهيت‪ ،‬دققت الباب‪ ،‬لملمت ثيابي التي غسلتها جي دا ‪ ،‬ل م أس تطع أن أعص رها بق وة ألنه ا‬ ‫مهترئة ‪ ،‬فتح السجان الباب ورآني أحاول أن ألبس الثياب المغسولة ‪ ،‬أمرني أن أمشي قبل أن ألبس ‪ ..‬قلت له‬ ‫ر يجوز ‪ ،‬صرا ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫اطلع ور ‪ ..‬شو مانك رجال ؟ ‪ ..‬بعدين على شو خايف ؟ !‪ ..‬على هــ الطيز متل طيز القرد !!‪.‬‬

‫سترت عورتي من األمام بثيابي المبللة ‪ ،‬مشيت خلف السجان ‪ ،‬وصلنا بابا علي ه رق م ‪ /91/‬ففتح ه ‪ ،‬دفعن ي ‪،‬‬ ‫وأغل الباب ورائي ‪.‬‬ ‫ها أنا لوحدي ‪ ..‬في زنزانة مطلية باللون األخضر الفاتح ‪ ،‬البطانيات على األرض ‪ ،‬الزنزان ة واس عة ق د تبل غ‬ ‫أكثر من ثالثة أمتار مربعة ‪ ،‬في سقفها فتحتان اكتشفت أنهما للتهوية ‪ ،‬واحدة لسحب الهواء الفاس د و اآلخ رى‬ ‫لضك الهواء الخارجي ‪.‬‬ ‫نشرت ثيابي المبللة على األرض ‪ ،‬جلست على البطانيات ‪ ..‬تغطيت بواحدة ‪ ،‬الجو هنا حار ‪ ،‬بعد قليل تمددت‬ ‫وغفوت ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪122‬‬

‫استيقظت على الصوت المرعب ‪ ،‬صوت قرقعة المفتا الحديدي في الباب الحديدي ‪ ،‬صرير الحديد بالحديد ‪،‬‬ ‫جلست وأحكمت لف البطانية حول وسطي ‪ ،‬انفتح الباب وظهر رجالن ‪ ،‬أحدهما كهل و األخ ر ش اب ومعهم ا‬ ‫سجل ‪ ،‬سألني عن اسمي وعمري ‪ ،‬مكان وردتي ‪ ،‬كل المعلومات الخاصة المتعلقة بي سجلها ‪ ،‬أغل الس جل‬ ‫وسألني عن سبب نومي عاريا ‪ ،‬أجبته بأن الثياب الوحيدة التي أملكه ا مغس ولة ‪ ..‬وه ي ل م تج ف بع د ‪ ،‬التف ت‬ ‫إلى الشاب وقال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫رو عــ المهجع ‪ ،‬قول لهم أنه في واحد سجين ما عنده ثياب ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حاضر ‪.‬‬

‫أغل الباب ‪ ،‬بعد ربع س اعة ع اد الش اب ح امال ص رة م ن الثي اب ‪ ،‬بيجام ا رياض ية ‪ ،‬غي ار داخل ي ‪ ..‬س ليب‬ ‫وليس سروار شرعيا يصل حد الركبة ‪ ،‬جميعها جديدة ‪ ..‬ظهرت بمظهر جديد ‪.‬‬

‫‪ 02‬آيار ‪.‬‬ ‫ثالثة أيام منذ أن غادرت السجن الصحراوي ومجيئي إلى هنا لم أر خاللها أحدا غير السجانين ‪ ،‬ثالث مرات‬ ‫في اليوم يفتحون الباب ردخال الطعام ‪ ،‬وبعد ساعة تقريبا من ادخال الطعام يفتحونه ثانية رخراس الصحون و‬ ‫للخروس للمرحاض و المغاسل – يسمون المرحاض هنا " الخط " لم أستطع أن أعرف سبب هذه التسمية!‪.‬‬ ‫الطعام هنا أفضل من هناك ‪ ،‬يصل إلى السجين القليل من قطع اللحم ‪ ،‬و الطعام أكثر نظافة ‪ ..‬وتنوعا ‪.‬‬ ‫أنتظر بقل يزداد كلما مر يوم دون أن أعرف سبب نقلي إلى هنا ‪ ،‬المعاملة هنا جيدة نس بيا ‪ ..‬باس تثناء بع ض‬ ‫الصفعات على الوجه و الرقبة أثناء الخروس إلى المرحاض أو العودة منه ‪ ،‬لم أتعرض إلى أي تعذيب جس دي‬ ‫مباشر ‪ ،‬لكن أصوات التعذيب التي تصل جلية واضحة إل ى جمي ع المنف ردات تغ دو م ع الوق ت أكث ر اس تفزازا‬ ‫ومدعاة للتوتر و الخوف ‪ ،‬كل يوم من الثامنة و النصف صباحا تب دأ ص رخات األل م و التوس ل ‪ ،‬وتنته ي عن د‬ ‫الثانية والنصف ‪ ،‬لتعاود ارسطوانة عزفها من السادسة مساء وحتى ساعة متأخرة من الليل ‪.‬‬ ‫أحاول تجاهلها ‪ ..‬نسيانها أو التغاضي عنها ‪ ..‬ر أفلح ‪.‬‬

‫‪ 02‬أيار ‪.‬‬ ‫اليوم مساء فتحوا باب زنزانتي وطلب العنصر خروجي ‪ ،‬خرجت ‪ ،‬أمسكني من يدي وقادني إلى باب األدراس‬ ‫ذي القضبان المعدنية ‪ ،‬فتح الباب ‪ ،‬سلمني إلى عنصر آخر كان واقفا أمام الباب ‪ ،‬قادني هذا اآلخر ص عودا ‪،‬‬ ‫وصلنا إلى البالط الملمع ‪ ،‬سحبني خالل الممر اليميني إلى آخر غرفة ‪ ،‬أدخلني فيها ‪ ،‬خرس وأغل الباب دون‬ ‫أن ينط حرفا ‪ ،‬ليس في الغرفة إر طاولة وكرسي واحد فقط ‪.‬‬ ‫دخل رجل في األربعين وبيده كدسة أورا بيضاء وقلم حبر ناشف ‪ ،‬سألني إن كنت أنا ‪ ..‬أنا ‪ ،‬أجبت نعم أنا ‪،‬‬ ‫وضع األورا و القلم على الطاولة ‪ ،‬أمرني أن أجلس ‪ ،‬جلست على الكرسي خلف الطاول ة‪" .‬ه ذه ه ي الم رة‬ ‫األولى التي أجلس فيها على كرسي منذ ‪ /94 /‬سنة"‪ .‬قال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هذه أورا ‪ ..‬هذا قلم ‪ ،‬نريد منك تكتب تاريك حياتك من وردتك وحتى اآلن ‪ ،‬مفهوم ؟‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪123‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم مفهوم ‪.‬‬

‫خرس ‪ ،‬وبدأت أكتب ‪ ..‬استذكر وأكتب ‪ ،‬أفكر ماذا يريدون بالض بط ؟‪ ..‬ر أع رف وأكت ب ‪ ،‬س اعة ‪ ..‬س اعتان‬ ‫وأكتب ‪ ،‬فتح الباب خاللها مرتين وعندما يرون انهماكي في الكتابة يخرجون دون أن يقول وا ش يئا ‪ ،..‬أكت ب ‪،‬‬ ‫القلم ‪ ..‬الورقة ‪ ..‬افتقدتهما سنوات طويلة ‪ ،‬كانا أمرا عاديا ‪ ،‬بديهيا وفي متناول اليد دائما ‪ ،‬وعندما تفق دهما ‪..‬‬ ‫تفكر طويال ‪ :‬كم أنفقت البشرية من زم ن وجه د حت ى اس تطاعت اخت راع وإيج اد ال ور ؟ ك م لزمه ا ‪ ..‬حت ى‬ ‫اخترعت القلم الذي نكتب به بسهولة ؟ كم هما عزيزان ‪ ..‬اثيران إلى قلب ي ‪ ،‬واكت ب ‪ ..‬أغ وص ف ي التفاص يل‬ ‫الصغيرة ‪ ،‬استذكر المدارس التي درست في صفوفها ‪ ،‬أهلي ‪ ..‬أصدقائي ‪ ،‬أصبحت هذه الكتابة متعة ل ي ‪ ،‬ر‬ ‫أريد مفارقة الورقة و القلم ‪.‬‬ ‫يدخل الرجل الذي قادني ‪ ..‬يحد بي ‪ ،‬يقول ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لو كنت عم تكتب تاريك العالم كنت خلصت هل ‪ ..‬العمى ليش لهل ؟ !‬

‫‪-‬‬

‫أعطيني كم دقيقة ‪ ..‬أكون خالص ‪.‬‬

‫بعد دقائ اسلمه األورا و القلم ‪ ..‬يقول لي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫خليك هون ‪.‬‬

‫ويذهب ‪ ،‬عاد بعد أقل من ساعة بقلي ل م ع ش خص ذي هيب ة ‪ ،‬األورا الت ي كتبته ا بي د الش خص ذي الهيب ة ‪،‬‬ ‫حد هذا في قليال وقال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫كل شيء كتبته ‪ ..‬اسمه‪ :‬أكل خرى‪ .‬هاي أورا جديدة وهذا قلم‪ .‬أكتب لنا ‪ ..‬المفيد و المختصر ‪.‬‬

‫رموا بالقلم و األورا على الطاولة وذهبوا ‪.‬‬ ‫بدأت أكتب من جديد ولكن بنفس المتعة ‪ ،‬أعدت ما كنت قد كتبته سابقا ‪ ،‬ليس لدي جديد ‪ ،‬لقد كنت صادقا ف ي‬ ‫كل ما كتبت ‪ ،‬طلبوا تاريك حياتي وقد كتبته لهم في بضع صفحات ‪ ،‬و كل ما كتب ت ك ان ص حيحا فل يس ل دي‬ ‫شيء أخفيه أو أخاف من قوله‪ ،‬ولكن لماذا يطلبون مني كتابة ما كنت قد كتبته سابقا ؟ ‪ ..‬لست أدري ‪.‬‬ ‫ومن جديد أخذوا ما كتبت ‪ ،‬عاد الرجل األول بعد أقل من ساعة ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا هللا ‪ ..‬أمشي ‪.‬‬

‫بنفس الطريقة عدنا ‪ ،‬ودخلت إلى زنزانتي ‪.‬‬

‫‪ 00‬أيار ‪.‬‬ ‫اليوم مساء فتح باب زنزانتي ‪ ،‬طلب العنصر خروجي ‪ ،‬خرجت ‪ ..‬ممرات ‪ ..‬ادراس ‪ ..‬أبواب حديدي ة ‪ ،‬مم ر‬ ‫إلى اليمين ملمع البالط ‪ ..‬أول غرفة إلى اليسار ‪.‬‬ ‫رج ل يض ع نظ ارات طبي ة ‪ ،‬يجل س وراء مكت ب أس ود ‪ ،‬أم ام المكت ب كرس ي بالس تيكي ‪ ،‬رف ع رأس ه ‪ ،‬خل ع‬ ‫النظارات الطبية ‪ ،‬أشار لي أن اجلس فجلست على الكرسي ‪ ،‬وبعد قليل وضع النظارات ‪ ،‬أمسك القلم ‪ ،‬يس ال‬ ‫‪ ،‬أجيب ‪ ،‬يسجل دون أن ينظر الي ‪:‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪124‬‬

‫اسمك ‪ ،‬اسم أبوك ‪ ،‬اسم أمك ‪ ،‬أخوتك الذكور ‪ ،‬أخوات ك البن ات ‪ ،‬أعمام ك ‪ ،‬أخوال ك ‪ ،‬اص دقاؤك هن ا ‪،‬‬

‫‪-‬‬

‫أصدقاؤك في فرنسا ‪ ،‬اسماؤهم الثالثية جميعا ‪ ،‬انتماءاتهم الحزبية وعند هذا السؤال قلت ‪:‬‬ ‫ر أعرف ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لم يجادل ‪ ،‬لم يكذبني ‪ ،‬كتب على الورقة التي أمامه ‪ ..‬ر يعرف ‪.‬‬ ‫ثم سألني الكثير من ارسئلة ‪ ،‬كلها سياسية ‪ ..‬عن األحزاب التي انتميت إليها ‪ ،‬وأخيرا قال لي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هل لديك أقوال أخرى ؟‬

‫‪-‬‬

‫ر‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫خليك هون ‪.‬‬

‫لملم أوراقه وذهب ‪ ،‬بعد حوالي الساعة أتى عنصر أعادني إلى زنزانتي ‪ ،‬جلست ‪.‬‬ ‫طوال الوقت أسمع صراا امرأة ‪ ..‬إنهم يعذبونها !‪.‬‬

‫‪ 02‬أيار ‪.‬‬ ‫في آخر الليل ‪ ،‬أعادوني إلى الزنزانة محطما ‪.‬‬ ‫في أول الليل فتحوا باب زنزانتي وأمروني أن أخرس ‪ ،‬خرجت كالع ادة ‪ ،‬ل م يك ن هن اك أدراس ‪ ،‬أخ ذوني إل ى‬ ‫آخر غرفة في صف الزنازين ‪ ،‬وضع السجان الطماشة على عيني ودفعني إلى داخل الغرفة !‪.‬‬ ‫سألت نفسي ‪ :‬هل انتهى شهر العسل ؟‪.‬‬ ‫أوقفتني أيدي السجان ‪ ،‬جاءني صوت من أمامي ‪:‬‬ ‫نحن عاملناك معاملة راقية ‪ ..‬ألنه أهلك جماعة طيبين ‪ ،‬بس أنت ما فيك ذو ‪ ،‬كل ه ـ الع الك والحك ي‬

‫‪-‬‬

‫الفارغ ‪ ..‬ما ينفع ‪ ،‬كلمتين ورد غطاهن ‪ :‬يا إم ا تق ول ل ي إل ى أي تنظ يم تنتم ي ‪ ..‬ي ا إم ا خلي ك تش وف نج وم‬ ‫الضهر ‪ ..‬ها شو قلت ‪ ..‬؟‪.‬‬ ‫‪ -‬يا سيدي ‪ ..‬أنا ما انتميت ألي تنظيم ‪ ..‬بس أنا رحت عـ السجن الص حراوي بتهم ة‬

‫األخ وان‬

‫المسلمين ‪.‬‬ ‫ شو اخوان ‪ ..‬شو خرى !‪ ..‬شلون مسيحي وأخوان مسلمين ؟‪ ..‬هذا كان خطأ ‪ ،‬وهل رزم نصحح الخطأ ‪،‬‬‫ألي تنظيم أنت منتسب ؟ ‪.‬‬ ‫ أنا ما انتسبت ألي تنظيم ‪.‬‬‫ يبدو انك جحش ‪ ..‬ما تفهم ! ‪ ..‬أي ‪ ..‬أي واحد يحكي مثل الحكي ياللي أنت حاكيه رزم يكون عن ده تنظ يم‬‫!‪.‬‬ ‫ثم سمعته يخاطب آخرين في الغرفة ‪:‬‬ ‫ خذوه على بساط الريح وبس يقرر يعترف ‪ ..‬هاتوه لهون !‪.‬‬‫سحبوني بعنف ‪ ،‬رغم كل شيء فقد ارتحت قليال ألنني عرفت أن أهلي قد أصبحوا ورائي ‪ ،‬القوني على ل و‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪125‬‬

‫خشبي ‪ ،‬ربطون�� من جميع أنحاء جسمي ‪ ،‬رفعوا الجزء السفلي من اللو الخشبي عاليا ‪ ..‬ثبتوه ‪.‬‬ ‫بدأ الضرب ‪ ..‬وبدأ الصراا ‪.‬‬ ‫كنت أتألم بشدة ‪ ،‬لكنني لم أكن خائفا ور هلعا ‪ ،‬أنا اآلن " صاحب خبرة وتجربة " ‪ ،‬لقد رأيت وسمعت الكثي ر‬ ‫من الحارت أمامي ‪ ..‬ومنها تعلمت وحفظت ‪.‬‬ ‫كما لرجال األمن دروسهم وقواعدهم ‪ ،‬فإ ن للسجناء أيضا قواعدهم ووصاياهم ‪ ،‬وهنا كان أهم وصيتين ‪:‬‬ ‫األولى ‪ :‬مهما تألمت من التعذيب فال تعترف بشيء لكي تتخلص من األلم ‪ ،‬ألن األعتراف مهم ا ك ان ص غيرا‬ ‫سيجعلهم يعرفون أنك قد ضعفت ‪ ،‬لذلك فان كمية التعذيب ستزيد رنتزاع المزي د م ن ارعتراف ات ب در م ن أن‬ ‫تنتهي ‪.‬‬ ‫الثانية ‪ :‬اذا طلبوا منك أن تتعاون معهم وتصبح مخبرا لديهم مقابل أن يطلقوا سراحك ‪ ،‬فال تقبل مطلقا ‪ ،‬ألنك‬ ‫إن قبلت تكون قد تورطت ورطة تدوم مدى الحياة ‪ ،‬وهم دائما يكذبون !‪.‬‬ ‫كن ت أت ألم ‪ ..‬لك ن ل م أع د الض ربات ‪ ،‬فك رت ب أمور ش تى ‪ ،‬أهل ي ‪ ..‬نس يم ‪ ..‬ك ل ه ذا وأن ا أص را‬ ‫بصوت عال !‪.‬‬ ‫بعد فترة أحسست أن قدمي قد تخدرتا ‪ ،‬احساسي باأللم خف كثيرا ‪ ..‬وغدا األمر ميكانيكي ا ‪ ،‬يض ربون ‪ ،‬أت ألم‬ ‫قليال ‪ ،‬أصرا عاليا ‪.‬‬ ‫انتهت لعبة عد األصابع لصالحي !‪ ..‬إما انهم تعبوا ‪ ،‬أو ملوا ‪ ،‬أو اقتنعوا أنني ر أنتمي ألي تنظيم ‪.‬‬ ‫تركوني بناء على أوامر "الصوت الذي كان في الغرفة" ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫اتركوه ‪ ..‬اتركوه ‪ ،‬خذوه عـ الزنزانة ‪ ،‬العمى ما أيبس رأسه ‪ ..‬مثل رأس الجحش !‪.‬‬

‫أمشي بصعوبة ‪ ،‬محطما بدنيا ‪ ..‬لكن بمعنويات جد مرتفعة ‪ ،‬أعادوني إلى زنزانتي ‪.‬‬ ‫لم ألبث أن نمت ‪.‬‬

‫‪ 02‬أيار‬ ‫الي وم ص باحا فتح وا ب اب زنزانت ي ‪ ،‬أخرج وني ‪ ،‬طمش وني ف ورا ‪ ،‬وم ن خ الل الس ير عرف ت أنن ي اص عد‬ ‫األدراس و الس اللم ‪ ،‬ق ادوني ر أدري ب أي اتج اه ‪ ،‬د العنص ر أح د األب واب ‪ ..‬أدخ ل ‪ ،‬دخ ل ‪ ،‬خبط ة ق دم ‪..‬‬ ‫احترامي سيدي ‪.‬‬ ‫قال صوت أجش ثخين ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ارفع الطماشة عن عيونه ‪ ..‬ورو أنت ‪.‬‬

‫رف ع العنص ر الطماش ة ‪ ،‬ثالث ة رج ال ف ي منتص ف العم ر ‪ ..‬أح دهم يجل س خل ف مكت ب فخ م وأني ‪ ،‬اآلخ ران‬ ‫يجلسان إلى جانبي المكتب ‪ ،‬جميعهم صامتون ‪ ،‬ستة عيون تحد في مباش رة ‪ ،‬يفحص وني م ن قم ة رأس ي إل ى‬ ‫أخمص قدمي ‪ ،‬ستة عيون قاسية ‪ ..‬ثاقبة ‪ ..‬أحسست أنني أتعرى من الداخل ‪ ،‬ستة عيون يس يل منه ا م زيج م ن‬ ‫الدهاء و الذكاء ‪ ..‬مزيج من القسوة و السطوة ‪ ..‬مزيج من الترفع و العنجهية ‪ ..‬عيون رأت عشرات اآلرف من‬ ‫أمثالي ‪ ..‬عيون قد شبعت من كل شيء !‪ ..‬عيون ضجرة ملولة ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪126‬‬

‫فورا قدرت أن هؤرء الرجال الثالثة هم أهم من قابلتهم من المسؤولين و المحققين حتى اآلن ‪ ،‬وأن مصيري كله‬ ‫سيتقرر في هذه الجلسة ‪ ،‬قررت أن أكون جريئا ‪ ..‬أن ادافع عن نفسي بقوة ‪ ،‬أن أس تفيد م ن ك ل م ا س معته وم ا‬ ‫مر بي ‪ ،‬سأواجههم ‪ ،‬لذلك وقبل أن يتفوهوا بأي كلمة بادرتهم بالسؤال مستجمعا كل شجاعتي ‪:‬‬ ‫ إذا ممكن تسمحوا لي بسؤال ‪ ..‬أنا ليش هون ؟ ‪ ..‬ما هي جريمتي حتى أبقى في الس جن أكث ر م ن ‪/94/‬‬‫سنة ؟ ‪ ..‬شو عملت ؟‪ ..‬ممكن واحد منكم يجاوبوني على هذا السؤال ؟ ‪.‬‬ ‫قال الرجل الجالس خلف المكتب ‪ ،‬هو نفس الصوت األجش ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أور أخرس ‪ ،‬ثانيا أنت هون اتجاوب على األسئلة م و تط ر أس ئلة ‪ ،‬ثالث ا رغ م هي ك ‪ ..‬را نق ول ل ك‬

‫ليش أنت هون وما هي جريمتك ‪ ..‬يا مجرم ‪.‬‬ ‫سكت قليال ثم أردف ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫اسحب هـ الكرسي ‪ ..‬أجلس ‪.‬‬

‫سحبت الكرسي وجلست ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت مخرس سينمائي ‪ ..‬ور ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت عم تقول أنك ما انتسبت ري تنظيم سياسي معارض للدولة ‪ ..‬أنا را صدقك ‪ ،‬لكن إذا ظهر عكس‬

‫هذا الكالم ‪ ..‬أنا بإيدي را أعدمك ‪ ..‬مفهوم ؟‬ ‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬أنا را أقرأ لك مجموعة أسماء و أي اسم تعرفه قول ‪ ..‬مفهوم ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‬

‫قرأ ثالثة أسماء ر أعرفهم ‪ ،‬قرأ ارسم الراب ع ‪ ،‬ارس م الثالث ي لص ديقي أنط وان ‪ ،‬عن دها رفع ت ي دي مس رعا ‪،‬‬ ‫وكأني أريد أن اثبت مصداقيتي ‪ ..‬صرخت ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫هذا يا سيدي ‪ ..‬أنطوان ‪ ..‬هو صديقي بفرنسا ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫هاه ‪ ..‬وص لنا لش يء مفي د ‪ ..‬أن ت تع رف أن ه ذا أنط وان م ن أخط ر الن اس ؟ ‪ ..‬ه و ش يوعي مع ارض‬

‫للنظام ‪ ،‬يعني مو مثل خالك ‪ ،‬رغم أن خال ك ش يوعي ‪ ..‬خال ك رج ل كثي ر وطن ي ومخل ص ‪ ،‬ونح ن نحترم ه‬ ‫كثير ‪ ،‬بس أنطوان ‪ ..‬أنطوان عميل !‪ ..‬أنطوان ضد الوطن !‪ ..‬وأكيد هو حرضك حتى تحك ي ض د ال وطن ‪..‬‬ ‫مو هيك ؟ ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫أل ‪ ..‬أل سيدي ‪ ،‬أنطوان ما كان يحكي معي بالسياسة ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لكن ‪ ..‬أنت من وين جايب هذا الحكي المكتوب بالتقرير ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أي حكي ‪ ..‬وأي تقرير ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫مشان ما وجع راسك ‪ ..‬وتوجع راسنا را أقرأ لك التقرير ‪ ،‬وبعدين تجاوبني ‪ ،‬اتفقنا ؟‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪127‬‬

‫فتح اضبارة أمامه ‪ ،‬تفحص عدة أورا ‪ ،‬سحب ورقة منها ‪ ،‬نظر إليها مليا وطف يقرأ ‪.‬‬ ‫" بتاريك كذا ‪ ..‬وكذا ‪ ..‬دعيت إلى سهرة مع صديقتي الفرنسية ‪ ،‬السهرة كانت في بيت المدعو أنطوان ‪ ،‬وكان‬ ‫حاضرا في السهرة ‪ ،‬فالن وفالن وفالن ‪ ..‬كل منهم بصحبة صديقته ‪..‬‬ ‫توقف عن القراءة قليال قائال ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫شو بدنا بكل هـ العالك ‪ ..‬وين الفقرة الخاصة فيك ‪ ..‬وين ها ‪ ..‬هذه الفقرة ‪..‬‬

‫‪ .........‬عند نهاية النقاش بقي هناك شخص لم يشارك في الحديث لم أعرف رأيه ‪ ،‬وهو المدعو فالن الفالن ي‬ ‫‪ ،‬وهو طال ب م ن العاص مة ي درس ارخ راس الس ينمائي هن ا ف ي فرنس ا ‪ ،‬وق د أمض ى فت رة النق اش ينظ ر إلين ا‬ ‫مبتسما ‪ ،‬وأحيانا يحادث صديقته ‪.‬‬ ‫توجهت إليه بالسؤال عن رأيه عما دار من حديث‪ ،‬ولكي أدعه يطمئن تابعت تهجمي على السلطة السياسية‪.‬‬ ‫ضحك وقال كالما جارحا بح الرفي األمين الع ام رئ يس الجمهوري ة المف دى ‪ ،‬وأن ا أآلن س أورد كالم ه كم ا‬ ‫ورد على لسانه مضطرا رغم أنني مح رس ج دا ‪ ،‬وأرب أ بقلم ي أن يخ ط هك ذا عب ارات !‪ ..‬وس يادتكم تعلم ون‬ ‫أنني على استعداد ألن أقطع لساني ور أدعه يتلفظ بهكذا عبارات مقذعة بح ارنسان ال ذي نجل ه ونحترم ه ‪..‬‬ ‫ر بل نعبده ‪ ..‬السيد الرئيس حماه هللا ونصره ‪ ،‬ولتكن أرواحنا فداء له ‪.‬‬ ‫ولكن تسجيلي لهذه العبارات إنما الهدف منه أن تكون الجهات األمنية الساهرة على أمن الوطن على عل م بك ل‬ ‫شيء ‪ ،‬وأن تكون في صورة الموضوع ‪ ،‬قال المدعو فالن ردا على تساؤلي ‪ ..‬و بالحرف الواحد ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنا بالحقيقة ر استسيغ ور أح ب النقاش ات السياس ية ‪ ،‬وكرج ل يه وى ويعم ل ف ي مج ال الف ن الس ينمائي‬ ‫فإنني أهتم بالصوت و الصورة ‪ ،‬ر تهمني السياسيات ارقتصادية أو السياسية ‪ ،‬ر أستطيع أن أحكم على‬ ‫النظام أو على السلطة من خاللها ‪ ،‬أنا أحكم من خالل الصوت و الصورة ‪.‬‬

‫إذا كانت الرسالة تعرف من عنوانها ‪ ،‬فإن عنوان هذا النظام هو الرئيس ‪ ..‬فماذا يقول الصوت ؟‪ ..‬إن ص وت‬ ‫هذا الرئيس مثل صوت التيس ‪ ..‬و التيس كما تعرفون هو من أنتن الحيوانات وأعندها ‪ ،‬وأنا ر أحب النتانة و‬ ‫ر العناد ‪.‬‬ ‫أما الصورة فتقول ‪ ،‬إن رأسه مثل رأس البغل ‪ ،‬وأنا أكره البغال كثيرا ‪ ..‬لسبب بسيط هو أنها ليس ت أص يلة ‪،‬‬ ‫لو كان حمارا ألحببته ‪ ،‬ألنه في هذه الحالة ينتمي إلى ساللة الحمير األصيلة و العريقة ‪.‬‬ ‫لهذين السببين يا أخي ‪ ،‬فإنني ر أحب هذا الرئيس ور أحب هذا النظام ‪.‬‬ ‫وقد ضحك جميع الحاضرين في الجلسة ‪ ..‬هذا هو رأي ‪. " ..‬‬ ‫عند هذه العبارة توقف الص وت األج ش ع ن الق راءة ‪ ،‬نظ ر إل ي بعم‬

‫وحق د وه و يط وي األورا الموج ودة‬

‫أمامه ‪ ،‬ثم قال بلهجة استهزاء ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫نحن قلنا لك عن سبب وجودك هون ‪ ..‬عن جريمتك ‪ ،‬وانت رزم هل تقول لنا ألي تنظيم أن ت منتس ب‬ ‫‪ ..‬هذا الكالم الوارد بالتقرير كالمك وإر أل ؟ ‪ ..‬احكي ‪.‬‬

‫فيما كان يقرأ التقرير كان عقلي يعمل بسرعة مذهلة ‪ ،‬كل حواسي كانت مستنفرة ‪ ،‬كنت اس مع بنص ف عقل ي و‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪128‬‬

‫النصف اآلخر كان يفكر ‪ ،‬حاولت تذكر السهرة فلم أفلح !‪ ..‬التقطت التاريك المذكور في التقرير ‪ ،‬أكثر من ثالث‬ ‫سنوات قبل عودتي إلى بلدي ‪ ،‬يضاف إليها أكثر من إثنتي عشر عاما قضيتها في السجن !‪ ..‬كيف ل ي أن أت ذكر‬ ‫سهرة من مئات السهرات التي كن ا نقيمه ا ؟‪ ..‬حت ى أش خاص الس هرة ل م أت ذكر م نهم س وى ص ديقي أنط وان !‪..‬‬ ‫وهذا كنت معه يوميا تقريبا ‪ ،‬لم أتذكر ‪ ..‬لم أتذكر ‪.‬‬ ‫أما كالمي الوارد في التقرير فهو يندرس في عداد النكات ‪ ،‬وكان ت هن اك آرف النك ات ‪ ،‬قس م كبي ر منه ا يتن اول‬ ‫رجال السياسة و الرئيس شخصيا ‪ ،‬ور تخلو سهرة من سهراتنا كطالب من عشرات النكات ‪ ،‬فلم اذا ه ذه النكت ة‬ ‫بالذات – على فرض أني قلتها – يكون ثمنها باهظا إلى هذه الدرجة ؟!‬ ‫أجبت على السؤال الذي وجهه لي ‪..‬‬ ‫هذا التقرير الذي قرأته و عمره أكث ر م ن خمس ة عش ر عام ا ‪ ،‬ر أذك ر أن ي حكي ت هي ك ك الم ‪ ،‬وعل ى‬

‫‪-‬‬

‫فرض أني حكيته ‪ ..‬هذه نكتة ر أكثر و ر أقل ‪ ،‬وأنت تعرف أنه في مئات النكات من هذه الشاكلة ‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫حتى لو كانت نكتة ‪ ..‬هذه النكتة عقوبتها من سنة إلى ثالث سنوات ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫بس أنا صار لي ‪ /94/‬سنة في السجن !‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال‪ /94/‬سنة انساهم ‪ ،‬هدول نتيجة خطأ نحن غير مسؤولين عنه ‪ ،‬حسابك يبدأ من هذه اللحظ ة ‪ ،‬وهل‬ ‫احكي لنا عن تنظيمك ‪ ..‬وألي تنظيم تنتمي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا منتسب إلى تنظيم ‪ ..‬ارخوان المسلمين !‪.‬‬

‫انفجروا بالضحك ‪ ..‬ومد الصوت األجش يده ليكبس زر الجرس ‪ ،‬ظهر العنصر عل ى الب اب ف ورا ‪ ،‬خاطب ه ور‬ ‫زالت أثار الضحك بادية عليه ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫رجعه عــ الزنزانة ‪ ..‬وقول لمدير السجن ‪ ..‬ر تزعجوه ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حاضر سيدي ‪.‬‬

‫يبدوا أنهم كانوا قد درسوا القضية واتخذوا قرارا‪ ،‬وكل الدرئل تشير إلى أن هذا القرار لصالحي ‪.‬‬ ‫ولكن مادور خالي في كل هذا ؟ ‪ ..‬لست أدري ‪.‬‬

‫‪ 22‬حزيران ‪.‬‬ ‫أكثر من نصف شهر لم يحدث خاللها شيء ‪ ،‬أصوات التعذيب أنهكت أعصابي ‪ ،‬أن تتعذب أنت أهون من أن‬ ‫تسمع أصوات الصراا ارنساني ليال نهارا ‪ ،‬أحاول أن أتلهى بقراءة األسماء الموجودة على حيطان الزنزانة ‪،‬‬ ‫جميعها مكتوبة بواسطة شيء معدني ‪ ..‬مسمار مثال ‪ ،‬محفورة بالطالء األخضر الفاتح ‪ ،‬الكثير من األش عار ‪،‬‬ ‫أسماء ذكور و إناث ‪ ،‬بعضهم يكتب اسم مدينته أو ح��ب ه السياس ي ‪ ،‬أح دهم ك ان يخ ط خطوط ا متوازي ة إل ى‬ ‫جانب اسمه ‪ ..‬يبدو أن كل خط يمثل يوما ‪ ،‬عددتها‪ :‬ثالثة وثالثين خطا ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪129‬‬

‫‪ 02‬حزيران ‪.‬‬ ‫أخرجني السجان وهو يطلب مني أن أحمل كل أش يائي ‪ ،‬ص عدنا إل ى ف و دون طماش ة ودون قي ود ‪ ،‬أدخلن ي‬ ‫بالمراسيم المعتادة إلى غرفة " الصوت األجش " الذي بادر بأن طلب مني الجلوس ‪.‬‬ ‫تكلم معي أكثر م ن عش ر دق ائ ‪ ،‬أفهمن ي أنه م ك انوا ين وون إط ال س راحي ‪ ،‬و أنه م يحترم ون خ الي ال ذي‬ ‫يتدخل لصالحي كثيرا ألنه إنسان جيد ‪ ،‬إر أن هناك جهات أمنية أخرى اعترضت على ذلك وطالبت بتس ليمي‬ ‫إليها و أنهم مضطرون آسفين لتسليمي إليهم ‪.‬‬ ‫بع د ذل ك بق ي ح والي عش ر دق ائ اخ رى يح اول أن يفهمن ي أم را ولك ن م داورة ‪ ،‬وتب ين ل ي أن ه ر يري د أن‬ ‫يخوض فيه صراحة لذلك لجأ إلى التلميح و اللف و الدوران ‪ ،‬كل ما استطعت فهمه هو ‪..‬‬ ‫أنني يجب أر أدلي بمعلومات لدى الجهة األمني ة األخ رى زي ادة عم ا أدليت ه ب ه هن ا مهم ا اس تعملوا مع ي م ن‬ ‫وسائل ‪ ،‬وأنني يجب أر أنكر الجميل الذي أسدوه لي هنا بعدم ضغطهم علي رنتزاع المعلومات – وهذا كرمى‬ ‫لخالي – وذلك ألنني إذا أدليت بمعلومات جديدة سوف تظهر الجهة األمنية األخرى بمظهر الطرف األق در و‬ ‫األكثر نجاحا ‪ ،‬وأنني عندها سوف أصم " الصوت األجش " وجماعته بوصمة الفشل ‪.‬‬ ‫خاصة أنني إذا تقيدت بهذه التعليمات ف إن ذل ك س يكون لص الحي ‪ ،‬وسيص ب ف ي النهاي ة لص الح ق رار إط ال‬ ‫سراحي ‪.‬‬ ‫ختم حديثه قائال ‪:‬‬ ‫‪ -‬أتمنى لك التوفي ‪ ،‬إذا أطلقوا سراحك سلم على خالك ‪ ،‬قل له العميد "‬

‫" يسلم عليك ‪ ،‬وخليك رجال ‪..‬‬

‫ر تخاف ‪ ..‬مع السالمة ‪.‬‬ ‫بعدها سلموني إلى الجهة األمنية األخرى و‪...‬عناصر أمن ‪ ،‬سيارة ‪ ،‬قيود ‪ ...‬ننطل على األوتوس تراد باتج اه‬ ‫الشر ‪.‬‬

‫‪ 02‬حزيران ‪.‬‬ ‫عند الجهة األمنية األخرى ‪.‬‬ ‫ثالثة أيام تساوي ثالث سنوات في السجن الصحراوي ‪.‬‬ ‫كان الضابط بإنتظاري على باب غرفته ‪ ،‬الغضب يقطر منه ‪ ،‬لم يلتفت إل ى تحي ة العناص ر ل ه ‪ ،‬فق ط س ألني إن‬ ‫كنت أنا أنا ‪ ،‬أجبت نعم ‪ ..‬ومع الــ نعم فاجأني بلكمة عل ى أنف ي القتن ي عل ى ص در العنص ر ال ذي يق ف خلف ي ‪،‬‬ ‫سندني هذا العنصر ‪ ،‬عدت ألقف معتدر ‪ ،‬أمسكني الضابط من صدري وشدني إلى داخل الغرفة وه و يص فعني‬ ‫باليد األخرى ‪ ،‬في وسط الغرفة أمسكني من رقبتي ‪ ..‬من تفاحة آدم وأخذ يض غط عليه ا ‪ ،‬أحسس ت بارختن ا ‪،‬‬ ‫قال لي وهو يصر على اسنانه ‪:‬‬ ‫ أركع ور كلب ‪ ..‬أركع ور عرص ‪.‬‬‫ركعت على ركبتي أفلت رقبتي وذهب إلى خلف المكتب ‪ ،‬أمسك ورقة واقترب مني ‪ ،‬أخ ذ يق رأ فق رات منه ا ‪..‬‬ ‫مع كل فقرة يضربني باسفل حذائه على وجهي ‪..‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪131‬‬

‫الصوت و الصورة ‪ " ..‬رفسة على الخد " ‪ ..‬الرسالة تظهر من عنوانها " رفسة فو الخد قل يال " ‪ ..‬ص وت‬‫التيس " ببوز حذائيه ضربة على جنبي ألقتني أرضا " ‪ ..‬ويتابع القراءة و الضرب !‪.‬‬ ‫ألقاني أرضا ‪ ،‬سح فمي بحذائه ثم وض عه عل ى رقبت ي وض غطه ‪ ،‬عجنن ي برجلي ه ‪ ..‬وفهم ت من ه أن م ا قلت ه‬ ‫بح " السيد الرئيس " يكفي بحد ذاته لشنقي من خصيتي !‪.‬‬ ‫صرا وهو يكاد يختن بصراخه على أحد العناصر ‪ ،‬وأعطاه التعليمات ‪.‬‬ ‫ثالثة ايام لن أنساها ما حييت ‪ ،‬الجلد ‪ ،‬الضرب ‪ ،‬في الدورب ‪ ،‬علي بساط ال ريح ‪ ،‬التع ذيب بالكهرب اء ‪ ..‬يثب ت‬ ‫المالقط على األجزاء الحساسة من جسدي ويشغل الجهاز ‪ ..‬يبدأ جسدي رقصته الكهربائية ‪ ،‬أحس أنن ي س ألفظ‬ ‫أنفاسي ‪ ،‬أعجز ع ن الت نفس ‪ ،‬تك اد الرئت ان أن تنفج را ‪ ..‬الطماش ة عل ى عين ي ‪ ..‬ر أع رف مت ى يش غل الجه از‬ ‫ومتى يوقفه ‪ ،‬وأرقص ‪ ..‬أرقص تشنجا وألما ‪.‬‬ ‫في اليوم الثالث جاء دور الشبح ‪ ..‬عندما سمعت األمر بشبحي لم أفهم ماذا يعني ذل ك ‪ ،‬لك ن عن دما ربط وا ي دي‬ ‫عاليا وجسدي كله مرفوع عن األرض أكثر من نصف متر تذكرت صلب المسيح ‪ ،‬دون أن أعي صرخت ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫يا يسوع ‪ ..‬يا محمد ‪ ..‬يا هللا ‪.‬‬

‫بعدما يقارب النصف ساعة أحسست أنني قد استنفذت كل طاقتي على التحمل ‪ ..‬أحسست بضعف هائل ‪.‬‬ ‫سأعترف بما يريدون مني أن أعترف به ‪ ،‬وليكن ارعدام ! ارعدام سوف يكون أرحم ! ‪ ..‬ولكن من أين أخت رع‬ ‫لهم تنظيما معاديا غير ارخوان المسلمين ‪ ..‬وبعد ذلك أنتسب إليه ؟ ‪.‬‬ ‫تذكرت المهجع ‪ ،‬مئات الروايات عن الذين ضعفوا واعترفوا بأعمال لم يقترفوها ! ‪ ..‬اعترفوا بجرائم لم يسمعوا‬ ‫بها إر من فم المحق الذي يتهمهم بارتكابها !‪ ..‬ماذا كانت نتيجة اعتراف اتهم ؟ ‪ ..‬ال بعض ت م إعدام ه ‪ ،‬اآلخ رون‬ ‫يتعفنون في السجن ‪ ..‬الكثير منهم مات أو في طريقه إلى الموت !‪ ..‬قويت عزيمت ي ‪ ،‬أن ا ل م أع د كم ا كن ت قب ل‬ ‫اثني عشر عاما ‪ ،‬لقد صلبتني التجربة ‪ ،‬أخذت اقنع نفسي أنني رجل ‪ ..‬ورجل شجاع ‪ ..‬رجل شجاع ق ادر عل ى‬ ‫التحمل !‪ ..‬وتحملت ‪.‬‬

‫‪ 0‬حزيران‬ ‫هل اكتفوا باأليام الثالثة من التعذيب ؟‪ ..‬البارحة و اليوم لم يفتحوا باب زنزانتي إر من أجل الطعام و المرحاض‬ ‫‪ ،‬الطعام ثالث مرات في اليوم ‪ ،‬المرحاض ثالث مرات في اليوم بعيد الطعام مباشرة ‪.‬‬ ‫لملمت نفسي قليال ‪ ،‬أترقب متوجسا ‪ ،‬هل سيعاودون الك رة ؟‪ ..‬ومت ى ؟ ق ررت أن اس ترخي و اض مد جراح ي !‬ ‫يداي خدرتان من أثر الشبح ! ‪ ..‬اس تعملهما بص عوبة ‪ ،‬أح اول أن أج ري لهم ا بع ض التم ارين الرياض ية ‪ ،‬أج د‬ ‫صعوبة في تنظيف نفسي بعد انتهائي من قضاء حاجتي ‪.‬‬ ‫أريد أمي ‪ ...‬آه يــــا أمي ‪.‬‬

‫‪ 00‬آب ‪:‬‬ ‫رجل ذو هيئة ارستوقراطية ر تتناسب أبدا مع اللهجة الجبلية الثقيلة و البدائية التي كلمني بها وأفهمني أن أي امي‬ ‫لديهم قد انتهت و أن هناك جهة أمنية ثالثة طلب ت تس ليمي إليه ا ‪ ،‬وأنن ي أس تطيع تجن ب ال ذهاب إل ى ه ذه الجه ة‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪131‬‬

‫األمنية الثالثة وأنني أستطيع الخروس من الس جن إذا كن ت متفهم ا ومرن ا وعل ى اس تعداد ألن أخ دم وطن ي خدم ة‬ ‫حقيقية ‪ ،‬وانه اآلن سيرسلني إلى المساعد أحمد لكي نتفاهم على التفاصيل ‪.‬‬ ‫رن الجرس وحضر المساعد أحمد الذي قادني إلى غرفته ‪.‬‬ ‫المساعد أحمد ‪ ،‬نظرته لزجة ‪ ..‬ابتسامته لزجة ‪ ..‬كلماته لزجة ‪! ..‬‬ ‫وضع يديه على يدي أثناء الحديث ‪ ،‬كانت تنضح عرقا ولزوجة ‪ ،‬هو كائن لزس ‪ ..‬كان يمكن أن يكون بزاقة!‪.‬‬ ‫عرض عل ي وبطريق ة لزج ة ‪ ،‬كريه ة ج دا وت دعو لإلقي اء ‪ ،‬أن يطلق وا س راحي ويعي دوني إل ى ب اريس ‪ ،‬هن اك‬ ‫أنخرط في صفوف المعارضة مسلحا بتاريخي "سجني الطويل" وأن أخدم وطني من خالل التقارير التي ارفعه ا‬ ‫للجهات األمنية المسؤولة كاشفا لهم عن أعداء الوطن ‪ ..‬من أبناء الوطن ‪.‬‬ ‫رفضت ‪ ،‬متعلال ‪ ..‬مداورا ‪ ..‬لبق ا ‪ ،‬رفض ت ‪ ،‬ث م ح اول ‪ ..‬فرفض ت ‪ ،‬ك رر المحاول ة بالترغي ب و الترهي ب ‪..‬‬ ‫فرفضت – مستذكرا الدروس ‪. -‬‬ ‫يحاول أن يكسب رضى رؤسائه بنجاحه في مهمته ‪ ،‬يحاول أن يبني مجدا ذاتيا ‪ ..‬حاول وحاول ‪.‬‬ ‫لزوجته ‪ ..‬نعومته ‪ ،‬تدعو للغثيان !! وبقيت أرفض ‪ ،‬أوصلته لليأس ‪ ،‬فكشر ع ن أنياب ه ‪ ،‬غاب ت النعوم ة لتظه ر‬ ‫الهمجية و الشراسة ‪.‬‬ ‫لم أبه ‪ ..‬ليكن ما يكون ‪ ،‬ولن يكون أكثر مما كان !‪.‬‬ ‫وقف غاضبا ‪ ،‬صفعني بلؤم ‪ ،‬وبلهجة تقطر فشال وإحباطا ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ إنت واحد جحش ما بتعرف مصلحتك ‪ ،‬را تتعفن بالسجن ‪ ،‬را نسلمك للجماعة ‪ ..‬وهدول إن شاء هللا‬‫را ينيكوا أمك ‪ ..‬يا كلب يا حقير ‪.‬‬ ‫وسلموني للجهة األمنية الثالثة ‪.‬‬ ‫عناصر أمن ‪ ،‬سيارة ‪ ،‬قيود ‪ ،‬تنطل السيارة ش مار ‪ ،‬نص ل إل ى الش ارع ال ذي ين ار بأض واء برتقالي ة محم رة ‪،‬‬ ‫وزنزانة جديدة مقاييسها تختلف عن سابقاتها !‪.‬‬

‫‪ 02‬آب ‪.‬‬ ‫متر عرضا ‪ ،‬متر طور ‪ ..‬هذه هي الزنزانة الجديدة ‪ ،‬على ارتفاع متر تقريبا عن األرض يوجد بالطة مصممة‬ ‫ككرسي تصل ب ين ح ائطين طوله ا مت ر وعرض ها نص ف مت ر ‪ ،‬الجل وس و الن وم عليه ا ‪ ،‬ف ي الزنزان ة بطاني ة‬ ‫مهترئة واحدة فقط ‪ ،‬حظي جيد فالوقت صيف ‪ ،‬نافذة مش بكة بالقض بان و الش بك الحدي ديين تأخ ذ نص ف الج دار‬ ‫الخارجي وتطل على حديقة مركز المخابرات ‪ ،‬أتنفس هواء طبيعيا ‪.‬‬

‫‪ 2‬ايلول ‪.‬‬ ‫أنا هنا منذ عشرة أيام تقريبا ‪ ،‬الثالثة أيام األولى لم يس ألوني ش يئا ‪ ،‬الطع ام وجب ة واح دة فق ط ت وزع ظه را بع د‬ ‫ارنتهاء من التحقي الذي يجري قريبا من زنزانتي ‪ ،‬بعد الظهر وحتى حلول الظالم هي الفت رة الوحي دة الت ي ر‬ ‫أسمع فيها الصراا و البكاء ‪ ..‬و الشتائم ‪ ،‬وما عدا ذلك فالتحقيقات مستمرة وعلى مدار األربع و العشرين ساعة‬ ‫‪ ،‬هذا الفرع مشهور بين السجناء بقسوته ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪132‬‬

‫في اليوم الرابع فتح السجان باب زنزانتي صباحا ‪ ،‬يقف إلى جانبه شخص أخر ‪ ،‬سألني عن اسمي فأجبته ‪ ..‬قال‬ ‫‪:‬‬ ‫ شوف ‪ ..‬المعلم طلبك ‪ ،‬وانت أكيد سمعت بالمعلم ‪ ،‬را أعطيك نصيحة لوجه هللا ‪ :‬شو ما س ألك احك ي‬‫بصد وصراحة ‪ ،‬ر تكون عنيد وتعمل نفسك بطل ‪ ..‬بهذا المحل م ا ف ي أبط ال !‪ ..‬ك ل الن اس بتع رف‬ ‫المعلم ‪ ،‬ومنش ان تك ون بالص ورة ‪ ..‬م رة م ن الم رات ك ان المعل م ع م يحق م ع واح د أخ رس ‪ ..‬أجب ر‬ ‫األخرس أنو يحكي !‪ ..‬األخرس حكى ‪ ..‬فيا أخي ‪ ،‬هللا يرضى عليك ‪ ..‬منشان مصلحتك ر تخب ي ش يء‬ ‫‪ ..‬احكي كل شيء ‪ ..‬اسلم لك !‪.‬‬ ‫وأخذوني إلى عند المعلم ‪.‬‬ ‫في غرفة ارنتظار ذات األثاث الفخم أمام غرفة " المعلم " أوقفوني أكثر من ربع ساعة ‪ ،‬حركاتهم ‪ ..‬تراكض هم‬ ‫‪ ..‬الحديث بصوت خافت ‪ ..‬كلها أمور تدخل الخوف و الفزع إلى قلب الشخص الذي ينتظر ‪.‬‬ ‫أوقفني " المعلم " أمام مكتبه دون أن يكترث ب ي أيض ا أكث ر م ن رب ع س اعة ‪ ،‬ك ان يتص رف وكأن ه ر يران ي ‪،‬‬ ‫مشغول بقراءة بعض األورا و الملفات والرد على الهواتف ‪.‬‬ ‫بعد ذلك تفرغ لي كليا ‪ ..‬ولمدة أربعة أيام !! ‪.‬‬ ‫منذ الصبا إلى ما بعد الظهر كتبت تاريك حياتي ث الث م رات ‪ ،‬وك ل م رة بع د انته ائي م ن الكتاب ة يأخ ذه من ي‬ ‫ويعطيه إلى أحد الضباط الصغار الذي يعود بعد أقل من نصف ساعة و هو يهز رأسه سلبا ‪ ،‬فيطلب من ي إع ادة‬ ‫الكتابة مرة اخرى ‪.‬‬ ‫غرفة المكتب عبارة عن قاعة فسيحة مؤثثة بشكل باذا ‪ ،‬لم اشاهد في حياتي أثاث ا بمث ل ه ذه الفخام ة و األناق ة‪،‬‬ ‫أجلسني إلى طاولة لالجتماعات في ركن الغرفة حولها أربعة وعشرون كرسيا‪.‬‬ ‫خالل وجودي في غرفته وبينما أكتب تاريك حي اتي‪ ،‬أج رى التحقي م ع ثالث ة أش خاص ‪ ،‬ك ان يع ذبهم أم امي ‪،‬‬ ‫احاول أن اركز انتباهي على ما أكتب ‪ ..‬وسط ضربات السياط والصراا ارنساني ‪ ،‬وينتهي األمر في ك ل م رة‬ ‫باعتراف المعتقل ‪ ،‬يأمر " المعلم " بايقاف التعذيب ويطلب من أحد العناصر ضبط أقواله واعترافاته ‪.‬‬ ‫ك ل م ا ف ي الغرف ة متس‬

‫ومتناس‬

‫‪ ،‬ع داي و المعتقل ين اآلخ رين بالثي اب الرث ة و المتجع دة ‪ ،‬وك ذلك ال دورب‬

‫األسود وأدوات التعذيب األخرى ‪.‬‬ ‫بعد الظهر لم يب في الغرفة غيري من المعتقلين ‪ ،‬خرس " المعلم " من وراء مكتبه ‪ ،‬جلس قرب ي ‪ ،‬نظ ر إل ي ‪،‬‬ ‫قال ‪:‬‬ ‫ شوف ‪ ..‬كلمتين نظاف ‪ ..‬أحسن من جريدة وسخة ‪.‬‬‫بدأ من حيث انتهي األخرون ‪ ،‬خيرني بين شيئين ‪:‬‬ ‫ إما العذاب والعودة إلى السجن الصحراوي حيث سألقى ارعدام ‪ ،‬أو ‪..‬‬‫ ارعتراف و العودة إلى فرنسا و العمل بين صفوف المعارضة كمخبر ‪.‬‬‫لم أختر ‪ ،‬لكن نفيت أي عالقة لي مع أي تنظيم ‪ ،‬ورفضت العودة إلى فرنسا ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪133‬‬

‫جمي ع الوس ائل الت ي لدي ه جربه ا ‪ ،‬ال بعض منه ا كن ت ق د عرفت ه ف ي األم اكن األخ رى ‪ ،‬لك ن هن ا زادوا عليه ا‬ ‫باستخدام الكرسي األلم اني ال ذي أحسس ت أن ه ق د كس ر ظه ري ‪ ،‬علق وني كف روس ‪ ،‬ش بحوني عل ى الس لم ‪......‬‬ ‫وآخر ش يء ه ددني باس تعماله ف ي آخ ر ي وم ‪ ..‬أو أخ ر دقيق ة م ن اري ام األربع ة الت ي اس تغرقها التع ذيب ‪ ..‬أن ه‬ ‫سيدخل قنينة كازوز في شرجي ‪ ..‬وبعد أن أحضروا له القنينة رن اله اتف ‪ ،‬تكل م عل ى اله اتف بغض ب ‪ ،‬خ رس‬ ‫بعدها من الغرفة – قبل أن ينفذ تهديده – بعد أن أمر بإعادتي إلى الزنزانة وايقاف التعذيب ‪.‬‬ ‫أربعة أيام لم أكل ‪ ،‬لم أنم ور دقيق ة واح دة ‪ ،‬يترك ونني بع د الظه ر ث الث أو أرب ع س اعات ف ي الزنزان ة ‪ ،‬ي داي‬ ‫مقيدتان ‪ ،‬مربوطتان بجنزير معدني ‪ ،‬الجنزير معل إلى حلقة بالسقف ‪ ،‬يشدونه بحيث بالكاد أق ف عل ى رؤوس‬ ‫أصابع القدمين ‪ ،‬كنت احس بالراحة عندما يفكون يدي ويأخ ذونني إل ى ال دورب أو بس اط ال ريح أو الكهرب اء ‪..‬‬ ‫كل وسائل التعذيب اسهل من التعلي هذا ‪.‬‬ ‫بقيت صامدا ‪ ،‬لم اضعف مطلقا ه ذه الم رة ‪ ،‬كن ت دائم ا أق ول لنفس ي إنه ا س اعات أل م مؤقت ة س تزول ‪ ...‬أتله ي‬ ‫بأفكار أخرى ‪ ،‬قد يكون تركيزي على أحالم اليقظة خالل الس نوات الماض ية و الس هولة الت ي ص رت استحض ر‬ ‫فيها أي مادة لتك ون حلم ا‪ ..‬ق د س اعدني ! اكتش فت نفس ي ‪ ،‬وس ررت لم ا اكتش فت ‪ ،‬قل ت ف ي س ري برن ة تحم ل‬ ‫بعض التباهي ‪:‬‬ ‫ هذه معمودية صيرورتي رجال يحترم نفسه ‪.‬‬‫مضى اآلن أربعة أيام على إنتهاء التعذيب ‪ ،‬شبعت نوما ‪ ،‬رغم أنني أنام وانا جالس ‪.‬‬ ‫لكن وجبة واحدة من الطعام ر تكفي ‪.‬‬

‫‪ 0‬كاون األول ‪.‬‬ ‫الساعة اآلن الواحدة و النصف بعد منتصف الليل ‪ ،‬ألول مرة منذ عودتي إلى بلدي من فرنس ا أش عر أن النظاف ة‬ ‫تحيط بي من كل جانب ‪ ،‬تغمرني ‪ ،‬فراشي نظيف ‪ ،‬شرش ف أب يض نظي ف ‪ ،‬بطاني ات نظيف ة ‪ ،‬بيجام ا جدي دة ‪،‬‬ ‫غيار داخلي جديد ناصع البياض ‪ ،‬حولي عشرة اشخاص نظيفين في كل شيء ‪.‬‬ ‫في األيام األخيرة من وجودي في الزنزانة التي مساحتها متر مرب ع واح د وتحت وي عل ى بطاني ة مهترئ ة واح دة‬ ‫فقط ونافذتها مفتوحة على الحديقة ‪ ،‬كن ت أع اني األم رين م ن الب رد ف ي اللي ل ‪ ،‬ل ذلك أخ ذت أس هر ط وال اللي ل‬ ‫وكلما شعرت بالبرد أتحرك وأقوم ببعض التمارين الرياضية قدر ما تتيحه المساحة ‪ ،‬عند الصبا ألتف بالبطانية‬ ‫و أنام في وضعية الجلوس ‪.‬‬ ‫أيقظتني قرقعة المفتا الحديدي في الباب الحديدي ‪ ،‬السجان الذي بت أعرفه ومعه شخصان ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ قوم بسرعة ‪ ..‬هات كل أغراضك يا هللا ‪.‬‬‫خرجت فورا ‪ ،‬ر أغراض لدي سوى بعض مز الثياب ‪ ،‬لم تتأخر ارجراءات كثيرا ‪ ،‬بعد قليل اص بحنا خ ارس‬ ‫الفرع ‪ ،‬سيارة ميكرو باص محركها يدور تقف على باب الفرع ‪ ،‬قيدوا يدي وأمرون ي أن أص عد إليه ا ‪ ،‬الس ائ‬ ‫وأربعة عناصر ‪ ..‬وأنا ‪.‬‬ ‫قال كبيرهم ‪:‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪134‬‬

‫ توكل على هللا ‪ ..‬عــ السجن الجبلي ‪.‬‬‫انطل الميكرو باص باتجاه الغرب أو الشمال الغربي صعودا ‪ ،‬خالل أقل من ساعة وصلنا ‪.‬‬ ‫بين الجبال ‪ ،‬في مكان منعزل ‪ ،‬بناء حديث ضخم ‪ ،‬يتألف من أربعة طواب ‪ ،‬مئات النوافذ ‪ ..‬إنه السجن الجبلي‬ ‫‪.‬‬ ‫نزلن ا ‪ ،‬اج راءات التس ليم و ارس تالم ‪ ،‬ادخل وني لعن د م دير الس جن ‪ ،‬س ألني أس ئلة كثي رة وعن دما ع رف أنن ي‬ ‫مسيحي نادى أحد رقباء الشرطة العسكرية ‪ ،‬طلب منه أن يأخذني إلى جنا الشيوعيين ‪.‬‬ ‫بينما كان الشرطي منهمكا بفتح باب الجنا كنت أنظ ر مش دوها إل ى الس جناء ال ذين يتمش ون ف ي مم ر الجن ا ‪،‬‬ ‫منهم‬

‫يسيرون ‪ ..‬يتحدثون ‪ ..‬يضحكون ‪ ..‬صوتهم مرتفع ‪ ،‬عيونهم مفتوحة ‪ ،‬كل هذا و الشرطي قريب‬

‫‪ ،‬وقف ثالثة أو أربعة سجناء قبالة الباب ينظرون إلي ‪ ،‬أدخلني الشرطي وأغل الباب ‪ ،‬بصوت خافت قلت له م‬ ‫‪:‬‬ ‫ السالم عليكم ‪.‬‬‫ وعليكم السالم ‪ ،‬أهال رفي ‪ ،‬هل أنت رفي ؟‪.‬‬‫ ر ‪ ..‬لست رفيقا ‪.‬‬‫ أهال بك مهما كنت ‪ ..‬تفضل ‪ ..‬تفضل ‪.‬‬‫أدخلوني أول مهجع ‪ ،‬وقالوا لي قبل أن تجلس هل أنت بحاجة للدخول إلى الحمام ‪ ،‬أجبتهم نعم ‪ ،‬أدخلوني الحمام‬ ‫‪ ،‬صابون معطر ‪ ،‬غيار جديد ‪ ،‬بيجاما جديدة ‪.‬‬ ‫خرجت ‪ ،‬جلست ‪ ،‬حكيت لهم حكايتي ‪ ..‬ردا على أسئلتهم ‪ ،‬تجمعت حولي حلقة من الناس يستمعون ‪.‬‬ ‫أحضر أحدهم صينية كبيرة عليها بيض مقلي ‪ ،‬بندورة ‪ ،‬جبن ‪ ،‬زيت وزعتر ‪....‬‬ ‫يا إلهي كما في البيت !‪ ...‬هل هذا سجن ؟‪ ..‬سألتهم هذا السؤال ‪ ،‬ضحكوا وأجابوا ‪:‬‬ ‫ نعم سجن ‪ ،‬لكنه سجن خمس نجوم ‪.‬‬‫طلب مني أحدهم أن أكل وبعد ذلك أكمل حكايتي ‪ ..‬وكنت جائعا كذئب ‪.‬‬ ‫أكلت أكال حقيقيا ‪ ..‬شربت شايا حقيقيا ‪ ،‬مع كأس الشاي أعطاني أحدهم سيجارة ‪ ..‬سألني ‪:‬‬ ‫ هل تدخن ؟‬‫ نعم كنت أدخن ‪ ..‬ولكن منذ اثني عشر عام وسبعة أشهر واثني عشر يوما لم ادخن سيجارة ‪.‬‬‫ يبدو أنك نسيت أن تحسب الساعات و الدقائ و الثواني ‪.‬‬‫وانقسم الناس حولي إلى قسمين ‪ ،‬قسم يطل ب من ي أن أغت نم الفرص ة وأت رك الت دخين نهائي ا ‪ ،‬وقس م يق ول أن ر‬ ‫ضير من بضع سجائر بعد كل هذه المدة ‪.‬‬ ‫تناولت اللفافة واشعلتها ‪ ،‬عببت نفسين منها ‪ ،‬دخت ! ‪ ..‬سعلت ‪ ،‬تابعت تدخينها ‪ ،‬واستمرت الجلسة منذ الصبا‬ ‫وحتى آخر الليل ‪.‬‬ ‫يسألون ‪ ،‬يستفسرون ‪ ،‬يعلقون تعليقات ضاحكة ‪ ،‬ورويت لهم كل شيء‪ " .‬فرغت " ‪ ،‬وش عرت بارتي ا ف ائ ‪..‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪135‬‬

‫عبرت عنه قائال لهم ‪:‬‬ ‫‪ -‬هل هذه هي الجنة ؟‪.‬‬

‫‪ 22‬كانون األول ‪.‬‬ ‫اليوم رأس السنة ‪ ،‬ارستعدادات عل ى ق دم وس ا ‪ ،‬الجمي ع منهم ك بالتحض ير لالحتف ال ب راس الس نة ‪ ،‬الش رائط‬ ‫الملونة و البالونات ‪ ،‬الرسوم و التلوينات ‪ ،‬اللحوم و المآكل الطيبة ‪ ،‬و ‪ ...‬المشروبات ‪ ،‬لديهم نبيذ وعر وكلها‬ ‫تصنيع محلي !‪.‬‬ ‫أعيش بين هؤرء الناس منذ شهر تقريبا ‪ ،‬أكثرهم عرف صديقي أنطوان عندما ذكرته عرضا في سيا الح ديث‬ ‫‪ ،‬بعضهم قال إن أنطوان صديقه ‪ ،‬كلهم عرفوا خالي ‪ ،‬وكلهم يحملون رأيا سلبيا فيه ألنه يتعاون مع هذا النظام ‪،‬‬ ‫لكن الذي فاجأني أن خالي أصبح وزيرا في الوزارة الحالية !‪..‬وقد صا الشخص الذي كنت اتحادث معه ‪:‬‬ ‫ هل فالن خالك ؟‬‫ نعم خالي ‪.‬‬‫ لكن كيف ر يسعى رخراجك من السجن وقد اصبح وزيرا ؟!‪.‬‬‫يقولون عنه أنه انتهازي ‪ ،‬وأنه قد باع نفسه للشيطان هو وكل حزبه ‪ ،‬وان حزبه يتحم ل المس ؤولية ع ن س جني‬ ‫وسجن اآل خرين وعن كل ما يجري داخل البلد من قتل وتدمير وقمع بنفس درجة مشاركتهم بالحكم ‪.‬‬ ‫خالي وزير ؟‪ ..‬خبر أصابني بالدوار !‪.‬‬

‫‪ 1‬كانون الثاني ‪.‬‬ ‫رغم عدم وجود نساء فإن حفلة راس السنة كانت حلوة بكل المع ايير ‪ ،‬ل ديهم الكثي ر م ن النبي ذ و الع ر وبع ض‬ ‫المشروبات الكحولية التي ر اسم لها ‪ ،‬وكلها من صنعهم هن ا ‪ ..‬م ن العن ب و الفواك ه و المرب ى ك انوا يص نعون‬ ‫هذه المشروبات ‪ ..‬شربنا ‪ ،‬أكلنا ‪ ،‬غنينا ورقصنا ‪ ..‬حتى الصبا ‪ ،‬الجميع كانوا فرحين شاركوا بك ل ج وارحهم‬ ‫‪....‬‬ ‫كنت أجلس في احدى زوايا المهجع أحتسي المشروبات وأراقب ‪ ،‬أراقب أفعالهم وفرحهم وضحكهم ‪ ،‬اح اول أن‬ ‫اتلصص على دواخله م !‪ ..‬وأتس اءل ‪ :‬ه ل يمك ن أن يك ون ه ذا الف ر حقيقي ا ؟‪ ..‬أر يحم ل ك ل م نهم ب ين دفت ي‬ ‫ص دره إم رأة م ا ‪ ،‬زوج ة ‪ ..‬خطيب ة ‪ ..‬حبيب ة ؟ أر يتمن ى ف ي ه ذه اللحظ ة أن تك ون ه ذه الم رأة موج ودة مع ه‬ ‫يراقصها ‪ ..‬يعانقها ؟‪ ..‬أر يشكل هذا الغياب الج ار له ذه الم رأة ‪ ..‬م رارة وألم ا ؟‪ ..‬إذن م ن أي ن ينب ع ك ل ه ذا‬ ‫الفر المتطاير في أجواء السهرة؟‬ ‫كان كل شيء يوحي بالبساطة و المحبة ‪ ،‬لكن لم أستطيع أن أكون صافيا ‪ ،‬جبال من الحزن و الكآبة تج ثم عل ى‬ ‫صدري ‪ ،‬حاولت أن اشارك بكل كياني ‪ ،‬لكن هناك شيئا في داخلي يرفض الفر ‪ ..‬يرفض ألنه ر يستطيع ‪ ،‬ر‬ ‫يستطيع أن يقفز فو جدار عال وصلد من الحزن المتراكم طوال هذه السنوات ‪.‬‬ ‫هن اك ‪ ..‬ف ي الس جن الص حراوي ‪ ،‬ف ي اللي الي الموحش ة الكئيب ة ‪ ،‬اللي الي الت ي تب دو ب ال نهاي ة ‪ ،‬عن دما تترس ك‬ ‫القناعات بأن ر خروس من هنا !‪ ..‬عندما يتساوى الموت و الحياة !‪ ..‬وفي لحظات يصبح الموت أمنية !‪....‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪136‬‬

‫لم يكن ألكثر أحالمي وردية آنذاك أن تبلغ مطامحه الوضع الذي أن ا في ه اآلن !‪ ..‬ل م أك ن اس تطيع أن أص ل إل ى‬ ‫قناعة حقيقية – رغم كل أحالم اليقظة – أنني قد أكون في يوم ما وسط جو م ن الف ر كس هرة رأس الس نة الت ي‬ ‫عشتها هنا في هذا السجن الجبلي !‪ ..‬رغم ذلك لم استطع الفر ‪ ،‬لم استطع أن أضحك ضحكة واح دة م ن القل ب‬ ‫!‪ ..‬هل مات الفر داخل ي ف ي زحم ة الم وت تل ك ؟‪ ..‬ه ل س أبقى هك ذا ‪ ..‬ولم اذا ؟‪ ..‬ه ل س أحمل بي ادر الع ذاب‬ ‫والموت جاثمة على قلبي دائما لتخن كل ما هو جميل بالحياة ؟!‪ ..‬لست أدري ‪.‬‬

‫‪ 0‬آذار ‪.‬‬ ‫وأخيرا بدأت جهود خالي – على ما يبدو – تؤتي ثمارها ‪.‬‬ ‫من بين ارشياء األول ى الت ي قم ت به ا ف ي أول ي وم ل دى ق دومي إل ى الس جن الجبل ي ه ي ان نظ رت إل ى نفس ي‬ ‫بالمرآة ‪ ..‬وأحسست بالخوف ‪ ،‬صلع في مقدمة الراس ‪ ،‬الشعر وقد طال كثيرا خالل وجودي بالفرع أصبح ميار‬ ‫إل ى الل ون األب يض ‪ ،‬الش اربان مته درن وق د أب يض أكث ر م ن نص فهما ‪ ،‬العين ان غائرت ان تح يط بهم ا هالت ان‬ ‫سوداوان ‪ ،‬األلم و القه ر و الخ وف و ال ذل ‪ ..‬ق د حف رت أخادي د عميق ة عل ى الجب ين وح ول العين ين ! ‪ ..‬أبع دت‬ ‫المرآة بسرعة ‪.‬‬ ‫اليوم في العاشرة صباحا حضر شرطي إلى باب الجنا يحمل بيده ورقة ‪ ،‬صا اسمي وقال ألب و وجي ه رئ يس‬ ‫الجنا ‪:‬‬ ‫ بلغ هذا ‪ ..‬عندو زيارة ‪.‬‬‫انشغل أكثر من عشرة اشخاص بمسالة تجهيزي وإعدادي للزيارة ‪ ،‬حالقة الذقن ‪ ،‬تشذيب الشاربين ‪ ،‬البنط ال و‬ ‫القميص ‪ ،‬الحذاء " سألوني عن نمرة حذائي واتوني بحذاء نمرته ‪ /24/‬بناء على طلبي ‪ ،‬لكنه كان صغيرا ‪ ،‬ولم‬ ‫تدخل قدمي إر في حذاء نمرته ‪ /22/‬لقد كبرت قدمي نمرتين !"‬ ‫وكانت هذه هي المرة األولى التي ألبس فيها حذاء منذ حوالي ‪ /90/‬عاما ‪ ،‬مثلم ا كان ت الم رة األول ى الت ي أرى‬ ‫فيها مرآة طوال نفس المدة ‪.‬‬ ‫بعد أن ألبسوني كما يلبسون العريس ‪ ،‬رش وني ب العطور ‪ ،‬كن ت مت وترا ‪ ،‬ي داي ترتجف ان ‪ ،‬دخن ت س يجارة إل ى‬ ‫حين مجيء السجان ألخذي إلى الزيارة ‪.‬‬ ‫مشيت إلى جانب الس جان متوجس ا مرتبك ا ‪ ،‬ك دت أق ع م رتين بع د أن تعث رت بالح ذاء ال ذي ألبس ه " م ا أص عب‬ ‫المشي بالحذاء " وصلنا إلى غرف ة بابه ا مفت و يجل س فيه ا رج ل كه ل اب يض الش عر وأم رأة ش ابة تحم ل عل ى‬ ‫صدرها طفال رضيعا ‪ ،‬وضع السجان يده على ظهري بلطف ‪ ،‬وقال ‪:‬‬ ‫ تفضل ‪ ..‬ادخل ‪.‬‬‫دخل ت ‪ ..‬واحت اس األم ر إل ى ع دة ث وان م ن التح دي حت ى اس تطعت تب ين مالم ح أخ ي األكب ر !‪ ..‬ه و أيض ا ل م‬ ‫يعرفني ألول وهلة " مضى تسعة عشر عاما منذ أن رأيته أخر مرة " ‪.‬‬ ‫صرخت اسمه وأنا أتقدم نحوه ‪ ..‬احتضنني واجهشنا بالبكاء ‪.‬‬ ‫تعانقنا ونحن نبكي أكثر من دقيقة ‪ ،‬رأسي على كتف أخي ‪ ،‬ابكي لوعة ‪ ..‬اشتياقا ‪ ،‬ألما وفرحا ‪ ..‬أبكي ارتياحا ‪،‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪137‬‬

‫هنا بر األمان ‪.‬‬ ‫ابتعد أخي قليال ‪ ،‬مسح دموعه وناولني منديال ورقيا ألمسح دموعي ‪ ،‬التفت إلى حي ث الم رأة الش ابة ‪ ،‬كان ت ق د‬ ‫وضعت رضيعها على كرسي وجلست على آخر ‪ ،‬تبكي وتنشج ‪ ،‬تبكي بحرقة شديدة وقد غطت وجهها وعينيه ا‬ ‫بيديها ‪ ،‬نظرت إلى أخي مستفهما ‪ ،‬وبحركة من راسي سألته عنها ‪ ،‬من تكون ؟‪.‬‬ ‫ووسط عينيه الدامعتين ر شبح ابتسامة خفيفة ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ ما عرفتها ؟ ‪ ..‬أكيد ما را تعرفها ‪ ..‬يا أخي هذه بنتي ‪ ..‬بنتي لينا ‪.‬‬‫التفت إليها وكانت قد رفعت رأسها ‪ ،‬احمرار البكاء يحيط ببؤبؤيها األخضرين ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ يا لينا ‪ ..‬قومي سلمي على عمك ‪.‬‬‫ألقت لينا نفسها بأحضاني ‪ ،‬اعتصرتني واعتصرتها ونحن نلف ح ول نفس ينا ‪ ،‬أحسس ت ب دوار ق وي ‪ ،‬كن ت ب ال‬ ‫وزن أط وف ف ي الفض اء الرح ب ‪ ..‬ر أرى ش يئا ‪ ،‬ر أدري كي ف جلس ت عل ى أح د المقاع د ‪ ،‬لين ا تجل س ف ي‬ ‫حجري كما كانت تفعل وهي صغيرة ‪ ،‬تمسح دموعي ‪ ،‬تقبلني وتقبلني وهي تهمس ‪:‬‬ ‫ يا عمو ‪ ..‬يا عمو ‪ ..‬شو عاملين فيك ‪ ..‬يا عمو ‪ ..‬آا يا عمو ‪ ..‬آا ‪ ..‬وهللا العظ يم أن ا اش تقت ل ك كثي ر‬‫‪ ...‬شلون هيك ‪ ...‬شلون ؟!‪..‬‬ ‫لينا ‪ ..‬بؤبؤ الرو ‪.‬‬ ‫عندما ولدت لينا ‪ ،‬أنا الذي اخترت لها هذا ارسم ‪ ،‬ومنذ أن اصبح عمرها س تنين كان ت ر تف ارقني " لين ا حبيب ة‬ ‫عمها ‪ ..‬هكذا كان الجميع يقول"‪ .‬تنام معي في السرير ‪ ،‬حتى لو تأخرت في المجيء إلى البيت ونامت هي قبلي‬ ‫‪ ،‬كنت استيقظ صباحا ألجدها نائمة إلى جانبي ‪ ،‬تسيقظ ع دة م رات ف ي اللي ل ‪ ،‬تتفق دني ‪ ،‬وعن دما أع ود وس واء‬ ‫أكنت صاحيا أم نائما تندس إلى جانبي ‪.‬‬ ‫عندما ذهبت إلى فرنسا كان عمرها أكثر قليال من خمس سنوات ‪ ،‬وهاهي اآلن أمرأة كاملة ‪ ،‬وأم أيضا ‪.‬‬ ‫أمسك أخي كتف لينا وهزها قائال وهو يضحك ‪:‬‬ ‫ قومي انزلي من حضن عمك ‪ ..‬كسرتي رجليه ‪ ..‬شو ظانة حالك صغيرة لسى !‬‫جلست لينا إلى جانبي مبقية يدي بين يديها ‪ ،‬تعصر لينا يدي وتقبلها بينما أخي يحاول أن يطمئنن ي ‪ ..‬وأن خ الي‬ ‫يب ذل جه ودا جب ارة رخراج ي م ن الس جن وأنه م ورائ ي ول م يترك وني أب دا ‪ ،‬وأفهمن ي أن خروج ي م ن الس جن‬ ‫مرتبط بموافقة رئيس الجمهورية !!‪ ..‬وأنه من ذ أكث ر م ن عش ر س نوات ج رت الع ادة أن أي مس ؤول ف ي أجه زة‬ ‫األم ن يس تطيع أن يس جن م ن يش اء ‪ ،‬لك ن خ روس أي س جين يج ب أن ت تم بموافق ة رئ يس الدول ة ال ذي يح تفظ‬ ‫بسجالت اسمية لكل السجناء السياسين !‪.‬‬ ‫سألته عن صحة أمي وابي ‪ ،‬فقال إنهما بخير ‪.‬‬ ‫انتهت الزيارة ولينا متعلقة بيدي ‪ ..‬تعصرها وتقبلها ‪.‬‬ ‫عدت إلى الجنا ‪ ،‬إلى المهجع ‪ ..‬استقبلني أبو وجيه مبتسما ‪ ،‬و ‪ ..‬الحمد هلل على السالمة ‪ ،‬مبروك الزيارة ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪138‬‬

‫يتكلمون معي ‪ ،‬أجيب ‪ ...‬وأنا في حالة انعدام وزن ‪ ،‬في خفة الريشة كنت !‪.‬‬ ‫رحظوا حالي ‪ ،‬جلب لي أحدهم كأسا من العر ‪ ..‬شربته دفعة واحدة ‪ ،‬ضحك ‪ ،‬جل ب ل ي كأس ا أخ ر ‪ ..‬ش ربته‬ ‫على دفعات ‪ ،‬سألت أبو وجيه ماذا أفعل بالنقود التي أعطانيها أخي ‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ إذا شئت ضعها في الصندو ‪ ،‬هنا ر يحتفظ أحد بنقوده وكل شيء مشترك ‪ " ،‬نقودهم مشتركة وتوضع‬‫في صندو واحد ‪ ،‬طعامهم مشترك ‪ ،‬لباسهم مشترك " ‪ ،‬عشرة آرف ليرة وضعتها في الصندو ‪ ،‬قال‬ ‫الشخص الذي أخذ النقود إنني شخص غني ‪ ،‬ألن الناس هنا كلهم فقراء ‪ ،‬وأكبر مبلغ يستلمه السجين من‬ ‫أهله هو ألفا ليرة ‪ ،‬قلت إن في السجن الص حراوي اشخاص ا أعط اهم أهله م نص ف ملي ون لي رة ‪ ،‬اطل‬ ‫هذا الشخص صفرة تعجب من بين شفتيه ‪.‬‬ ‫تممدت على فراشي ‪ ،‬غطيت رأسي بالبطانيات ‪ ..‬نمت ‪.‬‬ ‫( حصيلة ألحاديث طويلة وممتدة على فترة طويلة ‪ ،‬عرفت هنا من الش باب "كم ا يحب ون أن يس موا أنفس هم" أن‬ ‫السبب الرئيس للتحقي معي لدى جهات أمنية متعددة هو الصراع الشرس بين هذه األجهزة ‪ ،‬وقد شرحوا لي مع‬ ‫استخدام الكثي ر م ن التع ابير السياس ية مايس مونه "ج وهر النظ ام السياس ي ف ي البل د" وآلي ة عم ل األجه زة ‪ ،‬ه ذه‬ ‫األجهزة التي جعلها رئيس الدولة تتنافس على شيئين أساس ين ‪ :‬أور اثب ات ورئه ا المطل ل ه ‪ ،‬وثاني ا الحص ول‬ ‫على أكبر قدر ممكن من المكاسب و ارمتيازات ‪.‬‬ ‫ولكون خالي وزيرا شيوعيا ‪ ،‬وبما أنه المتدخل رطال س راحي فق د انعك س موق ف األجه زة األمني ة المختلف ة ‪،‬‬ ‫سلبا أو ايجابا ‪ ،‬من الشيوعيين علي ‪ ،‬فبعض األجهزة تكره الشيوعيين كرها مطلقا ور تميز ب ين ش يوعي م وال‬ ‫للنظام وآخر معاد ‪ ،‬بينما األجهزة األخرى تكرههم بدرجة أقل ) ‪.‬‬

‫‪ 1‬أيار ‪.‬‬ ‫أعادوني إلى فرع المخابرات الذي أتيت إليه عندما عدت من السجن الصحراوي ‪.‬‬ ‫زارني أخي وابنته لينا ثالث مرات في السجن الجبلي ‪ ،‬وفي آخر مرة قال لي أنهم يمكن أن يعيدوني إل ى الف رع‬ ‫تمهيدا رطال سراحي ‪ ،‬وأنه يجب أن أكون مرنا ومتعاونا ‪ ..‬و ‪:‬‬ ‫ اليد التي ر تسطيع عضها ‪ ..‬بوسها ‪ ..‬وادعي عليها بالكسر !‪.‬‬‫صباحا حضر السجان ‪ ،‬نادى اسمي ‪ ،‬طلب مني أن أجهز نفسي ‪.‬‬ ‫أعطاني زمالئي السجناء خمسة آرف ليرة ‪ ،‬الكثير من الثياب ‪ ،‬بعض األطعمة ‪ ،‬ودعني أبو وجيه بالقبالت ‪:‬‬ ‫ خليك رجال ‪ ،‬ر تخاف من شيء أبدا ‪ ،‬نتمنى لك التوفي و ‪ ...‬الحرية ‪.‬‬‫في الفرع درس ‪ ..‬ثم درس ‪ ..‬الباب ذو القضبان الحديدية ‪ ،‬قرقعة الحدي د ال دائر ف ي الحدي د ‪ ،‬وم ن جدي د زنزان ة‬ ‫جديدة ‪ ،‬اسماء جديدة محفورة على الجدران ذات اللون األخضر الفاتح ‪.‬‬ ‫يومان من الوحدة ‪ ..‬مع أصوات التعذيب ‪ ،‬الصراا المعبر عن األلم ارنساني ‪ ،‬رجال ونساء وأطف ال حت ى ! ‪..‬‬ ‫ومحاولة تجاهل كل ذلك ‪ ،‬توبيك الذات ألنها تحاول التجاهل ! ‪ ..‬التجاهل هو دعوة للبالدة و التحجر ‪.‬‬ ‫مساء يفتح السجان الباب ‪:‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪139‬‬

‫ قوم ‪ ..‬رئيس الفرع طالبك ‪.‬‬‫القي التحية على رئيس الفرع الذي سب أن قابلته منذ شهور ‪:‬‬ ‫ مساء الخير ‪.‬‬‫ أهال وسهال ‪ ،‬تفضل ‪ ..‬اجلس ‪.‬‬‫أجلس بهدوء ‪.‬‬ ‫تبدأ محاضرة فيه ا الكثي ر مم ا يق ال ف ي الرادي و و التلفزي ون ع ن ال دور التق دمي ال ذي يلعب ه الس يد القائ د رئ يس‬ ‫الجمهورية ضد الرجعية و ارستعمار ‪ ،‬وعن أفضاله على الناس وحكمته وشجاعته وبراعته ‪ ..‬و ‪ ..‬أخيرا ‪:‬‬ ‫ نحن قررنا نخلي سبيلك ‪ ،‬ألنك انسان وطني ‪ ،‬وألن خالك قدم خ دمات كبي رة لل وطن ‪ ..‬و ‪ ..‬و ‪ ...‬ب س‬‫نريد منك مسألتين روتينيتين !‪ ..‬نريد منك أن توقع عل ى تعه د بع دم العم ل ف ي السياس ية ‪ ،‬وأيض ا نري د‬ ‫منك أن تكتب برقية شكر للسيد الرئيس حفظه هللا ‪.‬‬ ‫ برقية شكر ؟!‬‫ نعم ‪ ..‬برقية تشكر فيها السيد الرئيس ‪.‬‬‫ برقية شكر ؟! ‪ ..‬ولكن على أي شيء أشكره ؟ ‪.‬‬‫نظر إلي متعجبا ‪ ،‬وباستغراب صاد قال ‪:‬‬ ‫ تشكره ألنه شملك برعايته ورحمته واخلى سبيلك ‪.‬‬‫مرة أخرى ركبني العناد البغلي الذي أصبح نهجا لي أواجههم به كلما طلبوا مني شيء ‪.‬‬ ‫بأكثر ما يمكن من اللطف ‪ ،‬قلت ‪:‬‬ ‫ أنا أسف سيادة العميد ‪ ،‬ر استطيع أن أوقع ر على التعهد السياسي ور على برقية الشكر ‪.‬‬‫ذهل العميد عندما سمع كلماتي !‪ ..‬سكت قليال وبطريقة خبير أخفى كل ذهوله واندهاشه ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ أنت تعرف أننا نكرنمك كرمى لخالك ‪ ،‬لذلك أرجوا أن تلين رأس ك قل يال ‪ ،‬يباس ة ال راس را تض رك ‪،‬‬‫وليكن بعلمك أن آرف السجناء كتبوا برقيات شكر للسيد الرئيس بال دم ‪ ،‬ول م ي تم إخ الء س بيلهم ‪ ..‬فـ ـ ‪..‬‬ ‫خليك عاقل ووقع أحسن لك ‪.‬‬ ‫فع ال كن ت أع رف أن المئ ات م ن الس جناء ك انوا يطلب ون م ن إدارات الس جون مح اقن طبي ة يس حبون ال دم م ن‬ ‫عروقهم بها ليستعملوه كحبر يكتبون به برقيات شكر أو استرحام لرئيس الجمهورية راجين اطال سراحهم م ن‬ ‫السجن ‪ ،‬وعن دما كان ت ادارات الس جون ر تعط يهم المح اقن ف إنهم ك انوا يجرح ون أص ابعهم وم ن ال دم الن ازف‬ ‫يكتبون برقيات الشكر وارسترحام ‪.‬‬ ‫لكن كنت قد قررت ‪ " :‬ر مزيد من الذل ‪ ،‬وليكن السجن أو الموت " ‪.‬‬ ‫و الحقيقة أن معاشرتي الطويلة للسجناء في الس جن الص حراوي و الس جن الجبل ي علمتن ي الكثي ر م ن األش ياء ‪،‬‬ ‫وأهم ما تعلمته منهم هو معنى وأهمية الكرامة والرجولة ‪ ،‬وهما شيئان شخصيان ر عالقة لهما بتنظيم أو نظام‪.‬‬ ‫إن التوقيع على برقية الشكر كشرط رخالء السبيل هي ارختبار النهائي لهذه األجهزة لتؤكد لهم أن ه ذا الس جين‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪141‬‬

‫قد تجرع الذل حتى النهاية وتحول إلى كائن ر يمكن أن يقف بوجههم يوما ما‪ ،‬وه و عل ى اس تعداد لتنفي ذ ك ل م ا‬ ‫يطلبونه منه‪ ،‬طالما هو على استعداد ألن يشكر كبيرهم على كل ما عاناه عل ى يدي ه وأي دي م ن ه م أص غر ش أنا‬ ‫منه ‪.‬‬ ‫رفضت بقوة ان أوقع ‪.‬‬ ‫" لن اشكر من سجنني كل هذه السنوات الطويل ة ‪ ،‬ل ن أش كر م ن س ر عم ري وش بابي ‪ ..‬ل ن أش كر م ن ض يع‬ ‫أجمل سنوات عمري ‪" ..‬‬ ‫كنت أردد هذه العبارات و الجمل بيني وبين نفسي ‪ ،‬أشحذ فيها عزيمتي وأقوي إرادتي ‪ ،‬كنت خائفا من ن��سي ‪..‬‬ ‫خائفا من ضعفي ‪ ..‬ظللت أردد هذه الكلمات القوية ألبعد عني الضعف ‪.‬‬ ‫بعد أن يئس مني رئيس الفرع أمر بإعادتي إلى الزنزانة ‪ ،‬أعادوني بخشونة ظاهرة ‪.‬‬ ‫بعد نصف ساعة من عودتي إل ى الزنزان ة دخ ل عل ي م دير الس جن ‪ ،‬وه و ش خص مس ن عل ى أب واب التقاع د ‪،‬‬ ‫طيب القلب كثيرا ‪ ،‬يحاول مساعدة السجناء خفية وقدر المتا ‪.‬‬ ‫بلهجة أبوية وبنوايا صادقة حاول اقناعي أن أوقع ‪ ،‬شر لي عواقب عدم التوقيع وأسهب في ذلك ‪ ،‬وأورد اشياء‬ ‫كثيرة ‪ ،‬منها ‪:‬‬ ‫ إن من يرفض التوقيع عادة هم القيادات و الزعماء و المعارضون بشدة للسلطة القائمة ‪ ،‬ل ذلك ف إن ع دم‬‫توقيعي سيعتبر دليال على أنني من هؤرء ‪ ،‬وينسف كل أقوالي السابقة بأنني لم أعمل في السياسة ‪..‬‬ ‫ظل يحاول خاتما حديثه بالعبارة التي قالها لي أخي ‪:‬‬ ‫ اليد التي ر تستطيع عضها ‪ ..‬بوسها ‪ ..‬وادعو عليه بالكسر‪.‬‬‫وبقيت مصرا على موقفي ‪.‬‬ ‫بعد ذهاب مدير السجن فكرت طويال ‪ ،‬ضحكت ‪ ..‬لو كنت في السجن الصحراوي رستطاعوا أن يجعلوني أوقع‬ ‫على آرف البرقيات ‪ ،‬ر بل إنهم يستطيعون أن يجعلوني أقبل حذاء أصغر شرطي !‪.‬‬ ‫الشعور بالحماية ‪.‬‬ ‫معرفتي أن أهلي عامة وخالي على وجه الخصوص يت ابعونني خط وة بخط وة ول د ل دي احساس ا ب أنني محم ي ‪،‬‬ ‫ويمكن أن يكون هو األساس الفعلي لموقفي الرافض للتوقيع !‪ ..‬ولكن ‪..‬‬ ‫أر يوجد شيء نابع من الذات ؟ ‪.‬‬

‫‪ 2‬تموز ‪.‬‬ ‫التاسعة وسبع وثالثون دقيقة صباحا‪ ،‬أقف على الرصيف المبلل بالمياه أمام الفرع بعد أن أغلقوا الباب خلفي ‪.‬‬ ‫واخيرا ‪ ..‬أنا حر ! ‪.‬‬ ‫ثالثة عشر عاما وثالثة اشهر وثالثة عشر يوما ‪ ..‬مض ت عل ى وص ول الط ائرة ‪ ،‬الت ي كن ت عل ى متنه ا ‪ ،‬إل ى‬ ‫مطار عاصمة الوطن ‪.‬‬ ‫دوار في الرأس ‪ ،‬طنين في ارذنين ‪ ،‬زوغان في العينين ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪141‬‬

‫عش رات الس يارات الص فراء تنطل أم امي مس رعة وف ي ارتج اهين ‪ ،‬مئ ات الن اس يهرول ون بس رعة ف ي كاف ة‬ ‫ارتجاهات ‪.‬‬ ‫سمعت من ينادي خلفي ‪ ،‬التفت ‪ ،‬رأيت حارس الفرع يشير لي بيده يأمرني أن أبتعد من أمام الفرع ‪ " ،‬تس اءلت‬ ‫‪ :‬هل هي آخر أوامرهم لي ؟ " ‪.‬‬ ‫ابتعدت أكثر من مئة متر ‪ ،‬وقفت على الرصيف ‪ ،‬وقف ت أم امي س يارة أج رة ص فراء ‪ ،‬س ألني الس ائ إن كن ت‬ ‫أريد الصعود ‪ ..‬صعدت ‪ ،‬انطلقت السيارة مسرعة ‪ ،‬الهواء يضرب وجهي ‪ ..‬أغمض ت عين ي ‪ ،‬س معت ص وت‬ ‫السائ ‪:‬‬ ‫ لوين رايح ‪ ..‬استاذ ؟‬‫ إلى أي مكان !‬‫سكت السائ قليال ‪ ،‬نظر إلي في المرآة متفحصا ‪ ..‬عاد للسؤال ‪:‬‬ ‫ ألي مكان ‪ ..‬تحب ترو استاذ ؟‪.‬‬‫لم أكن راغبا بالحديث مع أي كان ‪ ،‬اردت اسكاته قلت ‪:‬‬ ‫ أريد أن تأخذني مشوار ‪ ..‬دورة في كل األحياء القديمة ‪.‬‬‫************‬ ‫بعد خروجي من عند رئيس الفرع وبعد محاولة مدير السجن معي ألوقع ‪ ،‬أهملوني تماما أكثر من شهر ونصف‬ ‫‪ ،‬في اريام األولى من هذه الفترة كنت فرحا ومزهوا وراضيا عن نفس ي تمام ا ‪ ،‬لك ن م ع اس تمرار ارهم ال ب دأ‬ ‫ارحساس بالضي و الملل ينتابني ‪ ،‬يوميا كنت اسمع أصوات التعذيب و الصراا ‪ ،‬وف ي ي وم م ن األي ام س معت‬ ‫صراا ولد صغير يتعذب ‪ ،‬فكرت أن أطر الباب ألطلب منهم مقابلة رئيس الفرع !‪.‬‬ ‫حتى الكلمات التي يجب أن أقولها له كانت جاهزة ‪:‬‬ ‫ سيدي العميد ‪ ..‬لقد فكرت طويال ‪ ،‬وأنا على استعداد للتوقيع على أي ورقة تريد !‪.‬‬‫فركت جبيني وأنا أسير خطوتين إلى األمام ومثلهما إلى الخلف ‪ ،‬جلس ت ‪ ،‬وض عت رأس ي ب ين ي دي ‪ ،‬فك رت ‪،‬‬ ‫ضربت راسي بالحائط ‪ ،‬بكيت ‪ ..‬بكيت ‪ ،‬تمددت ونمت ‪.‬‬ ‫في ‪ 40‬حزيران حوالي العاشرة صباحا فتح السجان الباب وقال لي أن أجهز نفسي للزيارة ‪.‬‬ ‫أخي لوحده دون لينا ‪ ،‬يجلس إلى جانب العميد ‪ ،‬قام العميد وقال أنه سيتركنا لوحدنا لك ي نأخ ذ حريتن ا ب الكالم ‪،‬‬ ‫قال ذلك بمنتهى التهذيب و اللباقة ‪.‬‬ ‫بدأ أخي الحديث ‪ ،‬حوالي الساعة أو أقل قليال ‪ ،‬سا الكثير من األمثال ‪ ،‬وضغط علي بشدة يدعوني إلى التوقيع‬ ‫‪ ،‬تكلم ‪ ..‬وتكلم ‪ ،‬أنا مطر براسي أستمع إليه ‪ ،‬استمع إليه وأزداد ابتعادا عنه ! هل ه ذا أخ ي الكبي ر ال ذي ك ان‬ ‫يوما ما مثار وقدوة لي ؟!‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪142‬‬

‫دون أن أرفع راسي قلت له أنني لن أوقع على أي شيء ‪،‬انني اذا كنت عبئا عليه فارجو أر يكلف نفسه زي ارتي‬ ‫ثاني ة ‪ ..‬ث م ‪ ..‬ان دفعت كتل ة م ن الغض ب و الحن‬

‫إل ى حلق ي فص حت بوجه ه ‪ ..‬إن ه إذا أراد ثاني ة أن يزورن ي‬

‫ليسمعني هكذا كالم ‪ ..‬هكذا نصائح ‪ ..‬فأرجو منه بشدة أر يزورني ‪ ،‬ألنني اشعر بالقرف اتجاهه !‪.‬‬ ‫اتسعت عيناه دهشة ‪ ..‬فغر فمه ‪ ،‬سكت مطرقا ‪..‬‬ ‫أنقذ العميد الموقف بدخوله ‪ ،‬واستوعب الموقف حار ‪ ..‬التفت إلى أخي وقال بهدوء ‪:‬‬ ‫ سلم لي على خالك ‪ ..‬مو قلت لك أن رأسه يابس ‪.‬‬‫شكر أخي العميد وخرس ‪.‬‬ ‫عشرة أيام أخرى من ارهمال ‪ ،‬عشرة ايام من العذاب النفسي المضني ‪ ..‬ه ل خس رت أخ ي ؟ ‪ ..‬ه ل أن ا عب ارة‬ ‫عن مدع ف ارغ ص غير؟‪ ..‬ه ل أري د أن ال بس نفس ي ث وب المناض ل الص لب ؟‪ ..‬أل ن يك ون ه ذا الث وب فضفاض ا‬ ‫علي كثيرا ؟‪ ..‬أليس المنط الذي يتكلم فيه أخي هو السائد إن لم يكن هو الصحيح ؟‪ ..‬أتقلب على جمر ال نفس ‪،‬‬ ‫و ‪ ..‬أحتر !‪.‬‬ ‫في ‪ 9‬تموز الساعة الحادية عشر صباحا ادخلوني إلى غرفة العميد ألجده واقفا باحترام بينما أخي وشخص أخ ر‬ ‫كهل ‪ ،‬أبيض الشعر ‪ ،‬جالسان !‪ ..‬عرفت فيما بعد أن هذا الكهل هو خالي ‪.‬‬ ‫استأذن العميد بأدب جم أن يخرس من الغرفة بعد أن طلب لنا ثالثة فناجين قهوة ‪.‬‬ ‫بعد التحيات و القبالت بدأ خالي محاضرة طويلة انتهت بالتأنيب و التوبيك ‪ ،‬ثم أص در ل ي أم را حازم ا ب التوقيع‬ ‫على الورقة التي مدها لي ‪.‬‬ ‫بهدوء شديد رفضت ‪.‬‬ ‫قام عن كرسيه ألول مرة ‪ " ،‬فكرت ‪ ..‬كم يبدو كبيرا في السن !" اقت رب من ي حانق ا ‪ ،‬توق ف ‪ ،‬التف ت إل ى أخ ي‬ ‫بسرعة وسأله أن كان يستطيع التوقيع على الورقة بدر مني ‪ ،‬أوم أ أخ ي برأس ه موافق ا ‪ ..‬ث م وق ع ‪ ،‬ص ر خ الي‬ ‫على اسنانه ‪ ،‬وقال لي ‪:‬‬ ‫ يا ويلك ‪ ..‬إذا حكيت أي كلمة !‪.‬‬‫حضر العميد‪ .‬ناوله خالي الورقة‪ .‬رن العميد الجرس بعد أن وضع الورقة في درس المكتب‪ .‬أم رهم أن يعي دوني‬ ‫إلى الزنزانة‪ .‬بعد يومين وفي الساعة التاسعة وس بع وثالث ين دقيق ة كن ت أق ف عل ى الرص يف المبل ل أم ام مبن ى‬ ‫الفرع‪ ..‬حرا!‬ ‫************‬ ‫دارت بي السيارة زهاء ساعة‪ ،‬تجاهل ت الس ائ تمام ا‪ ،‬كن ت ف ي حال ة انع دام تفكي ر‪ ،‬ص حوت بع دها ‪ ..‬وس ألت‬ ‫نفسي ‪ :‬إلى أين ‪ ..‬إلى أين ؟‪.‬‬ ‫شعرت برغبة جارحة للنوم ! ‪ ..‬أريد أن أنام ‪ ،‬أريد أن أنام !‪.‬‬ ‫أعطيت السائ عنوان بيتنا‪ .‬نزلت من السيارة بعد أن أعطيته نصف ما أملك من النقود‪ .‬مشيت عل ى الرص يف‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪143‬‬

‫كنت أنظر إلى الرصيف وأخشى في كل لحظة أن ينخسف و أغوص في حفرة ر نهاية لها ‪.‬‬ ‫صعدت الدرس‪ ،‬ضغطت الجرس ‪ ..‬من سيفتح الباب ؟‪ ..‬أمي‪ ،‬أبي ؟ ‪.‬‬ ‫لم يفتح لي أحد ! أين أبي؟ ‪ ..‬أين أمي؟‪..‬‬ ‫جلست على الدرس‪ ،‬بقيت جالسا ثالث ساعات تقريبا‪ ،‬مرت بي العديدات من جاراتنا ص عودا أو ن زور‪ ،‬ينظ رن‬ ‫إلي باستغراب وتوجس‪ ،‬لم أعرف أية واحدة منهن‪ .‬حضر شاب أني يلبس نظارات طبية‪ ،‬نظ ر إل ي باس تغراب‬ ‫ثم تجاوزني‪ ،‬فتح باب بيتنا ‪ ..‬ودخل !‪.‬‬ ‫وقفت ‪ ..‬ناديت عليه‪ ،‬التفت إلي دون أن يستدير ناظرا بطرف عينه‪.‬‬ ‫ نعم ‪ ..‬شو بتريد؟‬‫ من أنت ‪ ..‬لوين داخل؟‪.‬‬‫************‬ ‫تعارفنا‪ .‬انه زوس لينا ابنة أخي‪ .‬رحب بي ترحيب ا ش ديدا‪ ،‬ق ال إن ه س يجهز الحم ام بس رعة‪ ،‬وإن ه يج ب أن أغي ر‬ ‫ثيابي‪ .‬سألني إن كنت جائعا‪ ،‬طلبت منه فنجان قهوة بال سكر‪ .‬يدور سؤال في حلق ي‪ ..‬أخش ى كثي را أن أطرح ه‪.‬‬ ‫أنهيت شرب القهوة‪ ..‬اعتدلت في جلستي‪ ،‬وسألته ‪:‬‬ ‫ـ أين أبي و أمي؟‬ ‫فوجئ‪ ...‬نظر إلي بدهشة ممزوجة بالشفقة‪ ،‬بدأ يتمتم‪:‬‬ ‫ ر أعرف‪ ..‬أنا ولينا‪ ،‬وقت معرفتي بلينا ‪ ..‬لم يكونا موجودين‪ .‬رحمهم ا هللا ‪ ..‬م ا تعرف ت ر عل ى الوال د‬‫ور على الوالدة ‪ ..‬و ‪ ..‬و‪..‬‬ ‫ما كنت أخشاه‪ ..‬حاصل‪ .‬آه يا أمي ويا أبي‪ ،‬هل قلتما أو قال أحدكما إنه يتمن ى أن يران ي قب ل أن يم وت؟ ‪ ..‬ه ل‬ ‫تسبب سجني وغيابي بتعجيل موتكما؟‪ ..‬أدفع نصف حياتي مقابل أن أضع رأسي لم دة خم س دق ائ عل ى ص در‬ ‫أمي‪.‬‬ ‫أنور زوس لينا يقف أمامي مرتبكا‪ ،‬يراقبني‪ ،‬سألته إن كان يعرف مكان الدفن‪ ،‬أومأ برأسه أن نعم‪.‬‬ ‫كتب ورقة وضعها على الطاولة‪ .‬انطلقنا نحو المقبرة‪ ،‬وصلنا‪ ،‬اسم أبي وأمي واضحان على الحجر‪ ،‬رس م أن ور‬ ‫إشارة الصليب على صدره‪...‬‬ ‫وقفت قل يال أتمع ن الكتاب ة ور أفه م ش يئا‪ ،‬احتض نت الحج ارة الب اردة وأرح ت رأس ي عليه ا‪ ،‬أغمض ت عين ي‪...‬‬ ‫شعرت براحة كبيرة‪ ...‬أوشكت أن أنام‪ ،‬تذكرت أنور فوقفت‪ .‬في داخلي شعور بأن علي واجب ا م ا اتج اه الم وت‬ ‫يجب القيام به‪ ،‬اتجهت نحو القبلة‪ ...‬القبر بيني وبين مكة‪ ،‬فتحت كفي باتجاه السماء وق رأت الفاتح ة‪ ،‬ث م وبش كل‬ ‫آلي‪ ...‬صليت صالة الجنازة!‪.‬‬

‫‪ 1‬تشرين أول‬ ‫بعد أسبوع من خروجي من السجن دعاني أخي أبو لينا إلى عشاء في مطعم خارس المدينة ‪ ،‬كان المطع م جم يال‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪144‬‬

‫وهادئا ر يسمع فيه إر صوت الموسيقى الناعمة وصوت خرير النهر المنحدر من الهضاب الغربية ‪.‬‬ ‫على العشاء حدثني عن أمي و أبي و قال إ ن ابي قد رتب قبل وفاته وضعي المالي بحيث يكون بيت العائلة الذي‬ ‫تسكن فيه حاليا لينا مع زوجها ملكا لي ‪ ،‬وأنشأ باسمي شراكة بعم ل تج اري م ع أح د األق ارب وأن األرب ا م ن‬ ‫يومها تحفظ لي مما شكل ثروة صغيرة ‪ ،‬وقال ‪:‬‬ ‫ من هذه الناحية ر تحمل هم ‪ ،‬وضعك المادي مرتب و الحمد هلل ‪.‬‬‫بعدها سألني إن كنت اريد السكن لوحدي بحيث تخرس لينا وزوجها من بيتي ‪ ،‬فرفضت رفضا قاطعا ‪ ،‬أحسس ت‬ ‫أن لهجة الرفض الحازمة قد أشعرت أخي باررتيا ‪.‬‬ ‫مع إنتهاء كأس العر الثانية اصبح الجو أكثر استرخاء وحميمية ‪ ،‬استرجعنا بعض ال ذكريات العائلي ة ‪ ..‬وفج أة‬ ‫اعتدل في جلسته وتطر إلى الموضوع الذي كنت أخشى أن يفتحه أو يلمح إليه ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ را كون صريح معك ‪ ..‬حول الكالم الذي قلته لي بالفرع أثناء الزيارة ‪ ،‬يا أخي ‪ ..‬في البداية أحسس ت‬‫بجر عمي ‪ ،‬لكن بعد عدة ساعات أحسست بالفر ‪ ،‬بالفخر ‪ ،‬ألنك رجل ‪ ..‬وبطل ‪..‬‬ ‫رفعت يدي واسكته ‪.‬‬ ‫خالل هذه الشهور الثالثة كان أكثر ما يضايقني هو معاملة األخري�� لي بصفتي بطال !!‪.‬‬ ‫" الف ائض الرئيس ي ف ي الس جن ه و الوق ت ‪ ،‬ه ذا الف ائض يت يح للس جين أن يغ وص ف ي ش يئين ‪ ،‬الماض ي ‪..‬‬ ‫والمستقبل ‪ ،‬وقد يكون السبب في ذلك هو محاورت السجين الحثيثة للهرب من الحاضر و نسيانه نسيانا تاما ‪.‬‬ ‫والغوص في هذين الشيئين قد يحورن ارنسان إما إلى ‪ .....‬إنسان حكيم هاد ‪ ،‬أو إلى ش خص نرجس ي عاش‬ ‫لذاته ومنكفئ ر يتعاطى مع اآلخرين إر في الحدود الدنيا ‪ ،‬أو إلى ‪ .....‬مجنون !‪.‬‬ ‫منذ أن وعيت هذه المعادلة حاولت جاهدأ أن أتحول إلى ذلك ارنسان الهاد ‪ ،‬ور أدري إلى أية درجة نجحت ‪.‬‬ ‫من هنا رفضت أن أتاجر بس جني ‪ ،‬رفض ت أن أك ون بط ال عن دما أراد اآلخ رون عن د خروج ي م ن الس جن أن‬ ‫يعتبروني ويعاملوني كبطل ‪ ،‬أنا أعرف امكانياتي جيدا ‪ ..‬ببساطة ‪ ...‬أنا إنسان ‪.‬‬ ‫أنا خواف ورعديد وجبان ‪ ..‬إلى درجة أنني قد أتبول في ثيابي من الخوف ‪.‬‬ ‫أنا شجاع وصلب وعنيد ‪ ..‬إلى درجة أنني أصمد أمام اقسى اساليب التعذيب ‪.‬‬ ‫لكن ‪ ..‬وبك ل األح وال لس ت بط ال ‪ ،‬فس لوكي ه ذا الطري ل م يك ن بخي اري ‪ ،‬و البط ل ر يمك ن أن يك ون بط ال‬ ‫لسلوكه طريقا باركراه ‪.‬‬ ‫بذلت جهودا مضنية مع لينا وزوجها ‪ ،‬حتى استطعت أن أقنع لينا أنني لست أسطورة ‪ ،‬وبالتالي أن تتعامل مع ي‬ ‫بمنتهى البساطة ‪ ،‬وأن أقنع أنور أن ر حاجة لكل هذا التهي ب و ارج الل ف ي التعام ل مع ي ‪ ،‬ر حاج ة ألن يق ف‬ ‫احتراما كلما دخلت أو خرجت من الغرفة ‪ " ،‬عمري يزيد عمر أنور بحوالي العشر سنوات " ‪.‬‬ ‫************‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪145‬‬

‫منذ الساعة التاسعة وسبع وثالثين دقيقة من الثالث من تموز رحظت شيئا لم أعهده في المدينة سابقا ‪.‬‬ ‫الغبار ‪ ..‬الغبار يغطي ك ل ش يء ف ي المدين ة ‪ ،‬الطرق ات ‪ ،‬الش وارع ‪ ،‬الج دران ‪ ،‬كله ا مغط اة بطبق ة رقيق ة م ن‬ ‫الغبار األصفر الناعم ‪ ،‬أورا ارشجار الخضراء ‪ ..‬التي كنت أعرفه ا س ابقا زاهي ة رمع ة بخض رتها ‪ ..‬مغط اة‬ ‫بهذه الطبقة الرقيقة من الغبار ‪.‬‬ ‫حتى وج وه الن اس الس ائرين ف ي الش وارع و المتس كعين ف ي الس احات و عل ى اررص فة ‪ ..‬مغط اة به ذه الطبق ة‬ ‫الغبارية الصفراء ‪.‬‬ ‫يغسلون وجوههم ‪ ،‬يجففونها ‪ ،‬لكن الغبار ر يزول ‪ ،‬يب دو ملتص قا ب الوجوه أو أن ه م ن تكوينه ا ! ‪ ..‬ويب دو ه ذا‬ ‫الغبار واضحا عند اربتسام ‪ ،‬فاربتسامات على ندرتها – هذه الندرة التي تقترب من العدم حتى أنني ش ككت أن‬ ‫الناس في م دينتي ق د نس وا فع ل اربتس ام – تتراف م ع ه ذا الغب ار‪ ،‬ف إذا ح اول ش خص م ا اربتس ام ‪ ،‬تب دو ه ذه‬ ‫اربتسامة ش ائهه ‪ ..‬ويب دو ه ذا الش خص وكأن ه ق د كب ر ف ي الس ن عش رات الس نين ‪ ،‬وأه م ع رض م ن أع راض‬ ‫اربتسام هو ظه ور طبق ة الغب ار الملتص‬

‫بالوج ه ظه ورا واض حا ‪ ..‬حينه ا تظه ر حبيب ات الغب ار ه ذه مجس مة‬

‫واضحة ‪.‬‬ ‫خشيت أن أسأل أحدا عن أمر الغبار هذا ‪.‬‬ ‫************‬ ‫بعد خمسة عشر يوما من خروجي فكرت بالقيام بواجبي األول ‪ ،‬زيارة أهل نسيم ‪ ،‬ومحاولة تطمينهم عنه ‪.‬‬ ‫ضجة خروجي من السجن خفت قليال ‪ ،‬انخفض معدل الزوار كثي را ‪ ،‬ال زوار م ن األه ل و األق ارب ‪ ،‬ي أتون ‪..‬‬ ‫يتلفظون بعبارات التهنئة التقليدية ‪ ،‬الكثير من عبارات التبجيل ‪ ،‬وأكثر من كل شيء ‪ ..‬النصائح ‪:‬‬ ‫ الحمد هلل على سالمتك ‪.‬‬‫ نحن نفتخر بك ‪.‬‬‫ ر تنظر إلى الخلف ‪ ..‬المستقبل ر زال أمامك ‪.‬‬‫ أصلحك هللا ‪ ..‬ضروري تعمل بالسياسية ؟‪ ..‬يا أخي العين ر تقاوم المخرز !‪.‬‬‫اسمع أنا كل هذا وأرسم ابتسامة بلهاء على وجهي ‪.‬‬ ‫صديقان أو ثالثة من أيام الصبا و الشباب ‪ ،‬أرسلوا لي خبرا في منتهى السرية و الخفاء ‪:‬‬ ‫ نحن نود زيارتك ‪ ..‬لكننا نخاف نتائج هذه الزيارة ‪ ،‬فعذرا !‪.‬‬‫واحترمت جبنهم كثيرا‪.‬‬ ‫أخبرت لينا وأن ور ع ن س فري إل ى مدين ة نس يم الس احلية‪ ،‬رت ب أن ور جمي ع ارج راءات ورافقن ي حت ى انط ال‬ ‫البولم ان باتج اه الش مال‪ .‬ألول م رة من ذ س نوات طويل ة أح س أنن ي انس ان ‪ ،‬ج اري ف ي المقع د ومراف‬

‫الب اص‬

‫يعامالني كإنسان‪ ،‬عندما يخاطباني يخاطباني بلقب استاذ!‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪146‬‬

‫أرجعت المقعد إلى الخلف‪ ،‬أغمضت عيوني‪ ،‬صددت كل محاورت جاري بفتح حديث معي‪ ،‬استرجعت ذكريات‬ ‫نسيم ‪ ..‬يا هل ترى ماذا يفعل اآلن؟‪..‬‬ ‫ف ي ك ل مك ان م ن ه ذا الع الم يمك ن أن تنش أ عالق ات حميمي ة ب ين شخص ين ‪ ،‬لك ن أن تنش أ عالق ة حميمي ة ب ين‬ ‫شخصين في السجن‪ ،‬حتما سيكون لها معنى آخر‪ ،‬مذا آخر ‪ ..‬نكهة أخرى‪.‬‬ ‫أيام كثيرة ‪ ،‬وليال طويلة ‪ ..‬طويلة نقضيها في الحديث ‪ ،‬أعرف كل شيء عن عائلة نسيم ‪ ،‬األب ‪ ،‬األم ‪ ،‬األخوة‬ ‫‪ ،‬األخوات ‪ ..‬عاداتهم ‪ ،‬تقاليدهم ‪ ،‬تفاصيل عائلية دقيقة ر يمكن الحديث عنها إر ‪ ..‬بين سجينين !‬ ‫بعد فترة من هذه األحاديث يصبح لكل من طرفي العالقة السجنية هذه حياتان عائليت ان ‪ ،‬الحي اة الت ي عش تها ف ي‬ ‫عائلتي الحقيقية ‪ ،‬والحياة التي عشتها متقمصا ‪ ،‬حالما ‪ ،‬في عائلة نسيم ! ‪.‬‬ ‫استرجع التفاصيل الطازجة بينما الباص يجتاز مسرعا مناظر آخاذة وساحرة من الخضرة و المياه ‪.‬‬ ‫الما ئة كيلو متر األخيرة اسرني فيها جمال الطبيعة إلى درجة أنني لم استطع أن أفك ر إر بم ا أرى ‪ ،‬إل ى اليس ار‬ ‫البحر الرائ بزرقته المتدرجة ‪ ،‬والى اليمين الجبال الشاهقة الخضراء ‪.‬‬ ‫يتلوى الطري ‪ ،‬يقترب من البحر حتى يدانيه ‪ ،‬أرقب تكسر المويجات الص غيرة عل ى الش اطئ ‪ ،‬أرى الس ابحين‬ ‫و السابحات يحتضنون البحر و يحتضنهم ‪ ،‬ويبتعد إلى درجة يغيب فيها البحر عن أعيننا فأنظر يمينا إلى بساتين‬ ‫البرتقال و الليمون و الزيتون ‪ ..‬هذا ارخضرار الندي ‪.‬‬ ‫ويصل الباص إلى المدينة ‪ ،‬مدينة نظيفة ‪ ،‬أنزل واستقل تكسيا ‪ ،‬أعطيه العنوان الذي أعرف ه كم ا أع رف عن وان‬ ‫بيت أهلي ‪ ،‬أصل ‪ ،‬أنزل ‪ ،‬ودون عناء أقف أمام بيت أهل نسيم واضغط الجرس ‪.‬‬ ‫بين رنين الجرس وخروجي من البيت مطرودا مهانا حوالي الثالث ساعات ‪.‬‬ ‫فتح الباب ووقفت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها ‪ ،‬قلت ‪:‬‬ ‫ مرحبا عمو ‪ ،‬هذا بيت أهل الدكتور نسيم ؟‬‫لم تجب ‪ ،‬ركضت إلى الداخل ‪ ،‬سمعتها تقول ‪:‬‬ ‫ ماما ‪ ..‬ماما ‪ ،‬في واحد عم يسأل عن الدكتور نسيم ‪.‬‬‫ثوان قليلة خرجت بعدها أخت نسيم في ثيابها المنزلية وق د وض عت بس رعة غط اء عل ى رأس ها ‪ ،‬عيونه ا مثقل ة‬ ‫بنظرات الدهشة و ارستفسار ‪ ،‬وقد عرفتها فورا ‪ ،‬ابتسمت وقلت لها ‪:‬‬ ‫ مرحبا ‪ ..‬أكيد أنت سميرة ؟‬‫جمدت في مكانها مواجهتي قليال مرتبكة وقد سمرت عينيها علي ‪ ..‬سحبت نفسا عميقا وقالت ‪:‬‬ ‫ نعم يا أخي ‪ ..‬نعم ! أنا سميرة ‪ ،‬بس حضرتك مين ؟ ‪ ..‬كيف بتعرفني ؟‪.‬‬‫ أنا صدي نسيم ‪ ،‬وجئت أزور أهله واطمنهم عليه ‪.‬‬‫ أهال وسهال ‪ ..‬يا أهال وسهال ‪ ..‬صحيح ؟ ‪ ..‬يعني نسيم حي ؟ ‪ ..‬نسيم عايش ؟‪..‬‬‫مع العشرات من التساؤرت و الترحيبات ووسط دموع غزي رة ‪ ..‬أخ ذت س ميرة ت دور ح ول نفس ها ‪ ..‬ر تع رف‬ ‫ماذا تفعل ‪ ،‬طفلتها إلى جانبها ‪ ،‬تسألني عدة أسئلة دون أن تنتظر جوابا ‪ ،‬ثم تتبعه ا ‪ ..‬ي ا أه ال وس هال ‪ ،‬مس حت‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪147‬‬

‫دموعها عدت مرات بغطاء الراس ‪ ،‬وأخيرا انتبهت ‪ ،‬قالت ‪:‬‬ ‫ عفوا ‪ ..‬عفوا ‪ ،‬تفضل ‪ ..‬تفضل ‪.‬‬‫أدخلتني إلى غرفة الضيوف ‪ ،‬جلست ‪ ،‬ذهبت هي قليال ثم عادت ‪ ،‬قالت ‪:‬‬ ‫ اتصلت مع زوجي ‪ ..‬زوجي في الجمارك ‪ ،‬لم أجده ‪ ،‬تركت له خبرا ‪.‬‬‫سكتت قليال ‪ ..‬ثم وبحرقة ‪:‬‬ ‫ من شان هللا يا أخي ‪ ..‬طمني عن نسيم ‪ ،‬أكيد نسيم عايش ؟ ‪ ..‬و وينو ؟‬‫شرحت له ا ‪ ..‬تكلم ت وتكلم ت ‪ ،‬روي ت له ا العدي د م ن قصص هم وحكاي اهم العائلي ة و الت ي ر يعرفه ا إر أف راد‬ ‫العائلة ‪ ،‬فصدقتني ‪ ،‬سألتها عن والد ووالدة نسيم ‪ ..‬عندها ازداد بكاؤه ا وتح ول إل ى نش يج ‪ ،‬وفهم ت م ن خ الل‬ ‫الدموع و النحيب ‪ ،‬أنهما قد توفيا ‪ ،‬توفيا بحسرة الولدين ‪.‬‬ ‫األول وهو المنخ رط بص فوف المعارض ة ارس المية انقطع ت أخب اره نهائي ا وتض اربت اآلراء ب ين أن ه قت ل ف ي‬ ‫إحدى العمليات وبين أنه معتقل‪ ،‬أما نسيم فقد انتظرت العائلة في اليوم المحدد لعودته متهيئة لالحتفال بهذه العودة‬ ‫رغم غصة الولد األول‪.‬‬ ‫لكن العائد لم يعد‪ ،‬وطال ارنتظار‪ ،‬بدأ األب رحلة ماراثونية عبثية بين إدارة المط ار وش ركة الطي ران والس فارة‬ ‫الفرنسية‪.‬‬ ‫القنصل الفرنسي أكد بعد شهر من ارنتظار على أن نسيم قد غادر األراضي الفرنس ية متوجه ا إل ى ب الده ‪ ،‬لك ن‬ ‫شركة الطيران الوطنية وادارة المطار لم يقدما إر إجابات غامضة ر تنفي ور تؤكد ‪.‬‬ ‫ست سنوات بقي األب مواظبا على السفر إلى العاصمة ‪ ،‬في كل مرة يبقى ثالثة أو أربعة أيام يتنقل خالله ا ب ين‬ ‫السفارة الفرنسية و الشركة الوطنية للطيران و المطار الدولي ‪ ،‬لكن دون فائدة ‪.‬‬ ‫عرفه موظفوا القنص لية الفرنس ية ‪ ،‬وك ان الج واب واح دا ف ي ك ل م رة ‪ .‬الش ركة الوطني ة للطي ران ك ان جوابه ا‬ ‫واحدا في كل مرة ‪ :‬رفضت رفضا قاطعا إطالعه على قائمة المسافرين في الرحل ة الت ي ك ان م ن المفت رض أن‬ ‫يكون نسيم ضمنها ‪ .‬إدارة األمن في المطار الدولي ردوه عدة م رات ردا لطيف ا ‪ ،‬ث م أخ ذوا يعاملون ه بخش ونة ‪،‬‬ ‫بعدها هددوه بارعتقال ‪ ،‬وفي رحلة آب من السنة السادسة صفعه أحد عناصر األم ن ف ي المط ار ص فعتين عل ى‬ ‫وجهه ‪.‬‬ ‫خرس األب وهو يبكي ألول مرة في حياته ‪ ،‬قالت سميرة ‪:‬‬ ‫ و هللا يا استاذ ‪ ..‬لم نشاهده أبدا وهو يبكي ‪ ،‬حتى أمي قالت بعد أن رووا لها الحادثة أنها لم تشاهده يبكي‬‫أو يضعف ور مرة في حياتهما المشتركة الطويلة ‪.‬‬ ‫اصيب األب بجلطة دماغية لم تقض عليه ولكنها ألصقته بفراشه مدة أربع سنوات مشلور عاجزا ع ن الحرك ة و‬ ‫الكالم ‪.‬‬ ‫نسيت األم كل شيء ‪ ،‬حتى أوردها ‪ ،‬كرست نفسها لخدمة الرجل الذي رافقته ه ذه الحي اة ‪ ،‬كان ت ر تخ رس م ن‬ ‫غرفته إر لقضاء حاجة أو لشأن خاص به ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪148‬‬

‫دام هذا الحال أربع سنوات توفي األب بعدها ‪ ،‬وبعد شهرين لحقته األم ‪.‬‬ ‫البنات تزوجن ‪ ،‬سميرة وزوجها الكمركجي يسكنان بيت العائلة ‪.‬‬ ‫أعطيتها رقم هاتفي ‪ ،‬سجلت رقم هاتفها ‪.‬‬ ‫ران صمت استمر أكثر من دقيقة ‪ ،‬شعرت بعطش فطلبت من الطفلة أن تأتيني بكأس م اء ‪ ،‬مق ررا الرحي ل بع د‬ ‫شرب الماء ‪ ،‬فيما أنا أشرب فتح باب البيت وسمعت خطوات الرجل ‪ ،‬هبت سميرة واقفة وخرجت مسرعة ‪.‬‬ ‫سمعت همسا في البداية ‪ ،‬ثم صوت نقاش حاد ‪ ،‬صوت الرجل الذي م ا ينف ك يرتف ع بينم ا س ميرة تح اول جاه دة‬ ‫خفض صوت��ا والطلب إليه أن يخفض صوته ‪ ،‬رغم ذلك سمعت أغلب ما دار بينهما ‪ ..‬بصوت خشن ‪:‬‬ ‫ ولك ‪ ..‬كيف تدخليه على بيتي و أنا غايب ‪ ،‬أنا ناقصني مجرمين وخريجين سجون ! ‪.‬‬‫ يا ابن عمي ‪ ..‬يا ابن عمي ‪ ،‬هللا يخليك ويطول عمرك ‪ ..‬هذا ما نو مجرم ‪ ،‬هذا من عند نسيم ‪ ،‬ص دي‬‫نسيم ‪ ،‬هو فاعل خير ‪ ..‬هللا يخليك طول بالك ‪.‬‬ ‫ودخل زوس سميرة بلباس الجمارك ‪ ،‬طويل القامة ‪ ،‬اشقر ‪ ،‬مكفهر المالمح ‪ ،‬وببرود وجفاء شديدين قال ‪:‬‬ ‫ مرحبا‪.‬‬‫هببت واقفا وأنا أقول ‪:‬‬ ‫ أهال وسهال ‪.‬‬‫بإشارة من يده طلب مني الجلوس بينما بقي هو واقفا ‪ ،‬بادرني بأول سؤال ‪:‬‬ ‫ كيف تسمح لنفسك أن تدخل إلى بيت رجل في غيابه ؟‬‫ل م يتنظ ر الج واب ‪ ،‬تب ع ه ذا الس ؤال س يل م ن األس ئلة الت ي ل م يك ن يري د له ا جواب ا ‪ ،‬وأنق ذت س ميرة الموق ف‬ ‫بدخولها الغرفة ‪ ،‬تحول إليها آمرا إياها بالخروس ‪ ،‬أبت الخروس ممسكة يده ‪ ..‬ومتضرعة ‪:‬‬ ‫ من شان هللا ‪ ..‬ابوس ايدك ‪ ..‬ابوس رجلك ‪ ،‬هذا صدي نسيم ونواياه كلها خير ‪..‬‬‫سحب يده بعنف وهو يصرا ‪:‬‬ ‫ خي ر ! ‪ ..‬ع م تق ولي خي ر !‪ ..‬بتعرف ي ل و عرفـــ ـ "وا " ‪ ..‬ان ه هي ك ن اس ع م يزورون ي ‪ ..‬وقته ا را‬‫ينخرب بيتي ‪ ..‬وبرو لعند أخوك الدكتور !‪ ..‬وإر هذا المجرم الثاني ‪ ..‬قولي ل ي ‪ ..‬عن دها ش و بص ير‬ ‫فيكي ‪ ..‬و باألورد ؟‪ ..‬أه احكي ‪.‬‬ ‫ثم التفت إلي ‪ ..‬وبصوت أهدأ قليال ‪:‬‬ ‫ شوف ‪ ..‬أنا رزم خبر األمن ‪ ،‬بس من شان خ اطر نس يم ‪ ..‬را خلي ك ت رو ‪ ..‬ب س وين ك !‪ ..‬ت رى ر‬‫شفتني ور شفتك ‪ ..‬ويا ويلك إذا هوبت صوب بيتنا مرة ثانية ‪ ..‬فهمان هــ الحكي ؟‪.‬‬ ‫خرجت ر ألوي على شيء ‪ ،‬اتصبب عرقا وأصواته تالحقني ‪.‬‬ ‫رميت نفسي في أول سيارة رأيتها وقلت للسائ أن يأخذني إلى البحر ‪ ،‬لكن السائ توقف وقال ‪:‬‬ ‫ لكن ‪ ..‬هذا هو البحر ‪ ..‬قدامك يا استاذ !‪.‬‬‫‪ -‬خذني إلى بحر غير هذا البحر ‪ ..‬يعني خارس المدينة ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪149‬‬

‫في مطعم بحري ر أذكر منه شيئا ‪ ،‬جلست و أكلت ‪ ،‬ر أعرف ماذا وكيف أكلت ‪،‬ر أعرف كم بقيت جالسا ‪.‬‬ ‫في الي وم الث اني اس تيقظت م ن ن ومي عن د ع ودة لين ا بع د الظه ر ‪ ،‬م ع القه وة أخبرتن ي أن أم راة اس مها س ميرة‬ ‫اتصلت هاتفيا وسألت عني وأنها تعتذر بشدة عما حدث ‪.‬‬ ‫استرجعت أحداث اليوم الساب محاور أن استوعب ما حدث ‪.‬‬ ‫حاولت أن أنسى ‪.‬‬

‫‪ 22‬تشرين الثاني ‪.‬‬ ‫اتركوني بسالم فأنا ر أريد منكم شيئا ‪.‬‬ ‫استيقظ صباحا دون موعد محدد ‪ ،‬يكون البيت فارغا ‪ ،‬أنور ولينا في عملهم ا ‪ ،‬البن ت الص غيرة ف ي الحض انة ‪،‬‬ ‫أبقى قليال في السرير ثم أنهض ‪ ،‬أرتدي ثيابي كلها " منذ أن خرجت من السجن و أنا أنام عاريا " ‪ ،‬أتوج ه إل ى‬ ‫باب الغرفة المقفل ‪ ،‬افتحه ‪ ،‬أضع " ركوة " قهوة ثقيلة على الغاز وأذهب إلى المغسلة ‪.‬‬ ‫ساعة أو ساعتين وأحيانا أكثر أجلس على " الكنبة " اشرب القهوة بال سكر وأدخن ‪ ،‬أدخل إلى المرح اض " أن ا‬ ‫حريص جدا أن اقضي حاجتي اثناء غياب لينا عن البيت ‪ ،‬وأعتق د أن المس ألة هن ا معق دة قل يال ‪ ،‬فب نفس الدرج ة‬ ‫التي تضايقني عملية اعتباري اسطورة من قبل لينا ‪ ،‬إر أنها ترضي بعض العوالم الجواني ة ف ي نفس ي ‪ ،‬أي بم ا‬ ‫انني بطل واسطورة كبيرة في نظرها ف إنني – م ع ض يقي م ن ذل ك – أح اول ب اكثر م ن وس يلة أن أوك د ذل ك ‪،‬‬ ‫ومنها عدم دخولي المرحاض في حضورها ‪ ،‬فارسطورة التي في ذهنها أو البط ل ذاك ‪ ،‬يج ب أن يك ون منزه ا‬ ‫عن كل ما هو كريه ‪ ،‬وهو أرفع من هذه الحاجات ارنسانية الوضيعة ‪ ..‬لذلك ومنذ أن عشت معها في بيت واحد‬ ‫‪ ،‬لم ترني قط أدخل المرحاض ‪. " ....‬‬ ‫أرتدي مالبسي ‪ ،‬أخرس ‪ ،‬أسير على غير هدى ‪ ،‬ر أحد يعرفني ‪ ،‬ر أعرف أحدا ‪ ،‬أسير ‪ ....‬و أس ير ‪ ،‬ر أفك ر‬ ‫بشيء محدد ‪ ،‬قد اشتري قطعة شوكورته فاخرة ‪ ،‬انا أحب الشوكورته ولدي الكثير من النقود ‪ ،‬آكلها ‪ ..‬أدخن و‬ ‫أنا أمشي ‪ ،‬في الكثير من الحارت أجلس في حديقة صغيرة قريبة من بيتنا ‪.‬‬ ‫أشتري بعض الحاجات التي أشعر أنها قد توفر بعض المال على لينا و زوجه ا ‪ ،‬فوض عي الم ادي أفض ل منهم ا‬ ‫بكثير ‪ ،‬أنا مليونير تقريبا ‪.‬‬ ‫************‬ ‫مسألتان أرعبتاني ‪.‬‬ ‫اتركوني بسالم فأنا ر أريد منكم شيئا ‪.‬‬ ‫منذ فترة حضر خالي الوزير – وهو يتردد لعندنا بشكل دوري – وبعد الكثير من األحاديث المعتادة ‪ ،‬التفت إلي‬ ‫فجأة وقال ‪:‬‬ ‫ أما آن األوان ‪ ..‬تفكر بمستقبلك ؟‪.‬‬‫وجمدت !!‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪151‬‬

‫المستقبل ؟!‪ ..‬وهل رنسان في مثل سني ووضعي مستقبل ؟!‪.‬‬ ‫خالي مثل أغلب رفاقه‪ ،‬آراؤه قاطعة حاسمة ور تقبل النقاش‪ ،‬يتكلم دائما بلهجة العارف بكل ش يء‪ ،‬ويتخ ذ هيئ ة‬ ‫من يمتلك الحقيقة دائما ‪ ..‬ولوحده!‪.‬‬ ‫لذلك قال كالمه هذا بلهجة اآلمر‪ ،‬وتطر إلى المسألتين المرعبتين بالنسبة لي ‪ :‬العمل ‪ ..‬و الزواس !‪.‬‬ ‫أيد جميع الحاضرين الفكرة‪ ،‬انتفخت أوداس خالي ‪ ،‬ابتسم ‪ ،‬التفت إلى بعض نساء العائلة وقال ‪:‬‬ ‫ أمر العمل ‪ ،‬اتركوه لي ‪ ..‬أما الزواس فهو مهمة هــ الصبايا ‪ ،‬ي ا هللا ‪ ....‬ش وفوني ش طارتكن ‪ ....‬ونق وا‬‫شي عروس تكون حلوة ومناسبة لهذا العريس المليونير ‪.‬‬ ‫ارتفعت صيحات النساء وزقزقاتهن وفورا بدأن أحاديث جانبية عن مواصفات العروس المطلوبة ‪.‬‬ ‫ذهب خالي وانهمك الجميع في ترتبات الخطبة و الزواس ‪ ،‬وانا صامت ! لم يسالني أحد رأيي ‪ ،‬وبقي ت ص امتا ‪.‬‬ ‫هاتان المسألتان أتعبتاني لفترة طويلة ‪.‬‬ ‫بعد مضي ح والي ارس بوعين طلبن ي عل ى اله اتف موظ ف كبي ر ف ي ارذاع ة و التلفزي ون ‪ ،‬عرفن ي عل ى نفس ه‬ ‫وطلب مني الحضور إلى مكتبه لمناقشة سيناريو مسلسل تلفزيوني وقال ‪:‬‬ ‫ إذا عجبك السيناريو‪ ،‬فورا نوقع العقد لتخرجه‪ ،‬ور تسأل عن ارمكانيات المادية فهي متوفرة و الحمد هلل‬‫‪.‬‬ ‫احتجت إلى الكثير من اللباقة لكي أعتذر بلطف ‪ ،‬لكنه واصل ‪:‬‬ ‫ يا أخي ر ترفض ‪ ،‬تفضل لعندي إلى المكتب و أنا واث أنك ستقتنع ‪ ،‬يعن ي‪..‬ر تواخ ذني‪..‬أن ت ص حيح‬‫مخرس لكنك اسم غير معروف‪ ،‬وأنا رعتبارات أظنك تعرفها‪ ،‬أقدم لك فرصة العمر على طب من ذهب‬ ‫‪.‬‬ ‫ورفضت ‪.‬‬ ‫نتيجة الرفض كانت توبيخا شديدا من خالي عند المساء ‪ ،‬وأمرني أن أواف على العرض ‪ ،‬لكن ي رفض ت ‪ ،‬ق ال‬ ‫بغضب ‪:‬‬ ‫ انت واحد حمار ‪.‬‬‫بقيت مسألة ال زواس‪ ،‬ر يم ر ي وم دون أن تتص ل أو تحض ر إح دى نس اء العائل ة ‪ ،‬أغل بهن يب دأن الح ديث بجمل ة‬ ‫واحدة ‪:‬‬ ‫ أما شو لقيت لك عروس ‪ ..‬لقطة ‪ ..‬لقطة ‪ ،‬واذا مشي الحال ‪ ..‬را يكون بيتك بالجنة ‪.‬‬‫وتبدأ عرض مزايا هذه العروس التي قد تكون قريبتها أو جارتها ‪ ،‬واحداهن رشحت لي أختها ‪.‬‬ ‫كنت أحتاس إلى صبر أيوب ‪ ،‬خاصة والحديث يجري مع النساء ‪ ،‬فأنت تسطيع بسهولة أن تجع ل أي ة إم رأة تي دأ‬ ‫الكالم ‪ ،‬لكن من العسير جدا أن تجعلها تسكت ‪.‬‬ ‫اتركوني بسالم فأنا ر أريد منكم شيئا ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪151‬‬

‫منذ أن خرجت من السجن أحسست أن هناك هوة ر يمكن ردمه ا أو جس رها بين ي وب ين اآلخ رين ‪ ،‬حت ى أق رب‬ ‫الناس إلي ‪ ،‬اخوتي أو لينا‪ ،‬أحك عواطفي ومشاعري فال أشعر تجاههم بشيء ‪ ،‬الحيادية في المشاعر ‪ ،‬ر ش يء‬ ‫يشدني ‪ ،‬ر شيء يثير اهتمامي ‪.‬‬ ‫لكل انسان لغة تواصل خاصة به يستخدمها بإقامة العالقات المتفاوتة في القرب أو البعد عن الناس ‪ ،‬هذه اللغة ‪..‬‬ ‫لغتي الخاصة بالتواصل مع الناس ‪ ،‬مفقودة ‪ ..‬ميتة ‪ ،‬واألكثر من ذلك ليست لدي الرغبة بالمطل في إيج اد لغ ة‬ ‫تواصل جديدة ‪ ...‬أو احياء القديمة ‪.‬‬ ‫دائما أشعر أن لهم عالمهم ‪ ..‬ولي عالمي ‪ ،‬أو ليس لدي عالم أبدا ‪ ،‬لكن قطعا ر أنتمي لعالمهم ‪.‬‬ ‫أرتعب من فكرة ارضطرار إلى مخالطة الناس بحكم العمل أو أي شيء آخر ‪ ،‬أريد اربتعاد عنهم أكثر‬ ‫ما يمكن !! ‪ ..‬ارنزواء !‪.‬‬ ‫أريد أن أكون منسيا ومهمال منهم ‪.‬‬ ‫الزواس ؟ ‪ ....‬يا الهي ‪.‬‬ ‫أن تأتي إنسانة ما تشاركني فراشي وطعامي ومرحاضي وروائحي !!‪..‬‬ ‫إن مجرد التفكير بهذا المضوع يتعبني ويصيبني بالدوار ‪.‬‬ ‫اتركوني بسالم فأنا ر أريد منكم شيئا !‪.‬‬ ‫وفي لحظة غضب طلبت من لينا أن تبلغ الجميع هاتفيا انني ر أريد من أحد أن يكلمني في موضوع الزواس بع د‬ ‫اليوم أبدا ‪.‬‬ ‫كانت النتيجة أن قال لي خالي ‪:‬‬ ‫ أنت واحد بغل ‪.‬‬‫أما النساء اللواتي كن يسعين لتزويجي فقد اعتبرن الموضوع ماسا بكرامتهن وانطلقت السنتهن تنهشني ‪..‬‬ ‫ ر تعمل خير ‪ ،‬شر ما يجيك ‪..‬‬‫ على شو شايف حاله !! ‪ .‬يعني كل واحد يدخل شي يومين عـ السجن يصير يعنطز حاله هيك !‬‫ رضينا بالهم ‪ ،‬لكن الهم ما رضي فينا ‪..‬‬‫ يعني ختيار " مكحكح " واصلع ‪ ..‬مثل القرد ‪ ،‬يعني ألنه عن دو قرش ين م ا ع اد ح دا يعجب ه !‪ ..‬ص حيح‬‫مثل ما يقول المثل ‪ :‬يا آخذ القرد على ماله ‪ ،‬بيرو المال ويظل القرد على حاله ‪.‬‬ ‫كل هذ وأكثر ‪ ..‬ولكن رب ضارة نافعة ‪ ،‬فقد تحولت العالقات إلى ما يشبه القطيعة ‪.‬‬ ‫وأخيرا ‪ ..‬تركوني بسالم ‪.‬‬

‫‪ 02‬كانون األول‬ ‫اليوم عيد الميالد ‪ ،‬وهو يتواف مع العيد الثاني لميالد ابنة لينا ‪.‬‬ ‫حقا أنني قد عشت عمرا طويال !! ‪ ..‬وقد يكون أكثر من الالزم ‪ ،‬ر زلت أذكر حماسي الشديد عند ما كنا نحضر‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪152‬‬

‫لالحتفال بأعياد ميالد لينا نفسها ‪ ،‬األول ‪ ..‬الثاني ‪ ..‬الثالث ‪ ..‬وحتى الخامس ‪.‬‬ ‫اآلن أرقب " ومن مسافة " التحضيرات الحماسية ألجواء عيد الميالد ‪ ،‬ولالحتفال بعيد ميالد ابنة لينا ‪.‬‬ ‫************‬ ‫طوال الشهور الماضية حياتي محصورة بمجموعة من األفعال القليلة ‪ ،‬وعلى األغلب يشكل قسم منها الس بب أو‬ ‫العلة للقسم الثاني ‪:‬‬ ‫أنام ‪ ،‬آكل ‪ ،‬أشرب ‪ ...‬و‪ ...‬استيقظ ‪ ،‬أتغوط ‪ ،‬أتبول ‪..‬‬ ‫أتجول هائما على وجهي في الشوارع والطرقات والحدائ ‪ ،‬حولي الكثير م ن الن اس ‪ ،‬لكن ي ر ألح ظ الوج وه ‪،‬‬ ‫أحس الناس كتلة هالمية ‪ ،‬أو كتلة أثيرية ‪ ..‬جزءا من الهواء المح يط ب ي ‪ ،‬ر ألح ظ ش يئا أو وجه ا ‪ ...‬فارنس ان‬ ‫عادة ر يرى الهواء المحيط به ‪.‬‬ ‫اشتريت جهاز تلفزيون جديدا وضعته في غرفتي ‪ ،‬ر اشاهد إر األفالم األجنبية والمسلسالت ‪ ،‬ر أت ابع األخب ار‬ ‫مطلقا ‪ ،‬ر أفوت أية مباراة كرة قدم سواء كانت محلية أم أجنبية ‪.‬‬ ‫أنور زوس لين ا يعم ل مبرمج ا للكمبي وتر ‪ ،‬أغران ي بتعلم ه وه و ر ينف ك ي ردد عب ارة ‪ " :‬ف ي ه ذا ال زمن م ن ر‬ ‫يعرف الكمبيوتر يعتبر أميا " ‪ ،‬تعلمت واشتريت جهازا حديثا ذا نوعية جيدة ‪ ،‬لم استخدمه إر أللعاب الور‬ ‫" الشدة " وخاصة لعبة تسمى " العنكبوت " ‪.‬‬ ‫منقطع كليا عن كل ما يدور في هذا العالم ‪ ،‬حاولت لينا ع دة م رات أن تعي د ص لتي بالن اس ‪ ..‬ب المحيط ‪ ،‬أحيان ا‬ ‫كنت أحب أن أسايرها وأجاملها ‪ ،‬لكني رفضت بعناد تغيير أسلوب حياتي ‪.‬‬ ‫ف ي حض ور الن اس أح س بالوحش ة والغرب ة ‪ ،‬أش عر أن هن اك عبئ ا ثق يال ملق ى عل ى ك اهلي !‪ ..‬ور ي زول ه ذا‬ ‫ارحساس إر عندما أعود إلى غرفتي ‪ ،‬استلقي على س ريري وأح د بالس قف ‪ ،‬أبق ى س اعات ‪ ..‬س اعات طويل ة‬ ‫على هذه الشاكلة ‪ ..‬ودون أن أفكر بشيء !‪.‬‬ ‫أنور ولينا يتحركان اآلن بحماس شديد ‪ ،‬يزينان شجرة الميالد ‪ ،‬بحضران الشموع ‪ ..‬يرتبان المائدة ‪ ،‬هناك عدد‬ ‫من المدعويين ‪ ،‬أفكر كيف سأتملص من هذه الحفلة الصاخبة !‪ ..‬في داخلي حزن أسود ‪.‬‬ ‫لم أخبر أحدا بما حدث لنسيم !‪.‬‬ ‫************‬ ‫منذ عشرة أيا م رن الهاتف في البيت ‪ ،‬عادة ر أرد أنا على الهاتف ‪ ،‬ليس هن اك م ن يتص ل ب ي ‪ ،‬ظلل ت مس تلقيا‬ ‫على سريري ‪ ،‬نادت لينا ‪:‬‬ ‫ يا عمو ‪ ..‬التلفون الك !‪.‬‬‫ألول وهلة جفلت ‪ ،‬ذهبت إلى حيث التلفون ‪ ،‬لينا تمسك السماعة ‪ ،‬سألتها ‪:‬‬ ‫‪ -‬مين ؟ ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪153‬‬

‫ واحد اسمه الدكتور هشام ‪.‬‬‫أخذت السماعة وتكلمت ‪ ،‬ذكرني بنفسه ‪ ،‬تذكرته جيدا ‪ .‬أحد األطباء اللذين كانوا معي في السجن الص حراوي ‪،‬‬ ‫وهو من أوائل الذين اتخذوا موقفا جيدا مني ‪ ،‬كان من األصدقاء المقربين لنسيم ‪.‬‬ ‫فوجئت ‪ ،‬سألته من أين يتكلم ‪ ،‬أعلمني أنه ونسيم قد خرجا من السجن ‪ ،‬وأن نسيم أعطاه رقم اله اتف ه ذا طالب ا‬ ‫منه ارتصال بي ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ نسيم يحييك ‪ ..‬يرجو منك الحضور إلى هنا ‪.‬‬‫أجبت أنني سأكون عندهم غدا ‪ ،‬أعلمني بلباقة أنه ر يجب أن أذهب لعند نسيم في البيت ‪ ،‬رتبنا موعدا في عصر‬ ‫اليوم الثاني في مقهى بحري قريب من بيت أهل نسيم ‪.‬‬ ‫المقهى شبه فارغ ‪ ،‬اخترنا طاولة على الحافة تتكسر تحتها األمواس الصغيرة ‪ ،‬جلسنا نستر النظر إلى بعضنا ‪،‬‬ ‫شعرهما ر زال قصيرا ‪ ،‬مضى أكثر من نص ف س اعة عل ى لقائن ا ول م تلت نظرات ي بنظ رات نس يم !‪..‬لم اذا ر‬ ‫ينظر إلي مباشرة ؟ عندما التقينا حضنا بعضنا بعنف ‪ ،‬نحن الثالثة حضنا بعض نا وب دأنا نبك ي ‪ ،‬بكين ا أكث ر م ن‬ ‫خمس دقائ " ر أعرف سبب البكاء ‪،‬الفر باللقاء ‪ ..‬أم أن كال منا يبكي على نفسه ؟ " ‪.‬‬ ‫بعدها بدأت البسمات المتبادلة ‪ ،‬نسيم لم يبتسم أبدا ‪ ،‬زائغ النظرات ‪ ،‬ر يتكلم ‪.‬‬ ‫شربنا أنا ونسيم البيرة ‪ ،‬شرب هشام عصيرا ‪ ،‬هشام هو الذي يتكلم ‪ ،‬شر لنا مخططاته للمستقبل ‪ ،‬هدفه واح د‬ ‫وبسيط ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫‪ -‬أخرجوني من هذا البلد ‪ ..‬وأنا على استعداد للعمل "زبار" في أي مكان آخر على ظهر الكرة‬

‫األرضية‪.‬‬

‫" هشام طبيب جرا تجميل ‪ ،‬ويعتبر متميزا في اختصاصه !"‪.‬‬ ‫نسيم صامت يحد بنظره إلى نقطة في عم البحر ‪.‬‬ ‫سألت هشام كيف تم خروجهما من السجن ‪.‬‬ ‫فج أة ودون س اب ان ذار ‪ ،‬ف تح عناص ر الش رطة الب اب ل يال وأخ ذوا يق رؤون األس ماء ‪ ،‬خ رس جمي ع م ن تلي ت‬ ‫أسماؤهم ‪ ،‬عندما تفحصوا بعضهم تبين أنه يمك ن تص نيفهم ف ي ث الث فئ ات ‪ :‬المش لولون ‪ ،‬المص ابون ب أمراض‬ ‫عضال ويتوقع موتهم قريبا ‪ ،‬الرهائن ‪..‬‬ ‫فيما بعد انضم إليهم قسم من نزرء مهجع البراءة ‪ ،‬الذين غدوا ش بابا ف ي العش رينات م ن عم رهم بع د أن قض وا‬ ‫أكثر من عشر سنوات في السجن ‪ .‬نقلوا الجميع بالحافالت إلى العاصمة ‪.‬‬ ‫قبل ذلك كانت السلطة قد سربت أخبارا شتى عن ني ة ال رئيس باص دار عف و ع ام ع ن الس جناء ‪ ،‬ل م يص د أح د‬ ‫سواء داخل السجون أو في خارجها هذه ارشاعات ‪ ،‬لكنهم تعلقوا باألمل ‪.‬‬ ‫بضعة أيام في العاصمة ‪ ،‬أي ف ي س جون العاص مة ‪ ،‬ح اولوا تحس ين مظه ر الس جناء قل يال ‪ ،‬اش تروا له م ألبس ة‬ ‫جديدة ‪ ،‬أعطوا كل سجين مبلغ مئتي ليرة كمصروف جيب وثمن بطاقة السفر لكل واحد إلى بلدته أو مدينته ‪.‬‬ ‫في اليوم المقرر لخروجهم من السجن وضعوهم في حافالت أخذتهم إلى أكبر و أه م س احة ف ي المدين ة ‪ ،‬أوكل وا‬ ‫األمر إلى أحد كبار ضباط األمن الذي فهم األمر حرفيا ‪:‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪154‬‬

‫ تأخذهم إلى الساحة ‪ ،‬تضع الباصات حول الساحة ‪ ،‬تنزل الجميع إلى الس احة ‪ ،‬المطل وب مظ اهرة تأيي د‬‫للسيد الرئيس ‪.‬‬ ‫عند التنفيذ أشار عليه البعض أن هناك عشرات المشلولين وهورء ر يستطيعون السير في مظاهرة !‪.‬‬ ‫لكن الضابط أصر ‪ ،‬لقد قال له رؤساؤه كلمة ‪ :‬الجميع ‪.‬‬ ‫ف ي الوق ت المح دد رنطالق ة مس يرة تأيي د الس يد رئ يس الجمهوري ة ‪ ،‬ك ان ر ي زال م ا يق ارب األربعمئ ة س جين‬ ‫يح اولون إن زال م ا يق ارب المئت ي مش لول !‪ ..‬أنزل وهم ‪ ،‬أجلس وهم ف ي ص فوف نظامي ة عل ى ارس فلت ال دائري‬ ‫الع ريض ‪ ،‬وق ف أم امهم المص ابون ب األمراض العض ال ‪ ،‬مرض ى الس رطان ‪ ،‬مرض ى القل ب و الش رايين ‪،‬‬ ‫مرضى السل ‪ .....‬وكذلك الشيوا وكبار الس ن ‪ ،‬ف ي مقدم ة الجمي ع أف راد مهج ع الب راءة ‪ ،‬وه م األكث ر ش بابا و‬ ‫معهم البعض من تنظيم الرهائن ‪ ،‬أمام الجميع رفتة ضخمة مكتوبة باللون األحمر الدموي وبخط جميل ‪ ،‬معنونة‬ ‫‪:‬‬ ‫" مبايعة مكتوبة بالدم "‬ ‫يب ايع فيه ا المتظ اهرون الس يد رئ يس الجمهوري ة ويعاهدون ه أن يف دوه ب دمائهم وأرواحه م ‪ ،‬وأنه م كله م‬ ‫جنود لديه !‪.‬‬ ‫************‬ ‫األمواس ر زالت تتكسر تحتنا تماما ‪ ،‬يصل إلينا بعض الرذاذ أحيانا ‪ ،‬نسيم ساكت يدخن بشراهة ‪ ،‬الدكتور هشام‬ ‫يمسك بدفة الحديث ‪ ،‬بدأ يتحدث عن مخططاته للمستقبل ‪:‬‬ ‫ أهم شيء هو أن أخرس من هذا البلد اللعين ‪ ،‬يومان أو ثالثة وتكون أموري قد ترتبت ‪.‬‬‫لديه أا يعمل بحارا على إحدى السفن التجارية السويدية ‪ ،‬ه ذا األا ك ان موج ود ص دفة عن د خ روس هش ام م ن‬ ‫السجن ‪ ،‬ابلغه هشام برغبته الحارقة لمغادرة البلد فرتب له عمال على السفينة التي يعمل بها ‪ ،‬العمل هو مس اعد‬ ‫طباا السفينة ‪ ،‬مساعد الــ " شيف كوك " ‪.‬‬ ‫الدكتور هشام يكاد يطير فرحا بهذه الوظيفة ‪ ،‬هذه الفرصة للهرب ‪.‬‬ ‫نسيم ساكت ‪ ،‬أنا قل ‪.‬‬ ‫قل رغم أنني لم أحس بالفرحة المتوقعة لدى رؤيتي نسيم مرة أخرى ‪ ،‬أحسست أنه إنسان عادي ‪ ،‬ر بل إنس ان‬ ‫مريض ‪ ،‬واغتنمت فرصة انشغاله بالتحدي الدائم إلى نقطة محددة في البحر رس أل هش ام خفي ة وبارش ارة فيم ا‬ ‫إذا كان نسيم يتناول دواءه بانتظام ؟‬ ‫هشام قلب لي شفته السفلى دون اكتراث ‪ ،‬ر يعرف !‬ ‫أحسست أن مجيئي إلى هنا بال معنى ‪ ،‬ماذا أفعل هنا ؟‪ ..‬بدأ الملل ينتابني ‪ ،‬تخيلت نفس ي مس تقليا عل ى س ريري‬ ‫في البيت أدخن ‪ ،‬مجرد التخيل أراحني ‪ ،‬فأنا بالعام لم أعد أحب التفكير ‪ ،‬إن مج رد إش غال فك ري و ذهن ي ب أي‬ ‫قضية مهما كانت صغيرة تتعبني ‪ ،‬أحس عندها أن رأسي قد انتفك والصداع يطر الصدغين ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪155‬‬

‫قررت أن أعود إلى بيت ي ‪ ،‬ولك ن كي ف ل ي أن أنس حب ‪ ،‬لح د اآلن ‪ -‬ورغ م أن نس يم ق د بك ى كم ا بكي ت عن دما‬ ‫تعانقنا‪ -‬لم يتفوه بجملة واحدة مفيدة ‪ ،‬فكرت أن أشده للمشاركة بهذا الحديث ‪ ،‬قلت ‪:‬‬ ‫ ش و ي ا نس يم ‪ ..‬ه ذا ال دكتور هش ام يخط ط لله رب م ن ه ذا البل د ‪ ،‬م اذا تخط ط أن ت للمس تقبل ؟‪.‬‬‫صمت قليال ‪ ،‬التفت إلي ‪ ،‬ألول مرة تلتقي عينانا ‪ ،‬عيناه حمراوان ‪ ،‬بحدة وتشنج واضحين قال ‪:‬‬ ‫ بدي أشكل عصابة ‪ ..‬عصابة مجرمين ‪.‬‬‫ضحك هشام ‪ ،‬وبعفوية سأله مازحا ‪:‬‬ ‫ ليش العصابة ؟‪ ..‬بدك تسر البنوك ؟‪.‬‬‫ ر ‪ ..‬ما بدي أسر ‪ ،‬أنا ما بسر ‪ ....‬نسيم ما نه حرامي !‪ ..‬بس في واح د كمركج ي س ر من ي بيت ي‬‫واختي ‪ ..‬اغتصب بيت أهلي ‪ ،‬وكل يوم يغتصب أختي سميرة !‪ ..‬وهل يريد طردي من البيت !‪ ..‬را‬ ‫أقتل هذا الكمركجي ‪ ..‬وكل كمركجي بهــ البلد ‪ ....‬را أقتل كل الكالب المج رمين ‪ ....‬را اقت ل يلل ي‬ ‫عم يغتصبوا كل يوم أمي وأمك ‪ ....‬أختي و أختك ‪ ...‬بيتي وبيتك ‪.‬‬ ‫جمد هشام وسكت ‪.‬‬ ‫التفت نسيم بعدها إلى نقطته التي يحد فيها ‪ ..‬في عم البحر ‪ ،‬وران صمت عمي على جلستنا ‪.‬‬ ‫أرى من خالل سلوك نسيم ن ذر عاص فة قوي ة ‪ ،‬عاص فة هوج اء تن ذر بارنفج ار ‪ ،‬ويب دوا أن هش ام أيض ا أح س‬ ‫بالخطر ‪ ،‬تبادلت وإياه النظرات خفية ‪ ،‬عالئم الحيرة ‪ ..‬اررتباك علينا نحن ارثنين ‪.‬‬ ‫أحسست بتعب شديد ‪ ،‬بانتفاا في الرأس وصداع ‪ ،‬حزمت أمري وقررت ارنسحاب و السفر ‪ ،‬السفر إلى البي ت‬ ‫حيث السالم و الهدوء و الالتفكير ‪.‬‬ ‫المقهى البحري الذي نجلس فيه قريب من بيت أهل نسيم ‪ ،‬وفيما أنا غار في أفكاري احاول اغتنام أول فرصة‬ ‫مناسبة لكي أعتذر وأنسحب ‪ ،‬هب نسيم واقفا ‪ ،‬التفت إلينا وطلب منا أن ننتظ ره هن ا ‪ ،‬وأن ه ل ن يغي ب أكث ر م ن‬ ‫خمس دقائ ‪ ،‬فوجدتها فرصة مناسبة ألقول إننا كلنا يجب أن نذهب ‪ ،‬وأنه يتعين علي السفر بعد قليل ررتباطي‬ ‫باشياء هامة في العاصمة ‪.‬‬ ‫وقفت ووقف هشام ‪ ،‬سكت نسيم قليال ‪ ..‬نظر إلي بعم مصوبا نظرة من عينيه الحمراوين لم استطع تفسيرها ‪،‬‬ ‫بعدها طلب منا أن نمشي معه قليال صوب البيت ألن هناك شيئا يجب أن يعطيني إياه ‪ ،‬استفس رت من ه ع ن ه ذا‬ ‫الشيء ‪ ،‬قال إنه هدية منه لي ‪.‬‬ ‫دقيقة أو أكثر وصلنا أمام البناء المؤلف من ستة طوب و الذي خرجت منه ذليال مطرودا قبل بضعة أشهر ‪.‬‬ ‫وقف ت م ع هش ام عل ى الرص يف المقاب ل للبن اء ننتظ ر ع ودة نس يم ‪ ،‬قل ت لهش ام إن ه يج ب أن يت ابع وض ع نس يم‬ ‫الصحي ألنه – على ما أعتقد – على أبواب نوبة جديدة ‪ ،‬وأن عليه أن يتحادث مع أخت ه وص هره ويض عهم ف ي‬ ‫صورة الوضع الصحي ‪ ،‬لو هشام بيده وقال ‪:‬‬ ‫ صهر نسيم واحد ك ر !‪ ..‬الحك ي مع ه خس ارة ‪ ،‬بع دين ‪ ...‬ي وم أو ي ومين را ق ول له ذا ال وطن العزي ز‬‫باي ‪ ..‬باي ‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪156‬‬

‫لم يتم هشام كالمه ‪ ،‬سمعنا صرخة من س طح البناي ة ‪ ،‬رأين ا نس يم يل و بي ده وين ادي اس مي ‪ ...‬وب أعلى ص وته‬ ‫فهمنا منه ما معناه أنه سيقدم موته هدية لي !!! ‪.‬‬ ‫وقفز ‪.‬‬ ‫على الرصيف ‪ ..‬أمام مدخل البناية ‪ ،‬تحول نسيم إلى كتلة من الدماء و اللحم المهروس و العظام المحطمة ‪.‬‬ ‫أمام جمع كبير من المارة ‪ ،‬وأمام أعيننا ‪ ..‬قفز نسيم من سطح الطاب السادس ‪ ..‬إلى الرصيف أمام البناية ‪.‬‬ ‫و ‪ .....‬مات نسيم ‪.‬‬ ‫سحبني هشام من يدي ‪ ،‬سرنا ‪ ..‬لم أكن أفكر بشيء !‪ .‬لم أكن حزينا ‪ ...‬ر أحس بأي ة مش اعر ‪ ..‬س لبية كان ت أم‬ ‫إيجابية !! ‪.‬‬ ‫وضعني هشام في أول بولمان ذاهب إلى العاصمة ‪ ،‬أوصاني أر أخبر أحدا أننا كنا مع نس يم قي ل انتح اره ‪ ،‬ألن‬ ‫هذا س��عرضنا للتحقي والسؤال و الجواب ‪.‬‬ ‫وصلت البيت في الواحدة بعد منتصف الليل ‪ ،‬لم أخلع ثيابي كعادتي حين أدخل ‪ ،‬أحضرت لترعر من المط بك‬ ‫وجلست في غرفتي أشرب وأدخن ‪.‬‬ ‫استيقظت لينا ‪ ،‬وقفت بثياب النوم قبالتي تتفرس في وجهي ‪ ،‬قالت ‪:‬‬ ‫ شو القصة ‪ ..‬عمو ؟ ‪ ..‬وين كنت ؟ وليش هل عم تشرب عر ؟ ‪...‬‬‫لم تكمل لينا سيل أسئلتها ‪ ،‬حضر أنور زوجها ‪ ،‬استيقظ هو أيضا ‪ ...‬قال ‪:‬‬ ‫ يا سالم !‪ ..‬العم يشرب العر مثل العادة ‪ ،‬لكنه اليوم متأخر عن موعده هاتي كاس لــ نشاركه ‪.‬‬‫شرب معي كأسا من العر ‪ ،‬شربت لينا كأسا صغيرا ‪ ،‬استأذن أنور وذهب لينام ‪ ،‬بقيت لينا جالسة قبالتي تنظر‬ ‫إلي بقل ‪ ،‬صببت الكأس الثالثة عندما رحظت أن لينا تهم بالكالم ‪ ،‬رفعت يدي ‪ ..‬أسكتها وطلبت منها أن تذهب‬ ‫للنوم ‪ ،‬رفضت و أفهمتني أنها لن تذهب قبل أن تعرف ماذا أريد ‪ .. ،‬لماذا أدفن نفسي في الحي اة هك ذا ؟‪ ..‬لم اذا‬ ‫أشرب هذه الكميات الهائلة من العر و التبغ يوميا وكأنني أسعى لإلنتحار ؟ ‪ ...‬لماذا ‪ ....‬ولماذا ؟‪.‬‬ ‫أفرغت الكأس الثالثة دفعة واحدة ‪ ،‬بدأ العر يطفو في رأسي ‪ ،‬نظرت إلى لينا وتساءلت ‪ :‬ماذا تريد هذه الصبية‬ ‫الجميلة التي تدعوني بــ " عمو الحبيب " ؟ ‪ .‬أعرف أنها تحترمني وتحبني كثي را ‪ ..‬رغ م ه ذا ل م يك ن ل دي أي ة‬ ‫رغبة بالكالم !‪ ..‬سكت طويال بينما هي تنتظر كالمي ‪ ...‬ر أدري كيف بدات الكالم ‪ ،‬ور ماذا قلت ‪ ،‬لقد تكلمت‬ ‫كثيرا ‪ ...‬اسمعي يا لينا ‪ ،‬كنت أتمنى ل و كان ت أم ي عل ى قي د الحي اة لكن ت أرح ت نفس ي ف ي حض نها ووض عت‬ ‫رأسي على صدرها وبكيت ‪ ...‬بكيت فقط ‪ ،‬البكاء لدي حاجة ‪ ...‬وحاجة قوية ‪.‬‬ ‫اليوم يا لينا انتحر صديقي وتوأم روحي !!‪..‬أنتحر أمامي و اهداني موته "هل يمكن أن يكون الموت هدية ؟ " ‪.‬‬ ‫لم أبك ‪ ...‬لم أحزن ‪.‬‬ ‫يا لين ا ‪ :‬أن ا أؤم ن بق ول يق ول إن ارنس ان ر يم وت دفع ة واح دة ‪ ،‬كلم ا م ات ل ه قري ب أو ص دي أو واح د م ن‬ ‫معارفه ‪ ...‬فإن الجزء الذي كان يحتله ه ذا الص دي أو القري ب ‪ ...‬يم وت ف ي نف س ه ذا ارنس ان !‪ ..‬وم ع اري ام‬ ‫وتتابع سلسلة الموت ‪ ...‬تكثر األجزاء التي تموت داخلنا ‪ ...‬تكبر المساحة التي يحتلها الموت ‪...‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪157‬‬

‫و أنا يا لينا ‪ ...‬أحم ل مقب رة كبي رة داخل ي ‪ ،‬تف تح ه ذه القب ور أبوابه ا ل يال ‪ ...‬ينظ ر إل ي نزرؤه ا ‪ ..‬يح ادثونني‬ ‫ويعاتبونني ‪.‬‬ ‫أشرب العر يوميا يا لينا ‪ ...‬لكي أنام !‪.‬‬ ‫أمسكت لينا يدي وطفقت تبكي ‪ ،‬آخر م ا س معته منه ا ه و رجاؤه ا أن تح ل مح ل أم ي ‪ ،‬وأن أض ع رأس ي عل ى‬ ‫صدرها وأبكي !‪..‬‬ ‫وقفت على قدمي و أنا أكاد أفقد التوازن ‪ ،‬أمسكت يدها وسحبتها إلى غرفتها ‪ ،‬دفعتها إلى الداخل وأغلق ت الب اب‬ ‫‪.‬‬ ‫عدت إلى غرفتي واقفلت الباب بالمفتا ‪ ..‬ر أذكر متى نمت ! ‪.‬‬

‫‪ 2‬تموز‬ ‫ها قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن !‪.‬‬ ‫ينام ارنسان فال يعود يشعر بشيء مما يدور حوله ‪ ،‬تدخل حواسه جميعا في حالة سبات ‪.‬‬ ‫يستيقظ ارنسان فتسيقظ حواسه جميعا ويصبح مدركا لما حوله ‪.‬‬ ‫لك ن ب ين الن وم و اليقظ ة هن اك لحظ ة ‪ ،‬ثاني ة أو أق ل أو أكث ر ‪ ،‬ه ذه اللحظ ة ر ه ي ن وم ور ه ي يقظ ة ‪ ،‬لحظ ة‬ ‫التحول بين الحالتين أو ارنتقال من حالة إلى أخرى ‪.‬‬ ‫هذه اللحظة التي تمثل نصف وعي ‪ ..‬أو نصف احساس ‪ ..‬نصف إدراك ‪.‬‬ ‫ضمن هذه اللحظة ‪ ،‬ضمن المس افة الزمني ة الت ي تس تغرقها " لحظ ة " ‪ ..‬رزل ت أرى نفس ي " نص ف رؤي ة " ‪،‬‬ ‫أحس " نصف احساس " ‪ ..‬أنني في السجن الصحراوي !!‪.‬‬ ‫مضى عام كامل ورزلت أرى نفسي عند استيقاظي في السجن الصحراوي ‪.‬‬ ‫هل يمكن القول أنني خرجت من السجن قور وفعال ؟‪.‬‬ ‫ر أعتقد ذلك !‪.‬‬ ‫يوميا ‪ ..‬أمارس نفس األفعال اآللية و الضرورية رستمرار الحياة ‪ ،‬أكل وأشرب وأنام ‪ ..‬و‪..‬‬ ‫هل سأحمل سجني معي إلى القبر ؟‪.‬‬ ‫ف ي الس جن الص حراوي ‪ ..‬ش كل خ وفي الم زدوس ق وقعتي الت ي لب دت فيه ا محتمي ا الخط ر !‪ ...‬هن ا – ويس ميه‬ ‫السجناء عالم الحرية – خ وف م ن ن وع أخ ر ‪ ،‬وق رف ‪ ..‬ض جر ‪ ،‬اش مئزاز ‪ ،‬كله ا ش كلت قوقع ة اض افية أكث ر‬ ‫سماكة ومتانة وقتامة !! ‪ ...‬رن األمل بشيء أفضل كان موجودا في القوقعة األولى !‪.‬‬ ‫في القوقعة الثانية ر شيء غير ‪ ....‬الالشيء !‪.‬‬ ‫يشرب ارنسان الخمر ‪ ،‬الكأس األولى قد ر تفعل شيئا ‪ ،‬يستمر بالش رب إل ى أن يص ل إل ى حال ة الس كر ‪ ،‬وه ي‬ ‫الحالة التي ينفصم فيها عقل ارنسان ‪ ..‬للسكران عقالن ‪،‬عقل سكران ‪ :‬ليكن اسمه الالعقل ‪ ،‬لكنه ليس نفيا للعقل‬ ‫‪ ،‬ليس عدما ‪ ،‬هو نقيض العقل ‪ ،‬الالعقل شيء مادي موجود !‪ ...‬كوجود العقل ذاته ‪.‬‬ ‫الالعقل هو الذي يتحكم بأفعال السكران وحركته ويدفعه ررتكاب األخطاء ‪.‬‬ ‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪158‬‬

‫و العقل الثاني للسكران هو عقل صا ‪ ،‬واع ‪ ،‬لكن ليست لديه سلطة ف ي تل ك اللحظ ة عل ى ه ذا الش خص ‪ ،‬ه و‬ ‫يرى ويراقب ويسجل ‪ ...‬دون أن يستطيع التدخل ‪.‬‬ ‫منذ عام وأنا أعيش الحالة هذه !‪ ..‬أعرف ان انزوائي وانكفائي ‪ ...‬عزوفي وكرهي للتعامل مع الناس حالة غي ر‬ ‫صحية ‪ ،‬لكن ‪ ...‬ر الرغبة و ر اررادة موجودتان للتغيير ‪ ...‬بل على العكس ‪ ،‬أحس رعبا قاصما للظهر عندما‬ ‫يومض في ذهني خاطر أن أعود للعيش كبقية الناس !‪ " ...‬يا إلهي كم العيش مثلهم ‪ ،‬متعب وسخيف ! " ‪.‬‬ ‫************‬ ‫بعد وفاة نسيم بأكثر من شهر اتصل بي صهره " الكمركجي " هاتفي ا ‪ ،‬اعت ذر ‪ ...‬أخبرن ي بح ادث انتح ار نس يم‬ ‫"إنهم ر يعلمون أنني كنت حاضرا " ودعاني إلى حض ور األربع ين ‪ ،‬ر أعل م الحيثي ات الت ي دفع تهم ل دعوتي ‪،‬‬ ‫ذهبت في الموعد المحدد ‪ ،‬ذهبنا جميعا إلى المقبرة ‪ ،‬رأيت بعض الوج وه الت ي أعرفه ا م ن الس جن ‪ ،‬ع دت ف ي‬ ‫النهاية إلى أحد الفناد المطلة على البحر مقررا قضاء الليلة فيه ‪.‬‬ ‫مساء ذهبت إلى أحد المطاعم ‪ ،‬تناولت العشاء وشربت ‪ ،‬ش ربت كثي را ‪ ،‬بالك اد اس تطعت الوص ول إل ى غرفت ي‬ ‫بحدود الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ‪.‬‬ ‫استلقيت على السرير بكامل ثيابي ‪ ،‬احد خالل الظالم إلى نقطة ضوء آتية م ن الخ ارس ومطبوع ة عل ى س قف‬ ‫الغرفة ‪ ،‬و ‪ ...‬حضر نسيم !!‪...‬‬ ‫انتصب قبالتي عند طرف السرير ‪ ،‬لم يتكلم ‪ ،‬لم يتحرك ‪ ...‬فقط ينظر إلي نف س النظ رة الت ي رأيته ا ف ي أعم ا‬ ‫عينيه قبيل انتحاره بدقائ ‪ ،‬عندها فهمت النظرة ‪ ،‬عتاب قاتل ‪ ...‬وعبارة ‪:‬‬ ‫لم تركتني ‪ ....‬لم تركتني !‪.‬‬ ‫وكأني كنت اسمع المسيح لحظة موته يصرا ‪ ...‬بعتب ‪ ...‬احتجاس ‪ ....‬حيرة ‪ ....‬وبالكثير من الحب ‪:‬‬ ‫إيلي ‪ ..‬إيلي ‪ ...‬لم شبقتني ؟‪.‬‬ ‫انفجر الحزن داخلي كبركان حبيس ‪ ،‬اعتدلت ‪ ،‬ذهب نسيم وهو ر يزال ينظر نفس النظرة ‪.‬‬ ‫س يطرت عل ي فك رة واح دة إل ى ح د اله وس‪ ،‬أن أحم ل باق ة ورد وأذه ب إل ى المقب رة‪ ،‬أحتض ن حج ارة نس يم‬ ‫و أبكي ‪ ...‬أبكي حتى الثمالة ‪.‬‬ ‫الورد لنسيم ‪ ...‬و البكاء لي ‪.‬‬ ‫خرجت إلى الشارع أبحث عن محل للورود في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ؟‪ ...‬ر أحد في جمي ع الش وارع‬ ‫التي لبتها بحثا عن الورود!‪.‬‬ ‫ها قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن ‪.‬‬ ‫كانت لحظة بحثي عن الورود الفورة العاطفية الوحيدة التي أشعرتني أنن ي كبقي ة البش ر !‪ ...‬لكنه ا هم دت عن دما‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪159‬‬

‫ظللت أبحث عن الورد حتى الصبا ‪.‬‬ ‫ورأيت أنه من األنانية بمكان أن أذهب دون ورود‪ ...‬ألبكي فقط‪ .‬من األنانية أن ألب ي ح اجتي دون حاج ة نس يم‪.‬‬ ‫نسيم يريدني أنا فقط‪ ...‬وأمامي فقط‪ ...‬يريد أن يرد اعتباره‪ .‬وأنا أريد أن أبكي ألفرغ بعض السواد الممتل ئ ف ي‬ ‫القلب‪.‬‬ ‫وعاد السواد ليطمس كل شيء‪.‬‬ ‫************‬ ‫قضيت هناك داخل قوقعتي في السجن الصحراوي آرف اللي الي استحض ر وأس تحلب المئ ات م ن أح الم اليقظ ة‪،‬‬ ‫كنت أمني النفس أنه إذا قيض لي أن أخرس من جهنم هذه‪ ،‬سوف أعيش حياتي طور وعرضا وسأحق ك ل ه ذه‬ ‫األحالم التي راودتني هناك‪.‬‬ ‫اآلن‪ ...‬ها قد مضى عام كامل‪ ...‬ر رغبة لدي في عمل شيء مطلقا‪.‬‬ ‫أرى أن كل ما يحيط بي هو فقط‪ :‬الوضاعة و الخسة ‪ ....‬والغثاثة !!‪.‬‬ ‫وتزداد سماكة وقتامة قوقعتي الثانية التي أجلس فيها اآلن ‪ ...‬ر يتملكني أي فضول للتلصص على أي كان !‪.‬‬ ‫أح اول أن أغل‬

‫أص غر ثق ب فيه ا‪ ،‬ر أري د أن أنظ ر إل ى الخ ارس‪ ،‬أغل‬

‫ثقوبه ا رح ول نظ ري بالكام ل‬

‫إلى الداخل‪.‬‬ ‫إلي أنا‪ ..‬إلى ذاتي!‪..‬‬ ‫وأتلصص‪.‬‬

‫هدية العدد الثالث‬

‫صفحة ‪161‬‬


رواية القوقعة